لا يهلك من يؤمن... بل تكون له الحياة

 

كلام رائع بدأه يسوع في حوار مع معلِّم في اليهود، اسمه نقوديمس. وأوصله للمؤمنين في زمن الرسول يوحنّا الحبيب والتلميذ الطاهر، كما يواصله في أيّامنا. نحن اليوم نسمع كلام الربِّ وكأنَّه يخرج من فمه في الكنيسة التي هي جسده وامتداد عمله حتّى نهاية العالم.

نزل الله على الأرض. أرسل ابنه. وما كان الهدف؟ الاقتصاص من البشر وإهلاكهم لأنَّهم خطأة، كما يطلب الكثيرون اليوم؟ كلاّ ثمَّ كلاّ. الله ربُّ الحياة فكيف يحلِّل الموت؟ الربُّ أعطى وأعطى، فكيف نريده أن يستردَّ ما أعطاه. بدأ فأعطانا الحياة في هذه الدنيا، وهي تنتهي بالموت كما يقول البشر. لكنَّه يعطينا أكثر حيث قال الإنجيليّ: »هكذا أحبَّ الله العالم حتّى وهب ابنه الوحيد، فلا يهلك كلُّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديَّة« (يو 3: 16). إلى هذا الإله نتعرَّف في رفعة يسوع على الصليب، وفي ما سبق هذه الرفعة في الكتاب المقدَّس، لأنَّ الهدف الأخير أن تكون لنا الحياة وتكون وافرة (يو 10: 10).

 

1- يجب أن يُرفَع ابن الإنسان

ابن الإنسان، يسوع المسيح، هو إنسان ابن إنسان، متجذِّر في تاريخ البشر منذ إبراهيم أبي الآباء، بل منذ آدم الذي هو الأب الأوَّل للبشريَّة من الوجهة اللاهوتيَّة. بمعنى أنَّ آدم هو كلُّ واحد منّا، بحسب الرمز القديم: هو من التراب وإلى التراب يعود. وكلُّ واحد منّا من التراب وإلى التراب يعود. كانوا يدفنون الإنسان في الأرض، وهناك تنتهي حياته. إذًا، من هناك أُخذ. وبرزت صورة الفخّاريّ يعمل إناء من الآنية. أخذ الربُّ ترابًا من الأرض، وجعل آدم، أي الإنسان، ونفخ في أنفه نسمة حياة (تك 2: 7). ويسوع، ابن الإنسان شبيه بنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة، أراد وهو الرفيع أن يصير على مستوى البشر. والهدف، أن يرفع البشر. أراد وهو الغنيُّ أن يصير فقيرًا لكي يغني فقرنا (2كو 8: 9).

وابن الإنسان هذا ليس فقط ابن الأرض، بل ذاك الآتي من السماء. هكذا صوَّره سفر دانيال في القرن الثاني ق.م. قال: »رأيت في منامي ذلك الليل، فإذا بمثل ابن إنسان آتيًا على سحاب السماء، فأسرع إلى الشيخ الطاعن في السنّ، فقُرِّب إلى أمامه. وأعطي سلطانًا ومجدًا وملكًا حتّى تعبده الشعوب من كلِّ أمَّة ولسان، ويكون سلطانُه أبديٌّا لا يزول، ولكنَّه لا يتعدّاه الزمن« (دا 7: 13-14). »فالشيخ الطاعن في السنّ الذي رأى فيه الآباء الله الآب، لأنَّه الأزليّ الموجود قبل الدهور، أرسل ابنه. لا في صورة مرعبة كما كانوا يقولون عن الآلهة، بل في شكل إنسان. غير أنَّ هذا »الإنسان« هو الإله أيضًا، لأنَّه يأتي على غمام السماء الذي هو مركبة الله وحده. »يأتي على مركبة السماوات، وفي عظمته على الغيوم« (تث 32: 26). وأنشده داود: »أحنى السماوات ومنها نزل، وتحت قدميه الضباب الكثيف« (2صم 22: 10).أجل هذا الإله نزل. »جعله الله حينًا دون الملائكة« (عب 2: 9). لأنَّه صار إنسانًا. واحتمل ألم الموت وكان عليه أن يذوق الموت بنعمة الله لخير كلِّ إنسان« (آ10). اعتبره بعض اليهود واليونانيّين أنَّه أدنى من الملائكة، ولكنَّنا نراه »مكلَّلاً بالمجد والكرامة« (آ9). ولماذا نزل، تنازل، لكي »يشابه إخوته في كلِّ شيء« (آ17). هكذا يشابهه إخوته. بل جُرِّب »فأمكنه أن يعين المجرَّبين« (آ18).

وحدَّثنا عنه القدّيس بولس في الرسالة إلى أهل فيلبّي: »هو في صورة الله« (فل 2: 6). هو مساوٍ للآب، كأنّي به في وقت من الأوقات، وفي أعين البشر، »تخلّى« عن هذه المساواة، »تخلّى« عن هذه الصورة. بان إنسانًا من الناس على طرقات الجليل والسامرة واليهوديَّة. لهذا مات كما يموت كلُّ إنسان بل مات في أبشع موت حين »اتَّخذ صورة عبد« (آ7). مات »على الصليب« (آ8). ولكنّ »رفعه الله وأعطاه اسمًا فوق كلِّ اسم« (آ9).»وجب« على يسوع أنيفعل ذلك. ولكن أيُّ إرادة فوق إرادة ا؟، وأيّ قدرة فوق قدرته؟ لا قدرة فوق قدرة ا؟. بل هو قصد ا؟، قصد الحبّ الذي جعله يهب ابنه للعالم، وإذ وهبه لنا، لم يترك شيئًا له. أنريد بعد ذلك أن يرسل لنا أنبياء، لا ينطلقون من كلام الابن؟ أنريد بعد ذلك أن ننتظر حكماء لا تنبع حكمتهم من الإنجيل؟ وقد قال يسوع عن نفسه: »ما جئت لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني« (يو 5: 30). لهذا أراد أن يكون »طائعًا حتّى الموت« (فل 2: 8). أجل يجب أن يرفع، وقد قال لتلميذي عمّاوس: »كان على ابن الإنسان أن يمرَّ في هذه الآلام قبل أن يدخل في مجده« (لو 24: 26). هو نزل من السماء، وهو رُفع إلى السماء، وقبل رفعة الصعود، كانت الرفعة على الصليب، حين قال: »وأنا إذا ما ارتفعت جذبتُ إليَّ كلَّ إنسان« (يو 12: 32). وأعقب يوحنّا الإنجيليّ: »قال هذا مشيرًا إلى الميتة التي سيموتها« (آ33). ولكنَّ موته كان من أجل الحياة.

 

2- كما رفع موسى

كم نحتاج إلى أنوار الروح حين نقرأ الكتاب المقدَّس كلَّه، من أوَّل آية إلى آخر آية، من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا. من »في البدء خلق الله السماوات والأرض« (تك 1: 1)، إلى »فلتكن نعمة الربِّ يسوع معكم أجمعين« (رؤ 22: 21). كاتبه واحد. الروح القدس. كاتبه إلهيّ. وهو الذي وجَّه أيادي الكتّاب العديدين، لهذا قال الآباء، الكتاب يشرح الكتاب. فالتقابلات عديدة بين نصٍّ وآخر، بين ما نقرأ في العهد القديم وما نقرأ في العهد الجديد. لا نستطيع أن نلغي العهد القديم لأسباب أقلّ ما يقال إنَّها دينيَّة. فالعهد القديم هو الجذور التي تحمل الشجرة وتعطيها الثمرة في من هو »ثمرة بطن مريم العذراء«، يسوع المسيح (لو 1: 42). كما لا نستطيع أن نلصق العهد الجديد بالأرض فلا يصل بنا إلى الظلمة »الذي صار بشرًا وسكن بيننا، فرأينا مجده« (يو 1: 14). فالكلمة هو الله. ولا يمكن أن يقابله معلِّم من المعلِّمين ولا نبيّ من الأنبياء، ولا حكيم من الحكماء». كلُّهم ماتوا، ويسوع وحده الحيّ إلى الدهور. فكيف ينزع الألوهة عن يسوع وبكلام وقح. كيف ينسون مقاله: «أنا والآب واحد» (يو 10: 30). وقال لأحد تلاميذه: «أنا معكم كلَّ هذا الوقت وما عرفتنييا فيلبُّس؟ من رآني رأى الآب. فكيف تقول: »أرنا الآب؟ ألا تعلم بأنّي في الآب وأنَّ الآب في« (يو 14: 9-10). والمؤسف لدى بعض البدع، أنَّهم يحدرون ابن الله إلى مستوى الإنسان لينزعوا عنه صفة الألوهة، بدلاً من أن يفهموا هذه النعمة الفريدة التي منحنا الله: جعلنا أقل من الإله قليلاً، كما قال المزمور الثامن. وجعلنا أبناءه كما يقول يوحنّا عن المؤمنين: »فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله« (يو 1: 12).بعد هذا الاستطراد الذي يكوِّن بعض الجواب لما يُقال ويُكتب، نعود إلى النصِّ الإنجيليّ: »وكما رفع موسى الحيَّة في البرِّيَّة، فكذلك يجب أن يُرفَع ابن الإنسان« (يو 3: 14). فما هذه الصورة التي وردت في الإنجيل، وهل كانت الحاجة ماسَّة لذكرها، وما الذي أضافته على معرفتنا ليسوع؟ نورد هنا ما قيل في سفر العدد:»ثمَّ رحلوا من جبل هور على طريق البحر الأحمر ليدوروا حول آدوم. فبدأ الشعب يلهث في الطريق. وتكلَّموا على الله وعلى موسى وقالوا: »لماذا أصعدتنا من مصر لنموتَ في البرِّيَّة؟ فلا خبز لنا ولا ماء، ونفوسنا قضت من هذا الطعام القليل«. فأرسل الربُّ على الشعب حيّات ناريَّة، فلذغت الشعب، ومات قوم كثيرون من بني إسرائيل« (عد 21: 6).تذمُّرٌ عقابُه الموت. وكيف يكون الموت؟ يتركون موسى، وبالتالي ا؟، ويسيرون تيهانًا في البرّيَّة. فرفقة الله حياة. والابتعاد عنه موت. أما هنا فأطلَّت لا حيَّة واحدة، بل حيّات عديدة. منذ البداية، الحيَّة حاضرة هنا. هي التي جرَّبت حوّاء وآدم، فسقطا في الخطيئة بعد أن نسيا الوصيَّة: »أمّا شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها. فيوم تأكل منها موتًا تموت« (تك 2: 17). طلبا الموت لا الحياة. وهو يعرف الشعب، مثل الشعب في البرّيَّة »حتّى يعود إلى الأرض التي أُخذ منها، لأنَّه تراب وإلى التراب يعود« (تك 3: 19).ولكنَّ هذه الحيّات لا تشبه الحيّات التي نعرف. كما الحيَّة الأولى ترمز إلى عمل إبليس الذي يجرِّب الإنسان ويفهمه أنَّ الله محسود منه، ويخاف أن يصير إلهًا مثله (تك 3: 5)، كذلك هذه الحيّات هي »محرقة«. إنَّها من نار. في العبريَّة: سرافيم. فالسرافيم، بحسب نبوءة أشعيا، يقفون لدى الله، وكأنّ َهم يريدون أن يحموه عن أنظار الفضوليّين. والنار تدلُّ على حضور الله. فهذه النار لا يمكن أن تكون نار الهلاك والموت، بل هي نار التنقية. الله يفعل في شعبه، كما النار تعمل في المعادن لتصفّيها وتنقّيها من كلِّ زغل فيها. ويتواصل النصُّ الكتابيّ:

»فجاء الشعب إلى موسى وقاموا: »خطئنا حين تكلَّمنا على الربِّ وعليك. فصلِّ إلى الربِّ حتّى يزيل عنّا الحيّات«. فصلّى موسى لأجل الشعب. فقال الربُّ لموسى: »إصنع لك حيَّة وارفعها على سارية. فكلُّ ملدوغ ينظر إليها يحيا«. فصنع موسى حيَّة من نحاس ورفعها على سارية. فكان كلُّ إنسان لدغته حيَّة ونظر إلى الحيَّة النحاسيَّة يحيا« (عد 21: 7-9).

بدأت التنقية لدى الشعب، فتابوا مقرّين بخطاياهم. »خطئنا«. فأرسل الربُّ إليهم الخلاص. حيَّة مرفوعة على سارية. يمكن أن نرى عنها صورة بسيطة على جبل موآب، في موقع يبعد بعض الشيء عن ميدبا. ونرى الصورة أيضًا على الصيدليّات في العالم. »حيَّة تلفُّ عمودًا«. في الأساس، صور قديمة قريبة من الأساطير، وحوش مجنَّحة تقف على مدخل البيوت أو تملأ صحراء سيناء. أو أخبار عن وحوش بحريَّة. نقرأ في أش 27: 1: »في ذلك اليوم يعاقب الربُّ بسيفه العظيم الشديد، لوياثان الحيَّة المدهشة (أو المؤذية أو الهاربة)، لوياثان الحيَّة الملتوية، ويقتل التنّين الذي في البحر«. هذا ما يدلُّ على قوى الشرِّ، مع العلم أنَّ لاوياثان هو التمساح الذي يُذكر في نصوص أوغاريت (رأس شمرا، إلى الشمال من اللاذقيَّة). وفي عا 9: 3 نتعرَّف إلى الحيَّة، تلك القوَّة المخيفة، السرّيَّة »التي يرسلها الربُّ إلى قعر البحر«.

كلُّ هذا تحوَّل، تبدَّل، لم تعد الحيَّة حاملة الموت، بل حاملة الحياة. يكفي أن ينظر »المؤمن« إليها، حتّى يُشفى من لسعة الحيّات في الصحراء. هنا نقرأ الترجوم، أو النصّ الآراميّ للكتاب المقدَّس، مع ما فيه من توسُّعات روحيَّة، تجعل النصَّ مؤوَّنًا من أجل القرن الثاني المسيحيّ وما بعد.

»خرجت كلمة من الأرض، فوصل صداها إلى العلاء: تعالوا وانظروا يا جميع الخلائق، تعالوا واسمعوا يا كلَّ أبناء البشر! في الماضي لعنتُ الحيَّة وقلت لها: التراب يكون طعامك. وأخرجتُ شعبي من أرض مصر وأنزلتُ من أجله المنَّ من السماء. وأصعدتُ له المياه من الغمر، وحملت إليهم من البحر طيور السلوى. فعاد شعبي يتذمَّر قدّامي على المنِّ الذي بدا قليلاً. فلتأتِ الحيَّة التي لم تتذمَّر بسبب طعامها، فتسود على الشعب الذي تذمَّر بسبب طعامه«.

وصنع موسى الحيّة. من يرفع عينيه إلى الحيَّة، ينجو من الموت. وقالت نسخة ثانية: »جعل موسى الحيَّة على موضع مرتفع. فمن عضَّته الحيَّة ورفع وجهه في الصلاة نحو الآب الذي في السماوات، ومال بنظره إلى الحيّة النحاسيَّة، يحيا«. فالحيَّة صورة وتمثال. هي بعض نحاس. ولكنَّه تفهم المؤمنين أنَّ ا؟ يحوِّل الشرَّ إلى خير، وأداة الموت إلى أداة حياة. هنا كلام الكتاب: »الله يميت ويحيي« (1صم 2: 6). بيده حياتنا كلُّها، منذ الولادة وحتّى المضيّ إلى القبر كما كانوا يفكِّرون. بل والصعود إلى السماء.ولكن يأتي وقت، تصبح هذه الحيَّة النحاسيَّةصنمًا من الأصنام يتعلَّق به الناس وينسون الله. في هذا المجال، روى سفر الملوك الثاني ما فعله حزقيّا بن آحاز، ملك يهوذا: »أزال معابد الأوثان على المرتفعات، وحطَّم الأنصاب، وقطع تماثيل الإلاهة أشيرة، وسحق حيَّة النحاس التي صنعها موسى، لأنَّ بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيّام، يحرقون البخور لها. وسمّوها نحشتان« (2مل 18: 4).

»نحشتان«. ترتبط من جهة بالنحاس كما يلفظ في العبريَّة. وإذا قلبنا »نحش« يصبح »حنش«. كما في العربيَّة: نوع من الحيّات. نقرأ في عد 21: 9: حنش نحاس، رابطًا المعنيين معًا. أمّا سفر الحكمة فقابل بين القروح التي أماتت المصريّين، مع الحيَّة النحاسيَّة التي هي رمز خلاص يذكِّر المؤمن، بالشريعة وبعمل ا؟ المخلِّص (حك 16: 5-6).

 

3- أرسل الله ابنه ليخلِّص العالم

ما حملت الحيَّة الخلاص، بل الهلاك، ولا الحياة بل الموت، منذ تماهت مع التنّين العظيم، المسمّى إبليس أو الشيطان خادع الدنيا كلِّها (رؤ 12: 9). ولا النحاس يقدر أن يفعل شيئًا. به تُصنَع التماثيل والأوثان. ولكنَّ الوثن ليس بشيء (1كو 8: 4). هزئ منه الكتاب المقدَّس مرارًا، له عينان ولا يرى، له أذنان ولا يسمع. له يدان ولا يفعل. له رجلان ولا يتحرَّك، بل يحتاج إلى من ينقله من موضع إلى آخر، ويخلِّصه من يد الأعداء إن هم اجتاحوا هيكله.إذًا، نظرة العبرانيّين إلى تلك الحيَّة النحاسيَّة، لم تفعل فعلها بمجرَّد نظرة مادّيَّة، بل بمجرَّد الطاعة إلى الربِّ عبر شخص موسى. رفعوا وجوههم، صلّوا. ومثل هذه الصلاة التي لا تنبع من الإيمان، تكون بلا فائدة، بعد أن قال الرسول: »كلُّ ما لا يصدر عن إيمان فهو خطيئة« (رو 14: 23). آمن الشعب بقدرة الله، فكان لهم بحسب إيمانهم. وهنا نلتقي الرسول أيضًا الذي جعل أمامنا صورة إبراهيم المؤمن: »آمن بكلام الله فبرَّره الله لإيمانه« (رو 4: 3). وسبق الرسول فقال في الرسالة عينها (رو 1: 16-17): »أنا لا أستحي بإنجيل المسيح، فهو قدرة الله لخلاص كلِّ مؤمن، لليهوديّ أوَّلاً ثمَّ لليونانيّ، لأنَّ فيها أعلن الله كيف يبرِّر الإنسان: بالإيمان ومن الإيمان، كما جاء في الآية: »البارّ بالإيمان يحيا« (حب 2: 4).أمانة الله هي البداية. ويتجاوب معها المؤمن بالإيمان. يقول نعم لنداء الله، مهما بدا هذا الإيمان بالمحبَّة التي يعيش. من أجل هذا دُعيَ إبراهيم »خليل ا؟« (يع 2: 23). أمّا محبَّة إبراهيم فبرزت حين طلب منه ا؟ »ابنه، وحيده، إسحاق الذي يحبُّه«. ما تأخَّر. بل قام في الصباح الباكر. هوما فهم مخطَّط الله يعطيه ابنًا بعد طول انتظار، ثمَّ يأخذ منه هذا الابن! لهذا كان جوابه لابنه: الله يدبِّر الأمور. الله يرى. أمّا نحن فلا نرى. والإيمان هو حقٌّا »تصديق ما لا يُرى« (عب 11: 1).

والدخول في الإيمان هو دخول في مسيرة الخلاص. قال يوحنّا: »من يؤمن بالمسيح لا يهلك« (يو 3: 16). بل لا يعرف الدينونة. لأنَّ »الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلِّص به العالم« (آ17). ويعلن يسوع بعد شفاء المخلَّع الذي التصق على فراشه مدَّة ثمانٍ وثلاثين سنة: »من يسمع لي ويؤمن بمن أرسلني، فله الحياة الأبديَّة، ولا يحضر إلى دينونة، لأنَّه انتقل من الموت إلى الحياة« (يو 5: 24).

هنا نسمع نداء الإيمان الذي يعلِّمنا. فيقول: الخلاص عطيَّة من الله، وعطيَّة مجّانيَّة. ذاك ما اختبره الشعب، في شكل مادّيّ، لدى الدخول إلى غربيّ الأردنّ. أتوا فرأوا المدينة الهامَّة، أريحا التي هي مفتاح السهل، مدمَّرة فما شكَّلت صعوبة على هؤلاء البدو الآتين من البرّيَّة. فما بقي لهم سوى أن يرفعوا الشكر إلى الربِّ الذي سبق له ففتح البحر أمامهم. قال لهم موسى، والخطر يحدق بهم: »لا تخافوا، قفوا وانظروا اليوم خلاص الربّ... الربُّ يحارب عنكم، وأنتم لا تحرِّكون ساكنًا« (خر 14: 13). فأيُّ إنسان يجسر بعد ذلك أن يستند إلى قواه البشريَّة ويعتبر أنَّه خلَّص نفسه بنفسه؟ لهذا قال المزمور 44: »فما بسيوفهم ورثوا الأرض، ولا بسواعدهم نالوا الخلاص، بل بيمينك وساعدك ونور وجهك« (آ4). وقال لنا المرنِّم في مز 33: 16-18: »الملك لا يَخلُص بكثرة جيشه، ولا يُنقَذ الجبّارَ عظيمُ قوَّته، الخيل لا تقود إلى الخلاص، وبشدَّة عزيمتها لا تنجّي«.لهذا تكرَّرت النداءات: »يا مخلِّص اليائسين« (يه 9: 11). »خلِّص يا رب« (مز 118: 25). »خلِّص يا ربّ فأخلص« (إر 7: 14). فاسم الربِّ هو »إله الخلاص«

كما يقول مز 51: 16. وقال مز 79: 9: »أنصرنا يا الله وخلِّصنا، لمجد اسمك«. وأنشد العائدون من المنفى: »خلّصنا أيُّها الربُّ إلهنا، واجمعنا من بين الأمم، لنحمد اسمك القدّوس، ونسبِّح ونهلِّل لك« (مز 106: 47).خلاص طلبه العهد القديم واكتشفه على مستوى العشب، كما على مستوى الأفراد. يكفي هنا أن نذكر مز 107 وما فيه من اختبارات خلاص. نذكر فقط هؤلاء الأسرى »الذين يعانون القيود« (آ10). يحيط بهم »الهلاك وظلُّ الموت«. لا سبيل إلى عون بشريّ. حينئذٍ »صرخوا إلى الربِّ في ضيقهم، فخلَّصهم من سوء حالهم. أخرجهم من الظلام وظلِّ الموت، وقطع لهم قيودهم« (آ13).

وفي العهد الجديد، خلاصات قام بها يسوع المسيح »الذي دُعيَ ذاك الذي يخلِّص شعبه من خطاياهم« (مت 1: 21). أتت النازفة. قال لها يسوع: »إيمانك خلَّصك«. والنتيجة: »فخلّصت المرأة، ونالت الخلاص من تلك الساعة« (مت 9: 22). بل قال الإنجيليّ: »طلبوا منه أن يلمسوا طرف ثوبه. فكان كلُّ من يلمسه ينال الخلاص« (مت 14: 36). شفاء الجسد من المرض. وشفاء الروح من الخطايا على مثال ما حصل للمخلَّع الذي أنزلوه من فتحة في السقف.فخلاص النفس قبل خلاص الجسد. وخلاص الإنسان، قبل خلاص ما يملك. قال يسوع لتلاميذه حين أرسلهم إلى الرسالة وهو عارف بالأخطار التي تنتظرهم: »لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ولا يقدرون أن يقتلوا النفس، بل خافوا الذي يقدر أن يهلك الجسد والنفس معًا في جهنَّم« (مت 10: 28). بالجسد الإنسان يعبِّر عن علاقة مع الخارج. بالنفس التي تعني الأنا الحيّ، يتأمَّن الاتِّصال بالله. فإذا انقطع الاتِّصال بالله، صار الإنسان في جهنَّم. تلك هي الخسارة الكبرى، والهلاك الأبديّ.

ولكنَّ الله أرسل ابنه إلى العالم لكي يخلِّص العالم. العالم كلَّه. لا جزء منه. لا فئة دون فئة. لا شعب دون شعب. وقد حدَّثنا الرسول عن »نعمة الله، ينبوعالخلاص لجميع البشر« (تي 2: 11). وأضاف في 1تم 2: 4 متحدِّثًا »عن الله مخلِّصنا »الذي يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق«. لهذا أرسل ابنه الوحيد »فضحّى بنفسه فدى لجميع الناس« (آ6). وهكذا نصل إلى النقطة التي انطلقنا منها: نزل الابن من السماء إلى البشر، والآن، قد صعد ليُصعد البشريَّة معه. ارتفع على الصليب فرفع البشريَّة معه. وها هو يرتفع في المجد »فيجذب إليه الناس أجمعين« (يو 12: 32).

 

الخاتمة

منذ البداية، يشدِّد يوحنّا على موقع الصليب والآلام في حياة يسوع. منذ الفصل الأوَّل، عرفنا أنَّ يسوع هو حمل الله الذي يموت ليرفع خطيئة العالم. وفي الفصل الثاني، نتطلَّع إلى القيامة في اليوم الثالث، ورافق يسوع في الساعة التي لم تأتِ في عرس قانا الجليل، ولكنَّها تنطلق مع غسل الأرجل حيث عرف يسوع أنَّ ساعته أتت لينتقل من هذا العالم إلى الآب. وحين طرد الربُّ الباعة من الهيكل، تحدَّث عن جسده »الذي يُهدَم« بانتظار أن »يُبنى« من جديد في ثلاثة أيّام. وهذا ما فهمه التلاميذ بعد قيامة معلِّمهم من بين الأموات. والحوار مع نيقوديمس عن الحياة الجديدة التي تقدَّم لنا، يمرُّ في الصليب. يُرفَع ابن الإنسان، كما رُفعت الحيَّة في البرّيَّة. الجميع رأوها، نظروا إليها، استعادوا الحياة بعد خطر موت محتَّم. وعلى الصليب، نظر المارّون كلُّهم »ذاك الذي طعنوه«. وكلُّ هذا من اجلنا ومن أجل خلاصنا نحن البشر. بالحيَّة كان الموت لآدم، وبالحيّة النحاسيَّة نجا العبرانيّون من الموت. بالخشبة، بالشجرة، شجرة معرفة الخير والشرّ، عرف الإنسان الهلاك وبخشبة ثانية: كانت السارية صورة عنها، بخشبة الصليب نالت البشريَّة الخلاص.