المحظور من الكلام في تاريخ العرب والشام 9

 

أدرك محمد وخديجة وعمها " ورقة بن نوفل " مطران مكة – النسطوري بتحفظ – المنشق عن الكنيسة الشرقية اليعقوبية – أدركوا منذ الخطوة الأولى نحو صنع نبوة جديدة في مكة والحجاز والجزيرة كلها التي كانت تسمي يومها ( أنديكا ) .أستحالة نجاح مشروعهم إذا لم يجتاز – الأنديكا- إلى الشام وميزوبوتاميا – العراق – بالدرجة الأولى ...؟... 
باستثناء اليمن التي كانت معظم قبائلها ومدنها تدين بالمسيحية منذالقرن الرابع الميلادي وعهد القائد الحميري ( أبو أسعد كرب وإبنه يوحنا ) الذي حرر بلاد الشام والعراق من الإحتلال الروماني وقضى على دولة الفرس – وحسب مبالغات تاريخ الطبري وصلت جيوشه إلى الهند والصين – لكن لايوجد مايؤيد ذلك – باستثناء الكتابة الحميرية المكتشفة في وادي مأسل في الحجاز التي تؤكد احتلاله مع إبنه – يوهنايم – يوحنا- لبلاد الشام والعراق وهزيمة الإمبراطوريتين أمام جيوشه – راجع موسوعة العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي -...
دون أن ننسى نجران حاضرة مسيحية يمن الشمال وكعبتها التي بناها القسيس " قس بن ساعدة الأيادي ,, خطيب العرب الأول الذي عاصر ورقة بن نوفل وترحم عليه محمد وقال فيه ماقال في الحلقات السابقة _ تم ذلك بعد ( هولوكست نجران ضد مسيحيي نجران ) الذين كانوا بقيادة الحارث بن كعب الحميري وأحرقوا في كنائسهم وفي الأخدود الكبير الذي حفره الغازي الفارسي وصنيعته اليهودي العنصري يوسف أسار الملقب ب ( ذو نواس ) حول مدينتهم ... بعد خداعهم وإعطائهم الأمان ليفتحوا له مدينتهم ,غدر بهم وأحرق معظمهم - نساء ورجالاً وأطفالا- في أكبر جريمة إبادة جماعية في التاريخ القديم في حوالي منتصف القرن السادس ( 550م ),وقد ذكرت الجريمة في اّية الأخدود في القرأن بشكل إنشائي سطحي -- وبقيت تفاصيلها مطموسة .. حتى صدور بعض الكتابات السريانية قديماً , وصدور كتاب حول الموضوع مؤخراً ,,صدر حديثا بالإنكليزية عن مصادر سريانية بعنوان ( قديسات وملكات من المشرق السرياني وجزيرة العرب – تأليف – Susan harvi // seben perk //golen bawarsk// ...
ودون أن ننسى أيضاً ( كعبة القليس – في صنعاء ) التي حولها الجهل والعنصرية إلى ( مكب للقمامة ) حتى أمد قريب ..-وكان العرب والسريان قديماً يطلقون على كل بناء مربع إسم الكعبة .. — راجع الأبحاث السابقة ...
أدركوا في هذا المناخ كله واللوحة السريرية للمنطقة بعد معرفتهم الجيدة للشام والعراق , وبجانبهم الراهب المنشق الاّخر عن الكنيسة الرسمية حح راهب بصرى – بطرس – الملقبب - بحيرا - الذي أقام في كعبة مكة لاجئاً وفق عدة أبحاث سابقة - أدركوا أن صنع هذه النبوة مستحيل مستحيل إذا اقتصر على مكة وماحولها وسيموت في المهد ,, وإذا لم يستطيعوا غزو بلاد الشام والعراق واحتلالهما ونهب خيراتهما بواسطة قبائل بدوية يسيل لعاب كل فرد فيها عند سماعه برحلة إلى الشام أو العراق ... فكيف إذا أصبحت هذه البلاد غنيمة بين أيديهم .. كما هو حال الشعوب الفقيرة المستعبدة والمتخلفة في بلدان العالم الثالث اليوم ...التي تجازف بحياتها في البحر والجو والبر وهي تحلم بالهجرة والحياة في المدن الأوربية ولو بقيت في معسكرات اللاجئين فكيف بها إذا نالت جنسية هذه البلدان وحقوق المواطنة فيها وهم محرومون منها في بلدانهم الأصلية .الرازحة تحت نير أنظمة الإستبداد والتخلف ..؟؟؟
من هنا بدأت فبركة الأسطورة وفبركة عشرات الأحاديث – المسندة- تأييداً لها ,, القائلة بأن قصور الشام والعراق إهتزت وأضاءت عندما ولد محمد -- لمَ لا فمن سبقه فتحت له السماء وغنى له الله وملائكته بنفسه عندما ولد... أوشق له البحر ليعبر بسلام ...إلخ 
وأصبحت الشام كنانة النبي الجديد والقدس مسراه الفضائي قبل اختراع سفن الفضاء أو حتى الطائرة بأربعة عشر قرناً ؟؟؟؟.. 
n وقبل التحرك نحو الشمال مع جيوش الغزو لابد من متابعة اللوحة السريرية في مكة واليمن وخصوصاً – سد مأرب وانهياره لاَّخر مرة عام 57م – ورأي الماركسية في هذه المرحلة بالذات .. 
ثم ننتقل إلى وضع الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية عشية الغزومن الجنوب ,, 
نعود إلى المجتمع المكي مرة أخرى
رأينا في المقال السابق رقم 9 جوانب أساسية في حياة المجتمع القبلي في واد غير ذي زرع يدعى – بكا – أو مكّة – ونسب محمد وجده عبد المطلب وأبنائه الذين رفضوا التصديق على نبوة محمد باستثناء العباس الذي قتل في أحد . وأكلت كبده هند زوجة أبو سفيان زعيم قريش ووالدة معاوية بعد أن شقت صدره ,,, وبعد احتلال مكة من قبل جيش المدينة وإعلان محمد : من دخل بيت أبي سفيان فهو اّمن ,, إلتقى محمد بهند نفسها فقال لها : أهند اّكلة الكبود – فأجابته : أنبي وحقود ؟؟ فلم يجرؤ على إيذائها بعد لجو ء أهل مكة لمنزلها ..- راجع – سيرة إبن هشام – وفتوح مكة لمحمد الأزرقي
في هذا الوادي عانى عامة الناس بؤساء لايجدون ما ييبقيهم على قيد الحياة ,,باستثناء الملأ المكي – مالكي العبيد والجواري أوطبقة التجار المحدودة العدد والموارد من رحلتي الصيف والشتاء ,, أو من التجارة بالجواري والرقيق وصاحبات الرايات في مكة كعبدالله بن جدعان أحد زعماء قريش الذي كان يتكرم على الفقراء مرة في الشهر يطبخ لهم في جفنته الشهيرة في الأحاديث النبوية = ليطعم منها الفقراء وجبة في الشهر يسمونه كرماً ؟... وإلى جانب قريش كانت قبائل مضر , وخزاعة وقريش البطون الذين كانوا يمثلون التجار ,وقريش الظواهر سكنوا خارج مكة ,وبقايا العمالقة وجرهم الذين كانوا من أقدم سكان مكة , والأحابيش يمثلون العبيد .إلى جانب الموالي والصعاليك المتمردين على نظام القبيلة --. وكان عبد المطلب جد محمد من قريش البطون وسيد قريش حتى الغزو الحبشي للمدينة عام 570 م الذي لم يلاق أية مقاومة من قريش وتجارها وزعيمها على غير عادة القبائل الأخرى ؟؟ وعندما سئل عبد المطلب : لماذا لم تدافع قريش عن مكة في مواجهة الأحباش قال : للبيت رب يحميه ؟؟؟ ثم أصيب جيش أبرهة الحبشي بوباء " الجدري " كما هوثابت علمياً وأكده جواد علي في موسوعته واضطر للإنسحاب من مكة , واخترعت فيما بعد أسطورة ( الطير الأبابيل والحجارة من سجيل – سورة هود 82 – والحجر اّية 75 ) التي أ مطرها الله من السماء لضرب جيش أبرهة وإغلاق موضوع تخاذل قريش في الدفاع عن مكة ,, وليس غريباً في التاريخ أن يطلق عليها من بين جميع القبائل : قريش التجار – لأنها لم تكن قبيلة مقاتلة .. لكنها استولت على النبوة أو اخترعتها واستأثرت بالقيادة والسلطة وفعلت ما فعلت ..؟؟ 
وكانت الندوة في مكة التي يرأسها سيد قريش تشبه المجلس البلدي في هذه الأيام .. أو مجلس الشيوخ في أثينا ( the eklissyas ) المصغرة أو البدائية أو ما يشبهها- عن البلاذري فتوح البلدان ص 53 – ومحمد الأزرقي فتوح مكة ج1 ص 62 وما بعدها ...ومن المتفق عليه تاريخياً أوا من كسا الكعبة بالأنطاع الثمينة ;ثم كساها الوصايل ..ثياب حبرة من عصب اليمن , هو التبع اليمني الحميري المسيحي السابق ذكره أبو أسعد كرب الذي حرر الشام والعراق كمارأينا في حلقة سابقة ( والأنطاع والوصايل ثياب حبرة كما وردت حرفياً في – أخبار مكة لمحمد الأزرقي ج1 ص 166 – تعني ستائر من قطيفة وحرير أسود اللون مقصب الأطراف كستائر أبواب هياكل الكنائس وستائر -- المذابح – داخلها – اليوم التي يتبرع الناس بها للكنيسة ..
ولم يكن أكثر بؤساً وشظفاً من حياة سكان هذا الوادي والقبائل المحيطة حوله وحول المدينة التي وعدها محمد بالجنة وغزو بلاد الشام والعراق ومصر والحصول على خمس الغنائم أينما حلوا من المال المنقول وغير المنقول المستباح لهم يضاف له ما استطاعوا أسره من النساء والشباب ليصبحوا عبيداً وجواري في ملكهم الخاص يفعلون بهم ما يشاءوا ... على الأرض ,,وحواري الجنة والغلمان المرد إذا ماتوا 
..وللقراء الكرام بعض ماقاله البحاثة العرب عن هذا الموضوع إضافة لما جاء في موسوعة العلاّمة العراقي جواد علي – العرب قبل الإسلام – أورد المؤرخ الصادق – الأستاذ محمد كرد علي نقلاً عن إبن خلدون في كتابه الإسلام والحضارة العربية ص 135 مايلي :/ ( قال إبن خلدون عن العرب : ولم تكن أمة من الأمم أسغب عيشاً,منهم ,, يأكلون العقارب والخنافس ويفخرون بأكل -- العلهز –وهو وبر الإبل يموهونه بالحجارة في الدم ويطبخونه , وقريباً من هذاكانت حال قريش في مطاعمهم ومساكنهم ) وقال إبن خلدون في مقدمته : إن العرب أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعد مجالاً في الفقروهم أهل إنتهاب وعبث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب مخاطر , وزيفرون إلى منتجعهم في القفر ,,) وأورد الدكتور جواد علي في موسوعته -- العرب قبل الإسلام -- وصفا ً دقيقاً لبؤس حياة العرب عموماً وفقراء مكة الغالبية العظمى من سكانها سواء كانوا من الأحرار أم من العبيد الأرقاء والجواري , والموالي الذين لايجدون ما يقتاتون به ,, وكانوا لايعرفون خبز القمح ,, كانوا يجمعون عظام الحيوانات ليضعوها بالماء على النار علهم يحصلو على – أدم – يأكلونه يسمونها أكلة " الودك " التي لاتختلف عن " العلهز الاّنفة الدكر ... عدا وأدهم للبنات من الفقر بالدرجة الأولى ...
وقال الجاحظ : ( لم يكن العرب تجاراً ولا صناعاً ولا أطباءولا حساباً ولا أصحاب زرع , ولا أصحاب فلاحة , ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب , ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ,ورؤوس المكاييل ..ألخ).. وعن الطبري قال : ( ومع غلبة الأمية على العرب , فإن علومهم كانت إبتدائية , وكانوا يأكلون الخنافس والعقارب والحيات....) 
وبقي النطام القبلي سائداً حتى بعد غزو بلاد الشام والعراق ومصر وغيرها لذلك صعب اندماج القبائل المسلحة الغازية مع الشعوب الأصلية فيها رغم اختلاط أنسابها واختلاطها بغير العرب , لهذا يرى إبن خلدون انها لم تنصهر لتكون شعباً واحداً كالشعب الروماني أو الفارسي – المقدمة الجزء الثاني ص 426 -- 
وكان بيت الشعر التالي يحدد سلطة رئيس القبيلة وامتيازاته الطبقية وسلطته للشاعر --- عبدالله بن عتمة الضبي
لك المرباع منا والصفايا .... وحكمك والنشيطة والفضول 
وشرحه كما يلي : المرباع = ربع الغنائم ... الصفايا ما يصطفيه زعيم القبيلة من الغنائم بما فيها الجواري والرقيق قبل قسمتها -... والحكم = إمارة الجند ...- والنشيطة = ما أصيب من المال قبل اللقاء -... والفضول = ما لايقبل القسمة من الغنيمة --- عن الكامل في التاريخ ,, لإبن كثير ج1 ص 375 حاشية رقم 1
وكانت الأكثرية المعدمة في مكة والمدينة --- وفي الحجاز والطائف الأفضل نسبياً كانت أداة جاهزة لأيةدعوة للغزو بوجود نبوة أو بدونها --- فكيف بنا أمام إنضمام اليمن المسيحي لقوافل الفقراء خلال القرن السادس الميلادي ,, فاليمن الذي اشتهر باليُمنَ والخيرات وأطلق عليه – اليمن السعيد – أضحى اليمن التعيس والمنكوب – بعد خراب سد مأرب أولاً .. وبعد الغزو الحبشي المدعوم من روما وصراعه مع الغزو الفارسي – اليهودي في السيطرة على أرض اليمن ونهب خيراتها ..وما أنتجه من مجازر جماعية – مثلاً محرقة نجران – التي أطلق عليها القراّن في اّية الأخدود – كما ذكرنا سابقاً وكذلك خراب سد مأرب مرتين كما سنرى ونكبة الزراعة اليمنية وثورات أهل اليمن على الإحتلال وطرده ,,, وتوقفت رحلة الشتاء التجارية التي كان يقوم بتنظيم قوافلها تجار قريش إلى اليمن ,, حتى أضحى الجنوب موحداً بالبؤس والموت جوعاً في مطلع القرن السابع الميلادي أمام الشمال الغني والمتقدم حضارياً وتقنياً __ كما هو الحال في هذه الأيام بين الجنوب المستعبد المعدم ,,,والشمال الإستعماري الغني -- التاريخ يعيد نفسه كما يقول المعلم ماركس مرة بشكل مأساة وأخرى بشكل ملهاة .
...هذا ماحدث في الربع الأول من القرن السابع الميلادي متزامنا ً مع صنع نبوة محمد من جهة , ومع شبه انهيار للإمراطوريتين المتصارعتين في الشرق الأوسط بيزنطة وريثة روما وفارس ,,,بعد حرب سجال بينهما دامت عشرين عاماً ... وفرح محمد وورقة إبن نوفل والسيدة خديجة لإنتصار الروم برز ذلك في اّية الروم المكية (( غلبت الروم في أدنى الأرض.....الخ )) وقبل ذلك بعد انتصار سكان جنوب العراق الذين كان يطلق عليهم إسم : ( العباد ) وهم سريان العراق - ومعهم المناذرة وبني شيبان وبكر وائل وبني عجل وإياد وغيرهم من القبائل المسيحية في العراق على الجيش الفارسي في موقعة ( ذي قار الشهيرة ) بعد قتل كسرى للنعمان بن المنذر ملك الحيرة غدراً عام 610 م تقريبا : والتي قال عنها محمد قبل – نبوته - : هذا أول يوم إنتصف فيه العرب من الفرس ...— وكان لتطور المجتمع اليمني وثوراته ضد الإحتلالين وانهياره الإقتصادي الدور الرئيسي في انتصار جيوش الغزو الجنوبي للشمال بعد مشاركة قوات اليمن المنظمة في غزو الشمال بقيادة خلفاء محمد بعد وفاته .. وتوفي دون أن يحقق هذا الحلم الذي هزم في - مؤتة – القريبة من " تبوك " في جنوب الأردن اليوم أمام الحامية الرومانية الصغيرة في حياته ..... ومن هنا يأتي رأي أنجلز نابعاً من الواقع في رسالته إلى ماركس التي قال فيها حول هذا الموضوع : ( من البديهي أن إجلاء الأحباش عن اليمن الذي تم قبل أربعين سنة من محمد , كان الفصل الأول في يقظة الوعي القومي العربي التي استنفرتها غزوات الفرس من الشمال وما تلاها من مجازر ... حتى كا دت تصل مكة ) لذلك لنا عودة لليمن سريعة على مشارف تجميع أبي بكر للقبائل في مكة وطليعتها قبائل اليمن لبدء غزو الشمال وليس لبدء – رحلة إلى الشمال