الغيرة على بيتك، يا الله

 

بهذا القول أنهى يسوع ما فعله في الهيكل من فعلة نبويَّة. أو بالأحرى حين عاد التلاميذ إلى ما حصل، تذكَّروا كلام المزمور (69: 10): »غيرتي على بيتك أكلتني. وما يعيِّرونك بي وقع علي«. وجب وجود كلام الله لكي يفهم المؤمن تصرُّفات لا تُفهَم على المستوى البشريّ. من هو هذا »الرجل« الذي ما أظهر أيَّ اعتبار لسلطة الكهنة والعاملين في الهيكل؟ ثمَّ ما من أحد وقف في وجهه. كلُّهم أطاعوه، وكأنَّ جيشًا يرافقه، على مثال القائد الرومانيّ الذي يقيم في قلعة محاذية للهيكل. هل يجب أن يكون الهيكل فارغًا؟ هل يُهدَم قريبًا كما هُدم سنة 587 ق.م.، وأعيد بناؤه مصغَّرًا بعد العودة من المنفى سنة 518-515 ق.م.؟ كلُّ هذا نقرأه انطلاقًا من الإنجيل (يو 2: 13-22)، ونعود إلى العهد القديم. وأخيرًا، تكون القراءة اللاهوتيَّة التي تصل بنا إلى القيامة، بعد »ثلاثة أيّام« (آ19).

 

1- يسوع في الهيكل

يروي إنجيل يوحنّا أنَّ يسوع »صعد إلى أورشليم، ورأى في الهيكل...« (آ13-14). لا يهمُّه من أورشليم سوى الهيكل، الذي هو رمز حضور ا؟ وسط شعبه. ما اهتمَّ للسلطة الرومانيَّة. ما خاف منها كما بعض الفئات. لا عاداها. فهو من جاء إلى جميع البشر، من يهود وغير يهود، من رومان ويونان، من أهل صور وصيدا، من المدن العشر كجرش ودمشق وعمّان. ويوجز متّى هذا فيقول »فتبعته جموع كثيرة من الجليل والمدن العشر وأورشليم واليهوديَّة وعبر الأردن« (مت 4: 25).

وما اهتمَّ يسوع بعظماء الكهنة الذين كانوا في أكثريَّتهم من الصادوقيّين. ولا للكتبة الذين كانوا الفئة المفكِّرة لدى الفرِّيسيّين. فهؤلاء جميعًا لهم مصالحهم. وفي أيِّ حال، حين كُتب الإنجيل الرابع سنة 98 تقريبًا »كان الصاودقيّون قد زالوا ومعهم الكهنوت وتقدمة الذبائح.

بل كان اهتمام يسوع كلُّه بالهيكل. هو بيت أبيه (لو 2: 49) كما قال أوَّل مرّ

َة حجَّ فيها إلى أورشليم بعد أن صار »ابنَ الوصيَّة«. ولكن أين صار هذا الهيكل؟ وفيه الضجيج والصياح، والتجارة وأعمال الصيرفة، والبيع والشراء. جموع كثيرة تأتي من كلِّ مكان، ثلاث مرّات في السنة، في أعياد الفصح والحصاد والمظالّ. آلاف مؤلَّفة. تقدِّم الذبائح. توفي نذورها. تقدِّم العشر من أجل فقراء الشعب، والكهنة واللاويّين.

بدأ الإنجيليّ كلامه: »واقترب عيد الفصح« (آ13). فالزمن ليس بالزمن العاديّ، حيث يأتي بعض المؤمنين في شبه سياحة. فقد قيل عن تيطس الرومانيّ، إنَّه حين ضرب الحصار على أورشليم، كان ذلك في العيد، وفي المدينة خمسون ألفًا من الحجّاج. في مثل هذا »الضجيج« تدخَّل يسوع.

وجد البقر والغنم. ماذا تفعل هذه الحيوانات هنا؟ وفي الهيكل. هنا يجب أن نتذكَّر أنَّ الهيكل في المعنى العامّ كمعبد الشعب اليهوديّ، تكوَّن من الرواق حيث يقف المؤمنون. ثمَّ »الهيكل« بحصر المعنى (ه ي ك ل، في العبريَّة) الذي سيُدعى فيما بعد »القدس« و»المعبد« حيث تقام شعائر العبادة، وتُذبَح الذبائح. وأخيرًا قدس الأقداس أي أقدس موضع في الهيكل، حيث كان تابوت العهد.

والرواق توزَّع ثلاثًا: واحد للرجال اليهود. وآخر للنساء اليهوديّات. وثالث للأمم. يخبرنا القدّيس مرقس أنَّ »التجّار« استباحوا رواق الأمم، وكأنَّه غير مقدَّس، شأنه شأن الرواقَين الآخرين. فقال: كانوا يختصرون الطريق. فصرخ فيهم يسوع: »بيتي بيت صلاة لجميع الأمم« (مر 11: 17). لا لليهود وحدهم. فالآتون إلى الهيكل عرفوا التوراة وشرائعها، وآمنوا بالإله الواحد، ولكنَّهم رفضوا الختان لئلاّ ينعزلوا في فئة من الناس قيل عنها الكثير. ألأنَّهم ليسوا »يهودًا« بالولادة، لا يحقُّ لهم أن يُنشدوا مدائح الله ويسمعوا كلماته؟ كلاّ. فكلُّ أقسام الهيكل مقدَّسة، بعد أن اجتمع الكثيرون باسم الله، ليطلبوا معًا البركة.

تصرَّف يسوع بقساوة. حيث الصلاة لاموضع للتجارة. وحيث بيت الله لامكان للمال، فيعبد الناس المال بدل الله، ويفضِّلونه ربٌّا على الربِّ الإله. كتفى بأن يطرد المواشي. وما أراد أصحابها أن يخسروها. ولكنَّه ما حطَّم أقفاص الحمام، بل اكتفى بالقول للباعة: »ارفعوا هذا من هنا« (يو 2: 16).

ويرتفع الإنجيل الرابع من الواقع البسيط حيث الحيوانات والطيور تُعدُّ للذبائح، إلى النظرة الرمزيَّة والروحيَّة. مع يسوع، لاحاجة بعد إلى الذبائح بعد أن صار هو الذبيحة الوحيدة. على ما قيل في الرسالة إلى العبرانيّين: »ما أردتَ ذبيحة ولا قربانًا، فقلتُ: ها أنا أجيء يا الله لأعمل بمشيئتك« (عب 10: 5، 7). ويواصل كلامه: مرّات كثيرة تُقدَّم الذبائح عينها. ولكنَّها لا تقدر أن تمحو الخطايا (آ11). فإذا كان لا نفع منها، فلماذا تقدَّم بعد؟ ولهذا، لم يعد من مكان للبقر والغنم والحمام في الهيكل. فالمسيح هو الذبيحة بعد ال

آن، وهو القربان. وتتواصل الرسالة إلى العبرانيّين: »أمّا المسيح، فقدَّم إلى الأبد ذبيحة واحدة كفّارة للخطايا، ثمَّ جلس عن يمين ا؟« (آ12). انتهى الأمر. والذي جاء من عند الآب، عاد إلى الآب بعد أن »جعل أعداءه موطئًا لقدميه« (آ23). انتصر عليهم، وهم الخطيئة والشرّ والموت. وأعطى الفدية للبشريَّة: »بقربان واحد جعل الذين قدَّسهم كاملين إلى الأبد« (آ14). ما عاد يذكر خطايا البشريّة ولا آثامها (آ17). وصار الصفح كاملاً. »فلا تبقى حاجة إلى قربان من أجل الخطيئة« (آ18).

في هذه الروحانيَّة نفهم تصرُّف يسوع. ذبيحتنا واحدة. هي المسيح المصلوب. من حيث إنَّه مات، فقد مات مرَّة واحدة. ومن حيث إنَّه حيّ فهو حيٌّ إلى الأبد.

 

2- الهيكل في حياة الشعب

في بداية القرن الأوَّل المسيحيّ، عرف الشعب اليهوديّ هيكلاً فخمًا. كانوا يفتخرون به افتخارًا. يكفي أن نسمع ما قاله التلاميذ ليسوع: »يا معلِّم، أنظر ما أروع هذه الحجارة، وهذه الأبنية!« (مر 13: 1). وقال متّى: »دنا إليه (= إلى يسوع) تلاميذه يوجِّهون نظره إلى أبنية الهيكل« (مت 24: 1). فهو »مزيَّن بالحجارة البديعة وتحف النذور« (لو 21: 5). ويبدو أنَّه كان يشعُّ من بعيد، بسبب قبَّته المغطّاة بالذهب. هذا عدا عن الجموع المتوافدة، والاحتفالات الرائعة، ولباس الكهنة، وكثرة الذبائح. كلُّ هذا يبهر النظر ويملأ القلب اعتزازًا. فالهيكل يملأ حياة المؤمن. إليه يأتي ليقدِّم ذبائحه، لأنَّ لاموضع آخر تقدَّم فيه الذبائح بالنسبة إلى اليهوديَّة. ولمّا غاب الهيكل سنة 70 ب.م.، زالت الذبائح، ولم يبقَ لليهود سوى حائط المبكى، الذي ما زالوا يأتون إليه ليربطوا حاضرهم بماضيهم.

أ- هيكل هيرودس

فهذا الهيكل الذي كان صغيرًا، كبَّره هيرودس الكبير. دوام العمل فيه 46 سنة، حين تصرَّف يسوع فيه كما تصرَّف. فإذا كانت بداية العمل سنة 18 ق.م.، فالنهاية لم تكن سنة 28 مع رسالة يسوع العلنيَّة، بل بعد ذلك الوقت. فهيرودس الذي اشتهر بالأبنية التي قام بها، لا في أرض فلسطين وحسب، بل في صور وصيدا، بل في عدد من المدن اليونانيَّة، لم يبخل على الهيكل بالمال، فوسَّع الساحات نحو الشمال ونحو الجنوب لاستقبال الآلاف وعشرات الآلاف. هناك كانوا يجتمعون ويصلُّون. ومن هناك كانوا ينطلقون في احتجاجات ستقوى إلى أن تكون الثورة الأولى التي بدأت في الجليل، سنة 66 ب.م. وامتدَّت فوصلت إلى أورشليم والهيكل الذي دُمِّر في اليوم التاسع من شهر آب سنة 70، على يد الجيوش الرومانيَّة بقيادة تيطس.

عن هذا الحدث تكلَّم القدّيس لوقا بكلام وُضع في فم يسوع: »سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، ويطبقون عليك من كلِّ جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر« (لو 19: 13-14). جاء الكلام في صيغة المضارع وزمن المستقبل، لأنَّ الإنجيل جعل نفسه قرب الله الذي هو سيِّد الأحداث قبل أن تحصل. ولكنَّ الواقع هو أنَّ إنجيل لوقا دُوِّن سنة 85، أي بعد دمار أورشليم وإحراق الهيكل، بخمس عشرة سنة. وهذا الوضع أثَّر على الكنيسة الأولى. فرأت في دمار الهيكل نهاية عالم محدَّد، لانهاية العالم بعد مئات الآلاف من السنين. في هذا الإطار، نفهم كلام متّى في مثل الكرّامين. هم قتلوا الابن. فماذا يفعل بهم ربُّ الكرم، والكرم يدلُّ هنا على الشعب اليهوديّ؟ »يقتل هؤلاء الأشرار قتلاً، ويسلِّم الكرم إلى آخرين يعطونه الثمر في حينه« (مت 21: 41). انتهى الشعب الأوَّل، وبدأ الشعب الثاني. انتهى عالم وبدأ عالم جديد كانت جذوره في موت يسوع وقيامته.

ب- الهيكل الثاني

دُمِّر الهيكل الذي بناه سليمان خلال احتلال أورشليم على يد البابلونيّين بقيادة نبوخذ نصَّر، سنة 587 ق.م. فمضى الملك إلى السبي بعد أن قُتل ابناه. وهُجِّر معه الكهنة وقوّاد الجيوش وأصحاب المهن، فما بقي سوى شعب الأرض لكي يدفع الضرائب ويؤمِّن أعمال السخرة. وتوقَّفت أعمال العبادة إلى أن عاد الفوج الأوَّل من المنفيّين سنة 538 ق.م.، فرمَّموا مذبح المحرقات وبدأوا ببناء الهيكل. ولكن جاء من يعيقهم، ولاسيّما من قبل حاكم السامرة. وعاد الشعب إلى العمل، بين سنة 520 و515 ق.م.: بقيادة شيشبصَّر الذي كان من سلالة داود، وبرضى داريوس الأوَّل الفارسيّ.

»وكان النبيّان حجّاي وزكريّا بن عدّو، يتكلَّمان باسم إله إسرائيل لليهود الذين في يهوذا وأورشليم. فقام زربّابل بن شألتئيل (الحاكم) ويشوع بن يوصادق (الكاهن الأعظم)، وشرعا في بناء هيكل ا؟ الذي في أورشليم« (عز 5: 1-2).

العلوُّ ستّون ذراعًا (27 مترًا). والعرض ستُّون ذراعًا أيضًا. ثلاثة صفوف من حجارة عظيمة، فوق كلٍّ منها صفٌّ من خشب (6: 3-4). استعانوا بأهل صور وصيدا، الذين جلبوا خشب الأرز. قال عز 3: 7: »وأعطوا فضَّة للنحّاتين والنجّارين، وطعامًا وشرابًا وزيتًا للصيدونيّين والصوريّين، ليأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى يافا بطريق البحر«.

غير أنَّ هذا الهيكل الذي بُنيَ بعد العودة من المنفى، بدا صغيرًا جدٌّا، كلا شيء كما قيل في نبوءة حجّاي: »من فيكم، أنتم الباقون (قال الربّ)، رأى بيتي هذا في مجده الأوَّل (في أيّام سليمان)؟ وكيف ترونه الآن؟ أما هو في عيونكم كلا شيء؟« (حج 2: 3). لهذا، »بكى بصوت عظيم« أولئك الذين تذكَّروا الهيكل الأوَّل (عز 3: 12). ولكنَّ الشعب الكبير قبل بما حصل عليه »فهتفوا بفرح رافعين أصواتهم«.نُجِّس هذا الهيكل وسُلب سنة 169 ق.م. بيد الملك السلوقيّ أنطيوخس الرابع إبيفانيوس، الذي قدَّم على مذبح المحرقات ذبائح إكرام لزوش الأولمبيّ (1مك 1: 21-22؛ 2مك 5: 15-16). قال صاحب المكابيّين عن أنطيوخس هذا: »دخل هيكل الربِّ باعتزاز«، وعمّا صُنع في الهيكل: »وامتلأ الهيكل فسقًا وفجورًا، حتّى إنَّ الغرباء أخذوا يمارسون أنواع العهر ويضاجعون النساء داخل الأماكن المقدَّسة، ويُدخلون إليها المحرَّمات. وعلى المذبح كانت تقدَّم ذبائح حرَّمتها الشريعة« (2مك 6: 4-5). ولكنَّ يهوذا المكابيّ طهَّر الهيكل من نجاسات الأصنام. ولكنَّ يسوع قال فيه، ردٌّا على واحد من تلاميذه: »أتَرى هذه الأبنية العظيمة؟ لن يبقى منها هنا حجرٌ على حجر، بل يُهدَم كلُّه« (مر 13: 2).

ج- هيكل سليمان

قابل العائدون من المنفى الهيكل (الصغير) الذي بنوه، بالهيكل الذي بناه سليمان. أراد داود أن يبنيه ليجعل فيه تابوت العهد، وهو الذي آمَّن لنفسه قصرًا. »قال لناتان النبيّ: »أنا مقيمٌ في بيت من أرز، وتابوت العهد مقيم في خيمة« (2صم 7: 2). ولكنَّ الربَّ قال للملك بفم ناتان: »الذي يخرج من صلبك... هي يبني بيتًا لاسمي« (آ12-13). ولماذا حُرم داود

من هذا الشرف؟ لأنَّ يديه تلطَّختا بالدماء »لكنَّ الربَّ قال لي: سفكتَ دمًا كثيرًا، وحاربتَ حروبًا كثيرة، لذا لن تبني هيكلاً لاسمي، لأنَّك سفكت دمًا كثيرًا على الأرض أمامي. ولكن سيُولد لك ابنٌ يكون رجل سلام... فهو الذي يبني هيكلاً لاسمي« (1أخ 22: 8-10).

وهكذا بُني الهيكل الأوَّل، في القرن العاشر ق.م. عمارة بيضاويَّة، تمتدُّ من الشرق إلى الغرب، مع مدخل من جهة الشرق. هذا ما يرويه سفر الملوك في الفصل السادس: »وفي السنة الأربع مئة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، في السنة الرابعة من ملك سليمان على إسرائيل. في زيو (= شهر نيسان) وهو الشهر الثاني، بدأ سليمان ببناء هيكل الرب« (آ1). لم يكن كبيرًا، ولكنَّه كان جميلاً جدٌّا، بخشب الأرز الذي يزيِّنه، وبالذهب الذي يغشّي جدرانه وسقفه. نقرأ مثلاً في آ18: »وكان على الهيكل من الداخل أرزٌ منقوش على شكل يقطين وزهور متفتِّحة، فلم يكن يبينُ حجرٌ، لأنَّ كلَّه من الداخل كان أرزًا«. هذا الهيكل استغرق بناؤه سبع سنين (آ38).

سخَّر سليمان من أجل العمل ثلاثين ألف عامل (1مل 5: 27). عشرة آلاف منهم يأتون إلى لبنان ليحملوا الحجارة (آ29). ويواصل النصُّ كلامه: »وأمر الملك أن يقلعوا حجارة كبيرة ثمينة لتأسيس الهيكل بالحجارة المنحوتة (التي اشتهر بها الفينيقيّون الذين سيبنون مدينة السامرة، ومدنًا عديدة للأشوريّين). فنحتها بنّاؤو سليمان وحيرام، وبنّاؤو مدينة جبيل، وهيّأوا الأخشاب والحجارة لبناء الهيكل« (آ31-32).

وجاء وقت التدشين، في عيد المظالّ. بسط سليمان يديه نحو السماء (1مل 8: 22). وقال: »هل تسكن يا الله حقٌّا على الأرض؟ حتّى السماوات وسماوات السماوات لا تسعك، فكيف هذا الهيكل الذي بنيتُه لك؟ إلتفتْ إلى صلاتي وتضرُّعي، أنا عابدك، أيُّها الربُّ إلهي، واسمع دعائي وصلاتي أمامك اليوم. لتكن عيناك مفتوحتين ليلاً نهارًا على هذا الهيكل، على الموضع الذي قُلتَ يكون اسمُك فيه لتسمعَ صلاتي، أنا عبدك، واستجب إلى تضرُّع عبدك وبني إسرائل شعبك، الذين يصلُّون خاشعين إلى هذا الموضع، واسمعْ أنتَ من مقامك في السماء، وإذا سمعتَ فاغفر« (آ27-30). هكذا اعتاد المؤمنون

أن يأتوا إلى الهيكل. فهو المصرف الذي يودعون فيه مالهم. والمدرسة التي يتعلَّمون فيها التوراة. والموضع الذي يفرحون فيه ويعيِّدون للربِّ إلههم، ويتذكَّرون ما نالوا من خلاص على مدِّ تاريخهم.

إلى هذا الهيكل أتى يسوع. وفيه علَّم. ومثله فعل تلاميذه ولاسيَّما بطرس ويوحنّا اللذين شفيا المخلَّع عند »باب الهيكل، المعروف بالباب الجميل« (أع 3: 3). غير أنَّ الهيكل صار صنمًا يتعلَّقون فيه، وحرزًا يلجأون إليه، فهدَّدهم إرميا النبيّ: »لا تتَّكلوا على قولكم: هيكل الربّ! فتخدعون نفوسكم« (إر 7: 4). لهذا تطلَّع الإنجيل إلى هيكل آخر هو جسد الربِّ القائم من الموت.

 

3- انقضوا هذا الهيكل

حين دوَّن الإنجيليّ هذا الكلام، كان الهيكل قد نُقض، هُدم. وبعد حوالي أربعين سنة، لم يبقَ له أثر تقريبًا حين سوّى أدريانس الرومانيّ الأرض، فلم يبقَ أثر للهيكل ولا للأبنية المتلاصقة به. هذا البناء الذي كان اليهود يستندون إليه كهدف مسيرتهم أفرادًا وجماعات، واستند إليه المسيحيّون الأوَّلون، زال الآن. هل انتهى العالم؟ أما لحضور الله من وجودلله الموضع الذي جعل اسمه فيه هُدم. فأين يكون اسمه بعد اليوم؟ الشعب الذي طُلب منه أن يحمل اسم الربِّ ووصاياه، تبعثر، تشتَّت، بل سوف يأتي يوم يمنع فيه أن يعيش في أورشليم بأمر من الحاكم الرومانيّ. تجمَّع اليهود في الجليل في مركز أوَّل. والمركز الثاني الأهمّ، كان بابل حيث كُتب التلمود البابليّ في 35 جزءًا. والمسيحيّون؟ لا أرضَ لهم خاصَّة بهم. ولا يحقُّ لهم أن يبنوا معبدًا تجاه ا

لمعابد الوثنيَّة. إذًا، أين هيكلهم؟ جسد يسوع المسيح. ففيه يحلُّ ملء اللاهوت كلِّه. لا ذاك الجسد الذي عرفوه مائتًا على الصليب، بل ذاك الذي قام في ثلاثة أيّام. أين صارت خبرة الرسل بعد أن عرفوا أنَّه »قام من بين الأموات« (يو 2: 22).

في هذا الجسد يقيم المؤمنون. قال الرسول: »كما أنَّ الجسد واحد وله أعضاء كثيرة، هي على كثرتها جسد واحد، فكذلك المسيح. فنحن كلُّنا، أيهودًا كنّا أم غير يهود، عبيدًا أم أحرارًا، تعمَّدنا بروح واحد، لنكون جسدًا واحدًا، وارتوينا من روح واحد« (1كور 12: 12-13).

فلماذا البحث عن هيكل آخر، غير المسيح. فكما أنَّ لاحاجة بعد إلى كهنة بوجود الكاهن الأوحد، ولاحاجة بعد إلى ذبيحة، وذبيحتنا واحدة، ولم تعد دمويَّة، كذلك لاحاجة إلى هيكل آخر. فقد قال لنا الرائي متحدِّثًا عن »أورشليم السماويَّة«: »ما رأيتُ هيكلاً في المدينة لأنَّ الربَّ الإله القدير والحمل هما هيكلها، والمدينة لا تحتاج إلى نور الشمس، لأنَّ مجد الله ينيرها، والحمل هو مصباحها« (رؤ 2: 22-23).

ونفتح في هذا المجال آفاقًا على آباء الكنيسة. ونبدأ مع أوريجان والمعنى الأليغوريّ أو الاستعاريّ: يدخل الربُّ كلَّ يوم إلى بيته لكي يتأمَّل الطريقة التي فيها يسلك كلُّ إنسان. »يحصل حتّى لسكّان أورشليم أن يسقطوا في هذه الخطيئة، إذ يبتعد عن الدرب القويم حتّى الأكثر فهمًا والأكثر علمًا. وإن لم يعودوا سريعًا عن إلههم، يخسرون قوَّة الروح التي بها يلجون الأمور. إذًا، يجد يسوع بعض المرّات في الهيكل (وسط الوظائف المق

دَّسة وفي ممارسة الكرازة بالكلمة) أناسًا يجعلون من بيت أبيه، بيتَ تجارة. يبيعون البقر التي يجب أن يحفظوها للفلاحة فتمنعهم من النظر إلى الوراء فلا يكونون أهلاً لملكوت الله. ونقول الشيء عينه عن الذين يفضِّلون الغنى الشرّير على الخراف التي تتيح لهم أن يؤمِّنوا

عيشهم ولباسهم. وأخيرًا، من يستخفّون بالبساطة والبرارة، ويفضِّلون عليهما مرارة القلب وهيجان الغضب، ومن أجل سبب منفعيّ بخس يضحّون بأمانة الذين يرمز إليهم الحمام. حين وجد المخلِّص هؤلاء الناس في البيت المقدّس، صنع سوطًا بحبال وطردهم إلى الخارج مع الغنم، ورمى إلى الأرض فضَّتهم، وقلب موائد منتصبة في نفس البخلاء، ومنعهم أن يبيعوا بعدُ الحمام في بيت ا؟. ويكتنز هذا الأمرُ أيضًا (إن لم أكن على خطأ) تعليمًا سرّيٌّا، خفيٌّا. أراد يسوع أن يفهمنا أنَّ الذبائح التي يطلبها ا؟ من الكهنة، يجب أن لا تكون موافقة للذبائح الخارجيَّة في الشريعة. وأنَّ الشريعة لا تمارَس بعد الآن كما يريد اليهود الذين ما زالوا بشريّين. إذ طرد البقر والغنم، وأمر أن يأخذوا من هنا الحمام، وكلَّ هذه ذبائح اليهود العاديَّة، وإذ قلب الموائد المغطّاة بهذه الفضَّة المادّيَّة التي كانت صورة لامباشرة للشريعةالإلهيَّة (أي لما هو قويم ومقبول) التي تقرأ حرف الكتاب. وأخيرًا، إذ أخذ الربُّ سوطًا، علَّمنا أنَّ الملكوت أو كهنوت اليهود، انتقل إلى الذين اعتنقوا الإيمان بين الأمم«.

ويواصل أوريجان كلامه في المقال الثاني عشر من تفسير يوحنّا: »يبدو هذان الاثنان، جسد يسوع والهيكل، أنَّهما صورة الكنيسة المبنيَّة بحجارة حيَّة لكي تكوِّن بيتًا روحيٌّا وكهنوتًا مقدَّسًا. وهذا ما يوافق كلمات أخرى: »أنتم جسد يسوع المسيح وأعضاء بعضكم لبعض«. انقلب بناءُ الحجر، كما ظهر، وعظام المسيح بدَّدتها ريح المعارضات والصعوبات. ولكنَّه يعود ويقوم في اليوم الثالث، فينشر أنواره على السماء الجديدة والأرض الجديدة. وكما أنَّ جسد يسوع الملموس صُلب ودُفن قبل أن يقوم، كذلك جسدُ المسيح السرّيّ المؤلَّف من جميع القدّيسين، قد صُلب معه. وما من واحد منهم يفتخر إلاّ بصليب ربِّنا يسوع المسيح، الذي به صُلب للعالم (غل 6: 14). ما من أحد منهم أيضًا إلاّ ودُفن مع يسوع المسيح وقام معه، لأنَّه سار في قداسة الحياة الجديدة. ولكن ما من أحد يشارك بعدُ في القيامة السعيدة«.

 

الخاتمة

من هيكل مبنيّ بالحجارة، وصلنا إلى هيكل من لحم ودم. من موضع يرمز إلى حضور الله وسط شعب من الشعوب إلى شخص هو حضور الله على الأرض، مجد الآب مجده، ومجده مجد الآب. ونحن رأينا هذا المحد. وهو أخبرنا عن الآب. من ذبائح عديدة إلى ذبيحة واحدة، روحيَّة نعيشها يومًا بعد يوم لا يُسفَك فيها دم. مات يسوع وأماتنا معه. وقام في اليوم الثالث فأقامنا معه. وكلُّ واحد ينتظر الساعة التي فيها يكون مع المسيح. ذبيحة يسوع الواحدة على الصليب برَّرت العالم، وهي تكفي »الذابحين« إلى انقضاء الدهر. وأخيرًا، نحن لم نعد أمام هيكل ننظر إليه من بعد، مع حجارة كبيرة وذهب يشعُّ فيبهر الأنظار. نحن صرنا ذاك الهيكل. صار حجارة حيَّة في بيت الله. صرنا أعضاء في جسد المسيح. هل نرضى أن نكون حجارة ضعيفة لا تسند إخوتنا؟ هل نقبل أن نكون أعضاء مريضة في الجسد، فنحمل الضعف والمرض إلى إخوتنا؟ ما من أحد منّا جزيرة في بحر. والواحد يؤثر على الآخر في قلب البناء الواحد والجسد الواحد. لهذا نسمع كلام بطرس الرسول: »أنتم حجارة حيَّة في بناء مسكن روحيّ. فقدِّموا ذبائح روحيَّة يقبلها الله بيسوع المسيح« (1بط 2: 5).