نقد أسطورة الجنة والنار في الإسلام

 

الجنة في الإسلام هي المكان الذي يذهب إليه المسلم المؤمن بعد الموت مكافئة له على العبادة والعمل الصالح ليخلد فيها، وهي كما يصفها النبي (محمد عبد الله) بالقرآن بساتين وأشجار وحدائق خضراء وانهار من الماء والخمر واللبن فيها قصور ونساء شابات مباحات جنسيا للمؤمنين ومأكل ما لذ وطاب وفاكهة لا مثيل لها بالأرض(1)، أما النار فهي مكان لتعذيب المسلمين المذنبين و(الكفار) بعد الموت وهي ذات أجواء حمراء وسوداء حيث النار المشتعلة والسلاسل الملتهبة والسوائل التي تغلي والجبال والوديان المظلمة يُعذب فيها الناس لمدد زمنية أو أبدية بوحشية مخيفة كالحرق وتقطيع أجزاء الجسد وإدخال القضبان الحديدية الملتهبة فيه أو سكب المواد الحارقة به الخ وإذا مات الإنسان من التعذيب تعاد إليه الحياة حتى يستمر التعذيب عليه وتتكرر العملية كلما مات!!(2) هذا هو مختصر أسطورة الجنة والنار في الإسلام التي سوف أخضعها لعلم النفس والاجتماع لأقوم بتحليلها ونقدها، إن الأوصاف التي عرضتها للجنة هي المادة الخام للبحث النفسي والاجتماعي حيث تعتبر حقائق نفسية في علم النفس وان كانت غير واقعية، وظواهر اجتماعية في علم الاجتماع لأنها سابقة لوجود الفرد ويعتقد بها المجتمع حتى لو كذبها العلم، فهذا الخيال يجسد رغبات المجتمع البدوي الذي كان يعيش به (محمد عبد الله) إذ كان سعي البدوي وترحاله دوما هو من اجل الماء والعشب الذي كان مصدرا أساسيا لمعيشته وبقائه، والبساتين والماء هي حلم يتمناه كل بدوي ليعيش حياة مستقره، أما النساء فهوس العربي بها غير خافي بسبب المجتمع المحافظ الذي يحرّم الاختلاط بين الجنسين ويمنع أي علاقة بين الرجل والمرأة خارج مؤسسة الزواج، بالتالي فخيال محمد كان إشباع للحاجات الطبيعية للمعيشة والغرائز الجنسية المكبوتة للمجتمع البدوي، أما الأكل والشرب والقصور الباذخة الموصوفة بالجنة تدل على تمنيات صاحبها الذي يعاني من الفقر أو يرى انتشار الفقر حوله في مقابل رفاهية الأغنياء وأملاكهم، لتكتمل صورة الجنة من هذه الرغبات، بتعبير آخر إن الجنة هي إشباع لرغبات جنسية مكبوتة، ورغبات ناتجة من العوز والفقر أي من الحاجات الغريزية كالأكل والشرب والجنس والظروف الجغرافية وهذا ما توفره الجنة بالضبط، كتعويض وهمي عما هو غير متحقق بالواقع، فالجنة هي كعبة المعدمين والفقراء المسلوبين الحقوق من الأنظمة السياسية التي تستغل هذه الرغبات فتضع لنيلها واجبات مجحفة كالصبر والقناعة والشكر وعدم الاعتراض على السلطة المقدسة المبتلعة حقوقهم، واحتقار الدنيا وحب الآخرة للوفاء بالجنة بعد الموت، حيث ترسم صوره رسمية للجنة وفق بذخ السلطان ورفاهيته من قصور وجواري وغلمان وخمر وعسل ولحوم وفواكه مع التضخيم لها بالخلود والمجانية، وجعلها أيضا طبقات ومراتب حيث المرتبة تحدد حسب الإيمان والشهادة والنبوة، فالجنة جاءت من الرغبات الغريزية المكبوتة والغير مشبعة ثم ُسيست لتأجيل الناس عن حقوقهم الدنيوية وتلبيتها بعد الموت لضمان بقاء السلطة الفاسدة، والجنة هي خلاص فردي فحينما تفعل الخير ليس لأجل الصالح العام أو بدافع إنساني بل للطمع الشخصي بالجنة، فيتحول فعل الخير من واجب أخلاقي إلى إشباع غريزي، ينتقل من الإيثار إلى المنفعة الخاصة، من المجتمع إلى الأنانية، من الدنيوي إلى الأخروي، وأي فعل أخلاقي مهما كان مفيدا ليس جزائه الجنة يصبح غير ملزم! إنها فكرة أنانية تفيد في تفريق المجتمع وعزل أفراده عن بعضهم، كلُ يبحث عن خلاصه الفردي حتى لا يتوحدُ للمطالبة بحقوقهم بوجه السلطة التي تدرك قوة توحدهم الاجتماعية وهي لذلك تجعل كل فئة تعتقد أن الجنة لها وحدها دون غيرها حتى لا يفكرُ بالخلاص الجماعي. هذا وان الحديث عن الجنة ذكوري بحت فهي لتلبية رغبات الرجل فقط حيث يكون حر في ممارسة الجنس بدون زواج وليس هناك حديث عن حقوق المرأة كأن تكون لها حرية جنسية مع الرجال؟ بل نرى العكس إن النار مليئة بالنساء.
أما النار فتدعو للعجب والذهول من قسوة ووحشية التعذيب السادي الذي يرتكب بحق الناس وانعدام أي حس إنساني تجاههم، إن النار في أوصافها المخيفة المرعبة تنم عن خيال سادي مريض همجي، فالنار عقاب فردي وجماعي يدخلها الفرد والمجتمع حين يعصي الله، وهي لا تعترف بالقوانين العقابية الدنيوية بل تعذب المذنب حتى لو اُعدم أو قضى عقابه المؤبد بالسجن فتصبح عقوبة الذنب الواحد عقوبتان في الدنيا والآخرة! وإذا حاولت معرفة المصدر الطبيعي لهذا الخيال العقابي فلا أجد مثيل لها إلا سجون السلطة المستبدة وإن كانت الصورة الذهنية للنار تفوق أي سجن واقعي، إذ يعذب الناس حد الموت في الأنظمة المستبدة لمجرد معارضتهم السلطة أو مجادلتها أو لمجرد الشبهة والوشاية بهم أو الشك حتى! وكان قلع الأظافر والجَلد والضرب وقطع الأطراف كالأصابع واللسان والخصي وسائل متعارف عليها بالتعذيب، مع التضخيم لسجون النار عن هذه السجون الدنيوية كالأبدية وإحياء السجناء بعد موتهم وإبدال جلودهم بعد شويها، ولا ادري إن كانت الوديان والجبال استخدمت كأماكن للسجون. ولقد تضمت كتب التوراة والإنجيل مشاهد تعذيب مرعبة ولا بد أن (محمد عبد الله) قد تأثر بها في كتابة القرآن.
إن أوصاف النار تثير في النفس الاشمئزاز والتقزز وتحرض على العنف والسادية وتهدر قيمة الإنسان وكرامته وحقوقه لتجعل انتهاكه أمر طبيعي، وفنون التعذيب تلهم الخيال على ارتكابها والتعلم منها ضد من يعتقدون أنهم (كفار، ومرتدين) لتنعدم الرحمة والإنسانية في نفوس الأشخاص ضد ضحاياهم كما هم أفراد تنظيم القاعدة حين يعذبون ضحاياهم، فالحرب ومشاهد القتل تجعل الإنسان لا يستفظع القتل والموت بل يصبح حيوان قاتل يدخل بعدها المصحات النفسية بسبب شعوره بالذنب بعد الحرب أو يكون خطر على الناس، لهذا تحضر كل قنوات الإعلام العالمي بث صور القتل والجثث، ثم لماذا يعاقب الإنسان مرة ثانية بذنب واحد إذا نال عقابه بالدنيا؟ ولماذا لا تكون له سجون محترمة ولا يخضع للتعذيب، ولماذا يُعذب أبديا وهي مدة زمنية تتجاوز عمره؟ أليس من الإنصاف أن يعاقب على مدى العمر الذي عاشه إن لم يُأخذ جزائه في حياته؟(3) أليس من الظلم الشنيع أن يستمر تعذيب الإنسان حتى بعد قتله ليبعث الروح فيه ويُعذب مجددا؟ ثم ماذا لو كان المدعي قد تنازل أو عفا عن الجاني؟ ثم أن النار ليس فيها مذنبين بل ما يسمى (كفار) أيضا وهم الأمم المختلفة ثقافيا أو دينيا! وهناك لمجرد طرحهم أسئلة تحرج الدين أو تختلف فكريا مع الأنبياء؟ باختصار أن النار مليئة بسجناء الرأي والأمم غير الإسلامية! وكيف يتساوى المذنب والبرئ في هذه النار؟ يقول المفكر هادي العلوي إن الأديان تنمي العنف عن طريق القربان البشري، ونجد في الأديان الإبراهيمية ثلاث نزعات (مبدأ الإبادة الجماعية، عقيدة العقاب الأخروي، قانون العقوبات (الحدود)) (فان عدم تعارضها مع المنظور الأخلاقي للمؤمن يمكن أن يخلق لديه الاستعداد النفسي للتعامل مع هكذا أفعال) (لان النزعات الخطرة لا تنطلق إلا إذا صادفت وسطا ماديا مساعدا) لان (قابلية العوامل المكونة للسلوك الديني لتكوين دموية فاشية المزاج معادية للإنسان)(4) (ولا شك أن الطبقات المالكة قد استفادت من هذا الجو النفسي الذي يعيش فيه أهل الأديان السماوية لاستخدام وسائل ناجعة في الإرهاب السياسي)(5) من هنا يجب نقد النار في الإسلام لأنها تعطي شرعية للأنظمة على تعذيب معارضيها (الكفار) بدون رحمة، فالنار تريد أن يكون العالم ثقافة واحدة إسلامية فقط وترفض التنوع والتعدد الثقافي لأنها ترفض الاعتراف بالآخر ولا ترى إلا نفسها فقط! وهي تذكرني بفكرة العولمة الأمريكية التي تفرضها على الأمم على حساب تراثها الثقافي. وعليه يجب إبدال هذه الأسطورة بغيرها أكثر إنسانية ورحمة واحترام لحقوق الإنسان حتى تكون نموذج يحتذى به للمؤمنين، وانصح بشطب الآيات التي تتضمن مشاهد التعذيب والقتل والعنف من القرآن.
الخلاصة إن الجنة والنار تجعل الأخلاق والإيمان يقوم على الخوف من النار والطمع في الجنة، فتصبح الأفعال الخيرة من واجب أخلاقي إنساني إلى خوف وطمع غريزي، أي على أساس المكافئة والعقاب الفردي، وحين يصبح الطمع والخوف وليس القناعة هو دافع الأخلاق يصبح الالتزام الأخلاقي مرتبط بقوة العقيدة اجتماعيا، وقوة الإيمان الشخصي للفرد بالعقيدة ومدى فهمه لها، وعليه يترتب التزامه من عدمه، والجماعات الدينية المسلحة ارتكبت افضع الجرائم تقرباً إلى الجنة بسبب فهمهم الخاص لها! كل هذه الأسباب توجب فصل الأخلاق عن الدين، والجنة والنار هي خلاص فردي وليست اجتماعي، وهي تعويض وهمي عن حقوق الفقراء الدنيوية المستلبة.
ـــــــــــــــــــ
1_محمد عبد الله، القرآن الكريم، سورة الحج الآية 23، سورة يس الآية 55، 56، 57، 58، سورة الدخان الآية 51، 52، 53، 54، 55، سورة محمد الآية 15، سورة الرحمن من الآية 46 إلى 78، سورة الواقعة من الآية 10 إلى 26، ومن الآية 27 إلى 40، سورة الإنسان من الآية 12 إلى 21.
2_نفس المصدر، سورة البقرة الآية 39، صورة المؤمنون الآية 104، سورة الأحزاب الآية 66، سورة فصلت الآية 28، سورة المدثر الآية 26، 27، 28، 29، 30.
3_ قال صدر الدين الشيرازي بنظرية تقول إن العذاب لا يمكن أن يزيد عن عمر المذنب في حياته، فيدخل الجنة بعدها، فكفره رجال الدين، (هادي العلوي، من تاريخ التعذيب في الإسلام، الناشر المدى 2004، ص74).
4_ هادي العلوي، من تاريخ التعذيب في الإسلام، الناشر المدى 2004، ص 66، 71، 75، 79، 77 .
5_نفس المصدر ص78.