المحظور من الكلام في تاريخ العرب والشام 12

 

 

بعد مرورنا على انهيار أسس الإقتصاد اليمني المبني على التجارة والزراعة والحرفة المتطورة التي أطلق عليها الإخباريون الأوائل ( مصانع حمير ) بعد الإحتلالين : الحبشي والفارسي – اليهودي – وما نجم عنهما من خراب ومذابح وإبادة جماعية كما رأينا في هولوكست نجران , وظفر وغيرها التي لاتختلف عن هولوكست هتلر في الحرب العالمية الثانية ,ضد الشعوب المختلفة .. كما لاتختلف في أيامنا عن مجازر حماة الأولى والثانية في عامي 1980 -- 1982 ومجزرة سجن تدمر في سورية أو مجزرة سجن أبوسليم في طرابلس ليبيا .... وما ارتكبته التركيبة العسكرية أو العنصرية الدينية في مختلف مناطق السودان وغيرها الكثير في السعودية واليمن والمغرب .. --- 
إذاً فرضت ظروف الإحتلال الأجنبي وجرائمه المتعمدة إلى جانب خراب الزراعة والتجارة عصب حياة اليمن السعيد ,, فرضت على سكان اليمن التفكير في غزو الشمال الغني , ولهم تجربة غنية في ذلك في القرن الرابع الميلادي يوم غزوا الشمال يقيادة – أبو أسعد كرب وإبنه يوحنا كما رأينا في الحلقات السابقة .. ...
وقبل السير مع المقاتلين اليمنيين على وقع صهيل خيولهم ورنين سيوفهم ورماحهم لغزو الشمال غير مستقلين هذه المرة ,, ولكن تلبية لدعوة أبي بكر بعد ارتكاب مجازر خالد بن الوليد ضد القبائل المرتدة عن الإسلام ... أمُّر سريعاً عند تفسير رأي ماركس – أنجلز لهذا الغزو الذي سمي " ثورة محمدية "" حسب ترجمة خطأ لكلمة invasion ; التي تعني غزو أو إجتياح بالضبط وليس ثورة التي تعني بالفرنسية revolution وهذا الخطأ استعمل في فصول الكتاب الصادر عن دار الطليعة في بيروت تعريب / ياسين الحافظ / بعنوان ( كارل ماركس وفريدريك أنجلز – حول الدين - ) يجمع فيه مقاطع من رسائل بينهما حول الوضع في المجتمعاتت الزراعية المشرقية في الهند والمشرق والجزيرة العربية تفتقر للدراسة الميدانية وتحتاج للتدقيق لأن رسالة أنجلز إلى ماركس المؤرخة في 24 ماي 1853 يقول فيها أنه قرأ كتاباً للأب تشارلز فورستر عنوانه الجغرافيا التاريخية لجزيرة العرب تناول فيه الكتابات العربية المحفورة وناقش تناقض اّراء تشارلز مع اّراء كتاب للمؤرخ الإنكليزي / gibon / من مؤرخي القرن الثامن عشر الذي اعتبر المسيحية لعبت دوراً حاسماً في انهيار الإمبراطورية الرومانية بينما يرى أنكلز العكس فانحطاط تلك الإمبراطورية هو الذي مهد لانتشار المسيحية .. وهذه وجهة نظر تستحق النقاش والحوار .. ليس هنا مكانه لأنه خروج عن الموضوع , علماً أن انتشار المسيحية بين الشعوب الذي دام 330 سنة تقريباً بطريقة سرية تمامأ وضمن تنظيمات سرية تعرض أفرادها للإعتقال والتعذيب والموت في سجون الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية ,,, ولكنها أنهكت الإمبراطورية وجيوشها الجرارة , ووضعتها في مواجهة مباشرة مع الشعوب المضطهدة ...إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً دون استعمال السلاح رغم استعمال أبشع وسائل التعذيب والملاحقة ضد المسيحيين حتى أرغم الإمبراطور قسطنطين ووالدته هيلانة اعتناق المسيحية عام 330 م وتحويل معظم رجال الدين فيما بعد إلى خدم للسلطة السياسية ترفع أسماء الأباطرة في الصلوات إلى جانب المسيح والقديسين ... كما يجري اليوم في المشرق في الجوامع والكنائس بعكس ما يجري في الغرب بعد فصل الدين عن الدولة نهائياً..وسيادة الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان على الدولة والمجتمع .. في دساتير وعقود اجتماعية تضمن تبادل السلطة واحترام الرأي الاّخر .. كمرحلة متقدمة للتحرير الشلمل ...
.....
ويرى أنجلز تطابقاً بين ماجاء في سفر التكوين من العهد القديم حول أسماء القبائل والسلالات ومايقوله الجغرافيون والرحالة في العصر الحديث وما يرد في سفر التكوين عن تلك القبائل والأنساب وهذا ما يعني أن الكتاب المقدس يحوي وقائع تاريخية وأنتر بيولوجية ومشكلات عصره ,, ... ويجب الكف عن اعتباره خارج الواقع التاريخي الذي أنتجه يكفي اختراق القشرة القدسية الخارجية للنفاذ إلى تلك الوقائع والمشكلات ....ولم يكن اليهود سوى قبيلة بدوية من بين القبائل التي عاشت في تلك المنطقة وقد تعارضت مصالحها مع بقية القبائل جرّاء اشتغالها بالزراعة وسبب ذلك الإستقرار عائد لعوامل جغرافية في فلسطين ثم يقول : ( إن الكتابات العربية القديمة والتقاليد وسهولة جمع الأنساب تشهد أن المحتوى الرئيسي كان عربياًأو بالأحرى سامياً بشكل عام ص 94 نفس المصدر ) ثم قال : ( يبدو لأن العرب حيث كانوا قد استوطنوا في الجنوب العربي وكانوا شعباُ لايقل مدنية عن المصريين والاّشوريين وغيرهم كما يتبين من المباني التي شيدوها وهذا ما يفسر الشيء الكثير عن الغزو المحمدي نفس المصدر والصفحة - ) واستعمل المترجم دائماً كلمة( فتح ) مكان كلمة – غزو- ...وهنا أجد نفسي في تعارض مع تحليل أنكلز الذي جاء في قوله السابق : بأن اليهود كانوا قبيلة بدوية وتعارضت مصالحها مع بقية القبائل جراء اشتغالها في الزراعة متصوراً أن بقية الشعوب في فلسطين قبائل بدوية لاتعرف الزراعة --علماً أن الشعب الاّرامي الكنعاني الذي كان الفينيقيون فرعاً منه بنى حضارة متكاملة وأبجدية أولى في التاريخ ودولاً وقوانيناً ومدنا معروفة قبل دخول القبلة اليهودية البدوية أرض فلسطين بمئات السنين .. وكانت منطقة الجليل الممتدة من طبريا وبيسان وعكا إلى صور وصيدا وقنا الجليل في جنوب لبنان إلى جاني الشعب الحثي وغيره من الشعوب القديمة .كانت تدعى جليل الأمم..
وفي تلك الأيام حتى في اليمن موضوع بحثنا لم يكن إسم العرب يطلق على شعوب المنطقة في دولتي سبأ وحمير وكندة وغيرها أبداً ... كان يطلق على سكان البادية فقط وفي الرقم المكتشفة في اليمن حديثاً ورد ت أسماء دويلات اليمن المعروفة – سبأ وحمير وكدت – كندة – وأعرابهم وهذه من النصوص الفريدة التي ذكرت فيها كلمة العرب كإسم لسكان البادية فقط وهذا رأي موسوعة العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي وغيره ---- لامجال للتفصيل أكثر.. واستمرهذا الواقع بعد الإسلام لفترة طويلة ولم تسمّ دولة المدينة او دولة بني أمية أوالدولة العباسية بالعربية إلافي عهود متأخرة .. كما أن العهد القديم الذي كتب في بابل لايمكن التسليم بصحة معلوماته... العلم الحديث ينفي وجود سام وحام وساميين , كما ينفي أسطورة نوح من أساسها ...
وجاء رد ماركس في 2 حزيران 1853 واقعيأ ودقيقاً أكثر ..محاولاً الوقوف على أسباب نشأة الدين الإسلامي وتتمثل في رأيه : / أولى الأسباب إقتصادي وهوانخطاط التجارة في الجزيرة العربية الأمر الذي أدى إلى خراب الكثير من المدن التي كانت مزدهرة قبل ذلك مثل مكّة , وتغير الطريق التجاري الذي كان يربط أوربا باّسيا ,, ففي السابق كان يمر بالجزيرة العربية والبحر الأحمر ,,, أصبح بعدها يمر عبر إيران والخليج العربي وصولاً إلى البحر الأسود /
ثم يربط ماركس بين انحطاط التجارة وبين وضع الزراعة والملكيات الزراعية منتبهاً لمشاعية الأرض في الشرق حيث لم تكن توجد ملكية خاصة للأرض , وكانت الدولة المركزية هي مالكة الأرض أي هي الإقطاعي الوحيد الذي يجمع الضرائب من الفلاحين .. واعتبر ماركس بعبقريته ولو عن بعد ذلك مفتاح فهم الأرض والسماء الشرقيين أي الواقع الإقتصادي والإجتماعي والأيديولوجيا "" إن كل ظواهر حياة الشرق هوعدم وجود الملكية الخاصة للأرض هذا هو المصدر الحقيقي لسماء المجتمع الشرقي .. "" 
ورجّح أنكلز في رسالته الثانية تفسير عدم وجود ملكية خاصة حتى في شكلها الإقطاعي إلى عامل المناخ وطبيعة التربة , فالصحراء تمتد من من أفريقيا عبر جزيرة العرب وفارس والهند حتىى الهضبة الاّسيوية العليا ..لذلك فالدولة المركزية وفروعها في الأقاليم هي المشرف الرئيسي على الزراعة ,, فإذا ما سقطت الدولة المركزية نتيجة غزو خارجي فالزراعة أول ما يصيبها الخراب ....وهذا ماحدث في الهند بعد الغزو البريطاني .. كما يقول : -- الري الصناعي أول شرط للزراعة وهوعمل الخكومة المركزية وفروعها ( البلديات اليوم ) وفي الحكومة المركزية ثلاثة فروع - فرع – المالية – أي النهب الداخلي ,و فرع الحرب للنهب في الداخل والخارج – وفرع الأشغال العامة لتأمين وتجديد الإنتاج ..وقد أسقطت الخكومة البريطانية في إدارتها للهند البند الثالث كلياً الأمر الذي سبب خراب الزراعة الهندية وانتشار المجاعة الرهيبة "" -- ثم يقول : "" هنا أيضاً يأتي دور خراب تجارة الجنوب قبل محمد وهوالعامل الذي اعتبرته بحق من العوامل الرئيسية لثورة محمد ..""" ( أي الغزوة التي أخذت شكل نبوة في تلك الأيام )
وربط ماركس وانجلز بين الغزو الخارجي الحبشي والفارسي – اليهودي لليمن وخراب التجارة والزراعة وما نتج عن ذلك من أزمات عصفت بمجتمع الجزيرة العربية وكانت حاضنة موضوعية لغزو الشمال ونموالشعورالوطني أو القومي المصيري الواحد في الجنوب الذي تبلور أكثر بعد طرد الأحباش من اليمن عام 575م بعد خراب سد مأرب لاّخر مرة عام 570م ومن هنا جاء تحليل أنجلز في رسالته الثانية في موضعه بقوله ( إن طرد الأحباش من اليمن قبل محمد بحوالي أربعين عاماً أيصظ بشكل واضح الشعور القومي عند العرب الذي حركته منجهة أخرى غزوات الفرس من الشمال التي اندفعت نحومكة .)
................
ومن هنا أضحى غزو الشمال مسألة حياة أوموت بنبوة جديدة أو بدونها .. ولكن بعدتمزق الروابط القبلية بعد وفاة محمد متحسراً على احتلال الشام كما رأينا ليلة وفاته ...وبعد حروب الردة ودمويتها كان من الصعوبة على أبي بكر إلا بالتمسك بالدين الجديد ,, وتركيز فكر المقاتلين الجياع بحلم الجنة من جهة وبالغنائم من جهة أخرى ,, 
ويبدو أن إمكانية تجهيز جيوش الغزو كانت متوفرة لطبقة التجار المكية التي تتزعمها قريش التي لم ترفع سلاحاً ضد الإحتلال الحبشي في عهد عبد المطلب اوبعده ضد الإحتلال الفا رسي ,,, وينضم لها مالكو جبش من الرقيق والموالي إضافة للأحابيش الذين يشكلون أكثر من قبيلة في مكة والطائف إلى جانب الأوس والخزرج في المدينة ... 
و هذا لم يكن متوفراً في اليمن التي عمها الخراب والدمار والمذلبح طيلة القرن السادس تقريباً وفقدت الكثير من زعمائها وقادتها وأموالها لذلك كان يصعب على اليمن أخذ مبادرة غزو الشمال في تلك المرحلة ... 
لذلك جاءت قبائل اليمن ملبية دعوة أبي بكر في الزحف إلى الشمال قابلة بانضوائها تحت قيادة غلام من قريش ( قريش التجار كما كانت القبائل تطلق عليها لأنها غير مقاتلة في التاريخ ) أصر على تعيينه أبوبكر قائداً لجيش الغزو هو ( يزيدبن أبي سفيان سيد قريش وعدو الأمس وشقيق معاوية ) وقبل السير مع قافلة الغزو نتوقف قليلا.. مع ممولي جيوش الغزو من تجار قريش ومكة .. كصفقة تجارية رابحة أو مايسمى اليوم – الدعم اللوجستي والتعبئة العامة ---: 
قال إبن سعد في الطبقات الجزء الثالث ص 53 وإبن قتيبة في المعارف ص 80 حول مظاهر ثراء قريش ( إن عثمان بن عفان جهّز وحده جيش العسرة إلى ( تبوك ) ب / 950 بعير , وأكملها ب 1500 فرس ,, وهو الذي إشترى بئر " رومة " في يثرب ..بعشرين ألف درهم
ويروي إبن سعد أيضا: أنه كان لعثمان عند خازنه يوم قتل : ثلاثين ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم --- أي ثلاثين مليون وخمسمئة ألف درهم –ومئة وخمسين ألف دينار إنتهبت كلها ... هذا غيض من فيض من ثراء هذه الطبقة التي قادت الغزو وللغزو ونتائجه في العالم القديم الممتد إلى العقول المتحجرة في القرن الحادي والعشرين