المحظور من الكلام في تاريخ العرب والشام 5

 

مملكة ماوية الدمشقية  ... ؟ 
نتابع ما توفر لنا في هذه المادة التاريخية المغيبة تماماً في مناهج التدريس العربية والسورية بشكل خاص المعنية بالتنقيب والبحث عنها أكثر من غيرها ,, لكن النظام البوليسي السوري الذي ابتليت به سورية منذ أربعين عاماً ونيف غير معني بتأسيس مراكز أبحاث علمية على جميع الأصعدة ,, تهمه مراكز المباحث القمعية مراكز المخابرات والإرهاب لاعتقال الرأي الاّخر والكلمة الحرة وترسيخ كرسي الوراثة على أشلاء الشعب وبقايا وطن وحسب ,,,

-----------------
في عام ( 378 م ) خرج الإمبرطور البيزنطي – فالنز – على رأس جيشه لمحاربة القوط الذين غزوا إمبراطوريته من الشمال الغربي قرب مدينة ( هادريا نو بوليس ) أي ( أدرنة اليوم ).. لكنه لم يستطع مجابهة القوط الذين كانوا أكثر تدريبأً على الفروسية وحرب الحركة , وهزم أمامهم .. حاول الهرب والنجاة , لكنهم طاردوه وألقوا القبض عليه وأحرقوه مع كل من كان برفقته و هكذا وقع فالنز في قبضة وحشيتهم .. و بعدها خربوا تراقيا كلها حتى بلغوا أسوار القسطنطينية ....
بعد هذه الكارثة أصبحت أرملة الإمبراطور السيدة ( دومنيكا ) إمبراطورة مكانه , وتولت مهمة الدفاع عن القسطنطينية المحاصرة ..
لم تجد دومنيكا مفراً لإنقاذ عاصمتها وإمبراطوريتها من السقوظ من الإستنجاد بجيوش ( السرقينيين ) السوريين والعرب المسيحيين وزعيمتهم الملكة ماوية بدمشق ...فأنجدتها ماوية بوحدات النخبة المقاتلة , وأنقذت القسطنطينية من السقوط ..
قال المؤرخ اليوناني سقراط في تاريخه السابق الذكر مايلي : ( تبين أن العرب الذين وقعوا المعاهدة مع الإمبراطورية قد قاموا بتنفيذ الإلتزامات الملقاة على عاتقهم والتي تتمثل بحفظ السلام بين الطرفين , ومد يد العون العسكري للإمبراطورية مقابل عدم التدخل بالشؤون الداخلية لحياة السرقينيين – أي السوريين -- والعرب ..؟ )
لكن المؤرخ الروماني (
ammianus marcellinus ) يروي قصة الدفاع عن القسطنطينية بنص أكثر دقة وأمانة حيث يقول : 
( بعد هلاك الإمبراطور - فالنز – واصل القوط , والهون , واللان , تحركهم حتى هددوا القسطنطينية ... وعند ذلك تقدمت الكتيبة العربية التي أرسلتها ماوية – واشتبكت مع العدو في معركة طويلة ,, حسم أمرها ألذعر الذي أدخله أحد المقاتلين العرب في قلوب القوط , حين إندفع إلى وسط جيش القوط بخنجره وقطع ر قبة أحد القوط ولعق دمه .. الأمر الذي بعث الرعب والخوف في نفوس القوط .. فسارعوا لرفع الحصار والرحيل إلى المناطق الشمالية من جزيرة البلقان . ) *

وذكرت المستشرقة السوفياتية نينا فيكتورفنا – المصدر السابق ص 57 مايلي :
( بعد هذه المعركة التاريخية الحاسمة أمرت الإمبراطورة ( دومنيكا ) دفع الأرزاق للمحاربين العرب من ( الديموسون ) أي من خزانة الإمبراطورية ,, كما كانت تدفع للجنود الرومان النظاميين )..**. 
هذه الذكرى التاريخية تؤكد أن الإنسان وحده المؤمن بعدالة القضية التي يحارب من أجلها يقرر مصير الحروب , مهما إمتلك العدو من جيوش جرارة وأسلحة حديثة ... وأعادت لي شجاعة جنود ماوية ومبادراتهم التي حسمت المعركة ... ماجرى في معركة المزرعة في جبل العرب أثناء الثورة السورية في حزيران 1925 ..-- رغم كل السلبيات – ضد جيوش الإستعمار الفرنسي.. حين نزل أحد المقاتلين السوريين من صهوة جواده في برج إحدى الدبابات الفرنسية في ساحة المعركة وشل طاقمها بخنجره , الأمر الذي بعث الرعب بين الفرنسيين ونشر الفوضى في صفوفهم وسهّل عملية انقضاض الثوار بأسلحتهم المتواضعة على الجيش الفرنسي ودباباته بقيادة الجنرال ( ميشو ) الذي فر من أرض المعركة **
لقد كان تاريخ مملكة ماوية في دمشق وجنوب سورية واحداً من تاريخ ممالك وإمارات دويلات المسيحيين العرب والاّراميين وجميع فروعهم من السريان الكنعانيين والفينيقيين وغيرهم . وجزءاً لايتجزأ من تاريخ الحضارة الاّرامية وثقافتها التي أنتجتها بلاد الشام منذ الألف الثانية قبل الميلاد هذه الحضارة التي حملت الأبجدية والحضارة للبشرية لأول مرة في التاريخ وحملت معها نظام اللامركزية في الحكم حيث نجد في التاريخ ( اّرام دمشق واّرام حماة ,واّرام حمص , واّرام جبيل , واّرام صيدون واّرام صوبا ( مجدل عنجر ) واّرام أريحا وغيرها .. ولم نعثر في التاريخ القديم أن هذه الإمبراطورية غزت غيرها ... *** بل كانت عرضة لغزوات فراعنة مصر من الجنوب والحثيين من
الشمال والاّشوريين والبابليين من الشرق وغيرهم ,, وسجل جميع قادة وملوك الغزاة أسماءهم على صخرة نهر الكلب على الشاطئ اللبناني ورحلوا.إلى غير رجعة ... وبينهم أسماء كبيرة في التاريخ كالفرعون رعمسيس الثاني – والملك الحثى ( ..... ) والإمبراطور نبوخذ نصّر البابلي -- و شلمنصر الاّشوري وصولاً إلى سليم الأول التركي 1514م ثم الجنرال غورو عام 1920م ورحل الجميع وبقيت بلادنا تهزأ بالغزاة والطغاة الداخليين ولم يجرؤ حافظ الأسد الذي غزا لبنان عام 1976 وسيده شارون عام 1982 أن يضعا إسميهما على صخرة نهر الكلب >>> ؟؟؟

وبعد سقوط السلطة السياسية الاّرامية باّلاف السنين واصلت اللغة الاّرامية الحياة لأنها اللغة الأم الأبجدية في العالم القديم التي تفرعت وتطورت وفق لهجات مختلفة باختلاف المناطق ونمط الحياة المتطورة والأقوام المختلفة التي تقطنها ,, فالسريانية عمّت أكثر المناطق في بلادالشام ومابين النهرين وولدت من رحم الأرامية الأم ومثلها أيضاً الكنعانية -- والفينيقية ( وهي تسمية يونانية تعني اللون الأحمر – فينيقس باليونانية-) لأن سكان الساحل اللبناني والسوري كانوا يستخرجون الأرجوان الأحمر ويتاجرون به – وهم الذين بنو مدينة ( قرطاجة ) في تونس اليوم التي هزمت جيوش روما بقيادة هاني بعل الشهير ... .- والعبرية اللهجة الاّرامية الخاصة بالقبيلة اليهودية .. لكن التاريخ يحدثنا في عدة مصادر بأن اليهود في العهد القديم تخلوا عن كتابتهم بالعبرية واستعملوا اللغة الأرامية فيها لأنها لغة الحضارة والسياسة والديبلوماسية والتجارة .. حتى في عهد المسيح الذي تكلم وتلاميذه الاّرامية وكتبوا بها الأناجيل الأربع ( راجع تاريخ حضارة وادي الرافدين – لأحمد سوسة – تاريخ فلسطين – أولمستيد .. وموسوعة العرب قبل الإسلام للعلامة جواد علي ....وغيرها ) .
.... إلى جانب لغة الأنباط أو اللهجة النبطية المتطورة من الاّرامية والسريانية نحو العربية الحديثة دون تنقيط ومثلها اللغة التدمرية وصولاً إلى الخط – السطرنجيلي – السرياني دون تنقيط والذي سمي فيما بعد : ب " الخط الكوفي " الذي كتب به القراّن الأول دون تنقيط وبقي هكذا حتى أمر الحجاج بن يوسف الثقفي ...... , المعروف بتنقيطه في العراق بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان .. 
ولاتزال اّلاف الكلمات وأسماء المواقع الطبيعية والأدوات الرئيسية القديمة لحياة الإنسان اّرامية سريانية الأصل نستعملها يومياً دون أن نعلم أصلها وجذرها.( من كلمة مار .. مرحبا .. إلى – كسر الصفرة – إلى ّامين ) وقد سبق لي نشر دراسة حول أصل اللغة وتطورها على هذا المنبر –
أما الإخباريون العرب القدامى الذين أخذ المستحدثون عنهم دون مناقشة أو تحكيم عقلي ,, والذين كانت تهمهم الأنساب وإرضاء السلاطين والخلفاء . أكثر من وقائع التاريخ وصدق التدوين , تجاهلوا حياة الأمم والشعوب السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي كانت تقطن خارج مكة والمدينة قبل الإسلام باستثناء الأساطير المأخوذة من التوراة – ولم يجيبوا عندما سئلوا من أين جاءنا الخط العربي والأبجدية العربية ؟؟؟ زاعمين أن أبجد هوز ..الخ نزلت من السماء كالمعتاد – أسهل السبل للهروب من التحليل العلمي – لكن صاحبن الطبري – هرودوت العرب – فاخترع قصة طريفة لولادة الأبجدية الأّرامية السريانية . بما يلي : ( إن من وضعوا هذه الأبجدية هم أناس هلكوا في الجاهلية القديمة , منهم أبو جاد ( أبجد ) وحاطي ( حطي ) وهواز ( هوّز ) وكلمان ( كلمن ) ...إلخ وهم بشر من العرب البائدة .. ,إن كلمان خلّف أربع بنات إحداهن شاعرة , رثت أباها بقصيدة عند وفاته ) ؟؟؟؟ **** , وأطلقوا دفعة واحدة على كل ماسبق الإسلام زوراً إسم - الجاهلية - واكتفوا بنشر مقولة ( الإسلام يجبّ ماقبله ) بينما قال في الحديث بأسلوب إلتفافي ؟؟؟ ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ) وأعلن عند احتلاله مكة : ( من دخل بيت أبي سفيان فهو اّمن ) ليكسب زعماء قبيلته قريش .. 
لذلك تجاهل الإخباريون العرب مملكة ماوية كلها وحياة سكان بلاد الشام والرافدين من الأّراميين السريان والعرب من مختلف القبائل المسيحية واليونان والاّشوريين والكنعانيين والأنباط وغيرهم ولغتهم الرسمية السريانية ...
ومن الذين مروا بمملكة ماوية مروراً عابراً غير موثق وغير دقيق في اّن وأطلقوا عليها إسم ماوية ومرة أخرى إسم معاوية ..المؤرخ حمزة الأصفهاني في مؤلفه – الموجز في التاريخ – الذي زعم فيه أن الملكة ماوية هي أم إمرؤ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي , وأنها بنت عمرو الأزدي ...ألخ دون ذكر شيئ عن مملكتها وكفاحها ضد الإمبراطورية واستقلالها . 
وإذا علمنا أن أمرؤ القيس الذي زعم حمزة أنه إبنها توفي عام 328 م في جنوب سورية قرب بصرى .. بينما تعود أحداث مملكة ماوية لما بعد 373 م فكيف يكون إمرؤ القيس اللخمي – ملك العرب كلهم – كما كتب على رقيم ( تل النمارة ) في حوران المتوفي عام 328 م إبنها ... 
أما الطبري فيجعل ماوية هي أم – المنذر بن إمرئ القيس - أي أنها زوجة أمرؤ القيس لاأمه ...الخ ***
ولهذا تبقى الرواية العربية غير دقيقة وغير موثقة يكتنفها التناقض والنوازع الخاصة ..
...
والأمر الذي يمكن تثبيته باطمئنان , بأن إعتناق العرب والاّراميين وفروعهم للمسيحية على نطاق واسع وشامل من أثيوبيا إلى الجزيرة العربية التي كانت تسمى ( أنديكا) يومها -- وكان إسم العرب يطلق على سكان البادية فقط حتى صدر الإسلام – إلى السودان ومصر والشمال الأفريقي وشرقاً إلى بلاد الشام والرافدين تم بعد عام 330م وقد لعب الرهبان الذين عاشوا في البوادي والصحارى دوراً شاقاً في تنصير القبائل البدوية التي عاشوا بينها وكان يطلق عليهم : ( أساقفة الخيام ) .. كما كان للناسك الشهير – سمعان العامودي – في قلعة سمعان شمال حلب دوراً كبيراً في تنصير قبائل بلاد الشام وما بين النهرين وغيرها .. 
حيث وفدت إليه القبائل من كل صقع ليداوي أبناءها ويرشدها في زمن لاأثر فيه للطبابة والتعليم والتربية ..ويسجل لويس شيخو في تاريخه : بأنه عندما توفي سمعان العامودي عام 473م نقل جثمانه من حلب إلى إنطاكية في مأتم لم يشهد تاريخ الأباطرة مثله .. 
كما لعب العالم والمبشر المطران ( سرجيوس ) من قبيلة تغلب كبرى القبائل العربية التي قطنت منطقة الفرات في – الرصافة – قرب الرقة . وقد لعب دوراً بارزاً في توحيد المذاهب المسيحية المتصارعة على السلطة , وكانت له مكانة خاصة لدى تغلب وطي والغساسنة .. وتمدنا المادة التاريخية الرومانية والسريانية بأن زعيم إحدى القبائل العربية المسمى " زوكوم " قبل أن يتنصر إذا رزق ولداً ذكراً ,, وهذا ما حصل ,, حيث تنصر على يد سمعان العامودي *** 
كما ورد إسم : - فيلارخ زوكوم – في مادة الصدام بين الفرس والبيزنطيين عند قلعة ماردين ويرى – تيودور نولدكه – أنه يجب ربط الزعيم زوكوم بقبيلة ضجعم إحدى بطون سليح في بلاد الشام قبل سيطرة غسان عليها وإجلائها عنها ..****وذكر جواد علي في موسوعته أن الوثنية إنتهت من بلاد الشام والرافدين في أواخر القرن الخامس الميلادي .. وكلن اّخرها المعبد الوثني في منبج شمال حلب الذي انتهى مع بداية القرن السادس الميلادي ..
وكان لأنتشار المسيحية بين القبائل العربية الرحّل أو المستقرة في الأرياف أهمية كبيرة حققت نقلة نوعية في حياة البادية والريف رغم كل الصعوبات والصراعات القبلية .. ونتج عنها حواضر جديدة حول موارد المياه إمتزجت حكماً بالحضارة السريانية واليونانية السائدة اّنذاك وأنتجت الإعتزاز بالقيم الجديدة والإنتماء إليها وهذا مابرز في الشعر والأدب والحكمة البارزة في النذر اليسير الذي وصلنا منها في الأدب العربي ومعلقاته العشر على الكعبة , التي حللها عميد الأدب العربي نصف تحليل _ دون أن يمس اللغة التي كتبت بها المعلقات _ في كتابه الرائع ( في الشعر الجاهلي ) الذي أثار أو ( ثوّر ) أرباب اللحى والتكفير وأولياء الله على الأرض الذين لم يهدأ لهم بال مع التهديد بالقتل والحرق .. في القرن العشرين ؟؟؟ حتى حذفت نصوص الشك العلمى منه التي أثبت العميد بأسلوبه الرائع أن معظم الشعر الجاهلى منتحل على أيدي شعراء ومحترفين بعد الإسلام مع الأمثلة الدامغة ... وأرغم على تغيير عنوانه والقصة معروفة ... 
– ونحن نقول بكل ثقة : : إن معظم أصحاب المعلقات كانوا من المسيحيين العرب يكتبون بالسريانية – من أمية بن أبي الصلت النبي الذي ضاعت نبوته , إلى أمرؤ القيس و عنترة , وزهير بن أبي سلمى , والأحنف بن قيس , وعمرو بن كلثوم , المهلهل بن ربيعة , والحارث بن حلزة . وطرفة بن العبد. وعبيد بن الأبرص . وغيرهم .. **
ومن كل ماتقدم نرى أن الحضارة المحلية القديمة لشعوب المنطقة المحتلة كانت شبه مستقلة عن حضارة الإمبرطوريتين المحتلتين الفارسية والرومانية ومتمردة على الإحتلال ..قبل الإسلام الذي نشأ في أحضان المذاهب المسيحية المتصارعة على السلطة تحت شعاركاذب ( الخلاف حول طبيعة المسيح ) بين اليعاقبة والنساطرة والأّريوسية وغيرها التي فرخت عشرات المذاهب المتصارعة بعد مجمع ( خلقيدونية ).. ثم إنفصل ليشكل ديناً جديداً ونبياً جديداً .. وهذا يقتضي بحثاً مستقلاً سبقنا الدكتور كامل النجار إليه مشكوراً
.. ... وهناك قضية أخرى هامة لايمكن إغفالها وهي العلاقة بين مملكة ماوية ومسيحيي اليمن الحميريين الذين إنتصروا على الأحباش وطردوهم من بلادهم – رغم وحدة الدين بينهم – بقيادة ( ملكي كرب يهمن ( يوحنا ) عام 370 م وهو والد أبو أسعد كرب وإبنه حسان الذي إتجه على رأس جيشه لتوحيد اليمن مع بلاد الشام وهو ( مضمون رقيم – مأسل – ورقيم عمران – في الحجاز - جواد على المصدر السابق ) في نفس مرحلة مملكة ماوية ... التي فتحت الطريق لصعود مملكة الغساسنة للسلطة في بلاد الشام بعد قرن ونيف على أشلاء سلطة مملكة كندة بقيادة أمرؤ القيس الاّنف الذكر . الملقب ب ملك العرب كلهم .. التي حاربت بيزنطة وانتصرت عليها بقيادته في القرن الخامس الميلادي ... لعل علم الأثار والتنقيب يحمل لنا في السنوات القادمة حل الكثير من حياة أجدادنا ..

ثورة إنطاكية الثانية : 
===========
لم يتوقف نضال سكان بلاد الشام والرافدين السريان والعرب وغيرهم ضد دولتي الإحتلال ( روما وفارس ) رغم طمس الكثير من معالمه في كتب اليونان والرومان ومثلهم في كتب الإخباريين العرب.. 
لكن سبر الكثير من الكتب والمخطوطات والرقم يحمل بين الحين والاّخر نذراً من هذه النضالات وأبرزها ثورة إنطاكية ..التي بقيت مطموسة وغائبة باستثناء جمل عابرة عنها لولا نشر رسالة مجمع القسطنطينية المرسلة إلى داماسوس الروماني التي يعود الفضل لنشرها للبطريرك يعقوب الثالث 1980 كما سيأتي والتي جاء فيها : 
( في 26 شباط عام 387 /م دهم إنطاكية ( عاصمة سورية ) حينذاك حادث مؤلم . ففي صباح هذا اليوم نادى مناد قائلاً : إن القيصر عزم على فرض ضرائب جديدة لتسليح وتقوية الجيش ويقع القسط الأوفر منها على مدينة إنطاكية , نظراً لموقعها وموارد رزقها , فغا ظ ذلك أهل إنطاكية وهاجوا وماجوا , وقاموا بمظاهرة صاخبة , وفي سورة الغضب رموا تماثيل القيصر والقيصرة المتوفاة وولديهما , وجروها إلى ساحة المدينة ممتهنين إياها .. فلما بلغ ذلك مسمع الإمبراطور ثار ثائره , وفكر في تدمير إنطاكية حالاً .. لكنه تراجع أخيراً عن رأيه وأوفد معتمدين للبحث عن الجناة فقط ومعاقبتهم – نص حرفي ) ****
ولم يتوقف نضال أهلنا ضد الإحتلال والإستبداد في جميع العهود أيا كان لون الإحتلال ومعتقده وذرائعه وأكاذيبه وأيا كانت راية الطاغية المستبد الداخلي ومعتقده ومزاعمه .. وكانوا دوماً في قلب معركة الحرية يرفضون التهميش والعنصرية ويفرضون وجودهم بشرف وصدق ... 
وأخيراً أسجل ماجاءفي المصدر الأخير الذي عثر عليه حول مملكة ماوية وهو مجلد بعنوان : ( أصدق ماكان في تاريخ لبنان – تأليف : فيليب دي طرّازي ) :
( جلست معاويا أو ماوية النصرانية على تخت الدولة الغسانية فكتبت إلى القيصر فالنز أن يأذن في سيامة موسى أحد الرهبان العرب على الغسانيين وشرطت على القيصر أن لاتتم السيامة إلا على يد أساقفة أرثوذوكسيين .. فلم ير القيصر إلا الإجابة إلى طلب الملكة معاويا فنقلوا أسقفية العرب وانطلق إلى غسان وتنصر على يده ويد الملكة جماهير غفيرة - م 2 ص 21 ) 
وهذا النص مخالف للواقع والتاريخ لأن مملكة ماوية قبل الدولة الغسانية ولاعلاقة لها بمملكة الغساسنة .. كما طمس حروبها ضد الإمبراطورية واستقلالها عنها .. وبهذ ا أضيف مؤلف السيد الطرّازي الضخم 
لمؤلفات الإخباريين العرب التي تفتقر للدقة والتحليل والأدلة الموثوقة ...
وأخيراً : 
أمام هذه اللوحات المشرقة لأجدادنا المناضلين الصامدين نساءً ورجالاً ,, الراسخين في أرض الوطن كالسنديان الهازئين بكل قيصر وطاغية مر على أرضهم ولم يركعوا أمام كل العواصف .. 
...............

هل يحق لأحفادهم وحفيداتهم التنكر لهذا التاريخ المجيد والإستسلام أمام الطغاة الجدد والغاصبين الجدد المتربعين على أشلاء الجمهورية السورية التي انتزعها شعبنا من بين أنياب المستعمرين وأحلافهم ..بتضحياته ودماء شهدائه .. لتحولها المافيا العنصرية إلى ملكية وراثية تحمي حدود إسرائيل الشمالية منذ أربعين عاماً ,, وشعبنا يموت جوعاً وتشرداً أوتحت التعذيب في السجون النازية . تحت كابوس فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية والقوانين والمحاكم الفاشية منذ نصف قرن ..
وإلى متى يسبّح رجال الدين المسيحي في كنائسهم بحمد طاغية دمشق ويصلي بعضهم – ولاأقول كلهم --- لجلاد شعبهم أكثر من صلاتهم للسيد المسيح ,, ويلقون الخطب التي توزعها عليهم المخابرات // كما توزعها على الجوامع وترغم إخوانكم رجال الدين المسلمين على تلاوتها كل جمعة ,,, ومتى كانت الخطب السياسية تلقى في الكنائس لإرهاب الناس وتخويفهم إذا سقط الطاغية ودعوتهم للتمسك بذيوله ؟؟؟ 
.........
وأخيراً أدعوكم للتعلم من التاريخ القريب وليس البعيد ....
– البطريرك غريغوريوس حداد ( بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق ) الشاعر والأديب الكبير رفض استقبال المفوض السامي الفرنسي الجنرال " سراي "عام 1925,, وحقق الوحدة الوطنية مع المفتي الشيخ بدر الدين الحسيني لتفشيل الفتنة الطائفية التي نظمها المستعمرون الفرنسيون وعملاؤهم - ودعم الثورة السورية الملتهبة .. وفتح جميع الكنائس لإيواء العائلات الهاربة من القصف المدفعي والجوي للجيش الفرنسي على قرى الغوطة وأحياء دمشق الشعبية ..
– وإليكم مثالاً اّخر أقرب : رفض البطريرك ألكسندروس طحان طلب الديكتاتور أديب الشيشكلي عام 1953 – يوم كنا في سجن تدمر -- لزيارته مرتين لأنه اغتصب السلطة من الشعب , وكان يعتقل و يجلد أحرار البلاد , ويصادر الحريات العامة ... فما رأيكم أيها المطبلون المزمرون لطاغية دمشق ,, نحن لانطالبكم إلا باحترام أنفسكم ...و صون رسالتكم ؟؟؟ - 

المصادر المضافة للسابقة :
- أصدق ماكان من تاريخ لبنان – فيليب دي طرازي 
- تاريخ الكنيسة السريانية الإنطاكية – للبطريرك يعقوب الثالث – الطبعة الثانية – هولندا عام 1989 ص 260 / 261 
- حمزة الأصفهاني – المصدر السابق ج1 ص 140 
- تيودور نولدكه – المصدر السابق – أمراء غسان – ص 121 
- الحضارات – لبيب عبد الستار – دار المشرق – بيروت – ص 118
- مجلد الثورة السورية الكبرى – دمشق – موقعة المزرعة –
- د. أنيس فريحة – نظريات في اللغة – ( رأي الطبري في أبجد هوز ) ص 89 - 90
- لويس شيخو – شعراء النصرانية ج1 ص 102 وما بعدها
- الطبري – ج 1 ص 105 – ج2 ص 83 
- جواد علي – المصدر السابق –ج 6 ص 592 
- نينا فيكتورفنا – المصدر السابق ص 57 
-
Ammianus marcellinus- rerum gestarum < libre 31-13 < 12 – 17 p 250