المحظور من الكلام في تاريخ العرب والشام 16

 

بعد غدر كسرى بالنعمان الثالث ملك الحيرة . عيّن إياس بن قبيصة الطائي عاملاً له على الحيرة ,,لكن إياس لم يستطع تنفيذ أوامر ومطالب كسرى ,كما لم يستطع إرغام بني شيبان أوسكان الحيرة من السريان والعرب الذين كان يطلق عليهم إسم ( العبَّاد بضم العين ) على تنفيذ طلب المعتدي كسرى في – تسليم ودائع النعمان وماله وسلاحه وعياله لهذا الطاغية ,,, 
لهذا عمد كسرى للإنتقام مستخفاً بمملكة الحيرة الصغيرة وأهلها وبالقبائل العربية المسيحية الملتفة حولها ..وأبرزها وأقواها ,كانت قبيلة بكر وائل التي كانت تتنقل بين جنوب العراق والبحرين وشرقي الجزبرة ..وكان لهذه القبيلة بين الكوفة وواسط ماء يدعى " ذي قار " يهرعون إليه عندما يشتد الحر في الصيف ,, وقد نصح خصوم بكر وائل من العربان كسرى أن يمهل بكر وائل ومعهم بني شيبان إلى الصيف حتى يهرعوا ‘لى ماء لهم يدعى – ذي قار - فيتساقطون تساقط الفراش على النار فيأخذهم كسرى على حين غرة – كما أورد ياقوت في معجمه –والطبري في تاريخه وإبن الأثير في الكامل وغيرهم ..
فلما قاظت بكر نزلت الحنو ( الوادي ) وهو حنو ذي قار, فأرسل لهم كسرى رسولاً يدعى – النعمان بن زرعة – ليخيرهم في خصال ثلاث
1 – الإستسلام لكسرى أبرويز يفعل بكم ما بشاء 
2 – الرحيل عن الديار 
3 – أو الحرب 
...لو أخذنا ماقاله الإخباريون على عواهنه حول هذه المعركة المفصلية في تاريخ المنطقة على مشارف غزو قبائل الجنوب للشام والرافدين لتوقفنا عند ظواهر الأمور ,دون سبر الدوافع الحقيقية التي لا تتوقف عند رفض هند بنت النعمان الزواج من كسرى , أو رفض هاني بن مسعود الشيباني تسليمه وديعة النعمان , وكفى المؤمنين شر القتال ... وهذه أسهل الطرق لتدوين وقائع التاريخ ...
لكن لابدّ لنا من النهج العلمي لتحليل هذه المعركةالهامة والحاسمة في تاريخ العرب تاريخنا قبل الإسلام كمقدمة رئيسية أغفلت عمداً – وأغفل دورها , ودور أهلها في إنتصارات القادسية في ميزوبوتاميا – العراق ,,أو في إنتصاراليرموك وفتح أبواب دمشق دون قتال بعد أقل من ثلاثة عقود في التاريخ ..
لذلك أعلن القائد العام أبوعبيدة بن الجراح دخلناها سلماّ ,, كما ذكرنا سابقاً وكما سيأتي . وهذا ما سنتناوله من الدروس المستخلصة من سائر معارك عرب وسريان بلاد الشام والرافدين الظافرة ضد الإمبراطوريتين المسيطرتين على العالم القديم كله بيزنطة وفارس .
................................
وإنطلاقاً من موضوعة : الصراع الطبقي محرك التاريخ ,,ونضال الشعوب القومي التحرري هو في التحليل النهائي مسألة صراع طبقي حتى لو قادته طبقة الملوك و الأمراء في الممالك الصغيرة التابعة في ذلك الزمن المتخلف .لهذاكان لابد من التنقيب في المراجع النادرة في زمن سابق .لنرى الأسباب الحقيقية لهذه المعركة .
_ سجّل الدينوري في أخباره الطوال ما يلي
( توثقت علاقة النعمان واّل بيته مع العرب وبثوا في قلوبهم الأمل بأن السلطان اّيل إليهم إن اّجلاً أو عاجلاً – الأخبار الطوال – ص 115 - dinaweri p “ 115 )
هذا ما أرعب الفرس في الشرق والروم في الغرب لأن بقاء إحتلابهم قائم على تمزق العرب وشراء معظم قادتهم وفقدان ثقتهم بأنفسهم مع استثناءا ت نعتزبها جميعاً ,,لهذا إغتيل النعمان الثالث كما إغتيلت دول اليمن وتدمر و الأنباط وكندة والغساسنة ومملكة ماوية التنوخية السريانية في دمشق ومملكة الحضر في شمال العراق ... وغيرها
ثم جاءت المؤرخة السوفياتية ( نينا فيكتورفنا ) لتلقي ضوءاً علمياً على هذا الموضوع في مؤلفها الهام ( العرب على حدود بيزنطة وإيران من القرن الر ابع إلى القرن السادس الميلادي – إصدار دار التقدم - موسكو – قالت فيه : ( يبدو أن القوة العسكرية للخمينيين , مضافاّ إليها تطلعهم المتزايد نحو الإستقلال . قد أثار مخاوف الساسانيين ,لذا أصبح إقصاؤهم أمراً مرغوباً فيه لدى الفرس,,لهذا أعيد تنظيم إدارتهم للمنطقة بعد مقتل النعمان على أسس جديدة , و إستعمل الفرس على الحيرة وأملاك اللخميين الأخرى ( إياس بن قبيصة ) واختير ليكون نصرانياً من طي ولم يكن إياس مستقلاً بل تابعاً لأحد ولاة الفرس الذي عينه خسرو على الحير ة ) ثم قالت : ( من الواضح أن النعمان إستودع أسلحته وأمواله وعائلته صهره هاني بن مسعود الشيباني قبل سفره لمقابلة خسرو الذي غدر به , ...كما قالت إن مطالبة خسرو لهاني وإياس بتسليم الأسلحة له دلالتين :
1- إنها لم تكن أموال وأسلحة شخصية ’ بل أموال وأسلحة دولة , أسلحة متقدمة وعلى وجه الخصوص الدروع منهاالتي كانت مهمة جداً لجيش فارس الذي كان يفتقر إليها ,وقيل إنها كانت أربعمئة درع وفي رواية أخرى ثمانمئئة,,
2- بلغ العرب اّنذاك تقدما في التقنية العسكرية أثار مخاوف الفرس وإهتمامهم وقد بلغوا أيضاً درجة رفيعة في صناعة الأسلحة واّلات القتال وتشكيل فيالق الرماة المهرة ’’وقد إشتهرت كتائب الحيرة بسرعة الحركة وأهمها كتيبة " الدواسر "
3- كما ختمت قولها حول المعركة : ودارت في وادي ذي قار معركة فاشلة تسعة أيام متواصلة كان النصر في نهايتها للعرب الموحدين بجيش واحد — فيكتورفنا المصدر الاّنف الذكر – ص 146 – 147 )
..........................
وكان جيش كسرى ومن معه من القبائل وفق ماجاء في الطبري وإبن أثير وغيرهما مؤلفاً من :
1ّ- جيش من الفرس يضم ألف فارس على رأسه ( الهامرز التستري )المرزبان الأكبر لكسرى وصاحب مسلحة ( القطقطانة )
ب - جلابزين صاحب مسلحة " بارو" في ألف فارس أيضاً
ج - كتيبتين شهابويتين ,, وكتيبة دوسر من الحيرة ومعها المرتد إياس بن قبيصة ..
د – خالد بن يزيد البهراني في بهراء , والنمر بن قاسط وقيس بن مسعود ذي الجدين عامل كسرى على طف سفوان ... ثم قسم من تغلب ,,وقسم من بهراء لعبا دورا مخادعا للعدو بخداع الفرس في المعركة والإنسحاب من صفوف العدو في الوقت المناسب ..
وأمر كسرى أن يكون الجيش بقيادة إياس بن قبيصة ليحارب العرب بعضهم ويقطف هو ثمار النصر على أشلائهم في النهاية .....
أما جيش العرب فكان يضم : بكر وائل – و بني شيبان وعلى رأسهم هاني بن مسعود – وبني عجل وقائدهم حنظلة بل ثعلبة بل سيار العجلي . والعبّاد سكان الحيرة من السريان والعرب وفي مقدمتهم إبنا النعمان : قابوس والمنذر.وأختهم هند كانت معهم في المعركة . – وقيس وهي من كبريات قبائل الخليج – وسعد وعلى رأسها – يزيد السكوتي –ولحيان وعلى رأسها – أوس بل قلام ...إلى جانب قبائل : عبس – وخثعم – وبهراء -- وطي من تغلب – ومن أنجدهم من معد وإياد --- الطبري ج1 ق 2 ص 1030 – ولينا فيكتورفنا – المصدر السابق – ص 146 وإبن الأثير ص323 وغيرها – 
واتبع في المعركة التاكتيك التالي : تتظاهر إياد وفرسانها وتغلب الوقوف مع جيوش الفرس حتى إذا بدأت المعركة إنسحبتا منها دون الإنضمام للجبهة العربية لحفظ خط الرجعة ’’ 
ومن جهة أخرى تسلل قيس ذي الجدين شقيق مسعود ذي الجدين عامل كسرى على صفوان إلى المعسكر العربي ونصح هاني بن مسعود القائد العام بأن يوزع على قبيلته أسلحة النعمان وسيعيدها له بعد المعركة ,,ففعل واستجاب لنصيحته , -- كان كلام رجال وليس كلام تجار مرتزقة --- ووزع الدروع والسلاح على ذوي القوة والجَلَد من قومه . --- 
ومن الملاحظ أن الإخباريين العرب أغفلوا ذكر ربيعة القبيلة الأم لكثير من الأفخاذ التي كان لها الدور الأول في المعركة ... 
ميدان المعركة 
======= ذكر ياقوت الحموي في معجمه .م4 ص 295 مايلي :
- نصح حنظله بن سيّار العجلي قومه بالقتال , لأنهم إذا استسلموا للفرس قتلوا ,وسبيت ذراريهم ,, وإذا رحلوا قتلوا عطشاً وتلقاهم تميم الموالية للفرس فتهلكهم .--- 
- ويقول الطبري : إن هاني بن مسعود خاف من الهزيمة بعد أن رأى لاطاقة لهم بجيوش كسرى ومن لاذ به من العرب ..واقترح على قومه النجاة --- على ذمة الطبري الواسعة جداً -- لكن عزّ على حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلي أن ينهزموا أمام الفرس وهبّ أمام هاني قائلاً : أردت نجاتنا فألقيتنا في التهلكة .. وردّالناس ( المقاتلون )بقطع وضن ( حبال أو حزام ) الهوادج حتى لاتستطيع بكر أن تسوق نساءهاإذا هربوا ’’ ,, وضرب قبة على نفسه في بطحاء ذي قار .واّلى على نفسه ألا يتراجع ,, وبادر حنظلة إلى وضن هوادج النساء فقطعها بسيفه بدءاً بهودج إبنته ماريا – الطبري المصدر السابق ص 1035 
- .............................
- اليوم الأول من المعركة
- برز الهامرزالتستري المرزبان الأعظم لكسرى , متحدياً ..فخرج له يزيد بل حرثة اليشكري فجندله وغنم ديباجه وقرطيه وإسورته ’’هذا ماذكره ياقوت في معجمه م4 ص 295 لكن الطبري يؤكد أن مقتل الهامرز التستري تم في المعركة الأخيرة وهو الأرجح كما سنرى ...
- في اليوم الثاني
جزعت جيوش الفرس من العطش فتراجعت إلى الجبايات , فتبعتهم بكر وعجل التي أبلت بلاءً حسناً ..فتدافعت عليهم حشود الفرس وتكاثرت حتى أيقن القوم هلاكهم ,,لكن زغاريد النسوة وأشعارهن أعادت لهم العزيمة والثقة بالنصر ..وجاءت بكر لدعم ومؤازرة عجل , فرأوهم يقاتلون في إستبسال لامثيل له .. وإحدى نسائهم تنشد ...
إن يظفروا يحرزوا فينا الغَرل ...... أيها فداء لكم بني عجل 
كما أنشدت إبنة القرين الشيبانية تحث قومها على الإستشهاد :
إيها بني شيبان صفاً بعد صف .... إن تهزموا بصبغوا فينا القلف 
( يصبغوا فينا القلف = أي يغتصبهم العدو ويفضوا بكارتهن
كما كانت النساء ينشدن في قلب المعركة ويحثّنّ المقاتلين على الصمود والتفاني وهن ينشدن :
إن تَهزِموا نعانق ..... ونفرش النمارق 
أ و تهزموا نفارق ....... فراق غير وامق 
( النمارق – جمع نٌمرق وتعني الوسائد الصغيرة أو الطنافس --- وامق = محب – غير وامق = غير محب
إنضمت إياد إلى جانب العرب وانسحبت تغلب من المعركة مع انضمام الكثير من أبنائها إلى جانب بكر وطي . كما لعبت عبس وخثعم ومن وصل من معد وغيرها دوراً مهما في هذا اليوم
كان لإنضمام قيس ومعد للجيش العربي دوراً هاماً في خلخلة صفوف الفرس وبعث الرعب في نفوسهم ,, 
ثم قطع سبعمئة فارس من شيبان أيد أقبيتهم ( ملابسهم ) من قبل مناكبهم حتى يسهل عليهم الطعن والضرب وتخف أيديهم بضرب السيوف , كما ذكر الطبري , وإبن أثير ..
n-;---;-- اليوم الثالث :
نصب يزيد السكوتي حليف بني شيبان , كميناً للفرس في موقع من ذي قار يعرف بإسم الجب , وأوقع منهم عدداً كبيراً من القتلى والجرحى ,
تم إصطفت جيوش الفرس في ثلاثة كراديس : الأول في القلب وعلى رأسه إياس بن قبيصة والثاني في الميمنة وعلى رأسه – الهامرز التستري – والثالث الميسرة وعلى رأسها الجلابزين
قابلتها جيوش العرب بنفس الترتيب تقريباً / القلب بقيادة هاني بن مسعود الشيباني .- وعلى الميمنة يزيد بن مسهر الشيباني رئيس بكر وائل , - 
وعلى الميسرة حنظلة بل ثعلبة العجلي _ بالإضافة لكتائب الرماة المهرة المنتشرة على التلال المقابلة للجيش الفارسي ,,أما كتيبة الدواسر الخيالة فمتحركة خلف الخطوط تغير وتعود في كر وفر ..
ومجموعات النساء يشجعن المقاتلين ويضمدن الجرحى ,...
إرتجز حنظلة القصيدة التالية :
قد شاع أشياعكم فجدوا ........ ما علتي وأنا مؤد جَلدُ 
والقوس فيها وتر عُردُ ........ مثل ذراع البكر أو أشد 
قد جعلت أخبار قومي تبدو .... إن المنايا ليس منها بدُّ 
هذا عمير حيّه ألدُّ ........... يقدمه ليس له ٍمَردُ
حتى يعود كالكميت الورد...... خلوّا بني شيبان وإستبدوا 
نفسي فداكم وأبي والجدُ 
كما ختم شعره
يا قومُ طيبوا بالقتال نَفَسا ,,,,,,,,,, أجدر يوم أن تفلوا الفُرسا 
كما أنشد يزيد بن المكسر :
من فرّ منكم فرّ عن حريمه ...... وجاره وفرّعن نديمه 
أنا إبن سيّارعلى شكيمة ....... إن الشراك قدّ من أديمه 
... ويبدو أن جميع القبائل سلّمت بقيادة حنظلة لصلابته وشجاعته ضد ملوك الفرس أعداء العرب منذ بدء التاريخ وموقفه الشجاع في هذه المعركة لايقبل التراجع – النصر أو الموت ...
وحانت ساعة القتال لتبدأ بالمبارزة الثنائية كالعادة في الحروب القديمة فارس لفارس .. برز من جانب الفرس الهامرز التستري—وهذا يدحض رأي ياقوت السابق . أنه قتل في اليوم الأول .. – وهو ينادي – مرد مرد – أي إلى المبارزة ..فبرز له : برد بن حارثة اليشكري وقتله من ساعته .. وبدأ القتال بشراسة ,,حمل حنظلة على ميسرة الفرس وتمكن من قتل قائدها الجلابزين ..كما تقدم هاني في القلب وووجه قواته نحو إياس إبن قبيصة ومن بقي من العرب معهم ..ففروا من أمامه وولوا الأدبار كما ذكر ياقوت والطبري وغيرهم .... وهزم جيش الفرس شر هزبمة وقتل معظم جنوده ومن بقي حياً لم يجرؤا إخبار كسرى بهذه النتيجة ,.. 
كتب الكثير عن هذه المعركة من الأشعار والأدب والأساطير الشعبية وأبرز المستشرقين الذين كتبوا عنها .. ( نولدكه , وكوسان دي برسيفال ,, ونينا فيكتورفنا ) 
أهم المصادر :
1- معجم البلدان – ياقوت الحموي م4 ص 295
2- البلدان لليعقوبي ص 7- 8
3- تاريخ الطبري ج1 ص 1030 - 35
4- الدينوري الأخبار الطوال -4 ص 115
5- نينا فيكتورفنا – ص 145 / 146 
6- عبد العزيز سالم – العرب قبل الإسلام ص257 
7- الأغاني –أبو الفرج الأصفهاني 
8- إبن الأثير الكامل في التاريخ ج1 ص290 -323 
9- Noldeke—tabari—p . 347”
10- حمزة-- ص75 
11- البلاذري – فتوح البلدان ج1 ص 102 – 103 
12- جواد علي – موسوعة العرب قبل الإسلام ج3 ص 300 
13- أبو يوسف – كتاب الخراج طبعة بولاد – ص 84
14- تاريخ الكنيسة السريانية 241- 43 وتاريخ إبن العبري 
15- الواقدي - فتوح الشام ص 7 -- 59 
16- إبن عساكر -- مختصر تاريخ الشام -- ص 13 -
49 ... وغيرها ...