المدخل إلى الكتاب المقدس ج 1

توطئة

هذا هو المدخل إلى الكتاب المقدّس الذي يفتح المجموعة التي أخذنا على عاتقنا أن نصدرها بالتعاون مع الآباء البولسيين لنساعد المؤمنين على الإطّلاع على نصوص مقدّسة وصلت إلينا عبر التوراة والإنجيل، عبر أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد. 
نقسم هذا المدخل إلى خمسة كتب. نعالج في خمسة أجزاء، ثلاثة منها تتعلّق بالعهد القديم، وجزءان يتعلّقان بالعهد الجديد.
بعد أن نطرح بعض القضايا العامّة، ننطق في مسيرتنا عبر الأسفار المقدّسة من سفر التكوين إلى آخر ما دوِّن من أسفار العهد القديم، عنيت به سفر الحكمة. وبعد هذه اللمحة الإجمالية عن التوراة، نقدّم بعض الموضوعات الدينية التي تساعدنا على تكوين فكرة عن لاهوت العهد القديم. هكذا نفهم كلام الله في إطاره التاريخي المتطوّر قبل المسيح، ونستعدّ للدخول في عالم العهد الجديد الذي هو كمال الوحي. أعطانا الآب ابنه فأعطانا فيه كلّ شيء. أعطانا يسوعَ كلمتَه فلم يعد له شيء آخر يعطينا.
وها نحن نحاول الولوج إلى عالم العهد القديم، فنقدَّم في الجزء الأول الأبحاث العامّة، وتاريخ الشعب العبراني منذ بدايته إلى الإسكندر الكبير، ونقابل أخيرًا المراجع البيبلية بكتابات الشرق القديم.
وقبل الدخول في الكتاب نسوق بعض الملاحظات العامّة.

إيراد النصوص الكتابيّة
ترد النصوص الكتابيّة بحسب النسخة العبرانيّة في ما يتعلّق بالأسفار القانونيّة الأولى أي تلك المدوَّنة أصلاً في اللغة العبرانيّة (أو الآراميّة).
أمّا نصوص الأسفار القانونيّة الثانية أي تلك التي نقلتها إلينا الكنيسة في اللغة اليونانيّة. فهي ترد بحسب الترجمة السبعينيّة.
عمليًّا نتَّبع الترتيب المعمول به في الترجمة الكتابيّة المسكونيّة في اللغة الفرنسيّة.
ينتج من ذلك أن أرقام المزامير تختلف عمّا نجده في ترجمة الآباء اليسوعيّين والدومينيكان (بالعموم هناك فرق في رقم واحد. مز 11 في النسخة اليسوعيّة هو مز 12 في النسخة العبرانيّة) وإن أرقام الآيات في المزامير تختلف عمّا نجده في ترجمة جمعيّة الكتاب المقدّس، التي لا تعطي رقمًا لمقدّمة المزمور (مرّات عديدة هناك فرق في رقم واحد. مثلاً مز 83: 4 في العبرانيّة هو 3:83 في نسخة جمعيّة الكتاب المقدّس). 
وينتج أيضاً بعض الفروقات في ترقيم فصول وآيات تختلف فيها اليونانيّة و (اللاتينيّة) عن العبرانيّة مثلاً: زك 1: 1ي يحتوي 17 آية في النص العبرانيّ و21 آية في النصّ اليونانيّ (الذي يتّبعه كلّ من نص الآباء اليسوعيّين والجمعيّة). وهذا ما يجعل زك 2: 1 بحسب النصّ العبرانيّ يقابل 1 :18 في النصّ اليونانيّ. وزك 2: 1 بحسب النصّ اليونانيّ يقابل 2: 5 في النصّ العبرانيّ.
وتفصيلاً عندما نقول تك 2: 4 فنحن نعني سفر التكوين الفصل الثاني الآية الرابعة. 
وعندما نقول خر3: 4-6 فنحن نعني سفر الخروج الفصل 3 من الآية 4 إلى الآية 6 ضمنًا.
وعندما نقول لا4: 5، 9 فنحن نعني سفر اللاويين (أو الأحبار) الفصل 4 الآية 5 والآية 9.
وعندما نقول عد 4- 6 فنحن نعني سفر العدد من الفصل الرابع إلى الفصل السادس ضمنًا.
وعندما نقول تث1: 2؛3: 4 فنحن نعني سفر التثنية الفصل الأول آية 2 ثمَّ الفصل 3 آية 4.

تسمية الأسفار المقدّسة
هناك أسماء اتفق عليها المترجمون العرب (سفر التكوين مثلاً) وأسماء اختلفوا عليها. فسفر الجامعة الذي يسمّيه الشرّاح الغربيّون "قوهلت" (كما في العبرانيّة) سمّاه الشدياق "الواعظ". وسفر اللاوّيين الذي هو السفر الثالث من أسفار موسى قد سمَّته الترجمة السريانيّة البسيطة سفر الكهنة (كهني) والترجمة اليسوعيّة سفر الأحبار مقتفية بذلك ترجمة الشدياق. ثمّ إنّ الترجمة اليسوعيّة ذكرت أسفار الملوك الأول والثاني والثالث والرابع على خطى اليونانيّة واللاتينيّة، أمّا نحن فسنذكر سفر صموئيل الأول وسفر صموئيل الثاني، ثمَّ سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثاني. ونسمّي السفر الرابع من أسفار موسى سفر العدد (عِوَض سفر الأعداد كما في الشدياق)، والسفر الخامس سفر التثنية عِوَض تثنية الاشتراع كما في الشدياق واليسوعيّة.
ونقدّم لائحتَين: لائحة أولى بالأسفار المقدّسة مع مختصراتها.
لائحة ثانية أبجديّة بالمختصرات الكتابيّة مع مختصرات أخرى.
القسم الأوّل
أبحاث عامّة
نعالج في هذا القسم مواضيع عامة تشمل الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد. 
الموضوع الأوّل: الكتاب المقدّس كلام الله
الموضوع الثاني: الوحي في الكتاب المقدّس
الموضوع الثالث: النقد الأدبيَ والكتاب المقدّس
الموضوع الرابع: الكتاب المقدّس وأسفاره القانونيّة
الموضوع الخامس: الترجمات
الموضوع السادس: المخطوطات

الفصل الأوّل
الكتاب المقدّس
هو كلام الله
يستهل المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني الدستور العقائدي في الوحي الإلهي فيقول: إنّ المجمع المقدّس يصغي بورع إلى كلمة الله ويعلنها بثقة. أجل، لقد حسن في عيني الله الجوّاد والحكيم أن يكشف عن ذاته ويعلن سرّ مشيئته (أف 1: 11) إلى البشر فكلّمهم عبر الأنبياء والمعلّمين قبل أن يكلّمهم بابنه الذي هو بهاء مجده وصورة جوهره (عب 1 :3). لقد كلّمنا الله كأحبّاء وحدّثنا ودعانا إلى مشاركته في سعادته وأرادنا أن نعرفه بواسطة هذه الكلمة: إنّه الإله الوحيد الحقيقي، إنّه الآب الساهر والقاضي العادل، إنّه المخلص الذي يهتمّ بما يعود إلى إشراكنا في الخيرات الإلهية التي تفوق تمامًا إدراك العقل البشري. وهذه الكلمة وصلت إلينا عبر الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد.
فالعهد القديم، الذي هو في الوقت عينه تاريخ خلاص وشريعة ووعد، يبقى، بعد أن أتمّه المسيح وبلغ به إلى كماله، كلام الله. والعهد الجديد، الذي هو تتمّة سرّ الخلاص بالمسيح وبداية الكنيسة بالرسل، لا يزال يقول لنا مشيئة الله التي لا تريد أن يهلك واحد منّا (2 بط 9:3)، والتي تورع مواهب الروح على كل إنسان (2 كو 12: 11) حتى يخلصوا جميعًا ويبلغوا إلى معرفة الحق (1 تم 2: 4).
نحن الذين لا نستطع بقوانا الخاصة أن نعرف من الله إلاّ ما ندركه عبر خلائقه حيث ينعكس كيانه، قد أُعطينا وحيًا يكشف لنا عن سرّ هذا الكيان ويدخلنا في حياة الله. نحن الذين نعرف الضعف البشري وعجز الإنسان ووهنه، لاسيّمَا بعد أن دخلت الخطيئة إلى العالم (روم 5 :12)، قد جاءتنا كلمة الله بعبارة واضحة. وقد كُتبت بروح الله الحي في قلوبنا وأيضاً في ألواح من حجر (2 كور 3: 3) وفي أوراق البردي والجلود الرقيقة، بانتظار أن تُطبع على الورق وتتُرجم إلى لغات البشر وتنتشر في كل أنحاء العالم.
هذه الكلمة حملها الشعب العبراني قبل المسيح فبشّر بها ودوّنها في كتبه، ثمّ حملها شعب إسرائيل الجديد، أي الكنيسة، بحسب أمر المعلم الذي قال لهم: "اذهبوا إلى العالم كلّه وأعلنوا البشارة إلى الناس أجمعين " (مر 16: 15)، و "علِّموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به، أن يعملوا بكل ما كلَّمتكم به " (مت 28: 20).

أ- إعتراضات
نقول للناس إنّ الكتاب المقدّس هو كلام الله، أمّا هم فيميّزون بين العهد الجديد والعهد القديم، بين الأناجيل وسائر الأسفار المقدّسة. والمؤمنون يكتفون إجمالاً بمعرفة بعض المقاطع من الإنجيل، تاركين معرفة سائر كتب العهد الجديد للاختصاصيين في الكتاب المقدّس وللأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات ؛ ولكنّهم يرفضون رفضاً قاطعًا أن يحسبوا أسفار العهد القديم كتبًا تحتوي على كلام الله، لا بل يقولون: كلام أسفار العهد القديم أقلّ شأنًا من كلام الفلاسفة القدماء، وهو على كل حال لا يستحقّ كلّ هذا الاهتمام وهذه الأبحاث.
يقولون أوّلاً: إنّ أسفار العهد القديم أسفار صعبة الفهم، فلماذا إضاعة الوقت في قراءتها؟ نحن نكتفي بأسفار العهد الجديد ولا سيمّا بالأناجيل المقدّسة. ويقولون ثانيًا: إنّ هذه الأسفار كُتبت منذ ألفَي سنة ونيّف، فلماذا نلتزم نحن بقراءتها، وبمَ تفضل على الكتب القيّمة التي تركها لنا الأقدمون في بلاد الشرق واليونان؟ ويقولون ثالثًا: تروي هذه الأسفار قصّة شعب لم يكن أفضل من سائر الشعوب، لا بل كان شعبًا منغلقًا على ذاته، خائفًا على إيمانه وعاداته، معتبرًا أنّ الله له وحده دون سائر الشعوب، فما الفائدة من قراءتها؟ ويقولون رابعًا: لو كان ما نقرأه في هذه الأسفار هو من المستوى الرفيع دينيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا لقبلنا به، ولكنّنا نكتشف الكذب والاحتيال والقساوة عند أشخاص كانوا رجال الله، ونطّلع على أمور منعت الكنيسة المؤمنين أجيالاً عديدة من قراءتها لأْنّها رأت فيها ضررًا لهم.
إنّ مثل هذه الاعتراضات وغيرها تجعل العديد من المؤمنين يتورّعون عن قراءة أسفار العهد القديم لأنّها بالنسبة إليهم تكاد تكون كلامًا بشريًا، فكيف تكون كلامًا إلهيًا؟ من أجل هذا سنقتصر في حديثنا على أسفار العهد القديم، تاركين جانبًا أسفار العهد الجديد التي لا يختلف عليها أحد. فما هو موقف الكنيسة من أسفار العهد القديم، وما هو موقف المؤمنين العملي، وما يكون ردّنا على اعتراضاتهم؟ وننهي بقول عن أهمية الكتب المقدّسة ولاسيّمَا كلام الأنبياء الذي هو قمة كلام الله في العهد القديم.

ب- موقف الكنيسة
هذه الاعتراضات التي أوردناها قد عرفتها الكنيسة منذ بداية عهدها. عرفتها أوّلاً على لسان فلاسفة وثنيين أمثال بورفيريوس الصوري وقيلسيوس الذي حاربه أوريجانس، وكلاهما كان يزدري اليهودية والمسيحية على السواء. وعرفتها ثانيًا على لسان المعارضين لليهودية الذين كانوا يعتبرون أنّ الفكر اليهودي ما زال يسيطر على الفكر المسيحي الشرقي، ولهذا ندّدوا بالشعب اليهودي الأعمى الذي لم يطّلع على الشريعة الجديدة، وهاجموا أسفار العهد القديم. وعرفتها ثالثًا وخصوصاً على لسان الغنوصيين الذين انطلقوا من فلسفة ازدواجية ثنوية تعتبر الكون خاضعًا لمبدأين متعارضين، أحدهما مبدأ الخير والآخر مبدأ الشر، فطبّقوا هذه الازدواجية على الكتاب المقدّس، وجعلوا عالم الشرّ في العهد القديم، وقالوا إن الذي خلق الكون المادي ونظّمه هو إله الشرّ الذي أعطانا أيضاً الشريعة اليهودية فجاءت على شكله شريرة ؛ أمّا العهد الجديد فهو عالم الخير وفيه يأتي المسيح الذي ينجّينا من الشريعة القديمة ومن إله اليهوديّة الشرّير.
في هذا الخط الغنوصي الذي يعتبر المعرفة سبب الخلاص، شدّد مرقيون (القرن الثاني المسيحي) على التعارض بين أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد، وجعل الإنجيل منفصلاً انفصالاً تامًا عن أسفار التوراة: انّ الشريعة القديمة تلفت انتباهنا إلى العدالة والقساوة والعنف، والشريعة الجديدة إلى الحبّ والرحمة والحرية. فهل يعقل أن تأتي الشريعتان من إله واحد؟ كلا! فالشريعة الأولى مصدرها إله المحبّة الذي ظهر لنا في يسوع المسيح. لقد كانت المعارضة واضحة بين يسوع والعالم اليهودى، وهذا دليل على المعارضة بين نظامين وعهدين وشريعتين وإلهين. ولقد جاء يسوع يحرّر الناس من النظام الأوّل والعهد الأوّل والشريعة الأولى. وفي هذا الإطار لم يكتشف مرقيون بأن ينبذ العهد القديم بكامل أسفاره، بل راح يعمل مقصّه في كتب العهد الجديد، فلم يأخذ إلا بانجيل القديس لوقا ورسائل القديس بولس بعد أن احتفظ منها بمقاطع واستغنى عن مقاطع أخرى.
هذه الطريقة في معاملة أسفار العهد القديم قد وقفت بوجهها الكنيسة منذ القديم بلسان الآباء والمعلّمين بانتظار أن تعلن تعليمها في مجامعها. نذكر هنا ايريناوس، أسقف ليون في فرنسا، وترتليانس، الكاتب القرطاجي المسيحي، ويوستينوس، ابن نابلس قي فلسطين، وغيرهم، كلّهم دلّوا على ايجابيات العهد القديم، وفسّروا الرموز الكتابية، وقالوا إنّ الله ذاته هو الذي أوحى بأسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد، وانّ التطور الظاهر من العهد القديم إلى العهد الجديد يعود إلى طريقة الله في تربية البشرية فينتقل بها من عالم الخطيئة إلى عالم الإنجيل عبر مراحل متعددة تصبّ كلّها في أسفار العهد القديم الذي يجد كماله في العهد الجديد.
وما قنع الآباء بالردّ على هذه الهرطقات بل راحوا يدرسون أسفار العهد القديم ويعرضونها على المؤمنين فجاءت بشكل كتب علمية كتلك التي دوّنها أوريجانس المصري، أو بشكل عظات كتلك التي نقرأها من يوحنا فم الذهب في شرحه لسفر التكوين أومن القدّيس اغوسطينس في تفسيره للمزامير... ومن خلال درس الكتاب المقدّس سيُبرز الآباء أهمية دراسة النص الحرفيّ لنفهم ما قاله الكتّاب الملهمون قبل أن نصل إلى المعنى الكامل الذي نجده في المسيح. وهكذا سيصبح الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد منطلقًا لتآليف لاهوتية سيكون لها دورها الكبير في حياة المؤمنين. نذكر منها "برهان الكرازة الرسولية" لايريناوس، و "البرهان" لأوسابيوس القيصري، و "مدينة الله" لأغوسطينس، و"العبادة بالروح. والحق" لكيرلّس الاسكندراني الذي بيَّن أنّ أسفار الشريعة والأنبياء لم تلغَ في العهد الجديد بل بلغت فيه كمالها، لأنّ الطقوس التي مارسها اليهود لا نزال نمارسها نحن المسيحيين في عبادتنا الروحية لله، ولأنّ ممارستهم كانت ظلاً ورمزاً لما نمارسه نحن في العهد الجديد.
ج- موقف المؤمنين العمل
نحن المؤمنين نعتبر أن أسفار التوراة هي من الكتب التي لها مكانتها في تاريخ العالم وفي حياة البشر، ونقول إنها تفترق عن سائر الآداب الدينية لأنّ أصلها يرجع إلى الله، لأنّها كلام الله، لأنّها قاعدة إيماننا، لأنّها جاءت إلينا بوحي منه تعالى. أجل، عندما نقرأ الكتب المقدّسة فالله القدوس الحاضر في الكون هو الذي يكلّمنا. عندما يحدّثنا إنسان نستمع إليه. وعندما يحدثنا الله، علينا أن نفتح قلبنا لكلامه فنحفظه ونكرّره ونخبر أولادنا بأعمال الله من أجلنا. ولكي نفهم كلام الله لا يكفي أن نقرأ نصوصه وكأنها نصوص قديمة مثل غيرها، فنحن لا نستطيع أن نفهم كلام الله إن كنّا غريبين عن الله ولا نستطيع أن نفهم كلام الله ونطّلع عليه من دون عمل الروح القدس (1 كور 2: 11). وهذا يفترض نفسًا منفتحة للرب مستعدة لتقبّل ما يقوله لنا بروح الايمان والثقة.
إنّ المؤمن الحقيقي يسير على هدي الكنيسة التي تعتبر الأسفار المقدّسة كتابها الذي فيه تعلَم مَن هو الله، وفيه تقرأ قصة الخلاص، وفي التأمّل في كلمته تجد الطريق والحق والحياة (يو 14: 6). المؤمن يقرأ الكتاب المقدّس داخل الكنيسة التي أودعها الله إيّاه وديعة تحافظ عليها، ويَسمع كلمات الكتاب في الكنيسة حيث تُعلَن كلمة الله في الليتورجيا، ويَفهم كلمات الله عندما يُشارك أجيال الآباء والمعلّمين، أجيال العلماء والقديسين، فيسير على خطاهم ويستفيد من اختباراتهم ويغتني بغناهم، هم الذين جعلوا هذه الكلمة حاضرة في حياتهم ومحيطهم فصارت سيفًا له حدّان يَنفذ في الأعماق إلى ما بين النفس والروح (عب 4 : 12 ).
ويعرف المؤمن أيضاً أنّ هذه الكلمة التي توصلها إلينا الكنيسة قد كتبها أُناس مثلنا وظلّوا عدة أجيال وأجيال يدوّنونها ويعيدون تدوينها على ضوء اختبار ديني تعمّقوا فيه يومًا بعد يوم. لقد كتبوا هذه النصوص بلغة لا نفهمها، وانطلقوا من ظروف تاريخية خاصة وعقليات لم نألفها. ولكنَّ هذا لا يمكنه أن يقف حاجزًا بيننا وبين كلام الله. لا شك أنه ليس بالأمر الهيّن أن نُدرك كلام الله عبر كلام البشر وأن نُدرك معانيه رغم القشرة التي يمكنها أن تحجبه عنا، وأنّ صعوبة كلام الأسفار المقدسة لا تعفينا من البحث الجدّي ولا تعذر كسلنا وتقاعسنا وتذرّعنا بكثرة أشغالنا. لكن إذا كان الله أراد أن يلاقينا على دروب البشر، فعلينا أن نطّع على هذه الدروب ونسير عليها لنحقق الوصول إلى الرب. لقد سار العبرانيون أربعين سنة في صحراء التيه لا نورَ يضيء طريقهم إلاّ نور الرب، ولكنهم وصلوا في النهاية إلى أرض الرب.

د- الرد على الاعترافين الأوّل والثاني
إنّ الاعتراضات التي ذكرناها فيها بعض الحق والصواب وفيها الكثير من الضلال وهي على كل حال لا تحول بيننا وبين الولوج إلى غنى الكتاب المقدّس.
إنّ الاعتراض الأوّل يدور حول صعوبة أسفار العهد القديم. لا شك في ذلك ونحن أمام مكتبة تضم 46 كتابًا فيها الشعر والنثر، والتاريخ والصلاة، والقصص الشعبي المدهش المليء بالمعجزات والعجائب، والقوانين والشرائع التي تكوّمت على مدى سبعة قرون فسردها الكاتب وكأنّها دوّنت كلّها في وقت واحد. بيد أنّه يمكننا أن ندخل إلى قراءة العهد القديم، فننطلق من النصوص التي يوردها العهد الجديد ونعود إلى الأسفار التي وردت فيها. ويمكننا أيضاً أن نستعين بالمقدمات التي تفتح أمامنا فهم الكتاب، كما نستطيع أن نلجأ إلى الهوامش والشروح.
إذا كان الطالب في المدارس الثانوية يدرس الأدب القديم ويُعمل الفكر فيه ليفهمه لأنّه تراث الآباء والأجداد، فلماذا لا يريد المؤمن أن يطّلع على تراث الذين أوصلوا إلينا وديعة الايمان؟ لماذا لا يريد أن يطّلع على الطريق التي سلكها آباؤه ليصلوا إلى المسيح؟ إنّ العهد الجديد هو نهاية المسيرة، أفلا نحب أن نعرف البداية؟ أفلا نحب أن نتأمل في كلمة الله التي خلقت في البدء الأول السماء والأرض كل ما فيهما (تك 1: 1 ي)، ثم خلقت في البدء الآخر في شخص المسيح "خليقة جديدة" (2 كور 5 :17)؟
أمّا الاعتراض الثاني فيدور حول قِدَم هذه الأسفار التي كُتبت منذ آلاف السنين. فلماذا إضاعة الوقت في كتب دُوِّنت قبل المسيح وأمامنا الكثير لنقرأ اليوم ونستفيد منه؟ ولماذا نؤثر كتبًا خرجت من البادية ومؤلّفات تركها لنا أقل الشعوب تحضُّرًا في الشرق القديم، على كتب ومؤلّفات ورثناها من أثينة ورومة ونينوى وبابل وأوغاريت وإبله؟... لا شك في أنّ ذكر هذه الحواضر، ولاسيّمَا الشرقية منها، يملأنا فخرًا واعتزازًا ويدعونا إلى اكتشاف كنوز أديبة تركت بصماتها في عمق أعماق حياتنا الاجتماعية والدينية. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلنبدأ ونحسب أسفار العهد القديم بعضاً من تراثنا الذي لم يُكتشَف قبل القرن العشرين الحالي، أمّا الكتاب المقدّس فظل معروفًا يُقرأ في كل لغات العالم دون انقطاع، أقلّه منذ القرن الأول المسيحي. ولقد استند إليه العلماء ليعرفوا بعض الشيء عن شعوب عاشت في الشرق وكاد أثرها يضيع لولا نصوص التوراة. أما استعان اللغويون بنصوص العهد القديم ليدخلوا إلى فهم نصوص راس شمرا؟ أما يلجأ دارسو الديانات إلى نصوص سفر التكوين ليفهموا أمورًا كثيرة تبيَّن فيمَا بعد انها من تراث الشرق الذي نعيشه؟
نحن نرفض باسم علم التاريخ والإنسان أن تقتصر معلوماتنا على ما وصل إلينا من العصور الحديثة، ونطلب أن نطلع على تراثنا كلّه، وعمره خمسة آلاف سنة ونيّف، ومن هذا التراث الكتاب المقدّس. ونزيد باسم إيماننا أنّ التوراة لا تكتفي بإعطائنا معلومات تاريخية ورؤى فكرية وأفكارًا أديبة... بل تتعدى كل ذلك، وكدت أقول إنّها لا تهتمّ بما ننتظره من غيرها من الكتب. إنّ همّها أن تعطينا معلومات دينية عن الله الخالق الذي نعبده، عن الله المخلّص الذي يمكننا أن نثق به فلا يخيّب ثقتنا، عن الإنسان في حياته الزوجية والعائلية، في حالة الحرب والسلم، في علاقته بالقريب والغريب والغنّي والفقير. لذلك نحن نحتاج إلى قراءة اسفار المقدّسة رغم قِدَم عهدها.

هـ- الردّ على الاعتراض الثالث
إنّ الاعتراض الثالث يدور حول كون هذه الأسفار تعود لشعب اشتهر بتعصّبه وانغلاقه على ذاته. إنّ هذا الكلام لا شك بصحّته ولكنّ لنا عليه بعض الملاحظات.
أوّلاً، إن الله الذي يتعدّى الزمان والمكان أراد أن تنزل كلمته في زمان ومكان معيَّنين، فاختار الشعب العبراني، واختار الألف الثاني، واختار أرض كنعان ليوصل كلامه إلى البشرية بانتظار أن يتجسّد ابنه أيضاً في هذه الأرض ذاتها على عهد اغوسطس قيصر، إمبراطور رومة، وهيرودس، ملك اليهودية. كان بامكان الله أن يُنزل كلمته في مصر، صاحبة المدنيّة الزاهرة، أو في أثينة، حاضرة الفلسفة، أو في رومة، عاصمة العالم القديم، لكنه لم يفعل ذلك في تدبيره وسرّه. غير أنّ هذا لا يعني أنه إذا نزل كلام الرب في أرض كنعان فيجب عليه أن يبقى في أرض كنعان. فإن أوحى الرب إلى شعب ببعض حقائق جسّدها الكاتب الملهم في لغة من اللغات، فهذا لا يعني أنّ كلام الله حُصر في لغة من اللغات. وإذا كان كلام الله قد تجسّد عند الشعب العبراني في ثقافة معيَّنة ومدنيّة محدّدة، وهي على كل حال ثقافة الشرق ومدنيّته، فهذا لا يعني أنه رفض سائر الثقافات ونبذ ما في سائر المدنيات من غنى. كلام الله بدأ في أرض كنعان وعليه أن يمتد إلى أقاصي الأرض. والإنجيل الذي بدأ به يسوع في اليهودية سيتعدّى اليهودية إلى السامرة والجليل وحتى أقاصي الأرض (أع 1 :8) فلا يبقى مكان لم يسمع كلام الله ولا بقعة لم يُعرف فيها اسم يسوع. 
ثانيًا، نزل كلام الله في بلد من البلدان فكان له طبيعة هذا البلد دون سائر البلدان، كما أنّ يسوع تجسَّد في الشعب اليهودي فكان له طبيعة أبناء اليهود، ولا ضير في ذلك إذا فهمنا انّ الجزء يمثّل الكل، وانّ تقديس عيلة من عيال البشر، هي العيلة المقدسة، مقدّمة لتقديس جميع عيال الأرض، وأنّ تكريس أرضٍ من أراضي البشر، هي أرض فلسطين، عربون لتقديس جميع أنحاء الأرض، وأنّ تخصيص شعب من شعوب الأرض، هو الشعب العبراني، بنعمة حَمْل كلام الله واستقبال كلمة الله، يسوع المسيح، بداية لتخصيص جميع الشعوب بنعمة استقبال كلمة الله في شخص ابنه يسوع المسيح. هذا ما فهمه القديس بطرس يوم عمَّد كورنيليوس الوثني، ذلك القائد الروماني العائش في قيصرية فيلبس. لقد نزل الروح القدس بغتة على جميع الحاضرين، وكانوا وثنيين، كما نزل يوم العنصرة على الرسل، وكانوا يهودًا.
ثالثًا، إذا كان كلام الله قد كُتب باللغة العبرية، فهل يعني أنه وَقْفٌ على العبرانيين؟ ومتى كان الله عبدًا لتصوّرات البشر وأداة بيدهم يوجّهونه كيف يشاؤون؟ الله حرّ في تصرّفه ونحن الجبلة الضعيفة لا نستطيع أن ندخل إلى أعماق سرّه. هذا على مستوى الله، أما على مستوى الناس، فكلّنا يعرف أن الكتاب الذي يسلَّم للنشر لا يعود ملك صاحبه بل ملك جميع الناس؛ فبالأحرى كلام الله. فما أوحى به الرب إلى أحد الناس فكتبه، لم يعد ملكًا له أو لشعب من الشعوب بل أصبح لجميع الشعوب. ولقد أراد الشعب اليهودي مرارًا أن يتفرّد بكلام الله ولا يوصله إلى الآخرين ليحتفظ به لذاته (راجع قصة يونان الذي رفض أن يذهب إلى أهل نينوى الوثنيين ليحمل اليهم كلام الله). ولكنّ كلام الله لا يوضع في إطار أو سجن بل يدفع صاحبه إلى أن يتكلّم. كلام الله لا يوضع تحت مكيال، بل على منارة (مت 5: 14).
رابعًا، ان كلمة الله كما وصلت إلينا في أسفار العهد القديم لم يعبّر عنها الإنسان بصورة كاملة، بل تطوّرت مع تطوّر الإنسان المؤمن ولن تصبح كاملة إلاّ في شخص الابن الذي أُعطى لنا وأُعطي لنا معه كل شيء. أي لسان يستطيع أن يعبّر عمّا في قلب الإنسان؟ فكيف يريد البشر أن يدركوا الرب ادراكًا تامًا؟ لا أحد يعطينا صورة تامة عن الله إلاّ ابن الله. يقول يسوع: "أنا والآب واحد" (يو 10: 31)، و"ما من أحد يعرف الابن إلا الآب، وما من أحد يعرف الآب إلا الابن " (مت 27:11)، و"لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً" (يو 8: 19)، لأني في أبي وأبي فيَّ، ويكني أن يراني أحد لكي يرى الآب فيَّ. "فإذا كنتم تعرفوني عرفتم أبي أيضاً. وقد عرفتموه ورأيتموه. مَن رآني رأى الآب. ألا تؤمنون بأني في الآب وانّ الآب فيَّ " (يو 14: 7- 10)؟ نورد هذه الآيات لنقول إن كلام الله وصل إلينا كاملاً فقط في شخص ابن الله يسوع المسيح الكلمة المتجسد، وإنّ كل قول غير هذا يبقى ناقصًا فينتظر كماله في يسوع المسيح. ولكنّ هذا الواقع يجب أن يدفعنا إلى أن نستعدّ لسماع كلام المسيح عبر ما ورد من كلام الله في العهد القديم.
خامسًا، إنّ الشعب العبراني ظلّ أجيالاً يتأمل في ما يصل إليه من كلام الله بلسان الآباء والأنبياء والمعلّمين، فاستعدّ لكلام المسيح. فمن المستحسن أن نطّلع على الكثير من نصوص العهد القديم لندخل بطريقة أعمق في نصوص العهد الجديد. وكما ان الرب درَّب شعبه أجيالاً وأجيالاً قبل أن يُخبرهم عن ملكوت الله في المسيح، فإنّه لا يزال يدرّبنا، نحن أبناء الكنيسة، لندخل في ملء إنجيل المسيح. إنّ العهد القديم هو قصة مسيرة الإنسان على دروب الله، وهي دروب صعبة وطويلة يطيل فيها الله أناته على الإنسان، فيمشي مشيته مهما كانت بطيئة، ويوصله في آخر المطاف إلى الشريعة الكاملة في المسيح رغم ضعفه وزلاّته وخطاياه، عبر شرائع ناقصة ألّفها الناس وهم لا يريدون أن يتخلوا عنها، وعبر عادات متأصلة صارت في المجتمع طبيعة ثانية. أما العهد الجديد فهو مسيرة الله إلى الإنسان، وهو عمل الابن الذي صار جسدًا وحلَّ فينا فرأينا مجده، مجد الابن الوحيد الآتي من لدن الآب (يو 1: 14). ومسيرة الإنسان إلى الله، أي مسيرة العهد القديم، ومسيرة الله إلى الإنسان، أي مسيرة العهد الجديد، تلتقيان في شخص يسوع الإله الإنسان الذي هو مساوٍ لأبيه (فل 2: 6) في الجوهر والذي صار شبيهًا بالإنسان في كل شيء ما عدا الخطيئة (عب 4 : 15).
سادسًا، يشبّه الله نفسه بتشبيهين اثنين يدلاّن على علاقته بشعبه. يشبّه نفسه بالزوج الأمين الذي يعرف أن يغضّ النظر عن زوجته الخائنة ويعرف أن يعاقب ساعة يكون العقاب دافعًا إلى التوبة والرجوع إلى الرب (راجع سفر هوشع). ويشبّه نفسه بالوالد الذي يهتمّ بابنه فيؤدّبه (أم 3: 11، 12؛ تث 4: 1، 18:32)، ويقوده من الجهالة إلى الأدب ومن الحماقة إلى الحكمة، ويسير به على طريق معرفته له. كلّ هذا نسمّيه طريق تربية الله لشعبه. فكما أخذ شعبه من عالم الوثنية المصرية وقاده بصورة تدريجية إلى عبادته دون سواه، كذلك عمل على تهذيب هذا الشعب فنقله شيئًا فشيئًا من طرق اعتادها في عالم الشرق القديم إلى طرق أخرى.
ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة. ففي القديم كانت المرأة تُحسَب من متاع الرجل، وقد جعلها سفر الخروج (20: 17) بعد بيت الرجل وقبل عبده وأمته وثوره وحماره. تلك كانت العادة في الشرق وقد أوردها سفر الخروج كما كانت. أما سفر التثنية (5: 20) فقد فصل بين الزوجة وسائر ما يملك الزوج، وجعل الزوجة أثمن ما عند الإنسان. ثم نقرأ في سفر التكوين (1: 26) انّ المرأة والرجل متساويان لأنهما كليهما مصنوعان على صورة الله ومثاله. ونقرأ أيضاً في السفر ذاته (2: 32 ي) أنّ الإنسان يترك أباه وأُمه ليتّحد بامرأته، وهي لحم من لحمه وعظم من عظمه.
وهناك مثَل آخر عمّا يُسمَّى شريعة المعاملة بالمثل والقائلة: سن بسن وعين بعين (خر 21: 24- 25). فإذا قابلنا هذه الشريعة بما نقرأ في الإنجيل نجد أنها لا تليق بالإنسان فكيف بالمسيحي: "لا تنتقموا ممن يسيء إليكم. مَن أراد أن يخاصمك ليأخذ ثوبك فاترك له رداءَك أيضاً" (مت 38:5 ي). ولكن إذا قابلنا هذه الشريعة بشريعة الغاب الأولى وجدنا تطوّرًا ظاهرًا نحو الأحسن. كانت تقول الشريعة الأولى: يُقتل قايين فيُثأر له سبع مرّات، ويُقتل لامك فيُثأر له سبعًا وسبعين مرّة (تك 23:4- 24)، أي لا يكون للانتقام نهاية. ولمّا جاءت شريعة موسى بدأت، على نقصها، تضع حدًا للانتقام وتجعل نسبة بين الجريمة والعقاب: مَن قلعَ لك عينك فلا "تقلع " له رأسه بل اكتفِِ بعينه، ومن قطع لك يدك فلا "تقطع " جسمه بل اكتفِ بقطع يده. لا شك في أننا لسنا على مستوى الإنجيل الذي يطلب منّا لا أن ننتقم سبعًا وسبعين مرّة بل أن نغفر بعضنا لبعض سبعًا وسبعين مرّة (مت 18: 21- 22). بيد أنّ تلك الطريقة في المعاملة بالمثل كانت حسنة في وجه من الوجوه لأنّها تقي الأبرياء من اعتداء الأقوياء وتعاقب المذنبين بقساوة. ولقد تطوّرت هذه الشريعة عبر نصوص العهد القديم بحيث إنّ سفر الخروج يقول (23: 4- 5): إذا لقيت ثور عدوّك أو حماره شاردًا فردَّه إليه. وإذا رأيت حمار مَن يبغضك رازحًا تحت حمله فلا تمتنع عن مساعدته ورفع الحِمل معه. ويقول سفر اللاويين (17:19- 18): لا تبغض أحدًا في قلبك بل عاتبه فلا تتحمّل خطيئة بسببه. لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك، بل أحبب قريبك مثلما تحب نفسك.

و- الردّ على الاعتراض الرابع
يدور الاعتراض الرابع حول المستوى الديني والأخلاقي في أسفار العهد القديم. ويذكر المعترضون خصوصًا قصة لوط وما فعل مع ابنتيه (تك 30:19 ي)، وقصة تامار مع يهوذا (تك 38: 1 ي)، ونساء سليمان العديدات (1 مل 11: 1 ي)، ولا ينسون احتيال إبراهيم على فرعون (تك 12: 1 ي) وعلى ابيملك (تك 20: 1 ي)، واحتيال يعقوب على أخيه عيسو (تك 25: 29 ي) ووالده اسحق (تك 27: 1 ي) وخاله لابان (تك 30: 25 ي)، واحتيال بني يعقوب على أهل شكيم (تك 34: 1 ي) وقساوتهم على أخيهم يوسف (تك 37: 12 ي) حين باعوه عبدًا للتجّار الاسماعيليين.
ويمكننا أن نذكر الكثير من الأحداث التي تدلّ على أنّ البشر الذين يريد الرب أن يقودهم إليه هم خاطئون ضعفاء، وأنّ الكلام الذي قاله القديس بولس (روم 13:5) عن الخطيئة التي كانت قبل شريعة موسى، هو واقع وحقيقة. ولقد قال يوحنا في رسالته الأولى (8:1- 10): "إذا قلنا إنّنا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا وما كان الحق فينا. أما إذا اعترفنا بخطايانا (فيسوع) أمين عادل، يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كل شرّ. وإذا قلنا إننا ما خطئنا جعلناه كاذبًا وما كانت كلمته فينا".
أجل، لقد عرف الكتَّاب الملهمون في العهد القديم أنّهم خطأة، وفهم الأنبياء أنّ الشعب الذي هم منه هو شعب خاطئ. نلاحظ مثلاً أنّ كاتب سفر التكوين لا يرضى عن تصرّف إبراهيم عندما باع امرأته لفرعون. إنّ الكتاب المقدّس يورد خطايا رجال اختارهم الله لرسالة خاصة، ولكنّه يُتبع ذلك بالقصاص المناسب، كل هذا يبيّن لنا أنّ الخطيئة، وإن كانت حصّة البشرية، إلاّ أنّ الله لا يرضى بها وهو يفعل المستحيل لكي يعود الشعب عنها ويتوب إلى ربّه.
ولكن لماذا نتوقّف على أحداث خاصة ووقائع منفردة، عندما نقرأ أسفار التوراة، ولا نتطلعّ إلى تاريخ الخلاص الذي يقوده الله عبر الكتاب المقدّس حتى يوصله إلى المسيح، ولا نتطلع إلى مواعيد الله التي تبدأ بشكل مواعيد مادية من نسل كبير وأرض طيّبة وتنتهي بشكل مواعيد مسيحانية هي مواعيد بالمسيح الآتي من عند الرب ليحلّ ملكوته على الأرض، ولا نتطلع إلى شريعة ستدلّ الناس على خطيئتهم فتهيّئهم لقبول النعمة "من أجل الحياة الأبدية برِبنا يسوع المسيح" (روم 5: 21)؟ لماذا لا نتأمّل في شخص إبراهيم الذي قَبِل أن يترك كلّ شيء ويذهب في الطريق الذي يشير إليه الرب؟ ولماذا لا نتأمل في حياة يعقوب فنتوقف عند هذا الانقلاب الذي تمَّ فيه يوم لاقى الرب في مجاز يبّوق (تك 22:32 ي)؟ ولماذا لا نقرأ قصّة زواج اسحاق بسارة (تك 24: 1 ي) وفيها ما فيها من طراوة؟ ولماذا لا نعجب بعفّة يوسف بن يعقوب (تك 39: 1 ي) أمام امرأة فوطيفار، وبكرم أخلاقه بوجه خساسة اخوته يوم قال لهم مستخلصًا العبرة ممّا حصل له من انحطاط ورفعة: "السوء الذي أردتموه لي أراده الله خيرًا كما ترون " (تك 50: 20)؟ وهل نذكر داود الذي كان بحسب قلب الرب فعرف أن يتوب ساعة الخطيئة، وأن يتقبّل المصيبة ساعة تأتيه وأن يمجّد الله بأقواله وأعماله؟ وسليمان الذي لم يطلب الى الرب إلا الحكمة ليحكم بين الشعب ويميّز بين الخير والشرّ (1 مل 3: 9)؟ وجماعة المساكين، مساكين يهوه، الذين عاشوا انتظار الشعب لمجيء الرب يسوع على الأرض، فكان منهم زكريا وأليصابات وسمعان الشيخ وحنّة النبيّة وجماعة الرسل والتلاميذ؟ كل هؤلاء استقبلوا المخلّص مستنيرين بكلام الله الذي اعتادوا أن يقرأوه في الأسفار المقدّسة ويلهجوا به ليلاً ونهارًا (مز 1: 2 ؛ 28:35) فيهلّلوا للرب تهليلاً ويحدّثوا بخلاصه الذي لا حدَّ له (مز 71: 14- 15). وهنا نودّ أن نوضح أمرًا مهمًّا يحجب عنّا رؤية حقيقة كلام الله، ألا وهو طريقة عرض الأحداث في الكتاب المقدّس وكأنّها راجعة كلّها إلى الله. تؤخذ مدينة أريحا (يش 6: 1 ي) بحدّ السيف، ولكنّ الشعب يعتبر أنّ الرب أسلمها إلى يد يشوع بعد الطواف حولها سبعة أيّام. وينتصر يشوع على الملوك المتحالفين عليه (يش 10: 6 ي) قبل شروق الشمس، فينسب انتصاره إلى الله الذي أوقف الشمس والقمر في دورتيهما ليتمّ لبني إسرائيل أن ينتصروا على أعدائهم انتصارًا كاملاً. ويقتحم الشعب مدينة من المدن ويقتلون فيها من يقتلون ويسلبون ما يسلبون ويهدمون ويحرقون، ثم يقولون: أمرنا الرب بأن نحلّل قتل جميع من في المدينة بحدّ السيف من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير (يش 6: 21). تلك كانت طريقة خاصة في الاخبار وإيراد كلام الأشخاص. فإذا أخذنا بمبدأ الفنون الأدبية عرفنا أن نكتشف من خلال الأساليب المتعدّدة ما يريد أن يوصّله الله إلينا من تعليم.
وهناك أسلوب آخر يجعل النص يلتبس على القارئ. نقرأ في الكتاب: "وقال الله لموسى" (خر 11: 1)، و"كلَّمَ الرب موسى" (خر 12: 1)، وكأني بالله لا عمل له إلا أن يكلِّم موسى، وكأنّ موسى لا يفعل شيئًا إلاّ ما يأمره الرب به. لا شكّ في أنّ موسى يعتبر نفسه عبد الله، وفي أنّ مسرّته هي أن تكون عيناه على يد الرب وقلبه مفتوحًا على كلامه. ولا شك في أنّ الله ألقى في قلب موسى وحيًا من وحيه يوم لقيه في البرّية وأعلن له اسمه، يهوه، أي الإله الذي هو وليس أحد سواه. ولكنّ هذا لا يعني أنّ كل ما أعلنه موسى من شرائع (وما أعلنته التقاليد اللاحقة عن موسى) جاء مباشرة من لدن الله. ونحن نعرف انّ هذه الشرائع مشتركة بين الشعوب الساميّة العائشة في هذا الشرق.
هنا نلاحظ أن الكتاب أخذ غنى الشعوب الساميّة ولخّصه في شريعة موسى التي ستجد كمالها في شريعة المسيح، فكان الشرق كلّه استعدادًا لمجيء المخلّص. والى هذا رمز القديس متى (2: 1 ي) عندما جعل المجوس، هؤلاء الملوك الآتين من الشرق، يأتون ليسجدوا ليسوع لأنّهم أبصروا مجده وعلموا بمولده. وسيكون تاريخ الغرب استعدادًا لمجيء المخلّص بالسلام الروماني الذي عمَّ العالم المتمدّن وبالثقافة اليونانية التي ستنتشر في حواضر العالم وتستعدّ لتنقل العهد الجديد في لغة شائعة فتجعله بمتناول الشعب آنذاك. وستستعد كذلك مدنيّات وثقافات وتيّارات فكرية عديدة لتكون الإناء الذي يُصبّ فيه كلام الإنجيل، فتصبح كالعهد العتيق بالنسبة إلى العهد الجديد وكالرمز بالنسبة إلى الحقيقة التي هي في يسوع المسيح.
لو كنّا نقرأ موسى كما نقرأ رسالة القدّيس بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (7: 1 ي) لميّزنا بين ما أوحى به الرب وما يوصي به القدّيس بولس انطلاقًا من اختباره المبني على كلام الله. لا شك في أنّ ما كتبه القديس بولس يقع كلّه تحت الإلهام، أي إنّ الله دفعه إلى قول هذا الكلام، فلا يمكن أن يكون فيه خطأ أو ضلال من جهة العقيدة، ولكننا نقول إنّ هناك أمورًا قال بها القديس بولس فكانت لزمان دون سائر الأزمنة ونذكر منها على سبيل المثال وضع المرأة في الكنيسة (1 كور 11: 2 ي). وهذا الكلام ينطبق على ما ورد في كتب الشريعة: فهناك أمور لا تزال تُعتَبَر قاعدة لحياتنا نحن المسيحيين اليوم، وهناك أمور تجاوزها الزمن فلم نعد نأخذ بحرفيّتها، ولكننا ما زلنا نستوحي الروح الذي كُتبت فيه. فإن كان بناء المعبد على سبيل المثال لا يهمّنا جملةً ولا تفصيلاً (خر 25: 1 ي)، إلاّ أنّ الاهتمام بمعبد الرب والقيام بشعائر الطقوس بروح دينية لا يزالان حاضرين في الكنيسة وفي كل جماعة مسيحية تجتمع باسم الرب (مت 18: 19). وإن كانت بعض الأحداث لا تهمّ إنسان اليوم لأنّها منحصرة في شعب من الشعوب إن لم نقل في قبيلة من القبائل، إلاّ أنّ العبرة التي نستنتجها من هذه الأحداث هي أنّ الرب يوجّه تاريخ العالم بطريقة سرية لا نفهمها، وهي ستؤول في النهاية إلى أن يُجمع "في المسيح كل شيء في السماوات والأرض " (أف 1 :10).

ز- أنت تعلم الكتب المقدِّسة
بهذا الكلام بادر القدّيس بولس تلميذه تيموتاوس (2 تم 3: 15) فحذّره من الاستماع إلى الخرافات ودعاه إلى الأخذ بالتعليم الصحيح (2 تم 3:4؛ 1 تم 4: 1) والتعلّق بالكتب المقدّسة التي تعلّمها منذ نعومة أظفاره، لأنّها تزوّده بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بيسوع المسيح. هذه الكتابات المقدّسة (روم 1: 2) يعزوها الآباء إلى الروح القدس، وهي تحوي أقوال الله (روم 3: 2) وكلام الله (مر 7: 13) الذي كتبه أُناس نزل عليهم وحي الله (يو 35:10).
هذه الأسفار المقدّسة قد اعتبرتها الكنيسة والآباء القديسون اعتبارًا كبيرًا. فمنذ القرن الأوّل يؤكّد إكلمنضوس، أسقف رومة، أنّ الكتب المقدّسة حق وصدق. ويعلن يوستينوس أنّ الأنبياء تكلّموا بواسطة الروح القدس فلم يقولوا إلاّ ما سمعوه ورأوه بعد أن ملأهم الروح القدس بأنواره.
وعالج ثيوفيلُس الانطاكي (كتب في نهاية القرن الثاني) قضيّة الوحي في الكتاب المقدّس وقابل الإنجيل بأسفار موسى والأنبياء فقال: انّ ما تكلّمت به كتب الشريعة عن البرّ يتوافق مع ما قاله الأنبياء وذكره الإنجيليون. فلكلّ هؤلاء مُنح الروح القدس، وهم لم يتكلّموا إلاّ بفعل الروح الواحد. لم أكن أؤمن بالحقائق العتيدة (ارتدّ إلى الإيمان بعد قراءة الكتب المقدّسة، مثل يوستينوس وطاطيانس)، أمّا الآن وقد تشبّعت منها فأنا أوْمن، لأنّي اكتشفت كتب الأنبياء الذين حرّك قلوبهم الروح القدس فتنبّأوا عن الماضي بالصورة التي حدث فيها، وعن الحاضر كما هو، وعن المستقبل بحسب النظام المحدَّد له لكي يتمّ في أوانه. كل ما عرفناه عن خلق الكون فقد عرفناه بواسطة الروح القدس الذي علّمنا إيّاه مستعينًا بموسى وبسائر الأنبياء.
ومن أنطاكية ننتقل إلى الإسكندرية حيث كان للكتاب المقدّس مركز الصدارة. يقول اكلمنضوس (150- 205): الرب هو الذي تكلّم بفم أشعيا وبفم إيليا وبفم الأنبياء. إذًا، على الفلاسفة أنفسهم أن يبحثوا عن الحقيقة الإلهية عند الأنبياء، فأقوالهم توضح لنا طرق التقوى وهي أساس الحقيقة. والكتب الإلهية تعرض أمامنا قواعد الحياة في الفضيلة، وهي سبل مختصرة تقود إلى الخلاص... وعندما يردّ اكلمنضوس على الغنوصيين يقول: انّ الله هو علّة كل الأمور الصالحة، علّة مباشرة للعهد القديم وللعهد الجديد، وعلّة غير مباشرة لكتب الفلسفة. إن التوراة والإنجيل هما عمل الرب الواحد لأنّ الأنبياء عندما تكلّموا إنما فعلوا ذلك بتأثير الله ووحيه. وهكذا فالكتاب المقدّس هو كلام الله. ويقول أوريجانس (185- 255) الذي حارب هو أيضاً بدعة الغنوصيين: انّ الروح عينه أوحى بأسفار العهد القديم والعهد الجديد. والكنيسة تعلم أنّ الروح أرسل وحيه إلى كلّ من الآباء والقدّيسين والأنبياء والرسل، فلم يكن روح للذين كتبوا في القديم، وروح آخر للذين أوحى إليهم فكتبوا ما كتبوه بعد المسيح.
وفي الكنيسة الغربية قال إيريناوس: إنّ أسفار العهد القديم والجديد قد أوحى بها الروح القدس الذي تكلّم بواسطة إرميا النبي كما تكلّم بواسطة متّى الإنجيلي وبولس الرسول. فأسفار العهد القديم والجديد تنبع من الروح الواحد. وأعلن ترتليانس الطابع الإلهي في الكتب المقدّسة وذكر مكانتها في الكنيسة الأولى ثمّ قال: نحن نجتمع لقراءة الكتب المقدّسة، فبكلماتها نغذّي إيماننا ونثبّت رجاءنا ونقوّي ثقتنا ونُدخل في ذواتِنا وصايا الله.
هذا الذي قيل في الأجيال المسيحية الأولى ستعلنه الكنيسة في قانون إيمانها، فتقول: إنّ الروح القدس قد تكلّم بالأنبياء. وتعلن أنّ الكتاب المقدّس بعهديه هو كلام الله، أي أنّه يحوي أقوالاً يوجّهها الله إلى البشر من أجل خلاصهم. وأقوال أسفار العهد القديم في سرّ خلاصنا تبقى غامضة وناقصة، ولكنها تتوضح شيئًا فشيئًا إلى أن يأتي ملء الأزمنة (غل 4:4) فتسطع على ضوء المسيح (أف 12:4- 14) ويُكشف سرّ الرب في يسوع للقدّيسين، أي المؤمنين (كو 1: 26- 27).

ح- خاتمة
إنّ الكنيسة تسلّمت الأسفار المقدّسة على أنّها كلام الله، وكرّمتها كما كرّمت جسد الرب، وهي لا تني تأخذ خبز الحياة، خاصة في الليتورجيا، لتقدّمه غذاء للمؤمنين سواء عن مائدة كلمة الله أو عن مائدة جسد المسيح. ولقد اعتبرت الكنيسة ولا تزال تعتبر هذه الكتب قاعدة مطلقة لإيمانها، وتعدّها إلهامًا من لدن الله سُطِّر كتابة بصورة نهائية. وإنّ هذه الكتب تورع كلمة الله بالذات دونما تغيير، وتجعل صوت الروح القدس يدوّي في أقوال الأنبياء والرسل. لذلك يجب على كل كرازة مسيحية أن تتغذّى بالكتاب المقدّس وتخضع لتوجيهه، ففي الكتب المقدّسة يلاقي الآب السماوي أبناءه ليكلّمهم بمحبة. وإنّ لكلام الله من الشدّة والفاعلية ما جعل الكنيسة تجد فيه دعامة وقوة، ولأبنائها في إيمانهم عضدًا، ولنفسهم قوة، ولحياتهم الروحية ينبوعًا صافيًا وخالدًا.
نقرأ أسفار العهد الجديد لأنّنا نجد فيها ملء كلمة الله، لكنّنا نقرأ أيضاً أسفار العهد القديم، وإن نقصها الكمال الذي نجده في العهد الجديد. فالاستعداد لمجيء المخلّص ليس بمرحلة يمكن أن نلغيها، والكلام الذي قيل قبل المسيح ليس كلامًا باطلاً لأنّ الاله الذي كلّمنا بواسطة أنبيائه في العهد القديم هو ذاته الذي كلّمنا بابنه في العهد الجديد، وان يكن راعى وسائل التربية فكشف لنا تدريجيًا عن حقائق الإيمان ومتطّلبات الأخلاق، وإن يكن انتظر ملء الزمان، يوم التجسّد، ليعطنا الوحي كاملاً.
الفصل الثاني
الوحي ومفهومه في الكتاب المقدّس
"كلّمَ الله آباءنا من قديم الزمان بلسان الأنبياء مرّات كثيرة وبمختلف الوسائل، ولكنّه في هذه الأيّام الأخيرة، كلّمنا بابنه ". بهذه الكلمات تبدأ الرسالة إلى العبرانيين (1: 1)، فيبيّن لنا كاتبُها حقيقة تحار فيها العقول وتتجاوز حدود المنطق: الله كلّم الإنسان بالرغم من المسافة التي تفصله عنه، الله أوحى بحقيقته عبر كلماتنا الضعيفة الواهية، ولو لم يفعل لما كانت بيننا وبينه علاقات شخصية، ولبقي ذلك اللامحدود الغامض والبعيد عن البشر كلّمنا عبر الآباء والانبياء، وكلّمنا أخيرًا بابنه فقال لنا فيه كل شيء، فوصلت إلينا كلمته، نسمعها اليوم بآذاننا وسط جماعة المؤمنين ونقرأها مدوّنة في الكتب المقدّسة، فندخل في سرّ الله عبر ما يُوحي به إلينا.
الوحي في قاموس اللغة العربية هو ما يلقيه الله إلى أنبيائه فيعطيهم علمًا وفهمًا. ويقابله الإلهام وهو أن يلقي الله في نفس الإنسان أمرًا يبعثه على فعل شيء أو تركه. أمّا في اللغات الأجنبية فالوحي يعني أنّ الله يكشف عمّا كان سرًّا ويعلّم الإنسان ما كان مجهولاً لديه من أمور تفوق الطبيعة. وأمّا الإلهام فيدلّ على حركات وأعمال وأفكار مرجعها نفخ إلهي يشبه النفخ الذي يُدخل الهواءَ إلى الصدر، فيعمل المُلهِم كنسمة الهواء في النفس والروح. وهكذا عبر الوحي تصل إلى الناس حقيقة الله، وعبر الإلهام يعمل الله في الكاتب المكرّم فيدفعه إلى أن يكتب ما أوحى به إليه.

أ- مراحل تكوّن الوحي
كان عالم الشرق القديم يعتقد بوحي إلهي يصل إلى البشر عبر أشخاص ملهمين. وهذا الاعتقاد عرفه التقليد اليهودي الذي كان يرى في العهد القديم مجموعة كُتُب أوحى بها الله حين أملى الشريعة على موسى فكتبها، وأرسل روحه على الأنبياء والحكماء فدوّنوا ما دوّنوه من أسفار مقدّسة. ولم يكن التقليد المسيحي أقل إيمانًا بالكتب الموحاة. وتعتبر الكنيسة أنّها تسلّمت هذه الكتب وديعة تحافظ عليها وتستلهمها.
كيف تُحدّثنا أسفارُ العهد القديم عن الوحي؟ إنّها تستعمل كلمة "جلا" بمعنى كشف، عرّف، وكلمة "رأى" التي تدلّ على أنّ الله يظهر فيسمح للإنسان بأن يراه ويعرفه (تك 22: 14). ولهذا يسمّي الكتابُ النبي "حوزي " أي الرائي الذي يتلقّى رؤيا من الرب.
هذه العبارات تُشير إلى عمل العين والنظر، إنّما يجب أن لا نأخذها على حرفها كأنّنا نستطيع أن نرى الله بالعين المجرّدة. المقصود هنا هو أنّنا أمام لقاء بالرب واتصال بعالم السماء. لا شكّ في أنّ الله تراءى (ظهر) لإبراهيم عند سنديانة ممرا (تك 18: 1)، ولموسى في العلّيقة المشتعلة (خر 3: 2)، ولكنّه يتجلّى أيضاً بمجده فيعاينه كل بشر (أش 40: 5؛ 2:60)، كما يتجلّى بعدله (56: 1) ورحمته (مز 8:85)، فيظهر أنّه الرب القدير (زك 9: 14) وبُعرف أنّه الحصن الحصين (مز 48: 4).
والعين تلتقي الأذن، وظهور الرب ترافقه كلمات نسمعها. فالرؤيا التي يراها بلعام تتكوّن من كلمات معها ووضعها الله في فمه (عد 24: 15- 16). ولمّا كشف الله عن ذاته لصموئيل عبر ندائه له، كانت رؤياه للرب إظهارًا لكلمة قالها له (1 مل 3: 1- 17؛ مز 89: 20). وإذا كانت بعض الرؤى تمثّل اختبارًا للعين (أش 6: 1 ي؛ خر 1: 4 ي) فرؤية الله تبقى طريقة تدل على أنّ الله يكشف عن ذاته فيوصل إلينا رسالة ووعدًا. يقول الكتاب: "وظهر (ورؤي) الله لإبراهيم وقال له: لنسلك أُعطي هذه الأرض " (تك 7:12؛ 1:17).
وهكذا يبدو الوحي نظرًا وسماعًا، والأذن أهم من العين عندما تدوّي كلمة الله، فتفسّر الرؤيا (أش 8:6 ؛ حز 2: 1 ؛ إر 1: 11- 14) أو تكوّن هي نفسها الوحي والرسالة. كم نقرأ هذه العبارة: "كانت كلمة الرب " (يوء 1: 1 ؛ حز 00016:3)، او تلك: "جعل الرب كلامه في فم نبيّه " (إر 1: 9). ولهذا يعلن النبي: "اسمعوا كلام الرب" (أش 1: 1)، أو: "هذا هو الكلام الذي تكلّم به الرب... " (أش 37: 22). وتبدأ أسفار الانبياء بمثل هذه العبارات: "كلمة الرب التي كانت إلى هوشع " (1: 1، رج مي 1: 1 ؛ يؤ 1: 1)، "الرؤيا التي رآها اشعيا" (1: 1)، "الكلمة التي رآها اشعيا" (2: 1). 
كلمة الله في الكتاب ليست صوتًا يمرّ عبر الأذن ليُرسل إلى العقل فكرة مجردة، بل هي قوة فاعلة تأتي (قض 13: 12، 17) فتتمّ أمر الرب (1 مل 27:2). إن كلمة الله قائمة بذاتها وهي تدوم إلى الأبد (أش 8:40)، يرسلها الله إلى العالم ولا تعود إليه قبل ان تتم ما أمرها به (أش 55: 11). هي قوّة خلاقة توجه التاريخ بحسب مخطط الله.
ما قلناه عن كلمة الله يُفهمنا ما هو الوحي. فالله لا يُوحي إلينا في الكتاب بمشاهد رمزية تنتقل إلينا عبر رؤى خيالية، ولا يوحي إلينا بآيات ينطق بها في أُذن نبيّه ليوصلها حرفيًا إلى شعبه. والوحي ليس مجموعة حقائق مجردة نتقبّلها بشكل تعليم منظّم أو نظرية فلسفية أو منهج لاهوتي. إنّ الله يوحي إلينا بذاته كشخص حيّ، كخالق للكون ومنظّم له (أش 45: 12)، كماله قدّوس وصالح يدعو الناس إلى عبادة الله بالمحبّة (خر 20: 1 ي؛ هو 11: 1 ي)، كسيّد للتاريخ يوجّه الأزمنة والأحداث بحسب مخططه الخلاصي (خر 14 : 18 ؛ عا 9:2 ي ؛ إر 32: 20). وهو يتكلّم ليكشف عن مخطّطه هذا، ولكنّه يكشف كذلك عن ذاته بأعماله، عبر عجائب الطبيعة وأحداث التاريخ. وعندما يعلن اسمه لموسى لا يهدف إلى إظهار جوهره، بل إلى القول بأنّه الإله الأوحد الحقيقي الذي يقود تاريخ الخلاص من أقصاه إلى أقصاه.
في الوحي يكشف الله الغطاء عمّا كان مخبأ عن البشر، وينشر ما كان مغطَّى في ذاته. ولقد تحدّث التقليد اليهوديّ عن جلاء الحضور الإلهيّ قاصدًا بذلك أنّ الوحي هو خروج الله من ذاته ومجيئه إلى العالم قبل أن يكون حضور الله. يدخل الله العالم فلا يبقى غريبًا وهو الذي أراد أن يراه ويسمعه ويعرفه شعب يلتقيه. ولقاء الإنسان بالله وحدة لا تتجزأ؟ غير أنّنا لا نستطيع التعبير عنه في اختبار واحد، بل نحتاج إلى اختبارات عديدة لأنّ الإنسان المحدود الذي يريد التعبير عن الله اللا محدود لا يستطيع أن يستنفده مهما أكثر من التعابير. إنّ الوحي أُعطي لشعب كامل عبر أشخاص متعدّدين عاشوا في أزمنة مختلفة وخبروا اللقاء الشخصي بالله. فعبر إبراهيم عرف الآباء الله ؛ وعبر موسى عرف الشعب الله ورآه وجهًا لوجه وسمعه يتحدث إليه (خر 16:19- 20) ويُعطيه وصاياه، وعبر يسوع الذي هو وحي الآب الكامل عرفت الكنيسة الله، ولا يزال المؤمنون يعرفونه عبر الكتب المقدّسة التي تحتفظ بها الجماعة وتعتبرها قانونًا وأساسًا لحياة المؤمنين وسلوكهم.
وهكذا نرى الله عبر تاريخ شعبه يرسل روحه فيتدخّل، أو يتدخّل هو ذاته، فيحمل كلمته إلى البشر بطرق متعددة وأشكال مختلفة، بالرغم من أنّه فوق كلمات الإنسان وأفكاره (أي 3:42)، وأنّه الإله الخفي (أش 45: 15) الذي يصل إليه الإنسان بصعوبة، لا سيّمَا وإنّه خسر بالخطيئة هذه الدالة التي تجعله قريبًا من الله. ويحسّ الإنسان بالحاجة إلى أن يعرف ويفهم طريقه ويجد النور الكافي لحياته، فيميل بأنظاره إلى الله، إلى الذي عنده خفايا الأمور (تث 29: 29) ليكشف له عن أسرار تفوق إدراكه.
ولقد سعى الإنسان منذ أقدم العصور إلى أن يطّلع على أسرار السماء بواسطة أعمال التنجيم والعرافة وتفسير الأحلام والتنبّؤ بالغيب. ولجأ شعب الله إلى هذه الأساليب عينها بعد أن نقّاها قدر المستطاع من ارتباطها بعالم السحر والشرك (لا 19: 26 ؛ تث 18: 10 ي). وتنازل الله إلى مستوى شعبه الذي أخذ بهذه الأساليب وسلّم إليه وحيه عبر هذه الوسائل الواهية والبعيدة عن الكمال. ونذكر على سبيل المثال الكهنة الذين يسألون الله بواسطة الأفود (ثوب الكاهن) والحجارة المقدّسة (اوريم- توميم. عد 27: 21 ؛ 1 صم 14: 41) ويوسف بن يعقوب الذي كان يقرأ الغيب في كأس خاصة (تك 44: 2- 5) أومن خلال أحلام الناس (تك 40- 41) التي تحوي إشارات من السماء إلى البشر (تك 20 : 3؛ 28: 12- 15).
ولكنّ هذه الأساليب سوف يتخلّى عنها الأنبياء، فيصل الوحي إليهم عبر الرؤى، وإن كان ما سيرونه سيمرّ عبر صور ورموز معروفة في الشرق القديم (1 مل 22: 16؛ أش 6: 1 ي؛ حز 1) فيحتاج الإنسان إلى كلام الله لإدراك فحواها ومعرفة الحقيقة التي ينطق بها الله.
وهنا نرى موهبة النبوءة تعمل في الأنبياء، وكان موسى واحدًا منهم يلقي الله في فمه كلامه فيخاطب الشعب باسمه (تث 18: 15- 19). ولهذه الموهبة وجهان. فهي أوّلاً وحي الله يتقبله النبي بطريق من الطرق (عد 6:12-8). وهي ثانيًا رسالة شخصية يبعثها الله إلى شعبه فيوصل النبيّ إليهم الوحي الذي تلقّاه. إنّ الله يضع كلماته في فم الإنسان الذي يدعوه (إر 1: 9، أش6: 6- 7)، لهن يسمع كلمات النبي يسمع كلام الله ذاته، ومن يرفض أن يسمع إلى النبي يرفض أن يسمع إلى الله (تث 19:18). وموهبة النبوءة هذه ترتبط بالروح القدس، وقانون الإيمان يقول عنه إنّه الناطق بالأنبياء. فالروح يحلّ على النبي (عد 11 : 17؛ 18:27 ؛ قض 3 : 10)، ينزل عليه (قض 6:14- 9؛ 1 صم 6:10- 10)، يدخل فيه (حز 2:2)، يشمله (أي إنّه يلبسه، 2 اخ 24: 20) بعد أن يضعه الله فيه (عد 17:11، 29) ويفيضه عليه (يوء 1:3).
يُرسل الله روحه إلى إنسان فيبدّل أعماله وأقواله، ويُرسل روحَه إلى عبده ليحمل الإنصاف إلى الامم (اش 42: 1) وإلى المساكين بشرى الخلاص (61: 1). يرسله فيحمّله تعليمًا عن اسم الله ومخطّطه الخلاصي وعهده مع شعبه (خر 3: 14- 20؛ 3:19- 8)، ويلقّنه الوصايا وأصول العبادة ومبادئ العدالة والانصاف والرحمة. يرسله إلى الأنبياء فيكون كلامهم نداء إلى التوبة يرافقه وعيد وتهديد إذا رفض الشعب التوبة، ويكون وعدًا بالخلاص الذي يتوضّح في أعمال الله الآتية.
ينزل الروح على رجال الله فيحرّك قلوبهم ويوجّه حياتهم وأعمالهم، ويجعلهم يعيشون هذا الوحي ويعلنونه ويكتبونه كلامًا نقرأه في كتاب.
إنّ عمل الروح الذي يستولي على الإنسان يدفعه إلى العمل والكلام، قبل أن يدفعه إلى الكتابة. يسيطر عليه فيدفعه إلى القيام بأعمال عابرة، كما دفع جدعون ويفتاح وصموئيل (قض 6: 34؛ 11: 29 ؛ 14: 6- 9)، أو إلى القيام بأمور هامّة لها تأثيرها على شعب الله، كما فعل مع موسى الذي جعل روحه عليه ليؤسّس العهد (اش 63: 11)، ومع داود ليقود شعبه (1 صم 3:16)، ومع أنبيائه ليؤدّوا دورهم في توجيه مصير إسرائيل. ويسيطر الروح على النبي فيدفعه كذلك إلى الكلام. قال عاموس: "زأر الأسد فمن لا يخاف؟ تكلّم الرب فمن لا يتنبّأ" (3: 8)؟ ولقد قال الرسل كلامًا مماثلاً يوم هدّدهم رؤساء المجمع اليهودي وأنذروهم بأن لا يعودوا إلى ذكر اسم يسوع أمام أحد: "لا يمكننا إلاّ أن نتحدّث بما رأينا وسمعنا" (أع 17:4-20). وفي هذا السبيل قال القديس بطرس في رسالته الثانية: "ما من نبوءة على الإطلاق جاءت بإرادة إنسان، ولكن الروح القدس دفع بعض الناس إلى أن يتكلّموا بكلام من عند الله " (1: 21). فليس النبي من يخبر بالغيب أو المستقبل فحسب، بل هو خاصة من يتكلّم باسم الله وبإلهام منه فيعلّم الشعب ويوجهه.
ويسيطر الروح على من يختاره الرب فيدفعه أيضاً إلى الكتابة. قال الرب لموسى بعد انتصاره على بني عماليق: "أكتب هذا في الكتاب لتتذكّروه " (خر 17: 14). وقال له في نهاية اعلان العهد: "أكتب لك هذا الكلام، لأني بحسبه عقدت عهدًا معك ومع اسرائيل " (خر 27:34). ولقد كتب يشوع بنود العهد في شكيم (يش 26:24)، وصموئيل دستور المملكة (1 صم 25:10). ولقد طلب الرب إلى أشعيا (8:30) وحبقوق (2: 2) ودانيال (8: 26 ؛ 12: 4) ويوحنا صاحب سفر الرؤيا (1: 19) أن يكتبوا ما رأوه وسمعوه في سفر ليبقى لليوم الأخير. وطلب ايضاً إلى إرميا وألحّ عليه في أن يكتب في كتاب جميع الكلمات التي كلّمه بها (30: 2 ؛ 36: 2)، وأن يعيد كتابة الكلام كما كان في الدرج الأوّل الذي أحرقه يوياقيم ملك يهوذا (28:36). وعلى هذا عمل التقليد اليهودي اللاحق فأنشأ مكتبة جمع فيها أخبار الملوك والأنبياء وكتابات داود... (2 مك 2: 13)، وسمّيت هذه الكتب الأسفار المقدّسة (1 مك 12: 9) أو الكتاب المقدّس (2 مك 23:8). وجاء المسيحيون الأوّلون فسمّوا هذه الكتب "الكتب المقدّسة" (روم 1: 2) أو "الكتاب " (مر 12: 10) الذي نجد فيه كلام الله (7: 6، 13) ووحي روحه القدّوس (مت 43:22؛ أع 1 :16). ولقد قال القدّيس بولس في رسالته الثانية إلى تلميذه تيموثاوس: "فالكتاب كلّه من وحي الله، يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ، ليكون رجلُ الله كاملاً مستعدًّا لكل عمل صالح " (16:3- 17). 
إنّ كلمة النبي التي تصل إلى البشر بتعابير مختلفة تساوي كلام الله بسبب الموهبة التي أعطاها الله للنبيّ. فإن كتبَ النبي بيده كلامَ الرب (إر 29) أو أملاه على كاتبه (36: 4) أو أودعه ذاكرة تلاميذه (اش 8: 16)، فهذا العمل الكتابي هو امتداد لعمل الروح القدس الذي يرافق كلمة الله منذ ظهورها على النبي حتى كتابتها وتدوينها.

ب- العهد الجديد
ذكرنا في سياق كلامنا أنّ العهد الجديد سمّى كتب موسى والأنبياء والحكماء والملوك كتبًا مقدّسة. بيد أنّنا نودّ أن نتوقّف على آيتين من العهد الجديد اكتفينا بذكرهما، لما فيهما من تعليم خاص بالوحي ومفاهيمه في الكتاب المقدّس.
الآية الأولى قرأناها في الرسالة الثانية إلى تيموثاوس وهي تعلن أنّ الكتاب من وحي الله. إنّ المقطع (3: 14- 17) الذي نقرأ فيه هذه العبارة يحدّثنا عن الأمانة للتقليد والكتاب المقدّس. إنّ المعلمين الكذبة يتركون التعليم الذي تلقّنوه فيتخلّون عن الأقوال الصحيحة، أقوال ربّنا يسوع المسيح والتعليم الموافق للتقوى (1 تم 6: 3)، ويعلّمون تعاليم مخالفة (1 تم 1 :3) فيتيهون في مجادلات سخيفة (2 تم 23:2؛ تي 3: 9) فلا يصلون إلى معرفة الحق. أمّا تيموثاوس فيجب أن لا يعيش مبلبلاً مزعزعًا، لأنّ إيمانه يستند إلى أسس ثابتة ومتينة، إلى التقليد والكتاب، إلى ما نقرأه في أسفار العهد القديم وإلى ما وصل إلينا من أقوال الرسل وشهاداتهم وأدلّتهم.
في آ 14 يحرّض بولس تيموثاوس على أن يثبت على ما تعلّمه، فيحافظ على الوديعة المؤتمن عليها (1 تم 6: 20 ؛ 2 تم 1: 14)، فهولا يستطيع أن يسلّم إلى الغير إلاّ التعليم الذي تسلّمه (1 كور 11: 23 ؛ 15: 1- 3)، ذاك الذي أخذه عن جدته لوئيس وأُمّه أونيكة (2 تم 1: 5)، يوم كان بعد حدثًا، والتعليم المسيحي الذي تلقّاه من يد مسيحيين من لسترة (أع 16: 1؛ 2 تيم 2؛ 2) قبل أن يدخله بولس في سر المسيح (أف 3: 2- 5 ؛ كو 1 : 25- 29).
في آ 15 نقرأ أن تيموثاوس يعرف الكتب المقدّسة منذ طفولته. هل يعني بولس بالكتب المقدّسة أسفار العهد القديم وحده أم أسفار العهدين القديم والجديد؟ إذا توقّفنا عند طفولة تيموثاوس، نرى أنّ بولس يقصد أسفار العهد القديم التي كان لها شأن كبير في إعداد الناس لقبول سر الخلاص في المسيح، فأعطتهم الحكمة الحقيقية (1 كور 1: 17- 2: 9). أمّا إذا تطّلعنا إلى أهمّية الكتب المقدّسة في حياة تيموثاوس كلها، فنرى أنّ بولس يقصد أسفار العهد القديم والعهد الجديد، ولنا مثال على ذلك ما نقرأه في رسالة القديس بولس الأولى الى تيموثاوس (18:5) وفيها يُسند بولس كلامه إلى آية من العهد القديم (تث 25: 4) ثمّ إلى آية من العهد الجديد (لو 7:10) ويعتبر أنّه أخذ الآيتين من الكتاب.
أمّا في آ 16 فنقرأ: "الكتاب كلّه ". ويعني بولس بذلك مجموعة الأسفار المقدسة كما يعني كل مقطع من مقاطع الكتاب. هل يقصد بولس معظم كتب العهد الجديد وقد كانت مكتوبة يوم كتب رسالته هذه إلى تلميذه تيموثاوس؟
نتوقّف على الكلمة اليونانية (ثيوبنفستوس) وهي تعني "همس الله ووحيه " (نقرأ في السريانية: كل كتاب كُتب بالروح. وفي اللاتينية الشعبية: كل كتاب موحى بوحي الله). أمّا قال أثيناغوراس (القرن الثاني) في عريضته إلى الأباطرة بشأن المسيحيين (عدد 9): إنّ الروح القدس يتكلّم بالأنبياء كالعازف الذي ينفخ في مزماره؟ نحن نقرأ الكتاب فنسمع همس الله وندخل في وحيه. ولقد أعلن بولس حقيقة وحي الكتاب فإذا هي عقيدة معروفة لا تحتاج إلى برهان. وهذا الكتاب يساعد رجل الله، خلال أعماله الرسولية، على التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب، ويساعده على السلوك المسيحي ليكون مستعدًا لكل عمل صالح.
أمّا المقطع الثاني الذي أوردناه فهو مأخوذ من رسالة القديس بطرس الثانية (1: 19 - 21). إنه يبيّن لنا عمل الروح في إعلان كلام الله وتفسيره.
في آ 19، "كلام الأنبياء" يعني أسفار الكتاب المقدّس بما فيها الأسفار التاريخية (يشوع، القضاة، الملوك...) والحكمية (نشيد الأناشيد، الأمثال، الجامعة...). فكل كلام أو خبر نبويّ هو مُلهَم، وعلينا أن نُعنى به في هذا العالم المظلم، لأنّ النبوءة تشبه سراجًا يضيء جوانب البيت إلى أن يُطلّ النهار، أي يسوع المسيح. إن النبوءات التي توجّه أنظارنا إلى المسيح، تُصبح أثبت وأمتن وتدفعنا إلى عالم اليقين عندما نعرف أنّها تمّت في شخص المسيح. إنتظر الناس المسيح نورًا يضيء على الكون (أش 60: 1- 3 ؛ 1 يو 8:2)، وجاءت كلمات الأنبياء فأنارت لنا الدرب الموصلة إلى ذلك النور الذي بدا متجلّيًا على الجبل (2 بط 1 :17-18) وشعّ في قلوب المؤمنين فرحًا ورجاء، بانتظار إن يكون ضياءً كاملاً يوم رجوع المسيح في المجد.
وفي آ 20 نعلم أنّ النصوص الكتابية التي ازدادت ثباتًا لدينا بمجيء المسيح، لا تُظهر لنا كامل نورها إلاّ إذا أرشدنا أحد إليها (أع 8: 30- 31) وفتح أذهاننا لنفهمها (لو 45:24). ولذلك يحذّر القدّيس بطرس هؤلاء المتعلّمين الذين لا خبرة لهم: نصبوا نفوسهم معلّمين (يع 3: 1) وأخذوا يشرحون النصوص على هواهم. هكذا فعل الهراطقة، وهكذا يفعل المعلّمون الذين يلجأون إلى الكتاب المقدس ليعرضوا نظرياتهم الخاصة. ولقد قالت الكنيسة كلمتها في هذا الموضوع: "لقد قرّر المجمع، بغية كبح جماح بعض العقول الصعبة المراس (الذين يدرسون) أمور الإيمان والأخلاق التي هي جزء من بناء العقيدة المسيحية، فلا يحق لأحد أن يتجرأ، معتمدًا على إدراكه ورأيه، فيحوّل الكتاب المقدّس إلى معنى خاص به، فيخالف المعنى الذي تمسّكت به أمّنا الكنيسة وما تزال. فلها وحدها يعود الحكم على معنى الكتب المقدّسة وعلى تفسيرها التفسير الصحيح. ولا يحقّ لأحد أن يفسّر هذه الكتب المقدّسة خلافًا لما أجمع عليه الآباء... ". ولقد ندّد القدّيس كيرلّس الأورشليمي في كرازاته عن العماد (11/12 ؛ 16/2، 24) بفضولية أولئك المتهوّرين الذين ينحدرون إلى الكفر بفعل تقواهم المزعومة فيقعون في أمور لم يوحِ الروح القدس بكتابتها.
وتثبت آ 21 أنّه لا يحقّ للمفسّر أن يتصرّف بالكتاب على هواه وكأنّه ملكه الخاص، لأنّه كتاب مقدّس يحمل إلينا كلام الله عبر البشر لقد قال التقليد اليهودي، وتبعه في ذلك التقليد المسيحي: إنّ النبي لا يتكلّم من ذاته، إن هو إلاّ صدى لصوت آخر، صوت الله، وترجمانًا له. وأعلن مجمع المعلّمين: "ان قال احد إن التوراة (أي كتب موسى الخمسة) هي من الله، ما خلا آية واحدة ليست من الله بل من موسى... فقد احتقر كلام الله ".
وتقابل هذه الآية إرادة الإنسان ومبادرته بالروح القدس الذي يدفع النبي ويقوده ويحمله كما يحمل الهواء السفينة ويجرّها بسلطانه المطلق. إنّ هذه الكلمات هي من وحي الروح، والوحي هو صوت الله، وشفاه الأنبياء هي أداة يلجأ إليها الله ليُسمع صوتَه. ولهذا فالكلمات التي يتلفّظ بها البشر هي بالحقيقة كلام الله (1 تس 13:2)، وتتمتع بسلطان مطلق على العقول والقلوب، وتحتوي على ينابيع النور والحياة (2 تم 3: 14- 17). 
وهكذا يأتي الوحي إلينا عبر حروف وكلمات وجمَل وفصول تكوّن الكتاب المقدّس. هذا الكتاب، الله هو كاتبه، ومسؤوليته في وضعه مباشرة. وإن لجأ الله إلى إنسان، فهو الذي يملي عليه ما يكتب، فيُصبح الإنسان أداة بين يديه وقيثارة تصل إلينا عبرها معرفة الأمور الإلهية.
غير أنّ النظرة المسيحية تختلف في هذا المجال عن النظرة اليهودية والإسلامية. فالإسلام لا يميّز بين الوحي والإلهام، كما أنّه يعتبر أنّ النص الملهم هو الوحي لأنّه أمليَ إملاء. فالقرآن هو كتاب الله الأزلي واللامخلوق، وكلمة الله القائمة فيه أُنزلت على الناس. أمّا اليهود ففي تقليدهم أنّ "التوراة" هي كائن فائق الطبيعة، بل هي إلهية، أزلية ولا متغيرة. ولهذا لن يأتي موسى آخر أو توراة أخرى. فكل الكتب تزول، أما كتاب موسى فلا يزول.
أمّا العقيدة المسيحية، وهي مؤسسة لا على كتاب بل على شخص يسوع المسيح، فهي تميّز بين الوحي والالهام، وتشدّد على دور الإنسان في تدوين الوحي الذي وصل إلينا بعبارات بشرية وكلمات الناس اليومية. قلنا إنّ الله هو واضع الكتاب المقدس. ونقول أيضاً إنّ الإنسان هو واضع الكتاب المقدّس. لا شكّ في أنّ مبادرة الوحي ترجع إلى الله، ولكنّ الإنسان هو الذي يكتب فنكتشف شخصيته وطباعه من خلال ما يكتب. إنّ الله يؤثّر في الكاتب الملهم، يؤثّر في إرادته فيدفعه إلى الكتابة، ويؤثّر في عقله فيعطيه فهم الأمور الإلهية والقدرة على إيصالها إلى البشر بطريقة تساعدهم على فهمها بقدر ما يستطيع الإنسان أن يفهم أمور السماء. غير أنّ الكاتب هو الذي يكتب، ويتّخذ الأسلوب الأدبي والكلمات والتعابير التي يراها مناسبة لعصره وزمانه. وكما أنّ يونان قاوم نداء الرب ورفض أن يحمل كلامه إلى أهل نينوى فهرب من وجهه إلى مكان بعيد، هكذا يستطيع الكاتب الملهم أن يرفض الاستجابة إلى نداء الله. هذا هو سر الحرية التي يتمتعّ بها الإنسان بمنّة من الله، والله لا يندم على عطاياه مهما كانت نتائجها. يعطينا الحرية ويرانا نخطأ بفعل حريتنا، ولكنّه لن يسلبنَا إيّاها أبدًا لأنّنا بها وبعقلنا مخلوقون على صورته ومثاله.
نقول هذا لنشدّد على دور الإنسان الذي يكتب كلام الله. ولكنّنا نقول من جهة ثانية: إنّ الإنسان، عندما يكتب، لا يعود حرًّا في أن يقول ما يشاء، فهو يحمل كلام الله، والله يسهر على كلمته (إر 1 :12- 13)، فلا يسمح بأن يضيع منها حرف (1 صم 3: 19). إنّ الله أوصل وحيه كله إلى الناس، ولكنّ هذا الوحي جاء معصومًا من أي خطأ أو ضلال. وعندما نعلم أنّ الوحي وصل إلينا عبر يسوع المسيح، الكلمة المتجسد، ندرك أنّ الله ذاته جاء إلينا بشخص الابن الوحيد وحمل إلينا كلامه. نحن نشدّد، في الكتاب المقدّس، على دور الله ودور الإنسان معًا، ولا نخاف على الإنسان من الله ولا على الله من الإنسان، لأنّ يسوع المسيح الوسيط بيننا وبين الله هو إله وإنسان. إنّ المسيح هو الإله الذي لم يخَفْ أن يخلي ذاته ويتّخذ صورة عبد ويصير شبيهًا بالبشر (فل 2: 6- 7) في كل شيء ما عدا الخطيئة (عب 4: 15؛ روم 3:8)، وهو الإنسان الذي بقي متحدًا بالله. هو في الآب والآب فيه (يو 17: 21).
وهكذا، فكلام الله الذي نقرأه هو على شبه الكلمة المتجسّد، فيه وجه إلهي ووجه بشري. الله يوحي إلى البشر، والبشر يتلقّون هذا الوحي بأجسامهم الضعيفة وحياتهم الواهية وحريتهم المجروحة بالخطيئة وعقلهم المعرّض للخطأ. غير أنّ هذا الوحي يبقى كلام الله مهما انتابه من ضعف لدى البشر، كما أنّ جسد المسيح الذي يتناوله المؤمنون في القدّاس يبقى هو عينه، أتناوله البار أو الخاطئ، التقي أو الشقي.

ج- كلام الله في يسوع المسيح
إنّ الوحي الذي بدأ في العهد القديم وجد كماله في العهد الجديد. في العهد القديم وصل إلينا عبر أشخاص عديدين، أمّا في العهد الجديد فقد جُمع الوحي في شخص يسوع المسيح الذي هو موضوع الوحي وواضعه، أي إنّه هو الذي يكشف عن ذاته دون اللجوء إلى وسيط. ونميّز هنا مرحلتين: في المرحلة الأولى يسلّم يسوع الوحي إلى تلاميذه، وفي المرحلة الثانية يسلّمه التلاميذ والكنيسة من بعدهم إلى البشر بتوجيه من الروح القدس. وهذا الكشف عن سرّ الله الذي تجلّى لنا بالمسيح، سيصل إلى الناس عبر الكلام المعلن لهم في الوعظ أو المكتوب في أسفار العهد الجديد التي جاءت تكمّل أسفار العهد القديم.
كشف يسوع عن ذاته عبر حياته وأعماله وكلامه "فأعلن ما كان خفيًا منذ إنشاء العالم " (مت 13: 35؛ رج مز 77: 2)، وبيّن لتلاميذه معنى الكتب المقدّسة التي تنبأت عن آلامه وموته وقيامته، فما بقي خفيّ إلاّ وظهر وما ظلّ مكتوم إلاّ وأُعلن (مر 4: 22). كشف يسوع عن ذاته عبر شخصه الذي لا يرقى إليه إنسان لولا وحي الله، لأنّه ما من أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومن شاء الابن أن يظهره له (مت 27:11). حينئذ عرف الرسل أنّ جسد يسوع، هذا الجسد الضعيف، هو مسكن الله ومركز مجده على الأرض (يو 1 :18)، وأنّ من رأى يسوع فقد راى الآب (يو 14: 9). وهكذا استطاع يوحنّا أن يكتب في رسالته الأولى: "الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا، الذي تأمّلناه ولمسته أيدينا... نبشّركم به " (1: 1- 3). وقال أيضاً: "نحن رأينا وشهدنا أنّ الآب أرسل ابنه مخلّصًا للعالم. فمن اعترف بأنّ يسوع هو ابن الله ثبت الله فيه وثبت هو في الله " (14:4-15).
هذا الوحي الذي سلّمه يسوع إلى الرسل وعدد قليل من الناس (في أع 1 : 15، نقرأ أنّ الحاضرين في العليّة كانوا مئة وعشرين) قد عاشته الكنيسة وفهمته على ضوء موت المسيح وقيامته، فحملته إلى الكون كله متشدّدة بالروح القدس ومعتمدة على أنواره (أع 1 :8؛ 2: 1- 21؛ يو 25:14؛ 26:15). وها قد وصل هذا الوحي الينا اليوم بواسطة الكنيسة فعرفنا نحن أيضاً سر الله ودخلنا في مخططه الخلاصي.

د- كيف ندخل في عالم الوحي؟
أوّل الوحي نور ينزل على انسان فيملأ قلبه خوفًا من عظمة الله، ما يعتّم أن يصبح دالّة وثقة بذلك العظيم الذي تنازل وكشف عن ذاته للبشر .
يرى رجل الله هذا النور (أع 3:9) ويسمع كلامًا يبيّن له الرسالة التي يتحتّم عليه أن يحملها، فيحاول أن يعبّر بكلمات البشر عن اختبار يفوق ما تختبره عامة البشر، فيلجأ إلى الصور والرموز التي تقرب اختباره إلى أذهان الناس. على هذا النحو صوّر أشعيا الله العظيم بشكل ملك جالس على عرشه (أش 6: 1). ولجأ حزقيال إلى صورة رجل له أربعة أوجه ليدل على نظر الرب الذي يراقب أطراف الكون كله (1: 6). وصوّر يوحنا الشرّ بعشرة رؤوس وعشرة قرون ليبيِّن لنا قدرته الفائقة وسلطانه العظيم (رؤ 12: 1؛ 13: 1) قبل أن يقهره المسيح بموته وقيامته.
تسمع الجماعة إذًا تعبيرًا عن وحي يحمله "النبي "، فتردّده في صلاتها، وتتأمّل فيه على ضوء حياتها اليومية، فتجد فيه نور الرجاء رغم الظلام الذي يُحيق بها. هكذا فهمت جماعة "مساكين الرب " كلمات اشعيا، فتشدّدت وانتظرت مجيء المسيح المخلص الذي سيملأ الارض من معرفته (11: 9) وسلامه ونوره (9: 1- 5). وهكذا قرأت الجماعة المسيحية الأولى سفر الرؤيا، فوجدت فيه كلام العزاء رغم الاضطهاد الذي شُنّ عليها: "سمعت صوتًا عظيمًا من العرش يقول (عن أورشليم- المدينة المقدّسة): ها هو مسكن الله والناس. يسكن معهم ويكونون له شعبًا. الله نفسه معهم ويكون لهم إلهًا. يمسح كل دمعة تسيل من عيونهم فلا يبقى موت ولا صراخ ولا وجع، لأنّ الأشياء القديمة زالت " (3:21 – 4 ).
وتعيش الجماعة من هذا الوحي، وتتعمّق فيه على هدي الروح القدس، فلا تضلّ ولا تخطئ. فالروح القدس الذي أرسله الآب باسم الابن سيعلّمنا كل شيء، ويجعلنا نتذكّر كلام الله كلّه (رج يو 14: 26). والروح القدس هو الذي يوحي إلى الجماعة لتعمل وتتكلّم باسمه. فإنّنا لسنا نحن المتكلّمين، بل روح أبينا السماوي هو الذي يتكلّم فينا (رج مت 20:10).
ويأتي يوم لا يبقى فيه الوحي إعلانًا وكرازة فحسب، بل يصبح كلامًا مكتوبًا في كتاب. هذا ما فعله الكهنة يوم دوّنوا كلمات الله إلى موسى. وهذا ما فعلته جماعة المؤمنين يوم دوّنوا وحي الله إلى أشعيا. وهذا ما فعله الإنجيليّون الاربعة يوم كتبوا حياة المسيح ورووا لنا اعماله وأوصلوا إلينا كلامه كما عاشته الكنيسة الأولى وتأمل فيه رسل المسيح وتلاميذه والمؤمنون.
هذا الوحي انتقل إذًا من شخص أو بضعة أشخاص إلى جماعة عن طريق الخبرة والكلام قبل أن يدوّن في كتاب. وروح الرب رافقه يوم عبّر عنه الأنبياء، ويوم ردّدته الجماعة، ويوم دوّنه الكتّاب الملهمون. وهكذا وصل كلام الله إلى الكنيسة التي تتمتعّ هي أيضاً بأنوار الروح القدس، فحملته ولا تزال انطلاقًا من أورشليم واليهودية والسامرة وحتى أقاصي الأرض (أع 1: 8).
أجل، إنّ الله تكلّم قديمًا على لسان الآباء والأنبياء، وتكلّم أخيرًا بواسطة ابنه الذي هو بهاء مجده وصورة جوهره (عب 1: 1- 3). ولا تزال كلمته حاضرة في الكنيسة يسمعها المؤمنون في اجتماعات الصلاة وحفلات الليتورجيا، ويقرأونها ويردّدونها في حياتهم اليومية، فيعرفون الله ويفقهون وصاياه وارشاداته ويوجّهون أعمالهم بحسب تعليمه. وإذا كانت الكنيسة امتدادًا لشخص المسيح، وكانت جسده (كو 1: 24)، فالوحي الإلهي الذي وصل إلينا عبر المسيح الإنسان، ومجد الله الذي تجلّى لنا عبر المسيح المتجسّد، لا يزالان بيننا بواسطة الكنيسة. فلرب المجد في الكنيسة وفي يسوع المسيح على مدى جميع الأجيال والدهور آمين (أف 3: 21).
الفصل الثالث
النقد الأدبي والكتاب المقدّس

يخبر سفر أعمال الرسل (8: 26- 34) أنّ فيلبس، أحد خدّام الكلمة السبعة، كان سائرًا في الطريق التي تمتد من أورشليم إلى غزة، فصادف وزير مملكة الحبشة وضعه يقرأ في سفر أشعيا النبي، فتقدّم إليه وسأله: "هل تفهم ما تقرأ"؟ فأجاب الوزير: "كيف أفهم إن لم يرشدني أحد؟ إن لم يشرح لي أحد هذه الكلمات: كشاة سيق إلى الذبح، كحمل صامت بين يدي من يجزّه، هكذا لا يفتح فاه " (أش 53: 7). وبدأ فيلبس من هذه الآية يبشرّه بيسوع.
ونحن، هل نفهم الكتاب المقدّس عندما نقرأه؟ هذه الأسفار التي كتُبت منذ ألفين أو ثلاثة آلاف سنة، هل نفهم ما تعني ونعرف كيف الوصول إلى معناها؟ في هذا السبيل سنتوقّف على ما يسمّى النقد الأدبي، ونطبّقه على الكتاب المقدّس حاصرين موضوعنا في أسفار العهد القديم، على أن نعود في ما بعد إلى النقد الأدبي والعهد الجديد، ثم إلى طريقة تفسير العهد القديم على ضوء العهد الجديد.

أ- النقد الأدبي بالمعنى العامّ
إذا فتحنا القاموس قرأنا أنّ النقد هو تمييز الأمور والنظر إليها لمعرفة جيّدها من رديئها. أمّا نقد الكلام فهو إنعام النظر فيه لإظهار ما فيه من المحاسن والعيوب. فالنقد هو حكم وفصل في كتاب من الكتب. والنقد الكتابي هو مجموعة أحكام وآراء نبديها في نص الكتاب المقدّس، في الفنون الأدبية التي استعملها الكاتب الملهم، في القيمة التاريخية لهذه النصوص. وفي عملية النقد هذه يجب أن نتذكّر أنّ الكتاب المقدس هو عمل إلهي وعمل إنساني معًا: الله يوحي ويلهم، والإنسان يتكلّم ويكتب. في النقد الكتابي لا نحكم على صحّة كلام الله وصدقه، حاشا! بل نتطرّق إلى ناحية الكتاب الإنسانية، وهدفنا من ذلك أن نجعل النص المكتوب بين أيدينا شفافًا، فنصل من خلاله إلى كلام الله. 
والنقد الكتابي على أنواع. النوع الأوّل هو نقد النصوص أي تصويبها وتصحيحها بدقة انطلاقًا من المخطوطات القديمة المتعدّدة، لنصل إلى نص يرضي عقلنا وقلبنا بمعانيه (هنا نعرف الجيد من الرديء). وهذا يفترض الرجوع إلى النصوص العبرانية ومقارنتها بعضها ببعض وبالترجمات الآرامية والسريانية واللاتينية والقبطية، لاستخلاص المعنى الأقرب إلى المنطق والعقل.
والنوع الثاني هو النقد التاريخي أي إبداء الرأي في مضمون الأسفار المقدسة انطلاقًا من المعطيات التاريخية والجغرافية والاركيولوجية التي في حوزتنا. وما يساعدنا على ذلك هو الاكتشافات العديدة التي تمّت في القرنين التاسع عشر والعشرين، في نوزو في العراق، وماري على الفرات، وأوغاريت (راس شمرا) شمالي اللاذقية، وتل العمارنة في الدلتا المصرية، وغيرها.
والنوع الثالث هو النقد الأدبي الذي يبحث في الفنون الأدبية الخاصة بكل كتاب، فييسّر لنا أن نفهم كل نص ونشرحه ونصل إلى معناه العميق متجنّبين الوقوع في الخطأ. 
تحدّثنا في الفصل السابق عن الوحي والإلهام في الكتاب المقدّس. ونقول الآن، قبل أن نتوسّع في الحديث، إنّ الإلهام يفرض علينا أن نُدخل معطيات النقد الكتابي في عملنا ليكون تأويلنا للنصوص مقبولاً، فنستفيد من كل وسائل عقلنا وطاقاته لنفهم فهمًا دقيقًا هذه اللغة البشرية التي تحمل إلينا كلام الله.
نأخذ مثالاً على ذلك سفر الخروج الذي يروي خروج العبرانيين من أرض مصر بعد حياة من العبودية هناك، وعبورهم البحيرات المرّة الواقعة آنذاك بين البحر الابيض المتوسط والبحر الأحمر، وتجوالهم في برية سيناء قبل الوصول إلى أرض كنعان. كيف يصل شرّاح الكتاب المقدّس إلى فهم هذا النص فهمًا كافيًا وافيًا؟
في المرحلة الأولى، ينطلقون من النص العبراني الماسوري الذي أثبته علماء اليهود ابتداء من القرن السابع بعد المسيح، فيعملون على ترجمته معتمدين على معرفتهم لقواعد اللغة العبرية، مستفيدين من إلمامهم باللغات الشرقية كالعربية والآرامية والسريانية وغيرها. فإن لم يصلوا إلى معنى يرضى به العقل، يلجأون إلى الترجمات الآرامية... ليستخلصوا من هذه الآية أو تلك النص الجيّد دون الرديء.
في المرحلة الثانية ينطلقون من المعنى الذي توصلوا إليه ويقارنونه بما يعرفون من كتابات مصر في تلك الفترة التي أقام فيها بنو اسرائيل في مصر (القرن الثالث عشر ق. م.). فنحن نعرف اسم الملك الذي سخّرهم في بناء المدن الحصينة (يبدو أنّه رعمسيس الثاني، 1290 - 1224)، ونعرف أنّ سكّان مصر في تلك الحقبة كانوا بين ثلاثة وخمسة ملايين على وجه التقريب، ونعرف الطريق التي سلكها العبرانيون لما هربوا من أرض مصر، ونتصوّر أن الحامية التي كانت هناك، أرادت اللحاق بهم فغاصت عجلات مركباتها في الرمال أو في الأوحال. ولكن عندما نقرأ سفر الخروج لا نجد ذكرًا لاسم الملك سوى أنه الفرعون، عدو الله وعدو الشعب، يعاند الله متكبرًا فيعاقبه العليّ بقتل ابنه البكر ونقرأ أن العبرانيين كانوا عند خروجهم من أرض مصر ست مئة ألف رجل (خر 37:12) ما عدا النساء والأطفال، ومع ذلك فقد خافوا من جيش مصر الذي كان يتراوح عدده في ذلك الوقت بين 25000 و 30000 جندي! ونقرأ أنّ ملك مصر ذاته لحقهم بست مئة مركبة من أفضل مركباته المجهّزة (7:14) فغرقت بمن فيها. ولم يبق أحد ليخبر بما جرى (28:14)...
بعد هذه الملاحظات وغيرها نتساءل: كيف نستطيع أن نفهم هذا السفر وغيره من أسفار الكتاب المقدّس؟ فنجيب: على شارح الكتاب المقدّس أن يرجع إلى النقد الأدبي. هل هو أمام كتاب تاريخي يروي الاحداث بالدقة التي نعرفها اليوم، أم أمام كتاب ملحمي ينطلق من واقع بسيط عاشه الشعب، فيأخذ في تضخيم الأمور وزيادة الأعداد؟ وملاحم شعب الله تختلف عن ملاحم سائر الأمم. فعند الرومان واليونان كانت تُكتب الملاحم لتمجيد الشعوب والأبطال؟ أمّا في الكتاب المقدّس، فالملاحم تُكتب لمجد الله القدير الذي خلّص شعبًا من العبودية بانتظار أن يخلّص البشريّة كلّها من عبوديّة الشرّ والخطيئة والموت.
ونسارع إلى القول إنّ النقد الأدبي الصحيح يفرض علينا أن نتجاوزه، وإنّ التفسير العلمي المحض يكون عقيمًا إن لم يتعدّ نطاقه. فغاية كلام الله ليست في الأصل تزويد أبحاث المؤرّخين وفلسفة المفكّرين بالمعارف والمعلومات، بل هي تغذية إيمان البشرية وحياتهم الدينية ليدخلوا في حوار مع الله فيسمعوا له ويعبدوه حافظين وصاياه وتابعين إلهاماته. لقد كان وقت قرأ فيه العديدون الكتاب المقدّس للبحث عن مراحل تطوّر الفكر في عالم الشرق! وتكوّنت كذلك تيارات قرأت في قصّة الخلق، كما كان ينشدها الكهنة في الهيكل (تك 1: 1- 2: 4)، مراحل تكوين الكون، فقالوا إنّ الكون خلق في ستة أيّام وتكوّن على ست مراحل، ونسوا أنّ الكاتب المُلهم دوّن بلغة زمانه وتعابير أبناء عصره حقائق دينية تتعدّى زمانه وعصره. فلما دوّنت قصة الخلق هذه حُعلت في إطار ليتورجي: يعلن المترئس أنّ الله خلق السماء والارض، فتجيب جوقة أولى: ورأى الله ذلك إنّه حسن، وتجيب جوقة ثانية: وكان مساء وكان صباح. إذًا لم يَرُم الكاتب أن يُعطينا بحثًا علميًا، بل نشيد صلاة ينشد عظمة الله في الكون وعنايته بكل مخلوقاته، ولاسيّما بالإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله.
لا شكّ في أنّنا نطّلع على أمور جغرافية ترشح من هذا النص (الكواكب، النبات، الحيوان)، وعلى طريقة الإخبار عند الكاتب الملهم الذي جمع عمل الخلق في ستة أيّام ليركّز على اليوم السابع الذي هو يوم راحة للرب والإنسان، ويوم صلاة يرفع الإنسان فيه الخليقة كلّها إلى الله في نشيد شكر له. وإنّنا نعرف كذلك أنّ الاقدمين كانوا يعتقدون أن المياه تُحيط بالكون، وهو يشبه القبة، من جوانبه الأربعة. ولكنّنا نعلم أيضاً أنّ الله هو سيّد السماء والأرض والبحار لأنّه هو الذي خلقها: قال فكان كلّ شيء، وأمر فكان كل موجود. وهكذا، فإن قرأنا هذا النص الكهنوتي عن الخلق كما نقرأ كتابًا من كتب الجغرافيا، فلن نفهم منه شيئًا، أمّا إذا قرأناه كنشيد ليتورجي يدخل في صلاة المؤمنين أمورًا عديدة عن الخلق، فنكون قد ولجنا أعماقه ودخلنا في ما قصد إليه الكاتب الملهم الذي يهمّه أول ما يهمّه التعبير عن إيمانه بلغة أبناء عصره. ونحن سننطق قدر المستطاع من "لغة" تلك العصور لندخل في تيّار الإيمان هذا. غير أنّ النظرة الإيمانية التي نصبو إلى إدراكها تبقى بعيدة عن متناولنا لو لم يقم علماء اهتمّوا بالنقد الكتابي وأعطونا حصيلة علومهم وأبحاثهم.

ب- النقد الأدبي بالمعنى الخاصّ
إنّ النقد الأدبي يُعنى بطريقة خاصة بالفنون الأدبية على أنواعها، الشعر والنثر والقصة والنبوءة والمثل، فيساعدنا على فهم موضوع الأسفار المقدّسة، الذي هو سرّ خلاص الله في البشر. 
ومهما توصّلنا إلى الدقة في النصوص الكتابية الأصيلة، فلن نحصل على نتائج ثابتة دون الرجوع إلى مضمون النصوص، وهذا ما ذكرناه عندما نوّهنا بأهمية معرفة اللغات القديمة وأوّلها العبرية. ولقد تمّ اليوم ذلك بفضل القواميس المتعددة وكتب الصرف والنحو، فهّدت لنا الطريق لمعرفة بنية الكتاب والمناخ الذي تتحرَّك فيه فكرة الكاتب. وعلينا بعد هذا أن نطّع على الظروف العلمية والسياسية والاجتماعية التي أحاطت بهذه النصوص يوم دوّنت. وهذا النوع من الأبحاث لا يتنافى وإيماننا بالوحي، كما سبقنا وقلنا. فماذا كان الكلام الذي أوحى به الروح القدس هو الذي دوّنه الكاتب الملهم، علينا أن نبحث بدقّة عما يعنيه هذا الكلام. ولهذا، فالاطلاع على الوسائل الادبية إلى لجأ إليها الكاتب، يساعدنا على الدخول بطريقة أعمق في كلام الله.
وفي هذا الصدد قال قداسة البابا بيوس الثاني عشر في رسالته "بفيض الروح الإلهي" (سنة 1943) التي تنوّه بأهمية نقد النصوص وضرورة تعلّم اللغات القديمة وقيمة المعنى الحرفي والفنون الأدبية: "ما عناه الكتّاب بكلامهم لا تحدّده فقط قواعدُ الصرف والفقه والقرينة. فعلى شارح الكتاب المقدّس أن يرجع بالفكر إلى تلك العصور القديمة في الشرق، فيستعين بثروات التاريخ والأركيولوجيا والإثنولوجيا وغيرها من العلوم، ليميّز ويعرف الفنون الأدبية التي لجأ إليها الكتّاب في القديم. لقد عبّروا عما في فكرهم بطرق غريبة عنا ومألوفة لدى أهل بلادهم وعصرهم، فلا يستطيع مفسّر الكتاب الوصول إلى تحديد هذه الفنون الادبية إلاّ بدراسة حريصة لآداب الشرق القديم. ولقد بدأت هذه الدراسة في السنوات العشر الإخيرة، ولا تزال تتتابع بهمة وعناية، فأبانت بطريقة أوضح وسائل الكلام التي استعملت في تلك الأيّام القديمة في التصوير الشعري وفي ذكر الشرائع وقواعد الحياة اليومية وفي سرد وقائع التاريخ وأحداثه ".
إن لم نطّلع على الفن الأدبي في النصوص التي نقرأها تكون معرفتنا ناقصة. وإن حصرنا معرفتنا في الفن الأدبي ضاع المعنى اللاهوتي. فاذا قرأنا مثلاً مز 29 أحسسنا حالاً أنّ الكاتب يُعنى بظهار عظمة الله وقدرته. ولكن عندما نعلم أنّ موضوع المزمور هو العاصفة وفيها صوت الله كالرعد وقوّته التي تحطم الأشجار الباسقة في لبنان دون أن تمسّ أرض الميعاد، ندرك أنّ المرتّل أراد بذلك أن يدلّ على حضور الرب الحامل السلام لشعبه والآتي ليدين المتكبّرين والأشرار، ونفهم أنّه يطب من المؤمنين حياة أخلاقية لا عيب فيها، فإن لم نتب فسوف نهلك جميعنا.
نذكر مثلين من سفر يشوع بن نون لنستدلّ على أهمّية معرفة الفن الأدبي الذي يساعدنا بعد ذلك على الدخول في المعنى اللاهوتي للنص الكتابي. ففي الفصل السادس يروي الكاتب الملهم سقوط أريحا، ولكنّه لا يقول كلمة واحدة عن الأعمال الحربية التي قام بها العبرانيون. هل دخلوها عنوة أم بالحيلة؟ هذا ما لا يقوله الكتاب الذي يكتفي بإفهام الشعب أنّ أريحا العظمى لم تسقط بفعل البشر بل بفعل الله. ولهذا فهو يعمد إلى تصوير الطواف حول المدينة برفقة تابوت العهد، رمز حضور الرب وسط شعبه، ولا يذكر من عالم الحرب إلاّ الجبابرة الأشداء وبوق الحرب والدخول إلى المدينة لنهبها. ولقد كان العبرانيون المقيمون في أرضهم يتذكرون كل سنة ما عمله الله لأجلهم، فيطوفون حول المدينة ليشكروا لله إنعامه ويمدحوه على أفضاله. ولما كتب نص احتلال أريحا لم يبقَ ظاهرًا إلا الوجهُ الليتورجي، واختفى الوجه الحربي.
ونقرأ المثل الثاني في الفصل العاشر من السفر عينه، حيث يروي الكاتب حرب يشوع مع الملوك الخمسة كيف أوقف الشمس والقمر لينهي الحرب. "يا شمس قفي على جبعون، ويا قمر اثبت على وادي ايلون. فوقفت الشمس وثبت القمر إلى أن انتقم الشعب من أعدائهم" (يش 10: 12- 13). ونتساءل: أما نحن أمام شعر كانت تنشده الصبايا عند المساء؟ فلماذا إذًا نقرأه وكأنّه واقع من التاريخ؟ في عُرف الكاتب الملهم، تمّت الحرب على يد الله الذي أنزل البرد حجارة على أعداء يشوع فهلك من هلك وهرب من هرب، فانتصر بنو إسرائيل. إنّ النواة التاريخية لهذا الحدث هي حرب وقعت بين يشوع وحلفائه أهل جبعون، من جهة، والملوك الخمسة من جهة أخرى، فانتصر رجال يشوع وحلفاؤهم. غير أنّ الكاتب الملهم أراد أن يضخّم عمل الله من أجل شعبه، فضخّم دور البرَد وحسب هذه المصادفة تدخلاً عجيبًا من قبل الله. أمّا نشيد الشمس فهو شعر ملحمي أقحمه الكاتب في الخبر فحسبناه قسمًا منه. ولكن لماذا الحاجة إلى نهار طويل بعد أن زحف يشوع على الأعداء بغتة عند طلوع الفجر فضربهم ضربة عظيمة وهزمهم؟ ذكر الكاتب البرَد وهو سلاح الله يضرب به الأموريين (الأعداء) ولا يمسّ العبرانيين (رج 9: 23- 26)، وذكر الشمس التي تطيع أوامر الله بناء على طلب يشوع، فدلّ بذلك على أن الله عندما يتدخّل ينادي الطبيعة، وهو سيّدها وخالقها، فتأتمر بأمره. وهكذا بيّن لنا عبر حادث جرى ليشوع أنّ الرب هو السبب الأوّل للنصر، وأنّ يشوع ورجاله كانوا أداة بين يدي الله (مع البرَد والشمس) فدحر بهم الأعداء.
إنّ الكاتب الملهم يعدّ كل ما يحدث وكأنّه يحدث بفضل الله، كل ما حصل عليه يشوع منّة من الله. ولكن كيف عبّر عن تدخل الله هذا؟ استفاد من النشيد الليتورجي والشعر الملحمي والرواية المضخّمة التي تجمع عمل الله وعمل الإنسان، فأعطانا آية في الإخبار العجيب والسرد الفريد.
قدّمنا هذه الأمثال لندل على أهمية الفن الأدبي في فهم نصوص الكتاب المقدّس والدخول في معانيها. ولقد توصّلنا إلى اكتشاف هذه الفنون الأدبية انطلاقًا من آداب الشرق القديم، لذلك سوف نسرد بعض عناوين آداب الشرق القديم لنعطي القارئ فكرة عن هذا العالم الغني الذي ظهرت آثاره في الأسفار المقدّسة وفي كل ما تركت لنا الحفريات من كتابات في الشعر والنثر والقصص والشرائع والملاحم.

ج- الفنون الأدبية في الشرق القديم
نعود إلى الفنون الأدبية فننظر إلى الطرق التي توسّلها الكاتب ليفكّر ويتكلّم ويكتب، وهي تختلف باختلاف المحيطات. وقد يظن دارسو الآداب عندما نتكلّم عن الفنون الأدبية أنّنا نبحث عن النواحي الجمالية في النصوص التي نقرأها، بينما يهمّنا أن نكتشف العلاقة بين طريقة التعبير التي استعملها الكاتب والحقيقة التي عبّر عنها. نحن ندرس هذه الفنون الأدبية لنُظهر التعليم الذي قصده الكاتب من خلال كتاباته.
في ما يلي بعض الفنون الأدبية التي وصلت إلينا من الشرق القديم.
لقد وصل الينا من بلاد الرافدين الكثير من آداب السومريين والاكاديين (نعرف تاريخهم منذ سنة 4500 ق. م.). نجد وثائق من الحياة اليومية تتناول أمورًا اقتصادية أو إدارية، كالإحصاءات واللوائح والإيصالات، أو أمورًا تشريعية وقانونية، كعقود الإيجار والبيع والتبنّي، أو كمحاضر المحاكم ومجموعات القوانين. وهناك كذلك رسائل بين دولة ودولة وبين شخص وشخص، ومجموعات خاصة بالكتبة وطريقة عملهم. ونجد أيضاً مجموعات عن علم الفلك والحساب، ونصوصاً عن الطب وعالم السحر والرقية وأعمال الكهانة. ووصل إلينا خصوصاً أساطير عن وضع الإنسان في الكون وعلاقته بالآلهة، منها "نشيد الخلق" و "ملحمة جلجامش " و "ادافا وايتانا"، كما وصل إلينا الكثير من الامثال والحكايات التي تدخلنا في عالم الحكمة و "الفلسفة".
أمّا مصر (بدأ تاريخها قبل الألف الثالث ق. م.) فقد أورثتنا أنواعًا من الأدب. فهناك آداب الموتى وهي تحوي نصوصاً وُجدت في الأهرام أو النواويس، ومنها "كتاب الموتى" (الالف الثاني ق. م.) و "الدليل إلى الآخرة" (كتاب الأموات. كتاب الأبواب، كتاب للعبور إلى الأبدية). وهناك آداب تتعلّق بالدين والطقوس والسحر وُجدت مكتوبة على جدران الهياكل. وهناك الآداب الحكمية التي وصلت الينا عبر هذا الملك أو ذاك الوزير في قصة من السماء أو حكاية من الحكايات أو مجموعة أمثال، نذكر منها على سبيل المثال "شكوى الفلاّح المتألّم" و "نبوءة إفوير" و "حوار الإنسان مع نفسه" (بعد أن تعِب من الحياة). كل هذه النصوص فيها من المعاني ما يجعلها تلتقي وسفر أيوب. وهناك أيضاً "حكمة أمينوفي" التي أثّرت في قسم من سفر الأمثال، وبعض الأخبار التي تذكّرنا بقصة يوسف بن يعقوب أو بموسى كليم الله، والكتابات التاريخية وفيها الحوليات التي تذكر أعمال الفراعنة سنة بعد سنة، وفيها الأوامر والمراسيم كتكريس هيكل أو تعيين حاكم، وفيها سيرة أحد الملوك أو الحكام. وهناك نصوص عن عالم الحب، ونصوص عن عالم النقد والهجاء، ونصوص عن عالم الطب والرياضيات والفلك.
وأمّا في سورية ولبنان فلا نجد من الغنى ما نجده في بلاد الرافدين ومصر الفراعنة. لقد اكتشفت بعض النقوش باللغة الآرامية أو الفينيقية، هنا وهناك، على قبر ملك أو أمير، أو على مسلّة رُفعت تمجيدًا لبعض العبء (ميشع ملك موآب، زكير ملك حماة...). غير أنّ أُوغاريت (راس شمرا) التي اكتُشفت سنة 1929 تركت لنا مكتبة واسعة تحتوي على رسائل ووثائق دبلوماسية وادارية، وعلى لوائح الآلهة والملوك، وعلى كتب طقوس حول الولادة والزواج، وخاصة أسطورة ملحمية عنوانها "بعل وعنات". إنّ معرفتنا بالنصوص الأوغاريتية ساعدتنا كثيرًا على فهم صوَر وتعابير من الكتاب المقدّس، لأن العبرية والاوغاريتية لغتان شَقيقتان تتفرعان من الكنعانية وهي إحدى اللغات السامية.
لماذا ذكرنا كل هذه المعلومات؟ لنعرف، ونحن أبناء الشرق، الغنى الأدبي الذي ورثناه عن آبائنا منذ آلاف السنين ق. م.، ولنتمكّن من مقارنة هذه الفنون الأدبية التي ذكرنا بعضها بالنصوص الكتابية، فنفهم كيف استقى الكاتب الملهم الكثير من الأفكار والسُطُر ثمّ جعلها في إطار من التوحيد بعد أن أقصى كل ما يشتم منه رائحة الشرك وتعدّد الآلهة.

د- الفنون الأدبية في الكتاب المقدّس. العهد القديم
إهتم الشرّاح منذ زمن بعيد بالفنون الأدبية في النصوص الكتابية، ولكنّ الإكتشافات التي تحدّثنا عنها، ساعدت كثيرًا على تنظيم هذه الفنون في لوائح منسّقة.
نبدأ أوّلاً فنميّز التقليد الشفهي عن التقليد الكتابي. نحن نعرف أهمّية التقليد الشفهي في عالمنا الشرقي حتّى في أيّامنا هذه. فاذا وضع الكاهن إعلانًا على باب الكنيسة لا يقرأه وينتبه إلى مضمونه إلاّ بعض المؤمنين، أمّا إذا تلاه على مسامع الحاضرين فعدد المطّلعين عليه يصبح ضعفًا أو ضعفين. والكلمة المحكية كلمة حية تعمل كالسحر في القلوب وتحلّ محل الفعل. والتقليد الكتابي مهمّ جدًا، ونحن نعرف دور الكتابة التي اكتشفت حروفها في فينيقية في الألف الثاني ق. م. وانتشرت من هناك حتى الشرق والغرب، إلاّ أنّ هناك نصوصاً عديدة ظلّت تنتقل شفهيًا مدى أجيال وأجيال، كما أنّ التقليد الشفهي لم يتوقّف عندما انتقل الكلام إلى التقليد الكتابي ليصبح نصًّا جامدًا متحجّرًا لا تتبدّل فيه كلمة أو حرف.
التقليد كائن حيّ يتطوّر دومًا تبعًا لظروف البلاد وحالات النفس عند الأفراد والجماعات. نعطي مثالاً على ذلك مز 51. تلاه مريضٌ متألّم أحسّ بوطأة خطيئته على قلبه فطلب إلى الرب قلبًا نقيًا وروحًا مستقيمًا. ولكن لمّا تلا هذا المزمورَ المؤمنُ العائد من المنفى، بعد أن هُدمت مدينة أورشليم واحترق هيكلها، زاد بعض الكلمات طالبًا إلى الرب أن يعمل على بناء المدينة وأن يعود إلى الهيكل مركز حضوره بين شعبه ليتقبّل الذبائح الكثيرة التي ستقدّم له. لم يتغيّر معنى النص الأساسي، لكن اتّسعت أبعاده فضمّ الجماعة والفرد في صلاة واحدة، وجعل حاجات الفرد حاجات الجماعة، وتطلّعات الجماعة تطّلعات الفرد.
هذا التقليد الحيّ نجد آثاره الكثيرة في النصوص التشريعية والتاريخية والليتورجية، والأمثال على ذلك كثيرة. نكتفي منها بذكر الوصية القائلة بتقديس يوم الرب والامتناع عن العمل فيه. أيكون الرب استراح في هذا اليوم وطلب من المؤمن أن يقدّس يوم الراحة ويخصصه للصلاة والعبادة؟ أيكون الرب خلّص شعبه من العبودية في مصر وحرّرهم من العمل المتواصل، فعلّمهم الراحة يومًا في الاسبوع وفرض عليهم أن يسمحوا لعبيدهم بالراحة كذلك يومًا في الأسبوع فيتنفسوا الصعداء؟ الوصية هي هي، أمّا التعليم المتعلق بالوصيّة فيتبدّل ويغتني تبعًا لظروف الحياة وحالاتها.
نحن نتكلّم عن التقليد الشفهي والتقليد الكتابي، لا لنفصل بينما، بل لنعلم أنّ في النصوص تردادات، وكدت أقول تضاربًا حول بعض المعلومات. نفسّر هذا الواقع فنقول إنّ الكاتب الملهم الذي أعطانا الكتاب بالصورة النهائية التي نعرفها، حسِب أنّ التقليد الشفهي والتقليد الكتابي كلاهما كلام الله، فجمعهما ولم يشأ أن يضيع شيء منهما. وكانت النتيجة أنّنا خسرنا التسلسل المنطقي والمنظّم ولم تعد الفكرة واحدة في النص الواحد (رج تك 6- 9 حيث تتداخل روايتان عن الطوفان)، ولكنّنا ربحنا غنى التقاليد المتعدّدة التي تسعى إلى الإحاطة بكلام الله بطرق مختلفة. على هذا النحو ركّز التقليد اليهوهي (يسمى الله "يهوه") الذي وُلد في مملكة الجنوب (عاصمتها اورشليم) على أنّ الله قريب منا يحدّث الإنسان كما يحدّث المرء صاحبه. وكز التقليد الألوهيمي (يسمّى الله "الوهيم" وهو جمع "ايل ") الذي وُلد في مملكة الشمال (وعاصمتها السامرة) على أنّ الله يحدّث الإنسان من العلاء. التقليد الأوّل يقول إنّ الله قريب من الإنسان، والتقليد الثاني بقول إنّ الله بعيد متسامٍ . طريقتان صحيحتان للتكلّم عن الله، فأيّهما نختار؟ الأمر متروك لقلب كل إنسان.

هـ- الفنون الشعرية
كما ميّزنا التقليد الشفهي من التقليد الكتابي، نميّز الفنون الشعرية من الفنون النثرية. هناك الفنون الشعرية البدائية التي تدخل في أسفار الكتاب المقدّس، منها نشيد العمال (نحميا 4:4، 5) يستحثّ بعضهم بعضاً على السرعة في العمل (عد 17:21 ي)، واشعار الهجاء (أش 47: 1 ي) والشرب (أش 22: 13) والحب (اش 23: 16) والرثاء والبكاء (2 صم 1 :17+ 33:3) والحرب (1 صم 18: 7 . قتل شاول ألوفه وداود عشرات ألوفه)، ونشيد الأمّهات ينجبن طفلاً: حواء التي اقتنت ولدًا من عند الرب (تك 4: 1)، وسارة التي فرحت بإسحق ففرح لفرحها كل من سمع بخبرها (تك 7:21). وتشمل هذه الفنون كذلك المقاطع التي تحمل بركات الآباء إلى أبنائهم وأحفادهم، كبركة نوح لسام ويافث (ولعنته لكنعان بن حام. رج تك 25:9- 27) وبركة اسحق ليعقوب (تك 27: 28- 29. راجع ما قاله اسحق لعيسو في آ 38- 40). بهذه المقاطع يرتبط ما قاله الرب لآدم وحواء والحية (تك 3: 14- 19)، كما يرتبط نشيد الاناشيد بعالم الحب الذي عرفته بلاد مصر وأدوم وموآب.
كل هذه الأشعار والأناشيد تعدّنا لنسمع المزامير، ذلك النوع من الشعر الغنائي الذي كان يُنشدَ حول مراكز العبادة. في هذه المزامير نجد المدائح لمجد الله، والشكر له على إنعاماته، والبكاء والتفجع بعد نكبة ألّمت بالشعب، والصلاة والتوسّل في ساعات المرض والأخطار. يُنشد المرتّلون للإله الذي خلّصهم من الضيق يوم كانوا في العبودية (مز 113 و 114)، والإله الذي خلق كل شيء وخلق خصوصاً الإنسان وجعله رفيعًا ساميًا (مز 8). "باركي يا نفسي الرب، لأنّه خلق النور والمياه، واهتم بالنبات والحيوان والإنسان، فما أعظم أعماله " (مز 104). ويرفع المؤمنون صلاتهم إلى الإله القريب الحاضر في وسط شعبه بشريعته ووصاياه، والممجَّد في هيكله: الله يعلم جلوسنا وقيامنا، ويعرف كلامنا الذي على لساننا وفكرنا الذي في قلبنا (مز 139)، ويشبع عطشنا اليه (مز 42) وينيرنا بكلمته التي هي مصباح لخطانا ونور لسبيلنا (مز 119). ونسبّح الرب لأنّه الملك المالك على العالم (مز 96) الذي يفي بوعده لمحبيه وحافظي وصاياه (مز 89). ونسأل الرب في المرض والضيق والخطيئة، وعندما يقهرنا الظلم ويشتّتنا العنف فنصبح منفيين في الأرض: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟ في النهار أدعو فلا تجيب، وفي الليل فلا تحرّك ساكنًا" (مز 22)، "إرحمني يا الله كعظيم رحمتك، وبكثرة رأفتك امحُ ذنوبي" (مز 51).
لقد استقى شعب الله وأتقياؤه الصور العديدة والتشابيه المختلفة ليعبّروا بها عن عواطفهم نحو الله بطريقة شعرية. ونحن سنأخذ روح هذه الأناشيد فنجعل من صلاة المصلّين في الهيكل صلاتنا نحن المؤمنين في نهاية القرن العشرين.
والفن الشعري يظهر أيضاً في المثل، أكان قصيرًا كما في سفر الأمثال (7:18. فمُ الجاهل دماره، وشفتاه شرك لنفسه)، أم طويلاً كما في سفر أيّوب الذي هو مثل عن البار المتألم. وما يهمّنا من الأمثال هو طريقة التوازي حيث الجُمَل تتجاوب الواحدة مع الأخرى: "ميزان الغش رجس عند الرب، والمعيار الوافي مرضاته. سلامة المستقيمين ترشدهم، وفساد الغادرين يدمرّهم " (أم 11: 1- 3).
ويظهر الفن الشعري كذلك في الكتب النبوية، وهو نبع غزير نكتفي منه بمقطع من سفر هوشع (2: 4- 25)، ذلك النبي الذي عاش في مملكة الشمال في القرن الثامن ق. م. وتحدّث عن محبة الله لشعبه التي تشبه محبة العريس لعروسه:
إتّهموا أُمّكم إتهموها، فما هي امرأتي ولا أنا رجلها.
لتنزع علامات زناها عن وجهها، ودلائل فسقها من بين ثدييها،
لئلاّ أفضحها وأُعرّيها، وأردّها كما كانت يوم وُلدت،
وأجعلها كقفر، كأرض قاحلة، وأُميتها بالعطش.
بنوها لن أرحمهم، لأنهم أبناء زنى،
لأن أُمهم زنت، والتي حبلت بهم أتت أعمالاً معيبة.
قالت في نفسها: أسير وراء الذين أحببت،
أعطوني خبزي ومائي، صوفي وكتّاني، زيتي وشرابي.
لذلك سأُسيّج طريقها بالشوك، وأُحوّطه بحائط فلا تجد سبيلها،
فتتبع الذين أحبّت ولا تلحق بهم، وتبحث عنهم فلا تجدهم،
فتقول: أرجع إلى رَجلي الأوّل، فقد كنت أسعد مما أنا الآن.
هي لم تعرف أنّي أنا أعطيتها القمح والخمر والزيت،
وأنّي أكثرت لها الفضة والذهب، فجعلوا كل هذا للبعل.
لذلك سأعود وآخذ قمحي في آنه وخمري في حينه،
وأنزع عنها صوفي وكتّاني اللذين تستر بما عورتها.
فاكشف خزيها أمام من أحبّت، وما من أحد يُنقذها من يدي.
وأُبطل كل فرحها وأعيادها، رأس الشهور وسبوتها واحتفالاتها، 
وأُدمّر كرمها وتينها بعد أن قالت: هما هبة لي من الذين أحببت، 
وأُصيّرهما غابًا وعرًا، فيأكلهما وحش البرية.
وأُعاقبها على أيام البعل، وقد أحرقت له البخور،
تزينّت بأساورها وحليّها، وتبعت الذين أحبّت،
أمّا أنا فنسيتني، يقول الرب.
لذلك سأغويها وأجيء بها إلى البرية وأُخاطب قلبها.
من هناك أعطيها كرومها، ووادي عكور كباب للرجاء،
فتستجيب لي هناك كما في صباها، كما في يوم صعودها من أرض مصر.
وفي ذلك اليوم، يقول الرب، تدعينني "زوجي" ولا تدعينني بعد "بعلي"، 
لأنّي سأُزيل اسم البعل من فمها، فلا يذكر اسمه من بعد.
وفي ذلك اليوم، أقطع لها عهدًا مع وحش البرّية وطير السماء ودواب الأرض،
وأكسر القوس والسيف، وأزيل الحروب من الارض، فأجعلها تنام في أمان.
وأتزوّجك إلى الأبد، أتزوّجك بالصدق والحق،
أتزوّجك بالرحمة والأمانة، فتعرفين الرب.
وفي ذلك اليوم، يقول الرب، استجيب للسماء والسماء تستجيب للأرض،
والأرض تستجيب للقمح والخمر والزيت، وهذه كلها تستجيب ليزرعيل.
وأزرعها لي في الأرض، وأرحم مَن لم تكن مرحومة
وأدعو شعبي مَن لم يكن شعبي، وهو يقول لي: أنت إلهي.
إنّ السؤال المطروح هو: أي إله سيعبد بنو إسرائيل؟ الرب سيّد التاريخ الذي أخرج شعبه من أرض مصر وما زال يعتني به في أرض كنعان، أم الإله (بعل) الذي يعطيه الشتاء والإلاهة (عشتار) التي تعطيه الخصب؟ قالوا: الرب هو إله الصحراء، أمّا البعل فهو إله الأرض المزروعة. ولهذا كتب النبي موبّخًا الشعب الذي خان الرب وعبد البعل، ومشبّهًا إيّاه بالمرأة الزانية (فجاءت الصوَر واقعية جدًا)، ومشيرًا إليه بإصبع الاتهام.
يُلقي الرب على امرأته (أي شعبه) اتّهامات ثلاثة: فلقد تبعت (الآلهة) الذين تحب وحسبت أنّهم يعطونها الخبز والماء... وتناست الرب فلم تعرف أنّه هو من يعطيها الخبز والخمر والزيت... وجعلت عطايا الرب وسيلة بها تعبد البعل. لذلك سوف يعاقبها الرب: يتركها عارية كأرض قاحلة جدباء، ويسيّج طرقاتها فلا تجد (الآلهة) الذين تحب، ويجلّلها بالحزن فلا تعيّد اعيادها بالفرح. ولكن العروس بقيت في زناها، والشعب ناسيًا ربه. 
فهل يطلّق الله شعبه كما يطّق الزوج زوجته الخائنة؟ كلا، بل سيأخذها إلى البرية، لا ليميتها عطشا، بل ليذكّرها بالأيّام الحلوة (التي مرت كشهر العسل) حين كان الله يهتم بشعبه فيعطيه المنّ والماء، وكان الشعب يقرّ بأفضال الله عليه. فلا بدّ من أن يذكر الشعبُ تلك الأيّام بعد أن رفض الإقرار بأنّ الرب هو الذي يعطيه كل خير (القمح، الزيت، الخمر...)، وبعد أن نسي الرب، وذهب وراء من يحب (تتردد كلمة "أحبّ" مرارًا) كالمرأة وراء عشيقها تاركة رفيق صباها ورَجلها الأول. ورغم اللهجة القاسية التي تبرز في هذا النص، نكتشف وجه الله الرحوم الذي يتحنّن على الشعب كالأم على أولادها ويميل إليهم كالحبيب إلى حبيبته والرجل إلى امرأته. إنّ الله هو الأمين الذي أقام عهدًا مع شعبه ولن يتراجع، وهو الصادق الذي نثق به، لا ينسانا وإن نسيناه، وهو مَن يعرفنا معرفة حميمة (كمعرفة الزوج لزوجته) حتى وان رفضنا نحن ان نعرفه. وهنا يتبادر الى ذهننا كلام القدّيس بولس في رسالته الثانية إلى تلميذه تيموثاوس: "إذا متنا معه حيينا معه، وإذا صبرنا ملكنا معه، وإذا أنكرناه أنكرنا هو أيضاً، وإذا كنّا خائنين ظل هو وفيًا، لأنّه لا يمكن أن ينكر نفسه " (2: 11- 13).

و- الفنون النثريّة
أوّل آثار الفنون النثرية نجده في العقود (تك 23 ؛ إر 32)، والمعاهدات (تك 31؛ يش 10)، وسلسلة الانساب (تك 46: 8- 27؛ خر 1: 1- 5)، ولائحة الموظّفين (1 مل 4)، والرسائل بين الملوك والحكّام (عد 14:20 ي؛ إر 29: 1 ي)، وفي بعض الصلوات النثرية كالتي تلاها سليمان يوم دشّن الهيكل (1 مل 8)، والخطب السياسية أو العظات الدينية (أم 5؛ طو 4). واطول عظة في الكتاب المقدّس هي تلك التي نقرأها في سفر تثنية الاشتراع. هذا السفر كُتب في القرن السادس ق. م. على لسان موسى الذي عاش في القرن الثالث عشر ق. م.، فجعل روح موسى حاضرًا وكلامه القديم جديدًا: "اليوم إن أنتم سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم". تلك هي الفائدة من استقصاء كلام الله، أن نسمعه وكأنه يتوجّه إلينا اليوم.
إنّ الشرائع كُتبت نثرًا فملأت أسفارًا كاملة من الكتاب المقدّس. فسفر اللاويين مثلاً هو مجموعة شرائع عن الذبائح والكهنة كل ما يتعلّق بعبادة الله. وسفر العدد يشبهه في الكثير من ذلك. في هذا الفن الأدبي الذي نسمّيه "الفن الشرائعي"، نجد معًا "التوراة" ووصايا الله وأوامره، والحقوق والواجبات الإنسانية، و "كلمات" تتضمن أحكامَا إلهية إلى جانب حالات قانونية أو نصح وإرشاد. إلاّ أنّنا نحن نميّز هذه الأمور بعضها من بعض: فمنها ما يبقى مفروضاً علينا، أكنّا أبناء العهد القديم أم أبناء العهد الجديد (مثلاً: أكرم أباك وأُمك، لا تقتل أحبب قريبك كنفسك)، ومنها ما أملته ظروف المكان والزمان (لا تطبخوا الجدي بلبن امه، خر 23: 19). فنحن لا نتعلّق بالحرف الذي يقتل، بل بكلام الرب الذي هو روح وحياة (يو 63:6)، ونحن لا نتعلّم للعلم بل لنعيش بالمحبّة، لأن العلم ينفخ ولكنّ المحبّة تبني (1 كور 8: 1).
ومن الفنون النثرية فمن كتابة التاريخ: تاريخ ما فعله يشوع، وما فعله القضاة، أولئك الحكّام الموقّتون الذين حكموا شعب إسرائيل حتى زمن الملوك، وما فعله ملوك الجنوب والشمال. لا شكّ في أن الكاتب الملهم استند إلى وقائع نقلها إليه التقليد (كأخبار جدعون ويفتاح وشمشون)، أو الوثائق المحفوظة في خزائن الملوك أو الكهنة، غير أنّه لا يهتمّ بالتاريخ على أنّه سرد لأحداث سياسية وحربية؛ وإن هو ذكر هذه الاحداث فلكي يستخلص منها العبرة الدينية وهي أنّ الله، لا الإنسان، يصنع التاريخ، وأنّ الحكم على الملوك لا يأتيهم من البشر بل من الله الذي يحاسب كل إنسان بحسب أعماله (مت 27:16)، ولا يتوقّف عند الهيئة الخارجية، كما يفعل الإنسان، بل ينظر إلى القلب (1 صم 7:16- 8). 
ولذلك فمن قرأ سفر يشوع وكأنه كتاب تاريخ فلن يجد فيه الكثير ممّا يشبع رغبته في البحث والاستقصاء. وهذا لا يعني أنّنا لا نسعى إلى فهم النص بالوسائل المعروفة؛ لكنّنا نتعدّى هذه الأمور لنصل إلى المعنى الروحي (يش 24: 1 ي). لن نتوقّف مثلاً على أساليب الحرب وفيها ما فيها من مبالغة يتوسلها الضعيف ليعوّض عن ضعفه (قتل السكّان وإحراق جميع ممتلكاتهم. ونحن نعرف أنّ بني إسرائيل ظلّوا أقليّة ضئيلة بين سكان كنعان)، بل ندرك أنّ يد الله مع شعبه، وقد أعطاهم أن يقيموا في أرض كنعان وقطع لهم عهدًا. قال لهم يشوع بلسان الرب: إتّقوا الرب واعبدوه عبادة تامة ومخلصة، وأزيلوا الآلهة التي عبدها آباؤكم. اختاروا لكم اليوم إما الآلهة وإما الله.
أمّا سفر القضاة فنجد معناه في الفصل الثاني (آ 11- 22): يفعل بنو إسرائيل الشرّ، فيدفعهم الربّ إلى أعدائهم بعد أن يتركهم وشأنهم. ثمّ يرجعون إلى الرب فيرجع إليهم ويُرسل إليهم "قاضيًا" يحكهم من قِبَله ويوحّد كلمتهم فيخلّصهم. أما الأخبار، وفيها ما فيها من الطرف والنوادر، فهي بمثابة زخرفة وعامل تشويق. ونحن نكتشف الفن الأدبي ونتفهّم معنى الكلمات لنصل إلى العبرة التي توخّاها الكاتب، ألا وهي الأمانة لله ولوصاياه، فنصيب في حياتنا خيرًا. لن نتوقّف، مثلاً، في خبر شمشون (قف 14: 1 ي) على أهمّية شعره الذي هو علامة تكريسه للرب، بل نُعنى بالحري بهذا الذي اختاره الرب رغم نقائصه وخطاياه وطلب إليه أن يخلِّص شعبه، ففعل كما أمره الرب لا بطريقة متواصلة بل متقطّعة: ترك الرب، وعلامة تخلّيه عن الرب كان قصّ شعره، فتركه الرب، ثم عاد إلى الرب فعاد الرب إليه. وإذا كان الله معنا فمن يقدر على مقاومتنا (روم 8: 31)؟
أمّا أخبار صموئيل والملوك، فنجد فيها حكمًا على ملوك بني إسرائيل على ضوء وصايا الله كما نقرأها في سفر تثنية الاشتراع. فأن يكون يربعام الثاني، ملك السامرة، قد عمل الكثير أو أظهر مقدرة حربية، فهذا لا يهمّ الكاتب الملهم، بل جلّ ما يهمه هو أنّه فعل الشر، اللهمّ إن أردنا أن نحكم بمنظار الرب (2 ملوك 14: 24- 28). وأن يكون يوشيا ملكًا محارباً لم يخف من التصدّي لفرعون وجيشه في مجدّو (جنوبي جبل الكرمل) فذلك لا يحظى باهتمام الكاتب الملهم بقدر ما يحظى به الاصلاح الديني الذي قام به ملك شاب تربّى على يد الكهنة في الهيكل (2 مل 22: 1 ي). نحن لا نهمل الأمور التاريخية التي نستشفّها من خلال النصوص الكتابية، بل نتطلعّ بالحري إلى التاريخ المقدّس، تاريخ الله الذي يحامي عن الضعيف بوجه القوي، ويفضل أن يزول شبح الحرب من الكون، أللهمّ إن شاء الإنسان ذلك.
ونذكر أخيرًا لا آخرًا فنًا نثرًيا نقع عليه في النصوص الكتابية المتأخّرة، ألا وهو الدرس الديني عن التقاليد القديمة ونصوص الكتاب السابقة. وعلى هذا النحو نقرأ قصة طوبيا التي تُفهمنا أنّ التقوى خلاص المؤمنين، وقصة يهوديت، تلك الأرملة المؤمنة التي خلّصت شعب بلدتها باتكالها على الله، وقصة يوسف بن يعقوب (تك 39: 1 ي) الذي تعلّم وسط المحنة أنّ الله يخرج من الشر خيرًا ويخلّص الإنسان مهما أراد البشر أن يُفشلوا مخططاته. أمّا سفر الحكمة فيبدو تأمّلاً في أحداث سفر الخروج، وسفر يشوع بن سيراخ، في قسمه الأخير، مديحًا للآباء الذين مجدّوا الرب بحياتهم (44: 1- 2). وعندما نقرأ سفر طوبيا، مثلاً، فلن نبحث عن الأمور بمنطق التاريخ والجغرافيا وحقيقة الوقائع، بل نتطلعّ إلى الغاية التي سعى إليها الكاتب، ألا وهي النصح والإرشاد للمؤمنين المشتتين والبعيدين عن المدينة المقدّسة والهيكل. نحيط إذًا بالفن الأدبي الذي كتب فيه هذا السفر، ثمّ نصل إلى النظرة الدينية واللاهوتية التي أراد الكاتب أن يوصلها إلينا عبر هذا "الفن القصصي".

ز- خاتمة
تطرّقنا إلى النقد الكتابي عامة، والى النقد الأدبي خاصة، فما تعمّقنا فيه ولا أحطنا به إحاطة شاملة، إنّما ألمحنا إلى بعض الأمور آملين أن نعالجها بطريقة أوفى عندما ندرس هذا السفر أو ذاك من أسفار الكتاب المقدّس. فالكتاب المقدّس لا يشبه الكتب التي بين أيدينا، لأنّه مكتبة كاملة كُتبت على مدى ألف سنة أو أكثر. فهل ندّعي بعد مقال صغير أنّنا وفينا موضوعنا حقّه؟ كلاّ. فعلى المؤمنين أن يتابعوا قراءة الكتاب المقدّس انطلاقًا ممّا قلناه في هذا المقال، أو ممّا يقرأونه في الكتب أو المقالات، لئلاّ يبقى كلام الله مغلقًا عليهم فلا يفهموه.
وننهي حديثنا مكرّرين ما ألمحنا اليه مرارًا: إنّنا بعد أن نحقّق النص ونضعه في إطاره التاريخي ونطّلع على فنّه الأدبي، يلزمنا أن ندخل بقلبنا ومحبّتنا في أعماق النص الكتابي، فنكتشف فيه الله الذي ما زال يكلّمنا اليوم كما كلّم في الماضي أولئك الأنبياء والحكماء. "إنّ الله، بعدما كلّم آباءنا من قديم الزمان بلسان الأنبياء مرّات كثيرة وبمختلف الوسائل، كلّمنا في هذه الأيّام الأخيرة بابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء وبه خلق العالمين" (عب 1: 1). هذه الكلمات لا تزال تتردّد في مسامعنا اليوم، فهل نعرف أن نكتشف كلام الله الحاضر أمامنا؟ اليوم، إن أنتم سمعتم صوته فلا تقسّوا قلبكم بل اجعلوه طريئًا كالأرض الطيّبة التي تنزل فيها الحبة فتعطي ثلاثين وستين ومئة.
الفصل الرابع
الكتاب المقدس
وأسفاره القانونيّة

إذا دخلت المجمع يوم السبت لتشارك اليهود صلاتهم في زمن المسيح، لَسمعتهم يقرأون فصلاً من شريعة موسى ثم آخر من كتب الانبياء، يتخلّلهما أناشيد من مزامير داود. 
وإذا دخلت إحدى الحلقات المسيحية في عهد الرسل لسمعت مع المؤمنين قراءات من كتب العهد القديم ثم من حياة المسيح كما وردت في الأناجيل وأخيرًا مقاطع من رسائل الرسل إلى الكنائس.
لماذا يصغي المؤمنون اليهود والمسيحيون إلى هذه القراءات؟ لأنّهم يرون فيها كلام الله، ولأنهم يعتبرون هذه الكتب كتبًا مقدسة ملهمة تعبّر عن إرادة الله القدّوسة على الفرد والجماعة.
كل جماعة دينية لها كُتُبها المقدّسة تقرأها وتسمعها وتتأمّلها لتجد فيها قاعدة حياة لها في الزمن الحاضر وتتميّز هذه الكتب التي نسمّيها كتبًا قانونية عن سائر الكتب التي تغذّي روح التقوى والإيمان دون أن يكون لها الطابع المقدّس. فالكتب القانونية تعتبر حاملة كلام الله. فالمسلم يعتبر القرآن كلمة الله دون غيره من الكتب وإن غذّى إيمانه بكتب دينية أخرى. واليهودي يعتبر التوراة كلمة الله، ولكنّه لا ينسى الشروح القديمة التي تساعده على فهم كلام الله. والمسيحي يعتبر كلام الله كل ما جاء في الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد. والكتب القانونية عند المسيحي تبدأ بسفر التكوين وتنتهي بسفر الرؤيا.
كل جماعة تحدّد الكتب القانونية التي تعتبرها كلمة الله. هكذا فعل اليهود خاصة في اجتماع "يمنية" على شاطئ البحر المتوسط حول السنة 90 ب. م. فأقرّوا لائحة الكتب المقدّسة بطريقة نهائية واعتبروا أنّ كل ما كتب حتّى ذلك الوقت باللغة العبرية والآرامية هو كلام الله، وأنّ ما عداه لا يتعدّى أن يكون كتبًا تقوية. وكذلك فعل المسلمون بقيادة الخليفة عثمان بن عفان الذي أمر بإتلاف العديد من النسخات القديمة وبالإبقاء على النسخة التي نعرفها، رغم احتجاج البعض. وهكذا فعلت الكنيسة المسيحية فاحتفظت بأناجيل أربعة وبرسائل من الرسل وكتابات، واضعة غيرها في طبقة الكتب المنحولة التي دوّنها أُناس اتقياء إنّما لا صلة لهم بالتقليد الرسولي، أو مبدعون منشقّون أرادوا أن يُقحموا تعاليمهم الكاذبة في الكتب التي وصلتنا على يد الرسل. كل هذا حفظ في ما نسمّيه العهد الجديد.
أمّا الكتب المقدّسة التي تعتبرها الكنيسة قانونية أي إنّها تصلح لأن تكون قاعدة الإيمان، فهي على نوعين. النوع الأوّل كُتب قبل المسيح، ونسمّيه العهد القديم، وكُتبه هي: أسفار موسى الخمسة، الكتب التاريخية والنبوية، وسفر المزامير كتب الحكمة. والنوع الثاني كُتب بعد المسيح، ونسمّيه العهد الجديد، وكُتبه هي: الأناجيل وأعمال الرسل ورسائل بولس الأربع عشرة والرسائل الكاثوليكية (الجامعة) وسفر الرؤيا. وما عدا ذلك من كتب نُسبت إلى الآباء في العهد القديم أو إلى الرسل في العهد الجديد فالكنيسة تعتبرها كتبًا منحولة.

أ- الكتب القانونية
القانون مقياس كل شيء. استعمل الأقدمون هذه الكلمة ليدلّوا على لائحة الكتب المدرسية التي تعدّ لغتها ناصعة صحيحة. واستعملها المسيحيون في القرن الرابع كصفة للكتب الملهمة ليؤكدوا أنها تحوي قاعدة الإيمان والأخلاق. فالكتب القانونية وحدها تقرأها الجماعة الليتورجية وتستبعد باقي الكتب التي تعدّها غير قانونية. وهكذا نقول: الكتب القانونية هي الكتب إلى تسمح الكنيسة بقراءتها في الليتورجيا وتعترف بأنّها مقدّسة لأنّها كُتبت بإلهام الروح القدس ؛ كما أنّها تصلح لأن تكون غذاء للمؤمنين وقاعدة لحياتهم. والكنيسة حدّدت مجموعة هذه الكتب الملهمة بسلطتها المعصومة من الخطأ في المجمع التريدنتيني، في إيطاليا، خلال جلسته الرابعة في 8 نيسان سنة 1546. نقرأ في هذه الجلسة ما يلي: إنّ المجمع المقدس يتتبعّ خطى الآباء المستقيمي الإيمان فيتقبّل ويكرم كلّ كتب العهد القديم بذات عاطفة التقوى والاحترام التي بها يكرم كتب العهد الجديد، لأنّ الإله الواحد ذاته هو واضع العهدين... فمن لا يقرّ بقانونيّة هذه الكتب وقدسيتها... يعتبر محرومًا.
هذا هو إيمان الكنيسة التي تعدّ نفسها الوكيلة الأمينة على وديعة الإيمان. فالروح الذي يعمل فيها هو الذي عمل في الكتّاب الملهمين. والروح الذي يساعدها على فهم الكتب المقدّسة ينير طريقها فتميّز بين "كلام الله " و"كلام البشر". هي لا تعطي الإلهام لكتب دون اخرى، بل تتبيّن إصبع الله فتعلن على المؤمنين قدسية الكتب المقدسة بدون خطأ، لأنّ المسيح الذي فيها وعدها بأنّه لن تقوى عليها ابواب الجحيم (مت 18:16) ولا سُبُل الكذب والخطأ والضلال.

ب- العهد القديم كتاب الله عند اليهود
إنّه وإن كان الآباء المسيحيون لا يعرفون إلاّ مجموعة كتب مقدّسة واحدة، إلا أنّنا نقسمها قسمين بسبب المسائل التي سنطرحها. فالقسم الأوّل، وهو العهد القديم، قد أخذته الكنيسة من الجماعة اليهودية في نسخته اليونانية المسماة سبعينية، والقسم الثاني بدأت بكتابته بعد موت المسيح وأنهته مع آخر رسول من الرسل هو القدّيس يوحنا. 
اعتبر اليهود كتب العهد القديم كتبًا مقدّسة. فأسفار الشريعة الخمسة هي كلام الله لموسى، والكتاب يقول إنّ "موسى كتب جميع أقوال الرب " (خر 24: 4)، وإنّه كتب ما كتب بناء على طلب الرب. فبعد الحرب مع بني عماليق، قال الرب لموسى: "اكتب هذا لتحفظه ذكرًا، واقرأه على مسامع يشوع " (خر 17: 14). وقبل الوصول إلى أرض الميعاد، "كتب موسى مسيرتهم مرحلة مرحلة بعد خروجهم كما أمره الرب " (عد 2:33). 
وعندما اكتشف الكاهن حلقيا في بيت الرب "كتاب الشريعة" الذي هو كتاب القوانين التي فرضها الله على شعبه، قرأ أمام الملك يوشيا (640- 609) وكل سكّان أورشليم كلام كتاب الشريعة ذاك (2 مل 23: 2). ومنذ ذلك الوقت أخذ الكتّاب يستندون إلى نصوص كتاب الشريعة. فيروي سفر الملوك الأوَّل (2: 1- 3) كيف أنّ داود طلب إلى ابنه سليمان أن يسير في طرق الرب ويحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه كما هو مكتوب في شريعة موسى (تث 29: 8). ويذكّر سفر الملوك الثاني (14: 6) بأنّ سفر شريعة موسى يمنع قتل الآباء من أجل البنين، والبنين من أجل الآباء (تث 16:24).
وفي زمن الجلاء، وبعد أن هُدم الهيكل وزالت الملكية، أخذ نفوذ الشريعة وتأثيرها يزدادان، فكان المنفيون يجتمعون حول الكهنة يستمعون اليهم يقرأون عليهم فصولاً من أسفار موسى. وبعد الرجوع من المنفى ستقرّ الجماعة اليهودية بالشريعة دستورها المقدّس، كل من لا يعمل بها يقضى عليه بالموت أو بالنفي أو بالحبس (عز 26:7).
وابتداء من القرن الخامس، كانت شريعة موسى تقرأ في مجامع فلسطين والشتات، وكان الكتبة يدرسونها ويشرحونها، والمؤمنون الأتقياء يحفظونها ويردّدونها. ولمّا انفصل السامريون عن الجماعة اليهودية (سنة 408 ق. م.) حملوا معهم كتب موسى دستورًا مقدّسًا دون غيره من الكتب.
ولكن اليهود كان لهم مع التوراة كتب الأنبياء. فإرميا كتب ما كتب المرّة تِلوَ المرّة بناء على طلب الرب (2:36، 28، 32)، وكذلك فعل حزقيال وأشعيا ( 8:30) ؛ أمّا المزامير فقد اعتاد المؤمنون تلاوتها في اجتماعاتهم خلال المنفى ثمّ في الهيكل وفي المجامع، فصارت كتاب صلاة شعب الله ؛ أمّا سائر الكتب الحكمية فقد أخذت مكانتها في الحفلات الدينية فكان المؤمنون يقرأون نشيد الأناشيد في عيد الفصح، وسفر راعوت في عيد العنصرة، ومراثي إرميا في ذكرى خراب أورشليم (586)، وسفر الجامعة في عيد المظال، وسفر أستير في عيد خاص يُحتفل به في 14 و 15 آذار.
ثمّ نقرأ في سفر المكّابيين الثاني (13:2) رسالة تقول إنّ نحميا أنشأ مكتبة جمع فيها أخبار الملوك (ما نسميه الكتب التاريخية) والأنبياء وكتابات داود (أي المزامير). كما نقرأ في مقدمة سفر يشوع بن سيراخ (كتب حول سنة 180 ق. م.) تقسيم العهد القديم ثلاثة أقسام: الشريعة أي كتب موسى الخمسة، والأنبياء، أي ما نسميه الكتب التاريخية (الأنبياء الأوّلون) والكتب النبوية (أي الأنبياء اللاحقون)، وسائر الكتب أي المزامير وبقيّة الكتب الحكمية. وسيذكر سفر يشوع بن سيراخ، في سياق كلامه، يشوع بن نون (46: 1 ) والقضاة (46: 13) وصموئيل (46: 16) والملوك (47 :1) وأشعيا النبي (48: 25) وارميا (8:49) وحزقيال (49: 10) وسائر الأنبياء الاثني عشر (49: 12، نسميهم الأنبياء الصغار لأنّ ما كتبوه كان قليلاً). ولم ينسَ أن يذكر سفر الأمثال (16:47) وأيوب (49: 9 في النص العبري) ونحميا (49: 15).
ونرى كل جماعة يهودية تهتم بأن يكون لها أسفار الشريعة الخمسة وسائر الكتب التي تُقرأ في اورشليم. فالرسالة إلى أرستيس (القرن الثاني ق. م.) التي تسمي الأسفار المقدسة الكتابَ (بيبلوس في اليونانية) والتي تتحدّث عن ترجمة النصوص العبرية إلى اليونانية، تذكر كيف أنّ رئيس كهنة اورشليم، اليعازر، أرسل إلى الاسكندرية نسخة كاملة عن الكتب المقدّسة.
أمّا يوسيفوس المؤرّخ فقد كتب بحثًا "ضدّ أبيون " (سنة 97- 98 ب. م.) يقول فيه: لا تجد عندنا عددًا غير محدود من الكتب (كما عند اليونان) بل اثنين وعشرين كتابًا فقط (بعدد الحروف الأبجدية) تحتوي أخبار كل زمان... أوّلاً كُتب موسى وعددها خمسة... ثمّ الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى... والكتب الأربعة الأخيرة تحتوي أناشيد الله وفرائض أدبية للناس... إنّ الاحداث تبيّن بأي احترام نقرب من كتبنا الخاصة... فهي كتب يحرّم علينا أن نمسّها بسبب طابعها المقدّس كما يقول سفر عزرا الرابع (23:14- 47) الذي كتب في القرن الأوّل ب. م.
قيل: الجماعات تعيش ثمّ تفكّر بطريقة عيشها. والجماعات الدينية لا تسعى إلى تحديد إيمانها أو إلى إقرار كتبها المقدّسة إلاّ إذا داهمها خطر. فالجماعة اليهودية لم تشعر في البدء بالحاجة إلى تحديد لائحة الكتب المقدّسة التي تعتبر قاعدة إيمانها. ولكن عندما هُدم الهيكل مرة أولى، تعلّق الشعب بالتوراة كعلامة حضور الله بينه. وعندما هدم الهيكل مرّة ثانية وتشتّت الشعب اليهودي أحسّ المؤمنون بالحاجة الى إعلان لائحة بكتبهم المقدّسة كما بدأوا بتدوين التقاليد الشفهية كالتلمود والتراجيم لئلاّ تضيع.
والكنيسة التي تعدّ نفسها شعب الله الجديد، قد تسلّمت من شعب الله القديم الكتب المقدسة على أن الله قد أوحاها، فصارت الكتب القانونية عند الشعب اليهودي كتبًا قانونية عند الشعب المسيحي.

ج- العهد القديم كتاب الله عند المسيحيين
إنّ القانون المسيحي للعهد القديم يحتوي كل الكتب المقدّسة كما نقرأها في الترجمة اليونانية، وهذا يعني أنّ الكنيسة تضيف إلى الكتب القانونية الأولى (أي تلك المكتوبة بالعبرانية والآرامية والتي أقرّت في مجمع "يمنية") الكتب القانونية الثانية، فتعتبر أنّ الإلهام يشمل أسفار طوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ وباروك وسفرَيْ المكّابيين، عدا بعض فصول من أستير ودانيال كتبت باللغة اليونانية. ويجدر القول إنّ الكنائس البروتستانتية تعتبر الكتب القانونية الثانية كتبًا منحولة تهدف إلى تغذية التقوى المسيحية دون أن يشملها الإلهام كالكتب القانونية الأولى.
كرّس المسيح والرسل من بعده سلطة كتب العهد القديم، ورجعوا إليها مرارًا معتبرينها كلام الله. فيسوع يوبّخ الفريسيين لأنّهم "ينقضون كلام الله بسنّة من عندهم " (مر 13:7)، والقدّيس بولس يعدّ العهد القديم "كلام الله الذي اؤتمن عليه اليهود" (روم 2:3).
ولقد لجأ المسيح ورسله مرارًا إلى شهادات من العهد القديم في بشارتهم وفي كتاباتهم، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأنّ العهد الجديد قد اتخذ العهد القديم على أنّه كلام الله وأساس إيمان.
فالعهد الجديد يذكر تقريبًا جميع الكتب القانونية الأولى وهو يورد آيات من سفر التكوين وسفر الخروج وسفر اللاويين والعدد... كما أنّه يذكر نصوصًا من الكتب القانونية الثانية فيورد أو يلمح إلى آيات مأخوذة من طوبيا ويهوديت وسفر الحكمة وابن سيراخ والمكّابيين الثاني. ومجمل القول أنّنا نجد ما يقارب ثلاثماية وخمسين استشهادًا من العهد القديم في العهد الجديد، أخذ أكثرها عن النص اليوناني السبعيني وليس عن النص العبراني الماسوري. كما أنّه عندما يرد أحد النصوص في الأناجيل تسبقه عادة العبارة التالية: "لتتم الآية"، "ليتم الكتاب " (مت 1: 22 ؛ لو 22: 37؛ 24: 44؛ يو 12: 38 ؛ 13: 18...). وهذه العبارة ترد سبعًا وثمانين مرة لتبيّن العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، ولتدل على أنّ ما وعد به العهد القديم، قد تحقّق في العهد الجديد بشخص يسوع المسيح الذي هو نقطة الوصل بين العهدين.
نورد نصيّن من العهد الجديد. الأوّل من رسالة القديس بولس الثانية إلى تلميذه تيموثاوس (14:3- 17): "فاثبتْ أنت على ما تعلمته وكنت منه على يقين. فأنت تعرف عمّن أخذته، وتعلم الكتب المقدّسة منذ نعومة أظفارك، فهي قادرة على أن تزوّدك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بالمسيح يسوع. فالكتاب كلّه من وحي الله يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر، ليكون رجل الله كاملاً معدًّا لكل عمل صالح ". والنص الثاني من رسالة القديس بطرس الثانية (1: 19- 21): "فازداد كلام الأنبياء ثباتًا عندنا، وانكم لتَحسنون عملاً إذا نظرتم إليه كأنّه مصباح يضيء في مكان مظلم، حتّى يطلع النهار ويشرق كوكب الصبح في قلوبكم. واعلموا قبل كل شيء أنّه ما من نبوءة في الكتاب تقبل تفسيرًا يأتي به أحد من عنده، إذ لم تأت نبوءة قط بإرادة بشر، ولكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلّموا من قِبَل الله ".
من هذين النصين نستنتج أنّ كل الكتاب من وحي الله، وأنّ الكتب المقدّسة التي تعلّمها تيموثاوس على يد أُمّه اليهودية (أع 16: 1) تعني أوّلاً كتب العهد القديم، وهي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بيسوع المسيح. فالنبوءات كالشرائع لم تأتِ بإرادة بشر، ولكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلّموا من قِبَل الله.
فكلام الله وصلَنا عن طريق الآباء والانبياء كما وصلنا عن طريق المسيح، وهو كلمة الله ذاتها نقرأها في العهدين القديم والجديد. يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين (1: 2): إنّ الله، بعدما كلّم آباءنا قديمًا مرات كثيرة بلسان الأنبياء كلامًا مختلف الوسائل، كلّمنا في هذه الايام، وهي آخر الأيّام، بلسان الابن الذي جعله وارثًا لكل شيء وبه أنشأ العالمين. 
اعتاد آباء الكنيسة أن يوردوا الآيات من العهد الجديد والقديم على السواء، ليبرهنوا عن عقائد الإيمان، كما أنّهم أخذوا يشرحون للمؤمنين على السواء كتب العهد القديم والعهد الجديد، لأنّهم اعتبروا أنّ ما كتب قبل المسيح هو أيضاً كلام الله وقد كُتب بوحي الروح القدس. لا شك في أن كل ما كُتب قبل المسيح يجد كماله في المسيح، ولكنّه يبقى كلام الله.
فيوستينوس (+ حول 165) في نقاشه مع تريفون اليهودي يرجع إلى كتب العهد القديم ليبشّره بالمسيح على مثال الشماس فيلبس الذي انطلق من سفر أشعيا (53: 7- 8) ليحدّث وزير ملكة الحبشة عن يسوع (أع 8: 34). وايريناوس اسقف ليون (+ حول 202) يدحض مزاعم المبدعين مستندًا إلى كتب العهد القديم والجديد. وحتى المبدع أريوس ينطق من كتب العهد القديم (أم 23:8) ليُنكر أُلوهية الابن.
أمّا الآباء الذين شرحوا الكتاب المقدّس فهم أكثر من أن يُحصوا. فمن اوريجانس (+ 254) وصلتنا شروح سفر التكوين والخروج والعدد واللاويين ونشيد الأناشيد...؛ ومن أفرام السرياني (+ 373) وصلنا شرح سفر التكوين؛ ومن أغوسطينس (+ 430) شرح المزامير، ومن يوحنّا الذهبي الفم (+ 407) شرح سفر التكوين وغيره من الأسفار. لقد اعتبرت الكنيسة بلسان الآباء أنّ كتب العهد القديم هي كتب مقدّسة لأنّها تحتوي كلام الله. ولم تهتمّ بالدفاع عن هذه الحقيقة وبتحديد الكتب القانونية. ولكن لمّا قام المبدعون أمثال مرقيون فأنكروا قدسية العهد القديم وميّزوا بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد، أعلنت الكنيسة أن الله هو واضع العهد القديم والعهد الجديد وعدّدت أسماء أسفار الكتاب المقدّس دون أن تفصل بين ما كُتب قبل المسيح وما كُتب بعده، لأنّ الكتاب كلّه هو من وحي الله وهو يهدي إلى الخلاص في الإيمان بيسوع المسيح.

د- العهد القديم وديعة في يد الكنيسة
ونودّ أن نتوقّف عند تساؤل عملي يطرحه الكثيرون اليوم: لماذا لا يزال المسيحيون يقرأون العهد العتيق؟ فليس هو إلاّ قصّة شعب من الشعوب. لماذا لا نقرأ قصص المصريين والبابليين وأهالي أوغاريت؟ ثمّ إنّ ما نقرأه في هذه الكتب التي تعتبرها الكنيسة مقدسة لا "يشرّف " قارئيه، إذ فيه من الكذب والاحتيال ونداء إلى القتل والاحتلال والتشريد ما لا نزال نرى صداه حتى اليوم. وأخيرًا لماذا لا تكتفي الكنيسة بقراءة العهد الجديد؟ فعندما يجيء الكامل يزول الناقص (1 كور 13: 10). أمّا وقد جاء المسيح مكمّل الشريعة القديمة فما حاجتنا بعد إلى شريعة قديمة لا تصلح لأبناء الله.
إنّ الكنيسة ترى أنّ كل ما ورد في الكتاب المقدّس بعهدَيه القديم والجديد هو كلام الله. فكما كلّم الله آباءنا بلسان الأنبياء كلّمنا نحن بلسان ابنه. هي كلمة الله ذاتها تأتي إلى العالم بطريقة تدريجية، تتكيف بحسب استعدادات قلب العالم لتقبّلها. هي كلمة الله تدخل تاريخ الكون فتنطق بالإنسان من عالم الخطيئة والبغض والقتل والحرب إلى عالم النعمة والمحبة والتفاهم والسلام. وهذا ما يصوّره لنا العهد القديم، من آدم الذي يثور على ربّه إلى قايين الذي يقتل أخاه، إلى لامك الذي لا يعرف لشريعة الثأر والانتقام حدودًا، إلى منطق الإفناء والتهجير والتدمير... هذه القصة ليست قصة شعب وحسب بل هي قصة كل الشعوب، قصة كل البشرية، وقد لخّصها القدّيس بولس في رسالته إلى الرومانيين (5: 12- 17): "فكما أنّ الخطيئة دخلت العالم على يد إنسان واحد، وبالخطيئة دخل الموت، فكذلك سرى الموت إلى جميع الناس لأنّهم جميعًا خطئوا... فإذا كانت جماعة كثيرة قد ماتت بزلّة إنسان واحد، فكم بالأولى تفيض على جماعة كثيرة نعمة الله الموهوبة بإنسان واحد، ألا وهو يسوع المسيح... فماذا كان الموت قد ساد بزلّة إنسان واحد، فكم بالأولى تفيض على الناس نعمة الله بيسوع المسيح ".
إذا كان العهد الجديد هو عهد البر والعهد الجديد هو عهد الخطيئة، فكيف نعرف أنّنا تبرّرنا إن لم نعرف أنّنا خطئنا؟ والقديس يوحنا يقول لنا في رسالته الأولى (8:1- 9): "إذا زعمنا أننا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا ولم نكن على الحق. وإذا اعترفنا بخطايانا فإنّه أمين عادل يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كل إثم ". نحن نتوق إلى العهد الجديد، إلى عهد البر والقداسة بيسوع المسيح، ولكنّ الواقع اليومي يدلّنا على أننا ما نزال خطأة نعيش بالكذب والغضب والخبث والشتيمة (كو 3: 8) مملوئين بأنواع الإثم والطمع والشر والحسد والتقتيل والخصام والمكر والفساد (روم 1: 29).
قصّة العهد القديم ليست قصّة سياسية تروي لنا التطور الحربي والسياسي والاجتماعي لشعب من الشعوب، بل قصّة دينية، قصّة محاولة الله لجمع البشرية كلّها في عيلة تعيش حوله في المحبّة. وهكذا عندما نقرأ قصة شعب الله نستطيع أن نقرأ قصّة كل شعب وقصّة كل البشرية لأنّ مخطط الله ما يزال يهدف إلى أن يجمع في المسيح كل شيء مما في السماوات وعلى الأرض (أف 1: 10).
والكنيسة التي تتقبّل هذه الكتب على أنّها كلام الله، لا يجوز لها أن تحتفظ منها بالبعض وتحذف البعض الآخر. فلقد قال المسيح: قبل أن تزول السماء والأرض لن تزول ياء أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء (مت 18:5). الكنيسة وكيلة على وديعة كلمة الله كل ما يطلب من الوكيل هو أن يكون أمينًا. لا شك في أنّ الكنيسة تعرف أن كلام الله يكمل في العهد الجديد، ولكنّها تنطلق من العهد القديم لأنّه تكلّم عن المسيح وترى في كل كلمات الكتاب صورة عن وجه المسيح.
فنحن قارئي العهد القديم نعلم أنّ كلام الله نزل على شعب اختاره، بالرغم من أنّه لم يكن أفضل الشعوب، ليحمل رسالة دينية هي تعليم عبادة الله الواحد والابتعاد بالناس عن الشرك وعبادة الأصنام وتعليم الناس حياة الأخوّة والمحبّة. فوضع حدًّا للثأر (السن بالسن والعين بالعين) منتظرًا أن يعلّمهم تجاوز المعصية (أم 19: 11) ورفض الجور والظلم وطلب الاهتمام بالغريب والفقير واليتيم والأرملة. في العهد القديم نقرأ ملخّص الشريعة وتعاليم الأنبياء: أحبب الرب إلهك بكل قلبك وبكل نفسك وبكل عقلك (تث 6: 5)، وأحبب قريبك حبّك لنفسك (لا 18:19).
ونعلم أيضاً أنّ شعب إسرائيل كما نعرفه اليوم لا يرتبط إلاّ باللحم والدم بشعب الله في العهد القديم. فمواعيد الله قد انتقلت إلى أبناء إبراهيم المؤمنين الذين وُلدوا لا من مشيئة لحم ودم بل من الله بالإيمان (يو 1 :13). كان دورهم أن يهيّئوا مجيء المسيح كلمة الله، ولكنّه جاء إلى خاصته وخاصته لم تعرفه (يو 1 : 11)، ولو عرفوه لما صلبوه هو رب المجد (1 كور 8:2). قتلوا الرب يسوع والأنبياء واضطهدوا الرسل (1 تس 2: 15) ليمنعوهم من تبشير سائر الأمم بما فيه خلاصهم. لذلك رذلهم الله وأخذ ملكوته منهم وسلّمه إلى شعب يعطي ثمرًا (مت 43:21). ولكن الارتباط الخارجي بديانة العهد الجديد لا يعني المؤمن من المقاومة حتى بذل الدم في مصارعة الخطيئة (عب 3:12)، لأنّ الذين ذاقوا الهبة السماوية وصاروا مشاركين في الروح القدس ثم سقطوا، يستحيل تجديدهم وإعادتهم إلى التوبة لأنهم يصلبون ابن الله ثانية لخسارتهم ويعرّضونه العار (عب 6: 4- 6). فالله قادر أن يصنع من الحجارة ابناء لإبراهيم، كل شجرة لا تعطي ثمرًا جيدًا تُقطع وتُرمى في النار (مت 9:3-10).
فالمؤمنون ليسوا أبناء هذا الشعب أو ذاك، ولا أبناء هذا البلد أو ذاك، ولا أبناء هذه القبيلة او تلك. ففي المسيح يسوع لا فرق بين يهودي وغير يهودي، بين عبد وحر، بين رجل وامرأة، فالكل واحد في المسيح. فإذا كنّا للمسيح فنحن إذًا نسل إبراهيم (غل 3: 28- 29)، لأنّ الله يبرّرنا. إنّنا نؤمن بيسوع المسيح (غل 2: 16) وهكذا ننال بالإيمان الروح الموعود (غل 14:3).
فإن كنّا نحن المؤمنين أبناء الله، فنحن مسؤولون عن كلامه الذي استودعه الكنيسة التي هي جسده. فالعهد القديم كالعهد الجديد وديعة في يد الكنيسة وينبوع تستقي منه لتعرف أكثر يسوع الذي انبأ به العهد القديم وتحدّث عنه العهد الجديد.


هـ- الكتب القانونية في العهد الجديد
كما أنّ شعب موسى عاش أجيالاً عديدة من كلام الله، يقرأه ويتأمّل فيه ويفسّره، قبل أن يحسّ بالحاجة إلى تحديد الكتب القانونية، كذلك عاش شعب المسيح من كتب العهد الجديد قبل أن يحسّ بالحاجة إلى تحديد الكتب التي تعدّ قانونية لأنّها من وحى الله وكُتبت بإلهام الروح القدس.
تُعلن الكنيسة أنّ عدد أسفار العهد الجديد سبعة وعشرون سفرًا: الأناجيل الأربعة، أعمال الرسل، رسائل القدّيس بولس، رسائل القدّيسين بطرس ويوحنا ويعقوب ويهوذا، وسفر الرؤيا. كيف انتهت الكنيسة إلى هذا العدد؟
نقول أوّلاً إنّ للكنيسة وحدها الحق والسلطة لتحكم إذا كان هذا الكتاب أو ذاك ملهَمًا أم لا. وبالتالي فالكتب التي قبلتها الكنيسة في قانونها هي وحدها إلهية مقدّسة وملهمة. ولقد قال القدّيس أغوسطينس إنّه يقبل الأناجيل من يد الكنيسة.
ونقول ثانيًا إنّ هناك مقاييس تثبت إلهام هذا الكتاب دون ذاك. فالكتب المقدّسة تُقرأ في الجماعة الليتورجية، ويجب أن يتفق تعليمها وتعليم الرسل، كما يجب أن يرجع أصلها إلى الرسل. ولكنّ هذه المقاييس تبقى غير كافية، والكلمة الفصل تبقى للكنيسة التي تسير على أنوار الروح القدس.
ونودّ أن نتوقف عند بعض المحطات التي أوصلتنا إلى تحديد قانون كتب العهد الجديد. كُتبت الأناجيل إلى كنائس محلية، ولكنّها ما عتّمت أن انتشرت في الكنائس المسيحية. فنرى إنجيل يوحنا الذي كتب في آسية الصغرى (تركيا اليوم) منتشرًا في كنيسة مصر وقد عُثر على جزء صغير منه مخطوطٍ على ورق البردي سنة 120. كما ان الأسقف بابياس (+125) عرف إنجيل متّى ومرقس ويوحنا. أمّا يوستينوس فيحدّثنا عن الأناجيل الأربعة، وقد جمعها طاطيانس السوريّ في إنجيل موحّد أسماه الدياتسارون، بين سنة 160 وسنة 170.
أمّا رسائل القدّيس بولس فقد أخذ المؤمنون يقرأونها باكرًا على غرار الأناجيل وسائر كتب العهد القديم (1 تس 27:5؛ كو 16:4). يكفينا أن نذكر رسالة بطرس الثانية (16:3) التي تقابل بين رسائل القديس بولس وسائر الكتب المقدّسة. أمّا آباء القرنين الأوّل والثاني فهم يوردون الاستشهادات العديدة من الأناجيل ورسائل القدّيس بولس، في رسالة برنابا وأغناطيوس الأنطاكي وبوليكربوس...
ولكن، أمام الخطر المحدق بتعليم المسيح، سيدافع الآباء عن عقيدة الكنيسة المتعلّقة بالكتب القانونية. وهذا الخطر جاء من مرقيون ذلك الفيلسوف الذي أنكر الطابع الإلهي على كتب العهد القديم، كما أنّه لم يحتفظ من العهد الجديد إلاّ بإنجيل القدّيس لوقا وببعض رسائل القدّيس بولس. فذكّره إيريناوس وترتليانس بالتقليد الذي تمارسه الكنيسة. وجاء الخطر أيضاً من مونتانوس وتبّاعه الذين أقحموا في العهد الجديد كتبًا تروي الوحي الذي جاءهم من الله، ناسين أنّ الوحي انتهى بموت آخر رسول من رسل المسيح. والخطر الثالث جاء من جماعات يهودية وغنوصية وغيرها كتبت أناجيل ورسائل ورؤى ابتداء من القرن الأوّل المسيحي. وهذا ما حدا الكنيسة على أن تحدد عدد الكتب المقدّسة التي تدخل في قانون العهد الجديد.
أمّا اللائحة الأولى فنقرأها في مخطوطة اكتشفها عالم في رومة سنة 1740 فعرفت باسمه، بقانون موراتوري. يحتوي هذا القانون على لائحة كتب العهد الجديد مع استبعاد بعض الكتب المنحولة التي اعتادت بعض الجماعات المسيحية أن تذكرها مع الكتب القانونية. ثمّ عبد لائحة عند إكلمنضوس الإسكندراني وأوريجانس، وأوسابيوس القيصري وإيرونيموس... ففي كنائس رومة كما في كنائس الإسكندرية وانطاكية، عرفت المسيحية لائحة قانون العهد الجديد وتراث كتبه في احتفالاتها الليتورجية وفسّرها الآباء للمؤمنين. 
أمّا النصوص الكنسية الرؤية فنقرأها في سينودس هيبونة (393) وقرطاجة (397 و 418) في أفريقيا، وفي مجمع القسطنطينية الثالث (680- 681، المسمّى ان ترولو أو في القاعة الملكية في الشرق). ويمكننا أن نعدّ رسالة البابا اينوشنسيوس الاول (405) إلى أسقف تولوز في فرنسا بمثابة وثيقة رؤية تعدّد كتب قانون العهد الجديد وتستبعد كل ما عداها. يقول: "اليك ملحقًا يدلّك على لائحة الكتب القانونية"، وبعد أن يوردها يتابع: "أما الكتب الباقية المنسوبة إلى يعقوب الصغير وبطرس وتوما وأندراوس فهي مرفوضة ومحرّمة". ويقول البابا جلاسيوس (492- 496): "إنّ هذه الكتب (المنحولة) وما شابها قد علّمها ودوّخها الهراطقة والمنشقّون وتبّاعهم. فنحن نرفض هذه الكتب ونستبعدها في كل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية الرسولية ونحرّمها مع كاتبيها". وعندما تعلن الكنيسة لائحة الكتب المقدّسة في مجمع فلورنسا (1442) والمجمع التريدنتيني (8 نيسان 1546) في إيطاليا، فهي تكتفي بأن تردّد اللائحة الرسمية مشدّدة على أنّ الله هو واضع العهد القديم والعهد الجديد، وأنّ الكتّاب الذين كتبوا إنّما فعلوا بإلهام الروح القدس. فمن لا يقبل هذا التعليم فليكن محرومًا.

و- الأناجيل المنحولة
إنّ الكنيسة التي حدّدت لائحة كتب العهد الجديد استبعدت كتبًا عديدة كإنجيل العبرانيين، وقد وصلنا منه بعض شذرات، وإنجيل الأبيونيين وإنجيل المصريين، وكلاهما من القرن الثاني. ونذكر أيضاً إنجيل بطرس وبرتلماوس وتوما ويعقوب...
وكذلك القول عن أعمال يوحنا وبطرس وبولس وتوما وهي كتب تودّ أن تجاري أعمال الرسل وفيها من الأخبار ما يذكّرنا بالقصَص الخيالي أكثر منه بالكتاب الديني. إنّها لا تصلح لأن تكون قاعدة الحياة وأساس قانون الايمان والبرهان عن العقيدة. ولقد وصلنا أيضاً رسالة ثالثة من القدّيس بولس إلى الكورنثيين، ورسالة إلى أهل اللاذقية، ومراسلات بين القدّيس بولس وسينيكا الفيلسوف الروماني، ورؤيا القدّيس بطرس والقدّيس بولس على غرار رؤيا القديس يوحنا. كل هذه الكتب المنحولة كان لها تأثير كبير على المحيط الشعبي الذي ظهرت وانتشرت فيه. ولكنّ الكنيسة بالسلطان المعطى لها من الله، استبعدت هذه الكتب من قانون العهد الجديد واعتبرتها مجرّد كتب تقوية في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى رأت فيها تعاليم الهراطقة والمبدعين الذين ينكرون بعضًا من حقائق الايمان. ونذكر هنا بعضًا من الأناجيل المنحولة لنعطي القارئ فكرة سريعة عنها: 
إنجيل الأبيونيين، أو إنجيل الرسل الاثني عشر، أخذه مسيحيو فلسطين المنشقّون عن الأناجيل الأربعة بعد أن حرّفوا نصوصها، فأنكروا لاهوت المسيح ولم يذكروا الحبل البتولي...
إنجيل يعقوب يتكلّم عن ميلاد مريم وطفولتها وعن ميلاد يسوع. يذكر كيف أنّ الله بشّر بها والديها الشيخين، وأنّها كُرست للرب بعمر الثلاث سنوات قبل أن يكل أمرَها رئيسُ الكهنة إلى رجل أرمل ليعتني بها ويحفظ بكارتها...
إنجيل توما هو قصّة تقوية من القرن الخامس. يُعالج طفولة يسوع ويذكر بعض العجائب الصبيانية التي يجترحها يسوع في صباه.
ونعطي كذلك بعض الأمثلة السريعة المأخوذة من هذه الأناجيل المنحولة لنرى كم هي بعيدة عن عمق الأناجيل القانونية. ففي الإنجيل المنسوب إلى متّى (القرن السادس) نرى العيلة المقدّسة ذاهبة إلى مصر ترافقها الحيوانات المفترسة لتحميها من كل خطر، كما نرى النخلة تحني أغصانها لتطعم العذراء وتفجّر الماء من جذورها لتسقي يوسف. تُرى إلى يتألّم يوسف ومريم مثل جميع الناس الذين هجروا أرضهم وبيتهم؟
والإنجيل العربي المكتوب في القرن السابع يذكر أنّ يسوع كان يصنع من التراب حيوانات وعصافير ثمّ يأمرها أن تسير أو تطير بعد أن يكون قد أطعمها وسقاها. فدهش رفاقه وأخبروا أهلهم، فنعوهم من مصاحبة هذا الساحر. ويذكر أيضاً أنّ يسوع كان سائرًا على الطريق مع القدّيس يوسف، فصدمه أحد الأولاد وأوقعه أرضًا. فقال له يسوع: "كما أوقعتني ستقع ولا تقوم". وفي الحال وقع الولد ومات. نترك للقارئ ان يحكم على هذه الأخبار وأمثالها!
أمّا الأعاجيب التي يذكرها إنجيل الطفولة الأرمني (القرن السادس) فهي لا تقلّ "صبيانية" عن التي ذكرناها. أوَ ننسى أنّ يسوع رفض أن يجترح العجائب إرضاء "لحشرية" هيرودس ( لو 23: 8) أو ليظهر براعته أمام الشعب، فيجعل من الحجر خبزًا، أو ينزل من على جناح الهيكل كما في مظّلة (مت 4: 1- 11)؟
مثل هذه الكتب لا تغذّي ايمان المؤمنين بل تُدغدغ مخيلتهم وتصوّراتهم وتجعلهم ينسون أنّ المسيح كان إنسانًا كجميع الناس فتعلّم القراءة والكتابة وجابه الصعوبات والألم والموت. أمّا إذا كانت هذه الكتب من وحي الهراطقة فهي تنكر أن يكون المسيح إلهًا أخلى ذاته وأخذ صورة العبد فصار شبيهًا لنا في كل شيء ما عدا الخطيئة. فهذه العقيدة الأساسية عند المسيحيين، أنّ المسيح كان إلهًا وإنسانًا بكل ما في هذه الكلمات من معنى، نقرأها في الأناجيل الأربعة كما تقرّبها الكنيسة، ولسنا بحاجة إلى أن تُفرض علينا أناجيل أخرى كُتبت في القرن الثالث عشر أو السادس عشر فجاءت محشوّة بالمغالطات والاكاذيب. فالكنيسة متيقّنة من أنّ الروح القدس حاضر فيها يدلّها على كلام الله ويعطيها فهمه فتوصله إلى المؤمنين وإلى كل البشر لا شك أنّ الكتب المقدّسة قديمة العهد، ولكنّ كلمة الله التي تحملها هذه الكتب هي معاصرة لكلّ واحد منا. والكتاب ما يزال يعلن: اليوم ان انتم سمعتم صوته (مز 7:94؛ عب 7:3)... فاليوم نحن نسمع كلام الله وكأنه يوجَّه إلينا للمرة الأولى.
عندما يجتمع المؤمنون في صلاة الليتورجيا، يستمعون إلى كلام الله تتلوه الكنيسة بطريقة علنية واحتفالية، فتجعل الحاضرين يشعرون شعورًا عميقًا بأن الله كلّمهم اليوم فسمعوا صوته من خلال أنبيائه في العهد القديم ومن خلال ابنه في تمام الزمان. هذا الكلام تقرأه الكنيسة في الكتب القانونية أكانت من العهد القديم أم العهد الجديد، فتغذي المؤمنين بكلام الله، آملةً أن تغذيها بسرّ القربان المقدس، بكلمة الله، بيسوع المسيح الذي تجسّد من أجلنا.
الفصل الخامس
ترجمات الكتاب المقدّس

لم يبقَ الكتاب المقدّس بعهدَيْه منحصرًا في النصوص الأصلية التي دوِّن فيها. دوِّنت الأسفار القانونية الأولى من التوراة في العبرية (وجزء بسيط جدًا في الأرامية). ووصلت إلينا الأسفار القانونية الثانية في اليونانية، أترجمت عن العبرية (كما هو واضح جدًّا في يشوع بن سيراخ الذي اكتشفنا ثلثَيْ نصّه في العبرية)، أم ألِفت مباشرة في اليونانية (كما هو الأمر بالنسبة إلى سفر الحكمة). وما عتَّمت التوراة أن نُقلت إلى اليونانية في السبعينة وغيرها من الترجمات، ونُقلت إلى الأرامية في ما يمسى "التراجيم"، ونقلت إلى اللاتينية في الشعبية أو فولغاتا، وإلى السريانية في البسيطة (أو فشيطتو) وإلى القبطية...
ودُوِّنت أسفار العهد الجديد في اليونانية إلى يصلنا شيئًا ممّا كتب متّى في الأرامية، كما يقول التقليد)، ونُقلت سريعًا إلى السريانية واللاتينية والقبطية والأرامية وسائر اللغات المعروفة ولا سيّمَا العربية.
وها نحن نطّلع على هذه الترجمات المختلفة.

أ- الترجمات اليونانية
1- السبعينية
سُمّيت هذه الترجمة بهذا الاسم بسبب عدد العلماء اليهود الذين طُلب منهم أن يقوموا بعمل النقل هذا. تقول أسطورة أرستيس إنّهم كانوا اثنين وسبعين عالمًا، وإنّ كل قبيلة من قبائل إسرائيل الاثنتي عشرة قدّمت ستّة علماء.
تمَّ نقل السبعينية في الإسكندرية كما يقول أرسطوبولس ورسالة أرستيس، وقد تُرجم البنتاتوكس (أو أسفار موسى الخمسة) في عهد بطيموس الثاني فيلدلفوس (285- 246) في منتصف القرن الثالث ق. م. ونُقلت الأسفار الأخرى مثل أشعيا في مصر في القرن الثاني ق. م. وقد يكون بعضها (مثل سفر الجامعة) قد نُقل في إسرائيل حسب تقليد اكيلا. وفي نهاية القرن الثاني ق. م. يُشير حفيد ابن سيراخ الذي أقام في مصر ونقل إلى اليونانية ما كتبه جدّه، إلى وجود ترجمة التوراة في اليونانية: الشريعة، الأنبياء، سائر الكتب. وفي بداية القرن الأوّل ب. م. يشهد فيلون الإسكندراني أنّ يهود مصر يذهبون كل سنة إلى جزيرة فاروس ليكرّموا المكان الذي فيه استضاء للمرّة الأولى نورُ الترجمة، وليشكروا الله على هذا الخير القديم والذي لا يزال جديدًا.
يقول بعض العلماء إنّه وُجد في مصر ترجمات يونانية متعددة للتوراة وإن النجاح الذي لقيته السبعينية قاد إلى استعمالها في الكنيسة الأولى. ولكن يجب أن نقرّ أننا إذا وضعنا جانبًا نقل أكيلا وسماك المتأخّر، فكلّ الأشكال اليونانية المعروفة هي إعادة نظر في ترجمة واحدة. وقال علماء آخرون: إنّ الناقلين حاولوا لا أن ينقلوا نقلاً حرفيًا، بل أن يتوسّعوا فيه على طريقة الترجوم. ولكن هذا الرأي يجب أن يعدَّل ويخفَّف بعد أن اكتُشفت مخطوطات عبرانية قديمة في مغاور قمران. فهذه النصوص تختلف عن النص الماسوري وتقترب من النص الذي نقرأه في السبعينية. فحين تختلف السبعينية عن النص الماسوري، فقد يكون النص العبري الذي نُقل عنه مختلفًا عن النص الماسوري.
منذ سقوط السامرة (722- 721) ودمار أورشليم (587 ق. م.)، بدأ اليهود ينتشرون في العالم. هذا ما نسميه واقع الشتات. وقد أقاموا في مصر منذ القرن الخامس، ولمّا جاء الإسكندر الكبير يسَّر لهم هذه الإقامة. وهكذا اتّصل اليهود بالعالم اليوناني الذي ينظر اليهم نظرة احتقار ممزوجة بالفضول، وأخذوا يتكلّمون لغتهم. من أجل هذا أحسّوا بالحاجة إلى ترجمة أسفارهم المقدّسة ليحيوا إيمانهم ويشرحوه لليونانيين. وهكذا كانت السبعينية التي عنت أوّلاً أسفار موسى الخمسة قبل أن تعني كل اسفار التوراة.
يبدو أنّ أولى الترجمات صُنعت لتلبّي حاجة ليتورجية أو دفاعية. ثمّ إنّه لم يكن في يد الناقلين القاموس والغراماطيق والفهرس لتجيء الترجمة متناسبة. ولكن مهما يكن من أمر، فمنذ القرن الأوّل ق. م.، كانت السبعينية في يد اليهود العاثشين في مصر أو في سائر عالم الشتات.
قد تكون السبعينية عملاً جماعيًا في ما يخصّ البنتاتوكس، ولكنّها كانت عملاً فرديًا في ما يخصّ سائر الأسفار، كما هو الأمر بالنسبة إلى يشوع بن سيراخ. ولكن ما عتّمت هذه الأسفار المترجمة أن ضُمَّت بعضُها إلى بعض واتّخذت طابعًا رسميًا لدى اليهود المتكلّمين باليونانية. وهكذا كان لليهود الهلينيّين توراة يونانية كما كان ليهود فلسطين توراة عبرية. وإذ يورد فيلون أسطورة أرستيس، يُبرز توافق السبعينية مع النص العبراني. قال: حين تعلّم العبرانيون اليونانية أو حين تعلّم اليونانيون العبرية وقرأوا النص قبلوا بهذين النصين (العبرية والسبعينية) وكرّموهما كشقيقتين أو بالأحرى كأنّهما شخص واحد. ولقد استعمل فيلون نفسه نص أسفار موسى الخمسة كما استعمل سائر النصوص كما جاءت في السبعينية. وهكذا استعمل السبعينية يهودُ الشتات كما استعملها يهود فلسطين الناطقون باليونانية. ويكفي أن نذكر في هذا المجال يوسيفوس المؤرّخ وكتَّاب العهد الجديد وبولسُ نفسه. ويقوله كل من يوستينوس وترتليانس إنّ اليهود استعملوها حتّى في مجامعهم. وانتقلت السبعينية من يد اليهود إلى يد المسيحيين.
ولكن منذ القرن الأوّل المسيحي، ترك اليهود السبعينية ولا سيّمَا بعد أن تبنّتها المسيحية الأولى، فأعادوا النظر فيها ليجعلوها مطابقة للأصل العبري، بل قاموا بترجمات جديدة ستحلّ محلّ السبعينية. وهكذا استُعملت ترجمة أكيلا أقلّه حتّى زمن الامبراطور يوستنيانس سنة 553.
أمّا في الجانب المسيحي، فلقد لقيت السبعينية كلّ اهتمام. وسوف يتأخّر المسيحيون ليجعلوا نص تيودوسيون يحلّ محلّ السبعينية في سفر دانيال وأيّوب (الذي بدا قصيرًا). وسيعمل أوريجانس على نص السبعينية، ويقابله بالنص العبري. كما أنّ لوقيانس الكاهن والشهيد الأنطاكي (+ 311- 312) نشر هو أيضاً نص السبعينية الذي سيعتمد عليه يوحنّا فم الذهب وتيودوريتس القورشي. وقام هاسيخيوس الكاهن المصري الذي توفّي خلال اضطهاد ديوكلاسيانس (303- 311) بنشر السبعينية مع نص العهد الجديد في اليونانية.
وانطلاقًا من هذه الكنوز، قامت المراكز المسيحية في قيصرية وأنطاكية بنشر نصوص السبعينية في العالم المسيحي. وقد طلب الامبراطور قسطنطين (+ 337) من أوسابيوس القيصري خمسين توراة ليوزّعها على كنائس عاصمته الجديدة، القسطنطينية. وطلب الامبراطور كونستانس (+ 350) الخدمة عينها من أتناسيوس أسقف الإسكندرية. وقد يكون المخطوط الفاتيكاني شاهدًا على مبادرة الإمبراطور هذه.
إنّ السبعينية ترجمة مهمّة. أوّلاً: إنّها تمثّل نصًا عبرًيا للتوراة سابقًا للنص الماسوري. ولهذا فهي تساعدنا على ضبط النص الأصلي لأسفار عديدة من العهد القديم. ثانيًا: استعملها الرسل وكتّاب العهد الجديد، فجاءت كلماتها كشهادات رسولية وأسسٍ للإيمان المسيحي. ثالثًا: دوِّنت السبعينية في اللغة اليونانية الشائعة وهي اللغة التي دون فيها العهد الجديد، فساعدنا نصّها على فهم عبارات العهد الجديد. رابعًا: أورد آباء الكنيسة اليونانية السبعينية وشرحوا نصوصها، فلم يعرفوا غيرها توراة يهودية. خامسًا: نُقلت عن السبعينية أقدم النصوص اللاتينية التي استعملها أوّل الآباء اللاتينيون، فاستعملوا بطريقة غير مباشرة التوراة اليونانية. سادسًا: كانت السبعينية (بجانب العبرّية) النموذج الذي انطلق منه العلماء لينقلوا التوراة إلى ترجمات سريانية وقبطية وحبشية وجيورجية وعربية...

2- أكيلا
إنّه وثني مولود في سينوفيس على البحر الأسود. وقد عاش على أيّام الإمبراطور أدريانس (117- 138) الذي سمح له أن يقيم في اورشليم. إهتدى أكيلا إلى المسيحية قبل أن يعود إلى اليهودية، وتتلمذ إمّا لرابي اليعازر ورابي يشوع، وإمّا لرابي عقيبة. قال بعض العلماء: إنّ أكيلا هو اونكيلوس صاحب ترجوم حرفي لأسفار موسى، ولكنّ القول لم يزل موضع جدال.
بم يتميّز نقل التوراة لأكيلا الذي تم في السنة 128- 129؟ كل كلمة في العبرانية تقابلها كلمة واحدة في اليونانية، وهي هي لا تتبدل في كل النصوص. ولكن نتيجة هذه الطريقة الحرفية هي انعدام كل أسلوب إنشائي بل أخطاء نحوية. أمّا طرق الترجمة التي استعملها أكيلا فهي تدل على أنّ عمله يرتبط بمبادئ التأويل المعمول بها لدى الرابانيين في فلسطين في القرن الثاني ولا سيّمَا عقيبة. بالإضافة إلى هذا، نجد لدى أكيلا آثار حرب ضد المسيحية. ونعطي مثلين على ذلك. فكلمة مسيح تقابلها كلمة كرستوس في اليونانية. أمّا أكيلا فأحلّ محلّ "كرستوس" كلمة "الايمنوس" (أي الشفوق). واستعمل في أش 14:7 كلمة "صبية" لا "عذراء" ليزيل كل ما فيه تلميح إلى بتولية مريم كما يراها المسيحيون في هذا المقطع.
لقد كان تأثير ترجمة أكيلا كبيرًا لدى اليهود، فحلّت محلّ السبعينية التي لبست طابعًا مسيحيًا. وهكذا لعبت دور ترجوم أونكيلوس وترجوم يوناتان لدى اليهود الناطقين باللغة الأرامية. وقد استعملت في المجامع اليونانية حتّى زمن يوستنيانس، ولقيت تقديرًا لدى أوريجانس وإيرونيموس بسبب حرفيتها.
بقي لنا مقاطع من هذه الترجمة: في مخبأ القاهرة (1 مل 7:20- 17؛ 2 مل 23: 11- 17 ؛ مقاطع من مز 90 :17- 103 : 17؛ توسعات أم 17 : 16- 3:19). في بردية مصرية تعود إلى نهاية القرن الثالث (تك 1: 1- 5)، وفي هكسبلة اوريجانس (أورد أوريجانس نص أكيلا في العمود الثالث) وعند آباء الكنيسة (ولا سيّمَا أوسابيوس القيصري وتيودوريتس القورشي) وفي السلسلات التأويلية. ويبدو أنّ نص السبعينية في سفر الجامعة هو نص أكيلا، وأنّ الهكسبلة السريانية احتفظت في الهامش بمقاطع من ترجمة أكيلا، وحذت حذوها الترجمة الأرمنية.

3- تيودوسيون
قد يكون تيودوسيون عاش في عهد الامبراطور كومودوس (180- 192)، ووُلد في البنطس أو في أفسس، واعتنق شيعة مرقيونية (أو كان من الابيونيين) قبل أن يصير يهوديًا. ثمّ إنّ المراجع القديمة تعتبر أنّ تيودوسيون جاء بعد أكيلا. ولكنّ العلماء بدأوا يقولون إنّه سبق أكيلا وانضمّ إلى مجموعة قامت في القرن الأوّل المسيحي بترجمة جديدة للتوراة إلى اليونانية. وقد يكون تيودوسيون تلميذ هيلل وهو نفسه يوناتان بن عزيئيل الذي عاش حوالي السنوات 30- 50 ودوَّن الترجوم الأرامي للأنبياء.
لا نستطيع أن نؤكّد أنّ تيودوسيون نقل التوراة العبرية كلّها. ثمّ وإنّ قاسم تيودوسيون أكيلا مبادئ الترجمة، إلاّ أنّ ما عمله لم يكن حرفيًا كعمل أكيلا. وهو يميل إلى ترك الكلمة كما هي، فلا يحاول أن يجد لها ما يقابلها في اليونانية.
لقد استُعملت ترجمة تيودوسيون في العالم المسيحي فزاحمت السبعينية، ووردت نصوص في العهد الجديد قريبة ممّا نجده فيها. أمّا أوريجانس فاعتاد أن يملأ فراغ السبعينية (العمود الخامس) بالنسبة إلى العبرية (العمود الأوّل) بترجمة تيودوسيون (العمود السادس).
يبدو أنّ نص تيودوسيون قد ضاع، ما عدا سفر دانيال الذي حل محل النص السبعيني (الذي نجده اليوم في بردية من القرن الثاني أو الثالث وفي كودكس شيسيانس). ولكن احتفظت لنا هكسبلة أوريجانس ببعض النتف موزّعة في هوامش بعض المخطوطات أو في التفاسير أو في السلسلات التأويلية. وقد وُجدت مقاطع تيودوسيون إمّا في العمود السادس (المحفوظ لتيودوسيون) وإمّا في العمود الخامس (ليحلّ محلّ السبعينية وقد أشار اليها أوريجانس بنجيمة) من الهكسبلة. وقد استفاد منها أوريجانس ليغني نص أيوب والأمثال وأشعيا وإرميا وحزقيال. وأخيرًا نجد مقاطع لتيودوسيون في هامش الهكسبلة السريانية والترجمة الأرمنية.

4- سيماك
قالت بعض المراجع القديمة إنّ سماك كان من الأبيونيين (جماعة مسيحية متهوّدة أقامت في شرقي الأردن). وإنّ ترجمته هي التي أخذ بها الأبيونيون. ولكنّ هذا القول لا يصح، وترجمة سيماك تتضمن أسفار الأنبياء التي يرفضها القانون الأبيوني. وهكذا يبدو أنّ سماك هو سامري ارتد إلى الديانة اليهودية وخُتن حوالي سنة 150. كان تلميذ رابي مئير الذي كان تلميذ رابي عقيبة. قد يكون هو سومكوس بن يوسف المذكور في التقليد، وقد تعود ترجمته إلى سنة 165 أو إلى ما بعد هذا الوقت.
ما يميّز ترجمة سيماك هو قيمتها الأدبية الرفيعة. لقد وجّهها إلى قارئين يتقنون اليونانية ولا يعرفون العبرية، فأزال كل التعابير العبرية التي استعملها أكيلا وتيودوسيون ولا سيّمَا حرف العطف.
لاقت ترجمة سماك كلَّ تقدير لدى المفسّرين اليهود بسبب أسلوبها اليوناني الرفيع. وقد انطلق منها أوسابيوس القيصري ليؤسّس عليها نظرة كشف الحقيقة الإلهية كشفًا متدرّجًا: جاءت السبعينية قبل المسيح فأخفت بعض حقائق ستكشفها ترجمة سيماك لأنّها جاءت بعد المسيح. قرأ المسيحيون ترجمة سيماك وقرأها أيضاً يهود الشتات الذين استعملوها في مصر حتى بداية القرن الرابع.
لم يبق لنا من ترجمة سيماك إلاّ قطعتان (في رق) تعودان إلى القرن الثالث أو الرابع، وقد وُجدتا في الفيوم في مصر إنّهما تتضمنان مز 68: 13- 14، 30-33؛ 80: 11- 14. أمّا ما تبقّى من مقاطع ترجمة سيماك فنجده نتفًا في هكسبلة أوريجانس أو في مخطوطات العهد القديم التي ترافقها هوامش، أو في التفاسير (ولا سيّمَا تفسير أشعيا لأوسابيوس القيصري)، أو في السلسلات التأويلية اليونانية. وقد وُجدت مقاطع لسيماك نقلت إلى السريانية (في الهكسبلة السريانية) أو إلى الأرمنية (في المخطوطات).

5- ترجمات متنوعة
أوّلاً: الخامسة أو الترجمة اليونانية الخامسة. ترجمة مغفلة اكتشفها أوريجانس في نيكوبوليس قرب أكسيوم (في اليونان) وأدخلها في العمود السابع (عمود إضافي) من الهكسبلة. ما مدى اتساع هذه الترجمة؟ يقول أوسابيوس القيصري إنّها لم تقتصر على المزامير، بل تضمّنت كل أسفار التوراة. ولكنّ العلماء يرفضون هذا القول، ويعتبرون أنّ الترجمة الخامسة لم تتضمّن أسفار موسى الخمسة. لا شكّ في أنّها نَقلت المزامير وأيّوب ونشيد الأناشيد والأنبياء وصموئيل والملوك. نُقلت الترجمة الخامسة في فلسطين في القرن الأوّل المسيحي، فجاءت قريبة من ترجمة تيودوسيون (مع تأثير الرابانيين) وسابقة لأكيلا. وُجدت مقاطع عديدة ولا سيّمَا رقّ اكتُشف سنة 1952 في نحل حبر (في إسرائيل) وتضمّن نص الأنبياء الصغار. ونشير أخيرًا إلى أنّ يوستينوس يورد نصوصًا من هذه الترجمة في حواره مع تريفون اليهودي.
ثانيا: السادسة أو الترجمة اليونانية السادسة. هي ترجمة مغفلة وجدت في جرة قرب أريحا. أدخلها أوريجانس في الهكسبلة بعد الترجمة الخامسة، وجعلها في عمود إضافي آخر (هو الثامن). يُعلن أوسابيوس أنّها تضمّنت المزامير، وايرونيموس أنّها تضمّنت الأنبياء الصغار. وهناك نصوص من نشيد الأناشيد وأيوب والخروج. لم يبقَ لنا من هذه الترجمة إلاَّ نتف في هكسبلة أوريجانس.
ثالثًا: السابعة أو الترجمة اليونانية السابعة. تحدّث عنها إيرونيموس وذكرها في معرض حديثه عن أيّوب والمزامير والمراثي ونشيد الأناشيد. لا تذكرها الهكسبلة. أمّا المراجع القديمة فتتحدّث عن "تفسير سابع" يعتبره لوقيانس الأنطاكي نسخة من نسخ السبعينية. 
رابعًا: العبراني. تدلّ هذه التسمية تارة على النصّ العبري للتوراة (العمود الأوّل في الهكسبلة)، وطورًا على نسخ هذا النص في حرف يوناني (كما هو الحال للكرشوني بالنسبة إلى اللغة العربية)، وطورًا ترجمة. وهذه الترجمة مؤكَّدة لأسفار التكوين والخروج وحزقيال وإرميا وأشعيا ودانيال وأيّوب. ليست هذه ترجمة أكيلا. ولهذا يبقى علينا أن نتعرّف إلى صاحب هذه الترجمة. ونشير هنا إلى أنّ كلمة "العبراني" عند أوريجانس تدلّ على المعلّم العبراني الذي عاشر في الإسكندرية والذي كان يهوديًا اهتدى إلى المسيحية.
خامسًا: السوري. يشير الشرّاح اليونانيون إلى النص السوري الذي نمتلك منه مقاطع لأسفار التكوين والخروج وصموئيل والملوك وأشعيا وإرميا وحزقيال والأنبياء الاثني عشر والمزامير والمراثي. فمن هو هذا السوري؟ بعضهم يظنّ أنّنا أمام نص البسيطة الذي انتقل شفهيًا. والبعض الآخر يظنّ أنّنا أمام سوفرونيوس السوري الذي ترجم إلى اليونانية بعض مقاطع الفولغاتا (الشعبية اللاتينية). ولكن بعض العلماء يعتبرون أن السوري هو مترجم مغفل عمل بعد السنة 330 منطلقًا من العبرية لا من السريانية.
سادسًا: السامري: نجد في الهكسبلة لفظة السامري التي هي خاصّة بالنتاتوكس. وهي تعني حسب البعض البنتاتوكس السامري المنقول إلى اليونانية، وحسب البعض الآخر الترجوم السامري للبنتاتوكس كما نُقل إلى اليونانية. هل نحن أمام شروح أم أمام ترجمة كاملة؟ يبدو أنّنا أمام ترجمة كاملة بدليل ما نجد في بردية أنطينوبوليس التي تضم تك 3:37- 4، 8- 3، وتث 24- 29 (مع بعض فجوات)، وكتابة يونانية وعبرية في مجمع سامري في تسالونيكي مع النص اليوناني لسفر العدد 6: 22- 27. فهذه المقاطع لا توافق ما نجده في السبعينية بل هي قريبة من البنتاتوكس السامري.
سابعًا: يوسيفوس: نُسبت مقاطع إلى يوسيفوس في بعض أسفار العهد القديم (يش، 1 صم، 2 صم، 1 مل، 2 مل، مز، إر). لسنا أمام المؤرخ فلافيوس يوسيفوس، بل أمام مترجم سوري يوناني عمل في بداية القرن الخامس. لا يذكره ايرونيموس ولكن تيودوريتوس يعرفه. أمّا ترجمته فتأثّرة بالفولغاتا أو أقلّه بالتقليد التأويلي الذي ألهم ترجمة الفولغاتا. فتكون هذه الترجمة لا إعادة نظر في السبعينية، بل ترجمة جديدة للنص العبري تتميّز ببعض الحريّة وبأسلوب أدبي رفيع.

6- هكسبلة أوريجانس
الهكسبلة عمل جبّار قام به أوريجانس اللاهوتي الكبير والمؤّول الإسكندراني الذي وُلد حوالي سنة 185 وتوفي بعد سنة 251. بدأ عمله في الإسكندرية قبل سنة 220 وأتمّه بعد سنة 245 في قيصرية. وهكذا يكون قضى ثلاثين سنة في هذا العمل مع الأشخاص الذين عاونوه. بدت هذه التوراة المسدَّسة ازائية في ستة عواميد تسير من الشمال إلى اليمين. في العمود الأوّل: نص التوراة العبري في حروف عبرية. في العمود الثاني: النص العبري في حروف يونانية. العمود الثالث: ترجمة أكيلا اليونانية. العمود الرابع: ترجمة سيماك اليونانية. العمود الخامس: السبعينية. العمود السادس: ترجمة تيودوسيون اليونانية. وحين وصل اوريجانس إلى المزامير زاد عمودين إضافيين للترجمة الخامسة والترجمة السادسة اللتين تحدّثتا عنهما. ولمّا وصل إلى الأنبياء وأيّوب ونشيد الأناشيد وصموئيل والملوك، زاد عمودًا إضافيًا للترجمة الخامسة.
لم يصل إلينا العمود الأوّل (النص العبري المكتوب بالعبرية)، بل بعض نتف من العمود الثاني وهو يدلّنا على الطريقة السامرية في لفظ العبرية في منتصف القرن الثالث. أمّا ترجمة أكيلا (العمود الثالث) فهي مثال الترجمة الترسيمية (الكلمة اليونانية تقابل الكلمة العبرانية) التي تلتصق بالأصل بحرفية مطلقة. نذكر أنّ صاحبها عاش في أيّام أدريانس وقام بها بناء على أمر من رابي عقيبة. العمود الرابع يعطينا ترجمة سيماك الذي قد يكون سامريًا اهتدى إلى اليهودية وتتلمذ لدى رابي مئير. العمود السادس يعطينا ترجمة تيودوسيون الذي قد يكون يوناتان بن عزّيئيل وسلف أكيلا. أمّا العمود الخامس فيقدّم لنا بأمانة الترجمة السبعينية كما أخذت بها الكنيسة في ذلك الزمان. لقد اعتبر أوريجانس أنّ هذه الترجمة ملهمة، وجاراه في قوله بعض الآباء. وإذ أراد أن يقابل الترجمة اليونانية بالنص العبري، استعان باسلوب الغراماطيقيين الإسكندرانيين في نشر آثار هوميروس أو أرستركوس: أشار بعلامة إلى الزيادة، بنجيمة إلى النواقص. وحيث فُقد نص السبعينية وَضع نص تيودوسيون.
وهنا تُطرح الأسئلة. هل أراد أوريجانس أن يقدّم مرجعًا من أجل جداله مع اليهود أم أراد أن يصل إلى النص الأصلي؟ هل وُجدت قبل الهكسبلة إزائية يهودية تتضمن العبري (مكتوبًا في العبرية وفي اليونانية)، ونص أكيلا ونص سيماك؟ هل بدأ اوريجانس باربعة عواميد (أكيلا، تيودوسيون، السبعينية) في الإسكندرية، ثمّ زاد العمودين الإضافيين (الترجمة الخامسة والسادسة) في قيصرية؟ هل تضمّن العمود الأوّل نصًا مخترعًا أم أنّه وُجد حقًا، مع أنّنا لا نملك عنه أية شهادة في المخطوطات؟ لماذا كُتب النص العبري بالحرف اليوناني؟
حُفظت الهكسبلة في مكتبة قيصرية فلسطين، وقد عاد إليها هناك آباء يونانيون ولاتينيون عديدون (مثلاً: إيرونيموس). ولكنّها فُقدت إبّان الغزو العربي في السنوات 630- 640. وهكذا لم يبق منها إلا نتف حُفظت في بعض المخطوطات. ونحن نستطع أن نزيد عليها بعض الإيرادات نجدها لدى الآباء أو في السلسلات التأويلية.

ب- الترجمات اللاتينية
1- الترجمة اللاتينية العتيقة
أوّلاً: الترجمة الافريقيانية الأولى: كتب بولس في اليونانية إلى أهل رومة، ففهم أهل رومة لغة كان يعرفها العبيد والأشراف معًا. ولكن منذ القرن الثاني تكوّنت لدى المسيحيين لغة لاتينية استعادت عددًا من الألفاظ البيبلية، وتنوّعت حسب المراكز الجغرافية، وتألّفت تقاليد شفهية محلية في مقاطع معزولة، فأثّرت فيما بعد على انتشار أوّل ترجمةٍ مكتوبة. وإنّ إيرادات القدّيس قبريانس العديدة تشهد على أوّل بيبليا كاملة في قرطاجة قبل سنة 250. هناك مخطوطات للأناجيل تعود إلى القرن الرابع، ومخطوطات لسفر الحكمة ويشوع بن سيراخ اللذين نقرأهما في الفولغاتا. هذه الترجمة مطبوعة بالطابع الشعبي في نموذجها اليوناني (هو النص "الغربي" الذي عُرف أيضاً في سورية وفي مصر بحواشيه واقتباسه المقاطع المتوازية)، في ألفاظها، وفي طريقة الترجمة الحرفية. منذ سنة 180، نرى الشهداء يدلّون على تعلّقهم برسائل القديس بولس. وبعد هذا، سيُعتبر تسليمُ الأسفار المقدّسة خطيئةً كبرى يرفض الشهداء أن يقترفوها.
نبتت هذه البيبليا في أفريقيا، لا في رومة ولا في أنطاكية. ونبتت في محيط مسيحي، لا في محيط يهودي. قد يكون اليهود في أساس البنتاتوكس أو بعض الأسفار، وقد كانت بعض الجماعات اليهودية في أفريقيا تتكلم اللاتينية في زمن ترتليانس وما بعد. ولكن، وإن وُجدت ترجمات يهودية، فهذا لا يمنع المسيحيين من استعمالها. ولكن ارتبطت التوراة منذ البداية بالعهد الجديد، وهذا ما يؤكّد أنّ العهد القديم نبت في إطار مسيحي. ثمّ، إذا كانت الترجمة اللاتينية مأخوذة عن اليونانية، فهل يقبل بها اليهود؟ هذا أمر غير معقول. 
ثانيًا: المراجعات الأوروبية: منذ القرن الثالث، نجد لدى نوفاسيان في رومة أسلوبا بيبليًا يختلف عن أسلوب قرطاجة. فكل الآباء في أوروبا يبتعدون عن البيبليا الأفريقيانية، فيتبعون النسخات اليونانية المعروفة في الكنائس الشرقية. ولكنّهم ظلّوا حرفيين في ترجمتهم للنصوص. أمّا أين نجد نصوص الترجمة اللاتينية العتيقة؟ في إيرادات الأدب الآبائي، وحتّى في كتابات القرون الوسطى، في مخطوطات الترجمة اللاتينية العتيقة التي ظلّوا ينسخونها حتى القرن الثامن ضمنًا، في بيبليات تعود إلى أيّام كارلوس الكبير وتتضمن نصوصًا قديمة (اس، يه، 1 مك، 2 مك، با، أع) مقحمة في الفولغاتا، وفي كتب القراءات... وهكذا تكون الترجمة اللاتينية العتيقة مهمّة جدًا لأنّها البيبليا التي استعملها آباء الكنيسة اللاتينية. ثمّ، بما أنّها قريبة من السبعينية، فهي شاهد رئيسي في تاريخ السبعينية التي استعملها الآباء اليونانيون.

2- ترجمات إيرونيموس البيبلية
لا نخلط بين ما صنعه إيرونيموس وبين الفولغاتا. ولكن لا ننسى أنّ إيرونيموس يحتلّ مكانة لا تُضاهى في تاريخ الترجمات البيبلية اللاتينية. كان كاتبًا ومترجمًا، كان مؤّولاً ومتضلّعا من العبرية فانتشر عمله انتشارًا واسعًا. أمّا اختياره للنص العبري على حساب النص اليوناني، فقد عارضه فيه كثير الآباء.
ولد إيرونيموس قبل سنة 350 في منطقة أكيلايا (على بحر الأدرياتيك في إيطاليا)، ودرس الأدب في رومة فبرع فيه. ولكن المثال الرهباني الشرقي اجتذبه فاعتزل بين سنة 375 وسنة 380 في انطاكية وفي خلقيس. هناك أتقن اليونانية والتأويل وانصبّ على العبرية.
حين أقام في روما (382- 385)، أعاد النظر في الأناجيل اللاتينية منطلقًا من نموذج أوروبي، كما راجع سفر المزامير. وفي بيت لحم، بدأ ايرونيموس (بعد سنة 387) بترجمة نص السبعينية الموجود في هكسبلة أوريجانس إلى اللاتينية. نشر سفر المزامير الذي استعملته بلاد غاليا (أي فرنسا) ودخل في الفولغاتا. كما نشر ترجمة أيّوب والأمثال ونشيد الأناشيد والجامعة وأخبار الأيّام. واستعان إيرونيموس بترجمتَي أكيلا وسماك اللتين قرأهما في الهكسبلة، وبدأ بترجمة التوراة عن العبرية بادئًا بسفر المزامير. بعدها، إنتقل إلى الأنبياء ودانيال مع الإضافات اليونانية (390- 392)، وعاد إلى أسفار صموئيل والملوك (392 - 393) وأيوب (قبل 394) وعزريا ونحميا (394). ثم ترجم أخبار الأيّام (395- 396)، وأسفار الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد (398)، واسفار موسى الخمسة (400)، واستير ويشوع بن نون والقضاة وراعوت. ونسي مبادئه فيما يخصّ التوراة اليونانية (أو الأسفار القانونية الثانية)، فنقل طوبيا ويهوديت مستندًا الى الترجمة اللاتينية العتيقة. 
ولكنّه لم يترجم اسفار ابن سيراخ والحكمة والمكابيين وباروك ورسالة ارميا كما نقرأها في الفولغاتا، لأنّه رفض أن يُدخلها في لائحة الأسفار القانونية. ويقرّ العلماء اليوم أنّه لم يراجع الرسائل البولسية والكاثوليكية، ولا سفر الأعمال ولا سفر الرؤيا. لقد تمّت إعادة النظر في أسفار العهد الجديد الموجودة في الفولغاتا في دوائر رومة البلاجية وعلى يد روفينوس السوري.
وتوفّي ايرونيموس ولم يجمع ما ترجمه في كتاب، فقام بالعمل اصحاب المكتبات، ودام الصراع طويلاً بين ترجمات إيرونيموس والترجمة اللاتينية العتيقة.

3- قبول ترجَمة إيرونيموس
مهما يكن من أمر الأناجيل التي لقيت ترحيبًا من البابا داماسيوس، فالترجمة عن العبرية لم تلقَ أي سند رسمي. فهي لم تأخذ مكانها في الليتورجيا أو التعليم الكنسي، بل في الجدال مع اليهود. وأوّل من استقبل هذه الترجمة كان البلاجيون (يشددون على المجهود البشري على حساب دور النعمة) الذين سبق لايرونيموس وعاداهم. ففي القرن السادس ما زال القدّيس عبد الأحد (بندكتوس) يلجأ في "قوانين المعلم" إلى اللاتينية العتيقة. أمّا كاسيودورس (عالم لاتيني من 490 إلى 585) فاستعمل نسخة من هكسبلة ايرونيموس ومخطوطًا لترجمته عن العبرية. أمّا النصّ الذي يستعمله عادة والذي تقرأه الكنيسة فهو اللاتينية العتيقة. ولكنّ كنيسة رومة استعملت نص إيرونيموس ونص اللاتينية العتيقة، كما يشهد بذلك غريغوريوس الكبير الذي يعتمد على نص إيرونيموس يمزجه بعناصر مأخوذة من اللاتينية العتيقة. وهذا ما تفعله كل المخطوطات منذ زمن بلاجيوس الذي هو معاصر لإيرونيموس. ولكن ما عتّم نص إيرونيموس أن فرض نفسه بسبب مكانته الأدبية. ولكنّ سفر المزامير المتجذّر في الممارسة الليتورجية ظل مقاومًا لكل تغيير. وهكذا احتفظت الكنائس العديدة (ومنها رومة) بزبورها المحلي. أمّا ترجمة إيرونيموس عن العبرية، فلم تدخل في الممارسة الليتورجية، فظّلت وقفًا على الباحثين. أمّا الزبور الذي نقله إيرونيموس عن نص أوريجانس (وهو أفضل النصوص اليونانية) فقد كان قريبًا من النصوص التقليدية، فتبنّته بلاد غاليا (أي فرنسا) في عهد كارلوس الكبير (شارلمان+ 814). مال النسّاخ في بادئ الأمر إلى تصحيح النصوص وزيادة الهوامش، ولكن جاءت المركزية الثقافيّة والكنسيّة فبدأت عملاً توحيديًا. فنُشر الزبور في تور وأورليان (في فرنسا)، ونُشر أيضاً في إسبانيا وإيطاليا (ميلانو ورومة). وسيأتي وقت تلعب باريس دورها فيتبارى الفرنسيسكان والدومينيكان لفرض نسخة اتّبعت مناهج النقد الحديث. فكان اتيان لنغتون (+ 1228)، ثم روجيه باكون (أكسفورد بانكلترا 1220- 1292) الذي كان أول من سمى بيبلية إيرونيموس فولغاتا أو الشعبية. وفي سنة 1452، دشّن غونتبرغ فن الطباعة في مايانس فنشر البيبليا اللاتينية في نص جامعة باريس.

ج- الترجمات الأرامية
1- التراجيم اليهودية
أوّلاً: الترجوم والمدراش
ان كلمة ترجوم (تلفظ ترغوم) الأرامية تعني حرفيا "النقل" و"التفسير". وهي تدل على ترجمة أرامية للتوراة تُستعمل في المجمع (أو الكنيس). فقَبْل المسيحية، أحس اليهود بالحاجة إلى أن يقرأوا، بعد التوراة العبرية، الترجوم الذي هو نقل وتفسير شفهي في الأرامية يهدف إلى أن يجعل الكلمة المكتوبة قريبة من السامعين. كان "الترجمان" ينقل النصّ المقدّس إلى لغة الشعب، ويدخل في لحمة ترجمته التوراتية عناصر تأويلية توجّه القارئ إلى فهم النص العبري المقروء. وانتقل الترجوم مدة طويلة بطريقة شفهية. وكان الأساسَ التفسيري التقليدي فينتقل بواسطة عبارات متحركة ويتكيّف ويتوسّع خلال عملية النقل.
أمّا التفسير المعمول به في الترجوم فيرتبط بالنشاط التأويلي اليهودي القديم الذي يسمّى "مدراش". فالمدراش يتوسل تقنية التفسيرة، فينطلق من المعنى الحرفي، ويدرس النص ويتفحّصه ليستخرج منه ما يحمل من معاني. يدرسه بالقياس مع مقاطع بيبلية أخرى أو في علاقته بأفكار دينية حديثة في العالم اليهودي. ولكن لم يمارَس النشاط المدراشي فقط على مستوى الترجوم الذي يقوم بترجمة النص وتفسيره. فالمدراش نَقل مجموعةً من التقاليد، وهي أخبار تعيد كتابة أحداث بيبلية، ومجموعة تفاسير وضعت بجانب الآيات الكتابية، والوعظ والإرشاد. والحال أنّ الرباطات بين الترجوم وعالم المدراش متشعّبة. وهكذا يقتبس "الترجمان" تقاليد من النشاط المدراشي ويجعلها في ترجمة التوراة. هناك تقاليد قديمة وأخرى حديثة. والتداخل بين الترجوم وتفاسير الرابانيين أمر طبيعي إذا عرفنا أن الترجمة المقروءة في المجمع ترتبط بالمدرسة. من جهة، يتثقف الترجمان ليقوم بوظيفته فيسير حسب التقليد ويؤّون النص التوراتي. ومن جهة ثانية كان الترجوم الذي يُتلى في المجمع يعود كمادة درس يتعمق فيه الطلاّب بقيادة المعلّم.

ثانيًا: تراجيم البنتاتوكس
وصلت الينا عدة نسخات لترجوم البنتاتوكس. ثلاثة منها وصلت إلينا كاملة وأخرى وصلت إلينا مقاطع ونتفًا.
الأوّل: ترجوم يوناتان المزعوم (أو ترجوم أورشليم الأول) سمّي كذلك لأنه نُسب خطأ إلى يوناتان بن عزيئيل صاحب ترجوم الانبياء المفترض. يتوسع هذا الترجوم في نص التوراة توسعًا كبيرًا، فيصبح نصّه ضعف نصّ التوراة. حصلت اللمسات في نصّه في القرن الثامن، وهو يتضمّن اجمالات لأخبار مدراشية. ولكن الزيادات الحديثة ترافق التفاسير القديمة جدا. حُفظ لنا هذا الترجوم في النشرة الرئيسية التي طُبعت في البندقية سنة 1591، وفي مخطوط من المكتبة البريطانية (27031) يعود إلى القرن السادس عشر 
الثاني: ترجوم الكودكس نيوفيتي (وجد في معهد المعمّدين الجدد "نيوفيتي " الذي أسّسه غريغوريوس الثالث عشر سنة 1574). نُسخ سنة 1504 لحساب جيل ده فيتارب، على يد ثلاثة خطّاطين. واكتُشف سنة 1956. يعود النصّ الأساسي لهذا الترجوم إلى القرن الثاني والثالث، ولكنّ الرابانيين صحَّحوا بعض الأمور فيما بعد. وما يميّزه هو الملاحظات الموضوعة في الهوامش أو بين السطور.
الثالث: ترجوم أونكيلوس. دوِّن في الأرامية الأدبية. أمّا الترجومان السابقان فدوِّنا في أرامية فلسطين المحلية. نسب التقليدُ هذا الترجوم إلى أكيلا، لأنّه يحاول أن يبقى قريبًا من النص الحرفي. لقد تمّ تدوين ترجوم أونكيلوس في وسط بابلي في القرن الرابع والقرن الخامس، ولكنّه كان في الواقع مراجعة لنصّ فلسطيني يعود إلى القرن الثاني. ولهذا، فتسمية هذا الترجوم "ترجوم بابل" تجعلنا ننسى أساس هذا الترجوم الذي يعود إلى محيط فلسطيني. لا شك في أنّ ترجوم اونكيلوس يتحاشى التوسّعات، ولكنه يدلّ على معرفته بالتفاسير الفلسطينية التقليدية ويشير إليها ببضع كلمات. لقد صار ترجوم أونكيلوس في اليهودية اللاحقة للتلمود، الترجوم الرسمي، فحلّ محلّ سائر النسخ. لا يزال يستعمل اليوم في المجامع التي تسير على الطقس اليمني.
بالإضافة إلى هذه النسخات الكاملة والملاحظات الهامشية في كودكس نيوفيتي، نملك مجموعة من المقاطع في نسخات فلسطينية سميت "ترجوم جزئي" (وقيل في الماضي، ترجوم أورشليم الثاني). نحن أمام اختيار لثمانمائة وخمسين آية أو نتف آية وُجدت في مخطوط باريسي (عبراني رقم 110) وفي مخطوط فاتيكاني (عبراني رقم 440). جعلت في بيبلية الرابانيين (البندقية سنة 1517) وفي بوليغلوتة (أي الكتاب المتعدد اللغات) لندن. ونُشير إلى مقاطع متبقيّة من سبع مخطوطات (بين القرن السابع والقرن الحادي عشر) وُجدت في مخبأ القاهرة.

ثالثًا: تراجيم الأنبياء
نتذكّر هنا أنّ "القانون " العبري يضمّ في فئة الأنبياء: اش، ار، حز، الاثنا عشر، يش، قض، 1 صم، 2 صم، 1 مل، 2 مل، ولكنّه يستبعد سفر دانيال.
لا نعرف ترجومًا كاملا للأنبياء، إلاّ في التدوين البابلي الموازي لترجوم اونكيلوس والذي صار مثله نسخة رؤية. إنّه ترجوم يوناتان. خُلط اسمه باسم يوناتان بن عزيئيل (تلميذ هيلل في القرن الأوّل المسيحي). تعود موادُ هذا الترجوم إلى عالم فلسطين، وقد أعيدت صياغتها في القرن الرابع أو القرن الخامس في وسط بابلي. أمّا الترجوم الفلسطيني على الأنبياء، الذي يتوسّع في الآيات توسّعًا كبيرًا، فلم يبقَ لنا منه إلاّ عدد قليل من المقاطع.

رابعًا: تراجيم الكتب
هناك ترجومات لسائر الكتب (ما عدا دا، عز، نح) وهي تتوسّع في النص الكتابي وتتضمّن أخبارًا مدراشية. عادت هذه التراجيم إلى فلسطين، فتضمّنت مواد قديمة، ولكنها أُلِّفت في زمن متأخر. نلاحظ في ترجوم المزامير عناصر قريبة من بعض التفاسير الكتابية في العهد الجديد. ونشير أخيرًا إلى أنّ أقسامًا من ترجوم أيّوب وُجدت في قمران وهي تختلف عما نقله إلينا التقليد اليهودي.

2- التراجيم السامرية
انطلق السامريون من ترجمتهم للبنتاتوكس، فقدّموا تراجيم أرامية متعددة، ولكن لم يتوصل أي ترجوم أن يفرض نفسه. إقتصر تأثير هذه التراجيم على السامريين وحدهم، وظلت في الاستعمال حتّى القرن السابع عشر، هذا مع العلم أن السامريين لم يعودوا يتكلّمون الأرامية بعد الفتح العربي (القرن السابع) بزمن قصير.

3- الترجمة السورية الفلسطينية للملكيّين.
إنّها ترجمة العهد القديم والعهد الجديد. كُتبت بحروف سريانية ولكنّها ألّفت في لهجة أرامية "غربية". استعملها المسيحيون الفلسطينيون في العصور الأولى للمسيحية. لم ترَ هذه الترجمة الوجود قبل القرن الرابع، فعُرفت خصوصًا من خلال كتب القراءات الليتورجية وبعض المخطوطات البيبلية. يبدو أنّها نُقلت من أجل اليهود الفلسطينين الذين اهتدوا إلى المسيحية. أقدم مخطوطات هذه الترجمة هي طروس (الطرس هو رقّ مُسح ثمّ كُتب عليه ثانية) تعود إلى القرنين السادس والسابع. أمّا أحدث المخطوطات فتعود إلى القرن الثالث عشر يوم خسرت الترجمة علّة وجودها وأخذ الملكيون باللغة العربية في ليتورجيتهم. 
د- الترجمات السريانية
السريانية لهجة أراميّة شرقيّة نطق بها الناس في الرها حيث نجد كتابات منذ القرن الأوّل المسيحي، ثمّ صارت لغة المسيحيين في سورية وبلاد الرافدين. هناك السريانية الشرقيّة التي كانت لغة النساطرة على أيّام الساسانيين (الفرس) والأمويين والعباسيين، والتي انتشرت فوصلت إلى الصين وتركستان. وهناك السريانيّة الغربيّة التي استعملها اليعاقبة في المملكة البيزنطية فامتدّ تأثيرها حتى بلاد الحبشة.

1- الترجمة البسيطة (فشيطتو)
تعود التوراة البسيطة إلى القرن الثاني بل إلى القرن الأوّل ب. م. يورد نصوصها أفراهاط ويتحدّث أفرام عن قِدَمها. تضمّنت في البداية كل الأسفار القانونية لدى اليهود وقد نقلتها عن العبرية، كما تضمّنت الأسفار القانونية الثانية وقد نُقلت عن اليونانية.
تتضمّن المخطوطات الكاملة (مثل الأمبروسياني القرن السادس) كل أسفار العهد القديم (بما فيها القانونية الثانية) والعهد الجديد. وتتضمّن أيضا أسفارًا منحولة مثل رؤيا باروك، عزرا الرابع، سفرا المكابيين الثالث والرابع. في البداية، إتّبعت البسيطة الترتيب المعروف في العالم اليهودي. ثم تحوّل هذا الترتيب فصار أيّوب بعد أسفار البنتاتوكس. في القرن التاسع، قسم النساطرة التوراة أربعة اقسام: البنتاتوكس، كتاب الجلوس (أي، يش، قض، صم، مل، أم، سي، جا، نش، را)، الأنبياء (أش، الأثنا عشر، إر، حز، دا) كتاب الصباوي داود (مز).
كيف يبدو نص البسيطة؟ يتبع البنتاتوكس النصّ الماسوري اتّباعًا أمينًا ويتضمّن عناصر ترجومية. نجد في أشعيا والاثني عشر والمزامير عناصر خاصّة بالسبعينيّة. تتوسّع الترجمة في نص راعوت، وتكون قريبة من الأصل الماسوري في 1 صم، 2 صم، وتنقل أيّوب نقلاً حرفيًا، وتطبع كتاب الأخبار بطابع ترجومي. يبدو أنّ ترجوم الأمثال الأرامي قد استعان بنص البسيطة، كما أنّ ابن سيراخ تُرجم عن العبرية لا عن اليونانية.
ماذا يقول السريان عن أصل البسيطة؟ يُرجع إيشو عداد المروزي (حوالي 852) ترجمة البسيطة إلى أيّام سليمان، ويقول تقليد آخر إنّ الكاهن عزرا الذي أرسله إلى السامرة الملكُ الأشوري، قد نقل الكتب المقدّسة. ويعلن موسى بركيفا ويعقوب الرهاوي أن التوراة تُرجمت من العبرانية إلى السريانية بواسطة أداي ورفاقه في أيّام الملك أبجر وفي بداية المسيحية. واستند ابن العبري إلى أوسابيوس، فأكّد أنّ أوريجانس اكتشف التوراة السريانية عند أرملة في أريحا. هذه التقاليد لا يمكن الاعتماد عليها بصورة أكيدة، ولكنّها تتفق على نقطتين. الأولى: نبتت بسيطة التوراة في فلسطين. والثانية: نُقلت البسيطة عن العبرية. ويذهب بعض العلماء إلى القول إنّ البسيطة تستند إلى ترجوم فلسطيني أرامي يعود إلى القرن الثاني. لا شكّ في أنّ هناك آثارًا ترجومية، ولكنّ تأثير النص الماسوري والنص السبعيني بارز أيضاً. ولقد فسّر العلماء تأثير السبعينية على البسيطة في أربعة وجوه. أوّلاً: كان النص الأساسي الذي استعمله السريان أقرب إلى السبعينية منه إلى الماسوري العبري. ثانيًا: اتّبع مترجمو السبعينية والبسيطة تقليدًا تأويليًا فلسطينيًا واحدًا. ثالثًا: راجع العلماء السريان (كان تقديرهم كبيرًا للعالم اليوناني) البسيطة على ضوء السبعينيّة. رابعًا: وضع المترجمون السريان النصّ العبري والنصّ السبعيني أمامهم حين قاموا بعملية النقل. وقد يكون التأثير اليوناني قليلاً على المترجمين ثم زاد مع الناسخين الذين استعانوا بالهكسبلة السريانية.
أثَّر الترجوم على البسيطة، وأثّرت عليها السبعينيّة. وأثّرت البسيطة بدورها على ترجوم الأمثال، على نسخة لوقيانوس الأنطاكي، على الترجمة الأرمنية، كما أثرت على ترجمات عربية عديدة.

2- الدياتساوون (أو من خلال أربعة أناجيل)
يبدو أنّ أقدم ترجمة للأناجيل هي الدياتسارون، وقد قام بها طاطيانس في النصف الثاني من القرن الثاني.
ولد طاطيانس في بلاد الأشوريين وكانت لغته الأصليّة السريانية، إلاّ أنّه أتقن اليونانية أيضاً. بعد أن سافر كثيرًا وصل إلى رومة كاتبًا وفيلسوفًا، واتّصل بالفيلسوف والمدافع المسيحي يوستينوس. وهناك اهتدى إلى المسيحية بتأثير من معلّمه، فكتب الخطبة إلى اليونانيين مودعًا فيها حكمة عمره المدنية. وبعد أن مات يوستينوس سنة 165، ظلّ طاطيانس بعض الوقت في رومة واتصل بجماعة المتعففين فاعتُبر هرطوقيًا. حينئذ عاد إلى بلاد الرافدين وأقام في بلاده سنة 172- 173.
ألّف طاطيانس تناسقًا إنجيليًا أي خبرًا تمتزج فيه النصوص الإنجيلية المختارة وتعرض الأحداث في لمحة متتابعة. اكتُشف نصّ يوناني في دورا أوروبوس فاعتبر العلماء أنّ الدياتسارون دوِّن في اليونانية. ولكنّ الصحيح هو أنّه دوّن في السريانية. ويبدو أنّ طاطيانس دوّن تناسقه الإنجيلي بعد عودته من رومة. فانتشر في العالم السرياني بحيث اعتبرت أسطورة أداي (حوالي سنة 300) أنّ الدياتسارون هو الإنجيل. وقال أفراهاط إنّ إنجيل ربّنا يبدأ بهذه الكلمات: في البدء كان الكلمة. تلك كانت بداية الدياتسارون الذي سيشرحه أفرام. هذا يعني أنّه كان يُتلى في الاجتماعات الليتورجية. وقد تأسّف تيودوريتس القورشي لأنّ الدياتسارون يُقرأ في الكنائس المستقيمة الرأي وكنائس الهراطقة. فوضع في الكنائس ما يزيد على 200 نسخة للأناجيل المنفصلة لتحلّ محلّ الدياتسارون. وكما حارب الدياتسارون تيودوريتس القورشي في غربي بلاد الرافدين، كذلك حاربه رابولا أسقف الرها (412- 435) في الشرق. فأمر الكهنة والشمامسة بأن يعملوا جهدهم ليكون في كل كنيسة الأناجيل المنفصلة وأن تُقرأ هذه الأناجيل لا الدياتسارون. ولكن النساطرة لم يسمعوا لرابولا، وسيظلّ اليعاقبة يملكون الدياتسارون حتى القرن الثالث عشر، وسينسخونه في الفارسية حتى سنة 1547.
ضاع نصّ الدياتسارون في السريانيّة، ولم يبق لنا منه إلاّ المقاطع التي ذكرها افرام في تفسيره. ولكنّه وُجد في العربية وقد نشره الآب مرمرجي الدومينيكاني منطلقًا من خمس مخطوطات معروفة (الفاتيكان: القرن الثاني عشر، الفاتيكان أيضاً: القرن الرابع عشر، بطريركية الأقباط في القاهرة: سنة 1795، حلب سنة 1797، المكتبة الشرقية في بيروت سنة 1332). ووُجد كاملاً في اللغة الفارسية، كما وُجدت مقاطع منه في الأرمنية وفي لغات أخرى.

3- الترجمات السريانية القديمة للعهد الجديد.
دخلت المسيحية باكرا إلى العالم السرياني. ويتحدّث التاريخ عن مار فقيدة الذي كان أوّل أسقف على مدينة أربيل من سنة 105 إلى سنة 115. وانتشرت المسيحية في حدياب وفي شرقي الفرات وغربيّه. فكان لا بد من ترجمة الأناجيل إلى السريانية. وقد بقيت لنا ترجمتان سابقتان للبسيطة: الترجمة الكيورتونية والترجمة السينائية.

أوّلاً: الترجمة الكيورتونية
اكتشف العالم الإنكليزي وليام كيورتون نصّ الأناجيل هذا في مخطوطة لندنية (14451) كانت في دير القدّيسة مريم أمّ الله في دير النطرون في مصر كُتبت المخطوطة في الاسطرنجيلي وهي تعود إلى القرن الخامس وتتضمن الإنجيل حسب الترتيب التالي: متّى، مرقس، يوحنّا، لوقا.

ثانيًا: الترجمة السينائية
سنة 1892 اكتشفت السيّد اغنيس سميت لاويس في مكتبة دير القدّيس كاترينة في جبل سيناء طرسًا يتضمن الأناجيل الأربعة. نقل الخطوط الراهبُ يوحنّا اسطونايا في دير معرّة نصرين (بين حلب وأنطاكية). يعود النصّ إلى القرن الرابع.

4- بسيطة العهد الجديد
بسيطة العهد الجديد هي النسخة الرحمية في الكنيسة السريانية منذ القرن الخامس. وهي تتضمّن كل أسفار العهد الجديد ما عدا 2 بط، 2 يو، 3 يو، يهو، رؤ، فتتبع اللائحة القانونية المعمول بها في أنطاكية في القرن الخامس. ونشير إلى أنّ نص يو 53:7- 8: 11 (عن الزانية) ونص لو 17:22- 18 غير موجودين. قال بعض العلماء: إنّ رابولا ترجم بسيطة العهد الجديد، وهو العالِم باليونانية، ونشَرها. فردّ آخرون أن هذا الكلام لا يصحّ، لا سيّمَا وإنّ العلماء السريان لا يذكرون هذا الأمر مع أنّ سيرة حياته معروفة. وهذا يعني أنّ البسيطة وُلدت قبل نهاية القرن الرابع وقبل الصراعات الكرستولوجية. وهذا يفسّر كيف انتشرت لدى المونوفيسيين ولدى النساطرة. وما يُثبت قدم البسيطة هو أنّ قانونها هو قانون أنطاكية السابق للقوانين الرسولية وتيودوريتس القورشي (423- 458). إذًا وُلدت البسيطة في القرن الرابع وعايشت الترجمة السريانية العتيقة ولم تفرض نفسها إلاّ بعد قرون عديدة. ساعدت السلطة الكنيسة على انتشارها، أمّا الرهبان ففضّلوا الأناجيل المنفصلة، وستبقى الترجمة العتيقة مستعملة في بعض الأوساط الكنسية حتّى القرن الثامن والقرن التاسع.

5- ترجمات البيبليا الحديثة إلى السريانية
ورغب السريان الغربيون في نص أكثر أمانة لليونانية، فخلقوا ترجمات جديدة، ولكنّها لم تحلّ محلّ البسيطة.

أوّلاً: الترجمة الفيلوكسينية
ترتبط بفيلوكسينس اسقف منبج (485- 523) الذي دعا الخوراسقف بوليكربوس إلى القيام بها. هي ترجمة جديدة انطلقت من اليونانية وحملت بعض أفكار فيلوكسينس. وتعود هذه الترجمة إلى سنة 507- 508 وقد تضمنت أسفار العهد الجديد التي تأخذ بها الكنيسة السريانية. ويبدو أنّ بوليكربوس ترجم أيضا العهد القديم ولا سيّمَا أشعيا والمزامير. 

ثانيًا: الترجمة الحرقلية
كان توما الحرقلي راهبًا لجأ إلى مصر خلال الاجتياح الفارسي للبلاد. وبعد هذا صار أسقفًا يعقوبيًا على منبج. فشرع سنة 616 في إعادة النظر في الترجمة الفيلوكسينية. استند إلى ثلاث مخطوطات يونانية للأناجيل، وإلى مخطوطة واحدة لسفر الأعمال وللرسائل البولسية والكاثوليكية. جاء نصّه حرفيًا ومزودًا بالحواشي التي تشير إلى اختلافات في النصّ اليوناني.

ثالثًا: الهكسبلة السريانية
الهكسبلة السريانية هي ترجمة العمود الخامس من هكسبلة أوريجانس. قام بها بولس مطران تل موزلت حين لجأ إلى الإسكندرية خوفًا من الاجتياح الفارسي. عمل بولس مع فريق من المترجمين منهم الشماس توما، وانتهى من العمل سنة 616- 0617 الترجمة حرفيّة وهي تستعيد علامات موجودة عند أوريجانس. قد يكون بولس استعمل الخطوط الأصلي المحفوظ في قيصرية، أو نسخة منه موجودة في الإسكندرية. وقال بعض العلماء: إنّ بولس استعمل مخطوطات عديدة. كما أنّه جعل في الهامش نصوصًا من أكيلا وسماك وتيودوسيون.

رابعًا: ترجمة يعقوب الرهاوي
راجعَ العالِم الكبير يعقوب الرهاوي نص الهكسبلة السريانية حوالي السنة 705 ونص البسيطة ليقدّم لنا نصًا موحّدًا. وقد استعان أيضاً بمخطوطات من السبعينية تعكس نص لوقيانوس الأنطاكي.

هـ- ترجمات شرقية أخرى 
1- الترجمات القبطية
انتشرت اليونانية في مصر منذ البطالسة إلى الفتح العربي، ولكنّ اللغة القبطية (المتفرّعة من اللغة المصرية القديمة والتي كتبت بحرف يوناني) ظلّت مسيطرة في الريف. لهذا برزت الحاجة إلى ترجمات بيبلية في السنوات 150- 200.

أوّلاً: الترجمة الصعيدية
تُرجمت البيبليا للمرة الأولى إلى اللهجة الصعيدية، لغة الصعيد. استندت إلى السبعينية واقتبست كلمات يونانية عديدة، كما استندت إلى نص العهد الجديد المصري في نسخته "الغربية" وسيعاد النظر مرّات عديدة في هذه الترجمة الصعيدية. أمّا أقدم المخطوطات فتعود إلى القرن الثالث أو القرن الرابع.

ثانيًا: الترجمة الأخمينية (لهجة بين أخمين وطبية)
إستندت إلى الترجمة الصعيدية أقلّه في أسفار العهد القديم. لم يبق لنا إلاّ قسم من الأسفار البيبلية (أم، مت، لو، غل، يم) وفي مخطوطات قليلة يرقى أقدمها إلى القرن الرابع.

ثالثًا: الترجمة المتفرّعة من الأخمينية
اللغة التي نقلت اليها هي لغة مصر الوسطى في منطقة ليكوبوليس. لم يصل إلينا إلاّ مقاطع من هذه الترجمة التي يعود أقدم نصوصها إلى القرن الرابع. وقد اشتهرت هذه الترجمة خاصة بنص إنجيل يوحنّا.
رابعًا: الترجمة الفيومية
لغة هذه الترجمة معروفة في الفيوم. ولكن لم يبق لنا من الترجمة الفيومية إلاّ بعض مقاطع من العهد القديم والعهد الجديد.

خامسًا: الترجمة البحيربة
اللغة البحيرية هي لغة وادي النيل ولا تزال مستعملة في ليتورجية الكنيسة القبطية في مصر هي لا تقتبس كالصعيدية كلمات يونانية، ولكنّها تتبنّى البنية اليونانية. ما هي علاقات الترجمة البحيرية بسائر الترجمات؟ لم يتّفق العلماء بعد على جواب. ورغم قدم هذه الترجمة، فنحن لا نملك أي كودكس منها قبل القرن التاسع ما عدا مخطوطات ثلاث في بردية بودمير الثالثة (القرن الثالث أو الرابع) تتضمن إنجيل يوحنا وتك 1: 1- 4: 2. 

2- الترجمة الحبشية
يروي المؤرّخون القدماء أن المسيحيّة دخلت إلى الحبشة في السنوات 320- 330 على يد فرومنسيوس الصوري الذي هدى ملك اكسوم. وفي نهاية القرن الخامس، جاء الرهبان السريان وبشّروا الحبشة كلّها فأدخلوا إليها الحياة الرهبانية والتعليم المونوفيسي (الطبيعة الواحدة). وبعد السنة 500، بدأت ترجمة العهد القديم والعهد الجديد إلى الحبشية الكلاسيكية (لهجة مملكة أكسوم على مرتفعات الحبشة الشمالية). أمّا قانون البيبليا الحبشية فيتضمن أيضاً أسفارًا منحولة مثل رؤيا أخنوخ وكتاب اليوبيلات. وما يُلاحَظ هو غياب سفرَيْ المكابيين اللذين سيَدخلان فيما بعد عن اللاتينية.
تُرجم العهد القديم عن اليونانية مع تأثيرات عربية وقبطية وسريانية وعبرية. وترجم العهد الجديد عن اليونانية مع تأثيرات سريانية وقبطية وعربية.

3- الترجمة الأرمنية
كانت أرمينيا أوّل أمّة تعتنق المسيحية كديانة رعية. ففي سنة 301 اقتبل الملك تيريداتيس الثالث المعمودية من غريغوريوس المنور. وظلّت الكنيسة الأرمنية مدة قرن تستعمل اليونانية والسريانية في ثقافتها وفي ليتورجيتها. ثمّ اخترع الكاهن والراهب مسروب مسختوتس (+ 439) الكتابة الأرمنية في النصف الأوّل من القرن الخامس، فصارت الأرمنية لغة مكتوبة وكانت البيبليا أوّل كتاب يرَجم إليها.
كان مسروب مسؤولاً عن ترجمة الأمثال والعهد الجديد. وتمّت ترجمة سائر أسفار العهد القديم حوالي السنة 410- 414 بمساعدة ساحاق، كاثوليكوس الكنيسة الأرمنية وغيره. يتضمّن قانون العهد القديم قصة يوسف واسنات، وصيّات الاباء الاثني عشر ويشتمل قانون العهد الجديد على رسالة الكورنثيين إلى بولس ورسالة بولس الثالثة إلى أهل كورنتوس.
عاد المترجمون إلى السريانيّة (ولا سيّمَا الترجمة العتيقة) وإلى اليونانية (ولا سيّمَا السبعينية). كانت ترجمة قديمة، وسيُعاد النظر فيها مرارًا عبر العصور، ولا سيّمَا فيما يخص العهد القديم. أقدم المخطوطات البيبلية يعود إلى القرن التاسع. ولكن هناك شواهد قديمة لدى الكّتاب القدماء وفي النصوص الليتورجية.

و- الترجمات العربية
يتحدّث القدّيس لوقا عن العنصرة التي وصلت إلى المادايين والرومانيين كما وصلت إلى العرب (أع 2: 11). وحين حلّ الاضطهاد بالمسيحيين في أورشليم، تشتّتوا فوصلوا فيما وصلوا إلى بلاد العرب. إليهم ذهب بولس (غل 1 :17) بعد ارتداده على طريق دمشق (أع 9: 1- 9). ومهما يكن من أمر التقاليد المسيحية الأولى، فالمسيحيّون كانوا كُثُرًا في الجزيرة العربية. والأدب القديم يتحدّث عن المطران جرجس العربي والخطيب قس بن ساعدة النجراني (وقد يكون مطران نجران). ويذكر المؤرخ سوزومانيس الاساقفة العرب الذين شاركوا في المجامع المسكونية: كانوا ستة في مجمع نيقية (327) وسبعة عشر في مجمع خلقيدونية (451). ويقول أوسابيوس القيصري إنّ شهداء الجزيرة العربية كانوا كثرًا في أيّام الامبراطور الروماني ديوكلاسيانس (248- 305). أمّا المؤرّخ محمّد اليعقوبي فيشير إلى وجود مسيحيين في قبائل طيء وبهراء وتنوخ وقريش. وكان الغساسنة في سورية والمناذرة (أو اللخميون) في العراق مسيحيين. وتتحدّث الكتب عن دير في الحيرة (العراق) عدّ مئات الرهبان، وعن الأديرة التي كانت تتورع طريق القوافل بين دمشق ومكّة.
كيف نتصوّر هذا الحضور المسيحي دون النصوص البيبلية؟ يقول التقليد إنّ القس ورقة بن نوفل نقل الكتاب المقدّس إلى العربية. وفي سنة 631، دعا الأسقف اليعقوبي يوحنا الثالث الأنطاكي علماء من قبائل طيء وتنوخ وعقيل فترجموا الأناجيل بناء على طلب عمير بن سعد أمير الجزيرة. ضاع النص، ولكن بقيت منه مقاطع في كتاب علي بن ربان الفيلسوف النسطوري (780- 723). وفي الأندلس قام يوحنا أسقف إشبيلية بنقل البيبليا من اللاتينية إلى العربية (سنة 717). وستكون هذه الترجمة في أساس ما سيفعله اسحق فلاسكيز حين يترجم الأناجيل سنة 936 (هناك نسخة في مكتبة مونيخ خُطَّت سنة 1334 وهي تعود إلى سنة 1145).
وفي أيّام المأمون (813- 833) ترجم أحمد بن عبد الله بن سلام عن العبرية واليونانية التوراة والأناجيل. وفي أيّام المتوكّل (847- 861) نقل حنين بن اسحق (808 -873) عن السبعينية مستعينًا بالسريانية وبنصوص عربية، البيبليا كلها. هذا ما يقوله عنه علي بن الحسين المسعودي (+ 956) في كتاب التنبيه والاشراف.
أقدم نصّ معروف يعود إلى سعادية بن يوسف غاوون أو سعيد بن يوسف الفيومي (891- 941). نقله عن العربية وقد وُضع نص البنتاتوكس في بوليغلوتة باريس وبلوليغلوتة لندن بعد أن نُشر في القسطنطينية سنة 1546.
ونقل أبو سعيد ابن أبو الحسين البنتاتوكس السامري إلى أبناء دينه في القرن الحادي عشر وكان اليهودي يافت بن علي قد نقل في القرن العاشر بعض الأقسام المهمّة ولا سيّمَا سفر المزامير.
يعود نصّ العهد الجديد الذي وُجد في سيناء إلى سنة 867. وقد نقل قسّ من الاسكندرية أسفار الأنبياء (عن السبعينية) وسفر دانيال (عن تيودوسيون)، وستطبع ترجمته في بوليغلوتة باريس ولندن. وتُرجمت أسفار أستير والأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد والحكمة والمكابيين ونُشرت في بوليغلوتة باريس ولندن. أمّا اسفار طوبيا ويهوديت وابن سيراخ فما زالت مخطوطة. ودخلت في البوليغلوتا نسخة المزامير المصرية. أمّا النسخة السوريّة، فنُشرت في جنوى سنة 1516 (على يد أغسطينوس يوستنياني)، وفي رومة على يد عالمين لبنانيين هما جبرائيل الصهيوني ونصر الله شلق. أمّا نسخة المزامير المستعملة في الكنيسة الملكية فقد وضعها عبد الله ابن الفضل الأنطاكي في القرن الثاني عشر سيُطبع هذا النص في حلب (1706) وفي بادوا بإيطاليا (1709) وفي لندن، وأخيرا في الشوير (1733، 1739، 1753، 1764...)
ونقل الراهب العالم عبد الله ابن الطيّب (+ 1054) الدياتسارون ثمّ الأناجيل الأربعة. وتُرجمت عن السريانية إلى العربية أسفار القضاة وراعوت وصموئيل والملوك والأخبار في القرن الثالث عشر او الرابع عشر وقد تُرجمت المزامير وطُبعت للمرة الأولى في مار أنطونيوس قزحيا (لبنان) سنة 1585 ثم سنة 1610، ونذكر الحارث بن سنان (وهو كاتب من حران عاش في القرن العاشر) الذي ترجم الهكسبلة السريانية. وأخيرًا نذكر ترجمة مسجّعة ترقى إلى العهد العباسي. سيعود إليها أسقف نصيبين عبد يشوع (+ 1318) ثمّ الشاعر الماروني الحلي يعقوب الدبسي في أواخر القرن السابع عشر ونذكر أخيرًا هبة الله ابن العسال الذي انطلق من الترجمات المرتبطة بالقبطية والسريانية واليونانية وقدّم نسخة تلفيقية. كُتبت سنة 1252 فكانت أساس الاحتفالات الليتورجيّة والدروس الكنسيّة. ولكن سيحلّ محلّها الفولغاتا (أو الشعبية) المصرية التي ستُطبع في ليون سنة 1616 ثم في رومة سنة 1671 وفي لندن سنة 1720، 1829.
ونذكر فيما بعد "الكتب المقدسة باللسان العربي" الذي طُبع في رومة سنة 1671، وعمل فيه سركيس الرزي ونصر الله شلق العاقوري ويوحنا المعمدان الحصروني وإبراهيم الحاقلاني. ضمّ في ثلاثة أجزاء كل أسفار العهد القديم والجديد، ووُضع النص اللاتيني إزاء النص العربي. هذا النص ستطبعه الكنيسة الأنكليكانية مرّات عديدة وتنشره في الشرق.
ونذكر أيضاً البوليغلوتا (أو المتعدّدة اللغات) الباريسيّة التي نشرت في القرن السابع عشر الكتابَ المقدّس في لغات متعددة منها العربية. وقد شارك في هذا العمل يوحنا الحصروني وإبراهيم الحاقلاني ونصر الله شلق وجبرائيل الصهيوني. وستتبع ذلك البوليغلوتا اللندنية التي ستنشر النصوص العربية التي تضمنتها البوليغلوتا الفرنسية.
وإذا انتقلنا إلى القرن التاسع عشر نجد أوّلاً الترجمة الأنكليكانية التي عمل فيها فارس الشدياق وطُبعت في لندن سنة 1857. ثانيًا: ترجمة بستاني فاندايك: قام بالترجمة المعلم بطرس بستاني وضبط عبارتها اللاهوتية عالي بيت وكورنيلوس فاندايك المرسلَين الاميركيَين وهذّب عبارتها ناصيف اليازجي وراجعها الشيخ يوسف الأسير. طُبع العهد الجديد سنة 1860 والكتاب المقدّس كلّه (ما عدا الأسفار القانونية الثانية) سنة 1865. ثالثًا: الترجمة الدومينيكانية. صدرت سنة 1875 في العراق بهمة الآباء الدومينيكان وعلى يد العلاّمة يوسف داود. رابعًا: الترجمة الكاثوليكية، صدرت سنة 1881. تولّى الترجمة الآب أوغسطين روده وشارك فيها الآباء فيليب كوش وجوزف روز وجوزف فان هام، وأسهم الشيخ إبراهيم اليازجي في صياغة كتب العهد القديم والمعلم رشيد الشرتوني في صياغة كتب العهد الجديد.
وعرف القرن العشرون ترجمات للعهد الجديد، أوّلاً: الترجمة البولسية: صدرت سنة 1953، وقد وضعها الآب جورج فاخوري. ثانيًا: الترجمة الكاثوليكية الجديدة، صدرت سنة 1969 وعمل فيها الأبوان صبحي حموي ويوسف قوشاقجي، وهذّب عبارتها الأستاذ بطرس البستاني. ثالثًا: الترجمة القبطية الأرثوذكسية. قامت بها لجنة مؤلّفة من الأنبا غريغوريوس والأساتذة بهي شنوده ومراد كامل وباهور لبيب وحلمي مراد. رابعًا: ترجمة جمعية الكتاب المقدّس. صدر العهد الجديد سنة 1979 وقد أشرف على العمل الدكتور وليم ريبون. أمّا فريق العمل فتألّف من الشاعر يوسف الخال والمطران أنطونيوس نجيب، والدكتور فهيم عزيز، والدكتور موريس تادرس. خامسًا: الإنجيل كتاب الحياة. صدرت هذه الترجمة في القاهرة سنة 1986 وقد قام بها الأستاذ سعيد باز مع عدد من المتخصّصين باشراف جورج حصني. سادسًا: ترجمة الخوري يوسف عون. صدرت الأناجيل الأربعة سنة 1978 ثمّ العهد الجديد بكامله سنة 1982. إذا كان "الإنجيل كتاب الحياة" قد انطلق من نسخة انكليزية، فترجمة الخوري يوسف عون رجعت إلى البسيطة السريانية. سابعًا: ترجمة كلّية اللاهوت في الكسليك (لبنان). صدر الإنجيل وأعمال الرسل سنة 1987، والرسائل والرؤيا سنة 1992. هذا على صعيد العهد الجديد، أمّا على صعيد العهد القديم فأعيد في سنة 1983 طبع ترجمة الشدياق في لبنان، كما أعيد طبع ترجمة فان دايك البستاني والترجمة الكاثوليكية مرارًا. ثمّ ظهرت ثلاث ترجمات للكتاب المقدّس. الأولى: الترجمة الكاثوليكية صدرت سنة 1984- 1987 في بيروت وقد عمل فيها الآباء أنطوان أودو ورينة لافنان وصبحي حموي. الثانية ترجمة جمعيات الكتاب المقدّس. عمل فيها الشاعر يوسف الخال والخوري بولس الفغالي (كما كتب المقدمات والحواشي). وبعد وفاة الأستاذ الخال تابع العمل الشاعران فؤاد رفقة وأسعد خير الله. وقد رافق العمل وليم ريبون، يان ده وارد ومانويل جناشيان. الثالثة: كتاب الحياة، ترجمة تفسيرية. صدرت سنة 1988.
وهكذا انتشر الكتاب المقدّس في العالم العربي، كما انتشر في الشرق والغرب، وفي العالم القديم وفي العالم المعاصر بحيث ترجم الآن إلى أكثر من النبي لغة فعمّ بلاد العالم كلّه. لا، لم يعد العهد القديم وقفًا على الشعب العبراني ولا العهد الجديد وقفًا على الشعب اليوناني. فبعد أن صارت الشعوب كلها واحدة في شخص المسيح، جاءت إلى الكتاب المقدّس تسمع فيه كلمة الله الواحدة التي تتورّع على الكون في لغاته المتعدّدة. كانت الشعوب كثيرة يوم العنصرة فقالت: نحن نسمع الرسل يحدّثوننا بآيات الله بلغاتنا (أع 2: 11). وصارت الشعوب أكثر في القرن العشرين وعلى عتبة الألف الثالث، وهي تنتظر أن تصل إليها كلمة الله لتنير دربها وتسدّد خطاها.
الفصل السادس
مخطوطات الكتاب المقدّس

مرَّت بين كاتب سفرٍ من الأسفار المقدّسة وقارئه مئات من السنين. ونحن اليوم إذ نقرأ نصاً مطبوعًا لا ننسى أنّه خُطَّ المرّة بعد المرّة قبل أن يصل إلينا في صيغة تكاد تكون نهائية. فقبل الكتاب المطبوع هناك الكتاب الخطوط. وقد وصلنا من الكتاب المقدّس آلاف المخطوطات في اللغات العبرية واليونانية واللاتينية والسريانية. سوف نطّلع على أهمّها فنكتشف الكنز الذي وصل الينا على مرّ القرون والذي تدارسه العلماء قبل أن يعطونا النص المطبوع لأسفار الكتاب المقدّس.

أ- المخطوطات العبرية
ندرس هنا نسخات التوراة التي سبقت اختراع الطباعة. وهذه النسخ تتضمن التوراة كلّها أو سفرًا منفصلاً أو مقاطع. ونحن لا ننسى مقتطفات الأنبياء المعدّة للقراءة العامّة في نهاية صلاة المجمع (هفطروت)، والصلوات (تفيليم) أو العصابات التي تتضمّن نصوص تث 4:6-9؛ 13:11- 21؛ خر 13: 1- 10، 11-16 (حسب ما يقول تث 8:6)، والنصوص (تث 6: 4- 9، 13:11- 21) الموجودة في عقائد الباب (مزوزيم).
يطلب التقليد التلمودي أن تُنسخ اسفارُ البنتاتوكس وأستير على جلود حيوانات طاهرة وأن تكون بشكل درج، لتُستعمل في القراءة العامة. أمّا في القراءة الخاصة لأسفار البنتاتوكس، ولسائر الأسفار التوراتية فيمكن استعمال الجلد والرق (يعاصر الزمن الذي فيه استعمل الدرج أي في القرن السادس والسابع) والورق (الذي انتشر في العالم العربي بعد سقوط سمرقند سنة 704)، أمّأ الحبر فيكون أسود وهو مزيج من الدخنة والصمغ العربي.
ولقد عرف التقليد نوعين من المخطوطات: الدرج أو اللفيفة والكودكس. استعمل الدرج في زمن العهد القديم (في العبرية مجلة من جلل: درج ولف، رج إر 36: 32؛ حز 9:2- 10 ؛ مز 8:40 ؛ زك 5: 1). وكلمة "سفر" العبرية التي تعني رسالة ومقطوعة قد تعني أيضاً الدرج (أش 34: 4؛ أي 31: 35- 36).
بدأ استعمال الكودكس بعد القرن الثاني ب م وفرض نفسه ابتداء من القرن الخامس. ونحن نجده في النصوص البيبلية منذ القرن السادس أو القرن السابع.
أين توجد المخطوطات العبرية؟ إنّها موزّعة في مدن العالم المتعدّدة: في برلين (مكتبة الدولة)، في بولونيا (مكتبة الجامعة)، في كمبريدج (مكتبة الجامعة) في فلورنسا (مكتبة آل ماديسيس) في فرنكفورت (مكتبة المدينة)، في هامبورغ (مكتبة الدولة)، في اورشليم (الجامعة العبرية)،ْ في ليدن (مكتبة الجامعة)، في لنينغراد (المكتبة الروسية العامة)، في كوبنهاغن وليبسيغ وفولدا وليفرنا (الجامعة اليهودية) ولندن (المتحف البريطاني) ومدريد (الاسكوربال) وميلانو (المكتبة الامبروسية) ونابولي (المكتبة ا لوطنية) واوكسفورد (المكتبة البودليانية) وباريس (المكتبة الوطنية) ورومة (مكتبة الفاتيكان) والبندقية (مكتبة القديس مرقس الوطنية) وتورينو (الجامعة) وفيينا (المكتبة الوطنية).
إذا استثنينا مخطوطات قمران ووادي مربعة (تبعد 20 كلم عن قمران)، تبيّن أنّ أقدم ما لدينا من مخطوطات العهد القديم لا يتجاوز القرن التاسع. والسبب في ذلك هو أنّ الماسوريين، وبعد أن وضعوا الحركات على النص العبري من القرن الثامن إلى القرن العاشر ب م، أتلفوا سائر المخطوطات ليفرضوا عملهم. وهكذا بقي لنا من الماسوريين (الماسور، التواتر، أي التقليد، والماسوريون خلفوا الكتبة)، ثلاث مخطوطات ترتبط ببني أشير (أقاموا قرب طبرية في الجليل ولهذا يتحدّث العلماء عن التشكيل الجليلي): مخطوطة القاهرة، وهي تعود إلى سنة 895، وتتضمّن الأنبياء السابقين (أش، إر، حز، الاثنا عشر) واللاحقين (يش، قض، صم، مل). مخطوطة حلب (هي اليوم في أورشليم). تعود إلى سنة 930 وتتضمّن خصوصاً الأنبياء السابقين واللاحقين والمزامير. مخطوطة لنينغراد. تمّ نسخها سنة 1008. هي أقدم مخطوطة تتضمّن مجمل العهد القديم وهي أساس النشرات العلمية. وهناك مخطوطات أخرى أخذت بالتشكيل البابلي (بني نفتالي) الذي يَضع الحركات فوق الكلمات.
وهكذا لم نكن نملك سنة 1947 أي مخطوط قديم إلاَّ بردية ناش (مصر، حوالي 150 ق. م. تتضمن تث 6: 1 والوصايا العشر) والبنتاتوكس السامري وبقايا هكسبلة أوريجانس. ولهذا كان اكتشاف مخطوطات البحر الميت ومصعدة ومربعة مهمًّا لمعرفة نص التوراة العبرانية. يمتد تاريخ هذه المخطوطات من سنة 250 ق. م. إلى 70 ب. م. بالنسبة لمخطوطات قمران ومصعدة، والى سنة 135 بالنسبة لسائر المواقع. ونتوقّف الآن عند اكتشافين مهمين: مخطوطات مخبأ (غنيزة: شبه مقابر للكتب) القاهرة، ومخطوطات برية يهوذا.

1- مخطوطات مخبأ القاهرة
الغنيزة (غنز: خبأ، استودع) هي غرفة ملاصقة للكنيس تُودَع فيها النصوص البيبلية والليتورجية التي لم تعد تُستعمل. كانوا يحفظون في الغنيزة هذه النصوص التي تتضمّن اسم الله، ولا يستعملونها في أمور زمنية. وبعد هذا يدفنونها في ارض مباركة. وشاءت الصدف أن يُنسى مخبأ كنيس القاهرة القديمة (الفسطاط) فينجو مضمونه من الدفن. وظلّ الخبأ على هذه الحال قرونًا عديدة. وكان يعقوب سفير هو أوّل باحث زاره سنة 1864 وأخذ منه بعض الأوراق كتذكار. وبعد زمان قليل، مرّ من هناك ابراهام فركوفيتش (وهو عالم يهودي من جماعة القارئين الذين يقروّن بالتوراة ولا يعترفون بالتلمود) فأخذ عددًا من المخطوطات (هي اليوم في مكتبة لنينغراد العامّة). ثمّ حصل أرشمندريت أورشليم الروسي على 1200 قطعة ذهبت هي أيضاً إلى مكتبة لنينغراد. وفي سنة 1890 دخل ادلر المخبأ واخذ كيسًا من القطع فصارت ملك المعهد اليهودي في نيويورك. وفي سنة 1896 ذهب العالم الانكليزي سشتر سرًا، وأخذ اكياسًا وصناديق من المخطوطات. إذًا هناك مئتا ألف مخطوطة فيها النصوص البيبلية والترجوم والمدراش والمشناة والتلمود والليتورجيا، وهي موزّعة على مكتبات كمبريدج، وستمنستر، لندن، باريس، القاهرة، لنينغراد، فيلادلفيا، فيينا، برلين، بودابست... ومما وجد في هذه المخطوطات مقاطع عديدة من ابن سيراخ في العبرية.

2- مخطوطات بريّة يهوذا
جرت الاحداث في ثلاث حقبات: اكتشاف الأدراج الكبيرة سنة 1947، الحفريات في مغارة قمران في شباط واذار 1949، الحفريات في خربة قمران من كانون الاول 1951 إلى كانون الثاني 1952، وفي شباط- نيسان سنة 1953.
وفي نهاية سنة 1951 اكتُشفت مخطوطات في وادي مربعة، كما اكتُشفت غيرها فيما بعد في مغارة وادي النار في قدرون (برديات عربية، مقاطع من العهد القديم والعهد الجديد في اليونانية، رسالة في السريانية...) وفي مغاور أخرى.
المخطوطات: اشعيا (درج من جلد طوله 34، 7 م)، تفسير حبقوق، كتاب التأديب، كتاب (أو رؤيا) لامك. كتاب حرب ابناء النور ضد أبناء الظلمة، أناشيد شكر، درج ثان لأشعيا...

ب- المخطوطات اليونانية
1- العهد القديم والعهد الجديد
هناك مخطوطات تتضمن البيبليا اليونانية الكاملة أي العهد القديم في الترجمة السبعينية والعهد الجديد.

أوّلاً: المخطوطة السينائية
اكتشفها تشندوروف سنة 1844 في دير القديسة كاترينة في جبل سيناء في سلّة المهملات. بعد أحداث عديدة وصلت الى اوروبا: جعل قسمًا منها في ليبسيغ (ألمانيا) والقسم الأكبر في سان بترسبورغ (أو لنينغراد). باعها السوفيات سنة 1933 إلى البريطانيين فكانت أحد كنوز المتحف البريطاني. إنها تتضمن كل العهد الجديد، كما تكاد تتضمن كل العهد القديم مع رسالة برنابا وراعي هرماس وهي تعود إلى القرن الرابع.
ثانيًا: المخطوطة الاسكندرانية
قدّمها بطريرك القسطنطينية كيرلّس لوكاريس إلى جاك الأوّل، ملك إنكلترا، سنة 1624. أقامت مدة طويلة في الاسكندرية وهي اليوم محفوظة في المتحف البريطاني. إنّها تعود إلى القرن الخامس وهي تتضمّن كل العهد القديم (ما عدا بضعة آيات من تك و 1 صم وبعض المزامير، وقسمًا كبيرًا من العهد الجديد (نص متّى مشوّه، ينقص فصلان من انجيل يوحنا، و 8 فصول من 2 كور) ورسالة اكلمنضوس أسقف رومة.

ثالثًا: المخطوطة الفاتيكانية
هي أقدم وأصدق المخطوطات البيبلية اليونانية المكتوبة على رق. تعود إلى القرن الرابع، وقد وُجدت في مكتبة الفاتيكان منذ سنة 1481. جاءت من الاسكندرية، وهي تتضمّن كل العهد القديم، وقسمًا كبيرًا من العهد الجديد (ما عدا عب 9: 14، حتى آخرها، 1 تم، تي، فلم، رؤ) بسبب الأضرار التي لحقت بها.

رابعًا: المخطوطة الافرامية
مصريّة الأصل وترتقي إلى القرن الخامس. تتضمن أكثر من نصف العهد الجديد وشيئًا قليلاً من العهد القديم. في القرن الثاني عشر استُعملت من جديد، فحكّ الخطاط وكشط النص السابق وكتب فوقه مؤلّفات أفرام (من هنا اسم المخطوطة). ولكنّ النص الأوّل لهذا الطرس ما زال مقروءًا. وصلت المخطوطة من الشرق إلى إيطاليا في القرن السادس عشر، وحملتها ماري ده مديسيس معها إلى فرنسا، وهي الآن في المكتبة الوطنية في باريس. 
وهناك مخطوطات أخرى عديدة: كوتونية: تعود إلى القرن الخامس وتتضمن سفر التكوين وهي في المتحف البريطاني. بودليانية: تعود إلى القرن التاسع أو العاشر وتتضمن اسفار موسى وهي في اوكسفورد. امبروسية: تعود إلى القرن الخامس وتتضمّن أسفار موسى الخمسة وهي في ميلانو... وهناك مخطوطات للسبعينية في ليبسيغ وفيينا وباريس ورومة ودوبلين وفيرونا وسان بترسبورغ والبندقية وتورينو، وهي تتضمّن أقسامًا من التوراة أو قطعًا متفرقة.

2- مخطوطات العهد الجديد
أوّلاً: ترتيب المخطوطات
هناك أربع فئات. الأولى: البرديات التي وُجدت في مصر بين القرن الثاني والقرن السابع. كُتبت بالخط الاسفيني الكبير، وتضمّنت مقاطع صغيرة. الثانية: الرق الذي كتب بين القرن الثالث والقرن التاسع بالخط الأسفيني الكبير. الثالثة: الرق أو الورق. كتب عليهما بالخط الجرّار الصغير بين القرن التاسع والقرن السابع عشر الرابعة: كتب القراءات وهي مجموعات من القراءات الليتورجية كُتبت بين القرن الرابع والقرن الثامن عشر كُتبت أوّلاً بالخطّ الاسفيني ثمّ بالخطّ الجرّار، كُتبت على الرق كما على الورق. 
أمّا عدد المخطوطات اليونانية فهو اليوم (ويمكن أن يتزايد العدد) يتعدّى 5200 مخطوطة. هناك 88 بردية، 274 مخطوطة بالشكل الاسفيني، 2795 مخطوطة بالشكل الجرّار، 2203 كتب قراءات. تتضمن المخطوطة أجزاء من العهد الجديد: الأناجيل في أكثر الأحيان. وتُجمَع الرسائل مع سفر الأعمال. أمّا نصّ الرؤيا فهو قليل الوجود.

ثانيًا: البرديات
- بردية 52: أقدم قطعة معروفة للعهد الجديد. بردية ريلندس وهي الآن في منشستر. تحوي يو 18 : 31-33 (وجه)، 37-38، (ظهر) وهي تعود إلى سنة 125.
- برديات شستر بتي وهي تعود إلى القرن الثالث. تتضمن بردية 45 الاناجيل (حسب الترتيب التالي مت، يو، لو، مر) وأعمال الرسل. بقي لنا منها 30 ورقة من أصل 110 ورقات (وهناك ورقة في فيينا). تحوي بردية 46 رسائل القدّيس بولس (حسب الترتيب التالي: روم، عب، 1 كور، 2 كور، أف، غل، فل، كو، 1 تس) مع بعض الفجوات. بقي لنا مخها 86 ورقة من أصل 104.
- مجموعة بودمر أقدمها بردية 66 (حوالي السنة 200) وهي تكاد تتضمّن إنجيل يوحنا كاملاً (75 ورقة من أصل 78). بعدها بردية 75 (تعود إلى القرن الثالث) تحوي إنجيلَيْ لوقا ويوحنا (51 ورقة من أصل 72). ثمّ بردية 72 (بداية القرن الرابع). تتضمن مؤلّفات غير بيبلية مع ثلاث رسائل كاثوليكية (يهو، 1 بط، 2 بط) ولا فجوات فيها. بردية 74 (تعود إلى القرن السابع). تتضمّن سفر الأعمال كاملاً (في 94 ورقة) ونتفًا من الرسائل الكاثوليكيّة.
وهناك برديات 1- 6 تتضمن الأناجيل وهي موجودة في فيلدلفيا وفلورنسا وفيينا وباريس ولندن وستراسبورغ. وتتضمن البردية 8 (في برلين، القرن الرابع) أعمال الرسل، والبرديات 10، 11، 13، 15، 16 رسائل القدّيس بولس وهي موجودة في كمبريدج ولنينغراد ولندن والقاهرة. وتحوي البردية 24 (الولايات المتحدة، القرن الرابع) والبردية 47 (شستر بتي- دوبلين) سفر الرؤيا...

ثالثًا: المخطوطات الإسفينية (أو بالخط الكبير)
ذكرنا سابقًا المخطوطات السينائية والاسكندرانية والفاتيكانية والافرامية. وهناك مخطوطة موجودة في دير جبل اتوس (في اليونان) ولم تزل مخطوطة: تحوي الأناجيل وأعمال الرسل والرسائل الكاثوليكية والرسائل البولسية. تعود إلى القرن الثامن، ولكنّها تستند إلى السينائية والفاتيكانية.
وهناك ثلاث مخطوطات مهمّة للنقد الأدبي: الكودكس البازي (نسبة إلى باز، تلميذ كلفين الذي اعطاه لجامعة كمبريدج بانكلترا سنة 1581، بعد أن ظلّ طويلاً في مدينة ليون بفرنسا). يعود إلى القرن السادس وربّما القرن الخامس. دُوِّن في اللغة اليونانية واللغة اللاتينية، فحوى الأناجيل (مت، يو، لو، مر) وسفر الأعمال مع فجوات. ضاعت ثمانية دفاتر بين مرقس وسفر الأعمال، وكانت تحوي الرسائل الكاثوليكية أو غيرها من الأسفار. لم يبقَ في النهاية إلاَّ رسالة يوحنا الثالثة (في اللاتينية). يختلف نص البازي عن النص الاسكندراني والفاتيكاني، وقد كان أقدم منهما. فرض نفسه في العالم المسيحي، إلاَّ أنّه زال في نهاية القرن السادس.
كودكس فراير حُفظ في واشنطن وهو يعود إلى القرن الخامس. يحوى الأناجيل حسب الترتيب التالي: مت، يو، لو، مر. ويتضمّن اختلافات عديدة ولا سيمّا زيادة بين مر 16: 14 و 15. واخيرًا، كودكس كوريداتي. يعود ربما إلى القرن التاسع، وقد حُفظ في تفليس بجيورجيا (الاتحاد السوفياتي). وهو يتضمّن الأناجيل مع بعض الاختلافات. 
وهناك المخطوطات الأرجوانية وهي اربع (لوّن الرق بالارجوان وكان الحبر ماء الفضة أو الذهب). تعود إلى القرن السادس وتحوي اختلافات عديدة. الأولى موجودة في لنينغراد (182 ورقة) ولكن بعض أوراقها موجودة أيضاً في جزيرة بطمس (48 ورقة)، في لندن، فيينا، لارما (إيطاليا) أثينة، نيويورك، الفاتيكان. الثانية موجودة في باريس (44 ورقة). الثالثة في روسانو بإيطاليا (188 ورقة). والرابعة في تيرانا عاصمة ألبانيا (190 ورقة). 
وبالنسبة إلى سفر الأعمال نذكر مع الكودكس البازي، كودكس لوديانوس الموجود في أكسفورد والذي يعود إلى نهاية القرن السادس. يتضمّن نص أع في اليونانية واللاتينية مع فوارق من النمط "الغربي".
وبالنسبة إلى رسائل القدّيس بولس نذكر أربع مخطوطات أخرى. الأولى: كلارومونتانوس. موجود في باريس ويعود إلى القرن السادس. يحوي الرسائل البولسية حسب الترتيب الحالي مع الرسالة إلى العبرانيين قي النهاية. أمّا نصّه فن النمط الغربي. الثانية: كوسلينيانوبر: يعود إلى القرن السادس وهو محفوظ بصورة خاصّة في باريس ولكن أيضاً في لنينغراد وموسكو وكياف وتورينو وجبل آتوس. نقرأ ملاحظة الناسخ وهي تقول إنّ النصّ روجع في قيصرية على نسخة كُتبت بيد بمفيلس. أمّا ترتيب الرسائل البولسية فهو كالتالي: روم، 1 كور، 2 كور، غل، أف، فل، كو، 1 تس، 2 تس، فلم، عب، 1 تم، 2 تم، تي. أمّا النص فهو من النمط الغربي: الثالثة: أوجيانسيس، محفوظة في كميريدج وتعود إلى القرن التاسع. الرابعة: بورنيريانوس. محفوظة في دراسون بألمانيا. تتضمن النص اليوناني واللاتيني وتعود إلى القرن التاسع. أمّا نصّها فقريب من نص كلارومونتانوس.
ونشير أخيرًا إلى أن الكودكس الفاتيكاني الذي يعود إلى القرن الرابع لا يحوي سفر الرؤيا. ولكنّ هناك مخطوطة أخرى موجودة في الفاتيكان وتعود إلى القرن العاشر فهي تحوي سفر الرؤيا وحده.

رابعًا: المخطوطات الجراّرة
بالنسبة إلى الأناجيل نميّز أربع عائلات هامّة. العائلة الأولى: اكتشفها العالم الإنكليزي لاك (كمبريدج سنة 1902) انطلاقًا من أربعة من اعضائها: الرقم 1 (باريس، الثاني عشر)، الرقم 118 (اوكسفورد، الثالث عشر)، الرقم 131 (فاتيكان، الرابع عشر)، الرقم 209 (البندقية، الرابع عشر). ثم توسّعت العائلة فجاءتها خمس مخطوطات أخرى: الرقم 22 (الثاني عشر)، 872، 1278، 1582، 2193 (العاشر). أقدمها هو الرقم 1582 (جبل آتوس فيتوبادي، يعود إلى سنة 949). نص هذه المخطوطات هو من النمط القيصري أي يعود إلى قيصرية ويرتقي إلى القرن الثالث.
العائلة الثانية: إكتشفها فرار (سنة 1868) انطلاقًا من المخطوطات الأربع التالية: 13 (باريس، الثالث عشر)، 69 (ليقستر، الخامس عشر)، 124 (فيينا، الحادي عشر)، 346 (ميلانو، الثاني عشر)، ونشرها أبوت سنة 1877. وتتضمّن هذه العائلة اليوم ثماني مخطوطات أخرى: 174 (سنة 1052)، 230 (سنة 1013)، 543 (الثاني عشر)، 1788 (الحادي عشر)، 826 (الثاني عشر)، 828 (الثاني عشر)، 983 (الثاني عشر)، 1689 (سنة 1200). كما تتضمّن كتاب قراءات. أقدم شاهد لهذه العائلة هو الرقم 230 (الاسكوريال في مدريد). نُسخت في كلبرة أو صقلية فكانت لها الميزات نفسها والاختلافات المماثلة (أغفل مت 16: 2- 3، وُضع يو 7: 53- 8: 11، بعد لو 21 : 38، ووُضع لو 43:22- 44 بعد مت 26: 39). ترتبط بعض الاختلافات بالنمط القيصري.
العائلة الثالثة: تحدث عنها فون سودن (سنة 1907) وهي تضمّ قرابة ثلاثين مخطوطة جرارة، أقدمها الرقم 1424 (مايوود، ايلنوا في الولايات المتحدة، تعود إلى التاسع أو العاشر وتحوي الأناجيل وأعمال الرسل والرسائل البولسية)، ومخطوطة اسفينية (باريس التاسع). وإليك أرقام المخطوطات: 8 (الحادي عشر)، 27، 71 (الثاني عشر)، 115، 160، 179 (القرن الثاني عشر)، 185 (الرابع عشر)، 267 (الثاني عشر)، 349 (سنة 1322)، 517 (الحادي عشر، الثاني عشر)، 659 (القرن الثاني عشر)، 692 (الثاني عشر)، 827، 945، 990 (الرابع عشر)، 1010، 1082، 1188 (الحادي عشر، الثاني عشر)، 1194 (الحادي عشر)، 1207، 1223 (العاشر) 1293 (الحادي عشر)، 1391، 1402 (الثاني عشر)، 1606، 1675 (الرابع عشر).
والعائلة الرابعة (التي لا تُعتبر عائلة بالمعنى الحصري) تتألّف من الجرّارة 33 (باريس، التاسع)، 892 (لندن، التاسع)، 1241 (سيناء، القرن الثاني عشر)، 579 (باريس، الثالث عشر) وهي تمثّل نمط النص الأسفيني الاسكندراني. أما الجرارة 565 (لنينغراد، التاسع) وجرّارات أخرى: 20، 157 (الثاني عشر)، 164، 215، 262 (العاشر)، 300، 376، 428، 686، 718، 1071، والمخطوطة الاسفينية رقم 39، (اوكسفورد، التاسع) فقد نُسخت وُصمّمت في أورشليم على نسخات قديمة فتضمّنت اختلافات قديمة.
أمّا بالنسبة إلى أعمال الرسل والرسائل فنتوقّف عند مجموعتين منهما. المجموعة 1739. تتضمّن عشر مخطوطات جرّارة أقدمها 1739 (جبل اتوس، منتصف القرن العاشر). اكتشف المجموعة فون سودن (سنة 1910) فأورد أيضاً رقم 323 (جنيف، الحادي عشر) 2298 (باريس، الحادي عشر)، 1739. وتتضمّن المجموعة أيضاً الرقم 945 (جبل اتوس، ديونيسي الحادي عشر) والأرقام 1241، 1243 (الحادي عشر)، 1735، 2492 ومخطوطات اخرى. يقول الناسخ إنّ نص الرسائل البولسية في المخطوطة 1739 يتبع نص أوريجانس. وقد يعود النموذج المباشر الى نهاية القرن الرابع (تتوقّف الإيرادات الآبائية الهامشية عند باسيليوس الذي توفي 379). وهكذا يرتبط نمط نص المجموعة بفلسطين ويمتزج بالاسكندراني. إلاَّ أنّه يختلف عنه في بعض الأمور ولاسيمّا في 1 بط. أمّا فيما يتعلق بسفر الأعمال فالمجموعة تتّفق بعض الشيء مع النصّ الغربي.
والمجموعة 2138 تتضمن عشرين مخطوطة جرّارة أقدمها 2138 (موسكو، سنة 1072). اكتشفها فون سودن وفلنتين ريشارد بالنسبة إلى سفر الاعمال (كمبريدج 1934)، إنطلاقًا من الجرارة 383 (اوكسفورد، الثالث عشر)، 431 (ستراسبورغ، القرن الحادي عشر)، 1614 (ميلانو، القرن الثالث عشر)، 876 (ان اربور، الثالث عشر)، 1518 (القرن الخامس عشر). أما بالنسبة إلى الرسائل الكاثوليكيّة، فالمجموعة تتضمّن بدرجة أولى الجرّارات التالية: 206 (الثالث عشر)، 429 (الرابع عشر، الخامس عشر)، 630، 1108 (الثالث عشر)، 1292، 1448، 1505، 1611، 1799، (الثاني عشر، الثالث عشر)، 5200، 2412، 2495. وبدرجة ثانية الأرقام التالية: 1758 (الثالث عشر)، 1765 (الرابع عشر)، 1831 (الرابع عشر)، 1832، 2147 (الحادي عشر). اما اختلافات هذه المجموعة فمن النمط الغربي. ونذكر أيضاً بعض المخطوطات الجرارة التي يقترب نصها من نص المخطوطات الاسفينية: الرقم 33 (التاسع)، 81 (لندن، سنة 1044)، 104 (لندن، سنة 1087)، 623 (الفاتيكان، سنة 1037).
خامسًا: كتب القراءات
لم تُدرسَ بعد كتب القراءات كما دُرست المخطوطات الجرّارة، ولهذا فهي لا ترد إلاَّ قليلاً في الحواشي. نكتفي بذكر أقدم كتاب محفوظ وهو يتضمّن الأناجيل وسفر المزامير، الرقم 11347 (فيرونا، السادس). البردية 4: تتضمن مقاطع إنجيلية، ترتقي إلى القرن الثالث وهي في باريس. الرقم 11604: مقاطع إنجيلية في اليونانية والقبطية الصعيدية تعود إلى القرن الرابع وهي في أكسفورد. الرقم 11043: مقطع إنجيلي يعود إلى القرن الخامس وهو في فيينا.

ج- المخطوطات اللاتينية
1- الترجمة اللاتينية العتيقة

أوّلاً: العهد القديم
هناك مخطوطات تورد أسفار البنتاتوكس والأسفار التاريخية (يش، قض، لم، مل، أخ، عز، نح، را، يه، طو، اس، مك): لوغدونتسيس: يعود إلى القرن السادس وهو موجود في المكتبة العامة في ليون (فرنسا). يتضمّن الهبتاتوكس (أو الأسفار السبعة وهي تك، خر، لا، عد، تث، يش، قض). موناقنسيس الأوّل: يعود إلى القرن الخامس أو السادس وهو موجود في مكتبة ميونيخ في ألمانيا (المكتبة الملكية). يتضمّن مقاطع من البنتاتوكس. وكذلك نقول عن الورقابرغنسيس الذي هو في جامعة ورزبورغ ويعود إلى القرن السادس أو السابع. اوتوبونيانوس: يعود إلى القرن الثامن، وهو في الفاتيكان ويحوي مقاطع من التكوين والخروج. موناقنسيس الثاني: هو في المكتبة الملكية في ميونيخ ويرتقي إلى القرن التاسع ويحوي طوبيا، يهوديت. استير. كومبلوتنسيس: هو في مكتبة الجامعة في مدريد. يعود إلى القرن التاسع ويحوي راعوت ويهوديت. كوبيانسيس الأوّل: يعود إلى القرن التاسع. هو في باريس (المكتبة الوطنية). ويتضمّن استير ويهوديت. لجيوننسيس: يعود إلى القرن العاشر ويتضمّن مقاطع متنوعة. وأخيرًا طرس فيينا (المكتبة الملكية). يعود إلى القرن الخامس ويتضمن مقاطع من كتاب الملوك.
وهناك مخطوطات تورد المزامير أو أسفار الأنبياء: فيروننسيس. يعود إلى القرن الخامس وهو في فيرونا (إيطاليا). يتضمّن سفر المزامير. سان جرماننسيس. هو في المكتبة الوطنية في باريس. يعود إلى القرن الخامس ويتضمّن سفر المزامير أيضاً. سان غلانسيس: يعود إلى القرن الخامس ويتضمّن مقاطع من إرميا. ورقابرغنسيس الثاني (جامعة ورزبورغ) يعود إلى القرن السادس ويحوي مقاطع من الأنبياء ومثله مخطوطة واينغرتن التي تعود إلى القرن السادس.

ثانيًا: العهد الجديد
الفئة الأولى: الأناجيل. نذكر أهمّها. ورقلانسيس: يعود إلى القرن الرابع ويتضمن الأناجيل الأربعة، ومثله فيروننسيس الذي يعود إلى القرن الرابع أو الخامس، وكولبرتينوس (المكتبة الوطنية، باريس) الذي يعود إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، وبلاتينوس (فيينا، المكتبة الملكية) الذي يعود إلى القرن الخامس، بريلسيانوس (براشيا في إيطاليا) الذي يرتقي إلى القرن السادس. وهناك ثلاث مخطوطات باريسية تتضمّن الأناجيل الأربعة وهي: كوربيانسيس الثالث (السادس أو السابع)، سان جرماننسيس الأوّل (الثامن أو التاسع) والثاني (العاشر). أمّا كودكس البازي فيحوي الأناجيل وأعمال الرسل. بالإضافة إلى ذلك هناك مخطوطات تحوي إنجيلاً واحدًا: كلارومونتانوس (فاتيكان- الخامس): يتضمّن متى. سارتيانوس (الخامس) يتضمّن مقاطع من يوحنا. بوبيانسيس (المكتبة الوطنية، تورينو، الخامس أو السادس) تحوي مقاطع من متّى ومرقس.
الفئة الثانية: أعمال الرسل والرسائل الكاثوليكية. لوديانوس. يعود إلى القرن السابع ويتضمّن سفر الأعمال. كوربيانسيس (العاشر، سان بترسبورغ): يحوي رسالة يعقوب. جيفاس ليبرور (المكتبة الملكية، ستوكهولهم، الثالث عشر) يتضمن الأعمال والرؤيا. طرس فلوري (المكتبة الوطنية، باريس، السادس) يتضمن سفر الأعمال، الرسائل الكاثوليكية، سفر الرؤيا. وهناك مخطوطات في فيينا (طرس من الخامس أو السادس) وباريس (بربينيان، الثاني عشر) وميلانو (العاشر، الحادي عشر) تتضمن مقاطع من سفر الأعمال.
الفئة الثالثة: رسائل القدّيس بولس. أربع مخطوطات تتضمن الرسائل وهي: كلارومونتانوس (السادس)، سان جرماننسيس (التاسع، العاشر)، أوجيانسيس (التاسع)، بورنيريانوس (التاسع). وهناك مخطوطة في ميونيخ (الخامس أو السادس) ومخطوطة أخرى تعود إلى القرن السادس تتضمّنان مقاطع من رسائل القدّيس بولس. 
نشير إلى أنّ هذه المخطوطات قد نُشرت على يد علماء أمثال جوليشير، تيشندورف، فيشر، متاي، مورين، سندرس وغيرهم.

2- مخطوطات الفولغاتا أو الشعبية اللاتينية
إذا كانت مخطوطات اللاتينية العتيقة قليلة، إلاَّ أنّ مخطوطات اللاتينية الشعبية قد تصل إلى 8000 مخطوطة. نحن لا نقسم المخطوطات حسب العهد القديم والعهد الجديد، بل حسب البلدان التي نسخت فيها هذه البيبليات وقد تضمّن بعضُها العهد القديم (بما فيه الأسفار القانونية الثانية) والعهد الجديد.

أوّلاً: نصوص إسبانية
توليتانوس في المكتبة الوطنية بمدريد. يعود إلى القرن الثامن ويتضمّن كل البيبليا بعهديها القديم والجديد. كافنسيس. يعود إلى القرن التاسع ويتضمن البيبليا أيضاً. وكذلك نقول عن كومبلوتنسيس الأوّل الذي هو في مكتبة جامعة مدريد ويعود إلى القرن التاسع، كومبلوتنسيس الثالث الذي يعود إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر ونجد البيبليا كاملة في المخطوطات التالية: لجيوننسيس الثاني (العاشر)، والثالث (الحادي عشر)، اميليانيوس (العاشر)، مدريد، بيبلية روزاس (العاشر، المكتبة الوطنية، باريس)، بيبلية هواسكا (مدريد، الثاني عشر). وهناك مخطوطة تتضمن البيبليا من أم إلى رؤ (كومبلوتنسيس الثاني، التاسع، العاشر) وأخرى تتضمن النصوص من اش إلى رؤ (لجيوننسيس الأوّل، العاشر).

ثانيًا: نصوص من النمط الإيطالي
هناك نصوص نُسخت في إيطاليا. وهي تتضمّن العهد الجديد (فلدنسيس، العاشر)، أو ألاناجيل كاملة (فورويوليانسيس السادس والسابع) أو مقاطع من الأناجيل في بيروجيا (السادس، السابع) ميلانو (السادس)، لندن (السادس، السابع).
وهناكْ نصوص نُسخت في إنكلترا: امياتينوس. يعود إلى القرن الثامن. موجود قي فلورنسا ويتضمن البيبليا كاملة. وتتضمن مخطوطة كمبريدج (السابع) وأكسفورد (الثامن) ودور هام (الثامن) ولندن (الثامن)، الأناجيل الأربعة. كما نجد مخطوطة تعود إلى القرن السابع وتحوي إنجيل يوحنا، وأخرى تعود إلى القرن السابع، الثامن وتحوي مقاطع من متى ويوحنا.

ثالثًا: نصوص ايرلندية وانغلوسكسونية
هناك مخطوطات ظلّت في الجزر البريطانية. أربع في دوبلين. واحدة تتضمن كل العهد الجديد وتعود إلى القرن التاسع، وثلاث تتضمن الأناجيل وتعود إلى القرن التاسع أو الثامن. ثمّ نجد مخطوطات خاصة في لندن (قصر لمبيث، العاشر)، في أكسفورد (المكتبة البودليانية، التاسع) ولندن أيضاً (المتحف البريطاني، التاسع) تحوي الأناجيل الأربعة. 
وهناك مخطوطات انتقلت إلى القارة الأوروبية. في المكتبة الوطنية في باريس نجد مخطوطة أولى تعود إلى القرن التاسع وتتضمن البيبليا من أم إلى رؤ، ومخطوطة ثانية وثالثة ورابعة تعود إلى القرن الثامن وتحوي الأناجيل. ونجد مخطوطة خامسة في تور بفرنسا (المكتبة العامة، التاسع) تحوي الأناجيل، وسادسة في لندن (المتحف البريطاني، الثامن، التاسع) تحوي الرسائل والرؤيا، وسابعة (الثامن) تتضمن الأناجيل.

رابعًا: نصوص من النمط الفرنسي
في الجنوب: بيبلية مازارين. تعود إلى القرن الحادي عشر وتتضمّن الكتاب المقدّس كلّه وهي في المكتبة الوطنية التي تحوي أيضاً مخطوطة انيقيانسيس (التاسع، العاشر، وفيها الكتاب المقدّس كلّه)، ومخطوطة كولبرتينوس (الثاني عشر وفيها أسفار العهد الجديد). 
تيودولفوس ومدرسة فلوري. نجد أربع بيبليات. واحدة في باريس (المكتبة الوطنية، التاسع). وثانية في البوي في فرنسا (كنز الكاتدرائية، التاسع) وثالثة في لندن (المتحف البريطاني، التاسع) ورابعة في شارتر في فرنسا (المكتبة العامة، الحادي عشر، الثاني عشر). ونجد في اورليان، بفرنسا، مجموعة فلوري التي تتضمّن في مخطوطة أولى (العاشر) العهد القديم كلّه، وفي مخطوطة ثانية (التاسع) الأنبياء. ونجد أخيرًا في المكتبة الوطنية في باريس سان جرماننسيس التاسع البيبليا كلّها مع بعض الفجوات (التاسع أو العاشر). 
الكوين ومدرسة تور. نجد بيبليات عديدة تعود كلّها إلى القرن التاسع. واحدة في رومة، ثانية في بمبرغ بألمانيا، ثالثة في زوريخ بسويسرا، رابعة في برن بسويسرا، خامسة في لندن، سادسة في كولونيا، سابعة وثامنة في باريس، تاسعة في تور بفرنسا، عاشرة في مونزا بإيطاليا. ونجد في تور بفرنسا الهبتاتوكس وفي بازل بسويسرا من المكابيين إلى سفر الرؤيا. 
نصوص فرنسية سكسونية. تعود كلّها إلى القرن التاسع. بيبليا في باريس (المكتبة الوطنية) وأخرى في رومة (بازيليك القديس بولس)، الأناجيل في ميونيخ (المكتبة الملكية)، المزامير في باريس (المكتبة الوطنية).
وهناك نصوص متفرّقة. بيبليا في لندن (الثالث عشر، المتحف البريطاني)، وأخرى في ديجون من أعمال فرنسا (المكتبة العامّة، الثاني عشر)، وثالثة في رومة (العاشر)، ورابعة في الفاتيكان (الحادي عشر)، وخامسة في ميلانو (العاشر)، وسادسة في ستوكهولهم (الثالث عشر). المزامير في فيينا (المكتبة الملكية، الثامن)، والأناجيل في فيينا (التاسع) وباريس (الثامن، التاسع) وأوتون بفرنسا (سنة 755)، وهناك مخطوطات تتضمن سفر الاعمال (بودليانية، السابع، الثامن)، الأعمال والرؤيا (إنكترا، الثامن)، الأعمال والرسائل والرؤيا (لندن، التاسع). واختفت مخطوطة داميدوفيانوس (الثالث عشر) ولكن ماتاي كان قد نشرها وهي تتضمّن كل العهد الجديد.

د- المخطوطات السيلانية
1- مخطوطات البسيطة في العهد القديم

أوّلاً: المخطوطات الغربية
- لندن: المتحف البريطاني (14425) سنة 464. يتضمّن البنتاتوكس. اعتُبر مدة طويلة أقدم مخطوطة بيبلية، ولكن تبين أنّ هناك أقدم منها: ثلاثة طروس تتضمّن كتب الأنبياء وهي في المتحف البريطاني (14512، 14646، 14626).
- ميلانو: المكتبة الامبروسية. يسمّى النص الأمبروسياني. كُتبت هذه المخطوطة في الإسطرنجيلي (أو الحروف المستديرة) على رق وهي تتضمن الأسفار القانونية الأولى والأسفار القانونية الثانية في التوراة، كما تتضمّن 3 مك، 4 مك، والكتاب السابع من الحرب اليهودية للمؤرّخ يوسيفوس. لا نجد في هذه المخطوطة سفر طوبيا ولا رسالة إرميا (سيكون هذان السفران في الهكسبلة السريانية). كما أنّه لا وجود للعهد الجديد في هذه المخطوطات التي نجد فيها بعض الفجوات: عد 23:3- 5: 10 ؛ 1 أخ 12: 11- 20: 30 ؛ 2 أخ 3:11- 21، حب، صف. يبدو أنّ النص يعود إلى القرن السادس. نشره العالم شرياني وأكمله بنصوص من مخطوطات تنتمي إلى الأسرة نفسها. وقد نشر نستله المزامير في طبعة مربعة اللغات (يوناني، سرياني، أرامي، لاتيني).
- لندن: المتحف البريطاني (17104). القرن السادس. تتضمّن كتاب الأخبار وهو نص قريب من نص بيبلية يوحانان.
- لندن: المتحف البريطاني (17110). قبل سنة 600. هي أقدم مخطوطة للمزامير. هناك بعض الزيادات منها اختلافات نسطورية.
- لندن: المتحفز البريطاني (14432). القرن السادس. نجد نص أشعيا وهو قريب من الأمبروسياني والفلورنسي.
- فلورنسا: مكتبة لورنسيوس (شرقي 58) واسمه الفلورنسي. كتابة يعقوبية جرارة. يعود إلى القرن التاسع. يتضمّن أسفار العهد القديم. بما أنّه قد لحقه ضرر في بدايته ونهايته، جاءت يد وكمّلته. تنتمي هذه المخطوطة إلى تقليد أقدم من البريطاني 14432 والامبروسياني. ويبدو أنّ هذه المخطوطات الثلاث تتضمّن نصوصاً سابقة للمونوفيسية. لهذا فهي تتمتع بقيمة رفيعة. أمّا نص أشعيا فيتوافق مع النص الماسوري العبري.
- مخطوطات التقليد اليعقوبي: هناك عشر منتشرة في مكتبات أوروبا، وهي تتوزّع بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر
- بيبلية يوحانان. كمبريدج. مكتبة الجامعة. كُتب النص في السرطو (أو الحروف الكلدانية) وهو يعود إلى القرن الثاني عشر في القرن التاسع عشر حمله الدكتور كلوديوس يوحانان من شاطئ الملابار (في الهند). ولكن يبدو أن المخطوطة نسخت في سورية وهي لا تحتوي سفر الرؤيا.
- كمبريدج. مكتبة الجامعة. النص الثاني واسمه كودكس اربانيانوس. نُسخ سنة 1173- 1174، وتضمّن أسفار الأنبياء.
- ميلانو. المكتبة الأمبروسيانية (سنة 1615)، وأكسفورد (المكتبة البودليانية سنة 1614). نجد هنا مخطوطتين متقاربتين جذًا.
- أكسفورد. المكتبة البودليانية. نُسخت هذه المخطوطة سنة 1627 عن مخطوطة مارونية على يد تورندايك من أجل بوليغلوتة (متعددة اللغات) لندن.

ثانيًا: المخطوطات النسطورية
- مخطوطة التقليد النسطوري. لندن. المتحف البريطاني (12138). كُتبت سنة 899 عنوانها: مجموعات الاختلافات في البيبليا. قد لحق بها ضرر كثير.
- أربع مخطوطات عن الأنبياء: الأولى، برلين، ساخو 201 اسطرنجيلي: القرن العاشر الثانية: لندن (المتحف البريطاني 7152). تعود ربما إلى القرن التاسع. الثالثة: كمبريدج. مكتبة الجامعة (1965) تعود إلى السنة 1493 . الرابعة: لندن، المتحف البريطاني (18715). تعود إلى القرن الثاني عشر وقد تكون تأثرت بالتقليد الغربي.
- رومة. الفاتيكاني (سرياني رقم 4). سنة 1556. كمبريدج، مكتبة الجامعة. من الثامن عشر أو التاسع عشر. حملهما كلوديوس يوحانان إلى أوروبا وهما يمثلان النمط الملاباري.
- لندن الأولى تعود إلى سنة 1812، المتحف البريطاني (7151). والثانية تعود إلى سنة 1815، المتحف البريطاني (4395). ينتميان إلى التقليد النسطوري الحديث في تل كيفا.
- برلين. ساخو 90 من سنة 1654- 1655. تتضمّن هذه المخطوطة عدة أسفار من التوراة وهي تتفوّق على المخطوطات الغربية. تحتوي نصوصاً قديمة نجد مثلها في الأمبروسياني والفلورنسي. وإذا اتّبعنا القاعدة العامة نجد أنّ التقليد النسطوري أقرب إلى النصّ الأصلي من التقليد اليعقوبي.

ثالثًا: طبعات البسيطة الكاملة
نجد أقدم طبعة كاملة للبسيطة في بوليغلوتة باريس، وقد قام بها العالم الماروني جبرائيل الماروني. ظهرت سنة 1642. لا نجد في هذه الطبعة: اس، يه، طو، 2 مك، رسالة إرميا، تاريخ سوسنة (دا 13: 1 ي)، نشيد الفتية الثلاثة (دا 3: 51- 90). وظهرت مقدمة بوليغلوتة لندن سنة 1657. حاول صاحبها برايان ولتن أن يكمل بوليغلوتة باريس فزاد الأسفار القانونية الثانية وملأ الفجوات في النص. نَسخت بوليغلوتة لندن بوليغلوتة باريس (هي أدق)، ولكن ولتون زاد الأخطاء الجديدة على النموذج الذي اتبعه.
في سنة 1823 طبع صموئيل لي بعناية جمعية الكتاب المقدّس في بريطانيا والخارج نصّا عنوانه: التوراة السريانية. انطق من بوليغلوتة باريس ولندن واستعمل مخطوطتين من أكسفورد (البودليانية 391، 141) ومخطوطتين من كمبريدج، وبيبلية يوحانان، ومخطوطة اربانيوس. إلى أي حدّ استفاد من هذا التنوّع؟ هذا ما لا نقدر أن نقوله، ولكن ما هو واضح هو أنّ كتابه لا يتضمّن حواشي نقدية.
ذكرنا ثلاث طبعات اعتمدت على المخطوطات اليعقوبية. وسنذكر طبعتين تستند إلى التقليد النسطوري، أقله في الظاهر.
سنة 1852 طبعت ارسالية المشيخة الأميركية في اورمية، في كردستان الفارسي، العهد القديم في السريانية وفي السريانية الحديثة. ما يمكننا أن نقوله هو أنّ سفر القضاة نص يعقوبي، وسفر أستير قريب من ولتن. يستند سفر المزامير إلى مخطوطة نسطورية قيّمة ويَبرز اشعيا كما في طبعة صموئيل لي. أعادت جمعيات الكتاب المقدّس هذه الطبعة مرارًا وكان آخرها سنة 1979.
في سنة 1887- 892 1 طبع دومينيكان الموصل في ثلاثة أجزاء النص الكامل للبسيطة. حققّ النصّ مطران دمشق للسريان الكاثوليك يوسف داود وأعاد النظر فيها مطران آمد الكلداني جرجيس عبد يشوع خياط. استند المطران داود إلى طبعة أورمية وإلى مخطوطة من القرن السابع عشر، كما عاد إلى العبرية واليونانية واللاتينية. أعيد طبع هذه البيبليا في بيروت (المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين) سنة 1951.

رابعًا: طبعات جزئية للبسيطة
- البنتاتوكس. طبع في ليبسيغ وفيينا سنة 1908، وفي لندن سنة 1914. هذه الطبعة الأخيرة هي أهل للثقة. انطلق ناشرها من نص صموئيل لي فصحَّح اخطاءه مستعينا بست عشرة مخطوطة قديمة لاسيّمَا الأمبروسيانية والفلورنسية.
- المزامير. طبعة أربانيوس (توما فان اربا، مستشرق هولندي 1584- 1624). ظهرت بعد موت فان أربا سنة 1625 فاعتُبرت الطبعة الرئيسية للزبور السرياني. إستندت هذه الطبعة إلى مخطوطات يعقوبية متأخّرة فجاء نصّها أفضل من نص بوليغلوتة باريس ولندن ونص صموئيل لي. أعيد طبعُ هذا النص سنة 1768.
نشير إلى أنه ظهرت في دير قزحيا في لبنان طبعة أولى للمزامير (1584) وطبعة ثانية (1610- 1611). وكان في حوزة الصهيوني مخطوطة مارونية ومخطوطة يعقودية ومخطوطة نسطورية، إلاَّ أنّه اعتمد النص الماروني وأفسد نصّه بتأثير من ابن العبري. طبع الصهيوني هذا النص باريس سنة 1625، وهو الذي سيكون في بوليغوتة باريس ولندن وتوراة صموئيل لي.
سنة 1877 طبع يوسف داود وجرجس شلحت كتاب المزامير مع عشر أناشيد من التوراة. قابل الناشران النصوص اليعقوبية والنسطوربة، ولكنّهما عادا إلى النص العبري وتأثّرا بالشعبية اللاتينية أو الفولغاتا.
أمّا الزبور السرياني المطبوع في نهاية الشحيمة الكلدانية في باريس سنة 1886- 1887 فهو يمثّل النص النسطوري. ونشير أخيرًا الى طبعة علمية (كمبريدج سنة 1904) تفوّقت على كل سابقاتها قام بها العالم الإنكليزي بارنس فاستند إلى إحدى عشرة طبعة وثمانٍ وعشرين مخطوطة وتسعة عشر كاتبًا كنسيّا، وعاد إلى الترجمات العربية واليونانية وإلى الهكسبلة السريانية والنص العبري الماسوري.

2- مخطوطات العهد الجديد
دُرس العهدُ الجديد درسًا موسّعًا منذ القرن السادس عشر، واكتُشفت مخطوطاته التي هي مشتركة مع مخطوطات العهد القديم، وطُبع للمرّة الأولى في فيينا سنة 1555، ثمّ سنة 1562.
أقدم مخطوطات العهد الجديد موجودة في المتحف البريطاني: الرقم 14450 و 17117. نُسخا حوالي سنة 450. وهناك أربع مخطوطات أخرى (14453 و 14476 و 14480 والكراوفورديانوس الأوّل) تعود إلى القرن الخامسة أو أقلّه إلى بداية القرن السادس.
وهناك المخطوطة اللندنية 14479 التي تعود إلى سنة 534، والأخرى (14459) التي ترتقي إلى سنة 530- 538. ونجد مخطوطة للأناجيل التي تُقرأ في القدّاس في الفاتيكان وتاريخها سنة 548، وأخرى في فلورنسا وتاريخها سنة 586. وحين بدأ العلماء يُحصون المخطوطات الهامة للعهد الجديد في الترجمة البسيطة وجدوا في بداية هذا القرن خمسًا في القرن الخامسة، 33 في القرن السادس، 11 في القرن السابع. ولكنّ الأرقام ما زالت تتصاعد، وسنذكر بعضها. إلاَّ أنّ ما يلفت النظر هو الاتفاق التامّ بين هذه المخطوطات المتعدّدة والموزّعة على قرون عديدة. وقد لا نجد نصًّا واحدًا مختلفًا في الصفحة. ولقد اتّهم بعضُ العلماء النساطرةَ بأنّهم أفسدوا الترجمة السريانية. ولكنّ هذا القول غير صحيح. غير أنّنا نشير هنا إلى أنّ البسيطة لا تتضمّن 2 بط، 2 يو، 3 يو، يهو، رؤ.
وها نحن نعدّد بعض المخطوطات التي عرّفت حديثا.
- مخطوطة من دياربكر (1/2). وُجدت في كنيسة مار يعقوب السروجي. كتبت بالإسطر نجيلي وجعلت العناوين بالحرف الأحمر. تتضمّن الأناجيل الأربعة وتتوقّف فجأة مع إنجيل يوحنا. قد تكون قريبة من مخطوطة الفاتيكان السرياني 12. تعود إلى سنة 548 ونسخت في الرها.
- مخطوطة ديار بكر بصرلنلار الأوّل. كان مُلك توما بصرلنلار في ديار بكر (أو آمد). تتضمّن الأناجيل الأربعة وقد تسخت في الإسطرنجيلي من النمط الرهاوي. تعود إلى القرن السادس، بل إلى نهاية القرن الخامس.
- مخطوطة باريسي السريانية، رقم 30. يقول الكولوفون إنّ راهبين، ألعازر وجبرائيل، اشترياه من قرية عردانة سنة 1197- 1198. ولكنّ هذا الكودكس يعود إلى وقت كان الدياتسارون منتشرًا في العالم السرياني.
- مخطوطة بورجيا السريانية، رقم 47. تتضمّن الأناجيل وسائر أسفار العهد الجديد بما فيها الرؤيا. وُضع النص السرياني في عمود، والنص الكرشوني (لغة عربية مكتوبة بحرف سياني) في عمود آخر وقد قُسم إلى فصول ليُقرأ على مواد السنة الليتورجية. دوّنت المخطوطة سنة 1399.
- مخطوطة باريس السريانية، رقم 28. يتضمّن هذا الكودكس الأناجيل الأربعة وسائر أسفار العهد الجديد. كُتب في الإسطرنجيلي وقد يعود إلى القرن الحادي عشر أو القرن العاشر في فترة نهضة الكتابة السريانية.
- مخطوطة باريس السريانية، رقم 296. يعود هذا النص إلى القرن الخامس وقد كتبته اليد التي كتبت مخطوطة المتحف البريطاني (14425) المؤرّخة في سنة 463- 464. يتضمّن بصورة خاصة إنجيل لوقا.
- مخطوطة سيناء السريانية، رقم 2. كُتبت على رق بالإسطرنجيلي، تتضمّن الأناجيل الأربعة وهي تعود إلى نهاية القرن الخامس أو بداية السادس.
- مخطوطة برلين. شرقية رقم 528. هي كودكس يتضمن بصورة خاصة إنجيل متى. كُتب بالإسطرنجيلي خلال القرن السادس.
- مخطوطة سيناء السريانية، رقم 65. لحقت بها الأضرار في البداية والنهاية فاحتفظت لنا بإنجيلي متّى ومرقس. تعود إلى القرن العاشر أو الحادي عشر.
- مخطوطة فلورنسا شرقيّة، رقم 425. تتضمّن نصّ إنجيل متّى وبداية إنجيل مرقس. تعود إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر.
- مخطوطة سيناء 11. كودكس من الرق. يتضمن الأناجيل الأربعة ويعود إلى القرن التاسع.
مخطوطة باريس السريانية، رقم 42. كودكس من الورق يتضمّن ترجمات متعدّدة منها العربية ومنها السريانية الحرقلية (في عمود ثالث) للأناجيل الأربعة. تمّ سنة 1225- 1226.
- مخطوطة باريس السريانية، رقم 43. تتضمّن الأناجيل الأربعة في السرياني والكرشوني. وقد كُتبت سنة 1493- 1494 .
- وهناك أيضاً: فاتيكان سرياني رقم 525، باريس سرياني رقم 343، 361، بيروت (جامعة القدّيس يوسف) رقم 465، باريس سرياني رقم 341 (الذي يتضمّن العهد القديم والعهد الجديد مع الأسفار القانونية الثانية)، سيناء سرياني رقم 1، 6، 7، 11، 12 (قراءات) 15، 20، 21، 32، (الأناجيل والرسائل ومقاطع ليتورجية)، 54، لندن (المتحف البريطاني) رقم 17118 (الأناجيل الأربعة)، 14466 (مرقس ولوقا)، بطريركية الشرفة في لبنان رقم 313، ورقم 412 (قراءات من الأناجيل وأعمال الرسل)، ورقم 108، فاتيكان السرياني 20، 279 (قراءات لدى الملكيين)، 280 (نسخ سنة 1505) 228 (قراءات من الإنجيل، نسخة يوحنّا شماس من بان في لبنان)، 488 (الأناجيل الأربعة)...
كنّا نودّ أن نذكر المخطوطات في العالم القبطي والعربي والأرمني، ولكنّ المجال يضيق. وقد ذكرنا هذه لنبيّن الجهد الذي يقوم به دارسو نصوص الكتاب المقدّس ليقدّموا لنا نصًّا لا غبار عليه، أكان في اللغة الأصلية أم في اللغة المترجمة.

القسم الثاني
أبحاث في العهد القديم

قبل أن نطلّ على أسفار التوراة المتعدّدة، نطرح بعض المسائل العامّة التي تتعلّق بالعهد القديم ككل، ولا سيّمَا أنّ بعض الفئات المشرقية تتردّد في قبوله. بعضهم يكتفي بالعهد الجديد، بل بالإنجيل، تاركًا العهد القديم لذوي الاختصاص. والبعض الآخر يرفض العهد القديم، وهذه نظرية عرفتها الكنيسة منذ القرن الثاني في صراعها مع العالم اليهودي. ولكن متى كانت التوراة مُلْك اليهود؟ لقد وُلدت في هذا الشرق وحملت تراث الكنعانيين والمصريين والأراميين والفينيقيين والبابليين والأشوريين أي الشعوب التي أقامت في العالم العربي. دوِّنت باللغة العبرية التي هي بنت العربية والكنعانية (المتمثّلة بالفينيقية)، ودوّن القليل منها بالأرامية، أمّ السريانية. ووصلت إلينا بعض الأسفار في اللغة اليونانية. في القديم، كتبت التوراة في الخط الفينيقي. أمّا النسخة التي بين أيدينا كتوبة بالحرف الأرامي المتطوّر.
ونُقلت التوراة إلى الأرامية ثم إلى اليونانية ثم إلى سائر لغات العالم وما زالت تُنقل، فصارت كلام الله الذي يتوجه إلى كل إنسان في لغته الخاصة. وانطلاقًا من هذا القول نعالج في هذا القسم:

أوّلاً: الكتاب المقدّس في إطاره التاريخي.
ثانيًا: مراحل تكوين التوراة.
ثالثًا: الأسفار القانونية والأسفار المنحولة.
رابعًا: قراءة العهد القديم على ضوء العهد الجديد.
الفصل السابع
الكتاب المقدّس في إطاره التاريخي

أنزلت التوراة، أي كلام العهد القديم، في إطار جغرافي وتاريخي هو عالم الشرق الذي يمتدّ من مصر إلى بلاد الرافدين (أي العراق وبعض إيران)، ومن برّية سيناء إلى آسية الصغرى (أي تركيا الحالية). أمّا مركز هذا الإطار فأرض كنعان التي سمّيت فلسطين في القرن الثاني بعد الميلاد نسبة إلى الشعب الذي أقام على سواحلها في القرن الثاني عشر ق. م.
لن نتطرّق إلى جغرافية كنعان وهي جزء من أرضنا، لكنّنا سنتوقّف على التاريخ القديم الذي عرفه شرقُنا، فنتحدّث أوّلاً عن أرض كنعان قبل أن يأتيها بنو إسرائيل غزاة ومحتلّين، ونتحدّث ثانية عن تأسيس مملكة بني إسرائيل وانقسامها واندثارها، ونتحدّث ثالثة عن تاريخ شعب الله في زمن الفرس واليونان والرومان.

أ- أرض كنعان قبل برء بني إسرائيل اليها
تمتدّ أرض كنعان من جبال لبنان الخضراء إلى المنطقة الجافّة القريبة من البحر الأحمر. في هذه الأرض تكوّنت مملكة داود، فجمعت أبناء إبراهيم بمجموعة من الشعوب تركوا بصماتهم في منطقة أقام فيها الإنسان منذ آلاف السنين.

1- كنعان في بداية التاريخ
زار الإنسان أرض كنعان في الزمن السابق للتاريخ، وترك آثاره فيها منذ العصر الحجري القديم (أي حوالي سنة 45000 ق. م.). سنراه في العصر الحجري الأوسط (9000 ق. م.) مستطيل الرأس يبحث عن قُوته في القطاف والصيد البحري والبري. وفي العصر الحجري الحديث (7000 ق. م.)، بدأ ابن كنعان يزرع الأرض ويستفيد من خدمة الحيوانات الداجنة التي تعيش بقربه. وحوالي سنة 4500 ق. م. سيبني الكنعانيون أولى مدنهم ببروجها وأسوارها: أريحا، مجدّو، شكيم.
واكتشف الإنسان المعادن، فصفع منها آلات أفاد منها المزارعون والخزّافون صانعو الفخّار في بئر سبع إلى الجنوب وفي جوار البحر الميت. مثل هذه المدنيَّة البدائية انتشرت في كل الشرق الأوسط، في وادي النيل وشاطئ البحر المتوسط وبرّ الأناضول خلال الألف الرابع ق. م.
ولكن بعد هذه الفترة، إنقطعت كنعان عن مصر وبلاد الرافدين، ومردّ ذلك أنّ سكّانًا جددًا جاؤوا من الشمال وانتشروا فيها. كانوا ساميين، فرّوا عبر سورية قبل أن يقيموا في ما نسمّيه اليوم لبنان وفلسطين، وغيّروا المعالم في الأمكنة التي أقاموا فيها. أعطوا الجبال والأنهار أسماء جديدة، أسّسوا المدن العديدة وحصّنوها، مثل مجدّو وبيسان وأريحا وتل الفارة (أي ترصة أوّل عاصمة لمملكة الشمال) وأراد (في مملكة يهوذا، في الجنوب). وبنوا مدنهم بالحجارة وجعلوا في السور ثلاثة مداميك ليحموا نفوسهم في بلاد لم تكن تنعم بالهدوء والأمان. ولكنّ هذه المدنيّة الجديدة انهارت سنة 2200 ق. م. تاركة بلاد كنعان عرضة لغزوات البدو الآتين من الصحراء.

2- بلاد الرافدين ومداها الثقافي
أقام السومريون في منطقة سومر، جنوبي بلاد الرافدين، بعد أن جاؤوا من القوقاس في أوروبا، وامتزجوا بالأكاديين، وهم شعب سام قطن شرقي بلاد الرافدين. وعاش الشعبان في مدن مختلفة عرفت الصناعة والتجارة، ودوّنت بعضًا من تاريخها بالحروف المسمارية، حمله السومريون معهم حوالي السنة 3100 ق. م.
أطلعتنا الحفريات على بعض هذه المدن بمعابدها وقصورها ومدافنها. ففي أور (جنوبي العراق الحالية) نرى مدافن أولى السلالات الملكية في البلاد، وفي أريدو ونيفور نكتشف مركزين دينيين هامين انتعشت فيهما الثقافة، كما نكتشف مدينة أخرى، أوروك، جعلها ملكها السومري لوجال زاجيزي تزاحم سائر المدن بعد أن أسّس فيها أولى إمبراطوريات الشرق حوالي سنة 2390 ق. م. غير أنّ هذه الامبراطورية لم تعمّر طويلاً، فانتقلت إلى يد ملك ساميّ تبنّاه لوجال، هو سرجون الاكادي (2371- 2316)، الذي شيّد مملكة امتدت من البحر المتوسط إلى منطقة عيلام (شرقي بابل)، ثم اتسعت في عهد خلفائه فوصلت إلى نهر الهندوس في الهند. ولكنّ هذه المملكة ستدمّر بفعل برابرة جاؤوا من جبال إيران فقضوا على مدنيّة البرونز القديم (امتدت طول الألف الثالث تقريبًا) في بلاد الرافدين والأناضول ووصلوا إلى فلسطين.
غير أنّ شعبًا ساميًا آخر، هم الأموريون الآتون من الصحراء العربية، بدأوا يضغطون على المملكة السومرية الناهضة في زمن سلالة أور الثالثة (2103- 2006) التي بنت بوجههم جدارًا (على غرار جدار الصين) طوله 275 كلم. ولكنّ الأموريين فتحوا ثغرة في هذا الجدار واجتاحوا المدن، وتسلّطوا على بلاد الرافدين، بل أسّسوا سلالة ملكية في بابل اشتهرت بحمورابي (1792- 1750) الذي حفظ لنا التاريخ منه مجموعة قانونية محفوظة في متحف اللوفر بفرنسا.
كانت بلاد الرافدين قد عرفت نشاطًا أدبيًّا واسعًا في عهد السلالات الملكية في "ايسين" و"لرسة"، فكشفت لنا النصوص القديمة الأناشيد والقوانين واللوائح التي تُورد أسماء الملوك وما فعلوا. ولما دخلها الأموريون ضاعفوا هذا النشاط فغمرت ثقافة بابل بلاد الشرق حتّى شاطئ البحر المتوسط. وعلى هذا دوّن الكتّاب رسائل وعقودًا في الحروف المسمارية، وقرأ المتعلّمون ملحمة جلجامش. وبما أنّ لغة بابل كانت لغة السياسة في ذلك الزمان، فقد تعلّمها الفراعنة واستعملوها في مراسلاتهم في القرن الرابع عشر (زمن تل العمارنة).
في ذلك الوقت حفظت لنا ماري، العاصمة الملكية على شاطئ الفرات، أسماء مدن مثل حاصور في كنعان ويمهد (أي حلب) وقادش، وجبيل واوفة (أي دمشق)، وذكرت أسماء قبائل تنتقل من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال، فتهدد المدن الآمنة: سوتو (اليها يعود اسم شيت. رج تك 4: 25)، وبنيامين، وبنو سمعال.
ولكنّ الأموريين سيمتدّون نحو البحر فيبنون مدنًا أمثال دمشق وأشقلون وأورشليم وغيرها. وفي نهاية القرن الثامن عشر سيهدّدون الفراعنة (الذين لعنوهم في صلواتهم الطقسية)، بل سيجتاحون مصر ويتسلّطون عليها من الدلتا إلى مصر الوسطى سحابة مئة سنة ونيّف. هؤلاء الغرباء ستسمّيهم مصر"هقة هسوت"، الهكسوس، أي الملوك الرعاة.

3- مصر وأرض كنعان
بعد المدنيّة النيوليتية (أي العصر الحجري الحديث) والكلكوليتية (أي نهاية العصور الحجريّة وبداية عصر البرونز، حوالي سنة 3000 ق. م.) قام نارمير (اسمه مينيس في كتب اليونان) الذي كان ملكًا في جنوب مصر، فاحتل الدلتا ووحّد البلاد وأسس مصر الفرعونية. معه بدأت المملكة القديمة (أي من السلالة الاولى إلى السلالة السادسة، أي من سنة 3000 إلى سنة 2263 ق. م.) التي بنت أهرام مصر، واخترعت الكتابة الهيروغليفية وتركت لنا آثارًا أدبية رفيعة.
وتطلّعت مصر إلى خارج حدودها، منذ عهد نارمير الذي وصل إلى اشقلون، على شاطئ كنعان، وخلفائه الذين تقدموا إلى لبنان (جبيل) فاقتطعوا أخشابه، وإلى سيناء فاستخرجوا الفيروز من مناجمها، وإلى كنعان يقيمون معها علاقات سياسية وتجارية. 
حوالي السنة 2200 ق. م. إنهارت المملكة المصرية القديمة بفعل ثورة داخلية مزّق القائمون بها وحدة البلاد، وسلبوا كنوز الأهرام. وتبع هذه الثورة هجوم الآسيويين عبر الدلتا في عهد السلالة العاشرة. ولكن السلالتين الحادية عشرة والثانية عشرة (2160- 1785) ستنطلقان من طيبة فتكوِّنان مملكة مصر الوسيطة، فتعرف البلاد فيها عهدًا من العصر الذهبي.
شيّد أمينمحات الأوّل قرب مضيق "السويس" "جدار الأمير" ليحمي نفسه من هجمات الآسيويين، وهذا يعني أنّ مصر لم تتطلعّ صوب كنعان في أيّام المملكة الوسيطة، اللهم تلك الحملة التي قام بها سيستريس على شكيم. غير أنّ هذا لا يعني أنّ الاتصالات انقطعت بين مصر وكنعان. فهناك الهاربون من مصر إلى بلاد قدم (رج تك 29: 1) قرب دمشق، وهناك التجار الذين يصدّرون الماشية إلى بلاد النيل أمثال توت حوتيف الذي صنع لنفسه تمثالاً في مجدّو، وهناك الساميون العاملون في مناجم شبه جزيرة سيناء. أمّا جبيل فظّلت المرفأ الأوّل الذي يربط بلدان الشرق بمصر
وغزا الهكسوس مصر، فأثارت هذه الغزوة في قلوب المصريين انتفاضة جعلتهم يقومون بقيادة احموسيس، مؤسّس السلالة الثامنة عشرة (بداية القرن السادس عشر)، فيطردون الغزاة ويحتلون قلعة شروحن في النقب (يش 19: 6)، ويمدّون سيطرتهم على أرض كنعان طيلة قرون ثلاثة، على ما تقوله حوليّات فرعون في ذلك الزمان. هذا ما سيساعدنا على فهم تأثير مصر ومدنيّتها على بني إسرائيل وعلى نُظُمهم السياسية والاجتماعية والدينية.

4- شعوب كنعان قبل مجيء بني إسرائيل اليها
في البداية، كانت كنعان تدلّ على المنطقة الساحلية التي اشتهر أهلها بالتجارة، وخاصة بالأرجوان (فينكس في اليونانية ومنه اشتقت كلمة الفنيقيين. في المصرية فنهو) الذي يستخرجونه من صدف خاص. ثمّ صارت كنعان تشمل أرض الجنوب ومدنه. وانقسم الكنعانيون قسمين متمايزين: الحضر المقيمون في المدن وحولها، والبدو الرحّل العائشون في البادية الذين منهم قبيلة سوتو في الجنوب وشوسو في أدوم. وجاء من الجزيرة العربية بنو مديان وعشائر كوشو. في هذا الإطار نجد لوائح بأسماء السكان الذين تسلّلوا إلى بلاد كنعان وأقاموا فيها في أواسط الألف الثاني ق. م.: الكنعانيون والحثيون والأموريون والفرزيون والحويون واليبوسيون (خر 8:3).
المدينة في كنعان محصّنة ولها أبواب تُقفل بشكل كماشة، على رأسها ملك تحيط به حاشية مختارة ومجلس شيوخ يمثلّون البيوت والعائلات. على باب المدينة يجتمع القوم، ويتّخذ القائد القرارات، ويعلن القاضي الأحكام، وتتمّ الأعمال التجارية وتقام الاحتفالات. وللمزارعين الأحرار الذين يدافعون عن المدينة دور يلعبونه في تنظيم المجتمع. أمّا العبيد فلا دور لهم، إن هم إلاَّ سلعة تُشرى وتُباع. يتوسّط كل مدينة هيكل، له رواق يقف فيه الشعب وقسم داخلي يلجه الكهنة والملك ليقدّموا الذبائح والصلوات لإله المدينة الحاضر بشكل تمثال. قرب المعابد والقصور يعيش الكتّاب الذين ينقشون على الآجر النصوص الادارية والدينية، بل أساطير الآلهة والقوانين التي تنظّم عبادة المؤمنين. 
وجاء وقت تراجع فيه تأثير البابليين على بلاد الشرق فانتعشت الثقافات المحلية، واخترعت هذه الممالك الصغيرة كتابة جديدة تتكيّف وحاجة التجار فكانت الأبجديات الأولى: في سيناء (ربمَا حوالي 1700 ق. م.)، في جبيل (على الطريقة الهيروغليفية)، وفي أوغاريت (على الطريقة المسمارية)، بل كانت الأبجدية الفينيقية التي ستعمّ العالم. أجل، أخذت كنعان عن مصر نُظُمها السياسية، وعن بحر إيجيه فنه في صنع الخزف ونقشه، ولكنّها أعطت العالم الأبجدية التي ستفتح الطريق واسعًا أمام المعرفة.

5- الحثيّون والمصريون
حين طرد المصريون الملوك الرعاة في عهد السلالة الثامنة عشرة، بدأت مملكة الحثيين انتشارها انطلاقًا من آسية الصغرى (تركيا الحالية) فاحتل حتوسيل الأوّل حلب في بداية القرن السادس عشر ومورسيل الأوّل بابل، عاصمة الأموريين، فنهبها. ولكن الجيش المصري كان بالمرصاد فوصل جيش تحوتمس الأوّل حوالي سنة 1500 وهاجم الحثيين عند الفرات، وسحق تحوتمس الثالث (1468- 1436) في مجدّو الملوك الكنعانيين المتحالفين ونظّم المناطق التي احتلها في ثلاث مقاطعات: أمورو، أوفة، كنعان، وترك لكل مملكة استقلالها الذاتي، وظل يراقبها بواسطة مدبّرين أقاموا في قواعد حربيّة مثل بيسان ومجدّو وغزة. وخلفه أمينوفيس الثالث ثم امينوفيس الرابع الذي تخلّص من وصاية الكهنة ونقل عاصمته من طيبة إلى تل العمارنة (حوالي السنة 1370) وحمل معه قسمًا من الأرشيف الدبلوماسي. إكتشف الباحثون أرشيف المصريين في تل العمارنة سنة 1887، وأرشيف الحثيين في بوغازكوي سنة 1907، وأرشيف الساميين في أوغاريت (رأس شمرا) سنة 1929، ووضعوا بين أيدينا لوحة كاملة عن تلك الحقبة من التاريخ.
وفي سنة 1370 تقريبًا هاجم الملك الحثي سوفيلوليوما سورية، بعد فترة من الانكفاء، فجعل رجاله على الفرات، في كركميش، ثمّ احتلّ حلب وأوغاريت وسيانو (رج تك 17:10) القريبة من طرابلس بلبنان، وقادش. فهبّت مصر من غفلتها مع حموريمحب، ثم بدأت سياسة توسعية مع سيتي الأوّل مؤسس السلالة التاسعة عشرة. حاول رعمسيس الثاني (رج خر 1: 11، عاصمته في رعمسيس وفيتوم مدينة المؤن والعتاد) أن يخرج الحثيين من سورية، ولكنّه هُزم في قادش (1286 ق. م.) وفُرضت عليه معاهدة (1269 ق. م.) جعلت حدًّا لتقدمه منطقة جنوبي لبنان.

6- الحوريون وبنو عابر
قبل أن يصطدم الحثّيون بالمصريين، التقوا بجماعة آتية من أوروبا، أقامت عند انعطاف مجرى الفرات "مملكة ميطاني" وتعبّدت للآلهة ميترة وفارونة وأندرة المعروفة في إيران. فهذه الجماعة الآتية من جبال القوقاس اتصلت بجماعة أخرى آتية من أرمينيا (أوراراطو. رج كلمة أراراط في تك 8: 4 وهي منطقة جبلية ينبع فيها الفرات ودجلة) فتكوّنت جماعة الحوريين الذين أسسوا في نهاية الألف الثالث مملكة صغيرة في أوكيش، على سفح جبل طورس، ثمّ امتدّوا إلى شرقي دجلة. وأقاموا في نوزو (أي ارافا. رج ارفكشاد في تك 10: 22، 24)، شرقي أشور، وتركوا لنا هناك وثائق تعرّفنا بنظمهم وعاداتهم.
بعد ذلك انتشر الحوريون في أعالي بلاد الرافدين في ماري (القرن 18) ووصلوا إلى ألالخ في سوريا (القرن 16) ومدّوا نفوذهم إلى الجنوب، فلاقاهم تحوتمس الثالث المتحالف مع الملوك الكنعانيين في معركة مجدّو.
أقام بعض الحوريين في اوغاريت، وعرفت أرض كنعان ثلاثة ملوك حوريين، بينهم ملك أورشليم، في زمن العمارنة، والتقى منفتاح بن رعمسيس ببعض الحوريين في شمالي أشقلون عندما كانت جيوشه تحارب هناك حوالي سنة 1240. سيتراجع الحوريون (ويبدو أن الفرزيين والحويين كانوا منهم) فيقيمون في أرض أدوم حيث تجعل التوراة مقامهم (تك 36: 20 ي ؛ رج 2 صم 24: 16- 25 وارونا اليبوسي الحوري)، ولهذا السبب سمّى المصريون كنعان "حورو".
أمّا بنو عابر (عبيرو في مصر) فقد ظهر اسمهم في كبادوكية (تركيا الحالية) حوالي السنة 2000 ق. م.، وعُرفوا كلصوص وقطّاع طرق، ولهذا سلّمهم بعض الملوك مواقع ستراتيجية يحمونها من أعدائهم. أقاموا في عيلام وبلاد الرافدين (القرن 18) وتكاثروا في نوزو حيث شكّلوا جماعة من العبيد يشبه وضعهم القانوني وضع العبيد عند العبرانيين (رج خر 21: 2- 11: إذا اقتنيت عبدًا عبرانيًا، فليدخل في خدمتك ست سنين...). 
أقام بنو عابر في أرض كنعان جماعات مشاغبة شكّلت خطرًا على أورشليم وتحالفت مع جبيل. التقى بهم أمينوفيس الثاني، ملك مصر (في نهاية القرن 15)، وأسر منهم عددًا كبيرًا وجعلهم عبيدًا يعملون في بناء الهياكل في منطقة الدلتا (رج خر 1: 1 ي) وفي استخراج الحجارة من مصر العليا. هذا ما قالته نصوص تل البررة في بني عابر الذين هم العبرانيون، ولم يعد يرد ذكر لهذه الجماعة بعد سنة 1100 ق. م. إلاَّ في بعض النصوص المسمارية.

7- الأشوربون والأراميون والفلسطيّون
ظهر الأشوريون على مسرح الشرق حوالي السنة 2000، فاستوطن بعضهم منطقة كبادوكية وتسلّط ملكهم شمشي هدد الأوّل على ماري والخابور سنة 1800 تقريبًا. ثمّ وضعوا يدهم على أرض ميطاني وأخضعوا مدينة بابل لفترة قصيرة، قبل أن يعبروا الفرات بقيادة تجلت فلاسر حوالي السنة 1100 وتصل جيوشهم إلى شواطئ البحر المتوسط.
أمّا الأراميون، ومدينة أرام الواقعة شرقي دجلة معروفة منذ الألف الثالث ق. م.، فلم ينظّموا صفوفهم قبل القرن الرابع عشر، ولم يصبحوا قوّة يُحسَب لها حسابٌ إلاَّ في نهاية القرن الثاني عشر أسّسوا مملكة دمشق وغيرها من الممالك في القرن العاشر، ولعبوا دورًا هامًا على مستوى المدنية، وستكون لغتهم الأرامية لغة الشرق طوال الألف الأوّل ق. م. 
يعتبر المؤرّخون أنّ الفلسطيين قسم من شعوب البحر (جاؤوا من كريت أوكبادوكية). ظهروا أوّل ما ظهروا على شواطئ مصر في القرن الثالث عشر كَسرَهم رعمسيس الثالث سنة 1175، فأقاموا على ساحل أرض كنعان وأسسوا اتحادًا ضمّ خمس مدن هي غزة، أشقلون، جت، أشدود، عقرون. شكّلوا خطرًا على بني إسرائيل، فأخذوا منهم بيت شان ثمّ انتصروا عليهم في جبل الجلبوع فقتلوا لهم ملكهم شاول وعلّقوا رأسه على سور بيت شان (1 صم 31: 1 ي). سيحاربهم داود (2 صم 17:5- 25) فينتصر عليهم (2 صم 8: 1) ويسالمهم، بل يجعل حرسه الخاص منهم (2 صم 18:8؛ 18:15: الفلاتيون والكريتيون).
أين موقع العبرانيين، أين موقع بني إسرائيل من هذا التاريخ؟ لقد بدأ المؤرّخون يميّزون بين العبرانيين، هؤلاء العبيد بالسخرة في أرض مصر، وبين بني إسرائيل الذين يعتبرون نفوسهم من الأراميين. هل جاء إبراهيم وإسحق من بلاد الرافدين ويعقوب من الصحراء الواقعة شرقي الأردن؟ هل تميّز يعقوب عن إسرائيل فكوّنا جماعتين اتحدتا فيما بعد مع أنّ القبائل المتحدّرة من ليئة (أمة يعقوب) أقدم عهدًا من القبائل المتحدّرة من راحيل (زوجة يعقوب المحبوبة. رج تك 30: 1 ي)؟ ثمّ إنّ التقليد المرتبط بيوسف ابن يعقوب يقودنا إلى مصر، لا إلى بلاد الرافدين. ولكن مهما يكن من أمر، فنحن في زمن القضاة أمام حلفٍ من القبائل سيكون لها ملك في شخص شاول (1110 ق. م.)، وهي تعتبر موسى قائدها الأوّل الذي جاء بها من مصر لتسكن أرض كنعان.

ب- مملكة بني إسرائيل
1- الحالة السياسية في زمن موسى
نقرأ على مسلّة نُقشت في عهد منفتاح حوالي سنة 1230 ما يلي: خرّ الأمراء أمامي ساجدين وطلبوا السلام، وما عاد بلد من البلدان التابعة لمصر يرفع رأسه. اجتحت أرض ليبيا وعمّ السلام في حطي. سلبت (خير) كنعان وسبيت (سكّان) اشقلون وأسرت (أهل) جازر. زالت (مدينة) يانؤام ودمِّر (شعب) إسرائيل فلم يبق من نسله أحد، وصارت (بلاد) حارو كأرملة (قتل رجالها) أمام مصر. عمّ السلام جميع هذه البلدان، ومن ثار (على مصر)، اقتاده اسيرًا ملك مصر العليا والسفلى، حبيب الإله امون، وابن الإله رع، منفتا.
ولكنّ مصر ستنكفئ بعد ذلك على ذاتها ضعفًا (بعد أن تسلّل اليها الليبيون)، تاركة حامية صغيرة في بيت شمش ولاكيش ومجدّو. أمّا بلاد الرافدين فبقيت بعيدة عن البحر، وزالت قوة آسية الصغرى، فلم يعد يُحسب لها حساب. هذا الفراغ في القرن الثاني عشر ق. م. سيفيد منه الفلسطيون أوّلاً فيحتلّون ساحل أرض كنعان من مصر إلى الكرمل، ومهل يزرعيل من البحر إلى بيت شان، ويقيمون لهم برج مراقبة في الجبل، في جبعة بنيامين الواقعة شمالي أورشليم (1 صم 13: 15). وانتظم بنو موآب وادوم في مملكتين شرقي البحر الميت (تك 36: 31). ثمّ ضرب الأدوميون القينيين وأخرجوهم من وكرهم بين الصخور (عد 24: 20)، وتوسّع بنو عماليق إلى الشمال حتّى وصلوا إلى أرض بني افرائيم (قض 5: 14؛ 33:6). أمّا الجبال فبقيت بيد الكنعانيين الذين انقسموا ممالكَ استقلت الواحدة عن الأخرى، فضعفت البلاد وعمّت الفوضى وزالت مدن عديدة. أمّا الأموريون فانتقلوا من الشمال إلى الجنوب: أقام سيحون في حشبون وضرب الموآبيين ضربات قاسية (عد 28:21)، وتأسست مملكتا جاشور ومعكة عند حرمون. في ذلك الوقت كان العبرانيون في مصر وسينظّم موسى صفوفهم ليدخلوا أرض الميعاد بقيادة خلفه يشوع بن نون.

2- شخصيّة موسى
كما عاش الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب خارج التاريخ السياسي الكبير، وهم الذين أقاموا في البراري البعيدة عن المدن، كذلك أقام موسى في برية سيناء مدّة من الزمن. اسمه اسم مصري (مثل فنحاس ومراري)، وأصله من بني لاوي (خر 2: 1)، وبه ترتبط العائلة الموكلة على معبد لاييش (في دان) عبر جرشوم (قض 18: 30). كان ذكره حيًا في شمالي كنعان واعتبره هوشع (12: 14) النبيَّ الذي أخرج بني إسرائيل من مصر سمّته النصوص الالوهيمية نبيّ الأنبياء (عد 12: 6- 8)، وركّزت عليه تاريخ الخلاص مُنطقة من التقاليد التي وصلت إليها. أمّا المرجع اليهوهي الذي يتوسّع في الحديث عن اختيار الله لعائلة إبراهيم التي منها سيكون ملك (عد 7:24، 17) يخرج من يهوذا (تك 49: 10)، فهو يتوقّف عند شخصية موسى وما يمثّل من تقاليد جمعت حولها أسباط إسرائيل الاثني عشر في وحدة دينية واجتماعية.
كان موسى من سبط لاوي وارتبط أيضاً بسبط رأوبين، فاصطدم به عبر داتان وأبيرام (عد 16: 1 ي). وحين مات دُفن في نبو (تث 34: 1) وهي مدينة لبني رأوبين تقع شمالي موآب. تزوج موسى بامرأة مديانية اسمها صفورة الملقّبة بالكوشية (عد 12: 1)، والقرابة معروفة بين مديان وكوش (حب 7:3، راجع النصوص المصرية التي تلعن هذين الشعبين). ثمّ إنّ المديانيين ارتبطوا برباط وثيق مع الموآبيين (عد 22: 4، 7)، وداود هو ابن راعوت الموآبية (را 4: 21)، وقد سلّم عائلته إلى ملك موآب حين دبّ الخلاف بينه وبين شاول (1 صم 3:22- 4)، وهناك علاقات خاصة بين رأوبين ودان عبر بلهة (تك 22:35).
وارتبط موسى بقبيلة افرائيم (هو 12: 14) وقد عاونه يشوع بن نون الافرائيمي. واتصل ببنيامين المولود في الرامة قرب بيت إيل في أرض افرائيم (تك 35: 18 ي؛ 1 صم 10: 2؛ ار 31: 15). ومن الجلجال (على ضفة الأردن قرب غابة افرائيم. رج 2 صم 6:18)، حيث المعبد البنياميني الشهير، سينطلق يشوع في حملاته العسكرية.
ارتبط إفرائيم بن يوسف بمنسّى (عبر بني ماكير) وكلاهما تبنّاه يعقوب (تك 50: 23) فأقاما في محنائيم في جلعاد، وتردّد بنو كعون إلى معبد بعل فغور (عد 25: 14)، وقد حفظ لنا التقليد خبرًا عن هذا المعبد وما فعله موسى بالذين فجروا هناك (عد 25: 1 ي). 
أمّا علاقة سبط يهوذا بموسى فسيكتشفها المرجع اليهوهي عبر الجماعات العائشة في الجنوب والتي اتصل بها داود في صقلاج وحبرون. فهناك ذكريات عن قادش حيث دُفنت مريم (عد 20: 1) أخت موسى. ويتحدّث بنو كالب الذين أتوا من قادش إلى حبرون، عن إقامة موسى في وسطهم. وإنّ اللاويين المقيمين على حدود أدوم يتذكرون هارون الذي كان قرب موسى في حروبه، والذي طبع عبادة بني إسرائيل بشعائر مأخوذة من مصر أو كنعان (خر 32: 1 ي) والذي دُفن في جبل هور، في منطقة العربة (قرب البحر الميت). ويروي القينيون المقيمون قرب عرار (قض 1 :16) أنّهم رافقوا موسى في البرّية.
تتنوعّ التقاليد حول شخصية موسى، كل قبيلة، بل كل عشيرة تحاول التقرّب منه. وتتنوعّ أيضاً حول اسم حميّه. فهو في تقليد مديان "يثرون" (خر 3: 1)، وفي تقليد أدوم "رعوئيل " (خر 2: 18؛ رج تك 13:36، 17)، وفي تقليد القينيين "حوباب" (قض 1 :16؛ 4: 11). وتتنوعّ أيضاً حول اسم الجبل الذي تجلّى الله له عليه. فهو سيناء (خر 19: 11؛ 2:34)، وحوريب (خر 3: 1 ؛ 6:17 ؛ 6:33؛ تث 2:5)، وجبل الله (خر 3: 1 ؛ 27:4 ؛ 18: 5) وجبل يهوه، الرب (عد 10 : 33). هذه الأسماء لا تدلّ على جبل واحد، حتّى وإن أعطاها التقليد اليهودي اللاحق وظيفة دينية واحدة. 
ذكرنا كل هذه التقاليد التي تربط موسى بأسباط إسرائيل الاثني عشر، ولكنّ الأمور التاريخية الأكيدة التي تناقلها بنو افرائيم، فهي أنّهم وُلدوا في مصر (تك 41: 52) وصعدوا من هناك بقيادة نبي (هو 12: 14)، فوصلوا إلى حوريب ثمّ انتقلوا إلى موآب حيث تسلّموا هم وسائر القبائل شريعة من الرب بواسطة عبده موسى. ومهما يكن من أمر، فالوثائق التاريخية التي تناقلتها النصوص القديمة لا تذكر اسم موسى ولا تعرف هارون ومريم وفنحاس ويشوع بن نون. ولكنّ يبقى أن كل قبيلة من القبائل التي أقامت في كنعان، اعتبرت تقليد سائر القبائل وكأنّه تقليدها الخاص وربطته بشخص موسى وبالخروج من مصر والإقامة في البرّية، ليكون له وظيفة تأسيسية في شعب الله.

3- إقامة قبائل بني إسرائيل في كنعان
تتوسّع التوراة في الحديث عن حروب بني افرائيم بقيادة يشوع، في أريحا والعي وبيت إيل وأيالون، وتورد نصوص الاتفاق مع بني جبعون وأهل شكيم. كانت شكيم مدينة لمنسّى، فعقد يشوع معاهدة مع أهلها الذين يعبدون بعل (قض 9: 4) وإيل (قض 33:8 ؛ 46:9) ولا يعرفون اسم يهوه (رج يش 24 : 14). في عهد القضاة، السابق لعهد الملوك، كانت قبيلة افرائيم أقوى القبائل ففرضت سيطرتها على منسّى (قض 8: 1 ي) وعلى منطقة جلعاد (قض 12: 1 ي). إلى الجنوب من إفرِائيم أقام بنو بنيامين (أو أبناء الجنوب، لأنهم على يمين الناظر إلى الشرق)، وعرفوا أحداثًا مأساوية (تك 35: 16- 25 ؛ قض 20- 21 ؛ 1 أخ 23:7). اتصلوا بماكير (بني منسى العائشين شرقي الأردن) عبر عشائر حفيّم وشفيّم (1 أخ 15:7) وبأهل يابيش جلعاد (قض 21: 1 ي؛ 1 صم 11: 1 ي).
أقام بنو منسى أوّل ما أقاموا قرب شكيم، ثمّ احتلوا شرقي الأردن (قض 5: 14) وعاهدوا بني إفرائيم وبني بنيامين لمحاربة بني عماليق. أمّا ماكير، بكر منسّى، فأقام في محنائيم، شمالي جلعاد (في شرقي الأردن. رج عد 39:32- 42؛ تث 15:3 ؛ يش 13: 30)0 انتشر بنو أبيعازر بن منسى، غربيّ الأردن (يش 17: 2 ي؛ قض 1: 27- 28). وفي العهد الملكي اندمجت المدن الكنعانية أي "بنات صلفحاد" وهنّ محلة ونوعة وحجلة وملكة وترصة (عد 26: 33)، مع قبيلة منسّى. ولما تقدّم الأراميون وطردوا سيحون إلى حشبون وماكير إلى باشان (مملكة عوج)، لم يبقَ لقبيلة منسى في شرقي الأردن إلاَّ محنائيم في شمالي جلعاد (1 أخ 23:2). كانت مساكن جاد في سكوت وفنوئيل في جلعاد، وقويت شوكتهم (تث 33: 20- 21) فخاف منهم الموآبيون في عهد الملك ميشع الموآبي (القرن 9)، وانضم إليهم بنو رأوبين الذين ضعفوا أمام هجمات الموآبيين وخسروا مدينة أيالون وأريحا.
ارتبط بنو اشير ببني جاد، والجدان ابنا زلفة، امرأة يعقوب، وتاريخ القبيلتين تاريخ مشترك. ثمّ إنّ اللوائح المصرية (في القرنين 14 و 13) تُورد اسم أشير (تك 25: 3) الذي أقام بين مصر وديدان (يش 13: 2 ؛ 1 صم 8:27). وحين أقام الفلسطون في كنعان (عد 3:24) طردوا بني دان وأشير إلى الشمال (1 أخ 7: 30-40 . بقيت لهم بعض الجيوب في كنعان الوسطى)، واستقرّوا مكانهم حتّى جبل الكرمل (تك 49: 20؛ قض 17:5 ؛ تث 24:33-25).
اتصل بنو دان ببني رأوبين وسكنوا التلال القريبة من يهوذا أي أرض كعون. ولكنّ الفلسطيين طردوهم إلى الشمال إلى أرض تسيطر عليها صيدون (قض 18- 19)، فامتزجوا ببني نفتالي في الجليل الأعلى، وتحالفوا مع يساكر وزبولون فأزالوا سلطان ملك حاصور (يابين أو ابني إيل حسب كتابات ماري) عن الجليل. غير أنّ قبيلتَيْ يساكر وزبولون ما زالتا تقومان بأعمال السخرة لحساب الكنعانيين والفلسطيين في سهل يزرعيل. 
في الجنوب أقام بنو رأوبين وكعون ولاوي ويهوذا، واتصلوا ببني يساكر وزبولون. أمّا شمعون فتذكر اسمه رسائل تل العمارنة (شمعونا) ونصوص اللعنات المصرية (شمعون). ستتشتّت هذه القبيلة وتتفرّق (تك 34: 1 ي؛ 7:49) وتنتقل مدنها إلى قبيلة يهوذا: صقلاج، شاروحين، حرمة، بئر سبع (يش 19: 1- 9). وتفرّق بنو لاوي في افرائيم (قض 17- 20) وجنوبي شرقي يهوذا وحتى في مصر رافقوا موسى في برية سيناء فاستعان بهم لقمع الذين تمردّوا على أوامره فانحازوا إلى العبادات الوثنية (خر 32: 25- 29؛ تث 33: 9). 
أمّا قبيلة يهوذا فتألّفت من خمس عشائر (تك 38: 1 ي)، بعضها من أصل كنعاني وهي شيلة (1 أخ 4: 21- 23 في زمن داود) وزارح (انضم إليها أدوميون وقينيون وقنزيون وكالبيون) وفارص (اتصلت بالفرزيين المقيمين بجوار أورشليم. هناك أماكن عبادة: فارص عزة، بعل فارص). وسكن في أرض يهوذا، في بيت لحم، عشيرة افراتية من أصل افرائيمي (قض 5:12؛ 1 مل 26:11) سيخرج منها داود بن يسّى (2 صم 5: 1) الذي تعتبره قبائل الشمال واحدًا منهم. بعد هذا التعداد نتساءل: هل كان هناك رباط يجمع القبائل بعضها ببعض؟ قال الشرّاح بتنظيم ديني يجعل كل قبيلة مسؤولة عن خدمة المعبد شهرًا في السنة، ولهذا كانت الأسباط اثني عشر سبطًا.
إنّ قبائل إسماعيل عرفت 12 أميرًا (تك 13:25- 15) وكذا قبائل أرام (تك 22: 20- 24)، وبلاد الرافدين، بل بلاد اليونان وجنوبي إيطاليا. بُني معبد الجلجال باثني عشر حجرًا على عدد أسباط إسرائيل (يش 4: 2- 9) الذين كانوا يجتمعون فيه في أعيادهم الكبرى (1 صم 13: 4 ؛ 2 صم 19: 41). وسيحافظ سليمان على تقسيم بني إسرائيل إلى اثنتي عشرة قبيلة (1 مل 4 : 7 17- 19) في بداية ملكه قبل أن يأخذ بطريقة المصريين في تنظيم مملكته تنظيمًا إداريًا.

4- مملكة بني إسرائيل
منذ القديم، أحسّ بنو إسرائيل بالحاجة إلى دولة منظّمة على غرار الممالك المحيطة بهم (1 صم 8: 19- 20)، فقاموا بمحاولات أولى في شمالي البلاد: جدعون (من قبيلة منسى) بعد انتصاره على المديانيين (نهاية القرن 12)، أبيملك بن جدعون (قض 9: 1)، وأخيرًا شاول البنياميني (1 صم 15:11).
لم يمتدّ سلطان شاول إلى كلّ القبائل، بل إلى ست فقط في وسط البلاد، فظلت خارج سلطانه قبائل الجليل والجنوب. أمام في جبعة ونظم نواة إدارة مركزية، ولكنّ عداءه لبعض الفئات الدينية (1 صم 14: 1 ي ؛ 21: 1 ي) لم يساعده على النجاح في حكمه للبلاد. غير أنّه وفّق في أعماله الحربية فأوقف مدّ بني عمون والزحف الأرامي الذي قام به ملك صوبة (1 صم 47:14)، وخلّص بيت بنيامين من قبضة الفلسطيين وحرّر جبعة ومكماش، بل وصلت جيوشه إلى سوكو وعزيقة (1 صم 17: 1). إلاَّ أنّ الفلسطيين حشدوا قواهم في أفيق والتفوا حول جيش شاول من الشمال وقتلوه هو وثلاثة من أبنائه في جبال الجلبوع غربي بيت شان.
وخلف شاول ابنه اشبعل (ايشبوشت) وملك سنتين في محنائيم (2 صم 2: 9) ثم أعاده الوصيّ عليه ابنير، قائد الجيش، إلى جبعة. وحين رأى قوّاد بني إسرائيل أنّ الملك غير أهل ليقود شعب الله، وجّهوا أنظارهم إلى شاب افراتي من بيت لحم هو داود بن يسَّى، وكان شخصًا محبوبًا في بلاط شاول هتفت له النساء: قتل شاول الألوف أمّا داود فعشرات الألوف (1 صم 7:18).
بدأ داود حياته قائدًا في جيش شاول، ثم تحوّل إلى رئيس عصابة هربًا من الملك، وجمع حوله بعض الفارّين من حكم شاول وتسلّطه وجوره. إلتجأ إلى أكيش ملك جت الذي سلمه صقلاج، قرب بئر سبع، وطلب منه أن يقف بوجه بني عماليق ويمنع قبائل الصحراء من غزو المدن. فقام داود بالمهمة خير قيام. ولمّا قويت شوكته واجتمعت حوله مدن يهوذا وقبائلها، نادى بنفسه ملكًا في حبرون على أثر موت شاول (2 صم 2: 1- 4). وبعد أن قتل القائد أبنير اشبعل بن شاول، جاء إلى داود شيوخ قبائل الشمال (2 صم 5: 1 - 5) ونادوا به ملكًا فسار على رأسهم يحارب حروبهم (2 صم 17:5- 24؛ 15:21- 22؛ 23: 8- 39). إنتصر على الفلسطيين وأجبرهم على أداء الجزية له. ثم احتل أورشليم التي كانت تحت سلطة اليبوسيين وجعلها عاصمته السياسية والدينية لأنّها تقع بين قبائل الشمال وقبائل الجنوب (2 صم 6:5- 15).
وأفاد داود من كسوف سلطة المصريين والاشوريين والحثيين، فاحتلّ جزءًا من أرام، وضمّ أرض أدوم وعمون إلى أرضه وفرض الجزية على موآب. ثم استفاد من خلاف بين بعض المدن الأرامية وهدد عزر ملك صوبة، فبسط حمايته على مملكة حماة (2 صم 8: 1- 14؛ 10: 1 ي ؛ 12: 16- 31)، ومد نفوذه إلى الفرات. وأخيرًا أقام علاقات ودية مع أحيرام، ملك صور سيدة البحار في ذلك الزمان (2 صم 5: 11- 12). وهكذا قوّى داود مملكته ووسّع حدودها ونظّم إدارتها، ولكنّه لم يستطع أن يوحّد بين قبائل الشمال المجتمعة حول بيت يوسف وقبائل يهوذا المقيمة في الجنوب، بل لم يستطع أن يجمع أبناءه فتخاصموا على الحكم في حياته. ولكن تغلَّب الحزب المؤلّف من ناتان النبي وصادوق الكاهن وبتشابع المرأة المحبوبة، على الحزب المساند لادونيا، ونصّبوا سليمان ملكًا بدل أخيه البكر.
وأفاد سليمان ممّا حققه أبوه من انتصارات وانتهجه من سياسة حكيمة جعلت حدود المملكة آمنة، فكوّن إدارة مركزيّة موحّدة، إستوحى أساليبها من الممالك الكبرى، بعد أن حطّم الإطار القبلي الضيّق (1 مل 4: 1 ي). ثمّ اهتمّ بأعمال البناء فشيّد قصرًا عظيمًا له وهيكلاً فخمًا لربّه (1 مل 12:5 ي ؛ 15:9- 24)، وتاجر بالخيول جلبها من كيليكية ومصر (1 مل 10: 26- 29)، وشارك الملك احيرام في تكوين اسطول تجاري انطلقت سفنه من شواطئ البحر الأحمر فوصلت إلى اوفير (1 مل 9: 26- 28: جنوبي الجزيرة العربية)، أو من شواطئ البحر المتوسط فوصلت إلى جزر إسبانيا (ترشيش في النصوص الشرقية وترثيسوس في النصوص اليونانية).
ولكنّ السوس بدأ ينخر في المملكة الفتيّة: لم يعد لسليمان جيش قوي كما في عهد داود، ولم تبقَ له سياسة حكيمة تربط قبائل الشمال بشخص الملك (1 مل 26:11- 40؛ 1 مل 23:11- 25). ولولا انحطاط مملكة أشور وضعف فراعنة مصر وانشغال الحثيين في أعمال البناء، لتصدّعت مملكة سليمان. ولكن ما لم يحدث في حياته حدث سريعًا بعد مماته.

5- من عهد سليمان إلى دمار السامرة...
مات سليمان، فحاول ابنه رحبعام أن يتفاوض معِ قبائل الشمال في شكيم ففشل في المفاوضات. فانفصلت قبائل الشمال وأقامت عليها ملكَا يربعام (من بني افرائيم) ببركة مصر الخفيّة. مات يربعام، فخلفه ابنه ناداب لسنتين قبل أن يقتله بعشا من قبيلة يساكر وانقسم الناس بعضهم لزمري الذي قتل بعشا وبعضهم لعمري (885 ق. م.). انتقل المُلك من قبيلة إلى قبيلة، والعاصمة من مكان إلى مكان، من شكيم إلى فنوئيل إلى ترصة قبل أن تستقر في السامرة. هذا في الشمال، أمّا في الجنوب فالعاصمة هي أورشليم، والملوك من سلالة داود. أمّا في السياسة فارتبط بنو اسرائيل بمصر وتحالفوا مع الأراميين أو الفنيقيين. 
وتأثّر شعب إسرائيل بفينيقية. بدأت علاقات طيّبة مع داود وسلمان، وتوثّقت في أيّام ملوك السامرة، بين عمري من جهة وايتوبعل، ملك صور (890- 860) من جهة ثانية. تزوّج أحاب بن عمري ايزابيل ابنة ايتوبعل، ثمّ تزوّجت عثليا ابنة ايزابيل يورام ابن يوشافاط، ملك يهوذا، وهكذا تكوّن حلمت بين فينيقية ومملكة السامرة ويهوذا. 
نشير هنا إلى أنّ فينيقية خضعت خلال فترات متقطعة لحكم أشور في القرنين العاشر والتاسع. ولمّا ضعفت أشور في القرن الثامن ازدهرت فينيقية وعرفت صور في عهد الملك بجماليون (821- 874) عهدًا من الازدهار أوصلها إلى جزر إسبانيا ودفعها إلى بناء قرطاجة، القرية (أو المدينة) الحديثة (قرت حدث). وحاول يوشافاط أن يحذو حذو الفينيقيين، ولكنّه فشل وغرقت سفنه (1 مل 49:22-50). ثمّ تحالف يورام ويوشافاط على ميشع، ملك موآب الذي كسر نير السامرة فلم يقدرا عليه (1 مل 3: 1 ي).
وتأثّر شعب إسرائيل بأرام. بدأ بعشة، ملك إسرائيل، يحصّن الرامة ليمنع تحركات آسا، ملك يهوذا. إلاَّ أنّ آسا استعان ببنهدد، ملك دمشق، فهجم على الجليل وأجبر بعشة على التراجع عن الرامة والتخلّي عن مشاريعه الحربية ضدّ يهوذا. ثمّ إنّ أحاب قُتل في راموت جلعاد في معركة مع هدد عزر، ملك دمشق. وبعد اثنتي عشرة سنة جُرح يورام في المدينة نفسها على يد حزائيل. وهكذا شكّلت أرام خطرًا على كنعان. وهذا ما دفع ياهو، ملك السامرة (841- 814)، أن يقدّم لملك أشور خضوعه والهدايا ليأمن شر دمشق. 
وتأثّر شعب إسرائيل بمصر، فتطلعّ إلى هذا الجار القوي واتبع سياسته وأخذ بتقاليده في الحكم والإدارة. وبعد موت سليمان خضعت مملكة يهوذا لمصر، في عهد شيشاق الأوّل (من السلالة 22) الذي سيجتاز البلاد من الجنوب إلى الشمال، فلا يمس أورشليم، بل يكتفي بجزية باهظة دفعها له رحبعام.
وتأثّر شعب إسرائيل بأشور الذي صدّ هجمات الآراميين عند منعطف الفرات، بل عبر الفرات مع أشور بانيبال (883- 860) واصلاً إلى البحر المتوسط. بعد هذا، حارب شلمنصّر الثالث (859- 824) حلفًا مؤلفًا من ملك دمشق، وملك إسرائيل (احاب) وأفواجًا من جيش مصر، فانتصر عليهم في قرقر سنة 853 ق. م. ولكنّه لم يهزمهم هزيمة كاملة، لأنّه أجبر على العودة إلى بلاده بسبب انقلاب دبّر له. في ذلك الوقت هاجم حزائيل، ملك دمشق، سنة 843 (2 مل 7: 7- 15) مملكة إسرائيل في عهد ياهو (2 مل 10: 32- 33) وحاصر مدينة السامرة (2 مل 6: 8 ي). ولكن عاد هدد نيراري الثالث (809- 782) إلى سورية فخلص زكير، ملك حماة، ويوآش ملك إسرائيل من شربنهدد الثاني، ابن حزائيل، ثم وصل إلى صور وصيدا وأدوم وفلسطية، فلم تعد تشكل مملكة أرام أي خطر على مملكة إسرائيل. في ذلك الوقت، دفعت مملكة إسرائيل الجزية لأشور واستعادت أراضي سلخها ملك أرام، ثم تحوّلت إلى مملكة يهوذا التي انهكتها الحرب مع أدوم (2 مل 14 : 8- 14). هجم يوآش على آسا في بيت شمس سنة 795، فأسر واحتلّ اورشليم وهدم حصونها من جهة الشمال، ثمّ سلب كنوز الهيكل وخزائن القصر الملكي. أمّا يربعام الثاني بن يوآش (783- 743) فامتدّت سلطته من باب حماة إلى البحر الميت (2 مل 14: 25؛ عا 6: 14). ولكن عادت أشور بقيادة تجلت فلاسر (745 - 727) وشلمنصّر الخامس (727- 722) فاحتلت السامرة وأنهت وجود مملكة الشمال سنة 721 ق. م.
ونعود إلى الوراء. مات يربعام الثاني سنة 743 ق. م.، فخلفه ابنه زكريا الذي قُتل بعد حكم لم يَدُم أكثر من ستة أشهر. ثمّ ملك شلوم، غير أن مناحيم قتله وملك عشر سنين بعد أن دل الجزية لأشور (هو وملك صور،. مات مناحيم سنة 738 فخلفه ابنه فقحيا. ولكن قتله فقح الذي تحالف وراصون الدمشقي على ملك يهوذا، يوتام بن عزيا (+ 740). وبدأت الحرب الارامية الافرائيمية (2 مل 15: 38) التي تحالف فيها ملوك دمشق وصور والسامرة وغزّة على آحاز (736- 716) ملك يهوذا، فاستعان بتجلت فلاسر الذي احتلّ غزّة وشاطئ الفلسطيين سنة 734 ودمشق سنة 732 (أجلى 800 من رجالها). ثمّ أخضع مملكة إسرائيل وقسمها ثلاث مقاطعات سمّاها دور، مجدو، جلعاد. وخلف هوشع (732 - 724) فقح على عرش السامرة، ولكنّ الجزية الباهظة التي فرضتها عليه أشور جعلته يتحوّل إلى مصر فأسر شلمنصّر هوشع وهاجم السامرة فاحتلّها وأجلى سكانها (27280 نفسًا) إلى بلاد الرافدين العليا وماداي (2 مل 17: 6 ؛ 18: 11). وجاء بأناس (عشرة آلاف) أجلاهم من مناطق أخرى إلى السامرة وجعل عليها حاكمًا أشوريًا (2 مل 24:13).

6-... إلى دمار أورشليم
ضعف تأثير مصر في الحقبة الممتدة من دمار السامرة (721 ق. م.) إلى دمار أورشليم (587 ق. م.)، فاكتفت بإثارة الممالك الصغيرة على أشور دون أن تتعرّض للخطر. ففي عهد سرجون (722- 755) وعدت الفلسطيين بالمساعدة، ولمّا جاء الملك الأشوري وخلع ملك أشدود، قدّمت له مصر الهدايا. وبارك الفرعون تحالف ملوك جت ويهوذا وموآب وأدوم، ولكن لمّا جاءت أشور فاجتاحت مملكة يهوذا واحتلّت أشدود وحاصرت صور ودفعت لها قبرص الجزية، سلّم فرعون ملكَ أشدود الهارب إلى الأشوريين علامة على حسن نيّته.
وقويت شوكة أشور. ففي عهد سنحاريب (754- 681) حين ثارت الممالك الصغيرة (ومنها مملكة يهوذا في عهد حزقيا. رج أش 30: 1-7 ؛ 31: 1-3)، جاء الأشوريون فاخضعوا المرافئ الفينيقية لسيطرتهم وحاصروا صور وأفقدوها نفوذها لحساب صيدا التي ستصير أولى المدن الفينيقية. وبدأ حزقيا يحصّن عاصمته: أصلح الأسوار والأبراج، رمّم خزانات المياه، حفر تحت تلة عوفل قناة لم تزل آثارها حاضرة إلى أيّامنا هذه (أش 8:22-14؛ 2 أخ 2:32- 5). أمّا سنحاريب فهزم الجيوش المصرية، ثمّ احتلّ حصون مملكة يهوذا وحاصر أورشليم (سنة 701- 750). فدفع حزقيا جزية باهظة (2 مل 13:18- 16) اكتفى بها سنحاريب. ثمّ إنّ الوباء ضرب جيش الأشوريين فعادوا أدراجهم (2 مل 18: 17- 19؛ أش 36- 37).
قُتل سنحاريب (2 مل 19: 37) فخلفه أسرحدون (681- 668) الذي دمّر صيدون (676 ق. م.) وأخضع ملك صور فخسرت فينيقية كل مستعمراتها، وحلّ محلّها اليونانيون. وانتصر أيضاً على طهرقة ملك مصر، ودمّر عاصمته ممفيس، وجلا العائلة الملكية، وقسم البلاد إلى مقاطعات جعل عليها حكّامًا خاضعين له. أمّا أشور بانيبال (668- 630)، فسيدمّر طيبة عاصمة الفرعون، ويسيطر على كنعان، فتصبح يهوذا مملكة صغيرة خاضعة لنفوذ أشور إلى حدّ أنّ الملك منسى (687- 642) جعل شعائر الأشوريين الدينية داخل الهيكل إكرامًا لملك أشور وآلهته القوية. ولكن تحالفت المادايون والبابليون فاحتلّوا أشور (614 ق. م.) ونينوى (612 ق. م.)، فهرب الملك الأشوري إلى حرّان التي سقطت أيضاً سنة 615. وحاول نكو، فرعون مصر، أن يساعد الأشوريين باسم توازن القوى في الشرق، فوقف يوشيا، ملك يهوذا، في طريقه، فقُتل سنة 609 قرب مجدو (2 مل 23: 29- 30).
وهكذا زالت سلطة الأشوريين، وحلّ محلّها نفوذ البابليين بقيادة نبوفلاسر (625- 605). وما إن اعتلى نبوكدنصر (605- 562) العرش حتّى قهر الجيوش المصرية في كركميش على الفرات (ار 46: 2- 12). وحرّض الفرعون بساميتيك (594- 588) أوّلاً أورشليم وصور وغيرهما على رفض دفع الجزية، فحاصر نبوكد نصر أورشليم التي ظلّت تدافع عن نفسها سنة كاملة وهي تنتظر العون من مصر ولمّا سقطت أسلمها الملك للنهب والحريق. قتل الفاتحُ أولادَ الملك وفقاً له عينيه وجلاه مع النخبة من البلاد. وترك وراءه شعب الارض من عمال ومزارعين، وأقام عليهم حاكمًا يهوديًا اسمه جدليا. ولكنّ المتعصّبين قتلوا الحاكم الجديد وفرّوا إلى مصر وأخذوا معهم قسرًا النبي إرميا (2 مل 14: 18- 26 ؛ أر 3:37 ي). على أثر ذلك، تدخّل البابليون وخسرت أورشليم كل نفوذها وارتبطت بمقاطعة السامرة التي أدار أمورها حاكم أجنبي، وسيطرت عليها أرستقراطية ترتبط ببابل ارتباطًا وثيقًا.
ولكن حكم البابليين لن يدوم طويلاً بعد نبوكد نصر (أخضع صور سنة 574 ولكنّه لم يحارب ملك مصر). ففي عهد نبونيد (556- 539) دب الخلاف بين الملك والكهنة، ففتحت بابل أبوابها أمام كورش الفارسي وأستقبلته كمحرّر لها. وهكذا انتهى حكم البابليين وحلّ الفرس محلّهم.

ج- شعب إسرائيل في زمن الفرس واليونان والرومان
1- الفرس
سنة 559 ثار كورش، ملك انشام، على أسياج المادايي (+ 550)، فجمع تحت رايته الفرس والمادايين، ثمّ انتصر على كريسوس، ملك ليدية، في سردية (تركيا اليوم). بعد ذلك عبر الفرات متوجّهًا إلى بابل، ففتح له الحاكم أبواب العاصمة، وأعلنه كهنة مردوك الملك الشرعي للبلاد. لم يمسّ كورش بأذى حياة الناس وأملاكهم، ولم ينهب القصور والمعابد، بل أظهر تسامحًا دينيًا فحافظت كل منطقة على ديانتها، واعتبر نفسه الوارث الشرعي للمملكة الأشورية التي اغتصبها البابليون، ومحرّر الشعوب المغلوبة على أمرها.
أمّا اليهود، فقد سمح لهم كورش بالعودة (538 ق. م.) إلى بلادهم وأرجع إليهم كنوز الهيكل وسمح لهم بإعادة بناء هيكلهم في أورشليم (عز 1: 1 ي؛ 6: 1- 5). وهكذا انطلقت قافلة أولى من الراجعين بقيادة أمير من أمراء يهوذا اسمه ششبصّر وبدأت العمل.
ولكنّ معارضة أرستقراطية (اش 52: 12) السامرة وضعت العراقيل، فتوقّف العمل في بناء الهيكل.
وملك كمبيز (530- 522) بعد كورش، فانتصر في معركة واحدة على الفرعون بساميتيك الثالث، وحاول التوسّع إلى ليبيا والحبشة، إلاَّ أنّ الثورة اندلعت في بلاده، فعاد إلى الشرق وهناك مات في ظروف غامضة.
فخلفه داريوس الأوّل (522- 486) الذي أعاد الهدوء إلى بابل والأمن إلى أنحاء المملكة، فنمت التجارة وازدهرت الأقاليم، فعرفت المملكة في أيّامه أوج عظمتها. وما يجدر القول هو أنّ اللغة الارامية صارت لغة الديوان الملكي والتجارة الدولية والعلاقات الدبلوماسية، فعمّ استعمالها من مصر العليا إلى الهند، فسيطرت على كل اللغات المحليّة من فينيقية وعبرية.
أمّا بلاد اليهودية فدخلت في الإقليم الخامس المؤلّف من غربي الخابور، وسورية، وفينيقية وكنعان، وقبرص، وإليها انطلقت قافلة ثانية بقيادة الأمير زربابل والكاهن الأعظم يشوع (520 ق. م.). بدأ الراجعون (وقد قارب عددهم الخمسين ألفًا) ببناء الهيكل مستفيدين من مساعدات السلطة الفارسية وتبرّعات اليهود الأغنياء (عز 2: 68- 69 ؛ زك 6: 9- 15)، وأكملوا العمل رغم محاولات أهل السامرة، ودشّنوا الهيكل سنة 515 ق. م. (عز 5- 6).
في عهد أرتحششتا (464- 424) حاول اليهود إعادة بناء أسوار أورشليم، ولكنّ السلطة المحلية أوقفت الأشغال بتحريض من السامريين (عز 7:4- 23؛ نح 1 :3). ولكن ستتبدّل الأمور حين يقوم موظّف ملكي في شوش، اسمه نحميا، بإعادة بناء أسوار أورشليم. أرسله الملك الفارسي في بعثة رسمية (445 ق. م.)، ففصل اليهودية عن السامرة وجعلها مدبريّة مستقلّة، وقام بإصلاح ديني فأعاد الجماعة إلى عبادة الله الواحد وفرض ممارسة الشريعة اليهودية من دون مساومة.

2- اليونان في الشرق
تسلّم الإسكندر الكبير (356- 323) الحكم من والده فيلبس، وهو في العشرين من عمره. وبعد أن وضع حدًّا لحالة الفوضى في اليونان، انتقل إلى الشرق. انتصر في معركة غرانيك (334 ق. م.) فانفتحت أمامه أبواب آسية الصغرى (تركيا الحالية)، وتغلّب على الفرس في أيسوس (333) فخضعت له سورية. دخل صور وغزة واستقبلته ممفيس، العاصمة المصرية كمحرّر لها. زار أورشليم وهيكلها وقع ثورة للسامريين، ثمّ توجّه إلى فارس فاحتلّ عاصمة داريوس الثالث (331 ق. م.)، وإلى الهند حيث قهر بورس (326). وحاول أن يتابع سيره لولا معارضة قوّاده، فعاد إلى بابل وهناك مات وهو في الثالثة والثلاثين.
مات الإسكندر وما ترك ابنًا يرثه، فاختلف قوّاده ثمّ اقتسموا مملكته، فأعطيت آسيا من طورس إلى الهندوس لسلوقس، ومصر لبطليموس، وتركيا وآسية الصغرى لليزيماك ومكدونية لكساندرس.
وضع بطليموس الأوّل يده على كنعان، فاحتلّ أورشليم وأخذ بعضا من أهلها إلى الإسكندرية، ثمّ سيطر على غزّة. انتصر في ايسوس (310 ق. م.) على أنطيغونس، حاكم مكدونية الجديد، وضمّ إلى مملكته سورية الجنوبية حتى دمشق.
وتفاعل "اليونان" بالعبرانيين. اهتمّ اليونان بنظُم اليهود فاعتبروا أنّ تيوقراطيّتهم ترجع إلى موسى وهارون، فتجاهلوا زمن الملوك والأنبياء. أمّا اليهود الذين أقاموا في المدن "اليونانية"، فقد كانوا مواطنين يتمتّعون بكل حقوق المواطنية. تركوا الأرامية وأخذوا يتخاطبون باللغة اليونانية، فترجموا إليها أسفار موسى الخمسة ثمّ الأنبياء والمزامير واستعملوا هذه النصوص (التي ستكون نواة السبعينية) في اجتماعات الصلاة في المجامع. 
وبدأ الصراع بين البطالسة والسلوقيين، فوصل أنطيوخس سوتر (286- 261) إلى دمشق، ودارت بين مصر وأنطاكية حرب (سميت الحرب السورية) انتهت بمعاهدة سلام، تزوّج بموجبها أنطيوخس برنيكة ابنة الملك المصري. ولكن مات الملكان وعادت الحرب سجالاً، إلى أن انتصر انطيوخس الثالث الكبير (203- 187) على بطيموس الخامس ووضع يده على كنعان (200 ق. م.).
في هذا الوقت نعمت اليهودية بالهدوء والسلام، وهو أمر نكتشفه من خلال قراءة سفر يشوع بن سيراخ الذي عاش في الربع الأوّل من القرن الثاني. وانتشرت الثقافة الجديدة فعمّت العاداتُ اليونانية وتقاليدُها أوساط كنعان، وأخذ البعض يبنون بيوتهم حسب الفن المعماري اليوناني (بيت سوسنة وحديقته في دا 13: 4). أمّا يهود الشتات، فتوزّعوا في مراكز هي الاسكندرية والقيروان وقبرص وأنطاكية وكانت لغتهم هناك اليونانية، وفي بابلونية، وكانت لغتهم هناك الارامية. أمّا العبرانية فظلّت لغة المثقّفين والطبقات الشعبية التقليدية المنغلقة على ذاتها.
وجاء أنطيوخس إبيفانيوس (175- 164) فتبدلّت الأوضاع. اغتصب الحكم واستفاد من الظروف السياسية الراهنة، فأخضع لسلطته بطيموس السادس (181- 145) ملك مصر ولكنّ تدخّل رومة دفعه إلى الخروج من مصر، فصبّ جام غضبه على سكّان اليهودية: سلب المعابد، أقال أونيا الثالث من وظيفة الكهنوت وأرسله منفيًّا إلى جوار أنطاكية حيث مات سنة 170 ق. م. (2 مك 4: 30- 38). فهرب ابنه أونيا الرابع إلى مصر، وبنى هناك هيكلاً ظل المؤمنون يؤمّونه حتّى القرن الأول ب. م. 
وامتدّت الثقافة اليونانية، فعرفت مدينة مثل جدارة حركة أبيقورية مع الفيلسوف فيلوديميس، وأخذ اليونان بالزواج الواحد على مثال اليهود. فحسب أنطيوخس أنّ الساعة جاءت ليقوم بحركة انتقائية (تختار عناصر من هذه الديانة وتلك وتمزجها بعضها ببعض) دينية تلغي خصائص يتمسّك بها اليهود المحتمون وراء نظمهم وشرائعهم. إلاَّ أنّه اصطدم بحاجز المكّابيين ومعارضة المؤمنين الأتقياء الذين فضّلوا الموت على التخلّي عن وصايا الله. 
حمل يهوذا المكّابي السلاح (164 ق. م.) بوجه أنطيوخس، فحرّر أورشليم وطهّر الهيكل في 14 حزيران من تلك السنة، تحت عين رومة الساهرة على مصالحها في الشرق والتي تنتظر الساعة التي تتدخّل فيها. مات يهوذا سنة 160 (1 مك 8: 1 ي) فخلفه أخوه يوناتان (160- 142) وجمع في شخصه قيادة الشعب ورئاسة الكهنوت، ولكنّه مات قتلاً بعد أن أعطى شعبه قوة سياسية يُحسَب لها حساب. فخلفه سمعان المكّابي (142- 134)، ومنه أخذت سلالة الحشمونيين اسمها، فحرّر أورشليم من سلطة السلوقيين، وجدّد المعاهدة مع رومة. قُتل سمعان فخلفه هركانس (134- 154) وخضع لسلطة أنطيوخس السابع ودفع له الجزية. ولكنّ سلطة السلوقيين كانت تسير إلى الانحلال، وها هي رومة تستعدّ لفرض سيطرتها على الشرق.

3- الرومان في الشرق
بدأت رومة تهتمّ بالشرق وهي لم تنته بعد في الغرب من حروبها في إسبانيا (153- 133) وتدميرها لقرطاجة (146 ق. م.). فيوم أخضعت لسلطتها أفريقيا الفينيقية واليونان، وضعت حدًّا لهجوم السلوقيين على مصر بفضل ما قرّره مجلس شيوخها، بانتظار أن يتدخّل قوّادها أمثال سيبيون إميليانوس وغيره.
ضعفت مصر. فبعد عهد فيسكون التعيس سنة 116 ق. م. انفصلت القيروان عن مصر وصارت مقاطعة رومانية. ثمّ دبَّ خلاف بين بطليموس لائيرس وبطليموس الاسكندر، فأخذ الأوّل قبرص والثاني مصر ولمّا ماتا كلاهما، عاد العرش إلى ملك يُشَكّ في نسبه. وضعفت سورية. فبعد أن توفي زيبيناس عاد العرش إلى أنطيوخس غريبس، ولكنّ أخاه خاصمه فتمزّقت المملكة، وتابع أولادهما سياسة الخصومات والحروب الداخلية فخسرت أنطاكية بلاد الرافدين، ودبّت البلبلة في ولاياتها منتظرة السلام الذي ستفرضه رومة عليها.
أمّا في اليهودية، فإنّ دولة المكّابيين "المستقلّة" ذكّرت الناس بعهد داود وسليمان مع هركانس (134- 104) الذي شبّهه الناس بداود ونسبوا إليه موهبة النبوءة. إستفاد المكِّابي من ضعف السلوقيين والبطالسة فوسّع حدود المملكة: إحتل موآب والسامرة (هدم معبد جرزيم)، وفرض الختان على أهل أدوم، وجعل الجليل أرضًا يهودية صافية. ولكنّ الخلافات الداخلية زعزعت حكمه: رفض الاسيانيون حبريته، فاعتزلوا قرب مغاور قمران على شاطئ البحر الميت، وعارضه الفرّيسيون (فئة من الكتبة والمعلّمين) ولم يبقَ معه إلاَّ البرجوازية الدينية والسياسية المتمثّلة بالصادوقيين. بعد هركانس ملكَ أرسطوبولس (104 - 103)، فوسعّ حدود المملكة اليهودية إلى ايطورية، شمالي فلسطين (منطقة بانياس)، ثمّ اسكندريناي (103- 76) فضمّ إلى سلطانه المدن اليونانية (كانت خاضعة لأنطاكية) في كنعان وشرقي الأردن. ولكنّ خلافه مع الفرّيسيين جعله يُغرق البلاد في الدم ليقمع الثورة، وخلاف ولديه، الواحد مع الاخر، فتح الطريق لرومة فدخلت وأنهت الخلاف لصالحها.
قهر لوكولس، القائد الروماني، الفراتيين سنة 68 ق. م. ولحق بهم إلى ما وراء الفرات، ولكنّ جيشه رفض أن يتوغّل في هذه البلاد البعيدة، فتراجع إلى آسية الصغرى. فحلّ محلّه قائد عظيم اسمه بومبيوس كان قد أخضع إسبانيا لسلطة رومة ومع ثورة العبيد التي قادها سبرتكوس في إيطاليا وخلّص البحر المتوسط من قراصنة كانوا يعيثون فيه خرابًا. ولمّا أرسل إلى الشرق سنة 66، اتصل بممالك الشرق ولا سيّمَا باليهود في أورشليم. 
ما إن وصل بومبيوس حتّى أجبر مترايداتيس، ملك الفراتيين، على اللجوء إلى شاطئ البحر الأسود حيث تُوفي. ثمّ بعد أن أخضع عاصمة الفراتيين الواقعة على شاطئ دجلة، أبعد عن أنطاكية آخر الملوك السلوقيين وجعل البلاد مقاطعة رومانية.
وإذ كان بومبيوس في دمشق طلب إليه اليهود أن يحكم في الخلاف المستفحل بين هركانس الذي يسانده الفريسيون وأرسطوبولس الذي يسانده الصادوقيون. تردّد القائد الروماني وكان منشغلاً في حربه مع الأنباط، ثمّ مال إلى هركانس وطلب إلى ارسطوبولس أن يخضع. رفض أرسطوبولس، فجعله بومبيوس في الأسر ولاحق أتباعه الذين احتموا في المدينة والهيكل، فقتل الكهنة قرب المذبح منجّسًا قدس الأقداس، وفرض شروطًا قاسية على اليهود (63 ق. م.). وهكذا خضعت اليهودية للرومان وأُلحقت بحاكم سورية.
ولمّا وُلد يسوع المسيح في بيت لحم اليهودية (مت 2: 1) كان أغوسطس قيصرًا على كلّ المعمور كيرينيوس حاكمًا في سورية (لو 2: 1- 2)، وهيرودس ملكًا على اليهودية باسم رومة.
هذا هو الإطار التاريخي الذي دوّنت فيه أسفار التوراة. إنّ كلمة الله تتجسّد في الزمان والمكان وهي توجّه التاريخ. على ضوئها قرأ الكتّاب الملهمون أحداث الكون. لهذا أردنا أن نتعرّف إلى شعب إسرائيل وهو المعنيّ أوّلاً بكتب العهد القديم، وإلى سائر شعوب الشرق. دوّن شعب إسرائيل ما دوّنه ليتذكّر ما فعله الله من أجله، ونحن شعوب العالم نقرأ ما كُتب في التوراة فنرى يد الله التي لا تزال تفعل في الكون وتوجّه أحداث التاريخ إلى أن يحقّق الله مخطّطه في تمام الأزمنة فيجمع في المسيح كلّ شيء ممّا في السموات وفي الأرض (أف 1 :9-10).
الفصل الثامن
مراحل تكوين التوراة
أو العهد القديم

عندما يتّصل القارئ بالتوراة يحسب نفسه أمام مجموعة كاملة لأحد الكتّاب. في الواقع لسنا أمام كاتب واحد، ولسنا أمام كتاب واحد، بل نحن أمام كتّاب عديدين، وأمام مجموعة من الكتب يقارب عددها الخمسين. لا شكّ في أنّنا من الناحية الإيمانية نعتبر أنّ كاتبها واحد، وهو الله، وقد استعان بالكاتب الملهَم ليُوصل إلينا كلامه بطريقة بشرية، ولا شكّ في أنّنا نسمّي مجموعة الكتب هذه الكتاب المقدّس، معتبرينها كلّها كتابًا واحدًا. لكنّ الأمر يختلف من الناحية البشرية. فعندما نفتح التوراة يجب أن نعلم أنّ أسفارها ستة وأربعون وكتّابها كثيرون. ويمكننا أن نشبّه تأليف الكتاب المقدّس بقصر بُني على مراحل، غير أنّ مراحل تكوين الكتاب لم تكن بضعة أشهر أو بضع سنين، بل بضعة قرون لا تقلّ عن الثمانية، بدأت مع موسى وتنظّمت في عهد الملوك وامتدت إلى الزمن القريب من المسيح.
ومن أجل دراستنا هذه سنميّز خمس مراحل.
المرحلة الأولى هي مرحلة التهيئة: تبدأ مع إبراهيم وتتوضّح مع موسى وتتثبّت في زمن القضاة. والمرحلة الثانية تنبسط في عهد داود وسليمان، فينطلق فيها الأدب الإسرائيلي انطلاقته المكتوبة، مستفيدًا من التقاليد الشفهية التي انتقلت إليه من المرحلة الأولى، وتمتدّ حتى القرنين العاشر والتاسع قبل المسيح، وتركّز عملها في أورشليم التي أصبحت مركزًا أدبيًا هامًّا. والمرحلة الثالثة تلي زمنَ انقسام مملكة داود إلى مملكتين، مملكة يهوذا في الجنوب، وعاصمتها أورشليم، ومملكة إسرائيل في الشمال، وعاصمتها السامرة. ولقد نما الأدب العبراني في هاتين العاصمتين خلال القرنين التاسع والثامن بطريقة مستقلة إلى وقتٍ دمرّت فيه السامرة فحملت البقية الباقية منها كتبها معها، فاندمج تراث الجنوب بتراث الشمال. والمرحلة الرابعة، وهي مرحلة سقوط أورشليم وذهاب الشعب إلى المنفى، كانت مرحلة فراغ تبعها تجديد سيتوسعّ إلى القرن الأوّل ق. م.، فعادت الجماعة إلى أصولها القديمة تدوّنها، وتفتّحت على تيارات فكرية جديدة وشهدت تأثير الثقافة اليونانية في بعض أسفار الكتاب المقدّس.

أ- المرحلة الأولى: مرحلة التهيئة
في هذه المرحلة نتعرّف بصورة خاصة إلى شخصية موسى الذي سيطبع حياة الشعب العبراني بطابعه الفريد. فمعه سيُنشدون أوّل الأناشيد التي نعرفها، ومن فمه سيستمعون إلى أولى الشرائع التي سيعملون بها، وعلى هديه سيروي الرواة النتف الأولى من تاريخهم. في هذه المرحلة ستتكوّن تقاليد العبرانيين وتتثبّت وتنتشر بانتظار أن تُكتَب في المراحل اللاحقة.

1- من التقاليد الشفهية إلى التقاليد الخطّية
وصل الوحي إلى موسى يوم بدأ الشرق يتعلّم الكتابة بالحروف كما حملها الفينيقيون إلى كل الأرض المعروفة آنذاك. غير أنّ العبرانيّين أبطأوا في الوصول إلى مرحلة تدوين تراثهم. فالآباء (إبراهيم واسحق ويعقوب) كانوا بدوًا أو أنصاف بدو، وكانوا يتناقلون أخبارهم وتقاليدهم بطريقة شفهية. أمّا موسى فقد تعلّم في مدارس المصريين كتب بعض الأمور تلبية لطلب الرب إليه (خر 17: 14؛ 28:34). ولكنّ أكثرّية شعبه ظلّت على جهل بأمور الكتابة التي بقيت محصورة في بعض أمور محليّة. غير أنّه عندما سيسيطر بنو إسرائيل على المدن ويقيم داود قاعدة مملكته في أورشليم، حينئذٍ سيهتمّ الكتبة العاملون في خدمة الملك بجمع إرث الماضي وتدوينه في الكتب.
بيد أنّ التقليد الشفهي ظلَّ حيًّا يغذّي الأدب المكتوب جيلاً بعد جيل، وما فتئ يتطوّر مستقّلاً عن الأدب المكتوب حتّى ما بعد الجلاء (سنة 587 ق. م.).

2- تقاليد العبرانيين
قبل عهد الملوك، لم تكن أمّة العبرانيين قد حصلت على وحدتها، وكانت جماعاتها تعيش كل منها تاريخًا خاصاً بها وتعرف تقاليد لا تعرفها الجماعة المجاورة. فما نقرأ مثلاً في سفر التكوين (38: 1 ي) عن زواج يهوذا وأبنائه أمر خاص بسبط يهوذا لم تعرفه سائر الأسباط، وما نعرفه عن حروب يشوع قصة محصورة داخل قبيلة بنيامين، وما يورده الكتاب عن القينيين (تك 4: 1 ي) لا يتعدّى بعض العشائر المقيمة جنوبيّ فلسطين. 
التقاليد في بني إسرائيل عديدة، منها تقاليد ترتبط بأماكن مشهورة كتقاليد شكيم، وكان لمعبدها مكانته الدينيّة المعروفة، وتقاليد قادش التي كانت موضع إقامة القبائل قبل دخولهم أرض الموعد، وتقاليد ممرا، أو حبرون، التي هي مدفن إبراهيم (تك 25: 9) وساره (تك 23: 19) وإسحق ويعقوب (تك 49: 29- 31)، وتقاليد أريحا التي انتصر فيها الرب لشعبه وفتح أمامهم طريق أرض كنعان، غربي الأردن؟ رمنها تقاليد ترتبط بتنظيم معيَّن أو مؤسّسة محدّدة: فلمعبد تابوت (أو صندوق) العهد تاريخه منذ سفر الخروج،. وقد جعل فيه موسى لوحَي الوصايا وجرّة المنّ، ولمعبد قادش شعائر عبادته وفئات كهنته الذين يرتبطون بجدّهم هارون.
ونتساءل: لماذا جُمعت هذه التقاليد؟ جُمعت لأنّها تحمل ذكريات تاريخية، وتحفظ أخبار الآباء وأعمالهم، أكانوا رجال حرب كالقضاة، أم رجال دين كصموئيل أم آباء للأمّة كإبراهيم وإسحق ويعقوب، أم واضعي أسس الأمّة وتشريعها مثل موسى. وجُمعت هذه التقاليد أيضاً لتشرح للمؤمنين كيف مارس آباؤهم عادة من العادات، كأكل خروف الفصح مثلاً (خر 12: 1 ي)، أو لتفسّر اسم مكان من الأمكنة (قض 2: 1- 5)، أو لتعطي صورة عن حالة القبائل في زمن من الأزمنة (تك 49: 1 ي؛ تث 33: 1 ي). نجد في هذه التقاليد قواعد سلوك للشعب حملت معها قوانين وعادات (تك 33:32 ؛ خر 12: 21، 22)، وعِبَراً اخلاقية ودينية من خلال قصة يوسف بن يعقوب أو غيرها من القصص. من خلال هذه التقاليد سنعرف نظرة العبرانيين إلى الله والكون والإنسان والتاريخ، نظرة يعبّرون عنها بطريقة أدبية تنتقل في قبائلهم من جيل إلى جيل.
ونتساءل أيضاً: كيف تبدو هذه التقاليد؟ نرى فيها أوّل الفنون الشعرية، والأمثلة على ذلك عديدة. فهناك نشيد البئر كما نقرأه في سفر العدد (21: 17، 18): "أخرجي يا بئر ماءك! غنّوا لها. بئر حفرها الرؤساء بالصولجان والعصي. عطية الرب هي"، وهناك أناشيد الأمّهات لأولادهنّ، كنشيد حواء التي قالت: "رُزقت ولدًا من عند الرب" (تك 4: 1)، ونشيد سارة التي ولدت إسحق: "أنشأ الله لي فرحًا، فكلّ من سمع يفرح لي " (تك 6:21)، وهناك أناشيد الآباء يباركون فيها أبناءهم، كنشيد نوح: "تبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا له " (تك 9: 26)، ونشيد إسحق لابنه يعقوب: "ها رائحة ابني كرائحة حقل باركه الرب: يعطيك الله من ندى السماء ومن خصوبة الأرض فيضاً من الحنطة والخمر" (تك 27: 27- 28).
ونرى فيها أيضاً بوادر الفن القصصي. فهناك الخبر الذي يُروى ليثبت بالدليل لماذا سُمّي مكان باسم من الأسماء (تك 28: 19)، أو ليحدّد الحدود التي تفصل، مثلاً، بين مراعي بني أرام (أي لابان) ومراعي بني يعقوب (تك 33: 1 ي)، وهناك الخبر الواقعي كقصِّة إبراهيم التعيسة مع أبيملك (تك 20: 1 ي) أو قصّة زواج إسحق برفقة (تك 24: 1 ي)، وهناك الخبر الملحمي الذي يضخّم الأمور ليبيّن بطولة الله فيها، كخبر الخروج من أرض مصر، وهناك الخبر الملحمي الذي يهدف إلى غرس تعليم في أذهان المؤمنين: فقصّة يوسف بن يعقوب، مثلاً، تعلّمنا ان الله يستخرج من الشر خيرًا (تك 50: 20)، وقصة شمشون تُفهمنا أنّ قدرة الشعب من قدرة الله، شرط أن يتوبوا إلى الرب ويتركوا العبادات الوثنية (قض 15- 16).
هذا الإخبار سيتطوّر فينتظم بشكل مجموعة واسعة ترتبط حلقاتُها بعضها ببعض. فهناك قصّة الآباء التي تروي سيرة إبراهيم وإسحق ويعقوب، كيف عاشوا في جو من السلام والطمأنينة برفقة الرب الذي دعاهم إلى عبادته؛ وهناك قصة الخروج وما سبقها من ضربات حلّت ببلاد كانت تدين بالوثنية؛ وهناك قصة عبور سيناء وما رافقها من معجزات دلّت على اهتمام الله بشعبه، وهناك قصة يشوع بن نون وانتصاراته الحربية... أمّا الإطار لهذا الإخبار (فضلاً عن العائلة) فهو المعابد حيث يردّد المؤمنون تاريخهم ويذبحون ذبائحهم. وفي هذه المعابد سيلعب الكهنة دورًا بارزًا في نقل هذا التراث الأدبي من جيل إلى جيل. 
وتمرّ الأيّام فيتخلّى الرواة شيئًا فشيئًا عن التفاصيل التي كانوا ينمّقون بها أخبارهم، ويحصرون اهتمامهم بأهمّ أحداث تاريخ الشعب. لقد أهملوا وجوهًا عديدة اعتبروها ثانوية، ليُبقوا على بعض الوجوه التي تلخّص في أعمالها أعمال شعب كامل. لا شكّ في أنّ القوّاد كانوا كثيرين يوم دخل العبرانيون أرض كنعان، ولكنّ الكتاب لم يحفظ لنا إلاَّ اسم يشوع الذي كان نموذجًا لسائر القوّاد المحاربين بشجاعته، ومثالاً لكل المقاتلين بتجرّده واندفاعه. ولمّا أخذت القبائل تختلط بعضها ببعض ولاسيّمَا في مواسم الأعياد، اطّلعت كل قبيلة على تقليد القبائل الأخرى، وأحسّت كل فئة بأنّ تقليد سائر الفئات كنز يحقّ لها أن تغرف منه. وهكذا تكوّنت بداية وحدة في التقاليد، وشعور مشترك بين أبناء الأمّة الواحدة التي اعتبرت أنّ ما عاشته قبيلة من القبائل عاشته كل القبائل، وأنّ ما اختبره أولئك الذين عبروا البحر الأحمر وعاشوا في بريّة سيناء قد اختبره كل الذين ينتمون إلى إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهكذا تهيّأ المناخ لكتابة تاريخ الشعب العبراني ولتدوين تراثه الأدبي والديني.

3- أقدم النصوص المكتوبة
عندما نقرأ أناشيد الحرب في سفر يشوع (10: 12)، أو نسمعها على لسان دبورة (قض 5: 1 ي)، نلاحظ فرقًا بينما وبين الردّات البدائية التي عرفها بنو اسرائيل في زمن البداوة (خر 15: 21). ونتعرّف إلى فنّ شعري عريق في نبوءات بلعام (عد 7:22- 10؛ 23: 18- 24) أو في كلمات موسى الأخيرة كما نقرأها في سفر التثنية (32: 1 ي). أمّا الفن الحكمي فيبرز في مَثَل يوتام (قض 1: 21) الذي يحذّر بني إسرائيل من خطر الملكية، وفي مثل ناتان النبي (2 صم 17:12 ي) الذي ينبّه فيه داود إلى خطيئته. ونقرأ في الشعر الوجداني مرثية داود لشاول ويوناتان (2 صم 1: 17 ي): "مجدك يا إسرائيل قتيل على روابيك. فيا لسقوط الجبابرة!... يا جبال جلبوع، لا يكن فيك ندى ولا مطر ولا حقول حنطة للتقدمات، لأنّ مجنّ الجبابرة سقط هناك، مجنّ شاول كأنه لم يمسح بزيت " (رج 2 صم 33:3 ي حيث نقرأ رثاء داود لأبنير قائد الجيش).
بالإضافة إلى ما بقي لنا من نصوص شعريّة، تذكر التوراة اسم كتابين قد استفاد منها الذين كتبوا فيمَا بعد، وهما كتاب "ياشر" (أو المستقيم، يش 10: 13)، وكتاب "حروب الرب" (عد 12 : 14).
أمّا النصوص النثرية فقد بقي لنا منها اكثر ما بقي نصوصُ القوانين والشرائع، وفي هذا السبيل يبدو قانون العهد (خر 21: 1 ي) قديمًا جدَّا، رغم بعض اللمسات اللاحقة التي وُضعت فيه لتجعله يُجاري تطوّرات العصر: "من ضرب إنسانًا فمات، فليُقتل قتلاً. من ضرب أباه أو أمّه، فليُقتل قتلاً. من خطف أحدًا فباعه أو وُجد في يده، فليُقتل قتلاً". وكذلك نقول عن مجموعة الوصايا العشر التي سينقّحها المعلّمون فيمَا بعد ليحثّوا المؤمنين على العمل بها: "أذكر يوم السبت وقدّسه. في ستّة أيّام تعمل وتُنجز جميع أعمالك، واليوم السابع سبت للرب إلهك... لأنّ الرب في ستة أيام خلق السموات والأرض... أكرم أباك وأمك فيطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك" (خر 8:20 ي ؛ رج تث 5: 1 ي).
إنّ تأثير موسى في الأدب التشريعي واضح، وكذلك تأثيره في الفتاوى التي تسعى إلى حلّ المشاكل اليوميّة التي تعرض لمن يقضي بين الناس. ويمكننا القول إنّ التوراة وُلدت مع موسى ككتاب مُلهَم، كما وُلد معه في التاريخ شعب جديد، يوم عقد مع الرب عهدًا باسمهم.

ب- المرحلة الثانية: أورشليم مركز أدبي
سيطرت شخصيّة موسى على المرحلة الأولى، وستسيطر شخصية داود وسليمان على المرحلة الثانية. إلى موسى نُسبت الأسفار الخمسة، وإلى داود نُسبت المزامير، وإلى سليمان كتب الحكمة. حول المعابد المتعددة أُنشدت الأشعار ورُويت الأخبار في المرحلة الأولى، وستكون أورشليم بهيكلها المحور الوحيد الذي سيضمّ كل التيارات الأدبية في المرحلة الثانية.

1- ثقافة العبرانيين في بداية الملكية
كانت الملكية في عهد شاول (1035- 1015) امتدادًا لعصر القضاة، أمّا الملكية في عهد داود (1015- 975) فقد حوّلت القبائل إلى أمّة، وشتاتَ الشعب إلى دولة، وصهرت العبرانيين في إطار الملكية. بالإضافة إلى ذلك، ابتلع بنو إسرائيل السكّان الأصليين، وهضموا ما في الأمم المجاورة من حضارة، وأخذوا بطقوس بلاد كنعان وطرق عبادته وتعابير صلاته.
تبدّلت الحالة في شعب إسرائيل فنتج من ذلك واقعان. في الواقع الأوّل، ارتبط التنظيم الملكي بدستور الأمّة الديني، فصار الملك الممسوح بالزيت المقدس جزءًا لا يتجزأ من الدولة التيوقراطية، وأخذ الشعب يعاهده على الولاء، هو وأبناؤه، سنة بعد سنة (2 صم 7: 1 ي). وفي الواقع الثاني، كان تابوت العهد، المعبد القديم الذي يشدّ الرباط بين القبائل، قائمًا في شكيم ثمّ في شيلو، فانتقل مع داود إلى أورشليم، العاصمة الملكية، المكان المقدّس الجديد الذي يحلّ فيه الرب اسمه. كان الشعب في المرحلة الأولى يأمل أن يعيش سعيدًا على أرض تدرّ لبنًا وعسلاً، وأن يسود الشعوب التي لا تعرف الله، وها هو في المرحلة الثانية يأمل، بالإضافة إلى ذلك، أن تكون المدينة المقدّسة والهيكل والملك بسلام. 
والتقى في أورشليم تيّارُ العبادة الآتي من الشمال، والمرتبطُ بتابوت العهد وتقليدُ موسى ويشوع، تيّارَ الجنوب الآتي من قادش والحاملَ معه عناصر عبادة محلّية، والتقت شخصية أبياتر بن عالي الذي سيعزله سليمانُ بصادوقَ الذي يرتبط بسلالة هارون والذي سيحتفظ وحده بوظيفة الكهنوت بعد موت داود.
وتوطّدت الثقافة في أورشليم فجمع الملك حوله حشدًا من الكتبة تفرّغوا لأعمال القصر: أمسكوا حولّيات الملك، حفظوا الوثائق، دوَّنوا الرسائل، أداروا أملاك العائلة المالكة، حصَّلوا الضرائب. ثمّ نُظّمت مدارس لتدريب هؤلاء الموظفين، وسيدخلها الأمراء وأبناء العائلة المالكة ليتلقّوا فيها التعليم والتهذيب. واستفاد الكهنة من تيّار العلم هذا لينشروا تقاليدهم. وعمل الكتبة في هذا الإطار فطبعوا بطابعهم الخاص هذا الأدب المتجذّر في التقليد الشعبي. واستفادت أورشليم من كل هذا لتكون المركز الثقافي الوحيد في البلاد، فأخرجت نهضة أدبية ستمتزج فيها العناصر المحلية بالعناصر الغريبة، وأعطت بني إسرائيل أدبًا رفيعًا ستعود إليه الأجيال اللاحقة لتغرف منه لوَحْيها.

2- تأثير القصر الملكي وهيكل أورشليم
إذا كانت الوثائق الملكية والمستندات الإدارية والقانونية لا تصلح لأن تكون أدبًا، إلاَّ أنّها تكوّن للمؤرّخ مرجعًا له قيمته. وعلى هذا النحو سيستفيد كتّاب أسفار صموئيل والملوك من وثائق القصر الملكي والهيكل ليكتبوا تاريخًا من نوع خاص يجعل كلام الله يحكم على أعمال الملوك ويدين من تحسبه الأمم المجاورة صورة الاله على الأرض. وإنّنا نلاحظ أنّ الشرع الملكي لم يتجدّد في هذه المرحلة الثانية، بل ظلّ يُمارَس داخل إطار العادات القديمة التي ستتكيّف فيمَا بعد مع الظروف الجديدة على ضوء الشرع الحي كما جاء على يد موسى.
أمّا الطقوس والعادات، وهي تنتقل عادة من جيل إلى جيل لا بفضل نصوص مكتوبة بل بفضل نُظُم يُعمَل بها، فقد وصل إلينا منها نصوص قديمة حملها من قادش الكهنة المرتبطون بهارون. ونقرأ مثلاً عن ذلك من سفر الخروج (3:13- 10) في الاحتفال بعيد الفصح: "سبعة أيّام جملون خبزًا فطيرًا، وفي اليوم السابع عيد للرب. فلا يُرَ لكم خبز فطير في هذه السبعة الأيّام، ولا شيء مختمر في جميع دياركم ". ونقرأ أيضاً نصًّا من سفر اللاويين (23: 1 ي) يرينا كيف أنّ التقليد اليهودي تكيَّف مع طقوس كنعانية مرتبطة بالزراعة وأعمال الأرض: "إذا دخلتم الأرض التي أعطيها لكم وحصدتم حصيدها، فجيئوا بحزمة من باكورة حصيدكم إلى الكاهن... وفي غد السبت يوم تجيئون بحزمة من باكورة حصيدكم... تحسبون لكم سبعة أيّام كاملة. وفي غد السبت السابع، بعد خمسين يومًا، تقرّبون تقدمة جديدة للرب... ".
كان التيّار النبوي في العالم الآرامي والكنعاني مرتبطاً بالمعبد، وكذلك كان في العالم الإسرائيلي زمن القضاة. بالإضافة إلى ذلك، نجد الرائي والنبي اللذين يعملان في خدمة الملك داود كمستشارين رسميين، يتميّزان بأنّهما يتحدّثان بحرية إلى الملك ويقولان له الحقيقة دون مواربة. فناتان النبي سيقول الحقيقة للملك يوم قتل أوريّا الحثّي وأخذ له امرأته (2 صم 12: 1- 25)، وجاد الراثي سوف يعلن له قصاص الرب لأنّه أمر بإحصاء الشعب (2 صم 24: 10- 25). سيلعب جاد دورًا في حياة داود الحاضرة فينصحه بأن يعود إلى أرض يهوذا ولا يخاف من شاول (1 صم 22: 5) ؛ وسيلعب ناتان دورًا في مستقبل سلالة داود عندما يعلن له أنّ الرب اختار بيته ليكون ثابتًا إلى الأبد، وعرشه ليكون راسخًا لا يتزعزع (2 صم 16:7).
في هذا الإطار، نقرأ المزمور الثاني الذي يلمح إلى اختيار الرب لداود: "قال لي: أنت ابني، أنا اليوم اخترتك وتبنّيتك. أطلب فأُعطيك الأم ميراثًا وأقاصي الأرض ملكًا لك" ؛ ونقرأ المزمور 110 الذي هو صياغة جديدة لنشيد أنشده اليبوسيون، سكّان أورشليم الأوّلون، يوم تنصيب ملكهم، وقد استعاده بنو إسرائيل فاكتشفوا فيه كهنوتًا ملكيًا مارسه كل من داود (2 صم 17:6- 18). وسليمان (1 مل 3: 15)، وملكيصادق، ملك سليم أي أورشليم: "قال الرب لسيّدي الملك: إجلس عن يميني حتّى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك. صولجان عزّك يرسله الرب من صهيون. تسلّط على أعدائك ".
وهنا تُطرَح مسألة المزامير التي يُنسب عدد كبير منها إلى داود، ذلك الشاعر والموسيقار الذي عرفناه في مرثية يوناتان وأبنير. فكل هذا يدلّ على أنّ الملك داود لعب دورًا خاصاً، فكر الشعر الغنائي الذي كان يُنشَد عند العبرانيين والكنعانيين في أورشليم، ونقل إلى خدمته كهنة يابوس (الاسم القديم لأورشليم)، ونقل معهم أناشيدهم الدينية. ولما نقل تابوت العهد إلى أورشليم (2 صم 6: 1 ي)، نظَّم ولا شكّ جوقة من المغنّين سينمو عدد أفرادها ويزداد، لاسيّمَا بعد بناء الهيكل. وخلال جمع المزامير، سيستفيد هؤلاء المغنّون من الأناشيد الدينية المعروفة في بلاد كنعان. فالمزمور 18 مثلاً هو شكر الملك لله الذي خلّصه من أعدائه ؛ والمزمور 20 يحوي صلاة لأجل الملك: "يُعينك الرب يوم الضيق، يرفعك اسم إله يعقوب، يُرسل لك من هيكله المقدّس نصرًا ويشدّد ساعدك من صهيون"؛ والمزمور 24: 7- 10 يصوّر لنا طوافًا يتقدّمه تابوت العهد، رمز حضور الله وسط شعبه: "ارفعي رؤوسك يا أبواب، وارتفعي يا عتبات الأبد ليدخل ملك المجد. مَن هذا ملك المجد؟ هو الرب القدير الجبّار في القتال "، أمّا المزمور 29 فهو مزمور كنعاني محض يُنشد لإله الرعد، وقد نقّحه العبرانيون، كما نقّحوا غيره من المزامير، وأنشدوه لإلههم يهوه: "صوت الرب عظيم القوة، صوت الرب هدير كلّه " (رج أيضاً مز 72 عن الملك العادل).

3- الأدب الحكمي
حفلت مدارس الكتبة في أورشليم بالأدب الحكمي من البلدان المجاورة. فالحكمة ليست مرتبطة بزمان أو مكان، إنّها تنتقل من بلد إلى بلد. انتقلت من مصر وبلاد الرافدين ومرّت عبر بلاد كنعان فاستفاد منها العبرانيون وغيرهم. وعلى هذا يذكر سفر الملوك الأوّل (5: 11) حكماء معروفين أمثال ايتان الازراحي وهيمَان كلكول ودرداع، بني محول؛ ويلمّح سفر حزقيال (8:27- 9) إلى حكماء صور وجبيل، ويقول لملك صور (حز 3:28- 4): "تعتبر نفسك أحكم من دانيل (نقرأ عنه في آداب راس شمرا) وبإمكانك أن تفهم الأسرار الخفيّة. بحكمتك وفطنتك جمعت لك ثروة، وكدّست في خزائنك الذهب والفضة". 
ويشدّد الكتاب على حكمة سليمان فيقول فيه: "وآتى الله سليمان حكمة وفهمًا... ففاقت حكمته حكمة جميع أهل المشرق كل حكمة مصر وكان أحكم من جميع الناس... وشاع اسمه بين جميع الأمم. وقال ثلاثة آلاف مثل، وأنشد ألفًا وخمسة أناشيد، وتكلّم في الشجر من الأرز الذي على جبل لبنان إلى الزوفى التي تخرج في الحائط... وكان يأتي أناس من جميع الشعوب لسماع كلمة سليمان، ومن قِبَل جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته " (1 مل 9:5-14).
الحكمة هي صناعة الملوك وفنّ يساعدهم على تدبير المملكة وإنجاح أمورها. غير أن هذا الفن ضروريّ لموظفيّ الملك، ولهذا وجب على كل كاتب أن يتعلّم الحكمة. لا شكّ في أنّنا أمام حكمة عملية تساعد الحكيم على التصدّي للأمور بلباقة (مثلاً: يوسف أمام فرعون، تك 41: 25 ي)، غير أنّه انطلاقًا من معرفة الإنسان والكون ستتكوَّن أفكار تصل بالإنسان إلى التأمّل النظري الذي سيلتقي بالفكر الديني في كتاب مثل سفر أيّوب أو سفر الجامعة. أمّا سفر الأمثال فنقرأ فيه أمثالاً وعبرًا كتلك التي نجدها في كتب مصر وفينيقية: "الابن الحكيم يفرح أباه، والابن البليد حسرة لأمّه. ما يُجمَع بالشر لا يعيل العيال، والصدق يُنقذ من الموت. الرب لا يقاوم رغبة الصديقين، وأمّا هوى الأشرار فيصدّه" (أم 10: 1 ي). هذه الأمثال وغيرها جمعها الكتبة في عهد سليمان، ثمّ أضاف إليها أقوالاً رجالُ حزقيا، معتبرين الحكمة والمعرفة والفطنة عطية من الرب يميّز بها الإنسان عن سائر مخلوقاته. وهكذا نفهم الصلاة التي رفعها سليمان إلى الرب: "هب عبدك قلبًا فهِمًا ليحكم بني شعبك ويميّز بين الخير والشر" (1 مل 9:3).

4- المؤرّخون وأصحاب المذكرات
نجد في أورشليم ومنذ عهد داود وسليمان جماعات من الكهنة المنظّمين والكتبة المتعلّمين وفِرَق الأنبياء والرائين. وسيأتي المؤرّخون فيستفيدون من هذه الفئات الثلاث ليكتبوا التاريخ.
بدأ التاريخ بتدوين الحوليّات سنة بعد سنة، ولم يبقَ لنا منها إلاَّ النزر اليسير يقتصر على بعض ملاحظات مقتضبة. نقرأ مثلاً في سفر صموئيل الثاني (8: 1 ي): "وبعد ذلك ضرب داود الفلسطيين وأخضعهم وأخذ منهم زمام الأمور، وضرب الموآبيين وأضجعهم على الأرض، فقتل الثلثين وأبقى على الثلث الآخر، فصار الموآبيون عبيدًا لداود يؤدّون له الجزية. وضرب داود هَدَدْ عَازر بن رحوب ملك صوبة... ".
وبعدها بدأ الكتبة يدوّنون مذكّراتهم في هذا الموضوع أو ذاك، ثمّ جاء المؤرّخون فأعطونا أسفار صموئيل والملوك والأخبار، فكانت تحفة من تحف آداب الشرق القديم.
كانت حوليّات ملوك أشور سلسلة من المدائح تغالي بذكر أعمال الملك، وكانت حوليّات ملك مصر أجزاء متقطعة من التاريخ لا رابط بينها، وتوقفت حوليّات الحثيين على العلل الدينية التي تؤثّر بالتاريخ. أمّا كتَّاب العبرانيين فقد استفادوا مما وصل إليه جيرانهم في كتابة التاريخ، واستقوا من إيمانهم نظرة إلى الإنسان والتاريخ، فارتفعوا فوق الأحداث وأعطونا حُكمًا على التاريخ في نظرة شاملة لم يعرف مثلها التاريخ القديم. فبالنسبة إلى المؤرّخين العبرانيين كلُّ الفاعلين في التاريخ، بمن فيهم الملك، يخضعون لشريعة إلهية تتجاوزهم وتدينهم وتوجّه مصيرهم؛ كلْهم يعملون لمخطّط الله عن علم أو عن غير علم منهم. وهكذا يرتفع المؤرّخ فوق الأشخاص والأحداث فينظر إلى التاريخ نظرة لا تحابي أحدًا ولا تخاف عقابًا.
دوّن المؤرّخون بدايات الملكية في بني إسرائيل منذ مسْح صموئيل شاول ملكًا إلى احتلال داود لأورشليم. تلك كانت حروب الاستقلال. ثمّ سجّلوا تاريخ تابوت العهد منذ يوم أخذه الفلسطيّون في معركة أفيق (1 صم 4: 1 ي) إلى يوم أصعده داود بأبّهة إلى المدينة الملكية (2 صم 6: 12). أمّا تحفة ذلك الزمان التاريخية، فهي قصّة انتقال الملكية من داود إلى سليمان وما رافقها من أحداث: محاولة أبشالوم (2 صم 13: 23- 18: 32) للحصول على الملك، وثورة شابع البنياميني (2 صم 20: 1 ي)، رغبة ادونيا في أن يخلف أباه بعد أن صار بكَر داود بموت أبشالوم. يقول في ذلك سفر الملوك الأوّل (1: 5- 6): "وإن أدونيا ابن حجّيت (امرأة سليمان)، ترفع وقال: أنا سأكون الملك. واتّخذ مراكب وفرسانًا وفرقة من خمسين رجلاً يجرون أمامه ". غير أنّ الملك سيكون حصّة سليمان إبن بتشابع (زوجة أوريا الحثّي سابقًا) التي ستسعى وناتان النبي وصادوق الكاهن وبنايا بن يوياداع من أجل ابنها. وهكذا يُمسح سليمان ملكًا ويخلف أباه (1 مل 1 :28 ي)، ثمّ يتخلّص بعد موت أبيه من أخيه أدونيا (1 مل 2: 13- 25) ومن أبياتار الكاهن ويوآب رئيس الجيش (1 مل 2: 26- 36) وغيرهم من محاربي أدونيا. ولمّا صفا له الأمر، استقرّ المُلك في يده.

5- أوّل عرض شامل للتاريخ المقدّس منذ البدء
هؤلاء المؤرّخون الذين ذكرنا دوّنوا أحداثًا عاصرت أشخاصاً كانوا بعد على قيد الحياة. وجاء غيرهم فكتبوا الأحداث القديمة: وعدُ الله لإبراهيم، وقطعُ عهده مع موسى، ودخولُ أرض الموعد مع يشوع والقضاة. كانت هناك تقاليد متفرّقة في القبائل، فجاء من يجمعها ويربطها بعضها ببعض ويؤلّفها حول موضوع واحد هو خروج الشعب من مصر وإقامته في جبل سيناء. وسيعي أفراد الشعب أنّ ما عاشته عائلة أو قبيلة في بني إسرائيل عاشته كل العائلات والقبائل. من أجل ذلك سيهتمّ المؤرخون بالسلالات التي تربط كل شخص بالجماعة كلها، وكل جيل بالأجيال السابقة. وهكذا يظهر مخطّط الله الذي لم يبدأ مع إبراهيم وحسب، بل مع نشأة البشرية.
وهكذا تثبّتت تقاليد العبرانيين القديمة في إطار تاريخي، وهو تاريخ واقعي يورده المؤرّخون مستعينين بمواد متعددة، وتاريخ بشري يهتمّ فيه كاتبوه بالمعنى الديني أكثر منه بالتفاصيل الدقيقة، وتاريخ يجرُّ معه عناصر عديدة من التقليد الوطني والعادات والشرائع والطقوس والفولكلور ليعطيها معناها العميق. ويرجع هذا التاريخ إلى أبعد من إبراهيم وممالك الشرق القديمة والعصر الحجري، ليصل إلى زمن خلق السماوات والأرض. من هنا ينطلق مخطط الله ويتنفّذ عبر نداء الله للآباء، وتخليص الشعب من مصر، وإبرام العهد معهم في سيناء وإعطائهم أرض الموعد، وتنظيم الملكية... قبل إبراهيم، وقفت الخطيئة حاجزًا بوجه مخطّط الله وإرادته، ومنعت من توحيد البشرية وجمعها حول المسيح، لهذا بدأ الله عمله على مراحل، فانطلق من جماعة بشريّة متأخرة ما زالت تدين بالوثنية، فجعلها شعبًا واحدًا دعاه إلى خدمته وإعلان مجده، وسلَّم إليه القواعد التي تجعل منه شعبًا بحسب قلب الله ومقاصده.
هذا هو المخطَّط العظيم الذي أراد أن يطلعنا عليه لا كاتب واحد بل كتّاب عديدون دوَّنوا التاريخ منذ البدايات إلى عهد داود وسليمان، واستفادوا من مقاطع شعرية ونثرية أدخلوها في تأليفهم، وأعطوا كل ذلك نظرة لاهوتية توافق إيمانهم بالله الواحد. ففي هذا التاريخ اليهوهي نقرأ الشعر الغنائي الديني الذي أنشده العبرانيون يوم عبور البحر الأحمر (خر 15: 1 ي)، والتعليم الحكمي الذي يسرد لنا قصة الخطيئة الأولى (تك 3: 1 ي)، والمقالة التاريخية التي تروي لنا ما فعله جدعون من أعمال في سبيل شعبه (قض 6- 9)، ولائحة القوانين وسلسلة الفتاوى التي تملأ الصفحات العديدة في أسفار الخروج واللاويين والعدد. إنّ هذا التاريخ اليهوهي الذي يشكّل أثرًا أدبيًا لا مثيل له في تاريخ الديانات قد بدأه المؤرّخون في عهد سليمان وظلّوا يقرأونه وينقّحونه في حلقات المتعلّمين والكهنة. فلعب دورًا كبيرًا بين النخبة في بني إسرائيل.
وهكذا برزتُ بنية الكتاب المقدّس حول نواة من النصوص يرجع بعضها إلى زمن موسى، وبدأ شعب الله يدوّن تقاليده، لا في الجنوب فحسب، كما فعل التقليد اليهوهي، بل في الشمال أيضاً، وفي صفوف حلقات الأنبياء والكهنة، فكان لنا ما سمّاه العلماء التقليد الألوهيمي والاشتراعي والكهنوتي.

ج- المرحلة الثالثة: أورشليم والسامرة
بعد موت سليمان، إنقسمت قبائل بني إسرائيل مملكتين لكل منهمَا عاصمتها. وهكذا سيكون للعبرانيين مركزان أدبيان مهمّان هما أورشليم والسامرة.

1- تقليد السامرة
كيف كانت الحالة في مملكة يهوذا؟ استمرّت سلالة داود وأعطت المملكة ثباتًا واستقرارًا. وكان الهيكل قلعة الصمود الذي منه انطلقت ثورة أطاحت بعثليا (2 مل 11: 1 ي)، وفي إطاره تمّ اصلاح حزقيا ثم يوشيا رفضاً للعبادات الكنعانية التي كان يُدخلها إلى الهيكل الملوكُ الذين فعلوا الشرّ بنظر الرب. في هذا الهيكل سيدوّن الكهنة تقاليدهم منذ عهد سليمان، وينشرون الأناشيد الدينية والنصوص التشريعية، ويروون للشعب الآتي إلى الحج مقاطع من تاريخ الأمّة ويعلّمونهم تعليم الله.
أمّا الحالة في مملكة إسرائيل فكانت غير ذلك. هذه المملكة التي تنظّمت رفضاً للضرائب التي فرضها الملك في أورشليم، ساندها سكّان الريف والكهنة المحلّيون الذين خافوا من تسلّط كهنة أورشليم عليهم، ووقف بجانبها الأنبياء المعارضون لكل جديد باسم التقليد القديم. غير أنّ من استفاد من المملكة الجديدة كان الملاَّكين الكبار والتجّار وأصحاب الأموال، وإليهم ستستند الملكية لتقوّي نفوذها وتنظّم مركزًا أدبيًا يزاحم مركز أورشليم، له موظّفوه كهنته وهيكل لا يقلّ عن هيكل أورشليم روعةً وجلالاً، بناه الذين بنوا هيكل أورشليم أي الفينيقيون.
ولكن لم تبقَ تقاليد السامرة صافية، بل انفتحت على تيّارات خارجية نذكر منها تقاليد صور الدينية والأدبية والاجتماعية. ولما زوّج عمري (885- 874) ابنه آحاب بيزابيل ابنة ملك صور، التقى الشعبان فنتج من هذا اللقاء نهضة أدبية وتجديد في الفنّ وتبدّل في شعائر العبادة. إلاَّ أنّ إنتاج هذه الحقبة لم يصل إلينا لأنّه تلطّخ بالوثنية فأتلفه الكتّاب الأتقياء أو أهملوه فراح فريسة الضياع. ولقد كشفت الحفريات الكثير من الكتابات على العاج والفخار والزجاج، وهي تدلّ على نشاط أدبي وفني رفيع. أمّا في الكتب المقدّسة، فقد وصل إلينا من تلك الحقبة المزمور 45، هذا النشيد الملكي الذي قرأه جامع المزامير وأعطاه معنى رمزيًا: "قلبي يفيض بكلام جميل، وللملك أنشد أبياتي. لساني قلم كاتب ماهر. أنت أبهى جمالاً من بني البشر، والحنان انسكب على شفتيك، فباركك الله إلى الأبد".
ما يمكن أن نلاحظه، هو أنّ الحركة الأدبية في مملكة إسرائيل ظلّت غريبة عن الذين جمعوا فيمَا بعد النصوص المقدسة. فأبناء الأنبياء، أو جماعة الأنبياء المتحلّقين حول إيليا وأليشاع، لا تهمّهم من الحياة الاجتماعية ظواهرها، والريكابيون (2 مل 10: 15؛ إر 35: 6) يرفضون العيش في المدن والقصور، ويفضّلون الإقامة في الخيام على مثال العبرانيين الأوائل. لذلك لم يصل إلينا من كلمات إيليا وأليشاع وميخا بن يملة (1 مل 22: 1- 28) إلاَّ قليلها. وتنبّه التيار الديني إلى ما في النظام الجديد من عناصر وثنية تمتزج بالإيمان الصرف بيهوه، فرفضها وعاد إلى القديم الذي عرفه بنو إسرائيل في عهد القضاة. وهذا الرجوع إلى القديم سنراه عند إيليا الذي بنى على الكرمل مذبحًا على الطريقة القديمة (1 مل 18: 30 ي؛ رج خر 20: 24- 25) وذهب يحجّ إلى حوريب (أو سيناء) ليغوص بإيمانه في الإطار الذي وُلد فيه إيمان شعب الله في القديم.

2- تأثير الانبياء في مملكة السامرة
بعد موت آحاب وبداية حكم ياهو (841- 814)، أخذ تأثير الأنبياء ينمو في صفوف المثقّفين، فبات الملوك أنفسهم يلجأون إليهم ويستشيرونهم، وأخذت حلقات الأنبياء والكهنة تتنظّم فكوّنت تيارًا إصلاحيًا أنتهى إلى آثار أدبية شبيهة بتلك التي ظهرت في أورشليم، في القرن العاشر وهكذا جُمعت ودُوّنت التقاليد التي تحكي عن إيليا وأليشاع، وكُتبت قطع من التاريخ تُعتبرَ تحفة في عالم المذكّرات كثورة ياهو (2 مل 9: 1- 10).
هذا المحيط الديني ترك لنا التقليد الألوهيمي الذي نجد نصوصه في أسفار موسى الخمسة، وجمع الكثير من أخبار يشوع والقضاة وشاول كما نجده في الكتب التاريخية أو ما يسمّيه العبرانيون "الأنبياء الأوّلين". وجمعُ عناصر هذا التقليد يُشبه إلى حدّ بعيد ما فعله التقليد اليهوهي في زمن داود وسليمان. والقرابة بين التقليدين واضحة، إن من جهة المضمون وإن من جهة الأسلوب.
في التقليد الالوهيمي نجد وثائق قديمة كالوصايا العشر (خر 20: 1 ي) أو قانون العهد (خر 20: 24- 23: 19). وعندما كتب التقليد الالوهيمي التاريخ بدا متحفّظاً بالنسبة إلى النظم التي أخذ بها بنو إسرائيل بعد دخولهم أرض كنعان. فكتّاب الشمال يريدون أن يرجعوا إلى زمن الخروج والحياة في البرية ودخول أرض كنعان. لهذا يرفضون ما تمّ من تجديد في عهد داود وسليمان. وهذه الأمانة للقيم التي يعتبرونها جوهرية بالنسبة إلى الديانة الوطنية، جعلتهم يشدّدون على دور النبي الذي لعبه الآباء (إبراهيم، موسى)، ويتهجّمون على عبادة العجل الذهبي (خر 32: 1 ي) أو البعل الكنعاني (قض 6: 25- 32)، ويرفضون النظام الملكي ككل (1 صم 8: 1 ي؛ 12: 1 ي)، ويحنّون إلى الحياة التي عرفتها القبائل في عهد القضاة.
لقد تنظّمت مجموعة التقليد الالوهيمي خلال القرن الثامن، في عهد يربعام الثاني المشرق المزدهر (783- 743)، كردّة فعل على الفوضى الدينيّة والاجتماعية الظاهرة. ويظهر ذلك في مقابلتنا نصوص التقليد الالوهيمي بنصوص الأنبياء الذين حملوا كلمة الله في مملكة الشمال. فالنبيّ هوشع مثلاً يستعيد مواضيع يشدّد عليها التقليد الالوهيمي مثل الوصايا العشر، وزمن البرّية، والتعلّق بالعهد، وذكر يعقوب أبي شعب اسرائيل، وسيطرة إفرائيم، والعجل الذهبي والتنظيم الملكي.
كل هذا يدلّنا على ما كان للأنبياء من تأثير في صياغة هذا التقليد الديني. وكان للكهنة أيضاً دورهم في تدوين القوانين الاجتماعية والأخلاقية وتطويرها على ضوء المستجدّات التي طرأت على مجتمع يبعد أجيالاً عن مجتمع الصحراء. ولهذا جاءت الشريعة لتقف سدًّا منيعًا بوجه سلطة الملك، بوجه جور الأغنياء وتلاعب القضاة بالعدالة والتراخي على المستوى الأخلاقي والديني.
هذه الحالة ندَّد بها إيليا يوم قتل الملكُ آحاب نابوت اليزْرَعيلي واستولى على كرمه (1 مل 21: 1 ي). وقال عنها عاموس (3: 10): "هم لا يعرفون العمل باستقامة، بل يملأون خزائن قصورهم بالجور والاغتصاب". وأردف هوشع (7: 1): "هم يغشّون بعضهم بعضاً، فمنهم السارق في الداخل ومنهم اللصوص الذين يسلبون في الخارج". 
مثل هذا العمل يفترض وجود شرع عرفي مبني على العادة سوف يتبلور ويتوضح في قوانين ثابتة. ولقد تمّ ذلك على ضوء كرازة الأنبياء الذين دفعوا بالاصلاح في خط التقليد الصحيح، ثمّ سلّموه إلى حلقات الأنبياء والكهنة اللاويين الذين انطلقوا من الشرائع والعادات القديمة وتركوا لنا الفتاوى العديدة. وهذا ما كوّن أساس القانون الجديد الذي سيكون جاهزًا بعد سقوط السامرة، يوم أحسّ الشعب بحاجة ملحّة إلى ما يساعده على المقاومة الروحية بوجه المدّ الآتي من بلاد الرافدين. وبالإضافة إلى ذلك، سيفهم أبناء السامرة أنّهم لو سمعوا كلام الأنبياء وقاموا بالإصلاح الذي دعوهم اليه، لما كانت الحالة وصلت بهم إلى ما وصلت. ولقد أحسّوا بضرورة إصلاح يكون أساسه شريعة موسى المغتنية بكلام الأنبياء والمتكيّفة مع حاجات العصر فكانت حصيلة وعيهم "القانون الاشتراعي" (تث 12: 2- 15:26) الذي سيكون قلب سفر تثنية الاشتراع كما نعرفه في صيغته الحالية.

3- تأثير الأنبياء في مملكة أورشليم
لم يكن تأثير الأنبياء في مملكة الجنوب أقلّ منه في مملكة الشمال. فالمواضيع التي كرز بها عاموس في السامرة (سنة 750) هي ذاتها التي سيكرز بها ميخا وأشعيا في أورشليم، وذلك بفضل دور تلامذة الأنبياء في نشر أفكار كل نبيّ. كان ميخا يشبه عاموس إلى حد بعيد، وكلاهما طالع من ريف يهوذا. واذا كان تأثير عاموس قويًا في أغنياء السامرة، فقد كان تأثير ميخا كبيرًا في النخبة من أورشليم فعجّلوا بالقيام بالإصلاح المطلوب (رج ار 26: 17- 19). أمّا التقارب بين النبيّين في الأفكار والتعابير فأمر واضح: فميخا (1: 3 - 4) يصوّر الرب هكذا: "ها هو الرب يخرج من مكانه وينزل ويطأ مشارف الأرض، فتذوب الجبال تحته وتنحلّ الأودية كالشمع من وجه النار وكالمياه التي تصبّ في منحدر". ويقول عاموس (13:4) في المعنى نفسه: "فالذي يصنع الجبال ويخلق الريح، ويبيّن للبشر فكره، ويجعل الظلمة فجرًا، ويطأ مشارف الأرض، هو الرب، الإله القدير اسمه ".
أمّا أشعيا فإنّه يمثّل تقليد أورشليم الأدبي في أصفى معانيه. لا شكّ في أنّ ما تركه من أثر رفيع يعود إلى الإلهام الإلهي وإلى عبقريته الفذّة، إلاَّ أنّ أفكاره وتعابيره ترتبط بالتيّارات الأدبيّة المعروفة آنذاك في أورشليم. فأشعيا قريب من الكهنة وقد أخذ بأسلوبهم كما استوحى من لاهوتهم الكثير عن مجد الله وقداسته وجلال ملكه ودور الهيكل كمركز لإقامته وسط شعبه. وأخذ كذلك عن الذين دوَّنوا التقليد اليهوهي تعليمه عن البقية الباقية، التي تحمل بذار الخلاص وتوفّر استمرار العهد، وعن التعلّق بسلالة داود كما نعرفها عبر نبوءة ناتان (2 صم 7: 1 ي). وأخذ أيضاً عن حلقات الكتبة أسلوب المثل فندَّد بالحكمة الكاذبة المُفعمة بروح الكبرياء، وقدّم الحكمة الحقّة المشبعة بروح دينية. وعلى مثال عاموس هدّد الشعب بعقاب الرب، وعلى مثال هوشع نظر إلى الخلاص الآتي فجعل العصر الذهبي لإسرائيل، لا في زمن الخروج والحياة في البرّية، بل في عهد داود الجديد. حينذاك يسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، ويُعلف العجل والشبل معًا وصبي صغير يسوقهما. وترعى البقرة والدب معًا، ويربض أولادهما معًا، والأسد يأكل التبن كالثور... لا سوء ولا فساد في كل جبلي المقدس " (أش 6:11- 9).
ونلاحظ من خلال سفر أشعيا أنّ النبيّ ليس وحده، بل تحيط به جماعة تلاميذه الذين يطبع في قلوبهم شريعة الرب وفرائضه (أش 8: 16). وهكذا يبدو شبيهًا بواحد من معلّمي الحكمة الذين يجعلون همّهم في تثقيف جماعة صغيرة. في هذه الحلقات، نجد الأصل البعيد لجماعة الأتقياء ومساكين الرب الذين سيلعبون دورًا هامًا في تكوين الكتب اليهودية بعد الجلاء... أمّا الجماعة التي تحيط بأشعيا فسوف تحتفظ بأقوال المعلم، أَوَصَلت اليها كتابةً أم شفاهًا، وتضمّها إلى بعض وقائع حياته الهامة (أش 7: 1 ي؛ 36- 39) لتؤلّف القسم الأوّل من السفر المسمّى باسمه (1- 39) والذي سينمو مع الزمن بفضل تلاميذ جُدد لم يُحرموا من إلهام الروح القدس.

4- بعد سقوط السامرة
بعد سقوط السامرة (721 ق. م.) ترك مَن بقي من سكانها الشمال، وذهبوا يبحثون عن ملجأ لهم في الجنوب. في الوقت ذاته، بدأت أورشليم باصلاح ذاتها فنتج من هذا الاصلاح نشاط أدبي واسع. فعمد حزقيا الملك (716- 687) إلى جمع إرث مملكة الشمال الأدبي والديني (والسياسي أيضاً) ليكوّن وحدة وطنيّة محورها أورشليم. وأخذ كتبته يجمعون الأمثال (25: 1) ليدخلوها في أمثال سليمان، كما شرعوا بإعادة النظر في مجموعات التقاليد القديمة وبمقابلتها بموادّ جاءت من الشمال، فأعطونا نسخة كاملة توحّد تقليد الجنوب (اليهوهي) وتقليد الشمال (الألوهيمي) في إطار البنتاتوكس أو أسفار موسى الخمسة. وفي هذه الآونة أيضاً، برز سفر القضاة في شكله النهائي. وهكذا عادت تقاليد الشمال فالتقت تقاليد الجنوب وكوّنت تقليدًا ذكَّر الشعب بما كان عليه في بداية الملكية. 
في هذا الوقت، ظلّت حلقات اللاجئين إلى أورشليم على ممارستها الأدبية، فكتبت القانون الاشتراعي بصيغته النهائية. ولمّا انتهى تدوينه جعلوه في الهيكل أمام تابوت الرب. وتجاه الانحرافات عن العبادة الحقة، حلموا بأن يجعلوا من أورشليم (لأنّ شكيم يحتلّها الغرباء) المعبد الشرعي الوحيد للرب في أرض إسرائيل، لأنّ فيها تابوت الرب، ولأنّها جمعت في زمن داود جميع القبائل في رابطة واحدة. وهكذا ستزيد أورشليم إرثها بإرث مملكة الشمال وسوف تحتفظ به إلى يوم اكتشف كهنة الهيكل القانون الاشتراعي وأعلنه يوشيا (640-609) شرعًا لشعبه وفرض على الجميع العمل به.

د- المرحلة الرابعة: في زمن المنفى
تبدأ هذه المرحلة مع يوشيا وإصلاحه الشهير (622 ق. م.) وتمتدّ إلى دمار أورشليم وأيّام الشقاء والتعاسة التي سيقضيها شعب الله في المنفى.
1- التيّار الاشتراعي
ضعفت مملكة أشور فاستفادت مملكة يهوذا من هذا الضعف لتستعيد بعض استقلالها. فمنذ أن تسلّم يوشيا مقاليد الحكم بنفسه (630 ق. م.) بدأ بنزع شعائر العبادة الأشورية (وكان ذلك علامة تحرر وطني)، وشرع يهيّئ لاصلاح عميق سيحرّكه اكتشاف الكهنة للقانون الاشتراعي في الهيكل سنة 622 وكان قد جُعل فيه منذ مئة سنة. وهكذا سيتحقّق حلم كهنة السامرة، ويؤسّس يوشيا مملكته على عهد موسى وشريعته، ويطبّق هذه الشريعة بحذافيرها متّخذًا بحق الرافضين الاجراءات القاسية (2 مل 22- 23). وستكون هذه السياسة الدينيّة محطة في تاريخ العبرانيين الأدبي.
اعترفت أورشليم بالقانون الاشتراعي كشريعة للدولة، فأخذ مركزه بين سائر الأسفار. حينذاك تابع الكتبة عملهم فأخذوا هذا القانون وزادو عليه خُطبًا أخلاقية تحدّد أبعاده وتنفحه بروحانية أوساط مملكة الشمال الدينية، فكان لنا سفر تثنية الاشتراع.
لا نجد إلاَّ القليل من النصوص الاشتراعية في أسفار التكوين والخروج واللاويين والعدد، ولكنّنا سنلاحظ تأثير سفر تثنية الاشتراع في سفر يشوع إذ يضخّم أخباره، وفي سفر القضاة إذ يوضح معناه العام (رج قض 2: 11 ي: "فعلوا الشر، تركوا الرب، غضب الرب فباعهم، أقام لهم قاضيًا أو حاكمًا فخلّصهم، ولكنّهم ما عتّموا أن عادوا إلى الشر")، وفي أسفار صموئيل والملوك إذ يحدّد سلوك الملوك على ضوء كلام الله. لن نتوقّف على أسلوب المؤرّخين الاشتراعيين، إنّما نلاحظ أنّهم لم يمزجوا المراجع بعضا ببعض، بل حافظوا على استقلالية كل مرجع، ممّا يساعدنا على اكتشافه. بالاضافة إلى ذلك، نجد تعليمًا دينيًا عن العهد الذي يتحقّق عبر تاريخ العبرانيين، وكرازة ملموسة تسعى إلى إيقاظ القلوب إلى محبّة الرب وحفظ عهده والخضوع لشريعته. وبدون ذلك لا سبيل إلى العيش في الأرض المقدّسة بسلام.
ولكنّ عمل الإصلاح الذي بدأ به يوشيا سيموت بموته المريع (كما حدث لحزقيا قبله). لا شكّ في أنّ القانون الذي أعلنه حافظ على قيمته الرؤية، ولكنّ تطبيقه ظلّ دون المرام. غير أنّ الروح الاشتراعية سوف تستمر ّوتتطور العصر فتهيّئ القوانين التي ستكون دستور الأمّة التي ستُبنى من جديد بعد النكبة الوطنية التي ستحلّ بأورشليم سنة 587. وهكذا سيغتني سفر التثنية وسفر الملوك في "طبعات" جديدة ومنقّحة، فيضيف إليها الكتبةُ خير موت يوشيا ودمار أورشليم وتشتّت شعبها.

2- انبعاث التيار النبوي
كان عهد منسّى (687- 642) عهد انحطاط ديني تأثر بالوثنية الكنعانية وطقوس الأشوريين (2 مل 21: 1- 9)، فأخذ الأنبياء يعملون في الخفاء. ولما بدأ عهد يوشيا عاد التيار النبوي إلى عهده في حلقتين، حلقة أولى حول تلامذة أشعيا، كان من نتائجها سفر صفنيا، وحلقة ثانية حول تلامذة هوشع وروحانية الشمال، كان من نتائجها بعض أفكار إرميا. ودُوّن في ذلك الوقت سفر ناحوم الذي أنبأ بخراب نينوى (سنة 612 ق. م.)، وسفر حبقوق الذي يعلن إيمانه بالته بوجه الكلدانيين.
لم يكن لإرميا إلاَّ تلميذ واحد، باروك، جاءه من الحلقات الاشتراعية، وسيدوّن أقوال النبي ويتلوها أمام الشعب مخاطرًا بحياته، وسيكون ما دوّنه نواة سفر إرميا الذي سيجد فيه المنفيون أكبر عزاء لهم في ضيقهم وأفضل مشجّع لهم على الرجوع إلى الرب.
مات إرميا، وبعد موته جاءت الأحداث تؤكّد صدق أقواله. ولكنّه ترك لمواطنيه في المنفى رسالة رجاء أوضحها بكلمات تذكّرنا بتلك التي قالها أشعيا وهوشع: لقد وضع الله مخطّط حبّ لشعبه وبدأ بتنفيذه، ولكنّ هذا الخطط فشل بسبب خطيئة بني اسرائيل. غير أنّ الرب سوف يبتلي شعبه وينقّيه، ثمّ يقبله من جديد ويقيم معه عهدًا يكتبه في القلوب، وبعدها يعيده إلى الأرض المقدسة سائرًا أمامه كالراعي أمام خرافه. يقول إرميا (23: 3): "سأجمع بقية غنمي من جميع الأراضي التي طردتها إليها، وأردّها إلى حظائرها فتثمر وتكثر". ويتابع (31: 16- 17): "سيرجعون من أرض العدو، يرجع البنون إلى تخومهم... أمّا العهد الجديد... فهو هذا: أجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا".

3- التقليد الكهنوتي
التقليد الكهنوتي هو تقليد كهنة معبد أورشليم الذين رفضوا إصلاح يوشيا ليحافظوا على امتيازاتهم. ولكن لمّا رأوا الخطر الكامن في التقليد الاشتراعي، شعروا بالحاجة إلى جمع عاداتهم وتنظيم تعليمهم فكانت نتيجة هذا العمل ما سمّي فيمَا بعد "قانون القداسة" الذي نقراه في سفر اللاويين (17- 26) والذي استوحى حزقيال بعض نصوصه. وفي هذا الكتاب نكتشف روحانية تختلف عن روحانية سفر التثنية. فهو يشدّد بصورة خاصة على عظمة الله وقداسته، ويبيّن أنّ خدمة المعبد هي أساس روح الديانة، منها ينبع كل عمل إنساني. فكما أنّ الكهنة يمجّدون الرب في الهيكل، كذلك يمجّده، في كل ظروف الحياة، الشعب الذي اختاره: "كونوا قدّيسين كما أنّي أنا الرب إلهكم قدّوس" (لا 20: 26).
في هذا الإطار الكهنوتي نتعرّف إلى حزقيال النبي الذي تأثّر بقانون القداسة وعرف أسفار هوشع وإرميا وتثنية الاشتراع. فحزقيال هو رجل الكتاب (2: 9- 3: 2) الذي قرأ أسفار سابقيه واطّلع حتى على أساطير فينيقية (28: 1 ي)، وتمرّس بكل ما في الهيكل من شرائع وطقوس وعبادات.
دعا حزقيال شعبه إلى التوبة بلغة سفر التثنية، ثمّ رسم لهم بعد دمار أورشليم (587 ق.م.) مخططاً مستقبليًا في إطار التقليد الكهنوتي حيث الأفكار المستقبليّة ترتبط بالمعطيات العملية. فتنقية القلوب عمل طقسي يشبه ما يقوم به الكهنة في الهيكل (16:36 ي)، والدولة تيوقراطيّة، بعد أن زالت الملكية، وصار رئيسُ الكهنة رئيسَ الأمّة من دون منازع.
في هذا الوقت بدأ التقليد الكهنوتي يكوّن مجموعة تاريخية وقانونية، وأخذ يستعيد الشرع الموسوي ويتأمله من الزاوية الطقسية والليتورجية. إنّ الظروف فرضت على الكهنة المنفيّين البعيدين عن هيكلهم أن يجمعوا كل ما يتعلّق بالطقوس وشعائر العبادة، متطّلعين إلى اليوم الذي فيه يعودون إلى أرضهم، كما فرضت عليهم أن يحدّدوا لليهود المسبيّين قواعد يسلكون بموجبها فيحمون نفوسهم من كل نجاسة. وهكذا جاء القانون الكهنوتي داخل إطار التاريخ المقدّس. وبعد ذلك استعاد الكهنة مخطط التقليد اليهوهي فنظّموه من جديد وبيّنوا كيف تحقّق قصدُ الله على مدى الأجيال في أربع حقبات: الخلق، العهد مع نوح، العهد مع الآباء، العهد مع موسى. وفي كل حقبة أعطى الله البشر شرائع ووصايا، إلى أن أسس عبر موسى تيوقراطيّة مركّزة على عبادة الله: فوق جميع الشعوب هناك شعب اختاره الرب وكرّسه لخدمته، وفوق الشعب هناك الكهنة أبناء هارون أخي موسى.

4- عزاء الذين في المنفى
بخراب أورشليم زالت النظم التي خلقها داود الملك، ولكنّ الشعب وجد سبيلاً إلى البقاء بشكل قديم وجديد: بشكل قديم لأنّه أسّس جماعة على مثال الجماعة المقدّسة في برّية سيناء، وبشكل جديد لأنّ هذه الجماعة تكيّفت والعصر الذي عاشت فيه. وهذه الجماعة لم تقطع كل رباطها بالعهد الملكي، فأخذت عنه ما حفظ لها من إرث أدبي، أي الكتب المقدّسة: أوّلاً أسفار موسى الخمسة التي هي حصيلة مجموعات عديدة من قانون العهد إلى القانون الاشتراعي إلى قانون القداسة والقانون الكهنوتي. وثانيًا الأسفار التاريخية من يشوع إلى القضاة إلى أسفار صموئيل والملوك. وثالثًا مزامير عديدة وأمثال حكمية جمعها كتّاب الملك سليمان وحزقيا... ومجموعة المؤلّفات هذه تدلّ على فكر واحد في مبادئه الجوهرية ومتنوعّ في تعابيره والتيارات البارزة فيه. فشعب اسرائيل لا يملك فقط حكمة دينية تميّزه عن سائر الشعوب، بل يملك رجاء وطنيًا نبع من عهد سيناء وتوسَّع على ضوء تعليم الأنبياء فوجد فيه الشعب المشتّت باعثًا على الحياة وسط الظروف الصعبة التي فُرضت عليه.
في أيّام المنفى التأم اليهود في جماعات محلّية، فلم يذوبوا في الشعوب التي عاشوا بينها. وكان لكل جماعة إطارها الطبيعي المؤلَّف من رؤساء العائلات والشيوخ، وفئة الكهنة واللاّويين، والمثقفين الذين عملوا في الإدارة الملكية ككتبة وموظفين. وتنظّمت مدارس فكرية دخل فيها تلاميذ الأنبياء وأعضاء الحلقات الاشتراعية والكهنوتية، فكوّنوا تيارًا جديدًا سيساعد أبناء شعب الله فيستمرّون في الوجود ويتوجّهون إلى معرفة إرادة الله وسط الظروف الصعبة التي فيها يعيشون.
في فلسطين بقيت بعض الطقوس في هيكل مهدَّم، وفي إطاره ألفت مراثي إرميا بمناسبة يوم حداد احتفل به الشعب تذكارًا لدمار أورشليم، كما ألّفت بعض المزامير. أمّا في بابل، فقد تكيّفت الممارسة الدينية بحسب ظروف الحياة هناك، وشدّد المنفيون بصورة خاصة على شريعة السبت والختان والمحرّمات وممارسة الصوم. وبالاضافة إلى ذلك، اعتادت كل جماعة أن تجتمع يوم السبت أو غيره في صلاة مشتركة، فكانت تلك بداية العبادة في المجامع، فيها تلاوة مقاطع من الشريعة ومن التاريخ المقدس، ووعظ وإرشاد، وصلاة وأناشيد، ثمّ البركة للجماعة.
وستعلب هذه الاجتماعات دورًا كبيرًا في تكوين الكتب المقدّسة. فأوَّلاً، استعملوا النصوص المدوّنة، ممّا ساعد على حفظ النصوص القديمة من الضياع ؛ وثانيًا، كانت هذه العبادة الإطار الملائم لتأليف نصوص جديدة. نعطي مثالاً على ذلك: قرأ المجتمعون سفر الخروج فوصل بهم التأمّل في نصوصه إلى ليتورجية توبة (نقرأها في أش 7:63- 64: 11) أو حضّ على الثقة بالله (أش 43: 16- 21) يبدو بشكل عظة لزمن الفصح، تنطلق من الماضي لتجد فيه أملاً بخلاص جديد (رج مز 78؛ 105؛ 106). في هذا الإطار، ولد المدارش وهو فن أدبي فيه يدرس المؤمن نصًّا كتابيًا قديمًا ويحاول أن يجد فيه جوابًا على تساؤلات حياته الحاضرة، وتكوّنت حلقات المرتّلين والكهنة والكتبة الذين جمعوا الكتب ونسخوها ونشروها وأغنوها بتعليقات تفسّر معانيها.
في هذه المرحلة كتب الأنبياء آخر نبوءاتهم. ومن بين تلاميذ أشعيا سيوجّه كاتب، اغفل اسمه اطلاقًا، إلى المسبيين، بين سنة 547 (سنة انتصار كورش الفارسي) وسنة 538 (سنة القرار الذي بموجبه عاد المسبيون) رسالة تعزية نلاحظ فيها تأثير أشعيا وناحوم (أش 52: 7- 10) وصفنيا (أش 49: 13) وإرميا والتثنية وتقاليد إسرائيل القديمة. إنّ كاتب هذه الرسالة أديب وشاعر، وما كتبه يبدو قمة من قمم العهد القديم. وهو يشدّد على التيّار المسيحاني، فينقّيه من عناصره السياسية، ويركّز كلامه على مُلك الرب في أورشليم مدينته المقدّسة التي سينطلق منها لك على الكون، ويذكّر شعب الله بتاريخه. ولكنّه يركّز انتباهنا على جماعة مساكين الرب الساعين إلى البرّو الحافظين شريعة الرب في قلوبهم. أمّا الخلاص فلا يأتي بالمسيح الملك، أكان محاربًا أم مسالمًا، بل بعبد يهوه (أو عبد الله) الذي سيكون وسيط عهد جديد فيخلّص الجماعات بآلامه، بذبيحة تكفيرية جديدة.

هـ- المرحلة الخامسة: في العهدين الفارسي واليوناني
حوله السنة 550 ق. م. أطاح كورش الفارسي بالمادايين وانتصر على كريسوس (5446 ق. م.) ثمّ أخذ بابل (539) وأسّس مملكة ستدوم حتّى سنة 331، يوم انتصر الإسكندر على مملكة الفرس واستولى على بلاد الشرق. وعندما مات الإسكندر الكبير (323 ق. م.)، اقتسم قوّاده المملكة. وهكذا انتقل الشعب العبراني من حكم الفرس إلى اليونان، إلى البطالسة الآتين من مصر، إلى السلوقيين الآتين من أنطاكية، بانتظار حكم الرومان الذين سيستولون على أورشليم سنة 63 ق. م. بقيادة بومبيوس. وعلى عهد الفرس، رجع المنفيّون من بني إسرائيل إلى فلسطين وسُمح لهم بإعادة بناء الهيكل، ولكن أين هيكل أورشليم من هذا الهيكل الثاني! وعلى عهد البطالسة نعِمَ بنو إسرائيل بالراحة ولكنّهم عرفوا الاضطهاد في عهد السلوقيين الذين أرادوا أن يفرضوا عليهم المدنيّة اليونانية مع ما يرافقها من ممارسات وثنية.

1- التيّار النبوي في زمن الهيكل الثاني
ظلّ الهيكل رمزًا في شعب الله، وبتي يستقطب الكهنة والأنبياء وعلماء الشريعة. وهنا نتعرّف إلى حجّاي وأشعيا الثالث (أش 56- 66) اللذين تابعا خط رسالة التعزية كما وردت في أشعيا الثاني (أش 40- 55)، ونتعرّف إلى زكريّا الأوّل (زك 1- 8) الذي أخذ بطريقة حزقيال في اللجوء إلى الرموز. في ذلك الوقت تطوّر الفنّ النبوي فأخذ بأسلوب الكتابة، لاسيّمَا وأنّ الكتّاب الجدد مرّوا في مدارس الكتبة واطّلعوا على ما كتبه سابقوهم وأخذوا عنهم. أمّا المواضيع التي نقرأها فهي: أناشيد دينية وطنية ضيّقة (أش 63: 1- 6) أو إعلان الخلاص الشامل للبشرية كلّها (أش 56: 1- 8)، وكلام على بني آدوم الذين اجتاحوا الجنوب ونداء الغضب الإلهي عليهم (أش 34: 1 ي؛ عو 1 ي)، وصلاة الرجاء عندما بدأ الهيكل يرتفع.
وهنا يتطوّر الفنّ النبوي ويتحوّل فنًا حكيمًا وفنًا جليانيًا. إنّ دور النبي كواعظ سينتقل إلى معلم الحكمة، ودور النبي كراءٍ سينتقل إلى صاحب الرؤى الذي ينطلق من التعابير الغامضة ليفتح أذهاننا على عالم آخر الأزمنة. وفي هذا الإطار نقرأ فصلين من سفر حزقيال (38- 39) وثلاثة فصول من سفر أشعيا (34-37) وفيها ما فيها من ذكر الحروب، كما نقرأ سفر ملاخي ونحميا اللذين كُتبا في القرن الخامس ق. م.، والقسم الثاني من زكريا (9 - 14) الذي عاصر فتوحات الإسكندر. وبعد يوئيل (بداية القرن الرابع) سيختفي دور النبي (رج زك 13: 2- 6) ممهّدًا الطريق للفن الجلياني الذي ستقرأه النفوس التقية، وهمّها أن تفهم معنى هذا الحاضر المخيّب للأمل، وأن تلقي نورًا على مخطّط الله الذي يتحقّق في المستقبل.

2- التيّار الحكمي
منذ عهد سليمان دخل التيّار الحكمي أورشليم وتوسّع في أوساط الكتبة. ولكن بعد المنفى وزوال الملكية لم يعد الكتبة هؤلاء الموظفين الذين يدوّنون أعمال الملك وماجريات السنة، بل باتوا رجالاً أتقياء يقرأون الأسفار المقدّسة ويتأمّلونها. هذا التيار الحكمي ستبين معالمه في أقوال نبوية (أش 40: 12- 16) ومقاطع اشتراعية (تث 4: 1- 8)، ولكنّه سيحتفظ بفنّه الأصيل معتمدًا أسلوبًا يصل به إلى كل إنسان مستقيم القلب، أكان يهوديًا أم لا. فالكاتب الحكمي سينقل مُعطيات الوحي الموسوي والنبوي إلى قرّائه وكأنه يحايد الوحي ويجانبه، إلاَّ أنّه عبر أسلوب عرفته الأمم المجاورة سينقل وحي الله مستعملاً أسلوب الأسفار المقدّسة وتعابيرها. وسيترك هذا الفن الحكمي التعليم عن العهد بنزعته القومية الضيّقة، فينفتح على سائر الأمم، ويدخل هكذا تعليمه أوساط الوثنيين فيجلب إلى عبادة الله مهتدين جددًا سيكونون من دُعوا خائني الله، وهم الذين سيتقبّلون المسيحية من فم الرسل.
إنّ أوّل أسفار الأدب الحكمي هو سفر الأمثال. ضمّنه "ناشر" في القرن الخامس أو الرابع ق. م. مجموعات قديمة، وجعل له مقدّمة لاهوتية تدل على الروح الذي كُتب فيه.
فلقد تطرّق إلى كل ما يتعلّق بالحياة المستقيمة السعيدة، وإلى مسألة الثواب والعقاب، فاستنتج بتفاؤل: طريق البر طريق الحياة، وطريق الشر آخرتها الموت. ولكن جاء سفر أيّوب بعده فعارض فكرته، بيّن واقع البارّ المتألّم ظلمًا، وانتهى إلى اختبار للألم الذي يبقى سرا للإنسان على الأرض.

3- الشعر الغنائي الديني
انقسم شرّاح الكتاب المقدّس بالنسبة إلى المزامير. قال البعض: تكاد ترجع المزامير كلّها إلى عهد الملكية، وقال البعض الآخر: القسم الاكبر من المزامير يعود إلى ما بعد الجلاء. لا شكّ في أنّ مزامير عديدة كُتبت في عهد الملكية وجُمعت كما جُمع غيرها من التراث الأدبي زمن المنفى، ولكنّها نقّحت بعد المنفى وتكيّفت لتلائم الظروف الجديدة التي تعيشها جماعة الله. إنّ المزامير التي تحدّثنا عن الملك داود هي قديمة، وكذلك التي تحكي عن مملكة الشمال. أمّا المزامير الحكمية (1 ؛ 34 ؛ 37) وتلك التي تنشد الشريعة (19 :8 ي؛ 119) والتي تحكي عن ألم البارّ وعن مُلك الرب في إطار اسكاتولوجي، فقد وصلت إلينا بصورتها النهائية بعد الجلاء.
بهذا الشعر الغنائي الديني الذي يكاد يتمثّل كله في سفر المزامير، يرتبط سفر نشيد الأناشيد الذي دوّن على ما يبدو في الزمن الفارسي. إنّ هذا السفر مجموعة أناشيد حب بشري في إطار حفلة زواج، وقد فهمه المعلّمون كرمز الى حب الله لشعبه على مثال ما نقرأ في هوشع وإرميا وحزقيال.

4- من التاريخ إلى القصص الديني
عرف بنو إسرائيل الفن التاريخي ولجأوا إلى الخبر، إنّما كان هدفهم منهما إعطاء أمثولة لاهوتية أو أخلاقية أو قانونية. لقد تأمّلوا في تقاليدهم فارتفعوا بها إلى مستوى أعلى من التاريخ، إلى مستوى روحي وتعليمي نجد أحلى ثماره في سفر التثنية. من التاريخ انطلق الكهنة في هذه المرحلة الأخيرة فأعادوا كتابته لتربية الناس وتعليمهم، في فن اسمه المدراش. في هذا الإطار نقرأ سفرَي عزرا ونحميا (ذكريات الرجوع، السامريون...)، وسفر يونان الذي هو خبر تعليمي بحت، وسفر راعوت الذي ينطلق من تقليد تاريخي يرتبط بداود ليصل بنا إلى خبر ديني يدل فيه على أن الله يرضى بأعمال امرأة موآبية كما يرضى بتوبة أهل نينوى الذين بشرّهم يونان.

5- تدوين أسفار موسى الخمسة وتثبيت نصوصها
إنّ محور التعليم اليهودي هو التوراة بمعناها الحصري، أي الأسفار الخمسة، وقد دوّنت بصورة نهائية في العهد الفارسي فثبت نصّها ولم يعد عرضة للتبديل. لقد ذُكر تاريخها يوم كانت شرعة العهد في زمن موسى، ثمّ تبلورت في تيّارين متوازيين، تيّار الشمال المتمثّل بالوصايا العشر ذات الطابع الأخلاقي وبقانون العهد، وتيّار الجنوب المتمثّل بوصايا العبادة وشعائرها (خر 34: 1 ي). ثمّ التقى هذان التياران فأعطيا أوّلاً القانون الاشتراعي وثانيًا قانون القداسة، ثمّ "توراة" حزقيال، وأخيرًا القانون الكهنوتي الأساسي. ولقد سيطر التيّار الاشتراعي على مدارس أورشليم، بينما سيطر التيار الكهنوتي على مدارس بابل. ولمّا عاد الكهنة الصادوقيّون من المنفى حملوا معهم نصوصاً مكتوبة وتقاليد شفهية، وجعلوا كل ذلك في إطار الأسفار الخمسة بعد أن كيّفوه بحسب الظروف الحاضرة وجعلوا فيه قانون الذبائح وقانون الطهارة... وهكذا برزت "التوراة" بصورتها النهائية على ملتقى التيّارين الاشتراعي والكهنوتي في القرن الرابع ق. م.، دوّن نصّها وثبت فلم يعد من نزاع عليه ولا اختلاف إلاَّ على طرق تفسيره.

6- في العهد اليوناني
لمّا اجتاح الإسكندر منطقة الشرق، كان للثقافة التي حملها تأثيران في العالم اليهودي، تأثير سلبي يتمثّل في رفض العالم اليوناني وما يمثّله من ارتباط بالوثنية، وتأثير ايجابي يتمثّل في اكتناز الثقافة اليونانية ولغتها، وكان من ثماره سفر الحكمة.
في هذا العهد دوّنت بصورة نهائية أسفار أخبار الأيّام الأولى والثانية ونحميا وعزرا كردّة فعل على السامريين المنشقّين الذين بنوا هيكلهم على جبل جرزيم وانفصلوا عن اليهود وما زالوا. هذه الأسفار الأربعة كُتبت في نهاية القرن الرابع أو مبادئ الثالث فاستفادت من موادّ قديمة وشدّدت على شرعية هيكل أورشليم وحده وعلى حقوق سلالة داود دون سواها.
لا نعرف كيف كُتب سفر أستير، وهو خبر تقوي. أمّا كاتبا سفر الحكمة والجامعة فيدلاّن على معرفة بالفكر اليوناني ومسائله. وسفر طوبيا يرتبط بالعالم الشرقي (نظرته إلى الملائكة) ويجمع بين التقليد الحكمي والإخبار التقوي والغناء الديني. وكذلك سفر باروك الذي ترجع أقدم مواده إلى القرن الثالث ق. م.. أمّا يشوع بن سيراخ فقد دوَّن كتابه في القرن الثاني فضمّنه عناصر أخذها من أسفار موسى وتعاليم الأنبياء كتُب الحكماء.
ومن نتيجة الصراع بين الفكر اليهودي والفكر الهليني وصل إلينا سفر دانيال وسفر يهوديت وسفرا المكّابيين كرفض للعالم الهلّيني برمّته، وكذلك سفر حكمة سليمان (القرن الأوّل ق. م.) الذي سيعبّر عن إيمان بني إسرائيل بتعابير يونانية فيطرح أمامنا مسألة الخلود بعد الموت ويحل مشكلة الثواب والعقاب الفردي التي عالجتها أسفار الحكمة منذ القرن الخامس ق. م. دون أن تجد لها جوابًا.

خاتمة
تلك هي مراحل تكوين التوراة، تتبّعناها فاكتشفنا فيها تطور فكر ديني بدأ مع موسى وتعمّق مع الأنبياء وتكيّف مع معلّمي الحكمة فكان لنا هذا البناء الضخم الذي هو مع العهد الجديد أعظم عطايا الرب للإنسان. في هذه الأسفار نقرأ كلمة الله كما دوّنت بلسان البشر فنطّلع على مخططه الخلاصي ونستشف طريقته في إيصال كلمته إلينا: لم يستعجل شعبه ولم يدفعه بقوّة، بل سار معه على مهل وأمسك بيده كما يمسك الأب بيد ابنه وقاده في طريق طويلة قبل أن يعطيه ويعطي البشرية معه ملء الوحي في شخص ابنه يسوع المسيح.
الفصل التاسع 
الأسفار القانونية
في العهد القديم والأسفار المنحولة

سنة 70 بعد الميلاد اجتاح الرومان مدينة أورشليم عاصمة الشعب المؤمن في العهد القديم، ودمّروا الهيكل الذي كان اليهود يعتبرونه بيت الله ومحلّ سكناه. زالت العبادة من الهيكل وأُلغي الكهنوت وبطلت الذبائح، فلم يعد شيء يربط المؤمنين بالله إلاَّ التوراة بأسفارها المقدّسة. ولكنّ التوراة نفسها صارت مهدّدة، بعد أن انفصل السامريون المرتبطون بجبل جرزيم (قرب نابلس) عن اليهود المتعبّدين في هيكل أورشليم، بعد أن اختلف الصادوقيّون والفرّيسيّون على تحديد الشريعة (شفهيّة أو مدوَّنة)، وبعد أن تزايدت الدعاوة المسيحيّة وانتشر الإنجيل مستندًا إلى النص اليوناني لأسفار العهد القديم، كما ترجمه العلماء في الاسكندرية، وقرأه المؤمنون من يهود ووثنيين في كل حوض البحر الأبيض المتوسط.

أ- كيف تكوّن قانون التوراة أو العهد القديم
أمام هذا الخطر الذي يهدّد الأمّة اليهوديِّة في كيانها ووجودها، اجتمع رؤساء اليهود بقيادة يوحنّا بن زكاي في مدينة يمنيّة على شاطئ البحر القريب من يافا حوالي السنة 90 ب. م.، واتّخذوا إجراءات عديدة منها الانفصال عن المسيحيّين ومنعهم من الاشتراك في الصلاة اليهوديّة، وتأليف صلاة تُتلى يوميًا ضدّ الهراطقة والمرتدّين المتكبّرين، أي المسيحيّين، ووضع تقويم طقسي (اختلف فيه الأسيانيّون عن الفرّيسيّين) تتوحّد بموجبه العبادة في المجامع، وتحديد قانون الأسفار المقدّسة. في هذا الإجراء الأخير أعلنوا لائحة الكتب التي تؤلّف التوراة فتُعتبر كلام الله وقاعدة حياة المؤمنين، فعدّوا سفري أخبار الأيّام آخر كتاب في توراتهم، فأغلقوا الباب على أي كتاب جديد، معتبرين أسفار التوراة هذه منتهى الوحي وخاتمة كلام الله إلى شعبه.
ولمّا كانت النزعة الفريسيّة هي التي سيطرت على اجتماع يمنية، بعد أن زال تيّار الصادوقيّين وغيرهم في أعقاب نكبة سنة 70 ب. م. التي تركت وراءها آلاف القتلى والعبيد من اليهود، أخذ اليهود بالأسفار المكتوبة بالعبرّية، وتركوا جانبًا الأسفار المكتوبة باليونانيّة، وزادوا على ذلك أنّهم حرموا استعمال الترجمة اليونانيّة لأسفار التوراة المعروفة بالسبعينيّة واعتبروها محرَّفة بعد أن وضع المسيحيّون يدهم عليها. ثمَّ طلبوا إلى أكيلا (وهو يهودي من البندس) في السنة 130 ب. م. أن يقوم بترجمة النص العبري إلى اليونانيّة ترجمة أمينة تتقيّد بحرفية النص ولو على حساب المضمون والمعنى.
1- التوراة اليهوديّة
هذا الذي وصل إليه المجتمعون في يمنية كان نتيجة تحوّل دام أجيالاً عديدة، فأفضى إلى أسفار التوراة القانونيّة التي تُتلى في اجتماعات الصلاة. أمّا ما تبقّى من كتب فاعتبروه سرًّا محفوظاً لبعض العلماء لا قاعدةَ إيمان لجميع المؤمنين. وهذه الكتب التي أخرجت من لائحة الأسفار القانونيّة هي التي نسمِّيها منحولة. هي ليست كتبًا موحاة، بل كتب تقوية تساعدنا على فهم بعض نصوص الكتاب المقدّس بعهدَيه القديم والجديد وعلى الاطلاع على عواطف المؤمنين الذين تقبّلوا بشارة الإنجيل.
نقرأ أوّلاً في سفر عزرا الثاني، وهو كتاب غير قانوني دُوِّن في القرن الأوّل المسيحي باللغة اليونانيّة (14: 44- 46): "بعد نهاية الأربعين يومًا من الصلاة والانتظار كلّمني العليّ قال: أنشر هذه الكتب التسعة والثلاثين ليقرأها الصالحون والأشرار على السواء. أمّا الأسفار السبعون الأخرى فاحفظها ولا تعطها إلاَّ للحكماء من شعبي، بل احفظها سرًّا" ( 14 : 26 ).
إنَّ سفر عزرا يحدِّثنا عن مجموعة أسفار التوراة التسعة والثلاثين، أمّا يوسيفوس المؤرّخ (37- 98 ب. م.) فيورد الرقم 22، وهو عدد الأحرف الأبجديّة في اللغة العبرانية: جعل سفرَي يشوع وراعوت سفرًا واحدًا ونبوءة إرميا ومراثيه سفرًا واحدًا، والأنبياء الاثني عشر سفرًا واحدًا. ولكن أكان الرقم اثنين وعشرين أم أربعة وعشرين (راجع كتاب بارابترا، وهو كتاب يهودي غير قانوني دوِّن في نهاية القرن الثاني ب. م.) أم تسعة وثلاثين، فالكتب المذكورة هي هي كما أقرّها مجمع يمنية بعد جدال طويل، لاسيّمَا في ما يتعلّق بسفرَي الجامعة ونشيد الأناشيد.
وإليك ما قاله يوسيفوس في كتابه "ضِد أبيون": "ليس لنا عدد لا يحصى من الأسفار المتنافرة والمتغايرة، بل اثنان وعشرون سفرًا تحوي تاريخ كل الأزمنة وتُعتبر أسفارًا إلهيّة. كُتُب موسى الخمسة التي تضمّ الشرائع وتروي الأحداث منذ خلق العالم إلى وفاة مشترع العبرانيين (أي موسى). وبعد موت موسى روى الأنبياء في ثلاثة عشر سفرًا ما حصل في أيّامهم. ثمّ كانت سائر الكتب... أمّا الإكرام الذي نحيط به هذه الأسفار فواضح، إذ منذ أجيال وأجيال لم يجرؤ أحد أن يزيد عليها أو يحذف منها أو يبدّل فيها شيئًا، كما أنّ المعلّمين يدخلون في قلب اليهودي منذ ولادته أنّه يجد في هذه الأسفار وصايا الله التي علينا أن نحفظها ونعمل بها".
هذه الأسفار التسعة والثلاثون جعلها يشوع بن سيراخ في مقدّمة كتابه ثلاثة أجزاء: الشريعة، والأنبياء وسائر الكتب. كانت أسفار الشريعة أهم ما في التوراة وأوّل ما دخل فيها، ثمّ جاءت أسفار الأنبياء وما بعدها، وأغلق الباب بعد دخول سفرَي أخبار الأيّام. أمّا أسفار الأنبياء فانتشرت في أوساط تلامذتهم قبل أن تدوّن وتجعل في التوراة، وأمّا سائر الكتب فقد صلَّتها (المزامير) أو قرأتها جماعات عديدة ومتنوّعة: والأدراج الخمسة أي نشيد الأناشيد، وراعوت، ومراثي إرميا، والجامعة، واستير، كانت تقرأ في أعياد بني إسرائيل الكبرى، وأسفار الأخبار ونحميا وعزرا في حلقات الكهنة القائمين على خدمة الهيكل.
وأمّا الحديث عن الشريعة (أو التوراة بالمعنى الحصري) فيعود إلى الزمن القديم يوم كان الكهنة يعتبرون مقاطع الكتاب موحاة فيرجعون إليها حجّة يستندون إليها ليعلنوا حكمًا أو يفتوا في مسألة. نحن نقرأ مثلاً في خر 25: 1 عن بداية الوصايا العشر: "تكلَّم الرب وتلك كانت كلماته التي قالها لشعبه ". ونقرأ في خر 7:24 جواب الشعب: "كل ما تكلّم به الرب نفعله ونأتمر به". وكلمات الشريعة التي تكلّ بها الرب ووعد الشعب بالعمل بها ستُكتب في كتاب لتبقى مصونة محفوظة. يقول تث 9:31: "وكتب موسى هذه الشريعة، دوَّنها إلى الكهنة، بني لاوي، حاملي تابوت عهد الرب وإلى سائر شيوخ بني إسرائيل " (رج أيضاً يش 25:24- 26 ؛ 1 صم 25:10).
هذه الشريعة التي بدأ الكتّاب بتدوينها منذ عهد سليمان، سيكتشفها الملك يوشيا وشعبه سنة 621 كما وردت في سفر التثنية، وسيقومون على أساسا بإصلاح ديني جذري يتركّز على تنقية شعائر العبادة من الممارسات الوثنيّة وحصر تقدمة الذبائح والاحتفال بالأعياد في هيكل أورشليم دون غيره من المعابد المنتشرة في أرض إسرائيل (2 مل 22- 23). وسيكتشفها الشعب الراجع من الجلاء كما وردت في الأسفار الخمسة. لهذه الشريعة كرّس عزرا نفسه فدرسها ودعا إلى العمل بها (عز 7: 6). شعر أنّه اؤتمن عليها (عز 7: 14)، فأخذ يعلّم بني إسرائيل أوامرها وأمثالها (عز 7: 10)، وأمر بقراءتها قراءة علانية لاسيّمَا في الأعياد (نح 8- 10). وبدأ بتطبيقها في حياة الجماعة محتفلاً بعيد المظال كما لم يُحتفل به منذ عهد يشوع (نح 17:8).
إنّ نحميا الذي أُرسل حاكمًا على أورشليم من قِبَل الفرس، وعزرا الذي كان كاتبًا (موظّفًا) فارسيًا مسؤولاً عن قضايا اليهود، قد عاشا في القرن الخامس ق. م.، وهذا يعني أنّ أسفار موسى الخمسة قد تثبّتت واستقرّت في صيغتها النهائيّة في ذلك الوقت أو بعده بقليل، والدليل على ذلك أنّ السامريّين الذين لا يحتفظون من التوراة إلاَّ بأسفار موسى الخمسة قد انفصلوا عن الجسم اليهودي في القرن الرابع ق. م.
وهكذا، قبل ميلاد المسيح، تعوّد اليهود المشتّتون في العالم أن يجتمعوا يوم السبت من كل أسبوع ليقرأوا فصلاً من الشريعة وآخر من الأنبياء وثالثًا من سائر الكتب، وهذه العادة أخذت بها الكنائس الشرقية التي تقرأ في ليتورجيتها ثلاثة نصوص من العهد القديم وثلاثة أخرى من العهد الجديد (الإنجيل، رسائل بولس، وسائر كتب العهد الجديد). وكان المؤمنون الحاضرون يستمعون إلى هذه القراءات ويعتبرونها كلام الله الذي يجب العمل به لأنّه قاعدة حياة المؤمنين أيًّا كانوا وأينما كانوا.
2- التوراة المسيحية
أخذ اليهود المجتمعون بيمنية بالأسفار المكتوبة بالعبرية وتركوا جانبًا تلك المكتوبة باليونانيّة. أمّا المسيحيّون فقد قرأوا التوراة في نسختها اليونانيّة كما وصلت إليهم في الترجمة السبعينيّة، ثمّ زادوا على الأسفار التسعة والثلاثين سبعة أسفار هي: باروك، طوبيا، يهوديت، سفران للمكابيّين، الحكمة، يشوع بن سيراخ.
يجدر القول هنا أوّلاً إنّ التقليد الشرقي اختلفت عن التقليد الغربي. فالتقليد الشرقي اكتفى بالنصوص التي يأخذ بها التقليد اليهودي لاسيّمَا في المجادلات اليهودية. قال يوستينوس: (القرن الثاني ب. م.) إنّه لا يستند إلاَّ إلى المكتب المقبولة عند اليهود، وأرسل الأسقف مليتون السرديسي (حوالي 160 ب. م.) لائحة بمجموعة أسفار التوراة إلى أسقف آخر اله أونسيموس، وأغفل ذكر سفر أستير والأسفار المسمّاة "قانونيّة ثانية" أي باروك، طوبيا... أمّا أوريجانس (القرن الثالث) فيتردّد بين ما تقوله الكنيسة الغربيّة وما تقوله الكنيسة الشرقيّة ؛ وكذلك يفعل كيرلّس الأورشليمي وأثناسيوس الاسكندراني وتيودورس المصّيصي. وانعقد مجمع خاص في اللاذقية حوالي السنة 360 ولكنّه لم يقل شيئًا عن المجموعة القانونية الثانية. ووجب انتظار المجمع المنعقد في قصر القسطنطنيّة الملكي سنة 692 لنرى الشرق يأخذ بلائحة الكتب المقدّسة، أكانت قانونية أولى أم قانونية
أمّا التقليد الغربي فقد أخذ منذ القِدَم بأسفار التوراة كما تعرفها الكنيسة الكاثوليكية اليوم، ولم يشذّ عن هذه القاعدة إلاَّ روفينوس وإيرونيموس (القرن الرابع) ممّا حدا بالقدّيس أغوسطينس على الإسراع في الدعوة إلى مجمع يحدّد هذه الأمور بدقة، هو مجمع قرطاجة الثالث الذي عُقد سنة 397.
ويجدر القول ثانيًا إنّ الحركة البروتستانتية أرادت أن تعود إلى الأصول، ففصلت بين الأسفار المدوَّنة باللغة العبرانية وتلك المدوّنة باللغة اليونانية، فاعتبرت الأسفار الأولى قانونية، والأسفار الثانية منحولة. فإنّ ما يعتبره الكاثوليك كتبًا منحولة يسمّيه البروتستانت الكتب المزيّفة وذات الاسم المستعار. لهذا انبرى راهب دومينيكاني اسمه سكستوس (من مدينة سيانة في إيطاليا) فقسم التوراة التي تقرأها الكنيسة الكاثوليكية إلى أسفار قانونية أولى (لم تكن يومًا موضوع جدال في الكنيسة)، وهي التي قبل بها اليهود والبروتستانت لأنّها كُتَبت باللغة العبرانية، وإلى أسفار قانونية ثانية، وهي التي أدخلت فيما بعد إلى مجموعة أسفار التوراة والتي يسمّيها البروتستانت الأسفار المنحولة.
ويجدر القول ثالثًا إنّ الترجمة السبعينيّة بحسب مخطوطاتها المتعدّدة (الفاتيكاني، السينائي، الاسكندراني، الأفرامي) تتضمّن، فضلاً عن الأسفار القانونية الأولى والثانية، سفرًا ثالثًا وسفرًا رابعًا للمكّابيّين، وسفرًا ثانيًا لعزرا ومزامير سليمان. وهذا يعني أنّ الكنيسة الأولى اختارت، بين الأسفار العديدة، تلك التي رأت فيها كلمة الله كما ألهم بها الرب عباده. أمّا ما تبقّى من كتب فيعدّ كتبًا منحولة أي إنّها تنتحل شخصيّة الكتب الموحاة أو إنّها تضيف إلى كلام الله ما قاله الناس، وتنسب إلى الله ما لم يقله الله.
ونحن عندما نتكلّم عن الأسفار القانونية في التوراة نأخذ بما قاله المجمع التريدنتيني في جلسته الرابعة المعقودة في 8 من نيسان عام 1546: ارتأى المجمع المقدّس أن يضيف إلى هذا المرسوم (الله هو مؤلّف العهد القديم والجديد) لائحة بالأسفار المقدّسة فلا يبقى مجال للشك بما يتعلّق بالكتب التي تسلّمها المجمع. من العهد القديم: أسفار موسى الخمسة أي التكوين... هذه الأسفار هي التي تقرأها الكنيسة الكاثوليكية في الترجمة اللاتينية القديمة المسمّاة "فولغاتا" أو شعبيّة.
إنّ ما أعلنه المجمع التريدنتيني بوجه الحركة الإصلاحية البروتستانتية كانت قد قالته مجامع عدّة: مجمع رومة المنعقد سنة 397، ومجمع فلورنسا والكلام الموجّه إلى اليعاقبة (1442). وسوف يردّد المجمع الفاتيكاني الأوّل في الفصل الثاني من دستور الإيمان الكاثوليكي (24 من نيسان عام 1870)، ما سبق وقاله المجمع التريدنتيني.

3- ترتيب أسفار التوراة
هناك ترتيب بدأت تأخذ به الترجمات المسكونية الحديثة التي تتبع الترتيب العبري (الأسفار القانونية الأولى)، وتزيد عليه الأسفار القانونية الثانية المترجمة عن النسخة السبعينية، وهناك ترتيب الترجمة اللاتينيّة بحسب الفولغاتا وهو الذي نجده مثلاً في ترجمة الآباء اليسوعيين في بيروت أو الدومينيكان في الموصل.
وإليك الترتيب الأوّل المقسوم أربعة أقسام:
- الشريعة (توراة في العبرانية) أو أسفار موسى الخمسة المؤلّفة من تك، خر، لا، عد، تث.
- الأنبياء (نبييم في العبرانية): السابقون وهم: يش، قض، 1 و 2 صم، 1 و 2 مل، واللاحقون وهم اش، ار، حز، ثمّ الاثنا عشر الصغار وهم: هو، يوء، عا، عو، يون، مي، نا، حب، صف، حج، زك، ملا.
- الكتب (كتوبيم في العبرانية) الباقية: مز، أم، أي، نش، را، مرا، جا، أس، دا، عز، نح، 1 و 2 أخ.
- الكتب التي تسلّمتها الكنيسة باللغة اليونانيّة وهي با، طو، يه، 1 و 2 مك، حك، سي.
أمّا الترتيب الثاني فهو يقسم التوراة إلى أسفار الشريعة الخمسة (تك، خر، عد، لا، تث)، والأسفار التاريخيّة (يش، قض، را، 1 و 2 و 3 و 4 مل، 1 و 2 أخ، عز، نح، طو، يه، أس)، والأسفار الحكمية (مز، أم، جا، نش، حك، سي)، والأسفار النبويّة (أش، إر، مرا، با، حز، دا، هو، يوء، عو، عا، يون، مي، نا، حب، صف، حج، زك، ملا)، وينتهي الترتيب بسفرَي المكابيّين.
هذه هي أسفار التوراة القانونية أكانت في الترتيب الأوّل أم في الترتيب الثاني، أسُمِّيت قانونية أولى أم قانونية ثانية، وما عدا ذلك فهو أسفار منحولة. وحديثنا في القسم الثاني من هذا المقال يتطرّق إلى الأسفار المنحولة.

ب) الأسفار المنحولة
تشكّل الأسفار المنحولة عمارة ضخمة جدًّا، ولهذا، ولئلاّ يتيه القارئ في معارجها، نجعلها تحت عناوين ثلاثة. العنوان الأوّل: الأسفار التاريخية: رسالة أرستيس، سفر اليوبيلات، سفر المكّابيين الثالث، سفر عزرا الثالث، حياة آدم. العنوان الثاني: الأسفار التعليمية: وصيّات الآباء الاثني عشر، مزامير سليمان، سفر المكّابيين الرابع. العنوان الثالث: الأسفار الجليانية (أو الرؤيوية): الأقوال السيبيلية، أسفار أخنوخ (في اللغة الحبشيّة والسلافية واليونانية)، انتقال موسى (أو وصيته)، سفر عزرا الرابع، رؤيا إبراهيم، رؤيا باروك، (في اللغة السريانية). في العنوان الأوّل يسود العنصر الإخباري أكان تاريخًا أم أسطورة. وفي العنوان الثاني يسود عنصر التعليم الأخلاقي، وفي القسم الثالث يكشف (يجلو) الله في رؤيا عن المستقبل، بل عن نهاية الازمنة. كان التقليد يقول إنّ السماء أغلقت فلم ينزل روح الرب على أحد بعد حجّاي وزكريا وملاخي، فحلّ بشعب إسرائيل خوف عظيم (1 مك 27:9)، ولكنّ الله سيتحنّن على شعبه فيزيل الستار عن أسراره ويطع بعضاً من عبيده على ما خفي عليهم من أمور في الآتي من الأيّام.

1- الأسفار التاريخيّة
أوّلاً- رسالة أرستيس
هي مقالة طويلة دوِّنت في القرن الثاني ق. م. فجاءت انعكاسًا للروح اليهودية في الاسكندرية وتعبيرًا عن تطلّعاتها الاجتماعيّة واهتماماتها العقائديّة. هذه الرسالة تدعو المتكلّمين باللغة اليونانيّة إلى تكريم شريعة الله الواصلة إليهم، وتربط الشريعة المقروءة في الاسكندرية بتلك الموجودة في هيكل أورشليم. يد الله كانت حاضرة حين كُتبت شريعة موسى باللغة العبرانية أو نُقلت إلى اللغة اليونانية. أجل، إنعزل اثنان وسبعون شيخًا وترجم كل منهم توراة موسى. فجاءت ترجماتهم مطابقة بعضها لبعض، وهذا ما يدلّنا على مستوى الترجمة الرفيعِ بحيث إنّ بطيموس أراد أن يجعلها في مكتبته الملوكية. فقد أرسل ملك مصر هذا رسلاً إلى ألعازر رئيس كهنة أورشليم والقيِّم على كتاب الشريعة يطلب نسخة من هذا الكتاب ليعمل على ترجمته وتزيين مكتبته به. وصل "الدرج" الآتي من أورشليم، وسجد الملك أمامه سبع مرّات قبل أن يولم للمترجمين وليمة ويتحدّث معهم على طريقة فلاسفة اليونان مازجًا المسائل الملكيّة بمناهج الترجمة فجاءت شريعة موسى باليونانية تحفة لا مثيل لها.
نلاحظ في رسالة أرستيس أنّ أسفار التوراة سمّيت، وللمرّة الأولى، "بيبلوس"، الكتاب، وسيصبح اليهود في مصر منذ ذلك الوقت "أهل الكتاب". ونلاحظ أيضاً تقاربًا بين أسلوب أرستيس كمقدّمة للتوراة، وأسلوب لوقا في بداية إنجيله وسفر أعمال الرسل.

ثانيًا- سفر اليوليلات
سفر يقسم إلى سلسلة من اليوبيلات (يتألّف اليوبيل من 49 سنة)، الأحداث الواردة في سفر التكوين وبداية سفر الخروج (ف 1- 12)، وكل يوبيل يقسم إلى سبع مجموعات من سبع سنين، كل سنة تتألف من 364 يومًا. قسم الكاتب الزمن على هذه الصورة ليكون لأعياد بني إسرائيل وأيّامهم المقدّسة زمن خاص بهم فيتميّزون عن سائر الشعوب الوثنيّة المحيطة بهم.
يسمّى هذا السفر أيضاً "التكوين الصغير" لأنّه تكرار مسهب لنصوص سفر التكوين والخروج، يفسِّر فيه الكاتب أصل الشرائع والعادات اليهوديّة ويعتبر أنّ الآباء كانوا يعيِّدون أعياد الشعب ويمارسون شرائعهم.
دوِّن الكتاب في القرن الثاني ق. م. باللغة العبرّية وتُرجم إلى اليونانية. ولكن لم يبقَ لنا منه في هاتين اللغتين إلاَّ مقاطع قصيرة. ولكنّه حُفظ لنا كاملاً بين أسفار التوراة باللغة الحبشيّة. يجدر القول هنا إنّ مواد الكتاب قديمة وقد وُجد بعضها في سفر التكوين المنحول الذي اكتشفت نصوصه المكتوبة بالآرامية في مغاور قمران قرب البحر الميت.
نلاحظ في هذا الكتاب ذكرًا للخمر، وللمرّة الأولى، في العشاء الفصحي عند اليهود. هل نحن هنا في أساس ما عمل يسوع يوم أخذ الخبز والخمر ليحتفل بالعشاء السرّي، ذلك الفصح المسيحي؟ ونلاحظ تشديدًا على موضوع قتل الأنبياء، وهو ما سيقول فيه يسوع: "أرسل إليكم أنبياء... منهم من تقتلون وتصلبون، ومنهم من تجلدون في مجامعكم وتطاردون من مدينة إلى مدينة" (مت 23: 35؛ رج 23: 37: أورشليم قاتلة الأنبياء). ويورد الكاتب فكرة تقول إنّ العبادة على الأرض هي صورة لما يحدث في السماء. لذا فإنّ أي تعديل في الروزنامة يُعتبر نكبة لأنّه ساعة يحتفل أهل الأرض بعيدهم يكون أهل السماء منشغلين بأمر آخر... في لو 8:2- 20 نعرف أنّه يجب أن ننشد مجد الله على الأرض، لأنّ الملائكة ينشدونه في السماء. ويذكر الكاتب أخيرًا أنّ الأبرار يعيشون ألف سنة (إذاً أكثر من آدم الخاطئ) في العهد المسيحاني. هذه الفقرة سنقرأها في سفر الرؤيا (20: 1- 6) حيث الشهداء يعيشون ويملكون مع المسيح ألف سنة.
ثالثًا- سفر المكّابيّين الثالث
السفر الأوّل والثاني للمكّابيّين (وهما كتابان قانونيان) يتطرّقان إلى ثورة اليهود على مضايقات أنطيوخس الرابع (ملك أنطاكية) وملاحقاته لهم. أمّا سفر المكّابيّين الثالث فهو ينقلنا إلى مصر حيث نرى بطليموس الرابع يضطهد اليهود. والسبب في ذلك هو أنّه أراد أن يدخل هيكل أورشليم، فمُنع بسبب شلل حصل له فجأة، فعزم على الانتقام من اليهود، فجمعهم في محل سباق الخيل وأراد قتلهم ولكنّهم نجوا بعجائب عديدة حصلوا عليها بفضل صلواتهم. ولمّا تمَّ لهم الخلاص أنشأوا عيدًا يحتفلون به مرّة كل سنة. 
كتب هذا السفر في القرن الأوّل ق. م. باللغة اليونانيّة، يهوديُّ من جماعة الاسكندريّة بشكل أسطورة، فاستقى منه الكتّاب الكنسيّون عناصر عديدة حين رووا اضطهاد المسيحيين الأوّلين.

رابعًا- سفر عزرا الثالث
عرفت التوراة العبرانية سفر عزرا وهو يتضمّن سفرَي عزرا ونحميا، وقد تمَّ الفصل بين هذين السفرين في القرن الخامس عشر ب. م. أمّا التوراة اليونانيّة فقد اتبعت طريقة التوراة العبرانيّة فجاء سفر عزرا، بفصوله الثلاثة والعشرين، جمعًا لما نسمّيه اليوم سفرَي عزرا ونحميا، ثمّ قسّم السفر قسمين في عهد أوريجانس.
أمّا سفر عزرا الثالث الذي نحن بصدده، فهو كتاب يوناني دُوِّن في الاسكندرية في القرن الأوّل ق. م.، ولقي رواجًا عظيمًا عند آباء الكنيسة، فدخل في متن الترجمة اللاتينية الشعبيّة بعد صلاة منسّى.
هذا السفر هو جَمْع لمقاطع متعدّدة من أسفار التوراة: فالفصل الأوّل مثلاً يوافق 2 أخ 35: 1 ي، والفصل الثاني يوافق عز 1: 1 ي ؛ 7:4- 24. والقسم الجديد (3: 1 - 5: 6) يتضمّن أسطورة داريوس وزرلابل. أمّا موضع الكتاب فتاريخ الهيكل منذ عهد يوشيا وإصلاحه والاحتفال بالفصح، مرورًا بعهد زربابل الذي أعاد بناء الهيكل قبل أن يحتفل بالفصح، ووصولاً إلى عزرا الذي عمل على تنظيم العبادة واحتفل بعيد المظالّ.

خامسًا- حياة آدم وحوّاء
تأمّل المؤمنون اليهود في حياة آدم وحواء ودوَّنوا تقاليدهم في القرن الأوّل ق. م.، وقد وصل إلينا منها تقليد باللغة اليونانية وآخر باللغة اللاتينيّة.
إنّ حياة آدم وحواء المحفوظة باللغة اليونانية (واسمها أيضاً "رؤيا موسى") قد حملت العنوان التالي: "قصّة حياة الكائنين الأوّلين اللذين جبلهما الله، آدم وحوّاء، كما أوحيت إلى عبده موسى عندما تسلّم لوحي الوصايا المكتوبين بيد الله، وتلقّاهما من الملاك ميخائيل". ينطلق هذا السفر من سفر التكوين (ف 1- 4) فيروي في مدارش إخباري (هاجاده في العبرّية) حياة آدم وحوّاء ولاسيّمَا خطيئتهمَا التي أغرتهمَا بها الحيّة، أداةُ الشيطان الملاك الثائر. تخبرنا حوّاء عن الزلّة والخروج من جنّة عدن الغنيَّة بالثمار، وعن توبتها وتوبة زوجها... ثمّ عن ولادة الأولاد. وينتهي السفر بمرض آدم وحوّاء وموتهمَا. 
وهناك حياة آدم وحوّاء محفوظة باللغة اللاتينيّة تبدأ يوم طُرد آدم وحوّاء من الفردوس، وتحدّثنا مطوّلاً عن توبة الخاطئين الأوّلين. سمع آدم كلام الرب فبكى كثيرًا وصرخ: أيّها الرب إلهي، إنّ حياتي بين يديك. أبعد عنّي العدوّ الذي يسعى إلى هلاك نفسي. أعطني، يا رب، المجد الذي عُرِّيت منه. فاختفى الشيطان عن ناظري آدم، وثابر آدم على توبته أربعين يومًا في مياه الأردن. نتوقّف عنا لنلاحظ أنّ أفكارًا عديدة من حياة آدم وحوّاء قد انتقلت إلى الفكر المسيحي.
* نقرأ في النسخة اليونانية عن أهمّية شجرة الحياة (تك 9:2، 22:3) وقد بعث آدم بابنه شيت ليجلب له منها زيت الشفاء، ولكنّ هذا الزيت رُفض لآدم المائت، فبات عليه أن ينتظر نهاية الأزمنة والقيامة لكي ينال الحياة. إنّ سفر الرؤيا (22: 2) يحدّثنا عن شجرة الحياة المنتصبة وسط أورشليم الجديدة: إنّ يسوع القائم من بين الأموات يجعل الغالب يأكل من شجرة الحياة في فردوس الله (رؤ 7:2). أمّا المسح بالزيت للمرضى فطقس قديم مارسته اليهوديّة والمسيحيّة في القرن الأوّل المسيحي (مر 13:6؛ يع 5: 14) لا كدواء يشفي مرض الجسد وحسب، بل كوسيلة تعطي المؤمن الحياة في الدهر الآتي. 
* "قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله " (مز 12:51). هذا ما طلبه المرتّل في خط حزقيال (36: 25 ي) الذي قال: "أعطيكم قلبًا جديدًا. أجعل في أحشائكم روحًا جديدًا". ولكنّ كاتب حياة آدم وحوّاء يعتبر هذا الأمر مستحيلاً ما دام الإنسان على الأرض. أمّا في القيامة فيحصل المؤمن على هذا القلب الجديد فلا يعود يخطأ من بعد. في هذا الخط نستطيع أن نقرأ في رسالة يوحنا الأولى (9:3): "كل مولود من الله لا يعمل الخطيئة... هو لا يقدر أن يعمل الخطيئة لأنّه من الله ".
* عندما يورد الكاتب شعائر مأتم آدم وحوّاء يذكر أنّ شيئًا مسح والده بالزيت بالنظر إلى القيامة. ونحن نتساءل: أما يمكن أن يفسّر على هذا الشكل ما فعلته امرأة بيت عنيا. لمّا سكبت الطيب على جسد يسوع لتهيِّئه للدفن (مر 3:14- 9)؟
* وفي النسخة اللاتينيّة لحياة آدم وحوّاء نقرأ أنّ آدم أرفع من الملائكة لأنّه صورة الله، ويسوع هو فوق الملائكة لأنّه ابن الله، ولأنّه صار يوم الفصح آدم الثاني ونموذج الخليقة الجديدة، والصورة الكاملة للآب فأعطى له الآب اسمًا تنحني له كل ركبة في السماء والأرض (فل 2: 9-10). ونقرأ أيضاً عن طعام جديد يبحث عنه آدم وحوّاء ويراه سفر الحكمة (16: 20- 21) في المنّ، طعام الملائكة، الذي يتضمّن كل لذّة ويلائم كل ذوق. هذا الطعام العجيب، هذا المنّ الخفيّ الذي يعطيه الرب للمتغلّبين على الشرّ (رؤ 7:2) هو جسده الذي يبذله من أجل حياة العالم (يو 6: 51).

2- الأسفار التعليمية
أوّلاً: وصيّات الآباء الاثني عشر
دُوِّن هذا السفر في القرن الثاني ق. م. باللغة العبرانية وترجم إلى اليونانية ومنها إلى الأرمنية والسلافية، ونرى فيه أبناء يعقوب الاثني عشر يعظون أولادهم قبل موتهم. إذاً نحن أمام اثنتي عشر خطبة وُضعت في فم أبناء يعقوب يحثّون فيها بنيهم على التقوى والصدق. ينطلق الكاتب من بركة يعقوب على بنيه كما نقرأها في تك 49: 1 ي، فيبدأ، بالنسبة إلى كل أب من الآباء، بمقدّمة شبه تاريخيّة تورد بعض الأمور عن حياة هذا الآب بشكل درس إخباري، ثمّ يُتبع المقدّمة بكلام أخلاقي يستنتج العبرة ممّا تقدّم، ويُنهي بخاتمة قصيرة تكشف لنا عن المسيح الآتي.
نورد من وصيّة لاوي بن يعقوب المقطع التالي: "بعد أن يعاقب الرب الكهنة الفاسدين، يزول الكهنوت. حينئذٍ يقيم الرب كاهنًا جديدًا يكتشف كل كلمات الرب، ويمارس عدالة حقيقية على الأرض، يطلع كوكبه ككوكب ملك... وينمو كوكبه في المسكونة فيضيء كالشمس على الأرض ويقتلع كل الظلمات من تحت السماء ويكون سلام على الأرض كلّها. في تلك الأيّام تهتزّ السماوات فرحًا، وتبتهج الأرض ويعيّد الغمام وتنتشر معرفة الرب على الأرض كمياه البحار وتنفتح السماوات، ومن المعبد المجيد يأتي على المسيح التقديس يرافقه صوت أبدي كصوت إبراهيم لإسحق". هنا نستطيع أن نتذكّر كلام يسوع: "يا رب كشفت للبسطاء ما أخفيته عن العلماء" (مت 25:11). وما قيل عن الكوكب (أو النجمة) الذي ظهر في المشرق (مت 2: 2؛ رج عد 17:24) فجاء المجوس يسجدون له، وما حدث يوم تعمّد يسوع: انفتحت السماوات، هبط روح الله، وسُمع صوت من السماء: هذا هو ابني الحبيب (مت 16:3- 17).
ونورد من وصية يهوذا لبنيه: بعد هذا اليوم يقوم كوكب لكم من يعقوب في السلام، يطلع رجل من نسلي يكون كشمس البر، فيسير مع بني البشر (لو 15:24) في الوداعة والعدل. لن توجد فيه خطيئة (1 بط 22:12). تنفتح السماوات فوقه فيفيض عليكم الروح الذي هو بركة الآب القدّوس... فتكونون أبناء الله حقًا وتسيرون بحسب شرائعه من أوّلها إلى آخرها. حينئذٍ يشعّ صولجان ملكي (تك 49: 15) ومن جذركم ينبت فرع (أش 11: 1) يفرخ منه قضيب عدل (روم 12:15) يعاقب الأمم الوثنية (عز 9:2) ويخلّص كل الذين يدعون باسم الرب.

ثانيًا- مزامير سلمان
نسب التقليد اليهودي مجمل الأسفار الحكمية (أم، جا، حلم، نش) إلى سليمان (خدعة أدبية)، كما نسب البنتاتوكس أو الأسفار الخمسة إلى موسى، والمزامير إلى داود، بسبب الحكمة التي زيَّنها الرب بها (1 مل 5: 12). وزاد الأتقياء (في القرن الأوّل ق. م.) على كل هذا مؤلّفًا منحولاً اسمه "مزامير سليمان" هو غير "موشّحات سليمان ". إنّ "موشّحات سلمان " هذه تتألّف من 42 قصيدة دوِّنت في القرن الثاني ب. م. وحُفِظَت لنا باللغة السريانية. أمّا مزامير سليمان فتتألّف من 18 نشيدًا تشبه إلى حدٍّ بعيد ما نقرأه في "مزامير داود". الفت بالعبرانيّة وترجمت إلى السريانيّة واليونانيّة، فصوّرت لنا نفسيّة الشعب اليهودي كما يراها الفريسيّون بعد أن أخضعتهم رومة لسلطانها على يد القائد بومبيوس (توفي سنة 48 ق. م.).
نورد هنا مقطعًا من المزمور 17: "أيّها الرب، أنت ملكنا دائمًا وأبدًا، وبك يا إلهنا نتعظّم. كم تدوم حياة الإنسان على الأرض؟ وهو ما دام حيًّا يجعل اتكاله على نفسه. أمّا نحن فنتّكل على الرب مخلَّصنا، لأنّ قوّة الله أبدًا رحومة وسلطان إلهنا دائم على الأمم. أنت يا ربّ اخترت داود ملكًا على إسرائيل وحلفت له إنّ ذريته ستدوم إلى الأبد، وبيته الملكي لا يزول من أمامك. ولكن بسبب خطايانا، وقف بوجهنا الخطأة وهاجمونا وطردونا وأخذوا منّا عنوة كل ما نملك، مع أنك لم تَعِدهم بشيء. هم لم يمجّدوا اسمك الذي يحق له كل إكرام... أنظريا رب، وأقم لشعبك ملكًا، ابن داود، في الزمن الذي تعرفه يا رب فيملك على إسرائيل عبدك. شدّده بقوّتك ليحطّم الملوك الجائرين، نظِّف أورشليم من الوثنيّين الذين يدوسونها... حينئذٍ يجمع الملك شعبك المقدّس ويقوده بالبرّ ويسود قبائل الشعب المقدّس".
نقرأ مزامير سليمان فلا نجد نفوسنا غرباء عن مضمونها لأنّها منسوجة من آيات الكتاب المقدّس، ولهذا جُعلت في السبعينيّة بعد أسفار الأنبياء. نكتشف في هذه المزامير نظرة مسيحانيّة تجعل عمل المسيح يكن في هدم كل ما يضرّ بشعب إسرائيل، أكان ضغطاً أجنبيًا، أم حضور غرباء، أو تنجيس هيكل... ولكنّ يسوع الناصري لم يأخذ بهذه النظرة المسيحانية الضيّقة التي تريد أن تجعل من الشعب العبراني محور الأرض، فتخضع له جميع الشعوب، ومن المسيح ملكًا ينتصر باسم شعبه على العدو الروماني. لا بل نحن ننادي بالمسيح مصلوبًا وقد صار بقيامته قدرة الله وحكمة الله (1 كور 1 :23- 24).

ثالثًا- سفر المكّابيّين الرابع
كُتب هذا السفر في جوّ يوناني في القرن الأول المسيحي، فأراد كاتبه أن يبيّين على طريقة الرواقيين سلطان العقل على الرغبات والشهوات. بدأ يشرح القضية بشكل نظري، ثمّ عاد إلى أمثلة مأخوذة من التاريخ المعاصر فذكر أونيا (1 مك 7:12- 8؛ 2 مل 3: 31- 35)، وألعازر (1 مك 2: 5)، والإخوة السبعة (2 مك 7: 1 ي).
جُعل هذا السفر في النسخة السبعينيّة في الخطوط الاسكندراني والخطوط الفاتيكاني، ولكنّ الكنيسة لم تحتفظ به، كما أنّها لم تحتفظ بسفر المكّابيّين الثالث، بين أسفارها القانونية، واكتفت بسفرَي المكّابيين الأوّل والثاني. هذا هو عمل الروح فيها.

3- الأسفار الجليانية
قسَّمنا الأسفار المنحولة إلى تاريخيّة وتعليميّة وجليانيّة لنسهّل على القارئ التفرقة بينها، ولكنّ هذا التقسيم يبدو مصطنعًا، لأنّ كل سفر هو جلاء بمعنى أنّه إظهار لأمور خفيّة. في كل هذه الأسفار يرى المؤلّف رؤيا أو يجعل نفسه في إطار رؤيا يسمع فيها كلام الله، فيعلن أنّه خُطف عن هذه الأرض وسمع كلامًا لم يسمعه بشر، يقوله في نهاية حياته بشكل وصية لأبنائه، على مثال يعقوب (تك 49: 1 ي) أو موسى (تث 33: 1 ي). ولكن نجد بين هذه الأسفار ما تبرز فيها هذه الظواهر الجليانية بقوّة، كأسفار أخنوخ ووصيّة موسى وغيرها مما سنذكره.

أوّلاً- الأقوال السيبيلية
"سيبيلة" نبيَّه تعوَّدت أن تتنبّأ بما سيحصل للبشر من أحداث في الآتي من الأيام. تخفَّى وراءها الكتَّاب اليهود فجعلوها تلعب في اليونان الدور الذي لعبه موسى في أرض إسرائيل. وعلى هذا بدأت تظهر منذ القرن الثاني ق. م. الأقوال السيبيلية أي المنسوبة إلى "سيبيلة" وقد جعل فيها يهود الاسكندرية أفكارهم ومعتقداتهم ليقرّبوها من العقلية اليونانية.
احتفظت لنا المخطوطات باثني عشر كتابًا تتضمّن أقوالاً سيبيلية، ولكن يبق أهمّها الكتاب الثالث الذي هو مصدر سائر الكتب ونموذجها، والذي نجد فيه مزيجًا غريبًا من الفكر اليهودي المؤسّس على عبادة الله الواحد، ومن الفكر اليوناني (أسطورة أبناء هيسيودس) أو الفكر البابلي عن السنة الكونية. نقرأ كل هذا في إطار جلياني على ما نجد في أسفار أخنوخ أو كتاب اليوبيلات، فنتعلّم الكثير عن الله والإنسان ونفهم أنّ التاريخ لا قيمة له بحدّ ذاته، وإنّما قيمته في أنّه يحوي أمثلة حيّة تسند التعليم الأخلاقي الذي يتوجّه إلى المؤمن.

ثانيًا- أسفار أخنوخ
وصل إلينا من أخنوخ سفر باللغة العبرية بين القرن الأوّل والثالث ب. م.، يحتوي مجموعة من الرؤى عن أعاجيب السماء، وكلامًا على الروحانية اليهودية. ووصل إلينا أيضاً "سفر أسرار أخنوخ"، كتبه يهودي من فلسطين باللغة اليونانية في القرن الأوّل المسيحي وحُفظ لنا باللغة السلافية القديمة. نرى فيه أخنوخ الشيخ يقوم بسفرة في السماوات السبع فيرى رؤى ويتسلّم في كل منها وحيًا عن خلق العالم وأسرار المستقبل. ووصل إلينا أخيرًا سفر كتبه في العبرانية أو الآرامية يهودي فرّيسي عاش في فلسطين في القرن الثاني ق. م. ترجم التي اليونانية ومنها إلى اللغة الحبشية في القرن الخامس أو السادس ب. م. نتحدث هنا عن أخنوخ الحبشي. يذكر سفر التكوين (5: 24) أخنوخ ويقول فيه: سلك مع الله. سار في طريق الله ووصاياه فأخذه الله إليه. أمّا يشوع بن سيراخ (44: 15- 16) فيقول: الشعوب يحدّثون بحكمته ويقولون عنه إنّه أرضى الرب. أخنوخ هو السابع بين الآباء الذين عاشوا قبل الطوفان، وهو يمثّل الكمال فيهم. بعد ذلك لا نعجب إن استعار الكتَّاب اسمه فنسبوا إليه مجموعة من كتب الجليان.
أمّا سفر أخنوخ السلافي فنقرأ فيه بصورة خاصة خبر حبَل عجائي يشكل صلة وصل بين حبَل المرأة العاقر مثل سارة (تك 18: 1- 15؛ با 21: 1- 3) وأليصابات (لو 1: 5 - 25)، وحبَل العذراء أم يسوع (مت 1 :18- 25؛ لو 1 :26-38). في هذا السفر نقرأ عن امرأة عجوز وعاقر تحبل بولد من دون علاقات زوجية، ولكنّها تموت يوم تلد ولدها كما حصل لراحيل عندما ولدت بنيامين (تك 35: 16- 19).
كانت صفنيم، امرأة نيرِ، عاقرًا لم تُنجب له ولدًا، وكانت عجوزًا عندما حملت في بطنها ولدًا (رج لو 1: 24). وَلكنّ نيرًا لم يعرفها منذ يوم جعله الرب كاهنًا على رأس شعبه. وخجلت صفنيم واختبأت كل الأيّام فلم يعرف أحد من الشعب بأمرها. ولما جاءت أيّام الولادة تذكّر نير امرأته فدعاها إلى بيته ليتحدّث معها، فذهبت إليه وكان قد اقترب وقت الولادة. ولمّا رآها على هذه الحال خجل بسببها وقال لها: "لماذا صنعتِ هذا يا امرأة؟ لماذا جعلتِ الخجل يغطّي وجهي على عيون كل الشعب، فاذهبي الآن بعيدًا عني. إذهبي إلى حيث حملتِ عار بطنك، لئلا أُنجِّس يدي فأقتلك فأخطئ أمام الرب" (رج مت 1: 19). فقالت صفنيم لزوجها: "أنا عجوز يا سيّدي، ولم يعد فيَّ غلواء الشباب، ولا أعرف كيف تمَّ في بطني هذا الحبَل الوقح السفيه". لم يصدِّقها نير، وقال لها: "إبتعدي عني وإلاَّ ضربتك فأخطأت أمام وجه الرب". وإذ كان نير يكلّم امرأته، سقطت صفنيم عند قدميه وماتت. وخرج الولد من حشاها، وما إن خرج حتى بدا كامل الجسم ففتح فاه وبارك الله. أمّا الولد فهو ملكيصادق: إنّ كلمة الله خلقت كاهنًا عظيمًا، كاهنًا لا أب له ولا أُمّ ولا نسب، ولا لأيّامه بداية ولا لحياته نهاية (رج عب 3:7).
أمّا سفر أخنوخ الحبشي فهو أكبر كتب الجليان عند اليهود. يتكوّن من خمسة أقسام ويتضمّن 104 فصول فيها الكثير من الكلام الأخلاقي للزمن الحاضر، والنبوءات عن نهاية الأزمنة. وصل إلينا من هذا السفر نسخة جعلت مع أسفار التوراة الحبشية، وكذلك مقاطع باللغتين العبرانية والآرامية في مخطوطات مغاور قمران.
نجد في هذا السفر: رؤيا الأسابيع، ورحلات أخنوخ وأمثاله. في رؤيا الأسابيع يرتسم أمامنا تاريخ الكون في عشرة أسابيع يتميّز فيها كل أسبوع بحدث بالغ الأهمّية. وفي الأسبوع السابع تنتهي الأحداث التاريخيّة الكتابيّة، وتبرز وجوه الأشخاص الذين يحصلون على رؤى من الرب. وبعد هذا يبدأ المستقبل الاسكاتولوجي، أي ما سيحدث في الأزمنة الأخيرة. وفي الأسبوع الثامن يدين الأبرار والأشرار وينتصر بنو إسرائيل على أعدائهم. وفي الأسبوع التاسع يصل وحي الله إلى الوثنيين. وفي الأسبوع العاشر يدين الله الملائكة المتمرّدين وينظّف السماء من آثارهم.
وإليك مقطعًا من رؤيا الأسابيع: "ثمّ علَّم أخنوخ وقال: بالنسبة إلى أبناء البرّ، إلى مختاري الكون، إلى نبتة الحق (أي شعب إسرائيل)، هذا ما أقوله لكم يا أبنائي، أنا أخنوخ، بحسب ما أوحي التي في رؤيا سماوية تعلّمتها من خلال أصوات ملائكة قدّيسين وفهمتها وقرأتها في لوحات السماء. قال: أنا سابع الآباء ولدت في الأسبوع الأوّل وكان العدل والحق بعدُ على الأرض. في الأسبوع الثاني يحلّ شرّ عظيم وينتشر الكفر وتكون التتمّة الأولى وينمو الجور. وبعد نهاية هذا الاسبوع ينمو الجور فيعطي الرب شريعة للخطأة. وفي نهاية الأسبوع الثالث يتّم اختيار رجل يكون نبتة حكم عادل فينمو إلى الأبد... وفي الأسبوع العاشر تكون الدينونة الأبدية التي فيها يمارس الله انتقامه وسط ملائكته. تزول السماء الأولى وتظهر سماء جديدة، كل قوى السماء تضيء إلى الأبد سبعة أضعاف". 
نجد صدى لما قرأناه في رؤيا الأسابيع، في سفر يهوذا (آ 6) الذي يتحدّث عن الملائكة الأشرار فيقول: "إنّ الله يبقيهم ليوم الدين مقيَّدين بقيود أبدية في أعماق الظلمات" (رج 2 بط 4:2)، وفي رسالة بطرس الثانية التي تقول: "تلتهب السماوات وتنحلّ، وتذوب العناصر بالنار. ولكنّنا ننتظر، كما وعد الله، سماوات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها العدل" (3: 12- 13).
ونقرأ في رحلات أخنوخ: "رحت أزور مكانًا آخر، فأراني الملاك في الغرب جبلاً آخر عظيمًا كبيرًا... ورأيت أرواح الراقدين الذين يرفعون صلاتهم إلى الله. فوصل صوت واحد منهم إلى السماء... وسألت رفائيل، الملاك الذي كان معي: روح مَن هذا الروح الذي طلب من الرب طلبًا فوصل صوته إلى السماء؟ أجابني: هو روح هابيل الذي قتله أخوه قايين! إنّ هابيل يرفع صوته إلى الله على أخيه إلى أن يزول نسله من الأرض. وطرحت سؤالاً عن الفجوات المدوّرة: لماذا تنفصل الواحدة عن الأخرى؟ أجاب: لكي تنفصل أرواح الموتى بعضها عن بعض. فالفجوة التي في الوسط والتي فيها ينبوع الماء المضيء، قد أفرزت لأرواح الأبرار. وتلك الفجوة الأخرى خُلقت للموتى... هنا توضع أرواحهم للعذاب العظيم إلى يوم الدينونة العظيم. هذا عقاب الملعونين إلى الأبد وعذابهم ". 
نجد صدى لما قرأناه في رحلات أخنوخ، في سفر الرؤيا (6: 9- 10): "رأيت تحت المذبح نفوس الذين سُفكت دماؤهم... فصرخوا بأعلى صوتهم. حتّامَ أيّها الرب القدّوس ترجيء الاقتصاص والانتقام لدمائنا من أهل الدنيا"؟ ونقرأ في متى كلام الرب إلى الذين عن يساره: "إذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية" (25: 41). وفي لوقا كان الغني يتعذّب في مثوى الأموات، وبين الأبرار والأشرار هوّة عظيمة فلا يجتاز فريق إلى فريق آخر (22:16- 26).
ونقرأ في "أمثال أخنوخ " التي تشكّل قلب الكتاب (ف 37- 69) عن المختار العادل الذي يقيم مع رب الأرواح، وعن ابن البشر الذي يجلس بجانب رأس الأيّام. نتوقف عند المقطع التالي: "وإليك المثَل الثاني عن الذين ينكرون وجود موطن القديسين (يعني الصادوقيين في مر 18:12). هم لا يصعدون إلى السماء ولا يدركون الأرض. هذا هو مصير الخطأة الذين يُنكرون اسم رب الأرواح، فيُحفظون ليوم الحزن والتعاسة. في ذلك اليوم، يقول الرب، يجلس مختاريّ على عرش مجيد وتكون مواضع راحتهم عديدة... في ذلك الوقت أُحوِّل السماء إلى بركة نور إلى الأبد، وأُحوِّل الأرض القاحلة فتصبح مباركة ويسكن فيها مختاريّ، ولا أسمح للخطأة أو العاصين أن يدوسوها. إنّي أنا رأيت، وسأشبع الأبرار سلامًا وأسكنهم معي، أمّا دينونة الأشرار فبشعة، وسأُزيلهم من على وجه الأرض".

ثالثًا- انتقال موسى
سفر معاصر للمسيح دوَّنه كاتب فرّيسي بعد موت هيرودوس فعكس فيه وجهات الرجاء اليهودي في زمن المسيح. دُوِّن بالعبرانية أو الأراميّة وتُرجم إلى اليونانيّة (نجد آثارًا له عند أوريجانس وغيره)، ولكن لم يبقَ لنا منه إلاَّ الجزء الثاني كما "كتبه" موسى وتركه لخلفه يشوع بن نون.
دور موسى دور فريد في مخطط الله. قال موسى ليشوع: صوَّرَني الرب في ذهنه واخترعني وهيَّأني منذ بداية الكون لاكون وسيط عهده". والشريعة التي أوحيت إلى موسى لا تشمل الأسفار الخمسة وحسب، بل كل أقوال الأنبياء والحكماء وحتى دقائق الأحكام وتفسير الكتبة وتحديداتهم. هذه الأقوال تسلَّمها موسى على جبل سيناء وسلّمها إلى يشوع، فسلّمها يشوع إلى الشيوخ، والشيوخ إلى الأنبياء. قال موسى ليشوع: "خذ هذا الكتاب واحتفظ بما أسلّمه إليك من أسفار، نظّمها، أدهنها بالزيت وأودعها في جرار فخّار في مكان هيّأه الله لها منذ خلق العالم ". هذا هو وجه التقليد الحقيقي الذي يحدّثنا عنه القدّيس بولس (1 كور 15: 1 ي): "سلّمت إليكم قبل كل شيء ما تسلَّمته ".
ويحدّثنا سفر انتقال موسى على مجيء ملكوت الله: "يُهدَم ملكوت الشر، ويظهر ملكوت الله وينهزم الشيطان". هذا الموضوع سيذكره يسوع فيعطي معنى لأعمال الشفاء وطرد الشياطين: "إذا كنت أنا بروح الله أطرد الشياطين، ملكوت الله حلَّ بينكم" (مت 28:12). ويقول لتلاميذه العائدين من الرسالة فرحين بأنّ الشياطين تخضع لهم باسمه: "رأيت الشيطان يسقط من السماء مثل البرق " (لو 17:10- 18).

رابعًا- سفر عزرا الرابع
أَلّف هذا السفر في نهاية القرن الأوّل ب. م. كاتب فرّيسي توسعّ في الحديث عن خراب أورشليم فاستعار اسم عزرا مقابلاً بطريقة ضمنيّة بين خراب أورشليم سنة 587 ق. م. وخرابها سنة 70 ب. م.
دُون هذا السفر بالعبرانية أو الأرامية وبقيت لنا منه ترجمة لاتينيّة جُعلت في نهاية الفولغاتا (أو الشعبيّة)، وهو بشكل كشف يتكوّن من سبع رؤى. في الرؤيا الأولى والثالثة يتطرّق الكاتب إلى مشكلة الخطيئة والخلاص كما نقرأ عنها في رسالة القدّيس بولس إلى أهل رومة (5: 1 ي). وفي الرؤيا الخامسة نعثر على تفسير جديد لسفر دانيال (7: 1 ي) انطلاقًا من رمز رومة بنسرها الثلاثيّ الرؤوس (فسباسيانس، تيطس، دوميسيانس). وفي الرؤيا السادسة يظهر المسيح كإنسان (أو ابن إنسان)، يصعد من البحر فيحطّم قوى الأرض والكون المعادية، وينقذ المختارين.

خامسًا- رؤيا إبراهيم
سفر منحول حُفظ لنا باللغة السلافية وهو يتضمّن خبر ارتداد إبراهيم ثّم كشفًا عن نهاية العالم. ألَّفه كاتب يهودي في القرن الأوّل المسيحي، ولكنّ يدًا مسيحية أعملت فيه أصابعها ليبدو موافقًا لتعليم العهد الجديد.
رؤيا إبراهيم هي غير وصيّة إبراهيم التي دوّنها في القرن الأوّل بعد المسيح يهود من مصر فأبرزوا فضائل إبراهيم وأوّلها الضيافة. ما نقرأه في هذه الرؤيا هو أنّ الله أرسل الملاك ميخائيل لينبّه إبراهيم إلى أنّ أيّامه قد انتهت، وأنّ عليه أن يرافق الملاك إلى العالم الآخر. رفض إبراهيم أن يذهب قبل أن يتعرّف إلى الأرض كلّها ثمّ يموت. أجاب الله طلبه. وحملت العربة إبراهيم إلى الشرق إلى أوّل أبواب السماء، فرأى إبراهيم طريقين: الطريق الأوّل ضيّق محصور، والطريق الثاني واسع رحب. ورأى كذلك بابين: الطريق الواسع يقود إلى الباب الواسع والطريق الضيّق يقود إلى الباب الضيّق... نلاحظ هنا كلام يسوع: "أدخلوا من الباب الضيّق، فما أوسع الباب وأسهل الطريق المؤدّي إلى الهلاك... لكن ما أضيق الباب وأصعب الطريق المؤدّي إلى الحياة... " (متى 13:7- 14).

سادسًا- رؤيا باروك
باروك بن نيريا هو تلميذ النبي إرميا، وسفره بين الأسفار القانونية الثانية. ولكن بقي لنا أيضاً سفران منحولان نُسبا إلى باروك. الأوّل في نسخة يونانية انتقلت إلى اللغة السلافية بشكل اقتباس، والثاني في نسخة سريانية (دوِّنت في نهاية القرن الأوّل المسيحي)، سمّي سفر باروك الثاني وهو ترجمة عن النسخة اليونانية التي هي بدورها ترجمة عن العبرانية أو الأرامية. يتذكّر الكاتب دمار أورشليم، فيبدأ بهذا التساؤل: لماذا يتألّم شعب الله بينما أعداؤه يعيشون في نعيم؟ ويأتي الجواب في سبعة أقسام يوحي الله فيها إلى باروك بأنّ العالم الآتي محفوظ للأبرار، وأنّ دمار أورشليم يدلّ على أنّ هذه النهاية صارت قريبة. ويصوّر الكاتب النكبات التي تسبق حلول العهد المسيحاني: تظهر المملكة الرومانية، وهي رابع الممالك الكونية، ثم تدمَّر، فتحلّ محلّها المملكة المسيحانية التي لا تزول (رج دا 137- 14 ).
من سفر باروك نقرأ هذا النص: "وتضرّعت إليك أيّها القدير وتوسّلت إلى مراحمك أنت يا من صنع كل شيء: بأيّ شكل سيحيا الذين يرون يومك (رج 1 كو 35:15)
وإلى ما يؤول بهاؤهم بعد هذه الأحداث؟ هل يستعيدون شكلهم الحالي، هل يلبسون من جديد هذه الأعضاء المغموسة بالشرّ التي بها يعملون الشرّ، أم أنّك ستحوّل العالم والذين فيه (رج 1 كور 15: 51؛ روم 8: 21)؟ أجابني الرب: إنّ الأرض ستُعيد الموتى الذين تقبلهم الآن وتحفظهم. هي تعيدهم كما قبلتهم دون أي تغيير في شكلهم، وهي تجعلهم يقومون بالطريقة التي بها تسلّمتهم. يجب أن تكشف للأحياء أنّ الموقى يحيون وأنّ الذاهبين يعودون. وعندما يتعرّف الناس بعضهم إلى بعض تبدأ الدينونة وتتمّ الأحداث التي أنبأ الله بها. وعندما يأتي اليوم المحدّد يتبدّل شكلُ الذين شُجبوا ومجدُ الذين برّروا. فالذين يفعلون الآن الشرّ سيبدو شكلهم أشدّ شرًّا وسيتحمّلون العذاب: أمّا الذين تبرّرهم شريعتي الآن فسيكون إشعاعهم مجيدًا ساعة التحوّلات: يصبح منظر وجههم جميلاً منيرًا (مت 17: 2؛ لو 9: 29) فيحصلون على العالم الذي لا يموت والذي وعدهم الله به " (عب 9 : 15 ).

خاتمة
تحدّثنا عن الأسفار القانونية كما وردت في العهد القديم حسب التقليد اليهودي، وتطرّقنا إلى قانون التقليد المسيحي الذي يتضمّن الأسفار القانونية الأولى أي التي وصلتنا باللغة العبرانية، والأسفار القانونية الثانية، أي التي وصلتنا باللغة اليونانية، ثمّ تحدّثنا عن الأسفار المنحولة التي رفض اليهود والمسيحيون إدخالها بين أسفار التوراة لأنّهم اعتبروها مجرّد كتب تقوية لا تصلح أن تكون قاعدة إيمان الجماعة، وبالتالي لا تصلح أن تقرأ في صلوات الجماعة، بل في حلقات خاصة وسرّية. وصلت إلينا هذه الأسفار بشكل وصيّة يستودعها المعلّم تلاميذه قبل موته. أو بشكل وحي وصل إلى أحد الأتقياء اختطف إلى السماء فرأى وسمع وجاء يخبر أهل الأرض بأسرار الله، أو بشكل قول نبوي أو تفسير كتب قانونية أو مقالة حكمية. كل هذه الآداب المنحولة تدلّنا على أنّ الجماعة اليهودية لم تمت بعد الجلاء بل جدّدت مصادر وحيها بالاتصال بسائر الثقافات المحيطة بها. كل هذا الغنى ستأخذ به المسيحية الأولى فتستقي أساليب تعبيره وتنوعّ صوره واستعاراته لتكتب العهد الجديد. ففي حياة آدم وحوّاء وجد القدّيس بولس صورة الإنسان الأوّل، آدم الأوّل، وقرّبها إلى المسيح، آدم الثاني، وفي سفر أخنوخ توضّحت صورة ابن الإنسان الآتية من دانيال فدلّت على شخص محدّد رأى فيه الرسل يسوع المسيح ؛ وفي سفر أخنوخ السلافي اكتشف متى ولوقا الطريق إلى التعبير عن حبَل العذراء مريم بيسوع ؛ وفي انتقال موسى وجد يهوذا الرسول أساس كلامه عن الخصام بين ميخائيل وإبليس.
من يقرأ الأسفار القانونية في العهد القديم يمكنه أن يستغني عن الأسفار المنحولة وفيها ما فيها من الأمور الغريبة العجيبة. ولكن من يريد أن يتعمّق في عبارات عديدة من أسفار العهد الجديد يجد في الأسفار المنحولة عناصر تساعده على فهم النصوص تفهّمًا أعمق. هل ننسى أنّ الرب يسوع كلّم شعبًا محدّدًا في الزمان والمكان، وأنّ هذا الشعب هو الشعب اليهودي المتشرّب من أسفار التوراة القانونية ومن تقاليد آبائه ومعلّميه التي جمعت في هذه الأسفار التي ذكرنا؟ إذا كان شرّاح العهد القديم استعانوا بنصوص أوغاريت وماري وتل العمارنة ليفهموا نصوص التوراة، فهل يستطيع شرّاح العهد الجديد أن يضعوا جانبًا كلّ هذا الغنى الموجود في الأسفار المنحولة، والتي اعتاد العلماء أن يسمّوها أسفار ما بين العهدين لأنها أنهت العهد القديم وهيّأت الطريق للعهد الجديد فشكّلت المهد الذي فيه وُلد الإنجيل والرسائل وأعمال الرسل والرؤيا؟
الفصل العاشر
قراءة العهد القديم
على ضوء العهد الجديد

في صباح يوم القيامة انطلق مسافران من أورشليم إلى عماوس، وكانا يتكلّمان عمّا حدث ليسوع الناصري الذي حُكم عليه بالموت وصُلب، مع أنّ الناس ترجّوا أن يكون هو الذي يخلّص إسرائيل: وما عتّم أن انضمّ يسوع إلى هذين المسافرين اللذين كانا من تلاميذه، وأفهمهما أنّه كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام قبل أن يدخل مجده. وشرح لهما ما جاء عنه في جميع الكتب المقدّسة، من موسى إلى سائر الأنبياء ( لو 13:24 ي). لقد انطلق يسوع من أسفار العهد القديم ليبيّن لتلاميذه الحدث الفريد في تاريخ البشرية، عنيت به قيامته من بين الأموات.
في صباح يوم العنصرة اهتزّت أورشليم لمّا حلّ الروح القدس على التلاميذ ودفعهم إلى التكلّم بلغات الأمم العديدة واعلان أعمال الله العظيمة (رج أع 2: 1 ي). ولكي يُفهم بطرسُ شعبَ اورشليم ما حدث، أورد قول النبي يوئيل (3: 1- 5): "في الأيّام الاخيرة أفيض من روحي على جَميع البشر.. وعلى عبيدي رجالاً ونساء، أفيض من روحي في تلك الأيّام فيتنبأون كلّهم" (أع 2: 17- 18). ثمّ أورد قول المزمور (18: 16): "رأيت الرب معي في كل حين فهو عن يميني لئلاّ اضطرب، لذلك فرح قلبي وهلَّل لساني، وجسدي يرقد على رجاء، لأنّك لا تتركني ي عالم الأموات ولا تدع قدّوسك ينال منه الفساد" (أع 2: 25- 27).
ويحدّثنا القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنتوس (15: 25- 55) عن قيامة يسوع وعن قيامتنا معه فيورد نصًّا من المزمور (110: 1 ) ويقول عن يسوع إنّه سيضع جميع أعدائه تحت قدميه، والموت آخر عدو يبيده، ثمّ يورد نصًّا من سفر التكوين (2: 7): كان آدم الأوّل نفسًا حية، وآدم الآخر روحًا محييًا، ثمّ نصًّا من أشعيا (25: 8) وأخيرًا من هوشع (13: 14): قد ابتلع الظفر الموت. فأين يا موت ظفرك؟ وأين يا موت شوكتك؟ إنّ شوكة الموت هي الخطيئة.
أمّا كاتب الرسالة إلى العبرانيين (1: 1- 14) فيخبرنا عن ابن الله الذي جعله الآب وارثًا لكل شيء وبه أنشأ العالمين، والذي هو شعاع مجد الله وصورة جوهره. هذا الابن هو أرفع من كلّ الخلائق، وأرفع من موسى وهارون، وأرفع من الملائكة. ولكي يبرهن على عظمة الله يرجع الكاتب إلى نصوص العهد القديم. فمَن مِن الملائكة قال الله له يومًا: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك " (مز 7:2)؟ وقال أيضاً: " سَأكون له أبًا ويكون لي ابنًا" (2 صم 7: 14). ويقول أيضاً عند ادخاله البكر الى العالم: "ولتسجد له جميع ملائكة الله" (مز 7:97). وقد قال في الملائكة: "جعل من ملائكته رياحًا ومن خَدَمه لهيب نور" (مز 104: 4)، وقال لابنه: "إنّ عرشك ثابت أبد الدهور، وصولجان الاستقامة صولجان ملكك" (مز 7:45).
إذا كان يسوع ذكر ما جاء عنه في أسفار التوراة ليدخل تلاميذه في سرّ موته وقيامته، وإذا كان الرسل وتلاميذهم قد أوردوا نصوص العهد القديم ليُخبروا عن سرّ الله المعطى في يسوع المسيح، لماذا لا نحذو نحن المسيحيين اليوم حذوهم؟ إذا كان يسوع قد قرأ هذه الأسفار المقدّسة وغذّى منها فكره وتعليمه، فلماذا لا نفعل نحن مثله؟ وإذا كان بسط شروحه عن ملكوت الله، عن ابن الإنسان، عن نهاية العالم، بلغة أسفار العهد القديم، فنحن سنقرأ العهد القديم كمقدمة للعهد الجديد، وسنكتشف على خطى المسيح ورسله، كيف نقرأ العهد القديم، نحن أبناء العهد الجديد، بعد أن زال القديم وبدت الخليقة الجديدة (2 كور 5: 17).
نقسم فصلنا إلى قسمين: في قسم أوّل نتعلّم طريقة يسوع والرسل في قراءة العهد القديم، وفي قسم ثانٍ نطبّق هذه الطريقة على مطالعتنا لأسفار التوراة فيكون لنا منه ثمر القداسة والحياة الأبدية (روم 6: 12).

I - طريقة يسوع والرسل في قراءة العهد القديم
نبدأ فنقول إنّ العهد الجديد هو الأساس لكلّ تعليم مسيحي، وإنّ قيمة العهد القديم بكماله في العهد الجديد، وإنّ أسفار التوراة تدلّنا في النهاية على المسيح وعلى عمله في الكون. قلنا في مقال سابق إنّ الكتاب المقدّس، والعهد القديم منه، هو وحي الله، هو كلام الله، ونحن نقرأه بروح الإيمان ونفهمه على ضوء نظرتنا إلى المسيح. إذا كان العهد القديم وعدًا، فيسوع هو تحقيق هذا الوعد، وإذا كان نبوءة فالمسيح يتمّمها. وإذا كان استعدادًا وتهيئة، فيسوع هو الشخص الذي استعدّ شعب إسرائيل لمجيئه، وإذا كان صورة ورمزًا، فيسوع هو الحقيقة التي تغنينا عن رموز الكلام وتدخلنا في سرّ الله. كل هذا سيفرض علينا أن نميّز بين قراءة اليهود اليوم لأسفارهم المقدّسة وقراءة المسيحيين لهذه الأسفار عينها لنرى أي جديد حمله إلينا يسوع في كلمات قيلت قبل مجيئه، ولكنّه جاء يتمّمها فيجعل حياته بحسب ما جاء في الكتب (1 كور 3:15).

أ- كيف يقرأ اليهود أسفارهم المقدّسة؟
ليس العهد القديم كتابًا مسيحيًّا وقد دوّن قبل مجيء المسيح، ونحن المسيحيين نعتبره دون الوحي الكامل الذي حمله إلينا المسيح والذي نقلته إلينا الكنيسة صريحًا واضحًا، دون الإيمان الذي يفترضه هذا الوحي، دون الحياة الجديدة التي يعيشها المعمّد في المسيح. مّا اليهودية فتعتبر العهد الجديد وكأنّه لم يكن. فكيف ستقرأ أسفارها المقدّسة بعد أن هُدم الهيكل وألغيت الذبائح ولم يعد لها إلاّ الشريعة كوسيط بين المؤمنين وبين الله؟
إنّ الديانة اليهودية لا تزال تتغذّى من أسفارها القديمة وهي لا تزال تعتبرها ملكًا لها. وإنّ الشعب اليهودي لا يزال يعدّ نفسه شعب الله بفضل تواصل تاريخي متجانس. لقد كلّم الرب آباءهم ولهم أعطى شريعته وإليهم أرسل أنبياءه، وايّاهم وعد بمواعيده لأنّه شعبه المختار من يستطيع أن ينسخ كلمة الله؟

1- ما يرفضه اليود
من أجل هذا الموقف المبدئي لا يقبل الشعب اليهودي بمَا تسمّيه المسيحية تبدّلاً في مخططات الله، كما لا يقرّ بمَا يقوله القدِّيس بولس عن شعب إسرائيل الذي هو عبد للشريعة. لا، لم تكن اليهودية يومًا ديانة الشريعة. والشريعة بالنسبة إلى بني إسرائيل هي مجموعة قوانين كيَّفها المعلّمون على مرّ العصور فمنعوا الحرف من أن يقتل الروح (2 كور 3: 6). والروح هذا لم يترك بني إسرائيل، بل ما زال ينيرهم بأضوائه، كما في الماضي، فيساعدهم على إبراز الحقائق الدينية والاخلاقية المهمّة التي نادت بها أسفار التوراة. والوصية الأساسية التي تبقى نبراسًا لهم هي التي يقرأونها في سفر اللاويين (18:19): "أحبب قريبك كما تحبّ نفسك ". والعقيدة الأساسية التي يستند إليها إيمانهم هي عقيدة الله الواحد، إله السماء والأرض، وإله البشر أجمعين. هذه العقيدة نادوا بها منذ القديم وما زالوا يردّدونها اليوم في صلاتهم اليومية. "اسمع يا إسرائيل، إنّ الرب إلهنا رب واحد" (تث 4:6).
إنتظر الشعب اليهودي مسيحًا يحمل الخلاص إليه، إلى البشرية جمعاء، وهذا الانتظار يبقى في قلب الرجاء اليهودي. كل فرد من شعب الله ينقطع عن هذا الإيمان اليهودي يكون وكأنّه قد أنكر إرثه الروحي. وتعتبر اليهودية أن المسيح حاضر في بني إسرائيل وأنّ شخصيته تتعدّى المسيح حسب داود الملك، لتتجسّد في الشعب كلّه، وهذا الإسرائيل له رسالة إلى جميع الشعوب بفضل دعوته. فإذا قرأنا مثلاً في سفر أشعيا (53: 1ي) نرى أنّ "عبد يهوه" هو شخص فرد سيموت عن الشعب فيبرّرهم حاملاً آثامهم، ونرى أيضاً أنّه الشعب كلّه بحسب ما ورد في السفر عينه (3:49): "أنت عبدي، يا إسرائيل، فانّي بك أتمجّد". واليهود يأخذون بالمعنى الثاني دون الأوّل، لأنّهم لا يقبلون بأن يتحقّق ما قاله أشعيا في شخص المسيح الذي هو يسوع والذي وُلد في زمن هيرودس ومات على عهد بيلاطس البنطي.
وهكذا تعتقد اليهودية أنّها لم تزل على اتّصال مستمرّ بوحي العهد القديم، وتظنّ أنّها تفهم نصوصه من الداخل أفضل من المسيحية، وتتساءل: بأي حقّ تضع المسيحية يدها على كتب ليست ملكًا لها؟ أمّا المسيحية فتعتبر أنّ أسفار العهد القديم انتقلت إليها لأنّها هي التي صارت شعب الله في العهد الجديد الذي قطعه يسوع بدمه (مت 26: 28)، وأنّ ما ورد فيها كُتب لتعليمنا (روم 4:15). هذا لا يعني أنّه لم يعد لليهود حقّ في التوراة، ولكنّ هذا يمنع اليهود من حصر هذا الحقّ فيهم.
في هذا يقول القدّيس بولس: إنّ اليهود، من حيث اختيار الله لهم، هم أحبّاؤه إكرامًا للآباء لأن لا ندامة في هبات الله ودعوته (روم 28:11- 29). وهذا الكلام الذي أوحى الله به إلى الآباء سيبقى للشعب نداء يقودهم إلى نور المسيح، إذا شاؤوا. لأنّه، إلى اليوم، لا يزال القناع على قلوبهم عند قراءة شريعة موسى (2 كور 3: 15)، وهذا القناع لا ينزعه إلاّ المسيح، لا يُنزع إلاّ إذا اهتدوا إلى الرب وقرأوا بطريقة جديدة الكلام الذي تسلّمه آباؤهم.
وإنّ اليهود لا يقرّون بأنّ العهد القديم قد تنبّأ عن المسيح وهيّأ الدرب للمسيح. والسبب في ذلك يعود إلى جهلهم الحقيقي للنبوءات المسيحانية (رج روم 9- 11) وإلى عدم إيمانهم بالمسيح وبأعماله (رج يو 3: 12؛ 4: 48؛ 5: 44). وهذا الإيمان موضوعه عمل إلهي جديد وخلق جديد. وإذا كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، لأنّه لا الختان ولا عدم الختان ينفع الإنسان، بل الذي ينفعه أن يكون خليقة جديدة (غل 6: 15؛ رج أف 2: 10- 15). أجل، هناك جديد، هناك تبديل في وجهات النظر إنّ رجاء إسرائيل المسيحاني يجد تحقيقه غير المنتظر في يسوع الناصري، الذي يحقّقه في وجهته الروحية الشاملة، تاركًا جانبًا وجهته المادّية والزمنية والقومية. إنّ اليهود ينظرون إلى هذا الرجاء المسيحاني ويرون أنّه تحقّق، أقلّه جزئيًّا، في الرجوع إلى أرض الميعاد. مثل هذا الموقف جعل بعض المسيحيين يميّزون بين مسيحانية يقول بها يسوع ومسيحانية ملأت قلب اليهود في القرن الأوّل المسيحي، فيقولون: إنّ النُظُم الدينية، كالاختيار والعهد والملكوت والكهنوت والعبادة والشريعة، تبقى مغلقة كالزهرة، وهي لا تتفتح إلاّ في العهد الجديد. حينئذ تتحوّل جذريّا، أو تتبدّل ملامحها وتضيع معالمها، فلا يعود المؤمن العادي يعرفها. 
لا، لا يرضى اليهود بقول المسيحيين إنّ نبوءات العهد القديم تحقّقت في المسيح والكنيسة، فهم ما زالوا شعب الله وملكه القائم على عهده معه.

2- العهد، الملكوت، الشعب
نودّ هنا أن ننطلق من ثلاثة مفاهيم رئيسية في التوراة، لا تزال تكوّن زخم شعب إسرائيل، عنيت بها العهد والملكوت والشعب.
العهد مفهوم رئيسي في التوراة، وهو يسم بسمة خاصة العلاقة بين الله وشعبه. هذا العهد ليس رمزًا بحتًا. بل يحمل مضمونًا واقعيًّا ملموسًا. لا شكَ في أنّ الله والشعب ليسا متعاقدين متساويين، ولكن يبقى العهد علاقة تلزم الاثنين وتدعوهما إلى الأمانة المتبادلة: الرب يطلب من شعبه أن يكون له أمينًا فلا يخونه بعبادة آلهة غريبة، والشعب يستطيع أن يعتمد على الله الأمين الذي لا يمكنه أن يخون نفسه. وهذا الشعب قد اختاره الرب في واقع تاريخه الملموس، ودخل معه في عهد عبر ذبيحة (خر 24: 1 ي) ستتجدّد فتجعل العهد ثابتًا لا يتزعزع.
ولكنّ هذا المنطق سيرفضه الأنبياء فيقولون إنّ الله لا يرتبط بأرض يقيم عليها قوم، ولا يرتبط بشعب مهما كان تاريخه، ولا يرضى بشعائر عبادة لا ترافقها طاعة لمتطلّبات الربّ في مجالات الحقّ والعدل. وهكذا سينتقل الأنبياء إلى نظرة جديدة للعهد الذي يجعلونه في آخر الأيّام (إر 31: 33- 34؛ حز 37: 26- 28). ولكنّ الجماعة المسيحية الأولى ستنطلق من هذا الكلام لتعلن أنّ العهد الجديد (عب 8:8- 12) ليس عهدًا مع شعب تاريخي، بل عهد قطعه يسوع مع جميع الشعوب بموته على الصليب.
أمّا فكرة الملكوت فتعني أنّ الرب يملك على شعب إسرائيل، وأنّه يفرض عليه سننه وأحكامه، وأنّه لا يقبل بملك أرضي يزاحمه في المُلْك على إسرائيل. نقرأ مثلاً في سفر المزامير (47: 2- 5): "صفّقوا بالاكفّ، يا جميع الشعوب، اهتفوا لله بصوت الترنيم، لأنّ الرب عليّ رهيب، ملك عظيم على كل الأرض. اخضع الشعوب تحتنا، والأم تحت أقدامنا. اختار لنا ميراثًا، فخرًا ليعقوب الذي أحبّه" (رج مز 93: 96- 97). وإذا كان الشعب لم يتخلّ عن ملكه، فكيف يتخلّى الملك عن شعبه؟
غير أنّ ما حدث في الجلاء جعل الشعب يعتبر أنّ الرب، وقد أسلم شعبه إلى الأمم الوثنية، سوف يؤسّس ملكه في المستقبل، فيبدأ حينئذ بإقامة عهد خلاص (أش 7:52). ثمّ لاحظوا أنّ ملك الله هذا لم يتحقّق، مع أنّ الجماعة اليهودية المجتمعة حول الشريعة سعت إلى جعله أمرًا واقعًا. فالملوك الوثنيون (الفرس، اليونانيون، السلوقيون) لا يزالون يسيطرون على شعب الله. بموازاة هذا الواقع اخذ كتّاب الرؤى يعلنون أنّ ابليس هو ملك العالم الحاضر (راجع صدى لهذه الفكرة في لو 4: 6)، وأنّ الرب الملك سيقتحم هذا العالم، فينهي مملكة ابليس ويبدأ مملكة جديدة تكون منفصلة عن هذا العالم فتهيّئ الطريق لقيامة الموقى.
ولكن عندما يكرز يسوع بملكوت السماوات، فهولا يتطرّق إلى فكرة سلطان الله على بلد سيعود إليه ازدهاره، ولا إلى شعب سيعيش مع جيرانه بسلام. إنّ الملكوت يأتي من العلاء ويرتبط بجماعة تتعدّى الأعراق والإثنيات، جماعة هي من واقع هذا العالم ومن واقع العالم الآخر وقد اجتمعت باسم يسوع وحول يسوع الذي به حلّ ملكوت الله على الأرض. 
وفكرة الشعب ترتبط بفكرة الملكوت، لأنّ شعبًا يقرّ بالله ملكًا عليه لا يمكن أن يرضى أن يكون له ملك كسائر الملوك على الأرض. قال جدعون للشعب: "لا أنا أتسلّط عليكم "ولا ابني يتسلّط عليكم، بل الرب هو يتسلّط عليكم " (قض 23:8)، ويكون عليكم ملكًا. ولكنّ الشعب أراد أن يكون له ملك كما لسائر الشعوب (1 صم 8: 19- 25)، فكانت تلك الإرادة بداية الشرّ في شعب الله. وبرز التعارض العميق بين فكرة شعب الله وفكرة مملكة تضاهي سائر ممالك الأرض. فمملكة الأرض تريد تنظيمًا خاصا بها. وهي تستند إلى معاهدات واتفاقيات مع الممالك المجاورة، وهذا ما يتنافى ومثال شعب الله، ويعرّض إيمانه للخطر، ويدفع الملك إلى نسيان قدرة الله وعمله في شعبه.
أمّا الأنبياء فلم يتصوّروا إمكان تحقيق فكرة شعب الله في إطار مملكة أرضية. لهذا طالبوا بالحقّ والعدل داخل التنظيم القبلي فلم ينجحوا. حينئذ تعلّموا من خبرة المنفى أنّه إذا أراد الشعب أن يكون جماعة الله فعليه أن يتخلّى عن وجوده كجماعة سياسية فينتظر المسيح، لا على مثال داود الملك، بل على مثال ابن الإنسان الآتي من عند الله والمالك باسم الله على شعب الله.
في أسفار العهد الجديد ستُعلن الكنيسة عن نفسها أنّها شعب الله، أنّها في العالم وإن لم تكن من العالم (يو 18:15- 19)، وأنّها لا تهتمّ بأشكال الحكم ما دامت عادلة (روم 13: 1 ي). يدخل الإنسان في شعب الله الجديد، لا بالولادة، أو بنتيجة علاقات سياسية، بل بالعماد الذي يخلق هذا الشعب من المختارين والمدعوّين والقدّيسين الذين يكوّنون "إسرائيل الله " (غل 6: 16) الجديد.

ب- كيف قرأ يسوع أسفار العهد القديم؟
1- التوراة كتاب يسوع
كانت التوراة كتاب يسوع وقد قرأها وردّد نصوصها منذ حداثته وتعمّق فيها طوال حياته. تعلّم التوراة في المجمع، وتلا صلواته اليومية المأخوذة منها، وعيّد مع المؤمنين أعياد السنة الثلاثة الكبرى فشاركهم في سماع النصوص الخاصة بكلّ من هذه الاعياد وأنشد الأناشيد المعروفة وسار في الطواف معهم.
أجل، لقد قرأ يسوع التوراة كما قرأها معاصروه، ولكنّه لم يفهمها كما فهمها معاصروه من كتبة وعلماء الشريعة. هو لم يكتفِ بترداد النصوص والدفاع عن تعليم هذا المعلّم أو ذاك، بل توخّى أن يقدّم تعليمًا شخصيًّا مبتكرًا، تعليم من له سلطان (مت 29:7 ؛ مر 1: 22). ولا ينحصر عمله في تفسير الكتاب تفسيرًا حرفيًّا، بل يتعدّى التفسير إلى إعلان وحي الله النهائي إلى معاصريه وإلى جميع البشر في هذا الإطار نراه أمينًا للتوراة يقترب أسلوبه من أسلوبها، ومستقلاًّ عن التوراة عندما يحمّلها معاني جديدة.
قرأ يسوع التوراة كما قرأها معاصروه، ولكنّه قرأها على ضوء الوحي التامّ النهائي. لذلك ترك جانبًا كلّ ما علق بها من ضعف أرضي على مر العصور، وزاد ما لم يجسر على إعلانه المتكلّمون باسم الله، أو ما لم يعرفه الأنبياء والحكماء. سأله مرّة يعقوب ويوحنّا: "يا سيّد، أتريد أن نأمر النار فتنزل من السماء ويهلهم كما فعل إيليا" (1 مل 1: 1- 12)؟ فالتفت يسوع وانتهرهما: "إنّ ابن الإنسان أتى، لا ليهلك نفوس الناس، بل ليخلّصنا" ( لو 9: 54 - 56). وإذا كان قد ذكر العقاب الذي أصاب الخاطئين الرافضين للتوبة، إلاّ أنّه لم يردّد كلام الأنبياء في الحكم على الأمم الوثنية (رج عا 1 :3 ي؛ أش 17: 1 ي؛ إر 46 - 49)، بل بالحريّ شدّد على شخص يونان وندائه إلى التوبة (مت 12: 39- 41؛ لو 11: 29- 31). وقال له الفرّيسيون يومًا: "أوصى موسى بأن يعطي الرجل امرأته كتاب طلاق فتطلق ". أجاب يسوع: "لقساوة قلوبكم أجاز لكم موسى أن تطلّقوا نساءكم. أمّا أنا فأقول لكم... " (مت 7:19- 9).
التوراة هي كتاب الله وسلطتها سلطة إلهية. استعملها يسوع مرّات كسلاح بوجه خصومه. قال لإبليس يوم جرّبه: "كُتب: لا يحيا الإنسان بالخبز وحده. لا تجرّب الرب إلهك... الرب إلهك تعبد" (مت 4: 1- 11 ؛ لو 4: 1- 11). وقال للكتبة مدافعًا عن تلاميذه: "أما قرأتم ما فعله داود لمّا جاع" (مر 12: 36)؟ ومدافعًا عن نفسه: "أما قرأتم في الكتب المقدّسة: الحجر الذي رذله البنّاؤون صار رأس الزاوية" (مت 21: 42)؟ وهو يستعمل نصوص التوراة فيجعلها تطابق حالته. يعتبر نفسه صاحب المزامير فيقول لتلاميذه (13:91): "وها أنا اعطيكم سلطانًا تدوسون به الأفاعي والعقارب كلّ قوّة للعدو" ( لو 19:10). ويقول للذين يقولون ولا يفعلون (مز 9:6): "لا أعرف من أين أنتم. ابتعدوا عني كلّكم يا أشرار" ( لو 27:13)، ويقول للآب (مز 22: 2): "إلهي إلهي، لماذا تركتني " (تث 27: 46)؟ أو (مز 31: 6): "يا أبت، في يديك استودع روحي" ( لو 46:23).

2- إله العهد القديم هو أبوه والكتب تتحدّث عنه
أعطانا يسوع تعليمًا جديدًا، ولكنّه لم يعرّفنا إلى إله جديد. فالله الآب هو إله العهد القديم، وما عرفناه عن ذلك الإله في التوراة يبقى الأساس في تعليم يسوع. الله هو الخالق الذي يعمل في الكون وفي التاريخ، هو صانع السماء والأرض وسيّد الأفراد والشعوب. أمّا التوراة فتشدّد على قدرة الله وقداسته ورحمته وسرّه السامي، وتنبّهنا إلى عمله مع البشر هو يمسك بيد أبنائه، ينير خطاهم، يؤدّبهم عبر ظروف حياتهم اليومية بأناة وصبر فلا ييأس منهم.
بالنسبة إلى يسوع، الآب هو الخالق (مت 19: 4 ؛ مر 10: 6؛ يو 17: 5، 24)، هو رب السماء والأرض (مت 11 : 25؛ لو 10: 21)، هو الإله الواحد (مر 29:12- 33؛ رج تث 6: 4- 5)، هو السامي والسماء عرشه والأرض موطئ قدميه (مت 5: 34 - 35)، هو القدير الذي كل شيء ممكن عنده (مر 27:10) والذي يهتمّ بخلائقه فيرسل عليها غيثه (مت 45:5) ويطعم عصافيرها طعامًا ويلبس أزهارها أجمل الثياب (مت 6: 25- 35). غير أنّ ما قالته التوراة بطريقة حيّة عن محبّة الله للناس ومحبّة الناس لله، سوف يقوله يسوع بصريح العبارة ويردّده فيبني كل تعليمه على المحبّة معلنًا "الله محبة" (1 يو 8:4).
تحدّثت أسفار العهد القديم عن الإله الذي حدّثنا به يسوع، وتحدّثت أيضاً عن ذلك الآتي باسم الرب ليحمل خلاص الله إلى الإنسان. لقد اعتبر يسوع نفسه أنّه جاء ليتمّم ما بدأ به العهد القديم، فجعل نفسه محور العهد القديم وأعلن أنّ الكتب تخبر عنه، تبشّر به، تشهد له، وبيّن أنّ اقوال الأنبياء تحقّقت في شخصه. قرأ سفر أشعيا (61: 1- 2) في المجمع، وبعد ذلك، قال للحاضرين: "اليوم تمّت هذه الآية التي تُليت على مسامعكم " ( لو 4: 21). وقال مرّة لليهود: "أنتم تتفحّصون الكتب وتحسبون أنّ لكم فيها الحياة الأبديّة. هذه الكتب عينها تشهد لي " (يو 5: 39). وقال لهم مرّة أخرى: "إبتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي فرآه وفرح" (يو 59:8).
وسيكشف يسوع عن نفسه بعبارات مأخوذة من العهد القديم، معتبرًا نفسه حاملاً كلام الله ( لو 5: 1؛ 8: 21؛ 11: 28) الأخير إلى البشر فهو كلمة الله الأزلية الذي كان عند الآب (يو 1: 1ي)، والحكمة الإلهية التي أنشدتها الأسفار الحكمية مقيمة عند الله قبل أن تجد لذتها مع بني البشر (مت 19:11- 30)، وهو يهوه بالذات الذي أوحى بشخصه إلى موسى في مشهد العلّيقة (خر 14:3). ويقول يسوع: "أنا هو نور العالم" (يو 8: 12)، "أنا هو خبز الحياة" (يو 6: 35)، "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11)، "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6)، "أنا هو القيامة والحياة" (11: 25). أنا هو يعني أنا يهوه أي الرب الإله. ولقد قال أيضاً في إنجيل يوحنا (8: 24): "ستموتون بخطاياكم، لأنّكم لم تؤمنوا بأنّي أنا هو" (أي يهوه). وقال أيضاً (28:4): "وعندما ترفعون ابن الإنسان تعرفون أنّي أنا هو" (أي يهوه) .

3- يسوع والشريعة
يمكننا أن نطيل الحديث عن استعمال يسوع للعهد القديم في حياته وكرازته، إنّما سنكتفي بموضوعين اثنين يعطياننا نظرة شاملة إلى الطريقة التي بها قرأ يسوع العهد القديم. الموضوع الأوّل: يسوع والشريعة، والموضوع الثاني: يسوع والانتظار المسيحاني.
مرّت أجيال بعد موسى، ففرضت الشريعة نفسها كجزء رئيسي بين أجزاء التوراة، لا بل سيطرت على سائر الأجزاء في أذهان الناس فكانوا يذكرون الأسفار المقدّسة عامة فيعنون بصورة حصرية أسفار الشريعة الخمسة. ولنا دليل على ذلك في العربية حيث تعني التوراة (أو التورية) أسفار موسى الخمسة كما تعني أسفار العهد القديم كلّه.
كيف بدت الشريعة أيّام اليهود العائشين في زمن المسيح؟ بدت كمجموعة متشعّبة ومعقّدة، وكان لكلّ فريضة من فرائضها السلطان ذاته، ولكل آية من آياتها الإلزام نفسه. لهذا نتج بعض الضياع والبلبلة عند الناس في مجال ممارسة هذه الفرائض، فطالب تيّار أوّل، هو تيّار الممارسة الحرفية، بالأمانة التامّة لكلّ فرائض الشريعة، واعتبر الشريعة كتلة واحدة بحيث إنّ من أهمل وصية من وصاياها، لم يعد بريئًا أمام الله. ولكنّ هذه الممارسة الكاملة للشريعة تفوّض المعرفة بكل دقائقها، وهذا أمر لا تتمتعّ به إلاّ فئة صغيرة، هي فئة الكتبة والفرّيسيين، التي ستجعل كل اهتمامها في المحافظة على هذه الشريعة. وطالب تيّار آخر، هو التيّار الروحاني، بأن يركّز المؤمن على أهمّ ما في الشريعة، فرغبوا إلى الكهنة أن يحافظوا على شعائر العبادة، وإلى الشعب أن يمارس الصوم والصدقة، ووصيّة المحبّة الكبرى.
ولكنّ تيّار الكتبة والفريسيين سيسيطر على التيّار الآخر زارعًا في قلوب الناس الشعور بالذنب والخطأ. تعلّقت هذه الفئة المتزمّتة بعناصر من الشريعة بدت مرتبطة بعالم ما بعد الجلاء الضيق، فكوّمت التحديدات والإيضاحات والتفاصيل فصارت وصايا الله حملاً ثقيلاً تنوء أقوى الأكتاف بحمله. فكان لا بدّ، والحالة هذه، من موسى جديد يتمتعّ بسلطة الرب فيتمّم الشريعة، أي يوجّهها في المنحى الصحيح الذي يقود الإنسان إلى الحرية التي في الله.
ونتساءل: كيف تصرّف يسوع إزاء الشريعة؟ نلاحظ أنّ يسوع تقيّد بالشريعة ساعة بدا له التقليّد بها واجبًا عليه، وتحرّر من الشريعة ساعة بدا له التحرّر منها انطلاقًا إلى تعليم جديد. قبل يسوع العماد ليتمّ كل برّ (مت 3: 5)، ذهب يوم السبت إلى المجمع (مر 1: 21؛ لو 16:4)، صعد إلى اورشليم ليحتفل مع المؤمنين بالفصح (يو 13:2؛ 11: 55؛ 12 :1 ). طلب إلى الفريسيين ( لو 11: 22 ؛ مت 23:23) أن يفعلوا هذه (أي أن يدفعوا عشر النعنع والسذاب كل البقول) دون أن يتركوا تلك (أي ممارسة العدالة والمحبّة التي هي محور الشريعة). ونبّه تلاميذه إلى واجب فعل كل ما يقوله لهم معلّمو الشريعة والفريسيّون الجالسون على كرسي موسى (مت 23: 2- 3). قال: "ما جئت لأحلّ الناموس، بل لأكمّل " (مت 5: 17)، وطلب إلى الأبرص أن يذهب إلى الكاهن ويقدّم ما أمر به موسى (مر 1: 44؛ رج لا 14: 1- 32)، وأجاب الشاب الغني الذي جاء يسأله عن الطريق التي توصله إلى الحياة الأبدية: "أنت تعرف الوصايا: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق " (مر 19:10 ؛ رج خر 12:20-16؛ تث 16:5- 20).
هذا من جهة، ومن جهة ثانية عرف يسوع أن يتحرّر من ممارسة الشريعة، فشفى المرضى يوم السبت (مر 3: 1- 16) ودافع عن تلاميذه الذين تجاوزوا شريعة السبت حين فركوا بعض السنابل وأكلوها (مر 23:2- 28)، وذكَّر الفرّيسيين بواجب الرحمة على حساب شريعة السبت (مت 7:12). لم يتقيّد يسوع بفرائض الطهارة والنجاسة بحسب الشريعة، فلمس الشاب الميت والمرأة المصابة بنزف دم، وجلس مع الخطأة وأكل مع العشّارين. وقال يومًا: "ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان، بل ما يفرج من الفم هو الذي ينجّس الإنسان " (مت 15: 11). فاستنتج القدّيس مرقس (7: 19): "وفي قوله هذا جعل يسوع الأطعمة كلّها طاهرةً" فألغى كل الشرائع التي نقرأها في سفر اللاويين (11: 1 ي؛ رج أع 10: 10- 16) وغيره من الأسفار الخمسة عن الطهارة والنجاسة.
يمكننا القول إذن، إنّ موقف يسوع حيال التوراة ليس موقف التلميذ أمام الكتاب المكتوب، ولا موقف النبي الذي ينتظر نورًا من الرب في ظرف من ظروف الحياة. فيسوع يتكلّم بسلطة الله بالذات، ولهذا يمكنه أن يقول عن نفسه إنّه رب السبت (مر 28:2). وعندما يقول: "قيل لآبائكم، أي قالت الشريعة، وأمّا أنا فأقول لكم... " (مت 5: 21 - 27)، فهو يبيّن من جهة أنّ الكتاب هو حقا كلام الله، ومن عمل بوصاياه عُدّ كبيرًا في ملكوت السماوات (مت 5: 19). ويبيّن من جهة ثانية أنّ هذه الشريعة التي لا تُنسخ (يو 10: 35) ليست الشريعة النهائية، ولهذا يقدّم لنا يسوع الشريعة الجديدة الآتية من عند الآب (يو 17:7) والتي يعلّمنا إيّاها يسوع باسم الآب (يو 18:8؛ 12: 55).

4- يسوغ والانتظار المسيحاني
الرجاء المسيحاني يرفع عيوننا إلى شخص مُقبل يمسحه الرب بنوع خاص ويرسله ليحقّق مخطّط الله بصورة نهائية. في هذا الرجاء ترتسم أمامنا صورة الملك المثالي الذي سيكون مخلّص شعبه.
لقد نادى الشعب بيسوع ملكًا على مثال داود (مر 11: 10). ناداه أعمى أريحا: "يا ابن داود ارحمني" (مز 47:10- 48)، وتوسّلت اليه المرأة الكنعانية: "رحماك يا سيّدي، يا ابن داود" (مت 15: 22)، وتساءلت الجموع عنه بدهشة: "أليس هذا ابن داود" (مت 12: 32)؟ كيف كانت ردّة الفعل عند يسوع أمام هذه المناداة؟ تحنّن على المرضى الملتجئين اليه وفرض الصمت عليهم لئلاّ يأخذ اعتراف الناس بالمسيح منحى لا يريده.
بعد تكثير الخبز يقول القدّيس يوحنّا (6: 15): "وشعر يسوع أنّهم يهمّون باختطافه ليقيموه ملكًا، فابتعد عنهم وعاد وحده إلى الجبل ". ولمّا قال له نتنائيل: "رابي، أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل "، غيّر يسوع الموضوع وحدّثه عن ابن الإنسان (يو 1: 49- 51) الذي سيعاني آلامًا شديدة ويُقتل قبل أن يقوم (مر 8: 31) من بين الأموات.
أمّا كلمة "المسيح " أو "الممسوح" فقد كانت كلمة شعبية في عهد يسوع، وكانت تدلّ على الملك الذي سيحرّر شعبه ويُخضع لهم الأمم الوثنية. الرب يختار من يشاء فيضع يده عليه ويمسحه بالزيت فيُصبح مكرّسًا له. لقد قبل يسوع لقب "المسيح" كشف عن ذاته للمرأة السامرية التي قالت له: "أنا أعلم أن المسيح آتٍ ، ومتى أتى أنبأنا بكل شيء". فقال لها: "أنا هو، أنا الذي يكلّمك " (يو 25:4- 26). ولكنّ يسوع يبدو متحفّظًا بالنسبة إلى هذا اللقب، وهو لا يرضى بأي حال أن يعلن عنه أمام الشعب. أمَا أوصى تلاميذه بألاّ يخبروا أحدًا بأنّه المسيح (مت 16: 20)؟ وعندما يعلن بطرس باسم الرسل أنّه المسيح، يعلن يسوع أمامهم أنّ على "ابن الإنسان" أن يمرّ عبر الآلام قبل أن يدخل مجده الإلهي. يسوع هو المسيح بحسب النظرة اليهودية، وهو أكثر من ذلك. فدوره السياسي سيرتبط بدوره الروحي. وعندما تلقّبه الجماعة المسيحية الأولى "المسيح" (كرستوس في اليونانية) أو السيّد "كيريوس" فهي تعلن أن انتصاره على الموت كرّس مكانته الجديدة. بعد القيامة تبدّل معنى النصوص فلم يَعُد يسوع ملك اليهود (يو 29:19) وحسب، بل ملك البشرية كلّها، ولم يعد موته فدى الأمة فحسب، بل ليجمع أبناء الله المشتّتين (يو 53:11).
وترتبط بالنظرة المسيحانية فكرةُ "عبد يهوه" المتألّم (أش 42: 1- 9؛ 49: 1- 6؛ 4:50- 11؛ 53: 1- 12). هذه الفكرة ستبقى غريبة عن الشعب ككلّ، ولهذا سيرفض التفكير بها بطرسُ وسائر الرسل. قال يسوع إنّ عليه أن يذهب إلى أورشليم ويلقى أشدّ الآلام. عاتبه بطرس على انفراد: "حاشى لك يا رب من هذا المصير" (مت 16: 21 - 22). وهنا نفهم كيف انطلق يسوع من مفهوم التوراة للناس فبدّل مركز الثقل فيها. شدّد الشعب على المسيح المنتصر، فشدّد هو على المسيح المتألّم. اعتبرت الكنيسة الأولى أنّ يسوع حقّق في حياته وموته رسالة عبد يهوه. قال فيه سفر الاعمال إنّه البار (3: 14؛ 7: 52) والقدّوس (3: 14 ؛ 27:4- 30) وعبد الرب أو فتاه (13:3، 26 ؛ 27:4 -30). وبشّر به فيلبّس منطلقًا من نشيد أشعيا (7:53-8) عن عبد يهوه (أع 26:8 - 53). ولمّح القدّيس بولس إلى عبد يهوه فقال عن يسوع: "أسلم إلى الموت من جرَّاء زلاّتنا" (روم 4: 25؛ رج أش 53: 4- 5). "هو الذي لم يعرف الخطيئة، جُعل خطيئة من أجلنا كيما نصير به برّ الله " (2 كور 5: 21؛ رج أش 53: 9- 12). وقدّم القدّيس بطرس في رسالته الأولى (2: 21- 25) قراءة جديدة عن عبد يهوه على ضوء موت يسوع وقيامته. قال: "فالمسيح تألّم من أجلكم وجعل لكم قدوة لتسيروا على خطاه. هو ما ارتكب خطيئة ولا عرف فمه المكر" (أش 9:53)، ما ردّ على الشتيمة بمثلها (أش 50: 6). تألّم وما هدّد أحدًا بل أسلم أمره إلى الديّان العادل (أش 7:50- 9؛ 53: 7) وهو الذي حمل خطايانا (أش 53: 11- 12) في جسده على الخشبة حتّى نموت عن الخطيئة فنحيا للحق. وهو الذي بجراحه شفيتم (أش 53: 5). كنتم خرافًا ضالّين (أش 53: 6) فاهتديتم الآن إلى راعي نفوسكم وحارسها.
يسوع هو عبد يهوه وهو أيضاً ابن الإنسان. هذه العبارة تعني "الإنسان" و"ابن آدم " وتشدّد على ضعف الإنسان وحقارته (مز 11: 2 ؛ 51: 12؛ أي 25: 6) أمام الله، وتدلّ عليه كخاطئ (مز 24 : 1 ي ؛ 31: 0 2) آخرته إلى الموت (مز 48:89؛ 90 : 3). ولكنّ هذا الإنسان سيكون بفضل الله ملك الخليقة كلّها. "ما الإنسان حتّى تذكره، والكائن البشري حتّى تهتمّ به؟ نقصته عن الملائكة قليلاً، وكلّلته بالمجد والكرامة. سلّطته على أعمال يديك وأخضعت كلّ شيء تحت قدميه " (مز 8: 5- 7).
يستفيد دانيال من عبارة ابن الإنسان (ابن آدم) ليدلّ على ذلك الآتي على سحاب السماء: "أعطي سلطانًا ومجدًا وملكًا فعبده جميع الشعوب، وكان سلطانه سلطانًا أبديًّا لا يزول وملكه لا ينقرض " (دا 13:7- 14). وستأخذ الأسفار الجليانية لقب "ابن الإنسان" فتجعله شخصًا سريًّا محفوظًا إلى نهاية الأزمنة، جالسًا على عرش مجيد، ديّانًا للأرض ومخلّصًا للبشر .
لقد أخذ يسوع بلقب "ابن الإنسان"، وفي هذا اللقب ما فيه من إشكال والتباس إذ يعني إنسانًا عاديًا، ويعني أيضاً ذلك الملك المجيد الذي تحدّثت عنه أسفار الجليان. قال: "للثعالب أوجرة ولطير السماء أوكار، وأمّا ابن الإنسان فليس له موضع يسند إليه رأسه " (مت 8: 20). وقال أيضاً عن نفسه: "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فقالوا: هوذا رجل أكول سكّير صديق للعشارين والخاطئين" (مت 18:11). وقال أيضاً: "لم يصعد أحد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء، أعني ابن الإنسان. وكما رفع موسى الحيّة في البرّية، فكذلك يجب أن يُرفع ابنُ الإنسان لينال كل من يؤمن به الحياة الأبدية" (يو 13:3-15).
وكما ترك يسوع فكرة المسيح الملك ليأخذ بفكره عبد يهوه، كذلك سيأخذ بفكرة ابن الإنسان الآتي على سحاب السماء (مت 24: 30). فيجلس على عرش أبيه (مت 28:19) ويجازي كلّ واحد حسب أعماله (مت 27:16). سأله رئيس الكهنة: "هل أنت المسيح ابن الله (مت 26: 64)، ابن المبارك" (مر 4: 61)؟ فأجابه بطريقة غير مباشرة معلنًا عن نفسه أنّه ابن الإنسان الجالس على يمين الله القدير الآتي على سحاب السماء. لقد أبعد يسوع كل فكرة أرضية عن المسيح وأبرز سموّ شخصه الإلهي. سيختفي وراء ستار الذلّ والألم، ولكنّه يبدأ منذ حياته الخفية (مت 8: 20 ؛ 11: 19) بممارسة بعض سلطان ابن الإنسان فيغفر الخطايا (مت 9: 6) ويعلن نفسه سيّد السبت (مت 8:12) ويبشّر بكلام الله بانتظار أن يدين أيضاً لأنّه ابن الإنسان (يو 27:5).

ج- كيف قرأ الرسل العهد القديم؟
لم تكفَّ الكنيسة الأولى يومًا عن الاستشهاد بسلطان أسفار العهد القديم، وبذلك سارت على خطى معلّمها دالّةً على طريقة مبتكرة في الإفادة ممّا ورثته من كتب مقدّسة، مشدّدة على سلطة هذه الكتب التي ما زالت تحتفظ بقيمتها للمؤمنين بالمسيح لأنّ الروح قد أوحى بها إلينا. يقول القدّيس بولس (1 كور 10: 11): "وقد حدث ذلك كلّه (لليهود) ليكون لنا (نحن المسيحيين) مثلاً، كتب لنا نحن الذين بلغوا نهاية الأزمنة". وقال أيضاً (روم 23:4- 24): "وليس من أجله وحده (إبراهيم) كُتب بل من أجلنا أيضاً نحن الذين يعدّ لنا الايمان برًّا". وقال (روم 15: 4): "فان ما كُتب قبلاً إنما كتب لتعليمنا حتى نحصل على الرجاء، إذا ما حصلنا على ما أتت به الكتب من الصبر والعزاء". سنتوقّف إذًا، انطلاقًا من هذه الآيات الكتابية، على الرسالة إلى أهل رومة والى أهل غلاطية فندرس نظرة القدّيس بولس إلى الشريعة، وعلى الرسالة إلى العبرانيين فنتعرّف إلى نظرة كاتبها إلى الكهنوت والعبادة في العهد القديم.

1- نظرة القدّيس بولس إلى الشريعة
تحدّثنا في ما سبق عن نظرة يسوع إلى الشريعة كيف أتمّها في شخصه وتعليمه بعد أن أوصلها إلى كمالها. أما القدّيس بولس فسوف يبيّن عجز الشريعة وضعفها، ويندّد بتواطئها مع الخطيئة. الشريعة دخلت من دون استئذان إلى مخططات الله الجديدة وجعلت الوعد يحيد عن طريقه، فلم تعد تتوافق وحرية الروح (غل 5: 1 ي) الذي يعطي الحياة في المسيح يسوع (روم 8: 12). أمّا المسيح فقد أتمّ الوعد وخلّص بصليبه الذين كانوا تحت لعنة الشريعة (غل 10:3).
الشريعة بالنسبة إلى القدّيس بولس هي الشريعة الموسوية. وهي تبدو بأحكامها وفرائضها وسننها كقاعدة حياة تفرض نفسها بسلطان، وهي تتضمّن أيضاً العهد ونظمه. وهذه الشريعة تسود جماعة منغلقة على ذاتها. وتكوّن بني إسرائيل كشعب منفصل عن الآخرين، وتمارس عمل وساطة بين الله وشعب العهد. هذه الشريعة كانت قانون حياة روحية ودافعًا لهذه الحياة، وهي تعد أن تعطي البرّ لكل فرد من أفراد الشعب. قال الرب: "أحفظوا سنني وأحكامي، فمن عمل بها يحيا" (لا 18: 5). وهكذا دُفع الشعب اليهودي إلى الاتّكال على وساطة الشريعة واعتبر أنّه يكفي إتمام اعمال الشريعة لكي يتبرّر الإنسان. 
غذّى القدّيس بولس إيمانه بهذه الشريعة التي تلقّاها على قدمي جملائيل (أع 3:22)، ولكن لمّا التقى يسوعَ على طريق دمشق (أع 3:9 ي) فهم أنّ الخلاص يأتي بالمسيح المصلوب، لا بالشريعة، فهم أنّ الخلاص هو أوّلاً عمل الله، لا عمل الإنسان، ووعى على ضوء الصليب خطورة تمرّدنا على الله بالخطيئة. أدرك القدّيس بولس فكرة خلاص البشر كلّهم بنعمة المسيح التي تشفيهم وتعطيهم الروح، مبدأ الحياة الجديدة فيهم. وعندما أراد المتهوّدون، أي المسيحيون من أصل يهودي، أن يساوموا فيقابلوا بين الشريعة والمسيح، أن يجعلوا نعمة المسيح خاضعة لممارسة الشرائع اليهودية وأعمال الناموس (رج أع 15: 1، 5)، رفض أن يلزم المسيحيين الآتين من العالم الوثني العمل بالشريعة، وأعلن أنّ كل انسان، يهوديًّا كان أو غير يهودي، يتبرّر بالإيمان لا بأعمال الشريعة اليهودية التي لا قيمة لها في عالم الخلاص المسيحي.
في هذا الإطار تبدو الشريعة إزاء الخطيئة، وتبدو أضعف من أن تبرّر الإنسان. المسيح وحده يبرّرنا من الخطيئة، ولولاه لبقينا في عبودية الشريعة. "إنّ المسيح قد حرّرنا لنكون أحرارًا، فاثبتوا إذًا، ولا تعودوا إلى نير العبودية" (غل 5: 1). وأمّا وقد لعبت الشريعة دورًا في كشف الخطيئة دون أن تخلّصنا منها، لا يبقى علينا إلاّ أن نُلغي الشريعة. لقد كانت الشريعة أداة موت يسوع (روم 3:8- 4)، فلم يبقَ لها إلاّ أن تزول بعد أن أدّت مهمّتها. لم نعد بحاجة إليها بعد أن نسخها المسيح: "ولكنّنا الآن تحرّرنا من أعمال الشريعة، لأننا متنا عمّا كان يقيّدنا (أي الشريعة)، حتّى نعبد الله في نظام الروح الجديد، لا في نظام الحرف القديم" (روم 7: 6). ولكنّ التنديد بالشريعة القديمة وممارستها الموسوية لا يعني رفض كل ما فيها من نداء لممارسة المحبّة. في هذا السبيل يقول القدّيس بولس: "فمن أحبّ القريب أتمّ العمل بالشريعة. فالوصايا التي تقول: لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشتهِ، وسواها من الوصايا تتلخّص في هذه الوصية: أحبَّ قريبك مثلما تحبّ نفسك " (روم 8:12-9).
وانطلاقًا من كل هذا نسوق الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: هناك فرق بين فرائض الشرائع المتعدّدة، ولهذا لا نستطيع أن نجعل شريعة الختان، ذلك الواقع اللحمي الذي لا قيمة له في عهد الروح، على مستوى شريعة المحبّة التي تحوي الناموس كلّه. لقد حرّرنا المسيح، فلماذا نستعبد أنفسنا لعناصر الكون. إنّ الشريعة بممارستها الدقيقة المعقّدة وضعت حاجزًا بين المؤمنين، بين اليهودي وغير اليهودي. "أمّا المسيح فجعل اليهودي وغير اليهودي شعبًا واحدًا وهدم الحاجز الذي يفصل بينهمَا، أي العداوة وألغى بجسده شريعة موسى بأحكامها ووصاياها ليخلق في شخصه من هاتين الجماعتين، بعد أن أحلّ السلام بينهمَا، إنسانًا جديدًا" (أف 2: 14- 16). رفض القدّيس بولس الممارسات اليهودية التي تعدّاها الزمن وأبقى على الواجبات المتعلّقة بجوهر الدين: أهربوا يا أحبائي من عبادة الأوثان (1 كور 10: 14)، لأن لا صلة بين الخير والشر، ولا علاقة للنور بالظلمة (2 كور 6: 14- 16). وأبقى أيضاً على الواجبات الأخلاقية كما نقرأها في الشريعة، كما دخل بعضها في الشريعة الجديدة. يكفينا لذلك أن نذكر التمييز بين أعمال الروح من محبّة وفرح وسلام ووداعة وعفاف، وأعمال الجسد من زنى ودعارة وعبادة الأوثان والسحر (غل 5: 19- 23).
الملاحظة الثانية: ولكن القدّيس بولس يشدّد بالأحرى على نقص الشريعة القديمة ويقول إنّها لم تعد على المستوى الذي تقدّمه المسيحية. إنّها جزء لا يتجزّأ من نظام تعدّاه الزمن. فالعهد القديم قد صار جديدًا، وشعب الله لم يعد ذلك المرتبط بنسل وأرض وممارسات. والذبائح المتعدّدة أفسحت في المجال للذبيحة الوحيدة، ولم يعد من عبادة إلاّ العبادة الروحية، والباعث على عمل الفضيلة قد تبدّل واغتنى. لستم ملك أنفسكم، أنتم ملك المسيح. أنتم أعضاء جسد واحد، أنتم هيكل الروح القدس. "إنّ الذين يلتمسون البرّ من الشريعة يقطعون كلّ صلة لهم بالمسيح ويرفضون نعمة المسيح " (غل 5: 4). وإذا كان القدّيس بولس قد عاد فأخذ بعض الشرائع التي قال بها موسى، فلأنّها توافق الديانة المسيحية وأخلاقياتها (كالوصايا العشر وملخصاتها)، فلأنّها تأيدت بسلطة المسيح والرسل والكنيسة.
الملاحظة الثالثة: إذا كانت فرائض الشريعة القديمة قد فقدت إلزامها، إلاّ أنّه يبقى لها قوّة تعليم إلهي يذكره القدّيس بولس عندما يتحدّث عن سموّ الشريعة وقوّة سلطانها. إنّ الشريعة تعطينا أمثولة أولى: تذكّرنا بأنّ الله هو الكائن المطلق الذي يحقّ له كل سجود وعبادة، وبأنّ الإنسان خليقة يجدر بها أن تخضع للخالق خضوعًا غير مشروط. وتعطينا أمثولة ثانية: لعب زمن الشريعة دوره التاريخي كما أراده الله، فكان سندًا للوعد ساعده على الوصول إلى هدفه. زمن الشريعة هو زمن العهد، والعهد مرتبط باختيار الله لشعب أرسله إلى البشرية كلّها. فالعهد لم تكن غايته بذاته، وكذلك الشريعة. فالشريعة كانت طريقًا أخذها الرب فحقّق بها مخطّطه على البشرية كلّها. وتعطينا أمثولة ثالثة: إنّ الشريعة عملت على تربية ضمير شعب إسرائيل بفرائضها ونظمها، فقادته إلى حالة النُضج وجعلته تجاه مسؤولياته أمام الله. لا شكّ في أنّها لم تجعله يشعر بحاجة الضعف التي حدّثنا عنها القدّيس بولس، ولكنّها أعطته معرفة أعمق للخطيئة على ضوء متطّلبات الله. لقد كانت الشريعة مؤدّبًا لنا إلى أن جاء المسيح حتّى نتبرّر بالإيمان (غل 3: 24).
الملاحظة الرابعة: إنّ الشريعة هي كتاب مقدّس مثل سائر أسفار العهد القديم. هُيِّئت ودوّنت على ضوء تعليم الله، فتوجّهت مباشرة إلى الشعب اليهودي، وبقي لنا منها، نحن المسيحيين، مضمون ديني وقيمة تعليمية. إنّها تجعلنا نشعر مسبّقًا بعمل الله النهائي، وتدلّنا على بعض وجهات سر المسيح، كما أنّها تبرز لنا أمورًا ما كنّا لنلاحظها في العهد الجديد لأنّها عديدة ومكثّفة. إنّ الشريعة تشبه قوس قزح والمسيح شمسه. أمّا الحاجة اليها فنسبية، وهي تنتج عن عمى الكائن البشري الذي أفسدته الخطيئة، وعن الفائدة منها لتهيّئ الإنسان لتفهّم سرّ الوحي الذي يحمله إلينا سرّ التجسّد.

2- الكهنوت والعبادة في الرسالة إلى العبرانيين
إنّ نصوص العهد الجديد ترجع إلى أسفار العهد القديم فتورد نصوصها وتؤكّد أبعادها النبوية، وتبيّن أنّها تحدّثنا مسبّقًا عن المسيح. ولقد أورد القدّيس لوقا (24: 44- 47) هذه الكلمات على فم يسوع: "لا بدّ أن يتمّ لي كلّ ما جاء عنّي في شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير. ثمّ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب المقدّسة". ثمّ قال: "هذا ما كُتب فيها وهو أنّ المسيح يتألّم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث وتعلن باسمه بشارة التوبة لغفران الخطايا إلى جميع الشعوب". وأعلن القدِّيس بطرس في أولى خطبه: "أتمّ الله ما أوحى إلى جميع أنبيائه، وهو أنّ المسيح سيتألّم " (أع 3: 18). واستعرض القدّيس بولس الخطوط الكبرى للكرازة المسيحية فقال: "سلّمت إليكم قبل كل شيء ما تلقّيته، وهو أنّ المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب، وأنّه دفن وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب " (1 كور 3:15- 4). وقال أيضاً: "المجد لله القادر أن يثبّتكم في الإنجيل الذي أُعلنه مناديًا بيسوع المسيح وفقًا للسرّ المعلَن الذي بقي مكتومًا منذ الأزل وظهر الآن بمَا كتبه الأنبياء" (روم 25:16- 26؛ رج 1 بط 1: 10- 12). هذا هو اعتقاد الكنيسة الأولى: إنّ الكتب قد بشّرت سابقًا به، وتنبّأت عن موته وقيامته، عن غفران الخطايا وخلاص الوثنيين... وفي هذا الخط تقف الرسالة إلى العبرانيين.
هذه الرسالة كتبها يهودي (يمكن ان يكون أبلوس أو غيره. رج أع 18: 24- 28)، تثقف بالثقافة اليونانية قبل أن يرتدَّ إلى الإيمان المسيحي. انطلق من نصوص العهد القديم كما ردّدتها الكرازة المسيحية الأولى، وأدلى بها كشهادات عن المسيح. وتتميّز هذه الرسالة بأنّها تورد نصوصًا عديدة وطويلة، وتتوقّف عند تفاصيلها وتعلّق عليها تبعًا لتحقيقها في المسيحية. إنّ هم الكاتب في هذه الرسالة هو أن يجد في كل الكتاب المقدّس وفي كل نصّ يورده وجهَ يسوع المسيح الكاهن العظيم للعهد الجديد.
يبدأ الكاتب رسالته فيبيّن سموّ يسوع على الملائكة (عب 1: 5 ي): إنّه الوسيط، ذلك الكائن السامي الإلهي، وهو أيضاً كائن بشري. كان للملائكة دور في وساطة العهد القديم (غل 3: 20)، أمّا الوسيط في العهد الجديد فهو الابن الذي تشبّه بأخوته ليخلّصهم. يورد الكاتب نصوصًا عديدة (2 صم 7: 14؛ مز 2: 5) يدلّ فيها على بنوّة يسوع، على ألوهيته، على تفوّقه على الملائكة بالمجد والكرامة. وبعد ذلك ينطلق من المزمور الثامن فيبيّن أنّ يسوع جُعل أقلّ من الملائكة بصورة مؤقّتة في تجسّده وآلامه، ولكنّه كُلّل لأنّه احتمل الآلام، ثمّ أعطي السلطان على كل الخليقة (عب 2: 5 ي).
وعندما يتطرّق الكاتب إلى كهنوت المسيح (5: 5) يورد نص مز 2: 7 (أنت ابني. أنا اليوم ولدتك) ليثبت أنّ المسيح تقبّل الكهنوت الأعظم من الرب، ثمّ يورد مز 110: 4 (أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق) ليعلن أنّ يسوع كاهن إلى الأبد (عب 5: 4) ويؤكّد الوجهة الكهنوتية للمسيح الملك. ثمّ يتوقّف (عب 7: 1ي) على نصّ سفر التكوين (18:14 ي) الذي يحدّثنا عن ملكيصادق فيلحظ كل السمات التي تشير إليه ويطبّقها على المسيح، لأنّ ملكيصادق هو صورة المسيح. ويبرهن الكاتب أنّ حقيقة هذا الكهنوت الكامل والأبدي تتطّلب معبدًا جديدًا وشعائر عبادة جديدة. حينئذ يورد نصّ إرميا النبي (31 : 31- 36) عن الشريعة الجديدة (عب 10: 16- 17) ليدلّ على أنّ ذبيحة المسيح تقدر أن تغفر الخطايا، بينما لا تقدر سائر الذبائح أن تمحو الخطايا (عب 10: 11). 
ما يمكن أن نقوله بعد هذه العجالة هو أنّ صاحب الرسالة إلى العبرانيين قرأ العهد القديم بعينين مسيحيّتين، فلم تعد التوراة بالنسبة إليه كتابًا يهوديًّا، بل كتابًا مسيحيًّا. قرأ النصوص على ضوء الواقع المسيحي فوصل إلى المعنى الأعمق. انطلق من المعنى الحرفي فوصل إلى المعنى الكامل، وهذا المعنى يستند إلى التناغم بين العهدين القديم والجديد. ما يلفت نظرنا في هذا النهِج هو التشديد على طابع الكتاب النبوي بحيث تصبح التوراة كلّها وكأنّها قول يعلن مسبّقا عن المسيح وعمله.
في هذا الإطار سننتقل إلى القسم الثاني من هذا الفصل فنحدّد ما نعني بالمعنى الحرفي والمعنى الكامل، ثم نبيّن العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، بين الناقص والكامل. 

II- كيف نطالع أسفار العهد القديم؟
في هذا القسم الثاني نبدأ فنورد نصّ المجمع المسكوني الذي يعطينا نظرة الكنيسة إلى العهد القديم وطريقة قراءتها له، ثمّ نتطرّق إلى الوجوه المتعدّدة التي تساعدنا على الدخول في معاني الكتاب المقدّس، ونُنهي بالمبادئ الأساسية التي تقودنا إلى قراءة العهد القديم على ضوء العهد الجديد، وإلى تفهّم وحدة العهدين اللذين يشكّلان مرحلتين متكاملتين في مخطّط الله الخلاصي.

أ- الكنيسة تقرأ العهد القديم
1- مقدّمة
كرّس المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في دستور الوحي الإلهي فصلاً خاصًّا بالعهد القديم، هو الفصل الرابع، فأقرّ آباؤه في مقاطع ثلاثة (14- 16) رأي الكنيسة اليوم في أهمية أسفار العهد القديم وكيفيّة قراءتها.
في المقطع الأوّل (عدد 14) يبحث الآباء في العهد القديم بحدّ ذاته فيقدّمونه للمؤمنين ككتاب وكتدبير خلاصي، ويسردون مراحل هذا التدبير الخلاصي، وينتهوِن بالتشديد على قيمة الكتاب الذي أوحي به إلينا. في المقطع الثاني (عدد 15) نجد عرضَا عن علاقة العهد القديم، كتدبير خلاصي، بالمسيح وملكوته، فنطّلع على الأسباب التي توجب على المسيحيين اعتبار العهد القديم كتابًا مقدّسًا يجدون فيه كلام الله وقاعدة إيمانهم. وفي المقطع الثالث (عدد 16) نطلّع على العلاقة بين كتب العهد القديم كتب العهد الجديد، وعلى طريقة فهم العهد القديم على ضوء العهد الجديد. أجل، إنّ أسفار العهد القديم تجد كامل معناها في العهد الجديد.
يتطرّق المقطع الأوّل إلى تاريخ الخلاص في أسفار العهد القديم فيبحث في الوحي والخلاص والعهد. ويتطرّق المقطع الثاني إلى أهميّة العهد القديم للمسيحيين فيبحث في العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، ثمّ في طبيعة أسفار العهد القديم وحقيقتها، وأخيرًا في أهميّة العهد القديم. ويتطرّق المقطع الثالث إلى وحدة العهدين القديم والجديد فيبحث في ما يربط العهد القديم بالعهد الجديد. يقول القدّيس أغوسطينس: "كان العهد الجديد مستترًا في العهد القديم، فجاء العهد الجديد فرفع عن العهد القديم ما كان يستره ". ويردف قائلاً: "إنّه وإن كان العهد الجديد مستترًا في العهد القديم، وإن تجلّى العهد القديم عبر العهد الجديد، إلاّ أنّ العهد القديم يبعث في أعماقنا خوفًا ورهبة، والعهد الجديد يبعث المحبّة في أعماقنا". أمّا عن الحاجة إلى قراءة حاليّة للعهد القديم فلقد قال آباء المجمع: "إنّ العهد القديم قد اندرج كلّه في الكرازة الإنجيلية فصار جزءًا من الوحي الواحد. وإذا كان العهد الجديد يكمِّل العهد القديم، فالعهد القديم يوضح نصوص العهد الجديد ويفسّرها لنا. وإذا كان العهد الجديد يساعدنا على فهم العهد القديم، فالعهد القديم يساعدنا على التعمّق في العهد الجديد. إنّ العهد القديم يتقبّل نوره من العهد الجديد، فينعكس هذا النور على العهد الجديد ويضيء على عقولنا وأذهاننا لنفهم كلام الله ".

2- نصّ المجمع المسكوني (الوحي الإلهي، عدد 14- 16)
"لقد أراد الله، وأعدّ في محبته الفائقة وعنايته السامية، خلاص الجنس البشري. فاختار لنفسه، بتصرّف فريد، شعبًا يوكل إليه المواعيد. قطع عهدًا مع إبراهيم، ومع شعب إسرائيل بواسطة موسى. وأظهر نفسه للشعب الذي اقتناه، إلهًا واحدًا حقيقيًّا وحيًّا، بالأقوال والأعمال ليختبر إسرائيل طرق الرب مع البشر، وليفهمها يومًا بعد يوم بصورة أعمق وأوضح، ويعلنها على الأمم إطلاقًا مستندًا إلى الكلام الذي فاه به الله بالأنبياء. أمّا تدبير الخلاص الذي سبق فأعلن عنه الكتّاب القدّيسون وأخبروا به وفسّروه، فإنّنا نجده في أسفار العهد القديم ككلمة الله الحقيقية ولذلك تحتفظ هذه الكتب الموحى بها من لدن الله بقيمة ثابتة: لأنّ كل ما كُتب من قبل إنّما كُتب لتعليمنا ليكون لنا الرجاء بالصبر وبتعزية الكتب (روم 15: 4).
"لقد كان تدبير العهد القديم يهدف بنوع خاص إلى تهيئة مجيء المسيح، مخلّص الكل، وإلى الإعداد للملك المسيحاني، فأعلن ذلك على لسان الأنبياء ورمز إليه بصور مختلفة. أمّا أسفار العهد القديم فإنّها تظهر للجميع معرفة الله للإنسان، والطرق التي يتبعها الله الرحيم والعادل ليتعامل مع البشر، وذلك حسب أوضاع الجنس البشري قبل أزمنة الخلاص التي دشّنها المسيح. وهذه الأسفار، وإن احتوت امورًا غير كاملة وزمنية، فهي تكلّمنا على طريقة تربوية إلهية حقيقية. ولهذا فعلى المسيحيين أن يتقبّلوها بورع، لأنّها تعبّر عن المعنى الحي لله، ولأنّ فيها تعاليم سامية عنه، ولأنّها تحوي حكمة خلاصية عن حياة البشر كنوزًا رائعة من الصلوات، وفيها أخيرًا يحتجب سبّر خلاصنا.
"فالله إذًا الذي ألهم أسفار العهدين وألّفها، قد رتّب الأمور بحكمته كي يحتجب الجديد في القديم ويتوضّح القديم في الجديد. فمع أنّ المسيح أمّسى في دمه الميثاق الجديد، غير أنّ أسفار العهد القديم كلّه، وقد تناولتها البشارة الإنجيلية، تكسب كامل معناها وتظهره في العهد الجديد، وبدورها تنير العهد الجديد وتشرحه".
هذا النصّ المجمعي واضح وهو يغنينا عن كلّ شرح، وإذ يمثّل تعليم الكنيسة بفم آباء المجمع، فهو يدعو المؤمنين إلى الأخذ به والعمل بموجبه فيعودون إلى أسفار العهد القديم ينهلون من ينابيعها كما تعوّد أن يفعل الرسل القدّيسون والآباء في عصور المسيحية الأولى.

ب- معاني الكتاب المقدّس
ولكن إذا أردنا ان نتذوّق كلام الله كما ورد في العهد القديم فلا بدّ من قراءته لا كأنّه كتاب قديم فحسب، بل كأنّه كلام جديد يصل إلينا نحن الذين نعرف العهد الجديد. لا نكتفي بالقراءة الحرفية للأحداث، بل نصل إلى القراءة الروحية. وكما انّ الرسل قرأوا حياة يسوع وموته على ضوء قيامته، كذلك نقرأ نحن كل أسفار التوراة على ضوء حياة يسوع وتعليمه وموته وقيامته كما نكتشفها في أسفار العهد الجديد.

1- المعنى الحرفي والمعنى الروحي
يتكلّم القدّيس بولس عن الله الذي مكّننا من خدمة العهد الجديد، عهد الروح، لا عهد الحرف، لأنّ الحرف يميت والروح يحيي (2 كور 3: 6)، فنفهم من كلامه انّ المعنى الحرفي هو تفسير الكتاب على طريقة اليهود، لا على ضوء حياة يسوع وتعليمه، وأنّ المعنى الروحي هو ذلك الذي وصلنا إليه بعد التعرّف إلى وحي سرّ المسيح. إذًا، إن أردنا أن نقرأ العهد القديم نميّز فيه مستويين، يبدو الواحد امتدادًا للآخر وأعمق منه. المستوى الأوّل هو مستوى الحرف والكلمة، مستوى النقد الأدبي؛ والمستوى الثاني هو مستوى الروح الذي يصل إليه المسيحي بعد أن يتجاوز حدود النقد الأدبي ويبلغ إلى ملء معرفة المسيح.

2- المعنى الظاهري والمعنى الباطني
المعنى الظاهري هو الذي يبرز حالاً بعد قراءة النص، أمّا المعنى الباطني فهو داخل المعنى الظاهري وهو خفي على من لا يعرف سر المسيح. فضّلنا تعبير "الظاهري" على "الحرفي" أو "اللفظي" لأنّ الكلام ليس حرفًا نتلفّظ به وحسب، بل كلام يحتوي معنى على مستوى يظهر للقارئ الذي كتب له. وفضّلنا تعبير "الباطني" على الكامل، لأنّ المعنى الباطني يحتوي معنى كاملاً على مستوى الكاتب الذي كتبه.
المعنى الظاهري هو الذي يعبّر عنه الكاتب، فنكتشفه نحن بعد تحليل عناصر النص. مثلاً: تجاه الحالة اليائسة التي تعيشها مملكة يهوذا، تدخّل أشعيا النبي (7: 14) فقال: "ها إنّ العذراء ("علمة" في العبرانية مؤنث "غلام" في العربية وهو الذي نبتت شواربه) تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمّانوئيل ". فهم معاصرو أشعيا أنّ الملكة الصبيّة التي لم تزل بكرًا سيكون لها ولد في شخص الملك حزقيا ابن احاز فتستمرّ سلالة داود على عرش أورشليم. بهذه الطريقة يتدخّل الله من أجل شعبه. هذا هو المعنى الظاهري لهذه الآية التي نقرأها في أشعيا. ولكنّ العهد الجديد سيكتشف المعنى الباطني لهذه الآية على ضوء الترجمة اليونانية للنصّ العبري فيحدّثنا عن يسوع المسيح الذي هو حقًّا "إلهنا معنا" وعن مريم أمّه الذي حبلت به حبلاً بتوليُّا (مت 1 :23).
المعنى الظاهري يتضمّن دومًا بُعدًا لاهوتيًّا لأنّ أسفار التوراة تحوي كلام الله، ويمكننا من خلال قراءتنا للنصّ الواحد على مدى العصور أن نكتشف تدريجيًّا سرّ الخلاص الواحد الذي يتمّ في المسيح. بالنسبة إلى الشعب اليهودي، المعنى الظاهري هو المعنى التامّ للنص ولا حاجة إلى البحث عن معنى آخر، والتوراة كتاب مغلق على ذاته. أمّا بالنسبة إلينا فالمعنى لا يكتمل إلا بالمسيح، والتوراة كتاب مفتوح على المسيح وإلاّ صار حرفًا جامدًا لا روح فيه، حرفًا يُميت ولا يُحيي.
الكتاب المقدّس في عهده القديم قد هيّأ لنا الطريق عبر الأحداث التي ذكرها والأقوال التي وردت على لسان الأنبياء، لننتقل من المعنى الظاهري إلى المعنى الباطني، لنصل إلى سرّ المسيح الذي أوحي إلينا في تمام الأزمنة. يختبر شعب الله سرّ الخلاص في حدث من أحداث حياته، بعبور البحر الأحمر مثلاً، فيتغذّى إيمانه بهذا الحدث الذي يتدخّل الله فيه، ويعبّر بصلاته وحياته عن علاقة الله بشعبه. التعبير صحيح ولكنّه ناقص وسوف يتمّ في شخص المسيح، ونحن ننطلق من هذا التعبير البشري الغامض، نحن البشر، فنرتفع به إلى مستوى سرّ الخلاص الكامل. وكذا نقول عن كلام الأنبياء الذين يجعلون سرّ الخلاص في إطار نهاية الأزمنة، ويعتبرون أنّ كمال حدث الخلاص سيتوّج تاريخ مخطّط الخلاص. لا شكّ في أنّ الأنبياء ينطلقون من ماضي إسرائيل وحاضره ليرفعوا أنظار الشعب إلى نهاية الأزمنة، ولا شكّ في أنّ ما يعرضوه يبقى عرضًا ناقصًا، ولكنّنا نستطيع القول إنّ النصوص التي تركوها تدلّنا بطريقة مباشرة على سرّ المسيح مكمّل الخلاص ومتمّمه. ذكرنا نصّ أشعيا (7: 14) عن الحبل الإلهي، ويمكننا أن نذكر النصوص التي تتعلّق بحياة يسوع وموته وآلامه. ولكنّنا سنعود إلى ذلك في حديث آخر.
المعنى الباطني ليس مغايرًا للمعنى الظاهري. فالكلام عينه نقرأه مرّة أولى فنصل إلى معناه الظاهري وعندما نتعمّق في سرّ الخلاص نصل إلى المعنى الباطني. قلنا إنّ التعبير عن سرّ الخلاص يبقى محدودًا في نصوص العهد القديم، ولكنّ المتأمّل في أسرار الله يكتشف في هذا التعبير الناقص سرّ الخلاص بكليّته بعد أن عرف تمام هذا السرّ في العهد الجديد. 
عندما نقرأ مع سفر الأعمال (4: 25- 28) سرّ صليب المسيح من خلال المزمور الثاني الذي يعني ظاهريًّا حروب الملك المسيح (أي الذي اختاره الرب ومسحه) ومن خلال نشيد عبد يهوه الرابع (أش 13:52- 53: 12) الذي يعني ظاهريًا شخصًا بارًّا، سنتجاوز المعنى الظاهري لكلام الأنبياء، لنكتشف على ضوء الوحي الكامل المعنى الباطني. اجل، لقد دلّت الأحداث أنّ يسوع هو المسيح المنتظر الذي لم يكن ملكه من هذا العالم، وأنّه البار الذي يكفّر عن الخطأة. إن مز 22 هو صلاة يرفعها مؤمن سحقته المصيبة، ولكن لمّا ردّده يسوع على صليبه حمّله معنى جديدًا يرتبط بسرّ آلامه وموته. أنشد موسى نشيد الخروج (خر 15: 1 ي) فغنّى به ظاهريًّا خروج الشعب من مصر، وردّد الشعب هذا النشيد في عيد الفصح من كلّ سنة. ولكن بعد ان ذُبح المسيح فصحنا (1 كور 5 :7) ألقى سرّ الخلاص الذي تمّ في المسيح في نهاية الأزمنة بضوئه على هذا النصّ فأعطاه كمال معناه كما تستغلّه الليتورجيا المسيحية ليلة عيد الفصح.
اختبر المؤمن في العهد القديم حضور الرب قرب المؤمن، فعبّر عن هذا الحضور بصورة الرب الراعي الذي يجعل المؤمن يتأكّد أنّه لا يحتاج إلى شيء (مز 23: 1 ي) أو بعبارة الرب الذي هو نور في الليل وخلاص في الضيق فلا يخاف المؤمن ولا يفزع (مز 27: 1 ي). وعندما يأتي يسوع يسمّي نفسه الراعي الصالح (يو 10: 11) ونور العالم (يو 9: 5). ما تأمل فيه شعب الله تحقّق في شخص المسيح، ولهذا نقرأ المزامير على ضوء حياة المسيح وتعليمه.
واختبر المؤمن حالة البرارة وما ينتج عنها من فرح: هنيئًا لمن نُسيت معصيته وسُترت له خطيئته. هنيئًا لمن لا يحسب الرب عليه إثمًا (مز 32: 1- 2). فأخذ القدّيس بولس بهذا النص من العهد القديم فدلّ على أنّ المؤمن يتبرّر مجّانًا (روم 4: 5- 8). وأعلن مز 143: 2: لا تحاكمني أنا عبدك، فما من حيّ يتبرّر أمامك، فقال القدّيس بولس (روم 3: 20): لا يتبرّر بشر أمام الله إذا عمل بأحكام الشريعة. واختبر شعب العهد القديم بنوّة الله بطريقة مغلفة فأعلن عنها العهد الجديد بطريقة واضحة. قال الرب: إسرائيل ابني البكر (خر 23:4)، أحببته في مصر ومن هناك دعوته (هو 11: 1)، وقال أيضاً: أنتم أولاد للرب إلهكم (تث 14: 1)، والرب أبوكم (تث 6:32). ولكنّنا نبقى هنا في المعنى الظاهري إن لم نسمع القدّيس بولس يقول لنا: أرسل الله ابنه... لنحظى بالتبنّي... فلست بعد عبدًا بل ابن (غل 4: 4- 7). ما قالته أسفار العهد القديم نقرأه على ضوء العهد الجديد فنصل إلى المعنى الباطني الذي أراده الروح عندما أوحى إلى البشر بطريقة تدريجية مخطّط الآب الخلاصي الواحد.

ج- المبادئ الأساسية لقراءة العهد القديم
إذا انطلقنا من أسفار العهد الجديد، يمكننا أن ندلّ على المبادئ الأساسية التي تساعدنا على فهم العهد القديم. العهد الجديد كمال العهد القديم وتمامه. العهد الجديد يتجاوز العهد القديم ويتخطّاه. العهد القديم يصوّر العهد الجديد ويمثّله فيبدو وكأنّنا ننظر إليه.
1- العهد الجديد كمال العهد القديم وتمامه
أوّلاً: تمَام الأزمنة
تمّ الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالبشارة (مر 1: 15). بهذه الكلمات استعمل يسوع رسالته فاستعرض الأوقات والأزمنة التي حدّدها الله بسلطانه (أع 1 :7) ليحقق مخطّطه على الأرض. إلى المسيح كان زمن التهيئة، الزمن الذي فيه تغاضى الله بصبره عن الخطايا الماضية (روم 3: 25) والذي سيبلغ نهايته. أمّا بعد المسيح فقد تمّ الزمان واكتمل (غل 4: 4 ؛ أف 1: 10)، وجاءت نهاية الأزمنة (1 بط 1: 20) التي سيتجلّى الرب فيها. لمّا كان يسوع على الأرض وسط شعبه حضر به الزمن الذي وعد به الله الآب وأعطيت علامات الملكوت لمن له أذنان سامعتان (مت 13: 9)، لمن عرف زمن مجيء الرب ( لو 44:19 ؛ مت 3:16).
ولاهوت الزمان هذا لا يجعل المسيح حاضرًا في التاريخ البشري فحسب، بل يحدّد موقع التاريخ بالنسبة إلى المسيح. هذا اللاهوت يدلّ على وجود وقت تهيئة قد انقضى في الزمان الذي سبقه، ويدعونا إلى أن نميّز في الأقوال النبوية المتعلّقة بالأزمنة الأخيرة مرحلتين: مرحلة التدشين والبداية وفيها كلام الأنبياء، ومرحلة الكمال والانقضاء وفيها تتحقّق ذبيحة الخلاص ودخول المسيح في المجد وإعطاء الروح القدس للبشرية المفتداة. إنّ مخطط الله يتحقّق على مراحل، كل مرحلة ترتبط بسابقتها، كل مرحلة تهيّئ الطريق للاحقتها. وكما أنّ ما قام به يسوع خلال حياته على الأرض سيتمّ في نهاية الأزمنة عندما تنضمّ اليه البشرية المفتداة في مجده، كذلك ما قالته أسفار العهد القديم تمّ في ما عمله يسوع وقاله خلال حياته على الأرض.

ثانيًا: تمام الشريعة
ما جئت لأحلّ الشريعة والأنبياء، بل جثت لأكمّل (مت 17:5). هكذا بدأ يسوع عظته على الجبل، هكذا بدأ اعلانه للشريعة الجديدة. لقد انطلق من حرف الشريعة فوصل إلى روحها. البرّ في التقليد اليهودي ناقص، فعلى بر الملكوت أن يتفوّق على بر الكتبة والفرّيسيين (مت 5: 20)، لأنّ الشريعة الجديدة التي أعطاها الله للبشر تدعوهم إلى الكمال على مثال الآب السماوي (مت 48:5). فمن عمل بهذه الشريعة لا يكتفي بالوصايا والأحكام القديمة، بل يدفع الشريعة الى كمال كانت تجهله فيمَا مضى. ويحدّد يسوع فكرته عن الشريعة عندما يربطها بمحبة الله ومحبّة القريب (مت 22: 40). إذًا في المحبّة كمال الناموس، في العهد الجديد ستأخذ المحبّة أبعادها الكاملة في قلب الشريعة، كل الوصايا ستنتظم في الشريعة بالنسبة إلى المحبّة.
هذا من الوجهة الأخلاقية والدينية للشريعة. ولكنّ الشريعة تحوي أيضاً سلسلة من الأحكام تحدّد النظم التي تصبو لتجعل من إسرائيل شعبًا بارًّا مقدّسًا ولكنّ هذه الشريعة كانت أعجز من أن تمنح الناس البرّ (روم 8: 3- 4). أمّا تدبير الخلاص الجديد المؤسّس على ذبيحة المسيح فهو سيمنح البرّ للبشرية بالإيمَان. حينئذ تتحقّق أمنية الشريعة في السالكين في سبيل الروح لا سبيل الجسد.
وإذا نظرنا إلى الأمور من زاوية أخرى، رأينا أن شعائر العبادة كانت تهدف إلى جعل الذين يتقرّبون بها إلى الله كاملين (عب 10: 1)، ولكنّها لم تقدر. أمّا المسيح، فبقربان واحد جعل الذين قدّسهم كاملين إلى الأبد (عب 10: 14). وهكذا أتمّ العهد الجديد ما نزع إليه التدبير القديم، وما هيّأ له العهد القديم كمّله العهد الجديد.

ثالثًا: تمام الكتب
"كيف تتمّ الكتب التي تقول إنّ هذا ما يجب أن يحدث " (مت 26: 54)؟ لقد انطلق يسوع من الكتب ليشرح لتلاميذه معنى آلامه (مت 26: 31؛ لو 37:22؛ يو 18:13) وقيامته، وسار الرسل على خطاه فأعلنوا أنّ الكتب تمّت في حياته وموته وقيامته وفي عطية الروح لشعب الله وفي بنيان الكنيسة (أع 16:2- 21؛ 23:13- 27).
تمام الكتب يتعدّى تحقيق ما تنبّأ به الأنبياء، وأسفار التوراة تحوي مع النبوءات نصوصًا تشريعية وحكمية أوردها كتّاب العهد الجديد (يو 36:19؛ مت 15:2).
أجل، إنّ الزمان والتاريخ والشريعة بكلّ أحكامها القانونية وشعائر العبادة فيها، توجّه أنظارنا إلى المسيح وإلى التدبير الخلاصي الذي جاء به إلى الأرض. انّ مخطّط الله كما نعرفه اليوم كان ناقصًا في العهد القديم فصار كاملاً في العهد الجديد. ومبدأ التمام يعلّمنا أن نكتشف هذا المخطط عبر الأسفار المقدّسة، وقد أوحاه الرب إلى البشر بطريقة تدريجية تربوية.

2- العهد الجديد تجاور العهد القديم وتخطّاه
إنّ مبدأ العهد القديم قي العهد الجديد يفترض أنّ العهد الجديد تخطّى وتجاوز كلّ ما حواه العهد القديم من نقص. فحقيقة الخلاص وشخص المسيح يتجاوزان الآفاق التي فتحتها أمامنا مواعيد الأنبياء المحدودة النظر، وهي لم تكلّمنا عن ابن الله الوحيد الذي صار أيضاً إنسانًا. أجل، لقد تخطّى العهد الجديد العهد القديم في ما قالته الكتب، وتخطّاه بالأخصّ في ما هو ترتيب ديني بحيث إنّ بعض تنظيماته تجاوزها الزمن فألغيت. إنّ يسوع جعل سلطته الخاصة تحلّ محلّ سلطنة القدماء. لقد نبّه الكتبة والفرّيسيين إلى واجب ممارسة شريعة موسى ممارسة صريحة وخالصة (مر 7: 1- 13 ؛ مت 15: 1- 5)، ولكنّه أفهم تلاميذه في عظة الجبل أنّ سلطة موسى والسنن التي أعلنها لم تعد تشكّل قاعدة حياة لهم. "قالوا لكم، أمّا أنا فأقول لكم ".

أوّلاً: نهاية زمن تربية الله لشعبه
"كانت الشريعة مؤدّبًا لنا إلى مجيء المسيح، فلمّا جاء الإيمان تحرّرنا من حراسة المؤدّب " (غل 3: 24- 25). هذا الكلام للقدّيس بولس يفهمنا دور الشريعة الإيجابي وقد قادتنا إلى المسيح وأهّلتنا لسماع الإنجيل. ويُفهمنا أيضاً دورها السلبي وعملها المؤقّت والذي لا يدوم على مثال دور المؤدّب الذي يدوم ما دام الابن قاصرًا. لقد حرّرنا يسوع فلم نعد عائشين بحراسة المربّي. بالإنجيل دخلنا نظام الحرّية الذي يليق وحده بأبناء الله. أجل، لم نعُد في حكم الشريعة، بل في حكم نعمة الله (روم 14:6)، لقد تحرّرنا من عبودية الشريعة وممارساتها فلا يليق بنا بعد أن نعود إلى نير العبودية (غل 5: 1).
والشريعة التي يتحدّث عنها القدّيس بولس ليست الوصايا التي تتلخّص في المحبّة، بل شعائر العبادة التي كانت الديانة اليهودية ترى فيها ينبوع كل برّ وقداسة. إنّ الخلاص لا يؤسّس على ممارسات، بل على الإيمان بيسوع المسيح (غل 3: 10- 14). والتدبير الذي عرفه شعب العهد القديم سيدخل في تاريخ الخلاص العامّ. والشريعة التي عمل بها الشعب اليهودي أضيفت من أجل المعاصي إلى أن يجيء النسل الذي جعل الله له الوعد (غل 3: 19). والعهد المبني على وعد الله المجاني لإبراهيم والذي تمّ في يسوع المسيح (غل 3: 15- 18) لم يعد له ما يبرّره بعد أن تجاوز نظامُ الإيمَان نظامَ الشريعة وتخطّاه في نعمة الرب يسوع.

ثانيًا: عبور من الحرف إلى الروح
ليس نظام الشريعة نظامًا نهائيًّا، لأنّه يطلب من الناس أن يمارسوا سُنَنًا وأحكامًا، ولا يعطيهم إمكان ممارستها، فيظهر عجزه عن تبريرهم. كانت الشريعة "حرفًا" كتبه الله على الواقع من حجر فظّلت خارجة عن قلب الإنسان. وبمَا أنّ القلب لم يتغيّر فالشريعة لم تثمر ثمار الحياة بل ثمار الموت (2 كور 3: 3- 7؛ روم 7: 5- 6). أمّا المسيح فقد أعطَى لنا روح الرب الذي يقودنا (روم 8: 14- 16) ويوجّهنا إلى شريعة يكتبها الله ويحفرها في قلوبنا فتحمل إلينا الحياة التي يعطيها الروح القدس.
إنّ الرباط بين نظام ونظام، بين عهد قديم وعهد جديد، نعبّر عنه بالشريعة والنعمة، بالعبودية والحرّية، ونعبّر عنه بالحرف والروح، وبالموت والحياة. لقد تحرّرنا بالمسيح من الشريعة حتّى نعبد الله في نظام الروح الجديد، لا في نظام الحرف القديم (روم 7: 6). بعد أن تكوّنت علاقات جديدة بين الله والإنسان فالزمن قد تجاوز العهد القديم وألغاه، والعهد الجديد يدخل محلّه بصورة نهائية (عب 8: 6- 13).
ثالثًا: عبادة لا تقدر أن تقدّسنا
إذا تطّلعنا إلى الأمور من زاوية العبادة، رأينا أنّ هذه العبادة تعبّر عن علاقة الناس بالله، وأنّها تقدّسهم وتصِلهم بالله الحي. هذا ما هدفت إليه العبادة في العهد القديم، ولكنّ الناس لم يحصلوا على ما وعدت به هذه العبادة: لم يكن الله ليرضى عنها (عب 10: 5؛ مز 7:40- 9) لأنّها أعجز من أن تطهّر الناس من خطاياهم (عب 10: 1- 4).
أمّا ذبيحة يسوع، كاهننا العظيم، فقد رضي الله بها يوم دخل قدس الأقداس (عب 9: 11- 12)، وكان الذبيحة وكان الكاهن، وصار لنا مصدر خلاص أبدي (عب 5: 9؛ 9: 12)، وقدّسنا بجسده الذي قدّمه قربانًا (عب 10: 10). فعلَ يسوع هذا فأبطل نظام العبادة القديم (عب 10: 9) وأبان أنّ العبادة الحقّة هي التي يقول بها هو، لا تلك التي يقول بها كهنوت اللاويين الذي هو ظلّ كهنوته (عب 8: 5 ؛ 10: 1).

3- العهد القديم صوّر العهد الجديد ومثّله
كيف نوفّق بين مبدأين يبدوان وكأنّهما يتعارضان: مبدأ الوحدة والتخطّي، مبدأ الاستمرارية والانقطاع؟ نقول إنّ الوحي في العهدين واحد، ومع ذلك فالعهد الجديد يتعدّى العهد القديم. نقول إنّ مخطط الله يستمرّ من عهد إلى عهد ولكن بحضور المسيح يبدو العهد الجديد وكأنّه منقطع عن العهد القديم. الجواب على سؤالنا نجده في هذا المبدأ الثالث الذي يتضمّن المبدأين الأوّلين، وهو مبدأ التصوير والتمثيل. فالعهد القديم يحتوي سننًا أخلاقية حافظ عليها العهد الجديد بعد أن أتمّها، وقد كان لها دورّ إيجابي بالنسبة إلى النظمِ الجديدة. ويتضمّن عناصر عفا عنها الزمن كان لها دور تربوي وقد انتهى الآن. يورد أحداثَا تاريخيّةً أعلنت بطريقة خفيّة تحقيقَ الخلاص في الأزمنة الأخيرة.

أوّلاً: التوازي بين العهدين
هناك نصوص عديدة في العهد الجديد تشدّد على التوازي بين العهدين. فيسوع نفسه فسّر معنى موته انطلاقًا من عهد سيناء ( لو 22: 20) وأعلن أنّ الفصح القديم سيتمّ في ملكوت الله ( لو 18:22)، فأفهمنا أنّ الخلاص الذي تمّ لبني إسرائيل فاحتفلوا به، والعهد الذي يتبع هذا الخلاص، يرسمان لنا مسبقًا ملامح ذبيحة الملكوت.
وتبع الرسل طريق المعلّم، فماثل بطرس بين يسوع وحمل الفصح (1 بط 1 :19؛ رج 1 كور 5 :7) وبين الكنيسة وشعب الله في سيناء (1 بط 9:2). ولمّح متّى إلى أنّ يسوع هرب من غضب هيرودس كما هرب موسى من غضب الفرعون (3:2، 19- 20)، وأنّ الرب دعا ابنه يسوع من مصر كما دعا ابنه البكر، أي شعبه، في القديم (2: 15). وكتب لوقا عن ولادة يوحنّا المعمدان التي تشبه ولادة شمشون (1: 13- 15) أو إيليا (1: 17)، وعن قوّة الله التي تنزل على مريم فتظلّلها كما كانت تظّل خيمة الاجتماع (37:1). ذهبت مريم لزيارة نسيبتها أليصابات فبدت وكأنّها تحمل تابوت عهد جديد ( لو 1 :43؛ 2 صم 9:6). انتصر يسوع في البرّية على التجربة. أمّا الشعب فسقط فيها (4: 1 ي). وعلى الصليب صوّر لنا المزمور (22: 1 ي) عبد يهوه المتألّم (مت 27: 41- 43). وخطب اسطفانس في المجمع، فوازى بين يوسف بن يعقوب ويسوع المسيح وكلاهما اضطهده إخوته (أع 7: 9- 13)، وبين موسى ويسوع (أع 7: 25، 35- 39). أمّا في إنجيل يوحنّا فنجد موازاة بين يسوع وسلّم يعقوب (1: 5)، بين يسوع والهيكل (2: 21)، وحيّة النحاس (3: 14) والمنّ (6: 32- 33) والصخرة في البرية (37:7- 39) وحمل الفصح (1: 29، 19: 36). وقصارى الكلام أنّنا نقرأ في العهد القديم صورًا رُسمت قبل الوقت لتعبّر عن أحداث وقعت في العهد الجديد.

ثانيًا: صور العهد الجديد في العهد القديم
"حدث لهم ذلك ليكون لنا مثلاً وهو مكتوب ليكون لنا عبرة نحن الذين انتهت إليهم أواخر الأزمنة" (1 كور 10: 11). أعلن القدّيس بولس هذا المبدأ واستنتج منه تطبيقات أخلاقية نجدها في تاريخ شعب الله. إنّ خلاص العبرانيين عبر البحر الأحمر كان معمودية، والمنّ طعامًا روحيًّا، ومياه الصخرة شرابًا روحيًّا، وهذه الصخرة هي المسيح. أجل، إنّ لأشخاص الماضي وأحداثه مدلولاً بالنسبة إلى المستقبل المتعلّق بنهاية الأزمنة التي دخلنا فيها مع المسيح. إنّ هذه الصور المرسومة كانت تتضمّن السرّ الآتي وتحمل جزءًا من الحقيقة التامّة.
وهذا المبدأ الذي قال به القدّيس بولس لا يقتصر على صورة آدم الذي هو رمز المزمع أن يأتي (روم 5: 14؛ 1 كور 1: 45- 49) وعلى الرمز المؤسّس على امرأتي إبراهيم وولديه اللذين يمثّلان عهدين ومدينتين وشعبين: مدينتنا هي أورشليم العليا، وإسحق، ابن الوعد، هو الذي يمثّلنا نحن المؤمنين. كل هذه الرموز نقرأها بين سطور التوراة فتعلن لنا مسبّقًا الحقيقة الآتية في ملء الزمان.
يمكننا أن ننطلق من الصورة فنصل إلى الحقيقة، ويمكننا أن ننطلق من الحقيقة، لنصل إلى الصورة. اخذ القدّيس بولس بالطريقة الأولى، أمّا القدّيس بطرس فأخذ بالطريقة الثانية إذ انطلق من المعمودية فصوّرها بألوان السفينة التي بناها نوح لينجو فيها من الطوفان (1 بط 3: 20-21). وكذلك فعل صاحب الرسالة إلى العبرانيين الذي انطلق من ذبيحة المسيح ودخوله "قدس الأقداس" فرسمها على ما رأى في الهيكل وعند الكهنة في العهد القديم. إنّ العبادة المسيحية تتضمّن الصورة لتلك الحقيقة السماوية والآتية في آخر الأزمنة (عب 9: 11، 10: 1)، أمّا العبادة القديمة فليست إلاّ نسخة وصورة عن العهد الجديد، ورمزًا إليه. هذا الإعلان المخفي عن المستقبل كان ولا شكّ ناقصًا، لم يكن إلاّ ظلّ الحقيقة، ولكنّه، رغم كل شيء، كان يحمل مدلولاً إيجابيًّا وقد شدّد بطريقة إيجابية على حضور خفيّ للعهد الجديد ضمن العهد القديم، وعلى وحدة مخطط الله الذي تحقّق على مرحلتين.
تلك هي المبادئ الثلاثة التي وضعها كاتبو العهد الجديد فاستند إليها الآباء ليبنوا لاهوتًا ويقدّموا تعليمًا. أما يجدر بنا، نحن المسيحيين اليوم، أن نأخذ بهذه المبادئ فتكون الأسفار المقدّسة لتعليمنا نحن الذين بلغنا تمام الأزمنة!
القسم الثالث
شعب إسرائيل منذ بدايته
إلى الإسكندر الكبير

أشرنا في القسم السابق إلى الإطار التاريخي الذي دوّنت فيه أسفار التوراة، وها نحن نتوسعّ في هذا التاريخ منذ زمن القبائل حتّى الإسكندر الكبير.
يتضمّن هذا القسم ستة فصول:
الأوّل: المؤرّخون ووثائقهم.
الثاني: زمن القبائل.
الثالث: امتلاك الأرض.
الرابع: المُلكية الموحّدة: شاول، داود، سليمان.
الخامس: المُلكية المقسّمة: إسرائيل ويهوذا.
السادس: من نبوكد نصر إلى الإسكندر الكبير.
قد يخيب أمل القارئ إن لم يجد هنا تعليم التوراة ولا وجهاته اللاهوتية والفلسفية العميقة. فالتاريخ السياسي هو أمر بشري مع كل ما يحدّد شعبًا يعيش على أرض محدّدة في الكون. ونحن لا نستعمل النصوص التوراتية إلاّ بقدر ما تقدّم لنا معطيات جغرافية وسوسيولوجية وتاريخية. وسيكون لأسماء العلم المركز الأوّل. وحين نتحدّث عن الشخصيّات الكبيرة، لن نتوقّف عند نفسيتهم وروحانيتهم. فهدف التاريخ السياسي أن يحدد موضع حياة البشر في شعب يتكوّن وسط انشدادات داخلية، وحياة هذا الشعب الذي يتصل بسائر الشعوب والثقافات. فالكتّاب الملهمون تكلّموا كتبوا لأناس يعيشون في مجتمع أكان قبيلة أم دولة أم مملكة. ونحن لا نستطيع أن نفهم هؤلاء الناس إلاّ إذا تصوّرنا الأحداث التي واجههوها في محيطهم اليومي. من أجل كل هذا، نتوسّع الآن في التاريخ السياسي لشعب إسرائيل، منذ زمن القبائل حتّى دخول الإسكندر الكبير إلى الشرق. أمّا ما يتبع هذا التاريخ فنجده في القسم الذي يدخلنا إلى العهد الجديد.
الفصل الحادي عشر
المؤرّخون ووثائقهم

يُعتبَر هذا الفصل مدخلاً إلى تاريخ شعب إسرائيل السياسي، وهو يقدّم لنا الإطار العام والمنهج، كما يفتح أمامنا باب المراجع القديمة.

أ- المؤرّخون
هناك طريقة لتدوين التاريخ وتصوّر أحداثه. وللتوراة طريقتها الخاصّة. فهي تقدّم لنا تسلسل الأحداث وأخبارًا متّصلة وشميلات تاريخية كما في أسفار الملوك والأخبار. ولكنّ التوراة انتقلت إلى المجمع والكنيسة بشكل شريعة ونبوءة، ولم تهتمّ بالفضولية التاريخية. لقد عالجت تاريخ شعب إسرائيل بأفكار مسّبقة، وأرادت أن تقدّم الأحداث في إطار لاهوتي.

1- في العصور القديمة
كان اليونانيون أصحاب فضول تاريخي، ولكنّهم لم يهتمّوا بيهوذا الصغيرة إلاّ بصورة هامشية وعابرة. هذا ما حدث لهيرودوتُس (القرن الخامس ق. م.) وأرسطو، وتيوفرستيس وكليارك السولوي. حوالي السنة 300 ق. م. خصّص هيكاتيس الأبديري صفحة طويلة لليهود في كتاب سمّاه "مصريّات". ضاع الكتاب، ولكنّ ديودورس الصقلّي (مؤرّخ في القرن الأوّل ب. م.) احتفظ بهذه الصفحة. عاد هيكاتيس إلى مراجع لا توراتية، وأظهر اعتباره لموسى ولتشريعه، غير أنّه انتقد طريقة حياة اليهود الانطوائية والمتعصّبة. وزاد معطية مفيدة: تبلبلت ممارساتهم التقليدية وتشوّهت في أيّام الفرس والمكدونيين أي بين القرن السادس والقرن الثالث ق. م.
ودُوِّنت "مصريّات" أخرى على يد المصري مانيتون في القرن الثالث ق. م.، بناء على طلب الملوك البطالسة. وكان ذلك يوم كان بيروسيويس، ابن بلاد الرافدين، يدوّن للسلوقيين "البابليات". تحدّث مانيتون عن الخروج وماثله مع طرد الهكسوس (أو الملوك الرعاة) الذين تسلّطوا على مصر في القرن السابع عشر ق. م. سار على خطى هيكاتيس، فنسب هذا الطرد إلى نجاسة حلّت باليهود الذين اصيبوا بالبرص. مزج مانيتون أحداث السلالة المصرية الثامنة عشرة (أمينوفيس، تحوتمس) والسلالة التاسعة عشرة (سيتي، رعمسيس). نشير إلى أنّ كتابه لم يصل إلينا إلاّ عبر ملخصّات نقلها المؤرّخ اليهودي يوسيفوس في القرن الأوّل ب. م.
وتألّفت كُتُب خلال القرن الثالث ق. م.، محورها التاريخ اليهودي البيبلي، وتواجه هذا التاريخ مع ما كتبه اليونانيون والمصريون والبابليون. كان ديمتريوس (نعرفه بواسطة أوسابيوس القيصري) يهوديًا مثقّفًا بالثقافة اليونانية ومهتما بتسلسل الأحداث. ففي كتابه "عن ملوك يهوذا"، حَسب تواريخَ الخلق والخروج، فجاءت أرقامه كما في التوراة السبعينيّة. وهو يجعل سقوط السامرة (721 ق. م.) في زمن الملك الأشوري سنحاريب، فيما هو قبله بعشرين سنة. وفي القرن الثاني ق. م. كتب أوبوليمس عن "ملوك يهوذا". كان يهوذا المكابي قد أرسله سفيرًا إلى رومة حوالي سنة 160 ق. م. (1 مك 17:8 ي ؛ 2 مك 4: 11). دوّن أوبوليمس تاريخًا ينطلق من آدم ويصل إلى ديمتريوس (الملك السلوقي 161- 150) معاصره.
ويذكر اوسابيوس القيصري (القرن الرابع ب. م.) كتابًا مغفلاً "حول نبوءة إيليا" يبدأ بموسى وينتهي بسليمان. يخلط بين فرعون الذي عاصر سليمان (القرن العاشر) وخفرع الذي عاش في القرن السادس وعاصر دمار الهيكل لا بناءه. وهناك مقطوعة سامرية نُسبت إلى أوبوس فواجهت المعطيات البيبلية بتقاليد العالم الوثني. واعتبرت أنّ أطلس هو أخنوخ الذي اهتمّ بعلم الفلك، كما تقول الكتب المنحولة، وأنّ إبراهيم أدخل علم الفلك لدى الفينيقيين. ولكنّ أرطبان (مؤرّخ يهودي سابق للمسيحية) يعتبر أنّ إبراهيم أدخل علم الفلك إلى مصر، ويوسف الزراعة، وموسى عبادة الله. ويماثل بين موسى وربَّة الفن، ويُعطي أسماء مطبوعة بالطابع اليوناني للفراعنة الذين عاصروا هؤلاء الأشخاص.

2- تاريخ اليهود وتاريخ الكون
إذن نلاحظ اهتمامين اثنين: الأوّل تسلسل الأحداث والثاني إقحام التقاليد البيبلية في نموّ الحضارات. فنتج عن هذا في القرن الأوّل ق. م. مؤلّفات وثنية هامّة لا نعرف منها إلاّ مقاطع وصلت إلينا عند كتَّاب يهود أو وثنيين. وُلد أبولونيوس المولوني في كارية (آسية الصغرى). دوَّن كتابًا "عن الجهود" امتدحه بلوتارخس، ولكن يوسيفوس اعتبره معاديًا لليهود. كان مع بوسيدونيوس الأفامي أوّل من اتّهم اليهود بالقتل الطقسي لإنسان: يذبح اليهود كلّ سنة رجلاً ويأكلون لحمه فيعبّرون عن بغضهم للجنس البشري. ودهش أبولونيوس مثل هيكاتيس من اليهود، لأنّهم يرفضون أن يندمجوا مع الآخرين. يقول أبولونيوس: جاء جد إبراهيم من أرمينيا. من إبراهيم وُلد اسحق الذي منه الأسباط الاثنا عشر وبينهم يوسف. لقد خلط بين إسحق وبين يعقوب- اسرائيل، ونسي أنّ إسحق يتوسّط إبراهيم ويعقوب.
وكان الاسكندر بوليهستور، من ميلتيس، من آسية الصغرى. ألفَ بين سنة 85 وسنة 35 ق. م. كتابًا "عن اليهود". عاد إلى سابقيه واستعمل اقوالهم بحرية فانطلق من البدايات. فماثل بين نوح وكسيسوتروس (أتراحاسيس) البابلي. عرف برج بابل وطوفان أوجيجيس أوّل ملك في أتيكس (حيث توجد أثينة)، وهو الذي سترتبط أسطورته بسنديانة ممرا حيث ينصب إبراهيم خيامه (تك 18: 1 ي، يوسيفوس). عاش إبراهيم سنة 1020 وقبل الألعاب الأولميية الأولى (776 ق. م.). وكان الخروج بعد ذلك الوقت بقليل. ويتابع الكتاب خبره حتّى يصل إلى سقوط أورشليم.
كتب أبيون (خصم فيلون أمام كاليغولا سنة 40 ب. م. كتب يوسيفوس ضدّه كتاب: ضدّ أبيون) "مصريّات" فاتبع مانيتون حين تحدّث عن سفر الخروج، وهزئ بعوائد الهيكل، وتهجّم على يهود الاسكندرية. أمّا في "القديميات البيبلية"، فنجد تاريخًا دوّنه فيلون المزعوم، وهو يهودي مجهول عاش في القرن الأوّل ب. م.. إعتمد على نصّ التوراة من آدم إلى موت شاول، وكملّه بتوسيعات مدراشية ذات هدف ليتورجي.
ودوّن نقولاوس الدمشقي، مستشار هيردوس، "التاريخ العام" في 144 كتابًا مع لمحات عن الطوفان وعبور إبراهيم في دمشق. ولكنّنا لا نعرف من هذا المؤلّف الضخم إلاّ مقاطع استعملها يوسيفوس في "القديميات اليهودية".
بعد حرب السنوات 66- 70 ب. م. التي انتهت بدمار الهيكل، أحسّ اليهود بالحاجة إلى إعادة كتابة تاريخهم. هذا ما فعله يوستوس من طبريا الذي عاد إليه فوتيوس بطرك القسطنطينية في القرن التاسع. ولكن لا نعرف ما كتبه يوستوس إلاّ من خلال انتقاد يوسيفوس له.
بعد أن كتب يوسيفوس "الحرب اليهودية"، كتب "القديميّات اليهودية" بالطريقة التي فيها كتب ديونيسيوس الهاليكرناسي "القديميات الرومانية". أمّا هدفه فإدخال الشعب الروماني في التقاليد اليهودية. أراد أن يعمل عمل المؤرّخ، فتجنّب الأسلوب الأستعاري الذي أخذ به فيلون الاسكندراني. إلتصق بمراجعه ولاسيّمَا بالتوراة، وعاد إلى ارطبان وتوسيعاته المدراشية. كان إبراهيم عالمًا فلكيًا، وموسى ضابطاً في الجيش المصري حارب ضدّ الأحباش. ويأخذ يوسيفوس بالمعجزة لاسيّمَا وأن قرّاءه لا يعارضونها، ولكنّه يبرز متطّلبات فلسفية وعقلانية. ويقبل بالقول إنّ موسى كتب عن موته الخاص، ولكنّه يتوقّف عند الاختلافات البيبلية حول احتلال أورشليم بيد بني إسرائيل أو حول العلاقات بين شاول وداود. نستطيع أن نأخذ الشيء الكثير من "القديميات اليهودية" ولكن بحذر لاسيّمَا حين نكون أمام الأرقام والأعداد. إنّ المسيحيين نسخوا مرارًا نصوص يوسيفوس وأوصلوها الينا من دون نقد ولا تمحيص.
وبنى يوليوس الأفريقاني (170- 245 ب. م.) تاريخًا موزَّعًا على 6000 سنة. لم ينطلق من إبراهيم أو داود، بل من كورش الفارسي مستفيدًا ممّا تركه له ديودورس الصقلّي. واتّبع بوليهستور فجعل الطوفان في أيّام أوجيجيس (سنة 2262 من خلق العالم) والخروج في سنة 3707. إستعمله أوسابيوس (+ 340) وانتقده، وجعل الطوفان في سنة 2242، كما تقول السبعينية لا في سنة 2262 كما يقول يوليوس. ويناقش أوسابيوس في "كرونيكون" (أحداث دوّنت حسب تسلسلها) النظمَ الكرونولوجية لدى الأمم المختلفة (الأشوريون، العبرانيون، المصرين، اليونانيون، الرومانيون)، ويقدّم مراجعه دون أن يرتبط بفلسفة التاريخ. وهذا ما سيقوم به اغوسطينس الذي ألفّ "مدينة الله" لمسيحيين زعزعهم سقوط رومة على يد ألاريك سنة 410. وسيُعطينا تلميذه أوروسيوس معلومات هامة في كتبه السبعة ضد الوثنيين. أمّا أيرونيموس فقد قدّم لنا ترجمة "كرونيكون" أوسابيوس إلى اللاتينية.

3- القرون الوسطى
لم يكن للاتين في القرون الوسطى وسائل تساعدهم ليدفعوا بالبحث التاريخي إلى الامام، فظلّوا مرتبطين بالأعمال السابقة ينسخونها ويُعيدون نسخها في الأديرة. فاليهود كالمسيحيين يتبعون المعنى الحرفي للبيبليا وليس في أيديهم الوسائل ليبحثوا عن آثار الماضي. تعلّق اليهود بالشريعة كشريعة، واعتبروا أنّ النصوص والنظم هي تاريخية. أمّا المسيحيون فلهم مشاكلهم مع التوراة. إنّهم يبحثون في البنتاتوكس عن تاريخ خلاص ورموز. كتب باديوس الموقّر (راهب ومؤرّخ إنكليزي 672- 735) "التاريخ الكنسي للأمّة الانكليزية" وإيسيدورس أسقف إشبيلية (560- 636) "البدايات" فقدّما لنا تاريخًا عامًا كانت البيبليا مرتكزَه، ومقدّمة لتاريخ الكنيسة. ثمّ إنّه خلال القرن التاسع، إهتم الكتّاب لا بالتاريخ العام، ولا بتاريخ شعب إسرائيل، بل بالتاريخ الوطني المكتوب على طريقة سلوستيوس ( 86- 35 ق. م.) وسواتانيوس (القرن الأوّل القرن الثاني ب. م.) المؤرخَين الرومانَيين.
وعمل الخطّاطون في الشرق البيزنطي، وتابع رهبان جبل آتوس عمل رهبان بيزنطية. اعتمد الآباء على البيبليا من أجل الفكر اللاهوتي. ولم يظهر البحث التاريخي إلاّ في مكتبة عالم من العلماء مثل البطريرك فوتيوس. لقد انتقل العلم إلى العالم الإسلامي الذي سيُبرز انطلاقًا من القرن الثالث الهجري (العاشر المسيحي) التراث الهلّيني.
كان العالم العربي يهتمّ بالأنساب القبلية، ويُقصر عمله على التاريخ العربي المحض. أمّا مع اليعقوبي (+ 897، "كتاب البلدان") والطبري (+ 923، "تاريخ الأمم والملوك ") والرحّالة الكبير المسعودي (+ 956، "مروج الذهب ومعادن الجوهر")، فقد بدأ العرب يكتبون التاريخ العام. وستمتدّ هذه الدروس التاريخية حتى القرن الثالث عشر مع سبط ابن الجوزي (1186- 1257، "مرآة الزمان في تاريخ الأعيان"، من البدء حتى سنة 1256) وابي الحسن علي ابن الاثير (1160- 1234، "الكامل في التاريخ"، من البدء حتى سنة 1236). يرتبط هذا التاريخ بما يقوله القرآن، لا بما تقوله التوراة (التي تُعتبَر نصاً مزوّرًا) عن شعب إسرائيل. ومع ابن خلدون (1332- 1406) ومقدّمته الشهيرة سيكون لنا تفسير سوسيولوجي للتاريخ.
وبرزت الاهتمامات التاريخية من جديد في الغرب المسيحي. فتوسعّ اوتو ده فرايسنغن في فكرة تقوله إن الحضارة انتقلت من الشرق إلى الغرب. أمّا اليهود الشرقيون أكانوا مثل سعاده أم ابن مأمون لاهوتيين وفلاسفة أكثر منه مؤرّخين، فقد جادلوا في التاريخ لا مع العرب وحسب، بل مع اليهود القارئين الذين يرفضون التقاليد التلمودية ويحتفظون بالتوراة. وانتقلت الشعلة إلى العالم اليهودي الغربي فدوّن كاتب مغفل "يوسيفون" (نسبة إلى يوسيفوس) في القرن العاشر، واستعمل بطريقته الخاصة مؤلّفات يوسيفوس. وقدّم ابن عزرا في إسبانيا وراشي في شمبانيا (فرنسا) ملاحظات قيّمة عن التوراة والمجتمع الذي تفترضه شرائعها.

4- النهضة وبداية النقد التاريخي
وتحوّل اهتمام المؤرّخين في القرن السادس عشر من الشميلات عن عهود العالم وعن الاسكاتولوجيا، وتعلّقوا بالأركيولوجيا (علم الآثار) وتحليل النصوص ولاسيّمَا النصوص اليونانية. هذا ما فعله نقولا الكوسي الذي بحث مراحل تأليف القرآن. ثمّ هاجم آراسمس الأساطير التي تحيط بالقديسين ومؤسسي الممالك. أمّا في العالم الكتابي، فأيدي العلماء اهتمامهم بفقه اللغات اليونانية وتحليل نصوص العهد الجديد. منذ سنة 1477 طبعوا في بولونيا (إيطاليا) التوراة العبرانية، ثمّ في البندقية سنة 1516، ولكنهم ظلّوا يهتمّون بتاريخ الكنيسة أكثر منه بتاريخ شعب إسرائيل. ولكنّ أساليب جديدة بدأت تتوضّح. فهل يمكن أن تصل بنا إلى شيء إيجابي؟
وأعمل الفكر نقده في الكرونولوجيا (أو تسلسل الاحداث في التاريخ)، ولكنّ النتائج كانت سلبية، ثمّ في النقد الأدبي فدفع ريشار سيمون الثمن بسبب تهوّره. ووضع سبينوزا أسسًا ممتازة لدرس الشرع في شعب إسرائيل، ولكنّ تحاليله لم تساوي غراماطيقه، بل وصلت إلى المفارقة التالية: ما إن نقل العبرانيون حقّهم إلى ملك بابل، حتّى توقّف ملكوت الله وحق الله. وتخلّص الإنكليزي بريدو (في القرن الثامن عشر) من النظرة القانونية واللاهوتية وانتقد مراجعه (أرستيس، يوسيفوس) في ثلاثة اجزاء تبدأ مع تجلت فلاسر الثالث وتصل إلى المسيح، ولكنّه ظلّ مقيّدا بتتابع الأسفار البيبلية. انصدم العقلانيون والإلهانيون ممّا يقدّمه نص التوراة من غرائب، أمّا المؤمنون (مثل بوسويه الأسقف الفرنسي) فقد أحسّوا نفسهم مُجبرين بأن يكتبوا التاريخ العام انطلاقا من الكتاب المقدّس.

5- البيبليا والاستشراق
أراد الشرّاح أن يكتبوا تاريخًا حقيقيًا لشعب اسرائيل، فوجب عليهم أن ينتظروا ليحدّدوا موقع إسرائيل وتوراته في إطار الحضارات الشرقية. ومثلُ هذا العمل لا يتمّ بإمكانيات التاريخ اليوناني (هيكاتيس، ديودورس). ولكنّه صار ممكنًا بعد أن سافر ميشو ونيبوهر إلى الشرق، وقام استروك وايخهورن بالنقد البيبلي، وحلّ برتلامي (اللغة الفينيقية) وشمبوليون (اللغة الهيروغليفية) وغرتفاند وسميث (مسمارية بلاد الرافدين) رموز اللغات القديمة. ومنذ سنة 1829 فتح ميلمان الباب للسوسيولوجيا واعتبر أنّ الأخبار الثلاثة التي فيها يعتبر إبراهيم (تك 12: 10- 20؛ 20: 1 ي) سارة أخته، وإسحق رفقة أخته (تك 26: 6 ي)، ترتبط بتقليد واحد رُوي بطرائق مختلفة. أخذ حذره من العالم الفائق الطبيعة ومن المعجزة، ولكنّه اعتبر أنّ شرائع البنتاتوكس ترتبط بموسى. وحين كتب غراتز "تاريخ اليهود منذ الزمن القديم إلى الزمن الحاضر" (1859- 1875)، لم يتوقّف عند تمر التقليد القانوني في البنتاتوكس.
ولكنّ ايوالد أخذ بعين الاعتبار هذا التطوّر في "قدم الشعب اليهودي" (1866)، واعتبر أنّ بين موسى وتدوين أسفار التوراة مسافة. وتبعه ولهاوزن (مع غراف كونن) فأعطى إطارًا ثابتًا لتاريخ إسرائيل بتحليلاته للتشريعات المتعاقبة في البنتاتوكس ومعرفته بالعالم العربي القديم. أهدى كتابه "مقدّمة إلى تاريخ إسرائيل" (1883) إلى ايوالد، وكتب أيضاً "تاريخ إسرائيل" (1878) و"التاريخ الإسرائيلي واليهودي" (1894). لا شكّ في أنّه لم يعرف أن يقدِّر تقاليد الآباء، كما أنّه لم يحافظ على التوازن بين الوقائع وعرض الوقائع (فرض عليها آراءه)، ولم يفهم قيم حياة الفترة اللاحقة للسبي فاعتبرها انحطاطاً بالنسبة إلى التيّار النبوي. ولكنّه أبرز تطوّر الشرائع في داخل البنتاتوكس، كما بيّن العلاقات بين تدوينات الشريعة والتيار النبوي. أقرَّ بدور موسى، وأبرز استقلالية القبائل بعضها عن بعض قبل تأسيس الملكية.
كان ده واتي قد بيَّن في بداية القرن التاسع عشر أنّ سفر التثنية هو كتاب الشريعة الذي يتكلّم عنه 2 مل 22- 23، أمّا ولهاوزن فأجلى الخطوط الرئيسية لتاريخ إسرائيل السياسي دون أن يدرك القيم الدينية. وستأتي الاكتشافات الأركيولوجية فتخفّف من حدة تأكيداته ولاسيّمَا في ما يتعلّق بقِدم العادات والشرائع.
بين الحربين العالميتين توضّحت الكرونولوجيا في مصر وبلاد الرافدين انطلاقًا من سنة 1500 ق. م.. وتوضّحت متتاليات الأركيولوجيا الفلسطينية من زمن البرونز القديم إلى العهد الفارسي. وظل التردّد كامنًا في النصف الأوّل من الألف الثاني في بلاد الرافدين (التي قد يكون عاش فيها الآباء) وفي المملكة المصرية القديمة (الألف الثالث). وبما أنّ الأركيولوجيا الفلسطينية لا تعطي تواريخ مطلقة، وجب على العلماء أن يحدّدوا موقع الأدب البيبلي في إطار الشرق الأوسط. فحصلنا في هذا الإطار على شميلات ذات قيمة كبيرة: دينوايه: تاريخ الشعب العبري (1922- 1930) في ثلاثة اجزاء. كيتال: "تاريخ شعب إسرائيل" (1925)، وندر ورست: "إسرائيل والشرق القديم" (1929، طبعة ثانية)، ريشيوتي: "تاريخ إسرائيل". لودس: "إسرائيل منذ البدايات حتى القرن الثامن" (1930)، "أنبياء إسرائيل وبدايات اليهودية" (1935).

6- أين وصلت الدراسات اليوم؟
هناك مسائل مهمّة لا تزال عالقة، فلم يتمّ الاتفاق بين العلماء حول تاريخ إسرائيل. فالاختلافات كبيرة في ما يخصّ البدايات وفي قيمة المراجع المتعلّقة بزمن داود وسليمان. وإليك بعض الأمور.
أوّلاً: يعتبر البعض أنّ باستطاعته أن يتبنّى تسلسل الأحداث حسب نظام الأسفار التوراتية (مثلاً: ناهر). وفي هذا الخط ينسب آخرون (ينتمون إلى مدرسة كوفمان) إلى الزمن الموسوي مجمل النظم الكهنوتية (مثلاً: سفر اللاويين). ولكنّ معظم الاختصاصيين يعتبرون هذه النظم متأخّرة الظهور.
ثانيًا: هناك تيّار مختلف يقبل النتائج التي تبنّاها النقد البيبلي، ولكنّه يعتبر أن الأركيولوجيا تثبت تاريخية التوراة انطلاقًا من إبراهيم. البرايت (من العصر الحجري إلى المسيحية، 1941، "التوراة والأركيولوجيا في فلسطين"، 1951)، رايت ("الأركيولوجيا البيبلية"، 1957، "أركيولوجية فلسطين"، 1961)، كالر ("انتزاع التوراة من الرمال"، 1963)، مازار مع كتّاب عديدين ("التاريخ العالمي للشعب اليهودي، الآباء"، 1971، 1981)، ميلار ووايزمان ("محاولة في أخبار الآباء"، 1980).
ثالثًا: وهناك تيّار آخر يرفض أي اعتبار للمعطيات الأركيولوجية ويتوقّف عند تاريخ التقليد. غونكل ("سفر التكوين"، 1910)، ألت ("كتابات صغيرة"، 1962 في أربعة أجزاء) نوت ("دراسات الإرث التاريخي"، 1943، "الإرث التاريخي في البنتاتوكس "، 1948، "تاريخ إسرائيل "، 1954). فون راد ("المسألة التكوينية في الهكساتوكس أو الأسفار الستة"، وهي تك، خر، لا، عد، تث، يش، 1958)، ماك كان ("دراسات في أخبار الآباء"، 1979). دوِّنت هذه التقاليد في وقت متأخّر، وراح بعض العلماء يرفض رسمة ولهاوزن فينزلون إلى القرن السادس طبقات البنتاتوكس القديمة. تومسون ("تاريخية أخبار الآباء"، 1974، "الأخبار عن يوسف وموسى"، 1977)، شميد ("التقليد اليهوهي، ملاحظات وأسئلة في عالم البنتاتوكس"، 1976)، رنتدورف ("مسألة الإرث التاريخي في البنتاتوكس"، 1977)، فان ساترس ("إبراهيم في التاريخ والتقليد"، 1975). أمّا في دورة الأباء فالأساطير تتغلّب على الوقائع.
رابعًا: ودخلت الدراسة السوسيولوجية في التاريخ باسم فلسفات وعقليات مختلفة. وتبع التاريخ الانشدادات الداخلية والخارجية التي تعكسها أسفار التوراة. كان كوس قد وضع المعالم ("من المجموعة الإتنية إلى الجماعة الدينية"، 1937). أمّا وابر فأبرز العوامل الاقتصادية ("العالم اليهودي القديم"، 1970). ونستطيع اليوم أن نقرأ محاولات ماندنهال، كلافانو، دومورتيه، ميراندا، فيانر، غوتوالد، ليفراني وده فو.
أراد هيات أن يخفّف حدّة التوتّر فقابل بين الطرائق التي استعملها الكتاب. شدّد مندنهاك على وحدة العالم السياسي الذي ظهر فيه إسرائيل، وغرنبرغ على وحدة إسرائيل في زمن الاحتلال. وكلاهما قدّر موقف ده فو الذي اعتبره هاييس وميلرتلفيقيا. بهذه الطريقة يحمي التقليد الكتاب ويبنيه في الوقت ذاته. ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار العبادات المحليّة والتقاليد التي تبرّر هذه العبادات. فالإتنوغرافيا (علم الإثنيات والشعوب) ودراساتها على عوائد القبائل وتنقلاّتها هي عنصر هام. وأخيرًا، تعطي الأركيولوجيا إطارًا عامًا للتوسّعات الثقافية والمدنيّة، ولكنّ لها حدودها. وهناك أقلّه حالتان (العي، أريحا) لا نستطيع أن نفسّرهما دون الرجوع إلى التقاليد.

7- شميلات حديثة
لقد حاول ده فو أن يطبّق هذه المبادئ في كتابه "تاريخ إسرائيل القديم" الذي توقَّف قبل تأسيس الملكية بسبب موته. لقد أخذ بعين الاعتبار البيئة، ثمّ تتبعّ المراحل البيبلية: الآباء، الخروج، الإقامة في كنعان، زمن القضاة.
أمّا "تاريخ إسرائيل في زمن العهد القديم " الذي كتبه هرمان وقدّمه إلى ألت واعتبره هاييس وميلرتلفيقيًا، و "تاريخ إسرائيل حتى ابن الكوكب " الذي كتبه غوناواغ، فكانا قصيرين. خصّص كلاهما الثلث الأوّل من الكتاب للفترة السابقة للملكية، ورجعا إلى تحرّكات الشعوب في الشرق القديم.
وبعد أن درس فوهر، تنم إسرائيل كدولة في إطار الشرق القديم، نشر"تاريخ إسرائيل حتّى أيامنا"، وكرّس ثمانية فصول (من أصل تسعة) للتاريخ البيبلي.
كتب هاييس وميلر "تاريخ إسرائيل ويهوذا" فجاء الكتاب موسَّعًا ومستنِدا إلى الوثائق. وأخيرًا دوّن العلماء اليهود "تاريخ الشعب اليهودي في الزمن القديم"، فعادوا إلى أركيولوجية البلاد وإلى معطيات الشرق القديم.

ب- المراجع
في أيدينا مراجع متنوّعة تساعدنا على الاطّلاع على التاريخ السياسي لإسرائيل القديم. لهذه المراجع قيمتها ولكنّ النسبة التاريخية تختلف بين مرجع وآخر.

1- المجموعة البيبلية
كثيرًا ما تعود المجموعة البيبلية إلى معطيات تاريخية.
أوّلاً: قيلت أقوال الأنبياء بالنسبة إلى ظروف يعيشها الشعب. ولكنّ هذه الظروف ليست دومًا واضحة. وقد دوِّنت هذه الأقوال بواسطة الأنبياء. مثلاً: أش 8: 16، إحفظ الشهادة، أي الوثيقة التي تتضمّن أقوالاً عديدة لتبرزها في الوقت المناسب. إجعل التعليم في مكان مغلق وسلّمه إلى تلاميذي. ونقرأ في أش 8:30، وقال الرب لأشعيا: أكتب الآن ذلك على لوح أمام أهل أورشليم، أرسمه في وثيقة ليكون في المستقبل شهادة دائمة. ولكن التقطها تلاميذ الأنبياء مرارًا وجمعوها. هناك أقوال تدلّ على أسلوب النبي ونفسيته واهتمامه، وهناك أخرى دوِّنت بعد الأحداث. تلك هي حالة الأخبار التي نقرأها في إر 44:34.
ثانيًا: إذاً دوِّنت أخبار متسلسلة عن حياة الأنبياء، عن حياة إرميا، عن حياة أشعيا (ف 36- 39)، كما دوِّنت نبذات قصيرة عن هذا النبي أو ذاك (عا 7: 10- 17). ونملك أيضاً "دورات" مؤلّفة من مشاهد متلاحقة تتعلّق بالملوك (خلافة داود رج 2 صم 13- 20 ؛ 1 مل 1- 2). أو بأسلاف هؤلاء الملوك مثل الآباء (إبراهيم، رج تك 12- 24) والقضاة (جدعون، رج قض 6- 9). فيبقى على المؤرّخ أن يحدّد بُعد وهدف هذه الدورات التي تقدِّم لنا أخبارًا متقطّعة.
ثالثًا: وللتشريعات أيضاً قيمة تاريخية عظيمة. فهي تتجاوب لا مع أحداث منعزلة، بل مع البُنى الإجتماعية التي تعاقبت في حياة شعب إسرائيل. مثلاً: إنّ قانون العهد (خر 24:20- 19:23) لا يعرف الملك. أمّا سفر التثنية فيقدّم لنا شريعة ملكية (تث 17: 14- 20). وإنّ هذه القوانين تستعيد المسائل عينها ولكن بطرق مختلفة. مثلاً: القتل. نقرأ في خر 21 : 12- 13: "من ضرب إنسانًا فمات فليُقتل قتلاً، فإن لم يتعمّد قتله، بل وقع صدفة في يده، فهو يستطيع أن يلتجئ إلى مكان أدلّك عليه". ونقرأ في تث 19: 4 ي: "من قتل صاحبه عن غير عمد وهو غير مبغض له في السابق، يستطيع أن يلجأ إلى إحدى هذه المدن فينجو بحياته ". مثلاً: هذه حالة رجل ذهب إلى الغابة مع صاحبه ليقطع الحطب. إن انفلت الحديد من العصا فأصاب صاحبه فمات، فهذا يلجأ إلى إحدى هذه المدن... فلا يجب على الإنسان الموكّل بالانتقام (أو وكيل الدم) أن يسعى في طلب القاتل عند اضطرام غضبه ويدركه لبعد الطريق ويقتله. فلا يُقتل صاحب الحادث لأنّه لم يكن مبغضاً لصاحبه. وقال عد 35: 9 ي: "عيّنوا لكم مدنًا تكون مدن ملجأ، إليها يهرب القاتل الذي لم يتعمّد القتل... إن كان ضربه بآلة حديد فمات فهو قاتل... وإن ضربه بحجر رماه بيده فمات فهو قاتل... وإن قذفه بآلة من خشب... إن صدمه ببغض أو ألقى عليه شيئًا متعمّدًا... إن ضربه بيده عن عداوة...". وتتحدّث هذه القوانين أيضاً عن وضع العبيد (خر 21: 1- 11؛ تث 15: 12- 18 ؛ لا 25: 35- 46)، عن راحة السبت (خر 23: 12، ليستريح حمارك، وثورك، والعبد، والغريب، 34: 21، تتوقّف عن الحرث والحصاد، لا 3:23، في يوم السبت تجتمعون إكرامًا لي، تث 12:5- 15، ليستريح عبدك ولا تنسى أنّك كنت عبدًا في مصر)، وعن سائر النظم.

2- وثائق من خارج التوراة
تُحيلنا التوراة دومًا إلى معطيات جغرافية: البلدان، الجبال، الوديان، الأنهر، المدن... ويجب أن نعتبر هذه الجغرافيا وكأنّها مرجع أوّل لتاريخ الشعب الذي أقام فيها وعاش. ولكن قد يكون للاسم قيمة رمزية. مثلاً: مدينة نينوى التي تتطّلب ثلاثة أيّام لاجتيازها (يون 3:3). غير أنّه لم يكن من نينوى رمزية لو لم تُوجد نينوى حقيقية. نحن اليوم نعرف نينوى كما نعرف معطيات الجغرافيا البيبلية: البحار (البحر المتوسط، البحر الميت، خليج العقبة)، مجرى الأردن، تلال السامرة، وديان يزرعيل والعربة، برية يهوذا . المناخ هو هو ونظام الأمطار لم يتبدّل كثيرًا. تعاقبت الاحتلالات من رومانية وبيزنطية وعربية وحافظت المدن والقرى على أسمائها. ولكنّنا لا نستطيع أن نحدّد موقع كل منها بالسهولة التي نحدّد موقع أورشليم أو السامرة أو عكّا. وهكذا نقول أيضاً عن المناطق، مثل جلعاد في عبر الأردن، وصحراء النقب الذي في جنوبي يهوذا.
تُذكر هذه الأسماء في نصوص سبقت التوراة أو عاصرتها: فراجع مصر وبلاد الرافدين وأوغاريت وجبيل... تبدو إطارًا تاريخيًا وثقافيًا للتوراة. وها نحن نعدّد اهمها.

أوّلاً: الوثائق المصرية
الوثائق المصرية كثيرة وهي تعود إلى ما قبل اكتشاف الكتابة الهيروغليفية (حوالي 3000 ق. م.) وهي تذكر فيما تذكر أرض كنعان وشاطئ آسية.
فالملوك والقوّاد الذين قاموا بحملات في آسية دوّنوا ذكرياتهم. فاسم شكيم محفور على نُصب أقامه أحد قوّاد ساسوتريس الثالث (حوالي 1800- 1750). وإلى هذا العهد ترجع "نصوص اللعنات": نجد على تماثيل صغيرة "اللعنة" العتيدة على أمراء فلسطين الذين يحملون الخطر إلى السكان. وتعطي هذه التماثيل اسماءهم الساميّة وأسماء مدنهم (مثلاً: أورشليم). كان هؤلاء الأمراء يهدّدون البلاد، وها هم يحتلونها. فهؤلاء "الأمراء" الآتون من "بلدان غريبة" (من هنا اسمهم "الملوك الهكسوس" في لغة مصرية مهلينة) إحتلّوا مصر من سنة 1750 إلى سنة 1580 ق. م. وبعد أن طردهم فرعون "المملكة الحديثة"، أرسل جيوشه إلى آسية فوصلوا إلى الفرات. بعد هذا تصبح الوثائق وافرة وتتكاثر أسماء العلم. فلسطين هي "حورو" (والحوريون هم شعب غير سام). وهناك "كنعان" أي الأرض المنخفضة، "وأمورُ" (أمور هي المنطقة الجبلية). ومند القرن السادس عشر ق. م.، التقى الضبّاط المصريون في وادي يزرعيل وغيرها من أماكن، بـ "عبيرو" (أو العبرانيون)، "شوشو" (بدو من بني شيت، عد 17:24 ؛ رج تك 25:4-26). ويتحدّث رعمسيس الثاني في القرن الثالث عشر عن موآب، وخلفه منفتاح عن أدوم وإسرائيل (حوالي سنة 1220 ق. م.). وحوالي سنة 1180 تغلّب رعمسيس الثالث على "شعوب البحر" الذين يشكّل الفلسطيّون جزءاً منهم. أقام هؤلاء الفلسطيون على الشاطئ فتسمّت البلاد باسمهم. حينئذ أخذت مصر تضعف بسبب الهجمات الآتية من لبيبا وبسبب الخلافات الداخلية. وسنجد آثارًا قليلة للحضور المصري حوالي السنة 1150. وبعد هذا ننتظر حملة شيشانق الأوّل (حوالي 925) الذي ترك لنا لائحة بأسماء المدن التي احتلّها في شمال إسرائيل وجنوبها.
وبالإضافة إلى النصوص المحفورة والحوليات، ترك لنا زمان رعمسيس وثائق على البرديات (كتابة هيرية) مهمّة جدًّا. وقد استُعملت لتدريب الكهنة: لائحة باسماء علم وكلمات يجب حفظها، نموذج لرسائل، طريقة التعامل مع الاسيويين. ثمّ هناك نصوص أدبية: مشاهد من حياة فرعون، ملاحم تنشد انتصاراته (رعمسيس الثاني في معركة قادش على العاصي)، تعليمات عن طريقة الحكم (قرار الوزير)، تعليم عن طرق آسية وأخطارها بشكل حوار حي.

ثانيًا: الوثائق المسمارية
نجد هذه الوثائق في بلاد الرافدين وسورية وآسية الصغرى. يُكتب النص بمسمار يدخل في لوحة من الطين أو تُحفر حروفه على الحجر القاسي. وكما أنّ البلاد مشتّتة ومتشعّبة، جاءت هذه الكتابة على صورتها. ولا يجب أن ننسى أنّ الثقافة المسمارية تسلّطت على سورية ولبنان وفلسطين خلال الألف الثاني ق. م. (وقد وُجدت لوحات في الجنوب، في جازر)، قبل أن تسيطر الأبجدية. وتتضمّن هذه اللويحات لائحة أسماء وعقودًا ومقاطع ملحمية، فتقدّم لنا نظرة عن النشاط البشري في ذلك الزمان.
ولكنّ أهم الوثائق المسمارية لم تُكتَشف في أرض كنعان بل في إبله وماري...
منذ سنة 1974 بدأت البعثة الإيطالية عملها فاكتشفت 16000 لويحة من الأرشيف تعود إلى الألف الثالث (2400- 2300)، وذلك في إبله تلك المدينة الملكية المزدهرة. قد يخبرنا هذا الأرشيف الكثير عن هذه المدينة السورية (هي تل المرديخ وتقع جنوبي حلب)، ولكنّ الاتفاق لم يتمّ بعد بين الاختصاصيين.
ويعلمنا أرشيف قصر ماري على الفرات الذي دمرِّ حوالي سنة 1750 ق. م. بحضارة الأموريين ونشاطهم. كان الأموريون ساميين من الغرب وقد وصلوا إلى كنعان قبل شعب إسرائيل (حز 16: 3؛ تك 15: 16). يتضمّن هذا الأرشيف أوراقًا إدارية ورسائل تبادلها ملك ماري مع الأمراء الأغراب وضبّط المملكة. وهو يرينا تحركات قبائل البدو وأنصاف البدو الذين يدورون في فلك العواصم الصغرى (الحانيين، سوتو، عبير). وسَّعت مدينة ماري تجارتها فامتدت إلى حاصور، في الجليل، ولكنّها لم تصل إلى مصر.
وهناك أرشيف مدينة حاتوسا، عاصمة المملكة الحثية في آسية الصغرى، وهي التي استولت على بابل ونهبتها في القرن السادس عشر وامتدت إلى سورية مُجبرة المصريين على التراجع، كما سيطرت على مدينة أوغاريت (راس شمرا) الغنية. دُمرت أوغاريت على يد شعوب البحر في نهاية القرن الثالث عشر ق. م.، فاكتشف فيها العلماء الأرشيف العام والمكتبات الخاصة والنصوص الدينية التي تُلقي ضوءاً على الديانة الكنعانية. أمّا أرشيفها العام فيلتقي بوثائق حاتوسا ويبيّن لنا كيف كان تنظيم عاصمة سامية صغيرة. أمّا أكثر سكّان أوغاريت فهم من الحوريين، ذلك الشعب غير السامي الذي نزل من حبال الكوكاز (أو القفقاس). إصطدم الحثيون بهؤلاء الحوريين وبمملكة ميطاني التي تحكمها أرستوقراطية هندو أوروبية على شاطئ الفرات. توجَّه الميطانيون إلى الهند والحوريون إلى شرقي دجلة (ارشيف نوزو، تبعد 13 كلم إلى الجنوب الغربي من كركوك في العراق). ولكنّ بعض هذين الشعبين سيتوجّهون إلى الجنوب على حدود مصر.
كان تل العمارنة عاصمة مؤقتة للفرعون أمينوفيس الرابع في النصف الأوّل من القرن الرابع عشر وقد وُجد في هذه العاصمة المصرية رسائل مسمارية. نحن أمام 380 وثيقة تشتمل خاصة على رسائل دبلوماسية تبادلها الفرعون مع ملوك كبار (بابل، ميطاني، الحثيون، قبرص) ومع ملوك سورية ولبنان وفلسطين التابعين له. يحمل هؤلاء الملوك أسماء سامية وهندو أوروبية وحورية. ومنهم ملك أورشليم عبدي-هابا. وتشير الرسائل إلى عبيرو الذين يهاجمون هؤلاء الملوك التابعين لملك مصر.
بعد هذا، نجد حوليات ملوك أشور (الفترة الاشورية الوسطى). وصل أحد ملوك أشور إلى لبنان قبل اندفاع الحثيين نحو المنطقة. وانطلاقًا من القرن الرابع عشر تقاتل الأشوريون مع الحثيين كما تقاتلوا مع قبائل أحلامي في سورية الذين سيظهر بينهم في القرن الثاني عشر الأراميون القريبون من بني إسرائيل (تث 26: 5).
وغابت القوة الاشورية خلال قرنين من الزمن، وانحطت قوة بابل ومصر والحثيين. ولكن عاد الأشوريون ابتداء من القرن التاسع ق. م. فقاموا بحملاتهم العسكرية. وصل أشور بانيبال الثاني (883- 859 ق. م.) إلى سورية ولبنان. وفي سنة 853 اصطدم شلمنصر الثالث بحلف من الأعداء (بينهم أحاب الإسرائيلي كما تقول حوليات الملك الأشوري) عند قرقر على نهر العاصي.
وتضاعفت التقارير. ففي سنة 840 نعرف أنّ ياهو دفع الجزية لشلمنصر أسّس ياهو سلالة جديدة ولكن الحوليات تسمّيه "ابن عمري" (والد أحاب). كان يوآش ملك إسرائيل من سلالة ياهو، فتحرّر حوالي سنة 800 من تسلط أراميّي دمشق عليه بمساندة هدد نيراري الثالث، ملك أشور. ولكن منذ سنة 743 تقدّم تجلت فلاسر الثالث (745 - 727) (رج 2 مل 15: 29) تقدّمًا صاعقًا، فتحالف أرام وإسرائيل، ولكن المملكتين دُمرتّا. وبفضل حوليات هذا الملك وبفضل اللوائح التي تعطي سنة بعد سنة اسم الموظّف الحامل اللقب الملكي، نستطيع أن نتبع عن كثب السياسة الدولية في أيّام أشعيا. ففي أيّام هذا النبي، احتلّ سرجون الثاني (722- 705) السامرة، وحاصر سنحاريب (705- 681) أورشليم والملك حزقيا. وتحدّث أسرحدون (681- 669) وأشور بانييال (669- 630) عن منسّى ابن الملك حزقيا. في ذلك الوقت هجم الأشوريون على مصر واحتلّوا ممفيس وطيبة (أي نوآمون المذكورة في نا 8:3).
وبعد سنة 638- 637، صمتت حوليات الأشوريين الكبرى، ولكن بقيت لنا كتابات عن خلفاء أشور بانيبال الضعاف، ووثائق خاصة مؤرّخة تتيح لنا أن نتتبعّ نهاية مملكة أشور. إنّها "الكرونيكات (مجموعة أخبار) البابلية الجديدة" التي تعود إلى نبو فلاسر (626- 605) ونبوكد نصر الثاني (605- 562) والتي تقدّم لنا أفضل الإيضاحات عن السياسة الدولية. وإحدى هذه الكرونيكات تعطينا التاريخ المضبوط لأوّل سقوط لمدينة أورشليم: 2 اذار من السنة السابعة لنبوكد نصر (16 او 17 اذار سنة 597 ق. م.). بعد هذا يبدأ عهد صدقيا، آخر ملوك أورشليم.
وهناك وثائق بابلية أخرى تخبرنا عن اسر يوياكين الملك الصغير الذي خُلع عن عرشه، وعن خلفاء نبوكد نصّر. في أيّام اويل مردوك (562- 560) استعاد يوياكين كرامته. أمّا نبونيد (556- 539) فسيخلفه كورش، الملك الفارسي الذي سيسمح للمنفيين سنة 539 بالعودة إلى بلادهم وتنظيم شعائر العبادة في أورشليم. وكتابات ملوك فارس هي عديدة ولا سيّمَا كتابات داريوس (522-486) الذي سيأذن لليهود بإعادة بناء الهيكل. كان هذا إذن إحدى وجهات السياسة الدينية لدى الاحمينيين أمثال داريوس وارتحششتا. أمّا اللغة الإدارية فلم تكن الفارسية بل الأرامية التي فيها دوّنت الوثائق والرسائل والفرائض التي وُجدت في مصر (الفنتيين، هرموبوليس) وفي وادي الأردن. إنّ هذه الكتابات تعطينا بعض اللمحات عن حياة الجماعات اليهودية في العالم في القرنين الخامس والرابع.

ثالثًا: المراجع السامية الغربية
هِناك أوّلاً الكتابات الأرامية في عهد الفرس، وقد ذكرناها. وهناك مراجع أخرى قصيرة تبدأ في نصف الألف الثاني ق. م. وبعد اكتشافات الأبجدية. ويبدو أنّ أقدم شاهد على ذلك هو الكتابات السينائية الأولى التي نجد بعض آثارها في كنعان. هي كتابات قليلة لم تُحل بعد رموزُها بطريقة مرضية. وهناك لويحات أوغاريت (14000- 1200) العديدة والتي توصّلنا إلى قراءتها والتي تكمّل الوثائق المسمارية التي ذكرناها آنفًا. إنّها تُلقي ضوءًا على أساطير الكنعانيين وآدابهم، لا على الأحداث البيبلية. أمّا أبجدية اوغاريت، فسيصل إشعاعها حتى أرض كنعان.
ظهرت الأبجدية الفينيقية في القرن الثاني عشر ق. م. وسيستعملها بنو إسرائيل وجيرانهم من أرام وعمون وموآب وادوم. كتابات قصيرة وقليلة: يهيملك، أحيرام، ابيبعل، ايليبعل من جبيل. أمّا كتابات القرن التاسع فتهم المؤرّخ البيبلي: بن هدد من دمشق (1 مل 18:15)، ميشع، ملك موآب (2 مل 3: 4 ي)، زكور من حماة، خصم ابن هدد بن حزائيل (2 مل 8: 8 ي)، كيلاموا من صمعل قرب كركميش على الفرات. 
وفي القرن الثامن، زمن تجلت فلاسر الثالث وأشعيا، بقيت لنا الكتابات التالية: ازيتوادا في كيليكية، متائيل من ارفاد في سورية، فنامو وبرّكوب، وارثا كيلاموا من صمعل. وفي القرن السابع: عميناداد من عمون، كاهن نيراب قرب حلب. وفي الكتابات الفخارية في أشور نجد رسالة وجّهها إلى فرعون أميرٌ تهدّده انتصارات نبوكد نصر وفي كتابات القرنين السادس والخامس، نجد لائحة ملوك صيدون والكتابة على قبر اشمونَزار. في القرن الرابع تتضاعف الوثائق على محيط البحر المتوسط، حتّى تصل إلى الهند في القرن الثالث.

3- المدوّنات والاركيولوجيا في فلسطين
أشرنا سابقًا إلى مدوّنات وجدت في أرض البيبليا. ولكنّنا نتوقّف الآن عند الكتابات العبرية التي وُجدت في فلسطين. إنّها كثيرة نسبيًا، ولكنّها في حالة سيّئة. لهذا نقرأها بصعوبة فلا تفيدنا لنكتب تاريخ شعب إسرائيل.
أوّلاً: أهمّ هذه المدوّنات: خمسة أسطر كتبها على قناة سلوام عمّال حزقيا حين حفروا هذه القناة قبل سنة 701 بقليل (2 مل 20: 20). ثم مدونات لاكيش الفخارية المعاصرة لاحدى حملات نبوكد نصّر في زمن إرميا (7:34). كتب قائد حربي إلى رئيسه يأوش خلال حصار المدينة، وتكلّم عن "نبي". وهناك لويحة جازر (القرن العاشر) التي تعرّفنا بتعاقب الأعمال الزراعية خلال السنة. ووُجدت مئة رسالة ووثيقة إدارية في عراد قرب حدود أدوم وقد دوّنت بين القرن العاشر والقرن السادس. وهي تتحدّث عن هيكل يهوه، عن حملة أدومية (2 مل 2:24)، عن كتيم (عد 24: 24 ؛ ار 2: 10)، عن سلسلة من المدن نجدها في سفر يشوع (ف 15)، وعن أسماء علم تُوردها التوراة بعد الرجوع من المنفى.
ثانيا: تعود مدونات السامرة الفخارية إلى القرن الثامن، وتعرّفنا بإدارة مملكة الشمال قبل سقوطها (721)، وبالمدن المجاورة. في هذا الوقت تكاثرت الأختام التي نجد عليها ألقاب الموظّفين. وهناك ختم لكاهن دور وُجد على شاطئ البحر. وفي نهاية القرن الثامن وبداية القرن السابع، وُجدت الدمغات على الجرار وقد حُفرت حول اسطوانة ملكية من جناحين أو أربعة. إنّها تشهد على إعادة تنظيم مملكة يهوذا انطلاقًا من أربع نقاط توزيع: حبرون، زيف، سوكو، ممشيت (؟). وهناك دمغات خاصة وُجدت في جبعون وأماكن أخرى. ووُجدت في اورشليم كتابة على قبر موظّف كبير (على البيت، رج 1 مل 4: 6؛ أش 22: 15: قيّم البيت)، وكتابات أخرى على جانبَيْ وادي قدرون (عوفل، سلوام)، وعلى الساحل كتابة يطالب فيها أحد العمّال بحقّه. وفي أيّام الفرس أو بعد الرجوع من الجلاء (538- 532)، وُجدت دمغات باسم يهوذا. وهذا ما نقوله أيضاً عن العملة التي انتشرت بعد داريوس. كل هذا يدل على وجود مقاطعة يهوذا. وهناك ختم يحمل لقب حاكم (فحت في العبرية، رج حج 1: 1؛ نح 14:5 ي).
ثالثا: وهناك ما نسمّيه الأركولوجيا الصامتة. هي لا تقدّم النصوص، ولكنّها تُبرز المدن بأسوارها والبيوت بجدرانها مع التحوّلات المتعاقبة. وتبيّن لنا طرق الوصول إلى الينابيع، تبيّن القبور والفخار (المستوردة أو المفبركة محليًا) والأسلحة والحلى. تُتيح لنا هذه الأركيولوجيا أن نحدّد موقع الدولة الملكية (في إسرائيل ويهوذا) وسط التيّارات الحضارية في ذلك الزمان. وتُعرّفنا بطريقة حياة سكّان المدن وتبادل السلع. وإذا عدنا إلى الفخار وتطور أشكاله وحَرْقه وتزينيه، نستنتج طريقة نؤرّخ بها الحقبات المتعاقبة. ولكن على المؤرّخ أن يبقى حذرًا، لأنّ الفخاريات السابقة للعالم الهلّيني ليست دقيقة، وامكانيات الخطأ قرنان من الزمن. ثمّ إذا وجدنا طبقة من الرماد، فهذا لا يشير إلى احتلال. فللحرائق أسباب أخرى. ورغم كل هذا، على المؤرّخ أن يحاسب حسابها ليرسم الخطوط العامة في تاريخ البلاد. أمّا الحالات الشاذّة فتساعدنا على تفسير النصوص: لا سكّان في أريحا والعيّ في القرن الثاني عشر ق. م. (هذا يعني أنّ العبرانيين لم يحتلوهمَا). مقابل هذا، اكتشف أحد المنقّبين جدارًا فعرف أنّه كان هناك حيّ جديد في أورشليم في القرن الثامن. وهناك أمور غير واضحة. ثمّ إنّ الاكتشافات الأركيولوجية هي موضع جدال بين العلماء: مثلاً سور أورشليم على أيّام اليبوسيين، اسطبلات سليمان في مجدو، أوّل دمار لمدينة لاكيش. ولكن، مهما يكن من أمر، فالمؤرّخ يُخطئ إن لم يتتبعّ الحفريات في فلسطين ويدرس الفخاريات وأشغال المعادن. فهي تساعده على الاطّلاع على الحياة اليوميّة الملموسة.

4- بعض النصوص
أولاً: كتابة إدريمي (حوالي 1550- 1500 ق. م.).
تسلّط الهكسوس على مصر من سنة 1750 إلى سنة 1580 ق. م. ثمّ طردهم فراعنة المملكة الحديثة. وسارت الجيوش المصرية على طرق آسية فوصلت إلى الفرات. وهناك وجدت "عبيرو" (العبرانيين). حُفرت هذه الكتابة على تمثال يمثّل إدريمي، ملك بلاد موكيش وعاصمته ألالخ (اليوم عطشانة على العاصي وهي تقع إلى الشمال الشرقي من أنطاكية)، خلال القسم الثاني من القرن السادس عشر، يروي إدريمي ظروف اعتلائه العرش. هرب إلى ايمار (مسكينة الحالية على الفرات في سورية الشمالية)، أقام في أرض كنعان، في عميا (تبعد 15 كلم إلى الجنوب من طرابلس الحالية)، ثمّ عاد إلى بلاده بعد أن حصل على أقوال قرأها له "متنبئ في طيران العصافير وأحشاء الحملان المذبوحة، فأكّد له أنّ "تشوب" إله العاصفة في البلاد، سيكون له عونًا.
وإليك النص:
"أنا إدريمي، إبن ايليميليمّا، عبد الإله تشوب والإلاهة هبة والإلاهة عشارا (أو عشتار)، سيدة ألالخ وسيدتي.
"حصل حدث مشؤوم في حلب موضع إقامة عائلتي فهربنا. كان حكّام إيمار على علاقات مع والدتي، فذهبنا إلى إيمار وأقمنا فيها. كان أخوتي أكبر مني. سكنوا معي ولكن لم يكن أحد منهم يفكّر في ما أفكّر فيه من أمور. قلت: من له قصر عائلي (هو أمير). ولكن من هو (غريب) بالنسبة إلى أهل إيمار فهو عبد. حينئذ أخذت حصاني ومركبتي وخادمي... وعبرت الصحراء وذهبت إلى السوطيين. قضيت الليلة في مركبتي... وفي اليوم التالي قمت وانطلقت إلى أرض كنعان. ففي بلاد كنعان تقع مدينة عمّية. في مدينة عمّية يقيم مواطنون من حلب، ومواطنون من أرض موكيش ومواطنون من أرض نيع ومواطنون من أرض امائي. فحين رأوني وعرفوا أنّي ابن سيّدهم انضموا التي... وأقمت سبع سنوات عند عبيرو (العبرانيين). طيّرت العصافير وبحثت في أحشاء الحملان. وبعد سبع سنوات، إلتفتَ تشوب التي. حينئذ صنعت سفنا ونقلت العساكر... على السفن (وعبرت) البحر إلى أرض موكيش. وصلت إلى اليابسة أمام جبل حازي (الجبل الاقرع) فنزلت هناك. سمع اهل بلدي بخبري فجاؤوني بالغنم والبقر. وفي يوم واحد، إنضمّت إلي أرض نيع وأرض إمائي وأرض موكيش ومدينة ألالخ عاصمتي وكأنهم شخص واحد. عرف إخوتي بالأمر فجاؤوا إلي. وبما أنّ إخوتي تعبوا من أجلي عاملتهم كإخوتي". 
ويتحدّث النص فيما بعد عن المعاهدة التي بموجبها صار إدريمي ملكًا تابعًا لباراطَرْنا، ملك الحوريين، وعن أعمال إدريمي خلال الحرب وخلال السلم.
ثانيًا: من عبدي هبة في أورشليم إلى أمينوفيس الرابع: "ليهتم الملك ببلاده".
وُجدت هذه الرسالة في تل العمارنة العاصمة الموقتة للفرعون أمينوفيس الرابع الذي اتّخذ اسم أخناتون (النصف الأوّل من القرن الرابع عشر). كان أخناقون صوفيًا أكثر منه سياسيًا، فلم يهتمّ بالقلاقل التي تحدث على الحدود وفي الممالك التابعة له. وهذا ما يختبره ملك أورشليم عبدي هبة. طلب عبدي هبة المعونة، ولكنّه تشكّى أيضاً من سوء تصرّف بعض الجنود الذين يُرسَلون إليه: لقد حاول النوبيون أن يدخلوا إلى القصر عبر فجوة فتحوها في السقف.
وإليك نص الرسالة:
"قل للملك سيّدي: هذا ما يقوله عبدي هبة خادمك: اسقط سبع مرّات وسبع مرّات عند قدمي سيّدي... ليعرف الملك أنّ كلّ البلدان في سلام، أمّا عندي فالحرب. فليهتمّ الملك بأرضه. ها إنّ بلاد جازر وبلاد أشقلون ومدينة لاكيش قد اعطت الطعام والزيت كل ما يلزم. فليهتم الملك بالجنود. ليرسل الملك جنودًا على الرجال الذي يقترفون ذنبًا ضدّ الملك سيدي. فإن كان هناك جنود في هذه السنة، كان بلد وكان حاكم للملك سيّدي. ولكن إن لم يكن جنود، فليس للملك بلد ولا حكّام. ها بلاد أورشليم. لم يعطني إيّاها أبي ولا أمّي. أعطتني إيّاها يد الملك القوية. ما يحدث هو بسبب ميلكيلي وبسبب أبناء لبايو الذين أعطوا أرض الملك للعبيرو. فيا أيّها الملك سيّدي، الحق هو في جانبي. 
"أمّا في ما يتعلّق بكاشي... فليسأل الملك المفوّضين. فمع أنّ بيتي قويّ جدُّا، حاولوا أن يقترفوا ذنبًا ثقيلاً وعظيمًا. أخذوا آلاتهم وقطعوا دعامة الخشب... ليهتمّ سيدي الملك بهم (أي بالجنود الذين يرسل). فالبلاد هي (غنيّة). ليُصادر الملك كثيرًا من الطعام كثيرًا من الزيت كثيرًا من اللباس إلى أن يصعد فعورو، مفوّض الملك، إلى أرض أورشليم.
"ذهب عدايا مع الفرقة... التي اعطاها الملك. ليعرف الملك أنّ عدايا قال لي: "لقد حرّرني الملك". فلا تتخلّ عن البلاد. أرسل التي هذه السنة فرقة، أرسل التي مفوضاً ملكيًا. لقد أرسلت إلى سيّدي الملك... الأسرى، وخمسة آلاف... وثمانية يسوقون القافلة الملكية. فأُسروا في سهل أيالون. ليعرف سيّدي الملك أنّي لا أستطيع أن أرسل قافلة إلى سيّدي الملك. هذا من أجل العلم. ها إنّ الملك قد أقام اسمه في أرض أورشليم إلى الأبد. إذاً، هو لا يقدر أن يتخلّى عن أرض أورشليم.
"الى كاتب سيّدي الملك. قل: هكذا يتكلّم عبدي هبة خادمك. ارتميت على قدميك. أنا خادمك. وجّه كلمات حلوة إلى الملك سيّدي. لست سوى ضابط وضيع لدى الملك. سأموت من أجلك.
"حمِّل أهل لاكيش مسؤولية عملهم الرديء. كدت أُقتل بيد أهل لاكيش في بيتي. ليبحث الملك في شأني. ليقبل سيدي الملك (سجودي) سبع مرات وسبع مرات ". 
ثالثًا: كتابة منفتاح (حوالي سنة 1220 ق. م.).
اكتُشف نُصب الفرعون منفتاح خلَف رعمسيس الثاني في السنة الخامسة لملكه، سنة 1895 على يد فلندرس باتري في هيكل فرعون الجنائزي غربي طيبة، وهو محفوظ إلى اليوم في متحف القاهرة. يتضمّن كتابة مؤلّفة من 28 سطرًا. يورد القسم الرئيسي انتصارات الفرعون على الليبيين في السنة الخامسة لملكه. أمّا السطران 26 و 27 فيشيران إلى خضوع الشعوب الآسيوية، ومنها شعب إسرائيل.
"سجد الأمراء وقالوا: سلام. ولم يرفع أحد رأسه من بين الأقواس التسعة. تمّ اجتياح ليبيا، وحاطي هي في سلام. وتجرّدت كنعان من كل فاعل سوء. أشقلون ذهبت إلى السبي وتمّ احتلال جازر، ويانوام هي كما لو أنّها لم تكن. زالت إسرائيل ولم يبقَ لها زرع. صارت حارو أرملة أمام مصر، وعمّ السلام كل البلدان".
يتحدّث النص هنا عن إسرائيل. ولكنّ هذا لا يعني الأسباط الاثني عشر، بل جماعة من القبائل المتحضّرة ستنضم إليها القبائل التي شاركت في الخروج من مصر وهذا الانضمام تمّ في شكيم كما يقول يش 24. وإنّ الأبحاث الحديثة عن دورات الآباء في سفر التكوين، قد أظهرت أنّ دورة أبي الآباء إسرائيل قد أقُحمت في دورة يعقوب.
رابعًا: انتصار رعمسيس الثالث على شعوب البحر (حوالي سنة 1190 ق. م.).
هذه كتابة اكتشفت في هيكل مدينة حابو في طيبة. في السنة الثامنة لملك رعمسيس الثالث، تمّ النصر على شعوب البحر الذين منهم الفلسطيون.
"السنة الثامنة لملك (رعمسيس الثالث)...
"البلدان الغريبة (شعوب البحر) تآمرت في جزرها فاضطربت البلدان حالاً وتوزّعت للقتال. لم يقدر بلد أن يقف بوجه اسلحتهم من حاطي: كود، كركميش، ارزاوا، ألَشيا، كلّها دمِّرت بضربة واحدة. وأقيم مخيّم في أرض أمورو. عمّ الحزن الشعب وبدت الأرض وكأنّها غير موجودة. ثمّ توجّهوا إلى مصر حيث تهيّأت نار أمامهم. ضمّ حلفهم "فلسط" (الفلسطيين)، شكلش، دانيين، وشاش...
"الذين وصلوا إلى الحدود ضاع زرعهم وزال قلبهم ونفسهم إلى الأبد. والذين توجّهوا عبر البحر وجدوا نارًا محرقة أمامهم عند مصب السواقي، كما أحاطت بهم على الشاطئ سياجات من الحراب. اجتُذبوا بقوة وسجنوا فسقطوا على الشاطئ. قُتلوا وتكدّسوا الواحد فوق الآخر وسقطت سفنهم وخيراتهم في المياء".
كانت شعوب البحر قد هاجمت مصر مرارًا في أيّام أسلاف رعمسيس الثالث (1198- 1166). ولكن ذكر الفلسطيون مرّة أولى مع جاكر في السنة الخامسة لملك رعمسيس، وذُكروا هنا مرّة ثانية. وبعد أن اندحر الفلسطيونَ التجأوا إلى شاطئ كنعان واحتلّوا مدن غزّة وأشقلون واشدود في وقت أوّل. أمّا جاكر فأقاموا في دور (طنطورة).
وبعد سنة 1100 ق. م.، صار الفلسطيون أوّل عدوّ لقبائل إسرائيل فكانوا سببًا مباشرًا لتأسيس الملكية في أرض إسرائيل. وسيحارب الملك شاول الفلسطيين طوال حياته وسيموت في حربه معهم في جبل الجلبوع (1 صم 31: 1 ي).
خامسًا: شلمنصّر الثالث وأحاب في قرقر (853).
حمل شلمنصّر الحرب مرارًا إلى الغرب في عهده. والنص الذي نقرأه هنا هو الأكثر قدمًا وتفصيلاً للقائه الأوّل، سنة 853، بحِلف يقوده هدد عدري، ملك دمشق، ويشارك فيه أحاب، ملك إسرائيل، ونلاحظ أنّ عدد الذين قُتلوا هنا هو 14000 وسيكون 25000 أو 29000 في نصوص شلمنصّر اللاحقة التي تتحدّث عن المعركة عينها، وسيصير 20500 في نص المسلة السوداء التي نصبها الملك في نهاية سنة 828. 
قال:
"إنطلقت من الفرات ووصلت إلى حلمان (حلب). خافوا من هجومي وأمسكوا برجلّي. اقتبلت منهم جزية من الفضة والذهب، وقدّمت ذبائح أمام هدد إله حلب. وانطلقت من حلمان ووصلت إلى مدينتين من مدن ارحولاني في أرض حماة (على العاصي). أحتلت مدنها الملكية، عدنو، فرغة، ارغانة، وانطلقت من ارغانة فوصلت إلى قرقر (على العاصي). دمّرت قرقر المدينة الملكية، هدمتها وأحرقتها: 1200 مركبة، 1200 فرس، 20000 رجل حرب (كانوا) مع هدد عدري من أرض إمرشو (أرام وعاصمتها دمشق)، 700 مركبة، 700 فرس، 10000 رجل حرب (كانوا) مع ارحولاني في أرض حماة، 2000 مركبة، 10000 رجل حرب (كانوا) مع أحابوا (أحاب) من بلاد سرئيلا (إسرائيل) 500 رجل حرب مع ملك بلاد جبيل، 1000 رجل حرب (كانوا) مع ملك بلاد موصور (في شمال سورية)، 10 مركبات، 10000 رجل حرب (كانوا) مع ملك أرض ارقنطا (قد تكون عرقا)، 200 رجل حرب مع متينوبعلي من مدينة ارمادا (ارواد)، 200 رجل حرب مع ملك اوسنَتو، 30 مركبة و 10000 رجل حرب مع أدونوبعلي من أرض شيانو، 1000 جمل لجنود بوع ملك عربا (العرب)، 100 رجل حرب مع بعشا ابن روحوبو من بلاد أمانة (جبل أمانوس، شمالي العاصي). حصل (هدد) على مساعدة هؤلاء الملوك الاثني عشر (كذا). وقفوا في وجهي وأصلوني حربًا. حاربتهم بالقوى المتفوّقة التي أعطانيها أشور سيّدي، وبالأسلحة القويّة التي أهداني إيّاها الإله نرجال الذي يسير أمامي، فهزمتهم بين قرقر وجلزعو. أسقطت بالسلاح 14000 من مقاتليهم، أمطرت عليهم طوفانًا مثل هدد. نشرت جثثهم وملأت السهل بجيوشهم الكثيرة وبالسلاح أرقت دمهم... كانت الفيافي أصغر من (ان تحوي) جثثهم، ولم تكف البرّية لدفنهم. سددت بأجسادهم نهر ارنتو (العاصي) مثل سد. وخلال هذه المعركة أخذت مركباتهم وأفراسهم وبغالهم".
كان أحاب ملك السامرة محالفًا للأراميين في حربهم ضدّ شلمنصر الثالث. ينسب النصّ الأشوري إلى أحاب 2000 مركبة في معركة قرقر (وليس لهدد عدري سوى 1200 مركبة). إذًا، يبدو أنّه يجب أن نقرأ 200 مركبة. ثّم إنّ النص الأشوري يفرض علينا أن نعيد النظر في 1 مل 20 الذي يحدّثنا عن حرب أحاب مع الأراميين. قد يعني النص الكتاب حروب يوآش (803- 787) ملك إسرائيل ضدّ الأراميين. كان الملك الأرامي قد أخذ بعض الأراضي من إسرائيل في يوم يوآحاز، أبي يوآش، فاستعادها يوآش. 

سادسًا: نصب ميشع، ملك موآب (حوالي سنة 840 ق. م.).
وجد هذا النُصبَ في بلاد موآب مرسلٌ الماني سنة 1868. سُمّي نصب ميشع، وهو من بزلت أسود، علوه 1.10 م، حطّمه البدو فخلصه كلرمون غانو ورمّمه وهو الآن في متحف اللوفر في باريس.
تتضمّن الكتابة 34 سطرًا وهي تعوِد إلى نهاية سلالة عمري، وقد تكون معاصرة لسنوات ياهو (841- 814) الأولى. إذًا نجعله حوالي السنة 842- 840 ق. م.
قال:
"أنا ميشع، ابن كموش، ملك موآب الديبوني (من ديبون، مدينة ميشع الملكية، رج عد 21: 35). ملَكَ إلى على موآب ثلاثين سنة وملكت أنًا بعد أبي. أقمت هذا النصب لكموش (إله الموآبيين الرئيسي، رج عد 30:21؛ 1 مل 7:11) في قريحو، موضع الخلاص، لأنّه خلصّني من كل الهجمات ونصرني على كلّ أعدائي. كان عمري ملك إسرائيل، فضايق موآب أيّامًا كثيرة لأنّ كموش كان غاضبًا على أرضه. وخلفه ابنه فقال: سأضايق موآب. قال هذا الكلام في أيّامي، ولكنّي انتصرت عليه وعلى بيته، فدُمِّر إسرائيل إلى الأبد. كان عمري قد وضع يده على كل أرض ميدبا وأقام فيها كل أيّامه ونصف أيّام ابنه، أي أربعين سنة. ولكنّ كموش ردها في أيّامي. فشيّدت بعل معون وصنعت فيها بركة وبنيت قرياتون.
"أقام أهل جاد في أرض عطاروت منذ القديم، وقد بنى ملك إسرائيل له عطاروت. حاربت المدينة فأخذتها وقتلت كل الشعب... وكانت المدينة تقدمة لكموش وموآب. هناك استوليت على مذبح حبيبه (؟) وجررته أمام كموش في قريوت. وأسكنت فيها أهل شارون وأهل محروت...
"قال لي كموش: اذهب وخذ مدينة نابو من إسرائيل. ذهبت في الليل وحاربت من الضحى إلى الظهر. أخذتها وقتلت كل من فيها، أي 7000 رجل مع الغرباء والنساء الغريبات والسراري، لأنّي اعتبرتها حرامًا إكرامًا لعشتار كموش. من هناك أخذت أواني الرب وجعلتها أمام كموش. كان ملك إسرائيل قد بنى ياهص وأقام فيها حين كان يحاربني، فطرده كموش من أمامي. وأخذت من مدينة موآب كل نخبتها وهي 200 رجل. ودفعتها على ياهص فأخذتها وضممتها إلى ديبون. أنا بنيت قريحو. أنا بنيت أسوارها، أنا بنيت بيت الملك، أنا ضاعفت سعة البركة من الماء، في وسط المدينة. لم تكن بئر في وسط مدينة قريحو، فقلت للشعب كلّه: ليحفر كل منكم بئرًا في بيته. أنا حفرت الآبار في قريحو بواسطة الأسرى المأخوذين من إسرائيل.
"أنا بنيت عروعير وأنا فتحت الطريق إلى أرنون. أنا بنيت بيت باموت لأنّها دمِّرت. أنا بنيت باصر لأنّها كانت أطلالاً، وذلك مع خمسين رجلاً من ديبون، لأنّ كل أهل ديبون هم رجالي. أنا حكمت مع القوّاد في المدن التي ضممتها إلى البلاد. أنا بنيت ميدبا، بيت دبلاتون وبيت بعل معون، وجعلت فيها غَنَم البلاد. وحورونان حيث يسكن... وقال لي كموش: انزل وقاتل حورونان. نزلت... فردّها التي كموش في أيامي... ".
يعلمنا نصّ التوراة (2 مل 1: 1؛ 3: 4- 5) أنّ ميشع، ملك موآب، كان يدفع الجزية لملك إسرائيل، وأنّه ثار بعد موت الملك أحاب (875- 853). إنّ التحصينات التي قام بها ميشع (حسب الكتابة) تُتيح لنا أن نفهم أنّ الحرب التي قام بها يورام، ملك إسرائيل، على ميشع بمساعدة ملكَيْ يهوذا وأدوم، كانت في جنوبي مملكة موآب وحول البحر الميت (2 مل 3: 6- 27). إذًا، تذكّرنا هذه الوثيقة الموآبية بتاريخ العلاقات بين موآب وإسرائيل، وتشير إلى عمري، ملك إسرائيل (886- 875) وإلى أهل جاد الذين أقاموا منذ القديم في شرقي الأردن (عد 32: 34- 36؛ قض 11: 26).
يرد اسم ميدبا في عد 21: 30، كما ترد أسماء المدن الموآبية: عطاروت (عد 3:32 ،34)، نابو (عد 32: 3، 38)، ياهص (يش 13: 18)، عروعير (يش 13: 16)، بيت باموت (يش 13 : 17)، باصر (يش 20 : 8، 21 : 36)، بيت بعل معون (يش 17:13).

سابعًا: تجلت فلاسر الثالث (745- 727) والسامرة.
يروي النصان الآتيان أن تجلت فلاسر ضّم دمشق وقلب فاقح. إنّهما لا ينتميان إلى الحوليات، ولا يأخذان بعين الاعتبار الترتيب الزمني للأحداث.
النص الأوّل يقول:
"من مدينة حتاريكا (حدراك رج زك 9: 1 ) إلى جبل صلوئي أخضعت مدن جبيل، صميرة، عرقة، زيمارا... اوسنو، سيانو، ريع ربة، رعسيهو... المدن التي على شاطئ البحر العالي (المتوسط). جعلت على رأسها ستة موظفين من عندي كحكام. فمن مدينة كشفونا التي على شاطئ البحر المتوسط إلى مدن... غلعازا (راموت جلعاد)، ابيلكَّا (آبل بيت معكة) إلى حدود بيت عمريا (بيت عمري أي إسرائيل). ربطت أرض بيت حزائيل (بيت حزائيل أي أرض دمشق) كلّه بأرض أشور وجعلت على رأسه موظفين من عندي حكّامًا عليه.
"أرض بيت عمريا... أخذت إلى أشور مجمل سكّانها. قلبوا فقاحا (فاقح) ملكهم، وأقمت اوشع (هوشع) ملكًا عليهم. تقبلت منهم عشر وزنات من الذهب ومئة وزنة من الفضة كجزية سنوية وفرضت عليهم... ".
النص الثاني يقول:
"من مدينة حتاريكا إلى جبل سعوئي وإلى مدينة كشفونا التي على شاطئ البحر العالي ضمت... إلى أرض أشور. وجعلت على رأسها اثنين من موظفيّ الكبار كحاكمين من جبل أمانة (الجبل الشرقي في لبنان) إلى مدينتي غلفارا وابيلَّكا إلى حدود أرض بيت عمريا ربطت أرض بيت حزائيل كلّها بأرض أشور وجعلت على رأسها موظّفًا من عندي كحاكم. 
"حيريمو (حيرام) من أرض صور الذي اتصل براعيانو (راصون)... استوليت على محلب قلعته وعلى المدن الكبرى واقتدت الاسرى منها. جاء إلى حضرتي وقبَّل قدمي. تقبلت عشرين وزنة من الذهب... وزنة من الفضة... واللباس المزركش والموظّفين الكبار والمغنّين والمغنّيات وأفراسًا من مصر".
يتحدّث 2 مل 15: 30 باقتضاب كيف تمّ الانقلاب على فاقح بيد هوشع، آخر ملوك إسرائيل.
ثامنًا: شلمنصّر الخامس (726- 722) يستولي على السامرة.
هذه نسخة عن كرونيكون بابلية تعود إلى السنة الثانية والعشرين من ملك داريوس الأوّل (521- 686)، ومع أنّها متأخّرة فلا نستطيع أن نشكّ بدقّة معلوماتها. وهي تقول:
"في شهر تابت (كانون الأوّل 727- كانون الثاني 726)، في اليوم الخامس والعشرين منه جلس شلمان اشارد (شلمنصر) على عرش أشور وأكاد (بابل). دمّر شماراين (السامرة). في السنة الخامسة ذهب شلمان اشارد إلى مصيره (مات) في شهر تابت. مارس شلمان اشارد الملك على أكاد وأشوريا مدة خمس سنوات. وفي شهر تابت (كانون الأوّل 722- كانون الثاني 721) في اليوم الثاني عشر منه، جلس شروكين (سرجون) على عرش أشوريا. وفي شهر نيسان (آذار- نيسان) جلس مردوك ابلايدينا (مردوك بلادان) على عرش بابل ". حاصر شلمنصّر السامرة (2 مل 3:17) واحتلّها سنة 721 (2 مل 17: 5- 6؛ 9:18- 10)، أمّا جلاء أهل السامرة فتمّ على يد سرجون الثاني سنة 720.
تاسعًا: نبوكد نصّر الثاني (605- 562) ويهوذا: سقوط أورشليم.
تواجه المادايون والبابليون من جهة والمصريون من جهة ثانية. وبعد أن هزم نبوكد نصّر المصريين في كركميش (قرب جرابلس الحالية) هزيمة نكراء قام بعدة حملات إلى حاطو ثمّ أخضع مملكة يهوذا لسلطانه. إنّ النصوص التي تروي هذه الأحداث تورد كرونولوجيا دقيقة تنتمي إلى الكرونيكون البابلي.
قال الكرونيكون:
"في السنة العشرين (لنبو فلاسر) سارت جيوش مصر إلى فيموحو (على الشاطئ الغربي للفرات، وإلى الجنوب من كركميش) وهجمت على الحامية التي وضعها أكاد (بابل) هناك. حاربت المدينة أربعة اشهر ثمّ أخذت المدينة وهُزمت حامية ملك أكاد. وفي شهر تشريتو (19 أيلول- 17 تشرين الأوّل سنة 616) جهّز ملك أكاد جنوده وسار بمحاذاة النهر ونصب خيامه في قوراماطو التي هي على شاطئ الفرات. وعبّر جيوشه الفرات فاحتلّت مدن شوناديرو وعيلامو ودهامو (وهي مدن تقع في عبر النهر) وسلَبها. وفي شهر شباطو (15 كانون الثاني- 12 شباط سنة 605) عاد ملك أكاد إلى بلاده. أما جيوش مصر التي كانت في جلجامش (كركميش) فعبرت الفرات وسارت على جيوش أكاد المقيمة في قوراماطو. فارتدت جيوش أكاد وتراجعت.
"وفي السنة الحادية والعشرين، ظلّ ملك أكاد في بلاده. فجمع نبوكودوري أو صور (نبوكد نصّر) بكرُه وأميرُ الديوان، الجنودَ وسار على رأسهم حتّى وصل إلى جلجامش التي على شاطئ الفرات. عبرَ النهر ضدّ جيوش مصر التي كانت مخيّمة في جلجامش، وتَحارب الوحد ضدّ الآخر هربت جيوش مصر فدحرها نبوكد نصّر وأزالها. أمّا سائر جنود مصر الذين أفلتوا من الهزيمة وظلّوا سالمين، فقد لحقت بهم جيوش أكاد في مقاطعة حماة ودحرتهم، فما عاد واحد منهم إلى بلاده. وفي الوقت عينه، احتلّ نبوكد نصّر أرض حماة كلّها. كان نبو فلاسر ملكًا على بابل مدة 21 سنة، ثمّ ذهب إلى مصيره (مات) في اليوم الثامن من شهر آبو (15 آب سنة 605). وعاد نبوكد نصّر إلى بابل في شهر أولولو وارتقى العرش الملكي في بابل في اليوم الأوّل من شهر أولولو (7 أيلول سنة 605).
"وفي بداية ملكه، عاد نبوكد نصر إلى حاطو وجال منتصرًا في بلاد حاطو حتى شهر شباطو (2 شباط- 2 آذار سنة 604). وفي شهر شباطو، حمل إلى بابل الجزية الكبيرة من حاطو. وفي شهر نيسانو (2 نيسان- 30 نيسان سنة 604) أمسك بيد بال وابن بال (الإله نبو) واحتفل بعيد اكيتو (رأس السنة).
"وفي السنة الأولى، في شهر شيمانو (30 ايار- 28 حزيران سنة 604) جمع نبوكد نصّر جيوشه وجال منتصرًا في بلاد حاطو حتى شهر كسليمو (24 تشرين الثاني- 23 كانون الأوّل سنة 604). فجاء كل ملوك حاطو في حضرته وقدّموا له جزية باهظة. فسار على اسقلينو (اشقلون) واستولى عليها في شهر كسليمو: أمسك ملكها. أعمل فيها السلب والنهب، واقتاد الأسرى، وحوّل المدينة إلى تل وكومة من الدمار. وفي شهر شباطو (23 كانون الثاني- 20 شباط سنة 603) رجع إلى بابل ".
ويتحدّث النصّ عن السنة الثانية والسنة الثالثة، وعن حملات نبوكد نصّر في أرض حاطو. ثمّ يتابع:
"وفي السنة الرابعة، جمع ملك أكاد جيشه وسار إلى حاطو، وجال في حاطو منتصرًا. وفي شهر كسليمو (21 تشرين الثاني- 19 كانون الأوّل سنة 601) سار على رأس جنوده فتوجّه إلى مصر فلمّا علم ملك مصر بالأمر جمع جنوده. وتقاتل الملكان في معركة مخططة وكبّد الواحد الآخر خسارة فادحة. تراجع ملك أكاد وجيشه وعادوا إلى بابل.
"وفي السنة الخامسة ظلّ ملك أكاد في أرضه. فجمع عددًا كبيرًا من المركبات والخيل.
"وفي السنة السادسة، في شهر كسليمو (29 تشرين الثاني- 27 كانون الأوّل سنة 599) جمع ملك أكاد جنوده وسار على حاطو. ومن حاطو أرسل جيشه نحو الصحراء، فاستولوا على عرابى (اعراب) عديدين، على ممتلكاتهم وقطعانهم وآلههتم. وفي شهر أدارو (25 شباط، 26 آذار سنة 598)، عاد الملك إلى بلاده.
"وفي السنة السابعة، في شهر كسليمو (18 كانون الأول سنة 598- 15 كانون الثاني سنة 597)، جمع ملك أكاد جنوده وسار على حاطو، ونصب خيامه أمام مدينة ياهودو (يهوذا). وفي اليوم التالي من شهر أداروا (16 آذار سنة 597)، استولى على المدينة. أسر الملك، واختار ملكا آخر جعله مكانه. وفرض جزية باهظة حملها معه إلى بابل ".

ج- المنهج التاريخي
1- من عالم الشرق القديم إلى التوراة
ليس هناك منهج واحد نُدرك فيه وقائع الحياة التي تنبثق عنها المُعطيات المادية التي ذكرناها في مراجعها. فهذه الجدران وهذه الأدوات وهذه النصوص لم تكن وصلت إلينا لو لم يُنتجها أناس وأحداث. ولكنّ تحليلها أكثر تشعّبًا من الحياة البشرية. وكم يجب أن نتردّد عندما نفسّرها. وهذا ما اكتشفناه عندما قرأنا النصوص. فالنص الذي أمامنا هو صدى لتعامل أو تحرّك. ونتساءل: هل هو وليد المخيّلة أم وليد الدعاية؟ هل هو حساب ووصل ولائحة أشياء، أم تذكار دوّن لتمجيد ملك سيسكت عن زلاّته؟ هل يمجّد هذا النصّ الملك وهو حي، أو بعد مماته، بعد أن صار أسطورة في ذاكرة الشعب؟
ويسير تاريخ شعب إسرائيل في مدى جغرافي وزمني محدّد. فعلى الإطار الجغرافي أن يبقى ماثلاً أمام المؤرّخ. فشعب إسرائيل البيبلي هو شعب صغير يعيش في مدى ضيّق. ولكنّ هذا المدى لا ينعزل عن تحرّكات الشعوب والحضارات التي تمرّ في الشرق الأوسط حتّى قبل اختراع الكتابة. ظهر إسرائيل بعد موآب وادوم، في القرن الثالث عشر ق. م.. هذا هو التاريخ الذي يقدّمه لنا نُصب منفتاح. وهو يحدّثنا عن إسرائيل كشعب غير متحضر، يحدّثنا عن قبائل لا عن شعوب أو مدن. وقبل ذلك، لم ترَ الجيوش المصرية في كنعان إلاّ عبيرو، حورو، شوشو. يبقى علينا أن نحدّد العلاقات بين العبرانيين وبني إسرائيل. في مرحلة أولى من البحث، نحيط بحياة إسرائيل بواسطة المعطيات التي نجدها عند جيرانهم (منفتاح، ميشع، سنحاريب...). ولكنّ هذه المعطيات قليلة العدد. فإذا أراد المؤرّخ أن يتوسّع، وجب عليه أن يعود إلى التوراة، ولكن دون أن ينسى أنّ التوراة تستعمل الفنون الأدبية التي تقدّمها الثقافات المحيطة بأرض إسرائيل.

2- من التوراة إلى عمل المؤرّخ الكتابي
إذا أراد المؤرّخ الحديث أن يقيم أُسسًا ثابتة لتاريخ إسرائيل، فقد يميل إلى اختيار زمن الأنبياء كمرحلة ثانية لمنهجه. فأسفار الملوك وأشعيا وإرميا تقدّم لنا معلومات أكيدة ترتبط بالتاريخ العام. لقد تلفّظ اشعيا بأقوال حين كان شعب إسرائيل يواجه تجلت فلاسر الثالث (734- 732) وسرجون (720- 705) وسنحاريب (701). وجاهد إرميا يوم كان يهوذا يقاسي الضغط البابلي بعد معركة كركميش (605)، ويسقط بسيف نبوكد نصّر الثاني (597- 587). أمّا أشعيا الثاني (أش 40- 55) الذي كتب في أيّام الجلاء، فهو يعرف كورش حوالي سنة 550 (أش 44: 28؛ 45: 1).
والمرحلة الثالثة في البحث التاريخي تدخل في درس التشريعات. فكلّ تشريع يقابل وضعًا معطى في تاريخ إسرائيل. هناك إصلاح يوشيا سنة 622 (2 مل 22- 23). أمّا سفر التثنية فانطبع بطابع الأنبياء الذين نالوا منه وضعًا يجعلهم شبيهين بالملك.
وتقوم المرحلة الرابعة بتحديد النصوص السابقة لسفر التثنية واللاحقة لسفر التثنية. فقد بينّت مدرسة النقد الأدبي أنّ القانون الكهنوتي (رج سفر اللاويين وقانون القداسة، لا 17- 26) جاء بعد القانون الاشتراعي. فهو لا يعرف الملك، بل ينقل إلى رئيس الكهنة وظائف دينية كانت خاصة بالملك في الشرق القديم عامة وفي زمن ملوك إسرائيل خاصة. وبإلاضافة إلى هذا، يتتبع الكهنوتي موقف حزقيال (ف 44) فيميّز بين الكهنة واللاويين، وهذا ما لا يفعله سفر التثنية.
في المرحلة الخامسة نحدّد تأليف وبُعد النصوص السابقة للتثنية. فظروف ولادة الحركة الاشتراعية ليست واضحة. ولكنّنا متأكّدون أنّ هناك قانونين سابقين لسفر التثنية: قانون خر 20: 24- 23: 19 الذي يُسمَّى "قانون العهد"، والقانون الصغير في خر 34: 14- 26. ولكن، إذ يعطى القانون الكهنوتي البنتاتوكس الحالي إطاره العام (لا ننسى أنّ شريعة يش 20 قادت بعض العلماء لكي يتكلّموا عن الهكساتوكس أي الأسفار الستة)، يظهر القانون الاشتراعي (تث 12- 26) شريعةً مقحمة في خطب. فالقوانين السابقة للتثنية هي أحداث مقحمة في سلسلة من المشاهد تشكل "تاريخين" يرويان بدايات إسرائيل حتّى موسى.
فقانون العهد ينتمي إلى "تاريخ" ألهمه الأنبياء، تاريخ قريب من سفر التثنية ومتمايز عنه باسلوبه وتشريعه. فهذا التشريع هو قديم وهولا يتحدّث عن الملك ولا عن الكهنة ولا عن القضاة، بل يتحدّث عن المتشفّعين (فلل في العبرية رج خر 21: 22). وهو لا يتحدّث أيضاً عن الأنبياء. ولكنّ الأخبار تعتبر إبراهيم نبيًا (تك 20: 7) وموسى نبيًا من الدرجة الأولى (عد 12: 6- 7 ؛ 11: 16- 17، 24- 29). وإنّ هذه الأخبار (مثلاً تك 3:20) وهذا التشريع (خر 8:22) تعطي إله إسرائيل اسم الوهيم أقلّه حتّى زمن موسى (خر 14:3).
وتعرض هذه الأخبارَ مرارًا التقاليدَ عينها التي نجدها في سلسلة أخرى نسميها التاريخ اليهوهي، لأنّها تسمي إله إسرائيل منذ البداية باسم يهوه (تك 4: 26؛ رج 2: 4 ي). إلى هذا التاريخ ينتمي قانون خر 34 الذي يمثّل متطّلبات يفرضها إله إسرائيل على موسى وشعبه.
يختلف هذا "التاريخ" اليهوهي عن سابقه فيتحدّث عن "الصولجان" و "الملك" (تك 49: 10؛ عد 7:24، 17). إنّه تاريخ نبويّ تعالَج فيه المسائلُ الوطنية، لا بالنظر إلى ميراث المواعيد الإلهية. نحن في مشاهد عائلية في إطار سلالة ملكية، وهذه السلالة ترتبط يهوذا (تك 49: 10). ويذكر هذا التاريخ آخر الشعوب الذين انضمّوا إلى نسل إبراهيم، يذكر اليبوسيين سكّان أورشليم التي احتلّها داود (تك 15: 21).

3- التاريخ الشرقي والتاريخ البيبلي
تأسّست الملكية في إسرائيل كما تأسّست سائر الملكيات (1 صم 8: 6- 20). والحال أنّ المحاولات التاريخية في الشرق القديم قد تركّزت حول اختيار الملك وعمله. فلن نعجب إذن أن يكون "تاريخ" إسرائيل القديم مركّزًا هو أيضاً على الملك ومسائل الخلافة. مثلاً، نجد في التكوين والخروج مشاهد خاصة مركّزة على الرئيس، وكيلات ترتبط بمسائل الخلافة. فالملك الذي اختاره الإله الوطني اختيارًا شرعيًا، هو قوة شعبه أو ضعفه. هذا ما نسمّيه "الشخصية المتضمنّة" (الشعب هو في الملك). إذا انتصر شاول وداود، نجا الشعب. وإن أخطأ الملك، حلّ الشقاء بالشعب (2 صم 24: 1 ي). فالملك هو أب ورئيس وبطل، وهو يؤمّن للشعب إطارًا إداريًا وعسكريًا يجد بفضله العدالة والازدهار (2 صم 8: 15- 18؛ رج تك 18: 19)، فلا يختنق بسبب الخطر الآتي من الخارج ولا تقلقه النزاعات الداخلية. كان الشعب يذهب إلى "باب" المدينة (22: 17) وهناك تمارَس العدالة وتَتم العقود. مع الملك ظهرت العاصمة حيث انتظمت الخِدم وتربّى كَتَبة يديرون شؤون المملكة.
إنّ أقدم الأخبار التاريخية في بلاد الرافدين تُنشد انتصارات الملك. لقد حرّر اياناتوم المدينة السومرية لجش من محاولات جاره. وحرّر اوتوهاغال سومر من نير "غوتي" أهل الجبل. ويروي المصريون كيف أنّ الفراعنة (أكانوا من السلالة الثانية عشر أو الثامنة عشرة) حرّروا مصر من الآسيويين (الهكسوس). ويقول الحثي مورسيل الثاني أن ذَنْب والده سبّب الوباء الذي يحلّ بالبلاد. وفي أسطورة أوغاريت، يبدو أنّ مرض الملك كيريت هو الذي سبَّب الجوع في البلاد، وسبَّب ثورة ابنه. وتنسب الكرونيكات البابلية والحوليات الأشورية وأمجاد الملوك الحثّيين إلى الملك كل شيء. ولا تذكر قوّاده إلاّ نادرًا. أمّا في أشور، فكانت تورَّخ كلُ سنة باسم موظف كبير. في مصر يقول عوني إنّه زحف على آسية حوالي سنة 2350 ووصل إلى "أنف الظبي" (أي الكرمل)، ولكنّه يقول حالاً إنّه فعل ما فعل بقيادة الملك فافي الأوّل. وصلت إلينا بعض المعلومات عن طرد الغرباء الهكسوس على يد الضابط احميس ابن ابانا، ولكنّ "المنتصر" هو الفرعون سكنين رع. ستُكتب فيما بعد سيرة حياة هذا أو ذاك، ولكنّ الإيديولوجيا الملكية تسيطر عليها.
ولا يكتفي هذا التاريخ بإنشاد الملك الحالمة، بل يعود إلى الماضي. والتاريخ المركّز على مسائل الملكية الداودية سيعود أيضاً إلى التقليد القديم.
ففي مصر إهتمّ حجر "بالرمو" (إيطاليا) منذ سنة 2500 ق. م. بتواصل مصر عبر السلالات المتعاقبة. فقد دوّن الفراعنة لائحة أسلافهم (الشرعيين) في سقارة وأبيدوس، ثم إن بردية تورينو المدوّنة في عهد الرعامسة (في زمن موسى) تقدّم سلسلة الملوك حتّى الهكسوس، منطلقة من زمن الآلهة وأنصاف الآلهة الذين هم "خدام حورس". وسيكمل مانيتون العمل في هذه السلالات بناء على طلب البطالسة.
ويتمّ في بلاد الرافدين عملٌ مماثل، وإن كان أكثر تشعّبًا. فحوالي السنة 2000 ق. م.، بدأت اللائحة الملكية السومرية سلالاتها بسلسلة من ثمانية ملوك كانوا قبل الطوفان، وهكذا دلّت على وحدة بلاد الرافدين حتى ثورة أوتوعاغال على غوتي جاعلة السلالات المعاصرة (على المدن المختلفة) وكأنّها سلالات متعاقبة. وسيصوّر المؤرخ الإسرائيلي الأوّل وحدة إسرائيل منطلقًا من تقاليد قبلية مختلفة دون أن يحترم التسلسل الزمني. وفي زمن سلالة بابل الأولى (حوالي سنة 1900 ق. م.)، عاد المؤرّخون إلى الحقبة الساميّة الأولى (حوالي سنة 2300، سلالة أكاد). وهكذا نملك تقاليد تتضمّن أحداثًا ملكية مع نتائجها، وهي ستستعمل في الكرونيكات اللاحقة. وستعود هذه الكرونيكات أيضاً إلى تقاليد دوِّنت في ارشيف المدن البابلية ومعابدها. تروي كرونيكة كنغ انتصارات وإخفاقات سرجون القديم وخلفه نرمسين. ثمّ تنتقل إلى شولجي الملك السومري الجديد الذي اشتهر بميله إلى القتل. وتورد حدثًا عن الملك اراآميتي: مات وهو يشرب شرابًا ساخنًا، دون أن يترك وارثًا... وهكذا تبدأ سلالة بابل الأولى. أمّا كرونيكة وايدنر فتحكم على الملوك القدماء بالنظر الى أمانتهم أو خيانتهم حيال معبد مردوك، إله بابل الوطني. وبعد هذا، تأتي لائحة الملوك الأشوريين والتي سميت "سلالة حمورابي"، ولائحة ملوك أوغاريت التي تذكر الأموريين القدماء (ديتانو) الذين عاشوا في الخيام. يتضمّن هذا التاريخ وُجهة عبادية، ولكنّه يهدف أيضاً إلى تبرير وجود سلالة من السلالات.
التاريخ القديم هو تاريخ موجّه. يختار ما يختار من تقاليد الماضي ووقائعه منطلقًا من مشاكل الشعب الحاضرة، فيقدّم لنا قراءة جديدة للأحداث.

4- التاريخ البيبلي
نستطيع، انطلاقًا من هذه النماذج، أن نفسّر أقدم تاريخ إسرائيلي هو التاريخ اليهوهي في البنتاتوكس وتاريخ خلافة داود في 2 صم و 1 مل 1- 2، والأخبار التي تهيئ ملكية يهوذا في أسفار يشوع والقضاة وصموئيل الأوّل. لن يكون في حوزته أرشيف كثير، ولهذا فهو يعود إلى التقاليد القبلية. هو تاريخ سابق لزمن الانبياء، ومركّز على العائلة الملكية، على قصرها وعلى معبدها في أورشليم الذي يتفوّق على سائر المعابد المحلية التي زارتها القبائل وأجدادها.
ينطلق المؤرّخ من مقاطع متنوّعة فيقدم خطاً متواصلاً. ينطلق من النماذج التي أمامه، فيقدّم ربة عن بداية البشرية وتكاثُرها قبل الطرفان. واتّبع أطماح هذه الملكيات الشاملة، فأكّد أنّ دعوة إبراهيم تتوجّه إلى كلّ الشعوب (تك 3:12 ب). وانطلق من المشاكل الخاصة بملكية داود وسط مزاحميها ومعارضيها، فذكر كيف تمّت قسمة الأرض بين إبراهيم ولوط (عمون وموآب). أمّا تقاليد شمعون في بئر سبع (يش 19: 2)، فوحّدت أي عيل وإسحق وباعدت بينهما. وتقاليد "لحي روثي " (تك 42:24؛ 11:25 ؛ رج 16: 14) وحّدت عيسو وإسرائيل حول رفقة الأرامية وباعدت بينما. ثمّ كانت مسائل خاصة بالقبائل الاثنتي عشرة وتجمعاتهم (ليئة، راحيل، زلفة، بلهة) ونزاعاتهم. وذكر المؤرخ ما فعله رأوبين ببلهة، أم دان، قبل انتقاله إلى الشمال، وما فعله شمعون ولاوي بأهل شكيم قبل أن يتفرّقا. لهذا عادت الملكية إلى يهوذا الذي هو أصغر منهما. ولكنّ الدور الأهمّ هو دور يوسف الذي كان له مركز الصدارة قبل تأسيس الملكية. وُلد بنيامين من راحيل مثل يوسف الذي أراد أن يحتفظ بأخيه. ولكنّ يهوذا هو الذي يخلّص كلّ إخوته كما يقول المؤرّخ اليهوهي. وهو يعود إلى تقاليد قديمة، أكانت محليّة أم قبليّة، فيعيد تفسيرها، ويجعل الآلهة المحلّية ملائكة في خدمة يهوه. عاد إلى نماذج مصرية أو بابلية فأعطانا خبر عدن (تك 2- 3) وسفرَ عبد إبراهيم إلى حاران (تك 24) وحيلة رفقة (تك 27) وقصة يوسف.
وبعد هذا التاريخ الملكي سيظهر تاريخ نبوي. هي النصوص الألوهيمية في البنتاتوكس حيث روح الله ينتقل من شاول وداود إلى موسى (عد 11). فصموئيل، رجل الله، سيكون النبي وصانع الملوك، وهو ينقل التاج من شاول إلى داود، كما سينقل اليشاع التاج من بيت أحاب إلى بيت ياهو. دوِّن هذا التاريخ، على ما يبدو، في مملكة الشمال وأوساطه النبوية (هو 8: 4؛ 13: 11) فكرّم داود ولكنه لم يكرّم بيته كما لم يكرّم أية سلالة ملكية في الشمال. فالخلاص يأتي من العادات السابقة للملكية التي تعود إلى موسى "الذي أصعد إسرائيل من أرض مصر". وهذه العادات حُفظت في معابد اللاويين (شكيم، الجبال، بيت إيل، دان). يستعيد هذا التاريخ معطيات التقليد السابق مع حسّ أخلاقي أعمق، ويحتفظ بمعطيات ثمينة عن حياة قبائل الشمال وعلاقتها بالأراميين الذين هم إخوة وأعداء معًا. ويرتبط بهذا التقليد سفرُ القضاة المركّز على وصايا الله، لا على شخص الملك.
وأطلّ المؤرّخ الاشتراعي منذ نهاية القرن الثامن وبداية القرن السائح أي بعد زوال مملكة إسرائيل وما طرحه هذا الزوال من مشاكل لاهوتية مرعبة. نحن هنا أمام عمل جديد يتركّز على هيكل أورشليم، ويرتبط ارتباطاً وثيقًا بالتاريخ النبوي في القرن السابق. إنّه يستعمل نماذج بابلية فيَحكم على الملوك بالنظر إلى أمانتهم وخيانتهم للمعبد الوطني، ويقدّم تاريخًا متوازيًا للملكتين. ترك الآباءَ جانبًا ولم يحتفظ من أخبارهم إلاّ بالمواعيد والأقسام التي تركها الله لهم. عرف الملكية، ولكنّه جعلها تحت مراقبة الشريعة والكهنة اللاويين (استودعت الشريعة بين أيديهم) والأنبياء. يبدأ هذا التاريخ مع سفر التثنية، وينتهي مع كتاب الملوك. وستكون له وجهتان: وجهة علمية تظهر باستعمال المراجع الرعية والمحفوظة في المدينة، وجهة شعبية تظهر باستعمال دورات الأنبياء، دورة إيليّا ودورة أليشاع. 
ونصل إلى المؤرّخ الكهنوتي. فهو يجهل الملكية ويبني تاريخًا مبتكرًا لشعب إسرائيل وسط الأمم. تتركّز حياة إسرائيل حول معبد. ظهر الله للأنبياء بطريقة عابرة. ولكنّه، منذ موسى، حاضر وسط شعبه، بواسطة شريعة ليتورجية قديمة وخدمة عبادية يقوم بها الكهنة الهارونيون. ويمتدّ هذا التاريخ، فيصل إلى أسفار الأخبار وعزرا ونحميا التي تركّز كلامها على عبادة الهيكل وإصلاحاته، كما تتضمّن معلومات عديدة عن تاريخ ما بعد الجلاء وعن تحرك القبائل في زمن الملكية. ولكن، إذا قابلنا كتاب الأخبار بكتاب الملوك، فهمنا أنّه يجب أن نستعمل بحذر كتاب الأخبار لنتحدّث عن المرحلة الأخيرة في تاريخ الشعب.
وهكذا، نأخذ بعين الاعتبار مختلف وجهات التاريخ البيبلي، فنحاول أن نكتب التاريخ السياسي لشعب إسرائيل البيبلي كل مراحله في تطور الشرق الأوسط المبلبل. ونقمهم عملنا إلى خمسة فصول. الأوّل: قبل ملكية داود: القبائل وحياتها. الثاني: امتلاك الأرض. الثالث: المملكة الموحّدة. الرابع: المملكتان: إسرائيل ويهوذا. الخامس: من نبوكد نصّر إلى الاسكندر.
الفصل الثاني عشر
زمن القبائل

نحن هنا في زمن القبائل وقبل ملكية داود.
نتوقّف على أربعة مقاطع: القبائل، تجمّع القبائل، في طريق الاستقلال، حياة القبائل.
الدولة المَلَكية في الشرق القديم هي نقطة ارتكاز تساعدنا على تدوين التاريخ وتثبيت التقاليد الدينية. فإذا أردنا أن نكتب تاريخ إسرائيل السياسي، وجب علينا أن ننطلق من ملكية يهوذا لا من إبراهيم وموسى. إنّ تأسيس الملكية طرح أسئلة على مختلف القبائل الموحّدة، بل على البلاط الملكي نفسه. ولكنّ هذه الأسئلة لا تُطرح إلاّ إذا حدّدنا موقع هذه الملكية في تقاليد الماضي وحياته. فالدولة الموحّدة جاءت بعد طريق طويلة انعكست في تدوين أسفار التوراة. فالأرض التي دخلتها قبائل إسرائيل كانت أرض كنعان قبل أن تصير أرض إسرائيل.
حين جاءت القبائل وجدت مدنًا (عد 35: 11). عاشت في وفاق مع أهل هذه المدن قبل أن تحتلّها وتحاول أن تفرض عليها تفكيرها. انغرس شعب إسرائيل في كنعان، ولكنّه ليس كنعان. والبنى السياسية المتعاقبة التي مرّ فيها قبل أن يصبح جماعة ما بعد الجلاء، هي من كنعان ولكنّها ليست فقط من كنعان. ونحن سنتتبعّ هذا النمو الأصيل وسط حالات وعوائد مشتركة بين شعب إسرائيل وجيرانه.

أ- القبائل
1- القبيلة
أقدم واقع سوسيولوجي هو القبيلة، ولكنّ هذا لا ينفي النواة العائلية. فالكتاب لا يتكلّم عن "أبناء إبراهيم " ولا عن "أبناء إسحق "، بل عن "زرع " (أو نسل) إبراهيم (تك 13: 16) وبيت إسحق (عا 7: 16). ولهذا، نحن لا نبدأ تاريخ إسرائيل السياسي مع إبراهيم الذي ليس جد قبيلة تحمل اسمه. فالتوراة تتحدّث عن بني إسرائيل الذين يتألّفون من 12 قبيلة ترتبط بشكل أو بآخر باسم إسرائيل. ويتّفق المؤرّخون على القول باستقلالية القبائل. وتظهر هذه الاستقلالية في قبائل الشرق الأوسط نصف البدوية كما في مراسلات ملوك ماري في القرن الثامن عشر ق. م. وفي النصوص البيبلية (قض 1). توسعت الدراسات الحديثة في القول بأنّ القبيلة في أصلها إتنيّة، وإن كانت على علاقات مع قبائل أخرى ومدن. يهمّها أن تحتفظ بحرّية تحرّكاتها، ولهذا فهي تأخذ حذرها من حكّام هؤلاء المدن.
تألّفت القبيلة العبرية من بيوت (بيت في العبرية والعربية، بيتو في أكادية ماري) أو عائلات (مشفحة، رج تك 38:24 ؛ 1 صم 20: 29). حين تتحرّك القبيلة، يسير كل واحد مع بيته (1 صم 3:27؛ 2 صم 3:2) الذي هو"بيت الاب " (بيت أب في العبرية). وتختلف القبيلة الإسرائيلية عن القبيلة البدوية المركّزة على الجمل. فهي تعيش من قطعان الغنم التي تسير على مهل (تك 13:33) وتحتاج إلى الماء (تك 21: 25؛ 26: 16 - 33). والقبيلة تستطيع أن تمتلك أرضاً (تك 26: 12) وترعى البقر مثل الحانيين والبنيامينيّين في ماري. وقد يكون لها حظائر وقرى تقيم فيها النساء والأولاد. وتنتقل القبائل وسط المدن والحقول المزروعة، فينهبون ويسلبون ويتركون المكان (تك 27:34 ي).
2- الرئيس
رئيس العيلة هو الآب وقد يكون الجدّ. يأمر وينجب. ويقوم بالذبائح العائلية حين ينصب الخيام أو يوسعها حين يجز الغنم أو يختتن ابنه أو ربمَا يطّلق امرأته. يقود أبناءه إلى الحرب ويفاوض في زواج بنيه وبناته، وينذر النذور ويبارك. حين يموت ينضمّ إلى جماعته (عم في العبرية. في السريانية عمو في العربية العم يعني الجماعة الكثيرة) في القبر المشترك. ولكنّ كلمة "عم" تدلّ أيضاً على شقيق الوالد. فإن غاب العم مارس أقرب الأقرباء حقّ الولي (جائل في العبرية) الذي ينتقم للدم ويكفل قريبه اذا دعت الحاجة في المحكمة. له الأفضلية في حال بيع الأرض، وهو كوارثٍ يتزوّج امرأة الميت ويجمع خيراته.
تروّج الفتاة فتأتي إلى بيت الزوج ويميل الزوج إلى اختيار زوجته بين أقرب الأقارب، في بيت عمّه. وقد سُمح للرجل بأن يتزوّج أخته من أبيه لا من أمّه (تك 20: 12 ؛ 2 صم 13:13). وإنّ لابن العم حقًا مميزًا على ابنة عمّه، وهذا ما لاحظه العلماء عند عرب موآب في بداية هذا القرن. ولكن قد يحصل أن يتمّ الزواج بطريقة مغايرة، فلا قاعدة في قبائل تحاول أن تحافظ على استقلالها.
القبيلة هي تجمّع عائلات (في العبرية: مطه ثم شبط. في العربية سبط. وفي السريانية: شبطو). الصورة هي صورة فرع يخرج من جذع مشترك (شجرة العائلة). تتقارب العائلات في الواقع او بالخدعة. وتبدو سلطة الرئيس ضعيفة. سيجد يعقوب صعوبات مع أبنائه، وهو بهذا يختلف عن إبراهيم وإسحق. والسلطة ترتبط بشجاعة الآب أو بإمكاناته لفضّ النزاعات. إنّ هؤلاء الرؤساء يقابلون الشيوخ عند العرب، والسوغاغو عند الحانيين والبنيامينيين في ماري. وقد يكون النفوذ كبيرًا فيحتفظ الإنسان بلقب الرئيس وينقل سلطته إلى ابنه البكر أو الثاني. وهنا تنشأ مشاكل الخلافة. قد تقبل عائلة بالرئيس الجديد (أو القديم)، ولكنّ قد ترفضه أخرى فتنتقل إلى قبيلة أخرى. كان كرمي من قبيلة رأوبين في 1 أخ 3:5 فصار من قبيلة يهوذا في 1 أخ 4: 1 ويش 7: 1. وزارح هو من أدوم في تك 36 :13 فصار من يهوذا في تك 03:38 ارتبط حُفيم وشُفيم بمنسّى في 1 أخ 7: 15، فصاروا من قبيلة بنيامين في عد 26: 39، وهذا ما يفسر العلاقات الوثيقة بين يابيش جلعاد وبنيامين (قض 21: 14؛ 1 صم 11: 1ي). واحدة من عشائر بنيامين في ماري (يارعو) تحمل اسم أريحا البنياميني. ولكن سائر الأسماء لا تتشابه. بمَا أنّ هناك خمسة قرون من الزمن بين هؤلاء وأولئك، فقد تحفّظ المؤرّخون عن القول بارتباط بنيامين ماري ببنيامين إسرائيل.

3- الأجداد
بين أسماء أجداد العائلات الإسرائيلية القديمة، يبرز إسم أبرام الذي صار أبراهام بعد انتقاله إلى الغرب (حسب نواميس علم الأصوات في الغرب السامى). أبي رام (تحذف الياء فيصير أبرام) هو اسم من بلاد الرافدين في النصف الأوّل من الألف الثاني. يشير إلى عبادة الاله- الآب، ويترجم: الآب يحب. ولكن حين انتقل إلى الغرب في المنطقة الأمورية (ماري ثمّ اوغاريت) عنى: الآب هو رفيع. واسم أوّل إله في لائحة الآلهة في أوغاريت هو"إيل أبي" أي الله أب (لا الله أبي). وقد عرّفتنا نصوص ماري إلى أسماء أمكنة نجد فيها أسماء أقرباء إبراهيم (ناحور، سروج). وبمَا أنّ حاران هي موضع عبادة القمر (أسماء أقارب إبراهيم: تارح، لابان)، قال الاختصاصيون إنّ ابرام هاجر من حاران إلى كنعان. قد تكون تمَّت هجرة أولى من أور إلى حاران، ولكن لا يزال القول موضوع جدال. وحسب سفر التكوين، مرّ أبرام في معابد شكيم والعي وبيت إيل، ولكنّه أقام في منطقة حبرون ثمّ بئر سبع. وهنا تختلط التقاليد عن أبرام بالتقاليد عن إسحق (ق تك 26: 1 ي و 9:12 ؛ تك 20: 1 ي؛ و21 : 22، 34). هناك أسباب معقولة تجعلنا نقول إنّ إبراهيم هو "ابرهن"، أمير شمعون، الذي تذكره نصوص اللعنات المصرية. فاسم شمعون ارتبط بمنطقة بئر سبع حيث أقام إبراهيم (تك 21: 22- 34). ولكنّ الاعتراضات ما زالت عديدة.
إنّ نصوص ماري ونصوص اللعنات المصرية تنتمي إلى القرن الثامن عشر ق. م. الذي يصل بنا إلى نهاية عهد الأموريين. فالأموريون ساميون من الغرب. وأمورو في نظر البابليين هي منطقة في الغرب، هي منحة البدو الخطرين في جبل بِشري. وستكون أمورو في نظر المصريين منطقة لبنان الجبلية. وتأسست دولة امورو. الشعب هو من البدو ومن الحضر، وهذا ما نكتشفه في نصوص التوراة.
هناك براهين تساعدنا على تحديد عصر إبراهيم وهجرته في العهد الأموري: نتعرّف إلى اسم أبرام واسم يعقوب، والانتشار الثقافي في مدينة بلاد الرافدين في منطقة سورية ولبنان وفلسطين في أيّام السلالة الامورية، واكتشاف طرق التجارة في عهد البرونز. ولكنّ تك 14 الذي ساعدنا على تحديد هذا الزمن هو اليوم موضوع جدال وهولا يساعدنا على اسناد كرونولوجيا. لهذا، إنطلق بعض العلماء من تنقيب في النقب فعادوا بإبراهيم إلى حوالي السنة 2000 (القسم الأوّل من البرونز الوسيط، أو بين البرونز القديم والبرونز الوسيط). وهناك فئة ثالثة لفت نظرها قلّة الأسماء بين إبراهيم وموسى في التوراة، فجعلت إبراهيم يعيش في القرن الرابع عشر أو الثالث عشر وهم يستندون إلى الطابع المتأخّر للموجة الأرامية، إلى القياس بين عادات الآباء وعادات الحوريين التي تخبرنا عنهم نصوص نوزو، إلى عمل عبيرو في زمن تل العمارنة (القرن الرابع عشر)، إلى المقابلات مع أوغاريت. هذه المعطيات أكيدة، وهي تمنعنا من أن نؤرّخ بعض المشاهد من حياة الآباء في زمن الأموربين، كما أنّها تساعدنا على فهم إسرائيل، ذلك الأرامي التائه (تث 26: 12) اكثر ممّا كان إبراهيم وإسحق ويعقوب.
إنّ يعقوب (الذي سيصير إسرائيل) يرتبط بإبراهيم، ولكنّه لم يكن وحده. فالتقليد التوراتي يجعل الإسماعيليين (العرب) في جنوب يهوذا يتحدّرون من إبراهيم بواسطة هاجر التي توجّهت إلى لحي روئي (تك 16: 14) كما توجّه إسحق (تك 24: 62) إلى قادش. وارتبط بإبراهيم أيضاً بواسطة قطورة (تك 25: 1- 4) المديانيون وسائر قبائل شمالي شبه الجزيرة العربية مثل ددان. وحين كان إبراهيم قرب حبرون سُمي "العبراني" (تك 14: 13) وقيل إنّ ممرا هي أمورية. ولكنّ تك 25:10، 28 يربط عابر، جدّ العبرانيين بعرب الجنوب (حضرموت، اوفير، سبأ) ويجعله ابن أخي فالج. ثمّ هناك تقليد يربط تأسيس حبرون بتأسيس صوعن (أو تانيس) حين دخل الهكسوس إلى مصر في نهاية القرن السابع عشر (عد 13: 22). فمن المعقول إذًا أن نرى في إبراهيم رئيسًا قويًّا تسلّط على مجموعة من القبائل في جنوبي فلسطين في ذلك الزمان. يبقى أن نعرف كيف ارتبطت به المجموعات اللاحقة عبر زمن الهكسوس (1750- 1580) حين سيطر أمراء ساميّون على الدلتا.

ب- تجمّع القبائل
إذا كانت القبيلة تشمل "بيوتًا" أو "عائلات" تتحدّر من جدّ واحد بالدم أو بخدعة قانونية، فالامر يصحّ حين نتكلّم عن تجمّع القبائل.

1- اتّحاد القبائل
قد تتّحد قبيلتان قريبتان، من البدو أو من أنصاف البدو، بطريقة احتفالية برباط الأعمام (بني عمي) حول سيف مغروز في الأرض. حينئذ تعتبر المجموعة نفسها "أبناء عم" المجموعة الأخرى، وهذا يفترض جدًّا مشتركا. إذًا علينا أن نتعامل بروية مع رسمات الأنساب. فهي تعني رباطًا، ولكن قد يكون رباط الدم أو رباط الأعمام. فرباط الأعمام متين ولا يقطعه إلاّ القتل أو السرقة. إذا سُرق غنم دفع السارق لصاحبه أربعة أضعاف (خر 37:21). وابن العم الذي وجد بهيمة ضائعة يردّها إلى صاحبها ولا يطلب تعويضًا (خر 23: 4- 5). والبهيمة المسروقة التي يتعرف اليها صاحبها عند بني عمه تعاد إليه ولا يدفع تعويضًا (خر 22: 11). إنّ هذه القرابة "العمّية" تخلق بين القبيلتين عهدًا حقيقيًا وقت الهجوم ووقت الدفاع. ومن المعقول أن تكون بعض القبائل الإسرائيلية (دان ونفتالي، أو منسى وافرائيم) قد اتّحدت لتدافع عن نفسها ضدّ مملكة حاصور القوية، أو لتدخل أرض كنعان.

2- التبنّي
تعرّفنا نصوصُ سفر التكوين بطريقة اتّحاد أخرى هي التبني. ونحن نستشفها في وضع منسى في تك 23:50: "ولد بنو ماكير بن منسى على ركبة يوسف". أمّا يوسف فرأى الجيل الثالث من أبناء إفرائيم. من وُلد على ركبة إنسان يعني أنّه تبنّاه. هكذا تبنّت راحيل ابني بلهة (تدُ 3:30) ويعقوب ابني يوسف (تك 12:48). فإن كان التشريع الموسوي يجهل التبني، فالحوريون في نوزو، شرقي الفرات، يمارسونه على نطاق واسع. فالشارون يتبنّون الاشخاص الذين اشتروهم. وليس هذا هو الاثر الوحيد لتأثير الحوريين في تقليد الآباء. فقد فسّر أحد الشّراح الخبر المثلث الذي فيه قدّم إبراهيم وإسحق زوجتيهما وكأنّهما اختاهما، على أنّه مأخوذ من العادة الحورية التي تؤمّن وضع الزوجة فتعطيها وضع الأخت. وأحد امتيازات الوارث هو أن يمتلك الأصنام البيتية الصغيرة، أي آلهة البيت (ترافيم في المحبرية). هذا ما فعلته راحيل (تك 31: 34). ودور لابان في زواج رفقة في حاران ابر من دور بتوئيل الآب. فدور الأخ البكر مهمّ جدًّا في نوزو. إنّ بقايا هذه العادات الحورية تُلقي ضوءًا على تقاليد ستبدو غريبة لمؤلّفي سفر التكوين.

3- كنعان والحوريون
عرف الكتبة المصريون منذ عهد تحوتمس الثالث (حوالي 1468- 1436) بوجود "حورو" في آسية: إنّهم أسرى في جازر. وفي عهد السلالة التاسعة عشرة سيكون حورو أحد أسماء كنعان. ومنذ امينوفيس الثاني (1438- 1412)، دل كنعان على اسم مكان في النصوص المصرية. سيطر الحوريون على سورية الشمالية إلى الفرات. ولكنّ الأمير الحوري ادريمي (من ألالخ) هرب إلى عميّه، في أرض كنعان، منذ بداية القرن الخامس عشر ونجد لمحة عن سكّان كنعان في نُصب لأمينوفيس الثاني: أسر فرعون 36390 من حورو، و 15200 من شوشو، و 3600 من عبيرو، و 179 من إخوة الملوك، و 127 ملكًا. 
وتُعطينا مراسلة تل العمارنة فكرة أوضح عن كنعان في القرن الرابع عشر فحين حكم المصريون البلاد، وُجدت أسماء ملوك سامية وحورية وهندو أوربية. ملك أورشليم هو حوري. وقد يكون أرونا ايبوسي (2 صم 18:24 ي) حوريًا. وبعد زمان العمارنة، عاد الساميّون بقوة، فكان منهم ملوك مثل ملكيصادق وادونيصادق (يش 10: 1). وحين دوِّنت نصوص التكوين اليهوهية، بدا الحوريون وكأنّهم ينتمون إلى الماضي. حلّت محلِّهم مملكة ادوم التي سبقت مملكة إسرائيل (تك 36: 20- 31). وقد تدلّ قبيلة حور المديانية (عد 8:31 ؛ يش 13: 21) وحور إفرائيم (1 مل 8:4) وحور يهوذا (خر 31 : 2) على آثار للحضور الحوري في أرض كنعان.

4- عمرو أو العبرانيون
ما هي مكانة المجموعات الإسرائيلية في زمن تلّ العمارنة (حوالى 1370- 1350 ق. م.)؟ هل هم خصوم القوة الفرعونية، هل هم عبيرو رسائل أورشليم؟ من الاكيد أنّ عبيرو- عبريم (أوغاريت) هو "عبرو" (مصري) وهو "عبري" (التوراة). فهؤلاء العبرانيون هم مجموعات رهيبة تحتلّ المدن الكنعانية. فعملُ كعون ولاوي في تك 34، يُشبه أعمال عبيرو ضدّ مدن كنعان. ولكنّ عبيرو أوسع من قبائل إسرائيل. أمّا طبيعة هذه المجموعات فتبقى سرًّا من الأسرار. قد نفكّر بالارستقراطية الهندو أوروبية التي عاشت في مملكة ميطاني مع الحوريين وأعطت ملوكًا في كنعان في أيّام العمارنة. كير أنّ هذه المجموعات قريبة من الحوريين وإن تميّزت عنهم. ففي أيّام سيتي الأوّل (السلالة التاسعة عشرة، حوالي سنة 1300) ما زال وجودهم يهدّد منطقة بيت شان. ولقد لعبوا دورًا مهما في زمن شاول ثمّ اختفوا. وقد اعتبر المصريون والفلسطيون بعض الإسرائيلين من "عبريم- عبيريم". قد تكون تمت عمليّات اندماج وتزاوج بين الإسرائيليين وعبيرو. ولقد تركت الغادات الحورية تأثيرها في قبائل إسرائيل ولاسيّمَا في مجموعة راحيل.

5- أراميون وإسرائيليون
إرتبط دخول بني إسرائيل إلى أرض كنعان بدخول الأراميين. فقبل تجلت فلاسر الأوّل (حوالي سنة 1100 ق. م.)، لم يُعرَف الأراميون إلاّ باسم مدينة من المدن دوّن اسمها في اللوائح المصرية أو ببعض أصماء أشخاص معزولين. هذا يكفي لنقول بأنّه حوالي القرن الثالث عشر ق. م.، وقبل ظهور المجموعة الأرامية في التاريخ، كان ضغط أرامي على سوية. هذا الضغط وضع حدًّا لمملكة أمورو التي ظلّت قويَّة حتّى زمن الملك مُوَاتالو والفرعون المصري رعمسيس الثاني (1300- 1235). اتّفق هذان الملكان بدل أن يتقاتلا، والتهديد بأتيهما من أشور. فزحف الأموريون على موآب وتسلّطوا عليها بقيادة سيحون (عد 8:21)، كما زحفوا على كنعان عند جنوبي حرمون.
كان اسم إسرائيل اسم شخص في نصوص أوغاريت (القرن الرابع عشر، الثالث عشر) فصار اسم مجموعة في التوراة. عاش قرب يبوق (تك 29:32) على حدود جاد ومنسى (ماكير) قبل أن يصل إلى شكيم (تك 33: 20) حيث تقيم عشيرة ايعازر المنسّاوية (عد 26: 30). واسم إسرائيل هو اسم عائلة "إسرائيل المنسّاوية" (عد 26: 31). من الممكن أنّه بفضل موجة أرامية في جلعاد (تك 47:31- 49)، اتّحدت قبيلة من قبائل راحيل (جدّها إسرائيل) بقبيلة من قبائل ليئة أو زلفة (جدّها يعقوب). وبعد هذا صار الجدّان، أي اسرائيل ويعقوب، شخصًا واحدًا. ومهما يكن من أمر، فإن نُصب الفرعون منفتاح (حوالي 1230) يشهد على دخول إسرائيل إلى ما وراء الأردن. وإسرائيل مجموعة من البدو لم تتحضّر بعد، وهي تقيم بين بيت شان وجازر.

6- الآباء
يتجادل المؤرّخون في العلاقات الدقيقة بين إبراهيم وإسحق ويعقوب وإسرائيل. كثيرون منهم يرون قرابات قانونية (خدعة) بين عشائر متمايزة. "فآلهة الآب" لهذه العشائر المختلفة هي مختلفة: "إله (أو ترس: تك 15: 1) أبرام، "فحد" (مهابة أو قرابة) إسحق (تك 42:31)، "أبير" (تخفيف أبّير: رج تك 24:49؛ أش 1 :24، عزيز) يعقوب. 
والمعطيات أكثر تشعّبًا. ففي أشعيا نحن أمام "أبير" إسرائيل، لا "أبير" يعقوب. ثمّ إنّ إله (إيل) إبراهيم يدلّ على إله يعقوب الشخصي (تك 28: 13). وسنجد عبارة "فحد أبي اسحق" (تك 53:31) في فم يعقوب حين قطع عهدًا مع لابان في منطقة غاب عنها تقليدُ إسحق (ولكن رج عا 16:7) وارتبطت بيعقوب قريب إسحق. وفي الجنوب، امتزجت تقاليد إبراهيم وإسحق بحيث إنّ التقاليد عن البئر والمعاهدة مع أبيمالك تنتقل من الواحد إلى الآخر. وإذا سرنا إلى الجنوب، وجدنا أنّ إبراهيم "نصَب خيامه" في ممرا ثمّ تركها. إذًا نستطيع أن نتكلّم عن قرابة بين إبراهيم وإسحق ويعقوب شرط أن نقول إنّ مجموعات إسرائيل انضمّت إلى مجموعات يعقوب المتفرِّعة من إبراهيم، وذلك بفضل تحرّك الهكسوس ودخول الحوريين وضغط الأراميين.
قارب العلماء بين ليئة والاكادي "ليتو" التي تعني البقرة. وقالوا إنّ راحيل (النعجة) تشير إلى المواشي والقبائل التي تمتلك قطعان الغنم. ويمكننا أن نقدّم الفرضية التالية: إنّ القبائل التي وُلدت أولاً حسب التقليد البيبلي (تك 29: 32 ي) كانت أولى القبائل المتحضرة، كما هو الأمر بالنسبة إلى إسحق في أرض كعون (تك 26: 12). إنّ هذه القبائل الأولى (رأوبين، شمعون، لاوي) ستنتقل إلى الجنوب والجنوب الشرقي بعد الذي حدث في شكيم (تك 34)، وستتصل ببئر سبع وحبرون اللذين هما مركزا تقاليد إبراهيم وإسحق. أمّا سائر قبائل ليئة (يسّاكر، زبولون) فهي تظهر في تك 31 بعد تدخّل راحيل وبروز دان ونفتالي ومجموعة جاد وأشير.
ومع أنّ العلاقات كانت وثيقة بين هذه القبائل، فقد ظلّت كل منها تعيش حياتها بصورة مستقلة. عاش شمعون قرب بئر سبع وتعرّض لمضايقة المصريين. ووجد لاوي نفسه كقبيلة محاربة قرب أدوم (خر 32: 25- 29). وستعرف حوليات الفرعون شيشانق في القرن العاشر"نقب لاوي". وستلتقي الجيوش المصرية بأشير على الشاطئ وتذكره بردية أنستاسي الأوّل على أنّه بين مجدو وشارون. ثمّ نجده على الشاطئ في يش 13: 2، وعد 24: 24 (تختلف الكتابة. أشورو في 2 صم 2: 9 ؛ اشور، عد 24: 24). ترك اشير أثرًا في جبل إفرائيم (1 أخ 7: 30 ي) وارتبط يحاد المقيم في شرقي الأردن.
إنّ القبائل تتحرك في كنعان المقسّمة وغير المستقرّة، والتي تجول فيها جيوش رعمسيس الثاني ورعمسيس الثالث (1197- 1165) قبل أن تتفكّك الإدارة المصرية في المنطقة.

ج- نحو الاستقلال
1- وتراجعت مصر
حافظ رعمسيس الثاني ومنفتاح على سيطرة مصر على كنعان وجنوبي لبنان. واجتاحت جيوش رعمسيس الثالث فلسطين، بعد أن قهر هذا الفرعون شعوب البحر عند مصبّ النيل وأقام أحد شعوب البحر، وهم الفلسطيون، على شاطئ غزة في عقرون حوالي سنة 1180. وانطلقت الجيوش المصرية إلى الصحراء، فاصطدمت بشوشو عند هيكل المنية (تمنة) في عربة، وعلى حدود أدوم. ونجد أيضاً آثارًا لرعمسيس الرابع في تمنة، ولرعمسيس الثامن ورعمسيس التاسع في جازر. وفي النصف الثاني من القرن الثاني عشر، أي بعد سنة 1150، زال الوجود المصري. وبرزت ممالك أدوم وموآب وعمون قبل أن تتكوّن مملكة إسرائيل (تك 36: 31). وتذكّرت القبائل انّها حاربت الجيوش المصرية بين الأردن والبحر المتوسّط قبل ان تصطدم بالمدن الكنعانية (المحصّنة، اسمها مجدل) وملوكها. وحين نقرأ سفر القضاة لن نجد أثرًا للوجود المصري.
وأحسّت قبائل البدو أو أنصاف البدو أنّها حرة تجاه السلطات المنظّمة في المدن (الحانيون والبنيامينيون في ماري). ولكنّ هذه القبائل لا تملك الأرض التي ترعى فيها قطعانها. فالآباء هم ضيوف وغرباء (جريم في العبرية رج كلمة جار في العربية). وعلى إسحق ان يترك المكان لأبيمالك في جرار (تك 26: 16- 17)، وعلى يعقوب أن يهرب بعد حادثة شكيم (تك 35: 1). فماذا أرادت هذه القبائل الاستقلال، فلتمتلك الأرض والمدن. وهذا لن يكون لها قبل متاهات طويلة احتفظت بها القبائل في ذاكرتها.

2- وصعدوا من أرض مصر
وظلّ التحرّر من الوصاية المصرية عالقًا في ذاكرة شعب إسرائيل. سمّي الخروج (اكسودوس)، بالنظر إلى ما حصل للمجموعة التي أقامت في الدلتا وهربت في يوم من الأيّام. ولكن لا ننسى أنّ العبارة البيبلية القديمة ليست "خرجوا من أرض مصر" بل "صعدوا من أرض مصر". فقوّة مصر كانت في كل مكان، ولكنّها لم تتسلّط بطريقة دائمة إلاّ في السهول والوديان. ولقد اهتمّ شعب إسرائيل باحتلال مرتفعات البلاد. انطقوا من مصر أو جاسان، من العربة أو وادي الأردن. هذه هي العبارة التي يحتفظ بها النبي هوشع (12: 14)، وهذا هو إطار رؤيا حوريب (خر 3: 8، 17). وفي نظر ميخا المورشتيّ (الذي عاش على تلال يهوذا)، أُرسل ثلاثة رؤساء أمام اسرائيل ليُصعدوه من بيت العبودية: موسى، هارون، مريم. وحسب التقليد، مات الثلاثة خارج الأرض الموعود بها: ماتت مريم في قادش (عد 20: 1 ) جنوبي بئر سبع ولحي رؤي (تك 16: 14). ومات هارون على حدود أدوم (عد 20: 23)، في جبل هور أو في موسير قرب منطقة الآبار وسبل المياه (تث 6:10- 7). ومات موسى في نابو في موآب (عد 34).

3- موسى
المشكلة التاريخية هي في ان نعلم كيف ولماذا سيطر موسى على سائر الرؤساء الذين اتّسموا هم أيضاً بالطابع المقدّس. لماذا أعطى اليهوهي بشميلته الملكية واليهودية مكانةً كبيرة لموسى الذي ظلّ ذكره حيًّا في قبائل الشمال (هو 12: 14)؟ وتقليد مريم في قادش! فمريم هي من النمط النبوي وقد ارتبط ذكرها بذكر عبادة فيها الرقص (خر 15: 21) والشفاء (خر 15: 26 ؛ عد 12: 11- 16)، وتذكّر انتصار الإله على البحر كما في عبادة بعل صفون (خر 15: 21). واعتبر بعض العلماء انّ ذكر مريم ارتبط بذكر هارون (خر 15: 20 ؛ عد 12: 1) قبل أن يرتبط بذكر موسى. أمّا اتصالات بني إسرائيل بقادش فقد نقلتها المجموعات الكالبية (عد 13) والقينية (عد 10: 29- 32). سيقيم كالب في حبرون. أمّا المجموعات القينية فطُردت من عشّها (قن، رج عد 24: 21) ولم تعرف الاستقرار فظلّت على حال البداوة تتجوّل من جنوب يهوذا (1 صم 15: 6؛ 27: 10؛ 29:30) حتّى سهل يزرعيل (قض 11:4).
وارتبط ذكر هارون "اللاوي" (خر 4: 14) بقبيلة لاوي. كانت تلك القبيلة مقاتلة في تك 34 وخر 25:32- 29، فتشتّتت. ولكنّها انغرست فيما بعد في جنوبي شرقي يهوذا على حدود أدوم (يش 13:21- 16) وحتّى حبرون. يبقى أن نعرف: هل جاء ابناء هذه القبيلة إلى أورشليم حيث سنجد الكاهن صادوق في زمن داود (1 أخ 5: 29- 38؛ عز 7: 1- 5)؟ وهل هم أولئك الذين حملوا عبادة العجل الذهبي إلى بيت إيل؟ وإنّنا نجد أيضاً في دان عائلة موسى، لأنّ يوناتان بن جرشوم (قض 18: 30) هو موكّل على حراسة المعبد.
لقد حملت التقليدَ الموسوي قبيلةُ افرائيم القويّة التي إليها ينتمي يشوع الذي يُسمَّى خادم موسى (خر 13:24؛ 33: 11؛ عد 11 : 28) في النصوص الألوهيمية... أمّا في نظر هوشع، فموسى هو نبي. وفي عد 12: 7، هو الحارس الأمين لمعبد يهوه. وعلاقاته مع رأوبين في أرض موآب هي ثابتة. فهناك ثورة الرأوبينيين وأتان وأبيرام (عد 16)، وهناك زواج المديانية أو الكوشية (خر 2؛ وعد 12: 1) مع العلم أنّ العلاقات كانت وثيقة بين المديانيين والموآبيين في ذلك الزمان (عد 22: 4 ،7). ونجد أخيرًا نصوصًا متأخّرة تجعل هارون في مصر، بينما يبدو اسم موسى مصريًا وكذلك اسم فنحاس (عد 7:25؛ 1 صم 1 :3) ومراري (عد 57:26) الذي ولد في مصر ثمّ تركها برفقة اليوسفيين. أمّا قصّة يوسف في التوراة، فتعود إلى فنّ أدبي واضح، بل إلى عدة فنون. ولكن ليس من الفطنة أن نقول إنّ لا اساس تاريخيا لها البتّة. فوجود الساميين في مصر أمر أكيد. لقد جاؤوا بشكل أسرى (لائحة في القرن السادس عشر)، أو بشكل مجموعات عائلية طالبين اللجوء (بني حسن، انستاسي الرابع)، أو بشكل مهاجمين أقوياء في زمن الهكسوس. ونفهم مجيء وذهاب الجماعات اليوسفية بعملية أسر تمّت في أيّام السلالة الثامنة عشرة أو السلالة التاسعة عشرة، مع سمات تعود إلى التقاليد في زمن الهكسوس. لقد توصّل هؤلاء الساميون إلى تسلّم وظائف عالية (أبيشامو) وإلى ان يتبوأوا العرش المصري (ارسو) بالاغتصاب في نهاية القرن الثالث عشر ق. م. وفي مصر سيُولد إفرائيم بن يوسف (تك 41: 52).

4- الخروج
هناك ولا شكّ خروجان في التوراة. خروج يمر في المعبد السامي في بعل صفون، بين مستنقع سربونيس والبحر المتوسط (خر 14: 2، 9). هذه طريق الفلسطيين بمحاذاة البحر وخروج يتجنّب طريق الفلسطيين (خر 13: 17) فيحاذي البحر الأحمر نحو مارة (يتحدّث المؤرخ سترابون عن المارانيين في هذه المنطقة)، ويتوغّل في شبه جزيرة سيناء، كما كان يفعل المصريون حين يذهبون إلى مناجم الفيروز في وادي المغارة أو سرابيت الخادم. ففي سرابيت، كان هيكل لتكريم الالهة حاثور والإله صفد بِسماته الساميّة. وتشهد الكتابات على وجود عمّال ساميّين.
طريقان لا تتوافقان. لهذا اقترح العلماء فرضية أكثر من خروج. هذه الفرضية نافلة إن قلنا إنّ "الخروج الهرب " هو خروج مجموعة محصورة من العائلات اليوسفية بقيادة موسى، و"الخروج الطرد" هو تذكّر لطرد الهكسوس كما دوّنه التقليد الأدبي الذي نقلته قبائل سامية مثل بني شمعون الذين خضعوا لسلطة مصر في كنعان من القرن السادس عشر إلى القرن الثاني عشر يقع الخروج الهرب في السنوات الأولى لرعمسيس الثاني. حين أقامت السلالة التاسعة عشرة في الدلتا لتراقب الحثيين الذين يهدّدون كنعان، شيَّد سيتي الأوّل سلسلة من الحصون بين الدلتا وغزة، وهذا ما جعل الخروج الهرب غير ممكن بطريق الفلسطيين. أمّا ابنه رعمسيس الثاني فجعل عاصمته في رعمسيس، وكانت فيتوم (خر 1: 11) في وادي توميلات مدينة الحامية والمؤن. واستعان الفراعنة لهذه الغاية بعمّال لم يتعوّدوا مثل هذه الأعمال فتألّموا من وضعهم (خر 5). ولقد اختفوا في يوم من الأيّام ليحتفلوا بعيد الربيع في الصحراء.
من الصعب أن نكتشف الطريق التي اتّخذوها، والهاربون أنفسهم لا يحتفظون إلاّ بذكريات غامضة. امّا جبل كاترين وجبل موسى فلم تدسهما قدَم قبل القرن الثالث ق. م. حيث ترك العرب الأنباط بعض الكتابات. إذًا نعود إلى الشمال الغربي من جزيرة سيناء حيث يمر المصريون ليجلبوا حجر الفيروز أو ليعاقبوا المهاجمين الأسيويين. وقد عرف كاتب مثل موسى محطة سرابيت التي يأتيها ساميّون يمكنه أن يعتمد عليهم. فقد وُجد بين الصحراء الكلسية الشمالية المحرومة من الماء وبين جبل الغرانيت الجنوبي الذي يجهله المصريون، منطقة متوسطة فيها الوديان وسبل الماء. لا ماء في هضبة سرابيت، ولكن بئر نسْب لا تنضب. وقد تجمّعت تقاليد عن القبائل المختلفة وصراعاتها وجبالها المقدّسة في مجموعة معقّدة، فيصعب على المؤرخ أن يجد طريقه فيها. فعلينا أن نطّلع على كلّ نصّ لنكتشف هذا التاريخ.

5- صدامات واحتجاجات
ونلاحظ صدامات بين المجموعة الموسوية وهذه أو تلك من سائر المجموعات. لا يُعقَل أن يكون العماليقيون نزلوا إلى منطقة فاران. إنّها أجمل واحات المنطقة ولكنّها ليست الواحة الوحيدة. وهناك نجد المكان المقدّس في مُنيَجة التي يرتفع فوقها جبل فاران (تث 2:33). ولكن لا نقدر أن نتبيّن موقع جبل فاران وحوريب وسيناء، "جبل الله" (خر 18: 5) وكأنّ كل هذه الأماكن مكان واحد. وحصل لجماعة موسى أن قطعت عهدًا مع قبائل الصحراء، معِ القينيين الذين لم يندمجوا بالإسرائيليين، مع لاوييّ هارون الذي مات على حدود موآب (عد 20 : 23)، مع الكالبيين في قادش (عد 13- 14). ولقد حصل لهم أن اصطدموا بمجموعات أخرى (خر 32- 25). اصطدموا بالأدوميين الذين أقاموا على جبل سعير في جنوبي يهوذا، وبالرأوبيينين مثل داتان وابيرام (عد 16: 1)، وبالعماليقيين الذين سيطروا بعض الوقت على وادي الأردن. ولكنّ أقوى صدام كان مع الأموريين في حشبون، في الشمال الشرقي من البحر الميت. وكانت نتيجة ذلك إقامة إفرائيم في "غابة إفرائيم " (2 صم 18: 6) حيث اتّصلت القبيلة اليوسفية بماكير بكر منسّى الذي تبنّاه يوسف (تك 23:50).
ويجعل التقليد موسى يموت في نابو (تث 34 ؛ عد 3:32)، ولكنّه لا يعرف بالتحديد موضع دفنه. وبالقرب من نابو، في الجهة المقابلة للأردن، يقع الجلجال وهو مكان مقدّس تجمّعت فيه القبائل. من هنا، اخترق يشوع الافرائيمي خطّ العدوّ في منطقة ستُقسم بين بنيامين وإفرائيم (معركة جبعون في يش 10: 10)، وقطع عهدًا في شكيم مع مجموعات أخرى. ولكن لم يكن صدام ولا اتصال مع المصريين أو مع الفلسطيين الذين اقاموا على الشاطئ بعد سنة 1180. وحوالي القرن الثاني عشر ترك الكالبيون قادش وقبر مريم وذهبوا إلى منطقة حبرون (يش 13:14). انضمّوا فيما بعد إلى يهوذا واستولوا مع الشمعونيين على صفات التي سُميت حرمة (عد 3:21؛ قض 1 :17)، أمّا القينيون (يرتبطون بقايين) فطُردوا من عشهم (عد 22:24) فصاروا بدوًا (تك 13:4) وتاهوا في النقب حيث التقوا بشاول (1 صم 6:15) وداود (1 صم 29:30) قرب حرمة (1 صم 30 : 30).

د- حياة القبائل
1- يساكر، زلولون، نفتالي، جاد، رأوبين
يساكر هو في سهل يزرعيل "حمار ضخم " (تك 49: 14) ينقل أحمال الكنعانيين والفلسطيين. زبولون يُبحر مع الفينقيين (تك 13:49). نفتالي قبيلة تعيش من الصيد (تك 49: 31)، مثل أجداد أهل أوغاريت الذين مرّوا عبر بحيرة الحولة قبل أن ينطقوا إلى سورية الشمالية. تنقّل جاد ورأوبين شرقي موآب (عد 21: 11) قبل أن يجدا في بلاد اليعزير وجلعاد الماء الضروري لتربية المواشي (عد 3:32- 4).
في هذا الوقت تكاثر بناء القرى في منطقة غربي الأردن الجبلية. كانت 23 قرية في نهاية البرونز الحديث، فصارت في بداية عهد الحديد (القرن الثاني عشر)، 123 قرية. وصعدت عشائر يوسفية من السهول فاستثمرت التلال الحرجية لأغراض مختلفة (يش 15:17- 18 ؛ قض 1 :27). صنعوا الجلال وزرعوا التلال وبنوا بيوتًا (مؤلّفة من أربع غرف حول دار داخلية)، فتكيّفت وطرَيقة الانتاج الزراعي في ذلك الزمان.

2- منسى وإفرائيم
رافق منسى إفرائيم في عملية استثمار تلال افرائيم الحرجية. فإذا وضعنا شكيم جانبًا، كانت المدن الكنعانية هناك قليلة. ولكنّ العلاقات بين إفرائيم ومنسّى قديمة. ففي تك 23:50، نقرأ عن تبني يوسف (على ركبتيه) نسل منسّى بواسطة ماكير بكره (تك 41: 51). أقام ماكير منذ بداية تاريخ إسرائيل في وادي يبوق وفي مكان لا يبعد كثيرًا عن الأردن (محنائيم، فنوئيل، سكوت). وإنّ تقاليد سفر التكوين تربط جذور هذه المدن بمجيء بني إسرائيل إلى المنطقة الأرامية (تك 3:32، 8: محنائيم؛ 32: 32، فنوئيل ؛ 17:33، سكوت). كانت كالب عشيرة نشيطة وأولى عشائر منسّى في عد 29:26- 34: نحن هنا أمام أسماء مدن ومستوطنات في غربي الأردن. وارتبط ماكير بجلعاد الذي هو أبوه أو ابنه. لا يذكر تك 46: 20، أية عشيرة منسّاوية (أو إفرائيمية) في مصر، وهكذا يختلف الوضع عن سائر القبائل. إذًا، ارتبط ماكير بيوسف (كما سبقه إلى ذلك إفرائيم) بواسطة عهد بين إفرائيم ومنسّى المقيم شرقيّ الأردن.

3- القبائل وشعوب البلاد
كانت لماكير علاقات متشعّبة مع مجموعات أخرى في جلعاد (1 أخ 7: 14- 19). وقد انتقلت عشيرتان من عشائره إلى بنيامين. ولكنّ الاستقرار غلب على العلاقات داخل القبيلة الواحدة. أمّا العلاقات بين القبائل فكانت مؤقّتة: بمناسبة خطر يحدق بهم أو من أجل حملة يقومون بها. وقد وجدت القبائل الإسرائيلية نفسها أمام مدن تسير إلى الانحطاط ومجموعات بشرية متنوّعة. وها نحن نذكر بعضها.
أوّلاً: الكنعانيون. عرفتهم نصوص إبله، ونصوص ماري وكتَّاب مصر انطلاقًا من القرن الخامس عشر أقاموا في المدن وعملوا في التجارة.
ثانيًا: أمورو، أمور. عنت الكلمة لدى البابليين منحة جغرافية: بلاد الغرب الجبلي. وتحدّث كتبة مصر عن الجبل بالنسبة إلى الساحل. أمّا في التوراة، فالكلمة تعني جماعة بشرية سابقة لبني إسرائيل. وقد يكون الأموريون بقايا ساميين بنوا دولة أمورو في القرن الثالث عشر ولكن تفكّكت الدولة وهاجر سكانها إلى شرقيّ الأردن (سيحون) أو إلى تلال غربيّ الأردن (تك 10: 16).
ثالثًا: دلّت كلمة "حثيين " في الألف الأوّل على مجموعة من السكّان الساميين أقاموا في سورية وفلسطين. ولكنّ الكلمةَ دلّت أيضاً على بعض مجموعات المملكة الحثية القديمة الذين انتقلوا نحو الجنوب بعد سنة 1200. إنّهم الجرجاشيون (كركيشا).
رابعًا: الحويون هم جماعة حورية أقامت قرب شكيم (تك 34: 21) قبل أن يُطرد حور من هناك إلى سعير (تك 36: 20).
خامسًا: الفرزيون. جماعة ريفية عرفتها النصوص المصرية، وقد أقامت في الأرض التي سيسكنها بنيامين.
سادسًا: العويون. أقاموا إلى الغرب وارتبطوا بأرض الفلسطين العتيدة.
سابعًا: اليبوسيون. أقاموا في أورشليم وجوارها. أرضهم منحة قاحلة، ولكنّها تمتلك بعض الينابيع (جيحون، عين روجل، عين شمس) على حدود صحراء يهوذا. اليبوسيون هم ساميون وسيملك عليهم ملك حوري (عبدي- هبة) في القرن الرابع عشر.
ثامنًا: الرفائيم. شعب أرامي قديم زال، ولكنّه ترك آثارا قرب أورشليم (وادي رفائيم)، في شرقيّ الأردن (عوج ملك باشان)، وقرب أرض الفلسطيين (2 صم 18:21). انضمّ إليهم عناقيم حبرون (تذكرهم نصوص اللعنات المصرية حوالي سنة 1800).
هؤلاء هم الشعوب الذين سيندمج بهم بنو إسرائيل شيئا فشيئًا.
الفصل الثالث عشر
إمتلاك الأرض

تفكّكت مملكة مصر، وضعُفت مدن كنعان، فاستفادت القبائل من هذا الوضع واستولت على نقاط مهمّة في البلاد. ولكنّ مجيء غزاة آخرين فرض على القبائل أن تتوحّد. فمن خلال ملكية يهوذا سيكتشف اللاهوتيون البيبليون مبادئ الوحدة في إبراهيم الذي ضمّ في نسله بني إسرائيل والإسماعيليين والمديانيين. ولكن حين امتلاك الأرض، سيطرت قبيلة إفرائيم مع المحتلّ يشوع الإفرائيمي. ذهب إلى الجلجال حيث كان معلّمه يتردّد، ومن هناك دعا بني إسرائيل إلى القتال.

أ- إقامة القبائل
إذا قرأنا سفر يشوع اكتشفنا نظرة وحدويّة. فكأنّي بالقبائل تعمل بقيادة رجل واحد من أجل امتلاك الأرض. ولكن النقاد يفضلّون لوحة قض التي تتحدّث عن إقامة القبائل إقامةً تدريجية في كنعان. إنّ سفر يشوع هو شميلة تستند إلى أسس تاريخيّة، ولكنّ القبائل أقامت في أرض كنعان بصورة متفرّقة. وها قد بدأ المؤرّخون يكتبون عن كل قبيلة بمفردها ولاسيّمَا عن بنيامين. ولكن تبقى ترددات حول تنقّلاتها وموضع إقامتها. أن المعقول مثلاً أن يكون عد 33 قد دمج تنقلاّت متعدّدة وهجرات منفصلة (عد 21: 10- 13، 18 -20). وإذا كانت مناطق المسيرات واضحة في المناطق الصحراوية، لأنّ القبائل تحتاج إلى دليل لتذهب من منطقة إلى أخرى، إلاّ أنّ الوضع يتبدّل بالنسبة إلى أنصاف بدو يعيشون كغرباء وسط المدن الكنعانية المنظّمة. ولهذا نميّز المجموعات الجغرافية المختلفة.

1- قبائل شرقي الأردن
هناك نظرية تقول إنّ الذين أقاموا في شرق الأردن هن أناس جاؤوا من الغرب واستعمروا الأرض. هذا ما حدث لجاد. انفصل عن إفرائيم وأقام في جلعاد. وقد أقام رأوبين في الغرب (حجر بوهان وبنو رأوبين) قبل أن ينتقل إلى موآب. وماكير أقام في جبل إفرائيم (قض 5: 14) قبل أن ينتقل إلى جلعاد (تث 3: 15؛ عد 32: 39). إنّ هذه الرقة تناقض التقليد البيبلي وتستند إلى أسسه واهية.
أوّلاً: ليس من أثر لجاد في غربيّ الأردنّ. والاسم عربي كما يبدو. لا شكّ في أنّ هناك خصائص عبرانية بالنسبة إلى الفينيقية التي تفترض وجود عنصر سامي جنوبي إسرائيل. فهذا عائد إلى جاد الذي كان رئيسًا (تث 33: 21). وفي زمن ميشع، يبدو جاد وكأنّه يقيم منذ زمن طويل قرب موآب (القرن التاسع).
ثانيًا: إذا كان أحد أبناء رأوبين ترك أثرًا قرب أريحا، فهذا يفترض غزوًا لرأوبين الذي جاء من الشرق واغتصب بلهة، زوجة يعقوب (تك 22:35). أمّا مسيرات عد 22 فتوافق قبائل أتت من مديان (رأوبين أو جاد) وأقامت شرقيّ الأردنّ.
ثالثًا: لا يفترض قض 5: 14 وجود ماكير في جبل إفرايم. تفرعّ أمراء من ماكير، ونزلوا من شمالي جلعاد (أو بالأحرى من باشان) إلى وادي الأردنّ لينضمّوا إلى إفرائيم وبنيامين، وقد حارب ماكير معهم في سهل يزرعيل. فبِكرُ منسّى هذا ارتبط براحيل. جاء إلى جلعاد بعد جاد حين طردت الهجمة الأرامية راحيل وقبائل يوسف من حران. 
أقدم استيطان هو استيطان رأوبين، بكر الاثني عشر وقد سبق الموجة الأمورية التي جعلت سيحون في حشبون. وبسبب رأوبين ارتبط يهوذا بموآب. أتى رأوبين إلى ممرا، ولكنّه ضعف بسبب الهجمة الموآبية التي وصلت إلى أريحا وبنيامين (قف 3). وفي زمن ميشع ابتُلع رأوبين في قبيلة جاد (تث 6:33).
إذا عدنا إلى عد 32 وجدنا أنّ لجاد مدنًا في أرض رأوبين. وإذا عدنا إلى تث 33: 20- 21 فهمنا أنّه صار رئيس الشعب أو انضمّ إلى رؤساء الشعب. وفي زمن دبورة، صار جاد جلعاد لأنّه ضمّ عليه بعض عناصر أرامية من جلعاد. وسيُسمَّى أيضاً جلعاد حين يتّخذ يفتاح رئيسًا له. وقد كانت ليفتاح علاقات مع أراميي طوب. أخيرّا يرد اسم جاد (جلعاد) مع منسّى في الحرب ضد العمونيين (قض 29:11).
أقام ماكير في البداية في شرقيّ الأردن أي في باشان، على حساب الأراميين (عد 32: 40)، على حساب رفائيم عوج وعنصر حوري نسمّيه مجموعة أرجوب. وأقام معه يائير في قرى يائير ونوبح في قناة. وحين تثبتت مملكة دمشق الأرامية، أفلتت هذه المنطقة الحورانية من قبائل إسرائيل وصارت الحدود قرب مصفاة جلعاد.

2- قبائل وسط غربيّ الأردنّ
نتحدّث أوّلاً عن إقامة إفرائيم. كان الإفرائيميون في "غابة إفرائيم" (2 صم 18: 6) عنصرًا من جلعاد (قض 12: 4). فعبروا إلى "جبل إفرائيم" بقيادة الافرائيمي يشوع الذي دُفن في تمنة حارس (في إفرائيم) قرب بيت حورون، وفي مكان لا يبعد كثيرًا عن بنيامين. ففي بنيامين، إحتفظ التقليد بذكر انتصارات يشوع: أريحا، العي، قبل أن يصل إلى أيالون التي ستكون لدان. وبعض عناصر معركة العي تقع إلى الجنوب في أرض يهوذا (عاكور بن كرمي، في البقيعة الحالية). وأظهر اتفاقان حدودَ الاحتلال الافرائيمي: إتفاق مع الجبعونيين في الجنوب (يش 9، 2 صم 24: 2)، واتفاق في شكيم مع مجموعات يُشك بإيمانها في الشمال (يش 24: 9). عبر إفرائيم المنطقة التي ستصير لبنيامين، قبل أن يقيم على هضابه. لم يستطيع أن يتوسّع، لأنّ الاستيطان صعب في منطقة جبل إفرائيم الحرجية (يش 17: 15). فامتدّ نحو الجنوب حتى وصل إلى بيت لحم (لا نقدر أن نفصل بيت لحم إفراتة عن إفرائيم). وهكذا كان حضور افرائيمي (أو إفراتي) في بيت لحم مع معاهدات في الجنوب حتى تقوع (1 أخ 24:2).
كانت منطقة شمالي جبل إفرائيم وشكيم تخصان إفرائيم لا منسّى. وهذا الاستيطان اللاحق والصعب ترك لإفرائيم نقاطاً معزولة مثل تفوح (يش 17: 8). وإذا عدنا إلى عشائر منسى، لن نجد عشائر يوسفيّة صريحة إلاّ أبيعازر وإسرائيل. أمّا الأسماء الأخرى مثل شكيم وحافر، "وبنات صلفحاد" مثل ترصة، فهي مدن كنعانية إنضمت إلى شعب إسرائيل في أيّام داود. ويبيّن قض 1 :27- 28 بوضوح أنّ الاستيطان المنسّاوي كان أضعف من أن يستولي على المدن الكنعانية. وفي عد 26: 30 (لائحة قديمة) يعتبر حالق وايعازر (أو أبيعازر) وإسرائيل أبناء جلعاد. هذا يدلّ على أنّ منسى الغربي هو استيطان يأتي من جلعاد وماكير وليس العكس.
إنّه وإن وجدت رباطات بين بنيامين وماكير وبنيامينيّي ماري، فقد كانت قبيلة بنيامين فرعًا من افرائيم بعد عبور يشوع. إنّهم أبناء جنوب "افرائيم"، وتد ألّفوا قبيلة عند موت راحيل (تك 35: 16- 21). وانتمت عشيرة بريعة إلى أشير (عد 26: 44) قبل أن تصير عشيرة افرائيمية (1 أخ 7: 23) وترتبط نهائيًا ببنيامين (1 أخ 8: 13). تصوَّر ولادة بريعة في 1 أخ 23:7 على مثال ولادة بنيامين في تك 18:35، بمناسبة الحرب القاسية ضد جتّ قرب أيالون. انحصرت قبيلة بنيامين بين موآب والمدن الكنعانية، فاعطتنا الملك شاول الذي سينتمي إلى عشيرة باكر (بكورت في 1 صم 9: 1) التي كانت إفرائيمية في عد 35:26 وبنيامينية في تك 46: 21؛ 1 أخ 6:7، 8.

3- قبائل الجنوب
احتلّ إفرائيم منحة ثمّ تركها فأقامت فيها قبيلتان: شمعون ولاوي. سَلبا شكيم قبل أن يتراجعا إلى بيت إيل (تك 34: 30- 35: 1). ولكنّ اسم كعون متحرّك مثلُ مقابله المسماري "شمعوتا" الذي عرفته نصوص تل العمارنة. ففي زمن القضاة نجد شمعون في منطقة صقلاج قرب بئر سبع حيث يقيم داود بإذن من الفلسطيين. يظهر استقلال شمعون من احتلاله لحرمة (قض 1 :17)، وهذا يرتبط بتحركات القينيّين الذين طُردوا من عشهم فأقاموا في نقب القينيين (1 صم 27: 10). يذكر سفر الأخبار أنّهم قاتلوا العماليقيين وامتدّت مراعيهم إلى أرضهم (1 أخ 4: 25- 43).
وتشتّت قبيلة لاوي بعد حادثة شكيم. ولكن من الصعب أن نميّز ما كان في الأصل لاويًا، وما صيّره داودُ لاويًا، ما صيّره لاويًا الاصلاحُ الاشتراعي الذي اعتبر كل الكهنة المحليين (أي خارج أورشليم) من بني لاوي. بقي بعض اللاويين في إفرائيم (قض 17- 18)، ولكنّ القسم الأكبر أقام في الجنوب الشرقي ليهوذا. واعتبرت عشيرة زارح من بني لاوي أو من بني يهوذا. وإذا عدنا إلى الأسماء الخمسة في اللائحة اللاوية القديمة في عد 26: 58، نجد لبنة وحبرون وهما مدينتان في الجنوب. وكان لبعض العائلات طابع كهنوتي قبل داود. وستضمّ مملكةُ حبرون عناصرَ من لاوي كما ستضمّ الشمعونيين والقينيين والقنزيين والكالبيين واليرحمئيليين.
ماذا كانت قبيلة يهوذا قبل مملكة داود في حبرون؟ يعرف اليهوهي (تك 38؛ رج عد 26: 20) ثلاث مجموعات أساسية زالت اثنتان منهما: عير، أونان. والثالثة هي مجموعة شيلة الكنعانية المقيمة قرب عدلاّم. وانضمّ إليها بواسطة تامار، مجموعتان إسرائيليتان. الأولى: زارح (كانت له الأولية ولكنّه خسرها) أقام قرب تامار، مدينة النخل (تماريم، قض 1 :16). الثانية هو فارص. أقام في منحة أورشليم وبيت لحم وخرج منه داود (را 4: 18- 22) الذي ارتبط أجداده بالمستوطنات الافراتية (أو الإفرائيمية). اسم يهوذا اسم جغرافي وهو يدلّ على المنصة القديمة التي تحاذي أرض شمشون (قض 15: 11)، قرب عدلام. ولكن قد تكون القبيلة تكوّنت من عناصر فرزية (فارص هي قريبة من فارز) وزارحية ولاوية في حبرون. إنّ عيمناداب ونحشون دخلا في نسب داود. ولكن إذا عدنا إلى خر 6: 23، 1 أخ 6: 6- 7 وجدنا أنّهما من بني لاوي. قد يكون انضمام عناصر لاوية إلى يهوذا قد جعل يهوذا تحلّ محلّ لاوي في بعض لوائح الاثني عشر سبطاً.

4- قبائل الشمال
نستطيع أن نتتبّع مسيرة قبيلة دان. وُلدت من بلهة وكانت عشيرة واحدة (عد 26: 42 ؛ تك 23:46). إتصلت برأوبين (تك 22:35) فأقامت في ارض شمشون. وانفصلت عنها مجموعة مهمة وأقامت في لايش (لاشم الخاضعة للصيدون).
تحدّثنا سابقًا عن مسيرة أشير الذي أقام على الشاطئ الخاضع لمصر قبل أن يخضع للفلسطيين أو الكنعانيين (قض 5 :17). أقام يساكر وزدولون في سهل يزرعيل، ولكنّهم خضعوا للكنعانيين ودفعوا لهم الجزية. كان زلولون أميرًا (زبول) قبل أن يصبح خاضعًا للسخرة (قض 1: 30) مثل يساكر (تك 49: 14). أما القبائل التي عرفت مراعي في جليل الأمم (غوييم، أش 9: 1)، وحيث سيكون سيسرا رئيسًا في حروشت الامم (هاغوبيم)، فلم تعرف الاستقلال ماخلا قبيلة نفتالي. ففي معركة مياه ميروم (يش 11: 1-9؛ قض 5: 18)، تحطَّم تسلّط حاصور، ودلّت حفريّات يادين أن المدينة دُمّرت في أواسط القرن الثالث عشر كان لحاصور إشعاع واسع فعرفها تجّار ماري على الفرات منذ القرن الثامن عشر ولكنها لم تنجُ من الازمة التي وضعت حدًا لممالك سورية وفلسطين في نهاية عصر البرونز الحديث.

ب- اسرائيل في زمن القضاة
نظّم سفر القضاة تاريخ القبائل بين إقامتها في أرض كنعان وتأسيس الملكية حول كلمة "شوفيط". إنه لقب حمله بعض القواد قبل المُلكية. فنظام "شوفط " مؤسّسة عرفها العالم السامي الغربي، وهي تمنح للحاكم سلطة القرار السياسي (كذا كان الأمر في قرطاجة). يقابل هذا النظام المؤسّسة الملكية، ولكنّه لا يتضمّن وجهة الخلافة والهالة الدينية. وقد استعمل سفر القضاة هذه الكلمة ليبني تاريخًا سابقًا للملكيّة يتحدّث عن خلاص الأمّة. ولكن الوجوه التاريخية التي نجدها في هذه اللوحة لا تقابل كلها نظامًا واحدّا. جدعون ويفتاح هما ملكان. كان أهود وعتنيئيل من الرؤساء، وباراق ضابطًا. ونحن لا نعرف القضاة الصغار إلا بقبورهم. ومن اللافت للنظر هو أن الكاتب ربط كلَّ قاضٍ بقبيلة مختلفة. ربط عتنيئيل بيهوذا، وأهود ببنيامين، وباراق بنفتالي، وجدعون بمنسّى، وتولّع بيساكر، ويائير بجلعاد (ماكير) ويفتاح بجلعاد (جاد)، وإبصان بأشير (بيت لحم في زلولون، قض 19: 15)، وايلون بزبولون، وعبدون ابن هليل بافرائيم، وشمشون بدان. فلم يبق إلا رأوبين وشمعون وهما قبيلتان عاشتا على هامش الأحداث وما عتّمتا أن زالتا.

1- بعد نهاية التسلّط المصري
يلفت انتباهنا الفراغ الذي أحدثه زوال التسلّط المصري بعد سنة 1150 ق. م.. فقبل سنة 1200 بقليل، اجتاح شعوب البحر أوغاريت والساحل. وافق رعمسيس الثالث، فأقام الفلسطيون على الشاطئ الجنوبي، والزقاليون على الشاطئ الجنوبي باتّجاه دور. ما استطاعوا أن يضعوا السلم في البلاد، كما سبقهم إلى ذلك المصريون. فامتدوا نحو الداخل سحابة مئة من السنين. إذا كانت العلاقات التجارية أساس وجود الفخاريات الفلسطية في وادي الأردنّ والجبل، فمن الأكيد أنّ الفلسطيين سيطروا حربيًا على بيت شان (وصلوا إليها عبر سهل يزرعيل) وجبعة بنيامين.
ولم يهدّد الفلسطيون وحدهم استقلال القبائل التي دخلت أرض كنعان. فالمديانيون وصلوا إلى عفرة ابيعازر. وحاصر العمونيون يابيش جلعاد. واخضع الموآبيون أرض رأوبين ودخلوا إلى أرض بنيامين.
أمّا القبائل فلم تتّفق فيما بينها إلاّ بطريقة عابرة. كان لإفرائيم الدور الأوّل، وستدلّ المنسّاوي جدعون (قض 8: 1- 3) والجلعادي يفتاح (قض 12: 1- 6) على قوّتها. ولكن لن يخرج من قبيلة إفرائيم رئيس بارز بعد يشوع.
وستأسّس الملكية الأولى في المستوطنات المنسّاوية القليلة العديدة مع جدعون وأبيمالك وتكون من النمط الكنعاني. ففي أيّام تلّ العمارنة بنى لبعايا وأبناؤه مملكة مزدهرة في شكيم. بدأت مملكة جدعون في عفرة، فكان له الحريم كما للملك، وبدا أبناؤه كأبناء الملوك (قض 8: 18). وقد أرسلت إليه الفضة والذهب وكأنّهما جزية. أمّا أبيمالك ابنه فسمّى نفسه ملكًا في شكيم مستندًا إلى قرابته. ولكنّ مُلكه كان فاشلاً وسيندم أسياد شكيم على ما فعلوا حين نادوا به ملكًا.

2- المعطيات الأركيولوجية
إذا توقّفنا على الناحية الأركيولوجية نجد نفوسنا في زمن الحديد الأوّل. جاءت تقنية الحديد من الأناضول، وتطوّرت في القرن الرابع عشر، وسارت بمحاذاة الشاطئ مع شعوب البحر وسيذهب بنو إسرائيل إلى الفلسطيّين ليجلبوا الأدوات المعدنية بما فيها المستعملة في الزراعة والفلاحة. ولفخاريات هذه الحقبة ميزاتها: جرار، سرج، وكلّها من صنع الفلسطيين، المرتبط بالنمط الميساني المتأخّر.
إذا القينا نظرة على الأركيولوجيا في زمن القضاة، لفت انتباهنا بساطتها والبعد عن زخرفات مدنيّة القرن الثاني عشر وبداية القرن الحادي عشر والبارز هو التعارض بين أساسات بيوت مبنيّة بناء متينًا مع تمديدات صحيّة في القرن الثالث عشر، وبين بيوت خشنة حُرمت من الامدادات الصحية في القرن الثاني عشر (مثلاً: بيت إيل). حين كان يحتلّ الإسرائيلي بيت أحد الأغنياء الكنعانيين (كما هو الحال في بيت إيل وتل بيت مرسيم)، كان يحافظ على البناء القديم. ولكن حين كان يبني، كان تصميم البناء من نوع جديد، وكذلك أثاث البيت.
تتميّز حقبة الحديد الأوّل بتدمير بعض المدن الكنعانية: تلّ بيت مرسيم (دبير) في نصف القرن الثالث عشر، حاصور (الربع الأخير من الثالث عشر)، ترصه (تل الفارة، الثالث عشر)، يافا (دمِّرت مرتين في القرن الثالث عشر)، لاكيش (الثالث عشر أو الثاني عشر)، بيت شمس (الثالث عشر والحادي عشر)، تعنك (نهاية الثاني عشر). ولكن أعيد بناءُ بعض هذه المدن: لاييش دان في نهاية الثالث عشر أو بداية الثاني عشر، حاصور في الثاني عشر، المصفاة (تل النصبة) في الحادي عشر، ترصة في القرن العاشر.

3- تهديد من الخارج
تفترض هذه الملاحظات معارك بين سنة 1230 (نصب منفتاح) وسنة 1050 (اعتلاء شاول العرش). وقد احتفظ سفر القضاة بذكر بعضها مشدّدًا على أنّ بني إسرائيل دافعوا عن نفوسهم ولم يهاجموا.
أوّلاً: هجوم كوشان رشعتائيم. الخصم هو عتنيئيل بن قناز وهو يقيم في دبير في يهوذا. أين يقع هذا الهجوم؟ في أدوم أم في أرام؟ ولكنّ النص يتكلّم عن أرام نهرائيم (النهرين) في قض 8:3، وهذا ما لا يتوافق مع أدوم. لا شكّ في أنّ الأراميين دخلوا إلى الجنوب اليهوذاوي (مدينة لابان، رفقة في لحي روئي، اسم برنيعة أي ابن نيعة) الذي أعطي لواحة قادش. من الممكن أن يكون الكاتب جمع في لوحة واحدة ذكر دخول الأراميين بين القرن الرابع عشر والقرن الثاني عشر، والتوتر بين أدوم وعتنيئيل ليجعل من يهوذا أوّل حامل للخلاص. كوش هو كوش في مديان الذي تذكره نصوص اللعنات (عد 12: 1 ؛ حب 7:3). ثمّ إنّنا نجد في هذا الحدث صدى لتسلّط الملك الأسيوي إرسو على الدلتا والمناطق المجاورة له في نهاية القرن الثالث عشر .
ثانيًا: وخلص أهود البنيامينيين من مضايقة الموآبيين. بدأ الموآبيون يتوسّعون منذ القرن الثالث عشر فاصطدم بهم آنذاك رعمسيس الثاني الذي وصل إلى عبر الأردن قبل هزيمة موآب على يد عمون. إلى هذه الهزيمة يشير يفتاح (قض 11: 24) حين يطالب بشمال أرنون الذي أسلمه كموش، إله موآب، إلى العمونيين. ولهذا يجعل بعض العلماء أهود حوالي سنة 1250 ق. م.. ولكنّ الرباط بين أهود والبنيامينيين غير واضح. فرغم قض 15:3 يتجنّب 1 أخ 17:8 أن يجعله ابن جيرا. وإنّ 1 أخ 7: 10 يجعله ابن يريعئيل وبلهان، وأخًا لبنيامين. كان أهود رجلاً أعسر، يضرب بالشمال كما باليمين، وقد احتفظ التقليد البيبلي بذكر مهارة البنيامينيين: يرمون القوس باليسرى أو يضربون بالسيف (1 أخ 12: 2؛ رج 8: 4 ؛ 2 أخ 7:14). ولكن من خلال الاستيطان البنياميني، يعود التقليد إلى فرز بين المنطقة، لأن بردية انستاسي التي تعود إلى زمن رعمسيس الثاني تربط جذر "فرز" (فرت في اللغة الهيرائية، أي الأقدم من الهيروغليفية) باستعمال القوس باليد اليسرى. "أنت تمسك القوس، تصنع فرث بالشمال ".
ثالثًا: تصادم شمجر مع الفلسطيين (قض 3: 31)، ولكنّ هذا الصدام لا يرتبط بالنصوص المتعلّقة بوجود الفلسطيين في الجنوب (قض 16:13). إنّه يعود إلى دخول شعوب البحر إلى كنعان قبل المواجهة مع رعمسيس الثاني (1180) بقليل. وقد تكون بيت عنات تلك المذكورة في يش 38:19 والواقعة في شمالي نفتالي.
رابعًا: معركة باراق تسنده دبورة. نجد هنا يابين من حاصور (رج ابنيئيل من حاصور على لويحات ماري). ولكنّ هذا يعود بالأحرى إلى انتصار لنفتالي قبل نهاية القرن الثالث عشر ولكن قد نكون هنا كما في كوشان رشعتائيم: جُمعت هذه المأثرة مع عمل أوسع ضدّ سيسرا الذي كانت عاصمته حروشت قي الغرب قرب عكّا. في هذا العمل الثاني، تدخّل إفرائيم مع دبورة وقبائل الوسط وقبائل الشمال. ونجد اسم سيسرا بشكل كوش سيسرا في لائحة لرعمسيس الثاني وأخرى لرعمسيس الثالث (وهو مشكوك فيها). نستطيع أن نفكر باشتقاق حوري أو إيليري، وكلاهما يعودان إلى الفلسطيين أو من ينتمي إليهم. في هذه الحال، لا تكون هزيمة سيسرا قبل القرن الثاني عشر وبما أنّ نشيد دبورة يتكلّم عن "مياه "، لا عن مدينة مجدو (مدينة تعنك)، فقد يكون موضع المعركة في الطبقتين السابعة والسادسة من مجدو (نهاية القرن الثاني عشر) وقبل سنة 1125 التي فيها دُمّرت مدينة تعنك.
خامسًا: قام جدعون يربعل بحملات ضدّ مديان. واتحّد أشير ونفتالى (قضى7: 23، بل وزلولون رج 6: 35) مع منسّى، لا مع إفرائيم. واستغلّ هذا الهجوم المدياني حضورَ العماليقيين في وادي الأردن والمناطق المجاورة (قض 12: 15؛ رج 5: 14). وقد تمّ هذا الهجوم في النصف الثاني من القرن الثاني عشر لم تتضامن مدينة سكوت (في جاد، يش 13: 27) ومدينة فنوئيل (في أرض جاد) مع جدعون الأبيعازري. أمّا إفرائيم فأضمر له العداء. هذا يعني أنّنا بعيدون عن الوحدة. ولكنّنا نلاحظ دور أشير الذي سيكون عنصرًا متينًا في ملكيّة شاول (2 صم 9:2).
سادسًا: إنّ قضية يفتاح مع العمونيين تفترض أنّ السلام عاد بين جاد ومنسى. إنّ يفتاح هو من مصفاة الشمال، وسيلجأ إلى بلاد طوب أي بلاد صولة في الأرامية. وينتهي الحادث بانتصار على إفرائيم الذي سيُطرد من شرقي الأردن. قد يكون هذا حوالي السنة 1100 أي حين دخل الأراميون أرض طوب وغاب الفلسطيون عن وادي الأردن. 
سابعًا: ساعد رعمسيس الثالث الفلسطيين على الإقامة على الشاطئ، فحلّوا بصورة تدريجية محلّ المصريين بعد سنة 1150. وكان تأثيرهم حاسمًا في الشاطئ وفي السهول: يزرعيل، بيت شان، دير علّة في وادي الأردن. ولكنّ جت (أقدم المدن الفلسطية الخمسة) واجهت إفرائيم ودان. وفي دورة شمشون، سيطر الفلسطيون على منطقة دان (بيت شمس). وحوالي سنة 1050، كانت معركة ابن عازر (حجر النصرة) كارثة لإفرائيم الذي سيرى تدمير معبده في شيلو (إر 12:7 ؛ 1 صم 4: 1- 11).
ونظّم الفلسطيون ثلاث حملات ليسيطروا على التلال (1 صم 17:13). في الشمال فرقة نحو عفرة، نحو أرض شوعال، وفي شمالي غربي بيت إيل نحو شيلو. في الوسط، تركّزت الفرقة الثانية في بيت حورون ووصلت إلى بنيامين، في مكماش. وفي الجنوب سارت فرقة ثالثة بمحاذاة البرية، عبر وادي صبوعين (الذي هو في بنيامين حسب نح 11: 34) فتوقفت في جبعة (ستصير جبعة شاول). وقعت المُلكية البنيامينية في كماشة مؤلّفة من العمونيين في يابيش جلعاد ومن الفلسطيين، فدفعت القبائل إلى التجمّع والبحث عن الوحدة.

4- بنية المجتمع الإسرائيلي قبل عهد الملكية
تدلّ هذه الوقائع على أنّ المجتمع الإسرائيلي لم يكن مستقرًا. فما كانت بنيته؟ قال بعضهم: بنية امفكتيونية (تجمّع المدن حول معبد واحد). وهي تُبرز دورَ معبد الجلجال أو شكيم أو بيت إيل، وتفهمنا لماذا كان عدد الأسباط اثني عشر (كل سبط يؤمّن خدمة المعبد شهرًا في السنة). وهذا العدد هو ثابت، حتى وإن لم تتوافق أسماء القبائل في اللوائح. وستبقى مدبريات سلمان الاثنتا عشرة في النظام عينه، بحيث تقوم كل قبيلة بأود الملك شهرًا في السنة.
وتكلّم البعض الآخر عن رابطة، مشدّدًا على فكرة العهد التي ستلعب دورًا هامًا في هذه التجمّعات. أمّا اللغة العبرية فتقدّم لنا كلمتين: عم، قهل. لقد تكلّمنا عن "عم" ونتوقّف على "قهل " الذي ستستعيده البنى الاشتراعية. ففي تك 49: 6، تدلّ الكلمة على تجمّع حربي (بين شمعون ولاوي) ضدّ شكيم. يعود الخبر إلى "قول" (مع إقحام الهاء كما في أبرام ابراهام أي إبراهيم) ويعني دعوة، الدعوة المقدّسة بحضور الرب من أجل حروب يهوه (عد 21: 14). فهناك معابد (مثل الجلجال التي ستنطق منها حملات يشوع) كانت المكان المميَّز لمثل هذه الدعوات. وقد كانت كل من شكيم مع هيكلها (بعل- بريت، سيد- العهد) وبيت إيل (قض 20: 28) موضعًا لهذه الدعوات. وقد كانت شيلو مع معبدها (حيث كان تابوت العهد) موضع اجتماعات بعض القبائل الذاهبة إلى الحرب المقدّسة. ولكنّ جدعون جمع في تابور بعض المجموعات التي هتفت: "السيف للرب ولجدعون". فباسم الرب تأسّست سلالة ثابتة هي مملكة أولى (مي 4: 8) سيُدفن بطلها في صيلع (2 صم 14:21؛ رج مي 6:4) بعد انتصاراته وفشله.
وستُرسم حدود كل قبيلة بالنظر إلى المدبريات الملكية مع الحفاظ على تمركزات القبائل القديمة (شمعون، دان). ولكنّ هذه الحدود ستختلف بين عصر وآخر.
الفصل الرابع عشر
الملكية الموحّدة : شاول ، داود ، سليمان

نتوقّف في هذا الفصل عند خمسة مقاطع. الأوّل: الملك في الشرق القديم. الثاني: شاول الملك. الثالث: داود حوالي السنة 1000 ق. م. الرابع: سليمان حوالي السنة 950 ق. م. الخامس: الحضارة السليمانية.

أ- الملك في الشرق القديم
ما هي المملكة في ذلك الزمان (في العبرية ملكوت، مملكة، كما في العربية)؟ المملكة هي دولة مهما كانت مؤسّساتها وخدماتها العامة بدائية. لا شكّ في أنّ رئيس الدولة هو أيضاً رئيس قبيلة كبيرة. وله عاصمة وجيش وإدارة. فالملكية الشرقية تقوم على إيديولجيا يكون فيها الملك أبًا لشعبه وموكّلاً من الله ليؤمّن للشعب حياة سعيدة. وهي تفترض ضرورات تنم الدولة حسب تقنية وثقافة وحكمة، كما كانوا يقولون في ذلك الزمان.

1- الإيديولوجيات الملَكية والتوراة
إذا عدنا إلى التوراة (1 مل 8: 6، 20)، رأينا أنّ بني إسرائيل اقتدوا بالبلدان الغريبة ليدخلوا الملكية إلى حياتهم. وقد دلّت الدراسات الحديثة أنّ هذا النموذج لم يكن فقط نمط حكم، بل كان نظرة إيدولوجية. فالملك هو أب، وهو يحكم باسم الإله الوطني الذي هو أب الملك أو قريبه. ولكنّ الملكيات الشرقية لا تخضع لنموذج واحد. فالفرق ظاهر بين فرعون مصر وملك بلاد الرافدين. وللملك الحثي سمات خاصّة به. والملكيات الصغيرة في فينيقية وكنعان تحاول أن تقتدي بالنماذج الكبرى، فتكيّف هذه النماذج حسب إمكاناتها وبنياتها (مثلاً: المملكة الفينيقية في أوغاريت بسورية). وستبحث الملكية الاسرائيلية عن خطها: ستكون سامية مع شاول، فرعونية مع سليمان، ولكنّها في كلا الحالين ستكون مقدّسة، والشعب يقر بالطابع القدسي للملكية. ونجد صدى لهذا اليقين في كلمات امرأة تقوع: "إنّ سيّدي الملك هو كملاك الله. يسمع (أو يعرف) الخير والشر.. لسيّدي حكمة كحكمة ملاك الله. هو يعرف كل شيء على الأرض" (2 صم 17:14، 20). بسبب هذه النظرة، تردّدت الأوساط النبويّة أمام النظام الملكي. وسيعمل الكتّاب البيبليون على نزع الطابع الأسطوري عن الملكية، كما سيضعون حدًّا للطابع القدسي الذي تربط نفسها به (المرجع اليهوهي في البنتاتوكس، خلافة داود). وسيتبعهم التيّار النبوي، فيحوّل الإيديولوجيا الملكية إلى لاهوت مسيحاني. أمّا البابليون فرأوا في الملك عطية من الله نزل من السماء بعد الطوفان، بعد أن كاد كل شيء يعود إلى العدم: كان الملك عونًا للبشر في الأعمال الشاقة الملقاة عليهم بعد ثورة الآلهة الدنيا على إله الكون.

2- الإدارة الملكية
بدا ملوك إسرائيل أوّلاً كقوّاد حرب، شأنهم شأن "شارو" في بلاد الرافدين. فبعد جدعون، بدأ شاول ملكه حين دعا الشعب إلى الحرب. ولكن ما عتّم أن حلّ محلّ هذا "الشعب " جيش امتهَن مهنة الحرب، وهو غير حرس الملك الشخصي. فله العدّة: هناك المشاة، والرماة بالقوس، والمحاربون على المركبات... ويتطلّب التجنيد إدارة عسكرية وإحصاء للمجنّدين. يَقسم الجنود يمين الولاء باسم الملك ويلتزمون الطاعة بالنسبة اليه. إنّهم نخبة (بحوريم) المحاربين.
لهذا لا يمكن أن تكون ملكية دون إدارة مركزية في العاصمة، دون كتبة يكتبون لوائح الإحصاء ويدوّنون الحسابات. لم يكن من مساعد لشاول إلاّ قائد جيشه أبنير. لا شك في أنّه كان له أصدقاء ومعارف، شأنه شأن سائر ملوك كنعان. وإذ أراد الملك أن يدرّب الكتبة، احتاج إلى مدارس يتعلّمون فيها الكتابة والحساب وتدوين التقارير والأحكام الملكية والرسائل الدبلوماسية. وتدريب الكاتب فن صعب. لهذا يستفيد البلاط الصغير من خبرة تقاليد مصر وبابل. بدأ الكتبة فدوّنوا لوائح جافة باسماء تتكرّر. ولكنهم قدموا فيما بعد أدبًا رفيعًا وصل بعضه إلينا.
وتعلّم الكتبة العدالة. فالعدالة هي أسس الملكيات الشرقية، وإن لم تمارَس إلاّ بطريقة ناقصة. تسلّم الفرعون من أبيه الإله رع عطية "معت" التي هي الحقيقة والاستقامة والعدالة. وتسلّم الملك البابلي (مثلاً: حمورابي) "كيتو" و"ميشارو"، والملك الفينيقي "صدق " و"استقامة" (يسر). نحن لسنا أمام قواعد، بل أمام فضائل بها يؤمّن الملك لعبّاد الإله الوطني أساسًا متينًا لنشاط كل واحد وتسهيلات له في عمله. هذا يتضمّن العدالة، ويتضمّن الازدهار ايضاً. سيحتفظ العالم الاسرائيلي بكلمة "صدق "، ولكنّه يربط العدالة بحكم (مشفط) موسى (تك 19:18؛ 2 صم 15:8). فعلى الملك أن يمارس هذه الفضائل وأن يحلّ القضايا الصعبة كما فعل سلمان حين جاءتاه الوالدتان (1 مل 3: 16- 28). وعليه أن يسلّم هذه المهمّة إلى الكتبة، لأنّ عدالة الشيوخ المحليّين لم تعد تكفي. وإنّ الحكيم المصري فتاح حوتف علّم ابنه كيف يعامل المشتكين بعدالة. وهذا سيكون دور الكتبة في أرض إسرائيل.

3- حكمة الملوك
بعض الكتبة يعملون للمحافظة على القواعد التقليدية أو الاوامر الملكية. وبعمهم الآخر يقدّمون النصح للملك في الحالات المعقّدة ويجدون الحلول: يفاوضون مع الخارج، يهدِّؤون الأفكار في الداخل وسط منازعات القبائل والمهن والمصالح. فالملك هو أكثر من "شارو". عليه أن يكون "ملكًا" (كذا في العبرية. في السريانية المَلك والنصيحة يسيران معًا). إنّه الرجل الذي يحتاج إلى نصيحة. الذي يعرف أن يستمع إلى المستشارين. سيكون بقرب داود احيتوفل وحوشاي اللذان سيلعبان دورًا حاسمًا خلال ثورة أبشالوم على أبيه (2 صم 17). وانّ الملك ينجح لا بالقوّة والحرب، بل بالحكمة فيتبيّن الأمور بفنّ دقيق. يعرف كيف يتصرّف وماذا يقول.
وإنّ هذه الحكمة تتطّلب من الملك معارف واسعة: معرفة الكون وقواه الفاعلة، معرفة حاجات الناس ورغباتهم. وهذا الفن صعب بحيث لا يقدر الإنسان وحده أن يبلغه. هذا الفن هو امتياز القوى الكونية التي هي الآلهة. فالآلهة يقدرون أن ينموا النبات في الأرض ويُخرجوا الينابيع، ويقدرون أيضاً أن يُعطوا الحياة للمواشي والمجموعات البشرية والأمم. ولن يُعترف بالملك ملكًا إلا لأنّه مختار الأله الوطني. فالإله هو الذي خلق هذه الوحدة الحيّة بين الملك وشعبه، وهو الذي يقوّيها. والإله يجعل من الملك عملاقًا مثل شاول (1 صم 23:10)، ويكسبه قوّة حياة تجعله يتّخذ نساء عديدات وينجب بكرًا وأبناء عديدين، كما يمنح لداود مهارة في الضرب بالمقلاع (1 صم 17: 49 ي). وينال الملك من الإله إمكانات سامية من الحكمة والفهم، تلك الحكمة التي هي امتياز الإله الساميّ "إيل " عند الكنعانيين. من هنا هذه الصور الغريبة والمتنوّعة التي بها تعبّر النصوص عن العلاقة الخاصّة بين الملك والإله الوطني: إنّه مختار منذ أقدم الأيّام، وُلد بفعل خاص من الإله في حشا الأمّ الملكة. وتقول فينيقية ومصر وبلاد الرافدين إنّ الإلاهات ترضعن الملك من حليبهن. ويقولون مرارًا إنّ الملك هو"ابن" الإله. ويتنوعّ معنى هذه العبارة بحسب الفكرة التي نتكوّنها عن الإله: قد يكون الإله جسدانيًا مثل مين، أوزيريس، أمون، أو مثل إله ضمير إبراهيم وشريعة موسى. فالطابع المقدّس للملك لا يجعل الملك الهًا في كل الحالات. كان الفرعون يُعتبر الهًا، لا ملك الرافدين. أمّا في أرض إسرائيل، فيبقى الملك خاضعًا لله ولوصاياه. إنّه يتبنّاه يوم يعتلي العرش، ولكنّه يبقى وكيلَه على الأرض. فالملك الحقيقي على شعب الله هو الله بالذات. هذا هو المبدأ الأساسي. ولكنّ الافكار ستتواجه، وما احتفظت به التوراة كان بعيدًا عمّا فكّر به البلاط الملكي.

4- الليتورجيات الملكية
تعبّر الليتورجيا بقوّة عن تطّلعات الشعب إلى هذه الموهبة الملكية التي توفّر له الخلاص والسعادة. فالملك الذي اختاره الإله الوطني وسلّم اليه حياة الشعب، هو أيضاً الكاهن الأعظم. وقد أعطي له هذا اللقب في مصر وبابل وفينيقية وفي مز 110 (أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق). إذًا، يتدخّل الملك في الليتورجيا، ويبني الهيكل ويتعهده ويقوم بإصلاحه وتأمين العبادة فيه. فالليتورجيات الكبرى يكون موضوعها الملك، والليتورجيات الملكية هي أيضاً أعياد وطنية.
وتنصيب الملك هو أوّل عمل ملكي. وسنجد فيه رموزًا عديدة: التنصيب، التتويج، رش الماء، إعطاء اسم جديد. والطقسي الذي يحمل أعمق المعاني هو المسح بالزيت المقدّس. مُسح الملكُ في فينيقية وبابل القديمة ولدى الحثيين، كما مُسح في أشورية ومصر باسم سلطة سامية. هذه السلطة هي سلطة الفرعون المؤلَّه بالنسبة إلى امراء كنعان، وهي سلطة الآلهة في الحالات الأخرى. ففي الألف الثالث، كان ملوك أكاد الساميين "مسحاء أنو" الإله السامي، كما كان ملك إسرائيل "مسيح يهوه " (1 صم 24: 11؛ 26: 9؛ مز 2: 2). حين يعتلي الفرعون العرش، ينال قوّة خاصّة "كا"، ينال لا القوّة المجرّدة بل شخص "الإله القويّ ". صار هو القوّة. وكانت المسحة تمنح ملكَ اسرائيل الروح (كذا في العبرية) المحيي الذي يخصّ الله (تك 3:6)، تمنحه الروح الضروري للحياة ( 1 صم 16: 13؛ رج 10: 6؛ 11: 6). أمّا سفر القضاة فسيمنح الروح لبعض "القضاة" الذين هم رموز ملكية.
ويسمَّى ملك إسرائيل "نجيد" وهو لقب ديني قريب من كلمة "فوقد" التي تعني الراعي. فالملك هو من يختاره الإله الوطني من وراء الغنم من أجل خير شعبه. ويكوّن الملك وحدة مع شعبه. هذا ما سمّي "الشخصية المتضمّنة". وهو يحمل أيضاً قوّة إلهية، قد يخسرها سريعًا. هذا ما حدث لشاول وسليمان. ويشيخ الملك، فيصبح رجل العائلة، لا رجل الدولة، كما كان داود في أواخر أيّامه. وقد تنشب الحرب بين سلالة شاول وسلالة داود، بل بين أعضاء السلالة الواحدة (أبناء داود). وهذه هي تصدّعات الايديولوجيا الملكية التي من خلالها ستبرز المراعات بين القبائل. وستشكّل هذه الصراعات لحمة تاريخ إسرائيل الملكي وموضوع أوّل أسفار التوراة.

ب- شاول
هناك ثلاثة اخبار تعالج وصول شاول إلى الملك. الأوّل (1 صم 9: 26 ي): حين مسحه صموئيل. الثاني (1 صم 7:10 ي): حين اختاره صموئيل بالقرعة في المصفاة. الثالث (1 صم 11: 1- 15): حين انتصر شاول على العمونيين. وهذا الأخير هو أقدم الثلاثة. كان شاول في جبعون حين علم بحصار يابيش جلعاد. فأرسل رسله إلى كل أرض إسرائيل. ولكنّ النصّ لا يورد أسماء القبائل التي دُعيت إلى الحرب. وانتصر شاول، وأسّس الملكية في الجلجال. وستكون منحة هذه الملكية وادي الأردن الوسطى مع جلعاد إلى الشرق وجبل إفرائيم إلى الغرب، ومع أرض بنيامين. وبعد موت شاول، ستكون هذه الوادي محور المملكة (2 صم 2: 8 ي؛ 4: 7). كان انتصار شاول على العمونيين ساحقًا. وسيقاتل حلفاءهم: جماعة بيت رحوب وملك صوبة (1 صم 47:14)، كما سيقاتلهم داود أيضاً.

1- شاول ومعاركه الحربية
وامتدّ عمل شاول البنياميني إلى الجنوب الغربي، إلى منطقة جبع وجبعة. كان الفلسطيون موجودين في مكماش وجبعة المذكورة في لقاء شاول بصموئيل (1 صم 9: 1- 10، 16). فالمدينة التي التقى فيها شاول بصموئيل غير مذكورة في النص، ولكنّها في جبل إفرائيم وفي أرض صوف. ولكنّ الاحتفالات ستتمّ في الجلجال (1 صم 8:10؛ رج 13: 5- 15). وفي الخبر الثالث، المدينة هي المصفاة التي تبعد بضعة كيلومترات إلى الشمال من جبعة. بمَا أنّ جبعة صارت جبعة شاول، هذا يعني أنّ شاول طَرد منها الفلسطيين بعد انتصاره في مكماش التي تبعد 8 كيلومترات إلى الشمال الغربي من جبعة. هذا النصر الذي ينسبه ف 14 إلى شجاعة ابنه يوناتان، حرّر المنطقة حتّى بيت حورون أو ايالون، وهي كلّ المنطقة الجبلية التي تصل إلى مقاطعة جت في الساحل (شافلة أو المنطقة السُفلى).
بعد أن حرّر شاول جبعة (اليوم: تل الفول) التي تبعد 5 كيلومترات إلى الشمال من أورشليم، اصطدم بسلسلة من المدن الكنعانية. لم يهتمّ باورشليم، ولكنّه انشغل بقرية يعاريم (أي بعلة القديمة، يش 15: 60؛ 18: 14) التي يقطنها البنيامينيون. وسيطر شاول على بئيروت، فلجأ اهلها إلى جتائيم في أرض الفلسطيين. وسينتقم اثنان من سكان بئيروت هما ريكاب وبعنة، أبناء رمون البئيروتي، فيقتلان اشبوشت ابن شاول (2 صم 4: 2- 8). ولكن سيسيل الدم في جبعون، وسيتّهم الجبعونيون شاول فيما بعد بأنّه أراد أن يفنيهم (2 صم 21: 5). وفي أي حال، نقض شاول المعاهدة التي قطعها يشوع مع الجبعونيين (يش 9) وسال الدم. وما هو أخطر من هذا، هو أنّ معكة، جدّة شاول من قيش، قد تزوّجت "أبا جبعون " (1 أخ 29:8) وسيدفع نسل شاول ثمن الدم (2 صم 21). ولكن ستظل جبعون في بنيامين "الذئب المفترس" (تك 27:49).
ووسّع شاول حملاته، فدخلت جيوشه مرتين إلى برّية يهوذا: مرّة أولى ضدّ العماليقيين (1 صم 15)، ومرة ثانية حين لاحق داود (1 صم 24 و26). لهذا يتكلّم 2 صم 2:21 عن "غيرة شاول " من أجل إسرائيل ويهوذا. ولكنّ يهوذا كانت بعدُ عبارة جغرافية فيها مدن مثل الكرمل (1 صم 15 : 12 ؛ رج 25 : 12)، وقعيلة (1 صم 1:23، 12)، ومجموعات مثل القينيّين (1 صم 15: 6) الذين قدّروا مساندة شاول لهم ضد العماليقيين أو ضدّ الفلسطيين. في وقت من الأوقات، كان بنو عماليق قد سيطروا على وادي الأردن. أمّا شاول فهاجم العماليقيين في عرينهم الجنوبي ليحمي قاعدته الأساسية التي هي وادي الأردن.
وامتدّ شاول نحو الغرب حتّى جت التي منها جاءت هجمات الفلسطيين إلى منطقة بنيامين. فوصل إلى وادي البطمة (عمق ها ايله)، وواجه جيشًا فلسطيًا تركّز في افس دميم بين سوكو وعزيقة (1 صم 17: 1- 2). في هذه المناسبة، إنخرط بنو يسّى من بيت لحم في جيش شاول. وبمَا أنّ افس دميم هي عينها فس دميم (1 أخ 11 : 13 =2 صم 9:23)، يمكن أن ترتبط معارك داود وأبطاله ضدّ جليات والفلسطين بحملات شاول العسكرية يوم كان داود شابًا. وكنّا قد رأينا أنّ إحدى هجمات الفلسطيين الثلاث توجّهت نحو جنوب بنيامين وهدّدت منطقة لحي (2 صم 23: 11 ؛ رج قض 9:15 ي). وضايق شاول الفلسطيين فتجمعوا في الشمال، في افيق (رأس العين). لم يحاولوا أن يهاجموه وجهًا لوجه في المنطقة الجبليَة، ففضّلوا أن يجتذبوه إلى وادي الأردن العليا (محور الملكية) بإتجاه جبال الجلبوع.
وكانت المعركة حاسمة. قُتل شاول وابنه يوناتان. ولكنّ الملكية ظلّت ثابتة. فبفضل مساندة أبنير قائد جيش شاول وابن عمه (1 صم 14: 50)، ورث اشبعل أباه (2 صم 2: 9). ولكنّ مملكته لم تضمّ كل أرض إسرائيل، بل جلعاد مع محنايم وإفرائيم وبنيامين وأشير (أو أشوريم) ويزرعيل الذي هو يساكر (يش 19: 18). واستعاد أبنير السيطرة على سهل يزرعيل بمساعدة أشير ويساكر، وهاجم أهلُ يابيش بيتَ شان. كانت محنائيم عاصمة إشبعل التي أقام فيها داود أيضاً بعد ثورة ابشالوم. أقام اشبعل في محنائيم لا في جبعة، ودام ملكه سنتين (2 صم 2: 10)، بعد هذا، قتله ريكاب وبعنة (2 صم 4: 5- 12) وجاءا إلى داود بطريق العربة يخبرانه بمَا حدث.

2- شاول وخصومه
لقد كان لشاول خصوم منذ بداية عهده حتّى موته. لا يحدّد لنا النصّ من هم "بنو بليعال " الذين احتقروا شاول منذ البداية (1 صم 27:10؛ 12:11). قد يكونون إفرائيميين كأولئك الذين عارضوا جدعون ويفتاح وثاروا مع شابع ضد داود (2 صم 25: 1 ي)، قبل ان يثوروا مع يربعام ضدّ سليمان (1 مل 11 : 26 ي). هذا يفسّر جزءا من دور صموئيل الإفراتي في صوف (1 صم 1: 1). فهو سيقيم علاقات مع عشيرة إفراتية في بيت لحم (1 صم 16؛ رج قض 19: 1). فبلاد صوف هذه هي أرض بحث فيها شاول عن أتن أبيه، فالتقى بصموئيل في مدينة لا يذكر النصّ اسمها (ستكون المصفاة في الخبر الثالث). إذا عدنا إلى يش 18: 26، عرفنا أنّ المصفاة هي في أرض بنيامين. ولكن يبدو أنّ الأمر لم يكن دومًا هكذا (قض 20: 1). على كلّ حال، لا يتكلّم الخبر الأوّل عن صموئيل إلاّ في إطار استجواب من قبل جماعة شاول (1 صم 11: 12). وفي الخبر الثاني تُعطى المسحة بطريقة سرية ويبدأ الصراع حالاً في الجلجال (1 صم 13: 5). ثم يندلع أيضاً بعد المعركة مع العماليقيين في 1 صم 15: 12. أمّا أصل النزاع فمسائل عبادية، ولكنّنا نستشفّ في الواقع توتّرات بين العشائر والقبائل.
واتّخذ شاول حذره من إفرائيم، وتعامل بصعوبة مع صموئيل في معبد الجلجال ومع سائر الأوساط الدينية. كان قد أبعد من البلاد "السحرة والعرّافين" (1 صم 28: 9)، وها هو يذهب إلى ساحرة عين دور ويتّصل بأبناء الأنبياء. واتّخذ حذره من كهنة نوب، وقد كان هذا المعبد قريبًا من أورشليم التي ما زالت في يد اليبوسيين. كان كهنة نوب قد جاؤوا من شيلو حيث قضى صموئيل أيّام صباه. ولكنّ شاول سيقضي على كهنة نوب حين يظنّ أنّهم تعاملوا مع داود والإفراتيين.
وقد نفهم أعمال شاول إذا عرفنا طبعه المنهك عصبيًا، كما نفهم التوتّرات داخل عائلته نفسه. أوّلاً: لم يخبر شاول عمّه بالمسحة (1 صم 10: 16). وهذا العمّ هو، على ما يبدو، والد أبنير (1 صم 14: 51). وإنّ أبنير تزوج سراري شاول بعد موته فأظهر طموحه إلى العرش (2 صم 7:3؛ رج 16: 20- 22 ؛ 1 مل 22:2). ولم يكن ليعلن إشبعل ملكًا لو لم يضغط عليه الشعب. ولقد كان يهيّئ اتّفاقًا مع داود لو لم يقتله يوآب ليثأر لأخيه. 
ولم يكن أبنير واشبعل وحدهما في عائلة شاول. فهناك يوناتان الذي شارك في حروب والده منذ مكماش إلى الجلبوع. فهذا الشاب المندفع تأثّر بداود، محارب بيت لحم، الذي صار صهره حين تزوّج أخته ميكال. كان في يوم من الأيّام يدافع عن داود (1 صم 20: 30) فسبّه شاول وسمّاه "ابن الثائرة الفاسدة، ابن الفاجرة". هل نحن أمام شتيمة معروفة أم أكثر من هذا؟ نحن لا نعرف إلاّ امرأة واحدة لشاول وهي أحينوعم بنت أحيماعص (1 صم 14: 50). لا يرد هذا الاسم إلاّ قليلاً في التوراة، وقد تسمّت به زوجة داود الأولى. لا نعرف اسم والدها، ويبدو انّها من يزرعيل إحدى مدن أرض شاول (تُذكر محلّ يساكر في 1 صم 9:2). إذًا، هناك مسألة احينوعم التي لم تكشف عنها المراجع البيبلية، وقد تكون في صالح شاول أو في صالح داود. ففي هاتين الحالتين، لا يجدر بيوناتان أن يتذّكرها. يبقى أنّ الصهر هرب من بلاط جبعة بانتظار أن يرث حميّه. وُلدت السلالة البنيامينية في النصر، ولكنّها تهدّمت في مشاكل عائلية. وقد كادت مملكة يهوذا أن تزول مثلها، ولكنّ التاريخ سار مسارًا مغايرًا.

ج- داود حوالي السنة 1000
1- القرابة
كان داود ذاك البطل المهيب والجذّاب رغم خطاياه وشيخوخته. وُلد في بيت لحم، وكان والده يسّى من مجموعة (مي 5: 1) افراتة. هذه القرية التي لا ماء فيها والتي تقع بين منطقة حرجية ومنطقة أكثر جفافًا، تسمّت باسم إله الخصب في كنعان، لحمو، الذي تذكره رسائل تلّ العمارنة. نحن نعرف نسب داود من خلال ملخّص كثيف نقرأه في التوراة، فنكتشف تشعّبات أصوله (را 18:4- 22). ترتبط عيلته بعشيرة فارص. وإذا عدنا إلى أسماء الأمكنة قرب أورشليم (بعل فراصيم، فارص عزة)، عرفنا أنّ المسكن الأوّل للعشيرة كان بين أورشليم وبيت شمس. وعَبْرَرام، إرتبط داود بكالب الحبروني ويرحمئيل الجنوبي (1 أخ 2: 25، 42). وعبر عمينداب ونحشون، إرتبط باللاويين القهاتيين (1 أخ 7:6؛ رج خر 23:6)، وعبر راعوت ارتبط بموآب. وصل إلى بيت لحم بفضل جده بوعز السامي الأصل. ولكنّ اسم والده يسّى (إيشاي كما يقول 1 أخ 13:2) يعود بنا إلى أصل فينيقي أو أرامي، وقد يكون ابيشاي، إذا تذكّرنا اسم حفيده إبن صروية أخت داود. ومهما يكن من أمر، فإنّ إسرائيلي الشمال سيحسبونه قريبهم لأنّه إفراتي. قالوا له قبل أن يعلنوه ملكًا: "نحن عظمك ولحمك " (2 صم 2:5) أي نحن من عيلتك وقبيلتك. أمّا اسم داود فيرد قليلاً ويصعب فهم معناه. فقد يعود إلى القرابة (داود: العم والخال)، أو المحبّة (محبوب من الله. رج في العربية الودود) كما في أسماء سامية مثل دودو، داود.
نحن نعرف أسماء إخوة داود (1 أخ 13:2 ي) ولا سيّمَا شمعا أو شمه (1 صم 16: 9، 17، 13) والد المحتال يوناداب الذي أعطى ابن عمّه نصيحة فاعلة ولكنّها قادته إلى الكارثة (2 صم 13: 3). وكان لداود أختان لعب بنوهما دورًا سياسيًا هامًّا. الاولى: صروية وهو اسم أرامي أو موآبي ويرتبط بيهوه. كان لها ثلاثة بنين: أبيشاي الاكبر، يوآب الأعنف، عسائيل الأسرع. نحن نجهل اسم والدهم. ولكنّنا نعرف اسم والد ابيجائيل الأخت الثانية، أو بالأحرى أخته من أمّه، لأنّ والدها ليس ابيشاي (يسى) بل ناحاش (2 صم 17: 25). وقد يكون هذا ناحاش العموني الذي خاصم شاول وارتبط بعلاقات طيّبة مع داود (2 صم 10: 2). تزوّجت إبيجائيل من ياتر الاسماعيلي (1 أخ 17:2، نقرأ في 2 صم 17: 25، يترا الاسرائيلي)، ولكنّه لم يأخذها إلى بيته، بل جاء إلى بيتها، فكان زواجهما كزواج شمشون من ابنة تمنة (قض 14: 1- 5، هذا ما يفترضه تك 2: 24). فوُلد لهما عماسا الذي زاحم يوآب فقتله كما قتل أبنير.

2- داود وشاول
حين بدأ شاول يتوسّع نحو الجنوب والغرب، كان داود أحد الشباب الذين جنّدهم (1صم 14: 52). وبين نخبة المحاربين الذين أحاطوا بداود، كان الكثيرون من رفاق شبابه (2 صم 1 15:2- 22؛ 8:23- 39). لقد اهتمّ شاول بجماعة بيت لحم الإفراتية في حملاته ضدّ العماليقيين والفلسطيين ولا سيّمَا في قعيلة (1 صم 23). وقد جعل داود بقربه على مثال الفرعون الذي يأتي بابناء تابعيه إلى مصر وما عتَّم الشاب داود أن أظهر شجاعته في الحرب. هتفت له النساء: "قتل شاول الألوف، أمّا داود فعشرات الألوف " (1 صم 7:18؛ 21: 12 ؛ 29: 15). وضمّ شاول داود إلى عائلته، فزوّجه إحدى بناته ويبدو أنّها ميراب لا ميكال. كان داود جذّابًا فاشتهر كموسيقي على مدى الأجيال (عا 6: 5)، وقد هدّأت قيثارتُه الملك في أتعس حالاته.
ولكنّ التوتر بين صموئيل الإفراتي وشاول امتدّ على العلاقات بين شاول وبيت لحم إفراتة. ففي يوم من الأيّام، ذهب داود إلى عيد عائلي في بيت لحم (1 صم 20: 24 ي) وأطال إقامته، فحسب شاول أنّه يدبّر له مؤامرة. وتدخّل يوناتان، ولكنّ تدخّله لم يُجدِ نفعًا. ثمّ إنّ دخول داود في العائلة الملكية أثار قلق شاول وحسدَه. فأُجبر داودُ على الهرب، وجعل عائلته في موآب حيث له الأقارب بواسطة راعوت (1 صم 22: 3). واستطاع داود أن يجمع حوله 400 رجل من رعاع القوم (2 صم 2:22). ولاحق شاولُ داودَ، فترك داودُ مدينة قعيلة التي كان قد دافع عنها ضدّ الفلسطيين، ثمّ ترك منطقة حارث الحرجية. بعد هذا، إلتجأ إلى مناطق جنوب يهوذا الجرداء، في زيفه الكرمل. وفي النهاية، طلب حماية أكيش، ملك الفلسطيين في جت. ولكن جت كانت مركز عمليات الفلسطيين الحربية ضدّ بنيامين.

3- داود في صقلاج
وصار داود تابعًا لملك الفلسطيين. غير أنّ اكيش لم يستعمل خدماته ضدّ الملك شاول، بل سلّمه موقعًا بعيدًا عن مسرح العمليات العسكرية. جعله في صقلاج، قرب بئر سبع، وطلب منه أن يراقب قبائل الجنوب التي لا تعرف الهدوء.
كانت الإقامة في صقلاج مهمة. فداود لم يكن فيها وحده. فقد كان معه أبياتر الذي نجا من القتل يوم أمر شاول بقتل العائلة الكهنوتية في نوب، والذي كان الوارث الشرعي لتقاليد هيكل شيلو في إفرائيم. كانت صقلاج في منطقة قبيلة شمعون، وكانت قريبة من معبد بئر سبع حيث أقام إبراهيم وتعبّد لإيل عولام (تك 21: 33، الإله الأزلي). وكانت صقلاج أيضاً قريبة من النقب، وهكذا كانت جماعة داود تصل بعض المرات إلى بئر لحي روئي، بين قادش وبارد (تك 16: 14). هناك أقام إسحق، وإلى هذا المكان المقدس جاء أبناء إسماعيل. وحين وصل داود الإفراتي إلى منطقة صقلاج، وجد عشائر متحضرة أقامت في الماضي في جبل إفرائيم (تك 34) قبل أن تتشتّت. كانت هناك قبيلتا شمعون ولاوي، ولا ننسَ أنّ ابياتر كان لاويًا.
واتصل داود ورجاله بالمدن الواقعة جنوبي حبرون (1 صم 30: 26- 31)، وتعرّف إلى القينيين واليرحمئيليين وكالبيّي حبرون والكرمل (حيث أخذ داود امرأة نابال، أبيجائيل التي صارت زوجته الثانية، رج 1 صم 25). وذهب داود إلى الغرب، فالتقى في النقب الكريتيين والفلاطيين (قريبون من الفلسطيين، 1 صم 30: 14) الذين سيختار منهم حرسه الشخصي.

4- غزوات داود
صار داود ضابطًا لدى أكيش، ملك الفلسطيين، فقام بغزوات عديدة (1 صم 8:27). وأهمّها تلك التي قام بها ضدّ العماليقيين الذين حاربهم شاول في الماضي. صاروا أقوياء في شرقيّ يهوذا فاستفادوا من غياب داود ليغزوا صقلاج ويحرقوها ويحملوا معهم الغنائم. ولكنّ داود استعاد كل شيء. وحارب في الغرب الجشوريين أو الأشوريين الذين هم عنصر من أشير عرفته النصوص المصرية ولم يصعد إلى الشمال. رج عد 24: 24. وأخيرًا حارب الجرزيين الذين لا نعرف شيئًا كثيرًا عنهم. وإذ كان داود يحارب، كان أبياتر يسأل الأفود والأوريم والتوميم، ويجمع التقاليد عن إبراهيم وإسحق، والمعلومات عن موسى. أخذ المعلومات من القينيّين، والكالبيين الذين جاؤوا من قادش برنيع، والقنزيين الذين أقاموا في دبير، واليرحمئيليين الذين كانوا قريبين من أدوم وجبل هور حيث دُفن هارون. وهكذا كفل أبياتر معلوماته عن التقاليد اللاوية في الشمال وتقاليد إفرائيم التي حملها معه يشوع.
دعا أكيش داود إلى أفيق من أجل معركة الجلبوع التي سيموت فيها شاول. ولكنّ القوّاد الفلسطيين استبعدوا داود وخافوا من خيانته لهم. وهكذا لن يكون داود البطل الذي خان بلاده وحارب شعبه. ثمّ إنّه وصل في الوقت المناسب ليحارب بني عماليق ويستعيد ما خسره أبناء يهوذا. وهكذا بدا داود ذلك المحامي عن أهل يهوذا. وترد في 1 صم 27:30- 31 لائحة باثنتي عشرة مدينة أو مجموعة أعاد اليها داود قسمًا من الغنيمة بشكل هدية أو بركة (تك 33: 11). ولهذا، حين مات شاول، مسح رجالُ يهوذا داودَ ملكًا على يهوذا، وذلك بعد حملته السريعة على حبرون (2 صم 2: 1- 4).

5- داود في حبرون
في هذا الوقت تكوّن "بيت يهوذا"، كما قال داود لأهل يابيش في جلعاد (2 صم 7:2). هو لا يزاحم سلالة شاول "سيدكم ". فلكية يهوذا هي ملكية أخرى قرب ملكية إسرائيل وموآب وأدوم. إنها ملكية "باسم الرب"، لأنّ إفراتة عشيرة ترتبط بيهوه مثل إفرائيم. والاسماء التي تتضمّن اسم الله عديدة في زمن داود في محيط داود. والرسالة إلى أهل يابيش تشدّد على هذا الإله (2 صم 2: 5- 6). وتتضمّن ملكية يهوذا عناصر إسرائيلية. تتضمن مستوطنات جاءت من الشمال واجتمعت في عشيرة فارس، كما تتضمّن عناصر لاوية جاءت من الجنوب الشرقي هي عشيرة زارح التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمدينة تامار، وتتضمّن قبيلة شمعون التي اندمجت بها. ونجد، مع هذه العناصر الاسرائيلية، ثلاث عشائر مذكورة في تك 38، ولكن لم تبق إلاّ عشيرة شيلة. وأخيرًا، إنضمّ إلى هذه الملكية حلفاء داود السياسيون: القينيون، اليرحمئيليون، كالبيّو حبرون، قنزّيو دبير، وسائر الشعوب الغريبة التي اتصلت بداود يوم كان في صقلاج.
كانت ملكية شاول ملكية وطنية تخافها الأقليّات ولا سيّمَا الجبعونيون والبئيروتيون، وتخافها المعابد المحلية مثل نوب. ولهذا فلائحة المدن اللاوية المذكورة في يش 21 لا تعرف إلاّ شكيم في جبل إفرائيم. أمّا ملكية داود فهي ملكية تضمّ الأغراب أيضاً وتحترم التقاليد الدينية المحلية وهي تتطلع إلى وحدة حول الملك وحول إلهه يهوه.
لم يُبدِ الفلسطيون أيّة ردة فعل تجاه تأسيس ملكية يهوذا. وقد يكونون سمعوا نصائح أكيش فاعتبروا أنّ ملكية حبرون هي امتداد لحمايتهم على صقلاج وعلى داود كيلهم. وقد يكونون حسبوا هذه "الدولة" تفتيتًا لمملكة شاول التي هدّدتهم، وتثبيتًا لانتصارهم في الجلبوع. دخل داود أرض بنيامين وبدأت المعارك قرب جبعون، إلى الشمال من جبعة. ولكنّ عبقريّة داود وشخصية أبنير جعلتا الحالة تتّخذ مسارًا جديدًا. أعلن داود مرارًا احترامه وأمانته لشاول: إذا كان الملك عامل صهره بهذه الطريق، فهذا يعود إلى مرضه. ثمّ إنّ داود طالب بامرأته القديمة التي استعادها شاول وزوّجها لأحد قوّاده، فلطي بن لائيش (1 صم 25: 44). قَبل أبنير بهذا الموقف وأعاد إلى داود ابنة شاول، ميكال، ولكنّه اختلف مع إشبعل بسبب سرية لشاول. وفهم أبنير أن داود وحده يقدر أن يلجم خطر الفلسطيين (2 صم 3: 8). فهيّأ شيوخ إسرائيل للاعتراف بداود الذي عُرف بشجاعته وهو ضابط صغير. وكان أبنير من الحنكة بحيث جعل "كل بيت بنيامين" يأخذون بفكرته. فجاء إلى حبرون، إلى داود، وتمّ الصلح. ولكنّ يوآب قتل أبنير ليثأر لأخيه عسائيل (2 صم 3: 27)، فكاد يهدّد هذه المصالحة. غير أنّ داود برَأ ساحته بجنازة مهيبة، وظهر أنّه ضعيف أمام يوآب كما كان إشبعل ضعيفًا أمام أبنير. وفهم إسرائيل أنّه خسر قائدًا قديرًا. ولكنّ الناس تهيّأت لقبول المحادثات بين داود وشيوخ إسرائيل حتّى بعد مقتل اشبعل على يد بعنة وريكاب من بئيروت. وهكذا جاء شيوخ إسرائيل وأعلنوا أمام الرب أنّهم يخضعون له، ثمّ مسحوه ملكًا (2 صم 3:5).

6- داود ملك إسرائيل في أورشليم
سمع الفلسطيون بالخبر، فتحرّكوا وهاجموا داود في وادي رفائيم، في وصلة المملكتين اللتين اتحدتا اتّحادًا وثيقًا فشكّلتا خطرًا عليهم. وحسبوا أنّ اليبوسيين سيتحرّكون بعد أن رأوا أورشليم مدينتهم في شبه حصار. ولكنّ داود حطّم هجوم الفلسطيين. ثمّ جاء إلى أرض بنيامين في شمالي أورشليم وهجم عليهم فردّهم إلى جازر. في هذا الوقت، سقطت أورشليم في يد داود. ستكون "مدينة داود" وعاصمة مملكته الموحّدة.
كان موقع أورشليم هامًّا من الوجهة الستراتيجية، وحياديًا من الوجهة السياسية. فهي لا ترتبط بأي من المملكتين. ثمّ إنّها تؤمّن الاتّصال بين المملكتين، وبين الشرق والغرب. وجعل داود فيها إدارته ونساءه. وقد أظهرت الحفريات الأركيولوجية أنّ المدينة كانت صغيرة جدًّا. وفكّر داود في أن يبني هيكلاً للإله الوطني الذي بارك سلالته، ولكن لم يحُن الوقتُ بعد. فالعبادة لم تنظَّم بعد، كما لم تنتظم الإدارة المدنية. فالعبادة الاسرائيلية كانت تقتصر على حضور تابوت العهد (2 صم 15: 14). تسلَّم هذا "التابوت " كاهنان، أبياتر رفيق داود في هربه إلى صقلاج، وصادوق المتحدّر من ملوك أورشليم القدماء. وحُمل التابوت (أي عرش الله على الكروبيم) باحتفال من قرية يعاريم حيث بقي تحت رقابة الفلسطيين بعد هزيمة ابن عازر (1 صم 4: 4؛ 2 صم 2:6 ؛ 2:80) وجُعل في خيمة (2 صم 17:6). وحين حلّ الوباء، قُدّمت ذبيحة على بيدر أرونا حيث سيُقام الهيكل العتيد (2 صم 24).

7- سياسة داود
هناك لائحتان بالموظّفين الكبار (2 صم 8: 15- 18؛ 20: 23- 26) تشهدان على بعض التنظيم الإداري. كان بقرب داود "سوفر" و"مزكير"، وهما لقبان يقابلان وظائف كنعانية مأخوذة عن المصريين. الأوّل، هو منادٍ يعلن الإرادات الملكية. والثاني، هو أمين سر الدولة وسيكون قرب داود الشيخ "رعة" (في العربية: راعى أي استمع) (حوشاي) أي صديق حميم أو سكرتير خاص، ومشير (أحيتوفل). ولكن لن يكون له وكيل يهتم باملاك المملكة. كانت أحد أهداف الملكية التقليدية إقامة الحق والعدل (مشفط وصدقة). ولكنّ خدمة العدالة لم تكن قد نظّمت بعد. وهذا الوضع سيكون سببًا من أسباب ثورة أبشالوم، ابن معكة (2 صم 15: 2- 6).
في وقت من الأوقات سيطرت الوظائف العسكرية مع يوآب، قائد الجيش (الذي سيحلّ مكانه عماسا بطريقة موقتة قبل أن يُقتل (2 صم 4:20- 13)، وبنايا رئيس الحرس. وظلّ يوآب مدّة طويلة يحتل المكانة الأولى. فإقامة الملكية الموحّدة فرضت على داود أن يتابع عمل شاول ويحمي شرقي الأردن إلى الجنوب وإلى الشمال.
وتثبّتت العلاقات مع الفلسطيين بعد معركة وادي رفائيم (لا ننسَ العلاقات الطيّبة بين داود واكيش ملك جت). وفي بداية عهد سليمان كانت جت بعد مملكة مستقلة (1 مل 2: 39 ي). ولكن أطلت الصعوبات في الشرق. فاندفع الأراميون بقيادة هدد عازر، ملك صولة. وإذ أراد داود أن يوقف هذا المدّ، لم يكتف بأن يتفاهم مع ملك حماة لكي يقطع عليه الطريق من الشمال، بل بسط حمايته على دمشق (2 صم 6:8). ثمّ أرسل يوآب فاحتلّ ربة عاصمة بني عمون. ففرض الجزية على السكّان واعتمر التاج (2 صم 12: 35). كان يوآب قد احتلّ المدينة السفلى وترك للملك أن يحتلّ المدينة العليا فيبقى له فخر الاستيلاء على المدينة.
وتوجّه داود نحو الجنوب. إنتصر على الموآبيين وقاسم بالحبل وقتل واحدًا من كل ثلاثة محاربين (2 صم 8: 2). وهكذا صار الموآبيون يدفعون الجزية. وضمّ داود إلى مملكته الأدوميين وعيّن لهم حكّامًا فكانوا عبيدًا له (2 صم 8: 14) لا تبّاعًا فقط. وهكذا كان لداود مملكة واسعة.

8- شيخوخة داود
وأطلّ الخطر على بني إسرائيل، ولكنّ عون الخدّام الأمناء أعاد الأمور إلى حالها. هرب داود من ابنه أبشالوم، فلجأ إلى محنائيم (التي كانت أيضاً عاصمة اشبعل بعد معركة الجلبوع)، فاهتمّ به برزلاي وغيره. إنطلقت الثورة من حبرون، فكانت واحدة من الأحداث التي أحزنت الملك في شيخوخته. كانت صراعات داخل البلاط وارتبطت بها توتّرات ومعارضات داخل المملكة كلّها. رأى داود دمار عائلة شاول، وضحّى بما تبقى منها للجبعونيين، ما عدا مفيبعل، ابن يوناتان، صديق شبابه. ولكنّه أنهى أيّامه في مشاكل مشابهة. فصوّر كاتبُ أخبار ِخلافةِ داود (2 صم 13- 20؛ 1 مل 1- 2) بوعي وقساوة كيف عمل الحسد والغيرة عند الأبناء والأمّهات مع ضعف الآب. اعتدى أمنون على أخت أبشالوم. قتل أبشالوم أمنون. نفى داودُ أبشالوم. دعا يوآبُ أبشالوم. ثار أبشالوم فقتل يوآب أبشالوم. وحين عاد الملك، إختلف بنو إسرائيل مع بني يهوذا، وثار بنو إسرائيل مع شابع. قتل يوآب شابع ثمّ عماسا، وساعد أدونيا. تغلّب سليمان على أدونيا وصار ملكًا، فقتل يوآب وأنهى المعارضة بعد موت أبيه. حينئذ قال الكتاب: "واستقرّ المُلك في يد سليمان" (1 مل 46:2؛ رج 12:2).
هذا هو تسلسل الأحداث خلال شيخوخة ملك تلاعَب به محيطه. ولكنّ المسائل السياسية لم تتوضّح كلّها. لماذا انطلقت الثورة من حبرون قبل أن تجتذب إسرائيل؟ هل استاء الكالبيون من انتصار داود؟ لماذا بقي برزلاي وبنو جلعاد أمناء للمك؟ هل يكفي أن نقول إنّهم خافوا من الأراميين؟ ما هو واضح، هو أنّ إفرائيم وبينامين لم يقبلا بهذا الملك الهامشي الآتي من الجنوب. فرض داود إرادته (1 مل 2: 5- 9)، فانتقل الملك دون أي تعاهد بين شيوخ إسرائيل ويهوذا، كما كان في أيّام داود (2 صم 5: 1- 3) وكما سيكون بعد موت سلمان (1 مل 12: 1 ي). وأبرزت الملكية أشكال الحكم الفرعوني، وابتعدت عن النموذج السامي. وإنّ عمل شاول وداود مدَّ جذورًا قوّية بحيث إنّه ظلّ ثابتًا في الشمال كما في الجنوب.

د- سليمان حوالي السنة 950
كان داود محاربًا وسيسيطر على شيخوخته محاربٌ معروف هو يوآب ابن عمه. أمّا سلمان فلن يكون قائدًا حربيًا بل ملكًا تسيطر في أيّامه الحكمة في الدبلوماسية والإدارة. ولهذا جعله التقليد الإسرائيلي إمام الحكماء.
1- سليمان على عرش داود
كان سليمان عاشر أبناء داود والرابع الذي ولد له في أورشليم، وقد جاء بعده سبعة إخوة. هو ابن بتشابع التي تكاثرت الأقاويل حول زواجها. لبث في الظلّ يراقب تَصارُعَ الذين هم أكبر منه، فعرف موآمرات كل بلاط. فرضته شخصيتُه، بل تحالفُ مناخِ بين خصوم أدونيا، فصار ملكًا. وقد وصل إلى السلطة وسط خلافات عسكرية (بناياً ضد يوآب) كهنوتية (صادوق ضدّ أبياتر). واستند إلى رجل حازم هو ناتان وإلى امرأتين، أمّه وأبيشاج الشونمية.
وتصرّف بفطنة ليثبّت حكمه فنجح. وانتظر الظروف الموآتية ليزيل عناصر الحزب المعادي: يوآب، أبياتر، والبنياميني شمعي. ونحن لا نعرف ثورة داخلية واحدة في عهد سليمان، ولكنّنا نحسّ في نهاية حياته بالمعارضة الإفرائيمية مع أحيا الشيلوني ويربعام الذي من صريدة (1 مل 26:11). وسيتابع سلمان سياسة أبيه في دمج الشعوب بعد أن نال الحكمة الإلهيّة في ليلة من الصلاة قضاها في جبعون، المدينة الكنعانية المعادية لشاول.

2- إدارة سليمان
كان سليمان رجلاً إداريًا في خط حكمة الشرق السياسية. بدأ فوسّع عاصمة مملكته وطمر بالملّو (من ملأ وردم) الانخفاض الذي يحمي شمال مدينة داود القديمة، وبنى قصرًا واسعًا يتكيّف والحاجات الإدارية. فقصر داود القديم لم يَعُد يكفي. ثم إنه كان محاطاً بالبيوت، بحيث استطاع الملك أن يرى بتشابع امرأة أوريّا تستحم في رواق قريب عند انحدار عوفل (تلّة بين قصر داود والهيكل). أمّا سليمان فعزل قصره عن المدينة. واتبع العادة الشرقية، فجعل الهيكل قرب القصر الملكي لأنّ الملك يقوم مقام الله فيجلس عن يمينه. الملك هو خادم الله، وقصر سليمان هو امتداد لبيت يهوه صباؤوت أي رب الأكوان أو الرب القدير. وكان الملك يجتاز الرواق، وأمامه حرسه، ليحتفل بالأعياد الوطنية الكبرى أمام الرب الجالس على الكروبيم، المستلقي على دبير (مكان) مرتفع في عمق الهيكل. ولقد تعجبّت ملكة سبأ من تنظيم القصر، وهي الآتية من بلد مشهور بالحكمة. لقد رأت "طعام موائده، ومسكن ضبّاطه، وقيام خدّامه ولباسم، وسقاته، والمحرقات التي كان يُصعدها في الهيكل" (1 مل 5:10).
وجعل سليمان في هذه الأبنية الإدارة الملكية (1 مل 4: 1- 6): هناك الآن سكرتيران ملكيان، رئيس على ولاة المقاطعات، كيل يتدبّر أموال التاج، رئيس عمّال السخرة من أجل الأشغال العامّة. ولا ننسَ الوظائف القديمة في عهد داود: رئيس الكهنة، المنادي، قائد الجيش، رئيس الحرس.
ويقوم بنفقات هذه الإدارة المحلية في القصر والهيكل ولاة المقاطعات (1 مل 4: 7-18). هناك اثنا عشر واليًا، يؤمّن كل واحد منهم النفقات مدة شهر من السنة. كانت نواة الولاية القبيلة، ولكن ضمّ سليمان إلى أرض القبيلة كثيرًا من الشعوب الغريبة والمدن الكنعانية (بما فيها أورشليم) التي احتلّها داود. قد يكون الوالي قريبًا من الملك، ولكنّه كان عادة أحدَ الأشراف فتنتقل وظيفته إلى ابنه حسب تقليد قديم.
وفتح سليمان مدارس ليعلّم الولاة الكتابة والحساب وطريقة الكلام. ولهذا سمّي معلم الحكمة في إسرائيل. سبقه أمراء كنعانَ، فتبعهم واستلهم الأساليب التقليدية الآتية من بابل في أيّام السلالة الأمورية، كما استلهم النموذج المصري. وسنجد بعض الأسماء المصرية بين كتبة القصر فنتج عن هذا تقليد في بلاط أورشليم مؤاتٍ لمصر، وهذا ما سيجعل الكاتب اليهوهي في البنتاتوكس يحذّر المؤمنين من هذه الطريقة الجديدة، وسيتبعه الأنبياء.

3- العلاقات الدولية
وكان اتّفاق بين سليمان ومصر الضعيفة مع السلالة الحادية والعشرين، ترسّخ بواسطة زواج كان مهره جازر (1 مل 16:9). لقد تزوّج سلمان ابنة الفرعون سيامون. لا يشير التاريخ إلى تدخّل الفرعون ضدّ الفلسطيين، ولا يقول لنا في أيّة ظروف استولى على جازر قبل أن يقدّمها لسليمان. وقد كان للملكة الآتية من مصر قصر خاص بها (1 مل 9: 24). وقد اتّبع سلمان طريقة فرعون بسياسة الزواجات فتفوّق على أبيه: تزوّج من صيدون وعمون وموآب... وصنع لكلّ امرأة من نسائه الغريبات معبدًا خاصاً بها (1 مل 11: 5- 8). فالعلاقات الطيّبة مشروطة ببناء معبد يكرَّم فيه آلهة هذه الأميرات على جبل الزيتون. 
توجَّه سليمان إلى مصر من أجل كتبته، وتوجّه إلى الفينيقين من أجل أبنتيه ولاسيّمَا الهيكل، بل ومن أجل حصونه في حاصور ومجدو وجازر المبنية بناءً مماثلاً. فنتج عن ذلك علاقات تجارية بل شركات للنقل في البحر الأحمر (1 مل 9: 26- 28)، وقد تكون هذه الرحلة إلى أوفير وذهبها قد جلبت معها ملكة سبأ إلى أورشليم. وهكذا بدأ تأثير صور التجاري على إسرائيل، وسيتوسّع في القرن التاسع، ولكنّ نتائجه ستكون وخيمة. كانت البلاد سيّدة جزء من الشاطئ الساحلي وصاحبة حق في الدخول إلى خليج العقبة، فعرفت سنوات من الازدهار بفضل تجارة مربحة (1 مل 10: 5) ولاسيّمَا تجارة الخيل بين كيليكية ومصر (1 مل 27:10- 29). كل هذا الغنى دفع قسمًا من المصاريف الباهظة التي يتطلبها الهيكل والقصر، ولكنّه لم يدفعها كلّها. لهذا لجأ سليمان إلى الأشغال الشاقة، وفرَض السخرة على شعبه (1 مل 27:5، سخر من كل إسرائيل 28:11) وحاول كاتب لاحق أن يصّحح الصورة في 9: 2، فقال: أمّا بنو إسرائيل فلم يجعل منهم سليمان عبيدًا. وزادت ديونه لحيرام ملك صور فأعطاه الضيع في منطقة كابول في الشمال الشرقي من عكّا.

4- إخفاق وفشل
وكانت نهاية مملكة سليمان مخيّبة للآمال. بنى داود مملكة متشعّبة، وها قد بدأت تتفكّك في عهد ابنه. وقف شاول وداود بوجه المدّ الأرامي، أمّا الآن فعادت إليه قوته. كان راصون (حازيون) خاضعًا لهدد عازر ملك صوبة الذي قهره داود. فطرد الحاكم الاسرائيلي وجعل من أرضه مملكة مستقلّة. إنّ هؤلاء الأراميّين الذين تميّزوا بالحيوية والفوضى، أخافوا الأشوريين منذ تجلت فلاسر الأوّل (1100 ق. م.) وسيخيفون بني إسرائيل في القرن العاشر، ولكنّهم لن يتوصّلوا إلى تكوين مملكة موحّدة. ستكون مملكة دمشق أقوى الممالك الأرامية، بحيث تسمّى بكل بساطة مملكة أرام. وقد يكون الكلدانيّون الذي ظهروا في القرن العاشر وسيطروا فيما بعد على بابل، قد يكونون فرعًا أراميًا.
أمّا سبب ضعف سليمان، فجيء السلالة المصرية الثانية والعشرين مع شيشانق الأوّل (حوالي 945- 921)، ونهاية سلالة أقام معها أفضل العلاقات. إنتقلت العاصمة من صوعن (أو تانيس) إلى فيباست (أو بوباستيس)، فابتعدت عن الحدود. وترك الفرعون الجديد سياسة التفاهم والزواج، واستقبل أدوميًّا يحمل في عروقه دمًا ملوكيًا هو هدد الذي كان ضحيّة ما فعله يوآب حين تغلّب على أدوم، وما فعله داود حين ضمّ هذه الأرض إلى مملكته (1 مل 11: 14- 22). فهدد هذا تزوج قريبة فرعون (أخت امرأته) وعاد إلى بلاده ليستعيدها من تسلّط بني إسرائيل.
واستقبل شيشانق فارًا آخر وكان إسرائيليًا. إنّه يربعام الشاب الإفرائيمي الذي فقد والده، وعمل في أعمال ملو. أظهر كفاءته، فجعله سليمان رئيس أعمال السخرة في "بيت يوسف". لماذا أبعده سليمان عن البلاط رغم اشتباهه به؟ أما كان من الأفضل أن يبقيه معه ويراقبه؟ مهما يكن من أمر، فالنص الكتابي والتقليد الإفرائيمي يعتبر أنّه موسى آخر (رج خر 2: 25). وما قام يربعام بثورة إلاّ بعد أن تحرّك إفرائيمي آخر هو النبي أحيا الشيلوني. إذًا، عاد يربعام إلى بلاده فوجد تحفظّات في محيط صموئيل ضدّ الملكية وذكريات ثورة شابع. فانتقل إلى المعارضة، ولكنّه أجبر على الهرب إلى مصر وسيعود منها فيؤلّف سلالةً اسرائيل الثالثة بعد موت سليمان.

هـ- المدّنية السليمانية
1- العاصمة والمقاطعات
وتوسّعت مدينة داود ببناء القصر والهيكل وردم ملو. وهكذا صارت أورشليم عاصمة حقة. ولكن لا نضخّم الأمور. فهناك مدن مثل حاصور وشكيم وجازر لا تقلّ عنها أهمّية. وسوف نرى منذ موت الملك أنّ بلاط أورشليم بلاط صغير. وإذا قابلنا هيكل أورشليم بهياكل مصر وفينيقية، بدا بناءً صغيرًا. كان في أورشليم كتبة يتعلّمون قراءة الأبجدية السامية، ولكنّ هناك كتبة منذ القرن الثاني عشر في أماكن أخرى مثل قادش برنيع، وهذا ما تشهد عليه الأبجديات التي اكتُشفت في الحفريات. وكانت الإدارة في بدايتها، وقد سارت على النموذج المصري، تستعمل علاماته العددية وطرائق الحكمة فيه. لقد جاءت أورشليم متأخرة، فلم تستطع أن تسيطر من الوجهة الحضارية على المدن التي سبقتها إلى الوجود.
ولم تجتمع هذه الحضارة في أورشليم بل تشتّتت في كل البلاد. وأكبر شاهد على ذلك هو أنّ إدارة المقاطعات تخصّ العائلات العائشة خارج أورشليم. لا شكّ في أنّ التجارة ازدهرت في أيّام سليمان، ولكنّ أورشليم لم تكن مركزًا تجاريًا. أمّا المدن التي تُخزَن فيها الخيرات فهي حاصور، مجدو، جازر، لأنّها أقرب إلى الطرق التي تربط أرض إسرائيل بكيليكية والعقبة ومصر لقد احتفظ الملك بتجارة الخيل يشتريها في كيليكية ويبيعها للمصريين والأراميين (1 مل 10: 28- 30). وأخذ الذهب والفضة يردان إلى أورشليم (1 مل 10: 14- 21) ومعهما سائر الخيرات. ودفعت المقاطعات الضرائب عينًا من أجل نفقات القصر والهيكل. وكما في أوغاريت، كذلك في أورشليم، فالمصادرة أمر طبيعي في مُلكيّات ذلك الزمان. وحقّ الملِك (1 صم 10: 25) الذي نسمعه قولاً نبويًا بلسان صموئيل (1 صم 8: 11- 17: يأخذ بنيكم... بناتكم... عبيدكم... ماشيتكم) أبرز بقوة امكانية المصادرة: الرجال من أجل الحرب وأعمال الزراعة، النساء كعطّارات وطبّاخات وخبّازات، الحقول والبساتين ثمّ عشور كل شيء. وهكذا يصبح الأمير ورجاله عبيدًا وخدّامًا للملك. وسيسمّي التقليد الاشتراعي هذا النمط من المجتمع المكون حسب النموذج الفرعوني، "بيت عبودية".

2- الأعمال الفنية
وازدهرت أعمال الخشب وأعمال الحديد من أجل بناء الهيكل والقصور في أورشليم. استوردوا الخشب من فينيقية، واستخرجوا الحديد من وادي الأردن بين سرتان وسكوت (1 مل 46:7)، والنحاس من خليفة وتمنة عند خليج العقبة. وهناك كانت تُصب المعادن، ثمّ تُحمل إلى أورشليم من أجل الرماح والمشبكات والإبر وكان حي الصنّاع خارج المدينة عند ملتقى وادي قدرون ووادي جهنم. وسيكون العمّال المختصّون عنصرًا هامًّا بين السكان، فيأخذهم المحتلّ إلى أرضه ليعملوا عنده. وازدهرت صناعة الزجاج (الذي لم يكن بعد شفافًا) والجواهر والفخار. لا شكّ في أنّ أشغال الفخار في زمن الحديد الأوّل هذا، نقصتها ألوان العصر السابق وصُوَر العصافير والأسماك التي عرفتها الحقبة الفلسطية. ولكنّها كانت مطبوخة طبخًا جيّدًا، فبدت جميلة الشكل. نحن نجد سرجًا وجرارًا في الأنفاق التي تقود إلى نبع جيحون، وهي التي حُفرت في هذا العصر أو في الذي سبقه. 
ورغم ظهور التجارة على نطاق واسع كما في فينيقية، لا نقدر أن نقول إنّ مجتمع سليمان صار مجتمعًا متحضّرًا. فالتوتّر ظاهر بين البلاط والريف أو المقاطعات. فشعب ألارض يؤلّف وحدة من الملاّك والعبيد. كلّهم يقيمون معًا في بيوت واسعة أو ضيّقة. يذهبون إلى العمل في الحقول. ولكنّهم يحسّون كلّهم بثقل الإدارة المركزية ومتطّباتها. لهذا، بدأت المعارضة تترجم تململها ثورةً في القبائل. وحين سترفض الخضوع لأورشليم بعد موت سلمان، لن تُحَل المشكلة، لأنّ يساكر سيثور على أورشليم في أيّام خليفة يربعام المباشر (1 مل 27:15-28).

3- عالم الفكر اللاهوتي
وبدأ تجميع التقاليد القبلية والمحلية القديمة. فأمام هذه البنية الجديدة في الدولة التي تبدو حديثة بالنسبة إلى القبائل والمعاهدات فيما بينها، أحسّ الناس بالحاجة للاطّلاع على ما حصل في الماضي. قد يكون العمل بدأ يوم اقام أبياتر (الذي من قبيلة لاوي) مع داود في صقلاج وفي أرض شمعون، ويوم نزل أيضاً إلى حبرون وممرا. ولكن لمّا جعلت إدارةُ داود أورشليم، عاصمةَ المقاطعات الاثنتي عشرة، وجب الأخذ بعين الاعتبار تقاليد الشمال، ولاسيّمَا تقاليد موسى، (كان أبناوءه في لاييش دان وفي بيت ايل) وتقاليد يشوع الافرائيمي وجدعون المنسّاوي... وكانت كتابات أخرى قديمة مثل الكتابة ضدّ عماليق (خر 17: 14- 15) ونصوص أخرى.
وكانت هناك أيضاً كل التقاليد الدينية المحليّة التي لا نستطيع أن نلغيها بشطبة قلم. اعترف داود بماله واحد مثل موسى، إنّه إله إبراهيم. ولكن هل هذا يعني إلغاء شعائر العبادة في لحي روئي وفي بئر لحي روئي حيث يقيم نسل إسحق وإسماعيل. ثمّ إنّ إبراهيم زرع شجرة اثل باسم إيل عولام في بئر سبع. فكل هذه الأمكنة المقدّسة التي تغذّت فيها التقوى الشعبية لا تدمّر لأنّ الآباء مرّوا فيها. ولكنّ فكرًا لاهوتيًا فرض نفسَه فطبع بطابع فريد إله إسرائيل، الملك الوحيد، الذي يبدو ملك يهوذا مرسلَه الوحيد. لهذا، لا تُحسب العبادات المحلية إلاّ عبادة "ملائكة الرب" الخاضعة له ورسله في الظهورات التقليدية. فإاله القبائل الحربي هو إلإله الوطني وحده، وعرشه هو الآن في هيكل أورشليم. وهكذا ارتسم لاهوت غنيّ يحترم القوى الدينية التقليدية، ولكنّه يظهر متطلّبات من أجل وحدة الإله الوطني الذي يكفل وحدة البلاد السياسية.

4- الكتابات
لقد بدأ المفكّرون في أورشليم يتأمّلون في هذه المسائل، ووجد الكتبة أنفسهم معنيّين بها، لأنّ القضية قضية شرعية السلالة والملك الذي يرتبط بهذه السلالة. ووجد الكتبة نماذجهم في مصر.
وازدهرت أقصوصات ظريفة تعالج بلطافة أخطر مشاكل البلاط: كيف تستطيع الزوجة (مثل رفقة أو بتشابع) أن تنقل الإرث إلى الابن الذي تحبّه (تك 27)؟ كيف يكون الزواج حسب إرادة الله رغم سريّته (تك 24)؟ كيف تفشل الملكية (قض)؟ كيف تظهر حكمة الملك (1 مل 3)؟ ففنّ بناء مشهد سيكولوجي ودراماتيكي هو معطية تاريخية تؤلّف جزءاً من حكمة هؤلاء الكتبة المبنيّة على الخبرة. ولكن إن عرف الكاتب أن يرسم عبر الحوار مشهدًا سياسيًا، فهذا لا يعني أن لا اساس تاريخيًّا لخبره. فحكمة ذلك الزمان تقوم بأن نفتح عيوننا (تك 7:3)، ونحتفظ بتذكّر ونتأمّل فيه، ونرويه بطريقة شيّقة متجنْبين عرض المسائل البشرية عرضاً متحجرًا.
إنّ رسم وجه، وتنظيم حوار، وتقديم أقصوصة، ترجع إلى أساليب البلاغة التي تعلّمها الكتبة في المدارس على خطى كتبة مصر وبلاد الرافدين. وقد بقي لنا من كل هذا الشيء الكثير في التوراة. ثمّ إنّه منذ عهد سليمان، تكوّنت أقوال مأثورة بشكل درفتين متوازيتين كما في المجموعات السومرية والاكادية والحثية والفينيقية. وكانت لوحات صغيرة تعلِّم الوزير العتيد كيف يقدّر الأوضاع. ولا ننسَ أنّ الكهنة كانوا جزءاً من الإدارة (2 صم 8: 17 – 18؛ 25: 25- 26؛ 1 مل 4: 4). هم خدّام الشعائر الموسوية والسليمانية فتعاملوا مع تشعبات وتعقيدات بلاط داود وسليمان. وجدوا أنفسهم بين لوحي الوصايا الموضوعين في الهيكل ومؤامرات بلاط ملكي لا يعرف إلاّ الاضطراب. فكيف سيتصرّفون؟
الفصل الخامس عشر
الملكية المقسّمة : إسرائيل ويهوذا

المقدّمة:
نتطرّق في هذا الفصل إلى المملكتين في أرض كنعان: مملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها ترصة ثمّ السامرة، ومملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها أورشليم. ونتوقّف عند حمس محطّات: الأولى: مملكة إسرائيل ومصير يهوذا. الثانية: الحرب الأرامية الإفرائيمية وسقوط السامرة. الثالثة: حزقيا، ملك يهوذا، وخلفاؤه. الرابعة: يوشيا. الخامسة: نهاية المملكة الداودية.
هذه الحقبة هي أغنى الحقبات بالمُعطيات التي نجدها خارجًا عن التوراة: الحوليّات الأشورية، المعطيات الابيغرافية (كتابة منقوشة على مبنى أو تمثال) والأركيولوجية التي اكتشفت في أرض يهوذا وإسرائيل. ولا ننسى أنّ المملكة الحقّة وحضارة بني إسرائيل الأولى هي مملكة إسرائيل، مملكة الشمال، وسترث غناها أورشليم بعد سقوط السامرة سنة 721. ومرّت حقبة سبقت السامرةُ أورشليمَ التي ستُعتبر ضالّة في أيّام عثليا حين كان الملك ياهو ينقّي السامرة ويقوّم مسيرتها. ولكنّنا نستشفّ منذ البداية العلامات السابقة لتقلبات المستقبل. فسلالة يهوذا أكثر ثباتًا من سلالات السامرة، والشعب (شعب الأرض) متعلّق بها. أمّا الشمال فقسّم بين قبائل تعلن كل واحدة منها سلالتها الخاصة. عرفت مملكة الشمال الحرب مع أرام دمشق، قريبتها، ثمّ تأثير فينيقيّي صيدون وصور. وتجاوزت ما فعله سليمان، فدخلت في لعبة المعاهدات والتجارة دون أن تتمتعّ بالسهولة التي يقدّمها البحر المتوسط. وتضاعفت الأزمات السياسية وانضمّت إليها أزمة اجتماعية فكانت السلطة الأدبية في يد الأنبياء لا في يد الملوك.

أ- مملكة إسرائيل ومصير يهوذا
1- ورفضت إسرائيل ملك يهوذا
عرفنا أنّه كان لسلمان نساء عديدات، ولكنّنا لم نعرف الشيء الكثير عن أولاده: بل نحن لا نعرف إلاّ رحبعام ابن نعمة العموّنية (1 مل 14: 31) التي أدخلتها الدبلوماسية إلى بلاط يهوذا. وكان رحبعام ابن 45 سنة حين اعتلى العرش. هذا يعني أنّه وُلد في أيّام داود الأخيرة. قد يكون البكر، ولكن من الممكن أن يكون هناك أبناء آخرون وُلدوا من أمّهات أُخَر وطالبوا بالحكم. وجاء اجتماع شكيم فطلب رحبعام من قبائل الشمال أن يمسحوه ملكًا، وقد أراد من هذا العمل أن يعتمد على وفاق القبائل الواسع فيجدّد ما فعله داود مع شيوخ إسرائيل (2 صم 5: 3) في مكان مرّ فيه إبراهيم ويعقوب (أو إسرائيل) ويشوع. تلك كانت نصيحة مستشاري أبيه الخيّرين.
كنّا نودّ أن نحصل على معلومات أكثر عن هذا الاجتماع، ولكنّ حالة النص (1 مل 12: 2) لا تسمح لنا أن نعرف متى عاد يربعام من منفاه. هل دعته المعارضة، أم هل عاد إلى البلاد حين انفصلت قبائل الشمال عن رحبعام؟ الفرضيّة الثانية أكثر معقولية. ومن الأكيد أنّ الشعب تأخّر في إعلان رحبعام ملكًا، وطلبوا مسبقًا تخفيف الضرائب وأعمال السخرة: تفاجأ الملك بهذا الطلب وطلب مهلة للتفكير. حينذاك تواجهت المدرسة الجديدة (ترك مشورة الشيوخ وتبع مشورة الفتيان) مع المستشارين القدماء. لقد تمثّلت المدرسة الجديدة برفاق الملك في صباه وهم الذين تربّوا في مدارس الكتبة المشدّدة على الايديولوجية الملكية التي تقول: ما يقرّره الملوك هو قول "إلهي" لا يقبل الجدل (رج أم 16: 10: في شفتي الملك كلام وحي). إتّبع رحبعام مشورة الفتيان فكانت الكارثة. ودوّى من جديد صوت ثورة شابع: "لا نصيب لنا مع داود، لا ميراث لنا مع ابن يسّى (ايشاي). إلى خيامكم يا بني إسرائيل. والآن، فانظر لبيتك يا داود" (أي: إهتم بأمور مملكتك) (1 مل 12: 16). وصارت مملكة يهوذا معزولة، وهرب رحبعام إلى أورشليم. ثمّ أرسل أدورام الموّلى على السخرة، فرجموه بالحجارة. وحاول رحبعام أن يعيد القبائل إليه بقوّة السلاح، فواجهته كلمات النبي شمعيا. وأحسّ الملك أن لا قدرة له على ذلك، لاسيّمَا وأنّ يربعام متفق مع شيشانق. ولهذا قرّر الدفاع عن نفسه فبنى سلسلة من الحصون (2 أخ 11: 5- 10) اكتُشفت اليوم بعضُ آثارها.

2- يربعام الإفرائيمي (حوالي 930- 910 ق. م.)
وصار يربعام ملكًا. فكما كان لكل من بنيامين (شاول) ويهوذا (داود، سليمان، رحبعام) سلالة ملكية، هكذا سيكون لإفرائيم. وتصوّر يربعام حكمه على مثال حكم سليمان الذي عرفه حين بنى ملّو. وهذا النموذج السليماني هو نسخة مطابقة للنموذج المصري الذي عرفه يربعام أيضاً يوم كان منفيًا في مصر حافظ على هذه الإيديولوجيا وبنى هياكل ملكية (دان، بيت إيل. رج 1 مل 12: 26- 33؛ عا 13:7) وعيَّن كهنة. وجعل عاصمته في شكيم قبل أن ينقلها إلى ترصة ليكون قريبًا من جلعاد حيث يضايقه المدّ الأرامي. 
ومرّ قرنان من الزمن كانت مملكة الشمال الوارث السياسي الحقيقي لمملكة داود، بعد أن ضمّت أقلّه عشر قبائل وقسمًا من بنيامين. وكان أوّل من شعر بالخطر شيشانق الأوّل الذي أرسل حملة على أرض إسرائيل في السنة الخامسة لرحبعام وقبل أن يموت حوالي سنة 925. ونقرأ مسيرة حملته في لائحة الكرنك: عبر أرض إسرائيل طولاً وعرضاً، ولكنّه عفا عن أورشليم مكتفيًا بجزية ثقيلة. كيف نفسّر هذا الأمر؟ أحسّ رحبعام بالتهديد يأتيه من مملكتي موآب وإسرائيل فخضع لشيشانق. إستفاد شيشانق من الوضع الحاضر ليدجّن ملك إسرائيل. ولكن مصر لن تعود في الوقت القريب إلى إسرائيل، بعد أن حكمها الليبيون فضعفت جدًّا.
3- بعشا اليساكري وآسا اليهوذاوي (حوالي 910- 870)
ومات يربعام ورحبعام، الواحد بعد الآخر. ولكنّ ناداب بن يربعام لم يستطع أن يحتفظ بالعرش. قُتل سنة 909 تقريبًا حين كان يقاتل الفلسطيين ويحاصر جبَّتون (1 مل 27:15). وطالت الحرب بين مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا (1 مل 15: 6، 16)، بعد أن اتفَّق الجنوب (مصر، فلسطية، يهوذا) ضدّ الشمال. وظلّت المعارضة حاضرة في أيّام بعشا، قاتل ناداب. مع بعشا جاءت قبيلة يساكر (يزرعيل) واستولت على الحكم في ترصة. وإذ أراد بعشا أن يكون حرا في تحرّكاته، حصّن الرامة التي تقع بين جبعة والمصفاة وتبعد كيلومترين إلى الشمال من أورشليم. وكان ملك يهوذا في ذلك الوقت آسا. فدشّن سياسة سيتبعها خلفاؤه. أراد أن يحرّر حدوده من ضغط مملكة إسرائيل، فدفع جزية لملك دمشق، وطلب منه أن يتدخّل. وكان ملك دمشق في ذلك الوقت طوب رمون، فاحتلّ المدن الحدودية في مملكة إسرائيل: عيون، دان، آبل بيت معكة، ثمّ اجتاز كلّ أرض نفتالي ووصل إلى بحيرة كناروت (1 مل 15: 20). يبدو أنّ بعشا ردّ الملك الأرامي على أعقابه، لأنّ نفتالى ستكون إسرائيلية حوالي سنة 740. وقي هذا الوقت عاد آسا إلى نظام دفاعه، فحصّن جبعة والمصفاة بالحجارة التي كان ملك إسرائيل قد هيّأها من أجل الرامة.

4- بيت عمري
لم تكن سلالة يساكر أطول عمرًا من سلالة إفرائيم. فقام زمري قائد المركبات وقتل ابن بعشا خلال حفلة سكر عند كيل أملاك البلاط. هنا ظهرت اختلافات جديدة. أوّلاً في الجيش: فالجنود الذين يخيّمون حول جبَّتون هتفوا لعمري واستعادوا ترصة فانتحر زمري في ترصة. ثانيًا: وانقسم الشعب قسمين، وقهر عمري تبني ابن جينت الذي لا نعرف عنه شيئًا آخر وكان قسم من البلاد بأكثرية إسرائيلية حول يزرعيل، وقسم آخر بأكثرية كنعانية حول السامرة. واختار عمري القسم الثاني وأسّس عاصمة ثانية هي السامرة بعد أن ملك في ترصة ستّ سنوات. أجل، كانت السامرة في منطقة كنعانية فاندمجت مؤخّرًا مع قبيلة منسى.
كان عمري ملكًا عظيمًا، وقد أسّس سلالة لها اعتبارها في الخارج. وبعد سقوط سلالته ظل الكتبة الأشوريون يسمّون بلاده "بيت عمري". وسيسمّي هؤلاء الكتبة أنفسُهم ابنه أحاب "الاسرائيلي " (سيرئيلايا). وكان أحاب قد دخل في حلف مع الملوك ليواجه شلمنصر الثالث في قرقر سنة 853- 852. وبدأت مملكة إسرائيل مع عمري وأحاب سياسة ناشطة في أرام وفينيقية. تزوّج أحاب إيزابيل بنت اتبعل ملك صور وارتسم اتّفاق وثيق مع صور سيجعل التأثير الفينيقي الديني والتجاري يسيطر على مملكة إسرائيل. نعجب حين لا نرى اسم صيدون وصور في حلف قرقر، بينما نرى أحاب بجانب أرحولاني ملك حماة، ومتان بعل ملك أرواد وهدد عازر ملك دمشق. ولكن لا ننسى أن ملكَيْ صور وصيدا هما بين الملوك الاثني عشر المقيمين على الساحل والذين لم يُذكر أسماؤهم. ونشير أيضاً إلى نشاط عمري وابنه (مسلّة ميشع) في الجنوب: احتلاّ ميدبا وأعادا بناء ياهص، شرقيّ البحر الميّت.
في هذا الوقت أحسّت مملكة يهوذا بالتهديد يأتيها من الشمال والشرق، فدخلت في فلك مملكة إسرائيل. تزوّج يوشافاط (حوالي 870- 848) ابن آسا عثليا أخت يورام (852- 841) وحفيده عمري. تحالف مع مملكتي إسرائيل وأدوم، وقام الثلاثة بحملة على ميشع، ملك موآب الثائر (2 مل 3: 4-27). ولكنّ الحملة رافقها الفشل. وهذا ما أتاح لمملكة أدوم أن تتحرّر من سلطة ملك يهوذا، يورام (848- 841) اليهوذاوي إبن يوشافاط.

5- حزائيل ملك دمشق
وتطوّر الوضع في الشمال، فشكّل خطرًا على مملكة إسرائيل. اعتلى عرش دمشق ملك جديد فبلبل العلاقات الدولية. كان هدّد عازر (هدديري) حليف أحاب في قرقر مع بعض الوحدات العربية: ولكن بين السنة الرابعة عشرة والسنة الثامنة عشرة من عهد شلمنصّر (844- 840) قُتل هدّد عازر (أو ابنه) على يد حزائيل. فقلق شلمنصّر من هذا المغتصب، وأقام الحصار حول دمشق، ولكنّه لم يأخذها، بل تابع طريقه إلى حوران فوصل إلى البحر أجل، لم يتغلّب شلمنصّر على حزائيل. وإذا كان قد امتد إلى حوران، فلكي يضع حدّاً لتوسّعات حزائيل الذي اجتاح شرقيّ الأردن واحتلّ راموت جلعاد. أراد يورام، ملك إسرائيل، أن يستعيد راموت فهُزم وجُرح. وتهدّدت مواقع إسرائيل في شرقي الأردن، وتضايق السكّان كثيرًا (2 مل 12:8 ؛ عا 1 :3). وعمّ الاستياء في صفوف الجيش، فقام القائد ياهو بانقلاب: وصل بسرعة إلى يزرعيل، فقتل هناك يورام وأمّه ايزابيل، كما قتل أحزيا ملك يهوذا وابن عثليا الذي جاء يفتقد قريبه. ثمّ قتل ياهو من تبقّى من العائلة الملكية في السامرة، ولكنّه لم يستطع أن يزيح عثليا عن عرش أورشليم. إلاّ أنّ هذا الانقلاب لم يُعِد الأمور إلى نصابها.
وفي السنة الثامنة عشرة لحكم شلمنصّر (840)، قام الملك الأشوري بحملة على حزائيل، وتسلّم الجزية من صور وصيدون وياهو المسمّى خطأ "ابن عمري". وحاول ياهو أن يهاجم مؤخّرة جيش حزائيل، ولكن حزائيل تغلّب عليه وقع المدّ الأشوري. فعاد شلمنصّر بعد ثلاث سنوات (837)، ولكنّه لم ينحج (لا يذكر النص جزية ياهو). ولن يعود الملك الأشوري فيما بعد، لأنّ عليه أن يحارب في الشمال، ولأنّ الحروب الأهلية أثقلت نهاية ملكه. إذًا صار حزائيل حرا، فاجتاح كل الأرض الواقعة شرقي الأردن (2 مل 10: 33). ولم تتحسّن الحالة في إسرائيل في أيّام يوآحاز (814- 798). هزم حزائيل يوآحاز وحاصر السامرة، وانتهى الحصار بمعاهدة تحدّد القوى الاسرائيلية بخمسين فارسًا وعشر مركبات وعشرة آلاف من المشاة (2 مل 7:13). وتضمّنت المعاهدة التخلّي عن بعض المدن وامتيازات تجارية في السامرة عينها.

6- يوآش ملك إسرائيل وبربعام الثاني
وتحسَّن الوضع في أيّام يوآش ملك إسرائيل. قلق هدد نيراري الثالث (815- 783) ابن عورمات (عيراميس) من تقدّم حزائيل ومن طموحات ابنه بن هدد (مسلة زكور)، فعاد يتدخّل في سورية. وقد رأى فيه بعضهم المحرّر الذي لم يُذكَر اسمه في 2 مل 13: 5. هجم بن هدّد على مملكة اسرائيل، وحاصر السامرة مرّة ثانية، ولكنّه فشل، بل انهزم في أفيق (2 مل 17:13 ؛ رج 1 مل 26:20): تدخّل هدد نيراري، فهرب الملك الأرامي، ولكنّ يوآش ملك إسرائيل أجبر على دفع الجزية لملك أشور. استعاد يوآش المدن التي تخلّى عنها يوآحاز، وحصل من دمشق على امتيازات تجارية تقابل تلك التي قدّمها يوآحاز لحزائيل في السامرة (2 مل 13: 25؛ رج 1 مل 20: 34). وعم الاستياء الحزب النبوي الذي كان روح المقاومة الوطنية مع اليشاع، تلميذ إيليّا. وقف أليشاع بقرب ملك ضعيف، ولكنّ يوآش لم يُنهِ ضرب أرام. فقد أحسّ بالخطر الأشوري، كما أحسّ به أحاب قبله. ووجب على يوآش أن يواجه ما يحصل في الجنوب. إستفادت مملكة يهوذا من مصائب مملكة إسرائيل، فتخلّصت من تسلّطها. وخلال السبع سنوات التي فيها حكمت عثليا في أورشليم بعد مقتل عائلتها على يد ياهو، فتُرت العلاقات بين السامرة وأورشليم. ولكن ستُقتل عثليا، وقد تكون مملكة إسرائيل لعبت دورًا في مقتلها. واعتلى ابنها يوآش العرش بفضل تفاهم بين العسكر والكهنة في أورشليم (2 مل 11). وحين اجتاح حزائيل السامرة ونصب خيامه أمام جت، خضع يوآش ودفع جزية أخذها من بيت الرب في أورشليم. فتوتّرت العلاقات بين يوآش كهنة أورشليم (2 أخ 17:24- 22)، انتهى بمقتل الملك على يد وزيريه (2 مل 12: 21- 22) يوزاكار ابن شمعت ويوزاباد ابن شومير. فخلفه ابنه أمصيا الذي تغلّب على الأدوميين فثأر لهزيمة جده يورام (2 مل 7:14؛ رج 8: 20)، وتحدّى يوآش ملك إسرائيل. لقد اتفق مع بن هددكما اتّفق آسا مع بنهدد الأوّل ضدّ بعشا ملك إسرائيل. ولكن قُهر أمصيا وأُسر في بيت شمس (حوالي 790). وأُخذت أورشليم وهُدمت أسوارها (2 مل 14 : 13 ؛ رج عا 9: 11). 
وسيطرت السامرة على المنطقة نصف قرن، منذ نهاية عهد يوآش وخلال الزمن الطويل الذي فيه ملك يربعام الثاني. إستعاد يربعام الأراضي التي خسرها آباؤه من ليبو حماة إلى بحر العربة أو البحر الميت (2 مل 14: 25؛ رج عا 6: 14) حيث واجهته هجومات موآبية (2 مل 13: 20). وبعد أن أخضع مملكة يهوذا، تركها تعيد بناء إيلات على حساب أدوم (2 مل 14: 22)، ومنحها، على ما يبدو، بعض التعويضات على حساب دمشق (2 مل 28:14). كل هذا جعل العلاقات تتحسّن بين يهوذا (عزري ياهو) وملك اشور بعد سنة 745.

7- إنحطاط مملكة إسرائيل
عرفت مملكة إسرائيل توسّعًا حقيقيًا، ولكنّ الجراح التي سبّبتها الحروب الأرامية لم تلتئم تمامًا. ثمّ إنّ تأثير صور وتجارتها وأساليب الحكم فيها، أثّرت في الإدارة تأثيرًا سلبيًا. فقد قام إيليّا التشبي (الذي من شرق الأردن) على إيزابيل وتأثير صور في السامرة. لقد تحوّلت المؤسّسة النبوية، فلم يعد النبي ذلك الذي يُعطي الملوك قول وحي في هذا الظرف أو ذاك، كما يفعل الأنبياء مع ملوك ماري، ومع زكير بعل في جبيل في القرن الحادي عشر، ومع زكور في حماة في القرن التاسع، ومع ملك إسرائيل الذي يقود حملة على راموت جلعاد (1 مل 22). فهناك أنبياء جسّدوا آمال الأمّة وتقاليدها على حساب الملك. وإنّ أليشاع، تلميذ إيليّا، هو نبيّ سلالة ياهو. إنّه بقربه في الريف أو في البلاط، وهو يجترح معجزات يتعرّف إليها الشعب. ويشارك اليشاع في الضيق الذي حلّ بالبلاد في أيّام يوآحاز، كما كان رسول النصر على دمشق في أيّام يوآش، ملك إسرائيل. الناس يستعدون ليسمعوا النبي الذي يعطي كلمة الله. إنّه يلعب دور الوسيط، ساعة يتخلّى الملك عن لعب دوره. 
وغاب الملك، وسيكون النبي هوشع الشاهد على هذا الغياب. منذ موت يربعام الثاني، توالت موآمرات كان الملوك ضحيّتها. قال هوشع (7: 4- 7) في هذا المجال: "يسلّون الملك بحيلتهم والأمراء بكذبهم. يُشعلون النار كتنور تحميه يدُ الخبّاز حين تنام المدينة، ويُعجن الدقيق إلى أن يختمر في الصباح. جعل الأمراءُ ملكنَا مريضاً من سورة الخمر، كارس السلطةَ الساخرون. صدرهم مثل تنور وقلبهم مليء بالفخاخ. يَرقد غضبُهم طوال الليل وفي الصباح يتأجّج كنار ملتهبة. كلّهم قد حموا كالتنّور وأكلوا قضاتهم ؛ جميع ملوكهم سقطوا". وهكذا ستزول الملكية كما قال الرب بلسان نبيّه: "أعطيتك ملكًا في غضي، وها أنا أستعيده في غيظي " (هو 13: 11).
صار الملك ضعيفًا (هو 10: 7؛ 13: 10) في الداخل وفي الخارج. في الداخل التجار غشّاشون (عا 8: 4- 6)، والقضاة فاسدون (عا 2: 6- 7)، ونساؤهم تدفعهم إلى ذلك. الكهنة يُباعون (هو 4: 4- 10) والذين وجب عليهم أن يمُارسوا العدل والاستقامة يحوّلون الحق إلى سمّ والعدالة إلى علقم (عا 6: 12؛ رج هو 10: 12). وليست الحالة في الجنوب أفضل منها في الشمال (مي 3: 9- 11؛ أش 8:5). فالتعارض ظاهر بين الأغنياء والفقراء، والطبقات الموسرة ليست مريضة من جرح يوسف (عا 6:6). يتنعّم الأغنياء (عا 6: 4)، ويستغلّون الفقراء (عا 2: 6، 8: 4). كيف تحطّم المجتمع الاسرائيلي الذي عرف الوحدة في أيّام أليشاع والقوّة في زمن حزائيل؟ تأثير التجارة مع أرباحها جرّت السامرة إلى هذه الحالة. قد تكون هذه خطيئة صور، ولكنّها ليست خطيئتها وحدها (عا 1 : 9 ) .
وعرف عاموس الوضع الخارجي والدولي، فحكم باسم الرب على جيران إسرائيل، كما حكم على مملكة إسرائيل نفسها. وحين مات يربعام الثاني، كانت المنصة كلّها في أزمة. وإذ أرادت أشورية أن توقف مدَّ جيرانها في الشمال (اورارتو، المادايون)، اجتاحت سورية وضمّت إليها مدنها، فاضطرب التوازن السياسي في المنطقة.

ب- الحرب الأرامية الإفرائيمية وسقوط السامرة
كانت هذه الحرب حدثًا هامًا في اللعبة الدبلوماسية في الشرق الأوسط. ولكنّ شخصية ملك أشورية تجلت فلاسر الذي اعتلى العرش سنة 745 ق. م.، ستجعلها تنتج نتائج غير منتظرة. وحين ينتهي أمر مملكة دمشق، تكون خارطة جديدة قد ارتسمت. تبع هذه النهاية دمارُ مملكة إسرائيل، فطرح هذا الدمار أسئلة لاهوتية جديدة على الضمير الديني في إسرائيل، وأبرز اتجاهًا جديدًا في الشعب كلّه. إنّ النصوص الأشورية (حوليّات تجلت فلاسر الثالث، لائحة باسماء المدن) تعطينا إطارًا دقيقًا يتيح لنا أن نحدّد موقع الأحداث التي تفترضها أسفار الأنبياء (عاموس، هوشع، أشعيا) والملوك والاخبار.

1- تجلت فلاسر الثالث في سورية
في سنة 743، ظهر تجلت فلاسر في سورية وقام بحملة على أرفاد وفي منطقة حماة (عا 2:6؛ رج اش 9:10). ثم وضع يده على مدن "عزرياهو في يهوذي " الذي هو عزريا ملك يهوذا والذي يسمّى أيضاً عزيّا. بعد هذه الأحداث، مات يربعام الثاني وعزيا (أو عزريا). وبعد موت يربعام، قُتِل ابنه. أمّا شلّوم قاتله، فقُتل بعد شهر بيد مناحيم الذي صار ملكًا. واعتلى مناحيم العرش سنة 732، أي حين اخذت كولاني (كلنة في العبرية. رج عا 2:6 ؛ أش 9:10). ولكنّ سلطته بدت مترجرجة، ولهذا سيدفع الجزية لتجلت فلاسر الثالث (2 مل 15: 19) مع راصون ملك دمشق وحيرام ملك صور. وسيثبّت مناحيم سلطته، وسيبقى حيًّا حين يخلف طوبائيل حيرام على عرش صور سنة 736. سيموت بعد ذلك الوقت بقليل، ويخلفه ابنه فقحيا الذي سيقتله فاقح. حين بدأ فاقح ملكَه، قطعَ العلاقات مع أشورية، ودشّن سياسة تفاهم وثيق مع راصون ملك دمشق، ليجابه المدّ الاشوري. هذا ما فعله أحاب وهدد عازر ضدّ شلمنصر وتكوّن حلف بمساندة الفينيقين والفلسطين، ولكن ملك يهوذا رفض الدخول فيه. فقد كان يوتام ابن عزيا الوصي على العرش لأنّ والده أصيب بالبرص. وسيُصبح الملكَ وحده بعد سنة 736، وكان والده قد مات بعد فقحيا (2 مل 27:15).
لماذا هذه المقاومة؟ لسنا أمام مسألة أخلاقية، ومملكة يهوذا لا تقيم اعتبارًا للعدالة الاجتماعية أكثر من مملكة إسرائيل. ولسنا أمام صداقات تقليدية بين كتبة أورشليم وكتبة مصر، لأنّ مصر قلقة من الامتداد الأشوري، والسامرة تتأرجح بين الحماية الأشورية (مناحيم) وبين الحماية المصرية (هو 13:5؛ 7: 11). نحن أمام تقليد سياسي في يهوذا يحاول أن يلعب دور التوازن مع إسرائيل. لهذا دعت مملكة يهوذا قوى الشمال إلى نجدتها. أجل، لقد انتهى التوتّربين تجلت فلاسر وعزريا حين قدّم عزريا خضوعه للملك الأشوري. وهنا نفهم موقع كرازة عاموس التقوعي الذي جاء يحذّر مملكة إسرائيل من الخطر الآتي من الشمال (عا 5: 27) ومن سرعة التدخّل الأشوري.

2- نهاية مملكة إسرائيل
منذ سنة 734، كان تجلت فلاص في فلسطية (لائحة بأسماء أشورية. رج عا 6: 2). لقد كانت جيوش السامرة قد اجتاحت أرض يهوذا (مي 1: 6، 10- 15)، واستعاد الأدوميون إيلات بمعاونة ملك دمشق (2 مل 16: 6). ها هو أدوم يلاحق أخاه (عا 1: 11)، وصارت أورشليم مدينة محاصرة (أش 7: 1- 2). أراد المتحالفون أن يضعوا حدًّا لسلالة داود المعاندة والتي خسرت شعبيتها، ويضعوا على العرش أحد أبناء طابئيل الصوري (اش 7: 6). ولكنّ صور خضعت للأشوريين منذ مجيء تجلت فلاسر فلم تعد خصمًا في النصوص الأشورية. ثمّ إنّ حيرام جديدًا حلّ محلّ طابئيل.
حين احتلّ الملك الأشوري الساحل، غيّر المعطيات، ولكنّه لم يحلّ المشكلة. وهو سيحتاج إلى حملتين (سنة 733 وسنة 732) ليتغلّب على دمشق ويستولي على غزّة ضدّ ملكها حنون، ويقسم مملكة إسرائيل. كانت مملكة يهوذا الضحيّة فصارت متعدّية: بدلّت الحدود مع السامرة لمصلحتها (هو 5: 10). ومنذ سنة 732 بل منذ سنة 733، خسرت مملكة السامرة ثلاث مقاطعات: الجليل، جلعاد، الساحل في جنوب الكرمل (أش 8: 32؛ رج 2 مل 15: 29). وصارت هذه المقاطعات أقاليم أشورية. وكانت ثورة في قصر السامرة. قُتل فاقح، وحلّ محلّه هوشع الذي عاد إلى سياسة موالية للأشوريين. وبعد سقوط دمشق (2 مل 16: 10) جاء أحاز بدوره فقدم خضوعه للملك الأشوري الذي سيموت سنة 727 ق. م..
وفي تلك الأثناء، أي في السنة الثالثة لهوشع ملك إسرائيل (2 مل 18: 1، 9)، أشرك أحاز حزقيا في العرش، وقد أشار أش 9: 5- 6 إلى هذا الاحتفال. ولكنّ الوضع ما زال يبعث على القلق. فالفلسطيون يشعرون بقوة العهد المقطوع بين يهوذا وأشورية، لاسيّمَا وأنّ تجلت فلاسر سلّم إلى رجل عربي (اديبي ايلو) حدود يهوذا مع مصر (نحل مصر). واستعدّت دمشق للثورة، واحتفظ هوشع بمكانته في بلد لم يقبل بهزيمته وتقسيم أرضه (أش 2: 6 ي؛ 9: 7- 9). وخافت مملكة يهوذا أن يحيط بها أعداؤها، لأنّ الملك المصري تفنخت تحرّر من النوبي الذي وصل إلى الدلتا. كان اسم هذا الفرعون سوء (2 مل 17: 4) أو سيئا أو سيئجب (سيبا أو سيفا في النصوص الأشورية). تآمر مع هوشع الذي استمع إلى رسله وبعث إليه برسله.
بدت الجزية ثقيلة في بلد دمّره الاجتياح. لهذا رفض هوشع أن يدفعها عند موت تجلت فلاسر فجاء شلمنصر الخامس (727- 722) فأسر وأخذه إلى المنفى في أشوريا. منذ سنة 725، حُرمت السامرة من ملكها (هو 3:10، يقولون: ليس لنا ملك)، ولكنّها قاومت حتّى كانون الأوّل سنة 722 ولم تتلقّ مساعدة من أورشليم. فالملك أحاز اتّبع سياسة موالية لأشور على خطى عزيا ويوتام حتى موته سنة 716- 715.

ج- حزقيا، ملك يهوذا، وخلفاؤه
كمان حزقيا ابن أحاز (2 مل 18: 1)0 اعتلى العرش في السنة الثالثة لهوشع، ملك إسرائيل، أي حوالي سنة 729. في ذلك الوقت أشرك أحاز ابنه في الملك في أوقات صعبة تعيشها المملكة. لهذا أعلن أشعيا أنّ سلالة داود هي نور خلاص للمقاطعات الثلاث التي ضمّها الحاكم الأشوري (أش 8: 23؛ 9: 5- 6). وحين ثارت السامرة على سرجون سنة 721 وانتهت ثورتها بإجلاء السكّان، لم يتحرّك ملك يهوذا. وكان في عمله هذا فطنًا، لأنّ سرجون أقام في فلسطية بعد أن ردّ هجوم ملك مصر شلكاني أو اوزوكون الرابع أو بوطوريس ابن تفنخت. وجعل سرجون في مدينة لابان (قرب نهر مصر) "شيخا" (نسيكو)، فأحسّت فلسطية بقبضة أشورية وحليفها يهوذا. وصارت غزة ورفية مدينتين محتلّتين.

1- حزقيا يملك وحده
وحين مات أحاز تبدّلت المعطيات (أش 14: 28- 32). فدشّن حزقيا سياسة جديدة ستفرح فلسطية. استقبل اللاجئين الآتين من مملكة الشمال (اش 14: 32) الذين لا يريدون أن يخضعوا لأشورية وآلهتها. وتكوّن حيّ جديد عند منحدر تلّ الهيكل: هي "ابنة صهيون". وكان يحمي هذا الحي الجديد سور. وأمل اللاجئون أن يخرجوا من هناك منتصرين وينضمّوا إلى الملك البابلي مروداك بلادان (مي 4: 10). هذا الحي الجديد هو المكتيش الذي يذكره صف 1: 11، والمشنة (أي الحيّ الجديد أو القسم الثاني) الذي يذكره 2 مل 14:22. وقام حزقيا بإصلاح كبير (2 مل 45:18). سيكون ميخا نبيّه المسموع (ار 96: 12)، وهو الذي كان قد ندّد بالحكم في السامرة وأورشليم (مي 3: 9-12).
أمّا أشعيا فبدا متردّدًا، وهو العارف بضعف مصر المقسّمة (1 ش 18: 19) والتي يحاول بيانخي أن يستعيد السلطة فيها انطلاقًا من الجنوب. لهذا تحالف معِ الأشوريين ضدّ سائيس: أمّا سرجون فكان منشغلاً في الشمال، ولهذا لم يتجاوب معه حالاً، غير أنّه كانت له القوّة التي تسمح له بأن يضع يده على أشدود منذ سنة 713 ويخلع ملكها عزوري ويحلّ محلّه أخاه أحيميتي الذي يوحي بالثقة. ولكنّ الأشدوديين طردوا أحيميتي وأحلّوا محلّه يماني. كان سرجون منشغلاً في بابل، فلم يأتِ بنفسه (اش 21: 1- 10). فأرسل قائد جيشه (ترتان، رج اش 20: 1) لينهي أيّام حلف يضم يهوذا وأدوم وموآب وملك الدلتا المصري "الذي لا يستطع أن يخلّصهم "، كما يقول الكرونيكون الأشوري. كل هؤلاء تآمروا بالشر على أشورية. ولجأ أشعيا إلى الوسائل الكبرى ليمنع الشعب من الحماس (أش 20: 1 - 6). وهُزمت مملكة يهوذا بدون تعب (أش 22: 1- 14). ولكنّ سرجون لم يتابع انتصاره، لأنّه أجبر على الرجوع لاستعادة بابل ضدّ مردوك بلادان (710 ق. م.). أمّا حزقيا ففهم الأمثولة. بدّل قيّم البيت (أي الوزير الأول)، فحلّ الياقيم محلّ شبنا (أش 22: 15- 23؛ رج 2 مل 18:18).

2- حزقيا وسنحاربب
في سنة 705 مات سنحاريب بعد أن قتله جندي ني ساحة المعركة، فعصّت الثورة على أشورية. استعاد مردوك بلادان سلطته على بابل تسعة أشهر وأرسل بعثة إلى حزقيا ليستطع إمكاناته (أش 39؛ رج 2 مل 20: 12- 19). وحصّن الملك أورشليم وضم "المشنة" أو الحي الجديد، إلى أورشليم، وحفر قناة سلوام. وتنظّم حلف كبير بقيادة الفرعون الحبشي شباكة. وهكذا استعاد الفرعون سياسة مصر التقليدية. كان لولي الصيدوني محرّك هذه السياسة مع صدقي الأشقلوني الذي أزال الملك السابق شارولوداري، ومعِ حزقيا الذي قِبَل أن يحتفظ بفادي، ملك عقرون، في السجن لديه. فاتّخذ أشعيا موقفَا معارضاً لهذه السياسة (أش 30: 1- 7؛ 31: 1- 3)، وتنبّأ لها بالفشل. وفي الواقع، قام سنحاريب، خلف سرجون، فقهر بابل منذ سنة 753، وأخضع فينيقية سنة 702 فقدّمت له الجزية والهدايا. ثمّ هزم المصريين في ألتقيح على شاطئ فلسطية، وأعاد الملوك الذين أخلصوا له إلى عرشهم: أعاد فادي إلى عقرون، وشارولو داري إلى أشقلون، وميتنتي إلى أشدود، وسيليبال إلى غزة. واجتاح أرض يهوذا، فانعزلت أورشليم وصارت مثل "كوخ وسط البرية" (أش 1: 5-8 ؛ 29: أي)، وسُجن حزقيا "كعصفور في قفصه "كما تقول الحوليّات الأشورية. وفرض سنحاريب معاهدة قاسمة على حزقيا، فاقتطع 46 مدينة، وسلّمها الى الفلسطيين الذين ظلّوا أمناء له كما تقول الحوليّات (2 مل 13:18- 16). أقام سنحاريب في لاكيش وزاد طلباته محاصرًا أورشليم. ولكنّ أورشليم نجت بمعجزة. فعاد سنحاريب إلى أشورية مع جيش أبيد بالوباء. ويبدو أنّه لم يعد ثانية. أمّا ألياقيم الذي شارك في المفاوضات مع أشور، فقد عزل من منصبه (2 مل 18: 26؛ أش 22: 25). 
ظلّ أشعيا أمينًا للسلالة الداودية رغم انتقاده للحكم القائم، وشجّع السكّان في ساعة الخطر، ولهذا كانت أقواله الأخيرة موجّهة إلى إعادة العدالة داخل المملكة لا إلى خلاص الإخوة في مملكة الشمال. وأنهى حزقيا ملكه خاضعًا لملك أشور، ولكنّه وجّه مملكة يهوذا إلى مصالحة مع الشمال.

3- في ظلال أشور
أسند أشعيا حزقيا في الساعات الحرجة. كان قد انتظر الكثير منه في أيّام يوتام وأحاز، ولكنّه ابتعد عنه وعن وزارئه "الحكماء" (أش 5: 21؛ 29: 14) بسبب سياسته الداخلية. وكان قد ندَّد بالشيوخ والأمراء (أي ضبّاط المملكة الكبار) خلال فوضى الحرب الأرامية الإفرائيمية يوم كان أحاز بعد وصيًا على العرش (أش 3: 12). وقام مع ميخا المورشتي على المحتكرين (أش 5: 8، مي 2: 1- 2) والقضاة الجشعين (أش 10: 1- 5؛ مي 3: 9- 11). كان ميخا ابن الريف، وقد تأثر بلدُه بالحروب، فبدا حاقدًا على أورشليم وأنبأ بدمارها. ولكنّ حزقيا تقرّب منه حين صار ملكًا (رج ار 26: 19). أمّا أشعيا فظلّ رافضاً لهذه السياسة (أش 14: 28- 29)، وعارض بقوة مشاريع التحالف المعادي للأشوريين. اعتبر أنّ البلاد ليست مقدّسة (أي: سائرة حسب شريعة الرب)، وأنّ على المشاريع السياسية أن تبدأ باعادة العدالة والهدوء (اش 30: 15 ي). نحن نعجب حين نقابل القول الملكي في أش 9: 5- 6 والمركّز على منظورات خلاص سياسي مع أش 11: 1- 9 حيث يُدعى فرع يسّى ليتمنطق السيف، لا من أجل حملة عسكرية، بل ليؤمّن العدالة والمساواة لوضعاء البلاد ويجعل التوافق سائدًا بين الفئات المتصارعة. ولكنّ هذا لم يتحقّق، كما يقول كتاب الملوك. وسيكون منسّى ضعيفًا مثل أبيه خلال أيّام ملكه الطويلة. وصلت أشورية إلى أقصى قوّتها مع أسرحدون وسنوات أشور بانيبال الأولى. فقد جاءت الجيوش الأشورية إلى شاطئ البحر المتوسط وهاجمت مصر وأخذت ممفيس (سنة 671) من طهرقة، كما أخذت طيبة سنة 664. سكت الأنبياء ودخلت الأزياء الأشورية حتّى إلى أورشليم (صف 1: 4- 9). كان أسرحدون ملكًا قلق على مصيره، فسعى إلى تأمين خلافته بمعاهدات تجعل الملوك تابعين له، وإن خانوه تحلّ عليهم لعنات الآلهة. عقد عهدًا مع بعل صور وتسلّم الجزية. وهكذا فعل أيضاً مع منسّى، ملك يهوذا، وسيليبال ملك غزة وملوك أخرى. وحين انشغل أشور بانيبال بثورات بابل وعيلام واستقل بساميتيك الأوّل في سائيس، حاول منسّى أن يستقل، ولكنّه عاد فخضع.

د- يوشيا
1- مقتل آمون
واعتلى أمون ابن منسى ووالد يوشيا، العرش حوالي سنة 641. وكان أشور بانيبال في أوج مجده، فجاء إلى شوش سنة 640 وسلبها. بعد سنة 639- 638 سكتت الحوليّات الأشورية سكوتًا طويلاً. فالمادايون والفرس قد احتلّوا عيلام القديم. وفي الغرب استقل بساميتيك الأوّل، وعقد مع جوجس (جوجو، جوج) محادثات لم ترق لنينوى عاصمة الأشوربين. وحوالي سنة 639، حاول بساميتيك أن يتوسّع فاحتلّ فلسطية مع أشدود التي حاصرها 29 سنة. في تلك الأثناء قُتل أمون على يد ضبّاطه (2 مل 23:21). فالحزب الموالي لمصر ظلَّ قويًّا في أورشليم، فاتفق مع بساميتيك وأنهى حُكم أمون. ولكنّ أشورية لم تزل قوّية خاصّة مع الوحدات الأسكوتية الذين سيُخلصون لأسيادهم حتى الأشهر الأخيرة التي سبقت سقوط نينوى سنة 612. وقد علم هيرودوتس من كهنة الهياكل المصرية الذين تأثّروا بحريق هيكل أشقلون على يد الإسكوتيين، فتحدّث عن تسلّط الإسكوتيين خلال 28 سنة. أمّا شعب الأرض فظلّ مواليًا للسلالة الداودية فلم يساند المتآمرين، فعمل من أجل يوشيا الصغير الذي كان عمره ثماني سنوات حين اعتلى العرش. وسيطر الحزب الموالي لأشور على الحكم خلال قصور يوشيا (2 مل 21 : 23 ؛ رج ار 18:2). والإطار الدولي الذي يفترضه سفر صفنيا (2: 4- 15) يوافق هذه الحقبة وما حملت من آمال. وهو لا يذكر مصر إلاّ من خلال نكبة السلالة الحبشية (صف 2: 12؛ 3: 10) التي ظلّت عالقة في كلّ ذاكرة. وإنّ مصائب فلسطية (صف 2: 4- 7) تعود إلى الهجوم الذي قام به بساميتيك وفشل. كان المؤابيون والعمونيون خصوم أورشليم وقد ظلّوا على إخلاصهم لأشورية (رج تث 23: 4- 5)، أمّا الأدوميون والمصريون فهم أهل للمديح كما في تث 8:23.

2- إصلاح يوشيا
ومات أشور بانيبال حوالي سنة 629 (لم تحدّد بعد سنة وفاته)، فأجبر خلفاؤه أشور إتيل إيلاني، سين سكوم ليشير، سين شارإيسكون، أن يواجهوا وضعًا تزداد صعوبته يومًا بعد يوم. وفي سنة 627- 626، إستعاد نبو فلاسر استقلال بابل. في هذا الوقت دعا الرب إرميا. وإذا عدنا إلى 2 أخ 34: 3، نرى أن يوشيا بدأ إصلاحا في خط الأمانة للإله الوطني حوالي سنة 628- 627، وفي السنة الثانية لملكه. ولكنّه سينتظر سنة 622 أي السنة الثامنة عشرة لملكه، ليحكم على ضعف أشورية ويبدأ بسياسة وطنية وإصلاح ديني نشيط. لقد تأسّس هذا الإصلاح على سفر التثنية الذي اكتُشف في الهيكل.
تقول الدراسات الحديثة إن نصّ التثنية هو مجموعة شرائع حملها اللاجئون من الشمال. ومن الغريب ان يكون الكهنة قد ذهبوا إلى نبية تقيم في حي اللاجئين، في المشنة، يسألونها عمّ يفعلون. لقد جُمعت الشرائع باسم تركيز شعائر العبادة في معبد "مختار"، بالنظر إلى ملك "اختاره" الرب من بني إسرائيل، لا من الغرباء (تث 17: 15). ولا يمكن أن تكون هذه السلالة الوطنية إلاّ سلالة داود، ولا يمكن أن يكون الهيكل إلاّ ذلك الذي بناه ابن داود (إر 31: 6، 12 ؛ 30: 9؛ هو 3: 5). وافق هذا النصّ موافقة تامّة نظرة يوشيا وحكومته التي استفادت من تضعضع أشورية لتعيد وحدة القبائل الاثنتي عشرة حول سلالة داود وعاصمتها وهيكلها.
لا تقول لنا الحوليات البابلية شيئًا خاصاً عن السنة 622- 621. من الممكن أن يكون يوشيا قد ضمّ إلى عاصمته مملكة الشمال القديمة. فقد أزال مذبح بيت إيل، بل سائر مذابح مدن السامرة (2 مل 23: 19). وسيحاول أن يتصدّى لملك مصر في مجدّو، قرب الكرمل، فيقتله ملك مصر (2 مل 23: 29 ي). وإنّ سياسة التوحيد هذه المؤسّسة على دستور صار شريعة دولة بعد أن استلهم العوائد الآتية من الشمال، قد اصطدمت بمعارضات خطيرة. فقبائل الشمال لا تزال تذكر بمرارة سياسة ملوك يهوذا: سليمان، رحبعام، آسا، امصيا، أحاز، وسيكون النبي هوشع صدى لهذه الخلافات: "انفخوا في البوق في جبعة، وفي النفير في رامة. اهرعوا إلى بيت آون، تحرّكوا للقتال يا بني بنيامين. بيت إفرائيم يصيرون خرابًا حين أؤدّبهم. ما أعلنه لكم، يا بني إسرائيل، لا بدّ من وقوعه. رؤساء بيت يهوذا يزرعون لصالحهم تخوم بني إفرائيم، فسأصبّ غيظي عليهم كالماء. بيت إفرائيم مظلومون وحقّهم مهضوم " (هو 8:5- 11).
بعد هذا، انغلقت قبائل الشمال على معابدها وأبعالها المحلية. ولمّا جاء السكان الأغراب الذين جلاهم ملوك أشور، إزداد الطابع التلفيقي على ديانة السامرة بسبب كهنة مشكوك فيهم (2 مل 17: 24- 34). كل هذا جرّ الشعب بعيدًا عن سلالة داود وتقاليد أورشليم الدينية. وأحاط يوشيا نفسه بمجموعة من المعلّمين مثل شافان أمين سر الدولة، وأحيقام ابنه، وعكبور بن ميخا، وعسايا (2 مل 22: 12). وإنّ المفوّضين الذين أرسلهم يوشيا ليدمّروا المذابح المشرفة، ويزيلوا الكهنة المحليين، أحسّوا حالاً بالمقاومة والمعارضة. وفي بعض الأمكنة، وجدوا لهم سندًا لدى السكّان المحلّيين. وفي بنيامين (الذي ضُمَّ إلى يهوذا)، تحزّب إرميا (كان من كهنة عناتوت المحليين) للفريق الذي يدمّر المعبد المحلّي، فانصبّ عليه غضب عائلته وكاد يُقتلَ (إر 11: 21؛ 12: 6). وإنّ كثيرًا من أقوال إرميا (ف 30- 31) التي تصيب السامرة وإفرائيم، تجد مكانها في كرازة إرميا الموجّهة إلى أهل الرامة وإفرائيم ليجعلهم يقبلون بالإصلاح الاشتراعي. أجل، سيجتمع الناس في السامرة وسيحجون إلى صهيون (إر 31: 6، 12). وهناك أقوال في إرميا 2- 3 تتوجّه إلى إسرائيل، لا إلى يهوذا، وهي ترتبط بهذه الكرازة عينها. وبالنظر إلى الإمكانات التي منحها سفر التثنية، فقد جاء إرميا وأقام في أورشليم ونعِم بصداقة حزب المصلحين الذين سيسندونه في الأوقات الحرجة (ار 26: 24). ولكنّ حقوقه كانت محدودة في شعائر العبادة في الهيكل، شأنه في ذلك شأن سائر اللاويين (2 مل 23: 9)، وسيصطدم بكهنة أورشليم (إر 20: 1ي، 26: 1 ي؛ 28: 1 ي). ما رآه في أورشليم دلّه على اتّساع الفساد (إر 5: 1 ي) وعلى قوة المعارضة لسياسة يوشيا.

3- يهوذا ونهاية أشور
وجاءت الضربة القاضية من الخارج، من مصر. يعلمنا الكرونيكون البابلي أنّه منذ سنة 616 بدّلت مصر سياستها وجاءت تسند في الحرب أشورية الضعيفة العاجزة. ثبتت وحداتُ الاسكوتيين في أشدود وغزة. ولكن تسارعت الأحداث. ففي سنة 615 فشل نبو فلاسر أمام أشورية، ولكن في سنة 614 احتل كواكساريس (ثالث ملوك ماداي من 633 إلى 584) المدينة وانضمّ إليه البابليون. وفي الأشهر التي تلت، ترك أومان مندا (بمن فيهم الاسكوتيون الذين يذكرهم هيرود وتس) الأشوريين. وسقطت نينوى (راجع أقوال النبي ناحوم) سنة 612 بعد حصار دام ثلاثة أشهر.
قُتل الملك سين شار إيشكون، أمّا أشور أو باليت، آخر ملوك أشور، فتراجع إلى حاران حيث قاوم أربع سنوات. انتظر معونة مصر، ولكنّ مصر لم تأت قبل سنة 610 كما يقول الكرونيكون البابلي، وذلك بسبب شيخوخة بساميتيك. ولكن سقطت حاران وما استطاعت الجيوش الأشورية والمصرية أن تستعيدها، وفي سنة 609 تدخلت الجيوش المصرية الكثيرة. ولكن لم يعد من وجود لأشور أو باليت ولا لبساميتيك. فقد اعتلى نكو الثاني العرش واحتلّ غزة، وكأنّي به يتقاسم والبابليين أسلاب الأشوريين. غير أنّ كتاب الملوك يقول إنِّ الفرعون صعد نحو أشور (2 مل 29:23)، فتصدّى له يوشيا. وهكذا مات يوشيا في مجدو سنة 609.

هـ- نهاية المملكة الداودية
1- الحماية المصرية
إستطاع الجيش اليهوذاوي أن يحمل جثمان يوشيا إلى أورشليم، ولم يكن الوقت كافيًا لنكو حتّى ينظّم أحوال يهوذا. ولهذا حاول حزب الإصلاح أن يتابع سياسة الملك الميت. فأبعد الابن الأكبر (الياقيم) الذي لا يوحي بالثقة، وجعل على العرش يوآحاز، ابن امرأة الملك الثانية. ولكن حين ثبّت نكو جبهة القتال، دعا ملك يهوذا إلى معسكره في ربلة، قرب حماة، بعد ثلاثة أشهر من الحكم. فأرسله أسيرًا إلى مصر حيث مات (2 مل 33:23؛ إر 22: 11- 12). وبعد أن فرض الفرعون جزية باهظة على أورشليم، جعل الياقيم (الذي صار يوياقيم) ملكًا. هذا يعني أنّ اسم الإله الوطني ظلّ معتبرًا، ولكنّه لن يكون يهوه سفر التثنية ويوشيا ولإرميا.
ولكن بقي أمل. فقد حاول إرميا بمساندة حزب الإصلاح في خطبة كبيرة، أن يذكر بالطابع المشروط لمواعيد يهوه، ويشير إلى دمار شيلو المعبد القديم (إر 7: 1ي؛ 26: 1 ي). كانت ردّة الفعل عنيفة لدى كهنة الهيكل وأنبيائه، والمعارضة قاسية لدى الشعب. ولكنّ ضبّاط الملك، ولاسيّمَا أحيقام بن شافان، كانوا مع إرميا فنجا بحياته (26: 44). وجاء الحدث فدفع الملك إلى ترك سياسة أبيه (الذي كان مع البابليين)، وهكذا وجد إرميا نفسَه في المقاومة.
ويبدو أنّ أورشليم ظلّت تسيطر على مملكة الشمال، وأقوال إرميا على العدوّ الآتي من الشمال (إر 4: 5- 31، 6: 1ي) نُشرت بالنظر إلى الزحف البابلي (أو الكلداني المهدد) ولمّحت إلى دان وإفرائيم. قد تكون هناك معارضات وثورات قُمعت بالقوة. وإنّ حبقوق (حب 2: 6- 20) يوبّخ أحد الملوك، كما وبخ إرميا يوياقيم (إر 22: 17) لأنّه أراق الدم الزكي. وينسب إليه حبقوق سلب أم عديدة ونهب بقية الشعوب (حب 8:2). فحبقوق وإرميا يندّدان بالملك، لأنّه يشيد الأبنية ولا يدفع ما يتوجّب عليه. رغم تراخيه، خسر يوياقيم شعبيته، فجعل من قصره قلعة تناهض مدينة أورشليم نفسها (حب 9:2 ي؛ إر 6:22 ي).

2- نبوكد نصر الثاني (605- 562 ق. م.)
كان نبوكد نصّر ابن نبو فلاسر وقائد جيشه. فتحارب مرارًا بين سنة 609 وسنة 605 مع الفرعون نكو بين حاران والفرات، قرب كركميش، وكان نصبيه النجاح تارة والفشل طورًا. ولكن وجب على الجيش المصري أن يهرب في ربيع (أو بداية صيف) سنة 605، بل أن يفنى في منطقة حماة. وهكذا سقطت سورية وفلسطين (بلاد حاطي كما يقول كتبة أشور وبابل في ذلك الزمان) في يد نبوكد نصّر الذي لم يقدر أن يحقّق النصر الكامل، لأنّ والده نبو فلاسر توفّي في منتصف شهر آب، فعاد نبوكد نصر سريعًا إلى بابل ليؤمّن خلافة أبيه لنفسه.
إنهارت قوة مصر في آسية، فكان لهذا الانهيار دويّ عميق في العواصم الصغيرة في يهوذا وأدوم وموآب وفلسطية. ونحن نجد صدى لكل هذا في إر 45- 49. وإنّ الحزب المعادي ليوياقيم والخاضع للتأثير المصري رفع رأسه واستعدّ لإزالة كل هذه الحكومات الخاضعة لسلطة مصر وعاد نبوكد نصرّ منذ الخريف إلى بلاد حاطي وثبّت مواقعه. ولكنّه انتظر خريف سنة 604 ليضع يده على الشاطئ ويصل إلى نهر مصر (2 مل 24: 7) بعد أن سلب أشقلون في تشرين الثاني (الكرونيكون البابلي). فاختار إرميا هذا الوقت ليقرأ في قلب الهيكل الدرج الذي أملاه على باروك منذ السنة الماضية والتي تضمّن أقوالاً قيلت منذ سنة 626 على إسرائيل ويهوذا وسائر الأمم (إر 26: 2، 5). ولكنّ نبوكد نصرّ كان قلقًا من الوضع في سائر أنحاء المملكة، فلم يتقدّم نحو مصر، بل تسلّم الجزية من هذه الأمم الصغيرة، ولاسيّمَا مملكة يهوذا التي ستخضع له ثلاث سنوات في شخص يوياقيم (2 مل 24: 1). ولكنّ إرميا وباروك أجبرا على الاختباء بعد هذه الأقوال النبوية.
وعاد نبوكد نصّر في ربيع سنة 603، ثمّ في سنة 602. جمع الأسلاب وحاصر المدن، ولكنّه لم يقم بمعركة حاسمة. ونجد في بردية صقارة نداء إلى مصر يطلقه أمير فلسطي يقيم على الساحل (أفيق). تدخّلت مصر سنة 601، ففشلت بابل، كما يقول الكرونيكون، فاستفاد يوياقيم من الظرف ليتمرّد على نبوكد نصّر (2 مل 24: 1) ويعود إلى حليفه القديم (أي مصر). لم يتحرّك ملك بابل سنة 600، ولكنّه تدخّل بجيوشه سنة 599 مع عصابات من الأراميين والموآبيين والعمونيين (2 مل 24: 2). فاجتاحوا البلاد يعيثون فيها خرابًا (إر 10: 17- 25؛ 12: 7- 13 ؛ 14: 17- 19). والريكابيون الذين رفضوا الإقامة في البيوت، بل في الخيام، لجأوا إلى أورشليم (إر 35: 12). وضايقت الهجمة البابلية العرب أيضاً. وأخيرًا، في خريف سنة 598 (شهر كسلو)، حاصر نبوكد نصّر أورشليم. فقُتل يوياقيم خارج الأسوار ولم تُدفن جثته (إر 22: 19). واعتلى العرش ابنه يوياكين، ولكنّه أُجبر على الاستسلام الأوّل (15- 16 آذار سنة 597).
ما زالت مصر تشكّل خطرًا على البابليين، ولهذا أراد نبوكد نصّر أن يؤمّن لنفسه حكومة مخلصة في أورشليم المحاذية لمصر عزل يوياكين، وأرسله أسيرًا إلى بابل مع الملكة الأمّ (إر 22: 26 ؛ 2 مل 24: 23) ونساء الملك وخصيانه والوجهاء. وهكذا سار إلى المنفى 10000 أو 7000 أو 3023 حسب المصادر (2 مل 24: 14، 16 ؛ إر 28:52)، بما في ذلك أصحاب الصناعات. وعرف ملك بابل أنّ الهيكل هو مركز الروح الوطنية فسلبه (2 مل 24: 13)، وأجلى الكهنة ومنهم حزقيال، الذي ظلّ أمينًا ليوياكين وأرَّخ أقواله بالنظر إلى سنوات هذا المَلك. وقدّم نبوكد نصّر الامتيازات للحزب المعارض. أمّا "الملك حسب قلبه " فسيكون الابن الثالث ليوشيا (أمّه هي أمّ يوآحاز): إنّه متنيا الذي سيصير صدقيا. هو صديق إرميا ومن حزب الإصلاح. كانت النشرة الأولى لكتيّب إرميا عن الملوك (إر 22: 11- 30 ؛ 23: 5- 6) قد امتدحت يوشيا وشجبت يوآحاز ويوباقيم ويوياكين. وسيُعلن إرميا وصول "الرب صدقنا" فيشير إشارة واضحة إلى صدقيا. ولكن في النشرة الأخيرة سيشجب النبي هذا الملك (22: 1- 10 ؛ 23: 1- 4)، فينتقل الاسم الإلهيّ من الملك إلى المدينة. يقول إر 33: 16: "في تلك الأيّام تنجو مملكة يهوذا، ويسكن الناس بأمان في أورشليم. وهذا هو الاسم الذي تسمَّى به: الرب صدقنا".
إنّ هذا الملك سيبتعد لأسباب خارجة عن إرادته عن إرميا وشافان الذي يمثلّه جدليا بن أحيقام وحفيد شافان. كانت الجزية باهظة وبابل بعيدة ومكروهة. وما زالت الحمّى الحماسية تلتهب حول الهيكل. تذكّر الناس خلاص أورشليم سنة 701، فامتلأ قلبهم بالحقد تجاه السلب الذي تمّ سنة 597. ونعرف بواسطة الكرونيكون أنّ نبوكد نصّر عاد إلى بلاد حاطي (أي سورية وفلسطين) سنة 594 و 593 رغم ثورة في بابل، ففرض ضرائب جديدة. أمّا بلاط أورشليم فما زال يتطلعّ إلى مصر ما أراد نكو الثاني أن يخرج من حدوده أقله بعد سنة 601، ولمّا خلفه بساميتيك الثاني سنة 594، وجب عليه أن يهتمّ بالنوبة (السودان الحالي). وسيأتي ليزور فينيقية في يوم من الأيّام. هل هذا يعني بداية سياسة نشيطة لمصر في آسية؟ لقد تحرّك النبي حنانيا في الهيكل، واجتمع رسل فينيقية وموآب وأدوم وعمون في أورشليم (إر 3:27 ي؛ 28: 1 ). ولكنّ هذه المحادثات لم تنجح. لقد تذرعّ بساميتيك بالفطنة مثل سلفه. فأجبر صدقيا على شرح موقفه في بابل (إر 51: 59). وأخذ إرميا برسائله (إر 28: 1 ي) وحزقيال بعظاته (دعاه الرب سنة 593) يهدّئان من ثورة المنفيين.

3- حصار أورشليم وسقوطها (587 ق. م.)
مات بساميتيك سنة 589 فحلّ محلّه خفرع الذي كان ملكًا نشيطاً وحكم عشرين سنة في جوّ من الفوضى. وتنظّم حلف جديد مع عمون (إر 41: 10؛ حز 21 : 23 ي). ظلّ موآب مخلصاً لبابل فاستفاد من الأسلاب. وسكتت مدن فينيقية بعد أن أرسل عليها خفرع أسطولاً من السفن. وكانت ردّة الفعل سريعة عند نبوكد نصّر فمنذ كانون الثاني سنة 588، استعدّ لحصار أورشليم التي ظلّت صامدة مع لاكيش وعزيقة (إر 34: 7). وتشهد على ذلك رسائل كُتبت على قطع فخّار وأرسلت إلى القائد الحربي في لاكيش. وعاد شعب أورشليم إلى العهد يمارسونه، فحرّروا العبيد (إر 8:34- 22). ولكن طُرحت مشكلة إقتصادية على إثر التحرير توقّف حصار أورشليم حين وصل جيش خفرع، وهدَّد مؤخّرة جيش نبوكد نصر (إر 4:37- 11، 8:32). ولكن ضاع الأمل سريعًا. فقد انسحب جيش مصر دون أن يقاتل، وعاد نبوكد نصّر يحاصر أورشليم وساد الجوع في المدينة. أمّا حزب المتطرّفين فألقى إرميا في السجن، وظنّ أنّ الملك يخون القضية (إر 27:38). وحين توصّل الكلدائيون إلى فتح ثغرة في السور في تموز سنة 587، حاول صدقيا أن يهرب عبر وادي قدرون فوصل إليه جيش العدوّ في أريحا واقتاده إلى ربلة أمام نبوكد نصر الذي قتل بنيه ثمّ فقأ عينيه (2 مل 7:25).
فُتحت الثغرة في التاسع من الشهر الرابع (رج إر 52: 12)، ولكنّ نبوزرادان دخل في العاشر من الشهر الخامس إلى المدينة فأحرقها مع الهيكل. لماذا هذا الفاصل الزمني؟ هل هناك اختلاف في الروزنامة؟ أمّ أنّ المدينة قاومت شهرًا في غياب الملك، كما قاومت السامرة ثلاث سنوات؟ هل كان هناك انتقام لإرميا ولحزب الإصلاح؟ من المعقول أنّ الحزب الذي شكّ في الملك حارب حتّى النهاية. لهذا قُتل رئيس الكهنة وأشراف الكهنة (2 مل 25: 16)، كما قُتل 67 ضابطاً وأميرًا (2 مل 25: 19- 21). وإذا عدنا إلى لائحة إر 52: 29 نجد أنّ الذين ذهبوا إلى المنفى كانوا 832، وهم أقلّ بكثير من الذين ذهبوا سنة 597. أمّا نصوص 2 مل 25 وإر 39 فهي لا تعطي أرقامًا.
دُمّرت أورشليم، وأزيل الفريق الحاكم، ولكنّ عدد الذين قُتلوا أو ذهبوا إلى الجلاء كان قليلاً. وكان نبوكد نصّر ووكلاؤه (مثل نبوزرادان) يعرفون نشاط إرميا (إر 39: 12) المرتبط بشافان. فجعلوا جدليا بن أحيقام بن شافان حاكم (فقيد) البلاد في مصفاة التي تذكّرنا بصموئيل وشاول لا بداود. وتمّ تجمّع أوّل قبل نهاية الصيف، فانضمّ إليه إرميا (إر 40: 6- 7). ولكنّ المحاولة فشلت. أغرى العمونيون بعض الناس فقتلوا جدليا والذين معه. أما الباقون فهربوا وأجبروا إرميا على الهرب معهم إلى مصر (إر 42: 1ي؛ 2 مل 25 : 26 ).
الفصل السادس عشر
من نبوكد نصر
إلى الاسكندر ( 587 – 333 )

المقدّمة:
نتوقّف في هذا الفصل على ثلاثة أقسام: الأوّل: تسلّط بابل. الثاني: ششبصر وزربابل. الثالث: نحميا وعزرا.
لا نحسب أنّنا نستطيع أن نكتب تاريخ هذه الفترة بطريقة سهلة. فرغم قربنا من زمن المسيح، فالوثائق غير دقيقة وتحليلها صعب. لن نجد هذه الحوليات الأشورية أو البابلية، ولا أرشيف الدولة في أورشليم الذي استعان به المؤرخ الاشتراعي ليقدّم إطارًا سياسيًا لدورات الأنبياء (أحيا الشيلوني، إيليّا، اليشاع). فبعد كارثة سقوط مملكة الشمال التي كانت تضم معظم القبائل التي تعترف بيهوه كإله وطني، حاولت الحركة الاشتراعية أن تقوم بتجمّع حول أورشليم التي ظلّت مستقلّة. فحول أسماء مثل موسى وعاموس وهوشع وميخا وأشعيا، استطاع الكتبة أن يجمعوا الإرث الوطني وأن ينجحوا، أقلّه جزئيًا، في إقامة تجمّع حول سلالة داود.
ولكن حين انهارت الدولة الداودية، لم يعد بالإمكان القيام بأي عملية تجميع. لقد تمزّقت الأمّة قطعًا، وخضعت كل قطعة لنظام مختلف. فهناك منفيّو السامرة الذين جعلهم الأشوبلون في شرق (ماداي) وغرب الفرات (الخابور، رج2 مل 17: 6) فضاع أثرهم. وهناك بقية يهوذا، والذين لجأوا إلى مصر، والذين نُفوا إلى بابل. ولكنّهم حافظوا على وحدتهم رغم تشتّتهم، بفضل وسائل متعددة.

أ- تسلّط بابل
1- يهوذا
حُرم شعب يهوذا من قوّاده ومن الصناعيين بسبب الاجلاءات المتعاقبة. وإنّ مقتل جدليا وهرب يوحنان بن قاريح مع إرميا وباروك (إر 41: 5 ي) وضعا حدًّا لكلّ أمل باستقلال إداري. فقائد الحرس الذي كان بابليًا، لم يترك في البلاد إلاّ المساكين من كرّامين وفلاّحين (2 مل 25: 12). إذًا، نحن أمام شعب من الفقراء العائشين في عالم الزراعة. ثمّ إنّ يهوذا ترتبط سياسيًا بالسامرة حيث حلّت السلطات الكلدائية محلّ السلطات الأشورية، بانتظار أن تترك المكان للسلطات الفارسية.
وظلّت القلاقل في البلاد، بل اندلعت ثورة سنة 582، بفضل عناصر جاؤوا من مصر وبتحريض من موآب وعمون. فعمون لم يرمِ السلاح منذ سنة 587 وهو الذي كان السبب في مقتل جدليا (إر 40: 14). ونحن نعرف بواسطة يوسيفوس أنّ نبوكد نصر غزا موآب وعمون سنة 582، وجلا نبوزرادان، قائدُ الحرس الذي أحرق أورشليم سنة 587، جلا 745 شخصاً من أرض يهوذا. أمّا بلاد أدوم، حليفة بابل حين سقطت أورشليم، فقد امتدّت حتّى حبرون التي دُعيت فيما بعد أدومية. هذا الاقتطاع سيكون مؤلمًا وسيطبع بطابعه نبوءة عوبديا وملاخي (2:1).
وظلّت أنقاض الهيكل مركز حجّ يأتي إليه حتّى أهل الشمال، من شكيم وشيلو والسامرة (إر 41: 5)، فيحملون تقادمهم وبخورهم. هذا يعني أنّ السلطات البابلية احتفظت بسفر التثنية كشريعة محليّة. كان قد أعلن هذا السفرُ وحدة المعبد في الموضع الذي اختاره الله (تث 12: 5)، في أورشليم، كما يقول كتاب الملوك. وتنظّمت ليتورجية توبة سيخرج منها مراثي إرميا. تتألّف هذه المراثي من خمس مقطوعات ونجد فيها أسلوب المزامير الذي استعمله إرميا في "اعترافاته" (إر 15: 10- 21 ؛ 17: 14- 18 ؛ 18 : 19- 23؛ 20: 7- 18). وإنّ المرثيّة الثالثة تبدو ذات طابع خاص في مقاطع أبجدية، فترسم أمامنا آلام النبي. ونكتشف في المراثي أيضاً آلام الشعب. "إنتقل ميراثنا إلى الكافرين، وبيوتنا إلى الغرباء" (مرا 5: 2)، صارت صهيون مدينة حزينة ومدمّرة ولا ساكن فيها. "سبل صهيون في حداد، ولا أحد يأتي إلى أعيادها" (1: 4). لم يعد لها قوّاد ولا ملك. "نسمة أنوفنا، مسيح الرب، أخذ في حُفَرهم. وهو الذي قلنا عنه: في ظلّه نحيا بين الأمم "( 4 : 20 ).
نحن نفهم أنّه أمام هذه الأحقاد التي تؤول إلى التمرّد والثورة، سهّلت السلطات البابلية نشر سفر إرميا في نسخته الاشتراعية. هذه النسخة تشجّع على الخضوع لبابل، وتتوسّع في جُمل تلفّظ بها النبي في أيّام صدقيا. إنّها انعكاس لكرازة في زمن المنفى. أمّا التدوين فكان بالنظر إلى السنة البابلية التي تبدأ في الربيع. ومن المعقول أن يكون باروك الذي هرب مع إرميا إلى مصر ولم يتّفق مع الفارّين (إر 43: 3)، قد لعب في هذا النشر دورًا كبيرًا. هدفت هذه النشرة إلى تهدئة الأفكار، مستعملةً سلطة النبي الذي ندّد بآلهة مصر (إر 37: 7). إذا ظلّت أورشليم متمردّة وخائنة تجاه عبيدي الأنبياء، فإنّ آخرتها الجوع والسيف والوباء.

2- السامرة
واختلفت الحالة بالنسبة إلى السامرة. فالسلطات بابلية وهي تفرض تبديلاً في الروزنامة، بل تبديلاً في العوائد اليومية: تجعل النهار يبدأ في المساء لا في الصباح. ثمّ إنّ شعب إسرائيل الذي ظلّ في البلاد، إمتزج بشعب غير إسرائيل جاء به إلى مملكة السامرة أسرحدون واشور بانيبال. وقد جعل الأشوريون في السامرة بعض البابليين الذين سيكونون مع السلطة الجديدة. وهكذا لم تعترض المشاكل نبوكد نصّر وخلفاءه، لأنّ كلّ إنسان يعبد الله كما يحلو له في السامرة (2 مل 17: 30- 31).
إذًا استطاع الإسرائيليون أن يعبدوا يهوه كما يشاؤون وبالشكل الذي يرتئيه الكهنة الذين عادوا من المنفى في نهاية الحكم الأشوري (2 مل 27:17- 32). رأينا أنّ سفر التثنية الذي أعلنه يوشيا وطبّقه على أناس من شكيم وشيلو والسامرة، احتُفظ به كشريعة محليّة. وسيطلب السامريون فيما بعد أن يشاركوا في إعادة بناء هيكل أورشليم، ذلك الموضع الذي اختاره الله (عز 4: 1- 2). خلال المنفى، كان سفر التثنية قاسيًا بالنسبة للمنفيين (تث 28: 64- 68)، وقد دونت بعض أجزائه في هذا المناخ. دوّنت النسخة الأولى في أيّام يوشيا، فجاءت في مصلحة المصريين (تث 8:32- 9)، أمّا نسخة أيام المنفى فلم تكن في مصلحتهم.
في هذا المحيط المتقلّب الذي يشعر الإنسان بثقل السلطات الغريبة، أخذ بنو إسرائيل يندمجون مع سائر السكان في روح تلفيقية ستوّلد الانشقاق السامري. كانت جذور هذا الانشقاق بعيدة لاسيّمَا وأنّ الأحقاد تجاه سياسة آسا أو أحاز تركت أثرها العميق في البلاد.

3- اليهود في مصر
منذ الألف الثاني، إعتاد الساميون أن يذهبوا إلى مصر، وكانت الاتصالات وثيقة بين أورشليم من جهة وتانيس ثمّ سائيس من جهة أخرى. ومن الممكن أنّه بعد سقوط السامرة، لجأ أهل بيت إيل إلى مصر، ونحن نجد أثرًا لهم في مستوطنة الفنتيين. وفي أي حال، لقد هرب إلى مصر يوحنان بن قاريح وضبّاطه. كيف كانت السياسة المصرية حيال هؤلاء اللاجئين، كيف تنظّمت علاقتهم مع إخوتهم في بلاد يهوذا؟
رأينا أنّه بعد هزيمة كركميش وإفناء الجيش المصري قرب حماة، رفض نكو الثاني أن يخرج من وراء حدوده حتى بعد انتصاره في الدلتا سنة 601 (2 مل 7:24). وكان بساميتيك الثاني قد أراد أن يتدخّل في آسية، ولكنّه تحوّل عن مشروعه بسبب الحملة على نوبة وسفرته إلى "حارو" (فينيقية) التي اقلقت بابل. كان نكو الثاني قد وجّه جهوده نحو سياسة بحرية ومنها حفر قنال بين النيل والبحر الأحمر وتابع خفرع خلف بساميتيك هذه السياسة المحصورة في البحر المتوسّط بعد فشله في مساعدة صدقيا. اتّصل مرارًا بصور، وتدخّل بواسطة اليونانيين في قضايا القيروان. تفاهم عمليًا مع نبوكد نصّر من أجل الابقاء على الوضع الراهن. وحين تدخّل الملك البابلي في فوتويمان، في مصر، سنة 569- 568، فقد جاء يساند خفرع ضد قائد متمرّد، هو أماسيس (رج ار 8:43- 13؛ حز 17:29- 20).
ولكن انتصر أماسيس. غير أنّه تابع سياسة سلَفه. أخذ بعين الاعتبار تسلّط البابليين على الأرض، فاكتفى بالعمل في البحر، استولى مثلاً على قبرص، كما يقول هيرودوتس. إذًا، إزدهرت المستوطنات اليهودية، ولكنّها لم تستطع التدخّل سياسيًا في أرض يهوذا، لاسيّمَا بعد ثورة سنة 582 التي فشلت. وازدهرت الجماعات اليهودية في مصر وتطورت متجهة نحو تلفيق حقيقي على مستوى العبادات. وإنّ مدرسة إرميا ستشجب بشدة عبادة "ملكة السماء" (أي عشتارا، وهذا التلفيق الذي لا يأخذ بعين الأعتبار متطلّبات سفر التثنية، قادهم إلى بناء هيكل في الفنتيين قبل العهد الفارسي. وسننتظر زمن الاسكندر ليستعيد العالم اليهودي نشاطه في مصر.

4- المنفيون في بابل
جُعل المنفيّون في أماكن متروكة بعد الدمار الأشوري: تل أبيب (حز 3: 15)، تل الملح، تل الحرشا (عز 59:2). وبعض هؤلاء المجموعات التي جاءت في الجلاء الأوِّل (597) مع النبي والكاهن حزقيال، أقامت على الخابور (حز 1: 1، كبار. في البابلي، كبارو) وهو إحدى القنوات التي تربط دجلة بالفرات عند المدينة القديمة نيفور. كانت جماعات مبعثرة في البلاد، ولم ترتبط بعلاقات مع منفيّي السامرة الذين كان منهم لاويو كسفيا (عز 17:8) والذين أعادهم عزريا إلى أورشليم.
يرئس هذه الجماعات "الشيوخ" (إر 29: 1 ؛ حز 20: 1)، ويحرّكها الأنبياء (إر 8:29). وفي السنوات الأولى التي تلت الجلاء، حافظت هذه الجماعات على علاقات بالبلد الأمّ. وانتظر المنفيون عودة يوياكين إلى العرش (إر 28: 4). وسيحتاجون إلى بعض الوقت ليقتنعوا أنّ ازدهار بابل هو شرط لازدهارهم. كانوا يجتمعون يوم السبت قرب أنهار بابل (مز 137: 1). ونحن نرى في هذا الاجتماع بداية ليتورجية المجمع. ولكن لا نجد في هذه الاجتماعات فرح أناشيد صهيون (مز 137: 3)، بل حقدًا على بابل وأدوم. ولكن لا نتخيّل هؤلاء الأسرى في السجون أو تحت الأرض. إنّهم مهجّرون مع ما في حياة التهجير من تعب وقساوة. والملك يوياكين نفسه يعيش في الإقامة الجبرية، ويصل إليه في قصره ما يحتاج إليه هو وأولاده. ولكنّ السلطات لا تعترف إلاّ بصدقيا كملك شرعي.
إذن، جاء نبوكد نصّر بالمنفيين، وجعلهم في أماكن كانت خالية من السكّان. وأعاد بناء المدن القديمة مثل أور وسفار وكوتا، وأغدق على هذه المدن الانعامات الملكية. سيملك حتّى سنة 562 أي بعد سقوط أورشليم باثنتين وعشرين سنة. هو الذي بنى وجمّل بابل التي أنشدها اليونانيون واكتشفها معول علماء الآثار: هناك البرج بطوابقه (زيغورات، ويسمى: آتامن إن كي، أي: أساس السماء والأرض)، والأبواب المرصّعة بالعاج (مثل باب عشتارا، والجنائن المعلّقة. بابل هي مكان ليتورجيات فخمة ولاسيّمَا في رأس السنة (أكيتو)، ومركز إدارة منظّمة تسهر على الري وصيانة القنوات.
ولكنّ هذه المملكة بدت سريعة العطب. فالموآمرات تُحاك في بابل نفسها. وفي سنة 595 بدأت محاكمة بعض القوّاد بالخيانة العظمى. والقلق يسيطر على الحدود. فالحدود الشمالية قريبة. فعبر الزاب ودجلةَ وعلى بعد 205 كيلومتر إلى الشمال الغربي من بابل، تجد أرض ماداي. لقد نمت ماداي وسيطرت في وقت من الأوقات على حاران حيث أقام إبراهيم. ما زال نبوكد نصّر يسيطر على عيلام وشوش وسيصل إلى ارّافة (أو كركوك). ولكنّ الفرس سيحتلّون هذه المناطق. وحين يأخذون من أستياجس ماداي، تصبح أيّام بابل معدودة.
ولكنّ نبوكد نصّر كان قلقًا في أوّل حكمه على حدوده إلى الغرب وعلى العلاقات بين نكو وصور. ولمّا اعتلى بساميتيك الثاني العرش وذهب إلى حارو (فينيقية)، أجبر نبوكد نصّر على إعادة النظر في سياسته في يهوذا. ففي سنة 593 أي السنة الرابعة لصدقيا، تمّت في أورشليم مصالحة مع صيدون وصور وموآب وعمون وأدوم (إر 27)، اعتبرت تهيئة لحلف عسكري. وأعلن النبي حنانيا (إر 28) أنّ الملك يوياكين سيعود وأنّ نير بابل سيحطّم. فأُجبر الملك صدقيا على الذهاب إلى بابل ليبرّر موقفه. ورافقه في سفره سرايا بن نيريا، شقيق باروك (إر 51: 59). ولكنّ حملة بساميتيك إلى النوبة جعلت الأمور تتوقّف عند هذا الحدّ. ويبقى أنّه ليس من قبيل الصدف أن يكون حزقيال قد بدأ كرازته في السنة التالية (حز 1: 2) أي سنة 592.
كان حزقيال ابن كاهن من هيكل أورشليم. وقد كان له نشاطه في المعبد، فعرفه وعرف غرفه المختلفة. كان الكهنة من الوطنيين المتطرّفين، وكانو يعادون إرميا (إر 20: 1 ي؛ 28: 1 ي). أما حزقيال فعادى الشافانيين (حز 8: 11)، فكان هذا العداء سببًا لنفيه يوم استعاد صدقيا وإرميا والشافانيّون نفوذهم. وإنّ حزقيال يعتبر صدقيا أميرًا متمرّدًا، وهو لا يسمّيه الملك. فهذا "الأمير" (صدقيا) يُرسل رسلاً إلى مصر(حز 17: 15)، وينقض العهد مع الله (حز 17: 19) ناقضاً عهده مع ملك بابل الذي أوصله إلى العرش (حز 17: 16). ويؤرّخ حزقيال نبوءته بسنوات الجلاء الأوّل (597) التي هي أيضاً سنوات ملك يوياكين (حز 1: 2). فيوياكين هذا الذي استبعده إرميا عن العرش هو ونسله (إر 22: 30)، قد اعتبره حزقيال وتلاميذه الملك الشرعي. وفي صيف 592 (حز 8: 1) وهي السنة التي جاء فيها بساميتيك إلى فينيقية، قدّم حزقيال أمام الشيوخ كرازة عنيفة ضدّ أورشليم "وبيت إسرائيل ". قلق نبوكد نصر من التحرّكات المصرية، فارتاح لكلام حزقيال الذي يحذّر جماعة المنفيين من الميول السياسية الجديدة لدى صدقيا، وساعد على نشر هذه الأقوال الموجّهة ضدّ أورشليم والبلاط الملكي والهيكل الذي تركه الله (حز 10: 18). ولمّا استشاروا حزقيال في السنة التالية (أي صيف 591، رج حز 20 :1 )، ذكّر الشيوخ بالخروج من مصر وبعد هذا لن يقول حزقيال قولاً ضدّ بابل رغم تلميحه إلى "التجّار الكلدائيين" (حز 29:16). فقد توجّهت أكثر أقواله (وهي مؤرّخة بين سنة 588 وسنة 586) ضد مصر وصور (حز 28- 32) اللتين ارتبطتا بعلاقات متينة. وخاب أمل الإدارة البابلية من صدقيا، فوجّهت أفكارها إلى يوياكين ومحازبيه، مثل حزقيال. وإنّنا سنعلم من خلال لويحات القصر في سنة 592- 591، أنّ صنّاع فينيقية ومصر انضمّوا إلى المسببين وكانوا في خدمة ملك بابل.

5- من نبوكد نصّر إلى نبو نيد (562- 539)
فضّل ملوك الشرق نظام الأمراء الذين يتمتّعون بالحماية على الإدارة المباشرة التي لا تروق لشعوب هذه البلدان. ولكنّ الوضع كان متفجّرًا بحيث إنّ نبوزرادان ونبوكد نصر اعتبرا أنّه من الأفضل أن تدمَّر مدينة أورشليم. ولكن مات نبوكد نصّر، وحلّ محلّه إويل مردوك فأعاد إلى يوياكين بعض كرامته الملوكية وسمح له أن جمل معه إلى مائدته دون أن يحرّره. إنّ المؤرّخ الاشتراعي يُنهي 2 مل بهذا الحدث الذي يحمل معنى عميقا (2 مل 25: 27-30). إنّ خلاص الملك يرمز إلى خلاص الأمّة كلّها. هذا يعني أنّ نسخة 2 مل تعود إلى الجلاء. ولكن هل دوّنت في بابل أم في يهوذا؟ لم يزل الجواب موضع جدال. ثمّ إنّ هذه النسخة تتجاهل إرميا وهجومه على يوياكين. حكَم إويل مردوك سنتين ومات بعد أن أعاد اعتبار الوارث الداودي. كان صهره وخلفه نرجل شرأصر (560- 556) قد شارك في هجمة نبوكد نصّر على أورشليم (إر 39: 3). وصل إلينا عنه كورنيكون يخبر بحملة قام بها في كيليكية ضدّ أبواشي ملك مدينة أورا (في شمالي سورية). لا يزال ملك بابل يهتمّ بالمتوسّط وبطرقه التجارية التي يهدّدها الفرس. أمّا ابنه لَباشي مردوك فقد قُتل بعد شهرين من اعتلائه العرش على يد آخر ملك بابلي هو نبونيد (556- 539).
ما الذي سبّب هذه القلاقل في البلاط؟ توتّرات داخلية ووضع خارجي خطير. كان نبونيد ابن كاهنة من حران. فأدخلته أمّه إلى بلاط نبوكد نصّر. إستعاد مدينة حاران من المادايين قبل سنة 553، مستفيدًا من ثورة كورش الفارسي على استياجس المادابي. وبنى نبونيد في حاران هيكلاً للإله القمر (سين)، وكان قد دمّر سنة 610. كان الملك أراميًا من الغرب فاستطاع أن يقول لمردوك، إله بابل: "ما كنت أعرفك". ولكنّه حرص أن يجعل نفسه في تقليد بابل وأشور. إنّه يقدّم نفسه في كتاباته العديدة على أنّه أمير تقي، متعبّد لمردوك ونبو، بل هو يحمل اسم هذا الإله، إله الكتبة. وكما تعبّدت عائلة إبراهيم قبل انطلاقها إلى كنعان للإله القمر، تعبّد نبونيد تعبّدًا خاضّا للإله القمر بالاسم الذي يحمله على الحدود العربية: ايل تارح. وسيحاول أن يدخل الإله القمر إلى هيكل إيساجيل المكرّس لمردوك في بابل. ولم يكن هذا العمل هو التجديد الديني الوحيد الذي قام به نبونيد: فقد نقل إلى قرب مردوك تماثيل آلهة المدن البابلية، كما حمل نبوكد نصّر أواني هيكل أورشليم (لأنّه لم يجد هناك تماثيل) الثمينة. وهكذا أحسّ كهنة المعابد المحلية أنّ حظّهم ليس بأفضل من حظّ اليهود.
في هذه الظروف، وبعد حملة على سورية، ترك نبونيد بابل سنة 552 وأقام في واحة تيماء الواقعة في شمالي جزيرة العرب، وظلّ هناك عشر سنوات. وبعد حملة على سورية شبيهة بحملة نرجل شراصر إلى كيليكية، أحس بقوة الفُرس الصاعدة. ثمّ إنّ حركة المرور على نهري دجلة والفرات تأثّرت بالرمال المجمَّع عند المصب، فبدا من الضروري أن يسهّل سير القوافل بعيدًا عن الحدود الفارسية. وإنّ هذا التبدل في مجرى النهرَ سهّل نمو الثقافة في مدنيّات الجنوب العربي المدينة بالكثير لبابل، وقد يكون السبب البعيد لإقامة اللاويين في ددان (العلا). وكان نبونيد قد أقام مراكز عسكرية في ددان وفي مدن أخرى مثل يثرب (أو المدينة).
وترك نبونيد ابنه بلشصر كحاكم على بابل، ولكنّ بلشصر لم يكن أهلاً للاحتفال بأعياد رأس السنة. فاحست بابل بالحرمان وقلقت على مصيرها. حينئذ عاد نبونيد سنة 542، ولكنّه تأخّر فحاكم مقاطعة غوتيوم الحدودية (واسمه اوغبارو) الذي انتقل إلى خدمة كورش. انتصر كورش في اوفيش في 26 أيلود سنة 639، ودخل اوغبارو بالحيلة إلى بابل في 12 تشرين الأوّل من السنة نفسها. قُتل بلشصر، وأسر نبونيد، ودخل كورش إلى بابل في 29 تشرين الأوّل، وحافظ على شعائر العبادة فيها. صار كورش "ملك بابل وملك البلدان" وقدّم نفسه كالمحرّر. وسارت شائعة تقول إنّ نبونيد هو كافر ومجنون، ونحن نجد صدى لهذه الشائعة في مخطوط وجد في قمران سيستلهمه سفر دانيال ليتحدّث عن جنون نبوكد نصّر (دا 4)، وعن وليمة بلشصر (دا 5). ولكنّ هذا الكتاب الذي جاء بعد هذه الأحداث بثلاثة قرون جعل نبونيد نبوكد نصّر وجعل بلشصر ابن نبوكد نصّر. 
ولكن قبل سقوط بابل، أنشد أحد الأنبياء انتصارات كورش (أش 28:44؛ 45: 1). نسميه "مجهول المنفى الاكبر"، وقد تحدّث عن الرجوع من المنفى بشكل تطواف (أش 40: 55). يسير الرب في المقدّمة والمؤخّرة، ويترك الشعبُ بابلَ النجسة (أش 52: 11- 12). ينتمي هذا الكاتب إلى مدرسة أشعيا، ويستعيد العديد من عباراته وصوَره. أورشليم هي بالنسبة إليه (كما كانت بالنسبة إلى أشعيا) محور نظرته (أش 40: 9؛ 54: 1ي). إنّها تتقبّل الأخبار السارّة التي يحملها الرسل العائدون. إنّها ترى الجماعة آتية إليها عبر الصحراء. هي الآن مدمّرة وخالية من السكّان (أش 51: 21- 23)، ولكنّها ستُبنى من جديد وستكون أكبر مّما كانت عليه (أش 54: 2). نجد في هذه الفصول طابعًا ليتورجيًا يذكّرنا بالمزامير (أش 42: 10 ي)، وقد قال بعضهم إنّها دوّنت في أرض بابل (بابلونية) لا في أورشليم. ولكنّ النبات (أش 41 : 18ي) المذكور هنا ليس نبات بلاد الرافدين، والبرّية المصورة هنا هي بريّة يهوذا. كانت مدرسة أشعيا معارضة لبابل (أش 47:46)، فلم تعمل في بلاد الرافدين مثل مدرسة حزقيال، ولا حول السامرة وقرب السلطات البابلية المقيمة فيها مثل مدرسة ارميا (قبل النسخة الأخيرة لكتابه). ففي نظر مدرسة أشعيا، يعيش المنفيون في السجون المظلمة (أش 42: 22) وهم يحتاجون إلى ارتداد حقيقي (أش 42: 18 ؛ 48: 4)0 انفتحت هذه المدرسة على الأمم فتكلّمت مرارًا عن الجزر، أي عن سواحل البحر المتوسّط. إذًا نحن نقول إنّ أقوال أشعيا الثاني أُعلنت في أرض يهوذا حيث النار تحت الرماد، قرب شاطئ تصل إليه أصداء انتصارات كورش ضدّ كريسوس، ملك سرديس في آسية الصغرى (أش 41: 2- 25). كان البحر المتوسط قد أفلت من قبضة بابل وظلّ تحت سيطرة مصر وصور المتفاهمتين. في هذا الإطار، انتظر الشعب كورش "مسيح" الرب، كما انتظر إعادة بناء أورشليم والهيكل. في هذا الإطار أعلنت مملكة داودية جديدة (أش 55: 3) تشمل الكون وتدعو شعوبًا لم تكن تعرفها (أش 4:55).
وهكذا نكتشف تنوعّ التيّارات التي تعبر في أرض إسرائيل المفكّكة والذليلة. أمّا الشيء المشترك، فهو أنّ كلّ هذه المجموعات تنتظر إعادة بناء الوطن بواسطة داود جديد. هذا ما قالته مدرسة أشعيا، كما رأينا. وهذا ما تقوله مدرسة إرميا حتّى حين تصحّح (في إر 33: 15- 16) قول النبي من أجل صدقيا (إر 23: 5- 6). والأمر صحيح في نظر حزقيال. فبعد رؤى المستقبل، تميّز مدرسة حزقيال بين الكاهن المتحدّر من صادوق (رئيس كهنة داود وسليمان) وبين الأمير (ناسي) الذي يمكن أن لا يكون إسرائيليًا، على عكس ما يقول سفر التثنية (15:18؛ رج إر 30: 21). فكأنّي بمدرسة حزقيال تعترف بطريقة ضمنيّة بسلطة دولة خارجية على بلاد إسرائيل. ولكنّها تحتفظ بالأمل أنّ هذا الأمير سيكون في المستقبل من نسل داود (حز 23:34؛ 24:37).

ب- ششبصر وزربابل
1- سياسة كورش الدينية (539- 529)
سيعيش اليهود قرنين من الزمن في ظلّ الحكم الفارسي. وستكون المملكة الفارسية واسعة جدًّا. تمتدّ في الشرق إلى البنجاب وتركستان، وفي الشمال إلى القوقاز وتراقية، وفي الغرب إلى مراتون وسلامينة في اليونان، حيث سيُمنى الملك العظيم بهزيمة نكراء. وسيتنقّل اليهود في هذا العالم السياسي الشاسع. وستكون أسفار أستير وطوبيا ودانيال الشاهد على وجود اليهود في مناطق المملكة الشرقية. ولكنّ اليهود سيعودون إلى أورشليم كمركز لحياتهم، بفضل السياسة الدينية التي انتهجها الملوك الأخمينيون.
كان أهورامزدا الإله الاكبر للأحمينيين منذ أجدادهم أريارامنيس وأرساميس. إنّه إله السماء "مثل إله إسرائيل" (عز 1: 2). وقد حصل لأحشورش (486- 465) أن يهاجم الشياطين والآلهة الكاذبة كما فعل قبله النبي زراتوسترا الذي عاش شرقي إيران حوالي القرن السادس ق. م.. ولكنّ الملوك الأحمينيين لا يطمحون إلى توحيد مملكتهم بوحدة الديانة أو العبادة تجاه إلههم الذي يحميهم. فقد جاء كورش إلى بابل على أنّه "مختار مردوك "، وإلى أور على أنّه "مرسل سين" (الإله القمر)، وإلى اليهود على أنّه منفّذ أوامر يهوه.
وعادت تماثيل الآلهة إلى معابدها، بعد أن أخذها نبونيد. وأعاد كورش في قراره الشهير (عز 3:6- 5؛ رج 1: 2- 4) إلى "الإله الذي في أورشليم" لا تمثالاً (وهو غير موجود) بل الأواني المقدّسة التي حملها نبوكد نصّر فردّها أمين صندوقه متريدات إلى ششبصر "رئيس يهوذا" (عز 1 :8، 6: 5)، بعد أن عدّها واحدة واحدة (عز 1 :9- 11).

2- ششبصر
من هو ششبصر الذي لن نذكره فيما بعد؟ هل هو شنأصر المذكور في 1 أخ 18:3؟ إذا كان الأمر هكذا، فيكون من نسل داود، وعم زربابل. هذه سياسة داريوس الذي يكون قد عيّن واحدًا من نسل داود حاكمًا على يهوذا. لقبه "فحة" (عز 5: 14، سيصير باشا) في الأرامية، ناسي (عز 1 :8) في العبرية. لن يُعطى هذا اللقب لزربابل في النصوص العبرية. أمّا أسماء العلم فهي بابلية، زربابل أو زربابيلي. كلِّف ششبصر بإعادة أواني "الإله الذي في أورشليم " إلى هيكله، فبدأ باعادة بناء الهيكل "في مكانه " عز 5: 15). وإذا عدنا إلى عز 1 :3 نعرف أنّه أرسل نداء إلى ذوي الإرادة الصالحة ليشاركوا في إعادة البناء: الذهب، الفضّة، البهائم، التقدمات الطوعية. وإذا عدنا إلى عز 6: 4 رأينا أن "بيت الملك" يدفع نفقات البناء. وبما أن عز 3: 1 ي ينسب إلى زربابل، لا إلى ششبصر، إعادة شعائر العبادة وتقدمة الذبائح والمحرقات، وجب القول إنّ مهمّة ششبصر في سنة 538 (السنة الأولى لكورش) كانت قصيرة جدًا. واصطدم زربابل (كما اصطدم ششبصر قبله) بسلطات السامرة، برفض "أهل البلاد" لمبادئ هؤلاء العائدين وتشبّثهم بأفكارهم. لا بدّ من بكاء وأصوام يمارسها أهل يهوذا سنة 518 (زك 18:8 ي). ولكنّ الوقت لم يحن بعد لإقامة ليتورجيا توافق مبادئ مدرسة حزقيال. ثمّ، إذا أراد ششبصر ورفاقه أن يبنوا هيكلاً مربعًا حسب نموذج حزقيال (ف 40- 42)، وجب عليهم أن يزيلوا ما تبقّى من الهيكل السابق للجلاء. محاولة تعارض التقليد، وتقرّبنا من عالم الخيال. وعاد ششبصر بسرعة. ولكن أين وضع الأواني المقدّسة في أورشليم المهدّمة؟ هذا ما لا نعرفه. ثمّ عاد إلى إحدى عواصم المملكة: بابل، شوش، فساغرديس أو اكبتانا (حمدان الحالية). ونحن سنجد قرار كورش (عز 6: 2) في اكبتانا (أو أحمتا).
أجل، لم يسنده كورش الذي اهتمّ بالشرق أكثر منه بالغرب بعد سنة 538، تاركًا تسيير الأمور للسلطات المحلية. وهو سيموت خلال حملته الأخيرة قرب بحيرة أرال.
أمّا ابنه وخلفه كمبيز فالتفت إلى الغرب. قطع العلاقات مع الفرعون أماسيس الذي تخلّى عنه فيلوكراتيس، سيّد ساموس. سار بمحاذاة الساحل، وقهر في بالوز بساميتيك الثالث مع جيشه المؤلّف من المرتزقة اليونانيين (525). دام احتلاله لمصر زمنًا طويلاً، ولكنّه لم يحترم المعابد المحلية. فترك مرورُه في مصر ذكرًا سيئًا في قلوب المصريين. وعرف أنّ أخاه تمرّد عليه فاستعدّ للعودة. ولكنّه مات في حادثة قرب الكرمل، ولم يسنح له الوقت لكي يتِّصل بالجماعات اليهودية. وظلّ الشاطئ تحت سلطان الفلسطيين في الجنوب، وتحت سلطان الفينيقيين في الشمال حتّى دور ويافا.
ونعود إلى القسم الثالث من سفر أشعيا (ف 56- 66)، لنجد بعض المعلومات عن حياة الجماعات اليهودية في يهوذا في ذلك الوقت. أورشليم قفر والهيكل دمار (أش 64: 9 ي). لقد عاد بعض المنفيّين والشعب ينتظر غيرهم (اش 8:56). غير أنّ العبادات القديمة ما زالت ناشطة مع جنائن أدونيس (أش 3:65)، وهي تمارسَ في الكهوف مع لحوم محزمة (أش 65: 14) وتحت كل شجرة خضراء (أش 57: 5). وسيعود تلاميذ أشعيا إلى نبرة معلّمهم، فيهاجمون سلطات السامرة وهؤلاء الكلاب البكم الذين لا يستطيعون النباح (أش 56: 15) بل هم شرهون يتركون الصدّيق يموت (أش 57: 11ي). وستبقى جماعة يهوذا في حالة من الضعف مدّة 17 سنة، بينما ازدهرت جماعات أخرى تحت الحكم الفارسي.

3- داريوس (522- 485)
وستتبدّل الأمور حين يعتلي العرشَ داريوسُ الأوّل ابن هوستاسفيس، الذي رافق كمبيز إلى مصر وستخبر كتابة محفورة على صخر باهستون في ثلاث لغات، أنّه في مدّة سنتين أزال الساحر نحوماتا الذي اعتبر نفسه الأخ الذي قتله كمبيز، وأبعد الطامحين العديدين إلى العرش ومنهم نبوكد نصر الرابع. ومنذ خريف سنة 521، سيطر داريوس على الموقف تاركًا لضبّاطه أن يهدئوا الثورات التي ما زالت تشتعل خلال حمس سنوات. وتطلّع داريوس إلى الغرب، والحالة تدعو فيه إلى القلق بعد التركة التي خلفها كمبيز، وتطلعّ بالأخصّ إلى مصر حيث يتآمر عليه الحاكم أريانديس، فحكم عليه بالإعدام. وفي سنة 519، أرسل أحد جلساء كمبيز وهو مصريّ التحق بالإدارة الفارسية (اسمه أوجاهوراسني). وأخيرًا ذهب بنفسه سنة 518. نحن نفهم أنّه أراد منذ السنة الثانية لملكه (520) أن يؤمّن الهدوء في يهوذا، وهي المقاطعة التي تقع على حدود مصر فسمّى الداودي الذي صار بابليًا "فحة" أو رئيسًا وبعث به إلى أورشليم. وكما كلّف أوجاهوراسني بإعادة بناء هيكل الإلاهة نايث في سائيس، كذلك كلّمت زربابل بأن يطبّق قرار كورش وينفّذ تعليمات جديدة وضعها داريوس نفسه (عز 6:6- 12).

4- مهمّة زولابل (520- 518)
بدأت مهمّة زربابل منذ الشهر السادس من السنة الثانية لداريوس (حج 1: 1). عاونه النبي حجاي الذي وبّخ أهل يهوذا لأنّهم يهتمّون ببيتهم أكثر من اهتمامهم بالهيكل. ومنذ بداية الشهر السابع (عز 3: 6)، أقيم المذبح وقدّمت عليه المحرقات، ولكن لم تكن بعد وُضعت أساسات الهيكل (عز 3: 6). وعيّدوا عيد المظالّ رغم معارضة "أهل البلاد" (عز 3: 3 ؛ 4: 4) والذين حصلوا على مساندة سلطات السامرة. فهذه السلطات قدّمت تقريرًا إلى داريوس بواسطة تتناي (هو أوشتاني مرزبان بابل أو تعتاني الذي ظلّ مرزبان عبر الفرات حتّى سنة 516) مرزبان حاكم عبر الفرات. فالمرزبة (الإقليم) واسعة ولا بدّ من الذهاب، لا إلى بابل، بل إلى اكبتانا للحصول على النسخة الأصلية لقرار كورش. 
وجاء جواب داريوس إيجابيًا من أجل زربابل، بل زاد بعض الأمور على ما قاله كورش. أجل، لقد أراد الملك أن يطبّق السياسة الدينية المنفتحة في مصركما في يهوذا. ويشهد زك 1: 1 على حمّى شعبية: انتظروا اضطرابات يخرج منها الاستقلال لهم. ولكنّ داريوس لم يكن مستعدًّا لأنّ يعطيهم هذا الامتياز. ثمّ إنّه منذ الشهر الثامن، دخل النبي على مسرح الأحداث ووجّه أقواله على مثال خطب إرميا المتأخّرة (زك 1 :3- 6). ذكّرهم بغضب الرب على آبائهم الذين لم يسمعوا "لعبيدي الأنبياء". وفي اليوم الحادي والعشرين من الشهر السابع، شجّع نبيّ آخر (هو حجاي) زربابل كونه ابن شألتئيل ومن نسل يوباكين ابن داود، ويشوع الذي من نسل يوصاداق الذي يرتبط بالكهنوت الصادوقي في أورشليم، وحدّثهما عن بناء الهيكل. ولكن في اليوم الرابع والعشرين من الشهر التاسع أعلن حجاي أنّ الرب يرسل بركته على هذا الهيكل منذ تأسيسه. ثم زاد قولاً عن اختيار زربابل: "أقلب عروش الممالك وأزيل قوّة الأمم" (حج 2: 22). وبعد شهرين من الزمن، وفي الرابع والعشرين من شهر، قدّم زكريا سلسلة من الرؤى تستعيد الموضوع عينه. قال زكريا مادحًا زربابل: "ما أنت أيّها الجبل العظيم (إشارة إلى أنقاض الهيكل)؟ إنّما أنت سهل أمام زربابل" (أزال زربابل الأنقاض فبانت أساسات الهيكل) (زك 4: 7). وفي تشرين الثاني سنة 518 (السنة الرابعة لداريوس)، أطلق زكريّا قولاً جديدًا ولم يذكر فيه زربابل. في تلك السنة جاء داريوس شخصيًا إلى مصر، كما جاء ضابط ملكي (بيت إيل شرأصّر) إلى زكريا وطلب جوابًا نبويًا. وجّه كلامه بأسلوب قريب من أسلوب إرميا مع تلميح إلى سنوات السبي السبعين (زك 7: 5). لقد أُلغي صوم الشهر الخامس الذي يذكّر الشعب بحريق الهيكل، فيجب أن يُعاد بناءُ الهيكل (زك 9:8) وأن يسكن الناس من جديد في أورشليم. ويجب على الشعب أن يخضع للشريعة التقليدية (زك 8:7- 12) التي يذكّره بها الأنبياء. وهكذا سيفعل أوجاهوراسني في مصر، فيدافع عن الضعيف بوجه القويّ، ويعيد الأعياد والتقادم التقليدية في سائيس، ويدوّن شرائع مصر القديمة.
ولم يتخلّ داريوس عن سياسته الدينية. وانتهى العمل من الهيكل في سنة 515، في السنة السادسة لداريوس (عز 5: 15)، في الربيع (آذار). واحتفل المؤمنون بعيد الفصح في هذه المناسبة (عز 6: 15)، ولكن لم يُذكر زربابل. فقد انتهت مهمّته سنة 518. هل كان ضحية الحميا المسيحانية فأعدم كما أعدم اريانديس في مصر؟ الأمر معقول. ويعتبر بعض الشرّاح أنّ صورة زربابل الملكية هي في خلفية أناشيد عبد يهوه الذي تألّم ومات كما يقول أش 9:53.

5- اليهودية في العالم الفارسي
وتغلّب داريوس بصورة نهائية على خصومه سنة 515، وبدأ بتنظيم المملكة الفارسية، وهو الذي جعل في الفنتيين مستوطنة يهودية قبل سنة 495. وإذا عُدنا إلى كتابة باهستون نرى 23 مقاطعة ستصير مرزبات. وسنجد 24 على المثلَّث اللغات الذي وُجد في شوش وُصنع في مصر حوالي سنة 495. وصارت المقاطعات 31 في نهاية عهده. ولكنّ هيرودوتس لا يعرف سنة 450 إلاّ 20 مرزبة. لا نجد على هذه اللوائح لا اليهودية ولا السامرة. ولكن كان على رأس السامرة "فحة" أي حاكم. ومنذ نهاية القرن السادس ظهرت أختام أخمينية على الجرار. وسننتظر منتصف القرن الخاسر حتى تحمل هذه الأختام أسم يهودا (ي ه د)، والقرن الرابع ونهاية عهد الفرس حتى تحمل العملة المصكوكة اسم يهودا. وقد وُجد أثران باسم "الناتان فحة" وهي تعود إلى نهاية القرن السادس، أي إلى عهد داريوس، ولكنّ النصّ لا يقول "فحة يهودا". كانت مهمّة زربابل قصيرة، فحلّ محلّه كهنوت يشوع الهاروني المسؤول عن شعائر يبدو موسى وسيطها. ولكنّ يهودا كانت صغيرة ليكون لها استقلال إداري في إطار المرزبة الخامسة.
لم يكتف داريوس بإعادة بناء المعابد المحلّية (ومنها هيكل أورشليم) لتدوين تقاليد هذه المعابد، بل كان هو نفسه مشترعًا. شرعّ في خط حمورابي. قال: "ما هو مستقيم أحبّه، وما ليس بمستقيم أكرهه". "لا أريد أن يؤذي القويّ الضَعيف ". وقد يكون هذا الملك قدّر حق قدره تشريع دستور العهد وسفر التثنية.
وكما أمّن حمورابي الحماية للتجارة، كذلك فعل داريوس في مملكته الكبيرة، وذلك بنظام الطرقات وصكّ العملات التي سمّيت "داريوسية" (1 أخ 7:29؛ عز 27:8). وسنجد مثل هذه العملة في اليهودية. والرسوم التي على هذه العملة تدلّ على تأثير ايونية حيث اخترعت العملة، واليونان. وتنظيم عملية النقل من محطّة إلى أخرى، سهّل الطريق للتجارة الفارسية، بل للتجارة اليونانية التي وصلت إلى مصر وإلى مملكة فارس نفسها. ولقد وصلت هذه الطرق إلى اليهودية تربطها بالعاصمة كما ترتبط سائر الأقاليم. ولكنّ هذا التنظيم استعمل الساحل لا جبال يهوذا. ونشير هنا إلى أنّ العائدين من المنفى أقاموا في يهودية صغيرة وفقيرة، بين جبعون وبيت زور. وإنّ اللائحة التي نجدها في عز 2 ونح 7 تقابل حالة إدارية تعود إلى زمن داريوس. بالمقابل، لا يبدو أنّ اللائحة حسبت حساب أهل لود، حاديد، اونو على منحدر التلال في مناطق الساحل.
وتوجّه داريوس نحو الشمال. فقام بحملات ضدّ الإسكوتيين في تراقية سنة 513، ثمّ اصطدم بعالم هيليني في أقصى ازدهاره. سحق ميلتيس خلال ثورة ايونية سنة 494، ولكن بعد النجاح جاء الفشل: هُزم مردونيوس سنة 492، وداتيس المادايي وارتفرنيس الفارسي في مراتون، سنة 490،، واحشورش بن داريوس في سلامينة سنة 480، ومردونيوس في بلاتيس، ومبرودونتيس في موكاليس سنة 479، وذلك رغم مساندة الأسطول الفينيقي له. وفي سنة 480، غُلب فينيقيو الغرب (أي القرطاجيون) في صقلية. أجل، لقد دقّت ساعة الانطلاقة اليونانية. كان انطلاقًا في عالم التجارة والفن قبل أن يكون في عالم السياسة. وإلى هؤلاء اليونانيين سيبيع تجّار الساحل (الفينيقيون والفلسطيون) أبناء يهودا وأورشليم كعبيد أرقاء (يؤ 6:4).

ج- نحميا وعزرا
1- صعود اليونان
وصلت التجارة اليونانية إلى اليهودية حيث اكتشفت الحفريات آنية من كلازومانيس وكورنتوس تعود إلى القرن السادس ق. م.. ولكنّ العالم اليوناني لا يعرف الشيء الكثير عن العالم الاسرائيلي. ففي القرن الخامس، لن يهتم هيرودوتس المؤرّخ ببني إسرائيل. ولكن بدأ اليهود ينتشرون في الغرب رغم تخوفّهم من البحر وإن أهمّ المجموعات اليهودية أقامت في بلاد الرافدين واليهودية ومصر.
أمّا اكبر مجموعة فنجدها في بابل وحول عواصم فارس، لاسيّمَا بعد ثورة بابل التي سحقها أحشورش سنة 482، أي قبل معركة سلامينة بسنتين. قد تكون بابل المهدّمة هي "مدينة الباطل (أو العدم) التي دُكّت" والتي تذكرها رؤيا أشعيا (أش 24: 10). ولكن بعد بلاتيس وموكاليس، انزوى أحشورش في بيته في برسيبوليس (تخت جمشيد الحالية). استعمل صنّاعًا عديدين ومنهم من جاء من سورية وفلسطية (حاطي). في برسيبوليس استقبل أحشورش تاميستوكلس الذي قهره قيمون، وعرف بالانتصار اليوناني الساحق عند نهر أورميون (في بمفيلية) سنة 466. وفي برسيبوليس سيُقتل في نهاية سنة 465 على يد ارطبان، صديق تاميستوكلس. كان أرتحششتا ثاني أبنائه فأزاح البكر وحكم إحدى وأربعين سنة (465- 424) وسط المؤامرات والثورات بعد أن عرف أن يستفيد من الانقسامات داخل العالم اليوناني.

2- أرشيف موراشو وسياسة ارتحششتا
وبدأت في عهد أرتحششتا تظهر أسماء يهودية على العقود، خاصة في أرشيف موراشو في نيفور بعد سنة 455. إلى نيفور كان يصل نهر كبار (أو خابور)، وإنّ الأرشيف يشهد على تجذّر اليهود في 27 محلّة من أقضية المنطقة بعضها يسمى تل غباري، تل رحيمو. فالمنطقة أغنى مناطق المملكة بعد الهند. أمّا أساس اقتصادها فالزراعة مع البقر والضآن. ولقد تخصص بيت موراشو في تربية القطعان. إلاّ أنّ بيت موراشو هذا تأسّس من أجل إقراض الناس المال. وكانت الفائدة 40 أو 50% في السنة، لأنّ المال زادت قيمته منذ بداية الاحتلال الفارسي. وفي هذا الاقتصاد الزراعي، كانت المدن أسواقًا ومحلاّت بيع لموراشو الذين امتدّ نشاطهم إلى شوش في التلال الإيرانية.
وشوش هي أيضاً إحدى عواصم المملكة الفارسية، وأرتحششتا يقيم فيها مرارًا لأنّه تعب من برسيبوليس في السنة السابعة لملكه. وبعد معركة أوريميدون، استقبل في شوش سفراء حلف ديلوس في اليونان، ولكنّ المحادثات فشلت. ثمّ إنّ الخلاف بين إسبرطة وأثينة جعل المملكة الفارسية تنجو من التفكّك. هذا ما أقرّت به معاهدة سلام كالياس سنة 449، وسيأتي اليونانيون إلى شوش كزوّار (ديموكريتس، هيردوتس) وصنّاع، وأطبّاء (اكتاسياس). ومن شوش يتابع أرتحششتا تحرّكات صهره ميغابيز الذي انتصر في بابل وصار مرزبان الإقليم الخامس (عبر النهر) أي مرزبة سورية التي ترتبط بها السامرة واليهودية. ولقد استعان ميغابيز في شوش بالاسطول الفينيقي فانتصر على ثورة إيناروس (في مصر) الذي ساندته أثينة (460). استُقبل ميغابيز في شوش استقبال الفاتحين. ولكنّه ما عتّم أن ثار على الملك حوالي سنة 448، فوجب على الملك أنّ يتعامل مع هذا الوضع الجديد. وأخيرًا، في شوش، سنة 445، في السنة العشرين لأرتحششتا، في شهر نيسان (نح 2: 1)، رأى الملك حزن ساقيه نحميا وهو يهودي وصل إلى وظيفة مهمة في البلاط فتجاوز وضعُه وضعَ موظفي موراشو.

3- مهمة نحميا والمعارضون له
نحميا حزين، فقد وصله من حناني أحد إخوته أخبار سيئة عن اليهودية (نح 1: 2). لا يزال الشعب في الضيّق هناك، لم تزل أسوار أورشليم مهدومة، وأبوابها محروقة. ولكنّنا نعرف بواسطة عز 4: 6 أنّ الأعداء أبلغوا السلطات بنشاط اليهود في عهد أحشورش. أمّا موضوع هذا الإبلاغ فهو ذاته موضوع إبلاغ ثان في أيّام أرتحششتا: بدأ أهل اليهودية يعيدون بناء أسوار أورشليم. قلق من الأمر سكّانُ السامرة الذين جاء بهم أشور بانيبال إلى هنا وجعل "سيّد المجلس " (بعل تيم) يتدخّل مع السكرتير شمشاي: إنّ الثورة تحت الرماد في أورشليم التي ترفض دخل الجزية (عز 7:4- 23).
وأوقف أرتحششتا الأعمال. لقد كان ميغابيز معارضاً لتحصين أورشليم خلال ثورة ايناروس (460- 455) أو خلال ثورته الخاصة سنة 448. نحن لا نعرف تاريخ وفاته. من المعقول أن يكون نحميا قام بمحاولة بعد موته، فذكر مساندة الملكة امستريس (نح 6:2) التي تدخّلت في الصلح بين ميغابيز وأرتحششتا. فأرسل الملكُ نحميا ليبني أورشليم ويعيد إليها أبوابها. ورافقه في مهمته ضبّاط من الجيش وفرسان مع أوامر ملحّة إلى مرازبة عبر الفرات (نح 2: 7، 9). فعلى أساف "حافظ غابة الملك" (في لبنان) أن يقدّم الخشب الضروري. كل هذا لا يتوافق مع وجود ميغابيز الذي كان من القوّة بحيث يفرض رأيه على الملك. ونحن نفهم أن يكون القرار الملكي قد اتّخذ بعد موت ميغابيز. وفكّر الملك بتفكيك مرزبة قويّة. فاقتطع منها مقاطعة "يهود" أو اليهودية التي ستُصدر عملة باسمها. ولمّا ذهب نحميا إلى اليهودية، وجد الوضع صعبًا جدًّا: سكّان قليلون جدًّا كما يقول المؤرّخ الكهنوتي في لائحة ترد مرتين (عز 2: 1ي ؛ نح 7: 1ي). جُمع بنو إسرائيل في هذه اللائحة حسب وظيفتهم: العوامّ، الكهنة، اللاويّون... ولكنّ هذه القسمات الكبيرة تتضمّن مجموعات عائليّة ومحليّة وقروية (بنو بيت لحم، رجال نطوفة. عز 2: 21- 35). وإذ أراد أن يورع السكّان من أجل بناء الأسوار، وزّعهم توزيعًا محلّيًا (نح 3: 1- 32، رجال أريحا، رجال تقوع)، وهذا ما يقابل الأقضية (فلكيم في العبرية) داخل المحافظة: أورشليم، نطوفة، بيت هكارم، مصفاة بيت صور، قعيلة، أريحا (و 12 قضاء ثانويًا). يجب أن تعود أورشليم مدينة مملوءة بالسكّان (نح 4:7 ي).
وبانتظار ذلك، اصطدم الحاكم بمشاكل خارجيّة وداخليّة. لتي في الخارج معارضة مثلّثة: سنبلط (في البابلية: سين أو بليط) الحوروني، الذي يقيم في الشمال، في السامرة. طوليا العموني الذي هو في شرقي الأردن، جاشم العربي الذي سيطر على الأدوميين في الجنوب. فعلى نحميا أن يعمل بسرعة وفي السرّ (نح 2: 11). ووجد أنّه يقدر أن يستعمل قسمًا من الأسوار القديمة وأن يُعيد الأبواب. فعمل، ولم يتأثّر بالتهديدات العديدة. ولقد كشفت الحفريات عن هذه الأسوار.

4- ضغط الساحل
درست الأركيولوجيا الزمن الفارسي في هذه السنوات الأخيرة، فظهر القرن الخامس على أنّه فترة تجديد في عالم البناء والبرونز والأثاث والتماثيل والفخاريات. فالحفريات في قيسان بين عكّا ويافا أظهرت التوسّع الفينيقي. إنّ فينيقية تسيطر على الشاطئ إلى يافا، بل تقيم مستوطنة في مريشة داخل أرض يهوذا.
وهذا الازدهار الذي يصعد من الساحل إلى الداخل، يؤثّر في الجبل حيث يحاول نحميا أن يبني عالمًا يهوديًا. فاليهود يتزوّجون من بنات عمون وموآب ونصف الأولاد لا يتكلّمون العبرية (نح 13: 24) بل اللغات الغربية وبالأخصّ الأشدودية. ولاحظ منذ وصوله (نح 5: 1ي) أنّ هذا الازدهار المرتبط بالتجارة الخارجية، ساعد على جعل السكان العائدين مرهقين بالديون. باعوا الحقول والكروم، بل باعوا أولادهم عبيدًا: وإذا زدنا على كل هذا الضرائب الأخمينية الباهظة، عرفنا الشقاء واليأس عند الناس. قال نحميا (5: 15): "كان حكّام قبلي فثقلّوا على الشعب وأخذوا منه الخبز والخمر والفضة (40 مثقالاً). بل مارس عبيدُهم تسلّطَهم على الشعب."
فاستند إلى شرائع سفر التثنية ودعا الشعب إلى اجتماع عام ليضع حدًّا للمتاجرة بالعبيد. بدأ بنفسه، ثمّ أمر الجميع أن يعيدوا الحقول والزيتون والكروم والبيوت (نح 5: 11). وسيحارب مدة اثنتي عشرة سنة ضد هذه التجاوزات: إفتدى العبيد، وأعال على نفقته الخدم العائدين من المنفى (نح 17:5). كان الحاكم قد عيِّن لوقت محدّد (نح 2: 6). فلمّا انتهت مدّته، عاد إلى شوش سنة 433 وكان أرتحششتا الأوّل لا يزال على رأس مملكة فارس.

5- مهمة نحميا الثانية
لا نعرف الوقت الذي قضاه نحميا في شوش (نح 13: 6)، ولكنّنا نعرف أنّه عاد إلى أورشليم قبل موت أرتحششتا (424). كان أرتحششتا قد خسر ترابيزوند على البحر الأسود (425)، ولكن لا علاقة لهذه الخسارة بمهمّة نحميا الثانية. ثمّ إنّ أرشام مرزبان مصر، الذي حكم من سنة 428 إلى سنة 411، لم يعرف صعوبات خاصّة خلال حكمه. فالثورات لم تبدأ حقًا في مصر إلاّ في سنة 411. وقد أُعطي نحميا هذه المهمّة الثانية ليداوي صعوبات داخلية، فجاءت قراراته مرتكزة أيضاً على سفر التثنية: انفصال عن الغرباء، طرد طوبيا العموني (نح 13: 4- 9؛ رج تث 23: 4- 6)، تنظيم مداخيل اللاويين والمغنيّن (نح 13: 10- 13، تث 14: 27؛ 26: 12 ي)، العشور الخاصة بالكهنة، منع البيع يوم السبت (تث 15:13-18؛ رج تث 13:5 ي)، ردع الزواجات مع الغرباء (نح 23:13- 28؛ تث 3:7- 4).
ما يلفت النظر في مهمّة نحميا الثانية، هو موقفه تجاه عائلة عظيم الكهنة، والطريقة التي بها تتصرّف المجموعة الهارونية التي نظّمها يشوع حين أعيد بناء الهيكل سنة 520- 515. وبّخ نحميا الياشيب لأنّه منح طوبيا غرفة في حرم الهيكل، وهذا أمر يتعارض وشريعة حزقيال (ف 40- 48) التي تفصل بين الرئيس والكاهن. وطرد أحد أحفاد عم الكهنة الذي تزوّج بنت سنبلط. وهنا نجد موقف نحميا قريبًا من موقف ملاخي تجاه كهنة أهملوا واجباتهم وساوموا على الشريعة (ملا 1: 6- 2 ؛ 2: 9). قال ملاخي (2: 8): "عدلتم عن الطريق، شكّكتم كثيرين بتعليمكم، دمّرتم عهد لاوي". وهذا ما ارتأته أيضا المستوطنة اليهودية في الفنتيين.

6- مستوطنة الفنتيين وصعوباتها
أرسلت هذه المستوطنة نداء إلى أورشليم فلم تلقَ جوابًا. لها هيكلها وشرائع عبادتها البعيدة عن تعليم سفر التثنية، فكيف تتلّقى جوابًا؟ نحن على علم بحياة هذه الجماعة المدنيّة والدينيّة بفضل البرديات وأجزاء الفخار التي وُجدت في جزيرة الفنتيين. ونشير إلى أنّ جماعة الفنتيين لم تكن الجماعة السامية الواحدة في المنطقة. كان لها هيكل مكرّس لياهو منذ أيّام ملوك مصر ولكنّ أقدم نصّ يعود إلى سنة 461 ق. م.، وإن أكثر النصوص تتعلّق بأمور خاصّة بعائلتين، وهي تعود إلى أيّام داريوس الثاني (424- 454) الذي استفاد من الصراع بين أسبرطة وأثينة ليجعل جيوشه في مدن آسية الصغرى.
وهناك نصوص تتضمّن أمورًا سياسية. فثورة أميرتيس تتهيّأ، وسكّان مصر لا يحتملون الحامية الفارسية التي يقودها فيدرانغا والتي لا تحمي اليهود. وإنّ كهنة الإله الكبش خنوم لا ترضى بذبائح الخراف في هيكل ياهو. لهذا نهبوا الهيكل وأحرقوه، ودبَّت الخلافات في الحيّ الواحد، ووُضع اليهود في السجن. فرفعوا أمرهم إلى السلطات العليا، فربحوا الحكم وعزلوا فيدرانغا. ولكن جاءت سنة 407 ولم يُبنَ الهيكل، مُداراةً للسكان المحليين. وتوجّه يدونيا الكاهن اليهودي في الفنتيين، إلى سلطات السامرة وأورشليم، وإلى بغوحي حاكم اليهودية، وإالى دلايا وشلميا ابني سنبلط في السامرة، وإلى يوحنان عظيم الكهنة (حفيد الياشيب نح 23:12). لم يرسل عظيم الكهنة جوابًا، وكيف يوافق على بناء هيكل آخر غير هيكل أورشليم، وهذا أمر يعارض الشريعة حول وحدة المعبد. ولكنّ بغوحي ودلايا دعما طلب الفنتيين. فأُعيد بناء الهيكل مع الإذن برفع التقدّمات والبخور، لا المحرقات، مداراة للسكّان المحليّين.

7- نحو بنى نهائية في الشريعة
نرى الجماعات اليهودية مأخوذة بمسائل السياسة العامّة، وبمسائل تتعلّق بالشريعة. فهيكل الفنتيين ليس القضية الوحيدة في هذا الأرشيف. فقبل هذا الوقت ببضع سنوات (سنة 419)، طلب يهودي اسمه حنانيا (قد يكون شقيق نحميا رج نح 1: 2) إلى المرزبان أرشام، من قبل الملك داريوس، تنظيم عيد الفصح: "الآن تعدّون هكذا 14 يومًا منذ اليوم الأوّل من نيسان وتعيدّون الفصح. ومنذ اليوم الخامس عشر من نيسان حتّى الحادي والعشرين من نيسان يكون عيد الفطير. والآن كونوا أطهارًا، واحذروا أن تعملوا عملاً في اليوم الخامس عشر وفي اليوم الحادي والعشرين. بالإضافة إلى ذلك، لا تشربوا الجعة ولا جملوا شيئًا فيه خمير". وهناك نصوص أخرى من تلك الحقبة تشير إلى الفصح، بل إلى ليلة الفصح. هذا كل ما نجده في بردية الفنتيين الفصحية. إنّها لا تورد إيرادًا مباشرًا نصّ الشريعة، بل تقدّم تدخّل السلطة الفارسية التي فرضت تنظيمًا شرعيًا يختلف بعض الشيء عن سفر التثنية (16: 1- 8)، ولكنّه يقترب من سفر الخروج (6:23 ي) وسفر العدد (3:9 ي؛ 17:28 ي). ونكتشف أيضاً اهتمامات البلاط الفارسي بالتوتّر الحاصل بين أهل اليهودية وأهل السامرة، بين العائدين من السي وشعب الأرض. وسيزداد التوتّر بسبب ثورة اميرتيس، وثورة نافاريتيس سنة 398. ستنجح ثورة نافاريتيس وتضع حدًّا للتسلّط الفارسي. وهكذا تصبح اليهودية مقاطعة حدودية بالنسبة إلى المملكة الفارسية التي اهتزّت بسبب حملة كسينوفون وعشرة آلافه الذين جاؤوا سنة 401 ليساندوا كورش الصغير على أخيه ارتحششتا الثاني في معركة قوناكسا.

8- عزرا
في هذا الإطار السياسي تجد مهمة عزرا مكانها الأفضل. كان عزرا كاهنًا وكاتبًا، وقد مُنح سلطات فوق العادة (عز 7: 11- 26) بقرار من أرتحششتا في السنة السابعة لملكه. نحن في أيّام يوحنان بن الياشيب (عز 6:10 ؛ نح 23:12؛ نصوص الفنتيين). وجد أورشليم تكتظ بالسكّان (عز 10: 1 )، وهذا الأمر لم يكن في عهد نحميا. يحمي أورشليم سور كبير (عز 9: 9) كان قد بناه نحميا. فعلى عزرا أن يهتمّ بهيكل أورشليم وجمال عبادته، وأن يطبّق الشريعة أو "شرائع الهك" على الذين يعرفون أو لا يعرفون هذه الشرائع في عبر الفرات (عز 7: 25). إنّه يعني بني إسرائيل العائشين في المرزبة. أقام عزرا قضاة من أجل هذا الدمل، ولكنّ المؤرّخ الكهنوتي لا يقول لنا إنّه نفذّه. غير أنّه يصوّر لنا القراءة الاحتفالية للشريعة (نح 8- 9) والصراع ضدّ الزواجات المختلطة (عز 9- 10). استندت هذه الأعمال إلى سفر التثنية الذي حرّم الزواج مع الغريبات، وطلب أن تُقرأ الشريعة في عيد المظال (تث 31: 10؛ رج نح 2:8). وما يلفت النظر، هو أنّ عزرا لا يهاجم السامريين الذين كانوا خصوم نحميا الألدّاء. فهدف مهمّته هو أن يجمع في شريعة واحدة العائدين من المنفى وأهل الأرض. وإنّ السامريين سيقبلون البنتاتوكس الذي يقبله اليهود، غير أنّهم سيلعنون عزرا في تقاليدهم.

9- الخاتمة: نهاية الحكم الفارسي
تحمل آخر وثيقة مؤرّخة في الفنتيين سنة 398. فثورة نافاريتيس أنهت مهمة هذه الحامية الحربية، وأزالت التسلّط الفارسي. والفراعنة الذين جاؤوا بعد نافاريتيس سيقومون بنشاط كبير فيكونون حاضرين على شاطئ فينيقية، إمّا بمذابح مكرّسة في عهد أحوريس (391- 379)، وإمّا بمعاهدات مع اليونان وقبرص. ولكنّ ردّة الفعل عند الفرس كانت قويّة في أيّام أرتحششتا الثاني. فالمرزبان فرنباز اجتاح مصر ووصل إلى ممفيس بعد أن ركز جيشه ومرتزقته اليونانيين في عكّا (373). ولكنّ البرديات الأرامية في ذلك الزمان لا تلقي الضوء الكافي على نشاط الجماعات اليهودية في ذلك الوقت.
ولا نعرف الشيء الكثير عن اليهودية في نهاية عهد أرتحششتا الذي تُوفّي سنة 358. ويذكر المؤرّخ أنّ خلف يوحنان (او يوناتان. رج نح 12: 11) كان يدّوع الذي سيكون عظيم الكهنة في أيّام الاسكندر، كما يقول يوسيفوس. ويقول يوسيفوس إنّه في ذاك الوقت بدأت التوتّرات التي أوصلت الأمور إلى الانشقاق السامري. وبعد أن يتكلّم عن نحميا يروىِ قصّة أستير. هذا السفر مفيد لأنّه يبيّن كيف أن الجماعات اليهودية الشرقية أُقحمت في خصومات الطامحين وفي مشاكل البلاط الفارسي.
وخلف أرتحششتا الثالث والده وسط ثورة المرازبة. كانت ردة الفعل قويّة وعنيفة. فقتل كلّ أمراء العائلة المالكة ليتجنّب وجود مزاحمين له. وسيطر على صيدون وقتل ملكها تانيس (تبنيت)، واحتلّ مصر من جديد سنة 345، كما احتلّ آسية الصغرى في أيّام ديموستان وفيلبس المكدوني. وهناك شهادات متأخّرة تقول إنّه لم يوفّر اليهودية، فأجلى بعض السكان إلى حركانيا (جنوبي بحر قزوين). هذه هي الخلفيّة التاريخية لسفر يهوديت (اليهودية) لأنّ أليفانا وبوغا لعبا دورًا في هذه الحملة. فبوغا هو الذي وضع السمّ لارتحششتا الثالث (338) قبل أن يجبره آخر ملك فارسي، داريوس الثالث كودومان، على وضع السمّ لنفسه.
ومنذ سنة 337 دخل فيلبس المكدوني إلى آسية الصغرى ليحرر المدن اليونانية. قتل سنة 336 فخلفه ابنه الشاب اسكندر المكدوني. فانتصر في غرانيك وفي ايسوس (333)، كما استولى على صور بعد حصار مشهور، واحتلّ دمشق وأورشليم دون أن يرفع أحد سلاحًا، وكبح ثورة في السامرة (330).
لقد انتهى العصر الفارسي وبدأ العالم الهلّيني يقتحم الشرق، ولن يقف شيء في وجهه.
القسم الرابع
المراجع البيبليّة
وكتابات الشرق القديم

أشرنا إلى العلاقات بين التوراة وتراث الشرق القديم. وها نحن نطّلع على هذا التراث العريق في بلاد كنعان ومصر وفينيقية وآسية الصغرى وبلاد الرافدين.
ولهذا نعالج في هذا القسم:
الكتابة ولغات الشرق القديم.
النصوص المصرية.
كتابات بلاد الرافدين.
الكتابات الحثية.
النصوص الكنعانية.
الكتابات الفينيقية.
الكتابات الأرامية.
يهدف هذا القسم إلى أن يجعل حضارة الشرق الأوسط القديم تتكلّم وكأنّها شخص حيّ. كانت المهد الذي عاشت فيه أسفار التوراة. فالبيبليا تنطبع بطابع الثقافات التي سبقتها أو التي عاصرتها. في مرحلة أولى جاءتها ثقافات مصر وبلاد الرافدين، وفينيقية وكنعان بل والأناضول. وفي مرحلة متأخّرة، الثقافة الشرقية والثقافة الهلّينية. هذا ما سنتحدّث عنه في هذا القسم من الكتاب، ولكنّنا نفتتحه بالحديث عن الكتابة ولغات الشرق الأوسط القديم.
الفصل السابع عشر
الكتابة ولغات الشرق القديم

المقدّمة
الكتابة هي تصوير فكر الإنسان بواسطة مصطلح على مادّة ملموسة. ويشكّل نموّ الكتابة أداة خارقة للاتّصال بين الناس، وهي لا تتيح فقط نقل الفكر بين إنسانين تفصل بينهما مسافة كبيرة أو صغيرة، ولكن بين فترتين تفصل بينما آلاف السنين (5000 سنة تقريبًا). إنّ الشعوب التي لا كتابة لها، هي شعوب من دون تاريخ، بقدر ما يبدأ التاريخ مع الوثائق المكتوبة. فإذا غابت الكتابة، صارت معرفة المدنيّات القديمة في خانة "ما قبل التاريخ". لن نشدّد على الفرق بين التاريخ وما قبل التاريخ، ولكنّنا نقرّ بأنّ ذاكرة الشعوب التي لا كتابة لها لا تعود إلى زمن بعيد، وأنّ التقليد الشفهي يشوِّه الأحداث بقدر ما تبتعد هذه الأحداث في الزمن. إذن تاريخ الشعوب التي لا كتابة لها، تاريخ قصير وعرضة للتشوّه. أمّا الكتابة فتتيح لنا الاتّصال المباشر بالماضي ورجالات الماضي، وهي تحدّد وتكمّل معطيات الذاكرة وتحمل غنى كبيرًا إلى الخبرة البشرية.
وتشكّل التوراة أكبر مثل عن الطريقة التي بها تدوم الكتابة وتتيح لبشر منفصلين بعضهم عن بعهم أن يتّصلوا بعضهم ببعض. تألّفت التوراة من مجموعة كتب مختلفة (نحن أمام مكتبة صغيرة مؤلّفة من 46 كتابًا أو سفرًا) دونت أو أُعيد تدوينها خلال حقبة دامت أكثر من ألف سنة. وهي تتيح لنا أن نتّصل بالحكماء والكهنة والأنبياء، ونتعرّف إلى أقوالهم بواسطة الكتابة. ولكن، إذا أردنا أن نفهم هذا التعليم الذي يقدّموه، وجب علينا أن نتعرّف إلى ميزات وسيلة النقل المتبعة، عنيت بها الكتابة. بل أن نتعرّف إلى ميزات الكتابة كما وُجدت واستُعملت في الشرق الأوسط القديم، حيث وُلدت وتطوّرت الأبجديات الأولى.

أ- ولادة القبة
تبدو الكتابة لأوّل وهلة وكأنّها لعبة يقوم بها الأولاد، لأنّهم في عمر الخامسة أو السادسة يتعلّمون القراءة والكتابة. لا شكّ في أنّ هذا النظام المصطح في الاتّصال، يرتبط في أصله، بالرسم الذي يعبّر عن حاجة فنية أساسية عند الكائن البشري.
فقد وُلدت كتابة الرسم ونمت في مدنيّات مستقلّة (في الصين، في أميركا الجنوبية...). ولكن إذا عدنا إلى التاريخ نجد أنّ المدنيتيّن الأوليين اللتين استعملتا الكتابة بصورة منظّمة همَا في الشرق الأوسط القديم. فقد وُجدت الكتابة في زمن واحد تقريبًا، حوالي سنة 3000 ق. م. في بلاد الرافدين وفي مصر ولماذ في هذين البلدين وليس في غيرهما؟ لأنّ نموّ وسيلة الاتصال التي هي الكتابة ارتبط طبيعيًا بنمط من المدنية تضمّن مجتمعًا منظّمًا ومركّبًا ومنوّعًا ومركّزًا. لقد ظهرت الكتابة في منطقتين لعبت فيهما الجماعات المدائنية دورًا سياسيًا واقتصاديًا هامُّا. وهذا ما فرض وجود نظام حسابي ثابت وأمين يساعد الدولة على توزيع الخيرات.
وإنّ آخر الحفريات الأركيولوجية في شوش (في ايران) أبرزت العلاقات بين نظم الحسابات ومختلف القطع المعدنية وأولى اللوحات المكتوبة والمؤلّفة من أرقام وصور مطبوعة في لوحة من الطين. وإنّ تطور هذه الصور قاد المجتمع إلى كتابة مجردة، نراها في أوروك، في بلاد الرافدين السفلى، حوالي سنة 3300. وهذه الكتابة ستتطور بسرعة نحو تمثّل الأصوات، وهذا ما يساعد الكتابة على أن تمثّل اللغة نفسها. وهذا الانتقال إلى عالم الأصوات تمّ حوالي سنة 3000 ق. م. ليرسم اللغة عند السومريين (أو بالأحرى عند الطبقة الحاكمة منهم) في جنوب بلاد الرافدين.
وعادت أوّل الكتابات في مصر إلى سنة 3150 تقريبًا. ومنذ سنة 3080- 3040 نجد 70 نصبًا تحيط بقبر الملك جار وتشهد على نظام كتابة متطوّر. هناك 20 علامة "ابجدية" تقابل الحروف الصوامت. وهناك علامات عديدة تقابل كلمة كاملة، أو حرفين أو ثلاثة حروف صوامت، أو معرّف يساعدنا على ترتيب الكلمة اللاحقة في هذه الفئة أو تلك. وستمزج هذه العلامات كما في المصري الكلاسيكي المسمّى هيروغليفي.

ب- تطوّر الكتابة في مصر وبلاد الرافدين
ارتبط تطوّر الكتابة في مصر وبلاد الرافدين بالمواد المستعملة لرسم الكتابة. من جهة نجد الطين الرخو وقَلمًا من قصب أو خشب بري بشكل دائرة (ليكتب الأرقام في الزمن القديم) ثمّ بشكل مثلّث (من هنا علامات بشكل مسمار). ومن جهة ثانية نجد لوحات الخشب وقطع الفخار ولفيفة البردية مع ريشة وحبر أسود أو أحمر.
في بلاد الرافدين استُعمل الطين الرخو، فكان من الصعب أن نرسم الخطوط المقوّسة. فحلّت محلّها سلسلة من خطوط مستقيمة. حين تُرسم بداية الخط يغرز القلم فيعطي الخط شكل مسمار أفقي أو منحنِ (من أعلى إلى أسفل أو من أسفل إلى أعلى) أو عمودي (من أعلى إلى أسفل)، أو شكلَ رأس سمار. لهذا سمّيت هذه الكتابة الكتابة المسمارية. كُتبت أوّلاً في عواميد (من أعلى إلى أسفل ومن اليمين إلى الشمال). ثمّ وّلت سنة 2600 تقريبًا، فكُتبت بطريقة أفقية (من الشمال إلى اليمين)، وهذا ما ساعد الكاتب على الإسراع في رسم خطوطه.
وحصل عامل مهمّ جعل الكتابة المسمارية تتجر، هو استعمالها لتدوين اللغة الاكادية خلال الألف الثالث ق. م.. إنّ تبنيّ هذه اللغة السامية الشرقية (المؤلّفة من لهجتين: الأشورية والبابلية) أبرز الطابع المقطعي (متعلّق بمقاطع لفظية) للكتابة دون أن يترك كليّا الصور القديمة. وصارت الكتابة كتابتين: الكتابة الأشورية والكتابة البابلية. وظلّت الكتابة المسمارية تتطوّر على مدى ثلاثة آلاف من السنين قبل أن تزول قبل المسيحية بقليل. 
وعرفت الكتابة الهيروغليفية أيضاً تاريخًا طويلاً بدأ بنهاية الألف الرابع ق. م. وظلّ مكتوبًا حتى القرن الرابع ب. م. (الكتابة الأخيرة المعروفة قد وجدت في جزيرة على النيل وقد دوّنت سنة 394 ب. م.). سميّت الكتابة الهيروغليفية (أي الصورة المقدّسة) لأنّها قريبة من الفن الإيقوني (الإيقونة تعني الصورة). تكتب الهيروغليفية من اليمين إلى الشمال. أمّا ترتيب العلامات (أو الصور) فيتكيّف مع النصب الذي يكتب عليه.
وبجانب هذه الكتابة الهيروغليفية الضخمة، استعمل كتبة مصر في لفائف البرديات خطاً جرّارًا يسمّى الخط الهيراتي. يتميز هذا الخط بتبسيط العلامات، باستعمال الربط، بوضع علامات الوقوف... هذا الخط سيصبح ابتداء من القرن السابع ق. م. الخط الشعبي (ديموتي) الذي استُعمل في العقود ونصوص الإدارة المدنيّة اليومية. أمّا الهيراتي فاستعمله الكهنة لينسخوا نصوصاً دينية.

ج- الكتابة الهيروغليفية المسمّاة حثّية
ابتداء من القرن الخامس عشر ق. م.، طوّرت المملكة الحثّية في آسية الصغرى (تركيا الحالية) نظام الكتابة عندها بمحازاة الكتابة المسمارية. ونجد هذه الكتابة في الأختام والنقيشات، وقد استعملت في جنوبي الأناضول وشمالي سورية حتى القرن الثامن ق. م.. توصّل العلماء إلى قراءة الكتابة الحثية بعد أن اكتشفوا كتابات في لغتين: الفينيقية والحثّية، وذلك في كاراتيبي وراس شمرا (اوغاريت) ومسكينة (ايمار).

د- الأبجديّات
1- الأبجديّات المسمارية
أبرزت اكتشافات رأس شمرا (أوغاريت) ورأس ابن هاني على الشاطئ السوري الشمالي كتابات مدوّنة في خمسة أشكال: المسمارية الأشورية البابلية، المسمارية الأبجدية، الهيروغليفية الحثّية، الهيروغليفية المصرية، الكتابة القبرصية المينوية (أو الكريتية). وهذه الكتابات تنقل إلينا لغات: السومرية، الأكادية، الأوغاريتية، الحثية، الحورية، المصرية، القبرصية، المينوية. وهذا التعدّد في اللغات المكتوبة في أوغاريت نفهمه حين نعرف الوضع الجغرافي لهذه المملكة الصغيرة العائشة من التجارة الدولية بين الشمال (المملكة الحثية) وبين الجنوب (مصر)، بين الشرق (ميطاني ثم أشورية) وبين الغرب (قبرص). تعود هذه الكتابات إلى القرنين الرابع عشر والثالث عشر ق. م. ساعة كانت تلك المملكة مرتبطة بالمملكة الحثّية وتابعة لها.
والكتابة المستعملة لهذه اللغة السامية الغربية هي الأوغاريتية وهي أبجدية مسمارية تتضمن 30 علامة: 28 حرفًا صامتًا و 3 حروف مصوّتة (أ، و، ي) مع العلم أنّ الألف هي حرف صامت وحرف مصوّت. ثمّ نجد أبجدية مسمارية مبسّطة من 22 حرفًا تقابل أبجدية الفينيقيين والعبرانيين المستعملة في كنعان (جنوبي سورية وفلسطين ولبنان). نجد في هذه الأبجدية الأخيرة عشر كتابات تقريبًا، لأنّ الأبجدية الخطوطية الكنعانية كانت طاغية في أرض كنعان. وهاتان الأبجديتان هما تطبيق سماري للأبجدية الخطوطية الكنعانية.

2- الأيحديّات الخطوطية
لا تزال ولادة الأبجدية مغطّاة بالأسرار وموضوع اختلاف في الآراء. أجل لا نعرف الكثير عن هذا الاكتشاف الذي يُتيح لنا أن نكتب الفكر البشري بأقلّ ما يمكن من العلامات (بين 20 و 30 علامة). ولكنّ هنا نقاطاً تبدو واضحة.

النقطة الأولى
الأبجدية الخطوطية الكنعانية سابقة للأبجديات المسمارية التي استوحت منها. هذا القول يخضع لتأريخ أولى الكتابات الألفبائية الخطوطية (شكيم، جازر، لاكيش) التي تعود إلى القرنين السادس عشر والخامس عشر كما يخضع أيضاً للقراءة المشكّلة للعلامات المسمارية الألفبائية المستوحاة من اسم الحروف الألفبائية الخطوطية، وهذا الاسم يرتبط بكتابة هذه الحروف.

النقطة الثانية
هذه الأبجدية الخطوطية هي مستوحاة من الكتابة الهيروغليفية المصرية. نحن نعرف أنّ الهيروغليفية امتلكت أبجدية خاصة تستعمل لكتابة الأسماء الغريبة. ومن الواضح أنّ شكل أكثر الحروف الأبجدية الخطوطية يُذكّرنا بشكل الهيروغليفية المصرية. ثمّ إنّ هذه الأبجدية الخطوطية ستتوسّع مع الكتابة على البرديات (أو على الجلد) بواسطة الريشة والحبر. وهذا الخط من الكتابة يقابل الكتابة المستعملة في مصر منذ الألف الثالث ق. م.

النقطة الثالثة
خُلقت هذه الأبجدية لتكتب الأسماء السامية. فهي تصوّر الحروف الصامتة التي تلعب دورًا مختلفًا عن الحروف المصوّتة في هذه اللغات. ثمّ إنّ القيمة الصوتية لهذه العلامات ترتبط بالاسم السامي للصورة الممثّلة. فهذه العلامة تمثّل الماء (ماييم في الكنعانية) من هنا حرف الميم.

النقطة الرابعة
هذه الأبجدية اكتشفت أو خُلقت أو نُظّمت في الدلتا المصري الشرقي في أيّام الهكسوس (الملوك الرعاة) أو ملوك السلالة الثامنة عشرة، أو في سيناء، أو في كنعان، أو على الشاطئ الكنعاني وبالتحديد في جبيل. ومهما يكن من أمر موضع اكتشافها فهي قد وُجدت في ممتلكات مصر في بلاد آسية.
والكتابات في هذا النمط من الكتابة لا تزال قليلة: بعض قطع الفخار، بعض الكتابات على الأواني أو على الأقواس. أهم هذه الكتابات تلك التي نقرأها على القوس: "ذكر بعل ملك أمورو"، وهو ذكر بعل ملك جبيل المذكور في خبر سفَر المصري وان أمون (حوالي سنة 1100 ق. م.).
وفي نهاية الألف الثاني تقريبًا، انتشرت هذه الأبجدية الخطوطية الكنعانية وتوسّعت حسب التقاليد المتعدّدة في الممالك التي تكوّنت في ذلك الوقت في لبنان وسورية وفلسطين. وهكذا وُلدت الأبجدية العبرية القديمة، والفينيقية، والأرامية، واليونانية. ولقد حوّلت الأبجديةُ اليونانية بعض العلامات ولاسيّمَا الحلقية منها لتشير إلى الحروف المصوتة، وأدخلت خمسة حروف إضافية. وحوالي سنة ألف تحدّد اتّجاه الكتابة السامية من اليمين إلى الشمال.

هـ- أنماط مختلفة من الكتابات
ترتبط تقنية وفن الكتابة بالمواد المستعملة. ونحن نستطيع أن نميّز طريقتين للكتابة في الشرق الأوسط القديم.

1- الطريقة الأولى
الكتابة على الطين. إرتبطت بالكتابة المسمارية وكان مركزها بلاد الرافدين حيث لعب الطين دورًا كبيرًا واستُعمل في بناء البيوت والقصور والمعابد بشكل قرميدات مجففة في الشمس. استُعملت هذه الكتابة المسمارية للسومري ثم الأكادي (البابلي والأشوري)، ثمّ للحثي والكنعاني... وكان أوسع انتشار لها في النصفي الثاني من الألف الثاني، وقد وصلت إلى بلاد فارس (شوش) والأناضول (بوغاز كوي أو حتوسة) وسورية الشمالية (أوغاريت الالخ) وكنعان ومصر (تل العمارنة).
الطين مادة نجدها في كل مكان. وإذا تجفّف الطين حُفظت الكتابة إلى ما لا نهاية. أمّا الخطر فهو أن تنكسر هذه اللوحة الطينية المجففة. وإمكان حفظ هذه اللوحات يفسّر لنا كثرة الكتابات في هذه الطريقة: نحو نصف مليون لوحة اكتشفت في حفريات أكيولوجية في أماكن مختلفة من الشرق القديم.

2- الطريقة الثانية
الكتابة على البردي أو الجلد بواسطة القلم أو الريشة والحبر. توسّعت هذه الطريقة أوّلاً في مصر فرحمت الكتابة الهيروغليفية أو الهيراتية، ثمّ امتدّت إلى كنعان مع الأبجدية الخطوطية، ثمّ إلى كل الشرق الأوسط القديم فدوّنت في الألف الأوّل الأرامية واليونانية. 
المادّة المستعملة هنا هي متجرة وغالية الثمن، ولكنّها خفيفة الحمل إذا قابلناها بلوحات الطين. ثمّ إذا كان البردي أو الجلد يدوم مئات السنين، إلاّ أنّ الحبر يُمحى فلا يبقى أثر للكتابة. وإذا كان المناخ رطبًا مثل مناخ بلاد الرافدين أو سورية ولبنان وفلسطين، يصبح البردي والجلد بقايا عضوية لا قيمة لها. أمّا المناطق التي لا مطر فيها (مصر، الصحاري) فهي تحتفظ بهذه المواد العضوية، لاسيّمَا إذا وُضعت في المغاور والقبور. لهذا السبب لا نجد الكثير من الكتابات القديمة، من عبرانية وأرامية وفينيقية، التي اكتشفت في الحفريات. فالكتابات على البرديات والجلود زالت كلّها ولم يبقَ لنا إلاّ الكتابات على مواد قاسية. فهناك كتابات على الحجر (نصْب، تماثيل، ختوم ولويحات حجرية، نقيشات) أو على المعدن (لويحات ذهبية أو فضية أو برونزية، أسلحة وأواني برونزية، تعاويز برونزية وفضية) أو على لوحات خشبية (لاسيّمَا مصر، مغطاة بالبحص أو الشمع)، أو على أوانٍ فخارية.
نشدّد هنا على أهمّية الكتابات الضخمة على الصخور ذات الطابع الملكي. فهي تذكر أحداثًا تاريخيّة مهمّة. أمّا النصوص على الخشب فلقد لعبت دورًا هامًا في كتابة نصوص قديمة من القرن الأوّل في الأناضول وبلاد الرافدين وسورية ولبنان وفلسطين.

و- الكتبة
الكتابة في الشرق الأوسط القديم هي تقنية ثمينة تفترض تدرّبًا وتمرّنًا على استعمال القلم في الطين أو الحبر على البردي أو الجلد، ومعرفة بمئات العلامات المستعملة في الكتابة المسمارية أو المصرية (الهيروغليفية، الهيراتية، الديموتية). على الكاتب أن يعرف كيف يكتب رسالة أو عقدًا أو بلاغًا حسب القواعد والحقوق المعمول بها. عليه أن يعرف أن ينظّم الحسابات الشهريّة والسنوية، حساب الحصص الموزعة أو غلال الحبوب. عليه أن يعرف التقاليد الوطنية وأن يكتب العقود الدولية والحوليّات التي تمجّد عمل الملك السياسي... كانت مثل هذه التقنية ضرورية لحياة ونموّ الممالك في الشرق الأوسط القديم. فمن كان مالكًا هذه المهنة كانوا يبحثون عنه ويسلّمونه أعلى الوظائف، فيقوم بها بنفسه أو كسكرتير عند من يقوم بها. إن غاب الكتبة فلا إدارة (إحصاء، ضرائب، حصص توزيع...) وبالتالي لا مملكة تدوم.
وامتلاك الكتابة أعطى الكتبة شعور التفوّق بالنسبة إلى سائر الفئات الاجتماعية (الفلاّحين، الصنّاع، التّجار...). وهذا الشعور قريب من عاطفة مدير تجاه الموظّفين عنده. وهذه العاطفة بالانتماء إلى طبقة عالية، كان يتقوّى بالتدّرب الطويل على الكتابة في المدارس، وهو تدرّب ضروري لامتلاك هذه التقنية. غالبًا ما يبدأ التدرّب في عمر مُبكر (5 أو 6 سنوات) فيبتعد التلميذ عن رفاق عمره. ثمّ إنّ هذا التدرّب الطويل يشكّل استثمارًا مُكلفًا لا تقدر أن تدفعه إلاّ العائلة الميسورة أو تلك العاملة في الإدارة الملكية. 
وكانت الكتابة، شأنها شأن سائر النشاطات والتقنيات، موضوعة تحت حماية إله خاص: نبو هو كاتب الكون في بلاد الرافدين. تحوت هو الإله في مصر وكانت مصر تصوّر الكاتب وهو يعمل تحت عين تحوت (إله الكتابة وشفيع الكتبة ويصوَّر بصورة قرد) الساهرة. ونلاحظ أيضاً في مصر دور الإلاهة سخات التي اكتشفت الكتابة وامسكت الحوليات، ودور امحوتف الكاتب والمهندس الذي عاش حوالي سنة 2700 ق. م. وصار شفيع الكتبة وأُلِّه في العصور المتأخّرة.

ز- وظائف الكتابة
وُلدت الكتابة من حاجات الإدارة ومسك "الدفاتر" والحسابات، فاستُعملت أكثر فأكثر في ميادين عديدة من الحياة اليومية. وها نحن نقدّم بعض هذه الميادين:

1- الاقتصاد
توخّت اللويحات الأولى العدّ وحفظ الحسابات. وسيبقى الميدان المميّز في استعمال الكتابة في كل تاريخ الشرق الأوسط القديم. فالكتابة تلبّي حاجات الإدارة المحليّة، أو تنظّم أعمال ومداخيل الخاصّة من الشعب. وهي تسجّل ملكية الأشياء مثل الأواني والتحف الثمينة. وتنظيم لائحة الأسماء هذه هي مهمّة للأعلاميات (دراسة أسماء العلم)، وهي تتضمّن تارة سلسلة من أسماء العلم (مع أو بدون ذكر الألقاب)، وطورًا إشارة إلى كمّية الطعام أو الحبوب أو السلاح أو الفضة، ومرة ثالثة ذكرًا لأصل الأشخاص المذكورين. في بعض المرات تنسخ هذه اللوائح الأسمائية كتابات عن أواني وجرار، ترافق إرسال هذه المواد. ونشدّد هنا على لوائح الأسلاب التي تموّل الخزانة الملكية في اشورية. 
وهناك أوامر توزيع حصص الإعاشة في الخازن الملكيّة. يحتفظ مدير الخزن بهذه اللوائح ليبرّر إدارته. ثمّ إنّ هذه اللوائح تُنسخ في نهاية الشهر أو السنة على لفيفة أو على لويحة، وهذا ما يساعد على معرفة وضع الخزن.
وهناك عقود الشراء والبيع وتبادل الأملاك المنقولة وغير المنقولة، المبنيّة وغير المبنيّة. تدوّن هذه العقود عادة في نسختين وبحضور شهود. يدوّنها كاتب يلعب دور كاتب العدل، ويجعل ختمًا ريًا على لويحة الطين أو على الخيط الذي يربط البردية الملفوفة أو المطويّة. تحدّد هذه العقود حدود الأرض أو الأملاك المباعة، كما تحدّد المال الموضوع (فضة موزونة حسب وحدة الوزن المحلية). ونربط بهذه المجموعة الهبات الخاصة أو الملكية. في هذه الحالة الأخيرة، تهدف الهبات إلى مكافأة هذه الخدمة أو تلك. وقد تكون الأرض المعطاة معفية من الديون. إنّ دراسة هذه العقود وهذه الهبات مهمّة، لأنّها تتيح لنا أن ندرك الوزن الاقتصادي لبعض الشخصيات وتأثيرهم السياسي. ونستطيع أيضاً أن نلاحظ أنّ هذه العقود (بيع أو شراء) وهذه الهبات تصيب أيضاً أشخاصاً من وضع اجتماعي دنيء لاسيّمَا الخدّام والعبيد (نساء أو رجالاً). ونربط بهذا النمط من العقود، إجراءات التحرير من العبودية. ودراسة الوثائق تساعدنا على فهم البُنى الاجتماعية ومرونتها في المجتمع القديم.
وهناك عقود القروض والاعتراف بالدَين. تتضمّن هذه العقود بصورة خاصّة تحديد الكية المقرضة (رأس المال) والفوائد الواجب دفعها (شهريًا أو غير ذلك)، وتاريخ الدفع (في الريف، في أيّام الحصاد المقبلة). فالشرق الأوسط عرف الدين بالفائدة، وبالفائدة الباهظة، كما عرف الرهن العقاري.
وهناك عقود الإيجار (أرض أو سفينة) والشراكة والوصيات وقواعد الإرث، ورسائل الأعمال الخاصة أو الملكية، والأسعار الرؤية المرتبطة بالقانون أو بشريعة الذبائح، والمعاهدات والنصائح الاقتصادية العملية (الزراعة، تربية المواشي، التجارة). نحن هنا أمام بداية علم اقتصادي سيرتبط بالتعليم والمدرسة إرتباطاً وثيقا.

2- القانون
القانون ضروريّ لتنظيم المجتمع وبقائه، لاسيّمَا إذا صار متشعّبًا. وسريعًا ما رافق القانون المكتوب القانون الشفهي والعُرف، فقواه وصحّحه وحلّ محلّه. وأبرزت الحفرياتُ الأركيولوجية عدّة قوانين أشهرها قانون حمورابي، وقرارات عديدة قد لا تكون لها دومًا قيمة قراراتنا في الزمن الحاضر وهذه القوانين والقرارات هي مَلكية، لأن ممارسة العدالة هي عنصر هام من السلطة الملكية، وتنفيذ أحكام العدالة هو موضوع مهم في إيديولوجيا الملكية.
كانت الكتابة تدوّن هذه القوانين المرتبطة باصلاحات سياسية كبيرة والمنسوخة مرارًا في المدارس، كما كانت تدوّن أحكام العدالة ونتائج الذنوب والجرائم والخلافات. وهذه الأحكام كانت مدوّنة ومحفوظة. لأنّها تتعلّق بأملاك غير منقولة. وقد يستطيع المشتكون أن يدوّنوا وجهة نظرهم تدوينًا خطيًا. لهذا نجد نصوصاً تورد شكاوى خطية.
ونربط بهذا النطاق القانوني عقود الزواج والطلاق وتحرير العبيد. كل هذا يكشف علاقات تسلسلية في الخليّة الأساسية التي تكوّن المجتمع القديم هي العائلة الواسعة أو العائلة بالمعنى الحصري.

3- السياسة
وكانت الكتابة أداة فاعلة في خدمة السياسة الملكية. وكان الكاتب الملكي يلعب الدور الأوّل في إدارة المملكة. ويظهر استعمال الكتابة في خدمة السياسة الملكية في الكتابات على التماثيل والنقيشات والأنصاب. هدفت هذه الكتابات الملكية إلى تمجيد الملك والإشادة بقدرته وأعماله، وإلى إعلان شرعيّة سلطانه وإلى إثارة الاحترام والخوف لدى عبيده كما لدى سائر الشعوب. إنّها تروي أحداثًا تاريخيّة فتفهمنا التاريخ القديم، ولكنّها بالحري أداة دعاية للملك. وهذا ما نقوله أيضاً عن الحوليّات التي دوّنها بعض الملوك لاسيّمَا في أشورية، وعن لائحة المدن المحتلّة بعد حملات عسكرية (وهذا فن أدبي اشتهرت به مصر).
وكانت الكتابة في خدمة السياسة الملكية، فاستعملت لتدوين معاهدة مع ملك آخر. فلقد كانت هذه المعاهدات الدولية معاهدات تجارية أو اتفاق زواج، أو اتفاق سلام بعد حرب لم يكن فيها لا غالب ولا مغلوب. وتعكس هذه الاتفاقات تسلسل الدول، وتبيّن العلاقات بين ملك سيّد وملوك خاضعين له. مثلاً إتفاقات التبعيّة في النصف الثاني من الألف الثاني والنصف الأول من الألف الأوّل. لعبت هذه الاتفاقات الخطية مع بنودها الدقيقة والتهديد بالإنتقام في حال الإخلال بها، دورًا سياسيًا هامًا في تكوين وتنظيم المملكة الحثيّة والمملكة الأشوريّة الجديدة. كان الاتفاق يدوَّن احتفاليًا على لويحات من فضة أو ذهب أو على أنصاب، وفي لغة كل من المتعاقدين، وهذا ما يفترض كتبة ملمّين بلغتين أو أكثر.
وأخيرًا، تكون الكتابة في خدمة السياسة بواسطة النصوص التعليمية (الحكمة، التأديب) التي تدرّس في المدن الملكية. فإن درس الطالب التاريخ أو القصة أو الأمور العلمية، فهدف درسه هو أن يتعلّم كموظف عتيد احترامَ الملك وأهميّة خدمة الدولة.

4- الديانة
كانت الحياة الاجتماعية في الشرق الأوسط القديم متشرّبة من الديانة، وقد لعبت المعابد دورًا هامًا في ولادة الكتابة وتجرها، لاسيّمَا بواسطة المدارس المحاذية للمعابد. ثمّ، لا ننسى وظيفة المعابد الاقتصادية، كما لا ننسى دورها في نقل التقاليد القديمة. وهذا ما يفسّر استعمال لغة ميتة (مثل السومرية في بلاد الرافدين) أو كتابة قديمة (مثل الهيراتية في مصر) في العصور المتأخرة.
وإليك بعض أنماط الكتابات الدينية: لائحة الآلهة، الأساطير لاسيّمَا المتعلّقة بالخلق، الصلوات من مدائح وتوسّلات، كتب الطقوس لاسيّمَا تلك التي تصوّر فئات الذبائح وتقدّم روزنامة الأعياد، الأساطير عن تأسيس الهيكل، التعويذات والتقسيمات وما فيها من أمور سحرية، البركات واللعنات، الأقوال النبوية، نصوص العرافة...

5- بداية العلوم
ولدت الكتابة من حاجة "مسك الدفاتر". ولهذا لا نعجب إن كانت قد أسمت في تطوّر علم الحساب ومراقبة ظواهر الكون (الكسوف والخسوف، دورات الشمس والقمر، الكواكب). وهذا التطوّر ساعد الأقدمين، لاسيّمَا في العهد الأشوري الجديد، على الانتقال من علم التنجيم إلى علم الفلك. والاهتمام بالكتابة قاد الكتبة إلى وضع لوائح بالمعادن والنبات والحيوان. وهكذا بدأت دراسة نظريّة لظواهر الطبيعة. ثمّ إنّ "الأطبّاء" دوّنوا ملاحظاتهم من أجل تشخيص الأمراض والوصفات لإبعاد هذا المرض أو ذاك. 

6- اللغة والأدب
إنّ واقع التشعّب اللغوي في الشرق الأوسط القديم، وضرورة الاتّصال بين بلدان تتكلّم لغات مختلفة على أثر تكوين أولى الممالك أو تطوير التجارة أو العلاقات السياسيّة الدوِليّة، أجبرا الناس على تدوين الوسائل الضرورية لتعلّم اللغات الحية أو الميتة (كالسومرية مثلاً). ولقد قدّمت اللويحات المسمارية عدة قواميس في لغتين أو ثلاث. وإنّنا نجد بين التمارين المدرسية طرائق تساعد الطالب على إيراد كلمات تبدأ بالحرف الواحد أو تُبرز البنية الصرفية الواحدة وتعلّمه تصريف الأفعال.
هناك استعمال اللغة في الاقتصاد والسياسة والدين، وهناك الأدب أو فن الرواية وفن الكتاب مع جمل إيقاعية. وهكذا كان لنا الأساطير والتواريخ التي نُسخت جيلاً بعد جيل، وأناشيد الحب، والأمثال والأقوال المأثورة. ستُجمع هذه الأمثال حسب أصلها وموضوعها وأسلوبها. وهكذا ارتبط الأدب بالتعليم المُعطى في المدارس، والإنسان يبحث في كل شيء عن الجمال.

ح- المدارس
ظهرت المدارس كمراكز للتدريب على القراءة والكتابة، كمقامات لنقل المعرفة والثقافة المكتولة، لتدوين الأدب. ولكن لا نتخيّل هذه المدارس القديمة على مثال مدارسنا أو جامعاتنا الحديثة حيث يُعطى التعليم بطريقة منظّمة. علينا بالأحرى أن نتخيّل هذه المدارس مثل المدارس التقليدية القديمة في الشرق: يحيط بالمعلّم تلاميذ في غرفة أو في رواق أو في ساحة عامة. ولا نستطيع أن نتأكّد من وجود مدرسة في مكان ما إلاّ إذا اكتشفنا تمارين مدرسية ونصوصاً تعليمية.

1- في مصر
دوّنت كتب عن التعليم القديم في مصر فاستند العلماء إلى شهادات معاصرة ولاسيّمَا تعليمات وحكم رجعت إليها هذه المدارس، فقدّموا لنا لوحة عن تقدّم المدارس المصرية خلال ثلاثة آلاف سنة. كانت المدرسة في الأساس وسيلة نقل المعرفة داخل العائلة الواحدة، من الآب إلى الابن. وبعد المملكة الوسيطة، امتدّ التعليم إلى طبقات جديدة من المجتمع. وبعد ذلك، تنظّم فصار شعبيًا، بعد أن فرض توحيدُ المملكة وإدارتها تجديد البيروقراطية وتدريب عدد كبير من الموظّفين في خدمة الفرعون ومعابده. ويذهب بعضهم إلى القول إنّه في ذلك الوقت، استطاع كل مصري أن يقود ابنه إلى المدرسة. وإذا علمنا أنّ الذهاب إلى المدرسة يعني في ذلك الزمان تعلّم مهنة الكاتب، وأنّ مهنة الكاتب تفتح الطريق أمام وظيفة في الإدارة المدنيّة، أو الدينية، نفهم أنّ افتتاح المدارس في المملكة الوسيطة دمج الطبقات الاجتماعيّة المختلفة بعضها ببعض.
ويمكننا أن نميّز في مصر القديمة نمطين من المدارس. نمط يرتبط بالقصر، وآخر يرتبط بالهيكل. كان "بيت الحياة" (أو الهيكل) يقدّم تعليمًا غايته تدريب الكهنة العديدين. إذًا كان التعليم مركّزًا على نقل التعليم الديني، على نسخ النصوص المقدّسة القديمة في اللغة الهيراتية. أمّا المدارس المرتبطة بالبلاط الملكي فتتيح لأبناء الريف أن يتدرّبوا على قراءة وكتابة النصوص التي ستكون نماذج في إدارات الدولة (رسائل، لوائح أسماء العلم...). ولكنّ أبناء الملك والموظّفين الكبار العتيدين، كانوا يدرّبون في البلاط الملكي مدّة طويلة توصلهم إلى ما بعد عمر الشباب: القراءة، الكتابة، الحساب، الهندسة، الرسم، الموسيقى، الرياضة البدنية، تعليم يدربهم على الأمانة للملك وعلى النزاهة في المعاملة مع الشعب. وإليك بعض الأمثلة:
إذا كنت رجل ثقة، فمان أرسلك كبير إلى آخر، كن دقيقًا في العمل الذي يرسلك إليه: أنقل الرسالة كما قالها. لا تسلب بيوت الجيران ولا تنهب خيرات قريبك.
وكان الطالب "الملكي " يتعلّم التاريخ والجغرافيا، ولاسيّمَا جغرافية المناطق البعيدة عن العاصمة، كما يتعلّم اللّغات (كالاكادية في المملكة الجديدة، واليونانية في عهد البطالسة). أمّا المعلّمون فكانوا الموظّفين الكبار الذين تركوا النشاط السياسي أو المهني فأشركوا تلاميذهم في اختباراتهم.
نشير هنا إلى أنّه وُجد في طيبة ثلاث مدارس مختلفة: مدرسة ابتدائية، مدرسة للكهنة، مدرسة لأبناء الملوك وعظماء المملكة الذين سيتسلّمون مقاليد الدولة. فالمدرسة الابتدائية تعلّم القراءة والكتابة. ينسخ الطالبُ النصوصَ ويُنشدها. ويستعمل المعلّم موجزًا (مثل النص المدعو كاميت) يعطي تمارين (نقل جمل، نماذج حروف، لائحة كلمات متشابهة...). وهو يستعمل العصا عند الحاجة والمثل يقول: أذن الولد على ظهره، فهو يسمع عندما تضربه. ولقد بقي لنا تمارين نسخ لنصوص مختارة دوّنت على قطع الفخار أو لويحات الخشب المغطّاة بالجفص التي تُغسَل ثم يُعاد استعمالها. مثلا: كتاب الموتى، تعليمات وحكم. أمّا استعمال البرديات الغالية الثمن فقد ظل محصورًا بالطلاّب الميسورين.

2- في بلاد الرافدين
إذا عدنا إلى نصوص بلاد الرافدين، نفهم أنّ تدريب الكتبة يتمّ في آدوب با أو بيت اللويحات. نعرف هذا البيت من نص سومري كلاسيكي يصوّر لنا حياة الطالب اليومية. وهذا النص قد نُسخ في المدارس كتمرين على الكتابة. "أيّها التلميذ، أين ذهبتَ منذ نعومة أظافرك؟ ذهبتُ إلى المدرسة. ماذا عملتَ في المدرسة؟ تلوتُ لويحتي، تناولتُ الطعام، هيّأتُ لويحتي الجديدة، ملأتُها كتابة وانتهيت منها. ثمّ دلّوني على امثولتي. وبعض الظهر، دلّوني على تمرين الكتابة. بعد المدرسة ذهبتُ إلى البيت. دخلتُ البيت فوجدت أبي جالسًا... ".
يبدأ التعليم، كما رأينا، في عُمر مبكّر. يطول التدرّب على قراءة وكتابة المقاطع اللّفظية (بي، با، بو، ايب، أب، أوب) والرموز السومرية. بعد هذا، ينتقل الطالب إلى لائحة الأسماء المترادفة أو فئات الأشياء وإلى لائحة الأشكال الغراماطيقية، وإلى أول تمارين الحساب، وإلى دراسة المجموعات التشريعيّة، وإلى النصوص الأدبيّة الكلاسيكيّة. وقد وصل إلينا مقاطع نُسخت كتمرين مدرسي. ويبدو أنّ نهاية الدروس كانت تُعلن بعد نسخ نص كلاسيكي كبير (نصّ رسميّ أو نصّ أدبي).
ما يلفت انتباهنا في مدارس بلاد الرافدين هو وجود لغتين. فاللغة السومرية ماتت منذ بداية الألف الثاني، ومن ظلّ الطالب يتعلّمها ليكون على اتّصال مباشر بنصوص الماضي المكتوبة في السومرية. وكانت الترجمة توضع تجاه أو تحت النص السومري. وهكذا فبعد القرن التاسع عشر، ظلّوا ينسخون النصوص السومرية التي حافظت عليها المدارس ورتّبتها في لوائح بجانب النصوص الاكادية. فبدت مدرسة بلاد الرافدين مكان النشر والخلق الأدبي. أمّا أشهر المدارس القديمة فهي نيفور، ايسين، ثمّ بابل، نمرود، نينوى.
لا نملك شميلة عامّة عن مدارس بلاد الرافدين، وقد ظلّت أمور عديدة غامضة أو موضع جدال. فنحن لا نعرف إلى الآن كيف كانت بنية هذه المداس. كانت تتكدّس التمارين المدرسية والنصوص التعليمية. قد يُعطى التعليم في بيت كاهن مثقّف أو اختصاصي (مثلاً: تفسير الأحلام). كان هذا التعليم خاصاً. وقد يكون عامًا إذا أُعطي بجانب الهيكل أو البلاط الملكي اللذين يملكان مكتبة قويّة تتضمّن المؤلّفات الأدبيّة الكلاسيكيّة والنصوص الرعيّة والقواميس المتعدّدة اللّغات... ونحن نقرأ كولوفون إحدى لويحات أوروك (قاموس سومري أكادي) الذي يعود إلى منتصف الألف الأول ق. م.: "لترنو عشتار بفرح إلى القارئ الذي لا يسرق الوثيقة ويردّها إلى مكانها. أمّا الذي يخرجها إلى ايانة (اسم الهيكل) فلتصبّ عليه عشتار غضبَها".

3- في سورية وفينيقية وفلسطين
لا نملك معطيات كثيرة عن مدارس سورية وفينيقية وفلسطين. ولكنّ التي نملك تساعدنا على فهم ولادة ونقل الثقافة المكتوبة في هذه المنطقة، ولاسيّمَا ولادة ونقل النصوص التوارتية في إسرائيل القديم.
في الألف الثالث، وصلت إلينا مُعطيات من لوحات تل مرديخ (إبله) في سورية الشمالية. من الواضح أنّ آلاف اللويحات التي وُجدت هناك تدلّ على مدارس الكتبة المطبوعة بالتقليد البابلي.
وفي الألف الثاني، كان في عاصمة كل مملكة تابعة للمصريين أو الحثّيين مدرسة خاصة بالكتبة. هذا ما تفترضه اكتشافات رأس شمرا (أوغاريت) في الشمال، وأفيق في الجنوب. فقد أبرزت حفريات أوغاريت عددًا من التمارين المدرسيّة والنصوص التعليميّة (من التقليد البابلي) والأبجديّات، ونسخات كلمات منعزلة أو مجموعة، وحروف اللغة الأوغاريتية نفسها. اكتُشفت بعض هذه النصوص في بيت رئيس الكهنة (رب كهنيم) مع نصوص خرافية وأسطورية، أو في بيت كاهن متخصّص في نصوص العرافة والخرافات وكتاب الطقوس، أو في بيت الكاتب الملكي (رفعانو).
تفترض هذه الاكتشافات أنّ هؤلاء الأشخاص الثلاثة كانوا يعلّمون في إحدى غرف بيوتهم. وفي أفيق وُجدت قواميس (من لغتين أو ثلاث لغات) فدلّت على وجود مدرسة في نهاية البرونز الحديث. نلاحظ في أوغاريت وأفيق التعليم البابلي التقليدي (يضمّ أيضاً اللغة السومرية) والتعليم المحلّي.
هناك إشارات ضئيلة عن وجود مدارس في فينيقية في الألف الأوّل. ما اكتشفناه هو قطعة من أبجدية حُفرت على لويحة كلسية (القرن 8 ق. م.). بداية أبجدية مكتوبة بالحبر على جرة، وُجدت في قبر في سلامينة (حوالي القرن 7 ق. م.). سلسلة الأعداد من 1 إلى 10 وُجدت في صرفت، قرب صيدا (5- 4 ق. م.). لويحة كلسية تتضمن لائحة أسماء علم كُتبت في جبيل (بيبلوس) على يد أحد الطلاب المتمرّنين (9- 10 ق. م.). 
هذه الاكتشافات المتفرّقة تدلّ على وجود مدارس فينيقية في بيبلوس (10- 9 ق م) وهذا ما تفترضه المدوّنات التي وُجدت في جبيل وكيتيون وسلامينة (قبرص) وصرفت وشقمونا (5- 4 ق. م). نحن أمام نصوص بدائية. أمّا التمارين المتقدّمة فكُتبت على البردي وضاعت.
ونقول الشيء عينه على العالم الأرامي. وها نحن نذكر بعض إشارات مشتّتة: في بلاد الرافدين، في تلّ خلف/ جوزان، على نبع الخابور، وُجدت لويحة كلسية تحمل أبجدية تعود إلى نهاية القرن 8. في وادي الأردن الأوسط، وعلى شاطئ يبّوق، كشفت تنقيبات دير علّة العائدة إلى القرن 8، أبجدية على طرف كاسة من الفخار ونصًّا أدبيًا دوِّن على الجفصين بالحبر الأسود والأحمر، سفر بلعام بن بعور الإنسان الذي يرى الآلهة. كل هذا يعني أنّ الحُجرة التي وُجدت فيها هذه الكتابة قد كانت مدرسة فارتبطت بمكان للعبادة قريب.
وفي مصر في القرن 5: إنّ أبجديّة محفورة على الصخر في وادي حمامات، واكتشافات الفنتين، توجّه أنظارنا إلى وجود مدرسة. فقد وُجد في الفنتين أبجديّة دوّنت على أوستراكة كما وُجدت قطعة تحمل خبرًا مصريًا تُرجم إلى الأرامية، وقطع لقصة وحكمة أحيقار، وقطع لنسخة الترجمة الأرامية لمدوّنة داريوس الأوّل في بسيتون. كل هذه النصوص كانت تدرّس في مدارس الكتبة الأراميين في المملكة الفارسية.
في إسرائيل القديم وفي الزمن الملكي (1000- 587 ق. م.). وُجدت اكتشافات دلّت على وجود مدارس في لاكيش وأراد وقادش برنيع وكونتلات عجرود. إنّ هذه الاكتشافات تعطينا فكرة عن التمارين المدرسيّة البدائية في هذه "المدارس": أبجديات، حروف منعزلة أو مجموعة، كلمات كُتبت مرّات عديدة، أسماء علم، عبارات تبدأ الرسائل، لائحة الشهور، سلسلة الأعداد، لائحة الأوزان والمكاييل، تمارين لتعاليم لغة أجنبية كالفينيقية مثلاً.
وهناك إشارات أخرى تتيح لنا أن نرسم صورة عن تطور المدارس في إسرائيل في الزمن الملكي: تكاثُر المدوّنات، ظهور الأنبياء الكتبة ابتداء من القرن 8 ق. م. وانتشار المدارس جعل العلم ينتشر وفي نهاية الفترة الملكية (حوالي 600 ق. م.)، يمكننا أن نعتبر أنّ قسمًا من شعب يهوذا عرف القراءة والكتابة. أمّا في أورشليم، فنمت مدارس عالية، مدارس ملكية ومدارس كهنوتية ونبوية. وهذا ما يفسّر انتقال النصوص التوارتية التي استُعملت منذ ذاك الوقت كنصوص كلاسيكيّة أو كتب قراءة.
لا نعرف الشيء الكثير عن المدارس اليهودية في الزمن الفارسي أو الهلنستي. يمكننا أن نتحدّث عن المدارس المحيطة بالهيكل في أورشليم ومدارس الريف التي ارتبطت بالمجامع. وقد قدّم الرابانيون شهادتهم على مدارس يهودية في الزمن الروماني ولاسيّمَا مدارس الفريسيين التي تكوّنت في عدد كبير من القرى. ولا ننسى مدرسة الأسيانيّين في قمران قرب البحر الميت بين القرن الأوّل ق. م. والقرن الأوّل ب. م.. فقد شهد المؤّرخ فلافيوس يوسيفوس على أهمية التعليم الذي يعطيه الأسيانيون للأولاد. وقد دلّت اكتشافات قمران على أبجديات عديدة (للتعليم الابتدائي) ونصوص كلاسيكية من التوراة نُسخت وشُرحت وكانت موضوع تعليم.
أجل، لقد لعبت المدارس دورًا بارزًا في نقل الثقافة والمعرفة، واستفاد الناس من الكتابة في الإدارة وفي الميادين الاقتصادية والاجتماعية.

ط- الأرشيف والمكتبات
1- الثقافة المسمارية
إنّ وجود أرشيف ومكتبات تحتوي لويحات مسمارية أمر معروف، وقد أبرزته اكتشافات اللويحات في أماكن مختلفة. فالتنقيبات الأركيولوجية منذ القرن 19 قد أبرزت مكتبات هامة في بلاد الرافدين (اوروك، ايسين، لارسا، نيفور، بابل، نوزو، ماري، نينوى) وفي الأناضول (بوغازكوي/ حتوسا، كولتيبي)، في شمال سورية (ايمار، ألالخ، اوغاريت، تل مرديخ/ إبله) ومصر (تل العمارنة).
يمكننا أن نميّز هنا مكتبات خاصة (موظّف كبير، كاهن، كاتب ملكي) ومكتبات عامة (قصر ملكي، هيكل). ويمكننا أن ننظر إلى المضمون فنميّز أرشيفًا إداريًا (إحصاءات، جردات، توزيع إعاشة وسلاح، جمع الضرائب، الخارج والداخل في المتجر، خلاصات ومراجعة حسابات شهرية وسنوية) وديبلوماسيًا (رسائل، معاهدات) وقانونيًا (حق التملك، بيع وشراء، هبة، زواج أو طلاق، قرارات قانونية، تحرير عبيد). كما نجد نصوصاً أدبيّة وفلكيّة وحسابيّة مع الحوليّات والكرونيكات.
وأشهر هذه المكتبات نجدها في بوغازكوي (14- 13 ق. م.)، نيفور، اشور (في أيّام تجلت فلاسرالأوّل)، نينوى (في أيّام اشور بانيبال، في القرن 7)، بابل (في أيّام نبونيد في القرن 6). وإنّ وجود المكتبتين الخاصتين بأشور بانبيال ونبونيد قد وافق قرار هذين الملكين بأن يجمعا في قصريهما كل علوم عصرهما. وقد تكون نيّة هذين الملكين بأن تُحفظ من الضياع نصوص جليلة دوّنت في السومرية والاكادية، يوم صارت الأرامية اللغة الرئيسية في بلاد الرافدين. كانوا يعودون إلى هذه المكتبات للاطّلاع كما يقول مؤلّفو لويحة في أوروك. ولهذا تنظّمت هذه المكتبات، ووُضعت لوائح، وكان لكل لويحة عنوان هو الكلمات الأولى. وإنّ هذه اللوائح تتيح لنا أن نكوِّن فكرة عن عدد المؤلّفات التي وصلت إلينا من كل مكتبة. كتبوا الأعمال المهمّة على لوِيحات متلاصقة تُرقم، أو كانوا يكتبون في أسفل الصفحة أولى كلمات الصفحة التالية. إذَا عدد المؤلّفات أقل من عدد اللويحات. وهنا تبرز مشكلة مهمّة في المكتبات المسمارية: وزن اللويحات وحجمها بالنسبة إلى النص المكتوب.
في المكتبات الخاصة: حُفظت اللويحات في جرار أو صناديق خشب أو في سلال مع لويحة تدلّ على مضمون ما "في السلّة". أمّا في المكتبات الملكية، فقد خصّصت حجرة أو حجرات لحفظ هذه اللويحات، حجرات أقفل عليها وخُتمت بالشمع الأحمر لئلاّ تُسرق أو تُتلف. مثلاً: الأرشيف الرحمي في تل مرديخ/ ابلة في سورية الشمالية (الألف الثالث ق. م.) يتضمن 17000 لويحة وُجدت في ثلاث حجرات من الحي الإداري. توضع اللويحات بجانب الحائط أو على رفوف من خشب. وكيف نتعرّف إلى مضمون اللويحة؟ جعل عليها الكاتب مدوّنة في الأرامية (رقعة أو إتيكات) كتبها بالحبر أو حفرها بالقصبة. وإن نقلَ الكاتبُ مؤلفًا "كلاسيكيًا" (أو مدرسيًا) جعل اسمه في كولوفون وأرفقه بتاريخ النص الأصلي وبالظروف التي فيها نُسخ هذا النص.
حُفظت النصوص في المكتبات الكبرى على لويحات من الطين المطبوخ. وبعد القرن 8 ق. م. ولاسيّمَا في مكتبة أشور بانيبال، وجدت لويحات من خشب (أو عاج) تغشّيها طبقة خفيفة من الشمع. قد تكون اللويحات الخشبية معزولة أو مربوطة (درفتان أو أكثر)، وكان باستطاعة الكاتب أن يزيد نصوصاً أخرى على ما دوّن في السابق (هذا كان مستحيلاً في اللويحات الطينية). استُعملت اللويحات الخشبية خاصة لتدوين الملاحظات التنجيمية أو الأسترولوجية (خبرة الماضي تساعدنا على الأستعداد للمستقبل). ويمكننا أن نقدر مكتبة أشور بانيبال في نينوى على الشكل التالي: حوالي 300 لويحة خشبية (درفتان أو أكثر)، 2000 لويحة طينية مطبوخة. ولكن ما يؤسف له هو أنّ اللويحات الخشبية تُلفت أو أحرقت فلم نعثر عليها.
لم تُحفظ كل اللويحات في المكتبات. فهناك لويحات إدارية أو إقتصادية تستعمل في نهاية الشهر أو السنة ثمّ تُرمى (كما نرمي الورقة المسودّة). وما كانوا يحتفظون إلاّ بالخلاصة. أمّا الأعمال القانونية فتُحفظ حتّى موت أصحابها (حق الملكية مثلاً) أو قد تنتقل إلى الورّاث أو إلى الشاري. وإذا حكمت المحكمة، "تحطّم " اللوحة السابقة أو تُمحى باستعمال الحبر الأحمر.

2- حضارة البردي والجلد
ترجع حضارة البردي إلى مصر، وهناك سندرس مسألة الأرشيف والمكتبات. فلنا شهادة عن وجود البرديات منذ سنة 3100 تقريبًا، وقد استعملت لفائف البردي وأوراقه لكتابات جُمعت في الأرشيف والمكتبات. غير أنّ الجلد لعب دورًا هامًا، وقد استُعمل من أجل كتابات مدعّوة إلى أن تدوم وتُوضع في مكتبات الهياكل: إن تحوتمس الثالث (حوالي 1468- 1346) قد وضع لفيفة جلدية تروي مآثره في معبد امون، وذلك بعد انتصاره في مجدو.
وُجد في ادفو، في عهد البطالسة، مبنى استعمل في أيّام بطليموس التاسع أو ارجاتيس الثاني (116- 96 ق. م.) كمكتبة أو مخزن كتب: جعلت كُوى في الجدران وفوق كل كوة وُجدت مدوّنة تدلّ على المضمون أو على العناوين. وُجدت في مكتبة فيلاي لائحة كتب تعود إلى العصور المسيحية الأولى وقد رُتبت ترتيبًا مماثلاً لما في مكتبة إدفو... 
ولكن في حوزتنا شهادات أدبيّة تدلّ بوضوح على وجود لوائح كتب ومكتبات في زمن قديم. وقد ارتبطت هذه المكتبات بالمعابد الكبرى أو "بيوت الحياة" أي المدارس والجامعات العائشة في ظلّ هذه المعابد. ونلاحظ أنّ نصوص تل العمارنة وُجدت في "بيت الحياة" بين المعبد والقصر الملكي. وبسبب قرب بيوت الحياة من المعابد، فقد تضمّنت هذه المكتبات، أوّل ما تضمّنت، كتبًا مرتبطة بالعبادة (نصوص ليتورجية، جردة الهيكل ولائحة بالأشخاص، نصوص دينيّة أو سحريّة) أو نصوصاً تعليمية (علم الفلك والهندسة والرياضيات والطب والحكمة) أو نصوصاً ملكية مثل خبر انتصار تحوتمس الثالث في مجدو (ذكرناه اعلاه). عُرفت هذه المكتبات واشتهرت: زارها الفرعون، ولمّحت النصوص إلى أن ذاك النص وُجد في مكتبة المعبد. وقد لفتت هذه المكتبات نظر الرحالة اليونانيين. ولقد استند ديودورس الصقلّي إلى شهادة هيكاتيس (من ميليتس، في القرن 6 ق. م.) ليتحدّث عن مكتبة اوسيمندياس (أو رعمسيس الثاني) التي حدّدها العلماء شمالي غربي أو شمالي شرقي معبد رعمسيس في طيبة.
كانت مكتبات المعابد المرتبطة ببيوت الحياة تحفظ التقليد حيّا فتنسخ النصوص المقدسة (الهيراتية) لئلاّ تضيع. وذكرت مكتبة ملكية، مكتبة امينوفيس الثالث. ووُجدت مكتبات خاصة بالموظّفين الكبار أو بالمعلّمين.
لم تنفصل هذه المكتبات عن الأرشيف، وإن ارتبط الأرشيف بالقصر الملكي الذي توضع في حجراته الوصيات وسجل المساحات والأحكام الناتجة عن الدعاوى. حُفظت ورقات ولفائف البردي في صناديق أو في جرار. وحين انتهت فائدة هذه الوثائق، رُميت أو أزيلت عنها الكتابات واستُعملت مرة أخرى (هذا ما يمسى الطرس)، والأمر واضح بالنسبة إلى التمارين المدرسية (استُعمل البردي كما نستعمل اليوم الدفتر المدرسي).
لم تكن المكتبات المصرية بحاجة إلى أمكنة واسعة كالمكتبات المسمارية، لأنّ لفيفة البرد أو الجلد (قياسه حوالي 10 أمتار في الطول، 20 سنتم في العرض) يتضمّن نصاً يحتاج إلى عشرات اللويحات المسمارية. ولكنّ البردي يُتلف بعد عدد من السنوات أمّا الطين فيُحفظ.
لم تصل إلينا أيّة مكتبة مصرية مع كتبها الموضوعة في مكانها. ولكنّ تنظيمها علّم اليونانيين واللاتين كيف يرتبّون مكتباتهم. فمكتبة الاسكندرية (أهم مكتبة في العصور القديمة) قد أسسّها بطيموس الأوّل سوتر (325- 285 ق. م.) بجانب الموزيوم (جامعة، أكاديمية، مركز بحث علمي). وعمل البطالسة، فجمعت مكتبةُ الاسكندرية كل الكتب اليونانية المعروفة سواء أتت من اليونان (أثينة، رودس) أومن آسية الصغرى (برغامس) أو من سورية (انطاكية) أو من صقلية (سيراكوزا). اشترى المنظّمون هذه الكتب أو استعاروها وأعادوها بعد أن نسخوها. ولم تقتصر هذه المكتبة على الكتب اليونانية، بل سعت إلى جمع التراث الأدبي الشرقي كلّه. فضمّت أعمال أناس ترجموا أو استلهموا تقاليد شرقية: مناتون (تاريخ مصر) بروسيوس (أمور بابلية) ميناندريس الصوري، فيلون الجبيلي (في حوزتنا بعض المقاطع من هذه الكتب). ولم يبق لنا اليوم الشيء الأخير من هذه المكتبة التي ضمّت، على ما يبدو، 490000 لفيفة في نهاية القرن 3 ق. م. ودمّرت سنة 391 ب. م. يشير المؤرخ سترابون أنّ هذه المكتبة استوحت تنظيمها من مكتبة أرسطو فاستعملت الرفوف بدل الكوى. وكانت مكتبة الاسكندرية مهمّة بالنسبة إلى تاريخ التوراة. فقد قالت رسالة أرستيس إنّ الترجمة السبعينية تمّت في الاسكندرية لتوضع في مكتبتها.
لم نجد مكتبات وأرشيفًا فينيقيًا أو أراميًا مكتوبًا على البردي والجلد في أرض سورية وفينيقية. ولكنّ طقس مصر احتفظ لنا بكيّات من الأرشيف الأرامي العائد إلى القرن 5 ق. م.. وهكذا وجد في وعاء في نفق تحوت في هرموبوليس مجموعة من ثماني رسائل مكتوبة على البردي: لُفّت هذه الرسائل، وخُتمت، كتب العنوان على القفا. لم ترسل هذه الرسائل إلى أصحابها، ولهذا لا نستطيع أن نسمّيها أرشيفًا بالمعنى الحصري للكلمة. ووُجدت مجموعة رسائل مكتوبة على جلد ومحفوظة في كيس من جلد. تتعلّق هذه الوثائق بإدارة ارشاما، مرزبان مصر ووُجد في الفنتين عدد من الأرشيف العائلي: أرشيف يونيا المسؤول عن الجماعة اليهودية، أرشيف خادم الهيكل حنانيا، أرشيف امرأة اسمها مبطحيا. كُتب هذا الأرشيف على البردي فتضمّن رسائل وعقودًا وهبات ووثائق زواج وإقرارات بالديون... ومن الفنتين جاءتنا أمثال وأسطورة أحيقار وترجمة خبر اخلاقي مصري، ونسخة من مدوّنة بسيتون. كل هذا شكّل مشروع مكتبة ارتبطت بمدرسة أرامية.
ووُجد أرشيف أرامي (القرن 4 ق م، حوالي سنة 332) يعود إلى عائلات سامرية كبيرة (في مغارة وادي دالية). نحن هنا أمام رسائل من البردي لُفّت وخُتمت. ولم تكشف التنقيبات إلاّ بردية واحدة (وهي طرس) تتعلّق بالوثائق العبربة في الزمن الملكي. ولكن وُجدت مجموعة نصوص دوِّنت على اوستراكات ولاسيّمَا في السامرة (النص الأوّل من القرن 8 ق. م.)، لاييش (588- 587 ق. م.)، اراد. وقد استُعملت كلمة "أرشيف الياشيب" لتدلّ على 18 اوستراكة وُجدت في أراد، وهي وثائق حسابات شهرية كُتبت في الشهر الأخير الذي سبق سقوط القلعة (بداية 597 ق. م.) وكانت سترمى بعد نسخها في لفيفة من الورق البردي. أمّا 17 وثيقة التي وُجدت في جرّة في لآيش (حوالي 600 ق م) ومجموعة 200 وثيقة بيعت مؤخّرًا في السوق، و 50 وثيقة وُجدت سنة 1982 في عوفل، فهي شهادات واضحة على وجود أرشيف (مكتوب على البردي) في نهاية العصر الملكي، وهذا ما يثبت مقال إرميا النبي في 6:23- 14.
لم نكتشف مكتبات في الزمن الملكي، ولكن قد يكون في اكتشاف "كتاب الشريعة" في بيت الرب (2 مل 8:22) تلميحًا إلى وجود مكتبة في إحدى حجرات الهيكل في أورشليم.
في زمن الهيكل الثاني، تلمّح بعض نصوص الرابانيين إلى وجود لفائف من البردي حُفظت في هيكل أورشليم قبل تدميره سنة 70 ب م. وكان لكل مجمع مكتبته الصغيرة: صندوق يتضمّن لفائف "التوراة" (أو أسفار موسى) والأنبياء وسائر الكتب. ولكنّ أوضح مثل عن وجود مكتبة في أرض فلسطين في القرن الأوّل المسيحي نجده في قمران. ضمّت هذه المكتبة مئات المخطوطات التي كُتبت على جلد وحُفظت في جرار.
ونتذكّر أخيرًا (بعد القرن 8 ق م) التوسّع في اللجوء إلى الأرامية في الإدارة الأشورية: استُعمل البردي والجلد في بلاد الرافدين (لم يصلنا أي نصّ بسبب الطقس). لهذا يبدو من الممكن أنّه في زمن الأخمينيين وُجد أرشيف بل مكتبات على لفائف من جلد. ويثبت هذا الإمكانيّة أختام وُجدت في برسيبوليس ونمرود وإشارات في بعض الكتب مثلاً عز 6: 1ي مع كلمة "بيت سفريا" أي بيت الأسفار والكتب.
الفصل الثامن عشر
النصوص المصرية

أدب مصر القديمة واسع وشيّق، وهو يساعدنا على تفسير عدد من النصوص البيبلية. ولكن قبل أن نقدّم خطوطه الكبرى، نُلقي نظرة سريعة على التاريخ الذي ربط مصر بأرض إسرائيل.

أ - نظرة إلى التاريخ
1- العلاقات التاريخية
كانت مصر جارة كنعان (ما سيسمّى فلسطين في القرن الثاني ب م) الجنوبية، وقد استعملت مرارًا هذا الممرّ الكنعاني من أجل حملاتها على الفرات. لهذا اتصلت بالشعوب التي ستشكّل إلى الجنوب من فينيقية ما سيسمّى مملكة يهوذا وإسرائيل.
وأوّل اتصال بمصر تذكره التوراة تمَّ في الحقبة الآبائية. نزل إبراهيم إلى مصر مع امرأته سارة (تك 12: 20-20). وسيكون له ابن من جارية مصرية (تك 16: 1- 4). وبعد هذا سينزل أبناء يعقوب على خطى يوسف إلى مصر (تك 42: 1- 5). ومع خبر يوسف، ستشدّد التوراة على تأثير رجل غريب في الإدارة المصرية (ستذكر النصوص المصرية حالات مماثلة). ثمّ يروي سفر الخروج كيف استغل ضبّاط فرعونَ الملك، العبرانيين الذين تحرّروا بواسطة موسى (خر 5 :6- 13؛ 33:12- 42). ولا يقول الكتاب شيئًا عن تأثير الحضارة المصرية على "بني إسرائيل" إلاّ ما يتعلّق بتربية موسى، وهذا ما سيؤثّر على عمله كمشترع.
وسينظّم داود وسليمان الشعب في دولة ملكية. يتحدث النصّ الكتابي عن امرأة سليمان المصرية (1 مل 24:9 ؛ ق 2 أخ 11:8؛ 1 مل 11: 1)، وعن عدد من الضبّاط والكتبة العاملين في القصر الملكي والحاملين اسمًا مصريًا. واسم حفني وفنحاس (ارتبطا بنسل أليعازر رج خر 25:6؛ 1 صم 1 :3) اسم مصري. وستتّخذ مملكة يهوذا الفتية النموذج المصري بإدارته المركزية.
غير أنّ العلاقات بين الدوليتن لم تكن دومًا على ما يرام. فمصر قدّمت أقلّه في ظرفين مختلفين ملجأ لأشخاص غير مرغوب فيهم في أرض إسرائيل: هذا ما حصل ليربعام الذي سعى سليمان الملك إلى قتله (1 مل 11: 40). ثمّ هدد الأدومي الذي أعطاه ملك مصر بيتًا وأمّن له أرضاً وطعامًا (1 مل 11: 7ي). وهدد هذا كان خصمًا لسليمان (1 مل 11: 14. وأخطر من هذا هو الحملة التي قام بها شيشانق على أورشليم فسلبها في أيّامِ رحبعام (1 مل 14: 25- 28). ولكن في السياسة قد تحوّل الظروف عدوّ الأمس حليفَا لا يستغنى عنه. فقد أخبرنا الأنبياء أنّ شعب إسرائيل تطعّ مرارًا نحو مصر منتظرًا عونًا حربيًا (أش 30: 1- 7؛ 31: 1 ؛ إر 18:2). وهل ننسى أنّ سليمان كان قد تاجر مع جاره في الجنوب فاشترى الخيول والمركبات (1 مل 29:10).
وفيما بعد سيقوم نكو، ملك مصر، بحملة على أرض إسرائيل، وهو ذاهب لمساعدة حلفائه في الشمال. وتنتهي الحملة بموت ملك يهوذا في مجدو سنة 609 ق م (2 مل 23: 69).
وبعد دمار أورشليم سنة 587، سيلجأ قسم من السكّان إلى مصر قُتل جدليا الحاكم الذي فرضته بابل على البلاد، فخاف الناس من ردة الفعل لدى المحتل البابلي وذهبوا إلى مصر، فتكوّنت أولى الجاليات اليهودية في الفنتين، كما تمركزت مستوطنة شهيرة في الدلتا وازدهرت منذ القرن الثاني ق. م.

2- العلاقات الثقافية
تساعدنا علوم الآثار على الاطّلاع على التأثير المصري العميق على أرض كنعان قبل وصول العبرانيين إليها. ولكنّ الحصون المتقدّمة (بيسان، مجدو) التي أقامتها مصر لم تثبت طويلاً بعد إقامة العبرانيين في الأرض. ونقول الشيء ذاته عن المدوّنات المصرية. أمّا عن علاقات مصر بكنعان، فلنا نصوص اللعنات في المملكة الوسيطة، وهي تذكر ملوكًا وأراضي يصعب تحديدها. كما نملك حوليّات أمينوفيس الثاني وتحوتمس الثالث، وتلميحات بردية أنستاسي الأوّل، وخبر سفر وان أمون إلى فينيقية. أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فلا نجد إلاّ نُصب منفتاح الذي يحمل لائحة المدن التي احتلها شيشانق.
أمّا في المجال الأدبي، فتأثير النصوص المصرية واضح في النصوص البيبلية: نجد مقاربة بين مز 104 ونشيد اخناتون (أو أمينوفيس الرابع)، وبين أم 22: 7- 23: 14 مع بعض مقاطع من تعليم أمينوفي. ونجد تشابهًا بين مغامرة يوسف مع امرأة فوطيفار (تك 7:39- 20) و "خبر الأخوين"، بين نشيد الأناشيد وبعض أناشيد الحب في مصر.

ب- نظرة سريعة إلى أدب مصر القديمة
إذا سمّينا "أدبًا" كل ما وصل إلينا مدوِّنا على يد المصريين القدامى، فسيكون لنا مكتبة ضخمة جدًا. وإذا توقّفنا عند النصوص التي ترضي ذوق الباحثين عن الجمال، تركنا جانبًا عددًا من الأناشيد الدينيّة والمقاطع الجنائزية والحوليات الملكية التي تهمّ المحبّين للحضارات القديمة. لذلك سنختار بعض النصوص ونقدّمها في إطار سريع وناشف، نقدّمها في الإطار التاريخي المصري.

1- المملكة القديمة (2815- 2400)
إنّ أهرامات الجيزة هي رمز قوة مصر في عهد تلك السلالات. ولكن لا ننسى أنّ الفكر الديني والحكمي للسلالات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة قد طبع بطابعه ألفَيْ سنة من التاريخ. فتركيز السلطة في يد الملك يرتبط بأصل الهي، وتثبيت الأمّة، وتوحيد أرض تمتدّ من المتوسط إلى النوبة (أي السودان)، كل هذه كانت عوامل ساعدت على بروز أدب وفنّ لا يزال قريبًا مما عند معاصرينا. وها نحن نذكر أهم مؤلّفات هذا الأدب.

أولاً: نصوص الأهرامات
نشير بهذا العنوان إلى "مجموعة تعابير دينية" (عددها 714 وقد قسمت في الطبعات الحديثة إلى 2217 مقطعًا) مليئة بالسحر (والحدود غير واضحة بين السحر والديانة في ذلك الزمان). وُجدت مدوّنة على الجدران الداخلية لغرف الملوك والملكات في هذه الأهرام في أيّام السلالة الخامسة (اونا، حوالي سنة 2600) والسلالة السادسة (تاتي، مرنرع، بابي الأوّل، بابي الثاني). أمّا هدفها فمنح الملك، بقوّة الكلمة، حياة في الآخرة مع الآلهة. ولقد اهتمّت الأجيال اللاحقة بهذه الكتابات. ونحن نجد نتفًا منها في معابد جنائزية تعود إلى زمن سلالة سائيس (حوالي سنة 600 ق م) المُحبِّة لكل قديم.
هذه "المجموعة" هي تقميش لكتابات قديمة لم يبقَ لنا منها أثر. نجد فيها أناشيد للشمس (الإله رع)، وللملك المدفون، وتعابير تعزيم ضدّ الآلهة أو الجنّيات التي يمكنها أن تعادي الميت. وهذه التعابير هي "فاعلة" لأنّها تتيح للملك أن يصل إلى السماء ويكون واحدًا من الآلهة وسط النجوم.
وإليك هذا التعبير الذي يساعد أونا ليأخذ مكانه في قارب الشمس: "طار أونا كعصفور، وحطّ كالجعلة على عرش فارغ في قاربك، يا رع. قم وابتعد، انت يا من لا يعرف منبت الأسل. فأونا هذا يجلس مكانك ويسير في السماء مع قاربك. يتقدّم أونا مع المجداف، بعيدًا عن الأرض، في قاربك، يا رع " (هرم 267).
ونقرأ أمرًا موجّهًا إلى أبواب الآخرة: "يا باب نون، يا بابًا ساميًا لا يُمسّ، لقد جاء إليك نون، فليُفتح له. قال: هل أونا هو هذا الصغير؟ أجاب: أونا هو في المقدّمة على خطى رع. ليس أونا تابعًا للالهة المدمّرين" (هرم 272).
وهذا كلام موجَّه إلى رع يدعوه فيه إلى أن يتبنّى الملك: "يا رع، قلت حين كنت ملكًا: لو كان لي ابن شهير وقدير وجليل، تكون خطواته واسعة وذراعه متسلّطة. فها هو بابي، يا رع. بابي هو ابنك " (هرم 467).
نلاحظ أنّنا لا نجد فقط اللاهوت الشمسي (رع، إله الشمس) في هذه النصوص، بل سيذكر أوزيريس إله الأموات الساكنين في العالم الأسفل. وسيسمّى الملك أوزيريس. وإليك هذا التعبير: "قل هذه الكلمات: يا أبي، يا أوزيريس بابي. إنهض عن جنبك الأيسر واسترح على جنبك الأيمن، وتوجّه نحو هذه المياه الجديدة التي أعطيتك. إنهض عن جنبك الأيسر واسترح على الأيمن وتوجّه إلى هذا الخبز الساخن الذي أعطيتك " (هرم 482).
هذه النصوص هي في الأساس سحرية ودينية، وهي أيضاً مرآة تعكس الحالة السياسية والاجتماعية والمعتقدات الدينية في المملكة الوسيطة. فالرغبة في إعطاء الملك قدرة ومهابة في الآخرة، وُلدت من واقع يجعل هذه الصفات في الملك خلال حكمه على الأرض. وإذا تساءلنا بمناسبة هذه النصوص، عن فكرة المصريين حول مصير الإنسان بعد الموت، نقول إنّ الكاتب لا يهتمّ هنا إلاّ بمصير الملوك. أمّا قبور رجال الحاشية الراقدين في ظلال الأهرام فهي خرساء، وقبور الناس العاديين فقد زالت. ولهذا يجب أن ننتظر الحقبة اللاحقة لنرى لاهوت الحياة بعد الموت يشمل جميع البشر حين يشاركون أوزيريس في حياته.
هناك نصوص تتحدّث عن أونا "الذي يأكل البشر ويقتات بالآلهة". نحن هنا أمام رمزية تدلّ على أنّ الملك الميت أدخل في ذاته قوى روحيّة شاملة، صار سيّد الكون فتشبّه بالآلهة.

ثانيًا: التعاليم الأخلاقية
اعتبرت مصر منذ القدم أرضاً تزهر فيها الحكمة، أرضاً تقدّم للإنسان طرق حياة صالحة ووسائل فاعلة من أجل النجاح. تلك كانت فكرة الكتاب البيبليين أيضاً. قال 1 مل 5: 10: "تجاوزت حكمة سلمان حكمة أبناء مصر". أمّا الأنبياء فأعلنوا دمار هذه الحكمة. قال أشعيا: "رؤساء مدينة صوعن (أو تانيس وهي مدينة في دلتا النيل) سفهاء، وخبراء فرعون يقدّمون مشورة سخيفة. فكيف تقولون لفرعون: أنا ابن الحكماء، أنا ابن الملوك الأقدمين؟ أين حكماؤك يا فرعون؟ ليخبروك ويعلّموك ما قرّره الرب القدير على مصر" (أش 19 : 11 – 12 )؟
ولقد نُسبت أولى المؤلّفات الحكمية (المسماة "تعليم") إلى أشخاص يعيشون قرب الملك: تعليم امحوتب، مستشار الملك جازر (السلالة الثالثة. حوالي سنة 2800) وطبيبه ومهندس الهرم المدرّج (له درجات) في صقارة. تعليم حور جادف، ثاني أبناء خيوف (السلالة الرابعة. حوالي سنة 2700). تعليم كاجمني، وزير سنافرع (السلالة الرابعة). تعليم فتاح حوتب الوزير في عهد ايساسي (السلالة الخامسة. حوالي سنة 2600)، وقد تدّم كتابه لملكه. تعليم كايريس، وهو مجهول بعض الشيء. وقد قالت بردية تعود إلى حقبة الرعامسة (القرن 10) إنّ هذه التعاليم لا تُضاهى. وصل إلينا تعليم فتاح حوتب (وحده) كاملاً في نسخات متأخّرة، فقدّم لنا نموذج بحث عن الكمال الخلقي كما يراه الموظّفون الكبار في البلاط الملكي. لقد تمنّى الكاتب أن "تكون كلمته القديمة نموذجًا لأبناء العظماء، إذ لا أحد يولد حكيمًا". ونكتشف أيضاً في هذا "التعليم" لغة أنيقة تدل على أنّنا أمام أهمّ ما في أدب المملكة القديمة.
توجّه فتاح حوتب إلى ملكه فصوّر حالته الشقية: إنسان أنهكته السنون، ولكنّه غني بما علّمته خبرة الحياة. قال: "يا ملكي، ويا سيّدي. عمري الطويل هو هنا، والشيخوخة نزلت عليّ. جاء الذبول، وتجدّدت سرعة عطب الطفولة... ضعفت العينان وصمّت الأذنان. زالت القوّة، لأنّ القلب تعب. وصمت الفم، فلم يعد يقدر أن يتكلّم. صار الفكر نسَّاء، فلا يستطيع بعد أن يتذكّر. ما تفعله الشيخوخة بالإنسان هو شر بأي حال ". 
وتتوالى الصورة في بداية تعليم فتاح حوتب على مثال ما نقرأ في نهاية سفر الجامعة: "يوم يرتجف حرّاس البيت، وينحني رجال البأس، يوم تبطل الطواحين لقلة النساء، وتظلم الأنوار في النوافذ، وتغلق الأبواب على الشارع. يوم ينخفض صوت المطحنة، ويخفت صوت العصفور... فيما الإنسان يمضي إلى بيته الأبدي" (جا 12: 3- 5).
لا نستطيع أن نلخّص تعليم فتاح حوتب. ولكنّنا نورد مقطعين لهما مدلولهما. الأوّل، تنبيه إلى رجل وصل إلى النعمة حديثًا: "إذا صرتَ كبيرًا بعد أن كنت صغيرًا، وإذا امتلكت خيرات حُرمت منها في الماضي... فلا تبخل بأموالك التي جاءتك كعطية من الله ".
وهذه نصائح عن الاعتدال في الرغبات: "إذا أردت أن تكون حالُك طيّبة، فامتنع عن كل خطيئة، واحفظ نفسك من كل جشع: فهذا مرض مؤلم وهو كعضة حيّة سامّة لا ربح فيها. هذا يضع الانزعاج بين الآباء والامّهات والإخوة، ويفصل المرأة عن زوجها. الجشع هو مجموعة كل المساوئ وتكديس كل الخطايا".
وسيعتبر كلّ حكيم أنّه من المفيد للإنسان أن يهيّئ آخرته. قال حورجادف: "أنجح بيتك في مدينة الموتى وليكن مقعدك في الغرب ثمينًا. تبنّ هذه القاعدة لأنّ الموت لنا هو في أسفل. تبنّ هذه القاعدة، لأنّ الحياة لنا هي في العلاء. بيت الميت هو للحياة". 
والأجيال اللاحقة ستربط الحكمة بممارسة المسؤولية في الدولة. الحكمة تفترض الخبرة التي تُعمل الفكر، وسيجد فيها الحاكم نماذج من أجل الحياة. وسنكتشف في هذه النصوص معرفة بالنفس البشرية ونصائح تدعو إلى التعقّل وحب العمل، إلى السماع أكثر منه إلى الكلام.
"كم يستفيد من السماع ابن يسمع! حين يدخل السماع في من يسمع، فالذي يسمع يصبح أهلاً لأن يُسمع له. حين يكون السماع صالحًا يصبح التكلّم صالحًا. من سمع سيطر على ما هو مفيد، والسماع مفيد لمن يسمع. السماع أجمل من أي لشيء، ومنه يُولد حب جميل. ما أجمل الابن الذي يسمع ما يقوله أبوه. من يسمع هو حبيب الله ومن لا يسمع يبغضه الله ".

ثالثًا: السير الذاتيّة
تشكّل السير الذاتية فنًّا أدبيّا سيتوسّع توسّعًا كبيرًا في العصور اللاحقة من تاريخ مصر فأناس احتلّوا مراكزًا هامّة في المجتمع واعتبروا أنّهم لعبوا دورًا كبيرًا، قدّموا نفوسهم وأظهروا أفضالهم وما عملوه في حياتهم. يذكرون فضائلهم وسلوكهم المثالي خلال حياتهم على الأرض، وهكذا يبرزون حقوقهم من أجل سعادة في الآخرة. سيقول أوني لنفسه: "كنت محبوبًا من أبي، محبوبًا من أمّي، متفانيًا من أجل رفاقي، وديعًا مع إخوتي. محبوبًا من خدمي. لم أصنع شيئًا أحزن هؤلاء الناس". وقال أيضاً: "أعطيت خبزًا للجائع، وألبست العريان، وأوصلت من لا قارب له إلى الميناء... أكرمت أبي وأحببت أمّي". هذه نتف من نصوص عديدة دوِّنت في تلك الحقبة.
تشدّد هذه النصوص على فضائل صاحبها، وتشدّد أيضاً على ما عملوه في المجال الدبلوماسي أو العسكري. وهكذا فتح عظماءُ المملكة القديمة الباب أمام فنّ أدبي سيزدهر فيمَا بعد، هو فنّ "الحوليات التاريخيّة". أمّا أهمّ نموذج لهذا الفنّ، فهو حوليّات أوني ضابط جيوش بيبي الأوّل مرانرع (السلالة السادسة). يذكر أوني بارتياح وصوله إلى وظائف الدولة المتعدّدة، وحملاته في فلسطين على الآسيويين، والمهمّات التي قام بها لحساب الملك في جنوب البلاد. ويُبرز هذا النصُّ الطويل اهتمام الكاتب بأن يقدم لنا تحفة أدبية، وهذا ما يدفعنا إلى أن نتجاوز الفائدة التاريخيّة لنصل إلى جمال الأسلوب. 
ويرتبط بالفن الأدبي ذاته تقرير تركه حرخوف وهو رئيس في الفنتين عاش في أيّام مرانرع وبابي الثاني. إذًا، بعد أوني بقليل. وهنا نجد أيضاً محاولة أدبية إلى معلومات تاريخية.

رابعًا: مؤلفات متنوّعة
* نصّ دراماتيكي في نصب ساباكا. شيّد النصب في أيّام السلالة الخامسة والعشرين (حوالي 700 ق م)، ولكنّ النصّ يعود، بلا شكّ، إلى المملكة القديمة.
* بردية رمساريوم (معبد رعمسيس) الدراماتيكية. نحن أمام وثيقة (السلالة 19: حوالي سنة 1250 ق م) تحتفظ بنصّ قديم جدًّا.
* نصّ قانوني. قرار أوسرخاو (نافريكاري: السلالة الخامسة) الموجّه إلى كهنة تعبد قبطس. نجد فيه تعبير الفتاوى التي عرفته الدساتير البيبلية وكودكس حمورابي.
* نصّ سمّي "لاهوت ممفيس" ونقله نصب ساباكا. إنّه شهادة للمجهود الفكري في الفلسفة والاهوت لدى كهنة فتاح في معبده. إنّه محاولة تردّ إلى كلمة (لسان) وفكر (قلب) فتاح خلقَ كل ما هو موجود: الآلهة، البشر، الذرات الأربع، الزّحافات: "للقلب واللسان سلطة على سائر الأعضاء... القلب يفكّر ما يشاء واللسان يأمر ما يريد... يردّد اللسان ما يفكّر به القلب. وهكذا وُلدت كلّ الآلهة، وهكذا تصّت تساعية فتاح. فكل كلمة الهية وجدت بما فكّر به القلب وأمره اللسان". كم نحن قريبون من تك 1 حيث يخلق الله الكون بكلمته.
* برديّة جراحية. نشرها أدوين حيث فسمّيت بأنه. يُنسب النصّ إلى أمحوتب ولكن زيدت عليه بعض الأمور في زمن لاحق.

2- المملكة الإقطاعية (2300- 2050)
بعد حكم بيبي الأوّل الطويل (50 سنة تقريبًا) وحكم بيبي الثاني الأطول (94 سنة) عرفت مصر فترة تفتّت ومملكات متعددة. تحرّر حكّام المقاطعات من سلطة الحكم المركزي، فكوّنوا لهم إقطاعات مستقلّة تصارع الواحدة الأخرى. كان لهذا الوضع نتائج ملموسة في مجال الثقافة والفكر ولاسيّمَا الفكر الديني منه. إمّحت الايدولوجيا الملكية فوعى الفرد ذاته واكتشف علاقته مع الآلهة ولاسيّمَا فيما يخصّ الحياة في الآخرة. في هذه الحقبة، صارت ممارسات الجنازة معمّمة على كلّ الناس، وطمح كلّ واحد (لا الملك وحده) أن يكون أوزيريس.
وإذا عدنا إلى الفكر العام وإلى تحرّر روح النقد، نجد تحسّرًا مرًّا على النظام القديم وانتقادًا لاذعًا للاضطرابات التي أدّت إلى هذا التبدّل في السياسة والإدارة. ونتيجة كل هذا، برزت لا أدرية خائبة فيما يخص النظرة إلى الإنسان في المجتمع، إلى مصيره، بل إلى وجوده. وظهر أدب متشائم في أرض عرفت التقلّب في مجتمع بدا ثابتًا كالأهرام التي بناها.

أولاً: الفنّ التعليمي
هذا الفن هو امتداد للذي سبقه في المملكة القديمة، ولكن مواضيعه تأثّرت بالأزمة التي أشرنا إليها.
* تنبيهات حكيم مصري (بيت أيضاً خطأ: نبوءة ايبوّار). كتاب "محافظٍ " تألّم من نتائج التبدّلات السياسية والاجتماعية التي حصلت في البلاد. يحاول الكاتب أن يسحر القارئ بتكرار عبارات تدلّ على واقعيّة مؤلمة. في القسم الأوّل يبدأ كل دور بالعبارة التالية: "حقًّا، الأمر هكذا". لقد رأى الكاتب بأمّ العين ما وصلت إليه البلاد من تعاسة فرسم أمامنا لوحة مظلمة: "حقًّا، الأمر هو هكذا. الأغنياء يحزنون والفقراء يعيّدون. كل حاضرة تقول: لنطرد الأقوياء الذين هم عندنا. حقًّا، الأمر هكذا... الشقاء يتحكّم بالبلاد، وليس من إنسان يلبس اليوم ثيابًا بيضاء. حقا، الأمر هو هكذا. تدور البلاد مثل دولاب الفخّاري، والسارق يمتلك كلّ خير".
وفي قسم ثانٍ ينوّع الكاتب عباراته: "أنظر، ذاك الذي لم يكن يقدر أن يبني قاربًا يمتلك سفينة. أنظر، صار فقراء البلاد أغنياء، والذي لم يكن يملك شيئًا صار ملاّكًا كبيرًا. أنظر، ذلك الذي لم يكن له خبز، صار له الآن الأهراء. ولكنّ مخازنه مملوءة من خيرات أخذها من الآخرين".
وتبدأ الأدوار في القسم الثالث بكلمة "اعتبروا". هو يعود إلى الزمن الماضي يوم كان كلّ شيء منظّمًا. ويعبّر القسم الرابع عن الحنين إلى الماضي، فيبدأ كلّ دور بهذه الكلمة: "إنّه لجميل ". "إنّه لجميل أن يمتلئ الفم فرحًا، وأن يحضر العيد عبء المقاطعة وينظروا بفرح إلى أملاكهم، ويكونوا في لباس جميل وهندام متقن وقلب هادئ ".
أجل، حلّ التشاؤم محلّ التفاؤل، فانتظر هذا الحكيم مخلّصاً. ولهذا سمّي كتابه "نبوءة". "سيظهر محارب ويطرد الشر الذي سبّبه هؤلاء الرعاع. لم يعد الصلاح موجودًا اليوم. أين هو؟ هل ينام؟ نحن لا نرى عمله الآن".
* حوار اليائس مع نفسه: يجادل اليائس نفسه: هل يناسبه أن يبقى في عالم الأحياء بعد ان طُردت الخصائل التي جعلت ذاك العالم جميلاً؟ "إلى من أتكلّم اليوم؟ الإخوة أشرار، والأشرار لا يعرفون المحبّة. إلى من أتكلّم اليوم؟ القلوب جشعة، كلّ واحد يضع يده على خيرات صاحبه... إلى من أتكلّم اليوم؟ أنا مُثقل بالألم، لأن لا صديق لي. إلى من أتكلّم اليوم؟ الشقاء الذي يضرب البلاد لا يعرف حدًّا ولا نهاية... ".
ما يُلهم الكاتب هو الوضع السياسي والاجتماعي. لماذا يبقى في عالم زالت منه فتنته؟ ويتطلعّ إلى الآخرة، إلى الانتحار. ولكنّ نفسه لا توافقه الرأي. ففي الآخرة يتبخّر الجسد ويسيطر الألم. الآمال التقليدية باطلة، وكذلك المواعيد التي تقدّمها الديانة. إذًا نحن هنا أمام تأسّف من حالة اجتماعية، بل أمام أزمة إيمان ديني. أيّهما أفضل، الموت أو الحياة؟ "يكفيني اليوم أنّ نفسي لا توافقني الرأي ".
ونورد مقاطعُ تنشد نشيد الموت: "الموت هو اليوم أمامي كالعافية للمريض، كالسفر بعد المرض. الموت هو اليوم أمامي كعطر المر وكالجلوس في ملجأ ساعة ينفخ الهواء. الموت هو اليوم أمامي كعطر اللوتس، كجالس على ضفاف السُكر. الموت هو اليوم أمامي كإنسان يعود إلى بيته بعد رحلة طويلة... ".
ولكن يحدث لليائس أن يستشفّ جمال عالم لم يفسد فيه كلّ شيء، عالم يحلم به: "ما أجمل أن تمخر السفن عباب البحر ما أجمل أن تُجرّ الشبكة والعصافير الثمينة فجها. ما أجمل الناس يبنون الأهرامات ويحفرون البرك ويزرعون البساتين من أجل الآلهة... ".
وفي النهاية، سيحلّ الإيمان محلّ الشك في هذه النفس القلقة: "الذي هو هناك (في العالم الآخر) يعرف أن لا أحد يمنعه من الانضمام إلى رع حين يتكلّم ". كل هذا يذكّرنا بسفر الجامعة (19:3 ي؛ 17:5- 19)، ومز 49. "هذا ما نراه: الحكماء يموتون كالجاهل والغنيّ، ويتركون غناهم لآخرين. ومع أنّهم دعوا البلاد بأسمائهم، إلاّ أنّ قبورهم هي منازلهم مدى الدهر ومساكنهم إلى جيل فجيل... جُعلوا في الجحيم كالغنم وصار الموت راعيهم " (مز 49: 8 ي).
" تعليم للملك مريكارع. نُسب إلى الملك خاتي الثاني (السلالة العاشرة) أو إلى كاتب معاصر له. يحذّر الدولة والأفراد من سوء وضع ثوري خرّب المجتمع. نجد فيه خبرة حكم صعب واعتبارات حول موقف الإنسان من العدالة واحترام الشرائع. فمخافة الله والاستعداد للآخرة والصمت التأمّلي، تحمل التوازن إلى المجتمع.
هذا "التعليم " هو مقال في السلوك السياسي والخلقي. هو ينصح الملك أن يعامل الموظّفين عنده بالحسنى "ليعملوا بشرائعه". فالذي تدفع له حقه لا يبحث عن الرشوة. "فالذي يقول: آه، لو كان لي: لا يستطيع أن يكون عادلاً. إنّه يماشي من يدفع له المال ". 
ويختم الكاتب تعليمه ببعض التواضع: "تأمّل، قلت لك أفضل تأمّلاتي. إجعلها أمام عينيك كأساس لسلوكك ". ويعود أيضاً إلى أنّ كل واحد سيمثل يومًا أمام الديّان الإلهي: "أنت تعرف أنّ المحكمة التي تميّز النوايا لن تكون رؤوفة يوم يُدان البائس وساعة يُتلى الحكم. الويل لك إن كان من يتّهمك عارفًا. لا تثق بعدد سنينك، فالإله يرى الحياة في لحظة. يفحص الإنسان بعد الموت ويكرّس اعماله. الأبدية هي هنا. من احتقرها كان جاهلاً. ولكن من وصل إليها ولم يقترف ذنبًا يصبح كالآلهة ويتمشّى كالأرباب الأزليين ".

ثانيًا: الفنّ الشعري بالمعنى الحصري
أناشيد ضارب القيثار. كان الفنّانون المصريون يرحمون في مشهد الجنازة ضارب قيثار أعمى مع آلته الموسيقيّة. ولهذا سُمّي هذا المؤلَّف أناشيد ضارب القيثار. كان المغنّون والمغنّيات ينشدون هذه الأبيات. أمّا الموضوع: لا نقدر أن نسبر سرّ الموت. وهكذا نلتقي بتساؤلات "اليائس". أمّا أوّل نموذج معروف لهذا النوع من القصائد فهو النشيد الذي دوّن على مدفن الملك انتيف (السلالة الحادية عشرة، حوالي سنة 2100). يقول: "الأجيال تفسد وتزول... والآلهة (= الملوك) الذين ظهروا في الماضي يرقدون في أهراماتهم. لن نجد مكان الذين بنوا الأهرام. ماذا صار بهم؟ دعت كلمات امحوتب وحورجادف. اين هو مكانهما؟ سقطت الجدران وزالت الأمكنة... اتبع قلبك (= رغبتك) ما دمت حيًّا، اجعل المر على جسدك والبس البرفير. تعطّر بأثمن العطور، بتلك التي تقدّم للآلهة... فالبكاء لا يخلّص أحدًا من القبر. ليكن نهارك سعيدًا ولا تتعب نفسك. تأمّل، لم يأخذ أحد خيراته معه. تأمّل، لم يرجع أحد إلى الوراء".
ولكن سينتقد شاعر هذا الموقف السلبي والمتشائم، فينقش أشعاره على مدفن نفرحوتب (السلالة 18، حوالي سنة 1500): "سمعت هذه الأغنيات التي تعتبر عالم الموتى قبيحًا. لماذا يعملون هكذا؟ ليس من إنسان إلاّ ويذهب إلى هناك. ولكن يقال: أهلاً وسهلاً (وسلامًا) لمن وصل إلى الغرب (أي مثوى الموتى) ".

ثالثًا: الخبر
خبر العائش في الواحة (أو بردية الكثير الكلام). من أطول المؤلّفات الأدبية التي وصلت إلينا من مصر القديمة. قد تعود إلى نهاية حقبة سيت رع (أو بداية المملكة الوسيطة). إنّه مؤلّف خيالي يُستعمل كإطار لموضوعات حكمية قرأنا مثلها في تعليم هذا الحكيم أو ذاك.
كان فلاح في واحة وادي النطرون (غربي الدلتا). ذهب يومًا ليبيع محصولات منطقته في الوادي. وإذ كان في الطريق، أمسكه جندُ موظّف محلّي لا ضمير له وأساؤوا معاملته وأخذوا منه ما يملك. فاشتكى الفلاّح إلى السلطة العليا، إلى رنسي المدير الكبير. فلم يُسرع إلى حلّ قضيته. فلجَّ الفلاّح. دُهش رنسي من طلاقة لسان هذا الرجل فأخبر الملك. فاهتمّ الملك بالفلاّح، وطلب من القاضي أن تطول القضية ليستمع إلى اقواله. ولكنّه في الوقت عينه أمر بالاهتمام بعائلته، ثمّ أعطاه وظيفة الذي هاجمه.
وهكذا يجعل الكاتب في فم بطله تسعة خطابات يعالج فيها موضوعات الحكمة العادية: واجبات السلطان، حقّ المساكين، أهميّة العدالة في نظر الآلهة والبشر، تبرير السارق الذي دُفع إلى السرقة بسبب الجوع...

3- المملكة الوسيطة (2000- 1800)
انتصرت سلالة طيبة تدريجيًا على سلالة سيت رع، فعاد إلى مصر تماسكها الذي عرفته في المملكة القديمة. عمل منتوحوتب من السلالة 11 واماغيس وساسوتريس من السلالة 12. خلال هذه الحقبة، لم يتخلّ الأدب كليًّا عن المواضيع التي تطرّقت إليها الحقبة السابقة، ولكنّ الكتّاب عادوا إلى جوّ التفاؤل. مدحوا الملوك، واعتبروهم مخلّصين لشعبهم. واتّجهوا إلى الرواية التاريخية أو إلى الخبر الخيالي الذي يهدف إلى خلق الانشراح والتسلية.

أولاً: أدب سياسي
* خبر نفرتي النبوي. يضع الكاتب أمامنا ملكًا من السلالة الخامسة وهو سنافرع. أراد هذا الملك أن يُبعد الضجر عنه، فاستدعى رجلاً يستطيع أن يسليّه "بأقوال حلوة وعبارات مختارة". فأدخلوا إليه أحد كهنة الإلاهة بستيت واسمه نفرتي. عرض على الملك أن يخبره عن الأمور الماضية كما يراها في مستقبل قريب. وأخيرًا رسم لوحة عن انحلال المملكة، كما عرفتها المملكة القديمة وحقبة الإقطاع. وهكذا يقترب النص من المراثي. 
ولكنّ نفرتي لا يتوقّف هنا، بل يُنبئ بملك مخلّص آتٍ من الجنوب: "سيأتي ملك من مصر العليا، وسيكون اسمه اميني. يكون ابن نوبية وينبت في مصر العليا. يعتمر التاج الأبيض ويحتلّ التاج الأحمر ويجمع القوتين (= التاجين). إفرحوا، يا أهل عصره، البار سيستعيد مكانه والمخطئ يُطرد. طوبى لمن يرى كل هذا ويكون تابعًا للملك ".
تحدّث الشرّاح عن مسيحانية تقابل ما نجده عند الأنبياء في التوراة. بل نحن أمام مديح لعمل الملك الحاكم، الملك أمينمحات. إنّه مقال أحد رجال الحاشية. قيل بشكّل نبوءة كُتبت بعد حدوث الحدث.
* تعليم أمينمحات (الأوّل) إلى ابنه ساسوتريس (الأوّل). نُسب المؤلَّف إلى خاتي، الكاتب المزعوم لنشيد للنيل. نحن أمام نظرة متشائمة عن كون يحمل التعب إلى من يعمل الخير ويجعل الخيانة تلاحق من يثق بأصدقائه. وهكذا نجد سلسلة من التحذيرات: "احذر عبيدك لئلاّ يحصل لك ما لا تنتظره. لا تقترب منهم عندما تكون وحدك. لا تملأ قلبك من صداقة أخيك. لا تتعرّف إلى صديق، ولا تجعل لك أشخاصاً حميمين، فلن يكون لك منهم خير... كن منتبهًا بكلّ قلبك حتّى في منامك لأنّك لن تجد نصيرًا ساعة تخسر خطواتك. الذي أكل خبزي جمع المتمردين عليّ، الذي أعطيته يدي تآمر عليّ ". 
* ويروي الكاتب خبر هجوم ليلي: "استيقظت للقتال كنت وحدي... ليس من شجاع في الليل، وليس بممكن أن تقاتل وحدك، ولن تكون المغامرة سعيدة إن لم يكن لك نصير".
* نشيد إلى ساسوتريس الثالث. وُجد في نهاية السلالة 12 في كاحون، في الفيوم، حيث أقامت هذه السلالة قصور الملوك ومدافنهم. نحن هنا أمام تمجيد الملك وذكر انتصاراته في النوبة والحديث عن حكمه: "ما أكبر السيّد لمدينته. وحده يساوي الملايين. وبقية الناس شيء قليل. أمّا هو فملجأ مبرّد ينام فيه الإنسان حتّى الصباح. إنّه الجبل الذي يشكّل سورًا بوجه الهواء خلال العاصفة".
* "هجاء المهن". دوّنه كاتي ابن دواؤوف. يصوّر ساخرًا المهن اليدوية المتعددة (حداد، نجار، حلاّق، فخّاري، إسكاف ليس له إلاّ النعل ليأكل) فيعطينا فكرة عن الحياة الاجتماعية والمهنية في عصره. أمّا وظيفة الكاتب فهي نبيلة ومرغوبة: "ليس من كاتب ينقصه الطعام. وهو يناله من القصر الملكي. ومصير الكاتب أن يصل إلى قمّة الإدارة. أشكر والدك ووالدتك اللذين جعلاك في طريق الكتب ". هناك من قابل هذا النص مع سي 24:38- 39 : 11.

ثانيًا: الفن الإخباري
* خبر سينوحي. نجد في أساس هذا الخبر حادثًا تاريخيًا هو موت أمينمحات الأوّل (حوالي 1985) بفعل مؤامرة، واعتلاء ابنه ساسوتريس الأوّل العرش. كان سينوحي أحد رجال الحاشية فوجد نفسه داخلاً في هذه المؤامرة. خاف حين وصل الملك الجديد من حملة حربية في ليبيا، فهرب إلى سورية. ثمّ عاد إلى بلاده وروى مغامراته: كيف عبر الحدود خلال الليل والتقى بالبدو، وسافر إلى سورية حيث أقام (هنا يتوقّف الخبر ويبدأ مديح لملك مصر الجديد). تزوّج بابنة أمير ذاك المكان، وكان له منها أولاد، وتنازع مع أحد الزعماء المحليّين. ولكنّه حنّ إلى مصر فصلّى إلى الله ليعيده إليها. وما عتّم أن جاءه قرار ملكي يؤكّد له عطف الملك. عاد فاستُقبل في القصر وكانت له بعض كلمات التهكّم من قبل رفاقه القدامى: "انظر إلى سينوحي، لقد تحول إلى رجل آسيوي، صار ابنًا حقيقيًّا للبدو" (هنا نحسّ بالشعور بالتفوّق عند المصري). ولكن هذا لا يمنعه من أن يستعيد وظيفته وأن يجمع الثروة ويموت بسلام ويُدفن دفنة مهيبة بأمر من الملك.
هذا الخبر هو تحفة أدبية، وهو يعرّفنا إلى نظرة المصريين إلى سورية وفينيقية وفلسطين، ويدخلنا إلى بلاط الفرعون في تلك الحقبة المزدهرة في المجال الحضاري.
* خبر الغريق. نحن هنا كما في الخبر السابق في عالم الخيال. وقد يكون الكتاب قد انتشر شفهيًا قبل أن يدوّن. أنشده "المغنّون" فحملوا سامعيهم إلى عالم من الأسرار. بعث الملك برسول إلى مناطق الشرق، إلى البحر الأحمر، إلى شبه جزيرة سيناء أو إلى الصومال (أوفوني) ليبحث عن النحاس والفيروز. ويبدو الخبر تقريرًا يرفعه البطل إلى الملك عن مغامراته المخيفة. إنطلق فوق سفينة متينة مع ملاّحين مجرّبين. ولكن هبّت عاصفة هائلة فضربت السفينة فنجا وحده ووصل إلى جزيرة سرّية ملكها حيّة. وجاء إليه سيّد تلك الأمكنة: كان طوله ثلاثين ذراعًا وجاوزت لحيته الذراعين. كانت أعضاء جسمه مغطاة بالذهب واللازورد. أخذت الحيّة البطل في فيها وحملته إلى حجرها فبدأ الحديث. روى البطل للحيّة ما حدث له، فروت له بدورها شقاءها: كيف خسرت أبناءها وصارت تعيش وحدها. واقتربت سفينة من الأفق فأشار إليها البطل فرست في الجزيرة السرية. وحمّلت الحيّة البطل هدايا لملكه فعاد إلى مصر ورفع مقامه فصار "الصاحب".
* أخبار بردية وستكار (إسم الشخص الذي اكتشف البردية). تعود الوثيقة إلى السلالة 13، ولكنّ الأخبار ألّفت أقلّه في أيّام السلالة 12 . الموضوع العام: ولا يخبر والده الملك خبرًا غريبًا. أمّا الملك فهو خيوف من السلالة الرابعة، وكان له تسعة أولاد. هذا يعني أنّه كان هناك تسعة أخبار. ولكنّ الخطوط لم يحتفظ إلاّ بخمسة أخبار. يقتصر الأوّل على بضعة أسطر (بسبب التلف). الخبر الثاني يرويه شفرين: زوج خانته امرأته فانتقم منها لاجئًا إلى الممارسة السحرية: تمساح من شمع سيتحوّل إلى تمثال حقيقي فيبتلع المرأة الزانية. الخبر الثالث خبر شعري. كان سنافرع عاطلاً عن العمل. نصحه بوفره أحد أبناء خيوف أن يذهب في نزهة على البحيرة في سفينة تسيّرها عشرون فتاة جميلة. وتوقّفت رئيستهنّ عن التجذيف وتوقّفت رفيقاتها. انفك من شعرها أحد حلاها المعمول من الفيروز وسقط في البحر، فحزنت وما كان أحد يقدر أن يعزّيها. فطلب الملك كاهنًا ساحرًا فقسم الماء إلى قسمين فوجد الحلي وأعاده إلى صاحبته. ويعود بنا الخبر الرابع إلى عالم السحر ليسلّي خيوف. سأل الملك الساحر جادي: "هل تستطع حقًّا أن تعيد رأسًا مقطوعًا إلى مكانه". وإذ أجاب الساحر بالإيجاب أمر الملك قال: "جيئوني بالأسير الذي في السجن بعد أن تقطعوا رأسه". فأجاب جادي: "لا يا سيّدي الملك. لا يُسمح لنا أن نعمل مثل هذا الشيء في قطيع الله المكرّس". وسينجح جادي مع بطّتين وثور فيعيد إليها رؤوسها. وفي ملحق للخبر الرابع يروي الراوي ولادة مثلّث سيصيرون ملوكًا من السلالة الخامسة. 
نحن هنا أمام أخبار شعبية، وسنجد ما يشبهها في كتاب "ألف ليلة وليلة".

ثالثًا: الأدب الجنائزي والديني
* نصوص النواويس (تابوت حجري). في نهاية أيّام السلالة 11 وفي أيّام السلالة 12، كانت الامتيازات الجنائزية خاصّة بالملوك، فتعمّمت على أفراد الـشعب. لهذا طلب بعض الأفراد أن تُنسخ على جدران نواويسهم مقاطعُ من "نصوص الأهرام". وبما أنّ هذه العبارات لا توافق عامّة الشعب، كيّفوها من أجل الذين استعملوها. أمّا التوجيه الفكري فهو هو: نعطي المائت خيرات سعادة خالدة. نطلب له الحياة الابدية بالمشاركة في أسرار أوزيريس. هذا ما سنجده في "كتاب الموتى" الذي يعود إلى الحقبة اللاحقة.
هي عبارات بعث يتم باتّحاد الميت بالإله. يُعلن النصّ أنّ كلّ أعضائه هي أعضاء إله. وكانت عبارات تحاول أن تؤمّن الطعام للميت، لأنّ الطعام ضرورة حياتية في هذا العالم وفي الآخر وكانوا يكتبون عبارات سحرية تُماثل بين الميت وبعض الحيوانات التي تفرض نفسها بقوّتها. ودوّنت عبارات فاعلة تُساعد الأحياء على اللقاء بالذين أحبّوهم على هذه الأرض، في مملكة أوزيريس.
أناشيد دينية. فنّ أدبي انتشر خلال المملكة الحديثة ولكنّه بدأ في المملكة الوسيطة من خلال أناشيد لأوزيريس احتفظت لنا بها أنصاب جنائزية.

4- المملكة الحديثة (1590- 1085)
تمتدّ هذه الحقبة من السلالة 17 إلى السلالة 20. فبين المملكة الوسيطة والمملكة الحديثة نجد حقبة من الفوضى سيطر عليها الهكسوس (الملوك الرعاة)، فلم تترك لنا شيئًا مهما في المجال الأدبي. وسيأتي احميس (احموسيس كما يقول اليونانيون) أوّل ملك في السلالة 18، فيحرّر البلاد من غزاة احتلّوها منذ الدلتا إلى الأقصر وفرضوا عليها ملوكًا غرباء.
وتمّ، من الوجهة الأدبية، تحوّل ثقافي يشبه ذلك الذي طَبع بطابعه نهاية السلالة 11 وبداية السلالة 12. صارت اللغة شعبية، فاقتربت من اللغة المحكيّة. أمّا اللغة الأدبيّة الرفيعة، فصارت وقفًا على المثقّفين.
وخلال الفترة الثانية من أيّام السلالة 18، حدثت ثورة دينية حقيقية: أزيلت عبادة أمون وما يرتبط بها، وحلت محلّها عبادة أتون، الشمس الشاملة التي صار نبيّها أمينوفيس الرابع (حوالي 1380) أي أخناتون.

أولاً: الأدب الديني
جاءتنا شهادات عديدة في هذا المجال: مدوّنات الهياكل والمدافن، برديات طقسية، مكتبات مدرسية، "بيوت الحياة"، أنصاب موضوعة في المعابد الجنائزية.
* كتاب الموتى. ارتبطت زخرفة المدافن والتوابيت والمومياءات بنصوص النواويس. ووُضعت نصوص على البرديات في صناديق قرب الميت. هذا ما نسمّيه كتاب الموتى. أمّا المصريون فتكلّموا بالأحرى عن كتاب الخروج إلى النهار، وفيه نجد تجميع عبارات (192 في الطبعات الحديثة)، وهو يعود في أقدم مخطوطاته إلى السلالة 18 وفي أضبطها إلى السلالة 26 (نسخة سائية. وصلت على بردية تورينو وهي تعود إلى سنة 600 تقريبًا). 
إنّ هذه العبارات تتيح للميت أن ينضمّ إلى الشمس التي تسير مسارها (دوات) في الليل، وأن يتّحد بحثا حين تخرج إلى الضوء في ساعات النهار. وبفضل عبارات أخرى، يشارك أوزيريس في مجده. وهناك عبارات تساعده على اتّخاذ شكل الحيوانات المتنوّعة (وقوّتها مفيدة)، على استعمال القارب الشمسي، على التخلّص من الوحش المفترس حين يقف أمام محكمة أوزيريس، على تقبّل تقادم الطعام في بعض الأعياد، على النجاة من بعض الأشغال الشاقّة المفروضة على ضيوف "دوات". وإليك الفصل السادس الذي يُستَعمل لزخرفة التماثيل الجنائزية الصغيرة الموضوعة قرب المومياء (اسمها شوابتي). "كلمات قالها فلان: يا شوابتي فلان (مضاف إليه)، إذا دعيتُ لأقوم بكل الأعمال التي تُعمل عادة في مملكة الموتى... ابقي معي في كلّ وقت لتفلحي الحقول لتسقي شواطئ النهر لتحملي الطحين من الشرق إلى الغرب".
ونلاحظ من الوجهة الأدبية بعض الفصول الخاصة: مقدّمات بعض المخطوطات (مثلاً: مقدمة آني). ف 15 الذي يتضمّن أناشيد لرع إله الشمس. ف 30 هو استحلاف الميت لقلبه بأن لا يتّهمه في يوم الدينونة: "يا قلبي، يا غلاف قلبي الأرضي، لا تقف ضدّي وتشهد بحضرة أسياد الخيرات. لا تقل عنّي: إنّه حقًّا فعل هذا. لا تجعل ما فعلته يقف ضدّي أمام الإله العظيم وسيّد الغرب ".
ونلاحظ أيضاًف 125 المسمّى "اعتراف سلبي" أو إعلان براءة. إنّه يعكس مثالاً أخلاقيًا عرفته المدوّنات الجنائزية لشخصيات حقبة المملكة القديمة.
* أناشيد وصلوات توسل. وصلت إلينا بعض النصوص من هذا النوع، وإن مُتلَفة، في بعض الهياكل. ولكنّ البرديات والأنصاب الجنائزية تركت لنا ما يكوّن كتابًا من المقتطفات الدينية. نترك جانبًا البرديات العبادية (عبادة أمون، عبادة معت) التي تتضمّن أناشيد، ونتوقّف على نشيد أتون الذي حفظ في مدفن آي، أحد ضبّاط أخناتون. إنّه شاهد عظيم للتوجيه الذي عرفه زمن تل العمارنة. لقد قابله الشراح بالمزمور 104. إليك بعض مقاطعه: "تشرق جميلاً، أيّها القرص الشمسي الحي، وشعاعك يعطي عيونًا لما خلقت، سحنتك تضيء فتحي القلوب. تملأ المصرَيْن (مصرائيم) من حبّك، أيّها الإله النبيل الذي خلق نفسه، الذي خلق كلّ الأرض وما عليها: الناس، كلّ البهائم الداجنة والحيوانات المفترسة، الأشجار التي تنمو على الأرض، إنّها تحيا حين تضيء عليها. أنت أب وأمّ لما خلقت... أنت واحد وفيك آلاف الحياتات لتحيي الخلائق. من رأى شعاعك كانت له نسمة الحياة. تحيا كلّ الأزهار التي تنبت على الأرض وتنمو حين تضيء. إنّها تسكر بوجهك. تقفز الحيوانات على أرجلها والعصافير التي في أعشاشها تطير من الفرح. كانت أجنحتها منغلقة فانفتحت لتنشد القرص الشمسي الحي".
ونذكر أيضاً النشيد العظيم لأوزيريس (نصب اللوفر)، النشيد لأمون إله السلالات (بردية 17 في القاهرة، بردية 3049، 3050 في برلين، برديات 1 - 350 في ليدن بهولندا التي تنشد أمجاد امون وطيبة مدينته المقدّسة)، أناشيد للإله فتاح (بردية 3048 في برلين).
* صلوات التوسل والتوبة الموجّهة لأمون وفتاح والإلاهة التي تحمي عال مدن الأموات الملوكية في دير البحري. صلوات موجّهة لملوك مؤلّهين مثل أمينوفيس والملكة أحميس نفرتاري...
ترتدي الديانة المصرية وجه العطف والرأفة. وعلى المستوى اللاهوتي نجد نظريات عن طبيعة أمون ودوره. وستتوسّع في هذا الموضوع أناشيد لأمون مدوّنة على جدران معبد هيبيس في أيّام داريوس الثاني، إلاّ أنّها تعكس لاهوتًا تكوّن في أيّام المملكة الحديثة.

ثانيًا: أدب قريب من التاريخ
ترك ملوك السلالتين 18 و 19 مدوّنات عديدة على جدران الهياكل والأنصاب. وقد احتفظت البرديات أيضاً بأعمال الملوك. مثلاً: وصلت إلينا لوحة خشبية تورد لنا آخر حرب قام بها كموصي، آخر ملوك السلالة 17. أمّا أحميس ابن ابانا (ضابط أوّل ملك في السلالة 18)، فقد روى حروب أهل طيبة ضد الهكسوس الذين خسروا عاصمتهم أفاريس. لا شكّ في أنّ الكاتب يمتدح نفسه، ولكنّنا نجد في هذه المدوّنة شاهدًا عن حقبة هامة من تاريخ مصر ونجد نصوصاً خرجت من الدوائر الملكية: خبر ولادة حتشبسوت ولادةً إلهية بزواج أمرن من الملكة أحميس. مواعيد رخاء وجّهها أمون من أجل تحوتمس الثالث على النصب الشعري في الكرنك. حوليات تحوتمس الثالث وخبر معركة مجدو. أنصاب عديدة تذكر حملات أمينوفيس الثاني في فلسطين ومآثره في عالم الرياضة البدنية...
ونصل إلى السلالة 19، فنورد مدوّنات سيتي الأوّل العديدة على جدران معبد أمون في الكرنك. وترك رعمسيس الثاني مدوّنات متنوّعة تتعلّق بمعركة قادش التي انتصر فيها على الحثيين بفضل حماية أمون العجائبية. في حوزتنا سبعة نصوص لما يسمّى "نشرة قادش " (تقرير عن الوقائع) و "قصيدة فنتاوور" (اسم الكاتب الذي دوّنه). يصوّر الشاعر تنظيم المعركة، تشتّت الفرق المصرية الثلاث، صلاة رعمسيس الثاني لأبيه أمون. هربَ كلُ جيشه ولكنّه انتصر على عدوّه.
ونورد أيضاً من السلالة 19 "نصب إسرائيل" المتعلّق بهجمات منفتاح على شعوب البحر (الفلسطيون) ليحمي بلاده من هجماتهم. أبعدهم عن شواطئ مصر الشمالية، فأقام على شاطئ كنعان (فلسطين) الغربي. في تلك الحقبة، أقامت في كنعان قبائل ستكون فيما بعد شعب إسرائيل.

ثالثًا: الأخبار
نجد في المملكة الحديثة كما في أيّام السلالة 12 أدبًا خيالها مع خلفية تاريخية أو أسطورية. وهناك عملان يرتبطان بالوضع السياسي كما برز في نهاية السلالة 17: مملكة الهكسوس الذين أقاموا في الدلتا، مملكة الفراعنة في طيبة.
* نزاع ابوفي وسقنانرع. يروي هذا الخبر حدثًا واقعيُّا آتيًا من عالم الأسطورة. احتج أبوفي، ملك الهكسوس، لدى سقنانرع، ملك طيبة، لأنّه لا يقدر أن ينام بسبب الضخة التي تحدثها التماسيح قرب عاصمته أفاريس، وأمره بأن يخلّصه منها. كان ذاك تحديًّا واضحًا. ما كان جواب سقنانرع؟ هذا ما لا نعرفه، لأنّ المخطوط مشوّه في هذا المكان من الخبر.
* خبر احتلال يافا. احتلّ الحثّيون هذه المدينة. تظاهر أحد قوّاد تحوتمس الثالث بأنّه ترك سيّده، فدخل المدينة. وقتل حاكمها. وجعل رجاله في سلال يحملها 500 رجل، وكأنّها هدايا لحاكم المدينة. استقبل الوفد وكأنّه أسراب حربية. خرج عسكر جاحوتي من مخائبهم وسيطروا على المدافعين عن يافا. هذا هو موضوع حصان طروادة أو علي بابا والأربعين لصاً.
* خبر الأخوين. خلفية أسطورية. باطا وأنفو هما أخوان. استعبد الاكبر (انفو) أخاه. وفي يوم من الأيّام دعت زوجة انفو باطا ليضاجعها في غياب زوجها. رفض باطا وهرب من البيت تاركًا بين يدي المرأة معطفه. أتّهم باطا بالزنى فهرب إلى لبنان. هنا تتلاحق سلسلة أحداث يلعب السحر فيها دورًا بارزًا. مات باطا ولكنّه قام وصار ملك مصر هناك مقابلة مع قصّة يوسف وامرأة فوطيفار.
ونذكر أيضاً: مغامرات حورس وسيت، خبر عائد، رواية الحقيقة والكذب، خبر الأمير المعدّ للملك، مغامرات أونامون (أرسله الملك ليشتري خشبًا في جبيل من أجل إصلاح قارب أمون).
رابعاً: أدب أخلاقي
سار الكتبة في خطّ "تعاليم" العصور السالفة، فألّفوا كتبًا أخلاقية من أجل أبنائهم، أي من أجل تلاميذهم. لا يعود الكتبة إلى الملك، بل يقدّمون حكمة تليق بكبار النفوس. 
* حكمة آني. أقوال مأثورة، فرائض، تحريضات. نصائح في الصلاة والتربية الحسنة والسلوك مع النساء أو تربية الأولاد والاستعداد للموت. وهذا ما سجعلنا نفكّر بسفر الجامعة. وإليك هذا النص من حكمة آني: "لا تمت ما دمت لم تعرف الراحة. إعرف بعض المراكز التي تحبّ، فكّر بالشيخوخة لكي تعرفها. اهتمّ بهذا لا بمسار وظيفتك. يليق بك أن تجد مكانًا معدّا في الوادي، القبر الذي يحمي جثتك. اعتبر هذا بين الأمور التي لها حساب في نظرك. أمّا الذي هو مثل شيخ عجوز فاجعله داخل قبره. فلا لوم لمن يفعل هذا. من الخير أن تكون مستعدًا. فإذا جاء رسولك ليأخذك يجدك مستعدًّا. قل: هاءنذا. تعال، فيبتعد عنك. لا تقل: لست شيخًا لتأخذني، فأنت لا تعرف ساعة موتك. يأتي الموت فيتسلّط على الطفل الذي في حضن أمّه كما يتسلّط على الذي صار شيخًا". 
"أكرم الله ". هذا ما نقرأه في القول 37: "قربّ تقدمتك إلى إلهك، واحفظ نفسك من إغاظته. لا تسبر كيانه. من عظّمه يعظَّم". والقول 7: "احتفل بعيد إلهك وكرر الاحتفال في تاريخه. فالإله لا يرضى أن تهمله".
* تعليم أمينحوبي (أو امينوفي). قد يعود هذا النص إلى السلالة 22. قسمَ المؤلِّف كتابه إلى ثلاثين فصلاً (رج ام 22: 20)0 اهتمامات أمينوفي هي اهتمامات آني مع تشديد على احترام الأشخاص وعلى الحس الديني. لاحظ الشرّاح تقاربًا بين هذا التعليم وأم 17:22- 23: 14.
ونورد ف 4 القريب من مز 1 وإر 17: 5- 8: "الجاهل (الحامي) في الهيكل هو مثل شجرة تنبت في الأدغال فتخسر كل أعضائها في لحظة واحدة، وتكون نهايتها في مصنع السفن ثمّ تجري بعيدًا عن مكانها أو تكون النار مدفنها. أمّا الصامت (الحكيم) الحقيقي فيقف على انفراد. إنّه كشجرة تنمو في بستان وتكون خضراء وتعطي غلّة مضاعفة. لا تقف في ساحة هيكل الرب. ثمارها حلوة، وظلّها لذيذ، ونهايتها في البستان ".

خامسًا: أناشيد الحب
وصلت إلينا برديات واوستراكات عديدة تنشد الحب البشري، فتعبّر عن عواطف الإنسان ومواقفه. وإذ نقرأ هذه النصوص نتذكّر نشيد الأناشيد.
* شقفة القاهرة: نجد فيها قصائد متنوّعة المواضيع: يعبر الحبيبُ النيلَ رغم المخاطر لكي يصل إلى حبيبته. اجتماع يمامتين، القبلات، التمنّيات: "لو كنت عبدته لما كنت أتركه، لو كنت خاتمًا في يده فلا أنفصل عنه ".
* برديّة هامشا500. تتضمّن ثلاث مجموعات من أناشيد الحب. في المجموعة الأولى يقف الحبيب على مقدّمة القارب ويوجّه صلاته إلى فتاح، إله ممفيس: "أعطني جميلتي في هذا المساء". وتلوّن رغبتُه هذه النهرَ والقصب بل المدينة بكل جمال.
في المجموعة الثانية نجد ثماني قصائد عنوانها: "بداية أناشيد جميلة وطريفة من جميلتك، من التي يحبّها قلبك، والآتية من المروج". وقد سمّيت أيضاً "قناصة الطيور". ولكن هذا العنوان لا يوافق إلاّ القصائد الثلاث الأولى. وتتألّف المجموعة الثالثة من أدوار ترتبط فيها الكلمة الأولى باسم زهرة. تتمشّى الصبيّة في الحديقة فتوحي لها كلُ زهرة بنشيد.
* برديّة تورينو. سلسلة من الأناشيد تتكلَّم فيها كل شجرة فتشجّع المحبين على التعبير عن حبّهم. وستقول الجميزة: "أنا مغلقة على نفسي فلا أقول شيئا عمّا أرى".
* برديّة شستر بيتي الأولى. عنوانها: بداية كلمات المسلّية الكبرى. في الواقع نحن أمام حوار بين الحبيبين.

5- الحقبة المتأخّرة: السلالات 21- 30 (1000- 331 ق م)
هذه حقبة غامضة من الوجهة التاريخية: نزاع بين سلالات طيبة وممفيس وسائيس (سلالات 21- 24)، نهضة سائيس (السلالة 26). وبعد الاجتياح الأشوري ثم البابلي سيطر الفرس (السلالة 27) ثمّ المكدونيون مع الإسكندر الكبير (332 ق م). برزت في هذه الحقبة اللغة الديموتية (أو الشعبية) والأدب الديموتي. ابتعد الأدب الكلاسيكي الذي لم يعرف إلاّ نهضة سطحية في حقبة سائيس.

أولاً: النقوش الملكية
* نصب بيانكي. انطلق بيانكي من الحبشة فاستعاد البلاد من الجنوب إلى الشمال. روى حملاته ضدّ تفنخت أمير سائيس: احتلّ العاصمة وأخذ الحريم كل خير في المدينة، وأخذ خيله الذي كان جائعًا.
* مدوّنة آخر ملوك السلالة "الحبشية" (السلالة 25)، تنوتامون. تورد حلمًا رآه الملك فأنبأه بأنّه سيستعيد مصر من الأشوريين. ثمّ يروي النصب تحقيق الحلم: سافر الملك من نفاتا إلى الفنتين ثمّ إلى طيبة (حيث شيّد الأبنية ليشكر الله). وتابع حملته إلى الشمال فسيطر على الدلتا.

ثانيًا: السير الذاتية
* نصب الطبيب أو جحورسنات: من المدوّنات التي لا يذكر فيها العظماء نشاطهم في خدمة الدولة أو الآلهة، بل يفتخرون بنفوسهم ويُعلنون براءتهم مبرزين عطفهم على الفقراء. وقد وصلت إلينا معطيات هامّة حول علاقات هؤلاء العظماء مع السلطة الغريبة خلال الحكم الفارسي: كمبيز وداريوس الأوّل في نصب الطبيب أو جحورسنات.
* مدفن بيتوسيريس وعائلته (حوالي 300 ق. م.). أرى ما في النصوص القديمة من روحانية حكمية وكهنوتية: مديح الحياة المقدّسة لإنسان يسير حسب إرادة الله الذي يجازي.
نداء إلى الأحياء، لا ليقدّموا تقدمة جنائزية، بل ليسمعوا للحكمة: "أيّها الأحياء العائشون اليوم على الأرض والذين سيُولدَون، أنتم يا من يأتون إلى هذا الجبل وإلى هذا القبر، تعالوا فأجعلكم تطّلعون على إرادة الله. أقودكم نحو طريق الحياة والسبيل الصالح الذي يقود إلى الله. طوبى لمن يقوده قلبه نحو هذه الطريق، لمن يثبت قلبه في سبيل الله فتتجذّر حياته في الأرض. من كانت مخافة الرب عظيمة في نفسه، تكون سعادته على الأرض عظيمة... ما أحسن الطريق التي يسير فيها الأمين لله. فمن وجّهه قلبه إليها كان مباركًا. سأقول لكم ما حصل لي وأعلمكم بإرادة الله وأجعلكم تلجون في معرفة روحه. إذا كنت وصلت إلى هنا، إلى المدينة الأبديّة فلأنّي فعلت الخير على الأرض وارتاح قلبي في طريق الله منذ طفولتي إلى اليوم... فعلت كل هذا، وأنا أفكّر أنّي أصل إلى الله بعد موتي... طوبى لمن يحبّ الله، فهو يصل إلى قبره من دون عائق".

ثالثًا: أدب إخباري ديموتي (أو شعبي)
وصلت إلينا في اللغة الديموتية أخبار ونصوص حكميّة وعمل قريب من سفر دانيال أو تفاسير قمران.
* الكرونيكة الديموتية. يعود أحد المخطوطات (القرن 3 تقريبًا ق م) إلى 14 لويحة. يتطرّق الكاتب إلى تاريخ بلاده في أيّام السلالة 30. ويتحدّث عن الملوك الذين حكموا في أيّام المادايين وبعد تلك الأيّام. يتألّف الكتاب من إيرادات "نبوية" ذات طابع تاريخي. النصّ غامض، لهذا يفسّره الكاتب جملة جملة ويبدأ تفسيره بهذه العبارة: أعني أو تفسيره. وإليك مثلاً: الثالث، خلع عن العرش. أعني (هذا التفسير في قمران): إنّ الأمير الثالث الذي عاش في أيّام المادايين خُلع عن العرش، لأنّه ترك الشريعة على ما يبدو. وجاؤوا له بخليفة وهو بعد حي. الرابع، لم يظهر. أعني: إنّ الحاكم الرابع الذي جاء بعد المادايين (أي بساموتيس)، لم يظهر. أعني: إنّه ليس على طريق الرب. فلم يُسمح له بأن يبقى الحاكم مدّة طويلة.
نستطيع أن نقابل هذا الكتاب بتفسير حبقوق (وُجد في قمران): "قال الله لحبقوق أن يكتب الأحداث الآتية عن الجيل العتيد. ولكنّه لم يعرّفه بالزمان الذي فيه ستتمّ. أمّا ما قبل: ليركض القارئ. فهذا يفسّر عن معلّم البرّ الذي عرّفه الله بكلّ أسرار كلمات عبيده الأنبياء... إذا تأخّر التحقيق فانتظره لأنّه آت حقا ولا يبطئ (حب 2: 3 ب). هذا يفسّر عن رجال الحقيقة، عن الذين يمارسون الشريعة والذين لا يتعبون من خدمة الحقيقة". 
* الأخبار الشعبية. نحن أمام سلسلة من الأخبار المرتبطة بأسطورة عن الشمس التي أخذت وأعيدت. انطلق راوٍ من هذا المعطى اللاهوتي وطعّمه بأخبار شعبيّة. أراد الإنسان أن يهدّئ غضب هذا الإله، فروى له أخبارًا يكون أبطالها الحيوانات: الهرّ، الصقر، الأسد الذي عفا عن الفارة فخلّصته بدورها. وهناك سلسلة أخرى من الأخبار أبطالها الملوك: أماسيس، باتوبستيس، خامواست ابن رعمسيس الثاني الذي صار رئيس كهنة في ممفيس وابنه سيوسيريس الحكيم.

رابعًا: الأدب الحكمي الديموتي
* أقوال بردية إنسنجر تعود هذه البردية إلى الزمن الروماني، ولكنّها دوّنت قبل تلك الحقبة. لا نجد خطبًا حكمية كما في "التعاليم"، بل أمثالاً قصيرة وموزونة. أمّا مضمونها فقريب ممّا وجد في السير الذاتية: احترام السلطة، تشديد على الديانة وعلى الآلهة أسياد مصير الإنسان. نقرأ هذه الردّة في نهاية كل من الفصول 25: "السعادة والمصير الآتيان يعطيهما الله". وهناك أمثال عديدة قريبة ممّا نقرأ في التوراة: "الله يعطي الغنى، والحكيم يحافظ عليه... يفرح قلب الله حين يرى الفقير شبعانًا". وتتحدّث هذه الأمثال عن التربية: "لا يموت ولد ضُرب بالعصا الوالدي". وقد ورث الكاتب من القدماء الاهتمام بدفنه: "الدفنة هي بيد الله، ولكنّ الحكيم يهتمّ بها".
* حكمة اونخ شيشانق. يورد مخطوط من القرن الأوّل المسيحي أقوالاً كتبها حكيم سُجن بعد مؤامرة. دوّن على جرة وُضعت بتصرّفه أقوالاً مأثورة، وقدّمها بطريقة غير منسّقة: اهتمامات اجتماعية وعائلية في المجتمع الفرعوني خلال الحكم الفارسي. هي حكمة دينية: "إجعل أمورك في يد الله". ويقدّم الحكيم نصائح عن الحياة اليومية: العمل، تدبير الميراث، الزواج، الفطنة مع النساء، ولاسيّمَا مع المرأة الشرعية: "لا تفتح قلبك لامرأتك، فما تقوله لها سيعرفه الشارع كلّه. افتح قلبك لأمّك". ويحذّر الحكيم تلميذه من التجّار... نكتشف هنا حياة المجتمع بحسناته وسيّئاته. ونورد قولاً قريبًا من جا 9:11: "افرح ما دمت شابًّا فيوم العيد قصير".

خاتمة
لا تطمح هذه اللمحة السريعة إلى إعطاء فكرت كاملة عن النتاج الأدبي في مصر القديمة على مدى ثلاثة آلاف سنة، أو إلى أن تحل السؤال المطروح غالبًا: ما هو تأثير الفكر المصري في الفكر العبراني وأدبه ونظُمه؟ المهمّ أن نعرف أنّ هذا الشعب الغني بما شيّده من بناء هو غني أيضاً بأدب لا يزال القسم الكبير منّا يجهله.
ولكنّ هذه اللمحة دلّتنا على ثوابت في هذا الأدب ونموّ وتطوّر. ثوابت في الفنون الأدبية: كتابات جنائزية، تعاليم، أدب خيالي (أخبار أو قصائد)، أناشيد خاصّة، صلوات ليتورجية. أمّا التمر فظاهر من خلال الكتابات الجنائزية (نصوص الأهرام، أدب ملكي، نصوص نواويس، كتب طقوس) والتعاليم المطبوعة بالطابع الملكي والإداري في المملكة القديمة، والمهتمّة بالتربية الأخلاقية والروحية مع آني وامينوفي واونخ شيشانق. انطبع الأدب الشعري بطابع التشاؤم مع اضطرابات العصر الوسيط، عصر الإقطاع، ثمّ ازدهر مع أناشيد الحبّ خلال المملكة الحديثة. وتطوّر الفن الروائي من المملكة الوسيطة إلى الحقبة الديموتية...
هذا بعض الغنى الذي عرفه الأدب المصري خلال ثلاثة ألف سنة. بهذا الأدب تأثّر الشرق كلّه بما فيه الشعب العبراني. وإنّ التوراة أخذت الكثير من عالم مصر فاغتنت، وستأخذ من عالم بلاد الرافدين فتجعل كل غنى الشرق القديم في إطار كلمة الله.
الفصل التاسع عشر
كتابات بلاد الرافدين

أ- المقدّمة
لم يتمّ بعد إحصاء تامّ للوثائق المسماريّة التي اكتُشفت، ومن المعقول أن تكون كل محاولة صعبة في الوقت الحاضر لأنّنا لا نملك جردة عن غنى كلّ الأمكنة القديمة. ثمّ إنّ التقنيات تزيد كل يوم عدد الوثائق. وإنّ اكتشاف إبلة مثلاً قد جعل اللويحات المسمارية تزداد بالآلاف. يمكننا أن نعتبر أنّنا أمام عدّة مئات من آلاف النصوص تمتد على أكثر من ثلاثة آلاف سنة وتتورع على كلّ الشرق الأوسط بمَا فيه مصر.
في الألف الثالث، كانت الكتابة في جنوب العراق الذي عرف اللغتين السومرية والاكادية، كما استعمل الحروف المسمارية. واستعملت مدينة إبلة (حوالي 2400 ق. م.) (في سورية الشمالية. تبعد 40 كلم عن حلب) الكتابة على الطين. وانتشرت الكتابة في الشرق الأوسط، ولا سيّمَا في بداية الألف الثاني يوم سيطرت اللغة الأكادية على السومرية.
دخلت الكتابة المسمارية في ماري وإبلة وألالخ وأوغاريت. ودوّنت بهذه الكتابة النصوصُ الحثّية والعيلامية منذ بداية الألف الثاني. ولكن حين يأتي الألف الأوّل، تُصبح الكتابة المسمارية ظاهرة محلّية محصورة في بلاد الرافدين. وسيأتي وقت تزاحم فيه اللغةُ الأرامية المكتوبة بالحبر، الكتابةَ التقليدية التي ستنكش بعد دمار أشورية حتّى تموت في أوروك.
ما هو مضمون هذا الأدب؟ إنّه أدب نفعي. تُستعمَل الكتابة لتُعطي معلومات بسيطة: الاحتفاظ بأوراق إدارة أعمال، نقل توجيهات أو أخبار جديدة إلى الآخرين. فالأعمال الإداريّة والرسائل تشكّل القسم الكبير من هذه الوثائق. فإذا اخذنا ما وجدناه في ماري، فنحن لا نستطيع أن نتكلّم عن "مكتبة" ماري بلويحاتها العشرين ألفًا. فهناك 30 لويحة تُعتبر أدبية، وما تبقّى هو رسائل (الثلثان) وأعمال إدارية (الثلث).
رسائل ماري هي بأكثريتها تقارير حربية ودبلوماسية، وقليل منها هو إداري. أمّا المواضيع الدينية والخاصّة فقليلة جدًا. وما وُجد في كبادوكية (تركيا)، في كولتابي (قيصرية) يتألّف من عدد قليل جذَا من النصوص الأدبيّة (لا يتعدّى العشرة) ومن 15000 رسالة وتذكير وفاتورة وجردة، كلّها تتعلّق بتجارة القصدير والنسيج.
تُقسَم حضارة بلاد الرافدين إلى حضارة سومرية وحضارة أكادية. إنّها قسمة لغوية لا تعطي فكرة كاملة عن الواقع، ولكنّنا نستعملها، ونحن عالمون أنّ النصّ الأدبي كُتب أوّلاً في السومرية ثمّ في الأكادية. هذا يعني أنّ لغةً حلّت محلّ لغة دون أن تخسر السومرية أولويتها وألقها.
وقبل أن نتحدّث عن العالم السومري والعالم الأكادي، نذكر بعض المكتبات. الأولى: مكتبة أوردي نرجال في سلطان تيبي وفيها ملاحم (الخلق، حلجامش، أسطورة زو، آرا، نرجال وارشكيجال) وكتب حكمة (يبدأ الأوّل: أريد أن أمتدح رب الحكمة، والثاني: الرجل المسكين في نيفور) ونصوص شعرية ودينية. الثانية: مكتبة تجلت فلاسر الأوّل التي هي بالأحرى نتيجة نشاط المكتبة. الثالثة: مكتبة اشور بانيبال. ولنا رسائل يأمر فيها الملك بنقل النصوص من بابل إلى نينوى.

ب- العالم السومري
1 - الأدب السومري.
إنّه أغنى من الأدب الأكادي، ولكن لم يصل كتاب إلى جمال جلجامش، أو مؤلّف إلى أنوما اليش الذي هو خلاصة لاهوتية حقيقية. ثمّ إنّ اللغة السومرية لم تثرك لنا نصوصًا سحرية.
أفضل ما نعرفه من هذا الأدب هو تقليد نيفور عاصمة السومريين الدينية الكبرى ومقام الإله انليل ملك الآلهة. ولقد قدّمت لنا نيفور اللغة الكلاسيكية. وهناك تقليد كيش، في شمالي العراق، وأريدو في جنوب أرض سومر وعلى حدود الخليج الفارسي. وقد كانت كيش المركز الذي منه انطلقت الثقافة والكتابة السومرية نحو شمال بلاد الرافدين.

2- الأساطير السومرية.
الأساطير السومرية أكثر عددًا من الأساطير الأكادية وهي تشير إلى حدث محدّد في خبر بسيط تتراوح أشعاره بين 500 و 1000 بيت.
نذكر أوّلاً أساطير البدايات وهي كثيرة: أسطورة انليل ونين ليل. أغوى انليل من ستكون ملكة الآلهة العظمى، فأنجب منها الإله القمر، نانار، مسلمنيئا إله الجحيم، نين ازو إله الأرض المزروعة، انبيلولو إله القنوات. وهناك أسطورة أخرى (انكي ونين حورساج) تروي كيف أنّ الإله أغوى الإلاهة الأمّ العظمى، فتجامع مع ابنتها على التوالي إلى أن وضعت نين حورساج حدًّا لهذا التصرّف. وفي انانة وانكي، روى النص كيفا أسكرت الإلاهة الإله فسلّمها "مي " وهي رموز الحضارة السومرية. أمّا هي فأخذتها إلى اوروك رغم الاله الذي تخلّص من سكره وصارت أول الآلهة.
أعطي لكل إله رئيسي دورة ميتولوجية: انليل، انانة الإهة الحبّ والحرب، انكي إله الحكمة والمياه الاولانية التي تسبح عليها الأرض. أمّا أهمّ دورة فترتبط بالإلاهة انانة. فأسطورة انكي وانانة تُنشد عظمة انانة، وقصيدة انانة وجبل ابيح تنشد مآثرها المجيدة. وأشهر القصائد قصيدة نزولها إلى الجحيم المعروفة في ترجمة أكادية والمؤلفة من أقل من 500 بيت: فشلت الالاهة في محاولتها تدمير نظام العالم، فحُكم عليها بالموت. قامت بفضل حيلة الاله انكي وصعدت على الأرض وتبادلت الأدوار مع زوجها دوموزي الذي حلّ محلّها في الجحيم.
ونذكر أخيرًا نصوصًا تتكلّم عن دوموزي الذي يغازل زوجته العتيدة. وأسطورة "موت دوموزي " تذكر مطاردة الشياطين لدوموزي ليعودوا به إلى الجحيم فيحل محل زوجته انانة. ولكنّ جشتين آنا، اخت انانة، عطفت عليه وضحت في سبيله فقبلت أن تحلّ محلّه ستة أشهر كل سنة في عالم الموتى.

3- الأناشيد السومرية
تتوجّه إلى الآلهة وتتوجّه أيضاً إلى الملوك الذين أُلّهوا وهم أحياء.
أمّا أشهر الأناشيد (أو التسابيح) الموجّهة إلى الآلهة فنشيد موجّه إلى انليل ملك الآلهة القويّ القدير الذي لا يستحيل عليه شيء. أمّا الملك السامي فهو شولجي ثاني ملك في سلالة أور الثالثة. في أيّامه عرفت أرض سومر ذروة مجدها قبل أن تزول على يد العيلاميين. تُصوّر الأناشيد الملك شولجي كانسان متفوّق في عالم الثقافة كما في الرياضة البدنيّة. إنّه يعرف ويمارس كل لغات العالم، ويفهم كل الفنون، ويتفوّق في كل رياضة، ويقدر أن يقطع المسافة ذهابًا وإيابًا في يوم واحد بين عاصمته أور وعاصمة ملك الآلهة.
وهناك أناشيد تمتدح المدن الكبرى: نشيد نيفور، نشيد كيش (منذ حقبة ابو صلابيخ): وأهمّ ما في المدينة هو هيكل الآلهة. كما نمتلك نشيدًا يورد أسماء هياكل بلاد سومر أمّا أهمّ النصوص فتلك التي ألّفها جوديا حاكم (انسي) لجش إكرامًا لأنينو، الذي هو هيكل الإله نين جرشو. يروي لنا حلمًا رآه الملك وفيه قَبِل بالمهمّة الالهية، ويروي لنا بناء هذا الهيكل ويطيل الحديث عن جماله.

4- المراثي السومرية
يشكّل رثاء المدن والهياكل المدمرة قسمًا هامًّا في الأدب السومري والاكادي. نجد ما يقابله في مراثي إرميا بعد دمار هيكل أورشليم. نحن نعرف حمس مراثي سومرية تتناول مدن أور، نيفور، أوروك، أريدو، كما تتناول أرض سومر ومدينة أور.
تصوّر هذه النصوص الدمار السريع الذي حلّ بهذه المدن. بهياكلها، بالأرض المزروعة التي تحيط بها. ترك السكان العظماء مدينتهم، بعد أن هجرتها الآلهة التي تحامي عنها، وأهملت العبادة التقليدية. يُنسب هذا الدمار إلى قرار اتّخذه الآلهة المجتمعون ونفّذته عاصفة هائلة واجتياح العدو. وتُصوّر هذا المراثي كيف أعيد بناء تلك المدن المدمّرة كيف عاد إليها آلهتها. وينتهي النص بصلاة توجّه إلى الالهة.
تلمح هذه المراثي إلى أحداث تاريخيّة حقيقيّة: القلاقل التي وضعت حدًا لسلالة أور الثالثة حوالي سنة 2000 ق. م. غير انّ التأليف جاء بعد الأحداث بقرن من الزمن، لهذا لن نبحث عن تصوير دقيق للاضطرابات السياسية والعسكرية التي عرفتها أرض سومر في ذلك الزمان.
لماذا ألّفت هذه المراثي؟ ألّفت في إطار عبادي: حين يُنقل تمثال الإله أو حين يُبنى معبد جديد، تُنشَد هذه المراثي.
وهناك نوع آخر من المراثي يوضع في فم الاهة من الالاهات. ففي إحدى النصوص تبكي نينيسينا دمار مدينتها وهيكلها واختفاء زوجها وابنتها. وفي نص آخر تبكي انانة، الإهة اوروك، للأسباب عينها. ونمتلك أيضاً مراثي جشتين آنة التي تبكي اختفاء أخيها دوموزي الذي جرته الجحيم إليها. وهناك تلميح في ملحمة جلجامش يجعلنا نفكر أنّه كان لهذه المراثي دور ليتورجي: فشهر تموز كان مكرّسًا لإله الخصب الذي قُتل وظلّ أسيرًا في الجحيم.

5- حوارات وأمثال
* الحوارات: هي قطع أدبية يتواجه فيها مفهومان أساسيّان في نظر السومريين: حوار بين الصيف والشتاء، بين العصفورة والسمكة، بين الفضة والنحاس، بين المطرقة والصند...
الأمثال: نجدها في لويحات، وقد رتّبت في مجموعات عديدة. تتطرّق إلى الحكمة التقليدية وقد تقدّم قصيدة تُبرز حكمة وتعليمًا.
* الحياة في المدرسة: تصوّر النصوصُ حياة التلميذ السومري ومعانته في إطار من الهزل والجدّ، كما تُورد برنامج الدروس ولائحة بالأسئلة المطروحة على الطالب. وهناك قسم من هذه النصوص وصل إلينا في اللغة السومرية واللغة الأكادية معًا.

ج- العالم الأكادي
1 - الأدب الأكادي
نحن هنا في أدب "حديث " من جهة النظرة ومن جهة التأليف. فالقصائد الملحمية مبنية بناءً محكمًا، ويدلّنا جلجامش على قصة شخص وعلى تطوّره. وهناك نصوص تركت التكرار المملّ، ودعتنا إلى تفكير حقيقي.
انّ أوّل المؤلّفات الأدبية في اللغة الأكادية تعود إلى الزمن البابلي القديم، أي في القرن 17 ق. م. في هذا الوقت، إمتزج السكّان في الشرق الأوسط، وامتزجت لغاتهم وعاداتهم. وستظهر الممالك الكبرى التي تعمّ بلاد الشرق كلّه. وقد لعبت بابلونية دورًا سياسيًا رئيسيًا في تكوين أدب بلاد الرافدين. ونلاحظ انقطاعًا عن التقنيات الأدبية والفنية لدى السومريين، وجهلاً وإهمالاً لكل ما أنتجته الحضارة السومرية. بقيت أسماء بعض الأبطال، وعاشت ذكريات نُسبت إليهم. امّا المؤلّفات السومريّة الكلاسيكيّة فقد زالت من الوجود. وما بقي وُجد في ترجمة أكادية. مثلاً: خبر الإله نينورتا كما رواه نص "عودة نينورتا الى نيفور"، ولوجالي (هكذا يبدأ النص) الذي هو مؤلّف ايتولوجي (يروي الأسباب) يروي حرب الإله مع الشيطان أساكو الذي ساعدته الحجارة في حربه. وفي نهاية المؤلّف يُثبت الإلهُ المنتصر بالبركات أو اللعنات موضعَ كل حجر وهناك نتف من نصوص في لغتين: لوجال بندا، انليل ونين ماح.
وإن بقي نشيد مثل "النزول إلى الجحيم "، فهو ملخّص جاف لنصّ لا يرجع فيه جامعه إلى النص السومري. وتمثّل ملحمة جلجامش نصًا جديدًا أعاد أحد الأشخاص صياغته انطلاقًا من مؤلّفات قديمة. فإذا وضعنا هذا جانبًا، نلاحظ انّ هذا الأدب تخلّى عن دورات نيفور البطوليّة. ولكن ظهرت فجأة مؤلّفات ما كنّا لنحسب لها حسابًا. أناشيد اتراحسيس أو خلق العالم (انوما اليش) أو أناشيد نرجال وارشكيجال التي تروي خبرًا تُخت فيه الإلاهة السفلى من ملوك الأرض.
وظهرت كتب الروس التي لم يعرفها الأدب السومري، وحلّت النصوص التاريخيّة المشوّقة والمعلّلة محل المدوّنات الرتيبة التي ورثتها بلاد الرافدين عن السومريين. وازدهر أدب تقني: نصوص معجمية مع ترجمة بابلية. وتوسّعت أيضاً التسابيح والمزامير.

2- الأساطير
لا نستطيع أن نتطرّق إلى كل الأساطير، ونحن لا نعرف بعضها إلاّ من خلال تلميحات في كتب الطقوس والتعزيم.
* نشيد انوما اليش (لما في العلى...). خبر ينطلق من خلق الكون ويصل إلى ظهور الإنسان. أمّا نشيد اتراحسيس، فينطق من خلق الإنسان ليصل إلى قرار يسمح بالحياة للجنس البشري مع ضعفه وأخطائه. قد يبدو هذان النشيدان وكأنّ الواحد يكمّل الآخر، إلاّ انّ الواقع يبيّن انّهما مستقلاّن وأنّهما يختلفان في منطلقهما وبعض أخبارهما.
كانت انوما اليش مؤلّفًا هامًّا في نظر البابليين، ولهذا بقيت لنا منها المخطوطات العديدة منذ الألف الثاني ق. م. تتألّف من سبع لويحات وتمتد على 1100 بيت من الشعر. حفظت لنا كلّها تقريبًا، وهي تحاول أن تُظهر شرعية سلطان مردوك الشامل على كل الآلهة وعلى كل الكون. كان مردوك في البداية إله مدينة بابل، فصار ملك الآلهة. إنّه اتّخذ صور كل الآلهة في محاولة تلفيقية. ولكن لم يصل البابليون إلى مفهوم الإله الواحد. انوما اليش هو أفضل تعبير عن اللاهوت البابلي، وقد اعتاد الكهنة أن ينشدوه بأبّهة في عيد رأس السنة. 
ماذا يروي نشيد انوما اليش؟ في البدء، أراد تيامات (البحر) أن يسحق الخليقة أي الآلهة أبناءه الذين تعاقبوا فصاروا أشخاصًا مميّزين وابتعدوا عن قوى السديم الأولى. وقد أقام هؤلاء الآلهة المتأخّرون علائق مع الجيل الاولاني تشبه علائق البشر مع الالهة الذين خلقوهم في أتراحسيس: وهكذا أتعبوا الزوجين الأوّلين. فانقلب هذا الصراع بين الأجيال حربًا لا هوادة فيها خسر الآلهة المعركة الأولى، فانتخبوا مردوك رئيسًا فقتل تيامات. ولكنّه لم ينتصر إلاّ لأنّ الآلهة وضعوا كل سلطاتهم في يده. إختبروا قدرته الإلهية حين خلقوا في السماء مجموعة نجوم. استطاع مردوك أن يدمّرها ويعيد خلقها، فدلّ على انّ سلطانه يوازي سلطان مجموعة الآلهة وانّ قدرة الآلهة لا تحدّ من لم قدرته. ومن بقايا كائنات السديم خلق العالم. وتمّ الخلق حين ظهر الناس وظهرت بابل. وأُعلن انتصار مردوك بتنظيم أسمائهم الخمسين حيث يلعب كل اسم دورًا جوهريًا ويتحمّل مسؤولية وجه إلهي.
* اتراحسيس. مؤلّف تقلّ أهميّته اللاهوتية عن أهمية انوما اليش. نمتلك نسختين لهذا النشيد. الأولى تعود إلى منتصف القرن 17 ق. م. والثانية إلى النصف الأوّل للألف الأوّل، وكلتاهما غير كاملتين. يروي الشاعر خلق الإنسان: مُزج دم الإله بالطين. وحين تكاثر البشر بدأ الآلهة يحسّون بالضيق. فقام الآلهة بمحاولات ليسحقوا خليقتهم، وكان الطوفان إحدى هذه المحاولات، ولكن عبثًا.
* نشيد "آرا". هو أقصر من النشيدين السابقين. يتألّف من 800 بيت شعر تقريبًا. دوّن في الألف الأوّل وهو يكاد لا يتضمّن خبرًا. يتألّف من سلسلة من الحوارات. نحن أمام مصائب بابل. توصل آرا إله الجحيم والوباء بمعونة "الآلهة السبعة" أن يقنع مردوك بأن يترك معبده موقتًا. هذا موضوع أساسي في فكر بلاد الرافدين، وهو أنّ ذهاب الإله يعني تدمير المدينة. ما إن ذهب مردوك، حتّى اجتاح آرا وتبّاعه بابل والمدن المحيطة بها. ولكن توصّل اشوم، ضابط آرا، أن يهدّئ غضب سيّده. فنجت بابل. بل إنّ كلّ من يقرأ النشيد الذي يذكر غضب آرا ينجو من الوباء. بحث العلماء عن خلفيّة تاريخيّة لهذه القصيدة فوجدوا خلفيات عديدة ترتبط بقوّة الرب والشر.
ونتوقّف هنا عند موضوعين: خلق الإنسان، الطوفان.

أوّلاً: خلق الإنسان
اتّفقت النصوص السومرية والاكادية على القول إنّ الإنسان خُلق لكي يشتغل ويعمل، فيحرّر الآلهة من هذا الهمّ. فهم قبل خلق البشر الأوّلين، كانوا مثل البشر كان عليهم أن يحملوا سلة الطين كالبابليين من أجل بناء الهياكل، أن يحفروا القنوات للري. وإذ تُصوّر لنا بداية أتراحسيس ثورة الآلهة الأدنياء المجبرين على العمل من أجل الآلهة الرفيعين، فهي تشير إلى ثورات العمّال في كلّ الشرق الأوسط القديم. تبيّن لنا اللوحة كيف أنّ العمّال يمسكون الوكيل بعد أن يحرقوا أدوات العمل ويعلنوا مسؤوليّتهم الجماعيّة دون العودة إلى من يقودهم. أما أرفع عمل يقوم به البشر فهو إتمام العبادة للالهة. 
كيف ظهر الإنسان؟ جُبل من عجين طيني. وهناك نصوص عديدة تقول لنا بأنّ الطين مُزج بدم إله: وا إيلا في اتراحسيس، كنجو في انوما اليش... وكانت نصوص أخرى تعود إلى العالم السومري: خرج الإنسان من الأرض كما يخرج النبات.
كيف تكاثر البشر من دون زنى بين الأقارب؟ لم يُخلق في البدء رجل وامرأة واحدة، بل أزواج عديدة وصلوا إلى سبعة. كان الأوّلون من البرابرة المتوحّشين، كانوا عراة وكانوا يرعون الحشيش كالحيوان. فعلّمهم الآلهة (أو من أرسلوهم) الحضارة وكيفيّة بناء المدن.

ثانيًا: الطوفان
نمتلك اليوم نسخات عديدة عن الطوفان في السومرية وفي الأكادية، كلّها جاءت متأخّرة. لا يبدو أنّ موضوع فيضان يدمّر البشرية يرتبط بالإرث السومري، وإن تكن صورة عاصفة مدمّرة قد وُجدت لتعبّر عن قدرة إلهيّة لدى انليل وانانة.
حُفظ النص السومري في لوحة مقطّعة في متحف فيلَدلفيا (الولايات المتّحدة). نحن أمام خبر قصير: "إجتمعت الرياح السيئة، اجتمعت العواصف، وأغرق الفيضان... بعد أن أغرق الفيضان البلاد سبعة أيّام وسبع ليالٍ ، وزعزعت الريح السيّئة السفينة الكبيرة التي على المياه العُظمى، خرجت الشمس فجعلت النور في السماء وعلى الأرض. جعل زي أوسودرا فتحة في السفينة الضخمة وترك الشمس تدخل مع نورها إلى السفينة الضخمة. ركع زي أوسودرا الملك أمام الشمس، وهو الملك البقرَ وأكثرَ من الذبائح...
يأتي الحدث بعد أحداث أخرى يبدو تسلسلها غامضًا بسبب الفجوات في الخبر (تلف النص). أمّا النسخة الأكادية فتُبيّن لنا أنّ الطوفان هو المحاولة الرابعة التي قام بها الآلهة ليدمّروا الإنسان. لجأوا في ما سبق إلى شرور أقل تطرّفا. فبيّن لنا نشيد اتراحسيس الوباء يضرب الأرض، ثمّ الجفاف، ثمّ مصيبة أخرى تجعل الأرض بيضاء كالملح، وهذا ما سبّب الأمراض الجلديّة والهزال العام.
مرّة تدخّل أتراحسيس لدى الهه، ومرّة آيا (= انكي) الذي لم يكن يقاسم سائر الآلهة رأيهم في تدمر البشر، وهكذا كانت الضربة لا تفعل فعلها. أمّا الطوفان، فبدا المحاولة الحالة التي لن تفشل. غير أنّ آيا وجد وسيلة في بناء سفينة، فرسم تصميمها على الأرض من أجل أتراحسيس الذي يجهل كل شيء. ويروي أتراحسيس (= نوح البابلي) لشيوخ المدينة أنّه يريد أن يترك بلده. قال: إن إلهي لا يتفاهم مع إلهكم. ويذهب يعيش عند أيا رب القمر ثمّ نقرأ عن الضربة التي تملأ قلوب الآلهة هلعًا. وبكت الإلاهة مامي التي خلقت البشر وانتحبت، فرّق الآلهة وتركوا البقيّة الباقية تحيا ولا تموت.
يبدو أنّ هذا الخبر يعود إلى الحقبة البابلية القديمة. وتبعه تصوير موسّع لظاهرة الطوفان في ملحمة جلجامش (اللويحة 11). وُضع الخبر في فم أوتانفستيم (اسم آخر لنوح في بلاد الرفدين). وهو يروي لجلجامش كيف صار خالدًا. حين تقرّر الطوفان، وجد ايا وسيلة لكي بخلّص أوتا نفستيم الذي تعبّد له. وقال أوتا نفستيم لمُعاصريه ما قاله اتراحسيس، فتركوه يبني الفلك (السفينة). بل بيّن لهم علاقته بالآلهة. أعلن للمائتين أن ستأتيهم أمطار كثيرة. فرح أهل الفيافي الصحراوية، ولكنّهم لم يدروا أنّ المطر لن يتوقّف فيحمل إليهم الموت لا الحياة.
جعل اوتو نفستيم في سفينته الذهب والفضة وقطعانه وعائلته وعائلة حميّه، كما جعل حيوانات مُفترسة وصنّاعًا ماهرين. هو لم يخلّص فقط عينيّة من كل حي، بل ما يساعده على تنظيم الحياة في مدينة من مدن بلاد الرافدين مع ينبوع الغنى من مواد ثمينة ومن قطعان. وخلّص أناسًا يستطيع أن يتزوّج بهم، ووحوشا يستطيع أن يصطادها، وصنّاعًا يسيّرون العمل في مصانع الملك. ونحن نعلم أنّ زي أوسودرا ليس "بارًّا" بل "ملكًا". إذن نجا أوتا نفستيم ونجا معه كلّ ما يساعد على بناء مملكة جديدة في بلاد الرافدين. 
دُمّر كل شيء، فارتعب الآلهة وتأسّفت عشتار على هلاك البشر الذين هم أولادها. وبعد سبعة أيّام من الطوفان، توقّف المطر وأُرسلت العصافير (الحمامة، السنونو، الغراب) لتتعرّف إلى الارض. وحين خرج أوتا نفستيم من السفينة، قدّم ذبيحة للالهة "فتجمهروا حولها كالذباب ". غضب انليل لأنّه رأى انّ الدمار لم يكن شاملاً فنبّهه أيا: لا بد من معاقبة الخاطئ وإرسال الضربة عليه، ولكن كيف نهاجم مبدأ الحياة نفسه. كان على انليل أن يرسل الوباء أو الجفاف (كما يقول اتراحسيس) لا الطوفان.
لماذا تمّت محاولة الدمار هذه؟ لا تعطي النصوص الجواب عينه. فالسبب في النسخة السومرية غير واضح. ويُعطينا نشيد اتراحسيس جوابًا بسيطًا نكتشفه في الردّة التي تنبئ بكل محاولة من محاولات محق الجنس البشري، "لم تمرّ اثنتا عشرة سنة حتى امتدت البلاد وتكاثر السكان. كانت البلاد تعج كالثور فانزعج الإله من عجيجها".
إذًا، اتّهم انليل البشر بأنّهم يمنعون عنه النوم. فهذه الضجّة الخارجية تقابل "صراخ الإثم" في التوراة. أمّا في نسخة جلجامش فلا نجد السبب الذي لأجله جاء الطوفان. فالنشيد يقول: "حين قرّر الآلهة الطوفان... ". أمّا كلمات أيا حين يوبّخ انليل، فتدلّ بوضوح على أنّه أرسل الطوفان ليعاقب الخطيئة، لا ليوقف ضجّة تزعجه في نومه. وفي الرواية اللاهوتية الأخيرة سنعرف أنّ انليل هو "الإله الذي لا ينام ".
نلاحظ أسماء أبطال الطوفان. زي أودسورا أي ذلك الذي منح أيّامًا طويلة. هذا يعني أنّه عاش بعد الطوفان. أوتونفستيم. نفستم أي الحياة الطويلة، إذا عدنا إلى السومري أوتا. أتراحسيس يعني: الحكيم جدًّا.

3- أخبار البطولات
ترك لنا أدب بلاد الرافدين مقاطع مهمّة من النصوص الملحميّة. والأبطال هم ملوك من الزمن القديم عرفوا شكلاً من أشكال التأليه. حدثت مغامراتهم في الماضي السحيق يوم كان الآلهة على اتّصال بالبشر وأنشدت هذه النصوص أيضاً أعمالَ الملوك في الأزمنة التاريخيّة بطريقة شعرية رفعت هؤلاء الملوك إلى مقام الأقدمين الذين كانوا لهم مثالاً.
أمّا البطل المثالي فهو جلجامش من خلال الملحمة التي تُنشد أعماله.
* ملحمة جلجامش تتألّف من 12 لويحة وتتضمّن 3600 بيت شعر تقريبًا. انتشرت انتشارًا واسعًا، فوصلت منها مقاطع إلى فلسطين والأناضول. وقد استُعملت أقلّه أربع لغات لتنشد هذا البطل السومري في البدء. ثم جاء الأكادي الذي أعطى الملحمة وجهها الأدبي الرفيع، ثمّ اللغة الحثيّة واللغة الحوريّة.
نحن نمتلك في الأكادية نسختين تختلفان في الزمن. الأولى تعود إلى الحقبة البابليّة القديمة. تشوّهت، فلم يبقَ لنا من الملحمة إلاّ بدايتها. والثانية دُوّنت في نهاية الألف الثاني ق. م. بيد سين ليقي أونيني. انطلق الكاتب من قصائد سومريّة مُتنوّعة ومُستقلّة بعضها عن بعض، فقدّم لنا أعمال ملك أوروك الأسطوريّة.
تنقسم هذه القصيدة قسمين مُختلفين. فاللويحات الست الأولى تقدّم نشيدًا يُكرَّم فيه الشاب المُحارب والمليء بالحياة. تُنشد أعمال جلجامش وصديقه أنكيدو. حين يبدأ الكتاب، نجد جلجامش شابًا فخورًا بنفسه ومتسلّطًا على الآخرين. أرسل اليه الآلهة مزاحمًا يستطيع أن يتغلّب عليه. كوَّنوا من الطين رجلاً وحشيًا يعيش حياة الطبيعة البسيطة وسط الحيوانات المُفترسة، وأرسلوه ليقهر ملك المدينة الفاسدة. في ذلك الوقت، كان مصير جلجامش يشبه مصير سائر البشر الأوّلين. ففي البشر شيء من الآلهة بعد ذبيحة الإله وائيلة. وجلجامش أيضاً: ثلثاه إله وثلثه إنسان، لائه ابن الالاهة نين سون. أمّا انكيدو فحاول أن يُدمّر جلجامش بمُحاولة تشبه الوباء والجوع اللذين ضربا البشريّة في نشيد أتراحسيس. وعرف ملك أوروك مسبّقًا بمَا سيحصل بواسطة أحلام أعلمته بمجيء مُزاحم له. وكان تدخّل خارجي أبعده عن الخطر.
وتعود ملحمة جلجامش إلى النماذج البابلية عن البدايات، فتقدّم مُغامرة تلفت النظر. لم يعد أنكيدو ذلك البطل الذي لا يُقهر، بسبب المعرفة الجنسيّة مع زانية جاءه بها أحد الصيّادين. قال الصيّاد للمرأة: "اكشفي صدرك، اكشفي ساقيك وليأخذ منك كل لذّة له، لا تهربي بل خذي منه نفسه والرمق".
وفي النسخة القديمة، نرى الأعمال الأولى التي يقوم بها أنكيدو ليدخل في عالم البشر: يأكل الخبز، لا العشب، يشرب البيرة لا الماء. وحين مارس العمل الجنسي طُرد من نظام الطبيعة: "حين شبع من اللذة التي أعطته إياها الطبيعة، أراد أن يعود إلى سرابه. ورأت الغزلان أنكيدو فهربت. رأته الحيوانات المُفترسة فابتعدت عنه. وأراد أنكيدو أن ينطلق في إثرها... ولكنّه صار ضعيف البنية. صار عاجزًا فما عاد يستطيع أن يركض كما في السابق ".
ولكنّه تفتّح ووسعّ عقله، وصارت المواجهة بين جلجامش وأنكيدو مواجهة بين قوّتين مُتساويتين. لن يستطيع الواحد أن يتغلّب على الآخر. إذًا، سيتعاونان ليحتلاّ العالم. وسارا في رحلة على جبال الأرز فقتلا المارد هومبابا الذي يحميه إله الشمس.
فرح جلجامش بانتصاراته وانتشى، فأبغض الآلهة وقرّر مهاجمتهم. أحبّت عشتار هذا البطل وقدّمت له حبّها فرفضه بازدراء. أحسّت الإلاهة بالاهانة، فأجبرت أباها (إله السماء) أن يرسل على مدينة أوروك ثورًا هائلاً. ولكنّ جلجامش قتل الثور (بمُساعدة انكيدو)، فوصل إلى قمّة مجده، لأنّه استطلاع أن يتغلّب على الضربات التي ترسلها الآلهة نفسها.
وواجه الآلهة مشكلة الحد من قوّة جلجامش. أرادوا تدمير البشريّة، فأرسلوا الطوفان، وأرادوا قتل الإنسان وتدمير كل حياة فلجأوا إلى المواجهة الحالة فذكّروا جلجامش أنّ الموت موجود. إذًا، مات أنكيدو، ففهم صاحبه أنّ لكل حياة نهاية.
يحتل مرض وموت انكيدو اللوحتين السابعة والثامنة. وإذ أراد جلجامش أن يتغلّب على الموت لجأ إلى حيل ثلاث. بدأ فأنكر واقع الموت، رفض أن يدفن صديقه. ولكن أنتن الجسد وخرج الدود من أنفه. والمُحاولة الثانية: صنع تمثالاً يذكّره بجسده (جسد صديقه) الذاهب إلى الزوال. ولكن فهم جلجامش أنّه مهما علت قيمة المواد المُستعملة، ومها ندرت مهارة الصنّاع، إلاّ أنّ التمثال جامد لا يتحرّك. حينئذ حاول جلجامش أن يفلت هو نفسه من الموت. فبدأ سفرة طويلة يبحث فيها عن شجرة الحياة. التقى كائنات عجيبة: الإنسان العقرب الذي يحفظ الطريق التي تمرّ فيها الشمس خلال الليل. وصاحبة المقهى التي هي سيّدة الملذّات الجنسيّة. نبهّته أنّ الموت هو حصّة البشر فعلى طالب الحياة أن يبحث عن اللذّة، ويجب أن تكون اللذّة متواصلة: "أنت، يا جلجامش، ليكن بطنك مُمتلئًا". وحين وصل جلجامش إلى أقاصي الأرض عبَر "مياه الموت" فوصل إلى المكان الذي يعيش فيه الإنسان الوحيد الذي لم يمت لأنّه أفلت من الطوفان: إنّه أوتانفستيم. وهو يروى له خبر الطوفان. ثمّ يُشفق عليه فيدلّه على شجرة الحياة الموجودة في قعر البحر. ينزل جلجامش ويأخذها، ولكنّ الحيّة أكدت الشجرة وهو عائد بها إلى الأرض. ويُبيّن النشيد أنّ الخلود الوحيد الذي يجب على الإنسان أن يطمح اليه هو تواصل نسله ومدينته. "إصعد، يا اورشنابي، على سور أوروك وتجوّل، تفحّص الأساسات، ودقّق في القواعد. أنظر: هل القواعد من اللبن المطبوخ؟ وهل وضعَ الحكماء السبعة الأساس"؟
وتورد اللويحة 12 حوارًا بين جلجامش وأنكيدو حول مصير البشر بعد موتهم في الجحيم. إنّها قد أخذت عن التقليد السومري.
* دورة "ملوك أجادي". تشبه مآثرُهم الراويةَ التاريخيّة والسيرة التقوّية. أمّا الملوك المذكورون فعاشوا في شمال بلاد الرافدين.
* أعمال سرجون. تُبيّن كيف دخل الملك الشيخ إلى الأناضول الأوسط. نحن نملك قطعة صغيرة من عمل أوسع. وقد حفظ لنا الحثيون في لغتهم خبرًا ملحميًا يتعلّق بملك أجادي.
* أسطورة ملك كوتا. تتطرّق إلى هزائم حربيّة مُني بها أحد خلفاء سرجون على العرش وهو نرام سين. فالكون كلّه ثار عليه باجتياح غرباء نصفهم بشر ونصفهم حيوان.
* أعمال توكلتي نينورتا. تألّفت من 700 بيت شعر وأنشدت أمجاد ملك أشور الذي سيطر على بابل المجيدة.
وهناك تآليف تروي حملة هدد نيراري على نازى ماروتا، وشلمنصّر على الأرمن. وقد وُجد في أرشيف مارى ملحمة (100 بيت شعر) تُنشد الحملات التي انتصر فيها الملك زمري ليم، كيف نُصّب ملكًا بطريقة احتفالية في معبد داجون الكبير في طرقة.

4- تسابيح وصلوات
إنّ بنية التسابيح الأكادية بسيطة: سلسلة من الأوصاف والمدائح تتوجّه إلى الإله. يتحدّث التسبيح عن الإله أو يوجّه الحديث إليه. أو هو الإله يتكلّم فينسب إلى نفسه كل قدرة كل مجد.
* نشيد لشمش. يعود إلى النصف الثاني من الألف الثاني. شمش هو الإله الشعبي في مجمع الآلة وله معابد في لارسا في أرض سومر، وسيبار في أرض أكاد، ولكنّه ليس الوجه الأوّل. فوالده سين، إله القمر، يتقدّمه. كما أنّ آلهة الحرب دخلت في ميتولوجيا واسعة. وكانت أيّام سيطر فيها انليل، مردوك، عشتار. شمش هو الإله الذي يحمل النور إلى العالم، ولهذا فهو عدو الظلّ، وما هو خفي وما نريد أن نخفيه. شمش هو إله العدالة وهو إله العرافة الذي يكشف مستقبلاً لا ندركه. يتضمّن التسبيح المقدّم له 200 بيت شعر ذات طابع لاهوتي. فالشاعر يعبّر عن سجوده لمن سمّي "راعي البشر".
* تسبيح لعشتار. وعشتار هي أيضاً موضوع أدب واسع. بقي لنا تسبيح جميل ني مخطوط يعود إلى بداية القرن 17، فيساعدنا على تحديد العلاقة بين التسبيح وشعائر العبادة. يُنشد النص عشتار "إلاهة الحب" ومعطية الفرح والخصب. هي الأولى بجانب زوجها آنو، وهي تتشفّع لدى الإله العظيم منح الملك مجدًا وحياة طويلة. أمّا الملك فهو: عمي ديتانا الذي يقدّم تقدماته للإلاهة فيقول لها: "يا عشتار أعطي عمّي ديتانا، الملك الذي يحبّك، حياة طويلة ومديدة".
* نشيد لجولة. نشيد شعبي (مخطوطات عديدة) وُجّه إلى جولة، الإلاهة العطوفة التي تملك على عالم الطب وتعتني بالمرضى. نَصّ مؤلّف من 200 بيت شعر وموضوع في فم جولة. يعود هذا النشيد إلى حقبة الكاسيين. أي القسم الثاني من الألف الثاني. أمّا كاتبه فهو: بولوسا رابي ومعناه: امكانيّتها عظيمة لتخلّص من الموت.

5- كتب الطقوس
تدلّ كيف يسير احتفال ديني. إنّها تصوّر بدقّة الحركات التي يقوم بها المُحتفل، وتردّد الأقوال التي يتلفّظ بها. ويكتفي الكاتب مرارًا بإعطاء بداية النصّ.
تتعلّق كتب الطقوس بالعبادة، بالأعياد، بالنشاطات الدينيّة المُتعدّدة ومنها الحاجة الماسة إلى التطهير والتوضوء.
تعود بنا العبادة إلى تمثال الإله: نكرّسه، ننظّفه، نقدّم له الطعام والذبائح اليوميّة. إنّ النصوص السومريّة تُلمّح إلى هذه الاهتمامات، ولكنّنا لا نملك كتاب طقوس في اللغة السومريّة. أمّا أقدم كتب النصوص، فنجده في الأكادية، وقد وُجد في أرشيف ماري وتضمّن شعائر العبادة المُقدّمة للالاهة عشتار في هذه المدينة. ولكنّ أوروك هي التي تعطينا أكبر مجموعة كتب الطقوس: تهيئة جلد البقرة الذي سيكون الطبل المقدّس في الاحتفالات الدينيّة، الترتيبات الضرورية من أجل الأطعمة، الذبائح المُقدّمة لتمثال الإله.
وأفضل نموذج لعيد يتكرّر هو عيد رأس السنة (أكينو). يمتدّ العيد 12 يومًا. وكتاب الطقوس يدلّ كيف يحتفل المؤمنون بالعيد. وهناك عبادة الملوك المتوفّين التي يذكرها كتاب الطقوس (كسفوم) الذي وُجد في ماري. وهناك كتاب طقوس تتويج الملك الذي يعود إلى الزمن الأشوري الوسيط: تجري الاحتفالات في الهيكل وفي القصر ويتصرّف الملك في المرحلة الأولى كتقي من الأتقياء، وفي المرحلة الثانية كملك من الملوك. وهناك كتب طقوس تجعلنا نستعوذ من الشر: مقلو أو الحريق، شورفو أو الترميد.

6- الصلوات الفرديّة
تحوّلت هذه الصلوات وتوسّعت منذ نهاية الألف الثاني، ولكنّنا لا نعرف كيف نحدّد تاريخ تأليفها.
* نصوص يحاور فيها المؤمن إلهه. صلاة الملك أشور نصير أبلي لعشتار. صلاة أشور بنيبال للاله نبو.
* صلوات ذات هدف عملي: الطلب إلى هذا الإله أو ذاك أن ينهي مصيبة المؤمن: طبيعة الشر، طقوس تطهير لنتخلّص من هذا الشر وقد توضع مع شعائر مثل "غسل الفم" أو التطهير بالحريق كطقوس "مقلو" و"شورفو".
يدعو المؤمن الإله ويمدحه، ويعرض عليه الشر الذي يحصل له، ويَعِدُه بأن يقدّم له شعائر العبادة: لو أستطيع أن أمدحك دومًا. وهناك نصوص نجد فيها لائحة بخطايا قد يكون المؤمن اقترفها. وإذا كان هناك من شك، فن الأفضل أن نقرّ بكل ما عملناه ضدّ الإله وضدّ الإلاهة. يتكلّم المصلّي أو يتكلّم الكاهن بأنه. وفي أي حال، يكون الكاهن موجودًا ليذكر المؤمن بواجباته: فأيّة خطيئة طقسيّة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل المجيء إلى الهيكل.

7- الأدب الحكمي
إذا عرفنا أنّ الأنواع الأدبية في بلاد الرافدين تقتصر على الفن الإخباري أو الغنائي، نفهم انّنا خارج أيّة نظرية فلسفية. فإذا كانت بعض القصائد (ملحمة جلجامش مثلاً) تدعونا إلى التأمّل، فوجهتها الأولى هي إدخالنا في عالم من الأخبار والمغامرات. غير أنّ اللويحات المسماريّة ستقدّم لنا بعض مؤلفات تعلّمنا كيف طرح الناس مسألة الشر .

أولاً: الربوبية البابلية
هي قصيدة بشكل حوار تدلّ على رأي المؤلّف في عدالة الله. تتألّف القصيدة من 27 دوراً (كل دور يتألّف من 11 بيتًا شعريًا). وتتوالى المقاطع الصوتية السبعة والعشرون الأولى: "أنا سجّيل كينا موبيت المعزِّم وخادم الآلهة والملك". الكاتب هو "الحكيم العظيم " الذي عاصر نبوكد نصّر الأوّل وهدد ابلا ادينام (نهاية القرن"- نصف القرن 11 ق. م.). 
أوّل المُتكلّمين هو انسان مرمرته الحياة. لم تسر الأمور معه كما يُرام منذ طفولته. فشكّ بالدين وارتاب بالأخلاق. فآبان له المتكلم الثاني قيمة ما يرتاب فيه: انّ الذي يشكّ يقرّ أنّه لا يفهم مقاصد الآلهة. وسيقنعه في النهاية. نحن هنا أمام مؤلّف من مستوى عال. وإليك مقطعًا منه: "إنّ الذين لا يطلبون الرب يسيرون في طريق من السعادة، بينما يفتقر ويخسر خيراته العنيدون في حبهم للإلاهة". أجابه صاحبه: "أيّها الرجل الصالح والعاقل، لا معنى لكل ما تردّده هنا! فمقاصد الله بعيدة عنّا بعد السماوات. فنحن لا نقدر أن نفهم ما يخرج من فم الإلاهة".

ثانيًا: البار المُتألّم
يبدأ هذا النشيد بالكلمات التالية: "أريد أن أمدح رب الكلمة". إنّ هذا النشيد الذي يذكّرنا بأيّوب، يتألّف من مونولوج طويل مدوّن على أربح لويحات. كتبه في نهاية الألف الثاني شوبشي مشري شكّان وهو عظيم عُزل من وظيفته. تشكّى من شقائه بعد أن خسر ثقة معلّمه. إنّه لم يستحق هذا الشقاء الذي وصل إليه. رأى في حلمه ثلاثة أحلام مُتعاقبة، أشخاصًا يتشفعون به. وحمل اليه مبعوث مردوك الغفرانَ الإلهي والوعدَ بسعادة جديدة. طُرح سؤال: "لماذا يكون البارّ تعيسًا"؟ فجاء الجواب. "لأنّ طرق الله لا تُدرَك ". ويبدو أنّ الجواب جاء ليمتحن المؤمن.

ثالثا: حوار التشائم
نحن أمام 11 دورًا غير متساوية. يُعطي السيّد لعبده أوامر مُتناقضة، فيوافقه العبد. ونستنتج أنّ النشيد يريد أن يبيّن أنّ الحياة عبث كلّ شيء يُساوي ضدّه. أمّا الواقع الحقيقي فهو الموت. وفسّر شرّاح آخرون هذا النشيد على أنّه هجاء شخص عديم الإرادة، فيهزأ به عبده ويقول له في كل وقت: أنت على حق.
حين يطلب السيّد ماء ليقدم ذبيحة، يقول له العبد: "إفعل، يا سيّدي، افعل! فالإنسان الذي يقدّم ذبيحة لإلهه يفرح قلبه وينال نعمة فوق نعمة". وحين يغيّر السيّد رأيه، يوافقه خادمه فيقول له: "لا تفعل، يا سيدي، لا تفعل. فإنّك تعوّد إلهك على أن يتبعك كالكلب، أو أن يقول لك: "طقوسي" أو "الا تسأل الهك "، أو "أشياء أخرى".

8- مجموعات الشرائع
أشهرها مجموعة حمورابي ملك بابل (بداية القرن 18 ق. م.). تتألّف من 282 شريعة نحيط بها مقدّمة وخاتمة. أمّا المقدّمة فنشيد يمتدح الملك فيه نفسه، والخاتمة فقصيدة غنائية تحتفل بملك العدل الذي يؤمّن النظام ويُحارب الظلم. وهناك لعنات تهدّد من يدمّر النُصب الذي حفرت عليه هذه الشرائع. أمّا هدف النُصب فهو أن يبيّن للأجيال اللاحقة أنّ حمورابي كان "راعيًا صالحًا". لم يحاول الملك أن يجمع كل الشرع المعمول به في مملكته، بل أعلن سلسلة من القرارات حول مسائل متعدّدة مثل السرقة واحتلال الأرض والإيجار والقروض والعائلة والأسعار. لم يكن العرض منظّمًا ولا كاملاً. ثمّ تُقدَّم حالات يحكم فيها الملك، وهكذا نجد مسائل عديدة مطروحة في هذا النصب. 
انتشرت شرعة حمورابي انتشارًا واسعًا ونسخت على لوحات طينية حتّى زمن متأخّر.

9- النصوص التاريخية
عرف النثر البابلي كماله مع الخبر التاريخي، فصوّر حملات ملوك أشورية العسكرية. نحن أمام خطبة يلقيها الملك، فينسب إلى نفسه قيادة الحرب والحصول على النصر ظهرت النصوص الأولى في بداية الألف الثاني، وتوسّع الفنّ كثيرًا انطلاقًا من الملك أشور نصير أبلي وخاصة مع سرجون الثاني الأشوري وخلفائه.
تُحفر النصوص على سطح صخرة أو على نصب تمّ عنده الحدث، ويصوَّر الملك مع الإله الأشوري الذي أعانه. نذكر الحوليّات والكرونيكات ونظام الأسماء.
هناك الحوليّات التي تجمع حملات عديدة، تمتدّ على سنوات. قد تُحفر على بلاط القمر أو أنصاب الهياكل أو على أسطوانات وموشورات طينية توضع في أسس القصور أو الهياكل. وتكون بنية نص الحوليّات الأشوري من ثلاثة أقسام: المُقدّمة التي يعلن فيها الملك الوضع السياسي ويعدّد صفاته التي تدل على علاقاته المظفّرة مع البلدان التي أخضعها، وعلى علاقات الخضوع التي لربطه بالآلهة التي نعم بحظوتها. ثمّ يبدأ الخبر التاريخي بحصر المعنى. والقسم الثالث يخبر كيف بنى الملك، حين عودته من الحرب، قصرًا لتمجيد الملك أو معبدًا لإظهار عرفان الجميل للآلهة.
وجُمعت هذه النصوص كثرت، فاجبر "أصحاب المكتبة" على تلخيص الحوليّات الأولى. وهدفت كلّها إلى تمجيد قدرة الملك والحديث عن سعادته. ووجهات الخبر معروفة: النصر سهل، والهزيمة غير موجودة، والعدوّ يستحق كل بغض... وتتكرّر الكلمات التي تورد مسيرة الجيوش الأشوريّة المظفّرة: تركت المدينة الفلانية، ووصلت إلى مدينة أخرى، أحرقتها، سلبتها... حين نقرأ هذه النصوص نحسّ بقوّة الأشوريين المظفّرة ونفهم أن يكون الشرق كلّه أحسّ بالرعب من ذاك الشعب. ونذكر هنا سلب شوش ومحاولة محق هذا الشعب المتحرّر دومًا، وتصوير الجبال الأرمنيّة وحدائق أورارطو، كل هذه تحف من النثر البابلي.
وعرف ملوك بابل الكرونيكات التي تتضمّن عرضًا منظّمًا لأحداث كل ملك. لا مديح ولا إطراء، بل إنّ الكتبة لا يتورّعون من الحديث عن شقاء بابل.
وهناك فنّ أدبي ثالث انحصر في أشورية، هو نظام الأسماء. فهذه النصوص تورد لنا لائحة بالحكّام والقضاة وبملخّص بأهمّ حدَثٍ حصَل خلال السنة.

10- النصوص التقنية
تمثّل "النصوص التقنية" مجموعة كبيرة جدًّا تنحصر فائدتها في الاختصاصي. فهي خليط غريب ومزيج تعمّه الفوضى.

أولاً: لويحات التنجيم
إنطقت بلاد الرافدين من المبدأ القائل إنّ كل الأحداث التي تتمّ حول إنسان من الناس (مهما كانت بسيطة) لها أهميّتها، لأنّها تكشف ذلك الإنسان قبل أن يكون لها قوّة ضاغطة على مستقبله. قالت التقاليد إنّ هناك ملكًا جاء قبل الطوفان فأوحي اليه فنُّ التنجيم. ولكنّنا ننتظر القرن 17 لنجد في اللغة الأكادية أولى مجموعات "الإنباءات" السابقة.
ويتسّع عالم التنجيم اتساع العالم، وهناك سلسلات مُتعدّدة:
الأولى: "أنوما أنو انليل " أي: حين انو، انليل... هي السلسلة الافلاكية الكبيرة التي تتضمّن أقلّه 70 لويحة، وفيها الإنباءات المأخوذة من النظر إلى الحياة اليومية، من نشاط الحيوان والنبات، من السلوك البشري (تكرّس لويحة كاملة للنشاط الجنسي). كل هذا كان مناسبة للتنبّؤ بالمستقبل.
الثانية: شوما أتو" أي: "اذا مدينة... " تضمّنت 100 لويحة. نحن في عالم الأحلام ونجد هنا "مفتاح الأحلام ".
الثالثة: "شوما إزبو" أي: "اذا كان رجل مشوَّه ". يلاحظون التشويه عند الطفل البشري أو عند صغار الحيوان.
كل هذا ينطلق من ملاحظة أحداث خارجية حصلت صدفة. ولكن يمكن أن نخلق حدثًا ونتأمّل فيه. وأشهر تقنية هي الحيوان وملاحظة أحشائه ولا سيّمَا الكبد منها. فالآلهة نفسها دوّنت المستقبل هنا. وكانت كتب عديدة في هذا المجال: دراسة الاكباد، دراسات الأيّام (أيّام النحس وأيّام السعد) والتنبّؤات البابلية المجرّدة عن كل واقع.
قد يصيب التنبّؤ الملك فتتأثّر البلاد كلّها. وقد يصيب فردًا من الأفراد. ومهما يكن من أمر، كانت هذه النصوص شعبيّة فكثرت نسخاتها.

ثانيًا: نصوص حول الطب والرياضيات
* الرياضيّات
نجد نصوصًا منذ بداية الألف الثاني وهي تتألّف من ألواح عددية لعمليات الجمع والطرح... كما نجد؟ مسائل عن حساب المساحة والحجم مع حلّ المسألة. فكأنّنا أمام كتاب حساب يستعمله طلاّب ذلك الزمان.

* الطب
جاء مُتأخّرًا. هناك لويحة سومريّة قديمة، وما تبقى يعود إلى نهاية الألف الثاني وما بعد. تعطينا هذه النصوص طريقة الفحص الطبّي ووسيلة الشفاء من المرض أكانت وسائل سحرية أو حسب فنّ الصيدلة.
الفصل العشرون
الكتابات الحثّية

أ - المقدّمة
1- الشعب الحثّي
قبل اكتشاف الحضارة الحثّية عبر البقايا الأركيولوجية، عُرف هذا الشعبُ بواسطة مراجع غير مباشرة وهي نصوص من بلدان مجاورة: العهد القديم، وثائق مصرية وأكادية، رسائل تلّ المعارنة.
أوّل فكرة عن الحثّيين وصلت إلينا من مقاطع في التوراة (حثّي في العبرية). يُذكرون مع الشعوب التي أقامت في كنعان (فلسطين)، حين وصل إليها إبراهيم وعشيرته: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام عهدًا قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض: من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات: القينيين، والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والأموربين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين" (تك 18:15- 21). ويحدّد مقطع آخر مساكن هذه الشعوب ومنهم الحثيون: "العماليقي يقيم في أرض النقب، والحثي والبيوسي والأموري يقيمون في الجبل، والكنعاني يقيم عند البحر وعلى ضفة الأردن" (عد 13: 29).
وفي زمن الملوك، بدا الحثيّون قوة عسكرية هامة، فاستطاعت أن تلعب دورًا مماثلاً لدور مصر ونقرأ 2 مل 6:7- 7: "كان الرب قد عفي معسكر الأراميين صوت مركبات وصوت خيل وصوت جيش عظيم. فقال بعضهم لبعض: هوذا ملك إسرائيل قد استأجر علينا ملوك الحثيين وملوك المصريين ليزحفوا علينا". ويظهر الطابع الحربي للحثيين (وهذا ما ستؤكده الاكتشافات اللاحقة) من خلال حادث أوريا الحثي. فنحن نقرأ في 2 صم 11: 1 -13 أن أوريا تصرّف ككل جندي شجاع ففضّل أن يقضي ليلته مع الحرس على باب القصر الملكي، ولا يستفيد من راحة بيته. قال الكتاب: "قال داود لأوريا: أما جثت من السفر؟ فما بالك لا تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إنّ تابوت العهد وإسرائيل ويهوذا يقيمون تحت الخيام، ويوآب سيّدي وضبّاطه يعسكرون في الحقول، وأنا أدخل إلى بيتي واكل وأشرب وأنام مع امرأتي "؟

2- اكتشاف موقع بوغازكوي- حتوسا
خلال القرن التاسع عشر، بدأ العلماء يذهبون إلى آسية الصغرى بحثًا عن آثار قديمة، فوصلوا إلى الأناضول الأوسط. وفي تمّوز 1839 اكتشف عالم فرنسي (شاول تاكسيه) قرب قرية بوغازكوي (تبعد 150 كلم إلى الشرق من أنقره) آثار مدينة كبيرة ومحصّنة، ومبنى محفورًا في الصخر، ومعبدًا بهذه المدينة. وبدأت التنقيبات، فاكتشف الباحثون عددًا من اللويحات الطينية على تلّة بيوك كالي حيث كان القصر الملكي. كان هناك مخزن أرشيف ومكتبة غنيّة جدًّا. وبين هذه الوثائق، رسائل مكتوبة في الأكادية (اللغة الدبلوماسية في ذلك الوقت) دلّت العلماء على أنّ المدينة هي حتوسا (حا أت توسا آس) عاصمة الدولة الحثّية.
كان موقع هذه المدينة على تلّة عالية، فنعمت بموقع استراتيجي. ثمّ صارت العاصمة حوالي سنة 1650 وعرفت ازدهارًا حتى دمارها المُفاجئ في القرن 12. واكتُشفت أبنية ضخمة (قصور، هياكل بسيطة وبيوت عادية) وأوانٍ عديدة دلّت على تقاليد الحثيين وعاداتهم وفنونهم.
بعد أن سقطت المملكة الحثية في ظروف غامضة، ارتبطت ولا شكّ باضطرابات القرن 12، تخلّى السكان عن حتوسا بصورة مؤقّتة. ولكن بعد القرن التاسع، وُجدت آثار سكن لجماعة إثنية لم تحدّد بعد، على تلة بيوك كايا. ودلّت كتابات وفخاريات من القرنين السابع والسادس ق. م. على أنّ الفريجيين أقاموا في هذا المكان. ولمّا كان العهد الهلّنستي والروماني، انطفأ بريق حتوسا فصارت مدينة ذات أهمية ضئيلة جدًّا.

3- الكتابة المسمارية لدى الحثّيين
ظلّ موقع بوغازكوي حتى سنة 1973 النبع الوحيد للوثائق المسمارية. ولكن تمّت اكتشافات في تابيغا وهي مدينة على حدود المملكة، في تلّ مساط الذي يبعد 116 كلم إلى الشمال الشرقي من بوغازكوي، وهكذا اغتنت الوثائق التي بين أيدينا والتي تعود إلى حقبة تمتدّ بين 1650 و 1200 ق م.
دوّنت هذه النصوص في المسمارية حسب مبدأ المقاطع الصوتية، وهو نظام كتابي اتّخذه الحثّيون عن طريق سورية الشمالية.
لغة جديدة غير سامية، وقد أخذت كلمات سومرية وأكادية عديدة. إذا تحدّثوا عن شخص وضعوا أمام اسمه: رجل أو امرأة. وإذا تحدثوا عن إله وضعوا كلمة الله قبل اسمه. وكذا يفعلون إن تحدّثوا عن مدينة أو بلاد أو جبل.
دوّن الحثّيون كتاباتهم على لويحات من الطين أو الخشب، ولكن لم يبق لنا إلاّ اللويحات الطينية التي كُتب على وجهها وقفاها. واعتاد الكتبة على استعمال الكولوفون ليدلّوا على نهاية النص. وإليك مثلاً عن ذلك: "لويحة توتحليا (الملك الكبير) الثانية، لوحة القسم. النهاية. وانكسرت هذه اللوحة فجدّدتها أنا دودا بحضور محوزي وحلفازيتي ".

4- حل رموز اللغة الحثّية
منذ أوّل اكتشاف للويحات بوغازكوي سنة 1906، اهتمّ فريق ألماني بالولوج إلى سرّ هذه اللغة غير المفهومة التي دوّنت على معظم هذه الوثائق وكانت، على ما يبدو، لغة الحثيين. عنصران سهّلا عمل الفريق الباحث: كتابات مقروءة ووجود معرّفات سورية وأكادية تشير إلى المعنى العام للنص. وسوف ننتظر سنة 1914 وما بعدها ليتوصّل حروزني العالم التشيكي، إلى اكتشاف تصريف الأسماء والأفعال. وكانت أوّل جملة قرأها: تأكلون خبزًا (نيندا في السومريّة) وتشربون ماء. وكان تقدّم سريع أظهر أنّ اللغة الحثّية لغة هندو أوروبية.
اللغة الحثّية أو اللغة الناسية (إرتباطاً بمدينة ناسة) لغة متطوّرة. هناك الحثيّة القديمة (القرن 18 إلى منتصف قرن 15)، والحثّية الوسيطة (القرنان 15- 14)، والحثّية الملكيّة أو المُتأخرة التي تعود مجمل وثائقها إلى القرن الثالث عشر وقد تكلّم هذه اللغات مناطق واقعة بين أنقرة، صاروم، صيواس، قيصري.

ب- أدب الحثّيين
1- النصوص التاريخية
نذكر حوليات الملوك أو كتاباتهم، كرونيكات المملكة أو القصر، مقالات متنوّعة، رسائل دبلوماسية. وإنّنا لنستطيع بفضل هذه الوثائق، أن نتتبعّ التاريخ السياسي في الأناضول منذ البداية: تكوين الدولة الحثّية، نموّ قوتها وانتشارها، بناها ونظمها، علاقاتها مع البلدان المجاورة. ولقد أعلمتنا أعمال الملوك أوّل ما أعلمتنا، بالحملات العسكرية في الأناضول أو في شرقيه. وقالت لنا فكرة هذا الشعب عن دور الملك الحثّي (حاسوس أي رجل من نسل طيب) الذي يعتبر نفسه كيل إله العاصفة والذي يمارس سلطة مُطلقة في المجال السياسي والحربي والديني.
أقدم نموذج لهذا النوع من النصوص يعود إلى أنيتا، ملك كوسارا، وهو يورد أحداثًا تعود إلى نهاية القرن الثامن عشر أو بداية القرن السابع عشر نجد فيه إشارات إلى مساكن الحثيين الأولى في منطقة قيصري، وعن وضعهم السياسي والعسكري قبل تكوين دولتهم. وقد وُجدت نسخات عديدة لهذه الوثائق في أرشيف بوغازكوي، وتعود أقدمها إلى الحقبة الأولى: "تحلّم انيتا بن فتحانا ملك كوسارا: كان عزيزًا على قلب إله عاصفة السماء. وبما أنّه كان عزيزًا على قلب إله العاصفة، فملك ناسة كتب إلى ملك كوسارا... نزل ملك كوسارا بقوّة من المدينة، واستولى بعزم على ناسة خلال الليل. أمسك ملك ناسة ولم يُسئ إلى أحد من أبناء ناسة... بل جعلهم أمّهات وآباء. ولكن بعد أبي فتحانا، وفي السنة عينها، قاومت تمرّدًا. مهما كان وضع البلاد ثائرًا، فقد قاتلتهم بمعونة الإله شمش ".
ويعود الفضل إلى الملك حتوسيلي في تأسيس المملكة الحثّية وجعل عاصمتها حتوسا حوالي سنة 1650: "هكذا تكلّم حتوسيلي الملك العظيم، ملك أرض حتي ورجل كوسار: حكم في أرض حتي الملك وهو ابن شقيق توانانا. هجم على مدينة سنويتا. لم يدمّرها ولم يخرب أرضها. وتركت الفرق العسكرية ترتاح في موضعين وأعطيتها كل القطعان الموجودة هناك. ثمّ زحفت على مدينة زلفا فدمّرتها واستوليت على آلهتها وأعطيت ثلاث مركبات لارينة إلاهة الشمس. وفي السنة الثالية زحفت على مدينة ألالخ فدمّرتها ثم على مدينة ورسوا... "
وتظهر شخصيّة هذا الملك المُميّز الذي وضع الأسس لنموّ القوّة الحثّية، عبر وصيّته السياسية. فهذه الوثيقة هي فريدة من نوعها في الأناضول بل في الشرق الأوسط. مرض الملك الشيخ، وأحسّ بدنوّ أجله، فاهتمّ بمسألة خلافته. لم يكن له ابن، فتبنّى ابن أخته الذي خيّب أمله: "تكلّم الملك العظيم أمام المجلس كلّه، أمام الجيش والعظماء: ها أنا مريض، وقد أعلنت هذا الشاب ملكًا، وهو سيجلس على العرش. أنا الملك دعوته ابني، وقبّلته ورفعته واهتممت به. أما هو فظلّ صبيًا، ولم يبدُ أنّه كان أهلاً لأن يقدَّم لكم: لم تدمع عيناه، لم يتصرّف بمحبّة، بل كان باردًا وجافّ القلب. أنا الملك أمسكته وجئت به قرب سريري. أما يرفع أحد ابن أخته؟ هو لم يهتمّ بكلمة الملك، بل اهتمّ بكلمة أمّه الحيّة. وجّه إليه الإخوة والأخوات كلمات باردة، فاستمع دومًا إلى كلماتهم. أمّا أنا الملك فسمعت... وبدأت أخاصم... ولكنّ هذا يكفي. إنّه ليس ابني... وأنا الملك هل أسأت إليه؟ أما جعلته كاهنًا؟ وجّهته دومًا شطر الخير، ولكنّه لم يتصرّف تصرّفًا مرضيًا تجاه إرادة الملك. كيف تستطيع إرادته أن تحتفظ بموقف صداقة من أجل خير حتوسا. أمّه هي حيّة. وهذا ما سيحدث: سيسمع كلمات أمّه وإخوته وأخواته ويتقرّب منهم. وحين يقترب منهم سوف ينتقم. والآن فمورسيلي هو ابني. أقرّوا به، وأجلسوه على العرش، وليجعلِ الإلهُ في قلبه العديد من المواهب. فالإله سيضع أسدًا محلّ أسد".
وستدلّ مسيرة التاريخ على أنّ الملك الشيخ كان على حق. فمورسيلي كان خير خلف لخير سلف. فاتّبع سياسة حتوسيلي بأمانة وقوّة.

2- النصوص القانونية
هناك نوعان من النصوص: الشرائع وتفاصيل الدعاوى. والنوعان يعطياننا فكرة عن المجتمع الحثّي في حياته اليومية وفي عاداته.
اكتشفت لويحات عديدة في بوغازكوي تتضمّن مقاطع عن الشرائع. نحن لا نملك شرعة حثّية حقيقية، إذ ينقصنا ما يتعلّق بالتبنّي والإرث والقتل عمدًا... إلاّ أنّ باستطاعتنا أن نكوّن فكرة عن تشريع الحثيين وتطوّر هذا التشريع عبر الزمن. فماذا نظرنا إلى الشكل، وجدنا أنّ الشرائع الحثية تشبه سائر شرائع الشرق الأوسط (جمل شرطية: إذا اقترف ذنبًا يستحقّ العقوبة التالية). أمّا إذا رحنا إلى العمق، فالإجراءات تجاه المذنبين تُتَّخذ بروح مختلفة. ولقد ورع الأخصّائيون مجمل الشرائع الحثّية في سلسلتين وجعلوا في كل سلسلة مئة مقطع. تبدأ السلسة الأولى بالعبارة: إذا رجل. والسلسلة الثانية بعبارة: إذا كرمة.
إذا عمي رجل خلال مُشاجرة، فعلى الفاعل أن يقدّم وزنة فضّة. أمّا إذا كانت يده وحدها هي التي فعلت، فيقدّم عشر شواقل من الفضّة.
إذا عمي عبد خلال مُشاجرة، فعلى الفاعل أن يقدّم 20 شاقلاً من الفضّة. وإذا كانت يده وحدها هي التي فعلت، فيقدّم عشرة شواقل من الفضة.
إذا عضّ أحد أنف عبد أو أمة، وجب عليه أن يعطي 15 شاقلاً من الفضّة.
إن أخرج الرجل الجنين من بطن امرأة حرّة، وجب عليه أن يدفع 20 شاقلاً من الفضّة.
إن أخرج رجل الجنين من بطن أمّه، وجب عليه أن يدفع 10 شواقل من الفضّة.
إن قطع أحد كرمة، وأخذ الكرمة المقطوعة، فإن أزدهرت الكرمة وجب عليه أن يعطيها لسيّد الكرمة، ويواصل تشذيبها لنفسه حتّى تزدهر كرمته.
إذا اتّخذ رجل امرأة في الجبل فهو مخطئ ويجب أن يموت. أمّا إن أخذها في البيت، فالمرأة مخطئة ويجب أن تموت. فإن وجدهما الزوج وقتلهما فهو لم يقترف ذنبًا.
أمّا الوثائق التي تورد تفاصيل الدعاوى فهي قليلة، وتتضمّن أقوال المتهمّين والشهود في المحكمة.

3- النصوص الميتولوجية
تبدو النصوص الميتولوجية التي اكتشفت في بوغازكوي معقّدة جدًّا. وما نسمّيه "ميتولوجيا حثّية" هو نتيجة عناصر انتمت إلى إتنيات مختلفة استعادها الكتبة وجمعوها في نسخات جديدة وحوّروها وزادوا عليها عناصر أصيلة. لهذا، يبدو من الصعب أن نميّز ما حملته كل إتنيّة من الاتنيات. إلاّ أنّ النصوص تبرز مركّبين أساسيين: الأوّل أناضولي أو سابق للعالم الحثّي، والثاني غريب.
لم تتكوّن الميتولوجيا الحثّية تكوينًا تاما على مثال رفيقاتها في الشرق الأوسط، فارتبطت بكتب الروس والعبادات، ولم تبرز كفنّ أدبي حقيقي. يمثّل إله العاصفة الصورة الرئيسية في هذه السطر، ولكنّه يحمل أيضاً المطر والازدهار والفقر. من أجل هذا، فراحة هذا الإله أو غضبه يشكّلان موضوعا محبوبًا في هذه الأخبار. وهكذا تتفسّر ظواهر الطبيعة. فحادثة إله العاصفة أو ابنه تلابينو الذي ضاع ووُجد، تشكّل موضوعًا رائجًا، وقد عرف نسخات عديدة وانطق على آلهة أخرى:
"هيّا الإله العظيم شمش وليمة ودعى آلاف الآلهة. أكلوا ولكنهم لم يشبعوا. وشربوا ولكنّهم لم يطفئوا عطشهم. فقال والد إله العاصفة للآلهة: ليس ابني هنا. غضب وحمل الغلّة، وحمل معه كلّ خير. وشرع الآلهة الكبار والآلهة الصغار يبحثون عن إله العاصفة. أرسل الإله شمش النسر السريع وقال له: اذهب، فتّش الجبال العالية، فتّش الوديان العميقة، فتّش الأمواج الزرقاء. عاد النسر ولم يجد شيئًا... فقال والد إله العاصفة: غضب إله العاصفة فيبس كل شيء وهلك الزرع... وعاد إله العاصفة إلى البيت واهتمّ بأرضه. ترك الضبابُ الشبّاك، ترك الدخان البيت، انتصب الآلهة على قاعدتهم، وانتصب الحطب في المدفأة، وانتصب الغنم في الحظيرة، وانتصب البقر في المذاود. قادت الأمّ ابنها، وقادت النعجة حملها، وقادت البقرة عجلها، وقاد إله العاصفة الملك والملكة واهتمّ بما للحياة والسعادة حتّى نهاية الأيّام ".
يرتدي تدوين سطر الشرق الأوسط شكلاً أدبيًا. فنحن أمام قصائد ملحمية انتقلت للحوريين. نميز فيها نصوصاً من أصل أكادي مثل ملحة جلجامش، أو كنعاني مثل خبر تاريخ الإله الكونيرسا وزوجته أسارتو، أو حوري مثل أناشيد أوليكومي وكومربي.

4- النصوص الدينية
إنّ الطابع المتشعّب للنصوص الدينية الحثية يعكس مزيج الحضارات التي التقت في أرض الأناضول، ولاسيّمَا ما حمله الحوريون من تقاليد ومعتقدات. ونميّز هنا ثلاث فئات: تسابيح وصلوات، كتب طقوس، تصوير الأعياد وشعائر العبادة.

* تسابيح وصلوات
نكتشف هنا علاقات الحثّيين بآلهتهم وهي علاقات تتميّز بوجهها الواقعي: عبد يكلّم سيده فيطب الحماية أو نعمة أو عونا أو خدمة. ونميّز أنواعًا من الصلوات: المرافعة: "حين حل الولاء قدم مورشيلي مرافعة". المذكّرة: تتوجّه إلى إله غاب أو غضب، فيحاول المؤمن أن يهدّئه أو يجعله يتحرّك ويفعل. المرثاة، المديح، النذور، الاستدعاء.

* كتب الطقوس
وجدت كتب الطقوس عديدة في المجتمع الحثّي. قد يكون المحتفل رجلاً أو ساحرًا، أو امرأة تسمى "العجوز"، أو "الحكيمة". فكان يتمّ كل احتفال سحري من أجل هدف محدّد: التطهير من الشر، وضع حدّ لحالة بائسة. أمّا أشهر الطقوس فهي طقوس الاستبدال: ينقل الشر والنجاسة من المتألّم إلى حيوان أو صورة. وهناك طقوس ضدّ الولاء في الجيش، ضدّ الخلافات العائلية، ضدّ الحرم، ضدّ الأرق، ضدّ العجز الجنسي، ضدّ السحر والوباء... وهناك طقوس تأسيس (بناء) وشفاء ووضع طفل وتكفير عن زنى داخل العائلة.

* الأعياد وشعائر العبادة
تتضمّن لويحات عديدة من بوغازكوي تصويرًا للأعياد والاحتفالات في مناسبات خاصّة إكرامًا لهذا الإله أو ذاك. إنّ للأعياد طابعًا رعيًا، وهي تتمّ في تاريخ مُعيّن وحسب برنامج محدّد. نصّ هذه الكتب طويل، لأنّ العيد يمتدّ أيّامًا عديدة بل عشرات الأيّام. ومن أهمّ الأعياد عيد الربيع، عيد الشهر، عيد الخريف، عيد الشتاء...
وتد حدّد لكل عيد احتفال خاصّ. وإليك ما قيل في عيد الربيع: اليوم الأوّل: إذا ذهب الملك إلى فوق، إلى حتوسا، وحين ينطق الملك من حتوسا، يذهب الملك والملكة من حتوسا إلى تاحوربا. ويدخل الملك إلى تاحوربا على مركبة... اليوم الثاني: في الغد، يدخل الملك والملكة إلى حتوسا، ويركض الحرس الشخصي ورجال الحاشية إلى جبل تيبوا، ويستحمّ الملك والملكة في بيت "ترنو". ثمّ يصعد الملك في مركبة خفيفة إلى حتوسا، ويلتئم المجلس الكبير في "حالنتو". اليوم الثالث: في الغد، تصل جزّة أربنا. طقوس بيت حالنتو. المجلس الكبير.
إنّ النصوص التي تتطرّق إلى شعائر العبادة، تترجم نظرة الحثّيين وممارساتهم الدينية وطريقة شكرهم للإله الذي يحميهم في حياتهم اليومية. وهناك نمطان من الممارسات الدينية: شعائر العبادة المحلّية مع تقاليد قديمة جدًّا، وشعائر عبادة الدولة التي يقوم بها الملك. وإذا تحدّثنا عن أدوات العبادة نجد موازاة بين الحجارة "حواسي" أو الأنصاب الحثّية، ومصبه التوراتية. فكلاهما ينتصبان في الهيكل أو المعابد الريفية ويرتبطان بالأشجار المقدّسة.

* نصوص التنجيم
مارس الحثّيون التنجيم، شأنهم شأن شعوب الشرق الأوسط القديم حسب التقنيات الشائعة: التكهّن، القرعة، تفحّص الأكباد. وقد دوّنت النصوص التنجيمية بصورة مقتضبة وبشكل سؤال وجواب: هل سيحصل هذا الحادث، نعم أولا، وفي أي ظرف؟ 
وكانوا يسألون وسيط الوحي بطرق ثلاث: ملاحظة طيران الطيور، القرعة ترميها "العجوز"، وأحشاء الحيوانات يفسّرها العرّاف.
الفصل الحادي والعشرون
النصوص الكنعانيّة

أ - المقدّمة
1 - كنعان
إنّ اسم كنعان يحمل بعض الالتباس. نقرأه منذ منتصف القرن الخامس عشر في كتابة بابلية مسمارية لأدريمي ملك ألالخ، شمالي غربي سورية. وقد طبّقه مصريو المملكة الحديثة على الواجهة البحرية التي يتقاسمها اليوم لبنان وسورية وفلسطين. وإذا عدنا إلى تقليد البيبليا التاريخي، فالكنعانيون هم سكّان فلسطين الذين تغلّب عليهم بنو إسرائيل حوالي سنة 1200. ولكنّ التبدّل السياسي الذي حصل لا يعني تواصلات في التاريخ الأدبي. فعلى مستوى اللغة نعرف بشهادة أش 18:19 أنّ العبرية، لغة الإسرائيليين واليهوذايين كانت "لغة كنعان". ولهذا يسمّي اللغويّون "كنعانيًا" فرع اللغات السامية التي تمثّل العبري والفينيقي. وقد يكون العبرانيون الآتون من البداوة قد أخذوا لغة الحضارة الكنعانية فصارت لغتهم كما سيأخذون الكتابة الأرامية فتصبح كتابتهم. ومع هذا، فالعلماء لا يتحدّثون عن الأدب الكنعاني، فالشميلة لم تتمّ بعد. بل يقولون: هناك أدب فينيقي وأدب عبري. حتّى الآن لم نجد أثرًا أدبيًا لسائر الشعوب الذين أقاموا على واجهة البحر المتوسط بالقرب من الفينيقيين والعبرانيين. هذا هو وضع الفلسطيين الذين أقاموا على الشاطئ الجنوبي لفلسطين يوم كان بنو إسرائيل يقيمون في الجبال.

2- الفينيقيون
خلال الألف الأوّل ق. م. كانت المدن الساحلية الواقعة شمالي أرض الفلسطيين منطقة الفينيقيين، توحّدها اللغة والحضارة المادية ونوعية الحياة رغم التفتّت السياسي الذي فرضته الطبيعة في ذاك الزمان. وكان غنى الفينيقيين يأتيهم من التجارة عبر البحر هذا ما عبّر عنه حز 27- 28 في أقوال على صور تعبّر عن دهشته وغيرته. ومثل هذا الازدهار خلق انطلاقة نحو الفن والجمال على مستوى البناء (بنوا هيكل سليمان 1 مل 5: 15: 32) بأمر ملكهم حيرام وصنعوا كل آنيته (6: 13- 51) بقيادة حيرام آخر الذي أبوه من صور وأمّه من سبط نفتالي (1 مل 7: 13) والذي يقول فيه 2 أخ 13:2: "هو ابن أرملة من بنات دان، وأبوه رجل من صور، عالم في عمل الذهب والفضّة والنحاس والحديد والحجر والخشب والأرجوان والبرفير البنفسجي والكتّان الناعم والقرمز". وكان للصيدونيين دور كبير في بناء السامرة بأمر ملكهم إتبعل الذي زوّج ابنته إيزابيل بآحاب ملك السامرة وبنى لها في العاصمة معبدًا للبعل (1 مل 16: 31). وتأثّرت فخّاريّات الفينيقيين بمصر قبل أن تأخذ انطلاقتها وتنتشر في كل حوض البحر المتوسط. غير أنّنا لم نجد الكثير من نتاج القلم في المدن الفينيقية. منهم من قال إنّ الفينيقيين كانوا يدمّرون "كتبهم" فلا يصل إلى سرّهم "التجاري" أحد. ومنهم من قال إنّ اليونانيين أزالوا معالم الفينيقيين لئلاّ يعودوا إلى أرض تركوها. أمّا العينيات التي وصلتنا فهي قليلة: بعض المدوّنات الملكيّة في جبيل (بيبلوس- لبنان) تمتد من القرن العاشر إلى القرن الخامس فتعطينا نموذج نثر مليء بالخيال والصور. وهناك شهادات نادرة من العالم: مدوّنة ملك كيليكية ني القرن الثامن عشر: وُجدت في كاراتيي في تركيا. نصوص محفورة على تمائم جاءت من أرسلان تاش في شمال سورية. هذا يدل على أنّ الكتابة الفينيقية ازدهرت حتّى في أرض غريبة. ولكنّ مجمل النقوشات الآتية من المدن الفينيقية هي مُختصرة. لا شكّ في أنّ الفينيقيين خلقوا أعمالاً أدبية واسعة، ولكنّهم كتبوها على الورق البردي فتلفت. غير أنّها تركت بعض الآثار في الآداب الأجنبية. إنّ حوليات صور للمؤرخ اليوناني ميناندريس الأفسسي التي احتفظ يوسيفوس في قديمياته اليهودية ببعض فصولها، تعود إلى كرونيكات فينيقية دوّنت في اللغة الفينيقية. والميتولوجيا الفينيقية التي دوّنها فيلون الجبيلي ونقل أوسابيوس القيصرى بعض المقاطع منها، قد تكون نتيجة عوّل عميق لنظريات الكهنة الفينيقيين. ومن نشاط الفينيقيين أيضاً بعض المؤلّفات القرطاجية التي أحبّها الرومان ومنها مقال في الزراعة لماغون.

3- أوغاريت
بدأت الاكتشافات الاركيولوجية في رأس شمرا (يبعد حوالي 10 كلم إلى الشمال من مرفأ اللاذقية) منذ سنة 1929. تكوّن هذا التلّ من بقايا مدينة انتهى تاريخها في عصر البرونز. ومنذ سنة 1931 عرف العلماء أنّ اسم المدينة هو أوغاريت، وقد تحدّثت عنها الوثائق المسمارية منذ الألف الثاني ق. م.
سُمّيت النصوص "كنعانية" ولكنّ اللغة ليست كنعانية بل لهجة سامية تتميّز عن الفينيقية والعبرية. سُمّيت اللغة الأوغاريتية، ولكنّها لم تكن اللغة الوحيدة المكتوبة في أوغاريت. فقد وُجدت مدوّنات مصرية هيروغليفيّة وعدد من اللويحات المكتوبة بطرق متعددة. فالأبجدية القبرصية المينوسية (أي قبرص وكريت) التي لم تُحل رموزها بعد، تتمثّل ببعض لويحات تشهد على العلاقات التجارية والثقافية بين أوغاريت وبحر إيجه. ولكنّ مجموعة اللويحات اللا أوغاريتية الآتية من راس شمرا كُتبت بالحرف المسماري: اللغة الحثية، اللغة الحورية، واللغة البابلية التي فرضت نفسها لغة دولية حتى نهاية عصر البرونز. ففي اللغة البابلية دوّنت المراسلات الدبلوماسية التي وجدت في أرشيف أوغاريت الملكي. أمّا اللغة المحلّية فدوّنت التقاليد الوطنية (ميتولوجيا، طقوس) والمراسلات الخاصة.
إنّ تنوعّ اللغات الموجودة في أوغاريت يكشف اتّساع علاقات المدينة الدولية، والتفاعل بين سكّان من اتنيات مختلفة (أسماء سامية مع أسماء حورية، كتب طقوس في لغتين حيث نجد مقطعًا حوريا ثم أوغاريتيا). وقد أبرز الأرشيف المُكتشف هناك التنظيم الداخلي لدولة صغيرة كانت أوغاريت عاصمتها، كما أبرزت موقعها على المستوى الدولي في المرحلة الأخيرة من تاريخها أي في القرنين الرابع عشر والثالث عشر ق. م.
وإذا عدنا إلى أرشيف إبله (تل المرديخ، قرب حلب) نرى أنّ اسم أوغاريت كان معروفًا منذ سنة 2400 ق. م. وقد دلّت التنقيبات على أنّ المدينة كانت مزدهرة منذ بداية الألف الثاني، وكانت على اتصال مع مصر إلى هذا الوقت تعود السلالة الملكية التي حكمت المدينة حتى زوالها بطريقة نهائية. تتحدّث النصوص القديمة عن السلالة الملكية (أختام) منذ بداية الألف الثاني، ولكنّنا لا نستطيع تتبعّ تاريخ أوغاريت وتسلسل ملوكها قبل سنة 1400 ق. م.
تدور المدينة في الفلك المصري. فهناك وثائق تدل على أنّ الفرعون أمينوفيس الثالث (1402- 1364) يتدخّل في شؤون أوغاريت. وتطلعنا النصوص على صراعات مع الدول المُجاورة. أمّا الحدث الأبرز في تلك الفترة فهو تدخل الملك الحثّي العم شوبيلوليوما الأوّل الذي تسلّط على الممالك الصغيرة في سورية الشمالية وانتزع أوغاريت من التأثير المصري. وظلّت أوغاريت تدور في فلك الحثيين حتى الحدث القاتل الذي حصل حوالي سنة 1180: دمّر حريق المدينة كلّها وأزال الدولة الأوغاريتية يوم تحطّمت المملكة الحثية وواجهت مصر هجمات شعوب البحر كانت كارثة أوغاريت نموذجًا لمنطقة انقلبت أوضاعها في نهاية عهد البرونز. وهكذا تتهيّأ وحدات سياسية جديدة ستحتل المسرح الدولي خلال العصر الحديدي.
وأعطتنا النصوص البابلية والأوغاريتية التي وجدت في أوغاريت، معلومات عن الاقتصاد والمجتمع ونظُم مملكة أوغاريت. فهناك وثائق إدارية تعرّفنا بأهمّ المنتوجات المحلية (الحبوب، الخمر، الزيت، الملح، الأرجوان، الصدف) والمنتوجات العابرة في أوغاريت التي كانت مركزًا تجاريًا هامًّا بحريًا وبريًّا (المعادن، النحاس والقصدير، الحجارة الكريمة). وكانت الجماعات (عظماء الملك بل الملك نفسه) توجّه (أو تدقّق في) الانتاج والتجارة. كانت الجماعات الريفية تدفع عشر محصولها الزراعي بواسطة الشيوخ أو الموظّفين أو وكلاء الملك. وكانت المدينة مركز إنتاج صناعي. كان الصنّاع متخصّصين وكانوا في "نقابة" لها رئيسها وكان هناك من يمسك حسابات الموادّ المستعملة. هذا يعني أنّنا بحاجة إلى عدد من الكتبة لتسيير هذا الاقتصاد الموجّه. أمّا حقّ التجارة فكان امتيازًا يمنحه الملك. وهكذا مثّلت أوغاريت نموذجًا معروفًا عن هذه الدويلات السورية في عصر البرونز. يعيش أناس مختلفون تحت سلطة ملك بفضل نظام إنتاج فاعل يمكنه أن يولّد الضغط الاجتماعي (هناك من يقول إنّ كارثة القرن الثالث عشر سبّبتها ثورة اجتماعية). كان الملك في أوغاريت شخصاً مقدّسًا، والأساطير تمتدح وظيفته الملكية: فهو ابن الإله السامي ورضيع الإلاهات. وتقدّم لنا الميتولوجيا مجمع آلهة هو انعكاس سماوي لقصر ملكي. وكان الملك يقوم ببعض الوظائف الدينية خلال الذبائح العامّة أو حفلات التكفير الجماعية. أمّا علاقته بالكهنة فهي غامضة.

ب- اكتشاف النصوص الأوغاريتية وحلّ رموزها
1 - الاكتشاف
سنة 1928 كان فلاّح سوري يفلح حقله في مينة البيضاء التي تبعد كلم واحد عن راس شمرا. فاكتشف مدفنا لفت انتباه مصلحة الآثار في سورية التي كانت آنذاك تحت الانتداب الفرنسي. وبدأ التنقيبات كلود شافر في مينة البيضاء. وفي تلّ رأس شمرا نفسه. في أيّار سنة 1929، وقع المنقبون على كمّية من الأسلحة وأدوات نذور من البرونز وقد حفرت عليها علامات مسمارية في كتابة مجهولة. ثمّ اكتشفوا 48 لويحة طينية حفرت عليها الحروف المسمارية عينها. وتلاحقت حملات التنقيب من سنة 1930 إلى سنة 1933 فقدّمت سلسلة من اللويحات التي تشكّل أجمل الوثائق عن الميتولوجيا الأوغاريتية. كل هذا وُجد في بيت رئيس كهنة أوغاريت. ووُجدت معه أولى اللويحات البابلية.
وتتابع العمل، فظهرت بقايا هيكلين وأنصاب رُسمت عليها آلهة. وفي سنة 1939، بدأت التنقيبات في القصر الملكي. وهناك اكتشف البحاثة أرشيفًا غنيًا من اللويحات الأوغاريتية والبابلية. أعطتنا اللويحات الأوغاريتية معلومات عن اقتصاد المملكة وإدارتها، وقدّمت لنا اللويحات البابلية المراسلات الدبلوماسية التي أتاحت لنا أن نكتب تاريخ أوغاريت في القرنين الرابع عشر والثالث عاثر واكُتشف سنة 1954 فرن لطبخ اللويحات. 
ثمّ وُجد أرشيف ورسائل (باللغة البابلية) في بيوت خاصّة، كما وُجدت لويحات أدبية دوّنت في اللغة البابلية. أمّا في ما يتعلّق بالنصوص الأوغاريتية، فإنّ السنة 1961 كانت أغزر السنوات منذ بداية التنقيبات: فقد وجد الباحثون في بيت أحد الكهنة لويحات ميتولوجية وليتورجية تساعدنا على الاطّلاع على الديانة الأوغاريتية. ثمّ وُجدت لويحات أخرى خلال شتاء 1969- 1970. ونشير أيضاً إلى تنقيبات تمّت في رأس ابن هاني الذي يبعد 3 كلم إلى الجنوب الغربي من رأس شمرا. وُجد هناك قصر فيه مقطع لويحات- وفي إحداها نص جميل يتكلّم عن السحر.

2- فك رموز الأوغاريتية
كان شارل فيرولو مدير الآثار في سورية. وكان عالمًا في اللغة الأشورية. فبدأ بنقل النصوص ونشرها. كتابة مسمارية يتألّف فيها الحرف من مسمار إلى خمسة، أمّا الحروف فلم تتعدّ الثلاثين حرفًا. وهذا ما دفع فيرولو إلى القول إنّنا أمام أبجدية جديدة من الأبجديات السامية. قرأ الألماني هانس باور النصوص، وحسّن إدوار دورم القراءة فاكتشف أوّل عبارة وهي "رب كهنم" أي رئيس الكهنة. وهكذا بدأ العلماء يترجمون النصوص الأوغاريتية التي كرّس لها شارل فيرولو حياته كلّها.
نحن أمام لغة سامية غربيّة (اللغات السامية الشرقية: الأشوري، البابلي)، والعالم السامي الغربي تفرعّ منذ الألف الأوّل ق. م. إلى الكنعانية في الشمال والأرامية، إلى العربي الجنوبي وابني في الجنوب. وما نجده في إبلة دليل على وجود السامية الغربية منذ سنة 2300 ق. م.
وُجدت في رأس شمرا نصوص من أنواع متعدّدة، لائحة أسماء (فلان بن فلان)، لائحة مواد غذائية (طحين، زيت، خمر...)، لائحة بما دخل إلى الخازن أو مالية الدولة. وهناك لائحة بيوت تدلّ على إدارة الأملاك غير المنقولة (بيوت، حقول، كروم). 
وهناك الرسائل بين الأفراد، والرسائل الدبلوماسية. وأخيرًا كتب الطقوس: أسماء الآلهة، طريقة تقدمة الذبائح ومُشاركة الملك في مثل هذه الاحتفالات. وقد وجد سنة 1929 كتاب طقوس كبير يتضمّن عبارات تشجب الخطيئة وتقدّم الذبائح. كانت هذه العبارات تتلى في جوقتين (النساء من جهة والرجال من جهة ثانية) بحضور ملك وملكة أوغاريت. ووجد سنة 1961 كتاب طقسي نجد فيه الصلاة التي يوجّهها شعب أوغاريت للاله بعل ساعة يدق الخطر "إن هاجم عدوّ قويّ أبوابكم، إن هاجم خصم شجاع أسواركم، فارفعوا عيونكم إلى بعل، وقولوا: يا بعل، أبعد القويّ عن أبوابنا، أبعد الشجاع عن أسوارنا. يا بعل نكرّس لك ثورًا. يا بعل سنني بنذرنا. يا بعل، سنكرّس لك ذكرًا (أو بكرًا). يا بعل ستتمّ ذبيحة دموية. يا بعل، سنقدّم وليمة. يا بعل سنصعد إلى المعبد. يا بعل سنسير في الطريق المؤدية إلى الهيكل. حينئذ يسمع بعل صلواتكم فيطرد القويّ بعيدًا عن أبوابكم والشجاع بعيدًا عن أسواركم ".
ونقدّم نصا يدلّ على أسلوب التوازي في النصوص: "إسمع، يا بعل القويّ. أصغ يا راكبًا على الغمام. نجعل الموقدة في البيت ومشعل النار في القصر تكون المرأتان امرأتي إيل، تكونان امرأتي إيل إلى الأبد. يُذبح البقر والأغنام أيضاً. ينحر العجول وأسمن الكباش، عجول السنة (التي عمرها أقلّ من سنة) والحملان".

ج- النصوص الأدبية في أوغاريت
1- الأساطير
نعرف أسطورتين أوغاريتيين كبيرتين، وقد دوّنت كل منهما على ثلاث لويحات مشوّهة. إنّهما تتعلّقان بملكين غريبين ولكنّهما تتوجّهان إلى أهل أوغاريت. تعطياننا العبر العديدة فتحذّر الإنسان من محاولة الارتفاع إلى مستوى الآلهة، أو تعلّمه طرق العناية الإلهية وضرورة الوظيفة الملكية وأهمية السلالة (الملكية الوراثية هي النظام الذي أراده إيل، الإله السامي).

أوّلاً: أسطورة أقهات
تحسّر دانيل لأن لا نسل له. فظهر له بعل في الحلم وأمره بأن يقوم ببعض الطقوس ليزول شقاؤه. سيكون له ابن يتمّم نحوه واجبات مذكورة في النصّ. تشفعّ بعل لدى الإله إيل فبارك دانيل الذي وُلد له ولد. وتصوّر اللوحة الثانية أقهات ابن دانيل على أنّه صيّاد شاب فسلّمه إله الصناعة قوسًا عجيبة. فاشتهت الإلاهة عنات (الإهة الصيد أيضاً) هذا السلاح الجديد. دفعت للبطل سعرًا غاليًا جدًا، بل قدّمت له الخلود، على ما يبدر، ولكنّ اقهات رفض. غضبت الإلاهة وانتزعت من الإله إذنًا بأن تنتقم من اقهات. حين كان الصياد جمل طارت فوقه ورمته برجل يشبه الباز لتقتله. وتنفّذ مقصدُ عناة. علم دانيل بموت ابنه، فلعن الطيور وطلب من بعل أن يقتل الباز فوجد في حلقه بقايا الميت، فأقام له مراسم الجنازة. وبعد أن عاشت أخت اقهات في الحداد عزمت على الانتقام لأخيها. تزيّت بزي يجعلها شبيهة بالإلاهة عنات وذهبت إلى ذلك الذي دفعته عنات ليقتل اقهات... وينتهي النصّ هنا لأنّ الأسطورة ناقصة. قد ينتهي الخبر بنهاية سعيدة فيروي كيف أنّ دانيل حصل بعد هذه المحنة على ذرية كبيرة واستعاد ابنه اقهات. أمّا العبرة فهي تحذير من التهوّر الذي يمثّله اقهات ودعوة إلى الحكمة التي يجسّدها دانيل.

ثانيًا: أسطورة كارت
كارت هو ملك لا ولد له. فقد ضربه الشقاء وانتزع منه امرأته وأولاده. قدّم ذبيحة، فظهر له إيل في الحلم وعلّمه ماذا يعمل لكي يستعيد نسله: يجمع جيشًا، يحاصر مدينة بعيدة فيُخضع ملكها الذي يعطيه ابنته زوجة له. بعد أن روت اللويحة حلم كارت وأمر الإله له، ذكرت الحلم وروت تنفيذ المُخطّط بكلام مماثل لكلام إيل. وتبيِّن اللويحة التالية نجاح العملية: أعطى الملك البعيد ابنته وتمّ الزواج. وأعلن أنّه سيكون للزوجين سبعة بل ثمانية أبناء وسبع بنات بل ثماني. وبعد فجوة في اللويحة نرى امرأة كارت تدعو عظماء المملكة إلى وليمة فينتحبون لأنّ كارت سيموت. وتبدأ اللويحة الثالثة برثاء كارت الغريب. موته يبعث على الشكّ لأنّ الملك هو ابن الإله. ولكنّ الملك أرسل في طلب آخر بناته (تسمّى الثامنة) فقامت بأعمال طقسية... وصوّر حدث جديد الأرض التي لفحها الجفاف بسبب مرض الملك (يسبّب مرضه كارثة كونية). ثمّ ينتقل الراوي من الأرض إلى السماء فيرى أيل يدعو جماعة الآلهة لكي يشفوا كارت. تهرّب الآلهة، فصنع إيل خليقة مجنّحة تحمل الشفاء. ولكن، ما إن استعاد كارت نشاطه حتّى برزت محنة جديدة. سعى وليّ العهد ياسيب، لكي ينزل أباه عن العرش لأنّه "لا يدافع عن حق الأرملة ولا يقضي للبؤساء". وتنتهي اللويحة بلعنة يتلفّظ بها كارت على ياسيب.

2- الميتولوجيا
الفارق الوحيد بين الأساطير والميتولوجيا هو أنّ العمل يتمّ في العالم الإلهي مع الميتولوجيا. وبفضل الميتولوجيا، تعرّفنا إلى مجمع الآلهة الأوغاريتي وهو منظّم بطريقة متناسقة. يتسلّم إيل الوظيفة الإلهية الرئيسية. إنه الشيخ الحكيم والصالح ربه يرتبط توازن الكون. إلاّ أنّه لا يستطيع أن يتدخّل بطريقة فاعلة. بعل الشاب هو بطل شجاع وهو يحتاج إلى من يهدّئ غلواء عنفه. للإلاهات الكبيرات دور ثانوي: إنّهنّ صورة عن الآلهة الذكور: أشيرة هي زوجة الإله إيل، هي المحتالة تجاه الحكيم. عناة هي أخت بعل، تتحلّى بالعنف أكثر ممّا بالبطولة.

أوّلاً: سطرة بعل
هناك لويحات عديدة دوّنها رئيس الكهنة ايلوملكو فروى مغامرات الإله بعل الذي هو في قلب عبادة أهل أوغاريت. هل تمثِّل هذه اللويحات أحداث دورة سطرية واحدة؟ هل يشكّل كل خبر وحدة في ذاته؟ وإذا كنا أمام دورة، فأيّ ترتيب نتبع؟ هل نفكر أنّ كل حدث ميتولوجي يوافق وقتًا من الاحتفالات الدينية حسب تناغم الفصول. تلك أسئلة يتجادل فيها حتّى اليوم دارسو الآداب الاوغاريتية.

* بعل والبحر
موضوع القصيدة هو انتصار الإله بعل على يم إله البحر. بنى يم قصرًا فدلّ على مملكته، وحاول أن يثبت ملكه بإخضاع بعل الذي هو"سيد الأرض". وأرسل وفدًا إلى جماعة الآلهة يطلب منهم أن يسلّموه بعل. وافقت الآلهة، أمّا بعل فرفض واتّهم الآلهة بالجبانة. وسلّح كوثار، الإله الحدّاد والمهندس، بعل فبارز يم، إله البحر فغلبه وقتله. هكذا تنظّم الكون في عالم أوغاريت كما تنظّم في العالم البابلي حيث نرى "الإله الخالق" يقتل وحش البحر الأولاني ثمّ يخلق الكون. أمّا وظيفة هذه السطرة الأوغاريتية فتشديد على التسلّط على البحر لأنّ الإله يم (البحر) خضع أمام بعل.

* بعل وعناة
الوجه المهمّ في هذه اللويحة هو وجه الإلاهة عناة العنيفة. ولكنّنا نتساءل هل هذه القصيدة هي امتداد لقصيدة بعل والبحر؟ فالعمود الأوّل يصوّر وليمة أقامها بعل ليحتفل بانتصاره على يم. ثمّ تصوّر اللويحة عناة وهي تقتل خصومًا سرّيين في أرض المعركة ثمّ في داخل قصرها. ما معنى هذا الحدث؟ يرى فيه بعض البحّاثة طقسًا دمويًا من طقوس الخصب. فبعد أن ارتدت عناة ثيابها سمعت بعل يدعوها. قلقت لأنّها ظنّت أخاها في خطر وهي من اعتادت أن تحمل إليه العون. ولكنّ بعل طلب منها أن تتوسّط إلى الإله إيل ليقبل بأن يُبنى قصر لبعل فيدلّ على سلطانه السامي. وفي نهاية اللويحة نرى عناة ذاهبة إلى كاشر.

* قمر بعل
نحن عند كاشر الذي أتته عناة وأفهمته أن لا قصر لبعل. صنع الإله سلسلة مصنوعات فنّية حملها بعل وعناة إلى الإلاهة أشيره زوجة الإله إيل، وهما يطلبان رضاها. فذهبت أشيرة إلى إيل زوجها ودافعت أمامه عن قضيّة بعل: لا بدّ من بناء القصر ليمارس بعل وظائفه كسيّد العاصفة والمطر فاقتنع إيل. وإذ علم بعل بواسطة عناة بنجاح مسعاه، دعا كاشر الذي بدأ بالعمل. وحين وصل بعل إلى قمّة مجده أرسل يتحدّى الموت. فتكريس ملك بعل وتشييد قصره يقابل عيد تنصيب الله ملكًا في أرض إسرائيل في بداية السنة. نُصِّب بعل سيّدًا للمطر، لهذا فتح كاشر نافذة في قصره يرسل منها المطر على الأرض.

* بعل والموت
يروي هذا الحدث الذي يحتل لويحتين من لويحات ايلوملكو تفاصيل الحرب بين بعل وموت (اله الموت). أمر موت بعل أن يزل في فه. استسلم بعل فاختفى. عرف الإله إيل بهذا الاختفاء فأعلن الحداد وتحسّر على البشر الذين حُرموا من "إله الأرض". وبكت عناة هي أيضاً، ولكنّها وجدت جسد أخيها فحملته بمعاونة الإله شمش (الشمس) إلى قمة الجبل الذي يشكل الرباط بين السماء والأرض. ثمّ ذهبت تبحث عن مُوت القاتل زّقته تمزيقًا. وعاد بعل إلى الحياة (هناك فجوة كبيرة تحرمنا من حدث هامّ) لأنّنا سنراه جالسًا على عرشه على الجبل. وبعد سبع سنين واجه بعل مُوت من جديد في مواجهة توقفت بأمر إيل الذي يحافظ على التوازن في الكون. مُنع إيل من أن يمحق بعل ولم يُسمح لبعل بأن يُهلك موت. تستند هذه السطرة إلى ملاحظة دورة المياه، مبدأ الحياة. تَترك المياه السماء وتَدخل إلى بطن الأرض (أي مسكن الموت)، وتعود من هناك إلى السماء لتكوّن السحب من جديد. والينابيع (أو العيون) التي تجمع المياه الجوفيّة والسماء، هما الفاعلان في إعادة هذا التكوين. فاسم الإلاهة عناة يرتبط بالينابيع. أمّا دور الإله شمش فواضح في الميتولوجيا. أمّا صراع السنة السابعة بين بعل وموت، فهو يدلّ على الاعتقاد أنّ نهاية السبع سنين فترة حرجة في حياة الكون، وقت صراع بين قوى الحياة وقوى الموت. أمّا حكم الإله إيل فيعني أنّ الحياة والموت باقيان ما بقي الإنسان.

* أحداث ميتولوجية أخرى عن بعل
نرى بعل سيّد المطر، جالسًا على جبله. تسيل منه المياه وتُحيط به البروق. ونراه في لويحة أخرى يخصب البقر ذهب بعل ليصطاد البقر البري، وراحت عناة تبحث عنه فالتقت به كما التقت بقطيع من البقر وينتهي النصّ بإنشاد ولادة العجول. قد نجد هنا إشارة إلى أنّ بعل أحبّ بقرة قبل أن ينزل تحت الأرض.
وفي لويحة اكتشفت سنة 1959، نطّع على علاقات بعل بعناة: أكلت عناة لحم أخيها بعل من دون سكين. وشربت دمه من دون كأس، ثمّ زارت الينابيع والعيون. إنّ عناة الإلاهة الينبوع (أو العين) امتلأت من جوهر أخيها، امتلأت من الماء.
وهناك نصّ يروي حرب بعل مع كائنات سرّية تسمى "الشرهة" و"المخرّبة". خرج بعل مضرّجًا بالدم ولكنّه انتصر أعلن الإله إيل في النهاية مملكة بعل.

ثانيًا: ولادة الآلهة
إيل هو والد الآلهة. يلتقي على شاطئ البحر الإهتين: أشيرة وبديلتها. وبعد أن قامت السيّدتان بعملية سرية حاول الإله إيل أن ينام معهما. ولكنّه كان ضحيّة عجزه ولا ننسى أنّ ملامح الإله إيل هي ملامح عجوز. وبعد أن شوى عصفورًا، استعاد نشاطه فحبلت المرأتان وولدتا شخصين هما نجمة الصبح ونجمة المساء، وهذا يعني خلق الزمن أو خلق عالم النجوم. ثمّ ضاجع إيل المرأتين فولدتا الآلهة المشهورين بالشراهة. وإذ لم تستطع محاصيل الطبيعة أن تشبعهم، أمر إيل أن تُحمل إليهم تقدمة. فترك الآلهة "الشرهون" الصحراء وذهبوا إلى الأرض المزروعة حيث وجدوا لهم غذاء. الآلهة الشرهون هم آلهة من الدرجة الدنيا، هم "أبناء إيل " المذكورون في اللويحات الليتورجية والذين يتغذون من تقدمات يرفعها إليهم البشر وهكذا تعلّمنا السطرة أنّ خدمة الآلهة تبعث الإنسان على العمل في الزراعة التي هي عنصر جوهري من عناصر الحضارة.

ثالثًا: ميتولوجيات ذات وظائف دينية خاصّة
نجد في رأس شمرا نصوصاً ميتولوجية عديدة تختلف عن دورة بعل ونشيد ولادة الآلهة. ليست وظيفتها أن تذكر أو تفسّر أو تؤوّن أحداثًا أساسية وكونية مثل خلق العالم أو تعاقب الفصول. إنّ وظيفتها أن تحافظ على فاعلية ممارسة من الممارسات، أن تتجاوب مع حاجات خاصّة. قد تفترض هذه السطرة طقوسًا، ولكنّ هذه الطقوس ظرفيّة وهي تختلف عن تلك التي نجدها خلف السطرة ذات الطابع الكوني.

* أعراس القمر
يروي هذا النص الصغير زواج إله يحمل اسم القمر الاوغاريتي والإهة البابليين القمرية. ويصوّر النصّ الاستعداد للزواج (الذي يزوّج، وزن المهر الذي يحمله العريس) وتنتهي اللويحة بنشيد للإلاهات القابلات اللواتي يحضرن الولادات. فالقمر "الذي يُولد من ذاته " يُعتبر كفيل الخصب البشري. وإذ أراد النص أن يعطي هذا الموضوع وجهًا دراماتيكيًا، جعل القمر وبديله بشكل كائنين من جنسين متقابلين (رجل وامرأة)، وهذا ما ميّز المعتقدات البابلية (عرفت الإهة القمر= سهر) والمُعتقدات الغربية (الإله القمر). فالقصيدة هي نشيد زواجي يؤمّن للمتزوّجين الجدد نسلاً كبيرًا.

* حورون والحيّات
تروي لويحة وجدت سنة 1961 كيف أنّ الإهة شابة طلبت بواسطة الإلاهة الشمس (رسولة العالم الإلهي) من آلهة عديدة من أجل ضحية أفعى سامّة. رفض الآلهة الواحد بعد الآخر، أن يتدخّلوا. هكذا تعرّفنا إلى تسلسل الآلهة الأوغاريتية: بدأت اللائحة مع إيل فوصلت إلى الآلهة الكواكب. غير أنّ حورون قدّم الدواء وطلب أجرته ساعة حب مع الإلاهة التي رضيت أن تذهب إلى بيته. عُرف حورون لدى الساميين الغربيين بأنّه الإله الشافي فحدّثتنا عنه هذه السطرة.

* سكر الإله إيل
تصوّر هذه اللويحة وليمة يسكر فيها الإله إيل فيترك القاعة، يسنده الآلهة وهو "يتخبّط في خراه وبوله ". ونجد في آخر اللويحة دواء نحارب به نتائج السكر.

* أرواح الموتى
هناك نصوص أوغاريتية تذكر كائنات تسمى "رفائيم" أو أرواح الموتى. تتحدّث عن وليمة دامت سبعة أيّام أولمها دانيل ودعى إليها هؤلاء الرفائيم. ترتبط الوليمة المقدّمة للموتى بولادات جديدة، ويمكننا أن نعتبر أنّ المؤمنين يدعون أرواح الموتى لتؤمّن تواصل الحياة في البيت. ويُدعى الرفائيم أيضاً ليؤمّنوا البركة للمدينة أو للملك وعائلته. ومن بين الرفائيم المذكورة أسماؤهم نتعرّف إلى ملكين من ملوك أوغاريت. وهكذا يدل الرفائيم أوّلاً على موتى العائلة الملكية وغيرهم من الموتى.

رابعًا: حداد إيل لموت بعل
ذهب الرسل يبحثون عن بعل وجاؤوا يعلمون إيل بنتيجة بحثهم: "تجوّلنا حتّى أقاصي الأرض، حتّى حدود الأراضي المروية. وصلنا إلى أجمل المروج وإلى أطيب الحقول القريبة من مقام الموتى. وصلنا إلى قرب بعل فوجدناه مرميًّا على الأرض. مات بعل القدير، هلك أمير الأرض وسيّدها. حينئذ نزل إيل الرحوم وصاحب القلب الكبير عن عرشه وجلس على الموطئ، ثم انتقل من الموطئ وجلس على الأرض. وذرَّ على رأسه رماد الحداد، وعلى جمجمته تراب الحزن. تحزّم بالمسح وخدش جلده بحجر وقطع بالموس شعره المضاعف. هشَّم وجهه وذقنه وصرخ بأعلى صوته: مات بعل: ماذا سيحدث للشعب؟ مات ابن داجون! ماذا سيحدث للمجموعة البشرية؟ سأنزل إلى الأرض على خطى بعل ".
الفصل الثاني والعشرون
الكتابات الفينيقية

يشهد هيرودوتس المؤرخ اليوناني أنّ الفينيقيين لعبوا دوراً هاما في نشر الأبجدية التي نقلوها إلى اليونانيون. فاليونانيون "أخذوا الحروف من الفينيقيين الذين علّموهم إيّاها، فحوّروها بعض الشيء وسمّوها "فينيقيات " حين استعملوها، وهذا حقّ، لأنّ الفينيقيين أدخلوها إلى اليونان". وكان فلافيوس يوسيفوس المؤرّخ اليهودي صدى لواقع معروف في العالم القديم حين كتب: "بين الشعوب الذين اتصلوا باليونانيين، استعمل الفينيقيون الكتابة في تنظيم الحياة ونقل ذكر الأحداث العامّة، هذا ما يوافقنا عليه كل إنسان". 
كان الأدب الفينيقي غنيًا، ولكنّه كُتب على البردي أو على الجلد في مناخ رطب مثل لبنان أو تونس (فيما يخصّ قرطاجة)، فلم يصل إلينا شيء منه. إلاّ أنّ الترجمات والاقتباسات والمدوّنات اليونانية على الحجر تتيح لنا أن نكوّن فكرة ولو ضئيلة عن أهمّية ومضمون هذا الأدب الفينيقي.
نحدّد موقع هذا الأدب الفينيقي في إطاره التاريخي والسياسي. لم يكن الفينيقيون يومًا دولة سياسية موحّدة، لم يكن لهم كلّهم نظام مركزي، لهذا يبدو من الصعب أن نكتب تاريخ الفينيقيين، بل تاريخ المدن أو الممالك الفينيقية. فحوالي سنة 1000 ق. م.ْ ظهرت الممالك الفينيقية في صور وصيدون وجبيل كامتداد وورثة للممالك الكنعانية الصغيرة في نهاية البرونز الحديث. كانت هذه المدن دويلات صغيرة فوجّهت أنظارها نحو التجارة الدولية ولاسيّمَا التجارة البحرية. وهكذا امتدٌ تأثير الفينيقيين السياسي والاقتصادي نحو الجنوب (علاقة حيرام ملك صور مع داود وسليمان، التجارة في البحر الأحمر) ونحو الشمال ولاسيّمَا على جانبي الأمانوس (مملكة كوي وسامال باتجاه مناجم الفضة في طورس، في تركيا)، ونحو الغرب حيث أسّسوا مستوطنات على شاطئ البحر المتوسط، لاسيّمَا في قبرص ومالطة وقرطاجة وصقلية وسردينية وإسبانيا (وحتّى كادكس). وكانت قمّة الانتشار الفينيقي في القرن التاسع والمنتصف الأوّل للقرن الثامن.
بعد منتصف القرن الثامن، واجهت الممالك الفينيقية في الشرق المدّ الأشوري. ودخلت بشكل أو بآخر في إطار المملكة الأشورية ثمّ المملكة البابلية ثمّ الفارسية قبل أن تخضع للإسكندر (حصار صور) والسلوقيين والرومان. وفي هذا الإطار السياسي للشرق الأوسط، تراجعت اللغة الفينيقية شيئًا فشيئًا أمام الأرامية ثمّ اليونانية. ولكنّ الفينيقيين ظلّوا يستعملون لغتهمِ في المدن التي حافظت على بعض الاستقلال السياسي كما في الاغتراب (في مصر مثلاً). وإنّ آخر المدوّنات الفينيقية المؤرّخة بوضوح تعود بنا إلى القرن الثاني ق. م. غير أنّ بعض النقود وبعض المدوّنات غير المؤرّخة تشهد على الكتابة الفينيقية في القرن الأوّل بل في القرن الثاني ب. م..
بعد أن خسرت المدن الفينيقية استقلالها، ظلّت مستوطنتا قبرص وقرطاجة وغيرهما تلعب دورًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيا هاما. فخلال القرون الخامس والرابع والثالث ق. م.، كاد حوض البحر الأبيض والمتوسط الغربي يصبح كلّه بحرًا "فينيقيًا" قبل أن يتحوّل على أثر الحروب الثلاثة بين قرطاجة ورومة إلى "بحر روماني". وبعد أن دمِّرت قرطاجة تدميرًا كاملاً سنة 146 ق. م. ظلّت اللغة الفينيقية مستعملة في أفريقيا الشمالية، كما تشهد على ذلك المدوّنات الفينيقية الجديدة حتّى القرن الثالث ب. م.، والمدوّنات اللاتينية الفينيقية حتّى القرنين الرابع والخامس ب. م. وتلميحات القدّيس أوغسطينس في بداية القرن الخامس ب. م..
وها نحن نتوقّف أوّلاً عند بقايا الأدب الفينيقي، ثمّ نتحدّث عن المدوّنات الفينيقية.

أ - بقايا الأدب الفينيقي والفونيقي
إذا كان التقليد المخطوطي لم يحتفظ لنا بشيء من الأدب الفينيقي بحصر المعنى، إذ إنّه لم يصل إلينا حتّى الآن أي مؤلّف فينيقي، فهناك عدد من الشهادات تدلّ على عظمة هذا الأدب وأهميته.

1 - الأدب الفينيقي
تشهد النصوص الأوغاريتية في القرنين الرابع عشر والثالث عشر ق. م. على غنى وتنوعّ أدب العالم السامي الغربي (بالنسبة إلى العالم السامي الشرقي في العراق اليوم) على شاطئ سورية ولبنان وفلسطين مع الميتولوجيا والأساطير كتب الطقوس... ومن المعقول أنّه كان لمدن صور وصيدون وجبيل أدب مشابه كُتب على أوراق البردي والجلد. فاستعمال البردي في جبيل ووجود الأرشيف أمر معروف مند سنة 1100 ق. م. تقريبًا انطلاقًا من برديّة مصرية تروي سفر وان أمون (أون أمون).
وقد عرفنا ميتولوجيا الفينيقيين وأساطيرهم بطريقة غير مباشرة في مقتطفات من التاريخ الفينيقي (لفيلون الجبيلي). دوّن في اليونانية فعرفناه بما أوردنا لنا منه أسابيوس القيصري في كتابه "التمهيد للإنجيل" (القرن 4 ب. م.). تطرح هذه المقاطع مسائل صعبة في مجال النقد الأدبي والنقد التاريخي. عاش فيلون الجبيلي في نهاية القرن الأوّل وبداية القرن الثاني ب. م. ويبدو أنّه استند في كتابه إلى مؤرخ فينيقي اسمه سنخونياتن (في الفينيقية سكنيتن). حاول سنخونياتن أن يجمع الأدب المتعلّق بتكوين العالم، فجعله في حماية تحوت الإله وحفظه في الهياكل. وقد ناقش العلماء شخصية سنخونياتن التاريخية وسنوات حياته. قد نكون أمام مقمِّش فينيقي عاش في الزمن الهلنستي (أي بعد الإسكندر الكبير)، فدوّن في الفينيقية (أو ربّما في اليونانية) ملخّصاً عن تقاليد تكوين العالم في بلاده.
إذا عدنا إلى المقاطع التي وصلت إلينا، يبدو أنّ عمل فيلون الجبيلي استند إلى عمل سنخونياتن فعكس تقليدًا فينيقيًا صريحًا، إلاّ أنّ هذا التقليد تشوّه لأنّه تُرجم واقتُبس مرتين. وإنّ مقتطفات التاريخ الفينيقي التي قدّمها أوسابيوس القيصري تتعلّق بعلم الكونيات (كوسمولوجيا)، بتاريخ الثقافة، بتاريخ كرونوس (أو الزمن)، بأخبار الآلهة المتعددة، بالذبائح البشرية، بالحيات. وقد تظهر هذه الميتولوجيات وهذه الأساطير مشوّهة في عمل نونوس من بانوبوليس والمسمّاة، "ديونيسيات" 40- 43 (حوالي منتصف القرن الخامس ب. م.).
ولنا شهادة أخرى عن وجهة مهمّة من وجهات الأدب الفينيقي القديم في مؤلّف ميناندريس الأفسسي الذي نعرفه من خلال مقتطفات أوردها فلافيوس يوسيفوس. نحن أمام كرونيكة ملكية فينيقية تعود، على ما يبدو، إلى أرشيف فينيقي حفظته صور فقدم لنا تسلسل الملوك الفييقيين. إنّ وجود الأرشيف الفينيقي واقع معروف في زمن فلافيوس الذي كتب في مؤلَّفه "ضدّ أبيون " (7:1- 10): "نجد عند الصوريين ومنذ سنوات عديدة كرونيكات سياسية دوّنتها الدولة واحتفظت بها بعناية فائقة، عن وقائع تستحق الذكر حصلت عندهم أو عن علاقاتهم مع الأجانب ".
يبدو أنّ فلافيوس يوسيفوس لم يتّصل اتّصالاً مباشرًا بالأرشيف الصوري، ولكنّه عرف واستعمل ثلاث ترجمات-اقتباسات هلنستية لهذه الكرونيكات: الأولى: أخبار الفينيقيين هي عمل ديوس (أو دويون) وهو مؤرّخ هلّنستي لا نعرف عنه شيئًا. الثانية: أخبار فينيقية ألّفها شخص اسمه فيلوستراتيس. والثالثة: مؤلّف ميناندريس الافسسي (أو البرغامي) الذي عاش في القرنين الثالث والثاني ق. م. وروى، كما يقول فلافيوس يوسيفوس، في أيّام كل ملك الأحداث التي حصلت عند اليونانيين وعند البرابرة، وحاول أن يستقي معلوماته في الكرونيكات الوطنية الخاصة بكل شعب. وهو الذي نقل الأرشيف الصوري من الفينيقية إلى اليونانية. وقد يمكن أن يكون ميناندريس المؤرّخ الهلّنستي في آسية الصغرى لا يعرف اللغة الفينيقية. إذًا، هو لم يترجم الحوليّات الصورية، ولكنّه أخذها عن مترجم أقدم منه، هو موخوس صاحب "فينيقيات" والمذكور مع مانيتون وبيروسيوس (القديميات اليهودية 1: 107). ثمّ إنّ يوسيفوس لم يعرف مؤلّف ميناندريس الأفسسي ولا مؤلّف ديون إلاّ بمقتطفات وردت عند إسكندر بوليهستور (105- 40 ق. م. تقريبًا) (من مدرسة برغامس) من كتابه "حول اليهود".
نحن أمام تقليد معقد ومُتشعّب، ولكن ما أورده يوسيفوس من الحوليّات الصورية يبدو صحيحًا في جوهره: "بعد موت أبيبعل، انتقلت خلافة عرشه إلى ابنه حيروم الذي عاش 53 سنة وملك 34 سنة. ردم الأوريخور ووضع العمود الذهبي الذي في هيكل زوش (= ايل أو بعل شميم). ثمّ بحث عن خشب للبناء، فقطع على الجبل المسمّى لبنان الأرزات من أجل سقوف الهياكل. هدم الهياكل القديمة وبنى غيرها جديدة: هياكل هرقل (= ملقارت) وعشتاروت. كان أوّل من احتفل بنهوض (تنصيب التمثال أو بناء الهيكل) هرقل في شهر باريتيوس. وقاد حملة على سكّان أوتيك (أو كيتيون التي هي قبرص) الذين رفضوا أن يدفعوا الجزية. وبعد أن أخضعهم لسلطانه عاد إلى بلده".
ويشهد المقطع اللاحق على تقليد حكمة فينيقية ترتبط برجل اسمه عبديمون الذي هو مزاحم سليمان ومعاصره. ثمّ أورد يوسيفوس كرونيكة فينيقية ملخّصة منذ حيروم إلى تأسيس قرطاجة (حوالي 814 ق م)، وفهمنا أنّ هذه الحوليات الصورية تواصلت حتى حكم ألولايوس (لولي) في نهاية القرن 8 ق م تقريبًا، بل حتّى كورش الملك الفارسي. 
نلاحظ على ضوء التقليد الأدبي غير المباشر عن حوليّات صور أنّ علم التاريخ الفينيقي هو قريب ممّا نجده في التوراة، وقد يكون ترك بصماته في الأسفار التاريخية البيبلية.

2- الأدب الفونيقي
هنا ننتقل إلى العالم الغربي بقيادة قرطاجة. فنحن نعرف بواسطة تلميحات الأدب اليوناني والروماني أنّ الادب الفونيقي كان مهمًّا جدًّا، وقد حُفظ في مكتبات الهياكل. ويحدّد بلينوس الاكبر: "إنّ مجلس الشيوخ عندنا، بعد أن أخذ قرطاجة سنة 146 ق. م. وهب مكتبات هذه المدينة للأمراء الأفريقيين" أي لملوك نوميديا الذين استعملوا كتب الأدب الفونيقية (وخاصّة يوبا الثاني). ولكن لم يبق لنا من هذا الأدب الفونيقي الغني إلاّ مقاطع مترجمة في اليونانية واللاتينيّة.

* "رحلة حنون" حول العالم
حفظها لنا مخطوط يوناني في هيدلبرغ. إنّها ترجمة واقتباس لمؤلّف أو مؤلّفين فونيقيين: يقابل القسم الأوّل مدوّنة فونيقية محفورة في هيكل بعل هامون في قرطاجة، والثاني هو جزء من "تفاسير حنون" التي يذكرها بلينوس الأكبر. ما زال العلماء يتجادلون حول صدق هذا النصّ وتاريخيّته: هناك العنوان، ثمّ مقدّمتان تشيران إلى المكان الذي عُرض فيه النصّ الأصلي، وتذكران الظروف العامّة لرحلة تمّت في نهاية القرن الخامس ق م: "خبر رحلة حنون ملك القرطاجيين حول مناطق ليبيا التي هي في عبر عواميد هرقل (أي مضيق جبل طارق) وقد حُفر على صفائح علّقت في هيكل كرونوس. قرّر القرطاجيون أن يتجاوز حنون عواميد هرقل ويؤسّس مدنا قرطاجية. أبحر مع ستين سفينة تحمل كل منها خمسين مجدّفًا، واتّخذ ثلاثين ألف رجل وامرأة، وحمل المؤونة وسائر الحاجات "... بعد هذا يأتي الخبر في صيغة المتكلم الجمع (نحن)، وهو استعادة "يوميات سفينة": عبرَ عواميد هرقل وأمّس مستوطنات وبنى هياكل وقام بحملات عسكرية والتقى بأهل بلدان لا نستطيع أن نحدّد موقعها.

* رحلة هيملقون
هي رحلة بحرية أخرى قام بها هيملقون القرطاجي. تحدّث عنها روفوس فستوس افيانوس (القرن 4 ب م) في كتابه "شاطئ البحر".

* قسَم هنيبعل
دوّن في الأصل في الفونيقية واليونانية بين هنيبعل وفيلبس الخاسر ملك ملكدونية سنة 215 ق م. احتفظ لنا بوليب بالنصّ اليوناني الذي يذكّرنا بتعابير المعاهدات الشرقية (مثلاً معاهدة بين أسرحدون وبعل الصوري). نجد في بداية قسَم هنيبعل هذا نداء إلى الآلهة لكي تكون شاهدة: "قسَم أدّاه القائد هنيبعل والشيوخ القرطاجيون ماغون وميرقانس وبرمورقارس كل القرطاجيين الذين يخدمونه، بين يدي كستنوفانيس ابن قيلوماخوس الاثيني وهو السفير الذي أرسله الملك فيلبس بن ديمتريوس، باسمه وباسم المكدونيين وباسم حلفائهم: أمام زوش وهيرا وأبولون، أمام عظيم قرطاجة، وهرقل ويولاوس (إيل)، أمام اريس وتريتون وبوسيدون، أمام الآلهة التي ترافق جيشنا: الشمس والقمر والأرض، أمام الأنهار والبحيرات والأمواج، أمام كل الآلهة التي تمتلك قرطاجة، أمام كل الآلهة التي تمتلك مكدونية وسائر بلاد اليونان، أمام كل آلهة الرحلة، أيًّا كانوا، الذين يشرفون على هذا القسم... "

* مقال ماغون في الزراعة
كان أفضل كتاب في علم الزراعة في العالم القديم، وهو يبيّن اهتمام القرطاجيين بالتقنيات الزراعية. ترجمه (اقتباس) اليونانيون والرومانيون، كما يقول بلينوس الاكبر: "بعد الاستيلاء على قرطاجة، قرّر مجلس شيوخنا، بصورة شاذّة، أن تترجم إلى اللاتينية كتب ماغون الثمانية والعشرون. ولكن كاتون كان قد ألّف مقاله. فكُلّف بالعمل أناسٌ يعرفون اللغة الفونيقية. وأفضل من عمل كان من نسل عائلة مشهورة: د. سلوانس ". 
نعرف أنّ هذا الكتاب تُرجم إلى اليونانية بيد كاسيوس ديونيسيوس الاوتيكي. ضاعت هذه الترجمات اليونانية واللاتينية ولم يبقَ لنا منها إلاّ قرابة 40 مقطعًا عند الكتّاب اللاتين: فارون، بلينوس، جرجليوس، مرسياليس، كولومال. ويورد كولومال وصفة ماغون لصناعة النبيذ من الربيب: "اقطف العنب الباكر وليكن ناضجًا. اغرز في الأرض على عمق أربع أقدام فروعًا أو أوتادًا تربطها بالعصيّ. ضع فوقها قصبًا وفوق القصب عنبًا يتعرّض للشمس ".
* فانولوس
إن كتاب بلوتس المؤلّف الهزلي اللاتيني (حوالي 254- 184 ق. م.) يتضمّن مقاطع فونيقية نُسخت في اللاتينية. وُضعت في فم حنون القرطاجي في بداية المشهد الأوّل من الفصل الخامس (حوالي 20 بيت شعر). وفي المشهدين الثاني والثالث من الفصل عينه (14 بيت شعر). وهذه ترجمتها: "أَدعو آلهة والإهات هذا المكان. أسألهم أن يُنجحوا محاولتي ويُباركوا سفرتي. أتمنّى، بفضل حماية الآلهة وعدالتهم، أن أستعيد هنا بناتي وابن أخي ".
وهناك كرونيكات يذكرها أرسطو المزعوم وطيماوس الطورماني (القرن 3 ق. م.) وسرفيوس هونوراتوس، مفسّر فرجيليوس (القرن 4 ب. م.). وهذا ما دفع القدّيس أوغسطينوس على القول للخطيب مكسيموس مداوروس: "يقول العلماء إنّه وُجد في الكتب الفونيقية أمور صالحة ومليئة بالحكمة".

ب- المدوّنات الفينيقية والفونيقية
ضاع الأدب الفينيقي والفونيقي، ولكن بقيت لنا المعطيات الإبيغرافية (كتابات منقوشة) التي هي من نوع آخر سنعطي هنا أهمّ المدوّنات الفينيقية والفونيقية تاركين جانبًا أبحاث العلماء التي تحدّد اللهجات المتعددة.

1 - المدوّنات الفينيقية
نضع جانبًا بعض المدوّنات الفينيقية البدائية: مدوّنة زكر بعل ملك أمورو، أي ملك جبيل في أيّام سفرة المصري أون أمون (حوالي سنة 1100 ق. م.)، مدوّنة في أبجدية مسمارية وُجدت في صرفت (جنوبي صيدون، في لبنان). وبعد هذا نميّز أربع مجموعات من المدوّنات الفينيقية.

أوّلاً: الفينيقية العتيقة
منذ سنة 1923 اكتُشف في جبيل أوّل مجموعة لمدوّنات فينيقية عتيقة تعود إلى القرن الحادي عشر (أداة أزر بعل) والقرن العاشر ق م. أمّا أهمّ المدوّنات فهي مدوّنات ملوك جبيل (بيبلوس): اتبعل (ناووس أحيروم حوالي سنة 1000 ق. م.)، يحميلك (مدوّنة ترميم الهيكل سنة 950 تقريبًا)، أبيبعل (تدشين تمثال سنة 925 تقريبًا) إيليبعل (حوالي 915)، شفطبعل (بناء جدار الهيكل، حوالي 900 ق. م.).
تتضمّن هذه المدوّنات عبارات تبدو بشكل قالب أدبي هو صدى للأدب الفينيقي في تلك الحقبة: "الناووس الذي صنعه اتبعل بن أحيروم، ملك جبيل، لأبيه أحيروم، حين وضعه في بيت الأبدية. فإن صعد على جبيل ملك من الملوك أو حاكم من الحكّام أو قائد جيش واكتشف (أو كشف) هذا الناووس، فليتحطّم صولجان سلطانه ولينقلب عرش ملكه وليهرب السلام من جبيل. ليمدّ بعل شميم وربّة جبيل ومجمع الآلهة القدّيسين في جبيل، بأيام يحيملك وبسنيّ ملكه في جبيل ".
نجد مثل هذه التعابير في نصوص أوغاريتية، في مدونات فينيقية أخرى، وفي التوراة، وهذا ما يدلّ على خلفيّة حضاريّة مشتركة. ويمكننا أن نذكر مع المدوّنات الفينيقية العتيقة مدوّنة على كاسة تاكي قرب كنوسوس في كريت (قد تعود إلى القرن 10 ق. م.).

ثانيًا: الفينيقية القديمة (القرنان 9- 8 ق م)
في هذه الحقبة، انتشرت اللغة الفينيقية خارج أرض فينيقية وسنجد بعض المدوّنات على الآنية الفخارية.

* في فلسطين
مدونات صغيرة على آنية وجدت في حاصور وشقمونة. وأظهرت تنقيبات في أجرود (بين قادش برنيع وايلات) مدوّنات فينيقية على الجفصين تعود إلى النصف الأوّل من القرن الثامن ق م.

* في قبرص
مدوّنة جنائزية تعود إلى بداية القرن التاسع ق م. مدوّنة جزئية على كاسة وُجدت في كيتيون وتعود إلى حوالي سنة 800 ق م. ومدوّنة حفرت بالإزميل على كاسة برونزية. اكتُشفت في منطقة ليماسول وذكرت "حاكم (س ك ن) قرتداشت، خادم حيروم، ملك الصيدونيين ".

* في سردينيا
نصّ نورا الشهير. اكتشف سنة 1773 وهو يعود إلى القرن التاسع ق م. ووُجدت مدونة جزئية في بوسا وأخرى في نورا.

* في قرطاجة
في مدفن دويم وُجدت سنة 1898 مدالية ذهبية تتضمّن كتابة فينيقية من ستة أسطر، تعود إلى القرن الثامن ق م. قد تكون المدالية جاءت من قبرص أو من فينيقية.

* في إسبانيا
وُجد تمثال صغير من البرونز وهو يمثل الإهة عارية وهي جالسة. يتضمّن هذا التمثال إهداء لعشتاروت، يعود إلى القرن الثامن ق م.

* مملكة يعادي/ شمال
أبرزت تنقيبات زنكرلي (شرقي أمانوس، تركيا الجنوبية) عاصمة المملكة الأرامية اللوفية القديمة (يعادي/ شمال) مدوّنة فينيقية قديمة هامّة. هناك صورة وقسمان مختلفان يتضمّن كل منها ثمانية أسطر: يتحدّث القسم الأوّل عن سياسة كيلاموا الخارجية، ويفسّر كيف تحرّر من سلطة ملك الدنوانيين (قوي في كيليكية)، ويمتدح خدمات ملك أشورية. ويبرز القسم الثاني سياسة التهدئة الداخلية التي قام بها الملك ليجمع بين قسمي شعب مملكته، بين اللوفيين والأراميين. وإنّ سياسة التهدئة هذه أمّنت للبلاد ازدهارًا عامًّا. وتستعمل هذه المدوّنة عبارات أدبية مقولبة نجدها في مدوّنات ملكية أخرى في الشرق الأوسط. وإليك النص:
"ملكَ جبارُ على يعادي ولكنّه لم يفعل شيئًا. وجاء بناه (أو ابنه) ولكنّه لم يفعل شيئًا. وكان أبي حيّا ولكنّه لم يفعل شيئًا. وكان أخي شائل ولكنّه لم يفعل شيئًا. وأنا، كيلاموا بن توما، فعلت ما لم يفعله أسلافي. فكنت لهذا أبًا، ولذاك أمًّا، وللآخر أخًا. والذي لم ير يومًا وجه خروف، جعلته يملك قطيعًا، والذي لم يرَ يومًا وجه بقرة، جعلته يملك قطيعًا من البقر ويملك الفضة ويملك الذهب، والذي لم يرَ يومًا الكتّان بعينيه ألبسته البزّ في أيّامي".

* في كيليكية
هناك أوّلاً مدوّنة حسن بيلي المجزّأة. ثمّ مدونات كراتيي في اللغتين الفينيقية واللوفية. إنّها تشكّل أفضل شهادة على استعمال اللغة الفينيقية قي مملكة قوي، وهي تعود إلى ما بين 705 و 695 فتنقلنا من الفينيقية القديمة إلى الفينيقية الوسيطة أو الكلاسيكية. 
مدوّنات هي أطول ما لدينا من مدوّنات فينيقية، تشبه المدوّنات الملكية، وإن لم يكن أزيتيوادا ملكًا بل وزيرًا أوّل أو قائدًا للجيش: "أنا أزيتيوادا، مبارك بعل وخادم بعل. قد قويّت أو ريكي، ملك الدنوانيين. جعلني بعل للدنويين الآب والأمّ. أنعشت الدنيوانيين ووسعّت بلاد سهل أضنة من الشرق إلى الغرب. وكان للدنوانيين في أيّامي السعادة والوفر والرخاء... سالمت كل ملك، بل حسبني كل ملك أبًا له بسبب عدالتي وحكمتي وطيبة قلي ".
ثمّ ذكرت بالتفصيل الأبنية التي شيّدها (أو أعاد تشييدها) أزيتيوادا. وتنتهي المدوّنة بطلب بركة بعل على أزيتيوادا وعبيده، واللعنة على كل من يلمس هذه المدوّنات أو يحذف منها اسم أزيتيوادا: "ليمح بعل شميم (بعل السماء) وإيل، خالق الأرض، وشمس الأزل، كل جماعة أبناء الله، هذه المملكة وهذا الملك وهذا الرجل... ولكن ليبقَ أسم أزيتوادا إلى الأبد كاسم الشمس والقمر".

ثالثًا: الفينيقية الوسيطة أو الكلاسيكية (من القرن 7 إلى منتصف القرن 4)
* في فينيقية
أهم المدوّنات في فينيقية هي مدوّنات ملوك جبيل (بيبلوس) وصيدون. ففي جبيل نجد، بالإضافة إلى مدوّنة جنائزية لابن شفطبعل والمدوّنة الصغيرة على ناووس بطنعام، مدوّنة يها وملك التي هي أهمّ مدوّنة والتي تعود إلى النصف الثاني من القرن الخامس ق م. هذا النصب الملكي الذي وضع أصلاً في آخر هياكل جبيل يورد إصلاحات (مذبح البرونز) قام بها الملك من أجل سيّدته بعلة جبيل لأنّها سمعت له. بعد الدعاء بالبركة على ملك يها وملك، تنتهي المدوّنة باللعنات العادية ضدّ كل من يقوم بإصلاحات في الهيكل ولا يجعل يها وملك قرب اسمه.
وفي صيدون حُفرت مدوّنتان على ناووسين ملكيين: أمّا ناووس تبنيت، كاهن عشتاروت وملك الصيدونيين (حوالي 490 ق م)، فلا يتضمّن إلاّ عبارات كلاسيكية مع لعنات ضدّ كل من يفتح الناووس. أمّا ناووس أشمون عازر (حوالي 475 ق م) فهو الأشهر لأنّ مدوّنته الطويلة (22 سطرًا) تتضمّن قسمين مختلفين. يشمل الأوّل عبارات جنائزية كلاسيكية (ما عدا التشديد على موت مبكّر: "أخذت قبل وقتي"). والثاني نُسخ عن مدوّنة ملكيّه تذكارية. عمل الملك مع أمّه كوصية فذكر ابنيته الرئيسية (الهياكل) وقال كيف نجح في توسيع أرضه بفضل الملك الفارسي: "وأعطانا رب الملوك أيضاً دور ويافا والأراضي الغنية بالقمح التي في سهل شارون (بزرعيل) من أجل أعمالي العظيمة. كل هذا ضممته إلى أرض البلاد ليكون للصيدونيين إلى الأبد".
وكانت تنقيبات في بستان الشيخ، في هيكل أشمون، فأبرزت قاعدة تمثال ولد يحمل مدوّنة تعطي سلسلة ملوك صيدون حوالي سنة 400 ق م، واوستراكات كُتب عليها بالحبر فتضمّنت أسماء عَلم أغنت عِلم الأسماء عند الفينيقيين.
ونزيد أيضاً مدوّنة نُصب عمريت التي تذكر شدرافا، ونصبًا وجد في صرفت وهو يذكر عشتاروت تانيت، ونصبًا عديدة في اكزيب.

* في بلاد الرافدين
حفرت مدوّنة فينيقية من بداية القرن السابع على صفحة عاجيّة وُجدت في أور. هي علبة قدمتها أمتبعل ابنة فوطي كهدية لعشتاروت سيّدتها لكي تباركها في أيّام حياتها. وهناك لويحتان أشراهما أحد العلماء في إرسلان تاش سنة 1933 وهما تتضمّنان عبارات تعزيم ضدّ السحر.

* في مصر
هناك كتابات (غرافيتي) وُجدت في هيكل أوزيريس في أبيدوس، ومدوِّنات عديدة على الجرار. وقد تركت لنا رسالتين فينيقيتين دوّنتا على الورق البردي: جاءت الأولى من صقارة وهي تعود إلى القرن السادس ق م تقريبًا. نجد فيها: العنوان، عبارة التقديم، عبارة السلام والمباركة. الثانية تعود إلى القرن الرابع وتحتوي حسابًا اقتصاديًا.

* في قبرص
لقد دُرست مدونات قبرص، وأهمّها من أجل هذه الحقبة مدوّنة كيتيون التي كتبت بالحبر على صفحتي لويحة كلسية تعود إلى نهاية القرن الخامس أو بداية الرابع ق م. نحن أمام حساب مصاريف هيكل عشتاروت في كيتيون خلال شهر أتانيم وشهر فعلت. وهذا الحساب مهمّ لأنّه يلقي ضوءاً على فئات العمّال في الهيكل: البناء، البوّاب، المغنّي، ناحو الذبائح، الخبّاز، الحلاّق... ونذكر أيضاً كتابة تذكر وضع تمثال في السنة الثالثة لحكم الملك ملكياتون (ملك كيتون) وابداليون.

* في مالطة
نجد نصبين يعودان إلى القرن السابع ويذكران ذبيحة "مولك" الشهيرة: "نصب تقدمة الحمل لـ "مولك"، رفعها عريش لبعل هامون السيّد، لأنّه أصغى إلى صوت كلامه ".

رابعًا: الفينيقية الحديثة
منذ نهاية القرن الرابع أثّر العالم اليوناني في فينيقية وفي مختلف المستوطنات الفينيقية. وُجدت مدوّنات في اللغتين في اليونان وقبرص ومالطة. أمّا في فينيقية فنجد: مدوّنات أمّ العامد وهي مكرّسة لهيكل ملك. عشتاروت إله هامون، ومدوّنات أرواد وصور والشاطئ الفلسطيني (أشقمونا، كرمل، بيت يم، نبي يونس، تل جمه) ومصر.
ترتبط مدونات كيتيون (في قبرص) باسم فومياتون، ملك كيتون وايداليون (362- 312 ق م). جاءت هذه المدونات من لارناكا وتحدّثت عن إعادة العبادة لملقارت مع ذبائح منظمة "في أيّام الهلال والبدر، يومًا بعد يوم، إلى الأبد، كما كان في الماضي ". 
ونذكر أيضاً مدوّنة تذكّرنا بترميم هياكل ثلاثة في جزيرة غوزو (قرب مالطة)، ومدوّنات عديدة تدلّ على وجود مستوظنة كبيرة ومنظّمة في أثينة في القرنين الثالث والثاني ق م.

2- المدوّنات الفونيقية
هناك آلاف المدونات الفونيقية الآتية من قرطاجة وصقلية وسردينيا وإيطاليا وإسبانيا وأفريقيا الشماليّة وليبيا، معظمها تذكر نذرًا أو تقدمة: "إلى السيّدة إلى تانيت، وجه بعل والرب، إلى بعل هامون ما نذرت... ". هذه المدوّنات تعطينا لائحة أسماء جديدة وتذكر مهنًا ووظائف عديدة.
وهناك مدوِّنات تستحقّ اهتمامًا خاصًّا: في فيرجي، كتبت على صفحة مذهّبة. تعود إلى سنة 500 ق م تقريبًا. تُهدى المدوّنة الفونيقية إلى السيّدة، إلى عشتاروت من الملك الإتروسكي تيفاري طيباريوس. وقد ساعدتنا هذه المدونات على التقدّم في حلّ رموز اللغة الإتروسكية (إيطاليا).
ونورد هنا بيانًا بأسعار الذبائح. يورد بيان مرسيليا الذي وُجد في قرطاجة، بعض أسعار الضرائب التي تُدفع لمختلف الذبائح (البقر، العجل، الكبش، ذبائح التكفير، ذبائح السلامة، المحرقات) في بعل صفون. مثل هذا البيان قريب ممّا نجد في سفر اللاويين.

خاتمة
إرث كنعاني مشترك، تقارب لغوي، علاقات تجارية وسياسية بين صور وصيدون من جهة بين السامرة وأورشليم من جهة ثانية. كل هذا يجعلنا نعتقد بتأثير الأدب الفينيقي في الأدب العبراني الذي تنقله إلينا التوراة. ونحن ننتظر مزيدًا من النصوص لنحدّد مدى هذا التأثير الذي كان كبيرًا بين القرن العاشر والقرن السابع ق م.
الفصل الثالث والعشرون
الكتابات الأراميّة

مقدّمة
لم يزل تاريخ الأراميين في الحقبة القديمة مجهولاً. وأؤل شهادة مكتوبة عن الأراميين تعود إلى سنة 1100 ق م، في أيام تجلت فلاسر الأوّل. ظهر الأراميون في بلاد الرافدين العليا، وارتبطوا بشعب "أحلامو" المذكورين للمرّة الأولى في مدوّنة هدد نيراري الأول (1307-1275) المُتعلّقة بملك أبيه اريكدانيلي (1319- 1308).
هذه الشهادات الأولى في النصوص الأشورية تُبتي بدايةَ تاريخ الأراميين (بين القرن 14 والقرن 11) في الظلام. نعرف فقط أنّهم كانوا نشيطين في منحة انعطاف مجرى الفرات، في بلاد الرافدين العليا، أرام النهرين البيبلي. فبعد القرن العاشر، أوردت لنا بعض النصوص البيبلية ما يتعلّق بحروب الأراميين مع داود، فألقت بعض الضوء على ممالك صوبة، حماة، دمشق.
وسننتظر النصف الثاني من القرن التاسع ق م لنجد مدوِّنات كتبها الأراميون. أوّل مدوّنة ملكية كبيرة هي مدوّنة كيلاماوا ملك شمال يعادي التي كتبت باللغة الفينيقية. أمّا المدوّنة الثانية فدوّنها هدد يسعي ملك جوزان وسيكان وعزران في اللغتين الأشورية والأرامية. هذا يعني أنّ الأراميين لم يستطيعوا في البداية إلاّ بصعوبة أن يبرزوا ثقافة مكتوبة بلغتهم الخاصة. هذه الثقافة المكتوبة توسّعت أوّلاً بتأثير من الأشوريين من جهة ومن الفينيقيين من جهة ثانية.
في القرن الثامن جاءت بعض المدوّنات الملكية باللغة الآرامية القديمة تشهد على حيوية ممالك دمشق وحماة ولو عاش وشمال (زنكرلي أو زنشرلي) وأرفاد الأرامية، ولكنّ كل هذه الممالك دخلت تحت النفوذ الأشوري، بل ضُمّت تدريجيًا إلى المملكة الأشورية منذ منتصف القرن الثامن إلى سنة 612 / 610 ق م. ثمّ خضعت للبابليين (605- 539) وبعدهم للفرس (539- 332). ولمّا انتصر الإسكندر على الفرس، توزّعت الممالك الأرامية على الممالك الهلّنستية.
لم يتمتعّ الأراميون يومًا باستقلال سياسيي حقيقي، ولكنّهم وسّعوا حضارة خاصّة طبعت بطابعها كل الشرق الأوسط القديم. فبعد احتلال أرام نهرائيم (أرام النهرين) التابع لسقوط بيت عديني في أيّام شلمنصّر الثالث سنة 855، صارت اللغة الأرامية اللغة الثانية في المملكة الأشورية. وبعد النصف الأوّل من القرن الثامن دلّت الجدرانيات الأشورية على وجود كتبة أراميين بجانب كتبة أشوريين. أجل، لقد صارت المملكة الأشوربة مملكة أشورية أرامية.
وحلّت لغة المغلولين محلّ لغة الغالبين. وانتشرت الكتابة الأرامية بسبب أبجديتها. أمّا لغة الأشوريين فأخذت تتراجع بسبب طريقة كتابتها الصعبة. وصارت الأرامية الملكية اللغة المتداولة في سورية وفلسطين منذ نهاية القرن الثامن. وما عتّمت أن توسّعت نحو الشرق فصارت اللغة الرحمية الأكثر استعمالاً خلال الحكم الفارسي، من مصر إلى أفغانستان. 
بعد فتوحات الإسكندر تفكّكت هذه الأمبراطوريّة، وخسرت الأرامية سيطرتها كلغة دولية لحساب اليونانية. ولكن أخذت كل مقاطعة قديمة ذات سكان أراميين تُنمي لغتها وكتابتها وثقافتها الخاصّة (أنباطي، أرامي، فلسطيني، تدمري، حتراوي...). وفي الحقبة البيزنطية نما الأدب الأرامي (الأرامي البابلي والسامري والمندائي أو المندعي وخاصّة السرياني) الذي ظلّ تقليدًا حيًّا حتّى القرن العشرين.
نلاحظ أنه، إذا وضعنا جانبًا نصوص الفنتيين وقمران ودير علّة، فالأدب الأرامي القديم قد زال كلّه تقريبًا لأنّه دوّن على لفائف من البردي أو الجلد. وبقيت المدوّنات الملكية، ولاسيّمَا الطويلة منها، التي تأثّرت بهذا الأدب القديم. لذلك نبدأ فنذكرها كشاهدة على الأدب الأرامي القديم.

أ - بقايا الأدب الأرامي القديم
لم تعطنا التنقيبات الأركيولوجية حتّى الآن سوى مقاطع من الأدب الأرامي، في فلسطين وفي مصر، لا في قلب العالم الأرامي (سورية، بلاد الرافدين).

1 - دير علاّ (وادي الأردن)
نحن أمام مدوّنة نُسخت على الجفصين بالحبر الأحمر والأسود، في لهجة أرامية قديمة. تروي البداية رؤية الآلهة خلال الليل على نبي سمع خبرًا سيّئًا. وفي اليوم التالي نقل النبيّ هذا القول النبوي لمن يحيط به: "مدوّنة سفر بلعام بن فغور، الإنسان الذي كان يرى الآلهة. جاءه الآلهة في الليل ووجّهوا إليه هذه الكلمات. كلّموا بلعام بن فغور... وقام بلعام في الصباح... وبكى".

2- الفنيتين (مصر العليا)
نجد بين المخطوطات العديدة التي وجدت في الفنيتين تجاه سيان (أو أسوان)، مقاطع لنصوص أدبية كلاسيكية:

أوّلاً: حكمة منقولة عن المصرية
فالبطل يحمل اسمًا مصريًا: برفونش أي الذئب. لم يستطع العلماء أن يكونّوا من هذه النتف جملة واحدة كاملة، ولكنّهم اكتشفوا عددًا من آلهة مصر.
ثانيًا: أمثال وقصّة أحيقار
كتاب مدرسي في المدارس الأرامية في الحقبة الفارسية وقد ظلّ شعبيًا في كل الشرق الأوسط، وهذا ما يشهد عليه الترجمات المحفوظة في مختلف اللغات الشرقية ولاسيّمَا السريانية. يتألّف هذا الكتاب من عنصرين مختلفين: تتكوّن النواة من مجموعة أمثال كُتبت في الأرامية الغربية ومثّلت تقليدًا أراميًا آتيًا من سورية. أقحمت هذه الأمثال في خبر يروي ما حصل من سعد ونحس لأحيقار الكاتب الحكيم والماهر... ومستشار كل اشورية وحافظ أختام سنحاريب، ملك أشورية. لم يكن هذا الشخص من نسيج الخيال، وهو المذكور في لويحة مسمارية من العهد الهلّنستي تعطي لائحة بالاختصاصيين (أومانو) المشهورين ومنهم في أيّام أسرحدون خلف سنحاريب: "أبا أنليل داري الذي سمّاه "أحلامو" (أي الأراميون) أحوقار". كان هذا الشخص المشهور أراميًا مارس وظيفة عالية في البلاط الأشوري في بداية القرن السابع. ولا يمكن أن يكون خبره سابقا لذاك التاريخ. يظنّ بعض العلماء أنّنا أمام ترجمة لأصل أكادي، ولكنّ هذا الرأي غير أكيد ونحن نعرف أهمّية الكتبة والموظفين الأراميين في البلاط الأشوري.
يبدو النصّ الحالي بشكل خبر حكمي دوّن في أرامية بلاد الرافدين وهدف إلى التشديد على الصدق والأمانة للملك، حتّى ولو خسر الموظّف حظوته.
كانت قصّة أحيقار وابنه نادين مشهورة جدُّا في الزمن الفارسي، فلمّح إليها مرارًا سفر طوبيا.

ثالثًا: مدونة بيسيتون
مدوّنة ملكية صارت نصًّا كلاسيكيًا يتعلّمه في المدارس الموظّفون العتيدون. تلك كانت وسيلة تدخل بها الإيدولوجيا الملكية والأمانة للعرش في رؤوس الذين سوف يعملون في إدارة الدولة. هذا الاستعمال للنصوص في خدمة الدعاية الملكية نجده في المقطع 70 من مدوّنة كتبت بالفارسية القديمة على صخرة بيسيتون (أو بهيستون) في كردستان. دوّنها داريوس الأوّل بعد اعتلائه العرش (522 ق م) وذكر أنّ نسخًا من هذه المدوّنة كتبت في ثلاث لغات وأرسلت إلى كل أنحاء المملكة الفارسية.
بعد هذا، لن نعجب إن نحن وجدنا نسخة منها في مصر ولكنّنا نعجب حين نلاحظ أنّ نسخة المخطوطة الموجودة في الفنتين تعود إلى الربع الأخير من القرن الخامس ق م، أي بعد اعتلاء داريوس العرش بقرن من الزمن، وقد يكون ذلك بمناسبة اعتلاء داريوس الثاني العرش سنة 433 ق م. هذا الواقع، وإقحام نصّ المدوّنة الجنائزية لداريوس الأوّل في نقشي روستام في نهاية النسخة الأرامية، تذكران استعمال هذه المخطوطة في تعليم تاريخي يعلّم الموظّف العتيد الأمانة لملكه منذ مقاعد الدراسة في المملكة الفارسية.
غطّى النصّ الأرامي الاولاني 11 عمودًا، كل عمود 17 / 18 سطرًا. إذا 190 سطرًا تقريبًا. نجد على البردية 9 عواميد على الوجه وعمودين على الظهر كانت اللفيفة الاولانية تعد، على ما يبدو، 24 بردية ملصقة بعضها ببعض. دوّن النصّ في الأرامية الرعية أو الشرقية ولكنّه جاء مجزّأ. ولكنّنا نستطيع أن نستند إلى نصوص الفارسية القديمة والعيلامية والأكادية لنجمع القطع ونقدم لفيفة بردية تمتدّ على ثلاثة أمتار. يروي النص أولى الحملات التي قام بها داريوس ليقمع ثورات عديدة ويثبّت عرشه. وتتضمّن النهاية تنبيهًا إلى الأجيال الآتية، يفسّر لماذا أدخل هذا النص في التعليم الكلاسيكي في المدارس: 
"أيّا كنت أيّها الملك الذي ستكون بعدي، لا تكن صديق الكذّاب... احتفظ من الكذّاب الكبير... ممّن يكذب... يعرف الناس بوضوح كيف تتصرّف كيف تسلك. قل الحقيقة للشعب ولا تخفها عليهم. إن كنت لا تخفيها عليهم، فأحو رمزدا يباركك. يكون نسلك كبيرًا وتمتدّ أيّامك. ولكن إن أخفيتها يلعنك أحور مزدا ولن يكون لك نسل ".

3- قمران (قرب البحر الميت)
أبرزت اكتشافات قمران بالاضافة إلى نصوص التوراة العبرية (وفيها نصوص أرامية من سفر عزرا ودانيال)، عددًا من النصوص الأرامية كنّا نعرف مضمونها بفضل ترجمات موجودة في مختلف اللغات الشرقية. دوّنت هذه النصوص للمرّة الأولى، على ما يبدو، حوالي القرنين الثالث والثاني ق م.
نعرف أوّلاً أربع مخطوطات لطوبيط (أو طوبيا) في الأرامية. وهذا يعني أنّ سفر طوليا دوّن أوّلاً في الأرامية حوالي القرنين الرابع والثالث ق م. واستلهم أفكاره من قصّة أحيقار التي اعتبرها معروفة في أيّامه.
ونعرف ثانيًا كتاب أخنوخ (أو كتب أخنوخ) الذي وصل إلينا في ترجمة حبشية. أعطتنا المغارة الرابعة مخطوطة من هذا الكتاب الذي دوّن أصلاً في الأرامية. لم تزل طريقة تكوين هذا الكتاب حول شخصية أخنوخ طريقة متشعّبة يختلف حولها العلماء بالتفصيل. وقد تكون ضمّت: كتاب المنارات السماوية، كتاب الساهرين، كتاب الأمثال، كتاب الحكماء، رسالة أخنو، كتاب الجبابرة.
ونعرف ثالثًا وصيّة لاوي التي وصلت إلينا في مخطوطة من كنز (غنيزا) القاهرة.
ونعرف رابعًا صلاة نبونيد وتقاليد أخرى مرتبطة بدانيال.
ونعرف خامسًا رؤى عمرام.
ونزيد على هذا الأدب الذي سبق تكوين الشيعة الإسيانية وإقامة مجموعاتها في قمران، أبو كريف (كتاب منحول) التكوين الذي ألّف هو وترجوم أيوب في نهاية القرن الثاني أو بداية القرن الأوّل ق م.
ونضيف إلى هذه النصوص الأدبية الأرامية (المرتبطة بالعالم اليهودي) نصًّا أراميًا دوّن في الديموتية (أو الشعبية المصرية). هذا النص قريب من لويحة مسمارية وُجدت في أوروك ونَسَخَت نصاً أراميًا ذا طابع سحري. ونذكر هنا أنّ فلافيوس يوسيفوس دوّن أوّلاً كتابه "الحرب اليهودية" في الأرامية (حوالي 75 ب م). ولكن لم يصل إلينا إلاّ الترجمة اليونانية التي جاءت اقتباسًا عن الأصل.

ب- المدوّنات
من المستحيل أن نورد هنا كل المدوّنات الأرامية منذ البدايات إلى القرن الأوّل ب م. لهذا سنكتفي بذكر أهمّها مع التشديد على نماذج وُجدت في العصور المتعددة.

1 - الأرامية العتيقة
أوّلاً: أوّل مدونة أراحة مهمّة نشرت سنة 1982. حفرت على ظهر تمثال هدد يشعي ملك جوزان وسيكان وعزران. وُجدت في تل الفخارية على منابع الخابور، ويعود تاريخها تقريبًا إلى سنة 850- 825 ق م. كان على وجه التمثال مدوّنة أشورية ويبدو أن القسم الأوّل من النصّ هو ترجمة عن الأشوريّة. أمّا القسم الثاني فدُوِّن أوّلاً في الأرامية. لهذا لا ندهش إن نحن قرأنا سلسلة من اللعنات قريبة ممّا نجد في النصوص السامية الغربية، ولاسيّمَا في نصوص السفيرة: "ليزرع ولا يحصد! ليزرع ألف كيلة من الشعير ولا يستخرجِ إلاّ نصف كيلة! لتُرضع مئةُ نعجة حملاً واحدًا دون أن يشبع! لتُرضع مئة امرأة طفلاً واحدًا دون أن يشبع! لتطبخ مئةُ امرأة خبزًا في الفرن ولا تملأه! وليجمع الناس شعيرًا للأكل من حفرة الأوساخ! لينزل بهم الولاء (ضربة نرجال) ولا يُقتلع من البلاد !"
ثانيًا: وُجدت مدوّنات عديدة في لهجة أرامية عتيقة وخاصة في زنكرلي وفي جوار عاصمة مملكة يعادي شمال (شرقي أمانوس) هذه. نكتفي بايراد ثلاثة نصوص مهمّة:

* مدوّنة هدد
أهدى فنامووا، ملك يعادي، تمثالاً كبيرًا للإله هدد (النصف الأوّل من القرن 8 ق م). يشكر فنامووا الإله على أنّه ثبّت عرشه. وهو يقدّم له هذا التمثال من أجل دوام ملكه. ثمّ تأتي اللعنات على مغتصب ممكن.

* مدوّنة فنامووا
حفرها على نصب جنائزي الملك برراكب وقدّمها لوالده فنامووا، الذي كان خاضعًا لتجلت فلاسر الثالث وتوفّي خلال حصار دمشق سنة 733/732 ق م. تذكر هذه المدوّنة خبر ملك فنامووا الذي أزال أحد المغتصبين قبل أن يعيد الازدهار إلى البلاد بمساندة "ملك أشور". وتشير نهاية النص إلى ثبات الملك في يد برراكب. "وأنا برراكب بن فنامووا، قد أجلسني سيّدي ملك أشور على عرش أبي فنامووا بن برصور بسبب حقّ أبي وحقي ".

* مدوّنة أورديك بورنو
ترتبط بالمدوّنات اليعادية. ولكن تبقى قراءتها صعبة.
ثالثا: نذكر أيضاً بعض المدوّنات القصيرة والمجزّأة التي تعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع، ولاسيّمَا مدوّنتين عاجيتين تذكران حزائيل، ملك دمشق.

2- الأرامية القديمة
تشهد مدوّنات عديدة في القرن الثامن على انتشار الثقافة الأرامية المكتوبة.
أوّلاً: نصب وجد في بريج (7 كلم إلى الشمال من حلب). أهدي إلى ملقارت على يد برهدد... ملك أرام. نحن أمام بر هدد، ملك دمشق، ومعاصر يوآش ملك إسرائيل. أمّا تاريخ هذا النص فهو على ما يبدو: 797 ق م.
ثانيًا: مدونة "زكور ملك حماة والوعاش". إنّها تدل على المدوّنات الملكيّة في تلك الحقبة، تذكر كيف أنّ الإله بعل شميم خلّص عاصمته حزرك التي حاصرها تحالف من الملوك الأراميين والحثّيين الجدد، وكان على رأسهم برهدد بن حزائيل ملك دمشق. وبعد أن يذكر الأبنية التي شيّدها، ينهي باللعنات التي تهدّد كل من يدمّر هذا النصب. أمّا قلب النصّ فيذكّرنا ببعض النصوص البيبلية: "رفعت يدي نحو بعل شميم: لا تخف، فأنا جعلتك ملكًا وأنا أقف بجانبك وأنا أخلّصك من كل هؤلاء الملوك الذين هاجموك وحاصروك ".
ثالثًا: مدوّنات السفيرة. حُفرت على ثلاثة أنصاب مختلفة جاءت من السفيرة (تبعد 25 كلم إلى الجنوب الشرقي من حلب). تتضمّن أقسام (عدى) ماتيئيل ابن عطر سمكي ملك أرفاد تجاه برجعيا ملك كتك. هذا الملك هو شمشي أيلو ترتانو (قائد أشوري ومن أصل أرامي). خدم ملوك أشورية في النصف الأوّل من القرن الثامن أي هدد نيراري الثالث (810- 784) وشلمنصّر الرابع (782- 773) وأشوردان الثاني (772- 755) وأشورنيرارى الخامس (754- 745). كان الشخصية الثانية في المملكة الأشورية وكان يقيم في كيتيكا (تل برشيف) على شواطئ الفرات. صار نائب الملك القوي في غربي المملكة الأشورية.
تاريخ الأنصاب الثلاثة: بين سنة 796 وسنة 772، وهي تتضمّن نموذجًا واضحًا عن أقسام تربط ملكًا خاضعًا بملك عظيم وتشمل بعض البنود السياسية المحدّدة وذكر لعنات الآلهة إن نقض العهد. هذا الفن الأدبي (عدى، عديم) الأشوري والأرامي قد ألهم عددًا من النصوص التوراتية ولاسيّمَا في سفر تثنية الاشتراع: "ليَلتَهم الجرادُ البلادَ سبع سنوات! ليَلتَهم الدود البلاد سبع سنوات! ليصعد الجندب على سطح الأرض! لا ينبت عشب ولا يُرَ أخضرار ولا يُرَ نبات ولا يسمع صوت القيثارة في أرفاد".
رابعًا: في زنكرلي. صعد برراكب على عرش شمال بمُساعدة تجلّت فلاسر الثالث، فحفر بعض المدوّنات الملكية في الأرامية الكلاسيكية في قصره. وهو يؤكّد صدق ولائه لسيّده: "أنا برراكب بن فنامووا ملك شمال خادم تجلت فلاسر سيّد أربعة أقطار الأرض. بسبب صدق أبي وصدقي، أجلسني سيّدي ركيب ايل وسيّدي تجلت فلاسر على عرش أبي ".

3- الأرامية الملوكية
بعد أن احتلّ تجلت فلاسر الثالث (744- 727) الممالك الأرامية، أدخلها في المملكة الأشورية فصارت المملكة الأشورية الأرامية. وتأثرت اللغة الأرامية بالأشورية الجديدة والبابلية الجديدة. لم نجد أنصابًا ملكية بل أختام وأنصاب شخصيات كبيرة ورسائل وعقود ولوائح أسماء كتبت على اللويحات أو على الاوستركات أو على البرديات. 
أوّلاً: نصبان جنائزيان مع نقيشة. وُجدا في نيراب (تبعد 7 كلم إلى الجنوب الشرقي من حلب). كانا لكاهنين في خدمة "ظهر" الإله القمر: سنزاربني وشيعجباري. يعودان إلى القرن السابع ق. م. ويتضمّنان لعنات على من يقتلع هذين النصبين. وتصوّر المدوّنة الثانية موت هذا العظيم محاطًا بكل عائلته: "في يوم موتي لم يُحرم في من الكلام، وشاهدت بعينيّ ذريّتي حتّى الجيل الرابع. بكوا بِوَلَه ".
ثانيًا: وظهر التأثير الأكادي على تدوين الوثائق الإدارية ولاسيّمَا العقود والاعتراف بالديون. لم يبقَ لنا وثائق على برديات أو جلد، ولكنّنا نستطيع أن نذكر أرشيفًا صغيرًا على لويحات طينية وجدت في نينوى وأشور وتل خلف. ونذكر لويحة أرامية منعزلة مؤرّخة سنة 635 ق.م.، وقطعة لويحة بابلية (571/570 ق. م.) تتضمّن لائحة الشهود، وإبيغرافيات أرامية على لويحات أشورية وبابلية هي أعمال قانونية.
ونجد وثيقة ترجع إلى الإدارة الملكية. حُفرت على الحجر وأعلنت أنّ كل مزارع لا يدفع الضريبة، يُحكم عليه بالموت هو ومن يتواطأ معه.
ثالثًا: وصلت إلينا رسالتان أراميتان، الأولى مكتوبة على أوستراكة والثانية على بردية. أوستراكة أشور. أرسلها ضابط أشوري في جيش أشور بانيبال في بابلونية في بدء تمرّد ملك بابل شمش شوموكين حوالي سنة 650 ق م. وبرديّة صقّارة هي رسالة أرسلها أدون ملك عقرون في أرض الفلسطيين إلى فرعون، سيّد الملوك إلى نكو الثاني يدعوه فيها إلى مساعدته على جيش ملك بابل الذي وصل إلى حدود فلسطية حوالي سنة 604 ق. م..
رابعا: أوستراكة أرامية وُجدت في نمرود وتضمّنت لائحة أسماء عموّنية وأختام ومدوّنات على البرونز أو على المعايير والموازين.

4- الأرامية الرسمية
في زمن الأخمينيين (539- 532) صارت الأرامية إحدى اللغات الرؤية في المملكة الفارسية. استُعملت في الغرب كما استُعملت في مقاطعات المملكة الشرقية.

أوّلاً: في مصر
بعد أن احتلّ كمبيز مصر سنة 525 ق م، صارت الأرامية لغة البلاد الادارية فاستعملها كل موظّفي الإدارة والجيش. وبسبب الطقس وصلت إلينا أوستراكات عديدة ومدوّنات على الأواني أو على الحجر ووثائق مكتوبة على البردية أو على الجلد، مع الإشارة إلى المصدر: الفنتين/ سيان (أسوان)، أبيدوس، هرموبوليس، ممفيس، صقّارة، تلّ المسخوطة.

* الفنتين/ سيان. يرجع قسم كبير منها إلى مستوطنة يهودية أقامت في جزيرة الفنتين (ياب) وكان لها هناك هيكل مكرّس للإله ياهو (يهوه) مع كهنة وخادم. وقسم آخر جاء من مستوطنة أرامية أقامت في سيان وكان لها معابد مكرّسة لنبو، لبانيت، لبيت إيل، لملكة السماء أي عناة. كان أهل هاتين المستوطنتين من المُرتزقة العاملين في خدمة الفرس لحماية حدود مصر الجنوبية. ماذا نجد في هذه الوثائق التي وصلت إلينا؟ نجد مجموعة رسائل دوّنت على الجلد وحفظت في وعاء من جلد. هي وثائق تتعلّق بإدارة أرشاما، حاكم (مرزبان) مصر وأحد أعضاء عائلة الأخمينيين المالكة وسيّد أراضي عديدة في بابلونية كما في مصر هناك رسائل كتبها أرشاما خلال غيابه مدة ثلاث سنوات (410- 407 ق. م.) في بابلونية، وهي تتعلّق بإدارة أملاكه في مصر.
ونجد أرشيفًا عائليًا يتعلّق بأعضاء شخصيات كبيرة في جماعة الفنتين اليهوديّة. منها: أرشيف يدنيا، قائد هذه الجماعة. يتضمّن تسع وثائق من نهاية القرن الخامس، وهي تفهمنا المشاكل التي واجهتها الجماعة اليهودية المحلّية: مشاكل داخلية (تثبيت الروزنامة، طقس الفصح، طقس الهيكل)، مشاكل خارجية (علاقات مع السكّان المصريين، تمرّد دمّر معبد ياهو، علاقات مع السلطات الفارسية في مصر واليهودية في يهوذا والسامرة بما يتعلّق بإعادة بناء الهيكل...). ومنها: أرشيف حنانيا خادم هيكل ياهو. يتضمّن عقود زواج مع عبيد وأعمال تحرير عبيد، وصكوك تمليك. تاريخ هذه الوثائق بين سنة 451 وسنة 402 ق م. ومنها: أرشيف مبطحيا الذي يتضمّن أعمالاً قانونية (بيع، شراء، هبة، عقد زواج، طلاق، مشاكل تركة وميراث) تمتدّ على ثلاثة أجيال (471- 410 ق. م.). ونجد أعمالاً إداريّة متنوّعة: تسليم موادّ غذائية، توزيع الإعاشات في المخازن الملكية، لائحة بأسماء مع أوامر من أرشاما بالنسبة إلى سفينة من السفن...
ونجد عقودًا وأعمالاً قانوتنية لا ترتبط بأيّ أرشيف محدّد.
ونجد أوستراكات عديدة تحمل تبليغات قصيرة حول الحياة اليومية. حملتها السفينة التي تصل سيان بالفنتين، وأشار بعضها إلى الاحتفال بالفصح أو بيوم السبت.
ونجد مدوّنات على جرار مكتوبة بالحبر في الفينيقية أو الأرامية.
ونجد نصبًا مع مدوّنة أرامية في سيان مُهداة إلى الإله.

* في أبيدوس. كان معبد أوزيريس الرئيسي يجتذب العديد من الحجّاج، سواء من المصريين أم من الأسيويين، من الفينيقيين والأراميين. نحن نتعرّف إليهم من خلال الكتابات التي تركوها فدلّت على مرورهم من هناك.

* في هرموبوليس. في وعاء وُضع في قبو تحوت وُجدت ثماني رسائل على ورق البردي. وُجهت إلى أفراد عائلة تقيم في سيان أو الأقصر، ولكنّها لم تصل إلى هدفها. إنّها تتعلّق بعائلات أرامية وتعود إلى حوالي السنة 500 ق. م. اسم مرسل الرسائل الثلاث الأولى هو ماكيبانيت ونحن نجده على عقد استئجار أرض يتقاسم به المستأجر والمؤخّر غلّتها.

* شيخ فضل. وجدت 17 مدوّنة أرامية على جدران مدفن شيخ فضل، تذكر طهرقة، فرعون السلالة 25 الذي حكم في بداية القرن السابع (رج 2 مل 19: 9 ؛ أش 37: 29) وتذكر نكو وبساميتيك.

* ممفيس. لويحة تقدمة من الحجر مع مدوّنة أرامية: "لويحة تقدمة ليقترب بانيت من أوزيريس أبيس. صنعها أبيتاب بن بانيت. هذا ما صنعه أمام أوزبريس أبيس ".

* صقّارة. هناك أنصاب جنائزية عديدة في صقّارة ومكرّسة لأوزيريس. تاريخ أحدها: 482 ق م. ويتضمّن نصب آخر عبارات مصرية: "مباركة، طابة، بنت تحافي المتعبدة للإله أوزيريس. لم تفعل شرًّا ولم تفتري هناك على أحد. كوني مباركة أمام أوزيريس. تقبّلي الماء من أوزيريس. كوني خادمة سيّد الحقيقتين واحيي إلى الأبد مع الطوباويين ".
وأبرزت حفريات صقارة الأخيرة (منذ سنة 1967) 200 قطعة من قطع البردي دوّنت في الأرامية واحتوت على أعمال قانونية وتجارية وغيرها.

* تل المسخوتة. يبعد قرابة 20 كلم إلى الغرب من الإسماعيلية. يتضمّن هذا الكنز الذي وُجد هناك جرارًا تعود إلى القرن الخامس ق م. نجد إهداء في الأرامية: "دعاء قدّمه قاينو بن جشمو (راجع جاشم العربي المذكور في نح 2: 19 ؛ 6: 1، 2، 6) ملك قيدار إلى هن ايلة (إلى هذه الإلاهة) ".

ثانيًا: في فلسطين
نميّز مجموعات مهمّة من الوثائق الآرامية.
* أرشيف وادى داليه: برديّات تتضمن وثائق بيع عبيد. حملها عظماء السامرة حين هربوا سنة 332 / 331 ق م، وذلك بعد أن أحرق أندروماخوسُ، الحاكمُ اليوناني الذي عيّنه الإسكندر على السامرة.
* ختمان و 65 براءة محفوظة في وعاء ومربوطة بأوراق من البردي أو الجلد. كل هذا شكّل أرشيف أحد أعضاء العيلة الحاكمة في اليهودية حوالي سنة 500 ق م: شلوميت زوجة الناتان حاكم اليهودية. هذه المرأة المشهورة كانت ابنة زربابل وشقيقة حنانيا (1 أخ 3: 9) اللذين كانا كلاهما حاكمي اليهودية قبل الناتان. ولكنّ مناخ منطقة أورشليم لم يساعد على حفظ هذه الوثائق من التلف.
* اكتشفت أوستراكات عديدة وخاصّة في أراد وبئر سبع ولكنّها أوراق حساب قصيرة لحقها التلف.

ثالثا: في شمالي الجزيرة العربية
وُجدت مدوّنات أراميّة عديدة في واحة تيماء. تعود إلى حوالي سنة 400 ق م. أطولها وأهمّها تتحدّث عن إقامة معبد جديد (الكاهن، المداخيل).

رابعًا: آسية الصغرى
وجدت مدوّنات أرامية عديدة على الأنصاب أو محفورة في الصخر في مقاطعة آسية الصغرى (تركيا الحالية). يعود معظمها إلى القرن الرابع ق م. نحن أمام أنصاب جنائزية (داسكيليون وحلواتيبي/ سلطانية كوي في ميسية، سرديس في ليدية ليميرا في لوقية)، وعلامات حدودية (غوزنه وبحاديرلي في كيليكية) ومدوّنات مختلفة (نصب نذري في كسقاك كويو في كيليكية، نصب تذكاري لسراي دين في كيليكية).
أهمّ مدوّنات آسية الصغرى هي مدوّنة كسانتوس: مسلّة (كشفت سنة 1973) في ثلاث لغات (يونانيّة، أرامية، لوفية) تعود إلى سنة 358 ق م. المدوّنة الآرامية هي النصّ الرسمي لقرار بيكسودوروس مرزبان كاربة ولوقية، يتعلّق بإقامة عبادة جديدة في ليتاؤون في كسانتوس. فبعد تاريخ البناء والإشارات حول تسيير هذه العبادة الجديدة (كاهن، مداخيل، ذبائح شهرية وسنوية)، ينتهي النصّ بلعنات على كل من يمسّ هذا القرار.

خامسًا: بلاد الرافدين وإيران
نجد في بلاد الرافدين عددًا من البطاقات الأرامية دوّنت على لويحات مسمارية. وأبرزت تنقيبات برشيبوليس مجموعتين من المدوّنات الأرامية. تشتمل المجموعة الأولى على 200 مدوّنة مكتوبة على أوعية من الحجر الأخضر (صحون، صوانٍ ، أطباق) استعملت كهدايا للخزانة الملكية، وتعود إلى القرن الخامس ق م. وتشتمل المجموعة الثانية على لويحات أرامية.

4- الأرامية الوسيطة (من القرن 3 ق. م. إلى القرن 3 ب. م.)
كانت هذه الأرامية امتدادًا للأرامية الرسمية ولكن بدأت تبرز كتابات ولهجات وطنية.

أوّلاً: امتداد الأرامية الرسمية
اوستراكات وبرديات في ادفو (مصر) تعود إلى نهاية القرن الرابع وبداية القرن الثالث ق م. أوستراكات في السامرة وخربة الكوم ومدوّنة على حجر في الكرك (فلسطين). بعض المدوّنات في اليونانية والأرامية من القرن الثالث ق م: أغشاكالي وفراسا في كبادوكية (أسية الصغرى). ووجدت في أرمينيا السوفياتية قرب بحيرة سيوان صوّات (علامات المسافات) دوّنت في القرن الثاني ق م. وهناك خمس مدوِّنات في أفغانستان وشمالي غربي الهند، ارتبطت بالملك أسوكا (حوالي منتصف القرن 3 ق م) ووجدت في تاكسيلا، وفولي دارونتي، وكندهار.

ثانيًا: التقاليد الوطنية
بدأ هذا التحوّل إلى التقاليد الوطنية منذ القرن الثاني ق م، وها نحن نميّز لهجات غربية ولهجات شرقية.
* اللهجات الغربية
الأنباطي. انتشر في شمالي الجزيرة العربية في جنوب شرقي فلسطين وفي سورية الجنوبية. وكان المركز البترا (سلع). هناك آلاف المدوّنات النذرية والجنائزية والكتابات (غرافيتي. ثلاثة آلاف في سيناء وحدها). وظهرت المدوّنات الأنباطية في تدمر منذ سنة 169 ب م. كان الأنباطي اللغة المكتوبة، أمّا اللغة المحكية فكانت العربية.
الأرامية الفلسطينية. عاشت مع العبرية واليونانية. هناك مدوّنات عديدة على الحجر وعلى العظام، ومخطوطات قمران ومربعة وسائر مغاور برّية يهوذا.
الأرامية التدمرية. انتشرت حول تدمر التي كانت واحة ومُلتقى طرق. هناك قرابة 2000 مدونة على الحجر من القرن الأوّل ق. م. إلى القرن الثالث ب. م.

* اللهجات الشرقية
اللغة الحترية. نمت حول حتراء التي تبعد 55 كلم إلى الشمال الغربي من أشور، وهي محطة للقوافل وعاصمة إحدى ممالك بلاد الرافدين. وُجد فيها حتّى الآن 350 مدوّنة على الصخر من القرن الأوّل إلى الثالث ب. م..
اللغة الرهاوية. انتشرت حول الرها (أورفا الحالية واداسه اليونانية) التي هي عاصمة مملكة على حدود الامبراطورية الرومانية. استعملت هذه المنطقة العليا في بلاد الرافدين كتابة ستكون في أصل السريانية. هناك عدد كبير من المدوّنات في الرهاوي أو السرياني القديم.
تنقيبات نيسا قرب قرية بَغير القريبة من اشخباد عاصمة جمهورية التركمان السوفياتية. وجدت هناك 3000 أوستراكة تعود إلى القرن الأوّل ب م، وهي حسابات جرار نبيذ.

هذا العرض السريع للنصوص الأرامية يدلّ على تنوّعها وأهمّيتها لجهة حضارة الشرق الأوسط القديم خلاالألف الأوّل ق م. ولاسيّمَا لجهة التقليد التوراتي الذي توسّع بعد القرن الثامن في عالم تأثر أكثر كر بالحضارة الأرامية.
خاتمة

وهكذا انتهت محطّتنا الأولى في هذا المدخل إلى الكتاب المقدّس. قدّمنا أبحاثًا عامّة وبدأنا الولوج إلى عالم الشرق القديم. وبعد أن تتبّعنا تاريخ الشعب العبراني منذ البدايات حتّى الإسكندر الكبير، جعلنا هذا التاريخ في إطار تاريخ الشرق القديم كله، من مصر إلى بلاد الرافدين، ومن فينيقية إلى أرض الفلسطيين والأراميين. وقمنا بعملية تحليق فوق الحضارات التي عرفها الشرق: المصريون والبابليون والحثيون والفينيقيون والأراميون. فالتوراة كما نعرفها اليوم قد غرفت من هذا الغنى العظيم الذي سبقها بأجيال وأجيال. فالوصايا العشر سبقتها نصوص حمورابي. ورواية الخلق الأولى وجدت تعبيرًا لها في أسطورة انوما اليش. وكذا القول عن الطوفان والسلالات البشرية. أجل، إن التوراة بطابعها الإلهامي اغتنت بغنى الشرق، فاستعدّت هكذا للقاء المسيح. كان العهد القديم البوتقة التي انصهرت فيها كل هذه الحضارات. وحين يأتي العهد الجديد، فهولا يكتفي بأن يطبع بالطابع المسيحيّ كتابا واحدًا، بل يطبع بطابعه كل كتب الاقدمين أكانت كتب المصريين والأراميين والفينيقيين أم كتب اليونان والرومان. أجل، كل شيء كان للمسيح، وقد حمله المسيح لكي يقدّمه إلى الآب.
انتهت المحطّة الأولى وأوصلتنا إلى أسفار العهد القديم. لهذا ستكون المحطّة الثانية اطّلاعًا على عالم الشريعة والأنبياء. ننطلق فيه من موسى وما تركه لنا من تراث تعمّقت جذوره في التاريخ، فنصل إلى الأنبياء السابقين واللاحقين. نرافق يشوع والقضاة وصموئيل وشاول وداود وسليمان، قبل أن نصل إلى أشعيا وإرميا وحزقيال والأنبياء الاثني عشر.
فإلى الجزء الثاني من هذا المدخل إلى الكتاب المقدّس في عهده القديم.
وهكذا نستعد أفضل الاستعداد لكي نقرأ العهد الجديد، فنكتشف ذلك الذي تحدّث عنه الآباء والأنبياء، نكتشف يسوع المسيح.