ها هو حمل الله

 

بعد أن أدّى يوحنّا المعمدان شهادته في يسوع المسيح، فوصلت إلى السلطات الرسميَّة، أدّاها أمام التلاميذ. بدأ يتكلَّم عن شخصه، لا من أجل أنانيَّة قاتلة وافتخار ليس في محلِّه، بل لأنَّ البعض أخطأوا في ما يتعلَّق به. اسمه يوحنّا، حامل حنان الربّ. عمله الأساسيّ بالنسبة إلى يسوع هو أن يعمِّده، أن يدخله في عالم الخطأة، كما قال القدّيس لوقا متحدِّثًا عن الآتين إلى الأردنّ: »ولمّا اعتمد الشعبُ كلُّه، اعتمد يسوع أيضًا« (لو 3: 21). اعتبروه النبيّ المنتظر الذي يكون صورة عن موسى، فينقل إليهم كلام الربَّ كما في خبرة سيناء. ما أصابوا الهدف. وأخيرًا سألوه: هل أنت المسيح؟ وانتظروا أن يكون جوابه نعم، فإذا هو كلاّ: »ما أنا المسيح« (يو 1: 20). إذًا، من أنت؟ قال: أنا صوتُ صارخٍ في البرِّيَّة. أدلُّ على الآتي بعدي. ومن هو ذلك الآتي؟

هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم.

 

1- حمل الفصح

ماذا فهم التلاميذ من كلام المعمدان؟ تذكَّروا الحملان التي تقدَّم على المذبح في الهيكل. كما تذكَّروا الحمل الذي يحتفلون به مرَّة في السنة، فيتذكَّرون خروجهم من مصر إلى البرِّيَّة، ومن عبوديَّة الناس إلى عبادة الله الواحد، كما يتذكَّرون تحريرهم من الخطيئة وعبادة الأصنام.

أ- الذبيحة اليوميَّة

في إطار التعليمات حول تنظيم شعائر العبادة، جاء الكلام عن الكهنة وعن الذبائح التي يقدِّمون. إلى أن جاء الكلام عن الذبائح اليوميَّة. نقرأ في سفر الخروج: »وهذا ما تقرِّبه على المذبح: حملان ابنا سنة في كلِّ يوم من الأيام بغير انقطاع. أحدهما تقرِّبه في الصباح، والآخر في العشيَّة« (29: 38-39). ويتابع: »فترضي رائحته الربَّ ويكون ذبيحة تُحرَق للربّ. ويكون ذلك محرقة دائمة أمام أجيالكم« (آ41-42).

ونطرح سؤالاً أوَّل: لماذا تُذبَح الحملان أو الخراف أو سائر الحيوانات؟ هي عادة قديمة رُبطت بالإله الذي »يأكل« في الصباح وفي المساء. عمليٌّا: كهنته وخدّامه يأكلون. ويطلب الذابح رضى الله، على مثال داود الذي أعلن: »أنا الذي خطئت، وأنا الذي فعلتُ السوء« (2صم 24: 17). أو يودُّ الشكر لما ناله من خيرات كما فعلت جماعة صموئيل حين عاد تابوت العهد، رمز حضور الله وسط شعبه (1صم 6: 15). أو يريد التكفير عن خطاياه التي اقترفها، على ما نقرأ في سفر اللاويّين: »وكلَّم الربُّ موسى فقال: «قل لبني إسرائيل: إن خطئ أحد سهوًا...« (لا 4: 1-2) فهو »يقرِّب عن خطيئته« (آ3). وتتوزَّع الذبائح. وفي مناسبة العهد بين ا؟ والبشر تقدَّم ذبيحة فيكون بين »الإله والإنسان« خبز وملح، ويتفاهم الاثنان. هذا ما حصل على جبل سيناء بعد عطيَّة الوصايا وسائر الفرائض. بعد أن ذبحوا ذبائح سلامة، ووعدوا الربَّ بأن يعملوا بحسب ما سمعوا، »رأوا« الربّ، ثمَّ »أكلوا وشربوا« (خر 24: 11).

نشير منذ الآن إلى أنَّ أهداف الذبيحة لم تتبدَّل في العهد الجديد. فيها يكفِّر المسيح عن خطايانا، على ما نقول في كلام التقديس: »هذا هو جسدي لغفران الخطايا. هذا هو دمي لغفران الخطايا«. ويقال أيضًا: »العهد الجديد الأبدي« مع الدم الذي

يذكِّرنا بذاك الذي صبَّه موسى على المذبح، وذاك الذي رشَّه على الشعب من أجل حياة جديدة فأتيهم من عند الربّ. والإفخارستيّا هي الشكر لله حين نقدِّم له الخبز فيعيده لنا جسد المسيح، ونقدِّم له الخمر، فيعيده لنا دم المسيح.

ويُطرح السؤال الثاني: لماذا الحمل؟

كانوايمتنعون عن تقدمة النعجة لأنَّها تضع الحملان. والكبش كان في العادات الكبيرة، كما فعل الربُّ مع إبراهيم عوض إسحق »فرفع إبراهيم عينيه، فرأى وراءه كبشًا عالقًا بقرنيه، فأقبل على الكبش وأخذه وقدَّمه محرقة بدل ابنه« (تك 22: 13). وبقي الحمل الذي تحدَّث عنه إبراهيم وإسحق. قال الابن: أين الحمل؟ وكان الجواب: الله يدبِّر، الهل يرى له الحمل.

الحمل هو الخروف الذي ما زال رضعًا. وهو يليق بالملوك، على مثال العجل في البقر. قال عاموس في هذا المجال، مندِّدًا بالعظماء في السامرة: تأكلون الحملان من الغنم، والمعلوف من العجول» (عا 6:). فكما يُقدَّم للملك أفضل ما في الحظيرة، كذلك يفعل المؤمن بالنسبة إلى الربّ. وقد قال ملاخي متَّهمًا الشعب: »إذا قرَّبتم الأعمى أو الأعرج أو السقيم ذبيحة لي، أما يكون ذلك شرٌّا؟ إن قرَّبتموه لحاكمكم أفيرضى عنكم؟ (ملا1: 8).

ب- عيد الفصح

تجاه الصورة اليوميَّة حيث الحمل يأخذ مكانته في الهيكل، هناك العيد السنويّ الذي يقع في الرابع عشر من الشهر الأوَّل. قال الربُّ لموسى: »أخبرْ جميعَ بني إسرائيل أن يأخذ كلُّ واحد منهم في العاشر من الشهر حملاً واحدًا عن أهل بيته« (خر 12: 3). في اليوم الرابع عشر »يأكلون لحمه في تلك الليلة (يكون القمر بدرًا، وبالتالي يكون الليل مضيئًا) مشويٌّا بالنار مع خبز فطير وأعشاب مرَّة«.

تلك عادة قديمة يعيشها الرعاة قبل الانتجاع، أو الانتقال من السهل إلى الجبل حيث الماء والمرعى. أعطاها موسى معنى جديدًا. وكان لفعل »ف س ح« مدلول آخر: »فشخ« الربّ، بالأحرى ملاك الموت وما مسَّ أحدًا من الشعب الذين مسحوا أوتاد خيامهم بدم الحمل. والمضمون الروحيّ لم يعد مرتبطًا بروح شرّير يهدِّد القطيع، بل بالربِّ الإله نفسه. زال المعنى السلبيّ، وبرز المعنى الإيجابيّ. هو عمل خلاص ا؟ في التاريخ، نسي الشعب أصل هذا العيد، وتطلَّعوا إلى ما يرمز إليه من تحوُّل في حياتهم.

ونقرأ الترجوم في خر 12: 12. قال الربّ: »أتجلّى في أرض مصر، في هذه الليلة، بحضور (شكينة، سكنى) مجدي، ويكون معي تسعون ألف ربوة من الملائكة المهلكين... وأمارس أربعة عشر حكمًا على أصنام المصريّين: فأصنام المعدن المسكوب تذوب. وأصنام الحجر تتقطَّع قطعًا، وأصنام الخشب تتناثر تناثرًا، لكي يعرف المصريّون أنّي أنا الرب«. وانطلق التقليد ليقول إنَّ الربَّ استغنى عن المرسلين والملائكة، فافتدى شعبه بنفسه.هكذا كانوا يحتفلون بعيد الفصح. وهكذا فعل يسوع على ما يروي القدّيس

لوقا. قال يسوع: »كم اشتهيت أن أتناول عشاء هذا الفصح معكم قبل أن أتألَّم« (لو 22: 15). حينئذٍ »أخذ كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه الكأس واقتسموها بينكم« (آ17). ذاك هو الفصح القديم، الذي سوف يتمُّ في الفصح الجديد حين »يجيء ملكوت الله«، في موت يسوع وقيامته. وبعد الط

عام الطقوسيّ الذي يذكِّر الرسل بالتحرير من أرض مصر، بدأ يسوع الإفخارستيّا الخاصَّة بالمسيحيّين: أخذ خبزًا... هذا هو جسدي. أخذ كأسًا: »هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. إصنعوا هذا لذكري« (آ19-20).

مع يسوع، صار الفصح فصحنا، على ما نقرأ في 1كور 5: 7. قال الرسول: »تطهَّروا من الخميرة القديمة لتصيروا عجينًا جديدًا، لأنَّكم خمير لا فطير فيه. فحملُ فصحنا ذُبح« لم يعد في العهد الجديد سوى حمل واحد، بعد أن أُلقيت جميع الذبائح وتطهَّر الهيكل حين طرد منه يسوع »البقر والغنم« (يو 2: 15). وطلب من باعة الحمام: »ارفعوا هذا من هنا« (آ16). ويربط الإنجيل الرابع بين حمل الفصح اليهوديّ، ويسوع المعلَّق على الصليب، الذي مات فلم يُكسَر له عظم، على ما حدث للمصلوبَين اللذين كانا عن يمينه وعن يساره. عمليٌّا، رأى الجنود أنَّ يسوع مات، فما احتاجوا أن يكسروا ساقَيه لكي يختنق ويموت. بل طعنه أحد الجنود بحربة (يو 19: 34). عاد الإنجيل إلى سفر الخروج حيث قيل: »لا يكسر منه عظم« (خر 12: 46).

في هذا، قال آباء الكنيسة، وأوَّلهم الذهبيّ الفم: »أنظروا كم هي عظيمة قوَّةُ الحقيقة. فاليهود أنفسهم جاهدوا سعيًا لتتميم النبوءات. إذًا، جاء الجنود وكسروا ساقي الأوَّل... وأتى أحد الجنود فطعن يسوع بحربة. من هذا الجنب المفتوح، تأخذ أسرارُنا المقدَّسة أصولها. فحين تقتربون من المذبح لتشربوا هذه الكأس المهيبة، اقتربوا في استعدادات وكأنَّكم تضعون شفاهكم على صدر يسوع المسيح«.

وقال القدّيس أوغسطين: »استعمل الإنجيليّ هنا عبارة اختارها عمدًا. ما قال: ضرب. أو: جرح الجنب. بل فتح جنبه بالحربة، ليعلِّمنا أنَّه يفتح هكذا باب الحياة الذي منه خرجت أسرار البيعة التي بدونها لا مجال للدخول إلى الحياة الحقَّة.

وفي الحال، خرج منه دم وماء. هذا الدم سُفك لغفران الخطايا، وهذا الماء مُزج لأجلنا في شراب الخلاص. هو في الوقت عينه استحمام ينقّي وشراب يبرِّد«.

وقال تيوفيلاكت: »أراد الجنود أن يرضوا اليهود، فطعنوا بحربتهم جسم يسوع المسيح، وواصلوا إهاناتهم لهذا الجسد الذي لا حياة فيه. غير أنَّ هذه الإهانة كانت السبب بمعجزة: أما هي معجزة حقيقيَّة أن يسيل الدم من جسم حُرم من الحياة؟«

 

2- الحمل الصامت

وننتقل من التوراة في المعنى الحصري، أو أسفار موسى الخمسة، لنصل إلى الأنبياء مع أشعيا. في القسم الثاني منه (ف 40-55) نتعرَّف إلى شخص سرّيّ ويحمل أكثر من تفسير، إلى أن يجد كمال معناه في شخص يسوع المسيح. أنشد هذا الشخص الذي اسمه »عبد يهوه« أو عابد الربّ، عابد الله، أربعَ مرّات. في أش 42، قال الربّ: »ها عبدي الذي أسانده، والذي اخترته ورضيتُ عنه! جعلتُ روحي عليه، فيأتي للأمم بالبر« (42: 1). وفي 49: 1: »قال العابد : الربُّ دعاني من رحم أمّي، ومن أحشائها ذكر اسمي«. وفي 5: 6 نتعرَّف إلى بعض آلام يسوع: »أدير ظهري للضاربين، وخدّي لناتفي اللحى، وأحتمل التعيير والبصق«. أمّا قمَّة أناشيد »عبد الرب«، فنقرأها في أش 53 مع عبارة: »كحمل صامت أمام الذين يجزّونه، لم يفتح فاه« (آ7). ذاك كان وضع يسوع في آلامه، كما روى القدّيس مرقس. أمام بيلاطس مثلاً، »ما أجاب بشيء حتّى تعجَّب بيلاطس« (مر 15: 5).

لماذا آلام هذا الحمل؟ لأنَّه »حمل عاهاتنا وتحمَّل أوجاعنا. وحسبناه مصابًا، ومضروبًا من الله ومنكوبًا. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل خطايانا. التأديب الذي به ننال السلام، جُعل عليه، وبجراحه شفينا« (أش 53: 4-5). ويواصل النبيّ الكلام: »كلُّنا كالغنم ضللنا. مال كلُّ واحد إلى طريقه، فألقى عليه الربُّ إثمَ جميعنا« (آ6). هنا نفهم كلام المعمدان: »ها هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم«.

ذاك الصوت الآتي من البرّيَّة، تطلَّع في ذلك الآتي، ودعا تلاميذه لكي ينظروا هم أيضًا. ها هو الحمل. كان أشعيا قد قال لأورشليم: »غُفرت خطيئتها« (40: 2). وأعلن المعمدان: رُفعت خطيئة العالم. جاء من يرفعها فتكون وكأنَّها ما كانت. نحن هنا في تقليد يوحنّا، ساعة تزول الخطيئة في نهاية الأزمنة. عندئذٍ يصبح الشعب كلُّه مقدَّسًا، والأمانة تجاه الله تعمُّ المسكونة.

قال حزقيال بفم الربّ: »أرشُّ عليكم ماء طاهرًا... وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا. وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبًا من لحم... فتسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها« (خر 36: 25-27). وتابع الربُّ كلامه: »وأعاهدهم (= الشعب) عهد سلام أبديّ يكون معهم، وأثبِّتهم وأكثرهم وأجعل هيكلي في وسطهم إلى الأبد. ويكون مسكني معهم، وأكون إلههم ويكون لي شعبًا، فتعلم الأمم أنّي أنا الربّ الذي يقدِّس الشعب حين يكون هيكلي في وسطهم إلى الأبد« (حز 27: 26-28).

هذا ما أعلنه أشعيا: »لا يسيء أحد ولا يُفسد أينما كان في جبلي المقدَّس، لأنَّ الأرض تمتلئ من معرفة الربّ، كما تملأ المياه البحر« (أش 11: 9). وقالت جماعة قمران: »وينظِّف الربُّ بحقيقته أعمال كلِّ واحد، وينقّي لنفسه بناء كلِّ إنسان، لينينزع كلَّ روح شرٍّ من أعضائه اللحميَّة، وليطهِّره بروح القداسة من كلِّ أعمال الكفر، ويفيض عليه روح الحقيقة مثل مياه تطهير«. فاليهود انتظروا أن يتدخَّل المسيح فيطهِّر الشعب من خطاياه. نقرأ في رؤيا باروك التي جاءت في السريانيَّة، وعادت إلى نهاية القرن الأوَّل المسيحيّ: »وحين يُذلُّ المسيح العالم كلّه، ويجلس بالسلام إلى لأبد، على عرش ملكه... فالأحكام والاتِّهامات والصراعات والانتقامات والجرائم والأهواء والمحاسد والأبغاض، وكلُّ ما يشبهها، يُحكَم عليها وتُقتلَع«.

قال المعمدان عن يسوع: يرفع خطيئة العالم. في صيغة المفرد. وما قال في صيغة الجمع: خطايا العالم. هو ما جاء فقط من أجل الخطايا الفرديَّة، بل ليضع حدٌّا لخطيئة العالم التي هي انفصال العالم عن الله.

ونعود هنا إلى الآباء مع الذهبيّ الفم الذي تساءل: لماذا عاد يسوع إلى نهر الأردنّ، بعد أن أتى مرَّة أولى ونال العماد؟ وجاء الجواب: »لأنَّ المخلِّص تعمَّد مع عدد كبير (من الخطأة)، ولأنَّه لا يريد أن يظنَّ الناس أنَّه أتى إلى المعمدان للهدف عينه، أي للإقرار بالخطايا أو تقبَّل عماد التوبة في الأردنّ. غدًا، عاد يسوع إلى المعمدان، ليعطيه مناسبة بها يدمِّر رأيه السابق. لهذا قال يوحنّا: »هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم«. فمن الأكيد أنَّ ذاك الذي بقداسته اللامحدودة، يمحو خطايا الآخرين، لم يأتِ للإقرار بخطاياه، بل ليعطي للمعمدان المناسبة بأن يؤدّي له الشهادة. ونقول أيضًا إنَّه جاء مرَّة ثانية ليثبت حقيقة الشهادات الأولى في فكر الذين سمعوها، وليعدَّهم لأن يتقبَّلوا غيرها. قال: »ها هو حمل الله. فدلَّ أنَّ هذا هو الحمل المنتظر، وذكَّر بنبوءة أشعيا، والرموز والصور في الشريعة القديمة، بحيث يقود البشر بسهولة، إلى الحقيقة بواسطة الصور«.

وقال أوريجان في المقال السادس: »اختار المعمدان الحمل كصورة عن المخلِّص، لأنَّ الحمل هو ضحيَّة الذبائح التي تقدَّم كلَّ يوم، واحدة في الصباح، وواحدة في المساء. فما هي هذه الذبيحة التي يجب أن تقدِّمها الطبيعة العاقلة ؟ كلَّ يوم، إلاَّ الكلمة المملوء قوَّة وحياة وجمالاً، والذي تمثَّل أمان في صورة حمل؟ فهو يكون ذبيحتنا الصباحيَّة الذي يقرِّب عقلنا من التأمُّل في الحقائق الإلهيَّة. فنفسنا لا تقدر دومًا أن تقترب من الأشياء الرفيعة، بسبب اتِّحادها الوثيق بهذا الجسد المائت الذي يُثقِّل عليها. من هذه الحقيقة القائلة بأنَّ يسوع هو حمل، نستطيع أن نستخرج أيضًا عدّة نتائج مفيدة جدٌّا. وهكذا نصل إلى ذبيحة المساء التي تمثِّل الأشياء الجسديَّة. فمن قدَّم هذا الحملَ ذبيحة، هو الله الذي كان مخفيٌّا في الإنسان. هو عظيم الكهنة الذي قال: »ما من أحد ينتزع حياتي منّي، بل أنا أعطيها«. لهذا دُعيَ حمل الله بعد أن أخذ عاهاتنا. محا جميع خطايا العالم، ونال الموت عمادًا.

 

3- الحمل الذبيح والقائم

بعد حمل الفصح، وبعد ذلك الحمل الذي لم يكسر له عظم ساعة كانت تُذبَح الحملان من أجل السبت العظيم، وفيه يحتفلون بالفصح، بعد كلِّ هذا نتطلَّع إلى الحمل كما نقرأ عنه في سفر الرؤيا.

حين قُدِّم الكتاب الكبير، الذي يدلُّ على العهد القديم، والذي لا يقدر أن يقرأه سوى الابن، ندخل في المشهد »الليتورجي« الكبير: »رأيت بين العرش والكائنات الحيَّة الأربعة، وبين الشيوخ، حملاً واقفًا كأنَّه مذبوح« (رؤ 5: 6). هو مذبوح لأنَّه يحمل آثار جراحه حتّى نهاية العالم. وهو واقف، أو قائم. لأنَّه ينتصر بانتصار القيامة. فلا سلطة بعد للموت عليه. هذا الحمل هو الله، والمساوي لله الآب. فحين أتى »وأخذ الكتاب من يمين الجالس على العرش«، سجد الجميع للحمل (آ8). ورتَّلوا له بأعلى صوتهم: »الحمل المذبوح يحقُّ له أن ينال القدرة والغنى والحكمة والجبروت والإكرام، له المجد إلى الأبد« (آ12). سبعة ألفاظ تقرَّب للحمل. ملء المديح والشكر والسجود. وهذا يأتيه من أربعة أقطار الأرض، مع أربع كلمات: الحمد والإكرام والمجد والجبروت (آ13). وتقول الآية: »للجالس على العرش. أي الله الآب. وللحمل، أي الكلمة المتجسِّد. لهما الإكرام الواحد والمجد الواحد.

هذا الحمل سفك دمه من أجلنا ومن أجل خلاصنا. لهذا أنشدت له الجماعة: »النصر (أو الخلاص) لإلهنا الجالس على العرش، وللحمل (رؤ 7: 10). هما المنتصران وحاملا الخلاص، وعملُ الاثنين عملٌ واحد. انتصر الحمل وانتصر معه المؤمنون، فلبسوا الثياب البيض علامة القيامة. وأين غسلوها فابيضَّت؟ في دم الحمل (آ14). لا نأخذ الصورة بحرفيَّتها، بل في معناها الرمزيّ: نحن ننتصر بدم المسيح. نقوم من الموت بقيامة المسيح. وهذا الحمل صار لنا الرابع على مثال ما يقول المزمور 23: »الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم، ويهديهم إلى ينابيع الحياة« (آ17).

 

الخاتمة

ها هو حمل الله. كلام أطلقه يوحنّا المعمدان حين رأى يسوع آتيًا نحوه، فكفى هذا الكلامُ التلاميذ لكي يتبعوا يسوع. وردَّدت الكنيسة هذا الكلام فتحدَّثت عن يسوع الحمل الوديع والمتواضع القلب. الذي يبدو ضعيفًا تجاه الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. ولكنَّه سوف ينتصر في النهاية. هذا الحمل أتى إلى البشر، حمل أوجاعنا، أخذ ضعفنا. حمل خطايانا. ولا تزال بعض الليتورجيّات تقول: »هذا هو حمل الله الذي يرفع خطايا العالم. فيه وبه وحده، ننال غفران الخطايا، على مقدار غنى نعمته المجيدة (أف 1: 7). أمّا الهدف الأخير لهذا الحمل الذبيح والقائم من الموت، لهذا الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن أحبّائه، هو أن يجمع في شخصه »كلَّ شيء في السماوات وفي الأرض« (آ10).