الجن والمرض النفسي و عقلية المسلمين

 

إن الاعتقاد السائد لدى عامة الناس ونسبة غالبة من علماء الدين الإسلامي ، أن المرض النفسي مصدره المس بالجن، أي أن المريض يسكنه جن أو شيطان، أو على الأقل تحت تأثير السحر أو العين أو الحسد. وقد ساعدت وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة لتدعم هذا الرأي الميتافيزيقي الذي لا يمت لروح العلمية البتة التي طالما تباهى بها تيار أخر من علماء المسلمين.
يبقى هذا الرأ ى هو السائد عند غالبية المجتمع العربي و الإسلامي
و رغم زعم العديد من مثقفين المسلمين أن علماء الإسلام ا هم من أبدع المنهج العلمي ، كالحسن ابن الهثيم ،الرازي، و الكندي...قبل كلود برنا رد و نيوتن.
فلماذا مازلت عقلية الشعوب العربية و الإسلامية تفسر الظواهر الطبيعية و النفسية بطريقة لاهوتية أحينا و ميتافيزيقية تارة أخرى؟
إلا أن ظاهرة اللجوء إلى الرقاة استفحلت بشكل ملفت للانتباه في 
السنوات الأخيرة، من اجل العلاج و إيجاد الراحة النفسية و حل بعض 
المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية.
و لم تعد هذه الظاهرة تمس شريحة واحدة من المجتمعات العربية و الإسلامية بل طالت جميع طبقات المجتمع الفقيرة منها و الغنية المثقفة- من حاملي الشهادات العليا- و الأمية.
ان المؤشرات التي جاء بها تقرير المركز العربي للبحوث لسنة 2003 بين ان اكثر من 12 بالمائة من عدد سكان الدول العربية يعتقدون بأنهم ممسوسين و أكثر من 150 ألف على الأقل يشتغل في مجال العلاج بالرقية ناهيك عن المشعوذين....
فما هي الأسباب التي دفعت بهذا الكم الهائل من المرضى يلجئون 
إلى هذا نوع من المعالجين- إن صح التعبير-؟
ان أعداد كبيرة من المرضى النفسيين يقصدون الشيوخ والمطوعين 
للجن الذين اشتهروا بعلاج التلبس وإزالة اثر السحر والعين والحسد 
ويدفعون أموالاً طائلة توقعاً للشفاء .
الغريب في الأمر أن هؤلاء المعالجين ليس لديهم وسائل تشخيص 
محددة، بل يؤكدون لكل مريض يقصدهم بأي نوع من الأعراض النفسية 
المتعارف عليها عالمياً بأنها من فعل السحر أو العين أو الحسد أو 
الشيطان، فالصرع من فعل الجن،الهستريا HYSTERIA من فعل 
الحسد ، obsessive compulsive disorder الوسواس القهري من فعل الشيطان و الإكتئاب من 
فعل العين.
بصفة عامة يعتقد هؤلاء أن المرض النفسي يحدث بسبب لبس الجن 
فما هي الحقيقة في ذلك.؟ 
للإجابة على هذا السؤال يجب أولا أن نتعرف على أسباب حدوث 
الأمراض النفسية أولا... ولدراسة هذه الأسباب يجب أن نتعرف على 
المخ البشرى حيث يتكون المخ البشري من 15 مليار خلية عصبية
وهناك مراكز في المخ لكافة الوظائف النفسية و البيولوجية للإنسان ، فهناك مركز للحركة ومركز للتنفس وكذلك هناك مركز للذاكرة والسلوك والمزاج والوجدان.. ويرتبط المخ بالحبل الشوكى الذى يقع داخل العمود الفقرى وهو يحتوى على عدد ضخم من الخلايا العصبية وبذلك يتمكن من نقل كل أنواع المعلومات من و إلى المخ. 
وتتصل الخلايا العصبية بعضها ببعض بواسطة تشابكات عصبية ، وهذه 
التشابكات أو المسافات الرقيقة بالرغم من إنها تفصل ما بين الخلايا لكنها في الواقع تربط بينها كيميائيا .. أن الرسائل تنتقل بين خلية وأخرى بواسطة مواد كيميائية تسمى الناقلات العصبية ، وزيادة أو نقص الناقلات العصبية في المخ "مثل السيروتونين ، دوبامين ،أدرينالين ..الخ" يؤدى إلى اضطراب الوظائف النفسية للإنسان فقد وجد مثلا أن اختلاف نسبة السيروتونين يؤدى إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب .ومن هنا جاءت فكرة كيفية ضبط تركيز الناقلات العصبية وإيجاد توازن بينهما مستخدما العقاقير التي تؤثر على الناقلات العصبية و إعادتها إلى وضعها السليم.إذا فالمرض النفسي يحدث بسبب اختلال في نسبة الناقلات العصبية في الجهاز العصبي للإنسان وذلك نتيجة عدة عوامل منها تأثير الوراثة والبيئة والتربية و التغذية وعوامل عديدة أخرى جارى البحث عنها ، والمرض النفسي مثله في ذلك مثل الأمراض العضوية الأخرى له أساس عضوي ولا يحدث بسبب الجن .
كيف يحدث مرض الصرع CRISE D’EPILEPSIE إذن ؟ 
الصرع هو حالة عصبية تُحدث من وقت لآخر بسبب اختلال وقتي في النشاط الكهربائي الطبيعي للمخ . وينشأ النشاط الكهربائي الطبيعي للمخ من مرور ملايين الشحنات الكهربائية البسيطة من بين الخلايا العصبية في المخ وأثناء انتشارها إلى جميع أجزاء الجسم ، وهذا النمط الطبيعي من النشاط أقوى من تأثير الشحنات العادية . ويكون لهذه الشحنات تأثير على وعى الإنسان وحركة جسمه وأحاسيسه لمدة قصيرة من الزمن وهذه التغيرات الفيزيائية تسمى تشنجات صرعية ولذلك يسمى الصرع أحيانا "بالاضطراب التشنجي" . وقد تحدث نوبات من النشاط الكهربائي غير الطبيعي في منطقة محددة من المخ وتسمى النوبة حينئذ بالنوبة الصرعية الجزئية أو النوبة الصرعية النوعية .وأحيانا يحدث اختلال كهربائي بجميع خلايا المخ وهنا يحدث ما يسمى بالنوبة الصرعية العامة أو الكبرى . ولا يرجع النشاط الطبيعي للمخ إلا بعد استقرار النشاط الكهربائي الطبيعي . ومن الممكن أن تكون العوامل التي تؤدى إلى مرض الصرع موجودة منذ الولادة ، أو قد تحدث في سن متأخر بسبب حدوث إصابات أو عدوى أو حدوث تركيبات غير طبيعية في المخ أو التعرض لبعض المواد السامة أو لأسباب أخرى غير معروفة حالياً . وهناك العديد من الأمراض أو الإصابات الشديدة التي تؤثر على المخ لدرجة إحداث نوبة تشنجيه واحدة . وعندما تستمر نوبات التشنج بدون وجود سبب عضوي ظاهر أو عندما يكون تأثير المرض الذي أدى إلى التشنج لا يمكن إصلاحه فهنا نطلق على المرض اسم الصرع .
إذا فالصرع لا يختلف عن الأمراض العضوية الأخرى.فهو يحدث لأنه يوجد سبب ما في الدماغ يسبب حالة التشنج لفترة قصيرة.إن أسبابه عضوية مثل الأمراض الأخرى ونستطيع التوصل إلى بعض أسباب المرض باستخدام التحاليل المعملية وأجهزة الفحص الحديثة مثل رسم المخ والأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي وهناك بعض الأسباب التى لم نهتد إليها حاليا وسوف نتوصل إليها فى المستقبل بإذن الله ، فالصرع مرض مثل الأمراض العضوية الأخرى .
ويجب أن نتذكر قصة المرأة التي جاءت للنبي (ص) وكانت تشتكى بأنها تصرع ، وطلبت من النبي (ص) أن يدعو لها حتى تبرأ من المرض ... فقال لها رسول الله (ص) اصبري ولك الجنة . أى أن الرسول (ص) اقر بوجود المرض وانه ابتلاء من الله وان من يصبر على المرض ينال اجر الصابرين قال تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ). 
أعراض الشخص الممسوس:
المتلبس بالجن أو الشيطان هو شخص غريب الأطوار والهيئة تبدو عليه تشوهات أو التواءات جسدية وقد يتفوه بكلمات غريبة أو غير مفهومة أو بذيئة أو يتحدث بلغة أجنبية وله قوة خارقة. وهو لا يأنس بالإنسان وتخيفه الرموز الدينية. وذكر أيضاً أنه يستطيع أن يسكن جسده بحيث يبدو كأنه ميت أو فاقداً للوعي نسبة لإبطائه لتنفسه وضربات قلبه وشل حركة جسمه وعدم استجابته للمؤثرات الخارجية. وذكر عنه انه قد تعتريه تشنجات أو انتفاضات عضلية حركية مفاجئة أو تنتابه نوبات من العواطف القوية كالغضب فيثور ويؤذي ويدمر ما حوله.
الغريب في الأمر أن أغلبية هذه الأعراض يمكن معاينتها لدى المريض النفسي أو العصبي أو العقلي ولكن ليس بالضرورة كلها مجتمعة ولكن على حسب التشخيص الطبي DSM وCIM الذي يمكن الوصول إليه بعد الاضطلاع على التاريخ المرضي والكشف ألسريري وإجراء الاختبارات النفسية أو المعملية اللازمة. وسوف أذكر أهمها تحت ثلاث تصنيفات باختصار شديد.
الأسباب العلمية للمرض النفسي:
يمكن تعريف المرض النفسي على أنه مرض يسبب اضطراباً في التفكير والإدراك والسلوك والعواطف. وفي حالة كونه شديداً يحد من قدرة المريض على مواجهة متطلبات حياته المهنية والأسرية والاجتماعية وحتى متطلباته الشخصية من العناية بجسمه ومظهره وإطعام نفسه أو حمايتها من الأخطار.
في أخطر الحالات قد يفقد المريض بصيرته ويفقد تماماً الاتصال بالواقع وإدراك الخطأ من الصواب نسبة للاضطراب الشديد في ملكاته العقلية، أي يصل مرحلة فقدان العقل أو الجنون تحديداً . عندها يكون قد رفع عنه القلم ولا يعتبر قضائياً مسئولا عن تصرفاته ولكن لا يمنع ذلك من اتخاذ وسائل تمنعه من الإضرار بالنفس أو الغير مستقبلاً مثلاً حجزه بمأوى يقوم بعلاجه ورعايته .
بالرغم من أن السبب الرئيسي لأغلبية الأمراض النفسية والعقلية غير معروف بالتحديد إلا أن الأبحاث الطبية أكدت أن مجموعة من العوامل البيولوجية والسايكلوجية والبيئية لها دور في حدوث المرض. بعض هذه الإضطرابات ربطت بعدم توازن أو اختلال بكيميائيات معينة في المخ تسمى الموصلات العصبية Neurotransmetteur هذه الموصلات تساعد خلايا الدماغ في التواصل بينها وأي اختلال في هذا التوازن في هذه الموصلات من ناحية الكم والنوع والكيف قد يؤدي إلى عدم انسياب الرسائل أو الإشارات بين الخلايا بصورة طبيعية.مؤدياً لظهور الأعراض المرضية.
الأسباب البيولوجية:
1- الوراثة 2- التهابات المخ 3- إصابة المخ قبل وأثناء وبعد الولادة أو قصور في نموه 4- سوء التغذية 5- التعرض للسموم مثل الحديد.
الأسباب السايكلوجية:
1- اعتداء جنسي أو بدني قاسي في مرحلة الطفولة. 
2-حرمان أو إهمال عاطفي أو بفقدان الأم..
3- صعوبة في الانتماء للآخرين .
4- الشعور الدائم بعدم الفاعلية مع اعتبار ذات ضعيف وثقة بالنفس متدنية. 
الأسباب البيئية:
تشمل السكن والغذاء والفقر والحرمان واستعمال الكحول والعقاقير الضارة بالعقل. 
إن الإنسان هو الجسد والنفس يتكاملان معاً ، وإذا كان الإنسان لا يجد حرجاً في علاج اى علة تلم به وتصيب اى جزء من جسده فيذهب دون تردد إلي الأطباء المختصين في الطب الباطني والجراحة وإمراض الأنف والإذن أو الأسنان ، فإنه من باب اولي أن لا يجد اى حرج في أن يطلب العلاج إذا شعر بأي اضطراب أو خلل يصيب النفس لدى الأطباء والمعالجين النفسيين.