إنهم ينفقون على الجن بسخاء-لماذا نحن متخلفون

 

- الخرافة والإله نتاج جهل الإنسان وإنبهاره فحيثما توجد ظاهرة تبعث على الإنبهار والدهشة وتفتقد العلم والمعرفة فحينها ترتع الخرافات والآلهة . 
- مخطئ من يعتقد أننا فى حاجة إلى إصلاحات سياسية وإقتصادية للخروج من شرنقة التخلف لأقول علينا إقتلاع ثقافتنا المتخلفة أولا وإلقاءها جانبا لنتحلى بثقافة نظيفة فبدون ذلك فكل ما نأمله من إصلاحات لن تجدى وسنكون كمن يحرث قى الماء . 
سامى لبيب .
-------

هذا المشهد رأيته بأم عينى فى الثانية عشر من عمرى بإحدى الموالد المسيحية بدلتا مصر حيث شاهدت ما يطلق عليه شفاء المُلتبسين بالأرواح الشريرة لأرى عجباً بالفعل فهناك إناس عاديون مسيحيون ومسلمون جاءوا من أرجاء المعمورة يأملون علاجهم من الأرواح الشريرة التى تلتبسهم لألحظ أنهم عاديون يرتدون جلاليب بيضاء ثم ما يلبس الكاهن أن يصلى عليهم ذاكراً بعص النصوص الدينية من الأجبية فينتابهم حينها حالة من التشنج والصراخ ويصدر منهم إستنكار طالباً من الكاهن الكف والإبتعاد وفى بعض الأحيان تكون الأصوات مغايرة لصوت صاحب الحالة هذه ليقيم معه الكاهن حواراً حاداً مطالباً إياه بالخروج من الجسد إلى أن يتم ربط الروح الشريرة فى إحد أصابع القدم .
صدقا كنت أندهش من هذا المشهد لتتصاعد علامات التعجب والإستفهام وخصوصاً أننى فى ذلك السن قد رفضت فكرة الشيطان تماماً وأبقيت على فكرة الإله من منظور ألوهى كما عرضته فى مقالى "أبشركم بإله ودين جديد" لتبقى الدهشة ملازمة لى ولأتوسم فهم هذه الظاهرة بشكل علمى وموضوعى .
كنت أسأل نفسى مشككاً فى هذه الظاهرة من الناحية الميتافزيقية عن سر أن الجن يبرطع فى شعوبنا العربية ويركبنا ويتلبسنا ولا يوجد له حضور فى العالم المتحضر لأتصور أنها أمراض نفسية نعالجها بطريقة خاطئة ولكن تظل دهشتى قائمة حينها مع جهلى باقية .

ظاهرة الجن والأرواح الشريرة تنتشر كالنار فى الهشيم من ثقافة الجهل التى تُعلى الخرافة وتحتضنها وتنسحق أمامها وإليكم أولا رصد لحجم هذه الظاهرة فى مصر وعالمنا العربى الموبوء بالخرافة . 
في إحدى الدراسات المنسوبة لمركز البحوث قام بها كلا من الباحثين المصريين د.محمد عبد العظيم و د. احمد الكتامي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة كذلك دراسة الدكتور محمد المهدى استشارى الطب النفسى عن ظواهر الشعوذة والدجل وتفسير هذه الظاهرة نُشرت فى جريدة "الشرق الأوسط" أجزاء منها في عددين الأول: " 29 نوفمبر 2004 العدد 9498" والعدد الثاني: " 22 مايو 2005 العدد 9672". تبين أن المصريين ينفقون حوالي 10 مليار جنيه سنويا على الدجالين , حيث يُنفق هذا المبلغ على أكثر من 300 ألف دجال في مصر , مؤكدا زيادة أعداد هؤلاء الدجالين والمشعوذين , وازدياد روادهم حتى من المتعلمين والمثقفين , وأن هناك الآن ما يعادل دجال لكل 240 مواطن . ولك أن تعلم أن هناك طبيب واحد لعلاج 800 مواطن مصرى .!!( يرجى الأنتباه أن ال10 مليارات جنيه وفق تاريخ البحث فى 2003 لتضرب هذا الرقم الآن فى خمسة أضعاف نظراً لتدهور قيمة الجنيه المصرى ) .
لا يختلف الحال فى العالم العربى عن مصر فتقول احصائية حديثة إن الدول العربية تنفق أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً على الدجل والشعوذة. لنسأل كيف نوقف هذا النزيف الغبى الذى يطعم الجن والعفاريت من مواردنا المحدودة فكان بالأحرى إنشاء مستشفيات للعلاج النفسى وأخرى لمعالجة الإلتهاب الكبدى والسرطانى الذى ينهش أجسادنا .
يمكن القول على مسئوليتى الشخصية الذى لا تعتمد على بحث ودراسة بقدر إعتماده على رصد وتقدير شخصى جيد أن مسيحيي مصر ينفقون أكثر من المسلمين على إخراج الأرواح الشريرة وطرد الاعمال الرديئة ونيل البركة بحنوط وزيت القديسين بالرغم من أنهم يمثلون مابين 10-15% من السكان . هم يجزلون العطايا والنذور بسخاء ولكن يجدر الاشارة أن عائد هذه الاعمال يعود للكنيسة فلا كهنه مرتزقة وراء ذلك وهذا يفسر غنى الكنيسة المصرية بالرغم انها لا تتلقى دعماً من الدولة , فالعطايا والنذور والعشور تمثل دخلاً محترماً من جلب البركة وطرد الارواح والأعمال الشريرة .

تؤكد الدراسة ان حوالي 50 % من النساء يعتقدن بقدرة الدجالين على حل مشاكلهن , ولا يتوقف إنجذاب المرأة والجهلة والبائسين وذو الدخول المنخفضة وأنصاف المتعلمين على المشعوذين بل رصدت الدراسة أن إقبال ما يطلق عليهم مثقفين وأساتذة جامعات وأصحاب مال وفنانين وفنانات على الدجل والشعوذة بغية فك سحر أو معرفة بعض الأسرار الغامضة , أو عمل تعاويذ لجلب الحظ أو دفع الحسد والأعمال المربوطة أو ربط الآخرين أي أنها ظاهرة عابرة لكل المستويات الاجتماعية والتعليمية بشكل ملفت للنظر ومثير للإنتباه , ويرجى الإنتباه أن تعريف المثقف فى بلادنا يعنى الحاصل على شهادات جامعية أو قرأ عدة كتب لا يهم فى أى مجال أو من يشار له بأنه يتكلم بلغة عربية صحيحة .!
رصد البحث وجود 275 خرافة تعشش في عقول المصريين وتؤثر في سلوكهم على رأسها مشكلات تأخر سن الزواج وعدم الانجاب والمشكلات الجنسية المعقدة كعدم القدرة على الممارسة كذلك الحسد وفشل المشاريع ليحتل الجن مساحة كبيرة في وعي المصريين كقدرة على العلاج والتسخير .
بالرغم من مظاهر الحداثة كالفضائيات والإنترنت ، فقد ثبت من الدراسة أن 70 إلى80% من المرضى النفسيين في المجتمع المصري يترددون على المعالجين الشعبيين ، وطبقاً لتقارير المركز القومي للبحوث لسنة 2003 فإن في مصر مليون مواطن يعتقد أنه ممسوس بالجن وثلاثمائة وخمسون ألف شخص على الأقل يعملون في مجال العلاج بإخراج الجن .!

* جذر المشكلة وجود ثقافة متخلفة منحطة .
قبل الولوج لتحليل خرافة الجن والعفاريت نرجع إلى تأملى القديم عن لماذا يركبنا الجن ويصول ويجول فى أجسادنا بينما عازف عن الأوربيين والأمريكان ومعظم شعوب العالم المتحضر ليمكن تفسير هذا كنتاج ثقافة متخلفة بائسة تعتنى وتروج للجن والعفاريت وتنسب لها مشاكلنا النفسية , فالموروث الدينى الإسلامى والمسيحى يُعلى من فعل وحراك الجن ويعزى له قدرات هائلة مؤسساً ومدشناً لوجوده بفاعلية فيكفى أن هناك سورة فى القرآن بإسم الجن كما هناك أحاديث وأيات تعلن عن قدرة الجن على الفعل والتأثير لذا لا تجد مسلم أو مسيحى مثقف أو جاهل إلا ويعلن عن وجود الجن والأرواح النجسة وفعلهم وكل هذا مستمد من تراث دينى أسس ودشن هذا الوهم فهم يروننا ولا نراهم ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَونَهُم إِنَا جَعَلنَا الشَيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْ-مِنُونَ) الأعراف 27 ( قَالَ أَنَا خَير مِنهُ خَلقتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ ) الأعراف 12 ( قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَوِي أَمِينٌ ) النمل39 . وهناك حديث لمحمد عن علي بن مرة عن النبي أنه أتته امرأة بابن لها قد أصاب لمم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أخرج عدو الله أنا رسول الله". قال : فبرأ ) أخرجه الإمام أحمد 4/170 . علاوة على قدرة الجن الهائلة على الحراك والتأثير فى التراث الإسلامى لتصل قدراتهم مشاركة المؤمن النكاح بل تتصور النساء ممارسات جنسية مع الجن أو ذاك الجن الرابض فوق خيشوم المؤمن أو يتبول فى أذنه لإنصرافه عن الصلاة .

لا يختلف الحال فى المسيحية بل يزداد الهوس من الشيطان وجنوده فكتب بولس الى المسيحيين في افسس:‏ ( مصارعتنا ليست ضد دم ولحم , بل ضد القوى الروحية الشريرة في الاماكن السماوية ).‏ وذكر بطرس أن رئيس كل الارواح الشريرة،‏ الشيطان ابليس،‏ هو مثل اسد زائر يطلب ان يلتهم احدا) .‏افسس ٦-;-:‏١-;-٢-;-‏
تتكلل الميثولوجيا المسيحية بمعجزات منسوبة للمسيح بطرد الأرواح الشريرة فحسب المرويات المسيحية نجد الشياطين تطلب من يسوع أن يأذن لها بأن تذهب إلى قطيع من الخنازير (إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ) مت8: 31.
كما إن المسيح كان ينهر الشياطين التي كانت تخرج من الناس.( وَكَانَتْ شَيَاطِينُ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنْ كَثِيرِينَ وَهِيَ تَصْرُخُ وَتقولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ! فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ ) لو4: 41.
( وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ) مت8: 16
( فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ فَشَفَاهُمْ) مت4: 14.
( ولما أرسل يسوع تلاميذه قال لهم: ﭐ-;-ِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ) مت10: 8
الأرواح الشريرة اعترفت أن المسيح جاء ليعذبها، فصرخت قائلة: (مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللَّهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا ) مت8: 29.

من هنا جاء خوف الإنسان من هذه القوة الخفية التي يمكنها أن تؤثر فيه دون أن يراها أو يملك وسيلة لدفعها ،هذا الخوف أحاط موضوع الجن بالكثير من الحكايات والأساطير . لذا يعمل الشيوخ والكهنه على ترسيخ ثقافة الجن والعفاريت والأرواح الشريرة فى قطاعات واسعة من الناس , وداوفعهم متعددة فهم أولا يؤمنون بهذه الخرافة وحامى حماتها بإعتبارها من صلب الإيمان ومن ناحية أخرى كترويض المؤمنين ببث الخوف والرعب فى نفوسهم ليلجأوا إليهم كملاذ آمن وبالتالى يصبح لهم أتباعا ومريدين ومن ناحية أخرى توفر دخل مادى من إدعاء العلاج لدرء شر الجن والأرواح الشريرة من خلال قراءة مقتطفات من النصوص المقدسة وشبه المقدسة عليهم طلباً لمال أو شهرة أو دعماً لمؤسستهم الدينية ,ولهذا زادت جرعة الترهيب فى الخطب والمحاضرات والعظات والأشرطة لتشكل ثقافة المؤمنين ومنهجهم فى التفكير .

لدراسة ظاهرة الجن والعفاريت بشكل موضوعى فسننهج طريقين للدراسة والفهم أحدهما يعتنى بالأجواء الأجتماعية والفكرية والثقافية التى بمثابة الحضانة التى إستوعبت الظاهرة ونمتها وأوجدت لها حضور فى الذهن والطريق الثانى فهم هذه الظاهرة برؤية علمية مادية موضوعية وماذا يقول علماء النفس فى هذا الصدد .

* الخصائص السيكولوجية للمجتمعات القابلة للخرافة .
تنتشر الشعوذة حين يشعر الناس بالعجز وقلة الحيلة مع نصيب هائل من الجهل فحينما يتعثر فهم حالة أو ظاهرة ما تؤلمهم وتحيرهم تظهر فكرة الشيطان والجن للوجود وحينما يعجز البشر عن التغيير للأفضل من خلال الفكر والإبداع والعمل والجهد تنتعش الخرافة والحلول السوبرمانية السحرية , وحينما تصبح الحياة بلا قانون ثابت واضح أو منحاز لتغيب الشفافية وينعدم الأمل في تحقيق الأهداف بالطرق المعهودة يحل الإحباط كحضانة رائعة للخرافة , وحينما يصبح المستقبل غامضاً موحشاً غير مضمون ولا تبدو منه بارقة أمل في الإصلاح تتولد الأوهام , وحين يشعر الناس بأن أمور حياتهم تدار بإرادة غير إرادتهم , وأنهم ضحايا للظروف والأحداث والحظ والصدفة والقدرية فهنا يتعلقون بقوى خفية ذات قدرات سحرية تتجاوز حدود الواقع لا تعتمد على قدراتهم المكبلة المشلولة الممنوعة عن الحركة والفعل .
فقدان الحقوق عامل هام في انتشار الشعوذة , فهي هنا بمثابة البحث عن الحصول على الحقوق المسلوبة بطريقة سحرية من الباب الخلفي للحياة بعدما تأكد صعوبة أو إستحالة الحصول عليها بالطرق المعهودة كتعزية البعض لأنفسهم بالجنه تعويضاً عن متاعب الحياة والظلم فيها . ربما هذا هو السبب في إنتشار الإعتقاد بالخرافة والشعوذة لذا وجدت فكرة مصباح علاء الدين وطاقية الإخفاء حفاوة من الجماهير فى ثقافتها الشعبية .

يمكن تفسير سبب اجتياح خرافة الجن لدى النساء في المجتمعات العربية من معاناة المرأة من ضغوط إجتماعية هائلة ندركها جميعا لنحظى على شخصية مقهورة وصل القهر بها حداً إنها لا تستطيع البوح بما تعانيه و تحتاجه وترفضه, فمن هنا تندفع هذه النفسية المكبوتة المضطهدة بقوة نحو السحرة ومسخري الجان لتستعين بهم على ترقيق قلب زوجها لكي يحبها ويمنحها ما تحتاجه , أو يخفف وطأته عنها , أو تبعده عن إمرأة أخرى تعلق بها , أو إتقاء حسداً من غريماتها , أو ربط زوجها حتى لا يتزوج بأخرى ليكف عن نزواته ومغامراته العاطفية التي تجرح مشاعرها وكبرياءها . 

نهج القدرية أحد سمات المجتمعات المعتقدة بالخرافة والشعوذة , فهم يعيشون على المثل القائل "اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" ليعطى نتائج أنهم غير مسئولين أو مشاركين فيما يحدث , فالأمور تسير بقوى وتقديرات خارجية عن حدود ذواتهم , فإما أن تأتي من الغيب , أو تأتي من قوى بشرية لا يملكون لها دفعا , فهم دائما مفعول بهم وليسوا فاعلين , ومن هنا جاء أيضا ذلك الفكر الغبى عن المؤامرات الخارجية ليتم الرضوخ إليها ولعنها بدلاً من دفعها . 

إن القهر الإجتماعي والإستبداد السياسي عاملان أساسيان في إنتشار الخرافة والدجل والشعوذة , إذ يبحث الإنسان المقهور تحت هذه الضغوط عن توازنه النفسي فيلجأ إلى عمليات تعويضية غير ناضجة من خلال إنتظاره لقوى خارقة تنقذه مما هو فيه وتعوضه عن ضعفه وقلة حيلته وضآلته وحقارته أمام القوى التي تقهره وتستبد به , مثلما يلجأ إلى الدعاء على الظالم ثم يجلس لينتظر نتيجة الدعاء لذا تجد فى الثقافة الشعبية إنتظار الخليفة والمهدى المنتظر والزعيم الملهم المخلص .
حتى فكرة التفاؤل والتشاؤم تجد حضوراً وهاجسا كبيرا لدى الشعوب التي تعتقد في الشعوذة , فهي شعوب قلقة على مستقبلها وليس لديها الفرصة لقراءة موضوعية لحاضرها نتيجة جهلها فغالبية خيوطه ليست بيدها , كما أنها لا تملك رسم مستقبلها بأي صورة فهى فاقدة لحاضرها ولا تملك شيئا سوى الاجترار من تراث ماضيها . 

الشعوذة تجد حضوراً لدى الشعوب الجاهلة التي تفتقر إلى المعرفة والعلم أو للدقة المنهج العلمى فى التفكير حيث يسود الجهل لتتخلق مربعات من الفجوات المعرفية تحاول حلها وملأها بأشياء خرافية , كما تكون لديها تساؤلات كثيرة لا تجد لها إجابة فتضطر لقبول أي تفسير سحري يريح عقلها من الحيرة لتتسع مساحة الغيب في الوعي العام ليتم ملأ هذه المساحة بمفاهيم دينية ومن هنا تتسلل المفاهيم الخرافية لتتمدد في هذه المساحة الغبية الغيبية فتنشاً الخرافة التى جاءت من جهل وحيرة إنسانية رافقها تعجل وهرولة للبحث عن أى إجابة سهلة مريحة.

* ثقافة الجن نتاج حالة مجتمع مقهور .
إستكمالاً لنفس الرؤية السابقة نقول بأن هناك علاقة قوية طردية بين ما يعرف بثقافة الجن والحالة الإجتماعية والسياسية والدينية للمجتمعات حيث تساهم حالة القهر النفسي والاجتماعي والسياسي في خلق الإحساس بالعجز فلا يستطيع الشخص التعبير عما بداخله وخاصة بالنسبة للنساء والمهمشين فيلجأ الجهاز النفسي حينئذ إلى حالة يطلق عليها علماء النفس "الهستيريا الانشقاقية" تتمثل فى إنشقاق جزء أو مستوى من الوعى فيتكلم بصوت مختلف أو يأتي أفعالاً غريبة على خلاف شخصيته العادية , كما يعزي علماء النفس الحالة التى يقال عنها مُلتبسة بالجن إلى "هستيريا تحولية" حيث تتحول المعاناة النفسية إلى أعراض جسمانية عصبية ليدخل المريض فى حالة إغماء أو تشنج هستيرى وذلك للهرب من ضغوط لا يقوى على احتمالها , إضافة إلى أن ظروف المجتمع لا تسمح بحالة نضج نفسى وفكرى لكثير من الناس بل تشجع على الخوف والخضوع والتعامل بطفولية أمام كل رموز السلطة من آباء ومعلمين ومديرين وأزواج وحكام فحين تتعرض هذه الشخصيات الهشة غير الناضجة لأي ضغوط فهي تلجأ إلى الأعراض الهستيرية الانشقاقية أو التحولية تحتمي بها لتجذب الانتباه لها وتستجدي من خلالها العطف والاهتمام , ودائما ما تعزى كل شيء لعوامل خارجية لا سلطان لها عليها لتنتشر ثقافة القدرية والمكتوب بشكل هوسى لذا فهي ليست مسئولة عن أي شيء فى محاولة من النفس تبرأة ذاتها من العوار ، لذا يتبادر لذهن المريض أن ثمة علاج بالتوجه إلى القوى الغيبية المسيطرة دون تدخل منه في أي شيء وهذا يسمى فى علم النفس " وجهة الضبط الخارجية " حيث يربط الإنسان ما يحدث له بالحظ أو بالصدفة أو القدرية أو بتأثير أشخاص آخرين ولا يرى نفسه مسئولاً عن شئ أو قادراً على تغيير شئ فى محيط حياته فهو فى وضعية المفعول به , وبالتالى ينتظر الحل من خارجه سواء من الظروف أو من الناس .

فكرة الجن هنا تمثل رمز في العقل الباطن الشخصي وفي الوعي الجمعي كقوى القهر والتسلط والإذلال الخارجية والداخلية , فمنها تم إنتاج فكرة فوبيا المؤامرة السائدة التى تعزى الأمور إلى التسلط الأمريكي الصهيونى والإذلال العالمي الخارجى للمسلمين والعرب والمصريين ليتم ترديدها فى كل مناسبة وكل محفل , كما أنها ليست بعيدة عن أجواء التسلط والاستبداد على كل المستويات الداخلية , فالشخص والمجتمع المصري يشعر في النهاية أنه مفعول به طوال الوقت وأنه عاجز عن المواجهة ولكي يعفي نفسه من هذا الموقف المهين يقوم بعمل إزاحة لكل هذه المعاني إلى قوى خارجية خفية كفكرة الجن المستمدة من تراثه الدينى ليعتقد اعتقاداً جازماً أنها توجه حياته وتؤثر فيها وأنه لا حول له ولا قوة تجاهها , وحتى في حالة بحثه عن علاج من تأثير الجن فهو عاجز لا يقوم بأي جهد إيجابي فالمطلوب منه أن ينام على ظهره ليقوم المعالج سواء شيخ أو قس بتلاوة نصوص دينية حتى يطرد الجن من جسده وإذا لم يخرج بهذه الطريقة فلا مفر من الضرب بالعصى على هذا الجسد السلبي المستسلم المتخاذل حتى يخرج الجني الذي يركبه . وتزداد فنتازية الصور لنسمع عن وجود جن كافر ركب هذا الشخص وكأن الكفار سواء إنس أو جن يمارسون قهراً وتسلطاً وإيذاءاً للمؤمنين لا يمكن دفعه إلا بوسائل خارقة.

نحن أمام ملايين من المكبوتين والمحبطين والمهزومين والمقهورين والمرضى النفسيين تتجسد مشكلاتهم النفسية والإجتماعية فى صورة أعراض تعويضية تعوضهم الكبت أو الحرمان أو الفشل وتأخذ شكل قصص فنتازية عن الجن والعفاريت , فالطالب الذى فشل فى إكمال دراسته الطبية يمرض نفسياً ويتبنى ضلالات تعويضية تجعله طبيباً مشهوراً تلقى العلم على يد العفاريت الزرق , والمرأة التى غاب عنها زوجها طيلة حياتها وهجرها أبناؤها تعوض وحدتها وحرمانها وكبتها بجن يُؤنس وحدتها ويلبى احتياجاتها الغريزية بوهم تخيلى تتعايشه بكل وجدانها ! والشاب الذى عجز عن الزواج لفترة طويلة جسد كبته فى جنيّة ترافقه ليعتاد هذه العلاقة المتوهمة ويفشل عند زواجه بإنسية أو قد يكون اختلق تلك الحكاية ليبرر بها عجزه عن أداء مهمته مثل الكثير الذين يخفقون فى ممارسة جنسية ليلة الدخلة فيعزون هذا إلى عمل من جن يربط قدراتهم أو جنيّه ترفض الإبتعاد عنهم .

ثمة علاقة جدلية بين الظلام الفكرى وفكرة الجن والشياطين , فحياة الشعوب حين تفتقد إلى المصداقية والشفافية وتصبح حياتها مسكونة بالمخاوف والتخيلات المرعبة القلقة لتتجسد فى النهاية فى صورة جنى أو شيطان يتربص بهم , والظلام هنا يعنى الظلمة المعرفية وظلمة العقل بانعدام أو نقص المعرفة الحقيقية , ولهذا نجد أن ثمة تناسب طردى بين الظلام الفكرى وبين كثرة الحديث عن الجن والعفاريت , فظلمة العقل من نقص العلم فيه وإنعدام الشفافية فى الحياة الخاصة والعامة وإستحسان إجترار القصص الخرافية .
الخوف المبالغ فيه من الجن لدى المؤمنين ربما يعكس حالة من الخوف العام المخبوء فى الطبقات الأعمق من الوعى وهو خوف متعدد الأسباب ربما يكون خوفاً من الظلم أو من القهر أو من الحاكم المستبد أو من الموت أو من الفشل أو من الضياع , ليتجسد هذا الخوف فى النهاية ناحية رمز متجذر فى الثقافة الشعبية أو الدينية فى صورة غولة أو جن .

جاءت فكرة الجن والشياطين والعفاريت كرغبة خفية من البشر فى إزاحة كل شرورهم وضعفهم على كائن خارجى مستتر بإسقاط تلك الشرور عليه وإتهامه بكل الصفات السيئة التى تثقل نفوسهم , وبهذا تستريح تلك النفوس بعد أن ألقت بكل أدرانها على هذا الكيان " الشيطانى " , فالشيطان هنا شماعة يسقط عليها المؤمنين كل الشرور والإحباط والعجز ليزيحونها عن أنفسهم , وهذا يفسر لعن الناس للجن والشيطان الرجيم حين تفسد أحوالهم وذممهم وضمائرهم وحين يشعر المصريون بكثرة الفساد وتغلغله وتوحشه وانتصار قوى الشر على المستوى الدولى والمحلى , فإنهم يستدعون من اللاوعى الجمعى رموز الشر الممثلة فى الشياطين ويتخيلونها تملأ حياتهم وتهدد وجودهم فينشغلون بها إنشغال وسواسي لتمنحهم الثقافة الشعبية والروايات الدينية الزخم ورصيد هائل يغذى تصوراتهم عن هذه المخلوقات الشريرة الخبيثة التى تختبئ فى جوانب حياتهم وتهدد أمنهم واستقرارهم . وهذا يفسر لنا هذا ندرة الكلام عن الجن والشياطين فى المجتمعات الغربية المتطورة المستقرة التى تمتعت بالشفافية والعدل والأمان , مقارنة بالمجتمعات التى مازالت تعيش فى ظلمات الجهل والقهر والفساد والإستبداد . 

فكرة الجن وتأثيرها علينا تقدم لنا تبريرات لمشاكلنا ومصائبنا ومعاناتنا وفشلنا وتبعدنا عن التفكير الجاد كما تعفينا من مواجهة حقيقتنا الباهتة , وحياتنا المليئة بالمتناقضات , لتأتى العلاجات السحرية بالأحجبة والتمائم و غيرها لتؤكد هذه الصورة البائسة , ولهذا تعودت العقول على الإستسهال والتعلق بالحلول السحرية الكاذبة الخادعة وتعودت اللجوء إلى العالمين ببواطن الأمور من هذا الشيخ المبروك أو ذاك القس القديس لإلقاء الأحمال والمشاكل والهموم بين أيديهم وإنتظار الفرج أن يأتى من عندهم , وهكذا تفتك ثقافة الجن وثقافة الإستسهال وثقافة الإعتماد السلبى بكل ماتبقى من مقومات الحياة الصادقة لنتمرغ فى مستنقعات التخلف .

قد يقول قائل بأن الإعتقاد في الخرافات وممارسة الشعوذة موجود في كل الشعوب والثقافات وليس مقصوراً على مجتمعاتنا ففي أكثر الدول تقدماً توجد لديهم معتقدات عن الأشباح وممارسات سحرية , وهذا صحيح غير أن ثمة فارق هائل لا يتمثل فى نسبة المؤمنين بالخرافات هنا وهناك فحسب بل فى منهجية التعاطى ,فالدول المتخلفة تشكل الخرافة فيها وما يتبعها من ممارسات دجل وشعوذة مساحة هائلة في الوعي العام ليمثل العمود الفقرى لوعيها وتعاطيها وتتبقى قشرة بسيطة للممارسات العلمية , أما في المجتمعات المتقدمة فلا تعدو الممارسات الخرافية والسحرية أن تكون مجرد قشرة رقيقة تتمحور فى الإستمتاع بالفنتازيا والغموض كإستهواء أفلام الخيال والخوارق , أما باقي مساحة الوعي فيشغلها التفكير والمنهج العلمي , أي أن الشعوذة لدينا أصيلة عميقة ولديهم فنتازيا وسط شرائح صغيرة لا تشكل وجدانها الحقيقى . 

* تفسير التشنجات التى تنتاب ما يقال عنهم ملبوسون .
كثير من الأفراد يصاب ببعض التشنجات المختلفة ليفسرها البعض بشكل علمى ويفسرها آخرون وفق لثقافتهم البائسة وأهواءهم الشخصية على أنها مس جنى ,فما تفسير العلم من تلك الأقاويل وهذه التشنجات .
يجيب الدكتور أسامة أبو المجد أستاذ أمراض المخ والأعصاب بكلية الطب جامعة الإسكندرية , إن التشنجات يرجعها العلم إلى ثلاث أسباب فقد تكون عبارة عن تشنجات كهربية مخية تحدث نتيجة لنوبات من الصرع وليس للجن أو العفاريت أى علاقة بها كما يعتقد الجميع , حيث أن المخ يعمل بشحنات كهربائية وعندما تزيد تلك الشحنات لعدة أسباب يحدث هذا الخلل مسبباً حدوث نوبات من التشنجات تجعل الشخص غير قادر على الحركة وفى حالة من الذهول وعدم إدراك ما حوله أو قد يتحرك حركات لا إرادية، وقد تسبب له حالة من الإغماء تصل إلى غيبوبة لمدة دقائق وعندما يعود للوعى لا يتذكر المريض أى شىء من تلك المرحلة. 
وحول التفسير العلمى الثانى لتلك التشنجات يبين دكتور أمجد أنها قد تكون ناتجة من أحد الأمراض النفسية المعروفة ب " أمراض الإيحاء" وتحدث تلك الأمراض مع الأشخاص الذى لديهم إيمان عميق بقدرة الجن وتأثيره على الإنسان , وفى هذه الحالة يزيح ويرحل الشخص كل الأقدار والمواقف إلى الجن , فعندما تتأخر الفتاة عن الزواج فيكون الجن هو المسؤل , وعند عجز الرجل الممارسة فى ليلة الدخلة فالجن والربط هو السبب , وعند حدوث حادثة ما فيكون مس من الجن وهذا ما يجعل لدى الشخص إعتقاد راسخ بأنه قد مسه الجن , فتظهر عليه أعراض ما يقال عنه مس . ويصنف العلم تلك الأمراض بأنها أمراض مرتبطة بالثقافة المجتمعية، بحيث تختلف من مجتمع ومن شخص لآخر وفقا لمدى إيمانهم الداخلى بالظاهرة أو بالمعتقدات الخرافية .
أما النوع الثالث فهو بعيد عن الأمراض العضوية أو النفسية إلا أنه مازال موجودا ونشاهده يوميا فى مجتمعاتنا هو أن يكذب الشخص على من حوله , ويقوم بتمثيل هذا الدور بعفوية وذلك لتحقيق مكاسب شخصية وهى إما لجذب الإنتباه والإعتناء به أو لتحقيق شهرة أو ثروة أو للهرب من نطاق الأسرة والتصرف بحرية ’ ويشير الدكتور أمجد أن هناك العديد من الحالات تعرضت للتعذيب ولقوا حتفهم نتيجة للاعتقادات الخاطئة بمس الجن .

* الأشباح والجن المحلقين فى الأجواء .
توصل البروفيسور ريتشارد ويسمان المختص بسلوكية الانسان في جامعة هيرتفوردشير الانكليزية إلى حقيقة علمية تدحض آلاف الادعاءات عن معايشة أشباح متحركة، وتوصل إلى تفسير يخص هذه المعايشات , فبعد دراسته لكثير من التقارير عن اكثر الاماكن الانكليزية شهرة بقصص الأشباح وتحليلها تمكن من العثور على تفسيرات طبيعية لجميع الظواهر.
يقول أن الكثيرين عايشوا إحساس ان هناك أحد ما خلفهم مباشرة ليعلن أن هذه الظاهرة لها اسباب طبيعية وتحديدا موجات مافوق الصوت , فالموجات المافوق صوتية تملك ترددات منخفضة بحيث تعجز الاذن عن إلتقاطها , وعلى الرغم ذلك فهذه الموجات قادرة على التأثير على الجسم بمقدار ما ,فهذه الموجات قادرة على حمل الاشياء الصغيرة كما إنها قادرة على تحطيم ألواح الزجاج وحتى جسم الانسان يتعرض لهذه الموجات بأستمرار ولكن حسن الحظ بصورتها الضعيفة للغاية ومع ذلك فهي كافية للتأثير علينا .. هذا التأثير تحديدا هو الذي يسبب معايشاتنا لظواهر مافوق طبيعية.
حاول الباحث ريتشارد لورد المختص في ابحاث الموجات الصوتية الاجابة عن سؤال: لماذا توجد أماكن تزورها الاشباح أكثر من غيرها أو بالأحرى لماذا غالبية التقارير القادمة تأتي من مناطق جغرافية محددة , ليرى الاجابة في أن الموجات مافوق الصوتية تتركز في جيوب محددة مثل الممرات الضيقة , وهذا التركيز هو الذي يؤثر على الاشخاص الموجودين في هذا المكان بحيث يخلق لديهم المشاعر الغريبة. وحتى الطبيعة الطبوغرافية للمكان لها اهمية ,فالجبال والوديان والهضبات يمكن من طبيعتها الطبوغرافية أن تسمح بخلق موجات مافوق صوتية من التيارات الهوائية, ومن هنا بعض الاماكن يمكن أن تخلق مشاعر غير طبيعية.

مازال الكلام لريتشارد ويسمان بأن هناك بعض الشخصيات لديها قابلية أكثر لقبول التفسيرات غير المنطقية وللتأثر بالإيحاءات غير العقلانية التي يمارسها بعض المشعوذين , وهذا يسمى النمط الخرافي من الشخصية وهذا النمط يوجد في المتعلمين والجهلة على حد سواء , ولكنه يكثر في النساء والأطفال وكبار السن والمرضى النفسيين والمجتمعات البدائية بشكل عام , فصاحب هذه الشخصية يتميز بالقابلية للإستهواء , والإعتقاد في التفاؤل والتشاؤم , وتصديق روايات الأشياء الخارقة للعادة , ولا يشعر بالرضا بل يميل إلى الحزن والتوتر الإنفعالي والقلق , ويعاني من صراعات يبحث لها عن مخرج واقعي أو حتى خيالي , وهو سريع التصديق للروايات والإشاعات , وسريع القبول لتوجيهات وإيحاءات أهله أو أصدقائه لذا من السهل أن يسيطر عليه دجال أو مشعوذ .

* نظرية القمر .
أود أن أضيف رؤية خاصة للتحليلات السابقة لن تخرج عن محتواها لتؤكد أن أى ظاهرة ما لها تفسيرها المادى الذى يُمكن أن نجهله ولكن لن تخرج عن ماديته لأقدم رؤية فكرية أطلقت عليها نظرية القمر نستطيع من مغزاها أن نفسر منشأ أى ظاهرة كفعل وتأثير وجود مادى ومن هنا فلنبحث مادياً فيما وراء اى ظاهرة كفكرة الجن .
أقول : إذا كان القمر يؤثر على ماء البحر بظاهرة المد والجزر فهذا يعنى أنه يؤثر على جزئيات الماء التى فى داخل أجسادنا ولو بتأثير غير محسوس أو مُدرك ومن هنا إستنتج الإنسان القديم علاقات ما مع القمر لنجد ما يسمى بعلم الأبراج وقراءة الطالع وإستنتاجات عن تأثير حال القمر على السلوك .
مثال آخر ندركه وهو تأثير أشعة الشمس على أجسادنا بشكل مؤثر فهى تساهم فى تكوين فيتامين D أو تحرق بشرتنا كذلك أهمية الشمس فى عملية التمثيل الضوئى للنبات بالرغم بعد الأشعة الشمسية عنا بمسافة 149.6 مليون كم !!
لا نستطيع نفى وجود تأثيرات مادية من الأجرام السمائية على أجسادنا وفق رؤية وحدة الوجود والتأثير بغض النظر أننا لا نستطيع الإحساس بتأثيرها المباشر علاوة على جهلنا وعجزنا عن رصد وقياس تأثير الأشياء شديدة الضآلة.
نحن نعيش فى وحدة وجود ومؤثرات الكل على الكل والكل على الجزء حتى لو لم تكن مُدركة ومَعلومة ومقاسة بشكل تطبيقى ومن هنا نقول إستحالة إنعدام التأثير ومن نظرية اللاصفر المطلق سنجد لابد من وجود تأثير ما ولو ضئيل غير مُدرك , فالوجود وحدة فيزيائية كيميائية مؤثرة ونحن جزء منها .

قد يقول قائل : لماذا لا يذهب الناس إلى الأطباء والمعالجين النفسيين المتخصصين ، والجواب أن هناك مشاكل تعوق هذا التوجه : المشكلة الأولى تخص ثقافة البشر الفكرية والاجتماعية ، تلك التركيبة التي لا تقبل ولا تتحمل منهجية العلاج النفسي الحديث الساعية والداعية إلى إيقاظ الوعي والإرادة وتحمل المسئولية الشخصية عما يحدث وتبني المواقف الإيجابية تجاه أحوال الشخص وأحوال المجتمع والسعي نحو تغيير الظروف للأفضل بالسعي والعمل والمثابرة , والسعى نحو المعرفة والتطور واكتساب المهارات الحياتية ومهارات التكيف مع الناس وإيقاظ ملكات الإبداع إلخ . هذه القيم لا يتحملها وعي الكثير من طالبي العلاج فى المجتمع المصرى والعربى أو حتى أقاربهم والمحيطين بهم وهم يفضلون عليها طريقة العلاج بالقرآن لإخراج الجن أو فك السحر حيث تعفيهم عن هذا الجهد وتلك المواجهة وتجلب الإتكالية المريحة علاوة على أن تفشى ثقافة الجن وفعله موجود فهكذا ذكر فى القرآن وعلاجه لا يأتى إلا بالقرآن .!
المشكلة الثانية من ثقافة مجتمع لا تحفل ولا تحترم العلاج النفسى وتخلط بين المرض النفسى والعقلى لتتصور أن أى مريض نفسى هو مجنون مختل عقلياً ومن هنا يتم تجنب العلاج النفسى والهرولة إلى الشيوخ والكهنه أصحاب العلاج من الجن والأرواح الشريرة فعلى الأقل هذا مذكور فى الكتب المقدسة .
المشكلة الثالثة تتمثل فى تلك الميوعة والنفاق الذى تمارسه النخب المثقفة بل أطباء علم النفس أنفسهم , فبالرغم من الإستنكار والتنديد بالمشعوذين ونعت معالجتهم بالدجل إلا أنهم لا يجرؤون القول بخرافة الجن بشكل صريح فيقيموا جسر مع الفكر الدينى بأن المشعوذين على خطأ ولكن الجن موجود وهذه مصيبتنا الحقيقية فى نخب المثقفين والعلمانيين بمغازلة ومهادنة الفكر الدينى والخرافات .

* ما العلاج 
ما السبيل للخروج من هذا النفق المظلم الذى يبتلع مواردنا المحدودة لينفقها على الجن والعفاريت والأكثر إيلاما والأهم شأناً هو معاناة ملايين البشر من تردى حياتهم النفسية وإضطرابها بلا علاج حقيقى ليقدر البحث السابق بوجود أكثر من مليون مواطن مصرى يتوهمون أنهم ملبسون بالجن ناهيك عن ملايين أخرى تعانى مشاكل نفسية عميقة يعزونها لفعل الجن بينما هى أمراض نفسية يمكن علاجها .
ارى العلاج الحقيقى لا يأتى من زيادة مستشفيات العلاج النفسى ولا بمطاردة الدجالين والمشعوذين وسن القوانين الرادعة التى تجرم فعلهم فللأسف الشديد لا توجد قوانين تجرمهم نظرا أن المرضى هم من يذهبون إليهم والقانون لا يحمى المغفلين علاوة على ذلك هذا الإعتقاد والإيمان المهيمن على كل العقول بوجود ظاهرة الجن والأرواح الشريرة فهى مذكورة فى القرآن والكتاب المقدس .
لا يكون العلاج بدعم وجود الطب النفسى أو مطاردة الممارسين للشعوذة وخداع البشر , فالعلاج الحقيقى يأتى من تغيير ثقافة المجتمع ورؤيته ونهجه لذا لا نجد الأوربيين يلجأون إلى الكهنه والمشعوذين لأن لهم ثقافة مغايرة عن ثقافتنا المنحطة , ومن هنا كان كل إعتنائى فى مقالاتى وأبحاثى بالثقافة فهى مفتاح التقدم والتأخر كونها نهج وطرق تفكير الإنسان وليس شحن دماغه بالمعلومات بل بطريقة ومنهج تفكير ورؤية عند معالجته للأمور لذا أقول : ما لم تتغير ثقافتنا البائسة فكل محاولات الإصلاح السياسى والإقتصادى ستذهب أدراج الرياح ونكون كمن يحرث بالماء .
لا سبيل سوى تغيير فكر وثقافة الإنسان العربى وتحريره من ثقافته البائسة وإلا سننزف بشر وعقول ومال لإطعام الجن والعفاريت وأشتاتا أشتوت .