المدخل إلى الكتاب المقدس ج 2

توطئة

ونصل إلى المحطّة الأخيرة من هذا المدخل إلى الكتاب المقدّس في عهده القديم. سنتوقّف عند قسمين. في القسم الأول، نطلّع على سفر المزامير وسائر الأسفار الحكميّة. ونتوغّل في التاريخ الكهنوتي وسفري المكّابيّين قبل أن نقرأ اللفائف الخمس والكتابات الإرشادية.
وفي القسم الثاني، سنسعى إلى اكتشاف علاقة العهد القديم بالعهد الجديد، علاقة التوراة بالمسيح، على مستوى سرّ الخلاص والشريعة والتاريخ والعهد والوعد وعالم الآخرة. نحن هنا أمام بداية، ولكنها مهمّة في تاريخ الكنيسة التي تعتبر أنّ كل ما في العهد القديم من أشخاص ونظم وأقوال يجب أن يقود المؤمن إلى المسيح. لا شكّ في أنّ بعضه ناقص، والبعض الآخر تعدّاه الزمن، ولكنّ كل ما نقرأ في العهد القديم قد تكون حجارة تنتظر وقتها لتدخل في بناء بدأ بآدم وانتهى بالمسيح، بانتظار أن ينطلق من المسيح ليصل إلى نهاية العالم وخلق الأرض الجديدة والسماء الجديدة.
إلى هذه المغامرة التي طالت ندعو القارئ، وهمّنا أن نجعل بين يديه أداة تساعده على الولوج إلى عالم العهد القديم، بل إلى عالم الشرق، بحضاراته، بغناه الأدبي والروحي، يبحثه عن هذا "الإله المجهول " الذي جاء المسيح يبشرّنا به تبشيرًا كاملاً: هو الذي صنع العالم وما فيه. هو ربّ السماء والأرض. هو الذي يهب جميع الخلق الحياة والنفس وكلّ شيء، هو الذي صنع جميع أمم البشر من أصل واحد. هو الذي جعل في قلوبنا عطشاً لنبحث عنه ونتحسّسه ونهتدي إليه. إنّه غير بعيد عنّا، وفيه حياتنا وحركتنا وكياننا.
هذا هو الإله الذي تمتمت أولى الكلمات عنه حضارات الشرق، وردّدت أسماءه التوراة، وأخبرنا به يسوع المسيح على خطى الآباء والأنبياء.
وقبل متابعة الاطّلاع على أسفار العهد القديم، نقدّم بعض الملاحظات المنهجيّة التي تعوّدنا أن نراها في كلّ كتاب من المجموعة الكتابيّة.
القسم الأول
المزامير وسائر الكتابات

نقدّم فصول هذا القسم الأوّل كما يلي:
الفصل الأوّل: المزامير. 
الفصل الثاني: الحكمة والحكماء.
الفصل الثالث: سفر أيّوب.
الفصل الرابع: كيف تكلّم سفر أيوب عن الله؟
الفصل الخامس: سفر الأمثال.
الفصل السادس: يشوع بن سيراخ.
الفصل السابع: سفر الحكمة.
الفصل الثامن: سفر دانيال.
الفصل التاسع: عمل المؤرّخ الكهنوتي.
الفصل العاشر: التاريخ الكهنوتي: أخبار، عزرا، نحميا.
الفصل الحادي عشر: كتاب المكّابيين.
الفصل الثاني عشر: اللفائف الخمس: راعوت، نشيد الأناشيد، الجامعة، المراثي، أستير. الفصل الثالث عشر: مشاريع الانسان في سفر الجامعة.
الفصل الرابع عشر: كتابات إرشادية: طوبيّا، يهوديت، باروك، رسالة إرميا.
بعد الشريعة "والأنبياء"، تقدّم التوراة العبرّية مجموعة ثالثة من الأسفار. هي لا شكّ مجموعة غير متجانسة، ولم تنل عنوانًا يميّزها فسمّيت "كتوبيم " أو "الكتب " (الباقية) التي لم تدخل مع أسفار الشريعة ولا مع أسفار الأنبياء.
إذا عدنا إلى المخطوطات اليونانيّة، بهد أن بعض "الكتب " وُضعت بين الأسفار التاريخية (را، 1 أخ، 2 أخ، عز، نح، أس)، وأخرى وضعت مع الأنبياء (دا، مرا)، وشكّل ما تبقّى الأسفار الشعريّة. أمّا اللائحة العبرّية، فقد احتفظت بكلّ الكتب، ولكنّها لم ترتّب الأسفار الترتيب عينه. فالتلمود يرتّبها حسب مبدأ كرونولوجي: راعوت (تنتهي بسلالة داود)، المزامير (منسوبة إلى داود)، أيّوب (يعود إلى مملكة سبأ) الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد (مجموعة سليمان)، المراثي (نُسبت إلى إرميا)، دانيال (دوّن في زمن المنفى)، أستير، عزرا، نحميا، أخبار (دوّنت في الزمن الفارسي). ونزيد على هذه اللائحة الأسفار القانونيّة الثانية، التي وصلت إلينا في اللغة اليونانيّة والتي رفضت التوراة العبرّية أن تضمّها إلى سائر أسفار التوراة.
الفصل الأول
سفر المزامير

صلوات غريبة وُلدت منذ أكثر من ألفَيْ سنة على شفاه شعب صغير، وما فتئت تتردّد في صمت الأديار، في حياة المؤمن اليومية، وفي تجمّعات المصلّين.
أجل سفر المزامير هو كتاب صلاة، وهو وحده كتاب صلاة في الكتاب المقدّس. لا شكّ في أنّنا نجد هنا وهناك صلوات يمكننا أن نتلوها. أمّا المزامير فقد ألّفت مباشرة لتكون صلاة الجماعة.
المزامير صلاة الجماعة، تنطق من حياة المؤمنين اليومية، من آمالهم وخطاياهم، من صعوباتهم ومحبّتهم. تنطلق من عقليّتهم وطريقة التعبير عندهم. المزامير ليست خبرًا وشريعة، المزامير ليست نبوءة وتعليمًا، إنّها صلاة تحاول أن تُدخلنا في العلاقة بين الله والبشر من أجل هذا المركز الفريد لسفر المزامير أردنا أن نفرد له فصلاً خاصًّا في هذا المدخل. نتعرّف إليه اوّلاً، ثمّ ندرسه في إطاره الأدبي وفي إطاره اللاهوتي قبل أن نكتشف مكانته في التقليد المسيحي.

أ- ملاحظات عامّة
1- النص الأصليّ والترجمات
دوّن سفر المزامير في العبرية. أمّا مخطوطاته فتعود إلى القرن التاسع. ثبّت النصّ الماسوريون (أو رجال التقليد) بعد القرن السادس ب م، ووضعوا الحركات، ولهذا يسمّى النصّ الماسوري. نشير إلى أنّ اكتشافات قمران منذ سنة 1947 قدّمت لنا 27 نصًّا للمزامير وأربعة تفاسير تعود إلى القرن الأوّل ق م.
منذ القرن الرابع ق م، بدا النص العبري صعبًا للشعب المشتّت خارج أرض فلسطين. فكانت الترجمة الأرامية التي نقلت النصّ وعلّقت عليه فسمّيت ترجوم المزامير. وبدأت منذ القرن الثالث ق م ترجمة المزامير إلى اليونانية فكانت الترجمة السبعينية التي قام بها سبعون رجلاً كما يقول الخبر الأسطوري. ونُقلت المزامير إلى السريانية في القرن الثاني ب م فكانت الترجمة البسيطة، وإلى اللاتينية في القرن الرابع ب م فكانت الفولغاتا أو الشعبية.
كل هذه النصوص تساعدنا على فهم النصّ الأصلي والولوج إلى معانيه.

2- أقسام سفر المزامير
يتضمّن سفر المزامير 150 مزمورًا، وهذا رقم رمزي. فالمزموران 9 و 10 يؤلّفان في الواقع مزمرًا واحدًا. وكذا نقول عن المزمورين 42 و 43. والمزمور 53 هو تكرار لما قرأناه في مز 14، والمزمور 108 يجمع عناصر من المزمورين 57 و 60.
ترقيم المزامير في العبرية يختلف عن الترقيم في اليونانية واللاتينية وفي قسم من السريانية.
أمّا نحن فنأخذ بالترقيم العبري تاركين للقارئ أن يكتشف المعادلة، لاسيمّا وأنّنا نجد الترقيم اليوناني واللاتيني في النصوص الليتورجية وفي ترجمة الآباء اليسوعيين القديمة.
تُقسم المزامير إلى خمسة كتب، وينتهي كل كتاب بمجدلة. أمّا مز 150 فيشكّل مجدلة الكتاب الخامس وسفر المزامير كلّه. الكتاب الأوّل: مز 1- 41، الكتاب الثاني: مز 42 - 72، الكتاب الثالث: مز 73- 89، الكتاب الرابع: مز 90- 106، الكتاب الخاسر: مز 157- 150.
ويمكننا أن نكتشف في سفر المزامير مجموعة يهوهية ومجموعة ألوهيمية. فالكتاب الأوّل والكتاب الرابع والكتاب الخامس تكاد لا تستعمل إلاّ اسم يهوه، والكتاب الثاني والثالث أسم الوهيم.
وإذا نظرنا إلى نسبة المزامير، نميّز مجموعات خاصّة بداود (الكتاب الأوّل، مز 51- 70، 138- 144) وغيرها بأبناء قورح (مز 42-49، 84-85، 87-88) وأساف (مز 50، 73- 83).
ونلاحظ أخيرًا أن 15 مزمورًا هي مزامير المراقي (مز 120- 134)، لأن الحجّاج كانوا ينشدونها وهم يرتقون (يصعدون) الدرجات التي توصلهم إلى الهيكل. وهناك مزامير التهليل (مز 105- 107، 111- 118، 135- 136، 146- 150).

3- من كتب المزامير ومتى كتبت
لا نعرف من كَتب المزامير، ولكن 73 منها نُسبت إلى داود. عير أنّ وجود تلميحات إلى الهيكل، إلى المنفى فيْ بابل، إلى إعادة بناء أسوار أورشليم تمنعنا من أن ننسب المزامير كلّها إلى داود. من الممكن أن يرتبط بعض المزامير بداود الذي خلق تيّارًا امتدّ حتّى ما بعد الجلاء، سنة 587 ق م. وعلى هذا الأساس نسب التقليدُ المزاميرَ إلى داود، والكتب الحكميّة إلى سليمان، وكتبَ الشريعة إلى موسى، فأراد بذلك أن يكرّم هؤلاء الاشخاص الذين لعبوا دورًا هامًّا في تاريخ شعب إسرائيل الأدبي.
وهناك مزامير نُسبت إلى بني قورح وأساف، ومزموران (72، 127) نُسبا إلى سليمان، ومزمور (90) نسب إلى موسى. أمّا عناوين المزامير فوضعت في ما بعد ولا يشملها الإلهام. متى كُتبت المزامير؟ هذا ما لا نستطيع تحديده. لا شكّ في أنّ داود (القرن العاشر ق م) ألّف بعضاً منها، ولكنّها لم تُحفَظ لنا في نصّها الأصلي. وما يبدو معقولاً هو أنّ المزامير نُظّمت وجُمعت بين القرن الثامن والقرن الثاني ق م، حين ترتّبت الحياة الطقسية وحلّ المغنّون محلّ الأنبياء. أمّا الصيغة النهائية للمزامير فتعود أقلّه إلى ما بعد الرجوع من الجلاء سنة 538 ق م.

ب- الإطار الأدبيّ للمزامير
سنطلعّ على المزامير من خلال البنية، فنكتشف الفنّ الأدبي الذي ينتمي إليه كل مزمور. ولقد حدّد العلماء الفنون الأدبية التالية: مزامير التوسّل والثقة، مزامير الحمد أو المدائح، مزامير الشكر، المزامير الملوكية، مزامير المراقي، مزامير العهد، مزامير ضدّ الأشرار، مزامير الحياة مع الله.

1- مزامير التوسّل أو الثقة
أكثر المزامير هي من هذا النوع، وإليك أرقامها: 6، 7، 13، 17، 25، 26، 35، 38، 39، 2 4، 43، 4 4، 51، 55، 69، 70، 71، 74، 77، 79، 80، 86، 88، 90، 102، 109، 119، 130، 137، 140، 141، 142، 143. اما موضوعها العام فهو: تعال يا ربّ إلى معونتي.
ما معنى التوسّل؟ هو محاولة التقرّب إلى الله تعالى. ولكن يمكن أن نتوقّف عند فكرة الطب الملحّ دون أن نتحقّق ماكان عليه المتوسّل. في القديم، كان المتوسّل يضع نفسه تحت حماية من هو أقوى منه لينجو من كل خطر، حتّى ذلك الآتي من الشخص الذي نتوسّل إليه. ويلجأ المتوسّل إلى حركات رمزيّة فيدلّ على أنّه سلَّم نفسه كلّيًا إلى الشخص الذي يتضرعّ إليه. إنّه يرتبط به إرتباطاً وثيقًا. من توسّل إلى الله تقدّم إليه خاضعًا: يرفع عينيه، يمدّ يديه، يركع ويسجد، يلتجيء إلى الله.
كيف تبدو بنية مزامير التوسّل؟
أوّلاً: استهلال يتضمّن دعوة أو نداء إلى الرب باسمه. إذا أردنا أن نكلّم أحدًا، نبدأ فنناديه. هذه ضرورة نفسانية لنقمت أمام الله ونجعل من حياتنا حوارًا معه، وهي فعل إيمان وتأكيد أنّ لإسم الله قدرة خلاصية.
وبعد الدعوة، هناك طلبات خاصّة: استجبني، إرحمني وتحنّن علي، خلّصني... وهناك تقديم الذات. هذه صفة المتضرّع والمبتهل إلى الله والمقدّم له ضعفه وذلّه.
ثانيًا: التوسّل نفسه. ويتضمّن هذا القسم ثلاثة أمور. طلبات خاصة: اشفني، اغفر لي، احكم لي، نجنّي من أعدائي... ثمّ عرض الحالة التي نتخبّط فيها: مرض خطير، ملاحقة الأعداء الأشرار... وأخيرًا عرض الأسباب التي تُقنع الله بأن يتدخّل من أجل عبده: أنا عبدك، أنا واثق بك. أو: لا تنسَ حبّك وأمانتك، اهتمّ بمجدك... إن أنت تركتني أذهب إلى الجحيم فن يا ترى يمدحك؟
ثالثًا: خاتمة النشيد. هنا تمتزج العناصر فلا نعود نميّزها: اليقين أنّ الله يستجيب لي، والثقة بأنّه سيتدخّل، وعرفان الجميل لمَا نحصل عليه من استجابة، والشكر المسبّق للخلاص الذي نتاكّد منه أنّه سيحصل، والوعد بتقديم ذبيحة شكر إيفاء لنذر.
ونتوقّف عند أنواع التوسّل. فهناك التوسّلات الفردية والتوسّلات الوطنية أو الجماعية. في الواقع، التوسّلات الفردية هي قليلة. وإن قرأنا بعض الصلوات في صيغة المتكلّم المفرد (أنا)، فهي تعبّر عن عواطف شعب إسرائيل كلّه.
وهناك وضع الذي يصلي: يكون خاطئًا أو مريضاً أو مضطهَدًا بريئًا. ولكنّ الواقع هو أكثر تشعّبًا. فالمرتّل يحسّ بأنّ كل شرّهو عقاب. ولهذا، لا نقدر أن نميّز هل المتوسّل خاطئ أو مضطهد لأنّه مريض أو هل هو مريض لأنّه مضطهَد.
يبدو الأمر بسيطاً في مز 51 حيث يطلب المؤمن المغفرة عن خطاياه. ولكنّ المرتّل يمكن
أن يكون مريضاً أيضاً، لأنّه يحتاج إلى الزوفى التي تطهّر البرص.
من يكون المتوسّل؟ هو لا يعرض حالته مرّات عديدة، ولهذا لا نستطيع التعرّف إليه. ولكن في مز 25، 80، 119 نفهم أنّنا أمام أناس يريدون أن يعيشوا العهد: هم لا يقولون شيئًا عن وضعهم الشخصي.
ونجد حالة واضحة، حالة التوسّل لدى متّهم بريء (مز 7، 17، 26). نجد إنسانًا متّهمًا اتّهامًا كاذبًا ولا يقدر أن يبرهن على براءته. وقع في الفخّ، جابهه شهود زور وقضاة مرتشون، فسلّم نفسه إلى حكم الله: أنت احكم لي فأنا إليك ألتجيء.
مع التوسّل نقرأ التشكّي من الحالة التي نتخبّط فيها (مز 88) والبهلة (صلاة نبتهل فيها إلى الله ليعاقب عدوّنا) كما في مز 109. ولكن أين الحدود بين التوسّل والبهلة، بين التوسّل الممزوج بالتشكّي والبهلة؟
وفي إطار التوسّل، هناك ثلاثة مزامير (25، 86، 119) موضوعها تحقيق العهد. أمّا مز 80، 90 ففيهما طلب لتأتي الأزمنة المسيحانية.
ما هو الإطار الليتورجي لمزامير التوسّل؟ كان ولا شكّ في أيّام عيد المظالّ يومُ توبة يسبق تجديد الالتزام بالعهد. وكان الشعب يتوب عن كل جهالات السنة الماضية قبل أن يُلزم نفسه من جديد.



2- مزامير الحمد أو المدائح
المدائح أناشيد نحمد فيها الله ونسبّحه، وهي تتلخّص في هذه الطلبة: أ يها الربّ ربّنا، ما أعظم اسمك في كلّ الأرض. وإليك أرقامها 8، 19، 33، 65، 92، 104، 113 ، 117 ،138، 146، 147 ، 148، 149، 150.
بنية هذه المزامير بسيطة:
أوّلاً: دعوة اللاويين إلى الجماعة: سبّحوا يا عبيد الرب.
ثانيًا: طلب المديح: سبّحوا الرب لأنّه صنع المعجزات، صنع السماء، بسط الأرض
على المياه.
ثالثا: خاتمة تستعيد المقدّمة: أ يها الربّ ربّنا ما أعظم اسمك (مز 8). وقد يستغني المزمور عن الخاتمة.
لا نجد هذه العناصر في المزامير دومًا. فقد تحلّ محلِّ الدعوة إلى الجماعة دعوة المرتّل إلى نفسه: باركي يا نفسي الرب (مز 104؛ رج مز 33، 113، 117، 146، 147، 148، 149، 150) أو إظهار أهمّية المديح (مز 65، 92).
تتوجّه الدعوة إلى الشعب، ولهذا يتكلّم الداعي عن الله في صيغة الغائب (هو)، ولكنّ الشواذات عديدة (مز 8، 19: 13- 15؛ 33: 22؛ 65؛ 104؛ 138)، أمّا الكلمات المستعملة فهي: سبّحوا، هلّلوا، ا هتفوا، أنشدوا، أخبروا، عظّموا، ابتهجوا...
ما هو مضمون هذه المزامير؟ لماذا نمدح الله؟ من أجل عمل الخلق، ومن أجل معجزاته في التاريخ. يمكن أن تنقص الوجهة الكونيّة في مز 117، حيث أعمال القدرة تدلّ على تدخّل الله في التاريخ، كما يمكن أن تأخذ الوجهة الكونيّة المزمور كلّه كما في مز 104، ولكن ترتبط مظاهر قدرة الله (الخلق) بمظاهر حبّه وورحمته، بحيث لا نستطيع أن نميّز المدائح الكونيّة من المدائح التاريخيّة.
متى كانوا يتلون هذه المزامير؟ في الأعياد الكبرى بلا شكّ.

3- مزامير الشكر
أغدق الله خيراته على كلّ واحد منّا، فكان من الطبيعي أن نشكره. ولكنّ مزامير الشكر ليست صرخة امتنان تتدفّق تدفّقًا طوعيًّا خارجًا عن الإطار العبادي. هذه المزامير ترتبط بذبائح الشكر.
وإليك لائحة بهذه المزامير: 18، 22، 30، 32، 34، 40، 41، 66، 103، 107، 116، 118.
كيف تبدو بنية هذه المزامير؟
وَجد إنسان نفسه في خطر، فنذر لله نذرًا: إذا استجيبتَ لي، قدّمت لك ذبيحة شكر. وينتظر المؤمن طويلاً قبل أن يقدّم ذبيحته. يستفيد من العيد ليصعد إلى أورشليم، لأنّ الذبائح لا تقدّم إلاّ في هيكل أورشليم.
ويأتي يوم الذبيحة. فلنتخيّل كيف يمكن أن تكون مسيرة الاحتفال. يتقدّم المؤمن من المذبح، حيث الكهنة والذبائح، يحيط به جمهور من الأهل والأصدقاء ومساكين الرب الآتين ليشاركوا في الوليمة الذبائحية. وحين يصل إلى المذبح، يتوجّه إلى المؤمنين فيدعوهم ليشاركوه في فعل شكره. ثمّ يروي ما حصل له: حلّ به الضيق، صرخ إلى الله (ويمكن أن تكون صرخته صلاة طويلة، مز 2:22- 22)، استجاب له الله (مز 22:22: كلمة واحد تكفي). ويستخلص العبرة من الحدث: إذا كان الله قد خلّصني أنا الخاطئ الذي كان في الضيق، فكم تفعل قدرته وكم تتدخّل رحمته!
إذاً عناصر ثلاثة في مزامير الشكر.
أوّلاً: دعوة بشكل نشيد: أعظّمك يا رب، أبارك الرب في كل حين، طوبى لمن غُفرت معصيته...
ثانياً: خبر التدخّل الإلهي. يروي المرتّل ما حدث له، وكيف صرخ إلى الله فاستجاب له الله، ومن جميع الأهوال أنقذه.
ثالثاً: استنتاج العبرة: اتقّوا الرب، يا قدّيسيه، فإنّ متّقيه لا عوزلهم. نلاحظ في مز 34 أنّ الخبر قصير جدًّا (آ 5- 7) والعبرة طويلة.
وبعد أن ينتهي المرتّل من شكره، يدعو المؤمنين إلى الوليمة. "لتحيَ قلوبُكم إلى الأبد" (27:22). أي أهلاً وسلاً وعلى صحّتكم. وهكذا يعبّر المؤمن عن فرحه وامتنانه. 
ونتساءل عن مضمون مزامير الشكر.
أوّلاً: نقرّ بعظمة الرب وتساميه. إنّه فوق جميع الآلهة.
ثانياً: نقرّ بأنّ كلّ خير يأتينا منه. هذه هي عاطفة الشكر والامتنان.
ثالثًا: نقرّ بخطايانا وجهالاتنا، فنعلن أنّنا خطأة أمام القدّوس.
نقرأ في 32: 5: أعترف للرب بمعاصي. وفي 44: 9: لاسمك نعترف إلى الأبد. وفي 18:45: لذلك يعترف لك الشعوب (رج 19:49؛ 88: 11؛ 6:89؛ 3:99؛ 109 : 30؛ 111: 1؛ 119 : 7 ؛ 138 : 1، 2، 4).
كل خبر شكر يخضع للتوازن بين الموت والحياة. فالذي جاء يشكر قد أفلت من خطر الموت. لقد اقترب منه الموت بحيث أحسّ وكأنّه قد مات (مز 22: 16): لهذا بدا تدخّل الله وكأنّه رجوع إلى الحياة وقيامة من الموت (أش 28: 9- 20، صلاة حزقيا).
هذا الرجوع من الموت إلى الحياة يدلّ على عبور من الخطيئة إلى المغفرة، ومن العقاب إلى الخلاص. وهكذا من خلال صلاة المؤمن الفرد، نكتشف صلاة جماعة تشكر للرب إنعامه الدائم.

4- المزامير الملوكية
نتوقّف هنا عند أربعة أنواع: المزامير المركّزة على قول يسمعه الملك في الهيكل، مزامير تنصيب الملك، المزامير التي تعلن أنّ الله ملك، مزامير صهيون.
النوع الأوّل: يدعوني وأنا أستجيب له (91: 15). هذه العبارة تدل على فئة من المزامير تركّز على قول يسمعه الملك في الهيكل. جاء يسأل الرب، فأجابه الرب. أمّا مزامير هذا النوع فهي: 3، 20، 54، 56، 57، 60، 85، 158.
تتضمّن بنية هذه المزامير: السؤال، والطب، ثمّ قول الله (مز 60، 85، 108)، أو أقلّه كلمة تدلّ على أنّ القول سُمع (7:20: الآن علمت؛ 54: 6: ها ان الله؛ 56: 10: وأنا أعلم أنّ الله معي). وأخيرًا ردّة الفعل: يا رب خلّص الملك واستجب لنا يوم ندعوك (10:20).
النوع الثاني: تنصيب الملك. نقرأ مز 2، 21، 45، 72، 89، 101، 110، فنحسّ وكأنّنا نحتفل بعيد ملوكي.
أخذ شعب إسرائيل من الشعوب المجاورة النظامَ الملكي والإيدولوجيا الملكية، إلاّ أنّه لم يؤلّه الملك. يدعو الملكَ ابن الله، كما يفعل المصريون، ويحسبه قائم مقام الله، وينبوع البركات، والموكّل على الحروب المقدّسة، والمحامي عن المساكين وراعي شعبه. وحين يُنصّب ملكًا يصبح شخصاً جديدًا. يوم تنصيبه هو يوم ولادته.
ولهذا يُنبئون الملك بمُلك يدوم إلى الأبد، وبسلطان يشمل الكون كلّه. نقرأ في 2: 5: سلني فأعطيك الأمم ميراثًا وأقاصي الأرض ملكًا.
إنّ التنصيب أو الجلوس على العرش، حفلة أخذها بنو إسرائيل عن الشعوب المجاورة. ولقد وصلتنا نصوص عنها من مصر وأشور وبابل، كما وصلنا نصّان من العهد القديم: واحد عن سليمان (1 مل 1: 1 ي) وآخر عن يوآش (2 مل 11: 1 ي).
التنصيب عمل ديني وسياسي يتضمّن مرحلتين. الأولى دينية والثانية سياسية. كان الملك يكرَّس في الهيكل (هكذا كرَّس صادوق سليمان)، ثمّ تقدّم إليه وثيقة ملوكية تتضمّن أسماءه الجديدة والمهمة الموكولة إليه من قِبل الله. حينئذ يهتف الشعب: ليحي الملك (2 مل 11: 12). وينطق الملك من الهيكل إلى القصر يرافقه تصفيق الجماهير والموسيقى. وحين يصل إلى قاعة العرش، تسلَّم إليه شارات الملك (الصولجان، السيف)، ويمرّ أمامه جيشه (كانوا يكتفون ببعض القوّاد) مقدّمًا له خضوعه. ثمّ يأتي عظماء المملكة يقدّمون له ولاءهم، وسفراء الممالك المجاورة. وبعد أن يلقي الملك كلمة، يُعلن أحد الأنبياء بشكل صلاة تمّنياته للملك الجديد.
لا تقدّم لنا المزامير كل مسيرة الاحتفال، بل هذا القسم أو ذاك. فالمز 2، 101 هما خطبة العرش، المز 21 يقابل استقبال الكاهن للملك حين يصل إلى الهيكل. المز 45، 110 يتمّان في قاعة العرش (مكان للملكة التي تؤمّن دوام السلالة الملكية). والمز 72 هو صلاة بشكل قول نبوي. والمز 89 يصوّر لنا موكب الملك من الهيكل إلى القصر .
النوع الثالث: تنصيب الله ملكًا. فالمزامير 24، 29، 47، 68، 93، 96، 97، 98، 99 تعلن أنّ الله ملك في شعبه.
حين كان اليهود في منفى بابل (587- 538 ق م)، شاهدوا احتفالات تكرّم مردوك، إله بابل الوطني، فتأثّروا بها. ولكنّ الفرق كبير بين تنصيب مردوك وتنصيب يهوه: كانت الملكية تُمنح للإله البابلي بعد صراع طقسي ينتصر فيه على تيامات التنّين. ولكن لا أحد يمنح يهوه مُلكًا يمتلكه منذ البدء (2:93: عرشك ثابت منذ البدء). أخذ العبرانيون من هذه الاحتفالات كل ما يشدّد على مجد يهوه: الموكب الملكي (الذي صار طوافًا) يرافق يهوه (يفترضون وجود تابوت العهد حتّى بعد زواله سنة 587 ق م) إلى القصر أي إلى الهيكل وإلى قاعة العرش التي هي قدس الأقداس. يُنصَّب الله الملك أي يُوضَع تابوت العهد في قدس الأقداس وفوقه يجلس الله بطريقة خفيّة. وموكب الله كالمواكب الملكية، يرافقه الهتاف (الله قد ملك) والتصفيق وصراخ الفرح وصوت البوق والصور. ويأتي مشهد تقديم الإكرام للملك الجالس وسط حاشيته المتجلبب بالعظمة والبهاء.
وترك بنو إسرائيل كل ما يتنافى وتسامي يهوه الرب. تركوا المسحة الملكية وتقديم الشارات والعرض العسكري . أجل ما حسب بنو إسرائيل أنّهم يمنحون المُلك ليهوه، بل اعتبروا نفوسهم أمام تنصيب رمزي يستحضر مُلك الله الأزلي ويؤوّنه.
المز 24، 47، 68، 98 تشير إلى الموكب (والطواف) الذي يرافق الملك في مدينته وفي قصره. المز 29، 93، 97، 99 تركّز على حفلة التكريم. المز 96 يجمع حفلة التكريم (آ 1- 9) واستقبال الملك الآتي (آ 10- 13).
يهوه هو ملك إسرائيل، يهوه هو ملك كل الأمم. وإنّه أيضاً ملك هذا الكون الذي يهتف له. إنّه المنتصر بانتصارات شعبه، بانتصاره في البدء (تهوم أي الفوضى الأولى هو تيامات، التنين البابلي) وبانتصاره الآتي في نهاية الأزمنة.
النوع الرابع: عيد صهيون. هناك خمسة مزامير تنشد صهيون وهي: 46، 48، 76، 87، 132. كانت تُنشَد في عيد المظالّ فتحتفل باختيار مدينة داود وتفوّق هيكل أورشليمِ. تضمّن هذا العيد طوافًا (مع تابوت العهد) هو مسيرة حب واحتلال مسالم يصوّر مسبقاً صعود كل الشعب إلى الجبل المقدّس في نهاية الأزمنة.
بنية هذه المزامير هي بنية المدائح وهي تُبرز النقاط الآتية.
أوّلاً: هناك موضوع اختيار صهيون التي هي سرّ حضور الله وسط شعبه، والمكان المميّز الذي فيه يعرّف بنفسه. من هنا التشديد على المكان. مز 76: يهوذا، إسرائيل، شليم، صهيون؛ مز 3:87: فيك، آ 5: فيها، آ 6: وُلد فيها، آ 7: فيك؛ مز 13:132: صهيون، آ 14: ههنا، آ 17: هناك.
ثانيًا: بُعد تاريخي. صهيون هي قلب التاريخ وهي مركز المدى الروحي. من هنا وجود عبارة "إله يعقوب " وتذكير بمآثر الله (الخروج، مُلك داود، سنحاريب).
ثالثًا: بُعد اسكاتولوجي. يرى المرتل من خلاله أورشليم الحالية، أورشليم المسيحانية التي إليها يتوافد جميع الشعوب في نهاية الأزمنة (رج أش 60: 1 ي؛ 66: 10- 16؛ رؤ 21: 1 ي).

5- مزامير المراقي ومزامير الحجّاج ومزامير البركة
النوع الأوّل: مزامير المراقي هي 15 مزمورًا تتوالى في سفر المزامير (مز 120- 134) فترسم مراحل الصعود إلى أورشليم منذ إعلان الحجّ (مز 120) إلى الوداع قبل الرجوع (مز 134). 
إذا أردنا أن نفهم هذه المزامير، ننظر إلى مكانتها في المجموعة، ونلاحظ مستويات الصعود الأربعة التي يلعب النصّ عليها: الحج الحاضر وفيه ما فيه من صعود إلى أورشليم، الصعود من مصر وامتداده في الاحتلال مع يشوع، الصعود من بابل بعد الرجوع من المنفى، الصعود الاسكاتولوجي وتوافد الأمم إلى أورشليم في الأزمنة المسيحانية. كل هذه المزامير تذكر الهيكل الذي بُني بعد الجلاء وكلّف بناؤه الصعوباتِ العديدة. هذا الوضع يفسّر التعارض بين مز 123 ومز 124، أو بين قسمي مز 124.
واليك مسيرة هذه المزامير.
مز 120: يعلن المنادي أنّ الحجّ يُهيّأ. فيرى المرتّل في هذا النداء جوابًا من الله على قلقه.
مز 121: الجماعة المحلّية تودع الذاهبين إلى الحجّ.
مز 122: وصول الحجّاج إلى أبواب أورشليم. كرازة على الباب وصلاة.
مز 123: صلاة تصوّر حالة أورشليم الزريّة بعد الرجوع من المنفى.
مز 124: فعل شكر من أجل الرجوع الذي تمّ رغم الصعوبات.
مز 125: بين الوصول وبداية الاحتفال: يتأمّل الحجّاج ويصلّون.
مز 126: احتفال بالتقادم يذكّرنا بطواف الرجوع المصوَّر بطريقة مثالية. موضوع البركات مع صورة الحصاد الوافر.
مز 127: تأمَلُ صهيون لا بخصب الأرض وحسب، بل بمنح الشعب الأبناء العديدين.
مز 128: بركة الكهنة.
مز 129: الخزي لأعداء صهيون وبالتالي لأعداء الله.
مز 130: صلاة وذبيحة توبة للخيانات ضدّ العهد.
مز 131: تجديد الالتزامات تجاه العهد.
مز 132: بعد هذا، يحتفل بنو إسرائيل بعيد صهيون في الفرح.
مز 133: نظرة إلى العيد الذي مضى: لقد كان بركة على الحجّاج.
134: وداع اللاويين والبركة الأخيرة.
النوع الثاني: "مزامير الحجّاج". تُنشد هذه المزامير (15، 84، 90، 122) فرحة الحجّاج الذين وصلوا أخيرًا إلى أبواب الهيكل. وإليك بنية هذه المزامير:
أوّلاً: هتاف فرح وإعجاب وحبّ (مز 84، 90، 122).
ثانيًا: تبادل التحية بين الحجّاج واللاويين أو الكهنة (84: 5- 6)، نظرة إلى المراحل التي قطعها الحجّاج (7:84- 8 ؛ 3:90- 7 ؛ 122: 1).
ثالثاً: كرازة على الأبواب. فالآتون من البعيد تنجّسوا باتّصالهم بالعالم الوثني أو جهلوا ما ينتظر الله منهم. لهذا وجب عليهم أن يسمعوا عظة قبل أن يدخلوا. هذا ما نقرأه في مز 15. يسأل الحجّاج (آ 1) فيصل إليهم جوابُ الكهنة (آ 2- 5) مذكّرًا إيّاهم بالوصايا العشر. ونجد عناصر هذه الكرازة في 84: 12 ؛ 3:90- 8 ؛ 122: 4- 5. 
رابعًا: صلاة الحجّاج من أجل المدينة التي تستقبلهم (84: 9- 0 1؛ 122: 6- 9) .
خامسًا: كلمة استقبال يوجّهها أهل أورشليم توافق ما قاله الكهنة (15: 5 ؛ 13:84؛ 90: 10- 13).
النوع الثالث: طلب البركة. هناك مزموران (67، 144) يتوسّعان في العبارة الطقسية التي نقرأها في عد 6: 24- 26: ليكن اسم الرب على بني إسرائيل وليباركهم. المز 144 يتألّف من قسمين: الأوّل مأخوذ من مزامير أخرى، والقسم الثاني من نص نجهله. ونرى ملكًا يطلب بركة الله ليعطي بني إسرائيل النجاح في الحرب والخصب والازدهار، ومن خلال كل هذا يطب النصر في نهاية الأزمنة.

6- مزامير العهد
لقد قطع إسرائيل عهدًا مع الله ، وها هو يجدّد هذا العهد سنة بعد سنة. من هنا كانت المزامير التي تتكلّم عن طقوس العهد فتذكّر المؤمن بالبركات والبهلات (مز 1، 37، 112) وبنود العهد (مز 50) والتزام الشعب (مز 115) والخطبة التذكارية (مز 78، 105، 114، 136) ومراحل الحفلة (مز 8، 111، 135، 145) وذبيحة التكفير (مز 95، 100،106).
ولنذكر بعض الأمور الضرورية لفهم هذه المزامير. العهد هو المُعطَى الأساسي في الوحي اليهودي: عهد مع نوح وإبراهيم قبل أن يصبح عهد سيناء. ولكنّ العهد ليس معطى جامدًا لا يتحرّك، إنّه كائن حيّ نما بنمو الشعب في الحياة الروحية. وإذا أردنا أن نفهم كلمة العهد، نتذكّر العلاقات بين ملك منتصر وملك مهزوم أو خاضع. فعبّر بنو إسرائيل انطلاقًا من هذه الصورة عمّا تجرأ القدير وفعله معهم: إرتبط بشعبه مدفوعًا بعاطفة الحب. هذا ما نجده في سفر التثنية وفي نصوص أخرى (خر 19: 24؛ 34: 1- 25 ؛ يش 8: 30- 35؛ 24: 1-28؛ 2 مل 23: 1- 3؛ 2 أخ 9:15- 16؛ نح 8- 10 ؛ حز 20: 5- 44) جمع فارق بسيط وهو أنّنا لسنا أمام معاهدة، بل خبر واحتفال ليتورجي. وهذا ما يفسّرأن يتضمّن المدخل دعوة إلى التجمّع أو ظهور لله أو عظة نبوية ودعوة إلى الانتباه والإصغاء: إسمع يا إسرائيل. ونشير إلى التزام الشعب بالعهد المقدّم إليه. وهذا ما لا نجده في المعاهدة.
كان هناك تجديد الالتزامات بالعهد في أوقات متفرّقة أو على مفترق هامّ من تاريخ شعب إسرائيل. مثلاً على ذلك: دخوله أرض كنعان (يش 8: 30- 35)، تجمّع شكيم (يش 24: 10- 28). بعد زمن من نسيان الرب وخيانته ، جدّد يوشيا العهد (2 مل 23: ا- 3) ودخل عيدُ تجديد العهد في الدورة الليتورجية ورافق عيد المظالّ. هذا ما كانت تفعله جماعة قمران. ومن أجل هذا الاحتفال أنشدت مزامير العهد وعددها 16 مزمورًا.
لا نجد بنية واحدة لهذه المزامير. ولكنّ مز 81، 111، 135، 145 تقدّم لنا مجمل المراحل. مز 50 يقدّم لنا بنود العهد، مز 105، 114، 136 تقدّم العظة. ومز 1، 37، 112 بهلات العهد (أو اللعنات). مز 95، 104، 106 تُعدّنا لتجديد التزامات العهد.

7- مزامير ضدّ الاشرار
هذه المزامير (9- 10، 11، 12، 14، 28، 52، 53، 58، 59، 62، 64، 75، 82، 83، 94) تعكس واقعًا تعرّفنا به التوراة: يقف نبيّ خلال إحدى اجتماعات الشعب، فيهاجم الأشرار وينبّه الجماعة إلى الخطر الذي يشكّلون عليها (إر 7: 1 ي؛ 10: 1 ي ؛ حز 13: 1 ي ؛14: 1-22؛ 28: 1 ي).
من هم هؤلاء الأشرار؟ يمكن أن يكونوا وثنيين (9- 10، 59. 75، 83)، أو جاحدين وأعداء الرب، أو مجدّفين وظالمين للمساكين (مز 11، 12، 28، 52، 62، 64) أو قضاة (مز 58، 94) أو أمراء ظالمين ، أكانوا وثنيين أم لا (مز 82).
تُتلى هذه المزامير صلاةً"إلى الله ليضع حدًّا لأعمال الأشرار (مز 11، 12، 28، 59، 64، 83، 94) أو كلامًا يوجّهه المرتّل إلى الأشرار (52، 58، 62، 75) أو نصًّا مركّبًا يجمع التوسّل والشكر (مز 9- 10، 94).
لا شكّ أنّ لهذه المزامير ارتباطاً بالتوسّل والشكر، ولكنّها تتميز بالذّم والنقد اللاذع. لا يصلّي المرتّل من أجل حاجاته الخاصّة ، بل يرسم صورة عن الأشرار. ونجد في هذه المزامير:
أوّلاً: ظهور الله أو أقوال الله (مز 9- 10، 12، 14 و53، 64، 75، 82).
ثانيًا: تصوير الدينونة ينبئ بها المرتّل أو يطلبها (مز 9- 10، 11، 14 و 53، 28، 52، 58، 59، 64، 75، 82، 83، 94).
ثالثًا: تصوير الأشرار (مز 9- 10، 11، 12، 14 و 52، 53، 58، 59، 62، 64، 83، 94).

8- مزامير الحياة مع الله
نقرأ 12 مزمورًا (4، 5، 16، 23، 27، 31، 36، 49، 61، 63، 73، 139) تحدّد شروط اللقاء بين المؤمن والرب: من يحقّ له أن يكون ضيف الله وجاره؟
يتوسّل شعب إسرائيل من خلال لاوي (مز 5، 6، 23، 36، 63، 73) أو ملك (مز 27، 31، 61) أو نبيّ (4، 49، 139). قلقَ من وضعه، وضاق بالمهمّة الملقاة عليه، أو أحسّ بتجربة الكفر والجحود ، فجاء يسأل الرب ماذا يفعل. ويجعله الرب يكتشف أن وضعه الفريد يدلّ على اختيار، وأنّ نصيبه هو أفضل نصيب ، لأنّه حياة حميمة مع الله الذي يفتح له بيته ويستقبله في سرّه كضيف عزيز على قلبه.
يشير النص إلى الطريقة التي بها يسأل المؤمن الله. أمّا الجواب فيصل بشكل ظهور أو قول أو شعور خاصّ يحسّ به المؤمن. أمّا العنصر المشترك لهذه المزامير فهو أن نكون مع الله في الوحدة (4: 9). أكون معك (23: 4) ، أكون ضيفك (مز 15) ، الرب أمامي (16: 8)، أسكن بيته (23: 6) ، به أعتصم (31: 1) ، إليه وحده أطمئن (1 6: 2) ، الله يأخذني (مز 49) وفي ظلّ جناحيه أسلك (63: 8).

ج- الإطار اللاهوتي للمزامير
من الصعوبة جدًّا أن نُدخل في إطار لاهوتي واحد 150 مزمورًا دوّنت في أوقات مختلفة وفي محيطات متنوّعة. فمنذ المزامير التي كتبت في أوّل عهد الملكية الداودية إلى مزامير الأتقياء التي دوّنت بعد الجلاء ، تطورت التقوى في أرض إسرائيل.
كيف نتخيّل داود يتلو المزمور 51 (ارحمني يا الله) أو أيّوب يحلم بمسيح محارب كما في مز 2 و 110. تطوّر المنظور اللاهوتي مع الزمن ، وتأثّر بالمحيطات التي وُلدت فيها المزامير: البلاط الملكي ، كهنة الهيكل ، حلقة الأنبياء والحكماء ، جماعة المساكين. ولكنّ كل هذا ذاب في صلاة عمرها ألف سنة ، صلاة تتجاوز المكان والزمان لتصبح صلاة شعب إسرائيل. وهذه الصلاة تتوجّه إلى إله صديق بادر إلى الحوار، فاختار شعبه ودفعه إلى طرق الحياة. اسم هذا الصديق برنامج عهد ، ونداء إلى من سيخلّص ويقتبل في حياته الحميمة.

1- إله العهد
لا يتوجّه المرتّل إلى الله بل إلى إلهه. يقول إلهي (45 مرّة) ، إلهنا (30 مرّة) ، إله خلاصي (18: 47؛ 24: 5؛ 25: 5؛ 27: 9 الخ) ، إله برّي (4: 2) وإله تسبحتي (109: 1). يدعوه لأنّه إله إسرائيل وإله يعقوب (8:46، 12؛ 75: 10؛ 7:76 ؛ 81: 5؛ 84: 9) ورب الجنود (أو الرب القدير) أي رب تابوت العهد (8:46، 12؛ 9:48؛ 8:80،8:80،15 ؛84: 1 ي؛ 9:89).
ويُسمّى الله "إيل " (64 مرّة) وعليون (أو العلي، 22 مرّة) والواه (4 مرّات) وشدّاي (مرّتين). ويُسمّى بالأخصّ يهوه (الرب الذي هو) وهو إله الخروج وسيناء. في الكتاب الأوّل من سفر المزامير (1- 41) يرد اسم يهوه 273 مرّة (15 مرّة الوهيم). في الكتاب الثاني (42- 72) تنقلب الأرقام لصالح الوهيم.
ويسمّي إسرائيل نفسَه شعب الله ، شعبه (أكثر من 50 مرّة) والشعب الذي اختاره (33: 12) وميراثه (28: 9؛ 33: 12 ؛ 74: 2؛ 78: 62، 71؛ 79: 1؛ 94: 5، 14؛ 106: 5، 40) ورعيته (74: 1؛ 77: 21؛ 78: 52 ؛ 79: 13؛ 80: 2؛ 7:95؛ 3:100). أعضاء الجماعة هم عبيده (40 مرّة) وبؤساؤه (15 مرّة) ومساكينه (72: 2؛ 74: 19).
اهتمّ الله بمصير شعبه ، فعرف الشعب قدرة القه وعمله القويّ.

أوّلاً: الله يحدّده عمله
لا يماثل إسرائيل إلهَه بأيّ قوّة كونيّة ، ولا يحدّده بإحدى الصفات الماورائية. لا تنشد المزامير ما هو الله ، بل ما الذي عمل. هي لا تعرف إلاّ مآثره (105: 1؛ 8:156 ؛ 145: 12) وطرقه (5: 4؛ 67: 3؛ 95: 10؛ 103: 7) وقدرته (87: 15) وخلاصه (98: 2) وأحكامه (9: 10). وبما أنّ هذا العمل يرتبط بواقع إسرائيل ، فلا يقدر أحد أكثر من هذا الشعب أن يعرف الرب ويعرّف الناس به: الله معروف في يهوذا (2:76؛ رج 48: 4).
لا شكّ في أنّ إله التوراة يفعل في الطبيعة وفي عالم البشر ولكن عندما ينشد المرتّل أعمال الله ، فهو يفكر أوّلاً في التاريخ. هناك "فعل " الذي يدلّ على عمل الله في التاريخ، و "عسه " الذي يدلّ على الوجهة الكونية و "اوت " التي تدلّ على الخلق (65: 9).
يحتلّ الخلق مكانًا صغيرًا في فكر بني إسرائيل. فالرب يأمر في إسرائيل ، لأنّه المخلّص لا الخالق ، وله الحق أن يطاع لأنّه انتشلهم من عبودية مصر (7:81- 9). ولكن لا تعارض بين الوجهة الكونية والوجهة التاريخية ، فالواحدة تكمّل الأخرى. فحين يقول المرتّل: كلمة الرب مستقيمة وجميع صنعه أمانة (4:33)، فهو يفكّر من جهة في الحكمة التي بسطت السماء وكوّنت الأرض (33: 6- 9)، ومن جهة أخرى في القصد الأزلي الذي يعدم حسابات الأمم (33: 10- 12). غير أنّ مجمل العمل يتركّز حول العمل التاريخي الذي يشكّل له العمل الكوني مقدّمة: ولادة الأرض (86: 4- 9) إعلان مسبق لولادة إسرائيل (86: 10- 15).
الخلق هو أوّل انتصارات يهوه على قوى الشر (74: 12- 17؛ 89: 10- 15 ؛ 93: 1 ي ؛ 104: 5- 9 الخ). تُصوّر التوراةُ هذا الانتصار مستلهمة نصوص الشرق القديم (مردوك وتيامات ، بعل ويم). ولكنّ هذه الصورة تخسر في إسرائيل طابعها الدوري (يتكرّر مرّة كلّ سنة) وتتّخذ طابعًا واحدًا لا يعود أدراجه. انتصار الله ليس في التاريخ ، بل في خارج التاريخ.
وقد قابل الكتاب انتصار الرب على الوحوش البحرية بانتصاره على فرعون بحيث سمّيت مصر رهب (87: 4). فحرب الرب على الغمار (77 : 17- 20) تذكر المؤمن بعبور البحر الأحمر (77: 16، 21؛ رج أش 51: 9- 10).
فبداية الكون وبداية شعب إسرائيل تدشّنان عجائب (نفلأوت في العبرية) الله (136: 4؛ رج 78: 4، 11، 32 ؛ 106: 22) التي تدلّ على قداسة طرقه (77: 14) والتي يُنشدها شعبه (2:9 ؛ 40 : 6 ؛ 71 : 17 ؛ 2:75؛ 86 : 10؛ 98: 1؛ 105 : 2؛ 107 : 8، 15، 21، 31؛ 111: 4 ؛ 119 : 27؛ 145 : 5). فالخلق (9:65) والتحرّر من مصر (43:78؛ 105: 27؛ 135: 9) وخلاص هذا أو ذاك من المؤمنين (7:86) تشكّل علامات مميّزة وآيات ساطعة عن اهتمامات إله العهد.
لا تتكلّم المزامير كثيرًا عن العهد (25: 10، 14؛ 18:44؛ 50: 5؛ 74: 20؛ 78: 10، 37 ؛ 103 : 18؛ 105: 10؛ 106: 45؛ 111: 4، 9)، ولكنّها تذكر تعلّق يهوه بمختاريه وأتقيائه (حسيديم). تعود كلمة "حسد" (الرحمة، المحبّة) ما يقارب المئة مرّة في المزامير، وباسمها نطلب من الرب أن يتدخّل: خلّصني برحمتك (17:31؛ رج 143: 12). ولأجلها نسبّحه ونباركه: "لأنّ إلى الأبد رحمته " (5:100؛ 106: 1؛ 107: 1 ؛ 118: 1 ،2 ، 4 ، 29 ؛ 136: 1 ي).

ثانيًا: عمل الله القدير
لا شيء يحدّ قدرة إله العهد حين يتدخّل في الطبيعة وفي عالم البشر. فالتوراة سمّت الله الملك منذ القديم ، ونحن نقرأ هذا اللقب في المزامير 30 مرّة تقريبًا (ملك أو مشل أي المتسلّط). هو يجلس (14 مرّة) على عرشه (8 مرّات) ويتجلبب بالبهاء والجلالة (13 مرّة) ويسود الكون بعظمته (جدل، 20 مرّة). إنّه ملك المجد (7:24- 10؛ 29: 1، 3، 9؛ 96: 3، 7، 8، 97: 6) وهو يسود الكون الذي يعتبره خاصّته: لك السماوات ولك الأرض. أنت أسّست الكون وما يحتويه (مز 89: 12؛ رج 74: 16- 17).
يرتبط مُلك الله بعمل الخلق كما في العالم الشرقيّ ، والإله مردوك لن يعلن ملكًا قبل أن ينتصر على وحوش البحر. غير أنّ التوراة لا تعرف وقتًا لم يكن فيه الله ملكًا، وقتًا سلّم فيه العالم إلى الفوضى. فالأخبار عن الصراع الأوّلى تبدأ بسجود السماوات للإله المنتصر (29: 1ي؛ 89: 6- 15) بحيث إنّ يهوه كان ملكًا منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد (93: 2).
وقدرة الله الملك لا تعرف حدودًا في الزمان كما لا تعرف حدودًا في المكان. من مثلك (32:18؛ 35: 10؛ 40 : 6 ؛ 71 : 19؛ 7:89)؟ هذا يعني أنّ سائر الآلهة هي عدم (96: 5)، وأنّها لا ترى ولا تسمع ولا تشمّ ولا تتكلّم ، مع أنّ لها عيونًا وآذانًا وأنوفًا وأفواهًا (115: 4- 8؛ 135: 15- 18).
وممارسة السلطة الملكية تفترض وجود قصر أمّا قصر الرب فهو في السماء (11: 4؛ 7:18 ؛ 48: 10؛ 68: 30) أو على الأرض في أورشليم (8:5؛ 27: 4؛ 48: 10 ؛ 68:.3). هناك رباط بين معبد السماء ومعبد الأرض. الله يقيم في حصنه (8: 2-3) في السماء ، ومن هناك يراقب كل شيء ، ويوجّه التاريخ دون أن يؤثّر فيه أحد. "إنّ إلهنا في السماء كل ما شاء صنع " (115 : 3 ؛ رج 4:2؛ 14 : 2؛ 18: 14؛ 20 : 7؛ 3:33 1؛ 9:76؛ 80: 15 ؛ 102 : 20 ؛ 123 : 1).
يعرف (يدع أكثر من 60 مرّة) قوّتَه ومجدَه الغرباءُ (28:22؛ 2:29؛ 66: 4 ؛ 86: 9 ؛ 96: 9؛ 9:96؛ 97: 7) والمؤمنون (95: 6؛ 132: 7 ؛ 138: 2) فيسجدون برعبة (8:5) أمام يهوه الملك. وتشكّل هذه المخافة للأمم (65: 9؛ 8:67 ؛ 76: 9) علامة خضوعهم، وللشعب المختار (40: 4 ؛ 52: 8) علامة إخلاصهم الحرّ والكامل. هناك خوف يقود إلى الرب ، وهناك خوف يقود إلى الطاعة والاستسلام بين يدي الله. هذه المخافة لا تولّد القلق ، بل تحرّرنا منه ، لأنّ مخافة الله تزيل أيّ خوف آخر (23: 4؛ 27: 1 ؛ 3:46؛ 5:56، 12؛ 5:91؛ 6:118).
2- اسم الله
عندما يُذكر اسم الله فهو ينير بأنواره أحزان الحاضر، ويبعث الأمل في مستقبل يتطّلب التزامًا ، ويمنح القلوب حماسًا واندفاعًا.

أوّلاً: المستقبل
كان الأقدمون يقدّمون التحيّة لظهور إلههم مع شروق الشمس في الأفق ومع التطواف بتمثال الله . أمّا إسرائيل فكان يهتف أمام الرب هتاف الحرب والنصر (تروعه ، مز 27: 6؛ 3:33 ؛ 2:47 ، 6؛ 66: 1 ؛ 81 : 2 ؛ 89: 16؛ 95: 1، 2؛ 98: 4، 6؛ 100 : 1) لأنّ لقاء الرب يعني النجاح التامّ.
فإله العهد ينفّذ قصدًا عظيمًا تتجاوز أبعاده العقل البشري (6:40؛ 92: 6) ولا يرهقه الزمن (33: 11). فالحكمة نفسها التي بنت الكون وعمّرته وما زالت تُنعشه (104: 1 ي)، ستبني وتعمّر وتنعش صهيون (147: 1 ي). وهكذا يذوق المرتّل بين يدي الله (31: 6) الفرح ، لأنّ الرب يهديه بإرادة قوّية ، ولأنّه يحسّ بمشورة الرب تنصحه ليلاً ونهارًا (7:16؛ 73: 24).
فالطريق الذي مهدّته مآثرُ الله (67: 3؛ 77: 14 ؛ 103: 7؛ 138: 5؛ 145: 17) صار لإسرائيل طريق المستقبل المستقيم (5: 9) والكامل (18: 31).
والمستقبل الذي يهيّئه الله ليس نسخة عن الماضي. فملكوت الله يوقظ عند الأقدمين أملاً بإعادة الخليقة إلى نقاوتها الأصلية. والحدث المنتظر يمتزج بالحدث الأوّل الذي يتجدّد بين الفترة والأخرى. ويعتبر المرتّل مُلك الله حقيقة لا رجوع عنها (2: 4؛ 11: 4 ؛ 7:24- 10؛ 29: 10؛ 3:47، 7، 9؛ 3:48) وحدثًا آتيًا يبقى موضوع أمل (9: 5، 8؛ 10: 16؛ 22: 29؛ 96: 10؛ 97: 1- 2 ؛ 98: 6).
ويميّز المرتّل زمنين في ملكوت الله ، زمنًا يبدأ فيه التاريخ ، وزمنًا ينتهي فيه. يهوه هو ملك منذ نَصْره على البحار (12:74)، ومن هذا المنطق يمسك بيده مصير الشعوب (145: 11 ؛ 146: 10). ولكنّه لا يكون ملكًا حقًّا إلاّ حين يُنهي عمله بالدينونة: "نادوا في الأمم: الرب قد ملك. يثبّت الأرض فلا تتزعزع ، يدين الشعوب بالاستقامة" (مز 96: 10).
بدايةْ القصّة ونهايتها هما تحقيقان لملكه. تتميّزان ولكنّهما تبقيان في رباط وثيق. فالواحدة تكمّل ما وعدت به الأولى. ولكنّ العبور من الصورة التقريبية إلى التحفة الأخيرة يفترض مبادرة جديدة من قِبل الله الذي يأتي ليُنشَد له نشيد جديد (3:33؛ 40: 4 ؛ 96: 1؛ 98: 1 ؛ 9:144 ؛ 149: 1). ولكي يصل الرب إلى هدفه ، فلا بدّ له من أن يتذكّر (30 مرة) رحمته (3:118)، يتذكّر عهده (8:105 ؛ 12:115) والكلمة التي أعطاها لأخصّائه (105: 42؛ 119: 49).
الرب أعطى كلمته التي تُشرف على عمله في الكون كما في التاريخ (33: 4، 6- 9؛ 107: 20؛ 15:147، 18؛ 8:148) والتي لا يستطيع أحد أن يؤثّر فيها لتعجّل أو تتأخّر. والمرتّل متيقّن من كلمة الله. يعرف أنّها حقيقيّة ومختبَرة وأمينة (7:12 ؛ 118: 31 ؛ 119: 140). وإذا كان إسرائيل لم يزل موجودًا ، فلأنّ الله تحدّى كل الحواجز فكان أمينًا للعهد الذي قطعه مع إبراهيم وإسحق ويعقوب (8:105 ؛ 42:19). ولهذا يستند شعب الله إلى رحمته (33: 22؛ 52: 10 ؛ 147: 11) وإلى كلمته (130: 5؛ 119: "15 مرة"). لماذا يُوقف ما بدأ به بحريّته ، لماذا يتوقّف عن تحقيق ما عزم عليه (44: 4)؟ في الساعات المظلمة قال شعب إسرائيل: "لم تَعُد يمين العلي كما كانت في الماضي " (77: 11). ولكنّ هذا لا يعني أنّ الله لم يَعُد الله (77: 9، أما عاد الله الصالح لنا، أليس له بعد شيء يقوله لنا؟).

ثانيًا: تمنيّات التاريخ
كانت أعياد السنة الجديدة تقدّم مناسبة للمؤمنين ليعبّروا عن أحلامهم: إعادة النظام السياسي والاجتماعي ، ولادة الخليقة ولادة جديدة في نقاوتها الأولى. ويعود إلى الكون توازنه فتسود العدالة ويزهر السلام الدائم. هذا هو برنامج يهوه الملك: الدينونة، العدالة، السلام.
الدينونة عمل الملوك أكانوا آلهة أم بشرًا. عرشهم عرش الديّان (8:7؛ 8:9؛ 89: 15 ؛ 122: 5). والدينونة تتضمّن استعمال قوّة ضاغطة وسامية (3:54). يستيقظ الديّان ويقوم ليُصور حُكمًا مستقيمًا، حُكمًا لا يحابي فيه أحدًا ولا يقف بوجهه أحد (9:9؛ 58: 2؛ 67: 5 ؛ 3:75؛ 96: 10؛ 98: 9 ؛ 99: 4). فالهدف من الدينونة هو تحطيم مقاومة الشرّير (رشع في العبرية)، ذلك الخصم المرعب ذلك الشخص الذي يملأ بحضوره مزامير عديدة (7، 9، 10، 11، 12، 17، 26، 36، 37، 58. 65، 82، 94، 97، 144، 145). أمّا نجاح الشرّير فهو ثمرة العنف الذي يمارسه ضدّ الوضعاء (140: 2- 6) الذين يجدون الخلاص في دينونة الله (3:82، 4) ومسيحه (72: 2، 4، 12- 14).
وعندما تمتلئ الأرض من تجاوزات الأشرار (74: 5) يتزعزع نظام الخليقة: تهتزّ الأرض من أساساتها ، وتنحدر في ظلمة السديم الأوّل (82: 5). ولكنّ القاضي السامي يعيد تثبيت عواميد الأرض (75: 4) فيعيد النور (37: 6) والحياة (36: 6- 10 ؛ 67: 5- 7) إلى نفوس الأبرار الذين يملأ نداؤهم القَلِق كلّ المزامير (7: 9- 11؛ 11: 2- 3 ؛ 34 : 16، 20 ؛ 37: 11- 12، 16- 17 إلخ...)
الدينونة في الكتاب المقدّس هي تدخّل السلطة ضدّ الشرّير ومن أجل الصدّيق ، والمرتّل يعتبر نفسه صدّيقًا. فيطلب إلى الله أن يقف معه ضد مضايقيه: أحكم لي ، يا رب (9:7؛ 26: 1؛ 24:35؛ 43: 1). وما نقوله على مستوى الفرد ، نقوله على مستوى الشعب. فالربّ آلى على نفسه أن يدافع عن شعبه. ولهذا تبدو عدالته محصورة في أبناء العهد (103: 17). وديّان الأرض (94: 2) الذي لا يتخلّى عن ميراثه ، يقوم على الشرّير، عدوّ الأرملة واليتيم ، وسط عالم لا يعرف الرحمة.
والسلام (شلوم في العبرية) هو تفتّح قوى الحياة بفضل تدخّل الله ومسيحه. وهكذا تفتَح العدالةُ الطريق إلى السلام: "لتنبت في أيّامه العدالة والسلام العظيم إلى آخر الأيّام " (7:72). فإقامة عهد من العدالة والسلام (85: 11) يتضمّن حضور الله في قلب البلاد ، في هيكل أعيد بناؤه وتطهّر (5:65؛ 6:68، 17، 25، 29؛ 8:74 ؛ 93: 5)، في مدينة مقدّسة تقاوم هجمات العدوّ (46: 1 ي ؛ 48: 1 ي؛ 76: 1 ي). وإليها يأتي أبناء إسرائيل (122: 1 ي) لينعموا بالحياة والبركة (87: 1 ي؛ 132: 14- 156؛ 133: 1 ي). وهذا يفترض أيضاً الانتصار على عدوّ مسيح الله (20، 21، 110، 144) الذي يحطّم كلّ مقاومة ويعمل عمل الديّان (45: 2- 8؛ 72: 12- 14 ؛ 101: 1 ي).
هذا الحلم وُلد في ليتورجية عيد السنة الجديدة أو تتويج ملوك أورشليم ، وقد تحوّل إلى رجاء واثق تؤكّده كلمة الرب. ولهذا بعد أن زالت النظم والبنى السياسية ، ظلّ رجاء ملك العدالة والسلام ينمو ويتعمّق. أمّا تحقيقه فيكون في نهاية الأزمنة ، في اليوم الذي ينهي فيه الله التاريخ. هذا اليوم لا يعرف سرّه إلاّ الرب لأنّه يوم الرب.
حين برز سفر المزامير في شكله النهائي والقانوني ، كان المُلك قد زال من إسرائيل ، فصار مسيح الرب شخصاً مستقبليًّا يحمل الرجاء النبوي (أش 11: 1 ي ؛ إر 23: 5- 6)، وبه يمارس الرب قدرته وملكه العادل والمزدهر، ويُزيل المضايقين. أمّا المقاطع التي تنشد أعمال وحياة الملك (تتويجه، انطلاقه إلى الحرب ، زواجه ، ملكه) فقد اغتنت بالرجاء والسلام اللذين يحملهما ابن يسّى الآتي ومَلِكه المسيحاني.

ثالثًا: الإنسان
إنّ المستقبل الذي يهيّئه الله للإنسان ، يتطّلب مشاركته ويلزمه بالعمل. وإنّ اسم يهوه يولّد الأمل ويفرض متطلّبات. كانت كلمته وعدًا فصارت شريعة (119: 1 ي ؛ 19:147) وستكون طريقًا لا بدّ من اتّباعه (4:17؛ 50: 17)
طريق الرب هو الطريق الذي يتّخذه هو (77: 20) والطريق الذي يدعونا إلى اتّخاذه (5:17؛ 19:44؛ 81: 14؛ 19 3:1 ؛ 128: 1). طريق نطلب منه أن يعلّمنا إيّاه (4:25، 8، 18 ؛ 27: 11؛ 8:32 ؛ 51 : 15؛ 86: 11) لنعرفه (95 : 10) ونحفظه (22:18).
إذا كان قصد الله يفرض متطّلبات، فهذه المتطلّبات توحّدنا بقصد الله. فمن خضع لهذا القصد، تذكّر الأعمال الماضية. والتعليم الذي نقله جيل الآباء الأوَل إلى أولادهم ، يتضمّن خبر مآثر الله وإعلان الوصايا والشريعة (78: 4- 5). إذن ، ما يُطلب من الأبناء هو أن لا ينسوا أعمال الله ، ويحفظوا أحكامه ، لئلاّ يتشبّهوا بآبائهم الذين خانتهم الذاكرة فلم يعرفوا الطاعة (78: 10- 11).
إنّ الرب لا يشرّع كخالق بل كمخلّص. وحين يطب أن يطاع ، فهو يذكر عمله الخلاصي (7:81- 8). فعلى إسرائيل أن يسمع ذلك الذي أصعده من أرض مصر (11:81).
والعبارات التي تدلّ على الشريعة في مز 119 تذكّرنا بالطريقة التي بها التزم الله حيال شعبه. تفقّد (فقد في العبرية، مز 8: 5 ؛ 80: 5) إسرائيل وأخذه على عاتقه فترك له أحكامًا وتعليمات (فقديم). ودلّه بالشريعة على الطريق الواجب اتّباعه (25: 4، 8، 12 ؛ 32: 8 ؛ 86: 11).
هذه الشريعة هي شهادة (عدوت) وحكم وكلمة ووصيّة ، وبنو إسرائيل يعتبرون شريعة سيناء قانونًا مميّزًا (حق في العبرية) يكوّنهم كشعب الرب (81: 5). وحين يطلب سيّد التاريخ من أخصّائه أن يسمعوه ، فهو لا يطلب منهم أن ينفّذوا أوامر محدّدة ، بل أن يلتزموا بالسير على خطاه دون تردّد ، أن يرتبطوا بقصده بقلبِ ثابت (8:78، 37). إذا ً، ليست القضيّة فقط أن نتمّ متطّلبات الشريعة ، وإنَ فعلنا كنّا كمن يتخلّص منها. بل يجب أن نختار (119: 30) الشريعة ونحبّها (119 : 47) ونرغب فيها (119 : 20، 40) ونتنعّم بها (119 : 47) ونصونها مثل كنز ثمين (119: 11). ويجب خصوصاً أن نحفظها (30 مرّة) كما يحفظ الله نعمة عهده (89: 29، 32). فالله الذي هو رجاء إسرائيل يريد منه أن يُنصت بعقله وقلبه: اسمع ، يا إسرائيل (7:50؛ 78: 1؛ 81: 9؛ 95: 7). فالاستعداد يشكّل الشرط الأساسي للخلاص . وكل تصلّب (95: 8) يطوي الإنسان على نفسه ، يقطعه في الوقت نفسه عن إلهه (12:81- 13).

رابعًا: برنامج ينشده شعب إسرائيل
الماضي والمستقبل (المرتبطان باسم الرب) هما دعوة إلى الإنشاد ونداء إلى العمل. وهكذا ينشد المرتّل رحمة إلهه (30 مرّة): اعترفوا للرب لأنّ إلى الأبد رحمته (106: 1؛ 107: 1). وسيهتف الشعب أمام الحدث الذي يتوّج هذه المرحلة ، عنيت به تحقيق دينونته وعدالته (32:22 ؛ 28:35؛ 40: 10؛ 48: 11؛ 50: 6؛ 16:51 ؛ 15:71، 16، 19، 24 ؛ 13:88 ؛ 17:89؛ 13:96؛ 6:97؛ 119 : 164 ؛ 132: 9 ؛ 145: 7).
فعلى المؤمن أن يشكر الله على نعمة حصل عليها. وما هو خاصّ بالتوراة ، هو أنّ على كل واحد أن يسجّل النعم التي حصل عليها في مخطط الرب العظيم من أجل شعبه. وينطلق مز 40 من سخاء الله نحو أحد مساكين الجماعة (آ 2- 4) ليعظّم اهتمام الرب بكل إسرائيل (آ 6). ويبدأ مز 66 بانشاد مآثر إله العهد (آ 1- 7) ، ثمّ يروي كيف نجّى الله شعبه من خطر مميت (آ 8- 12) : بعد هذا (آ 13- 25) يترك المؤمن يتقدّم ليقرّب ذبيحته ، ذبيحة الشكر.
وهكذا يجعل الإسرائيليّ قط لته داخل تاريخ شعبه ، فيوقف مثلاً مرثاته الشخصية ليفكّر في بناء صهيون (112 : 14-23 ؛ رج 36:69-37) ، وينتهي فعل شكره بنشيد إسكاتولوجي (22: 28- 32) ، يذكّره بمُلك الله وانتصاره الذي هو عيد لشعبه إسرائيل. فالجائع الذي يطعمه الله ، والسجين الذي يحرّره ، والمريض الذي يشفيه ، والملاّح الذي ينجّيه من العاصفة ، هم شهادة حيّة على اهتمام الله الذي وعد أن يُطعم شعبه ويشفيه ويحرّره وينجّيه.
لا يكتفي المرتّل بأن يشكر، بل يهتف هتاف إعجاب فيدخل في مخطّط الله الذي ينكشف أمام عينيه. ويعود بالذكرى إليه (28:22؛ 18:45؛ 16:71) ليبارك الله الذي ينعم عليه ، ليعترف بالله الذي أفحم عبده بقدرته ورحمته فارتبك وما عاد يعرف ماذا يقول (6:145- 7). حينئذ يصبح نشيده انخطافًا ، فيخرج من ذاته حين يرى عملاً يتجاوز كل ما رأى في حياته: ارتفعت رحمتك كارتفاع السماوات وأمانتك كالغيوم (11:57).
ولا يهتف المرتّل للرب كمشاهد غريب على مسرح. فالشعب متّحد بربه بوجه عالم ينظر إليه: فمجد الرب مجده . فإن أنشد ، فلأنّه يحسّ أنّه يحقّ له الافتخار (3:34؛ 64: 11 ؛ 13:105) وأنّه يجد في ذاته مبعث فرح. هذا الفرح هو فرح الانتصار والنجاح (30: 2؛ 19:35 ؛ 58: 11؛ 43:89؛ 107 : 42) وهو يعارض خجل الهزيمة وخيبة الأمل (35: 26؛ 09 28:1).
مجد الرب هو مجد شعبه ، ومجد الشعب هو مجد إلهه. فحين يعيد الرب أمجاد صهيون ستهتف الأمم : ظهر الربّ عظيمًا حين عمل من أجلهم ما فعل (3:126). والعالم كلّه سينشد إن حملت أرضُ الموعد ثمارًا هي طرق الرب ، إله العدل (67: 1 ي). أمّا إذا انهزم إسرائيل فسيسمع من يقول له : أين إلهك (4:42؛ 79: 10 ؛ 2:115)؟ إنّ شعب إسرائيل يحلم بازدهار مادّي ، بنجاح في الحرب أو السياسة. ولكنّه مقتنع أنّ نجاحه يحافظ على كرامة اسم الرب.
السموات تنشد عمل الله (19: 2- 4؛ 89: 6). أمّا الناس فينشدون ما عمله من أجل شعبه في التاريخ. إنّهم يقدرون أن يباركوا البنّاء الحكيم لعالم يتأمّلون في جمالاته (104: ا)، ولكنّهم سيباركون حتمًا البنّاء الذي سيعيد في النهاية بناء صهيون (147: 1).
قلنا سابقًا إنّ عمل الخلق مقدّمة لعمل الفداء ، فخلاص إسرائيل يُتمّ عمل الخلق. ولهذا، فالشهادة على عبقريّة المهندس الأعظم لا يعطيها بهاء النجوم، بل شعب الله الذي أعيدت إليه أحجاره. فكل كائنات الخليقة تدخل ، حسب الترتيب الذي فيه خُلقت، في جوقة يرتفع نشيدها إلى أن ينتصب في رأس البناء "قرن إسرائيل " (148: 14). 
يتعجّب المرتّل ممّا فعله الخالق في الكون، بل يدعو هذا الكون ليهتف للربّ مخلّص شعب إسرائيل (96: 11- 13؛ 98: 7- 8).

3- اسم الربّ نداء
يرنّ اسم الرب مثل نداء في آذان بني إسرائيل. فالرب هو المخلّص الذي يبتهل إليه المرتّل، والمحرّر الذي يضع شروطه ويغفر، ثمّ يستقبل في بيته. يهوه هو الذي يقود شعبه من العبودية إلى العبادة.
أوّلاً: دعوة إلى المخلّص
إنّ صرخات الضيق التي تتوزع في سفر المزامير، تُشبه إلى حد بعيد ما كان يفعله أهل سومر وأكاد (في العراق): يبكون، يصلّون، يبتهلون إلى الله بحرارة لكي يسمعهم، يدعونه تائبين وعارضين عليه حالهم.
ولكنّ بني إسرائيل يبرزون وضعهم بطريقة جذرية. فالصعوبة التي تنتابهم، تتّخذ شكل صراع مع قوى الشر. ويبدو الربّ حينئذ كالدواء الفريد لدائهم ، كالنور الوحيد الذي يقدر أن ينير ظلمتهم.
إنّ المرتّل لا يعطينا تفاصيل عن أصل ألمه أو طبيعته، بل يستعمل صورًا غامضة وعبارات عمومية. وحين يشير إلى هزيمة وطنية (44: 1 ي) أو إلى دمار الهيكل (74: 1 ي ؛ 79: 1 ي)، فهولا يقول ما يكفي ليتعرّف المؤرّخ إلى الهزيمة. وحتّى مز 74 فهولا يضعنا أمام حدث تاريخي بل أمام دراما ليتورجية.
فالضيق الذي يجعل المساكين يصرخون (7:18؛ 8:80؛ 107: 6، 13، 19، 28 ؛ 120: 1) هو ضيق الملاّحين الذين تقذفهم العاصفة (107: 25- 30) والقوافل التي يهاجمها اللصوص (118: 10- 15) والجائعين التائهين في البرّية (107: 4- 9). المتشكّي لا يعرف إلاّ السجن (107: 10- 16) والمرض (107: 17- 22؛ 118: 17 - 22) يعبّر بها عن حالته.
ولكن مهما يكن سبب ألم المتشكّي، فهو يعلن عن نفسه أنّه ضحية ألسنة ماكرة تنشر كلام افتراء أو عبارات سحر (5: 10 ؛ 10: 7؛ 12: 4- 5؛ 27: 12؛ 31: 21؛ 35: 11، 16؛ 36: 4؛ 13:38؛ 41: 8؛ 52: 4؛ 55: 22؛ 57: 5 ؛ 8:59 ؛ 4:64؛ 109 : 3؛ 3:120 ؛ 4:140). ويصوّر نفسه محاطاً بأعداء أقوياء وكثيرين (3: 2؛ 25: 19؛ 38: 20 ؛ 69: 5) يحاولون أن يسقطوه (20 مرّة).
ويعبّر المرتّل عن هذه الدراما الغامضة والعامّة بصور تقليدية: الحرب (27: 3؛ 35: 1؛ 55: 22 ؛ 56: 2- 3 ؛ 109: 3؛ 120: 6 ؛ 3:140) والسيف (13:17؛ 22: 21؛ 3:35 ؛ 37 : 14؛ 5:57؛ 8:59 ؛ 63: 11 ؛ 4:64؛ 144: 10) والقوس والسهام (7: 14 ؛ 11: 2؛ 37: 14- 15؛ 3:38؛ 57: 5 ؛ 64: 4، 8؛ 91: 5؛ 120: 4؛ 144: 6) والشباك المصوّبة والفخاخ (7: 16؛ 9: 16 ؛ 10: 9؛ 15:25؛ 5:21؛ 7:35- 8؛ 7:57؛ 6:64؛ 3:91؛ 85:119؛ 7:124؛ 140: 6؛ 141: 9- 10؛ 142: 4) والأسد المختبئ في الأدغال (7: 3؛ 10: 9؛ 12:17؛ 14:22؛ 17:35؛ 5:57؛ 7:58 ؛ 13:91). وما يخافه المرتّل فوق كل شيء هو غمر المياه العظيمة (17:18؛ 6:32؛ 4:46؛ 12:66؛ 2:69- 3، 16؛ 71: 20 ؛ 7:88- 8، 18 ؛ 107: 23 ؛ 124: 4- 5؛ 130: 1 ؛ 7:144) والسقوط المريع في الهاوية (16: 10؛ 28: 1 ؛ 4:30- 10؛ 40: 3؛ 49: 10؛ 24:55؛ 3:69؛ 5:88؛ 13:94 ؛ 103: 4؛ 143: 7).
نحن أمام صراع تبدو فيه الحياة في خطر (30 مرّة). أمّا الخصم فلا يطلب إلاّ أن يسيء إلى المرتّل فيلاحقه (20 مرّة) ببغض لا يلين (15 مرّة). هذا العدوّ هو صانع الخراب، وهو في خدمة قوّة تدمير. أمّا المرتّل فينتظر النجاح والنصر هكذا يجب أن نترجم كلمة "يشوعه " (الخلاص). يجب أن ينقلب الوضع، فيقف الضعيف في وجه الذين ينظرون إليه من علو (40: 10- 11) ويرفع قرنه (أي: رأسه. يبدو قوّيًا، 75: 5- 6؛ 89: 18- 25؛ 92: 11؛ 12 1: 9؛ 132: 17؛ 148: 14) فوق عالم متجبّر سيغطّيه العار (35: 25- 27؛ 14: 15- 17 الخ). أمّا الصراع فمبارزة بين اثنين سيزول واحد منهما .
وحين يطلب المرتّل من الله أن يسرع إلى معونته وأن ينتزعه من يد مضايقيه، فهو في الواقع يطلب الله نفسه (24: 6؛ 8:27؛ 5:34؛ 40: 17 ؛ 7:69 ؛ 70: 5 ؛ 23:77؛ 78: 34؛ 105: 3). فإليه ترتفع الأنظار القلقة (25: 5 ؛ 123: 1- 2؛ 8:141) لا إلى خير نستطيع أن نحصل عليه بواسطته. وإيّاه ننتظر حتّى تخور قوانا (64: 4؛ 3:84؛ 119: 81). وإليه نشتاق كما يشتاق الإنسان إلى الصبح (63: 2 ؛ 78: 34).
ما يطلبه المرتّل من الله ليس الخلاص بل خلاصه (119: 81، 123)، ليس النور بل نوره (3:43). فيهوه نفسه هو الخلاص (42: 6 ؛ 62: 2- 3، 7) والنور (27: 1) والترس (3: 4؛ 7: 11؛ 3:18؛ 21: 36؛ 7:28؛ 33: 20 ؛ 59: 12 ؛ 84: 10 ، 12؛ 115: 9؛ 119: 114 ؛ 144: 2) والصخرة والحصن والسور (9: 10؛ 3:18؛27: 1؛ 31: 4 ؛ 37: 39؛ 46: 8؛ 12؛ 59: 10؛ 3:62؛ 3:71؛ 144: 2). وهو الحياة (9:42) ولا لذّة في الحياة إلاّ معه (56: 14؛ 116: 9؛ 6:142). 
ونرى يهوه على أنّه الواقي من الشر، والمحارب للشرّ. عندما يجتاح القلق الإنسان حتّى يخنق فيه قوى الحياة، نقول إنّ الله غائب وإنّه يستر وجهه (7:4؛ 10: 11؛ 13: 2 ؛ 22: 25؛24: 6 ؛ 8:27- 9؛ 8:30؛ 17:31 ؛ 44: 4، 25؛ 67: 2 ؛ 18:69؛ 4:80، 8، 20؛ 88: 15 ؛ 16:89؛ 102: 3 ؛ 104: 29 ؛ 119: 135 ؛ 7:143). نقول إنّ الله بعيد (رج عن بعد الله أو قربه، 10: 1 ؛ 22: 2، 12، 20؛ 34: 19؛ 35: 22؛ 38: 22 ؛ 65: 5؛ 69: 19؛ 71: 12؛ 119: 151؛ 18:145؛ 148: 14). ويكني أن يتنازل الله ويقترب (85: 10)، فيعمّ النور قلب المؤمن.
وإنّ إسرائيل لا يجد خلاصه إلاّ إذا ارتمى بين يدَي إلهه. فخلّصه هو الولّي (10 مرّات) والفادي (فده 13 مرّة) الذي يطالب بأخصائه وينتزعهم من يد عالم يحكم عليهم. ويردّد المرتّل أن لا أحد يأتي إلى معونتهم إلاّ الله (22: 12؛ 17:94؛ 107: 12 ؛ 124: 1- 5). وإذ يتحرّرون بواسطة الرب فلسوف يُعنى هو بهم وهم سيرتبطون به.

ثانيًا: في خدمة الرب
ليس إله التوراة قوّة خلاص يستعملها الإنسان حسب نزواته. إنّه السيّد الذي لا بدّ من خدمته. فهو يضع شروطه على المؤمنين الذين يطلبون منه أن يتدخّل. إنّ الربّ لا يمكنه أن يجاري شرّ الإنسان. "هذا ما تصنعه. أيجب عليّ أن اسكت؟ هل ستحسبني شبيهًا بك " (50: 21)؟ وهو لا يقبل أن يخلّص أيًّا كان، بل يحفظ عونه للذين يحفظون عهده وشرائعه (5 2: 0 1) للذين يخافونه ويرجون رحمته وحبّه (33: 18؛ رج 36: 11؛ 103: 7-8 ؛ 12:145-20؛ 147: 10-11).
فإله التوراة يرتبط بأناس يعلنون أنّهم يكرهون الشر (97: 10). لهذا فلا مكان للشرّير في دياره. أمّا المؤمن فيجب أن يطرح على نفسه السؤال: من يحقّ له أن يقيم على جبل الرب (15: 1 ي، 3:24- 6)؟ إنّ الله لا يُحقّ حقّ المخطئ، ولهذا يعلن المرتّل أنّه بريء (7: 4- 6؛ 17: 2- 5؛ 18: 21- 28 ؛ 26: 1- 6)، وأن الآخرين هاجموه من دون سبب (7:35؛ 59: 4- 5 ؛ 69: 5 ؛ 109: 3؛ 120: 6). ولهذا يطلب لهم الشرّ لا الخير (35: 12- 14؛ 38: 21؛ 109: 4). ولا ينال حقّه إلاّ المستقيمُ (30 مرّة) والصدّيق (50 مرّة).
فالاستقامة والبرارة اللتان يطلبهما المؤمن من الله القاضي ليتدخّل من أجل أخصّائه، تتعلّقان بطريقة التصرّف مع الله ومع القريب. فالأمران لا يفترقان. فالشرّ يبتهج في الكذب وفي الظلم، لأنّه لا يستند إلى معونة الرب (52: 9)، وأعداء المرتّل أناس "لم يجعلوا الله أمامهم " (54: 5)، أناس يقولون: إنّ الله لا يتدخّل في أمورنا (10: 11؛ 73: 11؛ 7:94) أولا إله (53: 1؛ رج 10: 4). فلا ننتظرنّ صلاحًا ولا رحمة ممّن لا يطلب الرب ولا يخافه (14: 2؛ 2:36- 3).
أمّا المرتّل فيبحث عن ملجأ عند الله (حسه، 25 مرّة) ويتوكّل عليه توكّلاً كاملاً (بطح، 35 مرّة) ويعتبره قسمته ونصيبه (16: 5؛ 142: 6) بحيث لا يحقّ لأحد غيره أن يتدخّل في حياته. وفي أيّ حال لن يأتي أحد غيره يدافع عنه (73: 25 ؛ 16:94). ولهذا فكل عون يبدو كاذبًا، أجاء من الآلهة أم من البشر. فخارجًا عن السند الذي يقدّمه يهوه لأحبّائه، فكل تأكيد هو كذب، وكل اطمئنان هو عدم (33: 16- 17؛49: 6- 12؛ 9:52؛ 13:60 ؛ 62: 11؛ 118: 8- 9؛127: 1-2؛ 3:146-4).
الله يحمي أخصّاءه ويريد أن يكون لهم المحامي الوحيد. ولهذا يستجيب لجميع حاجاتهم. ففيه سرّ الموت والحياة (13:34) والنجاح والخصب (28: 1 ي)، فيكون تقيّه كشجرة مزروعة قرب المياه تُعطي ثمرَها في أوانه (1: 1 ي؛ 52؛10؛ 13:92-15). ويُحسب المؤمن سعيدًا (20 مرّة)، ويُعلن أنّ الله صالح (15 مرّة) وأنّه يعطي السعادة (10 مرّات) فيهتف: صالح الاعتراف للرب والإشادة لاسمك أيّها العلي (92: 2؛ رج 147: 1)، لأنّك ستملأني فرحًا (15: 11).
إذا كنا ندعو الرب، فلا بد من وضع ثقتنا كاملة فيه. فهو الذي يضع يده على الإنسان ويوجّهه. وقبل أن يلتزم يمتحن ذلك الذي يريد أن يتبنّاه (7: 10 ؛ 11: 4- 5؛ 17: 3؛ 26: 2؛ 66: 10؛ 81: 8؛ 139: 1، 23). السيّد "يجرّب " العبد، والعبد لا يجرّب السيّد. فمن جرّب الله كان وكأنّه يريد أن يستخدمه لا أن يخدمه. إنّها لخطيئة كبيرة أن نجرّب الله (78: 18، 41، 56 ؛ 95: 9؛ 106: 14). لاشكّ في أنّ الرب مستعدّ لأن يحقّق رغبات أخصّائه "الشرعيّة" (10: 17؛ 21: 3؛ 38: 10)، ولكنّه لا يقبل أن تُفرض عليه الأمور فرضاً. إله سيناء هو الإله الذي يسمع، ولكنّه لا يتراجع. حاور شعبه، ولكنّه بقي سيّد قراره. يغطيّه السحاب (7:99) فيحافظ على المسافة بينه وبين شعبه، ويبقى حرًّا في تحرّكاته: كلّمتك من مخبأي في صوت الرعد (8:81).
فالإنسان الذي يسلّم إلى الرب مصيره، يكون دومًا في خدمته. وعليه أن ينتظر البادرة التي يُرسلها الله في وقتها. حين يرى المؤمن نجاح الشرّير (73: 2- 12) عليه أن يحافظ على صبره (37: 1، 2، 7- 8؛ 39: 2- 4؛ 73: 21) وينتظر ساعة تدخّل الله في صمت واستسلام كامل (4: 5؛ 37: 7؛ 62: 2، 6؛ 131: 1 ي). أجل لقد عرف المرتّل تلك الليلة المظلمة، ليلة الإيمان التي يبدو فيها اختيارنا لله عبثًا (13:73- 14) ففهم أنّه لم يبقَ له إلاّ الصلاة (3:141- 4) ليحصل على وحي الله الذي ينير وحده كل شيء (73: 17).

ثالثا: الغفران الإلهي
قلنا إنّ الله لا يشارك في الشرّ، ولا يتراجع عن متطّلباته. ولكنّ هذا لا يمنعه من أن يكون الإله الذي يغفر (8:99)، الإله الذي يثق بالساقطين الذين يمكن أن ينهضوا إن ارادوا، الإله الذي يحسب حساب ضعف عبيده (78: 39؛ 103: 14).
عندما يتحدّث سفر المزامير عن الخطيئة، يتصوّرها انقطاع صلة بين الله والمؤمنين، ويؤكّد أنّ المسؤولية تعود إلى الإنسان وإليه وحده. فحين يقرّ المرتّل: "أخطأت " (32: 5 ؛ 38: 19؛ 41: 5؛ 51: 6؛ 106: 6)، فهو يعترف أنّه صاحب الخطأ وأنّه لا يقدر أن يحمّل الله مسؤوليّة الشرّ الذي يحصل له. أمّا إذا قال: ما أخطأت، فهو يعترض اعتراضاً غير مبرّر (5:59).
لا يشدّد سفر المزامير على طبيعة العمل الذي قطع العلاقة بيننا وبين الله . وإنّنا لا نجد إلاّ في مز 106، اعترافًا بلائحة الخطايا مع طلب رأفة الله (آ 8، 23، 30، 45، 46) او الإعلان عن رجاء اليهودي الوحيد في أعماق منفاه (آ 47). فإذا كان سفر المزامير لا يشدّد إلاّ قليلاً على فعل الخطيئة ، فهو يبرز نتائحها المؤلمة: أرض جدباء (85: 1 ي) ، هزيمة عسكرية (60: 1-6؛ 79: 1 ي ؛ 80: 1 ي ؛ 39:89-46)، مرض (3:6؛ 0 3:3؛ 32: 1 ي ؛ 38: 1 ي؛ 41: 1ي؛ 88: 1ي؛ 103: 3-4 ؛ 107: 17- 22؛ 118: 17- 22؛ 130: 1 ي). عزلة تامّة (12:31- 14؛ 12:32- 15؛ 41: 8- 10؛ 69: 0 2- 22؛ 88: 9، 19؛ 102: 7- 9). وبسبب الانقطاع عن الله ، تذبل كل حياة (18:107) وتفنى (102 : 4)، فيصعد صراخ التائب من أعماق الهاوية (130: 1).
هذه الحالة المزرية تعود إلى عداوة إله (32: 4؛ 88: 7- 9) يستر وجهه (13: 2؛ 15:88). لا يقول المرتّل إنّ تلك هي دينونة الله. ولكنّه يجد نفسه على حافة القبر، فيدرك أنّ الله يرفضه ويرذله بغضب (95: 11)، يحرقه كنار لا تنطفئ (2:6 ؛ 6:30؛ 38: 2؛ 59: 25؛ 74: 1؛ 77: 10؛ 78: 21، 31؛ 85: 4، 6؛ 86: 15؛ 88: 17 ؛ 90: 7 ؛ 102: 11؛ 103: 8 ؛ 106: 40؛ 145: 8).
نحن لسنا أمام عقاب بالمعنى الحصري، فالانفصال عن الله يحمل نتائجه في ذاته، وتظهر الخطيئة كثقل مرهق (38: 5؛ 65: 4). وحين يعاقب الرب الخاطئ ، فهولا يزيد عنصرًا جديدًا على الحالة المؤلمة ، بل يكتفي أن يتصرّف مع أصدقائه بالأمس حسب ما تفرضه خطيئتهم (103: 10). هو يتذكّر فقط (25: 7؛ 109: 14) ويُظهر سخطه (9: 8 -9).
إنّ الغفران الإلهي ليس تنازلاً. إنّه بالحري انتصار، انتصار حبّ أقوى من الإساءة (103: 11- 12). لا يعود الرب يتذكّر الخطيئة، فيميل بوجهه عنها (51: 11) ويرفعها (نسأ في العبرية، 18:25، 5:32، 3:85 ؛ 8:99) ويمحوها (3:51) ويغطّيها (32: 5 ؛ 3:85) كما يغطّي إنسان بالتراب الدم فلا يعود يصرخ طالبًا الانتقام. حينئذ يتوقّف الخطر الذي تمثّله الخطيئة (رج كفر في العبرية وفي العربية، 65: 4، 38:78، 9:79) ولا يعود الوباء يتقدّم (106: 8، 30) ولا مياه الغمر العظيم تجتاح (6:32). كان المريض في البارحة على حافة القبر، فانفتحت أمامه اليوم أبواب البر والحياة (118: 19- 25). لقد وجد مرّة ثانية ريعان الشباب (103: 3- 5) فتحوّل الندب إلى رقص والحزن إلى سرور (30: 12).
وتفتح المصالحة مع الله عهدًا من الحبّ والأمانة ، من العدالة والسلام (85: 11- 14). فبعد أن اغتسل التائب وتنقّى (51: 5)، أحسّ بقلبه ثابتًا (51: 12) ، وتوشّح بروح الله ، ورُفع إلى درجة عبد الله (13:51- 14). هولا يحقّ له بالغفران ، ولكنّه يقرّ بخطيئته ويستسلم إلى رأفة الذي أذنب إليه (38: 16؛ 39: 8). لا يتحدّث سفر المزامير عن ذبيحة تكفير ولا عن طقوس تطهير، فالله نفسه يغسل الخاطئ ، فلا يبقى للتائب إلاّ أن يطلب الرحمة (6:25؛ 40: 12؛ 51: 3؛ 17:69؛ 77: 10؛ 8:79؛ 102: 14؛ 103: 13؛ 116: 5؛ 119: 77، 156 ؛ 145: 9). يحاول أن يثير الشفقة عند الرب فيذكر له أيّامه القصيرة (48:89؛ 0 9: 10؛ 03 15:1- 16) ويقول له إن لا نفع من موته. يتساءل إلى متى (4:6 ؛ 23:13؛ 5:79؛ 8: 5؛ 47:89؛ 0 13:9) ، فيعبّر تساؤله عن رغبة حارة في صداقة الله المستعادة بعد جهالة الأمس.
ويرافع (تفلة: 6: 10؛ 32: 6 ؛ 39: 13؛ 65: 3 ؛ 80: 5) الخاطئ ويقدّم براهينه: ليرضَ الرب عن أخصّائه ، إن لم يكن لبرّهم فلأجل اسمه (3:23؛ 11:25؛31: 4؛ 9:79؛ 8:106؛ 109: 21). وذلّ صفيّ الله يصيب مجدَ الله (79: 10). فالعمل الذي بدأه يُصاب بالكسوف فيخسر كل معناه. لماذا يتعب الله في زرع كرمة إذا كان سيتخلّى عنها في ما بعد (80: 9- 15)؟ فماذا أراد الله أن يبني مع الناس بناء يدوم، يجب أن يحسب حساب ضعفهم. فأين يجد عابدين له إذا أرسل إلى الموت أبناءه العاصين (6:6؛ 30: 10 ؛ 88: 11؛ 115: 17)؟
إنّ التائب لا يطلب أن يُعفى من عقاب استحقّته له خطيئته. لقد حصل على العقاب الحقيقي الذي هو غياب الله . فما يريده الآن هو أن ينسى الله خبرة فاشلة ، ويجعله في خدمته من جديد على مثال الابن الذي عاد إلى أبيه (لو 15: 22 ي).

رابعًا: الله يستقبل شعبه
لا يحرّر الله الإنسانَ إلاّ ليجتذبه إليه. والحياة التي ننتظرها منه (42: 2، 9) نتنعّم بها عنده (8:36- 10). فالشجرة تحمل ثمارها إذا زُرعت في هيكل الله (53: 10؛ 13:92- 15).
كان شعب إسرائيل ينتظر، بفضل العهد ، أن يقيم الرب معه (23: 4). ولكنّ الرب هو الذي يؤمّن مكانًا لشعبه (47: 4 ؛ 78: 54- 55). فالله لا يطلب ضيافة ، بل يستضيف شعبه، ويدعوه إلى أن يصعد إلى جبله المقدّس (5: 5؛ 15: 1؛ 23: 6 ؛ 3:24 ؛ 8:26 ؛27: 5 ؛ 31: 21؛ 8:36-9؛ 3:43 ؛ 10:52؛ 61: 5؛ 3:63؛ 5:65؛ 84: 5 ؛ 91: 1؛ 92: 14 ؛ 133: 1 ي).
كان القاتل يهرب من وليّ الدم فيلجأ إلى هيكل الإله. وهكذا يفعل الإسرائيلي: يطلب أن يختبئ تحت جناحي الرب (8:17) ، فيستطيع باطمئنان أن يترك الخطر يعبر (2:57). يعرف أنّه هنا بأمان (5:27، 61: 4- 5). وهذا يكفيه.
اختار الرب وسط شعبه فسحة مكرّسة ليدلّ على قدرته الخيرة (65: 6) ويمنح الأرض المطر والبركات (65: 10، 14؛ 118: 26 ؛ 128: 5 ؛ 132: 15- 18؛ 134: 3). واختار مكانًا ليستقبل أصفياءه ويُشبعهم من خيرات بيته (65: 5). هنا يحسّ شعب إسرائيل بأنّه في بيته كالعصفور في عشّه (84: 4).
وعد إله العهد أن يدافع عن شعبه ويقوته (15:81- 17). وهذا ما يفعله بطريقة ساطعة حين يستقبل عنده أخصّاءه. ففي المعبد الإلهي ، يكون الأمان كاملاً، ولا يصيب الشرّ الذين يظّلهم الله بظلّه ويجلببهم بستره (3:91- 6). إذا كان المؤمن يرى العدوّ (8:91)، إلاّ أنّ العدوّ لا يراه.
مثل هذا الملجأ ليس سجنًا. فالحياة المحمية على هذه الصورة تتفتح وتنتصر فيدوس المؤمن بقدم ثابتة الوحوش والأفاعي والتنّين ، عدوّ الله (91: 12- 13). وإذ يستقبل الله الملك في هيكله ، يعده بنصرتامِّ على أعدائه (21: 9- 13) ويقلّده قوّته (21: 1- 2). 
إنّ ظلّ جناحي الرب يخبئ مائدة عامرة (36: 9) تفيض عليها الخمر من الكؤوس ويُصبّ الزيت (أو الطيّب) بغزارة (23: 5). إنّ الله لا يترك ضيوفه جائعين ، بل يطعمهم (16: 11 ؛ 27:22؛ 37: 19؛ 6:63؛ 5:65؛ 25:78، 29؛ 81: 17 ؛
90: 14؛ 91: 16؛ 103: 5 ؛ 104: 28؛ 105: 40؛ 107: 9 ؛ 15:132؛ 147: 14). وبعد أن يشبع القلب ينطلق في نشيد شكر (4:63 ؛ 84: 5) لا يوقفه خوف من أن تزول هذه السعادة: فحين يدخل المؤمن إلى بيت الله ، يكون هناك إلى الأبد (21: 7؛ 23: 6؛ 7:61).

د- سفر المزامير في العهد الجديد
عندما تُطرحَ معضلة العلاقات بين العهد القديم والعهد الجديد ، فهي تُطرح من جهة إيراد نصوص العهد القديم في أسفار العهد الجديد. هل كان ذلك نصًا صريحًا أم تلميحًا أم تذكيرًا مبعثرًا؟ وإذا أردنا أن نتوقّف على لغة الأرقام نعرف أنّ هناك ما يقارب 300 إيراد من العهد القديم دخلت في العهد الجديد ، وأنّ ثلثها أو نصفها يعود إلى سفر المزامير. ثمّ إنّ المزامير ترد على لسان المسيح في مجادلاته مع اليهود وفي آلامه ولاسيّمَا مز 22: "إلهي إلهي لماذا تركتني ".
فقطع الإزائيين الذي فيه يردّ المسيح على مجادليه بلغز اختاره ، هو مأخوذ من مز 110: قال الربّ لربّي (مت 22: 4؛ مر 36:13 ؛ لو 15: 42- 44). فني كل العهد الجديد يعود هذا المزمور ما يقارب العشرين مرّة ، ويعود خمس مرّات في الرسالة إلى العبرانيين وحدها، حتّى قيل إنّ هذا المزمور 110 يسيطر على الرسالة.
وفي القدّيس متّى وبعد دخول يسوع المسيحاني وطرد الباعة من الهيكل (مت 21: ا ي)، يورد يسوع مز 8: 2 ليسكت خصومه ويبرّر حماس الأولاد الذين هتفوا له. قال: أما قرأتم هذا؟ من فم الأطفال والرضّع أخرجت مديحًا كاملاً (مت 21: 16). ورد نصّ المزمور كما في السبعينية ، وكذلك 110: 1. فهذا ما يدهشنا ولاسيّمَا عندما نعرف أنّ محادثي يسوع هم يهود. فالنصّ يحسب حساب قرّاء الإنجيل وسامعيه الآتين من العالم اليوناني الوثني ، ويترك محادثي يسوع الذين عرفوا النصّ العبري القائل: إنّ المديح في فم الأطفال حصن يضعف تجاهه أعداء الله ومسيحه. ويرد مز 8 في 1 كور 27:15 مع مز 110 وفي أف 1 :22 وفي عب 6:2-8.
وفي إطار إنجيليّ يتوافق فيه الإزائيون ، يذكر المسيح خصومه الذين حرموا من الكرمة التي سلّمت إليهم فيورد مز 118: 22: الحجر الذي رذله البنّاؤون صار رأس الزاوية. هذا هو عمل الله وهو عجيب في عيوننا (مت 42:21؛ مر 12: 10، لو 20: 17:20). يرد هذا النص أيضاً في أع 4: 11 (خطبة مار بطرس) وفي 1 بط 7:2. ويظهر في أمكنة أخرى من العهد الجديد. يربطه بولس بمقاطع أخرى عن "الحجر" فيورده في 1 كور 10: 4 ويقدّم لنا به عنصرَّا خاصًّا من عناصر الخطبة الكتابية.
وهناك ثلاثة مقاطع من المزامير يوردها يسوع نفسه نقرأها في إنجيل يوحنا. يرد المقطع الأوّل وكأنّه آت من الشريعة: "أما كتب في شريعتكم " (يو 34:10)؟ ولكنّ النص مأخوذ من مز 82: 6. زاد يسوع: إنّ الكتاب لا يمكن أن يُنقَض ، فأكّد في الوقت ذاته صدق هذا المقطع وسلطة الكتب المقدّسة. والمقطع الثاني الذي يورده المسيح نجده في مز 69: 5 وكأنّه آت من الشريعة أيضاً: "كتب في شريعتهم " (يو 15: 25). هاتان العبارتان "شريعتكم " و "وشريعتهم " لهما طابعهما الخاصّ. فإذ يشدّد يوحنّا على مسؤولية اليهود الذين يستندون بصورة خاصّة إلى العهد القديم ، لا ينكر سلطة القديم ، بل يفترضها من أوّل كتابه إلى آخره. لقد أعلن يسوع (يو 5 :39) قال: "الكتب تشهد لي ". وفي يو 5 :46: "كتب موسى فأخبر عنّي ". ويبدأ المقطع الثالث (يو 18:13) بعبارة عامّة: ليتمّ الكتاب. ولكنّ النصّ يرجع إلى مز 41: 10.
أمّا مز 22 فهو يتميّز بأهمّية خاصّة: تلميحات كلامية: تذكير واضح ، إيراد آيات في الأناجيل الأربعة. وإذ نتحدّث عن أخبار الآلام في الأناجيل نشير إلى وجود مز 2: 12 و 31: 14، في مت 3:26، ومز 41: 10، في مر 18:14، ومز 69: 4 (أبغضوني مجّانًا) في يو 13: 18 ؛ 15: 25؛ ومز 42 :6، في مت 38:26، ومز 14: 34 ومز 110: 1 (جالس عن يمين) في مت 64:26 ؛ مر 64:14 ؛ لو 69:22؛ ومز 22:69 (المرّ) في مت 34:27، 48 ؛ مر 15 :36 ؛ يو 19: 28، ومز 2:34 (لا يكسر له عظم) في يو 19: 36 ومز 38: 12 (وقف أخلاّئي بعيدًا عنّي) في لو 23: 49 ومز 6:31 (في يديك) في لو 46:23. أما مز 22 فترد آ 8 (هز الرؤوس) في مت 27: 39؛ مر 15: 29. وترد بالنسبة إلى الهزء في لو 23: 35. وترد آ 9 (إتّكل على الله) في مت 43:27 وآ 16 (عن العطش) في يو 28:19، وآ 19 (اقتسام الثياب) في مت 35:27 ؛ مر 24:15 ؛ لو 23: 34؛ يو 19: 24 أمّا بداية المزمور (إلهي إلهي لماذا تركتني) فقد وردت على لسان يسوع نفسه فدلّ على أنّه تلا المزمور كلّه في تلك الساعة الرهيبة.
ونجد 15 مقطعًا مأخوذًا من المزامير ترد في خطب أعمال الرسل فتشدّد على شخص المسيح وعمله في سرّ الخلاص. ونجد أيضاً في الرسائل البولسية إيرادات أو تلميحات عديدة إلى المزامير، ولا سيمّا في الرسائل الكبرى (روم، 1 كور، 2 كور، غل، أف). ونشير إلى أنّ الرسالة إلى العبرانيين تبقى النصّ الذي يرد فيه بتواتر العهد القديم ولاسيمّا المزامير. ذكرنا أعلاه دور مز 110. أمّا في الرسالة إلى رومة فنجد في ف 3 إيرادات من مز 143، 51، 14، 5، 140، 10، 36، 39...

خاتمة: المزامير صلاتنا
المزامير صلاتنا لأنّها صلاة شعب العهد ، الشعب المسيحاني ، وهي صلاتنا لأنّ الله منحنا إيّاها لنستفيد منها كما يحلو لنا. نحن نستعمل المزامير في حريّة الروح عالمين أنّها مرّت في مراحل قبل أن تصل إلينا. فإذا أردنا أن نفهم مزمورًا، نعود إلى هدف الكاتب ، ونطلعّ على الفنّ الأدبي... كل هذا يؤثّر في صلاتنا التي تخرج من ذاتها فتصبح أكثر وضعيّة وأكثر جماعيّة وأكثر طقسيّة وأكثر إسكاتولوجيّة وأكثر مسيحانيّة . بعد هذا ، نعود إلى ذاتنا ونصلّي هذه المزامير بروح الله الذي يصرخ فينا بأنّات لا تُوصف. وهكذا تمرّ المزامير في حياتنا، وتسيل حياتنا في سفر المزامير فتلاقي هدف الكنيسة حين جعلت هذه الصلوات صلاتها الرسمية وقرأتها على ضوء حياة المسيح ولا تزال تقرأها مستنيرة بتعاليم الآباء لتجد فيها النور الذي يضيء ظلمات حياتنا.
الفصل الثاني
الحكمة والحكماء
في العهد القديم

الحكمة تيّار فكري في شعب إسرائيل لا يقتصر وجوده على الأسفار الحكمية ، كسفر أيّوب والجامعة مثلاً، بل يبرز بطرق متعددة في تاريخ شعب الله وبصورة واضحة في زمن ما بعد الجلاء. والحكمة لم تنبت في أرض إسرائيل وحدها ، بل في كل بلدان الشرق الأوسط ، وعلى هذا ارتبطت أقوال الحكماء في شعب الله بما وصل إليهم من أقوال بلاد كنعان ومصر والرافدين ، أخذه الحكماء بعد أن محَّصوه في بوتقة الإيمان بالله الواحد ثمّ أعادوا صياغته بحسب تقاليدهم الدينية وأساليبهم الكتابية.
الحكمة فنّ يساعدنا على تمييز السبل التي تتوافق والحياة من تلك التي تؤدّي إلى الموت. والحكيم حوذي يسوق مركبته فيجنّبها المزالق ، أو بحّار يوجّه سفينته فيوصلها إلى مرفأ الأمان ولا يجعلها تتحطّم على الصخور في العاصفة. الحكيم يسعى إلى حياة سعيدة فيتجنّب الفشل والحزن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولهذا تراه ينظر إلى الواقع فيفرّق بين الحقّ والباطل ، بين المفيد والمضرّ، بين الحياة والموت ، ثمّ يستخلص العبر من اختباراته الشخصية واختبارات الآخرين فيوجّه سلوكه اليومي على ضوء ما يرى ويكتشف.
مثل هذا التمييز في العالم المحيط بنا ، أو في خفايا وجودنا ، يجد موقعه في نظرة دينية وإيمانية. فحكة الخليقة هي انعكاس لحكمة الله ، والإيمان بالته ينير جوانب الحياة وأسرارها. الله حاضر في الكون وإن لم نذكره ذكرًا صريحًا واضحًا ، والبحث عن السعادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن الله . هذا ما نكتشفه في سفر طوبيا أو نشيد الأناشيد أو سفر الأمثال حيث يبرز الله حاضرًا في حياتنا اليومية. "ما يُجمع بالشر لا يُعيل العيال ، والصدق يُنقذ من الموت... الحكيم القلب يقبل الوصايا ، والأحمق في كلامه يتهوّر... بركة الرب هي التي تغني ، كثرة الشعب لا تزيد شيئًا". (أم 2:10؛ 22:8).
هذه الحكمة في شعب إسرائيل سنراها ، فنطالع كتبها ونرافق أفكارها ونتبعها فتوصلنا "إلى المسيح الذي صار لنا من الله حكمة وبرًّا وقداسة وفداء" (1 كور 1: 30).

أ- ما هي الحكمة
الحكمة موهبة تؤهّل الإنسان ليوجّه حياته فيكون سعيدًا. الحكمة معرفة وفهم: معرفة تعلّم الإنسان كيف يتصرّف فيفتح أذنيه ليسمع ساعة يجب السماع ، وفمه ليتكلم ساعة يجب التكلّم؛ وفهم يساعد الإنسان على الفصل بين ما هو صالح وما هو سيّء ، بين المفيد والمضر . 
الحكمة موهبة أو جملة مواهب تساعد الإنسان على توجيه حياته في العالم. فالتاجر الحكيم هو الذي يفطن للأمور قبل أن تحدث ، والفلاّح الحكيم هو الذي يراقب تعاقب الفصول والأوقات، والملاّح الحكيم هو الذي يقود سفينته بدراية وحكمة. يكون الحدّاد حكيمًا إذا أجاد صنعته (خر 35: 31- 35) وكذلك النقّاش في الحجر والخشب (1 أخ 22: 15) والصائغ والحائك والنجّار (إر 10: 9). الحكمة إلمام بالأمور، تُولدَ مع الإنسان وتنمو مع الزمن بالاختبار الشخصي والتعليم الذي ينتقل من الأب إلى أبنه ومن المعلّم إلى تلميذه: "إسمع يا بنيّ تأديب أبيك ، ولا تنبذ شريعة أمّك " (أم 1 :8).
الحكمة تعني العدل والعلم والحلم والفلسفة والكلام الموافق الحق وصواب الأمر وسداده، والحكيم هو صاحب الحكمة الذي يعرف أن يحكم ويفصل ويبيّن ويوضح. الحكيم هو الرجل المسنّ الذي علّمته التجارب ، فتعلّم أن يسيطر على الأمور وعلى نفسه ، فيمنعها ويردّها فلا تتوجّه إلاّ حيث يريدها أن تتوجّه. وأوّل الحكماء هو الحاكم ، أي القاضي ، الذي يعرف أن يحكم في الأمور على أساس من العدل والحلم وصواب الرأي. إذا كان الحكيم هو من ينظر إلى الأمور ويراقبها ، فسيأتي يوم يستنتج منها العبر له وللذين حوله ، فيعبّر عن خبرته بالكلمة التي تنتقل من الفم إلى الأذن ، قبل أن تدوّن مكتوبة في صيغة القول المتداول بين الناس. قال الناس في سومر (سهل بلاد الرافدين): "الصداقة تدوم يومًا ، أمّا القرابة فتدوم طول الأيّام ". وقالوا في مصر: "المرأة المبذرة تزيد الأمراض على المتاعب في البيت ". وقال حكماء الشرق إجمالاً: "التأنيب يؤثّر في الحكيم أكثر من مئة جلدة في البليد" (رج أم 17: 10)، و"الآباء أكلوا الحصرم ، وأسنان البنين ضرست " (حز 18: 2)، و "سنموت أو نكون كالماء المراق على الأرض " (2 صم 14:14).
نبتت الحكمة في عالم الأرض والطبيعة ، وظلّت مادة شفهية إلى أن جاء الكتّاب منذ عهد سليمان فدوّنوها أمثالاً وأحاديث منقولة. إنطلقوا من حواس الناس فقالوا: "كالحامض للأسنان والغبار للعين ، كذلك البطّال لمن يرسله... فم الصديق ينبت الحكمة ، أمّا لسان الكذب فيُقطع " (أم 10: 26- 32). وقالوا: "الأيدي المجتهدة تسود ، والمرتخية تخدم بالسخرة... نور العيون يُفرح القلب والسمعة الطيّبة تُحيي العظام " (أم 12: 24 ؛ 15: 31). إنطلقوا من حالات خاصة ثمّ جعلوها في أسلوب معمّم فبدأوا كلامهم باسم الموصول. قالوا: "من يسلك بنزاهة يسلك مطمئنًا ، ومن يعوّج طريقه يُفتضح. من يغمز بالعين يثير الغضب ، والأحمق في كلامه يتهوّر" (أم 10: 9- 10). وقالوا: "أن يطلب الخير يلتمس رضى الله ، ومن يطلب السوء يلحقه... من فلح أرضه شبع خيرًا، ومن تبع البطّالين أعوزه الخبز" (أم 27:11؛ 12: 11).
يردّد الحكماء الأقوال المأثورة ، ولكنّ الحكماء في بني إسرائيل يطبعون هذه الحِكَم المتداولة بطابع الإيمان ، فيستفيدون من الأمثال ليحرّضوا الناس على الحياة بحسب مشيئة الله والعمل بوصاياه. يقولون: "الصدّيق لا يلحقه إثم، أمّا الأشرار فكلّهم سوء... السوء يتبع الخاطئين، وبالخير يُجازى الصدّيقون. طرق الشرّير يعيبها الرب ، ويحبّ من يتبع العدل " (أم 12: 21 ؛ 13: 21 ؛ 15: 19). ويقولون مفاضلين بين أمر وأمر: "القليل مع مخافة الله أفضل من كنز عظيم مع الهمّ. أكلة من البقول مع المحبّة أفضل من عجل مسمّن مع البغض... القليل مع العدل ، ولا الرزق الكثير بغير إنصاف " (أم 15: 16- 17؛ 8:16). ويقابلون تصرّف الحكماء بتصرّف البلهاء: "شفاه الحكماء تنشر المعرفة ، وقلوب البلهاء كلّها جهل " (أم 7:15)؛ "المرأة الحكيمة تبني بيتها ، والحمقاء تهدمه بيديها. الجهّال يختارون الحماقة ، والأذكياء يُكثرون المعرفة" (أم 14: 1، 18).
ولكنّ الحكمة الحقّة والسامية لا توجد كاملة إلاّ في الله. يقول سفر الأمثال: "قلب الإنسان يرسم طريقه ، والرب يثبّت خطواته " (26: 9)؛ "في قلب الإنسان نيّات كثيرة ، ونصيحة الرب هي التي تثبت... مخافة الرب تؤدّي إلى الحياة ، وصاحبها يشبع ولا يحلّ به سوء" (أم 19: 21- 23). كان الناس يتحدّثون عن شجرة معرفة الخير والشر (تك 3: 1 ي) فصارت على شفاه الحكماء إمكان التمييز بين الخير والشر (أم 13:3 ي). جمع كتَّاب سليمان الحكيم وحزقيا الملك أقوالاً عن الكذب واعوجاج القلب واستقامته ، فقالت أسفار الحكمة: "إعوجاج القلب يعيبه الرب ، والسيرة الصالحة مرضاة له. من يطب الخير يلتمس رضى الرب ، ومن يطلب السوء فالسوء يلحقه. كلام الكذب يعيبه الرب ، ويرضى عن العاملين بالصدق " (أم 11: 20 ؛ 27: 12- 22).

ب- أسفار الحكمة
هذه الحكمة التي يهبها الله للبشر ولاسيّمَا لأبناء شعبه العائشين بمخافته الملتمسين رضاه ، قد دوّنها الكتّاب الملهمون فوصلت إلينا في أشكال ثلاثة. الأوّل ، القصص الحكمي ، والثاني ، كتب الحكمة الموجودة في المجموعة القانونية الأولى ، والثالث ، كتب الحكمة الموجودة في المجموعة القانونية الثانية.

1- القصص الحكمي
يمكننا القول في بداية الأمر إنّ التيار الحكمي يخترق أسفار التوراة من أوّلها إلى آخرها. ففي خبر الخطيئة الأولى (تك 3: 1 ي) نجد مقابلة بين الحكمة الآتية من عند الله والتي تؤول إلى الحياة ، والحكمة الآتية من عند الحيّة الجهنمية والتي جعلت الإنسان في طريق التعاسة والألم والموت. أمّا قصّة يعقوب بن يوسف (تك 39- 50) فتدلّنا على أنّ من يخاف الله ويعمل بوصاياه تفوق حكمته حكمة المصريين على شهرتها ، ويعرف صاجها أن يفسّر الأحلام ويحدّث الملوك وينظّم حياة الأفراد في زمن الوفر كما في زمن الجوع.
حكمة الله في مصر أنقذت يوسف ورفعته من العبودية والسجن إلى المقام الثاني بعد فرعون ، وحكمته في بابل سترافق دانيال ورفاقه فتنجّيهم من الصعوبات التي رافقت الذاهبين إلى المنفى ، وترفعهم في عيون الملك الذي يطلب إلى شعبه أن يعبدوا "يهوه " لأنّه هو الإله الحي القيوم إلى الأبد (دا 6: 26). والحكمة الحقّة الكائنة في العيش بحسب وصايا الله ، جعلت كلآ من داود وسليمان وحزقيا ويوشيا ملوكًا بحسب كلام الله كما نقرأ في السفرين الأوّل والثاني من أخبار الأيّام.
من القصص الحكمي نذكر سفر طوبيا (الذي دُوِّن في الأرامية ووصلنا في اليونانية في القرن الثاني ق م) وهو قصة تقوية يتوسّلها المؤلّف لينقل حكمة الآباء إلى الأبناء ، ويدخل حكمة الشعوب (حكمة احيقار الأرامي في القرن الثامن ق م) في تراث شعب الله . ونذكر سفر يهوديت (وصلنا في اليونانية في القرن الثاني ق م) الذي يصوّر لنا حكمة هذه الأرملة التي توصّلت بتقواها واتكالها على ربّها أن تخلّص بيت فلوى مدينتها من شر البابليين ، فأبانت للشعب أنّ الله ينجِّي المؤمنين به ويفني أعداء شعبه. ونذكر قصّة راعوت (دُوّنت في القرن الخاسر ق م) الموآبية التي استطاعت بحكمة من لدن الرب أن تدخل شعب الله وتصير جدّة الملك داود ، وبالتالي جدّة يسوع المسيح (مت 1: 5).
هذه الحكمة نراها حاضرة في تصرّف تامار التي جعلت يهوذا بن يعقوب يتزوّجها (تك 38: 1 ي). وهي التي وجّهت أهود بن جيرا البنياميني (قض 3: 12- 30) فنجّى شعبه من ملك موآب ، وشجّعت باراق على سيسرا (قض 4: 5) وداود الضعيف على جليات الجبار (1 صم 17: 1 ي).

2- الكتب الحكمية الأولى
إعتاد الشرّاح بعد القرن السادس عشر ب م أن يميّزوا بين الكتب القانونية الأولى التي كتبت قديمًا في اللغة العبرانية ، والكتب القانونية الثانية التي كتبت في زمن متأخّر ووصلت إلينا في اللغة اليونانية. أمّا الأسفار القانونية الأولى التي تعالج موضوع الحكمة فهي سفر أيّوب ، والأمثال ، والجامعة ، ونشيد الأناشيد. وأمّا الأسفار القانونية الثانية فهي سفر الحكمة، وباروك، ويشوع بن سيراخ.



أوّلاً: سفر الأمثال
هو أقدم تراث حكي في أرض إسرائيل ، بدأ الكتّاب بتدوينه منذ عهد سليمان غارفين من هذا المعين الشرقي (السومري والأشوري والبابلي والمصري...)، وتابعوا عملهم في عهد حزقيا، ولم ينتهوا منه قبل الجلاء. وهكذا جاء السفر في مقدّمة طويلة (ف 1- 9)، وسبعة أقسام تسمّى "الأعمدة السبعة" (9: 1) هي مجموعة سليمان الأولى (10: ا- 22: 16)، ومجموعة الحكماء الأولى (17:22- 22:24)، ومجموعة الحكماء الثانية (23:24- 34)، ومجموعة سليمان الثانية كما نقلها رجال حزقيا الملك (25: 1- 27:29)، وكلمات أجور السبائي (30: 1- 14) وأمثلة عددية (30: 15- 33)، وكلمات لموئيل (31: 1- 9). نقرأ هذا السفر فنتعلّم أنّ الحكمة الحقة تبنى على مخافة الله ، وأنّ على الإنسان أن يختار بين الطريق التي تقود إلى الحياة وتلك التي تقود إلى الموت.

ثانيًا: سفر أيّوب
يحاول الإنسان العائش في ضياع أن يحدّد موقعه من الله القدّوس والكلّي القدرة. وهذه المحاولة تبرز من خلال الألم الذي يصيب أيّوب البار، والشر الذي ينتشر في العالم فلا يفلت منه أحد. كُتب هذا السفر شعرًا، وجُعلت له مقدّمة وخاتمة نثريتان تعرضان مشكلة الثواب والعقاب في إطار تقليدي: إنّ البار سيُجازى في النهاية خيرًا. أمّا الفصول الشعرية (ف 3: 1- 42: 6) ففيها مواجهة الإنسان لعبث الوجود المنتهي بالموت ، وصورة عن المؤمن الذي يثور على ربه فتصل به الثورة إلى حد "التجديف " قبل أن يعود إليه ملتمسًا حضوره رغم الصمت الذي يلفّ هذا الحضور. وبعد أن يُفرغ أيّوب ما في قلبه ، يحضر الرب عبر الخليقة ويكلّم عبده فيُفهمه أنّ قدرة الله عجيبة وأنّ السجود الصامت هو الجواب لعمل الله في الكون وفي حياة الإنسان. دوّن هذا السفر بعد الجلاء ، فجاء بشكل مثل يصوّر عبر شخص أيّوب حالة الشعب الذاهب إلى المنفى المتسائل عن عدالة الله وصدق مواعيده. أمّا الجواب: إنّي عالم بأنّ فاديَّ حيّ وأنّه سيقوم فتكون له الكلمة الأخيرة ، ولو نُزع جلدي عن لحمي فسوف أعاين الله.

ثالثًا: سفر الجامعة
إنطلق كاتبه من اختبار ملوكي عاشه سليمان (1: 1 ي) أو ملك غيره ، فدوَّنه في زمن ما بعد الجلاء. رأى أنّ كل محاولات الإنسان وأتعابه ليتخلّص من وضعه البشري تبوء بالفشل مهما كان مستوى سعادته... فبعد السرور والعزّة يبقى في الفم طعم المرارة: باطل الأباطيل وكل شيء تحت الشمس باطل ولا فائدة منه.
رابعًا: سفر نشيد الأناشيد
هو قصيدة شعرية طويلة تصوّر في مثل من الأمثال حب الله لشعبه. إنطق الشاعر من رباط العريس بعروسه ، ومن علاقة الله بشعبه ، علاقة زواجية كما رسمها الأنبياء ، فبيّن لنا أنّ كل حب على الأرض ينبع من قلب الله.
أسفار اربعة تحدّثنا فيما تحدّثنا عن الموت والحياة ، والشر والألم والسعادة ، والحب الذي هو أقوى من الموت.

3- الكتب الحكمية الثانية
أوّلاً: سفر الحكمة
دَوّن سفر الحكمة حوالي السنة 50 ق م في الاسكندرية شاعر ومعلّم روحي تشرّب الأسفار المقدّسة في ترجمتها اليونانية ، فجاء كتابه تنبيهًا إلى شعبه لكي لا يتركوا إيمانهم مهما قست الاضطهادات وقويت التجارب ، ونداء إلى الوثنيين ليقتننعوا بهذه الديانة التي تظهر فيها حكمة الله منذ بداية الخلق إلى الآن.
يطرح هذا السفر مسألة مَصير الإنسان والموت والحياة الأخرى. يقول: النفوس خالدة، وسيكون لنفوس الأشرار العقاب الذي يستحقون ، ولنفوس الأبرار النور والسعادة التي ينتظرون. أجل ، إن نفوس الصدّيقين هي بيد الله وهو يحميها فلا يمسّها عذاب.

ثانيًا: سفر باروك
وصلنا باللغة اليونانية مدوّنًا بشكله النهائي في القرن الثاني ق م. يحتوي صلاة توبة (1: 15- 8:3) وكلامًا يشجّع فيه مدينة أورشليم ويعزّيها (4: 5- 5: 9). وبين هذين القسمين يتضمّن تأمّلاً في الحكمة يقول فيه: إذا كان الشعب قد ضلّ وتاه فوصلت به طريقه إلى الموت ، فهذا عائد إلى أنّه ترك ينبوع الحكمة. الحكمة هي كتاب وصايا الله . من تمسّك بها فله الحياة ، ومن أهملها يموت.

ثالثًا: سفر يشوع بن سيراخ
دوّنه كاتب من أشراف أورشليم تشرّب حب الشريعة منذ صباه. أراد أن ينقل إلى الشبيبة ثمرة تأمّله واختباره ، فجمع حوله تلاميذ يعلّمهم ما تعلّم خلال أسفاره وما اكتشف في مطالعته للأسفار المقدّسة الموجودة في شريعة موسى (أو التوراة، أي: تك، خر، لا، عد، تث)، وفي الأنبياء (السابقين، أي: يش، قض، 1 و 2 صم، 1 و 2 مل، واللاحقين، أي: اش، إر، حز، والأنبياء الصغار الاثنا عشر). وفي سائر الكتب (أي: مز، أي، أم، جا، نش،...).
دوّن هذا السفر في القرن الثاني ق م يوم أخذت الثقافة اليونانية تنتشر حتى في الأوساط اليهودية حاملة معها مزيجًا أدبيًا ودينيًا لا بدّ أن يؤثّر في إيمان شعب الله ويهدّد وجوده. دوّن ابن سيراخ كتابه فدافع فيه عن تراث اليهود الديني والثقافي ، وبيّن لأبناء شعبه أنّ الشريعة الموحاة هي الحكمة الحقيقية التي لا تقل أهمية عن فكر اليونان وثقافتهم. دوّنه بشكل كتاب حكمي تأثّر بسفر أيّوب وسفر الأمثال ، فجمع بين الحكمة والشريعة وألّف بين الحكيم المتعلّم والبار الخاضع لشريعة الله.

ج- حكمة الملوك والحكّام
بدت لنا الحكمة تأمّلاً في الكون وتفكيرًا في وجود الإنسان ، بدت لنا فلسفة تتطرّق إلى كل مجالات الحياة ، دوّنها أشخاص كبار أرادوا أن يتركوا لأولادهم نصائح وإرشادات تساعدهم على النجاح في الحياة وعلى تجنّب الصعوبات التي تعترضهم ، فتجري حياتهم بوداعة ويتمتعون بسعادة مبنيّة على السلام والعدالة.
وإذا كان الفرد يحتاج إلى الحكمة ليدبّر أموره ، فكم بالأحرى الملك الذي يدبّر أموره وأمور شعبه. وهذا يعني ان الملك يحتاج إلى الكثير من الحكمة ، أن يكون قريبًا من حكمة الآلهة ليحلّ النظام في ملكه والعدل بين رعاياه. لأجل هذا يحيط نفسه بالمستشارين الذين أمّوا مدارس ذلك الزمان ، ليساعدوه على رسم المخططات وتنفيذ المشاريع الضرورية في البلاد.
هؤلاء المستشارون لهم دورهم ، وكلامهم شبيه بقول الآلهة (رج تك 41: 38- 39 وما قاله فرعون ليوسف). بيدهم العلم ورأيهم لا يُردّ. إن حافظوا على العدل والحقّ وطّدوا أسس المملكة ، وإن سعوا إلى إرضاء الحاكم على حساب شريعة الله وحقّ الأفراد وعملوا للتسلّط على الشعب ، قوّضوا هذه الأسس وقادوا البلاد إلى الدمار.

1- الملك في الشرق القديم
كان الشرق القديم يعتبر الملك مختار الإله ، اصطفاه ليساعد الناس على تحمّل الحياة والصبر عليها. ولكي يحكم الملك بحسب شرائع الآلهة يحتاج إلى حكمة الآلهة وعلمهم ومعرفتهم ، لأنّه وكيلهم على البشر.
ففي مصر، فرعون هو ابن الإله أمون رع الحاكم على أرض مصر بشكل شمس تدور فوق الأرض معبّرة عن قوّة الإله وعطفه على شعبه. يحكم الملك بمعاونة الموظفين والمستشارين الذين اشتهروا في مصر وخارجها ، ونذكر منهم امحتوتيف الذي بنى أوّل هرم في مصر حوالي سنة 2700 ق م ، وفتاحوتيف الذي سجّل حكمة حكمائها حوالي سنة 2300 ق م. ولقد حفظ سفر التكوين شيئًا من هذه الحكمة التي تفوّق عليها يوسف لا بعلمه ، بل بعلم الله ، وهو العائش في مخافة الله (تك 16:41).
وفي بلاد الرافدين ، النظام الملكي هو هدية السماء إلى الأرض. فالملك هو رسول الآلهة على الأرض ، يوفّر باسمهم السعادة لعبيده ويحميهم من ظلم الظالمين. كان داريوس قد حفر على قبره: "جعلت كل إنسان مكانه ، فخاف الجميع من قضائي بحيث لم يعد القوي يقتل الضعيف أو يسيء إليه ". فإذا كان الملك وكيل الآلهة ، فهو يشاركهم في حكتهم ويكون عارفًا ملمًّا بكل شيء ، قويمًا يبغض الكذّاب ويحب الحق ويمارس العدالة. الملك بحسب جلجامش هو الذي رأى كل شيء وعرف أعماق البحار، وعلم كل شيء وتفحّص الأسرار.
وإذا تحدّثنا عن الملوك في فينيقية وأوغاريت وبلاد الحثيين وصلنا إلى النتيجة ذاتها: الملك يحمل سلطة الله على الأرض ، يدير الأمور باسم الآلهة فيشاركهم في الحكمة والمعرفة ليُحلّ على الأرض العدالة ويكون أبًا للأيتام وسندًا للأرامل وعمادًا للمساكين.
ولمّا أخذ بنو إسرائيل بالنظام الملكي ، لاسيّمَا في زمن داود الذي احتلّ مدينة أورشليم وجعلها عاصمة مملكته ، حافظ الملك على الكتّاب الذين كانوا في البلاد وقد مرّوا في مدارس مصر. وكما كانت شعوب الشرق تعتبر الملك متمتّعًا بحكة الآلهة ، سيعتبر شعب إسرائيل أنّ حكمة الرب تحلّ على الملك وتمتدّ إلى كل الساكنين معه (1 مل 8:10).

2- الملك في شعب إسرائيل
نقرأ نصوصاً تذكر داود وسليمان وتتحدّث عن حكمة الملك التي هي مشاركة في حكمة الله. النص الأوّل نقرأه في 2 صم 14: 1 ي. ثار أبشالوم على والده الملك داود ، فأراد يوآب قائد الجيش أن يهيّئ رجوع الابن إلى البيت الوالدي فأرسل من يطب له العفو ، امرأة حكيمة ، فعبّرت بكلماتها عن حاجة الشعب إلى ملك يقوده. قالت: نحن نموت وقد صرنا كالماء المراق على الأرض الذي لا يجمع... سيّدي الملك هو كملاك الله يفهم الخير والشر، والله معه ليميّز بينهما. فعرف داود أنّ يوآب هو الذي أرسلها. حينئذ قالت للملك: إنّ سيدي حكيم ، وحكمته كحكمة ملاك الله ، وهو يعرف كل شيء على الأرض. 
النص الثاني نقرأه في 1 مل 3: 4- 5 وهو يحدّثنا عن سليمان الذي طلب الحكمة فحصل عليها. قال الله لسليمان: "أطلب ما تشاء وأنا أعطيك ". فتذكّر سليمان أفضال الله عليه وعلى داود والده ، وعرف أنّه سار باستقامة وصدق لأنّ الله كان أمينًا لمواعيده لداود أبيه. وبرزت أمانة الله هذه بصورة خاصة حين ساعد سليمان على اعتلاء العرش. ولكنّ سليمان أقرَّ في نفسه أنّه ضعيف عاجز، وأنّه لم يزل فتى تنقصه حكمة الشيوخ ودربتهم ، وأنّه لا يملك العلم والفهم الضروريّين ليسود هذا الشعب الكثير الذي هو شعب الله وخاصته. فإن أعطى الرب مليكه الحكمة والمعرفة ، استطاع أن يقوم بعمل محفوظ للشيوخ وهو أن يحكم الشعب ويقضي فيه. والحكمة التي طلبها سليمان هي ة قلب يسمع فيحكم بين أفراد الشعب ويميّز بين الخير والشر. بمثل هذه الموهبة يستطيع سليمان أن يكون الملك العادل (رج 1 مل 16:3 ي وكيف قضى للأم الحقيقية بالإنصاف) الذي يتولّى أمر شعبه ، الملك الحكيم الذي يبني هيكلاً لربه ويوفّر السعادة لشعبه فتصل شهرته إلى أقاصي الأرض. 
يقول الكتاب عن سليمان: "سمع جميع بني إسرائيل بقضاء الملك ، فخافوا الملك لأنّهم رأوا حكمة الله فيه " (1 مل 28:3). أمّا الملك الآتي باسم الرب ليجعل "الله معنا "، فهو يعرف أن يرذل الشر ويختار الخير (أش 7: 16). روح الرب عليه فيقضي بالحق ، لا بمَا تراه عيناه وتسمعه أذناه. هو يرى العظماء ، ويسمع كلامهم ، ولكنّه يرى أيضاً شقاء الشعب ويستطيع أن يسمع ظلامته: يعطي المسكين حقه ، ويقضي للبائسين بالإنصاف ، ويضرب المنافقين بكلمته فتفعل فيهم فعل العصا (أش 11: 1 ي).

3- صارت حكمة الملوك جهلاً
حدّثنا أشعيا عن الملك المثالي وهو القريب من الحكم والحاكم ، ولكنّ إرميا (23: 1 ي) سينطلق من واقع الشعب الذي يبدو كقطيع لا راعي له. لم يكن الملك ذلك الراعي الذي انتظره الرب ، ولهذا سيتدخّل الرب فيقيم راعيًا جديدًا يرعى قطيعه فلا يخافون من بعد ولا يفزعون.
هذا الراعي سيكون على مثال داود ملكًا حكيمًا يُجري الحكم والعدل في الأرض ، فيعيش الشعب في أمان. أمّا المشيرون الذين جعلهم الملوك قربه ، فعملوا على إرضاء الملوك (أم 14: 35؛ 20: 1) لا على إرضاء الله. ونسوا واجب تنبيه الملك إلى حاجات الرعية فاستحقّوا العقاب القاسي: يجعلون الشر خيرًا ، والخير شراً ، والمرّ حلوًا ، والحلو مرًّا. هم حكماء بنظرهم. يجرّون الإثم بحبال الباطل... هؤلاء الحكماء سيكون مصيرهم كالقش يأكله لهيب النار وكالحشيش الملتهب يأكله النخر (أش 17:5 ي).
لا، ليس الملك في شعب إسرائيل كما في سائر الشعوب (1 صم 8: 5). هو إنسان كسائر الناس ، وحكمته ترتبط بمخافة الرب وّالخضوع لوصاياه. إن كان قريبًا من الرب رافقته حكمة الرب ، وإلاّ زالت عنه. أليس هذا ما حل بسليمان يوم أحبّ نساء غريبات ، ويوم سار على خطى المصريين والعمونيين والصيدونيين والحثيين ، فخانته الحكمة وانقسمت مملكته بعد موته لأنّ الله قضى بذلك (1 مل 11: 1، 29- 32)؟
في هذا الإطار نقرأ ما يقوله المؤرّخ الاشتراعي: "متى حلّ الملك على عرش ملكه ، فليكتب له نسخة من هذه الشريعة... ولتكن عنده يقرأ فيها كل أيّام حياته ، ليتعلّم كيف يخاف الرب إلهه ، ويحفظ كلام هذه الشريعة ويعمل بها... لئلا يحيد عن الوصية يمينًا أو شمالاً" (تث 18:17-20). أمّا إرميا فسيجابه الحكماء في بلاد يهوذا وينتقد حكتهم فيظهر عيبها. يقول: "تقولون: نحن حكماء ، وشريعة الرب معنا. كيف تجرؤون على هذا القول وقلم الكتبة الكاذب حوّل الشريعة إلى الكذب: رذل الحكماء كلمة الرب ، فماذا فيهم من الحكمة" (إر 8:8- 9)؟ أجل ، الحكمة الحقة هي في مخافة الله ، والحكيم هو من كُتبت شريعة الرب في ضميره وجُعلت في قلبه (إر 31: 33).

د- ما نفع الحكمة أمام الألم
في إحدى الكتابات السومرية نقرأ هذه العبارة حفرها على الصخر رجل حلّت به المحنة:أي شر عملت ليصيبني هذا الشر؟ وهذه العبارة سمعنا مثلها على لسان أيّوب: "سئمت نفسي حياتي، أطلت شكواي وأتكلّم بمرارة" (10: 1). ونقرأ في المزامير: "إلهي إلهي لماذا ابتعدت عنّي وامتنعت عن نجدتي وسماع أنيني؟ إلهي ، في النهار أشكو فلا تعين ، وفي الليل لا تحرّك ساكنًا" (22: 2- 3). وفي سفر الجامعة: "كرهت الحياة لأنّ ما يُعمل تحت الشمس سيّء في نظري ، فهو كلّه باطل وقبض ريح " (3:2). مشكلة الألم هي هي في كل زمان ومكان ، وهي تولّد الحزن واليأس ، فكيف جابهها الحكماء؟

1- الألم في عالم الشرق
قال السومريون العائشون في بلاد الرافدين ، إنّ مصائب الإنسان هي نتيجة خطاياه وأفعاله السيئة ، وإنّ الإنسان لا يمكن أن يعتبر نفسه بريئًا من الذنوب ، فماذا يعجب إنْ تعذّب وتألّم؟ أمّا الوسيلة للتخلّص من الخطيئة والمصائب ، فتمجيد أحد الآلهة علّه يتوسّل إلى مجمع الآلهة فتتحوّل آلام الإنسان أفراحًا وتحلّ قربه قوى الخير محلّ قوى الشر. وإذا لم تتمّ النجاة له ، فما له إلاِّ أن يُصعد الزفرات فيقول: يشرق النهار ضياء على الأرض ، أمّا أنا فالنهار سواد لي بعد أن أقام الحزن واليأس والدمع في أعماقي. إرفع رأسي يا إلهي وخالقي: إلى متى تهملني وتتركني بغير سند ولا عون؟
وقال البابليون: إنّ الشقاء يضرب البار والأثيم على السواء فلا يفرّق بينهما ، وإنّ الإله مردوك غائب في سمائه لا تهمّه أحوال البشر. لهذا اهتمّ الإنسان بأن يجعل حياته تطول، والحياة عطيّة الآلهة ، وِأن يتجنّب الموت لأنّه يضع حدًّا لسعادته. يحاول الإنسان أن يهِرب من الموت ، ولكن عبثاً ، وأن ينجو من الألم والمصائب ، ولكنّه سيقرّ عاجلاً أم آجلاً أنّه إنسان ضعيف رفيقه الألم والمصائب ونهايته الموت.
وبدأ المصريون يقولون: إنّ مصير البار بعد الموت يبشّر بخير عميم ، وإنّ البار يُجازى خبرًا والشرير شرًا. ولكن جاء من يعارض هذا القول الذي يعتبر أنّ الخلود هو نتيجة احتفال مهيب عند الموت. فإذا كان الأمر كذلك ، فهذا يعني أنّ الغني يميّز عن الفقير، فلا يبقى للفقير إلاّ أن يفع حدًا لأيّامه بالانتحار، متحدّيًا ظروف الحياة وأحكامها. لا حاجة إلى القول إنّ مثل هذه الأفكار هي هي لم تتبدّل في عالمنا الحاضر: بعض الناس يثور على الحياة ، وبعضهم الآخر يتقبّلها مستسلمًا خاضعًا. ولكن ما يكون جواب المؤمن؟

2- مشكلة الألم في شعب إسرائيل
عرف شعب إسرائيل الألم في كل تاريخه ، ولكنّه اختبره بعمق يوم سقطت أورشليم (587 ق م) فرافق سقوطها الفظائعُ وأهوالُ الحرب. رأى صدقيا أبناء ه يقتلون أمامه قبل أن تفقأ عيناه، وشاهد الناس أورشليم مدمّرة ونخبة سكّانها يسيرون حفاة وعراة في قوافل طويلة إلى المنفى. لِمَ كلّ هذه المصائب والآلام؟ قال بعض الحكماء والأنبياء والكهنة: إنّ كل هذا وليد إرادة الله الغاضب على شعبه ، وقد استعمل جيش بابل كأداة في يده يؤدّب بها الخاطئين. نقرأ في سفر المراثي: "تعالوا يا عابري الطريق إلى هنا، فتأمّلوا وانظروا. لا وجع كالوجع الذي أصابني (أورشليم تتكلّم)، كالوجع الذي أحلّه بي الرب في يوم اشتداد غضبه. من العلاء أرسل نارًا إلى عظامي فسَرَت فيها. بسط شركًا لرجليّ فردّني إلى الوراء... جعلني في يد أعدائي... بنيّ هلكوا لأنّ العدوّ كان الأقوى" (1: 12 ي). 
المصائب تأتي من الرب وهي نصيب البار والخاطئ على السواء ، لأنّ الخطيئة حاضرة في المجتمع أكانت خطيئتنا نحن أم خطيئة آبائنا. قال قانون العهد في ذلك: "أنا إله غيور قوي، أعاقب ذنوب الآباء في البنين إلى الجيل الثالث والرابع " (خر 20: 5)، ولكنّ النبي حزقيال (18: 4) أعلن أنّ النفس التي تخطأ هي التي تموت. فنتج من هذا القول الثاني أنّ نجاح الإنسان على الأرض مرتبط بقداسته ، وأن فشله وأمراضه وليدة خطاياه. بعد هذا ، أحاط الناسُ الأغنياءَ والعظماء بضروب الإكرام ، واستهانوا بالمسكين والمريض والعاقر واليتيم والأرملة.
غير أنّ الاختبار اليومي جاء يعارض هذا المبدأ. فبعد أن رأى المؤمنون سعادة المنافقين ويسارهم ، وشقاء الأبرار وتعاستهم ، رأوا يربعام الثاني ومنسّى يتمتعان بالعمر الطويل والمُلك السعيد وينهيان حياتهما بالهدوء والطمأنينة ، بينما مات يوشيا شابًا على يد نكو، ملك مصر، مع أنّه "لم يكن ملك مثله أقبل إلى الرب بكل قلبه وكل نفسه كل قدرته، ولا قام بعده مثله " (2 مل 23: 25). وفي هذا المجال، قال صاحب المزامير: "قم يا الله وارفع ذراعك ولا تنسَ المساكين. لماذا يستهين الشرير بالله ويقول في قلبه: لا يحاسب " (10: 12-13)؟ وقال أيضاً: "كادت قدماي تزيغان، وخطواتي في سيرها تزل، حين رأيت الأشرار في سلام. فهم لا يشكون من الأوجاع، وأجسامهم سليمة سمينة لا يتعبون كسائر الناس، ولا تصل إليهم المصائب كالبشر. لذلك تقلّدوا الكبرياء ولبسوا لباس العنف وجحظت عيونهم من الشحم، وفاضت قلوبهم بالحماقة" (2:73- 6). وهكذا يقف المؤمن أمام مشكلة الشر فلا يجد لها جوابًا.

3- سفر أيّوب
وطرح أيّوب مسألة الألم الذي لا مبرر له، فعارض، وهو المؤمن الصريح، الموقف التقليدي البسيط الذي يجعل الأخيار يجازون خيرًا والأشرار شرًا. هو يشكو ربه إلى أصحابه، بل يشكو ربه إلى ربه، هذا الرب الذي يترقّب البشر ليمسكهم وهم متلبّسون بالذنب. رفض أيّوب أن يناقش أصحابه الذين يشكّون ببرّه وصلاحه، وجادل الله لأنّه اعتبر أن لا أحد سواه يمكنه أن يدلّ الإنسان على معنى الحياة والموت، ورأى فيه محاورًا يمكنه أن يكلّمه، أن يدعوه ويسأله.
في هذا الكتاب يتّهم أيوب حكمة أصدقائه، بل حكمة الله نفسها، لينقذ حكته من الوقوع في التفكّك والضياع. لم يكن سهلاً مع أصحابه فقال لهم: كثيرًا ما سمعت مثل هذا الكلام. أنتم بأجمعكم معزّون متعبون، وأنت (يا أليفاز) متى ينتهي كلامك الفارغ؟ وما الذي يغريك لمجاوبتي؟ لو كنتم مكاني وأنا مكانكم لاستطعت أن أخاطبكم كما تخاطبونني، للفّقت لكم أقوالاً، ولحركت رأسي شفقة عليكم وشجّعتكم بكلامي (أي 16: 2- 5). ولم يكن أيّوب سهلاً مع ربه يوم قال عنه: الله عنده الحكمة والجبروت، وله المشورة والفطنة: ما هدمه لا يُبنى، ومن أغلق عليه لا يُفتح له. يحبس المياه فتجف، أو يطلقها فتخرب الأرض... يجعل العظماء يمشون حفاة... يحل مناطق الملوك ويجعل مكانها القيود، يقطع لسان المتكلّمين ويسلب الشيوخ الحكمة (13:12 ي).
تساءل أيّوب عن قدرة الله وثار على حكمته، فأراد أصدقاؤه أن يدافعوا عن هذه الحكمة متوسّلين الفكر التقليدي القائل إنّ الأشرار سيعاقبون لا محالة، فاستنتجوا أنّ أيّوب رجل خاطئ لأنّ يد الله قد مسّته.
ولكنّ الرب هو إله، لا إنسان، لا ينظر إلى الأمور كما ينظر إليها الناس، ولا يتصرّف كما يتصرّف الناس. وها هو يدعو أيّوب إلى التأمل في العالم المخلوق، وإلى النظر إلى كل ما يربط الإنسان بالله ، علّه يكتشف نوايا الرب التي تتجاوز الإنسان والتي بدونها لا وجود لحياة على الأرض. أجل ، إنّ فعل الله يمتد أبعد مما يمكن الإنسان أن يدرك ، وحكمته تملك الفطنة والقدرة، وهي تنظّم الكون وترتّبه. وإنّ الأرض والمياه والسماء والبحر والليل والنهار وكل شيء يشهد لحكة إلهية يدرك الإنسان منها شيئًا وتفوته أشياء وأشياء. أمام هذا الكلام اعرف أيّوب بعظمة الله وأقّر بفضله الذي لا يُحدّ، وعرف أنّه يستطيع منذ اليوم أن يثق به ثقة كاملة. "كنت قد سمعت ما يقال عنك، أمّا الآن فقد رأتك عيناي " (أي 42: 5). بهذه الروح ينتهي سفر أيّوب: في الصمت والسجود والتسليم المطلق لإرادة الله . ترى هل فهم الشعب الذاهب إلى المنفى، وسفر أيّوب يتحدّث عنه، انّ الله لا يقهره الشر، وأنّ له الكلمة الأخيرة؟

4- البلوغ إلى حكمة الله
البلوغ إلى حكمة الله أمر صعب، إن لم يكن مستحيلاً. قال الكتاب: الحكمة أين توجد؟ لا وجود لها في أرض الأحياء: الغمر قال: ليست فيّ، والبحر قال: ليست عندي. من أين تأتي الحكمة؟ إنّها محجوبة عن عينَيْ كل حي ومتوارية عن طير السماء... ولكن الله وحده يبصر سبيلها وهو عالم بمكانها، لأنّه يبلغ بطرفه أقاصي الأرض، ويحيط بجميع ما تحت السماوات (أي 28: 12 ي). لو كان للإنسان أن يدرك الكون بنظرة واحدة! ولكنّه إنسان، وعليه أن ينظر إلى الأمور بعين الله ، وأن يقبل بحكمته المتجلّية في عناصر الخلق فيتعلّم أنّ "خشية الرب هي الحكمة واجتناب الشر هو الفطنة".
في هذا الخط عينه نقرأ أنّ الحكيم الذي كتب سفر الجامعة اهتمّ بحكمة البشر، ثمّ أدرك أنّها لا تصل إلى هدفها ولا تفيد شيئًا. فالإنسان لا يعرف ما ينتظره ولا ما تكون ثمرة أعماله. أمّا اليقين الوحيد الذي لا شك فيه فهو الموت الذي يصيب جميع البشر دون تمييز فيعيد كل شيء إلى ماكان عليه. قال: "لا جديد تحت الشمس. الريح تدور وتدور في مسارها وإلى مدارها تعود. الشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى مكانها حيث تشرق. الأنهار كلّها تجري إلى البحر والبحر لا يمتلئ ، كل شيء مملّ ، كل شيء باطل " (جا 1: 5 ي).
أجل لا جواب لمشكلة الألم ، ولن يكون جواب لمسألة الموت ما دمنا ملتصقين بالأرض لا ننظر إلى السماء. وعندما يأتي يسوع إلينا سنرى في صلبه وموته بداية الحل وفي قيامته وصعوده منتهى رجائنا وانتظارنا.

هـ-... وأمام الموت
يمكن الحكمة أن تشمل بنظرتها الكون ، يمكن الحكمة أن تساعد الحاكم على تدبير أمور الجماعة سنوات عديدة، يمكن الحكيم أن لا يعرف لفترة قصيرة المصائب والألم. ولكنّه في النهاية لا يستطيع أن ينجو من الموت الذي يطبع بطابع الفشل كل ما يخطّطه الإنسان في حياته. أمام الموت وقف حكماء الشرق ، وقف حكماء شعب الله.

1- حكماء الشرق
عاشت مصر عهدًا من النظام والعدالة فرأى الناس أنّ الحكمة هي التي تعطي الغنى والسلطة، وتُساعد الحاكم على الحصول على السعادة له ولشعبه. ولكن، لمّا عمّت الفوضى البلاد، إختبر الشعب أن لا حكمة تقف أمام قوى الشر، أمام الموت، وأنّ مصائب الإنسان الآتية هي عديدة، لا تترك له راحة ولا طمأنينة. ومع هذا عليه أن يعيش ويبقى على قيد الحياة رغم الظروف القاسية التي يمكنه أن يعيش فيها. فهناك أيّام حلوة يمكنه أن يتمتع بها، وهناك وسائل يمكنه أن يستفيد منها. لا يجب أن نتطلعّ إلى المستقبل أو نفكّر بالموت، ولا حاجة إلى تعب القلب، إلى يوم ينوح الناس عليك: "إجعل يومك سعيدًا. لقد ذهب الناس وما أخذوا معهم شيئًا، ذهبوا وما عاد منهم أحد". 
أمّا في بلاد الرافدين فالحديث عن الموت يبدو بشكل مجابهة بين مشيئة الآلهة الذين يحتفظون لنفوسهم بالخلود، ورغبة الإنسان في النجاة من الموت. نتوقف هنا على ملحمة جلجامش التي موضوعها: الآلهة خالدون فلماذا لا يكون الإنسان خالدًا؟ بطَلُ هذه الحكمة ملك حكيم وقوي ثلثه إنسان وثلثاه إله. ولكي لا ينسى أنّه إنسان جعل له الآلهة مزاحمًا في شخص "انكيدو".
ارتبط جلجامش وانكيدو برباط الصداقة والمحبة وتعاونا على صعوبات الحياة، ولكنّ انكيدو مات ففهم جلجامش أنّ الآلهة جعلوا للإنسان حدودًا. فحاول أن يبدّل مصيره باحثًا عن الخلود في الصحاري والأنهار وعالم الظلمات وأعماق البحار. فوجد شجرة الحياة ثمّ أضاعها، وأخيرًا أيقن أنّ الموت هو حصة الإنسان عندما قيل له: إلى أين تركض يا جلجامش؟ لن تجد الحياة التي تبحث عنها. فالآلهة عندما خلقوا البشر أعطوهم الموت واحتفظوا لذواتهم بالخلود. إنّ الحياة هي ملك الآلهة يعطونها لمن يشاؤون، والحكمة الحقة هي التي تجعل الإنسان يدرك أنّه مائت زائل.
ونقرأ في أوغاريت أناشيد عن الموت: ساعة ننظر إلى الشمس، نحن في الظلمة. كل الناس يرقدون قرب الإهة الموتى، لأنّهم مدعوون لأن يكونوا أبناءها. ونقرأ في أسطورة دانيل أنّ الإلاهة عناة قالت للبطل: سل الحياة فأعطيك، سل الخلود فأرسله إليك. فأجابها جوابًا حكيمًا ولم يسمح لها أن تضلله بوعودها الغرارة: لماذا تضلليني؟ أية آخرة يرجوها الإنسان، وأي مصير ينتظره؟ البشر يموتون وأنا أموت. هم مائتون وأنا مائت أيضاً.

2- العهد القديم أمام الموت
نجد في العهد القديم اعتبارات تقول إنّ الحياة البشرية زائلة عابرة. ففي المزمور 90 نقرأ: "تعيد الناس إلى الغبار وتقول لهم: عودوا يا بني آدم إلى الأرض التي أخذتم منها... الموت يجرف البشر كالسيل كحلم يعودون. كعشب ينبت ويزهر في الصباح وعند المساء يذبل وييبس. تضع يا رب حدًا لحياة البشر فتبدو كهنيهة من الليل ". وفي مز 103: 14 ي نقرأ: "الرب يعرف كيف جبلنا ويذكر أنّنا تراب. الإنسان كالعشب أيّامه وكزهر الحقل إزهاره. تعبر روح فلا يكون، ولا يعرف موضعه من بعد". أجل، الإنسان كعشب الأرض وكظلّ يعبر فلا يعود (أي 14: 2)، أو كنفحة ريح (مز 62: 10). ويقول مز 39: 6- 7: "جعلت أيّامي أشبارًا، وبقائي كلا شيء أمامك. فما الإنسان سوى نفخة ريح، وكالظل يروح ويجيء".
نقرأ المزمور 49 فنجد فيه أفكارًا وتعابير قريبة من تلك التي وجدناها في قصيدة جلجامش. فبعد مقدّمة حكمية (آ 2- 5) يدعو فيها المرتّل جميع الشعوب وأهل الدنيا ليصغوا إلى الأمثال والحكمة والكلام المبين، نسمعه يقول إنّ الموت لا يوفّر أحدًا: الحكماء يموتون، والحمقى والجهال أيضاً يبيدون تاركين ما عندهم للآخرين (آ 11). ولكنّ هناك أناسًا لا يريدون أن يُعملوا الفكر، فيرضون بحالهم ويُقنعون نفوسَهم بنفوسهم. ومع ذلك يُساقون كالغنم إلى القبور، ويكون الموت راعيهم. ينزلون توًا إلى القبر وصورتهم تصير إلى البلاء وتكون القبور مسكنًا لهم. إن اغتنى الإنسان أوكثرت حكمته فهو عند موته لا يأخذ معه شيئًا.
إنّ عظمة الإنسان لا تخلّده، وهو مائت كالبهائم. ويقرعّ المزمور 82 قضاة الأرض وحكّامها الذين يعتبرون نفوسهم آلهة بسبب حكمتهم فيقول لهم: مثل سائر البشر تموتون، ومثل أي عظيم تسقطون.

3- شجرة الحياة وشجرة المعرفة
نقرأ في سفر التكوين (ف 2- 3) ما دوّنه الكاتب اليهوهي عن العلاقة بين الحكمة والحياة والموت. إنطلق من الأفكار التي وجدناها في جلجامش، وأعاد صياغتها على ضوء إيمانه بالله الواحد، ومنها النظرة إلى أنّ الحياة الخالدة هي امتياز الألوهة، وإلى أنّ الإنسان لا يستطيع أن يستولي على المعرفة فيمتلكها. وبيّن الكتاب المقدّس أنّ مثل هذه المعرفة لا تؤول بالإنسان إلى ملء الحياة، بل إلى أتعس ما في الحياة. بعد أن "أكل " الإنسان من شجرة المعرفة عرف أنّه وامرأته عريانان، عرف أنّه سيأكل خبزه بعرق جبينه ليبقى على قيد الحياة، وعرفت المرأة أنّها ستلد بالأوجاع لتعطي الحياة. عرف الإنسان أنّه سيموت، أمّا الحياة السعيدة التي يعيشها في انسجام مع محيطه، التي لا خوف فيها ولا خجل، لا قلق ولا تعب، الحياة التي لا يسيء فيها الواحد إلى الآخر، فهي عطيّة من الله يتقبّلها الإنسان بالأمانة لوصايا الله وعرفان الجميل له.
أجل، إنّ الحكمة مبدأ حياة نشبّهها بينبوع ماء (أم 18: 4) أو شجرة حياة (أم 18:3)، وهي تبقى كذلك إن رافقتها مخافة الله. وهنا نفهم لماذا جعل الكاتب الملهم شجرة الحياة قرب شجرة معرفة الخير والشر (تك 2: 9)، قبل أن يجعل شجرة المعرفة (تك 17:2؛ 3:3 ؛ 5: 11- 17) تحلّ محلّ شجرة الحياة. فالإنسان لم يهتم بالحياة، بل بالوسيلة التي يحصل عليها: تكونون كآلهة، تعرفون الخير والشر، تمتلكون حياة، الحياة الخالدة (رج 1 مل 8:3 ي عن سليمان. رج حز 28: 2- 19 عن ملك صور الذي طمح قلبه فقال إنه إله).
حكمة الناس مخيّبة للآمال، لم تجعل الرجل والمرأة كآلهة، ولم توصلهما إلى الحياة، ولم تعطهما المعرفة والفهم، بل جعلتهما ينحطّان وينخفضان ويعود ان إلى التراب. هذا ما صار إليه الإنسان الذي أراد أن يجلس على عرش الله ، فوجد نفسه منعزلاً أمام ضعفه ووهنه وأمام صعوبات وضعه ككائن مائت. مثل هذا الشعور يقود إلى الحكمة الحقة لأنّه يفتح عيون الإنسان (تك 7:3) فيعرف أنّه عريان، مجرّد من كل شيء، معرّض للقلق والخطر. مثل هذه الحكمة تُفهمِ الإنسان أنّ محاولته ليصير إلهًا جهل وحماقة، وأنّ علم الإنسان وقدرته، وإن كان ملكَا، لا يشبَّهان بحكمة الله. أمّا التسلّط على القوى المعادية (ومنها الموت) فليس وليد معرفة من النوع السحري (صورة الحية، رج خر 3:4؛ 7: 9- 12). فالإنسان لا يستطيع أن يستعمل مخلوقات الله فيجعلها رمزًا للخلود وشبيهة بالله ، ولا يقدر أن يتّخذها وسيلة للاستيلاء على ما هو خاص بالله ، لأنّ الله أرفع من السماوات فكيف بالأرض وما عليها من خلائق!
بعد كل هذا تبدو حكمة الله قاعدة حياة نتقبّل بها ما يعطينا من مواهب وما يأمرنا به من وصايا. أمّا الحياة والموت فهما بيد الله ، وهو الذي نقل أخنوخ وإيليا إليه ، وهو الذي يفتدي نفوس أحبّائه من يد الجحيم (مز 49: 16)، فيهديها ويأخذها إلى المجد (مز 27:73) لتكون معه كل حين. في هذا الإطار، سيحدّثنا سفر دانيال (12: 2 ي) عن خلود الإنسان وسعادته بعد الموت ، ويقول سفر الحكمة إنّ "نفوس الصدّيقين هي بيد الله فلا يمسّها عذاب ". امتحنهم الله فوجدهم أهلاً له ، وهم في يوم الافتقاد يتلألأون ويملكون مع ربهم إلى الأبد (حك 3: 1 ي).

و- الحكمة صورة الله كلمته
لمّا دُمّرت أورشليم، ذاق الشعبُ الاختبارَ المرير: لم يُعد لهم مدينة ولا هيكل، لم يعد لهم كاهن ولا نبي ولا حكيم ولا رئيس، لأنّهم لم يأخذوا الحكمة الآتية من عند الرب. ثمّ إنّ الحكمة كانت وقفًا على الملوك والعظماء دون سائر الشعب الذين صاروا بفعل الجلاء قطيعًا لا راعي له. فإذا أرادوا أن يعودوا إلى أرض الرب، عليهم أن يأخذوا بحبال الحكمة صغارًا وكبارًا، أغنياء وفقراء، ويقبلوا كلّهم تأديب الرب. فالحكة تصرخ في الشوارع والساحات داعية جميع العابرين إلى مائدتها لتطعمهم كلام الله وتسقيهم وصاياه وتشربهم مخافته.
ولكنّ الإنسان شرّير في أعماق قلبه، ينقض اليوم عهدًا قطعه بالأمس، ويترك ربه تابعًا آلهة أخرى، ويأخذ بحكمة تعده بأن يصير إلهًا يعرف الخير والشر (ويقرر ما هو خير وما هو شر)، إلهًا يحصل على شجرة الحياة (فيكون له الخلود) فلا يعود يموت من بعد. بمثل هذه الروح حاول الإنسان أن يبلغ إلى الحكمة فبقي بعيدًا عنها، فكانت النتيجة نكبة أورشليم التي جعلت مخطط الله يبدو وكأنّه قد فشل.
من أجل هذا جعل الرب الحكمة قريبة من الإنسان ، فما عادت صفة يهبها له بل صورة الله قرب الإنسان. في هذه الحالة ستتخذ الحكمة "جسدًا " فتصبح شخصاً يحدّث الإنسان وينبّهه ويؤدّبه، وتكون الوسيط بين الله والإنسان، تأتي من الله لأنّها تخرج من فمه وتصل إلى الإنسان فتنقل إليه شيئًا من الله. ليست الحكمة الله ، وهي مخلوقة، ولكنّها صورة الله مجسّمة، وكلمة الله حاضرة كشخص (مثل الأنبياء) يكلّم الإنسان ويدعوه إلى التخلّي عن الشر والتمسّك بمخافة الله لتكون له بها الحياة.
كل هذا نقرأه في القسم الأوّل من سفر الأمثال ، وفي يشوع بن سيراخ ، وحكمة سليمان.

1- الحكمة في سفر الأمثال
"إسمع الحكة تنادي جهارًا وترفع صوتها، من على رؤوس القمم، وفي الدروب ومفارق الطرقات، وبجانب الأبواب عند مداخل المدينة، وفي النوافذ ها هي تصيح: أنا أناديكم، أيها الناس وأقول لكم، يا بني آدم " (أم 8: 1- 4). أجل، هي الحكمة تتحدّث إلى الناس كما يتحدّث إليهم نبي من الأنبياء فتُوصل إليهم كلمة الله ، كلمة المعرفة والمشورة والحكمة والعقل وحسن التدبير (رج أم 8: 5- 11). ثمّ تقدّم نفسها كمشيرة للملوك والرؤساء والحكام فتقول: "أنا الحكمة أسكن مع رجاحة العقل والمعرفة وحسن التدبير، بي الملوك يملكون والحكام يحكون بالعدل " (أم 8: 12- 21).
ولكنّ الحكمة أكثر من مشيرة ومؤدّبة، فهي شخص حاضر قرب الله الذي خلقها أوّل ما خلق وصنعها من البدء، وقبل أن كانت الأرض. وهكذا صارت علاقة الحكمة بالله كعلاقة الابن بأبيه إذا قربّنا كلمة "قنا" العبرانية من اللغة الأوغاريتية (قنا تعني ولد، أنجب)، أو كعلاقة الزوج بزوجته إذا عنى فعل "قنا" اتخذه لنفسه فلزمه، أو علاقة المخلوق بخالقه إذا عنى فعل "قنا" خلق. ومهما يكن من أمر، فالعلاقة وثيقة بين الله والحكمة التي ترجع إلى الله وتعمل عمل الله في البشر. إنها تشبه كلمة الله النازلة على البشر، كالمطر لا تعود إليه إلاّ بعد أن تتمّم مشيئته (أش 55: 10- 11).
الحكمة حاضرة قرب الله منذ البدء وهي رفيقته عندما يخلق الكون ويصوّر الجبال ويجعل المياه في الينابيع ويُرسي أساسات الأرض. لم يقل الكتاب إنّ الله خلق بحكمته كما خلق بكلمته (تك 1: 1 ي)، ولكنّه قال إنّ حكمة الله تحفظ هذا النظام العجيب منذ القدم فلا يتغيّر. وكما أنّ كلمة الله هي الوسيط بين الله والكون ، كذلك حكمته هي الوسيط بين الله والكون بما فيه الإنسان. هي الساكنة في العلاء ونعيمها أن تكون مع بني البشر (أم 31:8).
بعد ذلك تدعو الحكمة الناس إلى التمسّك بها على مثال تمسّكهم بالله : "هنيئًا لمن يستمع إليّ ساهرًا عند بابي كل يوم، ناطرًا بجانب مدخل داري. من وجدني وجد الحياة ونال رضى من الرب، ومن أخطأني أضرّ بنفسه، ومن أبغضني أحبّ الموت " (أم 8: 32- 36). مع الحكمة، مع الرب، الحياة والخير والسعادة، وبعيدًا عن الحكمة، بعيدًا عن الرب، الموت والشر والشقاء. هذا ما قاله سفر التثنية: "إن أحببت الرب وسرت في طريقه وحفظت وصاياه نلت الحياة، وإن زاغ قلبك ولم تسمع للرب وملت بنظرك عنه يكون لك الهلاك " (30: 15 ي).

2- يشوع بن سيراخ
إلى الحياة تدعو الحكمة الناس، إلى وليمة يأكلون فيها من طعامها ويشربون الخمر التي مزجته لهم. أمّا طعامها فكلام الله ، والإنسان لا يحيا بالخبز وحده ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (تث 3:8). بعد الجلاء ، بعد أن أحسّ الشعب ببُعد كلمة الله عنهم، أحسّوا بجوع لا إلى الخبز، وبعطش لا إلى الماء ، بل بجوع وعطش إلى سماع كلمة الله (عا 8: 11)، فجاء كلام أشعيا يقول لهم: "يا جميع العطاش هلمّوا إلى المياه ، يا من لا فضة لهم هلمّوا واكسروا الخبز وكلوا، واكسروا الخبز بغير فضة، وخذوا الخمر واللبن بلا ثمن. إذا سمعتم لي تأكلون الطيّب وتتلذّذ نفوسكم بالدسم. أميلوا مسامعكم اليّ، ادعوا فتحيوا" (55: 1 -3).
وما ورد في سفر يشوع بن سيراخ هو امتداد لما قرأناه في سفر الأمثال: "لإنّي خرجت من فم العلي، وكسوت الأرض كالسحاب، جعلت خبائي في الأعالي وعرشي في عمود الغمام، أنا وحدي جلت في دائرة السماء، وسلكت في عمق الغمار، ومشيت على أمواج البحر" (سي 24: 1- 5). الحكمة تشبه كلمة الله. فهي لا تخلق، ولكنّها تعطي الخصب والحياة كالسحاب والندى (سي 43: 22). مسكنها في الأعالي مع الله وهي تسود على المخلوقات، وتسكن خاصة في أرض يعقوب، في ميراث بني إسرائيل. خُلقت منذ البدء، وإلى الدهر لا تزول. جعلت مقرّها في المدينة المحبوبة، في أورشليم، ومن هناك امتدّت أغصانها كالأرز في لبنان، كالسرو في حرمون، كالنخل وغراس الورد في أريحا. 
وهكذا، وبعد أن جعلت الحكمة سلطانها في أورشليم، أولمت وليمتها ودعت إليها جميع الناس: "تعالوا، أيّها الراغبون فيّ، واشبعوا من ثماري. ذكري أحلى من العسل، وميراثي ألذ من شهد العسل. من أكلني عاد إليّ جائعًا، ومن شربني عاد ظامئًا. من سمع لي فلا يخزى، ومن عمل بإرشادي فلا يخطأ" (سي 19:24- 22).
هذه هي الحكمة التي يحدّثنا عنها يشوعِ بن سيراخ وهي تتجسّد في كتاب الله العلي والشريعة (التوراة) التي جعلها موسى ميراثا لآل يعقوب (22:24؛ رج تث 33: 4). هذه الحكمة هي ملخّص الوحي الآتي من الله والمعطى لشعبه (با 32: 4 ي)، وقد انطقت من هيكل أورشليم، موضع حضور الله وسط شعبه، فانتشرت في كل الأرض المقدّسة.

3- سفر الحكمة
يحدّثنا هذا السفر الذي كُتب على عتبة العهد المسيحي ، عن الحكمة على طريقة اليونان، فيرسل مديحًا للحكمة التي تبدو شخصاً يتّحد به سليمان كما يتّحد العريس بعروسه. نقرأ في الفصول7- 9 عن سليمان الذي هو إنسان مائت كسائر الناس ، والذي لم تُعطَ له الحكمة بالولادة (7: ا- 6). غير أنّه عرف قيمتها ففضّلها على الصولجان والعرش، وطلبها لأنّها أصل كل خير على الأرض (78:7- 12) فأعطاه الرب إيّاها وأعطاه معها سائر الخيرات، لأن من جاءته الحكمة جاءه معها كل خير (13:7- 21). للحكمة مزايا عديدة: تأتي من الله وتدبّر العالم وتنشئ لله أحبّاء وقدّيسين ، والله لا يحبّ إلاّ من يصادقها (7: 22 ي). عرف سليمان ما هي الحكمة فاتّخذها له عروسًا (2:8- 9) وصار بفضلها ملكًا عظيمًا (8: 10- 16). حينئذ صلّى إلى الرب وقال: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ، ولا ترذلني من عداد بنيك ، فإنّي أنا إنسان ضعيف حياته قصيرة وفهمه ناقص ، وليس في البشر إنسان كامل، وإن لم تكن معه الحكمة التي منك فهو لا يحسب شيئًا" (4:9-6).

خاتمة
انتقلت الحكمة من العهد القديم إلى العهد الجديد، فبدا يسوع ذلك المعلّم الذي يحدّث الناس على طريقة الحكماء بالأمثال فيعتبر الناس كلامه كلام الحكمة ويتعجّبون ويتساءلون: من أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات؟ أما هو ابن النجّار (مت 13: 54)؟ وبدا يسوع ذلك الحكيم الذي يتفوّق على سليمان بحكمة ينقلها إلى تلاميذه. يقول متى: "وقال له بعض معلمي الشريعة والفريّسيين: يا معلّم ، نريد أن نرى منك آية. فأجابهم: جيل شرير فاسق... ملكة الجنوب ستقوم يوم الحساب مع هذا الجيل وتحكم عليه ، لأنّها جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وهنا الآن أعظم من سليمان " (38:12 – 42؛ رج لو 11: 29- 32). ويقول لوقا بلسان يسوع محدّثًا تلاميذه: لا تهتمّوا كيف تدافعون عن أنفسكم ، لأنّي سأعطيكم من الكلام والحكمة ما يعجز جميع خصومكم عن ردّه أو نقضه (21: 14- 15). مع يسوع انتقلت الحكمة من الحكماء والفهماء وأعطيت للبسطاء والأطفال (مت 25:11؛ لو 21:10)
أمّا العلاقة بين الحكمة ويسوع المسيح فيلمّح إليها القدّيس بولس في رسالته إلى أهل كولسي (1: 15- 20): الحكمة صورة جودة الله (حك 7: 26) ويسوع صورة الله الذي لا يُرى. الحكمة هي منذ البدء وقد مُسحت في البداية وقبل أن كانت الأرض (أم 8: 24 - 26 ؛ سي 9:24 ؛ حك 9:9)، والمسيح كان قبل كل شيء. الحكمة هي وسيط الخلق (ام 8: 3؛ حك 7: 21؛ 9: 1- 2)، وفي المسيح تكوَّن كل شيء. أجل إنّ الحكمة ترمز إلى المسيح وقد قال القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى الكورنثيين: "فالمسيح أرسلني لا لأعمّد ، بل لأعلن البشارة غير متّكل على حكمة الكلام لئلاّ يبطل صليب المسيح... فالكتاب يقول: سأمحو حكمة الحكماء... أما جعل الله حكمة العالم حماقة؟... تذكّروا أيّها الإخوة كيف كنتم حين دعاكم الله، فما كان فيكم كثير من الحكماء بحكة البشر... وأمّا أنتم فاختاركم الله في المسيح يسوع الذي صار لنا من قبل الله حكمة وبرًّا وقداسة" (17:1 ي).
تكلّم الله فتجسّدت كلمته في يسوع المسيح الذي هو الكلمة ، ومنح حكمته فتجسّدت في يسوع المسيح الذي صار لنا الحكمة التي حملت الخلاص إلى المؤمنين بحماقة البشارة.
الفصل الثالث
سفر أيّوب

المقدّمة
اعترف العالم اليهودي والمسيحي، بل اعترف العالم كلّه بسفر أيّوب إنّه من أعظم النصوص الروحية التي عرفتها البشرية بفكره اللاهوتي وقربه من مشاكل الإنسان العميقة. فهذا السفر يشكّل نقطة يلتقي فيها تأثير الأنبياء والمزامير والتساؤلات الجديدة التي طرحها عالم الحكمة في الحقبة التي ما بعد المنفى.
وإنّ مصير أيّوب الفريد والحوارات المُتعدّدة التي تفسّرها، تطرح على بساط البحث إيمان ورجاء إنسان بارّ يُصارع ألمًا لم يستحقّه. هي مشكلة خاصّة، ولكنّنا لا نعتّم أن نُدرك سريعًا بُعدها الشامل. وهكذا لن تستطيع أن تقرأ سفر أيّوب قراءة صادقة دون أن تتأثّر به لأنّه يفتح لك الباب أمام المسائل الكبرى التي تواجه المؤمن: الشرّ والألم، لا كمشاكل عقلية نطرحها ونفلسفها، بل كسرّ نغوص فيه. اللقاء مع الرب حتّى في فشل كل محاولة بشرية. العلاقة بين أمانة الإنسان وبرّ الله الخلاصي وعدالته. صعوبة الحوار مع إنسان يتألّم. معنى الحياة التي لا تستطيع أن تتحرّر من النظر إلى الموت.
إذا حلّلنا هذا الكتاب تحليلاً أدبيًا اكتشفنا فيه المجموعات التالية:
مقدّمة نثرية (ف 1- 2).
مونولوج أوّل يطقه أيّوب (ف 3).
سلسلة الحوارات بين أيّوب وزوّار ثلاثة: اليفاز، بلدد، صوفر (ف 4- 27). 
نشيد عن الحكمة البعيدة عنّا (ف 28).
مونولوج ثانٍ يطقه أيّوب (ف 29- 31).
خطب زائر رابع هو اليهو (ف 32- 37).
كلام الرب وجواب أيّوب (38: 1- 42: 6).
خاتمة نثرية (7:42-17).

أ- مراحل التأليف
سفر أيّوب هو ثمرة تاريخ أدبي طويل نستطيع أن نكتشف فيه أربع مراحل:

1- الخبر الشعبي الأولاني
نستطيع أن نعيد تركيب الخبر الذي هو أساس الكتاب كلّه، فنجمع المقدّمة إلى الخاتمة، وكلتاهما كُتبتا نثرًا. وإذا دقّقنا في أسماء الأشخاص والأماكن، أدركنا أنّ الخبر وُلد في أدوم أو في حوران. نحن نلتقي باسم البطل (أيّوب) منذ الألف الثاني ق م في الشرق الأوسط القديم وبأشكال متنوّعة: أيابوم، أيا أب، أ يا بى، هي أبن... وهناك إشارات عديدة تحيلنا إلى إطار عتيق: أيّوب نصفه بدو ونصفه حضر فالسبأيون والكلدانيون يعيشون من السلب في الصحراء السورية العربية. أمّا فكرة بلاط سماوي ورموز الأعداد فنجد ما يقابلها في عالم أوغاريت في القرن 14. ولكنّنا لا نستطيع أن نرجع إلى أبعد من سنة 1200 ق م وهو التاريخ المعقول لتدجين الجمل (رج 3:2).
لا نجد أحداث مأساة أيّوب بالتّمام في أيّ من نصوص الشرق الأدنى القديم لا في مصر، ولا في بلاد الرافدين حيث عالج الحكماء موضوع البارّ المتألّم منذ نهاية الحقبة السومرية، أي حوالي سنة 2000 ق م.
دخل الخبر الشعبي إلى أرض إسرائيل فوجد مناخًا مؤاتيًا، فدوِّن على ضوء الإيمان اليهوي (الإيمان بيهوه، الرب). يبدو أيّوب معاصرًا للآباء (لهذا جعلته السريانية بعد سفر التثنية): إنّه كرب عائلة يقدّم الذبائح لله (1: 5 ؛ 8:42، لا الكهنة) وهو يقرّب محرقة عن الخطيئة كما كان يفعل الأقدمون (تك 8: 20؛ 22: 2، 13؛ 31: 54). ثمّ إنّ الراوي يذكّرنا من خلال فنّه، بأقدم الطبقات في البنتاتوكس. وقد يكون من المعقول أنّ خبر أيّوب دوّن (أو تجسّد في خبر شفهي ثابت) يوم دوّنت أوّل نصوص البنتاتوكس وانطبع بالطابع الإسرائيلي. وما عتّم أن دخل في ذاكرة بني إسرائيل الجماعية، فاستطاع حزقيال حوالي سنة 600 أن يلمّح إلى أيّوب كبطل معروف جدًا (حز 14: 12- 23). وفي القرن 6 تقريبًا ستدخل في الخبر بعض عبارات نموذجية من الحكمة الشعبية. مثلاً: العبارتان اللتان تصوّران تقوى أيّوب في 1: 1: كاملاً، مستقيمًا ("تمّ " أي تامًا و"يشر" أي مستقيمًا) (2: 3؛ رج أم 2: 21؛ 28: 10؛ 29: 10؛ مز 25: 21؛ 37: 37)، يخاف (يتقي) الله (الوهيم) ويجانب الشرّ (3:2 ؛ رج أم 3- 7 ؛ 14: 16؛ 16: 6). وهناك معطيات من الخبر النثري تحيلنا إلى بداية الزمن اللاحق للمنفى. نحسّ بالأسلوب الكهنوتي في 16:42- 17 (وعاش أيّوب بعد هذا 140 سنة، ورأى بنيه وبني بنيه إلى أربعة أجيال. ثمّ مات أيّوب شيخًا كبيرًا قد شبع من الأيّام). ثمّ إنّ وجه الشيطان يبرزكما في مقدّمة زكريّا الأوّل (520- 518) (رج زك 1: 21 ؛ 15:3؛ 10:4؛ 7:6).

2- القصائد الطوال في القرن الخامس
في النصف الأوّل من القرن الخامس ، أخذ شاعر عبراني الخبر الشعبي القديم ونفخ فيه لاهوتًا جديدًا وهدّامًا، لأنّه يعارض أحدى مسلّمات الحكمة السابقة للجلاء وهي: مجازاة الأشرار والأخيار على هذه الأرض. إحتفظ بالخبر بعد أن وضع عليه اللمسات الأخيرة وجعله مقدّمة عمله وخاتمته، وجعل فيه حوارات أيّوب مع زوّار ثلاثة (ف 4- 27). بدأت القصائد بكلام يُطلقه البار (مونولوج) في البداية (ف 3) وفي النهاية (ف 29- ا 3). وأخيرًا جاء حوار الله مع أيّوب خلال ظهور إلهي (38: 1- 42: 6). ظلّ الشاعر قريبًا من الخبر التقليدي، فاكتفى بأن يزيد في نهاية المقدّمة (2: 11- 13) حدث مجيء الزوار الثلاثة.

3- خطب اليهو
لا شكّ في أنّ تدوين خطب هذا الزائر الرابع جاء بعد تدوين حوارات أيّوب مع أصدقائه الثلاثة: فالتأثير الأرامي واضح في لغة هذا القسم (ف 32- 37). ثمّ إنّ هناك مواضيع توسّع فيها اليهو فعكست اهتمامات ملاخي اللاهوتية (ملا 17:2؛ 3: 14- 26). لهذا نستطيع أن نؤرّخ خطب اليهو حوالي سنة 450، زادها الشاعر الرئيسي أو أحد تلاميذه.

4- قصيدة عن الحكمة البعيدة (ف 28)
جاء كاتب أخير في القرن 4 أو 3 فأقحم هذه القصيدة التي تنهي جدالات عقيمة بين أيّوب وأصحابه، وتنقلنا إلى مقلب آخر من المؤلّف: بعد أن احتجّ أيّوب معلنًا براءته، وبعد أن أطلق على الله تحدّيه الأخير (ف 29- 31)، رأى أنّ حكمته هي موضع شكّ وسلطانه لا يتعدّى محيطه الضيّق.
وإذا أردنا أن نجمل الطبقات الأدبية في سفر أيّوب قلنا إنّ المقدّمة (ف 1- 2) والخاتمة (42: 7- 17) تشكّلان الإطار النثري الذي تكوّن (أو دوّن) في القرنين العاشر أو التاسع. أمّا المونولوج الأوّل (ف 3) والحوارات (ف 4- 27) والمونولوج الثاني (ف 29 - 31) والظهور الإلهي (38: 1- 42: 6) فتعود إلى النصف الأوّل من القرن 5. بعد هذا تكوّنت خطب اليهو (ف 32- 37). وسننتظر القرنين 4 أو 3 لتدوّن القصيدة عن الحكمة (ف 28).

ب- معالم تُعيننا على قراءة النصّ
يبدو مجمل سفر أيّوب لأوّل وهلة وكأنّه قطعة واحدة لا شكل لها. ولكنّ دراسة كل وحدة على حدة ، تبرز بناءً محكمًا ودقيقًا.

1- المقدّمة (ف 1- 2)
يبدأ الكاتب في 1: 1- 5 فيقدّم لنا أيّوب البطل مع كماله وسعادته. ثمّ يصوّر ما أصابه من شقاء بشكل درفتين (ديبتيك): دخل الشيطان مرّة أولى (1: 6- 12)، ومرّة ثانية (2: 1- 6). حلّت المصائب بأيّوب مرّة أولى (13:1- 19) ومرّة ثانية (7:2- 9)، فطرحت سؤالين على أيّوب. أجاب في المرّة الأولى (1: 20- 22): "عريانا خرجت من البطن وعريانا أعود إلى هناك (أي إلى الأرض، بطن الأمّ يشبه الأرض). الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا". وأجاب في المرّة الثانية (2: 10): "أنقبل الخير من الله ولا نقبل الشرّ"؟
دخول الشيطان في المرّة الأولى يشبه دخوله في المرّة الثانية. والرسمة التي أرادها الراوي القديم تظهر في استعمال الأعداد (7، 3، 5)، في الردة التي تتكرّر (أفلت أنا وحدي لأخبرك 1: 15- 18)، في تدرّج المصائب التي أحدثتها عوامل الطبيعة (الصاعقة، رياح الصحراء) أو أهل السلب والنهب (السبأيون والكلدانيون). ضربت المصائب البطل. أوّلاً: في خيراته. ثانيًا: في فلذة كبده. وأخيرًا، هاجمت لحمه وعظمه (2: 5).
وبعد جواب أيّوب الثاني، جاء الزوّار، فجلسوا بقربه على الأرض وصمتوا سبعة أيّام وسبع ليالٍ ، فدلّوا رمزيًا على محنة البارّ التي طالت.

2- المونولوج الأول (ف 3)
وناجى أيّوب نفسه فبدا غير رجل الإيمان الصابر على المحنة الخاضع للرب كما قالت المقدّمة. إنّه شخص مرّ اللسان عنيف الكلام. صمت، ولكنّه قطع صمته باللعنة (آ 3- 10): "لا كان نهار وُلدت فيه، ولا ليل قال: قد حُبل برجل. ليكن ذلك النهار ظلامًا... ". تمنّى أيّوب أن لا يُذكر يوم ربط مصيرَه بالشقاء.
وبعد هذا تنطلق التساؤلات (آ 11- 19): لماذا لم أمت في الرحم؟ لماذا صادفت ركبتين تقبلانني وثديين يرضعانني؟ وبعد آ 14 يترك الشاعر وضع أيّوب الفرد، ويجعله يتكلّم باسم البشريّة المُتألّمة. ثمّ يشير أيّوب إلى المسؤول عن كل هذا الشر. "هو يعطي (كذا في العبرية. أمّا اليونانية والسريانية واللاتينية "الأرامية فقالت: "يُعطى" لتبرئ ساحة الرب) الشقي نورًا" (آ 20). فمن هو؟ إنه "الواه " أي الله (آ 23). ويختتم أيّوب مفاجأته بذكر قلقه وخوفه واضطرابه (آ 24- 26)، وهذا الوضع لن يفارقه في كل خطبه.

3- الحوارات (ف 4- 27)
أوّلاً- بنية الدورات الثلاث
تكلّم الزائرون (اليفاز، بلدد، صوفر) ثلاث مرّات حسب الترتيب عينه، فقدّم كل واحد بدوره جوابًا إلى أيّوب. وهكذا كان لنا ثلاث دورات من الخطب. الدورة الأولى: (ف 4- 14)، الدورة الثانية: (ف 22- 27). بُنيت الدورتان الأوليان بطريقة منظّمة ، أمّا الدورة الثالثة فلم تذكر صوفر (ذكرت اليفاز في 22: 1 وأيّوب في 23: 1؛ 26: 1 ؛ 27: 1 وبلدد في 25: 1).
احتفظ بعض العلماء في الدورة الثالثة بخطبة اليفاز وحدها (ف 22) واعتبروا أنّ ف 23- 27 هي قطع متفرّقة أو موادّ نربطها بالدورة الثالثة بأيّوب واليفاز وبلدد. أمّا الحلّ الطبيعي فيقوم بأن نعيد بناء دورة كاملة يشارك فيها صوفر.
تكلّم اليفاز (ف 22) فأجابه أيّوب (ف 23+ 24: 1- 17). تكلّم بلدد (ف 25 + 26: 5- 4 1) فأجابه أيّوب (26: 1- 4+ 27: 1- 12). تكلّم صوفر (27: 13-23+ 24: 18- 25) فأجابه أيّوب في المونولوج الثاني (ف 29- 31). نحن أمام مسألة خارجية أدبية. أمّا نحن فنقرأ النصّ كما هو الآن بين أيدينا.

ثانيا- مواضيع الحوارات
من المفيد بعد هذه القراءة السريعة الأولى أن ندرس مضمون ف 4- 27 لنكشف ونجمع المقاطع المشابهة التي تلعب دورًا مماثلاً في الحوار فتقابل الفنون الأدبية عيها. هذا الأسلوب يساعدنا على قراءة النصّ في العمق واكتشاف ديناميّة الخطب رغم التكرار الذي نجده هنا وهناك وإبراز الأفكار اللاهوتية الثابتة التي طرأ عليها بعض التحوّل.
وها نحن نقدّم لائحة الفنون الأدبية والمواضيع والبراهين.

* براهين الأصدقاء
يتحدّثون عن مصير الأشرار. اليفاز في الدورة الأولى (4: 7- 11، 5: 2- 7) وفي الدورة الثانية (17:15- 35) وفي الدورة الثالثة (22: 15- 18)، وبلدد في 18:8- 19 (الدورة الأولى) و 18: 5- 21 وصوفر في 11: 20؛ 20: 4- 29؛ 27: 13- 23؛ 24: 18- 24. ثمّ يتحدّثون عن سعادة الأبرار: اليفاز (5: 17- 21؛ 22: 21-30)، بلدد (8: 5- 7، 20- 22)، صوفر (11: 15- 19). ويؤكّدون أن ليس أحد بارًّا أمام الله: اليفاز (4: 17- 21؛ 15: 14- 16) وبلدد (25: 4- 6). 

* أجوبة أيوب
الإنسان محدود: من هو الإنسان حتّى تحسبه عظيمًا وتلتفت إليه (7: 17، رج 9: 2 – 3؛ 13: 28؛ 24: 12)؟! والخبرة تعلّمنا أنّ ما قاله زوّار أيّوب ليس بصحيح. فهناك الخبرة العامّة: "خيام اللصوص في سلام، والطمأنينة للذين يتحدّون الله ، ويحاولون أن يمسكوه بيدهم " عن طريق السحر (6:12؛ 27:31- 34). وهناك خبرة أيّوب الخاصّة: "وما تعلمون فإنّي أنا أيضاً أعلمه، لا أقصّر عنكم في شيء" (13: 2؛ رج 22:9- 24 ؛ 2:12- 3؛ 2:21- 26 ؛ 24: 1- 17).
وتتوالى المجدلات على لسان اليفاز: "الذي يصنع عظائم لا تُسبر، وعجائب لا تُفحص، الذي يفيض الغيث على وجه الأرض ويُرسل المياه على وجه الحقول... " (5: 9 - 18 ؛ رج 22: 21، 29- 30)، على لسان بلدد: "له السلطان والمخافة، ويُحلّ السلام في الأعالي. هل من عدد لجنوده؟ هل من أحد لا يشرق عليه نوره " (25: 1- 6؛ 26: 5- 14)؟ على لسان صوفر: "ألعلّك تسبر غور الله ، أم تبلغ إلى كمال القدير؟ هو أعلى من السماوات وأعمق من الجحيم. مداه أطول من الأرض وأعرض من البحر... " (7:11-11).
يتكلّم أيّوب عن نفسه: "أبحر أنا أم تنيّن حتّى تجعل حولي حرَسًا... ما الإنسان حتّى تحسبه عظيمًا وتلتفت إليه: إذا خطئت فماذا فعلت لك، يا رقيب البشر" (7: 12، 17، 20 ؛ رج 4:9-13؛ 12:10؛ 7:12- 25)؟ ويتشكّى في صيغة المتكلّم (أنا): لا كان نهار ولدتُ فيه (3: 1 ي). "إنّ سهام القدير فيّ. يمتصّ روحي سمّها وأهوال الله اصطفّت عليّ " (6: 4 ؛ رج 2:9-3، 14- 24، 32- 35؛ 3:13، 7- 11، 3- 19). هذا في الدورة الأولى. وفي الدورة الثانية: 16: 6- 17 (إذا تكلّمت لا يسكن وجعي، وإن سكت لا يبارحني ألمي) ؛ 6:19- 12، 21- 22. وفي الدورة الثالثة: 23: 1- 17 (اليوم أيضاً شكواي مرّة ويدي انقلبت على أنيني. من لي بأن أعلم أين أجده فآتي إلى سكناه وأعرض قضيّتتي أمامه وأملأ فمي حججًا)؛ 24: 1؛ 27: 2- 6). 
ويتوجّه بكلامه إلى الله في صيغة الخاطب (أنت): "تذكّر أنّ حياتي هباء وأنّ عيني لن ترى السعادة" (7:7- 21). "تخوّفت من جميع آلامي لعلمي بأنّك لا تبرئني " (28:9- 31؛ رج 10: 1- 22؛ 13: 20- 14- 22). وتخفّ الشكوى في الدورة الثانية. "أغلقت قلوبهم على الفطنة، فلا تقبل بأن ينتصروا" (17: 4- 6). وفي الدورة الثالثة: "إليك أصرخ فما تجيبني. أقف أمامك فتحدق بي. صرت لي جلاّدًا وبقوّة تعذّبني " (35: 20- 23 ؛ 31: 35- 37).
ويطلق أيّوب صرخات الرجاء. أوّلاً بصورة ضمنيّة: "اتركني لأنّ أيّامي تزول... متى تتوقّف عن مراقبتي ، متى تتركني أبلعِ ريقي " (16:7 ب- 19)؟ "هل أيّامي كثيرة؟ فليكف، وليخفّف عني. فأبتسم قليلاً" (10: 20). "إصرف طرفك عنه (عن الإنسان) ليستريح ويتنعّم كالأجير بفيء النهار" (14: 6). "لو كنت تواريني في الشيول، لو كنت تأويني حتّى يجتاز غضبك، لو كنت تحدّد لي وقتًا تتذكّرني فيه. ولكنّ الإنسان الذي يموت، هل يعود إلى الحياة؟ ولكنّي أنتظر كلّ أيّام خدمتي حتّى يحين وقت استبدالي. تدعوني فأجيبك، وتتوق إلى صنع يديك. أنتَ الآن تحصي خطواتي، أمّا فيما بعد فلا ترصد خطاياي " (14: 13- 16).
وهناك النصوص الكبيرة التي تدخلنا في عالم الرجاء خاصّة في الدورة الثانية والدورة الثالثة. "يا أرض، لا تستري دمي ولا يكن لصراخي قرار. لي منذ الآن شاهد في السماء ومحامِ عني في الأعالي. يسخر مني أصدقائي ولكن إلى الله تفيض عيناي. فليدافع عن الإنسَان ضدّ الله، كما يدافع الرجل عن صديقه. إنّ سنوات حياتي معدودة فأسير في طريق لا أعود منه " (18:16- 22). "إلتَزم بقضيّتي، كن كفيلي تجاهك. فمن يقبل أن يضع يده في يدي " (17: 3)؟ "أنا أعرف أنّ فاديّ حيّ وتكون له الكلمة الأخيرة على الأرض. وبعد أن يكون جلدي قد تمزّق أعاين الله في جسدي. أعاينه أنا بنفسي، وعيناي تريانه فلا يكون غريبًا. قلي يحترق في داخلي " (19: 25-27 ؛ رج 3:23؛ 35:31-37).
إذن نلاحظ براهين أصدقاء أيّوب التي ترد في ثلاث عبارات: الله يعاقب الأشرار دومًا، ويجازي البار الأمين دومًا، فلا يبرّر أمامه الإنسان. ويمتدّ موضوع عقاب الأشرار في لوحات واسعة كما في مزامير التوسّل (يتشكّى المرتّل من أصدقائه). أمّا موضوع المجازاة المحفوظة للبارّ فهي معروفة في المزامير وكتب الأنبياء وأسفار الحكمة. قال أصدقاء أيّوب: الأمانة لله والتوبة تحميان البار من الشر، وتؤمّنان له الوفر الماديّ وتوسُّعَ العائلة وحياةً حميمة مع الله. ويستعمل زوّار أيّوب موضوع حقارة الإنسان وضعفه لا ليذكرونا برحمة الله وحنانه، بل ليحاربوا به أيّوب ويحطّموه.
وتأتي أجوبة أيّرب مباشرة إلى كل من زوّاره. يُقرّ أيّوب بحقارة الإنسان أمام الله ، ولكنه يردّ مطوّلاً على ادّعاءات أصدقائه عن العقاب الذي يصيب الأشرار فلا يفلتون منه. هناك نظريّة جامدة ورثها الحكماء من زمن ما بعد المنفى، فيقابلها أيّوب بخبرته الخاصّة وبحكمة تعلّمها من الأجيال السابقة. هو يرفض أن يفسّر ألمه انطلاقًا من خطأ مفترض. يتحدّث أصدقاؤه عن تجاوز للشريعة، أمّا هو فيرى في ألمه هجومًا من الله عليه.
لا يتضمّن سفر أيّوب أيّ نشيد عن مراحم الله وصلاحه (حسد في العبرية). ولكنّ القصائد الموجودة تشير إلى سيادة الله على الكون وسلطته على التاريخ، وتستلهم الصور التقليدية التي نجدها في سائر المدائح. غير أنّ "مجدلات " أيّوب تختلف عن مدائح المزامير في نقطتين أساسيتين.
الأولى: إنّ التاريخ الذي تتحدّث عنه أناشيد أيّوب ليس تاريخ إسرائيل بل وجود الإنسان اليومي.
الثانية: الموادّ هي موادّ المدائح ولكنّ هدفها غير هدف المزامير. فكل مجدلات سفر أيّوب انحرفت عن خطّها الاصلي: إهتمّ أصدقاء أيّوب بالمبدأ الأخلاقي وأرادوا أن يحاربوا أيّوب، وهذا ما لا نجده في المزامير. وجعل أيّوب من المجدلات صدى لتشكّيه. إحتفظ بالمواضيع التي تشير إلى قدرة الله وألبس حججه صورًا مدائحية ليجعلها جارحة وقاطعة. وإذ أراد أيّوب أن يصوّر موقف الله تجاهه، كدّس الصور التي تتحدّث عن القساوة والظلم. وتطرّف في كلامه فاتّهم الله بأنّه يفرح حين يرى يأس الأبرار (23:9). إنْ عملَ الله أو لم يعمل، فموقفه موقف من يرغب في الشر. لهذا يكون جواب أيّوب الهجوم العنيف والعدوان. ما يقلقه ليس فقط الخوف من آلام جديدة (9: 34)، بل أن لا يعرف ذاته في الصورة التي يرسمها الله عنه. في الواقع ، إنّ هذه الصورة هي من نسيج خيال أيّوب، لأنّه لم ترد كلمة من الله توضح المعنى الذي أعطاه أيّوب لألمه. فغياب الله في هذه الأفكار يبدو حسب مقولات المكان والمدى: يتخيّل أيّوب أنّ هناك مسافة تجعل الله بعيدًا عن الإدراك. هو لا يقدر أن يُلغي هذه المسافة ولا يقدر أن يكفّ عن البحث.
ويتوجّه أيّوب بشكواه إلى الله بطريقة مباشرة. شكاواه كثيرة في الدورة الأولى، قليلة في الدورة الثانية (17: 4- 6) ومعدومة في الدورة الثالثة. ولكنّ أيّوب سيعود إلى التشكّي في المونولوج الكبير: "صرتَ قاسيًا لي " (30: 20- 23).
ويكفي أن نورد المواضيع التي عالجها أيّوب في تشكّياته لنتعرّف إلى ما فيها من سخرية قويّة ورفض معارض. في 7: 7- 21: "اتركني، لأنّ أيّامي نسمة". تذكّر (آ 7- 11)، أتركني (آ 12- 16)، يا رقيب الإنسان (آ 17- 21). في 9: 27- 31 و 10: 1- 22: أعلمني على ماذا توبّخني. لماذا أتعب باطلاً (9: 27- 31)؟ هل من الخير أن تكون عنيفًا (10: 1- 22)؟ يتصرّف الله كإنسان (آ 3- 7)، يحبّ ويدمّر (آ 8- 12). ماذا أخفيت في قلبك (آ 13- 17)؟ من البطن إلى القبر (آ 18- 22). في 13: 20- 14: 22: أين هو الانسان الذي يموت؟ تمنّيان اثنان (13: 20-22). الإنسان ورقة في مهبّ الريح (23:13- 27)، ظلّ يمضي (14: 1- 6)، تحيا الشجرة والبحر والسماء أكثر منه (7:14- 12). من يقدر أن يختبئ في الجحيم (13:14- 17)؟ أنت تُهلك رجاء الإنسان (18:14- 22).
وهنا نصل إلى النصوص التي تتحدّث عن الرجاء. هي تلد من التشكّي الذي ينغلق عليها. وإذا أردنا أن نفهم قوّة هذه الأويقات من الرجاء، نتذكّر أنّ فكرة القيامة الجسدية لم تبرز في التوراة قبل القرن 2 ق م. أمّا بالنسبة إلى صاحب حوارات أيّوب، فالموت يصل بنا إلى الشيول الذي هو موضع العزلة والذل (7: 9؛ 10: 21؛ 10: 21؛ 14: 1-12 ؛ 22:16). ونصوص الرجاء الأكثر وضوحًا تنظر فقط إلى تدخّل الله من أجل أيّوب وهو بَعدُ حيّ على الأرض: الله شاهدي (18:16- 22). الله كفيلي (17: 3). الله فادي (جائل). "سيقوم وتكون له الكلمة الأخيرة على الأرض. ولو مزّقوا جلدي فأنا سأرى الله بجسدي " (19: 25- 27، وقد أعطاه إيرونيموس في اللاتينية الشعبية معنى القيامة).
وهناك نصوص تتضمّن الرجاء، ولكنّها تدلّ على جرأة أيّوب (7:7- 8، 21). ويبقى شيء ما من علاقة المؤمن بإلهه بعد الموت، وهذا الرباط السري سيكون من القوّة بحيث يولّد في قلب الله أسفًا لأنّه أضاع صديقًا له.

4- القصيدة عن الحكمة (ف 28)
يمتاز ف 28 عن الحوارات التي سبقته بفنّه الأدبي التصويري واللاشخصاني فيبدو بشكل قصيدة مستقلّة. هناك سؤال واحد يتكرّر في آ 12 (الحكمة أين توجد، والفطنة أين مقرّها؟) وفي آ 20 (من أين تأتي الحكمة والفطنة أين مقرّها؟)، وهذا ما يجعلنا نقسم الفصل إلى ثلاث وحدات.
في آ 1- 11: نشيد لمجد الإنسان الصانع الذي يستخرج من الأرض ما تحويه من المعادن.
في آ 12- 19: يتداخل موضوعان. الأوّل: بحث عن الحكمة في كل نطاقات الكون، ولكنّه بحث لا يؤتي ثمرًا (13 ب- 14). الثاني: لا شيء يضاهي الحكمة (آ 13 أ-15، 19).
في آ 20- 27: الحكمة لا يُدركها الإنسان ، أكان من الأحياء (آ 21) أم في عالم الموتى (آ 22). ولكنّ الله عرفها وقت الخلق (آ 24- 26)، فطنَ إلى طريقها (آ 23)، رآها، أخبر بها، ثبّتها، سبرها (آ 27). إنّها سرّ عقل وحبّ يلازمان الخليقة. ستبقى حكمة الله بعيدة عن متناول الإنسان. ولكنّ هناك حكمة متواضعة يصل إليها الجميع وقد كشف الرب عنها (آ 28).

5- الحوار الكبير (ف 29- 31)
تشكّل ف 29- 31 مونولوجًا طويلاً يناجي فيه البار نفسه. إنّه يضع حدًّا للجدال العقيم بين أيّوب وزوّاره، كما يفتح الباب باتجاه الغائب الكبير الذي هو الله. وانتهى الحوار بتحدّ نقرأه في 31: 35- 37: "أتقدّم منه كرئيس ". والجواب يكون ، بعد خطب اليهو (ف 32- 37) في ظهور الله وأقواله (38: 1- 42: 6).
جمع أيّوب مرّة أخيرة كلّ قواه ليواجه الإله الصامت. وهذا يتحقّق على ثلاثة مستويات: يتذكّر أيّوب سعادته الماضية (ف 29)، ويتشكّى من الألم والعزلة اللذين يشعر بهما الآن (ف 30)، ويحاول في تبرّؤ طويل أن ينفي التّهم عن نفسه (ف 31).

6- خطب اليهو
تَفصل خطبُ أليهو بين نداء أيّوب الأخير (1 3: 35- 37) وجواب الله (38: 1). أُلّفت هذه الخطب على أساس الحوارات الموجودة، فأوردت أقوال أيّوب وحاولت أن تردّ عليها ببراهين جديدة. وهذا الانتقال من النصّ والجواب عليه، ربط أقوال اليهو بأقوال الاصدقاء الثلاثة. وتبرز البنية الأدبية لهذه الفصول الثلاثة كما يلي:
32: 1- 6 أ: تقديم شخص اليهو.
32: 6 ب- 22: توطئة في ثلاثة مواضيع: أريد أن أتكلّم (آ 6 ب- 10)، أقدر أن أتكلّم (آ 11- 14)، عليّ أن أتكلّم (آ 15- 22).
ف 33- 35: ثلاث خطبات متشابهة في بنيتها. الحلم والملاك (ف 33)، القوّة والحق (ف 34)، تسامي الله وعنايته (ف 35).
36: ا- 37: 13: الخطبة الرابعة. تبدو بشكل مديح فتتحدّث عن الله المربّي وعن إله الكون. فبعد المقدّمة (36: 2- 4) يتوسّع الشاعر في موضوعين: عمل الله في تاريخ الأبرار والأشرار (36: 5- 23). قوّة الله العاملة في الخلق (36: 24- 37: 13) 
37: 14- 24: انتقال إلى الظهور (تيوفانيا): استعادة المواضيع الكونية (وتشديد على جهل الإنسان) (آ 14- 20)، إعلان عن تجلّي النور (آ 21- 22)، ملخّص ليقينات اليهو (آ 23- 24).
أمّا أقوال أيّوب التي يوردها أليهو لينتقدها فتتصل بثلاثة مواضيع: أيوب على حقّ تجاه تصرّف الله الاعتباطي، صمت الله وغيابه، الفائدة من أن يكون الإنسان أمينًا. في خطب ف 33- 35 تتماسك مواضيع أيّوب وأجوبة اليهو بدقّة ومرونة.
يشدّد الشرّاح على ضعف أليهو في تقديم شهادته وبراهينه. واجه سرّ ألم البارّ، وإفلاس الأقوال التقليدية حول المجازاة (شأنه شأن الأصدقاء الثلاثة)، فانطق من مسلّمة تعتبر أيّوب خاطئًا. ظنّ أنّه قدّم حلاً حين تخيّل تدخّل وسيط سماوي (الملاك المفسّر في 23:33)، وضخمّ أهميّة الإيحاءات الباطنية (18:32- 22). تكلّم وكأنّه نبي، ولكنّه لم يعطِ دليلاً على صدق كلامه. وفي النهاية، ترك الحوار، وحاول أن ينتصر لا أن يقنع. إنطلق برهانه لا من الضيق الذي يصيب إنسانًا تزعرع في إيمانه، بل من أقوال أيّوب بعد أن عزلها عن قرينتها. ثمّ إنّه لم يترك مكانًا لتشفعّ الإنسان من أجل قريبه.
ولكن تميّز اليهو بالتشديد على تسامي الله وعلى عنايته الفاعلة في حياة البشر (34: 18-20؛ 35: 5- 16)، كما في الكون المادي (36: 24- 37: 13). وتميّز اليهو خاصّة بانفتاحه على سرّ تربية الله ، فقدّم غنى شخصيًا ودائمًا للاهوت الألم.

7- الظهور الإلهي (38: 1- 42: 6)
إنّ الخبر الإطاري الذي أقحم فيه شاعر القرن 5 حواراته، تضمّن ولا شكّ أقوال الرب لأيّوب. فهذا ما تفرضه الخاتمة مع 42: 7 (وبعد أن كلّم الرب أيّوب بهذا الكلام). إلاّ أنّ الشاعر توسّع فيها بحريّة في خطبتين واسعتين جدًّا (38: 1- 42: 6) تنتهي كل منهما بجواب أيوب (40: 3- 5؛ 42: 1- 6).
أمّا مجمل النصّ فبنيّ على الشكل التالي:
* خطبة يهوه الأولى (38: 1- 40: 2)
38: 1: المقدّمة.
38: 2: السؤال: من هذا الذي يسوّد مخطّطي بكلمات لا معنى لها؟
3:38: أمرُ الله: شدّ وسطك وكن رجلاً. أريد أن أسألك وأنت تُعلمني.
38: 4- 39: 0 3: الخطبة بحصر المعنى مع أربعة مواضيع متتالية. الأوّل: خلق العالم ومعرفته (38: 4- 21). الثاني: تدبير العالم (38: 22- 38). الثالث: الاهتمام بالحيوانات وصغارها (38: 39- 39: 4). الرابع: ستة حيوانات (39: 5- 30). 
40: 1- 2: وتنتهي الخطبة بسؤال: هل اقتنع ذلك الذي يخاصم شداي (القدير)؟ أي جواب يقدّمه من ينتقد الواه (الله)؟
* جواب أيّوب الأوّل (40: 3- 5). لقد تخلّى عن الإجابة: تكلّمت بطيش فبماذا أجيبك! إنّي أجعل يدي على فمي. قد تكلّمت مرّة فلا أجيب، ومرّتين فلا أزيد.
* خطبة يهوه الثانية (40: 6- 26:41).
40: 6: مقدّمة ثانية. 
40: 7: أمرٌ كذلك الذي قرأناه في 3:38: شدّ وسطك كن رجلاً.
8:40- 9: أربعة أسئلة: هل ستكسر حكمي؟ هل تحكم عليّ لتبرّر نفسك؟ هل لك ذراع مثل ذراع الله؟ هل لك صوت كصوته يشبه الرعد؟
40: 10- 14: تحدَّى أيّوب يهوه أن يحلّ محلّه (في تاريخ البشر) من أجل عمل المجازاة: صُبّ غضبك، أخفض كلّ متكبّر، إسحق الأشرار... حينئذ أقدّم لك الإكرام لأنّ يمينك حملت اليك الغلبة.
40: 15- 24: أوّل وحش، بهيموت أو البهيمة أو وحيد القرن على النيل.
40: 25- 41: 26: ثاني وحش، لايوتان أو الملتوي أو التمساح.
* جواب أيّوب الثاني (42: 1- 6): كنت قد سمعتك الأذن. أمّا الآن فعيني قد رأتك. لذلك أرجع عن كلامي وأندم في التراب والرماد (علامة التوبة).

8- الخاتمة (42: 7- 17)
وصل الله إلى هدفه وربح الشرط بفضل إيمان أيّوب، فوضع حدًّا للمحنة وأعاد إلى أيّوب سعادته وكرامته التي كاد يخسرها أمام زوّاره. ظهرت حرية الله في عمله كمجازٍ ومكافئ، وها هو صلاحه يبرز واضحًا ولا خوف من لاهوت أصدقاء أيّوب المبني على المنفعة. تخلّى أيّوب عن كل شيء، ولكنّ الله استجابه وأعطاه أن يرى وجهه، فنال بنعمة فريدة ما لم يتجاسر على طلبه.
نلاحظ في الخاتمة النثرية قسمين. الأوّل، يشير إلى الحوارات ويتحدّث عن حكم الله على أصدقاء أيّوب (آ 7- 9). ورضى الله يفترض ذبيحة من قبلهم وتشفعّ من قبل أيّوب، والتشفعّ ضروري لقبول الذبيحة. الثاني يصوّر سعادة أيّوب (آ 10- 17). هو أسعد من يوسف (تك 23:50). رأى بنيه وبني بنيه إلى أربعة أجيال. ثمّ لحق بإبراهيم (تك 8:25) وإسحق (تك 35: 25) فرقد "شيخًا كبيرًا شبع من الأيّام ".

ج- لمحة لاهوتيّة
الإنسان هو مولود المرأة، يعيش أيّامًا قليلة يسيطر عليها القلق. إنّه كزهرة تتفتّح وتذبل، يهرب كالظلّ ولا يتوقّف. فلماذا يعطي الله البائس نورًا، ولأصحاب النفوس المرّة الحياة (14: 2؛ 3: 20)؟
لماذا؟ سؤال أساسي يطرحه أيّوب على من يقدر وحده أن يجيب إليه. لماذا أخرجتني من البطن؟ لو لم تحزجني لكنت متّ دون أن تراني عين (10: 18). تلك هي أسئلة إنسان مؤمن. لا شكّ أنّ رنتها تدلّ على الثورة. ولكنّها تبقى في إطار حواربين الإنسان والله. إنّها اعتراضات وتساؤلات إنسان يعاشر الله ، إنسان ظنّ أنّه يعرف الله ويريد أن يفهمه ليتعلّم كيف يعيش وكيف يموت.
لم نجد في التوراة تشكّيًا جزئيًا من الله كتشكّي أيّوب. قد يكون وُجد أيّوب وقد يكون هناك بعض الأساس لخبره، أمّا الباقي فأبدعه الشاعر. ولكن تشكيات أيّوب الوجودية هي حقيقية، ولهذا يصبح قريبًا من المؤمن الذي يصيبه الألم الساحق الذي لم يستحقّه.

1- إيمان مباشر (المقدّمة ف 1- 2)
المحنة جذرية بالنسبة إلى بطل الله. هذا ما تشدّد عليه المقدّمة برهة بسيطة: يُحرم "عبد" الله من خيراته، يُضرب في أبنائه وبناته، يُصاب في جسده. لوحة كاملة من الشقاء. وكل واحد يستطيع أن يرى نفسه كما في مرآة، في ذلك الإنسان المشوّه "الذي ضربه قرح خبيث من أخمص قدمه إلى قمّة رأسه " فجلس على الرماد. لم يبقَ لأيّوب شيء، بل صار جرحًا ولا غير. غير أنّ إيمانه سليم كامل، وهو يظهر بطريقة مباشرة في جوابيه: "حينئذ قام أيّوب وشقّ رداءه وحلق شعر رأسه وارتمى على الأرض وسجد. وقال: عريانًا خرجت من بطن أمّي وعريانًا أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ. فليكن إلى الرب مباركًا. في هذا كلّه لم يخطأ أيّوب ولم يقل في الله غباوة" (1: 20- 22). "أنقبل الخير من الله ولا نقبل الشر أيضاً؟ في هذا كلّه لم يخطأ أيّوب " (2: 10).
كانت أمانة أيّوب حتىِّ ذلك الوقت أمانة إنسان سعيد سخت عليه الأيّام وكرّمه الناس. مضت السعادة فبقي المؤمن على ما كان عليه ووصل إلى مستوى من الحرّية لم يصل إليه أحد. هو عريان الآن، أما هكذا كان يوم ولد؟ هو سريع العطب ومهدّد، هذا ما سيكونه عندما يعود إلى الأرض- الأمّ التي تستقبله في بطنها وكأنّها تحبل به حبلاً جديدًا وسرّيًا. فما امتلكه في الماضي كان لباسًا لا فائدة منه، فاكتشف أيّوب أنّ الحياة هي أكثر من هذا اللباس. بعد أن زالت مكوّنات السعادة العادية، خسر أيّوب أبعاده كما يقيسها العالم، أبعاد السلطة والمعرفة والكرامة. وجد نفسه مجرّدًا من كل شيء، محتاجًا إلى كل إنسان، سرج العطب. ولكنّه اكتشف نفسه رجلاً بكل معنى الكلمة لأنّه تحرّر من عبوديّة الأشياء.
ولكنّ أمانته ليست جمودًا أو تصلّبًا كما عند الرواقيين. فهي تتجذّر في ثقته بالله. وعلاقته بالرب تقوّت بطريقة واعية على مستوى عريه، فأعلن حريّته وفي الوقت ذاته أعلن حرّية الله. الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا. بارك، أي اعلن الخير. أعلن خيرًا صنعه الله ، وهذا ما نسمّيه الشكر. أو أعلن خيرًا سيصنعه الله ، وهذا ما نسمّيه صلاة الطلب والتوسّل. وهكذا، حين بارك أيّوب الله وربّ العهد، أقرّأنّ هذا الإله أراد خيره. وإن تناوب العطاء والأخذ ليس من قبل الله علامة التخلّي بل علامة الثقة. إنّ الله يتابع عمله الإيجابي والمتماسك حتّى في وجود إنسان متألّم. أمّا الإنسان فينتقل من السعادة إلى الشقاء إلى درجة يحس فيها بالدوار. ولكن لا تقلّب ولا استرجاع في مشروع الله. 
إذا، الأمانة أمر مفروغ منه من قِبل الله. وحين سجد أيّوب، اعلن أنّه لا يشكّ بهذه الأمانة. ولكنّه أجاب في الوقت ذاته بفعل إيمانه هذا، ودون علم منه، على سؤال طرحه الخصم في السماء حول أمانة الإنسان: "أمجّانًا يتّقي أيّوب الله "؟ قد يُخفي تعلّقُ الإنسان بالله الفَ حساب وحساب. وبحث الشيطان عن جواب لسؤاله على الأرض، فاستعمل الألم ليكشف البواعث الحقيقية في قلب الإنسان. إذا نظرنا من الخارج، رأينا أنّ الشيطان صاحب المبادرة: شكّ في أمر أيّوب فأعتبر أنّ باستطاعته أن يجعل الإنسان يشكّ بالله والله يشكّ بالإنسان. في الواقع، نعرف أنّ الله يريد أن يكشف عمق حبّه الحاضر في قلب الإنسان، وأنّه هو الذي فتح الباب أمام المحنة: "هل أملت بالك إلى عبدي أيّوب "؟ لقد دخل شرّ الشيطان مسبّقًا في مخطّط الله. والحبّ أحاط مسبّقًا بمحاولة الشر. وإذا بدا الله وكأنّه يخاطر بمجده فيراهن على الإنسان، فهو يعمل ليكون اسمه مباركًا. أمّا أيّوب فيجهل كل شيء من هذا الحوار السماوي الذي يشرف على مصيره. وقبوله المباشر بما قسمه له الرب يدمّر بضربة واحدة تشكيك الخصم. لقد خسر الشيطان رهانه. فهناك على الأرض بارّ لا يربط إيمانه بخيرات منظورة.
وتتوقّف الدراما عند هذا الحدّ على مستوى الخبر القديم. ثمّ ينتقل الراوي مطمئنًا إلى الخاتمة التي فيها يعيد الله لأيّوب كل خيراته. وهكذا تنغلق الدائرة اللاهوتية بعد أن انفتحت: الله أعطى الله أخذ، الله أعطى من جديد. ونجت النظرية الكلاسيكية التي بموجبها تتمّ مجازاة الأبرار والأشرار على هذه الأرض. ولكنّ هذه النظرة الميكانيكية إلى المجازاة ستتحطّم بعد المنفى بفعل ضغط الواقع اليومي. لقد كذّب الاختبارُ هذه النظرية. فإذا أراد أيّوب أن يصدّقه الناس، فعليه أن يا بمظهر الضعف والمحدودية. هذا ما أدركه شاعر القرن ه ، وهو رجل خبرة وثقافة كبيرة، رجل اعتاد لغة المحاكم وتشرّب أسلوب المزامير الشعري ، أعاد تكوين شخص أيّوب فصار شبيهًا بنا.

2- الإيمان الصعب
أوّلاً: خدعة وخيبة أمل
بعد أن وصل الزوّار الثلاثة، غمر الاسوداد كل شيء، وأطلق أيّوب العنان ليأسه. فكل الرباطات التي تقرّبه من أشياء مرغوبة وأشخاص محبوبين، قد مرّت الواحد بعد الآخر. فبدأ يحس بالوقت وكأنّه خدعة وسراب (7: 3- 4). فرغ الماضي من معناه بعد أن بدا الله وكأنّه ينكره. وماذا يقدر الحاضر أن يفعل أمام هذا الانحطاط والسقوط؟ وانغلق أفق المستقبل من دون رحمة (7: 6). صار أيّوب عاجزًا بعد أن حُرم من كلّ عمل، من كلّ مشروع، فأحسّ أنّه قارَبٌ تتلاطمه الأمواج. وهذا الهرب الذي لا ينتهي، يصل به إلى الشيول "أرض السواد والظلال " التي لا يعود منها أحد. لقد مات أيّوب بما أنّ عليه أن يموت. فالولادة والموت يتسابقان فيمحوان في عبورهما ذكريات الفرح والحماس التي صارت كاذبة وغير مفيدة لأنّ الله تخلّى عنها.

ثانيًا: أين هي الصداقة
الله وحده يستطيع أن يوقف هذا الانحدار إلى عالم العبث. يكفي أن يتذكّر (13:14 ي). ولكنّ الله بعيد. والتفت أيّوب لحظة إلى زائريه ليستجدي منهم شفقة حرمَه الله منها: "ارحموني، يا أصدقائي، لأنّ يد الله ضربتني " (19: ا 2). ولكنّهم لم يقدروا أن يذهبوا إلى لقاء أيّوب في ما يكوّن ألمه. بدأوا يقدّمون الحجج لإقناع أيّوب، فبرز الفشل في صداقتهم. فألم أيّوب يعود في نظرهم إلى القاعدة العامّة وهو يرتبط بشريعة المجازاة. إذا كان أيّوب يتألّم فلأنّه خطئ. إذا كان الشقاء يصيبه، فهذا يعني أنّ الله يعاقبه. إذا كانت المحنة تطاله، فهذا يعني أنّه حُكم عليه بالهلاك. فليتُب، وحينئذ يعود كل شيء إلى مكانه. صرخ أيّوب وأعلن أنّه مظلوم، ولكنّ خبرته الشخصية لم تقدر على شيء أمام تماسك نظرة الحكماء.
لم يقف الزوّار مع أيّوب أمام الله ، ولم يدخلوا في ألمه كما يحسّ به ويعيشه، بل جعلوا نفوسهم قرب الله وادّعوا بحقّ التكلّم باسمه (13: 4- 5، 12). كانت أمامهم مغامرة روحية: أن يسيروا مع أيّوب حتّى حافة التمرّد، أن يقبلوا بمشاركته في ما يقلقه! ولكنّهم يمتلكون الحقيقة امتلاكًا، فلماذا يخاطرون بعد في البحث عنها؟ وهكذا تخلّى أيّوب عن سراب صداقتهم (6: 15).

ثالثًا: الألم البشري ووجه الله
حين أقام الألم في حياة أيّوب صارت علاقته بالله علاقة صراع ونزاع. خاب أمله فخسر صبره، فوصلت به الحالة إلى اليأس. وحاول أيّوب بكل الوسائل أن يَخرج من الليل والظلمة، أن يفهم موقف الله ويستشفّ نواياه، فبرزت أمامه ثلاثة إمكانات: أو أنّ الله نساه، وفي هذه الحالة، عليه أن يسرع، فإن تأخّر الله سيبحث عبثًا عن صديق تركه يختفي: "تكون عيناك عليّ ولكنّي لن أكون " (8:7)، أو أنّ الله سئم أيّوب ورأى فيه شيئًا ثقيلاً يربكه (7: 20). ولكن جاء افتراض ثالث معذِّب وهدّام. لقد تبدلّ الله ، صار إنسانًا قاسيًا (30: 21). وإذ أراد أيّوب أن يصوّر هذا التبدّل المُفاجئ عند الله ، إذ أراد أن يعبّر عن غثيانه وقرفه، عاد إلى صور مكدّسة في لا وعي البشر: الله أذاني، لفّ عليّ شبكته، سدّ عليّ الطريق لئلاّ أمرّ، أرسل عليّ الغزاة (6:19- 8، 12 ؛ رج 7: 12؛ 16:10 ؛ 16: 9). وتحدّث عن غضب رجل يحارب (13:16 ي) أو عنف رجل يعامل "البار" بقساوة مجّانية (17:9 ؛ 16: 12).
وتخلّى أيّوب لحظة عن صور القوّة الغاشمة ليعود إلى صور الظلم والجور: الله يشكّ، يبحث، يتحرّى، يراقب. يلاحظ آثار قدمَيْ أيّوب، يحاسبه في كل وقت، ينسب إليه خطايا اقترفها في صباه، كتبَ ضدّه أقوالاً مرّة مع أنّه عالم ببراءته (26:13). في النهاية، تخيّل أيّوب الله شخصاً يعذّب الناس هازئًا منهم، يقتلع الرجاء من قلوبهم (19: 10)، ويسجنهم في إطار الشعور بالذنب والخطيئة (3:9 ي).
كيف نتعرّف بعد هذا الكلام إلى صورة الله. رفض أيّوب صلاح الله وحكمته وقداسته، فطرح بطريقة جذرية مسألة برّ الله ، وبالتالي مسألة برّ الإنسان. فني لاهوت العهد القديم، يبدو برّ الله (وإن عاقب وجرحَ كما يفعل الطبيب) أساساً لاستمرار الله في عمله الخلاصي. أمّا برّ الإنسان فيرتبط ببرّ الله وعليه أن يتكيّف دائمًا مع إرادة الله الخلاصية. حين جمع أيّوب كل هذه الاحساسات السلبية، حصل على صورة تُعارض صورة الله. وطلب هذا الإله "المسخ " وظلّ ينتظره. ولهذا انطبعت ردّات الفعل عنده بالالتباس عينه الذي رآه في موقف الله. تارة تخاله يتخلّى عن إيجاد "إله خريفه " (أي بداية الخصب والغلّة 29: 4). يقول له: أتركني، أفلتني، أبعد عني عينيك. وطورًا يحاول أن يحاجج الله (8:10). وفي مكان ثالث يبدو هازئًا: "إذا خطئتُ، ماذا صنعت لك يا رقيب البشر" (7: 20)؟ ويستعمل كلمات المدائح التي نستعملها في المزامير ليهاجم بها الله. وفي النهاية يتحدّى الله: "قل لي: على أيّ شيء تخاصمني (10: 20)؟ ولكنّ هذا التحدّي هو الوجه الآخر لأمانة لا تريد أن تتراجع، لإيمان لا يقبل أن تخسر الحياةُ معناها.


3- الرجاء
فأيّوب ليس مخدوعًا بما يغالي به من أقوال (6: 26). وهناك علامات تبيّن أنّه يسير باتّجاه هذا الإله الذي يتركه يتألّم. ما نلاحظه هو أنّ أيّوب لا يُنكر الماضي، لا يُنكر سنوات السعادة التي فيها كان القدير معه. وهذه الأمانة في التذكّر تضاعف ألمه: لقد ظنّ أنّ الله نسيه. ولكن تأتي لمعات رجاء فيفتح الأفق أمامه. لمعات عابرة لا ننتظرها وهي تنبع من الشكوى ساعة يفتح التواضع ثغرة في جدار القلق والاضطراب. حينئذ يعرف أيّوب أنّ الله هو الصديق الوحيد الذي نستطيع أدن نبكي أمامه ولا نستحي (16: 20)، فيعلن يقينه أنّ صراخه سيُسمع: "لي منذ الآن شاهد في السماء، ومحام عنّي في الأعالي " (19:16). لن يكون الله فقط الحَكَم في نزاعه مع أيّوب، بل يقبل أن يكون كفيله. "اجعل لديك كفالة عنّي " (3:17). لقد فهم أيّوب أنّ صعوبة الحوار تأتي من غياب الوسيط: "ليس بيننا حكم يضع يده علينا" (33:9). ويحسّ أيّوب أنّ الله سيكون وسيط هذا اللقاء وأنّه سيأخذ على عاتقه مجموع القضايا. ولمّا تولَّد عنده هذا الشعور، صار الرجاء ممكنًا. سيتدخّل الله من أجل أيّوب وهو حيّ لكي يبرّره: "سيقوم على الأرض وتكون له الكلمة الأخيرة" (25:19-27). ومع ذلك، لا يعرف أيّوب ما سيفعل به الموت لأنّ الشيول لا يعيد الموتى إلى الحياة. ولكن يهمه أمر واحد وهو أنّ حياة الإنسان محفوظة في حياة الله.

4- القبول والرضى
وجاءت الشكوى بعد الشكوى، فزال الغبار عن صورة الله في قلب المتألّم. ولكن على أيّوب أن ينتظر ظهور الله في العاصفة وكلامه، ليدخل كلّيًا في مقاصد الله.
بدأ الله فطرح عليه السؤال: "من هذا الذي يجعل مخططاتي غامضة لكلمات يعوزها العلم؟ شدّ وسطك وكن رجلاً: أنا أسألك وأنت تُجيبني " (28: 2- 3). إنّ مخطط الله (أو تدبيره) يدلّ على عمله في التاريخ (لا في الخليقة). وإليه ذهبت اتّهامات أيّوب. ولكن عكس كل انتظار، تجاهل الرب ضيق أيّوب ودعاه إلى نزهة في بستان العالم. ودلّه في كل مكان على علامات قدرته الخلاّقة، وعلى شفقته على الحيوان. وتوالت الأسئلة واضحة وهادئة، ترافقها سخرية أبوية: "أين كنت لمّا أسّست الأرض؟ هل أعطيت أوامر للصباح؟ هل قيّدت النجوم برباطات؟ من يهيّئ للغراب زاده؟ هل تعدّ شهور الغزلان وهل تعرف متى تضع جراء"؟ هو لا يقسو على أيّوب، ولكنّه يبيّن له جدّية الحياة ورصانة الأمور. فيهوه يظنّ أنّ للكون كلمته حين يتساءل الإنسان عن مصيره.
وأجاب الرب على اتّهامات أيّوب (40: 8- 14) بأقواله تمتزج فيها الرصانة بالنكتة. أسرع أيّوب، فأصدر حكمه على الله (8:40). فهل يقدر أن يكمّل عمله ويؤمّن على المستوى العالمي (40: 11 أ، 12 ب) المجازاة العادلة التي يطالب بها؟
بعد هذا، يصوّر يهوه مطوّلاً بهيموت أي البهيمة العظمى، وحيد القرن، ولاويتان (أي التمساح) اللذين لا يفيدان الإنسان بل يخيفانه، اللذين جعلهما السيّد في صدارة العالم الحيواني. وهكذا أكّد الله على حرّيته وقدرته: إنّه يخلق ما يريد ويعرف لماذا يخلق. هل يتحدّى الإنسان خالقه وهو الذي يرتجف أمام تمساح (41: 2 ي)؟
غير أنّ هذه الخطبة الطويلة عن الكون أذابت قلق أيّوب. وما عتّم شاهد الله أن وجد نقط استدلال بالنسبة إلى الكون وبالنسبة إلى الله. لقد قاده الرب إلى حدوده فلا يصطدم بها بل يتصالح معها. وفهم أيّوب أخيرًا أنّ عمل الله قوّة وحنان، وأنّ حبّه للحياة يكفل مخطّطه الخلاصي، وأنّ الإنسان لا يمكنه أن يكون الكائن الوحيد الذي لا يحبّه الله.

5- التجاوز والتفوّق على الذات
لم يستطع أيّوب أن يستعيد الحرية في الإيمان قبل أن ينقّي صورة الله. ولكنّه بعد هذا، سيسير نحو السلام عبر تجاوزات أربعة.
أوّلاً: تخلّى عن نيّته في أن يجعل الله مخطئًا. حاكم الله وأطال محاكمته، ولكنّ عمله قاده إلى العبث. إتّهم الله بأنّه يبحث عن مذنب ينسب إليه خطايا مختلفة ليبرّر عنفه. وفي الوقت نفسه حاول أيّوب أن يلقي التهمة على الله. ولكن إن لم يكن الله ذلك القدّوس فلم يعد موضوع رغبتنا. وأحسّ أيّوب إحساسًا غامضاً أنّه حين شوّه الله دمّر مبرّر حياته.
ثانيّا: تخلّى عن إدخال الله في الثنائية أو التناقض: جعل الله يناقض الله ، جعل إله الماضي ضدّ إله الحاضر، الإله الخالق ضدّ الله القاسي، الإله الصَديق ضدّ الإله المحارب، إله الغفران ضدّ الإله الديّان، إله الإنسان الواقف العزيز ضدّ إله الإنسان المرتمي على الأرض. كيف يستطيع هذا الإله أن يجنّد كل قدرته ضدّ قشّة من التبن (13: 25)؟ كيف يستطيع القدّوس أن يجلس مُشرِق الوجه في جماعة الأشرار (3:10)؟ كيف أحبّ في الماضي ويريد اليوم أن يدمّر (8:10)؟ كيف يقدر الإله الذي كشف عن نفسه أن يقتلع الرجاء (19: 10)؟ صدّ أيّوب التعارضات، فحاول أن يجعل الوجهين يتطابقان وهو الراغب في إعادة الحوار. وتنتصر هذه الرغبة لأنّها أساسيّة في حرّية البارّ المتألّم وتلبّي حاجات قلبه. حاولت أيّوب أن يُخرج الله من صمته، ولهذا كانت حدّة كلامه بعيدة عن التجديف. أمّا الآن فأنهى تحرّكه نحو الحقيقة وامتنع عن محاولة الاستيلاء على السرّ بالقوّة. سلّم إلى الله الصورتين اللتين رسمهما عن الله ، وترك الله يُظهر وجهه الحقيقي.
ثالثًا: في منطق هذا القبول، إفترض تحرّر أيّوب تجاوزًا لكل الصور المطمئنة السلبية التي كوّنها عن الله يوم كان سعيدًا ويوم ضربته التجربة. وبما أنّه مؤمن ويريد أن يبقى مؤمنًا، دُفع إلى الاختيار بين تصوّراته وكلمة الله ، بين ما أراه إيّاه قلقه وما أسمعه إيّاه الله. فوجه الله الحقيقي لا يُرسم إلاّ بالكلام، والله وحده يقدر أن يطبعه على قلب الإنسان. والخلاص يقوم بالنسبة إلى أيّوب المتمرّد يتقبّل مبادرة الله. أمّا عظمة إيمانه فتكمن في أنّه تيقّن أنّ الله يمكنه أن يختبئ لا أن يصمت ويُلازم الصمت دائمًا.
رابعًا: قَبِل أيّوب أخيرًا أن يتجاوز كلّ سؤال: "أعرف أنّك تقدر على كل شيء فلا يستحيل عليك مراد. تحدّثت، من غير أن أدرك، عن عجائب تفوقني وما كنت أعرفها. سمعت عنك الأذن ، أمّا الآن فعيني قد رأتك. لهذا أرجع عن كلامي وأندم في التراب والرماد" (42: 2- 6).
عرف أيّوب ، بعد عاصفة تساؤلاته ، أن يسمع سؤالات الله. جوابه الأخير لا يقلّ عظمة عمّا قاله في المقدّمة، ولكنّه زاد عليه ثقل دراما إنسانيّة حقّة. ووصل إلى الصمت، وهذا الصمت هو قبول نهائي بسرّ إله حرّ. إنّ أيّوب يعرف الآن أنّه لا يعرف، ويقرّأنّ الله يقدر على كل شيء، وأنّه ما زال لديه الكثير من المعجزات والعجائب. صرخ أيّوب في قلب محنته: سأرى الله (26:19) والآن ، ها هو قد رآه ما وراء كل صورة. وفهم أنّه لا يقدر أن يحكم على قلب الله انطلاقًا من تبدّلات قلب الإنسان ولا من مآزق ضميره. فالله هو في الإنسان، وهو أبعد من الإنسان.
الفصل الرابع
كيف تكلم أيّوب عن الله

سفر أيّوب(1)كتاب مليء بالأسرار، ما يزال يدهشنا ويملأنا إعجابًا ويدعونا إلى بناء أنفسنا، وما زال الشرّاح يدرسونه ليلجوا إلى أعماقه (2) وليوضحوا معناه.
هناك أوّلاً مسألة الألم التي ترافق "بطل " الكتاب. وقد بحث الباحثون عن مرض أيّوب، عن هذا القرح الخبيث الذي إلّم به (قال بعضهم: ليس البرص التقليدي). ولكن لا يكفي أن يقول إنّ أيّوب يعالج مسألة الألم، فنحن أمام إلى البريء(3) (الخاطئ وحده يُعاقَب حسب تقليد التوراة). وتتكاثر الأسئلة والمجادلات. هل يُنظَر إلى هذا الألم الذي يتحمّله البريء من جهة الإنسان أم من جهة الله؟ قال بعض الكتّاب بالرأي الأوّل، واعتبروا أنّنا أمام كتاب عملي ووجودي، كتاب يعالج الجانب البشري، الوجهة الأخلاقية: ماذا يجب على الإنسان أن يعمل في الألم؟ كيف يجب عليه أن يتصرّف(4) (قال غونزاليس: ليس الألم الموضوع المركزي في أيّوب، بل الصراع للخروج من الألم)؟ فشدّدوا على الوجهة التي تتحدّث عن محنة الإيمان: كيف نحافظ على الإيمان (قال تاريان(6) : ما بحث الشاعر عن حل لمسألة الألم. بل كان هدفه أن يبيّن انتصار الإيمان فيْ تجرّد الإنسان الكامل عن ذاته؟ وهكذا يِدرس الكاتب التصرّف الأخلاقي والديني لبريء يتألّم. وأخذ كتّاب آخرون بالرأي الثاني فاعتبروا أنّ الكتاب يتطرّق إلى الجانب الإلهي من مسألة الألم. إنّ مسألة ألم البريء يطرح مسألة العدالة الإلهية، والصراع بين عدالة الله وعدالة الإنسان(7) فيقلب رأسًا على عقب التعليم عن المجازاة. قال بوب : لسنا أمام مشكلة الألم. بل أمام الإله المتسامي. ما هو دوره في عالم الإنسان وفي أموره؟ وهكذا يصبح الكتاب علمًا عن الإلهيات. وعُرضت أيضاً مواضيع أخرى: الصلاة(9) (تواجه الإنسان مع الله فلم يعد يقدر أن يتحدّث إليه، ولكنّه في النهاية استطاع أن يكلّمه من جديد)، العلاقات البشرية(10) (صعوبة الناس في التفاعل والحوار والتفاهم)، الصداقة(11) (هل نكتشف أصدقاءنا حين نخسر الله؟)... لا شكّ في أنّ الكتاب يتطرّق إلى هذه الوجهات المتعدّدة. ولكنّنا نطرح السؤال: ما هو الموضوع الرئيسي؟ فمان اكتشفناه كان الباقي شيئًا ثانويًا.
ويرتبط هذا البحث بمسألة تأليف الكتاب. شدّد الشرّاح في الماضي على الوجهة التفصيلية(12) وابرزوا الفروقات في الأسلوب: المقدّمة والخاتمة هما خبر قديم وكتاب شعي دُوّن نثرًا، بينما دوّنت الحوارات شعرًا. وتحدّثوا عن التعارضات في داخل الكتاب: أيّوب رجل صبور في المقدّمة (رج يع 5: 11)، ولكنّه ثائر في الخطب والحوارات. وهناك بعض الفوضى: من أين جاء اليهو وهو الذي لم يُذكر في المقدّمة ولا في الخاتمة. ويودّ هذا التحليل التفصيلي أن يكتشف مراحل تدوين الكتاب: ماذا كان في البداية؟ ما الذي زيد فيما بعد؟ كيف تطوّر الكتاب؟ مثلاً، درس الأب لافاك الأقسام النثرية ثمّ الأقسام الشعرية وأخيرًا الزيادات والقراءات الجديدة. واستنتج شرّاح أنّ أيادي عديدة كتبت أيّوب. واستنتج آخرون أنّ يدًا واحدة كتبته. وقالت فئة ثالثة: دوّن الكاتبُ كتابَه مرّة أولى ومرّة ثانية ومرّة ثالثة(13) .
ولكن بدأ الشرّاح يعودون إلى القراءة الإجمالية(14). أخذوا الكتاب كما هو الآن، وكما يجده القارئ بين يديه. ونحن سننطلق من عبارة وردت في أواخر الكتاب. قال الرب لأليفاز التيماني: "اضطرم غضبي عليك وعلى صاحبيك، لأنّكم لم تتكلّموا أمامي (أو عنّي) بحسب الحق (أو بصورة صحيحة) كما فعل عبدي أيّوب " (42: 7). إنّ هذه الآية تبدو صعبة وهي تطرح سؤالاً. كيف نقدر أن نقول، بعد أن نقرأ بعض تعابير أيّوب الجريئة، إنّ أيّوب تكلّم أفضل من أصحابه، إلامَ يلمّح هذا الكلام؟ هل يلمّح إلى ما قاله أيّوب خلال حواره مع أصحابه، أو إلى جوابه إلى الله؟ وتتعقّد المشكلة لدى الذين يفصلون القسم النثري (المقدّمة والخاتمة) عن القسم الشعري: ولكنّ الأصحاب لا يقولون كلمة في مقدّمة الكتاب، بل هم ظلّوا صامتين "سبعة أيّام وسبع ليال ولم يكلّمه أحد منهم بكلمة" (13:2). وفرضَ بعضُ الشرّاح وجود حوار قصير بين أيّوب وأصحابه في القسم النثري، ولكنّ هذا الحوار اختفى يوم أقحم الحوار الشعري الطويل. ولكن ماذا نعرف عن هذا الحوار القصير؟ نحن أمام مجرّد افتراض لا نستطيع أن نبرهن عنه. وبحث الشرّاح عن التعارضات: لماذا لم يظهر أليهو في بداية الكتاب ولا في نهايته؟ جاء الأصدقاء الثلاثة من مكان بعيد، وظلّوا وقتًا طويلاً مع أيّوب. أمّا أليهو فأقام مدّة قصيرة. ما إن جاء حتّى ذهب. أمّا الشيء الأكيد بالنسبة إلينا فهو الكتاب في شكله الحالي. نحن لا نهتمّ الآن هل دوّن أيّوب مرّة واحدة أم على دفعات، هل هناك كاتب واحد أم كتّاب عديدون. نحن ندرس الثمرة الأخيرة التي يتذوّقها القارئ العادي ويتغذّى منها. نحن ندرس نصًّا له معناه المحدّد بالنسبة إلى "الناشر" الذي قدّم لنا الكتاب.

أ- هدف سفر أيّوب: كيف نتكلّم عن الله ساعة الألم
هناك مبدأ أوّل: ما هو التحوّل الذي تمّ في شخص من الأشخاص بين البداية والنهاية؟ هذا ما نطبّقه على أيّوب. فالمقدّمة تصوّر الحالة الأولى لأيّوب (1: 1- 5) والنهاية تصور الحالة الأخيرة (42 : 10- 17). في المقطعين، يعدّد الكاتب الحيوانات التي يمتلكها أيّوب ، ويعلن أنّه كان له سبعة بنين وثلاث بنات. كان أيّوب رجلاً غنيًا، رجلاً سعيدًا، رجلاً باركه الله. هذا ما نقوله في البداية وهذا ما سنقوله في النهاية: "رأى أيّوب بني بنيه إلى أربعة أجيال. ثمّ مات شيخًا قد شبع من الأيّام " (42: 16). وسيزيد النصّ اليوناني ليبرز سعادة أيّوب: " وكُتب أنّه سيقوم في اليوم الأخير مع الذين يقيمهم الرب ". 
ولكن كان تبدّل بين البداية والنهاية. فالنصّ يقول: "وردَّ الرب إلى أيّوب ما خسره، بل ضاعف ما كان له من أموال " (42: 10). "وبارك الرب حالة أيّوب الأخيرة أكثر من حالته الأولى" (42: 12). وهذا ما نقدر على ملاحظته: في البداية، 7000 من الغنم، 3000 من الإبل، 500 جوز من البقر و 500 أتان. وفي النهاية: 14000 من الغنم، 6000 من الإبل، 1000 جوز من البقر، ألف أتان (1: 3 و 42: 12). إذن، حصل شيء ما. لقد صار أيّوب أغنى ممّا كان، وكان وضعه الأخير نتيجة ما أعاد إليه الله وزاد، هذا يفترض حرمانًا. ونحن نلخّص التحوّل في الخبر كما يلي: كان أيّوب غنيًّا فخسر كل شيء. ولكن تبدّل وضعه فعاد إلى غناه(15) .
هنا نتساءل: ما الذي سبّب هذا التحوّل؟ ما هي المناسبة التي أعطتنا خبرًا؟ نحن نجد الجواب في المقدّمة، وحالاً بعد الوضع الأوّل الذي نرى فيه أيّوب. نجده في المحادثة بين الشيطان والرب (1: 6- 12؛ رج أيضاً 2: 1- 7أ). إمتدح الربُ أيّوب أمام الشيطان: "هل لاحظت عبديَ أيّوب؟ لا مثيل له على الأرض " (1: 8). ولكنّ الشيطان شكّ وارتاب في كمال أيّوب المزعوم. ليس من الصعب أن يكون الإنسان مستقيمًا حين تسير الأمور على أحسن ما يرام. ولكن ماذا يفعل أيّوب حين يحلّ به الضيق؟ واقترح الشيطان اقتراحًا خبيثًا: سيراهن الرب: "مدّ يدك وامسس (ضع يدك على) أملاكه. أقسم لك (أراهنك على) أنّه سيجدّف عليك في وجهك " (1: 11). تدلّ هذه العبارة بوضوح على المحنة التي سيمرّ فيها أيّوب. ونزلت المصائب بأيّوب تمتحنه. أمّا السؤال المطروح: ماذا سيقول أيّوب حين يحلّ به الشقاء؟ إنّ الشيطان مقتنع بأنّ أيّوب سيجدّف على الله في وجهه. سمح الرب بأن يُحرَم أيّوب من كل شيء، ونحن ننتظر ماذا سيقول أيّوب بعد أن صار فقيرًا.
وإذا أردنا أن نعرف مَن ربح الرهان، يجب أن ننتظر نهاية الخبر. الجواب في ما قاله الرب لاليفاز: "اضطرم غضي عليك وعلى صاحبيك لأنّكم لم تتكلّم عنّي بطريقة صحيحة كما فعل عبدي أيّوب " (42: 7). المهمّ لا ما قالوا من كلام، بل الطريقة التي بها قالوا هذا الكلام أو ذاك (16).
ونتساءل: أما كان يجب أن يحلّ الرهان بين الله والشيطان؟ أمّا هنا فالرب يقدّم تقديره لأيّوب لا إلى الشيطان بل إلى اليفاز. ولكنّ هذه الصعوبة ظاهرة أكثر منها حقيقية. فقد بدأ الرهان في البلاط السماوي، ولكنّ أيّوب تحمّل المحنة على الأرض. وعلى الأرض اتّهم الأصدقاء الثلاثة أيّوب بعدم أمانته، ووبّخوه على كلامه الذي لا احترام فيه، فلعبوا بصورة من الصور دور الشيطان هنا. إنّهم قد دفعوا أيّوب إلى مثل هذه الأجوبة بكلماتهم المثيرة. وقد سمّاهم بعض الشرّاح "شيطانيين " (أعطوا الحقّ للشيطان وتوسّعوا في أخلاقيّة تجارية). إذًا، يبدو أنّ الجواب على رهان الشيطان تتضمّنه كلمة الله لأليفاز. لقد أعلن الرب أنّ أيّوب ربح الرهان. هو لم يلعن الله في وجهه، بل كان الوحيد الذي تكلّم عنه بصورة صحيحة.
وإذ نقابل بين البداية والنهاية نتوقّف عند تفصيلين. لمّا رأى الشيطان أنّ أيّوب لم يلعن الله مع أنّه خسر كل أمواله، عاد إلى هجومه وحاول أن يمتحنه بالمرض. إذن، يُقدَّم الرهان على دفعتين: "أقسم لك أنّه يجدّف عليك في وجهك " (1: 11، 2: 5). ونحن لا نعجب إن امتدح الله أيّوب مرّتين. "لم تتكلّما عنّي كما فعل عبدي أيّوب " (7:42، 8).
في البداية، كان أيّوب يقدّم محرقة عن كل من أبنائه السبعة ويقول: "لعلّهم خطئوا وجدّفوا على الله في قلوبهم " (1: 5). إنّ أيّوب الذي امُتحن على مستوى الكلام (هل سيلعن، هل سيجدّف؟) اهتمّ بكلام أبنائه فقدّم عنهم ذبائح. وفي نهاية الكتاب سنجد ذبائح أيّوب وتشفّعه من أ"جل سبب مماثل: لم يتكلّم أصدقاؤه بطريقة صحيحة مع الله (بل بصورة خاطئة). قال الرب: "والآن خذوا لكم سبعة ثيران وسبعة كباش وانطقوا إلى عبدي أيّوب. أصعدوا محرقة عنكم، وعبدي أيّوب يصلّي من أجلكم " (8:42). 
إذن، المسألة هي مسألة كلام: كيف سيتكلّم؟ لقد تكلّم بطريقة صحيحة. إنّ عبارة "كيف يتصرّف " في البداية ستصبح في النهاية: كيف سيتكلّم؟ ونحن نعلم أنّ الكتاب مؤلّف من حوارات. لا أحداث تحصل فيه والحركة الوحيدة هي تدخّل محاور أو خروجه. لا تورد الخطبُ أيَّ حدث. فالأشخاص يكتفون بالكلام. والكلام حاضر في القسم الشعري كما في القسم النثري. وحين تحلّ الضربات بأيّوب، فهولا يشاهدها، بل تصل إليه عبر كلام يحمله إليه المرسَلون. ويتكلّم أيّوب فيستنتج الراوي: "في كل هذا الشقاءْ لم يخطأ أيّوب ولم يوجّه إلى الله عتابًا غبيًّا" (1: 22). وهذا يبيّن أنّ الخطيئة التي كان بإمكانه أن يرتكبها هي خطيئة الكلام. وفي الامتحان الثاني، كان أيّوب في حوار مع امرأته بعدما إلى به المرض، قال الراوي: "وفي كل هذا الشقاء لم يخطأ أيّوب في كلامه " (2: 10).
إذًا "الكلام " هو الذي يوحّد كل نصّ أيّوب. ولكنّنا نميّز بين ما "يقال" و "كيف يقال ". فالكتَّاب الذين اعتبروا أنّ مضمون الكتاب هو الألم أو العدالة، أو شيء آخر، شدّدوا على ما قيل في الكتاب. ولكنّنا شدّدنا بالأحرى على "كيف قيل ". فهذا الإنسان الذي يتألّم، كيف سيتكلّم عن الله. هذا هو الامتحان.
ولكنّ الكلام يتوجّه إلى شخص آخر. قد يكلّم الإنسان نفسه فنكون أمام مونولوج. وقد يكلّم شخصاً آخر فنكون أمام حوار. ندّد النصّ بالأصدقاء لأنّهم لم يتكلّموا بطريقة صحيحة عن الله. أمّا الشخص الوحيد الذي كلّموه فهو أيّوب. أمّا أيّوب فقد كان له محاورون عديدون: نفسه، امرأته، أصدقاؤه الثلاثة، أليهو (ظلّ أيّوب أمامه صامتًا)، الرب. ونلاحظ أنّ الأفق يتّسع فيضمّ كل عناصر النصّ: كيف نتكلّم عن الله عندما نتألم؟ كيف نكلّم الإنسان المتألّم عن الله؟ وهكذا نستطيع أن نحدّد هدف سفر أيّوب: كيف نتكلّم عن الله في وقت المرض؟ هذا ما يسمّى الكلام الديني.
فما هو هذا الكلام الديني الذي يتوسّع فيه الكتاب؟ هناك أنواع عدِّة، ونحن لن نهتمّ
بما يقال، بل بطريقة قوله، مع العلم أنّ الوجهتين مرتبطتان ارتباطاً عميقًا. ولا ننسى أنّنا مع سفر أيّوب في عالم الحكمة الذي يشدّد على الكلام وعلى الصمت.

ب- أنواع الكلام الديني في سفر أيّوب
1- لغة الإيمان الشعبي: أيّوب وامرأته (1: 13- 22؛ 2: 7 ب- 10)
قَبل الربّ رهانَ الشيطان وصار أيّوب فقيرًا. عليه في هذه الحال أن يمرّ في المحنة. أعلن أيّوب: "عريانًا خرجت من بطن أمّي وعريانًا أعود إلى بطن الأرض. الربّ أعطى والرب أخذ، فليكن إلى الربّ مباركًا" (1: 21). وهكذا عبر أيّوب الامتحان بنجاح. لم يستعمل لغة اللعن كما أعلن الشيطان فقال: "أقسم لك إنّه يلعنك في وجهك " (1: 11). بل استعمل لغة المباركة، وشتّان ما بين اللعن والمباركة.
وبعد محاولة الشيطان الثانية وضرب أيّوب بالبرص، قالت امرأة أيّوب لزوجها: "لماذا أنت ثابت في طريق الكمال؟ جدّف (أو العن) الله ومُت " (2: 9). نحن ننتظر أن يربح الشيطان رهانه في هذه المرّة. فلقد أشارت المرأة على أيّوب أن يفعل كما انتظر الشيطان فيستعمل لغة اللعن. ولكن لم يحدث شيء من هذا. أجاب أيّوب امرأته: "أنت تتكلّمين وكأنّك مجنونة. إذا كنّا نقبل الخير (أو السعادة) (عطيّة) من الله، فلماذا لا نقبل أيضاً الشرّ (أو الشقاء) " (2: 10)؟
وخرج أيّوب منتصرًا على دفعتين. ولكن بأيّ نوع من الكلام؟ إنّ ما قاله أيّوب يشبه كليشاهات. فكأنّي به يورد أمثالاً قديمة(17) يردّدها الناس الأتقياء في أيّامنا حين يمرّون في ظروف قاسية. لا يهمّنا أن يكون أيّوب اخترع هذه العبارات أو أخذها من اللغة الدينية في عصره. إنّ أيّوب وامرأته يستعملان "لغة الإيمان الشعبي ". فأمام الألم والمرض والحرب والموت، موقف الناس هو هو. بعضهم يرفض إلهًا يُفترَض أن لا يسمح بمثل هذه المصائب. إنّ امرأة أيّوب تدخل في هذه الفئة. وبعضهم يقبل هذا الإله في إيمان أعمى يعبّرون عنه بكليشاهات شبيهة بتلك التي استعملها أيّوب. قد ينبع هذا الكلام عن إيمان عميق فيكفي الإنسان في حياته أو أقلّه في قسم من حياته. ولغة الإيمان الشعبي كفت أيّوب ليقبل بفقره ومرضه في هذه المرحلة الأولى.

2- اللغة اللاهوتية: أصدقاء أيّوب الثلاثة (2: 11- 31: 40)
ويتواصل الخبر بمجيء أصدقاء ثلاثة هم: اليفاز التيماني، بلدد الشوحي، صوفر النعماتي. أُخبروا بالشقاء الذي حلّ بأيّوب. لا يدلّنا النصّ على مصدر معلوماتهم، بل يكتفي بأن يشير إلى نيّتهم: "قرّروا معًا أن يأتوا إليه فيرثوا له ويعزّوه " (2: 11). يريدون أن يحملوا إليه كلام التعزية. ولمّا وصلوا إلى "بيته " صمتوا: "جلسوا بقربه (معه) على الأرض، وظلّوا هكذا سبعة أيّام وسبع ليال، ولم يكلّمه أحد بكلمة حين رأوا ألمه العميق " (2: 13). إذن، صمتهم هو كلمة تعزية. في ساعة الألم، يتوقّف اللسان عن الكلام، لان ليس له ما يقوله. فالإنسان المتألّم يحتاج إلى حضور لا إلى كلام. ماذا نقول للمريض؟ إن قلنا له أنت بصحّة جيّدة، نكذب عليه. فهل نقول له: أنت في حالة سيّئة؟ يروى عن امرأة تزور مريضة أنّها كانت تقدّم لها هذا الخبر أو ذاك... لا تبقى طويلاً حتّى لا تتعب المريضة.
ورأى أيّوب ألمه يتواصل والسؤالات تنطرح: "لماذا لم أمت من الرحم؟ لماذا صادفت ركبتين؟ لماذا يُعطى للشقيّ نور وللمجروح حياة؟ لماذا تُعطى الحياة لإنسان تبدو الطريق أمامه مسدودة" (3: 11، 12، 20، 23)؟ ويُلقي أيّوب خطبة طويلة (3:3- 26) يكلّم فيها نفسه. هو لا يكلّم أحدًا. لا يوجّه كلامه مباشرة إلى الله ولا إلى أصدقائه. من له أذنان سامعتان فليسمع. نحن أمام مونولوج. الشكّ بدأ يدخل إلى قلب أيّوب المؤمن. ويلخّص الراوي هذا المونولوج بأمانة فيقول: "أخيرًا، فتح أيّوب فمه ولعن يومًا وُلد فيه " (3: 1، رج آ 8). ولكنّ الشيطان لم يربح بعد رهانه. فأيّوب لم يلعن الله في وجهه. صار أيّوب المؤمن الذي يتساءل، الذي يحاول أن يفهم. إنّه يوجّه نفسه نحو اللغة اللاهوتية، والاهوت كما قال الأقدمون هو الإيمان الذي يطلب العقل.
وظنّ الأصدقاء الثلاثة أنّهم مدعوّون إلى الإجابة على الأسئلة التي طرحها أيّوب. وستتحرّك المحادثة في مجال التفاسير والأجوبة. إذن، نحن هنا في ملء اللاهوت. كيف سيتصرّفون؟ كيف سيكلّمون هذا الإنسان المتألم(18) عن الله؟
لن نبحث عن ميزات لغة كل من الأصدقاء الثلاثة (لهجة مفخّمة أو مثيرة للأعصاب)، بل نأخذ كلامهم بطريقة إجمالية. إنّهم يحدّثون أيّوب في صيغة الخاطب المفرد: "إن وجَّهنا إليك كلمة، هل تتحمّل " (4: 2)؟ رغبوا في أن يقولوا له شيئًا، في أن يقدّموا له تفسيرًا. ما هي منابع تفكيرهم؟ الوحي الإلهي. قال اليفاز: "قد وصلت إليّ في السرّ كلمة وحي " (4: 12). ثمّ التقليد. قال بلدد: "إسأل الأجيال السابقة" (8: 8). وتكلّم اليفاز عن "تقليد الحكماء" (18:15). ثمّ الخبرة الشخصية والتأمّل فجها. قال واحد: رأيت أنّي أتكلّم عن خبرة (8:4؛ رج 17:15). وقال آخر: رأيت الغبيّ يتأصل (تتثبّت أصوله) (3: 5). وهكذا استنفدوا منابع اللاهوت الثلاثة فاستعدوا لإعلان عقيدة المجازاة: "للبار السعادة وللشرير الشقاء" (رج 4: 7- 8). والعقيدة لا تُناقض: "هذه هي الحقيقة" (27:5).
وبعد أن عرضوا نظريّتهم، طبّقوها على وضع أيّوب كما لمسوه. أيّوب يتألّم، إذن هو شرّير. فإذا كان الواقع الملموس يعارض النظرية، حينئذ نميّز بين الظاهر والحقيقي. قال أيّوب إنّه بار. لا، إنّه يبدو بارًّا. هذا في الظاهر، أمّا في الوافي فهو ليس ببار. أيّوب هو في عين نفسه بار، ولكنّه في عالم الغشّ في عين أصدقائه. وأسندوا كلامهم إلى الحكمة والخبرة: "كيف يمكن للإنسان أن يكون طاهرًا، كيف يكون ابن المرأة بارًّا" (15: 14)؟ 
وتمرّ أوقات نحسّ فيها وكأنّ أيّوب يتابع مونولوجه دون أن يوجّه كلامه إلى محاور معيّن. هو ما زال يطرح على نفسه الأسئلة: "أينهق الحمار البريّ والعشب أمامه؟ أيخور الثور والعلف بجانبه؟ هل يؤكل التافه من دون ملح؟ هل من طعم للعاب البقول؟ من يعطيني بأن تتحقق صلاتي فيمنحني الله ما أرجو؟ ما هي قوّتي حتّى أنتظر؟ ما هي نهايتي حتّى أبقى في الحياة؟ هل قوّتي قوّة الحجارة وهل لحمي من نحاس؟ أيكون العدم هو العون الذي أنتظر؟ هل أفلت منّي كل عون؟ " (2:6- 13).
ويدخل أيّوب في حوار مع أصدقائه، فيوجّه إليهم كلامه في صيغة الخاطب الجمع: "هل أنتم موجودون؟ لا. رأيتم بليّتي ففزعتم. أنيروني فأسكت. بيّنوا لي ما أخطأت فيه " (6: 21، 24). ويجعل أيّوب نفسه على مستواهم، على مستوى العقل والشروح "الحكمية": "وأنا أيضاً، لي عقل كما لكم، لا أقصّر عنكم في شيء " (3:12). "كل هذا رأته عيني وسمعته أذني ففهمته. أنا أعرف كما تعرفون " (12: 2- 2). تكلّم مثلهم، ولكنّ استنتاجاته اللاهوتية غير استنتاجاتهم. هو انطلق من واقع ملموس وواجه العقيدة. ظنّ نفسه بارًّا لا في الظاهر فقط، بل في الحقيقة. إنّه بارّ: "أنا لا أقول إنّكم على حقّ. وحتّى النفس الأخير أحافظ على القول ببراءتي. أنا متمسّك ببرّي فلا أرخيه. وفي أعماق ضميري لا أخجل من أيّامي " (27: 5- 6). ماذا يقول بعد هذا؟ إنّه يعرف عقيدة المجازاة كما يعرفها أصدقاؤه (16: 2: سمعت كلامًا كثيرًا من هذا النوع. حقًّا، أنتم معزّون متعبون). هنا يُطرح السؤال: هل من تعارض في ظاهر الله وحقيقته؟ يبدو الله ظالمًا في نظر أيّوب. أما يجب إذن أن نستنتج أنّه ظالم؟ وذلك عكس ما يقوله الأصدقاء الذين يعتبرون الله بارًّا. يقولون: الله بارّ هو. فإن لم يكن بارًّا في هذا الواقع المعيّن، فهذا سرّ. وينطلق أيّوب من واقعه. يقول: لا يبدو الله بارًّا (عادلاً). إذا الله هو "الخطأ".
بعد هذا، سيُجمل اليهو براهين أيّوب فيقول: قال أيّوب: "أنّا نقيّ وبلا معصية، أنا طاهر ولا إثم فيّ. ولكنّ (الله) يخترع حججًا (عللاً) ضدّي، يعاملني كعدّو له " (33: 9- 10). "أنا بارّ، لكنّ الله رفض حقي. يبدو ديّاني قاسيًا عليّ " (34: 5- 6).
إنطلق أصحاب أيّوب من المبدأ فطبّقوه على الواقع. وانطلق أيّوب من واقعه ليواجهه مع النظرية. ولكنّنا في كلا الحالين أمام عقيدة واحدة هي عقيدة المجازاة. لم يعرف أصدقاء أيّوب أن يكلّموه عن الألم بطريقة صحيحة. فهل سمعوا له حقًّا؟ قال: "اسمعوا، اسمعوا كلامي. هكذا تعزّونني. احتملوني فأتكلّم وبعد أن أتكلّم تهزأون إذا شئتم " (21: 2- 3). يرفض أيّوب أجوبتهم التي هي "أمثولة تعلّموها" على مقاعد الدراسة. "ما تعرفونه أعرفه أنا أيضاً". ويتّهمهم بأنّهم أصدقاء خيبّوا له أمله (6: 14- 15): "يحقّ للبائس أن يشفق عليه قريبه وإلاّ تخلّى عن مخافة القدير. خيّبني إخوتي كسيل انقطع " (6: 14- 15). 
لم تعطِ اللغة اللاهوتية حلاً. حينئذ توجّه أيّوب إلى الله. من المفيد أن نلاحظ أنّ أصدقاء أيّوب لم يتكلّموا إلى الله. يعرفون كل شيء عن الله وهم يتكلّمون عنه. وأيّوب يعرف أيضاً، ولكنّه يشكّ ويرتاب. كل الكلمات عن الله لم تعط نتيجة. فقرّر أيّوب أن يكلّم الله؛ أريد أن أخاطب القدير... أمّا أنتم فأطبّاء دجّالون " (3:13- 4). انتقل أيّوب إلى لغة الصلاة (هناك 54 آية يحدّث فيها أيّوب الله، 7: 7، 8، 12- 14، 16، 17- 21، 9: 27- 28، 30- 31 ؛ 10: 2- 4، 16- 17، 18، 20؛ 13: 19، 20- 27؛ 14: 3، 5- 6، 13، 15- 17، 19- 20؛ 16: 7- 8؛ 3:17، 4؛ 30: 25- 23. ثمّ هناك 4 آيات في الخطبة الختامية).
ويُظنّ أنّ هذه اللغة أصبحت في غير محلّها في نظر أصدقاء أيّوب: "ولكنّ الإنسان يصبح أضحوكة صديقه حين يصرخ إلى الله لينال جوابًا" (12: 4). وتوسّل أيّوب إلى الله: "تذكّر أنّ حياتي هي نسمة، وأنّ عيني لن ترى السعادة" (7: 7). وذهب إلى اتّهام الله: "ما دام غضبك " (13:14). ويطلب من الرب أن يبرّر نفسه: "متى تنتهي من مراقبتي؟ أما تتركني أبلع ريقي؟ إن أخطأت، ماذا فعلت لك يا رقيب البشر؟ لماذا جعلتني هدفًا لسهامك؟ بماذا اثقّل عليك " (7: 19- 20)؟ ليبرّر الله عمله وليسمع اتّهام أيّوب له. لم تعد صلاته مديحًا. ولكن إن بيّن أيّوب مرارته، فهو لم يلعن الله ولم يجعل الشيطان على حقّ في رهانه مع الله. وسيكون له وقت يعبّر فيه عن رجائه وإيمانه: "أعرف أنا أنّ وليّ (الذي يدافع عنّي، يتولّى أمري) حيّ. أنا، أنا سأشاهده. عيناي ستريانه. لهذا يشتعل قلي في داخلي " (25:19- 27).
ليست اللغة اللاهوتية هي اللغة الدينية التي توافق زمن الألم. عندما يتألّم الإنسان فهو لا يتكلّم كما لو كان في صحّة جيّدة. وهذا ما لاحظه أصحاب أيّوب فقالوا له: "كنت تنبّه الكثيرين وتشدّد الأيدي المسترخية. كنت أقوالك تنعش العاثرين وتثبّت الركب الملتوية. أمّا الآن، فجاء دورك وفقدتَ صبرك " (3:4- 5). وجاء جواب أيّوب في محلّه. هل كانوا يتكلّمون أفضل منه لو كانوا مكانه (رج 16: 4)؟ من السهل أن نتكلّم حين نكون في صحّة جيّدة "أمّا أنا... " (8:5). "أمّا أنت " (6:8) (19)(19).
ترك أيّوب اللغة اللاهوتية التي لم تشف غليله، واستعاد مونولوجه (ف 29- 31).
هو لا يتوجّه إلى الآخرين في صيغة الخاطب، بل يكلّم نفسه كما في البداية. من أراد أن يسمع فليسمع، ويحدّث نفسه عن الله. فيقول: "من يعيد إليّ الشهور السالفة (شهر العسل)، من يعيد إليّ الأيّام التي كان الله فيها يسهر عليّ، حين كان سراجه يضيء فوق رأسي فأسير على ضيائه في ظلام الليل، كما كنت عليه في أيّام عنفواني، حين كان الله يجالسني في خبائي. حين كان القدير بعد معي وصبيتي يحيطون بي " (29: 2- 5)؟ "أيّ نصيب يعيّن الله للإنسان من فوق، أيّ ميراث يحدّده القدير من الأعالي " (31: 2)؟ ولكنّه سيفلت من ذاته، ويتوجّه مباشرة إلى الله: "أصرخ إليك وأنت لا تجيب " (20: 20). لو يتنازل الله ويجيبه على صلاته. ولكنّ الله يبقى صامتًا. لقد استعمل أيّوب لغة الإيمان الشعبي، ولغة الشكّ، واللغة اللاهوتية، ولغة الصلاة. فلم يبق في يده حيلة: "قلت كلمتي الأخيرة وأنا أترك القدير يجيبني " (31: 35). إنّ أيّوب يريد أن يسمع الآن لغة الله. يتحدّث في صيغة الغائب لأنّه لا يجسر أن يطب حوارًا مباشرًا مع الله. حتّى الآن، لم يجب الله. ولكن قد يوجد إنسان يتكلّم لغة العهد. وتوقّف أيّوب عن الكلام. فكتب الراوي: "تمّت أقوال أيّوب " (31: 40 ب).

3- اللغة النبوية أو المواهبيّة: أليهو (وأيّوب): ف 32- 37
ما استطاعت اللغة اللاهوتية أن تُسمعنا لغةَ الله، "توقّف هؤلاء الرجال الثلاثة عن محادثة أيّوب " (32: 1). ولكنّ هناك أناسًا آخرين يعتبرون نفوسهم حاملي كلمة الله. إنّ الأنبياء كانوا يبدأون كلامهم قائلين: هذا ما يقول الرب. وينهونه بقولهم: هذا ما قاله الرب. إذن، تُعتبر اللغة النبوية والمواهبية نفسها لغة إلهية.
كم تمنّى أيّوب أن يسمع مثل هذه اللغة(20) ، وها هو أليهو يقولها له. هو شاب (32: 6)، ولكنّه ليس أدنى من الاهوتيين الذين تكلّموا قبله. غضب على أيّوب وعلى أصدقائه لأنّ لغتهم اللاهوتية لم تفِ بالمراد (32: 2- 3). بدا أليهو عنيفًا، ولكنّه كان في الواقع شخصيًا في حديثه. وهو وحده سمّى أيّوب باسمه (33: 1؛ 37: 4 1). إنّه مليء بالغيرة والحماس. وينبوع معرفته يختلف عن ينبوع معرفة الأصدقاء الثلاثة. هو مقتنع بأنه إنسان كسائر الناس: "أنا نظيرك ولست إلهًا (33: 6). ولكنّه واع من جهة ثانية أن روح الله أمسك به: "أنا مليء بالأقوال، يضايقني (يحرّكني) روح داخلي " (18:32؛ رج 8:32؛ 33: 4). ظنّ الأصدقاء الثلاثة أنّ لغتهم إلهيّة لا بشرية، ولكن لم يكن الأمر هكذا. أمّا أليهو فسيكون له لغة مختلفة: "لا تقولوا إذن، لقد وجدنا الحكمة. إنّ تعليمنا إلهيّ لا بشريّ. أمّا أنا فلن أناقش هكذا" (13:22- 14). عرف أليهو أنّه نال وحيًا، لهذا نستطيع أن نتكلّم عن شخص مواهبي(21).
الألم في نظر أليهو لغة الله. "يتكلّم الله بطريقة، ثمّ يتكلّم بأخرى ولا أحد يهتمّ " (33: 14). الألم هو أمثولة وعبرة (33: 19 ؛ 36: 10). يشبه أليهو كل الأنبياء كل المواهبيين: إنّه متفائل حتّى أصبح فيه التفاؤل عرضة للهزء. حين يبدو كل شيء ضياعًا وسوادًا، يبقى الأنبياء معلِّقين بالرجاء. فبعد الظلمة سيأتي النور. وإن ظنّ أيّوب أنّه قريب من الموت (33: 20 ي) فهو سينجو: سيخرج بدون جراح، بل سيستعيد شبابه. "سيستعيد لحمُه طراوةَ الشباب " (33: 25). من يسمع لغة الالم يغتنِ. "إن سمعوا وأطاعوا، انتهت أيّامهم في السعادة وسنوهم في النعيم " (36: 11). وإنّ قارئ الكتاب يعرف كم أنّ نهاية الخبر ستدلّ على أنّ أليهو كان على حقّ. وبعد هذا الكلام المتفائل، انتقل أليهو إلى التحريض الأخلاقي يوجّهه إلى أيّوب: "إحذر بعد الآن " (36: 18). ويختم كلامه بمديح لله (26: 22؛ 37: 24): يدعو أيّوب إلى التأمّل في الله وفي حكمته، لئلاّ ينغلق على ذاته، بل لكي يفتح عينيه وينظر حوله (35: 5)، لكي يتأمّل في الآخر (الذي هو الله) وفي عجائبه ومذهلاته: "أنظر الله العظيم في قدرته " (36: 22؛ 37: 4 1). فعلى الإنسان المتألّم أن يحاول أن ينسى نفسه ليفكّر بشيء آخر.
مرّات عديدة، أعطى أليهو لأيّوب مناسبة لكي يجيبه. قال: "أجبني، إن كنت تقدر" (33: 5، 32). ولكنّ أيّوب ظلّ صامتًا بعد أن قال كلمته الأخيرة. واكتفى بما أوصى به أليهو في نهاية حديثه: "يرهبه كل الأنام وهو لا يحسب حساب من يظنّ نفسه حكيمًا" (37: 24). لن يتكلّم أيّوب اللغة اللاهوتية ولا لغة الصلاة والتوسّل والبكاء. إنّه يتكلّم لغة السجود والعبادة.

4- اللغة الصوفية: يهوه وأيّوب (38: 1- 42: 6)
وصل أيّوب إلى موقف التأمّل والمشاهدة، وهو مستعدّ الآن لكي يسمع لغة الله لا عبر وسيط نبويّ بل بصورة مباشرة في قلبه. دعا ألهو أيّوب لكي يخرج من ذاته ومن مشكلته الخاصّة لكي يرى الأمور العظيمة. وإذ تحقّق أيّوب كم هو صغير، أخذت الأشياء حجمها الحقيقي. وتلاحقت أسئلة الله. هو لم يعط الأجوبة المطلوبة. إنّه يتكلّم عن مواضيع عديدة، ولكنّه لا يعالج مشكلة أيّوب. إنّه يدعوه لكي ينسى نفسه، يدعوه إلى التأمّل والإعجاب والاندهاش. حينئذ شاهد أيّوب مرّة أخرى العظمة والجمال والحكمة والبهاء.
وكان جواب أيّوب الصمت. وإن تكلّم بعد فلكي يقول إنّه لن يتكلّم (40: 4- 5)، إنّه أساء عندما تكلّم (42: 2- 3) وإنّه يتراجع عن كلامه: "لهذا أُنكر مقالتي وأندم في التراب والرماد" (42: 6). لقد وصلنا إلى مستوى لغة المشاهدة، اللغة الصوفية، حيث يحلّ الصمت محلّ الكلام. وبعد الكلام والصمت جاء دور النظر: "كنت أعرفك بالسماع، أمّا الآن فرأتك عيناي " (42: 5). كان على البطل أن يتكلّم وها هو الآن يرى. 
وها نحن نلخّص الطريق الذي قطعناه: لغة الإيمان الشعبي، اللغة اللاهوتية، اللغة النبوية، اللغة الصوفية. لغة الشك والارتياب (مونولوج: من يقدر أن يجيبني؟). لغة الصلاة (توسّل ورجاء: لو أراد الله أن يجيبني). لغة العبادة والسجود.
خرج أيّوب منتصرًا من المحنة الرئيسية. هو لم يلعن الله في وجهه، فخسر الشيطان رهانه. لقد وصل البطل إلى المحنة التي تصل به إلى المجد: أقرّ الرب أنّ أيّوب، في مرضه، تكلّم عنه بطريقة صحيحة أمام الآخرين. وسار أيّوب في طريق طويل، وانتقل من لغة إلى أخرى. قد لا يكون هذا الطريق طريق كل مؤمن، ولكنّ مؤمنين عديدين يجدون نفوسهم فيه. فبعد القبول للألم قبولاً أعمى في الإيمان، تأتي الشكوك والبحث عن الأجوبة النظرية. وحين لا تكفي هذه، يتوجّه الإنسان نحو الله في الصلاة. هناك عدد من الناس يجد الإلهام في التيّار المواهبي وعدد آخر يجد السلام في المشاهدة الصوفية الصامتة.
حلَّ التوبيخ بأصدقاء أيوب لأنّهم لم يكلّموا الإنسان المتألّم عن الله بطريقة صحيحة. تصرّفوا بصورة خاطئة ولكنّهم لم يكونوا كاذبين. ليست اللغة اللاهوتية لغة دينية كاذبة، ولكنّها قد لا تنفع الإنسان المتألّم. في هذا الوقت تترك المكان وتحلّ محلّها لغات تحدّث الإنسان في قلبه وتعيد إليه الرجاء.
الفصل الخامس
سفر الأمثال

المقدّمة
سفر الأمثال هو مجموعة أمثال من مصادر متعدّدة، هو مجموعة مجموعات. سفر الأمثال هو جزء من هذا الفنّ الأدبي الذي ازدهر في الشرق من مصر إلى العراق مرورًا بسورية ولبنان وفلسطين والأردن، هو جزء من الآداب الحكمية. والقرابة ظاهرة بين ما كتب العبرانيّون وما كتبه السومريّون والأشوريّون والبابليّون والحثّيّون والمصريّون والكنعانيّون والفينيقيّون. المواضيع عينها، بل العبارات والكلمات. كل هذا يشهد على حياة أدبية دوليّة دخل فيها شعب إسرائيل فتعلّم الكثير من جيرانه، وطبعها بطابعه الخاص المبنيّ على وحدانية الله الذي هو وحده رب وخالق السماء والأرض.
اسم الكتاب وكاتبه
اسم الكتاب: الأمثال. يجد مكانه في التوراة العبرية بين سائر الكتب، بعد أيّوب وقبل المدارج الخمسة التي تُقرأ في الأعياد الكبرى. أمّا في الترجمة السبعينية اليونانية كما في الشعبية اللاتينية وفي البسيطة السريانية فهو يأتي بعد المزامير ويسبق الجامعة.
عنوانه: أمثال سليمان بن داود، ملك أورشليم. يُنسب سفر الأمثال إلى سليمان وهو الذي اشتهر بحكمته (1 مل 3: 11- 8 ؛ 5: 9- 14؛ 10: 1- 9)، كما تُنسب إليه سائر الأسفار الحكمية. أما قال "ثلاثة آلاف مثل " (1 مل 5: 12)؟ نحن لا نريد أن نسلب حقّ سليمان كلّيًا. ولكنّنا نقول إنّ الحكمة بدأت قبل شعب إسرائيل وامتدّت بعده. لا شكّ في أنّ هناك أمثالاً تعود إلى سليمان، نحن لا نعرفها. ولكنّ هناك كتلة مغفلة هي ثمرة الملاحظة والتجارب لا نعرف كاتبها، إنّها بِنت الحياة اليومية والحكمة الشعبية.
شدّد جامع الأمثال على أنّ سليمان هو ابن داود وملك إسرائيل. وقال الشرق كلّه إنّ الملك هو نبع الحكمة. ومن بالنسبة إلى الشعب الإسرائيلي، الملك الأوّل هو الرب. أمّا ملك الأرض فهو ينقل إلى الشعب أقوال الرب. قالت المرأة التقوعية لداود: "إنّ لسيدي الملك حكمة كحكمة ملاك الله في فهم جميع ما في الأرض " (2 صم 14: 20). أمّا سفر الأمثال فربط بين الرب من جهة (16: 1- 9) وبين الملك من جهة ثانية (16: 10- 15) ليشدّد على الرباط بين الاثنين وعلى حقّ الملك بأن يفعل كالأنبياء وينقل إلى الإنسان أقوالاً إلهية.
وقال جامع الأمثال أيضاً: سليمان بن داود. هل كنّا بحاجة إلى هذه الملاحظة، ومن لا يعرف في إسرائيل أنّ سليمان هو ابن داود؟ ما أراد الكاتب بكلامه هو أن يضفي مسحة قدسيّة على كتاب يمكن أن يكون من كتب البشر لا من كتب الله. فداود هو مسيح الرب وقد حمل في شخصه العهد والمواعيد. لا شكّ في أنّ سفر الأمثال لا يتحدّث عن داود ولا عن العهد والمواعيد، ولكنّ وجود هذا العنوان يفهمنا أنّنا أمام لاهوت ديني. وهذا يعني أيضاً أنّ فصول سفر الأمثال جزء لا يتجزّأ من الوحي الإلهيّ الذي عبّر عن ذاته عبر تاريخ بني إسرائيل. إنّها تقدّم الوحي في وجه إنساني يقرأه كل إنسان، أكان يهوديًّا أم غير يهودي، فيصل من خلال الأقوال البسيطة إلى نظرة أخلاقية ودينية تقرّبه من إله العهد.

تصميم الكتاب وبنيته
يبدأ الكتاب بمقدّمة عامّة (1: 2- 7) توضح مضمونه وتدلّ على عنوانه. أمّا هدف الكاتب فهو أن ينقل اختبارًا أخلاقيًا ودينيًا يساعد الإنسان على السلوك المستقيم والعاقل في مختلف ظروف الحياة. نحن أمام اختبار المعلّمين يعطونه علمًا لتأديبنا، ولكنّه اختبار ينطق من الله لا من الإنسان.
ثمّ يمتدّ الكتاب في تسع مجموعات متفاوتة سنتحدّث عن كل منها بالتفصيل.
المجموعة الأولى (8:1- 18:9). الحكمة تدعونا. إنّها كأب يحرّض أبناءه على الابتعاد عن عشرة السوء وعن المرأة الزانية. الحكمة توجّه إلينا الحديث وهي بعيدة كل البعد عن الجنون والسفاهة. تتوجّه إلينا بأسلوب قريب من أسلوب سفر التثنية أو نبوءة إرميا أو بعض أشعيا، فتكلّمنا عن نفسها ودورها في عمل الخلق. دوّنت هذه المجموعة في بداية القرن الخامس ق م يوم وصل الكتاب إلى شكله النهائي، فكانت آخر ما دُوِّن من مجموعات سفر الأمثال.
المجموعة الثانية (15: 1- 22: 16). هذه أوّل مجموعة سليمانية. تتألّف من 376 مثلاً تتعلّق بالأخلاق. طابعها طابع ديني وفيها يرد اسم الله مرارًا. هذه المجموعة هي أقدم ما في سفر الأمثال، كل حكمة تتألّف إجمالاً من بيتين متكاملين، يكون معنى البيت الواحد مغايرًا لمعنى البيت الآخر. لم تنظَّم هذه الحكم، بل وُضعت بشكل خليط فلم تُرتَّب حسب الموضوع الواحد. هناك بعض الآيات تبدأ بالحرف الواحد (11: 9، 10، 11، 12 تبدأ بحرف الميم، 15: 12، 13، 14 تبدأ بحرف اللام). وهناك آيتان تجمعهما كلمة واحدة (الدمار في 10: 14، 15)، وهناك آيات تجتمع في موضوع واحد (16: 1- 7: الرب، 16: 10- 15: الملك). هذا يدلّ رغم كل شيء على التبعثر بالأمثال، ويبيّن سبب وجود مراجعات للمثل الواحد. فما نقرأه في 14: 12 نقرأه أيضاً في 16: 25 وكذلك في 2:10 ب و 11 :4 ب ؛ 15:10 أو 18: 11 أ...
المجموعة الثالثة (17:22- 24: 22). هي أوّل مجموعة للحكماء، وتبدو أحدث عهدًا من سابقتها. في هذه المجموعة نجد قسمًا (17:22- 14:23) قريبًا من حكمة امينوفي المصرية وقصيدة عن مساوئ الخمر (29:23- 35).
المجموعة الرابعة (23:24- 34). هذه مجموعة الحكماء الثانية وهي قصيرة جدًّا. تتضمّن قصيدة عن الكسلان.
المجموعة الخامسة (25: 1- 29: 7). المجموعة السليمانية الثانية. وهي تتضمّن 127 مثلاً، وكل مثل يتألّف من بيتين يتقابلان. مجموعة قديمة مثل المجموعة الأولى إن لم تكن أقدم منها.
المجموعة السادسة (30: 1- 14) تتضمّن كلام آجور بن ياقة وهو حكيم لا ينتمي إلى أرض إسرائيل.
المجموعة السابعة (30: 15- 33). نقرأ فيها سلسلة من الأمثال العددية. ثلاثة يعجزني فهمها والرابع لا أعلمه. مثل هذا الأسلوب نجده أيضاً في سفر عاموس النبي (3:1 ي).
المجموعة الثامنة (31: 1- 9). تتضمّن كلام لموئيل الملك، وهو حكيم لا ينتمي إلى بني إسرائيل، بل إلى بني المشرق مثل آجور.
المجموعة التاسعة (31: 10- 31). تنشد المرأة الفاضلة في اثنين وعشرين بيتًا تتعاقب تعاقب الحروف الأبجدية. هذا النشيد هو جواب لما قرأناه عن الحكمة (9: 1 ي) وتطبيق لهذه الصفة في حياة المرأة.

الحكيم والحكمة
الحكمة ترتبط بالله وتشاركه في عمل الخلق (8: 22- 31)، لهذا فهي ينبوع الحياة الذي يحفظنا من الشر والموت ويقودنا إلى مخافة الرب وإلى الخيرات التي تنتج عن هذه المخافة. ولكنّ هذه الحكمة لا تبدو مجرّدة، إنّها كائن حي يقف بقرب الله، إنّها امرأة تدير أمور بيتها. لهذا فاقتناء الحكمة يفترض استعدادات أخلاقية منها الإصغاء والطاعة.
بما أنّ الحكمة هي كريمة بهذا المقدار، فعلى التلميذ أن يبحث عن الوسائل التي تساعده على اقتنائها. تحدّثنا عن الإصغاء، هذا الاستعداد الضروري الذي يتردّد في سفر الأمثال. "إسمع يا بني " (1: 8؛ 4: 10 ؛ 23: 19). نُصغي بالأذن ونميل قلبنا إلى الفهم (2: 2). نعي الأقوال ونحفظ الوصايا (2: 1). نجعلها أمام عيوننا (4: 21) نشدّها في عنقنا، نكتبها على لوح قلبنا (3:3) لئلاّ ننساها (4: 5). ونحاول أن نفهم هذه الأقوال ونتأمّل فيها، فهي "تهديك في سيرك وتحافظ عليك في رقادك، وإذا استيقظت فهي تحدّثك " (6: 22). من أجل هذا، نعاشر الحكماء ونتجنّب السفهاء (13: 20؛ 7:14) ونقبل كل أشكال التأديب.
ولكنّ كل هذه الاستعدادات لا تنفع إن لم نعد إلى الله الذي يعطي الحكمة. قال الكتاب: "الرب يؤتي الحكمة" (2: 2)، ومخافة الرب أو الديانة هي بداية ومبدأ ومدرسة الحكمة (9: 10 ؛ رج 1 :7؛ 15: 33). من أجل هذا يحذّرنا الحكيم من الكبرياء (7:3) ويدعونا إلى التواضع (3: 34؛ 11: 2؛ 22: 4). وأخيرًا، فإنّ من يطب الحكمة يجتنب الشر: "خف الرب وجانب الشر" (7:3). مخافة الرب تقوم بأن تبغض الشر (13:8).
الحكمة هي الخير السامي وهي تفوق القوّة (22:21) وقيمتها أعظم من الفضّة والذهب المصفّى وكل حجر كريم (3: 14- 15؛ 8: 10- 11 ). من أجل هذا، فهي تمنحنا السعادة. ولهذا يهتف الكاتب: هنيئًا للرجل الذي وجد الحكمة (13:3؛ 14: 21). هو سفر الأمثال يَعد الفرد بسعادة وعدت بها الشريعةُ الأمّةَ كلّها. نقرأ في تث 28:12: احفظ واسمع جميع هذا الكلام الذي أنا آمرك به لتحصل على السعادة. إنّها تتجاوب مع سفر الأمثال (16: 20). من يسمع كلام الرب يفوز بالخير ومن يتّكل على الرب يعرف السعادة.

مسألة الثواب والعقاب
مسألة الثواب والعقاب تسيطر على فكر الحكماء الذين كرّسوا لها أقوالاً عديدة، فلا يمكن الهروب من المجازاة. لهذا يقول الكتاب: من مسّ امرأة قريبه نال نتائج مؤلمة (6: 29)، لا ينجو الأشرار من العقاب، أمّا ذرّية الصدّيقين فتنجو (11: 21)، الرب يكره المتكبّرين وهو لا شكّ يعاقبهم (5:16).
والمجازاة فرديّة، كما قال إرميا (31: 29- 30) وحزقيال (18: 2- 4). يقول الحكيم: إن كنت حكيمًا فلنفسك، وإن كنت متكبّرًا تتحمّل النتائج (12: 14). كل واحد يعود إليه عمل يديه (21: 14)، والله يجازي البشر على أعمالهم (24: 12).
لا مهرب من المجازاة. هذا ما نجده في نصوص عديدة تقدّم لنا في لوحة واحدة مصير الأبرار ومصير الأشرار. الرب يلعن بيت الأشرار ويبارك منزل الصدّيقين (3: 33). سبيل الصدّيقين يشبه النور المتلألئ، وطريق الأشرار كالظلام وفيه يعثرون (4: 18- 19). لا يصيب البارّ شر، أمّا الأشرار فيغرقون في الشرور (12: 21).
والمجازاة تتوقّف على هذه الأرض فلا تعرف الحياة الأخرى حيث يُكرَم الأبرار ويُعاقب الأشرار. فني الجحيم (أو الشيول) مثوى جميع الموتى، تجد ظلالاً مائعة لا يهتمّ بها الرب. إذًا، من الضرورة أن يُكافَأ البار خيرًا في هذه الدنيا وأن يعاقب الشرّير في هذه الدنيا: "إذا كان الصدّيق يجازي على هذه الأرض، فبالأحرى الشرير والخاطئ " (11: 31). ولكن كيف نوفّق هذا القول مع معطيات الاختبار اليومي؟ سيثور أيّوب على هذا الوضع، ويرفضه الحكيم الذي دوّن سفر الجامعة. أمّا سفر الأمثال فيتقبّل هذا الموقف بصفاء وهدوء.
والمجازاة تسير بطريقة آلية. أنت خطئت، إذًا تُعاقب. أنت أحسنت، إذًا تُكافأ. فهناك شريعة مكتوبة في قلب أعمالنا ولا نستطيع أن نفلت منها. يأكل الإنسان من ثمرة سلوكه ويشبع من مشوراته (1: 31). الشرّير تأخذه آثامه وفي حبائل خطيئته يؤخذ (5: 22). الشرّير يسقط بشره والغادر يُصطاد بفجوره (11: 5- 6). من يضلّل المستقيمين في طريق السوء فهو يسقط في هوّته والسعادة محفوظة للسالكين في طريق سليمة (28: 10).
ولكن يجب أن نفهم أنّ هذه الآلية في المجازاة تعبّر عن إرادة الله الذي هو سيّد مصائر البشر الرب صنع كلّ شيء من أجل هدف معيّن والأشرار أيضاً ليوم السوء (16: 4). لا شيء يفلت من علم الله، فعينا الرب في كل مكان، تراقبان الأشرار والأخيار (3:15) الشيول والهاوية هما أمام الرب، فبالأحرى قلوب البشر (15: 11). يأخذ الله قرارًا فيتم في البشر جميعًا. يقول الكتاب: الرب يوجّه خطوات البشر (20: 24). ويقول أيضاً: تُلقى القرعة من أجل معرفة المستقبل، ولكنّ الله هو الذي يعطي الجواب (16: 33). ويقول: في قلب الإنسان مشاريع كثيرة ولكنّ قرار الرب هو الذي يثبت (19: 21).

سعادة الأبرار
نعبّر عن كل تعليم المجازاة في آية تتقابل معانيها: لا يصيب الصدّيق شرّ والأشرار تفيض عليهم الشرور (12: 21)، أو: الشقاء يلاحق الخطأة والسعادة تجازي الأبرار (13: 21). ممّ تتكون هذه السعادة؟ إنّها تقوم في الحياة لا في الموت. تَمسَّك بالتأديب فهو أساس الحياة (4: 13)، إحفظ وصاياي فتحيا (7: 2). وقالت الحكمة: من وجدني وجد الحياة (35:8). فالحكمة هي شجرة حياة (18:3) وطريق الحياة وينبوع حياة (23:6؛ 4 27:1). ويجب أن تكون هذه الحياة طويلة. يا بُنيّ، لا تنسَ شريعتي، فإنّها تزيد طول أيّامك وسني حياتك (3: 1- 2). وقالت الحكمة: بي تكثر أيّامك وتُزاد لك سنوات حياة (9: 11). وتكون هذه الحياة سعيدة طيّبة تملأها الأمجاد والنجاح. فالسعادة ثواب الأبرار (13: 21) ومع الحكمة بعض الغنى والمجد والخيرات الدائمة والبرّ (8: 18). مثل هذه الحياة السعيدة تجد الاطمئنان والثبات من لدن الرب. من يسمع الحكمة يسكن في دعة مطمئنًّا ولا يخاف السوء (33:1) وإنّ من يتّكل على الرب لا يصيبه سوء (29: 25). وحتّى الصحّة تكون إحدى العطايا تمنحها الحكمة (3: 7- 8). وإليها يزاد خيران ثمينان في نظر الإسرائيلي الذي لم يعرف حياة ثانية بعد القبر وهما: نسل يكون امتدادًا للذين ذهبوا (13: 22؛ 20: 7)، وذكر مكرِّم يدوم في قلب البشر أجل سيتذكّر الناس الأبرار وينسون حتّى اسم الأشرار. اسم الأبرار يُبارك، أمّا اسم الأشرار فيزول (2:10).
تلك هي الخيرات التي يحصل عليها البار من بركة الرب، تلك هي السعادة التامة التي يحصل عليها تلميذ الحكمة في هذه الدنيا.



مصير الأشرار
وتجاه هذه اللوحة المنيرة التي ترسم سعادة البار، نجد صورة عن الشرور التي تصيب الشرير فلعنة الرب تقيم في بيت الشرير وتطبع كل حياته بطابع الشقاء (12: 21؛ 21:13).
أوّل عنصر من هذا الشقاء هو الحياة القصيرة. تقصر سنوات الأشرار فيموتون قبل أوانهم (10: 27؛ 11: 30) وينطفئ مصباحهم (13: 9). إذا كانت حياة البارّ تفيض غنى وكرامة واطمئنانًا وثباتًا، فحياة الشرّير تعرف العوز والمهانة والقلق وعدم الثبات والدمار. يعرف العوز فيصرخ بطنه من الجوع (3: 25)، يعرف المهانة كالجهّال الذين يحصلون عليها (3: 25). لا يطمئن إلى حياته لأنّ طريقه كالظلمة فلا يرى العوائق فيعثر (19:4)، ولا يثبت واقفًا حين تمرّ العاصفة (25:10)، فيدمّر بيته (14: 11) ويموت أمله وانتظاره (10: 28؛ 11: 7).
وهناك مصيبة مُرّة تحل به: إنّه يدفع عن البارّ ويحلّ محلّه في الشقاء (8:11؛ 21: 18). والمصيبة الكبرى في إطار المجازاة على الأرض هي أنّ الشرّير يموت ولا عقب له، وإن ترك عقبًا يكونون أشرارًا، وهكذا يبلى اسمه (7:10).
هذه الطريقة في تصوّر مصير البارّ والشرير توافق متطّلبات العدالة الإلهية، ولكنّها لا توافق الاختبار اليومي القاسي الذي عاشه إرميا فصرخ متوجّعًا: لماذا ينجح مصير الأشرار؟ لماذا يعيش في سعادة الذين يعاملون الناس بالغدر (إر 12: 1)؟ وعاشه أيّوب فقال: لماذا يحيا الأشرار، لماذا لا يموتون؟ لماذا تطول أيّامهم وإذ تطول تنمو ثروتهم (أي 21: 7)؟ أمّا صاحب سفر الأمثال فلم يتأثّر بهذه الفوضى التي لا يراها أولا يريد أن يراها فيكتفي بأن يحذّر تلاميذه من " التجارب التي تنتج عن هذه الفوضى، وبأن يذكّرهم بأنّ الأشرار لا يفلتون على هذه الأرض من عقاب يستحقّونه فيقول: لا تحسد الرجل الظالم ولا تختر طريقًا من طرقه (3: ا 3). لا تحسد رجال السوء ولا ترغب أن تكون بينهم (24: 19). فالعقاب يأتي عاجلاً أو آجلاً، لأنّ الشرّير لا يفلت من العقاب (11: 21)، فلا مستقبل له (24: 20). فلننتظر النهاية والعاقبة التي ستكون مرّة كالعلقم حادّة كالسيف (5: 4). وتأتي المصيبة على الشرّير ساعة لا ينتظرها، تأتيه كالعاصفة والزوبعة (27:1) وتحطّمه دون دواء (15:6).
ولا يتعجّب البارّ ولا يتذمّر من المحن التي تصيبه، لأنّ الربّ يؤدّب الذين يحبّهم، كما يؤدّب الأب ابنه (12:3). وهكذا يكون كلّ شيء مطابقًا لعدالة الله التي لا تعرف الحكم الاعتباطي ولا النسيان.



أصدقاء الحكمة وأعداؤها
أصدقاء الحكمة هم الحكماء (يرد اسمهم أكثر من 30 مرّة) الذين هم التلامذة المتعطّشون إلى اقتناء الحكمة واقتفاء طرقها. وهم العقلاء (13 مرّة) الذين يفهمون تعليم الحكمة ويعرفون كيف يقدّمونه للآخرين. وهم أصحاب الفطنة (8 مرّات) الذين يواجهون مشاكل الحياة وظروفها بقلب كبير. وهم ذوو الحكم الصائب الذين يعرفون كيف يتصرّفون. في هذا العالم، عالم أصدقاء الحكمة، نجد الصالحين والمستقيمين والأبرار الذين لا عيب فيهم.
أمّا أعداء الحكمة فهم المجانين (14 مرّة) بجنونهم (22 مرّة) الذين لا يقدرون أن يفهموا فيعصوا كل تعليم. وهم الذين لا قلب لهم ولا عقل (10 مرّات) الذين يسيئون عمل كل شيء. وهم الجهّال (3 مرّات) الذين لا عقل لهم والذين ضلّوا عن عالم الروح. وهم الساخرون (14 مرّة) الذين يهزأون بالله وبأصدقاء الحكمة ويلاحقونهم بالكلام القاسي. وهم الحمقى (48 مرّة) الذين يرفضون كلّ نصيحة ويرضون عن نفوسهم لأنّ عقلهم غليظ. وهم البلهاء، وهم الأغرار (14 مرّة) الذين نقصتهم الخبرة فوقعوا في كل فخّ. فني هذا العالم، عالم أعداء الحكمة، نجد الأشرار والمنافقين والخطأة والغادرين.

بعض من وجهات الحياة
الديانة
تتلخّص الديانة في وحدانية الله المطلقة. الله هو العالِم بكل شيء. وهو القدير والخالق والسيّد المطلق والديّان السامي وصديق الصغار والمساكين. أمّا موقف الإنسان من الله فهو المخافة في الطاعة والاحترام والتقوى والمحبّة والتواضع. يحفظ الإنسان نفسه من كلّ كبرياء، ويتجنّب أن يكون حكيمًا في عيني نفسه، ولا ينسى أنّه خاطئ: من يقدر أن يقول: "نقيّت قلبي وصرت طاهرًا من خطيئتي " (9:20)؟ لا يشدّد سفر الأمثال على شعائر العبادة (3: 9- 10)، وإن كان يشير إلى الاستعدادات الأخلاقية التي ترافق الذبائح (15: 8 ؛ 21: 27) وتعطيها قيمتها.

العائلة
هي النظام الأساسي. لا يتحدّث الكاتب عن الزواج الواحد، ولكنّه ينشد سعادة الحياة الزوجية والفرح في أن يجد الإنسان نفسه مع امرأة صباه (5: 15- 20). ويشدّد أيضاً على واجب الأمانة بين الزوجين وعلى أخطار الزنى والفجور. وعلى الأبناء أن يسمعوا لوالديهم، أن يطيعوهم ويحترموهم ويكرّموهم ولا يؤذوهم ولا يتخلّوا عنهم في شيخوختهم.

المرأة
حكم الكاتب قاسٍ على المرأة: إنّها الفاجرة والبغيّة التي تضع الفخاخ فتقود إلى الدمار بعد أن يصبح الإنسان أمامها كرغيف من الخبز (6: 26). ولكنّ أخطر امرأة هي الزانية التي تركت صديق صباها (2: 17). إعتادت على الخيانة، فتفنّنت في الإغواء، وجرّت كلماتُها المعسولة الشابَ الغرّ الذي يتسكّع في الشوارع الضيقة (7: 5- 27). سيثور زوجها عليها ويكون انتقامه مريعًا (6: 34). وهناك المرأة النقناقة واللجوجة والتي قال فيها: المرأة الجميلة الخالية من الفهم خرص من ذهب في أنف خنزيرة (11: 22). 
ولكنّ هناك المرأة ذات النعمة (11: 16)، والمرأة العاقلة التي هي عطيّة من الرب (19: 14)، والمرأة الفاضلة (12: 4) التي يختتم بها الكاتب أمثاله (31: 10- 31).
مثل هؤلاء النساء سعادة لأزواجهنّ (18: 22) وإكليل غار لهم (12: 4). يحملن إلى الرجل كل خير، ولاسيّمَا الحبّ الذي يتصوّره سفر الأمثال (5: 15- 20) على غرار ما نقرأ في نشيد الأناشيد.
مكانة المرأة رفيعة في العائلة. إنّها تنظّم اقتصاد البيت، وتسيّر أمور منزلها (31: 27)، وتشارك في تربية أبنائها. "اسمع يا بنيّ تأديب أبيك ولا ترذل تعليم أمّك " (8:1). ولهذا وجب على الأبناء أن يُفرحوا قلبها بسلوكهم ونجاحهم (25:22)، وأن لا يستهينوا بها في شيخوختها (23: 22). وسيأتي يوم ينضمّون فيه إلى أبيهم ليمدحوا أمّهم فيقولون: "كم من البنات كنّ فاضلات، أمّا أنت ففقت عليهنّ جميعًا" (29:31).

التكبّر والتواضع
يحذّر سفر الأمثال مرارًا من التكبّر فالمتكبّر، مهما تبدّلت أسماؤه، يكرهه الربّ. إنّه رجس لديه، وآخرته الدمار لأنّ الرب يقتلع له بيته (15: 25) أي يزيله ويزيل معه نسله. أمّا المتواضع فيحوز رضى الرب الذي يمنحه الحكمة والغنى والكرامة والحياة المديدة.

الغضب والغضوب
للغضوب أسماء عديدة في سفر الأمثال. من أصابته هذه الرذيلة لا يعرف كيف يضبط نفسه فيصبح كسيل جامح (27: 4) أو كمدينة لا سور لها يحميها (28:25). وتجاه الغضوب هناك الطويل البال والبطيء عن الغضب الذي يضبط نفسه. ويمتدحه الكاتب بهذا المثل: الطويل البال خير من الجبّار، والذي يضبط نفسه أفضل ممن يأخذ المدن (16: 32).


الخلاف والخصومة
إحدى نتائج الغضب أنّها تولّد الخصومة التي هي ضربة قاسية على العائلات والمجتمع. ويشارك الغضوبَ في خلق الخصومة الإنسانُ الطمّاع والمبغض والفاسد والجاهل والسكّير. كل هؤلاء يُشعلون الخصومة. أمّا الحكيم فيتجنّب الخصومة ويهدئها ويهرب منها ولا يتدخّل في خلافات الغير.

اللسان
هناك أكثر من مئة مثل على اللسان. فالموت والحياة في يد اللسان والذين يستعذبونه يأكلون من ثماره (18: 21). حسنات اللسان (أو الفم) أنّه ينبوع حياة لنا وللآخرين فنأكل من ثمرها (13: 2) ونحمل إلى الآخرين الهدوء والشفاء والفرح والحياة. وسيّئات اللسان كثيرة، فكثرة الكلام لا تخلو من زلة (10: 19). وكم من الكلام الذي لا فائدة فيه، وكم من خطر وراء الكلام المعسول (13:7- 21)، وكم من شرور تنتج عن لسان السوء! وهناك المتكلّم الممالق الذي يدخل كلامه في أعماق البطن (8:18)، ولكنّه يفصل بين الأحبّاء ويشعل الخصومات. لهذا يدعونا سفر الأمثال إلى الصمت: من ضبط شفتيه فهو عاقل (10: 19) ومن حبس أقواله عرف العلم (27:17) وزاد: بل السفيه إذا صمت يُحسب حكيمًا، ومن ضمّ شفتيه ساكتًا يُحسب فطنًا (28:17).

الكذب
يتحدّث سفر الأمثال عن الكذّاب، عن اللسان الكاذب والشفاه الكاذبة، عن الإنسان الذي يتلفّظ بالكذب ويغشّ قريبه، عن القلب المعوّج والإنسان المعوّج وعن صاحب الشفاه الملتوية والطرق الملتوية... كل هذا التجميع يدلّ على خطورة هذا الشرّ وضرورة إزالته من بين الناس. ويقدّم الكاتب حكمًا قاسيًا فيقول: من استسلم إلى الكذب صار مكروهًا من الله ، رجسًا عند الله ، وهو يهلك هلاكًا. الرب يريد الاستقامة ويطلب منّا أن نسير في الطريق المستقيمة (4: 11) فلا نميل عنها يمنة ولا يسرة، وأن نتكلّم ونتصرّف باستقامة. فالناس المستقيمون ينعمون بحماية الله في كل أشكالها.

القضاء
منعت الشريعة (خر 23: 3، 8؛ لا 19: 15؛ تث 16: 19؛ 27: 25) المحاباة والرشوة في العدالة، ولكنّهما ظلّتا راتعتين كالوباء في أرض إسرائيل. شجبهما الأنبياء مرارًا (أش 1: 23 ؛ إر 5: 28؛ عا 2: 6- 8؛ مي 3: 9- 11). وهكذا فعل سفر الأمثال فقال: مبرّر الخاطئ، ومؤثّم البار كلاهما رجس عند الرب (17: 15). ودعا إلى إحقاق حقّ المسكين والبائس (31: 9) وإلى الابتعاد عن الرشوة التي تحرّف سبل القضاء (17: 23).
وأحد عناصر القضاء هو شاهد الزور. إنّه شرّ الكذّابين. فإن كان شاهد الحقّ ينقذ النفوس (14: 25)، فالرجل الذي يشهد كذبًا على أخيه هو مطرقة وسيف وسهم مسنون (18:25). لهذا فهو رجس عند الرب (19:6) الذي سيعاقبه لا محالة.

الكسل
حارب الحكماء هذه الرذيلة بسبب انتشارها وخطورتها. فصوّروا لنا الكسلان في فراش وهو أفضل مسكن يقيم فيه. لا يفكّر إلاّ في النوم، وإن وجب عليه أن يقوم دار على فراشه وجذب أعضاءه قبل ان ينسلخ من لذّته. إذا جلس إلى المائدة تنكّف من رفع يده إلى فمه (19: 24). وإذا فرض عليه أن يخرج قال: في الطريق أسد (22: 31). لا يَفلح حقله فلا ينبت له إلاّ الشوك والعلّيق، وجدار حجارته انهدم (24: 31). الخراب يحيط بالكسلان من كل جانب، فحكم عليه الكاتب بهذا الكلام: نظرت وفكّرت، رأيت فأخذت العبرة: قليل من الوسن، قليل من النوم، طي اليدين قليلاً للراحة، فيأتيك العوز كساع والفاقة كرجل متسلّح (24: 32- 34). هذا ما يحلّ بالكسلان. أمّا المُجدّ فينال الفائدة والغنى والسلطان وتستجاب كل رغباته.

الغنى والفقر
فوائد الغنى: لا يشجب الحكماء الغنى. انطلقوا من الخبرة ومن الذوق السليم فقالوا: الثروة تعطينا الأصدقاء (14: 20) والمقام الرفيع (18: 16) والسلطان (22: 7) والحماية والاطمئنان (10: 15). أمّا الفقير فهو محروم من كل هذه الخيرات (10: 15). أخطار الغنى: أن نربحه بسرعة وبطرق ملتوية (27:15)، أن نفضّله على الخيور الروحية كالبرّ والفطنة والحكمة والسمعة الحسنة. أن نضع ثقتنا فيه لأنّه خير عابر. لا تتعب لتقتني الغنى وتخلّ عن هذا التفكير. ما إن تطمح عيناك إليه فهو قد زال. صنع لنفسه جناحين وطار كالنسر إلى السماء (23: 4- 5).
أمّا أفضل طريقة للاحتماء من أخطار الغنى فهو أن نستعمله استعمالاً حسنًا لاسيّمَا في مساعدة الفقراء. فمن أعان البائس حصل على بركة الله وابتعد عن فخاخ الغنى. وهنا نتذكّر هذه الصلاة الجميلة: "لا تعطني الفقر ولا الغنى، بل أرزقني من الطعام ما يكفيني، لئلاّ أشبع فأجحد وأقول: من هو الرب؟ أو أفتقر فأسرق واتعدّى على اسم إلهي " (30: 8 – 9 ).

الخمر
التحفّظ والاعتدال ضروريّان أمام الخمر. لا شرّفي شرب الخمر، بل يمكن أن يكون فيه دواء لصعوبات الحياة: اعطوا الخمرة القوّية للذي يموت، والنبيذ لمن يحسّ بمرارة في نفسه. ليشرب وينسَ شقاءه ولا يعود يتذكّر بؤسه (6:31-7). ولكن يجب على الملوك أن لا يشربوا الخمر لئلاّ ينسوا واجباتهم ويحرّفوا حقّ البائس (31: 5). ولا ينسَ الناس أنّ السكير والشره سواء، فهما يفتقران، وأنّ السكر يعرّض للضرب والإهانة (23: 29- 36). إذًا، "لا تكن بين الشرّيبين " (23: 20).

الحياة الاقتصادية
يمتدح الكاتب العمل في الحقول وتربية المواشي. فن زرع حقله شبع خبزًا، ومن اتّبع التفاهة شبع فقرًا (19:28). ولكنّه يشجب بشدّة الميزان غير العادل لأنه رجس عند الربّ (11: 1؛ 20: 10). وينصح الإنسان بأن لا يكفل أحدًا ولا يراهن على شيء، لأنّ الكفالة والرهان قادا إلى الفاقة. هذا هو موقف الحكماء المفعم بالفطنة وبُعد النظر.

الحياة السياسية
يكرّس سفر الأمثال أكثر من ثلاثين مثلاً للملك. لا انتقاد للنظام الملكي أو لملك من الملوك، بل عرض لامتيازات الملك. وهنا ينبّه الحكيمُ الملكَ لكي يمارس العدالة والمساواة، ويُبعد المستشارين الأشرار ويقرّب الخدّام الصالحين. وعلى الناس أن يخافوا الملك ويبتغوا رضاه ويخافوا من غضبه. فماذا كان الملك ومستشاروه صالحين عمّ الخير المدينة، وإذا تكاثر الصدّيقون، فرح الشعب، وإذا تسلّط الشرّير، انتحب الشعب (29: 2).

الحكمة شخص حيّ
هناك نصوص عديدة تقدّم لنا الحكمة على أنّها صفة إنسانية أو عطيّة من الله. ولكنّنا نجد مقاطع تبدو فيها الحكمة وكأنّها شخص حيّ (1: 20- 33؛ 3: 19- 20 ؛ 7: 4 ؛ 8: 1 -6:9).
الحكمة تنادي، تصرخ، تطلق صوتها (1: 20؛ 8: 1 ؛ 3:9). تقف في الساحة، على مفترق الطرق ليراها الجميع ويسمعها أكبر عدد ممكن من الناس. هي تعد وتهدّد، وتحصي غناها (8: 12- 21). تدعو إلى مائدتها (9: 1- 6) وتفتخر بأنّها تكوّنت منذ الأزل، وأنّها شاركت في عمل الخلق (8: 22، 30).
ولكي توصل الحكمة كلامها إلى الناس (8: 4)، فهي تستعمل كلمات الله كما أوردها الأنبياء: إلى متى (1: 22 ؛ رج إر 4: 14، 21)، ارجعوا (1: 23؛ رج أش 44: 22). بما أنّني دعوت فأبيتم (1: 24 أ؛ رج إر 7: 13؛ أش 65: 12). بما أنّي مددت يدي ولم يكن من يلتفت (24:1 ب؛ رج أش 2:65)، حينئذ يدعونني (28:1 ب؛ رج إر 11: 11؛ حز 18:8). يطلبونني فلا يجدونني (18:1 ب؛ رج عا 12:8؛ هو 1:6). 
لا ننسى أنّ الديانة اليهودية ديانة توحيدية، وأن لا إله إلا الله الواحد. فذراع الله ويده وسيفه وروحه ليست شخصاً آخر قرب الله. وكذلك نقول عن حكمته التي تدلّ على أنّه يسود الكون ويدبّره، وسنقرأ أيضاً عن هذه الحكمة في أي 28 ؛ سي 1: 1- 20 ؛ 4: 11- 19، 24؛ با 12:3- 2:4؛ حك 1: 1- 11: 4. وستكون هذه النصوص من الغنى بحيث إنّ كتّاب العهد الجديد أخذوا هذه الكلمات ليعبّروا بها عن كرامة كلمة الله المتجسّد.

خاتمة
نستنتج من سفر الأمثال أخلاقيّة سليمة. فهي تؤمّن الثبات في العائلة، والسلام في البيت، والوفاق بين الأفراد، والنظام في الدولة، كما أنّها تدعو إلى العمل والفضيلة. تدعونا إلى مخافة الله واحترام شريعته، إلى الفطنة والتعقّل في تصرّفاتنا، وتكبح جماح الرغبات وتحارب الشهوات. أمّا هدفها الأساسي فهو أن تجعل الإنسان سعيدًا بممارسة الفضيلة. "كن فاضلاً تكن سعيدًا". هذا هو شعار أخلاقيّة سفر الأمثال.
فهل نكون مخطئين إن نحن بحثنا عن السعادة؟ وهل نرمي أعمالنا في البحر ولا ننظر إلى نتائجها؟ فالجزاء ليس أمرًا سيئًا، ويسوع نفسه لم يشجبه ولقد قال لنا بولس الرسول: كلُّ يُجازَى حسبَ أعماله (روم 6:3 ؛ رج مت 27:16).
ثمّ إنّ السلوك العاقل الذي يستلهم شرائع الفطنة كما يعلنها الحكماء، يجد تطبيقًا له في الحياة حيث كل واحد يأكل ثمرة سلوكه (1: 31). فمعلّم الأخلاق لا يقدر أن يُجبر الناس على البطولة المطلقة ومدرسته ليست مدرسة البطولة. وهدف الأمثال أن تساعد الناس على العيش بأمان في الحالات العادية. أمّا في ساعة المحنة فنحتاج إلى الأنبياء والقدّيسين. 
ولكنّنا نقرّ أنّ هذه الدعوة إلى المنفعة الشخصية تزعجنا بعض الشيء: إفعل هذا فيكون لك ذلك. كم نحن بحاجة إلى بواعث أسمى لكي نتصرّف في الحياة. هل يكفي الخوف من الزوج المهان لنبتعد عن الزنى؟ هل يكني القلق على خيراتنا لنبتعد عن بعض الرذائل (39: 3)؟ ولكنّ الضعف الحقيقي لهذه الأخلاقية هو أنّها تأسرنا في هذا العالم. فلا حياة أخرى حقيقية حيث الثواب والعقاب. فالبشر هم مثل قطِيع يذهب إلى الشيول حيث يحيا الإنسان حياة يرقانية لا تعرف المكافأة ولا العقاب. إذَا من الضرورة أن ينال الأبرار والاشرار جزاء هم على هذه الأرض. وبسبب ذلك يتشوّه الواقع. ولكن سيأتي بعد هؤلاء الحكماء من يطرح المسائل في العمق. إنّما الجواب الحقيقي لن يكون في العهد القديم بل في العهد الجديد الذي لا يعطينا فقط حكمة بشريّة عرفها العبرانيّون في محيط هذا الشرق القديم، بل حكمة إلهيّة ليست فقط وصايا وأمثالاً بل شخص حيّ هو يسوع المسيح.
الفصل السادس
يشوع بن سيراخ

المقدّمة
سفر يشوع ابن سيراخ هو اليوم من أصعب الأسفار. والسبب هو أنّ المؤلّف دوّنه في العبرية فلم يصل إلينا في نصّه الأصلي، حتّى وإن اكتشفنا ثلثَيْ الكتاب في اللغة العبرية. ظلّت المسيحية عشرين قرنًا تقرأ هذا الكتاب عبر الترجمات اليونانية والسريانية واللاتينية وغيرها.
هذا السفر هو آخر زهرة في الحكمة العبرية قبل تفتّح المسيحية، وهو شيّق في وجوه متعدّدة. فن زاوية الحكمة، يأخذ الكاتب على عاتقه كل إرث شعبه الديني فيتميّز عن الحكماء السابقين. عمله هو خلاصة، وكدت أقول شميلة، رغم طابعه غير المنتظم. وهذا العمل هو جسر يفهمنا بعض تعاليم الرابّانيين (المعلّمين اليهود) القدماء كما يُدخلنا في جو العناصر الحكميّة التي نجدها في العهد الجديد.

1- الكاتب والذين تابعوا عمله
أ- ابن سيراخ
أوّلاً: عصره
كان ابن سيراخ معلّم حكمة في أورشليم في منعطف القرنين 3 و 2 ق م. كانت اليهودية والسامرة آنذاك جزءًا من سورية الجوفاء (البقاع) التي رغب فيها الجيران بسبب الغنى الموجود فيها وما تمنحه من ضرائب. أمّا الجيران فهم: اللاجيون في مصر والسلوقيون في أنطاكية. ظلّ اللاجيون أسياد سورية الجوفاء حتّى نهاية القرن الثالث تقريبًا، رغم هجمات أنطيوخس الثالث التي رُدّت على أعقابها سنة 217 في رافيا قرب غزّة. ولكنّ أنطيوخس الثالث استفاد من صغرسنّ بطليموس الخامس اللاجي الجديد فاحتلّ رافيا سنة 201. سارسكوباس على رأس الجيوش اللاجية لكي يطرده من هناك، فدخل اليهودية في نهاية سنة 199 ووصل إلى منابع الأردن، إلى بانياس. ولكنّ أنطيوخس الثالث انتصر انتصارًا ساحقًا أمّن للسلوقيين السيطرة التامّة على سورية الجوفاء وبالتالي أورشليم. وأمام هذه الحالة قال ابن سيراخ: "ينتقل المُلك من أمّة إلى أمّة بالظلم والعنف والمال " (8:10).
منذ منتصف القرن الثالث ق م كانت عائلة الطوبيائيين تؤمّن جمع الضرائب لحساب البطالسة في أورشليم وفي كل المنطقة. مات يوسف ابن أخي أونيا الثاني الكاهن الأعظم سنة 226، فترك الوظيفة لهركانس، أصغر أبنائه. وعلى منعطف القرن، يبدو أنّ هركانس الموالي للاجيين ترك مصر وأقام في شرقيّ الأردن. أمّا إخوته المقيمون في أورشليم فانتقلوا إلى الجانب السلوقي مع الكاهن الأعظم سمعان البارّ، فكانوا من الذين استقبلوا أنطيوخس الثالث في أورشليم سنة 0198 اعترف السيّد الجديد اعترافًا رسميًا بشرائع اليهود. وسمح لهم بترميم الهيكل وأسواره تحت سلطة الكاهن الأعظم. هذا ما يقوله ابن سيراخ: "سمعان بن أونيا عظيم الكهنة، هو الذي رمّم البيت في حياته، ووطّد الهيكل في أيّامّه. وعن يده وضعت أسس العلوّ المضاعف والحصن الشامخ لسور الهيكل. في أيّامه حُفر خزّان المياه، حوض كالبحر امتدادًا. اهتمّ بوقاية شعبه من الهلاك، فحصّن المدينة لئلاّ تُحاصر" (50: 1-4).
سنة 190، قُهر أنطيوخس الثالث على يد الرومان في مغنيزيا (تركيا). خسر قسمًا كبيرًا من الأراضي التي كان قد احتلّها، ولكنّه احتفظ بسورية الجوفاء وأُجبر على دفع جزية باهظة للذين انتصروا عليه. كيف العمل لدفع هذا الدين؟ تطلعّ خلَفه سلوقس الرابع (187- 175) إلى كنز الهيكل في أورشليم حيث وضع هركانس كل ثروته في حراسة أونيا الثالث الكاهن الأعظم. يروي 2 مك 3: 1 ي كيف فشل هليودورس الذي أرسله السلوقيون في مهمّته. وقد يعود سي 36 (= 33): 1- 22 إلى ذاك العصر. هذه الصلاة ذات الطابع المسيحاني والإسكاتولوجي، تذكّرنا بالمزمور العبري في سي 51: 12 وبالبركات الثمانية عشرة التي يتلوها اليهود في مجامعهم. هي تتميّز بعنفها وقساوتها عن سائر الكتاب بما فيها من صفاء وهدوء: إرحمنا، أيّها الرب إله الجميع، وانظر وألق رعبك على جميع الأمم. إرفع يدك على الأمم الغريبة ولترَ عزتك... أيقظ غضبك وَصُبَّ سخطك، ودمّر المقاوم واقضِ على العدوّ... ليؤكل الناجي بغضب النار وليلقَ مضايقو شعبك الهلاك. هشِّم رؤوس قادة الأعداء الذين يقولون: "ليس غيرنا".
بعد هذه الحادثة، أجبر أونيا الثالث على الذهاب إلى أنطاكية ليغسل التهّمة التي ألصقت به وهي أنّه تعاون مع الحزب اللاجي. ولكن في ذلك الوقت، قتل هليودورس سلوقس الرابع، وانتحر هركانس في شرقيّ الأردن. ولمّا صار أنطيوخس الرابع (175- 164) ملكًا، أقام ياسون الذي قدّم له فضّة أكثر من أخيه أونيا الثالث، كاهنًا أعظم. ولكنّ الوظيفة انتقلت سنة 172 إلى منلاوس شقيق مدير الهيكل الذي كان السبب في عزل أونيا الثالث. هكذا انتهت عائلة صادوق الكهنوتية. كل هذا يعني أن نص سي 23:50- 24 دوّن قبل سنة 172.
وبعد بضع سنوات ستنفجر ثورة المكّابيين على مشاريع أنطيوخس الرابع التلفيقية بين سنة 167 وسنة 164. ولكن لا شيء يشير إلى هذه الحقبة المتأزمّة في سفر ابن سيراخ. وهكذا يبدو أنّ ابن سيراخ كان قد مات قبل الحقبة المكّابية.



ثانيًا: من هو ابن سيراخ
إذا عدنا إلى مقدّمة الكتاب في اليونانية (آ 7- 12) ندرك أنّ ابن سيراخ دوّن مؤلّفه في عمر متأخّر. وهذا ما يقودنا إلى القول إنّه وُلد في منتصف القرن 3 ق م. أمّا الكتاب فلا يقول لنا الشيء الكثير عن مؤلّفه. وإنّ نص 13:51- 30 يفترض أنّ ابن سيراخ توجّه وهو شاب نحو الحكمة، وحين بلغ أشدّه، فتح مدرسة في أورشليم. كان تلاميذه من أبناء العائلات الغنيّة في المدينة، وكان على المعلّم أن يعدّهم للحياة، أن يعدّهم لمسؤولياتهم المُستقبلية في المجتمع. تعلّق هذا الحكيم بتقاليد شعبه كما نقلتها إليه الأسفار البيبليّة. كان رجل صلاة، فعرف أنّ الله وحده ينير الحكيم ويوجّه أقواله وأعماله. ثمّ إنّ شهرته جعلته مستشار العظماء ، فقام ببعض المهمّات في الخارج، مع ما في هذه المهمّات من مخاطر (39: 1- 11؛ 9:34- 13: الرجل الذي سافر كثيرًا يعلم الشيء الكثير). وبيّن 51: 1- 12 أنّه واجه الافتراء والنميمة: أحمدك أيّها الرب الملك، أنقذت جسدي من الهلاك، من فخّ اللسان النمّام، ومن الشفاه المختلقة للكذب. كان يشوع ابن سيراخ متزوّجًا فرزق أقلّه ولد، لأنّ المترجم اليوناني يسمّي نفسه حفيده (المقدّمة 7).
كان حلم ابن سيراخ أن يحلّ محلّ الكتّاب البيبليين السابقين ولاسيمّا الأنبياء. أمل أن يتجاوز مؤلّفه الزمان والمكان فلا ينحصر في عصر من العصور وفي أرض فلسطين وحدها. وقد تمنّى أن يدخل مؤلّفه في "كتابات " التوراة العبرية التي لم تكن لائحتها قد حدّدت بعد (المقدّمة 1- 14). فهو يقول عن نفسه: "أمّا أنت فكنت آخر من حمل المشعل، كمن يلتقط وراء القطّافين. ببركة الرب لحقت بهم وملأت معصرتي ككل القاطفين. لم أتعب من أجلي أنا وحدي بل من أجل جميع الذين يلتمسون التعليم " (33: 16- 18). وقال أيضاً: "وأنا كساقية من النهر ومثل قناة دخلت إلى الجنّة. قلت : أسقي بستاني وأروي زهراتي. فإذا بساقيتي صارت نهرًا، وبنهري قد صار بحرًا. سأضيء بالتعلم مثل الفجر وأجعله يسطع إلى بعيد. أفيض التعليم مثل نبوءة وأورثه الأجيال الآتية. انظروا، لم أتعب لأجلي فقط بل من أجل جميع الذين يلتمسون الحكمة" (16:23- 18).

ثالثًا: ميول ابن سيراخ
الحكماء هم رجال تقليد وحضارة. تقوم وظيفتهم بأن ينقلوا هذا الإرث إلى الجيل الجديد. من هذا القبيل نستطيع أن نتحدّث عن ابن سيراخ على أنّه رجل محافظ، شرط أن لا نجعل منه إنسانًا ذا أفكار ضيّقة ومنغلقًا على كلّ فكر غريب عن أفكار سابقيه. 
لا شكّ في أنّ ابن سيراخ يعود إلى الكتابات البيبليّة السابقة وخاصّة في مديح الآباء (ف 44- 49)، ولكنّه لا يعود بطريقة حرفية لا ابتكار فيها. ما يطلبه هو أن يسجَّل تعليمُه في تيّار الإرث الكتابي. وهذا ما نكتشفه حين نتحدّث عن تعليمه.
ظنّ بعض العلماء أنّه من أوائل شيعة الصادوقيين. ولكنّ هذا يعني تضخيم إشارات صغيرة غير مقنعة. قالوا: إنّه لا يتحدّث عن العواقب الأخيرة ولا عن المسيحانية. تهمّه الليتورجيّا ولكنّه لا يُعنى بالكثير من الممارسات اليهودية مثل الختان (ما عدا 44: 20) ورفض الزواجات المختلطة والأطعمة الممنوعة والحفاظ على السبت. ابن سيراخ هو حكيم قبل أيّ شيء آخر .
فرَضت عليه وظيفته أن يطلعّ على التيّارات الثقافية في عصره. وهو يرتبط بعض الشيء بالحكمة المصرية. فنحن نقرّب 38: 24- 33 من هجاء الوظائف في أقوال دواؤف. وهناك تقارب مع حكمة حقبة البطالسة فلا يبدو ابن سيراخ بعيدًا عن الحكمة الشعبية.
وما هو موقفه من التيّارات الهلّينية التي بدأت تتسرّب إلى أورشليم بواسطة السياسة والمال؟ ونتساءل أوّلاً: ماذا كان يغرف من الأدب اليوناني؟ يبدو من الاكيد أنّه عرف مؤلّفات الشاعر تيوغنيس (القرن 6 ق م). ولكن هل نستطيع أن نتحدّث عن تأثير الرواقية، بما فيها من روح شمولية وبحث عن الحرية، على ابن سيراخ؟ الأمر مشكوك فيه. الواضح هو أنّه لا يحمل بعنف على العالم الهلّيني. بل يأخذ ببعض العادات مثل الولائم الأكاديمية. هنا نقابل بين 32: 1- 13 (إذا جعلوك رئيسًا فلا تتكبّر، بل كن بينهم كواحد منهم. اهتمّ بهم ثمّ اجلس) و "وليمة" أفلاطون. ولكنّ نقاط الاتّصال هي ثقافيّة محض وهي لا تصل إلى المجال الديني إلاّ حيث يلتقي الفكر اليوناني بالتعليم البيبلي. فابن سيراخ وعى الخطر اليوناني وسحر التيّار الهلّيني على الشبيبة. فحاول أن يبرز تقاليد شعبه الأساسية لأبناء عصره. فللشعب العبراني تراثه كما للشعب اليوناني. ولن يشتدّ الصراع بين العالم اليهودي والعالم الهلّيني إلاّ في أيّام أنطيوخس الرابع.
ب- حفيد ابن سيراخ
نقرأ مقدّمة للترجمة اليونانية لمؤلّف ابن سيراخ. فحفيده يشرح متى ولماذا قام بترجمة كتاب جدّه إلى اليونانية. وصل إلى مصر سنة 132 ق م، في السنة 38 لحكم بطليموس أورجاتيس الثاني، كما يبدو. وتاج عمله حتّى موت ذاك الملك سنة 116. أمّا هدفه فهو أن يعرّف الشتات اليهودي إلى عمل جده. صارت اليونانية اللغة الدارجة، فقدّم الحفيد كتاب جده للذين يرغبون أن يتعلّموا، أن يُصلحوا أخلاقهم وأن يعيشوا بحسب الشريعة. محاولة نبيلة ولكنّها لا تخلو من الصعوبات التي وعاها المترجم: لا مقابل بين أشياء نعبّر عنها في العبرية وتنقلها إلى لغة أخرى (مقدّمة 21- 22). ثمّ إنّ النسخة العبرية التي وجدها في مصر لم تكن كاملة. نقصتها بعض الأسطر (مثلاً: 23:4 ب؛ 15:42 د) وزيدت عليها أسطر (مثلاً 4: 4 ب- 5 ؛ 10: 15). ثمّ إنّ معرفة الحفيد باليونانية لم تكن كاملة. ففي 27:24 تشير العبرية إلى النهر، إلى النيل. أمّا المترجم فتحدّث عن النور، واللفظتان قريبتان. مقابل هذا، فهو يقدر أن يكتشف إيرادات ضمنيّة للتوراة في كتاب جدّه، ولهذا يعود إلى السبعينية. سي 23:24 ب ج تورد تث 33: 4: لم يكن الحفيد عبدًا لنصّ الجدّ، فحوّل بعض الأفكار مستندًا إلى أوضاع جديدة أو أفكار معاصره. هذا ما نكتشفه في 50: 24. هو لا يذكر سمعان الكاهن الأعظم ونسله، لأنّ الكهنة الصادوقيين عزلوا بعد سنة 172. وقد تختلف نظرته الإسكاتولوجية عن نظرة جدّه (17:7 ب).
قام الحفيد بعمل هامّ، ولولاه لما وصلت إلينا حكمة جدّه.

ج- كتّاب آخرون
هناك كتّاب جعلوا بعض الزيادات على نصّ الحفيد. بعض هذه الزيادات تنقل الأصل العبري (3: 19 ب، 25؛ 11: 15- 16؛ 16: 15- 16)، وهي تعود بالتالي إلى كتّاب يهود عاشوا في الأرض المقدّسة خلال القرن الأوّل ق م.
قال بعض العلماء: كانوا من الفرّيسيين الذين يشدّدون على الأفكار الإسكوتولوجية. وقال آخرون: كانوا من الأسيانيين، وهذا ما يثبته ما اكتشف من نصوص قمران. وهناك زيادات تعود إلى محيط يهودي يتكلّم اللغة اليونانية: مدرسة أرسطوبولس في الإسكندرية. رج 17: 5 وبعض الزيادات التي تربط موضوع الحكمة بموضوع النور. وهناك زيادات في الترجمة اللاتينية تعود إلى أصل مسيحي: جاءت متأخّرة فلم يكن لها أصل يونانيّ. مثلاً تعود 24: 19 (25) إلى يو 6:14، و 9:2 (10) إلى 1 كور 13:13 التي تربط المحبّة بالإيمان والرجاء. نُقلت النسخة السريانية عن العبرّية، ولكنّها ستتأثّر بالفكر المسيحي.

2- ابن سيراخ كيف وصل إلينا
أ- نشرتان لسفر ابن سيراخ
نعرف اليوم سفر ابن سيراخ بواسطة أجزاء في العبرية، بواسطة الترجمات القديمة (وخاصّة اليونانية واللاتينية والسريانية)، بواسطة إيرادات عبرّية في أدب الرابّانيين، وعند آباء الكنيسة اليونانية واللاتينية.
لم نعرف النصّ العبري لابن سيراخ حتّى سنة 1896 إلاّ في ما ندر من الإيرادات في كتابات الرابّانيين. وبين سنة 1896 وسنة 1900 اكتشف ثلثا الكتاب في كنز (مخبأ، غنيزا) القاهرة وهو مجمع القارئين في القاهرة القديمة.
هناك ستة مخطوطات تعود إلى القرن 11 وقد أعطتنا أجزاء هامّة. المخطوط أ: 3: 6- 16: 26. المخطوط ب: 10: 19- 11: 10؛ 15: 1- 16: 7 ؛ 30: 11- 3:33؛ 35: 11- 27:38؛ 39: 15- 51: 30.
إذا قابلنا الأجزاء التي تحتوي المقطع عينه من الكتاب، نجد أنّنا أمام اختلافات هامّة لا تفسّر إلاّ بوجود نشرتين متواليتين للكتاب. واكتشف في قمران سنة 1956 بعض الأجزاء (6: 20- 31؛ 51: 20، 30 ب)، كما اكتشفت أجزاء غيرها في قلعة مصعدة، قرب البحر الميت (27:39- 44: 17). كل هذا يثبت صدق النصوص التي وجدت في القاهرة وصحّة الترجمة اليونانية التي قام بها حفيد ابن سيراخ.
وينقل إلينا التقليد اليوناني نمطين من الترجمة. النمط الأوّل نجده في المخطوطات الكبرى التي دوّنت في الخط الإسفيني (وخاصّة الفاتيكاني والسينائي): يعطينا نصًّا لا زيادات فيه، نصّ حفيد ابن سيراخ. أمّا النمط الثاني فنجده في بعض مخطوطات دوّنت في الحروف الجرّارة، فامتلأت بزيادات وجد بعضها في الأجزاء العبرية (3: 19 ب، 25؛ 11: 15- 16؛ 16: 15- 16). بعد هذا، نستطيع أن نؤكّد أنّه كان نصّان في اللغة العبرية فقابلتهما ترجمتان. أمّا الترجمة اللاتينية التي نجدها في الشعبية فتعود إلى القرن 2 ب م وهي نقل عن النصّ اليوناني مع بعض الزيادات. وقصّة الترجمة السريانية قصّة متشعّبة وهي تحمل إلينا بعض الزيادات.

ب- النصّ الأصلي
أوّلاً: ترتيب الفصول
إنّ اكتشاف النصوص العبرية لابن سيراخ أكّد بصورة نهائية صحّة ترتيب الفصول كما في اللاتينية والسريانية. غير أنّ كلّ المخطوطات اليونانية تقلب 30: 25- 33: 16 أ و33: 16 ب- 36: 13 أ. أمّا النظام الحقيقي الذي تتبعه معظم الترجمات الحديثة فهو التالي:
30: 24 = 30 : 24 أ ب ج يوناني.
30: 25 = 33: 13 ب ج يوناني.
31 = 34 يوناني.
32= 35 يوناني.
33: 1 – 16 أ = 33: 1 – 16 أ يوناني.
33: 16 ب – 33 = 36 : 25 – 40 يوناني.
34 = 31 يوناني.
35 = 32 يوناني.
36 : 31 أ = 33: 1 – 13 أ يوناني.
36 : 13 ب – 31 = 36 : 16 ب – 31 يوناني.

ثانيًا: الأساليب الشعريّة في ابن سيراخ
بعد أن اكتشفنا أجزاء عبريّة من مؤلّف ابن سيراخ، نستطيع أن ندرس فنّ الكاتب الشعري. يكتب ابن سيراخ أشعارًا من شطرين. فحين يكون هناك ثلاثة أشعار، يتساءل الشرّاح: أما من زيادة؟ ولكنّ المسألة ليست بهذه السهولة.
ويلجأ ابن سيراخ إلى أهمّ الأساليب الشعرية التي استعملها كتّاب التوراة العبرية: الجناس، السجع، التقنية، قلب العبارة، التضمين. وهناك من ظنّ أنّ في النص أدوارًا ومقاطع شعرية.

ثالثًا: الفنون الأدبيّة
يستعمل ابن سيراخ الفنون الأدبية المُستعملة في الحكمة البيبلية. إلاّ أنّ تعليمه يعطي نصيحة ولا يكتفي بمراقبة الواقع وحده. في ف 4- 5 و 7- 9 تأتي النصيحة في صيغة النفي: لا تحرم الفقير ما يعيش به، ولا تحزن النفس الجائعة... لا تصرف نظرك عن المعوز... ويلجأ ابن سيراخ ككل الحكماء إلى التشابيه: "الماء يطفئ النار المُلتهبة والصدقة تكفّر الخطايا" (3: 30). "كالحجل الأسير في القفص هكذا قلب المتكبّر" (11: 30). "حمير الوحش في البرّية هي فريسة الأسود. كذلك الفقراء هم مراعي الأغنياء" (19:13 ؛ رج 22: 14- 15، 16، 19، 20، 24...). ويحبّ ابن سيراخ أن يبدأ تشبيهه بهذه العبارة: "خير". مثلاً في 27:10: "من يعمل وهو في بحبوحة خير من الذي يتبختر وفيه حاجة إلى الخبز". وفي 19: 24: "الناقص العقل وهو تقي خير من وافر الفطنة وهو يتعدّى الشريعة" (رج 20: 2، 18، 25، 31...). ونجد أيضاً التطويبات: "طوبى للرجل الذي لم يزلّ بفمه " (14: 1). "طوبى لمن لا تحكم عليه نفسه " (2:14). "طوبى للرجل الذي يتأمّل في الحكمة" (14: 20؛ رج 7:25- 9 ؛ 26: 1...). كما نجد الأسئلة يطرحها الكاتب على القارئ أو السامع: "هل عندك قطعان: فاسهر عليها. هل لك أولاد؟ فأدبّهم. هل لك بنات؟ فاعتن بأجسادهنّ. هل لك امرأة على وفق قلبك؟ فلا تطلّقها (22:7- 26، رج 10 : 9، 19؛ 2:13، 17، 18؛ 3:14، 5؛ 8:18- 9، 16...). وهناك أمثلة عددية: "من الناس صنفان يُكثران من الخطايا، وصنف ثالث يجلب الغضب " (23: 16). "ثلاثة تشتهيها نفسي وهي جميلة أمام الرب والناس: اتّفاق الأخوة والصداقة مع الجيران، وامرأة ورجل متّفقان. ثلاثة تبغضهم نفسي: الفقير المتكبّر، والغني الكذّاب، والشيخ الزاني الفاقد الفهم " (25: 1- 2 ؛ رج 25: 7- 11؛ 26: 5-6، 28 ؛ 50: 25- 26).
ويحبّ ابن سيراخ أن يجعل قارئه يتكلّم: حين يقول: "قد بلغت الراحة وسآكل الآن مع جيراني وهولا يعلم كم يمضي من الزمان " (19:11). يتكلّم الغني فينصت الجميع ويرفعون قوله إلى الغيوم. يتكلّم الفقير فيقولون: "من هذا"؟ وإن ذلّ يصرعونه (13: 23؛ رج 20: 16- 17...). ويجعل ابن سيراخ الحكمة تتكلّم (24: 3- 22). وينصحنا بأن لا نقول هذا القول أو ذاك. لا تقل: "إنّها تكفيني "... لا تقل: "من الذي يتسلّط عليّ " (15: ا-3، 4، 6؛ 9:7؛ 11: 23- 24...)؟
ونجد بداية مثل في شكل قصّة في 3:11: "النحلة صغيرة في الطيور، ولكنّ ما تجنيه رأس كل حلاوة". وفي 51: 13- 30 نجد قصيدة أبجدية (يبدأ الشعر الأوّل بحرف الألف والشعر الثاني بحرف الباء...). وفي 38: 24- 39: 1 هجاء الصنعات: الكاتب، الفلاّح، الحفّار، الحدّاد، الخزّاف... وفي 43: 1- 22 يتحدّث عن الشمس والقمر والنجوم كما فعل أي 38- 41.
ما يميّز مجموعات ابن سيراخ الصغيرة هو اهتمامه بعرض الحجج والبراهين. وهنا نجده قريبًا من أم 1- 9 وأيّوب والجامعة. إنّ حكمته تُعمل الفكر وتبدو مبنيّة بناء محكمًا، وهذا ما لا نجده في أم 10- 30.
ويتضمّن الكتاب نصوصاً غير حكمية. مثلاً، نجد في 27:22- 6:23 صلاة الحكيم على نيّته الخاصّة. وفي 36: 1- 22 صلاة من أجل الشعب. وفي 51: 1- 12 فعل شكر خاص. وينشد ابن سيراخ مديحًا في 39: 12- 35 و 42: 15- 33:43. ومديح الأجداد (ف 44- 49) فريد من نوعه وهو يتأثّر بفن أدبي عرفه أهل اليونان ويحافظ على ذلك الذي أغرم بالحكمة فما تخلّى عنها.

رابعًا: تنظيم الكعاب ومراحله التدوينية
كيف جُمع الكتاب كيف تنظّم؟ هذا يبقى لغزًا علينا. من الواضح أنّ المضمون هو ثمرة زمن طويل من النضج: لقد سطّر ابن سيراخ تعليمه وتفكيره على مدى عشرات السنين.
هناك إشارات دفعت البعض لأن يروا في الكتاب مزيجًا من نسخات متعاقبة. ففي 24: 32- 33 تدلّ كلمة "أيضاً" على أنّ الفصول اللاحقة تشكّل ملحقًا لـ ف 1- 23، وبالتالي نسخة ثانية يكون ف 24 مقدّمتها. وقال آخرون: زاد ابن سيراخ في هذه النسخة الثانية ف 24-50. ورأت فئة ثالثة أنّ النسخة الثانية تنتهي في 42: 14، لأن النشيد للخالق (42: 15- 43: 33) ومديح الآباء (ف 44- 50) هما مقالان متميّزان، وف 51 هو ملحق وضعته يد غريبة. واعتبرت فئة رابعة، أن ف 1- 23 شكّلت النسخة الأولى التي كانت خاتمتها 51: 1- 030 افتتحت النسخة الأولى بنص عظيم عن الحكمة، ثمّ زاد ابن سيراخ ثلاثة ملحقات متعاقبة (24: 1- 13:32؛ 32: 14- 23:38؛ 38: 24- 50: 24 أو 20). ما هو أكيد هو أن 50 : 27- 29 تشكّل خاتمة الكتاب وان ف 51 هو ملحق.
وهناك إشارات أخرى تدفعنا إلى اكتشاف إيقاع في تعليم ابن سيراخ. والأمر واضح في القسم الأوّل من الكتاب: 1: 1- 10 (أو 20)؛ 4: 11- 19؛ 6: 18- 37؛ 14: 20- 15: 10؛ 24: 1- 34 هي مقاطع مخصّصة للحكة. وفي نهاية المجموعة، يبدو 42: 15- 43: 33 (نشيد الخالق) وف 44-50 (مديح الآباء) مجموعتين متناسقتين ومتماسكتين. يبقى أن نجد ترتيبًا في 25: 1- 14:42.
بالإضافة إلى ذلك يربط ابن سيراخ بعض المقاطع التي تبدو مشتّتة ويجمعها بعضها مع بعض لتبدو وكأنّها تقدّم البراهين والحجج. هذا هو وضع 4: 20- 17:6 حول التباسات الوجود؛ 15: 11- 18: 14 حول مفارقات الوجود الذي يحسّ فيه الإنسان بمسؤوليته، 27:22- 27:23 هي صلاة عن الطهارة؛ 25: 1- 18:26: عن الأزواج ؛ 23:26- 37: 15 حول التمييز والاختيار.
هذه بعض المعطيات التي نستطيع أن نستند إليها.

ج- وصول النصّ إلينا
أوّلاً: في العالم اليهودي
ظلّ العالم اليهوديّ الفلسطيني يقرأ نصّ ابن سيراخ العبري حتّى دمار أورشليم على يد الرومان سنة 70 ب م. والبرهان على ذلك هو الأجزاء التي وُجدت في قمران ومصعدة، والتي كُتبت خلال القرن الأوّل ق م. ومن الممكن أن يكون هذا السفر قد أثّر بعض الشيء في جماعة قمران. وانتقلت الترجمة اليونانية لنصّ ابن سيراخ في الشتات اليهودي في الإسكندرية، مع الزيادات التي نعرف، مع أنّنا لا نملك أيّة شهادة من ذاك العصر وبعد سنة 70 بقليل تبدّل الوضع. مَنع رابي عقيبة بين سنة 95 وسنة 135 قراءة ابن سيراخ. وتد يكون السبب سببين: السبب الأوّل هو أنّه لم يدخل في قانون التوراة العبري الذي تثبّت في يمنية (يبنة) في نهاية القرن الأوّل المسيحي. والسبب الثاني هو أنّ المسيحيين كانوا يقرأونه. وكانت سلطة رابي عقيبة قويّة فمنعت الرابّانيين من إيراد نصوص ابن سيراخ. ولكنّ "الحرم " خسر من قوّته شيئًا فشيئًا، فعاد الرابّانيون منذ القرن 4 يوردون نصوص ابن سيراخ (رابي بن ماري، رابي يوسف). وأعلن القدّيس إيرونيموس (مترجم الشعبية اللاتينية) أنّه رأى نسخة لابن سيراخ في العبرية. وبعد القرن 5 اختفى ابن سيراخ من جديد، لأنّ التلمود دخل في المدارس اليهودية.
وفي نهاية القرن 10 والقرن 11 عاد الكتاب إلى الظهور في مجمع القارئين في القاهرة القديمة. كيف نفسّر هذا الواقع؟ في نهاية القرن 8، وُجدت مخطوطات عبرية (بيبلية وغير بيبلية) في مغارة قرب أريحا (وقال بعضهم: إحدى مغاور قمران) استعملتها شيعة القارئين في أورشليم منذ القرن 9. ويبدو أنّ أجزاء مخبأ القاهرة هي نسخ لهذه النصوص. وآخر كاتب يهودي ذكر ابن سيراخ في العبرية كان سعادية بن يوسف غاوون، في القرن العاشر.

ثانيًا: في العالم المسيحي
لم ترد نصوص من ابن سيراخ في العهد الجديد، ولا شيء يؤكّد لنا أنّ العهد الجديد عرفه. ولكنّ هناك نصاً مسيحيًا عن "الطريقين " (ديداكيه 4/5، رسالة برنابا 19/9 أ)، قد يعود إلى ما قبل سنة 100 ب م ويرتبط بنصّ يهودي قمراني. نقرأ فيه من ابن سيراخ 4: 31 (حسب النسخة الثانية، قريب من نصّ المخطوط أ من مخطوطات القاهرة ومن الترجمة اليونانية. أمّا ما في المخطوط ج من القاهرة والترجمة اليونانية فهو يختلف عن هذا النصّ).
وحوالي سنة 200، حين تُرجمت النسخة الثانية مع الزيادات اللاتينية على يد مسيحي من أفريقيا الشمالية، أورد كل من ترتليانس وأكلمنضوس الإسكندراني وقبريانس القرطاجي نصوص ابن سيراخ حسب الترجمات. وخلال القرن الثالث، طبّق تلاميذ أوريجانس على ابن سيراخ أساليب معلمهم النقدية. وهكذا برزت الفروقات بين النصّ القصير وترجمة حفيد ابن سيراخ والنصّ الطويل. وإنّ المخطوطات الكبيرة التي دوّنت بالحرف الإسفيني ووضعت في البيبليا المسيحية نقلت إلينا النصّ القصير. أورد يوحنّا فم الذهب (القرن 4) النصّ الطويل. أمّا إيرونيموس فالنصّ القصير المستند إلى اليونانية. أمّا الآباء اللاتين (بمن فيهم أوغسطينس الذي أورد النصّ القصير في 15: 11- 17 وأعاد النظر في النصّ اليوناني القصير) فيوردون النصّ اللاتيني كما ورد في اللاتينية القديمة وفي الشعبية. وفي القرن 8 ظهرت المتوازيات المقدّسة في فلسطين بتأثير من يوحنّا الدمشقي فأوردت النصّ اليوناني الطويل.
وما زال أمامنا حتّى اليوم النصّ الطويل والنصّ القصير. فالشعبية اللاتينية والشعبية الجديدة أخذت بالنص الطويل. في القرن 16 أوردت بوليغلوتة (متعددة اللغات) القلعة (ألكالا في إسبانيا) النصّ الطويل كما نقرأه في المخطوط اليوناني رقم 248. ولكن الطبعة السكستية (نسبة إلى البابا سكستوس كوينتوس 1585- 1590) التي طالب بها المجمع التريدنتيني فتبعت النصّ القصير كما نجده في الكودكس الفاتيكاني. وتبعت النسخات الحديثة النصّ القصير وضمّت إليه الزيادات (135 شطرًا) في الحواشي.

3- التعليم 
بما أن ابن سيراخ عرف في القديم نسختين، فنحن نميّز تعليمْ المجموعة الأصليّة كما نجدها في النصّ القصير، من الزيادات التي عرفها النصّ الطويل.

أ- تعليم النصّ الأصليّ
أوّلاً: الحكمة والحكيم
هذا هو الموضوع الرئيسي في الكتاب الذي يفتتحه كاتبه بالحديث عن الحكمة (1: 1 -10). وتبرز الحكمة في الفصول الأولى (4: 11- 19؛ 6: 18- 37؛ 14: 20- 15: 10) ولاسيمٌا في ف 24. وتعود الحكمة إلى الظهور فيما بعد (33: 16- 20؛ 39: 1 - 11) قبل أن تختتم الكتاب (13:51- 30). على الحكمة والحكيم أن يلتقيا، لأنّ الحكمة من أجل الحكيم.
تأتي الحكمة من الله، ولا يصل إليها الإنسان إن لم يتقبّلها من ذلك الذي هو وحده الحكيم. والله يمنح الحكمة بسخاء كما يمنح الروح (رج يوء 2: 1) للذين يعيشون في صداقته: كل حكمة هي من الرب وهي تبقى معه إلى الآبد... الرب هو الذي خلق الحكمة وأفاضها على جميع أعماله ومنحها لمحبّيه (1: 1- 10).
ولكنّ الحكمة التي تتخذ صورة حيّة، لا تكشف عن نفسها إلاّ بعد وقت اختبار تروز فيه استعداد التلميذ للانصياع لها (4: 11- 19: الذين يحبّونها يحبّهم الرب. رج تث 8: 2- 6). فعلى التلميذ أن يُظهر ثباتًا وخضوعًا ومثابرة. هذا هو الشرط للتنعّم بالحكمة والتعرّف إلى مجدها. ولن يحصل التلميذ على الحكمة إن لم يتأمّل تأمّلاً متواصلاً في شرائع الرب (18:6- 37). على التلميذ أن يكون حبيب الحكمة ويبحث بكلّ الوسائل كيف يقترب منها ويعيش معها. "الذي يمسك بالشريعة ينال الحكمة" (15: 1). إنّها لا تمنع نفسها، بل تتّخذ المبادرة فتغذّي وتُفرح من يتعلّق بها (14: 20- 15: 10).
الحكمة هي حضور الله الشامل الذي يقدّم نفسه بصورة لأبناء شعبه. فهو يجعل نفسه لهم وحيًا ينمو تدريجيًا كما تنمو شجرة الحياة في جنّة عدن. الحكمة تحكي عن نفسها للمؤمنين. فالتوراة (بالمعنى الحصري) أو الشريعة هي وحي الرب لشعبه وأفضل تعبير ملموس عن الحكمة، عن كيانها وأعمالها وتعاليمها. فعلى الحكيم أن ينقل الحكمة ويتوارى. ينقلها ولا يضع لها حدًّا في الزمان وفي المكان (24: 1- 34).
إن ينبوع عمل الحكيم هو في الوقت عينه معاشرة طويلة لإرث شعبه الروحي، وتفكير في الخبرة المتعدّدة الوجوه التي وصل إليها بواسطة اتّصالاته وأسفاره، وموقف جذري بالنسبة إلى الصلاة اليومية. يتوسّل إلى الرب لكي ينقّيه، فينال، إن شاء الله، الحكمة. حينئذ يقدّر قدره خلال حياته على الأرض ولا يُنسى ذكرُه بعد موته (39: 1- 11). ولن ننتظر أيّام الشيخوخة لنصل إلى هذا المثال الحياتي الرفيع. فالشاب يستطيع مثل سليمان (1 مل 3: 4- 15) أن يحسّ بجاذبية الحكمة في الصلاة، أن يشعر في ذاته بصداقة واثقة معها وهي المربّية، وبحبّ أقوى من حبّ الشاب لفتاة تعلّق بها. وهكذا، فالعلاقة بين الحكيم والحكمة هي علاقة حبّ لا علاقة مال (13:51- 30؛ رج أش 55: 1- 3).

ثانيًا: مخافة الرب
يكرّس ابن سيراخ خمسة مقاطع يتحدّث فيها عن مخافة الرب. يرد المقطعان الأوّلان بعد فاتحة كتابه المتكلّمة عن الحكمة (1: 11- 20؛ 2: 1- 18). أمّا المقاطع الثلاثة الأخرى فهي مشتّتة في كل الكتاب. يحدّد المقطع الأوّل (10: 19- 24) الشخص الذي يحقّ له الإكرام. ويشدّد المقطعان الأخيران على أنّ مخافة الرب تفوق كلّ خير (7:25- 11؛ 40: 18- 27).
هناك علاقة حميمة بين الحكمة ومخافة الله. فكلتاهما تحملان السعادة والبركة. وإذا تعمّقنا في الأمور، وجدنا أنّ مخافة الرب هي مبدأ الحكمة (رج أم 1 :7؛ 9: 10) وكمالها وتاجها. فلا حكمة من دون مخافة الرب (1: 11- 20).
وتجاه المحنة التي تفرض نفسها على الذي يريد أن يخدم الرب، ينصح ابن سيراخ بأن نتعلّق بالرب. هذا هو الموقف الأساسي لخائفيه. فمخافة الرب هي محبّته. وهذا ظاهر من الأمانة لأقواله وشرائعه. وحين يمرّ خائف الرب عبر الضيقات، فليثق بالرب ويتّكل عليه (2: 1-18 ؛ رج 51: 1- 12).
والبشر الذين يستحقّون الإكرام هم الذين يخافون الرب، لا الخطأة، لا الذين يتعدّون الشريعة. لا شيء يتفوّق على من يخاف الرب (10: 19- 24)، لا صاحب المال ولا صاحب السلطان. من سارت علاقاته بالآخرين في جوّ من الانسجام يُعتبر سعيدًا. ولكنّ أسعد السعداء هو الذي يخاف الرب (2: 1- 18). هذا يعني أنّ مخافة الرب تجعل علاقاتنا متناسقة معه (7:25- 11). ثمّ إنّ السعادة والاطمئنان يرتبطان بكثير من الخيرات. غير أنّ ينابيع السعادة لا تتساوى كلّها: فوق الصداقة تجد الحبّ الزواجي. ولكن في نهاية المطاف، تبقى مخافة الرب أخصب ينبوع للسعادة (18:40- 27). 
ويعود ابن سيراخ في مقاطع أخرى من مجموعته إلى مخافة الرب هذه. وهذه الآيات المعزولة تثبت ما يعنيه ابن سيراخ بمخافة الرب. لا تعني: نرتعد منه، بل نحبّه (34: 14- 20؛ رج 2: 15- 17). ليست المخافة عاطفة وحسب، إنّها أمانة ملموسة وطاعة وممارسة للشريعة (19: 25، 24 ؛ 21: 11؛ رج 10: 24). والكفر وبغض الشريعة يعاكسان مخافة الرب (16: 1- 2؛ 33: 1- 2 ؛ رج 10: 19- 24).
وطريق مخافة الله هي الشرط الاساسي للحصول على الحكمة. "كل حكمة هي مخافة الرب، وفي كل حكمة تجد تتميم الشريعة" (19: 20 ؛ رج 1 :26-27). إذًا، ليس من حكمة إلاّ في مخافة الرب نفهمها على هذه الصورة.
بعد هذا يستطيع ابن سيراخ أن يقول إنّ مخافة الرب تحمل السعادة في الصداقة (16:6- 17) وفي البيت (3:26). إنّها فخر الشيوخ (6:25). وينتهي النصّ العبريّ (50: 29) بهذه الآية: "مخافة الرب هي الحياة".

ثالثًا: الشريعة
يرتبط هذا الموضوع بالحكمة والمخافة. فكل حكمة تفترض مخافة الرب، ولا تكون المخافة حقيقية إلاّ في ممارسة الشريعة. ولكنّ ابن سيراخ لا يشير إشارة واضحة إلى فرائض الشريعة إلاّ في مواضع نادرة.
يشرح الوصيّة الرابعة التي تشير إلى احترام الوالدين (3: 1- 16)، ولكنّه لا يوردها بوضوح. ويذكر أربع مرّات وصيّة من الوصايا: أعط الكاهن حصّته (7: 31)، تخلّ عن الحقد (28: 7)، أعِن الفقير (29: 9)، لا تأتِ أمام الرب بأيد فارغة (35: 6). وهكذا لا يتعلّق ابن سيراخ تعلّقًا مفرطاً بالشريعة. إنّه ذلك الذي ينظر إلى الشريعة بعيون الحكماء. 
ويقول ذلك بصريح العبارة في 23:24. فالحكمة التي خرجت من الله وتجذّرت بطلب منه في إسرائيل، نمت نبتة وارفة، وقدّمت نفسها طعامًا وشرابًا في زمن الثمر (3:34- 22). إنّ ابن سيراخ يرى في مثَل الحكمة توسيع الوحي التاريخيّ منذ الخلق حتّى إقامة بني إسرائيل في أرضهم. قال: هذا كلّه هو الشريعة التي تتضمّن خبر مآثر الرب ودساتير الحياة لشعبه. الشريعة هي التعبير المميّز لحكمة الله. وهكذا يلتقي ابن سيراخ مع تث 4: 6- 8. وسيَرد التعليم عينه في با 4: 1 ويبقى ثابتًا في العالم اليهودي. فالشريعة ليست فقط مجموعات القوانين التي لم يهتمّ ابن سيراخ بتفاصيلها. الشريعة هي كلّ الوحي التاريخي، وهذا ما يهمّ ابن سيراخ (16: 26- 17: 14؛ ف 44- 49).

رابعًا: العبادة
هو لا يكرّس إلاّ مقطعًا واحدًا للعبادة (34: 21- 35: 26). هو لا يهتمّ بالتفاصيل الليتورجية كفرائض عباديّة (من رُتب وشعائر). ما يهمّه هو معنى العبادة كما فهمها الأنبياء. ليس من عمل ليتورجي حقيقيّ دون حياة أخلاقية شخصية. فعلى الإنسان أن يجعل أعماله اليومية مطابقة لفعل العبادة الذي يؤدّيه لله. لهذا، "فالذابح من كَسْب الظلم يُستهزأ بتقدمته " (34: 21). تقدمته ناقصة على مثال ذبيحة تحمل عيبًا (لا 22: 20- 21). فلا تحاول أن ترشو الله بعطاياك، فهو لا يقبلها (35: 14). إنّ العبادة الحقيقية تقوم بممارسة الشريعة وبالسخاء تجاه المساكين (35: 1- 4): "من حفظ الشريعة فقد أكثر من التقادم. ومن تمسّك بالوصايا فقد ذبح ذبيحة سلاميّة... من تصدّق فقد ذبح ذبيحة الحمد. مرضاة الرب الإقلاع عن الشر، والإقلاع عن الإثم ذبيحة تكفير".
إنّ الذين يخدمون الحكمة التي تمارس وظيفة عباديّة أساسية في قلب الشعب المُختار أي في الهيكل، في موضع الحضور، "يؤدّون عبادة للقدّوس " (4: 14).

خامسًا: التاريخ المقدّس
تفوّق ابن سيراخ على الحكماء الذين سبقوه، فأدخل في تعليمه تاريخ شعبه. رأى أنّ العالم الهلّيني يسحر الشبيبة، فأراد أن يُبرز إرث شعب إسرائيل العظيم في عالم التاريخ. وكان قد أبرز هذا التراث في مَجال الحكمة التي بدت مثل عطيّة من الرب تتوسّع في قلب تاريخ الله مع الشعب الذي إختاره (3:24 22): فوحي الله التاريخي لشعب إسرائيل هو أكمل تعبير عن الحكمة (23:24).
حين فصّل ابن سيراخ تعليمه الحكمي، لم يَعُد إلاّ نادرًا إلى أحداث محدّدة في هذا التاريخ الماضي (رج 16: 6- 10). وحين رسم المكان الذي جعله الله للإنسان في الخلق، فسّر المسؤولية البشريّة في المجال الآخلاقي عائدَا إلى عهد سيناء (17: 11- 14). إنّ الوحي يضمّ الإنسان وكل تاريخه.
وفي نهاية المجموعة، تعلّق ابن سيراخ بماضي شعب إسرائيل. فرسم وجه أهمّ الأبطال البيبليين من آدم (16:49 آب) حتى نحميا (ف 44- 49). ثمّ زاد صفحة كرّم فيها سمعان البارّ الكاهن الأعظم (50: 1- 24). فمديح الآباء الذي يتبع التسلسل الكرونولوجي هو فنّ أدبي جديد في أرض إسرائيل، وهو يجد صدى له في 1 مك 2: 51 -64؛ حك 10: 1 ي ؛ عب 11: 1 ي.
يمتدح ابن سيراخ هؤلاء الأشخاصِ من أجل ذواتهم، من أجل أعمالهم، ولا يحاول أن يرى عمل الله فيهم. إنّه يعتبرهم أهلاً للمديح، ويقدّمهم مثالاً للمؤمنين. لا شكّ في أنّنا لا نستطيع أن نفتدي بهؤلاء الأشخاص في كل شيء. فهناك من كان جاحدًا لإيمانه أو خاطئًا، مثل الملوك الذين حادوا كلّهم عن الطريق، ما عدا داود وحزقيا ويوشيا (49: 4). وبجانب أبطال بدايات البشرية نستعرض الآباء: موسى مع فرعون وفنحاس، يشوع وكالب، القضاة والأنبياء، والملوك الأخيار منهم والأشرار، ثمّ زربابل ويشوع ونحميا، وأخيرًا سمعان البارّ. ولكنّ المكانة الأولى محفوظة للكهنة. فني أيّام ابن سيراخ تسلم الكهنة أرفع الامتيازات في شعب الله. وقد تمنّى كاتبنا أن تدوم هذه الحالة إلى النهاية (45: 24 – 26؛ 50: 24 النصّ العبري). ولكن يُطرح سؤال لا يجد جوابًا: لماذا أغفل الكاتب اسم عزرا الكاهن وهو الذي لعب دورًا عظيمًا في إعادة بناء الشعب بعد المنفى وفي تكوين الأسفار المقدّسة؟
اهتمّ ابن سيراخ بالتاريخ، فأسّس في إسرائيل فنًّا يشير إلى فلسفة التاريخ الديني.


سادسًا: الخلق
حين يتحدّث ابن سيراخ عن الكون فهو يربطه بالإنسان ليوضح مسألة يطرحها الإنسان عن نفسه أو عن الله.
حين يتكلّم عن الحكمة يراها من خلال العمل الذي تقوم به في العالم: الرب أفاضها كما أفاض روحه (يوء3: 1) على كل أعماله (1: 19). إنّها تملك على الكون كلّه (24: 5- 6) قبل أن تعطى لشعب إسرائيل. إذن هي صورة عن النظام الكوني الذي أراده الله (رج أم 22:8- 31).
ويذكر ابن سيراخ خلق الكون في مكان آخر، ليشدّد على الترتيب الكامل في العالم وعلى الطاعة المُطلقة التي تؤدّيها الكواكب لخالقها (16: 26-30). والإطار الذي نجد فيه هذا الاعتبار هو إطار الحرّية البشرية والمسؤولية الخلقية (15: 11- 18: 14). وإنّ الوظائف المتنوّعة التي تقوم بها عناصر الكون تعود إلى الإنسان. فليس لكلّ الفصول والأيّام الوظيفة عينها. هكذا تتنوعّ ظروف البشر حسب مشيئة الخالق (7:33- 15). وفوق هذا، يكون لخلائق الله في الكون مقاصد متنوّعة: بعضها يحمل الخلاص، والبعض الآخر العقاب. "إنّ كل خلائق الرب صالحة" (33:39). ولكن يتميّز عنها الإنسان الذي هو حرّ ومسؤول عن أعماله الحسنة والسيّئة (39: 12- 35).
وقبل أن يُنشد ابن سيراخ مديح الآباء، يقدّم قصيدة لمجد خالق الكون (42: 15- 43: 33). يعدّد الحكيم المخلوقات كما يفعل الأقدمون (رج أي 38- 41)، ويشدّد أمام كل عناصر الكون على مجد الله الذي يتجلّى، وعلى خضوع كل خليقة لأوامر الرب.

سابعًا: نظرة إلى المستقبل
لا يتحدّث ابن سيراخ إلاّ قليلاً عن المستقبل. وفي ما يتعلّق بالأمّة، فهو لا ينتظر مجيء مسيح يقيم نظامًا جديدًا. إنّه يأمل أن يتابع الكهنوت الصادوقي حضوره على رأس الشعب (50: 24 حسب العبري). يصلّي من أجل إعادة بناء إسرائيل، من أجل تتمة النبوءات، من أجل وحدة الجنس البشري في الاعتراف بالته الواحد الحقيقي (36: 1- 22). إنّه متأكّد من أنّ شعب إسرائيل دائم لا يزول (25:37).
وحين يتحدّث ابن سيراخ عن عواقب الإنسان الأخيرة، فهو لا يقدّم شيئًا جديدًا. يتكلّم عن الموت بلهجة إنسان خاب أمله (14: 11- 19؛ رج 40: 1- 11؛ 41: 1 - 4) وبعد الموت ليس إلاّ الشيول (14: 16) حيث لا يمجّد الإنسانُ الرب (27:17- 28). "ما ينتظر الإنسان هناك هو الدود" (7: 17 حسب العبري). لن يبقى من المائت إلاّ ذكر حكمته (39: 9- 11) أو أعماله الصالحة (41: 12- 13 ؛ 14: 10- 15).

ثامنًا: الحياة في المجتمع
اهتمّ ابن سيراخ، شأنه شأن كلّ معلّم حكمة، بتربية الشبّان الآتين من العائلات الميسورة، وبإعدادهم للحياة. عليهم أن يضطلعوا في المستقبل بمسؤوليات اجتماعية. ولهذا، لن نعجب إذا وجدنا في كتابه عددًا من الاعتبارات والنصائح حول تصرّف الإنسان في المجتمع.
العائلة هي مجال لفَتَ انتباهَه. استند إلى الوصية الرابعة (رج خر 20: 12) فأوصى بالإكرام الواجب للوالدين، لاسيّمَا حين تُضعف الشيخوخة ملكات الوالد (3: 1- 16). واهتمّ ابن سيراخ بالزواج فتحدّث إلى الشبّان ( لم يكن يحقّ للشابّات أن يتردّدن على مدارس الحكمة) فأفهمهم أنّ الزوجْ هو السيّد (33: 20- 40). ولم ينظر إلى المرأة إلاّ من زاوية الزواج. وشدّد على أهمية اختيار الزوجة الصالحة (36: 26- 31) التي يرى فيها أمّ الأولاد وحسب. وفرح بالأزواج السعداء (25: 1) وحذّر طلاّبه من العلاقات الجنسيّة خارج الزواج (9: 1- 9 ؛ 42: 12- 14).
ويرسمِ مطوّلاً مختلف طباع النساء (35: 13- 26: 18). ويقرّأنّ الرجل والمرأة يمكنهما أن يتصرّفَا تصرّفًا مغايرًا للأخلاق (23: 16- 27). وتربية الأولاد قاسية كما كانت عند الأقدمين (23:7 ؛ 22: 6 ؛ 30: 1- 13). وجود البنت في البيت يؤدّي إلى مخاطر جسيمة (24:7- 25؛ 4:22- 5؛ 9:42- 11 ؛ رج تث 13:22- 29). ويطب ابن سيراخ من ربّ البيت أن يكون قاسيًا مع العبيد، ولكن عادلاً وصالحًا (7: 20، 21؛ 10: 25؛ 44: 33). أمّا الأصدقاء، فنختارهم بتؤدة كما نختار الزوجة أو المستشار (37: 1- 6). فهناك أصدقاء صدوقون وهناك أصدقاء كاذبون (12: 8- 18). يقدّر ابن سيراخ الصداقة حقّ قدرها (6: 5- 17)، ويدعونا إلى الأمانة (7: 18؛ 9: 10 ؛ 27: 16- 21).
وينصحنا ابن سيراخ مرارًا بالعطف على الفقراء والمساكين (3: 30- 4: 10؛ 32:7- 36) ويعلّمنا كيف نقرض مالاً وكيف نكفل قريبًا (29: 1-7، 14- 20). وصفات الإنسان المهذّب تدخل في قلوبنا: فينصحنا ابن سيراخ بالتواضع (3: 17 – 24؛ 10: 26- 31)، ويحذّرنا من التكبّر (3: 26- 29 ؛ 10: 6- 18). ويدعونا إلى الاعتدال في الأكل (31: 12- 22؛ 27:37- 31) وفي الشرب (31: 25- 31) وفي الكلام بصورة خاصّة (9 1: 4- 17؛ 20: 5- 8؛ 23: 12- 15 ؛ 13:28- 26؛ 3:32- 13). فنحن نميّز الجاهل من الحكيم حين يتكلّمان (21 : 13- 28). 



ب- تعليم الزيادات
أوّلا: التوضيح
عُرفت الزيادات في المخطوطات اليونانية فكانت قصيرة وهدفت إلى توضيح نصّ ابن سيراخ. مثلاً الزيادة في 1: 5 تفسر 1: 6 على ضوء24: 3، 23: "ينبوع الحكمة هو كلمة الله في السماء. وطرقها هي الفرائض الأبدية". وإذ أراد "الشارح " أن يحدّد أنّ إسرائيل هو حصّة الرب (17:17 ب) زاد (18:17): "بكره الذي يغذّيه بالتعليم، ويمنحه نور الحبّ ولا يتخلّى عنه ".

ثانيًا: العناية الإلهيهَ
وهناك زيادات تشدّد على دور العناية الإلهية. حين يفسّر ابن سيراخ أن لا شيء يفلت من نظر الرب الذي يجازي كلّ إنسان، تأتي زيادة (17: 21) فتجعل الله قريبًا: "ولكنّ الرب صالح ويعرف خليقته. هولا يتركها ولا يتخلّى عنها، بل يحافظ عليها" (رج 15:16 – 16 ، 18 ج ؛ 2:18 ب - 3).

ثالثا: الخلاص
ويبرز موضوع الخلاص في زيادات أخرى. فأمام الخطر الذي يأتينا من الأقوياء والمتسلّطين، تَرد زيادة (13: 14) فتفكر: "حين تسمع هذا في منامك، استيقظ وأحبّ الرب كل حياتك، وادعه من أجل خلاصك ". دعانا ابن سيراخ لنعود إلى الرب ونبتعد عن الظلم (26:17 أ)، فجاءت زيادة (26:17 ب) تعمّق الفكرة: "أجل، يقودك بنفسه من الظلمة إلى نور الخلاص ". وحين يشرح ابن سيراخ أنّ الحكمة موجودة في الشريعة، نقرأ زيادة (24: 24) بشكل تحريض: "تقوّ دائمًا بالرب، تعلّق به فيثبتك. الرب القدير هو الإله الواحد ولا مخلّص سواه ".

رابعًا: الحبّ
ويعود موضوع الحبّ مرارًا في هذه الزيادات، ويرتبط بالحكمة أو بمخافة الرب. كان ابن سيراخ قد كتب أنّ الرب يمنح الحكمة لمحبّيه (1: 10 أب)، جاءت زيادة (1: 10 ج د): "حبّ الربّ حكمة مجيدة وهو يعطي الذين يرونه حصّتهم ". ويزيد المُترجم 1 :12 ليكمّل الفكرة القائلة بأنّ مخافة الرب تحمل الفرح: "مخافة الرب عطيّة من الرب وهو يجعل (الإنسان) في طرق الحبّ ". وتدعو الحكمة المؤمنين ليأكلوا من ثمرها (24: 19). وتأتي زيادة مشهورة فتدلّنا على ثمار الحكمة: "أنا أمّ الحبّ الجميل، أمّ المخافة والعلم والرجاء المقدّس. منذ الأزل أعطيت لكلّ أبنائي للذين أختارهم (الرب) ". كان ابن سيراخ قد بيّن أنّ مخافة الرب تتفوّق على أسعد العلاقات البشرية. فجاءت زيادة تبيّن أيضاً أنّ مخافة الرب هي علاقة كغيرها من العلاقات، بل هي أسمى علاقة في الكون: "مخافة الرب هي السبيل الذي به نبدأ أن نحبّه. وبالثقة نبدأ فنتعلّق به ".
وأطول زيادة (26: 19- 27) قد أقحمت في نهاية حديث ابن سيراخ عن المرأة (13:25- 18:26). نجد في هذه الزيادة تفاصيل جديدة وتشابيه مهينة بحق المرأة الضالّة (26: 22- 25). بالمقابل نجد في هذا المقطع ذكرًا لفضائل الزوجة الدينية (23:26، 25) ولاسيّمَا مخافة الرب.

خامسًا: نظرة إلى المستقبل
وأخيرًا جاءت بعض الزيادات، فحاولت أن تتجاوز نظرة ابن سيراخ الضيّقة إلى المستقبل. وإليكَ ملخّصاً للتعليم الذي نجده في هذه الزيادات:
"بعد الموت، يكون لكل إنسان يوم دينونته. يزوره الرب ويبحث في كل أعماله ". بالنسبة إلى الأشرار سيكون ذاك اليوم يوم غضب وانتقام. يُدفَنون في أعماق الأرض ليتحمّلوا مصيرهم من الظلمة والألم. بالنسبة إلى الأبرار، سيكون ذاك اليوم يوم الدخول في العالم الآتي، في العالم المقدّس. سيحصلون على حصّتهم من الحقيقة، ويتنعّمون بالحياة الأبديّة التي هي مكافأة لا نهاية لها، وهي تتضمّن تكريم الله لهم وفرحًا متواصلاً. هناك حالة تتوسّط الموت والمكافأة الابديّة، يتحدّث عنها سي 24: 32 (45 حسب اللاتينية القديمة) وربّما 44: 16 ("في الفردوس").
وإذا أردنا أن نجمل التعليم الذي تقدّمه كلى الزيادات على نصّ ابن سيراخ الأصلي نقول: "نجد موقف الله الأبوي تجاه البشرية، واتّصالاً شخصيًا بين الله والفرد. الله يمنح عطاياه الروحية لمن جعل نفسه مقبولاً. يفهم الضعف البشري ويغفر الذنوب دومًا. ولكن إن ظلّ الخاطئ منغلقًا على التوبة قسّاه الله في ظلمات خلقيّة تخفي عنه نور الوحي الضروري لسعادته. يهتمّ الله اهتمامًا فرديًا بالإنسان. فيجاوب الإنسان على هذا الاهتمام بالمخافة البنوية، بالثقة، بالحبّ الذي يوحّده بالله، بالتوبة التي تعيده إلى الله حين تتحطّم هذه الوحدة بالخطيئة. يتفحّص الله أعمال كل إنسان ويزوّده مع مجازاة تؤمّن له حصته من السعادة أو الشقاء. وفي هذا العالم، من تصرّف حسنًا نال الكرامة والنجاح، ومن تصرّف سيئًا نال العار والخزي وفي العالم الآتي، الانتقام والدمار المباشر للخاطئ، والخلاص والحياة للبار.
الفصل السابع
سفر الحكمة

1- المقدّمة
يشكّل سفر الحكمة قمّة الوحي في العهد القديم. دُوّن في زمن متأخّر، في الإسكندرية، موضع اللقاء المميّز بين عالم اليونان وأرض إسرائيل. كاتبه مفكّر يهودي تشرّب من الكتاب المقدّس، واطّلع على التراث الهلّيني. فكّرفي العبرية وكتب في اللغة اليونانية. واختبأ كما اختبأ غيره وراء شخصية سليمان. لا يُذكر اسم الملك الشهير، ولكنّ الكاتب يعبّر عن أفكاره الخاصّة كما لو كان مكانه، ويوجّه كلامه إلى الملوك زملائه. وفي الواقع هو يتوجّه إلى قرّاء آخرين، إلى إخوته اليهود وإلى الوثنيين. حدّث اليهود المضطهدين، ليعيد الشجاعة إلى قلوبهم: سحرتهم المدنيّة الغريبة، فكتب إليهم ليعيد إليهم الثقّة ويدعوهم إلى الافتخار بما عندهم من غنى. وحدّث الوثنيّين ليحبّب إليهم الإله الحقيقي وخالق كل شيء الذي هو أحكم الحكماء وصديق كلّ البشر.
هذا هو سفر الحكمة الذي تجعله السبعينيّة بين أيّوب وابن سيراخ وتسمّيه المخطوطات اليونانية حكمة سليمان لتميّزه عن حكمة ابن سيراخ. أمّا الشعبية اللاتينية فتجعله بين نشيد الأناشيد وابن سيراخ وتسمّيه على لسان إيرونيموس: سفر الحكمة. أمّا السريانية فتسميّه سفر الحكمة العظيم وتجعله قبل سفر يشوع بن سيراخ.

2- من كب سفر الحكمة ومتى كتب
كاتب سفر الحكمة هو يهودي يؤمن بالإله الوحيد القدير ورب الكون السامي. ويكره العبادات الوثنية ويحتقر الأصنام ويمجّ إباحيّة الوثنية وفلتانها. ويفتخر بانتمائه إلى الأمّة المختارة والشعب المقدّس والنسل الذي لا عيب فيه. وهو معجب بماضي هذه الأمّة، ويتذكّر أعمال أبطالها، وهو متيقّن من رسالتها في العالم. ثقافته ثقافة يهودية. فقد قرأ وتأمّل الأسفار المقدّسة ومنها استلهم ليدوّن كتابه. أمّا الحكمة التي يمدح، فهي الموجودة في أرض إسرائيل، وإلى أرض إسرائيل سيعود ليجد الكلمات اللازمة ليصوّر هذه الحكمة.
عندما نقرأ ف 9، نعتبر أنّ كاتب سفر الحكمة هو سليمان. يقول: اخترتَني لشعبك ملكًا... وأمرتَني أن أبني هيكلاً في جبلك المقدّس ومذبحًا في مدينة سكناك (7:9- 8). ولكنّنا نفهم أنّنا أمام خدعة أدبية. فكما نُسب سفر الأمثال (1: 1؛ 10: 1؛ 25: 1) وسفر الجامعة (جا 1: 1، 12) ونشيد الأناشيد (1: 1) إلى سليمان، كذلك نسب سفر الحكمة إلى هذا الملك الحكيم الذي قال فيه 1 مل 5: 12: قال ثلاثة آلاف مثل وكانت أناشيده ألفًا وخمس أناشيد. وأخذ آباء الكنيسة بهذه الحيلة، واعتبروا أنّ سليمان مؤلّف سفر الحكمة. ولكن إذا قرأنا النصّ، وجدنا في الكاتب يهوديًا مصبوغًا بالثقافة الهلّينية. كُتب سفر الحكمة في لغة يونانية أنيقة ولم يترجم من العبرية. فالذين قالوا إنّ أصل الكتاب عبراني لم يقدروا أن يقدّموا إسنادًا متينًا لقولهم. فالكاتب يجيد استعمال اللغة اليونانية بمفردات غنيّة مع بعض الحذلقات والتكلّف. يبدو أنّه قرأ هوميروس والكتّاب المأساويين اليونانيين، وتعرّف إلى معلّمي الفكر الهلّيني.
ولكن من هو هذا الكاتب؟ قالوا هو أونيا الثالث أو فيلون الإسكندراني أو زربّابل أو أبلوس. ولكنّ كلّ المحاولات للتعرّف إلى الكاتب باءت بالفشل. غير أنّنا نستطيع أن نعرف موطنه. لقد تشتّت اليهود في الشرق والغرب، ولكنّ أكبر الجاليات كانت في مصر ولاسيّمَا في الإسكندرية. التي كانت تعدّ مئات الألوف من اليهود. في الإسكندرية تُرجمت السبعينية، وفيها كان اتّصال بين العالم اليهودي والعالم الهلّيني بعد أن صارت مركزًا أدبيًا وعلميًا هامًّا. وَسَعت نخبة من اليهود المثقّفين لتقدّم للوثنيين نظرة عن ديانة الآباء، وبحثت عن نقاط الاتّصال بين الحضارة اليونانية وتقاليد إسرائيل. هذا هو التيّار الذي يرتبط به سفر الحكمة، وهذا يكفينا لنقول إنّ موطن سفر الحكمة هو مدينة الإسكندرية. وإذا لاحظنا كم يشدّد الكاتب على أحداث سفر الخروج كم يفضح عبادة الحيوانات كما عرفتها مصر، نفهم أنّ سفر الحكمة دوّن في مصر.
ومتى دوّن الحكمة؟ لا شكّ في أنّ الكاتب استعمل الترجمة السبعينية التي انتهت في بداية القرن الثالث. ثمّ إنّ الكاتب لم يتعرّف إلى أفكار فيلون الإسكندراني (20 ق م- 54 ب م). هذا يعني أنّ سفر الحكمة دوّن بين السنة 200 والسنة 50 ق م. هل يمكننا أن نحدّد أكثر من هذا؟ أجل. فحين بدأ الكاتب تدوين كتابه كان يهود الإسكندرية عُرضة لمضايقات مختلفة. نحن نعرف أنّ هذه المضايقات بدأت في أيّام بطليموس السابع (146 - 117) وخلفائه، ولاسيّمَا بطليموس الثامن (117- 81). كل هذا يجعلنا نحدّد زمن تدوين سفر الحكمة حوالي السنة 50 ق م.

3- بنية وتصميم سفر الحكمة
بعد أن يدعونا الكاتب إلى اقتناء الحكمة يبيّن لنا أهميّتها في مصير الإنسان، ثمّ يصوّر لنا أصلها وطبيعتها وعملها، ويدلّنا على السبل الكفيلة باقتنائها. وأخيرًا يُظهر لنا الحكمة كما تعمل في تاريخ شعب إسرائيل. ولكن من 4:11 تختفي الحكمة فيحلّ محلّها الله ونسمته وروحه وكلمته ويده وذراعه. وينتهي الكتاب بهذه الكلمات: "يا رب، نظّمت شعبك في كل شيء ومجّدته، ولم تهمله، بل كنت مؤازرًا له في كل زمان ومكان " (22:19). 
وإذا أردنا تصميمًا للكتاب وجدنا مقدّمة وخاتمة وثلاثة أقسام.
المقدّمة (1: 1- 15) وفيها دعوة لطلب البرّ (توافق فكرنا وعملنا مع إرادة الله كما تعبّر عنها الشريعة)، وبالبرّ نصل إلى الحكمة والحياة.
القسم الأوّل (1: 16- 5: 13) وعنوانه الحكمة ومصير الإنسان. يتحدّث الكاتب عن حياة الأشرار وضلالهم، ويقابل بين مصير الأبرار ومصير الأشرار. الأوّلون يُكافأون والآخرون يُعاقبون. نحن لن نحكم على المظاهر الخادعة: ليس انعدام النسل عقابًا، وليس الأولاد الكثيرون مكافأة. ليست الحياة القصيرة عقابًا وليست الحياة الطويلة مكافأة. ولكن ما هو أكيد هو أنّ الأبرار والأشرار سيُدانون. يتقدّم الأشرار وتتّهمهم آثامهم في وجوههم. أمّا الأبرار فيقفون بجرأة عظيمة.
القسم الثاني (6: 1- 18:9) يتحدّث عن الحكمة في أصلها وطبيعتها وعملها وعن سبل اقتنائها. إذا أراد الملوك أن يفلتوا من دينونة الله، فليطلبوا الحكمة، فهي تكشف عن نفسها للذين يطلبونها وتؤمّن للملوك سلطانًا أبديًا. ويصوّر سليمان الحكمة وهو قد صلّى للحصول عليها لأنّه يقدّرها حقّ قدرها. ويتكلّم سليمان عن الحكمة، عن طبيعتها وأصلها ونشاطها. إنّها تملك كل الخيور فلا يستغني عنها الملوك. لهذا صلّى سليمان إلى الله لكي يعطيه الحكمة.
القسم الثالث (10: 1- 19: 21) وعنوانه الحكمة والله في التاريخ. من آدم إلى موسى، نرى الحكمة تحمي الأبرار وتعاقب الأشرار. وخلال الخروج من مصر وعبور الصحراء حمت الحكمة شعب إسرائيل وأعطاهم الله ماء. ويقابل الكاتب بين مصير المصريين ومصير بني إسرائيل.
أ- النقيضة الأولى: كانت المياه عقابًا للمصريين وخلاصاً لبني إسرائيل (11: 5-14). كان الله معتدلاً في العقاب الذي أصاب المصريين وسبب هذا الاعتدال هو قدرته ورحمته. واعتدل الرب في معاقبة سكّان كنعان. وسبب هذا الاعتدال هو قدرته. ويستخلص الكاتب العبرة من هذا الاعتدال. رئف الرب بالمصريين فلم يرجعوا عن ضلالهم فقسا عليهم. أمّا خطيئتهم فتقوم في أنّهم عبدوا الكواكب وقوى الطبيعة، بل عبدوا أحقر الحيوانات وأكثرها شناعة. ويعود الكاتب إلى المقابلة بين مصير المصريين ومصير بني إسرائيل.
ب- النقيضة الثانية: نال المصريون عذابًا من الحيوانات التي عبدوها، أمّا بنو إسرائيل فنالوا غذاء من طيور السلوى (16: ا- 4).
ج- النقيضة الثالثة: قَتلَ الجرادُ والذباب المصريين، أمّا الحيّة النحاسية فشفت بني إسرائيل (16: 5- 14).
د- النقيضة الرابعة: عناصر الجوّ ضربت المصريين واعانت بني إسرائيل (16: 25- 29).
هـ- النقيضة الخامسة: حلّت ظلمة مريعة بالمصريين وأعطي لبني إسرائيل نور خيّر (17: 1-4:18).
و- النقيضة السادسة: فقد المصريون أبكارهم، أمّا بنو إسرائيل فعفا الله عنهم برحمته بعد أن نالهم عقاب قاس (18: 5- 25).
ز- النقيضة السابعة: أغرق البحر الأحمر المصريين، وفتح طريقًا لبني إسرائيل (19: 1- 9). أجل، كل الطبيعة تنظّمت من أجل خلاص بني إسرائيل وعقاب المصريين الذين فاقت خطاياهم خطايا أهل سدوم.
والخاتمة (19: 22) تتحدّث عمّا فعله الله من أجل شعبه: عظّمه، مجّده، أعانه.
سفر الحكمة هو كتاب واحد ومتماسك. ولكن رغم هذا التماسك في التأليف اعتبر بعض الشرّاح أنّ الذي كتبه ليس واحدًا بل كثيرون. لاحظوا أنّه يبدأ شعرًا وينتهي نثرًا في جمل طويلة. ولاحظوا أيضاً أنّ ف 6- 10 تشدّد على دور الحكمة في الخلق وفي التدبير، وأنّ سائر الفصول لا تعود تذكر الحكمة. فقدّموا اقتراحات عديدة نذكر منها اثنين. الأوّل يعتبر أنّ ف 1- 5 كتبت في العبرية ونُقلت إلى اليونانية. والثاني يعتبر أنّ السفر كلّه دوّن في اليونانية أمّا الذي كتب ف 11- 19 فهو غير الذي كتب الفصول الأولى. ولكن يتّفق معظم الشرّاح اليوم على القول إنّ مؤلّف سفر الحكمة شخص واحد، ونحن نكتشف فيه حضارة واحدة وشخصية أدبية واحدة. ثمّ نلاحظ بصورة خاصّة طريقتين في الكتابة. الأولى، المقابلة: يقابل بين مصير الأبرار الخالد وحياة الأشرار العقيمة، وبين العقم مع الفضيلة والخصب مع الشر، وبين مصير بني إسرائيل ومصير المصريين. الطريقة الثانية، التوسّع التدريجي في الأفكار. يعالج الكاتب في البداية موضوع الموت ويعود إليه مرارًا فيما بعد، متحدّثًا تارة عن الموت الطبيعي وطورًا عن الموت الروحي أو عن الاثنين معًا.
لا شكّ في أنّ هناك تنوّعًا، والوحدة لا تنفي التنوّع وكثرة المراجع. فهجومه قد يرجع إلى مقال كتبه أحد اليهود الهلّينيين، وصلاة سليمان قد تكون مزمورًا ردّدته جماعة الإسكندرية. ولقد عاد الكاتب أيضاً إلى نصوص الأسفار المقدّسة (التكوين، الخروج، أشعيا، الأمثال، ابن سيراخ) وإلى المدارش (وهي شروح للنصوص الكتابية يلعب فيها التضخيم الأسطوري دورًا كبيرًا) ولكنّه دمج كل هذه العناصر في وحدة عضوية تحمل طابعًا خاصاً. هذا ما كان يفعله المفكّرون الإسكندرانيون في زمانه. إنطلق من المواضيع الكتابية وترجمها وتوسّع فيها مستعينًا بمفاهيم يونانية. إنّه يتوجّه إلى يهود تشرّبوا الثقافة اليونانية ونسوا العبرية او إلى قرّاء يونانيين ليقنعهم بسمو الحكمة اليهودية. فوجب عليه في كلتا الحالتين أن يجعل إرث إسرائيل الروحي في متناول القرّاء. هو لم يهتمّ بأن يجدّد أو يستلهم حضارات أخرى، بل اهتمّ بأن يكون شاهدًا أمينًا للتقليد اليهودي وسط العالم الهليني.


4- لمن كتب سفر الحكمة ولماذا كتب
هنا نطرح السؤال الأوّل: لمن كُتب سفر الحكمة؟ كاتبه الذي يزعم أنّه الملك سليمان، يتوجّه إلى زملائه الملوك (1: 1). قال لهم: أيّها الملوك اسمعوا وافهموا (6: 1). وسطّر من أجلهم مقالة صغيرة تعلّمهم كيف يملكون (8: 9- 15). لا شكّ في أنّه استوحى الفكرة من 1 مل 4:5 حيث نقرأ: وكانوا يأتون من كل الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان. وقد تسلّم هدايا من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته (رج 1 مل 10: 24). وتوافقت هذه الطريقة مع كتيّبات عديدة دوّنت في الزمن الهلّيني عن السلطة الملكية. وهكذا وجّه كاتب سفر الحكمة إلى ملوك زمانه درسًا في السياسة بفم سليمان الملك الحكيم. ولكنّه في الواقع توجّه إلى قارئين من نوع آخر.
توجّه أوّلاً إلى أبناء دينه، إلى اليهود، ليحميهم من سحر العالم الوثني ومن مخاطر الاضطهاد. بعضهم ترك إيمان الآباء (2: 12)، والبعض الآخر دبّ فيه اليأس بسبب العنف الذي يصيبه فسقط في الفتور ووقف مع الجاحدين. أراد الكاتب أن يداوي هذه الحالة المقلقة، فدوّن سفر الحكمة ليشدّد العزائم ويردّ الضالّين إلى الحظيرة. من أجل هذا قدّم لوحتين. في اللوحة الأولى عرض المصير المجيد الذي ينتظر الأبرار. وفي اللوحة الثانية عرض العقاب القاسي الذي يحتفظ به الله للأشرار. وذكّر الشعب على مدّ تاريخه أنّ الله سهر عليه وجعله ينتصر على أعدائه. أمّا الذين تسحرهم الحضارة الوثنية من مناهج فلسفية واكتشافات علمية وتحف أدبية وأسرار دينية، فقد بيّن لهم أنّ ما عند اليهود يفوق ما عند الوثنيين. وإنّه لمن الجنون أن يذهب اليهودي فيطلب عند الوثنيين ما منحته إيّاه بغزارة الحكمة الإلهية. وأخيرًا ذكّر المؤمنين بامتيازات الشعب المختار الذي هيأه الله لينقل إلى العالم كلّه نور الشريعة الذي لا يفسد (18: 4).
تحدّث صاحب سفر الحكمة إلى أبناء دينه وما نسي الوثنيين. كان يونان قد بشّر مدينة نينوى. وها هو سفر الحكمة يتوجّه إلى أبناء الإسكندرية، فيبيّن لهم أنّ الشعب اليهودي ليس شعبًا من البربر، ولا هو عدوّ الجنس البشري، كما يذاع عنه. إلهه هو عقل وحكمة، وهو يحبّ جميع البشر من دون تمييز، ويطب من أبناء شعبه أن يحبّوا هم أيضاً جميع الناس. ثمّ يدعو الكاتب الوثنيين ليتخلّوا عن عبادة الآلهة المتعددة التي هوت بهم في فوضى رهيبة. فليسمعوا صوت العقل، وليتعرّفوا إلى خالق الكون الأوحد. حينئذ ينالون الحكمة الحقيقية التي لا تساويها الحكمة الوثنية. وهكذا يبدو سفر الحكمة نداء رزينًا نستشفّه من خلال مرافعة لَبقة يتحدّث فيها عن الله وروحه وحكمته ونشاطه، فيستعمل الكلمات التي استعملها المفكّرَون الوثنيّون.


5- تعليم سفر الحكمة
ليس صاحب سفر الحكمة لاهوتيًا ولا فيلسوفًا. لم يهتمّ بعرض منهجي لتعليم خاصّ، بل أراد أن يحرّض قرّاءه على البحث عن الحكمة وعن الحياة التي تتطلّبها. هو لا يحدّد أفكاره بدقّة، ولا يرتّبها في نهج فلسفي. فكتابه هو تأمّل نفس تشتعل إيمانًا، ونداءُ مؤمن إلى إخوته. لهذا لم يتحدّث عن كل شيء، بل ترك أمورًا عديدة وقطع كل علاقة بالحلول التقليدية دون أن يتخلّى عنها تمامًا. ومع ذلك يبقى سفر الحكمة كتابًا عظيمًا بعمق تعليمه وجمال لغته.

أ- الخلود
ما هي البشرى التي نادى بها سفر الحكمة؟ خُلق الإنسان من أجل الخلود وعدم الفساد (2: 23). فبعد الموت، لا تزال النفس الأمينة حيّة، لا قي الشيول (مثوى الأموات) كما قال التعليم التقليدي الذي يعتبر أنّ النفوس تقيم بعيدًا عن الله وتبدو أشبه بالظلّ. إنّها حيّة قرب الله في سعادة لا نهاية لها (3: 9). كان سفر الحكمة أوّل من أعلن هذه الحقيقة في التوراة، فلم يقدّم براهين ولا حاول أن يدافع عن موقفه، فاعتبر أنّ ما قال هو اليقين. وهكذا وجدنا الحل للصعوبات التي أثارتها مسألة المجازاة والتي أقلقت النفوس التقيّة في أرض إسرائيل. بما أنّ الرب هو الإله العادل، فكيف نفسّر شقاء الأبرار وسعادة الأشرار في هذه الدنيا؟ أمّا الآن فقد توضّح كل شيء: ما يجري في هذه الدنيا هو استعداد للآخرة. وليست السعادة علامة رضى الرب، كما أنّ الشقاء ليس علامة استيائه. فهدف آلام البارّ أن تنقّيه وتهيئ له مجازاة فضلى. أمّا موته المبكّر فينجّيه من الخاطر التي تهدّد نقاوته وسط عالم شرير ومعاد. وإن لم يترك نسلاً على الأرض، فهو سيقطف في الآخرة ثمرة أعماله. إذًا يبقى شيء هام هو أن نمارس إرادة الله ونعيش في حبّه. الأمين يمتلك منذ الآن الحياة التي لا تزول، والخاطئ يعرف منذ الآن الموت الأبدي.
الحياة والموت هما الشيئان اللذان يقدَّمان للإنسان. هذا ما سبق لحكماء إسرائيل فقالوه. ولكنّ التعليم عن الخلود أعطى هذه المعضلة خطورة جديدة. فالحياة تفرض علينا موقفًا يقرّر مصيرنا إلى الأبد. لقد صنع الله الإنسان من أجل الخلود السعيد، وعلى الإنسان أن يقرّر أن يقبل أو يرفض عرض الله. ويتحدّث الكاتب عن الشيطان الذي أسقط الإنسان الأوّل وأدخل الموت إلى العالم، فيُبرز الوجه الديني لحدث السقوط دون أن يقول إذا كان عدوّ آدم يتابع عمل الخراب الذي بدأ به. ومهما يكن من أمر تدخّل الشيطان، فهو لا يقدر أن يحرم الإنسان من حرّيته. فكل واحد منا يستطيع أن يخلص أو أن يهلك.


ب- الحكمة
إله الحكمة هو إله تقاليد بني إسرائيل: هو الخالق القدير والسيّد المطلق لمصائر الكون. ولكنّ الكاتب يشدّد على بعض صفاته. إنّه الإله الكليّ الحكمة الذي رتّب كل شيء بقياس وعدد ووزن (11: 20). هو يقود كل شيء بعدل، ويجعل العقاب مناسبًا للخطيئة (15:12- 18). ليس فيه ظلم ولا محاباة ولا نزوات. لا فوضى في أعماله ولا بحث عن المظاهر الخارجية. إنّه كلّي الصلاح وصديق البشر، ويريد الحياة لكلّ إنسان. يحب بلا تمييز جميع الكائنات التي خلقها، وهو يقودها برفق وإشفاق (18:12). هو يرحم الجميع، ويتغاضى عن خطايا الناس لكي يتوبوا (23:11). يعمل بدافع من رأفته ليجعل الخطأة يعودون إليه. فينبّههم بسلسلة متدرّجة من العقابات إلى الخطر المحدق بهم، ويعطيهم مهلة ليتخلّصوا من شرّهم (12: 20). هو لا يضرب بقساوة عدالته إلاّ الخطأةَ المتحجرّين الذين يرفضون نداء رحمته المتكرّر ويتَحَدّون قدرته. حينئذ يندفع غيظه ويثور على الذين يهزأون به ويضطهدون أحبّاءه، فيرسل الكون ينفّذ فيهم غضبه الذي لا يرحم. 
أمّا الصفة التي يشدّد عليها سفر الحكمة بصورة خاصّة فهي الحكمة التي تحتلّ قلب الكتاب حتّى ف 11. ما نقرأه عن الحكمة في هذا السفر نجده في سائر الأسفار التعليمية (أم 8: 1- 6:9؛ سي 24: 1ي). أصلها هوهو، وطبيعتها هي هي، فهي بنت إسرائيل. ولكنّ سفر الحكمة يتعمّق في هذه الأفكار التقليدية ويوسّعها، فيعبّر عن أصل الحكمة وطبيعتها بعبارات فلسفية (7: 25- 26)، ويتحدّث عن علاقاتها الحميمة مع الله (3:8- 4؛ 9: 4)، ويشدّد على نشاطها الخلاّق (7: 21 ؛ 8: 5- 6؛ 9: 2- 9). إنّها حاضرة في كل مكان (23:7- 24)، وعارفة بكل شيء (23:7؛ 8: 4)، وتعتني بكل الخلائق (8: 1). دورها دور تقديس (27:7)، ونشاطها نشاط خيّر في تاريخ بني إسرائيل (10: 1- 11: 3) وحبها عظيم من أجل البشر (1: 26؛ 7: 23). تُبادر إلى خدمتهم (6: 12- 16) وتُساعدهم على اكتساب الفضائل. وفوق ذلك ينسب الكاتب إلى الحكمة معرفة شاملة بكل علوم اليونان في عصره (17:7- 21؛ 8:8).
ونتساءل: إذا بدت الحكمة كائنًا مستقلاً ينعم بنشاط خاص، أما تكون أقنومًا وشخصاً؟ الجواب هو كلاّ على مستوى العهد القديم مهما كانت العبارات المستعملة قويّة. فالتوحيد عند اليهود يرفض أن يقول بوجود كائن كلّي القدرة ومتميّز عن الله. ثمّ إنّ سفر الحكمة يتضمّن تعابير تدلّ على اليد (3: 1؛ 5: 16) والذراع (5: 16؛ 11: 21) وعلى الروح والنسمة (23:5؛ 17:6) وعلى الكلمة (9: 1؛ 12: 9) وكأنّها شخص حيّ. ثمّ إنّ الصفات ذاتها والنشاطات عينها تُنسب تارة إلى الحكمة وتارة إلى الكلمة (9: 1- 2)، تارة إلى الحكمة وتارة إلى الروح (1: 4- 7)، تارة إلى الحكمة وتارة إلى الله (7:6 ؛ 12: 15- 18). وهكذا فالحكمة ليست شخصاً. أمّا العبارات التي تصفها فتليق بشخص بحيث نظنها كتبت عن كلمة الله المتجسّد.

ج- تاريخ شعب إسرائيل
وتأمّل سفر الحكمة في تاريخ شعب إسرائيل وفي العبر التي يستخلصها من هذا التاريخ. وهذا التأمّل تقليدي في الآداب النبوية والتعليمية. هذا ما فعله أشعيا (63: 1- 14) وحزقيال (20: 23) وزكريا (7: 9- 14) والمزامير (78، 105، 106، 135، 136) وابن سيراخ (44: 1- 50: 21). وهكذا سيفعل سفر الحكمة في أمانته للتقليد، فيعتَبر مثل سابقيه صدقَ الوقائع التي ترويها التوراة. هو يعتبر كل الوقائع تاريخية، فلا يبرّر أمام الوثنيين طابعها العجيب الغريب، ولا يبحث عن معنى رمزي كما سيفعل آباء الكنيسة فيما بعد.
ولكنّ الكاتب لا يكتفي بإيراد الخبر الكتابي كما هو. إنّه يدرسه (كما يفعل المدراش أو شرح المعلّمين)، ليكتشف كل معناه. هذا القسم من كتابه (ف 16- 19) قد تذوّقه معاصروه، أمّا نحن فقد تجاوزناه. إلاّ أنّه يقدّم نموذج التأويل المدراشي ويُبرز بعض الأفكار العزيزة على قلب الكاتب.
إنّ الكاتب يُغني الخبر التقليدي بأشياء تصويرية يأخذها من أساطير يستقيها من العالم اليهودي أومن مخيلته. هناك أشياء تصويرية تزيد النصّ تشويقًا (18: 1- 2). ولكنّ هناك أشياء تزيد الحدث عظمة (16: 20؛ 3:17- 6) أو حركة (11: 11- 13) أو تغنيه تعليمًا (27:16- 29). وهناك أشياء تساعد الكاتب على حفظ التوازن بين المصريين وبني إسرائيل (3:16؛ 16: 9). وبالمقابل يحذف الكاتب كل ما يمسّ بصلاح الله أو بسمعة الشعب المقدّس مثل تقسية قلب فرعون (خر 4: 21 ؛ 3:7؛ 9: 12) أو تذمّر الشعب في البرّية (خر 2:17- 3 ؛ عد 16: 1 ي)، أو خطورة العقاب الذي فرضته الحيّات (ق حك 16: 5 - 11 وعد 4:21- 9).
وفي حالات أخرى، يحافظ الكاتب على الخبر الكتابي فلا يزيد عليه ولا ينقّص منه، ولكنّه يعطيه تفسيرًا جديدًا ليجعله يوافق نظرته إلى رحمة الله. يقول خر 23: 28- 30 إنّ الله طرد سكان كنعان قليلاً قليلاً لئلاّ تصير البلاد قفرًا. وهكذا خدم الله مصالح شعبه. أمّا سفر الحكمة فيرى في عمل الله موقف شفقة تجاه هؤلاء السكّان. فرغم أعمالهم الممقوتة (3:12- 6) وشرّهم المتأصّل فيهم منذ البدء والذي يمنعهم من الإفادة من الخلاص، أراد الله أن يعطيهم مهلة للتوبة لأنّهم بشر (8:12- 10). إنّها لنظرة عجيبة، ولكنّها لا تتوافق ونظرة سفر الخروج. وتبرز حرّية التفسير لدى صاحب سفر الحكمة في الموازاة الطويلة بين مصير المصريين ومصير بني إسرائيل، التي يفرضها إطارًا لكلّ عناصر الخبر الكتابي الذي احتفظ بها. وهذه الموازاة يتوسّع فيها في سبع نقائض (رقم الكمال). جمع الأحداث خارج الزمان والمكان وقرّب بينها، قرَّب بين المن والبرَد، بين الحيّة النحاسية والجراد، بين قرار قتل الأطفال ومقتل أبكار مصر، وضخمّ الأمور ليثبت مقاله (قال إنّ الجراد والذباب يقتل).
وخلال تنظيمه هذا الدرس، ينطلق الكاتب من بعض أفكار رئيسية يعود إليها ويعود. وهذه أهمّها: الله هو الرحوم ولا يعاقب إلاّ مُكرَهًا. يعاقب الإنسان حيث يخطأ (11: 16). ما يُستعمل لعقاب المصريين يؤمّن خلاص بني إسرائيل (198: 8). المحن التي أصابت بني إسرائيل كانت قصيرة وخفيفة ومن أجل الشفاء (8:11- 10)، أمّا المصريون فعوقبوا من دون شفقة تنفيذًا لقرار اتّخذ بحقّهم (11: 10؛ 16: 4). الطبيعة هي كلّها في خدمة الله من أجل خلاص الأبرار ومعاقبة الأشرار (16: 17- 25). كل ما ورد في التوراة له قيمة أخلاقية ودينية. مثلاً أعطت الحكمة ليعقوب الظفر لتعلّمه أنّ التقوى أقوى من كل شيء (10: 12). وإذا كان المن يذوب عند طلوع الشمس، فلكي يعرف المؤمن أنّ عليه أن يسبق الشمس ليسبّح الله (28:16).
ينطلق الكاتب من الماضي، ولكنّ المستقبل يلفّه الغموض. فرسالة إسرائيل تقوم بان ينقل إلى العالم نور الشريعة. وسيأتي يوم تصل فيه كل الأمم إلى معرفة الحقّ. في هذا الوقت تزول الأصنام. ويدخل الأبرار في الملكوت فيأمرون الأمم ويسودون على الشعوب (3: 8؛ 5: 6). هل نحن أمام صورة عن السعادة الأبدية أو أمام إعلان عن المرحلة الأرضية الأخيرة للملكوت؟ وحين يقول إنّ الأشرار سيُعاقبون، هل هو عقاب يسبق انتصار الله على الأرض، أو طريقة للتعبير عن تدخّل الله من أجل الأبرار، أو صورة عن العقاب الأبدي؟ وماذا نقول أيضاً عن رجاء إسرائيل وانتظار المسيح؟ إنّ الله يعمل بدون وسيط من أجل تجديد العالم. ونقول أخيرًا إنّ الكاتب نظر إلى خلود النفس ولم يقل شيئًا صريحًا عن قيامة الأجساد.

6- سفر الحكمة والعهد الجديد
لم يُقبل سفر الحكمة بين الأسفار القانونية عند اليهود، ولكنّ المسيحية الناشئة أخذت به وتأمّلت فيه. لا شكّ في أنّ العهد الجديد لم ويورد نصوصاً من سفر الحكمة ولكنّ كلاً من القدّيس بولس والقدّيس يوحنّا استلهم آياته للتحدّث عن يسوع المسيح. وها نحن نقدّم بعض المقابلات.
شدّدت الحكمة على معرفة وجود الله وعلى طبيعته انطلاقًا من أعمال الخلق (3:13- 5). وقال القدّيس بولس (روم 1: 20): فمنذ خلّق الله العالم وصفات الله الخفية وقدرته واضحة جليّة تدركها العقول في مخلوقاته. وشدّدت الحكمة على فساد الأخلاق عقابًا على عبادة الأوثان التي مارستها الأمم (14: 22- 31)، فاتّبعها في ذلك القدّيس بولس (روم 1: 21- 32) كما اتّبعها في التحدّث عن طول أناة الله الذي يدعو الناس إلى التوبة (11: 23، 26؛ 12: 2، 10، 19؛ رج روم 2: 4). الله هو القدير وسلطانه سلطان مطلق (12: 12؛ روم 9: 20) وقد كوّن البشرية كما يفعل الخزّاف في طينه (7:15؛ روم 9: 21). ويقول بولس إنّ يسوع المسيح هو صورة الله غير المنظور (كو 1: 15) فيتبع في ذلك سفر الحكمة الذي قال عن الحكمة إنّها ضياء النور الأزلي ومرآة عمل الله النقية وصورة جودته (7: 26). وما قاله سفر الحكمة (17:5- 20) عن الله الذي يلبس البرّ درعًا وحكم الحقّ خوذة ويتّخذ القداسة ترسًا لا يقهر، قد قاله القدّيس بولس عن المسيحي (أف 14:6-17). وأخيرًا نقرأ في عب 1 :3 عبارة قريبة من حك 26:7: الابن هو انعكاس مجد الله كما أنّ الحكمة هي انعكاس الضياء الأزلي.
وإذا انتقلنا إلى القدّيس يوحنّا، وجدنا أنّ تأثير الحكمة فيه عميق جدًّا. فإذا أراد أن يحدّثنا عن علاقة الكلمة بالآب وبالبشر، وجد الطريق في سفر الحكمة. فالأبن يحيا حياة حميمة مع الآب (يو 1: 1- 18) والحكمة تحيا عند الله ورب الجميع أحبّها (3:8؛ 9: 4). يتحدّث يوحنّا عن نشاط الكلمة الخلاّق (يو 1 :3، 10: به كان كل شيء) فيتذكّر ما قيل عن الحكمة التي تعمل في هندسة الكون (6:8) والتي كانت حاضرة حين صنع الله العالم (9: 9). الكلمة عالم بكل شيء (يو5: 25) والحكمة تشارك الله في أسراره (8: 4) وهي العليمة بأعماله (9: 9). ويحدّثنا القدّيس يوحنا (3: 16- 17) عن حب الله للبشر، فلا ينسى روح الحكمة المحبّ للبشر (1: 6؛ 23:7) ولا ينسى الله الذي يرحم الجميع لأنّه قادر على كل شيء ويحب جميع الاكوان ويشفق على جميع الاكوان لأنّها له (11: 23- 26). وحين يعلن يوحنّا أنّ الآب يحبّ الذين يحبّون الابن (يو 14 : 23؛ 16: 27)، فهو يتذكّر ما قاله سفر الحكمة (7: 28): إنّ الله لا يحبّ أحدًا إلاّ من يساكن الحكمة.
ثمّ إنّ كلاً من سفر الحكمة وإنجيل يوحنّا يتصوّر تاريخ الكون والنفوس بالصورة عينها: إنّه صراع بين النور والظلمة، بين الحياة والموت. وإنّ النصر سيكون للنور رغم مظاهر النجاح الذي تحرزه الظلمة.

7- الخاتمة
وسارت الكنيسة على خطى القدّيس بولس والقدّيس يوحنّا فأحاطت بالإجلال سفر الحكمة. لا شكّ في أنّه قامت خلافات حول قانونيته منذ القرن الثالث، ولكنّ هذه الخلافات لم تؤثّر في التفكير المسيحي.
أجل، إنّ سفر الحكمة ما زال يقدّم للمسيحي غذاء روحيًا رفيعًا ولاسيّمَا في فصوله التسعة الأولى عن قيمة الحياة اللامتناهية، عن تسارع الأيّام والسنين، عن عظمة الجزاء المعدّ لنا. أمّا النفوس التي ألمّت بها المحن، فهي تجد في سفر الحكمة أقوالاً معزّية عن مخطّط الله وعنايته، وتدلّ العقول القلقة والضالّة على الطريق الحقيقي الذي يقود إلى الإله الحيّ، وتقدّم للعالم الجائع إلى التسلّط والعنف صورة عن الله القدير الذي يدافع عن الحقّ والعدل ويجازي كل واحد حسب أعماله.
الفصل الثامن
سفر دانيال


1- المقدّمة
يحتلّ سفر دانيال مكانة فريدة بين الأسفار المقدّسة. دوّن في اللغات الثلاث، العبرانية والأرامية واليونانية. وإذا وضعنا جانبًا النصوص اليونانية، يتألّف سفر دانيال من مدارش أو شروح على نصّ معروف، ومن رؤى، والرؤية هي امتداد النبوءة. جعل التقليدُ العبري سفر دانيال لا بين الأنبياء، بل بين سائر الكتب أي بين الكتب التي ترتكز على الأنبياء الذين يرتكزون بدورهم على أسفار موسى الخمسة.
إذا كان سفر دانيال في التوراة العبرّية بين أستير وعزرا، فهو في اليونانية واللاتينية والسريانية بعد حزقيال. أجل، جُعل سفر دانيال مع أسفار الأنبياء دون أن يبرز تبدّل في طريقة فهمه أو في زمان تدوينه.

2- من كتب سفر دانيال
نسب التقليد اليهودي والتقليد المسيحي (مت 24: 15) هذا السفر الى دانيال الذي هو الشخصيّة الأولي. وقيل: إنّه دوّن في بابل، في القرن السادس ق م. ولكن هذا الرأي تجاوزه الزمن والأبحاث الكتابية.
أوّلاً: من الصعب أن نؤكّد هذا القول، وإلاّ لجعلنا سفر دانيال مع أسفار الأنبياء لا بين سائر الكتب. ثمّ إنّ مديح الآباء الذي نقرأه في سي 49 يذكر إرميا وحزقيال والاثني عشر ولا يشير إلى دانيال. بعد هذا، نجد في نصّ الكتاب ألفاظاً فارسية ويونانية تدفعنا إلى القول إنّ سفر دانيال دوِّن في زمن متأخّر. وأخيرًا، إنّ كاتب هذا السفر يجهل التاريخ البابلي: يجعل بلشصَّر ابن نبوكد نصر وهو ابن نبونيد، ويذكر داريوس ملك المادايين وهو ملك مجهول. ولكنّه يعرف "جيّدًا الأحداث التي حصلت في القرن الثاني ق م.
ثانيًا: اسم دانيال اسم أسطوري ورد مع نوح وأيّوب في حزقيال (14: 14، 20)، وهو يعتبر من أحكم حكماء الأرض (حز 3:28). ونعرف اليوم بفضل آداب أوغاريت (رأس شمرا، شمالي اللاذقية) أنّه وُجد بطلْ شعبي هو دانيال الملك سيذكره أيضاً سفر أخنوخ المنحول.
أخذ الكاتب هذا الشخص وجعل منه يهوديًا متعمّقًا في اللغة الكلدائية وآدابها، خبيرًا في تفسير الأحلام. رُفع إلى مرتبة حاكم بابل، وُشبّه بالآلهة. إذًا، لسنا أمام شخص فرد، بل أمام نموذج اليهوذاوي ألتقي الثابت في إيمانه وممارساته الدينية. تسلّم إلهام الله ومساعدته، فجابه أعظم الملوك وسيطر على جماعة السحرة. أوحى الله إليه مسيرة التاريخ وتعاقُب ممالك هذا العالم التي ستندثر الواحدة بعد الأخرى. وأوحى إليه أيضاً خلاص شعبه وانتصار الله ومؤمنيه وإقامة مملكة أبدية.
ثالثًا: في الواقع، إنّ كاتب سفر دانيال هو كاتب مجهول جمع عناصر كتابه من موادّ متنوّعة. فالقسم الإخباري (ف- 6) يشكّل مجموعة من التقاليد انتقلت من مكان إلى آخر قبل أن تسطَّر كتابة. ثمّ إنّ الكاتب لم يهتمّ بأن يدوّنها بطريقة زمنية أو منطقية. أمّا القسم الجلياني (ف 7- 12) فهو يحتفظ بآثار تدلّ على أنه كُتب في أوقات متباعدة. من هذه الآثار، وجود لغتين هما العبرانية واليونانية، وانتقال صيغة الكلام من الغائب إلى المتكلّم.
3- متى كتب سفر دانيال
إذا توقّفنا عند النصّ، وجدنا أنّ كاتب سفر دانيال نبي عاصر سبي بابل. هكذا قرأه الكتابَ المعلّمون اليهود والمسيحيّون. ولكن منذ القرن الثالث ب م رأى بورفيروس الوثني أنّ هذا السفر دوّن في عهد أنطيوخس أبيفانيوس. ونحن نلاحظ أنّ رؤية ف 10- 11 تواكب تاريخ الشرق الأوسط حتّى السنة 164. وبعد هذا (11: 40 ي) ننتقل إلى تعليم عن الرجاء ينفتح على الدينونة الأخيرة وقيامة الموتى (12: 1- 4). هذا التعليم يقابل المسائل الروحيّة التي واجهها العالم اليهودي في ذلك الزمان.
إنّ ابن سيراخ الذي دوّن حوالي السنة 190- 180 ق م لم يعرف سفر دانيال. أمّا سفر المكابيين الأوّل الذي دوّن بين السنة 134 والسنة 104، فهو يعرفه ويذكر رجاسة الخراب على مذبح المحرقات (27:9؛ 11: 37؛ رج 1 مك 1: 54). ولمّا تُرجم سفر دانيال عرفه الكتابُ الثالث من الأقوال السيبيلية (دوّنت حوالي السنة 145- 140). يشير سفر دانيال إلى تدنيس الهيكل في 7 كانون الأوّل سنة 167 (11: 31) وإلى قتل اليهود المؤمنين (11: 33) وإلى ثورة المكّابيين وانتصاراتهم الأولى في السنة 166. هو لا يشير إلى موت أنطيوخس، الملك المضطهد (خريف164)، ولكنّه يلمّح إلى تطهير الهيكل في 14 كانون الأوّل سنة 164.
إذًا نقول إنّ الكتاب دوّن في السنة 164، بعد أن أعيدت شعائر العبادة إلى الهيكل المطهّر. وقد ترجم إلى اليونانية حوالي سنة 145.
هناك أحداث في الكتاب تلمّح إلى أحداث معاصرة: ضغطُ السلطات الوثنية على اليهود لتجعلهم يأكلون من الأطعمة التي تحرمها الشريعة (1: 5-8؛ رج 2 مك 18:6 - 31). فرضُ عبادة الأوثان (3: 1- 2) وتقديم البخور أمام الملك المؤلّه (6: 6- 10). كل هذا جعل اليهود في خطر الموت استشهادًا (3: 19- 21؛ 17:6- 18). ويعلن دانيال موت المضطهد من خلال شخص بلشصّر (5: 22- 30) أو من خلال الرؤى (7: 11، 24- 26 ؛ 8: 25؛ 9: 26- 27؛ 11: 45). وإذا كان الكاتب لم يهتمّ إلاّ قليلاً بثورة المكّابيين العسكرية (11: 34)، فلأنّه انتظر تدخّلاً مباشرًا من الله الذي يقلب الحالة رأسًا على عقب ويقيم ملكه ويخلّص شعبه. هذا هو موقف الحسيديم الذين ذهبوا إلى البرّية قبل أن يلتحقوا بيهوذا المكابي (1 مك 28:2- 38، 42- 43)، وقد يكون صاحب سفر دانيال واحدًا منهم.

4- هدف سفر دانيال
دوّن الكاتبُ هذا السفر في وقت ضيق لم يكن مثله منذ وُجدت أمّة على الأرض (12: ا)، فاهتمّ بأن يحافظ على الإيمان ويُشعل جذوة الرجاء عند الذين قلقوا أو ضعفت عزيمتهم بسبب عنف الاضطهاد. لهذا، فهو يشدّد على قرب النهاية وعلى مجيء الملكوت القريب. قال الملاك لدانيال: إنّ الرؤيا تتمّ في الوقت المحدّد (8: 17). ويقول النصّ عن أنطيوخس: وبعد الأسابيع الاثنين والستين يُقتل شخص مكرّس (مسيح) ولا يدافع عنه أحد. ثمّ يأتي رئيس مع جيشه، فيدمّر المدينة والهيكل. ولكنّ هذا الرئيس يموت بضربة من الغضب الإلهي، ولكنّه يقوم بحرب مدمّرة حتّى موته كما تقرّر (9: 26 ؛ رج 11: 27، 27، 35، 40). ويقول دانيال لبلشصّر: وفي أيّام هؤلاء الملوك، يُقيم إله السماء مملكة لا تُنقض إلى الأبد، ولا ينتقل ملكه إلى شعب آخر. هذه المملكة تسحق وتفني كل الممالك الثابتة وتضع حدًّا لوجودها. أمّا الله فيثبت إلى الأبد (2: 44 ؛ رج 33:3؛ 4: 31). ونقرأ في رؤيا دانيال (13:7- 14): رأيت في رؤى الليل فإذا بمثل ابن البشر آتيا على سحاب المساء، فقُدّم إلى القديم الأيّام، وقُرّب إلى أمامه. فأعطي له سلطان ومجد وملك لتتعبّد له جميع الشعوب والأمم والألسنة. يدوم سلطانه إلى الأبد، ولا يكون له انقضاء، ومملكته لن تدمَّر.
5- بنية سفر دانيال
أوّلاً: دانيال في التوراة العبرية (تحدّد نصها في نهاية القرن الأوّل المسيحي على يد المعلّمين اليهود في يمنية ووُضعت الحركات فيما بعد). كان يتضمّن 12 فصلاً كُتبت في لغتين مختلفتين: من 1: 1 إلى 2: 4 أ في العبرية، من 2: 4 ب إلى 28:7 في الأرامية، وأخيرًا من 8: 1 إلى 13:12 في العبرية. كيف نفسّر هذا الوضع؟ كانت في البداية مجموعة أرامية (ف 2- 7) زيدت عليها مقدّمة وتكملة في العبرية. أمّا النصّ النهائي فيبدو في مجموعتين: الأخبار (ف 1- 6) وبطلها دانيال (ف 2، 4، 6) أو رفاقه الثلاثة (ف 3) أو دانيال ورفاقه (ف 1). ثمّ رؤى مُنحت لدانيال وحده (ف 7- 12).
ثانيًا: دانيال في التوراة اليونانية. وصلت إلينا ترجمتان لدانيال، الترجمة السبعينية وترجمة تيودوسيون. وكلتا الترجمتان زادتا على النصّ الأصلي نصوصاً ليتورجية تكيّفت مع الإطار الإخباري، وهي صلاة عزريا ونشيد الفتيان الثلاثة (3: 24 ي). كما زادتا في نهاية الكتاب قصة سوسنة (13: 1 ي)، وخبر دانيال وكهنة بال (14: 1- 22)، ودانيال والتنين (23:14- 42). يبتعد نص السبعينية عن النصّ العبري، ويبدو أنّه نُقل عن أصل سامي يختلف عن الذي بين أيدينا. أمّا نصّ تيودوسيون فقريب من النصّ العبري الماسوري. ويبدو أيضاً أنّ النصوص الليتورجية والأخبار المزادة تعود إلى نصّ عبري.
ثالثًا: من أين جاءت موادّ الكتاب؟ يلمح ف 2 إلى سياسة زواجية انتهجها أنطيوخس الثاني مع بطليموس الثاني (سنة 255) أو أنطيوخس الثالث الذي حاول أن يرتبط ببطليموس الخامس ويعطيه ابنته كليوبترة زوجة له سنة 194. والحيوان الرابع (ف 7) الذي يمثّل مملكة اليونان يملك عشرة قرون (ترمز إلى عشرة ملوك). وزاد الكاتب القرن الحادي عشر وطبّقه على الملك المضطهد فبدا كلامه نبوءة قديمة (7: 24 ب- 25). وجنون نبوكد نصّر وارتداده (ف 4) يشكّلان خبرًا مستقّلاً يعود إلى ما قبل السنة 168. إذًا استقى الكاتب مواده من أخبار تقليدية كان بعضها خطّيًا وبعضها الآخر شفهيًا. وهذه الأخبار نمت في جماعات بابل اليهودية التي اتّصلت بحضارات فارس واليونان أكثر مما فعلته جماعات أرض يهوذا. ونشير هنا إلى أنّ شخصية نبوكد نصّر سيطرت على شخصية نبونيد. وقد وُجد خبر مواز لما نقرأ في ف 2 و 4 في نصّ أرامي في قمران وفي نصّ يوناني. وإنّ هيرودوتس المؤرّخ اليوناني عرف تقليد وليمة بلشصّر (ف 5) ونسبها إلى الملك لابنتيوس الذي يقابل نبونيد.
كل هذه التقاليد جمعها صاحب سفر دانيال، وقدّمها على أنّها سيرة حياة دانيال. كانت هناك أخبار مستقلّة، فجمعها الكاتب وجعلها في أيّام نبوكد نصّر (ف 1- 4) وبلشصّر (ف 5، 7- 8) وداريوس المادايي (ف 6، 9) وكورش الفارسي (ف 10- 12) ورسم حياة شاب يهودي سُي سنة 606 واختير ليكون من خدّام الملك مع ثلاثة رفاق له (ف 1). نجح في تفسير الأحلام، فدخل في الإدارة الملكية (ف 2) حيث تابع الفتيان الأربعة دربهم الصاعد حتّى زمن الفرس. أمّا دانيال فسيصير الوزير الأوّل (ف 1) وحاكمِ بابل ورئيس الحكماء، وهذا ما يتجاوز حدود المعقول. فالهدف من سفر دانيال ليس هدفَا تاريخيًا، بل هدف لاهوتيّ.

6- تصميم سفر دانيال
أ- القسم الأوّل (1: 1- 6: 29): الأخبار
يشكّل ف 1 مقدّمة للقسم الإخباري. يضع أمامنا أربعة أشخاص سيكونون أبطال الكتاب. هم دانيال ورفاقه الثلاثة الذين رأى فيهم الكاتب نموذج اليهودي الأمين. جاؤوا إلى المنفى وأدخلوا إلى البلاط الملكي فما زالوا يمارسون الشريعة في أمور انتقدها الحاكم الهلّيني وهي قضيّة الأطعمة المحرّمة. هذه المسألة صارت هامّة في أرض يهوذا حين سعى أنطيوخس ابيفانيوس أن يفرض عليها الحضارة الهلّينية. ويورد 2 مك 18:6- 31 استشهاد اليعازر الذي رفض أن يأكل لحم خنزير. إذًا، نحن هنا أمام خبر نموذجي يدعو القارئين ليعارضوا العادات الوثنية. وإنّ الحكمة التي أعطاها الرب للفتيان الأربعة، تعود إلى هذه الأمانة الدقيقة لمتطّلبات الشريعة.
في ف 2 يعطينا الكاتب أوّل مثل عن حكمة دانيال "النبي ". عجزت الحكمة الوثنية عن فهم حلم نبوكد نصّر. أمّا الرب وحده، سيّد الزمن والتاريخ، فهو يعرف سرّ المستقبل ويكشفه لأنبيائه. في إطار مُلك نبوكد نصّر، نموذج الملك الوثني، كشفَ دانيال قصد الله الذي سيتمّ في النهاية. أمّا تاريخ الممالك الوثنية فيسير في تدرّج انحداري: الذهب، الفضة، النحاس، الحديد، ثمّ الحديد الممزوج بالتراب. تمثال رأسه من ذهب ورجلاه من تراب. ومن خلال هذه الصورة نكتشف تعاقب الممالك في الشرق: بابل (الذهب)، ماداي (الفضّة)، فارس (النحاس)، الإسكندر (الحديد). وبعد موت الإسكندر انقسمت مملكته (حديد وتراب). كل هذا ينتهي في دينونة الله الذي يضع حدًّا لممالك البشر ويؤسّس مُلكه.
ونقرأ في ف 3 خبرًا نموذجيًا يعظّم أمانة اليهود للإله الحقيقي. يجب أن لا يخافوا من الموت. هم يعرّضون حياتهم للخطر ولا يخضعون لعبادة الأوثان. هذا ما فعله رفاق دانيال. نجاتهم من التنوّر تذكّرنا بكلام أش 43: 2 ب: إذا سلكت في النار لن تحرقك، ولهيبها لا يصيبك. هذا الموضوع كمان عبرة في أسطورة إبراهيم الري نجا من نار الكلدائيين (كتاب اليوبيلات، ترجوم فلسطين). نشير إلى أنّ العبادة الوثنية لم تُفرض في أرض يهوذا على يد سلطة سياسيّة إلاّ في عهد أنطيوخس أبيفانيوس. أمر وهدَّد بالقتل. حينئذ قامت رجاسة الخراب (أي مذبح للآلهة) في هيكل أورشليم حيث كان الهيكل القديم (27:9 ؛ 11: 31؛ 1 مك 1 :54). وينجو الفتيان من الموت فتبدو نجاتهم صورة مسبقة عن القيامة (12: 1- 3).
وتبرز في ف 4 صورة الشجرة الكونية التي سبق وقرأنا عنها في حزقيال (31: 1 ي)، فدلّت على عظمة فرعون وسقوطه. أمّا هنا فوُضعت في إطار حلم رمزي لتدلّ على دينونة الله التي تُذلّ القوى البشرية المتكبّرة. يروي الملكُ نفسُه حلمَه ويعجز سحرة بابل عن تفسيره (كما في ف 2). أمّا دانيال ففهم معناه واستخلص العبرة: الله يحكم على كبرياء البشرية (أش 2: 10- 19) ويدعو الملوك ليعرفوا عظمته ويتّضعوا أمامه.
ويرتبط ف 5 ب ف 2 و 4 فيُعطي مثلاً عن المعرفة التنبؤيّة التي منحها الله لدانيال. لم تعد القضيّة أن يفسر حلمًا، بل أن نقرأ كتابة سرّية رسمتها يد علوية على جدار القصر الملكي خلال ولمحة تدنيسية أعلن فيها بلشصر تعلّقه بالأوثان واحتقاره لله الحي. ما استطاع سحرة بابل أن يقرأوا الكتابة. أمّا دانيال فقرأها وأبرز دينونة الله الذي يعلن سقوط الملك القريب. كان تقليد بلاد الرافدين ينسب الخبر إلى بال شور اشور ابن نبونيد، فربطه الكاتب بنبوكد نصر نموذج الملك الوثني، وأشار من خلاله إلى أنطيوخس أبيفانيوس الذي سلب الهيكل سنة 169 ودنّسه بالعبادات الوثنية التي جعلها فيه (1 مك 1: 54- 59؛ 2 مك 2:6- 4). وليمة بلشصر تُبرز عربدته وتهتّكه، وموته يُنبئ بموت أنطيوخس. 
وفي ف 6 بُني خبر نموذجي على الموضوع الذي قرأناه في ف 3. ظلّ دانيال أمينًا لله، وبسبب هذه الأمانة واجه الموت. ولكنّه ينجو بأعجوبة، أمّا اعداؤه فيلقون العقاب الذي يستحقّون. يقدّم النصّ اليوناني نسخة ثانية عن هذا الحدث (23:14- 42). يبدو داريوس ملكًا ضعيفًا وخاضعًا لمتطلّبات حاشيته، لا ذلك المتسلّط الذي تحدّث عنه المؤرّخون. ولكنّ الكاتب لا يهتمّ بالتاريخ الماضي، بل بالواقع الحاضر ليحمل كلمة العزاء إلى اليهود المضطهدين. فمنذ سنة 169 فرض أنطيوخس الرابع على مملكته عبادة إله السماء (زوش الأولمبي). أنطيوخس هو تجلّي هذا الإله على الأرض، ولذلك سمي أبيفانيوس. في هذا الإطار التاريخي نفهم الخبر: إنّه تحريض على الاستشهاد وعلى الرجاء. والنجاة من جبّ الأسود، كالنجاة من النار، تمثّل النجاة من الموت التي هي القيامة. وسيرى فيها الفنّ المسيحي صورة عن قيامة المسيح.

ب- القسم الثاني (7: 1- 12- 13): الرؤى
مع ف 7 يبدأ القسم الثاني. فبعد الأخبار المتعلّقة بدانيال ورفاقه، نجد رؤى دانيال مرتّبة بطريقة تشبه ما نجده في الأخبار (ف 1- 6). تبدو الرؤية الأولى بشكل حلم رمزي يُروَى (آ 2- 14) ويُفسَّر (آ 15- 28). في القسم الأول، كان دانيال يفسّر الرؤى والأحلام. أمّا هنا فالملاك الواقف قرب عرش الله يفسّر له الرؤية. نجد تدخّل الملاك في حزقيال (ف 40- 42) وزكريا (7:1؛ 8:6). وتسير الرؤية بشكل حلم في مشهدين متعارضين. في المشهد الأوّل، تطع الحيوانات من البحر فتدلّ على تعاقب الممالك البشرية كما في ف 2. المملكة الأولى هي مملكة البابليين، المملكتان الثانية والثالثة (حسب الترجمة السريانية قبل سنة 250 قي م) تدلاّن على المادايين (آ5) والفرس (آ 6). المملكة الرابعة هي مملكة الإسكندر التي ورثها السلوقيون. يميّز الكاتب عشرة ملوك (عشرة قرون الحيوان) ثمّ ملكًا حادي عشر يصل معه الشر إلى أوجه. هذا الملك الحادي عشر يمثل أنطيوخس أبيفانيوس الذي أزاح ثلاثة قرون هي ديمتريوس، وأخوه أنطيوخس وبطليموس فيلوميتور (11: 21- 25). تحدّث الكاتب أوّلاً عن عشرهَ قرون قبل اضطهاد أنطيوخس. ثمّ زاد القرن الحادي عشر ليشدّد عزيمة المضطهدين، ويُنعش فيهم الرجاء، وينبئهم باقتراب دينونة الله وموت المضطهد وبداية تمجيد الشهداء (آ 23- 25). يمثّل أنطيوخس آخر هجمة من هجمات الشرّ ضدّ شعب الله، وقد رأى التقليد اليهودي والمسيحي في الحيوان الرابع المملكة الرومانية. وحين يسقط الحيوان والرابع، يبدأ مُلك قدّيسي العلي الذين يُعطى لهم ملكوتُ الله.
هنا نقرأ اللوحة الثانية من رؤية دانيال: الله بشكل شيخ ينصّب في السماء ابن الإنسان ملكًا (آ 9- 10، 13- 14). تعارض قسماته قسمات الحيوانات السابقة. ابن الإنسان هو شخص رمزيّ. ولكنّ التقليد اليهودي قابله بالمسيح الداودي (أمثال أخنوخ وعزرا الرابع). أخذ الكاتب موادّه من عالم البابليين والكنعانيين ومن العالم الكتابي الذي دلّ كيف أنّ الله تغلّب على قوى الفوضى (مز 13:74- 14؛ 89: 10- 11)، وتصوّر تاريخ الخروج (أش 51: 9- 10) وتمثّل صراع الله في نهاية الزمن (أش 27: ا). وسيعود سفر الرؤيا (ف 13) إلى هذه الصور فيمزج في حيوان واحد قسمات النمر والدبّ والأسد (رؤ 13: 1- 10؛ مرا 4:7-6). ثمّ إنّ مجيء المسيح على سحاب السماء سيَرد على لسان يسوع (مر 26:13 ؛ مت 30:24- 31؛ لو 21 : 27؛ مت 25: 31؛ لو 17: 22- 30) كتعبير عن رجائه الخاصّ. وحين يسأله قيافا، يُصبح هذا المجيء صورة عن ظهوره في المجد (مر 14: 62؛ مت 26: 64؛ لو 68:22؛ أع 7: 55- 56؛ رؤ 1: 13). هنا نفهم الأهمّية التي أخذها دا 7 في الوحي المسيحي. سيأتي ابن الإنسان في اليوم الأخير ليدين الخطأة ويخلّص الأبرار. هكذا سمّت الجماعة المسيحية يسوع (كما سمّى هو نفسه) فدلّت على أنّه يخلّص الخطأة (مت 9: 6) ويدشّن العهد المسيحاني (مت 8:12).
ونقرأ في ف 8 لوحة تاريخية أخرى بشكل رؤية رمزية. فبعد الكبش وقرناه (يمثّلان مملكتي ماداي وفارس) يأتي تيس له قرن مخيف (مملكة الإسكندر). ولمّا تحطّم هذا القرن (أي مات الإسكندر)، ظهرت أربعة قرون (خلفاء الإسكندر). وأخيرًا ظهر قرن صغير (هو أنطيوخس ابيفانيوس) الذي دفعته كبرياؤه ليرتفع بوجه الله ويزيل عبادته ويضطهد شعبه. ولكنّ سقوطه أعلن بصورة احتفالية في قرار إلهي.
ويتّخذ التعليم الجلياني (أو الرؤيوي) منحى جديدًا. ينطق من نصّ نبوي يعتبر تعليمًا مرقّمًا دوَّن فيه الله مسبّقًا علامات النهاية المنتظرة. هذه النظرة إلى النبوءة تساعدنا على البحث عن نور يضيء الأزمات الحاضرة ويَعِد بحلّها. جعل إرميا (25: 11- 14؛ رج 29: 10) سقوط بابل ونجاة الشعب الإسرائيلي بعد فترة رمزيّة تتألّف من سبعين سنة (أو عشرة سبوت من السنين، أو عشر دورات سبتية، رج لا 2:25- 7؛ تث 15: 1- 11). ففسّرت الأخبار (2 أخ 36: 21) في هذا الإطار زمن سبي بابل. وحوّل سفر دانيال السبعين سنة إلى سبعين سبتًا من السنين أي عشر دورات يوبيلية (لا 8:25- 18)، وبعدها تأتي النهاية وخلاص البشر.
وإذ يريد الكاتب العبريّ أن ينهي كتابه (ف 10- 12) يستعيد تعليمه في لوحة جليانية واسعة. جعلنا في إطار ظهور ملائكي (10: 1- 11: 1) حسب عادة الرؤيا. وشرح الملاك للرائي مسيرة التاريخ حيث يتحقّق قصد الله. يرسم قسمٌ أوّل (11: 1- 39) كلَّ تاريخ الشرق في خطوطه الواسعة، منذ زمن الفرس إلى عهد أنطيوخس أبيفانيوس. ثمّ تأتي لوحتان تدلاّن على المستقبل. الأولى (11: 40- 45) ترسم نهاية المضطهد، والثانية تصوّر نهاية الزمن مع القيامة ومجازاة الأبرار (12: 1- 4). وتعود بنا نهاية هذه الفصول (12: 4- 13) إلى إطار الرؤية وتقدّم لنا أقوالاً رمزية عن زمن النهاية.

ج- القسم الثالث (ف 13- 14): النصوص القانونية الثانية
نذكّر أوّلاً بأنّنا نجد في ف 3 عناصر ليتورجية لا نقرأها إلاّ في اليونانية. العنصر الأوّل (آ 26- 54) هو صلاة توبة يهودية نجدها في دا 15:9 ي وبا 1 :15- 18:3. أمّا العنصر الثاني (آ 52- 90) فهو نشيد مباركة قديم.
ووصلت إلينا قصّة سوسنة (ف 13) في نصين يونانيين اختلفا ولكنّهما عادا إلى أصل سامي واحد. دانيال هو الرجل الذي "يدين " باسم الله ويحكم بالحق. وتجاه شرّ الشيخين سنتعرّف إلى أمانة سوسنة لواجباتها، وهذا ما جعلها مثال المرأة اليهودية.
في ف 14، نقرأ أوّلاً (آ 1: 22) هجومًا على عبادة الأوثان بشكلِ حيّ يدلّ على كذب كهنة الأوثان. ونقرأ ثانيًا (آ 23- 42) حدثًا من صراع دانيال ضدَّ الآلهة الوثنية في بابل.

7- تعليم سفر دانيال
أ- الإيمان والحياة الدينية
تجاه حضارات وثنية تكز فيها الآلهة (5: 4) ويعبد الناس الأصنام (3:2) والحيوانات المكرّسة (14: 23) ويطلب الملك إكرامًا كإكرام الآلهة (6: 8)، يشدّد سفر دانيال على وحدانية الله. هو يبني لاهوتًا دفاعيًا يحارب به الوثنية (ف 14)، ويُبرز عظمة إيمان من أجله نضحّي حتّى بالحياة (ف 3 ؛ 5؛ 29:14 ي). وفي عالم تنشد كلُ الخلائقِ مجد الله الوحيد (3: 52- 90)، يجب على القوى السياسية أن تعترف بسلطان الله المطلق (4: 31- 32؛ 5: 22- 23) لأنّ سلطانها من سلطانه (4: 22، 29؛ 18:5- 19). إنّه وحده سيّد الزمن والتاريخ، وهو يكشف أسرارًا يُمسك بها وحده. وإذا أراد المؤمن أن يتحدّث عن حضوره، يلجأ إلى صور رمزية تحتفظ ببقايا ميتولوجيات تجرّدت من كل ما يتنافى والإيمان اليهودي. الله هو شيخ قديم الأيّام، تُحيط به حاشية من الخدم (7: 9- 10). وهناك العالم الملائكي الذي يتّخذ صورًا جديدة من العالم الفارسي. فملاك الرب يتدخّل لينجّي الفتيان الثلاثة من النار (3: 49، 92) ودانيال من جب الأسود. والملاك المفسّر يشرح لدانيال الرؤى والأحلام (7: 16 ي؛ 9: 21؛ 10: 9- 11؛ 12: 6 ي) كما في حزقيال وزكريا. ثمّ إنّ الله يدير الكون ويتمّم مقاصده بواسطة هذه الكائنات العلوية (4: 14؛ 13:10- 21؛ 12: 1). إنّ الله يستتر، ولكنّنا نتعرّف إلى حضوره وعمله في الأحداث العجيبة التي تحصل من دون تدخّل يد بشرية (2: 34، 45؛ 3: 11- 13، 20- 22؛ 5:5؛ 25:8).
أسّس الشعب اليهودي حياته العملية على وحي قَبِله من الله، فنظّم هذه الحياة حسب متطلّبات الشريعة. لهذا يتعلّق بفرائض الشريعة أفهمَها الوثنيون أم لم يفهموها (مثلاً: المأكولات المحرمّة، رج 1 :8). فالشريعة لا تنظّم فقط حقوق الإنسان (13: 62)، بل تعطي معنى لكلّ المتطلّبات الأخلاقية والعبادية (3: 18، 41 ؛ 23:13). وهي تحدّد روزنامة الأعياد، فلا يحقّ لقوّة بشرية أن تبدّلها. ويُعطي إطارًا للصلاة التي تخضع للعادة المعروفة حتّى في أرض المنفى (6: 11). فهناك صلوات عديدة احتفظ بها الكاتب في نسخته العبرية أو اليونانية نستطيع نحن المسيحيين أن نستعيدها بعد أن نكيّفها حسب متطلبات الإنجيل.

ب- لاهوت التاريخ
الله يحقّق قصده السري عبر التاريخ. والفكرة الشاملة التي عرفها إرميا (25: 1 ي) وأشعيا (41: 25- 29، 45: 1- 6) أخذت هنا كل مداها. ولكي يبيّن الكاتب كل هذا، أبرز في تاريخ الشرق الأوسط تعاقب الممالك التي تكاد بحروبها تسحق شعب الله. فني حلم التمثال (ف 2) وفي رؤية الحيوانات الأربعة وابن الإنسان (ف 7) نقرأ بداية كل من مملكة بابل وماداي وفارس واليونان بصورة اصطلح عليها الفن الجلياني. وما نحسّ به هو جوّ التشاؤم، لأنّ هذا التاريخ ينطلق من أزمة إلى ازمة فيدل على تدرّج انحداري ونمو الشرّ في بشريّة انقطعت عن الله. فالتمثال له رأس من ذهب ورجلان من طين (ف 2). والحيوان الرابع يتفوّق بشروره على كل الحيوانات التي سبقته. التاريخ البشري هو سر الخطيئة التي تسير إلى الذروة، وهو أيضاً المكان الذي تجابُه فيه القوى الخيّرة (الله، وملائكته) القوى المعادية التي يتصوّرها الكاتب في سقوط التمثال (2: 44 ي)، وموت بلشصر (5: 24- 30)، وموت الحيوان (7: 11، 24- 26)، ودمار التيس (8: 23 - 25)، ونهاية الملك المضطهد (27:9 ؛ 11: 40- 45). ويرتبط إعلان الدينونة بظروف مأساوية تتعلّق بحكم أنطيوخس أبيفانيوس. ولكن وراء كل هذا، نستشف كل محن شعب الله، بحيث إنّ النبوءة تحافظ على آنيتها في أوقات الأزمات. ولهذا سيستعيد سفر الرؤيا هذه الصور ويطبّقها على المملكة الرومانية التي اضطهدت الكنيسة. أمّا الشعب اليهودي الذي استعبدته رومة، فقد وجد في سفر دانيال تعليم رجاء وخصوصاً بعد دمار أورشليم سنة 70 ب م.

ج- الرجاء
إنّ دينونة الله التي تصيب اليهود الكافرين والقوى الوثنية المتكبّرة، تشكّل محطّة في كشف قصد الله. فوراء هذه الدينونة، نجد نظرة رجاء إلى مواعيد الأنبياء. لقد عاد الكاتب إلى هذه المواعيد في ف 9 فقرأ نصّ إرميا على ضوء الظروف الحاضرة. وسيقرأ الشعب في منظار مماثل كل النصوص التي تتضمّن المواعيد، ولكنّه ينقلها إلى مستوى يتجاوز حدود التاريخ الأرضي والنجاح البشري. إنّ شعب إسرائيل هو حامل ملكوت الله الذي يشكّل مجيئُه نهاية التاريخ البشري. وفي هذا المُلك الذي يتجاوز البشر والتاريخ، تسحق الممالك المتعاقبة (2: 44). ويتمثّل هذا الملك بصورة ابن الإنسان الذي يجلس كملك أمام الله (13:7- 14)، فيدلّ على تساميه. أمّا شعب قدّيسي العليّ فيكونون سنده الأرضي. ولكي يكون هذا الشعب على قدر الرسالة، يجب عليه أن يتحمّل المحنة التي تنقّيه (11: 35 ؛ 12: 10). هذا هو معنى الاضطهاد الذي أصاب يهود فلسطين والذي يصيب المؤمنين في مجيء العالم الآتي. ولهذا فالعالم الآتي الذي نراه في رؤية ف 7 الرمزية وفي قول 12: 1- 4 يَبرز بشكل عالمٍ متجلٍّ . ما ينتظره المؤمنون هو حلول الحقائق السماوية على الأرض.
ولكي يصل شعب إسرائيل إلى هذا الهدف، سيخضع لدينونة إلهيّة، ولا يشارك في سعادة العالم الآتي إلاّ الذين كُتبت أسماؤهم في الكتاب (12: 2). من يجيب الكاتب على السؤال الذي يطرحه اختبار الاستشهاد؟ فلا يكتفي بأن يحرّض معاصريه ليجابهوا الموت، إذا دعت الحاجة، مؤكّدًا أنّ الله يقدر أن يخلّصهم من النار (3: 38) ومن جب الأسود (6: 22). بل يعلن مبدأ ثابتًا وهو أنّ قدرة الله ستنتصر على قدرة الموت في الذين كانوا ضحايا الموت. ومشاركتهم في مصير البشر العام سيؤمّن لهم مكانًا في العالم الآتي. وهكذا يعلن دانيال بوضوح وللمرّة الأولى في العهد القديم، وعدًا بالقيامة الفردية (12: 2- 3). فيصبح الشيول (أي مثوى الأموات) جهنّم أي موضع غياب الله والطرد من العالم الآتي. وسيشهد 2 مك 7: 9 ي كيف أنّ هذا الرجاء لعب دورًا رئيسا ليسند إيمان الشهداء. ولن يكتفي التوسعّ اللاحق بترديد هذا التعليم، بل سيجد فيه إطارًا لفهم موت يسوع وقيامته.
الفصل التاسع
عمل المؤرّخ الكهنوتّي

اعتاد الشرّاح أن يتحدّثوا عن التاريخ الكهنوتي وعن التاريخ الاشتراعي. فالتاريخ الاشتراعي ضمّ أسفار يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك. وشدّد على تنظيم الملكيّة، على توحيد مركز العبادة، على ارض الموعد التي تعطى للشعب إذا كان أمينًا، وتؤخذ منه إذا خان ربّه. أما التاريخ الكهنوتي فيضمّ أسفار الأخبار وعزرا ونحميا ويشدّد على مركز أورشليم ودور الكهنة فيها. هذا ما نعالجه في هذا الفصل.

1- عمل المؤرخ
أ- نظرة عامّة
ترك لنا المؤرّخ الكهنوتي كتابين، 1، 2 أخبار ثم عزرا ونحميا. فالأسفار الأربعة تشكل مجموعة واحدة وإن اختلفت بنية كل من الكتابين. يعود سفرا الأخبار بصورة خاصة إلى أسفار صموئيل والملوك. أما سفرا عزرا ونحميا فيستوحيان مراجع قد يعود بعضها إلى الأرشيف الفارسي. وهكذا لا نستطيع أن نثق كل الثقة بمَا ورد في عزرا- نحميا، كما نثق بمَا ورد في كتاب الأخبار. ويطرح علينا سؤال: هل انطلق المؤرخ من مراجع مميّزة ومنفصلة لكي يكتب عزرا ونحميا، ام أنه وجد عمل تدوين وتجميع سابق له، فاكتفى بتحويره وتكميله ليواقف العصر الذي يقدّم إليه؟
يتوافق الشرّاح على القول إن هناك مؤلّفًا أو مسودّة سبقت عزرا ونحميا. ويرى لودس ان ذكريات عزرا ونحميا دمجت، قبل أن يقحمها المؤرخ في كتابه الواسع. اما البرهان الرئيسي فيستند إلى المقابلة بين لائحتين متشابهتين في عز 2 ونح 7. ويعلن ان لائحة نحميا سبقت لائحة عزرا. لهذا فإن نح 7-8 (يعود ف 7 إلى مذكرات نحميا، وف 8 إلى مذكرات عزرا) يدلاّن على أن ضمّ هاتين الوثيقتين حصل قبل العمل التدويني الذي قام به المؤرّخ. ونقول الشيء عينه عن الأوراق الرعية التي دوّنت في الأراميّة (عز 4: 6). فهي قد وُجدت في شكلها الحالي قبل أن يستعملها الكاتب في مؤلفه.
وهناك رأي آخر يورده موفنكل. ينطلق من تحليل مفصّل لنصوص عزرا ونحميا فيصل الى النتيجة التالية: ضمّ مؤلّف المؤرخ في الأصل سفري الأخبار ومذكّرات عزرا. ثم جاء كاب لاحق فزاد مذكرات نحميا. وإن عزرا اليوناني الذي يحتوي عز 1- 10 ونح 8 (أي ما ينسب إلى 1، 2 أخ، ومذكرات عزرا، دون مذكرات نحميا) قد عرف الشكل الأصلي لمؤلف المؤرخ قبل أن تضمّ اليها مذكرات نحميا.
لا نستطيع أن نقبل هذه النظرية التي تجعل أسفار الأخبار وعزرا ونحميا قد دوّنت في شكلها النهائي سنة 160-143 ق. م.

ب- متى دوّن التاريخ الاشتراعي
لقد اختلف الشراح. ولكنّنا نستطيع أن نفترض حدود الحقبة الممكنة. فإذا جعلنا مجيء عزرا يتمّ بعد مجيء نحميا، وإذا وافقت السنة السابعة لارتحششتا حكم ارتحششتا الثاني (مز 8:7)، يكون من المستحيل أن نجعل تدوين مجمل عمل المؤرخ قبل منتصف القرن الرابع ق. م. ثم إن دراسة لوحات الأنساب كما نقرأ في 1 أخ 3 ونح 12 عن تسلسل رؤساء الكهنة، تتيح لنا أن نصل إلى فترة توافق بداية الحكم اليوناني، أي سنة 332. ولا يبدو أن التدوين النهائي للمؤلف يعكس حقبة مضطربة ومؤلمة كتلك التي عرفها اليهود في أيام السلوقيين ولاسيَّمَا في عهد المكابيين.
إذن، نصل إلى زمن يقع في نهاية القرن الرابع أو خلال القرن الثالث. وإذا أردنا أن نحدّد قلنا بين سنة 320 وسنة 250. وإذا أردنا تحديدًا أدقّ نميّز بين زمن تدوين المراجع التي استعملها المؤرّخ في القسم الثاني من مؤلّفه (ذكريات عزرا ونحميا مع امكانية دمجهما قبل استعمالها)، وبين زمن تدوين المؤلّف كله (أي: 1 أخ، 2 أخ، عز، نح)، آخذين بعين الاعتبار الزمن المتأخر الذي ضمّت فيه آخر المواد التدوينيّة.
مثل هذا البحث صار متشعّبًا بل مستحيلاً. إن مختلف مراحل تكوين هذه الأسفار الأربعة تبقى مجهولة بالنسبة الينا. ولأننا لا نجد أية إشارة كرونولوجية تعيننا في بحثنا، يبدو من الصعب أن نذهب الى أبعد من سنة 200 كحدّ أدنى للانتهاء من تدوين المؤلّف. 

ج- كيف دوّن المؤرّخ مؤلّفه
إن نظرة إجمالية لهذه الشميلة الواسعة التي اسمها أخ، عز، نح، تتيح لنا أن نلاحظ أن النهج التدويني يقابل نوايا خاصة تساعدنا على اكتشاف هدف الكاتب.

أوّلاً: استقصاء واستبعاد
كانت أمام المؤرخ مراجع، فاختار منها ما هو ضروري ومهمّ من أجل تدوين مؤلّفه. كل اختيار يعني استقصاء واستبعادًا. وما يميّز المؤرّخ الكهنوتي عن أولئك الذين دوّنوا أسفار صموئيل والملوك، بالنسبة لحقبة الملكية السابقة للمنفى، هو استبعاد كل الأخبار المتعلّقة بمملكة اسرائيل بعد انفصالها عن مملكة يهوذا (سنة 933). فني نظر الكاتب، إسرائيل الحقيقي هو مجمل الشعب الموحّد حول داود. ولهذا، فقبائل الشمال قد انفصلت عن شعب الله الحقيقي ولم تعد تدخل في مسيرة التاريخ التي هي مسيرة تاريخ يهوذا. هذا مع العلم انه ظلّ يحنّ إلى تجميع جديد وكامل لشعب الله.
وإذا عدنا إلى أخبار حكم داود وسليمان وملوك يهوذا، نرى ان الكاتب يستبعد كل ما يبدو شهادة سيئة تجاه خدام الله الكبار الذين قادوا شعب الله. ثم إن جميع الأخبار المتعلّقة ببلاط داود الملكي في 2 صم 9-23، قد أغفلها الكاتب: زنى داود مع بتشابع، تعدّي أمنون على أخته (من أبيه) تامار، ثورة أبشالوم. كما أغفل الكاتب الحكم القاسي على سليمان (رج 1 مل 11) الملك الذي غرق في الترف وعبادة الأوثان.
وهذا الاستبعاد لأقسام كثيرة من التاريخ يبيّن السبب الذي لأجله وجدت فجوات مهمّة في مؤلّف المؤرّخ. مثلاً، هو لا يقول شيئًا عن حقبة المنفى. ولا يهتم مطلقًا ببني اسرائيل الذين بقوا حيث هم (2 مل 25). فنراه يصل بدون انتقال إلى قرار كورش والعودة من المنفى (2 أخ 36 ؛ عز 1). ونجد فجوات أخرى في سفرَي عزرا ونحميا، لا نستطيع أن نردمها لأن لا وثائق أخرى في أيدينا. وبين عز 6 وعز 7 هناك فترة طويلة، هذا إذ1 أخذنا بالترتيب الكرونولوجي الذي يجعل نحميا (الذي كان من العوام) قبل عزرا (الذي كان كاهنًا)، لا العكس. وأخيرًا، إن نشاط عزرا الكاتب ونحميا الحاكم يتوقّف فجأة ولا يقول لنا الكاتب لماذا توقّف.

ثانيًا: تعديل وتبديل
وما اكتفى المؤرخ بأن يختار الوقائع التي يريد أن يرويها. بل هو بدّل وعدّل بعض الوثائق التي كانت بين يديه. قدّم اعتبارات خاصة وملاحظات فظلّ أمينًا لنظرته الدينيّة، حتى لو ابتعد عن مراجعه. أما الحالة النموذجية عن هذا الوضع، فنجدها في خبر الإحصاء الذي قام به داود (1 أخ 21: 1). ماذا قدّم المرجع الذي نقراه في 2 صم 24: 1؟ إن غضب الله دفع داود إلى إحصاء الشعب. ثم عاقبه الله لأنه فعل ما فعل. أما في سفر الأخبار فالشيطان هو الذي يوسوس لداود لكي يقوم بهذا العمل.
ليس من الصعب أن نفهم المسألة اللاهوتية الخطيرة المطروحة على الكاتب: نجد في 2 صم جورًا وظلمًا من قبل الله. فقدّم المؤرّخ حلّه بالعودة إلى الشيطان الذي بدأ عمله يتّضح في الفكر اليهودي القديم. وهناك تبديلات كرونولوجية في سفري عزرا ونحميا. فقد أراد الكاتب أن يجعل عزرا الكاتب والكاهن يمرّ قبل نحميا الذي لم يكن كاهنًا، بل شخصاً من العوام.

ثالثًا: زيادات واضافات
وانطلق المؤرّخ من وثائق فأضاف توسيعات وملحقات وتفاسير يعود أكثرها، على ما يبدو، إلى تقاليد شفهيّة أو خطية عرفها. كما يعود القسم الآخر إلى اعتبارات خاصة لدى المؤرّخ أو الى نظرته إلى الأمور. فتنظيم شعائر العبادة وتحديد دور اللاويين قاداه لكي يدخل في خبر داود وسليمَان وملوك يهوذا، مقاطع توسّع هذه المواضيع توسيعًا مستفيضاً (رج 1 أخ 23-27). لم يعرف كتاب الملوك إلا اصلاحًا بسيطًا (الملك حزقيا) مع إصلاح يوشيا. أما كتاب الأخبار فيصوّر اصلاح حزقيا ويتوسعّ فيه أكثر ممّا سيفعل في اصلاح يوشيا. ثم يسبق هذا الاصلاح باصلاحات مماثلة وإن كانت أقلّ أهميّة. مثلاً، اصلاح آسا (2 أخ 15)، إصلاح يوآش (2 أخ 24).
مثل هذا النهج الذي تصرّف بحريّة مع الوثائق الأساسية في عرض الأخبار يجعلنا نستشف البواعث التي وجّهت كاتب التاريخ الكهنوتي. فتوجيهه اللاهوتي يستند إلى نظرات لا يخفيها، إلى نظرات نستشفها حتى ساعة يورد مراجعه ايرادًا حرفيًّا. ثم إنه يخضعها لاهتمامات عملية تنعكس في مؤلّفه. وهذا ما يجعلنا نبحث عن النظرة اللاهوتية قبل النظرة التاريخيّة.

2- المفاهيم اللاهوتية
إذا تفحصنا مجمل التاريخ الكهنوتي، يلفت انتباهنا ورود بعض المواضيع التي يشدّد عليها الكاتب بصورة خاصة. نذكر منها: ملكية داود، الهيكل، شعائر العبادة.

أ- ملكية داود
أول المواضيع الذي يلفت انتباهنا هو ملكيّة داود. فداود الملك هو في قلب كتاب الأخبار في سفريه.
فالخبر الذي يبدأ بعد لائحة الاسناب (1 أخ 1- 9) يقدّم في لوحة متعارضة شاول الذي ذل ومات، وداود الذي مُسح ملكًا (1 أخ 3:11). وفي 1 أخ 11-29 (أي حتى نهاية 1 أخ)، سيكون داود في قلب الخبر. لا شك في أن المؤرخ يرى أن التاريخ لا يبدأ مع داود.
ولكنه يبدأ ايراده لتاريخ شعب الله مع مملكة داود. وحين نقابل ملكيّة داود في كتاب الأخبار وكتاب صموئيل، تلفت انتباهنا الاختلافات العديدة: فتوّة داود، مغامراته في بلاط شاول، مسحته السريّة بيد صموئيل، كل هذا يفصله المؤرّخ الكهنوتي. وخلال حياته الملكيّة، اختفت كل الأخبار العائلية التي تملأ كرونيكة القصر في 2 صم 19-23. ونقول الشيء عينه عن الأحداث التي طبعت بطابعها شيخوخة داود، ومحاولات ناتان وبتشابع ليعيّن الملك خلفًا له، وتعليمات الملك الشيخ لابنه سليمَان (1 مل 1-2). 
إذن، تبدو صورة داود صورة مثالية. إنه الملك الملك. هو رأس السلالة التي لا نهاية لها. وهذا الملك قد وجّه كل شيء خلال ملكه، من أجل بناء هيكل أورشليم وتنظيم شعائر العبادة فيه. وتحتلّ استعدادات داود من أجل الهيكل والفرائض المتعلّقة بالوظائف الكهنوتيّة، حيتزًا مهمًّا في 1 أخ 15-26. لقد نقلت الترتيبات الدقيقة في الخدم العبادية التي عرفها زمن ما بعد المنفى، وبالتالي زمن الكاتب، لقد نقلت المخ زمن داود، إلى الزمن السابق لبناء الهيكل.
ونحسّ أن المؤرّخ يتأسّف كثيرًا لأنه لا يستطيع أن ينسب بناء الهيكل إلى داود. ولكنّه يبيّن لنا أن داود نظّم كل شيء تنظيمًا مسبّقًا بحيث اكتفى سليمَان بتنفيذ ما أقرّه والده قبله. فأولوية داود وملكه هي إحدى الأفكار التي تشرف على مسار الكاتب. أجل، إن زمن داود هو الحقبة المثالية في حياة شعب الله والاهتمام الكهنوتي والعبادي الذي نستخلصه من هذه الأخبار، جعلنا نفكّر أن المؤرّخ وضع نفسه في تقليد البنتاتوكس الكهنوتي كما نجده في خر 25-40 وفي كل سفر اللاويين. ولكن يتميّز هذا التاريخ عن البنتاتوكس باختلافة أساسيّة. هو لا يرى في موسى الشخص المركزي (الذي هو محور الكتاب) والمشترع وقائد شعبه. فقد حلّ داود محلّه. ويمكننا القول إن داود احتل مكان موسى في تاريخ الشعب.

ب- الهيكل وسليمَان
وهناك موضوع آخر لا تقل أهميّته عن أهميّة داود في التاريخ الكهنوتي: هو موضوع الهيكل.

أولاً: الهيكل
كان داود قد نظر مسبقًا إلى الهيكل، وهيأ له كل شيء. ولكن سليمَان هو الذي بناه. وسيتكرّس ملك سليمان كلّه لتشييد المكان المقدّس (2 أخ 2-7). وسيشرف على توالي تاريخ ملوك يهوذا، موقف كل من هؤلاء الملوك بالنسبة إلى هيكل أورشليم. والحكم الذي "يتلى" عليهم يتأسّس على الطريقة التي بها أعادوا شعائر العبادة إلى نقاوتها، التي بها قاموا بالاصلاح اللازم لكي يطهّروا المعبد الذي دنّسته عبادة الأصنام.
فالتاريخ هو سلسلة من الاصلاحات تتبع حقبات من الخيانة للوصية الأولى (أنا هو الرب الهك) والوصية الثانية (لا تصنع لك منحوتًا ولا صورة). ودمار الهيكل في وقت المنفى (2 أخ 36) يتبعه عمل إعادة بنائه دون أي انتقالة بين خبر التدمير وحبر البناء (عزا-6). فالكاتب يهتمّ بشرعيّة المعبد الوحيد في اسرائيل تجاه سائر المعابد الممكنة. ليس فقط في الماضي، بل في أيّامه أيضاً.
لهذا رأى عدد من المؤرّخين في المؤلّف الكهنوتي، تعبيرًا عن حرب وهجوم على السامريين الذين تعلّقوا بمعبدهم في مملكة اسرائيل القديمة (التي دمّرت سنة 721 ق. م.) وعارضوا الموقف الذي يحصر شعائر العبادة في معبد أورشليم.
وحين أغفل الكاتب تاريخ ملوك اسرائيل بعد الانفصال سنة 933. وحين شدّد مرارًا وتكرارًا على القيمة الفريدة لهيكل أورشليم. وحين أبرز عداوة الناس الذين ظلّوا في الأرض إلى يذهبوا إلى المنفى) تجاه الأسرى الذين عادوا إلى أورشليم حين إعادة بناء الهيكل والأسوار (عز 4: 6؛ نح 2 :0 - 4: 6)، فقد أراد أن يبرهن أن تاريخ السامريين لا أساس له، وأن ادعاءاتهم ليس لها ما يبرّرها.

ثانيًا: سليمَان
ونعود إلى بناء الهيكل فنجد أن صورة سليمَان تشبه صورة داود. إنها صورة مثاليّة وكاملة، وليست موجودة في الواقع التاريخي. لا يروي المؤرّخ شيئًا يمسّ بهذا الملك العظيم: لا في بداية عهده ساعة أفنى كل مزاحم حقيقيّ أو ممكن، وساعة تزوج الأميرة المصريّة. ولا في نهاية عهده حين أفرط في البذخ والترف، وتزوّج النساء العديدات، وغرق في عبادة الأوثان.
سليمَان هو في نظر المؤرّخ، الملك الذي توجّهت كل أفكاره نحو الهيكل. وخبر تدشين المعبد (2 أخ 8) يتّخذ أبعادًا لم تكن له في كتاب الملوك. ويمكننا ان نتساءل: أما اعتبر كاتب الأخبار ان سليمَان هو أكثر أهمية من داود؟ أما قدّم صورة مثالية رفيعة (تفوّقت على صورة داود) لذلك الذي سيكون باني الهيكل؟ الجواب هو كلاّ. فالكاتب يتحدّث طويلاً عن داود فيكرّس له 19 فصلاً حين لا يكرّس لسليمَان سوى 9 فصول. وحين يعود المؤرّخ إلى الماضي ليتحدّث عن ملوك يهوذا، فالمعيار والمقياس هو داود لا سليمَان (2 أخ 21: 7؛ 27:29 ؛ 3:34؛ عز 3: 10؛ نح 12: 36، 46). ولكن مهما يكن من أمر، فهناك مقابلة دقيقة بين الاثنين: داود هو الملك المثالي الذي نظّم شعائر العبادة ورتّبها. وسليمَان هو الملك المثالي الذي بنى الهيكل.

ج- شعائر العبادة في شعب الله
أولاً: اللاويون
إن شعائر العبادة تلعب دورًا كبيرًا في هذا المؤلّف، وهي بالتالي موضوع مميّز في التاريخ الكهنوتي. غير اننا نلاحظ المكانة الخاصة المحفوظة للاويين في الاحتفال بشعائر العبادة. لقد زالت الوظائف الدنيا التي كانت محفوظة للاويين. فالذين كانوا يحملون تابوت العهد في الماضي، صاروا خدّامًا رئيسيين في شعائر العبادة وشاركوا في كل وجهات الاحتفال الديني، وتخصّصوا في الموسيقى والغناء.
من الذي نظّم هذه الوظائف اللاوية (1 أخ 23-26)؟ داود. هنا يختلف المؤرّخ عمّا تقوله التقاليد الاشتراعيّة والكهنوتيّة في أسفار الشريعة الخمسة. لهذا السبب، افترض عدد من العلماء أن المؤرّخ الكهنوتيّ انتمى إلى أوساط المغنّين من بني لاوي: فهو يتكلّم عنهم بحماس واندفاع، ويشدّد على دور الموسيقى الدينيّة في حياة الشعب. وهناك صور عباديّة ترد عنده مرارًا: تدشين هيكل سليمَان (2 أخ 5- 7)، الاحتفال بعيد الفصح في أيام حزقيا ويوشيا (2 أخ 35،30)، وضع أساسات الهيكل الثاني (عز 3)، تدشين هيكل زربابل (عز 6). يشدّد الكاتب على جوّ الفرح في هذه الاحتفالات، فيجعلنا نشارك في المدائح وأناشيد الشكر.
ونحسّ لدى قراءتنا هذا المؤلّف، ان الكاتب يتعلّق بالتيار اللاوي تعلّقًا يجعله يحطّ من قدر الكهنوت نفسه. فنحن نسمعه وكأنه يقول: إن الكهنة لم يكونوا أمناء مثل اللاويين. إن الكهنة كانوا مهملين في خدمتهم، فاختلفوا عن اللاويين (2 أخ 29: 24؛ 3:30). وخلال الاحتفال بالفصح في ايام يوشيا، قام اللاويون بكل أعمال العبادة بما فيها ذبح الأضاحي، وتلك أعمال كان يقوم بها الكهنة أو رؤساء البيوت. وحين استعد عزرا للمجيء إلى أورشليم مع عدد من رفاقه، ما أراد أن يذهب دون أن يأخذ اللاويين معه. بحث عن بعض منهم ليؤمّن خدمة بيت الله لدى عودته إلى أورشليم (عز 8: 15- 10). والأهمية المعطاة للاويين في هذا المؤلف جعلت الشرّاح يرون ان المؤرخ وضع نصب عينيه فكرة محدّدة في شأن هؤلاء الأشخاص. اراد أن يرفع هذه الوظيفة فتعود إلى ما كانت عليه بعد أن احتقرت وانحصرت في أعمال مادية دنيئة. اراد أن يرفع اللاويين على مستوى الكهنة. نحن هنا أمام إعادة اعتبار. ولكن سواء صحَّت هذه النظرية أم لا، فلا شك في أن المؤرخ اهتم اهتمامًا خاصاً باللاويين واعتبر وظيفتهم اعتبارًا فتحدّث عنهم بحماس واندفاع.

ثانيًا: شعب الله
وإذا عدنا إلى مفهوم شعب الله، رأينا أن المؤرخ الكهنوتي يعتبر أن يهوذا هو اسرائيل الحقيقي. فبعد الانفصال، انشقت قبائل الشمال ومالت إلى الأوثان. ولكنه لايني يذكّرنا بالتحريض الموجّه إلى اسرائيلي الشمال القدماء ليعودوا إلى حضن شعب الله الحقيقي، وليستعيدوا مكانتهم فيه.
وحين يروي تاريخ ملوك يهوذا، يستفيد من المناسبات العديدة ليسمع نداءهم من أجل إعادة تجميع الشعب بالعودة إلى العبادة الوحيدة الحقة التي تقام في هيكل أورشليم. أما الذين لا يهتمون بشعب الله ، أو الذين يتقربون من الشعب لأسباب غير مشرّفة، فهم يحسبون أعداء الله، ولا شيء يربطهم بالجماعة اليهودية الدينية: "لا نصيب لهم، لا حق، ولا ذكر في أورشليم " (نح 2: 20، رج 4: 1- 5). فالله هو الذي يوجّه كل تاريخ الشعب. كل الأحداث هي حصيلة تدخل الله في حياة الشعب، وفي حياة الشعوب.

3- لاهوت التاريخ
نجد تعبيرًا عن لاهوت التاريخ في هذا المؤلف الكهنوتي على ثلاثة مستويات: مستوى المجازاة، مستوى الطاعة لشريعة الله، مستوى اورشليم المدينة المقدسة.

أ- موضوع المجازاة
توسّع المؤرخ في موضوع المجازاة إلى درجة كادت تكون مطلقة. فني حياة الشعب كما في حياة الأفراد، ولاسيمّا في حياة الملك، تبدو عدالة الله فاعلة وهي لا ترحم. فكل خطيئة تجرّ معها عقابها. وكل محنة هي ثمرة غضب الله بسبب خيانة من الخيانات. فالإنسان الأمين، والملك المهتم بالهيكل وبنقاوة العبادة، يعرفان السعادة وبركة الله. وهذا التعليم الصلب يفسّر مرات عديدة التبدّلات التي قام بها المؤرخ في مراجعه التي لم تظهر معنى الأحداث بشكل دقيق.
هنا نذكر مثلين واضحين. الأول، كثرت خيانات منسّى وجرائمه بشكل لم يعرفه ملك قبله (2 مل 21). ومع ذلك دام ملكه كما لم يدُم ملك أحد في يهوذا. فكيف نفسّر هذا الشواذ بالنسبة إلى التعليم عن المجازاة الالهية؟ أما المؤرخ فقد وجد السبب: إن منسى تاب وعاد إلى الرب في نهاية حياته. طهّر الهيكل من الأصنام، وصار عابدًا أمينًا لإله اسرائيل (2 أخ 33). هل استعمل المؤرخ تقليدًا صادقًا يتحدّث عن توبة منسى في أواخر حياته؟ الأمر ممكن. ولكن كتاب الملوك لا يقول في هذا الصدد شيئًا. غير أن هذا الحدث يبدو بارزًا في كتاب الأخبار بحيث إن ملك منسى بدا بشكل مختلف عمّا نعرفه في التقليد الاشتراعي.
والمثل الثاني نقرأه عن الملك يوشيا. هنا حدث أمر معاكس تمامًا لما في مثل منسى. قُتل يوشيا وهو شاب خلال ملاقاته لملك مصر العابر في بلاده (2 مل 23: 39-30). كيف نفهم موت هذا الملك الأمين والبار الذي قام باصلاح شعائر العبادة بغيرة لم يعرفها أحد من ملوك يهوذا قبله؟ كيف نفهم موت هذا الملك الشاب؟ رأى المؤرخ في هذا الموت عقابًا عن خطيئة. وما هي هذه الخطيئة؟ كان على يوشيا أن يسمع كلام ملك مصركما لو أنه من فم الله (2 أخ 36: 0 2- 25). عصا أمر الله فضربه الله.
إن مفهومًا ضيقًا لعدالة الله يفسّر مثل هذا التصلّب في تطبيق مجازاة الله الأرضية والزمنية. فنحن لا نجدُ بعد في التاريخ الكهنوتي أية إشارة إلى مجازاة في الآخرة. وعدالة الله هذه تفهمنا لماذا جعل الكاتب يُحلّ الشيطان محلّ غضب الله في خبر الاحصاء الذي قام به داود، فحلّت الضربة بشعبه (1 أخ 1:21).

ب- الطاعة لشريعة الله
تمثّل الطاعة لشريعة الله مكانة هامة في عمل المؤرخ. إذا كان الله قد تدخّل من أجل شعبه، فعلى الشعب أن يعيش في الأمانة للشريعة. ولكن يبقى من الصعب أن نحدّد بدقة مدلول الشريعة في هذا المؤلّف. مرة نحن أمام شريعة تشير في جوهرها إلى فرائض أعطاها داود من أجل تنظيم الكهنوت وشعائر العبادة. ومرة أخرى نحن أمام شريعة موسى في معناها العام.
في سفري عزرا ونحميا، الشريعة هي ما نجد في كتاب شريعة موسى (نح 8: ا). هنا تساءل الشراح: هل التاريخ الكهنوتي هو امتداد للتقليد الكهنوتي كما عرفتنا به وثائق البنتاتوكس (مدرسة ولهوزن)؟ أم هو بالأحرى في خط التقليد الاشتراعي كما نعرفه في سفر التثنية وفي أسفار التاريخ التي دوّنتها المدرسة الاشتراعية كما في أسفار صموئيل والملوك (موقف فون راد)؟
لا نستطيع أن نختار بين هذين الموقفين. فالتاريخ الكهنوتي بمجملة (1 أخ، 2 أخ، عز، نح) هو حصيلة خطّين لاهوتييّن. فهناك وجهات تذكّرنا باللاهوت الاشتراعي، ولاسيّمَا بالتعليم عن المجازاة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فلاهوت الاختيار والعهد، والنظرة إلى الشعب، كل هذا قد اختفى من عند المؤرخ. ثم إن هناك وجهات أخرى تبدو قريبة من المدرسة الكهنوتية حول الاحتفالي بشعائر العبادة والأعياد، وحول أهمية اللاويين. وهكذا يكون المؤرخ قد انطلق من التشريع الاشتراعي والتشريع الكهنوتي فقدم نظرة شاملة. وقد يكون الكتاب الذي بين أيدينا إعادة نظر على ضوء تعليم الكهنة (بل اللاويين) في مؤلف اشتراعي في أصله. وقد تكون هذه النظرة الأخيرة قد تأثرت بما عمله الكاهن عزرا حين أعاد تدوين أسفار موسى الخمسة، بل مجمل أسفار التوراة.

ج- أورشليم المدينة المقدّسة
أولاً: أورشليم
هناك مدلول أساسي في عمل المؤرخ، وقد يكون الموضوع الذي وجّه الكاتب في تدوين مؤلّفه: إنه موضوع أورشليم المدينة المقدسة.
فعبر كل تاريخ شعب الله، تبدو أورشليم في قلب اهتمامات الكاتب. ففي مقدمة مؤلّفه، توجّهت لائحة الانساب في ف 1- 9 نحو قبيلتين وضعتا في الواجهة: قبيلة يهوذا وقبيلة بنيامين. يهوذا هي قبيلة داود الذي "خلق " أورشليم. وبنيامين هي القبيلة التي تقوم فيها المدينة المقدسة. وهكذا نفهم اهتمام الكاتب بنسل داود من جهة (1 أخ 3) وبنسل بنيامين من جهة ثانية (ف 8- 9) وهو المقيم في أورشليم. وتاريخ داود، وخبر بناء الهيكل مع سليمان، ومسيرة الملوك الذين تعاقبوا في يهوذا، كل هذا يتركّز على أورشليم.
ويورد سفرا عزرا ونحميا كل ما يتعلّق بالعودة إلى أورشليم، بإعادة بناء الهيكل، بترميم أسوار أورشليم، بتنظيم الحياة الدينية والاجتماعية في شعب أورشليم. ونقرأ في نح 11: ا، 18 عبارة "القدس " أي المدينة المقدسة.
إن موضوع المدينة المقدسة يبدو رباطاً يضمّ المواضيع المختلفة التي توسّع فيها الكاتب: داود، الهيكل، شعائر العبادة، حياة الشعب، الشريعة. وتحدّثنا النصوص مرارًا عن "إله أورشليم " (عز 1: 3- 4؛ 7: 5- 19). هذه العبارة تدل على النظرة إلى صهيون، الجبل المقدس الذي اختاره الرب ليقيم فيه اسمه. هذا ما يشير إليه سفر المزامير وتثنية الاشتراع. وعناد نحميا وجرأته من أجل إعادة بناء اسوار أورشليم، يدخلان في خط المؤرخ الذي أورد مذكّرات نحميا حول هذا العمل المجيد (نح 1- 6). فمدينة الهيكل لا يمكن أن تبقى مفتوحة على كل تأثير وثني آتٍ من "الريف "، كما لا يمكن أن تبقى معرّضة للأخطار. يجب أن تنفصل عن أي نجاسة ممكنة لأنها المدينة المقدسة، والمكرّسة لله.
لسنا فقط أمام طمأنينة بشرية ومادية، بل أمام اهتمام ديني. وهذا ما برّر ضرورة إعادة بناء الأسوار وجلب أناس يقيمون في العاصمة فلا تعود مهجورة (كما فعل نحميا). ولا يحتفل بالعبادة الحقة إلا في الهيكل. ولا يمكن أن يكون الهيكل إلا في المدينة المقدسة. انفصل الهيكل والمدينة المقدسة عن سائر انحاء البلاد بجدار لا يمنع الاتصال بين الذين هم في الداخل والذين هم في الخارج. ولكن هذا الانفصال سهّل ممارسة الشريعة ممارسة دقيقة، ولاسيمّا فيما يخصّ اكرام السبت (نح 13: 15- 22). وحين تدشنت الأسوار، طهّرت الأبواب والجدران والشعب كله على يد الكهنة واللاويين، كعلامة لتكريسهم للرب (نح 30:12).

ثانيًا: المسيحانية والاسكاتولوجيا
وطرحت مسألة المسيحانية والاسكاتولوجيا في التاريخ الكهنوتي. فإذا نظرنا إلى المعنى الدقيق لهاتين اللفظتين استطعنا القول إن لا حديث عن المسيح ولا عن انتظار ملكوت الله في أسفار الأخبار وعزرا ونحميا. ولكن هل يكفي هذا القول لكي نعتبر هذه المسألة غريبة عن الفكر اللاهوتي لدى المؤرخ. أعلن رودلف ان العنصر الاسكاتولوجي اختفى من كتاب الأخبار، فبقيت فقط تلميحات إلى انتظار مسيحاني. أما فون راد فأعلن أن المؤرخ أراد في زمن حُرم من الملكية، أن يكون المحامي عن التقليد المسيحاني.
لا شك في أن الكاتب يعتبر أن الجماعة اليهودية تجسّد مثال الملكوت التيوقراطي الذي يرأسه داود. ولكن المملكة هي في أصل المسيحانية. والتيوقراطية المثالية لا تستبعد مطلقًا انتظار تحقيق حكم الله في نهاية الأزمنة.

لقد برز انتظار الخلاص في إسرائيل بأشكال متعدّدة على مرّ التاريخ. فهناك الحقبة السابقة للاسكاتولوجيا. إنها الحقبة السابقة للأنبياء: نحن أمام انتظار ليوم الرب مع مدلول سياسي ووطني. وهناك حقبة اسكاتولوجية أولى، هي حقبة أنبياء القرن الثامن، والحديث عن مملكة شاملة تشبه مملكة داود وتقوم على الأرض في نهاية الزمن. وهناك حقبة الاسكاتولوجيا التي بدأت تتحقّق الآن: هي حقبة المنفى وانتظار العودة مع حزقيال وأشعيا الثاني. وهناك حقبة الاسكاتولوجيا المتعالية: عالم الرؤيا والكارثة الأخيرة. يُنقل ملكوت الله إلى عالم آخر.
أين نضع عمل المؤرخ الكهنوتي في هذه الرسمة؟ ربما في الحقبة الثالثة وفي الحقبة الرابعة. فمملكة داود هي صورة مثالية عن التيوقراطية: الله يحكم لا الملك. أما الملك فيجلس على عرش "الله " (1 أخ 28: 5 ؛ 23:29 ؛ 2 أخ 8:9). وحين أورد الكاتب تاريخ ملكية داود كواقع مثالي من الأرض، لم ينقله إلى عالم متعالٍ كما تفعل كتب الرؤى، بل قدّمه على أنه صورة ملكوت الله بحسب المثال التيوقراطي. وفي نظرته إلى اورشليم المدينة المقدسة، على الأرض، دخل في خطّ سينتقل إلى المستوى الاسكاتولوجي ويصل إلى أورشليم السماوية كما في كتب الرؤيا. ولكن إن كانت هذه النظرة إلى ملكوت الله لا تصل بنا إلى انتظار نعبّر عنه بوضوح، إلا أنه لا يمكن أن نلغي من هذه الأسفار (أخ، 2 أخ، عز، نح) المنظور المسيحاني الذي يرتبط بصورة الملك داود، وبانتظار ملكوت يتركّز على أورشليم المدينة المقدسة.

ثالثًا: هدف الكاتب الكهنوتي
لماذا دوّن الكاتب الكهنوتي هذه الشميلة الواسعة عن تاريخ شعب الله؟ هناك فرضيات عديدة. ولكنها تلتقي كلها في خطّ موجّه هو خط أورشليم المدينة المقدسة. 
كل ما سبق تنظيم المدينة المقدسة لا يهم الكاتب. فهو سيستعيد الماضي أو ما قبل تاريخ أورشليم في لوحات انساب (أخ ا- 9) تكفي لكي تبين ارتباط شعب الله بالبشرية، وأهم العناصر في هذا الشعب: يهوذا، قبيلة داود. وبنيامين القبيلة التي تحوي أورشليم. ثم ينتقل إلى المدينة التي "خلقها" داود كعاصمة التيوقراطية الأرضية والنموذج المثالي للمملكة المسيحانية والاسكاتولوجية. ثم يأتي الهيكل الذي بناه سليمان، واصلاحات ملوك يهوذا الأمناء لهذا المثال. كل هذا لم يمنع الدمار الذي أقرّه الله، وذهاب الشعب إلى السبي. وساعة العودة من المنفى سيستند سفرا عزرا ونحميا إلى ثلاثة عناصر هي: بناء الهيكل، بناء المدينة والأسوار، بناء جماعة المؤمنين.
إن إعادة شعب الله إلى المدينة المقدسة وفي غياب الملكية الداودية، يدلّ على نهاية حقبة من تاريخ أورشليم لا تهتمّ بمصير الرجلين اللذين قاما بهذا العمل. نحن نجهل كل شيء عن نشاط عزرا ونحميا فيما بعد. كما نجهل كيف انتهت حياتهما. ما يهمّ الكاتب هو أورشليم، المدينة التي أعدّها مخطط الله منذ بداية العالم، المدينة التي بها عرف الشعب (وسائر الشعوب) ملكية داود التيوقراطية، وتأسيس شعائر العبادة في الهيكل، وتنظيم جماعة مقدّسة وسط الأمم.
فإذ1 أخذنا بهذا الخط الموجّه نستطيع القول إن هدف الكاتب كان تقديم تاريخ أورشليم. وإذ نقول هذا نلاحظ حالاً أنه لم يروِ هذا التاريخ كما يفعل المؤرخ المعاصر بل كان هدفه هدفًا لاهوتيًا: عبّر عن فكره الديني وعن إيمانه من أجل معاصريه، فأعطاهم صورة يرونها بعيونهم. وهكذا نفهم الاسلوب الذي أخذ به: لم يروِ إلا ما رآه ضروريًا ليعبّر عن نظرته إلى التاريخ. فالتاريخ هو في خدمة الايمان. لهذا، أغفل كل الأمور الجانبية مثل تاريخ مملكة الشمال. كما نظر إلى الأحداث من الزاوية اللاهوتية وعلى ضوء قناعته الايمانية. وهكذا نفهم الوجهة الدفاعية بل الهجومية في عرضه التاريخي: هناك صراع مع السامريين، وجهود لكي يبرهن على شرعية هيكل أورشليم وشرعية شعائر العبادة فيه. كان المؤرخ ممثل شرعية ملكية داود وأورشليم. ولم يكن الدافع إلى ذلك الاهتمام الوطني والسياسي بل قناعة دينية عميقة تعرف ما هو شعب الله ، ما هي حياته العبادية، ما هو انتظاره لملكوت الله.

خاتمة:
هذا هو التاريخ الكهنوتي، وقد أراد كاتبه أن يؤوّن تعليمه. هو لم يطبّق التاريخ على العصر الذي يعيش فيه، ولم ينقل الماضي إلى الحاضر بل نقل الحاضر إلى الماضي، بل المستقبل إلى الماضي. لهذا نقل الوضع الديني كما عرفه في ايامه إلى زمن داود. ونقل الخلاف بين اليهود والسامريين إلى ساعة انفصال مملكة الشمال عن مملكة الجنوب، أو إلى زمن إعادة البناء مع عزرا ونحميا. ونقل انتظار ملكوت الله وإقامة التيوقراطية إلى زمن الملكية الداودية وبناء الهيكل. تأمل في الماضي فاكتشف ما يقابل الحاضر والمستقبل. تأمل في الماضي فرأى فيه كرازة حية نستطيع أن نسمعها اليوم نداء إلى الايمان يجعل أمام عيوننا ملكوت الله والمسيح الذي يحمل إلينا تعليمه.
الفصل العاشر
التاريخ الكهنوتي

I- مكانة أسفار عزرا ونحميا والأخبار
أ- التقاليد القديمة
1- التقليد العبريّ
ترد أسفار عزرا ونحميا والأخبار في نهاية القسم الثالث من التوراة العبرية، وهو ما نسمّيه الكتب.
يسمّى كتاب الأخبار "دبرى هياميم " أي أحداث الأيّام "أو الحوليّات ". وقد سمّاه إيرونيموس "كرونيكة كل التاريخ الإلهي ". كان سفرا الأخبار كتابًا واحدًا حتّى القرون الوسطى وقد قُسما من أجل الاستعمال الليتورجي. إنّهما يوردان التاريخ منذ آدم حتّى مجيء الفرس (2 أخ 36: 22- 23).
يبدأ سفر عزرا بالإشارة إلى قرار كورش (عز 1: 1- 4) فيُورد الوقائع المهمّة خلال إعادة بناء الشعب اليهودي في أيّام الفرس. لم يعرف النصِّ الماسوري إلاّ كتابًا واحدًا (إسم عزرا)، ولكنّه قُسم في ما بعد فصار عزرا ونحميا. نحن نقرأ في التلمود البابلي: كتب عزرا كتابه كما كتب انساب الاخبار (أو أخبار الأيّام). وهناك إشارة ثانية نجدها في هامش 3: 32 وهي تدلّ على منتصف الكتاب. عرف أوريجانس قسمة عزرا إلى سفرين كما عرفتها اللاتينية الشعبية. وبتأثّر من اللاتينية قُسم الكتاب في التوراة العبرية في القرن 15. دخل عز، نح، أخ في القانون اليهودي، فلم يشكّل دخولها أيّة مشكلة. ولكنّنا لا نعرف بالضبط الظروف التي فيها دخلت. يظنّ البعض أنّ عزرا ونحميا دخلا أوّلاً في اللائحة ثمّ تبعهما كتاب الأخبار. هناك ترجمات حديثة جعلت أخ قبل عزونح. وهناك من يتبع تقليد التلمود البابلي فيجعل أخ بعد عزونح. إذًا يعلن القانون اليهوديّ في نهايته عن رجاء إعادة بناء الدولة اليهودية. أمّا في التقليد الفلسطيني فقد جُعل كتاب الأخبار في بداية الكتابات وعز ونح في نهايتها. بد1 أخ وكأنّه مقدّمة المزامير فقدّم أفضل إطار لقراءتها.

2- التقليد اليوناني
ضمّت التوراة اليونانية إلى مجموعتها عز، نح، أخ، بدون أيّة صعوبة، ولكنّها جعلتها مع الأسفار التاريخية. وضعت بعد أسفار الملوك الأربعة (أي 1 و 2 صم+ ا و 2 مل) أخ، ثم عزونح حسب التسلسل الزمني.
سمّيت الأخبار"باراليبومنيس " أي الأشياء التي وضعت جانبًا، فدلّت على أننا أمام تكملة للتاريخ القديم الذي نقرأه بصورة خاصّة في صم ومل. ولكنّ هذا ليس بصحيح. ويكفي لذلك أن ننتبه إلى تشعّب الموادّ وإلى قصد الكاتب الملهم حين دوّن كتابه. ويتعقّد الوضع مع عزرا. فالتوراة اليونانية لا تفصل بين عزونح. غير أنّها تسمّي هذه الفصول الثلاثة والعشرين عزرا الثاني، لأنّها تحتفظ بعزرا الأوّل الغائب من نصوصنا البيبلية المُستعملة. يبدأ عزرا الأوّل بخبر فصح يوشيا (2 أخ 35)، ثمّ يقدّم نسخة موازية لسفر عزرا القانوني (عز 1- 10) وينتهي بذكر التجمّع الذي دعا إليه عزرا (نح 8- 12) مهملاً مذكّرات نحميا. أقحم تاريخ الخدم في عزرا الأوّل (عز 3: 1- 5: 6) فشكّل أمرًا خاصاً به.

3- التقليد اللاتيني
كانت الشعبية اللاتينية أمينة للسبعينية اليونانية فجعلت هذين الكتابين (كتاب الاخبار بسفريه، وكتاب عز ونح) مع الأسفار التاريخية. أخذت إلى "باراليبومنيس " كتسمية لكتاب الأخبار وجعلته قبل عزونح محافظة على التسلسل الزمني. غير أنّها فصلت عز عن نح فصارا عزرا الأوّل وعزرا الثاني. وفي ملحق للعهد الجديد، نشرت الفولغاتا عزرا الأوّل اليوناني وسمّته عزرا الثالث. ولهذا كان بعض الالتباس في الإيرادات حين نأخذ بالتقليد اليوناني أو بالتقليد اللاتيني. ولهذا يفضّل الشراح الأمانة لليونانية لأنّها أصلية. وتزيد الفولغاتا كتابًا رابعًا هو عزرا الرابع، الذي هو في الواقع رؤيا يهودية تعود إلى القرن الأوّل ب م. يعطى لهذا السفر ف 3- 14. ويُقتطع منه ف 1- 2 و 15- 16. وهكذا صار ف 1- 2 عزرا الخاسس وف 15- 16 عزرا السادس واعتُبر الاثنان كتابين مسيحيين.
وها نحن نقدّم لوحة تذكر كل هذه المعلومات.
العبري اليوناني اللاتيني (الشعبية)
عزرا الأول (عزرا ج)
عزرا عزرا الثاني عزرا الأول= عزرا
عزرا الثاني= نحميا
(عزرا أ) عزرا الثالث
عزرا الرابع
+ عزرا الخامس والسادس

4- التقليد السرياني
يُوضع كتابُ الأخبار بسفريه بعد كتاب الملوك بسفريه وقبل المزامير، فيتبع التقليد العبري الفلسطيني الذي تحدّثنا عنه، ويجعل عزرا ونحميا في نهاية الكتابات: بعد استير وقبل أسفار الأنبياء (الكبار والاثنا عشر). اسم كتاب الأخبار: أيضاً سفر أعمال أيّام ملوك يهوذا الذي يسمّى "بريمين " في العبرية. لا نجد فصلاً بين 1 أخ و 2 أخ ولكنّ النصّ يتتابع. ينتهي 1 أخ: صنع داود القويم أمام الرب كلّ أيّام حياته، ويبدأ 2 أخ: وتقوّى سليمان بن داود في ملكه، وكان الرب إلهه معه. وفي نهاية 2 أخ نقرأ: انتهى سفر"بريمين " الذي هو: 5603 كلمات.
وتسمّي البسيطة عزرا: كتاب النبي. وتنهي كتاب نحميا بهذه الخاتمة: "تمّ كتاب عزرا الكاتب الذي كلماته: 2361". وهذا يعني أنّ عزرا ونحميا شكّلا في السريانية كتابًا واحدًا على ما في العبرية واليونانية.

ب- وحدة عزوا ونحميا والأخبار
هناك رباطات أكيدة بين كتاب الأخبار وعزرا ونحميا: زمن الكتابة، المناخ العام، استعمال الخبر التاريخي كوسيلة لنقل التعليم، قرب النصين في اللائحة القانونية فلم يبقَ إلاّ خطوة واحدة لنؤكّد وحدة الكاتب. يربط التلمود البابلي كتاب عزرا (عز+ نح) وانساب كتاب الأخبار بعزرا الكاهن. أمّا اليوم فيفضّل الشراح أن يتحدّثوا عن المؤرّخ الكهنوتي، لأنّه كتب هذه الأسفار على ضوء تعليم الكهنة.
ما الذي يسند هذا القول بأنّ كاتب أخ وعزونح هو واحد؟ أوّلاً: يرد قرار كورش في 2 أخ 36: 22- 23 وفي عز 1: 1- 4، فيربط هكذا بين الكتابين. ثمّ إنّ عزرا ج لا يميّز بين الكتابين. ويسند هذين البرهانين دروس عن تشابه في الأسلوب واللغة، في النظرة اللاهوتية الواحدة، في الاهتمامات الدينية عينها.
غير أنّ هذه البراهين ليست حاسمة في نظر العديد من الباحثين. فعزرا ج هو تقميش وتجميع وليس جزءًا من كتاب قديم. ثمّ علينا أن ندقّق في الكلمات والألفاظ قبل أن نقول إنّ كاتب أخ هو نفسه كاتب عز ونح. ولا بدّ من الإشارة إلى اختلافات لاهوتية حول نقاط هامّة: الزواجات المختلطة (بين يهودي وغير يهودية)، النظرة إلى تاريخ بني إسرائيل الأولاني، سقوط مملكة الشمال، المجازاة المباشرة والسريعة، النظرة إلى التاريخ. وهناك أمور أخرى: النتينيم أو عبيد سليمان، وضع اللاويين، السبت، أبعاد كلمة "إسرائيل ". وتوالت الهجمات على الموقف التقليدي فقادت عددًا من الشرّاح إلى الفصل بين عزونح وبين أخ. 
فالحلولِ البسيطة تتجاهل تشعّب المسائل. فالمعيار اللغوي، مهما كان ضروريًا، ليس معيارًا مطلقًا. إنّه يدخل مع سلسلة من البراهين ويرتبط بها. ثمّ إنّ البرهان اللغوِي لا يفعل الفعل ذاته في كل أجزاء الكتاب: بما أنّ المراجع تنوّعت، نكتشف حالاً يد المدوّن الأخير. وإذ لا نسبق التحاليل اللاحقة حول لاهوت عزرا ونح وكتاب الأخبار، يمكننا أن نسوق الاعتبارين التاليين:
الاعتبار الأوّل: أراد بعض الشرّاح أن يفسّروا الخلافات والتشابهات، فتحدثوا عن مدرسة "تواريخية" (التاريخ الكهنوتي) كما يتحدّث غيرهم عن مدرسة اشتراعية (التاريخ الاشتراعي: يش، قض، صم، مل). وظنّ أنّه بهذه الطريقة يحسب حسابًا لعامل الوقت الضروري من أجل تدوين عمل أدبي متشعّب، والذي يفسر تنوّع الأساليب والمواضيع المطروحة. ولكنّ فكرة مدرسة تبقى غامضة.
الاعتبار الثاني: هنا نتساءل عن الوحدة التي نبحث عنها في مجموعة مثل عزونح وأخ. يجب ان لا ننحصر في نظرة ضيّقة حول وحدة الكاتب. فهناك أسفار بيبلية جمعت مقاطع متفرّقة، ولكنّها شهدت في العمق على وحدة إلهام حقيقية. والمثال الحيّ على هذا الواقع هو سفر أشعيا الذي امتدّت عملية التأليف فيه على أجيال.
نحن نقول بوحدة الإلهام في أسفار عزرا ونحميا والأخبار. ولكنّنا سنعالج كل سفر على حدة فنبرز مشاكل كلِ سفر في ديناميته الخاصّة. ونتبع الترتيب الذي أخذت به التوراة العبرية. فنتحدّث أوّلاً عن كتاب عزرا ونحميا، ثمّ عن كتاب الأخبار.

II- كاب عزرا ونحميا
أ- تنظيم سفري عزرا ونحميا
إنّ قرار كورش هو مقدّمة إخبارية (عز 1: 1- 4) تفتح لنا الباب لنقرأِ الكتاب كلّه. فقصّة إعادة البناء قصّة واقعية. فالأحداث مؤرّخة وإن لم يكن التاريخ دقيقَا جدًّا. ولكنّ الكاتب يريد قبل كل شيء أن يكتب تاريخًا نبويًا. فتستنير الأحداث المرويّة بنور كلمة الأنبياء (عز 1: 1: يتمّ ما تكلّم به الرب على لسان إرميا). فإله إسرائيل هو الفاعل الأوّل في هذا التاريخ، وهو يمارس سيادته على ممالك الأرض ويحرّك قلوب الملوك الأجانب من أجل خير شعبه. أمّا مسرح الخبر فهو أورشليم التي في يهوذا، والعمل الأوّل الذي لا بدّ من القيام به هو إعادة بناء الهيكل. تتوجّه الأنظار إلى هذه الجماعة التي عادت من المنفى، إلى هذه البقيّة التي اختارها الله والتي ستُمتحن أمانتُها في بوتقة صعوبات خارجية وداخلية عديدة.
ولكنّ هناك فوضى ظاهرة في النصّ، وهذا ما يحيّر الشرّاح. من الواضح أنّ مبدأ التنظيم هو لاهوتي أكثر منه تاريخي. ونحن نميّز أربعة أجزاء كبيرة: إعادة بناء الهيكل (عز 1 - 6)، التزام الجماعة بالشريعة (عز 7- 10)، بناء أسوار أورشليم (نح 1- 7)، صورة عن الجماعة العائشة في ظلّ التوراة بعد أن أعيد بناؤها (نح 8- 13).

1- عز 1- 6: الهيكل وإعادة تنظيم شعائر العبادة
هناك مقابلة بين 1: 1 (نداء كورش ملك فارس)، و 22:6 (الرب فرّحهم وأمال إليهم قلب ملك أشور أي بلاد الرافدين) تحدّد هذه الوحدة الأدبية. فبعد المقدّمة (1: 1 - 4) ذات البعد الواسع، نميّز قسمين يُختتمان بالحديث على العودة إلى شعائر العبادة (6:3: بدأوا يقدمون محرقات للرب، وهيكل الرب لم يكن قد أسّس بعد، 22:6: ليشدّد أيديهم للعمل على بناء بيت الله).

أوّلاً: 1: 5- 3: 6: عودة المنفيّين و إقامة المذبح
1: 7- 11: يقدّم الكاتب لائحة بالأواني المقدّسة فيدلّ على اهتمامه باللوائح والوثائق الرسمية، وعلى التشديد على التواصل مع الهيكل الأوّل.
2: 1- 0 7: رج نح 7: 6- 72: تحدّد هذه اللائحة مقوّمات جماعة المنفيين العائدين إلى أرض إسرائيل. يورد الكاتب أربع فرق كهنوتية، ويفصل المنفيّين والبوّابين عن اللاويّين.
3: 1- 6: أوّل عمل قامت به الجماعة التي التأمت "كرجل واحد" (أي باتفاق) هو إقامة مذبح على الموقع القديم، حسب شريعة موسى. وهكذا أعيدت شعائر العبادة واحتفل الشعب بعيد المظالّ.

ثانيًا: 7:3- 6: 22: إعادة بناء الهيكل رغم المعارضات
7:3- 4: 24: أطلّت معارضة خارجية فجعلت المحاولة الأولى تفشل.
7:3- 13: بعد أن قامت الجماعة (بقلب واحد، باتّفاق) ببناء المذبح، شرعت في بناء الهيكل في جوّليتورجي.
4: 1- 23: وجب على الجماعة أن تحبط موآمرات أعداء يهوذا أو بنيامين، وأن تواجه تحرّكات شعب الأرض الذي يريد أن يفشل المشروع (4: 1- 5). وستتّخذ المعارضة وجهًا رسميًا في 4: 6- 23. لا شكّ في أنّ تبادل الرسائل يشير إلى حقبة متأخّرة، هي حقبة حكم ارتحششتا، وإلى موضوع آخر هو إعادة بناء الأسوار. ولكن إذا عدنا إلى الموضوع الأساسي، نجد أنّ المغالطة التاريخية تضفي على المعارضة قوّة وصلابة.
4: 24: وتوقّفت المحاولة وظلّت متوقّفة حتّى عهد داريوس. ويلجأ الكاتب إلى
تقنية عزيزة على قلبه: يستعيد عبارة سابقة (4: 5) ويجعل نصّه الجديد امتدادًا لها.
5: 1- 18:6: نحن أمام نصّ مواز لما قرأناه في الجزء السابق. ولكن برزت معطيات فقادت المشروع إلى النجاح.
5: 1- 2: تدخّل الأنبياء وحثّوا الشعب على العمل، فلعبوا دورًا ناشطاً.
2:5- 12:6: جاءت المعارضة من مرزبان "عبر نهارا" (أي ما وراء الفرات بالنسبة إلى الفرس، أي منطقة سورية ولبنان وفلسطين) نفسه. حينئذ دخلت المحادثات في الطريق الدبلوماسية. ورُفعت الحواجز حين اكتُشف الأمر الذي أصدره كورش.
13:6- 18: وبرزت ثلاثة عناصر جعلت المشروع يصل إلى النجاح: دعوة الأنبياء، أمر إله إسرائيل، أمر كورش وداريوس. واحتفل الشعب بعيد التدشين بالفرح، وأقيم الكهنة واللاويون بحسب فرقهم. والمرجع كان كتاب موسى.
6: 19- 22: واختتم عيدُ الفصح هذا الاحتفال. كلّنا يعرف اهتمام المؤرّخ الكهنوتي بعيد الفصح (2 أخ 30، 35). وهنا نقابل هذا الفصح مع أوّل فصح للعبرانيين في أرض الميعاد (يش 8: 10- 12). دُشنّ البرنامج في 1: 1، وتنفّذ في 6: 22. يبقى أن نعرف كيف أنّ الشعب الموحّد في الاحتفال الليتورجي، سيعيش متطّلبات إلهه بطريقة ملموسة.

2- عز 7- 10: عزرا والمنفيّون. الجماعة في ظلّ الشريعة
لا رباط بين هذا القسم والذي سبقه. فنحن نقرأ: "بعد هذه الأحداث " (7: 1). ينتقل الكاتب من السنة السادسة لداريوس إلى السنة السابعة لأرتحششتا، دون أن يحدّد: هل هو أرتحششتا الأوّل الطويل اليد (464- 424) أو أرتحششتا الثاني منامون (404- 358). ولكنّ هناك رباطاً على مستوى الموضوع. حين أحصى عزرا (في 6: 21) المنفيّين فقط واعتبرهم كأعضاء الجماعة (وهم الذين انفصلوا عن نجاسة أمم الأرض، أي الذين ارتدوا إلى الإيمان اليهودي)، أعلن مسبّقًا الموضوعين اللذين سيتطرّق إليهما في 7- 8 وفي 9 – 10 .

أوّلاً: 7: 1-28: مهمّة عزرا
هذا الفصل الذي يشكّل مقدّمة، يدمج الموضوعين اللذين سيعالجهما الكاتبُ الواحدَ بعد الآخر: رجوع العائدين إلى الوطن (عز 8)، طهارة بقية بني إسرائيل وأمانتهم للشريعة. ولهذا تحدد الإطارَ قسمة مثلثة.
7: 1- 10: سلسلة أنساب (مبتورة ولا شكّ)، تربط عزرا بالعائلة الكهنوتية المسيطرة: الصادوقيون (آ 1- 5). وعزرا هو أيضاً كاتب متبحّر في شريعة موسى (آ 6، 10). ونلاحظ أنّ يد الله كانت عليه (أي كانت تحميه وتوجّهه) (آ 6).
7: 11- 26: يحتلّ فرمان ارتحششتا قلب هذا الفصل. فهو يتطرّق إلى الاجراءات العبادية (آ 12- 24) ويوكل في النهاية عزرا بإقامة الشريعة وترسيخها في القلوب (آ 25- 26).
7: 27- 28: ترد أولى الكلمات بشكل مباركة تقرّ بعمل الله العطوف والفاعل. نحن هنا أمام تضمين مع بداية الفصل: يُذكَر الهيكل، يُذكر عطفُ الملك، تذكَر يد الله. كل شيء مهيّأ لرسم صورة عن الخروج الجديد.

ثانيًا: 8: 1- 36: يد الله تقود خروج العائدين
8: 1- 20: وتنطمت القافلة على مرحلتين. ظلّ الكاتب أمينًا لنفسه فأقحم لائحة رؤساء العائلات (أو البيوت) العائدين مع أنسابهم (آ 1- 14). وإنّ طبيعة البعثة تفترض وجود عدد كاف من اللاويين. قدّمت يدُ الله العون الدائم، فوجد عزرا عشرين من اللاويين وبدأت عمليّة التسجيل (آ 15- 20).
8: 24- 34: حمت يدُ الله حماية فعلية فرقة عزرا، فقامت بالسفر في أفضل الظروف. نجد هنا الاستعدادات (آ 24- 35) ثمّ تحقيق الهدف (آ 31- 34). أدركوا الهدف الذي حدّده فرمان أرتحششتا، ووصلوا إلى هيكل أورشليم، وأعادوا معهم الأواني المقدّسة. ويتكرّر فعل "وزن " فيدلّ هذا التكرار على دقّة العملية.
8: 35- 36: قدّموا المحرقات لله، وسلموا إلى الرسميين أوامرَ الملك. كل هذا يدلّ على التنسيق بين عمل الله وعمل الحكّام الفرس. أصاب العون في 6: 22 بيت الله. أمّا في 36:8 فنقرأ: "أعانوا الشعب وبيت الله".

ثالثًا: عز 9- 10: تلتزم الجماعة العمل بالشريعة
وكان انتقال غامض في 9: 10. "بعد أن تمّت هذه الأمور". وسيتكرّر في 7:10 فيحدّد وحدة تكاد تكون ضائعة لو لم يكن ف 7 قد أعلن موضوع الشريعة، ولو لم تكن 6: 21 أشارت إلى ضرورة الانفصال عن أمم الأرض (أي الوثنيّين). نجد على التوالي ردّة الفعل عند عزرا (ف 9)، وتدخَّله في وسط الجماعة (ف 10).
9: 1- 5: موضوع الزواج مع نساء غريبات: شعب إسرائيل شعب خاصّ. إنه النسل المقدّس الذي يحافظ على نقاوته. خالفوا الوصيّة وخانوا العهد (رج نح 13: 27: معل في العبرية). وبدأت الصلاة بطقوس التوبة: "بسطت يدي إلى الرب إلهي " (آ5). 
9: 6- 15: الذنوب والآثام تولّد الحياء والخجل. ويذكر الكاتب الخطايا الماضية التي كانت سبب كارثة المنفى، ومهلة النعمة التي أعطيت للبقيّة المختارة. غير أنّ هذه البقيّة أصمّت أذنيها فأهملت الوصايا (آ 6- 11 أ). ويعرض القسم المركزي التعليم الرئيسي: نجاسة الأرض من نجاسة أهل الأرض. لهذا لا بدّ من طرد النساء الغريبات (أ 11 ب- 12). وتعود الصلاة في القسم الأخير إلى خلاص البقيّة (آ 13- 15)، مع نداء في صيغة الاستفهام: "أنعود ونتجاوز وصاياك ونصاهر هؤلاء الناس المكروهين؟ اما تغضب علينا فتدمّرنا ولا تترك لنا بقيّة من الناجين " (آ 14)؟
10: 1- 17: وتُرفع المسألة إلى الجماعة. سيعود نح 5 و 8 إلى هذا النظام: نقطع الآن عهدًا لتسريح جميع النساء وأولادهنّ.
10: 1- 6: ق 9: 1- 5. نجد فعل "ارتعد" في 9: 4 و 3:10 (حرد في العبرية). وبعد هذا يُطرح موضوع الشريعة. ونقرأ في 3:10 عبارة قطع العهد: لنقطع الآن عهدًا. 
10: 7- 17: واستدعى عزرا الناس، ومن لا يأتي "تحرّم كل أمواله، ويفصل عن الجماعة". تتضمّن خطبة عزرا العناصر التالية: إعلان الموضوع، الإقرار بالخطايا، القرار. ولقد اتّسع الشرّ إلى حدّ أوجب تنظيم المحكمة التي احتاجت إلى شهرين كاملين لتنظر في كل القضايا. بعد اليوم، صارت الشريعة مدوّنة في حياة الجماعة.
18:10- 44: وينتهي هذا القسم بلائحة تورد أسماء المذنبين. وبادر أبناء يشوع، الكاهن الأعظم، باتّخاذ القرار فطّلقوا نساء هم. ثمّ تبعتهم العائلات الكهنوتية الثلاث (رج 2: 36- 39)، ثمّ اللاويّون المفصولون عن المغنّين والبوّابين، وفي النهاية بنو إسرائيل. وهكذا نجد نفوسنا مع جماعة منقّاة قبلت بتنظيم الشريعة. ولكن لم يحن الوقت بعد لتنصيب الشريعة تنصيبًا رسميًا كملكة في أرض إسرائيل.

3- نح ا- 7: نحميا وأسوار أورشليم
"كلام نحميا بن حكليا". يصل بنا هذا العنوان إلى سبعة فصول دوّنت في صيغة المتكلّم المفرد (أنا كنتُ) وسمّيت لذلك "مذكّرات نحميا". ترفى هذا الفصول في جوِّ سياسي، فتبيّن اهتمامها بالجماعة التي أعادت بناء هيكلها وقبلت سلطة الشريعة قبولاً عمليًا. وتبرز جدليّة بين مجهود البنائين ومعارضة الخصوم في توتّر دراماتيكي لا يزال متصاعدًا.

أوّلاً: 1: 1- 2: 19: نحميا. من شوش إلى أورشليم
1: 1- 11: إن الأخبار السيّئة التي وصلت إلى نحميا، ساقي الملك، تُشير إلى ضيقٍ يصيب الجماعة، وإلى أسوار أورشليم التي لم تزل مهدّمة (1: 1- 3). وأوّل حركة قام بها نحميا هي أنّه وجّه قلبه إلى الله في صلاة توسّل وتوبة.
تتضمّن صلاة نحميا التقسيم المثلث عينه الذي وجدناه في عز 6:9- 15. يفتتح النداء إلى الله الاعترافُ بالخطايا (آ 5- 8 أ). في الوسط، يشدد القول المعطى لموسى على الرباط بين الأمانة للوصايا وحالة النعمة في الجماعة (آ 8 ب-0 9). ثمّ يرد ما يبرّر هذه الطلبة (آ 10- 11): "هم عبيدك وشعبك الذين افتديتهم بقدرتك العظيمة ويدك العزيزة". نلاحظ هنا تأثير سفر تثنية الاشتراع.
2: 1- 9: حصل نحميا من أرتحششتا على إذن بالذهاب إلى أورشليم وإعادة بناء أسوار المدينة. إذا كنّا نعني أرتحششتا المذكور سابقًا، يكون الحدث قد حصل بعد مهمّة عزرا بثلاث عشرة سنة. لقد اختبر نحميا مثل عزرا، حماية يد الله العطوفة. فالرسائل الموجّهة إلى حكماء "عبر نهارا" قد سلّمت إليهم فعلاً (رد عز 9: 36). ولكن اختلف نحميا عن عزرا حين طلب ضبّاطاً وجنودًا يرافقونه (رج عز 22:8).
2: 10- 20: تذكر بدايةُ هذا النصّ ونهايتُه خصوم نحميا: سنبلط الحوروني، طوبيا، العبد العموني (2: 10)، وجاشم العربي (2: 19-20). وآخر شيء نقرأه في هذا المقطع: القرار بإعادة بناء السور بعد دورة يقوم بها نحميا ليلاً (2: 11- 18).

ثانيًا: 3: 1- 22:7: بناء السور
3: 1- 32: يُقحم الكاتب هنا لائحة العاملين في البناء، وكأنّي به ينسى النزاعات التي تتوزع الخبر. قد يكون نحميا جمع هذه الأسماء أو أخذها من التقليد وأدخلها في نصّه. إنّها وثيقة ثمينة تعرّفنا بمواقع (طوبوغرافيا) مدينة أورشليم.
33:3- 4: 17: يضعنا هذا المقطع الأوّل وسط مناورات الخصوم (33:3- 35؛ 4: 1- 2)، ويقدّم لنا صلاة يطب فيها نحميا الانتقام من خصومه، وموجزًا عن الأعمال التي تمّت وعن شجاعة الشعب (3: 36- 38). ووجدت المعارضة الخارجية من يتواطأ معها في الداخل. ولكنّ نحميا أنعش إيمان الجماعة بالرب، فاعترف الخصوم بهزيمتهم أمام قدرة الله (3:4- 9). ومع ذلك، فرضت إجراءات وقائية (4: 10-17) لكي تنجح المحاولة.
5: 1- 19: ونحسّ أنّنا ابتعدنا عن الموضوع الرئيسي مع هذا التقرير عن الصعوبات الاجتماعية في زمن نحميا. نكتشف في 5: 1- 13 رحمة دائرية حول آ 9 (ما تعملون ليس بحسن. عليكم أن تسيروا في مخافة إلهنا فتتجنّبوا عار الأمم أعدائنا) التي تربط بين سلوك الشعب السيّء مع التجاديف (والتعييرات) التي تطقها الأم العدوّة، كما ترتبط النتيجة بالسبب. فنجاح الجماعة يرتبط بسلوكها الموافق لوصايا الله. والتزام الجماعة في آ 13 (فقالت الجماعة كلها: آمين) يذكّرنا بما ورد في عز 10. بعد هذا.، امتدح الحاكم إدارته لأمور المدينة (أمّا أنا فلم أفعل ذلك لأنّي أخاف الله) (آ 14- 18). وفي 5: 19 نجد للمرّة الأولى عبارة: "أذكر، تذكّر" (رج 6: 14).
6: 1- 3:7: يمتدح القسم الأوّل (6: 1- 14) نحميا الذي فضح محاولات خصومه الأخيرة (6: 1- 9) وأظهر فطنة وإيمانًا، فتجنّب السقوط في فخّ نصبه له شمعيا الذي استأجره طوبيّا. وفي القسم الثاني يحيط الحديث عن إنهاء الأعمال وعن تنظيم الإدارة (6: 15- 16؛ 7: 1- 3)، بخبر أخير عن التواطئ الذي وجده طوبيا في أرض يهوذا (17:6-19).
7: 4- 72: توافق هذه اللائحة لائحة البنائين التي نقرأها في 3: 1- 32 في بنية نح 3- 7. نجد هنا لائحة الأسماء الواردة في عز 2: 1-70. لماذا التكرار؟ إنّه يلعب دور تضمين في بداية وفي خاتمة حركة تصل بنا إلى الاحتفال بالشريعة (نح 9). فالاحتفالات تفترض مشاركة الشعب بأعداد كافية.

4- نح 8-13 تحتفل أورشليم بالشريعة في جوّ من الفرح
أشار الكاتب إلى عيد تدشين الهيكل ولم يصوّره. أمّا الاحتفال بالشريعة فكان قمّة رسالة عزرا ونحميا، وفتح منظورات جديدة للجماعة. لم يهتمّ الكاتب بمَا هو معقول تاريخيًا فضم المصلحَين (عزرا ونحميا) في عمل مشترك (9:8؛ 2 36:1)، مع العلم أنّ فارقًا من الزمن يفصل بينما. اشتغل كلاهما بنشاط في حقلَين متكاملَين من أجل ولادة العالم اليهودي في أيّام الفرس، ولكنّ الدور الأوّل يعطى لعزرا الذي يبدو إصلاحه الديني أساسيًا.

أوّلاً: نح 8- 10: الشريعة هي أساس الحياة
8: 1- 18: كتاب شريعة موسى (8: 1) المسمّى أيضاً كتاب شريعة الله (18:8) هو الفاعل الرئيسي في هذا الفصل، ويخدمه الكاهن عزرا واللاويّون. وها نحن نتابع حفلة ليتورجية في مجمع من المجامع: قراءة، ترجمة (إلى الأرامية)، تفسير، تشديد على فعل "فهم " أو "أفهم ". مهما يكن مضمون الحدث التاريخي، فقد صارت الشريعة دستور العالم اليهودي. ويُعلَن الطابعُ الفريد لهذا اليوم ثلاث مرّات: "هذا يوم مقدّس " (8: 9- 12). ويبدو الاحتفال بعيد المظال كأوّل ثمرة لهذه القراءة الواعية للشريعة (13:8- 18). 
9: 1- 37: وتأتي ليتورجية التوبة في مكانها في هذا الشهر السابع، وتدلّ عليها طقوس تكفيرية. فالعبارات في 9: 2 تعيدنا إلى عز 9: 1- 2؛ 10: 11. فالصلاة الطويلة في عز 6:9- 37 هي مثال معبّر عن التقوى التي عاشها الشعب بعد المنفى. 
10: 1- 40: وتنتهي ليتورجية التوبة بالتزام بالعهد ختمته وثيقة توسِّع معطيات عز 10 وتعمّقها. غاب عزرا عن لائحة الموقّعين على هذه الوثيقة، وحل نحميا في المكان الأوّل. تتوالى الشروط العامّة (10: 29- 30) والخاصّة، فتدلّ على الشكل الذي به يقطع العهد.

ثانيًا: نح 11: 1- 26:12: شعب من المشاركين
وأورد الكاتب لوائح، بعضها يعني مجمل الشعب (11: 1- 36) والبعض الآخر يعني الكهنة واللاويّين فقط (12: 1- 26). إنّ الجماعة التي تشكّل أبناء يهوذا وأبناء بنيامين تتجاوز أورشليم وتمتدّ إلى خارج العاصمة (11: 25- 36)، إلى القُرى مع حقولها. والمعطيات الزمنية الموجودة في نح 12: 1- 26 تهدف إلى تشديد على التواصل بين الأجيال. ومختصر الكلام، نحن أمام جماعة موحّدة في الزمان والمكان وهي تشارك بكل قلبها في هذه الاحتفالات.

ثالثًا: 12: 27- 13: 31: جماعة مؤسّسة تأسيسا نهائيًا
2 27:1- 43: في بنية هذا القسم، يتلاقى تدشين السور مع قراءة الشريعة قراءة احتفالية في نح 8. تكلّم نحميا أيضاً في صيغة المتكلّم المفرد (أنا: أصعدتُ) كما في نح 1-7 (12: 31- 42). والحديث عن الفرح يذكّرنا بعيد تدشين الهيكل في عز 6:6- 17. وإن آ 43 تستعمل حمس مرّات كلمة فرح: "فرحوا، لأنّ الله فرّحهم فرحًا عظيمًا، وفرحت النساء والأولاد، وسُمع فرح أورشليم من بعيد".
12: 44- 13: 3: نجد مقطعًا أوّل (12: 44- 47) منسوبًا إلى الناشر، وهو يقدّم لنا لوحة مثالية عن تنظيم شعائر العبادة في حقبة إعادة بناء الشعب، من زمن زربابل إلى زمن نحميا. وجاء المقطع الثاني (13: 1- 3) فرفض كل عنصر غريب تلبية لنداء الشريعة، فكان العلامة انّ مجمل الكتاب دخل في حياة الشعب.
4:13- 31: وجاء نحميا في مهمّة ثانية (رج نح 6:13) فأصلح التجاوزات القائمة. أسلوب هذا المقطع أسلوب المذكّرات مع استعمال دائم لكلمة "اذكرني". ما أراد الكاتب أن يضع نقاطاً سوداء على صورة جماعة قدّمها لنا نموذجًا ومثالاً، ولهذا قال: في تلك الأيّام (آ 15، 23). ولكنّه، بهذه الطريقة، حذّر الجماعة من أخطار السقوط من جديد. يجب أن نبقى ساهرين لكي نحيا في الأمانة للشريعة.
لا يكفي المعيار التاريخي أو الكرونولوجي لعرض مجمل الكتاب. إذًا، لا بدّ من أن تعطي المقامّ الأوّل للمبدأ اللاهوتي. ثمّ إن بعض الكتاب شدّد على التكوين القانوني للكتاب فقال إنّ عز 7- 10 ونح 1- 6 لا تُفهم إلاّ على ضوء نح 8- 12. واستند إلى وظيفة اللوائح وتكرارها خاصّة في عز 2 ونح 7 فقدّم البنية التالية: مقدّمة (1: 1- 4). تأوين قرار كورش في عز 2 حتّى نح 7 مع الحركات المثلثة التي أشرنا إليها أعلاه. الاحتفال بالنجاح (نح 8- 13). غير أننا نلاحظ أنّ عز 1- 6 تحتلّ مكانة فريدة أقلّه في ما يتعلّق بتدشين الهيكل. ثم إن الوضع الذي نجده في نح 13 لم يجد بعد التفسير الحقيقي.
ب- تكوين سفري عزرا ونحميا
يكشف النصّ تنوّعًا في الموّاد، ويدلّ على تاريخ متشعّب عرفه تكوين هذين السفرين. عاد الكاتب إلى وثائق خاصّة من فنون متنوّعة، وإلى مجموعات تكوّنت حول شخصيّة كلّ من عزرا ونحميا. وها نحن نحاول أن نتعرّف إلى تكوين هذين السفرين.

1- المراجع الخاصّة
أوّلاً: الوثائق الرسمية
الكرونيكة الأرامية (عز 4: 8- 6: 18). يبدأ النصّ: وكان خطّ الرسالة بالأرامية. تتضمّن هذه الكرونيكة تبادل رسائل: تشكّى المعارضون (4: 11- 17)، فأرسل إليهم أرتحششتا جوابًا (17:4- 22). أرسل المرزبان وسلطات عبر نهارا إلى داريوس نداء (5: 7- 17)، فبعث إليهم بجواب يحيلنا إلى قرار كورش (6: 3- 12). وهناك خطّ إخباري في الأرامية يربط بين هذه العناصر المختلفة.
إنّ مقابلة لغة هذه الكرونيكة مع لغة البرديات الأرامية، لا تفرض علينا زمنًا متأخّرًا. أمّا مضمون هذه الوثائق فيتوافق مع ما نعرفه عن سياسة التسامح الديني التي مارسها ملوك الفرس تجاه الأقليّات. ويعود تلوين الرسائل تلوينًا يهوديًا إمّا إلى وجود يهود في الإدارة الفارسية، وإمّا إلى اهتمام بالتكيّف مع الذين سترسل إليهم الرسائل. لن نقول إنّنا أمام نقل أمين وحرفي، ولكن نقول بصحّة ما ورد في هذا النصّ.

قرار كورش
تقدّم لنا الكرونيكة الأرامية (عز 6: 3- 5) نسخة في أسلوب وثائق الأرشيف. أمّا القول العبري في عز 1: 2- 4 فهو من قلم آخر ولا يعود إلى المرجع عينه. هناك عبارات لا تعود إلى العالم الفارسي، ولهذا يقول العلماء إنّ الكاتب ألّف بطريقته الخاصّة قرار كورش ليتوافق مع مجمل الكتاب. نشير إلى أنّنا نقرأ المقطع الأوّل في 2 أخ 26: 22.

فرمان أرتحششتا (عز 7: 12- 26)
إنّه أمرُ مهمّة أعطي لعزرا ودوّن في الأرامية. ولكنّ هذا التدوين يبدو معقّدًا: فالمرسل إليه يتبدّل في آ 21- 24، وتتوسعّ آ 25- 26 في معطية نقرأها في آ 14. قد نقبل بصحّة الوثيقة إجمالاً رغم مشاكل تفسير قرينة النص.

ثانيًا: اللوائح المتعدّدة
يلفت نظرنا النسبة الكبيرة من اللوائح في هذين السفرين القصيرين المؤلّفين من 23 فصلاً. تعني اللوائح الأشخاصَ العائدين إلى الوطن (عز 2: 2- 70؛ نح 7: 6- 72؛ 8: 1- 14)، والذين بنوا السور (نح 3: 1- 32)، والأشخاص الذين حلفوا وتراجعوا عن خطأهم (عز 18:10- 44؛ نح 10: 2- 28). ووضع السكّان (نح 11: 4- 36؛ رج 1 أخ 9) وعدّة لوائح كهنوتية ولاوية (نح 12: 1- 26) تتوزّع في الإطار الزمني لتعاقب رؤساء الكهنة (نح 12: 10- 11). وسلسلة نسب عزرا (عز 7: 1-5).
ونزيد أيضاً لائحة أواني الهيكل (عز 1 :7- 11) التي نجد ما يقرب منها في عز 8: 26-27 (رج عز 2: 69).
نستطيع أن نستخرج هذه الوثائق بسهولة من النصّ، ونحن نجدها في كل أقسام الكتاب وعلى كلّ مستويات التدوين. وهذا ما يدلّ على اهتمام المفكّرين بها وهي تلعب وظائف عدّة: التصديق على لائحة العائلات، إعطاء نظرة ملموسة عن جماعة ما بعد المنفى، الدلالة على التواصل مع جيل ما قبل المنفى. ثمّ إنّ هذه اللوائح لعبت دورًا هامًا في بناء المجموعة.
نجد بعض التكرارت في هذه اللوائح، وأوضحها عز 2 ونح 7. هناك براهين تدلّ على أنّ نح 7 سبق عز 2: ذكرُ الشهر السابع في نح 72:7 يبدو طبيعيًا. يتضمّن عز 2: 68 (بالنسبة إلى نح 7: 70) زيادات تحاول أن تتكيّف مع قرينة النصّ. ويبدو أنّ عز 68:2- 69 هو خلاصة نح 69:7- 71. لا نعرف لماذا وُضعت هذه اللائحة: للضرائب، لتوزيع الأراضي أو لسبب آخر؟ إنها تعطينا سجلاً لأعضاء الجماعة اليهودية بعد المنفى، ولكنّها لا تؤكّد لنا أنّ جميع المذكورين هنا جاؤوا في قافلة واحدة أو أكثر. وهناك مقابلة بين نح 3:11- 9 و 1 أخ 9: 2- 17. ويبدو أنّ نصّ 1 أخ 9 يتعلّق بنصّ نح 11.

ثالثًا: عبارات التزام وصلوات
لن نستطيع أن نستعرض كلّ الفنون الأدبية الموجودة في كتاب عزرا ونحميا، ولكنّنا نُشير إلى النصوص المهمّة ببعدها الديني. فالتزام الجماعة في نح 10 يتّخذ معناه في إطار النصّ. والوثيقة (10: 1، 29- 40) كانت في مراحل مستقلّة ولم تتضمّن لائحة 10: 2-28 التي أُقحمت فقطعت تتابع آ 1 و 29. سنعود إلى البعد التأويلي للنصّ. 
وهناك ملاحظات مماثلة في ما يتعلّق بالصلوات في عز 6:9- 15 ؛ نح 1 :15- 16 ؛ نح 9: 6- 37. فالطريقة التي تقوم بأن يجعل الكاتب صلوات في فم الشخصيات البيبلية الكبيرة ليست جديدة، وهي ستنتشر أكثر فاكثر بعد المنفى (مثلاً: دانيال، طوبيّا، يهوديت). هناك تقارب بين هذه الصلوات من جهة البنية والتعبير، وهي تتوسّع في مواضيع تاريخ الخلاص الأساسية مع تشديد على التوبة والتبرير الآتي من الله. هناك معايير تساعدنا على عزل هذه الصلوات. مثلاً: نح 9: 36- 37 لا تتوافق والموقف الذي وقفه ملوك الفرس في مجمل عزرا ونحميا.
نستطيع أن نُبرز وجهات هامّة في صلاة نح 9: 6- 37. نحن أمام بنية دائرية. أوّلاً: 9: 6- 8. ثانيًا: 9: 9- 21. ثالثًا: 9: 22- 25. رابعًا: يقابل ثانيًا: 9: 26- 31. خامسًا يقابل أوّلاً: 9: 32- 10: 1. وتشدّد الصلاة على أمانة إبراهيم (9: 8) وثبات العهد (10: 1). ونستطيع أن نقرّب بنية هذه الصلاة من بنية صلوات الشكر: قسم تاريخي نتذكّر فيه أعمال الله (آ 6- 31): هناك عرض ديالكتيكي لتاريخ الخلاص في قسمين (آ 9- 15 وآ 22- 25) مع ذكرين لخيانة شعب إسرائيل (آ 16- 21 وآ 26 - 31). أمّا آ 32- 37 فهي توسّل ودعاء (والآن، يا إلهنا العظيم).

2- مذكّرات نحميا وعزرا
أوّلاً: مذكّرات نحميا
هناك خطّ إخباري يربط بين المجموعات (نح 1- 7؛ 27:12- 43 ؛ 13: 4- 31) التي تنطبع بميزات مشتركة: استعمال صيغة المتكلّم المفرد (أنا)، تكرار العبارة "أذكرني "، الإشارة إلى الأعداء بصورة دورية، وجود حوارات قصيرة... أمّا تحديدها الدقيق فيبدو صعبًا. إذا وضعنا جانبًا الوثائق المذكورة أعلاه (نح 3: 32؛ 7: 6- 72)، نلاحظ أنّ الأسلوب السيروي في 27:12- 43 لا يشمل إلاّ آ 31- 42. ثمّ إنّ المذكّرات تتتابع في 13: 4- 31 مع مضمون خاص.
وتبرز الاختلافات حين نصل إلى التفاصيل. استبعد أحد المفسّرين القدماء، لائحة نح 3، ولائحة نح 7، والصلاة في نح 1: 5- 11 ونصّ نح 7:2- 9. واكتشف آثار المرجع الذي أخذ به المدوّن في 27:12- 43 وأعطاه لباسًا حلوًا. وكرّس شارح آخر دراسة مهمّة للمرجع الذي استقى منه نحميا. احتفظ بنصّ 1: 1- 7: 5 أب، وأشار إلى بعض الحواشي التي أقحمتها يد المؤرّخ الكهنوتي في 6: 10، 11 أب، 13، ثمّ يد مدوّن آخر جاء بعده في 26:3 أ؛ 7: 1. ونسب إلى مدوّن أخير 7: 5 ب- 8: 1. إنّنا نجد هذه المستويات المختلفة في تحليل 12: 27- 43 و 13: 4- 31.
ما هو الفنّ الأدبي الذي يميّز هذا المرجع؟ بعضهم ينطلق من المدوّنات الملكية أو الجنائزية. والبعض الآخر يرى تقريرًا دوّنه نحميا وأرسله إلى أرتحششتا ليتّقي تشكّيات معارضيه الممكنة. ولكن لا ننسى أن النص يتوجّه إلى الله، لا إلى الملك. وهناك من قال بوضع متأزّم داخل جماعة ما بعد المنفى. وعرف التدوين عدّة مراحل. فإذا وضعنا جانبًا المقاطع التي تطلب من الله أن يتذكّر، نجد أنّ كل شيء مركّز على بناء سور أورشليم. وبعد هذا، أعاد الكاتب تدوين التقرير من أجل إحقاق حقّ نحميا في داخل جماعته.

ثانيًا: مذكّرات عزرا
كدنا ننسب إلى هذه المذكّرات عز 7- 10 ونح 8- 10. ولكنّ نصّ نح 9- 10 العبري لا يذكر اسم عزرا. أمّا النصّ اليوناني، فيزيد في 9: 6: "وقال عزرا". هناك افتراض معقول يجعل نح 9- 10 فصلين مستقلين. بالإضافة إلى ذلك، تضمّ هذه المجموعات عدّة وثائق خاصّة. ولكنّ هناك صعوبات متأتّية من عدم استعمال صيغة المتكلّم بطريقة ثابتة: يبدأ النصّ في صيغة الغائب في 7: 1- 26. ويدخلنا انتقال (27:7- 28) في خبر طويل يَرد في صيغة المتكلّم. ثمّ نقرأ تقريرًا في صيغة الغائب في 35:8- 36. على المستوى الأدبي نربط نح 8 بهذا المرجع. ولكن على المستوى التاريخي، لا نجد الجواب عن الفجوة الموجودة في نشاط عزرا خلال خبر مهمّة نحميا الأولى.
يجادل العلماء في صحّة مرجع عزرا. ويرى بعضهم في شخصه خدعة أدبية تخيّلها المؤرّخ الكهنوتي. والبعض الآخر يرى ان المؤرّخ أعاد كتابة خبر عزرا في صيغة الغائب بعد أن كان في صيغة المتكلّم، أو قدّم بحلة قشيبة خبرًا أورده أحد المعجبين بعزرا. ويرى آخرون تأثير المرجعَين اللذين وُجدا في 7: 12- 26 و 8: 1- 14، والنموذج التي قدّمته مذكّرات نحميا.

3- تدوين سفري عزرا ونحميا
إنّ النص الذي نعرفه الآن يفترض تنظيمًا واعيًا لموادّ متنوّعة. لقد أراد الكاتب أن يلبّي حاجات خاصّة في جماعة محدّدة. وإنّ هذا البحث الدقيق يدعونا إلى الأخذ بعين الاعتبار مؤلفات موازية مثل عزرا أ وفلافيوس يوسيفوس المؤرّخ.

أوّلاً: تدوين عزرا- نحميا
إذا حسبنا عزرا أ نصاً قديمًا، نستطيع أن نفترض تدوينًا أوّل يربط عزرا بكتاب الأخبار ويتجاهل نحميا. حينئذ يبقى علينا أن نتساءل: لماذا أُقحمت مذكّرات نحميا في زمن متأخر؟
والصعوبات التاريخية المعقّدة التي نجدها في عز 1- 6 تجد تفسيرها في أنّ الكاتب ابتعد عن الأحداث التي يدوّنها. وهناك ملامح تشير إلى تأليف متأخّر لهذه الفصول التي زيدت كمقدّمة لمجموعة تضمّ موادّ عزرا ونحميا ومراجع أخرى.

ثانيًا: المدوّن ومحيطه
الموضوع والخصائص اللغوية تجعل سفري عزرا ونحميا بين مؤلّفات التوراة المتأخّرة. فوجود اللغة الأرامية قرب العبرية، يجعل زمن عزرا ونحميا قريبًا من زمن دانيال. بالإضافة إلى ذلك، نجد في عزرا عددًا من الكلمات الفارسية.
متى نحدّد زمن كتابة عزرا ونحميا؟ بين سنة 400 ق م وزمن دانيال. قد لا نحتاج إلى الرجوع إلى القرن الثالث. وقد تكون النسخة النهائية تمّت في السنوات الأولى للحكم الهلّنستي في فلسطين. أمّا مدوِّن عز 1- 6 فقد ينتمي إلى الحلقة التي أخضعت كتاب الأخبار لقراءة جديدة على ضوء تعليم الكهنة.

ج- كتاب عزرا- نحميا والتاريخ
القراءة اللاهوتية لكتاب عزرا- نحميا لا تدفعنا إلى إهمال المعلومات التاريخية التي يقدّمها كتاب يظلّ أفضل مرجع لمعلوماتنا عن العالم اليهودي خلال الحقبة الفارسية. 
نملك مراجع أخرى عن هذه الحقبة: يوسيفوس في القديميات اليهودية (ف 11). وثائق الفنتين الأرامية (أستعملت لتحديد زمن مهمّة عزرا ولتحديد المرحلة الأخيرة من مراحل التدوين الكهنوتي للبنتاتوكس). تاريخ هيرودتُس. وتساعدنا النصوص المسمارية على تحديد ظروف الحياة في تلك الحقبة. هناك أرشيف موراشو الذي اكتشف في نيبور، وهناك الوثائق الأركيولوجية.

1- ششبصر، زربابل وإعادة بناء الهيكل
ما هو الوضع السياسي لليهودية من سنة 538 إلى سنة 445؟ هذا ما لا توضحه النصوص. يرجع نحميا إلى "الولاة الأوّلين " (نح 5: 15). ثمّ إنّ الاستقلال عن السامرة يعود إلى أيّام البعث (إعادة البناء) الأوّل.
نستطيع أن ندرس لفظة "فحة" التي تعني حاكم مقاطعة أو منطقة كبيرة أو صغيرة. نجد هذه اللفظة في الأقسام العبرية (عز 36:8؛ نح 7:2، 9؛ 7:3؛ 5: 4، 14، 15، 18، 12، 26) والأرامية (3:5، 6، 14؛ 6:6، 7، 13 ؛ رج حج 1: 1- 14؛ 2:2، 21). ونجد لقبا آخر شرفيًّا هو، ترشاتا أي سيادته. رج عز 63:2؛ نح 7: 65، 69 ؛ 8: 9؛ 10: 2).
يبقى دور كل من ششبصر وزربابل لغزًا بالنسبة إلينا. أراد مدوّن عز 1- 6 أن يغفل لقب المسؤولَين الرئيسيَين، فلا يذكرهما إلاّ حيث تفرض النصوص عليه ذكرهما (عز 5: 14؛ 7:6). وهذا ما عقّد الأمور. لا شكّ في أنّه أراد أن يبعد كل ظنّ في نظرات وطنيّة. وهناك من حاول أن يوفّق بين المعطيات المتضاربة في عز 8:3 و5: 15- 16، فماثل بين ششبصر وزربابل. فإذا عدنا إلى المرجع الأرامي نقتنع أن ششبصر كان أوّل من مارس وظيفة الحاكم.

2- نحميا والجماعة اليهودية في القرن الخامس
تدخّل نحميا في عهد أرتحششتا الأوّل. هذا التاريخ يؤكّده ذكر الياشيب (نح 3: 1)، ثالث رئيس كهنة في لائحة نح 12: 10- 11 (رج نح 28:13). كان ساقي الملك، وهذا يدلّ على علوّ مقامه. وقال آخرون إنّه كان أحد الخصيان، ولكنّ البراهين ليست بكافية لتسند هذا القول. ثمّ إنّ تسليمه أمور الشعب اليهودي يدلّ على مكانته السامية في الجماعة اليهودية، وقد يكون من نسل داود.
وصل إلى أورشليم سنة 445 (نح 1: 1 ؛ 2: 1) في إطار أزمة أثارها تمرّد ميغابيز مرزبان عبر نهارا حوالي سنة 448. وعاد سنة 443. تلك كانت المهمة الأولى، أمّا المهمّة الثانية (نح 13: 4- 31) فن الصعب أن نحدّد تاريخها. كان عمل نحميا سياسيًا واجتماعيًا، فقام بحزم بمهمّته كحاكم ومدّ سلطانه حتّى حدود الهيكل.
لامه خصومه لأنّه يريد أن يُشعل ثورة ويعلن نفسه ملكًا على يهوذا (نح 6:6). واستندوا في لومهم له إلى أعمال ذات طابع مسيحاني: بناء السور والمدينة (نح 1- 7)، إعادة العدالة الاجتماعية (نِح 5: 1- 5)، تنظيم حياة من الطاعة التامّة للشريعة (نح 13). ووجد الخصوم تواطؤَا داخل الجماعة. وتتحدّث النصوص عن صراعات مع العائلات الكهنوتية ومجابهات محدّدة ستكون بذار الانقسامات اللاحقة.
وبرزت تيّارات أكز انفتاحًا فأقامت توازنًا مع عمل نحميا المتشدّد والتخصيصي (أي الخاصّ بشعب الله على حساب سائر الشعوب). غير أنّ عمل نحميا أسّس صيرورة الجماعة اليهودية بالتاكيد على هوّيتها، وجعل في أصل هذا العمل الصلاة والحوار مع الله، فدلّ على الطابع الديني لحياة هذا العلماني (لم يكن كاهنًا) الذي لم يساوم يومًا في قضايا الدين.

3- مهمّة عزرا
لم يتّفق الشرّاح بعد على تاريخ مهمّة عزرا. فإذا كانت في أيّام أرتحششتا الأوّل نقول سنة 58 4، وإذا كانت في أيّام أرتحششتا الثاني نقول: سنة 398. وفي أي حال نستبعد التاريخ المتوسّط سنة 428. أمّا نحن فنقول سنة 398. لماذا وضع عزرا قبل نحميا في الكتاب؟ لأنّه كاهن والكاهن يأتي قبل العلماني. نحن أمام أولويّة دينية لا تاريخية. والتشريع الذي حمله عزرا يتجاوز إصلاحات نحميا المؤسّسة على سفر التثنية.
جاء عزرا إلى اليهودية بعد أن بعثه ملك فارس الذي أراد لهذه المنطقة أن تبقى أمينة له. وسلّم عزرا الأوامر الملكية لمرازبة الملك وحكّام عبر نهارا (عز 8: 36)، أمّا مسرح عمله فكان الجماعة اليهودية ولاسيمّا أورشليم. لم تُحَلّ التوتّرات بين أهل الأرض والعائدين من المنفى. أمّا عزرا فاهتمّ بالعائدين.
أمّا العمل الرئيسي الذي قام به فهو الإقرار بالتوراة كشريعة دولة وقاعدة قانونية لحياة اليهود الدينية، وهذا ما جعل التوراة تدوم. في أي إطار قامِ عزرا بعمله؟ في إطار الانتهاء من كتابة البنتاتوكس. فتماسكُ مختلف أقسام الجماعة فرض شريعة موحّدة. حين قبلت المجموعات المختلفة بتشريعات متكاملة، قوّت وحدتها وخلّفت الظروف المؤاتية لحياة متجدّدة وموجّهة شطر التوراة. كان هذا الحدث حاسمًا بالنسبة إلى تكوّن العهد القديم وتنظيم الشعب اليهودي.

4- تأثير الانشقاق السامري
حين نقرأ عزرا ونحميا، نحسّ بالتوتّر بين اليهود والسامريين. فعلاقة عزرا بالسامريين متشعّبة. هولا يواجههم مباشرة ولكنّ تقليدهم يحكم عليه بقسوة. ولكنّ السامريين قبلوا بالبنتاتوكس، وهذا يدل على أنّ عزرا نجح في مهمّته. وإنّ مذكّرات نحميا والكرونيكة الأرامية تدلّ على عنف الصراع. وفسُد الوضع تدريجيًا حتّى الانفصال التامّ الذي كرّسه بصورة نهائية تشييد هيكل على جبل جرزيم ليزاحم هيكل أورشليم. كان هذا في بداية الحقبة اليونانية. هنا نفهم لماذا جمعت ردّات فعل عديدة ضدّ السامريين. وبمَا أنّ مدوّن عز 1- 6 كان يعمل في جو العالم الكهنوتي، فقد أراد أن يبرّر شرعية هيكل أورشليم أمام هذا التحدّي السامري. وقد يكون حصل انشقاق داخل كهنة أورشليم. فترك بعض الكهنة المنفتحين أورشليم، وانضمّوا إلى جماعات أخرى في شكيم.

د- تعليم سفري عزرا ونحميا
إنّ سفري عزرا ونحميا مشبعان باللاهوت بحيث لا نستطيع أن نتطرّق إلى المسائل الأدبية والتاريخية دون أن نشير إلى المواضيع المهمّة التي تلقي ضوءًا على دينامية النصّ العميقة.

1- تتمّة المواعيد النبوية
بدا خسران الأرض وسقوط أورشليم ودمار الهيكل وانهيار الملكية وكأنّه فشل لمخطّط الله. وخلال المنفى، إستندت المدارس النبويّة المختلفة إلى التاريخ القديم فبنت مشاريع مستقبليّة وأعلنت خروجًا جديدًا وإعادة بناء أورشليم وجعلها آهلة بالسكان (أش 40- 55)، كما تطلّعت إلى الهيكل العتيد (حز 40- 48). وجاء كتاب عزرا ونحميا فدلّ بأسلوبه القشف الخاصّ على تحقيق هذه المواعيد بصورة ملموسة وإن كانت ناقصة. وعاد الكاتب إلى النمطية فشدّد على تواصل سرّ الخلاص، ووجّه المؤمنين نحو منظورات جديدة.

أوّلاً: الخروج الجديد
ليست الطريق من مصر إلى أرض الموعد، بل من بابل إلى أورشليم. فخروج موسى هو في خلفية كل عودة. نلاحظ هنا استعمال ألفاظ عن الصعود (عز 7:7، 9؛ رج 1: 11)، وإشارة إلى سلب المصريين (عز 1: 6؛ رج حز 3: 21- 22)، وإبرازيد الله المحامية. أمّا مسيرة العائدين فبدت بشكل طواف عبادي يفترض ما قاله التقليد الكهنوتي في البنتاتوكس (عد 10: 11 ي). ولهذا كانت مشاركة اللاويين أمرًا مفروضاً (عز 8: 15 -20). فخبرة الخروج الأوّل وكرازة الأنبياء دعت الكاتب إلى قراءة الأحداث على هذا الشكل.

ثانيًا: أورشليم والهيكل
خسرت أورشليم استقلالها السياسي، ففرضت نفسها عاصمة دينية. إنّها المدينة المقدّسة (نح 11: 1، 18: القدس). يعود هذا الاسم حوالي 70 مرّة في فصول عزرا ونحميا. صارت أورشليم مركز تجمّع المشتّتين، فاحتلّت مكانة هامّة في رؤى المستقبل (رج أش 2:2- 4). هنا نفهم غيرة المؤمنين للدفاع عن استقلالها وتأمين رفعتها.
والعمل الأوّل هو إعادة بناء الهيكل. وهناك إشارات تدلّ على تواصل مع الهيكل السليماني: اختيار الموقع (عز 3: 3) والتصميم (عز 6: 3- 4) والأواني القديمة التي عادت من بابل (عز 1: 7- 11) والرجوع إلى موسى (عز 6: 18) وداود (نح 12: 24، 45- 46) وتنظيم العاملين والممارسات نفسها (عز 3: 3- 6، 10- 11). كان الهيكل المؤسّسة الأولى، فجذب الشعبَ إليه وصار مكانًا رمزيًّا. في الهيكل يدلّ الله على حضوره ويأتي إلى لقاء المؤمن.

2- شعب الله المجدّد
أوّلاً: وضع شعب الله
سقطت الدولة سنة 587 فدلّت على نهاية الملكية الداودية. قَبِل سفر عزرا ونحميا بوصاية الحكم الفارسي الذي أمّن الظروف المؤاتية لإعادة البناء الديني. وارتباط الكهنة بالهيكل جعل دورهم ينمو ودور زربابل يتراجع. أخذ الكهنوت المكانة الأولى في حياة الشعب، وهذا ما تدلّ عليه اللوائح التي نقرأها خاصّة في نح 12: 1- 26.
مع هذا الحدث الذي فيه التأمت الجماعة حول الهيكل، بدأت مرحلة جديدة في حياة شعب الله. فتواصلُ التاريخ بارز في عبارات الصلاة (رج نح 9: 6- 37). ولكن ليس الوقت وقت مشاريع سياسية وأعمال عسكرية. فشعب الله يتجنّد لمشاكله الدينية الخاصّة.
ترد كلمة "عم" أي الشعب 27 مرّة في عزرا (5 مرّات في الأقسام الأرامية) و 29 مرّة في نحميا. نجدها ايضاً في الوثائق الرحمية (عز 1 :2- 4؛ 12:7- 26) كما في تقارير الجماعة. في نح 8 مثلاً، يتدخّل الشعب كلّه (آ 7، 7، 9) من أجل أعمال مختلفة (آ 3، 5، 5 ،6 ،7 ،9 ،9، 11 ،12 ،13).
وتدلّ الكلمة العبرانية "قهل " على الجماعة والمحفل والإخوة. ستصبح في اليونانية مقابل "إكلازيا " أي الكنيسة (رج عز 2: 64= نح 7: 66؛ عز 10: 1، 8، 12، 14؛ نح 13:5؛ 2: 8 ،17 ؛1:13).
ثانيًا: شعب من نوعية خاصّة
أعلن الأنبياء العقاب للشعب إجمالاً، ولكنّهم تحدّثوا عن خلاص بقيّة، عن جذل مقدّس سيتيح لشعب إسرائيل أن يُولَد من جديد (أش 13:6). ورأى إرميا في مسبيّي بابل حاملي هذا الرجاء (ف 24 و 29). وكان على العائدين أن يحسبوا حساب اليهود اويين الذين ظلّوا في البلاد والذين كانت عبادتهم ليهوه مشبوهة. ونرى دورهم في إعادة البناء واضحًا في مثل عزرا الذي ترك عملُه أثرًا في قلب جماعة "أبناء المنفى". وقَلقَ نحميا، وهو في شوش، من مصير الذين ظلّوا في السبي.
هناك كلمة عبرية "جوله " (في العبرية: الجلاء). تدلّ على الجلاء (أو السبي) وأهل الجلاء (أو المسبيّين والعائشين في المنفى). يستعمل نح 7: 6 هذه الكلمة مرّة واحدة، ويستعملها عزرا مرارًا (عز 1: 11؛ 2: 1؛ 4: 1...)، فترتبط بكلمة "البقيّة" في الكرونيكة الأرامية (عز 6: 16). وسنجد المفردات المتحدّثة عن "البقية" في عز 9: 6- 5 (رج نح 1 : 2 ،3؛ 7: 71؛ عز 1 :4).
إنّ المشاركة في شعب الله المجدّد، تفترض انفصالاً واضحًا عن أهل البلاد. لاحظ عزرا (9: 2): اختلط النسل الطاهر بشعب البلاد، ولهذا قرّر أن لا يأكل الفصحَ إلاّ الذين عادوا من المنفى والذين انفصلوا عن نجاسات شعب البلاد (عز 6: 21). إن الانتماء إلى الشعب لا يتمّ بصورة آلية وبمعزل عن اختيار حرّ وكامل بالنسبة إلى إله إسرائيل. إنّها تفترض حياة من نوع خاصّ.
تحدّثنا أعلاه عن الشعب "عم ". وها نحن نذكر"شعب البلاد" (عمي ها- أرص شعوب الأرض. رج عز 10: 2، 11 ؛ نح 10: 29، 31، 32). أمّا الانفصال فيتمّ عبر كلمة "بدل " العبرية. على الشعب المقدّس أن ينفصل (يبتعد، ينحاز) عن عادات الأمم الرجسة (عز 6: 21؛ 9: 1؛ 8:10، 11، 16 ؛ نح 2:9؛ 20:10؛ رج عد 16: 21؛ 1 أخ 12: 9؛ 13:23). وإنّ عزرا سيفصل (يفرز) عددًا من الناس (عز 8: 24)، كما أن بني إسرائيل قرّروا أن يُبعدوا عن جماعتهم كل غريب (نح 3:13).
إنّ تجدّد الشعب يتطّلب التزامًا ثابتًا تجاه الله. أمّا الصلوات التي تُتلى فهي ترتبط بالعهد. قلت: أيّها الرب إله السماوات الحافظ العهد (نح 1: 5؛ رج 8:9، 32). إنّ كلمة "بريت "، التي نترجمها "ميثاق، عهد، معاهدة" تدلّ على التزام الجماعة الاحتفالي في عز 3:10: نبتّ الآن عهدًا مع إلهنا. وقد يرتبط بهذا العهد القسم: حلف عزرا رؤساء الكهنة... فحلفوا (عز 10: 5؛ رج نح 5: 12). ونقرأ في نح 10: 1 كلمة "أمانة" (رج أمانة في العربية) التي تدلّ على الثبات والمتانة.

ثالثًا: شعب يعترف بربّه
يجتمع الشعب أوّلاً من أجل الاحتفالات الليتورجية التي تتّخذ طابعًا مميّزًا في سفري عزرا ونحميا: عيد المظالّ (أو عيد الاكواخ) ساعة إقامة المذبح (عز 3: 3- 6) وبعد قراءة الشريعة (نح 13:8- 18). عيد الفصح (عز 6: 19- 22). تدشين الهيكل (عز 6: 16- 17) والأسوار (نح 12: 27- 43). ليتورجية الشريعة (توراة موسى، نح 8: 1- 12). فعلى الكهنة واللاويين أن يتنظّموا سريعًا لتأمين خدمة الهيكل والله (عز 18:6). ويعتبر المؤرّخ الكهنوتي أنّ الحقبة المثالية هي تلك التي تُمارَس فيها هذه الخدمة ممارسة كاملة (نح 12: 44- 47). إنّ شعائر العبادة في الهيكل الثاني تتضمّن الذبائح (عز 3: 3- 6؛ 6: 16- 17) والتطهيرات (عز 6: 20؛ نح 12: 35- 45).
وما يميّز هذه الاحتفالات المتعدّدة هو التوافق والفرح. وإنّ دور اللاويين والنشيد الليتورجي يمتدّ إلى حياة الجماعة (نح 12: 8- 9، 24- 25، 27- 43). فالمديح (عز 10: 11؛ نح 17:11؛ 12: 24، 46؛ رج 13:5) والمباركة (نح 9: 5؛ رج عز 7: 27؛ نح 8: 6؛ 11: 2) يميّزان الحياة اليهودية. إنّ الصلاة تتجذر (عز 3: 10- 11) في هذه الحياة الليتورجية القويّة (عز 10: 1 ؛ نح 1 :4، 6 ؛ 4:2؛ 3:4).
إنّ الفعل العبري "يده " (يدا في السريانية وأودي) يعني أيضاً اعترف بخطاياه (عز 10: 1؛ نح 1: 6؛ 9: 2، 3). يرتبط هذا الاعتراف عادة بالصلاة، طقوس التوبة، وبالإقرار بالخطيئة التي هي خيانة (عز 10: 1) وذنب وخطأ (نح 1: 6، 9، 12) دائم (نح 9: 2). فالنسل المقدّس يختبر الخطيئة التي تصيب كل أعضاء الجماعة، من أوّل السلسلة حتّى آخر السلسلة، من رئيس الكهنة حتّى العوامّ، وتبرز في أشكال متعدّدة: زواج مع نساء غريبات، الظلم الاجتماعي، تجارز شريعة السبت مع إهمالات عديدة. إذا كان كتاب عزرا ونحميا ينتهي بإصلاح أخير، فلكي يقول لنا إنّنا لن ننتهي أبدًا من اقتلاع الخطيئة. فالاعتراف بالخطايا الذي يصل بنا إلى الاعتراف بعظمة الله وبرّه يقدّم لنا صورة عن عمق التقوى اليهودية في ما بعد الرجوع من المنفى.

3- شعب الشريعة
أبرزت نهاية عزرا- نحميا الشريعة فكانت جوابًا للمقدّمة (عز 1- 6) التي صوّرت لنا عالمًا يهوديًا مركزًا على الهيكل. فشعب الله المتجدّد سيحدّد نفسه بالشريعة التي فيها يجد حرّيته وخاصيّته وهويته. ويرتبط الحدث بعزرا الذي يسمّيه التقليد موسى الجديد.
ترد كلمة شريعة (تورة في العبرية) 25 مرّة في كتاب عزرا- نحميا ولاسيمّا في القسم الأخير (عز 3: 3 ؛ 7: 6- 10؛ 3:10 ؛ نح 8: 1، 2... ؛ 3:9، 13...؛ 10: 29...). والكلمة التي تدلّ على فرمان أرتحششتا هي الكلمة الأرامية "دت " (دتا في الصيغة الأصلية) التي تعني الشريعة، القرار، الأمر (عز 8: 36. ترد الكلمة 20 مرّة في سفر أستير). وهكذا نرى كم ترتبط الشريعة بعزرا الذي هو الكاهن (عز 7: 11؛ 10: 10، 16؛ نح 8: 2، 9) والكاتب (عز 7: 6- 11؛ نح 8: 1، 4).

أوّلاً: الاحتفال بالشريعة
إنّ قراءة الشريعة قراءة جمهورية تتّخذ شكل تنصيب لها. والحدث له سوابق وهو يستند إلى فريضة اشتراعية تدعو إلى قراءة الشريعة مرّة كلّ سبع سنوات (تث 31: 9- 13؛ رج 8: 32- 35)، وإلى ما فعله الملك يوشيا حين تلا على مسامع الشعب كلام الكتاب الذي وُجد في بيت الرب (2 مل 23: 1- 3؛ 2 أخ 34: 29- 31). أمّا الأهميّة الفريدة لنصّ نح 8: 1- 12، فهو أنّه عمل يؤسس عادة ستتوسّع فيما بعد. يقدّم هذا النصّ العناصر الأساسية للعبادة في المجمع: قراءة، ترجمة، تفسير. وهكذا برزت فنون أدبية مثل الترجوم (ترجمة أرامية مسهبة لنصّ التوراة) والمدراش (تفسير التوراة بشكل عظة تؤوّن النصّ الملهم وتطبّقه على حياة الجماعة)، وتنظيم عمل الكتبة ومدارس الرابانيين.

ثانيًا: إقامة الشريعة
للتوراة سلطة لتوجيه سلوك المؤمن، وهي تفرض نفسها على الشعب كلّه وفي كل مجال وجوده. وهناك مقطعان يؤكّدان أنّها تأمر بممارسة كاملة وفاعلة. ففي نح 10: 30 نقرأ أنّ الجميع التزموا السير حسب شريعة الله التي أعطيت بواسطة موسى عبد الله. وهناك الجواب في عز 10: 30: لنصنع حسب الشريعة.
ثمّ إنّ هناك قرارات ليتورجية اتّخذت بالنظر إلى الشريعة. فالاحتفال بعيد المظالّ هو أوّل ثمرة من ثمار درس الشريعة التي تُليت على مسامع الشعب (نح 13:8- 18). وإعادة بناء المذبح تُوافق شريعةَ موسى (عز 2:3). وهم يحتفلون بعيد المظالّ كما هو مكتوب في شريعة موسى (عز 3: 2). وأقيم الكهنة واللاويّون بالاستناد إلى كتب موسى، مع أنّنا لا نجد أثرًا للبنتاتوكس في تقسيم الكهنة إلى فِرق (18:6). وباختصار الكلام، الشريعة هي ملهِمة كلّ قرار وكلّ أمر ديني.

ثالثًا: تفسير الشريعة
دخل كتاب عزرا- نحميا في خط التقليد الاشتراعي فقدّم الشريعة (تورة في العبرية) على أنّها سفر وكتاب، تفرض نفسها كقاعدة يَرجع المؤمن إليها. نجد استعمال فعل "كتب" 17 مرّة في عزا-7 وفي نح 13:8 كما نجد عبارة "كما هو مكتوب". نحن نفهم الكتاب حين نقرأه. نح 8: 8: كانوا يقرأون في سفر شريعة الله بطريقة واضحة (أو كانوا يترجمون) وكانوا يفسّرون النصّ بحيث فهم كل واحد ما قُرئ. ونحن نتفهّمه حين نبحث فيه (13:8-14).
وتثَبَّتَ نصّ الشريعة، فصار موضوع شرح وتفسير وتأوين. نقل إلينا كتاب عزرا- نحميا فرائض لا نجدها حرفيًّا في البنتاتوكس، فشهد على مجهود تأويلي في نصّ أسفار الشريعة الخمسة، وهو مجهود سيتوسّع فيه التقليد اليهودي. وهكذا، فاللائحة الموجودة في عز 9: 10 تدمج عناصر من تث 7:7؛ 3:23 ؛ لا 3:18. أمّا أن نعمّم شريعة كانت خاصّة ومحددة (كل الثمِار في نح 10: 26)، وندخل فرائض متنوعة (نح 10: 37)، وإمّا أن نخلق فريضة انطلاقَا من معطى سابق (مثلاً ثلث مثقال سنوي في نح 33:10)، أو نعلن شريعة تسهل ممارستُها (35:10). وهكذا نجد في نح 10 توسّعًا على مستوى الشريعة، يحاول أن يعطي جوابًا لمسائل ملموسة وعملية.

4- الله هو إله العدل والحنان
وقد ساعد زمنُ العودة الشعبَ على اكتشاف مجدّد لله، لا اكتشاف نظري، بل قراءة جديدة لتدخّلاته في التاريخ. فكتاب عزرا ونحميا يشهد لإيمان شعب يعيش في آفاق ضيّقة ووضع مؤقّت، ولكنّه يعلن سلطان الله على التاريخ وعلاقته المميّزة بشعبه.
فالمنفى والعودة قدّما لنا وجهات من سلوك الله محيّرة ومشجّعة معًا. اعترفت الجماعة بضعفها وخطيئتها، فدخلت دخولاً أعمق في سرّ الله الذي يكشف عن عدالته حين يغفر ويخلّص.
نستطيع ونحن نتصفّح الكتاب أن نقرأ عبارات تدلّ على الله. يهوه هو إله السماء، إله إسرائيل، الإله الذي هو في أورشليم. هو إلهنا وإله الآباء... والصفات التي نكتشفها في الصلوات هي معبّرة جدًّا. يهوه هو"الإله " العظيم والرهيب (نح 1: 5؛ 8:4؛ 9: 32 التي تزيد "القدير"). إنّه الوحيد (نح 9: 6) الفريد، إله المغفرة (نح 17:9)، الحنون والرحيم (17:9، 31) البطيء عن الغضب والغنيّ بالأمانة (نح 17:9). الذي يحفظ العهد والأمانة (نح 9: 32)، الذي يفدي (نح 1: 10). إنّه عادل حين يخلّص البقيّة الباقية (عز 9: 15) ويفي بواعيده (نح 8:9) ويمارس أمانته ورحمته (نح 33:9).

III- سفرا الأخبار
أ- تنظيم سفري الأخبار
نظرة أولى ترينا أربع مجموعات في سفري الأخبار.
- 1 أخ 1- 9: تاريخ يقودنا من آدم إلى داود، وهو يقدَّم لنا بشكل أنساب ولوائح. 
- 1 أخ 10- 29: مُلك داود.
- 2 أخ 1- 9: ملك سليمان.
- 2 أخ 10- 36: تاريخ ملوك يهوذا.
وإذا أنعمنا النظر، اكتشفنا علاقات متعدّدة بين هذه الأقسام المختلفة. تتوجّه استعدادات داود (1 أخ 21- 29) بصورة واضحة نحو ملك سليمان (1 أخ 22: 6 ي؛ 28: 2- 21؛ 29: 21- 25)، وتعود تحقّقات سليمان (2 أخ 1- 9) دومًا إلى داود (2 أخ 2:2، 16 ؛ 3: 1؛ 5: 1؛ 7:6...). وهكذا نفهم 1 أخ 10-2 أخ 9 كدرفتين لبعد واحد هي المُلكية الموحّدة التي تمثّل للكاتب الملهم الحقبة المثالية في تاريخ إسرائيل. وسيظهر هذا المثال من جديد في تصوير مُلك حزقيا (2 أخ 29- 32). أمّا سقوط مملكة الشمال فأنمى احتمالات توحيد كل إسرائيل حول الملكية الداودية في أورشليم. إذن، لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار هذه العوامل المختلفة.

1- أصل الجماعة المختارة ومكانتها (1 أخ 1- 9)
يبدأ المؤرّخ الكهنوتي فيقدّم لنا موقع بني إسرائيل (3:2- 9: 1) قبل أن يحدّق بنظره إلى أورشليم حيث سيملك داود (2:9- 44).

أوّلاً: من آدم إلى إسرائيل (1: 1- 2: 2)
1: 1- 27: لائحة تقودنا إلى نوح وأبنائه، ابتداء بفروع يافت وحام الثانوية ووصولاً إلى سام الذي يصل نسله إلى إبراهيم.
1: 28- 2: 2: ويعالج أيضاً الفروع الثانوية أوّلاً: إسماعيل قبل إسحق، عيسو قبل إسرائيل. اعتاد المؤرّخ أن يحل اسم إسرائيل محلّ اسم يعقوب ما عدا في 1 أخ 13:16، 17 حيث يذكر مز 105. وإنّ تعداد أبناء إسرائيل (2: 1- 2) يشكّل وصلة بين القسمين.

ثانيًا: قبائل إسرائيل (2: 3- 9: 1)
إذا كان الكاتب عدّد القبائل الاثنتي عشرة في 2: 1- 2، إلاّ أنّ حجم يهوذا ولاوي ومكانتهما في بنية هذه المجموعة، يدلاّن على اهتمامه بهما. ونحن نميّز رسمة دائرية حول ثلاثة أقطاب: يهوذا (2: 3- 4: 23)، لاوي (5: 27- 6: 66)، بنيامين (8: 1- 40).

أ- القطب الأوّلى: يهوذا (2: 3- 4: 23)
نجد في الطرفين ذكر شيلة وأبناء يهوذا (3:2، 4-9 و 4: 1- 20، 21-23). يكرَّس القسمُ الاكبر لحصرون. والترتيب بشكل تصالب يُتيح للكاتب أن يبرز نسل رام الذي منه خرج داود.
2: 10- 17: نسل رام حتّى داود.
18:2- 24: نسل كالب.
2: 25- 33: نسل يرحمئيل.
34:2- 41: مواد ملحقة تختصّ بيرحمئيل.
42:2- 55: مواد ملحقة تختصّ بكالب.
3: 1- 24: أبناء داود. ملوك يهوذا والسلالة الملكية حتّى زمن المؤرّخ الكهنوتي.

ب- شمعون وقبائل شرقيّ الأردن (4: 24- 5: 26)
كانت قبيلة شمعون قريبة من يهوذا ولم تعتّم أن انضمّت إليها. ثمّ إنّ موقع رأوبين وجاد ونصف قبيلة منسّى يمنحهم وضعًا خاصاً بهم (عد 32؛ يش 1 :10 -18؛ 22: 1- 34).

ج- القطب الثاني: لاوي (5: 27- 6: 66)
إنّ الموقع المركزي لقبيلة لاوي يوافق الاتّجاه العبادي لدى المؤرّخ. وهو يعالج على التوالي الأشخاص ثمّ مساكنهم.
27:5- 38:6: أوّل اهتمام المؤرّخ هو أن يثبت سلسلة عظماء الكهنة (27:5-
41). ففي لائحة نسل لاوي (6: 1- 15) يقف قهات، جد هارون، وسط اخوته. غير أنّه يُذكر في أوّل لائحة المغنّين (6: 16- 23). وهناك نصّ خاص بكتاب الأخبار يشير إلى وظائف الكهنة واللاويين (6: 32- 34) بانتظار أن يعيدنا مقطع أنسابي إلى عظماء الكهنة (6: 35- 38).
6: 39- 66. إنّ هذه الآيات تجد ما يقابلها في يش 21. الأولوية هي لأبناء هارون (39:6- 45). ثمّ يأتي سائر ابناء قهات وأبناء جرشوم وأبناء مراري (46:6- 49). وتتبنّى الملحقات الترتيب عينه (6: 50- 66).

ب ب- قبائل الشمال (7: 1- 40)
يعدّ الكاتب القبائل التالية: يساكر (7: 1- 5)، بنيامين (7: 6- 12)، نفتالي (7: 13)، منسّى (7: 14- 19)، افرائيم (7: 20- 29)، أشير (7: 30- 40). ونجد ملاحظات تاريخية (7: 21 ب- 24) وجغرافية (7: 28- 26). ونلاحظ غياب دان وزبولون. حاول بعض الشرّاح أن يكتشف آثار دان في 7: 12، ولكنّ قراءة آ 12- 13 تبدو صعبة جدًّا.

أ أ- بنيامين (8: 1- 1:9)
إنّ 9: ا هي خاتمة لائحة بنيامين التي تكرّر ما قرأناه في 7: 6- 12. أمّا الاختلافات الكبيرة بين الوثيقتين فترجع إلى زمن كتابة كل منهما. والعلاقات التاريخية عميقة بين يهوذا وبنيامين، بحيث إنّ بنيامين يستطيع وحده أن يجاري يهوذا في تنظيمه. كانت البنية الثابتة ناقصة في هذا الفصل فبرزت الملاحظات الجغرافية. وإذ لفت المؤرّخ انتباهنا إلى أورشليم وعائلة شاول، فقد هيّأ الطريق للخبر التالي.

ثالثًا: جماعة أورشليم بعد المنفى (9: 2- 44)
هذا النصر المركّب يقابل الفصل الأوّل وينهي الحركة الدائرية المتدرّجة التي تصل بنا إلى جماعة أورشليم بعد المنفى والوارثة لتاريخ إسرائيل وأبنائه. أمّا اهتمام الكاتب، فينصبّ على الأشخاص الموكّلين بالعبادة. إن آ 2- 17 توازي نح 11: 3- 19. وإنّ آ 34- 44 تردّد 28:8- 38. وهكذا يستطيع الكاتب أن يبدأ تاريخ الملكية اليهوذاية.

2- ملكية داود وسليمان (1 أخ 10- 2 أخ 9)
أوّلاً: ملك داود (1 أخ10- 29)
(1) تثبيت المملكة في يد داود (1 أخ 10- 20)
ف 10- 12- الدرفة الأولى. يُبعد الكاتب كل طموح في بيت شاول إلى الملكية (10: 1- 14). يسيطر موضوع موت شاول على هذا الفصل الذي يُلغي الأحداث الملتبسة في صعود داود ويوجّه انتظارنا إلى ما هو جوهري: إنطفأت عائلة شاول، فتركت الطريق مفتوحة أمام داود. والباعث المذكور في آ 13- 14 يعبّر عن لاهوت المؤِرّخ (مات شاول لأنّه تعدّى كلمة الرب). وتفتح الدرفة الثانية بذكر تكريس داود ملكَا على كل إسرائيل في حبرون (ف 11- 12)، وتعود مرارًا إلى موضوع ملكيّة داود (11: 10 ؛ 12: 24، 39) وإلى الحظوة التي نالها من الله ومن الناس (11: 19 ؛ 12: 19، 23). وترتبط اللوائح بالصعود الملكي وبالتشديد على عبارة "كل إسرائيل ".
ف 13- 16- وتتتابع المعارضة بين شاول وداود في القسم الأوّل من النصّ وف 13- 14. واحد يهمل تابوت العهد، وآخر يجعله في أوّل اهتماماته. واحد يسأل عرّافة، وآخر يسأل الله. واحد يخون الرب، والآخر يخضع لإرادة الله. واحد ينكسر وآخر ينتصر عاد تابوت العهد فنقل إلى أورشليم (ف 15- 16). ويضخّم المؤرّخ الصورة بالنسبة إلى 2 صم 6، فيبرز الطابع العبادي الذي يستلهم ليتورجية عصره.
إنّ 1 أخ 16 : 8-36 هو مزمور مركّب من مز 105: 1- 15 ومز 96: 1-13 ومز 106: 47- 48. جمع المؤرّخ هذه المقاطع التي تُسند المواضيع التي سيتوسّع فيها في مجمل تاريخه. لقد أراد أن يحدّثنا عن شعائر العبادة في أورشليم كفعل شكر وطلب خلاص. 
ف 17- 20- أعاد 1 أخ 17 قول ناتان فجعله مدار لاهوت الكاتب الملكي. فبعد أن تثبّتت سلالة داود، تحدّث النص عن انتصاراته التي هي عربون بركة الله له (13:18). يسير الكاتب مع 2 صم ولكنّه يتحاشى كل تلميح إلى سلالة شاول (2 صم 9) وإلى خطيئة داود (2 صم 11- 12).

(2) نحو بناء الهيكل وملك سليمان (1 أخ 21- 29)
إذا وضعنا جانبًا 1 أخ 21 الذي يتبع 2 صم 24، نرى أنّ هذه المجموعة مؤلّفة من موادّ خاصّة بالمؤرّخ. ونتعرّف بسهولة إلى الموضوعين المسيطرين في الكتاب: الاستعدادات لبناء الهيكل في خط 1 أخ 13- 16. والاستعداد لنقل الملك إلى سليمان، باني الهيكل، في خط 1 أخ 17. ولاحظنا تبدّلاً في المناخ بقدر ما يحتفظ النصّ بخطيئة داود (في الإحصاء) المنسوبة إلى الشيطان (ق 1 أخ 21: 1 و 2 صم 24: 1).
يبدأ الحديث بشراء مجال الهيكل العتيد وبناء مذبح (1 أخ 21)، وينتهي بمباركة الملك للشعب وتنصيب سليمان (1 أخ 29). وإنّ خطب وتعليمات داود تتقابل في 1 أخ 22 و 28. كما نجد فيها صدى 1 أخ 17 مع زيادة ملاحظة شرطية (13:22: تنجح إذا احترمت وأتممت الرسوم والأحكام: 28: 9: إذا طلبته تجده، وإن تركته فنّه يخذلك إلى الأبد). أمّا القسم المركزي (ف 23- 27) فيعيد إلى داود تنظيم الكهنة واللاويين فرقًا فرقًا. في 3:23- 6 أ نجد أنّ داود قسم اللاويين على أساس أربع وظائف. ولمّا أعيد النظر في النصّ كانوا قد قسموا إلى 24 فرقة، وكان ذلك في السنين الأخيرة للحكم الفارسي.

ثانيًا: ملك سليمان (2 أخ 1- 9)
سكت المؤرّخ عن مؤآمرات القصر التي حملت سليمان إلى سدّة المُلك (1 مل ا- 2)، وعن الظلال التي غطّت نهاية حكمه، فدلّ على نيّته في أن يدافع عن الملك الحكيم وفي أن يرسم أجمل صورة عن الذي بنى الهيكل. وهذا ما يبرز في بنية تصالبية.
أ- 1: 1- 17: غنى سليمان وحكمته.
بعد آ 2- 5 الخاصّة بالمؤرّخ، يعود النصّ إلى 1 مل 3: 4- 15 و 10: 26- 29. ب- 1 :18- 2: 15: علاقات مع حورام.
في آ 18 نبدأ الحديث عن بناء الهيكل والقصر ويعود 12:2-15 إلى 1 مل 5 :15-26 مبرزًا اهتمامًا واضحًا بالهيكل (ق 2: 11 مع 1 مل 5: 21).
ج-16:2-5: 1: تسخير الغرباء وبناء الهيكل.
يقترب الكاتب هنا من مرجعه. وفي 4: 1- 10 يستعيد عناصر أخذها من 1 مل 7: 23- 26، 38- 39.
د- 5: 2- 7: 10: تدشين الهيكل.
يبتعد المؤرّخ عن خبر كتاب الملوك. ونجد طريقته في 6: 40- 42 وفي 3:7 التي تعود بنا إلى صلاة المزامير.
د د- 7: 11- 22: جواب الله.
أعلن عن المشروع في 18:1 وها هو يتحقّق الآن (آ 11). يعود الكاتب إلى 1 مل 9: 2- 9 فينظر إلى سقوط الشعب وعقابه. ونقرأ عبارات تدلّ على المغفرة بعد التذلّل. 
ج ج- 8: 1- 16 أبنية متعدّدة وتسخير الغرباء.
نلاحظ بعض الأمور الخاصة: يرمّم سليمان المدن التي أعطاه حورام (8: 2). أمّا 1 مل 9: 10- 14 فيقول إنّه هو الذي أعطاها لحورام. ويبرز المؤرّخ موقف سليمان حين بنى قصرًا لابنة فرعون (8: 11). وأخيرًا يوسّع الكاتب في خطّه الإشارة الواردة في 1 مل 9: 25 حول خدمة الهيكل.
ب ب- 17:8- 12:9: علاقة مع حورام، مع مملكة سبأ.
هذا الجزء الذي يتبع حرفيًّا 1 مل 26:9- 10: 13 يقابل 2 أخ 2:2-15 ويهيئ الدرب للملاحظات الاخيرة.
أ أ- 13:9- 30: غنى سليمان وحكمته.
هذه المجموعة الموازية لنصّ 1 مل 10: 14- 29 (مع بعض آيات جاءت من مكان آخر) كُتبت لمجد سليمان. وإيراد المراجع (9: 29- 30) نجده في عبارات نهاية الملك (وبقيّة أخبار سليمان).

3- تاريخ ملوك يهوذا (2 أخ10- 36)
يختلف المؤرّخ الكهنوتي عن المؤرّخ الاشتراعي فيورد فقط تاريخ يهوذا. ثمّ إنّه يقسمه حقبتين. من رحبعام إلى أحاز: يضع ملوك يهوذا أمام واقع انقسام قبائل إسرائيل. بعد حزقيا سيبقى مَلك أورشليم وحده، ولكنّه يحكم أرضاً ضيّقة. لا يحدّد الكاتب نقطة الانفصال في الواقع السياسي لسقوط السامرة، بل يدلّ على الحقبة الجديدة فيقدّم صورة عن حزقيا تشبه صورة داود وسليمان. إنّ التاريخ الذي يكتبه هو ديني بحصر المعنى.

أوّلاً: ملوك يهوذا في زمن المملكتين (2 أخ 10- 28)
(1) رحبعام، أبيا والانشقاق (2 أخ 10- 13)
ف 10- 12: رحبعام. استبعد الكاتب من 1 مل 12- 14 كل ما يتعلّق بيربعام وزاد بعض المعلومات: عن بناء الحصون (11: 5- 12)، عن هجرة لاويي الشمال إلى الجنوب (11: 13- 17). فبعد الفشل الذي سجّله 2 أخ 10: ا- 11: 14، إقتدى رحبعام بسلوك داود وسليمان فحالفه النجاح (11: 5- 17). ويحمّل المؤرّخ رحبعام أخطاء كانت عند سليمان. ترك الشريعة فجاء العقاب، ولن ينجو الشعب منه إلاّ بموقف من التواضع والتوبة (11: 18- 12: 16).
ف 13: أبيا. هو أوّل ملك ورث مملكة مقسمة. أرسل إلى أهل مملكة إسرائيل نداء عبّر فيه عن دور الملكية الداودية وعن دور الكهنوت. وإنّ المقابلة مع 1 مل 15: 1- 8 تساعدنا على التعرّف إلى مراجع المؤرّخ الكهنوتي (تأويل لائحة بنيامينية قديمة).

(2) آسا ويوشافاط ، المصلحان الأوّلان (2 أخ 14- 20)
ف 14- 16، آسا. يتوسع الخبر أكثر مما نجد في 1 مل 15: 9- 24. هناك مراجع خاصّة بالمؤرّخ ونظرة لاهوتية. نجد هنا ثلاثة أشكال أدبية: خطبة ملكية (14: 6)، صلاة ملكية (14: 10)، خطبة نبوية (15: 2- 6، 7:16 ب- 9). اعتبر الكاتب هذا الملك المصلح بصورة إيجابية، ولكنّ اعتباره له قلَّ في نهاية ملكه (16: 10، 12: لم يلتمس الرب).
ف 17- 21: يوشافاط. هناك ف 18 الذي يجد ما يقابله في كتاب الملوك. ثمّ نجد عددًا من النصوص الخاصة بالمؤرّخ الكهنوتي: خبر الإصلاح (17: 7- 12؛ 19: 4- 7). تدخّل نبوي (19: 1- 3 ؛ 20: 15- 17). خطبة ملكية (3:19- 11). صلاة ملكية (20: 6- 12). سجلّ عسكري (13:17- 19). ينظر الكاتب إلى هذا الملك نظرة الرضى ويقابله بسليمان (17: 6، 20: 30). ولكنّه تحالف مع ملك إسرائيل فعارضه النبي اليعازر بن دوداوا (20: 35- 37).
(3) أمانة ملوك يهوذا في المحنة (2 أخ 21- 28)
ف 21- 24. أقام الكفر في يهوذا في أيّام يورام واحزيا اللذين اقتديا بملوك إسرائيل الذين ارتبطا بهم (21: 6؛ 22: 2- 6). وتوالت المصائب: تحرّرت بلاد أدوم، غزا الفلسطيون والعرب البلاد، قُتل احزيا. ولولا العهد مع داود لزالت سلالة داود (21: 7). 
وبفضل الكاهن يوياداع، إستعاد يوآش السلطة من عثليا المغتصبة. وقام يوياداع بإصلاح لا يذكره كتاب الملوك (18:23- 21). ورمّم يوآش الهيكل. ولكنّه بعد موت الكاهن، أثار غضب الرب وعاد إلى ممارسات وثنيّة ندّد بها الأنبياء. وجاءت موآمرة أسندها الأراميون فقضت عليه وهو في سريره (17:24- 27).
ف 25- 28. أمصيا وعزيا ويوتام وأحاز. إستمع أمصيا أوّلاً إلى مرسل الله (25: 5- 10)، ولكنّه رفض فيما بعد، فجرّه رفضه إلى الكارثة التي ربطها المؤرّخ بالله (17:25 - 24). ونجد معلومات عديدة في خبر ملك عزيا (6:26- 15). نجح الملك ما زال يطلب الرب (26: 5)، ولكنّه حين تكبّر (16:26) أصابه البرص.
إذا كان يوتام صنع ما هو قويم في نظر الرب (27: 1- 9)، فأحاز اقتدى بملوك إسرائيل (28: 1- 4). وإنّ خبر الحرب الأرامية الإفرائيمية يختلف عن ذلك الذي نقرأه في سائر المراجع اليهوذاية (28: 5- 8). كلّم عوديد رؤساء إفرائيم فسمعوا له، وهذا يدلّ على احترام المؤرّخ لسكّان الشمال (28: 9- 15). وفي عهد أحاز، ازداد الانحطاط الديني بصورة مريعة.

ثانيًا: ملوك يهوذا واجتماع كل إسرائيل (2 أخ 29- 36)
ف 29- 32. حزقيا. ملك حزقيا وحده على الشعب المختار، فأعطاه المؤرّخ الكهنوتي بعدًا هامًّا، وجعل في خبره (ف 29- 30) مواد جهلها المؤرّخ الاشتراعي. فتصويره للإصلاح في ف 31 لا يقابل بالآية اليتيمة في ا مل 18: 4. وحين يعود المؤرّخ الكهنوتي إلى خبر كتاب الملوك، فهو يبسط المعطيات ويجمعها بطريقة مغايرة (32: 9-10). وإذا كان الله قد بدا وكأنّه تخلّى عن الملك، فذلك ليمتحنه. كان حزقيا على منعطف في تاريخ إسرائيل، فجاءت ملامحه قريبة من ملامح داود وسليمان.
ف 33. منسّى. كان 2 مل 21: 1- 18 قاسيًا على حكم منسّى. أمّا المؤرّخ الكهنوتي فحدّثنا عن أسر منسى وارتداده واصلاحه. نحن هنا أمام تفسير في إطار لاهوت المجازاة مع التشديد على موضوع المنفى والعودة.
ف 34- 35. يوشيا. يتبع المؤرّخ الكهنوتي المؤرّخ الاشتراعي في تقديره الإيجابي لحكم يوشيا. ويقدّم عنصرًا جديدًا يشير فيه إلى المراحل التي قادت إلى الإصلاح (3:34-7). ولكنّ شخص يوشيا لن يكون بارزًا في كتاب الأخبار كما في كتاب الملوك لأنّ شخصيّة حزقيا زاحمته.
ف 36. يتحدّث هذا الفصل عن آخر ملوك يهوذا: يوآحاز، يوياقيم، يوياكين، حزقيا. ويقدّم تفسيرًا للمنفى إلى بابل. ويأتي قرار كورش في النهاية فيضع نفحة أمل لدى القارئ: أوصافي الرب، إله السماوات، أن أبني له بيتًا في أورشليم. فكل الذين ينتمون إلى شعبه هم مدعوّون ليعودوا إلى أورشليم (2 أخ 36: 22).


ب- تكوين سفري الأخبار
1- المراجع التي أوردها الكاتب
يُحيلنا المؤرّخ الكهنوتي مرارًا إلى مراجع تتعلّق بتاريخ ملوك يهوذا وإسرائيل وإلى كتب ألّفها الأنبياء. لم نجد أثرًا لهذه المؤلّفات إلاّ العبارات عينها التي ترد في أسفار صموئيل والملوك. وهذا ما يدفعنا إلى القول إنّه لم يكن للمؤرّخ من مراجع إلاّ هذه الأسفار البيبلية. 
وإذ كتب المؤرّخ الكهنوتي تاريخ يهوذا وحدها، أدخل دومًا ملوك إسرائيل ساعة أورد مراجعه. وفوق ذلك: لا نجد شهادة عن كتاب يشير إلى ملوك يهوذا وحدهم، ولكنّنا نلاحظ في 2 أخ 20: 34 عودة محصورة بملوك إسرائيل.
وإليك لائحة العناوين المذكورة. الكتب التاريخية: كتاب ملوك إسرائيل (2 أخ 20: 34). كتاب ملوك إسرائيل ويهوذا (1 أخ 9: 1 ؛ 7:27؛ 27:35؛ 8:36). مدراش كتاب الملوك (2 أخ 24: 27). الكتب النبوية هي 12 كتابًا: أعمال الرائي صموئيل (1 أخ 29: 29). أعمال النبي ناتان (1 أخ 29: 29). أعمال الرائي جاد (1 أخ 29: 29). أعمال أحيا الشيلوني (2 أخ 9: 29). رؤية الرائي يعدو (2 أخ 9: 29). أعمال النبي شمعيا (2 أخ 12: 15). مدراش النبي عدو (2 أخ 13: 22؛ رج 12: 15). أعمال ياهو بن حناني (2 أخ 20: 34). تاريخ عزيا كما دوّنه أشعيا بن آموص النبي (2 أخ 26: 22). رؤية اشعيا بن آموص (2 أخ 32: 32). أعمال حوزاي (2 أخ 33: 19). مراثي إرميا (2 أخ 35: 25).

2- المؤرّخ الكهنوتي يفسّر الكب المقدّسة
أوّلاً: سلطة المراجع القانونية
قد يكون المؤرّخ الكهنوتي قد تأثّر هنا وهناك بأشعيا أو إرميا أو زكريّا، إلاّ أنّ مراجعه الرئيسية تبقى البنتاتوكس والتاريخ الاشتراعي.
فأنساب ولوائح البنتاتوكس تقدّم موادّ 1 أخ ا- 9. وإنّ المؤرّخ مدين للاهوت الاشتراعي في بعض الخطب. وإنّ النظم العبادية تفترض التشريع الكهنوتي. ففي 1 أخ 10- 2 أخ 36، يستند المؤرّخ إلى 2 صم 31- 2 مل 24، يتبعه مرّة حرفيًا، ويكيّفه مرّة أخرى بحرّية ظاهرة.
لن نفهم كتاب الأخبار إلاّ بالنظر إلى شريعة (توره) هي قاعدة حياة منذ عزرا. فالكاتب يعود مرارًا إلى فرائض موسى (1 أخ 6: 34 ؛ 15: 15؛ 2 أخ 8: 13)، إلى شريعة موسى (2 أخ 18:23؛ 16:30)، إلى شريعة الله وكلمته كما نقلها موسى (2 أخ 8:33 ؛ 34: 14 ؛ 6:35). لا يقال لنا إنّ كتاب صموئيل وكتاب الملوك يتمتّعان بالسلطة عينها، ولكن من الواضح أنّ التفسير الاشتراعي للتاريخ فرض نفسه كمرجع لا بدّ منه. فعلى كل تدوين للتاريخ أن يكيّف بوسائله هذه الشميلة والحاجات المتغيّرة. 
نلاحظ أنّ المؤرّخ الكهنوتي أغفل أمورًا عديدة: النزول إلى مصر، الخروج، سيناء، احتلال الأرض والإقامة فيها أيّام يشوع والقضاة وشاول. لم يبقَ من كل هذا إلاّ أثر ضئيل. بما أنّ عبارة "شيحور مصر" لا نجدها إلاّ في 1 أخ 13: 5 ويش 3:13، ظنّ بعض الباحثين أنّ يش 13 هو مرجع 1 أخ 13: 5. وأنّ مقدّمة 1 أخ 6: 39 تشدّد أكثر من يش 21: 4 الذي يوازيها على مواضع المساكن. ثمّ نجد في 1 أخ 7: 20- 24 حديثًا عن إقامة إفرائيم في أرضه تتوافق بصعوبة مع معطيات البنتاتوكس.

ثانيًا: عمل المؤرخ التأويلي
ونطّلع على أسلوب المؤرّخ في معاملته لأسفار صموئيل والملوك. فماذا رجعنا إلى صموئيل يبدو الأمر مقنعًا، لأنّ الاختلافات بين النصّ اليوناني والنصّ العبري (وهذا ما أثبتته اكتشافات بعض مقاطع هذا الكتاب في قمران)، تبيّن أنّ النصّ الماسوري لم يكن النموذج الوحيد، بل كان هناك أكثر من نسخة.
استعمل الكاتب أساليب تأويلية: زاد، ألغى، حوّل، قدّم بُنى جديدة... لا نستطيع أن نقول إنّنا أمام مدارش، لأنّ هم الكاتب الوحيد ليس تفسير الكتب المقدّسة وتوضيحها. من جهة، نراه يترك جانبًا من النصّ لا يدخل في حديثه. ومن جهة، فمشروعه التاريخي هو أوسع من تفسير نص واحد. إنّ عمله يخضع لوضع ملموس وهو يحاول أن يجيب على حاجات الجماعة الحاضرة والمستقبلة. ورث التقاليد النبوية والاشتراعية والكهنوتية، فقام بعمل لاهوتي يوفّق بين مختلف التيّارات الفكرية.

3- الفنون الأدبية الأساسية
إذا وضعنا النصوص بعضها بإزاء البعض، نجد أنّ نصوصاً عديدة، لا تجد ما يقابلها في أسفار صموئيل والملوك. قد يكون الكاتب خلق هذه النصوص أو عاد إلى مراجع لم يذكرها لنا. والشكل الأدبي لهذا النصّ قد يكون حسب نماذج بيبلية أو حسب طريقة مبتكرة. لا نستطيع أن نقوم بدرس موسّع لهذه الأشكال، ولكنّنا نكتفي بلفت الانتباه إلى ثلاثة أشكال تسيطر على الكتاب.

أوّلاً: لوائح الأسماء
يتبع المؤرّخ المرجع الكهنوتي فيضع في كتابه الكثير من اللوائح التي تتضمّن الأسماء خاصة في 1 أخ 1-9، 23-27 (رج 1 أخ 11-12).
تتركّز الأنساب في 1 أخ 1- 9، وهذا ما يبرز في استعمال "ولد" أو "مواليد" أو "ابن ". يستقي الكاتب لوائحه بصورة خاصّة من التكوين والعدد، كما من وثائق خاصّة (مثلاً 18:2- 49). وقد يكمّل معطى بيبليًا حسبه ناقصاً (2: 10-17)، وقد يبدو بناؤه مصطنعًا (5: 30- 34). على خطّ عمودي، يبيّن الكاتب تواصل الشعب المختار حتّى جماعة ما بعد الجلاء. وعلى خطّ أفتي يحدد لهذه الجماعة مكانة بين الأمم. وهناك إشارات إلى المساكن والتاريخ تُقحَم في لوائح الأسماء. وهناك مثل واضح عن بنية نسب قبلي، هو نسب شمعون (4: 24- 43). نجد بنية نواة انسابية (آ 24- 27) مؤسسّة على عد 26: 2 1- 14 ومواد جغرافية (آ 28: 33) مؤسّسة على يش 19: 1- 9، ومقاطع من تاريخ القبيلة (آ 34- 43).
وتبيّن بداية ملك داود محبّة المؤرّخ للوائح (1 أخ 11- 12). اتخذ 11: 11- 47 من 2 صم 3:8- 39 وزاد 12: 1- 16 و 24- 38. ويهتمّ المؤرّخ خاصّة بلوائح العاملين في الهيكل، فيدلّ على اهتمامه بسير العمل العبادي ومحبّته لترتيب الأسماء حسب الفئات.

ثانيًا: الخطب
وضع المؤرّخ الكهنوتي في فم الأشخاص (ملوك وأنبياء) خطبًا وصلوات، فتابع طريقًا سبقه إليها المؤرّخ الاشتراعي. تواترت هذه الخطب، ولعبت دورًا في البنية الاجمالية، وتوسّعت في مواضع عديدة، فعبّرت أفضل تعبير عن فكر الكاتب.

(1) الخطب الملكية
قد تكون الخطب عديدة، إذا حسبنا بعض المداخلات التي تمتدّ على آية واحدة. أمّا المقاطع التي أخذها الكاتب من أسفار صموئيل والملوك فهي لا تترجم ميولاً خاصة لدى المؤرّخ إلاّ في ثلاث حالات (1 أخ 17: 1؛ 2 أخ 2: 2- 9؛ 34: 21). أمّا سائر النصوص، فتتوزع ثلاث فئات: فئة أولى تقدّم سبب القرار (1 أخ 15: 2، لا يحمل تابوت العهد الا اللاويّون، لأنّ الرب اختارهم). فئة ثانية تورد أمرًا وتنفّذه (1 أخ 15: 12- 15). فئة ثالثة تُلقي نظرة تاريخية إلى الماضي البعيد أو القريب (2 أخ 14: 6). أمّا الموضوع الرئيسي- لخطب الملوك فهو الهيكل وتنظيمه.

(2) الصلوات الملكية
إنها قريبة من الخطب الملكية، وهي تشكّل فئة تتفرعّ منها. تفترض المعايير عينها وتختلف في الصيغة. فبدل صيغة الأمر نجد صلاة تتوجّه إلى الله وتَرد في أسلوب مباشر. هناك ست صلوات تجد ما يوازيها في التاريخ الاشتراعي: (1 أخ 14: 10= 2 صم 9:5 أ؛ 1 أخ 9:21=2 صم 10:24؛ 1 أخ 17:21=2 صم 17:24؛ 2 أخ 1 :8-10= 1 مل 6:3-9؛ 1 أخ 16:17-27- 1 صم 17:7-29؛ 2 أخ 6: 14- 42= 1 مل 23:8- 52. وهناك أربع صلوات خاصة بالمؤرخ الكهنوتي: 2 أخ 14: 10؛ 20: 5- 12؛ 19:29 ؛ 13:30- 22 أ. وإذا توقفنا عند موضوع هذه الصلوات رأينا انها تلجأ إلى المراثي لتشدّد على التعارض بين قدرة يهوه وضعف الشعب وحاجته إليه.

(3) الخطب النبوية
يحيلنا الكاتب إلى مؤلّفات الأنبياء، كما ينقل إلينا عددًا من مداخلاتهم. بعض الخطب تستعيد بطريقة تكاد تكون حرفية خطب أسفار صموئيل والملوك. والبعض الآخر يدلّ أنّه يشدّد أكثر من المرجع الاشتراعي على "البعد النبوي " للتاريخ. وهذه الخطب التي قد تكون قصيرة جدًّا، تندّد بخطايا الملوك: ضلال عبادة الأوثان، ثقة بالجيوش الغريبة لا بالله ، تعاون مع مملكة الشمال. وهي تعبّر عادة عن لاهوت المجازاة عند الكاتب: الأمانة لله تعطينا حمايته، والخيانة تسبّب الشجب والعقاب.
هناك خطبة عزريا (2 أخ 15: 1- 7) وحناني (2 أخ 16: 7- 10) وياهو بن حناني (2 أخ 19: 2- 3)، ويحزيئيل (2 أخ 20: 14- 17) واليعازر (2 أخ 20: 37) وزكريّا (2 أخ 24: 20- 22) ورجل الله (2 أخ 7:25- 10) والنبي (2 أخ 15:25- 16) وعوديد (2 أخ 28: 9- 11). وهناك عودة إلى إرميا (2 أخ 35: 25؛ 36: 12، 21، 22). نلاحظ أنّ يحزيئيل هو لاوي من بني آساف (2 أخ 20: 14) وزكريا هو ابن يوياداع الكاهن (2 أخ 24: 20).

ثالثًا: الأخبار
يورد المؤرّخ الكهنوتي أيضاً أخبارًا عديدة ومتنوّعة، أهمّها يتعلّق ببناء الهيكل، بتأسيس العبادة، وبالإصلاحات الدينية. وهناك أخبار أخرى تتحدّث عن الأبنية، والحصون، وتنظيم الجيش، وقيادة الحرب... وكل هذا يرفع من قدر الملك الأمين لإرادة الله. لن نجد هذه البواعث وحدها، بل هي تنضمّ لتؤمّن مجموعة مبنية بناء محكمًا. فني 2 أخ 20: ا- 30 نجد الصلاة الملكية والخطبة الملكية والخطبة النبوية والخبر الحربي، وكل هذا نجده في إطار ليتورجي.

4- تدوين كتاب الأخبار
أوّلاً: تأليف الكتاب
لا نستطيع أن نحصر عمل التأليف في مقولة واحدة. فقد ضمّ موادِّ متنوّعة بعضها إلى بعض، وهذا يدلّ على إرادة في التأليف وروح شميلية. نحن نكتشف تنظيم المجموعات وطرح المواضيع. ثمّ إنّ قراءة متمهّلة تكشف القيمة النموذجية لهذا الخبر أو ذاك. مثلاً: لا يُبرز خبر موت شاول فقط ارتقاءَ داود إلى السلطة، بل رحمة المنفى والعودة.

ثانيًا: متى دوّن سفرا الأخبار
قال بعضهم سنة 515. لا نفهم عمل المؤرّخ إلاّ في إطار كرازة حجاي وزكريا: نحن في زمن إعادة بناء الهيكل، ولكنّ برنامج عودة السلالة الداودية يبقى ممكنًا. وقال آخرون وهم كثر: سنة 400. هذا يفهمنا المكانة المحفوظة للملكية الداودية التي زالت منذ مئة سنة ونيّف.
ولكن يب

الفصل الحادي عشر
كتاب المكابيين

1- المقدّمة
يعود كتاب المكّابيين إلى لقب أشهر أبناء متتيا، يهوذا المكّابي. وهذا اللقب (1 مك 4:2، 2 مك 27:5) ما عتّم أن صار اسمه (2 مك 5:8، 16، 10: 1، 16) ثمّ انتقل إلى كل العائلة.
كتاب المكّابيين سفران. سفر أوّل كتب في العبرانية وبقيت لنا ترجمته اليونانية في السبعنية وهو يروي أحداثًا جرت من سنة 175 إلى سنة 135 ق م، من يوم تسلّم أنطيوخس أبيفانيوس الحكم إلى مات سمعان آخر أبناء متتيا. وسفر ثان دوّن في اليونانية وهو خلاصة مؤلّف في خمسة أجزاء دوّنه ياسون القيريني وهو من الشتات. يعود في خبره أبعد من 1 مك ويتوقّف بعد انتصار يهوذا المكّابي على نكانور سنة 160 ق م.
إنّ 2 مك ليس تتمّة 1 مك، بل هما شران مستقلاّن، إلاّ أنّ موضوع الكتاب واحد: لقد استطاع يهوذا المكّابي وإخوته بفضل العون الإلهي أن يستعيدوا الاستقلال الوطني وحريّة العبادة ضدّ أنطيوخس أبيفانيوس.
من كتب 1 مك؟ يهودي من فلسطين يحاول أن يقلّد أسلوب الأسفار التاريخية. متى كتب ا مك؟ كتب حوالي السنة 100 ق م، أي بعد موت هركانس سنة 104 وقبل دخول رومة أرض فلسطين (سنة 63) والكتاب يكيل لها المديح والثناء (مك 8: 1 ي).

2- بنية ا مك ومضمونه
1 مك هو قصّة الملحمة المكّابية منذ بداية الثورة حتّى موت سمعان (175- 135). يروي ما فعله المكّابيون ليخلّصوا أمّتهم من التأثير الهلّيني ويؤمّنوا لها الحرّية الدينية ويستعيدوا الاستقلال السياسي. بدأت هذه المعركة البطولية مع متتيا وتتابعت مع أبنائه الثلاثة. وعند موت سمعان سيكمّل يوحنا هركانس ما بناه المكّابيون.
أمّا الكتاب فيبدو في خمسة أقسام، ويخصّص كلّ قسم فيه لشخصٍ من الشخصيّات. فبعد الحديث عن أسباب الثورة ننتقل إلى متتيا ويهوذا المكّابي ويوناتان وسمعان.

أ- القسم الأوّل: أسباب الثورة (1: 1- 63)
بعد موت الإسكندر تقاسم قوّاده مملكته. حينئذ أخذ التأثير الهلّيني يفعل فعله في فلسطين. وجاء أنطيوخس أبيفانيوس فسلب الهيكل وفرض على الشعب لغة الشعوب الهلّينية وعاداتها.

ب- القسم الثاني: ثورة متتيا (2: 1- 69)
ويحدّثنا الكتاب عن متتيا وأبنائه. بكى على أورشليم ثمّ أطلق الثورة. وهجم المقاتلون على اليهود يوم السبت فلم يقاوموهم وفضّلوا الموت على استباحة السبت. حينئذ قرّر متتيا تنظيم الثورة بالتعاون مع الحسيديم وهم أهل الورع واليهود المتمسّكون بالشريعة. ولكن مات متتيا فسلّم الوديعة إلى أبنائه.

ج- القسم الثالث: يهوذا المكّابي (3: 1- 9: 22)
المرحلة الأولى (3: 1- 4: 11) تتضمن معارك عديدة انتصر فيها يهوذا. وبعد أن طهّر الهيكل دشّن المذبح ونظمّ عيد التدشين واتّخذ إجراءات مختلفة. وفي مرحلة ثانية (5: 1 - 8: 32) وبعد أن طهرّ الهيكل، قام بحملات على البلدان المجاورة. في تلك الأثناء مات أنطيوخس ابيفانيوس (6: 1- 17) ولكن تابع يهوذا الحرب حتّى حصل اليهود على الحربة الدينية. وظلّت الحرب قائمة حتّى في أيّام ديمتريوس. ولكن دخل الرومان في سياسة الشرق وحاول يهوذا فتح خطّ اتصّال معهم. وأخيرًا مات يهوذا في معركة بئر زيت (9: 1-22).

د- القسم الرابع: يوناتان (9: 23- 12: 53)
وخلف يوناتان أخاه يهوذا وتابع الحرب وأنتصر على بكيديس قائد ديمتريوس، فعقد معه صلحًا (9: 23- 73). وبدأ الصراع بين إسكندر بالاس وديمتريوس الأوّل فاستفاد يوناتان من هذا الصراع: عيّنه الإسكندر كاهنًا أعظم، وقدّم ديمتريوس تنازلات لليهود فرفضوها وتحزّبوا للإسكندر. ولكن ما عتمّ ديمتريوس أن مات (10: 1-50). وكان صراع بين الإسكندر وديمتريوس الثاني. تحالف الإسكندر مع بطيموس ومع يوناتان الذي انتصر على قائد جيش ديمتريوس. ولكن مات الإسكندر (10: 51- 11: 19). واحتدم الصراع بين ديمتريوس الثاني وتريفون فتحالف يوناتان مع ديمتريوس وأرسل وفدًا الى كل من إسبرطة ورومة. ولكن انقلب يوناتان على ديمتريوس وحالف عدوّه تريفون غير أن تريفون خانه فسقط يوناتان في يد أعدائه (11: 20- 53:12).

هـ- القسم الخامس: سمعان: (ف 13- 16)
وصار سمعان رئيس اليهود وتغلّب على تريفون الذي أعدم يوناتان. وتحالف سمعان مع ديمتريوس الثاني واحتلّ جازر ثمّ قلعة أورشليم التي كانت تسيطر على المدينة (13: ا- 53). بعد هذا جدّد سمعان العهد مع إسبرطة ورومة واعترف أنطيوخس السابع برئاسته (14: 1- 15: 9). وتغلّب أنطيوخس على تريفون ولكنّه عادى سمعان الذي تلقّى رسائل من الرومان، وهاجم اليهودية. ولكن انتصر أبناء سمعان. ولمّا مات سمعان خلفه ابنه يوحنّا.

3- القيمة الدينية لسفر المكّابيين الأوّل
نتعرّف أوّلاً إلى أبطال هذه الثورة: متتيا الذي كان من نسل كهنوتي. تألّم لما يَرى من المنكرات في أرض يهوذا فقال: ويل لي: أوُلدت لأرى تحطيم شعي وتحطيم المدينة المقدّسة وأبقى ههنا جالسًا والمدينة تسلّم إلى أيدي الأعداء ويسلّم الهيكل إلى أيدي الأغراب (7:2)؟ أغراه الهلّينيون أن يقدّم الذبيحة في مودين فأجاب: إن أطاعت الملكَ كل الأمم، وارتدّ كل واحد عن دين آبائه، فانا وبنيّ وإخوتي نسير على عهد آبائنا. فحاشى لنا أن نترك الشريعة والأحكام، لن نسمع لكلام الملك فنحيد عن ديننا يمنة أو يسرة (19:2-22). ولما تقدّم رجل يهودي ليقدّم الذبيحة، قتله متتيا وقتل معه رجل الملك ودعا إلى الثورة: من غار على الشريعة وحافظ على العهد فليخرج ورائي (27:2). وحين جاءت ساعة موته قال لأبنائه: غاروا على الشريعة وابذلوا نفوسكم في سبيل عهد آبائنا (2: 50). وسيموت أبناؤه كلّهم من أجل القضيّة المقدّسة: ثلاثة يموتون في ساحة القتال وأثنان يموتان حيلة وغدرًا، وعلى أيديهم سيخلّص الله شعبه (5: 61).
يهوذا هو البطل الأكبر. وحين يموت سيرثيه بنو يهوذا كما رثوا داود في الماضي ويقولون: كيف سقط البطل الذي خلّص بني إسرائيل (9: 21). تحمّس لإيمان آبائه وتعلّقَ بعادات أمّته، فقاد الحرب بحميّة ضدّ عدو يتفوّق عليه عدّة وعددًا. وتغلّب عليه بكلماته النارية وشجاعته واقدامه. كان دائمًا أوّل المهاجمين فما عرف راحة ولا كلل . وبعد ان أحرز انتصارات باهرة على القواد السلوقيين أعاد إلى هيكل أورشليم كرامته ، فطهرّ الهيكل وأعاد بناء مذبح المحرقات . ولكنه سقط في بئر زيت فوقّع بدمه الكلمات التي تلفظ بها قبل معركة عمواس : "فلأن نموت في القتال خير لنا من أن نعاين الشرّ في قومنا وأقداسنا . وكما تكون مشيئته في السماء فليصنع " (59:3).
وبدأ يوناتان عهداً جديداً ، فمزج المعارك الحربية بالأعمال الدبلوماسية . استفاد من الخلافات بين المتصارعين على الحكم في أنطاكية . وهكذا حصل على منافع دينية (صار رئيس الكهنة) ومالية وشرفية وسياسية . ولكنه سقط بخيانة من تريفون . وخلفه أخوه سمعان فتابع عمله : إحتل القلعة التي كانت تهدد الهيكل ويافا وجازر وبيت صور فاعترف بسلطانه على أمّة اليهود كلُّ من أنطاكية وإسبرطة ورومة فكان عظيم كهنة وقائداً ورئيسًا لأمة اليهود وللكهنة (47:14) ولكن أيّامه لا تطول فيموت مثل إخوته من أجل شعبه .
ونتعرّف ثانيًا إلى الصراع الذي يقوم به المكّابيون ضدّ السلوقيين ، إنّها حرب مقدّسة ، حرب الله ، كالحروب التي قام بها يشوع بن نون (سي 3:46) وداود (1 صم 17:18 ؛ 28:25). وهدف هذه الحرب هو تخليص "العهد المقدّس" (15:1 ، 63) ، "عهد الآباء" (20:2 ، 50؛ 10:4) "عبادة الآباء" (19:2) "الشريعة" (5:2؛ 64)، "الاحكام")21:2)، العادات (21:3). ولنسمع نداء متتيا : "من غار على الشريعة وحافظ على العهد ، فليخرج ورائي" (27:2). وقال لأبنائه : "غاروا على الشريعة وابذلوا نفوسكم في سبيل عهد آبائنا" (50:2) وقال أيضاً: "لن نحيد عن ديننا يمنة ولا يسرة" (22:2).
يجب أن نكون على قدر آبائنا الذين كانوا أمناء للعهد والشريعة فحفظهم الله وحماهم في كلّ محنهم. "اعتبروا هكذا أنّ جميع المتوكّلين عليه من جيل الى جيل لا يضعفون" (61:2). ولهذا ننتظر من الله أن يقود الحرب ويمنح النصر، فيجب أن نتضرّع اليه قبل المعركة (46:3 – 53؛ 10:4 – 11؛ 30 – 34؛ 40:7 – 41). ولكنّنا لن نجد في 1 مك تدخلاً عجيبًا من قِبل الله . فالذي يقرّر كل شيء هو جرأة الرجال وروح التضحية لديهم . وعليهم أن يكونوا مستَعدّين ليموتوا من أجل قضية مقدّسة. "إن دنا أجلنا ، فلنمت بشجاعة عن إخوتنا ولا نبق وصمة على مجدنا" (10:9).

4 – بنية وتصميم 2 مك
بعد رسالتين (1:1 – 18:2) ومقدّمة (19:2 – 32) يبدأ الخبر وهو يتضمّن أمورًا خاصّة به وأمورًا لسفر المكّابيين الأوّل . أمّا الخبر فيقسم أربعة أقسام . وهذا هو تصميم 2 مك.

أ- توطئة (1: 1- 2: 32)
نقرأ رسالة أولى إلى يهود مصر (1: 1- 9) ورسالة ثانية (1: 10- 18:2) تحكي عن موت أنطيوخس وتجديد النار المقدّسة. وبعد ذكر ما فعله إرميا بالنسبة إلى آية العبادة والاشارة إلى مكتبة نحميا، تدعو الرسالة المؤمنين للاحتفال بعيد تطهير الهيكل. وأخيرًا نقرأ مقدّمة الكاتب (2: 19- 32) التي يعلن فيها انه لخّص كتاب باسون القيريني المؤلّف من خمسة مجلدات.

ب- القسم الأوّل: قبل الثورة (3: 1- 7: 42)
وقَدِم هليودورس إلى أورشليم (3: 1- 40) واستفاد من الخلاف بين سمعان وأونيا وأراد أن يسلب أموال الهيكل وينجّسه، فعاقبه الله فارتدّ واهتدى. قال: الذي مسكنه في السماء يسهر على هذا المكان ويدافع عنه.
كثرت القلاقل والموآمرات في فلسطين (4: 1- 5: 10). وشى أونيا بسمعان إلى سلوقس الرابع، وتغلّب ياسون على أونيا وأدخل الحضارة الهلّينية. ثمّ صار منلاوس عظيم كهنة وقتل أونيا وعمّت الفوضى في أورشليم. وكانت فتنة مات فيها ياسون.
أمّا أصل الثورة (5: 11- 7: 42) فلأنّ أنطيوخس أبيفانيوس سلب الهيكل وترك الحكّام يعيثون فسادًا. ذهب يهوذا المكّابي إلى البرّية، وبدأت الحركة الهلّينية تسيطر على البلاد. هنا يقدّم الكاتب تفسيرًا عن معنى الاضطهاد في التدبير الإلهي: إنّ هذه الاضطهادات ليست لهلاك أمّتنا بل لتأديبها. وبعد هذا يذكر استشهاد ألعازر ثمّ الإخوة السبعة وأمّهم.

ج- القسم الثاني: من ثورة يهوذا إلى تطهير الهيكل (8: 1- 8:10)
وبدأت ثورة يهوذا المكّابي وانتصاراته على قواد أنطاكية نكانور وتيموتاوس وبكيديس. وهرب نكانورومات كذلك أنطيوخس أبيفانيوس ميتة شنيعة. بعدها دشّنوا الهيكل ونظّموا عيد التجديد.

د- القسم الثالث: من تطهير الهيكل إلى مؤمرات عظيم الكهنة الكيمس (10: 9-14: 2)
وحارب المكّابي الأدوميين وتيموتاوس واستولى على جازر وقهر ليسياس. هنا ترد أربع وثائق رسمية: رسالة ليسياس إلى اليهود، رسالة أنطيوخس الخاسر إلى ليسياس، رسالة أنطيوخس الرابع إلى اليهود، رسالة الرومان إلى اليهود (11: 16- 38). ثمّ عاقب يهوذا يافا وقهر جورجياس وقدّم ذبائح عن الموتى. وأخيرًا نجح اليهود قرب مودين فتفاوض أنطيوخس الخامس مع اليهود.
هـ- القسم الرابع: من موآمرات الكيمس إلى موت نكانور (3:14- 15: 36) 
وبدأ الكيمس موآمراته لاسترجاع رئاسة الكهنوت. غير أنّ نكانور صادق يهوذا، ثمّ تراجع فتهرّب يهوذا. وستكون حرب يُهزم فيها نكانور ويموت مع حامل سلاحه.

5- القيمة الدينية لسفر المكّابيين الثاني
أ- عناصر تقليدية
أوّلاً: سلوك اللّه تجاه شعبه
نقرا مثلاً في 5: 19: "ما اختار الرب الأمّة من أجل المكان المقدّس، بل المكان المقدّس لأجل الأمّة". وهذا يعني أنّ المؤسسات هي في خدمة الشعب والمؤمنين. وقال أيضًا في 6: 12- 16: "وإنّي أرجو من مطالعيّ هذا السفر ان لا يستسلموا إلى خور عزائمهم بسبب هذه الضربات، وأن يحسبوا أن هذه الاضطهادات ليست لهلاك أمّتنا، بل لتأديبها. فإنّه إذا لم يهمَل الكافرون زمنًا طويلاً، بل عجّل عليهم بالعقاب، فذلك دليل على رحمة عظيمة. أمّا سائر الأمم، فإنّ السيّد يمهل عقابهم بطول أناته، إلى أن يطفح كيل آثامهم. ولم يقضِ بأن يعاملنا على هذا الوجه، لئلا يعاقبنا أخيرًا حين تبلغ آثامنا تمامها. فهو لا يرفع عنّا رحمته أبدًا، وإذا أدَّب شعبه بالشدائد فلا يخذله ". هناك وجهان للعدل الإلهيّ، ولكنّ الله حليم حتّى مع الأمم (حك 11: 10؛ 12: 20- 22). وفي 7: 32- 33 نقرأ بلسان أصغر السبعة الذين قُتلوا من أجل إيمانهم: "فنحن إنّما نتألم من أجل خطايانا. وإن سخط علينا الرب الحيّ حينًا قليلاً لمعاقبتنا وتأديبنا، فسيصالح عبيده فيما بعد".

ثانيًا: تطبيق شريعة المثل
من أخطأ يُعاقَب بحسب خطيئته. كان سفر الحكمة قد قال: "وإذ كانوا قد سفهوا في أفكارهم الأثيمة وضلّوا حتّى عبدوا زحافات حقيرة ووحوشًا لا نطق لها، انتقمت منهم بأن ارسلت عليهم من الحيوانات التي لا نُطقَ لها، لكي يعلموا أنّ ما خطئ به أحد، به يُعاقب " (حك 11: 15- 16). ويروي 2 مك أنّ أندرونيكس قتل أونيا، فتأسّف أنطيوخس على حكمة ذلك المفقود واضطرم غضبًا ونزع لساعته الأرجوان عن أندرونيكس وأطافه في المدينة كلّها، ثمّ أباد ذلك القاتل في المكان الذي ارتكب فيه كفره على أونيا، فأنزل به الرب العقاب الذي استوجبه (4: 34- 38)
وهذا ما حصل لياسون الذي ذبح أهل وطنه بغير رحمة. "جعل يفرّمن مدينة إلى مدينة والجميع يطاردونه ويبغضونه... فكان الذي غرّب كثيرين هلك في الغربة" (5: 8- 9). ويقول الكاتب عن كلستانيس إنّه "نال الجزاء الذي استحقّه بكفره " (8: 32). ويتوسعّ في الحديث عن موت أنطيوخس أبيفانيوس. "ولكنّ قضاء السماء كان يرافقه. فإنّه قال في كبريائه: لأجعلنّ من أورشليم مدفنًا لليهود، عند وصولي إليها. لكنّ الرب البصير بكل شيء، إله إسرائيل، ضربه ضربة معضلة غير منظورة. فإنّه ما إن انتهى من كلامه ذاك حتّى أخذه إلى في أحشائه لا دواء له وعذابات أليمة في جوفه وكان ذلك عين العدل في حقّه، لأنّه عذّب أحشاء كثيرين بالآلام المتنوعة الغريبة... وهكذا فإنّ هذا السفّاح المجدّف الذي عانى الآمًا مبرّحة شبيهة بالتي أنزلها بالآخرين، قضى نحبه ومات أشقى ميتة على الجبال في أرض الغربة " (9: 4- 6، 28). وهذا ما حصل أيضًا لمنلاوس الذي جوزي بعدل (7:13- 8) ونكانور الذي رفع يده على الهيكل (15: 30- 33). أجل، الله يجازي في هذه الدنيا أعداءه ويعاملهم بشريعة المثل.

ثالثًا: قداسة الهيكل
يشدّد الكاتب على هذه القداسة باحتفال مهيب. يقول في 2: 22 عن اليهود: "إستردّوا الهيكل الذي اشتهر ذكره في المسكونة بأسرها". وفي 3: 12: "لا يجوز بوجه من الوجوه هضم حقوق الذين ائتمنوا قداسة المكان وحرمة الهيكل المكرّم في المسكونة كلها". فالهيكل كان بمثابة خزانة تُودع فيه أموال الأرامل واليتامى، فلا يجوز لأحد أن يمسّها. لم يعرف هذا الأمر هليودورس في بادئ الأمر، ولكن حين يعاقبه الله سيقول إنّ الربّ يسهر على هذا المكان ويدافع عنه (3: 39). أمّا اليهود فباركوا "الرب الذي مجّد مكانه المقدّس تمجيدًا رائعًا، وقد امتلأ الهيكل ابتهاجًا وتهلّلاً إذ تجلّى فيه الرب القدير" (3: 30). ويورد النصّ أخيرًا كيف أنّ نكانور السلوقي ذهب إلى الهيكل العظيم المقدّس وطلب من الكهنة أن يسلّموه يهوذا. وأقسم قائلاً: "إن لم تسلّموا اليّ يهوذا موثقًا، سوف أهدم بيت الله إلى الأرض وأقلع المذبح واشيد هنا هيكلاً رائعًا لديونيسيوس ". قال هذا وانصرف. فرفع الكهنة أيديهم إلى السماء ودعوا من لم يزل يحارب عن أمّتنا قائلين: "يا من هو ربّ الجميع والغنيّ عن كل شيء. لقد حسن في عينك أن يكون هيكل سكناك فيما بيننا. فالآن أيّها الربّ القدوّس، يا قدوّس كل قداسة، صُن هذا البيت الذي طُهِّر منذ قليل واحفظه طاهرًا إلى الأبد" (14: 31- 36). وسيلقى نكانور جزاءه العادل بعد ان مدّ يده متكبّرًا على الهيكل المقدّس (15: 32).

ب- عناصر جديدة
أوّلاً: قيامة أجساد الأبرار والحياة الأبدية
كان دانيال قد فتح الطريق أمام هذه الحقيقة فقال: "كثيرون من الراقدين في أعماق القبور يستيقظون، بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والرذل الأبدي" (دا 12: 12). ويستعيد 2 مك هذه الفكرة عن الآخرة فيما يخصّ ضحايا الاضطهاد ويعلن: "الذين رقدوا بالتقوى، قد ادُّخر لهم ثواب جميل " (12: 45). وخبر استشهاد الإخوة السبعة مليء بهذا الرجاء بالحياة الأخرى. قال الأخ الثاني: "إنّك أيّها المجرم تسلبنا الحياة الدنيا ولكنّ ملك العالم، إذا متنا في سبيل شرائعه، سيقيمنا لحياة أبديّة " (7: 9). وقال الأخ الثالث: "إنّي من السماء أوتيت هذه الأعضاء، وفي سبيل شرائعها أستهين بها، ومنها أرجو أن أستردّها" (7: 11). وقال الرابع: "خير أن يموت الإنسان بأيدي الناس ويرجو أن يقيمه الله، فلك أنت لن تكون قيامة للحياة" (7: 14). وستقول الأمّ: "إنّ خالق العالم الذي جبل الجنس البشري والذي هو أصل كل شيء، سيعيد إليكم برحمته الروح والحياة" (23:7) وشجّعت الأصغر: "فلا تخف من هذا الجلاّد، بل كن جديرًا بإخوتك واقبل الموت لألقاك مع إخوتك بالرحمة" (7: 29). حينئذ قال الأخ الأصغر: "صبر إخوتنا على إلم ساعة، سعيًا لحياة لا تزول وسقطوا في سبيل عهد الله " (36:7).

ثانيًا: تشفعّ الأحياء من أجل الموتى
حين جاء يهوذا ورجاله ليدفنوا جثث القتلى وجدوا تمائم ترتبط بالآلهة الوثنية. احتفظ بها هؤلاء المحاربون وما أحرقوها فاخطأوا إلى الله لأنّهم فعلوا ما تحرّمه الشريعة. "ثمّ أخذوا يصلّون وبيتهلون أن تمحى تلك الخطيئة المرتكبة محوًا تامًّا". ثمّ جمع يهوذا من كل واحد تقدمة وأرسلها إلى أورشليم لتقدّم بها ذبيحة عن الخطيئة. ويقول الكتاب: "وكان عمله من أحسن الصنيع وأسماه، فدلّ على أنّه يؤمن بقيامة الموتى" (38:12- 45). وهناك أيضًا تشفّع الموتى من أجل الأحياء. كان يهوذا يستعد للقتال فرأى أونيا عظيم الكهنة السابق (وكان قد مات)... باسطًا يديه يصلّي من أجل جماعة اليهود بأسرها. ثمّ رأى يهوذا شيخًا فقال له أونيا: "هذا محبّ الإخوة، المكثر من الصلوات لأجل الشعب والمدينة المقدّسة، إرميا نبيّ الله " (12:15- 15).

ثالثًا: الخلق من العدم
حين كانت الأمّ تحرّض أصغر أبنائها قالت له : "أسألك يا ولدي. أنظر إلى السماء والأرض، وإذ رأيت كل ما فيهما فاعلم أنّ الله صنعهما من العدم " (28:7) وهكذا يؤكدّ هذا الكلام أنّ الله خلق كلّ ما في الكون من العدم. بمعنى أنّه لم يكن يُوجَد شيء، وفي وقت من الأوقات حدّده الله بحكمته، برز الخلق إلى الوجود. أجل، ما احتاج الله إلى مادّة أولّية، بل هو خلق كل شيء من لا شيء. إذا عدنا إلى سفر التكوين نجد قولاً أوّل يعلن أنّ الله خلق السماء والأرض، أي خلق كل شيء. تلك كانت المرحلة الأولى. وفي مرحلة ثانية نظّم السماء والأرض، فجعل في الأولى الشمس والقمر والنجوم وفي الثانية النبات والحيوان. وستشدّد النصوص الكتابية عادة على الله الذي ينظّم الكون ولا تعود إلى الفكرة الفلسفية التي نجدها هنا والتي تتحدّث عن الخلق من العدم. فنقرأ مثلاً في اش 44: 24: "أنا الرب صانع كل شيء. نشرت السماوات وحدي وبسطت الأرض بنفسي "، وما احتجت إلى من يعينني. وسفر الحكمة نفسه المكتوب في محيط يوناني: يذكر الخلق الأوّل انطلاقًا من الخواء والعدم، بل يتحدّث عن مادة غير مصوّرة فيقول: يدك القادرة على كل شيء يا رب، صنعت العالم من مادّة غير مصورّة (حك 17:11). أمّا ما نقرأه هنا في 28:7 فهو يقدّم لنا تحديدًا يوصلنا إلى العهد الجديد. قال يوحنّا الإنجيلي (3:1): "به كان كل شيء وبغيره ما كان شيء". وقال القدّيس بولس عن المسيح (كو 1: 15- 16): "هو صورة الله الذي لا يُرى وبكر الخلائق كلّها. ففيه خلق كل شيء ممّا في السماوات وممّا في الأرض، ما يرى وما لا يرى... كل شيء خلق، به وله".
الفصل الثاني عشر
اللفائف الخمس

اللفائف أو "مجلوت " هي خمس: راعوت، نشيد الأناشيد، الجامعة، المراثي، أستير. هي كتيّبات صغيرة تقرأ في ليتورجية المجمع بمناسبة بعض الأعياد. جمعت في فصل واحد لأنّها قصيرة، ولكنّ هذا الجمع لا يعني شيئًا بالنسبة إلى تفسير كل واحدةً منها.
وهي تتميّز بعضها عن بعض من جهة زمن التأليف والفنّ الأدبي واللاهوت. فنشيد الأناشيد وسفر الجامعة يرتبطان بتيّار حكمي واحد، ولكنّهما يختلفان اختلافًا عميقًا في الموضوع المطروق، في نظرتهما إلى العالم (متفائلة في النشيد، نقد لاذع في جامعة). هناك تقارب بين راعوت وأستير وكلاهما رواية تذكر امرأة من النساء بالخير، ولكنّ لاهوت راعوت هو على نقيض لاهوت أستير. يجعلنا سفر راعوت في إطار مسكوني شامل. (ارتباط داود بقبيلة موآبية). اما سفر أستير فيجعلنا ففي إطار وطني ضيّق (انغلاق اليهود على نفوسهم). أمّا سفر المراثي فهو يختلف عن سائر اللفائف بفنّه الأدبي (مرثاة في جنّاز) وعودته إلى التاريخ المرتبط بسقوط أورشليم سنة 587 ق م.
ترتيب الكتب في النسخة العبرية هو الذي نجده في مخطوط لنينغراد (سنة 1008) الذي يقدّم الكتيّبات الخمسة حسب ترتيب كرونولوجي. يرد أوّلاً را لأنّ الخبر الذي يورده يرتبط بزمن القضاة ويصل بنا إلى نسب داود. ثمّ نجد نش وجا وقد اعتبرا من زمن سليمان وتأليفه. ثمّ يأتي مرا الذي يرتبط بصورة خاصّة بإرميا وبصورة عامّة بالمنفى. أخيرًا، يرد أس الذي تتم "أحداثه " في الحقبة الفارسية. أمّا التقليد اليهودي الحديث فجمع هذه اللفائف حسب قراءتها خلال السنة الليتورجية، أي حسب تسلسل الأعياد. نش هو الأوّل لأنّه يقرأ في عيد الفصح. را هو الثاني لأنّه يُقرأ في عيد الأسابيع. ثمّ مرا في 9 آب (تذكار دمار الهيكل). الرابع هو جا في عيد المظالّ (أو الأكواخ). ويُقرأ اس في عيد الفوريم. ويختلف هذا التقليد عن التقليد اليهودي القديم الذي يُقحم اللفائف في مجموعة الكتابات وحسب ترتيب كرونولوجي عامّ.
هناك ترجمات حديثة تتبع التقليد الذي نجده في مخطوط لنينيغراد. وهناك ترجمات أخرى تتبع السبعينية فتجعل را بعد القضاة، اس بين الكتب التاريخية (بعد يهوديت)، مرا بعد إرميا، نش وجا بين الأسفار الحكمية.

I- اللفيفة الأولى: راعوت
يدهشنا هذا الكتيّب الصغير المؤلف من 85 آية موزّعة على أربعة فصول: فنّ أدبي رفيع، فكر لاهوتي متحرّر. هل نحن أمام قصّة حبّ تريد أن تُدخل في القلوب القيم التقليدية من تضامن بين الأفراد وولاء للعائلة؟ هل نحن أمام خبر "تاريخي " يعطينا مزيدًا من المعلومات عن أصل داود؟ هل نحن أمام كتاب يهاجم موقفًا متصلّبًا هو إصلاح عزرا أو السلطة التيوقراطية في أورشليم؟

أ- مسيرة الرواية
يبدأ الخبر بطريقين مسدودين أمام نعمى (زوجة أليملك) المرأة التي من بيت لحم، وأمام كنّتيها، عرفة وراعوت، اللتين من موآب. من جهة، يسيطر الجوع على أرض موآب، ومن جهة أخرى وجدت نعمى نفسها أرملة مع كنّتيها اللتين ترمّلتا ولم يكن لهما ولد. قرّرت نعمى أن تعود إلى موطنها الأصيل لأنّها سمعت، وهي في حقول موآب، أنّ الرب اهتمّ بشعبه ورزقه طعامًا (6:1). غير أنّها توسلّت إلى كنّتيها أن تبقيا في أرضهما في بلاد موآب. ذهبت عرفة إلى شعبها وآلهتها (1: 15) أمّا راعوت فظلّت على ولائها لعائلة زوجها، ففضّلت أن تذهب مع نعمى: "حيث تذهبين أذهب، حيث تبيتين أبيت. شعبك يكون شعبي وإلهك يكون إلهي. حيث تموتين أموت وهناك أدفن " (1: 16- 17).
حلّت العودة إلى بيت لحم العقدة الأولى، وفتحت الطريق المسدود. وصلت نعمى في بداية حصاد الشعير (1: 22). فاستطاعت راعوت أن تلتقط الحبّ وراء الحصّادين في حقل بوعز الذي من عشيرة اليملك (3:2)، وأن يكون لها الخبز الذي يشبعها هي وحماتها (ف 2). وبيقى الطريق المسدود الثاني: من المستحيل أن يكون نسل لراعوت ونعمى. حينئذ تخيّلت الحماة حيلة تستطع بها رِاعوت أن تقضي الليلة مع بوعز وتدعوه لأن يستعمل حقّ الافتداء فيتزوّجها ويقيم لها نسلاً (ف 3). ولكن برزت صعوبة أخرى. هناك قريب أقرب من بوعز إلى زوج راعوت وله حقّ الافتداء قبل بوعز. دعاه بوعز إلى أن يمارس حقّ الافتداء فيسترد الأرض التي كانت لأليملك. قبل الرجل بأن يمارس حقّه، ولكن لمّا أعلمه بوعز أنّ عليه أن يتزوّج براعوت أيضًا، تراجع. حينئذ استطاع بوعز أن يتزوج براعوت بطريقة شرعية. أعطاها ابنًا هو عوبيد الذي سيكون والد يسّى وجد داود. انحلّت العقدتان فدعت نساء بيت لحم نعمي لتفرح وتبتهج: "تبارك الرب الذي لم يُعدمك مفتديًا يُذكر اسمه في إسرائيل " (4: 14).

ب- الوجهة الأدبية
نحن أمام خبر قصير بشكل رواية. يرويه الكاتب في لغة نثرية تكاد تكون شعرًا. أمّا الوحدة الأدبية فلا تطرح مشكلاً. يحدّد الفصلَ الأوّل تضمين (آ 1- 2 وآ 21- 22) يذكر اسم بيت لحم وحقول موآب واسم نعمي، في حركة تذهب من بيت لحم إلى موآب، ثمّ من موآب إلى بيت لحم. وهكذا نقول عن ف 2 حيث آ 1 و 23 تدلاّن على رابطة القرابة بين نعمي وبوعز. امّا ف 3 فيبدأ وينتهي بتعليمة أعطتها نعمي لحماتها. والتعليمة الأخيرة أوصلتنا إلى ف 4 الذي يقودنا إلى ساحة المدينة (4: 1) ويصل بنا إلى النهاية مع زواج راعوت وبوعز وولادة عوبيد.
ويأتي النسب الأخير كملحق. يبدأ بعبارة نقرأها هنا كما نقرأها في سيرة الآباء: "وهذه مواليد" (توليدوت). هذا النسب ليس ضروريًا للخبر وقد قيل ما يجب أن يقال في آ 17. وما يدهشنا هو أنّ النصّ يذكر بوعز ويغفل اسم راعوت والنسل الشرعي الآتي من أليملك.

ج- متى ألّف سفر راعوت
هناك خلاف. قال بعضهم: بعد المنفى، فنحن أمام خبر تقوي بل هدّام. وقال آخرون. قبل المنفى: فالخبر قريب بأسلوبه من أخبار الآباء وكتاب صموئيل. وعاد الشرّاح إلى مضمونه، فشدّدوا على قدم شريعة الافتداء ومسؤوليّة الأخ تجاه أخيه المتوفّي.
يرتبط واجب الافتداء (يتزوّج الأخ بأرملة أخيه ويسترد أرضه) بالحقّ العائلي القديم.
قال التشريع القديم: إذا توفّي رجل ولم يترك لامرأته عقبًا، وجب على أحد إخوته أن يتزوّج الأرملة ويعطي نسلاً يذكر أخاه المائت (تث 25: 5-10). ولكنّ را أعطى معنى جديدًا لهذا الواجب. لقد تهرّب القريب الأقرب، فحلّ محلّه بوعز. ثمّ إنّ الشخص المهم (الذي يجب ان نذكره) ليس محلون، زوج راعوت، بل نعمي (17:4). وأخيرًا، لم تعد ضرورة تأمين النسل المنظورَ الوحيد. فهذه الضرورة جاءت في الدرجة الثانية بعد سعادة الأرملة: "يا ابنتي، إنّي أطلب لك حالة تكونين فيها سعيدة" (3: 1). وفي المعنى ذاته، ستبتهج نساء بيت لحم لما يمثل الولد، كما سيبتهجن للفرحة التي قدّمتها راعوت لنعمي: "سينعش قلبك ويؤمّن شيخوختك، لأنّ كنّتك التي أحبّتك قد ولدته. وهي خير لك من سبعة بنين " (15:4).
وأهميّة المباركات (2: 4 ؛ 2: 19- 20؛ 3: 10؛ 4: 14) هي عامل يوجّهنا إلى القول إنّ را دوّن في زمن قديم، لا بعد الجلاء: فشكل الصلاة هذا الذي انتشر في التوراة هو عتيق جدًّا ونجده في. سيرة الآباء.
ولكنّ هذا الجوّ العتيق قد يكون خلقه الكاتب. فالمقدّمة تحيلنا إلى زمن قديم قد مضى: "كان في أيّام القضاة مجاعة في البلاد" (1: 1). وعلى الكاتب أن يفسّر لقرّائه التقاليد القديمة التي يعود اليها: "وكانت العادة قديمًا في إسرائيل... أن يخلع الرجل نعله ويعطيها لصاحبه. كذا كانت صورة الشهادة في إسرائيل " (4: 7). وهناك عبارات متأخّرة. كل هذا يوجّهنا نحو فترة لاحقة لزمن المنفى. والأمر معقول، لاسيمّا وأنّ را وُضع بين سائر الكتابات وقدّم لنا نظرة شاملة لا ضيقة. هذا ما جعل الشرّاح يقولون إنّ هذا الكتيب دوّن في القرن 5 ق م أو في الزمن الذي تبع حالاً إصلاح عزرا بشأن الزوجات المُختلطة.
د- الخلفيّة البيبلية
يبدو خبر راعوت قريبًا من خبر تامار المذكور في تك 38. والتلميح إلى تامار واضح في 4: 12. وليس من قبيل الصدف أن يبدأ النسب الصغير المدوّن في خاتمة الكتاب، بفارص ابن تامار. فراعوت هي أرملة لا ولد لها، مثل تامار، وعليها أن تلجأ إلى الحيلة ليكون لها ابن. وفي الخبرين نجد تلميحًا إلى شريعة الافتداء. وفي الحالتين سيُعطى نسلّ خارج الطرق القانونية. وبفضل هذين النسبين تضمّن نسلُ داود بعدًا مجانيًّا يعطينا فكرة عجيبة عن حرّية الله المُطلقة.

هـ- التعليم في سفر راعوت
1- الأمانة ينبوع بركة
التعليم الأوّل في هذا- الكتاب التقوي: التشديد على الصفات العائليّة من عطف وحنان وأمانة. لهذا تخيّل الكاتب انقلاب الوضع لنعمي وراعوت وبوعز الذينِ أظهروا عطفًا وأمانة للآخرين. فمن علاقات مطبوعة بالأمانة (حسد في العبرية وتعني أيضَا المحبّة. رج 1 :8؛ 2: 20 ؛ 3: 10) لا ينتج إلاّ البركة والسعادة. والأمثولة الرئيسيّة هي التي استخلصها بوعز خلال لقائه الأوّل مع راعوت: "أخبروني بصنيعك مع حماتك بعد وفاة زوجك... جازاك الرب على صنعك، وليكن أجرك كاملاً من لدن الرب " (2: 11- 12). وتصرّف بوعز بدوره بأمانة ومحبّة تجاه راعوت. وهكذا ستعود السعادة إلى بيت نعمي. إذًا نحن أمام خبر تقوي تبرزمنه "حسد" (التي هي الصفة الأولى في العلاقات بين الله وشعبه) في العلاقات اليوميّة والعائليّة. وهكذا يكون را رواية لاهوتية صارت فيها العلاقات الإنسانيّة والبيتيّة والعائليّة الموضع الأوّل للبركة.

2- خبر نموذجي
إنّ أسماء الأشخاص تدعونا إلى قراءة الخبر قراءة جماعية. فلا اسم (ما عدا الأسماء المذكورة في 4: 17- 22 والتي تنتمي إلى الملحق النهائي) يذكر في سائر التاريخ التوراتي. إذًا، نستطيع أن نقرأ الخبر انطلاقًا من الأسماء التي أعطيت لكل من الأشخاص. اليملك: إلهي ملك. نعمي: أي نعمتي. محلون: المرض. كليون: الضعف. هذان الاسمان الأخيران يدلاّن على الموت القريب لابنَيْ نعمي. عرفة هي الرقبة التي نديرها لنعود أدراجنا. هذا ما فعلت عرفة كنّة نعمي الأولى. راعوت هي الرفيقة الصديقة وهي المعزيّة. ستبقى في رِفقَة حماتها وتعزّيها. بوعز هو القويّ الذي يعيد الأمل، ومُرّة هي المرأة التي لا تَعرف إلاّ الضيق. عوبيد هو الخادم والعابد للرب.
ونتوقّف عند شخص رئيسي في هذا الخبر. إنّها نعمي التي تقدم معنى رمزيًا جديدًا لاسمها: "لا تدعوني نعمي، بل ادعوني مُرّة، لأنّ القدير جعل حياتي مُرّة جدًّا" (1: 20). هل نحن هنا أمام مرارة المنفى (رج مر11: 4)؟
ونرى الأشخاص يقاسون شعبهم المصير المشترك. هُجِّرت نعمي، فاختبرت الجوع والمرارة وموت الزوج والولدين. هذه هي قصّة شعب إسرائيل الذي نزل إلى مصر بعد أن ذاق الجوع في أرضه. هذا في الماضي. وفي الزمن الحاضر، تألم الشعب وبكى وذاق مرارة المنفى. فمن خلال كل هذه المحن، اختبرت راعوت ونعمي (كما أختبر شعب إسرائيل) افتقاد الله الذي تحنّن على شعبه. فالله هو الذي يفتدي شعبه (رج أش 42: 1؛ 44: 22). كما افتدى بوعز راعوت وأعطاها نسلاً وأعاد الفرح إلى قلبها وإلى قلب حماتها.

3- الشمولية
لم ينحصر تعليم را في إطار عائلي ضيّق، في إطار بيت لحم، بل تضمّن نفحة الشمولية: فراعوت هي غريبة، بل هي موآبية ونحن نعرف احتقار العبرانيين للموآبين. ويعود النصّ سبع مرّات (1: 4: 22؛ 2:2،6، 21؛ 5:4، 10) مشدّدًا على أهل راعوت الموآبية. وستدهش راعوت نفسها حين تُستقبَل مثل هذا الاستقبال وهي الغريبة: "كيف نلت حظوة في عينيك حتّى تهتمّ بي (تتعرّف إليّ) وأنا غريبة" (10:2)؟ وهذه الغريبة التي هي مقبولة وموضوع إعجاب في قلب شعب الله ، قد خرجت من موآب العدوّ الكبير لشعب إسرائيل. وقد كان التشريع الاشتراعي قاسيًا جدًّا بالنسبة إلى موآب الذي لا يحقّ له كما يحقّ لأدوم ومصر أن يشاركا في الاحتفالات الطقسيّة إن توافرت فيهما بعض الشروط. فالموآبيّون مرذولون دومًا (تث 23: 5- 7: لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب... إلى الأبد) بسبب عدائهم لبني إسرائيل في أيّام الملك بالاق (عد 23:22). حينئذ بدت راعوت الموآبية المهتدية النموذجية. هذا ما قالته التعاليم اليهودية الرئيسية وأعلنه تيودوريتس القورشي الذي رأى في راعوت مثال الأمم الوثنية الراجعة إلى الله. ما اكتفت بأن تختار شعب نعمي بتعابير تشبه تعابير العهد الكلاسيكية: "شعي يكون شعبك، وإلهي يكون إلهك " (رج ار 31: 33). بل، إنّ أمانتها (حسد: محبّتها) أدهشت أهل بيت لحم فدُعيت لأن تلعب دورًا أوليًا في سلالة المسيح الداودي. إذا كانت جدّة داود موآبية، لا إسرائيلية، فهذا يعني أنّ الله يحبّ الغريب ويحامي عنه. وهذه هي العبرة التي أخذها متّى والاجيال المسيحية الأولى فأدخلوا اسم راعوت في سلسلة نسب يسوع (مت 1: 5).


4- الله في قلب التاريخ
إنّ مسيرة الأحداث لا تتمّ من دون تدخّل الله. هذا ما أختبرناه في را وسنختبره في أس. لا يُذكر الله مرارًا كثيرة، وإنّ قراء ة سريعة تدلّ على توسّع يوجّهه "الحظ " (2: 13) أو مبادرات نعمي وراعوت وبوعز المتعاقبة. ولكنّ القارئ يحسّ سريعًا أنّ الله هو الذي يقود مسيرة التاريخ من أجل الأشخاص الرئيسيين الثلاثة. وثقت نعمى أنّها ستجد خبزًا في أرض يهوذا لأنّها سمعت أنّ الرب اهتمّ بشعبه (6:1) وفهمت أنّه المسؤول الأخير عن مصيرها (1: 21- 22، 2: 20). ونقول القول عينه عن راعوت (7:1) حين اختارت أن ترافق حماتها إلى أرض يهوذا. وسيفسّر بوعز بدوره سعادة لقائه براعوت كبركة جاءته من السماء (12:2- 20؛ 3: 10). وأخيرًا، حيّتِ نساء أورشليم النهاية السعيدة للخبر بمباركة وجّهتها إلى الله: "تبارك الربّ الذي لم يعدمك اليوم مفتديًا" (4: 14). حضور الله حضور صامت وخفيّ ولكنّه حضور فاعل وعطوف وهو يجعل الأشخاص يتجرّأون على العمل بعد أن ملأهم ثقة بحبّ الله.

5- دور النساء
في عالم الأنساب الذي لا يتضمّن إلاّ اسم رجال، تبدو صورة راعوت حلقة مهمّة. ونحن نكتشف الدور الذي لعبته راعوت ونعمي، ليس فقط في تواصل السلسلة الداودية، بل في التعبير عن إيمان شعب إسرائيل. وهذا ما دفع بعض الشرّاح إلى التحدّث عن "إنجيل المرأة" في معرض حديثه عن سفر راعوت. فالنساء هنّ سيّدات المسرح: يتخذنّ المبادرة، يفسّرنّ الأحداث. وإن ارتبطن بأجداد داود الرجال، فلهنّ استقلالهنّ. وإنّ النصّ يشدّد بصورة مدهشة على سعادتهنّ الشخصيّة.

II- اللفيفة الثانية: نشيد الأناشيد
1- المقدّمة
هذا الكتاب هو موضوع جدال. نشيد حبّ (أو أناشيد) يحتلّ مكانته بين أسفار التوراة. نشيد غرامي يتوقّف فقط عند جمال الجسد ولا يتحدّث عن الله ولا عن مضمونه أو السبب الذي من أجله وُضع هذا السفر بين أسفار العهد القديم.
إنّه نشيد الأناشيد اي أفضل الأناشيد. نجده في التوراة العبرية بين سائر الكتب، لاسيمّا بين المدارج (اللفائف) الخمسة. إنه الثاني بعد راعوت، ويسبق الجامعة والمراثي وأستير. ناقش الرابّانيون قانونيته، ثمّ اتّفقوا على إدخاله في اللائحة القانونية للأسفار المقدّسة في مجمع يمنية الذي عقد سنة 90- 100 ب م. لولا الرجوع إلى التفسير الرمزي، لما صار هذا السفر أحد الأسفار المقدّسة.
أمّا السبعينية فجعلت نشيد الأناشيد بين الكتب التعليمية أو الكتب الحكمية، ووضعته بين الجامعة وأيّوب. أمّا الشعبية اللاتينية فجعلته بين الجامعة والحكمة. أمّا في السريانية فنشيد الأناشيد هو بين راعوت وأستير.
ونذكر أنّ هذا السفر وجد مكانته في الليتورجيا اليهودية فتلته الجماعة (قبل بداية القرن الخامس ب م) في اليوم الأوّل من عيد الفصح لأنّه يشير إلى أولى علاقات الحبّ بين الله وشعبه.

2- من كتب سفر النشيد ومتى كتب
نُسب إلى سليمان (1: 1)، كما نُسبت إليه سائر الأسفار الحكمية. أمّا السريانية البسيطة فتعنونه: حكمة الحكمات التي لسليمان. ولقد حاول البعض أن يُرجع زمن تأليف هذا السفر إلى أيّام سليمان بسبب ما نجد فيه من تقليد قديم وكلمات مهجورة. ولكنّ اللغة والأسلوب يقوداننا إلى القرن الخامس وربّما إلى القرن الثالث ق م.
عاد الكاتب الأورشليمي إلى عناصر قديمة (3: 6- 11؛ 6: 4) وإلى قصائد أنشدها شعب لبنان وأمانة وسنير وحرمون وترصة وجلعاد (4: 1 ؛ 6: 5) في احتفالاتهم بالزواج، فقدّم لنا هذه التحفة الشعرية.
ذكرنا الشاعر بسليمان في ثلاثة نصوص. في 1: 5 شبّه لنا الحبيبة بسرادق سليمان. وفي 7:3 ؛ 9: 11 اسمعنا نشيد حبّ عن سليمان في يوم فرحه كيف توّجته أمّه. وفي 8: 11- 12 يُشير الكاتب إلى أنّ الملك الحقيقي ليس سليمان كما يعرفه التاريخ. أخذ الحبيبُ حبيبته التي يمثّلها الكرم، وترك لسليمان غناه الذي يرمز إليه ألف الفضّة.

3- تفاسير نشيد الأناشيد
اختلف دارسو الكتاب المقدّس على طريقة تفسير سفر النشيد.
هناك التفسير الرمزي الذي يعود أقلّه إلى القرن الأوّل ب م. تشكّك الناس من هذا الشعر الغرامي فقدّموا هذا التفسير. هناك أعراس تاريخيّة تدلّ على ارتباط قبائل الشمال مع حزقيال في أواخر القرن الثامن ق م. ولكن ظهرت عداوة أبناء يهوذا. أو تدلّ على ارتباط شعب إسرائيل بالشعوب الوثنية. وهناك اعراس صوفيّة سمّاها التلمود والترجوم أعراس الرب مع شعبه. هي أعراس في وقت محدد. مثلاً الرجوع من الجلاء، أو هي أعراس تمتدّ إلى كل حياة بني إسرائيل وبالتالي إلى تاريخ الكنيسة.
والتفسير الروحي يفتح أمامنا طريقين. الطريق الجماعي الذي يتعلّق بزواج الله بشعب إسرائيل. بزواج المسيح بالكنيسة (أوريجانس، أيرونيموس). بزواج المسيح بالبشرية. والطريق الفردي الذي يربط الله أو المسيح بنفس الإنسان، أو الروح القدس بمريم العذراء، (القدّيس برنردس)، أو سليمان بالحكمة. وتوسّع الشرّاح في هذا التفسير الروحي، فدلّوا على صعود الإنسان إلى الله ، أوعلى جواب الإيمان بالنسبة إلى الله الذي اقترب من الإنسان.
لن نتوقّف عند التفسير العبادي الذي يعتبر النشيد ترجمة لليتورجيا وثنية إكرامًا لإله يموت، فيذهب إلى الجحيم يبحث عن حبيبته، ولا عند التفسير الدراماتيكي الذي يشدّد على الأمانة الزوجيّة (لا يتخلّى الراعي عن راعيته رغم محاولات سليمان). ونشير إلى التفسير الطبيعي الذي يرى في هذا السفر مجموعة أناشيد حبّ جاءت من مصر أو من الشرق الأدنى، والذي ينفي أيّ معنى ديني.
وهناك أخيرًا التفسير النمطي. هذا التفسير يحافظ على المعنى الحرفي، ولكنّه يصل إلى المعنى الكامل. فحبّ سليمان لامرأته يمثّل اتحّادًا سرّيًا بين يهوه وشعب إسرائيل، بين المسيح والكنيسة. حبّ سليمان هو خير في حدّ ذاته، ولكنّه يشير إلى حبّ آخر. نذكر هنا أنّ التوراة تشدّد على جمال بعض النساء، على سارة (تك 12: 11- 14) ورفقة (تك 26: 7؛ 16) وراحيل (تك 29: 7) وأبيجائيل (1 صم 25: 3) وبتشابع (2 صم 11: 2) والشونمية (1 مل 1 :3 ي) وأستير (أس 7:2، 15) ويهوديت (يه 19:10). وتتحدّث عن جمال بعض الرجال مثل يوسف (تك 6:39) وموسى (خر 2: 2؛ أع 7: 20) وشاول (1 حم 9: 2) وداود (1 صم 16: 12؛ 17: 42) وأبشالوم (2 صم 25:14؛ رج نش 7:4) وأدونيا (1 مل 1 :6) والفتيان الثلاثة (دا 1 : 4).
ولا ننسى نصّ سفر التكوين (33:2- 24) الذي يتحدّث عن أوّل حفلة زواج في الكون حيث يترك الرجل أباه وأمّه ويلتصق بامرأته فيصير الاثنان جسدًا واحدًا. من أجل هذه الوحدة، يبحث الحبيب عن حبيبته. ومن أجل هذه الوحدة يبحث الله عن شعبه، والمسيح عن كنيسته.

III- اللفيفة الثالثة: سفر الجامعة
أ- الوجه الأدبي
تجادل علماء اليهود قبل أن يُدخلوا سفر الجامعة في لائحة الأسفار القانونية، وما زال الشرّاح يختلفون اليوم على كيفية فهمه، معتبرينه كتابًا صعبًا محيّرًا لا يليق بالمؤمن، كتابًا متشائمًا يدفعنا إلى القلق. فكيف نفسّره؟
انعكست الشكوك حول قانونيته في الملحق (12: 9- 14) الذي تركه المدّون الأخير فسعى إلى تبرير أقوال الحكيم في سفر الجامعة. لا يرد أيّ نصّ واضح من جا في أسفار العهد الجديد (ما عدا 7: 20 في روم 3: 10- 12 و 11: 5 في يو 8:3)، والرابّانيون تجادلوا فانقسموا حول وضعه القانوني. لم يدخل جا بعد في الليتورجيا المقدّسة، ولا في قلب المسيحيين. كل هذا يبيّن تشعّبًا في أقوال جا. ولكنّ هذا التشعّب يتيح للمؤمنين أن يجدوا نفوسهم في تساؤلاته، في بحثهم عن الله وعن معنى الحياة.
يحمل إلينا جا شيئًا حديثًا في لهجته واسلوبه. إنّه في خطّ الوجودييّن المعاصرين حين يشدّد على الاختبار المُشترك بين البشر. نجد عنده الصدق والنحافة وعددًا من الاختبارات البشرية: السعادة سريعةِ العطب، عودة الأشياء كما في دولاب، لا خلاص من تهديد الموت، سرّ الزمن، مخاطر العمل وتوالي الأجيال، محنة الشيخوخة والموت.
صدقه الكبير وبحثه عن المطلق دفعاه إلى رفض النظريات "الحلوة" واليقينات التي "تطمئننا". قال عن عدد من المغامرات والاختبارات البشرية: هذا باطل، هذا قبض ريح. إنّه ينتقد اللاهوت باسم الحكمة (مثل أيّوب)، فيفرض علينا أن نواجه النظريّات مع معطيات الاختبار.
أخيرًا، إنّ محاولة جا تلتقي وتساؤلات الإنسان حول مصيره. إنّ هذا "الحكيم " يعيش إيمانه بشكل تساؤلات. ففي الفصول العشرة الأولى لا نجد أقلّ من 26 سؤالاً: أيّة فائدة؟ ماذا يبقى؟ لماذا؟ ايّ فرق (1: 3 ؛ 2: 12، 19، 22، 25؛ 3: 9، 21، 22؛ 4: 11؛ 5:5، 10، 15؛ 6:6، 8، 12 ؛ 7: 10، 13، 16، 17، 24؛ 8: 1، 4؛ 14:10)؟
متى دوّن جا؟ هو كتاب متأخّر، وقد دوّن حوالي سنة 250 ق م. فني لغته كلمات تنتمي إلى العبرانية المتأخّرة او إلى الأرامية. ثمّ إنّ ابن سيراخ قد عرف جا وحاول الردّ عليه. قابل 12:3 ؛ 14:7 ؛ 9: 10؛ 9:11 مع سي 14: 11-19؛ 15:2-16؛ 41: 11- 13 (حسب العبري). وقد عرفه أيضا حك، فعكس ف 2 و5 مواقف جا واتّخذ موقفًا معارضًا له. وُجدت أجزاء من جا في قمران، تعود إلى سنة 150 ق م. 
أمّا من حيث البنية الأدبية، فلقد قال الشرّاح مرارًا إنّ جا يتألّف من أقوال متقطعّة غير متماسكة وغير مرتبطة بأيّ رباط منطقي. لا شكّ في أنّ الكاتب يجيد استعمال المفارقة والقول الشعبي، ولا يهمّه الترتيب المنطقي في خطّ واحد. ولكن يبقى أنّ هذه الاعتبارات جُمعت في كتيّب بدأ بمقدّمة (1: 2) وانتهى بخاتمة (8:12) تشكّلان تضمينًا واحتواء. أمّا الملاحظة الأخيرة التي دوّنها الناشر (12: 9- 14) فهي تقدّم لنا قهلت (أو الجامعة) مثل حكيم يعيد النظر في اقوال الحكماء.
كان العلماء يعتبرون البحث عن بنية إجمالية محاولة خطرة. ولكن جاء من يدرس وحدات متمايزة. وقد تصل بنا هذه الدراسات إلى التشديد على بعض المواضيع ولاسيمّا الفرح أو أهميّة الحاضر في حياة الإنسان.


ب- التعليم
1- معنى محاولته اللاهوتية
محاولة "الحكيم " اللاهوتية محاولة رائد يستكشف الحياة، محاولة اختبار وتجريب. نجد عنده تلميحات إلى منهجه المؤسَّس على الملاحظة والخبرة. رأى (37 مرّة: رأيت كل الأعمال التي تعمل تحت الشمس. رج 1: 14)، عرف (17:1: اهتممت بأن أعرف الحكمة وأعرف الجهالة. فعرفت أنّ هذا أيضًا هو قبض ربح). طلب وبحث (13:1: فوجّهت قلبي ليطلب ويبحث بالحكمة عن كل ما صُنع تحت السماء)، فكّر، وجّه قلبه، امتحن (2: 1: هلمّ فأمتحنك بالفرح)، وجد (8:7: طلبت فما وجدت)، إلتفت (2: 12: التفتُ لأنظر في الحكمة والجنون والحماقة)، حاول أن يعرف... لإنّ "الحكيم " هو باحث يريد أن يفهم وأن يجد معنى للواقع البشري.
يريد أن يكون بحثه جذريًا، وهو يتوّجه إلى الواقع كلّه. نلاحظ عنده تواتر لفظة "كلّ " (13:1؛ 3:2، 3: 1)، وقت لكلّ شيء (2:3-8). هو لا يستيعد شيئًا، بل يهتمّ بكل ما يكّون الحياة.
وأخيرًا، إنّ بحث "الحكيم " يقوده إلى الإحساس بضعف الإنسان. إنّه سريع العطب. إنّه باطل (نجد الكلمة 38 مرّة في جا و 35 مرّة في كل التوارة). قليلة هي الأمور التي تفلت من الحُكم الذي يصدره الحكيم على بطلانها. كل شيء باطل: الأعمال التي تصنع (1: 14)، خبرة السعادة (2: ا)، عمل الأيدي (2: 11)، الحكمة (2: 15)، توالي الأيّام والليالي (2: 23)، المال والترف (5: 9)، كثرة الكلام (6: 11)، ضحك الأحمق (7: 6)، العدالة (8: 14)، الشيخوخة (11: 8)، الشباب (11: 10).

2- الجامعة وسرّ الوقت (3: 1- 12)
يتميّز هذا المقطع بعمقه وهو أكبر توسيع نجده في التوراة حول سرّ الوقت والزمان. إنّ بنية 3: 2- 8 تبدو في سلسلة من التناقضات (سلي، إيجابي). تبدأ القصيدة (آ 2) وتنتهي (آ 8) في جوّ إيجابي. ويظهر تشعّب الوقت وغناه على مستوى الألفاظ. يستعمل الكاتب هنا ثلاث كلمات: زمان (كذا في العبرية) وهو يدلّ على كمّية الوقت، الوقت الذي نستطيع أن نعدّه ونقيسه. "عت " (نجد هذه الكلمة 30 مرّة في هذا المقطع و 10 مرّات في سائر الكتاب). يدلّ على الزمن النوعي أو الكيفي. من هنا التشديد على الفصل، على الزمن المؤاتي، على الظرف. وتذكر القصيدة كلمة عولام (رج في السريانية: الابد) فتحيلنا إلى وجهة أخرى من الوقت تعود إلى الله. "عولام " هو الزمن الكامل، المدى الأبدي، زمان الله.
ما هو معنى هذه السلسلة من التعارضات وتنوعّ الألفاظ التي تتحدّث عن الوقت؟ هل يجب أن نقرأ سلسلة التعارضات بطريقة متتابعة؟ حينئذ يكون الكاتب قد لاحظ أنّ الحياة مركّبة، أنّها تتابعُ عناصر ونشاطات متعارضة يُلغي الواحد الآخر. هل يجب أن نقرأ هذه السلسلة قراءة جبرية؟ حينئذ يوافق الحكيم على القول إنّنا، مهما فعلنا، لا نقدر أن نمنع وجود المضادّات. هل يجب أن نقرأ هذه السلسلة قراءة حصرية؟ حينئذ نجعل الكاتب يدافع عن موقفه فيختار هذه الإمكانية (أو تلك) التي يقدّمها الوقت.
يمكننا القول إنّ القصيدة تبيّن سرّ الوقت والالتباس المحيط به. إنّه نعمة (عطيّة الله) ومناسبة حرّية (فيه يقرّر الإنسان عملاً ما). يتألّف الوقت من ظروف عديدة: ما يجب على الإنسان أن يعمله هو أن يُدخل الظرف العابر في سرّ عميق ودائم هو سرّ وقت الله.

3- إيمان قهلت أي الحكيم
يصل الحكيم في تساؤلاته وقلقه إلى النهاية، ولكنّه يبقى رغم كل ذلك مؤمنًا كبيرًا. فإيمانه يستند إلى القول بأنّ خليقة الله صالحة وثابتة. قال: "أعرف أنّ كلّ ما يصنعه الله يدوم إلى الأبد، لا يزاد عليه ولا ينقص منه " (3: 14). هذا ما قاله سائر الحكماء. واقتدى الحكيم بالأنبياء فرفض شعائر عبادة "وثنية" (17:4- 5: 26) تتغلّب فيها كثرة الكلام على سماع لكلمة الله وعلى احترام لسرّه. وإنّ أقوال قهلت عن الموت يرافقها رجاء مملوء بالشجاعة. هو لا يؤمن بعد بالقيامة، ولكنّه يعلم أنّ الإنسان ينطلق إلى دار أبديّته (12: 5) وأنّ "النفَس يعود إلى الله الذي وهبه " (7:12). نحن هنا أمام شعور هادئ ونبيل لدى الإنسان الذي جهل ما يقوله الإنجيل عن الحياة الأخرى.

4- كل شيء باطل أوكل شيء نعمة
ما يدهشنا في هذا الكتاب المشهور بتشاؤمه، هو أنّه يزرع اعتباراته بأقوال على السعادة. ففي داخل المقاطع التي تندِّد ببطلان الواقع البشري، نجد سبع اعتبارات حول السعادة: "لا خير للإنسان إلاّ أن يأكل ويشرب ويذيق نفسه الهناء، بتعبه " (2: 24) "فعلمت أن لا خير للإنسان سوى أن يفرح وتطيب نفسه في حياته " (3: 12). "فرأيت أن لا شيء خير من أن يفرح الإنسان بأعماله " (3: 22؛ رج 17:5؛ 8: 15؛ 7:9- 9؛ 7:11- 9). في كل مرّة يقدّم الكاتب حكمه (طوب: خير)، وفي أربع مرّات يكون كلامه مطلقًا: لا شيء خير (24:2؛ 12:3- 22 ؛ 15:8). وفي كلِ مرّة، يعود الكاتب إلى الفرح أو التنعّم فيدعو تلاميذه إلى تذوّق السعادة. ونلاحظ أيضَا تدرجًا في طلب الفرح: ينتقل الكاتب من الملاحظة البسيطة (2: 24) إلى مديح غير مشروط للفرح: "فمدحت الفرح لأنّه ليس للإنسان خير تحت الشمسي غير أن يأكل ويشرب ويفرح " (8: 15؛ رج 7:9- 9 ؛ 7:11- 9). إذن، نلاحظ مع "ناشر" الكتاب الناحية المتفائلة في محاولة "الحكيم " اللاهوتية. "جدّ الحكيمُ (قهلت) في طلب أقوال تُعجب " (10:12).
إذا أردنا أن نكون عادلين في حكمنا على جا، يجب أن نتجاوز الشعور الأوّل الذي نحس به أمام الردّة المتُكرّرة: كل شيء باطل. لأنّ الحكيم أدرك بقوّة وشعورِ دقيق أنّ كل شيء باطل. ولكنّه ظلّ ذلك المتعطّش إلى المُطلق والباحث عن السعادة بحثَا دائمًا، ظلّ ذلك العارف أنّ الأفراح البسيطة اليومية هي عطايا حقيقية من الرب.

IV- اللفيفة الرابعة: المراثي
إنّ سفر المراثي هو إحدى تحف الشعر الغنائي في أرض إسرائيل، وهو قريب جدًّا من مزامير التوسّل، ومن سفر ايّوب. يعالج هذا السفر بجرأة وواقعيّة المأساة التي عاشتها جماعة يهوذا خلال أحداث سنة 597- 587، وهي أعمق مأساة في كل تاريخ بني إسرائيل. تتساءل الجماعة عن إيمانها، عن تصرّف الله تجاهها بعد الساعات الرهيبة التي طبعت بطابعها سقوط أورشليم والإقامة في المنفى.

أ- المجموعة
يتألّف مرا من 5 فصول، ويتألّف كل فصل من 22 آية. وهو يبدو بشكل مجموعة قصائد موحّدة تدور حول أحداث سنة 597- 0587 القصائد الأربع الأولى هي أبجدية، بمعنى أنّ البيت الأوّل يبدأ بالحرف الأوّل (ألف) والبيت الثاني بحرف الباء... أمّا الفنّ الأدبي العامّ فهو فنّ الرثاء. تبدأ كل قصيدة بسؤال يعبّر عن ضياع شعب لا يفهم ما يحصل له ولا يفقه تصرّف الله تجاهه. "كيف؟ " "كيف جلست وحدها المدينة الآهلة بالشعب " (1: 1)؟ "كيف أحّل الرب الظلمة على صهيون الجميلة" (2: 1)؟ "كيف كدر الذهب وتغيّر النضار الخالص وتبعثرت الحجارة المقدّسة (اي سكان أورشليم) في رأس كل شارع؟ كيف حُسب بنو صهيون آنية من فخار" (4: 1- 2؛ رج 2 صم 1: 19، 25، 27؛ إر 18:9؛ 50: 23 ؛ 51: 41 ؛ حز 17:26؛ صف 5:2 1)؟ يتميّز ف 5 عن سائر الفصول: فهو أقصر منها، وليس أبجديًّا. يبدو بشكل صلاة (تسمّيه اللاتينية الشعبية: صلاة النبي إرميا) ويشبه صلوات التوسّل الوطني (رج مز 74).
ونتوّقف عند كل مرثاة من المراثي.

1- المرثاة الأولى (ف 1)
يدعو الكاتب القارئ لكي يتأمّل في مشهد صهيون الحزين، صهيون التي سكنها شعب كثير (1: 1) والتي صارت الآن أرملة باكية، أرملة حرمت من أولادها. خانها ملكها فذلّت، وما عادت تكفيها تعزية "في أيِّام بؤسها وشقائها" (7:1). يُقسم الفصل إلى جزئين متميّزين. الأوّل (آ 1- 12) هو رثاء على أورشليم. في الثاني (آ 13: 22) تتكلّم أورشليم فتعبّر عن ألمها: تضايق قلبها (1: 20) وصارت سقيمة (1: 22). ويكشف الفصل كلّه عن ينبوع هذا الضيق العميق. وأكثر ما يؤلم أورشليم هو بُعد الله وغيابه: "لا معزّي لها" (1: 2، 9، 16، 17، 21). كم نحن بعيدون عن لهجة أشعيا الثاني المليئة بالتفاؤل: "عزّوا، عزّوا شعبي " (أش 1:40).

2- المرثاة الثانية (ف 2)
يتوسّع الاطار في هذه المرثاة. لم نَعد فقط أمام أورشليم (صهيون) ويهوذا، بل أمام "جميع مساكن (مراعي) يعقوب " (2: 2)، أمام كلّ قوّة (قرن) إسرائيل (2: 3). يصوّر الكاتب الذين أصابتهم المأساة أي كل الشعب: الملك والكاهن (2: 6)، الملك والأمراء (2: 9)، الأنبياء (2: 9، 14) والشيوخ (2: 10)، الأمّهات (2: 12)، الطفل والرضيع (2: 11) والصبايا (العذارى: 2: 10). ويتعمّق الكاتب في تحليله للأزمة. أمّا الموضوع الرئيسي فهو غضب الله. هكذا تبدأ المرثاة (2: 1: بغضبه)، وهكذا تنتهي (2: 22: يوم غضب الرب). يبدو أنّ الله جهل العهد جهلاً تامًّا وداسه، وأنّه نسي أن يتصرّف كإله العهد: "لا يتذكرّ موطئ قدميه " (2: 1)، "لا يمدّ يده على العدو" (3:2). "يتصرّف كعدو" (2: 5). أبعد مذبحه وقرف من معبده " (7:2). وخلاصة الكلام، ترك العنان لحدّة غضبه (2: 6). ونجد في هذا الكلام بداية إقرار بالمسؤولية (2: 14) ترافقها حركات توبة (2: 10) ودعوة إلى الصلاة (19:2).

3- المرثاة الثالثة (ف 3)
هي أشهر المراثي الخمس. إنّها متعدّدة العناصر، وهي تتميّز عن غيرها: هي أبجدية في الأشطار الثلاثة التي تشكّل كل آية من آياتها: أني (في العبرية أنا)، أوتي (أتى بي). أك (نعم). يتكلّم رجل باسم الشعب وفي صيغة المتكلّم المفرد (أنا): قد يكون النبيّ. ويتمّ الانتقال من الرثاء الفردي (آ 1- 18، 52- 66) إلى الرثاء الجماعي (آ 40- 51) مع ذكر صلوات واثقة (آ 22- 27، 55- 60). هذه المرثاة قريبة من أناشيد عبد الله التي نقرأها في أشعيا، ومن اختبار إرميا النبي (ق 3: 14 وإر 7:20؛ 3: 48- 51 وإر 17:14). تشكّل آ 33 قلب الفصل وقد تساعدنا على فهم الكتاب كلّه: لم يرذل الله شعبه بصورة نهائية (آ 31): لا يريد الرب بكل قلبه أن يصل الذلّ والألم إلى البشر

4- المرثاة الرابعة (ف 4)
تشبه المرثاتين الأولى والثانية باللغة والأسلوب، وتستعيد مواضيعهما الرئيسية. يصوّر الكاتب بلغة مؤثّرة الجوع المسيطر (آ 1- 2) ويذكر أنّ غضب الله وصل إلى أقصى حدوده (آ 11). أمّا المسؤولون عن الكارثة فهم الأنبياء والكهنة: "بسبب خطايا أنبيائها وآثام كهنتها" (13:4).

5- المرثاة الخامسة (ف 5)
أقصر الفصول الخمسة. تتضمّن هذه المرثاة 22 آية ولكنّها ليست أبجدية. دوّنت على شكل صلوات التوسّل الوطنية. تتضمّن آ 1 نداء مؤثّرًا الى الله: "أذكريا رب ما حلّ بنا، انظر وعاين عارنا" (كيف يعيّروننا). يبدأ المصلّي فيصوّر الحالة (آ 2- 15) ويقدّم اعتبارًا (آ 16- 18) حول أسباب ستكون منطلقًا لنداء جديد يوجّه إلى الله. وهذا النداء هو أجرأ ما في هذا الكتاب: "لماذا تنسانا على الدوام وتخذلنا طول الأيّام " (آ 20)؟ ويتوقّف الكتاب بطريقة مفاجئة ودراماتيكية: ما يكون جواب الله على تساؤلات المؤمن، وما يكون موقف المؤمنين والحالة على ما هي من الضياع؟

ب- متى دوّن سفر المراثي
دوّن بعد أحداث سنة 597- 587 فتشرّب من اختبار مرير عاشه المؤمنون بعد سقوط أورشليم والاقامة في المنفى. نجد إشارات دائمة عن العدوّ، عن أضرار الحرب، عن عزلة صهيون وحزنها، عن الآم المنفى وضياع الشعب. ثمّ إنّ اللهجة المأسوية التي تطبع كلّ الكتاب تدعونا إلى القول إنّ هذا الكتيّب دوّن قبل التحرير الذي تم سنة 538 والعودة إلى أورشليم التي رافقتهَا هتافات الفرح. هنا نستطيع أن نتذكّر مز 126: "حين ردّ الرب أسى صهيون، كنّا كالحالمين. حينئذ امتلأت أفواهنا ضحكًا وألسنتنا تهليلاً".

ج- المراثي وإرميا
نُسبت المراثي إلى إرميا، ولكن هذه النسبة ليست في الأصل. ثمّ إنّ النصّ العبري الماسوري جعل مرا بين سائر الكتب، فلم يجعله قريبًا من النبي. كانت السبعينية أوّل من نسب مرا إلى نبيّ عناتوت في مقدّمة الترجمة. قالت: "بعد أن ذهب بنو إسائيل إلى الأسر ودمّرت أورشليم، بكى النبي إرميا وأطلق على أورشليم هذه المرثاة". الأمر معقول وإرميا قد أنشد بعض المراثي، ولاسيمّا حين سقط يوشيا الملك في ساحة الوغى في معبر مجدو (2 أخ 35: 25). ثمّ إنّ اللهجة المؤثرة في المراثي قريبة من لهجة "اعترافات " إرميا (إر 11: 18- 23 ؛ 12: 1-6 ؛ 15: 10- 21؛ 17 : 12-18؛ 18-23 ؛ 20 : 7 - 18). هذا ما يفسّر موقف التقليد المسيحي الأولاني والتقليد اليهودي (ترجوم، تلمود) اللذين ربطا مرا بالنبي إرميا.
ولكنّ النقد الحديث يعارض نسبة مرا إلى إرميا. فهناك حكم قاس على الأنبياء، وتجاهل لدور حزقيال وإرميا: "حتّى أنبياؤها لا ينالون رؤيا من عند الرب " ((9:2). ونُلاحظ أيضًا أختلافًا في النظرة بين النبي وصاحب المراثي حول الأزمة: كيف يُبدي دهشة دراماتيكية من دمار أحسّ به مسبّقًا وأعلنه؟ كيف يستطيع ذلك الذي كتب الى المنفيين رسالة (إر 29) يشجّعهم فيها، أن يرسم لوحة مظلمة عن الوضع؟ وأخيرًا، إن حكم مرا الإيجابي على حزقيا (4: 20: "فسحة نفوسنا، مسيح الرب ") لا يتوافق مع علاقات إرميا بالملك وحاشيته (إر 37: 2). من جهة ثانية، لا نستطيع أن ننكر التقارب بين مرا واعترافات إرميا، حين كان الحديث عن ألم الشعب وضياعه. ولا نستطيع أيضًا أن ننسى التقارب بين مرا وحزقيال (ق 2: 1ي مع حز 18:10- 11: 25)، وأشعيا الثاني (ق 3: 1ي مع أناشيد عبد الله)، وأيّوب (عداوة الله. مرا 2 ؛ ق أي 7 و 10).

د- التعليم
1- ألم الشعب
"تأمّلوا وانظروا. هل من ألم كألمي " (1: 12؛ رج 1: 18)! مرا هو أوّلاً شهادة عن ألم الشعب. فكما كان أيّوب شاهدًا على ألم فرد من البشر، سيقدّم لنا مرا الأزمة التي عاشها الشعب. فقبل كل نظرية أو محاولة تفسير، يعرض الكتاب الألم والعذاب، ويتحدّث عن ضياع الشعب وتساؤلاته. وهو بهذا يقترب من مزامير التوسّل الوطني التي تبرع في عرض أزمة الإيمان والرجاء التي يحسّ بها شعب إسرائيل في أحلك ساعات وجوده.

2- محنة الإيمان
ولكنّ هذا العرض لا يقدّم المديح لشعب إسرائيل، بل هو يتطلعّ في وجهة أخرى. إنّه يتطلعّ إلى هذا الإله الذي خبر المؤمن مراحمه ورأفته وأمانته (3: 22- 32). ولكنّ هذا الإله لم يكن فقط بعيدًا، بل صار عدوًّا: "صار الرب كعدوّ" (2: 5). هذا الوضع كان أقسى امتحان لإيمان إسرائيل. أجل، لم يعرف الشعب أزمة إيمان مثل هذه: لم تكن تذمّرات البريّة والخيانات المُتكررة في أيّام القضاة والأنبياء، لم تكن شيئًا تجاه ما يحدث الآن. لقد تزعزعت أسس العهد: فالله المشهور بالرحمة والعطف والأناة (خر 34: 5) قد أطلق العنان لغضبه، فما عاد يقدر أن يغفر (3: 42). وهكذا تحوّل اليقين الإيماني إلى عدم وباطل عند بني إسرائيل. كانت مأساة المنفى مأساة سياسية واجتماعية، فزيدت عليها مأساة أهول ألا وهي ظلمة الإيمان.

3- طريق التوبة والارتداد
نظر شعب إسرائيل إلى الله نظرة غير صافية، ولكنّ هذه النظرة دفعته إلى التساؤل عن مسؤولياته الخاصّة. لقد استحقّ الشعب هذه المحنة لانه خان العهد. ويندّد الشاعر بمسؤولين (ملوك، كهنة، أنبياء) تخلّوا عن مسؤوليتهم فلم يفعلوا شيئًا. ولكنّه عرف أيضًا أنّ الشعب كلّه خان الله وداس العهد على مستويات عديدة، وهنا يكمن شقاء إسرائيل الكبير. وبعد أن يُبرز الكاتب الألم في الشعب وعداء الله له، يلقي الضوء على الخطيئة: يتألم إسرائيل بسبب خطيئته التي هي معصية وذنب ونجاسة وفساد (5:1، 8، ؛22،9 14:2 ؛ 3: 42؛ 6:4- 13، 22؛ 5: 16). لا بدّ من المرور عبر هذا الوعي ليظهر شعاع أمل في الأفق: فالارتداد العميق وحده (5: 20) يستطيع أن يردّ الشعب إلى طرق السعادة. 
لم يفقد الكاتب الرجاء وهو الذي تحدّث عن بداية ارتداد إلى الله: "لنفحص طرقنا ونختبرها. لنرجع إلى الرب " (3: 40). ويعبّر الشعب عن هذا الارتداد بأعمال توبة (ذروا التراب على الرؤوس، إلبسوا المسح: 2: 10)، وبالصلاة التي لا تنقطع: بسطت صهيونُ أيديها للصلاة (1: 17)، صرخت، ذرفت الدمع وهتفت (2: 18- 19). قال النبي: "لنرفع قلوبنا مع أيدينا إلى الله الذي في السماوات " (3: 41). وأعلنت صهيون: "دعوت باسمك يا رب من أعماق الهاوية. دعت صوتي فلا تصمّ أذنك عن صلاتي واستغاثتي " (3: 55- 56). ففي قلب المحنة تطلعّ أيّوب إلى الرب، وفي أعماق الشقاء صرخ الشعب إلى ذلك الذي يختبره لينقّيه كالذهب المصفّى.

3- اللفيفة الخامسة: أستير
يمتدح سفر استير، شأنه شأن سفر راعوت، امرأة من النساء. ولكنّ الإطار يختلف بين سفر وآخر. ففي أوّل لفيفة جعلَنا الكاتب الملهم في إطار بيت لحم الريفي وحدّثنا عن عائلة صغيرة. أمّا في سفر أستير فالمسرح هو قصر ملك فارس، والمداخلات تتمّ على المستوى السياسي، والقضيّة هي قضيّة الشعب اليهودي بأكمله. حدّثنا سفر راعوت عن الغريب ففتح العالم اليهودي على الشعوب المجاورة. أمّا سفر أستير فأدخلنا في عالم ضيّق. ما يهمّ الكاتب هو حياة الشعب اليهودي. فلا مساومة مع الغرباء، بل ملاحقتهم حتّى إفنائهم.

أ- الخبر
أقام الملك أحشويرش في قصره بشوش مأدبة دامت أسبوعًا كاملاً. وخلال هذه المأدبة طلب من الملكة وشتي أن تأتي اليه فرفضت. حينئذ طلّق الملكة وطلب من الرؤساء أن يكونوا حازمين مع نسائهم (ف 1). وبعد أن هدأ غضبه، بحث عن رفيقة له بين الأبكار الحسان المنظر (3:2) لتكون ملكة مكان الملكة المعزولة. وحظيت أستير وهي فتاة جميلة جدًّا (3:2)، برضى حارس النساء وحظيت برضى الملك فتسلّمت منه التاج الملكي (ف 2).
وكان نزاع بين هامان وزير الملك الأوّل، وبين مردخاي قريب أستير ومربّيها الذي رفض أن ينحني أمام هامان. غضب هامان من تصرّف مردخاي، فعزم على إيقاع الضرر باليهود. حصل على قرار ملكي بإفناء اليهود (ف 3). أعلم مردخاي أستير بهذا القرار الدنيء الذي أعلنه هامان وطلب منها أن تتدخل لدى الملك من أجل اليهود (ف 4). خاطرت أستير بحياتها وظهرت أمام الملك الذي لم يغضب عليها، بل وعدها بأن يمنحها حتّى نصف مملكته (5: 4). فضّلت أستير أن تعرض طلبها الحقيقي فيما بعد، في وليمة دعت إليها الملك يرافقه هامان. أمّا هامان فأخذ بنصيحة امرأته زارش وعزم على قتل مردخاي. فهيأ الخشبة لإعدامه. في الوقت عينه، تذكّر الملك أنّ لمردخاي دينًا عليه لأنّه أخبره بموآمرة تدّبر عليه. فأجبر هامان على تقديم أكبر إكرام إلى مردخاي عدّوه اللدود (ف 6). وكشفت أستير خلال المأدبة التي هيّأتها ما يحوكه هامان وطلبت العفو عن الشعب اليهودي الذي هو شعبها. لبّى الملك طلب أستير وأرسل هامان ليعلّق على الخشبة التي هيّأها لمردخاي (ف 7). وأعلن قراراً ملكيًّا جديدًا يلغي الإجراءت المعادية لليهود (ف 8) ويسمح لليهود بأن ينتقموا من الذين تسلّطوا عليهم. وأسّس عيد الفوريم للاحتفال بيوم الخلاص هذا (ف 9). وينتهي الكتاب بمديح الملك أحشويرش وبمعاونه مردخاي اليهودي.

ب- نصّ الكتاب
عرف سفر استير تاريخًا معقّدًا لم يعرفه أيّ سفر اخرمن أسفار التوراة. إن 11: 3 من الترجمة اليونانية تقول إنّ الكتاب دخل إلى مصر سنة 114. ثمّ إنّ 2 مك 15: 36 يعرف بوجود "يوم مردخاي " دون الإشارة إلى سفر أستير. إذاً كان خبر أستير معروفًا في ذلك الوقت، وقد يعود الأصل العبري إلى الحقبة المكّابية، بعد اضطهاد أنطيوخس أبيفانيوس بوقت قليل.
يقدّم لنا النصّ الماسوري (العبري) الصيغة الأقصر ولكنّ هذه الصيغة عَرفت بعض التصحيحات والزيادات (9: 20- 10: 3). إنّ 9: 20- 22 الذي ينسب تنظيم الفوريم إلى رسائل بعث بها مردخاي، لا يتوافق مع 9: 19 الذي يفترض أنّ الريفيين يحتفلون بالعيد. ويعُطي 9: 24- 26 أ ملخصًا فيه بعض الفجوات بالنسبة إلى الخبر الذي نقرأه في ف 1- 8: لا يحتفظ النص في الخاتمة (9: 25) إلاّ بمصير هامان. ويقول إنّ قرار إفناء اليهود اتّخذ بدون علم الملك (9: 25)، وأنّ أستير لم تلعب أيّ دور. ثم إنّ 29:9- 32 يردّد ما قاله 9: 20- 22، ويرجعنا 10: 1- 3 إلى حدث مستقل لا علاقة له بالعمل الرئيسي.
وللنصّ اليوناني قصّته الخاصّة. فنص السبعينية معروف في المخطوطات الكبيرة (الفاتيكاني مثلاً). تُرجم عن العبرية ترجمة أدبية ومتحرّرة، ترجمة يغلب عليها الإيجاز. غير أنّ النصّ يتضمّن ستّ زيادات مهمة تظهر طابعًا لاهوتيًا خاصًّا.
غاب اسم الله في النص العبري وظهر ما يقارب 50 مرّة في اليوناني. لعبت الصلاة دورًا حاسمًا في التزام البطلين مردخاي وأستير كما في تبدّل الحالة بالنسبة إلى اليهود. وتميّز النصّ اليوناني أيضًا بتفسير الأحداث على ضوء العناية الإلهية. نجد هذا التفسير في حلم مردخاي في البداية (رأى مردخاي ذلك الحلم). وما قضى الله أن يعمله وفي فك رموزه في النهاية (قال مردخاي: من عند الله كان كل ذلك. فاني أذكر الحلم). وهذه النظرة يشارك فيها الملك أحشويرش في الرسالة التي فيها يعيد الحرية إلى اليهود: لأنّ الله الذي يمارس سلطانه على الكون كلّه... ثم إنّ النص اليوناني الغى 9: 5 التي تقول: "وضرب اليهود جميع أعدائهم ضربة سيف وقتل واهلاك، وفعلوا بمبغضيهم ما شاؤوا". الغاها فخفّف من الصورة الدموية والانتقامية التي في النص العبري.
وهناك نص يوناني آخر طويل. إنه يُعتبَر شاهدًا على نص عبراني قديم يختلف عن النص الماسوري الذي بين أيدينا.

ج- استير بين الأسفار القانونية
كان من الصعب أن يدخل اس في لائحة الأسفار القانونية. فلم يكن الاتفاق عليه سريعًا بين اليهود. أما جماعة قمران فلم تعتبره سفرا قانونيًا: فمخطوطات قمران حملت إلينا نصوصاً من كل أسفار التوراة ما عدا أس. وطال الجدال بين الرابانيين حتى القرن الرابع ب م. أما في الجانب المسيحي فقد استصعب عدد من الآباء الشرقيين (مليتون السرديسي، اثناسيوس، غريغوريوس النازيانزي) قبوله. ورفض لوتر قانونية الزيادات، ولكنّه نشرها كنصوص منحولة بين أسفار العهد القديم والعهد الجديد. وعلى كل حال، يتردّد المسيحيون في استعمال كتاب يجهل كل شيء من المتطلبات المسيحية (محبة الأعداء، الغفران)، ويدعو إلى الانتقام حين يبتعد الخطر عن صاحبه.

د- الخلفيّة البيبلية
تذكّر الشرّاح مقاطع عديدة تصلح لأن تكون خلفيّة بيبلية لسفر استير. ونتوقف خاصة عند خبر يوسف (تك 39- 50) ونقابل 1 :3 مع تك 40: 20 ؛ 1: 21 مع تك 41: 37؛ 3: 10 مع تك 41: 42. من جهة الأسلوب. وعلى مستوى مسيرة الأحداث: حظيت استير برضى حارس النساء (9:2) كما حظي يوسف برضى قائد السجن (تك 39: 21- 23). إرتفعت استير إلى مقام ملكي في أرض غريبة فكانت الثانية بعد الملك (ف 2) ورفع الفرعون يوسف فوق كل أهل مصر وصار الثاني بعد الملك (تك 41: 39- 43). كل من استير (ف 4- 8) ويوسف (تك 45- 47) هب لمساعدة شعبه. ثم انّ الخبرين يتضمنان قراءة للأخبار على ضوء حضور العناية الالهية (ق 4: 14 مع تك 7:45-8؛ 20:50).
واعتبر شرّاح آخرون أنّ خر 1- 12 كان مثالاً اقتدى به كاتب اس. وربط آخرون مضمون اس بالتقليد الحكمي: رأى فيه رؤية ترسم بصورة ملموسة مبادئ الحكمة لدى الكتبة ورجال الحاشية.

هـ- تعليم سفر استير
ونندهش أمام اللاهوت الذي يقدمه اس. فهذا السفر لا يذكر اسم الله مرّة واحدة، ولا يكرّس للصلاة المكان الذي تستحقه. ويتوسعّ الكاتب في الحديث عن الولائم الملكية في قصر شوش (ف 1) أوفي حياة الصبايا اللواتي يشكّلن حريم الملك (ف 2). ثمّ اننا لا نكاد نصدّق أن يفرد كاتب ملهم مكانة واسعة للانتقام وطلب الثأر (ف 9)، إلى حدّ أنّ أستير طلبت من الملك يومًا إضافيًا (13:9 يستطيع فيه اليهود أن يفنوا كل أعدائهم. إذا وضعنا هذه التحفّظات جانبًا، نكتشف وجهين لاهوتيين في أس: إنّه خبر خلاص. إنّه يدلّ على تدخّل العناية في حياة أحبّائه.

1- خبر خلاص
نحن أمام رواية خياليّة ومعقّدة. ولكنّ الشيء الوحيد الذي يهتمّ به الكاتب هو النهاية السعيدة لليهود الذين نجوا من الموت فعيّدوا بالفرح والتهليل. ما يصبو اليه الكاتب هو "الفرج والخلاص "كما يقول مردخاي (4: 14)، و"حياة الشعب "كما تقول أستير (3:7). إذًا يروي الكاتب خلاصًا حصل بطريقة عجائبية وغير منتظرة، ساعة بدا كل شيء ذاهبًا إلى الدمار. إنّ سفر أستير هو مدارش حقيقي يصوّر، شأنه شأن سائر الأخبار البيبلية موضوع الخلاص: إنقلبت الأحوال فتحوّل الحزن إلى فرح، والنوح إلى يوم عيد (22:9).

2- العناية الإلهيّة
إنّ مفارقة اس هي أنّه يفترض أنّ الله حاضر في كل حدث من الأحداث. لاسيمّا في حدث الخلاص العجيب الذي تمّ ليهود فارس في الثالث عشر من شهر آذار. هذا ما يلمّح إليه كلام مردخاي: "من يدري؟ لعلّكِ لمثل هذا الوقت وصلتِ الى الملك " (4: 14)! نحن أمام ظرف (جا 3: 1 ي) قدّمه الله للحرية البشرية. وإذا كانت هناك محاولة لقراءة الأحداث على ضوء العناية الإلهية، فهي لا تنفي المسؤولية البشرية. أمّا النتيجة النهائية (انقلاب الوضع) فيرتبط بإلحاح مردخاي، بجرأة أستير، وبالإرادة الطيّبة لدى أحشويرش. كل هذا وقف بوجه مشاريع هامان الشرّيرة. أجل، إنّ العناية الإلهية تعمل في داخل الحرّيات البشرية.

و- خاتمة
بعد أن قُبل اس بين الأسفار القانونية، عرف شعبية خاصّة لدى اليهود الذين اهتمّوا به أكثر من اهتمامهم بالأسفار النبويّة. وقراءة هذا السفر اليوم هي مناسبة احتفالات يعبّرون فيها عن فرحهم الصاخب.
أمّا المسيحيّون فلم يعودوا كثيرًا الى اس لأنّهم اعتبروه كتابًا ضيّق الآفاق، دمويًا، ينظر بعين الرضى إلى أعمال تأباها الأخلاقية المسيحية. ونحن نفهم هذا الانزعاج في التقليد المسيحي بعد ان علّمنا يسوع ان نغفر لأعدائنا ودعانا إلى المُصالحة مع بعضنا بموته على الصليب (يو 12: 32؛ أف 2: 11- 17).
الفصل الثالث عشر
مشاريع الإنسان في سفر الجامعة

يتحدّانا سفر الجامعة(1) منذ آيته الأولى: "كلّ شيء باطل". وستتجاذبنا تأكيدات تبدو متضاربة فلا تزكنا في لامبالاتنا. تارة يكتب الحكيم: "قلت للضحك: فيك جنون، وللفرح: ماذا تنفع " (2:2)؟ ولكنّه يؤكد بعد ذلك بقليل: "مدحت الفرح" (15:8). بل هو يدعو تلميذه قائلاً: "فافرح، ايها الشاب " (11: 9). لماذا يمتدح الفرح ويدعونا إلى الفرح إن كان الفرح لا ينفع شيئًا؟ ونجد مثل هذه التضاربات (الظاهرة) بمناسبة الحديث عن وجهات الحياة المختلفة.
من أجل هذا نتساءل: ما هو معنى الكتاب؟ أي مفكّر هو هذا الحكيم الذي سّمي في العبرية "قهلت " نسبة إلى قهل أر الجماعة. قد يكون ترّأس الجماعة. لهذا سُمّي الجامعة (مؤنّث الجامع أي الذي يجمع الناس). وسمّي هذا الحكيم "الساخر" لأنّك تحسّ حين تقرأه وكأنّه لا يأخذ الأمور على محمل الجدّ. اي تعليم يقدّمه لنا سفر الجامعة؟

أ- من هو هذا الحكيم
1- هو فيلسوف
ينتمي إلى مدرسة الحكماء في التوراة ويقدّم لنا أفكاره عن الحياة. وكتابه يدخل في الأسفار الحكميّة. قال بعضهم هو متشائم(2)، خيّبت الحياة طموحاته، فبدا سلبيًا إلى آخر حدود السلبية: كل شيء باطل. "كأنّك تحاول أن تقبض على الريح" (1: 14). أجل، الإنسان متروك على أمره، لا مخرج له وهو يتوجّه إلى الموت(3). وشدّد البعض الآخر على الوجهة الإيجابيّة، فاستنتج أنّ "الحكيم " هو متفائل(4). وتظنّ فئة ثالثة أنّه واقعيّ(5). يقوِّم وجهتَيْ الحياة، عناءها وفرحها. "الخير هو في ما تراه العين " (6: 9). لا يستطيع الإنسان أن يعرف الأمور معرفة يقينية، ولاسيّمَا على مستوى الله، مهما قالت الحكمة التقليدية. لا يقدر الإنسان أن يكتشف أسباب عمل الله (3: 11). تبقى نوايا الله خفيّة على الإنسان، ولاسيمّا فيما يتعلّق بالكون: "جيل يمضي وجيل يأتي والأرض قائمة (لا تتحرّك) مدى الدهر. الشمس تُشرق والشمس تغيب... الريح تدور وتدور... جميع الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن " (1: 4- 7). يبقى هذا الحكيم هادئًا رغم ما تحرمه منه الحياة، ويطلب الفرح لا في ملذّات الحياة بل في الحكمة. يتصرّف كالعالِم: يتفحّص كل وجهات الحياة من زاوية المبادئ المحسوسة، ولكنّه لا يصل إلى نتيجة. فالحواسّ لا تكفي، والعلم لا يساعدنا على اكتشاف معنى الحياة.

2- هو عالم أخلاق
رأى آباء الكنيسة (إيرونيموس مثلاً) ومعلّموها (برنردس أو بونافنتورا) في "الحكيم " رجل جهاد وإماتة، رجلاً يعلّمنا التجرّد من كل ما ليس الله. الإنسان مدعو إلى السماء، لهذا كل شيء على الأرض باطل، ولا خليقة تُشبع قلب الإنسان. فمن تعلّق بها عدّ جاهلاً. هؤلاء الشرّاح فسّروا النصّ انطلاقًا من اعتقادهم بوجود آخرة(6). نشير هنا إلى أنّ الشعب اليهودي لم يعرف الخلود وقيامة الموتى والسعادة في الآخرة إلاّ في القرنين الأوّل والثاني ق م. نقرأ في دا 12: 2: "كثيرون من الراقدين (الموت هو رقاد ونوم) في تراب الأرض (يدفن الموتى في التراب) يقومون (يستيقظون): بعضهم للحياة الأبدية، وبعضهم للعار والرعب الأبدي ". وقال أحد الإخوة السبعة وهو يستعدّ للموت في سبيل إيمانه: "سنقوم لحياة أبدية" (2 مك 7: 9). وقال حك 3: 1: "أمّا نفوس الصدّيقين (الأبرار) فهي بيد الله، فلا يمسّها العذاب ". لا شكّ في أنّنا نستطيع أن نفسّر سفر الجامعة على ضوء ما نعرفه اليوم من علم الآخرة، ولكنّ "قهلت " (أو الحكيم) كان مسجونًا في هذا العالم، فوجب عليه أن يجد جوابًا على رغبته في السعادة. فالحكمة في أساسها بحث عن السعادة.
وقدّم آخرون شرحًا معاكسًا. قالوا: قدّم الحكيم سعادة تقوم بأن "نأكل ونشرب" (2: 24). كل ما خلقه الله هو صالح، وقد وضعه في تصرّف البشريّة التي ستنعم به في أمان. إنّ لعلمه الأخلاقيّ بعدًا رعائيًا: يعلّم الفرح(7)، يتكلّم عن الغنى، ويطلب الربح، ينصحنا بأن نقبل خيرات هذه الأرض وكأنّها عطيّة من الله. بل يدعو الشابْ لكي لا يحرم نفسه من أيّة لذّة في هذه الحياة: "سرْ حسب طرق قلبك (القلب هو موضع الفهم)، وحسب ما تراه (أو ترغب فيه) عيناك " (9:11). ويقول: تجنّب التطرّف لئلا تهلك، حتّى على مستوى البرّ والحكمة (7: 16). فليستفد الإنسان من لذّات الأكل والشرب واللبس والعطور: إذهب كل خبزك بفرح، واشرب خمرك بقلب مسرور، لأن الله رضي عن أعمالك. لتكن ثيابك بيضاء في كل حين، وليستفد رأسك من العطور. تمتعّ بالعيش مع المرأة التي أحببتها جميع أيّام حياتك الفانية (أو البالية، الباطلة) (9: 7- 9) "إن عاش الإنسان سنوات عديدة فليفرح فيها جميعها. ولكنّ الأيّام المظلمة ستكون عديدة وإنّ المستقبل باطل " (8:11). أجل، في نهاية الحياة، تحلّ الظلمة محلّ النور والحزن محلّ الفرح. ويبقى نمط آخر من اللذّة هو العمل: يتذوّق الإنسان السعادة في عمله، وهذا عطيّة من يد الله (24:2).

3- هو لاهوتي
إنّ لهذا الحكيم نظرة خاصّة إلى الله. تظنّه يتعلّق باللاأدرية فيعارض إمكانية الوصول إلى السبب الأوّل: لا يقدر الإنسان أن يدرك عمل الله منذ البداية إلى النهاية (3: 11). يقول إنّ الله يدين البشر، ولكنّ هذا الديّان لا يفرّق بين مصير البارّ ومصير الشرّير (أو البعيد عن البرارة)، بين مصير الحكيم ومصير الجاهل. "قلت في نفسي: ما يحدث للجاهل يحدث لي أنا (أنا الحكيم) أيضًا... الحكيم يموت كالجاهل "، أي تنتهي حياته من دون رجعة (2: 15- 16). فكأنّي بهذا الكتاب يُنكر الله ووجوده(8). ولكنّك تقرأ مقاطع تدلّ على أنّك أمام لاهوتيّ مؤمن: إتّقِ (عش في خوف) الله واحفظ وصاياه. هذا هو الإنسان. هكذا يكون الإنسان. فالله سيحكم على كل عمل، خيرًا كان أو شرًّا (13:12-14).
غنى كبير في كتاب صغير، وأقوال متضاربة في كتاب يبدو واحدًا منذ البدايةْ إلى النهاية. قالوا هناك كتّاب عديدون. جاء كاتب أخير فجمع ما كتبوا: التقي والحكيم، الفيلسوف المتشائم، الصادوقي الباحث عن اللذّة... وقالوا: إنه يورد الحكمة التقليدية ويردّ عليها، أو هو يحاور شخصًا آخر حقيقيًا أو خياليًا. وقالوا: بدأ بالتشاؤم وانتهى بالتفاؤل عندما تعلّق بالحاضر تاركًا الماضي (لم يعد له من سلطة عليه) والمستقبل (لم يصل بعد اليه). 
على كل حال، يبقى الكتاب سرّيًا، بل يبدو أمامنا كأنّه لغز(9). يشبه سفر أيّوب الذي ينتمي هو أيضًا إلى تيّار حكمي ينتقد النظرة التقليدية(10). قال شرّاح عديدون: تطرّق سفر أيّوب إلى الألم وسفر الجامعة إلى السعادة. وقال آخرون: تطرّق أيّوب إلى الظلم الذي يصيب البار المتألم، أمّا الجامعة فتحدّث عن عبث الحياة(11).
في الواقع، يعالج سفر أيّوب السؤال التالي: "كيف تتكلّم عن الله في ساعة الألم"؟ ننطق من نظرة سنكرونية أي نأخذ الكتاب كما يبدو لنا، كما يمسكه القارئ بين يديه مع كل تضارباته المزعومة(12). نحن ننطق من معطى مهم: لهذا الكتاب هدف. وهدفه تقويم مشاريع البشر وما يحدث لها. قد يحاول الإنسان أن يقود حياته بيديه دون الرجوع إلى الله، أن يبحث بحثًا قلقًا عن "الأكثر" عن "الأكبر". ولكنّ هذا الأكثر غير موجود، لهذا ستكون النتيجة: باطل الأباطيل: لماذا التعب؟ وقد يحاول الإنسان أن يقبل حياته من الله، أن يقبل العيش بحسب إرادة الله، حينئذ ستكون النتيجة سعادة يعطيها الله (9:9).

ب- هدف سفر الجامعة
يتضمّن الكتاب عنوانًا (1: 1) وخاتمة (12: 9- 14) يدلاّننا على شخصية الكاتب: "كلام قهلت (أي الحكيم) ابن داود، ملك أورشليم " (1: 1). إذن، ينسب الكتاب إلى سليمان بن داود. والفصلان الأوّلان يلمحان إلى حياة هذا الملك كما نقرأها في سفر الملوك الأوّل.

1- باطل الأباطيل
ويبدأ الكاتب كلامه: "باطل الأباطيل، يقول قهلت (الجامعة أو الحكيم). باطل الأباطيل. كل شيء باطل " (1: 2). وسيكرّر هذه العبارة في النهاية مع اختلاف بسيط: باطل الأباطيل، يقول قهلت، كل شيء باطل " (8:12، لم يكرّر العبارة الأولى). هذا ما يسمّى التضمين (تعود الكلمة في بداية الكتاب ونهايته فتشكّل وحدة أدبيّة تامّة). إذن، يبدأ الكتاب بكلمة "هبل " (ترد 5 مرّات في المقدّمة 30 مرّة في الكتاب كلّه). وهي تعني: العبث، الدخان، السراب، الفراغ، الباطل... الشيء العابر (في الزمن، لا يدوم) ولا قيمة له دائمة (في الحياة والوجود).
وعبارة "باطل الأباطيل " نحن نقول: نشيد الأناشيد أي أجمل الأناشيد وملك الملوك أي أعظم الملوك. باطل الأباطيل أي ذروة ما هو باطل. أهمّ شيء نضيعّ فيه وقتنا(13).
هذا ما يقوله الحكيم مرّة أولى ومرّة ثانية في 1 :2، ويدفع القارئ إلى أن يتساءل: أي شيء هو باطل؟ ويأتي جواب في نهاية الآية: كل شيء باطل. نلاحظ أنّ الكاتب لا يكرّر "باطل الأباطيل " في نهاية الكتاب (8:12) لأنّه يعتبر أنّ القارئ عرف الجواب على سؤال: كل شيء باطل.

2- كل شيء باطل
ما معنى كلمة "كل "؟ اللامحدود، المطلق، الشامل. أو: اللا محدود نسبيًا. مثلاً، حين نقول: "كل الناس رأوه " فنحن نعني كل الناس الحاضرين، وقد يعني الكل هنا كل الناس الذين اختبروا الحياة، الذين أعملوا الفكر والقلب. قد يستطيع القارئ في آخر الكتاب أن يجيب على هذا السؤال، ولكنّه لم يزل في البداية. إنّما يستشفّ أنّنا أمام كل نسبي، وإلاّ كان التأكيد الاحتفالي (تتكرّر العبارة مرّتين: باطل الأباطيل) والكتاب كلّه باطلين في ذاتهما. غير أنّ الحكيم متيقّن من شرعية فكره، وهذا ما تثبته الخاتمة (9:12- 12). فسنرى أنّ قهلت يتحدّث عن أشياء لا يعتبرها "باطلة" بطريقة أكيدة (17:3، 7، 11). فلو كان كل شيء (بالمعنى المطلق) باطلاً، لكان أفضل للقارئ أن يتوقّف عن القراءة لأنّها هي أيضاً باطلة. وقد يعني كل شيء "كل الناس " أوكل إنسان. إنّه يتكلّم عن مجمل الناس. ولكن يبقى القارئ أمام سؤالين: أي "كل " يعني؟ ولماذا هذا "الكل " هو باطل؟ ستقدّم له القرائن الأجوبة.

3- الفائدة والتعب
ويتوالى النصّ بسؤال: "أيّ فائدة للإنسان (للبشر، آدم في العبرّية مع التعريف) من جميع عنائه (تعبه) الذي يعانيه تحت الشمس " (3:1)؟ نحن هنا أمام سؤال حقيقي، لا سؤال خطابي نعرف جوابه المسبق (لا، ليس من فائدة). فكلمة "يترون(14)" (فائدة) لا نجدها في كل التوراة إلاّ في سفر الجامعة. هي كلمة مأخوذة من عالم التجارة: ربح شركة تجارية، ما يبقى لك بعد أن تحسم كل المصاريف. وكلمة "عمل " (راجع عمل في العربية) يتردّد كإسم وفعل: تعب، اشتغل شغلاً قاسيًا ودائمًا مع قلق فكري (مز 90: 10: حياتنا هي تعب وشقاء). وقد تعني الكلمة: ربح، استحقّ ثمرة عمله المضني، استحقّ نتيجة العمل، استحقّ الأجرة. كرّر الكاتب كلمة "عمل(15)" كما كرّر كلمة "هبل " فكشف عن وجهة مهمّة من فكره. يفكّر في العمل المضني، عمل "آدم " أي البشرية أوكل كائن بشري (رجلاً أو امرأة) يعيش هنا (على الأرض) "تحت الشمس ". هنا تعود كلمة "كل " فتربطنا بالآية السابقة وتشير إلى حدود "كل " التي نجدها في آ 2. إنّ الكل الذي يهتمّ به قهلت يمثّل النشاط المضني للبشر على هذه الأرض (9:1، 13، 14؛ 17:2؛ 17:8 ؛ 9: 3، 6). هذا السؤال الحقيقي مفتوح على أيّ جواب. قد يكون الجواب إيجابيًّا: نعم، هناك فائدة. قد يحصل أن يُنتج التعبُ المضني المالَ أو اللذّة أو نتيجة اخرى (فائدة بسيطة أو مهمّة)، وقد يكون سلبيًا: لا فائدة منه.

4- من البداية إلى النهاية
بداية جا (1: 2- 3) وخاتمته (12: 8) تتقابلان. نحن كما قلنا أمام تضمين (واحتواء): بداية سلبية تقابلها خاتمة إيجابية. وبكلام آخر، نقصُ البداية سيُملأ في النهاية. مثلاً، إذا كان الإنسان متزوّجًا في البداية فلن ننتظر خبر زواج يفترض إنسانًا غير متزوج. وهذا المبدأ ينطبق على كل نصّ حتّى ولو كان تعليمًا محضاً: يُطرح السؤال في المقدّمة وينتهي حين نجد الحل في الخاتمة. يبدأ جا مع نقص، مع علامة استفهام. يريد أن يعرف هل من فائدة للتعب المضني.
إنّ التحوّل الذي به يصل السلبي (في البداية) إلى الإيجابي (في النهاية) يمرّ عبر أربع مراحل: ما يدفع الإنسان إلى العمل. المهارة التي يحتاج إليها الإنسان ليعمل. إن امتلكها انتقل إلى تنفيذ المشروع. وهذا ما يتحقّقه في النتيجة. يتعلّق سؤال جا بالنتيجة، بالفائدة، بتنفيذ مشروع، بعمل الإنسان المضني. ولكي يجد الحكيم الجواب على سؤاله، عليه أن يتفحّص ما يفعله الناس. وهذا ما يفعله في الواقع: يلاحظ ويدرس "ما يُصنع تحت الشمس " (1: 9، 13). يتفحّص "كل نشاط مضنٍ ". ويصل إلى القول إنّه لا يحمل فائدة: "لا فائدة منه تحت الشمس " (2: 11). اذن، يستطيع أن يستنتج: "كل (الكل، مجمل) النشاط المضني هو باطل ".
لا يستطيع قهلت أن يصل إلى هذه النتيجة (الكل، كل شيء باطل) إلاّ بعد أن يتفحّصها. إذن، في نهاية الكتاب (12: 8). ولكنّه جعل الخاتمة في بداية كتابه (كما يفعل كتاب عديدون)، استبق الأمور فقال: "كل شيء باطل " (1: 2). كان لدى الحكيم حدس أراد أن يدرسه. وقد نستطيع ترجمة 1 :2: "يبدو لي أنّ كل شيء باطل ". 
إذن، يبرز سفر الجامعة كما يلي: الحالة الأولى. التحوّل (سؤال، جواب). الحالة النهائية. في الحالة الأولى: يبدو أنّ مجمل البحث القلق هو باطل (1: 2). ويطرح السؤال: ومع ذلك، أما يبقى شيء (3:1)؟ وبعد أن يتفحّص الحكيم مجمل المشاريع البشرية ينتهي إلى الجواب: لا، لا يبقى شيء. ونصل (بعد هذا التحوّل) إلى الحالة النهائية: إنّ مجمل البحث القلق هو باطل (8:12).

5- كيف يدرس الكاتب المشاريع البشريّة
هناك الجواب السلبي الذي يأتي سريعًا: كل شيء باطل. لا فائدة تُنتظر (2: 11)، ومع ذلك يتوالى الكتاب على مدى فصول عديدة (حتى 7:12). هنا نصل إلى مسألة التصميم: هو مجموعة خواطر(16). واكتشف البعض الآخر تصميمًا دقيقًا (17). من الواضح أنّ جا لا يشبه سفر الأمثال الذي يكتفي بجمع أقوال متفرّقة. ولكنّه ليس مقالاً يوسّع موضوعه حسب تصميم دقيق. هو بين هذا وذاك. يعود الموضوع عبر النصّ كلّه، وهذا ما تدلّ عليه الألفاظ والعبارات والجمل المتشابهة(18). ومنها السؤال الأساسي: "أيّ فائدة" (1: 3؛ رج 2: 22؛ 3: 9؛ 5: 10؛ 6: 8، 11)؟ هناك الأداة الاستفهامية "مه "= ما، ماذا؟ يستعملها قهلت عشر مرات مع ثماني مرّات حول السؤال عن الفائدة (ترد مرّتين في 8:6)، ويبقى نصان، 2:2: "ماذا ينفع "؟ ثمّ 12:2: ماذا سيكون الإنسان الذي يأتي بعد الملك؟ وصل الجواب سريعًا (2: 11). ولكنّ الحكيم يتابع بحثه فتمر كل المشاريع البشرية في الغربال.
ويتمّ الفحص على مرحلتين. في البداية شرح الحكيم في صيغة المتكلّم ما صنع (صنعتُ لي بِرَك ماء، 2: 5) وما قال في نفسه (قلت في نفسي، 1 :16). إنّ ضمير المتكلّم يسيطر على القسم الأوّل كلّه. ثمّ يتكلّم الحكيٍم عمّا رأى وعرف (صيغة المتكلّم)، عمّا صنعه الآخرون (صيغة الغائب): رأيت... إنسانًا رزقه اللّه (6: 1- 2). وينتقل إلى نصائح يوجّهها إلى آخرين (بصيغة المخاطب): إحذر (4: 17)، إفرح (11: 9). هذا يتيح له بادئ ذي بدء أن يقسم تفحص المشاريع البشرية إلى قسمين: اختبار شخصي واستنتاج شخصي (1: 12- 2: 26). ملاحظات وتوصيات للآخرين (3: 1- 12: 7). "باطل الأباطيل، قال قهلت ". قال هذا الكلام لنفسه (مونولوج)، وقاله للآخرين (حوار).
ولكن قبل أن يصل الكاتب إلى مشروعه الشخصي، يقدّم ملاحظة أولانية (1: 4- 11): ما يصنعه الناس الآن قد صنعه آخرون قبلهم، وسيصنعه آخرون بعدهم في المستقبل. وبعبارة أخرى، بعد أن روى خبرته الشخصية (القسم الاول) وما لاحظه عند الآخرين (القسم الثاني)، لن يعترض معترض: سيكون مشروعي مختلفًا. ستكون لي فائدة ونفع. يؤكّد الحكيم أن لا أحد يستطيع أن يخترع شيئًا جديدًا، ويستند إلى الطبيعة ليبرهن عن قوله. الأرض، الشمس (النار)، الريح (الهواء)، الماء. ونظام الطبيعة هو نظام الإنسان. ما يهمّ قهلت من الطبيعة هو أن توصله إلى مشاريع الإنسان العائش هنا "تحت الشمس ".

ج- نوعان من المشاريع البشريّة
1- اختبار شخصيّ واستنتاج شخصيّ (1: 12- 2: 26)
حين أراد الحكيم أن يجد جوابًا على السؤال عن الربح الذي يجنيه الإنسان من التعب الذي يتعبه، أخذ يتفحّص المشاريع البشرية. قال مرّتين إنّه سيدرس "كل" ما يصنعه الناس "تحت السماء" (13:1) أو "تحت الشمس " (1: 14). فكّر في القسم الأوّل بمشاريعه الخاصّة. لا ننسى أنّ هذا القسم يبدأ بالتأكيد على أنّ قهلت كان ملكًا (1: 12). نحن إذن، أمام مشاريع ملك، وهذا ما يعطيها قيمة خاصّة.

أوّلاً: مشاريع باطلة
عندما يلاحق الإنسان مشروعًا ما، فهو يهدف إلى اقتناء شيء له قيمته. أمّا الحكيم فلاحق مشروعين. المشروع الأوّل: الحكمة: "قلت في نفسي: ها قد عظّمت (جعلتها عظيمة، أكرمتها) الحكمة وأنميتها، أكثر من أي ملك كان قبلي في أورشليم. واختبرت الحكمة والعلم. واهتممت بمعرفة الحكمة، وبمعرفة الجنون والحماقة، فعرفت أنّ هذا أيضاً قبض ربح. من كثُرت حكمته كثُر غمّه، ومن ازداد معرفة ازداد ألمًا (1: 16- 18). المشروع الثاني: الغنى: "قلت في نفسي... بنيت لي بيوتًا وغرست لي كرومًا... واقتنيت العبيد والجواري " (2: 1-10). نستطيع أن نتكلّم عن الأفراح والخيرات الروحية، كما نستطيع أن نتكلّم عن الأفراح والخيرات المادّية.
تحاور الحكيم مع نفسه. "قلتُ في نفسي " (16:1؛ 2: 1). "قرّرت " (بعد نقاش) (3:2). لم يَدع الله الملك ليقوم بهذه المحاولة، ولم يدعُه بشر فالملك لا يتقبّل أمرًا من أحد. ثمّ إنَّه يمتلك كل الوسائل ليصل إلى هدفه. فمن يجرؤ على معارضته. بل، إنّ الكل يساعدونه. لهذا سينجح. لاحظنا أهمّية كلمة "كل " في بداية الكتاب. وها هو الملك يقول إنّه حصل على "كل " حكمة (1: 16)، على "كل " غنى (2: 5)، أكثر من أي انسان (أو ملك) كان قبلي في أورشليم (16:1؛ 7:2، 9). لم يحصل ملك على ما حصلت عليه. ولكن يشدّد النصّ على أنّ الملك قام بمجهودات ليحصل على هدفه. يريد أن لا ينقصه شيء. ويردّد النصّ في الآية الواحدة أو في الآيات المتعاقبة: صنعت لنفسي هذا أو ذاك (2: 4- 9). وتتنوّع الأفعال: بنى (2: 4)، غرس (2: 5)، صنع (2: 5). وكدّس (قهلت) الحكمة (1: 16)، والأموال (2: 8 مع الذهب والفضّة). وبكلمة أخرى، لم يَسقط هذا "الكل " من السماء كما يسقط المطر. فقد قام الملك بعمل مضنٍ . تَعِب قهلت، وها هو يفكّر في التعب الذي يتعبه الإنسان "تحت الشمس ".
وما كانت النتيجة؟ حين كان الحكيم يطرح مشروعه، أشار إلى النتيجة: "عرفت أنّ هذا قبض ربح " (17:1). ازداد حكمة وعلمًا فازداد غمًّا وألمًا (18:1). وقال عن الضحك: فيه جنون (2:2). وها هو قهلت يكرّس مقطعًا كاملاً للحديث عن النتيجة (2: 11- 22). ثمّ التفُتّ إلى (فكرت في) جميع أعمال، التفتُّ إلى الحكمة والجنون والحماقة. التفتّ إلى كل أعمال يدي، إلى كل التعب الذي تعبته (2: 11- 12). واستعاد العبارة التي أطلقها في بداية الكتاب (1: 3). يؤكّد الحكيم أنّ كل هذه المشاريع (غرس، بنى) هي نشاط مضنٍ . وتأتي الخلاصة بطريقة قاطعة: "كل شيء باطل وقبض ريح " (2: 11). إنّ عبارة "قبض ربح " تؤكّد ما قلناه عن "الباطل ". هو عابر لا يدوم. إذن، نصل إلى الخاتمة: "لا فائدة من كل هذا تحت الشمس " (2: 11). هذا هو الجواب على السؤال الذي طُرح في بداية الكتاب.
ويبرّر قهلت هذا الجواب ويظهر نسبيّته. حين نقول إنّ هذه المشاريع لا تحمل شيئًا للإنسان العائش تحت الشمس، تصبح موضوع هزء. فالحكمة أفضل من الجنون (13:2). والعمل الذي به نحصل على المال يمنح السعادة وبعض الفرح: هذا هو نصيب الإنسان، هذا هو جزاؤه (2: 10). ولكن تبرز نتيجة سلبيّة على هذه الأرض (تحت الشمس). فمن كثُرت حكمته كثُرت مسؤوليّاته وبالتالي همومه (1: 18). وهذا ما نقوله أيضاً عن الغنى. فالغني لا يقدر أن يرتاح حتّى في الليل (23:2؛ رج 5: 11). هناك الإيجابي وهناك السلبي أيضاً، وفي النهاية يأتي الموت الذي لا يميّز بين حكيم وجاهل، بين غنيّ وفقير (2: 14). ولن نحلم فنقول إنّ الناس سيتذكّروننا: "فليس من ذكر يدوم " (2: 16؛ رج 1: 11). إذن، زالت الحكمة مع الموت، والغنى لا يبقى لنا، لأنّه ينتقل إلى الخلف الذي يفعل به ما يشاء. سيتسلّط هذا الخلف على كل التعب الذي تعبته (العناء الذي عانيته)، على كل العمل الذي عملته بحكمة تحت الشمس. هذا أيضاً باطل. حينئذ يئس قلي (يئست) من كل التعب الذي تعبته تحت الشمس (19:2-20). تسيطرُ في كل هذا القسم كلمة "عمل " (تعب). مشروعنا ليس فقط عملاً بشريًا، بل هو تعب بشري وعناء، هو مجهود متواصل يرافقه القلق. بدأ قهلت تقديره للأمور بقول قاطع: كل الأبحاث المضنية لا تحمل ربحًا. إذن، كل شيء باطل (2: 11). وها هو ينهي تقديره بتضمين آخر يكرّر القول عينه ولكن بشكل سؤال خطابي (يفترض جوابًا سلبيًا): ماذا يبقى للإنسان من جميع تعبه ومجهوده (2: 22)؟ إنّ المشاريع البشرية تمنح فائدة محدودةْ. ولكنّها فائدة لا تدوم (هنا نعود إلى ما قاله آباء الكنيسة). فهل نعجب إن كره الحكيم مثل هذه الحياة (17:2)، مثل هذا العمل المضني (18:2)؟
النتيجة سلبية. إذن، كان المشروع رديئًا. يتواصل هذا البحث القَلق، هذا العناء المضني. أجل، صار العمل مصدر تعب وهموم. نحن هنا أيضاً أمام تضمين. تكلّم قهلت في 1: 13 (بداية القسم الأوّل) عن العناء الرديء الذي أعطاه الله للبشر، وها هو يعود إلى الفكرة عينها في 23:2. وهكذا سبَّق قهلت على استنتاجه. بدأ مشروعه فلاحظ أنّه وصل بنا إلى "لا شيء" إلى الباطل. فلام الله لأنه جعل في قلب الإنسان هذا العناء (13:1، هذه المهمّة، هذا العناء).
وهكذا يبرز القسم الأوّل حسب بنية منطقية:
* مشروع البحث (12:1- 15): عناء وتعب.
* مشروعان: بحث عن القيم الروحية (16:1- 18، الحكمة)، بحث عن القيم المادية (2: 1- 10، الغنى).
* الخاتمة: كل هذا بحث مضن، عناء وتعب (23:2).

ثانيًا: مشاريع نافعة
وجد الكاتب الجواب: لا فائدة من كل التعب. ويمكن الكتاب أن ينتهي هنا. ولكن ما يدهشنا هو أنّ قهلت يتابع البحث في المشاريع البشرية. لقد شجب البحث القلق عن الفائدة للحصول على "أكثر من الآخرين ". لإدراك الأفضل. وسيكون جوابه: "ليس أفضل للإنسان ". ويقدّم نمطاً آخر من المشاريع (2: 24- 26): "ليس أفضل للإنسان من أن يأكل ويشرب ويتذوّق السعادة في عمله. رأيت أنا أنّ هذا أيضاً هو من الله. فقد قال (الله): من يقدر أن يأكل ويشرب (أو ينعم) من دون علمي؟ إنّ (الله) يعطي الإنسان الصالح (الذي يرضى عنه) الحكمة والعلم والفرح. ولكنّه يعطي الخاطئ الاهتمام بالجمع والتكديس، فيعطيه هذا الخاطئ لمن يرضي الله. هذا أيضاً باطل وقبض ربح". (هناك من يقول: لا سعادة للإنسان إلاّ في أن يأكل ويشرب...).
توازي هذه القطعة بين الذي يرضي الله (الرجل الطيّب، طوب في العبرية)، وبين الخاطئ (حوطا في العبرية). أعطي الاثنان أن يعملا (لم يعطهما الرب شيئًا من الأشياء). أعطى الله الإنسان أن يعمل (آ 24)، أن جمل ويشرب (آ 25). إنّ الله يدعو الإنسان إلى العمل. وهذه العطيّة تفترض الكفاءة. فإن عَمِل الإنسان، وجد السعادة في مشروعه، في الأكل والشرب والعمل. هذان هما الحكمة والفرح اللذان ينعم بما من يُرضي الله (آ 26 أ). ومقابل هذا، يتوجّه الله إلى الخاطئ الذي أعطاه مهمّة لا أن يعمل بل أن يجمع ويكدّس. يعود بنا هذان الفعلان إلى اختبار قهلت الشخصي: جمع الحكمة (1: 16)، كدّس الأموال. ولكنّه فهم أنّ كل ما نجمعه ونكدّسه ينتقل في النهاية إلى آخر لا نعرف من أي نوع يكون. إذن، هذا المشروع هو باطل وقبض ربح. هذا هو العمل المُعطى للخاطئ. ظنّ قهلت في خبرته الشخصية أنّه يوجّه نفسه بنفسه، ولكنّه لم يفهم أنّ الله هو الذي يوجّه الفعل البشري. مثل هذا الإنسان هو خاطئ، وعمله لا يصل به إلى شيء. حينئذ يلوم الإنسان الله (1: 13. قال آدم: المرأة التي جعلتها معي، فلام الله تك 3: 12. ويقول الخاطئ هنا: الرب جعل هذه المهمّة للإنسان 1 :13).
يتعارض هنا نمطان من المشاريع البشرية، ويقدَّمان على أنّهما من عطايا الله. يُدعى الإنسان إلى العمل، والحياة البشرية تفترض مجهودًا. هذا يحسب نفسه موجِّه نفسه فيتعب ويعمل ليكدّس الحكمة والأموال، ليحصل على فائدة، ليبقى له شيء. وذاك يتعب ويعمل لا من أجل شيء يبقى، بل ليجيب على نداء الله. يأمل الأوّل أن يجد الحكمة والفرح في "زيادة" تتبع مشروعه. أمّا الثاني فيجد الحكمة والعلم والفرح (آ 26) في مشروعه نفسه (هو يعمل الآن، يحيا الآن). يمتلك معرفة الحياة وفرح الحياة (19) ولا يتعرّف إلى أتعاب الخاطئ الذي يقوم بمهمّته المضنية. فالحياة هي عبء للخاطئ وهي فنّ لمن عرف أن يعيشها جوابًا على نداء الله (أم 1: 5: يكتسب الحكمة دربة وفنّ توجيه حياته).

2- ملاحظات وتوجيات للآخرين (3: 1- 12: 7)
يمكن أن ينتهي الكتاب هنا، ولكنّه ينطلق انطلاقة جديدة. قدّم قهلت خبرته الملوكية الخاصّة كأنّها نموذج ومثال. وإذا كان الملك لم ينجح في الحصول على "زيادة"، فالآخرون لن ينجحوا أيضاً. وكان قد نبّهنا أيضاً أن لا جديد يمكنه أن يُصنعَ أيضاً. غير أنّه يوسّع نظرته على حالات أخرى. وهكذا يكون تعليمه أكثر إقناعًا. سنجد في هذا القسم الثاني المعارضة عينها بين نمطَيْ المشاريع اللذين وجدناهما في القسم الأوّل، وسنجد البراهين عينها.
ويتابع الحكيم برهانه: كل مشروع بشريّ يأمل في أن يصل إلى زيادة، هو مشروع باطل. وينتقد من جديد الذين يطلبون الغنى المادي ولا يضعون حدًّا لطبهم (5: 9: من يحبّ الفضة لا يشبع من الفضّة، ومن يحبّ الثروة لا تعود إليه الثروة). ويتحدّث عن الرغبة في أن يكون الإنسان بارًّا (صدّيقًا) بافراط (7: 16): يطب برّه الخاصّ وكماله وخلاصه كزيادة. ويشجب قهلت دومًا كل "زيادة وإفراط "، كما يشجب "أهل العَجَل والسرعة" (4:4، 8؛ لا تشبع عينه من الغنى، 5: 1: لا يعجّل فمك ولا يسارع قلبك، 7: 9، 16، 17؛ 3:8). نتحقّق أنّ هذا لا ينفع أحدًا (8:4)، وأنّ الزيادة لا تنفع (7:6)، ومع ذلك نتابع أتعاب نفوسنا. ويعود قهلت مرارًا إلى مسألة الفائدة (3: 9؛ 5: 10، 15؛ 8:6، 11). ولكن ماذا يبقى للإنسان (10: 11)؟ "عريانًا خرج من جوف أمّه، وعريانًا يعود إلى الموت " (5: 14؛ 6: 4). كل هذه الإفراطات باطلة ومدعاة للسخرية، ويُطرح بطريقة منتظمة سؤال آخر: من يدري، من يعرف (19:2 ؛ 3: 21؛ 8: 21)؟ فيعيد إلى بساط البحث كل مقتنيات الحكمة.
ويعود موضوع المشاريع النافعة (2: 24- 26) كردّة في القسم الثاني من الكتاب (12:3؛ 22:3 أ؛ 7:5؛ 15:8 أ؛ 7:9-9 أ؛ 7:11-12: 1 أ). وفي كل مرة، نجد عددًا من العناصر المشتركة: لا شيء أفضل، لا خير غير أن يدرك البشر(20). مشروع الأكل والشرب والعمل. هذه المشاريع يقدّمها الله. نجد السعادة في المشروع عينه (دائمًا أهمّية الحاضر يشدد قهلت على فعل عاش لا على الاسم المجرّد: الحياة). كان التفكيرفي المشاريع النافعة يقابل التفكير في المشاريع الباطلة. وحين يقول الحكيم "لا خير غير" فهو يعني أنّه يقابل شيئًا بآخر. نحن هنا في كل مرّة أمام ردّة تشكّل نهاية فكرة يتوسّع فيها الكاتب. وهذا ما يساعدنا على توزيع القسم الثاني (3: 1- 7:12) إلى ست قطعات تقدّم ملاحظات قهلت حول نشاط البشر.
القطعة الاولى (3: 1- 15) تبدأ: لكل أمر أوان ولكل غرض تحت السماء وقت. وتنتهي: فعلمت أنّه لا خير (آ 12). ينظر الكاتب في هذه القطعة إلى مجمل النشاط البشري من الوجهة السلبية والوجهة الإيجابية. "أعرف أن لا خير له إلاّ أن يفرح ويحصل على السعادة في حياته. ثمّ إنّ كلّ من يأكل ويشرب ويتذوّق السعادة في كل عمله، فهذا عطيّة من الله. أعرف أنّ كل ما يعمله الله يدوم مدى الدهر، لا يُزاد عليه شيء ولا يُنقَص منه شيء. وهو يعمل بحيث تكون خشيته أمامهم (أمام البشر). ما كان قبلاً فهو الآن، وما سيكون كان قبلاً، والله يُعيد ما مضى" (12:3- 15).
القطعة الثانية (3: 16- 22). تبدأ: "ورأيت تحت الشمس ". وتنتهي: "رأيت أن لا شيء خير من أن يفرح الإنسان بأعماله، لأنّ هذا هو نصيبه. فمن يقوده ليرى ما سيكون بعده".
القطعة الثالثة (4: 1- 5: 19). تبدأ: "التفتُ ". وتنتهي: "فرأيت أنّ الأحسن والأليق بالإنسان هو أن يأكل ويشرب ويتذوّق السعادة في كل العمل الذي يعمله تحت الشمس مدّة أيّام حياته التي يمنحها الله له. فإنّما هذا نصيبه. ثمّ إنّ كل إنسان رزقه الله غنى كنوزًا أو أباح له (سمح له) أن يأكل منها ويأخذ حظّه ويفرح بعمله، إنّما هذا عطيّة من الله. لا يفكّر بأيّام حياته لأنّ الله يشغل قلبه بالفرح " (17:5- 19).
القطعة الرابعة (6: 1- 8: 15). تبدأ: "شرّ رأيته تحت الشمس ". وتنتهي: "ليس للإنسان خير تحت الشمس غير أن يأكل ويشرب ويفرح. فهذا يرافقه في عمله خلال أيّام حياته التي منحها الله له تحت الشمس " (15:8).
القطعة الخامسة (8: 16- 9: 10). تبدأ: "لمّا وجّهت قلبي " (اعتنيت). وتنتهي: "كل ما تصل إليه يدك من عمل، فاعمله بكلّ قوّتك ".
القطعة السادسة (9: 11- 12: 7). تبدأ: "التفتّ فرأيت ". وتنتهي: "واذكر خالقك... قبل أن يعود التراب إلى الأرض حيث كان، ويعود الروح إلى الله الذي وهبه " (7:12). لم يظهر الإيمان بالقيامة في أيّام قهلت، ومع ذلك فهو لا يستسلم إلى التشاؤم ولا إلى اللامبالاة. يتذرعّ بالشجاعة وينتظر عودة الروح إلى خالقها.
نلاحظ تدرّجًا صاعدًا في طريقة عرض المشاريع النافعة. حين يعلن الحكيم للمرّة الأولى خبرته الشخصية، فهو يقدّمها كإعلان بسيط (2: 24). في المرّتين الثانية والثالثة أسبَقها بعبارة: علمت (3: 12)، رأيت (3: 22)، ليشدّد على قيمتها. ويزيد التشديد في المرّة الرابعة: "إليك ما رأيته أنا" (5: 17). وفي المرّة الخامسة: "فمدحت الفرح " (8: 15 أ). وفي النهاية يقدّم الحكيم نصائحه: بصيغة الأمر: اذهب، كل، اشرب (9: 7- 9). ويقول له: "تنعّم " (11: 9- 12: 1 أ). ونلاحظ أيضاً أنّ الردّة تتكرّر سبع مرّات (مرّة في القسم الأوّل، ستّ مرّات في القسم الثاني). فهذا ليس صدفة والعدد 7 هو عدد الكمال. لقد لعب العدد نفسه دورًا هامًّا في تصوير سعادة أيّوب الكاملة. وأشار قهلت إلى كمال المشاريع النافعة التي يدعو إليها قارئه.

خاتمة
تقع الحياة البشرية بين قطبين يفترض الواحد الآخر هناك أوّلاً نمط المشاريع الباطلة. يبحث الإنسان بكلّ قواه عن الزيادة ولكنّه يكتشف في النهاية أن شيئًا لم يبق. صار الكل باطلاً وقادنا إلى كره الحياة. يسمّي قهلت هذا الشخص: الخاطئ الذي لا يخاف الله (13:8). يوجّه حياته بحياته: "الإنسان هو سيّد الإنسان من أجل شقائه " (8: 9). 
ولكنّ هناك نمطاً آخر من المشاريع النافعة. يرى الإنسان القطبين ولكنّه يتوجّه بكل قواه إلى القطب الإيجابي ليجد سعادته لا في الزيادة والإفراط، بل في العمل (حين يعمل) وفي الحياة (حين يعيش). يسمّي قهلت هذا الشخص: البارّ، الذي يُرضي الله، الذي يعرف أنّ الله يوجّه حياته. وهذا يعدّه لقبول قطب الحياة السلبي، لأنّه يعرف أنّه هو في يد الله. أمّا سبب وجود هذين القطبين فيبقى امرًا سرّيًا. قد يكون جزءًا لا يتجزّأ من الإنسان الذي هو رجل وامرأة. كل تصرّف بشري يتأثّر بهذين القطبين: "أليس من بار على الأرض يصنع الخير دون أن يخطأ أبدًا" (7: 20)؟
النمط الأوّل هو الأكثر شيوعًا عند البشر، لهذا انطق منه الحكيم من أجل تفكيره: هل من فائدة؟ وانتهى إلى القول إنّ هذا المشروع باطل كلّه. حينئذ اكتشف المشروع النافع فأوصانا به. أن نقود حياتنا بنفسنا أو أن نقبل حياتنا من الله. أن نوجّه حياتنا أو نترك الله يوجّهها. هذا ما تجمله الآيات الأخيرة: "اتّق الله واحفظ وصاياه، هذا هو الإنسان كلّه " (13:12؛ رج 3: 14 ؛ 6:5؛ 18:7؛ 12:8-13). من يريد أن يوجّه حياته بنفسه يقدّم لنفسه المكافأة عن مشاريعه الخاصّة: إنّه يبحث عن الفائدة. ولكن إذا كان الله هو الذي يوجّه حياتنا، فهو الذي يكافئ: "الله يُحضر إلى الدينونة كل أعمال الإنسان " (14:12؛ رج 17:3؛ 9:11).
ينتمي سفر الجامعة إلى التيّار الحكمي الذي يقدّم لنا لاهوت الخلق. ونحن نجد في هذا الكتاب وضعًا يشبه وضع تك 2- 3. جعل الله البشرية (آدم) في الفردوس وما حصل عليه قهلت يشبه الفردوس (2: 1-. ا). في الفردوس طلب الله من الإنسان أن يعمل (تك 2: 15)، أن يأكل (تك 2: 16). هكذا يجد سعادته وينال العطيّة التي يمنحها الله لمن يرضيه، كما يقول جا. ولكنّ الإنسان طلب "الزيادة"، رغب في شجرة "معرفة الخير والشر"، طلب أن يتسلّط على كل شيء، كما طلب قهلت كل معرفة (16:1)، كل غنى (7:2). طلب أكثر من الآخرين لتكون له "الزيادة". أمّا نتيجة طلبه فكانت عملاً بشريًّا مضنيًا يحرمه من الراحة (تك 17:3- 19). تلك هي العطيّة التي يمنحها الله للخاطئ كما يقول سفر الجامعة.
وفي الختام، يقول لنا الحكيم: لا تتعلّق بالماضي فقد مضى، ولا بالمستقبل، فليس في يديك. عش الزمن الحاضر فهو لك. ويقول: اترك المشاريع الباطلة التي تريد فيها أن تتحدّى الله، تصل إلى الله، كما فعل بناة برج بابل. أمّا المشاريع النافعة فهي التي تجعلك أمام الواقع تتقبّله من الله وتسير فيه في مخافة الله.
الفصل الرابع عشر
كتابات إرشادية

نتوقّف في هذا الفصل الاخير من القسم الأول على أسفار طوبيّا ويهوديت وباروك ورسالة إرميا.

I- سفر طوبيّا
أ- النصّ اليونانيّ لسفر طوبيّا
وصل إلينا سفر طوبيّا في شكلين رئيسين، النصّ الطويل ويمثّله المخطوط السينائي الذي تتبعه الترجمة اللاتينية العتيقة. نص غنيّ بالتفاصيل ولكنّه يتضمّن فجوتين: 6:4 ب- 19 و 6:13 ب- 10 أ. وهناك من يفضّله بسبب نكهته السامية وخصائص أسلوبه، والنصّ القصير ويجد شاهدين رئيسيين في المخطوط الإسكندراني والمخطوط الفاتيكاني. لغته اليونانية تكاد تكون لهجة من اللهجات.
أخذت ترجمة المطبعة الكاثوليكية الحديثة بالنصّ الطويل، أمّا الترجمة الموحّدة (جمعيّات الكتاب المقدّس) فأخذت بالنصّ القصير.
لم يُكتب سفر طوبيّا أصلاً في اليونانية، بل يعود إلى أصل سامي. وُجدت منه بعض مقاطع فدلّت على أنّ الأرامية هي اللغة الأصليّة التي دوّن فيها.
تجعل المخطوطات الكبرى طوبيّا مع يهوديت وأستير وتجعله الشعبية اللاتينية في رأس اللائحة. جعلته كنائس الغرب في لوائحها القانونية منذ القرن الرابع. أمّا البروتستانت الذين اتّبعوا "القانون " اليهودي فرفضوه واعتبروه كتابًا منحولاً (من الأبوكريفات).

ب- تنظيم سفر طوبيّا
مسرح سفر طوبيّا هو الشتات الشرقي وبالتحديد نينوى وأحمتا. فهاتان المدينتان هما موضع لقاء بين العائلات، لا موضع مواجهات ملحمية كما في سفر يهوديت. ويدور الخبر حول ثلاث محن ستجد حلاًّ لها: مال لا بد من استعادته، عمى طوبيا، سيطرة الشيطان اسموداوس على سارة.

1- المطلع (1: 1-2)
اسم الكتاب: "كتاب أعمال طوبيط وهو يهودي من قبيلة نفتالي، سُبي في أيّام شلمنصّر ملك أشورية". منذ البداية نحن أمام خدعة أدبية. المهمّ لا التاريخ، بل الخبر التقوي.
2- المحن الثلاث (1: 3- 3: 17)
1 :3- 14: يبدو طوبيط يهوديًا تقيًّا: يحفظ الشريعة ويمارس الأعمال الصالحة. نجحت أعماله بفضل شلمنصّر، فاغتنى وأودع مالاً عند قريبه جبائيل في ماداي.
1: 15- 22: تبدّل الملك فتبدّلت حالة طوبيط إلى الأسوأ. وإذ دفن سرًّا أحد الموتى، أجبر على الهرب تاركًا أمواله. بعد موت الملك، استطاع أن يعود إذ نينوى بفضل تدخّل ابن أخيه أحيقار.
2: 1- 6:3: عاش طوبيط عيشة المنفى بظروفها الدقيقة (2: 1- 2). ثمّ حدث له حادث سلبه نظره. فأعاله أحيقار. واتّخذت حنّة امرأته لها عملاً، غير أنّها لم ترضَ عن أقواله في الفضيلة. هنا يذكر خبر أيّوب (أي 1- 2). وينتهي هذا القسم الذي يعرض محنتي طوبيط بصلاة باكية (2:3- 6).
7:3- 15: وفي ذلك اليوم عينه نقلنا الكاتب إلى أحمتا، إلى رعوئيل، قريب طوبيط. فابنته سارة ضحيّة الشيطان اسموداوس الذي يهلك أزواجها ليلة العرس. ونجد عناصر مشابهة لما نبي محنة طوبيط: تدخّل الجارية، طلب الموت، صلاة تنتهي بطلب: أن لا تسمع الشتائم بعد اليوم في حياتها (6:3- 15).
3: 16- 17: ويتدخّل الراوي في الكواليس فيدلّ على البطلين اللذين سيتغلّبان على المحنة.

3- الخلاص (4: 1-18:6)
4: 1- 20: ينطق العمل المسرحي من اهتمام طوبيط باستعادة المال الذي استودعه لدى جبائيل، في راجيس من أعمال ماداي (4: 1- 20، 20). أمّا الأقوال الحكمية فلا تتوافق كلّها مع النصّ. قد نكون أمام قطعة كانت مستقلّة، وأقحمت في هذا المكان من الخبر.
5: 1- 22: التقى طوبيّا (ابن طوبيط) بالمرشد الذي سيقوده إلى جبائيل قريبه (آ 1 - 8) وقدّمه إلى أبيه. شجّع الملاك طوبيّا مرّتين (آ 10)، ورحب طوبيط مرّتين بهذا المرشد (آ 14). ويأتي الحوار فيُلقي ضوءًا على الهوية العائلية والقبلية لهذا الشخص المجهول، ويظهر في اسم عزريا معنى للمهمّة الموكولة إلى هذا المرشد: الله يعين. تسيطر المفردات عن الطريق وعن التحيّة على هذا الفصل. كما نجد كلامًا عن حنّة، زوجة طوبيط: وبكت أمّه (آ 18) ثمّ "وكفَّت عن البكاء" (آ 22).
6: 1- 18: وحصل المسافران (عزريا وطوبيّا) على وسيلة لشفاء طوبيط وسارة. نجد تضمينين، الأوّل: ذهبا معًا (آ 2). ثمّ سارا معًا (آ 6). الثاني: هناك حديث عن الدواء (آ 7) ثمّ عن الشفاء (آ 9). طوبيّا هو أقرب الناس إلى سارة، ولهذا له الحقِّ الأوّل في أن يتزوّج منها. اعترض طوبيّا، فأجاب المرشد على الاعتراض وأعطى الوصفة لإبعاد الشيطان بصورة نهائية. حينئذ دخل الحبّ في قلب الشابّ.

4- الزواج في ماداي. نجت سارة من شيطانها (7: 1- 6:9)
7: 1- 16: وصل المسافران إلى أحمتا، فاستقبلهما رعوئيل، والد سارة، بحرارة (آ 1- 19). ولمّح الكاتب إلى شقاء طوبيط الرجل البارّ الذي يعطي الصدقات (آ 7) فذكّرنا بالمحنة التي ستجد لها حلاًّ في النهاية. وتقرّر الزواج في جوّ من الفرح (آ 9 ب- 13). قال رعوئيل لطوبيّا: كل واشرب (آ 10- 11؛ رج 7: 14؛ 8: 1- 20) وكأنّه يريد أن يبعده عن مشروعه. يقرّ رعوئيل بحقّ طوبيّا، ولكنّه يشير إلى عار سارة الذي يعترض على هذا المشروع. واتّخذ القرار أخيرًا بالعودة إلى شريعة موسى (آ 11 ب- 13). وامتدّ العيد (8:7: 1 أ). وشجّعت عدنه (عدناء) ابنتها وردّدت كلام الملاك لطوبيّا: "تشجّعي " (16:7 ؛ 10:5).
8: 1- 21: تتحدّد الوحدة الأولى بفعل "رقد" (آ 1، 8). اتّبع طوبيّا بدقّة تعليمات الملاك، فقام بالطقس الذي يطرد الشيطان. ثمّ أخذ العروسان يصلّيان معًا. وتتحدّد الوحدة الثانية بالحديث عن "قبر يُحفر" (آ 9)، و "قبر يُردم " (آ 18). وحين عرفوا بخلاص سارة ارتفعت صلاة المباركة. استعدّ رعوئيل لعرس يدوم 14 (2 × 7- عدد الكمال) يومًا، وتبنّى طوبيّا وقال له "تشجّع " مرّتين في آ 21، فكان لهذه الكلمة معنى غير الذي في 7: 16.
9: 1- 6: وعاد المال المودع، فانتهت محنة أولى فجعلت الفرحة كاملة مع حضور جبائيل الذي بارك العريس. وإذ تحدّث عن طوبيّا (9: 6) استعاد ما قرأناه في 7:7.

5- الزواج في نينوى. شفاء طوبيط من عماه (10: 1- 21:12)
10: 1- 13: نحن هنا على مسرحين مختلفين (نينوي وأحمتا) يوحّد بينهما العلاقات بين الوالدين والبنين. في نينوى: طوبيط هو حزين (آ 3) وحنّة امرأته تبكي وتنتحب (آ 4-7). وإنّ كلمات التشجيع التي يطلقها طوبيط تذكّرنا بالماضي (18:5- 22) وتهيّئنا للأحداث التالية: سترى عينا حنّة (5: 22)، بل إنّ عينَيْ طوبيط ستريان (ف 11). والملاك الذي أعلن عنه في 22:5 سيكشف عن نفسه في ف 12. في أحمتا: استأذن طوبيّا من حمَويه وأخذ معه سارة إلى نينوى. نكتشف في هذا المشهد نبل العواطف العائلية. وجاءت المباركة في النهاية.
11: 1- 18: وظهر رفائيل من جديد. وعادت عبارة "سارا كلاهما". وكان الكلب يتبعهما. كل هذا يعيدنا إلى 6: 1- 6. إنتظرت حنّة ابنها كما سينتظر الوالد ابنه الضالّ (لو 15: 20). ولمّا شُفي طوبيط رأى ابنه "نور عينيه "كما يقول النصّ السينائي، وبارك الله من أجل عظمته ورحمته. وهكذا شُفي طوبيط، وأعاد طوبيّا المال، وتزوّج بسارة (11: 15). واستُقبلت العروس بكلمات الترحاب التي وُجّهت إلى رفائيل (5: 14). وكان العيد في نينوى بحضور أحيقار.
12: 1- 21: كان الراوي قد أشار إلى هويّة المرشد (3: 16- 17) وها هو يكشفه الآن (12: 11- 15). ويعطي معنى ممارسات طوبيط وما قاساه من محن: إنّ الله يمتحن إيمان الأبرار ويكافئ أمانتهم. كل هذا يحيط به نداء ان لمباركة الله (آ 6- 7) وإذاعة أعماله (آ 17- 20) ويقدّم لنا هذا النصّ الأخير إشارات إلى وضع الملائكة: ونُلاحظ القول في آ 10: أمّا الذين يرتكبون الخطيئة والإثم فهم أعداء أنفسهم.

6- نشيد طوبيط والوداع (ف 13- 14)
13: 1- 23: يلعب هذا النشيد الدور الذي لعبه نشيد يهوديت في يه 16. يعلن أعمال الله الخيّرة تجاه طوبيط (دون ذكر لظروف حياته الملموسة) وأبناء إسرائيل. وتتكرّر الردّة في آ 2، 5، 9: "يؤدّب ويرحم ". ويتمّ الانتقال في آ 8 إلى موضوع أورشليم الذي يشرف على القمقم الثاني (آ 9- 23).
14: 1- 15: يشكّل هذا الفصل الأخير خاتمة الخبر. مات طوبيط بعد حياة طويلة من الأمانة لله. نصح ابنه فلجأ إلى ماداي، وسيشهد دمار نينوى قبل أن يموت.
إنّ لاهوت خطبة طوبيط الوداعية تشبه خطبة تث. أمّا المواضيع المدروسة فهي: الحياة والازدهار على الأرض يرتبطان بالأمانة. بعد الخطيئة والدينونة تأتي الرحمة. مخافة الله ومحبّته. لاهوت الذكر...

ج- تكوين كتاب طوبيّا
1- أصل الكتاب
نحن أمام كتاب مرتّب، ولكنّ تاريخ تدوينه متشعّب. فالصلوات العديدة التي تتوزع مسيرة الأحداث ترتبط ارتباطاً وثيقًا بمؤلّفات معاصرة. هناك بعض الأقوال الحكمية التي أقحمت إقحامًا (4: 3 ب- 19؛ 12: 6- 15). ورفضُ طعام الوثنيين ينتمي إلى دا لا إلى سائر سفر طوبيّا. لا توافق بين 1: 20 إلى يترك لي شيئًا بل صادر لي كل شيء) و 2: 1 (أقام مأدبة فاخرة). أمّا الإشارة إلى أحيقار فهي مزيدة (1: 21 ب- 22؛ رج 2: 10 ؛ 19:11؛ 14: 10). وفي البنية الحالية، يهيّئ المقطع الخاصّ بحنّة (2: 11- 14) صلاة 3: 2- 6، ولكنّه لا يتكيّف مع ما سبق. وكنّا ننتظر ردّة فعل طوبيط إزاء عماه. إذًا لسنا أمام نصّ دوّن مرّة واحدة، بل أمام كتيّب أساسي اغتنى تدريجيًا.
2- مراجع الكتاب
أوّلاً: المراجع اللا بيبليّة
هناك نقاط مشتركة بين طو وسيرة أحيقار الأشوري وأقواله (اكتشفت النسخة الأرامية في الفنتين- في مصر).
تقول الترجمة السريانية التي هي أقدم النصوص وأفضلها بعد نسخة الفنتين: كان أحيقار وزير سنحاريب وأسرحدّون. شاخ ولم يكن له أولاد. فتبنّى ابن أخيه نادين (يقابل ناتان الاسم العبري) وجعل الملك يرضى عنه ليخلف عمّه (كانت الوظائف الإدارية تنتقل من الأب إلى الابن). وعلّم أحيقار نادين تعاليم الحكمة. وهنا نجد مجموعة أقوالٍ مأثورة كما في طو 4: 4- 19 ستدخل في الخبر. ولمّا توظّف نادين في القصر خان سيّده فتنبّه أحيقار وأخبر الملك. حينئذ أراد نادين أن ينتقم فوشى بعمّه كاذبًا مفتريًا، فأعطى الملك أمرًا بإعدام أحيقار. ولكنّ الضابط الموكل بتنفيذ الإعدام، وكان أحيقار قد خلّصه في الماضي، لم يعدم أحيقار بل عبدًا متمرّدًا. واختبأ أحيقار حتّى اليوم الذي فيه تحسّر الملك على وزيره القديم. عاد أحيقار إلى القصر وأرسل نادين إلى الموت.
يساعدنا هذا الملخّص القصير على أن ندرك المشابهات والاختلافات مع طو. لا موازيات مباشرة بل مواضيع متشابهة. تذكّر الكاتبُ البيبلي قصّة أحيقار المعروفة في الأرامية، وتذكّر أيضاً خبر يوسف (تك 37- 50) فكيّفه حسب مخطّطه الديني. 
واستعاد طو مواضيع مأخوذة من الأخبار الشعبية جمعت في "الميت العارف بالجميل " و"العروس البائسة": كان غنيّ في سفَر. فرأى غرباء يسيئون معاملة جثّة رجل كان لهم مدينًا ببعض المال. دفع الدين ودفن الرجل دفنة كريمة. ولمّا افتقر ذاك الغنيّ، اتّبع نصائح عبد سرّي فتزوّج بابنة رجل غنيّ. أمّا العروس البائسة فقد تزوّجت خمس مرّات، وكان أزواجها يموتون ليلة العرس بواسطة حيّة تخرج من فمها. وقُتلت الحيّة على يد عبدٍ كشف عن نفسه أنّه روح الميت. لا شكّ في أنّ لسفر طوبيّا علاقات بالأدب الشعبي، ولكنّه يصل إلى بعد ديني عميق.

ثانيًا: تك 24 وسائر المراجع البيبليّة
نجد في طو مناخ تقاليد الآباء. وهو يذكّرنا بصورة خاصّة بمهمّة عبد إبراهيم الذي ذهب يطلب زوجة لابن سيّده إسحق (تك 24). نرى الموازاة بين الخبرين في بنية الحدث، وعادات مماثلة، ورباطات موضوعيّة وتلميحات. ويقع الخبران في إطار عيلة صغيرة على مفترق حياة الأب. غير أنّ طو يبدو أكثر تشعّبًا لأنه مزج خطوطاً إخبارية متعدّدة.
ويرتبط كاتب طو بأخبار تظهر أنّ نجاح العيلة والشعب يرتبط بالأمانة والطاعة كما حدث لإبراهيم. يورد طو 1 :6 عا 8: 10 ويؤوّل تك 18:2-20. أمّا تفسيره للمنفى فيرتبط باللاهوت الاشتراعي. وبمختصر الكلام، لا يُقرَأ طو إلاّ في جوّ كتابي.
3- الفنّ الأدبيّ للكتاب
بُني طو بناء جيّدًا فتحلّى بصفة أدبية ظاهرة. التضمينات عديدة والأخبار محبوكة. نحسّ وكأنّنا في دراما تترتب فيها اللوحات داخل كل فصل من الفصول. هناك فنّ الحوارات والطابع الحيّ للصور والدقّة السيكولوجية للوجوه.
ولكن ما هو الفنّ الأدبي لهذا الكتيّب؟ هل هو مدارش لأنّه يعود إلى الأسفار المقدّسة؟ ولكنّه تعليم وخبر، فسمّي خبرًا إرشاديًّا أو تعليميًّا.
طوبيّا هو خبر إرشادي بشكل قصّة. يلجأ الكاتب إلى الخدعة الأدبية ليقدّم إرشادًا وتعليمًا. وجعلنا في إطار يساعدنا على إعطاء محنة المنفى تفسيرًا لاهوتيًا، واخترع أشخاصاً يقدّمون لنا صورة عن المؤمن الحقيقي. إذا أردنا أن نقرأ النصّ قراءة تاريخية نلاحظ أمورًا غير معقولة، وغير مضبوطة، ولكنّنا حينذاك نخسر البعد الروحي للأشخاص والعبرة العميقة للنصّ. طو هو مثل يه قصّة لاهوتية. واهتمامه الإرشادي يجعله قريبًا من الأدب الحكمي: يتضمّن أقوالاً مأثورة وأمثالاً حيّة قريبة ممّا نجده في خبر يوسف (تك 37-50).

4- متى كتب الكتاب ومن كتبه
جاء سفر طوبيّا بعد زمن المنفى وهو يفترض آخر الطبقات الأدبية في البنتاتوكس. أمّا الممارسات التي يتحدّث عنها، فقد توسّعت تدريجيًا بعد المنفى. والنظرة اللاهوتية جاءت بعد ذلك. نحن لا نجد قبل المنفى الدور المعطى للملاك رفائيل.
ومن جهة ثانية، جاء طو قبل الحقبة المكابية. فنحن لا نجد فيه أيّ أثر للاضطهاد الديني الذي قام به أنطيوخس الرابع أبيفانيوس، ولا أيّ عداء للوثنيين. والرجوع إلى المنفى وإلى الهيكل في 14: 4- 6 لا يفرض علينا تاريخًا سابقًا للقرن الثاني ق م. قال الشرّاح القدماء: دوّن بين سنة 350 وسنة 170. وعاد البعض بطوبيّا إلى ما قبل الزمن الهلّنستي (مع الإسكندر الكبير). فالنصّ (5: 15) يتحدّث عن عملة داريوسية. ولكنّ قرب طو من سي يجعلنا نفترض أنّه كتب حوالي سنة 200 ق م.
بما أنّ الخبر يجرِي بين نينوي وأحمتا، قال البعض إنّ الكاتب هو من الشتات الشرقي. ولكنّه لم يكن دقيقَا في الحديث عن جغرافية تلك المنطقة. لهذا قال بعض العلماء: كان الكاتب من فلسطين. وقالت غيرهم: بل كان من مصر وكل هذا يبقى مجرّد افتراض.

د- التعليم في سفر طوبيّا
1- طرق الله رحمة وحقّ
لا يعطي طو تعليمًا نظريًا عن الله. فالوحدانية التي عرفها اليهود بعد المنفى أمر مفروغ منه. غير أنّ الكاتب يهتمّ بأن يبيّن كيف يكشف الله عن نفسه في علاقته بالإنسان. والنظرة إلى الله هذه تجد تعبيرًا مكثّفًا لها في بداية صلاة طوبيط الأولى (3: 2). هناك "الطرق " و"الأعمال "، التي تدلّ على مخطّط الله من أجل البشر لا يفتأ الرب يرشد البشر في وجودهم وحياتهم. إنّه معهم في الطريق.
طرق الله هي رحمة وحقّ. ونقرأ كلمة "صدقة" التي تحدّد ممارسة تضامن بشري. فالكلمة تعود إلى "حسد" العبرية التي تعني أيضاً الأمانة والصدق والنعمة. فعله طوبيّا هو إلى رحوم (3: 11) يتحنّن على أبنائه (8: 17)، إله الأمانة والحقّ، سند للمؤمنين وعادل في كلّ أعماله. إنّه الإله الذي يعاقب ويصفح (3: 9؛ 11: 15؛ 13: 2، 5، 9). وهذه الصفات التي تخصّهْ وحده تصبح واقعًا في حياة البشر، لأنّه يستطيع أن ينجح مشاريعه. إنّه يمنح "النعمة والسلام " (7: 11)، "النعمة والخلاص " (17:8).
لا يتدخّل الله مباشرة في أمور البشر، ولكن بواسطة ملاكه رفائيل. هذا شيء خاصّ بسفر طوبيّا وسيفتح الدرب أمام توسّعات مستقبلية عن الملائكة. ينتمي رفائيل إلى عالم السماء (3: 16- 17؛ 12: 11- 5) حيث يلعب دور المتشفعّ أمام مجد الله. أمّا تجاه البشر فهو يتّخذ وظائف تعود إلى الله. إنّه المرشد والقائد: "سيرافقه ملاك صالح ويكون سفره ناجحًا ويعود سالمًا" (22:5). معنى اسمه: الله يشفي. إنّه يعمل لخير البشر، فيخلّصهم من محنة المرض، ويربط الشيطان فلا يؤذيهم. ويعطينا الكاتب تحديدًا عن طبيعة الملائكة في 12: 16- 21.
وإنّ الصلوات التي تتوزع طو مملوءة بكلمات تدعونا لنحتفل بعمل الله المجاني والخيّر. ونكتشف أيضاً وجه الله في كلام المباركات.

2- السلوك في طرق الله
طوبيّا هو مثال الإنسان الذي سلك في طرق البرّ والحقّ (3:1) فاعترف له الناس بذلك (7:7 ؛ 9: 6). وموضوع الطريق والسفر يساعدنا على توحيد الخبر وربط أحداثه بعضها ببعض. وقد عوّدتنا التوراة، ولاسيمّا تث، على عبارة "سار في طريق الرب ". فهي تعود بنا إلى السلوك العامّ في حياة أمينة كل الأمانة لله. وطوبيط وأفراد عائلته هم صورة حيّة عن تصرّف ينتظره الكاتب من يهودي صالح في عصره.
ومع طو ستتكوّن عواميد ثلاثة في العالم اليهودي، الصلاة والصدقة والصوم. يشير 2: 4 سريعًا إلى الصوم. ولكنّه يشدّد على الصدقة في الخبر (3:1، 16؛ 2: 14 ؛ 14: 2 - 7، 10، 11)، وفي الأقوال الحكمية (7:4، 8، 10، 11، 16). وحين يذكر رعوئيل طوبيّا يشير إلى الصدقة (7:7). وينصحنا طو بالصدقة "التي تنجّي من الموت وتطهّر من كل خطيئة" (8:12- 9).
وتمثّل الصلاة مكانة مرموقة في الكتاب: صرخة في الضيق واستغاثة (3: 2- 6، 13 – 15؛ 8: 5- 7). أناشيد شكر ومباركة (8: 15- 19؛ 14:11- 15 ؛ 6:12؛ 13: 1- 9). فمن خلال صلوات مقولبة عرفها زمن ما بعد الجلاء، نكتشف مناخًا من الصلاة في محيط تبدو فيه العلاقة بالله طبيعية. الله يسمع طلبات مؤمنيه ويستجيبها. والصلاة تحتفل بأعمال الله وتخبر عنها.
وينصحنا طو بالأعمال الصالحة ولاسيمّا بالواجبات تجاه الموتى. فالأقوال التي يعطيها طوبيط لابنه تبدأ بطلب دفنة لائقة له ولامرأته حنّة (4: 3- 4). وإنّ خسران ماله وعماه يرتبطان بقيامه بهذا الواجب المقدّس (17:1- 19؛ 2: 7- 8). إنّ طوبيط يسير بحسب ما تعلّمه من التقليد (12:14-13).
والسلوك في طرق الله يعني حفظ الشريعة حفظاً دقيقًا. هناك فرائض أشرنا إليها. وستزيد التدوينات الأخيرة: الحجّ إلى أورشليم، دفع العشور (1: 6- 8). وهكذا نذهب أبعد ممّا يطلبه البنتاتوكس. ثمّ إنّ الزواج بين طوبيّا وسارة، يُعقد بحسب شريعة موسى.

3- الزواج والتضامن في العائلة
إنّ طو، شأنه شأن تقليدات الآباء، يجري في جوّ عائلي مُعطًيا للعلاقات بين الآباء والأبناء وجهًا مثاليًا. يهتمّ الوالدون بأبنائهم (18:5- 22؛ 10: 1- 13). ويُظهر الأبناء احترامَهم لوالديهم (7:10 ب- 9؛ 14: 11 ب- 15). نحن نرى هنا كيف تمارَس الوصايا العشر (خر 12:20؛ تث 16:5).
ويمتدّ هذا التضامن إلى العلاقة الموسّعة. فردّات الفعل عند رعوئيل (7:7- 9) كما عند جبائيل (9: 6) تدلّ على عمق العواطف وحرارتها. كل واحد منهم يتقيّد بالتزاماته تجاه أقاربه.
يُعقد الزواج في هذا المجتمع داخل العائلة، والحق يعطى أوّلاً للقريب الأقرب. إنّ هذا الباعث يحدّد تطور الخبر. حين قبل طوبيّا أن يتزوّج سارة رغم صعوبات تبدو منيعة، أظهر أمانته للشريعة وإيمانه بكلام المرسل الإلهي (6: 1- 18). فالطاعة للشريعة تستحقّ أن نخاطر بحياتنا (رج7: 11 ب- 13).
ويتضمّن طو تعليمًا عميقًا عن الزواج. نال طوبيّا زوجة بحسب الشريعة، ولكنّه تصرّف بدافع المحبّ (6: 18). وينظر الكاتب إلى اتّحاد طوبيّا بسارة لا من زاوية الأولاد الذين سيجيئون وحسب، بل من زاوية علاقة الرجل بالمرأة. طو هو تفسير تك 2 بطريقة تختلف عن نشيد الأناشيد. وأمّا نصّ تك 2 فيرد في صلاة العروسين ليلة زفافهما (8: 5- 7).

4- مستقبل الفرد والأمّة
نجد فكرة الموت في الكتاب مع تطوّر في النظرة إلى الآخرة كما عرفها زمن ما بعد المنفى. حين يموت الإنسان "يصبح ترابًا" (3: 6). وإن أرادت سارة أن تموت، فلكي لا تسمع من بعد كلام التعيير (3: 10). ثمّ إنّ واجب دفن الأهل دفنة لائقة أمر لا جدال فيه. ولكنّ طولا يقول شيئًا عن رجاء بحياة في الآخرة.
إنّ طو بعيد عن النظرة الإسكاتولوجية والمسيحانية. إلاّ أنّ الفصلين الأخيرين يتضمّنان رؤية نبويّة عن التاريخ تنبئ بتوسّعات جليانية لاحقة. سينتهي زمن المنفى، وسيُعاد بناء أورشليم والهيكل بأبّهة عظيمة فيدومان إلى الأبد. وسترتدّ شعوب الأرض كلّها ويجتمعون في أورشليم. لا يقول طو أيّ شيء عن الحياة الأخرى، ولكنّه يضع أمله في مستقبل الأمّة.

II- سفر يهوديت
أ - بنية سفر يهوديت
يقسم السفر إلى مجموعتين كبيرتين. يصوّر القسم الأوّل (ف 1- 7) حملات أليفانا العسكرية وردّة الشعب اليهودي على هذه الحملات. ويشكّل دخول يهوديت على المسرح وشيخوختها وموتها إطار القسم الثاني (ف 8- 16).

1- القسم الأوّل: اليهود بوجه السلطة الوثنية
كان نبوكد نصّر في عاصمته نينوى، ففكّر بمخطط يتسلّط فيه على الأرض كلّها. بدأ فأخضع أرفكشاد ملك ماداي، وعاصمته المحصّنة أحمتا (1: 1- 16). رفضت أمم الغرب الخضوع، فتبرّر تدخّل الأشوريين. وسلّم نبوكد نصّر الأمر إلى أليفانا القائد الأعلى لجيوشه (2: 1-13). وتقدّم اليفانا حتّى وصل إلى بيت فلوى، فوجد اليهود نفوسهم في حالة ميئوسة (2: 4 1- 7: 32). وتتسجّل الاحداث حسب الرسمة التالية:
- قام اليفانا بحملة واسعة فتغلّب على الأمم المتمرّدة، ووصل التهديد إلى اليهود (14:2-10:3).
- سمع إسرائيل بالخبر فخاف جدًّا. وأمر يواكيم شعبه بالاستعداد للحرب (4: 1-15).
- كان أحيور العمّوني في مخيّم الأشوريين، فنصحهم بألاّ يهاجموا بني إسرائيل إذا كانوا أمناء لإلههم. هذه الخطبة تحذّر كل مجابهة مع إله إسرائيل. غضب أليفانا على أحيور وطرده من المخيّم (5: 1- 6: 11).
- استقبلت بيت فلوى أحيور الذي عرّفها بقرار مجلس أليفانا. حينئذ رفع الشعب صلاته إلى الله (16: 12- 21).
- وولّدت استعدادات أليفانا الخوف لدى بني إسرائيل (7: 1- 5).
- بدأ أليفانا يحاصر بيت فلوى ويقطع المياه عن المدينة. لم يبق للشعب أمل بالنجاة، فطب من شيوخ المدينة أن يستسلموا. وينتهي هذا القسم في جوّ من الذهول (6:7- 32).
إنّ التحليل العميق يبرز المقابلات بين هذه المقاطع المختلفة: في تصوير الحرب، في الاستعدادات لها... يلعب أحيور دورًا واصلاً، فيؤمّن الانتقال بين مخيّم الأشوريين وبيت فلوى، ويطرح مشكلة الكتاب اللاهوتية. ونُلاحظ تقدّم الخبر. انطلقت الجيوش الأشورية لاحتلال الكون فدمّرت كل شيء في طريقها، ولكنّها تحتاج إلى الحيلة لتُخضع مدينة فلسطينية صغيرة ومجهولة. ويتطوّر موقف الشعب حسب الظروف. من روح المقاومة إلى روح الاستسلام.

2- القسم الثاني: يهوديت تخلّص شعبها
- يقدّم لنا الكاتب بطَلته في بضع آيات. هي أرملة من قبيلة منسّى، تقيّة وحافظة للشريعة. لهذا فهي جديرة بأن تتدخّل من أجل شعبها. أمّا جمالها فسيَكون ورقة رابحة في يدها من أجل إتمام مهمّتها (8: 1- 8).
- علمت يهوديت بالخبر فقرّرت أن تخلّص شعبها (9:8- 8:10). وحين التقت بشيوخ المدينة نددّت بجبانة الذين يريدون أن يجرّبوا الله، وهم لا يفهمون أنّ الله يجرّبهم. بدا الشيوخ وكأنّهم يثقون بصلاتها لا بعملها، ولكنّهم تركوها تتصرّف (9:8- 36). وبعد صلاة طويلة، استعدّت يهوديت للتدخّل "لمجد بني إسرائيل ولعظمة أورشليم " (10: 1-8).
- وتركت يهوديت بيت فلوى برفقة خادمتها (9:10- 10).
- يقع المشهد المركزي في المخيّم الأشوري بين يهوديت وأليفانا (10: 11- 13: 10 أ). وصلت يهوديت إلى مخيّم أليفانا بواسطة طلائع الأشوريين ثمّ بواسطة حرس القائد العام. أعجب أليفانا بحكمتها وامتدحها أعظم مديح (10: 20- 12: 4). واستعدّت يهوديت، وهي في أرض العدوّ، للعمل بالصلاة والمحافظة على قواعد الطهارة (12: 5- 9). وجاءت وليمة أليفانا فكانت المناسبة لها لتقوم بعملها الخلاصي من أجل شعبها (20:10-10:13 أ).
- وعادت يهوديت وخادمتها إلى بيت فلوى، وهي تحمل رأس أليفانا (13: 10 ب-11).
- نفذّت يهوديت مشروعها بأن تدمّر العدوّ (13: 12- 16: 20). أبرزت أمام أهل بيت فلوى الأسلاب التي حملتها في جوّ من المديح والمباركة، وعرضت مخطّطها. وسبّب الحدث ارتداد أحيور الذي اختُتن وقُبل في بيت إسرائيل (13: 12- 14: 11). أمّا المشهد التالي فيَحدث في المخيم الأشوري. رأى العدوّ أليفانا ميتًا فأخذه الرعب وهرب. فهاجم بنو إسرائيل الأشوريين. وتبدأ حفلة التعظيم بمجيء رئيس الكهنة (يواكيم) ومجلسه في بيت فلوى، وتنتهي بأناشيد الفرح في أورشليم (8:15- 16: 20).
- وكانت يهوديت معروفة في حياتها وظلّت معروفة في بيت فلوى حتّى مماتها. ولم يعد هناك من يرعب بني إسرائيل في أيّام ييوديت ولا بعد موتها بسنين كثيرة (16: 21- 25). 
- إنّ هذه المقاطع تنسج في ما بينها رباطات لغوية ومواضيعية عديدة. نجد في الطرفين معلومات عن يهوديت. هي تصلّي من أجل النجاح في 9: 1- 14، وتعلن هذا النجاح في 13: 14- 16. باركها عزيا في 8: 35 و 18:13-.2. تدخل الحرس قبل المشهد المركزي وبعده. أمّا موضوع جمال يهوديت وتأثيره فيملأ كل هذا القسم، كما كان موضوع الخوف مسيطرًا على القسم الأوّل.
وهناك علاقات بين قسمَيْ الكتاب. هناك مخطّط نبوكد نصّر (القسم الأوّل) ومخطّط يهوديت (القسم الثاني). ينتهي كل قسم بجوّ من الخوف. في القسم الأوّل خاف بنو إسرائيل، وفي القسم الثاني ارتعب الأشوريون وهربوا. وهناك وجه أحيور الذي يبرز في البنية العامة. وكانت شجاعة يهوديت الأرملة معاكسة لخوف رجال بيت فلوى (ف 1- 7). وإنّ الله قد خلّص شعبه بيدها.

ب- سفر يهوديت والتاريخ
1- المسألة التاريخية
يبدو يه وكأنّه خبر تاريخي. يعطي تواريخ محدّدة (1: 1، 13؛ 2: ا)، ويشير إلى حقبات من الزمن (16:1؛ 3: 10 ؛ 7: 20). وهناك أسماء أشخاص نقرأها في أمكنة أخرى: نبوكد نصّر، أليفانا، يوياكيم، عزيا. كما نعرف المدن المذكورة: نينوى، أحمتا، تفنيس، دمشق، صيدون، صور، أورشليم. ولكنّ هناك تواريخ غير مضبوطة، أسماء أشخاص أو أمكنة لم نقدر على التعرّف إليها ولاسيمّا مدينة بيت فلوى. وهناك بعض تفاصيل غير معقولة: (8:3؛ 7:4).
ولسنا بحاجة إلى أن نكون من المؤرّخين الكبار لنرى الأمور التي تشوّه التاريخ. فنبوكد نصّر كان ملك البابليين لا الأشوريين. وقد اعتلى العرش (سنة 605) بعد سقوط نينوى (612 ف م). والسنة الثانية عشرة لملكه تجعلنا قبل المنفى. وهناك عدد من الممارسات تفترض إطارًا يلي زمن المنفى. لم نجد ملكًا اسمه ارفكشاد. أمّا أحمتا فلم يحتلها نبوكد نصّر بل كورش. وإنّ لائحة الأمور غير المعقولة تدلّ أنّ هدف الكاتب لم يكن هدفًا تاريخيًا.

2- محاولات وجود حل
- افتراض تدوينات متتالية. فالمعطيات التي بدت أوّلاً متناقضة صارت نتيجة تدوين على مراحل عديدة، ضمّت أمورًا من الزمن السابق للمنفى، من الزمن الفارسي ومن الزمن اليوناني.
- استعمل الكاتب أبطاله كأرقام تعود إلى شخصيّات تاريخية. وقال أصحاب هذه النظريّة إنّ نبوكد نصّر يدلّ على أنطيوخس الرابع أو بومبيوس القائد الروماني أو الإمبراطور ترايانس.
- مزجت وثيقتان: خبر تاريخي عن حرب ملك وثني في الشرق، تبعها احتلال في الغرب (ف 1- 3) وهو أشور بانيبال أو ارتحششتا الثالث أوخوك (358- 338). أمّا خبر الخلاص الذي قامت به يهوديت فهو طويل جدًّا (ف 4- 16) ويتضمّن عناصر يونانية كثيرة.

3- عودة الأخبار إلى العناصر التاريخية
وهكذا اكتشفنا تنوّعًا في العناصر التي استعملها الكاتب، كثير منها يعود إلى الزمن الفارسي. هناك أسماء معروفة في تلك الحقبة: يهوديت، أليفانا، يوغا، يواكيم. ونجد كلمات من أصل فارسي: عمامة (كيداريس في 4: 15)، حكام (ساترابيس في 5: 2)، سيف (اكيناكيس في 13: 6).
وجدت أوستراكة أرامية من الزمن الفارسي مع الكتابة التالية: يهوديت بنت فلوى. وفي أوستراكة ثانية من الزمن الفارسي وجدت في مصر نقرأ: يهوديت بنت.
ولكن رغم كل هذا يعود يه إلى الزمن الهلّنستي وبوجه التجديد إلى الأزمة المكّابية. نحن نقابل موقف وأعمال يهوديت مع صلاة يهوذا المكّابي في 2 مك 23:15- 24. وهزيمة الأشوريين في يه 14- 15 تذكرنا بهزيمة نكانور في 1 مك 7: 44-50. والسلام الذي امتدِّ طويلاً بعد موت يهوديت يعكس حكم سمعان في ا مك 14. وإنّ نصّ يه 3: 8 يفترض دا 3: 4، 7. وعيد حنوكة (التدشين) هو قاسم مشترك بين دانيال وكتاب المكابيين.
أراد الكاتب أن يقسم الأحداث إلى اثني عشر شهرًا من حنوكة إلى حنوكة. ومن المعقول أن تكون سنوات ملك نبوكد نصّر اصطلاحية ومأخوذة من نصّ دانيال في السبعينية. أما يكون يه قد دوّن ليُقرأ في عيد حنوكة كما يقرأ سفر أستير في عيد الفوريم؟ 
وهناك عناصر تعود بنا إلى زمن الحشمونيين ولاسيمّا المدن التي لم يحتلّها بنو إسرائيل قبل يوحنّا هركانس (134- 104). أمّا النداء الموجّه إلى السامرة (4: 4) فيدلّ على أنّ تلك المقاطعة كانت قد ضمّت إلى أرض اليهودية (نهاية القرن 2 ق م).

ج- تأليف سفر يهوديت
1- قراءة ثانية للأسفار المقدّسة
يجمع الكاتب المعطيات التاريخية الضئيلة مع قراءة للنصوص البيبلية. قد لا نجد مراجع واضحة، ولكنّنا نجد العديد من النماذج. ونُعطي بعض الأمثلة.
إنّ نشيد الخروج (خر 15) قد أثّر في نشيد يهوديت (ف 16) وصلاتها (9: 2- 14). نستطيع أن نقابل يهوديت مع راعوت ومع أبيجائيل (1 صم 25: 1- 25). تذكّرنا طقوس التوبة بما فعله أهل نينوى (يون 3). وخطبة أحيور وارتداده يذكّراننا بما فعلته راحاب (يش 2، 6: 22- 25). واللجوء إلى الحيلة أمر معروف في التوراة: يعقوب ورفقة (تك 27)، شمعون ولاوي ضدّ شكيم (تك 34)، تامار (تك 38)، أهود (قض 3: 12- 30)، ياعيل (قض 4- 5). وخبر الحرب يذكّرنا بيوشافاط (2 أخ 20).

2- الفنّ الأدبيّ
إنّ الاهتمام بالفنّ الأدبي يساعدنا على فهم تعليم يه. فالسخرية تلعب دورًا هامًّا في بدء الكتاب وفي نهايته. كما نلاحظ فجوة أو تعارضاً بين وضع معطى وكلمات أو أعمال غير موافِقة ترافقه. فالأشخاص لا يفعلون ما ننتظره منهم. يهوديت هي امرأة جميلة ومرغوبة، ولكنّها تعيش في العزوبيّة منذ ترمّلها. هي غنيّة، ولكنّها تعيش حياة بسيطة. يستطيع أليفانا أن يحتلّ الغرب، ولكنّه يفشل أمام بيت فلوى المدينة الصغيرة. حسب أنّه يقدر ان يسيطر على أرملة ليس لها من يدافع عنها، فإذا هي تتغلّب عليه. وإنّ إيمان أحيور الوثني بحماية الله هو أقوى من إيمان بني إسرائيل. ظنّ نبوكد نصّر أنّه سيّد الكون، ولكنّ الأحداث برهنت عكس ذلك.
وهنا نتوقف عند تحفة أدبيّة هي الحوار بين يهوديت وأليفانا. رحّب بها أليفانا: "لن يضرّك أحد، بل يحسنون إليك " (11: 3- 4). إنّ لهذه العبارة نكهة خاصّة عندما نعرف الخبر كلّه. وهناك ملاحظة ليهوديت تتّخذ معنيين حسب الحالة التي يعيش فيها الأشخاص. "صارت حياتي اليوم أثمن من كل أيّام حياتي " (18:12).
والخبر مدروس بطريقة رائعة. أخّر الكاتب دخول بطلته فأعطاها عظمة وأبّهة. والجميع ينتظرون يهوديت بقدر ما يظهر الخوف عند الشعب والضعف عند المسؤولين. ثمّ إنّ لكل بطل طبعًا مميّزًا: يهوديت أو اليهوديّة (كما نقول: مسيحية) هي نموذج الضعف البشري والألم العظيم الذي يصيب شعبها. نبوكد نصّر هو نموذج العجرفة والإفراط في سلطة تريد أن تتساوى مع سلطة الله. أحيور هو نموذج الوثني الذي يرتدّ. أمّا ردّة الفعل عند الشعب فتعكس الظروف المتبدّلة. فالبكاء في ف 4 يصل إلى قمّته في صلاة ف 9، ويتحوّل إلى نشيد شكر في ف 16.
نحن لسنا أمام تاريخ بالمعنى العلمي للكلمة، بل أمام رواية ومقال إرشادي وتعليمي. انطلقنا من درس وجه نبوكد نصّر، فرأينا تقديمًا تاريخيًا لا يهدف إلى تصوير الأحداث التي حصلت، بل إلى التشديد على مقاومة إسرائيل لكل ما يعارض الرب (أنتي يهوه). فخلاص أورشليم العجائبي سنة 701 الذي ارتبط بعمل الرب ضدّ مصرفي سفر الخروج، قادنا إلى الحديث هنا عن رواية لاهوتية: هناك إطار كرونولوجي لا يوافق حقبة معروفة في تاريخ إسرائيل، وموادّ تقليدية، وموضوع صراع الله مع الكافر.

3- متى كتب سفر يهوديت وأين كتب
يرتبط يه بالأزمة المكّابية، لهذا جاء بعدها. ولكن لا يمكن أن يعود إلى القرن الثاني لأنّ إكلمنضوس الروماني (القرن الأوّل) يورد بعضاً من نصوصه. وتتّفق الآراء على القول إنّ المخطوطات اليونانية تعود إلى أصل سامي مفقود، وقد يكون أراميًا بل عبرانيًا. أمّا إطاره فالمحنة التي قاساها الشعب خلال اضطهاد أنطيوخس الرابع أبيفانيوس. وأمّا يهوديت فترمز إلى المقاومة التي انتصرت على الضيق الذي مارسه الحكم السلوقي التوتاليتاري. وهكذا نصل إلى اهتمامات دانيال وإن بوسائل مختلفة. ويبدو أن الكاتب اليوناني عمل في زمن الحشمونيين.
عرف الكاتب جغرافية فلسطين لا جغرافية المملكة. ولهذا يبدو أنّ يه ولد في فلسطين. هل نستطيع أن نعرف إلى أيّ تيّار يهودي انتمى الكاتب؟ إنّ أفكاره الدينية تجعله بين جماعة الفرّيسيين الأوّلين، وإن أهمل أفكارًا فرّيسية هامّة مثل قيامة الموتى وأهميّة الصدقة. 
لم يحتفظ القانون اليهودي بسفر يهوديت. جهله قمران ولم يذكره فيلون ولا فلافيوس يوسيفوس. تردّدت الكنيسة الأولى، ولاسيمّا الشرقية منها، بالأخذ به.
النصّ الأساسي هو النصّ اليوناني الذي هو ترجمة، كما يبدو. تمثلّه المخطوطات الكبيرة: الإسكندراني، الفاتيكاني. أمّا السينائي فمشوّه بعض الشيء. ونذكر أيضاً نصّ اللاتينية العتيقة. ويذكر إيرونيموس في مقدّمة ترجمته أنّه اهتمّ بالمعنى العامّ لا بحرفيّة النصّ، وأنّه أنهى ترجمته في ليلة قصيرة.

د- تعليم سفر يهوديت
1- سلطان إله إسرائيل على الكون كلّه
إنّ الصراع ضدّ سلطة توتاليتارية تؤلّمه نفسها هو في قلب يه. يبدأ الخبر بشكل ملحمي مع تردادٍ لألفاظ تعبّر عن "الكلية". وفي المرحلة الثانية يريد نبوكد نصر أن ينتقم من "كل الارض " (2: 1). ويعلن أنّه "الملك العظيم وسيّد كل الأرض " (2: 5) ويعتدّ بسلطان يده (2: 12). وتصل الأمور إلى حدّها حين يريد أن يفرض على الشعوب أن لا تعبد إلاّ نبوكد نصّر، وعلى كل لسان وأمّة أن تدعوه إلهًا (3: 8). ونقرأ التحدّي الكبير في 6: 2: "من هو إله ألاّ نبوكد نصّر". وينسبون إلى كلمته فاعليّة إلهيّة. وستردّد يهوديت بسخرية أمام أليفانا الهتاف: "يحيا نبوكد نصّر ملك الأرض كلّها" (11: 7). ماذا يعني هذا؟ إنّ الكاتب يشير إلى وضع اليهود أمام اضطهاد أنطيوخس الرابع أبيفانيوس.
وفي عصر الأزمة هذا، تُعلَن سيادة إله إسرائيل على كل الأرض. إنّه الرب الكلّي القدرة (بنتوكراتور) (4: 13؛ 8: 13؛ 5: 10 ؛ 16: 5، 17). إنّ الإله "المحطّم الحروب " (7:9؛ 2:16 ؛ رج خر 3:15). هو العظيم، المجيد، والعجيب بقدرته فلا يقوى عليه أحد (13:6). تقرّبه يهوديت سيدَ السماء والأرض، خالق المياه، وملك كل الخليقة (12:9؛ رج 18:13). وهي تذكّر شيوخ بيت فلوى أنّ مقاصده لا تُدرك (8: 14). هو الذي يوجّه الماضي والحاضر والمستقبل (9: 5)، ويحدّد المصير النهائي للأمم (17:16).
يبرهن أحيور للأشوريين عدم جدوى مشروعهم في تدمير شعب يكون أمينًا لإله هو مرشده منذ الأزل (5: 5- 21). فإله القدرة والجبروت هو محامي شعبه (9: 14). هو إله الوضعاء وعون المظلومين وسند الضعفاء وملجأ المتروكين ومخلّص البائسين (9: 11). أمّا انتصار الله على سلطان التضييق الوثني فسيكون خلاص شعبه.

2- تحرير بيد امرأة
واجه يه الأزمة عينها التي واجهها سفر دانيال وكتاب المكّابيين، ولكنّه اختلف عنهما فجعل من المرأة العامل البشري لخلاص الشعب. وهكذا ارتبط بتقليد دبورة وياعيل (قض 4- 5). يستغلّ الكاتب نمطيّة سفر الخروج وهو حدث مترسّخ في وجدان الشعب عبر خر 14- 15 الذي أعيدت قراءته: لقد حرّر الرب شعبه بيده، ولكن بيد موسى أيضاً. وهو يستعمل هنا يد يهوديت.
إنّ موضوع اليد حاضر في يه. نجد عبارة "في يد" في 6: 10؛ 22:7؛ 10: 5. يد شمعون مسلّحة بسيف منتقم (2:9). هناك يد نبوكدنصّر (12:2) ويد يهوديت. وبيد يهوديت يفتقد الرب شعبه (33:8) ويُتمّ مقاصده (3 1: 4). هي يد امرأة، يد أرملة (9: 9- 10؛ 13: 14- 15). وصلّت يهوديت إلى الرب لينظر إلى أعمال يديها. أمّا تأكيد أليفانا "في يدنا القوّة"، فهو جدير بالسخرية (رج خر 8:14، 16، 21، 26، 27، 30، 31).
إنّ تحرير إسرائيل بيد يهوديت هو انتصار قوّة الله في الضعف البشري. تحوّلت يهوديت إلى محاربة متسلّحة بجمالها فبدت وكأن لا سلاح لها أمام أليفانا. ولكنّ الضعف هو السلاح الأقوى حين يكون الرب عون المظلومين وسند الضعفاء. إنّه الفاعل الرئيسي في الحرب المقدّسة. ونحن نستطيع أن نُقابل يهوديت بأستير التي حرّرت شعبها هي أيضاً.

3- يهوديت رمز شعب إسرائيل
إختار الكاتب قصدًا اسم بطلته: يهوديت أي اليهودية. فهناك تماثل تامّ بين هذه المرأة وقضيّة شعبها. وهي واعية كل الوعي لما تتطّلبه هذه المقاومة (8: 21- 24). لا باعث على عملها إلاّ تعظيم أورشليم (13: 5). ويرينا إيّاها المشهد الأخير تُنشد نشيد الشكر"وسط كل إسرائيل " (15: 14). وحين أكملت مهمّتها، عادت إلى حياتها الهادئة.
ويهوديت هي رمز إسرائيل بإيمانها وحكمتها. تجاه الإسرائيليين اليائسين (7: 19؛ 8: 9)، كان موقفها موقف الثقة القويّة بالله، فدلّتهم على طريق الإيمان الحقيقية. واستطاعت أن تميّز بحكمتها مخطّط الله (8: 29)، وأن تتبنّى السلوك الواجب في هذه الحالة، وأن تجد الكلام المناسب (11: 8، 20). إنّها تجسّد الجواب الذي يجب أن يعطيه إسرائيل لأعمال الله المجانية.
ويهوديت هي أيضاً مثال الحياة اليهودية بالممارسات المُختلفة التي تقوم بها. هي تحيا ترمّلها بطريقة مثالية (8: 4- 6؛ 16: 22). اتّخذت إجراءات حكيمة لها ولقرابتها (23:16- 24). إنّها امرأة تقيّة (8: 31؛ 11: 17)، تخاف الله (8: 8) وتحافظ على الأصوام (8: 6) وطقوس التوبة (9: 1؛ رج 4: 9-10). ويضع الكاتب الصلوات على شفتيها في مراحل مهمّتها الكبيرة (9: 1- 14؛ 13: 4 ب- 5 ؛ 16: 1-17 مع الشعب). هناك مفكّرون يتحفّظون بالنسبة إلى الحيلة التي استعملتها، وهم على حقّ، أمّا التقليد فيعتبرها "قدّيسة" لأنّها حرّرت شعبها.

4- تعظيم أورشليم
يقودنا الكاتب من نينوى المتكّبرة إلى أورشليم المعظّمة عبر عمل يهوديت الشجاع. فماذا كانت بيت فلوى تمثّل رمزيًا أرض إسرائيل، فهي أيضاً المدخل إلى أورشليم، وتشكّل نقطة ستراتيجية هامّة. فلو استسلمت بيت فلوى لكانت أورشليم في خطر مع الأمكنة المقدّسة والهيكل والمذبح (8: 21- 24). لهذا تدخّل يوياكيم الكاهن الأعظم ومجلس الشيوخ منذ بداية الحرب (4: 4- 6). وفي المشهد الأخير، ينقلون العمل من بيت فلوى إلى أورشليم حيث يُنشَد نشيد الشكر وتُذبَح الذبائح (8:15- 16: 20).
استعادت صلاة يهوديت رغبات عزيا وشيخَيْ المدينة. فجعلت هدف مهمّتها تعظيم أورشليم (13: 4). ولكنّ العبارة ستطبّق على يهوديت في 9:15. وهكذا نكون بطريقة أخرى أمام تماثل بين يهوديت وشعبها. فوجه يهوديت يعود بنا إلى أورشليم التي كانت مع الهيكل الهمّ الأكبر للعائشين خلال الأزمة المكّابية.

III- سفر باروك
1- باروك سكرتير إرميا
باروك (= مبارك) هو اسم أشخاص عديدين في التوراة. وهو بصورة خاصّة اسم كاتب عاش في نهاية العهد الملكي، في أورشليم (ار 36: 32). هو ابن نيريا، وكان بقرب إرميا، بل سكرتيره الخاصّ الذي دوّن له أقواله وقاسمه اهتماماته الشخصية. ويمكننا أن نفترض أنّه كانت للاثنين أفكار مشتركة حول العلاقات مع الكلدائيين (أو البابليين الجدد). رج ار 3:42. من الممكن أن يكون سرايا الوزير شقيق باروك (ار 51: 59). 
كان دور باروك كسكرتير مهمًّا جدًّا (ار 36: اي). لن ندرس دوره هنا في تكوين سفر إرميا. وإذا جعلنا نشاطه المهني خارج اهتمامنا، تبيّن لنا أنّنا لا نعرف الكثير عن حياته. ظهر مع إرميا خلال شراء حقل في عناتوت (ار 12:32- 15). سمّي كاتبًا صالحًا (ار 18:36)، واحتفظ لنا النصّ بكلمة قالها (5 3:4). تدلّ هذه الكلمة على نفسيّة حسّاسة ومتألّمة وقريبة من نفسيّة إرميا. قال باروك: "زادني الرب غمًّا على ألمي. أعييت من تنهّدي ولم أجد راحة". فوعده الرب بالنجاة: "أهب لك نفسك غنيمة في جميع الأماكن التي تذهب إليها" (ار 45: 5).
ولكن إلى أين ذهب باروك؟ بعد موت جدليا سنة 586، حمل خصوم التفاهم مع الكلدائيين بالقوّة إرميا وباروك واقتادوهما إلى مصر، إلى تحفنحيس، في دلتا النيل (ار 43: 6- 7). هناك مات باروك، على ما يبدو. هذا ما يقوله التقليد اليهودي الذي يورده القدّيس إيرونيموس في شرحه لسفر أشعيا. ولكنّ تقليدًا آخر يرتبط بأدب الرابّانيين يقول: إنّ نبوكد نصّر، قاهر مصر، قد دعا إرميا وباروك إلى بابل، وهناك مات باروك لا يبدو التقليد الثاني قريبًا من المعقول، وقد وضعه الرابّانيون ليربطوا سكرتير إرميا بالمعطيات الموجودة في سفر باروك.
نسبت كتب عديدة إلى باروك. سنتكلّم هنا عن سفر باروك كما ورد في السبعينية، ونجعل جانبًا رسالة إرميا (الفصل السادس في اللاتينية الشعبية) التي ندرسها فيما بعد. هناك ثلاثة أقسام: القسم الأوّل (1: 1- 3: 8). القسم الثاني (3: 9- 4: 4). القسم الثالث ( 4: 5 – 5 : 9 ).

2- الشهود على نصّ باروك
لا نملك سفر باروك في العبرية ولا في الأرامية. لهذا سنتكلّم على الترجمات اليونانية والسريانية واللاتينية. إذا عدنا إلى السبعينية وجدنا باروك في كل المخطوطات الكبيرة (ما عدا السينائي). وهو بين إر ومرا. وإذا عدنا إلى السريانية نجده في الهكسبلة (بين إر ومرا) مع اختلافات نصّ تيودوسيون، ونجده في البسيطة حيث يسمّى "رسالة باروك الثانية". فالأولى هي "رسالة باروك للأسباط التسعة والنصف " وهو كتاب منحول عرفته السريانية وحدها. هل نقلت البسيطة النصّ عن اليونانية أو العبرية؟ يبدو أنّها نقلته عن اليونانية. ولا نجد نصّ باروك إلاّ في اللاتينية العتيقة، لا في اللاتينية الشعبية، لأنّ إيرونيموس رذله وقال: لا يقرأ ولا يوجد عند العبرانيين.

3- اللغة الأصليّة
هناك المعايير الخارجية. يجهل القانون اليهودي سفر باروك (تلمود بابل). وهذا الغياب عند اليهود يثبّته ايرونيموس (القرن 5) وأبيفانيوس (القرن 4). في القرن 3، لم يعرف أوريجانس مخطوطاً عبريًا لسفر باروك. ولقد قالت الهكسبلة السريانية: "رُتّب باروك كله حسب السبعينية". غير ان الهكسبلة السريانية أوردت أربع اختلافات وجدتها في تيردوسيون (1: 2؛ 8:1؛ 2: 29؛ 13:4). هذا يعني ان تيودرسيون ترجم أو صحح نص باروك. وهناك مخطوط يعيدنا إلى تيودوسيون وإلى أكيلا... كل هذا يدفعنا إلى القول إنّ النصّ الأصلي قد دوّن في العبرية. ونزيد على ما قلنا وجود نشيد يهودي أورده افرام المزعوم.
وهناك المعايير الداخلية التي تدلّنا على ان النصّ الأصلي هو عبري أو أرامي. نجد أخطاء في الترجمة. ولقد حاول بعضهم أن يعيد النص اليوناني الذي بين أيدينا إلى العبرية، فكانت محاولته ناجحة.

4- استعمال باروك لدى الآباء وإدخاله في القانون المسيحيّ
هناك تفسير لباروك لدى تيودوريتس القورشي وآخر دوّنه أولمبيودور. وقد احتفظت لنا السلسلات بمقاطع من تفاسير باروك.
والإيرادات الآبائية عديدة ولا سيمّا في القسم الثاني (خاصة 3: 36- 38): "هو إلهنا ولا يُحسَب غيره تجاهه. إكتشف كل الطريق الذي يقود إلى المعرفة، ودلّ عليه يعقوب خادمه وإسرائيل حبيبه. تراءى (أو تراءت. رُئي أو رئيت الحكمة) على الأرض وعاش بين البشر". يُعتبر هذا المقطع تصويرًا لسرّ التجسّد.
كيف دخل با في لائحة الأسفار القانونية الثانية؟ أورد الآباء با باسم إرميا. وهناك سببان: الأوّل: اعتبر البعض أنّ إرميا ألّف با بواسطة سكرتيره. الثاني: وُضع با حالاً بعد إر في السبعينية، فاعتبرا كلاهما كتابًا واحدًا. ولأجل هذا عومل با كما عومل ار.

5- القسم الأوّل (1: 1- 3: 8)
القسم الأوّل نثري، يتضمّن مقدّمة تاريخية وصلاة توبة. أمّا الصلاة فتبدو مركّبة من جزئين (2: 11: فالآن). إنّ 1: 15- 2: 10 يتحدّث عمّأ أصاب أورشليم والشعب، لا عن المنفى (ما عدا 2: 4). أمّا 2: 11- 3: 8 فيتركّز كلّه على المنفى. يوافق الجزء الأوّل أناسًا يقيمون في أورشليم، والجزء الثاني أناسًا يقيمون في المنفى. وفي الواقع، هذا ما نفهمه من المقدمة. 3:1 – 4: في بابل ، 14:1: في أورشليم. قبل 11:2 يتكلم النصّ بصيغة الغائب المخاطب (أنت). كل هذا يقودنا الى افتراض : دوّنت المقدّمة التاريخية بعد الصلاة بجزئيها اللذين كانا منفصلين.
يختلف 1:1 -2 عن 3:1 – 14. فمعطيات آ 3 – 4 توافق الحالة التي نعرفها بين سنة 597 (المنفى الأوّل) وسنة 568 (المنفى الثاني). غير أنّ 8:1 وضعًا لاحقًا لسنة 586 . رج أيضاً 2:1 (حريق الهيكل) . وذكرُ جماعة كبيرة في بابل بحضور يكنيا (3:1) يبدو عنصرًا مدراشيًا . والأمر واضح في 8:1 مع الدور المعطى لباروك في قضيّة الآنية المقدّسة التي سُلبت من الهيكل. 
هناك تشابهات بين جزئي الصلاة، وأهمّها العودة إلى السلطات: موسى عبدك (في الشريعة) من جهة، ومن جهة ثانية إرميا مع عبارة "عبيدك الأنبياء". بالنسبة إلى موسى والشريعة، يحيلنا با 20:1 الى تث 26:11 – 28 (رج أيضاً لا 14:26 – 39 ؛ تث 15:28 – 68). ويستعيد 23:2 لا 29:26 أو تث 53:28 يبدو با 29:2 – 35 مثل ايراد طويل للشريعة. ولكنّنا لا نجد هذا المقطع كما في البنتاتوكس ، بل نجد عناصره الرئيسية في تث 4 ؛ 28؛ لا 26. ونحن نبحث عن العهد الأبدي (با 35:2) في إر 31:31 – 33، وعن ذكر العبادة في زمن المنفى (با 32:2) في 1 مل 37:8 – 48. ثمّ إنّ نصّ 1 مل 46:8 – 53 = 2 أخ 36:6 – 39 و1 مل 33:8 – 34=2 أخ 24:6 – 25 يبدو متوازيًا مع با 29:2 – 35. فالنصّان يتوسّعان في الموضوع نفسه مع تسلسل العناصر المختلفة: الخطيئة ، المنفى والعدد القليل ، التوبة ، العبادة في المنفى ، الرجوع. أمّا العهد الأبديّ فنقرأ عنه فقط في با وار.
ويختبئ باروك ثلاث مرّات وراء سلطة "العبيد الأنبياء". ولهذا نقارب با 21:1 – 22 من إر 4:25 – 7؛ 15:35 ؛ 3:44 – 4؛ وبا 21:2 – 23 من إر 2:27 – 15؛ 7:7، 34، وبا 24:2 -25 من إر 1:8 . ونستطيع أن نقدّم نصوصاً يبدو فيها با قريبًا من تث أو إر. 
تنتمي صلاة التوبة هذه الى فن أدبي يعود أصله الى الزمن الملّكي وظلّ معمولاً به بعد العودة من المنفى. أمّا النصوص القريبة من باروك فهي: 1 مل 8=2 أخ 6؛ عز 9؛ نح 1؛ 9؛ دا 9. كل هذا يساعدنا على تحديد الزمن الذي فيه دُوّن با . نحن هنا أمام صلوات وُضعت في الزمن الفارسي. وهكذا يكون با قد دوّن في الزمن الفارسي أوفي الزمن الهلّسنتي، لا في أيّام المكّابيين.

6- القسم الثاني (3: 9- 4: 4)
هذا القسم هو القسم المُبتكر في الكتاب وهو قصيدة عن الحكمة. يستعيد بطريقة شخصيّة بعض مواضيع الأدب الحكمي. لا يهتمّ الكاتب بمصير الأفراد، بل بمصير الشعب كلّه. ينظر إلى إسرائيل في الوضع الحاضر (حلّ به الشقاء لأنّه تخلّى عن الحكمة. ولكن لا ذكر للمنفى إلا في 3: 10)، وفي المستقبل (يكون السلام والحياة الطويلة للشعب إن عاد إلى الحكمة. رج 3: 4 1). وفي الماضي: نجد في 37:3- 4: 1 ملخّصاً لكل تاريخ الوحي. وهناك تماثل بين الحكمة والشريعة (تورة). فالشريعة المعطاة في سيناء والحاضرة حضورًا ناشطاً وسط شعب الله هي كالحكمة الموجودة لدى البشر تبدو الحكمة مثل شخص حي، وهي على علاقة مع بني إسرائيل.
هل نستطيع أن نتكلّم عن سكنى الحكمة في السماء؟ يجب أن لا نفصل 29:3 عن الآية التالية. تتحدّث آ 29 عن السماء والغيوم، أمّا آ 30 فتتحدّث عن البحر. إذًا، لا يريد باروك أن يدلّ على حضور الحكمة في السماء أوفي عبر البحار. هولا يهتمّ بمكان وجود الحكمة بل بواقع خاصّ وهو أنّ الإنسان لا يقدرأن يمتلكها بقواه الخاصّة. أجل، يشدّد كل هذا الجزء على أنّ الحكمة ليست في متناول أيدينا. وإذ أراد با أن يعبّر عن هذه الفكرة، عاد إلى تث 30: 12- 13 واستعمل صوره ومنظوره العميق. تحدّث تث عن الشريعة، أمّا با فماثل بين الحكمة والشريعة.
وهذا العهد بين التاريخ والحكمة يدلّ على مناخ قريب من مناخ سي 24، ولكنّنا لا نجد في با شيئًا يوازي "مديح الآباء" في سي. ثمّ إن صورة الحكمة كوسيط بين الله والعالم (تمثّل مكانة كبيرة في أم 8 وسي 24) لا تظهر في با. فإنّ با يتكلّم فقط عن بعض أعمال الخالق (3: 32 ب- 35) بتفاؤل يشبه تفاؤل أي 38. وهو يهتمّ بمعرفة الحكمة أكثر منه باعتبار حول الكون والمخلوقات، وهذا ما نكتشفه من اعتباراته حول علاقات الإنسان بالله.
يؤكّد با بقوّة أنّ وحي الحكمة محصور في أرض إسرائيل، وهو بالتالي يتعارض في 4: 4 مع حك 8:9. ولكنّ النصّين يتّفقان على القول إنّ ما يرضي الله تعرفه إرادة الله وحدها.
ويستعيد باروك في خطّ هذه النظرة المحصورة موضوعًا آخر من الأدب الحكمي هو عجز الإنسان عن الدخول في أسرار الحكمة. يتوسّع في هذا الموضوع ويطيل، فيقدّم المادّة الاساسية (3: 14- 31) ويعطي روحًا جديدة للمجموعة متأثرًا بنصّ أي 38. يقول 3: 15: لا يجد الإنسان المكان الذي تُوجَد فيه الحكمة. ويتحدّث أي 38: 12، 20 عن الذي يعرف كل شيء. وإنّ با 3: 32 يذكّرنا بنصّ أي 38: 24 حسب السبعينية. هذه النظرة الوطنية الضيّقة تتعارض مع الشمولية المعروفة في الأدب القديم. مثلاً تعارض با 22:3-23 مع 1 مل 5: 10؛ ار 7:49؛ عد 8 الذين يفترضون وجود الحكمة عند الشعوب الغريبة. وهناك تقارب بين سي 1: 10؛ 7:17 (موقف معلّل) مع با. مثلاً با 3: 34 وسي 43: 10؛ با 3:4 وسي 49: 5. هنا عبارة "ينابيع الحكمة" (با 15:3 ؛ سي ا:25) وعبارة "بئر الحكمة" (با 12:3 وسي 1: 5 في بعض المخطوطات). هل استعمل باروك ابن سيراخ؟ الأمر ممكن.
وهناك عبارات تدلّ على أصالة با. يتحدِّث مثلاً عن "وصايا الحياة" (3: 9)، فيستعيد فكرة تقول إنّ ممارسة الوصايا تقود إلى الحياة. ويتكلّم في 4: 2 عن نور الحكمة. وإذ يماثل بين الشريعة والتوراة، فهو يعود إلى الفكرة القديمة التي تقول إنّ الشريعة نور (مز 105:119؛ أم 23:6).
إذًا، نلاحظ الطابع التقليدي والمبتكر لهذه القصيدة إن من جهة الأفكار وإن من جهة التعبير. ويعود تأليفها إلى الزمن اليوناني، وقد يكون الكاتب عرف ابن سيراخ. وهذا ما يجعلنا في بداية القرن 2 ق م (رج 16:3- 17 وما فيها من تلميح إلى الصراع مع الحيوانات في الحلبة على أيّام الرومان، رج دا 2: 38). ونشير إلى أنّ الإسكاتولوجيا غائبة عن باروك. فهو ينتظر عودة الشعب إلى الحكمة (3: 14)، ولكنّ هذا ليس بحدث يهدف إلى تبديل دور الحكمة ومكانتها وهي النشيطة في الشعب منذ سيناء. وإنّ مثال حياة الشعب (3: 14) هو وجود هادئ على الأرض. أمّا الأفكار عن الشيول فهي أفكار إسرائيل القديم (3: 11، 19). كل هذه الملاحظات تقودنا إلى القول إنّ المحيط الذي دوّن فيه با سابق للثورة المكّابية (167- 164 ق م).

7- القسم الثالث (4: 5- 5: 9)
هي سلسلة من قصائد صغيرة تعلن العودة من المنفى بشكل انتصار. نجد مقدّمة (4: 5 - 9) وجزءًا أوّل عنوانه: أورشليم المشخصنة تصوّر شقاء ها لجيرانها (أو جيران صهيون: 4: 9 ب- 16) ولأبنائها (4: 17- 29). وفي جزء ثان يتوجّه الكاتب الملهَم إلى أورشليم فيعلن شقاء الأعداء الذين سيُقهرون (4: 0 3- 35) ويصوّر عودة المنفيّين المجيدة (4: 36 -9:5).
هناك كلمة تتردّد: "تشجّع " (4: 25، 26، 27، 30). هذا يربطنا بأشعيا الثاني حيث نجد هذا النداء إلى الأمل متواترًا (أش 40: 9؛ 41: 10، 13؛ 43: 1). وجوّ الفرح أمام العودة القريبة هو نفسه في أشعيا (3:51، 11؛ 52: 9؛ 55: 12، 60؛ 3:61، 10) وباروك (23:4، 29، 26؛ 5: 9).
يتطلعّ كاتب هذا القسم الثالث إلى عودة المسبيّين من بابل، ويتطلعّ أيضاً إلى عودة المنفيّين في أيّامه (37:4 ؛ 7:5). وإذ يجمع هذين المنظورين يلتقي مع نصوص أش 43: 5 ؛ 49: 12؛ إر 8:31؛ زك 7:8؛ مز 3:107.

8- وحدة الكتاب
هناك فروقات عميقة تميّز أقسام الكتاب الثلاثة التي تمثّل ثلاثة فنون أدبية مختلفة: صلاة توبة جماعية فيها يتركّز الاعتراف (1: 15- 2: 10) حول الماضي. شعب يهوذا هو المسؤول عن قطع العهد، ولهذا فالضيق الذي أصابنا هو نتيجة خطيئتنا. تعود صيغة المتكلّم الجمع في آ 15، 17 (خطئنا) إلى سكّان أورشليم، أمّا المنفيّون فمذكورون في صيغة الغائب الجمع (2: 4- 5: أخضعهم). وبعد الاعتراف التوسّل (2: 11- 3: 8) يقودنا إلى زمن المنفى: يصلّي المنفيّون فيتوجّهون إلى الله بصيغة الخاطب. فوظيفة النفي في المخطّط الإلهي هي أن يعود بالشعب إلى نفسه فيتذكّر اسم الله ويرجع عن خطيئته. وتشهد الصلاة على استعدادات قلب المنفيين. لهذا فهم ينتظرون بثقة تحقيق وعد الله (2: 34- 35). 
القسم الثاني هو تأمّل في الحكمة. يتوجّه الكاتب إلى شعب إسرائيل المُشتّت في الامم. يدعوه في تحريض أوّل (3: 9- 14) إلى أن يعي أنّ سبب منفاه هو أنّه تخلّى عن ينبوع الحكمة. ثمّ يأتي توسيع (أو تأمّل) عن الحكمة التي لا نصل إليها. الله وحده يعرفها، ولكنّه يسلّمها إلى إسرائيل. فالحكمة هي الشريعة (3: 15- 4: 1). لهذا، يبدأ تحريض ثان (4: 2- 4): ليوجّه إسرائيلُ قلبَه إلى الحكمة.
وفي القسم الثالث (تحريض نبوي) يستعيد النبي تث 32، فيتوجّه أوّلاً إلى المنفيّين ليحرّضهم ويذكرهم بسبب سبيهم (4: 5- 9). وتتكلّم أورشليم (9:4- 29) كشخص حي (رج سرا 1: 1 ي) تشكو أمرها لجيرانها (آ 9 ب- 16) ثمّ تعزّي أبناءها (آ 17- 29): إد الله سيخلصهم ويقلب ألمهم فرحًا. وأخيرًا يتكلّم النبي (4: 30- 9:5) فيوجّه إلى أورشليم خطبة تحريضية تقترب مواضيعها من أش 40: 55 و 60- 62. يعلن أوّلاً عقاب الأعداء (4: 30- 35)، ثمّ يدعو أورشليم إلى الفرح مصوّرًا لها عودة أبنائها (4: 36- 5: 9).
المراجع البيبلية المستعملة هي تث وإر في القسم الأوّل، أي وسي في القسم الثاني، وأش في القسم الثالث. وهناك النظرة إلى الغريب التي تبدو مُتحفّظة في القسم الأوّل، ومعادية في القسم الثالث، ثمّ النظرة الحصرية إلى الحكمة في القسم الثاني. كل هذا دفع بعض الشرّاح إلى القول إنّنا أمام ثلاثة كتّاب لا كاتب واحد.
ولكن وعى شرّاح آخرون هذا التنوّع، وشدّدوا على وحدة الكتاب. قال أحدهم:
دوّن الكتاب مرّة أولى وأعيدت كتابته (زِيد 4: 5 ي). أمّا حركته فهي: صلاة، جواب الله، جواب أورشليم. وربط شارح آخر بداية سفر باروك بالليتورجيا التي يَحتفل بها الشعب في القرن 2 ق م: مثلاً عيد المظالّ مع الاحتفال بتجديد العهد.
ومن أجل البرهان على وحدة الكتاب نقدّم المعطيات التالية: الأفكار عن الحياة الأخرى هي هي في الأقسام الثلاثة. فالفكرة القديمة عن الشيول موجودة في 17:2 و 3: 11، 19. وينظر الكاتب إلى مستقبل الشعب في حياة هادئة على أرض الموعد. أمّا مصير الأفراد فلا يهمّه. وتهتمّ الأقسام الثلاثة بالغرباء بطريقة مختلفة، ولكنّها تتّفق أقلّه على نقطة واحدة: غياب كل اهتمام بحمل الرسالة إلى الأبعدين. ثمّ إنّنا لا نجد شخصاً مسيحانيًا في الأقسام الثلاثة. أمّا الحديث عن الحكمة في القسم الثاني فلا يأخذ بعدًا إسكاتولوجيا. وأخيرًا، إنّ الأفكار عن تأثير الخطايا على شقاء الشعب هي هي في كل الكتاب.

IV- رسالة إرميا
1- قانونيّتها
ترد رسالة إرميا كجزء من الكتاب المقدّس في أثناسيوس الإسكندراني وكيرلّس الأورشليمي وهيلاريوس أسقف بواتييه في فرنسا. ويشير بعض الآباء إلى مضمونها: قبريانس أسقف قرطاجة (آ5)، ترتليانس (آ 3 ي). وان فرميكوس ماترنوس يضمّ إلى كتابه أجزاء مهمّة من رسالة إرميا هذه.
تجعل الهكسبلة السريانية ومعظم المخطوطات اليونانية رسالة إرميا بعد المراثي، وعلى هذا المنوال يسير الآباء. ولكنّها تأتي بعد باروك في بعض المخطوطات اليونانية وفي السريانية البسيطة وفي اللاتينية العتيقة فتُحسب كأنّها ف 6 في سفر باروك. وهذا ما درجت على عمله ترجمات حديثة عديدة على خطى الشعبية اللاتينية.

2- النصّ والترجمات
لا اختلافات هامّة في نصّ رسالة إرميا الذي نجده في الإسكندراني والفاتيكاني... أمّا المخطوطة المكتوبة بالحروف الجرّارة فتتبع نسخة لوقيانس الأنطاكي. السريانية البسيطة تصرّفت في ترجمة النصّ اليوناني. أمّا الهكسبلة السريانية واللاتينية العتيقة فقد اتّبعتا النصّ اليوناني اتّباعًا متقنًا.

3- مضمون رسالة إرميا
تدلّ آ 1 على الكاتب (إرميا)، على الأشخاص الذين أرسلِت إليهم الرسالة، وعلى ظروف الرسالة: يتوجّه "النبي " إلى أبناء وطنه الذين سيسوقهم ملك بابل إلى السبي.
تتحدّث آ 2- 7 (في الشعبية 1- 6) بلغة التحريض. سيدوم المنفى حتّى سبعة أجيال: لا يتغلّب عليكم خوف الآلهة. حين تشاهدون شعائر العبادة التي تُقدَّم إليهم، جدّدوا إيمانكم بالربّ (بيهوه).
جسم الرسالة (8- 72 أو 7- 72 حسب الشعبية) هو مقال عن الأصنام التي هي باطلة وبالتالي عاجزة عن عمل أي شيء. لا يشكّل هذا الموضوع العام مادّة برهنة ما، والكاتب لا يتوسّع فيه توسّعًا منهجيًا. نحن أمام سلسلة من الاعتبارات لا رابط بينها بأسلوب مفخّم تارة ولاذع تارة أخرى. يُغطَّى الآلهة بالذهب والفضّة، وتُجعل عليهم الملابس الغنيّة، ولكنّهم لا يستطيعون أن يتكلّموا. كهنتهم يعرّونهم من لباسهم، والصدأ والسوس يأكلهم. يحملون سلاحًا ولا يستطيعون أن يدافعوا عن نفوسهم (آ 7- 14 أو 15 أ). يتلقّون كلام التجديف ولا يحسّون به (آ 15 أو 15 ب- 22). لا حياة فيهم ولا حركة (آ 23- 26). شعائر عبادتهم شائنة (آ 27- 32). لا يستطيعون أن يفعلوا شرًّا ولا خيرًا (آ 33- 39). لا كرامة لهم. يثق الناس بهم فتخيب آمالهم. وتُمارَس أمامهم أعمال لا أخلاقية (آ 40- 44). حياتهم محدودة لأنهم صنع أيدٍ مائتة. لا يعرفون كيف ينجون من أخطار الحرب (آ 45- 49). سيُنزع القناع عن عبادة الأصنام الكاذبة (آ 50 - 51). لا يستطيعون أن يهربوا من السارقين. هم أقل من الكائنات الجامدة والحيوانات والأشياء الوضيعة لأنّهم لا ينفعون في شيء (آ 52- 72).
تتكرّر هذه الاعتبارات بطريقة مملّة، ولكن تأتي عبارات تذكّرنا بالموضوع العامّ: "بهذا تعرفون أنّهم ليسو بآلهة. فلا تخافوهم " (آ 14، 22؛ 28، 64، 68). أو: "لماذا تسمّونهم آلهة" (آ 29 أ)؟ أو: "كيف نقول إنّهم آلهة" (آ 39، 44، 56)؟ أو: "أما يتّضح أنهم ليسوا بآلهة" (آ 51)؟

4- النقد الأدبيّ
نميّز في الرسالة مرجعين أخذ منهما الكاتب. الأوّل: التقليد البيبلي. لقد حارب الأنبياء ميلَ بني إسرائيل إلى العبادات الوثنية. ندّد رجال الله بهذه الضلالة ووبّخوا وهدّدوا (هو 13:4- 14 ؛ عا 4:2؛ إر 2: 5 ؛ حز 4:6- 7؛ مي 1 :7...). تتضمّن أقوال الأنبياء عناصر فكر لاهوتي سيستفيد منه الأدب الديني اللاحق. أمّا في أش 40- 55 فنجد هجومًا على العبادات الوثنية في إسرائيل، بل على الشرك البابلي: إنّ سقوط بابل وخلاص المنفيين يعلنهما أشعيا كأحداث قريبة، وهما يدلاّن على صدق أقواله السابقة وعلى قدرة ذلك الذي يقود التاريخ. ويتطلعّ أشعيا نحو الأصنام ويتحدّاها: هل تستطع أن تفعل ما يفعله يهوه (41: 21 ي؛ 45: 5- 7) ؛ ثمّ تأتي اعتبارات حول ضعف الأصنام وعجزها. مثلاً: الفنّان الذي يصنع تمثالاً (أش 40: 18- 20؛ 41: 6- 7؛ 44: 11 - 20 ؛ 46: 6). هذه التوسّعات هي تلك التي نجدها في رسالة إرميا أعني أنّ الأصنام باطلة وعاجزة. ونُلاحظ أيضاً تقاربًا بين رسالة إرميا وإر 10: 3- 16. وهكذا يتّفق أش وار ورسالة إرميا على هجومهم على عبادة الأوثان في بابل.
ولكنّ كاتب رسالة إرميا لم ينقل أش وإر نقلاً حرفيًا. فأظهر معرفة بالنظم الدينية في بلاد الرافدين حين تكلّم عن الآلهة، عن الكهنة وشعائر العبادة، عن نفسيّة المؤمنين. يقول الكاتب: يلبس الآلهة التيجان (آ 8) والملابس الغنيّة (آ 10، 19، 32، 57): ثياب أرجوان (آ 12) وكتّان (آ ا 7). يمسكون بيدهم الصولجان (آ 13) وفأس الحرب والسيف (آ 14). تتطابق هذه المعطيات مع ما تعرفه الحضارة الأشورية والبابلية والحثية.
ويقدّم الكهنة التقادم للأصنام (آ 26 ب). يبيعون مداخيل المذبح فيربحون المال الوفير (آ 27 أ). نعرف أنّ مائدة الآلهة كانت غنيّة. يحملون إليها الغنم والبقر والمعز والدجاج والسمك... والتقدمات النباتية: الحنطة، البلح، العسل، التين، الزيت... كان الكهنة يبيعون الفائض ويأخذون حتّى ملابس الآلهة. ويتشكّك الكاتب حين يرى الكاهنات في الهيكل وكنّ عديدات لدى الأشوريين والبابليين.
ويهزأ الكاتب بالوثنيّين: إنّهم يثقون بآلهتهم الذين لا يقدرون أن يقيموا ملكًا أو يعزلوه. نحن هنا أمام نظرة بابلية: الملك هو ممثّل الإله المنظور ووكيله. حين يتلّفظ الإله باسم الملك، يحدّد له مصيره ويعطيه رمز سلطانه. والآلهة لا يقدرون أن يخلّصوا أحدًا من الموت أو يعيدوا النظر إلى الأعمى (آ 35- 36 أ). كان البابليون ينشدون قدرة آلهتهم الذين "يقيمون الموتى ويشفون المرضى". والآلهة لا يستطيعون أن يخلّصوا الضعيف من يد القويّ، أو أن يحاموا عن اليتيم والأرملة (آ 35 ب، 37). كان البابليون يقولون: يحدّد الآلهة ما هو عادل وما هو ظالم. يقيمون الملوك ليحلّوا العدالة ويجعلوا النظام الأخلاقيّ سائدًا في الأرض. فقد دُعي حمورابي "لكي يخلق الحق في البلاد، ليزيل الشرّير والفاسد ليمنع القويّ من الاستبداد بالضعيف ". الآلهة مشترعون وهم بالتالي قضاة. فالإله شمش يرى كلّ شيء، وهو القاضي في السماء وعلى الأرض، وهيكله هو بيت ديّان العالم.

5- اللغة الأصليّة، كاتب الرسالة
قال بعض العلماء: اللغة الأصلية هي اليونانية وهي تتفوّق على لغة الترجمة السبعينية. ولكن يبدو أنّ اللغة الأصلية هي الأرامية أو العبرية بسبب ما نجد من تعابير سامية تتوزّع أقسام الكتاب.
ونتساءل: من دوّن رسالة إرميا؟ يدلّ العنوان أنّ كاتبها هو إرميا، كما يدلّ على الظروف التي فيها دوّنت. هناك من قال إنّ الرسالة دوّنت على يد إرميا أو على يد كاتب إسكندراني. ولكن جاء من رفض هذا الرأي وذلك منطلقًا من آ 2: "لماذا دخلتم بابل؟ فستكونون هناك سنين كثيرة وزمانًا طويلاً، إلى سبعة أجيال، وبعد ذلك أخرجكم من هناك بسلام ". فإذا كان الجيل يعد 40 سنة (7 × 40= 280 نطرحها من 538)، يكون الكتيّب قد دوّن سنة 258. ولكن كلنا يعرف الرمز المرتبط بالعدد 07 المهمّ أنّ الكاتب ينتظر عودة المسبيّين وتنظيم الشعب من جديد. هذا يعني أنّ الرسالة دوٌنت بعد عزرا الذي عاد بقافلة من المسبيّين سنة 398. ثمّ إنّ المدّة الطويلة التي يجعلها الكاتب قبل إعادة البناء في نهاية الزمن يتعارض والرجاء الحار في أيّام الفرس. هذا يعني أنّ رسالة إرميا دوّنت في الزمن الهلّيني. سقطت مملكة فارس ولم يتغيّر شيء من حالة التشتّت التي تعيشها القبائل. ففهم الكاتب أنّ المحنة الوطنية ستدوم أيضاً بعض الوقت. رأى أنّ عبادات بابل استعادت زهوها بعد فتوحات الإسكندر، فدوّن رسالته ليحذّر المؤمنين من سحر هذه العبادات. عاد إلى أقوال أشعيا وإرميا فحدّث معاصريِه عن آلهة هي "فزّاعة في أرض قثاء" وقال لهم: ستؤكل الأصنام فتكون عار البلاد. إذًا، من الأفضل أن لا يكون لنا أصنام لأنّنا نكون بمأمن من العار. تكفينا فضيلتنا.
القسم الثاني
المعنى المسيحي للعهد القديم

إطلّعنا على الكتب كما تتحدّث عنها التوراة، إلى المزامير وأسفار الحكمة والكتب الإرشادية. وها نحن نترك هذه الكتب لنصل إلى الإنجيل الذي هو كتاب الكتب، البحر الذي تصبّ فيه كل أسفار العهد القديم.
كل ما لا يجد كماله في العهد الجديد نستطيع أن نستغني عنه نحن المسيحيّين القارئين للعهد القديم. من أجل هذا كان القسم الثاني الذي يساعدنا على اكتشاف تمتمات الإنجيل في ما دوّن من أسفار قبل يسوع المسيح.
ويتضمّن هذا القسم سبعة فصول:
1- العهد القديم في مخطّط الخلاص.
2- العهد القديم وسرّ المسيح.
3- التوراة كتاب شريعة الله.
4- التوراة كتاب تاريخ الله.
5- التوراة كتاب مواعيد الله.
6- التفسير المسيحيّ للعهد القديم.
7- من العهد القديم إلى العهد الجديد.
الفصل الخامس عشر
العهد القديم في مخطط الخلاص

يتضمّن تدبير الخلاص مجمل الوسائل التي استعملها الله ليخلّص البشريّة الخاطئة. وهو يشمل كل حقبات التاريخ: منذ الخطيئة الأولى حتّي الدينونة الأخيرة. ومركز الثقل فيه هو الحدث الذي به تمّ الخلاص على هذه الأرض، أي: صليب يسوع وقيامته. فعلى الصليب، مات عالم قديم في ذاك الذي تضامن مع خطيئة البشر (روم 3:8: جسد يشبه جسدنا الخاطئ). وفي القيامة تدشّن عالم جديد في ذلك الذي شكّل باكورة الأموات والأحياء (1 كور 15: 20- 28). فهل من مكانة خاصّة للعهد القديم في هذه المجموعة الواسعة؟ وأين تقوم هذه المكانة؟
ونُجمل التعليم في بضع كلمات: يتحقّق مخطّط الله بالنسبة إلى خلاص البشر على مراحل في التاريخ البشري. كان خفيًّا منذ الأزل في الله. وبدأ ينكشف في العهد القديم. وقد أتمّه المسيح في ملء الزمن. لهذا سنُعالج في هذا الفصل مسألتين أساسيّتين. الأولى: ما هو مخطّط الخلاص، وما هي علاقته بالتاريخ البشري؟ الثانية: ما هي مراحل تحقيق هذا المخطّط على الأرض وأين هي مكانة العهد القديم؟

I- ما هو مخطّط الخلاص
تتضمّنِ فكرة الخلاص بوجهتها العامّة عنصرين، عنصرًا سلبيًّا وعنصرًا إيجابيًّا. حين نخلّص إنسانَا ننتزعه من خطر، ننجّيه من حالة الألم والمرض. هذا هو العنصر السلبي. وفي العنصر الإيجابي، يُقام الإنسان المخلَّص في وضع جديد يفترض الصحّة والسعادة والطمأنينة.

سننطلق من هذا الإطار العامّ ونعالج فكرتين، الأولى هي النظرة المسيحية إلى الخلاص: ما الذي يميّزها عن نظرة غير مسيحية؟ والثانية هي مخطّط الخلاص والتاريخ المقدّس. هنا نبحث في إطار الوحي عن علاقة مخطّط الخلاص بالتاريخ البشري.

أ- النظرة المسيحية إلى الخلاص
1- الخلاص في الديانات غير المسيحية
نبدأ فنقدّم ملاحظة منهجيّة: نترك جانبًا ديانات ترتبط بالوحي التوراتي دون أن تكون مسيحيّة. نعني بهذا الكلام اليهودية التي جاءت بعد المسيحية، حيث النظرة إلى الخلاص هي نظرة العهد القديم. نحن أمام وحي ناقص (سوف يكتمل في المسيح) قد تحجّر في بعض عناصره. ونعني أيضاً الإسلام حيث احتفظت فكرة الخلاص برنّة توراتية، بل يهودية، طوّرتها نظرة القرآن إلى الوحي والإيمان وإلى دور محمّد. وتبدو النظرة اليهودية والمسيحية في عمق أصالتها حين نقابلها مع المذاهب الوثنية الكبرى. ونتوقّف عند الديانة اليونانية والديانة البوذيّة. لماذا اخترنا هاتين الديانتين؟ لأنّ الإنجيل واجه في بداية تاريخه الديانة اليونانية، ولأنّ عليه أن يواجه في يوم من الأيّام عبقريّة بوذا الدينية.

أوّلاً: المقابلة الأولى: الخلاص في الديانة اليونانية
ليست الديانة اليونانية في جوهرها ديانة خلاص. تشبّهت بسائر الديانات القديمة، فجمعت منذ البداية عبادة القوى الكونية إلى عبادة المدينة، فاعتقدت بقدَر لا يرحم يرخي بثقله على قلب الإنسان. وهذا القدَر يفرض نفسه على الآلهة والبشر.
وجاءت ردّة الفعل على هذا التشاؤم حمله أفلاطون متأثّرًا بالعالم الشرقي. هناك أمل بالخلود. ولكن كيف تصوّروا هذا الخلود؟ تصوّروه داخل نظرة ثنائية إلى الكون والإنسان. فعالم الأرض الذي يلصقنا به الجسد، هو عالم الأشياء المتحرّكة، عالم الزمن والتاريخ، عالم الألم والشقاء. ولكنّ هناك عالمًا آخر، هو عالم الآلهة، عالم الطوباويين والسعداء، عالم الخالدين واللامائتين. هذا هو العالم الحقيقي لأنّه يفلت من قبضة القدر ولا يعرف التبدّل والتغيّر. ونحن لا نعرفه إلاّ بعد الموت، ساعة تنضمّ نفسنا الخالدة (هي شعلة من النار السماوية، كما قال الرواقيون) إلى العالم العلوي الذي كُوّنت في جوهرها من أجله.
إذن الخلاص في الخلود هو نجاة من العالم الحسيّ والتاريخي الذي يجعل نفسنا سجينة عنده. فالنفس إلهية في أساسها، وتشكّل الحياة على الأرض انحطاطاً بالنسبة لها. وتحوّلت هذه النظرة في الإطار الغنوصي (المبنيّ على المعرفة). فالخلاص بالغنوصية هو خلاص كوني، خلاص من هذا العالم. يجب أن نتنقّى من المادّة لنعيد طبيعة النفس الأثيرية (هي مثل الأثير). وهكذا نفلت من رباطات القدَر الذي لا سلطان له إلاّ على المادّة. فالأثير هو فوق الكواكب. وعندما نعيد إلى العنصر الأثيري نقاوته الأولى، نعيده إلى الله. ولكنّ هذه التنقية ليست على المستوى الأخلاقي. فليس هناك من تنقية من الخطيئة. فالنفس تنجّست ساعة اتّحدت بالجسد. وهي تستعيد نقاوتها بقدر ما تتحرّر من هذا الجسد.
إذن، الخلاص هو تفلّت خارج المحسوس والمتحرّك، خارج التاريخ. والسقطة هي سقطة النفس التي تصبح سجينة الجسد. وطريق النجاة مفتوحة أمام كل إنسان يستعمل التقنية التي تساعده على التفلّت من رباطات الجسد والحواس. هناك التأمّل على طريقة أفلاطون، والارتخاء على مثال الرواقيين، والطقوس السريانية، والغنوصية المحرّرة. وهكذا لا نجد هنا شيئًا علويًا، شيئًا يرتبط بعالم النعمة، ويفترض مخطّط خلاص يتحقّق في التاريخ. فلا خلاص في الديانة اليونانية إلاّ حين نفلت من التاريخ.

ثانيًا: المقابلة الثانية: الخلاص في تقليد بوذا
مهما كان تطوّر التقليد البوذي على مرّ الأجيال، فهو يبدو في كل الحالات على أنه "سبيل إلى النجاة". إذن، فكرة الخلاص عنصر أساسي عنده. ولكن ما هو هذا الخلاص؟ وممّ سينجو الإنسان؟ من وضع يربطه بالالم، لا في هذه الحياة الحاضرة وحسب، بل في الولادات المستمرّة التي يخضع لها. ففكرة نجاة بالموت كطريق عبور إلى عالم سعادة، أمر غير معقول. فالموت هو عبور إلى مرحلة أخرى من مراحل الصيرورة. فالمسألة المطروحة هي: كيف نُفلت من هذه الدائرة؟ كيف نخرج من دولاب الولادات؟ كيف ننجو من الصيرورة والوجود الذي يربطنا بها؟ كيف ننجو من الألم الذي ينتج عن هذه الصيرورة؟
لن نبحث عن "سبيل النجاة" هذا لا في الفلسفة، ولا في الشعائر الطقسية ولا في الحياة النسكية. لا وسيط في البوذية. فبوذا المستنير هو معلّم يشركنا في اكتشافه ويدعونا لكي نقوم بأنفسنا بهذه النجاة.
هناك رغبة في الحياة، رغبة في السعادة، رغبة في كل ما يربطنا بعالم الظواهر. وهكذا يجتذبنا دولاب الصيرورة. فإذا أردنا النجاة، أمتنا فينا هذه الرغبة. أمتنا العطش إلى الأشياء، بل العطش إلى أن نكون. حينئذ تُدمَّر أصول الألم وندخل في الزمان الذي هو قطب الانخطاف السلبي.
ما الذي نحصل عليه؟ لا السعادة، بل نهاية وضع مؤلم. وذلك بواسطة تقنيةِ حكمة لا تتحدّث عن الله. فلا حاجة إلى نعمة علوية. فكل يخلّص نفسه بنفسه. أمّا النجاة فهي انفلات من هذا العالم، بل من كل وجود يمكن أن نتصوّره.

2- المسيحية والخلاص
تتسجّل الفكرة البيبلية عن الخلاص منذ العهد القديم في مقولات مختلفة سيعطيها كامل معناها وحي العهد الجديد. فإليك نقطة الانطلاق ونقطة الوصول.

أوّلاً: نقطة الانطلاق
الخلاص، كما يتصوّره الوحي البيبلي، يحرّر الإنسان من وضعه الحالي. ولكن من أين يأتي هذا الوضع؟ ما هي عناصره المكوّنة وأيّ عنصر هو ينبوع الشرّ الذي يحصل للبشر؟ نُبعد أوّلاً الفكرة التي تتحدّث عن سقطة ميتافيزيقية، سابقة للزمن والتاريخ، بها صارت نفوسنا الروحية سجينة جسد مادّي. فالفلسفة الثنائية، سواء عبّرنا عنها في شكل مجرّد أو في سطرة، لا تعطي فكرة عن وضعنا الحالي. لماذا؟ لأنّها تتجاهل حقيقتين أساسيتين. من جهة، الخليقة كلّها، الخليقة المادّية والروحية هي صالحة في الأساس. فسفر التكوين يكرّر هذه العبارة: "ورأى الله ذلك إنّه حسن ". من جهة ثانية، يشاركنا كياننا في الوقت عينه في وضع الأجساد والأرواح، فيمتلك وحدة ملموسة يتضامن فيها اللحم والدم مع الروح.
إنّ النظرة المسيحية إلى الكون والإنسان تترك الفكر اليوناني، وتربط أصول الوضع البشري بخطيئة في تاريخ البشر. فتعليم الخطيئة الأصلية يتضمّن خطيئةً شخصيّة اقترفها أبوانا الأوّلان، وتضامنًا بين كل أفراد البشرية. قد نطرح هنا أسئلة متعدّدة. كيف تمّت هذه الخطيئة؟ فالتوراة تحدّثنا عنها بطريقة مصوّرة. ما كان امتداد الفرع البشري الذي أخطأ؟ هل نحن أمام رجل وامرأة فقط أم أمام مجتمع بدائي أوسع؟
نضع هذه الأسئلة جانبًا. ولكنّنا ندمّر المدلول البيبلي للخلاص إذا رفضنا مبدأ خطيئة إرادية أدخلت الشرّ إلى العالم، أو رفضنا مبدأ التضامن الذي يفسّر كيف أن نتائج الخطيئة شملت الكون كلّه. منذ بداية التاريخ، انقطع الإنسان عن الله بالخطيئة، فرأى انحطاط وضعه في الخليقة، وتَشوُّه علاقاته مع أقرانه، وخسرانَ وحدته الداخلية. والنجاة من هذا الوضع الشقي، أي إعادة الوحدة الباطنية إلى الكائن البشري والوحدة الاجتماعية، وإعادة التناغم بين الإنسان والكون، كل هذا يتضمّن أن يعود الرباط بين الله والإنسان كما كان في البدء. إذا كانت مسألة الخلاص تعني كل وجهات الحياة، إلاّ أنّها تبقى في جوهرها مسألة دينية.

ثانيًا: نقطة الوصول
قد نظنّ إن توقّفنا عند هذا التقريب الأوّل، أنّ النظرة إلى الخلاص لم تتجاوز مستوى الطبيعة البشرية. لا شكّ في أنّنا نفهم هذا الخلاص من منظار ديني: بما أنّ الإنسان هو خليقة الله، فإنّه يرتبط بعلاقة دينية بخالقه. لا يتيح لنا العهد القديم أن نتعدّى هذه الحدود إلاّ بصورة ناقصة. ولكن يتّضح على نور العهد الجديد، أنّنا نفهم دراما الخطيئة والسقطة وواقع الفداء والخلاص بالنظر إلى مخطّط علوي (فائق الطبيعة) حيث تقوم العلاقة الدينية بين الله والإنسان على مستوى يتجاوز علاقة الخليقة بالخالق.
ما يريد الله أن يمنحه للإنسان لا يتوقّف عند إمكان الحصول على سعادة بشرية تساعده لكي يعرفه ويحبه ويقدّم له شعائر العبادة. بل يريد أن يمنحه المشاركة في حياته الخاصّة. هذا هو مخطّط الحبّ الذي كشف الله عنه منذ الخلق، الذي لا يزال حاضرًا من خلال حالة الانحطاط التي عرفها الإنسان بعد الخطيئة، الذي عاد إلى الظهور في مخطّط الفداء بوسائل أخرى.
هذا الهدف الأخير يتجاوز كلّ ما عند البشر من أحلام. فهو يفترض وصولاً إلى حياة الله (الثالوث) الحميمة. كما أنّه يحافظ على القوام الفردي للخلائق البشرية التي ألّهها الله دون أن يجعل شخصيّتها تنحلّ فيه.

ثالثاً: إله الخلاص
بما أنّ الخلاص هو هكذا، فيستحيل على الإنسان أن يحصل عليه بقواه الخاصّة. أمّا العالم البوذي فبحث في ذاته عن سبيل للنجاة. والحكيم اليوناني فلجأ إلى الوسائل التقنية التي تقدّم له الخلاص الأكيد.
وماذا يقول الوحي في الخلاص المسيحي؟ الوحي هو إظهار مخطّط متسامِ حيث نشاط الله الخلاصي يسبق الإنسان. فالخلاص عطيّة مجّانية من الله، وإن طُلَب من الإنسان أن يشارك في عمل النعمة التي تخلّصه (أف 3: 8- 12). لهذا، يقدَّم الخلاص المسيحي لجميع الناس، لا لفئة محدّدة. ليس من درجات في المسيحية. والصغار يتفوّقون على الحكماء والفهماء (مت 25:11).

رابعًا: طريق الخلاص
هنا نصل إلى المعيار الحاسم الذي يساعدنا على التمييز بين الخلاص المسيحي وأي خلاص آخر. ففي الطرق الأخرى، يفترض الخلاص انفلاتًا من عالم الأرض، من العالم الزمني، من عالم الأشياء المحسوسة التي تجرّنا في لا استمراريّتها. الخلاص هو قفزة خارج التاريخ. فمن العبث أن نبحث عن خلاص يتحقّق في التاريخ وبواسطة أحداثه. كيف نريد للإله السامي أن ينحدر إلى المادّة المنحطّة؟
أمّا في الوحي البيبلي، فالخلاص هو ثمرة مخطّط إلهي يأخذ التاريخ على عاتقه ويصل إلينا بواسطة الأحداث. فالله لا يريد أن ينتزعنا من عالم الجسد أو من المجتمع البشري أو من الصيرورة. بل يحقّق في قلب الصيرورة وبفضل مجتمع محدّد، يحقّق بواسطة جسد يسوع المسيح، الظروف الملموسة التي تتيح لنا أن ننال الخلاص نفسًا وجسدًا، فردًا وجماعة. بهذه الطريقة وبها وحدها، يعود الرباط بيننا وبين الله، كما يصبح بإمكاننا أن ندرس غايتنا الفائقة الطبيعة.
فالله لا يخلّص الإنسان دون أن يفتدي في الوقت عينه عالم الأجساد والزمن والتاريخ الذي شاركه في انحطاطه. "فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر تجلّي أبناء الله. فقد أخضعت للباطل، لا طوعًا منها، بل بسلطان (الإنسان) الذي أخضعها، ومع ذلك لم تقطع الرجاء لأنّها هي أيضاً ستحرَّر من عبودية الفساد لتشارك أبناء الله في حرّيتهم ومجدهم " (روم 19:8-21).
هذا هو سرّ إرادة الله وقصده الحنون الذي هيّأه منذ البدء في يسوع المسيح ليحقّقه عندما تتمّ الأزمنة: "أن يجمع تحت رأس واحد هو المسيح كل شيء. ما في السماوات وما في الأرض " (أف 1: 9-10). وهكذا تقوم طريق الخلاص لكل إنسان بأن يدخل في هذا السرّ بإيمان حيّ. وهكذا ينتقل، دون أن يترك مستوى التاريخ حيث جعله وضعُه كخليقة، ينتقل من مصير بشرية خاطئة إلى مصير بشرية مفتداة، من تاريخ يقود إلى الهلاك إلى تاريخ مقدّس، من الدهر الحاضر إلى "الدهر الآتي ".
كم نحن بعيدون عن خلاص يقوم بالهرب من عالمنا وتاريخنا! فالذي يقدّمه الله لنا، يدعونا إلى أن ندخل في التدبير التاريخي الذي دشّنه بنفسه على الأرض.

ب- مخطّط الخلاص والتاريخ المقدّس
إذن هناك رباط جوهري بين النظرة المسيحية إلى الخلاص والتاريخ البشري: فلا يحصل الخلاص إلاّ بقصد حرّمن الله، والتاريخ هو الموضع الذي فيه يتمّ هذا القصد الإلهي. ولكن أيّ تاريخ؟ فالتاريخ يشكّل شيئًا متشعبّا تلعب فيه الأسباب المتعدّدة فتؤثّر أحداثه في البشر على مستويات مختلفة. فهل يدخل هذا كلّه في القصد الخلاصي؟ ألا يترك الوحي المسيحيّ مكانًا للتاريخ الدنيوي القائم بحدّ ذاته على مستواه الخاصّ؟ كيف نحدّد التاريخ المقدّس؟

1- التاريخ الدنيوي
من المعروف أنّ اللاهوت المسيحي يؤكّد أنّ تاريخ البشرية الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، الفنّي لا يتوقّف على المستوى الأرضي حيث يسير مساره. يجب أن يتجاوز مستوى التاريخ لينال التاريخ معناه الأخير. التاريخ هو كالبشر الذين لا يكون هدفهم الأخير بتفتّح قوام الطبيعة. ولكن لا بدّ من تفتّح هذه القوى على مستوى البشر والتاريخ، تلك هي إرادة الله منذ بداية الخلق.

أوّلاً: الهدف الطبيعي للتاريخ الدنيوي
إذا عدنا إلى مخطّط الخلق العام، نقول إنّ الله هيّأ على مرّ العصور وأراد للبشرية نموًّا طبيعيًّا. لا إنسان "بالغًا" منذ البداية. إنّه تملَّك غنى طبيعيًا قد وضعه الله فيه، ولكن بقي عليه أن يستثمر هذا الغنى. ماذا يقول الكتاب؟

- الإنسان والأرض
جعل الله الإنسان على الأرض كسيّد عليها ووكيل من قبل الله على الخليقة (تك 1 :28- 29؛ 8:2، 19- 20؛ مز 7:8- 9). هذا لا يعني أنّ هذه السيادة كانت منذ البدء أمرًا واقعًا. إنّها بالأحرى أمر إلهي لا بدّ من تنفيذه. قال الرب للأسرة الأولى: "املأوا الأرض وأخضعوها. تسلّطوا على سمك البحر وطير السماء وكل حيوان يدبّ على الأرض " (تك 1: 28). فإذا أراد الإنسان أن يمتلك هذه السيادة على الأشياء، فعليه أن يتّصل بها ويعرفها ويكتشف سرّها. هذا لم يُعطَ له منذ البدء. ما أعطي له هو إمكان اقتناء هذه المعرفة. حين يعمل الإنسان في الأرض، فهو يطبعها بطابعه.

- الإنسان في المجتمع
ويتطلعّ خبر التكوين ثانيًا إلى تكاثر الجنس البشري: "انموا واكثروا واملأوا الأرض " (تك ا:28). ماذا يريد الرب أن يوحي لنا؟ الإنسان الأوّل أو بالأحرى الزوج البشري الأوّل لا يستنفذ كل إمكانات البشرية. فتكاثر البشر والمجموعات البشرية يساعد الإنسان على ملء الأرض والتسلّط عليها. كما يساعده على تأوين غناه البشري فلا يبقى مجرّد إمكانات لم تتفتّح.
يعي الإنسان نفسه عاملاً في الأرض، ويعي الإنسان نفسه بنفسه. هذا هو التاريخ. هذا هو معنى الحضارات والثقافات التي تصوّرها التوراة بشكل تنوعّ الألسنة.
بُعد شخصي وبُعد اجتماعي. ولكن يبقى البُعد الديني للكائن البشري، تبقى العلاقة بين الله والإنسان. هذه العلاقة يجعلها الوحي البيبلي منذ البداية على المستوى الفائق الطبيعة أو ما سُمّي "البر الأصلي ".

ثانيًا: جرح في البشريّة التاريخيّة
حين خلق الله الإنسان جعل فيه هذا الهدف البشري والهدف الاجتماعي. ولكنّ الخطيئة الأصلية لا تستطيع أن تدمّر هذين الهدفين. هذا يعني أنّ الإنسان سريع العطب، وقابل للانجراح ويتميّز جرح الطبيعة بعلامتين: تناقضات داخلية في النموّ البشري، ميل إلى الاستقلالية المُطلقة.
- تناقضات النموّ البشري
إذا ألقينا نظرة إلى الأجيال المتعاقبة، نرى سيادة متدرّجة للإنسان على الطبيعة، نرى صعودًا للحضارة المادية والعقلية والفنية، نرى توقًا لدى المجموعات البشرية لكي تكون جماعات أوسع، كدت أقول وسع البشرية. لقد صار العالم كلّه "قرية" صغيرة بسبب وسائل الاتّصال التي تنعم بها البشرية.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، نرى انتشار نتائج الخطيئة. تارة تسحق الأرض الإنسان، وتارة يكون الإنسان ضحيّة اكتشافاته. فهناك حضارات متقدّمة يجتاحها انحطاط يجعل المشاركين فيها يخسرون إنسانيّتهم، يُصبحون أداة في آلة كبيرة لا نفس لها ولا روح.

- ميل إلى الاستقلالية المطلقة
قلنا إنّ هدف التاريخ البشري يخضع لهدف أسمى، والإنسان حين يحاول أن يعي نفسه يطلب الاستقلالية المطلقة. يقول كالجاهل: ليس إله. قد يحاول الإنسان أن يتهرّب من كل سلطة، من كل متطلّبة على مستوى الخير العام. وهذه تكون حال البشرية. فلا تبحث عن شريعة خارجة عنها. وهكذا نصل إلى سعادة كاملة على الأرض في امتلاك العالم وفي امتلاك ذواتنا!
أجل، الجرح الأعمق في طبيعة الإنسان هو التكبّر والاعتداد الذي به ينطوي الإنسان على ذاته ليجعل من ذاته إلهه. قالت الحيّة (أي الشيطان): "إن أكلتم من هذه الثمرة (قتم بهذا العمل) تصيرون آلهة" (تك 3: 5). هذه هي التجربة الاساسية التي سنجدها في نهاية التاريخ كما وجدناها في بداياته. قال ملك بابل: "أصعد إلى السماء، أرفع عرشي فوق كواكب الله، وأجلس على جبل جماعة الله في أقاصي الشمال (جبل حرمون، الجبل المقدّس). أصعد فوق أعالي السحاب، وأكون شبيهًا بالعليّ " (أش 13:14- 14). ولكنّ ملك بابل نسي أنّه إنسان ذاهب إلى الموت (أش 14: 15).

- هدفان في مخطّط الخلاص
هذا هو وضع الإنسان التاريخي. لهذا جاء مخطّط الخلاص بمبادرة حرّة من الله، فجاوب على هاتين الحالتين. من جهة، أعاد إلى البشرية إمكان إدراك الغاية الأخيرة. هي غاية فائقة الطبيعة ما زالت تتوق إليها بعد الخطيئة والسقطة. ومن جهة ثانية، شفى جراح طبيعة الإنسان فانتصر بنعمته على الحواجز التي تمنع البشرية من إدراك غايتها الطبيعية، وأعاد هذه الغاية الطبيعية إلى مرتبتها، فجعلها خاضعة لغاية أسمى.
هل يستطيع التاريخ أن يولّد هذا الإنسان الجديد الذي نحلم به؟ لا. ولكن هل نحن أمام حلم كاذب؟ كلاّ ثمّ كلاّ. فالمسيح قد جمع في جسد واحد كل الذين خلّصهم، فحقّق هذا الإنسان الجديد على مستوىً ما كنّا لنحلمَ به، شرط أن نشارك في سر صليبه الفدائي. قال القدّيس بولس عن المسيح إنّه "ألغى شريعة الوصايا وما فيها من أحكام ليخلق في شخصه من هاتين الجماعتين (اليهود والوثنيّين) إنسانًا جديدًا واحدًا" (اف 2: 15). ووعظ أهل غلاطية فقال لهم: "أنتم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. اعتمدتم جميعًا في المسيح فلبستم المسيح. فليس هناك يهودي ولا يوناني، وليس هناك عبد أو حرّ، وليس هناك ذكر وأنثى، لأنّكم جميعًا واحد في المسيح " (غل 27:3- 28).

2- التاريخ الدنيويّ والتاريخ الدينيّ
أوّلاً: واقعان متشابكان
قلنا أعلاه إنّ للتاريخ الدنيوي غاية طبيعية أرادها الله، وهو يقوم بذاته في نظامه الخاصّ. من هذا القبيل، يحتلّ التاريخ الدنيوي واجهة مسرح العالم. ولكن وراءه يسير تاريخ آخر هو تاريخ مخطّط الخلاص الذي غايته فداؤنا الكامل في المسيح: اسمه التاريخ المقدّس. وإذ تتوجّه البشرية إلى احتلال العالم وإلى وحدتها الروحية (مع التمزّقات الداخلية التي أشرنا إليها)، يهيّئ الله لها كل شيء ليمنحها نور وحيه وغنى نعمته، ليخلّصها من تجاربها وفشلها، وليقودها رغم كل شيء إلى غايتها الأخيرة.
ساعة يسير التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي مسيرته، يسير تاريخ آخر في ضمائر الأفراد كما في المجموعات البشرية. فالله يوجّه كلامه كل لحظة إلى الإنسان، ويدعوه لكي يتّخذ موقفًا بالنسبة إلى هذه النعمة المقدّمة له: هل يقبلها، هل يرفضها؟ وهكذا يحدّد مصيره.
إذن ليس التاريخ المقدّس والتاريخ الدنيوي واقعين منفصلين، فيسير الواحد بمحاذاة الآخر. بل هما متشابكان متداخلان. فليس هناك إلاّ تاريخ بشري واحد يسير مساره على المستويين معًا. فنعمة الفداء التي يشكّل مسارها السرّي التاريخُ المقدّس، تعمل في قلب التاريخ الدنيوي وتسعى لأن تنتزعه من الأخطار التي تتربّص به: تحاول أن تعيده إلى غايته العلوية التي يضيعها، أو تشفي جراح الطبيعة البشرية. وبما أنّ مجيء الإنسان الجديد في المسيح هو الغاية الأخيرة التي يتّجه إليها كل شيء، نستطيع القول إنّ التاريخ المقدّس يستعيد التاريخ الدنيوي ويعطيه غايته الأخيرة.

ثانيًا: تاريخ مقدّس من خلال تاريخ دنيويّ
كل أحداث الأرض ترتبط بالتاريخ المقدّس والتاريخ الدنيوي معًا. ولكن من خلال التاريخ الدنيوي يبرز التاريخ المقدّس من خلال أحداث رتّبتها العناية الإلهية من أجل تحقيق الخلاص. قد يتدخّل الله بصورة خارقة بالوحي أو المعجزات، وقد يتدخّل بصورة عاديّة فيوجّه مخطّطه. مثلاً، كان سقوط أورشليم سنة 587 ق م مناسبة لكي يتحرّر العبرانيون من الأرض والملك وسائر النظم، لكي يتعلّقوا بالله وحده. واضطهاد الكنيسة على يد الامبراطورية الرومانية كان بذارًا لانتشار المسيحيّة. فلهذه الأحداث، رغم وجهها البشري، مدلول أسمى لا يدركه إلاّ الإيمان. إنّها أعمال الله في تاريخ البشر هذا هو التاريخ المقدّس وبه يتمّ الخلاص على مستوى الخبرة البشرية.
وحين نحدّد التاريخ المقدّس على هذه الصورة، يصبح هذا التاريخ تاريخ الجماعة البشرية التي يدعوها الله لتكون شعبه: هناك العبرانيون أوّلاً، ثمّ الكنيسة بعد أن صارت نهاية التاريخ حاضرة في قلب العالم بتجسد يسوع المسيح وصلبه وقيامته. وفي نهاية تاريخ الكنيسة، تنضم المجموعة البشرية كلّها إلى الله بحيث يمتصّ التاريخ المقدّس التاريخ الدنيوي كلّه.

3- التاريخ المقدّس والنظرة البيبلية إلى الزمن
إنّ مفهوم التاريخ المقدّس هو عنصر أصيل في الوحي البيبلي. وإذا أردنا أن نتعرّف إليه، نقابله بنظرة ديانات العالم القديم إلى التاريخ المقدّس.

أوّلاً: التاريخ المقدّس وزمن البدايات
لا تعرف الديانات القديمة تاريخًا مقدّسًا إلاّ تاريخ الآلهة السطري. ولقد تمّ هذا التاريخ لا في الزمن البشري، بل في زمن قبل الزمن، في زمن البدايات، ساعة اتّخذ العالم الإلهي وجهه النهائي. لم يكن له هذا الوجه في البدء ولكنّه حصل عليه بعد حروب ومغامرات جعلت كل إله في موضعه وسط مجلس الآلهة، وأعطته دورًا خاصًّا يلعبه في العالم.
وهذا التاريخ المقدّس الذي هو فوق الأرض وفوق الزمن، هو نموذج أوّل لكل ما يحدث في الزمن. ولا قيمة لواقع أرضي إلاّ بقدر ما يقتدي بهذا النموذج الأوّل ويكرّره. ولهذا يحمل التكرار الدوري للظواهر الكونية مدلولاً دينيًا هامًّا. أمّا أحداث التاريخ البشري، فلا قيمة دينية لها إن كانت جديدة ولا تطابق النماذج الأولى. ولكن حين تتشبه بمثال سابق وتخضع لقواعد عامّة تتكرّر، فهي تصبح "ظهورًا إلهيًا". وهكذا يسعى الزمن البشري في الديانات القديمة إلى الالتصاق بالزمن الكوني، وهكذا يكون انعكاسًا نقيًا وحقيقيًا لزمن الآلهة. هنا نفهم موتْ الآلهة في الشتاء وقيامتها في الربيع.

ثانيًا: التاريخ المقدّس والزمن البشري
كم نحن بعيدون عن الوحي البيبلي. حين تحدّثت التوراة عن وحدة الله، افرغت التاريخ السطري من مضمونه. فإن كان من زمن قبل الزمن، فهو الأزليّة التي هي عالم الله الحيّ. حين يخلق الله "في البدء"، فهو يجعل الزمن يبدأ. فالزمن يرافق الخليقة. والزمن الكوني الذي تنظّمه حركة الكواكب (تك ا: 14- 18) هو الإطار الذي وضعته العناية الإلهيّة لتسير فيه حياة الإنسان (تك 8: 22). ولكنّ الزمان البشري يستقلّ عنه ساعة يرى أعمال الله تمنح التاريخ كلَّه غايتَه. وبدل أن تتكرّر الأحداث بشكل دوري، فهي تتكوّن من لائحة بأحداث أصيلة لا تعود إلى الوراء.
لا شكّ في أنّ التاريخ الدنيوي هو هنا، وهو يعيد نفسه. كم من الأحداث تقابل رسمات عامّة سبقتها. وفي هذا المجال قال سفر الجامعة: "ما كان فهو الذي سيكون. وما صُنع فهو الذي سيُصنع، فليس تحت الشمس شيء جديد. رُبّ أمر يُقال عنه: أنظر، هذا جديد. بل قد كان في الدهور التي سلفت قبلنا" (جا 1 :9- 10).
هناك تكرار، ولكن لم يعد من وجود للنموذج الإلهي الأوّل بالنسبة إلى أحداث عالمنا. فالزمن الذي يسيّر التاريخ البشري يبدو بشكل خط يسير إلى هدف معيّن. هو ينطق من قطب إلى قطب عبر الزمان البشري، من الخليقة الأولى والسقطة الأصلية إلى الخليقة الجديدة في يسوع المسيح. ويدخل التاريخ الدنيوي في حركة تتجاوزه نحو هدف أخير، نحو هدف يفوق الطبيعة البشرية.

II- مراحل مخطّط الخلاص
إذا نظرنا إلى الكتاب المقدّس نظرة إجمالية، اكتشفنا تحقيق مخطّط الخلاص في ثلاث مراحل: المرحلة الأولانيّة: من آدم إلى إبراهيم؛ مرحلة الاستعداد الموقّت: من إبراهيم إلى يسوع المسيح ؛ المرحلة النهائية: من يسوع المسيح إلى تتمّة الخلاص الأبديّ.

أ- من آدم إلى إبراهيم
منذ البداية كانت نعمة الخلاص تعمل في تاريخ البشرية. ويُشير سفر التكوين إلى هذا الحضور الناشط. ففي ف 4- 11 نجد موضوعين. تُصوّر بطريقة شعبية بدايةُ الجنس البشري، وتُذكر الحقائق الأساسية التي عليها يرتكز البحث عن خلاصنا الأبديّ.
تقدّم لنا التقاليد الشعبية تصوّرًا عن المجتمع البشري في تطوّره ونموّه من جيل إلى آخر. في 6: 1 "كثر البشر على الأرض ". وفي 10: 1- 32 نجد لائحة بكل العالم المعروف في آفاق فلسطين الجغرافية. ونشهد أيضاً اختراع التقنيات والنظم الاجتماعية، حياة البدو التي يعيشها هابيل الراعي، حياة الزراعة التي يعيشها قايين باني المدن (4: 1- 17). ونشهد تعدّد الزوجات عند لامك مع تنظيم انتقام لا حدود له (4: 19، 23- 24). وتوزّعت طبقات المجتمع من رعاة وأصحاب موسيقى، وحدّادين متجوّلين، وعمّال في الخشب مع سفينة نوح، وكرّامين يصنعون النبيذ (9: 20- 21)، وبناة الأبراج المقدّسة (زيقوورات) بالتراب الأحمر (11: 2- 4) وتكوين الممالك الكبرى في بلاد الرافدين (10: 10- 11).
لسنا هنا أمام نظرة علمية، ولكنّ هذه النصوص تتيح لنا أن نعود إلى ماضٍ لا نملك عنه إلاّ معلومات قليلة تعود إلى بلاد الرافدين أو إلى عالم الصحراء. ولكن ليس هذا هو الموضوع الأساسي لهذه الفصول. فالشيء الذي هدف إليه الكاتب الملهم، هو أن يدخلنا في إطار مخطّط الخلاص ويحدّثنا عن الوضع الديني للجنس البشري قبل الوحي الذي وصل إليه إبراهيم.

1- الخطيئة في التاريخ
أوّلاً: الخطيئة حاضرة
ما نلاحظه أوّلاً هو حضور الخطيئة في التاريخ وقد دخلت منذ البدء (تك 3). وما زالت تظهر في التاريخ وتحمل ثمرًا. ونجد من جيل إلى آخر نماذج من الخطأة يشوّهون الحياة الاجتماعية: قايين حين قتل أخاه، فتبع هذا القتلَ عملياتُ الانتقام المريعة (4: 8، 15). لامك الذي تعدّدت زوجاته وزاد بشاعة الانتقام قساوة (4: 19، 23- 24). جيل الطوفان الذي عرف الجبابرة المشثورين (6: 1- 4) بفسادهم الجذري الذي ملأ الأرض عنفًا (6: 5، 11- 12). حام مع عاداته المجونية التي هيّأت الطريق لفساد الأخلاق لدى الكنعانيين (10: 22، 25). جيل بابل الذي انتهك حرمة الله بتكبّره واعتداده (11: 4). نماذج من الخطايا عرفها الكاتب الملهم في أيّامه، فتصوّرها في الأيّام السابقة. انطلق من الحاضر إلى الماضي ليدلّ على أنّ الخطيئة مرافقة للتاريخ البشري منذ البداية. 
ومع تطوّر المجتمع البشري وتشعّبه، سنجد الخطيئة تشوّه النظم الأساسية: نظام الأسرة في بغض الأخ لأخيه. لم يعد للرجل زوجة واحدة بل زوجات. حياة المدينة وصلت بالمجتمع إلى الممالك الكبرى. وهناك التكبّر والعبادات الوثنية. وبدأت وقائع اجتماعية ستكون ثقلاً على البشر: عداء تقليدي، بين أهل الزراعة والرعاة البدو (قايين وهابيل) ، تعدّد الزوجات (لامك)، أعياد زراعية تنتهي بالسكر والمجون. هذه الوقائع تدلّ على أنّ نموّ الحضارة يبقى شيئًا ملتبسًا فيمزج التقدّم بالانحطاط.

ثانيًا: والدينونة حاضرة للخاطئين
وظهرت في هذا المجتمع المثقل بالشرّ علامات أكيدة عن غضب الله (روم 1 :18 ي). فمنذ بداية الأزمنة والعالم الشرّير تضربُه دينونةُ الله. ونجد تعبيرًا واضحًا عن هذه الدينونة لآدم وحوّاء (3: 14- 19)، لقايين (4: 10- 11)، لجيل الطوفان (5: 7، 13، 17)، لجيل بابل (11: 6- 7). لهذا، تتحقّق بصورة ملموسة نتائج الحكم الإلهي بحيث تضرّر النظام المثالي الذي عرفه الكون: فالمرأة تلد في الألم، والرجل يأكل خبزه بعرق جبينه على أرض ملعونة فلا تنبت إلاّ شوكًا وقرطبًا (16:3- 19). ودخل الموت إلى العالم (8:4) وقصرت أيّام الإنسان (3:6) واهتزّت شرائع النظام الكوني فولّدت الطوفان (7: 11- 12، 17-.2). وتحطّمت وحدة الشعوب، وتشتّت الناس فما عادوا يتكلّمون لغة واحدة. لقد أضاعوا وحدة الروح التي تقدّمها حضارة مشتركة (7:11-9). 
وهكذا بدت بصورة تدريجية السمات العامة للعالم الذي نعيش فيه، العالم الذي فيه سيحقّق الله مخطّط خلاصه. قد يكون لهذه السمات بعض الشر، فتحمل آثار الخطيئة. لأنّ إحدى نتائج دينونة الله هي أن تسلّم البشر لفيضان الشر (روم 1: 24- 32). وهذا العالم الفاسد كان ذاهبًا إلى الهلاك لو لم تكن نعمة الخلاص تفعل بطريقة خفيّة فتدلّ هنا وهناك على علامات من حضورها.

2- النعمة في التاريخ
أوّلاً: بقيّة الأبرار
ولكنّ الله احتفظ له بعبّاد حقيقيين في هذا العالم الفاسد: هابيل (3:4 ي). أنوش الذي دشّن العبادة للرب (4: 26)، أخنوخ الذي سلك مع الله (حسب ارادة الله) فأخذه الله إليه (5: 23- 24)، نوح البار الكامل في جيله (6: 9 ؛ 7: ا)، سام ويافت اللذان أظهرا احترامًا لوالدهما (9: 23، 26- 27).
ذُكرت هذه الوجوه لتدلّ على واقع تاريخي مهم: فالله احتفظ لنفسه من جيل إلى جيل ببقيّة من الأبرار. بفضلهم تتابع تاريخ الخلاص، بل التاريخ كلّه. وهذا ما نراه في مغامرة نوح الذي نجا في سفينة: لولاه لعادت الأرض إلى العدم. ولتوقّف مصير نسل آدم عند هذا الحدّ.
في هذه الفترة السابقة للتاريخ، ليست من وجود لشعب الله كما سيكون بعد دعوة إبراهيم وعهد سيناء. ومع هذا، نجد في سلالة آدم سلسلة من الأتقياء يشكّلون باكورة هذا الشعب. لن نقول كاليهود بسلسلة متواصلة من آدم إلى أنوش... إلى إبراهيم، ولكنّنا نكتشف أولى تمتمات شعب الله قبل أن يتحقّق بشكل ملموس في التاريخ.
والأبرار في ذلك الوقت لم يُترَكوا وحالهم من دون نظم دينية. فالعبادة تُتَرجَم في علامات مقدّسة: سجود وتقديس. هناك شرائع الطهارة والمحرّمات (7: 2- 3، 8- 9؛ 8: 20) ستكملها فرائض أعطيت لنبرح (3:9- 4). وهناك شرائع تفرض علينا أن لا نسفك الدم (9: 5- 6). نحن هنا أمام تسبيق للوضع المقبل الذي سيمنحه الله لشعبه.

ثانيًا: حضور مخطّط الخلاص
بالخطيئة تحطّم الرباط بين الله والبشر غير أنّ الله أبان عن قصده بإعادة هذا الرباط. وهذا يعني أنّه لا يتخلّى عن البشرية الخاطئة. فحنانه تجاه نوح لا يظهر فقط في تخليص عجيب سيكون نموذج الخلاصات التي سيحقّقها في التاريخ من أجل الأبرار، بانتظار الخلاص الأسمى (مع يسوع) الذي يوصل قصده إلى كماله. بل إنّ هذا الحنان يتّخذ شكل عهد (8:9- 16). وهكذا نجد رسمة أولى لتاريخ الخلاص. وهذا العهد يتجاوز شخص نوح ويمتدّ إلى نسله أي إلى البشرية كلّها. بل يمتدّ إلى الحيوان (9: 10) ويصل إلى الخليقة المادية: بسبب هذا العهد سيدوم النظام الكوني رغم الخطيئة التي بلبلت كل شيء (8: 21- 22 ؛ 9: 14- 16)، وتأمّنت سيادة الإنسان على الخليقة (9: 1- 3). وبمختصر الكلام، نحن أمام عهد لا ينقصه شيء (9: 12- 17؛ أش 54: 9 ي). وسيكشف لنا وَلْيُ التاريخ مضمونه بصورة تدريجية.

3- المرحلة الأولانية والديانات غير المسيحية
إنّ لهذه الفصول من سفر التكوين (ف 4- 11) أهميّة كبيرة في مخطّط الخلاص لا تقاس بدقّة المعلومات التاريخية التي تعطيها. نحن هنا أمام صور شعبية تستعمل معطيات سُطُرية. ولكنّ لهذه الصور قيمتها. فكل منها تمثّل واقعًا بشريًا شاملاً. ثمّ إنّنا نجد وراء الصور لاهوتًا سيجد امتداده في الوحي المسيحي. وتَوالي الأجيال الذي يربط بدايات البشر بدعوة إبراهيم، يتّخذ صفة دينية محدّدة: إنّه جزء من تاريخ الخلاص، وإن لم يظهر مخطّط الله إلاّ بصورة متقطّعة. فالديانة التي تُمارَس ستكون تهيئة لديانة العهد القديم، كما ستكون ديانة العهد القديم تهيئة لديانة العهد الجديد.
هنا تُطرَح على اللاهوت المسيحي مسألة الوحي الأولاني. إذا نظرنا إلى النصوص التي تدلّ بصورة ملموسة على عمل الله، نجد أنّ الله يكلّم أصدقاءه منذ البداية. يتمشّى مع آدم عند نسيم النهار (تك 8:3). يعطي أوامره لنوح من أجل بناء السفينة، ثمّ يقدّم متطّلباته ووعوده في عهد يقطعه مع صفيّه بعد الطوفان. لا شكّ أنّ هناك طريقة بها نجعل الله على مسرح البشر. ولكنّ الوحي البيبلي يبيّن لنا أنّ الله لم يترك البشرية القديمة في ظلمة اللادين. هناك وحي فوق العادة، ودفعٌ خفي تُحدثه النعمة في القلوب المستعدّة. نحن هنا أمام استباق لعهد النعمة، قبل أن يعطى لشعب الله العهد مع الآباء وعهد سيناء.
من هذا العمق الديني تفجّرت الديانات غير المسيحية. هذا لا يعني أنّها احتفظت بقيم سفر التكوين الدينية على نقاوتها. قال بولس: أفسدوا مجد الله الحيّ (روم 1: 20- 23؛ رج 13: 1- 9؛ 14: 12-20). ولكن يبقى أنّه بقدر ما احتفظت بهذه القيم وأنمتها، فقد جعلت التهيئة الأولانية تمتدّ إلى عصور وعصور، وسيجد فيها الله العابدين الحقيقيّين. إنّهم مثل أخنوخ الذي أخذه الله إليه (5: 24). وهناك نوح الذي نجّاه من العقاب الشامل.
بما أنّ تدبير خلاص المسيح ونعمته كانا حاضرين في العالم منذ أزمنة التهيئة الأولانية،
فهما حاضران أيضاً في الديانات غير المسيحية التي لم تتخلّ عن هذا الإرث الديني. وما دام الوحي لم يصل بشكل إعدادي (شعب إسرائيل) أو بشكل كامل (الكنيسة)، فلهذه الديانات مكانتها في تدبير الله الخلاصي: إنّها احتياط موقّت وتهيئة بعيدة. ولكن حين يصل الإنجيل، تترك هذه الديانات محلّها من أجل الكنيسة، كما فعل العالم اليهودي حين دخل إليه العهد الجديد.

ب- من الترتيب الموقّت إلى الترتيب النهائيّ
لن نتوقّف طويلاً عند المرحلتين التاليتين، لأنّنا سنتوسع فيهما خلال الفصول اللاحقة.

1- ترتيب موقّت: من إبراهيم إلى يسوع
والمرحلة الثانية من مخطّط الخلاص تبدأ مع إبراهيم (تك 12: ). وسيكون لها خطّان يوجّهان تفكيرنا، لأنّ النظام الموقّت الذي سيقيمه الله يرتكز على قاعدتين: المواعيد والشريعة.
أمّا في ما يخصّ المواعيد فنحن نتبع آثارها منذ إبراهيم (تك 12: 1- 3، 7؛ 13: 14- 17؛ 18:15؛ 16:22- 18؛ 26: 4- 5) وموسى (خر 17:3؛ 23: 20- 23) إلى الأنبياء (حتّى مع داود، 2 صم 7: 5- 6) وأصحاب الرؤى. سنعود إلى هذه النقطة في فصل لاحق.
وبموازاة المواعيد، تتوسّع نظم أعطاها الله للبشر لكي يحقّقوا بصورة فاعلة اتّحادهم به، كما أعطاهم شرائع لكي تسير هذه النظم مسارها. إنّ نظم الآباء تحتفظ بإرث تقليدي ولا تزيد عليه فرائض جديدة. أمّا العهد الذي أعطي لإبراهيم ونسله، فقد صار مع موسى قضيّة مجموعة كبيرة (حز 19: 5- 6 ؛ 3:24- 8). وتوسّعت القوانين فصارت شريعة متشعبّة لا تني تتوسع حتّى مجيء المسيح. وسنعود أيضاً إلى الشرائع والنظم في فصل لاحق.
إذن، لا نجد منذ الآن فقط في التاريخ البشري بقيّة من الأبرار ممزوجة بعالم خاطئ، بل مجموعة منظّمة وشعبًا فرزه الله من أجل مخطّط الخلاص. فإن كان الله قد أعطاه فرائض خاصّة (مثلاً، معنى الشريعة)، فقد فعل من أجل قداسته وسعادته (هذا هو البعد الأخير للمواعيد).
وحي غير محدّد عن الهدف الذي إليه يسير التاريخ المقدّس. ولكنّ هذا الهدف سيتحدّد شيئًا فشيئًا: فشعب الله الذي نال الشريعة والمواعيد، يرى اقتراب ملء الأزمنة. والتاريخ الذي يعيشه ليس إطارًا فارغًا تتوسع فيه الشريعة والمواعيد بصورة مجرّدة. فأحداثه جزء من الترتيب الموقّت الذي يعدّ إعدادًا إيجابيًا مجيءَ الخلاص.
2- الترتيب النهائيّ
وأخيرًا جاء "ملء الزمن " (غل 4: 4). وصلت أزمنة التهيئة إلى هدفها، وصارت الأزمنة الأخيرة حاضرة. لا شكّ في أنّ "الدهر الحاضر" لم ينتهِ. ولكنّ "الدهر الآتي " هو حاضر بشكل من الأشكال في قلب التاريخ البشري منذ الوقت الذي فيه تجسّد كلمة الله. فخلال مرحلة الشريعة والمواعيد، تطلعّ رجاء شعب الله إلى "اليوم " الذي فيه يحقق الله مخطّطه الخلاصي تحقيقًا كاملاً. ولكنّها جمّدت في نظرة واحدة الحقبات المتعاقبة في هذا التحقيق الأخير. أمّا الآن فانفتحت نظرة زمنية جديدة داخل "الأزمنة الأخيرة" نفسها. فقبل "نهاية الدهور" سيكون "للعالم الآتي " حضور خفيّ على الأرض. حضور سرّي بشكل علامات فاعلة. أوّلاً في شخص يسوع الذي أتمّ في حياته ذبيحة الخلاص، وثانيًا بعطية روحه في الكنيسة وفي تدبيره الأسراريّ.
فبعد تاريخ العهد القديم، جاءت الحقبة الأخيرة في التاريخ المقدّس. وهي حقبة مهمّة، لأنّ شعب الله تخلّى عن كل سند زمني ودخل في مجمل الجنس البشري. وهكذا انضمّ التاريخ الدنيوي إلى مخطط الخلاص، ونجت نتائج تقدّم البشرية من الأخطار الروحية التي تترصّدها فعادت إلى الغاية الأخيرة.
وفي النهاية ستكون عودة المسيح في المجد رجاء المسيحيين. وسيكون الفداء تامًّا حين يصل إلى أبناء الله فيحرّر أجسادهم من الفساد الذي يستعبدهم اليوم. تدشّن العالم الجديد بالقيامة، وهو سيكرّس النجاح التامّ لمخطّط الخلاص (روم 19:8- 25؛ 1 كور 22:15، 28؛ رؤ 21).

3- مكانة العهد القديم في مخطّط الخلاص
هذا هو الخطّ العام لمخطّط الخلاص. بما أنّنا نسمّي "العهد الجديد" مرحلة التدبير الأخير التي تهيّئ بطريقة مباشرة تتمّة الخلاص في المجد، لهذا نسمّي "العهد القديم "كل ما يسبق هذا التدبير. فالمرحلة التي تمتدّ من آدم إلى إبراهيم ترد سريعًا في التوراة، وسفر التكوين تحدّث عنها انطلاقًا من الحاضر، حاضر شعب الله في العهد القديم. فالعهد مع نوح صوّر على مثال العهد مع الآباء أو مع موسى. ثمّ إنّ هذه المرحلة الأولانية لم تتضمّن كل وجهات نظام ديني: هي لا تعني جماعة منظّمة (شعب الله) لها نُظُم توجّه كل وجود الفرد والجماعة.
أمّا بعد إبراهيم، فنرى شعب الله يخرج من التاريخ. فرزه الله لكي يحقّق في مصيره الزمني مخطّط الخلاص. وأمّن له البنى الأساسية. وبانتظار اليوم الذي فيه يأتي الخلاص، منح شعبه نُظُمًا ترتبط ارتباطاً وثيقًا بالخلاص، ووجّه تاريخه بحيثُ يعدّ بصورة مباشرة حدثَ الخلاص على الأرض.
هذه الميزات تحدّد العهد القديم وتجعل منه مجموعة تفترق عمّا نجده في التاريخ الديني للجنس البشري. إنّه ترتيب موقّت، ومن هذا القبيل هو جزء من تدبير الخلاص الذي يجد كماله في سرّ المسيح.
يبقى السؤال: أيّة علاقة لشعب الله هذا بسرّ المسيح الآتي؟ هذا ما نعالجه في فصل لاحق.
الفصل السادس عشر
العهد القديم وسرّ المسيح

يتحقّق خلاص البشر حسب مشيئة الله ، بواسطة تدبير تاريخي يشتمل على عدّة مراحل. وفي المرحلة الأخيرِة يدخل في حقل الاختبار البشري بسرّ المسيح وكنيسته. ولكن لا نتمثّل العهد القديم فارغًا من المسيح ومهيّئًا لمجيئه بشكل خارجي وبدون أن يحسّ المؤمن بعمل نعمته بشكل فاعل.
لا شكّ في أنّ العهد القديم هو ترتيب موقّت، وهو مدعوّ إلى أن يُمَّحى ساعة يظهر المسيح. ولكنّه يتضمّن سمات لن تتغيّر حين يأتي الترتيب النهائي. فهذا الأخير يجعل هذه السمات تكمل وتصل إلى ملئها.
شعب الله قد حلّ في التاريخ. وقبل أن يتأوّن سرّ الخلاص في حدث من الزمن البشري، كان هذا الشعب قد دخل في هذا الزمن. لقد اختاره الله ليصل به الخلاص إلى العالم. ومنحه في الوقت عينه إمكان الحياة بالإيمان في سرّ المسيح قبل أن يأتي المسيح على الأرض. نحن أمام تعليم يشمل مفارقة. سنتفحّصه في نقطتين أساسيّتين: إن اختيار إسرائيل كشعب الله يدشّن نظامًا دينيًا تنكشف فيه السمات الأساسية لتدبير الخلاص. بعد هذا، ارتبطت حياة إسرائيل بعلاقة حميمة مع سرّ المسيح بحيث إنّ شعب العهد القديم يستبق الأمور فينعم بثمار سرّ المسيح هذا.

I- النظام الديني في العهد القديم وسرّ المسيح
كانت أولى نتائج إسرائيل كشعب الله فرْزَه عن سائر الشعوب. ففي نظر مخطّط الخلاص، تقيم سائر الشعوب في نظام التدبير الأوّلاني أو ما سمّاه اللاهوت اللاحق "الناموس الطبيعي ". أمّا إسرائيل فقد جُعل في نظام جديد، هو نظام موقّت لأنّه يهيّئ الطريق للمسيح، ولكنّه نظام إلهي ووضعي. وفي هذا النظام تنكشف نوايا الله الخفيّة التي تبرز فيها ثلاث سمات أساسية في التدبير النهائي. الأولى: لا يتأسّس على مبادرة بشرية، بل على كلمة الله كما توجّهت إلى البشر بواسطة مرسليه ؛ الثانية: هذه الكلمة لا تدرك البشر فردًا فردًا، بل تقبلهم كشعب اختاره الله من بين الشعوب ليحمل في داخله السر المتسامي، الثالثة: في داخل هذا الشعب، تتحدّد العلاقات بين الله والبشر بشكل عهد. سنجد في العهد الجديد وجهات الخلاص هذه التي تتكيّف الواحدة مع الأخرى: سرّ كلمة الله، سرّ شعب الله، سرّ العهد بين الله والبشر.

أ- سرّ كلمة الله
1- أولوية كلمة الله
تعود المبادرة إلى الله وحده في تحقيق الخلاص. انفصل البشر عنه بالخطيئة، فما استطاعوا أن يطلبوه إلاّ بالتلمّس (أع 27:17). فإن وجدوه حقًّا في العهد القديم، وانقطعوا عن ضلال العالم الوثني، وارتبطوا به بعبادة صحيحة، فلأنّ الله بدأ فتكلّم. وديانتهم ليست إلاّ جوابًا على هذه الكلمة.
ليست أولوية الكلمة مجرّد مقولة إيمانية. فنحن ندركها على مستوى المعرفة التاريخية. فديانة العهد القديم قد قدّمت خلال نموّها على مدى الأجيال سمة تجعلها على حدة في تاريخ الديانات: فحاملو كلمة الله أو الأنبياء يلعبون دورًا لا نجده في ديانات أخرى. لا شكّ في أنّنا نرى في أطر أخرى صوفيين تملّكهم حسّ إلهي، فأدركوا حقائق دينية لم يدركها سائر البشر أو ربّما عتّموا عليها. ولكنّ مثل هذه الصوفية لا تتوجّه إلى تحويل الجنس البشري، بل إلى لقاء فردي مع الله والبحث عن خلاص شخصي. أمّا أنبياء التوراة فهم من نوع آخر.
فأساس حياتهم، كما يقولون، لا يقوم بتأمل في الله يؤتي ثمارًا في حياتهم الشخصية، بل في قبول تعليم يُطلب منهم أن ينقلوه إلى سائر البشر لأنّه يعنيهم مباشرة. ثمّ إنّ هذا التعليم لا يتعلّق ببعض وجهات خاصّة أو ثانوية من المسائل البشرية كطريقة تقديم شعائر العبادة أو التغلّب على القلق في وضع حرج. هذا هو وضع الأنبياء في العالم الوثني وهو امتداد لعمل العرافة والكهانة. أمّا في عالم النبوّة التوراتي، فقد تحتلّ ظروف تفصيلية المستوى الأوّل في الفكر (1 صم 9: 20 ؛ 2 صم 24: 12- 15 ؛ 2 مل 3: 16- 19)، ولكنّها في الواقع تجعل المؤمن في منظور واسع. هو منظور مخطّط الخلاص الذي يضمّ إليه كل تاريخ إسرائيل، فيبدو شاملاً ويتّسع اتّساع الزمان والمكان.
فأخبار الدعوات التي احتفظت بها الأسفار المقدّسة، تُبرز بوضوح وجهتين في المهمّة النبوية (خر 3: 1؛ 1 صم 3: 1-18 ؛ 1 مل 13:22-18؛ عا 14:7-15؛ أش 6: 1 ي؛ إر 1 :3 ي؛ حز 1- 3). من جهة، نرى كلمة الله تجتاح حياة إنسان فتفرض نفسها عليه، وبعض المرّات بالقوّة (عا 3:3- 8 ؛ ار 7:20- 9). ومن جهة ثانية، ليس هدف هذه النعمة الخارقة تقديس قابلها أو تعزيته، بل هي تدفعه إلى العمل، وتفرض عليه مسؤوليّات هائلة (حز 7:33- 8). فهي في خدمة الخير العام لشعب الله الذي به يتحقّق مخطّط الخلاص.
هؤلاء هم "رجال الكلمة" (إر 1: 9 ؛ 18:18) الذين كانوا من جيل إلى جيل القوّاد الروحيين في إسرائيل. فنموّ العهد القديم يتمّ دومًا بقيادتهم أو متأثّرًا بكتاباتهم، لا بالصدفة وتحت ضغط الجموع التي تطالب بالإصلاح. وقد يعارضون التيّار السائد بعملهم بحيث يبدو نجاحهم الأخير بشكل غير معقول. هنا نفكّر بإرميا الذي اضطُهد خلال حياته، ولكنّ تأثير كتابه بعد موته فاق كلّ تصوّر.
كل هذا يدلّ على أنّ كلمة الله تشرف بشكل رفيع على هذه المرحلة الأولى من تدبير الخلاص. فسرّ إسرائيل هو قبل كل شيء سرّ هذه الكلمة كما ظهرت في التاريخ.

2- وجهات كلمة الله
عديدة هي وجهات كلأت الله كما تظهر في تعليم الأنبياء. فهي وحي ووعد وقاعدة حياة. وهي ترتبط بالوجهات الثلاث في الترتيب القديم: التاريخ، الإعلان النبوي للخلاص، الشريعة التي تهيئ البشر لحلوله.

أولاً: كلمة الله وحي
إذا كان الناس في العهد القديم قد حصلوا على بعض المعرفة لسرّ الله، فهذا كلّه يعود إلى الوحي الذي حملته كلمته (دا 27:2- 28). فما يكشفه الله هو نفسه. إنّه يكشف عن ذاته حين يتكلّم. ويدلّ على نفسه "كإله الآباء" الذي ظهر لإبراهيم وإسحق ويعقوب ليطلب منهم أن يعبدوه دون سواه. وهو يكشف عن نفسه أنّه "الذي هو" (يهوه، الكائن) (خر 3: 13- 15)، أنّه الفريد والوحيد (تث 6: 4) تجاه الآلهة الذين ليسوا بشيء (أش 41: 24). فالتعليم عن التوحيد في أرض إسرائيل لا يرتكز على حدس يصل إليه الناس، بل على خبرة كلمة منحها الله لبعض أخصّائه.
غير أنّ خبرة الله في كلمته التي انحصرت في بجض أشخاص، قد وصلت إلى كل إسرائيل: فالإله الذي يكشف عن نفسه للأنبياء، هو الذي يفعل أيضاً في التاريخ. وإذ يحقّق قصده على الأرض، يدلّ على السرّ الخفيّ لكيانه. وحين اختبر إسرائيل في مصيره مخطّط الخلاص هذا، اختبر في الوقت عينه عمل الله بشكل ملموس. وهكذا توصّل إلى معرفة الله معرفة تفترق عن تلك التي نصل إليها حين نرى الخليقة (روم 1: 20) أوحين نسمع النداء الداخلي في الضمير (روم 2: 14- 15). إنّها معرفة فائقة الطبيعة، وهي تشبه مخطّط الخلاص عينه.
لا شكّ في أنّ حضور عمل الله في الأحداث لا يُدرَك ان لم تكشفه الكلمة النبوية. في هذا المعنى يرتبط كل وحي بالكلمة. ولكنّ الكلمة لا تكشف عن الله بصورة مجرّدة وبشكل فكرة، بل هي ترجع إلى التاريخ الملموس وتتيح لنا أن نتبع خطوة خطوة تتمّة مخطّط الله. وهكذا ترتبط الوجهة التاريخية في العهد القديم ارتباطاً حميمًا بالكلمة: فالوحي الإلهيّ يتفجّر من تفاعل الكلمة مع التاريخ.

ثانيًا: كلمة الله وعد
لا يكتفي الله بأن يطلع البشر على جزء من مخطّطه تحقّق ساعة تكلّم النبي. فالكلمة تقدّم في كل زمن نظرة إلى المستقبل. فهي تجعلنا ندرك، وإن بصورة غامضة، الهدف الذي إليه يقود الله شعبه. ومهما اقتربنا من النهاية، توضّح هذا الوحي. والأمر جليّ بالنسبة إلى الأنبياء الكبار الذين يتضمّن تعليمهم نظرة إلى الآخرة.
في الماضي، انطبعت كل مرحلة تاريخية في مصير إسرائيل بمواعيد: وعد لإبراهيم (تك 2:12-3؛ 15:13-17 ؛ 15: 1 ي ؛ 19:17- 21؛ 16:22-18) ؛ وعد لموسى (خر 8:3- 10، 17؛ 23: 20- 23) ؛ وعد لداود (2 صم 7: 5- 16). وهكذا تستبق الكلمةُ دومًا التاريخ، وتُعلن مسيرته المقبلة بصورة واضحة أو غامضة.
وهكذا لا يؤكّد الله فقط معرفته المطلقة للمستقبل، بل يدلّ أيضاً على أنّه سيّد الأحداث. فالكلمة التي تكشف مسبّقًا هذه المراحل المقبلة في مخطّط الخلاص، هي أيضاً كلمة تفعل ولا تخطئ (أش 55: 10- 11). هي كلمة دعت العالم إلى الوجود (مز 33: 1) وما زالت تنفّذ على الأرض مشاريع الله (أش 45: 11- 3؛ 8:48- 13؛ حك 18: 15). وهي التي تخلق التاريخ لسعادة البشر أو شقائهم (أش 7:45). وهي تعلن الخلاص ساعة تستعدّ لخلقه (أش 8:45).
وفي النهاية، حين يكشف الله عن مقاصده، فهو يُلزم نفسه بتحقيقها في المستقبل. ويرتبط بمخطّطه بشكل احتفالي ارتباطاً يستحيل عليه العودة عنه (مز 35:89- 36). تلك هي الوجهة الثانية في سرّ الكلمة: إعلان نبوي لخلاص نهائي.

ثالثًا: كلمة الله قاعدة حياة
كلمة الله هي قاعدة حياة. فلا تكشف فقط مخطط الخلاص الذي يتحقّق الآن في تاريخ إسرائيل. ولا تشهد فقط أنّ نجاحه النهائي حاصل لا محالة. بل هي تدلّ البشر أيضاً على ما يجب أن يفعلوه من جهتهم لكي ينعموا بهذا الخلاص. وتتحدّد في وصايا تعبّر عن إرادة الله، وتتّخذ شكل شريعة، وتفرض طاعة تدلّ على خضوع الإرادات الحرة للسيّد السامي على الخليقة والتاريخ (خر 20: 1- 17) إذن، ترتبط الشريعة التي هي الوجهة الجوهرية الثالثة في العهد القديم، بسرّ الكلمة كما ارتبط الوحي والوعد.
فكلمة الله التي هي وحي ووعد وقاعدة حياة، تُشرف هكذا على كل الترتيب القديم الذي هو في الوقت ذاته تاريخ وشريعة ووعد نبوي بالخلاص. فعلى البشر أن يتجاوبوا مع مبادرة الله الذي يتكلّم. لا بدّ من جواب ديني تُملي الكلمةُ الشكلَ الذي يتّخذه: جواب الوحي هو الإيمان، جواب الوعد هو الرجاء، وجواب قاعدة الحياة هو طاعة يلهمها في الوقت عينه مخافة الله ومحبّة مشيئته (تث 5: 32- 6: 13). هذا هو جوهر ديانة العهد القديم. وهذا الموقف الداخلي المثلّث الذي تحرّكه كلمة الله في قلب البشر، يشكّل حياة لاهوتية حقّة تستبق ما يقدّمه العهد الجديد (1 تس 1 :3 ؛ 1 كور 13:13).

ب- سرّ شعب الله
1- إسرائيل شعب الله
لم تتوجّه كلمة الله إلى البشر بصورة فردية. فمخطّط الخلاص لا يهدف فقط إلى توجيه البشر إلى مصيرهم الابدي. إنّه يريد أن يخلّص جنس آدم كلّه، فيعيد بناء وحدته الداخلية "ويجمع كل أبنائه المشتّتين " (يو 11: 52)، ليجعل منهم "شعبًا واحدًا" (أف 2: 14). هذه هي الشريعة الأساسية في تدبير الخلاص، ويتضمّن العهد القديم تطبيقًا ملموسًا لها.
منذ الآن "شعب الله " موجود على مستوى الخبرة التاريخية. فإسرائيل هو الأوّل، وعليه تتطعّم سائر الأمم (روم 11: 16- 24)، تشارك في الخلاص. حينئذ نفهم العلاقة الحميمة بين ديانة موحاة ومجموعة بشرية محدّدة. فإن اعتبرت هذه المجموعة في العهد القديم أنّها وحدها تسلّمت وحي الله، أنّها وحدها نعمت بمواعيد الخلاص، أنّها وحدها كانت أمينة لقاعدة حياة وضعها الله للبشر، فهذا ليس نتيجة تعصّب ذميم. فالله ليس بيهودي. ولكنِّ اليهود واعون أنّهم شعبه. فإسرائيل يتميّز عن سائر الشعوب الوثنية بأنّه يحمل في داخله سرَّا علويًّا يفرزه عن غيره ويُشرف على مصيره. لهذا، تقبّل وحده كلمة الله كوديعة يحافظ عليها (تث 7:4- 8 ؛ مز 19:147- 20).
وتبرز هذه الميزة حين نتطلعّ إلى وضع الجنس البشري. فما نقرأه في تك 1- 11 يدلّ على أنّ كل الجنس البشري جعل في عين الانحطاط الديني والأخلاقي الذي يقوده إلى المصير الواحد. فخبر الطوفان وحدث برج بابل يشكّلان أفضل مثال على ذلك. ونجد نظرة مشابهة في روم 1 :18- 32. فوسط هذا العالم الخاطئ، اختار الله رجلاً ودعاه (تك 12: 1 ي؛ رج أش 2:51). وفي كل جيل من نسله فرز الولد الذي سلّم إليه مقصده، دون أن يهتمّ بشرائع الطبيعة التي تميّز البكر عن سائر إخوته. وفي النهاية، اختار إسرائيل خادمًا له (أش 41: 8). وهذا الاختبار العلويّ المؤسس على محبّة الله (تث 7: 7- 8) جعل منهم "مملكة كهنة، وأمّة مقدّسة" (خر 19: 6؛ رج تث 7: 6؛ 14: 2). فصل الله هذا الشعبَ عن سائر البشر فأقامه في نظام خاصّ به. عاش في هذا العالم وسط سائر الأمم، ولكنّه ليس بكلّيته من هذا العالم. إنّه الشعب المقدّس. هو في الوقت عينه شاهد لله أمام سائر الشعوب والموكّل بخدمته وعبادته. هو مع الله في رباط حميم يتحدّد بالعهد. من هذا القبيل حُفظت له كلمةُ الله، فوجب عليه أن يتجاوب معها بحياة من الإيمان والرجاء والمحبّة. في مصيره التاريخي يتحقّق مخطّط الخلاص، فلا يستطيع أحد أن يدرك الله أو يجد الخلاص إلاّ إذا اتّحد به وشاركه حياته ومصيره. هذا هو نظام الترتيب القديم.
2- سرّ شعب الله وسرّ المسيح
مثل هذا النظام يبدو غريبًا. فإن كان التماثل بين شعب الله ومجموعة وطنية خاصّة يمنحه طابعًا واقعيًا ويقدّم له قاعدة محسوسة، فهو يعارض شموليّة قصد الله. من جهة، طُلب من شعب الله أن يجمع كل البشر ليجعلهم ينعمون بالخلاص. ولهذا، فهو منذ اللحظة الأولى من وجوده التاريخي يتطلعّ إلى ساعة يضمّهم كلّهم في هذا القصد. ومن جهة ثانية، يبدو إسرائيل جماعة مغلقة متصلّبة رافضة للآخرين ومطبوعة طبعًا عميقًا بخصائصها الوطنية. لهذا نلاحظ في كل العهد القديم انشدادًا بين شموليّة دعوته (تك 2 3:1) والنتائج العملية لحياته المعزولة (تث 3:23- 4). لولا هذا السند التاريخي، لما وُجد شعب الله. ومع هذا، فضيق هذا السند يتعارض مع نوايا الله الذي يريد خلاص البشر جميعًا.
فإذا أردنا أن نزيل التعارض ليتكوّن شعب واحد من اليهود والأمم الوثنية، لا بدّ للمسيح في نهاية الأزمنة، أن يحطّم الحاجز الموقّت الذي يفصل بين الفئتين، وأن يصالحهما مع الله في جسده بواسطة صليبه (أف 2: 14- 16). حينئذ يظهر سرّ شعب الله في أبعاده الحقيقية فيصبح سرّ الكنيسة التي هي جسد المسيح. ولكن يبقى أنّ هذا السرّ تدشّن على الأرض منذ العهد القديم بشكل ناقص في شعب إسرائيل.

ج- سرّ عهد الله
1- إسرائيل شعب العهد
حين أراد العهد القديم أن يحدّد طبيعة الرباط الموجود بين الله وشعبه، استعمل كلمة "بريت " (دياتيقي في اليونانية). تدلّ هذه اللفظة على ترتيب قانوني يجد نموذجه في معاهدات الشرق القديم. الله يفرض شروطه ويطلب من شعبه أن يحفظ ميثاقه (تك 9:17، 19: 5). أمّا هو فيلزم نفسه بوعد. يتحدّث النصّ عن "قطع العهد" (تك 17:15؛ خر 8:24) عن إقامة العهد (تك 19:17، 21)، عن منح العهد (تك 17: 2). فمن الله تأتي مبادرة الدخول في ميثاق (حز 16: 8) مع الجماعة البشرية التي يريد أن يجعلها شعبه.
فاختيار إسرائيل يجد تكريسه التاريخي حين يُعلَن العهد والميثاق. هناك عهد سيناء. ولكنّ عهد الآباء (تك 15: 1 ي؛ 17: 1 ي) يستبق نتائجه، لأنّ عهد إبراهيم لا يعني نسلَه وحسب، بل كل أمم الأرض. وحسب العبارة التقليدية التي تترجم الطابع الوثيق للعلاقات بين الله وجماعة بشرية، يصبح يهوه إله إسرائيل، ويصبح إسرائيل شعب يهوه (تث 12:29؛ لا 12:26 ؛ ار 23:7 ؛ حز 11 : 20).
فالألقاب المعطاة لإسرائيل تعبّر بأشكال متنوّعة عن الرباط الذي يربطه بالله. إنّه ملكه (خر 19: 5؛ تث 7: 6) وقدسه (ار 2: 3) وميراثه (تث 29: 6). وهناك صور تدلّ على علاقات المحبّة: يهوه هو الراعي وإسرائيل هو القطيع (مز 80: 2؛ 94: 7). يهوه هو الكرّام وإسرائيل هو الكرمة (أش 5: 1 ي؛ مز 80: 9 ي). يهوه هو الأب وإسرائيل هو الابن البكر (خر 4: 22؛ هو 11: 1). يهوه هو الزوج وإسرائيل هو الزوجة (هو 2: 4؛ إر 2: 1 ي ؛ حز 8:16؛ أش 54: 4- 10). كل هذه العبارات تحدّد بنية أساسية في مخطّط الخلاص وسيستعيدها العهد الجديد لكي يحدّد عمل يسوع الذي هو الكنيسة.

2- سرّ العهد وسرّ المسيح
إنّ مخطّط العهد الذي تدشّن في العهد القديم قد وصل إلى هدفه النهائي بيسوع. فعهد سيناء كان رسمة سريعة. أمّا العهد الحقيقي والكامل والنهائي، فهو يُعقَد في دم يسوع على الصليب (مت 28:26 وز؛ عب 25:9- 28)، ويلد شعب الله الحقيقي الذي يرث امتيازات إسرائيل (1 بط 2: 9؛ رؤ 5: 10). وهذا الشعب لا يرتبط بنظام زمني، إنّه جسد المسيح عينه (1 كور 10: 17؛ 12: 13- 27؛ روم 12: 4- 5؛ أف 4: 4؛ 5: 30). ولهذا يتّخذ سرّ عهد الله مع البشر في المسيح، طابع عمق لم يكن العهد القديم ليحلم به. فزواج الله بالجنس البشري يتحقّق في شخص يسوع: حين اتّخذ الكلمة جسدًا، صار رئيس البشرية المفتداة. تضامن مع شعبه فاعتنق مصيره حتّى الموت وسفك الدم، فختم عهده مع البشر وأعطاهم سلطانًا أن يشاركوا في الطبيعة الإلهية التي يمتلكها هو في ملئها.
دخل سرّ العهد في التاريخ بصورة ناقصة بواسطة العهد القديم، ولكنّه كمل بالتجسّد الذي كان الصليب نتيجته الأخيرة.

د- حضور المسيح في العهد القديم
وهكذا يتضمّن العهد القديم تحقيقًا ملموسًا لثلاث وجهات جوهرية في مخطّط الخلاص ستجد كمالها التامّ في سرّ المسيح: سرّ كلمة الله، سرّ شعب الله، سرّ عهد الله مع البشر وفي كل هذه الوجهات المرتبطة بعضها ببعض، يتدخّل سرّ المسيح كلّه.
نحن لا نقول إنّ العهد القديم هو بمثابة وسيلة بالنسبة إلى سرّ المسيح: فالسرّ هو حاضر بشكل من الأشكال في الترتيب الذي يهيّئ مجيئه في التاريخ. سبقنا وقلنا إنّ هذه الكلمة التي تتوجّه إلى البشر والتي تخلق سلسلة الأحداث التي يتوجّها تجسّد الكلمة، هي كلمة الله نفسه.
إنّ شعب إسرائيل مدعوّ لكي يحقّق هذا المثال وإن بطريقة ناقصة، أن يكون كنيسة المسيح وعروسه وجسده. وإن كان إسرائيل موضوع اختيار ودعوة من قِبَل الله، فمن أجل هذه الكنيسة ومن أجل المشاركة في سرّها. قال القدّيس أوغسطينس في عظة عن الشهداء المكّابيين: "لا يظنّن أحد أنّه قبل أن يكون شعب مسيحي لم يختر الله له شعبًا. وإذا أردنا أن نتكلّم بالحقّ، لا حسب عبارة جارية، شعب العهد القديم كان شعبًا "مسيحيًّا". فالمسيح لم يبدأ فقط بأن يكون له شعب منذ آلامه. فله الشعب المولود من إبراهيم الذي شهد له الرب هذه الشهادة: رغب إبراهيم أن يرى يومي فرآه وابتهج. إذًا، من إبراهيم ولد هذا الشعب الذي كان عبدًا في مصر، ونجا بيد قديرة من بيت العبودية بواسطة موسى خادم الله، واقتيد عبر البحر الأحمر على الأمواج الحقيرة، وتجرّب في البرّية وخضع للشريعة. لهذا الشعب مكانته في الملكوت، وهو الذي خرج منه الأنبياء والشهداء (المكّابيون). لا شكّ في أنّ المسيح لم يكن قد مات بعد. ولكنّه كان مزمعًا أن يموت، فصنع لنفسه هؤلاء الشهداء". لقد عبّر القدّيس أوغسطينس بهذا الكلام عن رأي التقليد المسيحي على مرّ العصور. إذا كان المسيح حاضرًا هكذا في سرّ الكلمة، وإذا كانت كنيسته حاضرة في سرّ شعب الله، نفهم أنّه لا يجب أن ننظر إلى عهد سيناء، على نقصه، كأنّه انعكاس باهت لعهد مقبل، وكأنّه رسَمَ من الخارج سماته العميقة. فسرّ العهد هو سرّ الله مع البشر وقد حقّق نظامُ سيناء بعض هذا السرّ. به يشارك إسرائيل حقًّا، وإن كانت مشاركة ناقصة وبشكل موقّت بالعهد الذي ينطلق من مولد عمّانوئيل (أي إلهنا معنا، مت 1 :23) ويُختم في دمه، في العهد الذي سيتمّ في كماله في أورشليم السماوية حيث يكون عمّانوئيل إلههم (رؤ 3:21).
حين يدعو الله إسرائيل "شعبي " في العهد القديم، لا يكفي أن نقول إنّه يفعل ذلك بالنظر إلى المسيح الذي سيتجسّد فيه. فهذه الطريقة في الكلام لا تتطلعّ إلى مخطّط الله إلاّ من زاوية مساره في التاريخ. ولكن لا بد من التطلعّ إليه من زاوية أخرى. فكلمة الله سابق لكل الأجيال وهو معاصر لكل الأجيال. فقبل أن تكشفه رسالته في وضح النهار، فهو حاضر بشكل سرّي في عمله على الأرض. ففيه وبه كلّم الله إسرائيل وجعله شعبه ومنحه عهده مستبقًا بصورة خفيّة مجيء الخلاص في الزمن.

II- حياة إسرائيل في سرّ المسيح
تطلّعنا إلى العهد القديم من زاوية عمل الله: الله يتكلّم، الله يختار شعبًا ويمنحه عهده. وهكذا يبدأ بتحقيق مخطّط خلاصه. أمّا الآن فنقف من جهة الشعب. فمخطّط الخلاص ليس بالنسبة إليه موضوع إيمان نظري، بل واقع معاش. من هذه الزاوية، سرّ المسيح هو حاضر في العهد القديم، وخبرة إسرائيل هي خبرة تستبق هذا السرّ. فالتقليد المسيحي كلّه يقول بواقع هذا الحضور على خطى العهد الجديد. ولكن يبقى أن نعرف كيف يكون هذا الحضور.

أ - حضور المسيح في حياة إسرائيل
لن ننظر هنا إلى حياة شعب الله في العهد القديم حسب المراحل المتعاقبة في مسارها التاريخي، بل حسب العناصر الروحية الدائمة التي تجعلها قريبة من الحياة المسيحية. إنّها حياة لاهوتية، حياة إيمان. وهي بالتالي تحمل إلى البشر برًّا داخليًا، يجعلهم في رضى الله. هذا ما قاله سفر التكوين (15: 6) عن إبراهيم: "آمن بالله فحسب له ذلك برًّا". وهذا الإيمان الذي برّرأبا الآباء ، هو في نظر العهد الجديد مثال الإيمان المسيحي نفسه ( غل 6:3؛ روم 1:4 ي؛ رج يع 23:2). ونحن نفهم هذا التشابه إيماناً عاشه رجال العهد القديم في سرّ المسيح الذي كان لهم موضوع عقيدة ومبدأ تبرير.

1 – سر المسيح موضوع إيمان
أوّلاً : ما هو الإيمان
ليس الإيمان فقط عملا" فكريًا به نتعلّق بحقائق موحاة بسبب سلطة الله التي توحيها.
فهذه النظرة اللاهوتية لا تتوافق ومدلول الكلمة في الكتاب المقدّس . فالكلمة أوسع وأغنى.

- الإيمان وكلمة الله
اذا عدنا إلى لغة الكتاب المقدّس ، لاسيمّا عند القدّيس بولس والقدّيس يوحنّا ، نرى أنّ الإيمان يلزم الإنسان كلّه . إنه جواب الإنسان إالى الله الذي يكلّمه . إنه تقبّل الكلمة (1 تس 6:1 – 7). حين تقبّل التسالونيكيون الكلمة صاروا مثالاً لكل المؤمنين . وفي روم 17:10: "ولد الإيمان من الكرازة ، التي أداتها كلمة المسيح".
الإيمان هو سرّ هذه الكلمة التي يعيشها الذين يتقبلونها . وكما أنّ للكلمة ثلاث وجهات (وحي ، وعد، قاعدة حياة) ينتج أنّ لحياة الإيمان أيضاً ثلاث وجهات مترابطة: يتضمّن تقبّل وحي الله ، ويتضمن تأكيدًا مؤسّسًا على مواعيد الله ، ويتضمن طاعة لشريعة الله التي هي معيار المخافة الدينية ومحبّة الله . وبمختصر الكلام ، إنّ حياة الإيمان هي خبرة لاهوتية تامّة يكوّنها الإيمان الحيّ وهو يتضمّن الرجاء ويتكوّن بالمحبّة.

- الإيمان موقف شخصي
نستطيع أن نتطلّع إلى الإيمان من وجهتين : إمّا بالنسبة إلى موضوعه ، وإمّا بالنسبة الى الموقف الشخصي. من هذه الوجهة الثانية يبدو الإيمان في العهد القديم كالموقف الأساسي عند الإنسان الذي يدخل في علاقة مع الله . ونحن نفهم هذا الواقع بسهولة اذا تطلّعنا إالى مكانة سرّ الكلمة في تدبير الخلاص. تحدّثنا عن مثل إبراهيم. وهناك مثل آخر في سفر الخروج: حين رأى العبرانيون الآيات التي اجترحها موسى، "آمنوا بالله وبموسى عبده " (خر 14: 31؛ رج 4: 31). ومُقابل هذا، يوبّخ الله شعبه لأنّه لم يؤمن (عد 14: 11؛ تث 23:9). ونجد التوبيخ عينه في فم أشعيا (7: 9). أمّا في سفر يونان، فالينبوع الأوّل لخلاص نينوى هو إيمان بكلمة النبي (يون 5:3).
فانطلاقًا من هذه الأمثلة يبدو الإيمان التصاقًا بكلمة الله التي تتضمّن تأكيدًا على متانتها (وحي ووعد) وأمانة لمتطلّباتها (قاعدة حياة). هذا هو الإيمان الذي به يحيا البارّ (عب 4:2).
والموقف الروحي المصوَّر هنا لا يفترق في شيء عن الإيمان الذي يتحدّث عنه العهد الجديد. فقد قدّم القدّيس بولس إبراهيم كمثال للمسيحيين وبنى على نصّ حبقوق تعليمه عن التبرير (غل 2: 4؛ روم 1: 17). وجعلت الرسالة إلى العبرانيين من الأقدمين "سحابة من الشهود" يدعونا لنحيا الإيمان على خطى يسوع الذي هو الرئيس الذي يوصل هذا الإيمان إلى كماله (عب 12: 1- 2؛ رج 11: 1 ي).
ولاهوت القدّيس يوحنّا يربط بين الإيمان بالله والإيمان بالمسيح (يو 14: ا). وينقل إلى الإيمان بالمسيح سلطان إعطاء الحياة الأبدية (يو 3: 15؛ 6: 40، 47). إذن هناك تماثل بين إيمان العهد القديم وإيمان العهد الجديد: هو تقبّل الكلمة الذي يصبح تقبّل شخص حيّ هو المسيح الذي صار جسدًا.

ثانيًا: موضوع الإيمان في العهدين
- المسألة
إنّ مبدأ تماثل الإيمان بين العهدين يصطدم بصعوبة مهمّة. فإن توقّفنا عند وجهة المعرفة الدينية، وإن حاولنا أن ننظم هذه المعرفة الدينية في نهج متماسك، هل نستطيع أن نحدر إيمان العهد الجديد إلى إيمان العهد القديم؟ أن نرى في العهد القديم تطوّر الأفكار حول الله ، حول الإنسان، حول علاقتهما، حول الخلاص؟
إذا كان هناك اختلافات هامّة داخل العهد القديم، فكيف نقابل بين معتقدات اليهود ومعتقدات المسيحيين؟ وما نقوله عن الإيمان نقوله عن الرجاء: هل رجاء معاصري المسيح هو رجاؤنا؟ موضوع مواعيد سيناء هو ازدهار مادّي، أمّا نحن فنرجو قيامة الموتى التي لم يتحدّث عنها شعب إسرائيل في أوّل أسفاره.

- موضوع الإيمان في منظار وجودي
نترك موقّتًا الأفكار الدينية المحدّدة وننظر إلى الحوار الفعلي بين الله والإنسان الذي ينطلق من كلمة الله ويشكّل الإيمان جوابه. فالإيمان لا يعني فقط قبولاً ببعض الحقائق، بل أن نستسلم إلى كلمة إله واحد هو خيرنا السامي. الإيمان هو ثقة بالته. وعبر الحقائق الموحاة والمدلولات التي تعبّر عنها، نحن نصل إلى ينبوع الوحي. يسلّم الإنسان نفسه إلى الله، والله يفعل الباقي. وعندما يكون الإيمان حيًّا فينا، فهو يتجاوز الأفكار المجرّدة والتعابير العقائدية ليتعلّق بالته نفسه. نحن نؤمن بهذه العقيدة أو تلك. ولكنّنا نؤمن خاصّة بالله الذي يوحي إلينا بها. نحن لا فتوقف على الحقائق الجزئية، بل على الحقيقة الجوهرية التي هي الله.
ما هي هذه الحقائق الجزئية؟ من أنا؟ من هو هذا الذي أنا واقف أمامه؟ ما هي الشروط التي تساعدني على الاتّصال به؟ ليس من حقيقة إيمانية إلاّ وتدخل في هذا الحوار الداخلي والسرّي الذي يتواصل بين الله والإنسان في ظلمة الإيمان قبل أن ينتهي في الرؤية وجهًا لوجه. فالإيمان والرؤية هما في جوهرهما معرفة علوية واحدة في مرحلتين متعاقبتين: مرحلة التنقية على الأرض، ومرحلة قطف ثمرة السعادة. فموضوع الإيمان هو في الوقت عينه سرّ الله وسرّ هذا الحوار الذي نواصله معه. السرّ هو معروف ومعاش معًا. وهو في أساسه لا يختلف من مرحلة إلى أخرى. ما يفترق هو درجة الوعي المعطى للمؤمنين، والوضوح الذي به يعرفون.
فوحدة السرّ هي من العمق بحيث إنّنا نؤمن به كاملاً حين نتقبّل الكلمة التي توحي وجهة من وجهاته. وهذا السرّ قد عاشته الأجيال الأولى في يسوع المسيح. فالعمل الذي به يؤمن الإنسان لا يتمّ إلاّ بالنظر إلى نعمة المسيح، بمشاركة مسبقة في سرّ المسيح رئيس البشرية الجديدة. فالإيمان هو في الوقت عينه معرفة لسرّ المسيح وخبرة حياتية له. والمعرفة التي يتضمّنها تصبو إلى واقع نعيشه. وإن ظلّت هذه المعرفة ناقصة، فالحقيقة موجودة كلّها بصورة ضمنيّة في فعل المعرفة هذا، في هذه الخبرة اللاهوتية التي تتعدّى العقل.

2- سرّ المسيح مبدأ تبرير وتقديس
حين عرضنا مسألة التماثل بين إيمان العهد القديم وإيمان العهد الجديد، توقّفنا عند وجهة المعرفة. وقلنا إنّ هذه المعرفة تتأصّل في خبرة لاهوتية أوسع تُلزم الإنسان كلّه: هي خبرة الحياة مع اللّه. لهذا سوف نتطلعّ إلى حياة شعب الله من هذه الزاوية الجديدة. فق العهد القديم لا يُعرف سرّ المسيح فقط بشكل مسبّق وبطريقة متضمّنة. حين التصق المؤمنون به مسبّقًا بإيمانهم نعِموا بثماره.
لهذا سننطلق من النصوص لزى كيف تُحدِّثنا عن حياة الإنسان مع الله.

أوّلاً: الحياة مع اللّه في العهد القديم
- عبارات مختلفة عن الحياة مع الّه
حين تُحدّثنا النصوص عن الحياة مع الله، فهي تلجأ إلى عبارات مختلفة. مثلاً على مستوى الصداقة مع الله. هذا ما نقوله عن إبراهيم (خليل الله) نموذج المؤمنين (أش 41: 8؛ 2 أخ 20: 7) كل النفوس التقيّة (حك 27:7). وعلى مستوى حياة مشتركة بين اللّه والإنسان. هناك ذبائح السلامة والمشاركة التي يتحدّث عنها سفر اللاويين (3: 1 ي). وهناك أقوال نقرأها في المزامير فتدلّ على الثقة والاطمئنان: "الجودة والرحمة تتبعاني جميع أيّام حياتي وسكناي في بيت الرب طول الأيّام " (مز 23: 6). "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب طوبى للرجل المتوكّل عليه " (مز 9:34). "إلى الله اسكني يا نفسي فإنّ منه رجائي. خالتي هو ومخلّصي، ملجأي فلا أتزعزع " (مز 7:62).
في هذا المنظار نقرأ نصوصاً تحدّثنا عن عملية التبنّي لدى الله: العلاقة بين الله وشعبه إجمالاً (خر 4: 22- 23، هو 11: 1؛ ار 31: 9)0 العلاقة بين الله والملك (2 صم 7: 14، مز 89: 31- 34)0 العلاقة بين الله كل فرد من شعبه (تث 32: 5- 6، أش 1 :2، حك 13:2 ،5:5).
ونقول الشيء عينه عن المقاطع التي تَعِد الأبرار (حب 2: 4) والذين يمارسون الشريعة (تث 4: 1، لا 18: 5، حز 20: 11) بالحياة. لقد لاحظ الشرّاح أنّنا أمام حياة على الأرض وجزاء لا يتعدّى هذه الدنيا. ولكنّ الكاتب الملهم ينظر إلى هذه الحياة كاشتراك في حياة الله الحيّ. وسيأتي يوم يعبّر النصّ بوضوح عن الحياة الأبدية (دا 12: 2، حك 5: 15، رج 3: 1- 3). إن لم يكن هناك ما يشير إلى الحياة الفائقة الطبيعة، فهناك ما يقودنا من صورة الفردوس وشجرة الحياة (أم 18:3، 11: 30 ؛ سي 13:24- 21) إلى فكرة الخلود وعدم الفساد (حك 18:6- 19، رج 23:2).
الصداقة مع الله ومشاركته في حياته تفترضان غياب الحاجز الذي هو الخطيئة. والحال أنّ كلّ إنسان خاطئ. ومع ذلك فالاتّحاد مع الله ممكن. هذا يفترض غفرانًا حقيقيًا للخطايا السابقة (أش 2:45، 22:44، مز 32: 1- 5، 130: 1 ي) وتنقية القلب (أش 1 :18، حز 36: 25؛ مز 51: 4، 9). وحين يتحقّق الغفران، يستطيع الإنسان أن يقول إنّه في حال البرارة والقداسة.
موضوع القداسة هو موضوع ديني. إنّه يفترض مشاركة في صفة خاصّة بالته تجعله قدّوسًا ثلاث مرّات (أش 6: 3)، وتفصله عن كل خليقة دنيوية. القداسة هي ميزة الشعب كلّه (خر 19: 6 ؛ تث 7: 6). وعلى كل فرد من أفراد الشعب أن يشارك في هذه القداسة: يحفظ الشريعة ليكون قدّيسًاكما أنّ الله قدّوس (لا 19: 2). ومن يتصرّف هكذا يُعتبر من القدّيسين (حك 7: 27).
ويرتبط موضوع البرارة بموضوع القداسة، فيشدّد بالحريّ على صفة أخلاقية عند الإنسان. يكون الإنسان بارًّا في نظر الله (تك 7: 1) حين يتصرّف بحسب إرادة الله (تث 6: 25). هذا هو المثال المعروض على الجميع. وهذه البرارة تؤمّن بركة الله (مز 13:5) وتتيح لنا أن نقترب منه (مز 15: 1- 2). البرارة هي في متناول الإنسان، وقد حصل عليها نوح (تك 7:7) وإبراهيم (تك 15: 6).
وافرة الأخيرة للبرارة والحياة مع الله هي التعزية بعد المحنة (أش 40: 1، ار 31: 9) والشفاء بعد الألم (هو 13: 5، أش 57: 19 ؛ 58: 5) والفرح (أش 3:51، 18:65، 66: 10، ار 13:31 ؛ مز 51: 14) والسلام (أش 7:51، 12:66؛ 19:57) والسعادة (أش 51: 7 ؛ تث 6: 24). كلّ هذه المفردات مأخوذة من خبرة الراحة لدى البشر، ولكنّها تمتلك هنا رنّة دينية، لأنّ الحياة مع الله هي في ذاتها ينبوع فرح عظيم (مز 16: 1 ي ؛ 25:73-28).

- أصل الحياة مع الله
غير أنّ هذه الحياة مع الله ليست حقًّا مكتسبًا للإنسان. إنّها دومًا عطيّة من لدنه تعالى. فلا نستطيع أن نحصل عليها بصورة آليّة كما بعملية سحر. فالله يكره طقوسًا لا يضع الإنسان فيها قلبه (عا 5: 21 ؛ أش 1: 11- 16؛ إر 12:14 ؛ سي 15: 11). انه يريد نقاوة القلب (أش 1: 16) ولا يلتفت إلاّ إلى الأبرار (سي 35: 6، 16). ولكن هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى هذه البرارة؟ نعم ولا. هناك احتجاج يفترض أنّ الإنسان هو بارّ (مز 7 ؛ 17 ؛ 26). ولكن وعى المؤمنون خطيئتهم فتيقّنوا أنّ الإنسان خاطئ من بطن أمّه (مز 51: 7). ليس من أبرار على هذه الأرض (مز 14: 1- 6؛ ار 5: 1- 3 ؛ 7: 2). فليس من حيّ يتبرّر أمام الله (مز 143: 2؛ أي 9: 30- 32).
فاذا استطاع الإنسان أن يقول إنّه تنقّى من خطيئته، فهذا يعني أنّ الله غفرها له (مز 32: 1- 2). فهو وحده ينقّي القلوب (حز 25:36 ؛ مز 4:51، 9)، ويكتب فيها شريعته بحيث يحفظها الإنسان (ار 31: 33؛ حز 26:36؛ مز 9 11: 36). يخلق من جديد الخاطئ في الأعماق (مز 51: 12).
ليس من بارّ أمام محكمة الله الذي يمتلك برارة من نوع آخر تقوم بأن يخلّص البشر (مز 51: 6، 8؛ رج 31: 2؛ 143: 1). وهذه البرارة هي شكل من أشكال الحبّ والرحمة والحنان (خر 33: 19؛ تث 5: 10؛ هو 11: 8- 9؛ 13: 5؛ ار 31: 3 ؛ 32: 18؛ مز 18: 51) كما تنكشف في العهد القديم.

ثانيًا: الحياة مع الله وسرّ المسيح
- ماذا يقول العهد الجديد
العهد الجديد هو تحقيق الخلاص الموعود به في ملء الزمن. واللافت هو أنّ الحياة مع الله كما يحملها المسيح إلى البشر كنتيجة إيمانهم، تحدَّد كما في العهد القديم: النعم المعطاة في الأزمنة الأخيرة، الخبرة الدينية الملموسة.
بالمسيح جاءنا البرّ (روم 3: 24؛ 8: 30) والقداسة (1 كور 1: 2؛ روم 22:6؛ عب 1: 10) وغفران الخطايا (روم 6:5 ؛ أع 38:2) وتنقية القلب (أع 15 : 9؛ تي 2: 14) ونعمة التبنّي (غل 4: 5؛ روم 8: 15، 23) والحياة (روم 6: 11؛ يو 6: 51) والشركة مع الله (1 يو 1: 6) والفرح والسلام (غل 5: 22) والسعادة (مت 3:5 ي). 
إذن هناك تماثل جوهري بين هذه القيم المسيحية وتلك التي حملتها معها الحياة الإلهية في العهد القديم. وهذا لا يدهشنا إذا عرفنا الدور الذي لعبته كلمة الله وحكمته وروحه. نحن هنا أمام استباق لتجسّد الابن كلمة الله وحكمته، ولمهمّة الروح محيي البشر ومقدّسهم في كنيسة المسيح. فتبرير البشر وتقديسهم في العهد القديم هما نتيجة حكمة الله وروحه، هما ثمار مسبّقة لسرّ المسيح الآتي.

- المسيح والأبرار في العهد القديم
نصل هنا إلى وجهة مهمّة من هذا السرّ الذي فيه وجد مخطّط الخلاص كماله في التاريخ. تحقّق في نهاية الأزمنة، ولكنّه كان في شكل من الأشكال حاضرًا في كل الأزمنة. فإن أعيد الرباط بين الله والبشر منذ العهد القديم بحيث صاروا شعبه وصار إلههم، بحيث اتّحدوا به اتّحادًا حقيقيًا وشاركوه في حياته، فكلّ هذا كان علامة ظاهرة بأنّ صليب يسوع وقيامته بدأ ا يفعلان منذ ذلك الوقت وقبل أن يتّخذا مكانتها في مسار التاريخ. فبما أنّه لا خلاص ولا فداء ولا عطيّة روح إلاّ بيسوع المسيح وفيه، بما أنّه ليس من اسم آخر تحت السماء نستطيع به أن نخلص (أع 12:4)، فلا يمكن أن نتخيّل برًّا أو قداسة لا يكون يسوع ينبوعها العميق. فحتى قبل يسوع المسيح لم يكن من أبرار وقدّيسين إلاّ في يسوع المسيح.
هنا نذكر إكلمنضوس الإسكندراني الذي شدّد على وحدة العهد الذي يمنح جميع البشر الخلاص خلال الترتيبات المتعاقبة التي تجعله حاضرًا على الأرض. قال في موشّياته (13:6): "ليس هناك في الواقع إلاّ عهد واحد. وهو الذي حمل الخلاص منذ بداية العالم، وجاء إلينا، هذا إذا فهمنا أنّه متنوّع في مواهبه حسب الأجيال والأزمنة المختلفة. فمن الطبيعي أن تكون عطيّة الخلاص واحدة لا رجوع عنها، وقد جاءت من الإله الواحد بواسطة الرب الواحد. فهو يعيننا بطرق مختلفة وهو الذي يلغي الجدار المتوسّط الذي يفصل اليوناني عن اليهودي لئلاّ يبقى شعب مختار واحد. وهكذا وصل الشعبان إلى وحدة الإيمان، فصار من الشعبين شعب واحد".
إنّ الكنيسة جسد المسيح هي في الواقع أقدم مّما يقوله مسار تاريخ الخلاص. هنا نتذكّر قول أغوسطينس في المزامير (3:35- 4): "المسيح هو رأسنا ونحن أعضاء جسده. هل نحن وحدنا دون الذين كانوا قبلنا؟ فكل الذين كانوا منذ بداية العالم وكانوا أبرارًا رأسهم هو المسيح. فقد آمنوا بمجيء الذي نؤمن نحن بمجيئه. وشفوا بالإيمان عينه الذي به شُفينا نحن، ليكون رئيس مدينة أورشليم كلّها، ليكون رئيس كل المؤمنين الذين أحصيت أسماؤهم منذ البداية إلى النهاية، والذين نزيد عليهم أجواق السماء وجنود الملائكة. وهكذا تكون اورشليم هذه مدينة واحدة بامرة ملك واحد، مقاطعة واحدة بامرة امبراطور واحد في سعادة وسلام وخلاص دائمين. سعادة تمدح الله ولا تنتهي. هذا هو جسد المسيح الذي هو الكنيسة".
ولكن يُطرح السؤال: كيف ادرك الإيمان موضوعه قبل أن يُكشف عن سر المسيح كشفًا كاملاً؟ إن إيماننا يمتلك أساسًا ملموسًا هو تحقّق السرّ في التاريخ. والإيمان الذي سبق مجيء المسيح؟ هذا ما سنحاول أن نتفحّصه.

ب- كيف كان سرّ المسيح حاضرًا في العهد القديم
نحن أمام مفارقة من مفارقات التعليم المسيحي أن نؤكّد فاعلية مسبّقة لحدث التاريخ الحاضر في فكر الله منذ بدء الزمن والحاصل في تاريخ مؤخّر بالنسبة إلى هذه البداية. فإذا أردنا أن نأخذ بعين الاعتبار البنية التاريخية لمخطّط الخلاص والفاعلية الخاصّة بالحدث الفريد الذي يكمّله، لا بدّ من التمييز بين شكلين لحضور المسيح الفادي وعمله، يرافقان المرحلتين المتعاقبتين في تحقيقه على الأرض.
كيف كان حضور المسيح خلال أزمنة التهيئة؟ نقول إنّ أبرار العهد القديم كانوا أبرارًا بالنظر إلى النعمة المعطاة في يسوع المسيح، بالنظر إلى استحقاقاته. فإن كان الله يعلن رضاه علينا كأعضاء فاعلين في جسد ابنه الحبيب، فهو يعلنه أيضاً على أبرار العهد القديم المرتبطين بالمسيح مهما كانوا بعيدين في التاريخ عن ينبوع حياة أبناء الله.
الاتّصال بالكلمة والمشاركة مع الروح يتمّان لنا بعلامات فاعلة هي الكنيسة وتدبيرها الأسراري اللذان هما امتداد لبشرية يسوع وأعماله الخلاصية. وهكذا نمتلك منذ الآن عربون الخلاص (2 كور 1: 23 ؛ 5: 5 ؛ أف 1: 14). أمّا بالنسبة إلى آبائنا في الإيمان، فهذه الموهبة الإلهية عُرفت واقتُبلت بشكل ناقص عبر علامات ناقصة تعلن العطيّة المقبلة، عبر الظلّ كما قالت الرسالة إلى العبرانيين (10: 1؛ رج 8: 5). كان هناك وقت انتقل فيه أباؤنا في الإيمان من نظام الظلّ وما فيه من مواعيد إلى الواقع: كان ذاك حين نزل يسوع إلى الموت وقام ليدشّن الخليقة الجديدة. حينذاك تقبّل الأبرار الذين عاشوا في الماضي الموهبة الكاملة التي تتم تلك قبلوها قبل الوقت. وحين تحقّق الحدث الذي كان إيمانهم يتطلعّ إليه (مع أنّهم عرفوه بصورة خفيّة) جعل استعدادهم فاعلاً لقبول النعمة التي ينبوعها الوحيد هو يسوع المسيح.
وهكذا دخلوا معه في نظام الأمور الأخيرة التي أعدّوا لها، التي تاق إليها إيمانهم ورجاؤهم، التي قبلوها بصورة مسبّقة وإن كانت ناقصة.
وهكذا نقول إنّنا نجد في الحياة الدينية المرتبطة بالعهد القديم استباقًا ديناميكيًّا للحياة الدينية في العهد الجديد، كما نجد في العهد الجديد استباقًا ديناميكيًّا لما في حياة السماء. مع العلم أنّ هناك اختلافًا واحدًا: حياة النعمة هي منذ الآن مشاركة في الحياة الأبدية وهي في جوهرها مماثلة لهذه الحياة. أمّا النعمة المعطاة للأبرار في العهد القديم فكانت تكتفي بأن تتعرّف إلى هذا الملء دون أن تتضمّنه. لقد كانت الواقع الذي يتطلعّ إلى الحقيقة.
الفصل السابع عشر
التوراة كتاب شريعة الله

سمّى اليهود كتب التوراة الأولى الشريعة (تورة في العبرية) وهي تحتوي على جوهر التشريع الموسوي. ولقد احتفظ العهد الجديد بهذه التسمية (ناموس، كلمة دخيلة من اليونانية) ليدلّ على أسفار البنتاتوكس (أي الأسفار الخمسة. رج مت 5: 17 ؛ يو 1: 45) أو أسفار العهد القديم كلّه (يو 10: 34). وإنّ هذه التسمية تدلّ أيضاً بصِورة خاصّة على تشريع بني إسرائيل (مت 15: 6؛ يو 7: 19) وبالتالي على النظام الديني المبني على الشريعة اليهودية، لا على شريعة المسيح. في هذا يقول بولس الرسول: "لستم في حكم الشريعة، بل في حكم النعمة" (روم 14:6 ؛ رج لو 16:16؛ يو 1 :17). وهذه التسمية قد أخذ بها اللاهوت المسيحي فسمّى العهد القديم "الشريعة القديمة". ولكن يجب أن نلاحظ أنّ للنظام المؤسّس على الشريعة وجهين متميّزين وإن غير منفصلين. فهناك أوّلاً الأحكام (أو الأوامر) اليَ تُعطي الشعب قواعد حياة يسلك بموجبها. وهناك ثانيًا نظم تحدّد بُنى الشعب الإجتماعية والدينية والسياسية. والحال أنّ دور الأحكام يختلف عن دور النظم في تدبير الخلاص. فالأحكام، وهي قاعدة حياة، تهيّئ القلوب لتقبّل إنجيل الخلاص الذي يحمله إلينا العهد الجديد. أمّا النظم فهي تعطينا صورة مسبّقة عن حقيقة واقع العهد الجديد. لقد صوّر نظام التوراة الديني الملامح الأساسية لسرّ المسيح والكنيسة، بحيث إنّ نعمة الخلاص كانت منذ العهد القديم حاضرة وفاعلة. نحن لن ننسى هذه الحقيقة، ولكنّنا سنتوقّف في هذا المقال على ما في هذا النظام من أمور خاصّة ومحدودة، إن نحن قابلناه بنظام النعمة الذي نعيش في ظلّه. من أجل هذا سنثبت انتباهنا على ثلاث نقاط:

الأولى: لشريعة العهد القديم سمات خاصّة تأتيها بسبب ارتباطها بالعهد الجديد. الثانية: شريعة العهد القديم تشكّل في وجهاتها المتعدّدة نظامًا إلهيًا وضعه البشر على ضوء كلام الله.
الثالثة: مصدر الشريعة هو الله، مع العلم أنّ موادّ الشريعة ترجع إلى البشر وتتطوّر في تاريخ شعب الله.

I- نظام الشريعة
أ- الشريعة عنصر من عناصر العهد
كان كل تشريع في الشرق القديم يوضح تحت حماية إله يعطيه سلطانًا ويسهر على تنفيذ مضمونه. فلولا الإله "شمش " (أي الشمس) لما وصلت معرفة الحق والعدل إلى حمورابي الذي استنجد بجميع آلهة بابل لكي يعاقبوا من يخالف هذه الوصايا. ولم يكن الأمر مختلفًا بالنسبة إلى بني إسرائيل الذين اعتبروا أسفار الشريعة وثيقة دينية. إلاّ أنّ ما يجعل شريعة موسى فريدة من نوعها، هو أنّها ترتبط ارتباطاً جوهريًا بالعهد الذي قطعه الله مع شعبه في سيناء. وعندما نقرأ سفر الخروج، نجد أنّ هذا العهد أعطى شعبَ الله وجودًا وكيانًا (خر 19: 5- 6)، ووهبه في الوقت ذاته قاعدة حياة، وألزمه بأن يحفظها مدى الدهر (خر 24: 7- 8). أجل، إنّ الشريعة هي دستور العهد، وهدفُها أن تجعل من بني إسرائيل شعب الله حقًّا.
إنّ لهذا الواقع الأساسي أهميّة كبرى في كل تاريخ بني إسرائيل. ففي بعض الظروف الخطيرة يجدّد الشعب العهد حول قوّاده. هذا ما فعله يشوع بن نون في شكيم: جعل الحجر الذي أقامه عند معبد الرب شاهدًا على الشعب لئلاّ يجحدوا إيمانهم (يش 24: 21 - 27). وهذا ما فعله سليمان يوم دشّن الهيكل (1 مل 8: 1ي)، ويوشيا الملك لمّا عرف باكتشاف كتاب عهد الرب في الهيكل (2 مل 23: 1- 3؛ 2 أخ 34: 29- 31). أمّا كتاب طقوس تجديد العهد، فيتضمّن قراءة علنية للشريعة (يش 32:8، 34 ؛ رج تث 31: 9- 13 ؛ نح 8: 1- 8)، وإيراد البركات واللعنات (يش 33:8). وقد حفظ لنا سفر التثنية عباراتها القديمة (تث 27: 4- 8، 11- 26) التي نجدها في نهاية كل قانون عرفه بنو إسرائيل (خر 23: 25- 33 ؛ لا 26: 1 ي، تث 28: 1 ي). على أساس هذه النصوص تحدّث الشرّاح عن عيد للعهد يحتفل به اليهود في الخريف، أي في بداية السنة الليتورجية (رج مز 50: 1 ي ؛ 1 مل 8: 1- 4): يتذكّرون كل سنة العهد الأوّل الذي قطعوه مع الرب، ويستمعون إلى كلمات الشريعة وكأنّها تُتلى عليهم للمرّة الأولى كما على جبل سيناء. أجل، إنّ التوراة لا تعرف شريعة بحصر المعنى خارج العهد.
وهنا نفهم أنّ الذين جمعوا التقاليد الوطنية قد أدخلوا كل تشريع في سياق حياة موسى: ربطوه بسيناء. أو بعبور الصحراء، أو بقادش أو بسهول موآب. ولهذا، فما نقرأه بعد الانطلاق من سيناء (عد 10: 1 ي) يستعيد الأحكام التي أُعلنت في سيناء. إنّ المشترع يحدّد هذه الأحكام ويربطها بالعهد في سيناء ربطاً مباشرًا. أمّا كلام سفر التثنية الذي أعلنه موسى في سهول موآب، فهو يرجع بوضوح إلى اختبار الشعب في سيناء: "لا تنسوا الأمور التي رأتها عيونكم يوم وقفتم أمام الرب إلهكم في حوريب " (أي سيناء. تث 4: 1). أجل، "إنّ الرب إلهنا بتَّ معنا عهدًا في حوريب... وجهًا إلى وجه كلّمكم الرب في الجبل من وسط النار، وقال لكم: أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر" (تث 5: 2- 6). فإذا فصلنا الشريعة عن العهد لم يعد لها معناها العميق كرباط بين الله وشعبه. لا شكّ في أنّ طقوسًا وشرائع سبقت العهد الموسوي، ولكنّ الكتّاب الملهمين يرجعونها كلّها إلى شريعة موسى. فالقوانين التي تحرّم على نوح أكل لحم الحيوان بدمه وسفك دم الإنسان (تك 9: 4- 6)، والأحكام التي تفرض الختان على إبراهيم وأهل بيته (تك 9:17- 14)، كل هذا قد ارتبط بعهود سبقت عهد سيناء وهيّأت الطريق له. أما رسم السبت (تك 2:2- 3) ونظام الفصح (خر 13:12) فقد دخلا في التشريع الموسوي بطريقة لا تحمل الالتباس. نحن نقرأ في "الوصايا العشر": "أذكر يوم السبت لتقدسه " (خر 8:20). ونقرأ في قانون العهد: "احفظ عيد الفطير" (خر 15:23؛ رج 34: 18).
وخلال مسيرة تاريخ بني إسرائيل، لا يتجرّأ أيّ مشترع أن يجعل اسمه مع اسم موسى: لا داود وسليمان اللذان نظّما المملكة، ولا حزقيا ويوشيا اللذان قاما بإصلاح واسع، ولا نحميا وعزرا اللذان أعادا بناء المدينة والهيكل والأمّة. فبالنسبة إلى الشعب، لا شريعة إلاّ تلك التي جاءته من موسى، لأنّ وجود الأمّة يرتكز على عهد سيناء الذي كان موسى وسيطه. وفي نظر الشعب، ليس موسى فقط القائد والمشترع بل هو النبيّ الذي تكلّم باسم الله. ودوره ليس فقط دور كاتب دوّن الأسفار الخمسة، بل وسيط عهد تبدو الشريعة دستورًا له. وهكذا تشدّد الأسفار المقدّسة على طابع الشريعة التي ليست كلامًا بشريًا، بل كلمة تعبّر عن إرادة الله تجاه شعبه، وهذه الكلمة ارتبطت بوحي إلهي فوجدت فيه جذورها.
هذه هي صورة الشريعة في العهد القديم: يشدّد الكاتب الملهم على أصلها الإلهي لا على الظروف البشرية التي وصلت فيها إلى الشعب. ويركّز على وحدتها الأساسية لا على تنوّع موادها وتطوّر أحكامها على مر العصور.

ب- أوجه الشريعة المتعددة
1- الوصايا الأخلاقية
عندما نتحدّث عن الوصايا الأخلاقية في التوراة، يتبادر أوّلاً إلى ذهننا الوصايا العشر (خر 20: 2- 7 ؛ تث 5: 6- 22)، والأمر صحيح. ولكنّ الوصايا العشر تتعدى الأخلاقيّات. فهناك وصيّة تتعلّق بالطقوس وشعائر العبادة، وهي: احفظ يوم الرب. ثمّ هناك أمور أخلاقية عديدة نقرأها في نصوص أخرى مثل دستور العهد مثلاً (خر 20: 22 - 23: 33).
إنّ وجود الوصايا الأخلاقية وسط ترتيبات تشريعية يميّز القوانين الموسوية عن غيرها من القوانين. فالشريعة الموسوية ترتبط بالحق والعدل، ولكنّها ترتبط أيضاً بالتعليم الحكمي الذي يلجأ إلى عبارات في صيغة الأمر تاركًا جانبًا الفتاوى التي نطالعها في التشاريع المجاورة لبني إسرائيل. فإذا أخذنا بدستور العهد نرى أنّ بعض موادّ فتاوية (خر 18:21 ي) ترافقها فرائض بصيغة الأمر تبدو فيها الاهتمامات الأخلاقية بصورة واضحة: "من ذبح لآلهة غريبة لا للرب وحده يحلّل قتله. لا تظلم الغريب ولا تضايقه، فإنّكم كنتم غرباء في أرض مصر ولا تسىء إلى أرملة ولا إلى يتيم " (خر 19:22- 21). وإذا توقّفنا عند الفرائض المتعلّقة بالعدالة الاجتماعية (رج تث 24: 10- 15 ؛ لا 19: 9 ي) نلاحظ الأمر عينه. فنقرأ مثلاً: "لا تمارسوا الرقية، لا تكذبوا، لا يغشّ أحد قريبه. لا تحلف باسمي كذبًا ولا تدّنس اسم إلهك " (لا 19: 11- 12). ونقرأ أيضا: "لا تهضم أجرة مسكين أو فقير، بل ادفع له أجرته في يومه ولا تغب عليها الشمس " (تث 14:24- 15).
لا تهدف هذه النصوص فقط إلى تنظيم مسيرة المجتمع، بل إلى ترسيخ الفضيلة عند الناس وتثبيتهم في حياة من الصداقة مع الله. أما هذا هو هدف الشريعة؟ فالعدالة، والواجبات الدينية، واحترام حياة الإنسان وكرامته، والابتعاد عن كل نجاسة، كل هذا يشكّل مثالاً أخلاقيًا تفرضه إرادة الله على الإنسان فيتغلغل عبر الترتيبات التشريعية تغلغل الخمير في العجين.
وهذا المثال الأدبي الرفيع الذي نقرأه في الأقسام التشريعية في أسفار موسى الخمسة، إنّما نجده بصور مختلفة في أخبار تقويّة كما في قصّة يعقوب بن يوسف (تك 37: 1 ي)، وفي خطب دينية نقرأها مثلاً في سفر التثنية (ف 6- 11)، وفي عظات نبوية ترد في أسفار أشعيا (1: 1 ي) وهوشع (4: 1- 2) وإرميا (5: 26- 28) وحزقيال (18: 5 ي)، وفي القسم الأكبر من المجموعات الحكمية كسفر الأمثال وابن سيراخ والحكمة وطوبيّا. في كل هذه الكتب، تبدو الشريعة الينبوع الوحيد للحكمة الحقّة. قال موصى لشعبه: "ها أنا علّمتكم سننًا وأحكامًا. فاحفظوها واعملوا بها لأنّها تُظهر حكمتكم وفهمكم في عيون الأمم. فإذا سمعوا بها قالوا: حقًّا إنّ هذا الشعب العظيم هو شعب فهيم " (تث 4: 5- 6؛ رج سي 23:24). فإذا أردنا أن نكوّن فكرة شاملة ودقيقة عن الوصايا الأخلاقية التي تتضمّنها التوراة، مع كل النتائج العملية التي تتفرعّ منها، وجب علينا أن نتعمّق في جميع أسفار التوراة: وحينئذ سنُلاحظ أنّ الأنبياء والكهنة والحكماء والمؤرّخين لم يعتبروا نفوسهم يومًا من المجدّدين، بل أعلنوا أنّهم المحافظون على التقليد الموسوي. لا شكّ في أنّهم تعمّقوا في المعطيات الأساسية وطوّروها لتواكب التطوّر السياسي والاجتماعي، ولكنّ الشريعة ظلّت بالنسبة إليهم المرجع الذي إليه يعودون والتعليم الذي عليه يعتمدون. وإن كنّا لا نستطيع أن نستخلص من حرفيّة الوصايا العشر كل الفرائض الأخلاقية التي نقرأها في الأسفار المقدّسة، إلاّ أنّ هذه الوصايا تظلّ قلب هذه الشريعة وما تبقّى فهو تفسير وتأويل لتلك الكلمات العشر التي قالها الرب لشعبه بواسطة موسى على جبل سيناء.

2- الشريعة الأخلاقية وموقعها في مخطّط الله
تعوّد اللاهوتيون القول إنّ النظام الاخلاقي للأفعال البشرية بحسب إرادة الله، تحدّده شريعة طبيعية سابقة لأيّ كشف آتٍ من عند الله. ويقولون: إنّ هذه الشريعة الطبيعية لا تحتاج إلى وحي من عند الله بواسطة كلمة النبوءة التي تعرّف الإنسان إليها. فوجدان الإنسان يدلّ على هذه الشريعة، وضميره هو بمثابة شريعة للوثنيين الذين لم يصل إليهم أيّ وحي إلهي (رج روم 2: 14- 15). والحال، أنّ مضمون هذه الشريعة التي يعرفها كل ضمير مستقيم لا يختلف عن فرائض التوراة الأخلاقية. فالشريعة الطبيعية، شأنها شأن الشريعة الكتابية، تفرض على الإنسان أعمال الفضيلة، وتحارب فيه الرذائل، وتزرع في قلبه أسلوبًا واحدًا في الحياة. من هذا القبيل تستعيد التوراة فرائض علم الأخلاق الطبيعي. وهكذا كانت حالة الوثنيين كحالة اليهود، والتقت الشريعة الطبيعية مع الشريعة الموسوية في هذه النقطة الأساسية.
غير أنّنا نجد فارقين اثنين بين الشريعة الطبيعية والشريعة الموحاة:
الفارق الأوّل: إذا كانت هناك فرائض أخلاقية عامة يتوصّل إليها العقل البشري، كاحترام الوالدين وعدم التعدّي على مال القريب أو حياته، فهناك فرائض أخرى يتردّد الحسّ الأخلاقي عند الناس في التعرّف إليها، فيتهرّب من العمل بها. أما ضلّ علماء الأخلاق في الفلسفة القديمة يوم جعلوا للوالد سلطان الموت والحياة على أبنائه وللسيّد على عبيده؟! أما ضلّ بعض علماء الأخلاق اليوم فوصلوا بنا إلى همجيّة النازيّة والفاشيّة التي تركت وراءها ملايين القتلى باسم النظريّات الفلسفية عن تحسين الأجناس والأعراق: لم تفرّق بين الإنسان والحصان، فحاولت تحسين النسل البشري وكأنّ الإنسان حيوان متطوّر وحسب، لا يملك شيئًا من عالم الروح. أجل، إنّ العقل البشري يحتاج إلى طبيب يشفيه من ضلاله ليعرف الشريعة الطبيعية معرفة صحيحة.
وهنا تتميّز شريعة التوراة الأخلاقية عن تعليم الحكمة الطبيعية الذي نكتسبه بأنوار العقل، لأنّها تستند إلى الوحي الإلهي. لا شكّ في أنّها أخذت بعض معطيات حكمة الشرق القديم، ولكنّها زادت عليها الشيء الكثير وفتحت أمامها آفاقًا جديدة، وصحّحت وكمّلت ما كانت الشريعة الطبيعية قد وصلت إليه. أجل، إنّ الشريعة الموسوية تدخل في نظام القصد الخلاصي الذي به يأتي الله ليساعد الإنسان على السير في طريق الفضيلة ولينجّيه من ضلاله: إنّ كلمة الله تنحني على الجنس البشري لتشفيه من مرضه وتقوده في طريق الله.
الفارق الثاني: يكمن في الطابع الديني الذي تتحلّى به الشريعة الموسوية. إذا نظرنا إلى الشريعة الطبيعية نجد أنّ العقل والضمير هما السلطة العليا التي تفرض على الإنسان قواعد السلوك. هذا ما قاله الفلاسفة القدماء وما زال يقوله الفلاسفة المحدثون الذين يرفضون الرجوع إلى أيّ وحي إلهي. ولقد لجأ عالمِ الشرق إلى ما عاشته الأجيال السابقة. من هذا القبيل بدا سلوك الإنسان العاقل أقلّ تعلّقًا بالدين من الشرع الذي سلّم قوانينه إلى المعابد واعتبرها صادرة عن الآلهة.
أمّا الشريعة الأخلاقية في التوراة فهي دينية في جوهرها، والسلطة التي ترجع إليها هي سلطة الله خالق وسيّد الكون، دون أيّ سلطة أخرى. حكمته وإرادته تحدّدان وحدهما ما هو خير وما هو شر، وعقل الإنسان ووجدانه يكتفيان بالتحقّق من وجود شريعة سامية تفرض نفسها عليه. فإذا ادّعى الإنسان معرفة الخير والشر (أي الحكمة الإلهية) فهو إنّما يقترف خطيئة فظيعة. يخالف الله في نقطة أساسية وكأنّه يتعدّى على حقوق الله في خلقه (رج تك 3: 1 ي). ولهذا، عندما يعطي الوحي الكتابي تعليلاً لأعمال الإنسان، فهو يشدّد بالدرجة الأولى على الأمل بالمكافأة والخوف من العقاب. لا شكّ في أنّ المكافأة والعقاب كانا أمرًا ملموسًا، ولكنّ الوحي أراد من خلالهما أن يشدّد على سلطة الله الذي يدعو جميع عابديه إلى حياة التقوى والمحبّة. "احفظوا رسومي وأحكامي. فمن حفظها يحيا بها، أنا الرب " (لا 18: 5). "أحبّوا الرب إلهكم بكل قلوبكم كل نفوسكم وكل قدراتكم.. أحذروا أن تنسوا الرب الذي أخرجكم من أرض مصر.. بل الرب إلهكم تتّقون وإيّاه تعبدون وباسمه تحلفون " (تث 5:6، 13).
وهكذا، فالتوافق بين وصايا التوراة الأخلاقية وبين علم الأخلاق الطبيعي لا يمنع التوراة من أن ترتبط بعالم يتعدّى عالم الطبيعة البشرية وأن تتعلّق بتدبير يتجاوز تدبير الشريعة الطبيعية. إنّ للشريعة مكانتها في مخطّط الخلاص وقد أعطيت للناس كنعمة ترتبط بالعهد السينائي. وهي تفتح الطريق لإصلاح الطبيعة البشرية والمنحطّة بالفداء الذي ترسله على ما يطلبه النظام الطبيعي من الإنسان. من هذا القبيل تتعدّى الشريعة خاصّيات بني إسرائيل. وهي في أساسا شاملة، لأنّها تتوجّه إلى البشرية جمعاء، وعلى أساسها سيدين الرب شعبه وسائر الشعوب (رج تك 16:18- 21؛ عا 1 :3- 8:2).
لأجل هذا لا يمكن أن تُلغى شريعة التوراة من الوجهة الأخلاقية. والعهد الجديد نفسه جاء يتمّمها (مت 17:5- 19) جاعلاً من المحبّة الأساس لكل حياة أخلاقية (مت 22: 34-.4). وفي هذا يقول بولس الرسول: "إنّ الوصايا التي تقول: لا تزن، لا تسرق، لا تشته، وسواها من الوصايا، مجتمعة في هذه الكلمة: أحبب قريبك حبّك لنفسك. فالمحبّة لا تترك الشرّ بالقريب، والمحبّة هي إتمام العمل بالشريعة" (روم 13: 9- 10).

ج- ترتيبات على مستوى الحقوق والواجبات
1- مبادئ عامّة
هدفت الوصايا الأخلاقية في التوراة إلى دفع الإنسان لممارسة الفضيلة، فشملت الأفعال البشرية في العلاقات الإجتماعية والفردية. ولكن لا يقتصر مدى التوراة على هذه الوجهة الأخلاقية: أعطيت لشعب عاش في بُنى اجتماعية واقتصادية وسياسية محدّدة، فكان عليها أن تقدّس هذا الشعب وتجعل هذه البنى مطابقة لمتطّلبات الله. فعلى النظم المدنية التي تسوس العلاقات بين الناس أن تخضع هي أيضاً لقواعد أخلاقية ودينية ليسود العدل في جماعة تعرف أنّها شعب عقد الله معه عهدًا.
هذا هو موضوع الترتيبات الحقوقية التي تحويها التوراة، وهذه الترتيبات تحدّد متطلّبات العدالة كما يجب أن تمارس في تنظيم بني إسرائيل. فالعدالة تفرض نفسها على جميع البشر بصفة عامّة، ولكنّ الفرائض التي تنبع منها تحتاج إلى أن تتوضّح في الظروف العملية التي يعيش فيها كل واحد منا. إنّ الضمير البشري يعتبر العدالة واجبًا على كل إنسان، ولكن لا بدّ من تحديد تفاصيل هذا الواجب في نظم وضعية تجسّد الخير المشترك. وهكذا ترتبط ترتيبات التوراة الحقوقية بنظم بني إسرائيل المدنية.
وكما قلنا بالنسبة إلى الوصايا الأخلاقية، نقول بالنسبة إلى الترتيبات الحقوقية. فنحن لن نجدها فقط في أجزاء البنتاتوكس التي تحفظ لنا الشرع مدوّنًا ومبوّبًا. إنّنا نرى في مجمل التوراة تلميحات إلى عادات لم تبوّب لأنّها زالت بعد أن عمل الشعب بها، أو لأنّها لم تجد مجالاً لتصبح تشريعًا مكتوبًا. بالإضافة إلى ذلك، فالقوانين والنظم تُعرَف وتُعاش قبل أن تُدوّن. وإذا أردنا أن نتصوّر مسارها، نبحث في مجموعات التقاليد القديمة والأسفار التاريخية (يش، قض، صم، مل) والكتب النبوية والحكمية. نعطي مثالاً على ذلك: تحكّم النظام الملكي بحياة بني إسرائيل سحابة خمسة قرون، ومع ذلك فهو لم يستحوذ على اهتمام سفر التثنية إلاّ ببضع آيات (تث 17: 14-. 2). وهذه الآيات تعطينا تفسيرًا لهذا الواقع يفترق عمّا نعرفه عن عهد الملكية في تاريخ داود وسليمان.

2- تطوّر الشرع ووحدته
إذا درسنا النصوص وقابلناها بعضها ببعض، رأينا تطوّرًا ملحوظاً في بُنى شعب إسرائيل الاجتماعية، وبالتالي في نظمه وشرائعه. فالعادات القبلية القديمة التي تكيّفت مع زمن الآباء وأيّام موسى، اختفت وحلّ محلّها ترتيبات تشريعية متشعّبة تلائم حياة بني إسرائيل في أرض كنعان. وإذا أخذنا بعين الاعتبار التنظيم السياسي، نرى أنّ بني إسرائيل شكّلوا في البداية اتّحادًا قبليًا، ثمّ دولة ملكية موحّدة، ما عتّمت أن انقسمت إلى مملكتين: مملكة الشمال وعاصمتها السامرة، ومملكة الجنوب وعاصمتها أورشليم. بعد هذا ستصبح جماعة مبعثرة يحميها الحاكم الأجنبي ويؤمّن لها حول أورشليم مركزًا وطنيًا صغيرًا. فتجاه هذه الحالة، هل يمكن أن نتصوّر أن نظم شعب الله المدنيّة لم تتبدّل ولم تتغيّر على مرّ العصور. إذا كان الخير العام هو ما يصبو إليه المشترع، فلا يمكن إلاّ أن تتطوّر الأسس التي تساعد على الحصول على هذا الخير المشترك.
وما بقي لنا من شرع مكتوب بعكس هذه التحوّلات المتتالية في مجتمع بني إسرائيل. فالقوانين المتعدّدة والترتيبات المتفرّقة تعطينا فكرة عن هذه التحوّلات. فمن قانون العهد الذي نقرأه في خر 20: 22- 23: 33، إلى قانون القداسة الذي نجده في لا 17- 26، إلى القانون الاشتراعي الذي نقرأه في تث 12- 28، نجد أنّ المشاكل المطروحة تبدّلت وتبدّلت معها الأجوبة والحلول. فإذا قارنّا هذه القوانين بمراجع أخرى، نلاحظ أنّ التشريع الموسوي نما وتطوّر مع الزمن. ولو لم يكن كذلك، لكان مجتمع العهد القديم مجتمعًا متحجّرًا، وهذا ما يتعارض وتاريخه المضطرب، أو كانت نصوصه التشريعية مدوّنة من أجل المستقبل، وهذا ليس بمعقول ويتنافى وطريقة الله في تدبيره لبني البشر.
تطوّر الشرع في العهد القديم، ولكنّه حافظ على استقرار وثبات عظيمين. فمبادئه الأساسية لم تتبدّل من زمن إلى آخر ومن قانون إلى آخر. وظلّت غايته هي هي في ربط كل النظم الوطنية بالمتطلّبات العامّة للعهد. في هذا الإطار أخذت هذه النظم معناها وبعدها الدينيّ. فشعب إسرائيل مجموعة لا تفترق في شيء عن سائر المجموعات، ولكنّها حصلت بفضل العهد السينائي على طابع خاص ميّزها عن سائر المجموعات.
مثل هذه النظرة التي يتضمّنها قانون العهد نقرأها صراحة في القانون الاشتراعي وقانون القداسة. يقول سفر التثنية (7: 6) "لأنّكم شعب مقدّس للرب إلهكم، وإيّاكم اختار الرب إلهكم لتكونوا له أمّة خاصّة من جميع الأمم التي على وجه الأرض " (رج تث 4: 1-8؛ 17:6- 25). ويقول سفر اللاويين (19: 2): "مر كل جماعة بني إسرائيل وقل لهم: كونوا قدّيسين لأنّي أنا الرب إلهكم قدّوس " (رج لا 18: 3- 4). إنّ كل هذه النصوص كُتبت يوم كان تطوّر النظم يطرح تساؤلات حول ديمومة تقليد بني إسرائيل وأمانة شعب يهوه (الرب) لعهد سيناء. وهكذا، عندما نتحدّث عن وحدة الشريعة لا نتحدّث عن وحدتها من وجهة البنية الأدبية، ولا عن تناسق النصوص التي جمعتها، بل عن تجانس في هدفها الأساسي والروح الذي كُتبت به. إنّ الحقوق والنظم تحافظ على ليونة تساعدها على التكيّف مع الحياة، ولكن مبدأها الأساسي هو هو: العهد الموسوي هو النموذج الأخلاقي والديني.

3- الشرع في العهد القديم والشرع الإلهي الوضعي
إذا نظرنا إلى التوراة من الوجهة الأخلاقية وجدنا فيها شريعة طبيعية ذات قيمة شاملة، بمعنى أنّها تتوجّه إلى كل إنسان. أمّا إذا نظرنا إليها من الوجهة التشريعية فهي تظهر بمظهر انفرادي ضيّق. فالحقوق والنظم تتكيّف وظروف حياة شعب صغير، فتتبّنى عقليّته ونوع حياته لتحدّد قوانينه وأنظمته. قد تتوافق ومتطّلبات الشرع الطبيعي، إلاّ أنّها تعبّر عن هذا الشرع تعبيرًا خاصًّا ضيّقًا. فمن الوجهة السياسية، لا يمكننا أن نجعل من النظام الملكي أو تجمّع القبائل قاعدة عامّة يفرضها الله على كل جماعة بشرية، بل هذا تطبيق محدود في وقت من الأوقات. إذن، نحن أمام شرع وضعي.
غير أن هذا الشرع الوضعي يعبّر، في نظر بني إسرائيل، عن إرادة الله. ليس هذا الشرع الوضعي نظامًا بشريًا محضاً، بل هو يرتبط بالوحي السماوي وله موضعه في مخطّط الخلاص. لا شكّ في أنّه أخذ هذا الشكل الخاص لأنّ شعب الله انطق من عهد سيناء فتجسّد تاريخيًا ولفترة محدودة في شعب إسرائيل. غير أنّ هذا الوضع سوف يزول بمجيء المسيح. حينئذ يرتبط هذا الشرع بالديانة بصورة عامّة تاركًا للجماعات المحلية اختيار النظام الذي يوافق عقليّتها ونوع حياتها.
أجل، بعد المسيح تبدّلت أمور. كانت انفرادية الشعب اليهودي تجعل شعب الله معزولاً عن سائر الشعوب. أمّا الآن فشعب العهد الجديد هو منفتح على جميع الشعوب. لأجل هذا، فترتيبات التوراة التشريعية قد نُسخت وألغيت. أمّا فكرها العميق الذي أتمّه الوحي المسيحي فلا يزال حاضرًا في الحقّ الطبيعي الذي تتّفق وإيّاه النظم البشرية عند جميع الشعوب. ولمّا جاء المسيح، هدم السياج الذي كانت تشكّله الفرائض والنظم، وأعاد الوحدة بين اليهود والوثنيين داخل بشرية جديدة (رج أف 2: 14- 16). ولكن يبقى أنّ هذا الشرع الذي تجاوزه الزمن، قد شكّل في وقت من الأوقات متطّلبات الله الوضعية إزاء شعبه. وعندما يقرأه المسيحي فهو يكتشف، عبر ترتيبات نسبيّة ومتغيّرة ومتطوّرة، الغاية السامية التي هيّأتها لها هذه الترتيبات بحسب أمر الله.

د- قواعد العبادة
1- تنوعّ العبادة وتطوّرها ووحدتها
تحدّثنا عن الوصايا الأخلاقية التي تنظم سلوك الأفراد، وعن الترتيبات التشريعية التي تنظّم المجتمع من أجل الخير العام، وها نحن نتوقّف عند قواعد العبادة كما نقرأها في التوراة (العهد القديم). إنّ هذه القواعد لا تعني بالمعنى الحصري الفضيلة التي نمارس ديانتنا بموجبها. فهذه الفضيلة هي جزء من الوصية الأولى من الوصايا العشر وهي توجّه الإنسان نحو الله غايته الأخيرة وتجعله يحقّق مشيئته فيتّحد به ويتقدّس. ولكننا لا نرى وجودًا صحيحًا لهذه الفضيلة إن لم نعبّر عنها، بطريقة ظاهرة، بأفعال خاصّة تشكّل العبادة. وذلك لسببين اثنين:
الأوّل: لأنّ الإنسان نفس وجسد، ولأنّ للجسد حصّته في الرجوع إلى الله.
الثاني: لأنّ الإنسان كائن اجتماعي ولأنّ على الديانة أن تأخذ شكلاً منظورًا وجماعيًّا لتقدّس المجتمع البشري. وهكذا، كما أنّ ترتيبات التوراة وتشريعاتها تحدّد متطلّبات العهد القديم في وقت من الأوقات، كذلك تحدّد قواعد العبادة متطّلبات الديانة العامّة بشكل فرائض خاصّة، وهذه الفرائض ترتبط بمجمل نظم العبادة التي تشكّل جزءًا من النظام الخاصّ الذي أعطاه الرب لشعب إسرائيل.
أمّا نظم العبادة فمتنوّعة ومتشعّبة. نذكر منها الذبائح التي هي أفعال العبادة السامية والتي بها يتحقّق اتحاد الإنسان بالله. ثمّ المقدّسات، أي الآنية والأمكنة المرتطبة بالذبائح. ثمّ الطقوس التي تحمل في طيّاتها مضمونًا مقدّسًا فتؤول إلى تقديس الأشخاص (الختان، وليمة الفصح، طقوس التكريس والتطهير). ثمّ الممارسات التي تميّز المؤمنين من غير المؤمنين (المحرّمات التي نقرأها في قانون الطهارة. رج لا 11- 15). ثمّ خدّام (كهنة، لاويون) العبادة والأزمنة المقدّسة.
ولقد تطوّرت نظم العبادة كما تطوّرت النظم المدنية على مرّ العصور. وسجّلت النصوص الكتابية هذا التطوّر منذ عهد الآباء، إلى موسى والملوك وزمن السبي. وها نحن أمام مجموعات تتجاور فيها أمور قديمة جدًّا (ذبيحة البقرة الحمراء. رج عد 19: 1ي. تيس الكفّارة. رج لا 16: 1ي) وتنظيمات جديدة (الفصح الثاني. رج عد 9: 1- 14). ولقد وصلت إلينا تقاليد قديمة، ولكنّها مرّت في عملية ترميم وإصلاح، فتضخّمت وتكيّفت بحسب الأزمنة الحديثة. نذكر على سبيل المثال صورة معبد البرّية في القانون الكهنوتي (خر 25- 31، 35- 40) الذي يستوحي عناصر تصويره من هيكل سليمان (1 مل 7: 1ي) دون أن ينسى المعبد الذي عرفته القبائل في عهد موسى (عد 33:10- 36).
ولكن رغم هذا التطوّر في شرائع العبادة ونظمها، فنحن نلاحظ وحدتها العميقة عبر أسفار العهد القديم. إنّها تتطوّر، ولكن لا بطريقة فوضوية وبحسب الصدف والظروف التاريخية. تتطوّر داخل تقليد متين ثبتت عناصره الأساسية في زمن الحياة في البرّية وقبل إقامة الشعب في أرض كنعان. وهذا التقليد يربط هذه العناصر بالمبدأ الأساسي الذي هو العهد، ويقدّم لها القواعد التي توجّه هذا التطوّر. ولنا مثال على ذلك في وحدة المعبد (تث 12: 1- 12)، وهي ممارسة لم يعرفها زمن الآباء وعهد الملوك، وقد جاءت لتقف بوجه انحطاط ديني سبّبه تعدّد المعابد. غير أنّنا لسنا أمام تجديد مطلق، بل أمام رجوع إلى المعبد الاتّحادي الذي كان امتدادًا لمعبد سيناء الحاوي تابوت العهد (رج خر 14: 3- 8 ؛ يش 8: 30- 35 ؛ 24: 1- 28؛ 2 صم 6: 1 ي). وهكذا لعب التقليد الخارج من عهد سيناء دورًا منظّمًا وموحّدًا بالنسبة إلى شرائع العبادة.

2- العبادة في العهد القديم والشرع الديني الوضعي
إنّ شرائع العبادة ونظمها في العهد القديم تحمل طابعًا انفراديًا واضحًا. لا شكّ أنّنا نجد فيها حركات وطقوسًا مشتركة بين كل الديانات. ثمّ إنّ الرموز التي تدلّ عليها قريبة ممّا نجده عند جميع الشعوب لأنّها تتجذّر في أعماق طبيعة الإنسان. غير أنّ هذه العبادة تحمل سمة المدنية الشرقية السامية، سمة أرض كنعان بنشاطها الرعائي والزراعي الذي لازم حياة بني إسرائيل عبر تاريخهم. ثمّ إنّ طقس ربط الإنسان بالجماعة، وكل المحرّمات التي جاء بها قانون الطهارة، كل هذا لا يقدر أن يطبّق على جميع الناس. فقد وضع ليميّز شعب إسرائيل عن سائر الشعوب الذين لا تجمعهم قرابة عرقية أو روحية بعضهم إلى بعض.
ولكنّنا لسنا هنا أمام شرع بشري محض حدّدته السلطات الاجتماعية لأسباب طبيعيّة. فقواعد العبادة تعبّر، بالنسبة إلى بني إسرائيل، عن إرادة الرب الواضحة. وإذ تعبّر عن هذه الإرادة، تحدّد شكل الطقوس والممارسات الدينية. إذن، نحن أمام شرع إلهي وضعي. ومن اليقين أنّ نظم العبادة التي نقرأها في التوراة قد تحفّظت حين أخذت باحتفالات عالم كنعان، فنقّتها وأعطت تفسيرًا جديدًا لحركات كرّسها تقليد قديم. لم يعد عيد الفصح فقط عيد انطلاق القطيع إلى المرعى في بداية الربيع أوعيد حصاد الشعير، بل صار عيد التحرر من العبودية. ولم يعد عيد المظالّ يذكّر الشعب بالحياة وسط الكروم، بل نقلهم إلى البرّية وذكّرهم بالإقامة في الخيام مع الرب. وهكذا خلق التشريع عبادة جديدة، بعد أن انطلق من موادّ قديمة، وذلك على ضوء تدبير جديد أوحى به الله وثبّته عهد سيناء.
غير أنّ هذا الشرع الإلهي الوضعي سيُلغى في يوم من الأيّام. فُرض في الأصل على شعب من الشعوب، ولكنّه كان عابرًا وزائلاً كمجموعة النظام الديني الذي يدخل فيها. وليست القضيّة قضيّة ارتباط الديانة بشعب خاصّ ومدنية خاصّة. فالعبادة المسيحية تبقى، هي أيضاً، في حركاتها الدينية الأساسية، مطبوعة بمدنيّة خاصّة وأرض معروفة: فالخبز والخمر في القربان المقدّس هما نتاج حوض البحر الأبيض المتوسّط، وليسا طعام سائر شعوب الأرض. ولكنّ هذه الخاصّية تدلّ على ربط العبادة الجديدة بالواقع الذي هو تجسّد ابن الله وموته. فالخبز والخمر في الإفخارستيا يشهدان بطريقة غير مباشرة على سرّ خلاصنا. واستعمالهما لا يبغي إعطاء قيمة شاملة لرموز عبادة عرفتها مدنيّة البحر المتوسّط، بل التشديد على الواقع التاريخي لديانة لم تصل إلى الشمولية إلاّ بواسطة حدث حصل في قلب تاريخ البحر المتوسّط عنيت به حياة يسوع وموته وقيامته. أمّا العبادة في العهد القديم فلم تصل إلى هذا الحد. وهي تتوق إلى تحقيق هذه الديانة الحقّة دون أن تستطيع بذاتها أن تقدّس البشر وتجمعهم مع الله (رج عب 10: 1- 3). لهذا ستزول هذه العبادة كما يختفي الظلّ أمام الحقيقة (كو 2: 16- 17). ولكن رغم ذلك، يجب أن ندرسها لأنّها ظلِّت، حتّى مجيء المسيح، تعبيرًا عن ديانة حقيقية وإن ناقصة، ختمها الله بختمه وأعطاها لشعب كان في ذلك الوقت "مملكة كهنوتية وشعبًا مقدّسًا" (خر 6:19).

هـ- الله مصدر الشريعة
تشكّل شريعة العهد القديم مجموعة من القوانين تغطّي كل مجالات النشاط البشري وتنظّم حياة شعب الله، باسم سلطة إلهية مرتبطة بعهد سيناء. ولكنّنا نتساءل: كيف تتوافق سلطة الشريعة الإلهية مع موادّ آتية من عالم البشر؟ كيف تطوّرت كما يتطوّر كل شيء عند البشر؟ هنا نتساءل من أين جاءت مواد الشريعة في التوراة؟
إنّ الشريعة التي نقرأها في التوراة لا تشكّل بداية مطلقة. فعلم الأخلاق يستوحي نصوصه من فرائض الشريعة الطبيعية، والنظم المدنية والدينية تستقي شرائعها من ينابيع تقاليد الأجداد ومن المدنيّات المجاورة. إذن، كيف نتحدّث عن شرع إلهيّ حين نرى ما أخذه بنو إسرائيل عن عادات الساميّين (وغير الساميين) وطقوسهم وشرائعهم؟ وأين نكتشف علامات تدخّل علوي؟
إذا ألقينا نظرة إجماليّة إلى العهد القديم، وجدنا تعبيرًا صحيحًا عن الأخلاق في الوصايا العشر وفي شروح هذه الوصايا، واكتشفنا فكرة التوحيد تسيطر على النظم. وهكذا تُمنع العبادات الوثنية والممارسات الدينية المرتبطة بالبغاء والزنى، وتجعل الإنسان يهتمّ بديانة شخصيّة عميقة قلّما نجد مثلها في المحيطات المجاورة. إذا ألقينا نظرة رأينا متطلّبات عهد سيناء تطبع بطابعها الحقوق والنظم المدنية فتعلّمها احترام الإنسان وتقدّم لها نموذجًا عائليًا وتوجّهها شطر العدالة الاجتماعية.
أمّا إذا توقّفنا عند عناصر تفصيلية أخذت بها التوراة، سوف نرى كيف أنّها شذّبتها ونقّتها وصحّحتها وأعطتها تفسيرًا جديدًا نابعًا من تعليم العهد قبل أن تدخلها في تقليد شعب الله. ونأخذ على هذا مثلين. لا يمكن أن تكون الملكية في بني إسرائيل نظامًا يشبه ما عند سائر الأمم (1 صم 8: 2) ولاسيمّا في ما يتعلّق بتأليه الملك. ولكن لمّا دخلت الملكية في إطار النظم الوطنية، جعلت الملك خاضعًا لمتطلّبات سامية تحدّ من حرّيته في العمل (تث 17: 14-20). وإذا تعدّى صلاحياته واجهته معارضة دينية وسياسية. أجل، لم يعد الملك شخصاً مقدّسًا بذاته، بل ممثّل الله. وحين زال الملك من أرض إسرائيل لم يزل الشعب بزواله. ونأخذ المثل الثاني من النظم الدينية التي تبنّت طقوسًا عديدة من العالم القديم وطوّرتها. كان بنو إسرائيل يكرّسون الأبكار لله ولكنّهم رفضوا، أقلّه في تشريعهم، عادة ذبح الأولاد كما كان الكنعانيون يفعلون (خر 13: 2، 11- 13 ؛ 34: 19- 20 ؛ رج تك 22: 1 ي). كانوا يكرّسون بواكير الغلال (رج تك 4: 3- 4) دون أن يأخذوا بالروح الوثنية فربطوا فدية الأبكار بالخروج من مصر (خر 13: 14- 15؛ رج 4: 22- 23) وتقدمة البواكير بامتلاك أرض الموعد (تث 26: 1- 11).
نحن هنا أمام خلق جديد، ولسنا فقط أمام تطوّر تاريخي أو إنتاج أحد العباقرة العظام. ولولا الحرب التي شنّها المدافعون عن التقليد الحقيقي، لكانت ديانة بني إسرائيل تجميعًا لتقاليد مختلفة لا تفترق بشيء عن ديانة شعوب الشرق. ولولا هؤلاء الأشخاص الملهمون، لولا هؤلاء الأنبياء "المتكلّمون باسم الرب " (وأوّلهم موسى)، لكان هذا التطوّر سار في معارج لا يعرف أحد مداها. ولكنّه انطلق من عهد سيناء فوضع المبادئ الأساسية التي ستخضع لها دومًا حياة بني إسرائيل. وإذا كان التشريع قد نما والترتيبات العملية تطوّرت، فكلّ هذا من أجل المبادئ التي وضعها موسى فعملت عملها في مجتمع تحوّلت بنياته وطرحت أمامه مسائل عديدة. أمّا الذين أعادوا النظر في الشرع وكيّفوا بنوده، فلم يطمحوا يومًا إلاّ أن يكونوا "كتبة لدى موسى" وأن يحفظوا التقليد حقا في قلوب المؤمنين وحياتهم.
ولا ننسَ عمل الروح القدس في شعب الله. هو الذي أقام موسى. وبعد موسى أقام شيوخًا على مثاله يسوسون شعب الله. ثمّ جاء رؤساء يتابعون قيادة الشعب، وكهنة يقولون الحقيقة (رج تث 8:17-13) ويحافظون على الطقوس بحسب التقليد، وأنبياء يتابعون إعلان الشريعة. عندما نتحدّث عن الوحي الإلهي نريد أن نحصره في أسفار الأنبياء، ولكنّ الواقع هو أنّ الإلهام الكتابي يرتبط بكل أسفار التوراة وهذا ما يجعل الكتاب المقدّس كلّه في عهدة السلطان الإلهي. وعندما ندرس الأسفار على أنّها نصوص أدبية، فنحن لا نشكّ بدور موسى في أساس العهد، ولا نهدم الطابع الديني المرتبط بعناصر الكتاب، بل نسعى لاتّباع آثار عمل الله في تاريخ شعبه وللتعرّف إلى عمل الكلمة الخفيّ الذي تحدّث عبر مرسلين عديدين قبل أن يصير إنسانًا في يسوع المسيح.

II- الشريعة القديمة في مخطّط الخلاص
نودّ أن نحدّد الآن دور الشريعة القديمة في مخطّط الخلاص. وهناك نقطتان نتوقّف عندهما:
الأولى: لفرائض الشريعة دور تربوي هو أنّها تهيّئ الناس لمجيء المسيح.
الثانية: للنظم الدينية والمدنية بُعد مثالي يعلن بطريقة خفيّة وعبر الرموز حقيقة العهد الجديد، ويدلِّ على كمالها في نهاية الأزمنة.

أ- كانت الشريعة مؤدّبًا لنا إلى مجيء المسيح
هذا الكلام الذي قاله القدّيس بولس (غل 3: 24) يلخّص دور الشريعة القديمة في حياة شعب الله بما فيها من طقوس وممارسات كانت سبب خلاف بين اليهود والوثنيين الداخلين في الديانة الجديدة. ولكنّ هذا الكلام يطبّق على كل النظام الديني للعهد القديم. فأوّل وظيفة للشريعة في وجهتيها الطقسية والأخلاقية هي تأديب شعب الله وإعداده لتقبّل الإنجيل. فما كانت السمات المميّزة لهذا التأديب الإلهي، وبأيّ شيء يختلف نظام الشريعة عن نظام النعمة؟

1- طابع هذا التأديب الإلهيّ
يمكننا القول إنّ الله بدأ يؤدّب البشرية ويهذّبها قبل شريعة التوراة. فهو لم يترك الناس في ضلالهم الديني وضعفهم، فكانت فطرتهم شريعة لهم (روم 2: 14- 15) تساعدهم على معرفة الله وتبيّن إرادته. وإنّ نعمة المسيح وصلت إلى قلوبهم فأعانتهم على العمل بإرادة الله. أجل، في زمان الجهل الذي سبق إبراهيم وموسى، وفي كل المدنيّات التي لم تتعرّف إلى الوحي الكتابي، لم يزل الله يعمل في القلوب والمجتمعات ليقود الناس إلى المسيح. إلاّ أنّ هذه التهيئة ظلّت بعيدة والهدف غامضاً والوسائل ناقصة. فلمّا جاء نظام الشريعة بدأت مرحلة جديدة في مخطّط الخلاص. أخذ الله البشر من مستوى الوثنية (يش 24: 7) فرفعهم إلى مستوى آخر استطاع فيه المسيح أن يظهر بينهم ويلقي عليهم إنجيله ويبني فيهم كنيسته. هذا هو التأديب الإلهي لشعبه: تأديب تشدّد الله فيه، وتنازل إلى مستوى الناس، ثمّ رفعهم إليه بطريقة تدريجية.
تشدّد الله في تأديبه لشعبه فلم تكن وصاياه ترديدًا لعادات وصلت إليه من المجتمعِ المحيط به، بل مثالاً يفرض عليه ممارسة جميع الفضائل. تشدّد الله فجعل أمام شعبه هدفَا ساميًا يكمن في تتميم إرادته احترامًا له ومحبّة. ولم تهدف الفرائض إلى تنظيم بني إسرائيل وحسب، بل إلى إحلال الفضائل في العادات والعلاقات الإجتماعية: العدالة، محبّة القريب، واجب المساعدة لكلّ إنسان ولو كان عدوًّا، احترام حياة الإنسان وكرامته، استقامة الحياة العائلية. ولم تسعَ الترتيبات إلى تنظيم الممارسات والطقوس فقط، بل إلى تكوين ديانة حقيقية في قلب الإنسان، فتبعده عن الأوثان وتربطه بالإله الحيّ الحقيقي (1 تس 1: 9). بفضل الشريعة تمّ تأديب البشرية تأديبًا دينيًا، وفي إطار عبادة مؤقّتة تهيّأت القلوب للعبادة بالروح والحقّ (يو 23:4) التي جاء الإنجيل يعلن عنها.
وتنازل الله في تأديبه لشعبه، وهو الذي أعطاهم قاعدة حياة سامية، فتصرّف معهم كالمربّي الحكيم. بدأ فتكيّف وعقليّة الشعب الذي اختاره ودخل في عهد معه. هذا الشعب الذي كانت له مدنيّته وعاداته وتقاليده الخاصّة، احترم الله شخصيته وأعطاه شريعة توافق هذه الشخصية دون سائر الشخصيات. وتنازل أيضاً إلى مستوى ضعفه البشري فقبل بطرق ناقصة لممارسة الشريعة الأخلاقية والعدالة، وقبل، بصورة مؤقّتة، بنظم مبتورة كالطلاق وتعدّد الزوجات، بسبب قساوة قلوب الناس (مت 8:19) الذين يتوجّه إليهم. أجل، تنازل الله إلى مستوى الضعف البشري فلم تكن شرائع العهد القديم ونظمه كاملة وناجية من كل نقص وعيب.
أدّب الله شعبه فرفعه بطريقة تدريجية. انطلق من الوصايا العشر التي تكوّن قلب الشريعة فأوحى بكلامه إلى الأنبياء والكهنة والحكماء، فشدّدوا على متطلّبات الوصايا العملية في أدقّ تفاصيلها، وعمّقوا معنى الواجب في علم الأخلاق: يطيع الإنسان ربّه خوفًا ورهبة (خر 23: 21 ي)، لا بل حبّا به (تث 6: 5؛ هو 4:6) وتشبهًا بقداسته (لا 19: 2). وهكذا نجد في آخر أسفار التوراة (طوبيا، ابن سيراخ، مز 119، أي 31) تعبيرًا ساميًا عن العدالة والكمال، عن ديانة داخلية حقيقية تجعلنا قريبين من خطة الجبل التي نقرأها في مت 5-7.

2- نظام الشريعة ونظام النعمة
أدّب الله شعبه فأوصله إلى المسيح، وحمله من نظام الشريعة (كما في العهد القديم) إلى نظام النعمة (كما في العهد الجديد). وهنا نقابل بين النظامين.
إذا تأمّلنا في الالتزام الأخلاقي اكتشفناه إكراهًا يفرض ذاته من الخارج على الإنسان فيصوّب له أعماله، أو نداء داخليًا يمسّ القلوب فيدفعها بحرية شطر الخير. أمّا الإنجيل فهو نداء داخلي، نداء إلى الكمال (مت 48:5) صارت فيه شريعة المسيح (غل 6: 2 ؛ 1 كور 9: 2) مكتوبة في قلوب المؤمنين. وأقام الله فينا روحه فدفعنا إلى العمل بحسب كلمته (غل 32:5- 25؛ روم 8: 1- 4، 14- 17). وأمّا في العهد القديم فالشريعة مكتوبة في ألواح من حجر (2 كور 3: 7) وهي تلجأ إلى الإكراه الاجتماعي لتفرض على أعضاء شعب الله سلوكًا يتوافق وسلوك الجماعة. كان الناس في العهد القديم موضوعين في حراسة الشريعة (غل 23:3) التي تمنعهم من عمل الشر ولا توجّههم بحرّية إلى ناحية الخير. 
هذه هي النظرة المجرّدة. ولكنّنا في الواقع نجد في العهد القديم أمورًا هيّأت الطريق للعهد الجديد. فهناك أنبياء مثل إرميا وحزقيال، وهناك أسفار مثل سفر التثنية شدّدوا على أهمّية التوبة الفردية فجاءت الشريعة مطبوعة في ضمير الإنسان ومكتوبة في قلبه لتعرّفه إلى الرب إلهه (إر 31: 33- 34). قال الرب: "أعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا، أنزع منكم قلب الحجر وأعطيكم قلبًا من لحم. أجعل روحي فيكم وأجعلكم تسلكون في رسومي وتحفظون أحكامي وتعملون بها" (حز 26:36- 27، رج أش 17:48 ؛ 7:51).
إكراه وحرّية، خوف وحبّ، هذا ما يميّز العهد القديم عن العهد الجديد. إنّ العهد القديم يزرع في قلب المؤمن لا الخوف المفعم بالاحترام أمام عظمة الله وسلطانه (خر 20: 19- 20) وحسب، بل الخوف من العقاب الذي يهيّئه للعصاه والخطأة. لهذا جاءت عظات الأنبياء والحكماء تذكيرًا بأمثلة عن عقوبات الله الرهيب في الماضي. أمّا العهد الجديد فيعتبر المحبّة أولى الوصايا (مت 22: 34- 40؛ روم 8:13- 10)، بل وصيّة الرب بالذات (يو 13: 34) وقمّة عطايا الروح القدس (1 كور 13: 1 ي)، وجوهر الحياة المسيحية (1 يو 7:4- 5: 4).
ولكن يقول القدّيس يوحنّا: "لا خوف في المحبّة، بل المحبّة الكاملة تنفي كل خوف، لأنّ الخوف هو من العقاب، ولا يخاف من كان كاملاً في المحبّة" (1 يو 18:4 ؛ رد روم 8: 15- 16). فكيف نوفّق بين العهدين؟ من جهة، تبقى المخافة الدينية تجاه الخالق أمرًا ضروريًّا في العهد الجديد (رج 1 بط 1 :17 ؛ 27:2؛ غل 2: 12)، وكذلك الخوف من عقوبات (عب 18:12- 29). ومن جهة ثانية، نُلاحظ في العهد القديم ظهور المحبّة كمحرّك للإنسان في حياته الأخلاقية. قالت الرب لشعبه: "إنّ محبّتكم لي كسحابة الصبح وكالنّدى الذي يزول باكرًا" (هو 6: 4).
والشريعة القديمة تعد المؤمنين بخيرات الأرض، إن هم عملوا بوصايا الله وفرائضه. إلى هذا الحدّ تنازل الرب فوعد بخيرات الدنيا أناسًا تعلّقوا بهذه الدنيا، ونزعها منهم يوم أخطأوا ليدل على أنّه لم يعد راضيًا عليهم. ولكنّ تأديب الرب عرف أن يوقظ عند المؤمنين الحقيقين تشوّقًا إلى خيرات السماء، فجعلهم يعبرون من نظرة إلى خيرات الزمن إلى نظرة إلى خيرات الآخرة. وعرف المؤمنون أنّهم، بعد حياة في هذه الدنيا معرّضة لكل أنواع الخيبات، سيتمتّعون بحياة مع الله لا تنتهي. قال صاحب المزامير مصلّيًا: "أنا معك كل حين، وأنت تأخذ بيدي اليمنى. تهديني بمشورتك ومن بعد إلى المجد تأخذني " (مز 73: 23- 24). وأعلن سفر دانيال (12: 2): "إنّ كثيرين من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون للحياة الأبدية". وقال سفر الحكمة: "إنّ الصديق وإن تعجّله الموت فهو يستقرّ في الراحة.. كان مرضيًا لله فأحبّه الله، كان يعيش بين الخطأة فنقله " (حك 7:4 -10 ). وقال أيضاً: "الصدّيقون سيحيون إلى الأبد وعند الرب ثوابهم " (حك 5: 15). نحن مع هذه النصوص في جوّ الرجاء المسيحي الذي سيجد في قيامة يسوع أساسه الثابت الأمين.
ومع أنّ الشريعة القديمة هي صالحة ومقدّسة (مز 8:19 ي) وروحية (روم 7: 12- 14)، إلاّ أنّها تبقى عاجزة عن خلاص البشر هي تعرّفنا بإرادة الله ولكنّها لا تعطينا القوّة الكافية لإتمامها. قال القدّيس بولس في ذلك: "الشريعة سبيل إلى معرفة الخطيئة" (روم 3: 20). استفادت الشريعة من هذا الظرف لتقود الإنسان إلى الموت (روم 7: 10- 13). ولكنّ هذه النتيجة كانت جزءًا من مخطّط الخلاص والتأديب الإلهي. إنّ الله جعل شعبه يختبر ضعفه وعجزه، كما أنّ الشريعة دلّت على الحاجة إلى الخلاص والفداء. ولقد جعل الكتاب كل شيء في حكم الخطيئة ليتمّ الوعد للمؤمنين بفضل إيمانهم بيسوع المسيح (غل 3: 22). وهكذا عملت الشريعة في العهد القديم لتبرير البشر إذ هيّأتهم لتقبّل نعمة المسيح التي كانت فاعلة منذ القديم في قلوب المؤمنين.
ب- نظم العهد القديم رمز إلى الزمن الحاضر
قالت الرسالة إلى العبرانيين (9: 9) إنّ العبادة في العهد القديم رمز إلى الزمن الحاضر هذا القول يساعدنا على تفحّص دور الشريعة في مخطّط الخلاص، وهو يرسم صورة مسبّقة عن سرّ المسيح بواسطة النظم التي كانت إطارًا أعلنت فيه الفرائض المدنية والطقسية.

1- النظم المدنية في شعب إسرائيل
إنّ أوّل الناس الذين اختبروا الإيمان المسيحي سبق لهم أن اختبروا الإيمان اليهودي. لذلك عبّروا عن إيمانهم بسرّ المسيح في أطر هيّأها لهم العهد القديم، وفي نظم تكلّموا من خلالها عن دور وطبيعة ما اختبروه في العهد الجديد. لا شكّ في أنّ كتَّاب العهد الجديد لم يستنفدوا كلّ رموز العهد القديم، ولم يحصروا تفكيرهم داخل هذه الرموز، بل تعدّوها ليعبّروا عن الحقيقة الجديدة التي جاءتهم في شخص المسيح. ونحن، إذ نتوقّف عند نظم بني إسرائيل المدنية نحاول أن نفهم كيف دلّت هذه النظم على سرّ المسيح والكنيسة. 
أوّلاً: شعب إسرائيل هو شعب الله وقد اختبر في إيمانه أمورًا ثلاثة نجدها هي هي في الكنيسة: اختبار الاتّحاد بالله بواسطة العهد: أنتم شعبي وأنا إلهكم؟ اتّحاد بين أعضاء الجماعة ينبع من اتّحاد الأفراد بالله؛ انفراد الشعب عن سائر الشعوب الوثنية التي لا تعرف الله. غير أنّ اختبار الإيمان هذا يحمل في طيّاته عناصر خاصّة تُبعدنا عن شمولية الكنيسة. فشعب الله لا يختلف عن سائر الشعوب في مرتكزاته الزمنية، وعهده مع الله يكرّس روابط تنتج عن وحدة عرقية أو اتّفاق أو احتلال. وهذا ما يدّلنا على أنّ شعب إسرائيل ليس الكنيسة رغم أنّه أعلن عن سرّها من خلال البنى الزمنية. فالكنيسة هي شعب الله في العهد الجديد (أع 15: 14؛ 2 كور 16:6؛ تي 2: 14) المنفتح على الأعراق والشعوب والالسنة (رؤ 5: 9؛ 7: 9؛ 11: 9).
ثانيًا: إنّ النظام السياسي لشعب إسرائيل عرف مراحل ثلاث سنجد بعض ملامحها في العهد الجديد. في البداية كان بنو إسرائيل رابطة مقدّسة بين اثنتي عشرة قبيلة (خر 24: 3- 8) تستند إلى شريعة واحدة وعبادة واحدة. وعندما أسّس يسوع ملكوته اختار اثني عشر رسولاً (مر 3: 14- 19 ؛ مت 28:19؛ لو 3:22) لأنّ الشعب الجديد يحقّق وحدة الجماعات (والكنائس الثي أسّسها الرسل) على وحدة الشريعة (مت 5- 7) والعبادة (1 كور 11: 24- 25). بعد ذلك عرف بنو إسرائيل الملكية في عهد داود الذي مسحه الله وتبنّاه (2 صم 7: 5- 16؛ مز 89: 20 ي). وفي العهد الجديد دخل يسوع الملك (يو 33:18 ي) في مجده (أع 26:2؛ 3: 20 ؛ رؤ 5: 5؛ 19: 15-16) واحتلّ في شعب العهد الجديد المكان الذي احتلّه داود في شعب العهد القديم. وأخيرًا، عرف بنو إسرائيل بعد السبي حياة الجماعة المقدّسة المبنية على مثال جماعة البرّرة في زمن موسى، والمؤسسّة كل عبادة الله والخضوع لنواميسه. ويسوع، حين أسّس كنيسته على الرسل أرادها جماعة عابدة (مت 18:16؛ 17:18) لا ترفض الطاعة لربّها كما فعلت جماعة بني إسرائيل في البرّية (أع 39:7- 41)، وجعلها عروسًا مقدّسة لا عيب فيها، وطهرّها بماء الاستحمام (أف 5: 25- 27).
ثالثًا: أعطى الرب شعبه أرضاً تدرّ لبنًا وعسلاً، أرضاً يجد فيها بنو إسرائيل سعادتهم، إن هم ظلّوا أمناء للعهد حافظين للشريعة. أمّا في العهد الجديد، فاختبار الإيمان يدخلنا في نظام جديد يتعدّى معطيات الأرض. غير أنّنا لا نقدر أن نعبّر عن سرّ السماء إلاّ بكلمات من عالم الأرض. فنتحدّث عن "الوطن " (عب 11: 14- 16) السماوي حيث لنا مدينة المستقبل (عب 14:13). ونتطلعّ إلى موطننا في السماوات فننتظر مجيء المخلّص يسوع (غل 3: 20)، ونتوق إلى أورشليم الجديدة أمّنا (غل 4: 26؛ رؤ 21: 10 ي). لقد كانت أورشليم، عاصمة مملكة داود، صورة ناقصة عن أورشليم السماوية، كما أنّ أرض إسرائيل كانت صورة ناقصة عن الفردوس الذي تتوجّه نحوه الكنيسة منذ الآن ببنيتها الظاهرة، إلى أن يظهر ربّنا يسوع المسيح (1 تم 6: 14) في منتهى العالم.

2- نظم العبادة في بني إسرائيل
إنّ نظم العبادة في العهد القديم رسمت صورة مسبّقة عن العبادة الكاملة في العهد الجديد، فرمزت إلى المسيح وإلى الكنيسة ببنيتها المتطوّرة، وإلى الأبدية حيث سيلتقي أعضاء الكنيسة برئيسهم الممجد. ونتوقّف عند بعض نظم العبادة.

أوّلاً: الكهنوت
عرف العهد القديم كهنوتًا يمارسه رب العائلة أو القبيلة والملك (2 صم 2: 17- 18 ؛ 1 مل 8 : 55 ي؛ مز 110: 4) أو يمارسه بنو لاوي. تقوم وظيفة الكاهن بأن يكون وسيطاً بين الله والبشر فيرفع إلى الله صلوات الناس وتقادمهم (عب 5: 1) ويوزع على البشر بركات الله عبر رتب وممارسات يقوم بها لتقديسهم. ولكنّ هذا الكهنوت في العهد القديم كان ناقصاً، لأنّه لا يستطيع الحصول على مغفرة الخطايا ولا أن يقود الناس إلى الكمال (عب 10: 1، 11). ولهذا بتي هذا الكهنوت مؤقّتًا بانتظار الكاهن الأعظم، يسوع المسيح، حبر الخيرات الآتية (عب 9: 11) الملتحف بكهنوت أزلي (عب 7: 24) والقائم في القداسة (عب 7: 26) والمتّحد بالله (عب 9: 11- 12). إنّه الوسيط الحقيقي (عب 6:8) الذي يربط الناس بالله فيخلّصهم ويقدّسهم (عب 5: 9 ؛ 7: 25؛ 10: 14).

ثانيًا: الذبائح
تجد الديانة كمالها في المسيح، إذ فيها تتمّ عودة الإنسان إلى الله، وعودة يسوع إلى أبيه عبر آلامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء (يو 13: 1؛ 14: 28)، وعودة كل البشر إلى الآب بواسطة يسوع الذي هو الطريق والحق والحياة (يو 14: 6- 7). انطلاقًا من هذا الواقع، نفهم جوهر ذبيحة يسوع التي تكمن في تقدمة ذاته للآب في حياة طائعة انتهت بالموت على الصليب (عبْ 10: 5-10). هذه هي الذبيحة الحقّة والوحيدة التي حصلت للإنسان على الخلاص وأدّت المجد لله (يو 17: 1- 2). إنّها ذبيحة قدّمت مرّة واحدة (عب 27:7) في نهاية الأزمنة، فكان لنا بها الفداء الأبدي (عب 9: 12) والتقديس بالقربان الذي قرّب فيه يسوع جسده مرّ واحدة (عب 9: 12). أرادت ذبائح الشريعة القديمة أن تصل إلى هذا الهدف، ولكنّها كانت أضعف من ذلك، إلاّ أنّها قدّمت لنا ملامح مسبّقة عن ذبيحة المسيح، فاستفاد منها العهد الجديد ليحدّثنا عن مضمون حياة يسوع وموته. فيسوع قدّم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله طيّبة الرائحة (أف 2:5؛ رج مز 7:40)، قدّم نفسه فداء وكفّارة (مز 45:10؛ روم 25:3) فجعل من دمه دم العهد الذي يراق من أجل جماعة كثيرة لمغفرة الخطايا (مت 26: 26- 28 ؛ رج 1 كور 16:10).

ثالثًا: المقدّسات
ونعني بالمقدّسات المعبد والأواني التي تستعمل لتقدمة الذبائح. كان المعبد يرتفع في الهواء الطلق (تك 12: 27 ؛ خر 20: 24- 26). ثمّ تركّز في خيمة الشهادة أو الموعد أو الاجتماع (خر 24: 4- 8؛ عد 11: 16- 24). وفي النهاية صار هيكل سليمان (1 مل 6 - 8). المعبد هو علامة حضور الرب على الأرض، لأنّ قلبه هو تابوت العهد الذي يذكّر الشعب بإله سيناء. في المعبد يجلس الرب على الكروبيم (خر 18:25؛ 1 صم 4:4 ؛ 1 مل 27:8- 29) وتخدمه السرافيم (أش 6: 1 ي). ولكن، مع كل هذا، نبقى أمام صورة ناقصة ستساعد بني إسرائيل على تصوّر مسكن الله في السماء. وهذه الصورة ستزول بعد تأنّس ابن الله الذي صار جسده علامة حضور الله على الأرض (يو 2: 19- 21). وبعد قيامة يسوع سيكون لسرّ جسده امتداد في لسرّ القربان المقدّس (1 كور 11: 24- 25) وفي الكنيسة (1 كور 3: 16- 17؛ أف 2: 20- 22). أمّا في أورشليم السماوية فلن يبقى إلاّ حضور الله الحيّ وسط شعبه (رؤ 3:21، 22).

رابعًا: الممارسات الدينيّة
نذكر الختان الذي يدلّ على دخول الإنسان في شعب الله (تك 17: 9- 14): إنّ عهد الله مطبوع في لحم الناس الذين يؤلّفون شعب الله. وسيعمل العهد القديم على روحنة هذه الممارسة فتصبح ختانة اللحم وكأنها لا شيء تجاه ختانة القلب التي تربط الإنسان بالعهد (تث 16:15؛ 6:30؛ ار 4: 4). انطلق العهد الجديد من هذا الكلام (أع 7: 51) فبيّن أن لا أهمية إطلاقًا لختانة اللحم (1 كور 7: 19؛ غل 5: 6 ؛ 6: 15؛ روم 2: 25- 29)، وأنّ المسيحيين هم المختونون الحقيقيون (غل 3:3) بختانة روحية أعطيت لهم في المعمودية (كو 2: 11- 13) فأدخلت الإنسان في عداد شعب الله. 
ونذكر أيضاً الفصح حيث الممارسة الدينية ترتبط بتذكّر الخروج من أرض مصر إنّ المسيح المذبوح على الصليب قد حلّ محلّ حَمَل الفصح القديم (1 كور 7:5؛ يو 36:19؛ رؤ 6:5)، والوليمة القربانية (في الإفخارستيّا) حلّت محلّ الوليمة الفصحية (الحَمَل الذي يذبح في 14 نيسان). ونذكر أخيرًا ذبائح التكفير التي هدفت إلى إعطاء الناس الطهارة والقداسة، ولكنّها كانت بدون جدوى. أمّا المسيح فدخل الأقداس مرّة واحدة فكسب لنا فداء أبديًا. قرّب نفسه إلى الله بروح أزليّ، قربانًا لا عيب فيه فطهّر ضمائرنا من الأعمال الميتة وأهّلنا لنعبد الله الحيّ (رج عب 9: 11- 14).

الخاتمة
وهكذا ما زالت الشرائع والنظم تنقل إلينا تعليمًا إلهيًا. ولكن لمّا جاء المسيح خسرت علّة وجودها على مستوى قانون نتبعه وطريق نسير فيها. وإذ ألغى الله الشرائع الناقصة المعدّة لنظام مؤقّت في حياة شعبه، ألغى في الوقت عينه البنى الناقصة التي توجّه هذه الشرائع. أو بالأحرى، صارت الآيات الناقصة من دون جدوى لأنّها تمّت في واقع أرفع منها وهو حضور سرّ النعمة في نظم الكنيسة. ونحن العائشين على مستوى الإيمان لا على مستوى العيان، ننتظر أن يُرفع الحجاب الأخير ويَتمّ الاتّحاد مع الله فنراه وجهًا لوجه.
الفصل الثامن عشر
التوراة كتاب تاريخ الله

درسنا التوراة ككتاب شريعة الله فرأينا فيه محطّة جامدة في تاريخ الخلاص تهيّئ لمجيء المسيح وتبيّن لنا أنّ الشرائع والنظم تطوّرت على مرّ الزمن وأنّ تأديب الله عبر الشريعة قد تواصل مع مجرى الأحداث. كل هذا يدفعنا إلى درس التاريخ الذي يشكّل كالشريعة وجهة جوهرية من وجهات العهد القديم. وسينقسم بحثنا قسمين. في قسم أوّل نعرف أنّ الله عمل في نظام الشريعة فوجّه تاريخ شعبه بحيث صار تاريخًا مقدّسًا. وفي قسم ثان نكتشف أنّ هذا التاريخ لعب في مخطّط الله دورًا تربويًا في تهيئة القلوب لمجيء المسيح ودورًا رمزيًا حصل به المؤمنون على معرفة مسبّقة لسرّ الخلاص انطلاقًا من اختبارهم الخاصّ للتاريخ.

I- تاريخ شعب الله في نظام الشريعة
يشكّل التاريخ شيئًا متشعّبًا تلعب فيه مسبّبات مختلفة، وتؤثّر أحداثه في البشرية بطرق متعدّدة. أمّا التاريخ المقدّس فهو تاريخ جماعة دعاها الله لتكون شعبه. دعا الرب شعب إسرائيل ثمّ دعا الكنيسة. وعندما يكتمل تاريخ الكنيسة تصبح البشرية كلّها شعب الله بحيث يصبح كل تاريخ تاريخًا مقدّسًا يوم تصبح الأرض أرضاً جديدة والسماء سماء جديدة ويصير الله كلاًّ في الكل.
ولكنّنا نتوقّف هنا على التاريخ في نظام الشريعة ونتعرّف إلى دور العهد القديم في مخطّط الله فنتعرّف إلى علاقات تاريخ بني إسرائيل بالوحي، وإلى العلامات التي تجعلنا نرى في هذا التاريخ البشري تاريخ أعمال الله، وإلى المضمون الديني الذي يحمله هذا التاريخ.

أ- تاريخ بني إسرائيل وعلاقاته بالوحي والإيمان 
1- اختبار شعب الله للتاريخ
بدأ تاريخ بني إسرائيل يوم صاروا شعب الله، أي يوم قَبِل موسى والآباء وحي الله. أما عن الزمن الذي أقام فيه الآباء في عبر النهر وعبدوا آلهة أخَرى (يش 24: 2) فلم يبقَ إلاّ بعض الذكريات الغامضة (تك 11: 27- 32؛ 20: 20- 23) التي ظلّت شفهية لدى هؤلاء الأراميين التائهين (تث 26: 6) ثمّ كُتبت في عهد الملوك. وهذا يعني أنّ هذه الذكريات تروي لنا مرحلة جديدة أساسها وحي من الله ونداء (تك 12: 1 ي). إنّ تاريخ الشعب هو تاريخ إيمانه.
هذا الواقع جعل من بني إسرائيل "شعبًا يعيش وحده ولا يحسب بين سائر الأمم" (عد 23: 9) ولكنّه كان في الوقت ذاته خاضعًا لتقلّبات التاريخ. وهو يشبه إلى حدّ بعيد واقع موآب وأدوم وعمون وسائر الممالك الأرامية والفينيقية. وهو يتأثّر باضطرابات السياسة الدولية التي تقودها مصر وأشور وبابل ورومة. إنّ تاريخ بني إسرائيل هو جزء من تاريخ الشرق وجزء صغير.
هذا التاريخ يورده المؤرّخون على طريقة أبناء الشرق القديم. فيبقى علينا أن نتفحّص الفنّ الأدبي لهذه النصوص علّنا نكتشف أسرارها، وأن نقابل هذه النصوص بمعطيات الآثار فنفهم أمورًا عديدة لم تزل غامضة: إنّ قصّة الآباء تتكوّن من سلسلة حكايات دوّنت في إطار زمني مصطنع، وقصّة الخروج صارت ملحمة دينية، وخبر الاحتلال عُرِض بشكل أخبار بطولية.
ولكن رغم كل هذا، تبقى المراحل الكبيرة واضحة، لأنّ التوراة حفظت لنا الاختبارات التاريخية الرئيسيّة التي تشكّل محطّات لهذا الشعب عبر الأزمنة: دعوة إبراهيم والعهد معه، النجاة من مصر والعهد في سيناء، امتلاك كنعان، النظام الملكي مع داود وسليمان، مملكة الشمال (بعاصمتها السامرة) ومملكة الجنوب (بعاصمتها أورشليم) في أيّام إيليا وأليشاع، دمار السامرة وأورشليم وتشتّت الشعب، آلام وآمال بعد الرجوع، المجابهة مع مملكة وثنية يمثّلها أنطيوخس الرابع المضطهد... لكل شعب أبطاله الذين يعتزّ بهم وتواريخ يتوقّف عندها. وفي هذا لا يختلف بنو إسرائيل عن سائر الشعوب. غير أنّ هذه الذكريات التاريخية قد حُفظت، لا من أجل عاطفة وطنية فقط، بل حُفظت في كتب دينية فكانت قيمتها كبيرة بالنسبة إلى الإيمان.

2- اختبار التاريخ واختبار الإيمان
تكفينا قراءة سريعة للتوراة (أي أسفار العهد القديم) لنفهم أيّة مكانة يحتلّها التاريخ في هذه الأسفار التي تحتفظ لنا بالتقاليد القديمة وأخبار الملوك، وتروي لنا تاريخ شعب الله ومرسليه، وتقدّم لنا مسار الديانة المبنيّة على شهادة هؤلاء المرسلين. في هذا الإطار تأخذ كل الموادّ مكانها وتجد معناها. فهناك الشرائع التي تهدف إلى تنظيم سلوك شعب الله عبر التاريخ. وهناك أقوال الأنبياء وعظاتهم المتوجّهة نحو المستقبل. وهناك النشيد الديني الذي يُدخل الماضي في مواضيع صلاته، وهناك كلام الحكماء الذي يتأمّل في الأحداث فيتذكّر أنّ الرب هو سيد التاريخ (حك 10- 18؛ سي 44- 50).
تلك هي مكانة التاريخ في العهد القديم، وتلك ستكونه في العهد الجديد حيث نقطة الثقل ليست تعليمًا مجرّدًا، بل واقع حصل في ملء الزمن وهو تاريخ يسوع. في هذا التاريخ لا يهتمّ الإنجيليون بكتابة الأمور المفصّلة التي تهمّ حشرية القارئ وفضوله، بل "جميع ما عمل يسوع وعلّم " (أع 1: 1) بالاستناد إلى شهود عيان (لو 1 :2). بعد هذا تبدأ الأحداث والتأمّلات النظرية التي تبقى مرتبطة بهذا الواقع التاريخي الأساسي. في هذا الإطار تبقى العناصر التاريخية التي نقرأها في التوراة جزءاً لا يتجزّأ من تاريخ الله المقدّس، وهي مهمّة لإيماننا، وقد عاد إليها العهد الجديد فاستخلص منها تعليمًا وتذكر أنّ كل ما كتب إنّما كتب لتعليمنا.
أجل، إنّ الإيمان ينطلق من اختبار تاريخي، وإيماننا لا يكتفي بأن يقرّ بوجود الخالق عبر المخلوقات، ولا يعرف فقط بوجود مشترع عبر صوت الضمير، بل يعلن أيضاً أنّ الله يحقّق على الأرض مخطّطه الخلاصي وأنّه حاضر في تاريخ شعبه. في هذا السبيل، لم يعد الاختبار التاريخي إطارًا يكيّف التعبير عن العاطفة الدينية وحسب، بل هو جزء من الإيمان، لأنّ الوحي لا يصل إلينا أوّلاً عبر البحث والتأمّل، بل بواسطة واقع يجعلنا نلمس يد الله تعمل في العالم.

ب- أفعال الله وأفعال الإنسان
1- عناية الله وعمل الإنسان
الله يعمل والإنسان يعمل، ولكنّ الله لا يعمل على مستوى الإنسان. ومن العبث أن نفصل عمل الإنسان عن عمل الله أو نعارض عمل الله بعمل الإنسان، وكأنّ الله لا يستطيع أن يتدخّل عبر عمل الإنسان. إنّ الرب يحترم الأمور الحتمية من اقتصادية واجتماعية ويتركها تفعل فعلها، ويحترم حرّية البشر وفي الوقت ذاته يُخضع التاريخ لسيادته فيدفعه ويوجّهه إلى الهدف الذي رسمته عنايته. وهو يستفيد من حتميّة التاريخ وحرّية الأفراد، وإن بدت لأوّل وهلة وكأنّها تسير عكس أهدافه. مخطّطه الخلاصي يسير مسيرته مهما كانت الطرق التي يسلكها. وخلف سرّ الأحداث يختبئ سرّ المسيح الحمل الذي له وحده كل سلطان.
وهذه الحقيقة تصحّ في التاريخ البشري كلّه، أكان تاريخ الأمم الوثنية أم تاريخ شعب الله، وهي تفهمنا أنّ التاريخ لا يجد معناه في ذاته، بل يخضع لتحقيق مخطّط الخلاص. ونقول إنّ العهد القديم يدلّنا على خطّ تظهر فيه عناية الله بنوع خاصّ بالنسبة إلى مخطّط الخلاص الذي تبان قمّته في حياة يسوع على الأرض، وتمتدّ في تاريخ الكنيسة، بانتظار تمام كل شيء في ملكوت الله.
هذا هو خطّ عمل الله في الزمن كما يتعرّف إليه المؤمنون. هي علامات منظورة تدلّ على حضور الله ويده الفاعلة من أجل الذين يحبّونه (روم 28:8).

2- آيات الله وأعماله
يحدّثنا الكتاب المقدّس عن آيات الله ومعجزاته وعجائبه وأعمال قدرته الرفيعة والمرهوبة. يحدّثنا عن معجزات حصلت في الخليقة (تث 3: 24؛ مز 136: 4؛ أي 37: 14- 16)، وعن عجائب شفاء (2 مل 32:4 ي)، ونبوءات (أش 7: 11) ووقائع تاريخية (مز 78: 11- 12؛ أش 29: 14) وعلامات تتم في آخر الأزمنة (يوء 3:3). كل هذا يدلّ على قدرة الله الخلاقّة. فالكلمة التي برأت الكون في البدء ما زالت تجدّد وجه الأرض وتحدث في التاريخ أمورًا خارقة. وكما أنّ عجائب الخلق هي علامات تنشد مجد الخالق (مز 19: 2)، فأعماله في التاريخ تحمل مضمونًا عميقًا يدعو المؤمنين إلى التأمل فيه.
نحن نجد في الكتاب معجزات لا تفسّر إلا بتدخّل مباشر من قبل الله. وهي تهدف إلى جعل الناس يصدِّقون كلام رسول الله، وإلى تدعيم عمله الديني واقتياد الناس إلى الإيمان برسالته وبكلام الله الذي يحمله. هذا هو معنى الآيات التي قام بها موسى (خر 4: 1- 9) وأشعيا (7: 11) وإيليا واليشاع (1 مل 7:17- 4 ؛ 2 مل: 1ي). آمن العبرانيون (خر 4: 31؛ 14: 31) حين رأوا أعمال الله بواسطة عبده موسى. ولمّا شفى أليشاع نعمان السرياني عرف الناس أنّ في أرض إسرائيل نبيًّا (2 مل 8:5).
ونجد معجزات تبدو بشكل تنبّؤ ونظرة مسبّقة إلى المستقبل. أعلن موسى لشعب إسرائيل أنّ الرب سينجّيه. وتمّ للشعب ما وعده به ساعة بدا الخلاص أمرًا مستحيلاً (خر 13:14- 14). وأعلن ناتان أنّ ابن داود وبتشابع سوف يموت، فتمّ ما قاله (2صم 12: 14). وتنبّأ أشعيا عن هزيمة السامرة ودمشق (أش 8:7؛ 8: 4) وعن تراجع سنحاريب (أش 33:37- 35). لا شكّ في أنّ ما تمَّ تمّ بفعل أحداث تاريخية، ولكنّ كلمة الله التي تفوّه بها النبي أعطت للحدث معنى جديدًا (إنّه صادر عن الله) وأظهرت مصداقيّة كلام رسول الله.

ج- التاريخ على ضوء الإيمان
1- مبادئ عامّة
لم تورد الأسفار المقدّسة التاريخ من أجل التاريخ ولإشباع الفضول والحشريّة، كما أنّها لم تفصل يومًا الأحداث عن البعد الديني. إنّ جوهر تعليم الكاتب الملهم هو المضمون الذي جعله الله في الأحداث. فكل حدث هو نتيجة كلمة الله الخلاّقة، كل حدث يحمل في طيّاته كلمة الله التي تتوجّه إلى الناس اليوم وفي كل زمان.
ولكنّ هذه الكلمة تبقى غير مفهومة إن لم يوجد أناس ملهمون يوضحونها لنا. وشعب إسرائيل لم يعوزه يومًا مثل هؤلاء الناس الذين أفهموه معنى أحداث تشكّل مصيره. فالمؤرّخون يرسمون الماضي ويتأمّلون فيه. أمّا الأنبياء فيقرأون الحاضر ويكتشفون المستقبل، وكلّهم يعودون إلى عهد سيناء الذي ما زال يلقي ضوءه منذ بداية تاريخ الشعب على المعنى العميق للأحداث الآتية. وعلى ضوء هذا الدستور الديني يتضمّن تاريخ بني إسرائيل أمرين اثنين. فهو اختبار لعطايا الله ومواعيده المحقّقة، وهو اختبار لدينونة الله وحكمه حسب مبدأ المكافأة الزمنية المرتبطة بالعهد.

2- اختبار عطايا الله ومواعيده
إنّ النظام الذي أسّسه الله في العهد القديم لا يتضمّن فقط شرائع ونظمًا، بل مواعيد تبيّن لنا أي هدف يشدّ تاريخ شعب إسرائيل. هذه المواعيد سبقت عهد سيناء، لأنّها بدأت مع الآباء، يوم دعا الله إبراهيم (تك 12: 2- 3؛ 13: 14- 17). أمّا موضوع هذه المواعيد فنسل كبير وأرض خصبة وبركة دائمة. وفي مرحلة لاحقة سيعود الكتاب إلى الكلام عن هذه المواعيد في إطار عهد سيناء: لقد صار نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب الشعب الإسرائيلي بأسباطه الاثني عشر (خر 24: 4) الذي وعده الرب بأن يكون كثيرًا (خر 23: 30) وأن يرث أرض آبائه (خر 17:3 ؛ 23: 30- 31). ولمّا تمّ احتلال أرض كنعان، أعطى صموئيل النظام الملكي سمته الدينية، وجعل ناتان بين سلالة داود ومصير شعب الله رباطاً أبديًا لا يزول (2 صم 8:7- 16).
ثمّ نتحدّث عن المواعيد في مخطّط الله. لهذه المواعيد غرض ملموس يتحقّق الآن أو في مستقبل قريب على مستوى تاريخ الأمّة، ويسند في الوقت ذاته رجاء دينيًا يشكّل للشعب برنامج عمل. إذا كانت هذه المواعيد متوجّهة إلى أبعاد لا حدود لها (تك 3:12؛ 2 صم 7: 16)، إلاّ أنّها تسير نحو مرحلة تسبق هذا المستقبل فتكشف لنا بطريقة تدريجية تفاصيل مخطّط الله، لا بشكله النهائي، بل بالمراحل التي تسبق النهاية. وهكذا يرتبط تاريخ بني إسرائيل بمخطّط الخلاص الشامل الذي يشكّل الإطار الذي يحلّ فيه هذا التاريخ.
أجل، لقد اختبر شعب إسرائيل مواعيد الله وعطاياه، وعرف أنّ نموّ الشعب وخلاصه من عبودية المصريين وإقامته في أرض كنعان لم تكن من قبيل الصدف أو بسبب قدرة شعب إسرائيل أو أعماله الصالحة، بل هي عطيّة من الله ليتمّ ما وعد به الآباء. قال موسى للشعب: "اختاركم الرب لتكونوا من نصيبه، لا لأنّكم أكثر من جميع الشعوب، لكن لمحبّته ولمحافظته على اليمين التي أقسم بها لآبائكم " (تث 6:7- 8). "فلا تقولوا في قلوبكم: إنّنا بقدرتنا وقوّة سواعدنا اكتسبنا ما نحن عليه من سلطان، بل تذكّروا الرب إلهكم الذي أعطاكم هذه القدرة" (تث 8: 17- 18).

3- دينونة الله وحكمه
إنّ نظام العهد القديم المؤسّس على عهود الله، يظهر بشكل اتّفاقية بين الله والشعب. بالعهد يُلزم الله نفسه ويجدّد مواعيده، ولكنّه في الوقت ذاته يفرض دستورًا وشرائع وفرائض يلزم الشعبُ نفسه بها. وهكذا يضع الرب شعب إسرائيل أمام مسؤوليّاته: إن كان أمينًا أتم وعوده له وغَمَره ببركاته (خر 22:23-33 ؛ لا 3:26-13؛ تث 28: 1- 14). وإن كان خائنًا انتُزعت منه البركات وتحمّل العقاب (خر 23: 21 ؛ لا 26: 14- 43 ؛ تث 28: 15- 68). نرى هنا تطبيقًا لمبدأ المكافأة والجزاء على الجماعة كلّها في إطار أرضي ودنيوي. والنتيجة: يعتبر بنو إسرائيل أنّ كل ما يحصل لهم من خير وسعادة هو تتميم لوعد الله بسبب أمانتهم له وأنّ كل ما يصيبهم من شرّ وشقاء (أكانت هزيمة في الحرب أم آفة زراعية) هو نتيجة ضربة الله لهم بسبب خيانتهم للعهد.
انطلاقًا من هذا المبدأ سيجد الشعب علامات الله في كل ظروف تاريخه. لن نذكر نعم الله لشعبه، وقد كانت كثيرة، بل معاكساته التي بدت بشكل نوائب ومصائب جعلت الشعب يشكّ بأمانة الله. ولكنّ الشعب نسي أنّ الله وعد بتحقيق مواعيده شرط أن يكون الشعب أمينًا. ولمّا فهم الشعب هذا الأمر، إختبر دينونة الله وحكمه.
من هذه الزاوية ستنظر التقاليد القديمة إلى المصائب التي حلّت بالجماعة: زمن الحياة في البرّية (عد 11- 14؛ 20: 1- 13؛ 21: 4- 9)، زمن الاحتلال (يش 7: 1 ي)، عهد الملوك (عا 2: 6- 6؛ هو 2: 4- 9). سقطت السامرة (2 مل 7:17- 21) وبعدها أورشليم (2 ملى 21: 10- 15؛ 23: 26- 27) لأنّ الشعب أخطأ إلى الرب وتمرّد عليه (مز 17:78). وغضب الرب فاستعمل الجفاف (إر 14: 1ي ؛ 1 مل 17- 18) والجراد (يوء 1- 2) والقحط (حج 1: 1- 11) والغزو (ار 5: 15- 17) ليعاقب شعبه. من هذا القبيل لا يختلف شعب إسرائيل عن سائر الشعوب الذين تصيبهم دينونة الله ويضربهم غضبه قصاصاً لهم على خطاياهم (عا 1 :3- 3:2). هذا التشابه بين مصير شعب الله ومصير سائر الشعوب يبيّن لنا أنّ دينونة الله تصيب البشرية الخاطئة كلّها وأنّ غضبه يُعلَن على كل الشعوب معًا (روم 1 :18 ي). ما نراه هنا ليس مخطّط خلاص بقدر ما هو مصير عالم خاطئ كان شعب إسرائيل النموذج الأوّل له.

4- التاريخ المقدّس
إذا كانت أحداث تاريخ شعب إسرائيل ترتبط بأيّ شكل كان، إمّا باختبار عطايا الله وإمّا باختبار دينونته، أما نستطيع أن نقول بعد ذلك إنّ كل شيء هو تاريخ مقدّس وله أهمّيته بالنسبة إلى الإيمان؟ فإن أخذنا التاريخ المقدّس كما عاشه الشعب، فالحدث ككل أو سلسلة الأحداث تشكّل اختبارًا له بعده الديني. فني صموئيل نقرأ خبرًا عن وصول داود إلى عرش بني إسرائيل (1 صم 16: 1- 2 صم 7: 29). ولكنّنا لن نتوقّف على التفاصيل إلاّ داخل المجموعة، مع العلم أنّ هناك تحوّلات رئيسية تدلّ بوضوح على إرادة الله: فاختيار شيوخ يهوذا (2 صم 2: 2) ثِمّ شيوخ إسرائيل (2 صم 5: 1- 3) هما من العناصر الاساسية التي تستقطب معها أحداثًا يكون بعضها تافهًا مثل وقائع هرب داود من وجه شاول (1 صم 21: 1ي). لا يفهم المؤمنُ الحدث إلاّ بعد نهايته ت بعد أن تكون كشفت كلمة الله عن معناه (2 صم 7: 1 ي).
وإن أخذنا التاريخ المقدّس كما سرده الكتّاب الملهمون، نفهم أنّ المضمون الديني للإخبار الكتابي يبرز من خلال التفاصيل ليكشف لنا هدف الكاتب التعليمي. وموضوع تعليمه ليس بالدرجة الأولى وقائع وأحداث بقدر ما هو معنى عميق نكتشفه وراء هذه الوقائع والأحداث. يهمّ الكاتب التاريخ بقدر ما هو تاريخ مقدّس، بقدر ما يحدّثه عن مسيرة مخطّط الخلاص. وإن هو جمع في سرده للماضي موادّ غنائية وقانونية وقصصية، فلا يجب أن ننسى أنّنا أمام لوحة نستخلص منها كلّها المعنى العميق. وهنا، عندما نقرأ الكتاب ننظر أوّلاً إلى الوجهة الدينية التي تحدّد هدف الكاتب في كتابه وتربطه باللاهوت والتاريخ. وعندما ننظر إلى الوجهة الأدبية ننظر إلى الموادّ التي استعملها الكاتب ليورد لنا اختبارات الماضي التاريخية.

II- دور التاريخ في العهد القديم وفي مخطط الظلام
نقول عن التاريخ في العهد القديم ما قلناه عن الشريعة. فالتاريخ جزء لا يتجزّأ من تأديب الله لشعبه، وهو يرسم لنا صورة مسبّقة عن سرّ الخلاص في المسيح. هذا هو المبدأ العام الذي سنجد تطبيقًا له في أحداث تاريخ شعب الله.

أ- دور التاريخ في تأديب شعب الله
1- تأديب الله
التأديب، كما يفهمه القدّيس بولس (غل 3: 24) هو تربية أخلاقية ودينية. في العهد القديم أدّب الرب شعبه مستندًا إلى وسائل ناقصة، فهيّأه لنظام العهد الجديد، ووصل إلى نتيجتين:
الأولى: رفع هذا الشعب إلى مستوى أخلاقي وديني سامٍ فهيّأه لتقبّل الإنجيل.
الثانية: حفر في قلبه وعيًا للخطيئة جعله يحسّ بالحاجة إلى الفداء.
أدّب الرب شعبه بواسطة الثواب والعقاب، فاختبر الشعب عطايا الرب المرتبطة بالوصايا واختبر دينونة الرب كعقاب عن الخيانة، كل هذا تمّ عبر أحداث التاريخ. وجاءت شرائع الرب وفرائضه مرتبطة بتاريخ الشعب. كانت البداية في عهد سيناء، ثمّ تطوّرت الشرائع لتنسجم مع العصور اللاحقة فجمعت الموادّ العديدة التي هي ثمرة اختبار تاريخي يوجّهه الله. ونقول: إنّ تأديب الرب تمّ عبر أحداث التاريخ، فكان تقدّم وتراجع، وكانت وقائع تاريخ روحي ارتبط بتوالي الأحداث. وهكذا رأينا من جهة مواقف بني إسرائيل المتعدّدة والمتضاربة تجاه الله، كما رأينا من جهة ثانية أحداث عنايته تُعاقب المؤمنين وتشجّعهم ليبقوا على الأمانة لربّهم أو تدعوهم إلى التوبة. وهكذا يكون تأديب الله تاريخًا يشمل تاريخ بني إسرائيل الروحي والزمني كلّه.
والتأديب الأخلاقي يكمن في تربية على حياة فاضلة توافق الوصايا، وعلى عيش بحسب العدالة توضح الشريعة ومتطلّباتها، وعلى ممارسات ديانة تحدّد الطقوسُ فرائضها. وكان التأديب اللاهوتي بواسطة كلمة الله التي تنعش في القلوب الإيمان وحياً والرجاء وعدًا والمحبّة قاعدة حياة. وهذه الكلمة ترتبط بأحداث تسندها وتكون علامة لها.

2- الله يربّي إيمان شعبه
الله يعمل في التاريخ ليوقظ الإيمان في شعبه، ويستفيد من اختبار شعبه للتاريخ ليربّي فيه الإيمان. ولكنّ الإيمان ليس عاطفة مبنية على أمور لا عقلية بل جوابًا على كلام الله الذي يوحي إلى الإنسان سرّ عمله وكيانه. وعندما يريد الله أن يوقظ في القلوب هذا الموقف الروحي، فهو يستفيد من التاريخ بطريقتين:
أوّلاً: تصل كلمته إلى الناس عبر أشخاص عاشوا في زمن من الأزمنة. أرسلهم فلعبوا دورًا فاعلاً في حياة شعبه (موسى، الأنبياء). بهذه الطريقة تكون كلمة الله دافعًا تاريخيًا وحدثًا محدّدًا يرتبط بغيره من أحداث.
ثانيًا: الآيات التي تبيّن مصداقية هذه الكلمة ومصدرها الإلهي هي أحداث تشكّل تاريخ بني إسرائيل (عبور البحر الأحمر، آيات برّية سيناء).
إنّ التاريخ يلعب دورًا هامًّا في إيقاظ إيمان شعب الله في العهد القديم وهو يؤثّر في موضوع إيمان الشعب. فالله يكشف لشعبه موضوع هذا الإيمان الذي ليس فقط موقفًا روحيًّا يقفه الإنسان أمام الله، بل يتضمّن معرفة لأسرار الله. وهنا نجد نفوسنا أمام عنصرين اثنين: كلمات المرسلين وأحداث التاريخ. فالله لا يكشف عن ذاته بطريقة مجرّدة عبر أفكار المفكّرين، بل يعلن أسرار شخصه الحميم عبر عمله السرّي الذي يقوم به من أجل خلاص العالم. إنّ الإنسان يتعرّف إلى الإله الكائن عبر الإله الفاعل في الكون. وتاريخ شعب إسرائيل هو تحقيق لمخطّط خلاصه الذي يتمّ في نهاية الأزمنة، واختبار لطرقه التي فيها يكشف عن ذاته كما في مرآة بالنسبة إلى بني إسرائيل. ليس الله فقط ذلك "الخالق السماوات والأرض " (تك 14: 19)، بل "إله إبراهيم وإسحق ويعقوب " (خر 3: 15)، الإله الذي تجلّى في التاريخ، سيّد التاريخ الذي فيه ينشر قوّته. الله هو من يدعو الإنسان (تك 12: 1؛ خر 4:3 ي ؛ 19: 5- 6) ويخلّصه (خر 7:4، 8؛ 30:14- 31) ويقيم معه عهدًا (تك 15: 1ي ؛ خر 8:24) ويفرض عليه شريعته (خر 20: 1-17) ويعاقبه إن أخطأ ويكافئه إن أطاع... كلّ هذه اليقينات تستند إلى اعتبارات ملموسة انطلق منها بنو إسرائيل ليتعرّفوا إلى الله وإلى موقع الخليقة بالنسبة إلى الله. فتبيّن لهم أنّه إله الحنان والرحمة، الطويل البال والكثير النعمة والأمانة (خر 34: 7- 8). إنّه الإله القدّوس الذي يفرض القداسة على الذين يريدون أن يقتربوا منه (لا 11: 44- 45؛ 2:19؛ أش 3:6-4).
تلك هي تربية الإيمان في العهد القديم، وهي مؤسّسة على اختبار تاريخي يبرز مضمونه العميق على ضوء كلمة الأنبياء. من هنا يرتسم مخطّط الله، وإن بقي خفيًّا، يدخل في حقل اختبار الإنسان، ويرتسم أمامنا سرّ الله العميق وإن بقي كيانه الحميم محجوبًا فلا يتمكّن الإنسان أن يراه (خر 23:33 ؛ 1 مل 19: 11؛ أش 6: 5). إلاّ انّه يكشف عن ذاته إلهًا شخصيًا حاضرًا مع الإنسان فاعلاً في خليقته وسيّدًا عليها. هذا الوحي، وإن ناقصاً، يدلّنا على موضوع إيماننا، نحن المسيحيين، بانتظار الوحي الذي يتمّ لنا يوم يرسل الله إلينا ابنه أي كلمته (يو 1 :9- 18)، ويوم يكشف لنا موتُ يسوع وقيامتُه ملءَ مخطط الله. وهكذا تكون نهاية الأزمنة المرحلة الأخيرة من مراحل تاريخ الله.

3- الله يربّي شعبه على الرجاء
ينطلق الله من التاريخ ليوقظ الرجاء في قلب شعبه ويقدّم له موضوع هذا الرجاء. فرجاء الشعب بالله هو جواب على كلمة الله ووعد بالخلاص، وهو ينبع من الإيمان. فإيمان إبراهيم (تك 6:15) يفترض الرجاء لأنّه يتطلّع إلى وعد من قبل الله. قال الرب لإبراهيم: "هكذا يكون نسلك ". فآمن إبراهيم بالله (تك 15: ا- 6).
ويرتبط الرجاء بالتاريخ. فمواعيد الله وكلام أنبيائه هي أحداث في الزمن. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فالآيات التي تؤّسس الرجاء هي موضوع اختبار الناس في التاريخ وتحقيق وعود سابقة. بما أنّ الله حقّق جزءًا ممّا وعد بتحقيقه في مصير شعبه، أكان ذلك خيرًا كالإقامة في كنعان، أم شرًا كدمار أورشليم، فهذه هي العلامة أنّ كلمته الخلاّقة توجّه التاريخ وتحقّق فيه كل مخطّطاتها (أش 55: 10- 11 ). ويستنتج المؤمن بعد ذلك أنّ كل ما وعد به الرب سيتمّ من دون شكّ، لأنّ ما تمّ من مواعيد في الماضي يكفل مواعيد المستقبل (أش 42: 49؛ 48: 3- 8). فالإله الذي كشف عن نفسه في الماضي مخلّصاً وقديرًا ومعينًا وحنونًا وأمينًا، هو هو بذاته وسيبقى كذلك إلى الأبد. لهذا فالثقة به والاتّكال على كلامه فرض على كل مؤمن (مز 121: 1 ي ؛ 124: 1 ي؛ 130: 5-8). والرجاء بمواعيده لا يكون موقفًا عاطفيًا وحسب، بل التزام يستند إلى كل تاريخ شعب الله ويجد فيه قوّته وثباته.
وينطلق الشعب من هذا التاريخ ليدرك موضوع رجائه الذي هو الخلاص. أجل، إنّ تاريخ شعب الله هو مسيرة الخلاص الطويلة، ومخطّط الخلاص هو جوهر التاريخ. لا شكّ في أنّ التوراة تبدأ فتعبّر عن هذا الخلاص بكلمات غامضة وعبارات مبهمة: وعد بالبركة، بنسل كبير، بسعادة على هذه الأرض (تك 12: 2- 3؛ 13: 14- 16)، فيبدو الوعد مرتبطاً بوضع الإنسان التاريخي، ويعلن أنّ هذا الوضع سيتبدّل تبدّلاً جذريًا. ثمّ إنّ موضوع هذا الرجاء سيتّضح شيئًا فشيئًا نتيجة نموّ كلام الله الذي ينطلق من المواعيد نفسها ليكشف عن نواياه الخفيّة. ينطلق الرب من التاريخ فيعلّمنا أنّ التاريخ هو اختبار لوضع الإنسان الشقي: اختبار الألم بكل أشكاله (أمراض، آفات، حروب، غزوات، سبي، عبودية)، اختبار الخطيئة التي هي السبب في كل هذه الشرور لأنّها تقطع الإنسان عن الله. اختبار لعطايا الله التي لا تمنح الخلاص النهائي وكأنّ كل شيء قد انتهى، بل ترسم الخطوط العريضة لما يمكن أن يكون عليه هذا الخلاص. اختبر الشعب نجاته من عبودية مصر، اختبر سعادة الإقامة في أرض الموعد... وكما اختبر الشقاء فعرف من أيّة حالة يريد الله أن ينجّيه، كذلك اختبر من خلال التاريخ إلى أيّة حالة يريد الله أن يرفعه. لهذا ستنقلنا مواعيد الأنبياء الإسكاتولوجية من اختبار تاريخي في الماضي لترسم أمامنا الخلاص الأخير. 
لا شكّ في أنّ فكرة الخلاص النابعة من هذا الاختبار تبقى ناقصة. ولكنّها تبقى منفتحة على الوحي الأخير الذي يكشف للإنسان موضوع الرجاء الكامل الآتي إلينا بصليب المسيح وقيامته.

4- الله يربّي شعبه على المحبّة
حدّثنا العهد القديم عن الخوف، ولكنّه حدّثنا أيضاً عن المحبّة فهيّأ الطريق للإنجيل. فما هي الوسائل التي لجأ الله إليها ليربّي شعبه على هذه المحبّة السامية؟ أيقظ القلوب على عرفان الجميل، وجّه الأفكار إلى التوبة فانفتحت الطريق أمام المحبّة.
إنّ ما أيقظ الحبّ في قلوب بني إسرائيل هو اختبار حبّ الله السابق الذي أغدقه على شعبه عبر تاريخه. منحه عطايا مجّانية لم يكن شعب الله يستحقّها، لا بسبب أعماله السامية ولا بسبب قدرته أو أمانته. دعا الآباء، اختار شعبًا خاصًّا به، نجّاه من العبودية، أدخله أرض الميعاد. كل هذه الأعمال تدل على حبّه لشعبه. ولماذا فعل ذلك؟ محبّة بشعبه، ومحافظة على اليمين التي أقسم بها للآباء (تث 7:7- 8). هذا ما يقوله سفر التثنية (10: 21- 22؛ 2:11- 7) ويردّده الأنبياء من عاموس (6:2- 12) إلى هوشع (11: ا- 4) وأشعيا (5: 1- 4) وإرميا (2: 2- 7) وحزقيال (16: 1- 14). ويمتدّ اختبار عطايا الله إلى ميثاق العهد الذي يلقي ضوءًا على حياة الشعب. فهذا العهد ليس عقدًا ذات طابع قانوني وحسب، بل رمز إلى علاقة محبّة بين الله وشعبه، كحبّ الأمّ لابنها والعريس لعروسه. أجل، من خلال عهده مع الله وعطايا الله له، إختبر الشعب يهوه إلهًا محبًا.
خطا الرب الخطوة الأولى ليدعو الشعب لكي يبادله الحبّ: هو حبّ يعرف جميل من أغدق عليه عطاياه، حبّ يريد حبًّا لا حدود له: أحبّ الرب إلهك بكل قلبك كل نفسك كل قدرتك (تث 6: 5). حينئذ يفهم الشعب أنّه ليس في منزلة العبد بل في منزلة الابن والحبيب. وهكذا تكون أمانة الحبّ المتجاوب مع حبّ الله فوق الأمانة لوصية خارجية أو لشعائردينية، وتصبح عاطفة عميقة تدعونا إلى الأخذ بكلمة الله كقاعدة حياة لنا (تث 6:6؛ 1:11).
ولكنّ حبّ الشعب لله لم يكن حبًّا لا غبار عليه، وأمانته انقلبت خيانة يوم اختبر بنو إسرائيل الخطيئة وأداروا بوجوههم عن وصايا الله. تصرّفوا كالمرأة الزانية التي تخون زوجها من أوكالابن العقوق الذي يترك المنزل الوالدي (هو 2: 7- 10؛ أش 1: 2؛ إر 3: 19- 20) فأنكروا ذواتهم. ولكنّ الله لا يمكنه أن ينكر ذاته. هو الإله الحيّ وسيبقى كذلك. لهذا نراه يوقظ الأمانة في قلب شعبه الخاطئ. دان شعبه وحكم عليه بالألم، لا لينتقم منه كما ينتقم سيّد قاس من عبيد خونة، بل لينبّهه ويؤدّبه ويردّه إليه. تصرّف الله كأب استهان به ابنه أو كزوج خانته زوجته فعمل كل شيء ليعيد إليه الابن الضالّ والزوجة الزانية. وهكذا جاءت نداءات الأنبياء تشدّد على حقّ الله الذي تعدّى عليه الإنسان بخطيئته، وتدعو الشعب إلى الرجوع بقلب محبّ تائب فيجدون قلب الرب وغفرانه في انتظارهم (هو 2: 9- 10؛ إر 3: 11- 13؛ مي 6: 3- 5). إنّ الله ينتظر الخاطئين التائبين، ينتظر أمانة أخلاقية دينية، بل ينتظر حبًّا جديدًا متواضعًا وخاشعًا يظهر في أعمال العدل والرحمة (مي 6: 6- 8).
نحن هنا في بداية الطريق، طريق تربية الله لشعبه على المحبّة. وهي تهيّئ البشرية لتتقبّل تجلّي محبّة الله يوم يرسل ابنه ليموت على الصليب كفّارة عن خطايانا (1 يو 4: 9- 10). إنّ اختبار شعب إسرائيل لمحبّة الله الذي يعطي النعمة ويغدقها، الذي هو الغيور على محبّته والغافر لشعبه، يهيّئنا للاختبار السامي الذي فيه سنعرف المحبّة (1 يو 3: 16)، نعرف محبّة الله لنا ونؤمن بها (1 يو 16:4) في شخص الابن الوحيد يسوع المسيح.

ب- العبرة التي نستخلصها من التاريخ
1- التاريخ ورموزه في العهد القديم
تكلّم القدّيس بولس عمّا حدث للعبرانيين يوم خرجوا من مصر وتاهوا في البرّية، فقال: "وقد حدث لهم هذا كلّه ليكون لنا مثلاً، وكتب تنبيهًا لنا نحن الذين بلغنا منتهى الأزمنة" (1 كور 10: 11). يفهمنا هذا المبدأ أنّ أحداث التاريخ في العهد القديم تحمل بعدًا نبويًا بالنسبة إلى سرّ المسيح الذي جاء في نهاية الأزمنة وأدخلنا في جسده بواسطة المعمودية والإفخارستيا. لقد جاء الوقت الذي فيه أتمّ يسوع كل الرموز وأعطى معنى للأحداث التي كوّنت نسيج تاريخ العهد القديم.
هنا نميّز التاريخ في التوراة عن التاريخ في البدايات الوثنية. نقول أوّلاً: لا وجود للأساطير في التوراة، إذ لا يوجد في البدايات إلاّ العمل الخلاّق الذي يقوم به الله الواحد. وإذا رجع الكاتب الملهم إلى الصور القديمة (مز 74: 14؛ 89: 10- 11؛ أش 51: 9- 10) ليعبّر عن عمل من الأعمال، فهو ينقّي هذه الصور من كل مضمون شرك ويحوّل معنى التعابير على ضوء عقيدة التوحيد. وهكذا، فالخلق ليس نهاية تاريخ إلهي حصل في الأزمنة الأولى (كما في أسطورة مردوك البابلية)، بل بداية تاريخ مقدّس يتضمّن زمن الناس. إنّه تاريخ مخطّط الله الذي يظهر في سلسلة من الأحداث تشكّل متن مصير شعب إسرائيل.
وهذا التاريخ يسير إلى نهاية تطابق نوايا الله الخفيّة. وهذه النهاية، وإن لم تنكشف للبشر قبل أن تتحقّق في الواقع، إلاّ أنّها تجتذب مسيرة التاريخ المقدّس بأحداثه فتتطلعّ إلي الحدث الأوحد الذي تهيّئ له الطريقَ كلُ الأحداث السابقة. إنّ طبيعة نشاط الله الخلاصي في زمن العهد القديم لا تختلف عمّا ستكون عليه يوم تتجلّى في كمالها. ولهذا فالوحي يعطي شعب الله معرفة مسبّقة للنهاية، لا معرفة بمجيئه العتيد عبر مواعيده فحسب، بل معرفة ملموسة ترتبط باختبار لأعمال الله في التاريخ. إنّ ما عمله الله في الماضي يرسم الخطوط الأولى لما سيصنعه في آخر الأيّام. ننطلق من الوعد فنتصوّر ما يكون عليه تحقيق الخلاص النهائي. إنّ أحداثًا كالخروج وعهد سيناء ودخول أرض الموعد والملكية الداودية وبناء الهيكل، تشكّل الخطوط الأولى لما سيحقّقه الله في نهاية الزمن. وحتّى عمل الله الخالق في بداية الزمن هو صورة لما سيحقّقه الله في نهاية الزمن ساعة تكون "سماء جديدة، وأرض جديدة" (رؤ 21: 1).
مثل هذه الطريقة الرمزية تعطي التاريخ قيمته فيصبح نموذجًا، وتصبح أحداث الماضي صورًا مسبّقة لعمل الله الواحد الذي يفعل في العالم الإلهي والعالم الأرضي معًا، في الزمن البشري وفي الزمن الأزلي معًا. مثل هذه الطريقة لها تأثيرها في عبادة بني إسرائيل الذين رفضوا الشرك وكلّ الأساطير الوثنية فلم تعد الطقوس أعمالاً تردّد أعمال الله في ما قبل الزمن. لا شكّ في أنّ الأزمنة المقدّسة ترتبط بالدورة الكونية وتحافظ على قيمتها الدينية (دورة السنة، دورة القمر، دورة الفصول). هل نسينا أنّ الخليقة هي المكان الذي يتجلّى فيه الله! ولكنّ الأعياد التي تكرّس الزمن وتقدّسه، تبدّل طبيعة هذه الأعياد التي تصبح احتفالاً بأعمال الله في التاريخ المقدّس. فيوم السبت (الذي ينهي دورة الأسبوع) يذكّر المؤمن بعمل الخلق (تك 2:2-3؛ خر 20: 11؛ 12:31 ي). وعيد الفصح (والفطير) يذكّره بنجاته من العبودية (خر 12: 25- 27). وعيد العنصرة بعهد سيناء، وعيد المظالّ بالإقامة في البرّية برفقة الله (لا 32:23- 43). وهكذا أعيد بناء دورة الأعياد التي عرفها الرعاة والمزارعون (هذا ما كان عليه بنو إسرائيل) لا على أساس الطبيعة بل على أساس تاريخ الخلاص الذي تمّ في تاريخ شعب الله. وجُعل كل عمل من أعمال الله حاضرًا لا للتذكير وحسب، بل لتكون للشعب الحاضر اليوم النتائج التي حصل عليها آباؤه في الماضي. فإذا كانت أقوال الأنبياء تردِّد أنّ الرب سيعيد في المستقبل بطريقة أكمل، ما فعله في الماضي، فالأعياد التي تحتفل بهذه الأحداث ترتبط هي أيضاً بالحدث الفريد، حدث مجيء الرب، وتهيّئ الشعب مسبّقًا لهذا الحدث.
2- مع العهد الجديد
مع العهد الجديد تدشّنت الأزمنة الأخيرة وتحقّق حدث الخلاص في واقع من التاريخ البشري هو تجسّد يسوع وموته وقيامته. إنّ ما رآه الأنبياء ينكشف، ومعنى وقائع الماضي تتوضّح لترينا العلاقة التي تربطها بالنهاية. في سرّ الفصح يتوضّح معنى الرموز التاريخية التي تلقي بدورها ضوءًا على تاريخ المسيح. ولهذا نرى يسوع يستعيد أحداثًا وصورًا من العهد القديم ليحدّثنا عن معنى موته: إنّ موته هو ذبيحة العهد الجديد (مر 14: 24) وهو يدشّن الفصح الجديد (لو 22: 15- 16).
وهنا نلاحظ عنصرًا جديدًا في هذا البعد الرمزي للتاريخ الكتابي، إذ إنّ الحدث الإسكاتولوجي يتّخذ شكلاً يميّزه عمّا كان عليه في المواعيد النبوية. ستدخل فيه نظرة زمنية تجعل تحقيقه يمرّ في ثلاث مراحل متتالية: مرحلة مجيء يسوع بالجسد وإقامة ملكوت الله وإنجاز ذبيحة الخلاص. مرحلة الكنيسة التي يستتر فيها الرب الممجّد، بينما يمتدّ الملكوت وينتشر بفضل كرازة الإنجيل والتدبير التقديسي بالأسرار. مرحلة المسيح الممجّد وفيها يتمّ الخلاص لجميع المختارين. وهكذا، فسرّ الخلاص الذي رحمه التاريخ في العهد القديم يبدو الآن على مستويات ثلاثة.
الأوّل: مستوى يسوع الإنسان العائش على أرض فلسطين في زمن أغوسطس قيصر وهيرودس ملك اليهودية.
الثاني: على مستوى الحياة الأبدية حيث يَتمّ سرُ الخلاص في ما وراء التاريخ.
الثالث: سرّ الكنيسة وبها يدخل في قلب التاريخ الزمني حضورُ الأزل السرّي. من هذا القبيل نستطيعِ أن نقرأ رموز العهد القديم بالنسبة إلى هذه المستويات الثلاثة: فخروج العبرانيين مثلاً يذكّرنا بخروج يسوع من هذا العالم ورجوعه إلى الآب (يو 13: 1). كما يذكّرنا بخروج المسيحيين من عالم الخطيئة إلى حياة في المسيح بواسطة المعمودية (1 كور 10: 1-2)، وخروجهم على خطى المسيح في مجد السماء حيث يرتّلون نشيد موسى والحمل (رؤ 15: 3).

3- رمز الدينونة الأخيرة
تحدّثنا عن اختبارين عاشهما بنو إسرائيل في التاريخ: اختبار دينونة الله وتهديده لشعبه الذي تحقّق فيما بعد. اختبار عطايا الله ومواعيده التي تحقّقت هي أيضاً. وهذان الاختباران يرسمان لنا، على ضوء الإيمان، وجه الأزمنة الأخيرة دينونة وخلاصاً.
لا تتخيّلنّ الدينونة من منظارنا الضيّق فنحسبها حكمًا قضائيًا من الله يكافئ بموجبه الإنسان الصالح ويعاقب الإنسان الشرير. إنّ الله الديّان، كما يعرفه الوحي الكتابي، ليس حاكمًا لا يحسّ ولا يشعر في مراقبته أمور العالم. إنّه الإله الذي يفعل في التاريخ البشري فيحقّق فيه مخطّطه الخلاصي ويصارع القوى المعادية ليصل إلى أهدافه. ودينونته جزء من هذا الصراع، وهي ترينا الرب منتصرًا بفعله السامي على بشرية وقحة تعارض إرادته، فيفتح الطريق أمام عدالته التي تخلّص المؤمنين. وهكذا فالدينونة هي نشاط الله الدائم عبر كل التاريخ البشري، وهي تتجسّد في أحداث يختبرها الناس عقابًا وقصاصاً. ولكنّ هذه الدينونة لن تتحقّق كلّيًا إلاّ في نهاية الأزمنة كمقدّمة للخلاص.
هذه الدينونة التي تصل إلى البشرية بعد فترة التوراة الإعدادية تبرز أمامنا في مستويات ثلاثة: مستوى حياة يسوع على الأرض، مستوى زمن الكنيسة، مستوى التمام النهائي.
فخلال حياة يسوع على الأرض تدشّنت الدينونة الإسكاتولوجية. قال يوحنّا في ذلك: إنّ ابن الإنسان، إن الابن قد جعله الآب الديّان السامي. فمن يسمع كلام الابن لا يصير إلى الدينونة (يو 5: 22- 24). "أمّا من لا يؤمن فقد حُكم عليه" (يو 17:3- 18). إذًا، يكفي أن يأتي المسيح نورًا للعالم حتّى تبدأ دينونة العالم (يو 3: 19- 20). ولمّا رفض عالم الظلمة يسوع بطريقة نهائية وحكم عليه بالموت، حكم على نفسه: "الآن دينونة هذا العالم. الآن يُطرح سيّد هذا العالم إلى الأرض " (يو 12: 31؛ رج مت 27: 45- 52). ولكن إذا كانت الدينونة قد حصلت بالنسبة إلى الشيطان والعالم الخاطئ، فهي تبقى سرّية وستظهر بصورة تدريجية.
وفي زمن الكنيسة، أي بين قيامة يسوع ورجوعه، تبقى الدينونة تهديدًا لعالم لا يؤمن رغم الآيات التي يراها. حضرت الدينونة في عقاب أورشليم، واليهود الذين سيؤخذ منهم الملكوت ويسلّم إلى شعب يخرج ثمرًا (مت 12: 24 ؛ 18:24- 22؛ لو 19: 41- 44). وقد تحقّق هذا القول في نكبة سنة 70 ب م (رج التلميحات إلى دمار أورشليم في مت 7:22؛ لو 21 : 20؛ عب 26:12-27؛ رؤ11: 1ي). وستكون الدينونة حاضرة في عقاب رومة وامبراطوريتها بعد أن صارت عميل الشيطان الذي يقف بوجه كنيسة المسيح (رؤ 17: 5- 19: 14). ويتوقّف العهد الجديد عند هذا الحدّ من اختبار قامت به الكنيسة الأولى. ولكنّ الأمثولة الأولى يمكن أن تطبّق على الأجيال اللاحقة في صراعها مع الأمم الوثنية. والدينونة تصير تهديدًا دائمًا للمسيحيين الكافرين أو الفاترين (1 كور 11: 30- 33؛ عب 3: 12 ي؛ رؤ 2- 3).
تلك هي بداية جزئية لتجلّي المسيح الديان الذي يضع حدًّا لتاريخ العالم عندما يزول شكل هذا العالم (رج أع 30:17- 31، 1 تس 1 :10؛ مت 29:24- 30).
ولكن كيف يتصوّر العهد الجديد هذه الدينونة؟ يستعيد أمورًا من تاريخ شعب إسرائيل ومن تاريخ سائر الشعوب، ويتأمّل في مسلسل الخطيئة والنكبات التي تحلّ بالكون، وينظر إلى المجابهة بين الله وخصومه الواقفين بوجهه الرافضين لإرادته. أمّا خصوم الله من الخارج فهم القوى المعادية لمخطّطه، المعادية لشعبه. نجد بينهم فرعون الجديد (رؤ 13:15) والرئيس الجديد لبابل (رؤ 17: 1 ي ؛ 1 بط 13:5) وانطيوخس مضطهد شعب الله الجديد (2 تسع2: 2- 3؛ رج دا 11: 36؛ رؤ 13: 1- 10؛ رج دا 7: 1 ي). وأما خصومه من الداخل فهم الذين يتسّللون داخل شعب الله ليفسدوه: قورح الجديد (يهو 11) الذي ثار على موسى مع داثان وأبيرام (عد 16: 1ي )، وبلعام الجديد (يهو 11 ؛ 2 بط 2: 15؛ رؤ 2: 14) الذي جرّ الشعب إلى عبادات وثنية (عد 31: 5- 8). أمّا القصاص الذي ينتظر خصوم الله فهو نسخة طبق الأصل عن قصاص الله في الماضي: طوفان كذلك الذي حصل للخليقة في الزمن السابق للتاريخ (مت 37:34- 41، 2 بط 2: 5؛ رج تك 6: 1 ي). خراب كالذي حصل لسدوم (يهو 7 ؛ 2 بط 2: 6؛ رؤ 8:11). ضربات كضربات مصر تنتهي بموت فرعون (رؤ 8: 6- 11؛ 16: 1 ي؛ رج خر 7: 14 ي). عقاب كالذي تمّ للعبرانيين في برّية سيناء (1 كور 10: 1 ي؛ عب 3- 4؛ يهو 5، 11 ؛ رج خر 32: 1 ي؛ عد 14: 1 ي). دمار كدمار بابل كما أعلن عنه الأنبياء وتحقّق في وقته (أش 18: 1 ي؛ رج 13: 1 ي؛ 8:47- 9؛ 52: 11؛ إر 50: 15- 39؛ 51: 6- 9؛ حز 27- 28).
إنّ مثل هذه اللغة الرمزية تستند إلى نظرة نموذجية إلى التاريخ. أساسها تعليم عن الثواب والعقاب بالنسبة إلى كل البشر والشعوب في كل زمان ومكان. أجل، إنّ شعب إسرائيل قد اختبر ما تختبره البشرية الخاطئة وعرف عمل الديّان في تاريخه وحياته. منذ حكم الرب على الإنسان الأوّل (تك 3: 14- 19) إلى الدينونة الإسكاتولوجية التي تدشّنت بموت المسيح (يو 12: 31) بانتظار أن تتمّ في اليوم الأخير (رؤ 12: 1- 17؛ 19: 19- 20؛ 20: 9- 10)، هناك عمل واحد نراه عبر أحداث متشابهة ستكون الدينونة الأخيرة نهايتها.

4- زمن الخلاص الأخير
إنّ كلمة الخلاص تجعل أمامنا اختبارًا متشعّبًا يتضمّن ثلاث مراحل. في نقطة الانطلاق، نجد اختبار خلاص من حالة شقاء سيخلّص الله الإنسان منها. وفي نقطة الوصول نجد اختبار وضع جديد سيقيم فيه الإنسان المخلّص. وبين نقطة الانطلاف ونقطة الوصول اختبار عبور من حالة الهلاك إلى حالة الخلاص نتيجة عمل الله المتدخّل في التاريخ. من هذه الوجهات الثلاث يعرض علينا تاريخ العهد القديم صورًا من الخلاص تمّت على مرّ الزمان.
ثمّ إنّه يجب أن نتذكّر أنّ هذا الخلاص الإسكاتولوجي يتضمّن ثلاثة مستويات يتحقّق فيها: مستوى تاريخ يسوع الرأس الذي يعبر من حالتنا المتألّمة والمائتة إلى حالة القيامة ؛ ومستوى تاريخ الكنيسة حيث يشترك أعضاء جسد المسيح بواسطة الأسرار، في سرّ الله الذي تحقّق كاملاً في المسيح، ومستوى الانقضاء، حين يجتمع الأعضاء برأسهم في الحياة الأبدية.
وأخيرًا يمكننا أن ننظر إلى هذا الخلاص من وجهتين متباينتين: وجهة الله الذي يحقّق هذا الخلاص بابنه وبكلمته، ووجهة البشر الذين يستفيدون من هذا الخلاص. والبشر هم أوّلاً وآخرًا يسوع الإنسان وبكر من قام من بين الأموات (كو 18:1؛ روم 8: 29)، ثّم كل أعضاء الكنيسة.
ذاك هو الواقع الذي ترسم التوراة (أو الكتاب المقدّس) خطوطه العريضة. وسنميّز في هذا الواقع ثلاثة مجالات. مجال الأحداث التاريخية، ومجال الأشخاص الفاعلين في التاريخ، ومجال النظم والمؤسّسات التي تشكّل بنية هذا التاريخ.

أوّلاً: مجال الأحداث التاريخية
إنّ أحداث التاريخ التي تصوّر الخلاص الإسكاتولوجي هي تلك التي تبيّن لنا الله مخلّصاً. والله مخلّص هو عندما ينجّي الإنسان من شقائه، من عذابه، من سجنه، من أي خطر كان. والله مخلّص هو عندما تعمل نعمته القديرة لتعطي الإنسان السعادة والراحة والسلام وكل ما تحتاج إليه حياته. واختبار الإنسان لخلاص الله يبدو في تاريخ شعب الله، في تاريخ كل فرد من أفراد هذا الشعب، وفي تاريخ البشريّة كلّها.
لقد اختبر شعب الله كل حالات الشقاء التي عرفتها البشرية الخاطئة: العبودية في مصر، الضيق في زمن القضاة، الهزائم العسكرية، الآفات الزراعية، التقتيل في الحرب والتشريد والنفي، الإنقسامات الداخلية، فقدان الاستقلال والخضوع للحاكم الأجنبي. وفي كل هذه الحالات عرف الشعب في الله مخلّصاً يغمره بعطاياه ويدخله في حالة ترسم أمامه ملامح الخلاص النهائي: النجاة من مصر، دخول أرض الموعد، التخلّص من الضيق في زمن القضاة (قض 2: 16)، فشل سنحاريب أمام المدينة المقدّسة (2 مل 19: 34). كل هذا ساعد الشعب فتصوّر ما سيكون عليه الخلاص النهائي.
واختبر كل فرد من شعب الله شقاء الإنسان ونعمة الله التي تخلّصه من هذا الشقاء. ونجد صدى لهذا الاختبار في مزامير التوسّل والشكر. ويشكّل مز 107 مثالاً على ذلك: "بعضهم ضلّ في برّية مقفرة ولم يجدوا طريقًا لهم إلى مدينة يقيمون بها، وهم جياع وعطاش تخور نفوسهم فيهم. فصرخوا في ضيقهم إلى الرب، فأنقذهم الرب من ضيقهم وهداهم طريقًا مستقيمًا إلى مدينة يقيمون فيها. فليحمدوا الرب على رحمته وعلى عجائبه لبني البشر".
وجعل الكاتب اختباره لسرّ الخلاص في أخبار تعليمية تجعل خلاص الله يصل إلى جميع البشر: يونان الناجي من الموت، أيّوب البارّ الذي امتحنه الألم. طوبيّا الذي شفي من أمراضه. دانيال الناجي من جبّ الأسود والفتيان الثلاثة من النار. نوح الذي نجا من العقاب الذي دمّر البشرية كلّها. أجل، إنّ مخطّط الخلاص قد بدأ منذ بداية الكون وقبل أن يختار الرب إبراهيم ونسله.

ثانيًا: مجال الأشخاص الفاعل
هناك أشخاص أرسلهم الله فنفّذوا إرادته وكانوا ضعفاء وخاطئين. من هذا القبيل، يبدون صورة مسبّقة عن المسيح المرسل الإلهي ومحقّق الخلاص الإسكاتولوجي. وقد حمل كل واحد منهم في داخله سرًّا سيكشف عنه مجيء المسيح.
ولكنّنا نميّز وجهين في المسيح المخلّص. وجه المجد المرتبط بالقيامة والذي يجعله على رأس شعبه في جلالته الملوكية. في هذا الإطار يكون كل ملك في التوراة صورة حيّة له: داود (لو 1: 32) وسليمان (مت 12: 42)، بل موسى ويشوع (عب 8:4- 9). ووجه المسيح المتواضع الذي يحقق الفداء بآلامه. في هذا الإطار يؤلّف الأبرار المتألّمون سلسلة تعلن عن حضوره: هابيل (عب 12: 24)، وإسحق فوق الحطب (عب 17:11- 19؛ يو 56:8) وموسى الذي أنكره شعبه ورفضه (أع 7: 25، 35) واضطهده عظماء هذا العالم (مت 13:2- 14، 20- 21)، والأنبياء كإرميا وكل الذين رتّلوا المزامير. كل هؤلاء، شاركوا المسيح مسبّقًا في آلامه الخلاصية.
هناك الفاعلون في الخلاص وهناك المستفيدون من الخلاص شعبًا وأفرادًا. في العهد الجديد يبدو الخلاص على مستوى لم يعرفه العهد القديم، وكان المسيح أوّل من اختبر هذا الخلاص بقيامته من بين الأموات. بهذه الصفة، كل الذين اختبروا الخلاص، وكل الذين عرفوا الألم كانوا صورة له في آلامه، وأوّلهم يونان (مت 12: 39-. 4). إنّ يسوع اختبر النجاة من الموت على مثال يونان. ثمّ إنّ المسيحيين خلصوا بإيمانهم بالمسيح الذي تختمه فيهم المعمودية. أمّا رجال العهد القديم فهم صورة سابقة للمسيحيين لأنّهم دخلوا في المخطّط الخلاصي واشتركوا في خيرات الله وتبرّروا بالإيمان، هذا الإيمان الذي يتطلعّ إلى المسيح بطريقة ضمنيّة. من أجل هذا، يبدو دور إبراهيم عظيمًا في رسائل القدّيس بولس (روم 4: 1ي؛ غل 3: 6- 9). من أجل هذا تورد الرسالة إلى العبرانيين (12: 1) عددًا كبيرًا من الشهود والشهداء (عب 11: 35- 38) ولا تنسى راحاب الزانية التي كانت بكر الوثنيين الداخلين في جسم الكنيسة (عب 11: 31؛ يع 2: 25). كل هذه المقابلات تبيّن لنا أنّ الواقع المسيحي حاضر في العهد القديم، أنّه حيّ في اختبار إيمان ما زال ناقصاً، وأنّ سرّ المسيح والكنيسة يستتر تاريخ مليء بالصور والرموز.

ثالثًا: مجال النظم والمؤسسات
ونشدّد هنا على علاقة النظم (والمؤسّسات) بتاريخ الخلاص. إنّ هذه النظم حملت لشعب إسرائيل اختبارًا عن عطيّة الله في وقت من الأوقات. في عهد سيناء عرف الشعب تجمّع القبائل. وفي زمن الاحتلال نال أرض كنعان ميراثًا، وفي عهد الملوك استولى على أورشليم... وإذا كانت أرض الموعد وأورشليم عاصمتها تشكّلان إعلانًا نبويًّا عن الكنيسة والسماء، وإذا كانت الملكية ترسم خطوط المسيح المنتظر، فلأنّ النظم تلعب في التاريخ المقدّس الدور الذي لعبه يسوع والكنيسة في الإيمان المسيحي.
وإذا نظرنا إلى أعياد بني إسرائيل رأينا أنّها احتفال بأعمال الله العظيمة: الخروج، عهد سيناء، عبور الصحراء... ولقد أخذ العهد الجديد بهذه الرموز ليحتفل بالحدث الذي أعلنته هذه الأعياد. فصوّر الفصح ذبيحةَ الحمل الفصحي الجديد الذي يقدّم لنا الفداء (1 كور 5: 7؛ يو 19: 36؛ رؤ 5: 6). وصوّر السبت راحة الإنسان في الخليقة الجديدة (عب 9:4). وصوّر عيدُ العنصرة (وهو عيد اعلان الشريعة على جبل سيناء) إعلانَ الإنجيل وبداية تاريخ شعب الله الجديد (أع 2: 1). أمّا طقوس عيد الخريف، أي عيد القطاف (أو عيد المظالّ) فهي تلمّح إلي تجمّع المختارين في نهاية الأزمنة (1 تس 4: 19 ي؛ 1 كور 15: 52 ؛ رؤ 7: 9) وإلى انتصار الله الإسكاتولوجي في ابنه يسوع (مت 17: 4؛ 21: 8- 11 ؛ 23: 39). وهكذا تشكّل أعياد بني إسرائيل إطارًا يساعدنا على فهم السرّ الذي تمِّ في العهد الجديد.

خلاصة
تلك هي الصورة العامّة عن التاريخ المقدّس، وتاريخ العهد القديم جزء منه. المسيح هو في منتهاه، المسيح هو محوره وهو حاضر في كل مسيرته. هذا ما يعطي التاريخ وحدته العميقة. إنّ من يتطلعّ إلى بُعد الأمور وزخم الرموز يجد أنّ العهد القديم (أو التوراة) يحدّثنا دومًا عن المسيح. فالمسيح مستتر في التوراة لا كفكرة، بل كحضور. ولهذا، فبالنسبة إلينا نحن العائشين بعد مجيء يسوع الأوّل، يحافظ العهد القديم على قيمته بالنسبة إلينا لأنّه يبقى شاهدًا على حضور الكلمة المتجسّد.
الفصل التاسع عشر
التوراة كتاب مواعيد الله

نحن لا ندرس التوراة (أي أسفار العهد القديم) من وجهتها الجامدة كنظام ديني مؤسّس على شريعة تنمو وتتسع على مرّ التاريخ، بل نتوقف على الزخم الداخلي الذي يعطي معنى لهذا التاريخ ويجعلنا ننظر الى المستقبل. هذا المستقبل تعبّر عنه سلسلة الشريعة وقد كان هدفها وغايتها (روم 4:10).
نتوقّف في مقالنا هذا عند مرحلتين:
الأولى: نجد في التوراة وعد خلاص إسكاتولوجي (من أجل نهاية الأزمنة) يعلن عن العبور من نظام الشريعة إلى نظام النعمة.
والثانية: إنّ لوحة الخلاص كما يرسمها الأنبياء تستند إلى ما يحمله تاريخ بني إسرائيل ونظمهم من صور ورموز تبق غامضة ولا تتّضح تمامًا إلاّ في العهد الجديد. ليس الوعد بالخلاص أمرًا سهلاً، فهو كشرائع التوراة ونظمها يتوسّع في مجرى التاريخ متتبّعًا سياقه. وهو يشكّل وجهًا أساسيًا من كلام الله فيوقظ الرجاء في قلب الإنسان.

أ- الإسكاتولوجيا أو علم الآخرة
الإسكاتولوجية وجهة خاصّة من معرفة الأنبياء للتاريخ، وهذه الوجهة تختصّ بالغاية والنهاية. فمواعيد الله ليست كلّها إسكاتولوجية بالمعنى الحصري، لأنّ لبعضها أهدافًا تاريخية تتحقّق في وقت قريب أو بعيد. لهذا فالأحداث التي تعلن عنها هذه المواعيد تكون علامة تشهد أنّ الله "يسهر على كلمته ليحقّق ما وعد به " (إر 1: 12). ولكن من خلال هذه الأحداث يمتدّ النظر إلى البعيد، إلى الأيام الأخيرة ونهية الأيام إلى أفق المستقبل الذي يتحقّق فيه ملء مخطّط الله. في هذه الحال نحن أمام الإسكاتولوجيا كما تعرفها النصوص الكتابية.

1- الإسكاتولوجيا عبر الكتب التاريخية
الإسكاتولوجيا هي نظرة محدّدة إلى نهاية التاريخ. وحين تأتي النهاية تضع حدًّا لمسيرة الزمن، لأنّ مخطّط الله يكون أدرك غرضه. لا شكّ في أنّنا لا نجد هذه النظرة في نصوص التوراة القديمة كما نقرأها في أسفار موسى الخمسة والأسفار التاريخية، ولكنّنا نجد فكرة تقول لنا إنّ الرب جعل غاية للتاريخ الذي يقوده، وهذه الغاية يعبّر عنها بالمواعيد التي تكشف شيئًا فشيئًا مخطّطه الخفيّ.
ولكن كيف الوصول إلى هذه النصوص القديمة وقد دوّنت بعد عهد داود وسليمان،
ثمّ أعيد تدوينها وزيد عليها في عهد الأنبياء وزمن الجلاء؟ أمّا تصوّر المؤرخون في بني إسرائيل مواعيد الله لإبراهيم (تك 12: ا- 3) وموسى (خر 3: 7- 10) ويشوع (يش 1: 2- 5) على ضوء ما وصلت إليه الأحداث في عهد داود وسليمان؟ ونبوءة ناتان التي بقيت قريبة من تعابيرها الأصلية لم تسلم من لمسات يد كاتب جاء بعد ذلك. فإن أخذ الكتّاب بهذه النصوص القديمة فلأنّهم وجدوا فيها المبدأ الأساسي لغاية التاريخ كما سيتوضّح مع الأنبياء.
إنّ جامعي التقاليد القديمة وجّهتهم فكرة غائيّة التاريخ، فبدا لهم تسلسل الأحداث من إبراهيم إلى العصر الذي كتبوا فيه وكأنّ يدًا علوية تقوده بحسب مخطّط إلهي. فني كل وقت تسير الأحداث إلى غاية سرّية: يُرفع الحجاب من وقت إلى آخر عن هذه الغاية بواسطة المواعيد الإلهية التي ترافق مسيرة التاريخ. أخذ هؤلاء الجامعون بأسلوب أدبي يجعل مقاطع "نبوية" في سياق الخبر، فشدّدوا على استقطاب التاريخ وفتحوا الأنظار على المستقبل. فأقوال إسحق (تك 27: 27- 29) ويعقوب (تك 49: أي) وبلعام (عد 23 - 24) وموسى (تث 33: 1 ي) وهذا أو ذاك من الرجال (أصم 23:3- 26؛ 1 مل 13: 2) تدلّ على هدف الله في تاريخ مقدّس بدأ ببداية الكون (تك 3: 14- 19) وتُلقي الضوء على سائر أحداث الحاضر والماضي.
نستنتج من كل هذه المعطيات انّ التاريخ هو، بالنسبة إلى إيمان الشعب والوحي الذي ينير هذا الإيمان، مخطّط الله الذي يتحقّق، ووعده الذي يتمّ. وفي كل مرحلة تبيّن كلمة الله لشعب إسرائيل هدفًا سيُدركه في وقت قريب أو بعيد: نموّ نسل إبراهيم الذي سيصير أمّة عظيمة (تك 12: 2؛ 15: 3- 5؛ 22: 16- 17)، إقامة نسل إبراهيم في أرض كنعان التي ستصير ملكًا له بعد الخروج من مصر (تك 15:13؛ 13:15- 16؛ خر 8:3- 17؛ 23:23- 31)، تثبيت ملكية داود (2 صم 7: 10- 16؛ رج تك 49: 10؛ عد 7:23؛ 17:24- 19). وبعد تحقيق هدف معيّن، يتوسّع الأفق ويظهر هدف آخر. وهكذا يسير التاريخ المقدّس مساره بطريقة تدريجية، ولكن من خلال هذه الأهداف الجزئية يمتدّ النظر إلى آفاق لا حدّ لها، إلى آفاق ممكنة، بحيث إنّ تحقيق وعد في التاريخ يُبقي الباب مفتوحًا أمام واقع أعلى وأسمى: الوعد ببركة إلهية شاملة بمداها (تك 12: 2- 3 ؛ 49: 25- 26؛ عد 23: 20) تصل إلى كل أمم الأرض، الوعد بسعادة تامّة في أرض تدّر لبنًا وعسلاً (خر 18:3؛ 23: 25- 26؛ عد 23: 21؛ 6:24- 8؛ تث 33: 16- 18؛ 2 صم 7: 10)، الوعد بانتصار تام على الأعداء المحيطين بشعب الله (خر 23: 31؛ 2 صم 7: 10)، الوعد بمملكة مثالية تبقى ثابتة إلى الأبد (2 صم 7: 5 أي). إنّ تاريخ شعب الله هو فكرة خلاص ستجد تمامها في نهاية التاريخ. وحدث هذا الخلاص النهائي سيجيء بعد أحداث المستقبل القريب الذي هو موضوع هذه المواعيد الإلهية.
أجل، هذا هو موضوع الخلاص وهو يفترض اختبار تحرّرات بني إسرائيل عبر تاريخهم: تحرّر من مصر (عد 8:24)، تحرّر من الأعداء المحيطين بالشعب (2 صم 7:. ا). ويتضمّن الخلاص أيضًا كل أحلام السعادة التي يمكن للإنسان أن يحلم بها: وفرة الغلال ونموّ القطعان (تك 49: 11- 12، 25- 26؛ خر 23: 25- 26)، مجد ملكي يحمل الازدهار إلى الشعب والبلاد (عد 24: 18- 19؛ 1 مل 3: 11- 13). وهذا الخلاص يفترض فوق كل شيء حياة حميمة مع الله الذي جعل مسكنه وسط شعبه (1 مل 8: 12- 21)، وثبَّت ملكه على الأرض فجعل من بني إسرائيل "مملكة كهنوتية وشعبًا مقدّسًا" (خر 6:19).
هذا الخلاص سيتذكرّه الشعب في أعياده التي تروي أعمال الله في التاريخ، وسيعيشه بنو إسرائيل رجاءً يرتبط بملك الله فيهم. دُشن هذا الملك في عهد سيناء. واحتفل به في الهيكل (مز 7:24- 10 ؛ 47: 1 ي) وهو يذكّر الشعب بعظائم الله في الخلق (مز 93: 1 ي؛ 3:95- 5) وفي التاريخ (خر 15 :18). إنّ عرش الله يقوم في هيكل أورشليم الذي هو مقام الملك العظيم (مز 48: 2؛ رج أش 6: 1 ي)، ومن هناك يبسط سلطانه على كل الأرض (مز 47: 8- 9) وينصر مسيحه (مز 2: 8- 9، 110: 2- 6) ويعطي شعبه السلام (مز 72: 7- 15) ومؤمنيه الخلاص والسعادة (مز 72: 1- 3). هي صلاة موجّهة إلى المستقبل، تستند إلى مواعيد الله وتتثبّت على اختبار الماضي فتتطلعّ إلى اليوم الذي يحقّق فيه الله خلاصًا كاملاً.

2- الإسكاتولوجيا عبر أقوال الأنبياء
قبل أن يحدّثنا الأنبياء عن تحقيق تام للخلاص، يتأملون في تحطّم النظام الحاضر وهذا التحطّم يكون شرطًا لقيام النظام الآتي.
منذ عهد سيناء كانت مواعيد الله مشروطة، وكان تحقيقها مرتبطًا بطاعة الشعب لربّه (خر 23: 22). فمان أطاع الشعب كان حسنًا وإلاّ جاء العقاب الإلهي صارمًا (خر 23: 21؛ لا 26: 14- 38؛ تث 28: 15- 46). ولقد حفظ لنا التقليد عقابات تاريخية حلّت بالشعب بسبب خطاياه: هزيمة خلال المسيرة في البرّية (تث 19:1- 46)، صعوبات في عهد القضاة (قض 2: 11- 15)، ضيق مع الفلسطيّين (صم 2:4 - 22). رذل الله لشاول بسبب خطاياهم.
أجل، أعلنت النصوص القديمة فكرة العقاب الذي يصيب الأمّة بسبب خطايا الأفراد والجماعة. ولكنّ الأنبياء سيشدّدون على العقاب الذي يحطمّ أمسك شعب الله ويخرب بنيته. بدأ عاموس (5: 4- 6) فوضع الشعب أمام طريقين: إمّا التوبة وإمّا الدمار! وتبعه سائر الأنبياء. ولكن سيتثبّت الشعب بالشرّ فتصبح النكبة الوطنية أمرًا لا مفرّ منه: سيفتقد (سيزور) الرب شعبه بسبب خطاياه (عا 3: 2)، فعلى الشعب ان يستعدّ لهذا اللقاء (عا 4: 12). وبما أنّ العقوبات السابقة لم تنجح في إرجاع الشعب إلى ربّه، فقد جاءت نهاية بيت إسرائيل (عا 3:8؛ حز 7: 1- 11)، وستحلّ بهم نكبة فتجعل مدنهم خرابًا وأرضهم بورًا (أش 5: 5- 6).
أمّا ملامح هذه النكبة فستكون عكس البركات التي تحقّقت جزئيًا في التاريخ الماضي: يفنى الشعب (عا 3:5؛ 9: 14؛ هو 9: 11- 14؛ أش 10: 22- 23 ؛ إر 15: 1- 14)، ويزول السلام فيحلّ محلّه الاجتياح (أش 5: 26- 30 ؛ 8: 5- 8؛ إر 4: 5- 31 ؛ 6: 1 ي) والهزيمة والدمار الذي تخلّفه الحرب (عا 13:2- 16 ؛ هو 5: 8 - 10، أش 1: 4- 9؛ حز 6: 1-10 ). لن تعود سلطة للملك بل للحاكم الأجنبي الذي يستبدّ بالشعب (عا 6: 14؛ إر 27: 1ي). وبدل الحياة الهادئة في أرض الوطن، سيكون لبني إسرائيل السبي والنفي (عا 7:6 ؛ هو 6:10 ؛ إر 20: 4- 6). سيُنزع التاج عن راس الملك (هو 10: 7؛ إر 34: 1- 3) وتدّمر السامرة وأورشليم (هو 8: 14 ؛ مي 3: 12؛ أش 28: 1- 14؛ إر 19: 10- 11) ويدنّس الهيكل (إر 7: 1 ي؛ حز 9: 5- 7) وتنقلب أعياد الفرح حدادًا وطنيًا (عا 8: 10؛ هو 2: 11- 13؛ 9: 4- 5). هل تمزّق مخطّط الله؟
لا، لم يتخلّ الله عن مخطّطه، وبقي الخلاص هدف التاريخ المقدّس. ولكنّ هذا الهدف لن يتحقّق في الزمن الحاضر بل في آخر الأيّام (مي 4: ا؛ أش 2: 2) أي في مستقبل بعيد لا نستطيع تحديده. ولكن قبل ذلك، ستحلّ النكبة بالشعب فتدمّر السامرة سنة 721: لقد طلّق الله شعبه، شعب السامرة الخاطئ، كما يطّلق الرجل امرأته الزانية (إر 6:3- 8). ولكنّ أختها (أي أخت السامرة) يهوذا (عاصمتها أورشليم) لم ترتدّ عن خطيئتها فجاءها عقاب الله وشربت كأس المرّ نفسه (إر 8:2- 10؛ حز 23: 32- 34) سنة 587.
ما نلاحظه في هذه الأقوال هو أنّ الإسكاتولوجيا النبوية تأتي أيضًا بكلام يعزّي ويشجّع. إذا كان لا بدّ للشعب من أن يُعاقب، فالله لا يفشل في مخطّطه الخلاصي وستكون الكلمة الأخيرة له: "إكرامًا لاسمه" ولأنه الإله الرحيم (هو 11: 8- 9 ؛ إر 31: 20 ولهذا، عندما تحلّ ساعة المحنة يتطلعّ إرميا (23: 5- 8) إلى المستقبل المفعم بالرجاء، ويعلن حزقيال (53:16- 63؛ 28: 24- 26) نجاة الشعب القريبة. كان صاحب المزامير (74، 79، 80) قد تساءل: هل نسي الله مواعيده السابقة؟ لا، لم ينسَ الله، وبعد زمن الضيق والذلّ، سيأتي زمن النور والفرح (أش 8: 23)، زمن نهاية الأزمنة. وما انتظره الشعب من خلاص في زمن الملوك، سيتمّ في آخر الأزمنة حين يملك الرب في صهيون ويكون ملكه كاملاً ويشمل البشرية جمعاء (إر 19:8؛ أش 15:43 ؛ صف 14:3- 15 ؛ مي 12:2-13).
وعاد بنو إسرائيل من المنفى (سنة 538 ق. م) واصطدموا بالواقع المرير: انتظروا خلاصًا كاملاً بشكل إعادة بناء الأمّة على مثال ما كان لهم في العهد الملكي، فكانت النتيجة هزيلة. حينئذ فترت همّة الشعب وخارت عزيمته. فجاءت كلمات بعض الأنبياء بأسلوب جلياني (مثل رؤيا يوحنّا مثلاً) (أش 24-27، 56-66، يوء3-4، زك 9-14) وجعلت أمامهم يوم الرب العجيب (زك 6:14- 7) الذي يختلف عن الماضي والحاضر، ووعدتهم بخلق جديد يبدّل السماء والأرض (أش 65: 17؛ يوء3: 3- 4). أجل، بعد توالي ممالك الأرض سيؤسّس الرب ملكًا لا ينقضي ولا يزول (دا 2: 44)، ملكًا يكون خاصًّا به (دا 4: 31 ؛ 6: 27). بعد العالم الحاضر سيأتي عالم آخر من خارج التاريخ فيضع حدًّا لتاريخ البشر.

3- الإسكاتولوجيا في الأسفار الحكميّة
لم تقتصر الإسكاتولوجيا على مخطّط الله بالنسبة إلى الشعب، بل اهتمّت أيضًا بمصير الأفراد. وإذا كانت المواعيد أعطيت لكل بني إسرائيل، وإذا كان التضامن يسود مصير الأفراد. إلاّ أنّ الأفراد يشاركون في عطايا الله بقدر أمانة كل واحد منهم للرب: إنّ الخاطئين سيُقطعون من شعب الله فيموتون ميتة مبكّرة وينقطع نسلهم (حز 7:20، 12؛ 7:34).
سنجد هذه الفكرة واضحة في التعليم الحكمي حيث لا نعرف فرقًا بين الخيرات الموعود بها للأفراد والخيرات الموعود بها للجماعة إن هي خضعت لله وعملت بوصاياه. وإذا كان خلاص بني إسرائيل يكمن في ازدهاره في الزمن الحاضر، فموضوع رجاء كل فرد يكمن في المشاركة في هذا الازدهار. هذا ما نقرأه في سفر الأمثال (3: 9- 10): "أكرم الرب من مالك ومن بواكير جميع غلالك، فتمتلئ أهراؤك قحًا وتفيض معاصرك خرًا". وقال أم 3: 1- 2: "يا بُنيّ، لا تنسَ شريعتي واحفظ وصاياي في قلبك، فهي تزيد أيّامك وسنين حياتك سلامًا". ويعرفنا سفر المزامير (37: 1- 2) أنّ الصدّيقين يرثون الأرض وينعمون بالسلام.
صوّر الأنبياءُ الشعبَ الجديد وكأنّه شعب أبرار رجعوا إلى الرب، أناس جعلوا في قلوبهم شريعة الله (أش 51: 7)، مؤمنون كان الله لهم إلهًا وكانوا له شعبًا (إر 31- 33).
من أجل هذا حفظ لهم البرّ والخلاص (أش 51: 8) فأخذوا يتذوّقون سعادة هي مشاركة مسبّقة في الخلاص الإسكاتولوجي. هذا هو رجاء المؤمنين، والكتاب يعلن أنّهم على حقّ وانّهم سيحصلون على ما يرجون. قال سفر الأمثال (3: 21- 24): "أنظر الرأي والتدبير... لأنّ فيهما حياة لنفسك... فتسير في طريقك مطمئنًّا. إذا نمت فلا ترتعب وإذا رقدت يحلو نومك ". وقال سفر المزامير (34: 9- 11): "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب! هنيئًا لمن يحتمي به... الأشبال (أو: الكفّار) تحتاج وتجوع، ومن يطلب الرب لا يعوزه خير".
ولكنّ الواقع لم يطابق هذا القول. وجاءت فترة الرجوع من المنفى مخيّبة للأمّة بعد أن تأخّر خلاص الله (أش 59: 9: رجونا النور فإذا الظلمة)، ومخيّبة للأفراد الذين رأوا الأبرار يتألّمون والأشرار ينعمون بكلّ خير (إر 12: 1- 12). حينئذ صرخ المؤمنون إلى الرب (مز 49: 1ي؛ 73: 1ي): الطريق مسدود أمامهم. لا شكّ في أنّ هناك رجاء، لا شك في أنّ الله ينتقم لمحبّيه (أي 25:19). ولكن كيف يكافيء بالخير أتقياءه؟ الجواب: كما أنّ الخلاص النهائي يتمّ وكذلك العالم والزمن الذي نعيش فيه، هكذا يكافئ الله أحبّاءه بعد هدف الحياة الحاضرة. قال سفر المزامير (49: 16): "الله وحده يفتدي نفسي من قبضة القبور حين يأخذني إليه ". وقال أيضًا: "بمشورتك تهديني وإلى المجد تأخذني من بعد" (مز 73: 24). وحدّثنا سفر دانيال (12: 2- 3) عن القيامة كواقع يلمسه جميع الناس، الأبرار منهم والأشرار. قال: "الراقدون في تراب الأرض يستيقظون بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والرذل الأبدي ". بعد حياة لم تحصل على مكافأة، ستكون لهم مكافأة خاصّة في عالم ممجدّ يملك فيه شعب القدّيسين إلى الأبد. وما قاله سفر دانيال سيقوله سفر الحكمة عن "نفوس الصدّيقين التي هي بيد الله فلا يمسّها عذاب " (حك 3: 1). عندما يفتقدهم الرب ليكافئهم يتلألأون بهاء (حك 3: 7). يحيون إلى الأبد ويكافئهم الرب ويأخذهم العليّ تحت حمايته فينالون ملك الكرامة وتاج الجمال من يد الربّ لأنّه يسترهم بيمينه وبذراعه يقيهم (حك 15:5- 17).
وخلاصة القول، إنّ فكرة الخلاص النهائي المرتبطة بملك الله تمرّ في مراحل ثلاث. في مرحلة أولى ننظر إلى تحسّن حالة بدأت تتحقّق في تاريخ بني إسرائيل، في مرحلة ثانية ينتقل هذا التحسّن إلى آخر الأزمان ونهاية التاريخ، ولكنّه يبقى متّصلاً بالتاريخ؛ في مرحلة ثالثة يكون موضع نهاية الأيّام في ما وراء التاريخ، والعالم الآتي الذي فيه يدخل الناس يكون غير ذلك الذي نعيش فيه في الزمن الحاضر.

ب- نهاية الزمن كما تتصوّره التوراة
توقفّنا عند موضوع ملك الله فرأينا فيه موضوعًا إسكاتولوجيًا (أي يقودنا إلى نهاية الأزمنة). قدّم لنا وضعًا (يهوه أو الرب هو ملك) يفترض رجوعًا إلى التاريخ المقدّس (يهوه يملك على العالم منذ الخلق وعلى شعبه منذ العهد) وإلى الطقوس (يهوه ملك في الإحتفالات الليتورجية). وقد أخذ الأنبياء بهذا الموضوع فعبّروا عن أهداف الله في المستقبل: في الأزمنة الأخيرة، سيقيم الله ملكه كاملاً في كون خلقه وفي شعب اختاره. على غرار ما قلنا، نتوقّف عند مواضيع ثلاثة: يوم يهوه (الرب)، يوم الدينونة، يوم الخلاص. وهكذا تكون لنا صورة، وإن غامضة، عن نهاية الزمن. سيأخذ العهد الجديد بهذه الصورة فيحدّثنا عن "يوم يهوه " الذي يتضمّن "دينونة" يشجب بها الله أعداء مخطّطه ويعاقبهم، ويحمل "خلاصًا" يتجاوز نظام سيناء بشموله جميع البشر. كل هذا يتمّ بالتبديل الداخلي الذي يفعله التي في قلوب البشر وبالسعادة التي يشركهم فيها.
1- يوم يهوه
يوم يهوه (الرب الذي هو) هو عيد يهوه العظيم، عيد المسنة الجديدة الذي يذكّر الشعب بانتصار يهوه الأوّل في نشاطه الخلاّق. يحتفل المؤمن بالله الملك ويبايعه من جديد سيّدًا عليه. من هنا تنتج فكرة الخلاص التي تجعل انتصار الرب الأوّل حاضرًا في شعبه عبر الطقوس والاحتفالات.
ويوم يهوه هو يوم تاريخي، وهو يدلّ على المناسبات التي أبدى الله فيها قدرته فمنح الشعب نصرًا أكيدًا كما في يوم مديان (أش 3:9؛ رج قض 7: 15- 25). إنّ إيمان الشعب في العهد القديم ينطلق من اختبار لأعمال الله في التاريخ. وهكذا صارت بعض أيّام الرب موضوع احتفال. هذه هي الحالة بالنسبة إلى الخروج من مصر "في ذلك اليوم خلّص الرب بني إسرائيل من أيدي المصريين... وشاهد بنو إسرائيل القوة العظيمة التي صنعها الرب بالمصريين. فخاف الشعب الرب وآمنوا به وبموسى عبده " (خر 14: 30- 31). وهذه هي الحالة بالنسبة إلى الفصح الذي يذكّر الشعب بذلك اليوم ويجدّد فيهم الإيمان. فهذه الليلة التي يسهرون فيها ترتبط بتلك الليلة التاريخية التي عمل فيها الله ما عمل من أجل شعبه (خر 12: 12). وهذه هي الحالة بالنسبة إلى "اليوم الذي وقف فيه بنو إسرائيل في حوريب أمام الرب " (تث 4: 10؛ رج خر 16:19 ي) ليقبلوا منه بنود عهده. من هذه الوجهة، كان لأيّام الرب التاريخية المهمّة بالنسبة إلى الإيمان، امتداد في الأجيال اللاحقة وفي أيّام الرب العبادية.
إنّ يوم يهوه يحمل الرجاء إلى المؤمنين الذين يتذكّرون عظائم الرب في الخلق والتاريخ فيقطفون ثمار هذا التذكّر: الماضي هو عربون الحاضر وتذكّر الأيّام التاريخية يعطي معنى للأيّام العبادية ويتضمّن وعدًا باختبار أيّام مماثلة في المستقبل. وهكذا يجدّد الله مواعيده، ويثبّت ملكه، ويمنح الخلاص لشعبه. وكانت تتجمّع أحداث الماضي فتنتقل إلى المستقبل لتكوّن لوحة مثالية عن يوم يهوه الآتي والذي سيكون "يوم نور". لهذا كان معاصرو النبي عاموس (5: 18- 19) يعلّقون عليه الآمال مستندين إلى اختبار الماضي، وإلى امتياز بني إسرائيل كشعب الله، وإلى فاعلية الممارسات الطقسية. تخوّف الأنبياء من مثل هذا الموقف الذي جعل الشعب يفتخر بهويته لا بأمانته لربّه، وحطّ من قيمة ديانة سيناء فأحدرها إلى مستوى العبادة الوثنية في أرض كنعان.
وكانت ردّة الفعل قوّية على تعليم مغاير للتعليم الصريح عن العهد، فحدّثنا الأنبياء عن يوم يهوه كيوم ظلمة (عا 18:5- 20 ؛ 9:8- 10)، كيوم غضب (صف 1 :15؛ حز 22: 24) ورعب (أش 2: 1-19) وعقاب (عا 2: 13- 16؛ أش 10: 3). ووجّهوا رسالة إلى الشعب يدعونهم فيها إلى التوبة واضعين أمامهم أقوال تهديد لا كلام تعزية. إذا كان الشعب أمينًا فاليوم الظاهر في الأفق يمكن أن يحمل الأمل. ولكن بما أنّ الشعب يقسّي قلبه في العصيان، فيوم الرب يكون يوم تهديد دائم تشكّل النكبات الحاضرة مقدّمة له (يوء 1 :15- 20 ؛ 2: 1- 11).
ولكنّ كلام الأنبياء ليس فقط إعلانًا لكوارث تنصبّ على البشرية. فيوم الرب له وجهتان: وجهة دينونة يتبعها عقاب ينزله الرب بكل خصوم عهده، ووجهة خلاص يمنحه الرب لشعبه من أجل نجاح مخطّطه. هذا اليوم سيكون يوم ضيق ولكنّ بني إسرائيل سينجون منه (إر 30: 5- 8). هذا اليوم سيكون يوم عقاب للأمم الوثنية (أش 13: 6- 9، إر 46: 10) ومقدّمة خلاص لبني إسرائيل (أش 11: 10 ي؛ 12: 1؛ 26:32) وللوثنيين الراجعين إلى الرب (أش 2: 1- 4).
بعد المنفى، سيبدو يوم الرب كيوم فصل بين الأشرار والأبرار داخل شعب الله وداخل جماعة الشعوب. سيكون رهيبًا للمسيئين الخاطئين ويحمل الفرح إلى الذين يتّقون اسم الرب (ملا 17:3- 21). سيكون مريعًا للأمم التي تضايق شعب الله، ويحمل الخلاص إلى الذين يدعون باسم الرب (يوء3: 4- 3:4). سيكون هذا اليوم زمن النهاية والزمن المحدّد (دا 11: 35، 40) الذي فيه يحل الزمن الآتي محلّ الزمن الحاضر سيكون اليوم الأخير الذي فيه يذهب بعضهم إلى الحياة الأبدية والبعض الآخر إلى الرذل الأبدي (دا 12: 1- 2). سيكون يوم افتقاد (زيارة) الرب فينال الأبرار مكافأة أعمالهم والأشرار العقاب الذي ينتظرهم (حك 7:3، 10).
إنّ ما يؤكّده لنا يوم الرب هو وجود حدث أخير يتمّ فيه مخطّط الله. أمّا متى يكون هذا اليوم، فأمر سرّي رغم كل بحث عن الرموز (رج دا 9: 1 ي). ولكنّه سيحصل قريبًا، وهذا ما يجعل المؤمنين في وضع انتظار مقلق ومضطرب.
ويأتي العهد الجديد في نهاية انتظار شعب إسرائيل. مِع يسوِع "تمّ الزمان " (مر ا:15). مع يسوع يتحقّق الوعد النبويّ بيوم الرب تحقيقَا كاملاً كيوم دينونة (مت 11: 32 ي؛ رؤ 6: 17) ويوم خلاص (أف 4: 30).

2- الدينونة
أوّل وجهة لتحقيق يوم يهوه (الرب الذي هو) هو تحقيق دينونة تكون مدخلاً إلى الخلاص الإسكاتولوجي. هناك مقاطع عديدة في الكتب المقدّسة تورد اختبار دينونة الله بالنسبة إلى مصير بني إسرائيل (عد 11: 14) والأمم الغريبة (خر 33:4؛ 11: 4- 8) والبشرية عامّة (تك 3: 14- 19؛ 11: 1- 9). إنّ الغضب الإلهيّ لا يصيب فقط بني إسرائيل بل أبناء آدم الذين يصل إليهم حكم الله ودينونته.
كل حكم لله في التاريخ له بعده الإسكاتولوجي، لأنّه يزيل حاجزًا يمنع مخطّط الله من الوصول إلى غايته. فالحكم على مصر وفرعون مثلاً لا يهدف فقط إلى تحرير الشعب، بل إلى أحكام خاصّة فتصيب كل الجماعات البشرِية وتحقق مخطّط الله تحقيقًا نهائيًا. فشعب إسرائيل، هو المميّز، تصل إليه دينونة الله أوّلاً (عا 3: 2): حَكم الرب على السامرة، ثمّ على أورشليم (مي 9:3- 12) لأنّه عزم على أن يدوس كرمه العقيمة (أش 5: 5- 6) ويعامل زوجته الخائنة كالزواني (حز 38:16 ي). وإذ يتصرّف الرب على هذا الشكل، فهو لا يريد أن يفني شعبه، بل أن يقف في وجه الخطأة الذين يهدّدون مخطّطاته بعصيانهمِ لشريعته. وكما أصاب غضب الله شعب إسرائيل، فهو سيصيب الأمم لأنهم هم أيضاً خطئوا: إقترفوا معاصي تشجبها شريعة الله (عا 1: 3- 2: 4)، أظهروا تكبّرًا وتحدّوا الله (أش 10: 7- 19؛ 14- 27). لهذا يدعو الرب السيف المنتقم على كل سكان الأرض (إر 35: 15- 38) فتدمَّر السامرة وأورشليم، وتسقط نينوى (نا 2- 3) وبابل (أش 43: 14-15؛ 47: أي)، وتعرف أدوم غزوة الأنباط (1 ش 34: 1 ي). ولكن ما دام الخلاص الإسكاتولوجي لم يتمّ، وما دام العالم هو هو، عالم خطيئة وجور وكبرياء، فالدينونة تبقى ضرورة مسلّطة على الشعوب. هذا ما يعلنه الأنبياء بعد السبي. سيقوم الله على المتكبّرين والظالمين (مز 94: 1 ي)، ويطهّر الشعب بواسطة جيش ميخائيل (دا 2: 1). وهكذا، لن تعود الدينونة حدثًا عابرًا من أحداث التاريخ، بل تصبح الحدث النهائي الذي يدّشن العهد الأخير.

3- الخلاص
ليست الدينونة منتهى مخطّط الله، بل شرط سابق لهذا المنتهى. وموضوع الإسكاتولوجيا النبوية هو إعلان الخلاص. فإذا قابلنا هذا الخلاص بالحالة الحاضرة، فهو يبدو بشكل نظام جديد يتجاوز النظام القائم منذ عهد سيناء. فهو يبدّل البشرية تبديلاً روحيًا، ويعيد بناء الجنس البشري حول البقيّة الباقية.

أوّلاً: تبدّل البشرية
إنّ الهدف الذي يتطلعّ الله إليه في التاريخ المقدّس ليس نجاح شعبه في أمور الزمن، بل إقامة ملك له على الأرض تظهر نتائجه في ممارسة العبادة والخضوع للشريعة.
منذ سيناء فرض الرب على شعبه مجهودًا خاصًّا ليعدلوا عن عبادة الأصنام وعن جنون الأمم الوثنية، وليمارسوا فرائض الشريعة. إنّ هذه الوجهة من تعليم العهد تشكلّ أساس الروحانية الاشتراعية (المرتبطة بسفر تثنية الاشتراع) التي هي صدى لفكر تقليدي يعود إلى عهد موسى (تث 7: 2- 5؛ 8: 11- 19). في هذا الإطار يشدّد المشترع على واجب الطاعة للرب وتنقية الإرادة وختان القلب (تث 10: 12- 22). لا يستطيع الإنسان أن يخلُص إذا رفض العودة إلى الله. لهذا نرى الأنبياء يحثّون المؤمنين على التوبة (إر 3: 11- 13) والابتعاد عن الشرّ وطلب الخير (عا 5: 14؛ أش 1 :16- 19) والعدول عن الخطيئة وممارسة العدالة (إر 7: 5- 7؛ حز 18: 21- 23).
ولكنّ هذا الارتداد الداخلي يبقى مستحيلاً على الإنسان وحده. فشعب إسرائيل لا يستطع أن يتجاوب ونداءات الرب المتكرّرة، إن محبّته لا تعدو أن تكون كسحابة صيف (هو 6: 4). شرّه لا شفاء له منه (إر 22:13- 27)، وعبادته عبادة سطحية (أش 13:29) لأنّه شعب قاسي الرقاب عاصٍ (حز 3:2- 7؛ رد تث 9: 24). وكانت نتيجة وعظ الأنبياء تصلّبهم بالشرّ لا ارتدادهم، وهذا ما جعل سقوطهم سريعًا (أش 6: 9 – 10 ).
ولكن ما لا يستطيع الإنسان أن يفعله بذاته، فالله سيهبه له كعطيّة يُنعم بها عليه. أراد الرب أن يكون شعبه نقيًّا فنقاه من الداخل بحياة مكرّسة ومقدّسة (حز 36: 25). طلب منهم الرب أن تكون شريعته قي قلوبهم (تث 6:6)، فما استطاعوا، فحفرها بنفسه في قلوبهم كما حفر كلماته العشر على لوحي الوصايا (إر 33:31). وجعل فيهم قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا (حز 11: 19 ؛ 26:36) ووضع فيهم روحه الذي يفعل المعجزات (يوء 3: 1- 2). وهكذا يقدرون أن يعرفوا شريعته (إر 31: 34) ويعملوا بها (حز 11: 20؛ 27:36). وقصارى الكلام، الربّ هو من يردّ شعبه إليه ليستفيدوا فيما بعد من الخلاص الموعود به.
فإذا أراد الله أن يحقّق التوبة التي يطلبها، وجب عليه ان يلجأ إلى هذه القوّة السرّية التي يستطيع وحده أن يهبها. "اشفني يا رب فأشفى، وخلّصني فأخلص " (إر 17: 12). وأعظم صلاة توبة يرفعها صاحب المزامير (51: 1ي) إلى الله ليست فقط نداء إلى رحمة الله يتلوه الخاطئ الذي يريد أن يبدّل حياته، بل طلب نقاء داخلي وتبديل القلب وحلول الروح الإلهي في إنسان وعى أنّه خاطئ منذ ولادته. ويطلب الإنسان نعمة تسبق نظام العهد الجديد وهي تقدّم الحلّ للتناقض الحاصل بين متطلّبات الله وعجز البشر بعد هذا يعرض الإنسان "فرح الخلاص، فيرنّم بعدالة الله ويعلن تسبحته ". هل وضع متطّلبات الله جانبًا؟ كلاّ. ولكنّ الإنسان لا يستطيع أن يتجاوب ومتطلّبات الله من دون مبادرة إلهية تبدّله من الداخل وتضعه على طريق الخلاص.
وعندما يعلن العهد الجديد تعليمه عن الفداء فهو سيستعيد مضمون مواعيد الأنبياء ويجعلها قرب الصليب. وإذ يعلن القدّيس بولس أنّ العهد الجديد تجاوز العهد القديم المؤسّس على الشريعة، فلأنّه رأى أنّ هذه المواعيد قد تمّت بموهبة الروح التي تحوّل قلوب المؤمنين. "إنّ الذين ينقادون إلى روح الله يكونون حقًّا أبناء الله " (روم 8: 14؛ رج غل 18:5-25).

ثانيًا: بناء البشريّة
عندما نتحدّث عن بناء البشرية نرى أنّ العهد الجديد يتجاوز ما وصل إليه عهد سيناء. فالشعب الذي ينعم بالخلاص لن يكون فقط أمّة من الأمم، أمّة مؤلّفة من أبرار وخطأة وهي محصورة في جماعة ضيّقة. ولكن، سينطلق الخلاص من بقيّة الأبرار الباقية لينفتح على كل الأمم، على الجنس البشري كلّه.
أعلن الكتاب في حديثه عن الدينونة أنّ الأبرار وحدهم يشاركون في الخلاص. لا شكّ في أنّه، بفضل العهد، كان بنو إسرائيل الشعب المختار الذين يغمرهم الرب بعطاياه. من أجلهم صنع المعجزات عند الخروج من مصر (تث 11: 1- 4). ولهم وحدهم أعطى الشريعة (مز 147: 9- 10) وأرض الموعد (تث 7:8- 10؛ 11: 10- 12). ولكنّه قبل أن يدخلهم أرض الميعاد امتحنهم في البرّية لينزع منهم الخاطئين. فعَل معهم كما فعل في الأيّام الماضية يوم ترك بقيّة من الأبرار في شخص نوح ليشاركوه في بناء عالم جديد (تك 8:6- 9؛ 23:7؛ 8: 15- 22).
وعندما كلّم الأنبياءُ الشعبَ عن الدينونة، جاء كلامهم امتدادًا لما قالته أسفار موسى الخمسة: إحتفظ الرب لنفسه بسبعة آلاف رجل لم يحنوا ركبهم للبعل (1 مل 18:19). وهو سيغربل خاصّته (عا 8:9- 10) ويختار منهم بقيّة تعود إلى الرب وتستفيد من نعمة الخلاص (أش 4: 2؛ 7: 3؛ مي 4: 7؛ صف 3: 12- 13). وفي الأيّام الأخيرة، ستكون هذه البقيّة، أي شعب المستقبل، "أمّة صدّيقة" (أش 26: 2)، وشرط الدخول فيها هو التوبة لا هوية عرقية أو قبلية. نحن هنا أمام شمولية تشبه إلى حدّ بعيد ما سيعلن عنه يسوع في عظة الجبل (مت 5-7).
لا شكّ في أنّ نظرة التقليد التوراتي نظرة ضيّقة. ولا شكّ في أنّ نظام العهد السينائي يجعل الأمم الغريبة خارج نظام الخلاص. ولكن رغم ذلك، فالمؤرّخ اليهوهي (نسبة إلى يهوه يشدّد على البركة) يجعل مخطّط الخلاص يبدأ ببداية البشرية ويُدخل تاريخ شعب الله في إطار يشمل الجنس البشري كلّه. أمّا الوعد لإبراهيم فيصل إلى كل الأمم (تك 3:12)، لا إلى أمّة واحدة. والعهد مع المسيح الملك يبيّن أنّ الشعوب تخضع لملكه وتستفيد من الخيرات التي يؤمّنها الله على الأرض (تك 49: 10؛ مز 8:2).
ويشدّد الأنبياء على موضوع ملك الله حيث تشارك كل الأمم في السلام الآتي في نهاية الأزمنة (أش 2: 2- 4 ؛ مي 4: 1- 3) وفي عبادة يهوه الإله الواحد (أش 45: 14- 17، 20- 22). وعندما يحدّثنا أشعيا (42: 6- 7 ؛ 7:49) عن عبد يهوه (عبد الله) فهو يجعله وسيط عهد بين الله وجميع الشعوب ونورًا للأمم ليصل خلاص الرب إلى أقاصي الأرض. وبدأت على أثر ذلك حركة ارتداد نرى آثارها في سفر يونان وفي أشعيا. إنّ الرب يقول للغرباء الذين انضمّوا إليه ليعبدوه ويحبّوه ويكونوا له عبيدًا: "كل من حافظ على السبت والتزم بعهدي فإنّي آتي به إلى جبلي المقدّس وأملأه فرحًا في بيت صلاتي وأرضى عن ذبائحه ومحرقاته على مذبحي، لأنّ بيتي يدعى بيت صلاة لجميع الشعوب " (أش 6:56- 7). ويتابع الأنبياء جامعين في نظرة واحدة موضوع البقيّة الباقية من بني إسرائيل وموضوع جماعة الأمم الراجعة إلى الرب. يقول أشعيا (66: 18- 20) "انا آت لأجمع الأمم من كل لسان فيأتون ويرون مجدي. وأجعل بينهم آية من عندي. والذين نجوا من شعي أرسلهم إلى ترشيش (إسبانيا) وفول (أو فوط) ولود (شواطئ البحر الأحمر)... وإلى الجزر البعيدة. أرسلهم إلى الذين لم يسمعوا عنّي ولم يروا مجدي. وينادي رسلي بمجدي في الأمم (الوثنية) ". ويقول زكريّا (16:14 ي): "إنّ الذين نجوا من بين الأمم... يصعدون سنة بعد سنة إلى أورشليم ليسجدوا للرب ملك الكون، وليحتفلوا بعيد المظال (عيد الفرخ في الخريف). وإنّ لم يصعد أحد من أمم الأرض ليسجدوا للرب، ملك الكون، فلا ينزل عليهم مطر (علامة الغضب الإلهي). وإذا رفض أهل مصر أن يصعدوا إلى أورشليم ليحتفلوا بعيد المظالّ فسينالون الضربة الأولى التي يضرب بها الرب سائر الأمم الذين لا يصعدون ليعيّدوا". وينشد صاحب المزامير (86: 4 ي): "أذكر المصريين والبابليين بين الذين يعترفون بي، وأعدّ بين الذين ولدوا في أورشليم شعبَ فلسطية (شاطئ أرض كنعان. كانوا مختونين) وصور وكوش (أي الحبشة). وعن صهيون يقولون: كل الأمم ولدوا فيها. إنّ الله تعالى كوّنها، ودوّن في كتاب الشعوب أولئك الذين ولدوا هنا". 
أجل، إنّ الرب سيجمع كلّ الأمم والألسنة ليضع حدًّا لانقسام بابل (أش 19: 16-25) فيشترك جميع البشر في الفرحة عينها، ويعيّدودن كلّهم للإله الواحد (أش 14: 1؛ 25: 6- 18). وهنا يبرز سموّ النظام الجديد على النظام القديم، ويأتي العهد الجديد فيبيّن أنّ أقواله الأنبياء تمّت في سرّ الشعب الجديد المبنيّ في يسوع المسيح (أف 2: 14- 16 ؛ رؤ 7: 9). ارتدّت فقط بقيّة من بني إسرائيل ودخلت في الشعب الجديد (روم 9: 25- 33 ؛ 11: 1- 10) فالتقت بأبناء الأمم الوثنية الذين كانوا بعيدين عن الخلاص (روم 7:15- 11) ثمّ صاروا قريبين بدم المسيح (أف 13:2).

ج- من التاريخ إلى نهية التاريخ
1- الدينونة الأخيرة
لا تكتفي الإسكاتولوجيا الكتابية بأن تنقل الدينونة الإلهية إلى الأزمنة الأخيرة، بل ترسمها في صور تيوفانية (تدلّ على ظهور الله) تعبّر بطريقة حسّية عن تدخّل الله في أمور البشر وبشكل كوارث تدلّ على عقاب الخاطئين.

أوّلاً: تيوفانيا الدينونة
يعرف الكتّاب نوعين من التيوفانيات: الله المحارب أو الله الديّان الذي يظهر ليردّ أعداءه على أعقابهم أو ليقاصصهم. والله المجلّل بالبهاء الذي يظهر ليكشف عن مجده لشعبه وأخصّائه. وإذ أراد الكتاب أن يتصوّر الله، رجع إلى رمز العاصفة أو إلى أرض وجبال تذوب وبحار تجفّ وخليقة تعود إلى العدم. نقرأ مثلاً في مز 8:18 ي: "ارتجفت الأرض وارتعشت، واضطربت أسس الجبال ومادت من شدّة غضبه. تصاعد دخان من أنفه ونار آكلة من فمه كأنّ في جوفه جمرًا متّقدًا" (رج أي 38: 1؛ نا 1 :3، 6).
أخذ التقليد الكتابي بهذه الرموز وعكسها على تيوفانيات الله المحارب والديّان. ففي اختبار الخروج بدا الله بشكل غمام في النهار ونار في الليل (خر 13: 21- 22؛ رج 24: 24؛ 7:15- 8). وفي الحديث عن الدخول إلى أرض الميعاد قال سفر التثنية (33: 2): "أقبل الرب من سيناء، وأشرق من سعير، وتجلّى من جبل فاران، وأتى من ربى القدس وفي يمينه شريعته كشعلة نار " (رج قض 5: 4- 5). وقال سفر المزامير (18:77-19) "سهامك تطايرت في كل صوب. صوت رعدك في الزوبعة وبرقك أضاء المسكونة، والأرض اضطربت وارتعشت " (رج مز 8:68- 9).
يأتي الله المنتقم ليضع حدًّا لغطرسة أعدائه: "هوذا الرب. من مكان سكناه ينزل ويطأ مشارف الأرض فتذوب الجبال تحته وتنحلّ الأودية كالشمع في النار... لأجل معصية بني يعقوب وخطايا آل إسرائيل " (مي ا:3- 5). ونقرأ في حزقيال (38: 22) إنّ الرب سيعاقب شعبه الخاطئ بالوباء والقتل والمطر الطاغي والبرد القاسي، وإنّه سيمطر النار والكبريت عليهم وعلى جيشهم وعلى الشعوب الكثيرين المتعاهدين معهم. وفي أشعيا (2:34- 3): "إنّ سُخط الرب على جميع الأمم، وغضبه على كل جندهم، وقد أسلمهم إلى القتل ودفعهم إلى الذبح، فتطرح قتلاهم إلى الأرض، وينبعث النتن من جيفهم، وتسيل الجبال من دمائهم " (رج أش 15:66- 16؛ حج 7:2 ؛ ملا 19:3).

ثانيًا: عقاب الله للخاطئين
ينطلق الكتاب من اللعنات التي كان بنو إسرائيل يتلفّظون بها على نفوسهم خلال حفلاتهم الطقسية إن هم خانوا العهد (رج تث 28 : 15- 63؛ لا 26: 14- 40) ومنها آفات الزراعة، والحروب والهزائم والسبي والنفي. كما ينطلق أيضًا من نكبات اختبرها الشعب على مرّ تاريخه كدمار المدن (أش 13: 20- 23؛ 34: 11- 17) والانكسار في الحروب (حز 39: 9- 20).
وهناك تلميحات واضحة إلى الطوفان (أش 24: 8) ودمار سدوم (أش 34: 9- 10؛ حز 22:38 ؛ مز 11 :6) وضربات مصر (حز 22:38) وموت فرعون (حك 22:5) وهزيمة سنحاريب (مز 48: 5-8). ثمّ إنّ الذبائح التي نجسّت موضع توفت في وادي هنوم (إر 7: 31؛ 19: 5- 6 ؛ 33:32) ستحمل الينا صورة رمزية عن العقاب النموذجي الذي سيحلّ بكل أعداء الرب بمقتضى شريعة المثل (أي سن بسن وعين بعين. لم نزل على مستوى الشريعة الناقصة): نار تشبه نار حطب توفت: تكون أداة عقاب الله للخاطئين (أش 30: 33) أو تفني جثث الموتى في الوادي الملعونة (أش 66: 24 ؛ رج سي 17:7؛ 16: 21 ؛ دا 2:12). من هنا ستنطلق صور"جهنم " التي تمرّ عبر الكتب المنحولة قبل ان تصل إلى العهد الجديد (مر 43:9- 48) لتدلّ على حيث النار التي لا تطفأ والدود الذي لا يموت.

2- الحدث الإسكاتولوجي (يحلّ في نهاية الزمن)
إنّ لاختبار عطايا الله في تاريخ بني إسرائيل بُعدًا يفوق دينونته. فالأحداث الماضية بينت مسبقًا ما سيكون الخلاص النهائي. من أجل هذا، سنتوقّف عند الحدث الإسكاتولوجي والنظام الإسكاتولوجي والوسيط الإسكاتولوجي.
عندما كان الأنبياء يعلنون عقابًا يهدم كل نظم الأمّة ومؤسّساتها، كانوا يجعلون الشعب يستشفّ بعد هذا الدمار تحقيقًا لهذا المخطّط في المستقبل الذي كشف لنا الماضي خطوطَه الكبرى.

أوّلاً: اختبارات تاريخية متكّررة
إنّ وضع بني إسرائيل بعد العقاب يشبه وضعهم في مصر قبل الخروج: كانوا منفيين في أرض غريبة يضيّق عليهم سيّد غريب. ولهذا ستّتخذ عودة الشعب شكل انطلاق جديد شيبه بالأوّل. فقد لمّح أشعيا (10: 26) إلى البحر الأحمر، وجعل هوشع (2: 12) الشعب في إطار خروج جديد، وقابل إرميا (16: 14- 15) الخروج الذي تمّ في الماضي بذلك الذي سيتمّ ساعة رجوع بني إسرائيل إلى أرضهم. إنّ هذه الاختبارات التاريخية العظمى تتّخذ قيمتها بالنسبة إلى الإيمان. فيقول ميخا (7: 4- 5): "ارعَ شعبك بعصاك، غنم ميراثك الساكنين وحدهم في الغاب... أرنا معجزاتك كما في اليوم الذي أخرجتنا من أرض مصر". ويقول أشعيا (63: 10 ي): "ذكر شعبه الأيّام القديمة، أيّام موسى، وتساءل: أين الذي أصعد شعبه من البحر، غنمه مع رعاته؟ سيّرهم في الغمام كفرس في البرّية فلم يعثروا".

أجل، إنّ الأقوال الإسكاتولوجية تعلن عبورًا جديدًا للبحر (أش 43: 16- 21) وخلاصًا جديدًا إلى أرض الميعاد (إر 31: 11- 14).
إنّ هذه الصور تعود بنا إلى التاريخ القديم. هي لا تعطينا رسمة دقيقة عن المستقبل بل تمثّله لنا في إطار رمزي راجعة إلى بعض الإشارات المختارة. فبالنسبة إلى السامعين، يعني موضوع الخروج تجمّع المنفيين ورجوعهم إلى أرض الآباء... وستنظّم حركة بعد قرار كورش (أش 48: 20؛ 52: 11. سنة 538 ق م) وتعلن برنامج عملها. ولكنّ هناك ملامح تدلّ على سموّ الحدث الإسكاتولوجي على أحداث الماضي فتدعونا كي لا نبقى على مستوى التفسير المادّي للنصوص، بل أن نستشفّ من خلال الرموز واقعًا أغنى وأسمى من كل ما عرفه التاريخ.

ثانيًا: سموّ الحدث الإسكاتولوجي
أوّل هذه الملامح هو التيوفانيا التي ترافق الخلاص النهائي: في الخروج مشى الله أمام شعبه (حز 13: 21- 22) وعلى جبل سيناء ظهر له. هكذا يرى المؤمنون وجه الرب ويشاهدون عظمته ومجده (مز 8:63) بحيث يكون كل عمل طقسي تيوفانيا ممكنة: عندما دعي الشعب أمام جبل سيناء على صوت البوق، تجلّى الرب لشعبه بمجده الرهيب (حز 16:19- 25). وشارك موسى والشيوخ في وليمة العهد المقدّسة (حز 9:24- 11). وخلال عبور البحر الأحمر، مازال الغمام، الذي هو علامة حضور الله، يرافق الشعب ليدلّه على الطريق ويقيه من كل شرّ (خر 0 34:4- 38).
إنّ كل هذه التيوفانيات تبقى نموذجًا لهذا الرجوع الكبير. ففي سفر اشعيا نتعرّف إلى صورة الله الذي يقود شعبه عبر البرّية (أش 49: 10) فيراه الرقيب من بعيد راجعًا إلى صهيون (أش 8:52) ويتجلّى مجده (أش 40: 5). وبعد رجوع المنفيين ينقلنا الكاتب الملهم إلى هيكل أورشليم لنعيش تيوفانيا جديدة (أش 10: 1 ي) تعود بنا إلى ما حدث مع سليمان يوم تدشين الهيكل (1 مل 8: 10- 13). ندخل في هيكل جديد وسعه وسع الكون (حز 43: 1- 5). وفي إطار رؤيا أشعيا (ف 24- 27) سيكون إطار هذه التيوفانيا وليمة العهد الجديد الطقسية: يحتفل بها الشيوخ في أورشليم فيشاهدون مجد الله يشعّ عليهم، لا بصورة عابرة، بل دائمًا وأبدًا. وهكذا يدخل الشعب في حالة تشبه حالتهم في البرّية: تتمتعّ الأمّة الناجية بحياة مع الله تدوم إلى الأبد. لأجل هذا يعطي الرب شعبه نعمته ويكتب شريعته في قلوبهم ويفيض روحه عليهم. هو القدير الذي يقيم الموقى (حز 37: 1- 14) وسيقيم شعبه من الموت ويكون عمله رمزًا إلى إعادة الحياة التي وعد بها الرب الأبرار في نهية الزمن.

3- النظام الإسكاتولوجي
إنّ النظام الإسكاتولوجي يأخذ مواضيعه من نظام سابق ويبقينا أمام خطّين اثنين. فهناك أنبياء (هوشع، وحزقيال) يعتبرون أنّ نظام القبائل هو النظام المثالي. وهناك آخرون (أشعيا، ميخا) يجعلون هذا المثال في عهد الملكية التي عرفت أوجها مع داود وسليمان. وسنرى كيف اجتمع بعد الجلاء هذان الخطّان في النصوص الكتابية.
ستجد الأرض المقدّسة خصبًا لم تعرفه من قبل (هو 2: 23- 24؛ عا 13:9-15؛ رج تث 7:8-10). وهي ستتميّز بالعدالة (حز45 : 1- 12 ؛ 13:47- 48) بالنسبة إلى شعب جديد نما نموًّا عجيبًا (حز 37:36- 38). وستكون أورشليم الجديدة أبهى وأجمل من القديمة (إر 31: 6- 12) ويكون هيكلها مركز العالم في إطار ديني يدلّ على أنّ الخلاص امتدّ فشمل الكون. سيأتي إلى بيت الله جميع الأمم، سيصعد إليه شعوب كثيرون ويقولون: هلمّوا نصعد إلى جبل الرب وهو يعلّمنا طرقه (أش 2: 2- 4؛ رج مي 4: 1- 3؛ زك 16:14- 21). ويكون الملك الجديد عادلاً حكيمًا مسالمًا، يكون أعظم من داود وسليمان. أمّا مملكة شعب الله فتكون واسعة جدًّا بحيث تصل إلى أقاصي الأرض (أش 9: 6؛ 3:54 ؛ 60: 1- 17). وسيقود الرب حروبه المقدّسة بشخصه أو بشخص مسيحه فيكون انتصاره كاملاً (أش 54: 15- 17؛ 63: 1- 6). بعد هذا يعمّ السلام الإسكاتولوجي (زك 9: 10).
ولكنّ الأنبياء يعرفون أنّ الماضي كان يحتوي الظلال، أمّا العهد الإسكاتولوجي فلا. فصورة الأرض الجديدة المقدّسة ستحملنا إلى صورة الفردوس الأرضي. وهناك تتحوّل البشرية إلى ما كانت عليه قبل الخطيئة. ويتبدّل إطار الحياة أيضًا: فاليوم الذي يشعّ على أورشليم يكون يومًا عجيبًا لا يعرف تعاقب النور والظلمة (زك 14: 7). وهذا ما يجعلنا وراء التاريخ.
وترسم لنا كتب الجليان (يتجلى الله فنراه) لوحات عن العالم الآتي حيث تمتزج السماء بالأرض، ويكون هيكل أورشليم على مثال الإطار السماوي الذي يقف فيه قديم الأيّام (أو الأزلي) وابن الإنسان (دا 7: 9-10). يخرج نهر نار من تحت عرش الله كما يخرج ينبوع من تحت عتبة الهيكل (دا 7: 10؛ رج حز 47: 1 ؛ زك 8:14). والملائكة الذين يخدمون الله بالصلاة يذكّروننا بالكهنة الذين يخدمونه هنا في هيكله. فالهيكل بُني حسب الخيمة المقدّسة التي يقيم الله فيها (حك 8:9). وأورشليم الأرضية قد بناها داود وسليمان بحسب نموذج في السماء سنتعرّف إليه في اليوم الأخير، يوم يحلّ الكامل محلّ الناقص. وهنا نعرف علاقة العالم الحاضر بالعالم الآتي، عالم الصورة بعالم المثال، عالم الخطوط الأولى بالحقيقة التامة الناجزة.

4- الوسيط الإسكاتولوجي
الوسيط الإسكاتولوجي هو وسيط الخلاص وممثّل الشعب أمام الله وحامل عطايا الله إلى شعبه. في هذا المجال نجد معطيات متنوّعة يأخذ فيها الوسيط صورة المسيح الداودي وعبد يهوه وابن الإنسان.

أوّلاً: المسيح الداودي
ونعني بذلك الذي يختاره الله ويمسحه كما مسح داود في الماضي. ينطلق الأنبياء من نبوءة ناتان (2 صم 7: 5- 16؛ مز 89: 30- 38) فيتصوّرون الوسيط الآتي بملامح ملك يكون ابن داود ومسيح الرب. اليه ينظر أشعيا (9: 5- 6) وميخا (5: 1- 5) ويجعله إرميا (23: 5- 6) في إطار عهد جديد بحسب شريعة سفر التثنية (17: 14- 20). ويحدّثنا حزقيال (34: 23- 24) عن داود الجديد الذي سيكون أميرًا لا ملكًا (حز 45: 7- 12) بعد أن زالت الملكية من بني إسرائيل على أثر دمار أورشليم سنة 587. أمّا زكريا (8:3- 10) فيرفع أنظارنا إلى "النبت " (رج ار 23: 5) الذي سيراه حاضرًا في شخص زربابل.
ويظهر سموّ المسيح الداودي واضحًا في كل الملوك الذين سبقوه: فهو يجسّد مثالاً من الكمال الديني والأخلاقي، ويحمل إلى البشر سلامًا وسعادة لا ظلّ فيهما، ويصنع خلاصًا يصل إلى جميع البشر ولا يكون له انقضاء.

ثانيًا: عبد يهوه (عبد الله)
إنّ لقب عبد يهوه قد أعطي لموسى (عد 7:11) وداود (مز 89: 21) والأنبياء (عا 7:3) واليهود الأتقياء (مز 79: 10؛ أش 13:65- 14). لا نجد ملامح ملوكية في صورة عبد يهوه، ولكنّنا نجد تقاربًا بينه وبين موسى. فعبد يهوه كموسى، يحمل الحقّ والشريعة (أش 42: 4) وقد صار عهدًا لشعبه (أش 42: 6). وهو يلعب في العهد الذي أعلن عنه إر 13:31- 14 دورًا موازيًا لدور موسى في عهد سيناء. ولكنّ موسى النبي العظيم (تث 34: 10) كان أوّل الأنبياء الذين سيتشبهون به (تث 18: 15). وهكذا يشبه عبد يهوه الأنبياء وقد حلّ عليه روح الله (أش 42: ا) كما حلّ عليهم. ودعاه الله وأفرزه (أي وضعه جانبًا. أش 49: 1) كما دعا إرميا، وحمّله رسالته إلى البشر (أش 50: 40) فلم يقبلوها (أش 49: 4 ؛ 50: 5- 9). هذا ما جرى لرسالة إرميا (إر 26: 20-23). أمّا دور ألم عبد يهوه في تحقيق الخلاص فهو ظاهر: هو ضحيّة بريئة، يقدّم نفسه كذبيحة تكفير، ويحمل آثام الكثيرين ويبرّرهم (أش 53: 10-10). من خلال هذه الكلمات، نستشفّ اختبار الألم الذي أحسّ به في أيّام المنفى جماعةُ مساكين الله وتلاميذ الأنبياء (أش 16:8- 18). كانوا أمناء للشريعة، ولكنّهم تحمّلوا ما تحمّله غيرهم من عقاب بسبب خطيئة الشعب. فصرخوا إلى الرب من أعماق ضيقهم (مز 44: 1 ي ؛ 74: 1 ي ؛ 79: 1 ي). كانوا بقيّة الأبرار وروح الأمّة: دعوها إلى التوبة فرفضتهم. سُلموا إلى الموت لأجل شعبهم فكانوا الشعب الحقيقي و"عبد يهوه " (أش 41: 8- 16). وسنجد ملامحهم في وجه عبد يهوه الذي مثّل شعبه فكفّر بآلامه عن خطايا الجماعة ولعب دور وسيط العهد للشعب الآتي (أش 42: 6).
هذه الصورة المأساوية تدخلنا في عمق تاريخ بني إسرائيل، وهي ترسم لنا سرّ العهد الجديد في وجهة واقعية نراها في المصير المحفوظ ليسوع، وفي وجهة روحانية بحدها في معنى موت يسوع وقيامته. وسيطبّق يسوع ما قيل في عبد يهوه على حياته (لو 17:4- 21؛ رج أش 61: 1- 2)، وعلى آلامه فيقول (مر 10: 45): "إنّ ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه من أجل جماعة كثيرة" (رج أش 13:53؛ لو 33:22).

ثالثاً: ابن الإنسان
آخر صورة من صور الوسيط الخلاصيِ هي صورة ابن الإنسان الذي رآه دانيال (13:7) على سحاب السماء وقد أوقي سلطانًا على جميع الشعوب (دا 7: 14). نحن هنا في إطار المملكة الإسكاتولوجية التي ستحلّ محلّ ممالك الأرض بعد دينونة الله: يزول الزمن الحاضر أمام الزمن الآتي (دا 2: 44- 45). إنّ رمز الإنسان الآتي من السماء يعارض رمز الحيوانات الطالعة من الهوّة. وهذا ما نقوله عن مملكة الله التي تعارض ممالك البشر، وحزب الله الذي يعارض حزب البشر. أمّا حزب الله فشعب قدّيسي العليّ (دا 7: 25) الذين يضطهدهم الحيوان الأخير (أنطيوخس أبيفانيوس) إلى أن يسلمهم الله الملك إلى الأبد (دا 7: 18، 27). وهكذا يدلّنا النصّ، من خلال الرموز، على الشعب الإسكاتولوجي، شعب بني إسرائيل الحقيقي الذين محّصتهم المحنة ونقّتهم (دا 33:11- 35) فنجوا بفضل تدخّل ميخائيل (أي قدرة الله. دا 12: 1) وحصلوا على الخلاص الأبدي (د 121: 2- 3).
نجد هنا تقاربًا بين عبد يهوه وابن الإنسان. فنصّ سفر دانيال يضع أمامنا جماعة من الأبرار والحكماء يعلمّون الجماعة (دا 33:11) ويبرّرونها (دا 3:12) قبل أن يسقطوا بالسيف والنار (دا 33:11). ولكنّ هذه المحنة تنقّيهم (دا 11: 35، 12: 10) وتجعلهم يتمتّعون بمجد القيامة (دا 3:12) عندما يحلّ العالم الآتي محلّ العالم الحاضر. أمّا عبد يهوه فقد قُتل وقُطع من أرض الأحياء (أش 8:53) فبرّر الكثيرين (أش 53: 11). وبعد أن امتحن دخل النور (أش 53: 11) ليقاسم العظماء الغنيمة (أش 53: 12). فاختبار عبد يهوه يرجع إلى محنة مساكين يهوه في زمن المنفى وهو يصوّر الوجه الأرضي لبقيّة الشعب ويشدّد على خصب الألم ودوره في نهية الزمن. واختبار ابن الإنسان يدلّ بطريقة رمزية على مصير هذه البقية في ما وراء التاريخ: بعد أن تدخل في مجد العالم الآتي يُعطى لها ملك الله ولقب بني إسرائيل القديم: "مملكة كهنوتية وأمّة مقدّسة" (خر 19: 6).
خاتمة
ما دام العهد القديم قائمًا، فشعب الله هو في فترة استعداد يؤدّبه الرب خلالها بواسطة الشريعة وأحداث التاريخ وعلاقة الشعب بالرب كما ينظمّها عهد سيناء. إلاّ أنّ المواعيد النبوية تبيّن أنّ هذا النظام يتطلعّ إلى نظام آخر سيتجاوزه من كل جهة. وهكذا يتحدّد موقع العهد القديم بالنسبة إلى العهد الجديد، والعهد الجديد بالنسبة إلى العهد القديم. ولكن ما تكون طبيعة النظام الآتي؟ إنّ المواعيد تتحدّث عنه منطلقة من اختبار شعب إسرائيل، فتنقل عناصر هذا الاختبار إلى الأزمنة الأخيرة، وتدخل في هذه العناصر كمالاً لا غبار عليه، وتبدأ تفسير الماضي تفسيرًا رمزيًا سيأخذ به العهد الجديد ويكمّله. وهكذا تصبح النبوءات العلاقة الحيّة بين العهدين: هي تتجذّر في اختبار العهد القديم، وتوجّه أنظارهم إلى العهد الجديد، فتحوّل اختبار شعب الله إلى لاهوت يحدّثنا عن سرّ الخلاص.
الفصل العشرون
التفسير المسيحي للعهد القديم

في هذا القسم درسنا العهد القديم من حيث مكانته في مخطّط الخلاص، والطريقة التي بها يرتبط بسرّ المسيح. ثمّ توقّفنا عند الشريعة والتاريخ والمواعيد وربطناها بالعهد الجديد. يبقى لنا نقطة أخيرة لا بدّ من معالجتها، لا زال العهد القديم بين أيدينا بشكل أسفار مقدّسة تشكّل لنا كلمة الله على غرار أسفار العهد الجديد.
ماذا تعني هذه العبارة: العهد القديم هو كلمة الله؟ هي تعني فقط أنّ الله تكلّم في الماضي بواسطة هذه الأسفار الى آبائنا في الإيمان، بل تعني أيضًا أنّ الله يكلّمنا اليوم بهذه الأسفار. والمسألة المطروحة علينا الآن هي: كيف نفهم هذه الكلمة فهمًا صحيحًا؟
نعالج هنا مسألة التفسير المسيحي فنصل إلى التفسير البيبلي. ندرس في قسم أوّل المسألة في شكل عامّ، ثمّ ننتقل إلى معاني الكتاب المقدّس.

I- مسألة التفسير المسيحي للعهد القديم
طرحت مسألة تفسير النصوص البييلية منذ أيّام اليهود، لا من قبيل الحشرية والفضول، بل بضغط من الضرورات الحياتية. كيف نوفق بين نصّين يبدوان متعارضين؟ كيف نستخلص من النصوص نورًا لإيماننا وقاعدة لحياتنا؟
من جهة، قدّم الإيمان للمفسّرين معطيات عامّة دلّتهم على نوعية التعليم الذي يجب أن يبحثوا عنه في النصوص؛ ومن جهة ثانية، وجد هؤلاء المفسّرون في حضارة عصرهم أساليب عمليّة تتيح لهم أن يربطوا بالنصوص الدروسَ التي جعلهم الإيمان يكتشفونها.
وهذا الربط الحميم بين عناصر الإيمان وعناصر الحضارة، سنجده في التفسير البيبلي كما عرفته الكنيسة الأولى. ففي زمن العهد الجديد، صار سرّ المسيح الذي فيه تمّت الشريعة والأزمنة ومواعيد الله، مفتاح تفسير الكتب المقدّسة. ولكن حين نستعمل هذا المفتاح لشرح نصّ من النصوص، تبرز أساليب الرابّانيين كما عند القدّيس بولس، والإسكندرانيين كما في الرسالة إلى العبرانيين. وسيكون الوضع هكذا في تاريخ الكنيسة على مدى أجيالها. فالتأويل المسيحي سيعود دومًا إلى الإيمان ليطلب منه مبادئه المسيحية وتوجيهه العامّ والمعطى الموحى الذي سيربطه بالنصوص البيبلية.

أ- وضع التأويل الكتابيّ
تميزّت حضارة الإسكندرية في أيّام إكلمنضوس وأوريجانس بنظرة رمزية إلى الكون، ففسّرت الكتب تفسيرًا مجازيًا. واليوم، هناك العقلية العلمية التي تفرض قراءة نقدية للكتب المقدّسة. ليس النصّ الكتابي صنمًا نعبده ولا نجسر أن نقترب منه. إنّه كلام الله وضع في فم البشر ونحن نفهمه بأساليب البشر لا بدّ من إدخال النقد إلى عالم التفسير.

1- إدخال علم النقد
ما هو النقد؟ هو عمليّة فهم وتمييز نستعمل فيها كل وسائل العقل لنفهم فهمًا صحيحًا اللغة البشرية التي تحمل كلام الله.

أوّلاً: النقد الأدبيّ
إنّ فهم نصوص العهد القديم لا تتطلّب فقط معرفة مادّية للّغات التي كتب فيها. فللكلمات وزنها وللعبارات عالمها. فالوحي يتعدّى الزمان والمكان، وتحمله لغة من اللغات. هنا نفكّر بالأساليب الأدبية التي عرفها شعب إسرائيل، بل شعوب الشرق الأوسط.
فإذا أردنا أن نفهم حقًّا الأسفار المقدّسة، نتعرّف إلى عبقرية اللغات والحضارات السامية، ونتبع مسيرة المجتمع الذي دوّنت فيه منذ أيّام البداءة حتّى الحياة في الإسكندرية في القرن الأوّل ق م. ويجب أن نتعرّف إلى الشخص الذي كتب، إلى الزمن الذي فيه كتب، إلى الظروف التي دفعته الى الكتابة. وبمختصر الكلام، نطبّق على النص الملهم كلّ أساليب النقد الأدبي المطبّقة على كتبنا الدنيويّة. وما يمكن أن يبرزه مثل هذا العمل هو تعليم وجّهه حاملو كلام الله إلى أناس في القرن العاشر أو السابع أو الثاني ق م. لم نصل بعد إلى التعليم الذي يتوجّه الينا الآن في إطار وحي كامل وفي حياة كنسيّة تامّة. ولكن لا بدّ من المرور بالنقد الأدبي لنصل إلى آخر مراحل التأويل الكتابي. ولكنّ الشرق يخاف من النقد الأدبي ويكتفي بأن يتعلّق بحرف الكتاب يردّده ولا يفسره ويفصله.

ثانيًا: النقد التاريخي
لقد تمسّك التقليد المسيحي دومًا بواقع التاريخ البيبلي. داء عنه أوريجانس ضدّ هزء سلسيوس دون أن ينسى البحث عن المعنى الروحي الذي يصل بنا إلى المسيح. وعلى هذا الأساس دوّنت شميلات تاريخية مؤسّسة على الكتاب المقدّس: التهيئة الإنجيلية مع أوسابيوس القيصري، مدينة الله مع أوغسطينس... وعلى مرّ العصور طوّر الشرّاح أساليبهم مستندين إلى الأساليب التاريخية والى نتائج الحفريات الأثرية، فلم تعد التوراة كتابًا معزولاً، بل رافقتها المدوّنات العديدة واللويحات.
في هذا الإطار طبّق المؤرخون على النصوص البيبلية المعتبرة وثائق من التاريخ، القواعدَ عينها التي تطبّق على سائر الوثائق البشرية. ولكنّهم اصطدموا بصعوبتين. الأولى رفض كل ما هو فائق الطبيعة واعتباره نوعًا من الأساطير، والثانية رفض النقد التاريخي الذي ما زلنا متمسّكين به في الشرق.
فالدراسة العلمية للكتب المقدّسة لا تستطيع أن تستغني عن التساؤل حِول الكتّاب، وتواريخهم، وفنّهم الأدبي... هذا ما يسمّى الشكّ المنهجي. وهو يعني تدقيقًا يتيح لنا أن نفهم القيمة الحقيقية لكلّ سفر ونقدّر بُعده الصحيح ونستعمل شهادته لنكوّن التاريخ البيبلي تاركين لكل وثيقة فنّها الخاصّ. هناك التاريخ السياسي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الديني.

ثالثًا: النقد الفلسفي
ونتقدّم خطوة أخرى. فوراء العلم التاريخي الذي يرسم تاريخ البشر ويكتشف التسلسل بين الأحداث. يبقى على العقل أن يقدّر هذا الصرح الذي بناه: هناك حكم على الأشخاص والأفكار والأحداث والنظم. نحن لا نضع أفكارًا مسبّقة ونفرضها على الواقع.
كما أنّنا لا نرفض هذا النقد متذرّعين بالقول بأنّ العقل البشري لا يستطيع أن يحكم على وحي الله. هذان هما الخطران اللذان يجب أن نتلافاهما. ماذا نعمل؟
نبدأ فنقوم بمقابلة بين العهد القديم وسائر المظاهر الدينية. صارت الوثائق كثيرة بعد أن كشفت لنا الحفريّات عن قسم من كنوزها. هناك علم المجتمعات والحضارات الذي يساعدنا على التعرّف إلى انتقال العبرانيين من بساطة حياة البدو إلى تعقّد الحقبة الهلّنسيّة.
ماذا يقول دستور العهد وقانون الذبائح؟ ما هو المستوى الأخلاقي من هذه الديانة؟ ما هي العلاقة بين الديانة والتاريخ في لاهوت العهد كما في الإسكاتولوجيا النبوية؟ وهنا يأتي تاريخ الديانات.
مثل هذا النقد لن يبرهن عن الطابع العلوم في العهد القديم والعهد الجديد، ولكنّه يلعب دوره حين يهيّئ العقول للتعرّف إلى هذا الوحي وقبوله. ويبيّن أنّ العهد القديم يجد كل معناه في إطار التعليم الإنجيلي مع ما حمله من خصائص تلقي ضوءاً على الواقع البشري.

2- تجاوز النقد بأشكاله المتعدّدة
قدّم النقد البيبلي خدمات جلّى. ولكن يجب أن نتجاوزه. فالتأويل العلمي المحض يترك الجوهر جانبّا ولا يكون عملاً كنسيًا. فكلمة الله لم تسلّم إلى الكنيسة لتغذّي بحث المؤرّخين وتفكير الفلاسفة، بل لتغذي إيمان البشر وحياتهم الدينية. وإعلانها (نقول قبل قراءة الإنجيل في الليتورجيا المارونية: كونوا في السكوت) هو بداية حوار ينتظر فيه الله جوابًا من البشر إذن لا يستطع تفسير العهد القديم أن يكون عمليّة علمية محضة، تقف في عالم التجريد. إنّه يرتبط بسائر نشاطات الكنيسة، كاللاهوت والدفاع المسيحي والرعائيات.

أولاً: التأويل واللاهوت
حين نتعرّف إلى عمل اللاهوتيين المسيحيين، نلاحظ أنّ الكتاب المقدّس بعهديه هو ينبوع تفكيرهم، وهذا منذ بداية تاريخ الكنيسة. من هنا يطلب اللاهوتي من المؤوّل أن يقدّم له موادّ تدخل في شميلته اللاهوتية. لن يهتمّ اللاهوت بالمعتقدات الناقصة عند شعب العهد القديم، وهي تقابل أولى مراحل الوحي الكتابي. بل يهتمّ باكتشاف سرّ المسيح في النصوص البيبلية. هنا لا بدّ من أن نسمع النصوص أوّلاً ولا نفرض عليها تفكيرنا اللاهوتي المسبّق.

ثانيًا: التأويل والدفاع المسيحي
نحن أمام مواجهة. ندافع عن الكتاب المقدّس ضدّ محاولات التفسير التي تفرغه من مضمونه العلوي. ثمّ نستعمله بشكل وضعي لنهيّئ الدرب التي تقود الإنسان إلى الإيمان. هذا يفترض عملاً تأويليًا صادقًا جدّيًا موضوعيًا، فيقوم بتفسير الوقائع داخل الإيمان: ما هي العلامات التي تتيح لنا أن نتعرّف في قراءتنا للعهد القديم إلى تدخّل الله في بشرية تبحث عنه؟ كيف نكتشف في سرّ المسيح العنصر الذي يؤمّن التماسك الداخلي والمعنى العميق لهذه النصوص؟ وحين نحدّد موقع العهد القديم بالنسبة إلى مجمل الواقع الديني وبالنسبة إلى المسيح، نراه مفهومًا في منظار الإيمان المسيحي.

ثالثًا: التعليم والرعائيّات
لا ينسى مؤوّل الكتاب المقدّس أنّه يعمل داخل جماعة تعتبر الكتب المقدّسة غذاء لحياتها. لهذا عليه أن يُبرز القيمة الحياتية في النصوص، أن يساعد على تأوينها في الليتورجيا والكرازة. هنا نعود إلى تاريخ الكنيسة، ونلاحظ بحث الليتورجيّا في نصوص العهد القديم والعهد الجديد لتحتفل بسرّ الخلاص الذي تمّ في يسوع المسيح وعاشته الكنيسة على مرّ العصور: عودة إلى التاريخ، إلى أقوال الأنبياء، إلى المزامير والأناشيد الملهمة. مثلاً نقرأ آلام المسيح على ضوء نشيد عبد الله (أش 13:52- 12:53) أو على ضوء مز 22: إلهي إلهي لماذا تركتني؟

ب- ما هي الحلول
هناك واجبان مفروضان علينا: أن نقبل بعمليّات النقد، ثمّ نتجاوز النقد. إنّما تبقى المسألة التي يطرحها التفسير المسيحي للعهد القديم من دون جواب. سنحاول أن نبرز بعض العناصر الأساسية. أوّلاً: أيّ موضوع نبحث عنه في الكتب المقدّسة لنرضي في الوقت عينه عمليّة النقد ولاهوتِ الكتاب الملهم؟ ثانيًا: أيّ لغة استعملتها الكتب المقدّسة لكي تعبّر عن هذا الموضوع؟ ثالثَا: ما هو الأسلوب المفروض علينا لكي نتجاوز القشرة ونكتشف غنى هذا الموضوع؟

1- الموضوع الوحيد في الكتاب المقدّس
العهد القديم هو مجموعة متنوّعة على مستوى الفنون الأدبية أو الموادّ المعالجة. هل نستطيع أن نعيدها إلى الوحدة، فنكتشف في كل صفاتها موضوعًا واحدًا وحيدًا؟ الجواب هو نعم، شرط أن نرجع إلى الوراء لتكون نظرتنا متكاملة عبر الوجهات العديدة.

أوّلاً: سرّ الخلاص
إذا أردنا أن نفهم موضِوع الكتب المقدّسة، لا يكفي أن نجمع الموادّ المعالجة. فبعضها لا يهمّ مسألة الخلاص. مثلاً، لائحة عشائر سعير وملوك أدوم (تك 36: 8- 43)، سجلّ المساحة لقبائل إسرائيل (يش 13- 19)، لائحة أبطال داود (2 صم 23: 8- 39)، تاريخ الحروب الأرامية (2 مل 6: 8- 8: 15)، لائحة الأنساب في سفر الأخبار الأوّل (ف 1-8).
أسفار العهد القديم هي كتب دينية تهدف إلى تغذية القرّاء وتنمية حياتهم الروحية. من هذا القبيل، جُعلت في حياة جماعة بشرية هي شعب إسرائيل، حين لوَّن العنصرُ الديني كل مظاهر وجوده. لهذا سُمّيت هذه الأسفار قانونية، واهتمامنا بها اهتمامنا بالإيمان: هو الله الحيّ في علاقاته مع البشر، هو مخطّط الخلاص الذي يتمّ على الأرض في تاريخ شعبه.
هنا يبرز موضوع الإلهام. فالله لا يوحي لنا بشيء إلاّ ما يهمّ خلاصنا. هذا ما سوف نبحث عنه وحده في الأسفار المقدّسة.

ثانيًا: سرّ الخلاص وسرّ المسيح
نستطيع أن ننظر إلى سرّ الخلاص على مستوى الناس الذين تعاقبوا على مرّ العصور. فكل واحد منّا يحاول أن يلتقي بالله في ظروف حياته الملموسة التي يعيشها. ويقول لنا الوحي بشكل واضح إنّنا لن نصل إلى هذا اللقاء بدون الوسيط الوحيد، يسوع المسيح (1 تم 5:2) الذي ننال نعمته.
ونستطيع أن ننظر إلى سرّ الخلاص على مستوى الجماعة البشرية. وحينئذ نراه في امتداده التاريخي. يبدأ مع الخليقة وينتهي معِ عودة المسيح بالمجد. قلبه ومحوره عبور يسوع المسيحِ على الأرض. بعده، يتّخذ السرّ شكلاً أسراريًا في تاريخ الكنيسة. وقبله كان يعمل مسبّقًا. إذن سرّ الخلاص وسرّ المسيح ليسا شيئين مختلفين مع أنّه يجب أن ننتظر ملء الأزمنة ليُكشفَ عن سرّ الخلاص بوضوح على أنّه سرّ المسيح. وهكذا ليس العهد القديم فقط تهيئة خارجية لسرّ المسيح. إنّه جزء منه. لم يأتِ المسيح بعد، ولكنّ إسرائيل بدأ يعيش سرّه. وهذا السرّ ظهر في الكلمة النبوية التي تحرّك عند الناس حياة إلهية تشبه حياتنا، وتجعلنا نستشفّ بدقة متزايدة ما سيكون تحقيقها التامّ في تهيئة الزمن. وظهر للذين يطلبونه بسلامة القلب. وظهر في تاريخ إسرائيل بما فيه من وجوه سرّية ومخطّط روحي.
حين نقول إنّ لأسفار العهد القديم موضوعًا واحدًا هو سرّ الخلاص، فهذا يعني أنّ موضوعها سرّ المسيح الذي اكتشفه إسرائيل تدريجيًّا واختبره مسبّقًا تحت ستار الأحداث والنظم.

2- لغة الكتب المقدّسة
موضوع الكتب المقدّسة هو سرّ الخلاص، هو سرّ الله في علاقته مع البشر فكيف تعبّر لغة البشر تعبيرًا وافيًا عن هذا الواقع العلويّ بكلمات تأخذها من خبرتنا البشرية اليومية؟ الجواب على هذا السؤال يشرف على التأويل الكتابي كلّه، فهدف التأويل هو مساعدتنا على فهم صحيح للّغة التي استعملها الكتاب المقدّس.

أوّلاً: البيبليا والرمزية الدينية المشتركة
هذه المسألة هي حاضرة في كل لغة دينية تحاول أن تترجم معرفة الله. فهي تلجأ إلى الرمز الذي بدونه ليس من لغة دينية ممكنة. ينطلق الإنسان من خبرة حياته (في العالم الحسّي، في المجتمع) فيتمثلّ عن طريق القياس العالم المتسامي الذي أدخلته فيه حياته الدينية. فالعبور من نظام الأشياء إلى نظام آخر بفعل التقابلات بين الوقائع الرمزية والواقع الإلهي المرموز عنه، يشكّل مقارنة ملموسة تتيح للإنسان أن يعبّر بكلمات عادية عمّا يعرفه أو يستشفّه عن الله.
نحن أمام تطبيق مبدأ معروف في اللاهوت المسيحي يقول: "فمنذ خلق العالم لا تزال صفاته الخفيّة، أي قدرته الأزلية وألوهيّته، ظاهرة للبصائر في مخلوقاته" (روم 1: 20). بما أنّ الخلائق هي وحي حقيقي وطبيعي عن الله الحيّ، فالإنسان يستطيع أن يعود اليها ليكوّن لغة بها يعبّر عن علاقته الحميمة مع ذاك الذي يتجاوز العالم المحسوس. لا شكّ أنّ هذه المعرفة الطبيعية لله قد تشوّهت وفسدت في بشرية خاطئة (روم 1: 21- 23). وهذه اللغة الرمزية قد تنحطّ وتمتلئ بمضامين ضالّة. هذا هو واقع الميتولوجيات القديمة. ولكنّ المبدأ الذي يُشرف على هذه اللغة يبقى هو هو. فيكفي أن نصحّح المسار لئلاّ تخون الرموز المستعملة موضوعها وتضلّ طريقها اليه.
وهذا ما حدث في الوحي البيبلي: شفى الطبيعة البشرية المجروحة، فأبعد عن رمزيتها التمثّلات التي لا تليق بالله الحيّ والتي عرفتها الوثنية المجاورة. ولكنّه أخذ رموزًا مشتركة بين اللغات الدينية في الشرق. فتحدّث عن الله كأب وملك وراع وزوج. وتصوّر الهيكل بيته وذبائح السلامة مشاركة في مائدته. وهو يكثر من الصور ليدل على عمل حمايته: هو البرج والصخرة والقلعة والترس. وهكذا تتجذّر لغة العهد القديم في الخبرة البشرية المشتركة فتنقّي معطياتها وتُبرز مدلولها الديني.

ثانيًا: خلق رمزيّة دينية خاصّة
ولكنّ هدف الوحي لا يقتصر على تنقية معرفتنا الطبيعية لله واللغة الخاصّة بالحديث عنه، فموضوعها الجوهري هو من نظام آخر: إنّه يعرّف البشر على سرّ الخلاص الذي تحقّق نهائيًا في يسوع المسيح. لهذا هو يحتاج إلى لغة وافية، لغة رمزية، وإن اختلفت عن التي انطلقت من خبرة البشر المشتركة. فيجب أن تتجذّر الرموز في خبرة إنسانية خاصّة ترتبط بوضوح بالوقائع المتسامية التي لا بدّ من ترجمتها. هنا تجد خبرة إسرائيل معناها وعلّة وجودها. إنّها خبرة شعب مصيره يختلف عن مصير سائر الأمم: هو يعيش من أحداث وجهّها الله من أجل تاريخ الخلاص. وهو يمتلك نظمًا أرادها الله من أجل سرّ الخلاص. وهو عرف رجالاً أرسلهم الله من أجل سرّ الخلاص. إنّ هذه العودة الدائمة إلى سرّ الخلاص تمنح خبرته التاريخية قيمة خبرة دينية تعرّفنا إلى كلمة مرسلي الله بمدلولها. لهذا، فاللغة البيبلية تلجأ إلى معطيات هذه الخبرة لتعبّر بكلمات البشر عن سرّ الخلاص، وذلك لشرح نظرة الله الحالية على شعبه داخل عهد سيناء أو للإشارة إلى الهدف النهائي الذي يشير اليه هذا الشعب، وهذا الهدف هو المسيح. وهكذا تكون خبرة إسرائيل نقطة انطلاق لرمزيّة جديدة تعطي التاريخ فرادته والنظُم أصالتها. واستعادةُ اللغة الرمزية المشتركة تتّخذ لونًا خاصًّا. مثلاً، الله الآب أو الله الزوج يُفهمان في خلفية الخبرة التاريخية للخروج والعهد.
هذه الملاحظات تتيح لنا أن نفهم العلاقة بين الصور الرمزية (التي تتضمّنها الأحداث والأشخاص والنظم في إسرائيل) ولغة الوحي. فالصور هي في منطلق اللغة. وتنتمي إلى بنيتها الأساسيّة. في البداية، بدأ سرّ الخلاص يُفهم شيئًا فشيئًا. وحين برزت الإسكاتولوجيا النبوية، تأسّست النهية على تفسير رمزي للماضي فتحدّثت النصوص عن خروج جديد، عهد جديد، عبور جديد في البرّية، دخول جديد إلى أرض الميعاد، أورشليم الجديدة، داود الجديد، الهيكل الجديد.
لا شكّ في أنّ الفكر يتأرجح على هذا المستوى بين بناء مادّي جديد لحالة سابقة واستبدال هذا البناء بواقع أسمى. كانت النبوءة ملتبسة. ولكن لمّا حضر العهد الجديد وتجسّد الكلمة ودخل عمله الفدائي في الخبرة التاريخية لشعب الله، كشف بُعد الصور كشفًا كاملاً. وإذ أراد الكتّاب المسيحيون أن يجعلوا هذه النهية مفهومة، ظلّوا يستعملون لغة مرتكزة على الصور. فعبّروا عن حقائق العهد بمقولات صاغتها خبرة إسرائيل التاريخية. تلك كانت أوّل لغة للاّهوت المسيحي الذي لجأ إلى الكتّاب الملهمين ليترجم سرّ المسيح في كلمات بشرية. لا شكّ في أنّ الخبرة المباشرة لهذا السرّ ملأت الكلمات مضمونًا جديدًا. حين أتمّ يسوع الصور والكتابات النبويّة، حوّلها كلّها إلى إنجيل، كما قال أوريجانس، فقاد اللغة الرمزية في العهد القديم إلى ملئها وكمالها.

ثالثًا: نقد اللغة البيبلية
كان إيمان البشر في العهد القديم جوابًا على كلمة الله. ولكنّ هذه الكلمة تُقرأ ككلمة نبويّة وكأحداث خلقها الله لينسج مصير شعبه. فكيف نفصل بين وجهتَيْ التعليم الإلهي دون أن نفرغه من محتواه.
إنّ نقد اللغة البيبلية مهمّ لأنّه يتيح لنا أن نكتشف من خلال الرموز المستعملة، الخبرة الوجودية. ولكنّ طرد السُطُر وما فيها من صور مخيبة للآمال يفرغ الرموز من كلّ مضمون كياني ويفصلها عن التعليم الذي تحاول أن تعبّر عنه. فإذا أردنا أن نترجم تعليم الله دون أن نخون وجهته الوجودية التي تعطيه قيمة حياتية، ودون أن ننسى وجهته الكيانية التي تؤمن لنا معرفة صحيحة للحقائق المتسامية، ان اردنا ذلك لا نجد لغة ممكنة إلاّ اللغة الرمزية في التوراة كما فسّرها العهد الجديد.

3- ما هو التفسير المسيحيّ للعهد القديم
التفسير المسيحي للعهد القديم يفرض على المفسّر أن لا ينحصر داخل حدود النقد، كما يفرض عليه أن لا يبحث عن بناء لاهوتي يتوسّل مناهج اعتباطية. فالهدف المطلوب هو فهم صحيح لكلمة الله كما كتبت بنعمة الإلهام. ولكن في الإطار المسيحي، يبقى هذا الفهم ناقصًا إن بحثنا فقط عن الأفكار البشرية لدى الكتّاب، إن لم نكتشف سرّ الخلاص كما أوحي به الينا. وهذا يتطلّب تنبّهًا إلى ما تحرّكه النصوص من عاطفة في قلوب آبائنا، في قلوبنا نحن الذين نعرف معرفة واضحة سرّ المسيح.
هنا نتوقّف عند ثلاث نقاط. الأولى: أيّ اتجاه نعطيه للبحث النقدي ليقودنا الى المعنى المسيحي للكتب المقدّسة؟ الثانية: بأيّة جدليّة ننتقل من معنى النصوص كما ندركها على مستوى سياقها التاريخي الأصلي إلى المعنى الذي تصل اليه في إطار واسع هو إطار الوحي الكامل؟ الثالثة: ما هي تطبيقات هذا النهج العامّ؟

أوّلاً: اتّجاه النقد
قواعد النقد هي إنها تنتمي إلى عالم العقل ولها حقّ ببعض الاستقلالية. لها الحقّ أن تتدخّل بطريقة غير مباشرة ليبقى العقل في حدودها فلا يتجاوزها، أو ليبقى للإنسان انفتاح على نور إلهي أسمى إذا حاول العقل أن يجعل من نفسه المقياس المطلق للأشياء، أو لتبقى الأحكام بعيدة عن الضلال. غير أنّ المسألة التي نطرحها لا تعني القواعد التي نأخذ بها في عمليّة النقد، بل اتّجاهه الأساسي والروح الذي نقوم به. فسواء كنّا أمام النقد الأدبي أو التاريخي أو الفلسفي، فالعمل يتضمّن ثلاث مراحل مرتبطة بعضها ببعض ارتباطًا منطقيًا: ندرس الظروف البشرية للفكر واللغة. ومن هنا ندرك الفكرة في اللغة التي عبّرت عنها. وأخيرًا، نرى قيمة ما درسنا ومعناه. وحين يتعلّق أمر بالكتاب المقدّس، فالنصّ المدروس هو ملهم وهو يعبّر عن وحي الله ويعني سرّ الخلاص. وهذا ما يؤثّر على مراحل النقد الثلاث.

- الظروف البشرية
لسنا أمام لغة طبيعية مستقلّة في ذاتها وتطوّرها. بل هو وحي إلهي ناله الكتّاب الملهمون من أجل معرفة سرّ الخلاص، سواء نالوا الموهبة النبوية أم كانوا صدى لشهادة الأنبياء فتقبّلوها في الإيمان. فلغتهم يحرّكها الوحي الإلهي وهذا ما يؤمّن للوحي ترجمة وافية تلعب فيها عصمة الله دورها. الفكر واللغة يتقابلان. نميزهما ولكنّنا لا نفصلهما.

- من اللغة إلى الفكر
إنّ ظروف الزمان والمكان والمحيط البشري والحضاري، تكيّف معرفة سرّ الخلاص كما يملكها كل كاتب ملهم. والمسألة هي هي سواء كنّا أمام معرفة نبوية أم معرفة إيمانية مؤسّسة على الشهادة النبوية: هذه المعرفة يحدّها أفق زمن محدّد حتّى ولو وصلت نظرة النبي إلى المستقبل حتّى زمن النهية. لا شكّ في أنّ معرِفة النهية عند الأنبياء تتضمّن سمات جدّة مطلقة. وحتّى في هذه الحالة تبقى خلفيّتُها خبرةَ بشرية تعطيها كثافتها الملموسة.
والحال أنّ هذه الخبرة ليست بعد العهد الجديد والمسيح. إنّها خبرة التاريخ والنظم التي كانت تهيئة وصورة، وتكون فقيرة أو غنيّة بحسب اقترابها أو بعدها من العهد الجديد. وبقدر ما تقود معرفة السرّ التي تترجمها النصوص إلى هذه النصوص، فهي واضحة أو أقلّ وضوحًا.
وتتكيّف اللغة التي يستعملها الكاتب ليترجم تعليمه، وهذه اللغة تتجذر في الخبرة البشرية لشعب الله، كخبرة أولى لسرّ الخلاص. ولهذا فهي تستطيع أن تترجم هذا السرّ فلا يعارضها وحي العهد الجديد، بل يغنيها ويوضح ما فيها من التباس. حين نعلم حدود الخبرة التي فيها تتجذّر هذه اللغة، نعرف أنّ هذه اللغة لا تستطيع أن تترجم السرّ في ملئه وكماله. 
وهكذا يكون لدراسة العوامل البشرية التي تكيّف النشاط النقدي للكتّاب الملهمين، نتائج مهمّة. من جهة، فهي تفسّر الطابع الناقص لتقديمها للسرّ، ونحن نفهم هذا الطابع من خلال تحليل النصوص، ومن جهة ثانية، فهي تبرّر مجهود القارئ المسيحي لكي يدرك السرّ كلّه من خلال صورة ناقصة يقدّمها هذا الكتاب أو ذاك. وهذه الدراسة، حين تلفت الانتباه إلى معرفة السرّ التي يمتلكها كل كاتب، والى مكانة السرّ في نفسيّته الدينية، والى الطرق التي وصل بها إلى السرّ بحياة إيمانه، فهي تتيح لنا أن نرى الوجهة التي اهتمّ بها ليشرح هذا السرّ، وكيف أنّ العبارة تكشف هذا السرّ وتخفيه معًا.
هذه الملاحظات هي هامّة لأنّها تتيح لنا أن نبرز الفكر المسيحي في النصوص انطلاقًا من فكر الكتّاب الملهمين كما قدّمه الينا النقد. فعبر التعابير الناقصة والمتلمّسة، ندرك السرّ كل السرّ. لا شكّ في أنّنا ما كنّا لندركه لو لم يعرفنا به سرّ الإيمان المؤسّس على العهد الجديد. ولكن بعد ان نؤمّن هذه المعرفة، نتجاوز الحدود التي اصطدم بها الكتّاب لنُبرز في وضح النهار الموضوعَ السرّي الذي استشفّوه في معرفة نبوية كيّفتها ظروف زمنهم فما استطاعوا أن يعبّروا عنها بصورة مرضية.

- الحكم على مدلول النصوص وقيمتها
وفي نهاية هذا العمل النقدي، نصل إلى الفلسفة الدينية والى اللاهوت أو بالأحرى ستطرح الفلسفة الدينية أسئلة لن يكون في مقدورنا أن نقدّم جوابًا عليها دون أن نتجاوز حدود الفحص العقلي. فهذا الجواب يتطلّب التزام الإيمان، وهذا ما يدخلنا في نطاق اللاهوت.

ثانيًا: جدليّة التجاوز
أجل، لا بدّ من تجاوز النقد على خطى كتّاب العهد الجديد ولاسيمّا القدّيس بولس وصاحب الرسالة إلى العبرانيين. وهذا يتمّ بأشكال عديدة.

- من الحرف إلى الروح
يرى القدّيس بولس أنّ الفهم المسيحي للعهد القديم يتطّلب عبورّا من الحرف إلى الروح. هاتان اللفظتان تميّزان نظامين دينيين مؤسّسين على عهدين. العهد الجديد الذي قُطع مع يسوع المسيح يحمل إلى البشر عطيّة الروح الإلهي التي تحييهم. أمّا العهد القديم، عهد سيناء، فلم يحمل إلاّ عطيّة خارجيّة هي الشريعة، التي كانت في حدّ ذاتها حرفًا ميتًا لا يقدر أن يعطي الحياة، وهو مناسبة موت للذين يعصونها (2 كور 3: 6- 7). وعلى المسيحيين الذين نالوا الروح في المعمودية أن يخدموا الله في جدّة (جديد) الروح لا في عتق (عتيق) الحرف (روم 6:7). وهذا يفرض عليهم أن يفهموا الشريعة القديمة التي تتجاوز ماديّة الفرائض وتحتفظ بمعناها العميق سواء كانت فرائض قانونية أو عبادية متّصلة بنظم إسرائيل. وهكذا يحلّ " ختان الروح " محلّ "ختان الحرف"، ختان القلب محلّ ختان اللحم (روم 2: 27- 29).
والتطبيق الوحيد الذي اختبره القدّيس بولس يعني مسألة الشريعة القديمة، وتلك كانت مسألة موت أو حياة لكنيسة عصره التي تحّركها محاولات المسيحيين المتهوّدين. ولكنّ لهذا المبدأ تأثيرات أوسع. فكل نصوص العهد القديم لها بُعد محدّد بالنظر إلى عهد سيناء والنظام المؤسّس عليه. هذا هو المعنى الذي يكتشفه النقد، ولا بدّ من المحافظة على قوام هذا الحرف الذي فيه يكلّم الله آباءنا (عب 1:1 ) حسب قواعد تدبير التهيئة. فإذا أردنا أن نكتشف التعليم الذي يوجّهه إلينا، يجب أن نجعل هذا الحرف في ضوء التدبير الجديد لكي نكتشف مقصده العميق والمرتبط بنظام الروح الذي دخلنا فيه. وإلاّ سجَنَنا النقدُ في حرف ميت قد يشبع فضولنا، ولكنّه لا يحمل إلينا شيئًا مفيدًا لخلاصنا. مثل هذا الحرف يشجبه القدّيس بولس.

- من التربية الإلهية إلى هدفها حسب عناية الله
نحن نفهم فهمًا أسهل العبور من الحرف إلى الروح إذا فكّرنا في دور الشريعة القديمة في مخطّط الخلاص. كانت مربّية شعب الله إلى أن جاء المسيح وحصلنا على التبرير بالإيمان به (غل 23:3- 25). والتطبيق الوحيد الذي يعلنه بولس هنا هو مسألة الشريعة. غير أنّ مبدأ التربية الإلهية قد يتوسّع إلى كل وجهات العهد القديم: الشرائع والنظم، التاريخ والمواعيد النبوية.
إذا أراد إنسان أن يولد إلى حياة جديدة في المسيح، عليه أوّلاً أن يختبر عجزه عن أن يخلّص نفسه من دينونة الله. بالشكل عينه كشف السرّ الإلهي لإسرائيل شقاء كيانه الخاطئ الذي أخضعه لدينونة الله، ونظام موعد نعمة يعُطى فيه الخلاص مجّانًا. فإن أردنا أن نكتشف مكانة كل نصّ بيبلي في تربية الله، يجب أن نرى كيف ينتظم بالنسبة إلى وحي المسيح، كيف يتطلعّ إلى سرّ الخلاص الذي سيتحقّق حين يتمّ وقت التهيئة. هذا يفترض أنّنا نحترم احترامًا مطلقًا الواقع التاريخي، ونفهمه في المعنى الذي كان له ساعة دوّن. هذا هو عمل النقد. ولكنّ هذا يفترض أيضًا أنّنا نتنبّه إلى علاقته بنهاية التاريخ المقدّس، ونكتشف الدينامية العميقة التي أتاحت له أن يقوم بوظيفته التربوية. حينئذ يظهر بعده المسيحي، فيلعب بالنسبة الينا الدور التربوي الذي لعبه بالنسبة إلى آبائنا.

- من الصور إلى الحقيقة
وأخيرًا، يصوّر القدّيس بولس وصاحب الرسالة الى العبرانيين العبور من العهد القديم إلى العهد الجديد كعبور من الصور إلى الحقيقة. هناك تطبيقات لهذا المبدأ. على واقع تاريخ التهيئة، على مؤسسّات النظام القديم ولاسيمّا شعائر العبادة. هناك المعنى الظاهر الذي يتوقّف عنده النقد. ولكنّ البعد العميق للنصّ يفترض تجاوز نتائجه. نكتشف سرّ المسيح تحت القشرة العابرة التي كانت علامة ناقصة عن حضوره: يختفي العهد الجديد في العهد القديم. ويتوضّح القديم في الجديد.

ثالثًا: تطبيقات عمليّة
- على مستوى الدفاع المسيحيّ
نأخذ بعين الاعتبار معطيات النقد. فلا نركّز طريق الإيمان إلاّ على نتائج عقلية لا جدال فيهِا. هنا نعيد تفكيرنا في البرهان النبوي الذي هو تقليد في الكنيسة. لا نحاول أن نبني برهانًا يفرض نفسه بالقوّة، فيما يخصّ تحقيق النبوءات، بل نفكّر في ظاهرة تاريخية هي أنّ العهد القديم واقع لا بدّ من اكتشاف مبدأ وحدته ومضمونه.
ونعود إلى التربية الإلهية كما وصلت إلى المسيح وسرّه. فالعهد القديم ليس ظاهرة دينية تكفي نفسها بنفسها. إنّه واقع ديناميكي. وما يوحّده ويعطيه معناه هو الهدف الذي اليه قاد شعب إسرائيل. فحرف شريعته لا يجد سبب كيانه في نفسه، بل يقوم بتربية أخلاقية ودينية تهيئ إسرائيل لنظام الروح الذي يُدخله فيه المسيح. ونقول الشيء عينه عن التاريخ الزمني والنظم التي تبني حياة شعب الله: تقوم بتربية دينية، فتهيّئ يومًا يتحرّر فيه الإيمان من القشور الموقّتة ليصل إلى الواقع النهائي.

- على مستوى اللاهوت
إنّ الوحدة بين العهدين تشكّل للاّهوتيّ واقعًا لا جدال فيه. تبقى المشكلة: كيف نجد في العهد القديم التعبير التدريجي عن وحي قاده العهد الجديد إلى كماله؟ فدون أن ننسى الوحدة الملموسة لسرّ الخلاص كما تتمّ في المسيح، نبحث عن وجهات برزت في حياة إسرائيل وخبرته التاريخية أو في المواعيد الإسكاتولوجية. وحين نتبع نموّ الوحي من كتاب إلى كتاب نبرز مواضيع تنتظم داخل إطار واحد هو سرّ المسيح. لن يبحث اللاهوتي عن عناصر مسيحية في العهد القديم، بل يتطلعّ إلى نضوج تعليم يصل بنا إلى المسيح. كل موضوع يتجذّر في الخبرة البشرية لشعب التوراة. يرتبط بهذا السند الموقّت فيتعمّق فيه شيئًا فشيئًا إلى أن تنقله النبوءة إلى إطار إسكاتولوجي، أي بالنسبة إلى نهاية الزمن. وحين يأتي المسيح يملأ بمضمون سرّه هذا التعبير الذي كيّف مسبّقًا لكي نعبّر عنه. هذا ما نقول عن الملكيّة في أرض إسرائيل. نقلتنا النبوءة إلى وعد بالملك المسيح، وحقّق يسوع المسيح هذا الوعد، ولكنّه أعطى مضمونًا جديدًا للملكيّة المنتظرة (يو 37:18) التي تتجلى في المجد بعد الزمن الحاضر (رؤ 19: 11- 16).

- كل مستوى عمل الرعاية
ويفرض عمل الرعاية أن نرى في كل نصّ كتابي حضور المسيح. لن نكتفي بأن نضع كل نصّ في منظار الموضوع الذي يتوسّع فيه، كما نفعلِ في اللاهوت. حينئذ نقدّم للحياة الروحية طعامًا غير كاف، لأنّ المعنى الحرفي يرتبط ارتباطَا وثيقًا بنظام دينيّ تجاوزه المسيح. ولكنّ هدف الكرازة والليتورجيا هو أن نصل إلى التعليم الأساسي الذي له قيمته لنا اليوم. من جهة وَضَعَ هذا التعليمُ الإنسانَ الوجودي أمام الله الذي يكلّمه، ومن جهة ثانية، أفهمنا هذا التعليمُ سرَّ الخلاص كما نراه في بنيته الأساسية.
مثلاً، يجد القدّيس بولس في تفسيره الرمزي لسرّ الخروج (1 كور 10: ا- 11)، عالم الأسرار المسيحي من خلال الصور: آباؤنا "اعتمدوا في موسى في الغمام وفي البحر، وأكلوا كلّهم طعامًا روحيًا واحدًا وشربوا كلّهم شرابًا روحيًا واحدًا". إنّ الروح (أي حضور المسيح الخفيّ) يختفي تحت حرفيّة النصّ كما اختفى في العلامات الناقصة التي عرفها التاريخ الماضي. فنحن نكتشف الواقع الإسكاتولوجي تحت الصور، نكتشف الروح تحت الحرف.

II- معاني الكتاب المقدّس
بعد أن عالجنا مسألة التفسير المسيحي للعهد القديم نتوقّف على معاني الكتاب المقدّس. بدأ القدّيس بولس وميّز في الكتاب الحرف من الروح والصور من الحقيقة. وعلى خطاه تحدّث آباء الكنيسة عن معان عديدة، وهدفهم أن يقرأوا العهد القديم في منظار مسيحي.

أ- تعدّد المعاني الكتابية
ا- أمور عامّة
أوّلاً: ألفاظ ومفردات
- المعنى الحرفيّ
يدلّ الحرف عند القدّيس بولس على الكتاب المقدّس نفسرّه كما يفسرّه اليهود لا على ضوء المسيح. هذه الطريقة لا تلجأ إلى النقد الأدبي، بل تتطلعّ إلى كل عناصر العهد القديم ونظمه ونصوصه كوحدة لا تتجزّأ. وعند أوريجانس، المعنى الحرفي (أو المعنى البشري أو المعنى التاريخي) هو نتيجة تفسير يفهم الكلمات والجمل في المعنى الحقيقي (ضدّ المجازي). واليوم المعنى الحرفي هو الذي جعله الكاتب في النصّ. وهكذا تنحصر النظرة في العهد القديم.

- المعنى الروحيّ
روح الكتاب المقدّس عند القدّيس بولسِ هو المعنى الذي أعطانا إيّاه وحي سرّ المسيح. أمّا عند أوريجانس فالمعنى الروحيّ هو أيضَا المعنى المجازي. وهكذا ميّز أوريجانس ثلاثة معان: التاريخي والصوفي والروحي.

- المعنى المجازيّ
قدّم القديسة بولس المعنى المجازي لنصّ بيبلي في خدمة التأويل المسيحي (غل 4: 24). وهكذا صار المجاز مع أوريجانس كل تفسير يبقى أمينًا للاّهوت البولسي عن العهدين فينقل عناصر نصّ من نظام عفا عليه الزمن إلى نظام جديد. وهكذا صار للمعنى المجازي مدلولان. في معنى عامّ، معنى أمور العهد القديم في تعلّقها بالعهد الجديد، في معنى دقيق، كلّ مدلول يشير إلى سرّ المسيح والكنيسة (لا يتحدّث عن حياة النفس).

ثانيًا: نقاط اتّفق عيها
- معنى النصوص
المعنى الحرفي هو المعنى الذي يربطه كاتبه بنصه. نعني هنا الكاتب البشري الذي هو أداة في يدّ الله من أجل تأليف الأسفار المقدّسة. ولا نعني الله الذي هو الكاتب الرئيسي. قد يكون هذا النصّ حقيقيًا أو استعاريًا.
المعنى الروحي هو تفسير نصوص العهد القديم على ضوء المسيح. نحن نرى فيها شهادة مسبّقة لسرّ المسيح.

- معنى الأشياء
تحدّث القدّيس توما الاكويني عن المعنى الروحي، المعنى النمطي، المعنى الصوفي. المعنى الروحي يربطنا بسرّ المسيح. المعنى النمطي يجد في نظم العهد القديم وأشخاصه صورًا عن المسيح.

2- المعنى الحرفيّ في الكتاب المقدّس
لا بدّ من تمييز درجتين حين نلج إلى داخل النصّ الحرفي. الأولى يتوقف عندها النقد، والثانية يصل اليها اللاهوت. الأولى هي المعنى الحرفي، والثانية هي المعنى التامّ أو ملء المعنى.

أوّلاً: المعنى الحرفيّ
يرتبط هذا المعنى بالنقد لأنّه ينتج عن تحليل للنصوص. ولكنّه يتضمّن دومًا معنى لاهوتيًا يشكّل جوهره. وهكذا نتتبعّ من جيل إلى جيل نموّ الوحي. الموضوع الوحيد لهذا الوحي هو سرّ الخلاص الذي تمّ في سرّ المسيح. فالمعنى الحرفي للكتاب المقدّس يُقرأ بالنسبة إلى هذا الموضوع الوحيد، ولكنّه يعرضه حسب الظروف في منظارين مختلفين.
المنظار الأوّل هو اختبار إسرائيل. لقد أختبر شعب الله السرّ في أحداث تاريخه، وغذّى منه حياة إيمانه، وهذا ما نكتشفه في صلاته. ولكنّ هذه المعرفة محدودة من جهتين، بأفق كل عصر، وبنظام عهد سيناء. في هذه الشروط، عبّر عن سرّ علاقات الله بشعبه بصورة ناقصة هيّأت تعليم العهد الجديد ورسمت أولى خطوطه دون أدن تصل إلى مستواه. المنظار الثاني هو منظار الأقوال النبوية. هنا يقدَّم السرّ في منظار الإسكاتولوجيا. ويُعلن تمامه كالحدث الأسمى الذي يتوّج مخطّط الخلاص. لا شكّ في أنّ اللغة المستعملة للتعبير عن هذا الموضوع ناقصة لإنّها مشروطة بخبرة إسرائيل. ولكنّنا نقول إنّ النصوص أشارت حتّى في معناها الحرفي إلى سرّ المسيح متمّم الخلاص.

ثانيًا: المعنى التامّ أو ملء المعنى
- طبيعة المعنى التامّ
المعنى التامّ هو المعنى الحرفي ندركه في مستوى آخر من العمق. فالتعبير عن سرّ الخلاص في العهد القديم محدود. ولكنّ اللاهوتي يجد من خلال هذا التعبير الناقص ملء السرّ. أو بالأحرى هو يعرف السرّ بواسطة العهد الجديد فيُسقطه على النصوص ليكتشف معنى أكمل وأعمق.
ونأخذ مثل الأقوال النبوية. أشار النصّ الكتابي إلى السرّ كلّه، وإن بدت اللغة ضعيفة فما استطاعت أن تعبّر عنه. والمعنى التامّ هو تجاوز هذا الضعف والنقص من أجل فهم اللغة النبوية حسب قواعد الوحي التامّ. مثلاً نقرأ سرّ صليب يسوع مع أع 4: 25- 28 في عبارة مز 2 الذي عنى في معناه الحرفي الملك المسيح في حروبه على الأرض. وكذا نقول عن نشيد عبد الرب (أش 13:52- 53: 12) الذي دلّ على بقيّة بارّه أو على نبيّ محدّد في خط إرميا. لقد دلّت الأحداث أنّ يسوع هو المسيح المنتظر، وإن لم تكن مملكته من هذا العالم، وأنّ البقيّة أو النبيّ الذي يكفّر عن الخاطئين هو يسوع نفسه. فحين عاش ما يتحدّث عنه المزمور والمقطع النبوي، أعطى هذه النصوص ملء المعنى الذي لم يكن في مقدور المؤمنين أن يدكوه.
ونعود إلى المعنى الحرفي التاريخي. فهو يرتبط بإحدى وجهاته بسرّ الخلاص. لا بالسرّ كواقع مقبل، بل بالسرّ كواقع معاش قد شارك فيه شعب الله في الماضي ويشارك فيه الآن. ينطلق المفسرّ من هذا التعبير الذي يتلمّس طريقه ليظهر سرّ الخلاص كما تحقّق (وإن بغموض) في المسيح وكما أُعطي لنا أن نشارك فيه. وهكذا يتّضح المعنى التامّ للنصوص. ونعطي مثلين:
المثل الأوّل، مز 22. كان توسّلة فردية بين توسّلات أخرى تعبّر عن صلاة تقيّ سحقته المحنة. ولكن بعد أن ردّده المسيح على الصليب لكي يعبّر عن وضعه الخاصّ، تفجّر من معناه الحرفي معنى كامل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بسرّ آلام المسيح.
المثل الثاني، نشيد موسى في خر 15. عنى في المعنى الحرفي لا خلاص إسرائيل المقبل، بل الخروج من مصر، والتحرّر من العبودية، كما يحتفل به الفصح كل سنة. ولكن بعد أن ذُبح المسيح فصحنا (1 كور 7:5) أسقط سرّ الخلاص الإسكاتولوجي بضوئه على هذا النصّ فأعطاه معنى كاملاً استغلته ليتورجية ليلة الفصح.
المعنى التامّ هو امتداد للمعنى الحرفي، ولكنّه أعمق منه بدرجة تتعدّى كل تصوّر.

- المعنى التامّ ووجدان الكاتب الملهم
ما هو هذا الوجدان؟ إن تكلّمنا عن معرفة واضحة ومميّزة نعبّر عنها بلغة وافية، فهذه المعرفة لمعنى جديد لم تكن للكتّاب الملهمين. وإلاّ، فلماذا نبحث عن معنى تامّ من خلال المعنى الحرفي؟ هناك حقائق أوردها الكاتب الملهم، ثمّ زيدت حقائق أخرى لم يكن يعرفها أوحيت بعده فألقت بضوئها على نصّه وأعطته بعدًا جديدًا. ولكنّ هذه الزيادة تبقى خارج نظرته، لأنّه حين كتب لم يكن واعيًا للبعد الذي حفظته العناية لعمله، كما لم يكن لأبطال التاريخ المقدّس وعي المدلول الرمزي للتاريخ الذي يعيشونه. نحن لا نبحث عند الكاتب الملهم عن معرفة بالمعنى التامّ، ولكنّنا نؤكدّ أنّ هذا المعنى هو موجود بصورة إجمالية في معرفة حقيقية لسرّ الخلاص. هناك رباط داخلي بين المعنى الحرفي والمعنى التامّ، وهذا الرباط سيتوضّح حين يأتي عنصر جديد ووحي لاحق. هذا ما حصل حين جاء العهد الجديد فألقى بضوء جديد على نصوص العهد القديم. مثلاً النبوءة عن حبل العذراء البتولي (أش 7: 14؛ رج متى 1 :23).

3- تكييف الكتاب المقدّس
ليس للكتاب المقدّس إلاّ معنى واحد هو المعنى الحرفي الذي يجد امتداده في المعنى التامّ. وكل ما يخرج عن هذين المعنيين هو تكييف للنصوص. ولكنّ هناك أنواعًا من التكييفات، بعضها تطبيق اعتباطي يفسّرها تلاقي الأفعال، وهناك استعمالات ليتورجية تُستعمل فيها العبارة البيبلية دون الرجوع إلى السياق الذي وردت فيه، وبعض التكييفات تبدو أقرب إلى النصّ البيبلي وهي تتوسعّ على خلفيّة متينة لمعنى تامّ ثبّته التقليد. ولكنّها تكيّف كل تفاصيل النصّ على سرّ المسيح على حساب شروح مجازية تتعدّى حدود النمطية. في هذه الحالة نتكلّم عن تكييفات صورية ورمزية. ولنا عنها نماذج عديدة في العهد الجديد. مثلاً، اعتبارات بولس على هاجر وعهد سيناء (غل 4: 24 ي). والتقارب بين المسيح "المتألم خارج أبواب " (المدينة) وضحيّة التكفير "المحروقة خارج الخيم " (عب 13: 11- 13). مثل هذه التكييفات سنجدها عند آباء الكنيسة والشراح العديدين الذين سيلجأون إلى رموز أخذوها من الكتاب المقدّس ليترجموا بصورة ملموسة التعليم الخفيّ في كلام الله.
الفصل الحادي والعشرون
من العهد القديم إلى العهد الجديد

موضوع الكتاب المقدّس الوحيد هو سرّ المسيح، سرّ الله مع البشر كما عاشه العهد القديم قبل أن يتمّ في واقع تاريخي هو تجسّد الكلمة وموته وقيامته. ولكنّ التعبير عنه خضع لتحديدات نجعلها في نقطتين. من جهة، إذا نظرنا اليه من زاوية نتائجه الفردية، فهو موضوع خبرة ناقصة. فمع أنّه معنيّ كلّه في حياة الإيمان، إلاّ أنّ وجهاته المتعدّدة لم تتجاوز عتبة الوحي عند الذين ينعمون به. وبالتالي، لا تستطيع الكلمات أن تعبّر عن واقعه وغناه إلاّ بشكل بدائي. وإذا كنّا فقط أمام هذا النوع من التحدّد (وضع حدّ لشيء)، فالعبور من المعنى الحرفي إلى المعنى التام يحصل بالتعمّق في العبارات المستعملة. فيكفي القارئ أن يضع تحت الألفاظ البيبلية غنى المعنى التي حمّلها إيّاها العهد الجديد.
ومن جهة ثانية، إذا تطلّعنا إلى السرّ من وجهة مساره التاريخي، فهو موضوع خبرة أكثر نقصًا من سابقتها، لأنّ مخطّط الخلاص لم يزل في مرحلة التهيئة. وبالتالي ما استطاع الكتّاب الملهمون أن يعودوا إلى وجود المسيح التاريخي ولا إلى البُنى الأسرارية في الكنيسة ليحدّدوا السرّ، فأجبروا على الانطلاق من تاريخ ونظُم بديئيّة (أوّل الحال). لم يتطلعّ العهد القديم إلى سرّ المسيح إلاّ بشكل غير مباشر عبر عناصر موقّتة تمثلّها في الزمن. وحين يكون الأمر هكذا، يفرض الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى التامّ أن نعود إلى جدليّة الصور.
هذا ما سوف نقرأه في خبرة إسرائيل على مستوى المعنى الحرفي والتاريخي، وفي الإسكاتولوجيا على مستوى المعنى الحرفي والنبوي. ننطلق من حرفيّة النصوص فنلقي الضوء على سرّ المسيح.

I- في المنظار التاريخيّ
أ- تعميق تعبير بديئيّ
يكون التعبير عن سرّ المسيح بديئيًّا (بدأ ونشأ جديدًا) حين يلجأ الكاتب الملهم إلى الألفاظ والرموز التي لا ترجع رجوعًا خاصًّا إلى الخبرة التاريخية أو النُظْمية لدى إسرائيل. هنا لا نعود إلى الصور المسبّقة ونعرف أنّ هذه الخبرة قد تعطي النظم لونًا خاصًّا. إذا تركنا جانبًا كل عودة إلى وحي علوي، مثل هذه اللغة تقدر أن تترجم في أيّ إطار حضاري خبرة دينية مستقلّة كل الاستقلال عن ظروف الحياة الخاصّة بالشريعة القديمة. ومع ذلك، فنحن نكشف فيها، على ضوء العهد الجديد، تعبيرًا مسبّقًا (ناقصًا ولكنّه صحيح) للخبرة المسيحية بذاتها، لسرّ المسيح كما نعيشه في ملء نور الإيمان. ونحن نفهم أن يكون لسفر المزامير المكان المميّز في هذا المكان: إنّه كتاب صلاة إسرائيل، وهو يساعدنا أكثر من أيّ كتاب آخر على إدراك هذه الخبرة الروحية التي هي أيضًا خبرتنا. ولكنّ سفر المزامير لن يكون المرجع الوحيد الذي نستعمله.
إذن، سنعود إلى النصوص فنبحث عن تعبير مسبّق لنعمة المسيح، لسرّ الآلام، للعبادة بالروح والحقّ، لعمل الثالوث الأقدس في العالم. هي مواضيع خاصّة بوحي العهد الجديد. ولكنّ العهد القديم قدّم رسمة سريعة هيّأت الشعب اليهودي ليتقبّل ملء الوحي مج يسوع المسيح.

1- تعبير مسبّق عن نعمة المسيح
أوّلاً: استعارات الحديث عن النعمة
اختبر شعب العهد القديم مسبّقًا نعمة المسيح. وهذه الخبرة تتضمّنها تعابير سيستعيدها العهد الجديد دون أن يحوّلها. مثلاً: الرب راعي (مز 23)، الرب نوري وخلاصي (مز 27). لا شكّ في أنّ الصور المأخوذة من الخبرة اليومية تتجمّع في كلا الحالين: صورة الراعي الذي يقود خرافه إلى المرعى (مز 23: 1- 4)، صورة المأدبة التي يدعى اليها البّار (مز 23: 5)، صورة الإقامة في هيكل الله (مز 23: 6؛ 27: 4)، صورة القلعة المحاصرة (مز 27: 1- 3، 5- 6). ولا شكّ في أنّ عددًا من هذه الصور تتلوّن بخبرة إسرائيل: صورة الراعي (مز 80: 2؛ حز 34: 11- 20 ؛ أش 40: 11)، تلميح إلى شعائر العبادة.
ومع هذا، فما تشير اليه هذه الاستعارات بشكل رمزي هو وضع المؤمن في وجوده وحياته: لا ينقصه شيء لأنّ العناية الإلهية تهديه. لا يخاف الصعوبات لأنّ العناية الإلهية تسهر عليه. وهو يختبر الفرح الروحي حيث يجد حضور الله.
تشير النصوص إلى واقع هيكل أورشليم (مز 23: 6؛ 27: 4- 5) لأنه علامة، لأنّه "بيت الرب ".
منِ السهل أن نجعل من هذه النصوص تعبيرًا عن الصلاة المسيحية، فنضع في الصور مضمونًا تعليميًا نستقيه من العهد الجديد. لقد قال يسوع عن نفسه إنّه الراعي الصالح (يو 10) ونور العالم (يو 9: 5)، وملكوت الله الذي دشنّه يسوع يشبه مأدبة ووليمة (مت 8: 11؛ 22: 1- 10؛ رج رؤ 3: 20؛ 7: 16). والمسيحي الذي يهاجمه الشيطان أمين من نفسه (رج أف 10:6 ي) لأنّه في حماية الرب (1 بط 7:5- 9).
وهكذا نجد في هذين المزمورين تعبيرًا مسبّقًا عن نعمة المسيح في لغة الاستعارة.

ثانيًا: خبرة التبرير
واختبر المرتّل (في سفر المزامير) ما يسمّيه العهد الجديد "التبرير". فإنّ مز 32: 1- 5 يُنشد سعادة الإنسان الذي غفر الله له خطيئتهِ بعد أن أقرّبها. ويستعيد القدّيس بولس هذا النصّ لأنّه يرى فيه مثالاً عن برّ تقبّله المؤمن مجّانًا من الله (روم 4: 5- 8). واستعمل أيضًا روم 3: 20 نص مز 143: 2 ليشرح وضع البشر أمام الله: لا يستطيع أحد أن يقول عن نفسه إنّه بارّ. لهذا لجأ المرتّل في صلاته إلى برّ الله، لا البرّ الذي يدينه، بل البرّ الذي ينجّيه (رج أش 5:51، 6، 8).
يرينا القدّيس بولس "البرّ" المبرِّر والعامل في العالم بعد مجيء يسوع (روم 3: 21- 26). أمّا مز 51 فهو يطلب أن تُمحى خطاياه السابقة (آ 3- 4، 11)، كما يطلب الطهارة الداخلية (آ 4، 9) وتبديل القلب بنعمة من روح الله (آ 12- 13). هنا تعود صلاة التائب إلى الوعد الإسكاتولوجي الذي يتحدّث عنه حزقيال (36: 25- 27)، وكأنّها تطلب تحقيقه المسبّق. والعهد الجديد يرى أنّ هذا الوعد تمَّ في غفران منحه الله للخطأة بنعمته وحلول روحه في القلوب (روم 5: 5 ؛ 13:8- 16).

ثالثًا: خبرة بنوّة الله
ونقول الشيء عينه عن المقاطع التي تترجم علاقات الله بالبشر (داخل مخطّط العهد) بالأبوّة والتبنّي: إمّا في منظار جماعي داخل شعب إسرائيل (خر 4: 23؛ هو 11: 1؛ إر 3: 19)، وإمّا في منظار فردي على مستوى كل فرد من أفراد الشعب (تث 14: 1 ؛ 1 3: 5 -6؛ أش 1 :2؛ 6:63؛ 64 : 7).
إذا توّقفنا عند المعنى الحرفي، كنّا أمام تبنًّ لا يتضمّن مشاركة في حياة الله. نحن لا ننكر هذه المشاركة، ولكنّنا نقول بأنّ لا شيء يساعدنا على مشاهدتها. أمّا العهد الجديد فيدعونا لأن نفهم في العمق خبرة التبنّي التي منحها الله لشعبه (روم 9: 4). نحن أمام استباق للتبنّي الممنوح للمسيحيين "في المسيح يسوع " (غل 4: 5؛ رج روم 15:8- 17): ففي المسيح يسوع "كان إسرائيل " "الابن الاكبر" للرب (خر 4: 23) الذي نعرفه أبًا. وفي المسيح يسوع يستطيع أعضاء شعب الله ان يدعوه "أبانا" (أش 16:63). كل هذا يفترض استباقًا لنعمة المسيح كما عبرّت عنها النصوص البيبلية بشكل بديئي.

2- تعبير مسبّق عن سرّ الآلام
نجد في قسم كبير من المزامير صلاة الأبرار المتألّمين والمضطهدين. لسنا هنا أمام اصطلاح أدبي مصطنع. فقد عرف الشرق القديم موضوع البّار المتألّم. لأنّه يتجاوب مع خبرة بشريّة شاملة. وصاحب المزامير قد يلمّح إلى وضع خاصّ يقابل خبرته الشخصية. إذا توقّفنا عند المعنى الحرفي نرى أنّ مزامير المتألّمين تعبّر قبل كل شيء عن خبرة محيّرة للأبرار الذين جهلوا الحياة الأخرى.
ولكن الا نبحث عن شيء آخر أبعد من المعنى الحرفي؟ إنّ أخبار الآلام في الإنجيل تبيّن أنّ يسوع جعل صلاة الأبرار المتألّمين صلاته، فأدخل فيها استعدادات قلبه وأعطاها بالتالي ملء معناها. فعلى الصليب ردّد مز 22 (مت 46:27؛ مر 15: 34)، وسلّم نفسه بين يدي الآب (لو 46:23) مستعيدًا كلمات مز 6:31.
وإذا عدنا إلى الإنجيل الرابع، نرى أنّ المزامير تعود إلى ذاكرة يسوع في الساعات الأخيرة التي يقضيها معنا، وكأنّه يقرأ فيها الوضع الذي يجد نفسه فيه. فخيانة يهوذا تُتمّ مز 41: 10 (يو 18:13؛ تلميح ضمني في مر 18:14؛ مت 23:26؛ لو 21:22). وبغض اليهود يُتمّ مز 35: 19 (أو 69: 5). وإطار هذا المزمور (آ 11- 12، 15- 16، 21- 21) يشير إلى دعوى الظلم وإلى مشهد الاحتقار القريب ممّا حدث ليسوع خلال محاكمته. وأخيرًا كلمة يسوع على الصليب (أنا عطشان، يو 28:19) قد أخذت من مزمور (69: 22 أو 22: 16) تلاه يسوع على صليبه. ومجمل الكلام، إنّ المزامير 22، 31، 35، 41، 69 قد طبّقها يسوع على نفسه (وتبعه التلاميذ) في دراما الآلام. نخطئ في أسلوب دفاعي قصير النظر حين نبحث عن كل مقابلة دينية ممكنة بين تفاصيل المزامير وتفاصيل الخبر الإنجيلي. لا شكّ في أنّ الإنجيليين شدّدوا على بعض هذه التوافقات (رج يو 19: 23- 24 ومز 22: 19). غير أنّ هناك توافقات تأثرت بحضور مز 22 في خبر متى (رج مت 41:27-43 ومز 8:22- 9).
فالاتّصال في التفاصيل بين خبر الآلام والمزامير يبرز تقابلاً أعمق. فالموضوع الأساسي لهذه المزامير هو ألم البّار، ألم عبد الله الذي رذله البشر ظلمًا. ونلاحظ أنّ الإقرار بالخطايا يحتلّ فيها مكانًا ضيّقًا (مز 41: 5 ؛ 69: 6). أمّا الأمانة التي تشعل قلب الإنسان غيرة على بيت الله (مز 69: 10) فهي حاضرة.
إذن، نجد رسم يسوع الروحي، رجل الأوجاع، في مجموعة مزامير مختارة كما رآه يو 17:2 (أورد مز 69: 10 حين تحدّث عن تطهير يسوع للهيكل). على هذا الأساس يبرز الألم كله: لماذا قاسم البار مصير البشريّة الخاطئة دون أن يكون خاطئًا؛ لماذا سلّمه الله إلى قلق مميت (مر 14: 34) وأعطاه أن يشرب هذه الكأس المرّة (مر 4 1: 36)؟ فمن خلال أبرار العهد القديم ترتسم صورة البارّ السامي. وعلى شفتيه اتّخذت صلاتهم ملء معناها كتعبير شعري عن آلامه.
والعبور من المعنى الحرفي إلى المعنى التامّ يتأسّس هنا على واقع يقول إنّ كل إنسان يتألّم. فإن التصق بإيمان ومحبّة بمشيئة الله، "أتمّ في جسده ما ينقص لآلام المسيح " (كو 1: 24). كان هذا الأمر صحيحًا بالنسبة إلى رجال العهد القديم. وهكذا اكتشفنا آلام يسوع عبر صلاة الأبرار المتألّمين الذين اختبروها في جسدهم كما سيختبرها الرسل في ما بعد (2 كور 4:. ا). إنّ لمثل هذا الاستباق قيمة نبويّة وإن لم تكن مزامير التألّم أقوالاً إسكاتولوجية. ثمّ إنّ هذه المزامير تبقى بعد أن نالت من آلام يسوع المعنى التامّ، قريبًة من وضع البشرية المتألّمة، لأنّ آلام يسوع تجد امتدادها في كل أعضاء جسده.

3- تعبير مسبق للعبادة بالروح والحقّ
ونبحث أيضًا في المزامير عن تعبير مسبّق للعبادة بالروح والحقّ كما نظّمها يسوع (يو 4: 24) وحقّقها في حياته. كان تفوّق العبادة الباطنية والطاعة على تقدمة الذبائح موضوعًا نبويًّا هامًّا (عا 5: 21-25؛ أش 1 :10-16؛ 58: 1-8 ؛ هو 6:6 ؛ مي 6: 5، 8؛ إر 6: 20؛ 1 صم 15: 22). ونجد صدى لهذه الأقوال في مز 7:40- 9 ؛ 50: 7- 15؛ 51: 18- 19؛ 69: 31- 32. إذا انطلقنا من نظرة الروح القدس، لن نأخذ هذه التعابير وكأنّها حكم على الديانة الخارجية في حدّ ذاتها. إنّها تشدّد على جوهر الديانة أي موقف القلب الذي تعبّر عنه هذه الأعمال. ويسوع لا يشجب الطقوس اليهودية. ولكن حين ذهب إلى الهيكل حمل روحًا تُحقّق المثال الذي نقرأه لدى الأنبياء وفي المزامير. وإحلال طقس جديد محلّ الذبائح القديمة سيأتي فيما بعد حين يقدّم يسوع حياته ذبيحة عهد وفصح وتكفير (مت 26:26- 28).
وحين أراد صاحب الرسالة إلى العبرانيين أن يفهمنا استعدادات يسوع الباطنية تجاه الله وساعته السامية طوال حياته، وضع على شفتيه مز 40: 7- 9 (عب 10: 6- 10). ومع تكيّف آ 7 الذي نقرأه في بعض مخطوطات الترجمة السبعينية (كوّنت جسدًا)، فلا حاجة إلى الابتعاد عن المعنى الحرفي لنعبّر عن صلاة يسوع. ولكن أن تكون هذه الكلمات قد وُضعت في فم يسوع، فهذا ما يعطيها بعدًا كبيرًا جدًّا: إنّ ديانة ابن الله تتركّز في فعل طاعة، في تتميم إرادة الله (مر 14: 36 وز) حتّى الموت. هذه هي شعائر عبادة العهد الجديد كما تُرجمت في عطاء ذاتي يتمّ على الصليب.
بعد الآن، فكلّ من أراد أن يؤدّي لله عبادة "بالروح والحق "، عليه أن يتشبّه باستعداد يسوع هذا، فيقبل بأن يُقاد إلى "الذبح " بالطريقة التي يريدها الله. هذا هو المعنى التامّ في مز 40 الذي هو مزمور مديح ومزمور تألّم. ولا يستطيع المسيحي أن يتلوه إلاّ ويضع فيه مضمونًا لم يكن كاتبه قد فكّرفيه، أو بالأحرى المضمون هوهو، ولكنّنا نتلو كلماته في يسوع الذي يعطيها كثافة فريدة.

4- تعبير مسبق عن عمل الثالوث في العالم
لم يُكشَف سرّ الثالوث في العهد القديم. فقد تعرّف إليه البشر في مهمّة الابن الذي دخل بشخصه إلى تاريخ البشر حين تجسّد، ثمّ في مهمّة الروح الذي وعد به الابن وأرسله الآب والابن معًا منذ العنصرة. إذن، لا نبحث عن تعبير للاهوت الثالوثي في المعنى الحرفي للنصوص البيبلية قبل الأناجيل.
ولكنّ هذا لا يعني أنّ وحي الله في العهد القديم يتحدّث فقط عن وحدة الطبيعة المجرّدة، وكأنّنا أمام تعليم فلسفي يُعدّ إعدادًا خارجيًا الفكرة المسيحية عن الأقانيم الإلهيّة الثلاثة. في الواقع، هؤلاء الأقانيم يعملون بحسب مهمّتهم منذ بداية تاريخ الخلاص، منذ عمل الخلق. إذن البشر هم على اتّصال شخصي بهم بشكل يستبق النظام الحالي. في العهد الجديد نتعرّف إلى الأقانيم الثلاثة في أعمالهم في العالم. وكذا نقول عن العهد القديم حيث نجد بداية وحي مقبل.

أوّلاً: خبرة كلمة الله ووحي الكلمة
لقد اختبر البشر كلمة الله خبرة حيّة تجد سندها في عمل مرسَلي الله في إسرائيل. وخبر دعوة إرميا يبيّن التماثل بين الكلمة النبوية وكلمة الله: "ها أنا أضع في فمك كلامي" (إر 1 :9). وهذه العبارة تنطبق على الأنبياء منذ موسى أوّلهم. وتظهر كلمة الله التي يحملها هؤلاء الرجال، على أنّها وحي: وحي عن مقاصد الله، عن إرادته، عن مشاريعه المقبلة. من هذا القبيل هي تحرِّكُ عند الناس استعدادات داخلية تشكّل حياة لاهوتية كاملة. ولكنّ الكلمة التي تلهم هي التي تفعل أيضًا. فهي تخلق الأحداث حين تعلنها. وحين يرسلها الله، فهي لا تعود فارغة اليدين (أش 55: 10- 11).
انطلق إسرائيل من خبرته للكلمة النبوية العاملة في التاريخ، فاعتاد أن يرى في كل شيء نتيجة كلمة الله: الطبيعة تخضع لأوامر الله (مز 15:147- 18). ما ينعم به الإنسان من شفاء (مز 107: 20)، ما يصيبه من ضربات (حك 18: 14)، كل هذا هو نتيجة كلمة الله. والعمل الخلاّق نفسه سيتحرّر من كل صورة ليصبح أمرًا ينفّذ بسرعة (تك 1 :3، 6: كن فكان؛ مز 6:33- 9؛ سي 42: 15، يه 16: 14). بعد هذا، يُصبح كل اتّصال بين الإنسان والخليقة اختبارًا لكلمة الله على مثال اتّصال بالأنبياء او الكتب المقدّسة.
أمام هذا الواقع لن نتساءل هل كان كتّاب العهد القديم قد رأوا في الكلمة الإلهية أقنومًا وشخصًا. فنحن أمام تشخيص أدبي نجد آثاره في الشرق القديم كلّه، مثلاً في أش 8:40: "العشب يبس وزهره سقط، أمّا كلمة الله فتبقى إلى الأبد" (رج أش 55: 10- 11). وفي مز 119: 89: "كلمتك يا رب ثابتة في السماء إلى الأبد" (رج مز 15:147- 18؛ حك 14:18).
ولكن نتساءل قبل كل شيء عن المدلول العميق لخبرة روحيّة أوصلنا العهد الجديد إلى ذروتها: "بعد أن كلّم آباءنا بالأنبياء كلِّمنا الله بابنه الذي به صنع الدهور" (عب 1: 1- 2). فهذا الابن هو نفسه الكلمة القائمة الذي صنع الكون (يو 1 :18). فكيف نفصل خبرة العهد القديم عن العمل الشخصي للكلمة. فهو الذي كان يتكلّم بالأنبياء، وبه خلق الله العالم. وهكذا تضمنّت كل خبرة للكلمة اتصالاً ملموسًا مع كلمة الله الذي لم يُكشَف عنه قبل أن يتجسّد (يو 1 :14) ويصبح مرثيًا وملموسًا (1 يو 1: 1 -3). إذن نستطيع أن نقرأ النصوص القديمة التي تذكر كلمة الله على عمقين اثنين: عمق المعنى الحرفي حيث الكلمة هي تعليم عن الله الواحد وعمله. وعمق المعنى التامّ حيث يعود هذا التعليم وهذا العمل إلى الكلمة (يسوع المسيح) العامل في الخلق (مز 33: 6) وتدبير الكون (مز 147: 5) وفي مسيرة التاريخ (أش 55: 11؛ حك 18: 14). هكذا قرأ الآباء العهد القديم. لم يهتمّوا بطروحات لاهوتية مجرّدة يستخرجونها من المعنى الحرفي، بل بواقع سرّي اكمل العهدُ الجديد كشفَ طبيعته.

ثانيًا: لاهوت حكمة الله
ويطرح لاهوتُ حكمة الله المسألة نفسها. لقد تشخصنت (صارت شخصًا) الحكمة في سفر الأمثال (8: 12- 9: 6) وابن سيراخ (24: 1- 22) والحكمة (7: 22- 8: 1). ماثل ابن سيراخ بين الحكمة والكلمة الخلاقة (خرجت من فم العليّ، 3:24)، والكلمة الموحية أي الشريعة (23:24). ودلّ عليها سفر الأمثال وهي تعمل في الخلق (أم 8: 22- 31) وتعلّم البشر (أم 8: 12- 9: 6).
نحن هنا أمام بداية للاهوت العهد الجديد تصوّر المسيح، حكمة الله، بسمات الحكمة الخلاّقة (كو 1 :15- 16؛ عب 1 :3 ؛ يو 1 :3) والحكمة الموحية (مت 11: 28؛ يو 6: 34).
ونقول هنا ما قلناه عن الكلمة، ما قاله الكتّاب الملهمون بوضوح، وما نكتشفه من خلال خبرتهم الروحية: سرّ حضور المسيح حكمة الله، والعامل في الخلق، ومربّي شعبه.

ثالثًا: لاهوت روح الله
لا ينطلق الروح من تفكّرات مجرّدة بل من خبرة الأنبياء (1 صم 10: 10؛ 19: 20؛ رج عز 16:11- 17، 24- 25). كان الحديث عن الروح ملتبسًا، ولكن ما عتّم الكتاب أن قدّم طريقة لتمييز الأرواح وللتعرّف إلى الأنبياء الحقيقيين (1 مل 22: 21- 23). وفي النهاية، إذ زالت الموهبة النبوية (زك 13: 2- 6)، أعلنت المواعيد الإسكاتولوجية فيضها على المسيح المقبل (أش 11: 2) على عبد الله (أش 42: 2) على الشعب كلّه (حز 26:36- 27) بعد أن صار شعب أنبياء (يوء3: 1- 3). وفي موازاة هذه النظرة إلى المستقبل، نرى اعتبارًا حول عمل الروح الحاضر في أشخاص يحرّكهم (أش 63: 10- 13). وقد ربط الخلق والتدبير بعمل الروح. ففي البدايات "كان الروح يرفّ على المياه " (تك 1: 2؛ 33: 6). وفي عودة الفصول يستعيد الله روحه ويرسله ليبدّل وجه الأرض (مز 29:104- 30).
وهكذا اختبر شعب إسرائيل روح الله كما اختبر كلمة الله. فالاثنان لا يفترقان وإن ظهرا متمايزين. ففي الخلق تعمل الكلمة والروح معًا لتنفيذ إرادة الله. وفي النبوءة يلهم الروح الإنسان ليحمل الكلمة. وفي كل مؤمن تصبح الكلمة تعليمًا خارجيًا يلقى في الناس، ولكنّ الروح الحاضر يعطي هذا الإنسان أن يتمّ هذه الكلمة (حز 27:36؛ مز 13:51).
لقد كشف العهد الجديد المدلول العميق لهذه الخبرة الروحية. فقبل أن يُرسل الروحُ في الكنيسة ويُوحى به أقنومًا إلهيًّا، كان يعمل في العالم مع الله والكلمة، وقد خبر البشر نتائج عمله ليحوّلهم ويقدّسهم. هذا هو لاهوت الروح القدس الذي يقرأه المفسرّ المسيحي لنصوص العهد القديم إذا أراد أن يأخذ بعين الاعتبار السرّ الذي تشير إليه.

ب- عودة إلى الصور والرموز
إنّ التعبير عن سرّ المسيح يبقى بديئيًّا لأنّ خبرة إيمان الكتاب تنحصر في أفق تاريخي هو أفق العهد القديم، وفي بُنى نظُمية هي العهد القديم. فإذا أردنا ان نتجاوز هذه الحدود، يجب ان نتساءل عن المدلول الذي نسبوه إلى الأحداث والنظم التي تكلّموا عنها. وهكذا نكتشف من خلال الصور السابقة الواقع المسيحي المقابل. فالعبور من المعنى الحرفي إلى المعنى التامّ يتمّ حين نُحلّ الواقع محلّ الصورة.

1- تعبير مسبق عن الكرستولوجيا
أوّلاً: نحو لاهوت المسيح الملك
في التوراة (أو في قسم منه) يلعب الملك ابن داود دور وسيط بين الله وشعبه. وهذا الدور ينبئ بدور المسيح. مع العلم أنّنا ننتقل من المستوى الزمني (خبرة شعب إسرائيل التاريخية) إلى المستوى النهيوي (الخبرة المسيحية). نحن نستطع أن نقرأ المزامير الملوكية على هذين المستويين من العمق. فعلى المستوى الأوّل هي تتحدّث عن ملك إسرائيل، عن انتصاره وفشله، وفي المستوى الثاني تتحدّث عن المسيح الملك في ذلّه وانتصاره.
هناك مز 18، 21، 118. استعاد العهد الجديد مز 118 خاصة مع آ 22: "الحجر الذي رذله البنّاؤون صار رأسًا للزاوية" (مت 21: 42 وز؛ أع 4: 11؛ 1 بط 2: 4- 5). فانتصار الملك الذي غلب بنعمة الله بعد صراع مع أعدائه، صار رمز انتصار المسيح الفصحي الذي سيتمّ في مجيئه الثاني (1 كور 15: 24- 28). ونستطيع أن نمدّ هذا التعبير على مجمل النصوص التي تتحدّث عن انتصارات الملك. ففي مز 18 و118، المسيح نفسه يتكلّم فيشير إلى مجابهته لقوى الجحيم (مز 18: 5- 6) وارتفاعه بالقيامة. وفي مز 21، الشعب المسيحي يتكلّم فينشد مجد ملكه الذي جلس على عرشه يوم قيامته.
أمّا مز 89 فيشدّد على التعارض المؤلم بين مواعيد أعطيت لداود وذلّ "مسيح الرب " (مز 89: 4- 5 و 20- 38 تجاه 39- 52). نحن لسنا هنا فقط أمام واقع تاريخي خام، بل أمام سرّ ايمان نراه في منظار العهد القديم. وإن تعمّقنا، وجدنا سرّا آخر كان الأوّل رمزًا نبويًّا له: هو ذلّ المسيح في آلامه. "ابن داود" هو الوارث الشرعي للمواعيد. ولكن يتصرّف الله في الظاهر وكأنّه يرذله. لقد حمّله هزء الوثنيين. من هنا جاءت صلاة الضيق (رج عب 7:5): "أيّ إنسان يحيا ولا يرى الموت؟ من ينجّي نفسه من يد الجحيم " (آ 49)؟ ولكنّ المسيح عرف الهبوط الى الجحيم ولن ينجو من قدرتها إلاّ بالقيامة. في هذا المجال، نقول إنّ تفسير مز 8:16- 11 في أع 2: 24- 32؛ 13: 34- 37 يستند إلى قراءة "ملوكية" للنصّ. فالقدّوس الذي لا يتخلّى الله عنه في الجحيم (آ 10) هو ممسوح (مسيح) يهوه. وقد طبّق العهدُ الجديد المزمور على يسوع ابن داود وارث المواعيد (1ع 2: 30). وهكذا يجيب مز 16 على سؤال طرحه مز 89: 49: من خلال الصور اكتشف الأوّل يسوع والثاني قيامته.

ثانيًا: المسيح آدم الجديد
دلّ بولس الرسول في آدم "على صورة آدم المقبل " (روم 5: 14) ووازى بين الدورين اللذين لعبهما الآدمان في مسيرة مخطّط الخلاص (1 كور 15: 45- 49 ؛ روم 5: 21- 22). في الواقع، إنّ آدم الثاني "المولود من امرأة " (غل 4: 4) هو أيضًا ابن آدم الأوّل (لو 23:3- 38)، ومن هذا القبيل هو يقاسم البشرية الخاطئة وضعها (روم 3:8) ليكون لها مبدأ خلاص.
نجد في مز 8 تأمّلاً في وضع الإنسان ابن آدم، على هامش تك 1. لم يفكّر الكاتب الملهم بمصير البشرية الخاطئة التي تحارب طبيعة معادية (تك 17:3- 19)، بل بالدور الذي أعطاه الله لخليقته الكبيرة التي خرجت من يده وارتدَت بهاءً وجمالاً. هو لا يكاد يشير إلى انحدار آدم وأبنائه الذين هم أدنى من الملائكة (مز 8: 6 أ). مثل هذه النظرة المتفائلة والحماسيّة تبدو بعيدة عن الواقع. فمقصد الله هو غير الوضع الملموس الذي جعلت فيه الخطيئة الإنسان. ولكنّ الأمور تعود إلى ما كانت عليه في المنظار النهيوي (هو 2: 20). في العهد الجديد مع يسوع المسيح تستعيد الخليقة جمالها.
في هذا الإطار يقدّم القدّيس بولس تعليمه منطلقًا من مز 8: فالبشرية تستعيد مجدها والكرامة التي بها كلّلها الله في البدايات (آ 6)، تستعيد سلطتها على كل الخلائق (آ 6- 7) في آدم الجديد، ابن آدم الأوّل. هذا ما يعطينا أساسًا موضوعيًا لنقرأ النصّ قراءة كرستولوجية. وهذا ما فعله العهد الجديد. فالرسالة إلى العبرانيين (2: 6- 9) تحدّثت عن انحدار يسوع ابن آدم (أو: ابن الانسان) عن الملائكة (آ 16)، وهذا نفهمه عن تجسّده وموته على الصليب (فل 7:2- 8). ثم "كلّل بالمجد والكرامة" (آ 6 ب) في قيامته. في هذا الوقت، أخضع الله له كل شيء، جعل كل شيء تحت قدميه (آ 7). هذا هو معنى سيادة يسوع الآن على العالم.
واستعمل أف 1: 20- 23 هذا النصّ ليتحدّث عن سموّ يسوع القائم من الموت على كل شيء. وقارب 1 كور 27:15 بين هذا المزمو ومز 110: 1 ليقرأ فيه انتصار المسيح النهائي على الموت، آخر عدوّ له.

2- تفسير مسبق عن الاكليزيولوجيا
لا ينكشف سرّ الكنيسة، جسد المسيح وعروسه، إلاّ في العهد الجديد. ولكنّ سرّ إسرائيل هو رسمة بديئية له على مستوى التاريخ والنظم. فهناك تعابير من سرّ اسرائيل مرّت إلى العهد الجديد بعد تعميق في معناها الأساسي. مثلاً استعاد 1 بط 5:2، 9؛ رؤ 1 :6، 5: 10 ؛ 6:20 ما في خر 19: 5- 6 (مملكة كهنة، شعب مقدّس). ولكنّ تلك التي تشير إلى خبرة إسرائيل الزمنية، وهي أوّل ترجمة لخبرة شعب الله في التاريخ، لا تقدّم معناها المسيحي إلاّ إذا أعيد تفسير صورها.
نستطيع أن نطبّق هذا المبدأ على مزامير أورشليم: 46، 48، 122. فأورشليم ليست لبني إسرائيل مجرّد عظمة زمنية. فلها مدلول بالنسبة إلى الإيمان، وهي تترجم بصورة ملموسة وحدة شعب هي عاصمته ومدينة داود (مز 122: 5). أورشليم هي مدينة الهيكل وبالتالي هي علامة حضور الله وسط شعبه (مز 46: 5- 6؛ 48: 2- 3). فمن خلال مدينة الحجر يشير الإيمان إلى واقع عميق يمثلّه. فحبّ بني إسرائيل لأورشليم هو حبّهم لشعب مقدّس يكوّنونه، وحب لإله جعل مقامه في أورشليم. فهذا التعلّق يشبه تعلّق المسيح بالكنيسة التي هي موضع تجمّع شعب الله والعلامة الجديدة لحضور الله وسط البشر وحيث يقرأ المعنى الحرفي للمزامير: "أورشليم "، يقرأ المعنى التامّ كما نفهمه في منظار الإيمان المسيحي: "الكنيسة". وهذا يشرف على تفسير المزامير الثلاثة التي ذكرناها.
يشير مز 46: 2- 4 إلى اطمئنان المسيحي في الكنيسة تجاه عالم تصيبه دينونة الله. ونقرّب آ 5 من حز 47: 1- 12 الذي يماثل بين المدينة المقدّسة والفردوس الجديد (رج تك 2: 10؛ رؤ 22: 1- 2). وتبيّن آ 6- 7 الكنيسة في وضعها الدراماتيكي: كما كان إسرائيل في وجه الشعوب الوثنية أعدائه، كذلك ستكون الكنيسة أمام عالم معاد. وترسم آ 9- 11 لوحة عن السلام الإسكاتولوجي الذي إليه يتوق رجاء الكنيسة على الأرض. وينشد مز 48 الكنيسة على أنّها مركز حضور الله والملجأ الأمين للمؤمنين (آ 3- 4). وتصوّر آ 4- 8 وضعًا دراماتيكيًا سيتدخّل فيه الله وينتصر. فمن خلال هذا التلميح إلى خلاص أورشليم التاريخي، نكتشف وضع الكنيسة في التاريخ. فبقاؤها وسط الأخطار العديدة هو علامة نعمة الله التي تجعل المرتّل يقول: "اللهم قد ذكرنا (عشنا، تمثّلنا) رحمتك داخل هيكلك " (آ 10). ونفهم نهاية المزمور حسب رؤ 9:21- 21 (أورشليم السماوية).
أمّا مز 122 فيعلن الفرح الذي يحسّ به المسيحي الموجود في الكنيسة، ويدعو سلام الله على "مدينة السلام " هذه.
ونجد ذكرًا لأورشليم في مز 137. فهنا نجد مقابلة بين أورشليم وبابل. الأولى تمثّل كلّ ما يتعلّق به الإيمان في محنة المنفى، والثانية تمثّل القوة المعادية، القوّة الوثنية وما تحمل من ألم للشعب المضطهد. وهكذا يرتسم موضوع الوثنيين الذي يتوسع فيه سفر الرؤيا: بابل والشيطان (رؤ 17- 18)، أورشليم، عروس المسيح (رؤ 21- 22). حين يقف المسيحي في هذه الزاوية الخاصّة، يجعل من مز 130 صلاته الخاصّة. يعرف أنّه منفيّ، بعيد عن المدينة السماوية التي إليها يتوق (عب 11: 16؛ 13: 14 ؛ 2 كور 5: 6). وعليه في أرض منفاه أن يواجه الاضطهادات والمحن التي تأتيه من المدينة الأرضية. فأورشليم العليا تبقى في قمّة فرحه (آ 6) وهو ينتظر بثقة حكم الله على بابل (آ 8-9 ؛ رج رؤ 6:18؛ 19: 1- 2). فمن خلال علامات ناقصة وموقتة نجد اختبار إيمان في هذا المزمور الذي تدلّ عباراته القاسية (آ 9) على طلب من الله لكي يُجري عدالته.

3- تعبير مسبق عن الحياة في الكنيسة
تتضمّن حياة المسيح في الكنيسة وجهات عديدة: خبرة خلاص، خبرة في المحنة، خبرة دينونة الله حين لا يكون الانسان أمينًا. قبل أن تنكشف هذه الخبرات في منظار التاريخ الأسراري، فقد تسجّلت في تاريخ إسرائيل الزمني فوعى شعب الله مختلف وجهات وضعه الروحي. هناك معنى عميق نكتشفه في المعنى الحرفي لهذه الخبرات.

أوّلاً: خبرة خلاص
إنّ خبرة الخلاص العظيمة التي اختبرها إسرائيل هي خبرة الخروج. وقد رأى فيها القدّيس بولس مشاركة رمزية في الخبرة المسيحية المرتبطة بالعماد والإفخارستيا (1 كور 10: 1- 4). وهذا التفسير يتيح لنا أن نكتشف المعنى الكامل للنصوص التي تتحدّث عن الخروج: هي تتكلّم عن خلاص إسرائيل الزمني، ولكنّها تشير بصورة غير مباشرة إلى خلاص الشعب المسيحي في نهاية الزمن.
إنّ نشيد خر 15: 1- 8 يتضمّن إشارة إلى هذا الخلاص. فلنكتشف مقاطعه لنرى الواقع المسيحي الذي نستشفّه. القسم الأوّل (آ 1- 12) يصوّر في أسلوب ملحمي تدخل الله ليخلّص شعبه. ولكن خلف هذا التدخّل، نجد وضع إسرائيل الذي يهدّده العدوّ (آ 9). هذا هو وضع البشر بين فرعون والله. ومن خلال انتصار الرب في بحر القصب، نستشفّ انتصار المسيح على الشيطان والجحيم والموت في يوم قيامته المجيدة. 
والقسم الثاني من النصّ (آ 13- 17) يتوقّف عند نقطتين: مسيرة شعب الله المفتدى نحو أرض الميعاد ونحو أورشليم، مقام الله (آ 13، 17)، ثمّ مخافة الشعوب الوثنية التي تسند القوى المعادية منذ أن قهرت مصر (آ 14- 16). لا يستطيع هؤلاء الشعوِب شيئًا ضد الشعب الذي يقوده الله. وهم لا يستطيعون أن يمنعوه من العبور. وهنا أيضَا يرتسم وضع الكنيسة في مسيرتها إلى الموطن السماوي من خلال وضع إسرائيل: تهدّدها القوى المعادية فتجد في الله الذي يقودها ينبوع رجاء أكيد.
في هذا التفسير المسيحي للنصّ، نحتفظ من إعطاء مدلول خاصّ لكل تفصيل بعد أن ننتزعه من سياقه التامّ من خلال المعنى الحرفي.
ولقد عبّر بنو إسرائيل عن الخروج من خلال طقس حمل الفصح: حُفظ شعب الله خلال الدينونة التي حلّت بمصر (الضربة العاشرة) فنسب هذا الحفظ إلى دم الحمل المذبوح (خر 12: 12- 13، 23). نحن أمام رمزيّة غنية سيطبّقها العهد الجديد على موت المسيح: "المسيح فصحنا قد ذُبح " (1 كور 5 :7؛ رج 1 بط 1 :19؛ يو 1 :29؛ رؤ 6:5-10).
إن كان الأمر هكذا، فالقراءة المسيحية لنصّ خر 12: 1- 20، 43- 51 تتضمّن من خلال المعنى التاريخي معنى آخر تفترضه ليتورجيّة يوم العظيمة. حين صوّر الإنجيل الرابع موت المسيح، أشار إلى شعيرة خاصّة ترتبط بمشهد الجلجلة: "لن يكسر له عظم " (خر 12: 46؛ يو 19: 16). ونحن نعلم أنّ المسيح الحمل لم يُذبح إلاّ ليصير طعامًا كاملاً في وليمة الفصح الجديد (يو 53:6- 56). ثمّ إنّ النصّ عن الفطير (خر 15:12- 20) كان يُقرأ في إطار الفصح المسيحي بحيث إن بولس الرسول طبّقه على الحياة المسيحية (1 كور 5: 7- 8). لقد انتقلنا من مستوى الطقوس إلى مستوى المواقف الروحية. ولكنّنا أمام التجديد عينه للعيد السنوي. لا لخمير عتيق بل لعجين جديد. لا لخمير الشرّ والفساد بل لخمير الطهارة والحقّ. لقد زالت الشعيرة، ولكنّ مدلولها يفرض نفسه اليوم كما في الماضي.

ثانيًا: خبرة في المحنة
نفهم المحنة في معان متعدّدة. هناك محنة الأمانة لله (في البّرية). وألم الشعب الأمين المثابر في تعلّقه بالله رغم خيبات الأمل المتكررة. وأخيرًا إلى العقاب المتمثّل في منفى سنة 587: محنة لا تُفهم لأنّها لا تُحتمل. وهي التي كانت في أساس مز 44، 60، 74، 79، 80.
ليس لهذه المزامير خلفيّة تاريخية واحدة، ولكنّها تنبع كلّها من خبرة واحدة هي خبرة هزيمة وطنيّة. لم يعد الله يخرج مع جيوش إسرائيل (مز 12:60). سلّم شعبه إلى تعيير الوثنيين ومعاملتهم السيّئة (مز 44: 10- 17؛ 79: 2- 4؛ 80: 6- 7). دنّست أورشليم وهيكلها ودُمّرا (مز 74: 3- 8؛ 79: 1 ؛ رج 80: 13- 17). وجدّف على اسم الله بالذات (مز 18:74؛ 79: 10). تعارض مؤلم مع ذكريات التاريخ السابق (مز 3:44- 9؛ 60: 8- 10؛ 80: 9- 12؛ رج 74: 12) وقدرة أظهرها الله في الخلق (مز 13:74- 17). لماذا يغضب الله؟ هل بسبب خطايا قريبة (مز 18:44- 33)؟ هل يعاقب الله بسبب خطايا الآباء (مز 8:79)؟ يترك الله شعبه فيدلّ على أنّه لم يعد يهتم بصيته وبالكلمة التي قالها.
نلاحظ خلفيّة الأمانة الدينية في شعب إسرائيل، في الكنيسة. ففي الحالتين تبدلت ظروف حياة شعب لله: لقد حلّت المؤسسّة الكنيسة محلّ أورشليم الأرضية وهيكلها، ولم يعد لحياة اسرائيل الجديد هدف زمني ووطني. غير أن شعب الله يجد نفسه في التاريخ مع جماعات قد تظهر العداء. وتقلّبات التاريخ قد تؤثّر في مصير الكنيسة. فحين تصيبها فهي تصيب عمل الله على الأرض. هذه هي الكنيسة حاملة وديعة الخلاص.

ثالثًا: خبرة دينونة الله
حين أشار القدّيس بولس إلى رموز أحداث الخروج، بيّن ما في وقائع البّرية من دروس لشعب يعيش "في آخر الأزمنة" (1 كور 10: 5- 11 ). هو لا يقوم بتأويل تفصيلي لنصوص يلمّح اليها (خرِ 32؛ عر 11: 14؛ 21: 4-9 ؛ 25: 1-18). ولكنّه يفترض هذا التأويل معروفًا فيستخلص النتائج. فوضعُ إسرائيل في البّرية يشبه وضع الشعب المسيحي خلال حياته على الأرض. المحنة واحدة، وواحد هو خطر الاستسلام للشهوات (1 كور 6:10) وبالتالي تحمل دينونة الله.
رسم مز 95 في إطار العهد القديم الموقف المطلوب من المؤمنين. فبعد تلميح إلى نعمة الخروج وعهد سيناء (آ 7)، ذكّر بالمحن التي اصطدم بها إسرائيل في البّرية. ولهذا حكم على الجيل القاسي في ذلك الوقت بأن لا يدخل في راحة الله (آ 11). وسنجد الموضوع عينه في مز 78، 106 وفي أش 8:63- 64: 10 (توبة جماعية). وإن عب 7:3- 4: 11 (= اكور 10: 5- 11) تقدّم لنا تفسيرًا مسيحيًا للمزمور 095 اتّخذ التهديد بالعقاب الإلهي شكلاً سلبيًا يتيح لنا أن نفسرّه تفسيرًّا رمزيًا: "لن يدخلوا في راحتي ". ما هي هذه الراحة؟ بالنسبة إلى عبراني الخروج، الراحة هي راحة أرض الموعد. ولكنّ خلف أرض الموعد، نجد وعدًا إلهيًا يشير إلى "راحة" أكمل، هي راحة الله التي يدعو الشعب المسيحي إلى المشاركة فيها (عب 3:4- 11).
دينونة إسرائيل ودينونة الأمم الوثنية ولاسيمّا بابل. فالأمم الوثنية تجسّد في نظر إسرائيل القوّة المعادية لله. وكذلك تقف في وجه الكنيسة قوّة معادية تعيق تحقيق قصد الله في التاريخ البشري. فالحكم على صور (حز 28) وبابل (أش 13: 47؛ إر 50- 51) وأدوم (أش 34) هو صورة مسبّقة للدينونة العظمى التي تصيب هذه القوّة كل المساندين لها في التاريخ. هذا هو المعنى التامّ للأقوال على الأمم التي تحتفظ بها المجموعات النبوية. وسيستغل سفر الرؤيا المعنى التامّ حينما يتحدّث " عن سقوط بابل في إطار نهاية العالم (رؤ 18).

II- في المنظار النبويّ
تحدّثنا عن خبرة إسرائيل التاريخية وفسرّناها تفسيرًا مسيحيًا. يبقى علينا أن نعالج النصوص التي تتضمّن مواعيد إسكاتولوجية، في معناها الحرفي النبوي. موضوع هذه النصوص هو تتمّة مخطّط الخلاص، تتمّة سرّ المسيح ندرسه في كل جوانبه وفي كل مراحل تحقيقه. ولكنّ الطريقة ناقصة ومليئة بالصور. فكيف ننتقل من المعنى الحرفي إلى المعنى التام؟
النهج بسيط: إنّ تكملة المواعيد النبوية في سرّ المسيح والكنيسة قد كشفت معناها التامّ. ونكون أمام حالتين: إمّا أن لا تكون المواعيد مطبوعة بتاريخ إسرائيل ونظمه. حينئذ يأخذها العهد الجديد كما هي، ويكون العبور من المعنى الحرفي إلى المعنى التامّ مجرّد تعمّق في معنى التعابير. وإمّا صُوّر الخلاص في لغة رمزية، فنلجأ حينئذ إلى جدليّة الرموز.

أ- الحالة الأولى: تعميق لعبارة بديئية
سنعطي عدّة أمثلة لنصوّر هذه الحالة الأولى ونجعلها في فصول ثلاثة: الظهور الإسكاتولوجي لله في يسوع المسيح. سرّ يسوع عبد الله. نعمة الفداء.

1- الظهور الإسكاتولوجي لله في يسوع المسيح
أولاً: أش 40: 1- 11
يعلن هذا النصّ الخلاص النهائي بشكل تيوفانيا (ظهور) مهيبة (رج أش 7:52- 10) ترتبط صورُها بخبرة إسرائيل التاريخية والعبادية: عبور الصحراء حيث الله يسير في مقدّمة شعبه كما في خروج جديد (أش 40: 3، 10- 11). صورة الراعي التي تدلّ على موضوع ملكية الرب (أش 40: 11؛ رج 7:51). تطواف على طريق عباديّة إلى أورشليم حيث يقيم الله (أش 3:40- 9؛ رج 7:52- 9).
كل هذه العناصر تطرح مسائل مختلفة عن التي تتطرّق اليها لأنّها رمزية. ولكن تبقى عبارة تترجم جوهر الحدث المعلن. "حينئذ يتجلّى مجد الرب كل بشر (جسد) يراه " (أش 5:40؛ رج 8:52 وتلميحات 2:35؛ 2:60).
لسنا أكيدين من ارتباط هذا النصّ بخبرة سيناء (حز 16:24- 17) كما في أش 23:24، لإنّنا لسنا في إطار عهد جديد أو إعلان شريعة جديدة. ومهما يكن من أمر، فالعبارة تشير قبل كل شيء إلى خبرة روحية لا تبدّل جوهرَها ظروف الزمان والمكان، وتترجمها الرؤى النبوية ترجمة ملموسة. إذن نأخذها بحرفيّتها شرط أن نفهم ما تعنيه عبارة "وحي "مجد الله.
فالعهد الجديد يفسّر ما تعنيه: في المسيح تتمّ التيوفانيا الإسكاتولوجية. ولكنّ هناك ثلاثة أزمنة في هذه التتمّة:
الأوّل هو زمن حياة يسوع على الأرض. شعّ مجد الله على وجهه (2 كور 4: 6). ورأى البشر هذا المجد في الكلمة الذي تجسّد (يو 1: 14)، وبه أدركوا مجد الآب غير المنظور (يو 1 :18): تلميح إلى المعجزات (يو 2: 11؛ 4011)، تلميح إلى التجلّي (مر 9: 2- 7؛ رج 1 بط 1 :17)، تلميح إلى تمجيد الابن النهائي في آلامه وقيامته (يو 13: 31 ؛ 1:17).
والزمن الثاني هو زمن الكنيسة. "فإنجيل المجد" أعلن للبشر (2 كور 4: 4؛ 1 تم 1: 11) وهكذا أشع الله في القلوب معرفةَ مجده (2 كور 6:4).
والزمن الثالث هو زمن "ظهور مجد إلهنا العظيم ومخلّصنا المسيح يسوع " "في نهاية الأزمنة" (تي 2: 13؛ رج مت 16: 27 ؛ 19: 28؛ 24: 30؛ 25: 31).
هذا هو الواقع الذي أشار إليه وعد أش 40: 4. تمّ العبور من المعنى الحرفي إلى المعنى الكامل بإغناء كلّ سرّ المسيح الذي يحقّق هذا الظهور.

ثانيًا: أش 45: 20- 25؛ مز 97
إنّ أش 45 يرسم شمولية الكنيسة الواثقة بارتداد الوثنيين (أع 14: 15- 17 ؛17: 24- 30؛ أش 1: 9- 10) بانتظار أن تأتي جموع كبيرة "من كل أمّة وجنس وشعب ولسان " فتنشد في السماء نشيد الله الواحد (رؤ 9:7- 10).
ويستعيد مز 97 الموضوع عينه (آ 7، 9) بالنظر إلى ملكوت الله الإسكاتولوجي. فصورة العاصفة تدلّ على تيوفانيا تبدو ذروتها في ظهور مجد الله على كل الشعوب (آ 2- 6). وتصوّر النهاية خيرات ملك الله بعبارات الحبّ والنجاة والنور والفرح (آ 10- 12).
ونحن نرى من خلال هذه الاستعارات خيرات روحية يحملها ملكوت الله إلى البشر في الأزمنة الثلاثة لتحقيقها على الأرض: تدشّنت في المسيح، أعلنت في الكنيسة عبر الحضور الأسراري، تمّت في نهاية الزمن.

2- يسوع عبد الله
تتجذّر صورة عبد الله في الخبرة البشرية المعروفة. وإنّ مهمة هذا العبد تتمّ في إطار العالم الحاضر، وتكمل بدخوله في المجد. يفصّل النصّ مهمّة العبد، ولكنّه يبقى غامضًا حين يتحدّث عن الدخول في المجد: نجاح يدهش المشاهدين (أش 13:52- 15). يرى العابد "نسلاً وتمتدّ أيّامه " (أش 53: 10). يرى النور ويُغمر بخيرات الرب (أش 53: 11). يعطيه الله الجموع ويقاسم العظماء خيرات السلب (أش 53: 12). نحن أمام تعابير متردّدة لمصير يتعدّى كل ما يتخيّله إنسان. ولا ننسى أنّ سرّ المجازاة في الآخرة لم يتوضّح بعد. فيبقى علينا أن نلقي على هذه العبارات الغامضة نور القيامة فنكتشف هذا السرّ في تمجيد عبد الله (أع 13:3؛ فل 9:2).
يشكّل رسم عبد الله في مهمّته الأرضية صورة عن شخص يسوع، عن مهمته، عن آلامه. فمنذ دعوته (أش 49: 1- 6) تقبّل العابد روح الله (أش 42: 1؛ مر 1: 10 وز) وقام بمهمّة التعليم (أش 3:42- 4؛ 49: 2- 6). كان خاضعًا لله (أش 50: 4) وحنونًا مع البشر (أش 42: 2- 3). لهذا جُعل "نور الأمم " (أش 42: 6؛ 49: 6؛ رج لو 2: 32). وهو وسيط العهد تجاه الشعب الجديد (أش 42: 6) ووسيط خلاص للأرض كلّها (أش 49: 6) والمتشفعّ من أجل الخطاة (أش 53: 12). كل هذا يشكّل دور يسوع الجوهري.
وقد أصطدم تحقيق هذه المهمّة بسوء فهم لدى السامعين الذين أساؤوا معاملة عبد الله (أش 50: 5- 9) وعذّبوه وقتلوه. ولكنّه قدَّم موته "ذبيحة تكفيرية" لخطايا البشر لن نبدّل شيئًا في هذه النصوص لنرى فيها وجه يسوع. فالتعليم عن العهد الإسكاتولوجي وتفسير ذبيحة المسيح وشموليّة تعليمه، كل هذا يطبّق حرفيًا على يسوع. ولكن حين نقرأ في هذه النصوص سرّ يسوع عبد الله (أع 13:3 ؛ 27:4)، نلقي عليها ضوءاً يجدّد فهمنا لها. جعل يسوع نفسه خادمًا بملء حرّيته، وهو الذي كان شبيهًا بالله (فل 7:2). وهذا يفسّر كل عمله: القيمة الفدائية لآلامه وموته، وساطته في العهد والخلاص، دوره كنور الأمم. ولكي نفهم النبوءة في معناها التامّ، لا ننسى أنّ عبد الله ليست فقط المسيح الداودي (أع 4: 27) بل ابن الله (غل 2: 7 ي). وبهذا هو البارّ (أش 53: 1 1؛ أع 3: 14) الذي يستطيع وحده أن يعلن نفسه أيضاً وسيط بشرية خاطئة.

3- تعبير عن نعمة الفداء
أوّلاً: المفردات والألفاظ
تتضمّن المواعيد الإلهية إشارة ملموسة إلى الخلاص الذي تنبئ به. هناك مفردات وألفاظ يتعمّق معناها ويغتني مضمونها بقدر ما ينمو الوحي. فبركة الله المعطاة للبشر (تك 2 3:1؛ إر 31: 14؛ أش 23:65) تتضمّن كل خير نتصوّره كل نعمة يحملها يسوع إلى البشر (رج غل 3: 8- 9؛ تك 12: 3). من هذه الخيرات: الخلاص، النور، العزاء. نحن ننتقل من المستوى الأرضي إلى الحياة الأبدية خاصّة مع دانيال (12: 2) وسفر الحكمة (15:5).

ثانيًا: توضيح المواضيع
دلّت كارثة سنة 587 على فشل النظام المؤسّس على عهد سيناء. والسبب هو قساوة قلوب البشر. كيف العمل في الازمنة الأخيرة والميثاق الجديد؟ أعلن إرميا (33:31- 34) وحزقيال (25:36- 26) فداء روحيًا يتضمّن تبدّلاً في القلوب بفعل نعمة داخلية. ويوضح حزقيال أنّ هذا التجدّد سيكون ثمرة روح الله المفاض في القلوب (حز 27:36).

ب- عودة إلى جدليّة الصور
ننطلق من التأويل النمطي لنفسرّ النبوءات. سنأخذ أمثلة تعود إلى نظُم أساسية (المسيح الملوكي، أورشليم الجديدة) أو إلى خبرات روحية مثل الخروج والعهد والدخول إلى أرض الميعاد.

1- يسوع مسيح ملوكي
تغرز المسيحيانية جذورها في خبرة الملكية الداودية وتُسقط مثالها على "نهاية الأزمنة". هذا ما يصوّره تاريخ مز 2، 72، 110. هي في الأصل مزامير ملوكية، فطبّقت بعد المنفى على المسيح الآتي بحسب تأويل متنام شكَّل الخطوة الأولى نحو المعنى التامّ.

أوّلاً: موقف يسوع من المسيحانية
كان يسوع خلال حياته جدّ متحفّظ بالنسبة إلى لقب المسيح، ليحذر التفسير الدنيوي الذي كان حاضرًا في العقول (يو 6: 15). تركهم يتعرفون اليه على أنّه "ابن داود" (مت 27:9؛ رج 23:12 ؛ 22:15؛ 20: 30 وز؛ 9:21، 15). ولكن في جداله مع الكتبة حول المسيح ابن داود (مت 22: 41- 46 وز)، لم يُظهر أنّه يُطالب بهذا اللقب قبل اعتراف إيمان بطرس الذي رأى فيه المسيح (مر 8: 29 ؛ مت 16: 16) ولكنّه أبعد حالاً كلّ تمثّل انتصاري للمسيح وأعلن آلامه القريبة (مر 8: 31- 33 وز)، فتشكّك بطرس بهذه النظرة غير المتوقّعة. وأتمّ حدثُ الشعانين (مت 21: 1- 10) نصًّا كتابيًا (زك 9: 9- 10)، ولكنّه اتّخذ منحى مأساويًا، لأنّه حين قبل حماس الشعب تجاه "ابن داود" قدّم لخصومه الحجّة ليتّهموه أمام السلطات الرومانية. ولمّا سأله قيافا، أجابه بطريقة غير مباشرة موجّهًا الأفكار نحو مسيحانية تتجاوز الزمن، وجعل صورة ابن الإنسان فوق صورة ابن داود (مت 26: 64؛ رج دا 7: 13؛ مز 110: 1). وأخيرًا أعطى يسوع أمام بيلاطس تفسيرًا للقب ملك اليهود، فحرّره من كل طابع سياسي وزمني، وربطه حصرًا بوظيفة الشاهد للحقّ (يو 18: 33- 37).
هذا يعني أنّ المجد الملوكي المنسوب إلى المسيح في الأقوال النبوية، يحيلنا إلى العالم الآتي.
ثانيًا: التفسير الرسولي
هذا هو التفسير الذي به أخذت كتابات الرسل وخطب أعمال الرسل وسفر الرؤيا. طبّقوا على يسوع قول ناتان لداود (أع 2: 30؛ رج 2 صم 7: 12 ؛ مز 132: 11). واستعملوا أش 11 ليصوّروا مجيء المسيح في المجد بعد أن يلغي أعداء ملكوته (2 تس 9:2 ؛ رؤ 19: 11؛ رصد أش 4:11).
يحتلّ مز 110 مكانة هامّة. فجلوس المسيح عن يمين الآب يتفرّع من آ 1 (أع 33:2-35 ؛ 7: 55- 56 ؛ مر 16: 19؛ عب 1 :3، 13). وتصوّر نهاية هذه الآية انتصاره التامّ في اليوم الأخير (1 كور 15: 25). وأخيرًا أحلّ التفكير المسيحي كهنوت يسوع محلّ الكهنوت اليهودي (آ 4 ؛ رج عب 6:5؛ 6: 20 ؛ 7: 21). ولكنّ النظرة تصل بنا إلى السماء حيث دخل يسوع ككاهن أعظم بقيامته وصعوده (عب 4: 14 ؛ 9: 11- 14 ؛ 12:10- 13؛ رج مز 110: 1). وانطلق التفسير من هذه الزاوية ليرى في الآلام فعلاً ذبائحيًا يتسامى على التاريخ والزمن.
ويُستعمل مز 2 في الطريقة عينها. فثورة عظماء هذا العالم "ضدّ الله وضدّ مسيحه " (آ 1 - 2) تماثل دراما الآلام (أع 4: 25- 28). والإعلان الإلهي "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك " (آ 7) يُفهم بالنظر إلى القيامة (أع 13: 33 ؛ عب 5: 5؛ رج روم 1 :4 ؛ فل 2: 9). وأخيرًا سيادة المسيح على الشعوب وحكمه لهم بصولجان من حديد (آ 9)، ننتظره ساعة المجيء والدينونة الأخيرة (رؤ 19: 15).

2- الكنيسة، أورشليم الجديدة
أوّلاً: أورشليم في النبوءات
تحتلّ أورشليم وهيكلها مكانًا هامًّا في النبوءات. وترتدي النهية التي تصوّر ألوان ماضٍ مثالي يتمثّلونه بشكل قيامة تامّة ناجزة. غير أنّ المدلول الديني للنظم المعادة وقيمتها لحياة إيمان شعب الله تبقى أهمّ من التفاصيل الدقيقة. حين نجعل صورة عدن فوق صورة أورشليم والهيكل والأرض المقدّسة، لا نفترض أنّ الأنبياء أخذوا باستعاراتهم وحسبوها حقيقة (حز 36: 35؛ 7:47- 12، أش 51: 3). نستطيع أن نورد هنا أش 2: 1- 4 (= مي 4: 1- 3) ؛ 49: 14- 26؛ 17:51- 52 ؛ 60: 10- 12:62 ؛ 65: 5-14؛ حز 40- 48؛ زك 13: 1- 2، 14؛ طو 13؛ با 4: 20- 5: 9. في كل هذه النصوص يبدو مدلول أورشليم مضاعفًا. فكعاصمة وطنية، هي تدلّ على الوحدة الداخلية في شعب الله، وهي تمثَّل كأمّ منجبة (أش 54: 1- 2). وكموضع للهيكل، فهي تدلّ على مقام الله مع البشر (حز 27:37)، فهي مبدأ وحدة يستعيدها الجنس البشري (أش 2: 1- 4).
فأورشليم (وهيكلها المصنوع بالأيدي) احتفظت بهذا المدلول الى أن جاء يسوع ومات في أورشليم ضحيّة كفر أولادها. وليلة نهاية الدراما، لم يبق له إلاّ أن يُعلن حكم الله على المدينة التي أسندت طويلاً رجاء إسرائيل (لو 33:13- 34 وز؛ 19: 41- 44 ؛ 21: 20- 24 موضحًا مر 14:13-19 وز؛ رج مت 7:22). ففي ساعة موت يسوع، شدّد الإنجيليّون على نزع الصفة القدسية عن الهيكل (مر 38:15 وز) كمقدّمة للدينونة المعلنة، واحتفظ الإنجيل الرابع بكلمة يسوع فدلّ فيها على أنّ جسده القائم من الموت هو العلامة الجديدة لحضور الله على الأرض، وقد حلّ محلّ معبد والتغى (يو 2: 19- 22؛ رج مت 26: 51). إنّ هذه العناصر تفصل أورشليم الجديدة عن عاصمة العالم اليهودي.

ثانيًا: أورشليم في العهد الجديد
ونقل العهد الجديد إلى موضوع جديد نصّ هذه النبوءات. فأورشليم هي الآن المدينة السماوية التي أولادها هم المسيحيون (غل 26:4). فهذه المدينة ليست لنا فقط واقعًا مقبلاً ننضمّ إليه بعد الموت أو نصل إليه في نهاية الأزمنة. إنّها جزء لا يتجزّأ من خبرة إيماننا: قد اقتربنا منها بالعماد (عب 12: 22). وهي التي يدوسها الوثنيون حين يضطهدون الكنيسة (رؤ 11: 2). أورشليم الجديدة هي الكنيسة.
ولكن إذا أردنا أن نتأمّل فيها، يجب أن نتجاوز الظواهر التي تسجننا فيها الخبرة التاريخية. يجب أن نرى مدينتنا كما ستنكشف في نهاية الأزمنة، وكما ستكون فيما بعد التاريخ. هي الآن بشكل سرّي بعد أن قام المسيح من بين الأموات. وسفر الرؤيا يصوّرها في هذا الكمال النهائي خلال أعراس الحمل (رؤ 21: 1- 22: 5). ولكنّ النصّ هنا هو تجميع لإيرادات بيبلية تستعيد أش 54: 11- 12؛ 60: 1- 3، 11، 19- 20؛ 17:65؛ حز 40: 1؛ 12 ؛ 48: 31- 35 ؛ زك 14: 11؛ طو 16:13- 17 وتفهمها في المعنى التامّ.

ثالثًا: مواعيد الخلاص
لا تشير النبوءات فقط إلى الخلاص انطلاقًا من نظُم إسرائيل. فالخلاص هو الحدث الأسمى الذي يُتمّ التاريخ. لهذا يصوَّر كاستعادة لأحداث تضمّنت خبرة بدائية كالخروج، والعهد، والدخول إلى أرض الميعاد. فإذا بقينا على مستوى الظواهر، فالنصوص التي تتحدّث عنها لا تتعدّى التاريخ الزمني. ولكنّ العهد الجديد يعرّفنا إلى طبيعة الخروج الجديد، والعهد الجديد، والدخول الجديد إلى أرض الموعد. وهكذا يعطينا الوسيلة لنبلغ إلى المعنى التامّ في هذه النبوءات.

رابعًا: الخروج الجديد
إنّ خروج يسوع الذي يتحدّث عنه لو 9: 31 هو انطلاقة من هذه الأرض إلى أبيه (رج يو 13: 1). فالعبارة تدلّ على فرح السماء في العالم الجديد، عالم القائمين من الموت. لهذا يصوّر فرح المختارين (لاسيمّا بعد القيامة الأخيرة) في سفر الرؤيا (7: 16- 17؛ 21: 4؛ 22: 3) استنادًا الى نصوص توراتية أعلنت عن هذا الخروج الجديد مسيرة تحت سرادق المجد الإلهي (أش 4: 5- 6؛ 25: 4- 5)، غياب الجوع والعطش، حماية ضدّ الشمس والريح المحرقة (أش 49: 10)، إلغاء كل ألم (أش 34: 10 ؛ 8:25). 
تضمّن المعنى الحرفي لهذه النبوءات استعارات ألهمتها معجزات سفر الخروج كما أوردها التقليد اليهودي. ولكنّنا نعرف اليوم الواقع الذي نستشفه من هذه الاستعارات: واقع عالم تجلّى، يفلت فيه الناس من وضعهم الحالي على مثال يسوع بعد قيامته.
في هذا الخط نستطيع أن نقرأ أش 35 فنجد مسيرة البشر نحو أورشليم الجديدة، أورشليم العليا، تحلّ محلّ عودة المسبيين إلى صهيون. فصور الصحراء التي تزهر (آ 1- 2) والمياه التي تتفجّر فيها (آ 6- 7) والطريق المقدّسة التي نسير فيها بأمان (آ 8- 10)، كل هذا يفسَّر تفسيرًا رمزيًا: نحن أمام مسيرة البشر المفديّين نحو عالم القيامة، حيث يتذوّقون المجازاة الإلهية التي تشجّعهم (آ 3- 4). وسنرى مجد الله (آ 2) وفرحًا تامًّا (آ 10). وشفاء من كل الأمراض (آ 5- 6) نفهمه في منظار قيامة الموتى.

خامسًا: العهد الجديد
تلاحظ الرسالة إلى العبرانيين أنِّ المسيح أتمّ الوعد المعبَّر عنه في إر 31: 31- 34: عهد (ميثاق) جديد يحلّ محلّ العهد القديم، ويحقّق ملء مخطّط الله كما رُسم في الميثاق القديم (عب 8: 6- 13؛ 10: 10- 17). وفي هذا تستند الرسالة إلى إشارة واضحة قدّمها يسوع في عشائه الأخير (مت 28:26 ؛ مر 14: 24؛ لو 22: 20؛ 1 كور 25:11)، فكشفت عن معنى موته القريب، ودلّت على ذبيحة العهد التي تربط الله بالبشرية المفتداة (صارت شعبه) برباط لا ينقطع.
ولكن إذا كان واقع موت يسوع قد أخذ هنا معناه العميق في دراما الخلاص، فالنصوص التي تعلن هذا الميثاق الجديد قد أخذت بُعدها النهائي (إر 24: 7 ؛ 32: 39- 40؛ حز 36: 25- 28؛ أش 6:42 ؛ 54: 10 ؛ 3:55؛ 8:61؛ با 2: 35). ونحن لن نفهم هذا العهد بالنظر الى حياة إسرائيل الزمنية، بل حصرًا على ضوء ما حقّقه يسوع من أجلنا.
أمّا سائر نصوص العهد الجديد، فهي ترى الوعد بالعهد الجديد في منظارين مختلفين. الأوّل، منظار الخبرة المسيحية. منذ الآن قد كتب الله شريعته في قلوبنا (2 كور 3: 3). منذ الآن جعل كنيسته عروسًا لا عيب فيها، واستعارة الزواج ترتبط بالعهد (أف 25:5، 27؛ رج أش 54: 4، 11؛ هو 2: 21- 22). والثاني هو منظار التتمّة النهائية: ساعة اعراس الحمل الإسكاتولوجية (رؤ 21: 2؛ رج 9:19) سيتحقق ملء سرّ العهد: "يكونون شعبه، وهو الله معهم (عمّانوئيل)، يكون إلههم " (رؤ 3:21). لقد تجاوزنا تجاوزًا تامًّا مستوى الحياة الزمنية.

سادسًا: الدخول الجديد إلى أرض الميعاد
يشدّد العهد الجديد على تماثل الموضوع الذي ترمز اليه أرض الميعاد والذي ترمز اليه مدينة أورشليم: فالسماء هي في الوقت عينه هذا الوطن وهذه المدينة التي اليها تاق رجاء الآباء من خلال كنعان وأورشليم (عب 11: 9- 10، 13- 16). فكل ما يرد حرفيًّا إلى أرض الميعاد والخيرات الزمنية التي سينعم بها الشعب المفتدى (رج إر 31: 10- 14)، كل هذا لا يعني أنّ أقوالهم ألغيت. فالفرح الذي أعلنوه يبقى ثابتًا. ولكن من خلال تحقيق أرضي يتجاوب مع نظرة ناقصة، يجب أن نكتشف تحقيقًا يتعدى الزمان والمكان، تحقيقًا ذُقنا في النعمة عربونَه.
خاتمة
نستطيع القول بعد هذه التوسّعات التي امتدّت على فصول طويلة إنّنا حين نعود إلى العهد الجديد، نكتشف قي نصوص العهد القديم موضوع الإيمان الواحد الذي هو سرّ المسيح. فهذا السرّ قد كُشف عنه منذ بداية التاريخ. والمسافة التي لاحظناها في العهد القديم بين المعنى الحرفي للنصوص ومعناها التامّ، لم تعد موجودة في العهد الجديد. كان المسيح "يختفي " بشكل أو بآخر في التوراة، وقد أشار الكاتب الملهم إلى ملء سرّه، وإن لم يعرفه بصورة واضحة. فما بدأ به العهد القديم كملّه العهد الجديد. والصورة التي كانت غامضة صارت واضحة.
وهنا نعود إلى ما قاله القدّيس أوغسطينس: اختفى (العهد) الجديد في (العهد) القديم. ووضح (العهد) الجديد في (العهد) القديم. لقد بحثنا في العهد القديم عن حضور خفيّ ومحتجب للسرّ الذي كشفه العهد الجديد. لقد رأينا مع العهد الجديد واقعًا وصل إلى ملئه وتمامه. وهكذا حاولنا أن نبيّن وحدة الوحي البيبلي، وحدة الكتب المقدّسة، من أوّل سفر إلى آخر سفر، من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا.
خاتمة عامة

مدخل الى الكتاب المقدّس. ذاك كان عنوان كتابنا. وقد دعونا فيه القارئ ليدخل معنا في رحاب الكتاب المقدّس. مدخل الى العهد القديم. وقد حاولنا أن نجعل هذه الكتب التي بدئ بتدوينها منذ ثلاثة آلاف سنة قريبة من القارئ العائش في القرن العشرين والمطلّ على القرن الحادي والعشرين.
هو مدخل لا غير، يفتح أمامنا آفاقًا ويسهّل لنا الدرب. فإذا أردنا أن نغوص في عمق كلمة الله لا نكتفي بهذا المدخل، بل نتوجّه إلى الشروح والتفاسير الخاصّة بكل سفر من الأسفار المقدّسة.
بدأنا المغامرة ورجاؤنا أن نتابعها فنكتشف غنى كلام الله. وهكذا تواصل كلمة الله جريها بفضل مطالعة الكتب المقدّسة ودراستها. وهكذا تمتلئ قلوب البشر من كنوز الوحي التي تسلّمتها الكنيسة