المحظور من الكلام في تاريخ العرب والشام 14

 

 

رأينا تسابق زعماء قريش والقبائل الأخرى في مكة والمدينة والحجاز لتزعم الغزوات المتعددة نحو بلاد الشام والعراق بعد خراب الإقتصاد اليمني وانقطاع رحلة الشتاء التجارية إليها ومنها إلى القرن الأفريقي حتى أضحى غزو الشمال قضية حياة أوموت بالنسبة لأهل الجنوب ,ولطبقة التجار ومالكي العبيد والجواري خصوصاً
كما هو حاصل في هذه الأيام بالنسبة للكثير من بلدان الجنوب الفقيرة أو الأصح المنهوبة من حكامها المستبدين وشركات الشمال الإستعماري ووكلائها بالعمولة من أهل البلاد وإقطاعييها القدامى والجدد ,,منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم ..
وبعد مجازر حروب أسلمة القبائل بالسيف للمرة الثانية بعد أن تركت الإسلام بعد وفاة محمد وهي ما أسموها -- حروب الردة ,--, وإطلاق أبو بكر يد خالد بن الوليد على رأس جيشهم يفعل ما يشاء حتى يعيد القبائل لدفع الخراج والزكاة والجزية وغيرها لخزانته,, ومن أبرزها : (غض الطرف عن قتل خالد ظلماً وعدواناً لمالك بن نويرة سيد بني تميم وبني يربوع رغم إعلان إسلامه ونزا على زوجته ( ليلى ) فدخل بها في نفس الليلة ... وكان عمر يقول لخالد : يا عدو الله قتلت إمرءاً مسلماً ثم نزوت على زوجته والله لأرجمنك بالأحجار .. لكن أبا بكر دافع عنه قائلاً : دعه ياعمر تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد )... ***
كما كما فعل في اليمامة في نفس الحروب ( أسلمة القبائل بالقتل للمرة الثانية ).. ( فعل مافعله مع ليلى زوجة مالك بن نويرة ,, حيث إفترس بنت ذات بعل كان قد قتله خالد ونزا عليها ...) * كما سجل كتاب السيرة رسالة أبي بكر لخالد بن الوليد التي جاء فيها : ( لعمري ياإبن أم خالد , إنك لفارغ تنكح النساء , وبفناء بيتك دم ألف ومئتي رجل من المسلمين لم يجف بعد .. ولما قرأ خالد هذا الكتاب قال : هذا من عمل الأعسر – أي من عمر - ) **
كان أبوبكر التاجرالحريص على المال هوصاحب مشروع النبوة وداعمها الأول بعد وفاة خديجة وعمها ورقة بن نوفل وهذا واضح جلي من تقديم أبو بكر لمحمد إلى القبائل في موسم الحج في الكعبة ليستمعوا لأقوال نبوته ,, ولم يؤمن به أحد بالرضا والقناعة كما تجمع جميع المصادر الإسلامية نفسها .. كما جاء في المصادر الإسلامية أن أبا بكر أنفق ماله على مشروع النبوة وقالوا إن سورة الأعلى نزلت في حق أبي بكر ( وسيجنبها الأتقى , الذي يؤتي ماله يتزكّى --- سورة الأعلى 87 : 17- 18 )
هذا ماقاله إبن الجوزي وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله مانفعني مال قط سوى مال أبي بكر .. فبكى أبو بكر وقال : هل أنا ومالي إلا لك يارسول الله ) وهذا ما أخرجه أبو يعلى عن عائشة وعن أنس وجابر وسعيدبن المسيب وعلي – كان يقضي رسول الله في مال أبي بكر ..كما يقضي في مال نفسه ..—
وأخرج إبن عساكر عن عائشة وعروة بن الزبير وغيره ,, أن أبا بكر أسلم وله أربعون ألف دينار ,, فأنفقها على رسول الله .. وهذا ما أكده عمر أيضا___ تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 56 – 57 – وأخرج إبن عساكر عن إبن عباس أن محمد قال : ( ما أحد عندي أعظم من أبي بكر ,, واساني بنفسه وماله , وأنكحني إبنته ---) **
وخالف أبو بكر سنة محمد فيما يتعلق بجمع المال من الناس وغيره , فقرّر قتال مانعي الزكاة ولو كانوا من المسلمين وأباح قتلهم ,, وهذا مالم يوافقه عمر عليه *وفي حديث عن صحيح مسلم ج8 ص51 أن محمداً قال : ( أمرت أن أقاتل الناس جميعاًحتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , فمن قالها عصم مني ماله ودمه وحسابه عند الله ) ** 
لكن أبا بكر لم يقتنعبهذا الحديث وأصر على قتال من لايدفع الزكاة قائلاً والله لو منعوني عقالاً كانوا يدفعوتنه لقاتلتهم حتى دفعه ,, ثم اقتنع عمر بموقف صاحبه قائلاً إن الله شرح صدري للوقوف مع أبي بكر رغم معارضته السابق ولست أدري كيف يشرح الله صدور قوم لمخالفتهم سنة نبيهم ... – صحيخ مسلم المصدر السابق
وبعد استكمال القضاء على تمرد القبائل وسقوط اّلاف القتلى والمشوهين واّلاف العائلات الثكلى وإمتلاء ماسمي (بيت مال المسلمين .) بالأموال والأسلحة . لم يبق سوى التجنيد والتجييش نحو الشمال خصوصاً بعد نجاح عدة غارات خاطفة على جنوب العراق وبلاد الشام عاد المهاجمون فيها بالغنائم والسبايا بسهولة بعد بلوغ الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية في الشمال مرحلة الإنحطاط والضعف الشديد لحافة الإنهيار... بعد نصف قرن من الحروب السجال بينهما من جهة ...وبين الإمبراطورية الفارسية في الشرق والقبائل العربية في الحيرة وجنوب العراق والخليج العربي التي تكللت في موقعة "" دي قار ""الشهيرة التي أنتصرت فيها القبائل العربية المسيحية على جيوش كسرى بعد اغتيال كسرى النعمان الر ابع ملك الحيرة في مطلع القرن السابع ( 710 – 712 م ) 
وانتصار الغساسنة في الغرب على جيوش بيزنطة بقيادة الحارث الثالث الغساني وإبنه المنذر وهزيمة جيوش بيزنطة أمام الغساسنة وأمام سكان بلاد الشام حتى حدود بيزنطة , ولم ينهزموا إلا بعد خديعة دينية تم القبض فيها -- باسم المصالحة – على الحارث وإبنه المنذر الغساني ونفيا إلى جزيرة صقلية حيث توفيا فيها ... إذا هذا الوضع الهزيل للإمبراطوريتين وتمرد عرب وسريان الشام والعراق المتواصل شجع الجنوب على التجييش والغنائم .. 
فوجه أبو بكر وعمر الدعوة لقبائل اليمن وعمان للتجمع في المدينة في سبيل غزو الشمال ..مع حرصهما أن تبقى القيادة والزعامة بيد قريش.. 
وكان اليمنيون مهيئين نفسياً وطبقياً لإنتزاع حق الحياة من أثرياء الشمال ولوكانوا من دينهم .. – الجوع كافر – أليس كذلك , ولم تكن أية قوة تستطيع منع القبائل اليمنية الجائعة من غزو الشمال بدعوة أو بدونها خصوصاً وأنهم في القرن الرابع الميلادي غزو بلاد الشام والعرلق وهزموا جيوش الإمبراطوريتين بقيادة ( أبو أسعد كرب ) وإبنه يوحنا – او يوهنايم – 
ثم انسحبوا بعد عدة سنوات ...
لهذا كانوا متحمسين لغزو الشمال أكثر من أهل مكة والمدينة بكثير , ولم يكن موضوع الدين والنبوة مطروحاً في الغزو إلا في أذهان وعاظ السلاطين والخلفاء وكتابهم فيما بعد ,,, وكانوا مطمئنين للعهد الذي قدمه محمد لأهل نجران واليمن للحفاظ على حياتهم وأموالهم .. هذا العهد الذي نقضه عمر في خلافته تحت شعار – في الجزيرة لايسمح بوجود دينين – وهجّرسكان نجران وغيرهم ممن رفضوا تغيير معتقدهم الديني بالقوة إلى جنوب العراق ليعيش من بقي منهم حياً في ( النجرانية التي بنوها على إسم موطنهم الأصلي )..
قال الواقدي في فتوح الشام مايلي
( بعد دعوة أبي بكر القبائل لغزو الشام جاءه رسوله إلى اليمن / أنس بن مالك / قائلاً ( ( وحقك على الله ما قرأت كتابك على أحد في اليمن إلا أجاب دعوتك , وقد تجهز في العد والعديد والزرد النضيد وقد أقبلت إليك مبشرأً بقدوم الرجال وأي رجال .... 
ثم قال فما كان من إلا قليل حتى أشرفت الكتائب والمواكب يتلوا بعضهم بعضاً قوم في إثر قوم وقبيلة إثر قبيلة ,, ظهرت من قبائل اليمن حمير , وهم بالدروع الداوودية والسيوف الهندية ,امامحم القائد – ذو الكلاع الحميري –فلما اقترب متن أبي بكر أ{اد أن يعرّف بقومه شعراً فقال

أتتك حمير الأهلين والولد ........أهل السوابق والغالون بالرتب 
أسد غطارفة شوس عمالقة ....... يردوا الكماء غداً في الحرب بالقضب 
الحرب عادتنا والضرب همتنا .....وذو الكلال دعا في الأهل والنسب 
دمشق لي دون الناس أجمعهم .......وساكنيها سأهويهم إلى العطب - على ذمة الواقدي في فتوح الشام ---
وهذا القائد ورد إسمه في مصادر أخرى ( الحارث بن عبد كلال )
ثم أقبلت بعدهم مذحج أهل الخيل العتاق والرماح الدقاق وأمامهم سيدهم قيس بن هبيرة الراوي ثم قبائل طي يتقدمها حارث بن مسعد الطائي ثم الأزد وعبس وكتنانة وكندة ....إلخ 
أنزل أ[و بكرالقبلئل اليمنية حول المدينة كل قبيلة متفرقة عن صاحبتها , واستمر , فأضر بهم المقام من قلة الزاد وعلف الخيل وجدب الأرض .. فاجتمع أكابرهم عند أبي بكر وقالوا : يا خليفة محمد ... إنك أمرتنا بأمر الغزو فأسرعنا إليه .ز وقد تكامل جيشنا , وفرغنا من أهبتنا – إستعدادنا – والمقام قد أضر بنا لأن بلدك ليست بلد جيش ولا حافر ولا عيش .. والعسكر نازل ,و فإن كنت قد بدّلت فيما دعوتنا إليه , فسنعود إلى بلدنا .. أجابهم أبو بكر : يا أهل اليمن ومن حضر من غيرهم ,, أما والله ما أريد لكم الإضرار , وإنما أردنا تكاملكم , قالوا لم يبق وراءنا أحد فاعزم على بركة الله ...( **
وتابع الواقدي في فتوح الشام قوله المطابق لسيرة إبن هشام وغيرها : ( قام أبوبكر من ساعته وحوله عمر وعثمان وعلي وخرجوا إلى ظاهر المدينة لوداعهم حتى ثنية الوداع –شمال المدينة - ومع هذا الزخم الكبير لجيش اليمن فإن أبا بكر سلب منه حق القيادة وولى على قيادته ( يزيد بن أبي سفيان ) أي شقيق معاوية وإبن أبي سفيان الزعيم الذي حارب محمد ,, ومعه مقاتل غير معروف من قريش أيضاً يدعى – ربيعة بن عامر – ضماناً لسيطرة قريش ( التجار ) على الغنائم والسلطة ...)** وكان يسيل لعاب الجياع على الغنائم والسبايا إذا ظلوا أحياء ,, أو الحور العين والغلمان المرد في الجنة إذا سقطوا قتلى .. 
( حث يزيد السير حتى يبلغ الهدف فقال له ربيعة بن عامر : ماهذا السير يا يزيد , وقد أمرك أبو بكر أن ترفق بالناس في سيرك... فقال له يزيد إبن أبي سفيان : إن أبا بكر سيعقد العقود ويرسل الجيوش , فأردت أن أسبق الناس إلى الشام فلعلنا نفتح فتحاً قبل تلاحق الناس بنا ,, فيجتمع ثلاث فضائل لنا : إرضاء الله ,,وإرضاء خليفتنا ,, وغنيمة كبيرة نأخذها .. فقال ربيعة : سر الاّن ولاحول ولاقوة إلا بالله ..إنتهى ) ***والبقية معروفة.. لدى كل ذي رأي سديد وضمير حي .وبصيرة
وقد سبق لنا شرح دور سكان بلاد الشام والعراق السريان والعرب وسائر القبائل المسيحية في اليرموك وفي قتل حاميات المدن الرومان وفتح أبوابها لجيوش عرب الجنوب الذين جاءوا باسم أبناء العمومة قبل أن يعلنوا ( الدين الجديد ) (( قال يزيد بن معاوية في ساحة البطريركية الأرثوذكسية بدمشق أمام جميع الناس نحن أبناء عمومتكم )) **وكانت أمه ميسون الكلبية من دمشق ..وتعلم القراءة والكتابة على يد المطران يوحنا الدمشقي ** . 
ورأينا محاولة خالد بن الوليد تدمير دمشق وسبي نسائها لإعتباره دخلها حرباً ورفض أبي عبيدة إبن الجراح ذلك لأنهم دخلوها سلماً الأمر الذي دفع عمر إبن الخطاب لعزل خالد بن الوليد .. وهو في دمشق
لكن كل هذا لم يرفع سيف التمييز العنصري والديني الذي تضمنته "" العهدة العمرية "" دستور التمييز والإضطهاد والإستبداد الذي لايزال دستور القوى الرجعية المسيطرة على القرار السياسي والثقافي في مصر والسعودية وغيرها ...ومازال ألأزهر يعتبرها دستوره المدني اتجاه الأقباط .ز سكان مصر الأصليين ..
كما لايزال تيار الرجعية المتأسلمة التي يمثلها الإخوان المسلمون يطرح شعار ( الإسلام هو الحل ) بعد أن لعبوا الدور التخريبي الأول في شرذمة المعارضة الوطنية الديمقراطية وطعنها في الظهر في كل من سورية ومصر والمغرب كما يحاول حزب ولاية الفقيه في لبنان تدمير ماتبقى من النظام الديمقراطي اللبناني خدمة لأنظمة الإستبداد والرجعية .في دمشق وطهران ..
كما يزعم المتأسلمون دوماً أن ( الشورى هي بديل الديمقراطية ) وقد سبق لي كشف هذه الترهات من مصادرهم نفسها - كيف استولى الراشدون على الخلافة بالخديعة والسيف والقمع حتى حولها معاوية إلى ملكية وراثية ,, هذه هي ديمقراطيتهم تحت عنوان "" منابع الإرهاب ""على هذا المنبر الحر " حوارنا المتمدن ""___
أختم في الحلقلت القادمة بشرح موجز لوضع الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية قبل إنهيارهما حسب ما توفره المصادر النادرة ومعركة ذي قار الشهيرة التي هزم فيها سريان و عرب جنوب العراق وقبائله المسيحية هزموا الإمبراطورية الفارسية بكل جبروتها في مطلع القرن السابع الميلادي وغيرها .... لاهاي / 29 / 10
المصادر :
- السيرة لإبن هشام 4 / 53 ----- فتوح الشام للواقدي – 3-7 - 59
- أسد الغابة –35 / 103 
- الطبري – 3 / 254 -- تاريخ دمشق لإبن القلانسي 78
- طبقات إبن سعد -- تاريخ الخلفاء – للسيوطي ص 56 
- مختصر تاريخ دمشق – إبن عساكر 13 /48 – 49 
- مروج الذهب للمسعودي – 2 / 127 -341 
- لوندل فيليبي – دار العلم للملايين ص 223 
- – تاريخ الكنيسة السريانية 348
- صبح الأعشى للقلقشندي – 5 / 25 
- الترمذي – 5 / 574 
- صحيح مسلم –8 /51 – 
- تاريخ ميخائيل الكبير – 368
- Le museon 1961 /1 / p 174
- د . جواد علي –موسوعة العرب قبل الإسلام ج 2 –582 – و656 – 660