المدخل إلى الكتب المقدس ج 3

توطئة

هذا هو المدخل إلى الكتاب المقدّس في جزئه الرابع، وهو يعالج أسفار العهد الجديد والإطار الذي كُتبت فيه. يَنطلق من العالم اليهوديّ الذي فيه ولد يسوع المسيح، فيصل إلى الجماعة المسيحيّة الأولى التي تكوّنت فيها أسفار العهد الجديد: الأناجيل، أعمال الرسل، الرسائل البولسيّة والرسائل الكاثوليكيّة (أي الجامعة) أو العامّة، رؤيا القدّيس يوحنّا. وسنحاول معًا أن ندخل في رحاب كلّ من هذه الأسفار، فيكون مدخلنا هذا استعدادًا للولوج في أسفار العهد الجديد ولوجًا عميقًا، فلا تقتصر معرفتنا لها على بعض مقاطع ونُتفٍ نسمعها هنا أو هناك. هذا ما توخّيناه من هذا الكتاب الذي جاء ضخمًا: نفتح أمامك، إيّها المؤمن، عالمَ العهد الجديد فتدخل فيه وتجد ما يغذّي نفسك، تجد كلام الحياة الأبديّة.
وقبل البدء بعملنا نقدّم بعض الملاحظات العملية:
ها نحن نقدّم في جزء أوّل المقدّمات العامة مع مداخل الى أناجيل متى ومرقس ولوقا، والمسائل التي تطرحها الأناجيل الإزائية، تاركين المداخل الى يوحنا وأعمال الرسل والرسائل وسفر الرؤيا إلى الجزء الثاني.

إيراد النصوص الكتابيّة
ترد النصوص الكتابيّة بحسب النسخة العبرانيّة في ما يتعلّق بالأسفار القانونيّة الأولى أي تلك المدوَّنة أصلاً في اللغة العبرانيّة (أو الآراميّة).
أمّا نصوص الأسفار القانونيّة الثانية أي تلك التي نقلتها إلينا الكنيسة في اللغة اليونانيّة. فهي ترد بحسب الترجمة السبعينيّة.
عمليًّا نتَّبع الترتيب المعمول به في الترجمة الكتابيّة المسكونيّة في اللغة الفرنسيّة.
ينتج من ذلك أن أرقام المزامير تختلف عمّا نجده في ترجمة الآباء اليسوعيّين والدومينيكان (بالعموم هناك فرق في رقم واحد. مز 11 في النسخة اليسوعيّة هو مز 12 في النسخة العبرانيّة) وإن أرقام الآيات في المزامير تختلف عمّا نجده في ترجمة جمعيّة الكتاب المقدّس، التي لا تعطي رقمًا لمقدّمة المزمور (مرّات عديدة هناك فرق في رقم واحد. مثلاً مز 83: 4 في العبرانيّة هو 83: 3 في نسخة جمعيّة الكتاب المقدّس).
وينتج أيضاً بعض الفروقات في ترقيم فصول وآيات تختلف فيها اليونانيّة و(اللاتينيّة) عن العبرانيّة مثلاً: زك 1: 1 ى يحتوي 17 آية في النص العبرانيّ و21 آية في النصّ اليونانيّ (الذي يتّبعه كلّ من نص الآباء اليسوعيّين والجمعيّة). وهذا ما يجعل زك 2: 1 بحسب النصّ العبرانيّ يقابل 1: 18 في النصّ اليونانيّ. وزك 2: 1 بحسب النصّ اليونانيّ يقابل 2: 5 في النصّ العبرانيّ.
وتفصيلاً عندما نقول تك 2: 4 فنحن نعني سفر التكوين الفصل الثاني الآية الرابعة. 
وعندما نقول خر 3: 4-6 فنحن نعني سفر الخروج الفصل 3 من الآية 4 إلى الآية 6 ضمنًا.
وعندما نقول لا 4: 5، 9 فنحن نعني سفر اللاويين (أو الأحبار) الفصل 4 الآية 5 والآية 9.
وعندما نقول عد 4- 6 فنحن نعني سفر العدد من الفصل الرابع إلى الفصل السادس ضمنًا.
وعندما نقول تث 1: 2؛ 3: 4 فنحن نعني سفر التثنية الفصل الأول آية 2 ثمَّ الفصل 3 آية 4.

تسمية الأسفار المقدّسة
هناك أسماء اتفق عليها المترجمون العرب (سفر التكوين مثلاً) وأسماء اختلفوا عليها. فسفر الجامعة الذي يسمّيه الشرّاح الغربيّون "قوهلت" (كما في العبرانيّة) سمّاه الشدياق "الواعظ". وسفر اللاوّيين الذي هو السفر الثالث من أسفار موسى قد سمَّته الترجمة السريانيّة البسيطة سفر الكهنة (كهني) والترجمة اليسوعيّة سفر الأحبار مقتفية بذلك ترجمة الشدياق. ثمّ إنّ الترجمة اليسوعيّة ذكرت أسفار الملوك الأول والثاني والثالث والرابع على خطى اليونانيّة واللاتينيّة، أمّا نحن فسنذكر سفر صموئيل الأول وسفر صموئيل الثاني، ثمَّ سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثاني. ونسمّي السفر الرابع من أسفار موسى سفر العدد (عِوَض سفر الأعداد كما في الشدياق)، والسفر الخامس سفر التثنية عِوَض تثنية الاشتراع كما في الشدياق واليسوعيّة.
مقدمة عامة

كلُّنا يعلم تقدّم العلوم الكتابية منذ ما يقارب قرنًا من الزمن. وساعد على هذا التقدّم اكتشافاتٌ عديدة في عالم النصوص والحفريّات الأثرية في أوغاريت (رأس شمرا)، ماري (على الفرات)، نوزو (في العراق) قمران (على البحر الميت)، إبله (قرب مدينة حلب)، تلّ العمارنة (في مصر)، جبيل، صيدا وصور (في لبنان)، وجازر وأريحا (في فلسطين)... وظهرت الدراسات العديدة في عالم الغرب وقد وصل صداها إلى الكهنة وبعض النخبة المتدّينة. ويمكننا القول إنّه منذ الستّينات ولا سيّما بعد ظهور بيبليا أورشليم في اللغة الفرنسية والدفع الذي قدّمته لترجمة النصوص وشرحها، قد أحسسنا بالحاجة إلى قراءة الكتاب المقدّس والتأمّل فيه. وما قلناه عن العالم الفرنسي نقدر أن نقوله عن العالم الإنكيزيّ الذي تكاثرت ترجماته وسلسلة تفسير الكتاب المقدّس عنده. أمّا في العالم العربي، فبعد التوراة التي أشرف عليها المطران الرزّيّ وطبعت سنة 1671، والتي تداولتها الكنائس التبشيريّة في لبنان، ظهرت في القرن التاسع عشر أربع ترجمات كاملة للكتاب المقدّس: ترجمة الأنغليكان المعروفة بترجمة الشدياق، والترجمة البروتستانتيّة المعروفة بترجمة البستانيّ (بطرس) فاندايك والتي عمل فيها أيضاً ناصيف اليازجي ويوسف الأسير، والترجمة الدومنيكانيّة التي عمل فيها المطران يوسف داود وطُبعت في العراق، والترجمة الكاثوليكيّة التي عمل فيها اليسوعيّون والتي سُمّيت ترجمة اليازجي. وفي القرن العشرين جَدّد الآباءُ اليسوعيون نصّ اليازجي مضيفين إليه المقدّمات والحواشي، كما استعانت جمعيّة الكتاب المقدّس بالشاعر يوسف الخال من أجل ترجمة جديدة مُبَسَّطة وديناميكية. ناهيكَ عن ترجمات العهد الجديد لدى الآباء البولسيّين وجماعة الكسليك والأب يوسف عون وما يقوم به الأقباط الأرثوذكس في مصر والروم الأرثوذكس في الشرق الأوسط. وآخر ما ظهر كان كتاب الحياة الذي هو ترجمة تفسيرّية لكل الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد. بالإضافة إلى ذلك، لا ننسى أنّ كلّ كنيسة من كنائس الشرق تملك ترجمة خاصّة بها تتضمّن كلّ العهد الجديد والمزامير ومقاطعَ عديدةً من سائر أسفار العهد القديم.
دروس متجدّدة، نصوص عديدة، وكتب ومقالات تعالج أسفار الكتاب المقدّس. 
أمّا ما نقدّم الآن فكتاب يساعد الكاهن ودارس اللاهوت، والراهب والراهبة والمؤمن الملتزم على الدخول في عالم الكتاب المقدّس وما يحيط به من ميادينَ تاريخيّةٍ وأثريّة وأدبيّة وعلميّة. وحاولنا أن نقدّم البُعد اللاهوتي للأسفار المقدّسة، ولا سيّما أسفار العهد العتيق. ونكتشف القيمة الدينيّة الأزليّة عبر وثائق هي في الوقت ذاته كلمة الإنسان وكلمة الله كما دُوِّنت في زمن بعيد عنّا. هذا ما يبحث عنه القارئ اليوم، ولاسيّما في ما يخصّ العهد العتيق الذي أخذت بعضُ الجماعاتِ تَنْزِعُ عنه الصفة القدسيّة بسبب استثماره من أجل أهداف سياسيَّة استثمارًا لا يليق بكلام الله. الكتاب المقدّس ليس مُلكَ شعبٍ من الشعوب، إنّه مُلكُ كلِّ شعوبِ الأرض. الكتاب المقدّس ليس مُلْكَ فئةٍ من الفئات مهما اعتبرت نفسَها رفيعة، إنّه مُلْكُ كلِّ الفئات. الكتاب المقدّس هو كلمة الله الموجَّهةُ إلى كلّ إنسان وبالتالي موجّهةٌ إليّ. وأنا مدعوٌّ إلى سمَاعها وقراءتها والتأمّل فيها. فيا حبذا لو ساعدَنا هذا المدخل على التعرّف إلى ما قاله الآباء والأنبياء من قديم الزمان بمختلف الوسائل، وإلى ما قاله ابن الله من كلام هو نور وحياة.
القسم الأوّل
العالم اليهوديّ
في
أيّام يسوع

نتوقّف في هذا القسم عند التاريخ السياسيّ منذ القرن الرابع ق م حتّى القرن الثاني المسيحيّ. وننتقل إلى عالم الشتات أي إلى المدن التي توزّع فيها الشعب اليهوديّ فشكّلت المناخ الذي نبت فيه الإنجيل. بعد هذا نعود إلى أرض فلسطين فنتعرف إلى تاريخها وجغرافيّتها ونظمها.
وهكذا يتوزّع هذا القسم الأوّل على ستّة فصول.
الفصل الأوّل: التاريخ اليهوديّ السياسيّ.
الفصل الثاني: عالم الشتات.
الفصل الثالث: أرض فلسطين.
الفصل الرابع: فلسطين: الإطار الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
الفصل الخاسر: فلسطين: الأدب اليهوديّ.
الفصل السادس: فلسطين: الفكر اليهوديّ

الفصل الأوّل
التاريخ اليهوديّ السياسيّ

نقدّم هنا مسلسلاً عن الأحداث منذ الإسكندر الكبير (336- 323 ق. م) إلى الإمبراطور الرومانيّ أدريانس (117- 138).

أ- الإسكندر الكبير وخلفاؤه
1- الإسكندر الكبير (336- 323 ق م)
إعتلى الإسكندر، وهو شابّ ابن عشرين سنة، عرشَ مكدونية سنة 336 ق. م. 
وفي سنة 334 قاد حملة على الفرس طالبًا احتلال الشرق. كانت سلالةُ الفرس الأخمينيّين تسيطر على السياسة الدوليّة منذ سنة 560، ولكنها بدت مُنهكةً وحلّ الضعفُ فيها. وهكذا احتلَّ الإسكندرُ كلّ المقاطعات الواحدةَ بعد الاخرى: آسية الصغرى، فينيقية، فلسطين، مصر، بلاد الرافدين وإيران وجزءًا كبيرًا من الهند. ترك البُنى الإداريّة والديانات الموجودة على حالها، وفرض الثقافة الهلّينيّة وتنظيم المدن على غرار المدن اليونانيّة.
في سنة 332 سار على الشاطئ الذي يربط سورية بمصر وكان هدفه السيطرة على البحر. احتلّ صور وغزّة بعد أن حاصرهما حصارًا طويلاً، ثمّ سيطر على مصر حيث أسّس مدينة الإسكندريّة سنة 331. يجدر القول إنّ المصرّيين تعبوا من سيطرة الفرس فاستقبلوا الإسكندر كمحرِّرٍ لهم. ثمّ إنّه لم تكن مواجهاتٌ بين جيوشِ مكدونيةِ وسكّان فلسطين اليهوديّة الذين انتقلوا من سلطة الفرس إلى سلطة المكدونيّين. وقد احتفظ المؤرّخ يوسيفوس (ومراجع أخرى، منها التلمود) بخبر لقاء الإسكندر بعظيم كهنة أورشليم. نحن هنا أمام أسطورة تشدّد على واقعين. الأوّل: تصرُّفُ الإسكندر المتسامح حيال العبادات المحلّية في كلّ بلد. الثاني: تفاؤُلُ اليهود الذين رأوا في الإسكندر وخلفائه الأوّلين أسيادًا شرعيّين على العالم أرسلتهم العناية الإلهيّة (رج ما قاله أش 44: 28؛ 45: 1 عن كورش الفارسيّ).
مع حكم الإسكندر بدأت ثورة حقيقيّة في علاقة اليهود باليونانيّين. قبل ذلك الوقت لم يكن أيّ حوار بين الشعبين. كانت مبادلاتٌ تجاريّة ولكن ظلّت مغفلة. وإنْ عرف اليهود ياوان (تك 10: 2، حز 27: 13؛ أش 66: 19...)، إلا أنّ اليونانيّين جهلوا حتّى اسم اليهود. وكان أحد أسباب التباعد المسافة اللغويّة. تكلّم اليهود الآراميّة (وبعضهم العبريّة) فاتّصلوا بالفرس والبابليّين والمصرّيين، لا باليونانيّين الذين عرفوا اليونانيّة فقط. ولكن ها إنّ وريث ملك الفرس، الإسكندر الكبير، يتكلّم اليونانيّة ويفرضها على كلّ مملكته من نهر النيل إلى نهر الهندوس (أو السند).
اليونانيّة المحكيّة بعد احتلالات الإسكندر هي اللغة الشائعة، لا اللغة الكلاسيكيّة، ولقد أخذ بها الموظفون والتّجار والمشترعون والخطباء والكتّاب. كانت اللغة الآراميّة اللغة الدوليّة، ففرضت نفسها في الدبلوماسيّة والجيش والتجارة إلى أن تغلّبت عليها اليونانيّة. ولكن ظلَّ كثير من الناس في سورية وبلاد الرافدَين وفلسطين ومصر يتكلّمون اللغة اليونانيّة دون أن يهملوا اللغة الأمّ. وتُرجمت التوراة إلى اليونانيّة، ودوِّنت كتب يهوديّة في اللغة اليونانيّة، كما دُوِّنَتْ في هذه اللغة عينها كلُّ أسفار العهد الجديد.
في صيف سنة 331 دخل الإسكندرُ بابل بعد أن تغلّب على آخر ملوك الأخمينيّين داريوس الثالث (الذي هرب ثمّ قُتل سنة 330). دامت حملات الإسكندر في الشرق ثماني سنوات. وتوفيّ هذا القائد سنة 323 قبل أن يسمح له الوقت بأن يؤسّس سلالةً تتابع عمله. فكان هذا سببَ حروبِ الخلافةِ التي أندلعت بعد موته.

2- خلافة الإسكندر: الممالك الهلّينية الكبيرة.
ضمّ الإسكندر في مجموعة سياسيّة وإداريّة واحدة، مكدونية واليونان وكلّ مملكة الفرس وجزءًا من الهند. فكان من الصعب على رجل واحد أن يحكم مثل هذا العالم الواسع والمتنوّع. حاول أخو الإسكندر من أبيه وابنُه المولودُ من روكسان الإيرانية أن يحكما هذه المملكة الشاسعة الأطراف، ولكن قُتل الواحدُ بعد الآخر. وبدأ قوّاد الإسكندر وحكّام المقاطعات حربًا للاستيلاء على السلطة، فقرّر السلاحُ من سيَخلفُ الملكَ العظيم. أُعطيت مكدونية لأنتيبتروس الذي توفّي سنة 319، ومصر لبطليموس الأوّل سوتر (أي المخلّص) ابن لاجوس وأشهر قوّاد الإسكندر. قبل بطليموس بمقاطعة مصر سنة 323 وأعلن نفسه ملكًا سنة 306 وأسّس سلالة اللاجيّين. توفّي سنة 283. وتسلّم ليسيماكيس تراقية (جنوبي أوروبّة) ولكنّه قتل سنة 281. وتسلّم أنطيغونيس (الملّقب بالأعور) آسية الصغرى. أعلن نفسه ملكًا سنة 306 وقُتل في حرب الحلافة الرابعة سنة 301 في إبسوس. وأُعطيت بابل لسلوقس الأوّل نيكاتور الذي ساعد بطليموس سنة 312 في غزّة على ديمتريوس ابن أنطيغونيس. وبعد أن انتصر عاد إلى عاصمته بابل فدشّن عهدًا جديدًا هو العهد السلوقيّ وأسّس سلالة السلوقيّين. توفّي سنة 281.
ولم تهدأ الصراعات المسلّحة بين خلفاء الإسكندر، فشكّلت لحمة التاريخ اليونانيّ والتاريخ الشرقيّ سحابة نصف قرن. نسي هؤلاء القوّاد فِكَرة مملكة واحدة موحّدة، وتخلَّوا عن السياسة الشاملة، ونظَّم كلّ واحد مملكة حاولت أن تعيش مع جيرانها. إلاّ أنَّ الحضارة الهلّينيّة ظلَّت هي القاسم المشترك رغم كلّ الخلافات وفوق كلّ الحدود. 
بدأت حقبة خلفاء الإسكندر سنة 323، وامتدّت إلى سنة 281 يوم تُوفّي آخرهم، وهو سلوقس الأوّل، مقتولاً. وتنظّمت ثلاث ممالك هلّينيّة: مكدونية وملكها أنطيغونيس، حفيد أنطيغونيس الأعور. دامت مملكته حتّى سنة 146 ق م يوم احتلّها الرومان. مصر وملكها بطليموس الثاني فيلدلفيس (282-246). وضع الرومان حدًّا لسلالة اللاجيّين بعد معركة أكسيوم في اليونان سنة 31 ق م وموت كليوبترة. سورية وأسية الصغرى، حكها أنطيوخس الأول سوتر (281- 261). وضعت رومة حدًّا لحكم السلوقيّين سنة 64 ق م.
سيحدِّد الاقتسامُ سياسةَ الشرق الأوسط مدّة طويلة. ولكن حين يصل الفراتيّون من الشرق، والرومان من الغرب إلى آسية الصغرى ومصر وسورية وفلسطين، سيبدّلون بنية العلاقات المقامة هناك. أمّا وضع يهود فلسطين فتبع تطّور العالم السياسيّ والثقافيّ الذي تضامن معه.
في أيّام خلفاء الإسكندر خرج اليهود من عزلتهم، فما عادوا مجهولين. وحوالي السنة 300 عرفهم كتّاب اليونان وكتبوا عنهم تدفعهم إلى ذلك فضوليّة متعاطفة. أوّل من ذكرهم كان تيوفرستيس أعظم تلاميذ أرسطو. وتحدّث عنهم ميغاستينيس سفير سلوقس الأوّل في الهند. واستنبط كلياركيس حوارًا بين أرسطو ويهوديّ أخذ باللغة والفلسفة الهلّينيّة فجعل اليهود يتحدّرون من فلاسفة الهند. ودوَّن هاكاتيس (وهو يونانيّ صار مصريًّا) أقدم خبر عن الجذور اليهوديّة نجده في الأدب اليونانيّ.
انتقل سكّان فلسطين اليهود من إدارة الفرس إلى إدارة المكدونيّين فلم يتبدّل شيء في ظروف حياتهم. كانت اليهوديّة محافَظةً في مقاطعة "ما وراء النهر" وقد حكها أحد ضبّاط الإسكندر، لأوميدون. ولكنْ عَزَلَه سنة 320 بطليموس ملك مصر العتيد. فكان هذا العمل بداية سلسلة من الحروب من سنة 320 إلى سنة 301 بين مؤسّس اللاجيّين وأنطيغونيس. لم تكن فلسطين غريبة عن هذه المجابهات ولا محايدة. ولهذا، وبعد انتصار بطليموس في غزّة سنة 312 ذهب إليه طوعًا أهل اليهوديّة وأورشليم (كما يقول يوسيفوس). وفي معركة أبسوس سنة 301 انتصر حلفاء ملك مصر (ومنهم سلوقس) على أنطيغونيس. فصار بطليموس سيّد فينيقية وفلسطين. وسيظلّ كذلك حتّى سنة 200 إلى أن يطرده من هناك السلوقيّ أنطيوخس الثالث الكبير (222-187) بمساعدة اليهود. ويجدر القول إنّه خلال هذا القرن من الاحتلال، كانت فلسطين مسرحًا لمجابهات عديدة بين اللاجيّين (في مصر) والسلوقيّين (في سورية). لقد قام ملوك مصر خلال كلّ القرن الثالث بخمس حروب على ملوك سورية الذين أرادوا أن يمدّوا سلطانهم على البحر المتوسّط. في الحرب السوريّة الأولى (274- 271) حارب بطليموس الثاني أنطيوخس الأوّل. وفي الحرب السوريّة الثانية (260- 241) حارب بطليموس الثالث سلوقس الثاني. وفي الحرب السوريّة الرابعة (221- 217) حارب بطليموس الرابع أنطيوخس الثالث وانتصر عليه في رافيا. وفي الحرب السوريّة الخامسة (202- 195) قاتل بطليموس الخامس أنطيوخس الثالث وانهزم في فانيس.

3- أرض يهودا في عهد السلوقيّين (200- 164 ق م)
انتهت الحرب السوريّة الخامسة سنة 200 ق م بأنتصار أنطيوخس الثالث في فانيس، فكانت بذلك نهاية البطالسة في سوريّة وفي اليهوديّة. وأراد الملك السلوقيّ أن يدخل مصر، فتدخّلت رومة لتمنعه من ذلك. في ذلك الوقت وصل أنطيوخس إلى قمّة سلطانه بعد أن نجح في حربه ضدّ الأرمن والفراتيّين، وقاد حملاته حتّى بلاد الهند، فسمّاه الخلفي "أنطيوخس الكبير". ولكنّه أخطأ خطأً فادحًا حين لفت انتباه رومة إليه وهو يطمح إلى السيطرة على آسية الصغرى واليونان. كما أنّه استقبل هنيبعل عدوّ رومة ودفعه إلى الأخذ بالثأر. أمّا الرومان فانطلقوا نحو الشطر الشرقيّ من البحر المتوسّط فقهروا فيلبّس الخامس المكدونيّ سنة 197 وأعلنوا "حريّة اليونانيّين". ثمّ بدأوا الحرب مع أنطيوخس فطردوه من اليونان ثمّ كسروه في مغنيزيا في بداية سنة 189 ق م. فتفاوض الفريقان من أجل الصلح في رومة ثمّ وافقوا عليه في أفامية سنة 188 وكانت بنوده قاسية ومنها: أن يدفع أنطيوخس في السنة 12000 وزنة مقسّطة على اثني عشر شهرًا. فأحسّ البيت السلوقيّ أنّه سائر إلى الخراب. حينئذ حاول ملك سورية أن يداوي الحالة السيّئة بأن يضع يده علىٍ أموال الهياكل التي كانت المؤسّساتِ المصرفيّةَ في ذلك الزمان. ولكنّه مات ميتة مُخْزِيَة في إحدى العمليّات الحربيّة سنة 187، وورث ابنه وخليفته سلوقس الرابع فيلوباتور (187- 175 ق م) دَينًا باهظاً. فتطلعّ إلى كنز هيكل أورشليم الذي كانت تغذّيه خاصّة عائلة الطوبيائيّين. إذًا، أرسل سلوقسُ مستشارَه هليودورس إلى أورشليم ليضع يده على الأموال المُودَعة. وكان قد اتّفق مع سمعان وهو موظّف كبير في الهيكل. ولكنّ هليودورسَ لم يقدر أن يصل إلى مبتغاه بعد أن قاومته قوى "عجائبيّة" كما يقول التقليد اليهوديّ (2 مك 3: 1- 40)، وطردته من المعبد. فعاد إلى سرية فارغ اليدين. ولكنّه سيَقْتُلُ سلوقسَ الرابع سنة 167 ليستوليَ على السلطة. ولكن نجت السلالة الملكيّة بفضل شقيق الملك المقتول، أنطيوخس الرابع أبيفانيوس (175- 164) الذي أعلن نفسه ملكًا بموافقة رومة. فابن أنطيوخس الثالث هذا كان قد سُلِّم كرهينةٍ بعد معاهدة مغنيزية. عاش في رومة فسُحر بالمدينة وبالحركة الهلّينية المزدهرة في الأوساط الدبلوماسيّة. جاء أنطيوخس من رومة وحلّ محلَّه كرهينة وليُ العهد ديمتريوس الأوّل العتيد.
حاول أنطيوخس الرابع أن يعيد تنظيم المملكة السلوقيّة. فبنى من المدن الجديدة أكثر ممّا بناه أسلافه كلّهم. وعمل على نشر الحضارة الهلّينيّة في كلّ مكان. أخذ بخطّ أبيه أنطيوخس الثالث في السياسة التوسّعيّة، واختلف عنه بالمحافظة على علاقات طيّبة مع رومة ومع حلفائه في آسية الصغرى. أمّا هدفه المباشر فكان وضع يده على مصر التي كانت في انحطاط مرج. حينذاك بدأت الحرب السوريّة السادسة (170- 168). كان بطليموس الخامس (205- 180) صهر بطليموس الثالث قد مات سنة 180. فتولّت أرملته كليوبّترة الأولى الحكم ولكنّها ماتت سنة 176. وفي سنة 170 أُعلن بطليموس السادس ملكًا فأشرك في الحكم أخته كليوبّترة الثانية وأخاه الأصغر بطليموس الثامن فيسكن. وفي تلك السنة عينها استولى أنطيوخس الرابع على كلّ مصر ما خلا الإسكندريّة وبدأت مفاوضات بينه وبين ابن أخته بطليموس السادس. حينئذ طرد الإسكندرانيّون بطليموس السادس وأعلنوا فيسكن وحده ملكًا. حاول أنطيوخس أن يعيد ابنَ أخته ولكنّه فشل وترك مصر سنة 169. ولكنّه عاد فاجتاح مصر سنة 168، ولمّا وصل إلى ممفيس أخذ لقب ملك مصر. وإذْ كان يستعدّ ليدخل الإسكندريّة أمرته رومةُ أن يترك أرض مصر فعاد إلى بلاده.

ب- المكابيّون والحشمونيّون
1- ثورة المكابيّين: متتيا ويهوذا (167- 160 ق م)
خلال أحداث مصر دخل أنطيوخس الرابع في صراع مع يهود أرض يهودا. فإطار أورشليم السياسي والاجتماعي كان إطار حرب أهلية بين المتعلّقين بالهلّينيّة والمعارضين لها. وسرت إشاعة أنّ أنطيوخس الرابع قد مات، فتدخّلَ ليُزيلَ كلّ بورة مضطربة قبل أن يهجم على آسية الصغرى. ضايق اليهودَ مضايقةً منتظِمةً وانتهى به الأمرُ سنة 167 إلى إلغاء الديانة اليهوديّة ليُزيلَ أسباب قرح خبيث. فأثار حربًا حقيقيّة قام بها ممثّلو الحزب اليهوديّ المتشدّد الذين سيخلَّدون باسم المكابيّين.
اندلعت الثورة المكابيّة سنة 167- 166 وحمل لواءها رجلٌ من عائلة كهنوتيّة اسمه متتيا. لجأ مع أبنائه إلى مودين، وهي ضيعة بين أورشليم ويافا، فكان لجوُءه نقطة انطلاق لحركة ستجعل من يهودا ثمّ من كلّ فلسطين مملكة واسعة الأطراف. ومات متتيا سنة 166، ولكنّه عيَّن قبل موته أبنه الثالث الملقّب بالمكابيّ (1 مك 2: 4) كخليفة له على رأس الثورة. كان يهوذا قائدًا حربيًّا لا مثيل له. ولكنّه مات سنة 160 وصار بطلاً وطنيًّا (زاحم الأسد أو الشبل في أعماله ومآثره: 1 مك 3: 4).
في ذلك الوقت كان أنطيوخس الرابع يحارب الفراتيّين، فأرسل ليسياس الحاكم العسكريّ للمقاطعات الشرقيّة ليوقف ثورة اليهود. استعمل يهوذا خطّة حرب العصابات فأنزل بالجيوش السلوقية خسائر متعدّدة (1 مك 3: 10- 4: 35). وبعد ثلاث سنوات من الثورة (أي سنة 164) استولى يهوذا على أورشليم (ما خلا القلعة أو أكرا) وطهّر الهيكل. وما زال اليهود يعيّدون في 25 كسلو (حوالي كانون الأوّل) عيد حنوكة أو تدشين الهيكل الجديد (1 مك 4: 59؛ رج يو 10: 22). ومات أنطيوخس الرابع في تلك السنة في فارس (1 مك 6: 1- 6). فأعلن ليسياس نفسه وصيًّا على الفتى أنطيوخس الخامس (164- 162) وقرّر معاقبة محاربي يهوذا. هاجمهم من أدومية فانتصر عليهم. ولكن نجت أورشليم وسكّانُها بفضل مزاحمة هدّدت عرش أنطاكية وليسياس نفسه. فعاد على جناح الساعة إلى بلاده. وإذ أراد أن يقوّي موقعه جعل المَلك يعلن الحريّة الدينيّة لليهود (1 مك 6: 55- 63).
ولكن في سنة 162 جاء من رومة أبن سلوقس الرابع الذي حلّ كرهينةٍ محلّ عمّه أنطيوخس الرابع. سمع نصيحة أصدقائه فجاء فجأة إلى أنطاكية وطالب بخلافة والده سلوقس الرابع الذي اعتبر أنّها اغتُصبت. قُتل أنطيوخس الخامس واعتلى العرش ابنُ سلوقسَ الرابع الذي سُمّي ديمتريوسَ الأوّل (162- 150). تحزّب مع اليهود الهلّينيّين وأرسل حملة جديدة على اليهود الثوّار بقيادة نكانور الذي ما عتّم أن قُتل (يحتفل اليهود بيوم نكانور). ولكن هاجمت أنطاكية يهودا مرّة ثانية فانتصرت عليه شمالي غربي أورشليم (1 مك 7: 9-22). مات يهوذا ومات كثيرون معه وسيطر على الوضع اليهود الهلّينيّون الموالون لأنطاكية.
كان يهوذا قد قام بمحاولات دبلوماسيّة بموازاة أعماله الحربيّة، فاتّصل برومة عدوّة السلوقيّين. ونحن نعرف اليوم رسالة بعث بها سنة 163 موفدون رومان أقاموا في سورية وعرضوا على اليهود أن يتدخّلوا من أجلهم لدى الملك السلوقيّ (1 مك 11: 34-38). والوثيقة الثانية تعود إلى سنة 161 (1 مك 8: 23-30) وهي تتضمّن أوّل معاهدة صداقة بين الرومان وحزب يهوذا المكابيّ.

2- نجاحات يوناتان وسمعان المكابيَّين (165- 142 ق م)
وخلف يهوذا أخوه يوناتان، خامس وأصغر أبناء متتيا، وقاد حرب المكابيّين من سنة 180 إلى سنة 143 ق. م. (1 مك 9: 28- 12: 53). وضعُف الضغط السلوقي فاستفاد القائد اليهوديّ من هذا الضعف. بدأت حرب لدى السلوقيّين يوم نزل إسكندر بالاس، ابن أنطيوخس الرابع المزعوم، على الشاطئ الفلسطينيّ في بطلمايس (عكا)، وبدأ يملك بمساندة مجلس شيوخ رومة. فأخذ كلٌّ من الملكَين يقدّم الوعود للمكابيّين ليربح وُدَّهم (1 مك 10: 4-20). أمّا يوناتان فأخذ جانب بالاس الذي عيّنه "كاهنًا أعظم"، فظهر في هذه الوظيفة في عيد المظالّ من السنة 152 (1 مك 10: 21). ولمّا مات ديمتريوس سنة 150 دعا إسكندر بالاس يوناتان إلى زواجه بكليوبترة أبنة بطليموس السادس فليوماتور. وخلال الاحتفال ألبس بالاس حليفَه اليهودي اللباس الأرجوانيّ، وسمّاه قائدًا عامًّا، ورفعه إلى مقام يكاد يساوي مقام الملك. واستفاد يوناتان فيما بعد من الصراع بين ديمتريوس الثاني ابن ديمتريوس الأوّل، وأنطيوخس السادس أبن بالاس، كما نال مساندة بطليموس السادس ورومة وإسبرطة. وتوسّعت منطقة نفوذه وتدفّق المال عليه بعد أن سيطر على السهل الساحليّ الذي احتلّه أخوه سمعان (1 مك 11: 59) وعلى مناطق غير يهوديّة ومدن محصّنة (1 مك 12: 31-38). ولكنه سقط في فخّ نُصِبَ له في بطلمايس، فقُتل هناك سنة 143. ورغم نجاحه الحربيّ والسياسيّ، لم يستطع أن يحتلّ قلعة أورشليم (أكرا). ولكنّ أخاه وخَلَفَهُ سمعان (143-134 ق م: 1 مك 13: 1-6، 17) سيقوم بهذا العمل كما سيحالفه النجاح العسكريّ والسياسيّ. ولمّا كان حزب أنطيوخس السادس السبب في مقتل أخيه، تحالف مع خصمه ديمتريوس الثاني الذي اعترف بسلطانه وأعفاه من الضرائب (1 مك 13: 34). فاحتفل اليهود بهذه السنة على أنّها بداية عهد من الاستقلال السياسيّ التي لم تعرفها أرض يهودا منذ سنة 587 ق م. وسيكون رمزُ هذا الاستقلال احتلالَ قلعة أورشليم (142- 141) آخرِ معقلٍ للتأثير السلوقي والهلّينيّ في العاصمة، وتحويلها إلى قصر ملكيّ (1 مك 13: 51).
وهكذا انتهت مرحلة الثورة، مرحلة الإخْوَةِ المكابيّين، وبدأ عهد دولة الحشمونيّين (من حشمون جدّ متتيا، رج يش 15: 27).
تميّزت مرحلة الثورة بثلاثة أمور: حرّيّة دينيّة استعادها يهوذا سنة 162، لقب عظيم الكهنة حصل عليه يوناتان سنة 152، الإعفاء من الضرائب في أيّام سمعان سنة 142. فلم يعد ينقص إلا لقب ملك ليصل الصعود السياسيّ إلى القِمّة.

3- الحشمونيّون: رئيسا الكهنةِ سمعان ويوحنّا هركانس
صار سمعان الحشمونيّ قائد اليهود الجديد منذ سنة 143 فتصرّف بموارده الماليّة الخاصّة، وهذا ما أتاح له أن يشتريَ السلاحَ وأن ينظّم فريقًا دبلوماسيًّا (1 مك 13: 16- 14: 32). فتصرّف كرئيس دولة حقيقيّ، واقتنى جيشًا من المرتزقة، وتاج احتلال فلسطين. أخذ جازر، تلك النقطة الستراتيجيّة على زاوية السهل الساحلي، وجعلها بالقوّة مدينة يهوديّة (1 مك 13: 43- 48) وأقام ابنَه يوحنّا هركانس حاكِمًا عليها (1 مك 16: 19). وتقدّم في حملته حتّى وصل إلى مرفأ حيفا (1 مك 13: 11).
وعرفت أرضُ يهودا فترةَ سلام واتّخذت في إطار سياسة الشرق الأوسط مكانةً لم تتخذّها منذ سقوط الملكيّة. في ذلك الوقت، كان السلوقيون يهدمون سلطانهم بحرب سلاليّة لا تنتهي، وكان الرومان يزيدون من تأثيرهم في الشرق، والفراتيّون يهاجمون المقاطعات السلوقيّة السائرة إلى انحطاط. ثبَّت معان المعاهدة مع كلّ من رومة وإسبرطة (1 مك 14: 16-24)، وأعْلَنَ المجلسُ اليهوديُّ العامُّ (سيناغوغي) سمعانَ عظيمَ كهنة، وقائدًا عامًّا، ورئيسًا لأمّة اليهود مدى الحياة، على أن يتوارث أبناؤه سلطانه (1 مك 14: 47). نُقش هذا القرار على ألواح من نحاس، وُوضع في سور الهيكل، ونال مساندة مجلس الشيوخ الروماني (1 مك 5: 15-24). منذ ذلك اليوم تأسّست السلالة الحشمونيّة، وكانت كهنوتيّة وحربيّة لا ملكيّة، تدشّنت دولة يهوديّة.
وتهدّد استقلالُ يهودا في النصف الثاني صن حكم معان. اعتلى أنطيوخس السابع سيداتيس (138- 129) العرش، وحاول أن يُنْهِضَ المملكة السلوقيّة المريضة من كبوتها. وساءت العلاقات بينه وبين سمعان، إلاّ أنّ أبناءَ سمعان دافعوا عن المملكة (1 مك 15: 25-16: 10). ولكن قُتل سمعان قربَ أريحا خلال وليمة مع اثنين من أبنائه، وكان قاتلَه صهرُه الذي عمل لحساب السلوقيّين وحاولوا أن يقتلوا يوحنا هركانس ابنَه الآخر، فهرب من جازر. فاستقبله أهل أورشليم وأعلنوه عظيم كهنة وخلفًا لأبيه. ورَأسَ اليهود من سنة 134 إلى سنة 105 ق م.
تعلّم هركانس مهنة الحرب والإدارة على يد أبيه، فكان أشهر الملوك الحشمونيّين، وقد ترك ذكرًا عاطرًا في التاريخ اليهوديّ. وسيتوقّف سفر المكابيّين الأوّل عند خبر اعتلائه العرش بعد مقتل معان. ولكنّ يوسيفوسَ يُحدّثنا عن أعماله.
واجهت هركانس صعوباتٌ في بداية حكه. حاول أنطيوخسُ السابع أن يضع يده على كلّ فلسطين، ففرض على اليهود دفع جزية ليافا ولسائر المدن الخارجة عن مقاطعة يهودا. كما طلب من هركانس أن يساعده في حربه على الفراتيّين. واستعاد أنطيوخس يافا وجازر، وحاصر أورشليم وكاد يأخذها لولا تدخّل رومة التي منعت أنطيوخس من التعدّي على مقاطعات حلفائها وأصدقائها اليهود. فعاد أنطيوخس يحارب الفراتيّين وهناك مات سنة 129. واعتلى العرش ديمتريوس الذي كان قد أسره الفراتيّون، ولكنّه خاف أن يتحرّش بهركانس بسبب الوضع الصعب فتركه وحاله. حينئذ ثبّت الحشمونيّ استقلال يهودا، ووسعّ تخوَمهُ فضمّ إليه أدومية في الجنوب والسامرة (سنة 107) في الوسط وبعض مدن شرقي الأردنّ وجُزْءًا من الجليل في الشمال. كان هركانس عظيم كهنة، ولكنّه تصرّف مرارًا كرئيس فلجأ إلى العنف والقتل، شأنه شأن سائر الملوك. لهذا تخلّى عنه الفرّيسيّون في أواخر عهده بعد أن كانوا قد ساندوا المكابيّين منذ البداية، فتقرّب هركانس من أعدائهم الصادوقيّين.

4- الحشمونيّون: الملكان أرسطوبولس وإسكندر (يناي) (104- 76 ق م) 
وخلف يوحنّا هركانس ابنُه اكبر أرسطوبولس الأوّل (104- 103)، فسجن أمّه (التي ماتت جوعًا في السجن) وإخوتَه، بعد أن قتل واحدًا منهم (كان على أرملة الملك أن تؤمّن الوظيفة السياسيّة، وأرسطوبولس الوظيفة الكهنرتيّة). أكمل أرسطوبولس ضمّ الجليل إلى اليهوديّة، ولكنّه مات بعد أن حكم سنة واحدة.
وخلف أرسطوبولسَ أخوه (ابن يوحنّا هركانس الثالث) إسكندر يناي. ملك (كان أوّلَ من دُعيَ ملكًا) من سنة 103 إلى سنة 76 ق م. وقُسم عهدُه من الوجهة السياسيّة إلى ثلاث حِقَبٍ .
الحِقْبة الأولى: من سنة 103 إلى سنة 95. احتلّ يناي مجمل ساحل فلسطين من جبل الكرمل في الشمال إلى حدود مصرفي الجنوب. حصل على مساعدة كليوبترة الثالثة، ملكة مصر والحارث الأوّل ملك الأنباط. أمّا أشهر انتصاراته فكانت احتلالَ غزّة (سنة 96) وجَدارا في شرقيّ الأردنّ.
الحِقْبة الثانية: من سنة 95 إلى سنة 83. كانت حقبةً من الصعوبات الداخليّة والخارجيّة. حدثت قلاقل في يهودا، وعارض قسم من السكّان سياسة يناي الحربيّة فلم يقبلوا بارتباط هذا الشخص (الذي يجمع الملكيّة إلى رئاسة الكهنوت) بالصادوقيّين. أمّا الفرّيسيّون الذين بدأوا يعارضون يوحنّا هركانس في أواخر أيّامه، فقد برزوا كخصوم مُعْلَنِيْنَ وعنيفين لإسكندر يناي. ففي سنة 90 وفي عيد المظالّ، هاجمه الشعب بأكثريّته الفرّيسيّة بعصير الليمون حين كان يقدّم الذبيحة الإلَهيّة في الهيكل وشتموه، وأعلنوا أنّه غيرُ أهلٍ لأن يُتمَّ هذا العملَ المقدّس. قلق يناي من هذه الحركة التي لم يكن لها مثيل في التاريخ اليهوديّ وقتل ستّة آلاف شخص. هذا في الداخل، أمّا في الخارج فاستعاد بطليموس التاسع سلطانه، كما أنّ الأنباط هاجموا المناطق التي احتلّها اليهود في شرقيّ الأردنّ. قهروا يناي في الجولان فهرب إلى أورشليم حيث ثار عليه أهلها. وكانت حرب أهليّة دامت ستَّ سنوات ومات فيها ما يقارب 50000 يهوديّ.
وفي سنة 89 تدخّل ديمتريوس الثالث بعد أن دعاه معارضو يناي، فقُهر قرب شكيم. ثمّ هاجم السلوقيون والأنباط فلسطين، فانقلبت العواطف نحو إسكندر يناي الذي نجح في ضبط الأمور. عاد ديمتريوس إلى انطاكية حيث حاربه أخوه بمعاونة الفراتيّين. وعرفت رومة أزمة سياسيّة فقام متريداتيس السادس فتحالف مع أرمينية والفراتيّين وسورية ومصر، واحتل سنة 88 آسية الصغرى والجزر وبعض أجزاء اليونان. أمّا يناي فأهمل كلّ علاقة دبلوماسيّة مع رومة تاركًا خطًّا سار عليه جدوده منذ يهوذا المكابيّ.
الحِقْبة الثالثة: من سنة 83 إلى سنة 76. واستعاد يناي الأمور ووسعّ تخومه بعد أن مات بطليموس وضعف السلوقيّون والأنباط بسبب وجود تغرانا الأرمنيّ في سورية وفينيقية. وعمَّ السلامُ أرضَ فلسطين. واستقبلت أورشليم يناي استقبال الفاتحين. وحين مات بعد أن أكل وشرب كثيرًا، ترك وصيّته لامرأته ألكسندرة، وطلب منها أن تصالح الفرّيسيّين الذين يؤثّرون في اليهود فيؤذون من يبغضونْ ويخدمون من يحبّون. وزاد: إذا كانت الأمور ساءت بينه وبين الشعب، فالسبب يعود إلى الفرّيسيّين الذين سوّدوا صفحته لأنه أهانهم. إذن، خلفت ألكسندرة زوجها على العرش الملكي من سنة 76 إلى سنة 67. وكان أبنها الأكبر هركانس الثاني عظم الكهنة، ولكنّه لم يمارس سلطة مدنيّة. أمَّا أبنها الثاني الذي عُرف بحكمته وشجاعته فأُبعد.


5- نهاية مملكة الحشمونيين: ألكسندرة وأولادها (76- 63)
كان عهد ألكسندرة عهد سلم. ملكت قلب الشعب منذ أيّام زوجها، واتّصفت بتقواها فكانت تمارس بدقّة عوائد الآباء وتبعد عن مقاليد الحكم كلّ من يحاول التخلّص من الشرائع الدينيّة.
وكان تأثير الفرّيسيّين كبيرًا على ألكسندرة، فأبعدوا مستشاري يناي المسؤولين عن اضطهاد عدد كبير منهم. ووسّعت الملكة علاقاتها مع سائر الدول، وجنّدت المرتزقة وضاعفت عدد جيشها، غير أنّ الفرّيسيّين مالوا بها عن معاودة حروب أسلافها. وإنّ ابنها أرسطوبولس قاد حملة نحو دمشق وفشل هناك. ولولا المفاوضات والهدايا لاجتاح يهودا تغرانا ملكُ أرمينية الذي كان قد دخل سورية (70 ق. م). بعد هذا مرضت ألكسندرة ودبّ الخلاف بين ولديها هركانس وأرسطوبولس. فاستند أرسطوبولس إلى الصادوقيّين واحتلّ 28 حصنًا، وجنّد المرتزقة واستعدّ ليخضع أرض يهودا لمنع أخاه من اعتلاء العرش بعد موت الملكة.
وبعد موت ألكسندرة (67 ق م) أعلن أرسطوبولس الثاني الحرب على أخيه هركانس وغلبه قرب أريحا وأجبره على التنحّي عن الملك. فاتّخذ هو لقبَي عظيمِ الكهنة وملك اللذين احتفظ بهما حتّى سنة 63. ولكن هاجمه الأنباط وقهروه في سنة 65 فالتجأ إلى حرم الهيكل حيث حاصره الحارث ملك الأنباط وهركانس أخوه بعد أن تحالفا. وكان مُلهِم هذا الحلف أنتيباتريس، حاكم أدومية في أيّام يناي، ووالد هيرودس الكبير. انتمى أنتيباتريس هذا إلى عائلة أدوميّة غنيّة وارتدّ إلى الديانة اليهوديّة في أيّام يوحنّا هركانس.
ولكنّ الخلاف لم يحسم بين الأخوين، فلا بد من تدخّلِ دولة قويّة. أجل، ستتدخّل رومة في شخص بومبيوس.

ج- السيطرة الرومانيّة
1- سيطرة رومة على أرض اليهوديّة: بومبيوس وقيصر (63- 44 ق م)
في سنة 64- 63 ثبّت بومبيوس (106- 48) سلطة رومة على سورية وفلسطين. انطلق في حملة عسكريّة إلى الشرق ليقتلع من البحر جذور القرصنة التي تؤذي الاقتصاد الرومانيّ، فوصل إلى دمشق سنة 64. أنهى الحربَ منتصرًا ضدّ متريداتيس (ملك البنطس) وتغرانا (ملك أرمينية) ثمّ وضع يده على سورية السلوقيّة وجعلها مقاطعة رومانيّة. وجعل نفسه الحَكَم بين أرسطوبولس وهركانس (الذي يسنده أنتيباتريس). ودافع كلّ من الأخوين عن قضيّته وأرفق دفاعَه بفيض من الهدايا. وجاء أناس من الأمّة يطلبون إلغاء الملكيّة والاكتفاء بكاهنٍ أعظم يحكم البلاد. سجن بومبيوسُ أرسطوبولسَ وزحف على أورشليم ففتح له محازبو هركانس أبوابها. أمّا أتباع أرسطوبولس فالتجأوا إلى حرم الهيكل وقاوموا ثلاثة أشهر. ولكن دخل بومبيوسُ مع قوّاد جيشه إلى المعبد فوضع حذّا لنهاية مملكة الحشمونيّين. أخذ أرسطوبولسَ أسيرًا مع أولاده إلى رومة، وعيّنَ هركانس رئيسَ كهنةِ اليهود الذين فرض عليهم دفع الجزية. ولكنّ الخلاف بين الفريقين المتنازِعين لم يهدأ، وصارت اليهوديّة جُزْءًا من مقاطعة سورية الرومانيّة. وانحصرت سلطات هركانس في مقاطعات يهودا وبيريه والجليل التي سكنها اليهود بفعل سياسة الحشمونيّين. وأعاد بومبيوس وخلفاؤه (ولا سيّما غابينيوس حاكم سورية من 57 إلى 55 ق م) بناء المدن التي اجتاحها أو دمّرها الحشمونيّون، وفرضوا الحضارة الهلّينيّة على أساس البُنى السياسيّة والإداريّة.
ولجأ أنتيباتريس إلى دسائسَ ومؤامراتٍ كانت أسُسًا متينة لمملكة ابنه هيرودس العتيدة، ولكنّ أنتيباتريس وهيرودس ظلاّ رهينة الإرادة السياسيّة لدى الشخصيّات الكبرى التي وجّهت التاريخ في ذاك الوقت وهم: بومبيوس، قيصر، أنطونيوس، أوافيوس (أو أغوسطس).
وما زال أنتيباتريس يتلاعب برئيس الكهنة هركانس بعد أن صار له مستشارًا. فقبل سقوط بومبيوس (48 ق م) عيّنه وكيلاً على اليهوديّة حاكمُ سورية. وإذا كان غابينيوس قنصلاً على سورية من سنة 57 إلى سنة 55 اندلعت الثورة ثلاث مرّات في اليهوديّة. في المرّة الأولى والثالثة أشعلها الإسكندر، بكر أرسطوبولس، وفي المرّة الثانية أرسطوبولس الذي فرّ من رومة برفقة ابنه الصغير أنطيغونيس. تعاون غابينيوس وقائد جيشه (أحد أعضاء المثلّث) مع أنتيباتريس وهركانس فوضعوا حدًّا لهذه الثورات، وأعيد أرسطوبولس وابنه أنطيغونيس مقيّدَين إلى رومة.
وخلال الحرب الأهلية بين بومبيوس وقيصر (سنة 49، بعد عبور روبيكون) حرّر قيصرُ أرسطوبولسَ وأعطاه فرقتين وأرسله ليحاربَ بومبيوس. ولكنّ محازبي بومبيوسَ وضعوا السمّ في طعام أرسطوبولسَ قبل أن يترك رومة وأزالوا ابنه الأكبر الإسكندر. أمّا هركانس وأنتيباتريس فظلاّ مواليَين لبومبيوس وأرسلا إليه المساعدة في معركة فرساليس (48 ق. م) التي هزم فيها. ولكنّهما أخذا جانب قيصر حين انتصر.
وواجهت قيصرَ حربٌ شرسة في مصر من خريف 48 إلى ربيع 47 ق م. حاصره الجيش المصري وأهل الإسكندرية، وكان قريبًا من الهزيمة لولا تدخّل هركانس وأنتيباتريس. أرسل جيشًا قوامه ثلاثة آلاف جنديّ وحصل على مساعدة حربية من جيرانه في سورية، وحرّض هركانس يهود أرض أونيا أن يفتحوا الطريق أمام الجيش الروماني ويقدّموا له كلّ عون. فانتصر قيصر، وحين عاد إلى سورية سنة 47، ثبّت هركانس في رئاسة الكهنوت وعيّنه رئيس امَّةِ اليهود. ومنح أنتيبِاتريس لقبَ المواطنِ الرومانيّ وأعفاه من الضرائب. وأوصى بقراراتٍ وترتيباتٍ إلى مجلس الشيوخ من أجل تنظيم أرض يهودا. فسمح بأن يعاد بناء أسوار الهيكل، وأرجع إلى اليهود مرفأ يافا، وثبّت هركانسَ وخلفاءه في رئاسة الكهنوت وفي رئاسة الأمّة. واشتملت بلاد اليهود على يهودا نفسها ويافا والإنشاءات اليهوديّة في الجليل وشرقيّ الأردنّ مع وادي يزرعيل الكبير. 
كانت سياسة قيصر مؤاتية لليهود في فلسطين كما في الشتات، وسيسير على خطاه أنطونيوس وأوكتافيوس أغوسطس. ولكنّها في الواقع أتاحت لبيت أنتيباتريس (أي هيرودس) صعودًا لا يقف في وجهه عائق. فمنذ سنة 47 لم يكن يتصرّف أنتيباتريس بمعزل عن إرادة هركانس المسؤول الرسميّ عن اليهود، ولكنّه كان في الواقع السيّد الفعليّ في أرض يهودا بعد أن عيّن واليًا عليها. وتسلّم ابناه وظائفَ إداريّةً. فكان فسائيل حاكمًا على أورشليم، وهيرودس حاكمًا على الجليل. وبعد موت قيصر (44 ق. م) شدّد البيت الأدوميّ (بيت أنتيباتريس) قبضته على فلسطين ووضع نفسه بتصرّف كاسيوس سيّد الشرق خلال الحرب بين خلفاء قيصر. وفي سنة 43 وُضع السمُّ لأنتيباتريس بتحريض من هركانس. ولكنّ بناءه السياسي ظلَّ متينًا فهيّأ الدرب لمرحلة ملتبسة في تاريخ الأمّة اليهودية عنينا بها حكم هيرودس.

2- هيرودس الكبير (37- 4 ق م)
بعد أن أزال المثلّث الثاني قاتلي قيصر في فيلبّي من أعمال مكدونية سنة 42 ق م، سلَّموا إلى أنطونيوس مسؤوليّة الشرق. فتقدّم نحو سورية عابرًا آسية الصغرى. وتدخّل لديه اليهود ليحرّرهم من هيرودس. ولكنّ هيرودس استند إلى عهود سابقة بين أنطونيوس (لمّا كان قائدًا) وبين أبيه أنتيباتريس فحافظ على امتيازاته. فثبّت أنطونيوسُ الامتيازاتِ التي كانَ قد منحها قيصرُ لليهود، وَعَيّنَ هيرودسَ رئيسًا على الجليل والسامرة وفسائيل رئيسًا على اليهوديّة.
وفي سنة 40 حاول أنطيغونيس، ابنُ أرسطوبولس الأصغر، أن يعود إلى مسرح الأحداث بعد أن كان حاول سنة 44، بعد موت قيصر، أن يدخل إلى الجليل ليصل إلى أورشليمَ وعرشِها. ولكن ردّه هيرودس الحاكم إلى خلقيس حيث كان يقيم. وحين اجتاح الفراتيّون سورية وجد الظرف مؤاتيًا ليُزيحَ "الأدومي" ويعيد المملكة الحشمونية إلى سابق عزّها. فتحالف مع الفراتيّين الذين ساعدوه على وضع يده على مملكة يهودا والأراضي المجاورة لها، وعلى أسر هركانس وفسائيل. أمّا فسائيل فانتحر أو قُتل. وشُوِّه هركانس لئلا يقدر من بعد أن يمارس وظيفة الكهنوت، ونُقل إلى بابل حيث استقبله اليهود هناك استقبالاً حافلاً. وهكذا كان أنطيغونيس آخر الملوك الحشمونيّين فصكّ عملة جديدة زيّها برموز وطنية، وجعل نفسه زعيم الحزب الوطنيّ التقليديّ المعارض لبيت أنتيباتريس. أمّا هيرودس فجعل عائلته في مكان أمين في قلعة مصعدة وهرب إلى الإسكندرية ومن هناك إلى رومة. وفي خريف 40 عيّنه مجلسُ الشيوخ على اقتراح أنطونيوس وأوكتافيوس، ملكَ اليهوديّة، وأعلنه "الملكَ الصديق وحليفَ الشعب الرومانيّ". حاول من سنة 39 إلى سنة 37 أن يزيح أنطيغونيس عن العرش فلم يَفلح. فجنّد جيشًا من المرتزقة وأراد احتلال الجليل، فاصطدم بمعارضة السكّان وكان حليفه الفشل. فعاد إلى الشاطىء ومن هناك ذهب إلى أدومية وذهب ليستعين بأنطونيوس. فلمّا انتهت الحرب مع الفراتيّين تدخّل الجيش الروماني بقيادة سوسيوس، فحاصر مع جيش هيرودس مدينة أورشليم، ودام الحصار خمسة أشهر قبل أن تسقط في نهاية صيف 37. أُسر أنطيغونيس وأُرسل إلى أنطاكية، فأمر أنطونيوسُ بإعدامه. أمّا هيرودس فتحالف مع حزب هركانس وتزوّج مريمة، حفيدة الكاهن الأعظم.
وأخيرًا صار هيرودس الأدوميّ الملك الحقيقيّ لليهود. فأعدم 45 عضوًا من مجلس اليهود ساندوا الحشمونيّين، وسيعيِّن خلالَ ملكه وسيعزل رؤساءَ الكهنةِ كما يشاء. وقد منحه الرومان امتيازاتٍ عديدةً بما فيها حقّ إعلان الحرب على البلدان الغريبة. ولكن رغم كلّ هذه الظواهر، أقامت رومة هيرودس ملكًا، وسيظلّ أداةَ التسلّط الرومانيّ في الشرق. حكم هيرودس من سنة 37 إلى سنة 4 ق م. ونحن نقسم حكه إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى من 37 إلى 27 ق م: مرحلة تثبيت الحكم.
حاول هيرودس في هذه المرحلة أن يصفّيَ الحشمونيّين. وهكذا زال أرسطوبولس الثالث، شقيق مريمة، زوجة هيرودس (كان قد عيِّن كاهنًا أعظم بمساندة أمّه ألكسندرة وبفضل تدخّل كليوبترة السابقة) سنة 35. وزال سنة 30 هركانس، رئيس الكهنة المشوّه الذي عاد من بابل. وفي سنة 29 زالت مريمة نفسها التي اتّهمت بالزنى، وفي سنة 28 زالت ألكسندرة أمّ مريمة وحماة هيرودس.
وتنبّه هيرودس في الخارج إلى الطموح السياسيّ لدى كليوبترة، ملكة مصر. فبعد معركة فرساليس غلبها قيصر وصار عشيقها. أمّا الآن فهي عشيقة أنطونيوس ومعه تدرس إمكانيّة تكوين مملكة عاصمتها الإسكندريّة. ولكن جاءت حرب الفراتيّين ودمّرت هذه الأحلام حينئذ حاولت أن تعيد سلطة البطالسة على سورية وفلسطين، ولكنّها وجدت في طريقها هيرودس المعروف بولائه لأنطونيوس.
حين اندلعت الحرب الأهليّة بين أوكتافيوس وأنطونيوس سنة 32، طلب أنطونيوس من هيرودس أن يحارب الأنباط قرب فيلدلفية (أي عمّان)، ففعل وأخضعهم لسلطانه سنة 31 ق م. وفي أيلول من السنة نفسها هُزم أنطونيوس على يد أوكتافيوس في أكسيوم فكانت تلك الهزيمة نهايته ونهاية كليوبترة. أمّا هيرودس فكان محازبًا لأنطونيوس وكاد يصل الحكم إليه. دعاه أوكتافيوس إلى رودس ليبرّرَ أعماله ويوضح نواياه. وإذْ رأى أنّ مملكة هيرودسَ تفيد رومة، ثبَّته في الملك، كما ثبّت سائرَ الأُمراءِ الشرقيّين، وتركه يحتفظ بامتيازاته، وأعاد إليه الأراضي التي أخذها أنطونيوس منه ووهبها لكليوبترة. ولمّا جاء أوكتافيوس إلى بطلمايس (عكّا). لاقاه هيرودس بحفاوة، ثمّ ذهب إليه إلى مصر يهنّئه بموت أنطونيوس كليوبترة. حينئذ منحه أوكتافيوس المدن البحريّة وبعض مدن شرقيّ الأردن.

المرحلة الثانية: من سنة 27 إلى سنة 13 ق م: الازدهار
تميّزت هذه المرحلة بالأبنية الكثيرة والضخمة. هناك المدن التي بُنيت أو أُعيد بناؤها حسب الفنّ الهلّينيّ وسنتحدّث عينها فيما بعد. أمّا في أورشليم فشيّد هيرودس قصره وبنى قلعة أنطونيا حيث كانت قلعة أكرا. أمّا أعظم أعماله فكان بناء الهيكل حيث كان المعبد الصغير الذي شيّد بعد العودة من الجلاء. بدأ العمل فيه سنة 20- 19، فصار مهيّأً لشعائر العبادة في السنة التالية. ولكنّه دُشَّن بعد 9 سنوات. غير أنّ الأعمال لن تنتهي فيه إلاّ سنة 64 م أي قبل الثورة الكبرى (66- 70 م) بسنتين، وقبل أن يدمّر على يد تيطس بستّ سنوات. ونشير أيضاً إلى قلعة مصعدة والهيروديوم أو الضريح الفخم الذي سيدفن فيه الملك بأبّهة عظيمة. ونظّم هيرودس الريّ كما أنمى التجارة في البرّ والبحر بفضل الأمان الذي سيطر على البلاد.
وعمل هيرودس كالملوك الهلّينيّين. فكان سخيًّا في مبادراته تجاه مدن فينيقية وسورية وآسية الصغرى واليونان. وهذه الإنعاماتُ ثبّتت موقفَ المَلِكِ وساعدت على الإشعاعِ اليهودي في عالم الشتات، ونَشْرِ الحضارة الهلّينيّة. ولكنّ هذا السخاء كلَّف الشعب اليهوديّ الكثيرَ من المال، لهذا لم يكن هيرودسُ محبوبًا لديه وقد قابله بعضهم بأنطيوخس إبيفانيوس. وعاداه الفرّيسيّون. أمّا الصادوقيّون فخسروا كلّ سلطتهم (منهم يؤخذ رؤساء الكهنة) وصاروا أداة طيّعة بين يديه.

المرحلة الثالثة: من سنة 13 إلى سنة 4: أزمة داخل البيت
تميّزت المرحلة الأخيرة بصراعات عائليّة هامّة بسبب طموح أبناء الملك وتأثيرهم السياسيّ. وُلد لهيرودس من مريمة الحشمونيّة (قتلت سنة 29 ق م) ولدان: إسكندر وأرسطوبولس. بما أنهما كانا الوارثين الشرعيّين أرسلا إلى رومة ليتلقّيا تربية ملوكيّة. ولمّا عادا إلى البَلاط الملكيّ سنة 18- 17 بدأ الخلاف بينهما وبين والدهما. وزاحمهما في الخلافة الملكيّة هيرودس أنتيباتريس أخوهما من دوريس امرأة هيرودس الأدومية. إذًا بدت الحرب على الخلافة ظاهرةً في الأفق. استشار هيرودس أغوسطس فامزح أن سّمَ المملكة على الأولاد الثلاثة عند موت الوالد. ولكن رغم محاولات المصالحة، لم يستطع هيرودسُ أن يسيطرَ على الموقف وهو الخائف دومًا من المؤامرات. فخنق الإسكندر وأرسطوبولس بموافقة رومة سنة 7 ق. م، ونفّذ حكمَ الإعدام بهيرودسَ أنتيباتريس قبل أن يموت بخمسة أيّام.
توفّي هيرودس في أريحا سنة 4 ق م وهو بعمر 70 سنة، فكان بعد داود أعظم ملك عرفته أرض اليهود. انطلقت مملكته سنة 37 ق م من أرض يهودا (التي كان يحكمها أنطيغونيس) وامتدّت فشملت كلّ فلسطين انطلاقًا من البحر الميت (جنوبي مصعدة)، وأجزاء من شرقيّ الأردنّ حتّى حوران، فضمّ إلى مملكته اليهود واليونانيّين وقسمًا كبيرًا من السوريّين والهلّينيّين.
ولكن كان هناك ثلاثةٌ أمور لم يَسْتَسِغْها الشعبُ اليهوديّ: أصل هيرودس. كان أدوميًا لا يهوديًّا. ثانيًا: عاش وحكم البلاد على الطريقة الهلّينيّة لا على الطريقة اليهوديّة. ثالثًا: كان تابعًا لسلطة لا يتحرّك إلاّ بأمرها. مثل هذه التبعيّة كانت فخًّا ستحوّله سلطة هيرودس وعبقريّته الدبلوماسية إلى منافع. ولكنّ ورَّاثه لم يعرفوا أن يسيروا على خطاه.

3- خلفاء هيرودس الكبير واقتسام المملكة (4 ق م)
قَسَمَ هيرودس في وصيّته الأخيرة المملكة بين أبنائه الثلاثة: أرخيلاوس وأنتيباس ابن مَلتقة السامريّة، وفيليبّس ابن كليوبترة. كان أرخيلاوس البكر فاتّخذ لقب الملك، أمّا الاثنان الآخران فاتّخذا لقب تترارخس (أي رئيس الربع). فلم يبق إلاّ أن يوافق أغوسطس على هذا التدبير.
ما إنِ انتهت جنازة الملك، وقبل أن يذهب أرخيلاوس إلى رومة، واجه ثورةً خطيرة بمناسبة عيد الفصح، ثمّ نزاعاتٍ صغيرةً في عيد العنصرة. فالطامحون إلى الملكيّة عديدون، لهذا جاءت هذه الفترة مخضّبة بالدماء.
وافق أغوسطوس على وصيّة هيرودس ورفض لأرخيلاوس لقب ملك. جعله تترارخسًا إثْرَ شكوى اليهوديّة والسامرة وأدومية. ولكن ما عتّمت رومة أن عزلته سنة 6 ب م على إثْرِ شكوى اليهود والسامريّين. فنُفي إلى فيّانا في فرنسا وتوفّي هناك سنة 18. وسلِّمت مقاطعته إلى والٍ تابع لحاكم سورية.
أمّا أنتيباس، فبعد أن عُزل أخوهُ، أخذ اسم هيرودس أنتيباس. كان صاحب مشاريع بناء مثل والده، وهو الذي يتحدّث عنه مت 14: 1 ي. دفعته امرأته الثانية هيروديّة أن يطلب من رومة لقب ملك. ولكنّ الإمبراطور كاليغولا (37- 41) عزله سنة 39 وأرسله إلى المنفى في فرنسا، في جبال البيرينيّة. وأعطيت مقاطعته لأغريبّا الاول، شقيق هيروديّة وحفيد هيرودس الكبير ومريمة.
أمّا فيلبّس فلم يحكم شعب اليهود، بل أناسًا غيرَ يهود. إشتهر هو أيضاً بمشاريع البناء. تزوّج سالومة ابنة هيروديّة وتوفّي دون عقب سنة 34. فضمّ الامبراطور طيباريوس (14- 37) أراضيَه إلى مقاطعة سورية الرومانيّة. ولكن عاد كاليغولا فأعطاها لأغريبّا الأوّل سنة 37.
كان أغريبا الأوّل (41- 44) حفيد هيرودس وأبن أرسطوبولس الذي قتل سنة 7 م. شارك في تسمية كلودبوس (41- 54) فأعطاه هذا لقب ملك فاحتفظ به حتّى موته المفاجئ سنة 44. لمّا اعتلى كلوديوس عرش رومة وجد أغريبّا نفسه على رأس مملكة شبيهة باتّساعها بمملكة هيرودس الكبير. فمنذ سنة 37 نال أرضَ فيلبّس وقسمًا من سورية. وفي سنة 39 نال أرض هيرودس أنتيباس. ثمّ أعطاه كلوديوس اليهوديّة والسامرة وأدومية. كان آخر ملك للأمّة اليهوديّة. ولكن لمّا مات، رفض كلوديوس أن يعطيَ ابنه أغريبّا الثاني عرشَ أبيه. حينئذ ضُمّت فلسطين إلى مقاطعة سورية وسُمّيت اليهوديّة وصارت تحت سلطة والٍ يعيّنه الإمبراطور. أمّا أغريبّا هذا فيُذكر في أع 25- 26 بمناسبة محاكمة بولس.

4- الولاة الرومان (6- 66 ب م)
الولاة هم حكّام عيّنتهم رومة أوّلاً على اليهوديّة (التي كانت تضمّ أيضاً السامرة وأدومية) من سنة 6 إلى سنة 41 (من عزل أرخيلاوس إلى عهد أغريبّا الأوّل)، وثانيًا على كلّ فلسطين من سنة 44 إلى سنة 66 (من موت أغريبّا الأوّل إلى سنة اندلاع الثورة الكبرى).
كان على الوالي أن يهتمّ بالأمور العسكريّة والماليّة والقانونيّة. أمّا الأمور الهامّة، فيعود فيها إلى حاكم سورية الذي ارتبطت به اليهوديّة. إنّما كان في الواقع حرَّ التصرّف لا يقف بوجهه أحد. كان يقيم عادة في قيصريّة البحريّة، ولكنّه كان يأتي إلى أورشليم بمناسبة الأعياد اليهوديّة الكبرى ترافقه فرقة عسكريّة ليتدارك ثورات محتملة، فيقيم في القصر القديم أو في قلعة أنطونيا القريبة من الهيكل. وكان في تصرّفه فرقةُ أنصار مجنّدةٌ من سورية وفلسطين، لا من اليهود (المُعْفَيْنَ من الخدمة العسكريّة). كان يقيم هذا الجيش بأكثريّته في قيصريّة ويتوزّع الباقي على أورشليم والقلاع التي بناها هيرودس. تنظّمت العدالة حسب الشريعة اليهوديّة بواسطة المجلس (سنهدرين) والمحاكم المحلّيّة. أمّا حكم الإعدام فكان يعود إلى الوالي (رج يو 19: 31).
لم تبدّل رومة التنظيمات السابقة فيما يخصّ العبادة الرسميّة في الهيكل وممارسات الديانة العامّة، فظلّت معتقدات الآباء ومتطلّبات الشريعة موقَّرة ومحترمة. وإذْ كان اليهود لا يقبلون صورة أو تمثالاً، تحاشت الإدارة الرومانية أن تُدخِلَ الجيوش بأعلامها إلى أورشليم وأن تضرب عملة عليها صورة. ولكن وَجَبَتِ الصلاة على نيّة الإمبراطور وازدهار رومة. وفعل الوالي كما كان يفعل هيرودس، فكان يعيّن رؤساء الكهنة ويعزلهم كما يشاء. وهذا ما حدث ثماني مرّات من سنة 6 إلى سنة 41.

أولاً: الولاة الأولون (6- 41 ب م)
الأباطرة اليهوديّة والسامرة حاكم سورية الجليل
أغوسطس أرخيلاوس فاروس أنتيباس
(31 ق م- 14 ق م) 4- 6 ب م 6- 3 ق م 4 ق م- 36 ب م 
الولاة
كوبونيوس كيرينيوس
6 – 9 6 - 11
أنبيبولس
9 - 12
روفوس
12- 15
طيباريوس فاليريولس غراتوس
14- 37 15- 26
بونسيوس بيلاطس
26- 36
كاليغولا مرسلوس فيتاليوس
37- 41 26- 37 35- 39
مارولوس بترونيوس أغريبا الأول
37- 41 39- 42 39- 44
كلوديوس أغريبا الأوّل
41 – 54 41 - 44
لا نعرف شيئًا عن الولاة الثلاثة الأوّلين كوبونيوس وأنبيبولوس وروفوس. ولكن يخبر المؤرّخ يوسيفوس أنّه في سنة 6، يوم تنظّمت مقاطعة اليهوديّة وعيِّن عليها الوالي الأوّل، تمَّ إحصاء عامّ من أجل الضرائب المباشرة فثارت القلاقل. نظّم هذا الإحصاء حاكمُ سورية الجديد كيرينيوس، فدعا إلى الثورة يهوذا الجليلي الذي خلق تيّارًا وطنيًا متطرّفا سيلعب دوره في الحرب ضدّ رومة سنة 66.
إذا عدنا إلى أخبار العهد الجديد وما يقوله المؤرّخون، نعرف أنّ حكم الإعدام نفِّذ بيسوع في أيّام بونسيوس بيلاطس (أو بيلاطس البنطي) الذي حكم اليهودية عشر سنوات (26- 36) وعرفه المؤرّخ يوسيفوس وفيلون الإسكندراني. ما إن دخل اليهودية حتّى أغضب سكّان أورشليم فقرّر أن تدخل جيوشه المدينة بأعلامها وعليها صورة الإمبراطور. كان هذا واحدًا من التحدّيات العديدة التي اختلف فيها بيلاطس عن الولاة السابقين، وهذا ما جعله يخسر كلّ شعبيّته لدى اليهود (لو 13: 1). عزله من وظيفته فيتاليوس حاكم سورية، وأرسله إلى رومة فخيّره كاليغولا بين المنفى والانتحار.
ولمّا عيّن كلوديوس إمبراطورًا (سنة 41) بعد موت كاليغولا، ألغى وظيفة والي اليهوديّة وسلّم المنطقة إلى صديقه أغريبّا الأوّل.

ثانيًا: الولاة اللاحقون
الأباطرة الولاة
كلوديوس كوسبيوس فادوس
41 – 54 44 - 46
طيباريوس الإسكندر
46- 48
فانتيديوس كومانوس
48- 52
أنطونيوس فيلكس
52 - 60
نيرون فورقيوس فستس
54- 68 60- 62
لوقايوس ألبينوس
62 - 64
غاسيوس فلوروس
64 - 66
ما زالت الحالة من سيّئ إلى أسوأ في أيّام هؤلاء الولاة السبعة. تكاثرت أخطاء ممثّلي رومة وتعسّفاتهم. وبدأت النزاعات مع اليهود في أيّام الواليَين الأوّليَن وتحوّلت إلى حركات ثوريّة في أيّام الوالي الثالث. وتوسّع التمرّد وتثبّت على أيّام فيلكس ووصل إلى أوجِهِ في عهد غاسيوس فلوروس. عاشت البلاد كلّها جوّ الثورة وتهيّأ كلّ شيء للحرب التي اندلعت في حزيران سنة 66.

5- حرب اليهود على رومة (66- 70)
فسد الجوّ في كلّ مكان بين اليهود، ولاسيّما اليهود الوطنيّين، وبين الرومان ولا سيّما الذين يوافقون على وجودهم. وكان حدث خطير عجّل في تسلسل الأحداث. 
طلب الوالي غاسيوس فلوروس من اليهود أن يذهبوا إلى ملاقاة الجيش الآتي من قيصرّية، وأفهم الجيش أن لا يردّوا إلى التحيّة. حينئذ توجّه الشعب بكلام قاس إلى الجنود، فأعملوا فيه القتل. استعاد اليهود المبادرة ونظّموا المقاومة في أورشليم التي تركها فلوروس وأبقى فيها كتيبة واحدة. فعاد أغريبا الثاني إلى مصر، وحاول أن يعيد النظام ولكنّه اجبر على الهرب من أورشليم والالتجاء إلى مقاطعته. وما زالت الثورة تنمو. فاحتلّ اليهود قلعة مصعدة وقتلوا الحامية الرومانيّة التي كانت فيها. وانضمّ أليعازرَ حاكمُ الهيكل إلى أفكار الثورة فتوقّف عن تقديم الذبيحة اليوميّة على نيّة الإمبراطور. وهكذا بدا وكأنّه يعلن الثورة على رومة. حاول أن يتدخّل بعض الوجهاء والفرّيسيّون وممثّلو الكهنة (الموالين للصادوقيين) بمساعدة جنود أغريبّا. ولكنّ الثائرين صلَّبوا مواقفهم وأزاحوا المعتدلين ومدوا الثورة إلى مدن أخرى غير أورشليم. هذا كان في آب- أيلول سنة 66. وفي تشرين الأوّل من السنة نفسها تدخّل فستيوس غالوس، حاكم سورية، وهجم على أورشليم. فانهزم جيشه شرّ هزيمة. منذ ذلك الوقت اتّفق اليهود كلّهم على الحرب. هرب العناصر الموالون لرومة، وسكت محازبو السلام أو انضمّوا إلى التمرّد.
ونظّم اليهود الحرب واستعدّوا للهجوم الرومانيّ الذي انتظروه آتيًا من شمال البلاد، وعيَّنوا في مناصبِ المسؤولية أكبرَ الشخصيّات. أُوكلَ إلى الكاهن والدبلوماسيّ يوسف بن متّيا (المؤرّخ فلافيوس يوسيفوس) الدفاع عن الجليل. حاول أن يهدّئ الغليان الشعبيّ فنظَّم في المنطقة جيشًا نظاميًّا ومحكمة محلّية. ولكنّه اصطدم بمعارضة المطالبين بالحرب أمثال يوحنّا جيشالا الذي طالب بمقاومة شرسة ونَعِمَ بمساندة سلطات أورشليم، وأتّهم يوسيفوسَ بالتعاون مع العدوّ. أقام يوسيفوسُ في رومة سنة 64 فعرف قوّتها. أراد أن يتجنّب الحرب، ولكنّ أورشليم كانت تهيّئ الرجال والعتاد وتستعدّ للدفاع.
وفي ربيع سنة 67 دخلت الجيوش الرومانيّة إلى الجليل بقيادة الجنرال فسباسيانس الذي جاء بطريق البحر ونزل في بطلمايس. كان عدد الجيش ستّين ألفَ مقاتِلٍ وتألَّفَ من فِرَقِ فسباسيانس الثلاثةِ، ومن الفرقةِ الخامسةَ عشرةَ التي يقودها تيطس بنُ فسباسيانس، ومن كتائب أنصار قدّمها الملوك المجاوزون ومنهم أغريبّا الثاني.

6- مسلسل الأحداث
إنضمّت سافوريس (صفورية) سريعًا إلى الرومان. وبدأ حصار يوتافاتا، التي أُخذت على إثْرِ خيانةٍ في 20 تمّوز سنة 67، والتي كان فيها يوسيفوس فأُسر ولكنّه لم يُقتَل. وأنهى تيطس تهدئة الجليل.
حينئذ بدأت في أورشليم صراعاتٌ بين يهود من مواقفَ مختلفةٍ . وكان يوحنّا جيشالا قد لجأ إليها مع الناجين من فرقته، فاصطدم بطموح قائد آخر هو سمعان بن غيورا. في ذلك الوقت قُتل عدد كبير من الوجهاء.
ولما مات نيرون في 9 حزيران سنة 68 أوقف فسباسيانس العمليّات العسكريّة وعاد إلى إيطالية تاركًا القيادة في يد تيطس. ولكن تقوّت الحرب الأهليّة في أورشليم في تلك الفترة من الهدوء.
وفي تمّوز سنة 69 هتفت الجيوش الرومانيّة الشرقيّة لفسباسيانس وأعلنته إمبراطورًا. فترك لابنه تيطس أن ينهي الحرب في اليهوديّة.
وفي سنة 70 زحف تيطس على أورشليم حيث سيطر الجوع. حينئذ تصالح العدوّان يوحنّا جيشالا وسمعان بن غيورا أمام التهديد الرومانيّ. في 25 أيّار سقط السور الثالث الذي بدأ ببنائه أغريبا الأوّل وأتمّه الثوّار. وفي 30 أيّار سقط السور الثاني وفي 24 تموز سقطت قلعة أنطونيا وبدأ حصار الهيكل الذي التجأت إليه القوى اليهوديّة. في 10 آب أحرق الهيكل. وفي نهاية أيلول خضعت المدينة كلّها بعد أن صارت كتلة من الدمار. ووُزِّع الأسرى بعضهم إلى الأشغال الشاقّة وبعضهم إلى حلبة الألعاب. بيع عدد كبير كعبيد، واحتفظ تيطس بسبع مئة شابّ ليمشُوا في موكبه عندما يدخلُ رومة في ربيع سنة 71. وقع سمعانَ بن غيورا في الأسر وقُتل، أمّا يوحنّا جيشالا فمات في السجن. 
وبقيت ثلاثة حصون هجمت عليها الفرقة العاشرة. سقط هيروديوم من دون صعوبة. وحوصرت مكاور فسقطت سريعًا. أمّا حصار مصعدة فكان صعبًا وطويلاً (هناك تمّ الانتحار الجماعي) وانتهى سنة 74. حينئذ صارت فلسطين مقاطعة رومانيّة، وتولاّها قائد الفرقة العاشرة الذي أقام في أورشليم.

7- نهاية اليهوديّة: الثورة الثانية على رومة (132- 135)
أقام الجيش الروماني في المدينة المقدّسة ومارس شعائر العبادة الوثنيّة، ومُنع اليهود من الإقامة في ما تبقّى من عاصمتهم ومن الاقتراب من بقايا هيكلهم. فكان تَمَرُّد وُلد سنة 115 في مصر والقيروان وامتدّ إلى قبرص وبلاد الرافدَين واليهوديّة. ولكنّ الرومان قمعوه بسرعة وقساوة. في هذا الوقت صارت اليهوديّة مقاطعة قنصلية. وإنّ ضابط ترايانس لوقيوس قوياتوس الذي قمع التمرّد، أقام في هيكل أورشليم صنمًا سمّاه قيصر. فثار اليهود مرّة ثانية ولكن من دون جدوى.
وفي سنة 130 قرّر الإمبراطور أدريانس أن يعيد بناء أورشليم وسمّاها ايلية كابيتولينة (نسبةً إلى اسمه إيليوس وإلى الكابيتول، هيكل رومة بآلهته الثلاثة: زوش، يونون، منيرفا) ومنع الختان تحت طائلة الموت. فتحركت الثورة سنة 132 لدى اليهود تجاه هذه الإجراءات. قاد الثورة سمعانُ ابن الكوكب (رج عد 24: 17) الذي سُمِّيَ المسيحَ والذي احتلّ مع أتباعه قسمًا من البلاد واحتفظ به مدّة سنتين، كما أعاد شعائر العبادة إلى الهيكل المدمّر. تدخّلت رومة بأربعة فرق وظلّت تحارب ثلاث سنوات (132- 135) إلى أن قمعت الثورة كليًّا وبشراسة سنة 135. أمّا مصير المغلوبين فكان شرًّا ممّا كان عليه سنة 70. ومنع أدريانس كلَّ مختون من المجيء إلى أورشليم. ودمّر الهيكل وبُني مكانَه معبُدُ لزوشُ وضع فيه تمثال الإمبراطور وهو على صهوة جواده. وأُلغي اسم اليهوديّة وسمّيت المقاطعة فلسطين.
الفصل الثاني
عالم الشتات

أ- نظرة شاملة
1- تحديد كلمة شتات
تدلّ كلمة شتات (جلوت في العبريّة. رج في العربية "الجالِيَة": الغرباء تركوا أوطانهم) في التاريخ اليهوديّ على واقعين يختلفان اختلافًا جذريًّا. أوّلاً: هناك شتات حين ينتظم اليهود الذين خرجوا من فلسطين في وحدة منظّمة لها بنيتها ونظمها. ثانيًا: هناك شتات حين يكون اليهود أسياد جزء من أرض فلسطين في دولة شبه مستقلّة وحول هيكل أورشليم الواحد، كما حصل بعد بناء الهيكل الثاني. وإنّ المرحلة التي امتدّت من موت الإسكندر الكبير (323 ق. م) إلى سقوط أورشليم (70 ب. م) قد عرفت نظام الشتات اليهوديّ في أجلى مظاهره.
ونحن نتحدّث عن المنفى حين زالت الدولة والهيكل أي بين سنة 587 وسنة 538 ق م، وبعد سنة 70 ب م.
نجد كلمة شتات في ترجمة التوراة إلى اليونانيّة. هذا يعني أنّهم بدأوا استعمال الكلمة في القرن الثالث ق م. أمّا على عتبة العهد المسيحيّ، فالشتات يدلّ على مجموع اليهود الذين يقيمون خارج فلسطين. ولكنّ الكلمة تتّخذ معانيَ عدّةً. فتدلّ أوّلاً على وضع اليهود المشتّتين وسط الأمم الوثنيّة، وتدلّ ثانيًا على الجماعات اليهوديّة المقيمة خارج فلسطين، وتدلّ ثالثًا على المواضع التي يقيم فيها هؤلاء اليهود المشتّتون (يه 5: 19).

2- أصل الشتات: التهجير
وُلد الشتات في بدايته من النفي والتهجير وخاصّة إلى بلاد الرافدَين والمقاطعات المجاورة. لا شكّ في أنّ بعض بني إسرائيل هاجروا قبل الاجتياحات الأشوريّة والبابليّة. فإذا عدنا إلى 1 مل 20: 34 نجد جماعة من بني اسرائيل تقيم في دمشق في عهد آحاب (874- 852 ق م). ولكنّ التهجيرات المتعاقبة هي التي غذَّت المجموعات اليهوديّة المقيمة خارج أرض إسرائيل.
- سنة 736- 732. في أشور (حملة تجلت فلاسر الثالث). يلمّح 2 مل 15: 29 إلى سبي سكّان شمالي مملكة إسرائيل.
- سنة 721. في أشور وماداي (حملة سرجون الثاني). بعد سقوط مملكة الشمال واحتلال السامرة (2 مل 17: 6)، زالت القبائل التي كانت تشكّل مملكة الشمال من أرض إسرائيل ومن التاريخ، يوم سقطت السامرة. وحلّ محلّ هذا الزوال أسطورة القبائل العشر الضائعة (القبيلتان الباقيتان هما: يهوذا وبنيامين في الجنوب).
- سنة 597. إلى بابل (نبوكد نصّر). بعد حصار أورشليم الأوّل. أُخذ إلى المنفى الملك يواكيم والعائلة المالكة والوجهاء (2 مل 24: 14- 16؛ إر 52: 18- 30). 
- سنة 587- 586. إلى بابل (نبوكد نصّر). سقطت أورشليم واحرق الهيكل، فأجلى عنها الملك ما تبقّى من السكّان (2 مل 25: 1- 21، إر 39: 1- 10).
- سنة 582. إلى بابل. بعد مقتل جدليا حاكم اليهوديّة الذي عيّنه نبوكد نصّر سنة 586 ق م. حين قُتل جدليا، هرب عدد كبير من لاجئي يهوذا إلى مصر (2 مل 25: 26؛ إر 41: 16- 43: 7)، وشكَّلوا المستوطنات اليهوديّة في الفانتين (جزيرة الفيل) وأسوان والصعيد والدلتا.
هذا هو أصل المجموعتين اللتين ستكوّنان قطي الشتات اليهوديّ: قطب غربيّ أو مصريّ شجبه إرميا وحكم عليه منذ البداية حكمًا قاسيًا (إر 42: 17؛ 44: 11، 24- 30). وقطب شرقيّ أو بابليّ قَبِل به إرميا كأمر واقع (إر 29: 1- 9).
وحين دقّت ساعة الحرّيّة سنة 538 ق م مع قرار كورش، لم يتحمّس كلّ المنفيّين. فلم يعد إلى فلسطين إلاّ الكهنة وموظّفو الهيكل والشعب الفقير الذي أقام في المدن والأرياف. وأقام قسم كبير من اليهود في بابلونية فزرعوا كرومًا وبَنوا بيوتًا ورفضوا أن يتخلّوا عن المنافع التي حصلوا عليها. ونجد في أيّام داريوس (21- 486) وأرتحششتا (465- 424) عقودًا تجاريّة تدلّ على أنّ أبناء هؤلاء المنفيّين ما زالوا يتعاملون في البلدان التي اختاروها لإقامتهم. وسُبِيَ اليهودُ أيضاً حوالي السنوات 350- 340 في أيّام أرتحششتا الثالث (354- 338 ق م) إلى هركانية، على شاطئ بحر قزوين (سنجد يهودا هناك في القرن الخامس ب م). هل من رباط بين هذا الحدث ووجود اسم هركانس كاسم يهودي منذ القرن الثالث ق م؟ الأمر ممكن. نشير إلى أنّ أوسابيوس القيصريّ يتحدّث عن هذا السي الأخير وإلى أنّ سبع مدن (من حاصور في الشمال إلى أريحا في الجنوب) قد ماتت فيها الحياة في نهاية الحكم الفارسيّ. لا يعني الانتقال من المنفى إلى الشتات انتقالاً من مكان إلى آخر ومن وضع إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى وحسب، إنّه يتضمّن إيديولوجيّة جديدة توردها التوراة وتبرّرها.
تأثّر اليهود بالأنبياء الكبار الذين عاشوا في القرنين السابع والسادس ق م، مثل إرميا (ار 17: 1- 4) وحزقيال (حز 12: 15) ففهموا التهجير أو النفي كنتيجة عقاب إلهيّ عادل وشرعيّ. ولكن ما عتّم المنفى أن تحوّل في نظر الكثيرين إلى إقامة حرّة بعيدًا عن أرض إسرائيل، ولهذا عمد أنبياء المنفى وما بعد المنفى (أش 60: 1 ي؛ حج 2: 6- 7؛ زك 8: 20- 23) إلى توضيح وضع المنفيّين أو بالأحرى المشتّتين وسط الأمم. فتشتُّتُ شعبِ إسرائيلَ (أو الشتاتُ) يقابل إرادة الله التي تتوخّى جمع كلّ الشعوب. وإنّ هذا التفسير للتاريخ الواضح في أشعيا الثاني كان ينبوع نشاط ودعاية سيقوم بهما العالم اليهوديّ ليكسب الوثنيّين إليه في حركة تبشيريّة. أجل، زالت الفكرة في أنّ المنفى هو عقاب إلهيّ، وقال فيلون الإسكندرانيّ: فالذين يؤسّسون مستوطنة، تصبح لهم الأرض التي تستقبلهم وطنًا بدل المدينة الأمّ.

3- واقع لا رجوع عنه
في القرنين الأخيرين من تاريخ الهيكل الثاني، أي منذ بداية الدولة الحشمونيّة إلى بداية المسيحيّة، حدّد الشتاتُ تكوين العالم اليهودي من جهة العدد ومن جهة الفكر. وهذا الكلام لفيلون الإسكندراني يدل على حالة فكرية ظاهرة: كثر اليهود فم تعد قارّة واحدة تسعهم، لهذا هاجروا إلى أفضل مناطق أوروبّة وآسية، إلى البلدان والجزر. هم يعتبرون أنّ عاصمتَهم هي المدينة المقدّسة حيث هيكل الله العليّ. ولكنّهم يعتبرون أيضاً أنّ وطنهم هو المناطق التي أعطاها القدر مقامًا لآبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم وأبعد أسلافهم. هناك ولدوا وهناك تربّوا.
ففي القرن الثاني كادْ الشتات للعالم اليهودي وضعًا سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا أقرَّ به اليهود وغير اليهود على السواء. وها نحن نقدّم شهادتين عن اتساع هذه الظاهرة في ذلك الوقت. 
الأوّل يهوديّ وهو فيلون. وضع لائحة بمكان إقامة اليهود منطلقًا من الإسكندريّة: هذه المدينة (= أورشليم) كما قلت، هي وطني وهي عاصمة لا مقاطعة يهودا فحسب، بل عاصمة مناطق أخرى بسبب المجموعات التي أرسلتها إلى البلدان المجاورة: مصر، فينيقية، سورية وخاصّة سورية المنخفضة (أو البقاع اللبناني). وآخرون ذهبوا إلى مناطق أكثر بُعْدًا بمفيلية، كيليكية، قسم كبير من آسية وصولاً إلى بيتينية وأعماق البنطس. وكذلك في أوروبّة: تسالية، بيوتية، مكدونية، إيولية، إتيكي، أرغوس، كورنتوس وأفضل مناطق البلوبونيز. ولم تمتلئ القارّات فقط بالمجموعات اليهودية، بل وأيضاً أكثر الجزر شهرة: أوبيس في بحر إيجه، قبرص، كريت. ولن أتكلّم عن المجموعات التي في عبر الفرات. فبابل وكلّ المدن تتضمّن سكّانًا يهودًا.
الثاني مسيحيّ وهو لوقا الإنجيليّ. قدّم في سفر الأعمال لائحة بالمجموعات اليهوديّة منطلقًا من أرض يهوذا، فأخذ بعين الاعتبار التقسيمات الإداريّة وزاد عليها الفوارق العرقيّة واللغويّة. قال: وكان في أورشليم أناس أتقياء أتَوا من كلّ أمّة تحت السماء. فلمّا انطلق ذلك الصوت، اجتمع الناس وقد أخذتهم الحيرة، لأنّ كلاًّ منهم كان يسمعهم يتكلّمون بلغته. فدهشوا وتعجّبوا وقالوا: أليسَ هؤلاء المتكلّمون جليليّين بأجمعهم، فكيف يسمعهم كلّ منّا بلغة بلده؟ فراتيّون، مادايّون، عيلاميّون، سكّان بلاد الرافدين، كبادوكية، البنطس، آسية، فريجية، بمفيلية، مصر، ليبية القيروانيّة، رومة، كريت، وبلاد العرب (أع 2: 5- 11).

4- عدد السجن اليهود في زمن المسيح
في بداية الزمن الذي بعد المنفى، ساعة لم تكن أرض يهوذا تتعدّى 2000 كلم مربعّ، لم يتجاوز عدد السكّان 70000 (عز 2: 64- 65). ولكنّ هذا الرقم سيتضاعف بصورة مدهشة. فإذا أخذنا بقول هيكاتيس الأبديريّ (حوالي 300 ق م) فقد كان أهل أورشليم 120000 في بداية القرن الثالث ق م. وتوسّعت المجموعات اليهوديّة خارج مقاطعة يهوذا، في الجليل، في مدن الساحل وفي شرقيّ الأردنّ. وحين اندلعت ثورة المكابيّين سنة 167 ق م كان الشعب اليهوديّ قليل العدد. ولكن بعد إقامة الدولة الحشمونيّة وضمّ أراضيَ جديدةٍ نما الحضور اليهوديّ طوعًا أو قسرًا وفرض نفسه على كلّ أرض فلسطين. وهكذا ففي زمن يسوع كان الجليل كلّه يهوديًّا مثل أورشليم. ثمّ إنّ النموّ الديمغرافيّ لم يتوقّف في فلسطين ولا في الشتات حيث تكاثر اليهود جدًّا حتّى النصف الثاني من القرن الأوّل. ولكن بعد الثورتين الفلسطينيّتين (66- 70، و132- 135) خفّ عدد اليهود بصورة سريعة.
أمّا العدد فهو بحسب ابن العبريّ 6.944.000 في المملكة الرومانيّة. فإذا زدنا على هذا الرقم يهود بابلونية وإيران واليمن والحبشة يمكننا أن نقول إنّ اليهود كانوا يعدّون ثمانية ملايين تقريبًا.

ب- المشتّتون في الغرب، في مصر والقيروان
كانت تهجيرات سابقة في القرن السادس ولاسيّما بعد سقوط أورشليم سنة 587 حين لجأ أبناء يهوذا الى البلدان المجاورة. ولكنّ أكثر الشتات المصريّ تكوَّن بعد الإسكندر الكبير والبطالسة الأُوَل.

1- المستوطنون الأوّلون
حين كان الفرس يسيطرون على مصر (بعد 525 ق. م) وُجدت جماعات من المرتزقة اليهود في مخيّم الفانتين العسكريّ، جنوبي جزيرة على النيل تقابل يون (سوانه في حز 29: 10، أسوان الحديثة). فالفراعنة جعلوا اليهود هناك منذ بداية القرن السادس بل منذ القرن السابع ق م.
وتقول رسالة أرستيس (القرن الثاني ق م): وُجد هناك يهود جاؤوا على خطى الفارسيّ (قمبيز الذي احتلّ مصر سنة 525 ق م). بل جاء قبلهم الأنصار ليحاربوا مع سامتيك الأوّل (663- 609) أو سامتيك الثاني (594- 588) ملك الحبشة. 
وصل المرتزقة إلى الفانتين فاستوطنوا هناك وعاشوا من محاصيل الأرض التي استثمروها وأورثوها أولادَهُم.
إنّ اسم الفانتين اليونانيّ هو ترجمة الأصل المصريّ الذي احتفظت به الآراميّة: باب أو مدينة العاج. كان لهذا الموضع أهمّية دينيّة لأنّه مدينة الإله المصريّ كنوب، ووظيفة ستراتيجيّة كقلعة تدافع عن حدود مصر الجنوبيّة ضدّ هجمات النوبيّين. كان يقيم فيها القائد العسكريّ الفارسيّ، وقد جاء إليها منذ القرن السابع بعض الآسيويين المتكلّمين بالآراميّة، وازداد عددهم بما جاء من آسيويّين آخرين (من سورية وبلاد الرافدين وإيران ويهوذا) في القرنين السادس والخامس. وقد أعلمتنا برديّات الفانتين أنّ اليهود بنوا هناك معبدًا كرسوه للإله ياهو (رج أش 19: 19)، قبل أن يزولوا حوالي السنة 400.

2- الهجرة اليهوديّة على أيّام البطالسة
وازدادت هجرة اليهود إلى مصر في المرحلة الهلّينيّة. فوصل اليهود في موجات متعاقبة منذ بداية عهد اللاجيّين. وتذكر رسالة أرستيس طلبَ تحريرِ الرجال الذين سباهم من اليهوديّة أب الملك (أي بطليموس الأوّل سوتر، 323- 285 ق م) والذي أجلى ما يقارب مئة ألف رجل من بلاد اليهود إلى مصر، وسلّح منهم ثلاثين ألفًا وجعلهم كحامية في البلاد. ونقل يوسيفوس عن هيكاتيس الأبديريّ: بعد معركة غزّة (سنة 312 ق م) صار بطليموس سيّد سورية. وإذ علم كثير من الناس بوداعته وروحه الإنسانية أرادوا أن يرافقوه إلى مصر ويربطوا مصيرهم بمصيره. والمقطع الذي نورده من رسالة أرستيس يصوّر حالة قِسم من يهود مصر في المرحلة الأولى من حكم اللاجيّين:
مِن الملك بطليموس إلى عظيم الكهنة أليعازر سلام وعافية. إنّ عددًا كبيرًا من اليهود يسكنون أرضنا بعد أن أن طردهم الفرس من أرضهم في أيّام حكمهم. وقد وصل أيضاً إلى مصر مع والدي الكثيرون كأسرى حرب، فجعلهم في جيشه ودفع لهم أجرًا كبيرًا. وإذ عرف أمانة الذين كانوا يقيمون في البلاد، أقام حاميات وسلّمهم إيّاها ليشدّد قبضته على شعب مصر. ولمّا خلفناه، قمنا بأعمال صداقة تجاه الجميع ولاسيّما أبناء وطنك. حرّرنا أكثر من مئة ألف كانوا أسرى حرب، ودفعنا لأسيادهم تعويضاً عادلاً وسعينا إلى إصلاح الأضرار المتأتيّة من حماس الشعب. وهكذا جعلنا الشبّان في الجيش، والذين يتحلَّون ببعض الصفات من أجل خدمتنا الخاصّة، والذين يستحقّون أن يستلموا وظيفة في البَلاط، جعلناهم على رأس بعض الخدَم.
وظلّت الهجرة اليهودية تتوجّه إلى مصر حتّى سنة 200، أي زمن احتلال أنطيوخس الثالث السلوقيّ لفلسطين، بسبب الوحدة الإداريّة بين جنوبيّ سورية ومصر. وجاء عدد من السوريّين (بينهم اليهود) وأقاموا في الحاميات والتي جعلها المصرّيون في النقاط الستراتيجيّة من جنوبيّ سورية. وفي المقابل جاء إلى سورية موظّفون وضبّاط وتجّار مصرّيون. وهكذا نمت العلاقات بين المحتلّ المصريّ وأهل البلد. وهذا يفسّر المدّ السوريّ واليهوديّ إلى مصر.
نحن نقرأ عن تبادل الناس والبضائع في برديّات زينون (اكتشفت سنة 1915 في فيلدلفية شرقيّ الفيوم. عاش زينون اليونانيّ في مصر في أيّام بطليموس الثاني، 284- 248). نجد معلومات عن إدارة فلسطين واقتصادها، عن تجارة العبيد، عن استيراد الزيت إلى مصر، وتصدير التوابل عبر مرفأ غزّة.

3- أرض أونيا
إنّ احتلال فلسطين على يد السلوقيّين سنة 200 ق م أخلّ بالتوازن الذي أقرّه اللاجيّون. زالت الوحدة الإداريّة بين البلدين وتوقّفت العلاقات التجاريّة. ولكنّ الهجرة إلى مصر لم تتوقّف، بل ازدادت بسبب الوضع السياسيّ والثقافيّ الجديد في يهودا التي خضعت للتأثير الهلّينيّ الذي حمله السلوقيّون، وبسبب ثورة المكابيّين ونتائجها السياسيّة والحربيّة. كان بعض هؤلاء من الطبقة الأرستقراطيّة مثل أونيا الرابع الذي هرب إلى مصر مع عدد كبير من أتباعه. كان أونيا الرابعُ ابنَ أونيا الثالث الذي مات مقتولاً سنة 170 ق م، ومن عائلة تسلّمت مدّة طويلة وظيفة رئاسة الكهنوت قبل أن يتسلّمها اليهود الذين مالوا إلى الحضارة الهلّينيّة. اتّفق أونيا مع الملك اللاجيّ بطليموس السادس فيلوماتور (181- 145) وامرأته كليوبترة الثانية، فشيَّد هيكلاً في ليونتوبوليس قرب ممفيس، وصار قائد وحدة عسكريّة يهوديّة مستقلّة. وتصرّف مثل الملوك الحشمونيّين، فكان قائدًا حربيًّا ورئيس كهنة. أقام مع جيشه وعيالهم على أرض سميت أرض أونيا (الاسم الحاليّ: تلّ اليهودية).
لعبت وحدة أونيا العسكريّة (كانت دولة ضمن الدولة) دورًا هامًّا في الحياة السياسيّة المعاصرة لمصر البطالسة. وُضعت بإمرة السلطة المركزيّة فتدخّلت في حروب الخلافات. فحين مات فيلوماتور في سورية سنة 145 ق م، ساندتِ الملكةَ كليوبترة في صراعها مع الإسكندرانيّين وصهرها أورجاتيس أو بطليموس السابع. تدخّل أونيا فنتج عن تدخّله اضطهادٌ لهود الإسكندريّة. ولمّا تزوّج أورجاتيسُ كليوبترة اصطلحت الأمور واستعاد اليهود السلام. أمّا هيكل أونيا فأغلقه الرومان سنة 73 ب م.
كان لأونيا ابنان: حنانيّا وحلقيّا. كانا قائدين في جيش كليوبترة الثالثة (ملكة من 116 إلى 110 ق م) على مستوطنة هليوبولس الحربيّة، وساندا الملكة في حروبها ضدّ ابنها بطليموس الثامن (لاتيروس) من أجل عرش مصر. كان بعض المستشارين قد نصحوا كليوبترة بأن تحتلّ المملكة الحشمونيّة، ولكنّ حنانيّا أقنعها عكس ذلك فدفعها إلى أن تعقد أتّفاقًا مع الإسكندر بنِ يناي. ويبدو أنّ اسم حلقيا وابن حلقيا مذكور في كتابة مصريّة تعود إلى سنة 102 ق م. ويشير يوسيفوس إلى نشاط قائد يهوديّ آخر، هو دوسيتايس، خدم اللاجيّين في عهد فيلوماتور. ونعرف أنّ الجنود اليهود أعانوا القوّاد الرومان. أعانوا غابينوس ليعيد بطليموس الثالث عشر إلى عرش مصر، وانضمّوا إلى جيش أنتيباتريس، والد هيرودس، ليساعدوا قيصر في أرض مصر.
استفاد البطالسة من هؤلاء اليهود المرتزقة لحفظ النظام. ولكن لمّا جاء الرومان استغنَوا عن جيش "أونيا" الذين ظلّوا يعيشون حيث هم.

4- اليهود في المدن اليونانيّة
تجذّر اليهود في المدن، ولا سيّما في الإسكندريّة، كما تجذّروا في الريف بواسطة "البوليتوما" أو "المدينة ضمن المدينة". البوليتوما هي جماعة وطنيّة تقيم في مدينة غريبة. كان هناك جماعات من أدومية وفريجية وكريت، وكانت جماعات من أرض فلسطين.
في أيّام البطالسة والحكم الرومانيّ على مصر، كانت أكبر بوليتوما بوليتوما الإسكندريّة، على ما تقول رسالة أرستيس في القرن الثاني ق م. وكانت بوليتوما في القيروان، وفي برنيقة في ليبية وفي أنطاكية سورية وقيصريّة فلسطين.
أتاحت البوليتوما لجماعة متجانسة أن تندمج في جماعة غريبة دون أن تتخلّى عمّا يميّزها. هذا يفترض رباطات منظّمة ومتواصلة بالوطن الأمّ.
يمكننا أن نعتبر بوليتوما الإسكندريّة نموذج سائر البوليتومات في الشتات الغربيّ المتكلّم باليونانيّة. كان لها رئيس كما لكلّ مدينة مستقلّة. وفي أيّام أغوسطس، صار لها مجلس مؤلّف من 71 عضوًا. أنت من البوليتوما، هذا يعني أنّك تعيش في المدينة، ولكنّك لست مواطنًا كسائر المواطنين.
ووجد في نظام البوليتوما السيناغوغي أو المجمع مع الحجّ إلى عاصمة يهودا ودفع الضريبة لهيكل أورشليم. فالمجمع كان بالنسبة إلى الهيكل ما كانت البوليتوما بالنسبة إلى الدولة. فرض المجمع نفسه كمركز نشاطات خاصّة، وهذا ما خلصّ العالم اليهوديّ من الضياع بعد أن زالت حدود الدولة ودمِّر الهيكل. ففي المجمع تواصلت الديانة اليهوديّة وحافظت على أصالتها وواجهت تكيّفات حضاريّة هامّة. كانوا يقرأون الشريعة ويدرسونها ويفسّرونها في المجمع فيعوّضون عمّا يفوتهم عمله في الهيكل وهم بعيدون عن الهيكل. وكما كان اليونانيّون يتعلّمون في معاهدهم الخاصّة (جمناز)، كان اليهود يتعلّمون في المجامع (سيناغوغي).

5- الانحطاط السياسيّ ليهود مصر
انتقل الحكم من البطالسة إلى الرومان، فكان هذا الانتقال السبب الأساسيّ لتحوّل عميق في الظروف العامّة لحياة اليهود في الشتات المصريّ. أُتُّخذ إجراءان سيكون لهما انعكاسات خطيرة على الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. أوّلاً: أُلغي جيش البطالسة فألغيت بالتالي وحدات الجنود اليهود. وهذا ما بلبل الوضع الاقتصاديّ والوظيفيّ لدى يهودٍ مصرّيين يقيمون في الريف. ثانيًا: حلّ محلّ جامعي الضرائب وسائر خدّام الملك (وقد كان مدنهم عدد من اليهود) موظّفو الدولة الجديدة وجلّهم كانوا من اليونانيّين. ويمكننا القول بصورة عامّة إنّ احتلال رومة لمصر وضع حدًّا للنظام الكلّيانيّ أو الموجّه في الاقتصاد وفتح الباب للمبادرة الفرديّة. فنتج عن هذا ليبراليّة وتحرّريّة في نوع النشاط المهنيّ لدى يهود مصر. ويذكر فيلون: الأعمال المصرفيّة، الفلاحة، التجارة، الصناعة. 
وتراجع الوضع الاقتصاديّ لدى يهود مصر بسبب سياسة رومة الضرائبيّة. ففي أوّل عهد أغوسطس (حوالي 24- 23 ق م) فُرضت ضريبة شخصيّة في مصر على كلّ من لم يكن مواطنًا رومانيًّا أو مواطنَ إحدى المدن اليونانيّة. فكان لهذه الضريبة ثلاث نتائج على اليهود.
الضيق الاقتصاديّ وقد شعر به خاصّة سكّان الريف، التمييز بين الرومان واليونانيّين وبين غيرهم وضمّ اليهود إلى المصرّيين الأصليين في فئة واحدة من المساهمين، الفارق الاجتماعيّ والإيديولوجيّ وسط المجموعة اليهوديّة بين طبقتين متميّزتين بل متعارضتين: أقلّية في المدن غنيّة ومنفتحة على العالم الهلّينيّ، أكثريّة في الريف أفقرتها الضرائب فانعزلت وانخرطت في حركات وطنيّة متأثّرة بالمقاومة اليهوديّة في فلسطين.
وهكذا تراجع الشتات اليهوديّ في مصر بعد أن عرف ازدهارًا وإشعاعًا لا مثيل له. فقال سفر المكابيّين الثالث (دوِّن في مصر في أيّام أغوسطس، في اليونانيّة): إنّ اليهود بدأوا يعتبرون الإقامة في مصر على أنها هجرة ومنفى.

ج- المشتّتون في الشرق والشمال: سورية، بابلونية، آسية الصغرى
عرف يهود الشتات الشرقيّ والشماليّ (بابلونية وبلاد الرافدَين، ماداي وفارس، سورية وآسية الصغرى، انطلاقة جديدة في أيّام السلوقيّين الذين بدأوا فأسّسوا مدنًا جديدة أقام فيها مهاجرون مكدونيّون وجنود يونانيّون وتجّار، وشيّدوا المدن المحصّنة على طول الطرق والأنهار الكثيرة، وزرعوا المستوطنات الحربيّة في القرى. كلّ هذا كان عامل نموّ وازدهار أفاد منه اليهود إفادة واسعة.
ظلّ اليهود الشرقيّون يشكّلون من الوجهة العرقيّة والثقافيّة جماعة منفصلة. ولكنّهم ما عتّموا أن تأثّروا بالتيّار الهلّينيّ كما كان الحال في فلسطين، ولكنّهم لم يجارُوا إخوتهم في مصر. وستكون لغتهم في سورية وآسية الصُغرى اللغة اليونانيّة. أمّا في بلاد الرافدَين والمناطق المجاورة لها، فتكلّموا الآراميّة ولهم كتب يوسيفوس "حرب اليهود".

1- المستوطنات اليهوديّة العسكريّة
لا نعرف الشيء الكثير عن الوضع اليهوديّ في العالم السلوقيّ قبل أنطيوخس الثالث الكبير (223- 187 ق م). فقد استعمل الملوك السلوقيّون المستوطنات الحربيّة اليهوديّة كما فعل اللاجيّون في مصر.
يخبرنا يوسيفوس أنّ اليهود شكلّوا في جيش الإسكندر فرقة لها ممارساتها الدينيّة الخاصّة وقواعدها القاسية التي أقرّت بها السلطات العسكريّة. وحين بدأ الجيش بناء معبد بال (أي بعل) في بابل رفض الجنود اليهود المشاركة في بنائه، فأُجبر الإسكندرُ على إعفائهم من هذا العمل. وبعد الإسكندر تعامل الملوك السلوقيّون مع خصائص المرتزقة اليهود بالتسامح واعتبروا أنّ صدقَهم وولاءَهم وليدُ تعلّقهم بفرائضهم الدينيّة. ونشير هنا إلى أنّ ثورة المكابيّين لم يصل صداها إلى الشتات الشرقيّ. ونحن نقرأ في 2 مك 8: 20 تحريضاً ليهوذا المكابيّ حثّ فيه جنوده الستّة آلاف على الحرب بشجاعة، وذكرّهم بانتصار 8000 يهودي ضدّ 120000 من الغلاطيّين.
ولنا مثال عن مستوطنة يهوديّة عسكريّة. نحن في سنة 210 تقريبًا في أيّام أنطيوخس الثالث. كانت قلاقل في آسية الصغرى وبالتحديد في فريجية وليدية. فاتّخذ الملك إجراءاتٍ سريعةً منها نقل 2000 عائلة يهوديّة إلى المناطق المتحرّرة. هدف من عمله إلى تثبيت جماعة جديدة وحكيمة يستند إلى ولائها كمزارعين مسالمين وكجنود احتياط. وكتب إلى زوكسيس حاكم تلك المقاطعتين: من الملك أنطيوخس إلى زوكسيس. سلام. إذا كنت بصحّة تامّة فهذا حسن. أمّا أنا فبصحّة تامّة. علمت أنّ أهل ليدية وفريجية يقومون بالقلاقل فرأيت أنّ الأمر يستحقّ اهتمامي. إستشرت أصحابي في ما يجب أن أعمل وقرّرت أن أُخرج من بابل وبلاد الرافدَين 2000 عائلةً يهوديّةً مع أسلحتهم، وأرسلهم لِيَحْمُوا المواقع الهامّة. أنا مقتنع أنّهم سيكونون حُرّاسًا طيّبين لمصالحنا بسبب تعبّدهم لله، وأنا عارف أنّ أسلافي اختبروا أمانتهم وطاعتهم للأوامر. إذن، ومهما كان الأمر صعبًا، أريد أن تنقلهم وتَعِدَهم بأن تتركهم يعيشون حسب شرائعهم الخاصّة. وبعد أن تجعلهم في الأماكن المحدّدة، تعطي لكلّ عائلة أرضاً تَبني عليها بيتها وحقلاً تفلحه وتزرعه كرمًا، وتعفيهم من الضرائب على منتوج الحقل مدّة عشر سنين، وتوزّع عليهم القمح لإطعام عبيدهم إلى أن يقطفوا غلال الأرض. وأعطِ ما هو ضروريّ للمسؤولين عن شعائر العبادة فيعترفوا بصلاحنا ويغاروا على مصالحنا. واسهر بعناية على هذا الشعب لئلا يكدّرَه أحد.
لم يكن التدبير استثنائيًّا. فهكذا اعتادت أن تفعل دول مثل برغامس وغيرها. ولا ننسى أنّ قسمًا من الشعب الريفيّ في آسية الصغرى وسورية ومناطق شرقيّ الفرات تأَلَّف من جنود أقاموا مع عيالهم وتنعّموا بامتيازات توافق وضعهم ولا سيّما في ما يتعلّق بشعائر العبادة.
كان هناك نمطان من الجماعات اليهوديّة في هذه المناطق: النمط المدائنيّ مع إقامة يهود قرب المدن اليونانيّة أو داخلها. النمط الريفيّ مع الإقامة في قرى محصّنة تنعم باستقلال واسع. تنتظم هذه الجماعات حول نواة كهنوتيّة مؤلّفة من الكهنة وممولّة من الصندوق الملكيّ. كان الكاهن رئيس هؤلاء الجنود وقائد القلعة، وكانت وظيفته تنتقل بالوراثة.

2- مستوطنة هيروديّة
واتّخذ هيرودس الكبير مبادرة تذكّرنا بمبادرة أنطيوخس الثالث في آسية الصغرى. هرب يهوديّ بابلي (اسمه زماريس أو زمري) من بلاده الذي سيطر عليها الفراتيّون، مع 500 فارس يرمون بالسهام وعائلة مؤلّفة من مئة شخص. إلتجأ إلى سورية قرب أنطاكية. عرف به هيرودس فدعاه إليه ليجعل منه ترسًا لمملكته شرقي الجولان. فقدّم له العرض التالي: وعده بأن يعطيه أرضا في باطانية القريبة من تراخونيتيس. أراد أن يجعل من مركز إقامته سورًا. ووعد زمري بأن يعفيه من الضرائب ومن سائر المساهمات لأنّه يعطيه أرضاً لم تفلح بعد. قبل البابليّ زمري بهذه المواعيد فذهب إلى المكان المحدّد وشيَّد حصونًا وبنى مدينة سمّاها باتيرة. كان هذا الرجل ترسًا لأهل بلده ضدّ أهل تراخونيتيس ولليهود الآتين من بابلونية ليذبحوا في أورشليم. وجلب إليه عددًا كبيرًا من المتعلّقين بالعادات اليهوديّة. وكثر عدد سكّان تلك البلاد بسبب الأمان والإعفاء من الضرائب. الإمتياز قائمًا ما دام هيرودس على قيد الحياة. فلمّا توفي ألغى خلفاءُ هيرودس والرومان هذا الامتياز. ولكنّ عائلة زمري تجذّرت في المناطق المجاورة، وحكم المنطقة أبناؤه وأحفادُه من بعده فكانوا حرسًا لأغريبّا الأوّل وأغريبّا الثاني.
هذا المثل يدلّ على حبّ اليهود لمهنة السلاح وعملهم الاسترزاقيّ العسكريّ في خدمة ملك كبير.

3- على أيّام الفراتيّين
حوّلت الثورة الرومانيّة وضع اليهود السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ في مصر والقيروان وآسية الصغرى وسورية وفلسطين. أمّا مجيء الفراتيّين فترك الأمور على ما كانت عليه.
كان الفراتيّون في الأصل قبيلة بَدَويّة أقاموا في فراتية في جنوبي شرقي بحر قزوين. كان أرساقيس أوّلَ ملك لهم ومؤسّس سلالة الأرساقيين سنة 240 ق م. بدأ الفراتيّون بالتوسّع فضمّوا إلى أرضهم هركانية. ولكنّهم اصطدموا في الشرق بمقاومة البدو المقيمين في الفيافي. وقاومهم السلوقيّون ولكنّهم في النهاية تراجعوا.
أمّا المؤسّس الحقيقيّ لمملكة الفراتيّين فهو متريداتيس الأوّل (171- 138 ق م). أخذ سلوقية على دجلة سنة 141 وأسر الملك السلوقيّ ديمتريوس الثاني.. ولم يمضِ نصفُ قرنٍ حتّى وضع الفراتيّون يدهم على أرض بابلونية في أيّام متريداتيس الثاني حوالي 120 ق م وظلّوا هناك أسيادًا حتّى سنة 226 ب م. لمّا جاء الساسانيون الفرس، احتلّوا البلاد وأقاموا فيها حتّى مجيء العرب.
كان الفراتيّون قد التقَوا باليهود في هركانية وماداي. وها هم يلتقون بهم في أرض بابلونية. وكان همّ المحتلّين الجدد أن يُقيموا في بابلونية سلطة فاعلة وأن يؤمّنوا الدفاع عن الحدود فتعاملوا مع اليهود. ولهذا عرف يهود بابلونية السلام في القرنين الأوّلين لحكم الفراتيّين، عكس إخوتهم في فلسطين ومصر، فلم تجتح الجيوش المناطق التي يعيشون فيها ولم يجبروا على أن يتحزّبوا لأيّة فئة، سياسيّةً كانت أم عسكريّة.
ولكن ما هو نوع العلاقات بين سلطات فلسطين اليهودية والإدارة الفراتيّة؟ كان للاثنين مصلحة مشتركة وهي تدمير السلوقيّين. ولقد قابل حكمَ متريداتيس الأوّل (171- 138 ق م) وانتشارَ الفراتيّين في بلاد الرافدَين إقامةُ دولة الحشمونيّين. وفوق ذلك، فانتصار أفراتيس الثاني (138- 128 ق م) على أنطيوخس السابع سنة 129 ساعد حركة اليهود الاستقلاليّة في فلسطين مساعدة حاسمة. نحن لا نجد أيّ برهان عن التوافق بين القوّتين في القرن الأوّل ق م، ولكنّ الأكيد هو أنّ يهود بابلونية أفادوا إفادة حقيقية من هذه المعاهدة. ثمّ إنّه كانت اتّصالات غير مباشرة بين الحشمونيّين والفراتيّين منذ سنة 139 ق م عبر رسالة أرسلتها رومة إلى الملوك والمدن (ومنهم ملك الفراتيين) تفرض عليهم الاعتراف بحقوق أصدقائهم اليهود الخاصّة. ويروي تلمود بابل أنّ بعثة فراتيّة أُرسلت إلى بَلاط إسكندر يناي.

4- واقعان لهما مغزاهما
ونتوقّف هنا عند واقعين يتعلّقان بتاريخ اليهود في أيّام الفراتيين وقد حصلا في القرن الأوّل ب م. الأوّل يدلّ على استساغة اليهود لدولة عسكريّة، والثاني على نجاحهم في هداية الناس إلى ديانتهم.

أوّلاً: محاولة خلق دولة عسكريّة
كان أخَوان من بابل (أنيلاوس وأسيناوس) بطلي مغامرة مدهشة وهي تأسيس دولة يهودية حقيقيّة دامت في الأرض الفراتيّة سحابة 15 سنة (20- 35). وقد احتفظ لنا يوسيفوس المؤرّخ بالخبر: كان أخوان، أسيناوس وأنيلاوس من نهاردية. فقدا والدهما فعلّمتهما والدتهما صنع القماش لأنّه ليس من العيب أن يشتغل الرجال في الصوف. ولكنّ الذي كان يراقب عملهما والذي كان قد علّمهما مهنتهما ضربهما لأنّهما جاءا متأخّرين إلى العمل. فاعتبرا هذا العقاب جورًا. حينئذ أخذا الأسلحة المحفوظة في البيت وذهبا إلى منطقة تفصل النهرين وتؤمّن مرعى صالحًا خلال الصيف وعلفًا يُحفظ في الشتاء. فانضمّ إليهما شباب معدمون فأعطياهم السلاح وصارا قائدين لهم. ولم يكن شيء يمنعهما ليحوّلا هؤلاء الشبّان إلى الشرّ. ولمّا صارا أقوياء وبنيا قلعة أرسلا يطلبان من الرعاة أن يدفعا ضريبة المواشي، وهذا ما أمّن لهما طعامًا. وعدا من يقبل بهذا العرض بصداقتهما وبحمايته من أيّ عدوّ، وهدّدا الرافضين بقتل مواشيهم. لم يكن للرعاة خيار، فأطاعوهما وأرسلوا إليهما المواشي المطلوبة. ازدادت قوّتهما فخافت منهما الجوار وهكذا وصلت شهرتهما حتّى إلى ملك الفراتيّين.
هاجم الفراتيّون أنيلاوس وأسيناوس وتبّاعهما يوم السبت ليأخذوهم على غفلة. فأفلت القائدان من الفخّ وانتصرا على المهاجمين وقتلا منهم عددًا كبيرًا. فعرض أرطبان ملك الفراتيّين على الأخوين مقابلة للتفاوض معها. خاف أرطبان أن تمتدّ ثورة الأخوين، فاستقبلهما استقبال الأمراء وقال لأسيناوس: أسلَّم إليك أرض بابلونية لتعفيها من الشرور وتطهرّها من اللصوص. فقوَّى أسيناوس مواقعه العسكريّة بحيث ارتبطت به كلّ أمور بلاد الرافدين.
بعد هذا انحطّت تلك الدولة اليهوديّة، تلك المستوطنة "اللصوصيّة". وضعت زوجة أنيلاوس الوثنيّة السمّ لأسيناوس. ثمّ هجم متريداتيس على أنيلاوس فقهره. حاول أنيلاوس أن ينتقم بأعمال السلب، لكنّ اليهود أسروه ليلاً وقتلوه مع أتباعه.
وكانت مغامرة أنيلاوس سببًا لهجوم البابليّين على اليهود العائشين معهم. فالتجأوا إلى سلوقية وقُتل هناك منهم عدد كبير. أفلت بعضهم فراحوا إلى قطاسيفون أو نهاردية أو نصّيبين حيث عاشوا بأمان.

ثانيًا: إرتداد ملوك حدياب
تمّ هذا الحدث في النصف الأوّل ب م في حدياب وهي مقاطعة تقع شرقيَّ دجلة الأعلى. كانت هذه المملكة الصغيرة تابعة للفراتيّين، فتحرّرت في أيّام ملكها إيزاتيس (36- 60) الذي امتلك من القوّة بحيث أعاد أرطبان الثالث ملك الفراتيّين إلى عرشه بعد أن عُزل. فأعطى له نصّيبين وجوارها. ولكنّ إيزاتيس ارتدّ مع أمّه إلى الدين اليهوديّ قبل أن ينصَّب ملكًا.
بعد هذا الارتداد أقام ملوك حدياب علاقات وثيقة مع يهود فلسطين وأظهروا كرمًا وسخاء تجاه أورشليم والهيكل حيث ذهبت هيلانة، أمّ الملك. واختلف يهود حدياب عن يهود بلاد الرافدَين فشاركوا في حرب 66- 70 وقد اسر فيها أبناء إيزاتيس وإخوته. وخلال القرن الثاني تجذَّر الدين اليهوديّ في حدياب، وهذا ما سهلّ دخول المسيحيّة إلى هذه المقاطعة.

د- المدن اليونانيّة
تمّ نموّ الشتات اليهوديّ نموًّا جغرافيًّا وسوسيولوجيًّا وديماغروفيًّا بفضل بناء المدن التي قام بها خلفاء الإسكندر ولا سيّما السلوقيّون. فالإسكندر الكبير بنى 30 مدينة (سمّاها الإسكندريّة) ليطبع الشرق بالطابع الهلّينيّ. وأسّس سلوقس الأوّل (312- 281 ق م) وحده ستّين مدينة. سمّى ستّ عشرة منها أنطاكية باسم أبيه وتسعًا سلوقية باسمه. توقّفت حركة بناء المدن في أيّام أنطيوخس الأوّل (281- 261)، ولكن عادت إلى الازدهار في أيّام أنطيوخس الرابع (175- 164) الذي سمّى أورشليم نفسها أنطاكية وأراد أن يطبعها بالطابع الهلّينيّ. ولا ننسى في النهاية أنّ هيرودس الكبير بنى هو أيضاً عددًا من المدن.
اشتملت آسية الصغرى والجزر اليونانيّة على عدد من المدن. وعرفت الطريق من سورية الشماليّة إلى الخليج الفارسيّ عددًا من المدن، وكذلك مصر والقيروان. وسيكون لرومة أهمّيّة خاصّة لتاريخ الشتات بل للتاريخ اليهودي كلِّه.

1- آسية الصغرى
أوّلاً: برغامس
هي مدينة قريبة واقعة على الشاطئ الشماليّ الغربيّ لآسية الصغرى، وفي ميسية. كانت مملكةً مستقلّة منذ بداية القرن الثالث (وبالتحديد سنة 280) حتّى سنة 133 ق م. في ذلك الوقت سلّم آخرُ الملوك المملكة إلى رومة فصارت برغامس عاصمة مقاطعة آسية الرومانية.
احتفظ يوسيفوس بقرار من شعب برغامس يتعلّق بالعلاقات مع الأمّة اليهوديّة. دوِّنت هذه الوثيقة في أيّام يوحنّا هركانس حوالي سنة 113- 112 ق م، فرجعت إلى قرار سابق أصدره مجلس الشيوخ الرومانيّ الذي جدّد عهده مع اليهود، حلفاء رومة. وتنتهي الوثيقة بهذه الكلمات: تذكَّر آباؤنا أنّهم كانوا أصدقاءهم منذ أيّام إبراهيم، أبي كلّ العبرانيّين، وهذا ما نجده في الملفّات العامّة.
كانت برغامس إحدى المدن التي نالت نصيبها من هدايا هيرودس الكبير. وفي نصف القرن الأوّل ق م كانت الجماعة اليهوديّة متجذّرة فيها. ويذكر شيشرون، الخَطِيب الروماني أنّ فلاكوس حجز أموالاً كانت مخصّصة لهيكل أورشليم.

ثانيًا: أفسس
هي مدينة يونانيّة تقع على الشاطئ الغربيّ لآسية الصغرى. كان فيها خلال القرن الأوّل ب م جالية يهوديّة تعود إلى السنوات الأولى للعهد الهلّينيّ. يذكرها كلّ من يوسيفويس وفيلون وسفر الأعمال والكتابات. أراد الأيونيّون أن يحرموا الجهود من حقّ المواطنيّة الذي يعود إلى أنطيوخس الثاني (261- 246) فدافع عنهم أغريبّا صديق أغوسطس مرقس فلم يُحرموا منها.

ثالثًا: أفامية
هي مدينة في آسية الصغرى وفي فريجية السفلى. أسّسها أنطيوخس الأوّل (280- 262). إذا عدنا إلى الكتابات نجد أنّه كان فيها جماعات يهوديّة منذ القرن الثالث ق م. ويروي شيشرون أنّ الحاكم فلاكوس حجز مئة ليرة من الفضّة جمعها اليهود ليرسلوها إلى الهيكل.

رابعًا: ميليتس
هي مدينة في آسية الصغرى احتلّها الإسكندر سنة 334 ق م. تجذّر فيها اليهود منذ بداية الحكم الرومانيّ. احتفظ يوسيفوس بوثيقة هامة: إنّها رسالة بعث بها القنصل الرومانيّ بوبليوس سرفيليوس غَربا إلى مجلس المدينة وأهلها. عرف أنّ أهل المدينة مَنعوا اليهود من ممارسة السبت وسائر الفرائض، فقرّر أن لا يمنع أحدٌ اليهودَ من اتّباع عاداتهم. 
كانت هناك أماكن مخصّصة للفئات المتعدّدة في مسرح ميليتس الرومانيّ. ووُجدت كتابة تقول: مكان اليهود الذين يسمّون أيضاً "خائفِي الله".

خامسًا: لاودكية (أو اللاذقيّة)
مدينة تقع في فريجية على شاطئ نهر ليكوس، في الجنوب الغربيّ لآسية الصغرى. أسّسها أنطيوخس الثاني (261- 246 ق م) في منتصف القرن الثالث وسمّاها باسم امرأته. انتقلت بعد معركة مغنيزية (190 ق م) من أنطيوخس الثالث إلى برغامس، وفي سنة 133 إلى سلطة رومة. احتلّها متريداتيس ملك البنطس سنة 88، فاستعادها الرومان بعد أربع سنوات. في سنة 60 ضربها زلزال فكان السبب في بداية انحطاطها. 
نربط إقامة اليهود في لاودكية بزرع 2000 عائلة يهوديّة في فريجية على يد أنطيوخس الثالث في السنوات الأخيرة للقرن الثالث ق م، وقد احتفظ يوسيفوس برسالة بعث بها أشراف لاودكية إلى القنصل الروماني قبل سنة 45 ق م. قالوا فيها: جوابًا على طلب عظيم الكهنة هركانس، عملنا لكي يتمكّن اليهود من ممارسة السبت وسائر الوظائف حسب شرائع الآباء. ويشير شيشرون إلى أنّ فلاكوس حجز 20 وزنة (حوالي سنة 62- 61 ق م) كانت معدّة لهيكل أورشليم، وأرسلها إلى رومة التي كانت تعيش حينذاك أزمة ماليّة خانقة.
ألغيت امتيازات اليهود وحقوقهم في لاودكية سنة 70 ب م.

سادسًا: سرديس
هي عاصمة مملكة ليدية القديمة وتقع على الشاطئ الغربيّ لآسية الصغرى. هي صرفت المذكورة في عو 20. وهذا يعني أنّ الجماعة اليهوديّة تعود إلى زمن الحكم الفارسيّ (547- 443 ق م). احتلّها أنطيوخس الثالث في نهاية القرن الثالث، ثمّ تخلّى عنها لملك برغامُس بعد أن هُزم سنة 188 على يد الرومان. صارت سرديس مُلك رومةَ الخاصّ سنة 133 ق م وسيضربها زلزال سنة 17 ب م.
كان في سرديس في القرن الأوّل ق م من أهمّ الجماعات اليهوديّة في آسية الصغرى. وكان لليهود مجمعهم فيها كما في أفسس وفي سائر المدن الرئيسيّة للمتوسّط الشرقيّ. في سنة 49 ق م ضايق المواطنون اليونانيّون يهود سرديس نعوهم من التنعّم بامتيازاتهم التي تتيح لهم ممارسة تواعد خاصّة بديانتهم. تدخّلت السلطة الرومانيّة وأعلنت أنّ هذه الامتيازات باقية. وبعد بضعة سنوات صدرت الشرائع الرومانيّة التي تؤمّن الحرّيّة الدينيّة، وتطبقّت في المدن الشرقيّة. فأعلن شعب سرديس قرارًا يؤكدّ الحقوق المدنيّة والدينيّة للجماعة اليهوديّة.

2- الجزر اليونانية
أوّلاً: ديلس
هي جزيرة صغيرة في بحر إيجيه. حكمها بعد سنة 130 ق م جماعة من التجّار الغرباء بإدارة حاكم من أثينة. إذا عدنا إلى 1 مك 15: 23 نعرف أنّه كان فيها مستوطنة يهوديّة منذ سنة 139 ق م، وهذ القول تؤكّده كتابات وجدت في المجمع. ووجدت كتابات أيضاً في جزيرة رينية القريبة على مقبرة يهوديّة. نجد على نصبين رخاميّين (القرن الثاني ق م) عادة الصلاة من أجل الموتى. واحتفظ يوسيفوس بوثيقتين: الأولى هي قرار المدينة بإعفاء اليهود من الخدمة العسكريّة بسبب ممارساتهم الدينيّة (49 ق م). والثانية هي شكوى اليهود لدى القنصل الرومانيّ لأنّ اليونانيّين يمنعونهم من ممارسة واجباتهم الدينيّة (44 ق م).

ثانيًا: رودس
هي جزيرة ومدينة في بحر إيجيه. كان اليهود فيها في أيّام الرومان. ولكن إذا نظرنا إلى الدور الرئيسيّ الذي لعبته هذه الجزيرة في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة للمتوسّط الشرقيّ في العهد الهلّينيّ، يمكننا القولُ إنّ اليهود كانوا هناك منذ ذلك الوقت. أوّل شهادة عن العلاقات بين اليهود وأهل رودس نقرأها في 1 مك 15: 23. وسنجد أيضاً كتاباتٍ عديدةً في أيّام الأباطرة الرومان تخصّ الجماعة اليهوديّة.
ذهب هيرودس الكبير إلى رودس مرارًا عديدة. ففي سنة 40 ق م توقّف فيها ليصلح سفينته وهو في طريقه إلى رومة. بعد معركة أكسيوم (31 ق م) التقى فيها بأوكتافيوس المنتصر. وقدّم هيرودس ساعدت للجزيرة (بناء السفن) وأعاد بناء هيكلها لمّا احترق.
هناك كاتبان من رودس كَتبا عن اليهود: بوسيدونيوس الأفاميّ (135- 51 ق م) وهو صديق بومبيوس وشيشرون وأحد وجوه الحضارة الهلّينيّة المتأخّرة. أبولّونيوس مولو (القرن الأوّل ق م) أحد معلّمي البلاغة في عصره وأستاذ قيصر وشيشرون. كتب بعد هيكاتيس الأبديريّ كتابًا ضدّ اليهود.

ثالثًا: كوس
هي مدينة وجزيرة في بحر إيجيه. تقع على ملتقى الطرق بين اليونان وآسية الصغرى وسورية ومصر، فصارت قوّة بحريّة. أقام فيها اليهود وذكرها التاريخ اليهوديّ مع يهوذا المكابيّ سنة 161 ق م. عاد مبعوثوه من رومة إلى اليهوديّة وحملوا معهم رسالة من القنصل فانيوس إلى سلطات كوس. وإذا عدنا إلى 1 مك 15: 23 نجد أنّ لوقيوس قنصل رومة طلب من سلطات كوس أن يتركوا اليهود يعيشون بأمان، أكانوا من الجزيرة أم من خارجها (139- 138 ق م).
يروي سترابون أنّ متريداتيس ملك البنطس أخذ خلال حربه مع رومة (88 ق م) ثمان مئة وزنة وَدَعتها الجماعة اليهوديّة في كوس. كان هيرودس الكبير سخيًّا مع كوس، وكذلك ابنه أنتيباس، كما تشهد بذلك كتابة وجدت هناك. نشير إلى أنّ ملياجريس الجداريّ أنهى حياته في كوس.

رابعًا: قبرص
هي جزيرة مواجهة للشاطئ الفلسطينيّ. حين انتقلت إلى سلطة السلوقيّين مع فلسطين في بداية القرن الثالث ق م. أقام فيها اليهود. أمّا الشهادات المباشرة عن هذه الإقامة فنجدها في منتصف القرن الثاني ق م (1 مك 15: 23). وازدهرت الجماعة اليهوديّة في أيّام يوحنّا هركانس، في هذه الجزيرة كما في الإسكندريّة. وقد وُجدت عملات حشمونيّة ثمّ هيروديّة. يوم كانت قبرص مقاطعة مصريّة، أقامت فيها فرقة من اليهود يقودها حنانيّا وحلقيّا، ابن أونيا الرابع، وقد أرسلتها كليوبترة مع فرق أخرى لتطرد من هناك أبنها بطليموس التاسع.
ضُمّت قبر سنة 58 ق م إلى مقاطعة كيليكية الرومانيّة. وخلال الحكم الرومانيّ كانت العلاقات وثيقة بين الجزيرة وسلالة هيرودس. حصّل هيرودس الكبير قسمًا من مدخول النحاس وتسلّم استغلال مناجم في الجزيرة. تزوّجت ألكسندرة ابنة الملك من يهوديّ أرستقراطيّ في الجزيرة. ونقرأ في رسالة من الملك أغريبّا إلى الإمبراطور كاليغولا أنّ قبرص وأوبيس وكريت تعجّ بالمستوطنات اليهوديّة. يذكر سفر الأعمال جزيرة قبرص (أع 11: 20؛ 13: 5، 21: 16) حيث أقام اليهود لا في المدن الكبيرة فحسب، بل في القرى أيضاً، وكانت لهم مجامع.
شارك يهود قبرص في الثورة العامّة التي قام بها اليهود في كلّ أنحاء المملكة على أيّام ترايانس (115- 117 ب م)، فدمّروا سلامينة وقتلوا أهلها بسبب خلافات سابقة. ولمّا سحق قوّاد تريانس الثورة منعوا اليهود من الإقامة في الجزيرة كما يقول ديون كاسيوس.

3- سورية وبابل
أوّلاً: أنطاكية (في سورية)
أسّسها سلوقس الأوّل سنة 300 ق م على ضفاف العاصي. فصارت عاصمة المملكة السلوقيّة. وصارت منذ القرن الثاني مركزًا يهوديًّا هامًّا سيزداد عددًا وتأثيرًا. ويقول يوسيفوس إنّ سلوقس جعل في أنطاكية مرتزقةً يهودًا مكافأة لهم على خدماتهم الحربية.
يوم قام سكّان أنطاكية سنة 145 ق م على ديمتريوس الثاني، أرسل يوناتان الحشمونيّ جنوده فاخمدوا الثورة وأشعلوا النار في المدينة.
وازداد عدد السكان في أيّام السلوقيّين وخلال الحكم الرومانيّ بسبب موقع المدينة. في القرن الأوّل ب م كانت الجماعة اليهوديّة في أنطاكية أكبر جماعات سورية، بل أكبر جماعات الشتات مع جماعة الإسكندريّة ورومة. وكانت تعدّ يونانيّين صاروا يهودًا أو ظلّوا من فئة خائني الله (أع 6: 5). ويحدّثنا يوسيفوس عن مجمعهم الجميل. نال يهود أنطاكية إنعاماتٍ عديدةً ولكنّهم لم يحصلوا على كلّ الحقوق المدنيّة.
نما يهود أنطاكية وازدادت أعمالهم فجلب هذا النموّ وهذا الازدهار صراعًا عرقيًّا. أورد يوحنّا مالالاس (مؤرّخ من القرن السادس) أنّه كانت ثورة ضدّ اليهود سنة 39- 40 (حدث مثلها في الإسكندريّة سنة 38 وفي أورشليم سنة 39- 40). وأورد يوسيفوس واقعَيْنِ معاصرَيْنِ للثورة الكبرى (66- 70). ففي سنة 67 اتّهم أنطيوخس، وهو يهودي شريف جحد إيمانه، يهود أنطاكية بأنّهم يريدون أن يحرقوا المدينة. فقام الشعب اليونانيّ ومنعهم من ممارسة السبت، وأجبرهم على تقديم ذبائح على غرار ما يفعل اليونانيّون. وفي سنة 70- 71 اندلع حريق في أنطاكية فاتّهم أنطيوخس اليهود. ولكنّ الإدارة قامت بالتحقيقات فظهر كذب الاتّهام. ولكنّ الخوف ظلّ مسيطرًا على اليهود، ولاسيّما وإنّ أهل أنطاكية طلبوا من تيطس خريفَ سنةِ 71 أن يطرد اليهود من مدينتهم فرفض. فأعادوا الكرّة فظلّ على موقفه ولم يغيّر شيئًا في وضع يهود أنطاكية السابق.

ثانيًا: سلوقية (على دجلة)
تقع هذه المدينة الهلّينيّة على شاطئ دجلة الغربيّ وجنوبيّ بغداد الحديثة. أسّسها سلوقس الأوّل (312- 280 ق م) حيث كانت أوفيس البابليّة فصارت عاصمة منطقة بابل السلوقية. كان فيها اليونانيّون والسوريّون والبابليّون واليهود. ويقول بلينوس إنّ عدد سكانها بلغ 600.000 نسمة في أيّام الفراتيّين. أقام فيها حاكم الشرق السلوقيّ مع موظّفيه وحرسه وجيشه وكانت مرفأً حربيًّا هامًّا.
توسّعت سلوقية وازدهرت على حساب بابل التي تركها أهلها وذهبوا إلى المدينة الجديدة ومركز الحضارة الهلّينيّة في منطقة بابل. ولم يتوقّف نموّ سلوقية يوم احتلّ الفراتيّون المنطقة. بعد فشل القائد أنيلاوس التجأ إليها عدد كبير من اليهود (حوالي سنة 35). فاضطهدهم أهلها فهربوا إلى نهاردية ونصّيبين.
سيدمّر الرومان سلوقية سنة 164 ب. م فيزيلون من تلك المنطقة قلعة كبيرة من قلاع الحضارة الهلّينيّة.

ثالثًا: نهاردية
هي مدينة في منطقة بابل تقع على الفرات. أحاطت بها الأسوار فجعلتها منيعة. أقام فيها اليهود منذ القرن السادس كما يقول التقليد وبنى فيها المنفيّون في عهد يوياكين مجمعًا جلبوا حجارته من الهيكل. يروي يوسيفوس أن يهود منطقة بابل جمعوا تقدمة نصف الشاقل وسائر الهبات في نهاردية. وازدادت أهمّية هذه المدينة لليهود الشرقيّين بعد دمار الهيكل، وفي القرن الثاني ذهب عقيبة الشهير لينظّم مسألة الروزنامة. في نهاردية أقام "رئيس الجلاء" ومارس نشاطه صموئيلُ المسؤول عن الأكاديميّة اليهوديّة في القرن الثالث، فكان رئيس المدرسة ورئيس المحكمة. دمِّرت الأكاديميّة سنة 259 فذهب المعلّمون إلى بونباديثة.

رابعًا: نصّيبين
مدينة نُقلت إليها قبائل الشمال التي أجليت (2 مل 17: 6؛ 18: 11). بنيت على فهر ميدونيوس فلعبت ليهود شمال بلاد الرافدين (أشورية القديمة) دورًا مماثلاً للدور الذي لعبته نهاردية في بابلونية. في نصّيبين كانت تجمع الأموال لهيكل أورشليم، وفيها تأسّس مركز دراسة التوراة (القرن الثاني)، فأمّه طلاب من فلسطين.

4- مصر والقيروان
أوّلاً: الإسكندريّة
أسّس الإسكندر هذه المدينة المصريّة سنة 331 ق م على موقع ضيعة للصيّادين (راكوتيس) غربيَّ الدلتا، فعرفت ازدهارًا عجيبًا وصارت أهمّ مدن العالم الهلّينيّ. كانت عاصمةَ اللاجيّين ومركِزَ نشاطٍ اقتصاديّ واسع ونموذَجَ سائرِ المدن الهلّينيّة. إلاّ أنّها ظلّت على هامش مصر فسمّيت: الإسكندريّة القريبة من مصر.
كانت الإسكندريّة في عهد البطالسة أهمَّ مركز للشتات اليهوديّ. يروي يوسيفوس أنّ الإسكندر أسكن اليهود في هذه المدينة وأعطاهم امتيازات حافظ عليها خلفاؤه الذين منحوهم حيًّا خاصًّا بهم يحميهم من مخالطة الغرباء. ولمّا جاء الحكم الروماني لم يقلّص هذه الامتيازات. وقال فيلون الإسكندراني: تتألّف المدينة من خمسة أحياء. سُمّي كلّ من الحيّ الأوّل والثاني "الحيّ اليهوديّ" بسبب كثرة اليهود في هذين الحيّين. ولكنّ هناك يهودًا يقيمون في سائر الأحياء. ثمّ إنّ المجامع كانت عديدة في كلّ من الأحياء. ما كان عدد اليهود في الإسكندريّة؟ يقول يوسيفوس: مئة ألف ولكنّ هذا الرقمَ مبالغٌ فيه. مع ذلك يبقى أنّ عدد السكّان اليهود في الإسكندريّة كان كبيرًا جدًّا.
أتاح التنظيم الاجتماعيّ والدينيّ ليهود الإسكندريّة في عهد البطالسة للمجموعات المختلفة مساكنة سلمية. ولكنّ هذا التوازن اختلّ في أيّام الحكم الرومانيّ. فحين تبوّأ كاليغولا العرش أقنع أليونانيّون في الإسكندريّة حاكمَ مصر فلاكوس فأعلن أنّ اليهود هم غرباء ونزلاء. وبدأت المضايقات والتقتيل. ولكن لمّا مات كاليغولا سنة 41 ثار اليهود في الإسكندريّة يعاونهم إخوتهم في مصر وفلسطين فهجموا على السكّان اليونانيّين في العاصمة. وكانت حرب قاسية وضع لها حدًّا تدخّلُ رومة. أرسل الإمبراطور كلوديوس، خَلَفُ كاليغولا، رسالةً إلى الإسكندرانيّين يدعوهم فيها إلى معاملة اليهود بلطف، وأن لا يضايقوهم في ممارساتهم الدينيّة. ودعا اليهود إلى أن لا يبحثوا عن امتيازات جديدة وأن لا ينسَوا أنّهم يسكنون مدينة غريبة.
وبعد حرب سنة 70 هرب بعض المقاتلين من أورشليم والتجأوا إلى الإسكندريّة وطلبوا من إخوتهم أن يثوروا معهم على سلطة رومة. لم يسمع لهم مجلس المدينة فسلّمهم إلى الرومان. ففضّلوا الموت في العذاب على الاعتراف بانتصار رومة. ثمّ كانت حركة تمرّد يهوديّ عامّ في أيّام ترايانس (115- 117). دامت الثورة في مصر ثلاث سنوات قبل أن يسحقها أدريانس سنة 117: بدأت أعمال اليهود (كما في سنة 41) ضدّ اليونانيّين قبل أن تتحوّل قتالاً مسلّحًا ضدّ رومة. فكانت حرب بين الفئتين قبل أن تسحقها رومة بقساوة. 
كانت جماعة اليهود في الإسكندريّة نموذجًا وقائدًا لسائر الجماعات اليهودية في العالم اليونانيّ. ولكنّها لم تعرف أن تجابه تبدّل الظروف السياسيّة الذي فرضه مجيء الرومان. سهّل اليهود الطريق لهؤلاء الرومان، فإذا بالرومان يضربون اليهود الضربة القاضية. ستضعف التجمّعات اليهوديّة فتستفيد المسيحيّة من هذا الوضع لأجل انطلاقتها.

ثانيًا: قيريني
هي عاصمة القيروان القديمة. تقع على الشاطئ الشماليّ الشرقيّ لأفريقيا (ليبيا). سقطت في قبضة اللاجيين سنة 321 ق م فصارت جزءًا من مملكة مصر إلى أن دخلت في حكم رومة. ففي سنة 96 ق م سلّم بطليموسُ أبيون بنُ بطليموسَ السابع فسكونَ عندَ موته، مملكتَه إلى رومة. ولكنّ المنطقة لم تصبح مقاطعة رومانية إلا سنة 74 ق م. 
يروي يوسيفوسُ أنّ بطليموسَ الأول أرسل اليهود إلى قيريني ليشدّد قبضته على قيريني وسائر مدن ليبيا. قال نقلاً عن الجغرافيّ سترابون: هناك 4 فئات: المواطنون، الفلاحون، الشركاء، اليهود. هؤلاء دخلوا في كلّ مدينة فاستقبلهم كلُّ مكان في العالم. وتُثْبِتُ الكتابات أنّ يهود قيريني جاؤوا من مصر. ويكشف مؤلَّف ياسونَ القريني الذي لخّصه 2 مك مستوى الثقافة الهلّينيّة لدى هؤلاء اليهود. أصدرت الإدارة الرومانيّة قراراتٍ عديدةً تؤمّن ليهود قيريني حقوقهم. هذا يعني أنّه كانت صراعات بين اليهود واليونانيّين، كما أنّ السلطات منعت اليهود من إرسال هباتهم إلى هيكل أورشليم. وحين تدخّل أوغسطس وصديقه مرقس أغريبّا سنة 14 ق م تثبّتت بصورة حاسمة امتيازاتُ اليهود والإنعاماتُ التي حصلوا عليها.
ظلّت الرباطات قديمة بين يهود قيريني ويهود فلسطين. وفي القرن الأوّل ب م كان كثير من يهود قريني يقيمون في أورشليم (مت 27: 30؛ أع 2: 10). ولهذا قام بعض الثوّار بعد سنة 70 بقيادة يوناتان وحاولوا أن يُثيروا يهود قيريني ضدّ رومة. لم يهتمَّ لهذه الدعوة إلاّ الطبقة الفقيرة. أمّا الرؤساء فأخبروا الحاكم الرومانيّ كاتولوس فسحق الثائرين بشدّة. وستثور قيريني في أيّام ترايانس (115- 117) كما ثارت سائر الجاليات اليهودية.

ثالثًا: برنيقا وتويشيرا
برنيقا هي بنغازي اليوم في ليبيا (أعطي لها هذا الاسم في القرن الرابع عشر). مدينة قديمة سمّيت كذلك تَيَمُّنًا بملكة مصر. حكتها مصر قبل أن تصبح جزءًا من القيروان الرومانيّة سنة 74 ق م. تُعْلِمنا الكتابات اليونانيّة بالبوليتوما اليهودية في برنيقا في أيّام أغوسطوس وطيباريوس وفي السنوات الأولى لنيرون.
تويشيرا: هي مدينة تقع على شاطىء البحر بين بطلمايس وبرنيقا. أقام فيها اليهود في زمن مبكّر. والكتابات على المدافن تدلّ على أنّنا أمام هجرة يهوديّة مصريّة تبعت التحام مصر بالقيروان في أيّام بطليموس السابع في النصف الثاني من القرن الثاني. تألّفت الجماعة هناك من مستوطنة حربيّة ومن مجموعة ريفيّة. شارك اليهود غيرَ اليهود في مدافنهم، وهذا ما يدلّ على علاقات طيّبة بين الجماعتين.

5- رومة
يُذكَر اليهود الموجودون في رومة للمرّة الأولى سنة 161 مع الاتّصالات الدبلوماسيّة التي قام بها مبعوثو يهوذا المكابيّ (1 مك 8: 17- 32). وأرسِلت بعثةٌ حشمونيّة ثانية من قبل سمعان سنة 142 أو 139 ق م لتجدّد العهد المعقود سابقًا (1 مك 12: 16؛ 14: 24). وفي سنة 139 كانت جماعة رومة نشيطة بدليل ما قاله المؤرّخ اللاتينيّ في بداية القرن الأوّل ب م، فاليريوس مكسيموس في كتابه عن الخرافات: وفي ذلك الوقت طُرد يهود يروّجون أفكارًا وعباداتٍ شرقيّةً. ولكن ما زال اليهود يتكاثرون في رومة وقد قال فيهم شيشرون (59 ق م): إنّهم شعب كبير متماسك، ولهم تأثير كبير في كلّ اجتماع. وتحدّث فيلون (41 ب م) عن حيّ رومانيّ واسع يقيم فيه اليهود. كانوا عبيدًا فتحرّروا، وقد بنَوا لهم مجامع.
تمّت أوّل هجمة يهوديّة على رومة سنة 62 ق م. جاء اليهود مع سائر الأسرى الذين نقلهم بومبيوس إلى رومة. وكانت هجمة ثانية من الأسرى جاء بها كراسوس خلف غابينيوس على سورية. أخذ الذهب من الهيكل قبل أن يذهب لمحاربة الفراتيّين، ولمّا قاومه اليهود تغلّب عليهم وأخذ شبّانهم إلى رومة (55 ق م). وبعد سنتين كانت ثورة يهوديّة قادها بيتولاوس الذي حاول أن يجمع حوله تبّاع الحشمونيّ أرسطوبولس في الجليل. هجم كاسيوس لرجينوس فقتل بيتولاوس وأخذ معه 30000 عبد من اليهود. ووصل أسرى يهود آخرون بعد سقوط أورشليم سنة 37 ق م على يد القائد الرومانيّ سوسيوس الذي أعان هيرودس الكبير على احتلال العاصمة اليهوديّة.
ويوم مات هيرودس الكبير سنة 4 ق م كانت الجماعة اليهوديّة في رومة كثيرة العدد. فقد تظاهر أكثر من 8000 شخص ورافقوا موفدي أرض يهودا الذين جاؤوا يطالبون بإلغاء مملكة هيرودس. وهناك مراجع تقول إنّه في سنة 19 ب م وجد 4000 شابّ هم أبناء الأسرى الذين جاء بهم بومبيوس. وستأتي فرقة من الأسرى بعد أن يحتلّ تيطس أورشليم سنة 70 ب م.
الفصل الثالث
أرض فلسطين

أ- يهودا المحتلّة
لم يتأثّر فقط يهود الشتات بالحضارة الهلّينيّة، بل يهود أرض يهودا. وكانت صراعات بين متعاملين مع العالم الهلّينيّ ورافضين له، بين أرستوقراطيّة تتعامل مع المحتلّ وشعبٍ بدا غريبًا قبل أن يتدخّل فيدلّ على أمانته وأمانة الأمة اليهوديّة لمبادئ الآباء وشرائع الوطن.

1- التعامل مع مصر واللاجيّين
بعد موت الأمير زربابل (حوالي 515 ق م) الممثّل الرسمي لسلالة داود، حكم أرضَ يهودا سلالةُ رؤساء الكهنة. ولهذا اعتبر هيكاتيس الأبديريّ (ورد في ديودورس الصقلّي) أنّ الجماعة اليهوديّة هي تيوقراطيّة حيث الكهنة يوجهّون الحياة العامّة. لقد ورد حكمه هذا في بداية العهد الهلّينيّ. ولكنّ هناك شواذًا هو الدور الذي لعبته في المجتمع اليهوديّ وفي قضاياه عائلة طوبيّا ثمّ أبناءُ طوبيّا أو الطوبيّائيون. فقد كان موقف هذه العائلة اللا كهنوتيّة ثابتًا في أيّام نحميا (نصف القرن الخاسر ق م) وتأثيرها حاسمًا على الوضع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ في يهودا بل في كلّ أرض فلسطين منذ منتصف القرن الثالث ق م إلى ثورة المكابيّين (167 ق م). ونحن نعرف نشاط أهم قوّاد هذه العائلة بفضل برديّات زينون ومؤلّفات يوسيفوس وأسفار المكابيّين.

أوّلاً: عشيرة طوبيا والطوبيّائيون
أقامت عائلة الطوبيّائيين في أرض طوبيّا وهي إقطاعة في جنوبي جلعاد في شرقيّ الأردن. تعلّقوا بالحضارة الهلّينيّة ولكنهم ظلّوا يهودًا. يعود أصلهم إلى أيّام نحميا بل إلى القرن الثامن ق م. إنّ طوبيّا العبد العمّونيّ كان خصم نحميا ورجلاً شريفًا (نح 13: 4). وهناك طوبيا آخر يذكره زك 6: 10 (حوالي 520 ق م)، كما أنّ هناك أبناء طوبيّائيين وجدوا بين اليهود العائدين من سبي بابل (عز 2: 59- 60؛ نح 7: 61- 62) وقد نجد جَدّ طوبيّا المذكور في زكريّا في كتابات لاكيش: إنّه يتمتّع بمركز كخادم الملك. وهكذا عاد المؤرّخون في نسب طوبيّا إلى أيّام عزيّا أو يوتام (759- 743 ق م).
إذن كان طوبيّا المذكور في برديّات زينون في القرن الثالث ق م سليلَ عائلة شريفة يعود أصلها إلى بلاد يهودا. برز منها ثلاثة رجال في العهد الهلّينيّ هم طوبيّا، يوسف، هركانس.

طوبيّا
إنّه الشخصيّة الفلسطينيّة الرئيسيّة في وثائق زينون التي تذكر اسمه ستّ مرّات. فطوبيّا هذا سهّل وهيّأ سَفَرَ زينون. إستضافه في شرقيّ الأردنّ وشاركه في الأعمال التجاريّة. أرسل هدايا إلى بطليموس الثاني فيلدلفيس (283- 236 ق م) وإلى وزير ماليّته أبولّونيوس. أتام في أرض طوبيّا كشيخ مستقلّ وكان مواليًا لملك مصر. كان قائد مجموعة من العسكر من جنسيّات مختلفة.
كانت سياسة البطالسة الحكيمة تبحث في آسية الجنوبية عن أمراء أقوياء تتحالف معهم وكان طوبيّا واحدًا منهم يساعد مصر على تدبير الأراضي المحتلّة. كان طوبيّا قد بنى في البداية قلعة ليقاوم هجمات بدو الصحراء ثمّ صار رئيس قبيلة محلّيّة لها أهمّيّتها. وقام بوظيفة والٍ فخدم ملك مصر بجنوده وعلاقاته وتأثيره. تشبَّه بأسلافه فارتبط بكهنة أورشليم، وتزوّج أخت أونيا الثاني الكاهن الأعظم.

يوسف
هو ابن طوبيّا ووجه مشع في عائلة طوبيّا على أيّام بطليموس الثالث أورجاتيس (246- 221). امتدّ نشاطه خاصة من سنة 240 إلى سنة 218 ق م.
كان أبنَ أخت عظيم الكهنة أونيا الثاني. ولد في يهودا، في ضيعة العائلة وارتفع إلى مقام زعيم الشعب اليهوديّ. كان تأثيره كبيرًا في أورشليم بسبب ارتباطه بعائلة عظيم الكهنة وبسبب نبل مَحْتِدِهِ وعظمة ثروته. كان ماهرًا في الأعمال التجاريّة وفي السياسة، وقد احتل المنصب الثاني بعد عظيم الكهنة. قاده نشاطه الدوليّ مرّاتٍ عديدةً إلى مصر فارتبط أكثر من أبيه بالإدارة اللاجيّة وكان أساس أمواله نجاحه في التجارة في الإسكندريّة. كان جامع الضرائب الرئيسيّ لسورية الجنوبيّة على أيّام بطليموس الثالث.
يوم اندلعت الحرب الثالثة بين سورية ومصر، رفض أونيا الثاني بعد أن تخرّب للسلوقيّين، أن يدفع الضرائب لخزينة مصر الملكيّة. فهدّد الملكُ بطليموسُ أن يجعل أرض يهودا مستعمرة عسكريّة. حينئذ عيّن مجلس الشعب يوسف، وهو المزاحم السياسيّ لعظيم الكهنة، كرئيس له يهدّئ غضب الملك اللاجيّ. فصار يوسف أبهبر موظف مدنيّ في أورشليم. ونجح نجاحًا تامًّا في مصر فتوسّعت سلطته بحيث كان يجمع الضرائب من سورية المنخفضة وفينيقية ويهودا والسامرة. واستفاد من وحدة عسكريّة فساعدته في تنفيذ عمله بل في أعمال الابتزاز وقتل وجهاء المدن المتمرّدة. توفّي يوسف حوالي السنة 200 يوم كانت فلسطين موضوع منازعة بين البطالسة والسلوقيّين.

هركانس
هو أصغر أبناء يوسف، وقد تفوّق بمهارته على أبيه. يقول 2 مك 3: 11 عنه إنّه كان من عظماء الأشراف. ساند البطالسة مثل أبيه وجَدِّه. ولكنّ إخوتَه وعظيمَ الكهنة سمعانَ الثاني كانوا على رأس الحزب الموالي للسلوقيّين. فشلَ هركانسُ فترك أورشليم وأقام في شرقيّ الأردنّ وظلّ هناك حتّى موته. تصرّف كملك مستقلّ وحارب العربَ جيرانَه. أعاد بناء القلعة العائليّة وحصّنها وحفر لها دهاليز. ظلّ يتدخّل في قضايا أورشليم السياسيّة وحاول أن يعيد سلطة البطالسة ويبدو أنّه استمال إلى أفكاره عظيم الكهنة أونيا الثالث (ابن سمعان). ولكن لمّا اعتلى أنطيوخس الرابع عرش سورية (175 ق م) وتدخل في فلسطين انتحر هركانس

2- يهودا على أيّام السلوقيّين
إنّ الصراع بين السلوقيّ أنطيوخس الثالث واللاجي بطليموس الخامس حوالي السنة 200 ق م هدم البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة في دولة يهودا الكهنوتيّة. ولما انتصر ملك سورية في فانيون (سنة 200 ق م) حلّ الحكم السوريّ محلّ الحكم المصريّ في فلسطين. فالتجأت العناصر الموالية لمصر إلى بطليموس، وبيع آخرون كالعبيد والتحقت أكثرية يهود أورشليم بالسلوقيّين: كانوا قد تعبوا من تسلّط البطالسة ففتحوا أبواب العاصمة أمام أنطيوخس الثالث وساعدوه على طرد الحامية المصريّة. فكافأ الملك السلوقيّ اليهود مانحًا إيّاهم جملة من الامتيازات في مجال الضرائب والحرّيّة الدينيّة وإعادة بناء الهيكل وصيانته. ومقابل هذا، طلب منهم التعاون معه والخضوع له. كلُّ هذه الترتيبات نقرأها في وثيقتين احتفظ بهما يوسيفوس. الأولى هي رسالة من أنطيوخس الثالث موجّهةٌ إلى حاكم البقاع وفينيقية. والثانية قرار يتعلّق بصورة خاصّة بهيكل أورشليم.
وأهمّ ترتيب هو أن يُترك اليهودُ يعيشون حسب شرائع الآباء. هذا الحقّ نجده في رسالة أنطيوخس الثالث إلى زوكسيس بالنسبة إلى المستوطنين اليهود في آسية الصغرى. وعبارة شرائع الآباء هي أوسع من شريعة موسى لأنّها تتضمّن، إضافة إلى الديانة بمجملها، النظم السياسيّة والاجتماعيّة مع سلطة رئيس الكهنة ودور الكهنة في الهيكل ومحيطه، والعمل في المجامع والمحاكم.
ولم تمضِ ثلاثون سنة حتّى ألغى كلَّ هذه الحقوق أنطيوخسُ الرابع إبيفانيوس (175- 164) الخلف الثاني لأنطيوخس الثالث. فمن المعلوم أنّه زحف سنة 167 على أورشليم فاحتلَّ المدينة وهدم أسوارها وقتل وباع عبيدًا الالاف من أهلها. وبنى على هذا الدمار قلعة كبيرة (أكرا) جعل فيها حامية يونانيّة ويهودًا يميلون إلى الحضارة الهلّينيّة. فكانت بمثابة مستوطنة عسكريّة في عاصمة اليهود. وهكذا تحولّت أورشليم إلى مدينة غريبة وسمّيت "أنطاكية". وُفرضت الحضارةُ الهلّينيّة على كلِّ أرض يهودا، ومُنع الختان وممارسة السبت، وأمرت كلّ مدينة أن تقدم ذبائح وثنيّة. وارتفع في ربيع 167 ق م هيكل لزوش الأولمبيّ وسط الهيكل. نحن هنا أمام اضطهاد دينيّ يعاقبُ بالموت كلَّ ممارسة لشعائر العبادة اليهوديّة. ولكن ما الذي حصل لتلغى ترتيبات أنطيوخس الثالث؟
هنا نعود إلى الأحداث التي حصلت في أورشليم بين سنة 180 وسنة 167 ق م. في تلك الفترة أخذت الحضارة الهلّينيّة تدخل في قلب المجتمع اليهوديّ، وكانت صراعات قادت إلى حرب أهليّة ثمّ إلى ثورة المكابيّين مع نتائجها. هذا ما يرويه 2 مك 3- 4. 
إرتبطت فترة الهلّينيّة في أورشليم بنشاط الطوبيّائيين الحاضرين دومًا وسط هذه الأحداث. فإذ كان هركانس في شرقيّ الأردنّ، مات اثنان من إخوته في حرب أخويّة وأقام خمسة آخرون في أورشليم بعد أن مالوا إلى السلوقيّين. تُبيِّن النصوص أنّ تأثير الطوبيّائيين كان كبيرًا وهم الذين سيطروا على حركة الأعمال التجاريّة في العاصمة، وكانوا رؤساء الحزب الهلّينيّ فيها. ارتبطت سلطتهم بغناهم، فمارسوها على المستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ، كما على المستوى السياسيّ. فكان من الضروريّ أن يضعوا أيديهم على إدارة الهيكل. ولهذا ارتبطوا بعظماء الكهنة.
كان للهيكل أهمّيّةٌ اقتصاديّةٌ وسياسيّةٌ كبيرة. فهو مركز دينيّ ومؤسّسة ماليّة في الوقت نفسه. ففي هيكل أورشليم تكدَّست كنوز من الفضّة والذهب. وكان يتغذّى من نصف الشاقل الذي يدفعه اليهوديّ كلّ سنة.
لعب صندوق الهيكل دور بنك خاصّ وخزانة عامّة، وهذا كان نتيجة النظام التيوقراطيّ في يهودا. كان الكهنة مسؤولين عن شعائر العبادة، وكانوا يمسكون بزمام السلطة المدنيّة. ولكنّ الخطرَ يكمنُ في الخلط بين الأموال الخاصّة والأموال العامّة، وبالأخصّ حين يكون أكثر المودعين من الطبقة الأرستقراطيّة الأورشلميّة التي إليها ينتمي الكهنة الحاكمون.

3- خصومات الأرستوقراطيّين وصراع لمنصب رئيس الكهنة
هناك أمور بارزة في تاريخ العالم السياسيّ في عاصمة اليهود بين سنة 180 وسنة 164 ق م. هناك أوّلاً القطيعة بين هركانس الطوبيّائي وبين والده وإخوته. هم كانوا مع سورية السلوقيّة، أمّا هو فكان مع مصر البطالسة. وتدخَّل صراع مماثل في سلالة الكهنة الشرعيّة أي في عشيرة أونيا الكهنوتيّة. تعاون سمعان الثانيّ مع السلوقيين، أمّا ابنه أونيا الثالث فمال إلى اللاجيّين. لم تعنِ هذه التناقضات إلاّ الطبقة الحاكمة، أي الطبقة العليا في المجتمع اليهودي. وهكذا اتّسع الشقّ بين عائلات المدينة المتصارعة وسائر الشعب اليهوديّ الذي ظلّ غريبًا عن التركيبات والمساومات.
كانت الصراعات على كلّ المستويات، ولا سيّما المستوى السياسيّ والاجتماعيّ. نذكر أوّلاً وظيفة عظيم الكهنة حيث نجد الطوبيّائيين أيضاً. لم يستطع هليودورس أن يضع يده على أموال الهيكل، فاتّهم البَلاطُ السلوقيّ عظيمَ الكهنة آنذاك، أونيا الثالث المتحزّبَ لمصر والمرتبط بعلاقة مع عائلة طوبيّا، بأنّه سببُ هذا الفشل. فلما اعتلى أنطيوخس الرابع العرش، دعا أونيا إلى أنطاكية وعزله. وعيَّن مكانه شقيقه ياسون (كان اسمه يشوع فأعطاه صيغة هلّينيّة). دفع مبلغًا من المال ليحصل على وظيفته، ووعد بأن يزيد متوجّبات اليهود للخزينة السوريّة (2 مك 4: 8). وهكذا حلّ مبدأ البيع والشراء محلّ الوراثة في وظيفة رئاسة الكهنوت. ولم يعد عظيم الكهنة إلاّ موظفًا كسائر الموظّفين يرتبط بإرادة ملك غريب.
وإذا إنطلقنا من 2 مك 4، نفهم أنّ أنطيوخس الرابع خوّل ياسون أن يحوّلَ أورشليم إلى مدينة يونانيّة أصلية ويسمّيَها أنطاكية أورشليم مع وضع ونُظُم كلّ مدينة في أرض هلّينيّة. وهكذا وضع ياسون أسس إصلاح هلّينيّ عميق سيصيب كلّ أرض يهودا. ولكنّ هذا الوضع السياسيّ والحضاريّ الجديد لم يَعنِ إلاّ الطبقة الأرستوقراطيّة الهلّينيّة لا الشعب الذي ظلّ غريبًا عن هذا التيّار وحافظ على نقاوة شرائع الآباء.
وهكذا كان إصلاح ياسون عملاً سياسيًّا لا دينيًّا. تحولّت أورشليم إلى أنطاكية، وتحوّلت بنيتها السياسيّة فلم تعد أمة أو شعبًا، بل مدينة.
وبعد ثلاث سنوات (172- 171 ق م) حصل تبدّل آخر أثار الصراع بين الجماعات الحاكمة في أورشليم، وكان ضحيّة هذا الصراع ياسون نفسه. كما فعل بأخيه جاء من يفعل به. جاء منلاوس (وهو ليس من سليلة كهنوتيّة) وحلّ محلّه بمساندة الطوبيّائيين الموالين للسلوقيّين. إرتبط بالهيكل (وبالتالي بالخزينة) الذي كان حاكمه أخوه معان، فامتلك وسائل النجاح. ولكن ياسون قاومه. حينئذ اندلع صراع بين حزب منلاوس والطوبيّائيين والهلّينيّين المتطرّفين، وبين ياسون مع أكثريّة سكّان المدينة. في البداية انتصر ياسون. ولكنّ السوريّين عزلوا ياسون بعد أن وعدهم منلاوس بزيادة الجزية التي يدفعها اليهود. وهكذا عيّن أنطيوخسُ الرابع منلاوسَ عظيمَ كهنة (2 مك 4: 23- 34).
وتبدّلت العلاقات بين شعب يهوذا وسلطة السلوقيّين. لم يعد رئيس الكهنة صوت الشعب اليهوديّ لدى ملك سورية، فانقلبت الموازين. وبما أنّ منلاوس قاد حركة الهلّينيّة إلى أقصى حدودها، كان انشقاق بين حزب الهلّينيّين وبين الطبقة الكهنوتيّة، بل الأمة اليهوديّة نفسها. بدأ منلاوس ممارسة وظيفته فسرق آنية الذهب من الهيكل (2 مك 4: 32)، وقدّمها إلى أندرونيكوس ممثّل ملك سورية ليربح وُدَّهُ بعد أن تأخّر في دفع المتوجّب عليه. عرف أونيا الثالث، وهو في أنطاكية، بسرقة الهيكل فوبّخ منلاوس على عمله توبيخًا أثّر على اليهود في يهودا (2 مك 4: 33)، واحتمى في دفنة قرب أنطاكية. فلجأ منلاوس إلى أندرونيكوس فقتله (2 مك 4: 34).

4- حرب اجتماعيّة وحرب أهليّة
وتحوّل محور الصراع. تحوّل النزاع على السلطة بين عائلة أونيا وعائلة طوبيّا الهلّينيّتين إلى مجابهة بين الشعب اليهوديّ من جهة وسلطات أورشليم العليا من جهة ثانية. ذهب منلاوس إلى سورية وترك أخاه ليسيماكس ليمثّله في أورشليم، وأمره بأن يأخذ من خزينة الهيكل ما يحتاج إليه من مال. فواجه أهلُ أورشليم، حزبُ الشعب والتقليد، رجالَ ليسيماكس فهزموهم وقتلوا ليسيماكس نفسه (2 مك 4: 24). واتّهموا منلاوس لدى ملك سورية بواسطة ثلاثة رجال أرسلهم مجلس شيوخ أورشليم. ولكنّ الرشوةَ لعبت دورها، فلم يُقتل منلاوس بل الرجالُ الثلاثة الموفدون. وهكذا ثبت سلطانه في أورشليم. وفي سنة 170 ق م سرت شائعة بأنّ الملك أنطيوخس الرابع توفّي خلال حملته على مصر، فحاول ياسون وأتباعه أن يستعيدوا سيطرتهم على العاصمة. فواجه اليهود ياسون كما واجهوا منلاوس الذي ظلّ في وظيفته بعد أن أرسل كميّة من المال إلى أنطيوخس. أمّا ياسون فلم يترك أورشليم قبل أن يَقتل عددًا من سكانها. سجنه ملك العرب الحارث فجعل يفرّ من مدينة إلى مدينة والجميع ينبذونه (2 مك 5: 8- 10). وأرسل الملك السلوقي حملة قمعيّة فسلبت الهيكل سنة 169. وظلّ منلاوس في وظيفته بمعاونة الطوبيّائيين، ولكنّه اختفى يوم طهِّر الهيكل (165- 164 ق م)، ثمّ عاد إلى الظهور في أيّام أنطيوخس الخامس أوباتور (163- 162 ق م). حاول أن يربح وُدّه فكانت النتيجة أنّه أمر بقتله فمات شرَّ ميتة سنة 163- 162 (2 مك 13: 3- 8).
وقام أنطيوخس بحملة ثانية على أورشليم بعد عودته من حملته الثانية على مصر. اشتكى منلاوس وحزب الأنطاكيّين في أورشليم من تهديد حزب اليهود الأتقياء والوطنيّين، وخاف الملك من قلاقلَ داخليّةٍ تهدّد التوازن السياسيّ في المملكة السلوقيّة، فأرسل حملة يقودها أبولونيوس قائد مرتزقة ميسية (1 مك 1: 29) فأعمل القتل في البلاد (2 مك 5: 23- 27). وتبع هذا القمعَ قرارُ أنطيوخسَ الرابعِ بالاضطهاد، وفُرضت العبادة الوثنيّة وحدها في أورشليم وفي كلّ مدن يهودا وقراها.
لم تتأخّر ثورة متتيا أبي الأخوة المكابيّين. أخذت شكل مقاومة للقوّة السلوقيّة الحاكمة، ولكنّها كانت أيضاً نتيجة وامتدادًا لصراع اجتماعيّ وحرب أهليّة عاثا فسادًا لدى اليهود في يهودا. قام أنطيوخس الرابع بعمل جذريّ فجابهته مقاومة جذريّة أبقته مدة طويلة على هامش المجتمع بسبب السياسة القمعيّة.

ب- الحضور الحشمونيّ
كان الفاعلون في الثورة المكابيّة أعضاء عائلة من يهودا ترجع إلى حشمون، وهو السلف الذي سيعطي اسمه لسلالة الحشمونيّين. كان رئيس هذه العائلة يهوديًّا من أورشليم لجأ إلى مودين واسمه متتيا. أمر الملكُ أنطيوخسُ الرابع بأن تُقام الذبائحُ الوثنيّة في كلّ مكان. ثار متتيا وقتل الضابط الملكيّ الموكول إليه بتنفيذ الأمر، كما قتل مساعديه وقلب المذبح، ثمّ لجأ إلى الجبال مع أبنائه الخمسة. وانضمّ إليه عدد من مواطنيه (من جماعة الحسيديم أو الأتقياء). وبعد أشهر من الحرب الشرسة مات متتيا وأوصى بنيه بمتابعة الجهاد. مات اثنان من أبنائه ولكنّ الثلاثةَ الباقين سيكونون قوَّاد حركة مسلّحة: يهوذا (165- 160 ق م) الذي لقّب بالمكابيّ فانتقل لقبه إلى الخلف، يوناتان (160- 142 ق م)، سمعان (142- 135 ق م).
تمرَّد المكابيّون على السلوقيّين وحاربوهم سحابة عشرين سنة، فتوصّلوا إلى تحرير يهودا وأورشليم وطهروا الهيكل. وكانت نهاية النصر يوم احتلَّ سمعان القلعة (أو أكرا) آخر معقل للسلطة السلوقيّة ولعملائها الهلّينيّين في عاصمة اليهود.
دام حكم الحشمونيّين (أو أبناء متتيا والمكابيّين) ثمانين سنة (حتّى سنة 63 ق م) فتوصّلوا بالأخصّ مع يوحنّا هركانس (135- 104) وإسكندر يناي (103- 76)، إلى أن يزيلوا كلّ ضغط خارجيّ، وأن يعيدوا إلى البلاد عبادة الله الواحد. ثمّ وسّعوا أرضهم فصارت توازي مملكة داود وسليمان. من أجل هذا امتدّت حرب الاستقلال في حرب احتلال كان هدفها المعلن دينيًّا محضاً.

1- تحريم المدن اليونانيّة
تمكّن الحشمونيّون من النجاح بسبب ضعف المملكة السلوقيّة ونزاعاتها الخفيّة. فبعد سنة 129 ق م يوم انتصر الفراتيّون على أنطيوخس السابع وقتلوه، وتصرّف يوحنّا هركانس وخلفاؤه بحرّيّة حتّى سنة 63 ق م، يوم ضمّ بومبيوس سورية ويهودا إلى الإمبراطوريّة الرومانيّة. في هذه الفترة نمت إرادة التوسعّ والإمبرياليّة السياسيّة لدى ملوك اليهود. فانتهت معظم حروبهم إما بارتداد المغلوبين قسرًا وإمّا بإفنائهم متتبّعين بذلك شريعة التحريم التي مارسها يشوع بن نون. دمَّر يوحنّا هركانس هيكلَ جبل جرزيم، وخرّب مدينة السامرة المُهَلْيَنَةَ، واستعبد كلّ أهلها. وأجبر الأدوميّين والإيطوربّين على الاختتان. واحتلّ إسكندرُ يناي بيره وجعل أهلها يهودًا بطريقة قسريّة. ولمّا امتنعت بلاّ عن الأخذ بالممارسات اليهوديّة دمِّرت. كان الهدف إزالة الحضارة اليونانيّة وما حقّقته. لهذا دُمّرت مدنٌ ساحليّة مزدهرة وحواضرُ هلّينيّة شيِّدت شرقيَّ الأردنّ.
ويروي يوسيفوس كيف أخذ هركانس السامرة وكيف اجتاح ينايُ غزّة. وهذا يدلّ على شريعة التحريم أو التخلّي عن أسلاب الحرب (أموال، أشخاص، حيوانات) وتدميرها كلّيًّا كأنّها ذبيحة تقدَّم لله (تث 7: 1- 2). ولكنِ اتّخذ هذا الطقسُ الحربيّ القديم (تتحدّث عنه الأسفار التاريخيّة، يش 7: 1؛ 8: 26- 29؛ 1 صم 15: 16- 23) طابعًا متناقضاً في القرن الثاني ق م. من جهة كان يدمَّر كلُّ أثر (ولو كان بشريًّا) للهلّينيّة السياسيّة والثقافيّة في مدن فلسطين. ومن جهة ثانية كان يعني هذا العمل تدمير البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة لمملكة في بداية عهدها. ثمّ هناك تناقض بين ارتدادات يقوم بها يهود الشتات، وارتدادات الحشمونيّين بالقسر والعنف.

2- ضعف الدولة المحتلّة
أثارت هذه الاحتلالات والأساليب الحربيّة النقمة لدى الشعوب المجاورة ليهودا. فاعتبروا أنّ المملكة الحشمونيّة هي دولة السلب والنهب. فاليهود هاجموا السكّان الشرعيّين في مدن ساحل المتوسّط وشرقيّ الأردنّ. وطردوهم، بل قتلوهم، لأنّهم رفضوا الختان وسائر الممارسات اليهوديّة. فمدينة الفلسطيّين غزّة وسائر مدن السامريّين لم يسكنها اليهود يومًا ولم يحكموها، فكيف يسمحون لنفوسهم بأن يستولوا عليها. لهذا كان جدال بين اليهود وغير اليهود نجد صداه في 1 مك 15: 28- 36. يشير هذا النصّ إلى الوضع السياسيّ ليهود فلسطين في نهاية حياة سمعان (+ 135 ق م)، آخر أبناء متتيا الأحياء. هي مسيرة بدأت بحرب من أجل السلام داخل المدن ومن أجل الاستقلال الوطنيّ، فانتهت باحتلالات لتأمين الحماية لحدود سريعة العطب.
توسّعت دولة الحشمونيّين، ولكنّها امتدّت قرابة عشر سنوات بعد موت أشهر قوّادها، إسكندر يناي (+ 76 ق م). فالسنة 63 تشكّل نهاية حكم الحشمونيّين والمملكة التي نجمت عن حرب المكابيّين. فبعد موت ألكسندرة (67 ق م)، زوجة إسكندر يناي، التي أطالت عمر مملكة زوجها بمهارتها سحابة عشر سنوات، بدأت الحرب بين الابنين الطامحين إلى الملك: أرسطوبولس الثاني وهركانس الثاني. وكان نتيجة هذا الوضع أن تدخّل بومبيوس بجيشه فاحتلّ أورشليم بعد حصار قاسٍ، ودخل إلى الهيكل ولم يَمَسَّ كنوزَه، وقلّص مِساحة أرض يهودا وفرض عليها الجزية.

3- الحشمونيّون وسياسة رومة الشرقيّة
لماذا قام بومبيوس بهذا العمل ضدّ اليهود؟ هناك أسباب عديدة: حرب بين الأخوين الحشمونيّين، اهتمام الرومانيّين بالمدن اليونانيّة، احتقار بومبيوس للمعاهدات المعقودة سابقًا بين اليهود والرومانيّين. لقد أراد بومبيوس أن يكون "إسكندرًا جديدًا" فيحتلَّ العالم ويكوِّنَه من جديد حسب رغبته. ولكن تبقى الأسباب السياسيّة هي الأهمّ. فالتعارض بين سياسة بناي الدوليّة وسياسة هركانس (وأسلافه) هو السبب. هناك تبدّل عميق في العلاقات بين سلطة الحشمونيّين في يهودا والإدارة الرومانيّة. كان يوحنّا هركانس قد ثبّت العلاقات برومة، وهي علاقات بدأت مع يهوذا المكابي سنة 161 وعرفت ثلاث معاهدات. ولكنّ أرسطوبولس (104- 103) الذي كان أوّل من أخذ لقب ملك وأخوه وخلفه إسكندر يناي (103- 76) لم يعيدا العلاقات مع رومة. وحين سيعطي يوليوس قيصر إقطاعاتٍ وامتيازاتٍ لهركانس الثاني سنة 47 ق م فهو سيستند إلى العهد المعقود بين رومة ويهودا في عهد هركانس الأوّل (135- 104 ق م). إنّه لا يعترف باحتلالات إسكندر يناي، بل باحتلالات أبيه هركانس فقط.
لماذا أهمل يناي العلاقة السياسيّة مع رومة؟ هنا لا بدّ من العودة إلى الإطار السياسيّ الشرقيّ في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الأول ق م. كان الصراع على أشدّه بين الرومانيّين والسلوقيّين فلعب اليهود بالنسبة إلى رومة قوّة تحريك القتال، ولكنّهم استفادوا أيضاً من حمايتها. ونذكر أيضاً علاقات الصداقة بين هركانس والبطالسة ومساعدات اليهود لعرش اللاجيّين، كما نذكر العلاقات الطيّبة مع برغامس. ولكن تبدّلت الأمور في القرن الأوّل. انهار الحكم السلوقيّ فلم يَعُد عدوّ رومة في الشرق. ثمّ ظهرت قوى جديدة: مملكة البنطس مع متريداتيس، مملكة أرمينيا مع تغرانا الأوّل، ومملكة الفراتيّين. فحاول يناي أن يحدّد موقع سياسته بالنسبة إلى الفراغ الذي تركه السلوقيّون في خضمّ القوى الجديدة في الشرق. فصادق متريداتيس الذي كان عدوّ رومة والمدن اليونانيّة. وتقارب ابنه أرسطوبولس من ملك البنطس. واستقبل يناي في قصره وفدًا فراتيًّا استقبالاً حارًّا. هنا نفهم حرب يناي على المدن الهلّينيّة وفرضه العنصر اليهوديّ في فلسطين بالقوّة أو بالموت. إنّه بذلك دمّر الأساس الستراتيجيّ لسياسة رومة التي كان يهمّها ازدهار المدن الهلّينيّة المزروعة في الشرق.
ونزيد سببًا أخيرًا دفع بومبيوس إلى مثل هذا التصرّف وهو تعاون يناي مع القراصنة. فهؤلاء أضرّوا بالملاحة والتجارة وشاركوا في الحرب ضدّ رومة. ولمّا أُرسل بومبيوس إلى الشرق سنة 67 ق م، فقد أُرسل لمحاربتهم. ومن المعروف أنّ هركانس الثاني اتّهم أخاه أرسطوبولس أمام بومبيوس بأنّه يمارس القرصنة. وهكذا صار نشاط أرسطوبولس موازيًا لنشاط تغرانا ومتريداتيس عدويّ رومة. وقد بدأ بومبيوس فاحتلّ يافا المرفأ الرئيسيّ للحشمونيّين لأنّها كانت ملجأً للقراصنة.

4- إسكندر يناي
إنّ الحركة التي جذبت رومة إلى الشرق لقيت معارضة عند ملك يهوديّ هو إسكندر يناي، توجّه من نقطة ثقل جغرافيّة ودبلوماسيّة وإيديولوجيّة شرقيّة. ولهذا ذهب بومبيوس إلى الشرق من أجل مهمّة سياسيّة محدّدة: أن يحافظ على الحضارة الهلّينيّة بعد انهيار المملكة السلوقيّة. وعمل يناي ما في وسعه ليعيد فلسطين إلى الشرق. من أجل هذا كانت المواجهة محتمّة. استفاد بومبيوس من ضعف الدولة الحشمونيّة بعد موت إسكندر فاحتلّ البلاد بالسلاح، واحتلّها بالسياسة معيدًا بناء ما هدمه الحشمونيّون. وهكذا هيّأ بومبيوس الدرب لهيرودس. فتجذّرت رومة في أرض اليهود وما زالت تسيطر عليها بواسطة الملوك (مثل هيرودس) أو الولاة إلى أن تواجهت مع اليهود في سنوات 66- 70 و132- 135، فجعلت أرض يهودا مقاطعة رومانيّة، وسمّتها فلسطين ملغيةً التقاليدَ الوطنيّةَ القديمة.
وما حصل لفلسطين حصل لمصر البطالسة. وكان وضع اليهود المصرّيين مماثلاً لوضع اليهود الفلسطينيّين. أمّا اليهود العائشون في ظلّ الحكم الفراتيّ فلم تتبدّل ظروف حياتهم السياسيّة والاجتماعيّة. وهذا الفرق يفسّر الدور الذي ستلعبه بابل في مجمل العالم اليهوديّ بعد سحق الثورة الثانية، ثورة ابن الكوكب.

ج- المدن اليونانيّة
من نتائج هَلْيَنَةِ أرض اليهود كان تكاثر المدن اليونانيّة التي بناها خلفاء الإسكندر والبطالسة والسلوقيّون والرومانيّون. وسننطلق من خريطة مملكة الحشمونيّين، كما كانت عند موت إسكندر يناي سنة 76 ق م، لنتعرّف إلى هذه المدن الهلّينيّة.

1- المدن اليونانيّة في قبضة الحشمونيّين
حين مات يناي كان اليهود يملكون على البحر وفي السهل الساحليّ: برج ستراتون (أو قيصريّة)، أبولّونية (أو أرسوف)، يمنية، أزوت (أو أشدود) غزّة، أنتادون، رافية، رينوكوكور (أو العريش). كانت أدومية في قبضتهم مع أدورا ومريسة. وكان لهم في شماليّ يهودا السامرة وجبل الكرمل، تابور، سيتوبوليس، غابا، فيلوتارية. وتوسّعوا في شرقيّ الأردنّ على حساب الأنباط فكانت مدنهم: حشبون، مادبا، ليبا، أورونائيم، عجلائيم، أتونا، زارا. وفي بيره: بلاَّ ووادي الكيليكيّين وأماتوس التي دمرها إسكندر يناي. وفي جلعاد: جدارا، أبيلا، ديون. وفي الجولان: هيبوس، سلوقية، جمالة.

أوّلاً: شاطئ البحر والسهل الساحليّ
يافا
بدّلت قيادتها مرارًا من سنة 323 إلى مهنة 351. كانت مدينة يونانيّة. انتقلت إلى سلطة البطالسة من سنة 301 ق م إلى أنِ احتلّ أنطيوخس الثالث المنطقة (في بداية القرن الثاني ق م). هاجمها يهوذا المكابيّ (2 مك 12: 3- 7) وأخذها يوناتان. ضمّها عان سنة 142 ق م إلى الدولة اليهوديّة وحصّنها (1 مك 14: 25- 34)، فلعبت دورًا هامًّا على أيّام الحشمونيّين.

أزوت (أشدود. يش 11: 22)
مدينة فلسطيّة قديمة تبعد 4 كلم عن الشاطئ. كانت عاصمة محلّيّة وقلعة محصّنة إلى زمان الحشمونيّين. عادَتِ اليهودَ فسلب جوارَها يهوذا المكابيُّ (1 مك 5: 68) وأحرقَها يوناتانُ (1 مك 10: 84). احتلّها يوحنّا هركانسُ وضمّها إلى مملكته، أكثرُ سكّانها من اليهود. وظلّت الحال هكذا إلى أن جاء بومبيوس سنة 63 ق م.

دلتا (أو دور)
مرفأ فينيقيّ قديم يبعد 29 كلم إلى الجنوب من حيفا. كان في العهد الفارسيّ مدينة صيدونيّة مع مستوطنين يونانيّين. وامتلكت في الزمن الهلّينيّ مصنعًا للسفن وصارت قلعة منيعة. حاصرها أنطيوخس الثالث سنة 219 ق م فلم يقدر عليها. وفي سنة 139 ق م واجه فيها تريفون جيش أنطيوخس السادس سيداتيس (1 مك 15: 10- 14). صارت دورا مُلكًا لإسكندر يناي، ثمّ جزءًا من مملكته حتّى نهاية عهد الحشمونيّين. أقامت فيها جماعة يهوديّة في نهاية القرن الأوّل ب م.

أبولّونية
تبعد 15 كم عن يافا. أسّسها خلفاء الإسكندر. إحتلّها يوحنّا هركانس ثمّ إسكندر يناي. سمّيت كذلك بسبب التقابل بين أبولّون والإله راشفا.

برج ستراتون (قيصرّية)
هي مدينة ساحليّة تقع بين تلّ أبيب وحيفا، وقد دعيت قيصريّة في أيّام هيرودس الكبير. أسّسها ملك صيدونيّ اسمه ستراتون في العهد الفارسيّ. نجد أوّل ذكر لها في برديّات زينون. جاءها رجل الأعمال المصريّ الشهير. احتلها إسكندر يناي وظلت في قبضة الحشمونيين ما زالوا في الحكم.

يمنية (أو يبنة)
تبعد 19 كلم إلى الجنوب من يافا. كان فيها جماعة يهوديّة في زمن ثورة المكابيّين. هاجم يهوذا المكابيّ مرفأها وأحرق سفنها (2 مك 12: 8- 9). قاتل في جوارها يوناتان (1 مك 10: 69- 89) وسمعان (1 مك 15: 40- 16: 10). ولكن المدينة لم تسقط في قبضة اليهود إلاّ مع إسكندر يناي. كانت أكثريّة أهلها يهوديّة.

غزّة (يش 11 :22)
مدينة فلسطيّة تذكرها التوراة مرارًا. تبعد 72 كلم إلى الجنوب من يافا، و5 كلم عن البحر. احتلّها الإسكندر بعد حصار دام شهرين (332 ق م)، فكانت أقوى حصن على الشاطئ بعد صور. واحتلّها أيضاً أنطيغونيس سنة 315 ق م. كانت برج مراقبة للبطالسة إلى أن. احتلّها أنطيوخس الثالث سنة 198 ق م. أعاد بناءها وجعلها مدينة هلّينيّة عظيمة فازدهرت التجارة فيها، وكانت مرفأً لإدخال التأثير اليونانيّ على جنوبيّ فلسطين وتصدير البضائع الآتية في قوافل الأنباط.

أنتيدون
مدينة قريبة من غزّة معنى اسمِها: المدينة الزهرة. أسّسها الهلّينيّون واحتلّها إسكندر يناي في الوقت الذي فيه احتلّ رافية.

رافية
مذكورة في ترجوم أونكالوس وترجوم يوناتان المزعوم في تث 2: 23. مدينة قديمة تذكرها المصريّة (سيتي الأوّل) والأشوريّة. تبعد 35 كلم إلى الجنوب من غزّة. لعبت دورًا حربيًّا هامًّا خلال حرب خلفاء الإسكندر. أخذها أنطيغونيس سنة 306 ق م وفشل في الاستيلاء عليها أنطيوخس الثالث سنة 217 بعد أن دافع عنها بطليموس الرابع. في رافية تمّ الزواج بين بطليموس الخامس إبيفانيوس وكليوبترة، شقيقة أنطيوخس الثالث، سنة 193 ق م. سيحتلّ رافية إسكندر يناي سنة 96 ق م.

أشقلون (قض 1: 18)
كانت المدينة الوحيدة التي لم تسقط في قبضة إسكندر يناي الحشمونيّ. هي مدينة فلسطيّة ساحليّة، تبعد 19 كم إلى الشمال من غزّة. تحدّثت عنها لوحات تلّ العمارنة والتوراة وهيرودوتس، المؤرّخ اليونانيّ. كانت مُلك البطالسة في القرن الثالث ق م فأقامت فيها جالية يهوديّة. احتلّها أنطيوخس الثالث وجعلها مركز الحضارة الهلّينيّة. رفضت أن تدخل بالسلم في مملكة الحشمونيّين، وفشل يوناتان مرّتين أمام أسوارها. لما ضعف الحكم السلوقيّ أعلنت استقلالها سنة 104 ق م فعاشت عصرها الذهبيّ.

ثانيًا: أدومية
أدورا (أدورائيم: 2 أخ 11: 9)
من أهمّ مدن أدومية. تبعد 8 كلم إلى الجنوب الغربيّ من حبرون. زارها زينون سنة 209. احتلّها يوحنّا هركانس مع مريسة وكلّ أدومية. جعل فيها القنصل الروماني مجلسًا مواليًا له، ولكنّ المدينةَ حافظت على طابعها اليهوديّ حتّى نهاية ثورة ابن الكوكب.

مريسة (مريشة: يش 15: 44)
كانت مستوطنةً صيدونيّة في أيّام الفرس والهلّينيّين، ومركزًا إداريًّا (كما تقول برديَّات زينون). أمّا مجمل سكّانها فكانوا من الأدوميّين. انطلقت منها جيوش السلوقيّين لتحارب يهوذا المكابيّ، فاجتاحها يهوذا (1 مك 5: 66، 2 مك 12: 35). واحتلّها يوحنّا هركانس مع أدومية كلّها.

ثالثًا: شماليّ يهودا
السامرة
هَلْيَنَها الإسكندرُ الكبير ووطّن فيها 6000 مكدونيّ ليقمع الثورة فيها. احتلّها أبناء يوحنّا هركانس سنة 107 ق م ودمّروها تدميرًا كاملاً.

إيتابيربون
هذا هو الاسم اليونانيّ لجبل تابور. كانت مركَزًا إداريًّا معروفًا وقلعة هلّينيّة وإحدى عواصم الجليل. احتلّها أنطيوخس الثالث سنة 218 ق م. وبعد قرن من الزمن صارت في قبضة الحشمونيّين.

سيتوبوليس (بيت شان: يش 17: 11)
مدينة من غربيّ الأردنّ تقع جنوبيّ بحر الجليل. امتلكها البطالسة في القرن الثالث ق م، ثمّ انتقلت إلى الحكم السلوقيّ حوالي سنة 200 ق م، فبدت مدينة يونانيّة حقيقيّة في أيّام أنطيوخس الرابع (175- 164 ق م). تذكر المراجع أنّها كانت مدينة وثنيّة ولكنّها لم تضمر العداء ليهود (2 مك 12: 29- 31). احتلّها أبناء يوحنّا هركانس سنة 107 ق م، وحَسَّنها إسكندر يناي، وجعلها مركزا إداريًّا هامًّا.
فيلوتارية
اسمها العربيّ خربة الكرك (يقابل بيت يارح). مدينة كنعانيّة على شاطئ بحر الجليل. كانت مَيْتَةً حتّى العهد الفارسيّ وقامت في العهد الهلّيني فكانت مركز البطالسة. احتلّها أنطيوخس الثالث سنة 200 ق م ثمّ إسكندر يناي.
رابعًا: شرقيّ الأردنّ
حشبون (عد 21: 26)
مدينة موآبية في شرقيّ الأردنّ تبعد 30 كلم إلى الشرق من أورشليم. احتلّها يوحنّا هركانس في بداية عهده وجعلها إسكندر ينال من مملكاته. أمّا هركانس الثاني فقدّمها إلى ملك الأنباط الحارث الثالث. ارتبط مصير حشبون بمصير مادبا. وهي مدينة موآبيّة مجاورة.

بلا
مدينة قديمة جدًّا تقع شرقيَّ الأردنّ وتبعد 13 كلم عن بيت شان. يبدو أنّ الإسكندر أسّسها وأعطاها اسم مدينة مكدونيّة: بلا. احتلّها أنطيوخس الثالث ثمّ دمَّرها إسكندر يناي.

ديون (اسم مدينة مكدونيّة)
مدينة قريبة من بلا قد يكون أسّسها إسكندر المقدونيّ. احتلّها إسكندر يناي.

جراسا (جرش الحديثة)
تذكرها كتابة وجدت لدى الأنباط. مدينة شرق أردنيّة قديمة جدًّا. تقع شمالي نهر يبوق وتبعد 55 كلم إلى الجنوب الشرقيّ من بحر الجليل. أسّس المدينةَ الجديدة الإسكندر بواسطة فرديكاس، باني مدينة السامرة أو سبسطة، (له تمثاله الذي يعود إلى القرن الأوّل ق م). احتلّها إسكندر يناي في نهاية عهده.

أبيلا
يذكر المؤرّخ بوليبيس هذه المدينة التي احتلّها أنطيوخس الثالث مع جدارا قريبتها سنة 218 وسنة 200 ق م. تبعد 15 كم إلى الشمال الشرقيّ من جدارا وإلى الغرب من اليرموك. احتلّها إسكندر يناي.

جدارا
مدينة ترتفع 364 م فوق سطح البحر فتساعدنا على رؤية بحر الجليل ووادي الأردنّ والجليل وجبل حرمون. كانت قلعة مهمّة، ولهذا استغرق حصارها عشرة أشهر على يد إسكندر يناي. كانت مركَزًا هلّينيًّا مهمًّا. وفيها ولد الشاعران ملياجريس وفيبوس والفيلسوف فيلوديموس.

هيبوس
مدينة يونانيّة تقع على الشاطئ الشرقيّ لبحر الجليل وتبعد 30 ميلاً إلى الشرق من طبريّا. معنى اسمها اليونانيّ الفَرَس وهي تقابل الآراميّة سوسيتا المذكورة في النصوص الرابانية كمدينة وثنيّة في فلسطين. عرفت رسميًّا: أنطاكية قرب هيبّوس، وهذ يدلّ على ارتباطها بالسلوقيّين. احتلّها إسكندر يناي.

أماتوس (تلّ عماتا)
تبعد بضعة كلم عن موضع التقاء اليبوق بالأردنّ، أقوى قلاع شرقيّ الأردنّ. احتلّها إسكندر يناي ودمّرها.

خامسًا: سياسة بومبيوس: تأهيل المدن اليونانيّة
حين وضع بومبيوس حدًّا للحكم الحشمونيّ سنة 63 ق م، أخذ يعيد تنظيم المناطق التي أخضعها تنظيمًا سياسيّا، ولكن قبل ذلك أعاد بناء ما هدمه الحشمونيّون، ولا سيّما يوحنّا هركانس وإسكندر يناي. حرّر السامرة ومدن الساحل وشرقيّ الأردنّ من قبضة اليهود، وضمّها إلى مقاطعةِ سورية. بدأ بومبيوس بالبناء، وأتمّ العمل كابينيوس، الحاكم الرومانيّ في سورية من سنة 57 إلى سنة 55 ق م. ومن نتائج عمل البناء هذا تنظيم ديكابوليس أو المدن العشر المذكورة في يوسيفوس وبلينوس والأناجيل. (مر 5: 20). كلّ هذه المدن كانت في شرقيّ الأردنّ ما عدا سيتوبوليس التي كانت متّصلةً بالسامرة ومدنِ الساحل. ممّ تألّفت المدن العشر أو ديكابوليس؟ دمشق، فيلدلفية (أو عمّان)، رافانة، سيتوبوليس، جدارا، هيبّوس، ديون، بلاّ، جراسا، كاناتا. وفي أيّام أدريانس، كانت أبيلا إحدى المدن العشر وسيتوسّع هذا الحلف فيضمّ في القرن الخامس ب م 14 أو 18 مدينة. كان له استقلال داخليّ والحقُّ في أن يصكّ العملة. وكان هدف بومبيوس من تنظيم هذا الحلف هو قطع الطريق عن الاتّصال بين العرب واليهود المعارضين لسياسة رومة.
نمت الحضارة الهلّينيّة في المدن العشر التي أنبتت رجالاً عظامًا. من جدارا: تيودورس، معلّم الإمبراطور طيباريوس، منيفيس، الشاعر الكلبيّ (سينيك)، أونوماوس الرواقيّ، ملياجريس الشاعر. ومن جراسا إسطفانس المؤرّخ، أفلاطون البليغ، نيكوماك الفيلسوف. من بلاّ: أرسطو البليغ. من دمشق: المؤرّخ نقولاوس الذي كان صديق هيرودس ومستشاره.
الفصل الرابع
فلسطين: الإطار الاقتصايّ والاجتماعيّ
والكلمة صار جسدًا، وسكن بيننا (يو 1: 14)، تشبّه بنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة. أجل، لم يكن يسوع كائنًا مجرّدًا من كلّ صلة بالأرض فشُبّهَ عَلَيْنَا بهِ، بل صار إنسانًا مثل جميع الناس وعاش في بيئة خاصّة معيّنة، هي أرض فلسطين. كان يهوديًّا وهو الذي ولد في بيت لحم، القريبة من أورشليم، وقضى قسمًا من شبابه في الناصرة، من مقاطعة الجليل. ولد في وقت محددّ من تاريخ الكون، يوم كان أغوسطس قيصر إمبراطورًا على رومة، وهيرودس ملكًا على اليهوديّة، ومات في زمن طيباريوس، خليفة أغوسطس، ويوم كان بيلاطس البنطيّ حاكمًا على اليهوديّة باسم رومة.
يسوع هو ابن بيئة يهوديّة شرقيّة، وابن عصره. وتأثّر بجغرافيّة بلاده وتاريخها ومدنيّتها وثقافتها، وخضع لشرائعها الاقتصاديّة وقاسى من صراعاتها السياسيّة وشارك شعبه في آلامه وآماله. من أجل كلّ هذا سنتعرّض للظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والتاريخيّة التي أثّرت على يسوع إبّان حياته على الأرض. لا شكّ في أنّنا لن نجد في هذه الظروف الجواب الكامل لما كان عليه يسوع المسيح الذي هو إله وإنسان معًا، ولكنّنا، إذ نتعرّف إلى هذه الظروف سينكشف لنا بطريقة أجلى وأوضح أيّ جديد جاء به يسوع عبر شخصه وتعليمه. كلّنا يعرف أنّ يسوع ولد في مذود، وأنّه علّم عند شاطئ البحيرة وأنّه مات صلبًا في أورشليم، ولكنّنا سنحاول أن نغوص في هذا الإطار الشرقيّ الذي عاش فيه والمدنيّة اليهوديّة التي سكب فيها تفكيره. وحيئنذ تتّخذ صفحات عديدة من الإنجيل نكهة جديدة، ويبدو لنا وجه يسوع الإله الإنسان في ضوءٍ جديد لم نكن لنعهده من قبل.
في حديثنا عن فلسطين حيث عاش يسوع سنتطرّق في قسم أوّل إلى هذه الأرض من الوجهة التاريخيّة والجغرافيّة والاقتصاديّة، ثمّ نتعرّف إلى الحياة الدينيّة بأزمانها وأعيادها، وننهي بنظرة شاملة إلى المجتمع اليهوديّ بوجهاته المتعدّدة.

الجزء الأوّل: فلسطين في تاريخها وجعرافيّتها واقتصادها
لا نستطيع أن نتحدّث عن فلسطين، ولا عن لبنان وسورية، في أيّام المسيح، بطريقة مجرّدة، لأنّ هذه البلدان وغيرها ارتبطت سياسيًّا برومة على مدى قرون عديدة. لهذا سنتحدّث أوّلاً عن إمبراطوريّة رومة ثمّ نعود إلى الكلام على علاقة فلسطين برومة وننهي بالحديث عن جغرافيّتها واقتصادها.

1- إمبراطوريّة رومة
تاريخ فلسطين جزء من تاريخ رومة، وها نحن نستعرض سريعًا الوضع السياسيّ والجغرافيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ لإمبراطوريّة اتّسعت فأحاطت بالبحر المتوسّط إحاطة كاملة وامتدّت من أقصى الشرق المتمدّن إلى الغرب الذي يحدّه نهر الرين في الشمال والدانوب في الشرق.

1- الوضع السياسيّ
منذ القرن الأوّل ق م كانت رومة سيّدة البلدان المحيطة بالبحر المتوسّط، ولكن من أين لهذه المدينة أن تدير شؤون إمبراطوريّتها الواسعة؟ بدأت فأرسلت رجالاً يحكمون البلدان باسمها، ولكنّ هؤلاء الحكّام سعَوا إلى مصالحهم ومصالح رومة على حساب ازدهار المقاطعات التي تَوَلَّوها. فعادت رومة فأرسلت قوّادًا عسكريّين، ولكنّ هؤلاء القوّاد تمرّدوا على مجلس الشيوخ وتناحروا وتخاصموا. فانتصر يوليوس قيصر على بومبيوس في معركة فارساليس، ولكنّ أعضاء الحزب الجمهوريّ اغتالوه ليأمنوا استئثاره بالحكم. فقام ابنه بالتبنيّ، أوكتافيوس، وانتصر على خصمه مرقس أنطونيوس في معركة أكسيوم (في اليونان) سنة 31 ق م واتّخذ لنفسه اسم أغوسطس (أي المعظّم) وحكم الإمبراطوريّة الرومانية سنوات عديدة من دون منازع وفي أيّامه ولد السيّد المسيح.
نظّم أغوسطس إدارة الإمبراطوريّة فترك لمجلس الشيوخ الاهتمام بالمناطق التي يسودها السلام وترك لنفسه المناطق النائية يرسل إليها نائبًا أو واليًا. تلك كانت حالة منطقة الألب الفرنسيّة أو مقاطعة اليهوديّة التي سيدير أمورها بنسيوس بيلاطس (البنطي) الوالي الرومانيّ... وبعد ذلك اتّخذ أغوسطس لقب "الحبر الأعظم" وأعلنه الشعب أبًا للبلاد يرعى أموره كالأب لأبنائه. وبعد موته انتقلت صلاحيّاته إلى ابنه طيباريوس الذي حكم من سنة 14 ب م إلى سنة 37، وفي أيّامه امتدّت حياة يسوع العلنيّة، وباسمه، وإن بطريقة ضمنيّة حكم بيلاطس على يسوع بالموت صلبًا. وسيأتي من أباطرة الرومان كاليغولا وكلوديوس وخاصّة نيرون (54- 68) الذي عرف عهده حريق رومة، واستشهاد الرسولين بطرس (64 ب م) وبولس (67 ب م) وبداية الثورة اليهوديّة على رومة. ونذكر أخيرًا فسباسيانس الذي سحق ثورة يهوديّة أولى ودمّر مدينة أورشليم وأحرق هيكلها سنة 70 ب م، وادريانس الذي سحق ثورة يهوديّة ثانية بقيادة ابن الكوكب فأنهى بذلك كلّ وجود سياسيّ لبني إسرائيل في أرض فلسطين.
كان عهد أغوسطس عهد خير وازدهار فعّم الكونَ السلامُ الآتي من رومة، ورأى الشعراء أنّ عصرًا ذهبيًّا بدأ وهو يبشّر الناس بالسعادة والرفاهِيَة. ولقد وُجِدَتْ كتابةٌ في آسية الصغرى (تركيا الحاليّة) في السنة التاسعة ق م، نقرأ فيها: "ليعتبرْ كلّ واحدٍ حدثَ مولدِ أغوسطسَ أصلَ حياته ووجوده، ولا يندمْ أحد لأنّه ولد في هذا الزمان. فالنهاية زيّنت حياتنا البشرية فأعطتنا أغوسطس وسَكَبَتْ عليه كلّ المزايا ليكون المحسن إلى البشريّة ومخلّصَنا نحن، بل مخلّص من سيأتون بعدنا. أما أنهى حالة الحرب وجعل الأمان يسود في كلّ مكان؟ إنّ يوم ولادته كان بداية البشائر الصالحة التي حصلنا عليها بواسطته".
ولكنّ المسيحيّين سيسمعون بشرى أخرى في ليلة ميلاد يسوع، ملك الملوك وربّ الأرباب، يسمعونها على لسان الملاك: "أبشّركم بخبر عظيم يفرح له جميع الشعوب: ولد لكم اليوم في مدينة داود، مخلّص هو المسيح الربّ" (لو 2: 10- 11). هذا الملك الجديد هو من نوع لا يعرفه البشر (يو 18: 33 ي). سيخاف منه هيرودس ويحاول قتله مع كلّ طفل في بيت لحم وجميع أراضيها (مت 2: 16- 17).

2- الوضع الجغرافيّ والاجتماعيّ
يوم مات أغوسطس كانت الإمبراطوريّة الرومانيّة قد بلغت أقصى حدودها، فوصلت في الغرب إلى إسبانيا والبرتغال بعد أن تغلّبت على هنيبعل القرطاجيّ (218- 201 ق م)، وفي عهد يوليوس قيصر تمّ احتلال فرنسا وقسمٍ من ألمانيا وتثبّتت الحدود على نهر الرين (58- 50 ق م). وفي شرقيّ أوروبا وصلت تخوم الإمبراطوريّة إلى نهر الدانوب ثمّ امتدّت إلى البلقان. ودخلت رومة آسية الصغرى سنة 133 ق م يوم سلَّم اليها اتاليس البرغامي مملكته فصارت مقاطعة رومانية، واحتلّ بومبيوس سنة 64 ق م سورية ومدّ حدود الإمبراطوريّة إلى الفرات، ثمّ أتبع دويلة فلسطين (63 ق م) بمقاطعة سورية ثمّ ضُمَّتْ إلى الإمبراطوريّة منطقةُ شرقيّ الأردنّ والجزيرة العربيّة. أمّا مصر فكانت مملكة خاصّة للإمبراطور يتولاها بنفسه وبمن يرسل إليها من حكّام.
هذه الإمبراطوريّة الواسعة كان يسكنها ما يقارب الخمسين مليون نسمة. أمّا أكبر المدن فكانت رومة (مليون نسمة تقريبًا) والإسكندريّة (700000 تقريبًا) وأنطاكية (300000)، وأمّا الجيش فوصل تعداده إلى 350000 أو 400000 جندي. توزّع سكّان هذه الامبراطوريّات إتنيّات مختلفة ومدنًا متعدّدة فكان منهم الألمانيّ والإسبانيّ والأفريقي والمصريّ والفراتيّ والفينيقيّ والعبرانيّ، وانقسموا فئاتٍ اجتماعيّةً كما فرزتهم رومة. فهناك الأحرار الذين يتمتّعون بكلّ الحرّيّات. وهناك الغرباء الذين يتنقلّون بحكم عملهم وتجارتهم من مكان إلى آخر دون أن تكون لهم حقوق أهل البلاد، وهناك العبيد الأرقّاء، وكانوا يُعَدُّون بالملايين، الذين يعملون في الحقول والبيوت والمناجم... وثورة العبيد بقيادة زعيمهم سبارتاكوس مشهورة وقد هدّدت يومًا رومة في كِيانها.

3- الوضع الاقتصادي
معلوماتنا عن الوضع الاقتصاديّ في الإمبراطوريّة الرومانيّة في عهد المسيح ضئيلة جدًّا، ولكنّنا نورد بعض السمات العامّة.
أساس الاقتصاد هو الزراعة وتربية الحيوان. تزرع الحبوب والخضار وتنصب الكروم وأثمار الزيتون، ويربّى الحيوان للحمه أو لفائدته في وسائل النقل خلال السلم والحرب. ويرافق الزراعةَ العملُ الحِرَفيُّ من نسيج ثيابٍ وطَرْقِ معادنٍ وشُغْل في الفخّار والخَزَف.
أمّا التبادل التجاريّ فنه الضيّق بين قرية وقرية، أو بين الريف والمدينة، ومنه الواسع بين الأقطار البعيدة ورومة. فالغرب يصدِّر المعادن، من بريطانيا القصدير والرصاص، من إسبانيا النحاس والحديد والذهب، من إيطاليا واليونان الرخام. وأرسلت إفريقيا الشماليّة الزيت والزيتون إلى رومة، وصقلّيةُ القمحَ، والشرقُ الحريرَ واللآلىءَ والحجارة الثمينة والبخور...
طريق البحر أقرب الطرق وأسرعها وأقلّها كلفةً لنقل هذه البضائع من قطر إلى آخر. تنطلق السفن في بداية آذار، وتُوسعتُ رَحَلاتِها في نهاية تشرين الثاني، فبين آذار وتشرين الثاني تكون الرياح منتظمةً للسفن الشراعيّة والبحرُ هادئًا إجمالاً وأخطار العواصف قليلةً. يورد شيشرون الخَطِيبُ الرومانيّ، أنّ السفينة تحتاج إلى خمسة أو ستة أسابيع لتجتاز المسافة بين تركيا وإيطاليا، ولكنّ بعض السفن استطاع اجتياز المسافة بين الإسكندريّة ورومة في تسعة أيّام. ويروي يوسيفوس المؤرّخ اليهوديّ، أنّ تيطس، الإمبراطور الرومانيِّ فيما بعد، أفكر بدون صعوبة خلال الشتاء ليقدّم تهانيَه للإمبراطور كلبا. أمّا القدّيس بولس فلم يحالف سفينته الحظّ في شهر أيلول: عرفت الرياح المضادّة لها منذ شواطئ آسية الصغرى وظلّت الأمواج تتقاذفها مدّة أربعين يومًا إلى أن تحطّمت على شاطئ مالطة (1 ع 27: 1 ي).
أمّا في البرّ فقد نظمت الدولة الرومانيّة شبكة من الطرق الستراتيجيّة المبلّطة بالحجارة (لا تزال آثار بعضها على الحدود بين سورية وتركيا). على هذه الشرق تمرّ الجيوش. والبريد الملكيّ يربط أقطار المملكة من أقصاها إلى أقصاها بسرعة كبيرة. هناك مكانٌ لتبديل الأحصنة، ونَزْلٌ للمسافرين، ولكن يجدر القول إنّ هذه التسهيلات كانت وقفًا على رجال الدولة والميسورين من الناس.

ب- فلسطين وعلاقتها برومة
كانت فلسطين كما قلنا، جزءًا من الإمبراطوريّة الرومانيّة. فكيف توصّل الرومان إلى تثبيت أقدامهم فيها. وما هي الوسائل التي توسّلها هيرودس ليكون ملكًا عليها، وبأيّة طريقة حكمت رومة شعبًا سيثور عليها فيما بعد ولكن لهلاكه؟

1- دخول رومة إلى فلسطين
امتدّت رومة تدريجيًّا إلى الشرق ووصلت إلى أرض فلسطين سنة 64 ق م مع القائد الرومانيّ بومبيوس، فكيف كان الوضع السياسيّ آنذاك، وكيف تعاملت رومة مع الشعب اليهوديّ؟

أوّلاً: الوضع الجغرافي والسياسيّ
يرجع أوّل اتّصال بين اليهود ورومة إلى القرن الثاني ق م، يوم بدأت رومة تتدخلّ في سياسة الشرق المتقلقل. فالصراع قائم بين الذين ورثوا مملكة الإسكندر الكبير، بين اللاجيّين الحاكمين في مصر والسلوقيّين الحاكمين في أنطاكية والذين اتّسع نفوذهم من آسية الصغرى حتّى نهر الهندوس في الهند.
في هذا الوضع تمتّعت فلسطين بأهمّيّة كبيرة، لأنّها تشكّل مع سهل البقاع "سورية الجوفاء" التي كانت ممرًّا للجيوش والغزاة، فكانت موضوع تنازع بين اللاجيّين والسلوقيّين. بعد موت الإسكندر كانت فلسطين خاضعة للاجيّين. ولمّا انتصر أنطيوخس الثالث على بطليمس الخامس خضعت لسلطان السلوقيّين. ثمّ حاول أنطيوخس الرابع أبيفانيوس أن يصهر كلّ أمم مملكته في بوتقة الثقافة الهلّينيّة، ومنها الأمّة اليهوديّة فوالاه من والاه وعارضه الآخرون معارضة تجسّدت في ثورة المكابيّين.
ولكنّ رومة لم تكن غائبة عمّا يجري في الشرق، انتصرت على السلوقيّين وفرضت على أنطيوخس الثالث غرامة حربيّة باهظة سنة 189 ق م في معاهدة أفامية. ثم احتلّت مكدونية سنة 167 ق م وأخذت تقف في وجه المدّ السلوقيّ داعمة الدول الضعيفة في المنطقة، فاستقبلت مثلا وفدًا يهوديًّا أرسله يهوذا المكابيّ باسمه (1 مك 8: 1 ي). وفي بداية القرن الأوّل ق م حاربت ميتريداتيس، ملك البنطس (شواطئ آسية الصغرى الشماليّة)، بواسطة بومبيوس، الذي استفاد من تفكّك المملكة السلوقية فضمّ إلى رومة أرض أنطاكية وجعل من سورية مقاطعة رومانيّة.
واستفاد بومبيوس من الخلاف المستشري بين الأمراء الحشمونيّين (أي سلالة المكابيّين) ليتدخّل في فلسطين. ففي سنة 64 ق م تخاصم على الحكم هركانس الثاني وأخوه أرسطوبولس، فأرسل بومبيوس سفيرًا من قبله ليستطلع الأمور، ثمّ استقبل ثلاثة وفود: واحد من قبل هركانس وآخر من قبل أرسطوبولس وثالث من الشعب اليهوديّ. ولمّا وعده أرسطوبولس بتسليم أورشليم وأخلف بوعده، زحف بومبيوس فاحتلّ أورشليم وقطع رأس المقاومين فيها وفرض على المدينة جزية باهظة. أقام هركانسَ ملكًا على أورشليم واقتاد أرسطوبولسَ وابنيه أسرى إلى رومة، ثمّ اقتطع بعض مدن اليهوديّة وألحقها بمقاطعة سورية الرومانيّة.
ثانيًا: رومة والشعب اليهوديّ
كان همّ رومة أن تحميَ حدودها البعيدة من هجمات المهاجمين، فلجأت إلى شعوب تحمي هذه الحدود كاليهود والأرمَن وبعض العرب. من أجل هذا، أصدرت مثلاً قراراتٍ لمصلحة اليهود فأمّنت لهم وضعًا خاصًّا داخل المملكة الرومانيّة. فيوليوس قيصر أراد أن يكافئ هركانس الثاني على المساعدة التي قدّمها له خلال حربه مع بومبيوس، فجعله رئيس أمّة اليهود، وجعل له هذه الرئاسة وراثية لابنه بعده، ثمّ أعفى اليهود من واجب استقبال الجنود الرومان في الشتاء، ولم يفرض عليهم ضريبة مقابل هذا الإعفاء. وفي قرار لاحق أعفى اليهود من الضرائب في السنة السبتيّة (تعود كلّ سبع سنوات)، كما أعفاهم من الخدمة العسكريّة المفروضة على كلّ مواطن رومانيّ (هم لا يعملون يوم السبت ويمتنعون عن بعض المأكولات).
ومع بداية العهد الإمبراطوريّ (27 ق م) تبنّت السلطة الرومانيّة حقّ اليهود في دفع الدرهمين من أجل صيانة الهيكل والعناية به، بل ساعدت اليهود أيضاً على بناء مجامعَ لهم في مدن آسية الصغرى، وسمحت لهم بالاحتفال بيوم السبت وتنظيم أسواق خاصّة يبتاعون فيها الأطعمة التي لا تُحَرِّمُها الشريعة.
هذا الوضع الذي سمح لليهود بأن يكون لهم ديانةً خاصّة داخل الديانة المفروضة على كلّ المواطنين في المدينة أو في الإمبراطوريّة، استفاد منه المسيحيّون لأنّ الناس اعتبروا المسيحيّة في بداية عهدها شيعة يهوديّة. ولكن لمّا تمّ الانفصال عن الديانة اليهوديّة، حُسبت الديانة المسيحيّة مجموعة خرافات واضطهدت السلطةُ الرومانيّة الذين يدينون بالمسيحيّة. واعترفت رومة بسلطة رئيس الكهنة على كلّ اليهود، حتّى المشتّتين في مدن الشرق، فارتبطوا بالحقّ الرومانيّ من جهة، وخضعوا لمملكة رئيس الكهنة وقراراته من جهة ثانية. هذا ما يفسّر لنا بعض الوجهات من محاكمة بولس الرسول. 
فهو كيهوديّ تحاكمه محكمة يهوديّة، ولكنّه كمواطن رومانيّ يرفع دعواه إلى قيصر فلا يعود للمحكمة اليهوديّة من سلطة عليه. قال بولس: "إلى قيصر أرفع دعواي". فأجاب فستس الحاكم: "رفعت دعواك إلى قيصر، فإلى قيصر تذهب" (أع 25: 12).

2- هيرودوس ملك على اليهوديّة
إنّ الحرب الأهليّة التي وقعت بين القائدين الرومانيّين بومبيوس ويوليوس قيصر جعلت سلالة الحشمونيّين تختفي وتحلّ محلّها سلالة هيرودوس.

أوّلاً: صعود نجم هيرودس
منذ سنة 49 ق م أراد يوليوس أن يستفيد من أرسطوبولس الثاني (من سلالة الحشمونيّين) ليحارب به محازبي بومبيوس، ولكنّ أصحاب بومبيوس جعلوا سمًّا في طعام أرسطوبولس وقطعوا رأس ابنه في أنطاكية. ولمّا انتصر يوليوس على بومبيوس في معركة فارسالس، انضمّ هركانس ووزيره أنتيباتريس إلى سيّد رومة الجديد مع ثلاثة آلاف من جنوده وعدد كبير من يهود مصر. من أجل هذا أعلن قيصر قراره الملائم لمصالح هركانس واليهود سنة 47 ق م. ولكنّ السلطة الفعليّة كانت بيد أنتيباتريس الذي عيّن ابنه فاسائيل قائدًا على جيش أورشليم، وهيرودوس على مقاطعة الجليل. وامتدّ سلطان هيرودس على سورية الجوفاء في عهد كاسيوس القائد الرومانيّ، بل صار أيضاً أمير الربع في عهد مرقس أنطونيوس، مزاحم أغوسطس. في سنة 40 ق م حاول أنطيغونيس بن أرسطوبولس أن يستوليَ على الحكم بواسطة الفراتيّين، ولكنّ هيرودس لجأ إلى أرض الأنباط ثمّ ذهب إلى رومة غير عابىء بعواصف البحر في الخريف، فدافع عن حقّه أمام أنطونيوس وأوكتاقيوس فأعطياه لقب "الملك".
عاد هيرودس إلى البلاد سنة 39 مستندًا إلى رومة، فجهّز جيشًا استعاد بواسطته كامل مملكته واحتلّ أورشليم حيث كان أنطيغونيس فسلّمه إلى الرومان الذين قطعوا رأسه. ولمّا جاء مرقس أنطونيوس إلى الشرق وقدم لكليوبترة، ملكة مصر، الشاطىء السوري الفلسطينىّ وسورية الجوفاء وقبرص كيليكية (تلك كانت تخصّ مملكة اللاجيّين)، أُجبر هيرودس على التعامل مع سيّده الجديد فأرسل إليه المال والمؤن. ولكن بعد هزيمة أنطونيوس في أكسيوم سنة 31 ق م ذهب إلى أوكتاقيوس وأدّى خضوعه لسيّد رومة الجديد معلنًا أنّ علاقته برومة هي هي لا تتبدّل.

ثانيًا: سياسة هيرودس
كان هيرودس أميرًا هلّينيًّا من أصل عربيّ ولا يرتبط بسلالة الحشمونيّين، لهذا لم يرضَ عنه اليهود الأتقياء. أبوه من أدوم (أنتيباتريس) وأمّه من الأنباط. فالأدوميّون شعب يعيش جنوبيّ اليهوديّة أجبروا على اعتناق الدين اليهوديّ في عهد هركانس الثاني سنة 126 ق م لها اعتبروا يومًا من اليهود الحقيقيّين. من أجل هذا، لم يتسلّم هيرودس رئاسة الكهنة، كما فعل الحشمونيّون قبله، بل جعلها في يد أناس ضعفاء. ثمّ تزوّج مريمة، حفيدة أرسطوبولس بأبيها وهركانس الثاني بأمّها ليعطي لسلطته صفة الشرعيّة في نظر اليهود. أمّا في السياسة فعمل كلّ ما استطاعه إرضاء لرومة ولكنّه لم ينسَ اليهود المقيم بينهم.
من أجل أغوسطس أعاد بناء السامرة وسمّاها سبسطة (الترجمة اليونانية لكلمة أغوسطس) وأسّس مدينة على برج ستراتون سمّاها قيصريّة (نسبة إلى قيصر لقب أغوسطس). وإكرامًا لأغوسطس نظّم ألعابًا على غرار الألعاب الأولمبيّة مرّة كلّ أربع سنوات في قيصرِّية وفي أورشليم. وبني قرب أريحا مدينة أنتيباتريس على اسم أبيه، وفاسييليس على اسم أخيه، ورممّ الحصون العديدة وشيّد القصور في هيروديوم وماخيرس. ثمّ أحاط نفسه بعلماء أمثال نقولاوس الدمشقيّ الذي لم يحفظ لنا التاريخ شيئًا من كتاباته.
ومن أجل اليهود أسرع في بناء الهيكل وتزيينيه، فعلّم ألفًا من اللاويّين فنّ البناء ليقوموا بالعمل فلا يتنجّس المكان المقدّس الخاصّ بالكهنة. ولكنّه كان قاسيًا مع الفرّيسيّين فقمع فتنة قاموا بها سنة 25 ق م، ولم يكن سهلاً مع الصّادوقيّين.
في أيّامه انتعش الاقتصاد، فالقرصنة على البحر زالت بفضل سياسة رومة، واللصوصيّة تلاشت بفضل هيرودس الذي فرض الأمان داخل البلاد، وانفتحت فلسطين على البحر المتوسّط بسبب وجود مرفأ قيصرّية. واهتمّ هيرودس بالعِباد فباع آنية الفضّة والذهب ليشتريَ الحبوب لإطعام الناس في مجاعة حدثت سنة 25 ق م، ثمّ خفّف الضرائب مرّة أولى ومرّة ثانية ولكنّ نهاية عهده كانت مريرة. إختلف ابناه، الإسكندر وأرسطوبولس، فأمر أغوسطس بعقد محكمة في بيروت قضت بقتل ابنيه وثلاثمائة من محازبيهما سنة 7 ق م. وثار ابنه الثالث، أنتيباتريس عليه فأرسله والده مقيّدًا إلى رومة.
مات هيرودس في السنة الرابعة ق م، ولكنّه نظّم خلافته قبل موته. قدّم لأرخيلاوس اللقب الملكيّ وسلّطه على اليهودية والسامرة وأدومية، وجعل أنتيباس تترارخسًا (أي أمير ربع) على الجليل والبيره، وفيلبّس على الجولان ومقاطعة بانياس عند منبع الأردنّ. ولكنّ أرخيلاوس حكم بالعنف وقمع بوحشيّة ثورة الفرّيسيّين عليه، فأمر أوغسطس بإرساله إلى المنفى في السنة السادسة ب م وسلّم مملكته إلى حاكم تعيّنه رومة.

3- نظام الحكم الرومانيّ في فلسطين
"في السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيباريوس، وإذْ كان بيلاطس البنطيّ حاكم اليهوديّة، وهيرودس أمير الربع على الجليل... ألقي كلام الله إلى يوحنّا بن زكريّا..." بهذا الكلام يبدأ القدّيس لوقا (3: 1- 2) حديثه عن حياة يسوع العلنيّة، فيُعْلِمُنا بأنّ سيّد الإمبراطوريّة في ذلك الزمان كان طيباريوسَ خلفَ أوغسطس، وأنّ حاكم اليهوديّة باسم رومة كان بنسيوس بيلاطس، وأنّه كان هناك أمراء محلّيّون يحكمون ما نسميّه اليوم أرض فلسطين وشرقيّ الأردنّ وبعض سورية. مركز الثقل في البلاد هو أورشليم يتولّى الأمر فيها حاكم رومانيّ، بينما ظلّت المناطق الحدوديّة (الجليل، شرقيّ الأردنّ) بيد أمراء من سلالة هيروديس، وستظلّ الحالة على هذا المنوال إلى سنة 66 ب م يوم بدأت ثورة اليهود العظمى التي انتهت بدمار أورشليم وحرق هيكلها سنة 70 ب م. 
من هو الحاكم؟ موظّف يرتبط مباشرة بالإمبراطور الذي يختاره من جماعة الأشراف وتدفع له رومه راتِبًا معيّنًا. الحكّام عديدون ولكلّ دوره ومركزه. أمّا حاكم اليهوديّة فيرتبط مباشرة بحاكم مقاطعة سورية. كان لحاكم اليهوديّة قوّة هي أقرب إلى الشرطة منها إلى الجيش ترافقه في تحرّكاته بين قيصريّة وأورشليم، أمّا حاكم سورية فكان له جيش من الفيالق الرومانيّة والمساعدين يصل عدده إلى 36000 جنديّ يقيمون في غربيّ الفرات.
والحاكم يمثّل الإمبراطور، لهذا فهو يجمع في يديه السلطات السياسيّة والعسكريّة والقضائيّة، كما كان يحقّ له أن يحكم بالإعدام عند الحاجة. ولنا في العهد الجديد مثلان. الأوّل حين طلب اليهود من بيلاطس أن يحكم على يسوع بالإعدام لأنّه لا يجوز لهم أن يقتلوا أحدًا (يو 18: 31). أمّا بيلاطس فكان له السلطان أن يُخْلِّيَ سبيل يسوع أو يصلبه (يو 19: 10) فأسلمه إليهم ليصلب (يو 19: 16). والثاني حين حاول اليهود أن يقتلوا بولس، إلاّ أنّ قائد الألف منعهم باسم الحاكم فيلكس (أع 21: 31؛ 23: 25). هنا نشير إلى أمرين: الأوّل إنّ بولس بصفته مواطنًا رومانيًّا لا يُجلد بدون محاكمة (أع 22: 25)، والثاني، إنّ رجمَ اليهود لإسطفانسَ عملٌ غيرُ قانونيّ ولكنّ السلطة الرومانيّة لم تشأ أو لم يكن لديها الوقت الكافي لكي تتدخّل (أع 7: 54- 60). 
كان حاكم اليهوديّة يقيم في قيصريّة، ولكنّه كان يصعد إلى أورشليم خلال الأعياد الكبيرة التي كانت مناسبة تجمّعات وبالتالي مناسبة فتن ومشاغبات. من قلعة أنطونيا الواقعة إلى زاوية الهيكل الشمالية، أو من قصر الحشمونيّين، كان الحاكم يراقب كلّ التحرّكات المريبة. وكان من واجبه أيضاً مراقبة جمع الضرائب وإرسالها إلى رومة، أكانت تلك التي تدفع عن الأراضي أو عن الأشخاص أو عن البضائع التي تمرّ في منطقة نفوذه.
ما يهمّنا من أمر الضرائب هو وجود موظّفين يتولَّون جباية الضرائب، واسمهم العشّارون لأنّهم كانوا يأخذون العشر من كلّ شيء. أمّا كيف كانوا يجمعون الضرائب؟ كانوا يتكفّلون بجمع مبلغ مرقوم بمساندة أشخاص ترسلهم رومة، فيفرضون على الناس الكثير لتبقى لهم حصّتهم بعد أن يدفعوا لرومة حصّتها. لهذا لم يكن الناس يرتاحون إلى العشّارين الذين كانوا سارقين ظالمين وفاسقين (لو 18: 11)، الذين كانوا في مصافّ الخطأة مثل الزواني (مت 21: 31)، ولم يكن اليهود الأتقياء يأمنون لهم لأنّهم يتعاملون مع العدوّ ويقدّمون له أموالاً يجب أن تصرف لخدمة شعب الله لا لإشباع ملك مغتصب. تجدر الإشارة هنا أنّ يسوع فضّل العشّار على الفرّيسيّ لأنّه جاء من أجل الخطأة والمرضى لا من أجل الذين يحسبون نفوسهم أبرارًا وأصحّاء، كما أنّه اختار من بين رسله عشّارًا اسمه لاوي. رآه جالسًا في بيت الجباية. قال له: "اتبعني" (لو 5: 27- 28).

ج- جغرافية فلسطين واقتصادها في القرن الأوّل ب م
نتعرّف هنا إلى الأرض التي وطئتها قدما المسيح وعاش فيها ونشر فيها تعاليمه: تكوين أرض فلسطين، الزراعة، الصناعة، التجارة.

1- جغرافية فلسطين
تلك التي كانت أرض كنعان والتي سمّيت في العهد الهلّينيّ فلسطين أو أرض الفلسطينيّين، دخلها العبرانيّون بكثرة في القرن الثالث عشر وأسّسوا فيها مملكة منذ القرن الحادي عشر ق م. كانت مِساحتها في زمن المسيح 20000 كم2، وعدد سكّانها 600000 تقريبًا. يحدّها من الغرب البحر الأبيض المتوسّط، ومن الشرق، نهر الأردنّ، ذلك النازل (رج كلمة ورد في العربيّة) من جبل حرمون، ومن الشمال بلاد فينيقية، ومن الجنوب برّيّة سيناء.
ينحدر نهر الأردنّ من الجبل فيصل إلى بحيرة الحولة التي تعلو ثمانية وستّين مترًا عن سطح البحر، ثمّ يمرّ عبر بحيرة طبريّة التي تقع على 212 مترًا تحت سطح البحر قبل أن يصبّ في البحر الميت الذي يقع على 392 مترًا تحت سطح البحر. بين الأردنّ والبحر تقوم سلسلة من الجبال تشكّل العمود الفقريّ للبلاد. معدّل ارتفاعها 600 متر فوق سطح البحر ولكنّها تصل في حبرون أو الجليل الأعلى إلى ألف متر وتنحدر إلى ستين مترًا في أرض يزرعيل الخصبة حيث مدينة مجدّو.
مناطق فلسطين ثلاث: اليهوديّة، والسامرة، والجليل وقد مرّ فيها يسوع، بعد أن عاش في الناصرة، وعلّم في كفرناحوم، واجترح آية في قانا الجليل. عند بئر في السامرة التقى تلك المرأة التي بشّرت بدورها أهل سوخار (يو 4: 1 ي). أمّا أورشليم عاصمة اليهوديّة فقد سمعت آخر كلمات يسوع وتلقّت آخر نقطة من عرقه ودمه. على نهر الأردنّ اعتمد يسوع وفي سفح جبل حرمون، في قيصريّة فيلبّس، أعلن بطرس أنّه المسيح ابن الله الحيّ (مت 16: 113 ي).

2- الزراعة في فلسطين
يذكر يسوع في كلامه أمورًا عن الزراعة كتلك التي نعرفها في جبالنا. خرج الزارع ليزرع: بعض الحبّ وقع على الطريق والآخر على الصخر أو بين الشوك، والأخير في الأرض الطيّبة (لو 8: 4 ي). ويحدّثنا مرقس عن تلك التينة المورقة (11: 12- 13)، وينبّهنا لوقا (6: 44): من الشوك لا يجنى تين، ومن العلّيق لا يقطف عنب.
إذًا، ماذا كان يزرع الناس في فلسطين أيّام يسوع؟ أوّلاً القمح، وهو الغذاء الأساسيّ بحيث صارت كلمة "لحم" أي الخبز مرادفًا لكلمة طعام. يزرع القمح في كلّ أرض فلسطين وبالأخصّ في الجليل الذي ينتج أكثر ممّا يستهلك فَيَخْزُنُ أهلُه الفائضَ لسنين الجوع أو يرسلونه إلى اليهوديّة التي تحتاج إلى طعام كثير بسبب الحجّاج الآتين إلى أورشليم بمناسبة الأعياد. ومع ذلك عرفت البلاد مجاعتين ذكرهما المؤرّخون. الأولى سنة 21 ق م. والثانية التي حلّت بالبلاد سنة 49 ب م (ذكرها يوسيفوس المؤرّخ)، في عهد الإمبراطور الرومانيّ كلوديوس، وقد أنبأ بها أغابوس، وهذا ما دفع التلاميذ إلى إرسال المعونة إلى الإخوة المقيمين في اليهوديّة (أع 11: 27- 30). وزرع الشعب الشعير وهو طعام الحيوان والمساكين من الشعب، والتين الذي يبيعونه في رومة، والزيتون، الذي يصدّرون زيته إلى مصر وسورية. وجدير بالذكر أنّ زيت تقوع، موطن النبيّ عاموس، كان أفضل زيت في البلاد. ولا ننسى زراعة الكرمة التي يحتاجون إلى خمرها لسكيب الخمر في الأعياد، والتي يصدّرون عنبها ونبيذها حتّى إلى البلاد البعيدة. وهناك العدس والحمّص والتمر والرّمان.
في إطار الزراعة نذكر تربية المواشي كالبقر والغنم والمعز، وأهمّيّتها معروفة من أجل خدمة الهيكل. أمّا الشعب فما كان يأكل اللحم إلاّ في عيد الفصح أو عندما تقدّم ذبيحة سلامة يأخذ منها الكاهن حصّته ويتناول المشاركون ما تبقّى من لحمها.

3- الصناعة في فلسطين
أوّلها صناعة السمك. كانوا يصطادونه على شاطئ البحر المتوسّط أو في نهر الأردنّ أو بحيرة طبرّية، فيملّحونه ليحفظوه ثمّ يبيعونه في طول البلاد وعرضها. وهنا تبرز أهمّيّة الملح الذي يستخرج من البحر الميت فسمي لذلك "بحر الملح". هنا نتذكّر كلام يسوع: أنتم ملح الأرض، فإن فسد الملح فبمَاذا نملّحه (مت 5: 13، لو 14: 34). وثانيها صناعة البناء. دام العمل في الهيكل ثمانين سنة، وبعد ذلك أرسل هيرودس العملة وكانوا 18000 إلى شوارع أورشليم يبلّطونها. في سنة 20 ب م بنى أنتيباتريس مدينة طبريّة وحصن صفورية وجوليا. ولمّا اتّسعت أورشليم فامتدّت البيوت خارج الأسوار، بنى أغريبّا جدارًا يحمي به الحيّ الجديد طوله 3500 متر وسماكته تزيد على الخمسة أمتار. قال يسوع في أحد أمثاله: من أراد أن يبنيَ برجًا يجلس أوّلاً ويحسب النفقة ويتساءل هل بإمكانه أن يُتمَّ العمل (لو 14: 28). وثالثها الحياكة وكانت عملَ النساء والمحتقرين من الرجال. يشتغلون الصوف فينسجون الأغطية والسجّاد ويصدّرون منتوجهم إلى رومة، أو يعملون في صباغة القماش، ولا ننسى أننا لسنا ببعيدين عن شواطئ فينيقية التي اشتهرت بالصباغ الأرجوانيّ. ورابع صناعات فلسطين الدباغة. فجلود الحيوانات كثيرة في الهيكل: كانت تحتاج أورشليم كلّ سنة إلى 18000 حمل لعيد الفصح وإلى عشرات الألوف من البقر أو الضأن من أجل ذبائح السلامة أو التكفير التي يقدّمها الشعب على مدى إيّام السنة وبالأخصّ الأعياد. نشير هنا إلى ما فعله يسوع حين رأى في الهيكل باعة البقر والغنم... وطردهم جميعًا من الهيكل (يو 2: 13 ي). وخامسها صناعة الفخّار، والشعب يحتاج إلى آنية لحفظ الطعام بل والأشياء الثمينة. أما كانت مخطوطات قمران محفوظة في أوعية من فخّار وقد اكتشفت قرب البحر الميت سنة 1947 وما بعد. وعرفت البلاد بعض المهن كالخبّاز، وحامل الماء، والحلاّق، وصانع التحف للحجّاج الآتين إلى أورشليم...

4- التجارة في فلسطين
كانت أورشليم عاصمة البلاد الدينيّة والسياسيّة محور التجارة. فالهيكل يحتاج إلى أمور كثيرة وهو يملك المال الكثير ولا سيّما حصيلة ضريبة الدرهمين التي يدفعها كلّ يهوديّ يقيم خارجَ فلسطين. ثمّ إنّ سلالة هيرودس بنت لها القصور وجلبت الخدم والحشم واقتنى الحاكم الرومانيّ الأماكن لسكناه وأحاط نفسه بطبقة الأغنياء التي تعيش حياة البذخ ولا تحسب حسابًا لشيء وقد قال فيهم أحد الأنبياء: يأكلون الرخص من العجول ولحم الرضيع من الضأن. ثمّ إنّ سكّان أورشليم يعدّون خمسين ألفًا ولكنّهم يصيرون 180000 في زمن الحجّ، ومثل هذا العدد يحتاج إلى الكثير يأتيه من داخل البلاد أو خارجها.
نشير هنا إلى أنّ الجيش الروماني طوّق أورشليم في زمن العيد قبل أن يستولي عليها سنة 70 فكان الضيق شديدًا على المقيمين وعلى الحجّاج.
أمّا التجارة الداخليّة فكانت محصورة بين الأفراد في إطار المقايضة، وما فاض عن حاجة المنطقة ينقل على ظهور الحمير أو الجمال بواسطة "شركات نقل" لها مكاتبها في تدمر وبابل وبعلبك وغيرها من المدن.
أمّا التجارة مع الخارج فكانت موادّها المنتوجات الفاخرة: خشب الأرز من لبنان، البخور والعطور من بلاد العرب، النسيج الفاخر من الهند وبابل، النحاس والرخام من كورنتوس في اليونان. وأمّا فلسطين فكانت تصدّر الزيت والخمر والمنسوجات. 
ولكن مع كلّ هذا الخير المتدفّق، فقد كان الشعب فقيرًا في أرض فلسطين بحيث قال أحد الرابّانيّين: بنات إسرائيل جميلات فاتنات ولكنّ الفقر يجعلهنّ قبيحات بشعات. أمّا سبب الفقر فالضرائب المتعدّدة، والظلم في توزيع الأرزاق والأموال.

الجزء الثاني: الحياة الدينيّة والاجتماعيّة في فلسطين في زمن المسيح
بعد أن ألممنا بعض الشيء بالنواحي التاريخيّة والجغرافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة لبلاد فلسطين في زمن المسيح، نتطرّق الآن إلى الحياة الدينيّة والاجتماعيّة فنتعرّفُ إلى الأماكن المقدّسة وإلى فئات الشعب وتطلّعاته في وقت كان الشرق والغرب ينتظران سلامًا يعمّ الكون وأمانًا يُحِلُّ السعادة في المسكونة.

أ- الحياة الدينيّة
نرافق المؤمن العائش في أورشليم إلى الهيكل، ونرافق اليهود المشتّتين إلى كلّ مجمع أو كنيس فنعيّدُ معهم أعيادَهم الكبرى والصغرى.

1- الهيكل
الهيكل هو مركِز حياةِ بني إسرائيلَ الدينيّة، بل السياسيّة والاجتماعيّة، وكان موضوعَ فخرهم أمام القريب والبعيد. يروي متّى الإنجيليّ (24: 1) كيف أنّ الرسل لفتوا نظر يسوع إلى أبنية الهيكل المزيّن بالحجارة الحسنة والتحف (لو 21: 5) والذي استغرق بناؤه ستًّا وأربعين سنة (يو 2: 20). بُني مرّة أولى في عهد سليمان وهُدِمَ سنة 586 على يد نبوكد نصّر البابلي، وبُني مرّة ثانية بعد الرجوع من الجلاء (سمّي الهيكل الثاني) ودشّن سنة 515 ق م فجاء حقيرًا متواضعًا، وأخيرًا أعاد هيرودس بناءه على أسس جديدة.

أوّلاً: البناء
إليك كيف يصف يوسيفوس الهيكل: "جعل فيه كلّ شيء ليؤثّر في قلب الإنسان وعينه. غطّي من جهاته الأربع بصفائح من الذهب فعكس نور الشمس بقوّة أجبرت الناظرين إليه أن يحوّلوا عنه عيونهم كما عن شعاع الشمس. أمّا الغرباء الآتون من البعيد فكانوا يَرَون أمامهم "جبلاً" من الثلج بسبب الرخام الأبيض. شعور بالجمال، وشعور بالعظمة أمام بناء يقوم في ساحة طولها 480 مترًا وعرضها 300 متر، وحول برج يرتفع إلى خمسين مترًا. إلى هذه الساحة يدخل اليونانيّون واليهود، وفيها رواقان عظيمان يقيم فيهما تجّار الغنم والبقر والزيت والطحين (وكلّ هذا ضروريّ للقيام بشعائر العبادة)، والصرّافون الذين يَزِنون الفضّة بميزان صور (من أجل هذا تسمّى فضّة صوريّة) ويقيّمون المال بقيمة مال الهيكل المضروب في زمن الإسكندر يناي (103- 76 ق م). بعد هذا يقرأ الحجّاج عبارة في اللاتينيّة واليونانيّة تمنع كلّ غير مختون من الاقتراب إلى المدخل، وإلاّ كان نصيبه الموت. أما اتّهم اليهودُ الآسيويَون بولسَ أنّه "أدخل اليونانيّين إلى الهيكل ودنسّ هذا المكان المقدّس" (أع 21: 28)؟
يدخل المؤمن إلى المكان المقدّس فيجد تسعة أبواب: أربعة إلى الشمال، وأربعة إلى الجنوب وواحد إلى الشرق، وكلّها مطعمّة بالفضّة والذهب، ما عدا الباب الجميل (أع 3: 2) المصنوع كلّه من النحاس المطروق. ويجتاز المؤمن رواق النساء ورواق الرجال، ثمّ رواق الكهنة الذي يحيط بمذبح الذبائح. وراء هذا المذبح يقوم الهيكل بالمعنى الحصريّ وهو مربّع طول ضلعه خمسون مترًا، فيه قاعة أولى هي القدس (أو المكان المقدّس). يقوم في وسطها موضع البخور وإلى الشمال طاولة خبز التقدمة وإلى اليمين الشمعدان بشعبه السبع. وفيه قدس الأقداس (أي المكان المقدّس كلّ التقديس) الذي كان يحوي، قبل سنة 586، تابوت العهد، وصار فارغًا بعد ذلك الوقت. بين القدس وقدس الأقداس ستار فاصل، يرفعه مرة في السنة رئيس الكهنة فيدخل قدس الأقداس برهبة عظيمة في عيد التكفير (كيبور).
وشيّدت أبنية محاذية للهيكل: قاعة المحكمة الدينيّة أي السنهدرين، حيث اجتمع الشيوخ وأعلنوا أن يسوع يستوجب الموت (مت 26: 66) وقاعة الخزنة، أو بيت المال، وقاعات لحفظ الحطب والخمر والزيت المعدّ للقيام بشعائر العبادة.

ثانيًا: شعائر العبادة في الهيكل
موضع شعائر العبادة، المذبح الذي كان مربّعًا (ضلعه 25 م) بعلوّ سبعة أمتار ونصف المتر. يصعد إليه الكاهن عبر درجات. عليه تحرق الذبيحة كلّها (إذا كانت ذبيحة محرقة) أو أمعاؤها وشحمها (إذا كانت ذبيحة سلامة أو تكفير). كان الكهنة يقدّمون الذبيحة الدائمة مرّتين كلّ يوم، خروفًا في الصباح وخروفًا في المساء، كما كان الإمبراطور يطلب أن تقدّم ذبيحتان واحدة عنه وواحدة عن رومة. بعد هذا كانت تقدّم ذبائحُ في النهار، خاصّة في زمن الصيف، زمن الأسفار والتنقّل وبالأخصّ في زمن الأعياد. ولقد كانت هذه الأعياد من الكثرة بحيث أجبر بولس على أخذ موعد مسبّق ليقدّم ذبيحته في عيد العنصرة (أع 20: 16).
يدخل المؤمن إلى الساحة فيشتري الخروف والزيت والطحين ويتوجّه إلى الكاهن اللابس الكتّان الأبيض، فيذهبان معًا إلى رواق الكهنة وهناك يذبح الكاهن الذبيحة، فيُحرقُ الأمعاءَ والشحمَ على نار حطب تزاد عليه العطور لتخفّف من حدّة رائحة اللحم المحروق، ثمّ يأخذ الكاهن حصّته من الذبيحة ويردّ إلى المؤمن قسمًا منها. يجدر القول هنا إنّه بعد دمار هيكل أورشليم سنة 70 ب م لم يعد اليهوديّ يذبح ذبائح لله.
الله وحده القدّوس وهو ينقل قداسته إلى كلّ من يقربه. أمّا الإنسان فخاطئ نجس ونجاسته تنتقل إلى كلّ من يقترب منه. في وسط العالم يقع قدس الأقداس، المكان الذي يقيم فيه مجد الله (1 مل 8: 10) ثمّ القدس الذي يدخله الكهنة وحدهم ثمّ المذبح... حول الهيكل تقوم القدس أورشليم، وحول أورشليم أرض فلسطين، ثمّ سائر الكون. بقدر ما يكون الإنسان قريبًا من الله الحيّ يشعر بقداسته، وبقدر ما يكون بعيدًا يشعر بخطيئته. رئيس الكهنة وحده يدخل قدس الأقداس، وللكهنة مقامهم وكذلك الرجال والنساء، والوثنيّون أيضاً، والويل لمن يتجاوز المكان المحدّد له. هنا نشير إلى أنّه مع المسيح انقلبت الأمور. فالإنسان لا ينجّس الله بل الله يقدّس الإنسان ولنا مثل عن ذلك في إنجيل مرقس (1: 40 ي): لمس يسوع الأرض فلم يتنجّس يسوع، بل تقدّس الأبرص وطهر.

2- المجمع أو الكنيس
لا هيكل إلاّ هيكل أورشليم الذي تتمحور حوله حياة بني إسرائيل، أمّا المجامع فعديدة وهي موجودة في كلّ مدينة وكلّ قرية. تعني كلمة مجمع (كنيس) جماعة المؤمنين الآتين إلى الصلاة بناء على موعد محدّد، وتعني أيضاً المكان الذي يجتمعون فيه (أع 16: 13) ووُجْهَتُهم إلى هيكل أورشليم.
متى بدأ المؤمنون يجتمعون في المجامع؟ بعد دمار أورشليم وخراب الهيكل سنة 586. هذه الكارثة شكّلت محنة قاسية جعلت الكثيرين من اليهود يتخلَّون عن إيمانهم ويلتحقون بإله بابل الذي تغلّب على يهوه إله إسرائيل. ولكنّ حزقيال (سار على خطى إرميا) أفهم المؤمنين أنّ الله لم يتخلّ عن شعبه، وأنّه وإن كانت العبادة الرسمية قد توقّفت بسبب دمار الهيكل، إلاّ أنّ المؤمنين يستطيعون أن يجتمعوا لينعشوا إيمانهم ويتأمّلوا في الأحداث الماضية والحاضرة على ضوء هذا الإيمان. وهكذا أخذ المؤمنون يجتمعون مع أحد الكهنة على شاطئ نهر المدينة (مز 137: 1) ويردّدون كلام الله ويرفعون إليه صلواتهم.
بعد العودة من المنفى أعاد اليهود بناء هيكلهم ولكن ظلّت المجامع تلعب دورًا هامًّا في حياة المؤمنين لا في أنطاكية ورومة والإسكندريّة وحسب، بل حتّى في أرض فلسطين، واعتبرت عادة قديمة قِدَم شريعة موسى (أع 15: 21).
كيف كانت تتمّ العبادة في المجامع؟ يبدأ المؤمنون بتلاوة "الأمانة": "إسمع يا إسرائيل" (تث 6: 4- 9؛ 11: 13- 21؛ عد 15: 37- 41)، ثمّ يعلنون وحدانيّة الله وعلاقاته بشعبه. ويردّد المسؤول طلبات تعبّر عن حاجات الشعب اليوميّة ورجائه الكبير بمجيء الملك المسيحانيّ (حفظ لنا التلمود 18 بركة) فيجيب الحاضرون: آمين. بعد ذلك يقرأ قارئ مقطعًا من أسفار موسى الخمسة يتوافق والعيد أو الزمن الطقسيّ، ثمّ مقطعًا من الأنبياء. في هذا الوقت يمكن أن يلقي أحد الحاضرين عظة في معنى العيد. هذا ما فعله يسوع في مجمع الناصرة (لو 4: 16 ي) وبولس الرسول ورفاقه في مجمع دمشق (أع 9: 19- 20) وقبرص (أع 13: 4- 5) وغيرهما من مجامع البحر الأبيض المتوسّط (أع 13: 14؛ 14: 1؛ 17: 1- 2).
لا عمل ليتورجيًا في صلاة المجمع، ولهذا لا دور للكاهن إلاّ إعطاء البركة في نهاية الصلاة، وإن غاب حلّ محلّه رئيس الجماعة المحلّيّة التي لا تكون جماعة إلا بعشرة رجال (لا تحسب النساء بين عدد المصلّين) يهود على الأقلّ. كلّ يهوديّ يحقّ له أن يقرأ التوراة ويقوم بعمل الترجمان ويلقي العظة. ولكن سيأتي يوم يُحفظ هذا العمل للكتبة والفرّيسيّين الذين سيجعلون من المجمع أيضاً مدرسة لتعليم الأولاد والشبّان ونَزْلا لاستقبال الغرباء ومركز لقاء للمؤمنين القاطنين في مدينة أو في حيّ من أحياء المدينة. في المسيحيّة ستلعب الكنيسة كجماعة ومكان اجتماع دور المجمع في اليهوديّة.

3- الأعياد
لبني إسرائيل أعياد يجتمع فيها الشعب ليدلّوا على التضامن القائم بين الأفراد وليحتفلوا بأعمال الله الخلاصيّة العظيمة. هناك الأعياد الثلاثة الكبرى أي الفصح والعنصرة والمظالّ وفيها يُطلب إلى الذكور أن يحجّوا إلى أورشليم، المكان الذي اختاره الله له. هذه الأعياد كانت في البداية تسير وفصول السنة. في الربيع كان البدو يقدّمون أبكار قطيعهم (عيد الفصح) والحضر بواكير غلالهم من الشعير (عيد الفطير). في الصيف كان المزارعون يحتفلون بأعياد الفصح والأسابيع ونهاية حصاد القمح، وفي الخريف بعيد المظالّ ونهاية قطاف الأثمار. ولكن على مرّ العصور ارتبطت هذه الأعياد بحدث تاريخيّ فتذكّر الشعب في عيد الفصح خروجهم من مصر، من أرض العبوديّة، وفي عيد العنصرة تسلّمَهم شريعة الله على جبل سيناء، وفي المظالّ إقامَتَهم أربعين سنةً في البرّيّة. 
في زمن يسوع كانت هذه الأعياد تدوم أسبوعًا كاملاً. يصل المسافرون إلى أورشليم سيرًا على الأقدام في قوافل تجمع أبناء القرى المجاورة ليأمنوا شرّ اللصوص. هذا ما فعله مريم ويوسف وهما اللذان كانا يحجّان كلّ سنة إلى أورشليم في عيد الفصح (لو 2: 41). وهذا ما سيفعله يسوع فينطلق إلى أورشليم في وقت العيد ويستفيد من هذا الظرف ليكلّم الحجّاج الآتين من كلّ فلسطين بل ومن خارجها. ولا ننسى أنّ حلول الروح القدس على التلاميذ في عيد العنصرة كان مناسبة ليكلّم بطرس المادايين والفراتيّين والعيلاميّين والمصرّيين واليونانيين والعرب وكلّهم جاؤوا إلى العيد (أع 2: 1ي).
في عيد الفصح كان الحجّاج العديدون يؤمّون أورشليم فيتضاعف عدد سكّانها أربعة أو خمسة أضعاف. يأتي ربّ العائلة في ليلة الرابع عشر من نيسان مع الخروف فيذبحه له الكاهن ويجعل دمه يسيل حول المذبح كتقدمة للربّ ثمّ يعيده إلى ربّ العائلة فيأكله مع عياله في بيت أفرغ من كلّ فطير. يوم الخروج (12: 11) أكل اليهود الفصح بعجلة، أحقاؤهم مشدودة، وأحذيتهم في أرجلهم وعِصِيُّهم في أيديهم. أمّا في زمن المسيح فكانوا مستلقين على أسرّتهم على طريقة الرومان، يشربون الخمر وينشدون مزامير التهليل (مز 113- 118).
ويحتفل المؤمنون بعيد العنصرة خمسين يومًا بعد الفصح (تث 16: 9)، لذلك سمّي عيد الأسابيع (السبعة، رج خر 24: 22) وسمّي أيضاً عيد الحصاد (خر 23: 16). ويحتفلون بعيد المظالّ الذي كان في عهد المسيح أبهى الأعياد وأعظمها احتفالاً بحسب المؤرّخ يوسيفوس، فيعيّدون نهاية قطاف العنب وإقامتهم في البرّيّة لمّا أخرجهم الربّ من أرض مصر (لا 23: 43). ثمّ عيدّوا فيه تدشين هيكل سليمان (1 مل 8: 65- 66) فارتبط العيد ارتباطاً وثيقًا بموضع حضور الربّ وحمايته لشعبه كما صارت المظالّ رمزًا إلى الغمام المضيء على الشعب في البرّيّة. في عيد المظالّ كانت كلّ عائلة تبني لها خيمة (مظلّة) في أورشليم أو في جوارها وتقيم فيها مدّة أسبوع فتشهد تطواف الكهنة كلّ صباح إلى عين سلوان على نشيد البوق وسكب المياه على المذبح طلبًا للمطر من عند الربّ، وتتمتّع بالمدينة المضاءة بأنوار شماعدين الذهب الموضوعة في رواق النساء (يو 8: 12).
وهناك أعياد أخرى يحتفل بها اليهود وهي أقلّ أهمّيّة من الثلاثة الأولى: عيد التكفير يطلبون فيه من الربّ أن يغفر خطايا شعبه، وعيد رأس السنة الذي يسبق يوم التكفير بعشرة أيّام. وعيد التدشين الذي يذكرون فيه تطهير الهيكل على يد يهوذا المكابيّ (1 مك 4: 1ي)...
وهناك السبت الذي هو عيد أسبوعيّ ويوم راحة للمؤمنين (لا 23: 3؛ خر 31: 12- 17) 0 ارتبط أساسًا بالروزنامة القمريّة المعروفة في بلاد الرافدَين ثمّ اتّخذ معنى دينيًّا واجتماعيًّا: يستريح الإنسان ويستريح العبد كما استراح الله بعد أن خلق الكون في ستّة أيّام (تك 2: 2- 3)، ويتحرّران من العمل بعد أن حرّرهما الله من حياة العبوديّة في مصر (خر 23: 12؛ تث 5: 14- 15). في أيّام المسيح مُنع الإنسان من أيّ عمل حتّى عمل الخير، ولكنّ يسوع أعاد إلى السبت مدلوله فقال فيه: جُعِلَ السبتُ للإنسانِ وما جُعِلَ الإنسانُ للسبتِ (مر 2: 27).

ب- المجتمع اليهوديّ
نتعرّف هنا إلى فئات المجتمع، ثمّ إلى الفئات السياسيّة والدينيّة في فلسطين في زمن المسيح.

1- الكهنة واللاويّون
يُعتبر الكهنة من طبقة الشرفاء في المجتمع اليهوديّ وعلى رأسهم كاهن أعظم أو رئيس كهنة.

أوّلاً: رئيس الكهنة
يقف رئيس الكهنة في قِمّة الهرم الاجتماعيّ، وقد صار بعد الرجوع من الجلاء وزوال الملكيّة (538 ق م)، حجر الزاوية في المجتمع اليهوديّ. فهو المسؤول عن الهيكل وعن تطبيق الشريعة، وهو رئيس السنهدرين، أي محكمة بني إسرائيل العليا التي تأسّست في عهد يوحنّا هركانس. وحده يدخل قدس الأقداس مرّة في السنة في يوم التكفير. كرامة رئيس الكهنة لا تعلوها كرامة وهذا ما يؤمّن له وضعًا مادّيًّا محترَمًا: يختار كلّ مساء حصّته من التقادم وينظّم أمور التجارة في الهيكل فيسلّمُها إلى أشخاص قريبين إليه... وهو مكرّم حتّى موته: يوم موته يعفى عن المحكوم عليهم بالإعدام لأنّ يوم موته هو يوم تكفير عن خطايا شعبه.
تعرّفنا في الإنجيل إلى حنّان وقيافا (لو 3: 2) ودورهما في موت يسوع (مت 26: 3، 57)، كما في ملاحقة بولس الرسول (أع 23: 4- 5).
حول رئيس الكهنة نجد بعض الموظّفين: قائد الهيكل وهو المسؤول عن حراسة الهيكل وإقامة الشعائر الدينيّة، وهو يقوم مقام رئيس الكهنة عند الحاجة، ثمّ رؤساء الفرق الأربع والعشرين من الكهنة (كان زكريّا من فرقة أبيّا، رج لو 1: 5)، ثمّ مراقبو الهيكل السبعة والخزّانون الثلاثة المسؤولون عن صندوق المال.

ثانيًا: الكهنة
كان عدد الكهنة يقارب السبعة آلاف يهتمّون بالهيكل وبتقدمة الذبائح، إلاّ أنّ حاجات الهيكل لم تكن تتطلّب مثل هذا العدد، لهذا قسم الكهنة أربعًا وعشرين فرقة تخدم كلّ بدورها أسبوعًا واحدًا، ما عدا في الأعياد الكبرى. وهكذا كان يخدم الكاهن خمسة أسابيع في السنة ويقضي ما تبقى من وقته في بيته أو حقله.
كان الكهنة فقراء ومدخولهم ينحصر في حصّتهم من الذبائح ويتوقّف على العشور التي كان الشعب المرهق بالضرائب يعجز عن دفعها. لأجل هذا عمل الكهنة نجّارين وبنّائين ولحّامين وكتبة، فكانوا قريبين من الشعب يتبنَّون آراءه ويؤيّدون قضاياه. ويجدر بالذكر أنّ الكهنوت ينتقل بالوراثة من الأب إلى الابن شرط أن يكون الابن مَنْ لا عيب له ومن تزوّج فتاة يهوديّة حقيقيّة.

ثالثًا: اللاويّون
اللاويّون هم أفقر العاملين في الهيكل. عددهم يقارب العشرة آلاف وهم مقسومون كالكهنة إلى أربع وعشرين فرقة، كلّ فرقة تخدم خمسة أسابيع. أمّا مداخيلهم فتكاد تكون معدومة بعد أن حُرموا من العشر على حساب الكهنة على إثر الإصلاح الذي قام به يوشيّا سنة 621 ق م. (عد 18: 8- 32)، لهذا اخذوا يقومون بمختلف المهن من أجل تأمين حياتهم.
في الهيكل مجموعتان من اللاويّين: الموسيقيّون الذين يقفون بين رواق الكهنة ورواق الرجال فيحيون الليتورجيّا بالعزف والإنشاد، واللاويّون البّوابون الذين يهتمّون بالهيكل ويعتنون بنظافته (لا يحقّ لهم دخول رواق الكهنة)، ويراقبون الداخلين ويقومون بعمل الحراسة في المعبد المقدّس. في مَثَل السامريّ الصالح (لو 10: 25 ي) سيجمع يسوع بين الكاهن واللاويّ اللذَين عرفا الشريعة وما مارسا وصيّة المحبّة.

2- الشعب
كان الكهنة واللاويّون من بني لاوي، القبيلة المكرّسة تكريسًا خاصًّا للربّ، أمّا الشعب فهم أبناء سائر القبائل وفيهم الشيوخ والطبقات المختلفة اقتصادًا وعلمًا.

أوّلاً: الشيوخ
الشيوخ، ولا نعني بهم العائشين في الريف والذين لا تختلف حياتهم عن حياة المزارعين، هم أصحاب الطبقة الأرستقراطيّة الغنيّة التي تملك الأرض والمال. لا بل استطاع ثلاثة منهم أن يموّنوا أورشليم على مدى إحدى وعشرين سنة بالقمح والشعير والخمر والزيت والملح والحطب. هؤلاء الشيوخ يرتبطون بالهيكل والقائمين عليه، برومةَ والسلطةِ الحاكمة باسمها. أمّا رومة فنظرت إلى هؤلاء البورجوازيّين كمنبع ضرائب غير مباشرة، واعتبرت ثروتهم الضمانة لتصل إلى صندوق الدولة الضرائبُ المنتظرة. فإن خضع هؤلاء الشيوخ للدولة غضّت نظرها عنهم وإلاّ أرسلتهم إلى المنفى لسبب من الأسباب وصادرت لهم أملاكهم.

ثانيًا: الكتبة
كان الكتبة قليلي العدد ولكنّ تأثيرهم كان كبيرًا. لم يكونوا من الكهنة بل من العوامّ ومن جميع طبقات الشعب. اختصاصهم الشريعة، ولهذا يَطلب منهم الشعبُ تفسيرًا للشريعة وتطبيقًا لها في الحياة.
الإنسان كاتب بالولادة ولكنّه يصير كاتبًا بعد استعداد طويل من الدرس لتلقّن الشريعة واستظهارِ التقاليد الشفهيّة. في القرن الثاني ب م يصبح الإنسان كاتبًا أو معلّمًا خلال رتبة دينيّة يعطى فيها لباسًا خاصًّا علامة كرامته الجديدة، فيتمتّعُ بأوّل المتّكآت في المجتمعات، ويمرّ في الشوارع فيحيّيه الناس أو ترب العامل فيتوقّف العامل بعجلة ليحيَّيه. 
كان الكتبة قوّادًا للشعب ولهذا كانت مسؤوليّتهم كبيرة فأنذرهم يسوع بالويل لأنّهم يحملّون الناس أحمالاً ثقيلة (لو 11: 46) ولأنّهم أهملوا أهمَّ ما في شريعة الله أي العدل والرحمة والإخلاص (مت 23: 2). كان عليهم أن ينعشوا الإيمان ويساعدوا المؤمنين على العيش بحسب إرادة الله. معرفتهم بالشريعة والكتب أعطتهم دورًا لا يُستغنى عنه فصاروا أعضاء في السنهدرين وتحملّوا مع رؤساء الكهنة خطيئة الحكم على يسوع بالموت.

ثالثًا: الطبقة المتوسّطة الحال
هناك العائشون في المدن، وخاصّة في أورشليم، فإن كثر عدد الحجّاج ازدهرت أعمالهم. كان منهم الخيّاط وبائع العطور وصاحب النَزْلِ والمهتمُّ بنقل الحجّاج وبضائِعهم. ولا ننسىَ أنّ واجب المؤمن أن يصرف العِشْرَ الثاني (تث 12: 17- 18) في شراء المأكول والملبوس والعطور والأشياء الفخمة فيحملَ الفرح إلى قلبه ويُغْني القائمين حول هيكل الربّ.
وهناك الملاّكون الصغار الذين يعيشون ممّا تنتجه الأرض، وإن تاجروا فمقايضةً مع جيرانهم لا يربحون الشيء الكثير لذلك تراهم يتهرّبون من الضرائب. في اليهوديّة والسامرة كانت مِساحة الأرض التي يستثمرها الفلاح صغيرة، ولهذا تُعطى للبكر ويصبح سائر الأولاد عمّالاً أو يهاجرون. أمّا في الجليل فالأرض أوسع بعد أن هرب الوثنيّون الذين أجبرهم يوحنّا هركانس على الارتداد إلى الديانة اليهوديّة أو النزوح، وهكذا بقيت الأرض لليهود المقيمين هناك.
وهناك الصنّاعون العاملون لحسابهم وهم في الإجمال أناس محتقرون. فالدبّاغ يُنْتِنُ إلى درجة تستطيع امرأته أن تطلّقه، والحائك كاذب وشهادتُه، كشهادة المرأة والعبد، غيرُ مقبولة في المحاكم، والراعي سارق...
وهناك العمّال المُيَاومون الذين يعملون في المزارع الكبيرة أو عند أحد الصنّاعين أو في ورشة البناء. يكفي أن تكونَ الغلّة سيّئة أو تتوقّفَ حركةُ البناء وتصريفِ الإنتاج ليصبحوا عاطلين عن العمل. هؤلاء العمال يحتقرهم الكتبة والفرّيسيّون ويسمّونهم "شعب الأرض"، ولكنّهم كانوا يستندون إليهم في ثورتهم على الحاكم الرومانيّ بسبب الضيقِ الذي يُثَقِّل على صدرهم والحاجةِ إلى الخلاص التي تَعْمُرُ في قلوبهم. سمعوا صوت الملاك يبشرهم يوم ولد يسوع، وساروا وراء المسيح هاتفين: هوشعنا لابن داود (مت 21: 9)، وهتفوا مع الأحبار والشيوخ مفضلّين برأبّا على يسوع (مت 27: 20 ي) طالبين ليسوع أن يصلب.

3- الأسرة اليهوديّة
الأسرة أساس المجتمع الشرقيّ عامّة واليهوديّ خاصّة. لهذا سنتحدّث على دور المرأة وأهمّيّة الولد وتربيته وقضيّة الزواج.

أولاً: المرأة
المرأة في البيت كالعبد. عليها أن تقوم بكلّ الأعمال دون أن يكون لها الإفادة من ثمرة أعمالها. هي خاضعة لأمور الشريعة السلبيّة (لا تفعل) غير أنّها لا يحقّ لها أن "تضيّع" وقتها في درس الشريعة. تهتمّ بالأولاد وبأعمال الحياكة ولا تخرج من بيتها. وإن خرجت فمقنّعة، ولا تحدّث أحدًا في الطريق، وإن أجبرت على الاستعلام عن أمر ما فيجب أن يكون حديثها قصيرًا. إنّ تكلّمت يُرَدّ عليها في الطريق، وإنّ أدلت بشهادتها في المحكمة فشهادتها غير مقبولة. لا تحسب كشخص ليكون العدد كاملاً لإقامة الصلاة في المجمع، أو لتظنَّ أنّ لها الحقَّ في التفرّد بحبّ زوجها الذي يستطيع أن يتزوج غيرها أو يكون له من الجواري ما يشاء.
أمّا حقوق المرأة على زوجها فقليلة: يؤمّن لها المأكل والملبس وإلاّ اشتكت عليه وطالبته بالطلاق. يهتمّ بها إذا مرضت ويفتديها إذا وقعت في العبوديّة ولا يطلّقها كما يشاء، ولا يعرضها للزنى. يجدر القول هنا إنّ تقارب الأسرة اليهوديّة من الأسرة الهلّينيّة جعلت حالة المرأة تتحسّن في عالم الشرق.
هنا نفهم بطريقة أوضح عِدّة أمور في الإنجيل. يسوع يحدّث السامريّة ويحدّثها طويلاً على البئر حيث الناس يروحون ويجيئون (يو 4: 1 ي). يسوع يدافع عن الزانية أمام المشتكين عليها (يو 8: 1 ي) ويقبل أن تمسّه خاطئة معروفة في بالبلد (لو 7: 36 ي)، بل أن ترافقه نسوة تلميذات سيبشّرن باسمه كالرسل (لو 8: 1- 3): ونفهم أيضاً أن يقول متّى الرسول (14: 21): كان الآكلون خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد. فالنساء لا يحسب لهنّ حسابًا ولا الأولاد.

ثانيًا: الولد وتربيته
الولد علامةُ بركةِ الله لشعبه وبرهانٌ لدوام عهده، من هنا أهمّيّة البيوت التي تعجّ بالأولاد. أمّا البيت الذي لا ولد فيه فيعتبر ملعونًا، والعار في تلك الحالة يلحق المرأة التي لم تنجب أولادًا، والكرامة تصيب الرجل صاحب الأسرة الكبيرة.
تَتِمّ الولادة في البيت على يد القابلة وتُرْضِع الأُمُّ ابنها أشهرًا بل سنتين وثلاثًا أو أكثر. يُعطى الولدُ اسمًا (لو 1 : 59؛ 2: 21) ويُختن علامةَ انتمائه إلى شعب الله وارتباطه بالربّ، ويُفتدى في الأربعين يومًا من عمره إذا كان صبيًّا (خر 13: 2، 23؛ رج لو 2: 22 ي) وفي الثمانين يومًا إذا كان فتاة (لا 12: 2- 7).
يُحِبّ الولدَ الأهلُ ولكنّهم يربّونه تربية قاسية فيهيّئون له القضبان حِزَمًا حِزَمًا (أم 13: 24؛ 23: 13). يبقى مع أمّه إلى عمر أربع سنوات. فإذا كان فتاة تبقى مع أمّها وإذا كان صبيًّا فينتقل إلى رفقة أبيه. تتعلّم الفتاة لتعمل في البيت أو تباع كعبدة بعد السنة السادسة من عمرها. ويتعلّم الصبيّ مهنة أبيه أو يُرْسَل ليعمل تحت يد أحد الصنّاع، وعليه أن يتدبّر أمره بعد السنة السادسة من عمره لأنّ الأب لم يعد مجبرًا على تقديم الطعام له. المقابلة سهلة بين ما كان في عهد المسيح وما يجري في عصرنا الحديث. 
التربية تعني التدريب على مهنة وتعني أيضاً تعلّم التوراة. يتعلّم الصبيُّ القراءة ويحفظ التوراة ويتدرّب على طرق تفسيرها ليتعرّف إلى الربّ ويُكَرِّمَهُ بحسب متطلّباتها. أمّا الفتاة فَتُلَقَّنُ ما يجب أن لا تفعل. على الأهل يقع واجب تعليم التوراة لأولادهم، ولكن تنظّمت مدارسُ قرب المجامع وعُمِّمَت وأصبحت مجّانيّة في بداية النصف الثاني من القرن الأوّل. يتعلّم الأولاد الحساب عندما يقرأون أعمار الآباء (تك 5: 1 ي) والجغرافية في حروب بني إسرائيل والعلومَ بمناسبة هذه المعجزة أو تلك. فالتوراة كتاب كامل يحتوي كلّ شيء ولا حاجة للرجوع إلى كتاب آخر لتلقّي علمٍ من العلوم. 
بعد هذه العلوم الأوّليّة كان بعض الأولاد يتابعون الدروس، ولكنّ هذا يفترض حالةً من اليُسر للوالد أو نفحةَ إيمان عند الشابّ. يجدر القول إنّ لغة الثقافة كانت اليونانيّة وإليها نقلت التوراة المسمّاة سبعينيّة على يد يهود متعلّمين. ولكنّ الكتبة سيعتبرون تعلّم اليونانيّة ودرس الفلسفة شرًّا يجب أن نتجنّبه. فالكاتب هو المعلّم يحترمه الطلاّب كما يحترمون أهلهم بل أكثر لأنّ الأهل يُعْطُون حياة الجسد أمّا المعلّم فكلمةَ الله. 

ثالثًا: الزواج
يبقى الولد قاصرًا إلى الثانية عشرة من عمره، بعدها يصبح راشدًا ويُفْرَضُ عليه أن يحفظَ الشريعة ويبدأَ ببناء بيت وغرس كرم، استعدادًا للزواج. العمر المفضّل للزواج هو السنة الثامنة عشرة، وقد قيل: من تزوّج قبل العشرين كان مباركًا، ومن تأخّر كان ملعونًا. أمّا الفتاة فيخطبها والدها بين السنة الثانية عشرة والثالثة عشرة، فيختار لها رجلاً من ذوي قرابتها لئلاّ تتشتّت أملاك العائلة والقبيلة.
الخطبة تربط بين الشابّ والفتاة كالزواج في مجتمعنا فلا يبقى للفتاة إلاّ أن تنتقل إلى بيت زوجها بعد سنة من عقد الخطبة. يُنفق والد العريس ووالد العروس على المهر ومصاريف العرس. الرجل يتدبّر ما يملكه الزوجان، ولكن في حال الطلاق (أو وفاة الزوج) يعود إلى المرأة ما قُدّم لها من مهر وما حملت معها من خير من بيت أبيها. هذا الأمر جعل الرجل يتأنّى قبل أن يطلّق امرأته.
يستطيع الرجل أن يطلّق امرأته لعيب وجده فيها (تث 24: 1). أمّا مدرسة شمعي فكانت تعتبر العيب الزنى وسع سلوك المرأة. وأمّا مدرسة هلاّل فالعيب هو كلّ شيء وإن كان جهلاً لفنّ الطبخ أو تأخّرًا في إرضاء زوجها، أمّا المرأة فلا تستطيع أن تطلب الطلاق إلاّ في الحلات القصوى التي تَحَدَّثْنا عنها سابقًا.
هنا نتذكّر قول المسيح: من طلّق امرأته وتزوّج غيرها فقد زنى عليها. وإن طلّقت المرأة زوجها وتزوّجت غيره فقد زنت (مر 10: 11- 12). لا طلاق، والحقوقُ هي هي بالنسبة إلى الرجل وبالنسبة إلى المرأة.

4- الفئات السياسيّة والدينيّة
تُحَدِّثْنا الأناجيل عن الصادوقيّين والهيرودسيّين والسامريّين ثم عن الغيورين الذين كان منهم سمعان، أحد رسل الربّ (مت 10: 4)، وتشدّد بصورة خاصّة على الفرّيسيّين الذين خاصموا يسوع في تعليمه وطريقة ممارسته للشريعة.

أوّلاً: الفرّيسيّون
دخل الفرّيسيّون في التاريخ على أيّام الإسكندر يناي فوقفوا بوجه رئيس الكهنة الذي عاداهم لأنّهم يؤثّرون في الشعب، وكانت حربٌ أهليّة بين الملك والفرّيسيّين، صُلب فيها آلاف اليهود. ولكنّ الفرّيسيّين خرجوا منتصرين وزاد تأثيرهم على الشعب فيما بعد.
يرجع أصل الفرّيسيّين إلى جماعة من اليهود الأتقياء عاشوا في أيّام عزرا الكاهن واعتبروا أنّه لا يكفي أن يُبنى الهيكلُ وأسوارُ المدينة، بل أن نعودَ إلى حياة روحيّة مبنيّة على درس الشريعة وعلى الصلاة (ألّف الفرّيسيّون بعضَ المزامير). لهذا لمّا قام يهوذا المكابيّ بثورته حارب معه الغيورون وساومه الصادوقيّون، إلاّ أنّ الفرّيسيّين رفضوا الحرب والسياسةَ ورأَوا أن يعملوا لخلاص الشعب بتقواهم ودرسهم للشريعة درسًا جِدّيًّا. 
يوم جاء بومبيوس إلى الشرق ذهب إليه وفد من الفرّيسيّين وقالوا له: لا حاجة فينا إلى ملك بوجود رئيس الكهنة، ويوم ملك هيرودسُ رفضوا أن يحلفوا له حلف الولاء رغم كلّ محاولاته الترغيبيّة والترهيبيّة. وإنّ هذا الحذرَ السياسيّ عند الفرّيسيّين واهتمامَهم بتعليم الشعب أمّن لهم شعبيّة كبيرة وسيكونون التيّارَ الوحيد الذي لا يزول بفعل دمار أورشليم، فينظّمون الحياة الدينيّة اليهوديّة على أسس جديدة مبنيّة على تعلّقٍ بالتوراة ودرسها وحفظها والعمل بها.

ثانيًا: الصادوقيّون
يرتبطون بصادوق ويعتبرون نفوسهم حاملي الكهنوت الشرعيّ بحسب كلام حزقيال (40: 46). هم سلالة الكهنة والأرستقراطيّة الذين انفتحوا في عهد المكابيّين على الهلّينيّة وظلّوا أمناء للسلالة الحشمونيّة. اتّصلوا باليونانيين وتعلّموا منهم حبّ البذخ والاهتمام بالتجارة، وتعاونوا مع الرومان ليوفّروا على الشعب المذابح.
كانت لهم السلطة على الهيكل وشعائر العبادة والسنهدرين حتّى سنة 63 ق م يوم صار الكتبة أكثريّة المحكمة اليهوديّة العليا. هم يأخذون بأسفار موسى الخمسة ولا يهتمّون بالتقاليد الشفهيّة التي يعتبرها الفرّيسيّون بمثابة التقاليد المكتوبة. يرفضون القول بقيامة الأموات ويعتبرون أن الله يجازي الإنسان في هذه الدنيا (مر 12: 25)، ويقولون إنّ قواعد الطهارة تُلزِمُ الكهنة لا سواد الشعب الذي يستطيع أن يتّصل بالوثنيّين خارج إطار الهيكل دون أن يتنجّس (مر 7: 3- 3).
في القرن الأوّل ب م لم يبق للصادوقيين شيء: جرّدتهم رومة من السلطة السياسيّة حين أخذت تعيّن بنفسها رئيس الكهنة. وجرّدهم الفرّيسيّون من سلطتهم الدينيّة والأدبيّة فما عاد أحد يسمع لهم. كان لهم دور في قتل يسوع (يو 11: 49- 50) ودور في بداية ثورة سنة 30 ب م يوم رفض أحدهم تقديم ذبيحةٍ لأجل الإمبراطور. ارتبطت حياتهم بالهيكل، فلمّا زال الهيكل زالوا ولم يعد لهم من أَثَرٍ في الحياة اليهوديّة.

ثالثًا: الغيورون
هم أعضاء حركة متطرّفة تغوص جذورها في أعماق تاريخ الشعب، يتمثّلون بفنحاس (عد 25: 7 ي) وإيليّا (1 مل 18: 36 ي) وياهو (2 مل 9: 14 ي) ومتتيا وغيرهم فيقتلون كلّ خائن لشريعة الربّ. انطلقت حركتهم في عهد المكابيّين وقويت في عهد الرومان خاصّة لمّا قام يهوذا في السادسة ب م يعارض عمل كيرينيوس الوالي الذي أراد إحصاء السكّان لضبط الضرائب.
يبالغ الغيورون في ما يخصّ قداسة الهيكل وحرمة الشريعة، ويعتبرون أنّ الله ملكهم وقد أعطى شعبه أرضاً مقدّسة وهو لا يرضى أن تتنجّس هذه الأرض. فاليهوديّ الذي يخون دينه يجب أن يموت (اعتبروا إسطفانُسَ خائنًا فرجموه، رج أع 12:7 ي)، واليهوديّ الذي يخون سياسة بلاده يعاقب. أمّا الغير اليهودي (والمحتلّ المغتصب للأرض) فيجب أن يزول وبالأخصّ عندما يحتقر شعائر الديانة. فقد بدأت قلاقل بعد سنة 50 ق م لأنّ جنديًّا رومانيًّا أحرق دُرْجًا من أدراج التوراة ولأنّ آخر ارتكب فاحشة في الهيكل. 
اعتبر الغيورون الصادوقيّين خائنين لقضيّة المكابيّين فما استطاعوا التفاهم معهم، واعتقدوا أنّ عليهم تنظيف البلاد من كلّ نجاسة وكفر ليعجّلوا مجيء المسيح. فتصرّفوا على هذا الأساس من العنف إلى أن وصلت بهم الأمور إلى ثورة سنة 70 ب م.

رابعًا: الإسيانيّون
هم أعضاء من جماعة هربت إلى مغاور قمران على إثْرِ اضطهاد المكابيّين لسلالة صادوق. نظّموا نفوسهم تنظيمًا تسلسليًّا وجعلوا أبناء صادوق في قِمّة الهرم. تعلّقوا بالشريعة كالفرّيسيّين بل تجاوزوهم في ما يخصّ تواعد الطهارة والتمسّك بالأمور التقليديّة، ورفضوا الروزنامة السلوقيّة فلم يعيّدوا الفصح مع المعيّدين في الهيكل، وعادوا إلى الروزنامة القديمة. يغتسلون مرارًا في النهار ليكونوا دومًا أطهارًا، ويمتنعون عن الذهاب إلى الهيكل الذي غاب عنه رؤساء الكهنة من أبناء صادوق واعتبروا أنّ قداسة حياتهم تحلّ محلّ المحرقات بانتظار أن يعيد الربّ الهيكل إلى أصحابه الشرعيّين الذين يقيمون فيه حينذاك شعائر العبادة كما في السابق.
يعتبر الإسيانيّون نفوسهم جيش الله الذي سيحارب الكفّار ساعة يشير الربّ إليهم بذلك. وحرب الأرض رمزٌ إلى حرب السماء وفيها يقاتل الملائكة الشياطين في حرب إسكاتولوجيّة ينتصر الله فيها في آخر الأيّام، يزول الكفّار ويظفر القدّيسون.
أيُّ تأثير كان للإسيانيّين على المجتمع اليهوديّ في زمن المسيح؟ هذا ما لا نعرفه ولكنّنا نعرف أنّهم اتّصلوا بالغيورين سنة 66- 70 ب م وحاربوا الرومان، ولمّا أُحْرِقت أورشليم زال الإسيانيّون كجماعة سياسيّة ودينيّة منظّمة وبقيت آثارهم التي اكتشفت في مغاور قمران وبالأخصّ مخطوطاتهم التي حفظت في جرار من فخّار.

خامسًا: الهيرودوسيّون.
هم جماعة أسّسها هيرودس الكبير لتَسْنُدَ عمله السياسيّ وعمل أبنائه من بعده. (رج مر 3: 6). كانوا يعيشون على الطريقة اليهوديّة في فلسطين وعلى الطريقة الرومانيّة خارج فلسطين، وجلّ همّهم ترصّد التحرّكات السياسيّة التي تشكّل خطرًا على سلطة هيرودس.

سادسًا: المعمدانيّون
هناك مجموعتان: الأولى عاشت حول يوحنّا المعمدان (رج أع 18: 25؛ 19: 1- 5) والثانية حول يسوع (يو 3: 22؛ 4: 1- 2). إلاّ أنّه يجب علينا أن نميّز بين عماد يوحنّا الذي كان للتوبة وعماد يسوع الذي يَهَبُ نعمة الروح القدس والتبنّي. يجدر القول إنّ الذين تبعوا يوحنّا المعمدان سيلحقون بيسوع وأوّلُهم رُسُلُه يوحنّا ويعقوب وأندراوس.

سابعًا: السامريّون
هم جماعة مركِزُها السامرة لا يأخذون إلاّ بأسفار موسى الخمسة كتبًا قانونيّة مقدّسة، ولكنّهم يحترمون السبت ويمارسون الختان ويعيّدون أعياد اليهود. يرفضون الاعتراف بأورشليم كمدينة مقدّسة وبالهيكل كمعبد واحد لكلّ شعب الله، ويعتبرون جبل جرّزيم الذي يشرف على شكيم المعبد الحقيقيّ والوحيد في الأرض المقدّسة. على هذا الجبل يحتفلون بعيد الفصح، لأنّه مركِز بركة الله (تث 11: 29؛ 27: 12)، كما ينتظرون المسيح "الثائب" (رج ثاب في العربيّة) الذي لا يكون من نسل داود، بل موسى الجديد والنبّي الذي يتحدّث عنه سفر التثنية (18: 15): يقيم لكم الربّ نبيًّا من بينكم من إخوتكم مثلي، له تسمعون، قال موسى للشعب.

خاتمة
تلك كانت لمحةً سريعةً إلى فلسطين في زمان المسيح، تعرّفنا فيها إلى الأرضِ التي أقام فيها يسوع، والمجتمعِ الذي عاش فيه، والفئاتِ التي تعرّف إليها وعمل معها أو ضدّها. أجل، كان يسوع ابنَ مريم العذراء التي من الناصرة، وابنَ يوسفَ بالتبنّي وابنَ النجّار وقريبًا لمن يسمّيهم الإنجيلُ إخوتَه وهم يعقوبُ ويوسفُ وسمعانُ ويهوذا (مت 13: 55). كان يهوديًّا ككلّ اليهود وخضع للشريعة اليهوديّة ولعادات مجتمع بلاده. هذا هو وجه الإنسان في يسوع المسيح الذي حُدِّدَ في الزمان والمكان، ولكنّ هناك أيضًّا وجهَ الإلهِ في يسوعَ المسيح فصار لا ابنَ شعبٍ خاصّ، بلِ ابنَ كلّ الشعوب أو كما يسمّيه الكتاب: ابن الإنسان لأنّه قريب من كلِّ إنسان. ما استحى أن يدعوَ جميع الناس إخوته. بالعذاب الذي ابتُليَ به (عب 2: 18) والموتِ الذي احتمله (عب 2: 9) بان لنا إنسانًا ولكنّه بما أنّه إله تكلّل بالمجد والكرامة (عب 2: 9) بل سجدت له كلّ ركبة بانتظار أن يعلنَه كلُّ إنسانٍ ربَّ السماء والأرض (فل 2: 10- 11).
الفصل الخامس
فلسطين: الأدب اليهوديّ

يبدو أدبُ العالم اليهوديّ القديم، حتّى دمار أورشليم سنة 70 ب م، متشعّبًا ومتفرّقا. سنتحدّث عن ذلك الذي كُتب في اليونانيّة في فصل لاحق نجمع فيه كلَّ ما يعني يهود الشتات. ولكن لا ننسى أنّ اليونانيّة حفظت لنا من الضياع نصوصاً عبريّة وآراميّة عديدة. ثمّ إنّ هناك كتبًا تعود إلى السامريّين الذين انفصلوا عن اليهود بعد زمن الإسكندر، وأخرى تعود إلى جماعة قمران أو الإسيانيّين، سنتحدّث أيضاً عنها.
أمّا في هذا الفصل فنعالج أوّلاً: الترجوم والمدراش والتأويل اليهوديّ القديم. ونعالج ثانيًا الأسفار المنحولة التي ترجع إلى محيطات متعدّدة تمنعنا من اكتشاف قاسم مشترك يجمع بينها.

أ- الترجوم والمدراش والتأويل اليهوديّ القديم
احتلّت التوراة مكانة هامّة في العالم اليهوديّ. بدأ عزرا ونحميا عمل البناء وكمّله "السوفريم" أو رجال الأسفار والكتب، وعاونهم في ذلك نظام المجمع ليجعل الشريعة دستور الحياة اليهوديّة. إذن لا بدّ من جعلها في متناول الشعب. وظهر عمل التفسير والتعليم في نح 8: 1 ي. فانطلاقًا من نصّ كتابيّ محدَّد يَبرز نشاط أوّل هو ترجمة النصّ العبريّ الذي لم تعد تفهمه الجماعة. وهكذا حصلنا على السبعينيّة أو الترجمة اليونانيّة والترجوم أو الترجمة الآراميّة. ويَبرُزُ نشاطٌ ثانٍ على مستوى التأويل. وهكذا حصلنا على المدراش (من فعل درش. في العربيّة درس: بحث، فسّر الكتاب، تفحّصه).
نلاحظ في الكتابات البيبليّة الأخيرة عمل تفسير وتكييف للنصوص السابقة. مثلاً: قراءة التاريخ المقدّس في مز 78؛ حك 10- 19؛ حز 17. ونكتشف في هذا العمل الطرائق المدراشيّة التي ستتوسّع في آداب الرابّانيّين وفي الترجمة السبعينيّة وفي كتابات قمران.

1- الترجوم
الترجوم هو الترجمة والنقل. ولكنّه يدلّ عادة على ترجمات التوراة إلى الآراميّة لتُقرأ في المجامع. إنّ عادة ترجمة التوراة عادة قديمة سبقت المسيحيّة، ولكنّنا نجهل الزمن الذي فيه تراجعت العبريّة فلجأ المؤمنون إلى الترجمة في أرض فلسطين.
نحن نملك اليوم تراجيم (جمع ترجوم) التوراة كلّها (ما عدا عزرا ونحميا ودانيال) وقد أُلِّفت على مدى عشرة قرون من الزمن. بدأ الترجوم كتفسير شفهيّ نقلته الذاكرة، وتحقّق توافقٌ لتفسير المقاطع الصعبة والقراءات المعروفة وبالأخصّ قراءات الأعياد. وحين دُوِّنت هذه التراجيم صارت الإسهابات تقليديّة وأُقحمت في الترجمة الكاملة. وهكذا تضمّنت النسخاتُ الترجوميّةُ طبقاتٍ تحريريّةً تعود إلى أوقات مختلفة. طابعها الأوّل طابع شفهيّ، والإطار الذي ولدت فيه هو المجمع.
اكتشفت تراجيم في قمران (أجزاء من لا 16 وأي 17- 42)، فدلّ هذا الاكتشاف على وجود نصوص مكتوبة في القرن الأوّل ق م. هذا يؤكّد البراهين التي استنتجها العلماء من إيرادات نصوص العهد الجديد (أف 4: 8 تورد مز 68: 19) ويوسيفوس، والنصوص السريانيّة التي نُقلت في القرن الأوّل ب م فجاءت قريبة من الترجوم الفلسطينيّ. ولكنّنا لم نتأكّد بعد من استعمال تراجيم قمران في المجامع.
ويعود ترجوم البنتاتوكس (أسفار موسى الخمسة) الرسميّ (أونكلوس) وترجوم الأنبياء (يوناتان بن عزيئيل) إلى تحرير فلسطينيّ في آراميّة أدبيّة. وهذا التحرير كان أساس النشرات المتدرّجة في أكاديميّات بابل (حتّى القرنين الرابع والخامس ب م). وجاءت تراجيم أخرى للبنتاتوكس من فلسطين فمثّلت تفرّعات لشكل من الترجوم الشفهيّ لم يدوَّن يومًا في نسخة رسميّة موحّدة، بل دوِّن في القرنين الثاني والثالث في نمط من الآراميّة العامّيّة التي تكلّم بها الناس في القرن الأوّل ب م.
إنّ أهمّيّة الترجوم لتفسير العهد الجديد معروفة، لأنّ الموادّ التي ينقلها قديمة، وهي تبيّن كيف كانوا يفهمون التوراة في ذلك الوقت. فالعهد الجديد لم يرث توراة مترجمة فقط، بل توراة مفسّرة. كانوا يستندون إلى الترجوم لفهم نصّ كتابيّ. وبما أنّ الترجوم يصدر عن المجمع فهذا يعني أنّ التأويل الذي يقدّمه هو تقليديّ ومشترك بين الجماعات. ونشير إلى أنّ النسخات الفلسطينيّة لم تخضع لمراقبة الرابّانيّين فقدّمت لنا تفاسير نجد ما يوازيها في بعض الكتب المنحولة مثل سفر اليوبيلات.
ليس الترجوم نقلاً بالمعنى الحديث. ولهذا تكن أهمّيته في أساليب التفسير والتقنيّات التأويليّة وموقفه تجاه النصّ الملهم. كلّ هذا يجعلنا قريبين من النشاط المدراشيّ. فقبل الترجمة نفهم النصّ ونتفحّصه. وعلى النقل أن يجعل النصّ حيًّا وآنيًّا، واضحًا ومفهومًا، وأن يُكَيِّفَه بحواشي وإسهابات مع أفكار من الزمن والمحيط الذي ولد فيه. وهكذا يرتبط الترجوَم والمدراش بإطار واحد. أما الفرق الأساسيّ فالترجوم يظلّ ضمن حدود ترجمة تفسيرية، أما المدراش فيطلق العنان لتفسيره.

2- المدراش
المدراش ظاهرة معقَّدة ومحيِّرة، لأنّهُ ينطوي على كلّ البحث الكتابيّ كما كان الأقدمون يفهمونه. أمّا سِمته الجوهريّة فارتباطه بالكتاب وتأوينه للكتاب في كلّ وجهاته. وهو من جهة مضمونه يبدو في شكلين. فالبحث في الأقسام الإخباريّة أعطانا المدراش هاغادة (أي أخبر. من هنا المدراش الإخباريّ) الذي يتفحّص معنى الأخبار البيبليّة ويتوسّع فيها ليوضح معنى أحداث الماضي. أمِّا البحث في الأقسام التشريعيّة فيؤول إلى المدراش هلكه (أي سلك. من هنا المدراش السلوكيّ) الذي يصوغ قواعدَ عمليّةً ويحاول أن يجد تبرير العادةِ أو العُرْفِ. فالمدراش الإخباريّ يضمّ كلّ القصص والأساطير والتوسّعات الأخلاقيّة والتقوّية. والمدراش السلوكيّ يدلّ على تشريع محدَّد أو مجمل التشاريع.
ونتيجة هذا البحث (مدراش في المعنى العامّ) هي المدراشيم (أو المدارش). احتفظ العلماء بالتسمية ليدلّوا على تجميعات رابّانيّة متأخّرة، إلاّ أنّنا نستطيع أن نجعل معها بعض النصوص المنحولة (اليوبيلات، فيلون المزعوم...) وكتابات قمران (أبّوكريف التكوين). وتفسير (بشر في العبريّة) قمران هو شكل مدراش خاصّ وتأوين تاريخيّ يطبّق النبؤات القديمة على وضع خاصّ بجماعة العهد الجديد ويرى أنّها تَمَّتْ في هذه الجماعة. وقراءة الحاضر والمستقبل في الإعلان النبويّ على ضوء مجيء المسيح هي سِمة تميّز تأويل العهد الجديد.

3- مبادئ وقواعد التأويل اليهوديّ القديم
إنّ طريقة معالجة النص الملهم تدلّ على حرّيّة خلاقة وتكشف طرائق وأساليب ستصاغ فيما بعد في تواعد محدّدة.
فالمبدأ الأساسيّ هو أنّ الكتاب ملهَم. ونحن نلاحظ علاقة بين توسع المدراش والوعي التدريجيّ لقانون الأسفار المقدّسة. فلا يمكن أن تتضمّن التوراة خطأَ أو تناقضاً. لهذا يُحاول المدراش أن يجد تناسقًا بين النصوص التي تبدو متنافرة لأوّل وهلة (مثلاً: خر 12: 19 وتث 16: 8 عن الخبز الفطير أو تك 4: 26 وخر 6: 4 عن كشف اسم الله)، وأن يملأ فراغاتٍ ظاهرةً، وأن يشرح كلّ الصعوبات والتعقيدات (1 صم 13: 1). بما أنّ الكتاب هو كلام الله، فكلّ شيء فيه له معناه وبعده: كلمة لا قيمة لها، لفظة تتردّد، حدث بسيط. كلّ هذا له مدلوله العميق ويتطلّب بحثًا. وبما أنّ الوحي الإلهيّ انتهى، فكلّ شيء قد قيل. فعلى التوراة أن تقدّم الجواب لكلّ المسائل والحقائق والتقاليد التي تتوافق وكلَّ عصر. فعلى المفسّرِ أن يكتشف من خلال المعنى الحَرفيّ المدلولاتِ الخفيّةَ، وأن يفهم التعليم العمليّ الذي يجيب عن تساؤلات جديدة تطرحها أوضاع متغيرة. لهذ نقبل بسهولة أن يكون للنصّ الواحد معانٍ متعدّدة.
وهناك مبدأ أساسيّ آخر: يجب أن نعتبر التوراة كوحدة متكاملة. فكلّ مقطع يفسّره الكتاب كلّه. لا يهتمّ الشارح بالتقاليد والقرائن المختلفة والمفارقات التاريخيّة. تكفيه تطابقات لفظيّة ووجود كلمة واحدة في مقطعين ليؤسّس تأويلاً بالقياس. فَيُكَمِّلُ نصّاً غامضاً بنصّ أوضحَ ويستعين بتعليمات تاريخيّة مأخوذة من قرينة أخرى. ويربط بين مقاطع متلاحقة فيعطيها معنى جديدًا (مثلا بين عد 19 وعد 20 طقس ماء الطهور وموت مريم). ويقابل المدراش بين شخصين مختلفين (سام وملكيصادق، لابان وبلعام) ويعطي اسمًا لمن لا اسم له، ويعيد تأليف خبر بيبليّ منطلقًا من معطيات شعبيّة صارت تقليديّة. ويزول كلّ منظور تاريخيّ فيصبح عالم التوراة عالم المفسّر.
كلّ هذا وصل بنا إلى قواعد تفسيريّة تُنْسَبُ أقدمُها إلى هلاّل (بداية القرن الأوّل ب م) ولكنّها مأخوذة من العالم الهلّينيّ. أمّا أشهر قاعدتين فهما: البرهان بالحريّ، والبرهان بالقياس.

ب- الأسفار المنحولة في العالم اليوديّ الفلسطينيّ
استُعْمِلَت كلمة أبوكريف (أي منحول) لتدلّ على آداب الغنوصيّين الخفيّة، ولكنّها امتدّت إلى كلّ الأسفار التي رُذِلَتْ من بين الأسفار القانونيّة وكانت غريبة عن آداب الرابّانيّين. لا وحدة تجمع بين هذه المؤلّفات. بعضها كُتب في العبريّة، أو الآراميّة، والبعض الآخر دُوِّن مباشرة في اليونانيّة. بعضها ارتبط بمحيط قمران الكهنوتيّ وبعضها الآخر بالتيّار الفرّيسيّ، أو جاء من عالم الشتات. هناك مؤلّفات دوِّنت في العبريّة والآراميّة، ولكنّ المخطوطات لم تحتفظ لنا إلاّ بالنصّ اليونانيّ أو اللاتينيّ أو الآراميّ أو القبطيّ أو الحبشيّ أو السلافيّ. ولكن في أيّ حال، رذلها الرابّانيّون المتشدّدون فحافظ عليها المسيحيّون. ولكنّنا وجدنا أيضاً أجزاءً من هذه الأسفار المنحولة في مغاور قمران وفي خزانة (غنيزه) القاهرة.
يمكننا أن نقسم هذه الأسفار المنحولة كما نقسم أسفار التوراة. ولكنّنا احتفظنا بالفئات التالية: أخبار ممزوجة بالأساطير، تعليمات في شكل إخباريّ، تعليمات في شكل أقواليّ، نصوص شعريّة (مزامير أو حكم) ورؤى. بالإضافة إلى ذلك هناك مؤلّفات قصّرها الناسخون المسيحيّون وحوَّروها وصحّحوها. وهناك مؤلّفات ضاعت ولم يبق لنا منها إلاّ ما نقرأه عند الآباء أو الكتّاب السريان والبيزنطيّين.
نترك جانبًا الكتب الآتية من العالم اليوناني أو من مغاور قمران، لأنّنا سنعود إليها. ونلاحظ أنّ الكتَّاب اختبأوا وراء شخصيّة معروفة في التوراة: آدم وحواء، أخنوخ، نوح، إبراهيم وسائر الآباء، لاوي وسلالته إلى موسى، داود وسليمان، الأنبياء.

1- حول شخصية "النبيّ" أخنوخ
أوّلاً: الأدب الأخنوخي القديم
يبدأ "أبّوكريف التكوين" الذي وجد في قمران، بخبر سيرَوي منسوب إلى لامك: قَلقَ بسبب ولادة ابنه نوح العجيبة، فأرسل أباه متوشالح ليسأل جدّه أخنوخ في الفردوس. وهنا تأتي سلسلة من الأخبار والرؤى أبطالها هم آباء ما قبل الطوفان. أمّا أخنوخ "الذي اختطفه الله" (تك 5: 24)، فكان النبيّ المفضّل الذي استُودع أسرار الله وأعلن عنها. وتوسّعت أسطورته بعد أن اتّصلت بأساطير البابليّين التي عرفها يهود الشتات الشرقيّ. هناك تكوّنت التقاليد المجموعة في الكتب الأولى المنسوبة إلى أخنوخ: دوّنت في الآراميّة ووجدت منها أجزاء في مخطوطات عديدة في قمران.
أمّا أقدم الكتب فهو "الكتاب الفلكيّ" (أخنوخ 72- 82) الذي يحدّد أسس روزنامة شمسيّة نجدها في "اليوبيلات" وقد استعملتها جماعة قمران وعرفها المؤرّخ الكهنوتيّ. ويمكننا أن نحدّد القرن الثالث كزمن لتأليف "كتاب الساهرين" أو الملائكة الساقطين المسؤولين عن إفساد الأرض قبل الطوفان (تك 6: 1- 3). فهذا المؤلَّف المتعدّد العناصر (1 أخنوخ 1- 36) عُرف في اليونانيّة والآراميّة. يقدّم لنا شهادة أخنوخ على الساهرين ويروي أسفاره إلى فردوس الِبرّ حيث سينقله الله.
أمّا "كتاب الأحلام" (1 أخنوخ 83- 90) فهو رؤيا معاصرة لسفر دانيال (164 ق م). لم يعرف صاحبُ "اليوبيلات" (بين 125 و110) إلاّ هذه الكتب الثلاثة. بعد هذا انضمّت إليها "رسالة أخنوخ" (1 أخنوخ 91- 104) التي أقحمت فيها "رؤى الأسابيع" التي تعود إلى نهاية القرن الثاني. وأتاحت لنا محفوظات قمران أن نستعيد "كتاب الجبابرة" (رج تك 6: 4- 6) الذي احتفظ به المانويّون.
هل كوّنت هذه الكتب الخمسة بنتاتوكسًا منسوبًا إلى أخنوخ؟ مهما يكن من أمر، إنّ المؤلَّف نال في الترجمة اليونانيّة زيادات نكتشفها بسهولة (1 أخنوخ 106- 107، 108). ووضع "كتاب الأمثال" (1 أخنوخ 37- 64؛ 69: 26- 29) في وسط المجموعات مع زيادات يكون بطلها نوح (65: 1- 69: 25) وأخنوخ (70- 71). إنّ لجزء "الأمثال" أهمّيّة لاهوتيّة كبيرة لأنّه يلخِّص اعتقادات كاتبهِ الإسكاتولوجيّة، ويقدّم لنا، بشكل ديَّان في اليومِ الأخير وصانع الخلاص، شخصاً مسيحانيًّا يسمّيه تارة مختارَ الِبرّ وطَورًا ابنَ الإنسان. قد يكون الكاتب قدَّم في شميلة واحدة ثلاث صور موجودة في الكتب النبويّة: المسيح الداوديّ في أش 11، المختار في أش 42 و49، ابن الإنسان في دا 7. ربط العلماء هذا القمقم بقمران، ولكن لا ذكر فيه للمسيحانيّة الكهنوتيّة. وقال آخرون إنّه كتاب مسيحيّ دوِّن في القرن الثالث، ولكن لا تلميح فيه إلى موت المسيح. لهذا اعتبر الآخرون أنّنا أمام مؤلّف يهوديّ دوّن في القرن الأوّل ب م.
انتشر سفر أخنوخ في اليونانيّة في المحيط المسيحيّ (رج يهو 14- 15) واحتفظ لنا الآباء والمؤرّخون البيزنطيّون والبرديّات بأجزاء مهمّة منه. أمّا النصّ الكامل فموجود في ترجمة حبشيّة، وقد جُعل مع سائر أسفار التوراة. يبدو الكتاب تجمّعًا من الفنون الأدبيّة. ولكنّ الفنّ السائد هو الرؤيا: كشفُ أسرار السماء والأرض، كَشفُ مخطّطات الله في التاريخ. يشدّد أخنوخ على الإسكاتولوجيا الفرديّة أكثر من دانيال. وإنّ العهد الجديد سيستعمل الصور عن الفردوس والجحيم والبحر الأوّل كما وجدها في أخنوخ.

ثانيًا: الأدب الأخنوخيّ الحديث
يلتصق "كتاب أسرار أخنوخ" (2 أخنوخ) بالكتاب السابق ويأخذ عددًا من عناصره: اختطاف أخنوخ الذي يَعْبُرُ سبعَ سماوات، كشف أسرار الأرض والسماء، الإنباء بالطوفان، والتعليمات إلى متوشالح. ويزيد: مولد ولد عجيب سيُرفع إلى الفردوس لينجو من الطوفان ويصبح كاهن البشريّة: إنّه ملكيصادق المولود من عذراء. احتفظت لنا اللغة السلافيّة بترجمتين، وقد نُقلت القصيرة منهما في القرن العاشر عن اليونانيّة.
أمّا "كتاب أخنوخ الثالث" فهو تقميش رابّانيّ يعرّفنا بصوفيّة المركبة (رج حز 1- 3) اليهوديّة. دوِّن في القرن الثالث أو بعد ذلك، ولكنّه استعاد موادَّ قديمةً قد تُلقي ضوءًا على مقاطع من العهد الجديد (2 كور 12: 1- 4 أو سفر الرؤيا).

2- كتاب اليوبيلات
إنّ كتاب تقسيم الأزمنة حسب "يوبيلاتها وأسابيعها" هو في الواقع "رؤيا موسى" الذي نال وحيًا على جبل سيناء حين تلقّى فرائض الشريعة كلَّها. يستعيد الكاتب في هذا الإطار الاصطلاحيّ التاريخ الكتابيّ منذ الخلق إلى الخروج من مصر، ويدخله في 50 يوبيلاً من السنين. وبعد هذه الفترة الرمزيّة، يدخل إسرائيلُ إلى إرض الموعد. يطالب الكاتب بالأمانة للروزنامة الشمسيّة كما نجدها في سفر أخنوخ. وإذ يأخذ موادّ إخباريّة فهو يلخصّها تارةً ويتوسّع فيها طورًا، مستعينًا بأساطيرَ استقاها من سفر أخنوخ أو وصيّة لاوي أو أبّوكريف التكوين، وكلّها محفوظة في المحيطات الكهنوتيّة المتشدّدة. نكتشف في هذا الكتاب روح جماعة قمران في صراعها المرير ضدّ السلالة الحشمونيّة المتَّهمة بتدنيس الهيكل... وُجدت أجزاء من النصّ العبريّ في مغاور قمران ومقاطع يونانيّة وسريانيّة ولاتينيّة. أمّا النصّ الكامل فهو محفوظ في اللغة الحبشيّة. يبدو أنّ الكتاب دُوِّن في أيّام يوحنّا هركانس بين سنة 125 وسنة 110 ق م.

3- الوصيّات (جمع وصيّة)
إنّ لفنّ الوصيّة الأدبيّ سوابق في التوراة (تك 49؛ تث 33؛ 1 مل 2؛ طو 4؛ 14: 3- 11). قبل أن يموت السلف يعطي أبناءه تعليمات يوجّهها إلى نسلهم: ينقل إليهم إيحاءات حصل عليها ويُنْبِئُهم بالمستقبل. يستفيد الكاتب من إطار إخباريّ (هاغاده) أسطوري فيقدّم قواعد حياة (هلكه) حكيمة ومقاطع جليانيّة.

أوّلاً: وصيَّات الآباء
وصلت إلينا من خزانة القاهرة في نهاية القرن التاسع عشر أجزاء من "وصيّة لاوي" في الآراميّة. ثمّ وجدت "وصيَّات الآباء الاثني عشر" في مخطوط يونانيّ في جبل آتوس في اليونان. ووصلت إلينا أيضاً من مغاور قمران أجزاء من "وصية نفتالي" في العبريّة. تعود "وصيّة لاوي" إلى القرن الثالث ق م وهي ترتبط بمعهد شكيم القديم، وتبرِّر حقوق الكهنوت اللاويّ، وتحدِّد قواعد ليتورجيّة لتكريس الكهنة وتقديم الذبائح، وتشدِّد على ضرورة حياة مقدّسة. صارت هذه الوصيّة إرث قمران، فاستعملها كتاب "اليوبيلات". وزيدت على هذا المؤلَّف القديم وصيّتان أخريان: أقوال ورؤى عمران بن قهات بن لاوي المعروفة بواسطة أجزاء من المغارة القمرانيّة الرابعة. ثم "وصيّة قهات"، المعروفة بجزء واحد. ولكنّنا نجد عند الآباء أثرًا لهذه النصوص المترجمة إلى اليونانية. وتذكر "التأسيسات الرسوليّة" "كتاب الآباء الثلاثة" الذي يشير إلى هذه الوصيَّات الثلاث. نحن إذًا أمام مؤلَّف سبق الإسيانيّين وفرض نفسه في قمران.
أيّن دونت "وصيّات الآباء الاثني عشر" التي وصلتنا في ترجمة يونانيّة (نسخات عديدة) وترجمة أرمنيّة؟ في محيط ساميٍّ. ولكن يبدو أن يدًا مسيحيّة زادت بعض الأمور. مثلاً: الكاهن الجديد، ابن داود وابن لاوي هو يسوع.

ثانيًا: وصيَّات أخرى
ترد "وصيّة موسى" تحت اسم "انتقال موسى"، لأنّها ارتبطت بكتاب منحول عرفته العصور المسيحيّة القديمة. نملك مقاطع في اليونانيّة ونصّاً لاتينيًّا يكاد يكون كاملاً. أمّا الأصل فآراميّ أو عبرانيّ، ودليلنا إلى ذلك طرق التعبير الساميّة. الإطار هو خبر أسطوريّ: قبل أن يموت موسى، سلّم إلى يشوع وصيّته وأقامه في وظيفته (1، 11- 13). أمّا الوصيّة فرؤيا تكشف مستقبل إسرائيل (5- 10) وترسم الخطوط الكبرى لتاريخه. يندِّد الكتاب بالملوك الكهنة الحشمونيّين والكهنة الصادوقيّين والمعلّمين الفرّيسيّين (5: 1- 6: 1) ويتحدّث عن مُلك هيرودس وخلافته ويصل إلى حرب فاروس وعزل أرخيلاوس وينتهي بتوسعّ على الأزمنة الأخيرة: محنة واضطهاد، هرب الكاهن الأمين (تاكسو) إلى الصحراء، نهاية العالم وخلاص إسرائيل. ألِّف الكتاب بين سنة 7 وسنة 30 ب م في محيط أسيانيّ، فدلّ على القلق الإسكاتولوجيّ الذي حرَّك العقول في اليهوديّة قبل رسالة يوحنّا المعمدان ويسوع المسيح.
والمؤلَّف المسمَّى "وصيّة إبراهيم"، ليس وصيّة بل أسطورة تتعلّق بموت إبراهيم. أعطيَ لإبراهيمَ أن يتأمّل في السماء وأن يرى جرائم الأرض ودينونة النفوس المثلّثة. من هذا القبيل انتمى الكتاب إلى الأدب الجليانيّ. دوِّنت "وصيّة إبراهيم" في القرن الأوّل أو الثاني ولكنّها حوِّرت فيما بعد. ثمّ كانت ترجمات عديدة في العصر الوسيط قامت بها جماعات مسيحيّة وزادت عليها وصيّة إسحق ووصيّة يعقوب. هذا ما نجده في القبطيّة والعربيّة والحبشيّة.
"وصيّة أيوب" هي تفسير أسطوريّ لعناصر مأخوذة من سفر أيّوب. نجد خطبًا وأناشيد وصلوات مطبوعة بالطابع الأخلاقيّ. وفي النهاية يحمل الملائكة نفس أيّوب إلى السماء. دوِّن الكتاب حوالي السنة 40 وأشار إلى هجمة الفراتيّين على فلسطين. دوِّن في العبريّة أو الآراميّة، ولكن لم يبقَ لنا إلاّ الترجمة اليونانيّة.

4- مزامير سليمان
تتضمّن مجموعة المزامير المنسوبة إلى سليمان 18 مزمورًا. دوّنت في العبريّة ونقلت إلى اليونانيّة ومنها إلى السريانيّة. هناك تلميحات تاريخيّة تشير إلى احتلال بومبيوس لأورشليم سنة 63 وموته بعد معركة فرساليس سنة 48. إذًا، دوَّنت مزامير سليمان بين سنة 69 و47. أين دوِّنت؟ في محيط فرّيسيّ يشدّد على المسيح الداوديّ وعلى الرجاء بالقيامة.

5- توسّعات إخباريّة
أوّلاً: "القديميّات البيبليّة" لفيلون المزعوم
يروي هذا الكتاب التاريخ المقدّس منذ آدم إلى موت شاول. يستعيد عناصر من النصّ التوراتيّ ويقحم بينها تقاليد إخباريّة مثلاً: في زمن القضاة، تمتدّ قصّة قناز (قض 3: 9- 11) على فصول عديدة. من هذا القبيل تذكّرنا "القديميّات" بأبّوكريف التكوين الذي وُجد في قمران. كاتبها هو كاتب فرّيسيّ جمع عناصر تستعمل للوعظ في المجامع. أُلّف الكتاب في القرن الأوّل ب م وربمّا قبل سنة 70. ألِّف في العبريّة ونقل إلى اليونانيّة ثمّ إلى اللاتينيّة.

ثانيًا: توسّعات إخباريّة أخرى
نجد سلسلة من الأسفار المنحولة تدور حول شخص آدم. نقلت عن اليونانيّة إلى السريانيّة والعربيّة والقبطيّة والحبشيّة والأرمنيّة. نحن أمام مؤلَّفات مسيحيّة استَقَت من عناصر تعود إلى العالم اليهوديّ. أقدم هذه الكتب "رؤيا موسى". إنّه مدراش يتوسعّ في تك 1- 4. يتأمّل في خطيئة البدايات وتوبة آدم وحوّاء (كتاب اليوبيلات) وفي حياتهما حتّى موتهما. حصل موسى على كلّ هذه المعرفة يوم تسلَّم لوحي الوصايا.
عرف الرابّانيّون والآباء تقليد "استشهاد أشعيا" الذي اندمج في كتاب يبدو قسمه الثاني بشكل رؤيا مسيحيّة يصعد فيها أشعيا إلى السماء ويحصل على وحي عن المسيح الآتي. قد يكون الكتاب دوِّن في القرن الثاني ب م على يد مسيحيّ من أصل يهوديّ. 
ووُجد "استشهاد أشعيا" في "حياة الأنبياء" وهو جملة أخبار تستند إلى مجموعة يهوديّة دوِّنت في الآراميّة أو العبريّة في القرن الأوّل أو القرن الثاني. ولكن جاءت يد مسيحيّة فحوّرت النصوص الأصليّة فلمّحت إلى مت 5: 12؛ 23: 23، 30- 31، 37.

6- رؤى منحولة
دشّن الأدبَ الجليانيّ سفرُ دانيال وسفرُ أخنوخ. وستتكاثر الكتبُ الجليانيّة. ذكَرنا "وصيّةَ موسى" و"صيّة إبراهيم". وقدّمت لنا مغاورُ قمران أجزاءً عديدة. وسوف تتكاثر بعد سنة 70 ودمار أورشليم قبل أن تقاوم السلطات الرابّانيّة التيَّار الفكريّ الذي تمثّله هذه الأسفار.

أوّلاً: سفر باروك الثاني
تقع "رؤيا باروك" (محفوظة في ترجمة سريانيّة) في إطار إخباريّ يقرّبها من "أخبار إرميا". نرى النبيّ قبل وبعد دمار أورشليم. ينقسم الكتاب سبعة أقسام محدّدة في أماكن مختلفة: في أورشليم، في الهيكل، في حبرون، تحت السنديانة. يتضمّن القسم الأخير رسالة باروك. تتكوّن الأقسام الأولى من صلوات وأسئلة يطرحها النبيّ وأجوبة يرسلها الله. أمّا الأسئلة فتدّل على اهتمامات الكاتب: معنى دمار أورشليم، دينونة الله العادلة، مبدأ الثواب والعقاب الفرديّ، مجيء المسيح، مصير البشر الأخير.
دوِّن الكتاب بعد سنة 70 ولكن قبل "رسالة برنابا" (حوالي سنة 140) التي تذكر الكتاب. دوِّن في فلسطين وأرسِل إلى الجماعات اليهوديّة في الشتات. اقتصر تأثيره على العالم السريانيّ دون غيره.

ثانيًا: سفر عزرا الرابع
"رؤيا عزرا" الكبيرة هي كتاب مؤلَّف من سبع رؤىً. في الثلاثة الأولى يحصل النبيّ على جواب عن أسئلة تثيرها في عقله محنةُ إسرائيل. ونلاحظ اعتبارًا عن نتائج خطيئة آدم وعن الإسكاتولوجيّا الفرديّة. في الرؤى الثلاث اللاحقة، يتأمّل عزرا في أورشليم المرسومة بشكل امرأة، ويتحدّث عن التاريخ مستعينًا برمز النسر الكبير. ويدلّ على مجيء المسيح بصورة إنسان. وتتعلّق الرؤية الأخيرة بأسطورة عزرا الذي تنسب إليه الأسفار القانونيّة الأربعة والعشرون وسبعون كتابًا مخفيًّا.
دوّن الكتاب في الآراميّة، فضاع الأصل ووجدت ترجمات منها اللاتينيّة والسرّيانيّة.

ثالثًا: رؤى أخرى
الرؤى الأخرى عديدة ولكنّها اقتباسات مسيحيّة لتقاليد ونصوص يهوديّة. احتفظت لنا اللغة القبطية "برؤيا إيليّا" التي تتضمّن صورة عن المسيح الدجّال. واحتفظ لنا الخطوط القبطيّ عينه "برؤيا صفنيا" وتأمّلها في السماء وجهنّم. ثمّ إنّ "رؤيا باروك اليونانيّة" هي خبرُ سَفَر إلى السماء وجهنّم. ودوِّنت "رؤيا إبراهيم" في لغة ساميّة في القرن الأوّل أو الثاني ب م على يد يهوديّ صاحب ميول غنوصيّة. وهناك "رؤيا عزرا اليونانيّة" التي هي كتاب مسيحيّ. أمّا "رؤيا حزقيال" المعروفة في إيرادات آبائيّة فتعود إلى العالم اليهوديّ. ولكنّنا لا نعرف متى دوِّنت.
الفصل السادس 
الفكر اليهوديّ

تمثّل الديانة اليهوديّة التي ولدت بعد كارثة سنة 70 انتصارًا للتيّار الفرّيسيّ. ولكن لم يكن الأمر هكذا في النصف الأوّل من القرن الأوّل.
هناك السامريّون الذين يعتبرون نفوسهم الحاملين الشرعيّين للإيمان الإسرائيليّ، بينما يمثّل اليهود انشقاقًا وُلد مع تأسيس معبد شيلو. أمّا اليهود فيعتبرون السامرّيين غرباء جاء بهم ملك أشور من كوتا (2 مل 17: 24). ولهذا سمَّوهم "كوتيم" أي الآتين من كوتا. برز الخلاف بين السامريّين واليهود بمناسبة إعادة بناء الهيكل (عز 4: 1- 5)، ثمّ على أيّام عزرا ونحميا. وكانت مرحلة مهمّة يوم بنى السامريّون هيكل جرزيم حوالي السنة 330. أمّا الانفصال التامّ فكان سنة 129- 128 يوم هدم يوحنّا هركانس هيكل جرزيم. حينئذ انعزل السامريّون واكتفَوا بأسفار موسى الخمسة دون الأنبياء وسائر الكتب.
وهناك الفرّيسيّون الناذرون نفوسهم للشريعة والذين انضمّوا إلى متتيا وأتباعه. إستندوا إلى طبقة الكهنة وإلى التنظيم المعمول به في المجامع فكان تأثيرهم عظيمًا. كان عددهم يزيد على ستّة آلاف، وكان المتعاطفون معهم أكثر بكثير. إنفصلوا عن شعب الأرض فما كانوا يعاشرون إلاّ المحافظين بدقّة على الشرائع المتعلّقة بالعشور والطهارة. وضعوا على نفوسهم أن يتعلّموا الشريعة، لأنّ الجاهل لا يمكن أن يكونَ تقيًّا. وكان هدفهم أن يجعلوا من كلِّ إسرائيل شعبًا مقدّسًا. أمّا نقاط تعليمهم الهامّة فهي: انفتاح شامل، مساواة بين كلّ البشر، تشديد على قيمة الفرد، اعتقاد بالثواب والعقاب بعد الموت، بالخلود الشخصيّ، بوجود الملائكة وبالقيامة.
وهناك الصادوقيّون الذين خرجوا من طبقة الكهنة فشكّلوا حزبًا أرستوقراطيًّا. إرتبطوا بخدمة الهيكل وتقاليده فانفصلوا عن الشعب واكتفوا بالسلطة التي تمنحها لهم وظيفتهم. كانوا حزبًا دينيًّا يتألّف من الأشرات والأغنياء فشاركوا في السياسة الوطنيّة اليهوديّة منذ يوحنّا هركانس إلى أرسطوبولس الثاني (67- 63 ق م). حاولوا التعامل مع الرومانيّين وتجنّب الصراعات العنيفة بين المحتلّ والطبقات الشعبيّة. ولكنّ الذي أشعل ثورة سنة 66 ب م كان صادوقيًّا، هو أليعازر ابن رئيس الكهنة حنانيّا. رفض تقديم الذبيحة على نيّة الإمبراطور الرومانيّ. اشتهر الصادوقيّون بتعلّقهم بالمعنى الحرفيّ للكتاب، برفض التقاليد الشفهيّة. وقالوا: الكهنة هم المفسّرون الوحيدون للشريعة. كان الصادوقيّون ينكرون خلود النفس، والثواب والعقاب، والقيامة، وكانوا يكتفون بالقول بالشيول الذي هو مسكن الأبرار والأشرار بعد الموت.

أ- الأسيانيّون وجماعة قمران
1- معطيات تاريخية
أوّلاً: جماعة قمران
منذ سنة 1947 عَرَّفتنا مغاور قمران إلى مخطوطات قديمة تخصّ جماعة دينيّة تسمّي نفسها تارةً "الجماعة" وطورًا "العهد الجديد" وتسمّى أيضاً "الكنيسة" لأنّها ستضمّ في المستقبل كلّ أبناء إسرائيل. أمّا الأعضاء فتسمَّوا بأسماء مختلفة: المختارون، القدّيسون، المساكين، (أبيونيم)، أبناء صادوق، أبناء النور، الآتون إلى دمشق، المرتدّون عن الخطيئة.
وكانت هذه الجماعة الدينيّة متسلسلة: فالكهنة يمسكون بكلّ السلطات ولا شيء يُعمل بدون مراقبتهم حتّى في الأمور العاديّة. يأتمر بأمرهم اللاويّون والرؤساء العوامّ ثمّ الأعضاء، ويطيعونهم طاعة دقيقة. كلّ الخيرات مشتركة بينهم، وكلّ يعيش في الفقر ويرتبط بالجماعة. يمارسون شريعة موسى بكلّ صرامة: يحافظون على السبت حتّى النهاية فلا يساعدون من سقط في الماء. يشدّدون كثيرًا على الطهارة حسب الشريعة ويتجنّبون باعتناءٍ كلَّ اتّصال برجل نجس أو شيء نجس. يلجأون بتواتر إلى التوضّؤ، ليتطهّروا من كلّ نجاسة لحقت بهم صدفة. يعظون دومًا على حبّ القريب الذي هو فقط عضو الجماعة. يعلّقون أهمّيّة قصوى على الروزنامة البيبليّة القديمة المبنيّة على النظام الشمسي (12 شهرًا، كلّ شهر 30 يومًا، ويوم فاصل بين فصل وآخر، السنة من 52 أسبوعًا= 364 يومًا)، بعد أن بدّلها التأثير الهلّيني بروزنامة قمرية (أشهُرٌ من 29 أو 30 يومًا). ولكنّهم يحوّلون بعض ترتيبات في الشريعة: لا يسمحون بالطلاق ولا بتعدّد الزوجات، يمتنعون عن المشاركة في العبادة الرسميّة في الهيكل ما لم تتمّ حسب طقوس الجماعة وروزنامتها.
يملأ النهارَ كلَّه الشغلُ اليدويّ، ودراسةُ الشريعة والأنبياء وسائر كتب التوراة ومؤلَّفات معلّمي الجماعة ثلث الليل. وبفضل هذا النظام تلبث النفوس في روح صلاة عميقة، وهمّها أن تقدّم لله إكرامها وعبادتها. يسبق الطعام ويتبعه تبريكات خاصّة. لا شكّ في أنّ كثيرًا من هذه الأمور موجودة في العالم اليهوديّ، ولكنّ وجودها مجتمعة تعطي هذه الجماعة وجهًا نقدر أن نقابله ببعض الرهبانيّات.
كان الانتساب إلى الجماعة يسبقه طلب وابتداء يدومان سنتين يشارك خلالهما الطالب في حياة الجماعة مشاركة تدريجيّة. وفي النهاية كان يسلِّمها التصرّف بكلّ أملاكه. أمّا العضو العاصي فكان يُطرد لفترة معيّنة أو طردًا تامًا. وكان جدول محدّد يعاقب بصرامة اقلّ إهمال (مثلاً: الكذب، يبعد ستّة أشهر عن حمّام التطهير ويحرم من ربع الأكل. الانتقام أو الحقد: ستّة أشهر، الكلام البذيء: ثلاثة أشهر، الضحك الغبيّ: شهران، النقد: سنة واحدة.)

ثانيًا: هوِيّة هذه الجماعة
قال بعضهم: تُشْبِهُ الصادوقيّين أو الفرّيسيّين أو الغيورين أو المسيحيّين المُتَهوِّدِين. ولكنّ معظم العلماء يقولون إنّ جماعة قمران هم الأسيانيّون. فموقع قمران يطابق المكان الذي يتحدّث عنه بلينوس المؤرّخ. كشفت الحفريّات الأركيولوجيّة مبانىَ تتكيّف وحياة جماعة رهبانيّة. وما يذكره فيلون ويوسيفوس من سمات خاصّة بالأسيانيّين نجده في مخطوطات قمران. ولكن لا نطلب تماثلاً كاملاً. فالحركة الأسيانيّة ضمّت ميولاً متكاملة وتطوّرت على مدى تاريخها، فما استطاع أن يعرفها مراقب من الخارج (فيلون، يوسيفوس) كما يعرفها أعضاؤها ومحرّكوها.
ولكن تبقى بعض الصعوبات وبالأخصّ في ما يتعلّق بالزواج. ففيلون وبلينوس ويوسيفوس يؤكّدون أنّ الأسيانيّين مارسوا العفّة التامّة في الزواج، ما عدا فئة قليلة يشير إليها يوسيفوس. أمّا مخطوطات قمران فتتحدّث عن زواج آحادي، وتتضمّن المدافن جثث النساء. كيف نجيب على هذا الاعتراض؟ نظريًّا، سُمح بالزواج ومارسه أعضاء الجماعة في البداية. ولكن عمليًّا، فالورع الدينيّ ووسواس النجاسة حسب الشريعة أنميا عادة العفّة المطلقة، وهذا ما أدهش الكتّاب القدماء. ولقد عرفت الكنيسة الأولى تطوّرًا مماثلاً بالنسبة إلى البتوليّة: نذرت النفوس السخيّة طوعًا حياتها في عفّة كاملة ومن أجل أسباب مختلفة.

ثالثًا: الخطوط الكبرى لتاريخ الجماعة
يربط العلماء تأسيس هذه الجماعة بالثورة المكابيّة: إنّ الرغبة في طهارة دينيّة كاملة دفعت المؤمنين إلى مقاومة ناشري الحضارة الهلّينيّة مقاومة مسلّحة، وإلى ولادة حياة روحيّة جديدة تعتمد على ممارسة الشريعة ممارسة دقيقة.
حظيت الجماعة منذ بدايتها بوجود شخصيّة دينيّة رفيعة تسمّيها النصوص: "معلّم الِبرّ". فهو الملهِم وهو المشرِّع الأكبر. غير أنّنا لا نعرف متى مارس نشاطه. واجه بسمّو مثاله كهنةً أردياء ومتسلّطين في السلالة الحشمونيّة. وكانت صراعات عنيفة أُمسك فيها معلّم البرّ وعذِّب وأُرسل إلى المنفى. فالتجأ مع إخوته في عزلة قمران على الشاطئ الشماليّ الغربيّ للبحر الميت. ألدّ خصومه هو الذي سمّي "الكاهن الكافر". ولكنّنا لم نستطع إلى الآن أن نكشف هُوِيَّتَهُ.
وهناك وثائقُ تتحدّث عن "ذهاب إلى دمشق" لهذا نتساءل: أما أُجبر الأسيانيّون المضطهَدون على الذهاب إلى منفى بعيد، إلى أرض دمشق؟ ولكن قد يكون لهذه العبارة معنى رمزيّ: ينطلق الكاتب من 1 مل 19: 13- 15؛ عا 5: 27؛ زك 9: 1 ليدلَّ في أسلوب خفيّ على منطقة قمران نفسها.
ولما كانت الثورة اليهوديّة سنة 66- 70، إحتلّ الرومان أريحا في 21 حزيران سنة 68، وما عتّموا أن هاجموا مباني قمران ودمّروها، ونحن لا نزال نشاهد آثار الدمار بواسطة السلاح إلى اليوم. ولكن قبل أن يتشتّت أعضاء الجمعيّة أو يُذبحوا، فقد أخفوا في المغاور القريبة مكتبتَهم الثمينة. ظلّ بعض الأشخاص العزَّل يواصلون العمل بالمثال الأسيانيّ. ولكنّ الحركة الأسيانيّة ككلّ ماتت بعد هذه الكارثة. ولقد امتلكت مجموعة اليهود القارئين (لا يقبلون إلاّ بسلطة أسفار الشريعة) بعض كتبهم وحافظت على بعض ممارساتهم. ولكنّ حركة القارئين هي غير حركة الأسيانيّين.

2- نصوص قمران
قدَّم العلماءُ لائحة بما عُرف من وثائق قمران، لاسيّمّا الوثائق الآراميّة. ولكن ما تزال نصوص ومجموعات غير منشورة إلى الآن. أمّا المخطوطات البيبليّة فتقدّم مراجع هامّة للنقد الكتابيّ في العهد القديم. نجد أوّلاً: 57 عمودًا من صموئيل تقدّم نصًّا يختلف عن النصّ الماسوريّ ويقترب من نصّ السبعينيّة. ثانيًا: مخطوط كامل لأشعيا يختلف ألفَيْ إختلاف عن النصّ الماسوريّ. ثالثًا: مخطوط آخر لأشعيا قريب من النصّ الماسوريّ ولكن لم يبق منه إلاّ 12 عامودًا و11 جزءًا. رابعًا: كتاب المزامير، وسنتحدّث عنه فيما بعد. خامسًا: مئة مخطوط مجزّأة تتضمّن نصوصاً من كلّ أسفار العهد القديم (ما عدا أستير) بما فيها بعض الأسفار القانونيّة الثانية (طوبيّا في العبريّة والآراميّة، ابن سيراخ في العبريّة، رسالة إرميا في اليونانيّة. لم نجد شيئًا من سفرَيِ المكابيّين وسفر الحكمة). حيث تتوافق هذه المخطوطات مع النصّ الماسوريّ، فهذا يعني أنّ النصّ ثبت في بداية المسيحيّة، وحيث تتوافق مع السبعينيّة اليونانيّة أو البسيطة السريانيّة أو الترجوم الآراميّ فهذا يعني أنّ النقل تمَّ عن نصّ عبريّ يختلف عن النصّ الماسوريّ. ووُجدت أيضاً مخطوطات تضمّ أسفارًا منحولة مثل أخنوخ واليوبيلات ووصيّة لاوي ونصوص أخرى. أمّا نحن فنقرأ المؤلَّفات الخاصّة بجماعة قمران. ألّفها أعضاء مؤثِّرون في الجماعة، فعبّرت عن اتّجاهات عميقة.

أوّلاً: قانون الجماعة ووثائق ملحقة
نعرف نصّ ثلاثة قوانين: قانون الجماعة، قانون الحرب، وثيقة دمشق (التي عرفت أيضاً في خزانة القاهرة).
أمّا قانون الجماعة أو كتاب النظام فقد وصل إلينا كلّه تقريبًا. في المقدّمة (1: 1- 15) نجد الهدف: طلب الله مُمارسة الخير والحقّ حسب ما يأمر به موسى والأنبياء. نلزم نفوسنا بهذه الطريق "بالدخول في العهد" (1: 16- 2: 25) وهو رتبة مستوحاة من تث 28: 30. إنّ الله يطهّر قلوب "الداخلين في العهد"، أمّا الآخرون فيلبثون في خطاياهم (2: 25- 3: 12). ويسود مخطّط الله على العالم (3: 13- 4: 26)، تعليم الروحيّين ألذي يقسم البشريّة قسمين: أبناء الظلمة وأبناء النور. ثمّ تأتي جملة فرائض تنسّق حياة الجماعة وتنظيمها الداخليّ (5: 1- 6: 23)، من نظام حقّ التصدّر إلى أزمنة الابتداء إلى برنامج الأيّام، ونظام صارم يدلّ على العقوبات التي يتحمّلها العضو بسبب أخطائه (6: 24- 7: 25؛ 8: 16- 9: 2). هناك توسّعات تبيّن دور الجماعة في تقديس أعضائها، وتعرض الرجاء الأخير (8: 1- 16، 9: 3- 11). أمّا المثال الذي تَنشده فيشدّد على بعض وجهات الشريعة: الروزنامة المقدّسة (مثل أخنوخ واليوبيلات)، الطهارة بحسب الشريعة، الهرب من الفاسدين (9: 12- 10: 1). وأخيرًا تنشد قصيدةٌ طويلة (10: 1- 11: 22) مجدَ الله. فكلّ دقائق الإنسان وكلّ حركاته هي مناسبة لتمجيد الله. وشقاء الإنسان يبيِّن حكمةَ الله وقدرتَه ورحمتَه.
نجد في هذا القانون الفرائض القانونيّة والتعليمات اللاهوتيّة والقواعد الليتورجيّة والتأمّلات الشعريّة. غير أنّ الكتاب يدلّ على وحدة في الإلهام: إحساس بالله العظيم، رغبة في أن نجاوب حبَّه ونعلن مجده. ونتيجة هذا هو بغض الخاطئين (يقولون إنّ الله نفسه يبغضهم)، والهرب من كلّ من لا ينتمي إلى الجماعة ولو كان يهوديًّا.
هناك ملحقانٍ لهذا القانون: "قانون لكلّ جماعة إسرائيل" من أجل الآتي من الأيّام لا من أجل الحاضر، و"مجموعة التبريكات".

ثانيًا: قانون الحرب
إنّ "قانون حرب أبناء النور ضدّ أبناء الظلمة" موجود في مخطوط احتفظ بالقسم الفوقيّ لتسعة عشر عامودًا. يتحدّث الكاتب عن حرب إفناء تضع حدًّا لتسلّط بليعال فتلزمنا بصراع نهائيّ ضدّ الشر والأشرار. فخلال أربعين سنة (نطرح منها السنوات السبتيّة) يُفني أبناءُ النور، بمعاونة الله وجيوش الملائكة، كلَّ الكفّار أكانوا يهودًا أم وثنيّين. كلّ شيء قد هُيئ لهذه المعركة: الأبواق، الأعلام، الأسلحة، المناورات، الخطب الحماسيّة وأناشيد النصر... ويرافق حبُّ الله الصادق بغضاً للكفّار لا يلين. ينسى الكتاب النصوص البيبليّة التي تشير إلى إرتداد الخاطئين أو إلى الخلاص الممنوح للوثنيّين. كم نحن بعيدون عن الإنجيل. ونجد في الخطب معانيَ لاهوتيّةً ثمينة: ثقة بقدرة الله، انتظار معجزات جديدة، لعنة بليعال والشياطين، الإعجاب بمعجزات الله وملائكته، تحريض على البطولة.

ثالثًا: وثيقة دمشق
عُرف هذا المؤلَّف منذ سنوات لأنّ العلماء اكتشفوا له مخطوطين في خزانة جماعة القارئين في القاهرة. أمّا الأجزاء التي وجدت في قمران فهي تدلّ على جذوره. أمّا اسمها (وثيقة دمشق) فعائد إلى التلميح عن هرب الجماعة إلى دمشق. الوثيقة قريبة من "قانون الجماعة" وهي تستعيد فنّه الأدبيّ لتشدّد على ترتيباته. فبعد اعتبارات حول سقوطات إسرائيل المتكرّرة عبر تاريخه (1: 1- 6: 2)، تحتفل الوثيقة "بالعهد الجديد" المعقود بين الله والمرتدّين الآتين من أرض دمشق (6: 2- 8: 21؛ 19: 20)، وتقدّم قواعد دقيقة لهؤلاء المرتدّين (9: 1- 16: 19). تفاسير الكتاب الرمزيّة كثيرة. "والعهد الجديد" ليس عهدًا ثانيًا يلي العهد القديم (كما في عب 8: 6، 13) بل "عهد رجوع إلى شريعة موسى". ولكن تبقى عبارة غامضة: ما معنى "المجيء إلى أرض دمشق"؟ هل تدلّ على قمران أو تشير إلى منفى أبعد؟ لم يتّفق الشرّاح على جواب.

رابعًا: درج التسابيح (هودايوت)
نجد تسابيح في قانون الجماعة وقانون الحرب وفي مجموعة هودايوت. يسلّم الشاعر إلى الله، في تأمّلات شعريّة جميلة، عواطفهَ العميقة وتشكّياته وقلقَهُ وأَمله وثقته وحبِّه البنويّ. نحن أمام نفس شريفة ودينيّة تعبِّر عمّا في داخلها. أيكون مؤلِّف التسابيح معلّم البرّ؟ الأمر معقول جدًّا. فالكاتب يملك إحساسًا بعظمة الله وقداسته ورحمته. وبالمقابل يحسّ بشقائه البشريّ. وهكذا يتوصّل إلى تأمّل في عمل الله من أجل البشر أو بالأحرى من أجل المختارين يساعدنا على استباق توسّعات القدّيس بولس. فعَبر هذه الأناشيد نجد أغنى صورة لكنوز الأسيانيّين الروحيّة.

خامسًا: نصوص ليتورجيّة أخرى
هناك أجزاء لنصوص ليتورجيّة موجودة في مغاور قمران. منها "أقوال المنائر" التي تتضمّن تذكيرًا بإحسانات الله إلى إسرائيل وتوسّلاً من أجل الخلاص. ثمّ "قانون الأناشيد لمحرقة السبت" الموجود في أربعة مخطوطات قمرانيّة ومخطوط من مصعده. في جزء أوّل يتدخّل أمراء الملائكة السبعة الذين يقفون على قِمّة المراتب السماويّة ليباركوا أعضاء الجماعة. ويصوّر الجزء الثاني ليتورجيّة سماويّة يتّخذ مواضيعها من حز 1- 2 ويقدّمها كنموذج للإكرام الذي نقدّمه لله على الأرض. بما أنّ أهل قمران امتنعوا من الذهاب إلى الهيكل، وبما أنّ لا شيء يبرهن على أنّهم قدّموا محرقات في قمران، فقد أُعِدَّت هذه الليتورجيًّا في حال إعادة العبادة الشرعيّة كما كانوا يرجون ويتوقّعون.
أمّا "درج المزامير" فهو يتضمّن جزءًا من المزامير 93- 150 في ترتيب يختلف عمّا في سفر المزامير. وهو يضمّ أيضاً مقاطع مختلفة: نشيد من أجل الخلاص، نشيد ابن سيراخ (سي 51: 13- 30)، مناجاة لصهيون، تسبحة للخالق، المزمور 151 (نجده في نهاية السبعينيّة)، مزموران آخران معروفان في العالم السرّيانيّ. وتتضمّن المجموعة أيضاً تعداد تآليف داود يدلّ على علاقة وثيقة بالروزنامة الليتورجيّة المحدّدة حسب نموذج سفر اليوبيلات.
وهناك درج آخر للمزامير يضمّ إلى مز 91 تآليف مجزّأة.

سادسًا: بشاريم أو تفاسير
إستعمل دانيال كلمة "بِشِرْ أو تفسير" ليدَّل على تفسير الأحلام أو كتابة سرّيّة. ومارس دانيال أيضاً تفسير الكتب المقدّسة حسب أسلوب مماثل (دا 9 فسر إر 25: 11- 12). وتعمَّم هذا الأسلوب في قمران وفي عدد من المؤلفات. يقتطع الكاتب النصّ (النبويّ أو المزموريّ) جملة جملة فيفسرّها بطريقة منظّمة. فبعد كلّ إيراد يبدأ التطبيق بعبارة موحّدة: يقوم التفسير. من هنا الاسم المعطى لهذه التفاسير. لسنا أمام تفسير حرفيّ بل أمام تطبيق الكتاب المقدّس على تاريخ الجماعة. يتحدّثون عن تلميحات غامضة وعن محن قاساها معلّم البرّ الذي اضطهده الكاهن الكافر. ولكن هذا الكاهن سيعاقبه الله فيسلّمه إلى غزاة أشرار هم "الكتيم". كاد النصّ يكون ثمينًا من أجل تاريخ الجماعة لو توضّحت لنا الأمور وعرفنا هُوِيَّةَ الأشخاص. إلاّ أنّ سرّ هذه التلميحات ظلَّ غامضاً.
"بشر حبقوق". إنّه يفسّر الفصلين الأوّلين في أحد عشر عامودًا. ونملك أيضاً "بشر أشعيا" وخمسة مخطوطات تفسّر أشعيا ومخطوطين يشرحان هوشع و"بشر ناحوم"، وتفاسير عديدة للمزامير أهمّها تفسير مز 37: 7- 40، ومز 45: 1 ي. كلّ هذا يدلّ على نشاط كبير في تفسير الكتاب المقدّس لإنارة الخبرة التاريخيّة لمجموعة تعيش في انتظار التحرّر من بليعال.
تذكر هذه التفاسير اسم ملكين سوريّين: أنطيوخس إبيفانيوس (175- 164 ق م)، ديمتريوس الثاني (96- 88)، خصم إسكندر يناي الحشمونيّ. وسنجد ما يقابل هذا "البشر" أو التفسير في العهد الجديد (مثلاً: أع 4: 25- 28؛ 8: 32- 35). وهناك وثيقة تطبِّق على محرّر عتيد اسمه ملكيصادق نصوصاً بيبليّة تشير إلى السنة اليوبيليّة (رج تك 14؛ مز 110: 4). وهناك وثيقتان أخريان تقابلان بين ملكيصادق (ملكي هو البرّ) وملكيراشع (ملكي هو الكفر).

سابعًا: التوسّعات الإخباريّة (هاغادة)
تحدَّثْنا عن أخنوخ الأوّل وسفر اليوبيلات ووصيَّات الآباء. ويبقى أن نتحدّث عن "أبّو كريف التكوين". كتاب آراميّ نُسخ في بداية العهد المسيحيّ، ولكن يمكن أن يكون أُلّف قبل هذا التاريخ. نجد خبرًا يروي فيه لامك مولد نوح العجيب، وخبرًا يروي فيه نوح الطوفان، وتقسيمًا جغرافيًّا للشعوب، وخبرًا يروي فيه إبراهيم ما نقرأه في تك 11: 13، ثمّ خبرًا في صيغة الغائب يشتمل على تك 14- 15 وبتقارب ممّا نقرأ في الترجوم. أمّا النهاية فضاعت. خبرا نوح ولامك قريبان من نصوص أخنوخ، وخبر أخنوخ قريب من نصوص اليوبيلات.
"دورة دانيال". كُتبت "صلاة الملك نبوكد نصّر" في الآراميّة فجاءت موازية لما نقرأ في دا 4: 1 ي. وهناك ثلاثة نصوص ترتبط بدانيال فتعود إلى الماضي وتتبع الخطوط الكبرى للتاريخ المقدّس وتستعمل نظريّة الممالك الأربع (رج دا 2: 1 ي؛ 7: 1 ي) وتنتهي بمعركة التحرير. يبدو أنّ النصّ يعود إلى سنة 100 ق م.

ثامنًا: التراجيم (جمع ترجوم)
رغم استعمال العبرانيّة في قمران، فقد وجدت نصوص آراميّة. فهناك أجزاء من "ترجوم اللاويّين" وهو شرح حرفيّ. و"ترجوم أيّوب" في أجزاء من 38 عامودًا. نحن أمام ترجمة حرفيّة مع بعض الحواشي التفسيريّة. ولكنّ النهاية (أي 42) هي أقصر ممّا نجد في النصّ الماسوريّ وتختلف عمّا نقرأ في السبعينيِّة.

تاسعًا: كتب أخرى
ونجد فنونًا أدبيّة أخرى لا نعرف كيف نرتّبها لأنّها وصلت إلينا في أجزاء منقطّعة. ففي مجموعة "الشهادات" نجد مزمورًا منحولاً ليشوع، ونشيدًا يصوّر، بلسان زانية، شيعةً تعارض جماعة قمران. تستعيد "أقوال موسى" أهمّ نقاط الشريعة التي يجب حفظها. ويهتمّ "كتاب الأسرار" بأسرار المستقبل كما تفعل أسفار الرؤى. ويرتبط بالفنّ الرؤيويّ "تصويرُ أورشليم الجديدة" (مخطوطات عديدة): يعود الكاتب إلى حز 40- 42 فيصوّر مدينة مثاليّة حيث كلّ شيء (حتّى قياس الطول والعرض) له قيمةٌ رمزيّة. نحن قريبون ممّا نقرأ في رؤ 21. وهناك نصوص أخرى تقدّم لنا سلسلة من دراسة لبروج السماء تعود بنا إلى عم الفراسة والفلك.

عاشرًا: درج النحاس
وجد في المغارة الثالثة درجان من نحاس يشكّلان وثيقة واحدة. فالنصّ المحفور بالإزميل على أوراق من نحاس يعدّد مخابئ ستّين كنزًا تمثّل كمّيّة كبيرة من الذهب والفضّة والبخور. هل نحن أمام كنوز حقيقيّة أم كنوز خياليّة؟ وهل يعود الدرج إلى أصل قرانيّ؟ قد تمثّل هذه الكمّيّات التقدّمات المدفوعة للخزانة اليهوديّة بين ثورة سنة 70 وثورة سنة 135.
وفوق مكتشفات قمران التي تعني فترة تنطلق من سنة 150 ق م إلى سنة 68 ب م، هناك مغاور أخرى قدّمت لنا وثائق أخرى. في مصعدة وجد مخطوط ابن سيراخ ومخطوط عن "الليتورجيّا الملائكيّة". في مغاور مربّعة وجد أرشيف يعود إلى مقاتلي الثورة الثانية (132- 135 ب م) وقد كُتب في العبرّية والآراميّة واليونانيّة واللاتينيّة، كما وُجد درجٌ يونانيّ يتضمِّن نصّ الأنبياء الاثني عشر. وفي مغاور خربة مرد وجدت أجزاء من العهد القديم والعهد الجديد نسخت في القرن السادس ب م.

3- فكر قمران
الميزة الرئيسيّة لجماعة قمران هي الأمانة: أمانة لله بمشيئته، أمانة للعهد المجدّد في كلّ نقاوته. أمانة لشريعة موسى نحافظ عليها بدون مساومة، أمانة لتعليم الأنبياء نفهمه فهمًا صحيحًا، أمانة لعظماء الكهنة الشرعيّين في بيت صادوق، أمانة للروزنامة الشمسيّة التقليديّة. من هذا القبيل يبدو فكر قمران في أساسه فكر العهد القديم مع تشديد على حضور الله وإحساس بمجده. أهل قمران يمارسون الشريعة اليهوديّة ولا يقبلون بفتاوى وتهرّبات المعلّمين. ولكنّهم في المقابل يشدّدون على بغض الله للخطأة ويتطلّعون إلى يوم يستأصلونهم كلّهم عن بكرة أبيهم. ويضخمّون أهمّيّة الطهارة الطقسيّة ويفرضون على كلّ واحد ما يُفرض على رئيس الكهنة المحتفل في يوم التكفير (كييور). ويعتبرون أنّ الاحتفالات الليتورجيّة التي يقوم بها أحبار غير شرعيّين حسب روزنامة قمر0يّة وغير تقليديّة هي احتفالات باطلة وشرّيرة، ولهذا فهم لا يذهبون إلى الهيكل. إنّهم ينتظرون بفارغ الصبر التحرير العسكريّ الذي يُفني أبناء الظلمة. ولكنّهم يحتفظون للممسوح الخارج من داود دورًا تابعًا لدور الممسوح الخارج من هارون. وهذا التحرّر الذي يريح الأرض من كلّ الوثنيين ومن كلّ اليهود المتجاوزين العهد، يحمل رجوعًا إلى حياة الفردوس. ويتوسّعون في التعليم عن الملائكة ويشدّدون على تأثير الملائكة والشياطين على قلب الإنسان، وفي مسيرة الأحداث التاريخيّة. ويتجاوزون أيضاً مواقف العهد القديم فيتحدّثون عن مشاركة في الخيرات وعن منع للطلاقِ وتعدّدِ الزوجات. مثل هذه الحياة القشفة استحقّت إعجاب بلينوس الاكبر ويوسيفوس المؤرّخ لأنّها كانت نابعة من تقوى صادقة وجريئة. إنّ الحياة الروحيّة في قمران هي أجمل ما في العالم اليهوديّ من غنى.
العلاقات بين قمران والعهد الجديد حقيقيّة، ولكن يجب أن لا نضخّمها. فالأسيانيّة تيّار يهوديّ كسائر التيّارات ولكنّه بعيد عن الإنجيل في ما يخصّ الطهارة بحسب الشريعة وشموليّة الخلاص. ولكن هناك اتّصالات مباشرة في ما يتعلّق بممارسات عمليّة: العزلة في البرّيّة، العفّة، طلب الفقر، المشاركة في الخيرات. وهناك عبارات في العهد القديم قد ترتبط بعالم لهران: سرّ، مصير، بليعال، أبناء النور... ولكنّ العهد الجديد سيصحّح عقليّة بإمكانها أن تقود الناس إلى روح حرب دينيّة أو إلى روح قانونيّة لا إنسانية.

ب- العالم اليهوديّ اليونانيّ: معطيات تاريخيّة
1- الجماعات اليهوديّة في الشتات
أوّلاً: أصل الشتات وانتشاره
لن نعود إلى أصل الشتات اليهوديّ. إنّه تَحَقَّقَ منذ سي بابل، وتوسّع وتَنَظَّمَ شيئًا فشيئًا في أيّام حكم الفرس. ولمّا جاء الإسكندر، دخلت الجماعات اليهوديّة المحلّيّة في العالم الهلّينيّ دون أن تخسر أصالتها اليهوديّة. ولكن ستظهر الاختلافات على المستوى اللغويّ: ففي الشتات الشرقيّ (بابل، إيران) ساد استعمال الآراميّة، وفي الشتات الغربيّ (مصر، سورية وحوض البحر المتوسّط) صارت اليونانيّة اللغة المشتركة. أمّا فلسطين فكانت نقطة التقاء: كان الشعب يتكلّم العبريّة والآراميّة، ولكنّ الحضارة اليونانيّة تركت أثرًا كبيرًا في العقول.
لن نتحدّث هنا عمّا نشر من آداب يونانيّة في فلسطين، بل نقصر نظرنا على الشتات الغربيّ ولغته اليونانيّة.
منذ عهد بطليموس الأوّل (323- 283) كان في مصر مستوطنات عسكريّة من أصل يهوديّ. وازدهر عدد السكان اليهود في العصور التالية وامتدّ في الريف حيث كوَّن اليهود ضِيَعًا، وفي الإسكندريّة حيث شغلوا أحياءً بكاملها. فالنظام القائم أمَّن لعائلات الجنود قطعة أرض فنحهم أساس حياتهم المادّيّة. وانضمّ إلى هذه المجموعة المكوَّنة حشد من التجّار والموظّفين العاملين لدى الملك. ما كان عدد يهود مصر؟ يتكلّم فيلون عن مليون نسمة وهذا يعني ثمن سكّان البلاد. لاشكّ في أنّ الرقم مبالغ فيه. ومن مصر انطلق اليهود إلى القيروان ثمّ إلى صقلّية وإيطالية. ومقابل هذا، والمواصلات سهلة بين فلسطين وسورية، عبر البحر أو عبر الأرض، تأسّست جماعات يهوديّة في دمشق وأنطاكية، في كلّ آسية الصغرى، في جزر البحر الأيونيّ، في مكدونية وفي اليونان. فاللائحة التي نقرأها في 1 مك 15: 22- 24 تلمّح إلى أماكنِ سكنِ اليهود في القرن الثاني ق م. والتي نقرأها في أع 2: 9- 14 تزيد على معلوماتنا عن الشتات الشرقيّ.
هل نستطيع على هذا الأساس أن نخمّن عدد السكّان اليهود في الإمبراطوريّة الرومانيّة؟ اختلفت الآراء. كان سكّان فلسطين بين 500000 ومليون إذا حسبنا معهم غير اليهود. وقال ابن العبريّ إنّ عدد اليهود في العالم هو 7000000. مهـا يكرر من أمر فنحن لا ننكر أنّ عدد اليهود كان كبيرًا جدًّا. اهتمّ اليهود بالقيم العائليّة وبالزواج الخصب يوم عرف العالم اليونانيّ تناقصاً في الولادات حاولت أن تجد له السلطات دواء. ثمّ إنّه في الزواجات المختلطة، كان أولاد الأمّ اليهوديّة ينضمّون شرعًا إلى شعب إسرائيل شرط أن يكونوا خُتنوا، وتربَّوا حسب الشريعة. ومقابل هذا، كانت الأمّ الغريبة تتبع ديانة زوجها. ثمّ إنّ امتيازات اليهود في الممالك الهلّينيّة ثمّ في الإمبراطوريّة الرومانيّة جعلت الكثير من الفينيقيّين والسوريّين ينضمّون إليهم. وإذا وضعنا جانبًا مصر حيث كثرت الجماعات اليهوديّة الريفيّة، فأكثر الجماعات أقامت في المدن وظلّت علاقاتها متينة بأورشليم والهيكل ولاسيّما خلال أيّام الحجّ.
ثانيًا: الوضع القانونيّ وتنظيم اليهود
إذا أردنا أن نفهم وضع اليهود القانونيّ نتوقّف عند أمرين. الأوّل هو أنّ الدول عرفت رسميًّا شريعة إسرائيل. ففي أيّام عزرا الذي أوفدته السلطات الفارسيّة ليثبّت هذه الشريعة، صارت الشريعة أساس وضع يجعل من اليهود شعبًا محميًّا يتمتّع باستقلال داخليّ على المستويات العباديّة والثقافيّة واللغويّة والقانونيّة والاجتماعيّة. فلم يبق للدولة إلاّ الأمور السياسيّة. وهكذا انضمّت الأمّة اليهوديّة إلى الإمبراطوريّة واستندت إلى الدولة. كان رئيس الكهنة قائدَها الدينيّ والمحافظَ على حقّها وكافلَ صدقها وولائها. انتقل هذا الوضع من عهد الفرس إلى عهد الإسكندر وخلفائه، بل إلى البطالسة والسلوقيّين، ما عدا في أيّام أنطيوخس إبيفانيوس الذي فشل في محاولته، فدفع المكابيّين إلى تكوين دولة يهوديّة. وظلّ الوضع كذلك في أيّام الفراتيّين والرومانيّين مع بعض التعديلات الطفيفة التي لم تمسّ الجوهر.
إهتمّ العالم الهلّينيّ المعروف بطابعه الدوليّ، باحترام حرّيّات الأفراد والمدن. ولهذا حافظ على استقلال اليهود. ولكن اختلف وضع الشتات عن وضع فلسطين. فقد كان اليهود في المدن غرباء يحصلون على حقّ الإقامة. ولكنّ استقلالهم التشريعيّ أتاح لهم أن يكوِّنوا جماعات تدافع عن حقوقهم، وأن يديروا شؤونهم في ما سمّي "بوليتوما" محاذية للنظم المحلّيّة في المدينة الواحدة. يتحدّث سترابون (نقله فلافيوس يوسيفوس) عن أتنارخِس أو قائد جماعة الإسكندريّة. ولكنّ الإمبراطور أوغسطس أحلّ محلّ الأتنارخِس غاروسيا أو مجلس شيوخ يدير شؤون اليهود: يتألّف من رئيس المجلس ورئيس المجمع ومستشارين وسكرتير. كان لهذه "البلديّة" الحرّة محكمتها الدينيّة والمدنيّة. تلك كانت الحال في الإسكندريّة وفي سائر مدن الإمبراطوريّة الرومانيّة (أع 9: 1- 2؛ 18: 12 - 15). وهذا ما يفسّر لقاء الوعّاظ المسيحيّين بالسكّان اليهود والسكان اليونانيّين على التوالي.
كان اليهود يكوّنون مجموعات متراصّة حول مجامعهم حيث يجتمعون للصلاة وقراءة الشريعة، وكانوا يتّصلون بالوثنيّين من أجل حاجات الحياة اليوميّة. كان لأماكن الصلاة هذه وضع رسميّ في الشرع الرومانيّ. ففي مصر كانت المجامع تعتبر موضع ملجأ شأنها شأن الهياكل الوثنية. وإذا لم يكن هناك من مجمع، كان المؤمنون يجتمعون في الهواء الطلق (أع 16: 13). كان رئيس المجمع عالمًا بالكتب وكان يرئس الخدمة العباديّة. وكان يعاونه شيوخ يقيمون خارج فلسطين وقارئ يترجم نصوص التوراة. كانت السلطة تحمي شعائر العبادة، وسائر الممارسات، وهكذا انحلّت مشكلة حفظ السبت لدى اليهود العاملين في الجيش. وترتّبت حياة اليهود حسب السبوت والأعياد فسارت على هامش حياة المدن الوثنيّة التابعة لروزنامة أخرى والمتجاهلة للعادات اليهودية. ولمّا أدخل مجلس الشيوخ الرومانيّ عبادة الإمبراطور كعلامة للولاء السياسيّ، جاء الشرع يعفي اليهود من هذه الممارسة. ثمّ إنّ ضريبة النصف شاقل كانت تذهب كلّ سنة إلى أورشليم.

2- العلاقات مع العالم الهلّينيّ
أوّلاً: العالم اليهوديّ المُتَهَلْيِن
رافقت هَلينةَ الشرق سيطرةُ اللغة اليونانيّة على سائر اللغات المحلّيّة ولاسيّما في المرافئ والمدن، وكوّنت تلفيقًا دينيًّا وجدت فيه كلّ التقاليد العباديّة مكانها فتكيّفت مع العالم الحديث. ودخلت الحضارة الهلّينيّة إلى فلسطين فسبّبت أزمة المكابيّين الخطيرة. أمّا في الشتات فكانت الأمور مختلفة. وهذا ظاهر بطريقة خاصّة في مصر. نسيت الجماعات المحلّيّة اللغة العبريّة فأحسّت بالحاجة إلى ترجمة رسميّة تفرض نفسها على السلطات الإداريّة وفي عبادة المجمع. فلبَّت ترجمة التوراة في إيّام بطليموس الثاني (285- 246) هذه الحاجة. وكانت النتيجةُ تَناضُحًا بين الحضارة الهلّينيّة التي تحملها اللغة اليونانيّة وبين التقليد اليهوديّ الذي حافظ على كلّ أصالته.
وانطلقت التوراة اليونانيّة من الإسكندريّة وانتشرت في كلّ الشتات. وهكذا بدأت هلينة العالم اليهوديّ مع احترامٍ لجوهر الإيمان وتجنّبِ كلّ تلفيق دينيّ، ولكن مع اكتناز قِيمَ حَملتها الحضارةُ الهلّينيّة. وهكذا ترك الشتات آثارًا من الفنّ اليونانيّ. نحن نجد كتابات على المدافن تحدّثنا عن مصير الموتى على الطريقة اليونانيّة ورموزًا هلّينيّة في تزيين هذه الآثار. وكانت الإسكندريّة مركِزًا فكريًّا مؤاتيًا للقاء بين الفكر اليهوديّ والفكر الشعبيّ المشتّت في عالم قدّمت فيه مصر للفكر اليونانيّ مواضيعَ روحيّةً أخذ بها سريعًا. سنرى أنّ هذا اللقاء ولّد أدبًا يهوديًّا في اللغة اليونانيّة. فاكتشف اليهود في الأفلاطونيّة المتوسّطة والرواقيّة نظرات عن الله والإنسان والكون سيكيّفونها مع نظراتهم النابعة من التوراة. وانفتح المتعلّمون على هذه الآفاق الجديدة فنتج غنى للفكر اليهوديّ في إطار الفلسفة والأخلاقيّات والروحانيّات. كما نتجت طريقة جديدة لقراءة النصوص البيبليّة وتفسيرها لاجئة إلى الرمزيّة كما فعل الرواقيّون والبيتاغوريّون بنصوص اليونان الكلاسيكيّة. ولن يكون فيلون وحده في القرن الأوّل المسيحيّ، بل سيمثّل قمّة فكريّة في العالم اليهوديّ المُتَهَلْيِن.
ولكنّنا نخطئ إن عارضنا ما وُجد في الإسكندريّة بما وُجد في فلسطين، وكأنّه لم يكن اتّصال بين الاثنين. فالعالم الدوديّ احتفظ بتماسكه أينما كان. من جهة، فالأحزاب الدينيّة التي تشكّل خميرة الجموع اليهوديّة في يهودا والجليل إمتدّت إلى الشتات. فإذا عدنا إلى أع 22: 3 نرى أنّ القدّيس بولس ولد في طرسوس بكيليكية قبل أن ينشأ في أورشليم (في أع 9: 30 نرى بولس يعود إلى طرسوس بعد اهتدائه). ولكنّ يسمّي نفسه عبرانيًّا (عبرانيّ اللغة) ابن عبرانيّ، أمّا في الشريعة ففرّيسيّ (فل 3: 5). نستشفّ هنا إشعاع الحركة الفرّيسيّة أبعد من أرض يهودا. ثمّ إنّ فيلون يربط الزهّاد اليهود الخبيرين بالمداواة والبائسين قرب بحيرة مريوتيس بالحركة الإسيانيّة التي وصل تأثيرها إلى مصر. ومقابل هذا، كان ليهود الشتات مجامع خاصّة بهم في أورشليم كما تشهد بذلك تلميحات أم 6: 9 إلى اليهود الهلّينيّين من قيريني والإسكندريّة وكيليكية وآسية. ولكن قد يكون هؤلاء الهلّينيّون أكثر تشدّدًا من الفلسطينيّين في ما يخصّ التقليد (أع 9: 29). فمهما يكن من أمر فسيجد أوّل رسل الإنجيل في جماعات الشتات نقطة انطلاق لكرازتهم (أع 11: 19؛ 14:13؛ 1:14؛ 16: 12- 13؛ 17: 1- 2، 10، 16؛ 18: 4؛ 19: 8). وسيجدون معارضة موازية لمعارضة السلطات اليهوديّة في يهودا. وستتّخذ كرازتهم منحىً مختلفًا حين يتوجّهون إلى مستمعين هلّينيّين. فالأمثلة عديدة في الرسالة إلى العبرانيّين وفي رسائل مار بولس وفي التلميحات إلى أبلّوس الإسكندرانيّ (أع 18: 24- 28؛ رج 1 كور 1: 10- 4: 21).

ثانيًا: تعاطف وتعارض
اهتمّ يهود فلسطين بالتبشير والدعوة إلى دينهم. واهتمّ أكثر منهم يهود الشتات لأنّ الجماعات المحلّيّة استطاعت أن تنمو بفضل اهتداء الأفراد بل العائلات. وُجد عند هؤلاء اليهود إشعاعُ عبادة روحيّة لا تتضمّن اجتماعاتها أيّة ذبيحة ولا تقبل بأيّة صورة لله، ونظرة سامية إلى الله تلتقي بأفضل ما وصل إليه الفكر الفلسفيّ، وأخلاقيّة أسمى من أخلاقيّة العالم الوثنيّ ومبنيّة على قواعد سلوكيّة محدّدة. كلّ هذا اجتذب رجالاً ونساء غرقوا في حضارة تعيش أصعب أزماتها. وكانت المجامع وأماكن الصلاة مفتوحة. وكان باستطاعة الوثنيّين الذين يؤمنون بالله الواحد أن يشاركوا في اجتماعات الصلاة (أع 17: 4). واكتفى كثير من الناس بهذه المرحلة الأولى من مراحل الاهتداء فجعلتهم من خائفي الله. فمن ذهب أبعد من ذلك فقبل بكلّ ممارسات الشريعة وبالختان، دخل في الأمّة اليهوديّة وتضامن معها في كلّ شيء.
وبالمقابل، ظهرت حركات عداء ضدّ اليهود في الجموع الوثنيّة. فأهل الهجاء اللاتينيّ كانوا يهزأون بالختان والسبت والامتناع عن الأطعمة. وكان الناس يتّهمون هذا الشعب الفريد من نوعه بالإلحاد، لأنّه لا يعبد الالهة التي يعبدها الجميع، ولا يقدّم ذبائح في عبادته داخل المجمع. ثمّ إنّ الطابع الوطنيّ للديانة اليهوديّة ساهم في جعلها مشبوهة: يمكن أن ينقلب هذا التضامن المغلق على الدولة أو الإدارة المحلّيّة. فمنذ القرن الثالث ق. م. جمع الكاهن المصريّ مناطون أساطير عن الشعب اليهودي فدلّ بها على عدائه لهذا الشعب. وفي بداية القرن الأوّل ق م بَرَّر بوسيدونيوس الأفاميّ حصار أورشليم على يد أنطيوخس السابع في زمن يوحنّا هركانس بِكُرْهِ الملك الشرعيّ لشعب يُبغض سائر الشعوب. وتلتقي تهكّمات هوراسيوس وبرسيس وبترونيوس ومارسيال ويوفنال بأقوال شيشرون وتاقيتس الساخرة وانتقادات أبيون وقلسيوس وبورفيريوس. فلا نعجب إن هلك في الإسكندريّة (38 ب م) 50000 يهوديّ كما قال يوسيفوس، وهذا حدث بسبب الحاكم فلاكوس والوطنيّين المحلّيّين. وراحت بعثة الى رومة يقودها فيلون (40- 41) ويساندها أغريبّا الثاني فلم تنجح ما دام كاليغولا حيًّا. ولم تعد الحالة إلى السلام إلاّ بعد رسالة كلوديوس إلى أهل الإسكندريّة (42 ب م). ونشير أيضاً إلى أنّ بعض اليهود هلكوا في قيصريّة وأنطاكية وسائر مدن المملكة سنة 42.
نأخذ هذا المناخ السيكولوجيّ بعين الاعتبار لنفهم بعض وجهات الرسالة المسيحيّة. استقبلها اليهود الهلّينيّون استقبالاً متحفّظاً قبل أن يناصبوها العداء. واحترس منها الوثنيّون المثقّفون والجموع المتعلّقة بتقاليدها الدينيّة، فحسبتها خرافة بغيضة ومرتبطة بالعالم اليهوديّ الذي ولدت فيه. ولكن لا ننسى أنّ تمازج الأفكار والتيّارات الدينيّة في العالم اليونانيّ والرومانيّ رافقه أيضاً قلقٌ وَجد فيه الخميرُ الإنجيليّ أرضاً مستعدّة لاقتباله.

ج- العالم اليهوديّ اليونانيّ: الأدب
دخل العالم اليهوديّ الإسكندرانيّ في إطار الحضارة الهلّينيّة فبدأ عملُ ترجمة هامّ جدًّا. تُرجمت الصلواتُ العاديّة (مثلاً: إسمع. شماع) والنصوص البيبليّة الضروريّة للقراءة في المجمع، وتُرجمت الشريعة أوّلاً بسبب طابعها الرسميّ. ثمّ تُرجمت الأسفار النبويّة والمزامير لتُقرأ أو تُنشد في الليتورجيّا. ثمّ تُرجمت سائرُ الكتب. وأسطورة الاثنين وسبعين شيخًا التي أوردها فيلون ورسالة أرستيس لا تهتمّ بسائر الكتب القانونيّة بل تقتصر على الشريعة والأنبياء والمزامير. ولكن سيُعطى اسمُ السبعينيّة الى كلّ الترجمة اليونانيّة القديمة. نلاحظ أنّنا أمام نقل تفسيريّ ومختصر (أيّوب) أو مضخَّم (أشعيا) أو مكتوب من جديد (أستير). ثمّ دوِّنت أسفار جديدة في اليونانيّة مثل سفر الحكمة، وسفر المكابيّين الثاني ونهاية سفر باروك. ولكن لا يمكننا القول إنّه وجد قانونان (أو لائحتان رسميّتان) مختلفان في فلسطين وفي الإسكندريّة. فهنا وهناك ظلّت اللائحة الرسميّة مفتوحة أمام أسفار جديدة، ولكن لم تحظَ كلّ الأسفار بالثقة نفسها ولم تُستعمَل الاستعمال عينه. إستقبل العالَم اليهوديّ الإسكندرانيّ كتبًا منحولة نسخها أو نقلها من عالم فلسطين.
وتأثر الكتّاب اليهود بمحيطهم الثقافيّ فأخذوا بطرق تعبيره الأدبيّ. وهكذا خرجت آثار عديدة من عالم الإغفال الذي ميّز المؤلّفات الفلسطينيّة القانونيّة. وإنّ وفرة وتنوّع هذا الأدب الذي وصلنا منه مقاطع وأجزاء، لا تتيح لنا أن نقسمه إلى كتب منحولة، ونميّزه عن سائر الكتب التي دوّنها كتّاب معروفون أو مجهولون. من المفضّل أن نتفحّص الميادين المتنوّعة التي توزّعت عليها المؤلَّفات آخذين بعين الاعتبار ذوق العصر. من هذا القبيل عبد حدودًا بين التاريخ والقصّة على غرار ما في العالم الهلّينيّ. فالمؤرّخون يتقبّلون كلّ الأخبار الأسطوريّة القديمة، والروائيّون يقتربون من الأخلاقيّين الذين يهتمّون ببناء الجماعة. والدفاعيّون يكتبون أخبارًا تقويّة كما يكتبون مقالات نقديّة وهجائيّة.

1- تقليد المؤرّخين
أوّلاً: سفر عزرا الثالث
سفر عزرا الثالث هو تقميش تاريخيّ مؤسَّس على 2 أخ 35: 1- 36: 21 ونح 7: 72 ب- 8: 12 وعز 1: 1- 10: 44. كلّ هذا يدور حول الرجوع من المنفى ويمجِّد شخص عزرا وعمله. أُعيد تنظيم فصول عزرا وأُقحم مقطع إخباريّ (هاغادة) في أسطورة زربابل: خلال وليمة لدى الملك داريوس، برهن الأمير اليهوديّ الشابّ، وكان على حقّ، أنّ الحقيقة (بمعناها البيبليّ) هي أقوى شيء في العالم. وهذا ما يعطي الكتاب طابعه الدعائيّ. متى دوِّن هذا الكتاب وأين دوّن؟ بعضهم يرى تقاربًا بينه وبين سبعينيّة دانيال وأستير فيعتبر أنّه دوِّن في القرن الثاني ق م، والبعض يقول إنّه دوِّن في اليونانيّة، والبعض الآخر إنّه نُقل عن لغة ساميّة. إنّ هذا المؤلَّف الدفاعيّ يعظّم عمل عزرا ويثبّت سلطة النظم اليهوديّة ويشدّد على قيمتها.

ثانيًا: مؤرّخون يهود هلّينيّون
كما أنّ الكاهن بروسيوس جمع "كلداياته" على أيّام أنطيوخس الأوّل (285- 261)، والكاهن المصريّ مناتون دوّن "مصريّاته" على أيّام بطليموس الثاني (285- 246)، كذلك روى الكتّاب اليهود (أو السامريّون) تاريخ أمّتهم منذ البداية لينشدوا أفضالها في المجتمع الهلّينيّ. كان الإسكندر بوليهستور مقمّشًا يونانيًّا من القرن الأوّل، فجمع مقاطع سيستعملها يوسيفوس المؤرّخ وأوسابيوس القيصريّ في "التهيئة الإنجيليّة". وهكذا يكون مؤلَّف بوليهستور عن اليهود ينبوعًا أساسيًّا لنتعرّف إلى تعظيم الشعب اليهوديّ عبر تاريخه القديم في العالم الإسكندرانيّ. وكان ديمتريوس قد دوَّن في أيّام بطليموس الرابع (222- 205) كتابًا عن "ملوك يهودا" (يشير إلى هذا العنوان إكلمنضوس الإسكندرانيّ)، ولكنّ المقاطع المحفوظة تعني تاريخ الآباء وموسى وتضخِّم التقاليد الكتابيّة بواسطة الأساطير. وآلف أوبوليمس (حوالي سنة 158) كتابًا "عن اليهود" يهتمّ بأمر التواريخ ويشدّد على الوجهة الدفاعيّة جاعلاً موسى مخترع الأبجديّة ومعلّم الفينيقيّين. وأجزاء أرتابان التي كُتبت "عن اليهود" بعد سنة 220، هي دفاعيّة أيضاً: فيها يصبح موسى أساس الحضارة المصريّة ومعلّم أورفيوس. وهناك مقاطع منسوبة إلى أرستيس وكليوداموس (= ملكاس) وكاتب مُغْفَلٍ . فهذا الأخير يعرف تقاليد منحولة جُمِعَتْ من "سفر أخنوخ" و"كتاب الجبابرة"، ويبيّن أنّ إبراهيم علَّم الفلكيّات للفينيقيّين ولكهنة هليوبوليس. اتّصل بالعالم الأسيانيّ والجماعة السامريّة ودوّن كتابه في سورية لا في مصر.
أمّا كتاب "اليهود" المنسوب إلى هكاتيس الأبديريّ فلا يعود إلى هذا الكاتب اليونانيّ المعاصر للبطالسة الأُوَلِ. فأوسابيوس لا يعرفه إلاّ بواسطة يوسيفوس. إنّ هذا الكتاب يعظِّم العالم اليهوديّ ويفسِّر، في إطار دفاعيّ، أصل الجماعة اليهوديّة في الإسكندريّة. قد يكون كُتب في نهاية القرن الثالث. ولم يكن نقولاوس الدمشقيّ صديق هيرودس الكبير يهوديًّا. دوَّن "تاريخ الكون" الذي أخذ منه يوسيفوس بعض المقاطع التي تدلّ على ما كان يعرفه رجل مثقّف في زمانه عن اليهود.

ثالثًا: فلافيوس يوسيفوس
ولد هذا الكاهن الفرّيسيّ سنة 37- 38 ب م وانخرط في الحرب اليهوديّة ضدّ الرومانيّين وتسلَّم قيادة جيوش الجليل. انضمّ إلى الرومانيين، فحرّره فسباسيانس وتعلّق بأباطرة عائلة فلافيوس فسمّي فلافيوس يوسيفوس. دوَّن بين سنة 75 وسنة 95 "تاريخ الحرب اليهوديّة ضدّ الرومانيّين". يستعيد الخبرُ الأحداثَ منذ أنطيوخس إبّيفانيوس. توجّهت النسخة الأولى إلى اليهود ودوِّنت في الآراميّة، ولكنّها ضاعت. أمّا النسخة اليونانيّة فنُشرت في رومة وكان الهدف من كتابتها دفاعيًّا: أراد يوسيفوس أن يجعل مسؤوليّة الحرب على بعض الفئات اليهوديّة ويبرّر حزب السلام الذي بدأ بإعادة بناء العالم اليهوديّ. وقد سانده في كتابه يوحنّان بن زكّاي ومعلّمو يمنية الذين كانوا فرّيسيّين مثل يوسيفوس. عاد يوسيفوس إلى مراجع متعدّدة، أمّا أقواله التاريخيّة فلا بدّ من غربلتها قبل الأخذ بحقيقتها.
بعد هذا قدَّم يوسيفوس عرضاً عامًّا عنوانه "القديميّات اليهوديّة" فحاول أن يقلّد فيه "القديميّات اليونانيّة" لديونيسيوس الهلكرناسيّ (7 ق م). ولكن سبق يوسيفوسَ مؤرّخون يهودٌ كتبوا في اليونانيّة كما قلنا أعلاه. نُشر الكتاب مرةً أولى سنة 93- 94 بعد أن أُعَدَّ في زمن دوميسيانس (81- 96) الذي لم يكن راضيًا كسلفيه عن دفاع يوسيفوس عن الشعب اليهوديّ. وظهرت النشرة الثانية حوالي السنة 100 يوم كان يوسيفوس منشغلاً في الدفاع عن عمله ضدّ اتّهامات يوستس الطبرياويّ (سيرة حياته) وفي حرب على عدوّ العالم اليهوديّ (ضدّ أبيون). مهما يكن من أمر، إنّ "القديميّات اليهوديّة" هي كتاب موجّه إلى المثقّفين. يروي فيه يوسيفوس تاريخ أمّته منذ الخلق ويكيل لها المديح. ينطلق يوسيفوس من الأخبار البيبلية فيقرأها وكأنها تاريخ بالمعنى الحصريّ كما كان يفعل المؤرّخون الهلّينيّون في عصره. وحين يصل إلى القرون الأخيرة يلجأ إلى سفر المكابيّين الأوّل وإلى معلومات جمعها من كتّاب ضاعت مؤلّفاتهم (نقولاوس الدمشقيّ) وإلى تقليد شفهيّ غير محدَّد، وإلى وثائق مكتوبة لا نزال نجهلها. وهكذا تأتي الهاغادا التقليديّة فتلقي حلّة قشيبة على الأخبار البيبليّة، وتقحم في النصّ أساطير مصوّرة (مثلاً عن حياة موسى). إذا أردنا أن نعرف العالم اليهوديّ في زمن العهد الجديد، لن نجد ما نقابله مع الأناجيل وسفر الأعمال والرسائل إلاّ في "القديميّات" وفي "الحرب اليهوديّة". هذا على مستوى الحدث. أمّا على مستوى المؤسّسة فنستعين بما تركه لنا الرابّانيّون من آثار ونصوص قمران. أجل إنّه سيكون لمؤلّفات يوسيفوس تأثير كبير على التصوّر المسيحيّ لتاريخ إسرائيل. ولكنها لن تحظى بالاهتمام عينه في العالم اليهوديّ المتأثّر بالفرّيسيّين بسبب علاقتها بالترجمة اليونانيّة للتوراة التي رُفضت في مجمع يمنية حوالي سنة 90 ب م.

2- عالم الدعاية والدفاع
كان للوثنيّين من يقومون بالدعاية وما كانوا يوفرون اليهود. فوجب على اليهود أن يدافعوا عن أنفسهم. ولقد وجدنا أمثلة عند المؤرّخين الذين اهتمّوا بإبراز قِيَمِ وحكمة شعب إسرائيل وأجداده. فقد جعل منهم أوبوليميس وأرتابان أوّل من علّم الناس الحكمة القديمة. أما هكاتيس الأبديريّ المزعوم فقد نسب إلى اليونانيّين القدماء احترامًا عميقًا للكتب المقدّسة. وارتبط عرض الأشياء على هذه الصورة بالدعوة إلى الدين اليهوديّ، وهذا التيّار حاول أن يجتذب الوثنيّين الباحثين عن مثال أخلاقيّ ودينيّ نحو ذلك الذي تشير إليه التوراة. وهكذا صارت الجماعات اليهودية جماعات رسوليّة دون أن تتخلّى عن الروح الوطنيّة المتطّرفة المؤسَّسة في أنظمتهم.
أمّا المؤلَّف الذي يميّز هذا التيّار فهو "رسالة أرستيس إلى فيلوكراتيس". إنّها عمل موظّف بطليموس الثاني (285- 247). أرسل سفيرًا إلى أليعازر الكاهن الأعظم ليحصل على ترجمة رسميّة للتوراة يضعها في مكتبة الإسكندريّة. وما يُشكّل لحمة هذا الخبر التاريخيّ المدوَّن بشكل رسالة هو مديح الشريعة وشعائر العبادة اليهوديّة، واستقبال المترجمين في الإسكندريّة خلال وليمة على مائدة الملك، وقصّة الترجمة المعجزة التي جعلت 72 مترجمًا (6 مترجمين من كلّ سبط) يتّفقون على نصّ واحد ثمّ يتفرّقون بعد إعلان الشريعة. ليس المؤلَّف كتاب دعاية بسيطة موجّهًا إلى الوثنيّين، ولا خطابًا مرسَلاً إلى اليهود ليبيّن لهم أنّ نظمهم هي شميلة الوحدانيّة والفلسفة الشاملة. فالكاتب المهتمّ بالدعاية لترجوم البنتاتوكس اليونانيّ (الذي يعتبر أيضاً قاعدة إيمان) يتوخّى تثبيت نصّ القراءة في المجامع والابتعاد عن الترجمات المليئة بالخاطر، وخلقِ تيّار من الفضولية نحو نصّ بعيد عن روح اليونانيّة.
دوِّنت رسالة أرستيس حوالي السنة 200 أي قبل الصراع الذي واجه فيه أنطيوخس إبّيفانيوس القنصل الرومانيّ بوبليوس ليناس (سنة 168 ق م). وسيتوسّع الأدب الدفاعيّ فيما بعد مع يوسيفوس في كتابه "ضدّ أبيون" ومع فيلون الفيلسوف.
3- الروائيّون والشعراء والحكماء
أوّلاً: الرواية التقويّة عند اليهود
قدّمت لنا الأسفار المنحولة الآتية من فلسطين أمثلة عن الروايات التقويّة بأبطالها المأخوذين من الماضي. وارتبطت "رسالة أرستيس" بهذا الفنّ الأدبيّ في شكله الإسكندرانيّ. وستتبعها كتب أخرى.
"سفر المكابيّين الثالث". سمّي هذا الكتاب كذلك لأنّه وجد بعد 1 مك و2 مك في مخطوطات التوراة اليونانيّة. ولهذا اعتبرته بعض كنائس الشرق قانونيًّا شأنه شأن 1 مك و2 مك. ولكنّ هذا الكتاب لا يرتبط بالعالم اليهوديّ الفلسطينيّ. إنّه يروي كيف حَكم بطليمويس الرابع (221- 205) على يهود الإسكندريّة بالقتل، ولكنّهم نَجَوا بصورة عجيبة ثمّ قتلوا إخوتهم الذين جحدوا. نتذكّر هنا موضوع أستير مع الروح الوطنيّة الممزوجة بالروح الدينيّة. ولكنّ يوسيفوس يُورد حادثة مماثلة في أيّام بطليموس التاسع. إذًا نحن أمام موضوع شائع. دوِّن الكتاب ليشجّع اليهود على الأمانة رغم الاضطهاد، وذلك حوالي السنة 100 ب م وبعد نقل سفري أستير ويهوديت إلى اليونانيّة.
"سفر يوسف واسنات" أو "كتاب صلاة أسنات". هو مؤلَّف محفوظ في اليونانيّة وفي ترجمات أخرى قديمة. انطلق من تك 41: 45- 50 فروى زواج يوسف بأبنة الكاهن المصريّ فوطيفار. كانت الفتاة جميلة ونقيّة وارتدَّت إلى الإله الحقّ حين تزوّجت بيوسف، فثار غضب إخوة يوسف. نحن هنا أمام رواية دفاعيّة تجعل من اسنات نموذج المرتدّة إلى الدين اليهوديّ. دوِّن الكتاب بين القرن الأوّل ق. م. والقرن الأول ب. م. وقد تكون لعبت فيه يد مسيحيّة.
"صلاة منسّى". تتوسّع في خبر 2 أخ 33: 11- 13، 18- 19 الذي يتحدّث عن ارتداد الملك، وهذا أمر يجهله كتاب الملوك. اقتاد الأشوريّون منسّى أسيرًا إلى بابل، فرفع صلاة توبة وثقة بمراحم الله، وعبّر عن خوفه من العقابات الأبديّة. نجد هنا لاهوت الارتداد في خطّ الأنبياء. كتب هذه الصلاةَ يهوديٌّ هلّينيّ فحاكى المقاطع الكتابيّة والنصوص الليتورجيّة ونجح في عمله فأخذت كثير من الكنائس القديمة بهذا الكتاب وأدخلته في ليتورجيّتها. دوِّن هذا الكتاب في القرن الأوّل ق م.

ثانيًا: أشعار في اللغة اليونانيّة
هلكت المجموعة الرسميّة لكتاب "الأقوال السيبيليّة" سنة 82 ق. م. في حريق الكابيتول في رومة. فأعيد تكوينها في يونانيّة قديمة مصطنعة. وأخذت الدعاية اليهوديّة بهذا الفنّ المرتبط بالعرافة الوثنيّة المتحدّثة عن رجوع عصر ذهبيّ، فجعلت من سيبيلة ابنة نوح وهي نبيّة وثنيّة تشبه الملهَمين في الكتاب المقدّس. في المجموعة الحاليّة المؤلّفة من 12 نشيدًا تعود الأناشيد 3- 4- 5 إلى أصل يهوديّ. ويُزاد على كلّ هذا مقاطعُ محفوظةٌ عند الآباء. ولكنّ قصّة المؤلَّف لا تتوقّف هنا، لأن المسيحيّين حوّروا في النصوص ليجعلوا سيبيلة تخدم رجاءهم الخاصّ. وهكذا عرف الأدب الجليانيّ اليهوديّ والمسيحيّ توسّعًا مهمًّا في هذا الخطّ. لم تكتف سيبيلة بأن تعلن وحدانيّة الله، بل حُكْمَ الله على العالم الوثنيّ، ومجيءَ المسيح. فلعبت في إطار الأدب الإسكندرانيّ دورًا مماثلاً لذلك الذي لعبه أخنوخ في فلسطين. متى دوّن النشيد الثالث؟ في عهد بطليموس السابع (145- 117 ق م) أو في منتصف القرن الأوّل ق م، وفي محيط الإسكندريّة. أمّا النشيد الرابع الذي يستعيد نظريّة الممالك الكبيرة الأربع (رج دا 2: 1 ي؛ 7: 1 ي) فقد دوِّن بين سنة 79 وسنة 88 ب م وهو ينتهي بالحديث عن الدينونة دون التلميح إلى المسيح. ويجعل النشيدُ الخاسر مصيرَ شعب إسرائيل في قلب التاريخ العالميّ. دوِّن بين الثورتين اليهوديتين (70، 135 ب م) فدلّ على يقظة الروح الوطنيّة. ولكنّ الأوساط المسيحيّة روّجت لهذه المجموعة باحثة فيها عن نبوءة وثنيّة تدلّ على المسيح الآتي. 
وهناك شعراء يهود نشروا في الإسكندريّة مؤلّفات مستوحاة من الكتاب المقدّس. ولكن لم يبق لنا منها إلاّ نتف بفضل أوسابيوس القيصريّ. ففيلون القديم (عرفه يوسيفوس أيضاً) دوَّن قصيدة من 14 نشيدًا لمجد أورشليم في أواسط القرن الثاني ق م. ولم يبق لنا من قصيدة تيودوتيس إلاّ مقطع واحد يمجّد معبد شكيم في خطّ تك 33- 34. قد يكون تيودوتيس سامريًّا، وقد يكون الحديث عن شكيم قريبًا ممّا نقرأه في "وصيّة لاوي" التي دوِّنت في الآراميّة في القرن الثالث ق م. ونشر شاعرٌ اسمه حزقيال مأساةً عن الخروج بقي لنا ربعها. لم يكن حزقيال من مصر لأنّه يجهل جغرافية البلاد. قد يكون دوَّن مأساته حوالي السنة 200 ق. م. انطلق من التوراة اليونانيّة وكيَّف النصوص مع ما أخذه من مواضيع دينيّة في العالم الهلّينيّ.

ثالثًا: حكماء، أخلاقيّون، فلاسفة
ترتبط الروايات التي ذكرناها بالأدب الحكميّ الذي يعود إلى تقليد قديم في مصر وبلاد الرافدين وفينيقية وإسرائيل. ولكن تمّ تداخل بين هذا الأدب والفلسفة اليونانيّة، وقد كان اللقاء بينهما في مصر. وهذا ما نكتشفه في سفر الحكمة وغيره.
يحمل "سفر المكابيّين الرابع" عنوانًا آخر في بعض المخطوطات: سلطان العقل. إنّه مقالة فلسفيّة بشكل خطبة وهو يشبه ما نجده عند الرواقيّين. إنطلق الكاتب من مثل الشهداء (أليعازر والإخوة السبعة) المذكورين في 2 مك 6: 18- 7: 42 فبيّن أنّ العقل المتّحد بالتقوى يتغلّب على الرغبات. ولكنّ الفكر الذي يتوسّع فيه هو فكر يهوديّ. وهو يتحدّث عن خلود النفس وقيمة الاستشهاد التكفيريّة. قد يكون دوِّن في القرن الثاني ب م وفي جماعة أنطاكية اليهوديّة.
وهناك "حكمة مناندريس المصريّ" المعروفة في اليونانيّة وفي السريانيّة. إنّها تتألّف من أقوال عمليّة ذات وجهة أخلاقيّة. ولكنّ الكاتب يؤمن بإله واحد. هو لا يتبع الرواقيّة ولا الهرماسيّة ولكنّ بَعْضاً من نصوصه توازي نصوص بلوترخوس. كاتب هذه الحكمة وثنيّ من خائفي الله وقد دوَّن كتابه حوالي القرن الثالث ب م.
أقحمت "أقوال فوقيليديس" جزئيًّا في الكتاب الثاني من "الأقوال السيبيليّة" فجاء تعليمها قريبًا من تعليم أسفار موسى والأمثال. كاتبها يهوديّ هلّينيّ أو يونانيّ مرتدّ عرف الفلسفة الشعبيّة المرتبطة بأفلاطون والرواقيّين، ولكنّه اتّجه اتّجاهًا أخلاقيًّا. دَوَّنَ كتابَه في القرن الأوّل أو القرن الثاني ب م.
تأثّرت الرسالتان الرابعة والسابعة المنسوبتين إلى هيراقليط الأفسسيّ بالفكر الرواقيّ والكلبيّ كما اتّصلتا بالتوراة. دوَّنهما في القرن الأوّل ب م أحد الكتَّاب اليهود. 
ونقل آباء الكنيسة "إيرادات أرسطوبولس" التي تحاكي أسلوب الأساطير المقدّسة في العالم الوثنيّ، والتي تُنْشِدُ الإله الواحد مستعينة بقصائد يونانيّة.

4- فيلون الإسكندرانيّ
ولد فيلون في سنة 13 ق م من عائلة غنيّة أمّنت له تربية يهوديّة متقنة وثقافة هلّينيّة رفيعة. وهكذا كان فيلون أشهر ممثّل للعالم اليهوديّ في الاسكندريّة. حاول أن يكوِّن شميلة أصيلة بين الفكر البيبليّ الذي تجذّر إيمانُه فيه، وبين الفكر الفلسفيّ الانتقائيّ الذي تسيطر عليه الأفلاطونيّة والرواقيّة والبيتاغوريّة الجديدة. إنّه رجل تأمّل وصلاة، وقد بحث في الكتاب المقدّس، ولاسيّما في البنتاتوكس، عن نقطة إنطلاق لتأمّل يترجمه في لغة محيطه الثقافيّ العاديّة. وهكذا بنى نهجًا فلسفيًّا حقيقيًّا أخذ مواضيعه من التوراة. كان المعلّم، بين تلاميذ، وكان أيضاً صاحبَ المسؤوليّات العمليّة والمدافعَ عن مواطنيه. وهو لم يكتب فقط دفاعه عن اليهود الذي احتفظ لنا أوسابيوس القيصريّ ببعض مقاطع منه، بل قاد إلى رومة بعثة تطالب بالعدالة بعد مجزرة سنة 38 وتصرّفات والي مصر فلاكوس التعسّفية. هذا ما نعرفه من مقالٍ "إلى فلاكوس" (دوّن بعد عزل وموت هذا الوالي) ومن خبر "بعثة إلى كايوس" (أي الإمبراطور كاليغالا)، وهما كتابان دوَّنهما وهو في الستّين من عمره. بعد هذا لا نعرف شيئًا عن فيلون.
مؤلّفات فيلون كثيرة. مقالاته الفلسفيّة (عن فساد العالم، عن العناية، عن نفس الحيوانات، عن حرّيّة الإنسان) هي ملفّات مدرسيّة أجملَ فيها التعليم الذي تلقّاه. أمّا فكره الشخصي فنجده في تفاسيره عن البنتاتوكس الذي قرأه في اليونانيّة. وهي تتنظّم في ثلاث فئات. "إستعارة الشريعة" هي صدى لكرازته في المجمع. "عرض الشريعة" يتضمّن عدة مقالات ويحاول من خلال هدف دفاعيّ أن يتّصل بالمجتمع المثقَّف في الإسكندريّة. وأخيرًا "الأسئلة" عن سفر التكوين وسفر الخروج تجيب على صعوبات خاصّة. بما أنّ الإيمان اليهوديّ المغذّى بالكتاب المقدّس، هو في نظر فيلون الفلسفة الحقّة، فلا تمييز بين ميادين المعرفة والفنون الأدبيّة. وداخل النهج الذي يبنيه تجد عناصرُ الإيمان اليهودي والأخلاق ترجمتَها في خطبة فلسفيّة تلعب فيها الانتقائيّة الدور الرئيسيّ. وحدانيّته هي بيبليّة وأفلاطونيّة. الله هو الكائن السامي فلا يدركه العقل البشريّ. ما استطاع أن يتّصل مباشرة بالمادّة فاستعان بوسطاء من أجل عمل الخلق وتدبير الكون، هم العقول أي القوى الفاعلة الشبيهة بمُثُل أفلاطون والديناميّات الرواقيّة. إنّ أعظم العقول وأسماها هو اللوغوس والعقل الأصليّ الذي هو ظلّ الله وصورته ونموذج كلّ المخلوقات والقوّة السامية التي تشكّل صلة وصل بين الكائن المطلق وخلائق العالم المحسوس. بهذا اللوغوس ترتفع النفس البشريّة إلى الله وتُدركه في تأمّل عقلانيّ وروحانيّ.
ليس الكتاب المقدّس حجّة من أجل تفاسير أنطروبولوجيّة وأخلاقيّة، إنّه في قلب إيمانه. إلاّ أن التقاءه بالحضارة الهلّينيّة دفعه إلى الأخذ باللغة للتعبير عن هذا الإيمان. من هذا القبيل يبدو فيلون لاهوتيًّا وفيلسوفًا معًا. إنّ موسى يبقى له نموذجَ الحكيمِ والملكِ والمشترعِ والكاهن والنبيّ. ولكنّه يكتشف من خلال التاريخ المقدّس تعليمًا يوجّه حياته كحكيم. هو لا يُفرغ العالَمَ اليهوديّ من مضمونه الأصيل، بل يعطيه قيمةً جديدة وسط محيط مملوء بالنظريّات العلميّة.
كان فيلون معاصرًا ليسوع والبدايات المسيحيّة، ولكنّه عاش بعيدًا عن العالم الفلسطينيّ. فهل يمكن أن يكون له تأثير على بعض كتّاب العهد الجديد؟ لا ننسى أنّ لوقا يشير إلى وجود "مجمع الإسكندرانيّين" في أورشليم (أع 6: 9). ولكنّ أعضاءه رفضوا كرازة إسطفانُس الهلّينيّ. ومن المعقول أن يكون أبلّوس (أصله من الإسكندريّة، أع 18: 24) قد اتّصل بمحيط سيطر عليه فيلون. وإنّ القدّيس بولس لجأ إلى الاستعارة، فأخذ بأسلوب فيلون، ولكن هذا الاسلوب لم يكن وقفًا على فيلون. واستعمل يوحنّا لفظة "لوغوس" أي الكلمة، ولكنّ هذا الاستعمال يتعدّى فلسفة فيلون. يبقى أن نقول إنّ فيلون أثَّر أكثر ما أثّر على آباء الكنيسة ففتح الطريق أمام أسلوب تأويليّ أخذ به إكلمنضوس الإسكندرانيّ وأوريجانس وغيرهما.

د- الفكر اليهوديّ في زمن المسيح
كان العالم اليهوديّ في القرن الأوّل المسيحيّ مليئًا بالتحرّكات. فالأفكار والممارسات تتزاحم فتكاد تصل بالمجتمع اليهوديّ إلى التفتّت. ومن هذا الغليان وُلدت شيع مرذولة مثل الكنيسة المسيحيّة. لم يعرف العالم اليهوديّ في ذلك الوقت عقائدَ محدّدة (كما في الكنيسة) ولا مركزًا يعترف به الجميع ويُقِرُّون بسلطته في المجال الدينيّ. لم يكن هناك إلاّ التوراة. فالفكر حيّ ومتنوّع حسب المحيطات والحركات الدينيّة. فلا نستطيع أن نقدّم شميلة. ثمّ لن نعارض بين العالم اليهودي في فلسطين والعالم اليهوديّ في الشتات. فالعالم الهلّينيّ ولج فلسطين، وتأثير إسرائيل وصل إلى أبعد الأقطار. ولن نحجب بعض العناصر لنُبرز الجديد في الإنجيل، ولن نمزج بين الفكر اليهوديّ قبل دمار الهيكل والفكر اليهوديّ (أو الرابّانيّ) بعد دماره. ولن نتكلّم عن أرثوذكسيّة يهوديّة متمثّلة بالتيّار الفرّيسيّ تاركين جانبًا تيّارات تعتبر هامشيّة. فاليهود يتميّزون عن الوثنيّين بممارساتهم الغريبة (الختان، راحة السبت)، وبموقفهم حيال إله العهد والشريعة ومعتقدات متنوّعة تشير إلى الأرواح والدينونة والعالم الآخر.

1- الله، العهد، الشريعة
أولاً: الوحدانيّة اليهوديّة
سأل الكاتب يسوع عن أكبر الوصايا فأجاب يسوع موردًا تث 6: 4: "إسمع يا إسرائيل، الربّ إلهنا هو الربّ الواحد" (مر 12: 28- 29). هذا هو فعل الإيمان الوحدانيّ الذي يردّده المؤمن مرّتين في النهار في صلاة "شماع" أي إسمع. ففي المجامع وخلال القرن الأوّل، كانت تلاوة الوصايا العشر تسبق هذه الصلاة مشدَدة على موضوع الله الواحد. والتطلعّ إلى أنَّ إله إسرائيل هو الرب الواحد طبع ذلك العصر بطابع حاسم وسط عالم يعجّ باللامبالاة الدينيّة وتهدّده عبادة الأوثان. ورفض اليهود الصور والتماثيل، وأنكروا الآلهة الغريبة فاتُّهِموا بالملحدين (تاقيتوس، بلينوس، يوفينال).
وكانت نعوت ترافق اسم الله الواحد فتشدّد على تساميه وعلى تسلّطه على الكون والتاريخ: الله هو العليّ، القدير، القدّوس، العادل، الرحوم. هو يعرف مسبقًا كلَّ شيء، ويوجِّه الكون حسب مخطّطه. وليست هذه العبارات ثمرة استنتاجات عقليّة. إنّها تعكس الخبر الدينيّة لدى اليهود في ذلك العصر. لم يكن العالم اليهوديّ في زمن يسوع عالَمًا منحطّاً على المستوى الدينيّ. بل إنّ فكرة تسامي الله برزت بصورة خاصّة في تعظيم قداسته (والقداسة تشدّد على الانفصال والبحث عن وسائل تطهير ورجوع إلى البرّيّة) وفي التهرّب من التلفّظ بكلمة يهوه، فاستعملوا مكانها كلمة "كيريوس في اليونانيّة وأدوناي (السيّد) في فلسطين. واستعملوا ألفاظاً مثل القدرة، المبارك (مر 14: 61- 62) الاسم، المقام، الحضور (شكينة أو السكن) الكلمة (ممرا). ولا ننسى أنّ يوحنّا يسمّي يسوع الكلمة الذي سكن بيننا (يو 1: 14).
وهذا الاهتمام بالتسامي الإلهيّ دفع اليهود إلى الإكثار من الوسطاء بين الله والبشر: الملائكة، وبعض صفات إلهيّة اعتبرَتِ الله مثل عامل يتمتعّ بشخصيّة خاصّة. هناك الروح (أو روح القداسة)، والحكمة التي أبرزها الأنبياء والحكماء في العهد القديم. وهكذا زالت كلّ العبارات التشبيهيّة الأنتروبومورفيّة مع المحافظة على الشعور بأنّ الله قريب من الإنسان. وهكذا ستُصبح الحكمة المولودة منذ البدء مهندس الخلق، وستُعتبر الشريعة الأداة التي بها خلق الله العالم. وصارت "شكينة" (السكن) و"ممرا" (الكلمة) وكأنّهما أقنومان.

ثانيًا: العهد والشريعة
نتطلعّ عادة إلى العالم اليهوديّ وكأنّه ديانة شرعيّة دقيقة ينعشها الكتبة بعقليّة قانونيّة وشكلانيّة. ونبرهن عن هذا انطلاقًا من المجموعات السلوكيّة (هلكه) في القرن الثاني وما بعده (مشناة، تلمود). ولكن حملت هذه "الهلكة" صدى جدالات الكتبة في المجامع التي كانت مدارس أيضاً. فهي لا تستنفد التعليم الحيّ المعطى في هذه المجامع أيضاً يوم السبت. فهناك أسفار منحولة مثل "القديميّات البيبليّة" و"باروك الثاني" و"عزرا الرابع" تقدّم لنا شهادة عن ديانة الآباء التي هي ديانة القلب المتشرّبة بتعليم الأنبياء. هل ننسى أنّ قراءة الأنبياء فرضت نفسها في المجامع (أع 13: 15). ثمّ إنّ موضوع العهد ظلّ في قلب الفكر اليهوديّ. ولكنّ ديانة العهد صارت ديانة الشريعة، والأمانة لله قيست بالأمانة للشريعة.
كانت عهود الآباء، ولاسيّما عهد سيناء، تذكّر المؤمن باختيار إسرائيل، بقداسة الله، بمجّانيّة نعمته وبمعنى الخطيئة، وكان إسرائيلُ الشعبَ المختار وقطيعَ الله وكَرْمَه. ثمّ إنّ الكون خُلق من أجل إسرائيل، وقد يزول الكون قبل أن تزول إسرائيل. ويعبِّرون عن هذا الاختبار العميق للاختيار الإلهيّ بصلوات الفرح والأناشيد والمدائح، ويدلّون عليه أيضاً بحركتين متناقضتين. من جهة دفعت روحُ قداسة الله والاختيارُ بني إسرائيل إلى الانغلاق على ذاتهم وإلى رفض الوثنيّين والخطأة رفضًا قاطعًا. ففي داخل المجتمع اليهوديّ أدّت محرَّمات الطهارة الطقسيّة إلى أن تنغلق النخبة الدينيّة على أفرادها وأن تتكاثر مجموعات الطهارة مثل أهل قمران والفرّيسيّين. ومن جهة ثانية، إذا وضعنا جانبًا جماعة قمران، فروح الاختيار دفع إسرائيل ليكون الكبش الذي يسير ويقود القطيع الذي هو العالم. فالله لا يحابي الوجوه، وعلى إسرائيل أن يحمل الحقّ إلى الأمم (أش 42: 1؛ حك 18: 4؛ روم 2: 19)، وعلى الكون كلّه أن يجد الحقيقة. هنا نفهم الجهود الذي قامت به بطريقة خاصّة الجماعات الفرّيسيّة في الشتات، فجلبت إليها خائفي الله والمرتدّين (مت 23: 13). ولقد أثمر هذا المجهود فاستفادت منه الديانة المسيحيّة.
أعطيت الشريعة لجماعة العهد المقدَّسة والمرتبطة ارتباطاً وثيقًا بموسى، والتي تمثّل نموذج كلّ المجامع، أعطيت لجماعة البرّيّة التي يتحدّث عنها أع 7: 38. فشريعة سيناء هي نور وهي سراج إسرائيل. إنّها حياة، وتمثّل شجرة الحياة، وهي طعام مَنِّ البرّيّة. وُجدت منذ أيّام آدم (حك 17: 4- 11)، وقد وُضع الإنسان في عدن لكي يعتني بها. جاءت كلُّها من عند الله. ولكنّ البعض شَكُّوا بهذا أو ذاك من عناصرها، كما شددّوا على حضور الملاك كوسيط عندما أعطيت الشريعة (أع 7: 38؛ غل 3: 19). ولكن سيكون جدال: لمن السلطة لتفسير الشريعة وتأوين مقرّراتها؟ قال الصادوقيّون: الكهنة هم الذين يعطون بسلطانهم الخاصّ المقرّرات التي تتكيّف والساعة الحاضرة. وقال الفرّيسيّون: هم الكتبة الذين اعتادوا على التعامل مع النصّ الملهم.

2- عالم الأرواح: الملائكة والشياطين
أوّلاً: الملائكة والأرواح
تتحدّث الأسفار التي ما بين العهدين عن الملائكة وتُكْثِرُ من ذكرهم في سفر أخنوخ مثلاً. ما هو سبب هذا التوسّع في عالم الملائكة أيّام الفرس واليونانيّين؟ هناك أسباب مختلفة. أوّلاً: تأثير الديانة الإيرانيّة التي تشدّد على التناقض بين الأرواح الخيّرة والأرواح الشرّيرة. ثانيًا: اهتمّ المؤمن بتسامي الله وعظمته، فأكثرَ له الخدّامَ والوسطاءَ في السماء. ثالثًا: تعطّش المؤمن إلى المعجزات، فشدَّد على قبضة الله على التاريخ، وأعلن عنايته، وكشف عن قصده بواسطة الملائكة.
لم يكن الصادوقيّون يشدّدون على العناية الإلهيّة، ولا كانوا يقبلون بإمكانيّة وحي جديد، لهذا رفضوا الملائكة والأرواح ما عدا ماء تقوله التوراة نفسها (أع 23: 8). ولكن توسّعَ الحديثُ عن الملائكة في المحيطات التي تقبل بالثنائيّة وبالإيحاءات الباطنيّة كما في قمران. "فقاعدة الجماعة" يسودها موضوع الروحَين: من جهة، روح الحقيقة والنور أو ملاك الحقيقة. ومن جهة ثانية، روح الشرّ أو ملاك الظلمة. وفي أخنوخ الأوّل يكشف الملائكة عن أسرار الله الخفيّة. وإنّ اسم الملائكة كان جزءًا من تعاليم الإسيانيّين السرّيّة. 
كان الشعب يعتقد بالملائكة في فلسطين. وإن فيلون يقول بوجود الكائنات اللاجسديّة. ويتكلّم عنهم فيلون المزعوم ويعطيهم وظائف هامّة، منها إعلان ولادة موسى، وخدمة شعب إسرائيل، والتشفّع والمديح. ولكنّه يعطي الملائكة أسماء غريبة (نجائيل، زرويل، فداهيل، نتنائيل). ويذكر باروك الثاني الملائكة ولا يسمّيهم (ما عدا الملاك رامئيل الذي يرئس الرؤى). ولا يذكر عزرا الرابع إلا أوريائيل وإرميائيل. ولقد خاف التلمود من هذا التجاوز فأورد هذا الكلام بلسان الربّ: "في الخطر لا يدعو الإنسان ميخائيل أو جبرائيل. إنّه يدعوني فأجيبه". وفي هذا المعنى رفض بولس الرسول (كو 2: 18- 19) عبادة الملائكة وحذَّر من الرؤى الكاذبة.
هذا التنوّع في الفكر سبَّب تنوّعًا في الأسماء. أكثر الأسماء المذكورة: ميخائيل، جبرائيل، رفائيل (طو 5: 4)، أوريائيل. وتتنوّع مهمّات الملائكة: يدبّرون عناصر الكون، يقودون الأمم ويخدمون إسرائيل، يكشفون أسرار الله، يتّهمون، يدافعون، يحمون الابرار، يعاونون النفوس. وهناك الملائكة الذين يقومون بالخدمة الليتورجيّة فينشدون مدائح السماء أو يرافقون ليتورجيّات أبناء العهد.

ثانيًا: الأرواح الشرّيرة والشياطين
كانت الأمور معقّدة حين تكلّمنا عن الملائكة وستكون أكثر تعقيدًا حين نتكلّم عن الأرواح الشرّيرة. هناك أرواح الشرّ والملائكة الساقطون والخاضعون لرئيس الشياطين. فالأرواح الشرّيرة خُلقت في اليوم الثاني (مثل سائر الأرواح) وهي تنتظر فريسةً مريضةً لتنقضَّ عليها. لهذا نحتاج إلى التعزيم والرقية. أمّا أصل الأرواح الشريرة فيرتبط بأصل الملائكة الساقطين، بأصل الساهرين أو أبنائهم، بأصل الجبابرة الذين ولدوا لأبناء الله (تك 6: 2- 4). وتتوسّع الكتب (اليوبيلات، وصيّات الآباء الاثني عشر، وثيقة دمشق) بخبر هذا السقوط. هذه هي قوى الظلمة التي هي أدوات رئيس الظلمة المسمىّ عزازيل في أخنوخ، ومستاما في اليوبيلات، وبليعال في قمران ووصيّات الآباء. ولقد تكلّم الحكماء الفرّيسيّون في القرن الأوّل المسيحيّ عن الأبالسة كما تكلّموا عن الشيطان خصم البشر ومتّهمِهم أمام الله. وسيفضِّل الكتبة أن يتحدّثوا عن الميل الشرّير الذي يبعدنا عن الشريعة، لا عن قوى خارجيّة. وسيكون العهد الجديد أقرب إلى المعتقدات الشعبيّة منه إلى التحفّظات الفرّيسيّة. ولكنّه لا يحمل شيئًا جديدًا من الوجهة العقائديّة. هو يتكلّم لغة زمانه مستعيدًا التصوّرات الشائعة. ولكنّ هناك نقطة يتّفق عليها الجميع: ستزول سلطة الشرّ كلّيًّا في نهاية الأزمنة. ويزيد العهد الجديد: بقوّة المسيح المخلّص.

3- المسيحانيّة والإسكاتولوجيا
أوّلاً: المسيحانيّة
نلاحظ في الهزات السياسيّة والدينيّة في القرن الأوّل وساعة أحسّ الناس أنّ النهاية ومُلك الله قريبان، نلاحظ كثيرًا من التخيّلات الإسكاتولوجيّة المرتبطة بالموضوع المسيحانيّ. ولكن تبقى المسيحانيّة مميّزة عن الإسكاتولوجيا. نحن نتكلّم عن المسيح وعن الرجاء المسيحانيّ حين يكون هناك شخص ممسوح. فكلمة "ماسيّا" تقابل العبريّة مشيح الذي يعني الممسوح بالزيت. كلّ هذه الكلمات تنطبق على كائن مطبوع بالمسحة وتشير إلى كاهن أو إلى ملك من نسل داود.
لا تتكلّم آداب ما بين العهدين كثيرًا عن المسيح، ولم يكن الانتظار المسيحانيّ شاملاً في القرن الأوّل. لا شكّ في أنّ الشعب انتظر مجيء ابن داود ليخلّص إسرائيل. وعزا يوسيفوس حرب سنة 66- 70 إلى نبوءة ملتبسة وُجدت في الكتب المقدّسة، وأنبأت اليهود في ذلك الوقت بأنّ رجلاً من بلادهم سيكون سيّد الكون: عنى يوسيفوس بذلك الإمبراطور فسباسيانس. ثمّ إنّ لقب "ابن داود" المعطى ليسوع يشهد على هذا الاعتقاد الشعبيّ (مر 10: 47؛ 11: 10؛ 12: 35؛ روم 1: 3؛ 15: 12). ولكن إذا وضعنا قمران جانبًا، فذكر المسيح قليلٌ جدًّا وسيكثر عند مجيء الرومانيّين (مزامير سليمان) أو بعد دمار الهيكل.
في كتاب الأحلام الذي هو جزء من سفر أخنوخ، يلد "ثور أبيض" وسط الجماعة المولودة جديدًا. وتذكر مزامير سليمان المسيح بصورة واضحة. فكاتب هذه المزامير هو فرّيسيّ، وقد شدّد على طهارة حياة المسيح وبرّه وحكمته، دون أن يشير إلى تساميه. وهناك اللوحة المسيحانيّة التقليديّة التي نجدها في الكتاب الثالث من "الأقوال السيبيليّة". أمّا بعد دمار الهيكل فيتحدّث عزرا الرابع وباروك الثاني عن المسيح الذي سيملك 400 سنة ثمّ يموت قبل نهاية الأزمنة. إذًا سيكون مُلكه قبل النهاية. من هذا القبيل يرتبط العهد المسيحانيّ بالتمثّلات الإسكاتولوجيّة. ولكن لا بدّ من التمييز بين المسيح الملك والنبيّ الإسكاتولوجيّ.
ما هو موقف المجموعات الفلسطينية من المسيح؟ قال الصادوقيّون: لا تتكلّم التوراة عن المسيح. الفريسيّون انتظروا الملك ابن داود ولكنّهم تحاشوا ذكر اسمه في أيّام حكم رومة. فيلون المزعوم: الله وحده هو الخلّص. لا تذكر "حياة آدم وحواء" المسيح. تتحدّث "وثيقة دمشق" عن مسيح كاهن وملك معًا. أراد القمرانيّون أن يعارضوا طموحات الملوك الكهنة الحشمونيّين (رج زك 4: 13) فقالوا بمسيحَيْن: "مسيح هارون" الذي هو على رأس كلّ جماعة إسرائيل "ومسيح إسرائيل" الذي يخضع للأوّل. وسيظهر المسيح الكاهن في "وصيّات الآباء الاثني عشر".

ثانيًا: النبيّ الإسكاتولوجيّ وابن الإنسان
وجدنا تعدّدًا في ما يخص المسألة المسيحانيّة، وسنجد تعدّدًا في الفكر اليهوديّ حول الأشخاص الذي سيلعبون دورًا في الانقلاب الأخير. سنجد بعض العناصر المتفرّقة التي اتّخذت أهمّيّة لأنّه أعيد استعمالها في العالم المسيحيّ. فحالاً قبل نهاية الأزمنة، يعود الرجال الذين اختطفهم الله إلى السماء، مثل أخنوخ وإيليّا والكاهن فنحاس، إلى الأرض لكي يموتوا. وينتظر الناس عودة إيليّا حسب ملا 3: 23- 24؛ سي 48: 10- 11؛ مر 6: 14- 16؛ يو 1: 21. ما هو دور هذا النبيّ العائد إلى الحياة؟ هل هناك علاقة بين النبيّ الإسكاتولوجيّ والمسيح؟ الشخصان مختلفان، ويذكر قمران النبيّ قبل مسيح هارون ومسيح إسرائيل. وهناك موسى الجديد أو النبي الشبيه بموسى (تث 18: 15) والذي يسمّيه السامريون "الثائب" أو الراجع، أو النبيّ الإسكاتولوجيّ. ويقول ترجوم أورشليم إنّ الكلمة (ممرا) ستعود من السماء على الغمام برفقة موسى والمسيح.
أمّا ابن الإنسان (من هو مثل ابن الإنسان: دا 7: 13- 14) فليس شخصاً مسيحيًّا (النسبة إلى مسيح) بالمعنى الحصريّ، بل صورة إسكاتولوجيّة تبدو بشكل رمزيّ. إنّه يجسّد إسرائيل المجدَّد الذي سيقترب على الغمام في نهاية الأزمنة. سيقترب من قديم الأيّام، ليتسلّم السلطان على الكون. يَعتبر عزرا الرابع أنّ شكل الإنسان هو الابن (لقب ملكيّ) والمسيح. وتتكلّم "القديميّات البيبليّة" عن" أبناء البشر" أو "صور البشر". وتشيرُ أمثال أخنوخ إلى ابن الإنسان كصورة إسكاتولوجيّة ترتبط بشخص أخنوخ.

ثالثًا: القيامة والحياة الأخرى
أنكر العالم الهلّينيّ الخلود، أمّا اليهود فاعتقدوا بالثواب والعقاب في الآخرة وبحياة سعيدة للأبرار. ولكن كيف التعبير عن هذه العقيدة؟ جعلوا الشيول قريبًا من فردوس النفوس. واختلفت الأنطروبولوجيا اليهوديّة عن الأنطروبولوجيا اليونانيّةِ فقالت الأولى بالقيامة والثانية بخلود النفس. إذا كان الإنسان البيبليّ نفسًا وجسدًا معًا دون تناقض ثنائيّ، فالاعتقاد بالحياة الأخرى يفرض فكرة قيامة الأجساد أي قيامة الإنسان كلّه. 
ولكنّنا نجد في العالم اليهودي تيّاراتٍ مختلفةً، منها التيّار الذي يقول بخلود النفس من دون القيامة. لا شك في أنّ اختبار الاستشهاد في أيّام أنطيوخس الرابع إبّيفانيوس هيّأ الأفكار للقبول بحياة بعد موت (دا 12: 2). ولكنّ محيط الفرّيسيّين في فلسطين قَبِل بقيامة تصيب الجسد. أمّا الصادوقيّون فهم ينكرون ديمومة النفس بعد الموت، والعقاب والثواب في الآخرة. هذا ما يقول يوسيفوس عنهم مشوّهًا فكرهم الذي يقتصر على فكرة الشيول (مثوى الأموات) والحياة المنقوصة فيما بعد الموت. أمّا الإسيانيّون وأهل لهران فيقولون بالمجازاة وحياة الأنفس في الآخرة. ولكنّنا لم نجد في كتبهم نصّاً واضحًا عن قيامة الأجساد يرافقها تجديد كوني مع سماء جديدة وأرض جديدة (كما نجد في رسالة أخنوخ وكتاب اليوبيلات).
وإليك باختصار سيناريو الأحداث الأخيرة: حين تتمّ الأزمنة يُنفخ بالبوق فيسود الموت في كلّ مكان. وهذا الموت يكون عقاب الخطايا، والعقاب يصيب كلّ إنسان حيث أخطأ، والذين صعدوا إلى السماء مثل أخنوخ وإيليّا وعزرا نفسه يعودون إلى الأرض ليموتوا. غير أنّ باروك الثاني يعتبر أنّ الموتى يقومون وحدهم ليشهدوا للأحياء أنّ الموتى يَحيَون.
شغل مصيرُ الموتى قبل الدينونة بعضَ الأفكار. هذا لا يعني أنّ منظور دينونة قريبة وانتظار النهاية لفتا الانتباه إلى مصير الموتى. فيسوع نفسه لا يتكلّم عن هذا الموضوع إلاّ في مناسبة خاصّة (مر 12: 18- 27). ماذا يصيرون؟ هنا تتعدّد الأجوبة: ينزل الموتى إلى الشيول ولا فرق بين مصيرِ شرّيرٍ ومصيرِ بارّ. أو: ينفصل الروح عن الجسد ويعود إلى الله الذي اعطاه. أو: الله يأخذ نفس الأبرار ويجعَلها في الفرح والسلام والنور، في السماء الثالثة، في مستودع الأنفس. أمّا الأشرار فينالون أقسى العذابات حتّى يوم فنائهم.
وحين تتمّ الأزمنة تتقصّر الأيّام ويفتقد الله الكون: يعيد الشيول ما اسْتُودِعَ فيه ويُحْيي الله الراقدين. يعتبر أخنوخ أنّ الخطأة وحدهم يقومون ليُعاقَبوا، لأنّ نفوس الأبرار تنعم بالسعادة. وتتحدّث مزامير سليمان عن قيامة الأبرار فقط. وفي نهاية القرن الأوّل المسيحيّ دخلت فكرة القيامة العامّة عند الكتبة والفرّيسيّين. وهكذا صارت القيامة مقدّمة للدينونة الأخيرة: وظهر موضع العبور إلى الحياة والموت النهائيّين. هنا برز موضوع جديد: التحوّل الذي يصيب الأبرار. قال مر 12: 25: سيكونون مثل الملائكة في السماء. يرتدون ثوبًا جديدًا (2 كور 5: 2 ي). أو: سيتحوّلون بعضهم إلى بهاء ملائكيّ والآخرون سيُنسَون ويزولون. يموتون الموت الأخير أو الموت الثاني (رؤ 2: 11). وإنّ قيامة الموتى هي عند بولس الرسول وسيلة التوازن عند المؤمنين الموتى والأحياء (1 تس 4: 15- 17). أمّا في 1 كور 15: 51 فالمؤمنون لا يموتون كلّهم بل يتحوّلون. كلّ هذه المعطيات لا تسمح لنا بأن نقدم شميلة موحّدة. ولكنّنا نجد هنا عناصرَ عديدةً ستساعدنا على التحدّث عن الموت والمجازاة الفرديّة والقيامة العامّة والدينونة الأخيرة.

القسم الثاني
تكوين العهد الجديد

قبل أن نعالج مختلف أسفار العهد الجديد نتوقّف عند توسّع شامل نعرض فيه كيف تكوَّن العهد الجديد في قلب المسيحيّة الأولى. وهذا التكوين بلغ ملء قامته في بداية القرن الثاني. حيئنذ بدأت بالظهور تعاليم مشبوهة أو مهرطقة. وتكاثرت الأسفار المنحولة التي لا تشكّل جزءًا من العهد الجديد، منذ القرن الثاني، وهذا ما فَرض على الكنيسة أن تُحَدِّد قاعدةَ الإيمان وتعلنَ لائحةَ الأسفار القانونية.
هذا ما نعالجه في هذا القسم الثاني، وهو يتوزّع على فصول ستّة هي:
الفصل السابع: نصوص العهد الجديد في حياة الجماعة.
الفصل الثامن: النتاج الأدبيّ عند المسيحيّين المتهوّدين.
الفصل التاسع: النتاج الأدبيّ في أرض الرسالة.
الفصل العاشر: الشتات المسيحيّ بعد سنة 70.
الفصل الحادي عشر: في أصول قانون الكتب المقدّسة.
الفصل الثاني عشر: الفنون الأدبيّة في العهد الجديد.
الفصل الثالث عشر: الأسفار القانونيّة في العهد الجديد والأسفار المنحولة.
الفصل السابع
نصوص العهد الجديد في حياة الجماعة

حين ندرس العهد الجديد نكتشف قطبين: قطب يتعلّق بالنصوص وآخر بالتاريخ. 
بالنسبة إلى القطب الأوّل، يجد القارئ نفسه أمام مجموعة من النصوص لا بدَّ من التعامل معها مطبِّقًا عليها كلَّ وسائل التحليل التي في حوزته. وهذا ليس بالأمر الجديد. فالمفسّرون في أيّام آباء الكنيسة لجأوا هم أيضاً إلى كلّ التقنيّات التي استعملها عصرهم ليُبرزوا خصائصَ هذه النصوص، إمّا عن طريق البلاغة، وإمّا عن طريق الاستعارة. غير أنّ وسائل حضارتنا لم تَعُد هي هي. فالنقد الأدبيّ والتحليل البنيويّ سارا على خطى البلاغة القديمة في طريقين مختلفين. وحلّت تفسيرة الرموز التي تتّجه نحوها علوم بشرية عديدة، ويهتمّ بها الفكر الفلسفيّ، محلّ الاستعارة القديمة. ولكنّ المطلوب هو أن نستخرج من النصوص معانيَ جديدةً يجد فيها القارئ فائدة له.
وبالنسبة إلى القطب الثاني، نعرف أنّ هذه النصوص تُرجعنا عبر اللغة إلى أبعد من ذاتها. إنّها تعود إلى محيط محدّد وتتجذّر في أخبار تاريخيّة وقد تكوّنت بفضل كتَّاب انخرطوا في هذا التاريخ. وتُوصل إلينا هذه النصوصُ صدى حقبة منظّمة تهمّنا بالدرجة الأولى: فبفضلها يتمّ الاتّصال بين الكنيسة الأولى وكنيسة اليوم. وهذا البعد الثاني، أي البعد التاريخيّ، يحدّد قيمة هذه النصوص بحيث إذا أهملناه، خسرت قسمًا كبيرًا من اهتمامنا بها: لماذا نتعلّق بهذه النصوص ولا نتعلّق بأساطير الهند وأخبار الصين؟ وإنّ بُعدها التاريخيّ لا يُلقي فقط ضوءًا على بنيتها الأدبيّة فيعرّفنا بتجذّرها الحضاريّ، بل يتيح لنا أن نفهم وظيفتها (أو دورها) في الجماعات المسيحيّة الأولى، وهي الوظيفة التي نجدها في الكنيسة الحاليّة عبر التبدّلات السوسيولوجيّة والحضاريّة التي تفصل زمان الرسل عن الزمان الحاضر.
لهذا سنتطرّق بصورة عامّة إلى هاتين الوجهتين للنصوص المجموعة في العهد الجديد: الوجهة الأدبيّة والوجهة التاريخيّة.

أ- الأدب الوظيفيّ في الكنيسة الأولى
لا يحتفظ العهد الجديد بكلّ أدب الكنيسة الأولى، بل بمجموعة من الكتابات الاتّفاقيّة، أي التي كتبت في مناسبة خاصّة. وهنا سنوضح ثلاث نقاط. أوّلاً: نحدِّد مدلول الكنيسة من زاوية السوسيولوجيا الدينيّة بحيث إنّ المهمّات والنشاطات المرتبطة بأبحاثها تجعلنا نستشفّ وظيفة النصوص التي ألِّفت فيها منذ البدء. وإذ نتفحّص ثانيًا سير هذه النصوص نحدّد "أمكِنة الإنتاج" التي فيها رأت النور. ونتفحّص أخيرًا، والكنيسة نمت في مدى حضاريّ منوّع، تأثير هذه البيئة على نتاجها الأدبيّ.

1- الكنيسة وأدبها الوظيفيّ
أوّلاً: الوظائف المتعدّدة للنصوص الأدبيّة
تنطبق كلمة "وظيفيّ" على كلّ أدبٍ مهـما كان نوعه. ففي مجتمع محدّد، يقوم كلّ نصّ، شفهيًّا كان أو خطّيًّا، شعبيًّا كان أو علميًّا، بوظيفةٍ معيّنة ويحتلّ مكانةً في قلب حياة الجماعة. إنّه يقدّم وسيلة تسلية أو يعبّر عن المُثُل المشتركة في شكل فنّيّ. هذا ما نقول عن الشعر الغنائيّ والمسرح والقصّة في حضارتنا. ولا ينطبق هذا المبدأ فقط على الآثار الأدبيّة، بل وعلى نصوص عمليّة مثل الشرائع والفرائض والعقود والجردات. من هذا القبيل تبدو العلاقة بين وظيفة النصّ وشكله قاعدة أساسيّة لتأليفه، مع الأخذ بعين الاعتبار الشروط الحضاريّة التي يخضع لها.
ويمكننا أن نتّخذ مثلاً واضحًا في تكوين العهد القديم. إنّ اندماج المجتمع السياسيّ والمجتمع الدينيّ في تطوّر حضاريّ نقل الناس من مدنيّة شفهيّة (التقاليد التي تكوّنت في البنتاتوكس: الكهنوتيّ، الاشتراعيّ...) إلى مدنيّة كتابيّة متقدّمة (التاريخ الاشتراعيّ وأنبياء المنفى). وهذا الاندماج سيطر على تأليف الأدب الوطنيّ. ولكن تمّت عمليّة فرز انطلاقًا من معايير دينيّة تنبع من إيمان يتثبّت يومًا بعد يوم. ولم يُحفَظ جزء من هذا الأدب القديم في العالم اليهوديّ الذي بعد الجلاء إلاّ من أجل استعماله العمليّ في الحياة الدينيّة التي عرفتها الأمّة المتشتّتة. وكان هذا الشرطَ الأساسيّ لبقائه في وقت خسرت الأمّةُ كلَّ استقلال سياسيّ. وبعد هذه الفترة لعبت القاعدة نفسُها دورَها في تأليف الكتب المجموعة في التوراة اليهودية. وفي هذا المجال أيضاً كانت عمليّة اختيار. لا ندخل في تفاصيل تكوين "القانون" الكتابيّ، ولكنّنا نقدّم قاعدة أكيدة، وهي أنّ المجموعة الأخيرة لا تتضمّن إلاّ نصوصاً "وظيفيّة" (منذ ألّفت أو منذ استعملت) تهدف إلى لعب دور في حياة الجماعة الدينيّة.
ونقول الشيء عينه عن العهد الجديد. فالجماعات المسيحيّة الأولى التي محورت وجودها الجماعيّ حول شكل من الحياة الدينيّة الأصليّة أنتجت نصوصاً كانت ضروريّة لتعبِّر عن هذه الحياة وتنظّمها وتحافظ على الروح المسيحيّة فيها ولتتذكّر أصولها وتاريخها... إذًا نحن أمام أدب وظيفيّ. فإذا حلّلناه اكتشفنا كلّ وجهات الاختبار الكنسيّ. وإن أردنا أن تكون نصوص العهد الجديد معبِّرة، لن نكتفي بأن نفهرس الأفكار ونقيمِّ العاطفة الدينيّة التي تعبّر عنها، بل سنكتشف البُعدَ الدينيّ المرتبط ارتباطاً وثيقًا بالبيئة الحضاريّة.

ثانيًا: الكنيسة والإنجيل
ونتوقّف أيضاً عند مفهومين: الكنيسة والإنجيل. ففي كلّ أسفار العهد الجديد تحدّد المجموعات المسيحيّة نفسَها "كنيسة". إنّهم يشيرون بهذا الاسم إلى أصالتهم. كان إسرائيل يحدّد نفسه في العالم اليهوديّ المعاصر "شعب" الله. أمّا الجماعات المعَدَّة لسماع كلام الله وتفسيره وللتعبير عن إيمانها بالصلاة، فقد سمّيت "سيناغوغي" (أو مجمع، كنيس). دلّت هذه اللفظة أوّلاً على الاجتماعات في أماكن الصلاة (أع 16: 13)، ثمّ طُبِّقت على هذه الأمكنة. أمّا العهد الجديد فلا يستعمل إلاّ مرّة واحدة لفظة "سيناغوني" ليدل على الجماعة المسيحيّة (يع 2: 2) ومرّة واحدة مشتقّة منها (عب 10: 25): لا تنقطعوا عن الاجتماع كما اعتاد بعضهم أن يفعل. إنّ الجماعة المسيحيّة تلتئم في كنيسة (إكلاسيا: 1 كور 11: 18). دلّت هذه اللفظة (إكلاسيا أي كنيسة) في التوراة اليونانيّة على الدعوة المقدّسة لشعب إسرائيل ليلتئم في جماعة عباديّة في إطار البرّيّة (تث 4: 10: تذكّروا يوم حضرتم أمام الربّ في جبل حوريب. قال الربّ لي: إجمع كلّ الشعب حتّى اسْمِعَهُمْ كلامي). واستعاد العهد الجديد هذه اللفظة مرّة واحدة (أع 7: 38). وحين استعملت هذه اللفظة لاجتماع المؤمنين المسيحيّين دلّت على الجماعة التي يدعوها (هذا هو معنى الفعل اليونانيّ) الله حول المسيح الممجَّد لتسمع كلمته وتشارك في خلاصه وتحتفل بتذكاره وتنتظر مجيئه.
الكنيسة هي مجموعة سوسيولوجيّة مكوّنة من مؤمنين موزّعين في هذا المكان أو ذاك وسط العالم اليهوديّ أو العالم الوثنيّ وهي أيضاً مجمل هذه المجموعات التي وعت وحدتها وعيًا عميقًا. ولكن قبل هذا، فالكنيسة هي جماعة ملموسة يعي فيها المؤمنون دعوتهم المشتركة ويرتبطون بالإيمان بكلّ الذين سمعوا النداء عينه. لا شكّ في أنّ "الكنيسة التي في كورنتوس" (1 كور 1: 2) أو تسالونيكي أو غلاطية لا يقتصر وجودها على هذه الاجتماعات العباديّة. إنّها تحيط بكل حياة المؤمنين الذين يعيشون في الجماعات المحلّيّة. ولكنّ "الاجتماعاتِ في كنيسة" هي المكان الأفضل الذي فيه يعبّرون اجتماعيًّا عن وجودهم. ففي هذه الاجتماعات نبحث عن المحيط الحياتيّ الذي فيه تكوّن قسم كبير من الأدب المسيحيّ الأوّل، والذي لأجله دوِّنت الأسفار المقدّسة.
تقودنا هذه الملاحظة السوسيولوجيّة إلى التساؤل عن العنصر الذي ميَّز حياة المجموعات المسيحيّة الخاصّة عن العالم اليهوديّ وتيّارات العالم الوثنيّ. في العالم الوثنيّ كانت العبادة التقليديّة المرتبطة بحياة المدينة أو الدولة متلاصقة مع العبادات الجديدة الآتية من الشرق. أمّا العالم اليهوديّ الذي احتفظ بعبادة ذبائحيّة في هيكل أورشليم، فقد عرفت جماعاته اجتماعات في المجمع أو الكنيس وكانت كلمة الله محور هذه الاجتماعات. انتقلت هذه الكلمة بطريقة حيّة في التقليد الشفهيّ ثمّ اتّخذت شكلاً مكتوبًا. كانوا يقرأون أسفار الشريعة ويُرفقونها بقراءة الأنبياء وسائر الكتب. ثمّ يفسِّرون كلّ هذا في عظة تبيّن آنيّتها. وكانوا يَتْلُون الصلوات فتكون كلمة الإنسان جوابًا على كلمة الله.
تَطَعَّمَتِ المسيحيّة على العالم اليهوديّ، فاتّخذت منه مجموعة الأسفار التي ستسمّى التوراة، ولكنّها حدّدت قراءتها بمبدأ تفسير جديد وغريب عن التيّارات اليهوديّة المتنوّعة. لقد صارت كلماتُ يسوعَ وشخصُ يسوعَ كلمةَ الله الجديدة والأخيرة التي وصلت إلينا في نهاية الأزمنة. فمن هنا تستقي الكتب المقدّسة والتاريخ السابق معناها النهائيّ. وإعلان هذا الجديد يشكِّل الإنجيل الذي هو موضوع الإيمان وقلب الكرازة المسيحيّة. وإذا أردنا أن نفهم أصالة الكنيسة بالنسبة إلى التيّارات الوثنيّة وبالنسبة إلى العالم اليهودي وجب علينا أن نعود إلى هذا الإنجيل الذي يغطّي بطريقته مُجمل النشاطات والأعمال العباديّة التي تتمّ في الكنيسة.
تدلّ كلمة إنجيل (إوانجليون أو البشرى أو الخبر السارّ) على الكرازة الأساسيّة التي تؤسّس الجماعات (1 كور 15: 3 ي). ترد هذه اللفظة مرارًا في الرسائل البولسيّة (الاسم: 50 مرّة والفعل 20 مرّة تقريبًا) وهي تقدّم لنا عنوان الكتيِّب الذي دوّنه مرقس (مر 1: 1). وتظهر في فم يسوع في إنجيل مرقس (مر 1: 1). ونجد فعل "أنجل" أو بشر 15 مرّة، واسم إنجيل مرّتين في سفر أعمال الرسل. وترد كلمة إنجيل أيضاً في سائر الرسائل (عب 4: 2؛ ابط 1: 12، 25...) وحتّى في سفر الرؤيا (10: 7؛ 14: 16). هذه الأرقام تلفت انتباهنا إلى المعطى الذي يمنح معنى جديدًا لموضوع الكلمة الحاملة الخلاص، هذه الكلمة التي صارت جسدًا في يسوع الناصريّ (يو 1: 14؛ 1 يو 1: 1).
يحدّد الإنجيلُ إيمان الكنيسة ويعلن مضمونه. ويُرينا التقليد القديم في 1 كور 15: 3 ي المراجع الهامّة التي ينتظم حولها هذا المضمون: "مات المسيح من أجل خطايانا كما في الكتب... وقام في اليوم الثالث كما في الكتب". يعود بنا الإنجيل إلى تاريخ يسوع الناصريّ الذي انتهى بموت تسجّل في الزمن، يعود إلى آنيّة يسوع كمسيح مجيد يؤمّن للمؤمنين مغفرة خطاياهم، يعود إلى الكتب (أي أسفار العهد القديم) ككتاب وحي الله ومواعيده. ورث الوجودُ المسيحيّ الوجودَ اليهوديّ، ولكنّه تركّز بدوره على رجاء يضمّ كلّ المستقبل حتّى رجوع الربّ (1 كور 11: 26). وهكذا، فكلّ إعلان للإنجيل يتضمّن مجمل تدبير الخلاص وإن لم يقله صراحة. أمّا الأدب المسيحيّ فيتوسّع انطلاقًا من هذا الأساس الذي يعطي معنى للنتاج الأدبيّ المتنوّع. كلّ الأنواع ترتبط بالإنجيل، وهذا ما يؤكّد أصالتها.

2- أماكن إنتاج النصوص
حين نتكلّم عن نصوص الأدب المسيحيّ الأوّل، لا نفكّر فقط بما كُتب ونُسخ ونُشر وانتشر في الشعب، بل نفكّر أيضاً في مقاطع شفهيّة حُفظت في الذاكرة وتكيفَّت وحاجات جماعة خاصّة أو جماعات متعدّدة. ففي محيط تلعب الذاكرة دورًا هامًّا، لا تكون الحدود بين الفئتين واضحة حتّى وإن سبَّب الانتقالُ إلى التأليف المكتوب تحوّلاتٌ في النصوص على مستوى الصرف والنحو. إلاّ أنّ العهد الجديد يقدِّم لنا مثلاً معبّرًا عن الانتقال من الشفهيّ إلى الخطّيّ. من هذا القبيل نجد شيئًا مماثلاً في العالم اليهوديّ المعاصر. فكثير من الموادّ التي جُمعت في المشناة (جمعت التقاليد الشفهيّة التي لم تدخل في التوراة) والتلمود (يضمّ المشناة وشرحها مع "البرايوت" أو الأمور البرّانيّة) وجدَت تعبيرًا لها قبل أن تُحفظ في إطار التقليد الشفهيّ. ولقد ارتبطت بدايةُ المسيحيّة بالنظام اليهوديّ. لهذا، فما قلناه عن المشناة والتلمود يساعدنا على تفهّم ولادة الأدب المسيحيّ.
غير أنّه يجب أن نميّز أماكن مختلفة لإنتاج النصوص وحسب نشاطات الكنيسة التي وُجّهت إليها. في البداية، تكوّنت مجموعة مسيحيّة في إطار الحياة اليهوديّة: أعلنت إنجيلَ يسوع المسيح ابن الله الذي يشكّل موضوع إيمانها الخاصّ، وفسّرته وأسندته ودافعت عنه. فكانت أماكنُ الحياة اليهودية المراكزَ المميّزة لهذا الإعلان المستند إلى التوراة: اجتماعات الكنيس بقدر ما تتيح للوعّاظ المسيحيّين أن يقدّموا مداخلة، المجادلات العامّة في جوار أماكن الصلاة أو في رواق الهيكل في أورشليم. ولقد احتفظ لنا سفر الأعمال بذكريات محدّدة: جعلَنا نحضر كرازة إنجيليّة في أروقة الهيكل (أع 3: 11؛ 5: 12، 21؛ 21: 30- 22: 40) أو في المجامع (9: 20؛ 13: 14- 42؛ 14: 1...) أو في أماكن عامّة أخرى (2: 4- 40)، وأمام المحاكم اليهوديّة التي مثل أمامَها بعضُ الوعَّاظ المسيحيّين (4: 1- 12؛ 5: 27- 33؛ 6: 12- 7: 54، 22: 30- 23: 10). لا نحسب أنّ ما يرويه لوقا هو نصّ تاريخيّ بمفهوم الكلمة العصريّ. نحن أمام خبر بناه لوقا واختار موادَّه من البدايات المسيحيّة ليُعطيَنا تعليمًا لاهوتيًا.
ونجد فئة ثانية من النصوص في إطار مسيحيّ وفي داخل الكنيسة الأولى المؤسَّسة في أورشليم. فمنذ البداية كان للمؤمنين اجتماعات خاصّة فيلتقون في ما بينهم لا في أماكن العبادة بل في بيوتهم (أع 2: 46). قال لوقا (أع 2: 42): "كانوا مواظبين على تعليم الرسل والمشاركة الأخويّة وكسر الخبز والصلوات". أمّا كسر الخبز فلا يعني فقط الوليمة الأخوية التي عرفتها مجموعات يهوديّة أو وثنيّة. ففي منظور الإيمان بالمسيح، كسر الخبز هو الوليمة التي يشارك فيها المؤمنون في مائدة المسيح القائم من بين الأموات، وهذا ما سيوضحه القدّيس لوقا فيما بعد (لو 24: 30، 35). أمّا الملاحظة القصيرة التي قرأناها في سفر الأعمال فتجعلنا نستشفّ نشاطاً متعدّد الوجوه يدفع الكنيسة إلى خلق النصّ ولا سيّما على مستوى التعليم والصلوات. وسنرى فيما بعد الأصل الأوّل لوحدات صغيرة حُفظت حاليًّا في مجموعات أوسع.
ونفكر أخيرًا في البعثة التي تنظّمت لتعلن الإنجيل لجماهير عديدة من اليهود والسامريّين (أع 8: 5- 25) والوثنيّين. وهذا ما فرض تكيّفًا للإمكانات العمليّة التي يقدّمها كلّ بلد. هنا يحتفظ لنا سفر الأعمال بذكريات حسّيّة: تمّت الكرازة في البيوت (أع 10: 17- 47: بيت كورنيليوس؛ 16: 29- 33: بيت سجّان فيلبّي؛ 18: 7- 11 بيت يوستس)، في الساحات العامّة (أع 14: 11- 18: في لسترة؛ 17: 19- 34: ساحة أثينة)، في مدرسة الفلسفة على مثال مدرّسي البلاغة في العالم اليونانيّ (أع 19: 9- 10: مدرسة تيرانس في أفسس). ولجأت هذه الكرازة طوعًا إلى كلّ الأساليب الناجعة في إطار الحضارة التي حلّت فيها: يجادلون مع اليهود انطلاقًا من الأسفار المقدّسة، ومع الوثنيّين انطلاقًا من الفلسفة الشعبيّة. يفكرّون في مشاكل السلوك العملي (هلكه في العالم اليهوديّ) أو في مسائل الحكمة الخُلُقيّة. وحين تتكّون مجموعة محلّيّة من الموظّفين تتنظّم "الاجتماعات في كنيسة" على مثال جماعة أورشليم مع تعليم يُعطى للمهتدين فيثبِّتُهم ويُنيرُ إيمانهم، مع الصلوات المشتركة، مع الاحتفال بعشاء الربّ.
تلك هي الأطر العامّة التي ظهر فيها الأدب "الوظيفيّ" الأوّل في الكنيسة، بعد أن تكيَّف وأهداف عمله التبشيريّ، وتنوّع حسب الظروف.

3- تأثير البيئة الحضاريّة
أوّلاً: مسألة اللغات في البدايات المسيحيّة
حين وُلدت المسيحيّة تكوَّنت في نقطة التقاء بين حضارتين: حضارة الشرق السامي بشكله اليهوديّ مع اللغتين الآراميّة والعبرانيّة، وحضارة حملتها اللغة اليونانيّة في كلّ العالم الهلّينيّ في الشرق والغرب. ولكن تحت هذا الطلاء اليونانيّ، ظلَّت اللغات المحلّيّة حيّة، ولا سيّما في الأوساط الشعبيّة: يلمح أع 14: 11 إلى اللغة الليقونيّة. وعدَّد خبرُ العنصرة سلسلةً من اللغات الوطنيّة (أع 2: 6- 11). وفي الواقع، وُجد في تلك الحقبة أدبٌ في اللغة الآراميّة والفينيقيّة واللاتينيّة والفارسيّة... ولكنّ اليونانيّة كانت لغة التبادل والحضارة الدوليّة. تبنّاها اليهود الإسكندرانيّون منذ القرن الثالث ق م في اجتماعات صلاتهم وفي أدبهم. وما عتمّت هذه العادة أنِ امتدّت إلى كلّ الجماعات المشتّتة، ما خلا البلدان الواقعة شرقيّ سورية والتي سيطرت فيها الآراميّة. أمّا عند يهود فلسطين وعند السامريّين فاحتفظت العبرانيّة بالمركز الرسميّ في عبادة الهيكل واجتماعات الكنيس. ولكنّ استعمالَ الآراميّة في الطبقات الشعبيّة أوجبَ ضرورة الترجوم والوعظ في اللغة العامّة، وتأرجح النتاج الأدبيّ المرتبط بسير عمل المؤسّسات الدينيّة بين هاتين اللغتين المتقاربتين. من هذا القبيل، نجد ما يقابل هذا الوضع في فينيقية وسورية وبلاد الرافدين، حتّى وإن لم تحتفظ لنا المخطوطات بالنصوص المقابلة للترجوم. لم يبق لنا إلاّ بضع كتابات.
تكلّمت الكنيسة منذ بدايتها لغتين، وذلك في أورشليم عينها حيث وُلدت. فقد كان لليهود المتكلّمين باليونانيّة مجامعُهم الخاصّة في المدينة المقدّسة (أع 6: 1، 8- 10). هناك من ينطلق من كلمة "عبرانيّ" في الوثائق القديمة (أع 6: 1، 21، 40؛ يو 19: 20؛ فل 3: 5) فيستنتج أنّ اللغة العبرّية استُعملت استعمالاً عامًّا، بل رسميًّا، في جماعات فلسطين المسيحيّة. ولكنّهم نَسُوا أنّه في نصوص مثل يو 5: 2 (يسمّونها بالعبريّة، 19: 13، 17) تنطبق اللفظة بوضوح على الآراميّة. كذا نقول عن صلاة يسوع على الصليب. نقرأها عند مرقس (15: 33) في الآراميّة، وفي متّى (27: 46) في آراميّة ممزوجة بالعبريّة. هذا يعني أنّ "عبرانيّ" يتميّز عن "يونانيّ" ليدلّ على لسان ساميّ يضمّ العبرانيّة والآراميّة في نظام واحد. لا شكّ في أنّ الوضع اللغويّ في اليهوديّة والجليل يبدو معقّدًا، ولكنّ المعقول هو أنّ الآراميّة سيطرت على العبرانيّة في الطبقات الشعبيّة ولا سيّما في الجليل. ومهما يكن من أمر، فثنائيّة اللغة في الجماعة المسيحيّة الأولى لم تطرح مشكلة على الكنيسة كما لم تطرح على العالم اليهوديّ. فمنذ القرن الثالث ق م قرأ اليهود التوراة في العبريّة مستعينين بالآراميّة، وقرأوها أيضاً في شكلها اليونانيّ. وكان ذاك وضع الإنجيل أيضاً.

ثانيًا: تأثير المحيط اليهوديّ
ما هي التأثيرات الحضاريّة التي خضعت لها الكنائس المحلّيّة لتخلق النصوص الأدبيّة التي تحتاج إليها؟ كان تأثير هيكل أورشليم محدَّدًا. لأنّ حياة المجموعات المسيحيّة لم تتمحور حول العبادة الذبائحيّة وطقوس التطهير وغيرها. لم يستعمل المسيحيّون إلاّ عبارات الصلاة والأناشيد وقد أخذت بقدر كبير من التوراة. واعتبر بعضُهم أنّ تأثير جماعة قمران كان حاسمًا. ولكنّ هذا الاعتبارَ خاطئٌ. فقد عاش القمرانيّون منفردين عن العالم اليهوديّ فشكّلوا جماعة من "الأطهار الأنقياء". أمّا يسوع وتلاميذه وأعضاء الكنيسة الأولى فتجاوزوا الحواجز وامتزجوا بالعشّارين والخطأة المعروفين (مر 2: 15- 16؛ أع 9: 43)، وظلّوا على اتّصال بالذين يمارسون الشريعة ممارسة دقيقة (لو 7: 36؛ 11: 37؛ 14: 1؛ أع 2: 46؛ 5: 12- 13؛ 6: 7؛ 21: 20). أمّا النصوص المسيحيّة الموازية لقمران فنجدها خاصّة في الأسفار المتأخّرة (2 كور 6: 14- 18 الرسالة إلى أفسس، رسالة يوحنّا الثانية) لا في التقاليد الأولى. ثمّ إنّ التقليد الجليانيّ الظاهر في قمران وفي غير مكان قدّم بعض التعابير لتكوين الإيمان المسيحيّ.
ولكن قدِّم نمطان اختباريّان نموذجيّان يتكيّفان مع "الاجتماعات في كنيسة". كانت اجتماعات الكنيس وما يرتبط بها أو يدور حولها: الصلوات، الترجوم، رسمات كرازة حول الكتاب المقدّس... ومن جهة ثانية وُجدت اجتماعات لأهل الورع والتقوى مثل الإسيانيّين والمعمدانيّين وبعض الفرّيسيّين الذين سينظّمون نفوسهم بعد سنة 70 في حلقات رابّانيّة. عملت هذه المجموعات في أرض فلسطين كما في الشتات، وتركت أدبًا ينبع من التوراة: صلواتٍ وأناشيدَ، أخبارًا تقويّة، تفاسيرَ التوراة، قواعدَ في الحياة العمليّة... انضمّ بعض الأعضاء في هذه المجموعات إلى الكنائس المحلّيّة في فلسطين وفي الشتات فتركوا أثرًا لا بأس به.

ثالثًا: العلاقات بالحضارة الوثنيّة
وجابهت الكنائسُ المحيطات الوثنيّة حين نشر الوعّاظ الإنجيل دون أن يجبروا المؤمنين على أن يبدأوا ويكونوا يهودًا ويخضعوا للشريعة قبل أن يصيروا مسيحيّين. يَعتبر بعضُ الشرّاح أنّ الوعّاظ الذين أسّسوا الكنائس المحلّيّة دخلوا في حركة تلفيقيّة فاستقوا من الديانات اليونانيّة والشرقيّة عوائدهم وأساطيرهم وشعائر عبادتهم ليعبّروا عن المعتقدات الجديدة. ولكنّ الوضع هو أكثر تعقيدًا. من جهة، كان اعتناق الإيمان يقود إلى تبدّل جذريّ في المعتقدات والحياة، وهذا ما يشكّل الارتداد (1 تس 1: 9؛ أع 14: 15): إنّ الأمانة للتعليم الإنجيليّ في تقليد الكنيسة فرض هذا الانفصال الذي اعتبر التلفيق أكبر محنة تعترضه. ومن جهة ثانية، حين تحرّر المسؤولون في الكنائس ممّا يشكّل التقليد اليهوديّ من ثقل، تكيّفوا وظروف الزمان والمكان فاستعانوا، بعد أن قاموا بالتصفيات الضروريّة، بالحضارة اليونانيّة حتّى في النطاق الفلسفيّ والدينيّ.
إذن، قد يكون الأساس الدينيّ العميق الذي تَهَلْيَنَ في جماعات الشتات ثمّ تحوّل ليتكيّف والإيمان المسيحيّ، قد يكون اغتنى من جديد بعناصر غريبة عن العالم اليهوديّ. هذه المسألة لا تعني المعتقدات والطقوس الأساسيّة المرتبطة بالإيمان، بل التعبير الحضاريّ الذي يتغيّر عادة. لن نستطيع أن نعطي حكمًا قاطعًا إلاّ إذا حلّلنا حالاتٍ خاصّةً من خطبٍ لاهوتيّةٍ وقواعدَ أخلاقيّةٍ وأناشيدَ وأمور ليتورجيّةٍ. ولكن يبقى من الأكيد أنّ التوراة التي ورثها المسيحيّون من العالم اليهوديّ شكّلت لهم النصّ الأساسيّ للثقافة الدينيّة. أمّا الاتّصالات مع العالم الهلّينيّ التي تشهد عليه نقاط محدودة في رسائل القدّيس بولس الأولى، فهي تطرح أسئلة دقيقة في كتب متأخّرة تدافع عن التقليد الصحيح بوجه التسرّبات الوثنيّة والتشوّهات الهرطوقيّة. ولكنّنا صرنا في ردّة فعل واعية بوجه التلفيق الدينيّ.

ب- التوسّع التاريخيّ في الكنيسة الأولى
ارتبط تكوين العهد الجديد الأدبي ارتباطاً وثيقًا بالمراحل الكبرى التي مرّ فيها توسّع الكنيسة الأولى. من هذا القبيل نميّز قطاعين كان لهما اختبارات مختلفة جدًّا: قطاع الجماعات المسيحيّة المتهوّدة، قطاع الكنائس التي ولدت في الأمم الوثنيّة.
1- الكنائس المسيحيّة المتهوّدة
نلاحظ في القطاع المسيحيّ المتهوّد انقطاعين تاريخيّين. الأوّل هو دمار أورشليم (70 ب م) الذي أصاب المسيحيّين المتهوّدين كما أصاب سائر اليهود. الثاني هو طرد هؤلاء المسيحيّين من حياة المجمع. تمَّ هذا بصورة رسميّة يوم أدخل المعلّمون الرسميّون في صلاة البركات الثماني عشرة لعنة ضدّ الهراطقة والناصريّين (بين سنة 80 و95). إنّه لمهمّ أن نعرف الأماكن التي انغرست فيها مثل هذه الجماعات، ولكن يصعب علينا أن نتتبعّ أثر الرسالة لدى المختونين والتي كان على رأسها الرسول بطرس (رج غل 2: 7- 8) يوم كان يعقوب "أخو الربّ" رئيس الجماعة المحلّيّة في أورشليم.
يقدّم لنا سفر الأعمال والرسائل عددًا من المعطيات حتّى سنة 70. وأوّل معطى هو امتداد كنيسة أورشليم إلى الهلّينيّين. فإذا عُدنا إلى سفر الأعمال (6: 1- 8: 40) نرى هذه المجموعة قد تحلّت بأصالة جعلتها تواجه سريعًا سلطات العالم اليهوديّ المحلّيّ: وتبع موتَ إسطفانُسَ (أع 6: 8- 7: 6) اضطهادٌ دفع سائر الأعضاء إلى التشتّت في اليهودية والسامرة (أع 8: 1) وفينيقية وقبرص، بل حتّى أنطاكية في سورية (أع 11: 19). وكانت نتيجة هذا التفجير إشعاعٌ رسوليّ لم يكن ينتظره أحد. أمّا انتشار الكنائس فتمّ في نطاقين لغويّين مختلفين، نطاق ساميّ ونطاق هلّينيّ. ففي النطاق الساميّ تبرز كنائس اليهوديّة (غل 1: 21) والجليل (أع 9: 31) حيث لعبت ظهورات المسيح القائم دورًا رئيسيًّا. انطلقت هذه الكنائس من الجليل، فانتشرت في دمشق وسورية الجنوبيّة حيث وجد بولس مسيحيّين قبل نشاطه الرسوليّ الأوّل المرتبط باهتدائه (أع 9: 1؛ 10: 22؛ 2 كور 11: 32 ي). ووصلت المسيحيّة إلى بلاد الأنباط (أو العرب) حيث أقام بولس بعض الوقت قبل أن يعود إلى دمشق (غل 1: 7). وبعد هذه الإقامة الثانية في دمشق هرب بولس من مطاردة الملك حارث له (2 كور 11: 32). أمّا انتشار الإنجيل في فينيقية وقبرص وسورية الشماليّة، فقد كان سببه مسيحيّون هلّينيّون. وفي هذه المناطق نجد أوّل جماعة مختلطة قُبِلَ فيها الوثنيّون الأصل في الكنيسة دون أن ينضمّوا قبل ذلك إلى العالم اليهوديّ (أع 10: 36). ولكن حين نصل إلى الشاطئ نكون عند الفلسطيّين أو اليونانيّين.
وإذا خرجنا من فلسطين نفترض أنّ الكنائس المؤسَّسة في المدن الهلّينيّة كانت ذات ثقافة يونانيّة، شأنها شأن العالم اليهودي في الشتات. ولكنّنا لا نقدر أن ننسى الشتات الشرقيّ المقيم في مقاطعات سيطرت عليها اللغة الآراميّة: سوريّة الداخليّة، حدياب، بابل، وسائر الأماكن المرتبطة بالمملكة الفراتيّة. من هذا القبيل كانت المسيحيّة آراميّة. ولكنّه كان في المدن الهامّة جاليات تتكلّم اليونانيّة. هذا يعني أنّ بعض الكنائس عرفت اللغتين معًا. هذا هو الواقع في الإسكندريّة ورومة حيث كانت الجالية اليهوديّة كبيرة. ولكنّنا لا نجد في العهد الجديد إلاّ بعض التلميحات إلى كنيسة رومة (أع 28: 14- 15). إنّ لوقا لا يحدّد أصلها ولا أصل جماعة بوطيولي (أع 28: 13- 14). ولا يقول العهد الجديد شيئًا عن جماعة الإسكندريّة. تبقى لنا التقاليد التي احتفظ بها أوسابيوس القيصريّ والتي لا يمكن الاعتماد عليها. ولكنّه ينقل إلينا تقليدًا ثابتًا عن موت يعقوب في أورشليم سنة 62 (ينقل نصوص فلافيوس يوسيفوس وهجاسيب)، وبه نعرف أن مسيحيّي أورشليم لجأوا إلى بلاد الديكابوليس (أو المدن العشر) ذات السكان الوثنيّين في بداية الحرب اليهوديّة (سنة 67). ويُبرز أخيرًا دور أعضاء عائلة يسوع حتّى حكم ترايانس (98- 117).
بعد سنة 70، بقيت كنائس مسيحيّة متهوّدة في الجليل وديكابوليس وسورية الجنوبيّة (دمشق) والشماليّة (أنطاكية) وفي حدياب ومصر. سيترك بعض منهم فلسطين ويهاجر إلى آسية الصغرى (أفسس) حيث انغرس تقليد يوحنّا. وإنّ الهزّة التي زعزعت المركز الوطنيّ في اليهوديّة لم تضع حدًّا للنظام اليهوديّ الشرعيّ الذي أعطى التوراة قيمة رسميّة في العالم الرومانيّ بالنسبة إلى أعضاء الأمّة كلّهم. ولكنّ هذا النظام جعل المسيحيّين المتهوّدين في موقع حرج وسط الجماعات التي كانت أكثريّة أعضائها من الوثنيّين، وهذا رغم الإجراءات العمليّة التي اتّخذتها كنائس سورية وكيليكية والتي نجد أثرًا لها في أعمال الرسل (15: 19- 20، 28- 29؛ رج 21: 25). ولما حرَمت اليهوديّةُ الرسميّة المسيحيّين المتهوّدين (نجد صدى عن هذا الحرم في يو 9: 22- 34؛ 16: 2) صار وضعُهم القانونيّ خطرًا أمام الإدارة الرومانيّة نفسها لأنّهم خسروا في الوقت عينه حمايتهم "الوطنيّة".
مما يكن من أمر، هناك قسم كبير من مواد أوليّةٍ استعملها الأدب المسيحيّ اللاحق عائدًا إلى العالم المسيحيّ المتهوّد والقديم. وقد ألّفت بعض أسفار العهد الجديد لكنائس من هذا النمط حتّى نهاية القرن الأوّل. ولكنّنا نتجاوز الحقبة الخلاقة في الكنيسة الأولى حيث نبحث عن أثر لها في كتابات متأخّرة أو شهادات من المرتبة الثانية. وسيبقى لنا لاهوت مسيحيّ متهوّد حتّى القرن الثالث (راعي هرماس، صعود أشعيا، وعدد من الأسفار المنحولة والمنسوبة إلى شخصيّات من العهد القديم). وسيجد إيرونيموس في نهاية القرن الرابع جماعات مسيحيّة متهوّدة في سورية: لها إنجيلها الخاصّ وهي تحتفظ بلاهوت قديم وأسلوب حياة متأخّرة. إنّها ستزول نهائيًّا كتيّار مستقلّ حوالي القرن السادس. ولكن منذ القرن الثاني تطوّرت بعض المجموعات فصارت شيعًا مثل الظاهريّين (أنكروا واقع آلام المسيح وموته) والأبيونيّين (يقولون: المسيح هو نبيّ كبير، لا ابن الله) الذين تركوا بعض الآثار في الآداب المنحولة.
وعلى حدود العالم اليهوديّ، نشير إلى وجود جماعات محلّيّة في السامرة (أع 8: 4- 25) يلمّح إليها الإنجيل الرابع (يو 4: 35- 42). ولكنّنا لا نستطيع أن نحدّد في هذا الإطار إلاّ تقاليد مبعثرة (لو 9: 51 ي؛ 17: 11- 16)، يتعلّق بعضها بأصل تيّار تلفيقيّ يرتبط بالسامريّ سمعان الساحر (أع 8: 9- 13، 18- 23) الذي جعله بعض الكتّابُ الكنسيّين أبًا للغنوصيّة.

2- كنائس الأمم الوثنيّة
أوّلاً: أمكنتها
يقدّم لنا سفر الأعمال دخول الإنجيل إلى الأوساط الوثنيّة بطريقة مقتضبة جدًّا. فبعد موت إسطفانُس ذهب فيلبّس من السامرة إلى أزوت (= أشدود) في بلاد الفلسطيّين، ثمّ إلى قيصريّة، تلك المدينة الهلّينيّة (أع 8: 40). ولكن كانت هناك جماعات يهوديّة. ثمّ يسبِّق لوقا فيحدّثنا عن اهتداء كورنيليوس الضابط الرومانيّ المقيم في قيصريّة (أع 10: 1 ي). وهكذا تغطّي سلطة بطرس دخول الوثنيّين إلى الكنيسة دون اندماجهم بالأمّة اليهوديّة (أع 11: 3). في الواقع، لم يكن هذا بالأمر الجديد وقد ارتدّ وثنيّون إلى الكنيسة في أنطاكية سورية (أع 11: 20- 21) بعد موت إسطفانس واهتداء شاول الطرسوسيّ ببضع سنوات (حوالي 35- 37). وينطلق لوقا من أنطاكية، هذا المركز الدينيّ الجديد، فيتتبعّ أثَرَ تبشيرِ الأمم غير اليهوديّة.
أوّلاً: مع بعثة برنابا وشاول في قبرص (أع 13: 4- 12)، في بمفيلية وبسيدية وليكونية (أع 13: 13- 14: 26). ثانيًا: مع أسفار بولس ورفاقه إلى سورية وكيليكية وفي مختلف مقاطعات آسية الصغرى، في مكدونية واليونان (أع 15: 36- 20: 38). ثالثًا: سفر بولس كأسير إلى مالطة وإيطالية ورومة حيث سيكون التبشير محدودًا (27: 1- 28: 31). هنا نعاين تحوّلاً جذريًّا في انضمام المؤمنين إلى الدين الجديد. لم يؤمِنْ بالإنجيل إلاّ عددٌ ضئيل من يهود الشتات اليونانيّ، أمّا غير الحدود فدخلوا بكثرة وشكّلوا الأكثريّة في الجماعات المسيحيّة. ويفسّر لوقا هذا الواقع كعلامة لتصلّب اليهود. وهذا التصلّب ينقل خلاص الله من الأمّة اليهوديّة إلى الأمم الغريبة (أع 13: 46- 48؛ 18: 6؛ 28: 25- 28). هذه النظرة تدلّ على نتيجة رسالة بولس لدى غير المختونين (غل 2: 7- 9)، وتعكس الوضع الذي كُتبت فيه رسائل بولس الكبرى.
تتكوّن أمكنة التبشير التي جال فيها بولس وفريقه الرسوليّ من المدن الواقعة على الطرق الرئيسيّة أو في المرافىء الكبرى ولا سيّمَا في آسية الصغرى واليونان وحتّى إليريكون (روم 15: 19). تَذْكُرُ تي 1: 5 جزيرةَ كريت و2 تم 4: 10 منطقةَ دلماطية (يوغوسلافيا الحاليّة)، وهذا ما يدّل على وجود كنائس ترتبط بالتقليد البولسيّ يوم دوِّنت الرسائل الرعائيّة. ولكنّ الوثائق لا تعطينا معلوماتٍ عن سائر مناطق الإمبراطوريّة الرومانيّة. فالرسائل إلى الكنائس السبع (رؤ 1- 3) تقودنا إلى مقاطعة آسية الرومانيّة. وتذكر رسالة بطرس الأولى في العنوان مقاطعات عديدة من آسية الصغرى (1 بط 5: 3) وفي الخاتمة كنيسة رومة (1 بط 5: 13: يسمّيها كنيسة بابل). وتدلّنا الرسالة إلى العبرانيّين أنّ أفق الكاتب يصل به من إيطالية (عب 13: 24) إلى مؤمنين من أصل يهودي يقيمون ربّما في سورية. هل نفَّذ بولس مشروعَ سفره إلى إسبانية (روم 15: 23)؟ لا نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال رغم ما تقوله رسالة إكلمنضوس الأولى التي قد تكون عادت إلى نصّ الرسالة إلى أهل رومة. ولكن ما هو أكيد هو أن توقيف بولس قلب مشاريعه المستقبليّة. وإذا استندنا إلى أع 2: 9- 11 يمكننا أن نفترض أنّ الإيمان انتشر في أيّام لوقا في الشرق فوصل إلى المملكة الفراتيّة (بلاد الرافدَين، عيلام، ماداي)، وفي الغرب فوصل إلى مصر والقيروان ورومة. وستثبت وثائق القرن الثاني هذا الكلام.

ثانيًا: الطبقات الاجتماعيّة المبشَّرة
إلى أيّ الطبقات الاجتماعيّة وصل الإنجيل في نصف قرن تلا تأسيس الكنيسة؟ من الخطأ أن نعتبر أنّ المسيحيّة في ولادتها تألّفت من الطبقات الفقيرة وحدها (سمّاها الأرستقراطيّون في رومة "ديانة العبيد"). في الواقع، وإذا عدنا إلى إشارات اتّفاقيّة في أعمال الرسل والرسائل، عبد أنّ الكنيسة انفتحت على كلّ الطبقات الاجتماعيّة. نقرأ في كور 1: 26 أنّه كان في كنيسة كورنتوس، قليل من الحكماء بحسب الجسد (يلمّح بولس إلى المستوى الثقافيّ) وقليل من الأقوياء وقليل من الوجهاء. هذا يعني أنّه وُجد بعض من الحكماء والأقوياء والوجهاء. وفي 1 كور 7: 21- 22 نجد العبيد قرب الأحرار. مهما يكن من أمر، ففي الجماعات الكنسيّة يمتزج اليهود المختونون بالوثنيّين اللامختونين، والعبيدُ بالأحرار، والرجالُ بالنساء، واليونانيّون بالبرابرة. هذا ما تقوله غل 3: 28: "لا فرق الآن بين يهوديّ وغير يهوديّ، بين عبد وحرّ، بين رجل وامرأة. فأنتم كلّكم واحد في المسيح يسوع". وتقول 1 كور 12: 13: "فنحن كلّنا، يهودًا كنّا أم غير يهود، عبيدًا أم أحرارًا، تعمّدنا بروح واحد لنكون جسدًا واحدًا". وتقول كو 3: 11: "فلا يبقى هناك يهوديّ أو غير يهوديّ، ولا مختون أو غير مختون، ولا أعجميّ أو بربريّ، ولا عبد أو حرّ، بل المسيح الذي هو كلّ شيء". لسنا هنا فقط أمام امتزاج الشعوب، بل أمام تحوّل في عقليّة المشاركين في الجماعة المسيحيّة وفي انقطاع عن الأعراف الاجتماعيّة والمواقف السيكولوجيّة المعروفة في ذلك العصر.
ونشير أيضاً إلى الوجهة الاقتصادية لهذا الوضع. كانت التقوى اليهودية تشدّد على أهمّيّة الصدقة لتبرز التضامن الملموس بين كلّ أعضاء شعب إسرائيل. وفي أيّام القدّيس بولس جُمعت اللمّة من أجل الفقراء في كنيسة أورشليم الأمّ (1 كور 16: 1- 2؛ غل 2: 10)، فدفعت المؤمنين إلى السخاء (2 كور 8: 7) لتكون العدالة العمليّة بين الأغنياء والفقراء (2 كور 8: 13). ولكن إذا أردنا أن نجمع مبالغ كبيرة (2 كور 8: 20) في جماعات يتواجد فيها البؤساء والميسورون (1 كور 11: 22) وجب أن يكون لمتوسّط المؤمنين من الموارد ما يكفيهم ويفيض عنهم.
في الكنائس، وبالأخصّ في الاجتماعات "في أوّل يوم من الأسبوع" (1 كور 16: 2)، انتظمت أخوّة حقيقيّة بين أناس أتَوا من كلّ الآفاقَ الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والدينيّة (يهود وغير يهود). إذا نظرنا إلى هذا الوضع من الخارج، بدا لنا غريبًا. ولكن إن نظرنا إليه من الداخل، دلَّنا على مشاركة الجميع في البشريّة الجديدة التي خُلقت مرّة ثانية في المسيح: كلّ الحواجز بين البشر هي نتائج الخطيئة في البشريّة القديمة، ولكنّ المسيح مات ليزيل هذه الحواجز (كو 3: 9- 10). هذا لا يبدّل شيئًا في الأوضاع القانونيّة الخاصّة بالرجال والنساء. فالكنائس تشكّل أقلّيّة ضئيلة داخل الإمبراطوريّة، ولا سلطة لها في هذا الميدان. ثمّ إنّ ما يهمّ السلطة الحاكمة هو أن يكون المسيحيّون مواطنين صادقين (روم 13: 1- 7؛ 1 تم 2: 1- 2؛ تي 3: 1؛ 1 بط 2: 13- 15). من هذا القبيل، بدت التعليمات المعطاة للمؤمنين (أكانوا من أصل يهوديّ أم من أصل وثنيّ) امتدادًا لما قالته التوراة لليهود منذ زمن الفرس. ولقد كان لهذه الأقوال صدى يوم كانت اليهوديّة مقاطعة ثائرة، ويوم لم تكن حرب العبيد بعيدة في الزمن (توفي سبارتاكوس سنة 71 ق م). وهكذا يتأكّد التمايز بين جماعة كنسيّة زالت منها كلّ الحواجز وعالم مدنيّ تشهد الكنيسة أمامه عن الجديد الذي يحمله الإنجيل. وإذا توقّفنا عند النظم المدنيّة يبقى في الكنيسة عبيد وأسياد (كو 3: 22- 4: 1؛ أف 6: 5- 9؛ تي 2: 9- 10؛ 1 بط 2: 18). ولكنّ نمط العلاقة تبدّل. فعلى فيلمون، هذا الملاك الكبير، أن يستقبل أونيسموس العبد الهارب "مثل أخ حبيب" (فلم 16). كم نحن بعيدون عن التشريع المتعلّق بهذا الوضع الاجتماعيّ.
وفيلمون هذا يتمتعّ بوضع اقتصاديّ مريح ليستقبل كنيسة كولسيّ (فلم 1- 2). ومثله فعل نمفاس بالنسبة إلى كنيسة لاودكية (كو 4: 15) وغايوس بالنسبة إلى كورنتوس (روم 16: 23) وبرسكلّة وأكيلا بالنسبة إلى أفسس (1 كور 16: 19؛ روم 16: 3- 5). هنا يكمّل سفرُ الأعمال ما نجده من تلميح في الرسائل البولسيّة. فبرسكلة وأكيلا يعملان في صناعة الخيم ويملكان تجارة دوليّة تسمح لهما بأن ينتقلا من رومة إلى كورنتوس ثمّ إلى أفسس (أع 18: 1- 3، 18، 26). إنّهما من التجّار البورجوازيّين الذين من أصل يهوديّ. وفي فيلبّي تستقبل ليدية، تاجرة الأرجوان، في بيتها الكنيسة التي تأسّست حديثًا (أع 16: 14- 15). ونحن نعرف أنّ إراستس هو أمين صندوق كورنتوس (روم 16: 23)، إنّ إستفاناس، أوّلَ مهتدٍ، صار مسيحيًّا مع كلّ بيته (1 كور 1: 16؛ 16: 15) وهذ يفترض وضعًا اجتماعيًّا متينًا. وفي أيّام الرسائل الرعائيّة سيُجبر المسيحيّون الأغنياء على أن يشاركوا الغير في خيراتهم ليكون لهم كنز في السماء (1 تم 6: 17- 19؛ مت 6: 20). ويبدو أنّ عائلة تيموثاوس انتمت إلى الطبقة الاجتماعيّة عينها (أع 16: 1- 3). فأمّه وجدّته اللتان من لسترة (2 تم 1: 5) كانتا من الطبقة العالية كأولئك اللواتي عارضن القدّيس بولس حين بشر في أنطاكية بسيدية (أع 13: 5). ولهذا فصورة المسيحيّات التي نجدها في هذه الرسائل تدلّ على أنّهنّ نساء شريفات (تي 2: 3- 5). هل نستنتج أنّ الكنيسة الأولى جمعت عددًا كبيرًا من المؤمنين المتوسّطي الحال؟ مثل هذا الاستنتاج يتجاوز حدود وثائقنا. ولكن يجب التشديد على التمازج الذي تمّ. فالكنائس المحلّيّة كانت مجموعات منفتحة على الطبقات العليا كما على عالم العبيد. من هذا القبيل تشبَّه الرسل بيسوع نفسه: فتطويبة الفقراء (لو 6: 20؛ مت 5: 3) والتنديد بالشرّ الذي يسبّبه الغنى (لو 6: 24؛ 18: 18- 23) لم يمنعاه من أن يجنّد لاوي- متّى (مر 2: 13- 15)، وأن يلبّي دعوة زكّا (لو 19: 1- 9)، وأن يقبل المساعدة من نساء غنيّات يتبعنه (لو 8: 2- 3) ومنهنّ زوجة وكيل هيرودس. وسيأتي وقت يدخل فيه أشراف رومة إلى الكنيسة. أما أمَر دوميسيانس بقتل ابن عمّه فلافيوس كلامنس وبنفي فلافيا دوميتيلا في جزيرة بنداتوريا لأنهما اعتنقا المسيحيّة؟

ثالثًا: وضع الكنائس في الإمبراطوريّة الرومانيّة
هذا هو الإطار الذي فيه نضع تأليف الكتابات التي لم توجَّه إلى المسيحيّين المتهوّدين. لقد دوِّنت بين سنة 51 (زمن تأليف 1 تس) وسنة 120 (إذا عدنا مع 2 بط إلى هناك). في هذا الوقت انطبعت حياة الكنائس الهلّينيّة ببعض الأحداث الهامّة. لم يكن للحرب اليهوديّة إلاّ تأثير بسيط عليهم، ولكن كانت لهم مضائق أخطر من هذه الحرب. ففي سنة 64 وفي سنة 67 كان اضطهاد نيرون الذي يتحدّث عنه تاقيتس. انحصر الاضطهاد في رومة ولكنّه كلّف الكنيسة حياة بطرس وبولس (كما يقول أغناطيوس الأنطاكيّ في الرسالة إلى رومة، وإيريناوس وغيرهما). ولمّا تبدّلت السلالة الملكيّة خلال الحرب اليهوديّة، حمل هذا التبدّل للكنائس سلامًا استفادت منه لتتقوّى وتتنظّم وتشعّ انطلاقًا من المدينة إلى الأرياف. وكانت هزّة عنيفة في نهاية عهد دوميسيانس (سنة 95). يتحدّث سفر الرؤيا عن هذا الاضطهاد بسبب الإنجيل. تمّت القطيعة بين المسيحيّين والعالم اليهوديّ فصار وضع المسيحيّين القانونيّ خطرًا. لم يعودوا يستطيعون أن يلتجئوا إلى امتياز الديانة المسموح بها، أي الديانة اليهوديّة، فصاروا معرَّضين للملاحقة والقتل. 
وزال جيل الرسل. مات يعقوب، أخو يوحنّا، سنة 44 (أع 12: 3) وقُتل بطرس وبولس خلال اضطهاد نيرون. ومات سائر الرسل في أزمنة نجهلها. وقُتل يعقوب أخو الربّ في أورشليم سنة 62. ويروي التقليد أنّ يوحنّا نُفي إلى بطمس خلال اضطهاد دوميسيانس وأنّه عاش حتّى زمن ترايانس (98- 117). وزال تلاميذ الرسل المباشرون كما زال الشيوخ الذين حدّثهم بابياس. وفي ذلك الوقت أخذت الهرطقة تتسرّب إلى بعض الكنائس، ونحن نجد آثارها في آخر كتابات العهد الجديد (رؤ 2: 6، 14- 16، 20- 23؛ 1 يو؛ 2 يو؛ 1 تم؛ 2 تم؛ 2 بط؛ أع 20: 29- 31). ولكن ما زالت المسيحيّة تتوسّع ولاسيّما في آسية الصغرى بحيث إنّ حاكم بيتينية أجبر على التدخّل ضدّ المؤمنين الذين تكاثر عددهم في مقاطعته. بعد هذا سيُقبض على أغناطيوس رئيس جماعة أنطاكية ويُقتاد إلى رومة.
في هذا التوسّع بحياة الكنائس والآداب المسيحيّة نتوقّف عند ثلاث مجموعات من النصوص: النتاج الأدبيّ عند المسيحيّين المتهوّدين، النتاج الأدبيّ في أرض الرسالة، الكتب المدوَّنة في الشتات المسيحيّ بعد سنة 70 ب م.

الفصل الثامن
النتاج الأدبيّ عند المسيحيّين المتهوّدين

بما أنّ الكنيسةُ ولدت في محيط مسيحيّ متهوّد، سنبدأ هنا بدرس تكوين الآداب الأولى. ونطرح ثلاثة أسئلة. الأوّل: كيف نقدر أن نقوم باستقصاء لنستشفّ الأوساط التي تكوّنت فيها النصوص. الثاني: هل نقدر أن نعزل هذه النصوص وننظّمها بحسب الدور الذي لعبته في الجماعات؟ الثالث: هل وجدت منذ ذلك الوقت مجموعات مكتوبة أو أسفار باقية في العهد الجديد؟

أ- إستقصاء حول الآداب المسيحيّة الأولى
1- من الكتب إلى التقاليد القديمة
لقد حان الوقت لنطبّق الإجراءات المنهجيّة التي ألمحنا إليها سابقًا. فإن قرأنا وثائقَ العهد الجديد بطريقة سطحيّة نجد نفوسنا أمام مؤلِّفين أعطَوا كتبهم شكلها الحاليّ. ولكنّنا نكتشف في النسيج عينه آثارَ موادَّ سابقةٍ دخلت في التوسّعات، لهذا سنحاول أن نقوم بدراسة الطبقات في النصوص. ولكن كلّ الكتب لا تسمح لنا بهذا العمل، ولا سيّما الشخصيّ منها والمرتبط بظروف خاصّة. فمسائل النظرة التكوينيّة والنظرة التأليفيّة لا تنطبق على الرسالة إلى فيلمون ما عدا ما يتعلّق بالصيغة. وكذلك نقول عن رسالة يوحنّا الثالثة المهتمّة بحياة الكنائس، فهي لا تجعلنا نستشفّ أيّة وثائق سابقة. إنّما نحن في أغلب الأحيان أمام أدب كنسيّ حيث التحليل يشير إلى تاريخ سابق للنصّ. بعض المرّات نجد التكرار والتنافر في التأليف والاختلاف في استعمال المفردات... كلّ هذا يساعدنا على اكتشاف عدّة طبقات تأليفيّة. مثلاً: إنّ تأليف الإنجيل الرابع وبالأحرى الأناجيل الإزائيّة قد مرَّ في مراحل عديدة نربطها بأزمنة ومحيطات محدّدة. ثمّ إنّ الانتباه إلى المراجع التي استعملها الكاتب يُبرز تقاليد قديمة مجذّرة في التقليد الشفهيّ قبل أن يصبح مكتوبًا بيد الكاتب أو في مراجعه المباشرة. مثلاً، نتساءل: أين أخذ لوقا الموادّ التي استعملها في سفر الأعمال ليصوّر الجماعة المسيحيّة الأولى في فلسطين وإلى أيّ حدّ عكست هذه الموادّ حياتها الخاصة أو أظهرت نصوصًا متداولة؟ ومرّات أخرى نميِّز في مجموعاتٍ كبيرة مقاطعَ مكتوبة سابقًا لها فنّها الأدبيّ الخاصّ، ونستطيع أن نعزلها (مثلاً: الأناشيد في رسائل مار بولس).
وهكذا فنقد الأشكال الأدبيّة والتاريخ التأليفيّ وتاريخ التقاليد، كلّ هذا يتيح لنا أن نستخرج من الأناجيل وأعمال الرسل والرسائل والرؤيا وثائق من الدرجة الأولى. ولكن تبدأ الصعوبة عندما نريد أن نحدّد المحيط الأصليّ لهذه الوثائق ونكتشف قِدَمها. وبما أنّ الاستقصاء هنا ينحصر في المحيط المسيحيّ المتهوّد، لا بدّ من علاقة ممكنة بين هذا المحيط والمقاطع المدروسة من جهة المضمون والأشكال الأدبيّة والمشاكل المعالَجة. ويجب أن يكون هناك إشارات إيجابيّة توجّهنا في هذا الطريق. مثلاً: ليس لحادثة ضريبة الهيكل (مت 17: 24- 27) أيّة أهمّيّة خارجًا عن المحيط المسيحيّ المتهوّد الذي كان يطرح هذه الأسئلة ولكنّه ما عاد يطرحها بعد سنة 70 ودمار الهيكل. وتتعقّد المسألة في الأدب الرسائليّ الموجَّه إلى كنائس يسيطر فيها العنصر الغير اليهوديّ. هل نبحث عن أثر لتقاليد مسيحيّة متهوّدة في رسائل مار بولس؛ لا شكّ في ذلك. فبولس دخل في تقليد تقدّمه فأخذ صيغًا سبقته وعاد إلى الأناجيل كما كانت تتذكّرها الجماعات الأولى.

2- الوظائف الجماعيّة الخلاّقة للنصوص
إذا كانت نصوص هذا الأدب الوظيفيّ لعبت دورًا محدّدًا في المحيط الحيّ الذي أُنتجت فيه، فلأنّ هذا المحيط ترابط مع وظائف جماعيّة جعلته أكثر من كتلة عديمة الشكل مسلَّمة لنزوات أعضائها. فالاستقصاء عن بُنى الكنيسة الأولى يرافق الاستقصاء عن التاريخ الأدبيّ. لا شكّ في أنّ هناك حواجز: أين نجد شهادات قاطعة عن تنظيم الكنائس الأولى في المحيط المسيحيّ المتهوّد؟ إنّ سفر الأعمال يقدِّم تطوّرًا قديمًا، ولكن إلى أيّ حدّ اهتمّ لوقا بأن يقدّم لنا معلومات دقيقة من الوجهة الماديّة، أو إلى أيّ حدّ أراد أن يبيّن وحدة التقليد المسيحيّ وتواصله عارضاً نموذجًا لكنائس عصره؟ الهدفان يتمازجان، وهكذا يتأرجح الشرّاح بين الآراء المختلفة. وهم يتحفّظون أيضاً في حكمهم على المعطيات التي تقدّمها الرسائل الرعاويّة، لأنّ بعضهم يشكّ بنسبتها إلى القدّيس بولس. تبقى سائر رسائل مار بولس والرسائل الكاثوليكيّة بقدر ما كتبت قبل سنة 70. ولكنّ تحديد الوظائف الجماعيّة في مختلف الكنائس يبقى غامضاً وليس موحَّدًا، لأن هذه الوظائف مأخوذة في بعض المرّات من عالم الألقاب اليونانيّة (ذكر الأساقفة في فل 1: 1). حين نقابل النصوص بعضها ببعض نقدر أن نصل إلى حلّ معقول يطبَّق على المحيط المسيحيّ المتهوّد السابق لسنة 70.

أوّلاً: رسل وأنبياء ومعلّمون
يشهد التقاطع بين الأعمال والرسائل البولسيّة على وجود ثلاث وظائف مستقلّة عن الاثني عشر (1 كور 15: 5) ومرتبطة بأصل مسيحيّ متهوّد: الرسل والأنبياء والمعلّمون (1 كور 12: 28). يبيّن بولس في هذه الوظائف أولى مواهب الروح الثلاثة. ولقد كان الرسول على اتّصال متوالٍ مع كنائس مسيحيّة متهوّدة: في دمشق (2 كور 11: 32؛ أع 9: 10- 20)، ثمّ في أورشليم حيث التقى كيفا (بطرس) ويعقوب (غل 1: 8- 20) القريب من جماعة الرسل (1 كور 15: 7)، ثمّ في أنطاكية حيث أقام مدّة طويلة (غل 1: 21؛ 2: 1، 11؛ أع 11: 25 ي؛ 14: 26 ي) وأخيرًا في أورشليم من أجل "المجمع" الرسوليّ حيث وُجد يعقوب وكيفا ويوحنّا (غل 2: 1- 10؛ أع 15: 1ي). لاشكّ في أنّ جماعة أنطاكية التي أسّسها مسيحيّون متهوّدون تهلينوا، قد أدخلت تجديدًا فانفتحت على مؤمنين من أصل غير يهوديّ. ولكن هذا لم يمنعها من أن تحافظ على تنظيم عمليّ يشبه ما نجده في كنيسة أورشليم الأمّ وفي كنائس اليهوديّة. وإنّ لوقا يشدّد على هذه الاستمراريّة في أع 11: 22- 24. وهو يذكر بوضوح في أع 13: 1 الأنبياء والمعلّمين الموجودين في أنطاكية. وإن لم يتكلّم عن الرسل، فلأنّه يحتفظ بهذا الاسم للاثني عشر.

مجموعة الاثني عشر
يرجعون إلى يسوع نفسه. وظيفتهم الأساسية أن يبيّنوا أنّ الكنيسة هي إسرائيل الجديد (لو 22: 30= مت 19: 28؛ رؤ 21: 12- 14). أمّا دور بطرس كرئيس لهم فيشهد عليه التقليد القديم في 1 كور 15: 5 وفي سلسلة من النصوص الإنجيليّة (مت 10: 1- 4؛ مر 3: 3- 8؛ لو 6: 12- 16؛ 22: 31 ي؛ مت 16: 17- 19؛ يو 6: 67- 69؛ 21: 15- 17) وفي أخبار سفر الأعمال (ف 1- 15). ولكن تُذكَر المجموعة مرّة أخيرة في أع 6: 2. قد يلمّح إليها أع 8: 1 و11: 1 حين يتكلّم عن الرسل، ولا يعود يذكرها وقت موت يعقوب أخي يوحنّا (أع 12: 1- 19) بينما بطرس هو في المقام الأوّل ويعقوب أخو الرب يَرْئِسُ جماعة العبرانيّين أي المسيحيّين المتهوّدين المحلّيّين. ويمكننا أن نطرح مبدأ على أساس أع 1: 21- 22: إنّ هذه المجموعة لعبت دورًا أساسيًّا في تنظيم الكرازة الإنجيليّة الأولى. وإذا جمعنا مر 16: 7؛ مت 28: 16- 20 ويو 21 وقابلناه مع الأخبار الواردة في أع 1- 12 نفهم أنّ الجليل ظلّت موضع تمركز أقام فيه بعض أعضاء المجموعة. ولكنّ أعياد الحجّ أعادتهم إلى أورشليم. وفي أيّ حال، حدث اضطهاد سنة 44 في أيّام الفطير (أع 2-: 4). ولكن منذ البداية كان للاثني عشر شركاء في وظيفتهم كشهود.

النبيّ
يقدّم لتنظيم الكنائس خدمة الكلمة التي كوَّنت التقليد اليهوديّ. وظهرت هذه الخدمة بكلّ قوّتها بعد عطيّة الروح لكنيسة المسيح (أع 2: 17- 19). أمّا لقب "معلّم" فيستعيد لقبًا يهوديًّا. كان المعلّم (أو الرابي) يشرح التوراة فصار المعلّم المسيحيّ يشرح الإنجيل. فوظيفة النبيّ ووظيفة المعلّم تساعدان على تكوين النصوص.
وفي زمن قريب من البداية نجد كنيسة أورشليم تمتدّ إلى مؤمنين يتكلّمون اليونانيّة. وإذْ أرادت الجماعة الأمّ أن تؤمّن إطارًا لهؤلاء "الهلّينيّين" اختارت جماعة السبعة الذين لا يعطيهم لوقا لقبًا خاصًّا (أع 6: 1- 6). كانت المسألة المطروحة هي مسألة خدمة الموائد حيث أهملت أرامل المجموعة الهلّينيّة (أع 6: 1) في اجتماعات اتّخذ الطعام المشترك مكانة هامّة. ولكنّنا لا نستطيع أن ننطلق من أعمال 6: 2 لنحصر السبعة في أعمال مادّية. فبعد هذا سنرى إسطفانُسس وفيلبّس يمارسان نشاط الوعَّاظ بخطابات (أع 7: 1- 53) تفترض وعظات ومجادلات سابقة مع اليهود الهلّينيّين (أع 6: 9- 10) وتعليم (أع 8: 6) وشرح الأسفار المقدّسة (أع 8: 30- 35). كلّ هذا يدلّ على أنّ السبعة شاركوا في خدمة الكلمة لدى اليهود المتكلّمين اليونانيّة (وبالنسبة إلى فيلبّس لدى السامريّين وبعض المهتدين إلى الديانة اليهوديّة).
وسيُدعى فيلبّس فيما بعد "إنجيليّ" (أع 21: 8: أو مبشّر). سنجد هذا اللقب في نصوص متأخّرة مثل الرسالة إلى أفسس (4: 11) والرسائل الرعائيّة (2 تم 4: 5)، وهو يدلّ على أنّ إحدى المهمّات الرئيسيّة للكنيسة الأولى صارت وظيفة متخصّصة. ويعود هذا اللقب إلى عالم مسيحيّ متهوّد يتجذّر في السبعينيّة (أش 40: 9؛ 52: 7؛ 61: 1، وهي نصوص يعود إليها العهد الجديد ليبرِّر بالتوراة مفهوم الإنجيل). وُجدت كلمة "الإنجيليّ" في إحدى الكتابات في رودس فدلّت على من يعلن جواب الالهة. ظهرت باكرًا في كنائس فلسطين قبل أن يستعملها سفر الأعمال والمجموعة البولسيّة. إذا عدنا إلى أع 21: 8 نرى الإنجيليّ فيلبّس يقيم في قيصريّة فلسطين، وهي مدينة يونانيّة جاءها الإنجيل من اليهوديّة: من الأكيد أنّ بنية الكنيسة المحلّيّة فقيها تشبه بنية سائر الجماعات المسيحيّة المتهوّدة في المنطقة. بما أنّ المقطع ينتمي إلى المقاطع المكتوبة بصيغة المتكلّم الجمع (نحن، وهذا يعني أنّ لوقا كان برفقة بولس) فهو يعكسه حالة وُجدت سنة 58. كان لفيلبّس أربع بنات "يتنبّأن" (أع 21: 19) دون أن يحملن لقب "نبيّة" (المعروف في خر 15: 20؛ قض 4: 4؛ 2 مل 22: 14؛ أش 8: 3؛ رج رؤ 2: 20). نحن هنا أمام عطيّة من الروح خاصّة كما في 1 كور 11: 4- 5؛ 14: 3- 5، 22، 24- 25، 32. ولكنّ لوقا يتكلّم في الموضع نفسه عن أغابوس الذي نزل من اليهوديّة (أع 21: 10؛ رج 11: 27- 28). وهذا يدلّ على الخدمة عينها للكلمة كما في 1 كور 12: 28- 29؛ أع 13: 1. وبمختصر الكلام يجب أن نبرز أهمّيّة الرسل والأنبياء والمعلّمين والإنجيليّين لأنّنا سنجد فيما بينهم أوّل من كوَّن وألَّف النصوص المسيحيّة.

ثانيًا: الشيوخ أو الكهنة (أو القسوس)
ماذا نقول عن الشيوخ أو الكهنة؟ لا يظهر هذا اللقب عند مار بولس قبل الرسائل الرعائيّة. كان الشيوخ يدبّرون الجماعات المحلّيّة في العالم اليهوديّ، وكان شيوخ في الجماعات المسيحيّة. يشير لوقا إلى وجودهم في أورشليم (أع 11: 30؛ 15: 6، 22- 23) وفي كنيستي ليكونية وبسيدية اللتين وصل إليهما الإنجيل من أنطاكية سورية (أع 14: 23)، وفي أفسس (أع 20: 17) حيث أقيم القسوس "مراقبين" (أو أساقفة) ليرعَوا كنيسة الله (أع 20: 28). يجمع لوقا فيهم في هذا الموضع وظيفتي الأسقف والراعي. لا نعرف أصل لقب أسقف (إبّسكوبوس) الذي نجده في فل 1: 1. أمّا لقب راعي فنجده في أف 4: 11؛ 1 بط 5: 2- 3 (رج 1 بط 2: 25 حيث يسمّى المسيح راعي نفوسكم وحارسها أي أسقفها)، وهو يعود على ما يبدو إلى العالم المسيحيّ المتهوّد. من الممكن أن يكون لوقا اقترف مغالطة تاريخيّة حين ذكر القسوس في جماعة أفسس ليدلّ على التواصل في البنية بين الكنائس البولسيّة والكنائس التي في أيّامه. ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الكنائس التي تأسّست برعاية أنطاكية (أع 14: 23) لأنّ اللقب مسيحيّ متهوّد وهو قديم.
ويمكننا أن نتساءل عن الوظيفة الأولى لهؤلاء القسوس، وهي تتميّز عن وظيفة الأنبياء والمعلّمين. فإذا عدنا إلى النموذج اليهوديّ نفهمها مهمّة (أو مسؤوليّة) متعلّقة بالإدارة العمليّة لجماعة محلّيّة (وهذا ما نستشّفه في أع 11: 30). أمّا الأنبياء والمعلّمون فكانوا قبل كلّ شيء خدّام الكلمة، وكانوا يستطيعون، على غرار الرسل، أن ينتقلوا من كنيسة إلى كنيسة ليمارسوا وظيفتهم (أع 13: 2- 4). ولكن لا نحصر عمل الشيوخ في المسائل المادية. فإذا عدنا إلى أع 15: 22 نرى بقرب الرسل القسوس وعلى رأسهم يعقوب (أع 15: 13؛ غل 1: 19؛ 1 كور 15: 7). إنّه يرئس اجتماع الكنيسة المحلّيّة وقد انضمّ إليه بولس وبرنابا. فالمجموعة كلّها هي التي تقرّر الأمور الهامّة. ثمّ إنّ مجلس الكهنة يسهر على خير الجماعة المشترك، على النظام في الاجتماعات، على حفظ التقليد الذي سلّمه المؤسّسون. هو لا يلعب دورًا مباشرًا في خدمة الكلمة، ولكنّ مهمّة المراقبة قد تدفعه إلى أن يلعب مثل هذا الدور حين تهدّد الكنائسَ "الذئابُ الخاطفة" (أع 20: 29- 31). وإنّ لوقا يقدم شهادة غير مباشرة عن تطوّر وظيفتهم. في نطاق المؤسّسة كما في تكوين النصوص الأدبيّة، كان دورُ الكهنة دورَ المحافظ لا دور الخلاّق، ولكن أبن يبدأ الواحد وأين ينتهي الآخر؟
هذه هي خلفيّة اللوحة التي وضعت عليها النصوص التي تكوّنت في الجماعات المسيحيّة المتهوّدة. أمّا أين أُلِّفت هذه النصوص؟ هناك الكرازة في المجامع أو في الأمكنة المختلفة، وهناك الاجتماعات الكنسيّة.

ب- محاولة ترتيب النصوص الأولى
لن نستطيع أن نجد لائحة كاملة بأوّل نصوص المسيحيّة المتهوّدة، وقد بقيت تفاصيل عديدة غير واضحة. وإذا عدنا إلى النظريّة التكوينية اكتشفنا ترتيبًا تتّخذ فيه مكانَها النصوصُ المعتبرة قديمة. ونميّز: إعلان الإنجيل، شرح الكتاب المقدّس، الدفاع والجدال، تعليم المؤمنين في الجماعات، تنظيم الأعمال الليتورجيّة، الصلاة والأناشيد.

1- إعلان الإنجيل
يتميّز الإنجيل كفنّ أدبيّ بعلاقته المثلّثة إلى حدث المسيح الذي مات ثمّ قام، إلى الكتب التي تمّت، إلى الآنيّة المسيحيّة. قبل أن تصبح الأناجيل كتيّبات كانت شَميلات تعطينا فكرة عن إعلانها أمام السامعين اليهود، إمّا في اجتماعات المجمع وإمّا في مناسبات أخرى.

أوّلاً: التقاليد السابقة للقدّيس بولس
تقدّم لنا النظريّة التكوينيّة عن رسائل مار بولس أقدم الموادّ. ففي 1 كور 15: 3- 8 يبدو الإنجيل (1 كور 15: 1) كتقليد تسلّمه بولس ويسلّمه (1 كور 15: 3) طبق تعبير استعمله العالم اليهوديّ ليدلّ على تقليد الرابّانيّين. فيمكننا أن نميّز طبقتين في هذا النصّ: إعلان سر مضاعف يشكّل مضمونه الإنجيل، ثمّ لائحة الشهود الرسميّين عن المسيح القائم مع اسم بولس نفسه. ليس من شكّ في أنّ القسمين يعودان إلى أصل فلسطينيّ. وليس من الضروريّ أن ننتظر إقامة بولس في أنطاكية لنحدّد الوقت الذي فيه تسلّم هذه التقاليد. قد تكون له فكرة عنها عندما كان "يضطهد كنيسة الله" (1 كور 15: 9). ثمّ لا يمكننا أن نتخيّل إقامته في دمشق وبلاد العرب دون أن يكون عرف تقاليد الكنيسة المحلّيّة التي ولدت قبله (كما يقول أع 9: 10- 20). في أيّ حالة، فالإقامة في أورشليم حيث يعيش كيفا ويعقوب (غل 1: 18- 19) كانت مناسبة مؤاتية لتسلّم رسمة "النؤمن" ولائحة الشهود التي تذكر في من تذكر كيفا ويعقوب (1 كور 15: 5، 7). كلّ شيء مركَّز على موت المسيح وقيامته. ولكن لا نستنتج أنّ إعلان الإنجيل لم يكن يهتمّ بحياة المسيح وكرازته كما عرفها كلّ اليهود في المحيط الفلسطينيّ. غير أنّ بولس لا يحتفظ في 1 كور 15 إلاّ بما يتعلّق بموته وقيامته، لأنّه أمام مشكلة القيامة في جماعة كورنتوس.
وإذا أردنا أن نكمّل هذا المعطى نقرِّب منه صيغة مسيحيّة متهوّدة مستعملة في روم 1: 1- 4 نجد فيها: إعلان يسوع كابن الله، والوعد الذي أعلنه الأنبياء عن مجيئه، وميلاده من نسل داود (يتضمّن كرامته المسيحانيّة ومجمل حياته التي انتهت بالموت)، وقيامته من بين الأموات التي جعلته "ابن الله بالقدرة" وحامل الروح. لا نرى بنوّة يسوع الداوديّة في أيّ مكان من مؤلّفات بولس. فالحديث عن يسوع ابن داود يعود إلى نصّ أُثبت قبل بولس.

ثانيًا: معطيات سفر الأعمال
ونجد الرسمة الإنجيليّة القديمة عينها في نصوص يقدّم فيها لوقا إعلان الإنجيل في وسط يهوديّ في أوّل أيّام الكنيسة، إمّا في أورشليم (أع 2: 22- 36؛ 3: 12- 26؛ 4: 8- 12؛ 5: 30- 32)، وإمّا أمام سامعين "خائفي الله" في قيصرّية (أع 10: 34- 43)، وإمّا في مجمع من مجامع الشتات (أع 13: 16- 41). ليست هذه النصوص تاريخيّة بالمعنى الحديث للكلمة، حتى ولو حصل لوقا على ملخّص للمضمون العامّ. ولكنّه يقدّم نصّاً قديمًا انطلاقًا من توثيق جدّيّ يرجع إلى محيط مسيحيّ متهوّد في فلسطين أو في أورشليم، وإلى معلومات استقاها من تقليد أنطاكية. يمكننا إذًا أن نقول إنّ الإعلان الأوّل للإنجيل شهد عن يسوع "مبتدئًا بمعموديّة يوحنّا حتّى اليوم الذي فيه رُفع" (أع 1: 22). ولقد وصلت هذه الشهادة إلى اليهود على يد الذين عاشوا هناك مع يسوع (أع 1: 21) "وأكلوا وشربوا معه بعد قيامته من بين الأموات" (أع 10: 41). وفيما يخصّ تقاليد حياته العلنيّة، فيمكن لكلّ واحد أن يتحقّق من مضمون الشهادة، أقلّه بالنسبة إلى الأحداث التي عرفها الناس (أع 10: 37). ولكن حين يقدّم لوقا إعلان الإنجيل لوثنيّ يخاف الله يحس بالحاجة إلى أن يحدّد هذه الرسمة العامّة مفصّلاً وجهات أساسيّة من رسالة يسوع وبالأخصّ كرازته ومعجزاته (أع 10: 36- 43).
وهكذا لا يتألّف إعلان الإنجيل من مقاطع ونبذ لا رابط بينها. يمكننا أن نفكّر أنّها تجمّعت سريعًا حول قطبين: من جهة قطب الحياة العلنيّة انطلاقًا من المعموديّة حتّى الموت على الصليب الذي كان شكًّا ليهود، مع الكلمات التي تتحدّث عن تعليمه والمعجزات التي تدلّ على أنّ "الله كان معه" (أع 10: 38؛ رج 2: 22). من جهة ثانية تعداد الظهورات للشهود مع الأمور التي حدّدت رسالتهم (رج أع 1: 2). ولكن لا نَنْسَ قوّة التكيّف في التقليد الشفهي لَنقْلِ كلّ هذه الموادّ.

2- تفسير الكتب تفسيرًا مسيحيًّا
الرجوع إلى الكتب أمر أساسيّ في إعلان الإنجيل، لأنّ حياة يسوع وكرازته وموته وقيامته لا تقدّم معناها إلاّ إذا قابلناها بالنصوص التي شكّلت لها وعدًا، وهيّأت تتمّتها، ورسمت واقعها تحت ستر الرموز الشفّافة أو الغامضة. نبعد هنا فكرة "النبوءة التي تحقّقت"، وهي عبارة استعملها المدافعون في عصر الآباء، وصلّبها المدافعون في العصور الحديثة فعادوا إلى نظرة اليهود القائلة بالمماثلة مع الكتب: إنّ فاعليّة كلمة الله تعبّر في الأحداث عن مخطّط خلاص رُسمت مسبقًا قسماتُه الأساسيّة. وأعطت القراءة اليهوديّة فهمًا أوّليًّا، وسارت الكرازة المسيحيّة في الخطّ عينه فقادتها إلى ملئها مبيّنة أنّ المسيح هو مفتاح الكتب.

أوّلاً: لائحة الكتب المقدّسة
تسلّمت الكنيسة الأولى توراتها من العالم اليهوديّ. إذن، من المهمّ أن نعرف لائحة الكتب التي تضمّنتها مجموعة النصوص المقدّسة. وأيّة سلطة يتحلّى بها كلّ كتاب، وكيف تنتظّم قراءتها في إطار ليتورجيّة الاجتماعات داخل المجمع. ولكنّ هذه أمور يصعب تقديمها بوضوح.
ماذا كانوا يقرأون في المجمع من التوراة؟ هذا ما لا نعرفه بتأكيد. ولكن ما هو معقول هو أنّه تحدّدت قراءات للأعياد الكبرى (خر 12 لعيد الفصح؛ خر 19- 20 لعيد العنصرة). ولكنّنا لا نعلم إن كان هناك قراءة متواصلة للتوراة أو لمقاطع مختارة، وإن كانت هناك دورة سبتية تدوم سنة أو ثلاث سنوات، وإن وجدت حرّيّة اختيار المقاطع التي ضُمَّت إلى نصّ شريعة موسى. لن نغامر هنا ونقدّم نظريّات غير ثابتة.
أمّا بالنسبة إلى المجموعة البيبليّة، فالشيء الوحيد الواضح هو انقسامها إلى ثلاثة أقسام. وهذا ما تشهد به مقدمة ابن سيراخ وإنجيل القدّيس لوقا (24: 44). لنعرفْ أنّ لوقا هو معاصر لمعلّمي يمنية الذين حدّدوا لائحة من 22 (أو 24 كتابًا) ورذلوا سائر الكتب من القراءة الرسميّة في إطار الكنيس (بين سنة 80 و95). أمّا بالنسبة إلى المسيحيّة المتهوّدة السابقة لسنة 70 فنكتفي بالإفتراضات. في أورشليم: من المغالاة أن نقول إنّ الصادوقيّين لم يقبلوا من التوراة إلاّ أسفار موسى الخمسة، ولكنّهم كانوا يميّزونها ويمنحون سائر الكتب سلطة نسبيّة. ومن المشكوك فيه أن لا يكونوا اعتبروا سفر دانيال أيّ اعتبار، فاختلفوا بذلك عن الفرّيسيّين والإسيانيّين. في فلسطين: من المعقول أنّ سفري طوبيّا وابن سيراخ قد استعملا كسائر الكتب المقدّسة، وإن رذلا فيما بعد من اللائحة القانونيّة. فقد وُجدت نسخات عديدة من طوبيّا في قمران ومن ابن سيراخ حتّى في مجمع مصعدة. أمّا حزقيال ونشيد الأناشيد فوَجدا معارضة لدخولهما إلى اللائحة لدى بعض المعلّمين في يمنية. أمّا في العالم اليهوديّ المتكلّم باليونانيّة الذي كان مركزه الرئيسيّ في الإسكندريّة والذي كان له مجامعٍ في أورشليم، فقد اعتبر اعتبارًا كبيرًا بعض الكتب المتأخّرة (ترجمت إلى اليونانيّة أم ألِّفت في اليونانيّة) مثل باروك ويهوديت وأستير اليونانيّ وسفر المكابيّين الأوّل والثاني. وإن لم يكن الأمر هكذا فكيف قبلت بها المسيحيّة الأولى واستعملتها في زمن العهد الجديد. مثلاً: عرف بولس والرسالة إلى العبرانيّين سفر الحكمة. وفي العالم اليهوديّ الهلّينيّ كان للترجمة السبعينيّة سلطة مساوية للنصّ العبريّ، فعاد إليها المسيحيّون واعتبروها كتابًا مقدّسًا. لا ننسى أنّه كانت نسخات عديدة. مثلاً: دانيال في السبعينيّة وفي الترجمة المنسوبة إلى تيودوسيون.
كان للأسفار الخمسة سلطة مسيطرة لدى اليهود، ولكنّها لم تكسف سلطة الأنبياء والمزامير، غير أنّ الجماعة كانت تُحِلُّ في المقام الثاني سائر الكتب مثل طوبيّا وأستير وغيرهما.
وأتبع المسيحيّون المتهوّدون استعمال الأمكنة التي فيها أقامت جماعاتهم. استعملوا المجامع في الشتات أكثر منه في فلسطين. غير أنّ الاجتماعات خارج المجمع احتاجت إلى نصّ التوراة. ولكنّ ثمن الكتاب غال جدًّا والعبادة المجمعيّة الفلسطينيّة تفرض استعمال الرقّ لا البرديّ (حصر استعمال البرديّ في البيوت). أمّا في العالم اليهوديّ الهلّينيّ فسمح باستعمال البرديّ أيضاً. وبما أنّ اجتماع المسيحيّين كان في البيوت، تكاثرت النصوص واستعملتها الكنيسة ابتداء من نهاية القرن الأوّل (تلميح في 2 تم 4: 13). وهكذا كان للجماعات المسيحيّة، كما للمجامع، أسفار الشريعة ودرج المزامير والكتب النبويّة وسائر الكتب، ولكن لا شيء يؤكّد أنّ كلّ كنيسة امتلكت مجموعة النصوص التي تغطّي التوراة كلّها في اليونانيّة أو في العبريّة. ومن الممكن أن يكون المسيحيّون استعاضوا عن الكتاب الكامل بمجموعات مختارة كتلك التي وجدنا منها مقاطع في قمران: مجموعة أناشيد وصلوات، مجموعة قراءات ليتورجيّة، مقاطع مختارة لحاجات عمليّة. والوعّاظ الذين كانوا يتنقلون لم يكونوا يحملون التوراة كلّها في حقائبهم بل يكتفون ببعض أوراق تتضمّن نصوصاً مختارة.

ثانيًا: أهداف وأساليب الرجوع إلى التوراة
من المدراش اليهوديّ إلى المدراش المسيحيّ
كان العالم اليهودي يعود الى التوراة ليلبّيَ حاجاتٍ متعدّدةً: "الهلكة" تعلن قواعد السلوك فتبرّر نفسها بأساليبَ تأويليّةٍ دقيقةٍ "والهاغادة" تجد في التوراة أساسًا لتثير التقوى والرجاء فتضّخم النصوص مستعينة بتوسّعات متنوعّة. واعتمد التقليد الجليانيّ على التوراة ليربط بها أحلامه المستقبليّة. وتزاد إلى القراءة البسيطة كلّ وسائل البحث (درش. رج في العربيّة درس) التي أعطت اسمها للمدراش. ووُجد في قمران أسلوبُ تفسير عمليّ (بشر في العبريّة) يحاول أن يكشف الأسرار كما نفسّر الأحلام أو الطلاسم. وقد ورثت المسيحيّة المتهوّدة كلّ هذه الأساليب وكيّفتها حسب أهدافها الخاصّة. وزادت عليها في المحيط الهلّينيّ الاستعارة بقدر ما دخلت في استعمال المجمع دون أن تلغي الأساليب التقليديّة. وفي الواقع نجد اتّصالاً بين بعض الوعّاظ المسيحيّين المتهوّدين وبين الثقافة الإسكندرانيّة (وضع أبلّوس في أع 18: 24- 26). ولقد مارس القدّيس بولس الاستعارة في غل 4: 21- 31. واستعملت الرسالة إلى العبرانيّين مقولات الفلسفة الإسكندرانيّة وإن ظلّت جدليّتها قريبة من جدليّة الرابّانيّين (هذا إذا كانت دوِّنت قبل سنة 70).
هل نستطيع أن نجد في العهد الجديد أثرًا لأوّل مدراشٍ مسيحيّ؟ نحن لا نعرف تاريخ المدارش التي نكتشفها في الأسفار التي بين أيدينا. ولكنَ يرتفع الحجاب حين نجد التأويل المسيحيّ لهذا المقطع أو ذاك في أسفار عديدة. حينئذ يكون لتطبيقها على إعلان الإنجيل سوابق في كلمات يسوع نفسه.
وإليك بعض الأمثال: نجد مز 110: 1 في تقليد الإزائيّين (مت 52: 41- 46؛ مر 12: 35- 37؛ لو 20: 41- 44؛ رج مر 15: 62؛ 16: 19)، في بعض التلميحات في الرسائل البولسيّة (1 كور 15: 25؛ روم 8: 34؛ كو 3: 1؛ أف 1: 20)، في خطبات سفر الأعمال (أع 2: 33 ي؛ 5: 31؛ 7: 56)، في الرسالة إلى العبرانيّين (1: 3، 13؛ 8: 1؛ 10: 12؛ 12: 2)، في رسالة بطرس الأولى (3: 22). ومز 118: 22- 23 يترك أثرًا في الإزائيين (مر 11: 9؛ 12: 10)، في الأعمال (4: 11؛ رج 2: 32؛ 5: 31)، وفي الرسالة إلى العبرانيّين (13: 6)، وفي رسالة بطرس الأولى (2: 7)، وفي إنجيل يوحنّا (12: 13). نحن هنا أمام نَصَّين طُبِّقًا باكرًا على تمجيد المسيح القائم من الموت. ولعبت نبوءةُ عبد الله المتألّم (أش 52: 13- 53: 12) دورًا مماثلاً لتفسير الالام. هناك تلميحات واضحة في بعض كلمات يسوع (مر 10: 45؛ مت 26: 28؛ لو 22: 37). وهناك آثار في الرسائل البولسيّة (روم 4: 25؛ 10: 16؛ 15: 21) وفي سفر الأعمال (8: 32 ي؛ رج 3: 13، 26؛ 4: 27، 30)، في رسالة بطرس الأولى (2: 22- 25) والرسالة إلى العبرانيّين (9: 28) وسفر الرؤيا (5: 6- 12، 13: 8، 14: 5) وفي إنجيل متّى (8: 17) وإنجيل يوحنّا (12: 38). وإذ تفرض النصوص المسيح الممجّد تعود إلى دا 7: 13- 14، في الإزائيّين (مر 13: 26، 14: 62)، في الأعمال (1: 11؛ 7: 56)، في سفر الرؤيا (1: 7- 13؛ 14: 14). وهناك تلميحات أيضاً في مت 28: 18. ويمكننا أن نعدّد هذه "الأمكنة اللاهوتيّة" فهي تشير إلى قراءة التوراة كما مارسها المسيحيّون متوسّعين في أساليب عرفها العالم اليهوديّ.

أهداف المدراش المسيحيّ
لم تكن أهداف المدراش المسيحيّ أهداف المدراش اليهوديّ المعاصر. فلم تتمثّل "الهلكة" (أو السلوك) في شكلها القانونيّ الضيّق، ولكن بطريقة واسعة. وإليك بعض الأمثلة: نقرأ القاعدة الموجودة في تث 19: 15 في مت 18: 16؛ 2 كور 13: 1؛ 1 تم 5: 19 (بطريقة مباشرة). وتوردها عب 10: 28 كمثل ويو 8: 16- 18 في منظور كرستولوجيّ. فانقطاع يسوع عن النظرة القانونيّة لعلماء الشريعة، جعل مسائل التأوّيل السلوكيّة بعيدة عن إعلان الإنجيل. وهذا ما نفهمه حين نقرأ أخبار المجادلات بين يسوع والمعلّمين اليهود.
سئل يسوع عن الطلاق (مر 10: 1- 12) بطريقة تذكّرنا بفتاوى الرابّانيّين (مت 19: 3) فعاد إلى سفر التكوين يقرأه مباشرة ليؤسّس برهانه (مر 10: 8- 9 يورد تك 1: 27 و2: 24) ويرفض قاعدة قانونيّة مأخوذة من سفر التثنية (14: 1). وُسئل عن أعظم الوصايا فعاد إلى فعل الإيمان عند اليهود (تث 6: 4- 5) وزاد عليه وصيّة (لا 18:19) موجودة في شريعة موسى ولا تتضمّن شيئًا قانونيًّا (مر 12: 28- 30 مع التوسّع في لو 10: 29- 37). من الوجهة اليهودية، ترتبط هذه القراءة بالتفسير (بِشِر) لا بالمدراش. إلاّ أنّ مر 2: 52 ي يقدّم برهانًا قياسيًّا يَدخل في أشكال مدراش الرابّانيّين. 
في الواقع يقلب الإنجيل في فم يسوع وفي التعليم الرسوليّ موقف "الهلكة" و"الهاغادة" في تقليد المعلّمين اليهود. فطريقة عيش المؤمنين تتضمّن قواعد متطلّبة. إنّها "طريق" (أع 9: 2؛ 18: 26، كلمة يهوديّة)، إذًا ممارسة وسلوك. في هذا المعنى يتكلّم بولس عن "شريعة المسيح" (غل 6: 2؛ رج 1 كور 9: 21) المؤسَّسة على وصيّة محبّة القريب (غل 5: 14). بها تصل الشريعة إلى ملئها (روم 13: 8- 10؛ مت 5: 17) أي إلى نهاية ديناميّتها الداخليّة. ولكنّ البشرى المعلنةَ، والدخولَ إلى ملكوت الله وانتظاره، والتعرّفَ إلى يسوع كمسيح إسرائيل، والإيمانَ بالمعنى الفدائيّ لموته وقيامته، كلَّ هذا يعود بنا إلى نطاق "الهاغادة". وكلّ الحياة تُبنى بالنظر إلى هذه العناصر التي تكوّن الإنجيل. "والهلكة" المسيحيّة تخضع بالضرورة للإنجيل.
إذن، لا بدّ من اكتشاف هذه العناصر قبل كلّ شيء في نصوص التوراة. فقد حدث موت وقيامة يسوع "حسب الكتب" (1 كور 15: 3- 4). وهذا مبدأ نقدر أن نعمّمه ونطبقه على إرساله إلى الأرض، على وقائع حياته، على أقواله وما فيها من جديد (مت 9: 13 و12: 7 حيث يوضع نصّ هو 6: 6 في فم يسوع نفسه). فينتج تحوّل في التأويل الإخباريّ مؤسّسٌ على مبدأ تتمّة الكتب. وتبيِّن التفسيرة المسيحيّة هذه التتمّة فتعود إلى أساليب عمليّة تذكرنا بالتفسير (بِشِر) القمرانيّ. تتجنّب الأمور الدقيقة والتطبيقات المصطَنعة والمركَّزة على صراعات تاريخيّة اختبرتها مجموعة منعزلة على نفسها. 
هذا ما نجده عند لوقا. ففي اللوحات الاصطلاحيّة في أع 1: 15 تغرز التأويلات المقحمة في النصوص جذورَها في ممارسة تأويليّة عرفها المسيحيّون المتهوّدون في أورشليم واليهوديّة وأنطاكية. ونجد أسلوب القراءة عينه في الرسائل وفي سفر الرؤيا: نحن هنا أمام تقليد مسيحيّ أساسيّ.

التيّار الجليانيّ
يجب أن ننظر إلى العلاقات بين بداية المسيحيّة وعالم الجليان اليهوديّ في هذه الروح الجديدة. فيسوع تكلَّم وتصرَّف كنبيّ حين فتح المستقبل أمام الذين يؤمنون بالإنجيل، فكان من الطبيعيّ أن تحتلّ منظورات الدينونة والخلاص مكانًا خاصًّا في تعليمه، وذلك مهما كان رأينا بالنسبة إلى الطابع القديم لأقواله الخاصّة. وبما أنّه اتّصل باهتمامات الحلقات الجليانيّة فقد استطاع أن يستعيد أساليبها الأدبيّة. ولكن حين فتح موتُه وقيامته المستقبلَ على "زمن تجديد كلّ شيء" (أع 3: 21)، وجب عليه أن يستعمل اللغة الجليانيّة ليترجم هذا الرجاء. كانت هذه اللغة مكيَّفة والوسط الحضاريّ للعالم اليهوديّ الفلسطينيّ، فاتّخذت صُوَرها وصَيغها من الكتاب المقدّس. إن تأوين هذه الصيغ ولَّد في هذا المنظور نتاجًا جديدًا هو امتداد لوجهة من كرازة يسوع، ونقل مضمون هذه الكرازة مع التفاسير الضروريّة بحيث نتساءل عن امتداد النصوص الأصليّة وما زيد عليها فيما بعد. فخطبة مر 13: 5- 32 (وسّعها مت 24: 4- 44، وردّدها لوقا 21: 8- 36 و17: 7) هي مثَل معبِّر: استُعيدت كلماتُ يسوع النبويّة ووُضعت في رؤيا مسيحيّة صغيرة. دوِّنت في مرقس قبل سنة 70 وفي متّى ولوقا بعد هذا التاريخ. 
هل نوسّع هذا المبدأ على نصوص أخرى فنجعل الفنّ الجليانيّ "أمّ اللاهوت المسيحيّ" كما قال أحد الشرّاح؟ هل نقول بأنّ بعض كلمات المسيح القائم الموجَّهة إلى كنيسته بواسطة الأنبياء قد نُقلت فيما بعد إلى الزمن الذي عاش فيه على الأرض؟ لا شكّ أنّ في الامر مبالغة: إنّ بولس يميّز بوضوح أقوال الربّ (1 كور 7: 12) حتّى في النطاق الجليانيّ (1 تس 4: 15) من أقوال الأنبياء (1 كور 14: 3- 5- 24). بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نضمّ إلى الأنبياء المعلّمين الذين منحتهم معرفةُ الكتب كفاءةً لاهوتيّة خاصّة ليفهموا كيف نُسجت رباطاتٌ بين إعلان الإنجيل والنصوص التَوراتيّة. ولكن مع هذا، نُقِرّ بأنّه كان للفنّ الجليانيّ مكانة عاديّة في أوّل لاهوت مسيحيّ حين تكلّم عن المسيح الممجّد، أو حين ترجم الرجاء المؤسّس على قيامته. ورؤية إسطفانُس للسماء في أع 7: 56 هي مثَل معبِّر وقديم. ونلاحظ أنّ الوحي الذي حصل عليه الرائي ينصبُّ في قالب مفبرك سابقًا وقد قدّمه دا 7: 14 ومز 110: 1 (رج مر 14: 62).

ثالثًا: مبدأ التفسير الأساسيّ
لن نحلِّل هنا بالتفصيل الأساليب العمليّة المستعملة في التأويل، بل نذكر مبادئه الأساسيّة. ففي العالم اليهوديّ المعاصر خضعت العمليّة لشرطين اثنين. الأوّل: تماسك نتائجها مع مجمل الكتاب المركَّز على أسفار الشريعة. الثاني: خضوعها لتقليد تفسيريّ معروف خاصّة في تيّار الفئات الدينيّة الكبرى مثل الصادوقيّين والفرّيسيّين والإسيانيّين وامتدادهم في عالم الشتات اليونانيّ. لقد فجَّر يسوع هذا الإطار، بحيث دخل في صراع مع كلّ الأحزاب في بعض النقاط الحرجة. مثلاً على مستوى السلوك (هلكه): آحلّ سلطة كلمته ومثل تصرّفاته محلَّ "تقليد الشيوخ" فأعطى بسلطانه تعليمًا جديدًا (مر 1: 27). وعلى مستوى الأخبار (هاغادة أو النداء إلى التقوى والرجاء): عرض تعليمًا أصيلاً عرفه موافقًا لديناميّة الكتاب العميقة، ولكنّه لم يبرهن عنه إطلاقًا من الكتاب. كلّ هذه التجديدات فتحت البطريق لأزمة قادته في النهاية إلى الموت.
وكان باستطاعة التاريخ أن يتوقّف هنا. ولكنّ خبرة الظهورات أثارت من جديد قضيّة يسوع عند تلاميذه. وفي الوقت عينه صارت سلطة أقواله وأعماله التي اندمجت بسلطته الجديدة كربّ الكنيسة، المبدأ الوحيد للتفسير الإنجيليّ للتوراة. هذا هو محور التبديل الذي نلاحظه في التأويلات المسيحيّة منذ العهد الرسوليّ. قال أوريجانس: "بما أنّ المخلّص جاء وحقَّق تجسُّد الإنجيل، فهو بالإنجيل جعل كلّ التوراة إنجيلاً. وهذه الجدليّة هي في خلفيّة النصوص الجديدة حيث نقرأ التوراة بطريقة جديدة. ولكنّنا نلاحظ أنّها تفترض رجوعًا واعيًا إلى ما قاله يسوع وعمله" (أع 1: 1).

3- الدفاع والجدال
إنّ إعلان الإنجيل "حسب الكتب" جعل الكنيسة الأولى في صراع مع السلطات اليهوديّة، مع أنّ الإيمان الجديد ضمّ إليه أتباعًا جاؤوا حتّى من صفوف الكهنة (أع 6: 7) والفرّيسيّين (أع 15: 5). وهذا الوضع دفع الكنيسة إلى إنتاج نصوص نستطيع أن نتتبع آثارها.

أوّلاً: البرهان المسيحيّ
نجد أوّلاً نصوصاً ترتبط بما نقدر أن نُسَمِّيَهُ "البرهان المسيحيّ" الموجَّه إلى اليهود. والبرهان لا يعني حجَّة قاهرة تلغي الحرّيّة في قرار الإيمان، بل شكلَ عرض يبيّن توافق الإنجيل مع المواعيد التي تتضمّنها التوراة، ويدعو الإيمان إلى أن يمضي في طريقه إلى النهاية. ليس من حدود واضحة بين طريقة هذا العرض وتكوين الفكر اللاهوتيّ الذي يتوسّع فيه مضمون الإنجيل. فالقراءة تخضع في الحالتين لتأويل كرستولوجيّ دقيق. ولكنّ التفكير اللاهوتيّ يتوجّه إلى المؤمنين. أمّا الخطبة الدفاعيّة فتهدف إلى وضع معالم في طريق الإيمان. ومع أنّ لوقا أعطى الشكل النهائيّ للموادّ المستعملة في أع 1- 15 إلاّ أنّنا نستطيع أن نكوِّن فكرة عن هذا الدفاع الأوّل (الذي يحاول الإقناع).
نستطيع أن نستخرج من خطبات أع 2: 22- 36، 38- 39؛ 13:3- 24؛ 4: 11- 12؛ 10: 36- 43؛ 13: 17- 39 ملفًّا من النصوص المستعملة لهذه الغاية: المزامير 2؛ 16؛ 89؛ 110؛ 118. تث 18: 15- 19. وإيرادات عديدة من أشعيا. والقراءة المسيحية تفترض القراءة اليهوديّة التي سبقتها. هل استعان الوعّاظ بمجموعة "شهادات" ليعلنوا الإنجيل ويدافعوا عنه؟ الأمر ممكن. فقد وُجد في قمران مجموعة من هذا النوع تضمّ الإيرادات التالية: خر 20: 21 (= تث 5: 28- 29+ 18:18- 19 في النسخة السامريّة)؛ عد 24: 15- 17؛ تث 33: 8- 11، مزمور منحول ومنسوب إلى يشوع. كلّ هذا يدلّ على أنّنا أمام فنّ أدبيّ سابق للمسيحيّة. ويقدّم لنا الأدبُ الرابّانيّ أمثلة قريبة مع تداخل النصوص التي يستدعي الواحد الآخر. يمكننا أن نفكّر في إيرادات على موضوع الحجر في 1 بط 2: 4- 8 (إش 28: 6+ أش 8: 14. ثم إن مز 118: 22 هو موضوع إيرادات كثيرة). نستطيع أن ننطلق من العهد الجديد إلى كتَّاب القرن الثاني مثل رسالة برنابا والقدّيس يوستينوس فنجد نصوصًا عديدة.
ثانيًا: الحرب على شكّ اليهود
نجد تنديدًا بشكّ اليهود الذين لا يؤمنون ولا يصدِّقون أقوال يسوع الخاصّة. ويعطينا سفر الأعمال بعض الأمثلة النموذجيّة. فخطبة أنطاكية بسّيدية تنتهي بإيراد خطير من حب 1: 5 (أع 13: 40 ي)، وإيراد أش 6: 9- 10 نجده في الإزائيّين (مر 4: 12) وفي نهاية سفر الأعمال (28: 26 ي: خطبة تختتم رسالة بولس) وإنجيل يوحنّا (12: 40): يبيّن التقليد الإزائيّ أنّ استعمال هذا النصّ يعود إلى الجماعة الأولى في فلسطين. وهكذا نقول عن أش 29: 13 الذي نجده في مر 7: 6 ي ومت 15: 8 ي. وخطبة إسطفانُس الطويلة (أع 7: 2- 53) هي دفاع برجوعها إلى التاريخ المقدّس مع تفسير نمطيّ لإبراهيم ويوسف وموسى، وهي حرب برجوعها الأخير إلى النصوص النبويّة. ورغم يد لوقا الظاهرة في النصّ، فعرض رئيس "الهلّينيّين" وعداؤه للهيكل (أع 7: 40- 50) يتعارض مع موقف المسيحيّين "العبرانيّين" (أع 2: 46؛ 3: 1؛ 5: 12- 13، 42؛ 21: 20- 26). وهذا ما يجعلنا نفترض أنّ لوقا استعان بملفّ يعود إلى الهلّينيّين بعد تشتّتهم في اليهوديّة (أع 8: 1) وأنطاكية (أع 11: 19). وإنّ قدَم هذه الحرب واستمرارها يجعلاننا نطرح سؤالاً بالنسبة إلى روم 9- 11: أما يعود بولس في هذا الموضع إلى ملفّ آخر وُجد قبله فتوسّع فيه ليدخله في تفكيره عن مصير إسرائيل؟ إن كان الأمر صحيحًا، فهذا ما يجعله على اتّصال بالمسيحيّين المتهوّدين. ولكنّنا نتردّد بعض الشيء، لأنّ بولس استعمل أيضاً التوراة بكثرة في روم 1: 17- 4: 25 و6:9- 11: 36، وهذا ما يجعلنا أمام تفكير خاصّ بالقدّيس بولس.

4- تعليم المؤمنين
وننتقل من أروقة الهيكل وأمكنة الصلاة وسائر الأماكن العامّة إلى اجتماعات الكنيسة. نترك الجدال لنتوقّف عند التعليم. ففي نصوص الأعمال والرسائل البولسيّة نجد لائحة ألفاظ تصوّر لنا "خدمة الكلمة" (أع 6: 4؛ لو 1: 2) يقوم بها الأشخاص الذين ذكرناهم سابقًا.
إذا وضعنا جانبًا إعلان الإنجيل تتجمّع الألفاظ حول وظيفتين أساسيّتين: وظيفة النبيّ ووظيفة المعلّم. فقراءة التوراة مناسبة للنبوءة والتعليم. وهناك تقاطع بين الاثنين: إذا عدنا إلى 1 كور 14: 31 نرى أنّ نتيجة النبوءة هي تعليم المؤمنين وتحريضهم. ومنذ البداية يذكر لوقا أنّ المؤمنين كانوا مواظبين على تعليم الرسل (أع 2: 42)، ويبيّن كيف أنّ المشاركين في الجماعة "يعلنون بثقة كلمة الله" (أع 4: 31) بحماس يُشبه حماس العنصرة. فإذا تطلّعنا إلى تعليم المؤمنين، نشير إلى بعض النشاط النبويّ وإلى كلّ العمل التعليميّ. وقد امتدّ هذا التعليم كشرح للإنجيل وقالب اللاهوت المسيحيّ، حول عناصر ثلاثة: الشهادة بقيامة يسوع، تذكّر أعماله خلال حياته على الأرض، تسليم كلماته.
أوّلاً: شهادة القيامة كتقليد رسوليّ
ليس من السهل أن نضع الحدود بين النصوص المتعلّقة بقيامة يسوع في إعلان الإنجيل والمؤسّسة للإيمان وبين استعادة هذا الإعلان كتعليم مسيحيّ. كلّ ما يمكننا أن نفعل هو أن نميّز الصيغَ العامّة من الأخبار الموسّعة. فالصيغ تستعيد عبارات الكرازة داخل فعل الإيمان الذي استعملته الجماعة المسيحيّة خاصّة في ليتورجيّة العماد. أمّا الأخبار الموسَّعة فنجدها في الأناجيل.
إذا وضعنا جانبًا 1 كور 15: 3- 7 الذي حلّلْناه سابقًا، نجد آثار صيغٍ متنوّعة تعرض السرّ في وجهات مختلفة: انتُزع يسوع من الموت (أقامه الله: أع 2: 24، 33؛ 3: 15، 26؛ 4: 10؛ 5: 30، 10: 26؛ 30:13 ي؛ 1 تس 1: 10؛ روم 10: 9)، المسيح قام (1 تس 4: 14؛ 1 كور 15: 4؛ مر 16: 6؛ مت 28: 6- 7؛ لو 24: 5- 6، 34 مع فعل استيقظ أو قام وأقام)، أو رُفع (أع 2: 23؛ 5: 31؛ يو 3: 14؛ 8: 28؛ 12: 32- 34؛ عب 1: 3؛ 26:7؛ فل 2: 9...)، أو مُجِّد (أع 3: 13؛ يو 1: 31؛ 16: 14؛ 17: 1- 5)، أو جلس عن يمين الله (أع 2: 35 ي؛ 7: 31؛ 7: 55 ي؛ روم 8: 34؛ كو 1: 1؛ أف 1: 20؛ عب 1: 3، 13؛ 8: 1؛ 10: 12؛ 12: 2؛ 1 بط 3: 22؛ رؤ 5: 1)، أو أنّه يحيا (روم 6: 10؛ رؤ 1: 18...). لسنا ندري متى وُضعت هذه النصوص ولكنّنا نعرف أنّها تكوَّنت في جماعة فلسطين.
وتقليد خبر القبر الفارغ والظهورات هو أحد العناصر العائمة في العهد الجديد: فكأنّه بقي في المرحلة الشفهيّة حتّى زمن تدوين الإنجيل. ولكن يجب أن نشير إلى وجود ربة للظهور للاثني عشر (أو الأحد عشر) وإرسالهم. ولكنّ التفاصيل الملموسة تختلف من شاهد إلى آخر (مت 28: 16- 20؛ لو 24: 36- 49= أع 1: 4- 8؛ يو 20: 19- 23؛ مر 16: 14- 18). فالتقليد القديم كان أغنى من النصوص التي بين أيدينا: هناك الظهور لبطرس (1 كور 15: 5؛ لو 24: 34) ولخمسماية أخ (1 كور 15: 3). فما وصلَنا من عناصر يقدّم سمات عامّة، لا معطيات في ظروف معيّنة. ولا يمكن أن نحسب أيّة كلمة وُضعت في فم المسيح القائم من الموت على مستوى أقوال يسوع خلال رسالته العلنيّة. فهذا طبيعيّ، لأنّنا أمام اختبار يتعدّى التاريخ حصل لشهود ما زالوا عائشين في التاريخ. ولكن يمكننا أن نتساءل: أما تكون بعض الأخبار المُقحمة في مسيرة الحياة العلنية قد ارتبطت أصلاً بظهورات المسيح القائم من الموت؟ الأمر ممكن بالنسبة إلى السير على المياه (مر 6: 47- 50) والصيد العجيب (لو 5: 4- 10؛ رج يو 21: 1 ي) واعتراف بطرس (مت 16: 16- 19).

ثانيًا: أول الربّ
تعود التقاليد المتعلّقة بأعمال الربّ إلى أخبار "شهود عِيانٍ" (لو 1: 2). ولكنّ هذه العودة إلى التذكّرات الأولى لا تؤثّر بالمسائل التي يطرحها ترتيب الأخبار عينها، والنوايا التعليميّة التي حدّدتها، ووظيفة النصوص في الكنيسة الرسوليّة. هذا هو عالم المدرسة التكوينيّة. فهي من خلال المراجع المكتوبة تُعيدنا إلى "أدب وظيفيّ" عرفَته المسيحيّة المتهّودة في أورشليم، في سائر فلسطين، وبدرجةٍ أدنى في الشتات. أمّا التفاصيل فسنجد بعضها عندما ندرس الأناجيل الإزائيّة وإنجيل يوحنّا.
وتتنوّع هذه الأخبار عندما تقدّم لنا شخص يسوع. بعضها يورد أعمالاً تكشف سرّه، أكانت عجائبه أم موته على الصليب، أكان ظهوره في العماد أم تجلّيه. إنّها ولا شكّ تفسّر الأحداث المرويّة. وبعضها الآخر يورد أعمالاً نموذجيّة يستقي منها المسيحيّون نورًا يوجِّه حياتهم: مثلاً هل ندفع ضريبة الهيكل (مت 17: 24- 27)؟ كيف نواجه التجربة (مت 4: 1- 11= لو 4: 1- 13)؟ بعضها يشير إلى هدف واحد. مثلاً: نداء التلاميذ (مر 1: 16- 20)، شفاء الأبرص (مر 0: 40- 45)، وبعضها الآخر إلى أهداف عديدة. مثلاً: خبر معموديّة يسوع، خبر تكثير الخبز. بعضهم اعتبر أنّ الكرازة المسيحيّة نظّمت النصّ: مثلا لتجربة يسوع حسب متّى ولوقا خلفيّة هي قراءة مسيحيّة لسفر التثنية ف 6 و8. وهناك نصّ يمتدّ طويلاً فيربط أحداثًا متمايزة هو خبر الالام الذي يتعلّق بأحد قطبَيِ الإنجيل: "مات المسيح من أجل خطايانا كما في الكتب" (1 كور 15: 3). ولكنّنا نستطيع أيضاً أن نبحث في هذا النصّ عن إعلان موت الربّ المرتبط بالاحتفال بعشائه (1 كور 11: 26)، إلاّ إذا كان الاحتفال السنويّ بالفصح (1 كور 5: 7- 8) قد دعا المؤمنين لتجديد ذكرى هذا الموت. نترك الآن جانبًا مسألة التجميع التأليفيّ فنطرح نقطتين في دراسة هذا الأدب القديم.

تاريخ الأخبار
متى تكوَّن كلّ خبر في التقليد الشفهيّ قبل أن يدوَّن؟ هذا ما لا نستطيع الجواب عليه إجمالاً، والقضيّة قضيّة حالات خاصّة. منذ البداية كانت الكنيسة محيطًا مؤاتيًا للاحتفاظ بتقليد إخباريّ مرتبط بتذكّرات شهود عِيان. من جهة اهتمّ الإيمان بهذا الأمر بقدر ما يشكّل شخص يسوع موضوعه. ومن جهة ثانية تركّزت الجماعات المؤسّسة على هؤلاء الشهود العِيان بواسطة خدّام يسهرون على الكلمة. ولكن يجب أن نقرّ مع ذلك أنّ تثبيت هذه التذكّرات تثبيتًا أدبيًّا استغرق عشرات السنين. فاتّخذ لوقا الموادّ المنظّمة في حدث تلميذَيِ عمّاوس (لو 24: 13- 35) ومتّى في حدث حراسة القبر (مت 27: 62- 66؛ 28: 2- 4، 11- 15). وهذا ما يجعل المسافة تمتدّ إلى خمسين سنة بين تكوين النصّ ونقله.

توسّع التقاليد
في هذه الظروف نأخذ في عين الاعتبار التوسّع ألذي يصيب كلّ خلق أدبيّ في إطار التقليد الشفهيّ خلال فترة من الزمن طويلة. فالاحتفاظ بالتذكّرات الأصليّة يتمّ بالليونة المعروفة في هذه الظروف. في بعض الأحوال تعطينا مقابلة النصوص المتوازية فكرة واضحة. مثلاً: موت يهوذا (مت 27: 3- 10؛ أع 1: 18- 19). ولكن حين ننظر إلى مضمون الأخبار يواجهنا خطران لا بدّ من تجنّبهما. الأوّل: لا نتخيَّل أنّنا أمام تكرار ميكانيكيّ للشهادات الأولى مع بعض الاختلافات الطفيفة. فقد كان هناك خلق أدبيّ لعب فيه كلّ خدَّام الكلمة (أي وعّاظ الإنجيل) دورًا فاعلاً. الثاني: لن نتكلّم عن الجماعة الخلاقة التي أعطتنا هذه الأخبار وكأنّها انتجت بحريّة غير مضبوطة مقاطع اخترعت تفاصيلها دون أي تجذّر في تقليد متين. من الأفضل أن نتكلّم عن جماعة "مكوِّنة" تمّ فيها إنتاج النصوص على يد أناس مسؤولين عن الإنجيل وتحت مراقبة كنيسة متعلّقة بتقليدها. ولقد تكيّف هذا العمل والحاجات العمليّة لمجموعات وجب أن نعطيَها تعليمًا يُسند الإيمان ويعمّقه ويعبِّر عنه.
وجُعلت الذاكرةُ والعقل والمحيّلة في خدمة هذه العمليّة، بعد أن تغذّت من ينبوعين: تذكّرات جاءت من يسوع، الكتب التي تلقي ضوءًا على حياة يسوع. وكان استعمال الفنون الأدبيّة وجهة هامّة. ارتبط الكاتب برسمات عامّة، ولكنّه ظلّ منفتحًا على تكيّفات عديدة. إلى أيّ حدّ امتدّت إمكانيّات الاختراع في عرض الأحداث الإنجيليّة؟ يبدو الجواب على هذا السؤال دقيقًا. تلاءم تثبيتُ النصوص وتحوّلات عديدة في تفاصيلها وتلخيصات أو توسيعات فرضتها ضرورة التربية الإنجيليّة في وسط شعبيّ لا في وسط علميّ. فهل بنى الإنجيليّ نصوصاً ليقدّم تعليمًا؟ قد يكون مر 11: 12- 14 (التينة اليابسة) تحويلاً لمثل قديم (لو 13: 6- 9). هل أدخل في بعض التقاليد سمات فولكلوريّة (الإستار في فم السمكة: مت 17: 27) أو عناصر أسطوريّة (غرق الخنازير في بلاد الجراسيّين: مر 5: 11- 14)؟ نحن هنا على حدود التاريخ الإنجيليّ. فإن كنّا لا نستطيع أن نبعد مثل هذه الإمكانيّة، فيجب أن نقدّرَ كلّ حالة على حِدَةٍ ولا نقدّم تعميمات، لأنّ تعلّق الكنائس بالتقليد الآتي من يسوع يوازن في هذه النقطة ليونة التكيّف المتروكة للرواة.

ثالثًا: أقوال الربّ
احتفظ الناس في ذاكرتهم بأقوال الربّ ونقلوها منذ أيّام حياته العلنيّة. إنّها ممارسة شائعة في العالم اليهوديّ الفلسطينيّ حيث يجمع التلاميذ أمثلة المعلّمين الذين قاسموهم حياتهم. ولقد اتَّخذ هذا التقليد المقدّس عن يسوع قيمةً متزايدة حين جعلت منه القيامة الربّ الممجَّد: فَتَذكُّرُ أقوالهِ دخلَ في التعليم المعطى للمؤمنين، مع العلم أنّ منظورَ القيامة دعاهم إلى قراءة تفسيريّة. جاءت مجموعة أقوال وأمثال يسوع المحفوظة في الإزائيين من هذا الينبوع الأوّل. ولكنَّ الإنجيليّين احتفظوا بالموادّ بطريقة متنوّعة: مرّة انقطعت الأقوال عن كلّ قرينة تاريخيّة، ومرّة احتفظت الأخبار التي تحيط بها بتذكّر ملموس لقرينتها الأولى، ومرّة أُقحمت الأقوال في قرائن (أو أخبار) اصطلاحيّة. فالقضيّة هي قضيّة حالات خاصّة.
هنا نطرح سؤالين. الأوّل: تدلّ اللمسات الأدبيّة وإعادة التأليف على أنّ التقليد الآتي من يسوع والمعامل باحترام كقاعدة إيمان وحياة، اتّخذ شكله بفضل الوعّاظ الذين يعلّمون الجماعات. فالتعلّق بتقاليد يسوع هو أمانة حياة لا تختلط بالتكرار الميكانيكيّ البسيط. ولكن إلى أيّ حدّ ذهب الخَلق الأدبيّ؟ لا قاعدة تعطينا جوابًا يصلح في كلّ النصوص. ولكنّنا نقدر أن نتقبّل إجمالاً شهادةَ الجماعة الإنجيليّة كأنّها أتت من يسوع دون أن ننسى وضع كثير من التفاصيل.
الثاني: هل نقول إنّ الأنبياء المسيحيّين لعبوا دورًا هامًّا في هذا المجال كما لو كانت الكلمات التي تلفّظوا بها باسم المسيح القائم من الموت (مثلاً: صِيغ الحقّ المقدّس: مت 5: 18؛ 6: 16 ي؛ 16: 28...) قد ضمّت إلى مجموعات أقوال يسوع؟ قد يكون الأمر ممكنًا، ولكن لا بدّ من الحذر. فبدلاً من التفكير بخلق نُسب فيما بعد إلى يسوع الناصريّ، من المفضّل أن نتطلعّ إلى عمل الأنبياء والحكماء والكتبة (مت 23: 34) الذين كيّفوا التقليد الذي تسلّموه وحاجات السلوك العمليّة واللاهوت المسيحيّ.
أمّا نقل الموادِّ وتركيبُها في الإنجيل الرابع فقد تمّ بطريقة مختلفة. فتقديمها في خطبة موحاة لا يُنسب إلى المراحل الأولى للتقليد اليوحنّاويّ. فتجذّر النصوص في فلسطين ما قبل سنة 70 أمر لا جدال فيه، ولكن هذا لا يتيح لنا بأن نذهب أبعد من الجماعة المسيحيّة الأولى. من الممكن أن تكون بعض أقوال يسوع قديمة كما هي الحال عند الإزائيّين. فلا بدّ من درس كلّ حالة بمفردها. ثمّ إنّ تذكّر كلمات الربّ امتزج بقراءة التوراة وتفسيرها فكان تفاعلٌ ساعد على تثبيت النصوص الإنجيليّة تثبيتًا نهائيًّا (مثلاً: أنظر كيف أُقحم أش 5: 2 في مر 12: 1 ومت 21: 33، وهو أمر يجهله لو 20: 10). مهما يكن من أمر، فحين ننظر إلى أقوال يسوع ونتذكّر وقائع حياته، يجب أن نتجنّب فكرة التكرار الميكانيكيّ: فمنذ بداية الكنيسة قام المسؤولون عن الكلمة بعمل بناء وخلاق.

5- النصوص الليتورجيّة
أوّلاً: إعلان الكلمة وشرحها
إذا عدنا إلى سفر الأعمال نجد أنّ المسيحيّين المتهوّدين في أورشليم ظلّوا أمناء للعبادة في الهيكل حتّى بداية الحرب اليهوديّة. إذن، ظلّ مسيحيّو اليهوديّة والجليل يشاركون في أعياد الحجّ، رغم أنّ عيدي الفصح والعنصرة اتّخذا معنى جديدًا في حياتهم. نلاحظ أنّ لوقا يشدّد على التواصلات التقليدية، أكثر منه على التصدّعات. ولكن تبقى بعض الأسئلة عالقة: كان المسيحيّون يرون في موت المسيح ذبيحة العهد الجديد (1 كور 11: 25)، فهل كانوا يشاركون في الذبائح اليهوديّة؟ لا نستطيع الجواب، ولكن يبقى أنّ جماعاتهم كانت مطبوعة بتواترات الليتورجيّة اليهوديّة: إكرام السبت، ساعات الصلاة، الاحتفالات السنويّة... وإنّ مشاركتهم في اجتماع المجمع في أورشليم وفلسطين وبلدان الشتات طبعهم كما طبعتهم ليتورجيّة الهيكل. ستبقى الحال على هذا المنوال إلى أن تتدخّل السلطة المحلّيّة كما حدث منذ أيّام القدّيس بولس (أع 17: 5- 9، 13؛ 18: 6- 8؛ 19: 9). وهكذا تأثّرت الصلاة المسيحيّة في أشكالها العمليّة باختبار المجمع: قراءة التوراة وتفسيرها، إنشاد المزامير والصلوات... ولكن كانت تتمّ في البيوت اجتماعات خاصّة تكوّنت فيها ليتورجيّا مسيحيّة خاصّة "في الكنيسة". هذا ما يتعلّق بإعلان الكلمة وشرحها. يبقى أن ننظر إلى الطقوس الليتورجيّة الكبرى والنصوص التي جُهِّزت لهذه الطقوس.

ثانيًا: المعموديّة "باسم يسوع" وعطيّة الروح
نترجم تعلّقنا بالإنجيل المطبوع بالتوبة (أع 2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 26: 20) والإيمان بالمسيح يسوع (أع 10: 43؛ 13: 39...) بقبول المعموديّة الذي يدلّ على اثنين: مغفرة الخطايا وعطيّة الروح القدس (أع 2: 38؛ 10: 43...). تستعيد الشعيرة طقس معموديّة يوحنّا ولكنّها تحوّل معناه: لم تعد معموديّة ماء كعلامة للتوبة، بل معموديّة في الروح القدس وموهبة إسكاتولوجيّة (أع 1: 5). لم يُبرز تقليدُ سفر الأعمال أيَّ مكان مميّز: فالمعموديّة تعطى حيث يوجد ماء (أع 8: 36؛ 16: 13- 15) أو في البيوت الخاصّة (أع 16: 33؛ رج 10: 48). وحين وُجدت جماعات كنسيّة تلتئم في البيوت، صار الانضمام إلى الجماعة يتمّ في هذه المناسبة، وهذا يفترض وجود مياه في الجوار. واحتفظ لنا لوقا بصيغة قديمة ترتبط بالطقس: يعمَّد المؤمنون "باسم يسوع" (أع 2: 38؛ 8: 16؛ 10: 48؛ 19: 5) أي بالدعاء بهذا الاسم (أع 2: 21؛ 22: 16؛ 1 كور 1: 13- 15؛ 6: 11).
وهناك آثار طقسيّة أخرى نكتشفها بصعوبة، وقد أثّرت على كل أخبار المعموديّة التي يتضمّنها سفر الأعمال. فالاعتراف بالإيمان المسيحيّ يجد هنا أصله الأكيد. وقد احتفظ القدّيس بولس ببعض الآثار: "يسوع هو ربّ" (روم 10: 9؛ رج 1 كور 12: 3؛ فل 2: 11). "يسوع مات وقام" (1 تس 4: 14). "المسيح يسوع... مات وقام وهو عن يمين الله يشفع لنا" (روم 8: 34). "أُسلم لأجل ذنوبنا، وأقيم لأجل تبريرنا" (روم 4: 25). "الله أقامه من بين الأموات" (روم 10: 9). كلّ هذه الصيغ تجد مكانها في إطار المعموديّة.
وفي المحيط الفلسطينيّ المتكلّم بالآراميّة، نستطيع أن نربط بهذا الإطار صيغةَ الصلاة البَنويّة التي احتفظ بها بولس في نصوص مليئة بالتلميحات العماديّة: "أبّا، أيّها الآب" (غل 4: 6؛ روم 8: 15). لن نجد فيها فقط صدى مباشرًا لصلاة يسوع في جتسيماني (مر 14: 26)، بل بداية الصلاة الربّية في نسختها اللوقاويّة (لو 11: 2- 4). لهذا نستنتج أنّ طقس التدرّج المسيحيّ تضمّن تلاوة هذه الصلاة.
وتتيح نظريّة الإنجيل التكوينيّة أن تربط بهذا الإطار تقاليدَ عديدة ترتبط بالموضوع نفسه، ولاسيّما التذكير بعماد يوحنّا وخبر عماد يسوع. بما أنّ المعموديّة المسيحيّة ترث معموديّة يوحنّا كطقس توبة (مر 1: 4)، نفهم لماذا بقيت كلمات المعمدان التي احتفظت بآنيتها في الاستعداد للطقس (مر 1: 4- 12؛ لو 3: 7- 18؛ يو 1: 19- 18). ثمّ إنّ خبر معموديّة يسوع لا يحمل فقط طابعًا كرستولوجيًّا. إنّه يبيّن مضمون الاختبار العماديّ الذي فيه يشترك المؤمنون في خبرة يسوع، لأنّهم ينالون الروح ويصيرون أبناء الله. والشكل الجليانيّ يوحي بتأليف قديم من أصل فلسطينيّ. ويمكننا أن نبحث عن آثار للتهيئة للمعموديّة في مجموعة الأقوال المتعلّقة بالتوبة. ولكنّ يو 3: 1- 9 يفترض لاهوتًا مبنيًّا بناءً محكمًا بحيث لا نستطيع أن نسمِّيَه صيغة قديمة. أمّا الوعد بالروح الذي لم يتوسّع فيه التقليد الإزائيّ (مت 10: 19 ي، لو 11: 12 ي؛ مر 13: 11= لو 21: 14 ي)، فلم يرتبط بالتدرّج المسيحيّ، بل بالشهادة التي نحملها أمام المضطهِدين (يو 14: 16- 17، 26- 27): فانطلاقًا من "المعموديّة في الروح القدس" فَهِمَ المؤمنون الطقس الموروث من يوحنّا في هذا المنظور الجديد.

ثالثًا: عشاء الربّ
ويتضمَّن اجتماعُ الكنيسة عشاءً مشتركًا يشير إليه لوقا وبولس (أع 2: 46؛ 1 كور 11: 21 ي). وقد ربط فيلون الإسكندرانيّ بين الطعام وقراءة التوراة عند الزهّاد اليهود. وهذه الموازاة لا تفرض تبعيّة، ولكنّها تدلّ على وجود رسمة مشتركة تفسِّر العلاقة بين خدمة الكلمة والعشاء الإفخارستيّ. وقمّة هذا العشاء احتفال طقسيّ من نوع جديد: تكرّر الجماعة خبرة الشهود الأوائل (أع 10: 41؛ لو 24: 30، 41- 43). فتتّكئ إلى مائدة الربّ القائم لتشترك في جسده ودمه (1 كور 10: 16). يتكلّم بولس في هذا المجال عن "عشاء الربّ" (1 كور 11: 20)، ولوقا عن "كسر الخبز" (أع 2: 42؛ 20: 7- 11؛ لو 24: 30؛ 1 كور 10: 30). فالعبادة الأولى تشدّد على جديد طقس يتّخذ شكل العشاء اليهوديّ، ولكنّه يتقبّل معناه من حضور الربّ القائم نفسه. والعبادة الثانية تشير إلى هذا العمل بالذات. يرتبط بولس بالمسيحيّة المتهوّدة حين يشير إلى الخبز المكسور، وإلى البركة التي تُتلى على كأس الخمر (1 كور 10: 26). 
كيف كان يظهر عمليًّا حضور الربّ الذي يتعشّى مع أحبّائه (رؤ 3: 20)؟ هناك تقليد ثابت يعود إلى الربّ نفسه. تسلّمه بولس، وسلّمه وفسّره حين تحدّث عن العشاء الأخير الذي اتّخذه يسوع مع أخصّائه "في الليلة التي أسلم فيها" (1 كور 11: 23- 25). ولم يكن يكتفي هذا الخبر العشائيّ، هذا الطعام الفصحيّ الذي تحرّر من كلّ ما لا يتعلّق بعشاء الربّ في التقليد الإزائيّ، لم يكن يكتفي بأن يقدّم لنا نموذجًا ننسخه. حين ذكّرنا النصّ بِهُوِيَّة الربّ الذي يستقبل المؤمنين إلى مائدته ويسوع الناصريّ الذي يرئس هذا العشاء ويوضح معنى موته، فقد هُيّئَ كخبر يقرأ وقت كسر الخبز ليذكّرنا بمدلول هذا العمل الطقسيّ. وحين يقوم رئيس الجماعة المسيحيّة بهذه القراءة، كان يختفي وراء المسيح الميّت والقائم. وإذ وجّهتنا صيغة النصّ التكوينيّة نحو فهم الخبر، أرتنا علاقة الخبر بالاحتفال الإفخارستيّ، سواء عند بولس الذي يفصل النصّ عن كلّ قرينة فصحيّة واسعة، وسواء عند الإزائيّين الذين يجعلون النصّ قطعة رئيسيّة في الالام التي دشّنها مر 14: 1 ومت 26: 1 ولو 22: 1. وإنّ التنوّع بين النسخات الأرج (1 كور 11: 23- 25 ولو 22: 15- 19؛ مت 26: 26- 29؛ مر 14: 22- 25) لا يمسّ هذه النقطة الجوهريّة. فالرسمة الأساسيّة للخبر تنتمي إلى الطبقة الأدبيّة الأولى للتقليد المسيحيّ المتهوّد، وهي تعود إلى الزمن الذي يلي تأسيسها مباشرة. وهكذا نفهم الدور القاعديّ للرسمة بالنسبة إلى عشاء الربّ وكسر الخبز.
اتّخذ نوعان من الموادّ الإنجيليّة شكلاً في مدار هذا النصّ. فالأولى هي أخبار العشاءات التي أخذها يسوع خلال رسالته ولاسيّما حين تكثير الخبز (مت 14: 13- 21؛ مر 6: 30- 44؛ لو 9: 10- 17؛ يو 6: 1- 14؛ مر 8: 1- 9؛ مت 15: 32- 39). غير أنّ تقليد يوحنّا عن عرس قانا (يو 2: 1- 11) يفترض بناء معقَّدًا لتذكّر قديم. والأخرى هي أقوال (أمثال وخطب) يحتلّ فيها موضوع الطعام مكانة هامّة. ولكنّ النفحة الإفخارستيّة لم تدخل فيها إلاّ في وقت ثان. مثلاً: مت 22: 1- 14 يتوسّع في نص لو 14: 16- 24 الذي يرتبط مباشرة بقرينة قديمة وباختبار العشاء الأخويّ بين المسيحيّين. أمّا الكرازة الإفخارستيّة في يو 6: 24- 59 والتي تبدو كتعليم في المجمع (6: 59) فخلفيّتها نقاش بين اليهود والمسيحيّين. وهي تجعل المسيح القائم يتكلّم فيكشف معنى الطقس الإفخارستيّ (خاصّة في 6: 53- 58). فنحن لا نستطيع أن ندرك تجذّره في التقليد القديم إلاّ عبر التدوينات المتأخّرة للتقليد اليوحنّاويّ.

رابعًا: الإرسال
وأخيرًا كان تنظيمُ الرسالة المسيحيّة المرتبطة بانتشار الكنيسة في فلسطين وفي الشتات (أع 8: 1؛ 11: 19) عملَ الرسلِ والأنبياء والمعلّمين كما قلنا سابقًا. ولم يكن انطلاقهم في الرسالة أمرًا فرديًّا ومستقلاّ عن كنيستهم الأصليّة. يتكلّم لوقا عن بعثات تحقيق (أع 8: 14؛ 11: 22؛ 15: 22- 30)، فتتدخّل الجماعة بصورة علنيّة. أمّا بالنسبة إلى برنابا وبولس، فالإرسال تمّ خلال احتفال عباديّ (ليتورجيّا: أع 13: 2): نلاحظ فيه وضع الأيدي (أع 13: 3) الذي سيصير فيما بعد حركة السيامة من أجل الخدمة الكهنوتيّة وغيرها (رج 1 تم 4: 14؛ 5: 22؛ 2 تم 1: 6). وهذه الحركة المسيحيّة المتهوّدة استعملت باكرًا في الكنيسة.
أمّا تنظيم الرسالة العمليّ فيشير فيه بولس إلى قاعدة أعطاها الربّ من أجل الذين يُعلنون الإنجيل (1 كور 9: 14؛ رج مت 10: 10؛ لو 10: 7). وهذا التلميح يدلّ على أنّ خطبة الإرسال التي نجدها عند الإزائيّين قد اتّخذت شكلها الأدبيّ الأخير بالنظر إلى إيفاد المرسلين المسيحيّين (مر 6: 7- 12؛ مت 10: 1 ي؛ لو 9: 1- 6؛ 10: 1- 16 حيث يتميّز التلامذة 72 عن الرسل الأثني عشر فيذكّروننا بالمرسلين). ومن المنطقيّ أن نستنتج أنّ مجموعات الأقوال المتعلّقة بهذا الموضوع، تكوّنت لتُقرَأ في الجماعات حين ينطلق المرسلون، إمّا على مستوى الإنجيليّين، وإمّا على مستوى منابعهم. ويمكننا أن نضمّ إلى كلّ هذا بعض أقوال يسوع وجّهها إلى تلامذه وحدهم مثل لو 12: 1- 12 الذي يجد ما يوازيه في لو 21: 12- 19؛ مر 13: 9- 13؛ مت 10: 17- 32؛ يو 15: 18- 16: 4. فلوعد الروح علاقة بالصعوبات التي تجابه المرسلين (مر 13: 11؛ مت 10: 20؛ لو 12: 12؛ 21: 15؛ يو 15: 18- 27). ولكنّ يوحنّا يستعيد هذه التعليمات بالنظر إلى طرد المسيحيّين المتهوّدين على يد العالم اليهوديّ الرسميّ بين سنة 80 وسنة 95 (رج يو 16: 2).

6- صلوات وأناشيد
إذا عدنا إلى الرسائل وإلى سفر الرؤيا، يمكننا أن نكتشف موادَّ ليتورجيّةً قديمة صارت كنز الكنائس المشترك: مثلاً: هلّلويا، آمين، ماراناتا (1 كور 16: 22؛ تعال أيّها الربّ: رؤ 22: 20). ويكننا أن نضمّ إليها هتافاتٍ وصيغًا وأناشيدَ نقرأها في بعض الرسائل (1 تم 1: 17؛ 3: 16؛ 1 بط 2: 22- 24) وفي سفر الرؤيا (4: 8، 11؛ 5: 13 ي؛ 7: 12؛ 19: 1- 2، 5- 7). والتحيّات التي تبدأ الرسائل أو تنهيها هي كلمات تفتح الاجتماعات الليتورجيّة (1 تس 4: 28؛ 2 تس 1: 2؛ 3: 18؛ فل 1: 3- 25؛ 4: 23؛ غل 6: 18؛ 1 كور 1: 3؛ 16: 23؛ 2 كور 1: 2؛ 13: 13؛ روم 1: 7؛ 7: 25؛ 11: 36؛ 16: 27؛ 1 تم 6: 15- 16؛ عب 13: 25). أمّا المجدلة في روم 16: 25- 27 فهي متأخّرة. والصلاة التي أُقحمت في سفر الأعمال (4: 24- 30) قد ألّفها لوقا فجاءت تفسيرًا (بشع للمزمور 2: 1- 2. وهذا ما يدلّ على أنّ سفر المزامير المقروء في المجمع يقدّم لصلاة الكنيسة موادّ أساسيّة يعاد تفسيرها. وقد تكونُ الكنيسة قرأت المزامير على ضوء شخصيّة يسوع المسيح.
واحتفظ لنا لوقا بمزمورين مسيحيّين قديمين جدًّا يعودان إلى جماعة فلسطين: إنّ نشيد مريم (لو 1: 46- 55) الذي يرتبط بالقرينة الإخباريّة بشيء بسيط (لو 1: 48)، هو مجموعة من العبارات التَوراتيّة التي تعبّر عن شكر الجماعة في وقت استعان لاهوت الخلاص بعبارات بدائيّة مستقاة من العالم اليهوديّ. نسبه لوقا إلى مريم فأشركها في صلاة الكنيسة بعد القيامة (أع 1: 14). أمّا أسلوب نشيد زكريّا فيختلف عن أسلوب نشيد مريم (لو 1: 68- 79). يربط بإطار ميلاد يوحنّا المعمدان مباركةً تستلهم كلماتها من التوراة، ويقترب لاهوتها من لاهوت نشيد مريم. أمّا الصيغة في لو 2: 14 (المجد لله في العلى...) فهي ليتورجيّة الجماعة التي نُقلت على مستوى الملائكة. ونحن نرى الشيء عينه في سفر الرؤيا حيث تتجاوب السماء والأرض.
الفصل التاسع
النتاج الأدبيّ في أرض الرسالة

من السهل أن نميّز قبل سنة 70 ب م الوسط المسيحيّ المتهوّد عن أرض الرسالة، ولكنّه تمييز اعتباطيّ. فمنذ البداية كانت الكنيسة رساليّة وشاملة بدعوتها، ولكنّ الموقف الذي اتّخذته الرسالة حيال المؤسّسة اليهوديّة الوطنيّة والدينيّة في فلسطين وفي الشتات، أظهر تدريجًا نوعين من الجماعات المحلّيّة: الأولى تنتظم في إطار العالم اليهوديّ وتنفتح على الوثنيّين "الخائفي الله" طبقًا للممارسة اليهودية (لو 7: 4- 5؛ أع 11: 1- 2؛ 16: 14؛ 18: 4- 7). ولكنّها تحترم القيود التي تفرضها الشريعة لتنظّم العلاقات بين المسيحيّين اليهود والمسيحيّين اللايهود (أع 15: 23- 29: نجد هنا صدىً لممارسة خاصّة بكنائس سورية وكيليكية). الثانية هي امتداد لموقف إسطفانُس والهلّينيّين المناهض للشريعة الضيّقة، تفتح الكنيسة على الوثنيّين دون أي قيد شرعيّ للاشتراك في التئام الجماعة (أع 11: 20- 26). إرتبط التيّار الأوّل بيعقوب أسقف أورشليم (أع 12: 17؛ 15: 13- 21 حيث الوثنيّون الذين اهتدوا إلى الله يُعتبرون سامعين للشريعة في اجتماعات الكنيس: أع 21: 17- 25). وانتشر التيّار الثاني انطلاقًا من أنطاكية في كلّ الشتات اليهوديّ. إلاّ أنّ رسالة برنابا وبولس لدى الوثنيّين ونظرتهما إلى الحرّيّة الإنجيليّة كانت بموضوع اعتراف في أورشليم لدى الذين هم في الكنيسة (غل 2: 6- 10).
لاشكّ في أنّ المسيحيّين المتهوّدين المحيطين بيعقوب قد صلَّبوا موقفه وحاولوا أن يفرضوا على الوثنيّين الختان وممارسة الشريعة (غل 2: 11- 13؛ أع 15: 1- 2، 5). بل نظّموا رسالات معاكسة لرسالة بولس وساروا على خطاه ينقضون ما عمله (غل 1: 6- 7؛ 5: 12؛ 2 كور 11: 4): امتلأت رسائل بولس من هذه التحذيرات من هؤلاء "الرسل العظام" (2 كور 11: 5)، من هؤلاء الرسل الكذبة والعمّال المخادعين (2 كور 11: 13)، من عمّال السوء والمختونين الكذبة الذين يشوّهون الجسد (غل 3: 2). ولكنّ سياسة بولس حيال المؤسّسة اليهوديّة ظلّت سياسة منفتحة: فالإنجيل في نظره يحمل الخلاص إلى كلّ من يؤمن، إلى اليهوديّ أوّلاً ثمّ إلى اليونانيّ (روم 1: 16؛ 2: 9- 10). وكان إعلانه للإنجيل في أيّ مدينة، يبدأ دومًا في قلب الجماعة اليهودية وفي المجمع. هناك تجذّرت الكنيسة ولم يتمّ الانقطاع إلاّ بمبادرة السلطات المحلّيّة (أع 17: 5- 9، 13- 14؛ 18: 6- 7؛ 19: 8- 9؛ 20: 3؛ 28: 25- 28؛ 1 تس 2: 14- 16). هو لم يبتعد عن كنائس الله في اليهوديّة التي في المسيح يسوع (1 تس 2: 12). بل يهنّئ الجماعات التي أسّسها لأنّها تتشّبه بتقوى هذه الجماعات. وهو من أجلها يقوم باللمّة وجمع التبرّعات (1 كور 16: 1؛ 2 كور 8- 9؛ روم 15: 26- 28؛ أع 24: 17) حسب الالتزامات التي اتّخذها على عاتقه حين كان في أورشليم (غل 2: 10). وهو يحتفظ بعادات هذه الجماعات حين لا تهدّد بالخطر الحرّيّة المسيحيّة تجاه الشريعة اليهوديّة (1 كور 11: 16؛ 14: 33- 34).
لا نستطيع القول إنّ هذا الموقف الجريء كان موقف كلّ المرسلين ولكنّه كان موقف برنابا (أع 11: 22 ي؛ 1 كور 9: 6) وأبلّوس (1 كور 16: 12) وآخرين غيرهما. ومن الممكن أن يكون "الإخوة" الذين التقاهم بولس ورفاقه حين وصولهم إلى إيطالية (أع 28: 13- 14) ورومة (أع 28: 14- 15) كانوا من المسيحيّين المتهوّدين الذين نظّموا نفوسهم على غرار كنائس اليهوديّة. في نظر بولس لم يكن في الكنائس لا يونانيّون ولا يهود (غل 3: 18؛ 1 كور 12: 13؛ كو 3: 11). ولكن كما كتب إلى مسيحيّي رومة الذين استعلم عنهم بواسطة برسكلّة وأكيلا (أع 18: 2؛ روم 13: 3 وهو نصّ أرسل من كورنتوس)، يبقى ممكنًا للمؤمنين أن يمارسوا فرائض الشريعة شرط أن لا يجعلوا من هذه الممارسة مسألة مبدئيّة (روم 14: 1- 6؛ 14: 21). وهذا الموقف المنوَّع يمنعنا من أن نَفْصِلَ فصلاً أساسيًّا بين مسيحيّة من أممية (أصل وثنيّ) ومسيحيّة متهوّدة. فالتقاليد التي تكوَّنت في إطار المسيحيّة المتهوّدة تجاوزت حدود فلسطين. وإذ نتفحّص الآن النِتاج الأدبيّ في أرض الرسالة، نفكّر قبل كلّ شيء بالكنائس التي انتشرت على خطى مار بولس أو تبنت قواعد حياة مماثلة للتي أعلنها. ومجموعة رسائله التي تتيح لنا أن نتأكّد من النصوص الموازية في سفر الأعمال تشكّل البناء الأهمّ. ولكنّنا نتساءل أيضاً عن وجود شهود جانبيّين في الرسائل أو في مجموعات إنجيليّة دوِّنت قبل سنة 70 ب م.

1- رسائل القدّيس بولس
كلّ تفحّص لرسائل القدّيس بولس يفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار السوابق اليهوديّة لنفهم ما وراء بنيتها وشكل براهينها وطرائق لاهوتها.
بولس هو "من قبيلة بنيامين، عبرانيّ ابن عبرانيّ، وفي الشريعة فرّيسيّ" (فل 3: 5). هذه الإشارة العابرة تثبت المعطيات الواضحة في سفر الأعمال. ولد في طرسوس من أعمال كيليكية (أع 21- 39؛ 22: 3؛ رج 9: 1)، وتربَّى في أورشليم لدى قدمي جملائيل (أع 22: 3)، أي في وسط عبرانيّ حيث لتقليد الآباء اعتباره وحيث يُحتفل بالليتورجيّا اليهوديّة في العبرانيّة مع اللجوء الآراميّة، بقدر ما كان هذا اللجوء إلى اللغة المحكيّة ضروريًّا للترجوم والوعظ والصلاة. وبعد اهتداء بولس الذي فصله عن السلوك (هلكه) الفرّيسيّ، احتفظ بممارسات تأويليّة اكتسبها في الوسط الذي تربّى فيه. ومن الوجهة الاجتماعيّة كان بولس مواطنًا طرسوسيًّا (أع 21: 39) بل مواطنًا رومانيًّا منذ ولادته (أع 22: 25- 28؛ رج 16: 37؛ 25: 10- 20) ينتمي ظاهرًا إلى البورجوازيّة التي تتاجر بالخيام (أع 18: 3). حين أُوقف في أورشليم ظلّ ابن أخته هناك (أع 23: 16). لا شيء يبرهن أنّ بولس عاد إلى طرسوس قبل أن تَفْرِضَ عليه معارضةُ اليهود ترك اليهوديّة (أع 9: 30). فاليهود الهلّينيّون الذين يتدخّلون في الجدال مع إسطفانس ليسوا وثنيّين بل إنّهم يمارسون الشريعة ممارسة دقيقة (أع 6: 9- 12). ولم يكن بولس مختلفًا عنهم حين "اضطَهد كنيسة الله" (1 كور 15: 9؛ رج فل 3: 6؛ أع 8: 3؛ 9: 1- 4) ووافق على مقتل إسطفانُس (أع 7: 58، 8: 1). لن نتكلّم عن الاستعداد النفسانيّ قبل اهتدائه. ولكنّ كلّ شيء يدلّ على أنّه ممثّل نموذجيّ للوسط الفرّيسيّ المتجذّر في اليهوديّة والمنتشر في جماعات الشتات. ولكنّ أصله الطرسوسيّ أتاح له أن يكتسب منذ صباه اللغة اليونانيّة الضروريّة في الأوساط التجاريّة. نستنتج هذا من مشاركته في جدالات اليهود الهلّينيّين مع إسطفانُس (أع 6: 9- 10). أتقن لغتين فساعده هذا الوضع في رسالته. ولكنْ بين اهتدائه وبين أوّل رسالة كتبها مرّت 15 سنة أو 18 سنة كان فيها على اتّصال بالعالم اليهوديّ الهلّينيّ الذي طبع شخصيّتَه بطابعه.

1- ينابيع الرسائل البولسيّة
لا تعني كلمة "ينابيع" وثائق مكتوبة بل "وحدات صغيرة" فرزتها النظرية التكوينيّة والتاريخ التدويني منطلقة من شكل النصوص الأدبيّ ووظيفتها. ونحن نجد آثارًا واضحة لهذه الوحدات في رسائل بولس. كُتبت في مناسبات فارتبطت بمسائل ملموسة طرحت عليه بين سنة 50- 51 (أوّل إقامة في كورنتوس) وأسره في رومة (59/ 60- 62/ 63). وإذا أردنا أن نشرح مضمونها لن نعود إلى نهج لاهوتيّ قد يكون فكَّر فيه منذ اهتدائه. من الأفضل أن نفكر أوّلاً في أشكال عمليّة ارتداها عمله في الكنائس: إعلان الإنجيل لليهود وللوثنيّين، قراءة التوراة في الجماعة المسيحيّة، إعطاء التعليم إلى المؤمنين، الاحتفال الليتورجيّ الذي ترافقه الصلوات والأناشيد. كلُّ هذه العناصر التي تشكِّل ثوابت في نشاط بولس هي امتداد لِمَا نجده في العالم المسيحيّ المتهوّد. فليس من الضروريّ أن نستعيد بالتفصيل مسألة مكانها في حياة الرسول وفي حياة الكنائس التي أسسّها. ولكنّ بحثًا من هذا النوع يعرّفنا إلى النصوص المسيحيّة التي نُقلت إلى الكنائس البولسيّة، والتي أُنتجت لتلبّي حاجة هذه الكنائس، وحُفظت في إطارها. وهذا ما لم نستطع أن نفعله بالقدر ذاته بالنسبة إلى كنائس اليهوديّة القديمة، فالوسطاء بين هذه النصوص (كانت شفهية) وبيننا قليلة. وإن يكن خلق هذه النصوص امتدّ على 25 أو 30 سنة، فتطوَّرَ شكلُها ومضمونُها تطوّرًا موازيًا لفكر بولس، فنحن نقدر أن نجمعها في مقالات كبيرة حسب النهج الذي أخذنا به في دراسة النصوص القديمة في العالم المسيحيّ المتهوّد.

أوّلاً: بولس والتقليد السابق لبولس
إنّ تجذّر بولس الأوّل في مسيحيّة دمشق المتهوّدة (غل 1: 17؛ 2 كور 11: 32 ي؛ أع 9: 10- 25) والمطعَّمة بجماعة أورشليم واليهوديّة، واتصاله ببطرس (وبيعقوب) في أورشليم (غل 1: 18 ي؛ أع 9: 26- 29) وإقامته في كيليكية في وسط يهوديّ (غل 1: 20؛ أع 9: 30) ثمّ في كنيسة أنطاكية التي أسّسها المسيحيّون المتهوّدون والهلّينيّون (غل 11: 13؛ أع 11: 25- 26)، كلّ هذا كانت له نتائج أكيدة عليه: فلا أصالة اهتدائه الشخصيّ، ولا قراءته المسيحيّة للتوراة منعاه من الولوج في تقليد سابق له ومن الإفادة من عناصره. لهذا لجأنا إلى رسائله لنبحث عن أقدم أدب مسيحيّ. ولكنّ البحث عن التقليد السابق لبولس يبدو صعبًا حين نطلب أقوال يسوع أو أخبارًا تتعلّق بأعماله. فالهدف العمليّ للرسائل لا يدفع بولس إلى إيراد هذه العناصر التي سُلّمت إلى الكنائس منذ تأسيسها. ولكنّنا نجد مع ذلك بعض الآثار. مثلاً: يلجأ 1 تس 4: 15 إلى كلمة الربّ لتزيل شكًّا في موضوع الرجاء. ولكن 1 تس 5: 1- 2 يلمّح إلى نصوص يعرفها الجميع. وإن 1 كور 7: 10 يورد فريضة تقابل مر 10: 7- 9. غير أنّ 1 كور 7: 25 يدلّ على أنّ بولس لا يقدر أن يعود دومًا إلى تعليمات واضحة من يسوع. هذه الشهادات العرضيّة المقحمة في الرسائل، تفتح أمامنا منظورًا مهمًّا حول نقل التقليد الإنجيليّ. فبولس تشبَّه بالمرسلين المسيحيّين المتهوّدين، فترك في الكنائس تعليمات شفهيّة كما ترك نصوصًا مكتوبة: إِمّا نصوص التوراة التي كانت كرازته تفسيرًا لها، وإمّا نصوص تحدّد مضمون الإنجيل.

ثانيًا: إعلان الإنجيل
لقد أشرنا إلى ملخَّصات الإنجيل التي استُعملت في الكرازة، في إطار التقاليد السابقة لبولس. ونزيد عليها بعض المقاطع التي هي صدى لنشاط بولس حين سلّم "إنجيل الله" (1 تس 2: 8) أو "إنجيل المسيح" (غل 1: 7) أو "كلمة الحقّ" (كو 1: 5) التي "قُبلت بفرح الروح القدس" (1 تس 1: 6). كان يكفي للمؤمنين الذين من أصل يهوديّ أن يعترفوا بالإيمان بيسوع الربّ (روم 10: 9) الذي مات لأجل خطايانا وقام في اليوم الثالث "كما في الكتب" (1 كور 15: 3)، ولكن وجب على المؤمنين من أصل وثنيّ أن يقوموا باهتداء أكثر جذريّة. يَذكره بولس بسرعة في 1 تس 1: 9- 10 فيقدِّم لنا نقاط الكرازة التي كان يوجّهها إلى هذه الفئة من الناس: تركَ الأوثان، خدمةَ الله الحيّ، موتَ وقيامةَ يسوعَ ابنه الذي ننتظر مجيئَه ليخلّصَ مؤمنيه من الغضب الآتي. إنّ القسم الأوّل من هذه الرسمة يطابق الكرازة للوثنيّين كما عرضها لوقا في خطبة بولس في لسترة (أع 14: 15- 17)، أمّا نهايتها فهي تقابل خطبة بولس في ساحة أثينة (أع 17: 30- 31): إذًا يذكرُ بولسُ بدقّةٍ المواضيعَ الرئيسيّة للكرازة البولسيّة. قَلَبت طلباتِ اليهود والوثنيّين الطوعيّة، فكانت إعلانًا للمسيح (لقب مجيد أعطي للقائم من الموت) المصلوب (تذكير بمصيره على الأرض) (1 كور 1: 22- 23). على أساس هذه النصوص، نستطيع أن نفترض أنّ صيَغًا عابرة تتضمّن مواضيع عامّة ارتبطت بإعلان الإنجيل كما كان يقدّمه بولس أمام اليهود والوثنيّين. ولكن بما أنّ الرسائل تتوجّه إلى مهتدين فمن النافل أن نبحث طويلاً عن آثار هذا الفنّ الأدبيّ.

ثالثًا: تعليم المؤمنين
لا بدّ من أن نضع هنا مقاطع الكرازة المرتبطة ارتباطاً مباشرًا بالمعموديّة، لأنّ المعموديّة هي خاتمة البلوغ إلى الإيمان. ومن الواضح أنّ بولس يبشّر أكثر ممّا يعمّد، وهو يترك هذا العمل لمعاونيه الذين يرافقونه في رسالته (1 كور 1: 14- 17). ومع هذا نستخرج التلميحات العماديّة في الرسائل، وبالأخصّ حين تتردّد في مواضع عديدة وحسب رسمات متشابهة. حينئذ تكون النصوص صدى لكرازة ترافق المعموديّة "باسم المسيح"، وتكرارها يُعيد المعمَّدين إلى الخبرة الأساسيّة لحياتهم الجديدة التي أعطيت للذين تعمّدوا في المسيح (روم 6: 3) فلبسوا المسيح (غل 3: 7): إنّهم يشتركون في موت المسيح وقيامته (روم 6: 1- 11)، وينالون الروح (1 كور 12: 13)، ويؤلّفون جسدًا واحدًا رغم تنوّع أصلهم (غل 3: 27- 28؛ 1 كور 12: 13؛ كو 3: 11). ومن جهة ثانية، يقدّم بولس قاعدة حياة توجِّه سلوك المعلَّمين: هي القاعدة التعليميّة التي يخضع لها المؤمنون (روم 6: 17). ونحن نستطيع أن نُعيد بناءَ خطوطها الكبرى.
حين يأتي يومُ الربّ، يُمنع من الدخول إلى ملكوت الله كلُّ الذين يتشبَّهون بعوائد العالم الوثنيّ ويمارسون رذائله: وتشير لوائح الرذائل (1 كور 6: 9- 10؛ غل 5: 19- 21؛ رج أف 5: 5) إلى كرازة معروفة (ألا تعلمون؟ رج 1 كور 6: 9) تعود إلى المعموديّة (1 كور 6: 11). فالتحريض على الحرب ضدّ الخطيئة يرتبط بشرح الاختبار العماديّ (موضوع يتوسّع فيه روم 6: 12- 13). ويمكننا أن نُرجعَ إلى هذا الإطار التعليمَ عن الوصيّة التي تتضمّن الوصايا الأخرى، والتي تحدّد المواقف الواجب اتّخاذها تجاه القريب (غل 5: 14؛ روم 13: 8- 10؛ رج مر 12: 31 وما يقابله). فالتعليمات الخاصّة المعطاة لمختلف الفئات الاجتماعيّة حول واجبات حالتها يحد في هذه القرينة وضعًا يُنِيْرُ درَبنا. تعود 1 كور 7: 17- 24 ثماني مرّات إلى موضوع الحالة التي يكون المؤمن فيها حين جاءه نداء الله مع تطبيق على المختونين واللامختونين، على العبيد والأحرار. نحن هنا أمام قاعدة وُضعت في كلّ الكنائس (1 كور 7: 17). ونصّ كو 3: 18- 4: 1 الذي يعالج واجبات الرجال والنساء، والأولاد والأهل، والعبيد والأسياد، يرجع إلى تعليم يتوجَّه إلى معمَّدين جدد، شأنه شأن سائر النصوص الموازية: روم 13: 1- 7 يوجّه الفكر نحو واجبات المواطن، أف 5: 21- 6: 11 يتوسَّع في نصّ كو 3: 18- 4: 3؛ 1 بط 2: 11- 3: 7 يستعيد كلّ هذه المعطيات في توسيع إجمالي.
إنّ التذكير بالتعليمات العماديّة، كما نجده في الرسائل، يتكيّف كلّ مرّة مع وضع المؤمنين. ونحن نستطيع أن نميّز تدرّجًا في التعليم العقائديّ من رسالة إلى أخرى. ولكن يبدو من المنطقيّ أن نبحث في كلّ حالة عن صدى مباشر لكرازة ألقاها بولس في كنيسة كان فيها حين أرسل رسالته. تعكس 1 كور كرازتَه في أفسس سنة 55، وروم كرازته في كورنتوس في شتاء 56- 57. إذا كانت هذه النظرة صحيحة، فاستقبال المعمَّدين الجدد خلال الإقامة الأخيرة في كورنتوس قدّم لنا تهيئة خطابيّة لنقاط وعظة عاديّة نجد آثارها في روم 5- 8 و12: 1- 13: 14.

رابعًا: قراءة التوراة وشرحها
خدمة كلمة الله في الكنائس
يمكننا أن نفكّر أنّه بعد وقت محدَّد وفي سير عمل الكنائس العاديّ، تنظَّم الاستعداد للمعموديّة تنظيمًا دقيقًا (غل 6: 6)، ومارست الكنيسةُ الطقسَ خلال اجتماع الجماعة "في اليوم الأوّل من الأسبوع" (1 كور 16: 1- 2). خلال هذا الاجتماع، يحتلّ إعلانُ الكلمة المكانة الأولى في المسيحيّة المتهوّدة. لهذا حين يعدِّد بولس مواهبَ الروح (1 كور 12: 28)، يذكر في رأس اللائحة الوظائف الثلاث التي تكلّمنا عنها آنفًا: "أوّلاً الرسل، ثانيًا الأنبياء، ثالثًا المعلّمون". والذين يمسكون بهذه الوظائف لا يربتطون بالضرورة بجماعات خاصّة. هم يستطيعون أن يذهبوا من كنيسة إلى أخرى على مثال بولس ورفاقه، وعلى مثال أبلّوس (1 كور 3: 5- 6؛ 16: 12). وفي الجماعة تمارَسُ أيضاً المواهبُ الخاصّة التي يعدّدها الفصلُ ذاته (1 كور 12: 8- 10) ومنها: كلام المعرفة، وكلام الحكمة اللتان تُمنحان للجميع وترتبطان بخدمة الكلمة. وبجانب هؤلاء الأنبياء الذين يقومون بمهمّتهم (1 كور 12: 28)، هناك ممارسة النبوءة الموزَّعة توزيعًا واسعًا (1 كور 11: 4- 5). بإلهام الروح (1 كور 14: 37) يبني النبيّ ويعزّي ويشجعّ (1 كور 14: 3) ويعلِّم ويحرّض (1 كور 14: 31). وقد يكون لكلّ مؤمن نشيد وتعليم ووحي وخطبة في الألسنة وتفسير (1 كور 14: 26)، وإذا كان من الضروريّ أن تكون مراقبة (1 كور 14: 32) فلكي يتمّ كلّ شيء في نظام (1 كور 14: 40) بحيث تُبنى الكنيسة (1 كور 14: 26)
وستكون هذه المتطلّبة الأخيرة بغير جدوى، إذا تُركت الجماعة لعفويّة المبادرات الخاصّة. فالأنبياء لا يراقبون الواحدُ الآخر فحسب (1 كور 14: 32)، بل يوجد في الكنائس مسؤولون ينضمّ المؤمنونَ تحت لوائهم (1 كور 12: 28). ولكنّ 1 تس التي لا تجهل مواهب النبوءة (1 تس 5: 19) تذكر بوضوح الذين يرئسون الجماعة. إنّهم يتعبون من أجل الجماعة، يوبِّخون المؤمنين ويُتمّون عملاً (1 تس 5: 12- 13) هو امتداد لعمل الرسول المؤسّس. وتجعل روم التي تعكس بُنية كنيسة كورنتوس التي منها بُعثت، وظيفة الرئاسة بين مواهب الروح (روم 12: 8) مع النبوءة والخدمة والتعليم والتحريض، ونشاطات العطاء والرحمة (روم 12: 6- 8). ويمكن أن يتميّز الاهتمام بالنظام والوحدة في الجماعة عن خدمة الكلمة بكلِّ أشكالها. فهذه الخدمة تفترض كفاءات خاصّة، ليس فقط للتكلّم في حفل من الناس، بل لمعرفة وتفسير هذه الكلمة التي تلتقي فيها التوراة بإعلان الإنجيل.

صدى الكرازة البولسيّة
لا يحدِّثنا بولس مرّة واحدة عن قراءة التوراة في الجماعة، ولا عن طريقة التذكير بالإنجيل. فهذان العنصران الهامّان لا يطرحان سؤالاً على المؤمنين، ولكنّ الرسالة كلّها تفترضهما. والطريقة التي يعود فيها إلى التوراة تبقى مبهَمة لو لم تكن ثقافة قرّائه الكتابيّة في درجة متقدّمة. فقراءة وشرح التوراة قراءة مسيحيّة، وانتقالها من المجمع اليهوديّ إلى اجتماع الكنيسة، يشكِّل إحدى ركائز التعليم للمؤمنين. وتحليل الرسائل يساعد على اكتشاف وحدات صغيرة نرى فيها صدى لكرازة بولس الذي كان تلميذَ معلّمٍ يهوديٍّ وصار معلّمًا مسيحيًّا. مثلاً: في 1 تس 4: 1- 8 عن السلوك المسيحيّ في ما يتعلّق بعالم الجنس، مع عدّة تلميحات كتابيّة تفترض إيراد النصوص وشرحها. وفي 1 تس 4: 9- 12 حيث التلميح إلى الحبّ المتبادل يفترض رجوعًا إلى نصّ ورد في روم 13: 8- 10. ففي الحالتين نحن أمام سلوك (هلكه) مسيحيّ نجده في رسائل عديدة، فنستشفّ فيه مواضيع وعظ ثابتة وعاديّة (ق 1 تس 4: 4- 8 و1 كور 6: 19- 20 الذي يبدأ بالعبارة: أما تعلمون؟). ومواضيع الوعظ العماديّ تعود في إطار الجماعة المسيحيّة، لأنّ "الخلاص هو الآن أقرب إلينا ممّا كان يوم آمنّا" (روم 13: 11). وقد يكون من المدهش أن لا تحتفظَ الكنائس بهذه العناصر الأساسيّة للتعليم الرسوليّ (شفهيًّا أو خطّيًّا)، وتذكِّرَ بها المسيحيّين وتنقلَها إلى المهتدين الجدد. 
ونكتشف في الرسائل رسمات كرازة تفترض قراءة النصوص الكتابيّة قراءة دقيقة. مثلاً: يقدّم 1 كور 5: 7- 8 رسمة عظة بولس في أفسس خلال الاحتفال بعيد الفصح سنة 57، بعد قراءة النصّ الذي تقرأه الليتورجيّا اليهوديّة: خر 12: 1- 20 (مع التلميح إلى 12: 6- 8، 15). ويفترض 1 كور 10: 1- 13 قراءة من سفرَيِ الخروج والعدد ترافقها تطبيقات مسيحيّة. وهذه التلميحات تبقى غير مفهومة إن لم يرافقها وعظ مفصَّل ودقيق. ونجد وعظة مماثلة عن مكان التجربة في حياة المؤمنين، في أماكن أخرى من العهد الجديد: في عب 3: 7- 4: 11 تلتصق العظة بالمزمور 95: 7- 11، وهي تفترض، خلف تجارب المسيح في متى (4: 1- 11) ولوقا (4: 1- 13) تفسير عدَّة نصوص من سفر التثنية ومن مز 91: 11- 12. ونصّ غل 3: 6- 18 حيث يحيط بالتوسيع البولسيّ تك 12: 3 (في آ 8 و16)، هو صدى عن عظة على تك 12: 1- 9 الذي يُقرأ في المجمع. ثمّ إنّ كل 4: 22- 31 هي رسمة لعظة عن تك 16 أو 21: 1- 21 مع أش 54: 1- 10، كما يُقرأ في الكنيس.
وتوسيع روم 4: 1- 24 الذي يقع بين إيرادين لسفر التكوين 15: 6 (آ 3 و22)، يُشبه عظة على تك 15 تُغذِّيها إيرادات كتابيّة على طريقة الرابّانيّين. نحن هنا أمام أَثَرٍ غير مباشر لعظة بولس في كورنتوس حول هذا النصّ الذي قُرىء في الجماعة. إنّ تحليلاً دقيقًا للرسالة إلى رومة (ف 9- 11) يتضمّن ملفًّا كتابيًّا غنيًّا جدًّا، يجعلنا نجد آثار عظات في كورنتوس حول النصوص المذكورة. وتكاثف الإيرادات التوراتيّة في هذه الفصول برهان قاطع على قراءة الكتاب المقدّس من أسفار موسى إلى الأنبياء والمزامير في كنيسة كورنتوس حيث كان بولس حين كَتب روم. وهناك مقاطع من الرسالة عينها مثل 12: 6- 21، و15: 8- 12 تطرح علينا سؤالاً مماثلاً. وفي 2 كور حيث ف 1- 9 تتضمّن رسائل متميّزة، بُنيت التوسيعات بناءً مُحْكَمًا فلا نحاول أن نفتّتها ونبعثرها. أمّا 2 كور 6: 14- 7: 1 فهي رسمة عظة على موضوع محدّد. ونتعرّف أيضاً في 2 كور 9: 6- 10 إلى مقطع خطابيّ له وحدته الخاصّة.
إنّ هذه الأمثلة تعطينا فكرة كافية عن الوعظ الذي قدّم الموادّ للرسائل. فالتعليمات التي قِيلت شفهيًّا سبقت وهيّأت التعليمات التي دوِّنت في الرسائل.

العشاء الإفخارستيّ
يومَ دوِّنت رسائلُ القدّيس بولس كان اليونانيّون (أي المؤمنون الذين من أصل وثنيّ) هم الأكثريّة، مع أنّ اليهود واليونانيّين كانوا يشاركون في اجتماعات الكنيسة على قدم المساواة (غل 3: 28؛ 1 كور 12: 13). فالعالم اليهوديّ الرسميّ أظهر عداء لإعلان الإنجيل، ولا سيّما وإنّ بولسَ يقدّمه للوثنيّين ولليهود (1 تس 2: 13- 16). وترتّبت الاجتماعات لتجعل المؤمنين يعون وحدتهم وأصالتهم تجاه العبادات الوثنيّة وتجاه العالم اليهوديّ نفسه. إلا أنّ قراءة التوراة وشرحها في وعظ إنجيليّ، والصلاة والنشيد المشترك، كلّ هذا استفاد من ليتورجيّة المجمع: إختار بولس ما اختار وأعاد تفسير النصوص على ضوء حياة المسيح وتعليمه
أمّا العناصر المسيحيّة الخاصّة التي تعطي معنى لما تبقّى من عناصر، فهي إعلان الإنجيل وعشاء الربّ، وكلاهما يرتبطان ارتباطاً وثيقًا كما بيّنا ذلك حين درسنا المسيحيّة المتهوّدة الأولى. من الصعب أن نرسم مسيرة الاجتماعات، ونحدّد مكانًا دقيقًا لكأس البركة والخبز المكسور (1 كور 10: 16) في إطار عشاء أخويّ يشكّل عنصرًا أساسيًّا للاجتماع. يتحدّث 1 كور 11: 20- 21 عن طعام المساء، عن العشاء (ديبنون في اليونانية). وهذا ما نفهمه، لأنّ الاجتماع المسيحيّ يتمّ بعد نهار من العمل. كانت تتوزّع القراءات والتعليمات، والنبوءة والصلاة (1 كور 11: 4 ي)، والأناشيد والتعاليم، والوحي والتكلّم بألسنة (1 كور 14: 29)، على مدى اجتماع يمتدّ طويلاً إلى الليل كما في أع 20: 7- 11.

الصلاة المشتركة
لا يحدّثنا بولس عن قواعد الصلاة المشتركة الخاضعة لإلزامات الخير العامّ (1 كور 12: 7) والوقار والنظام (1 كور 14: 40). فالمسائل الواجب حلّها لا تأتي من هذه الجهة، لأنّ التقليد الموضوع في كلّ كنيسة قد وَضع الأمور في نصابها. ولكنّ بولس يذكُر صلوات يتلفّظ بها الرجال والنساء بصوت جمهوريّ (1 كور 11: 4- 5)، وهي عادة تختلف عمّا يصنع في الكنيسة حيث تقف النساء على انفراد. ويعلن أنّ المؤمنين يقدرون أن يسمعوا أناشيد ملهمة (1 كور 14: 26؛ كو 3: 16). نحن هنا أمام مواهبيّين يعبّرون عن عاطفة دينيّة لا تَدخل في نظام. لم تصل إلينا الكلمة النبويّة كما لم تصل الصلوات التي ارتجلها المؤمنون في هذه الاجتماعات.

أناشيد وتسابيح
إنّ تلميح كو 3: 16 إلى مزامير وأناشيد وتسابيح يجعلنا نستشفّ اهتمامًا بالترتيل عرفته الليتورجيّا اليهوديّة والعبادات السرّيّة الوثنيّة. فيمكننا أن نفترض أنّ هناك أناشيدَ مسيحيّةً ألِّفت للاستعمال العامّ حتّى بعد أن انتقل الإنجيل من وسط يهوديّ بنوع خاصّ إلى وسط هلّينيّ تشرّب بالثقافة الوثنيّة. والعودة إلى المزامير والتراتيل المأخوذة من التوراة قدَّمت الصيغ الأولى للكنيسة في أوّل عهدها. وحين ذكرنا أعلاه وجود هذه المقطوعات المسيحيّة في كنائس اليهوديّة، لاحظنا ارتباط بولس بالمسيحيّة القديمة. يبقى علينا أن نتفحّص مسألة الأناشيد والتسابيح التي أوردها في المناسبات. وإذا لم تكن النصوص كثيرة في الرسائل، فهذا يعني أنّ الكنائس لم يكن بتصرّفها العديد متنها: المهمّ هو توسيع الفكرة لدى بولس، وقد يُدفع إلى استعمال هذا النشيد أو ذاك أو لا يُدفع. ونتردّد أيضاً في التعرّف إلى أصل هذه الأناشيد الدقيق. هل ألَّفها بولس أم وُضعت قبل بولس؟ الأمر لا يهمّ. وهناك بعض نصوص أُقحمت في مجموعة رسائل بولس وكانت متأخّرة. وقد يكون أنّ بولس حين أورد بعض النصوص كيّفها وقرينة رسائله، فحوَّر فيها وزاد عليها. 
إنّ الدراسات المتقاربة تدعونا لأنّ نضع جانبًا النصوص التالية: المديحان للمسيح المحفوظان في فل 2: 6- 11 وكو 1: 15- 20، وقطعة من نشيد غنائيّ يرد في أف 5: 14 وقطعة وضعت في روم 16: 25- 27 (هي في مكان آخر في بعض المخطوطات أو حذفت في مخطوطات أخرى) لمجد الله، وبعض المقاطع القديمة التي احتفظت بها الرسائل المتأخّرة (1 تم 3: 16؛ 6: 15- 16؛ 2 تم 2: 11- 13). لا نستطيع أن نقول شيئًا عن زمان تأليف النصوص الثلاثة الأخيرة. أمّا المديحان الأوّلان فيُظهران لنا أسلوبَ الصلاة بين الرسالة إلى فيلبّي (وهي معاصرة للرسائل الكبرى) وبين الرسالة إلى كولسيّ (التي دوِّنت خلال أسر رومة). الخلفيّة التوراتيّة واضحة في فل 2: 6- 11. ولكنّ مسيرة المقطوعة تتبع خطّ الاعتراف بالإيمان الإنجيليّ، والهتاف ليسوع الربّ (فل 2: 11) يحوّل معنى النصوص الكتابيّة التي استعملها. ونصّ كو 1: 15- 20 أقرب إلى العالم اليونانيّ والاعتقادات الشرقيّة، ولكنّ هذا الشكل الجديد من التعبير هو في خدمة كرستولوجيا تُبرز ما نقرأه في الرسائل الكبرى. ثمّ إنّه من الممكن أن ترتبط هذه القطعة بليتورجيّا عماديّة، شأنها شأن مقاطع أخرى عديدة من الرسالة عينها. مهما يكن من أمر، فصيغة الإيمان والصلاة خرجت من قالب يهوديّ نكتشفه خاصّة في الأناشيدِ القديمة التي استعملها لوقا (1: 46- 55، 68- 79). هذهِ بعضُ محطّاتٍ في عمليّة خلق نصوص رافقت دخول الإنجيل في الأوساط الثقافيّة اليونانيّة.

2- الرسائل في نشاط بولس الرعائيّ
أوّلاً: وظيفة الرسائل
ليس من الضروريّ أن نناقش إذا كان ما كتبه بولس هو رسائل بسيطة كما عرف العالم اليونانيّ القديم، أو مقالات بشكل رسائل تُقرأ بطريقة احتفاليّة. لم يكتب بولس من أجل الدعاية، بل ليحلَّ المسائل الراعويّة العامّة في داخل الكنائس. وقد وُضعت رسائله لتُقرأ في اجتماع الجماعة (1 تس 5: 27)، أو لتُرسل إلى كنائس أخرى من أجل بنيان الجميع (كو 4: 16). وحتّى البطاقة المرسلة إلى فيلمون، والتي ترافق الرسالة إلى كولسيّ، فهي تتضمّن في العنوان أسماء فيلمون وأبفية (زوجته على ما يبدو) وأرخبّس الذي تسلّم مهمّة الخدمة (كو 4: 7) والكنيسة التي تجتمع عند فيلمون: نحن إذًا أمام نصّ عامّ، ولهذا حُفظ في الكنيسة. وإذا قابلنا رسائل بولس بما تركه لنا العالم اليهوديّ (2 مك 1: 1- 10)، نجد أصالة بولس ككاتب رسائل وارتباطَه ببعض توسيعات تتعلّق بنشاطه الشفهيّ في الجماعات الكنسيّة. أمّا المواضيع التي يتطرّق لها، فهي ترتبط بهموم خدمته وهي متنوّعة تنوّع الظروف التي كُتبت فيها هذه الرسائل.
لم يَكتب بولس بيده إلاّ جملاً قصيرة في نهاية رسائله (2 تس 3: 17 ي؛ 1 كور 16: 21- 42؛ غل 6: 11- 18؛ كو 4: 18). كان يملي مجمل الرسالة على سكرتير حُفظ اسمه (ترتيوس) في حالة خاصّة (روم 16: 2). وقد يكون بولس نفسه أقحم الاسم هنا بين آ 21 و23. يمكننا أن نجادل حول الزمن الضروريّ لإملاء الرسالة كمّيّة الورق الضروريّ، وعدد النسخات (نرسلها إلى الكنائس أو نحتفظ بها في الجماعة التي يقيم فيها بولس حين يكتب)، والحرّيّة التي يمنحها بولس لسكرتيره لكي يضع اللمسات الأخيرة لرسالته. قد تُلقي هذه الاعتبارات ضوءًا على بعض الخصائص وتحلّ بعض المشاكل. ولكنْ يجب أن نهتمّ بمجهود رئيسيّ يوجّه انتباهنا إلى نقطة أساسيّة: بما أنّ هذه هي وظيفة الرسائل، كيف تتيح لنا علاقتها بنشاط الرسول الراعويّ أن نكتشف نظام تأليفها وزمن إرسالها؟

ثانيًا: نظام الرسائل وأزمنتها
حين نَرسم نشاط بولس الرسوليّ نعود إلى مرجعين: رسائله نفسها، وخبر سفر الأعمال (ف 16- 28). هناك نقاط لا تزال عالقة سنشير إليها ونعطي رأينا.

بولس وتسالونيكي
أرسل بولس 1 تس من كورنتوس سنة 50- 51، بعد تأسيس الكنيسة المحلّيّة بزمان قليل (أع 18: 1- 18). ونحن نجد في هذه الرسالة لا صيَغًا سابقة لبولس وتعليمات محدودة عن كنيسة تسالونيكي وحسب، بل نجد أيضاً صدى لكرازة بولس الأولى في كورنتوس. ولكن تواجهنا صعوبات في 2 تس وبالأخصّ المقاطع الجليانيّة والموقف الجديد المتعلّق بالمجيء. على كلّ حال، دوّنت 2 تس بعد 1 تس ببضعة أشهر.
تشكِّل سَفرة بولس إلى أورشليم عبر أفسس وقيصرّية (أع 18: 19- 22) فجوة في الرسائل التالية. جاء بولس من أورشليم إلى أنطاكية، وعبَر منطقة غلاطية وفريجية. في ذلك الوقت جلب رفاقُه القدامى في الرسالة، اليهوديَّ أبلّوس إلى معرفة كاملة للإنجيل وحثّوه على الذهاب إلى كورنتوس في أخائية (أع 18: 23- 28؛ 1 كور 3: 5- 6). حينذاك وصل بولس إلى أفسس وأقام فيها سنتين وثلاثة أشهر، من 54 إلى 57 (أع 19: 1- 20: 1). في هذا المكان يبدو خبر لوقا ناقصاً، وهو أمر مؤسف لأنّ هناك مراسلة بين سنة 55 وشتاء 56- 57: الرسالتان إلى كورنتوس، الرسالة إلى فيلبّي، الرسالة إلى غلاطية.

الرسالة إلى غلاطية
لا تطرح هذه الرسالة مُشكلة على المستوى التأليفيّ، لأنّها تكوّن قطعة واحدة. ارتبطت بمرور بولس في غلاطية (أع 18: 23) فدوِّنت في نهاية إقامته في أفسس، وحين واجهته محاولة معاكسة قام بها بعض اليهود المتزمّتين. دوِّنت في الأشهر اللاحقة، أي حين أقام في مكدونية أو كورنتوس.

بداية المراسلة مع كورنتوس
في المراسلة مع كورنتوس هناك رسالة ضاعت، هذا ما لا شكّ فيه (1 كور 5: 9). والباقي يظهر أمامنا في رسالتين تكادان تكونان متساويتين طولاً. ولكنّ التحليل يكشف مقاطع متلاحقة. في الرسالة الأولى، نجد تنوّعًا في المواضيع وتوسيعًا جديدًا في 5: 1 و6: 1 و6: 12 و7: 1 (توسيع جديد سُمَّي رسالة أرسلت من كورنتوس)؛ 8: 1 (يفترض سؤالاً آخر طرحه الكورنثيّون)؛ 15: 1 (يفتح موضوع القيامة)؛ 16: 1 (يعطي تعليمات عمليّة ويتحدّث عن مشاريع مستقبليّة). لن نقسم 1 كور إلى رسائل مستقلّة، ولكنّنا نقول إن الرسالة كُتبت في أوقات متباعدة. ولقد وَصلت المعلومات إلى بولس بواسطة ثلاث طرق: التقرير غير الرسميّ الذي أرسله بيت خلوة (1 كور 1: 11). رسالة كتبوها إليه وطرحوا عليه فيها أسئلة (1 كور 7: 1). زيارة المسؤولين المحلّيّين في الكنيسة أي إستفاناس ورفاقه (1 كور 16: 15- 18). يمكننا إذًا أن نفكّر بتأليف امتدّ بعض الوقت. أوّلاً: ف 1- 6. ثانيًاً: 7: 1- 11: 1. ثالثًاً: 11: 2- 16: 24. ولكنّ هذه القسمة غير أكيدة. وفي أيّ حال، ذهب إستفاناس ورفاقه حاملين معهم أقلّه 11: 1- 16: 24 (ما عدا ف 15). أنهى بولس هذا الإملاء قبل عنصرة سنة 55 (1 كور 16: 8). أمّا المشاكل التي يعالجها، فتتطرّق إلى حياة جماعة كورنتوس الخاصّة. ولكنّ التوسيعات الخطابيّة والعقائديّة هي صدر لكرازته في أفسس. وهناك إشارات في الخاتمة تجعلنا نستشفّ معارضة لإعلان الإنجيل في مدينة أفسس (1 كور 15: 32؛ 16: 19)، وهي تلتقي مع خبر أع 19: 23- 20: 1. غير أنّ سفر الأعمال لا يتكلّم عن خطر الموت الذي تتحدّث عنه 2 كور 1: 8- 10 بطريقة واضحة.

بولس وأهل فيلبّي
لم يحقِّق بولس مشاريعه القديمة. وفرضيّة توقيف وأسر في أفسس، تستند إلى شهادتين مباشرتين تلتقيان: شهادة 2 كور 1: 8- 10 وشهادة فل 1: 14 التي دوِّنت في السجن ساعة واجه بولس إمكانيّة حكم بالإعدام (فل 1: 20- 24). والتقارب بين الرسالتين واضح في التلميحات المتوازية إلى المسيحيّين المهوّدين الذين يحذّر بولس قراَّءه منهم (2 كور 11: 13- 23؛ فل 3: 2- 6). نحن ظاهريًّا أمام الخصوم عينهم الذين التقيناهم في الرسالة إلى غلاطية: لقد لاحقوا بولس في مكدونية وأخائية. هذه الإشارات المتلاقية تجعلنا نحدّد المراسلة مع أهل فيلبّي في أفسس وقبل نهاية سنة 57. ولكنّ الرسالة الحاليّة تطرح مشكلة على مستوى التأليف. نجد فيها ثلاث مقطوعات مجموعة: بطاقة الشكر للعون الماليّ الذي وصل إليه في السجن (فل 4: 10- 23)، رسالة دوِّنت في إطار الموت الممكن (فل 1: 1- 3 أ+ 4: 4- 7)، رسالة ثالثة يهاجم فيها المسيحيّين المتهوّدين في فيلبّي (فل 3: 3: 1 ب- 4: 3+ 4: 8- 9). ولقد ضَمَّت جماعةُ فيلبّي هذه المقطوعات الثلاث في رسالة واحدة.

بقية مراسلة بولس مع كورنتوس
تطرح 2 كور مسائل تأليفيّة. إنّ 2 كور 6: 14- 7: 1 يفصل بين قسمَيِ التوسع، ثمّ تبقى أربع مقطوعات مبعثرة. نستطيع أن نميِّز بطاقتين تتحدّثان عن اللمَّة من أجل كنيسة أورشليم: البطاقة الأولى موجّهة إلى جماعة كورنتوس (2 كور 8)، والبطاقة الثانية إلى كلّ كنائس مقاطعة أخائية (2 كور 9). والتوسيع الذي يسبقهما (2 كور 1: 1- 6: 13+ 7: 2- 16) هو موحَّد رغم بعض الاستطرادات، وهو يأتي في نهاية أزمة خطيرة سنجد لها حلاًّ قريبًا. ولكنّه يشير إلى رسالة كُتبت في الحزن والدموع (2 كور 2: 3، 4، 9؛ 8: 8)، على أَثَرِ زيارة سريعة انفجرت فيها الأزمة (2 كور 12: 14؛ 13: 1- 2). وأسلوب 2 كور 10: 11- 13: 10 يوافق هذه الظروف. أمّا القطعة التي لا عنوان لها ولا خاتمة، فهي معاصرة للرسالة إلى غلاطية وفل 3: 1- 4: 3. أُرسلت من أفسس بعد الزيارة وقبل السجن، فضُمَّت إلى سائر الملفّ الكورنتيّ. إذًا، تجعل هذه القطعة بعد الذهاب من أفسس والمرور في ترواس (2 كور 2: 12) والانطلاق إلى مكدونية (2 كور 2: 13) والإقامة في فيلبّي من حيث أرسلت الرسالة الأخيرة (2 كور 1: 1- 7: 16، ما عدا 6: 14- 7: 1. وكلّ هذا ينتهي مع 13: 11- 13). هذه الفرضيّة متماسكة وإن لم يقبل بها كلّ الشرَّاح، ولكنّها تدلّ على تأليف معقَّد عرفته الرسائل البولسيّة في الجماعات المسيحيّة

الرسالة إلى أهل رومة
حين عاد بولس إلى كورنتوس قضى هناك شتاء 56- 57. في هذه المدينة اعتنى بتدوين رسالة أرسلها إلى أهل رومة، فجاءت صدى لكرازته في كورنتوس. ولكنّها تطرح مسألة تأليفيّة: قد تكون المجدلة (روم 16: 25- 27) من تأليف بولس، ولكنّ جامعي الرسالة أغفلوها أو وضعوها في أماكن متنوّعة (بعد 14: 23 او 15: 33). ثمّ إن وجود خاتمتين (15: 33 و16: 20) يجعل ف 16 في موقع خاصّ. وعدد الأشخاص الذين يسلِّم عليهم بولس يجعلنا نفكّر بأفسس لا برومة التي هي مدينة لم يكن بولس قد ذهب إليها بعد. نجد بين هؤلاء الأشخاص برسكلّة وأكيلا اللذين يقيمان في أفسس حسب 1 كور 16: 19؛ أع 18: 28- 26. وأبسط الفرضيّات هي أن نفكّر أنّ هناك نسختين للرسالة: نسخة أولى أرسلت إلى رومة لتهيِّئ السفرَ العتيد (روم 15: 22- 29)، ونسخة ثانية أرسلت إلى أفسس بواسطة فيبة مع بطاقة السلامات (رج روم 16: 1). أمّا الحفاظ على النسخة الطويلة فيدلّ على أنّنا أمام نصّ أفسس ولكنّنا نجد النسخة القصيرة في بعض المخطوطات، وقد جاءت من رومة أو كورنتوس. وهكذا نلاحظ أنّ الرسائل تتوجّه إلى جماعات عديدة من أجل تعليمها ورعايتها (كو 4: 16).

المراسلة مع كولسّي
يعلّمنا سفر الأعمال (ف 21- 28) أنّ الأحداث عاكست المشاريع التي عبَّر عنها بولس في روم 15: 23- 32. أوقف في أورشليم في عيد الفصح من سنة 57 أو 58، ثمّ أرسل أسيرًا إلى قيصريّة من سنة 57 إلى سنة 59 (أو 58- 60). بعدها ذهب إلى رومة كسجين في خريف 59 أو 60. هناك أقام سنتين (أع 28: 30) يتمتعّ ببعض الحرّيّة. من رومة كتب البطاقة وقدَّمها إلى فيلمون ذاك الذين هو "سجين المسيح يسوع" (فلم 1، 9). كان بولسُ قد صار شيخًا (فلم 9) أي في عمر الستّين، إذا أخذنا بقواعد العالم القديم. ذهبت الرسالة إلى كولسّي مع رسالة إلى أهل لاودكية (كو 4: 16؛ رج 2: 1)، وقد حملهما تيخيكس وهو من آسية (يذكره أع 20: 4) وأونسيمُس (كو 4: 7- 9).
إرتاب البعض في نسبة هذه الرسالة، بسبب المواضيع المطروحة واللغة القريبة من لغة الفلسفة اليونانيّة وديانتها (وهذا ما يحاربه بولس: كو 2: 8). ولكنّهم نَسُوا الظروف التي يكتب فيها بولس رسائله. ليست مقالات لاهوتيّة، بل أعمالٌ رعاويّة يحدّد موضوعَها ولغتَها المشاكلُ التي يواجهها الرسول. فبعد الإقامة الثانية في كورنتوس التي تركت أثرًا في شميلة الرسالة إلى رومة، اتّخذ عمل بولس الرعائيّ منحًى جديدًا سَبَبُهُ الأخطارُ التي تهدّد الإيمان في جماعات آسية (كو 2: 8، 16- 18، 21- 23). ولقد نبَّه بولسَ إلى هذا الخطر إبفراسُ (كو 1: 7- 9؛ في 23) رفيقُه في العمل في كولسّي. وتمتزج المواضيع الجديدة مع مقاطع تقليديّة (فل 3: 1- 4: 6). بعضهم قال إنّ الرسالة أرسلت من قيصرّية (بين 58 و60) حيث الاتّصالات سهلة، والآخر قال إنّها أرسلت من رومة خلال الأسر (بين 59 و61 أو 60 و62). ولقد احتفظت لنا كنائس آسية بهذه الرسالة.

الرسالة إلى أفسس
ترتبط أف بالرسالة إلى كولسّي ارتباطاً وثيقًا، ولكنّها تستعيد مواضيعَ وتعابيرَ وردت في الرسائل الكبرى. وهي تبدو بشكل خطبة مبنيّة بناءً مُحْكَمًا. ولكن كيف نفسّر الخاصّيّات التي فيها؟ هل بدَّل بولس أسلوبه؟ هل ترك الحرّيّة لتلميذ تشرَّب من فكره؟ أم أنّ تلميذًا عرف كو والرسائل الكبرى، فدوَّن شميلة لاهوتيّة بولسيّة ليحتفظ بتقليد الرسول في بلاد آسية؟

الرسائل الرعائيّة (1 تم، 2 تم، تي)
إذا قابلنا هذه الرسائل بمعطيات سائر الرسائل (بما فيها كو، فلم، أف) نجد تبديلاً في المناخ وفي التوجيه اللاهوتيّ داخل التقليد البولسيّ. سنعود إلى هذا فيما بعد. أمّا ذكر استشهاد بولس في رومة، فأمر أكيد في تقليد القرن الثاني. ولكن متى استشهد؟ لا نعرف.

نحو مجموعة بولسيّة
في زمان موت بولس، كان وضع النصوص الخارجة من يده واضحًا. لقد احتفظت الكنائس بهذا الإرث المكتوب الذي يسند عملها ويؤسّس تقليدها. فالرسالة إلى رومة حُفظت في رومة رغم اضطهاد نيرون (بعد تمّوز 64 يوم أحرقت رومة). وقد وُجد أرشيف بولسيّ في تسالونيكي وفيلبّي وكورنتوس وأفسس وغلاطية وكولسّي والكنائس المجاورة. وتضمّن أرشيف أفسس الرسالة إلى رومة. واتّخذت 2 كور وفل شكلهما في الجماعات التي احتفظت بهما. وأمّا ما تبقّى من رسائل فدلّ على العلاقات بين الكنائس التي أسّسها بولس، بين كورنتوس وتسالونيكي (1 تس، 2 تس)، بين أفسس وفيلبّي (أف) بين أفسس وكورنتوس (2 كور)، بين أفسس وغلاطية (غل)، بين أفسس وكولسّي (رج أع 18: 23؛ 19: 1). إذًا، يمكننا أن نفترض أن الرسائل تنقلَّت بين الكنائس من مركز هو أفسس.

ب- الكتيّبات الأخرى قبل سنة 70
1- مشاكل الأناجيل
أوّلاً: التوثيق الإنجيليّ
حين صوَّرنا تكوين التقاليد الإنجيليّة، رأينا أنّ إطار هذا العمل كان المسيحيّة المتهوّدة في أورشليم واليهوديّة والجليل وسورية. وشكَّل انتقال الوثائق بين الكنائس بواسطة المرسلين أمرًا عاديًّا. ولم يطرح انتشارُها في الكنائس التي تسيطر فيها أكثريّة وثنيّة، أيّة مشكلة خاصّة. ولكن قد تكون حدثت أعمالُ تأليفيّة لتكيِّف النصوصَ واستعمالَها العمليّ.

ثانيًا: إنجيل مرقس
متى ألّفت ونُشرت الأناجيل الإزائيّة الثلاثة؟ كان الرأي القديم يقول إنّها ألِّفت قبل سنة 70، ولكنّ هذا الرأي تجاوزه الزمن. ورأينا أنّ إنجيل متّى الآراميّ دوِّن في تاريخ قديم. ولكنّنا لا نملك النصّ. أمّا مشكلة إنجيل مرقس فهي مختلفة. كان مرقس مساعدًا لبولس (أع 13: 5) ورفيقَ عمل له (فلم 24؛ كو 4: 10). سمّاه بطرس ابنه (1 بط 5: 13)، وعدّته 2 تم 4: 11 "ثمينًا من أجل الخدمة". وقال التقليد الذي أورده بابياس إنّه كان ترجمان بطرس. إذًا كان مرقس مُهَيَّأً ليحتفظ بالمواد الإنجيليّة المفيدة للكرازة. الأولى وليجمعها في كتاب. أمّا علاقة كتيِّبه بتقليد بطرس فيشهد عليها كلّ التقليد القديم. وهذا ما يوافق معطيات النقد الداخليّ. يقول إيريناوس: إنّه جمع هذه الكرازة بعد موت بطرس. وقال إكلمنضوس الإسكندرانيّ: قبل موت بطرس. وإنّ الهدف العمليّ لكتيّبه يتيح لنا أن نفترض تأليفًا مرحليًّا ونشرات متعاقبة. إذا قبلنا بهذا المبدأ، كان تقليدا إيريناوس وإكلمنضوس صدى لوجهتين من الواقع. ومهما يكن من أمر، فمرقس هو شخص من الدرجة الثانية. فلماذا يختبئ وراءه شخص آخر يستعين بسلطته؟ إذًا، هو صاحب إنجيله. أَمّا قرّاؤه فهم مسيحيّون من أصل وثنيّ احتاجوا إلى شرح العوائد اليهوديّة (مر 7: 3- 4). هناك كلمات لاتينيّة في نصّه جعلت الشرّاح يقولون إنّه دوَّن إنجيله لجماعة تقيم في إيطالية. أمّا التقليد القديم الذي يربط الكتاب بكنيسة رومة المحلّيّة حيث جاء بطرس ومات سنة 64- 65، فهو يوافق المضمون موافقة تامة.
قد تكون زيدت بعض الأمور ولا سيّما في خبر الالام. لا نجد أيّ تلميح واضح إلى دمار أورشليم. ولكنّ 13: 14 ب (إفهم هذا أيّها القارئ) يشير إلى الحرب اليهوديّة التي بدأت. هذا يعني أنّنا بين سنة 67 وسنة. 7. أتاح موت نيرون (حزيران 68) لمسيحيّي رومة أن يلتقطوا أنفاسهم، فاستعادوا عملهم الرسوليّ في رومة خلال الحرب من أجل الإمبراطوريّة (نيسان 68- تموز 69) أو في أيّام فسباسيانس (68- 69). هل أُلّف إنجيل مرقس بطريقة نهائيّة في هذا الوقت؟ الأمر معقول جدًّا.

2- مشاكل الرسائل ورؤيا يوحنّا
أوّلاً: رسالة بطرس الأولى
هي رسالة قديمة مثل يع وعب. (يرتبطان بالمسيحيّة المتهوّدة) ورسائل مار بولس. هناك من ينسبها إلى بطرس (1 بط 1: 1) الذي أَلّفها سنة 64- 65. في ذلك الوقت كان بطرس في رومة (= بابل، 5: 13)، وكان اضطهاد نيرون قد بدأ (تلميح في 4: 12؛ رج 3: 14). أمّا الإشارة في 5: 12 فتجعلنا نفترض أنّ سلوانس (أوسيلا في أع 15: 22) دوَّنها. كان سلوانس رفيق بولس، ونحن نستطيع أن نتتبعّ خطاه في أعمال الرسل والرسائل البولسيّة منذ المرور الأوّل للرسول في مكدونية (أع 17: 14) وكورنتوس (1 تس 1: 1؛ أع 18: 5) حتّى مروره التالي خلال الرحلة الثالثة (2 كور 1: 19)، أي من سنة 50 إلى سنة 57. وفي الأخبار المدوّنة في صيغة المتكلّم الجمع (نحن) في سفر الأعمال، لا شيء يعارض أن يكون سلوانس بجانب بولس حين سافر إلى رومة وأقام فيها سجينًا (61- 63). هل بقي سلوانس بعد ذلك بجانب بطرس؟ الأمر معقول. ومهما يكن من أمر، فعطيات الرسالة تبيِّن أنّ اسم سلوانس ارتبط باسم بطرس في التقليد الرومانيّ كما ارتبط اسم مرقس باسم بطرس (1 بط 5: 13).
ولكنّ النظرة التكوينيّة تعود بنا إلى ما قبل النصّ. فالرسالة تستعيد وتكيِّف مقاطع عديدة نكتشف فنّها الأدبيّ ووظيفتها بالنسبة إلى الليتورجيّا الفصحيّة أو بالنسبة إلى الليتورجيّا العماديّة. نتعرّف إلى تسابيح (2: 22- 24؛ 3: 18- 22؛ 1: 3- 5 الذي هو مباركة نثريّة؛ 5: 5- 9 الذي هو تحريض) ومواضيع كرازة حيث التلميحات العماديّة كثيرة (1: 3- 9؛ 1: 13- 21؛ 1: 22- 2: 10)، ورسمات تحريض تقابل ما نقرأه عند بولس، وتتَبع طقسَ المعموديّة (2: 11- 7؛ 3: 1- 7؛ 3: 8- 12؛ 4: 1- 6)، وتعليمات جماعيّة تأخذ بعين الاعتبار المواهب التي نالتها الجماعة (4: 7- 11)، أو تشير إلى بنى الجماعة (5: 1- 11). هذان المقطعان الأخيران ينتهيان بخاتمة خطابيّة تجعلنا نستشفّ أنّنا أمام رسالتين لا رسالة واحدة. من هذا القبيل نستطيع أن نقول إنّ 4: 12- 5: 11 تشكِّل رسالة خاصّة ترتبط بالعنوان وتشهد على التقليد الرومانيّ المتكلّم عن بطرس بعد سنة 70. لهذا نستطيع أن نتكلّم عن الرسالة بعد سنة 70 مع العلم أنّ الوحدات الصغيرة تعود إلى زمن قديم.

ثانيًا: رؤيا يوحنّا
هناك مقاطع من الرؤيا تتعلّق بالزمن الذي كانت فيه رومة (= بابل) مسؤولةً عن دمار أورشليم. دخلت هذه المقاطع في تأليف كتاب سنعود إليه فيما بعد، لأنّه لم يدوَّن قبل سنة 70 ب م.

الفصل التاسع
النتاج الأدبيّ في أرض الرسالة

من السهل أن نميّز قبل سنة 70 ب م الوسط المسيحيّ المتهوّد عن أرض الرسالة، ولكنّه تمييز اعتباطيّ. فمنذ البداية كانت الكنيسة رساليّة وشاملة بدعوتها، ولكنّ الموقف الذي اتّخذته الرسالة حيال المؤسّسة اليهوديّة الوطنيّة والدينيّة في فلسطين وفي الشتات، أظهر تدريجًا نوعين من الجماعات المحلّيّة: الأولى تنتظم في إطار العالم اليهوديّ وتنفتح على الوثنيّين "الخائفي الله" طبقًا للممارسة اليهودية (لو 7: 4- 5؛ أع 11: 1- 2؛ 16: 14؛ 18: 4- 7). ولكنّها تحترم القيود التي تفرضها الشريعة لتنظّم العلاقات بين المسيحيّين اليهود والمسيحيّين اللايهود (أع 15: 23- 29: نجد هنا صدىً لممارسة خاصّة بكنائس سورية وكيليكية). الثانية هي امتداد لموقف إسطفانُس والهلّينيّين المناهض للشريعة الضيّقة، تفتح الكنيسة على الوثنيّين دون أي قيد شرعيّ للاشتراك في التئام الجماعة (أع 11: 20- 26). إرتبط التيّار الأوّل بيعقوب أسقف أورشليم (أع 12: 17؛ 15: 13- 21 حيث الوثنيّون الذين اهتدوا إلى الله يُعتبرون سامعين للشريعة في اجتماعات الكنيس: أع 21: 17- 25). وانتشر التيّار الثاني انطلاقًا من أنطاكية في كلّ الشتات اليهوديّ. إلاّ أنّ رسالة برنابا وبولس لدى الوثنيّين ونظرتهما إلى الحرّيّة الإنجيليّة كانت بموضوع اعتراف في أورشليم لدى الذين هم في الكنيسة (غل 2: 6- 10).
لاشكّ في أنّ المسيحيّين المتهوّدين المحيطين بيعقوب قد صلَّبوا موقفه وحاولوا أن يفرضوا على الوثنيّين الختان وممارسة الشريعة (غل 2: 11- 13؛ أع 15: 1- 2، 5). بل نظّموا رسالات معاكسة لرسالة بولس وساروا على خطاه ينقضون ما عمله (غل 1: 6- 7؛ 5: 12؛ 2 كور 11: 4): امتلأت رسائل بولس من هذه التحذيرات من هؤلاء "الرسل العظام" (2 كور 11: 5)، من هؤلاء الرسل الكذبة والعمّال المخادعين (2 كور 11: 13)، من عمّال السوء والمختونين الكذبة الذين يشوّهون الجسد (غل 3: 2). ولكنّ سياسة بولس حيال المؤسّسة اليهوديّة ظلّت سياسة منفتحة: فالإنجيل في نظره يحمل الخلاص إلى كلّ من يؤمن، إلى اليهوديّ أوّلاً ثمّ إلى اليونانيّ (روم 1: 16؛ 2: 9- 10). وكان إعلانه للإنجيل في أيّ مدينة، يبدأ دومًا في قلب الجماعة اليهودية وفي المجمع. هناك تجذّرت الكنيسة ولم يتمّ الانقطاع إلاّ بمبادرة السلطات المحلّيّة (أع 17: 5- 9، 13- 14؛ 18: 6- 7؛ 19: 8- 9؛ 20: 3؛ 28: 25- 28؛ 1 تس 2: 14- 16). هو لم يبتعد عن كنائس الله في اليهوديّة التي في المسيح يسوع (1 تس 2: 12). بل يهنّئ الجماعات التي أسّسها لأنّها تتشّبه بتقوى هذه الجماعات. وهو من أجلها يقوم باللمّة وجمع التبرّعات (1 كور 16: 1؛ 2 كور 8- 9؛ روم 15: 26- 28؛ أع 24: 17) حسب الالتزامات التي اتّخذها على عاتقه حين كان في أورشليم (غل 2: 10). وهو يحتفظ بعادات هذه الجماعات حين لا تهدّد بالخطر الحرّيّة المسيحيّة تجاه الشريعة اليهوديّة (1 كور 11: 16؛ 14: 33- 34).
لا نستطيع القول إنّ هذا الموقف الجريء كان موقف كلّ المرسلين ولكنّه كان موقف برنابا (أع 11: 22 ي؛ 1 كور 9: 6) وأبلّوس (1 كور 16: 12) وآخرين غيرهما. ومن الممكن أن يكون "الإخوة" الذين التقاهم بولس ورفاقه حين وصولهم إلى إيطالية (أع 28: 13- 14) ورومة (أع 28: 14- 15) كانوا من المسيحيّين المتهوّدين الذين نظّموا نفوسهم على غرار كنائس اليهوديّة. في نظر بولس لم يكن في الكنائس لا يونانيّون ولا يهود (غل 3: 18؛ 1 كور 12: 13؛ كو 3: 11). ولكن كما كتب إلى مسيحيّي رومة الذين استعلم عنهم بواسطة برسكلّة وأكيلا (أع 18: 2؛ روم 13: 3 وهو نصّ أرسل من كورنتوس)، يبقى ممكنًا للمؤمنين أن يمارسوا فرائض الشريعة شرط أن لا يجعلوا من هذه الممارسة مسألة مبدئيّة (روم 14: 1- 6؛ 14: 21). وهذا الموقف المنوَّع يمنعنا من أن نَفْصِلَ فصلاً أساسيًّا بين مسيحيّة من أممية (أصل وثنيّ) ومسيحيّة متهوّدة. فالتقاليد التي تكوَّنت في إطار المسيحيّة المتهوّدة تجاوزت حدود فلسطين. وإذ نتفحّص الآن النِتاج الأدبيّ في أرض الرسالة، نفكّر قبل كلّ شيء بالكنائس التي انتشرت على خطى مار بولس أو تبنت قواعد حياة مماثلة للتي أعلنها. ومجموعة رسائله التي تتيح لنا أن نتأكّد من النصوص الموازية في سفر الأعمال تشكّل البناء الأهمّ. ولكنّنا نتساءل أيضاً عن وجود شهود جانبيّين في الرسائل أو في مجموعات إنجيليّة دوِّنت قبل سنة 70 ب م.

1- رسائل القدّيس بولس
كلّ تفحّص لرسائل القدّيس بولس يفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار السوابق اليهوديّة لنفهم ما وراء بنيتها وشكل براهينها وطرائق لاهوتها.
بولس هو "من قبيلة بنيامين، عبرانيّ ابن عبرانيّ، وفي الشريعة فرّيسيّ" (فل 3: 5). هذه الإشارة العابرة تثبت المعطيات الواضحة في سفر الأعمال. ولد في طرسوس من أعمال كيليكية (أع 21- 39؛ 22: 3؛ رج 9: 1)، وتربَّى في أورشليم لدى قدمي جملائيل (أع 22: 3)، أي في وسط عبرانيّ حيث لتقليد الآباء اعتباره وحيث يُحتفل بالليتورجيّا اليهوديّة في العبرانيّة مع اللجوء الآراميّة، بقدر ما كان هذا اللجوء إلى اللغة المحكيّة ضروريًّا للترجوم والوعظ والصلاة. وبعد اهتداء بولس الذي فصله عن السلوك (هلكه) الفرّيسيّ، احتفظ بممارسات تأويليّة اكتسبها في الوسط الذي تربّى فيه. ومن الوجهة الاجتماعيّة كان بولس مواطنًا طرسوسيًّا (أع 21: 39) بل مواطنًا رومانيًّا منذ ولادته (أع 22: 25- 28؛ رج 16: 37؛ 25: 10- 20) ينتمي ظاهرًا إلى البورجوازيّة التي تتاجر بالخيام (أع 18: 3). حين أُوقف في أورشليم ظلّ ابن أخته هناك (أع 23: 16). لا شيء يبرهن أنّ بولس عاد إلى طرسوس قبل أن تَفْرِضَ عليه معارضةُ اليهود ترك اليهوديّة (أع 9: 30). فاليهود الهلّينيّون الذين يتدخّلون في الجدال مع إسطفانس ليسوا وثنيّين بل إنّهم يمارسون الشريعة ممارسة دقيقة (أع 6: 9- 12). ولم يكن بولس مختلفًا عنهم حين "اضطَهد كنيسة الله" (1 كور 15: 9؛ رج فل 3: 6؛ أع 8: 3؛ 9: 1- 4) ووافق على مقتل إسطفانُس (أع 7: 58، 8: 1). لن نتكلّم عن الاستعداد النفسانيّ قبل اهتدائه. ولكنّ كلّ شيء يدلّ على أنّه ممثّل نموذجيّ للوسط الفرّيسيّ المتجذّر في اليهوديّة والمنتشر في جماعات الشتات. ولكنّ أصله الطرسوسيّ أتاح له أن يكتسب منذ صباه اللغة اليونانيّة الضروريّة في الأوساط التجاريّة. نستنتج هذا من مشاركته في جدالات اليهود الهلّينيّين مع إسطفانُس (أع 6: 9- 10). أتقن لغتين فساعده هذا الوضع في رسالته. ولكنْ بين اهتدائه وبين أوّل رسالة كتبها مرّت 15 سنة أو 18 سنة كان فيها على اتّصال بالعالم اليهوديّ الهلّينيّ الذي طبع شخصيّتَه بطابعه.

1- ينابيع الرسائل البولسيّة
لا تعني كلمة "ينابيع" وثائق مكتوبة بل "وحدات صغيرة" فرزتها النظرية التكوينيّة والتاريخ التدويني منطلقة من شكل النصوص الأدبيّ ووظيفتها. ونحن نجد آثارًا واضحة لهذه الوحدات في رسائل بولس. كُتبت في مناسبات فارتبطت بمسائل ملموسة طرحت عليه بين سنة 50- 51 (أوّل إقامة في كورنتوس) وأسره في رومة (59/ 60- 62/ 63). وإذا أردنا أن نشرح مضمونها لن نعود إلى نهج لاهوتيّ قد يكون فكَّر فيه منذ اهتدائه. من الأفضل أن نفكر أوّلاً في أشكال عمليّة ارتداها عمله في الكنائس: إعلان الإنجيل لليهود وللوثنيّين، قراءة التوراة في الجماعة المسيحيّة، إعطاء التعليم إلى المؤمنين، الاحتفال الليتورجيّ الذي ترافقه الصلوات والأناشيد. كلُّ هذه العناصر التي تشكِّل ثوابت في نشاط بولس هي امتداد لِمَا نجده في العالم المسيحيّ المتهوّد. فليس من الضروريّ أن نستعيد بالتفصيل مسألة مكانها في حياة الرسول وفي حياة الكنائس التي أسسّها. ولكنّ بحثًا من هذا النوع يعرّفنا إلى النصوص المسيحيّة التي نُقلت إلى الكنائس البولسيّة، والتي أُنتجت لتلبّي حاجة هذه الكنائس، وحُفظت في إطارها. وهذا ما لم نستطع أن نفعله بالقدر ذاته بالنسبة إلى كنائس اليهوديّة القديمة، فالوسطاء بين هذه النصوص (كانت شفهية) وبيننا قليلة. وإن يكن خلق هذه النصوص امتدّ على 25 أو 30 سنة، فتطوَّرَ شكلُها ومضمونُها تطوّرًا موازيًا لفكر بولس، فنحن نقدر أن نجمعها في مقالات كبيرة حسب النهج الذي أخذنا به في دراسة النصوص القديمة في العالم المسيحيّ المتهوّد.

أوّلاً: بولس والتقليد السابق لبولس
إنّ تجذّر بولس الأوّل في مسيحيّة دمشق المتهوّدة (غل 1: 17؛ 2 كور 11: 32 ي؛ أع 9: 10- 25) والمطعَّمة بجماعة أورشليم واليهوديّة، واتصاله ببطرس (وبيعقوب) في أورشليم (غل 1: 18 ي؛ أع 9: 26- 29) وإقامته في كيليكية في وسط يهوديّ (غل 1: 20؛ أع 9: 30) ثمّ في كنيسة أنطاكية التي أسّسها المسيحيّون المتهوّدون والهلّينيّون (غل 11: 13؛ أع 11: 25- 26)، كلّ هذا كانت له نتائج أكيدة عليه: فلا أصالة اهتدائه الشخصيّ، ولا قراءته المسيحيّة للتوراة منعاه من الولوج في تقليد سابق له ومن الإفادة من عناصره. لهذا لجأنا إلى رسائله لنبحث عن أقدم أدب مسيحيّ. ولكنّ البحث عن التقليد السابق لبولس يبدو صعبًا حين نطلب أقوال يسوع أو أخبارًا تتعلّق بأعماله. فالهدف العمليّ للرسائل لا يدفع بولس إلى إيراد هذه العناصر التي سُلّمت إلى الكنائس منذ تأسيسها. ولكنّنا نجد مع ذلك بعض الآثار. مثلاً: يلجأ 1 تس 4: 15 إلى كلمة الربّ لتزيل شكًّا في موضوع الرجاء. ولكن 1 تس 5: 1- 2 يلمّح إلى نصوص يعرفها الجميع. وإن 1 كور 7: 10 يورد فريضة تقابل مر 10: 7- 9. غير أنّ 1 كور 7: 25 يدلّ على أنّ بولس لا يقدر أن يعود دومًا إلى تعليمات واضحة من يسوع. هذه الشهادات العرضيّة المقحمة في الرسائل، تفتح أمامنا منظورًا مهمًّا حول نقل التقليد الإنجيليّ. فبولس تشبَّه بالمرسلين المسيحيّين المتهوّدين، فترك في الكنائس تعليمات شفهيّة كما ترك نصوصًا مكتوبة: إِمّا نصوص التوراة التي كانت كرازته تفسيرًا لها، وإمّا نصوص تحدّد مضمون الإنجيل.

ثانيًا: إعلان الإنجيل
لقد أشرنا إلى ملخَّصات الإنجيل التي استُعملت في الكرازة، في إطار التقاليد السابقة لبولس. ونزيد عليها بعض المقاطع التي هي صدى لنشاط بولس حين سلّم "إنجيل الله" (1 تس 2: 8) أو "إنجيل المسيح" (غل 1: 7) أو "كلمة الحقّ" (كو 1: 5) التي "قُبلت بفرح الروح القدس" (1 تس 1: 6). كان يكفي للمؤمنين الذين من أصل يهوديّ أن يعترفوا بالإيمان بيسوع الربّ (روم 10: 9) الذي مات لأجل خطايانا وقام في اليوم الثالث "كما في الكتب" (1 كور 15: 3)، ولكن وجب على المؤمنين من أصل وثنيّ أن يقوموا باهتداء أكثر جذريّة. يَذكره بولس بسرعة في 1 تس 1: 9- 10 فيقدِّم لنا نقاط الكرازة التي كان يوجّهها إلى هذه الفئة من الناس: تركَ الأوثان، خدمةَ الله الحيّ، موتَ وقيامةَ يسوعَ ابنه الذي ننتظر مجيئَه ليخلّصَ مؤمنيه من الغضب الآتي. إنّ القسم الأوّل من هذه الرسمة يطابق الكرازة للوثنيّين كما عرضها لوقا في خطبة بولس في لسترة (أع 14: 15- 17)، أمّا نهايتها فهي تقابل خطبة بولس في ساحة أثينة (أع 17: 30- 31): إذًا يذكرُ بولسُ بدقّةٍ المواضيعَ الرئيسيّة للكرازة البولسيّة. قَلَبت طلباتِ اليهود والوثنيّين الطوعيّة، فكانت إعلانًا للمسيح (لقب مجيد أعطي للقائم من الموت) المصلوب (تذكير بمصيره على الأرض) (1 كور 1: 22- 23). على أساس هذه النصوص، نستطيع أن نفترض أنّ صيَغًا عابرة تتضمّن مواضيع عامّة ارتبطت بإعلان الإنجيل كما كان يقدّمه بولس أمام اليهود والوثنيّين. ولكن بما أنّ الرسائل تتوجّه إلى مهتدين فمن النافل أن نبحث طويلاً عن آثار هذا الفنّ الأدبيّ.

ثالثًا: تعليم المؤمنين
لا بدّ من أن نضع هنا مقاطع الكرازة المرتبطة ارتباطاً مباشرًا بالمعموديّة، لأنّ المعموديّة هي خاتمة البلوغ إلى الإيمان. ومن الواضح أنّ بولس يبشّر أكثر ممّا يعمّد، وهو يترك هذا العمل لمعاونيه الذين يرافقونه في رسالته (1 كور 1: 14- 17). ومع هذا نستخرج التلميحات العماديّة في الرسائل، وبالأخصّ حين تتردّد في مواضع عديدة وحسب رسمات متشابهة. حينئذ تكون النصوص صدى لكرازة ترافق المعموديّة "باسم المسيح"، وتكرارها يُعيد المعمَّدين إلى الخبرة الأساسيّة لحياتهم الجديدة التي أعطيت للذين تعمّدوا في المسيح (روم 6: 3) فلبسوا المسيح (غل 3: 7): إنّهم يشتركون في موت المسيح وقيامته (روم 6: 1- 11)، وينالون الروح (1 كور 12: 13)، ويؤلّفون جسدًا واحدًا رغم تنوّع أصلهم (غل 3: 27- 28؛ 1 كور 12: 13؛ كو 3: 11). ومن جهة ثانية، يقدّم بولس قاعدة حياة توجِّه سلوك المعلَّمين: هي القاعدة التعليميّة التي يخضع لها المؤمنون (روم 6: 17). ونحن نستطيع أن نُعيد بناءَ خطوطها الكبرى.
حين يأتي يومُ الربّ، يُمنع من الدخول إلى ملكوت الله كلُّ الذين يتشبَّهون بعوائد العالم الوثنيّ ويمارسون رذائله: وتشير لوائح الرذائل (1 كور 6: 9- 10؛ غل 5: 19- 21؛ رج أف 5: 5) إلى كرازة معروفة (ألا تعلمون؟ رج 1 كور 6: 9) تعود إلى المعموديّة (1 كور 6: 11). فالتحريض على الحرب ضدّ الخطيئة يرتبط بشرح الاختبار العماديّ (موضوع يتوسّع فيه روم 6: 12- 13). ويمكننا أن نُرجعَ إلى هذا الإطار التعليمَ عن الوصيّة التي تتضمّن الوصايا الأخرى، والتي تحدّد المواقف الواجب اتّخاذها تجاه القريب (غل 5: 14؛ روم 13: 8- 10؛ رج مر 12: 31 وما يقابله). فالتعليمات الخاصّة المعطاة لمختلف الفئات الاجتماعيّة حول واجبات حالتها يحد في هذه القرينة وضعًا يُنِيْرُ درَبنا. تعود 1 كور 7: 17- 24 ثماني مرّات إلى موضوع الحالة التي يكون المؤمن فيها حين جاءه نداء الله مع تطبيق على المختونين واللامختونين، على العبيد والأحرار. نحن هنا أمام قاعدة وُضعت في كلّ الكنائس (1 كور 7: 17). ونصّ كو 3: 18- 4: 1 الذي يعالج واجبات الرجال والنساء، والأولاد والأهل، والعبيد والأسياد، يرجع إلى تعليم يتوجَّه إلى معمَّدين جدد، شأنه شأن سائر النصوص الموازية: روم 13: 1- 7 يوجّه الفكر نحو واجبات المواطن، أف 5: 21- 6: 11 يتوسَّع في نصّ كو 3: 18- 4: 3؛ 1 بط 2: 11- 3: 7 يستعيد كلّ هذه المعطيات في توسيع إجمالي.
إنّ التذكير بالتعليمات العماديّة، كما نجده في الرسائل، يتكيّف كلّ مرّة مع وضع المؤمنين. ونحن نستطيع أن نميّز تدرّجًا في التعليم العقائديّ من رسالة إلى أخرى. ولكن يبدو من المنطقيّ أن نبحث في كلّ حالة عن صدى مباشر لكرازة ألقاها بولس في كنيسة كان فيها حين أرسل رسالته. تعكس 1 كور كرازتَه في أفسس سنة 55، وروم كرازته في كورنتوس في شتاء 56- 57. إذا كانت هذه النظرة صحيحة، فاستقبال المعمَّدين الجدد خلال الإقامة الأخيرة في كورنتوس قدّم لنا تهيئة خطابيّة لنقاط وعظة عاديّة نجد آثارها في روم 5- 8 و12: 1- 13: 14.

رابعًا: قراءة التوراة وشرحها
خدمة كلمة الله في الكنائس
يمكننا أن نفكّر أنّه بعد وقت محدَّد وفي سير عمل الكنائس العاديّ، تنظَّم الاستعداد للمعموديّة تنظيمًا دقيقًا (غل 6: 6)، ومارست الكنيسةُ الطقسَ خلال اجتماع الجماعة "في اليوم الأوّل من الأسبوع" (1 كور 16: 1- 2). خلال هذا الاجتماع، يحتلّ إعلانُ الكلمة المكانة الأولى في المسيحيّة المتهوّدة. لهذا حين يعدِّد بولس مواهبَ الروح (1 كور 12: 28)، يذكر في رأس اللائحة الوظائف الثلاث التي تكلّمنا عنها آنفًا: "أوّلاً الرسل، ثانيًا الأنبياء، ثالثًا المعلّمون". والذين يمسكون بهذه الوظائف لا يربتطون بالضرورة بجماعات خاصّة. هم يستطيعون أن يذهبوا من كنيسة إلى أخرى على مثال بولس ورفاقه، وعلى مثال أبلّوس (1 كور 3: 5- 6؛ 16: 12). وفي الجماعة تمارَسُ أيضاً المواهبُ الخاصّة التي يعدّدها الفصلُ ذاته (1 كور 12: 8- 10) ومنها: كلام المعرفة، وكلام الحكمة اللتان تُمنحان للجميع وترتبطان بخدمة الكلمة. وبجانب هؤلاء الأنبياء الذين يقومون بمهمّتهم (1 كور 12: 28)، هناك ممارسة النبوءة الموزَّعة توزيعًا واسعًا (1 كور 11: 4- 5). بإلهام الروح (1 كور 14: 37) يبني النبيّ ويعزّي ويشجعّ (1 كور 14: 3) ويعلِّم ويحرّض (1 كور 14: 31). وقد يكون لكلّ مؤمن نشيد وتعليم ووحي وخطبة في الألسنة وتفسير (1 كور 14: 26)، وإذا كان من الضروريّ أن تكون مراقبة (1 كور 14: 32) فلكي يتمّ كلّ شيء في نظام (1 كور 14: 40) بحيث تُبنى الكنيسة (1 كور 14: 26)
وستكون هذه المتطلّبة الأخيرة بغير جدوى، إذا تُركت الجماعة لعفويّة المبادرات الخاصّة. فالأنبياء لا يراقبون الواحدُ الآخر فحسب (1 كور 14: 32)، بل يوجد في الكنائس مسؤولون ينضمّ المؤمنونَ تحت لوائهم (1 كور 12: 28). ولكنّ 1 تس التي لا تجهل مواهب النبوءة (1 تس 5: 19) تذكر بوضوح الذين يرئسون الجماعة. إنّهم يتعبون من أجل الجماعة، يوبِّخون المؤمنين ويُتمّون عملاً (1 تس 5: 12- 13) هو امتداد لعمل الرسول المؤسّس. وتجعل روم التي تعكس بُنية كنيسة كورنتوس التي منها بُعثت، وظيفة الرئاسة بين مواهب الروح (روم 12: 8) مع النبوءة والخدمة والتعليم والتحريض، ونشاطات العطاء والرحمة (روم 12: 6- 8). ويمكن أن يتميّز الاهتمام بالنظام والوحدة في الجماعة عن خدمة الكلمة بكلِّ أشكالها. فهذه الخدمة تفترض كفاءات خاصّة، ليس فقط للتكلّم في حفل من الناس، بل لمعرفة وتفسير هذه الكلمة التي تلتقي فيها التوراة بإعلان الإنجيل.

صدى الكرازة البولسيّة
لا يحدِّثنا بولس مرّة واحدة عن قراءة التوراة في الجماعة، ولا عن طريقة التذكير بالإنجيل. فهذان العنصران الهامّان لا يطرحان سؤالاً على المؤمنين، ولكنّ الرسالة كلّها تفترضهما. والطريقة التي يعود فيها إلى التوراة تبقى مبهَمة لو لم تكن ثقافة قرّائه الكتابيّة في درجة متقدّمة. فقراءة وشرح التوراة قراءة مسيحيّة، وانتقالها من المجمع اليهوديّ إلى اجتماع الكنيسة، يشكِّل إحدى ركائز التعليم للمؤمنين. وتحليل الرسائل يساعد على اكتشاف وحدات صغيرة نرى فيها صدى لكرازة بولس الذي كان تلميذَ معلّمٍ يهوديٍّ وصار معلّمًا مسيحيًّا. مثلاً: في 1 تس 4: 1- 8 عن السلوك المسيحيّ في ما يتعلّق بعالم الجنس، مع عدّة تلميحات كتابيّة تفترض إيراد النصوص وشرحها. وفي 1 تس 4: 9- 12 حيث التلميح إلى الحبّ المتبادل يفترض رجوعًا إلى نصّ ورد في روم 13: 8- 10. ففي الحالتين نحن أمام سلوك (هلكه) مسيحيّ نجده في رسائل عديدة، فنستشفّ فيه مواضيع وعظ ثابتة وعاديّة (ق 1 تس 4: 4- 8 و1 كور 6: 19- 20 الذي يبدأ بالعبارة: أما تعلمون؟). ومواضيع الوعظ العماديّ تعود في إطار الجماعة المسيحيّة، لأنّ "الخلاص هو الآن أقرب إلينا ممّا كان يوم آمنّا" (روم 13: 11). وقد يكون من المدهش أن لا تحتفظَ الكنائس بهذه العناصر الأساسيّة للتعليم الرسوليّ (شفهيًّا أو خطّيًّا)، وتذكِّرَ بها المسيحيّين وتنقلَها إلى المهتدين الجدد. 
ونكتشف في الرسائل رسمات كرازة تفترض قراءة النصوص الكتابيّة قراءة دقيقة. مثلاً: يقدّم 1 كور 5: 7- 8 رسمة عظة بولس في أفسس خلال الاحتفال بعيد الفصح سنة 57، بعد قراءة النصّ الذي تقرأه الليتورجيّا اليهوديّة: خر 12: 1- 20 (مع التلميح إلى 12: 6- 8، 15). ويفترض 1 كور 10: 1- 13 قراءة من سفرَيِ الخروج والعدد ترافقها تطبيقات مسيحيّة. وهذه التلميحات تبقى غير مفهومة إن لم يرافقها وعظ مفصَّل ودقيق. ونجد وعظة مماثلة عن مكان التجربة في حياة المؤمنين، في أماكن أخرى من العهد الجديد: في عب 3: 7- 4: 11 تلتصق العظة بالمزمور 95: 7- 11، وهي تفترض، خلف تجارب المسيح في متى (4: 1- 11) ولوقا (4: 1- 13) تفسير عدَّة نصوص من سفر التثنية ومن مز 91: 11- 12. ونصّ غل 3: 6- 18 حيث يحيط بالتوسيع البولسيّ تك 12: 3 (في آ 8 و16)، هو صدى عن عظة على تك 12: 1- 9 الذي يُقرأ في المجمع. ثمّ إنّ كل 4: 22- 31 هي رسمة لعظة عن تك 16 أو 21: 1- 21 مع أش 54: 1- 10، كما يُقرأ في الكنيس.
وتوسيع روم 4: 1- 24 الذي يقع بين إيرادين لسفر التكوين 15: 6 (آ 3 و22)، يُشبه عظة على تك 15 تُغذِّيها إيرادات كتابيّة على طريقة الرابّانيّين. نحن هنا أمام أَثَرٍ غير مباشر لعظة بولس في كورنتوس حول هذا النصّ الذي قُرىء في الجماعة. إنّ تحليلاً دقيقًا للرسالة إلى رومة (ف 9- 11) يتضمّن ملفًّا كتابيًّا غنيًّا جدًّا، يجعلنا نجد آثار عظات في كورنتوس حول النصوص المذكورة. وتكاثف الإيرادات التوراتيّة في هذه الفصول برهان قاطع على قراءة الكتاب المقدّس من أسفار موسى إلى الأنبياء والمزامير في كنيسة كورنتوس حيث كان بولس حين كَتب روم. وهناك مقاطع من الرسالة عينها مثل 12: 6- 21، و15: 8- 12 تطرح علينا سؤالاً مماثلاً. وفي 2 كور حيث ف 1- 9 تتضمّن رسائل متميّزة، بُنيت التوسيعات بناءً مُحْكَمًا فلا نحاول أن نفتّتها ونبعثرها. أمّا 2 كور 6: 14- 7: 1 فهي رسمة عظة على موضوع محدّد. ونتعرّف أيضاً في 2 كور 9: 6- 10 إلى مقطع خطابيّ له وحدته الخاصّة.
إنّ هذه الأمثلة تعطينا فكرة كافية عن الوعظ الذي قدّم الموادّ للرسائل. فالتعليمات التي قِيلت شفهيًّا سبقت وهيّأت التعليمات التي دوِّنت في الرسائل.

العشاء الإفخارستيّ
يومَ دوِّنت رسائلُ القدّيس بولس كان اليونانيّون (أي المؤمنون الذين من أصل وثنيّ) هم الأكثريّة، مع أنّ اليهود واليونانيّين كانوا يشاركون في اجتماعات الكنيسة على قدم المساواة (غل 3: 28؛ 1 كور 12: 13). فالعالم اليهوديّ الرسميّ أظهر عداء لإعلان الإنجيل، ولا سيّما وإنّ بولسَ يقدّمه للوثنيّين ولليهود (1 تس 2: 13- 16). وترتّبت الاجتماعات لتجعل المؤمنين يعون وحدتهم وأصالتهم تجاه العبادات الوثنيّة وتجاه العالم اليهوديّ نفسه. إلا أنّ قراءة التوراة وشرحها في وعظ إنجيليّ، والصلاة والنشيد المشترك، كلّ هذا استفاد من ليتورجيّة المجمع: إختار بولس ما اختار وأعاد تفسير النصوص على ضوء حياة المسيح وتعليمه
أمّا العناصر المسيحيّة الخاصّة التي تعطي معنى لما تبقّى من عناصر، فهي إعلان الإنجيل وعشاء الربّ، وكلاهما يرتبطان ارتباطاً وثيقًا كما بيّنا ذلك حين درسنا المسيحيّة المتهوّدة الأولى. من الصعب أن نرسم مسيرة الاجتماعات، ونحدّد مكانًا دقيقًا لكأس البركة والخبز المكسور (1 كور 10: 16) في إطار عشاء أخويّ يشكّل عنصرًا أساسيًّا للاجتماع. يتحدّث 1 كور 11: 20- 21 عن طعام المساء، عن العشاء (ديبنون في اليونانية). وهذا ما نفهمه، لأنّ الاجتماع المسيحيّ يتمّ بعد نهار من العمل. كانت تتوزّع القراءات والتعليمات، والنبوءة والصلاة (1 كور 11: 4 ي)، والأناشيد والتعاليم، والوحي والتكلّم بألسنة (1 كور 14: 29)، على مدى اجتماع يمتدّ طويلاً إلى الليل كما في أع 20: 7- 11.

الصلاة المشتركة
لا يحدّثنا بولس عن قواعد الصلاة المشتركة الخاضعة لإلزامات الخير العامّ (1 كور 12: 7) والوقار والنظام (1 كور 14: 40). فالمسائل الواجب حلّها لا تأتي من هذه الجهة، لأنّ التقليد الموضوع في كلّ كنيسة قد وَضع الأمور في نصابها. ولكنّ بولس يذكُر صلوات يتلفّظ بها الرجال والنساء بصوت جمهوريّ (1 كور 11: 4- 5)، وهي عادة تختلف عمّا يصنع في الكنيسة حيث تقف النساء على انفراد. ويعلن أنّ المؤمنين يقدرون أن يسمعوا أناشيد ملهمة (1 كور 14: 26؛ كو 3: 16). نحن هنا أمام مواهبيّين يعبّرون عن عاطفة دينيّة لا تَدخل في نظام. لم تصل إلينا الكلمة النبويّة كما لم تصل الصلوات التي ارتجلها المؤمنون في هذه الاجتماعات.

أناشيد وتسابيح
إنّ تلميح كو 3: 16 إلى مزامير وأناشيد وتسابيح يجعلنا نستشفّ اهتمامًا بالترتيل عرفته الليتورجيّا اليهوديّة والعبادات السرّيّة الوثنيّة. فيمكننا أن نفترض أنّ هناك أناشيدَ مسيحيّةً ألِّفت للاستعمال العامّ حتّى بعد أن انتقل الإنجيل من وسط يهوديّ بنوع خاصّ إلى وسط هلّينيّ تشرّب بالثقافة الوثنيّة. والعودة إلى المزامير والتراتيل المأخوذة من التوراة قدَّمت الصيغ الأولى للكنيسة في أوّل عهدها. وحين ذكرنا أعلاه وجود هذه المقطوعات المسيحيّة في كنائس اليهوديّة، لاحظنا ارتباط بولس بالمسيحيّة القديمة. يبقى علينا أن نتفحّص مسألة الأناشيد والتسابيح التي أوردها في المناسبات. وإذا لم تكن النصوص كثيرة في الرسائل، فهذا يعني أنّ الكنائس لم يكن بتصرّفها العديد متنها: المهمّ هو توسيع الفكرة لدى بولس، وقد يُدفع إلى استعمال هذا النشيد أو ذاك أو لا يُدفع. ونتردّد أيضاً في التعرّف إلى أصل هذه الأناشيد الدقيق. هل ألَّفها بولس أم وُضعت قبل بولس؟ الأمر لا يهمّ. وهناك بعض نصوص أُقحمت في مجموعة رسائل بولس وكانت متأخّرة. وقد يكون أنّ بولس حين أورد بعض النصوص كيّفها وقرينة رسائله، فحوَّر فيها وزاد عليها. 
إنّ الدراسات المتقاربة تدعونا لأنّ نضع جانبًا النصوص التالية: المديحان للمسيح المحفوظان في فل 2: 6- 11 وكو 1: 15- 20، وقطعة من نشيد غنائيّ يرد في أف 5: 14 وقطعة وضعت في روم 16: 25- 27 (هي في مكان آخر في بعض المخطوطات أو حذفت في مخطوطات أخرى) لمجد الله، وبعض المقاطع القديمة التي احتفظت بها الرسائل المتأخّرة (1 تم 3: 16؛ 6: 15- 16؛ 2 تم 2: 11- 13). لا نستطيع أن نقول شيئًا عن زمان تأليف النصوص الثلاثة الأخيرة. أمّا المديحان الأوّلان فيُظهران لنا أسلوبَ الصلاة بين الرسالة إلى فيلبّي (وهي معاصرة للرسائل الكبرى) وبين الرسالة إلى كولسيّ (التي دوِّنت خلال أسر رومة). الخلفيّة التوراتيّة واضحة في فل 2: 6- 11. ولكنّ مسيرة المقطوعة تتبع خطّ الاعتراف بالإيمان الإنجيليّ، والهتاف ليسوع الربّ (فل 2: 11) يحوّل معنى النصوص الكتابيّة التي استعملها. ونصّ كو 1: 15- 20 أقرب إلى العالم اليونانيّ والاعتقادات الشرقيّة، ولكنّ هذا الشكل الجديد من التعبير هو في خدمة كرستولوجيا تُبرز ما نقرأه في الرسائل الكبرى. ثمّ إنّه من الممكن أن ترتبط هذه القطعة بليتورجيّا عماديّة، شأنها شأن مقاطع أخرى عديدة من الرسالة عينها. مهما يكن من أمر، فصيغة الإيمان والصلاة خرجت من قالب يهوديّ نكتشفه خاصّة في الأناشيدِ القديمة التي استعملها لوقا (1: 46- 55، 68- 79). هذهِ بعضُ محطّاتٍ في عمليّة خلق نصوص رافقت دخول الإنجيل في الأوساط الثقافيّة اليونانيّة.

2- الرسائل في نشاط بولس الرعائيّ
أوّلاً: وظيفة الرسائل
ليس من الضروريّ أن نناقش إذا كان ما كتبه بولس هو رسائل بسيطة كما عرف العالم اليونانيّ القديم، أو مقالات بشكل رسائل تُقرأ بطريقة احتفاليّة. لم يكتب بولس من أجل الدعاية، بل ليحلَّ المسائل الراعويّة العامّة في داخل الكنائس. وقد وُضعت رسائله لتُقرأ في اجتماع الجماعة (1 تس 5: 27)، أو لتُرسل إلى كنائس أخرى من أجل بنيان الجميع (كو 4: 16). وحتّى البطاقة المرسلة إلى فيلمون، والتي ترافق الرسالة إلى كولسيّ، فهي تتضمّن في العنوان أسماء فيلمون وأبفية (زوجته على ما يبدو) وأرخبّس الذي تسلّم مهمّة الخدمة (كو 4: 7) والكنيسة التي تجتمع عند فيلمون: نحن إذًا أمام نصّ عامّ، ولهذا حُفظ في الكنيسة. وإذا قابلنا رسائل بولس بما تركه لنا العالم اليهوديّ (2 مك 1: 1- 10)، نجد أصالة بولس ككاتب رسائل وارتباطَه ببعض توسيعات تتعلّق بنشاطه الشفهيّ في الجماعات الكنسيّة. أمّا المواضيع التي يتطرّق لها، فهي ترتبط بهموم خدمته وهي متنوّعة تنوّع الظروف التي كُتبت فيها هذه الرسائل.
لم يَكتب بولس بيده إلاّ جملاً قصيرة في نهاية رسائله (2 تس 3: 17 ي؛ 1 كور 16: 21- 42؛ غل 6: 11- 18؛ كو 4: 18). كان يملي مجمل الرسالة على سكرتير حُفظ اسمه (ترتيوس) في حالة خاصّة (روم 16: 2). وقد يكون بولس نفسه أقحم الاسم هنا بين آ 21 و23. يمكننا أن نجادل حول الزمن الضروريّ لإملاء الرسالة كمّيّة الورق الضروريّ، وعدد النسخات (نرسلها إلى الكنائس أو نحتفظ بها في الجماعة التي يقيم فيها بولس حين يكتب)، والحرّيّة التي يمنحها بولس لسكرتيره لكي يضع اللمسات الأخيرة لرسالته. قد تُلقي هذه الاعتبارات ضوءًا على بعض الخصائص وتحلّ بعض المشاكل. ولكنْ يجب أن نهتمّ بمجهود رئيسيّ يوجّه انتباهنا إلى نقطة أساسيّة: بما أنّ هذه هي وظيفة الرسائل، كيف تتيح لنا علاقتها بنشاط الرسول الراعويّ أن نكتشف نظام تأليفها وزمن إرسالها؟

ثانيًا: نظام الرسائل وأزمنتها
حين نَرسم نشاط بولس الرسوليّ نعود إلى مرجعين: رسائله نفسها، وخبر سفر الأعمال (ف 16- 28). هناك نقاط لا تزال عالقة سنشير إليها ونعطي رأينا.

بولس وتسالونيكي
أرسل بولس 1 تس من كورنتوس سنة 50- 51، بعد تأسيس الكنيسة المحلّيّة بزمان قليل (أع 18: 1- 18). ونحن نجد في هذه الرسالة لا صيَغًا سابقة لبولس وتعليمات محدودة عن كنيسة تسالونيكي وحسب، بل نجد أيضاً صدى لكرازة بولس الأولى في كورنتوس. ولكن تواجهنا صعوبات في 2 تس وبالأخصّ المقاطع الجليانيّة والموقف الجديد المتعلّق بالمجيء. على كلّ حال، دوّنت 2 تس بعد 1 تس ببضعة أشهر.
تشكِّل سَفرة بولس إلى أورشليم عبر أفسس وقيصرّية (أع 18: 19- 22) فجوة في الرسائل التالية. جاء بولس من أورشليم إلى أنطاكية، وعبَر منطقة غلاطية وفريجية. في ذلك الوقت جلب رفاقُه القدامى في الرسالة، اليهوديَّ أبلّوس إلى معرفة كاملة للإنجيل وحثّوه على الذهاب إلى كورنتوس في أخائية (أع 18: 23- 28؛ 1 كور 3: 5- 6). حينذاك وصل بولس إلى أفسس وأقام فيها سنتين وثلاثة أشهر، من 54 إلى 57 (أع 19: 1- 20: 1). في هذا المكان يبدو خبر لوقا ناقصاً، وهو أمر مؤسف لأنّ هناك مراسلة بين سنة 55 وشتاء 56- 57: الرسالتان إلى كورنتوس، الرسالة إلى فيلبّي، الرسالة إلى غلاطية.

الرسالة إلى غلاطية
لا تطرح هذه الرسالة مُشكلة على المستوى التأليفيّ، لأنّها تكوّن قطعة واحدة. ارتبطت بمرور بولس في غلاطية (أع 18: 23) فدوِّنت في نهاية إقامته في أفسس، وحين واجهته محاولة معاكسة قام بها بعض اليهود المتزمّتين. دوِّنت في الأشهر اللاحقة، أي حين أقام في مكدونية أو كورنتوس.

بداية المراسلة مع كورنتوس
في المراسلة مع كورنتوس هناك رسالة ضاعت، هذا ما لا شكّ فيه (1 كور 5: 9). والباقي يظهر أمامنا في رسالتين تكادان تكونان متساويتين طولاً. ولكنّ التحليل يكشف مقاطع متلاحقة. في الرسالة الأولى، نجد تنوّعًا في المواضيع وتوسيعًا جديدًا في 5: 1 و6: 1 و6: 12 و7: 1 (توسيع جديد سُمَّي رسالة أرسلت من كورنتوس)؛ 8: 1 (يفترض سؤالاً آخر طرحه الكورنثيّون)؛ 15: 1 (يفتح موضوع القيامة)؛ 16: 1 (يعطي تعليمات عمليّة ويتحدّث عن مشاريع مستقبليّة). لن نقسم 1 كور إلى رسائل مستقلّة، ولكنّنا نقول إن الرسالة كُتبت في أوقات متباعدة. ولقد وَصلت المعلومات إلى بولس بواسطة ثلاث طرق: التقرير غير الرسميّ الذي أرسله بيت خلوة (1 كور 1: 11). رسالة كتبوها إليه وطرحوا عليه فيها أسئلة (1 كور 7: 1). زيارة المسؤولين المحلّيّين في الكنيسة أي إستفاناس ورفاقه (1 كور 16: 15- 18). يمكننا إذًا أن نفكّر بتأليف امتدّ بعض الوقت. أوّلاً: ف 1- 6. ثانيًاً: 7: 1- 11: 1. ثالثًاً: 11: 2- 16: 24. ولكنّ هذه القسمة غير أكيدة. وفي أيّ حال، ذهب إستفاناس ورفاقه حاملين معهم أقلّه 11: 1- 16: 24 (ما عدا ف 15). أنهى بولس هذا الإملاء قبل عنصرة سنة 55 (1 كور 16: 8). أمّا المشاكل التي يعالجها، فتتطرّق إلى حياة جماعة كورنتوس الخاصّة. ولكنّ التوسيعات الخطابيّة والعقائديّة هي صدر لكرازته في أفسس. وهناك إشارات في الخاتمة تجعلنا نستشفّ معارضة لإعلان الإنجيل في مدينة أفسس (1 كور 15: 32؛ 16: 19)، وهي تلتقي مع خبر أع 19: 23- 20: 1. غير أنّ سفر الأعمال لا يتكلّم عن خطر الموت الذي تتحدّث عنه 2 كور 1: 8- 10 بطريقة واضحة.

بولس وأهل فيلبّي
لم يحقِّق بولس مشاريعه القديمة. وفرضيّة توقيف وأسر في أفسس، تستند إلى شهادتين مباشرتين تلتقيان: شهادة 2 كور 1: 8- 10 وشهادة فل 1: 14 التي دوِّنت في السجن ساعة واجه بولس إمكانيّة حكم بالإعدام (فل 1: 20- 24). والتقارب بين الرسالتين واضح في التلميحات المتوازية إلى المسيحيّين المهوّدين الذين يحذّر بولس قراَّءه منهم (2 كور 11: 13- 23؛ فل 3: 2- 6). نحن ظاهريًّا أمام الخصوم عينهم الذين التقيناهم في الرسالة إلى غلاطية: لقد لاحقوا بولس في مكدونية وأخائية. هذه الإشارات المتلاقية تجعلنا نحدّد المراسلة مع أهل فيلبّي في أفسس وقبل نهاية سنة 57. ولكنّ الرسالة الحاليّة تطرح مشكلة على مستوى التأليف. نجد فيها ثلاث مقطوعات مجموعة: بطاقة الشكر للعون الماليّ الذي وصل إليه في السجن (فل 4: 10- 23)، رسالة دوِّنت في إطار الموت الممكن (فل 1: 1- 3 أ+ 4: 4- 7)، رسالة ثالثة يهاجم فيها المسيحيّين المتهوّدين في فيلبّي (فل 3: 3: 1 ب- 4: 3+ 4: 8- 9). ولقد ضَمَّت جماعةُ فيلبّي هذه المقطوعات الثلاث في رسالة واحدة.

بقية مراسلة بولس مع كورنتوس
تطرح 2 كور مسائل تأليفيّة. إنّ 2 كور 6: 14- 7: 1 يفصل بين قسمَيِ التوسع، ثمّ تبقى أربع مقطوعات مبعثرة. نستطيع أن نميِّز بطاقتين تتحدّثان عن اللمَّة من أجل كنيسة أورشليم: البطاقة الأولى موجّهة إلى جماعة كورنتوس (2 كور 8)، والبطاقة الثانية إلى كلّ كنائس مقاطعة أخائية (2 كور 9). والتوسيع الذي يسبقهما (2 كور 1: 1- 6: 13+ 7: 2- 16) هو موحَّد رغم بعض الاستطرادات، وهو يأتي في نهاية أزمة خطيرة سنجد لها حلاًّ قريبًا. ولكنّه يشير إلى رسالة كُتبت في الحزن والدموع (2 كور 2: 3، 4، 9؛ 8: 8)، على أَثَرِ زيارة سريعة انفجرت فيها الأزمة (2 كور 12: 14؛ 13: 1- 2). وأسلوب 2 كور 10: 11- 13: 10 يوافق هذه الظروف. أمّا القطعة التي لا عنوان لها ولا خاتمة، فهي معاصرة للرسالة إلى غلاطية وفل 3: 1- 4: 3. أُرسلت من أفسس بعد الزيارة وقبل السجن، فضُمَّت إلى سائر الملفّ الكورنتيّ. إذًا، تجعل هذه القطعة بعد الذهاب من أفسس والمرور في ترواس (2 كور 2: 12) والانطلاق إلى مكدونية (2 كور 2: 13) والإقامة في فيلبّي من حيث أرسلت الرسالة الأخيرة (2 كور 1: 1- 7: 16، ما عدا 6: 14- 7: 1. وكلّ هذا ينتهي مع 13: 11- 13). هذه الفرضيّة متماسكة وإن لم يقبل بها كلّ الشرَّاح، ولكنّها تدلّ على تأليف معقَّد عرفته الرسائل البولسيّة في الجماعات المسيحيّة

الرسالة إلى أهل رومة
حين عاد بولس إلى كورنتوس قضى هناك شتاء 56- 57. في هذه المدينة اعتنى بتدوين رسالة أرسلها إلى أهل رومة، فجاءت صدى لكرازته في كورنتوس. ولكنّها تطرح مسألة تأليفيّة: قد تكون المجدلة (روم 16: 25- 27) من تأليف بولس، ولكنّ جامعي الرسالة أغفلوها أو وضعوها في أماكن متنوّعة (بعد 14: 23 او 15: 33). ثمّ إن وجود خاتمتين (15: 33 و16: 20) يجعل ف 16 في موقع خاصّ. وعدد الأشخاص الذين يسلِّم عليهم بولس يجعلنا نفكّر بأفسس لا برومة التي هي مدينة لم يكن بولس قد ذهب إليها بعد. نجد بين هؤلاء الأشخاص برسكلّة وأكيلا اللذين يقيمان في أفسس حسب 1 كور 16: 19؛ أع 18: 28- 26. وأبسط الفرضيّات هي أن نفكّر أنّ هناك نسختين للرسالة: نسخة أولى أرسلت إلى رومة لتهيِّئ السفرَ العتيد (روم 15: 22- 29)، ونسخة ثانية أرسلت إلى أفسس بواسطة فيبة مع بطاقة السلامات (رج روم 16: 1). أمّا الحفاظ على النسخة الطويلة فيدلّ على أنّنا أمام نصّ أفسس ولكنّنا نجد النسخة القصيرة في بعض المخطوطات، وقد جاءت من رومة أو كورنتوس. وهكذا نلاحظ أنّ الرسائل تتوجّه إلى جماعات عديدة من أجل تعليمها ورعايتها (كو 4: 16).

المراسلة مع كولسّي
يعلّمنا سفر الأعمال (ف 21- 28) أنّ الأحداث عاكست المشاريع التي عبَّر عنها بولس في روم 15: 23- 32. أوقف في أورشليم في عيد الفصح من سنة 57 أو 58، ثمّ أرسل أسيرًا إلى قيصريّة من سنة 57 إلى سنة 59 (أو 58- 60). بعدها ذهب إلى رومة كسجين في خريف 59 أو 60. هناك أقام سنتين (أع 28: 30) يتمتعّ ببعض الحرّيّة. من رومة كتب البطاقة وقدَّمها إلى فيلمون ذاك الذين هو "سجين المسيح يسوع" (فلم 1، 9). كان بولسُ قد صار شيخًا (فلم 9) أي في عمر الستّين، إذا أخذنا بقواعد العالم القديم. ذهبت الرسالة إلى كولسّي مع رسالة إلى أهل لاودكية (كو 4: 16؛ رج 2: 1)، وقد حملهما تيخيكس وهو من آسية (يذكره أع 20: 4) وأونسيمُس (كو 4: 7- 9).
إرتاب البعض في نسبة هذه الرسالة، بسبب المواضيع المطروحة واللغة القريبة من لغة الفلسفة اليونانيّة وديانتها (وهذا ما يحاربه بولس: كو 2: 8). ولكنّهم نَسُوا الظروف التي يكتب فيها بولس رسائله. ليست مقالات لاهوتيّة، بل أعمالٌ رعاويّة يحدّد موضوعَها ولغتَها المشاكلُ التي يواجهها الرسول. فبعد الإقامة الثانية في كورنتوس التي تركت أثرًا في شميلة الرسالة إلى رومة، اتّخذ عمل بولس الرعائيّ منحًى جديدًا سَبَبُهُ الأخطارُ التي تهدّد الإيمان في جماعات آسية (كو 2: 8، 16- 18، 21- 23). ولقد نبَّه بولسَ إلى هذا الخطر إبفراسُ (كو 1: 7- 9؛ في 23) رفيقُه في العمل في كولسّي. وتمتزج المواضيع الجديدة مع مقاطع تقليديّة (فل 3: 1- 4: 6). بعضهم قال إنّ الرسالة أرسلت من قيصرّية (بين 58 و60) حيث الاتّصالات سهلة، والآخر قال إنّها أرسلت من رومة خلال الأسر (بين 59 و61 أو 60 و62). ولقد احتفظت لنا ك

 

الفصل العاشر
الشتات المسيحيّ بعد سنة 70

سبَّب دمارُ أورشليم في فلسطين انقلابًا سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا. وإعادة البناء التي تمّت في السنوات التالية جعلت الأمّة اليهودية تسير في خطّ تقليد الفرّيسيّين. بعد أن دمِّر الهيكل، لم يعد الحجّاج يأتون بأعداد كبيرة إلى الأرض المقدّسة. غير أنّ العلاقاتِ ظلّتَ متينةً بين المجموعات المحلّيّة وتلك المشتّتة في الإمبراطوريّة الرومانيّة والمملكة الفراتيّة اللتين يفصل بينهما نهر الفرات. وتد تأثّرت بهذا الوضع الكنائس المسيحيّة المتهوّدة والمقيمة في اليهوديّة والجليل وسورية. أمّا الكنائس المختلطة فلم تتأثّر تأثّرًا مباشرًا ولكنّها وجدت نفسها أمام حدث مهمّ في مخطّط الله. وبواقع الحال خسرت كنيسة أورشليم الأمّ التي أكرمها بولس وساندها (1 كور 16: 1؛ 2 كور 8: 9؛ روم 15: 26- 28؛ أع 21؛ 24: 17- 18)، علّة وجودها. وفعلت الظروف فعلها، فاكتسب الشتاتُ المسيحيّ مركز ثقل جديد ستظهر أهمّيّته مع الزمن. ففي عهد نيرون، قُتِل بطرس وبولس فختما شهادتهما الرسوليّة بالاستشهاد. وإذا عدنا إلى غل 2: 7- 8 نفهم أنّ رسالتهما رمزت باختصار إلى وحدة اليهود الذين بشّرهم بطرس، والأمم الوثنيّة الذين بشرّهم بولس في كنيسة انفصلت عن الوطن اليهودي ومؤسّساته. ونالت كنيسة رومة المحلّية، كحارسة قبرَيِ الرسولين والتقليد الذي يمثّلان وحدته، وضعًا خاصًّا وسط سائر الكنائس. ولهذا سيتحدّث كتّاب القرن الثاني عن "رئاسة المحبّة" (أغناطيوس الأنطاكيّ) أو "السلطة الرئيسيّة" (إيريناوس أسقف ليون).
وبدا الثلث الأخير من القرن الأوّل والربع الأوّل من القرن الثاني عصرَ انتقالٍ من زمن الرسل الذين ماتوا الواحد بعد الآخر، إلى زمن التنظيم الكنسيّ الذي رتّب بنيته وثبّت نظمه. في هذا الإطار نستطيع أن نتبع أَثَرَ كتابات العهد الجديد الأخيرة حتّى الوقت الذي فيه تثبّتت المجموعة كلّها. ونحن سنقسم هذه الكتابات حسب الفئات التالية: كتب تتعلّق بإعلان الإنجيل. كتب تحتفظ بتقليد الرسل بشكل رسائل. كتب تشهد على المواجهة التي تعرفها الكنائس. كتب تقدّم لنا نصّ التقليد اليوحنّاويّ. كتب تربط العهد الجديد بالآباء الرسوليّين فتقدّم الإشارات الأولى لوجود مجموعة محدّدة هي أسفار العهد الجديد.

أ- إعلان الإنجيل
وُجد التقليدُ الإنجيليّ حوالي سنة 70 بشكل مكتوب، لا في كتيّب مرقس وحسب، بل في مجموعات يذكرها. لوقا (1: 1) بصورة واضحة. لا نستطيع أن نحدّد مضمونها وعددها. وإنّ زمن السلم الذي رافق سلالة فلافيوس (بين 69 وسنة 95) أتاح للعمل الرسوليّ أن يمتدّ وينتشر. في هذا الإطار نجد عملَيْ متّى ولوقا المركَّزين على إعلان الإنجيل.

1- عمل متّى
أن يكون الإنجيل الأوّل قد نُسب إلى متّى الذي يربط به بابياس أسقف هيرابوليس مجموعة أقوال الربّ في اللغة العبريّة (أي في غير اللغة اليونانيّة، في اللغة الآراميّة)، فيجب أن توجد علاقة بين الإنجيل ومتى. لقد استعمل الكتيّبُ الحاليّ عملَ مرقس، ومرجعًا أو مرجعين مكتوبين، وتقاليد شفهيّة، وأعطانا كتابًا مؤلَّفًا بعناية واهتمام. نتخيّل المؤّلفَ "كاتبًا متعلّمًا في ملكوت الله يخرج من كنزه الجديد والقديم" (مت 13: 51). إنّه وحده يطبِّق على المرسَلين المسيحيّين المصطلحات المعمول بها في أدب الرابّانيّين: هناك الكتبة والحكماء بجانب الأنبياء (مت 23: 34). فالكتبة والحكماء المسيحيّون هم مسؤولون عن التقليد الإنجيليّ، كما كان الكتبة والحاخامون اليهود مسؤولون عن "تقليد الشيوخ".
وهناك إشارتان مهمّتان تجعلاننا في الخطّ عينه. أوّلاً: ذكر متواتر للكتب التي تمّت (مت 1 :22 ي؛ 2: 15، 17، 23؛ 8: 17؛ 12: 17؛ 13: 35؛ 21: 4؛ 26: 54، 56؛ 27: 9؛ رج 3: 3؛ 11: 10). وهذا ما يدلّ على اهتمام دفاعيّ تجاه اليهود الذين يقرأون التوراة. ثانيًا: إنّ استعادة وتنظيم الموادّ الإنجيليّة يدلّ على اهتمام دائم بالسلوك (هلكه) المسيحيّ الذي بقي على ارتباط بالشريعة والأنبياء وجاء ليتمّمها (مت 5: 17): فعلى المؤمنين أن يمارسوا بِرًّا يفوق بِرَّ الكتبة والفرّيسيّين (مت 5: 20) على خطى يسوع الذي "أتمّ كلّ برّ" (مت 3: 15). نحن لسنا أمام تهويد جديد للإنجيل، فيُصَبُّ مضمون جديد في كلام الرابّانيّين، كما تُصَبّ الخمرة الجديدة في زقاق بالية (مت 9: 18). ولكنّ المحيط الذي يتوجّه إليه الكاتب هو محيط مسيحيّ متهوّد، غير أنّه محيط منفتح يحاول أن يتلمذ كلّ الأمم (مت 28: 19). هل كانت حدود جماعة متّى الجغرافيّة في الجليل أم في سورية (مت 4: 14- 16؛ 28: 16 ي)؟ لا تزال القضيّة موضوع جدال. هل نضع في هذه الجماعة "مدرسة متّى" المرتبطة بواحد من الاثني عشر يسمّيه مرقس ولوقا لاوي (مر 2: 14؛ لو 5: 27؛ مت 9: 9)؟ إلى من ننسب الإنجيل؟ إلى متّى، إلى مدرسة متّى؟
عرف الكاتب اليونانيّ الذي استعاد أقوالاً جمعها متّى، أن يُرتّب بانسجام موادَّ تقليديّةً ويعيدَ النظر فيها ويكيّفها واهتماماته التربويّة واللاهوتيّة. إنطلق من إطار قدَّمه مرقس، فبنى بواسطة كلمات يسوع خطبًا عديدة تشكل كلّ واحدة شميلة تدلّنا على تدخّل معلّم حكيم: فالسلوك المسيحيّ (مت 5: 7) والقواعد المعطاة للمرسلين الذين سيحملون الإنجيل (مت 10)، والتأمّل في ملكوت الله (مت 13) وقواعد تصرّف الجماعة (مت 18)، والتعليم عن مجيء المسيح (مت 24: 4- 25: 46)، كلّ هذا يقدّم قواعد سلوك عمليّ للمؤمنين ولخدَّام الكلمة. والتشديد على الصراع بين يسوع والفريسيّين (مت 21: 41- 43؛ 23: 1 ي؛ ق مع مر 12: 9- 11) يفهمنا أنّ رَذْلَ العالم اليهوديّ للكنائس المسيحيّة مسألةٌ معاصرة (مت 10: 17- 39؛ 23: 34؛ 24: 9- 13). واللمسات على بعض كلمات يسوع تدلّ على أنّ الهجومَ ضدّ أورشليم قد تمّ وانتهى (مت 22: 6- 7). والانفتاح الشامل على الرسالة يرتبط بالحدث (24: 14)، ولكن لا نجد أيّة معارضة مع السلطات الوثنيّة. قد نكون في سنة 80 تقريبًا. يتمتّع المؤلّف بحرّيّة أدبيّة كبيرة تجاه الموادّ التي وصلت إليه عبر التقليد الشفهيّ. هو يثبّتها ويستعملها ليترجم فكره اللاهوتي الخاصّ في مسيرة حياة يسوع أو في خبر الآلام والقيامة (27: 3- 9، 19، 43، 52- 53، 63- 66؛ 28: 9- 14)، أو في أخبار الطفولة (مت 1- 2).
في مقدّمة الإنجيل هذه ينبسط الإخبار (هاغادة) المسيحيّ ليقدّم تعبيرًا عن الكرستولوجيا. فنسب يسوع يؤسّس حقًا مسيحانيًّا لميراث المواعيد المعطاة لإبراهيم وداود (مت 1: 1- 17). والحبل به بالروح القدس لا يرتبط في هذا المكان بلقب ابن الله المتواتر عند متّى: فهذا المُعْطى الذي تسلّمه متّى من التقليد غير المكتوب والذي يُتمّ الكتاب (مت 1: 22)، قد وُضع في خبر دعوة يوسف (مت 1: 18- 25) الذي به يرث يسوع المواعيد (1: 16). وخبر زيارة المجوس الذي يفترض عملاً مدراشيًّا سابقًا على نصوص توراتيّة عديدة (عد 24: 17؛ اش 60: 1- 6؛ مي 5: 1) يعطي للملك المسيحانيّ امتدادًا مسكونيًّا. واضطهاد هيرودس والهرب إلى مصر (2: 13- 21) هما خبر اصطلاحيّ يتشبّه بنماذج توراتيّة (ق مت 2: 19- 21 وخر 4: 19- 20) ويعلن مصير يسوع العتيد: سيتجاهله الكهنة والكتبة (مت 2: 3- 6)، وسيلاحقه بغض السلطة السياسيّة (2: 16). كلّ هذا يترابط ليقوده إلى الناصرة حيث يبدأ دراما الحياة العلنيّة (2: 22 ي). فالكثافة التاريخيّة لهذه الأخبار تنحصر في عناصر تلتقي مع ما نجده في إنجيل لوقا. ولكنّ الكاتب يرجع إلى تفسير توراتيّ يشبه التفسير (بشِر) القمرانيّ، فيعطي على المستوى اللاهوتيّ قيمة لمعطيات تقليد غامض. قد يكوَن الأصل البعيد لهذا التقليد محيط يسوع العائليّ الذي دخل في الكنيسة بعد قيامته (أع 1: 14). ولكنّنا نحن هنا أمام فرضيّة عمل.
وهكذا يضمّ إعلان البشرى الآن كلَّ وجود يسوع على الأرض، منذ الحبل به وميلاده. وهكذا يختلف متّى عن الرسمة الأولى التي اتّبعها مرقس والتي بدأت بكرازة يوحنّا المعمدان ومعموديّته. وتنتهي البشرى على منظور لا حد له، يشدّد على حضور المسيح القائم في كنيسته الآن ويشمل كلّ الأزمنة (مت 28: 18- 20).

2- عمل لوقا
أوّلاً: الإنجيل وأعمال الرسل
عُرف لوقا "الطبيب العزيز" (1 كور 14؛ رج فلم 24) كرفيق بولس (2 تم 4: 11). فمقاطع سفر الأعمال المدوَّنة في صيغة المتكلّم الجمع تتيح لنا أن نتبع آثاره. يقول تقليد قديم إنّ أصله من أنطاكية، وإنّه اكتسب ثقافة يونانيّة عميقة ساعدته على تأليف أخبار رائعة. ولقد عرف أيضاً أن ينوّع أسلوبه فيقتدي بأسلوب مراجعه مع بعض اللمسات، أو يسير على خطى التوراة اليونانيّة ليتكيّف والظروف المذكورة ويعطي الأشخاص أقوالاً تليق بهم. كلّ هذا يدخل في هدفه كمؤرّخ يونانيّ يجعل فنّه في خدمة الكلمة ليساعد قرَّاءه على التحقّق من متانة التعليم الذي تسلّموه (لو 1: 3- 4). قدّم عمله إلى يونانيّ اسمه تاوفيلوس (هل هو اسم حقيقيّ أو اسم مستعار؟) فانبسط على كتابين يصوّران الزمنين اللذين فيهما انتشرت الكلمة: كتيِّب إنجيليّ يستند إلى بعض محاولات سابقة، وخبر يروي أعمال بعض الرسل فيدّل على الامتداد التدريجيّ للشهادة المؤدّاة للمسيح. ألَّف لوقا سفر الأعمال فاعتمد على وثائقَ تعطينا فكرةً كافيةً عن الكنيسة الأولى مع بُناها وحياتِها الداخليّة والوجهات المتعدّدة لأدبها الشفهيّ.
في أيّ محيط وفي أيّ زمن دوّن هذان الكتابان؟ قالوا: اليونان، سورية، آسية الصغرى، ولم يقدّموا برهانًا قاطعًا. لقد وجد لوقا في كنيسة من كنائس المتوسّط الشرقيّ. ولقد وصلت إليه الكتابات المسيحيّة الأولى التي انتقلت من كنيسة إلى أخرى. أمّا المقاطع المكتوبة في سفر الأعمال في صيغة المتكلّم الجمع فهي تدلّ على أنّه عرف الكنائس البولسيّة المتعدّدة وعرف اليهوديّة قبل سنة 70. ولقد عرف أيضاً بعض رسائل بولس، كما أنّه اتّصل بالتقليد اليوحنّاويّ. كتب في وقت استطاعت فيه الرسالة المسيحيّة أن تعمل في العمق في الأوساط الوثنيّة. والخبر الذي يقدّمه إلينا في سفر الأعمال يشدّد دومًا على العدالة الرومانيّة (أع 3: 13- 13: 28). ويعلن في الإنجيل براءة يسوع بلسان بيلاطس (لو 23: 13- 24). هذان الواقعان يدلان على هدف دفاعي غير مباشر: فحين تمّ الانفصال بين اليهود والوثنيّين، كان من المفيد أن تراعيَ السلطات مجموعات المؤمنين الموجودة في وضع حرج تجاه القانون الرومانيّ. لهذا تقرّ السلطات المعنيّة ببراءة يسوع وببراءة الرسل. ولكنّ هذا الدفاع يبقى متكتمًّا، وهو يدخل في عمل أدبيّ يهدف إلى بناء الإيمان في الكنائس التي ينتشر فيها.
تبدو بنيةُ هذه الكنائس متينةً والتواصلُ واضحًا بينها وبين زمن الرسل ومن خلال الألقاب المتنوّعة التي تلتقي في الرسائل البولسيّة لتدلّ على الخدَم، نرى في المستوى الأوّل الوظائفَ المسيحيّةَ المتهوّدة الأولى: القسوس (أو الشيوخ والَكهنة) في الكنائس المحلّيّة. إنّهم يقومون بمهمة المراقبة والرعاية (أع 20: 28؛ رج 14: 23). الأنبياء والمعلّمون (أع 13: 1- 3). إنّهم يتابعون نشاط الرسل في الرسالة. والمدبّرون (إيجومينوس: لو 22: 26؛ عب 13: 7- 17) الذين قدّم لهم الرسل نموذج خدمة تحدّده كلمة يسوع. فالاثنان والسبعون الذين أرسلهم يسوع اثنين اثنين (لو 10: 1) ينبئون بتعدّد المرسَلين المسيحيّين. ولكنّنا نجد أيضاً في الكنائس "إنجيليّين" (أع 21: 8؛ رج أف 4: 11؛ 2 تم 4: 5 حيث نحن أمام مهمّة عمليّة). هل يرتبط عمل لوقا بممارسة هذه الوظيفة التي كان نموذجها الكامل؟ الأمر ممكن. متى دوِّن عمل لوقا؟ حوالي السنة 80. فحين أورد لوقا خطبة يسوع عن أورشليم أوّن النصوص لتطابق كارثة سنة 70 (لو 19: 43 ي؛ 21: 20- 22). بالنسبة إليه هذا هو "زمن الأمم" بانتظار أن يأتيَ الانتهاء (لو 21: 25- 28).

ثانيًا: لوقا اللاهوتي
هناك نوعان من الموادّ يدعواننا إلى أن نرى في لوقا الرجل اللاهوتيّ. أوّلاً: في الإنجيل: اللمسات الأخيرة للموادّ التقليديّة، الشكل الذي فيه صبّ أقوال يسوع (مثلاً: لو 10: 29- 37؛ 15: 1- 32؛ 16: 19- 31)، تأليف المشاهد التي تسلَّمها من التقليد الشفهيّ (مثلا: لو 7: 36- 50؛ 10: 38- 42؛ 24: 13- 35). فإذا قابلنا لوقا بمتّى ومرقس اكتشفنا الهدف اللاهوتيّ في هذه المقاطع. ثانيًا: يدلّ تكوين سفر الأعمال على تواصل الفنون الأدبيّة القديمة التي مارستها الجماعة إلى أن أجاز فيها الإنجيليّ تعليمه الخاصّ. فحين جعل بطرسَ وإسطفانُسَ وبولسَ ويعقوبَ وبعضَ المجموعاتِ المسيحيّةِ يتكلّمون، كيَّف خُطَبَهُمْ على شخصيّتهم وقدَّم كرازة لليهود (أع 2: 22- 36؛ 10: 34- 43؛ 13: 16- 41) وللوثنيّين (أع 14: 15- 17؛ 17: 22- 31)، وتأمّلاً في التاريخ المقدّس (أع 7: 1- 50) ومدراشًا كرستولوجيًّا مبنيًّا على المزامير (أع 4: 25- 28) أو على الأنبياء (أع 15: 14- 18؛ 28: 25- 28)، وتنبيهًا لشيوخ الكنيسة (أع 20: 18- 35). وهكذا استعاد موادَّ قديمةً وأدخلها في لاهوت مبنيّ حول موضوع رئيسيّ هو موضوع الخلاص الذي حمله المسيح إلى كلّ الأمم (لو 2: 31- 32؛ أع 28: 28).
وتحدّث لوقا عن طفولة يسوع كما فعل متّى، فانطلق من تقاليدَ محدّدةٍ وأعطانا خبرًا أوجز فيه أهمَّ ما في تعليمه الكرستولوجيّ. شدَّد على التوازي بين يسوع ويوحنّا المعمدان لأنّه يوجد في الشرق جماعات من التلاميذ يرتبطون بيوحنّا (أع 19: 1- 7): حاول لوقا أن يجلبهم إلى المسيح فبيّن لهم أنّ يوحنّا كان السابق. واستعاد لوتا تراتيل مسيحيّة معروفة في كنيسته (لو 1: 46- 55، 68- 79؛ 2: 14) وزاد عليها ما ألَّفه بنفسه (لو 2: 29- 32). واهتمّ، كمؤرّخ، بالأخبار (لو 2: 2؛ 3: 1- 2)، ولكنّه ألَّفها بأسلوب التاريخ المقدّس لبنيان الإيمان أكثر منه لإشباع روح الفضوليّة. عاد إلى تذكّرات مريم (لو 2: 19- 51)، فدلّنا على أنّه اتّصل بها عبر الأوساط اليوحنّاويّة (نقرّب بين لو 2: 35 ويو 19: 25- 27). لاشكّ في أنّ هناك توازيات بين لوقا وتقليد يوحنّا الإنجيليّ. هل نتحدّث عن إخبار (هاغاده) مسيحيّ كما عند متّى؟ لا شكّ في أنّنا أمام إخبار لاهوتيّ وتقويّ. ولكنّ الرجوعَ إلى التوراة لدى متّى يختلف عمّا لدى لوقا. ثمّ إنّ لوقا يتفوّق على متّى بالكثافة التعليميّة والتجذّر التاريخيّ. غير أنّنا لسنا أمام عمل مؤرّخ، كما يقول العالم الحديث. خبر لوقا بسيط وعميق، اصطلاحيّ في شكله الإخباريّ ولاهوتيّ في هدفه. ينقصه العلم التاريخيّ ولكنّه يكتسب غنى تعليميًّا.

ب- رسائل تحتفظ بتقليد الرسل
نستطيع هنا أن نتفحّص بعض الرسائل الذي يختلف النقّاد على أصلها وزمان كتابتها: يع، عب، 1 بط. أمّا الرسائل الرعاويّة فسندرسها في الجزء الثالث من هذا الفصل.

1- رسالة يعقوب والتقليد المسيحيّ المتهوّد
كان يعقوب في التقليد القديم (1 كور 15: 5- 7) وسط مجموعة الرسل، كما كان بولس وسط مجموعة الاثني عشر. والرسالة التي تحمل اسمه تتوجَّه إلى الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات خارج فلسطين. نحن نتردّد في أن نرى فيها مقالة قديمة وسابقة لموت يعقوب (62 ب م)، حتّى وإن نسبنا عملاً تأليفيًّا إلى المترجم الذي كيّف النصّ قبل أن يجعله في لغة يونانيّة أنيقة. والعنوان هو المقطع الوحيد الذي يعيدنا إلى شخص يعقوب. فإذا تركنا العنوان، يبدو مجملُ النصّ بشكل مجموعة من التحريضات المختلفة والمتعلّقة بمسائل السلوك المسيحيّ. وهذا التوجيه العمليّ الذي لا ينفي التلميح العماديّ في أحد المقاطع (1: 16- 18)، يدلّ على اهتمامات الكنائس المسيحيّة المتهوّدة. إنّها تُعنى بأن تجعل الكلمة تمرّ في العمل (1: 22). وأن تدفعنا إلى ممارسة الشريعة (4: 11 ي) التي صارت شريعة الحرّيّة الكاملة (1: 25). وقد نتجت ردّة فعل على تجاوزات لبعض مبادئ وضعها القدّيس بولس (2: 14- 26): ونحن نفهم هذا الموقف فهما أفضل إن عرفنا أنّنا في زمن تَتَنَظَّمُ فيه الكنائس وتُتَدَاولُ فيها رسائل القدّيس بولس. يمكننا أن نفكّر بمحيط سوريّ لا تزال تحمل فيه الجماعة المسيحيّة اسم المجمع (2: 2)، كما هو الحال في الجماعة اليهوديّة. وعلى رأس كلّ كنيسة محلّيّة يلعب القسوس (أو الشيوخ) (5: 14) والمعلّمون دورًا هامًّا.
نستطيع أن نفكّك الرسالة إلى قطع مستقلّة تشكِّل كلّ منها رسمة وعظ موجَّهة إلى الجماعة الملتئمة في كنيسة. والإيرادات والتلميحات الكتابيّة هي عديدة، وهذا ما يفترض قراءتها في نصّها اليونانيّ. (4: 6؛ رج أم 3: 34 في السبعينيّة). ولكنّنا نحسّ أيضاً بتقنيّة المدراش في هذا المقطع أو ذاك. أمّا التلميحات إلى الكلمات الإنجيليّة. فتدلّ على أنّ للمؤلف مجموعة يعتمد عليها في كرازته. وقد تكون وجدت أيضاً مجموعة حكميّة هي صدى لكرازة يعقوب اسقف اورشليم. وهذا ما يبرّر عنوان الرسالة. متى دُوِّنَتْ رسالة يعقوب؟ في الزمن الذي دوِّن فيه إنجيل متّى، في سنة 80 تقريبًا، وفي المحيط المسيحيّ المتهوّد نفسه.

2- الرسالة إلى العبرانيّين ونقد العالم اليهوديّ
أشرنا سابقًا إلى عب وإلى زمن كتابتها. فإن دُوِّنت قبل سنة 70 نبحث عن قرّائها في فلسطين. هل هم الكهنة العديدون الذين أطاعوا الإيمان (أع 6: 7)؟ لو كان الأمر كذلك لتحدّث الكاتب عن الهيكل. هل هم جماعة قمران؟ ولكنّ الإشاراتِ ضعيفةٌ. وإن دوِّنت عب بعد سنة 70 وقبل سنة 95 (كما تقول رسالة إكلمنضوس الأولى) نبحث عن قرّائها في كنيسة مسيحيّة متهّودة في فلسطين (قيصريّة) أو سورية (أنطاكية). ومهما يكن من أمر، فعظمة العبادة اليهوديّة لا تزال قريبة لتؤثّر على المسحيّين الذين نالوا التدرّج العماديّ (6: 1- 5، 10: 32) فتجتذبهم أو تجعلهم يتأسّفون حين يرون العبادة المسيحيّة وما فيها من فقر.
ينطلق المؤلف في عمليّة دفاعيّة تعتمد على التوراة، فينتقد العالم اليهوديّ كؤسّسة عباديّة. إنّه قريب من تيموثاوس (13: 23)، ولكنّ الرسالة لا تعطينا اسمه، غير أنّه يتكلّم بسلطة ظاهرة. وما هو واضح هو تربيته في الإسكندريّة، وهذا ما يقود بعض الشرّاح إلى القول إنّه أبلّوس الذي تعرفه رسائل بولس وأعمال الرسل. ولكن لا برهانَ قاطعًا في هذا المجال. نحن هنا أمام معلّم مسيحيّ خبير بالكتب المقدّسة. أسلوبه وجدليّته ونهجه التأويليّ وطريقة تفكيره تجعله قريبًا من فيلون، ولكنّ توجّهه اللاهوتيّ يجعله فريدًا في العهد الجديد. يعطي تلميحات سريعة إلى بُنى الكنائس: فاسم الرؤساء أو المدبّرين هو اسم عامّ (لو 22: 26؛ أع 15: 22). وسيطبَّق على القسوس في كورنتوس (رسالة إكلمنضوس الأولى).
عب هي رسالة، إذا نظرنا إلى خاتمتها (13: 22- 25). ولكنها خطبة تحريضيّة (13: 52) لها مقدّمتها (1: 1- 4) ونهايتها (13: 20- 21). كُتبت لتُقرأ في جماعة ليتورجيّة. والتاريخ التكوينيّ يساعدنا على اكتشاف آثار عديدة لتأويل مسيحيّ يُسند العظة: عودة إلى الشهادات التي تؤسّس البرهان (1: 5- 14؛ 2: 5- 17)، رسمة عظة على مز 95 (3: 7- 4: 11)، على تك 14: 17- 20 ومز 110: 4 (ف 7)، على إر 31: 31- 34 (8: 6- 9: 18 يحيط به إيرادات للنصّ)، على خر 19: 16- 19 وحج 2: 6 (12: 18- 29). فقبل تأليف الخطبة كلّها نجد مواعظ على الكتاب المقدّس، كما كانت الحالة في الرسائل البولسيّة. ترك المؤلِّف جانبًا التعليم البدائيّ (6: 1) وانتقل إلى الأشياء الصعبة يعرضها. نلاحظ لديه تقاليدَ مسيحيّةً متهوّدة وهلّينيّةً تختلف عمّا في يع، وتقترب من إسطفانُس في انتقاده للشريعة العباديّة (أع 7). نحن هنا أمام تيّار خاصّ لا ينتمي إلى أيّ رسول، ولكنّه يجد مكانته الخاصّة في الكنيسة.

3- الرسالة إلى أفسس والتقليد البولسيّ
نلاحظ أوّلاً تجذّر أف البولسيّ. فهي ترتبط ارتباطاً وثيقًا بالرسالة إلى كولسّي من جهة الأفكار التي توسّعها، والتلميحات إلى أسر بولس (3: 1- 4: 1) والتوازيات الأدبيّة. إنّها تستعيد مواضيعَ من الرسائل الكبرى مع بعض تبديل في المعاني يدلّ على تطوّر في التعبير اللاهوتيّ. ينطلق بولس من دعوته الخاصّة تجاه الأمم غير اليهوديّة (3: 8؛ رج غل 2: 7؛ روم 15: 15- 19) ليتوجّه إلى قرّائه الذين من أصل وثنيّ: لقد آمنوا بالإنجيل فجعلهم الله، بموت المسيح، "مواطني القدّيسين" أي أعضاءً في الشعب المقدّس (2: 11- 22). أتكون الرسالةُ موجّهةً إلى أفسس أم إلى كلّ مجموعة كنائس آسية؟ نحن نلاحظ تحوّلاً في الأعضاء الذين ينتمون إليها. حين تأسّست هذه الكنائس غلب عليها طابع التمازج. أمّا الآن، فلم يعد يدخلها أحد من اليهود. هذا ما حدث بعد مرور بولس. وهكذا يكون النصّ كتب حين كان بولس أسيرًا في قيصريّة (57- 59 أو 58- 60) أو في رومة (59- 60 أو 60- 62).
ولكن هناك إشارات تجعلنا في فرضيّة أخرى. فتطوّر اللغة اللاهوتيّة يبعدنا عن اللغة التي نجدها في كو. والطريقة التي بها تتكلّم أف عن الرسل والأنبياء (2: 20- 3: 5) تدلّ على ماضٍ سحيق. والتحديدات على بنية الكنائس الخِدَمِيّة (3: 11 ي) تتجاوز معطيات 1 كور وروم، وكأن عملا تنظيميًّا تمّ في ذلك الوقت. أمّا التلميحات إلى وضع الرسول الشخصيّ فهي قليلة جدًّا (3: 1؛ 4: 1؛ وق 6: 21 مع كو 4: 7 ي). والأمور الجديدة التي تغني التأمّل في المسيح وفي كنيسته، تدلّ على أنّ التعليم البولسيّ (المنبثق من رسائله) قد دوِّن بيد تلميذ من تلاميذ بولس حوالي السنة 70- 80، أي بعد موت الرسول. هذه فرضيّة قراءة لا تفرض نفسها وهي تتجاوز فكرة التلميذ السكرتير الذي يملي عليه الرسول فيكتب، ولكنّها تبيّن حيويّة وتأثير التقليد البولسيّ في محيط آسية الصغرى بعد دمار أورشليم. لم يكن المؤلّف مجدِّدًا، ولكنَّه كان ابنَ التقليد، فحاول أن يحافظ بقوّة على الإرث الذي تركه بولس. غير أنّه استعمل لغة جديدة ليعبّر بها عن التعليم الذي أخذه من بولس. لقد كان المؤلّف لاهوتيًّا مُبْدِعًا يعمل في تقليد حيّ فلم يُرَدِّدْ ميكانيكيًّا ما قاله بولس الرسول في زمان غير زمانه.
هل نحن أمام رسالة ذات هدف لاهوتيّ؟ قد يكون، ولكنّ النظريّة التكوينيّة توجّهنا نحو فرضيّة مختلفة. فلو قبلنا بصحّة نسبتها إلى بولس بسبب التلميحات إلى دعوة الرسول (3: 17 ي) وأسره (3: 1- 4: 1) وإرساله تيخيكس (6: 21 ي)، فنحن نكتشف فنونًا أدبيّة عرفتها الجماعات الكنسيّة: تنتهي المباركة الليتورجيّة في 1: 3- 14 بقطعة عماديّة (1: 13 ي). والتحريض العماديّ يتوجّه إلى المهتدين بعد قبول السرّ (ف 2). نجد مدراش مز 69: 8 (4: 1- 13) داخل تحريض على الحياة الجديدة في المسيح (4: 1- 6: 18). هناك نشيد عماديّ يشير إلى الطقس الذي نمارس (5: 14) ويدلّ على المكانة الليتورجيّة لهذا التحريض. إذًا نحن أمام مجموعة موحَّدة تدفعنا عناصرها في وجهة واحدة: نحن أمام خطبة نموذجيّة مؤلّفة من أجل التدرّج العماديّ حيث سينضمّ الوثنيّون المهتدون إلى الكنيسة. هذا ما يفسر طابع أف الخطابيّ وتوازياتها مع التعليم العماديّ الذي نجده في 1 بط.
بعد هذا لن نهتمّ للزمن الذي دوَّنت فيه أف. فتقليد الجماعات الليتورجيّة الذي رأينا تأثيره في أيّام الرسائل الكبرى يتفتّح هنا في محيط آسيويّ تكلَّف به تلاميذ الرسول منذ مروره في أفسس. أمّا كاتب أف فهو "راع ومعلّم" (4: 11) يتسلّم وظيفة جوهريّة في توزيع الخدم (4: 12). وإذا كانت وجدت مجموعة رسائل بولس في أفسس، كما قلنا سابقًا، فقد تكون هذه المدينة هي المكان الذي ألّف فيه نصّ هو أوّل شميلة للاهوت البولسيّ بعد الرسالة إلى أهل رومة.

4- رسالة بطرس الأولى وتقليد بطرس الرومانيّ
حين درسنا 1 بط أشرنا إلى ارتباط بعض مقطوعاتها بالليتورجيّا العماديّة. ما قلناه عن أف يتيح لنا أن نخطو خطوة في تقييم مضمونها ملاحِظين التوازيات في البنية: مباركة أولى (1 بط 1: 3- 5 وأف 1: 3- 12) تنتهي بخطبة في صيغة الخاطب الجمع (1 بط 1: 6 ي وأف 1: 15- 3: 21). التحريض عينه على سلوك يليق بدعوة المسيحيّ (1 بط 2: 11- 4: 11 وأف 4: 1- 6: 18) مع إعلان الواجبات الخاصّة بحالة كلّ إنسان (1 بط 3: 13- 4: 7 وأف 5: 21- 6: 9). أمّا خاتمة الخطبة في أف 6: 10- 18 (مع امتداده البولسيّ في 6: 19 ي) فتجد ما يوازيها في 1 بط 5: 8- 9. هذه الملاحظات الموضوعيّة تدلّ على أنّ جسم 1 بط بالنسبة إلى التقليد البطرسيّ هي مثل أف بالنسبة إلى التقليد البولسيّ، وإن اختلف زمان تدوين كلّ من الرسالتين. 
غير أنّ 1 بط 4: 2- 5: 11 شكَّل قطعة مستقلّة لها بدايتها (أيّها الأحبّاء) ولها خاتمتها (5: 11: له العزّة إلى الأبد. آمين). أمّا إطار هذا المقطع فهو زمن الاضطهاد: هناك حريق وسط المؤمنين الذين يتألّمون كمسيحيّين (4: 12- 16). وفي تحريضات هذه البطاقة تَظْهَرُ بوضوح بنيةُ الكنائس الداخليّة: على رأسها قسوس (أو شيوخ أو كهنة) يقومون بوظيفة الرعاية (5: 1- 4). وهذا الوضع يوازي ما يفترضه لوقا في أع 20: 17، 28- 31 وما نجده في رسالة إكلمنضوس الأولى. والكاتب الذي يسمّي نفسه "الشيخ" (5: 1)، هل هو ذلك الذي ألَّف الخطبة العماديّة السابقة؟ مهما يكن من أمر، فالنصّان يرتبطان بواسطة العنوان (1: 1- 2) والخاتمة (5: 12- 14) التي تشير إلى بطرس المقيم في رومة (= بابل). توجّهت الخطبة العماديّة إلى وثنيّين اهتدوا إلى المسيحية. ولكن مجمل النص أُرسل الى المسيحيّين الذين يقيمون كغرباء (رج عب 11: 13؛ تك 23: 4= 1 بط 2: 11) في مقاطعات آسية الصغرى الوسطى والشماليّة. إنّ امتداد المسيحيّة إلى هذه الأصقاع ليس مستحيلاً قبل سنة 65. ولكنّه معقول في العصر الذي بعد الرسل. من هذا القبيل نفهم الموازاة بين 1 بط وأف. غير أنّ الاضطهاد المذكور في البطاقة الأخيرة يبقى غامضاً. فاضطهاد نيرون صار في رومة فقط، واضطهاد دوميسيانس كان متأخرًا (سنة 95). ولكنه وصل إلى آسية الصغرى (1 بط 1: 1) كما يقول سفر الرؤيا. أمّا في عهد ترايانس فقد تألّم المؤمنون لأنّهم مسيحيّون في بيتينية حين كان بلينوس الأصغر حاكمًا هناك (حوالي 110). ولكن هل نذهب إلى ذلك الزمان البعيد؟ ومهما يكن من أمر، فرسالة بطرس الأولى تدلّ على استمراريّة التقليد البطرسيّ في رومة. ألّفت في عهد نيرون أو دوميسيانس أو في بداية القرن الثاني.

ج- زمن المجابهات
1- المجابهات العقائديّة
ظلّ بولس عشر سنوات يحارب الفئة الراديكاليّة في المسيحيّة المتهوّدة (رج غل؛ فل 3؛ 2 كور 10- 13). ولقد احتفظ هذا التيّار بحيويّة حقيقيّة في بعض الكنائس المحلّيّة، وسيظهر بقوّة في القرن الثاني. وفي كنائس آسية حيث كان عدد المهتدين من الوثنيّة ضعيفًا، حذَّر بولس المؤمنين من الميول التلفيقيّة التي تشير إليها كو 2: 4، 16- 23؛ رج أف 5: 6. ويشير سفر الأعمال (20: 29- 30) إلى قلق بولس في الخطبة التي ألقاها أمام شيوخ أفسس: حذّرهم من الذئاب الخاطفة التي ستجتاح القطيع. ولكنّ لوقا يؤوّن في هذا المكان أقوالَ الرسول ليدلّ على مشاكل عصره (حوالي 85). ففي الرج الأخير من القرن الأوّل بدأت الأزمة حين أخذ بعض المعلّمين الكذبة ينشرون أفكارهم في الجماعات الشرقيّة. ونحن نجد رسائلَ عديدةً تبين ردّة فعل المسيحيّة القويمة ضدّ غنوصيّة سابقة لأوانها.

أوّلاً: رسالة يهوذا
يصعب علينا أن نحدّد موقع هذا المؤلَّف القصير جدًّا في الزمان وفي المكان. هل اسم يهوذا، أخي يعقوب (رج لو 6: 16 ولكن لا مر 3: 18 ومت 10: 3 حيث نجد اسمي تدّاوس ولابا) هو اسم المؤلّف أم اسم مستعار؟ وهكذا يكون وضع ج مثل وضع يهو. في أيّ مكان سنبحث عن قرّائه، والرسالة لا تتضمّن أي تلميح ملموس إلى جماعة خاصّة؟ ويتحدّد الزمان بعض الشيء حين يعيد الكاتب المؤمنين إلى "الإيمان الذي تسلّمه القدّيسون مرّة واحدة" (آ 3)، وحين يلمّح إلى الرسل وكأنّهم أشخاص من الماضي أنبأوا بالصعوبات الحاضرة (آ 17- 19). نستنتج من هذا أنّه لا ينتمي إلى مجموعة الرسل، وأنّ نظرته إلى المشاكل الحاضرة تذكّرنا بنظرة لوقا في سفر الأعمال. وهذا ما يجعلنا نفكّر بزمن يقع بين سنة 80 وسنة 95، أي قبل أن يبرز في الأفق الخطر الآتي من السلطات العامّة. فتجاديف (آ 8) الأشرار (آ 4) تحوِّل نعمة الله إلى فجور. إنّهم ينكرون الله. لا نجد توضيحًا عن هذه المجموعة، ولكنّ تعليمهم يجرّ الناس إلى فوضى أخلاقيّة. امتزجوا بالمؤمنين وما زالوا يشاركون في عشاء المحبّة في الكنائس (آ 12). نحن هنا أمام إشارة ليتورجيّة. وإذ أراد الكاتب أن يندّد بهذه المجموعة، وسّع بعض المواضيع التي أخذها من التوراة (آ 7، 11) وعالم الخطابة اليونانيّ (آ 12- 13). واستعمل أيضاً تقليدًا أسطوريًّا قد يكون جاء من "انتقال موسى" أو من كتاب مشابه، وأورد بوضوح آية من سفر أخنوخ (آ 14- 16). فيبدو هكذا أنّه متّصل بالعالم اليهوديّ الجليانيّ الذي امتلك لائحة موسّعة من الأسفار المقدّسة. ولكنّنا نلاحظ في الوقت عينه أنّ لائحة الأسفار القانونيّة لم تكن محدَّدة داخل بعض الكنائس، أو بالأحرى كانوا يستعملون بعض الكتب اليهوديّة المأخوذة من القطاع الجليانيّ. وينهي الكاتب رسالته فيعطي تعليمات تنظِّم سلوك المؤمنين (آ 20- 23). إنّه لا يقدّم شيئًا جديدًا، ولكن يُعْلِمنا عن بعض وجهات مفيدة في وضع بعض كنائس الشرق.

ثانيًا: الرسائل الرعائيّة
نشير هنا إلى ثلاث رسائل ني المجموعة الرعائيّة: 1 تم، 2 تم، تي. نسبتها الأدبيّة هي موضوع جدال كما رأينا، والآراء تتعارض.
فالأسلوب يفترض كاتبًا حرًّا في تأليفه. والمواضيع المطروقة تشير إلى مشاكل جديدة قرب مشاكل خاصّة طُرحت على مبعوثي بولس في تتميم رسالتهم. أمّا تعبير اللاهوت فيشبه قليلاً لاهوت الرسائل الكبرى (روم، 1 كور، 2 كور، غل) أو رسائل المنفى (كو، أف...) حتّى ولو قبلنا بتطوّر في فكر الرسول. وتنظيمُ الكنائس العمليّ وتسميةُ الخدَم يختلفان عما نجد في الرسائل الكبرى وفي أف. ويفترض مضمون التعليم عن الحياة المسَيحيَّة إطارًا إجتماعيًّا يختلف بعض الشيء. ثمّ إنّ المسائل العقائديّة والتنظيميّة المتعلّقة بالحاضر اليوميّ لا تشبه ما نجد في سائر رسائل مار بولس.
ومن جهة ثانية يُبرز النقّادُ التلميحات إلى مسيرة بولس الرسوليّة: دعوته (1 تم 1: 12- 14) آلامه (2 تم 3: 10- 12)، خيبات أمله مع بعض المؤمنين (1 تم 1: 20)، بل مع بعض معاونيه (2 تم 1: 15؛ 4: 9- 10؛ 14، 16)، فرحه بأمانة الآخرين (2 تم 1: 3؛ تي 1: 5؛ 3: 12- 13؛ 2 تم 4: 9)، تربية تلميذه تيموثاوس (2 تم 1: 5؛ 3: 14- 15). ومواجهته مع الموت القريب تترجمه 2 تم 4: 6- 18 في كلمات مؤثّرة خلال محاكمة تمّت في رومة، جعلت بعض النقّاد يتكلّم عن بطاقة حميمة قد أقحمت فيما بعد في تأليف لعبت فيه يد ثانية.
أراد الكاتب أن يدعو الكنائس لتحافظ على الوديعة (1 تم 6: 20؛ 2 تم 1: 14؛ 2: 2؛ 3: 14) كما سلّمها الرسول أوّلاً إلى تلميذيه تيطس وتيموتاوس، ثانيًا إلى المسؤولين عن الجماعات المحلّيّة الذين سينقلونها بدورهم ويسهرون عليها. ولكنّ هذه "الوديعة" قد تكيّفت تكيّفات عمليّة من أجل الوضع الذي تبدّل. والمقاطع اللاهوتيّة تفترض معرفة بالرسائل البولسيّة وقراءة مواظِبة للتوراة (2 تم 3: 14- 16). من هذا القبيل تشكّل هذه الرسائل محطّة في تكوين القانون (أي لائحة الأسفار المقدّسة) المسيحيّ. أمّا التلميحات إلى سيرة بولس فقد تعود إلى تقاليد شفهيّة.
إنّ الإطار التاريخيّ للتأليف يفسِّر مضمون هذه الرسائل الثلاث: فطبقًا لما أنبأت به الكتب (1 تم 4: 1) عانت الجماعات من دعاية المعلّمين الكذبة (1 تم 1: 3- 6؛ 4: 1- 7؛ 6: 3- 5، 9- 10؛ تي 1: 10- 16؛ 2 تم 2: 14- 18؛ 3: 1- 9، 13؛ 4: 3- 4) فوجب عليها أن تجابههم. وتيموتاوس وتيطس، مبعوثا بولس الخاصّان في رسالاته، هما نموذج هؤلاء المسؤولين عن الكنائس. فيجب أن توكل مسؤوليّة الإيمان في الكنيسة المحلّيّة، ومسؤوليّة الاجتماعات، ومسؤوليّة العبادة المسيحيّة إلى رجال أكْفاء. وتعطيهم الرسائل تعليمات محدّدة (1 تم 3: 1- 13؛ 5: 17- 22؛ تي 1: 5- 9). وبنية الخدَم هي قريبة ممّا نجد في سفر الأعمال، وهي امتداد لبنية المسيحيّة المتهوّدة مع وجود القَسوس أو الشيوخ (1 تم 5: 17- 22، تي 1: 5- 6). ولكنّها تستعيد أيضاً ألقابًا تشهد بها الرسائل البولسيّة (فل 1: 1): الأسقف مذكور دومًا في صيغة المفرد (1 تم 3: 1- 7؛ تي 1: 7- 9)، والشمامسة (1 تم 3: 8- 13) يمارسون وظيفة محدودة، ويتألّفون من رجال ونساء (1 تم 3: 11؛ رج روم 16: 1). فالمساندة المتبادلة في الجماعات تُبرز مجموعة الأرامل اللواتي يكرّسن حياتهن للصلاة وعمل الخير (1 تم 5: 3- 16). إلاّ أنّ دور النساء في الجماعات الليتورجيّة ظلّ متأخّرًا بالنسبة إلى 1 كور 11: 3- 4: فالقاعدة المتّبعة في 1 تم 2: 11- 15 والتي تستعيد 1 كور 14: 33- 34 تنتج في الظاهر عن اختبار طويل وجَّه الممارسة نحو النموذج اليهوديّ. أمّا التعليم المعطى لفئات المؤمنين المتعدّدة، فيبدو بشكل تحريض عماديّ (1 تم 6: 1- 2، 17- 19؛ تي 1: 1- 10): إنّه يشير إلى جماعات منظّمة يسير فيها كلّ شيء بترتيب، على أن تبقى الجماعة مكان التعليم، وقراءة التوراة وشرحها، والصلاة. الشيوخ يرئسون الجماعة الآن فيقومون بوظيفة التعليم (1 تم 5: 17).
ونستشفّ هكذا الحياة العمليّة للكنائس المحلّيّة في نطاق جغرافيّ يضمّ عدّة مقاطعات شرقيّة في أوروبة وآسية (بما فيها كريت: في 1: 5). المقطوعات الليتورجيَّة الواردة قليلة جدًّا (أناشيد، مباركة أو رسمة عظة). أمّا التعليم فيرجع إلى السلطة الرسوليّة ليؤسّس حقّا وضعيًّا من أجل الخير العامّ: نحن هنا أمام وجهة من التقليد يجب على الجماعات أن تحفظها. وهكذا استُعيد هنا الشكل الأدبيّ للرسالة ليحدّد بعض نقاط السلوك المسيحيّ، وقد استُعمل هذا الشكل لينظِّم ليتورجيّا عماديّة نوافق بطرس (1 بط) وبولس (أف).

2- المجابهة مع الإمبراطوريّة الوثنيّة المضطهدة: سفر الرؤيا
قبل سنة 70 وفي أيّام سلالة فلافيوس، تميّز موقف الكنائس تجاه السلطات السياسيّة بالولاء، ولكنّه لم ينعم بالاعتراف الشرعيّ الذي نعم به العالم اليهوديّ الرسميّ. وهذا الموقف نجده في روم 13: 1- 7 و1 بط 2: 13- 17، في سفر الأعمال وفي الرسائل الرعائيّة (1 تم 2: 1- 2: نجد الصلاة من أجل السلطة؛ تي 3: 1). وإذا جعلنا هذا الموقف خارج الإطار اليهوديّ، وجدناه أبعد من الجواب حول الجزية التي تؤدَّى لقيصر: في هذا الجواب رفع يسوع الجدال فتجاوز المستوى السياسيّ الذي حصر اليهود الوطنيّون فيه أنفسهم (مر 12: 13- 17). ولا يدلّنا أي نصّ من الرسائل أنّ هذا الموقف تبدّل على إثْر اضطهادات نيرون التي كان ضحيّتَها مسيحيّو رومة. أمّا في عهد دوميسيانس (95- 96) فاصطدمت الكنيسة بجملتها بالسلطة الوثنيّة التوتاليتاريّة، ودل سفر الرؤيا على ردّة الفعل المسيحيّة أمام هذه المسألة الجديدة التي ذكرتهم بسياسة أنطيوخس إبّيفانيوس المضطِّهدة تجاه العالم اليهوديّ.

أوّلاً: الفنّ الأدبيّ والتعليم
العالم الجليانيّ هو عالم وُلد فيه اللاهوت المسيحيّ. ارتبط ارتباطاً وثيقًا بالتقليد النبويّ، ولكنّه خضع لقواعد أدبيّة خاصّة فترك أثرًا واضحًا في بعض خطب يسوع التي استعادتها المجموعات الإنجيليّة (مر 13: 1 ي وما يقابله من نصوص عند الإزائيّين)، وفي مقاطع من الرسائل تتعلّق بيوم الربّ والدينونة والقيامة الأخيرة (1 تس 4: 13- 18؛ 2 تس 1: 6- 10؛ 2: 3- 8؛ 1 كور 15: 20- 28، 51- 53)، وفي التعبير عن الرجاء المسيحيّ (رم 8: 18- 22)، وفي الكرستولوجيا (كو 2: 15). ولكنّ "وحي يسوع المسيح" الذي وُهب لنبيّه يوحنّا (رؤ 1: 1) هو "الكلمة النبويّة" (رؤ 22: 18) التي ترجع إلى هذا الفنّ الأدبيّ اليهوديّ لتوجِّه إلى الكنائس تعليمَ رجاء في وقت محنة يهدّد فيه الموت المؤمنين "من أجل، شهادة يسوع كلمة الله" (رؤ 6: 9؛ 20: 4). التعليم واضح: بدأ التنين (= الشيطان) حربًا ضد المرأة صاحبة الاثني عشر كوكبًا (= المسيحية الجديدة)، أمّ الولد الذكر (= المسيح يسوع) وباقي أبنائها (= المسيحيّون) (رؤ 12: 5- 5، 13- 17). لهذا جعل سلطانه في يد وحش البحر (= سلطة رومة السياسيّة: 13: 1- 10) الذي يخدمه وحش الأرض (= العالم الوثنيّ المسيطر) ويلعب دور النبيّ الكذّاب (13: 11- 18). حين وُضعت رومة في هذا الإطار لم تعد حاملة السلطة الشرعيّة التي تحدثت عنها الرسائل سابقًا، بل صارت الزانية الكبرى، وبابل التوراة (رؤ 17: 18) التي ينتظرها قضاء الله مع كلّ محازبيها (رؤ 19؛ 20: 7- 12). وعدد الوحش (13: 18) يقابل اسم "نيرون قيصر" الذي انتقل إلى دوميسيانس، ذلك النيرون الذي عاد إلى الحياة. إذًا، تحارب الكنيسة على الأرض. ولكنّ استشهادَ أبنائها يدلّ على أنّها تشارك منذ الآن في مجد الحمل المذبوح الذي هو المسيح القائم من الموت (رؤ 4- 5)، وأنّها بفضل هؤلاء الأبناء تستطيع أن تنتظر المشاركة في أعراسه في العالم الجديد (رؤ 19: 6- 9، 21- 22).
وتُضَّم إلى تعليم الرجاء الذي يملأ السفر كلّه، سبعُ رسائل وجهَّها إلى كنائس آسية النبيُّ المنفيّ في جزيرة بطمس (رؤ 1: 4- 3: 22). إنّها تستعيد بشكل فرديّ تعليم الرجاء عينه، وتزيد عليه تنبيهات ملحَّةً تشير إلى الصعوبات الخاصّة بكلّ كنيسة. نلاحظ في هذه الكنائس نشاط المعلّمين الكذبة (النقولاويّين) الذين يشبهون أولئك المذكورين في رسالة يهوذا وفي الرسائل الرعاويّة (رؤ 2: 6، 14- 16، 20- 25). ونلاحظ أيضاً عداء اليهود (رؤ 2: 9؛ 3: 9) وسقوط المؤمنين في الفتور والتراخي (رؤ 2: 4- 5، 3: 2- 3، 15- 17). تلك كانت حالة كنائس آسية حوالي سنة 95.

ثانيًا: متى ألِّف سفر الرؤيا
إذا كان الوجه الأخير للكتاب يرتبط باضطهاد دوميسيانس (حوالي سنة 95)، يبقى لنا أن نُخضِع النصّ لعملين. الأوّل: تحليل يُبرز موادَّ خاصّة تتعلّق بالليتورجيّا (أناشيد وهتافات)، بالكرازة (التنبيهات التي تتضمّنها الرسائل إلى الكنائس)، بتفسير الكتب المقدّسة وقراءتها قراءة مسيحيّة (وبالأخصّ حزقيال ودانيال وغيرهما من النصوص الخاصة التي تؤلّف نسيج الكتاب). تقدّمُ لنا هذه العناصرُ معلوماتٍ عن الاجتماعات في الكنيسة (مثل الحديث عن يوم الربّ، رؤ 1: 10؛ رج 1 كور 16: 2؛ أع 20: 7). العمل الثاني: نكتشف طبقات مختلفة قد تكون دوِّنت في أزمنة متفاوتة. قد يكون هناك نصّ يهوديّ قديم أعاد كتابتَه مؤلِّف مسيحيّ. وقد يكون أنّ النبوءة الموجَّهة ضدّ رومة في أيّام دوميسيانس استعادت نصوصاً دوِّنت في أيّام فسباسيانس يوم ميَّز دمارُ أورشليم تاريخًا مهمًّا في الإسكاتولوجيا المسيحيّة المتهوّدة. وجاء أخيرًا ناشرُ الكتاب، فوضع في المقدّمة الرسائل السبع التي هي صدى للحروب العقائديّة ضدّ اليهود (2: 9؛ 3: 9) والنقولاويّين (2: 6، 14- 15) والأنبياء الكذبة الذين يميلون نحو الغنوصيّة (2: 20- 25).
وهكذا تُرينا النظرةُ التكوينيّة وراء الكتاب إطارًا ليتورجيًّا يفسر الخاتمة (22: 20 ي) بعد أن ترك أثره في التاريخ الإفخارستيّ (3: 20) وفي لوحات من الليتورجيّا السماويّة (ف 4- 5؛ 6: 9- 11؛ 7: 9- 12؛ 14: 1- 3؛ 15: 2- 4؛ 19: 1- 4). ولكنّ التاريخ التأليفيّ والبحث عن المراجع يذكّراننا أنّ الأدب الجليانيّ ليس فقط وعظاً وغناء دينيًّا واحتفالاً ليتورجيًّا بل تعليمًا مكتوبًا ومعروضاً ليتأمّل فيه القرّاء (1: 3؛ 22: 18 ي). وقد يكون الكتاب قرئ في الجماعة، والأمر واضح بالنسبة إلى الرسائل السبع.
أمّا الكاتب فهو نبيّ. اسمه يوحنّا (1: 1- 2). جعله التقليدُ يوحنّا بنَ زبدى، مؤلّف الإنجيل الرابع، لا شكّ في أنّ هناك تقاربًا بين الرؤيا والإنجيل الرابع: المسيح هو الحمل المذبوح وهو كلمة الله... في الكتابين. ولكنّ الفروقات الأدبيّة كبيرة بحيث يصعب علينا أن نتصوّر أنّ الذي كتب الإنجيل هو الذي كتب الرؤيا. يهتمّ صاحب سفر الرؤيا بشعب إسرائيل (7: 1- 8) بأورشليم وبهيكلها (11: 1- 3)، ويستعيد نصوصاً كتابيّة عديدة (خاصّة حز ودا)، وهذا ما يدلّ على أنّه مسيحيّ متهوّد. وهو يعارض العالم اليهوديّ المتصلّب (2: 9، 3: 9) ويقدّم صورة شاملة عن الكنيسة (7: 14- 17؛ 21: 24). لغة الكتاب لغة بربريّة، ولهذا قيل إنّه أُلِّف في الآراميّة. ولكنّ أفضلَ افتراض هو أن نقول بمدرسة يوحنّاويّة ترتبط بها كلّ الأسفار التي وضعها التقليد تحت اسم يوحنّا.

د- تقليد يوحنّا
1- الإنجيل الرابع
أوّلاً: الإنجيل والشهادة
منذ القرن الثاني اعتبر التقليد القديم أنّ آسية الصغرى هي الوسط الذي دوِّن فيه الإنجيل الرابع في بداية عهد ترايانس (98- 117)، وبعد عودة السلام الدينيّ الذي حمله نارفا (96- 98). فليس من سبب قاطع يدفعنا إلى تبديل هذه النظرة باسم النقد الداخليّ. ولكنّ مسألة التقليد التي سبقت الإنجيل تبقى مفتوحة، فكانت إطارًا لتاريخه التأليفيّ ولتنظيم الموادّ الأوّليّة.
وتبقى مفتوحة أيضاً مسألة العلاقات بين الكتيِّب الانجيليّ وبين الوسط الثقافيّ الذي فيه دوّن: تقليد يهوديّ امتدّ في رابّانيّة فرّيسيّة، تقليد إسكندرانيّ ارتبط بفيلون، أتّصالات بنظريّة هرمس والعالم الغنوصيّ المولود حديثًا.
أمّا الكتيّب في شكله الحاليّ وتكوينه الأدبيّ فهو يدخل في الفنّ الأدبيّ الإنجيليّ الذي تحدّثنا عنه آنِفًا: عودة تاريخيّة إلى يسوع، رجوع إلى الكتب التي تبرز شخصيّة يسوع، رجوع إلى الآنيّة المسيحيّة حيث يفعل المسيح القائم في كنيسته ويكشف لها سرّ نشاطه الخلاصيّ. ولكنّ هذا الإنجيل يحدّد نفسه شهادة (يو 21: 24). إنّ الكتاب يتأمّل في أعمال يسوع، ويستمع إلى كلماته انطلاقًا من الآنيّة المسيحيّة: ففي لحمة الأخبار والخطب، نرى المسيح يحقّق الخلاص لأناس أمناء لكلمته، وذلك من خلال الحجاب الرمزيّ لتاريخ تمّ سابقًا. إنّه يتوجّه إلى كنيسته ليكشف لها سرّ وجوده وأعماله. بعد هذا، لن نبحث فقط عن حقيقة أخباره وخطبه في التذكّر بما حدث في حياة يسوع على الأرض، وفي استعادة الأقوال عينها التي تلفّظ بها. إنّ هذه الحقيقة تكن أيضاً في الشهادة التي يقدّمها الإنجيليّ عن المعنى العميق لهذه الأحداث، وعن البعد الكامل لهذه الكلمات لمؤمنين يجدون نفوسهم أمام ربّهم. فقراءة الأخبار والخطب اليوحنّاويّة تكون على مستويين. أوّلاً: في الإيمان اليوم حيث ندرك حضور المسيح الحيّ بفضل عمل الروح (يو 14: 26؛ 16: 13- 14). ثانيًا: في التجذّر التاريخيّ الذي لولاه لم يكن للمسيح الحيّ وجه حقيقيّ. وإنّ دَمْجَ هذين الأفقين يُعطي الكتاب أصالته الأدبيّة التي لا تجارى.

ثانيًا: تكوين الإنجيل
قد أشرنا سابقًا إلى تجذّر التقليد اليوحنّاويّ في اليهوديّة قبل سنة 70، كما أشرنا إلى بعض موادّه كما نجدها في متّى ولوقا (حوالي السنة 80). هذه الإشارات تجعلنا نستشفّ كيف انتقل التقليد المرتبط بالتلميذ الحبيب (يو 21: 24) من اليهوديّة إلى سورية ثمّ إلى آسية الصغرى حيث دوّن. هذا التقليد كان موضوع وعظ قبل أن يجمع ويدوَّن، فارتبط ارتباطاً وثيقًا بالجماعات المسيحيّة حيث أخذت كرازة التلميذ مكانها، كتذكير للزمن الذي فيه تحقّق إرسال ابن الله في الجسد، وكإعلان لحضوره الآتي في كلمة يبشّر بها، وكقبول لجسده ودمه. هكذا نفسّر التداخل الدائم بين اللحمة الإخباريّة التي نرى فيها يسوع يتكلّم ويعمل وبين المواضيع الأسراريّة التي تتجلّى في هذه اللحمة فتربطها بالاختبار العماديّ والإفخارستيّ. أمّا فيما يخصّ تاريخ التقليد، فمن الممكن أن تكون أولى التآليف المكتوبة لبعض الموادّ قد ظهرت حوالي السنة 80، وأنّه وجد فيما بعد "كتاب الآيات" (ف 1- 12). ما عدا المطلع، "وكتاب المجد" (ف 13: 20). ولكنّنا لا ننسى الزيادات والتحويرات وانتقال بعض النصوص من مكان إلى آخر.
ووصلت هذه المسيرة التأليفيّة المعقّدة إلى نسخة إجماليّة نجد خاتمتها في 20: 30. ومن الممكن أن تكون بدايتها (كما في الأناجيل الإزائيّة) شهادة يوحنّا المعمدان (1: 6- 8، 19 ي). أمّا النسخة الأخيرة التي جهّزها تلاميذ الإنجيليّ بعد موته (21: 23) فقد تركت أثرًا ملحوظاً في الفصل الأخير (ف 21) وفي المطلع الحاليّ الذي يتكوّن من نشيد للكلمة (1: 1- 5، 9- 14، 16- 18). وقد ينسب إلى هذه النسخة الأخيرة تأليفات يوحنّاويّة قديمة مثل بعض التكرارات (يو 14 يقابل 16: 16- 31)، والتوازيات مع الأناجيل الإزائية (15: 18- 16: 4)، أو الزيادات (3: 16- 21؛ 3: 31- 36؛ 17: 3) أو كتلة ضائعة (12: 44- 50). كلّ هذه المسائل هي موضوع جدال بين الاختصاصيّين. ولكن مهما يكن من أمر، فهناك نفحة لاهوتيّة واحدة بين الطبقات التأليفيّة المختلفة، نكتشفها رغم التبدّل في المنظور بين نسخة وأخرى.
هنا نشدّد على دور الجماعة الليتورجيّة كمكان لتكوين كلّ النصوص اليوحنّاويّة، الشفهيّة منها والخطّيّة. هذا لا يعني أنّنا نُخضع الكتاب إلى دورة من ثلاث سنوات تقرأ فيها النصوص الكتابيّة (كما في العالم اليهوديّ، على ما يبدو). ولكن إذا تذكّرنا أنّ السنة الليتورجيّة المسيحيّة المركّزة على فصح يسوع قد استعادت الإطار العامّ للسنة الليتورجيّة اليهوديّة، نفهم أن يكون الكاتب جعل أعمال يسوع في إطار الأعياد اليهوديّة الكبرى: الفصح والمظالّ والتدشين (6: 4؛ 7: 2؛ 10: 22). وهكذا يدلّ على أنّ هذه الأعياد تمّت في يسوع. وفي المقابل كان كتاب الساعة (بدأ في 13: 1) قراءة ليتورجيّة للاحتفال بالفصح المسيحيّ.

2- رسائل يوحنّا
أوّلاً: أصل النصوص
جاءت رسائل يوحنّا الثلاث من محيط الإنجيل: فالنشيد للكلمة في الإنجيل يرتبط ارتباطاً وثيقًا بالرسالة الأولى (1 يو 1: 1). وفي الرسالتين الثانية والثالثة يسمّي الكاتب نفسه "الشيخ" دون اسم علم (2 يو 1؛ 3 يو 1). لسنا أمام لقب رسول، بل لقب رئيس كنيسة في محيط مسيحيّ متهوّد. من أجل هذا ميّزت بعض النصوص الآبائيّة بين يوحنّا الرسول ويوحنّا الشيخ. ولكنّ اسم يوحنا بن زبدى ولقب رسول هما غائبان أيضاً من الإنجيل والرسائل، غير أننا نجد في الرسائل والإنجيل تقليد التلميذ الحبيب عينه. قد يكون تدخّل مؤلّفون عديدون في تدوين كلّ هذه الكتابات. ولكنّ مؤلِّف الرسائل يمكن أن يكون مسؤولاً عن إحدى الطبقات التأليفيّة التي نكتشفها في الإنجيل.

ثانيًا: 1 يو: رسالة أم كرازة؟
الرسالة الثانية هي بطاقة موجّهة من كنيسة (السيدة المصطفاة) أفسس حيث يقيم الشيخ، وهي تستعيد مواضيع عديدة تتوسّع فيها 1 يو، وتناهض المضلّلين الذين يدلّون على أنّ المسيح الدجّال ما زال يعمل (2 يو 7- 11). ووُجّهت الرسالة الثالثة إلى تلميذ اسمه غايوس فأعطت إيضاحات عن حياة الكنائس في أرض آسية: عمل الوعّاظ المتجوّلين، استقبال سيّئ لرئيس كنيسة يهمّه المقام الأوّل، سلوك أخ (أو رسول) اسمه ديمتريوس. نحن هنا أمام رسالة شخصيّة وهي تختلف عن 2 يو الموجّهة إلى الجماعة لتقرأ قراءة علنيّة.
ولكنّ 1 يو تختلف عن الثانية والثالثة. لا عنوان لها ولا خاتمة، وهي لا تبدو بشكل رسالة إلاّ في المقاطع التي يقول فيها المؤلّف: "أكتب إليكم" أو "كتبت إليكم" (1: 4؛ 2: 21، 7- 8، 12- 14، 21، 26؛ 5: 13). أمّا مجمل الرسالة فيبدو بشكل خطبة أو سلسلة من الخطب، وهذا ما يقرّبنا من يع، 1 بط، أف، مع اختلاف في الأسلوب. إذًا، نجد في كلّ هذه الرسائل أساسًا أدبيًّا بلاغيًّا واحدًا. ثمّ إنّ الإطار العماديّ الذي سيطر على تأليف 1 بط وأف ترك آثارًا واضحة في المواضيع الموسّعة هنا: اعتراف وغفران الخطايا، قبول وصيّة المحبّة، حرب ضدّ الشرير، اعتراف بيسوع كابن الله الذي جاء في الجسد، التزام بالإيمان الذي يؤمّن النصر على العالم... لا شكّ في أنّ التحذير من المسحاء الدجّالين (2: 18- 19، 22- 23؛ 4: 1- 6) يتجاوز الإطار العماديّ. ونحن نفهمه في الحالة التي تعيشها كنائس آسية: الحرب ضدّ المعلّمين الكذبة كما في يهو والرسائل الرعائيّة. وتتوضّح طبيعة الخطر الذي يهدّد الإيمان. نحن أمام ظاهريّة (قالت: لم يكن جسد يسوع حقيقة) ماثلتها المسيحيّة القديمة بنظام قارنتيس. ولكنّ إقحام هذه الحرب في النصّ لا يمنع أن تكون العظات المجموعة قد شَكّلت أوّلاً خطبات نموذجيّة لليتورجيّا عماديّة، هذا مع العلم أنّ تمييز المقاطع وترتيبها يطرحان مشاكل صعبة. وهكذا تكون 1 يو بالنسبة إلى التقليد اليوحنّاويّ ما كانت أف بالنسبة إلى التقليد البولسيّ وما كانت 1 بط بالنسبة إلى التقليد البطرسيّ مع فارق في الأسلوب وفي تدخّل الكاتب الذي جمع هذه العظات وأعطاها شكلها النهائيّ.

3- جذور التقليد اليوحنّاويّ
من الصعب أن نضع في المكان عينه التقليد البولسيّ حول أف والتقليد اليوحنّاويّ حول يو، 1 يو، 2 يو، 3 يو. فصمت أغناطيوس الأنطاكيّ (+ حوالي 110) وبوليكربوس الإزميريّ (+ حوالي 150) يقلقنا. ولكنّنا نجد عوضاً عنه ما قاله بوضوح بوليكرتيس الأفسسيّ وإيريناوس أسقف ليون الذي هاجر من آسية الصغرى إلى الغرب. إذًا، نستطيع أن نحتفظ بهذا المُعْطى من التقليد القديم ونترك على غاربها المجادلات حول مدوِّني الإنجيل والرسائل والرؤيا. فهناك يوحنّا بن زبدى الذي هو التلميذ الذي كان يسوع يحبّه، ويوحنّا الشيخ، مؤلّف الرسائل الذي تدخَّل في مرحلة من المراحل في تدوين الإنجيل، ويوحنّا النبيّ ومؤلّف الرؤيا. إنّ تماثل الأسماء الثلاثة أنتج دمج هذه الأسماء في تقليد القرن الثاني.

هـ - نحو مجموعة الأسفار المقدّسة
1- قانونيّة الكتابات الرسوليّة
حين تتبّعنا أثر انتشار الكنيسة حتّى بداية القرن الثاني وجدنا نشاطاً أدبيًّا أصيلاً شكَّل على هامش التوراة اليهوديّة مجموعةً من النصوص الوظيفيّة تهدف إلى تغذية حياة الإيمان وتنظيمها والتعبير عنها. وكان لهذه النصوص طابع القاعدة الإيمانيّة، لأنّها الشاهدة الحقيقيّة للتقليد الرسوليّ، وهذا بِغَضِّ النظر عن هُوِيَّةِ كاتبها. وهذا الطابع لا يعني فقط الشكل النهائيّ الذي اتّخذته هذه الأسفار لتدخل في المجموعة الحاضرة، بل يضمّ كلّ مراحل تكوينها وتأليفها. فلقد لعب التقليد دوره في إنتاجها وحفظها قبل أن تنضمّ إلى مجموعة أوسع. فيمكننا في هذا المجال أن نتكلّم عن قانونيّة حيّة يشهد عليها استعمال الكنائس لهذه النصوص. وبفضل هذه النصوص استطاعت الكنائس أن تتحقّق من مكانة التعليم الذي تسلّمته وسلّمته، ومن أمانة حياتها الجماعيّة للإنجيل الذي أعلنه رسل المسيح القائم من الموت. وفي الوقت ذاته، قدّمت هذه النصوص مبدأَ تفسير ساعدنا على قراءة التوراة اليهوديّة قراءة مسيحيّة.
لا شك في أنّ كلّ شيء لم يحفظ في الأدب الأوّل الذي تساعدنا الأسفار الحاليّة على اكتشاف أَثَرِهِ. ولكن ما بقي لم يُحفظ مصادفة: نحن أمام وثائق متنوّعة كانت لها منذ البداية سلطتها في الكنائس. والمبدأ ذاته يسري بأولى حجّة بالنسبة إلى الأسفار نفسها التي دوّنت اتّفاقًا لتلبّيَ حاجاتٍ عمليّةً في زمان ومكان محدَّدين. ولقد شدّدنا دومًا على حياة الجماعة المسيحيّة كموضع إنتاج كلّ هذا الأدب المسيحيّ. فبعد أن كانت الإطارَ السوسيولوجيّ الذي فيه تكوّنت هذه النصوص، عملت على جمعها في شميلة (الأناجيل، أعمال الرسل، الرسائل، الرؤيا) ثمّ في مجموعات جزئيّة. ووجود هذه المجموعات نال تثبيتًا من آخر ما دوّنه العهد الجديد، عَنَيْتُ بهما نهاية إنجيل مرقس ورسالة بطرس الثانية.

2- آخر نصوص العهد الجديد
أوّلاً: خاتمة إنجيل مرقس
إنّ مرقس ينتهي فجأة في 16: 8 في عدد كبير من الشهود مثل الفاتيكانيّ والسينائيّ، يسندهما إكلمنضوس الإسكندرانيّ وأوريجانس. ولكنّنا نجد في مكان آخر ثلاث خاتمات تطرح علينا مسألة هامّة في عالم نقد النصوص، فتشهد على التقليد الذي حمل إلينا نصّ إنجيل مرقس، ولكنّنا نقيِّم كلّ خاتمة بحسب قِدَمِها. في هذا الإطار نتفحّص مجموعة النصوص التي توردها هذه الخاتمات بطريقة غير مباشرة. أوّلاً: قول عرفه إيرونيموس (القرن الرابع) ولم يكتب في مكان آخر. هو قول جليانيّ ولا يبدو قديمًا جدًّا. ثانياً: خاتمة قصيرة تطعّمت على آ 8 ففرضت عودة إلى لوقا (لو 24: 9- 12 يذكر بطرس) وإلى سفر الأعمال (إعلان شامل لتعليم الخلاص). ولكنّنا نشكّ في قدمها. ثالثًا: خاتمة طويلة (مر 16: 9- 20) هي الأكثر شيوعًا. اعتبرتها لائحة القانون التريدينتينيّ قانونيّة بسبب قيمتها الكبيرة. إنها نسيج تلميحات إلى متّى (آ 15- 16، ق مت 28: 19- 20)، وإلى لوقا (آ 12- 13 ق لو 24: 13- 35؛ آ 14 ق لو 24: 36- 49) وإلى يوحنّا (آ 9- 10 ق يو 20: 11- 18؛ آ 14 ق يو 50: 19- 23)، وإلى سفر الأعمال (آ 17- 18؛ ق أع 2: 4؛ 9: 18؛ 10: 46؛ 28: 3- 6، 8). فصاحب هذه النصوص عرف إذًا مجموعة تضمّ الأناجيل الأربعة وسفر الأعمال. ولقد أقرّ القرّاء بسلطة هذه المجموعة في الثلث الأوّل من القرن الثاني.

ثانيًا: رسالة بطرس الثانية
أراد كاتب 2 بط الذي اختبأ وراء هامة الرسل، أن يحفظ في الكنائس تقليد الرسول الذي اختاره الربّ وجعله على رأس كنيسته. وهكذا تبدو 2 بط وصيّة تركها الرسول قبل رحيله (1: 13- 15).
عرف كاتب 2 بط رسالة بطرس الأولى واستقى منها (3: 1)، كما أفاد من رسالة يهوذا وتابع جهادها ضدّ المعلّمين الكذبة، وكيَّف نصّها حسب هدفه. وهو إلى ذلك عرف مجموعاتٍ إنجيليّةً أخذ منها بصورة خاصّة مشهد تجلّي يسوع (1: 16- 18). وهو يستعمل أيضاً رسائل القدّيس بولس. هو لا يحدّد الكنيسة التي إليها يتوجّه، ولكنّ التلميح إلى 1 بط يدلّ على أنّ قرّاءه يعرفون هذه الرسالة. إذًا، نحن في آسية الصغرى، والأخطار التي تهدّد الإيمان واضحة جدًّا وسببها معلّمون كذبة حاربهم يهوذا والرسائل الرعائيّة (2 بط 2: 1- 2؛ 3: 3- 7). إنّ تأثيرهم المضرّ يتنامى. فيجابههم المؤلّف ليس فقط بشهادة التوراة النبوية التي وضعها أناس ألهمهم الروح القدس (1: 20- 2) بل بالشهادة الرسوليّة التي كشفت معرفة المسيح الحقيقيّة (1: 12- 18). فعلى المؤمنين أن يتذكّروا "الأشياء التي قالها الأنبياء القدّيسون، ووصيّة الرسل" التي هي "وصيّة الربّ والمخلصّ" (3: 2).
وتتمثّل هذه الشهادة الرسوليّة بكتابات، يذكر منها المؤلّف رسائل مار بولس التي ضمّت في مجموعة تشمل الرسائل الرعائيّة، وهو يجعلها على قدم المساواة مع سائر الكتب (أي كتب التوراة). هذه أولى الإشارات إلى مجموعة مسيحيّة. ولكنّ لا بدّ من فهم هذه النصوص فهمًا صحيحًا، لأنّ "الجهّال وضعفاء النفوس يحرّفون معناها" (3: 16). هذا التلميح يدلّ على أنّ هراطقة ذلك الوقت يستندون إلى أسفار العهدين ليعطوا تعليمهم أساسًا ظاهرًا. أمّا الوضع المصوَّر هنا، فهو وضع بداية القرن الثاني. إذًا يمكن أن تكون 2 بط كتبت بين سنة 110 وسنة 125. وتقليد بطرس الذي تحاول أن تحافظ عليه بقوّة وتعطيه سلطة تعليميّة، والارتكاز على سلطة الأسفار النبوّية (أي كلّ أسفار العهد القديم) والكتابات الرسوليّة، يفسّران أنّ 2 بط دخلت بين الأسفار القانونيّة فكانت آخر حلقة منها، فربطت أسفار العهد الجديد بأقدم كتابات الآباء.
الفصل الحادي عشر
في أصول قانون الكتب المقدّسة

أ- التقليد الحيّ تجاه الانحرافات الدينيّة
1- استمرار التقليد الحيّ
لم يطبع أيُّ تاريخ العبورَ من التقليد الرسوليّ إلى التقليد الكنسيّ: فقد مرَّ وقت قبل أن نميّز بين هذا وذاك، ونقولُ إنّ التقليد الكنسيّ جعل "الوديعة" تثمر بعد أن ثبَّتها التقليد الرسوليّ. وعلى المستوى العمليّ، تمَّ الانتقال بطريقة لا شعوريّة، يوم كان الرسل لا يزالون أحياء: سلَّموا الكرازة الإنجيليّة إلى المُرسلين، ومسؤوليّة الكنائس إلى رؤساء، ولم يكن هؤلاء وأولئك ممّن أرسلهم المسيح القائم إرسالاً مباشرًا. وعلى مستوى العهد الجديد، أعطانا "رجال رسوليّون" النسخة الأخيرة لكتابات تقرّ الكنيسة بأنّها الشهادات الصادقة للتقليد الرسوليّ. وقبل أن نتفحّص الظروف التي فيها تمَّ التعرّف إلى هذه الأسفار المقدّسة، نشير إلى نقطتين أظهر فيهما التقليد الحيّ استمراره الحقيقيّ، حين انتقل من المرحلة الرسوليّة إلى المرحلة الكنسيّة، وهما: المؤسّسات والخلق الأدبيّ.

أوّلاً: استمرار المؤسّسة
في العهد الجديد، كانت البنى المؤسّسية الإطارَ الذي ألِّفت فيه الكتابات الرسوليّة، وفي هذه البنى لعبت هذه النصوص وظائف متعدّدة: وهذا ما حاولت أن تبيّنه التحاليل السابقة. هنا لا بدّ من أن نقدّر ديناميّة المواهب التي ساعدت على انتشار الإنجيل وسط العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ، والتي ظهرت بعطايا الروح في الكنائس. ولكنّنا لن نعارض المواهب بالمؤسَّسات، فنميِّز بين جماعات مواهبيّة ظهرت في نطاق بشارة بولس الرسول، وبين جماعات من النمط المسيحيّ المتهوّد. فكلّ الجماعات وعت أنّ الروح يقودها، ووعت أنّها لا تستطيع أن تستغنيَ عن البنى. فهذه البنى، مهما اختلفت أشكالها وتنوّعت تسمياتها، هي قديمة قدم الكنيسة نفسها. لهذا ارتبطت منذ البدء ارتباطًا حميمًا باجتماعات الكنائس. ولعب المسؤولون دورًا في خدمة الكلمة أو في وظيفة الرعاية والرئاسة، فكانوا مسؤولين عن النظام الداخليّ، عن الوحدة، عن الخير المشترك. وظلَّ همُّ "حفظ الوديعة" (أي الإنجيل الحقيقيّ) الواجبَ الأساسيّ.
غير أنّ آخر أسفار العهد الجديد جعلنا نلاحظ انتقال خدمة الكلمة من الأنبياء والمعلّمين (1 كور 12: 28؛ أع 3: 1- 2) إلى الشيوخ (أو القسيس) ورؤساء الجماعات. ففي أع 20: 29- 31 نرى بولس يسلّم إلى شيوخ أفسس مهمّةَ الدفاع عن القطيع ضدّ التعاليم الضاّلة التي تلقيها "ذئاب خاطفة". ونقرأ في 1 تم 5: 17 أنّ بعض الشيوخ الذين يرئسون "يتعبون في الكلمة والتعليم"، وقد سُلِّمت إليهم في تي 1: 9 وظيفةٌ تعليميّة مهمّة. وفي 2 يو 7- 11 نرى شيخًا (أو قسًّا) يحذّر المؤمنين من المسحاء الدجّالين (1 يو 2: 18- 23؛ 4: 1- 6). يقابل هذا التطوّرُ مرحلةَ تنظيمٍ وصلت إليها الكنائس، وإمكانيّةَ كرازة توسَّعت لدى الممسكين بوظائف خدَمّية (رئيس، شيخ، راع). ولكنّه يقابل أيضاً حاجات العصر العمليّة. وهذا ما سيتيح للبنى التحتيّة (التي لم تكن كلّها حسب النموذج عينه) أن تتوحّد توحّدًا تدريجيًّا.
وإنّ أولى الوثائق المسيحيّة الآتية من خارج العهد الجديد تدلّ على سعة هذه المسيرة. فمنذ نهاية القرن الأوّل، أو بداية القرن الثاني، أقرّت الديداكيه (أو تعليم الرسل) باستمرار النموذج المسيحيّ المتهوّد مع أنبيائه ومعلّميه في كنائس سورية. وحوالي سنة 95 شهدت رسالة إكلمنضوس (التي وجّهتها كنيسة الله المقيمة في رومة إلى كنيسة الله المقيمة في كورنتوس) لكنائس تلك الأمكنة عن بنية تشبهُ بنيةَ الرسائل الرعائيّة: فعلى رأس الجماعات حلقة شيوخ يقومون بوظائفهم "الرقابيّة" متضامنين. ولكنّنا نفترض أنّه كان لواحد مدنهم دور الرئاسة وسط الآخرين. وحوالي سنة 110- 115، دلّت رسائل أغناطيوس الأنطاكيّ على أنّ "المراقب" يرئس مجلس الكهنة المحلّي في كلّ الشرق، وهو يقوم بالوظائف المعطاة للأساقفة ابتداء من القرن الثاني. نحن أمام هدف هو تحقيق مثال رسمه أغناطيوس لأهل مغنيزية: "اسعَوا أن تقيموا ثابتين في فرائض الربّ والرسل لتنجحوا في كلّ ما تقومون به حسب الجسد والروح، بإيمان ومحبّة، في الآب والآبن والروح، منذ البداية إلى النهاية، مع أسقفكم الموقّر والإكليل الروحيّ الثمين الذي تشكّله حلقة كهنتكم والشمامسة حسب الله". فالوحدة في الجماعات وبين الجماعات، وهي مؤسّسة على الإنجيل الحقيقيّ، تسبق سائر الهموم. فأصحاب الخدَم يعملون لهذه الوحدة، وبدونهم ليس من كنيسة: قلب الكنيسة هو حلقة الكهنة المتحدّين بالأسقف كالأوتار بالقيثارة. لهذا، فأعمال الجماعة الكنسيّة (المعموديّة، عشاء المحبّة، الإفخارستيّا) لا تكون شرعيّةً وصحيحةً ولا يرضى عنها الله، إلاَّ إذا تمّت حول الأسقف أو الشيخ الذي يعيّنه. والوحدة الظاهرة بهذه العلامات المنظورة، تجد أساسها في الرجوع إلى الرسل الذين يربطون الكنائس بالربّ. وهذا الرجوع يجد سِمتَه الملموسة في مبدأ التتابع الرسوليّ الذي تشدّد عليه رسالة إكلمنضوس.
فإذا نظرنا إلى الأمور من هذه الزاوية، بدا لنا استمرار التقليد الحيّ واقعًا متعدّد الجوانب تترابط عناصره: اجتماع الكنائس حول الرعاة الشرعيّين، خدمة الكلمة في خطّ الوديعة الرسوليّة الصحيحة، قراءة التوراة وشرحها على ضوء الإنجيل الواحد الذي تحدّده هذه الوديعة، تعلّق بالسلوك المسيحيّ الذي يسهر عليه رؤساء الكنائس. فالبنى المؤسّسيّة هي في خدمة هذه الأمانة، كما قالت الرسائل الرعائيّة. ونحن نفهم تشديد أغناطيوس على هذه النقطة بسبب إطار تاريخيّ محدَّد سنعود إليه: فعلى هامش الكنائس نجد مجموعات هرطوقيّة تغتصب الاسم المسيحيّ وتشوِّه الإيمان وتقوم باجتماعاتها الخاصة. أما رسالة إكلمنضوس فتبين أنَّ تحقيق المثال الذي تركه الرسل يصطدم بصعوبات تعود إلى الضعف البشريّ، حين نكون أمام خصومة حول وظيفة الأسقف. إذًا، يجب أن نتمسّك بالوحدة في الكنائس.

ثانيًا: الاستمرار الأدبيّ
إنّ الإطار الكنسيّ الذي حدّدناه هو الإطار لخلق أدبيّ يتواصل من دون انقطاع. وأشكال النصوص التي بدأوا بتأليفها في الحقبة السابقة داخل الجماعات المسيحيّة، أخذت تمتدّ وتتقبَّل تحولاّت ملحوظة. فالديداكيه قريبة من الأدب المسيحيّ القديم، وتشكلّ قاعدة كنسية للحياة الجماعيّة. ورسالة إكلمنضوس تختلف عنها بقدر ما تُبرز تدخّلَ كنيسة (كنيسة رومة التي تربط نفسها بشهادة بطرس وبولس) لتحلَّ أزمة تتخبّط فيها كنيسة كورنتوس وريثة التقليد الذي تركه بولس ورسائله. لسنا أمام عمل سلطويّ، بل أمام محبّة أخويّة. وتدلّ رسائل أغناطيوس الأنطاكيّ وبوليكربوس الإزميريّ دوام فنّ أدبيّ دشّنته الرسائل البولسيّة. ولكنّ هدفها لم يعد في تنظيم حياة الجماعات باسم السلطة الرسوليّة: إنها تدلّ على الشركة بين الكنائس ورعاتها، مع التشديد على أخطار الساعة الحاضرة. ورسالة إكلمنضوس الثانية (وثيقة من القرن الثاني) ترتبط بفنّ الوعظ الذي اكتشفنا أهمّيّته في رسائلَ كاملةٍ (عب، 1 بط، أف، 1 يو) أو في مقاطعَ من الرسائل. وهناك مؤلّفات ضاعت، فاحتفظ لنا أوسابيوس القيصريّ بعناوينها ومقاطع منها، وهي تكمّل هذه اللوحة. أوّلاً: "شرح أقوال الربّ" لبابياس أسقف هيرابوليس (حوالي سنة 125). ثانيًا: عمل هاجاسيب التاريخيّ. ثالثًا: "دفاعات" كوادراتوس وأرستيدس الأثينيّ... إنّها تدشّن في الأدب الكنسيّ فنونًا أدبيّة جديدة. وفي أواسط القرن الثاني شكَّل "راعي هرماس" انبعاثًا أصيلاً للفنّ الجليانيّ. ونعرف بواسطة "قانون موراتوري" أنّ مؤلّفه هو شقيق البابا بيّوس الذي مات على أيام أنطونينوس (138- 161). وفي الوقت نفسه، اتّخذ الأدب الخلاّق أشكالاً جديدة مع الفيلسوف يوستينوس في دفاعَيْهِ (148- 161) اللذين أرسلهما إلى الإمبراطور أنطونينوس وإلى مجلس الشيوخ الرومانيّ، وفي "حواره مع تريفون" (دوّن حوالي سنة 165)، فشهد على الجدال مع العالم اليهوديّ وعلى تفسير للتوراة المقروءة في اليونانيّة تفسيرًا مسيحيًّا.
ونشير في هذا الإطار العامّ إلى دوام اصطلاح أدبيّ في العالم الجليانيّ اليهوديّ وفي آخر مراحل العهد الجديد، وهو اللجوء إلى إغفال الأسماء. تُجعَل مؤلّفات دوَّنها كتَّاب مجهولون تحت اسم شخص من العالم القديم، يهوديًّا كان أو مسيحيًّا. وقد كمِّلت بعضُ الأسفار اليهوديّة المنحولة وحوِّرت في الجماعات المسيحيّة ابتداء من القرن الثاني. وهكذا نجد مؤلّفاتٍ يقبل بها الإيمان المسيحيّ القديم مثل" صعود أشعيا" الذي يترجم صوفيّةً مسيحيّةً قريبة من العالم الجليانيّ اليهوديّ. ونسبت إلى أبطال الزمن الرسوليّ مؤلّفاتٌ جليانيّة. مثلاً: "رؤيا بطرس" التي قرئت في بعض الجماعات المسيحيّة. "رسالة برنابا" التي تحارب اليهود وتقلّل من قيمة العهد القديم. ولكنّ خدعة اللجوء إلى أسماء الرسل جعلت من الضروريّ أن يتدخّل رؤساء الكنائس المتعلّقون بالتقليد الصحيح: فهناك مؤلّفات لا قيمةَ تعليميّة أو روحيّة فيها، وهناك مؤلّفات وضعتها الشيع المتفرّعة من المسيحيّة فروّجت لأفكارها، وهذا ما شكّل خطرًا للمؤمنين.

2- خطر الانحرافات
من الصعب أن نصنّف التيّارات التي زاحمت "الكنيسة الكبرى" منذ القرن الثاني، ولاسيّما وإنّ حدود الإيمان المستقيم لم تظهر إلاَّ في ردّة فعل ضدّها. نبدأ بالمسيحيّين المتهوّدين، ثمّ نراقب في المحيطات "الأرثوذكسيّة" توسّع تقوى مشبوهة، ونكتشف أخيرًا الدور الذي لعبته غنوصيّة مجتاحة ومونتانيّة متحمّسة ومنوّرة. كلّ هؤلاء تركوا نتاجًا أدبيًّا نحتاج إلى معرفته لنفهم مشاكل العصر.

أوّلاً: تصلّب المسيحيين المتهوّدين وتطوّرهم
طُرد المسيحيّون المتهوّدون من الجماعات اليهوديّة ومن المجامع بين سنة 85 وسنة 100، فلم يخسروا أصالتهم في الحال. لقد كان وضعهم المدنيّ والدينيّ متزعزعًا: طُردوا من العالم اليهوديّ فشكَّلوا انفصالاً تخفّى وراء التشريع الذي تعترف به الإمبراطوريّة الرومانيّة حيال اليهود. ولكن من هذا القبيل، أبعدهما الخضوع لممارسات الشريعة عن سائر الكنائس التي سيطر فيها العنصر اللايهوديّ. ولكنّنا نلاحظ تأثيرهم في قسم من الأدب المسيحيّ القديم. ثمّ إنّ جماعات تفرّعت من هذا النموذج فعاشت في الشرق ولاسيّما في سورية حتّى القرن السادس. ما نعرفه عن هذه الجماعات هو تحجرّ متزايد وانغلاق على الذات قتل كلّ إشعاع. ولكن كان لها أدب خاصّ ولاسيّما كتيّبات إنجيليّة عرفها القدّيس إيرونيموس.
وهذا التحجرّ دفع بعضهم إلى تكوين شيع أنتجت أدبَ حربٍ ودعايةٍ ، وُضع تحت اسم بطرس ويعقوب. فعند الأبيونيّبن (كان لهم إنجيل خاصّ) انحرفت نظرتهم إلى المسيح عن النماذج الرسوليّة فوصلوا إلى التبنويّة (نظرة تعتبر أنّ المسيح صار ابن الله بالتبنّي في العماد) أو الظاهريّة. وآخرون دخلوا في التيّار الغنوصيّ وأدخلوا فيه أفكارهم الخاصّة، وهذا ما يفسّر الدور المنسوب إلى الرسل مثل توما ويعقوب في الغنوصيّة السوريّة والمصرّية. وهكذا تكوَّن، انطلاقًا من مسيحيّة قديمة مقسّمة إلى تيّارات متعدّدة، أدبٌ إنجيليّ من الدرجة الثانية لا يكفله كفيل، وقد حاول أن يغطّيَ تعليمه المنحرف أو المشكوك فيه بالسلطة الرسوليّة.
ثانيًا: من تقوى مشكوك فيها إلى أدب مغرِض
إهتمّت الكنيسة الكبرى بالمحافظة على الإيمان القويم. ولكنّ الميلَ إلى الأدب المُغْفَلِ نما فشكَّل خطرًا بقدر ما نسبت ترجمةُ الإيمان والتقوى إلى الرسل نتاجًا ذات مضمون ملتبس أو هزيل. رأينا في الكنيسة توسيعًا إخباريًّا (هاغاده) للتقاليد الإنجيليّة: نجده في خبر الطفولة لدى متّى وهو يعبّر عن الكرستولوجيا الصحيحة. واحتفظ خبر الآلام والقيامة ببعض سمات الهاغاده في الأناجيل القانونيّة حين ألقى على التقاليد الشفهيّة صورة بيبليّة ترتبط بالفنّ لا بالتاريخ وتعبّر عن الفكر اللاهوتيّ بطريقة ملموسة (مثلاً: مت 27: 45، 51- 53؛ 28: 2- 4). وتحتفظ توسيعاتُ هذا الفنّ بمكان محدود في نصوص أغناطيوس الأنطاكيّ ويوسيتنوس دون أن تحتميَ وراء سلطة الرسل أنفسهم.
ولكنّ نوعين من الانحرافات أدخلا في هذا المجال عناصرَ مشبوهة تتعدّى حصّة الحرّيّة التي يتركها الإيمان لمخيّلة المسيحيّ. أوّلاً: هناك توسّعات أسطوريّة تطعّمت في تقاليد الطفولة وتقاليد الآلام والقيامة. فترك الكتَّاب العنانَ لمخيلتهم وتوغلوا في عالم المعجزات دون رادع ولا قاعدة. ففي "إنجيل يعقوب" (القرن الثاني) رافقت التقوى نظرة مشبوهة إلى بتوليّة مريم. وفي "إنجيل بطرس" (حوالي 130) "ورسالة الرسل" (بين 130 و150) اتّخذ عرض التعليم سيرًا منحرفًا فجعلنا نهمل "قاعدة الإيمان". ثمّ إنّ فكرة وحي باطنيّ سلّمه المسيح القائم إلى رسله فتح الطريق أمام المجموعات "السرّيّة" التي ستنتشر في الغنوصيّة. من هذا القبيل وحده، وجب أن نميِّز إرث الرسل الصحيح من العناصر الخياليّة التي تطعّمت فيه.
ثانيًا: إنّ التقليد الجليانيّ ملأ المخيلات بحُمّاه. فنحن نعرف بواسطة أوسابيوس القيصريّ أنّ بابياس أسقف هيرابوليس استسلم للأحلام الألفية المنسوبة إلى الشيوخ الذين استمعوا إلى الرسل: وسارت هذه العناصر مسيرتها، فصدّقها إيريناوس وأدخلها في إسكاتولوجيّته عن إيمان الشيوخ. إنّ مثَل إيريناوس يدلّ على الصعوبة في تمييز التعليم الصحيح وسط المعطيات التي نقلها التقليد الشفهيّ.

ثالثًا: من المعلّمين الكذبة إلى الغنوصيّة
ولكنّ الخطر سيزداد. رأينا أنّ كتابات العهد الجديد الأخيرة نَدَّدَتْ بمحاولات الأنبياء الكذبة الذي تغلغلوا في الجماعات فأفسدوا الإيمان: هذا ما تقوله رسالة يهوذا والرسائل الرعائيّة وسفر الرؤيا ورسائل يوحنّا ورسالة بطرس الثانية (هذا لا يعني أنّ الخصوم هم هم في كلّ هذه الكتابات). وبين سنة 100 و150 تبلورت الميول السابقة للغنوصيّة الحاضرة على حدود العالمين اليهوديّ والمسيحيّ، فدخلت في عدّة تيّارات تلفيقيّة محورها ميتولوجيّات الخلاص. وحاولت هذه الغنوصيّة التي ثبّتت أقدامها، أن تُدخل في نهجها أكبر عدد من العناصر المسيحيّة. ومع أنّ طابعها طابع باطنيّ لأنّها تنقل تعليمًا سرّا يعطي المعرفة "الخلاصيّة"، فقد تركت الغنوصيّة أدب دعاية غزيرًا انتشر في الشرق الأوسط: في سورية مع الكسائيّة (شيعة تحافظ على عادات يهوديّة) والمعمدانيّين الذين سيلدون التيّار المندعي (أو العارفين). وفي الإسكندريّة التي ظلّت مكان تخمير فكريّ. ومن هناك انتقلت إلى المراكز المثقّفة في عالم البحر المتوسّط (رومة، أثينة) رفي العالم الفارسيّ حيث ستنفصل عنها المانويّة في القرن الثالث.
كان لهذا الأدب سوابقُ وثنيّةٌ ولاسيّما في مجموعة هرمس. ولكن حين أدخل النهج الغنوصيّ عناصر مسيحيّة. دخل في عالم المعمّدين والموعوظين. من جهة، اقتدى الكتَّاب بالفنون الأدبيّة في الكتابات الرسوليّة فدوّنوا أناجيلَ ورؤىً (لا رسائل لأنّهم لا يقدرون أن يزيّفوها). ومن جهة ثانية، تخفّت المؤلَّفات تحت اسم رسل المسيح: توما، يعقوب، فيلبّس، برثلماوس، متّيّا... وهكذا عُرض تعليمُ المعلّمين الغنوصيّين في مؤلّفاتهم. مثلاً: تفسير يوحنّا لهيراكليون، الذي سيرد عليه أوريجانس. "رسالة من بطليموس إلى فلورا". كتبها تلميذ إيطاليّ لولنطينس واحتفظ بها إبّيفانيوس. وانتقل التقليد الدينيّ لباسيلديس (بين 120 و150) وولنطينس (بين 135 و160) من خلال الأدب المنحول، فانتشر في أوساط واسعة: إنّ مسيح الإيمان قد أعطى تعاليم سريّة لبعض تلاميذَ مختارين، قبل انطلاقه من هذا العالم أو بعد قيامته. واتّخذ مضمونُ هذا التعليم شكلَ "أقوال" انحرفت فجها بعض الموادّ الإنجيليّة الأولى عن معناها، فأعيد تفسيرها وتأليفها، وصيغت صياغةً جديدةً وموسّعة. إنّ إنجيل توما (يعود إلى القرن الثاني وإلى محيط سوريّ) يعطينا أمثلة عن هذه العمليّات المختلفة.

رابعًا: الاستناريّة النبويّة عند مونتانوس
نشر الغنوصيّةَ معلّمون جعلوا الإنجيل يتكيَّف ومتطلّبات الروح الدينيّة عند اليونانيّين والرومانيّين، وضمّوا المسيح إلى أساطيرهم في التحرّر. وإذ عادوا إلى الأدب الرسوليّ المزيَّف، عارضوا عمل رؤساء الكنائس، وجابهوهم بسلطة تفوق سلطتهم، هي سلطة الرسل، وادّعَوا أنّهم يستندون إليها. ومن جهة ثانية، رأى الأساقفة أنّ سلطتهم يعارضها تيّار مختلف يقدّم نفسه وارثًا للروح النبويّة المواهبيّة: أنّه تيّار مونتانوس الذي يخصّص له أوسابيوس القيصريّ مقطعًا هامًّا. فحماس مونتانوس الاستناريّ وُلد في فريجية حيث انتشرت عبادة قيباليس، إلاهة الخصب. تأثّر مونتانوس حين اهتدى إلى المسيحيّة بهذه العبادة، فاعتبر نفسه "أُرْغُنَ" الروح القدس، وأنّه يحمل وحيًا جديدًا يتفوّق على وحي التقليد والكتابات الرسوليّة. ولهذا رفضت المجموعات المرتبطة بهذا الانبعاث الروحيّ سلطة الأساقفة المحلّيّين المتعلّقين بالتقليد القديم، ولكنّ أصحابها بَقُوا في الكنيسة وحاولوا أن يدخلوا إليها التقشّف والتقوى. حارب أساقفة آسية هذا التيّار، ولكنّه انتشر في الغرب فوصل إلى ليون (فرنسا) ورومة وقرطاجة (ربحوا ترتليانس سنة 210- 211 الذي أسّس جماعة منشقّة). حاولت المونتانيّة أن تفبرك "كتبًا مقدّسة جديدة" ولكن لم يبق لنا إلاّ كتابات ترتليانس الأخيرة. بدأت الحرب ضدّ المونتانيّة مع ديونيسيوس أسقف كورنتوس (بين 160 و170) وامتدّت حتّى القرن الثالث، حين شجبها البابا زافيران حوالي السنة 200.

ب- تثبيت مجموعة الأسفار المقدّسة
1- التعلّق بالتقليد الرسوليّ
كلّ المسائل التي أثارها الانشقاق وجدت حلاًّ لها في وقت كانت الكنيسة مضطهدة على يد سلطات الإمبراطور أو الولاة المحلّيّين، فافتقرت إلى سلطة مركزيّة تتدخّل في الوقت المناسب. أمّا أهمّيّة رومة المتنامية فكانت وليد الاعتراف بدورها كَحكَم. وأمّا رؤساء الكنائس في مختلف أصقاع المملكة، فحاولوا كلّ في مكانه أن "يحفظوا الوديعة" (1 تم 1: 20؛ 2 تم 1: 14) لئلا يضلّ المؤمنون بسبب "تعاليم مختلفة وغريبة" (عب 13: 9). وقاموا بعملهم مستندين إلى مبدأ أساسيّ هو الرجوع إلى التقليد الرسوليّ. فهذا اللجوء العمليّ سيطر على الموقف الذي اتّخذه الأساقفة المحلّيّون بوجه المعلّمين الغنوصيّين والأنبياء المونتانيّين. لا شكّ في أنّ الغنوصيّين انتسبوا إلى تقليد سرّيُّ نُقل مشافهة. ولكن واجههم الأساقفةُ بالتقليد الحقيقيّ الآتي من الرسل والمحفوظ في الكنائس بفضل تعاقب الشيوخ. وهذا التقليد الذي ظهر في العالم كلّه، يستطيع أن يدركه في كلِّ كنيسةٍ كلُّ الذين يريدون أن يَرَوُا الحقيقة. لهذا يعدّد إيريناوس سلسلة التعاقبات التي تربط رعاة الكنائس الحاليّين بالرسل. وهكذا أصاب الغنوصيّين في الصميم بالرجوع إلى التقليد، كما أصاب كلّ من اعتبر نفسه حاملاً وحيًا يتفوّق على وحي الرسل.
ولكن كيف يُعرَف تقليد "خارجيّ" بطريقة أكيدة وصحيحة؟ إنّ التتابع الأسقفيّ يحتفظ به بشكل عمليّ بواسطة النظم والليتورجيّا وقواعد السلوك وشروح الإيمان، التي هي خبز الكنيسة المشترك. ويشهد عليه النصوص التي تساعده على التحقّق من أسسه: من جهة، هناك الأسفار التي ورثتها الكنيسة من العالم اليهودي، أي أسفار العهد القديم. ومن جهة ثانية، يجب أن نعرف بتأكيد الأسفار التي تنتسب إلى الرسل: نضع جانبًا الأناجيل والأعمال والرسائل والرؤيا التي تمثّل تقليد الرسل، ونميّزها عن كتابات انتشرت فروّجت لتعليم الهراطقة. إنّ العهدين يشكّلان كنز الكنيسة الذي يغتصبه الهراطقة. 
وسلطة الكتب الرسوليّة هذه تفترض معيارين مجتمعين يساعداننا على التعرّف إليها. الأوّل يرتبط بمضمون الكتب وعقيدتها. نحن نرذل الكتابات التي تنتسب إلى الرسل وتنحرف عمّا آمن به وعلّمه بطرس وبولس ويوحنّا ويعقوب والآخرون. فتواصلُ التقليد الحيّ الذي يكفله التتابع الأسقفيّ، يتدخّل ليرفض كلّ قيمة لكتب باطنيّة تعارض الوحي العامّ.
والمعيار الثاني يؤكّد ويحدّد المعيار الأوّل: نحن ننطلق من استعمال الكنائس لنعرف أيًّا هي الكتب التي نتسّلمها كشاهدة صادقة عن التعليم المستقيم. فالكتب التي ترتبط فعلاً بتقليد كلّ من الرسل أو الأشخاص الرسوليّين، والتي نحتفظ بها بحقّ في الكنائس، تحمل سمة أصلها بنسبتها الأدبيّة أو بقربها من الرسل. ولهذا يَجمع إيريناوس كلَّ المعلومات الممكنة عن تأليفها وقرّائها. يعتمد على استعمال قديم يقرّ بأنّ هذه الكتب هي قاعدة الإيمان والحياة، فيبيّن أنّه رجل التقليد.
ويمكننا أن نتكلّم في هذا المجال عن "قانونيّة" ناشطة. فالكتب تشهد لقاعدة الحقيقة، لقاعدة الإيمان. هذا هو المعنى الأوّل لكلمة "قانونيّ" نطبّقها على الأسفار المقدّسة. لا شكّ في أنّ الاعتراف العمليّ بقانونيّتها سبق التحديد الذي أعطاه إيريناوس. وحين يلجأ الآباء الرسوليّون والمدافعون إلى الأناجيل والرسائل دون أن يذكروا اسم مؤلّفها، فهم ينسبون لها سلطة خاصّة هي سلطة التقليد الرسوليّ. مثلاً: يرجع يوستينوس إلى الأناجيل ويسمّيها "مذكّرات الرسل" كما يقول اليونانيّون، ويعيد إلى "مذكّرات بطرس" نصًّا أخذه من إنجيل مرقس. وهو يقول حرفيًّا إنّ "المذكّرات" أو "الأناجيل" تُقرأ مع أسفار الأنبياء في الجماعة المسيحيّة. وهكذا تبقى الجماعة الكنسيّة المكان الذي تُحفظ فيه الأسفار وتُقرأ وتُفسر، كما كانت المكان الذي فيه دُوّنت: فالاستمرار كامل بين تكوينها في الزمن الرسوليّ، واستعمالها خلال القرن الثاني. نحن هنا أمام تقليد "عمليّ" يكفل التقليد التعليميّ في وقت عارضه الهراطقة.

2- نحو لائحة رسمّية للنبات الرسوليّة
أوّلاً: ضغط الظروف
كانت ردّة فعل ضدّ الكتب العديدة التي دوّنها الأنبياء المونتانيّون. اعتبروا أنّهم يحملون وحيًا جديدًا يفوق وحي الإنجيل، فاندفعت الكنيسة تُبرز الأناجيلَ وسائر الكتب الرسوليّة، وتُذَكِّرُ أنّ الإيمان المسيحيّ يجد فيها قاعدته النهائيّة، وأنّ لا شيء يمكن أن يزاد عليها. وكانت أيضاً حرب ضدّ الدعاية الغنوصيّة التي لجأت إلى سلطة المسيح ورسله لتؤكّد سلطة كُتبها التي تحيد عن الإيمان. فوجب على الكنيسة أن تعرّف إلى الأناجيل والرسائل والرؤى التي تمثّل حقًّا التقليد الرسوليّ. وهكذا أُبعدت الكتب الكاذبة وتميَّز القمح من الزؤان.
وعجلَّت مبادرتان فرديّتان في تحرّك الكنائس المختلفة. أوّلاً: جاء إلى رومة حوالي السنة 140 معلّم غنوصي أصلة من البنطس واسمه مرقيون. فعلّم نظامًا ثنائيًّا يعارض فيه العهدان الواحدُ الآخر. رذل مرقيون كلَّ أسفار العهد القديم واعتبرها من عمل العقل الخلاّق الشرّير ولم يحتفظ من العهد الجديد إلاّ بإنجيل لوقا بعد أن شوّهه، وبقسم من رسائل القدّيس بولس. حُرم سنة 144 وناقضه يوستينوس، ولكنّه ربح تبّاعًا كثيرين سيحاربهم ترتليانس بعد نصف قرن في كتابه "ضد مرقيون" (دوِّن في نسخة أولى سنة 200، وثانية سنة 207، وثالثة سنة 211). هذا الكتاب هو مرجعنا الأساسيّ للتعرّف إلى "النقائض" التي نشرها المعلّم الهرطوقيّ. أمّا ردّة الفعل على هذه المحاولة فكانت إجبار الأساقفة والمعلّمين المسيحيّين على وضع لائحة كاملة بكتبهم المقدّسة وإبعاد الأسفار المنحولة والمشبوهة.
المبادرة الثانية: بين سنة 170 و180 ألَّف طاطيانس وهو تلميذ ليوستينوس انجرَّ إلى جماعة المتعفّفين (أو ربّما المرقيونيّين)، ألّف "التناغم الإنجيليّ" أو "دياتسارون" (عبر الأربعة أناجيل): حذف كلّ تكرار، مزج الأناجيل الأربعة، وضمّ إليها بعض التقاليد المنحولة، وقدَّم للمسيحيّين عملاً جديدًا يقرأونه فيستغنون به عن الأناجيلِ الأربعة. نجح الكتاب نجاحًا باهرًا ففسّره أفرام في القرن الرابع. ولكنّ الرجال المتعلّقين بالتقليد أعادوا الانتباه إلى الإنجيل الرباعيّ الذي يملك وحده سلطة رسوليّة لا جدال فيها.
في الظروف المعقّدة، وخلال القرن الثاني، تمّ عملان كانت نتيجتهما تثبيت العهد الجديد. من جهة، كوَّنت الكنائس لائحة رسميّة تمثّل بالنسبة إليها قاعدة الإيمان. ومن جهة ثانية حاول الناسخون المسيحيّون أن يحسّنوا نصّ الكتب التي يعتمد عليها إيمانهم وكرازة الكنيسة: انتقلوا من نصّ شعبيّ فيه اختلافات عديدة إلى نصّ مثَبت وعلميّ بانتظار النصوص المنقّحة في القرن الرابع.

ثانيًا: الإشارات الأولى إلى لوائح رسميّة
ظلّ الآباء حتّى إيريناوس يعتبرون أنّ الكتاب المقدّس هو العهد القديم لأنّه "نبوءة عن المسيح". إذًا لا نستطيع أن نهمل تثبيت لائحته الرسميّة في الكنائس. من هذا القبيل كان المعيار الأساسيّ استعماله القديم في الجماعات. ففي مختلف أصقاع الشتات اليونانيّ، كانت التوراة أوسع ممّا هي عليه في الإطار الفلسطينيّ. إلاَّ أنّ الكنائس التي اتّصلت بوسط يهوديّ مهمّ، والكتَّاب الذين انخرطوا في الجدال مع اليهود، تأثّروا بالقرارات التي اتّخذها معلّمو يمنية. مثلاً: هناك شهادة للائحة ضيّقة عند مليتون السرديسيّ (النصف الثاني من القرن الثاني) الذي يعلن في رسالة إلى أونسيموس أنّه تسلّمها من الشرق (كما يقول أوسابيوس القيصريّ). ونجد أثرًا لهذا التأثير في القرن الرابع (مثلا كيرلُّس الأورشليميّ). ولكنّ استعمال إيريناوس الذي هو معاصر لمليتون السرديسيّ يطابق ممارسة الكنائس المغروسة في الشتات اليونانيّ، ولاسيّما في الإسكندريّة، إنّه يستعمل سفرَيِ الحكمة وباروك (يسمّيه إرميا) والأجزاء اليونانيّة من دانيال بل أيضاً سفر عزرا الرابع (الذي هو سفر منحول). ويعتبر إيريناوس النسخة اليونانيّة ملهمة من الله، وهذا ما يسمح بقراءته في الليتورجيّا. في هذا المعنى عينه كتب أوريجانس إلى يوليوس الأفريقيّ ليبدّد شكوكه بالنسبة إلى أسفار لا تتضمّنها اللائحة اليهوديّة التي أثبتها الرابّانيّون: عرف اللائحة المؤلّفة من 22 كتابًا، ولكنّه ضمَّ إلى توراته كلّ الأسفار القانونيّة الثانية.
أمّا فيما يخصّ العهد الجديد فلا نملك إلاَّ شهادات قليلة ومباشرة عن اللوائح الموضوعة في الكنائس المحلّيّة. فقانون موراتوري هو لائحة رومانيّة موضوعة بين سنة 165 وسنة 185. هو يعرف الأناجيل الأربعة وسفر الأعمالى وكلّ رسائل القدّيس بولس (ما عدا عب). وهو يرذل الرسائل المنحولة فيدلّ على ردّة الفعل ضدّ مرقيون وسائر الهراطقة. وهو يعرف رسالة يهوذا ورسالتين ليوحنّا ورؤيا بطرس "التي يرفض بعض منّا أن يقرأوها في الكنيسة". أمّا المقدّمات المعارضة لمرقيون فلها هدف ضيّق. ترجمت من اليونانيّة فجاءت متأخّرة ولكنّها تستند إلى استعمال سابق. لن نجد في القرنين الثاني والثالث لوائح، لهذا سنلجأ إلى الكتّاب، والاختلاف بينهم ضئيل. بعضهم يؤكّد أنّ رسالة برنابا (إكلمنضوس الإسكندرانيّ) وراعي هرماس (إيريناوس) ورؤيا بطرس (قانون موراتوري، إكلمنضوس الإسكندرانيّ) هي قانونيّة. يرفض الكاهن الرومانيّ كايوس كلّ ما كتبه يوحنّا في ردّة فعل ضدّ المونتانيّة. كثيرون يجهلون الرسالة إلى العبرانيّين (قانون موراتوري) أو لا ينسبونها إلى بولس (هيبّوليتس، ترتليانس) بسبب الصعوبات النقديّة التي أشار إليها أوريجانس. أجل، لم تدخل عب في المجموعة البولسيّة في كلّ مكان في الوقت عينه. أمّا رسائل يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية ويوحنّا الثانية والثالثة فلم تذكر إلاَّ قليلاً، لهذ حسبها أوسابيوس القيصريّ في القرن الرابع بين الكتب المختلف عليها.
هذه التردّدات لا ترتبط بمبدأ القانونيّة الذي رأينا أهمّيّته. ولكنّنا نلاحظ أنّ كلمة "قانون" لا تدلّ على لائحة الأسفار المقدّسة إلاَّ في مجمع لاودكية سنة 360: ولكنّها عنت إلى هذا الوقت قاعدة الإيمان كما رأينا عند إيريناوس. فالكتابات الرسوليّة (بالمعنى الواسع الذي يجعل منها شهودًا للتقليد الرسوليّ) تشكّل قاعدة العقيدة التي إليها نعود. من هذا القبيل يكون من الخطأ أن نقول إنّ مرقيون كان صاحب الكتاب المقدّس المسيحيّ أو البادىء بأوّل قانون مسيحيّ. حين شكلَّ أوّل لائحة ضيّقة كان أوّل من حاول أن يثبت قانونًا في القانون وإنجيلاً أساسيًّا يقيِّم سائر الكتابات ويبعدها عن اللائحة المستعملة. ولكنّ محاولة مرقيون التي كانت مجدِّدة ظاهريًّا، قد باءت بالفشل في الواقع. لقد كان القانون بحسب تحديد إيريناوس موجودًا في الحياة العمليّة منذ كانت الكنائس المحلّيّة تقرأ في اجتماعها النصوص التي ترى فيها إرث الرسل الصحيح على مستوى الإيمان والحياة المسيحيّة. في هذا الإطار، لا تقدر المسائل النقديّة أن تتدخّل إلاَّ بطريقة ثانويّة مشكّكة بسلطة هذا الكتاب أو ذاك: تساءل الآباء منذ القرن الثاني: هل بولس هو صاحب عب؟ وفيما بعد شكّكوا في بعض الرسائل الكاثوليكيّة وفي الرؤيا وقالوا: لم تكن صحّتها الأدبيّة أكيدة. أمّا التأويل الحديث فميّز بوضوح هاتين المسألتين: بعد أن أبرز التوسّعَ الأدبيّ الذي تركه الرسل، دعانا إلى أن لا نخلط بين سلطة كتاب يُعتبر قاعدة حياة، وبين صحّته الأدبيّة وطرائق تأليفه. هنا تُترك الحريّة للنقّاد لأن يتحرّكوا داخل تعلّقهم بالتقليد الرسوليّ الذي هو قاعدة الإيمان الأخيرة.
الفصل الثاني عشر
الفنون الأدبيّة في العهد الجديد

مقدّمة
تكلّمنا سابقًا عن النقد الأدبيّ والكتاب المقدّس وحصرنا موضوعنا في كتب العهد القديم. وها نحن نتوقّف في هذا المقال على الفنون أو الأنواع الأدبيّة في العهد الجديد، متوخّين أن نجعل النصّ الكتابيّ أكثر شفافيّة، فنفهمه لا بصورة سطحيّة خارجيّة بل بصورة رصينة متقنة تدخلنا إلى أعماقه، فلا نعود نقرأ الأناجيل وكأنّها فقط حياة يسوع التي جرت منذ ألفي سنة وكتبها الإنجيليّون على غرار المؤرّخين الذين كتبوا حياة الإسكندر أو سقراط، ولا نتهرّب من التمرّس برسائل القدّيس بولس بسبب تركيبها وصعوبة فهمها رج 2 بط 3: 15- 16)، ولا نخاف من الولوج في سفر الرؤيا الذي هو أوّلاً وأخيرًا كتاب الرجاء في عالم يائس ورسالة تعزية وسط المحن والاضطهادات.

أ- الفنون أو الأنواع الأدبيّة
عندما نتكلّم عن الفنون الأدبيّة لا نبحث عن مستوى الكتاب صناعة وأسلوبًا بل نتأمّل طريقة من طرائق الكتابة ونوعًا من الأنواع الأدبيّة يلجأ إليه الكاتب لإيصال الكلمة إلى الناس. وكما أنّ هناك أنواعًا من السينما وأنواعًا من الفنّ المعماريّ، كذلك هناك أنواع من الفنون الأدبيّة. ونحن عندما نعرف الفنّ أو النوع الذي ينتمي إليه النصّ، موضوع درسنا، حينئذ يسهل علينا فهمه.
إنّ كلامنا على الفنون الأدبيّة ينطبق على التراث الذي انتقل إلينا من شفة إلى شفة فوصل إلينا شفهيًّا، أو ذلك الذي دوّنته الأيادي فوصل إلينا مكتوبًا. لا شكّ في أنّ هناك أنواعًا تختصّ بالأدب الشفهيّ دون الأدب المكتوب، كالمثل والمرافعة والنكتة، وأنواعًا تختصّ بالأدب المكتوب، كالمذكّرات الشخصيّة. ولكن قلّما نجد في النصّ الأدبيّ الموسّع فنًّا أدبيًّا واحدًا، بل نجد الكاتب ينتقل من فنّ إلى آخر فلا يملّ القارئ أو السامع.
إنّ الفنون الأدبيّة أمر مألوف عند الذين يدرسون في الصفوف التكميليّة والثانويّة، إذ يطّلعون على فنّ الشعر أو النثر، وعلى الفنّ القصصيّ أو الملحميّ أو الروائيّ. وهي أمر مألوف في حياتنا أيضاً، دون أن نعيره انتباهنا. فعندما نقرأ الجريدة نحن نميّز بين الافتتاحيّة والصفحة المحلّيّة، ونلاحظ الصفحة الأدبيّة أو السيمائيّة أو الرياضيّة، ونتوقّف على الإعلانات وأسعار العملة وصفحة الوفيّات، ويمكننا أن نغوص في قراءة الرواية المتسلسلة أو ننكبّ على الكلمات المتقاطعة. وهكذا تكون جريدتنا انعكاسًا للتنوّع الأدبيّ الذي نجده في الكتب. فإنْ كنّا لا نمزج بين الرواية العاطفيّة والمقالة العلميّة، ولا نخلط بين ديوان الشعر والكتاب المدرسيّ، فلماذا نقرأ مجموعة من سبعة وعشرين كتابًا تمثّل أسفار العهد الجديد وكأنّها نوع أدبيّ واحد؟ ولماذا نطالع سفر الرؤيا وكأنّه حدث واقعي فَنَتِيْه في عالم الأشكال والألوان وتتزاحم أمامنا الأعداد والأرقام، وننسى أنّنا أمام فنّ أدبيّ هو الفنّ الجليانيّ الذي يتوسّل الصور الممّوهة ليوصل الخبر والحقيقة إلى المؤمنين في زمن الاضطهاد؟
إنّ الفنون الأدبيّة هي إذًا أشكال عامّة وفنَيّة للفكر لها سماتها وشرائعها الخاصّة وهي تكوّن ضروبًا وأصنافًا من الكتابة ينتظم في داخلها نتاج الفكر. هي أطر تُسكَب فيها المعرفةُ البشريّة ووسائلُ من التعبير يعتمد عليها الكاتب ليفصح بها عمّا في فكره بحسب الهدف الذي يضعه أمام عينيه. فنحن نستطيع أن نروي الخبر ذاته وكأنّه قصّة واقعيّة أو نكتة ونادرة، ولكلّ طريقة أسلوبها. وهكذا عندما ندخل في بنية مقالة من المقالات فنعرف الفنّ الأدبيّ الذي أخذ به الكاتب، نستطيع أن نفهم قصده عندما كتب ما كتب.
اعتاد دارسو الآداب أن يرتّبوا الفنون الأدبيّة فذكروا الفنّ الشعريّ والفنّ النثريّ والفنّ الملحميّ والفنّ الغنائيّ والفنّ الروائيّ. واعتاد البعض أن يميّز بين الفنون الأدبيّة الرئيسة والفنون الأدبيّة الثانويّة. فالأولى هي التي تتضمّن آثارًا واسعة وذات نفس طويل وبنية متشعّبة، كالرواية والملحمة والقصّة، والثانية هي التي تتضمّن آثارًا ذات نفس قصير، كالقصيدة والمثل والرسالة الصغيرة... وسنأخذ نحن بهذا التمييز لدى قراءتنا أسفار العهد الجديد، فنجعل الفنّ الإنجيليّ، كما نقرأه في الأناجيل الأربعة، والفنّ الإخباريّ، كما نقرأه في أعمال الرسل، في إطار الفنون الأدبيّة الرئيسة، ونجعل المثل وخبر المعجزة، إلخ... في إطار الفنون الأدبيّة الثانويّة.
من أين يأتي الفنّ الأدبيّ؟ إنّه يرجع إلى تقليد شعب أو جماعة من الشعوب ترتبط فيها مضامين الأفكار والعواطف ببنى أدبيّة خاصّة وأسلوب مميَّز. فالمعلّقات ولدت في إطار الجزيرة العربيّة بحياتها القبليّة حيث للحبّ والفخر والحرب طبيعة خاصّة؛ والروايات التمثيليّة ولدت في بلاد اليونان حيث علّمت الديموقراطيّة الناس المحادثة والحوار، والزجل الشعبيّ الذي نعرفه في لبنان ولد مرتبطاً بشعب تمرّس في حضارة السريان فأراد أن يعبّر عن أفكاره وعواطفه بقوالب عرفها في حياته وترسّخت في لاوعيه؛ والأناجيل أيضاً ولدت في الشعب المسيحيّ قبل أن تدوَّن كتابةً. فلقد تناقلت الأفواه كلمات قالها يسوع وأمثال ضربها ليفسّر سرّ الملكوت، وأورد هذا أو ذاك من الشهود العِيان ما فعله يسوع من عمل أو اجترحه من معجزة. ثمّ جُمعت كلمات يسوع في مجموعة أولى فكان فصل يذكر الأمثال وكأنّها قيلت في يوم واحد (مرقس 4: 1 وما يلي)، بينما ردّدها يسوع في المناسبات المتعدّدة، وكان فصل يذكر العجائب العشر (مت 8- 9) التي اجترحها يسوع بحسب الظروف والأوقات. وكذلك نقول عن رسائل القدّيس بولس حيث نجد ترانيم دينيّة قيلت في الجماعة المسيحيّة قبل أن يجعلها القدّيس بولس في رسائله (مثلاً، فل 2: 6- 10)، أو نقاشًا بين المؤمنين عن أهمّيّة الشريعة والإيمان في حياة المسيحيّين عرضه القدّيس بولس فيما بعد في رسالته إلى أهل رومة.
والكاتب، عندما يستعمل فنًّا أدبيًّا معيّنًا غايته التسلية أو التعلّم والإقناع أو التأثير في الناس وهزّ مشاعرهم، يتوسّل المعطياتِ الخاصة بهذا الأدب والأسلوبَ الذي يميّزه عن أيّ أدب آخر. فأسلوب التشريع والفقه غير أسلوب الحبّ والخمر، والأسلوب التاريخيّ غير الأسلوب القصصيّ. فعلى هذا السبيل يقف كتاب أعمال الرّسل بين الفنّ التاريخي والفنّ القصصيّ الدينيّ، وقد توخّى كاتبه أن يحضّ المؤمنين على الحياة المشتركة وأن يجتذب غير المؤمنين إلى هذه الجماعة التي تتّسم حياتها بالفرح والعطاء والتضحية من أجل نشر ملكوت الله.
ولكن كيف نطّلع على فنّ أدبيّ، كيف نتبيّن سماتِه الأساسيّة؟ هناك طريقتان، الأولى بالمقابلة والثانية بالتحليل.
عندما درسنا نصوص العهد القديم على ضوء النقد الأدبيّ عارضناها بنصوص عديدة من آداب شعوب مصر وبابل وفينيقية فرأينا وجه التماثل في البنية والمضمون والأسلوب والمفردات وخلصنا إلى القول بوجود هذا الفنّ الأدبيّ أو ذاك مشدّدين على الناحية الروحيّة والدينيّة. وهذه هي المقابلة. أمّا التحليل فهو عمليّة صعبة وطويلة نلجأ إليها خاصّة عندما ندرس آثار الأقدمين فنلاحظ التردادات وصور الكتابة والتشابيه والإيقاع في موسيقى اللغة والألفاظ، فنربط النصّ الذي ندرسه بفنّ أدبيّ معروف. هكذا عمدنا إلى درس رسائل القدّيس بولس على ضوء الرسائل العديدة التي وصلتنا من العصور القديمة، وهكذا قابلنا سفر أعمال الرسل بكتب تيطس ليفيوس أو بلينوس الأصغر أو يوليوس قيصر التاريخيّة.
وعندما نعرف إلى أي فنّ أدبيّ ينتمي أثر من الآثار، وعندما نكتشف القواعد والاصطلاحات التي يخضع لها هذا الفنّ، لا يبقى علينا إلاَّ أن نقرأ النصوص من خلال هذا المنظار، وحينئذ يكون تفسيرنا صحيحًا.

ب- الفنون الأدبيّة الرئيسية
1- مبادئ عامة
قال بيّوس الثاني عشر في رسالته "بفيض من الروح القدس": "على المفسّر أن يرجع إلى عصور الشرق القديم فيستعين بعلم التاريخ والآثار والاتنيّات وسائر العلوم، ويكشف الفنّ الأدبيّ الذي لجأ إليه الكاتب الملهم في ذلك الزمان. إنّ الشرقيّين رجعوا إلى طرق للكتابة خاصّة ببلادهم وعصرهم ليعبّروا عمّا في أفكارهم...".
ولقد بلور المجمع المسكونيّ ما قيل في هذا الشأن فأعلن في دستور الوحي الإلهيّ (عدد 12): "لمّا كان الله يتكلّم في الكتاب المقدّس بواسطة البشر وعلى طريقتهم، وجب على شارح هذا الكتاب، ليتفهّم ما أراد أن يوصله الله إلينا، أن ينتبه في تنقيبه إلى ما كان في نيّة الكتّاب القدّيسين أن يعبّروا عنه حقًّا وإلى ما راق الله أن يظهره بكلامه. 
"لتوضيح نيّة الكتَّاب القدّيسين يجب إذًا، من بين ما يجب اعتباره، اعتبار الفنون الأدبيّة أيضاً. فالحقيقة تُعرَض وتفسَّر بصور مختلفة، في نصوص تاريخيّة أو نبويّة أو شعريّة أو غيرها. فمن الواجب على الشارح أن يفتّش عن المعنى الذي كان في نيّة الكاتب المقدّس أن يعبّر عنه، والذي عبّر عنهِ حقًّا في الظروف المعيّنة التي عاش فيها وبواسطة الفنون الأدبيّة المتداولة إذ ذاك".
لماذا تشدّد النصوص الرحميّة في الكنيسة على هذا الأمر؟ لأنّ الكتاب المقدّس، بحسب العقيدة المسيحيّة، كتاب أوحى الله به فكان هو مؤلّفه وكاتبه الأوّل، إلاَّ أنّه قد لجأ إلى الكاتب البشريّ كأداة يعبّر بها عن كلامه بطريقة البشر. فما يقوله هذا الكاتب في لغة بشريّة يقوله الله عينه. وإذا أردنا أن نفهم كلام الله، علينا أن نفهم ما نوى الكاتب أن يقوله، وهذا يفترض أن نكتشف بصورة خاصّة الفنّ الأدبيّ الذي استعمله الكاتب لينقل كلام الله إلينا.
إنّ صعوبة درس الفنون الأدبيّة في العهد الجديد تكمن في أنّنا لسنا أمام كتاب واحد بل أمام مكتبة واسعة تتألّف من سبعة وعشرين كتابًا علينا أن نكتشف الفنّ الأدبيّ الأساسيّ الذي ينتمي إليه كلّ منها، ثمّ الفنونَ الأدبيّة الثانويّة التي يصطبغ بها هذا السفر أو ذاك. إنّ الفنون الأدبيّة الكبرى هي الإنجيل وأعمال الرسل والرسالة والرؤيا. أمّا الفنون الأدبيّة الصغرى فهي المثل والجدال وسرد العجائب وقصّة الالام...
ولكن قبل الحديث عن كلّ فنّ أدبيّ بمفرده نودّ أن نعرض بعض مبادئ التفسير العامّة التي تستند إليها الفنون الأدبيّة في العهد الجديد.
إنَّ المبدأ الأوّل هو أنّ الفنون الأدبيّة في العهد الجديد تتميّز عن الفنون الأدبيّة في سائر الكتب. فالهدف الدينيّ الذي توخّاه الكتّاب الملهمون صبغ تفسير النصّ الكتابيّ بصبغة خاصّة. لقد توخَّوا قبل كلّ شيء أن ينقلوا إلينا حقيقة الخلاص، أن يعطونا درسًا عن عمل الله ومخطّطه في التاريخ وعن الطريقة التي ينخرط بها الإنسان في هذا التاريخ المقدس. ولقد سعَوا كذلك إلى نقل إيمانهم إلى الآخرين وتوطيد إيمان المؤمنين ورجائهم ومحبَّتِهِم، وهدفُهم أن يعلّموا ويوبّخوا ويشجّعوا لا أن يسلُّوا الناس أو يرضوهم بالكلام المنمّق أو ينقلوا إليهم معلومات تاريخيّة أو علميّة. وبالتالي فإنّ الفنّ الأدبيّ في الكتاب المقدّس، وإن شابَهَ فنًّا أدبيًّا في غيره من الكتب، يبقى خاضعًا للهدف الدينيّ الذي توخّاه الكاتب الملهم.
أمّا المبدأ الثاني فيقوم على ما يمتاز به كلّ فنّ في الكتاب المقدّس. فإذا كان هدف التفسير أن ندرك فكرة الكاتب الملهم الذي يكشف عن بعض قصده عبر الفنّ الأدبيّ الذي يختاره، فعلى شارح الكتاب أن ينبّه في شرحه إلى النواميس والمعطيات التي يخضع لها هذا الفنّ الأدبيّ. ونعطي على ذلك بعض الأمثلة: هل نفسّر نشيدًا ليتورجيًّا نقرأه في رسائل بولس (أف 1: 1- 10؛ فل 2: 6- 11) كما نفسّر خبرًا يروي أسفار بولس وتجوالاته (رج أع 13: 1 ي)؟ وهل نشرح نصًّا من سفر الرؤيا (12: 1 ي) فيه الخيال والتصوّر غير المألوف كما نشرح تفاصيل سيرة بولس من خلال رواية أسره وانتقاله من أورشليم إلى رومة (أع 27: 1 ي)؟
أمّا المبدأ الثالث فهو المرونة في استعمال الفنون الأدبيّة. فلقد أظهر الكتّاب الملهمون مرونة في استعمال الفنون الأدبيّة كما أخذوها عن عصرهم، فلم يتقيّدوا بها تقيّدًا حرفيًّا بل أعطَوها منحى خاصًّا يتوافق والتعليم الذي ينقلونه ويلائم عبقريّتهم الموجّهة بفعل الروح القدس. على هذا النحو كانت كتب الرؤى تتورّع من ذكر واضع الكتاب وتشرع في الحديث عن نشأة الكون بطريقة أسطوريّة تجعل القارئ يعيش في عالم سرّيّ باطنيّ. أمّا القدّيس يوحنّا فقد ذكر اسمه في بداية كتاب الرؤيا (1: 4، 9) وفي نهايته (22: 8)، وبدأ خبره على طريقة الأنبياء المتكلّمين باسم الله (1: 3) بانيًا مسيرة التاريخ كلّها حول شخص المسيح كما عرفه الرسل.

2- الفنّ الأدبيّ الإنجيليّ
في البداية لم يعرف المؤمنون إلاَّ الإنجيل. وكلمة إنجيل تعني التبشير (فل 1: 3، 5؛ 2 كور 2: 12)؛ وتعني أيضاً مضمون البشارة التي ينادي بها الرسول (1 كور 9: 14) ويطلع الناس عليها (1 كور 15: 1) ويكلّمهم بها (1 تس 2: 4)؛ وفي العهد القديم تعني "البشارة" الخبر المفرح (2 صم 18: 20، 25؛ 2 مل 7: 9)، وعند اليونان تعني خبر النصر المفرح والإعلام بالسلام. فالإنجيل هو إذًا إعلان الخلاص في شخص يسوع المسيح وليس كتابًا أو أثرًا أدبيًّا أو تاريخيًّا.
لقد استُعملت كلمة إنجيل أوّل ما استعملت على يد يوستينوس الذي كتب دفاعه الأوّل (عدد 66) سنة 150 ب. م. فقال: "إنّ الرسل نقلوا إلينا في مذكّراتهم المسمّاة أناجيل...". وإذا كانت كلمة إنجيل قد نُسبت إلى ما دوَّنه كلّ من متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا، فلأنّ كلّ واحد منهم أعلن على طريقته هذه البشارة.
هذا وإنّ قراءة الإنجيل تستدعي الملاحظاتِ التاليةَ لتكون قراءةً صحيحة.
أوّلاً، إنّ الإنجيل هو شهادة إيمان، وكرازة تستند إلى وقائع، ونداء يتوجّه إلى الناس ليبعث فيهم الإيمان ويثبّته، قبل أن يكون نَسْخًا آليًّا دقيقًا لكلمات يسوع أو تحقيقًا مباشرًا يصوّر أحداثًا بطريقة جافّة جامدة. نحن لسنا أمام صورة فوتوغرافيّة عن يسوع بل أمام شهادة أناس عرفوه وعاشوا معه وقالوا لنا من هو وكيف ولجوا سرّه فتبدّلت حياتهم. ولو وصل إلينا تحقيق مباشر عن يسوع لما عرفنا عنه الكثير ولظلّت حياتنا خارجًا عنه. أمّا وأنّنا أمام شهادة الرسل فنحن نكتشفه من الداخل.
ثانيًا، لدى قرائتنا الإنجيل لا ينبغي التوقّف على ما نجده فيه من إشارات إلى الزمان (في ذلك اليوم، بعد ذلك، حينئذ) أو إلى المكان (في الطريق، على الجبل، عند البحيرة)، وهي إشارات غامضة وضعت لتكون إطارًا لكلام يسوع وأعماله. ولا ينبغي أن نبحث عمّا قاله يسوع حرفيًّا، لأنّ بحثنا هذا لا يجدينا نفعًا، بل علينا أن نبحث عن الفكرة التي أراد يسوع أن يعبّر عنها، فنميّز بين التعليم الذي يريد أن يقوله لنا والطريقة الملموسة التي بواسطتها يعرض علينا هذا التعليم. ففي مثل الوكيل الخائن (لوقا 16: 1- 8) لن ننظر إلى تصرّفه في سرقة معلّمه بل إلى فطنته في عمله؛ وفي مثل العملة الذين أُرسلوا إلى الكرم (مت 20: 1- 16) نعرف كَرَمَ ربّ الكَرْم ورحابةَ صدره فلا نجادل باسم عدالة بشرّية ضيّقة.
ثالثًا، إنّ أقوال يسوع وأعماله جمعت تبعًا لمضمونها. ضمّ متّى في خطبة الجبل (5- 7) مجموعة من التعاليم الجديدة التي تسمو على تعليم موسى، ثمّ سلسلة من عشر معجزات (8- 9). وجعل مرقس في فصل واحد (4: 1- 33) الأمثال التي قالها يسوع في ظروف متعدّدة. فمن النافل إذًا البحث عن تسلسل زمنيّ يجعل هذه المعجزة قبل تلك وهذا المثل قبل ذاك. إنّ الإنجيليّين يطلعوننا على مراحل حياة يسوع الكبرى ويُعرضون عن التفاصيل. لذلك نعتبر نحن أنّ الكتب التي تحاول أن تعرض علينا حياة يسوع متوخّيةً السياق التاريخيّ الدقيق، تبقى محاولة فاشلة. وهذا ما فهمته الكنيسة السريانيّة بشخص أحد أساقفتها ربولا الرهاويّ (بداية القرن الخامس)، الذي حرَّم استعمال الدياتسارون، أي الإنجيل المستخلص من الأناجيل الأربعة، وأمر باستعمال الأناجيل المتفرّقة: فإذا كان أمامنا أربع لوحات من الفسيفساء، هل نفكّ حجارتها ونأخذها لنكوّن منها قطعة جديدة؟ وإذا كان أمامنا أربعة أناجيل كلّ واحد يشكّل بحدّ ذاته تحفة فنّيّة، كيف لا نمسخها إنْ مزجنا بعضها ببعض؟ كلّ ما نستطيع أن نفعله هو أن نقابل النصّ بالنصّ لزى وجه التماثل أو التخالف بينهما، أن نجعل النصّ بإزاء النصّ الآخر لنكتشفَ التفاصيل الخاصّة بكلّ إنجيل، فتتوضّحَ أمامنا ملامحُ وجه يسوع كما انطبعت في هذا الإنجيل أو ذاك.
رابعًا، إنّ كلّ إنجيل من الأناجيل يعكس المحيط الذي كتب فيه ويتوجه بكلامه إلى مستمعين معيّنين. فمتّى كتب إنجيله إلى الكنائس المؤلّفة من أناس ارتدّوا من اليهوديّة إلى المسيحيّة، ولهذا اهتم بأن يوضح لهم أنّ يسوع هو وارث المواعيد التي حصل عليها داود وأنّه المسيح الذي أعلن عنه الأنبياء. وكتب لوقا إنجيله إلى الكنائس التي أسّسها بولس الرسول في العالم اليونانيّ والرومانيّ، مريدًا أن يثبّت إيمان المؤمنين المرتدّين من الوثنية ويبيّن لهم أنّ التعليم الذي قبلوه هو أهل للثقة. ومن هذا المنطلق علينا أن نفسّر الاختلافات في التفاصيل. فإذا قابلنا مثلاً عظة السَهل عند القدّيس لوقا (6: 20- 49) بعظة الجبل عند القدّيس متّى (5- 7) رأينا أنّ هذا يورد مقاطع عديدة من التوراة (مثلاً خر 21: 24؛ لا 19: 18؛ تث 5: 18) ليبيّن سمّو الشريعة الجديدة بيسوع على الشريعة القديمة بموسى؛ بينما يكتفي القدّيس لوقا بالتشديد على وصيّة المحبة وعلى واجب ممارسة الرحمة: كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم.
خامسًا، إن نصّ الإنجيل موحى كلَّه، فلا حاجة إلى التمييز بين ما قاله يسوع نفسه وما تأمّلت فيه الكنيسة الأولى وما دوّنه الكاتب الملهم. فكلّ ما في كتاب الإنجيل هو قاعدة حياة للمؤمنين، فلا نعتبرْ أنّ ما هو أصيل أكبرُ قيمةً ممّا ليس بأصيل. فإن نسبنا الرسالة إلى العبرانيّين إلى بولس أو إلى أحد تلاميذه فقيمتها اللاهوتيّة هي هي؛ وإن قلنا إنّه ليس مرقس الذي كتب نهاية إنجيله (16: 9- 20)، بل أحد تلاميذه، فهذا لا يؤثّر في قيمة هذا المقطع الذي لا يختلف من حيث العقيدة عن سائر مقاطع الإنجيل.

3- الفنّ الأدبيّ الإخباريّ
في هذا الفنّ يندرج سفر أعمال الرسل الذي كتبه القدّيس لوقا رفيق درب القدّيس بولس، فسرد فيه أحداثًا عرفها أو شارك فيها. فبعد أن صوَّر حياة الجماعة المسيحيّة الأولى في أورشليم (1- 5) وضع أمام عيوننا نشاط الكنيسة الأولى (6- 15) ثمّ جعلنا نرافق بولس في رحلاته التي ستنتهي به إلى الأسر في رومة ( 16- 28).
إنّ أعمال الرسل لا تمثّل فنًّا أدبيًّا فريدًا كالأناجيل، ولكنّها تتميّز بسمات خاصّة تجعلها تختلف عن فنّ الإخبار التاريخيّ، إذ فيها أكثر من الخبر والتاريخ وهي قبل كلّ شيء عمل تاريخيّ دينيّ.
إذا نظرنا إلى المبنى رأينا كتاب أعمال الرسل يندرج في الفنّ التاريخيّ كما عرفه اليونان والرومان: بنية دراماتيكيّة، وبحث عن الجمال، وأسلوب خطابيّ يدخل فيه الكاتب خطبته التي يجعلها في فم شخص رئيسي لإيضاح الاحداث، وتركيز على شخصيّات تعتبر مثالاً ونموذجًا. أمّا إذا نظرنا إلى المعنى فالفرق يبدو شاسعًا بين كتاب الأعمال وغيره من كتب التاريخ، لأنّه كتاب دينيّ. إنّ هيرودوتس المؤرّخ اليونانيّ يلمّح إلى دور القدر في معاكسة الأبطال، وتِيطس ليفيوس الرومانيّ يندّد بالانحلال الخُلقُيِّ في رومة عصره فيعزوه إلى طالع المدينة وحظّها. أمّا سفر الأعمال فيشدّد على عمل الروح في الكنيسة الأولى وعلى حضور يسوع في جماعته التي أسّسها.
وإذا قابلنا سفر الأعمال بكتب التاريخ عند العبرانيّين اكتشفنا هنا وهناك عمل الله الحاسم في التاريخ ومشاركة الشعب كلّه في هذا التاريخ. ولكن كما أنّ نظرة القدّيس لوقا تختلف عن النظرة اليونانيّة التي تعتبر التاريخ عمل بعض الأبطال وتسلسل العلل على مستوى قرارات البشر، كذلك تختلف نظرته عن النظرة العبرانيّة التي تعرض أشخاصاً يقاومون الله أكثر المرّات. إنّ القدّيس لوقا يضع أمام عيوننا شخصين رئيسيين، بطرس وبولس، خاضعين كلّ الخضوع للربّ الذي يقود حياتهما. وهو يستوحي أيضاً من الفنيّن النبويّ والجليانيّ ليبرز حتميّة عملِ الله ككلّ وقدرته التي تجعل التاريخ يتقدّم في خطّ مستقيم، مع العلم أنّ حرّيّة البشر تبقى فاعلة ومؤثّرة في مجرى الأحداث التفصيليّة. فرغم حضور الله الفاعل دائمًا، فحياة بولس، مثلاً، تبدو في خطر: تآمر عليه اليهود في دمشق ليقتلوه (9: 23- 25)، أراد أهل إيقونية أن يرجموه (14: 5- 7)، لا بل رجموه وتركوه بين حيّ وميت (14: 19- 23).
إلى أيّ نوع أدبيّ يرجع كتاب الأعمال؟ إنّه ليس كتابًا تاريخيًّا محضاً كالسيرة والمذكّرات والحوليّات، والمؤرّخ الذي يدرسه من هذه الزاوية يجد فيه نقصاً كبيرًا. فالفصول الأولى لا تشير إلى أيّ تسلسل زمنيّ بل تكتفي بعرض لوحات تكاد تكون مستقلّة بعضها عن بعض. ثمّ إنّنا لا نجد أيّ ذكر لتأسيس كنائس دمشق والجليل وحيفا وفينيقية والإسكندريّة وأفسس وعكّا ورومة، مع العلم أنّ سفر الأعمال يشير إلى وجودها. ولا نجد كذلك أيّ إشارة إلى رسالة بطرس خارج فلسطين وإلى نهاية حياته، ولا نعلم شيئًا عما فعله سائر الرسل ولا عن أزمة كنيسة غلاطية التي يلمّح إليها القدّيس بولس (1: 1 ي)، ولا عن خلاف بولس مع أهل كورنتوس، ولا عن نتيجة الدعوى المقامة عليه في رومة.
ومع ذلك، لا تنتهي أعمال الرسل إلى الفنّ الكرازيّ أو التعليميّ المحض، لأنّ التاريخ يحتلّ فيها مكانة هامّة. فرغم النقص الذي نجده هنا وهناك، فالسفر يحتوي على تفاصيل عديدة، كأسفار بولس مرحلة مرحلة ووقائع محاكمته في أورشليم وقيصريّة (21 – 24).
إنّ موقع سفر الأعمال هو بين التاريخ والكرازة، ويمكننا أن نعتبره تاريخًا دينيًّا يهدف إلى بنيان الجماعة أو نظرة لاهوتيّة إلى التاريخ. أمّا هدفه فيمكننا أن نقرأه من خلال موضوعه العامّ، ألا وهو إعلان خلاص الله على جميع الأمم. لقد أبلغ يسوع الرسل أنّهم سينالون قوّة ويكونون له شهودًا في أورشليم وكلّ اليهوديّة والسامرة حتّى أقاصي الأرض (1: 8). وفهم الرسل بدورهم أنّ الربّ فتح باب الإيمان للوثنيّين أيضاً (14: 28)، وأنّه أرسل خلاصه إليهم وأنّهم سيستمعون إليه (28: 28). وهذا الخلاص الذي بدأ ببداية حياة يسوع (إنجيل لوقا) ثمّ امتدّ في حياة الكنيسة وتاريخها، يشكّل امتدادًا لتاريخ بني إسرائيل. فإنّ الربّ أمين في مواعيده وهو سيّد التاريخ الذي يحقّق قصده تدريجيًّا بقيادة الروح. إنّ أعمال الرسل تصوّر انتشار المسيحيّة في المسكونة فتبيّن كيف بدأت البشارة بقوّة الروح القدس وما زالت مستمرّة إلى يومنا. وهذه البشارة تتمّ بإعلان الإنجيل حتّى يصل إلى رومة، إلى أقاصي الأرض. وهكذا ينتهي الكتاب عندما يصل القدّيس بولس إلى رومة (28: 25 ي).
الهدفان الرئيسيان لسفر الأعمال هما إذًا تعليم المؤمنين ودعوة الوثنيّين لكي يفهموا التاريخ المقدّس الذي يشاهدونه. غير أنّ هناك أهدافًا أخرى وإن كانت أقلّ أهميّة. فقد أراد القدّيس لوقا أن يبيّن للسلطات الوثنيّة أنّ المسيحيّين أبرياء مما يلصق بهم من اتّهامات، وأن يعلّم المسيحيّين المهدّدين بالأخطار أن لا يتحدّوا السلطات المحلّيّة، وأن يبرّر رسالة بولس إلى الوثنيّين رغم معارضة المسيحيّين الذين من أصل يهوديّ.
أمّا بناء سفر الأعمال فينطلق من ثلاثة مبادئ، مبدأ لاهوتيّ وهو الرسالة إلى الأمم الوثنيّة، ومبدأ جغرافيّ وهو انتشار الإنجيل بصورة تدريجيّة من أورشليم حتّى رومة، ومبدأ رسوليّ وهو التحدّث عن رسولين، بطرس رسول الربّ إلى اليهود (1- 12)، وبولس رسول الربّ إلى الوثنيّين (13- 28). في هذا البناء تلعب الخُطب، وهي تربو على العشرين خطبة وتشكّل ثلث أعمال الرسل، دورًا هامًّا وتؤلّف وحدة أدبيّة تامّة. لقد ألَّفها القدّيس لوقا، كما كان يفعل المؤرّخون اليونان، انطلاقًا من تقليد وصل إليه، وجعلها في المكان المناسب من كتابه ليشرح مضمون الأحداث التي رواها.
وطلبًا للمزيد من الوضوح في نظرتنا إلى أعمال الرسل لا بدّ لنا من إبداء الملاحظات التالية.
أوّلاً، إنّ لوقا كتب سفر الأعمال فعرض فيه تاريخ انتشار الإنجيل في المسكونة وقدَّم تعليمًا دينيًّا يهدف إلى بناء الجماعة المؤمنة. فلا يجوز لنا أن نقلّل من أهمّيّة الكتاب التاريخيّة أو ننكر على لوقا أمانته للأحداث كما وصلت إليه بواسطة شهود عِيان (لو 1: 2)، وإلا عارضنا هدفًا أساسيًّا من أهداف الكتاب، ألا وهو تبيان استمرار الاتّصال بين الجماعة الأولى التي أسّسها يسوع في أورشليم والجماعات التي تأسّست في مدن العالم اليونانيّ والرومانيّ. كما أنّه لا يجوز لنا أن نكثر من أهمّيّة الكتاب التاريخيّة، لأنّ القدّيس لوقا أخذ بطريقة عصره في تدوين التاريخ فتصرّف بشيء من الحرّيّة في عرضه الأحداث وإنشائه الخطب ومحاضر المحاكم. فهو مثلاً يذكر أنّ بولس أقام مرّة واحدة في دمشق ومرّتين في أورشليم، بينما يذكر بولسُ نفسُه أنّه أقام في دمشق مرّتين وفي أورشليم ثلاث مرّات؛ ونراه أيضاً يجمع في نصّ واحد نقاشين حدثا بمناسبة مجمع أورشليم ويعرض الأمور وكأنّها تمّت بصورة هادئة، بينما يبدو من كلام القدّيس بولس أنّها كانت صاخبة (ق أع 15 1 ي مع غل 2: 1 ي).
ثانيًا، إنّ المؤرّخ في القديم كان يتصرّف بحرّيّة حيال التقاليد التي تصل إليه. فلا يجب إذًا أن ننطلق من الحدث لنشرح النصوص بل من النصّ لنفهم غاية الكاتب الدينيّة. لا ينبغي الاهتمام أكثر مما يلزم بتفاصيل ليست أساسيّة ولا بما أغفله الكاتب من ذكر الوقائع والتواريخ ولا بما نراه من تضارب كما هي الحال في روايات ارتداد بولس الثلاث (رج أع 9: 1 ي؛ 22: 5- 16؛ 26: 10- 18؛ رج غل 1: 12- 17)؛ كما أنّه يجدر بنا أن لا نتوقّع أن يورد القدّيس لوقا بدقّة حرفيّة ما قاله الرسل وما فعلوه، بل أن نعلم أنّه عندما يتكلّم عن حالة الكنيسة لا يصوّر الأمور كما حدثت تمامًا بل يسبغ عليها طابعًا مثاليًّا. لهذا نراه يصف الجماعة الأولى تعيش بالوئام والمحبّة (2: 42- 47؛ 4: 32- 35؛ 51: 12- 16)، بالرغم من الخلافات الموجودة في كلّ جماعة، ويصوّر مجمع أورشليم وقد تحلّى بروح السلام، مع أنّنا نتخيّل الجدال بين بطرس وبولس.
ثالثًا، إنَّ هدف سفر الأعمال الأوّل هو هدت دينيّ يتوخّى التعليم والبنيان. فلهذا يجب أن نفسّر الكتاب كلّه كنصّ دينيّ غايته دينيّة قبل أن تكون تاريخيّة، وأن نعطي الأهمّيّة الأولى للخطب لا للأخبار، لأنّ الخطب تتوجّه بصورة خاصّة إلى معاصري القدّيس بولس فتنقل إليهم نِظرته اللاهوتيّة وتجعلهم يستمعون إلى كلمة خلاص الله وكأنّها تقال لهم للمرّة الأولى؛ كما يجب أن لا ندهش إنْ أغفل لوقا أمورًا لا تشرّف الكنيسة، كالصراع بين بطرس وبولس والأزمة الغلاطيّة والجدل بين بولس وجماعة كورنتوس، فإنّ همّه التعليميّ دفعه إلى إغفال بعض الأمور والتشديد على البعض الآخر من أجل البنيان.
رابعًا، لقد كان من أهداف القدّيس لوقا الدفاع عن الإنجيل والإعلان عن شموليّته، لإقناع المسيحيّين الآتين من الشعب اليهوديّ بصحّة العقيدة الجديدة، واجتذاب الوثنيّين إلى الدين الجديد، وحماية المسيحيّين الآتين من الأمم الوثنيّة من هجوم المسيحيّين المتهوّدين. لهذا نرى أنّ القدّيس لوقا يطيل الحديث عن رسالات بولس في الأمم وجداله مع اليهود. وبما أنّه حاول أن يستميل السلطات الرومانيّة إلى الديانة المسيحيّة، فأظهر أنّ الدين الجديد لا يتدخّل في سياسة الدولة، فنحن لا نعجب إن هو تساهل تجاه المملكة الرومانيّة وما تمثّله من سلطة وثنيّة.

4- الفنّ الرسائليّ
تشكّل الرسائل أكثر من ثلث العهد الجديد وهي كناية عن كتابات موجّهة إلى فرد أو جماعة، معظمها من بولس والباقي من يوحنّا وبطرس ويعقوب ويهوذا.
إنّ الآداب القديمة عرفت الفنّ الرسائليّ وقد وصل إلينا منه ما يربو على الأربعة عشر ألف رسالة منها سبع مئة وستّ وتسعون لشيشرون خَطِيبِ رومة (106- 43 ق. م.)، نجد فيها الرسالة الخاصّة الحميمة التي تقيم حوارًا مع الصديق البعيد، وتلك التي تتوجّه إلى قرّاء عامّيّين فتتّخذ شكل مقالة أو كتاب.
إنّ الرسائل التي نقرأها في العهد الجديد تتوجّه إلى شخص معلوم، تيموثاوس أو تيطس أو فيلمون أو غايوس، أو إلى جماعة معروفة، كنيسة غلاطية أو كورنتوس أو تسالونيكي... ثمّ إنّ هذه الرسائل كتابات أَمْلتها ظروف طارئة فجاءت جوابًا على حاجة معيّنة وهدفت إلى توطيد الإيمان وتشجيع المسيحيّين في الاضطهاد وتحديد العقيدة وإصلاح الضالّين والوقوف بوجه البدع والهرطقات... وهكذا صارت الرسالة بسبب اتّساعها كتابًا مطوّلاً وبحثًا لاهوتيًّا يهمّ الجماعة المسيحيّة أن تسمعه وتعمل به.
كتب القدّيس بولس رسائله على طريقة معاصريه. ففي المقدّمة يذكر أوّلاً اسمه: بولس رسول المسيح (2 كور 1: 1؛ أف 1: 1) أو عبد يسوع المسيح (روم 1: 1؛ فل 1: 1). ثمّ يذكر اسم معاونيه ليشدّد على أنّ الكلام الذي يقوله ليس كلامه وحده: سسُتينسُ (1 كور 1: 1) وتيموثاوس (2 كور 1: 1؛ فل 1: 1) وسلوانس (1 تس 1: 1). وبعدها يسمّي الأشخاص الذين كتب إليهم ويسلّم عليهم لا على طريقة الوثنيّين بل على طريقة الجماعة المسيحيّة. والمرسَل إليهم هم المسيحيّون المؤمنون (أف 1: 1) أحبّاء الله (روم 1: 7) القدّيسون (2 كور 1: 2)، وهم كنائس غلاطية (1: 2) أو أساقفة فيلبّي (1: 1) وشمامستها مع جميع القدّيسين، وهم تيموثاوس، ابن بولس في الإيمان (1 تم 1: 2) وتيطس (1: 4) وفيلمون. أمّا السلام الذي به يحيّي المرسَل إليهم فهو: عليك النعمةُ والسلام من لَدُن الله الآب ومن لدن مخلّصنا يسوع المسيح (تي 1: 4؛ روم 1: 7). وأخيرًا يرفع صلاة إلى الله يشكر له إنعاماتِه في ساعة الشدّة والضيق (2 كورنتوس 1: 3)، ويحمده على إيمان أهل رومة (1: 9) وغنى أهل كورنتوس (الأولى 1: 4)، ويباركه لأنّه اختار المؤمنين ليكونوا عنده قدّيسين بلا عيب في المحبّة (أف 1: 4).
بعد المقدّمة التي تطول أو تقصر، ينتقل القدّيس بولس إلى جسم الرسالة وفيه قسمان، قسم نظريّ تعليميّ يشرح فيه الرسول ناحية من العقيدة لم يفهمها المؤمنون، وقسم عمليّ يحضّ فيه المؤمنين على أن يسيروا سيرة مؤسّسة على العقيدة التي تعلّموها. وينهي القدّيس بولس رسائله بأخبار معاونيه، ويسلّم على المسيحيّين ذاكرًا اسم هذا وذاك: سلّموا على برسكلّة وأكيلا معاونيّ في المسيح يسوع... سلّموا على حببيي أبينيتوس... سلّموا على مريم... سلّموا على أندرونيكس ويونيّاس (روم 16: 3 ي).
يمكننا أن نقسم رسائل القدّيس بولس أربع مجموعات تشكّل كلّ منها مرحلة من مراحل تفكيره. فالمجموعة الأولى التي تتكوّن من 1 و2 تسالونيكي (سنة 51) تشدّد على مواضيع الكرازة المسيحيّة الأولى وتوجّه انتباهنا إلى مجيء المسيح القريب. والمجموعة الثانية التي تتكوّن من 1 و2 كورنتوس وغلاطية ورومة وفيلبّي (سنة 56- 58) تشدّد على الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح الذي ما زال يعمل في كنيسته. والمجموعة الثالثة التي تتكوّن من الرسائل إلى كولسّي وأفسس والصديق فيلمون (سنة 61- 63، وكان بولس في السجن) تشدّد على مكانة المسيح في التاريخ والكون. والمجموعة الرابعة التي تتكوّن من 1 و2 تيموثاوس (أسقف أفسس) وتيطس (أسقف كريت) التي كتبت سنةً قبل وفاة بولس (سنة 67) تهتمّ بتنظيم الكنائس والمحافظة على وديعة الإيمان.
في الختام، نوجز هنا بعض المبادئ التي تسهّل لنا عمل تحليل الرسائل التي كتبها كلّ من بولس وبطرس ويعقوب ويوحنّا ويهوذا.
أوّلاً، علينا أن نحترم تنوّع هذه الوثائق دون أن نحاول خلطها بما نعرفه من رسائل كتبت في العصور القديمة. كما علينا أن نفسّرها دون أن ننسى سماتِها الثلاث: هي رسائل، وهي وثائق رسميّة، وهي أدب دينيّ.
ثانيًا، علينا أن نلجأ إلى كلّ الوسائل الممكنة لنطّلع على الظروف التي فيها كتبت هذه الرسائل: متى كتبت؟ لمن كتبت؟ من كتبها؟ ما هي العلاقة التي تربط الكاتب بالقارئ؟ حينئذ نجد نفوسنا أمام تلميحات وإشارات مألوفة لدى القرّاء الأوّلين وغامضة بالنسبة إلينا.
ثالثًا، إنّ هذه الرسائل كتبت في المناسبات، فلا ننتظرنّ أن نجد فيها مقالة لاهوتيّة تعالج كلّ جوانب المسائل الدينيّة. فالرسالة إلى أهل رومة، مثلاً، لا تكلّمنا عن الكنيسة ولا عن سرّ القربان المقدّس؛ والرسالة الأولى إلى كورنتوس تحاول الإجابة عن أسئلة محدّدة دون غيرها: الزواج والبتوليّة وذبائح الأوثان...
رابعًا، إنّ هذه النصوص تختلف بغايتها الدينيّة عن سائر الرسائل التي عرفها الأدب القديم. فرسائل القدّيس بولس، وإنْ كُتبت في مناسبات محدودة، إلاَّ أنها تنقل إلينا تعليمًا يغذّي إيماننا اليوم، وهذا ما يفرض علينا أن نبحث عن أبعادها الدينيّة إذا أردنا أن نفهمها بالروح الذي كتبت فيه.

5- الفنّ الجليانيّ أو الرؤيويّ
يعيش كاتب الفنّ الجليانيّ في زمن من الضيق فيرى على ضوء الإيمان خلاص الله متجلّيا وينكشف له ما سيفعله الله من أجل أحبّائه في نهاية الأزمنة. ينظر إلى الحاضر نظرة متشائمة لأنّه يراه في قبضة الشرّ، غير أنّ هذا الحاضر سيتجلّى له في رؤية متفائلة لأنّ الله سينتصر في النهاية فيخلُق أرضاً جديدة وسماء جديدة (رؤ 21: 1)
هذه هي الروح التي كُتب الفنّ الجليانيّ فيها، وقد انتشر بين القرن الثاني ق. م. والقرن الثاني ب. م.، فترك لنا آثارًا عديدة نذكر منها على سبيل المثال كتبًا غير قانونيّة: كتاب أخنوخ، كتاب اليوبيلات (القرن الثاني ق. م.)، ارتفاع موسى، رؤيا باروك السريانيّة، رؤيا إبراهيم، رؤيا موسى أو حياة آدم وحوّاء (القرن الأوّل ب. م.)، وصيّة إبراهيم، رؤيا صفنيا (القرن الثاني ب. م.).
لم يحفظ الكتاب المقدّس من هذا الفنّ الجليانيّ إلاّ كتابين اثنين هما سفر دانيال في العهد القديم ورؤيا يوحنّا في العهد الجديد. إلاَّ أنَّ هذا الفنّ تمثّل أوّلاً في بعض صفحات الأنبياء (أش 24- 27؛ حز 1- 3؛ زك 9- 14) وفي مقاطع من العهد الجديد (مت 24؛ مر 13؛ لو 21؛ 1 تس 4: 13- 5: 11).
في الفنّ الجليانيّ نحن أمام كشف يرسله الله عبر رؤى ترافقها كلمات تفسّر ما تعنيه، نحن أمام صورة مملوء ة بالرموز تهدف إلى إدخالنا في عالم القدس، عالم السرّ، عالم يفوق الوصف، فتدلّنا على أنّ الله حاضر وفاعل في التاريخ. أمّا مضمون تعليم هذا الوحي فهو بسيط جدًّا بالرغم من التعقيد في الصور والأسلوب. فالكاتب يريد أن يقول إن الله، بالرغم من الظواهر المعادية، يفعل منذ اليوم في الكون وسوف يكشف لنا انتصاره على عالم الشرّ في مستقبل مُشرق وقريب. فهدف كتب الرؤيا هو تطمين المؤمنين في أزمنة الضيق وتعزيتهم في الشدائد وتقوية رجائهم بالله ودعوتهم للرجوع إليه بتوبة صادقة. 
أجل، إنّ كتب الرؤيا هي كتب الأمل والرجاء. ولكي يضع أساسًا لهذا الرجاء يعرض المؤلّف مقاله بشكل كتاب قديم حُفظ سرًّا إلى الآن ثمّ انتقل إلينا عبر خادم من خدّام الله الأقربين مثل أخنوخ وإبراهيم وموسى... ينظر "خادم الله" إلى المستقبل القريب بالنسبة إليه والماضي بالنسبة إلى الكاتب، ثمّ يمدّ نظره إلى المستقبل البعيد، إلى يوم يتدخّل فيه الله بصورة حاسمة فيظهر مجد الملك مسيحه. وبما أنّ النبوءة عن المستقبل القريب تحقّقت، فالقارئ يثق بما يتنبّأ به الرائي عن نهاية العالم، وهو المتأكّد أنّ إرادة الله لا تقاوَم ومخطّطه سيتمّ مهما فعلت إرادة الشرّ لتقف بوجهه.
إنّ الفنّ الرؤيويّ قريب جدًّا من الفنّ النبويّ. والفارق بينهما هو أنّ النبيّ ينقل إلينا ما سمع ويتطلعّ إلى الحاضر داعيًا المؤمنين إلى العيش بأمانة للعهد، أمّا الرائي فينقل إلينا عبر الصور الخياليّة تعليمًا يتعلّق بمعنى التاريخ النهائيّ تاركًا لنا أن نتّخذ الموقف الذي نراه مناسبًا.
في اللغة الجليانيّة تلعب الرموز دورًا هامًّا يفسّر الرائي بعضاً منها ويبقى الباقي لغزًا بالنسبة إلينا لنبحث عن معناه. فسفر الرؤيا يشرح لنا أنّ النجوم هي ملائكة الله (1: 20) وأنّ المنارات هي الكنائس (1: 20) وأنّ السبع أعينًا هي أرواح الله السبع (4: 5؛ 5: 6) وأنّ رؤوس الحيوان السبعة تمثّل سبع تلال وسبعة ملوك (17: 9- 10) هي تلال رومة وأباطرتها، وأنّ الكتّان الأبيض يرمز إلى أعمال المؤمنين الصالحة (19: 8). فعندما نقرأ هذه الصور لا نحاول أن نتخيّل ما تمثّله؛ وبعضها لا يقبل به العقل. فمن رأى حيوانًا بسبعة رؤوس وعشرة قرون (13: 1)، أو حملاً بسبعة قرون وسبع عيون وهو يحمل بيده كتابًا (5: 6- 7)؟
إنّ رؤيا القدّيس يوحنّا هي كتاب يحمل كلمة الأمل إلى المسيحيّين المضطَهدين لأجل إيمانهم بالإنجيل (2: 8- 10؛ 6: 9- 11؛ 7: 14)، وهي تعرض أمامهم الحرب الأخيرة التي فيها يتغلّب الله على الشرّ بيد المسيح الذي هو قائم وسط التاريخ كلّه. أجل، في المسيح بدأت نهاية الأزمنة وإن ظلّت بالنسبة إلينا موضوع إيمان. نحن نعيش اليوم مجابهة بين قوى الشرّ وقوى الخير، بين الشيطان والمسيح، ولكنّ المسيح وقدّيسيه (أي المؤمنين) سينتصرون في النهاية. فما علينا إلاَّ أن نعيش إيماننا ومحبّتنا منتظرين تدخّل المسيح الظافر. وانطلاقًا من هذه المعطيات نقول:
أوّلاً، إنّ رؤيا القدّيس يوحنّا تحمل رسالة تعزية وأمل انطلاقًا من نظرة لاهوتيّة ونبويّة إلى التاريخ وبشكل وحي رمزي في خطّ كتب الجليان المعروفة. لهذا لا نبحث عن تصوّر دقيق لأحداث محدودة في التاريخ، فهدف الكاتب دينيّ ورعائيّ، وهو إن لجأ إلى أسلوب تصويريّ ورمزيّ ليحدِّثَنا عن التاريخ فإنّه لم يتوخَّ إشباع فضول قرّائه وإعطاءهم معلومات مسبّقة عن أحداث ستقع في هذه السنة أو تلك. إنّ من يبحث في هذا الكتاب عن صورة مفصّلة لتاريخ الكنيسة والكون يضلّ السبيلَ ولا يفهم شيئًا من كلام يوجّهه الله إلينا.
ثانيًا، إنّ تعليم سفر الرؤيا إجماليّ، أي إنّه ينطبق على التاريخ ككلّ لا على عصور أو عهود محدودة. لهذا يجب أن لا نقابل بين أحداث من تاريخنا الحاليّ وما نقرأه بين سطور سفر الرؤيا، فنطبّق صورة الجرادِ والوحشَيْنِ أو الضربات السبع على ما نعيشه اليوم، ونعتبر مع بعض المعتبرين أنّ نهاية العالم قد حلَّت ونحدّد لها السنة والشهر واليوم.
ثالثًا، إنّ سفر رؤيا القدّيس يوحنّا يتوجّه إلى كنائس آسية السبع (1: 3، 11) ويتضمّن تلميحاتٍ عديدةً إلى الظروف التاريخيّة التي عرفتها هذه الكنائس في القرن الأوّل المسيحيّ. لهذا علينا أوّلاً أن نطلع على هذه الظروف التي دفعت يوحنّا إلى تدوين كتابه، حالة الكنيسة في نهاية القرن الأوّل ووضع رومة السياسيّ والدينيّ، ثمّ على ضوء ذلك نفهم معنى التلميحات العديدة إلى الوحشين، والزانية الكبرى، والرؤوس السبعة والقرون العشرة.
رابعًا، إنّ رؤيا القدّيسِ يوحنّا تتوجّه أيضاً إلى كلّ كنائس المسيح، والعدد سبعة يدلّ على الملء والكمال والكلّ. إنّ الله أراد أن يطلع عباده على ما سوف يحدث (1: 1)، ولهذا أرسل كلامه إلى كلّ من يريد أن يسمع الأقوال النبويّة الموجودة في هذا الكتاب (22: 8). وعلينا نحن أن نلقيَ على الكتاب نِظرة إيمان فنكتشف فيه ما أوحى به الروح إلى الكنيسة في كلّ الأزمنة، فنفهمَ أنّ الصراع بين المسيح والشيطان لا يزال قائمًا وكذلك الاضطهادات على الكنيسة، ونعلم أنّ الوحشين (السلطة التي تعبد نفسها، والمال وما يتبعه من سعي وراء الملذّات) ما زالا حاضرين اليوم وأنّ المؤمنين ما برحوا يسفكون دماءهم شهادة للمسيح.
خامسًا، إنّ القدّيس يوحنّا يلجأ في رؤياه إلى أسلوب الإعادة والتكرار ليؤثّر في قلب القارئ، فنرى في تسلسل اللوحات والصوَر الفكرةَ ذاتها وهي الحرب بين الشرّ والخير التي ستدوم إلى نهاية الكون. فنِظرتنا إلى تسلسل الرؤى ليست إذًا نِظرة إلى تسلسل للأحداث في الزمن، بل إلى تسلسل يتدرّج من الغموض إلى الوضوح، بقدر ما نستطيع أن نتكلّم عن الوضوح في الأدب الجليانيّ.
سادسًا، نحن نعرف أن غلافًا من الرمزيّة يحيط ببعض كلمات سفر الرؤيا، كالأعداد والألوان والحيوانات وعناصر الطبيعة، يهدف إلى تمثيل خياليّ لأحداث روحيّة. لهذا لا ينبغي أن نأخذ بالأعداد والأرقام وما إليها في حرفيّتها، بل في ما ترمز إليه من أمور لا تعدّ ولا تقاس. فالعدد 7 هو عدد التمام والكمال والكلّيّة، ونصفه هو عدد النقص يدلّ على زمن المحنة والاضطهاد والألم، والعدد 12 هو عدد شعب الله بقبائله الاثنتي عشرة أو برسله الاثني عشر، والعدد 4 يرمز إلى العالم بجهاته الأربع، والعدد 1000 يدلّ على الكِمية التي لا تعدّ ولا تحصى. وهناك رموز عديدة نفهمها إن قابلناها بما ورد في كتب العهد القديم. فالنخل يمثّل النصر، والعينُ المعرفةَ، والجناحُ الحَركةَ، والأبيض الانتصار، والأسود الموت... ويكفي أن نقرأ أيّ تفسير لسفر الرؤيا لنجد فيه شرح الرموز ومعنى الألغاز.

ج- الفنون الأدبيّة الثانويّة
لن نطيل الكلامَ على الفنون الأدبيّة الثانويّة كما أطلناه على الفنون الأدبيّة الرئيسة. نكتفي بذكر بعضها مع لمحة قصيرة عن كلّ نوع منها.

1- المثل
هو القول السائر بين الناس نماثل فيه حالة بحالة باحثين عن وجه الشبه بين الحالتين: "يشبه ملكوت السماوات عشرَ عذارى أخذن مصابيحهن" (مت 25: 1). والمثل هو أيضاً قول حكميّ طويل أو قصير يهدف إلى الإرشاد والتعليم: "من له أذنان سامعتان فليسمع" (مت 11: 15؛ 13: 19).
حين نقرأ المثل نتساءل: لمن قال يسوع هذا المثل؟ وما هي المناسبة التي قاله فيها؟ وما كان هدفه؟ عندئذ يمكننا أن نفهم الفكرة الأساسيّة. فمثل حبّة الخردل يلفت نظرنا إلى المسافة الشاسعة بين الحبّة الصغيرة والشجرة الكبيرة (مت 13: 31، 32)؛ ومثل الوزنات ينبّهنا إلى الطريقة التي بها عامل ربّ البيت عبيده بحسب ربح كلّ واحد منهم (مت 25: 14- 30). ويمكننا أن نطبّقَ المثل على حياتنا فنعرفَ ما هو فرح الراعي الذي يجد خروفه الضالّ (لو 15: 3- 7)، ونتعلّمَ الرحمة من السامريّ (لو 1: 25- 37)، ونتجنّبَ قساوة القلب التي مارسها الدائن الظالم (مت 18: 21- 35).
إنّ الأمثال عديدة في الإنجيل وقد ضربها يسوع ويعطي الجموع تعليمًا سهلاً ويدفع السامعين إلى أخذ موقف من التعليم الذي يلقيه على مسامعهم. هذا ما نقرأه في مثل الكرّامين القتلة (مت 21: 33- 46). فلقد سمعه الأحبار والفرّيسيّون فأدركوا أنّه يعرّض بهم في كلامه، ولكن بدل أن يرتدّوا ويغيّروا حياتهم حاولوا أن يمسكوا المسيح ليقتلوه.

2- سرد المعجزة
عندما نقرأ خبر معجزة نقع على خمس مراحل: أوّلاً مقدّمة تعرض الوضع أمامنا، وثانيًا الطلب إلى يسوع ليتدخّل مع صلاة تنمّ عن إيمان الطالب أو رفاقه، وثالثًا تدخّل يسوع واجتراحه للمعجزة، ورابعًا النتيجة التي تحصل، وخامسًا ردّة الفعل عند الحاضرين: خوف ودهشة وإعجاب أو رفض ومقاومة.
ولنأخذ على سبيل المثال معجزة شفاء مُقْعَدِ كفرناحوم (مر 2: 1 ي)، فهناك عرض للحالة وطلب صامت إلى يسوع (آ 1- 4)، ثمّ تدخّل يسوع وشفاء المقعد (5- 11)، وأخيرًا دهشة الجميع: مجّدوا الله (آ 12). وكذلك معجزة تسكين العاصفة (مر 4: 35- 41)، ففيها أيضاً عرض للحالة (آ 35- 37) ثمّ الطلب إلى يسوع أن يتدخّل (آ 38)، ثمّ تدخّل يسوع وزجر الريح (آ 39، 40)، وأخيرًا ردّة الفعل عند الرسل: خافوا خوفاً شديدًا (آ 41).
وكذلك معجزة طرد الشياطين من رجُل في ناحية الجراسيّين (مر 5: 1- 20)، فهنالك عرض مطَول لحالة "المريض" (آ 1- 6)، ثمّ تدخّل يسوع (آ 7- 14)، ثمّ النتيجة (آ 15)، وأخيرًا خوف وإعجاب (آ 16- 20).
إنّ كاتبي الأناجيل أرادوا أن يلفتوا انتباهنا، عندما سردوا خبر المعجزات، لا إلى الناحية المدهشة فحسب، والدهشة يمكنها أن تقرّبَ الإنسان إلى الله أو تبعدَه عنه، بل خصوصاً إلى نتيجة الإيمان وعظمة أعمال الله. فالكلمات التي استعملها العهد الجديد للحديث عن المعجزة تشير إلى الناحية الروحيّة الدينيّة أكثر منه إلى الناحية الخارقة (رج مثلاً مت 24: 24 حيث نقرأ كلمة آية). فالمعجزة هي عمل الله (يو 10: 25) وهي تدلّ على قدرته ووسع سلطانه (يو 6: 2- 14) فتكون علامة تجعل الناس يؤمنون. فلا نتوقّفنّ إذًا عند الخارق من المعجزة متناسين الهدف الأوّل منها ألا وهو الكشفُ عن شخصيّة يسوع، أو تخليصُ الإنسان من كلّ ما يستعبده، أو إنعاشُ الإيمان وتثبيتُه، أو التأكيدُ على صحّة أقوال يسوع.

3- لائحة الفضائل والرذائل
نجد في العهد الجديد ما يقارب الأربعين مقطعًا عن الفضائل التي نمارسها والرذائل التي نتجنّبها. نعطي على سبيل المثال لائحتين بالرذائل، الأولى من إنجيل مرقس (7: 21- 22): "لأنّه من باطن الناس، من قلوبهم تنبعث المقاصد السيّئة والفحش والسرقة والقتل والزنى والطمع والخبث والغِشّ والفجور والحسد والشتم والكبرياء والغباوة"، والثانية من رسالة القدّيس بولس إلى أهل كولسّي (3: 5- 8): "اميتوا إذًا أعضاءكم التي في الأرض بما فيها من زنى ودعارة وشهوة وهوى فاسد وطمع وهو عبادة الأوثان... دعوا عنكم كلّ ما فيه غضب وسخط وخبث وشتيمة، لا تنطقوا بقبيح الكلام ولا يكذب بعضكم على بعض". ونعطي أيضاً لائحتين بالفضائل، الأولى من رسالة القدّيس بولس إلى أهل غلاطية (5: 22): "أما ثمر الروح فهو المحبّة والفرح والسلام وطول الأناة واللطف ودماثة الأخلاق والأمانة والوداعة والعفاف"، والثانية من الرسالة إلى كولسّي (3: 12- 14): "وأنتم الذين اختارهم الله وقدّسهم وأحبّهم، البَسُوا عواطف الحنان والرأفةِ واللطفِ والتواضعِ والوداعةِ والصبر. احتملوا بعضكم بعضاً... والبسوا فوق ذلك كلِّه ثوبَ المحبّة: إنّها رباط الكمال".
إنّ هذه الطريقة في سد الرذائل والفضائل أمر معروف في كتب العهد القديم وعند الفلاسفة الرواقيّين وفي ديانات فارس، وقد اهتمّ بها القدّيس بولس بصفة خاصّة.

4- المرافعة والجدال
في المرافعة نجد أحد الرسل أمام الحاكم: بطرس أمام السنهدرين، محكمةِ اليهود (أعمال 4: 8- 12) وكذلك إسطفانُس (7: 1- 53) وبولس أمام الحاكم فيلكس (24: 10- 21) ثمّ أمام أغريبا (26: 2- 23). وفي كلّ هذه المواقف لا يتراجع الرسل عمّا قالوا، لا بل يستفيدون من المرافعة ليبشّروا باسم المسيح. ولنا مثال على ذلك في الحوار بين أغريبا وبولس. قال أغريبا لبولس: "تريد أن تقنعني بوقت قليل فتجعلني مسيحيًّا". فأجاب بولس: "إني أرجو من الله، ليس لك وحدك، بل لجميع الذين يسمعونني اليوم، أن يصيروا بالقليل أو بالكثير، إلى ما أنا عليه (أن يصيروا مسيحيّين) ما عدا هذه القيود" (أع 26: 28، 29).
أمّا في الجدال والمناظرة فنحن أمام فنّ أدبيّ عرفه اليهود واستعمله الإنجيليّون. يقوم يسوع بحركة أو كلام فيثير الدهشة والاستغراب عند الحاضرين. يشفي رجلاً يوم السبت أو يقول للمخلعّ: "مغفورة لك خطاياك"، فيبدأ الجدال ويجيب يسوع: "ليس الأصحّاء محتاجين إلى طبيب، بل المرضى"، "أعَمَلُ الخير يحلّ يوم السبت أم عمل الشر؟" (مر 3: 4)، "أيّها المراؤون، أحسن أشعيا في نبؤته عنكم" (مر 7: 6). وحينئذ على الحاضرين أن يتّخذوا موقفًا، فمنهم من يكون مع يسوع ومنهم من يكون عليه.

5- الصلاة والنشيد وخطبة الوداع
إنّنا نجد الكثير من الصلوات في كتب العهد الجديد، أوّلها الصلاة التي علّمنا إيّاها يسوع، "أبانا الذي في السماوات" (مت 6: 9- 13)، ثمّ تلك التي قالها أمام رسله: "أحمدك يا أبتِ، ربّ السماوات والأرض" (مت 11: 25)، وأيضاً تلك التي قالها ليودعّ فلا تلاميذَه ليلةَ آلامه وموته: "يا أبتِ، قد أتت الساعة: مجدِّ ابنَك ليمجدّك ابنُك... احفظهم باسمك الذي وَهبته لي ليكونوا واحدًا كما نحن واحد" (يو 17: 1- 26). وعلى خطى يسوع صلّى الرسل والتلاميذ: صلىّ إسطفانُس ساعة موته (أع 7: 59، 60) كما صلىّ يسوع على الصليب (لو 23: 34- 36)، والرسل قبل أن يختاروا متّيّا ليكون معهم (أع 1: 24- 25) كما فعل يسوع قبل أن يختار الاثني عشر رسولاً (لو 6: 12).
أمّا الأناشيد فنقرأُها خاصّة في رسائل القدّيس بولس، وقد تكون ممّا كان يَتَرَنَّمُ به المسيحيّون الأوّلون في الصلاة الليتورجيّة. نذكر منها بداية الرسالة إلى أفسس (1: 3 ي): "تبارك إله وأبو ربّنا يسوع المسيح الذي باركنا في المسيح بكلّ بركة روحيّة في السماوات، ذلك بأنّه اختارنا قبل إنشاء العالم لنكون عنده قدّيسين بلا عيب في المحبّة"، ونورد نصّ الرسالة إلى فيلبّي (2: 2 ي): "تخلّقوا بخلق المسيح. فمع أنّه في صورة الله لم يعدّ مساواته لله غنيمة، بل تجرّد من ذاته متّخذًا صورة العبد"، ونذكر أيضًا ما قاله القدّيس بولس إلى أهل كولسّي (1: 13 ي) عن يسوع المسيح الذي "هو صورة الله الذي لا يُرى وبكر الخلائق كلّها. ففيه خُلق كلّ شيء ممّا في السماوات وممّا في الأرض، ما يُرى وما لا يُرى" (رج أيضاً 1 كور 12: 31- 14: 1).
ولنا في العهد الجديد خُطْبات وداعيّة عديدة، الأولى قالها يسوع ليلة آلامه وموته ليعطي تلاميذه التعليمات التي ستوجّه عملهم بعد ابتعاده عنهم (يو 13- 17؛ لو 22: 21- 32)، والثانية قالها القدّيس بولس لشيوخ الكنيسة المجتمعين في أفسس لوداعه: "أنا أعلم الآن أنّكم لن تَرَوا وجهي بعد اليوم، أنتم الذين ست بينهم كلِّهم أنادي بالملكوت" (أع 20: 25)، والثالثة والرابعة نقرأهما في الرسالة الأولى (4: 1 ي) والثانية (3: 1 ي) إلى التلميذ تيموثاوس وفيهما يعلن القدّيس بولس أنْ قد اقترب وقت رحيله، ثمّ يسدي النصح إلى من يتابع عمل الرسالة بعده: "لا يستخفّنّ أحد بشبابك، بل كنْ قدوة للمؤمنين بالكلام والسيرة والمحبّة والإيمان والعفاف. ثابر على القراءة والوعظ" (1 تم 4: 12).
ويمكننا أن نطيلَ اللائحة فنتحدّثَ عن التطويبات (مت 5: 3- 12) التي تجعلنا في جوّ التيّار الحكميّ الذي يعلن الهناء والسعادة لخائفي الربّ وسامعي كلمته والعاملين بها، وعن السيرة الذاتيّة (غل 1: 11- 2: 10) حيث يروي القدّيس بولس أو غيره من الرسل بعض نتف من حياته، وعن الالام والقيامة، وعن رواية البشارة لمريم وزكريّا، وعن خبر ولادة يسوع ويوحنّا...

خاتمة
تحدّثنا عن الفنّ الإنجيليّ والإخباريّ والرسائليّ والجليانيّ وعن فنون ثانويّة أخذ بها الكاتب الملهم ليؤثّر في قرّائه ويدخلهم في سرّ كلمة الله الحاضرة فينا أمس واليوم وإلى الأبد. ومهما كان اللباس الذي ارتدته كلمة الله لتصل إلينا، فهي ترجع إلى شخص يسوع وهي تعمل لكي يكون الكلام الذي كتب في الماضي حاضرًا في حياتنا نحن الذين لأجلهم كتبت هذه الكلمات: "كتب هذا لتؤمنوا بأنّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولتكون لكم، إذا آمنتم، الحياةُ باسمه" (يو 20: 31).
الفصل الثالث عشر
الأسفار القانونيّة في العهد الجديد
والأسفار المنحولة

سنةَ 382 انعقد مجمع في رومة برئاسة البابا دماسيوس (366- 384) وأعلن قرارًا (سمّي فيما بعد "قرار دماسيوس") يحتوي لائحة أسفار الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد. يقول هذا القرار: ونتطرّق الآن إلى الكتب الإلهيّة التي تقبلها الكنيسة الجامعة... وبعد أن يعدّد أسفار العهد القديم يتابع كلامه. وأيضاً، لائحة أسفار العهد الجديد الأبديّ التي تلقّتها الكنيسة المقدّسة الكاثوليكيّة، أناجيل متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا (4 أسفار)، ورسائل القدّيس بولس إلى أهل رومة وكورنتوس وأفسس وتسالونيكي وغلاطية وفيلبّي وكولسّي، وإلى تيموثاوس وتيطس وفيلمون والعبرانيّين (14 سفرًا)، ورؤيا يوحنّا وأعمال الرسل (سفران)، والرسائل القانونيّة السبع لكلّ من الرسل بطرس ويعقوب ويوحنّا ويهوذا (7 أسفار).
هذه اللائحة سيوردها الآباء مرارًا، وستعلنها الكنيسة في مجامعها فترفض وتحرّم كلّ ما نسمّيه كتبًا منحولة كتبها أحد الأشخاص ونسبها إلى رسول من الرسل. أجل، إزاء الكتب المسمّاة قانونيّة نجد الكتب المنحولة. ونحن سنتساءل في مقالنا هذا عن الإطار الذي حدَّدت فيه الكنيسة لائحة الكتب التي تقرأها في اجتماعاتها المقدّسة لأنّها تعتبرها قاعدة إيمانها، ثمّ نستعرض الأسفار المنحولة التي تخفّت وراء أسفار العهد الجديد لتروج وتشتهر في صفوف المؤمنين.

أ- كيف تكوَّن قانونُ العهد الجديد؟
يقول المثل اللاتينيّ: يعيش الإنسان أوّلاً ويتفلسف ثانيًا. ونحن نقول: إنّ الكنيسة عاشت عقائدها قبل أن تجد الحاجة إلى تحديدها، وقرأت الأسفار أجيالاً قبل أن تشعر بالحاجة إلى وضع لائحة الأسفار القانونيّة (أي قانون العهد الجديد) التي تحمل إليها وحي الله وإلهامَه. فلولا انحراف في الدين وعدول عن جادة الصواب لظلَّ التقليد ينتقل في كنيسة المسيح حيًّا نقيًّا من كلّ شائبة. ولكنّ التيّاراتِ العديدةَ التي دفعت كتّاب العهد الجديد إلى أن يدوّنوا ما سمعوه ورأوه واختبروه ستدفع الآباء والمعلّمين في الكنيسة إلى تثبيت الكتب القانونيّة واستبعاد سائر الكتب التي دوَّن أكثرها الهراطقةُ والمنشقّون.

1- التقليد الحيّ
إنّ ما يميّز التقليد الحيّ هو تواصله واستمراريّته. لقد انتقل تعليم المسيح بغير انقطاع من يد الرسل إلى يد الذين حملوا المشعل بعدهم. كان للرسل دور في تثبيت نصوص العهد الجديد، وكان لخلفائهم دور في جعل هذه الوديعة المسلّمة إليهم تثمر أفضل الثمار في العالم. ولقد تمّ هذا الانتقال منذ أيّام الرسل الذين أَوْكلوا إلى من بعثوهم الكرازة بالإنجيل، وسلّموا مسؤوليّة الكنائس إلى قادة لم يتّصلوا مباشرة بالمسيح القائم من بين الأموات. هذا ما فعله القدّيس بولس عندما أرسل كلاًّ من تيطس وتيموثاوس، والقديسُ يوحنّا عندما كتب إلى غايُس (3 يو 1) وإلى أسقف (أو ملاك أو رسول) الكنيسة التي بأفسس وبرغامس... (رؤ 2: 1، 12). هؤلاء الذين ساعدوا الرسل وخلفوهم هم الذين وضعوا اللمساتِ الأخيرةَ على الكتب التي تعتبرها الكنيسة حقًّا تقليدًا رسوليًّا.
إنّ استمراريّة هذا التقليد الحيّ تبدو عبر النُظُم الكنسيّة وعبر المؤلَّفات الأدبيّة.

أوّلاً: الاستمراريّة في النُظُم الكنسيّة
إنّ تأليف الكتابات الرسوليّة قد تمّ في إطار بنى منظّمة، وقد لعبت هذه الكتابات دورها في هذه البنى. وهنا نستطيع أن ندرك الزخم الذي دفع الإنجيل إلى أن ينتشر في كلّ العالم اليهوديّ والوثنيّ، والذي ظهر من خلال مواهب الروح في الكنائس. فكلّ جماعة كانت واعيةً لدور الروح فيها، فكانت تنتظم داخل إطار خاصّ بها، وكان المسؤولون في كلّ جماعة، أحاملي الكلمة كانوا أم مهتمّين بالرعاية، يحسبون الحفاظ على وديعة الإنجيل أوّل واجباتهم.
ولكن، عندما نقرأ آخر أسفار العهد الجديد نلاحظ أنّ مسؤوليّة خدمة الكلمة انتقلت من يد الأنبياء والمعلّمين إلى الأساقفة والشيوخ والشمامسة. قال القدّيس بولس: "وقد أقام الله في الكنيسة الرسل أوّلاً والأنبياء ثانيًا والمعلّمين ثالثًا" (1 كور 12: 28؛ رج أع 13: 1، 2)، ولكنّه سيعمد فيما بعد إلى تسليم مسؤوليّة القطيع إلى شيوخ الكنيسة في أفسس، إلى أساقفة جعلهم الروح القدس على هذا القطيع ليرعوه (أع 20: 28) ويحفظوه من الذئاب الخاطفة. هذا التطوّر يقابل مرحلة التنظيم التي بلغتها الكنائس، وإمكان الكرازة لدى شيوخ الكنيسة (1 تم 5: 17) وأساقفتها وشمامستها القادرين على الوعظ في التعليم الصحيح والردّ على المعارضين (تي 1: 9).
وإنّ أولى الوثائق المسيحيّة، كالديداكيه (أو تعليم الرسل الذي كتب في نهاية القرن الأوّل أو بداية القرن الثاني)، ورسالة البابا إكلمنضوس (95 ب. م.)، تدلّ على تشابه بين الكنائس الأولى وهذه الجماعات التي يصوّرها لنا القدّيس بولس في رسائله الراعويّة. نقرأ مثلاً في رسالة إكلمنضوس إلى الكورنثيّين (42: 4، 5) أنّ الرسل وعظوا في المدن والقرى، واختبروا في الروح القدس المسيحيّين الأوّلين وأقاموا منهم أساقفة وشمامسة للمؤمنين المقبلين.
وتدلّ رسائل أغناطيوس الأنطاكيّ (110/115 ب. م.) على أنّه كان في كلّ كنيسة مجلس محلّيّ يرئسه الأسقف: "اهتمّوا أن تعملوا عملكم بإتقان مع الله، تحت رعاية الأسقف القائم مقامه، والكهنة القائمين مقام الرسل، والشمامسة الأحبّاء حدًّا إليَّ، والذين أُسندت إليه خدمةُ يسوع المسيح" (إلى كنيسة مغْنيزية، 4)؛ ويضيف: "إنّ الوحدة في الجماعة الواحدة وبين الجماعات تتأسّس على التعلّق بالإنجيل الحقيقيّ، وهي أوّل واجبات المسؤولين الذين لا تكون أعمالهم مقبولة إلاَّ إذا كانت مع الأسقف" (إلى كنيسة إزمير، 8؛ راجع: إلى كنيسة فيلبّي، 4).
من هذا المنطلق تبدو استمراريّة التقليد الحيّ واقعًا متشعّبًا ترتبط عناصره بعضها ببعض: قيام جماعات بقيادة الراعي الشرعيّ، خدمة الكلمة في خطّ التعليم الرسوليّ الصحيح، قراءة الكتب المقدّسة على ضع الإنجيل، العمل بحسب الشرائع الأخلاقيّة. ومن أجل كلّ هذا يسهر الأساقفة على القطيع ليبقى على أمانته للإنجيل، لأنّ هناك جماعات عديدة ومنشقّة تعيش على هامش الكنائس فتنتحل الاسم المسيحيّ وتفسد الإيمان وتقوم باجتماعات خاصّة بها فتضلّل الذين يسيرون وراءها.

ثانيًا: الاستمراريّة في المؤلَّفات الأدبيّة
كان هذا الإطارُ الكنسيُّ الذي ذكرناه موضعَ خَلْقٍ أدبيّ سيعمل باستمراريّة وتواصل. ففي هذه الجماعات المسيحيّة الأولى دوّنت نصوص العهد الجديد، ثمّ دوّن كتاب الديداكيه الذي ينظّم حياة الجماعة الكنسيّة، ورسالة اكلمنضوس التي تتوجّه إلى أهل كورنتوس بمناسبة الخلاف على السلطة الأسقفيّة، ورسالة بوليكربوس الإزميريّ، ورسائل أغناطيوس الأنطاكيّ التي جاءت شبيهة برسائل القدّيس بولس. هذه الكتابات أبرزت الشركة القائمة بين الكنائس ورعاتها وشدّدت على أخطار الساعة.
وفي مرحلة ثانية نقرأ رسالة اكلمنضوس الثانية، وتفسير كلمات الربّ لبابياس، ودفاع كوادراتوس وأرستيدس وراعي هرماس، وما كتب يوستينوس وغيره من الآباء فجدّدوا الفكر الدينيّ. في هذه المرحلة نجد أيضاً كتبًا دوّنت تحت أسماء مستعارة وكان لها بعض الرواج، منها صعود أشعيا ورسالة برنابا ورؤيا بطرس التي قرأتها الجماعات المسيحيّة في اجتماعاتها.
كتبٌ عديدة دُوِّنت، بعضها في زمن تدوين العهد الجديد، والبعض الآخر بعده، وكان الخطر في الانحراف عن التعليم وفي تكوين كنائس إزاء "الكنيسة الكبيرة". وظهرت تيّارات المتهوّدين الذين ما زالوا يحنّون إلى الشريعة اليهوديّة وممارساتها، وبرزت حركات التقوى المشبوهة التي تريد أن تفرض باسم الإنجيل مفاهيم فلسفيّة، وسيطرت الغنوصيّة في الشرق وانتشرت المونتانيّة في الغرب. وكان لكلّ فئة من هذه الفئات كتبها "المقدّسة" إزاء الكتاب المقدّس الواحد. فأمام هذا الخطر ستعمل الكنيسة على تحديد عقيدتها وتعيين كتبها المقدّسة فلا ينساق المؤمنون إلى تيّارات الضلال ولا تتباعد الكنيسة عن أختها في تقاليدها وتعاليمها وطقوسها.
نشر المتهوّدون كتبهم ونسبوها إلى بطرس ويعقوب، وكان للأبيونيّين إنجيل خاصّ بهم انحرفت فيه نظرتهم إلى المسيح عن المثال الرسوليّ، وانجرّت جماعات أخرى في التيّار الغنوصيّ وأقحمت في كتبها أفكارًا خاصّة بهذا التيّار.
ثمّ قامت جماعات تخفَّت وراء الرسل وقدّمت لنا باسم الإيمان والتقوى مؤلّفات فيها المضمون الرديء إن لم يكن مضمونًا مشتبهًا فيه، وتركت العنان لمخيّلها وتصوّراتها على حساب الإيمان، على نحو ما كتب عن طفولة يسوع وآلامه وموته وقيامته. ففي إنجيل يعقوب مثلاً تطالعنا نِظرة خاصّة إلى بتوليّة مريم، وفي إنجيل بطرس ورسالة الرسل نُجعل في موقف يفقدنا الثقة بقاعدة الإيمان. هذه الكتب وغيرها تنطلق من رأي انتشر في الأوساط المسيحيّة ويقول إنّ المسيح القائم من بين الأموات سلَّم رسله وحيًا سرّيًّا باطنيًّا، وهذا ما برّر وجود الأسفار الخفيّة (أي الأبوكريف). من هذه الوجهة بدا من الضروري للكنيسة أن تميّز بين إرث الرسل الحقيقيّ المريح وما علق بهذا الإرث من عناصرَ ولّدتها المخيّلة ولم يكن للإيمان فيها أيّ دور.
ولما أطلّت المونتانيّة (شيعةُ أسّسها مونتانوس في آسية الصغرى) اعتبر مؤسّسُها أنّه تلقّى من الروح القدس وحيًا مباشرًا يسمو على الوحي الموجود في الأسفار المقدّسة، فأخذ يختلق من عنديّاته كتبًا مقدّسة جديدة لم يبقَ لنا منها إلاَّ النزر اليسير. أمّا الغنوصيّة التي تهدف إلى إدراك الأسرار الرابّانيّة والوصول إلى الخلاص عبر المعرفة، فقد قلّدت الفنون الأدبيّة المعروفة في العهد الجديد، وكتب أصحابها أناجيل ورسائل ورؤى نسبوها إلى توما أو يعقوب أو فيلبّس أو برتلماوس أو متّيّا، وأقحموا فيها تعليمًا خاصًّا بهم، وقالوا إنّ يسوع أعطى تعليمًا سرّيًّا لبعض تلاميذه بشكل أقوال متفرّقة ("لوغيون" في اليونانيّة) جمعها الغنوصيّون وفسّروها وتوسّعوا فيها بعبارات نجد بعضها في إنجيل توما.

2- تثبيتُ مجموعةِ أسفارِ العهدِ الجديد
علينا، نحن الذين وصلت إليهم وديعة الإيمان، أن نطّلع على الصعوبات التي جابهت الكنيسة في الحفاظ على هذه الوديعة، وأن نتيقّن أنّ الروح الذي ألهم الكتّاب ليدوّنوا هذه الأسفار هو عينه يساعد الكنيسة على تمييز النصّ الصحيح عن النصّ المُنتحِلِ صفة ليست له.

أوّلاً: تعلّق وتقيّد بالتقليد الرسوليّ
السؤال المطروح هو: أيّة سلطة ستجيب على تساؤلات الكنيسة العديدة؟ لا ننسَ أنّه لم يكن للكنيسة سلطةٌ مركزيّة، كما هي الحالة اليوم، ولاسيّما أنّها كانت تلاقي الاضطهاد من السلطات الرومانيّة. لهذا كان على السلطات المحلّيّة في كلّ كنيسة أن تسعى لحفظ الوديعة الكريمة (2 تم 1: 14) التي هي سفينة الإيمان (1 تم 1: 20) فلا تنكسرَ بالمؤمنين ولا يضلّوا بتعاليم مختلفة غريبة (عب 13: 9). والسبيل إلى ذلك كان في الرجوع إلى التقليد الرسوليّ الذي نقله الرسل إلى الشيوخ (أو الكهنة) وحافظ عليه هؤلاء في كلّ كنيسة محلّيّة. قالوا: لا تعليم يسمو على تعليم الرسل، لا تعليم حقيقيًّا خارجًا عن تعليم الرسل. بهذه الطريقة أغلقوا الباب على كلّ وحي جاء بطريقة سرّيّة باطنيّة أو كشف عنه الروح لهذا أو ذاك من أصحاب الرؤى المتوهّمين أنّ الله كلّمهم بمعزل عن الكنيسة عمودِ الحقّ وأساسه (1 تم 3: 15).
وهناك سؤال ثانٍ هو: أين نجد هذا التقليد الرسوليَّ بصورة أكيدة وصريحة؟ إنّ الأساقفة المتعاقبين بطريقة شرعيّة على الكنائس المحلّيّة قد حفظوا لنا هذا التقليد الرسوليّ عبر النظم والليتورجيَّا وقواعد السلوك وشروح الإيمان، وكلها ثروة الكنيسة المشتركة. ونجد أيضاً هذا التقليد في نصوص الكتاب المقدّس الذي ورثته الكنيسة عن العالم اليهوديّ.
في مرحلة أولى فرز "الآباء" الكتب الملهمة في التوراة وميّزوها عن سائر الكتب التي كانت تتكاثر متخفّية وراء شخصيّات العهد القديم. وفي مرحلة ثانية أكّدت الكنيسة أنّ كتابات العهد القديم هذه قد تمّت في شخص المسيح. وفي مرحلة ثالثة أدركت بتأكيد كتب العهد الجديد التي يمكنها أن تنسبها إلى التقليد الرسوليّ. فلقد كانت أناجيل عديدة إزاء الأناجيل الأربعة القانونيّة، وكتب لأعمال الرسل إزاء سفر أعمال الرسل الواحد الذي كتبه القدّيس لوقا، ورسائل عديدة إزاء رسائل بولس وسائر الرسل التي اعتبرتها الكنيسة قاعدة إيمانها، وأسفار رؤى إزاء سفر رؤيا يوحنّا. وهكذا ستعمل الكنيسة بهدي الروح القدس فتميّز الكتب القانونيّة عن المنحولة وتدلّ المؤمنين على الأسفار المقدّسة التي يحقّ لها أن تدخل في لائحة العهد القديم والعهد الجديد.
ولكن كيف ندرك سلطة الكتب الرسوليّة؟ هناك معيار أوّل يتّصل بمضمون الكتب وتعليمها: نحن ننبذ كلّ كتاب يُنسب إلى الرسل ولكنّه ينحرف عمّا آمن به وعلّمه بطرس وبولس ويعقوب ويوحنّا وسائر الرسل. إنّه تقليد حيّ وصل إلينا عبر سلسلة من الأساقفة مستمرّة، ينفي كلّ قيمة للكتب الباطنيّة التي تعارض الوحي، ويشدّد على أنّ الكنيسة تنادي علنًا بالتعليم الذي سلّمه إليها ربُّنا. وهناك معيار ثانٍ يُثَبِّت المعيارَ الأوّل ويوضحُه: عندما نعرف أيّة كتب استعملتها الكنائس نستطيع أن نعرف أيّة كتب قبلتها الكنائس شاهدًا حقيقيًّا على تعليمها. إنّ الكتب التي ترتبط حقًّا بالرسل أو بمن تتلمذ لهم تحمل طابع أصلها بانتسابها إلى هذا الرسول أو ذاك. من أجل هذا اهتمّ القديس إيريناوس بجمع المعلومات عن تأليف هذه الكتب وعن الأشخاص الذين وُجّهت إليهم. 
في هذا الإطار يمكننا أن نتحدّث عن قاعدة الحقّ والإيمان التي هي صفة هذه الكتب القانونيّة. فالآباء الرسوليّون والكتّاب المدافعون عن الإيمان يوردون نصوصاً من الأناجيل أو الرسائل دون أن يذكروا اسم كاتبها، وهذا يبيّن أنّهم ينسبون إليها سلطة خاصّة هي سلطة التقليد الرسوليّ. فيوستينوس يرجع إلى الأناجيل ويسمّيها مذكّرات الرسل، ويورد نصوصاً من إنجيل القدّيس مرقس الذي يسمّيه مذكّرات بطرس. ثمّ يقول إنّ هذه الكتابات تقرأ وأسفار الأنبياء (أي أسفار العهد العتيق) في الجماعة المسيحيّة. وهكذا فالجماعة المسيحيّة هي المكان الذي تحفظ فيه هذه الكتب وتُقرأ وتُفسَّر كما كانت المكان الذي فيه أُعدّت وكُتبت. وتكون الاستمراريّةُ كاملةً بين تأليف هذه الكتب في الزمن الرسوليّ واستعمالها أبّان القرن الثاني المسيحيّ.

ثانيًا: لائحة الكتب الرسوليّة
قلنا إنّ الكنيسة عاشت من الكتب القانونيّة فلم تحتجْ إلى تحديدها وتثبيت لائحة بها. ولكن الظروف فرضت عليها أن تعلن أسفارها المقدّسة وتميّزها عن الكتب المنحولة التي كانت تقرأ هنا أو هناك عند المونتانيّين والغنوصيّين وغيرهم، فقالت: لا وحيَ يسمو على وحي الإنجيل، ولا كتب رسولية إلاَّ التي تقرأها الكنيسة وتجد فيها قاعدة إيمانها. 
كان هناك كتّاب ضلّوا عن الإيمان فتخفَّوا وراء سلطة الرسل ونشروا الكثير من الضلال، نذكر منهم مرقيون الذي نبذ العهد القديم كلّه، لأنّه عملُ إله شرّير، ولم يحتفظ من العهد الجديد إلاَّ بإنجيل القدّيس لوقا، بعد أن شوّهه وحذف بعضاً من أجزائه، وبقسم من رسائل القدّيس بولس. حُرِمَ هذا المبتدع سنة 144 ب. م.، ولكنّ تبّاعه ظلّوا يعملون على خطاه في القرن الثالث المسيحيّ (بشهادة ترتليانس) والرابع وما بعده (بشهادة أفرام السريانيّ). ونذكر أيضاً طاطيانس السوريّ (القرن الثاني) الذي تتلمذ ليوستينوس قبل أنْ يميل إلى المرقيونيّة، وألّف الدياتسارون أي التناغم الإنجيليّ، وفيه دمج نصوص الأناجيل القانونيّة الأربعة، فأزال كلّ ترداد في النصوص وزاد بعض المقاطع المنحولة وقدّم كتابًا أخذ محلّ الأناجيل الأربعة في بعض الجماعات المسيحيّة. تجاه هذين المضلَّين وغيرهما كان لا بدّ للكنائس من أن تتّخذ موقفًا فتفصل القمح عن الزؤان، فأثبتت لائحة الكتب المقدّسة واستبعدت كلّ ما هو متخفٍّ وباطنيّ ومشتبَه به، وشدّدت على قراءة الأناجيل بالصِيغَ القانونيّة الأربع التي تتمتعّ وحدها بسلطة رسوليّة لا تقبل الجدل.
في هذه الظروف المتشعّبة أخذت الكنائس تنظّم لنفسها لائحة رسميّة تمثّل بالنسبة إليها قاعدة الإيمان، ثمّ سعى النسَّاخ إلى تحسين نصّ الأسفار التي يعتمد عليها إيمان الكنيسة وتعليمها، فانتقلوا من نصّ شعبيّ فيه العديد من القراءات المختلفة إلى نصّ مثبت بطريقة علميّة، وهكذا مهّدوا للنصوص المحقّقة التي سيعرفها القرن الرابع، كالنصّ الفاتيكانيّ والسينائيّ والإسكندرانيّ والأفراميّ.
أمّا إذا أردنا أن نبحث عن إشارات تدلّنا على لوائحً رسميّةٍ بأسفار العهد الجديد، فلنا على الأخص قانون موراتوي الرومانيّ الذي كُتب بين سنة 165 وسنة 185 والذي نقرأ فيه أسماء الأناجيل الأربعة وكلَّ رسائل بولس ويهوذا ويوحنّا وبطرس وسفر الأعمال وسفر الرؤيا.
ونجد أيضاً لوائح هنا وهناك همّها أن تقف بوجه الدعاوة المرقيونيّة وتستبعد الكتب التي تحمل معها روح البدعة والهرطقة.

ب- الأسفار المنحولة
لم تنتظر الكنيسةُ نهايةَ العالم لتدلّ على زؤان الكتب المنحولة وتفردَه عن قمح الكتب القانونيّة (رج مت 13: 24- 30)، واعتبرت أنّه ليس خفيّ إلاَّ سيظهر، ولا مكتوم إلاَّ ويجب أن يُعْلَمَ ويُعلن (مت 10: 26)، وأنّ السرّ (أف 1: 9؛ كو 1: 27) الذي أعلنه الربّ في ملء الزمن (غل 4: 4) لم يعد مخفيًّا على المؤمنين، وأنّ الربّ عندما أعطانا ابنه أعطانا معه كلّ شيء (روم 8: 32). إنّ الربّ بعد أن كلّمنا بابنه قال لنا به كلّ شيء، وليس من كلام يعتبر نفسه وحيًا بعد الوحي الذي حمله إلينا المسيح في الأناجيل خاصّة والعهد الجديد عامّة. هذا هو الأساس الذي استندت إليه الكنائس فاعتبرت أنّ الوحي انتهى بموت آخر الرسل، وأنّ كلّ ما كتب بعد ذلك لا يتعدّى كونه كتبًا تقويّة، إذا ظلّت داخل إطار الإيمان المستقيم، أو كتبًا مبدعة ومضلّلة إن خرجت عن هذا الإطار.
ليس كلّ ما سُمِّيَ إنجيلاً هو إنجيل يسوع المسيح ابن الله (مر 1: 1)، وليس كلّ ما سميّ رؤيا قد كشفه يسوع المسيح (رؤ 1: 1)، ولا تتلى كلّ رسالة على الإخوة أجمعين (1 تس 5: 27) وكأنّها رسالة من القدّيس بولس، ولا تقرأ إلاَّ رسائل الرسل الحقيقيّة على الكنيسة المجتمعة في اللاذقيّة وكولسّي (كو 4: 16) وغيرها من الكنائس، ولا يتزعزع المؤمنون سريعًا من قول أو رسالة (2 تس 2: 2) حملها أحدهم وغلَّفها بكلام نبوءة، وقدّمها وكأنّها إلهام من الروح القدس. فلا بشارة إلاَّ التي بشّر بها الرسل (غل 1: 7- 9)، ولا تعليم إلاَّ الذي نقرأه في الأسفار المقدّسة كما تسلّمتها الكنيسة وديعة تحافظ عليها. فمن بشَّر بخلاف هذا التعليم فليكن ملعونًا، ومن اتّبع غير هذه البشارة لم يعد خادمًا للمسيح يتوخّى رضاه. هذا ما فهمه المؤمنون في الأجيال الأولى المسيحيّة، وهذا ما يجب علينا أن نفهمه نحن الذين تتقاذفهم أمواجُ المذاهب وتميل بهم كلُّ ريحِ تعليم فتخدعنا وتقودنا إلى الضلال (أف 4: 14).

1- الأناجيل المنحولة
نجد خارج الأناجيل الأربعة مجموعاتٍ عديدةً حملت اسم "إنجيل". فهناك مجموعة أولى تتعلّق بالتيّارات المسيحيّة المرتبطة باليهوديّة، ولم يبق لنا منها إلاَّ أجزاء بسيطة؛ وهناك مجموعة ثانية كتبت في زمن متأخّر فجاءت بشكل قصص خياليّة؛ وهناك مجموعة ثالثة بدأ الغنوصيّون يدوّنونها منذ القرن الثاني ب. م. ويضمّنونها تعاليم خاصّة ينشرونها في الأوساط المسيحيّة والوثنيّة على السواء.

أوّلاً: المجموعة الأولى: أناجيل المتهوّدين
نجد في هذه المجموعة إنجيل العبرانيّين وإنجيل الناصرّيين وإنجيل الأبيونيّين (أو إنجيل الرسل الاثني عشر) وإنجيل المصرّيين وإنجيل بطرس. ونسارع إلى القول إنّه لم يبق لنا من هذه الأناجيل إلاَّ بضعة أجزاء ومقاطع إن لم تكن نتفًا. ولو بقيت لنا هذه الأناجيل لعَلِمنا الكثير عن تاريخ المسيحيّة الأولى وعن مراحل تكوين النصّ الإنجيليّ.

إنجيل العبرانيّين
اكتشف هذا الإنجيلَ القدّيسُ إيرونيموس (القرن الرابع ب. م.) إذ وَجَدَ نسخة منه في قيصريّة وبيره، قرب أنطاكية. قرأه قراءة سريعة، وكان مكتوبًا بالآراميّة، فبدا له وكأنّه الأصلُ الساميّ لإنجيل متّى. فنسخ منه بعض المقاطع وترجمها وأدرجها في كتبه.
إذا اطلّعنا على ما وصل إلينا من إنجيل العبرانيّين وجدنا فيه شرحًا مسهبًا لنصّ يسرده متّى اليونانيّ بإيجاز. نقرأ مثلاً كيف يبيّن يسوع مطوّلاً لعائلته، قبل اقتبال معموديّة يوحنّا، أنّه ليس بحاجة إلى المعموديّة؛ ونقرأ أيضاً من كلمات يسوع: "لا تكونون سعداء إلاّ إذا نظرتم إلى أخيكم بالمحبّة"؛ وأيضاً: "أُلمسوني وجسّوني واعلموا أنّني لست روحًا، بل جسدًا".

إنجيل الناصرّين
يذكره هيجيسيب وأوسابيوس القيصريّ، ويعتقد بعض العلماء أنّه إنجيل العبرانيّين، بدليل اكتشاف إيرونيموس له عند الناصرّيين قرب أنطاكية. بقي لنا ثلاثون شاهدة من هذا الإنجيل الذي يعطي أهمّيّة كبيرة لشخصيّة يعقوب أخي الربّ.

إنجيل الأبيونيّين (أو إنجيل الرسل الأثني عشر)
كتب في اليونانيّة في النصف الأوّل من القرن الثاني، واستعملته الجماعات المسيحيّة المنشقّة في شرقيّ الأردنّ. يروي خبر عماد يسوع واختياره للاثني عشر دامجًا نصوص الإزائيّين الثلاثة مّتى ومرقس ولوقا. وهو ينكر ولادة يسوع مع بقاء مريم في البتوليّة، ويعتبر أنّ يسوع صار ابن الله لمّا قبل العماد، ويُعرض عن الذبائح وشعائر العبادة، ويجعل من يوحنّا المعمدان إنسانًا نباتيًّا لا يأكل إلاّ البقول، ويتردّد في جعل يسوع يأكل خروف الفصح. ونلاحظ لدى قراءة هذا الإنجيل ميلاً إلى الهرطقة وتأثيرًا غنوصيًّا في التعليم عن المسيح.

إنجيل المصرّيين
يبدو أنّه كتب في الزمان الذي فيه كتب إنجيل الأبيونيّين، وهو يرتبط مثله بالتيار الغنوصيّ. وُجّه إلى المسيحيّين الآتين من الوثنيّة، ولم يبق لنا منه إلاَّ مقطعان (حوار بين يسوع وسالومة بنت هيرودس وهيروديا، مت 14: 3- 12) أوردهما القدّيس إكلمنضوس الإسكندرانيّ، وفيهما ما فيهما من التشديد على منع الزواج.

إنجيل بطرس
لم يبق لنا من هذا الإنجيل إلاَّ جزء بسيط. يبدأ بالحكم على يسوع وينتهي بظهوره بعد قيامته في أورشليم والجليل. كتب حوالي سنة 130 في سورية، وذكره سرابيون الأنطاكيّ (حوالي سنة 200) وحذّر المؤمنين من قراءته. يبدي كاتبُه معرفة بالأناجيل القانونيّة الأربعة، ويورد الشواهد النبويّة دون أن يشدّد على أنّها تمّت في آلام المسيح وموته، ويعتبر بيلاطس بريئًا من تهمة قتل يسوع وينحي باللائمة على هيرودس الذي حكم على يسوع بالموت، بحسب زعمه. وخلال آلام يسوع نلاحظ أنّه الإله الذي لا يمكنه أن يتألّم، وهذا ما يجعلنا قريبين من بدعة الظاهريّين الذين يعتبرون أنّ الربّ لم يتجسّد بل أخذ شبه جسد. ثمّ إنّ تمجيدَ يسوع تمَّ حالاً بعد موته على الصليب. أمّا خبر قيامته وظهوره أمام أعدائه فهو يحوي عناصرَ جليانيّةً يبدو فيها الصليب كائنًا حيًّا: "خرج ثلاثة رجال من القبر يتبعهم صليب. كان رأس كلّ من الرجلين الأوّلين يصل إلى السماء، أمّا رأس الرجل الثالث الذي يقودهما فكان يتجاوز السماء. وسمعوا صوتًا من السماء يقول: هل بشرت الموتى؟ فأجاب الصليب: نعم". ويروي هذا الإنجيل أنّ يسوع تراءى بعد قيامته للنسوة القدّيسات، وأنّه لما ظهر للرسل على بحيرة طبريّا كانوا على جهل بقيامته.

ثانيًا: المجموعة الثانية: الأناجيل المطبوعة بالقصص الخياليّ
أرادت أناجيل المجموعة الأولى أن تجمع تعليم المسيح وتنقله إلى المؤمنين، أمّا أناجيل المجموعة الثانية فبغت أن تخبرنا بما سكت عنه الإنجيليّون، متوخيّة إرضاء رغبة الاطّلاع عند الشعب المسيحيّ بالنسبة إلى مريم ويوسف وبالنسبة إلى طفولة يسوع وآلامه. وهكذا كان لنا في هذه المجموعة الثانية قَصَصٌ قريب من الخرافات ومطبوع بطابع الخيال، كتب بين القرن الثالث والقرن الرابع ب. م.
كتابان يلفتان انتباهنا: إنجيل يعقوب وإنجيل انتقال مريم، إذ فيهما الخطوط الأولى لِلاَهوتٍ مريميّ وفكر دينيّ عن الحياة الأخرى، يستند إلى مواضيعَ مأخوذةٍ من العهد القديم.
نجد في هذه المجموعة: إنجيل يعقوب وإنجيل متّى المزيَّف وإنجيل انتقال مريم وإنجيل يوسف النجّار وإنجيل توما الفيلسوف الإسرائيليّ وإنجيل نيقوديمس وإنجيل جملائيل.

إنجيل يعقوب
تعود أوّل مخطوطة اكتشفت إلى القرن الثالث وكان عنوانها: "ميلاد مريم، رؤيا يعقوب" (أخو الربّ). يروي هذا الإنجيل أحداثًا بعضها سبق الأحداث المروية في الأناجيل القانونيّة، ثمّ يرجع إلى الأناجيل الأربعة وإلى تقاليدَ شفهيّةٍ قديمة من القرن الثاني المسيحيّ (وقد أثبتها الآباء الأوّلون في كتاباتهم) ليحدّثنا عن ميلاد يسوع في المغارة، كما ورد عند يوستينوس وأغناطيوس الأنطاكيّ. ونقرأ فيه أنّ يواكيم وحنّة (والدَيِ العذراء) كانا شيخين عقيمين فعرفا بواسطة الملاك أنّه سيكون لهما ولد في وقت قريب. وهكذا كان، فرزقهما الله ابنة سمّياها مريم وكرّساها للربّ منذ ولادتها وقدّماها إلى الهيكل وهي بعمر الثلاث سنوات. وكانت تقتات بطعام يحمله إليها كلّ يوم ملاك من السماء. ولمّا بلغت اثنتي عشرة سنة وكل الكاهن الأعظم حماية بكارتها إلى يوسف (وكان أرملاً وكان له أولاد) الذي اختاره الله لهذه المهمّة بطريقة عجيبة. وأتى الملاكُ مريم مرّة أولى عند عين البلدة ثمّ مرّة ثانية في غرفتها ليُبْلِغَها أنّها ستكون أمّ يسوع. وعند ولادة يسوع امتلأت المغارة بسحاب (علامة حضور الله) حلَّ محلّه نور يعمي البصر. وما إن اختفت السحابة المضيئة حتّى بدا الطفل في المغارة (تشديد على سرّ ولادته). وشكّت سالومة ببتولِية مريم فكان عقابها قاسيًا. وعرف الجميع أنّ مريم بقيت عذراء قبل الميلاد وفيه وبعده.

إنجيل مّتى المزّيف
هذا الإنجيل هو ترجمة لاتينيّة لإنجيل يعقوب مع بعض الزيادات، كالهرب إلى مصر وفيه ما فيه من إسهاب في ذكر المدهشات، وميلاد يسوع المملوء عجائب، ولقاء حنة ويواكيم عند الباب الذهبيّ (تشديد على ولادة مريم العجيبة)، ووجود الحمار والثور قرب يسوع لتتم نبوءة أشعيا (1: 3) وحبقوق (3: 2، بحسب الترجمة السبعينيّة).

إنجيل انتقال مريم
دُوِّن هذا الإنجيل في القرن الخامس في اللغة اليونانيّة وتُرجم إلى السريانيّة والأرمنيّة والقبطيّة واللاتينيّة، فانتشر في كلّ أنحاء الكنيسة. يروي هذا الإنجيل في أحد أجزائه أنّ يسوع سلَّم نفس أمّه مريم إلى الملاك ميخائيل بحضور بولس وسائر الرسل. وبعد أن دُفنت مريم في وادي يوشافاط، تراءى يسوع مرّة ثانية وأقامها، فصعدت إلى السماء مع ابنها تحملها أجواق الملائكة. ونلاحظ في النسخة العربيّة لإنجيل انتقال مريم مقاطع كثيرة تحكي عن عبادتها وطلب شفاعتها وأولى عجائبها والأعياد المنظّمة إكرامًا لها.

إنجيل يوسف النجّار
كُتب باليونانيّة في القرن الرابع وبقي لنا منه ترجمة في العربيّة وأخرى في القبطيّة. في هذا الإنجيل نسمع يسوع يروي لتلاميذه على جبل الزيتون حياة أبيه بحسب الجسد، وموته ودفنه. مات يوسف الشيخ بين يدي يسوع ومريم وعمره 111 سنة، وكان آنذاك صحيح الجسم والعقل. أمّا نفسه فُوضعت في ستار مضيء وحملها الملاكان ميخائيل وجبرائيل، وأمّا جسده فسيبقى من دون فساد إلى يوم يملك المسيح الممجّد ألف سنة على الأرض (رؤ 20: 2). وينهي يسوع حديثه فيوصي المؤمنين بطلب شفاعة يوسف والاحتفال بعيدة مرّة كلّ سنة.

إنجيل توما الفيلسوف الإسرائيليّ
كتبه باليونانيّة في القرن الخامس أحدُ المسيحيّين وقد كان على جهل بالحياة اليهوديّة وعاداتها. تُرجم إلى السريانيّة والجيورجيّة والسلافونيّة، ودمج بإنجيل يعقوب، فنتج من هذا الدمج إنجيلُ الطفولة كما نقرأه في الأرمنيّة والعربيّة.
يروي هذا الإنجيل أحداثًا مثل زيارة حوّاء إلى مغارة بيت لحم وشفاء الطفل الأبرص، أو أخبارًا صبيانيّة كتلك التي تجعل يسوع يصنع عصافير من تراب الأرض يوم السبت ويمنحها الحياة.

إنجيل نيقوديمس (أو أعمال بيلاطس)
مؤلَّف وصلنا في صيغَ متعدّدة، في اليونانيّة والسريانيّة والقبطيّة والأرمنيّة والحبشيّة واللاتينيّة. في قسمه الأوّل نقرأ رواية حكم بيلاطس على يسوع بلسان نيقوديمس، للردّ على التجديف على يسوع، الذي وضع على لسان بيلاطس في القرن الرابع. ثمّ يدلي نيقوديمس ويوسف الراميّ ببراهينَ على قيامة يسوع فيقنعان حنّان وقيافا. وفي القسم الثاني يروي شقيقان توأمان، هما ابنا سمعان الشيخ، كيف نزل يسوع إلى الجحيم وكيف قاما معه من الموت يوم موته. هذا الخبر المطبوع بطابع صبيانيّ يشرح نصّ رسالة القدّيس بطرس الأولى (3: 9) ويجيب على تساؤلات المسيحيّين عمّا فعله يسوع خلال رقاد جسده بعد الموت.

إنجبل جملائيل
كُتب باللغة القبطيّة في القرن الخامس أو السادس، وبقي لنا منه نصّ في اللغة العربيّة وآخر في اللغة الحبشيّة. يروي أحداث الالام بروح العداء ضدّ الشعب اليهوديّ.

ثالثًا: المجموعة الثالثة: أناجيل الغنوصيّين
إنّ الغنوصيّة التي تغرز جذورها في عالم مجهول قد ظهرت في سورية في بداية العهد المسيحيّ فوجدت أرضاً خصبة في الآداب الجليانيّة، ثمّ انتقلت إلى مصرفي بداية القرن الثاني، ومن هناك انتشرت انتشارًا واسعًا في كلّ العالم المسيحيّ، وكان من ثمارها الديانة المانويّة.
لم نكن، إلى هذه السنوات الأخيرة، نعرف الكثيرَ عن الغنوصيّة المسيحيّة. ما كنّا نعرفه يقتصر على شواهدَ وجدناها في كتب الآباء يردّون عليها (مثل إيريناوس وهيبوليتس وإبيفانيوس). غير أنّ اكتشافات في نجع حمادي (مصر، سنة 1945) وضعت بين أيدينا مكتبة في اللغة القبطيّة تحتوي ثلاثة عشر كتابًا في ألف صفحة تتضمّن 44 مؤلَّفًا من مؤلَّفات الغنوصيّين. نجد كتبًا ترتبط بالغنوصيّة الوثنيّة وغيرها تتقارب وأسفار العهد الجديد القانونيّة إمّا بعناوينها (إنجيل، أعمال، رؤيا) وإمّا بنسبتها إلى يوحنّا أو توما... وهي تكشف عن سرّ خَفِيَ على العامّة ونقلَه يسوع إلى بعض أخصّائه الذين ليسوا كتبة الأناجيل الأربعة.
نذكر في هذه المجموعة الثالثة: إنجيل توما وإنجيل الحقيقة وأبوكريفون يوحنّا وإنجيل فيلبّس.

إنجيل توما (أو أقوال يسوع الخفيّة لتوما)
هذا الإنجيل هو أقدم شاهد بين أيدينا على الغنوصيّة السريانيّة في بداية عهدها. كُتب في القرن الثاني وانتقل إلى القبطيّة في القرن الثالث. غرف كاتبه من نصوص وتقاليد قديمة فجمعها وبدّل فيها على هواه وأصحبها بتعابير غنوصيّة وسبكها في مجموعة سمّاها أقوال يسوع. تتكوّن هذه المجموعة من 114 قولاً أوحى بها يسوع إلى توما (يظهر اسمه في القول الثالث عشر) الذي يعتبره الكاتب فوق بطرس ومتّى.

إنجيل الحقيقة
هو عظة لا نعرف من كتبها ولا إلى مَنْ وُجِّهت، وهي ترمي إلى الكشف عن حقيقة الأناجيل الخفيّة. كتب في القرن الثاني في الإسكندريّة وارتبط بولنطينس الغنوصيّ الذي هاجمه إيريناوس في شخص تلاميذه ونسب إليهم اختلاق إنجيل الحقيقة.

أبوكريفون يوحنّا (أو إنجيل يوحنا المنحول)
هو وحي يوصله المسيح الممجّد إلى يوحنّا على جبل الزيتون. كُتب في بداية القرن الثاني ورمى إلى عرض التعليم الغنوصيّ بشكل تفسير لسفر التكوين. لهذا يرتبط هذا الأبوكريفون باليهوديّة المعاصرة للمسيح وبحركة المسيحيّين المتهوّدين.

إنجيل فيليبّس
سمّي بهذا الاسم لأنّ فيليبّس هو الرسول الوحيد الذي يذكره الكتاب. يبدو هذا الإنجيل بشكل رسالة لا تصميم لها تطلعنا على أسرار الغنوصيّين المأخوذة عن الليتورجيَّا المسيحيّة. ونجد فيه مقابلة بين الصبغة والمعموديّة: فالصافي يرمي في قِدْرِهِ موادّ ملوّنةً فمّخرج بيضاء، والمسيحي يخرج نقيًّا من مياه المعموديّة. ونقرأ فيه إشارة إلى أنّ خشب الصليب هو جذع شجرة زرعها يوسف النجّار، ترتبط بشجرة الحياة في الفردوس. 
وهناك كتب عديدة أخرى نجدها بين نصوص نجع حمادي: رؤيا بولس، رؤيا يعقوب، رسالة بطرس إلى فيليبّس، أول بطرس، رؤيا بطرس، كتاب توما وفيه كلمات دوّنها متّيّا، صلاة الرسول بطرس. وما نلاحظه من خلال هذه اسم هو أنّ الغنوصيّين يبرزون بشكل خاصّ إنجيل فيليبّس وإنجيل توما وكتاب توما لأنّهم يعتبرون هذين الرسولين المؤتمنين الوحيدين على البشارة الجديدة، ويتجاهلون كلاًّ من متّى ومرقس ولوقا.

2- سائر الكتب المنحولة
كما حاول كتّاب الأناجيل المنحولة أن يقلّدوا الأناجيل القانونيّة، حاول غيرهم أن يقلّدوا أعمال الرسل ورسائل بولس وسائر الرسل ورؤيا القدّيس يوحنّا. ولكنّ أهمّيّة هذه الكتب هي دون أهمّيّة الأناجيل، لذلك سنكتفي بِنظرة عاجلة إلى الأعمال والرسائل والرؤى المنحولة.

أوّلاً: الأعمال المنحولة
كُتبت هذه الأعمال في القرنين الثاني والثالث فكوّنت بينها وحدة متماسكة رغم اختلاف في التعليم وتباعد في التأليف. أمّا وحدتها فظاهرة في ميول مؤلِّفيها التعليميّة، وأمّا أسلوبها الأدبيّ فهو الإخبار الشعبيّ الذي تكثر فيه الصور العجيبة والخارقة. 
منبع هذه الأعمال آسية الصغرى أو سورية، وقد جمعها المانويّون في كتاب واحد ليعارضوا بها سفر أعمال الرسل القانونيّ، مشدّدين على ما فيها من آثار تعففيّة وتعاليم غنوصيّة.
نذكر في هذا الإطار: أعمال يوحنّا وأعمال بولس وأول بطرس وأعمال توما وأعمال أندراوس.

أعمال يوحنّا
دُوِّنت بين السنة 140 والسنة 160، وقد استفادت منها سائر الأعمال المنحولة التي سنوردها. تبدأ ساعة يستقدم دوميسيانس يوحنّا الرسول من أفسس إلى رومة، فيقيم الموتى ويشرب سمًّا فلا يلحق به أذى ويُلقى في أتّون من الزيت المغليّ. بقي لنا من هذا الكتاب نسخة يونانيّة طويلة ونسخة لاتينيّة مشذّبة مهذّبة.

أعمال بولس
يُقسم الكتاب ثلاثة أقسام: أعمال بولس واستشهاده ورسالته إلى الكورنثيّين. يؤكّد ترتليانس في مقالته "في العماد" أنّ كاهنًا من آسية كتب أعمال يوحنّا والرسول لم يزل على قيد الحياة، فكذّبه وعزله من خدمته. ونلاحظ في هذه الأعمال ما كُتب عن القدّيسة تقلا، وقد أخذت به الكنيسة الأولى على أنّه خبر تاريخيّ، وما ورد عن وجه بولس وشكله، وقد استوحاه رسّامو الإيقونات للصورة التي نعرفها عن القدّيس بولس.

أعمال بطرس
بقي لنا من هذه الأعمال مقاطعُ عن بطرس وسمعان الساحر، تخبرنا أنّ الرسول جعل الكلب يتكلّم والسمكَ المجفّف تعود إليه الحياة فيسبح من جديد، وترينا زعيم الرسل الهارب من رومة بسبب الاضطهاد، كيف التقاه الربّ فقال له إنّه ذاهب إلى رومة ليُصلب مرّة ثانية، فتشجّع بطرس وعاد أدراجه إلى رومة وصُلب هناك، وتفيدنا أخيرًا أنَّ بطرس أقام اثنتي عشرة سنة في أورشليم بعد صعود ربّنا إلى السماء ثمّ توجّه إلى رومة حيث مات بعد أن قضى فيها سنة واحدة.

أعمل توما
كُتبت باليونانيّة في منطقة الرها في القرن الثالث، غير أنّه لم يصل إلينا منها إلاَّ الترجمة اليونانيّة المتأثّرة بإنجيل توما. تروي هذه الأعمال بطريقة أسطوريّة نشاط توما في الهند وموته هناك شهيدًا. ونجد فيها "أناشيد الدرّة" التي ستروج في عالم الشرق (راجع أفرام السريانيّ في أناشيد الإيمان 81- 85)، كما نجد مزامير توما التي سيستعملها المانويّون لما فيها من ميول غنوصيّة وتعففيّة.

أعمال أندراوس
لم يبقَ لنا منها إلاَّ النسخ اليونانيّة واللاتينيّة المنقّحة، وهي تروي كيف أنّ حاكم أخائية رمى الرسول أندراوس طعمًا للحيوانات لأنّه علّم امرأته العفّة بفضل الكرازة المسيحيّة، غير أنّ الحيوانات لم تمسّ الرسول بأذى، فجلده الحاكم وصلبه، ولكنّه ظلّ يكرز بالإيمان المسيحيّ من على صليبه مدّة ثلاثة أيّام.

ثانيًا: الرسائل المنحولة
لا نجد الكثير من الرسائل المنحولة لأنّ هذا الفنّ الأدبيّ لا يسمح للكاتب بأن يرخي العنان لتصوّرات مخيّلته.

رسائل منسوبة إلى بولس
هناك الرسالة الثالثة إلى أهل كورنتوس التي كتبت على ما يبدو في القرن الثالث وأقحمت في أعمال بولس التي ذكرناها. تتكوّن من ستّين سطرًا، وهي تحارب بدعة سمعان وكليوبيوس في كورنتوس، وتناهض التعليم الغنوصيّ مشدّدة على قيامة الأجساد؛ وهناك الرسالة إلى اللاذقيّين (راجع ص 4: 15) التي تؤلف بين مقاطعَ مأخوةٍ من رسائلِ بولس القانونيّة، ولاسيّما الرسالة إلى أهل فيليبّي (بقي لنا نسخة في اللاتينيّة)؛ وهناك المراسلة بين بولس وسينيكا (الكاتب الرومانيّ) التي كتبت باللغة اللاتينيّة في القرن الرابع ب. م.، وقد عرف إيرونيموس منها أربع عشرة رسالة.

رسالة الرسل (أو وصيّة ربّنا في الجليل)
نعرفها في ترجمة قبطيّة وأخرى حبشيّة، إلاَّ أنّها كُتبت على ما يبدو باليونانيّة في القسم الأوّل من القرن الثاني، في مصر أو في سورية. هذه الرسالة يوجّهها الرسل إلى جميع الكنائس لينقلوا إليهم الكلام الذي أوحى به السيّد المسيح، بعد قيامته، عن نزوله إلى الجحيم وتبشيره الموتى ومجيئه الثاني والدينونة الأخيرة. نلاحظ في هذه الرسالة ردّة فعل على الغنوصيّة ورجوعًا إلى نصوص العهد الجديد القانونيّة، كما اعتاد المسيحيّون المتهوّدون أن يفعلوا.

كرازة بطرس
ذكر هذه الكرازة إكلمنضوس الإسكندرانيّ، وعرفها أوريجانس الكاتب المسيحيّ وهرقليون الكاتب الغنوصيّ، ولكن لم يبقَ لنا منها إلاَّ بضعة مقاطع تساعدنا على القول إنّها دوّنت في القرن الثاني ب. م. وإنّها ترتبط بأدب الدفاع المسيحيّ الذي انتشر في ذلك الوقت.
ولدينا إلى جانب "كرازة بطرس" كتاب "كرازات بطرس" حيث يعطي كاتبها ليعقوب المقام الأوّل، ويهاجم بولس على طريقة المسيحيّين المتهوّدين. كتبت باليونانيّة، في القرن الثالث في سورية، وتأثير الغنوصيّة واضح فيها.

ثالثًا: الرؤى المنحولة
لقد انتشر الأدب الجليانيّ عند اليهود انتشارًا واسعًا من القرن الثاني ق. م. إلى القرن الأوّل ب. م. ولمّا حرمته أوساط المعلّمين اليهود ضعف جدًّا وكاد يتلاشى لو لم ينتقل إلى اليونانيّة على أيدي المسيحيّين الذين عرفوا سفر رؤيا يوحنّا القانونيّ وأسفار رؤى تخفّت وراء هذا الرسول أو ذاك. من هذه الرؤى نذكر: رؤيا بطرس ورؤيا بولس وغيرهما.

رؤيا بطرس
من المرجّح أنّها ترجع إلى القرن الثاني، وقد ذكرها قانون موراتوري مع رؤيا يوحنّا وقال فيها إنّ بعضًا يرفضون قراءتها في الجماعة المسيحيّة. وصلت إلينا باللغة الحبشيّة واللغة اليونانيّة مع إنجيل بطرس، فبدت بشكل وحي أوصله يسوع إلى بطرس، ونقله هذا إلى تلميذه إكلمنضوس. أمّا موضوع هذه الرؤيا فهو عودة المسيح بالمجد للدينونة العامّة مع تصوير مطوَّل لعذابات المحكوم عليهم بالموت الثاني في جهنمّ. ونقرأ فيها نصوصاً من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، ونرى صورًا مأخوذة من أساطير العالم اليونانيّ، وقد وصل إلينا بعضها عبر ما قيل في الكتب القديمة عن عذاب جهنمّ وأنواعه.

رؤيا بولس
يُقال إنّ نصّ هذه الرؤيا اكتشف في عهد تيودوسيان وغراسيان (سنة 380) في بيت بولس الطرسوسيّ. كتبت في فلسطين باللغة اليونانيّة، ولكنْ لم يبقَ لنا منها إلاّ الترجمات. ينطلقُ الكاتب في تدوين هذه الرؤيا من انخطاف بولس (2 كور 2: 2) فيعمل خياله في الحياة الأخرى ويطيل شرحه عن عذابات الهالكين.
وهناك أيضاً رؤى متعدّدة جاءت في زمن متأخر: رؤيا العذراء، رؤيا توما، رؤيا يوحنّا، رؤيا إسطفانس، وأخرى عديدة ورثها المسيحيّون عن اليهود ومهروها بطابع العهد الجديد: رؤيا باروك، رؤيا عزرا، رؤيا شدرك، رؤيا إيليّا، رؤيا صفنيا. ونذكر أيضاً صعود أشعيا بعد موته شهيدًا، وكتاب الأمثال المقحم في سفر أخنوخ. وإنّ هذه اللائحة الأخيرة تبيّن لنا اتّصال فنون أدبيّة عرفتها التقاليد اليهوديّة بفنون عرفتها التقاليد المسيحيّة.

خاتمة
بعد هذا العرض السرج نتساءل: أيُّ جديد جاءت به الأسفار المنحولة المرتبطة بالعهد الجديد، وأي فائدة تحملها إلينا لمعرفة الكتاب المقدّس ولدرس المسيحيّة الأولى درسًا أدبيًّا وعلميًّا؟
بالنسبة إلى الكتاب المقدّس، لم تحمل إلينا هذه الكتب الشيء الكثير. قد نجد في الأناجيل بعض العبارات والنصوص المختلفة عن النص القانونيّ، أو بعض كلمات ليسوع لم ترد في الأناجيل القانونيّة، أمّا الرسائل والرؤى فلا تضيف شيئًا إلى العهد الجديد. 
أمّا بالنسبة إلى المسيحيّة الأولى، فنلاحظ أنّ الفنون الأدبيّة التي لجأ إليها كتّاب العهد القديم قد أثّرت في الكنيسة في بداية عهدها، وكان تبّاع هذه الفنون عديدين. وأمّا قيمة هذه المؤلّفات مختلفة: فالمؤلّفات الآتية من عالم المسيحيّين المتهوّدين تبيّن استمرار تعبير جليانيّ ورثه المسيحيّون عن اليهود، ولكنّها ستنحرف سريعًا إلى تيّارات متشعّبة كالأبيونيّة أو الغنوصيّة؛ أمّا المؤلّفات التي تحتوي عناصر التقوى الشعبيّة فهي تلفت انتباهنا بما تقوله عن طفولة يسوع والعذراء وعن أسرار الحياة الأخرى وانتظار نهاية كلّ شيء. لا شكّ في أنّ هذه المؤلّفات الأخيرة تتضمّن قيمة لاهوتيّة لا بأس بها، ولكنّها لا تعتم أن تنحرف إلى حُبِّ الاطّلاع الباطل وتبعد بنا عن الذوق السليم؛ أمّا ما انتقل من الأناجيل وأسفار الرؤى إلى كتب الآباء الشرقيّين وإلى الفنّ الذي عرفته القرون الوسطى في الغرب فيبقى أمرًا منوطاً بالفنّ لا بالإيمان.
أمّا أخطار الأسفار المنحولة فعديدة نذكر منها اثنين: الخطر الأوّل هو أن نجعل الأناجيل المنحولة مساوية للأناجيل القانونيّة الأربعة: فالأناجيل المنحولة لا تعدو أن تكون كتبًا تقويّة إن لم تحمل في طيّاتها البدعة والضلال التي أثّرت في كتب كثيرة دوّنت بعدها في عالمنا الشرقيّ. أمّا الأناجيل القانونيّة ففيها وحدها نجد قاعدة الإيمان المسيحيّ. وإن كان في الإمكان أن نورد نصًّا من الأسفار المنحولة كعنصر أدبيّ نزيّن به أفكارنا، إلاّ أنّنا لا نستطيع أن نخدع أنفسنا ونخدع الآخرين عند إيراد مثل هذا النصّ معتبرينه نصّاً إنجيليًّا وهو لا يحمل من الإنجيل إلاَّ اسمه. أمّا الخطر الثاني فآتٍ من الالتباس في الأفكار، بعد أن أخذ أصحابُ الشيعَ بإقحام نصوص من العهد الجديد في كتبهم، فأخفَوا تعاليمهم وراءها وخدعوا مؤمنين بسطاء. وهذا ما فعله التيّار الغنوصيّ وكان هدفه ابتلاع نصوص الأناجيل القانونيّة وكتابتها بروح جديدة وتعبير أفضل. إلاّ أنّ الكنيسة وقفت بوجه هذا التيّار فجمعت الكتب التي تجد فيها الكنائس التقليد الرسوليّ الصريح وقاعدة الإيمان الواحد وأوصلتها إلينا خالية من كلّ شائبة وضلال.
القسم الثالث
الأناجيل الإزائيّة
أي
متّى ومرقس ولوقا

تحدّث التقليد الغربيّ منذ إيريناوس عن إنجيل تترافورم أي في أربعة أشكال. 
وتحدّث التقليد السريانيّ عن الأناجيل الممزوجة- هكذا فعل طاطيانس- وعن الأناجيل المنفصلة. حاربت الكنيسة كلّ المحاولات لدمج الأناجيل في إنجيل واحد، لأنّها اعتبرت أنّ هذا الدمج يشوِّه وجه يسوع. فسارت على خطى شهادات أربع لتكتشف غنى شخصيّة يسوع الذي لا تستنفده كلّ كتب العالم.
وعرف العالم الحديث ما يسمى الاناجيل الازائية، اي متى ومرقس ولوقا، ونصوصهم تتوازى وتتقابل. لهذا سندرس في هذا القسم الأناجيل الازائية حسب الترتيب التالي:
الفصل الرابع عشر: الإنجيل والأناجيل.
الفصل الخامس عشر: الإنجيل بحسب متّى. 
الفصل السادس عشر: الإنجيل بحسب مرقس. 
الفصل السابع عشر: الإنجيل بحسب لوقا. 
الفصل الثامن عشر: المسألة الإزائيّة.
الفصل التاسع عشر: الإنجيل والتاريخ.
الفصل الرابع عشر
من الإنجيل إلى الأناجيل

لم يكتب سقراط كلمة واحدة، ولكنّ أفلاطون تلميذه دوَّن له فكره. والباحثون اليوم يدرسون أفلاطون ولكنهم يهتمّون بشخص سقراط.
وهكذا لم يكتب يسوع، بل كتب مرّة على الرمل (يو 8: 6). أمّا عمله وشخصه فما زالا أساس كتابات عديدة. والناس يدرسون الأناجيل اليوم ليقتربوا من شخص يسوع الذي سحرهم.
كلّ شخص هو سرّ مغلق ومن المستحيل أن نحصره داخل صورة واحدة. والأمر صحيح بالنسبة إلى شخص يسوع الذي رأى فيه المؤمنون المسيحَ وابن الله. لم يبق لنا فقط صورة واحدة عن يسوع، بل أربع صور هي الأناجيل الأربعة التي تحاول أن تقدّم لنا بعضاً من غنى ذاك الذي رأَوه بعيونهم، وسمعوه بآذانهم، ولمسوه بأيديهم (1 يو 1: 1). 
وقبل أن نتوقّف على كلّ من الأناجيل الأربعة التي وُلدت في جماعات مختلفة، وقَدّمت لنا صورة خاصّة عن يسوع، نتعرّف إلى معنى كلمة إنجيل ونتتبّع مراحل تكوين الأناجيل وتدوينها.

أ- معنى كلمة إنجيل
1- البشرى أو الخبر المفرح
حين نتكلّم عن يسوع لا نشبه ذلك الذي يتكلّم عن سقراط أو بودّا. فحين نربط لقب المسيح باسم العَلم نقرّ بأنّ في هذا الشخص التاريخيّ الذي هو يسوع الناصريّ قد تمّ انتظار البشريّة الباحثة عن الله.
وما نقوله عن يسوع نقوله عن الإنجيل. فنحن لا نقدر أن نتكلّم عن الإنجيل إلاّ في الإيمان، كما لا نستطيع أن نقول يسوع المسيح إلاّ بالإيمان. فكلمة إنجيل هي نسخ الكلمة اليونانيّة المؤلّفة من لفظتين. "أو" أي حسن، صالح، مفرح. "وأنجيلو" أي أعلن، حمل خبرًا، بلّغ رسالة. في الخبر نعلن أنّ حدثًا ما حصل بتلك الصورة في وقت من الأوقات، أمّا الإنجيل فيجعلنا على مستوى التفسير والبحث عن مغزى. نحن نتعرّف إلى الحدث ولكنّنا نكتشف فيه بشارة وخبرًا مفرحًا. هذا يتضمّن اعترافًا وفعل إيمان. 
لقد اختارت الجماعات المسيحيّة الأولى كلمة إنجيل، فدلّت على شيء فريد لم يحصل من قبل. أرادت أن تشهد عنه وكشفت على أنّها تريد أن تلتزم بهذا التعليم. فالخبر المفرح ينفي كلّ موقف محايد، ويُبرز اعترافًا واضحًا، ويعبّر عن فعل إيمان. هذه هي ردّة الفعل عند المسيحيّ. وقد يتعرّف غير المسيحيّ إلى واقع يسوع المسيح فيبقى بعيدًا أو يتّخذ موقفًا سلبيًّا. ولنتّخذ مثلاً ما كتبه المؤرّخ تاقيتس (55- 119): "إنّ هذا الاسم (مسيحيّ) قد جاء من المسيح الذي أسلمه إلى العذاب الوالي بيلاطس البنطيّ في أيّام الإمبراطور طيباريوس. إنّ هذه الشيعة البغيضة التي حوربت وقتًا من الزمن، عادت إلى الظهور لا في اليهوديّة فقط، موطن هذا الوباء، بل في رومة نفسها حيث تتبعها جماعة تتألّف من أكره وأسفل ما في العالم".
وحاول بعض المفكّرين اليوم، ولاسيّما اليهود منهم، أن يجعل الإنجيل خبرًا محايدًا. فترجم أحدهم بداية إنجيل مرقس: رأس خبر يشوع المشيح بن إلوهيم، بدل: إنجيل يسوع المسيح ابن الله. فمن خلال كلمة إنجيل نكتشف شاهدًا يلتزم بما يقول. ووراء كلمة خبر نتعرّف إلى رجل محايد يقدّم تقريرًا. إنّ حامل البشارة هو غير الصحافيّ الذي يقدّم بلاغًا.

2- كلمة إنجيل في أدب اليونان
عرفت الآداب اليونانيّة كلمة إنجيل (إوَنجليون)، فعنت بها الهديّة التي يحصل عليها حاملُ الخبر المفرح. في اليونانيّة الكلاسيكيّة (القرن الخامس، القرن الرابع ق م) عنى الإنجيل الهديّة، وعنى أيضاً الذبيحة التي نقدّمها حين يصلنا خبر سارّ. وفي اليونانيّة الهلّينيّة (بعد القرن الثالث) عنى الإنجيل الخبر المفرح نفسه فدلّ على إعلان نصر حربيّ. يستعمل هذه الكلمة بلوترخس المؤرّخ (45- 120 ب م) الذي عاصر البدايات المسيحيّة. وارتبطت الكلمة بالإمبراطور الرومانيّ الذي اعتُبر إلهًا، فكان إعلان ولادة وليّ العهد وبلوغه سنّ الرشد أو تنصيبه ملكًا بمثابة بشرى وخبر سارّ. وإليك بعض الأمثلة: كان بومبيوس (القائد الرومانيّ) يركب حصانه حين وصل إليه بعض محازبيه يحملون إليه بشرى (أو إنجيل). وكانت امرأته كورنيلية، فحملوا إليها بشرى وأخبروها أنّ الحرب انتهت. ونقرأ كلامًا منقوشًا يحتفل بمولد أوغسطس. يعود هذا الكلام إلى سنة 9 ب م وقد وجد في يريانيس من أعمال آسية الصغرى (تركيا الحاليّة): "يستطيع كلّ واحد أن يعتبر بحقّ هذا الحدث كأصل حياته ووجوده، كالزمن الذي لا يحقّ له بعده أن يَندم لأنّه وُلد... فالعناية قد أوجدت بطريقة عجيبة الحياة البشريّة وزيّنتها حين أعطتنا أوغسطس... لتجعله المحسن إلى البشر ومخلّصنا نحن ومخلّص الذي سيأتون بعدنا... إنّ يوم ميلاد الإله (أوغسطس) هو للعالم بداية بشارات (أناجيل) نلناها بفضله". ونقرأ أيضاً كلامًا منقوشًا في سرديس يعود إلى سنة 5 ق م ويعتبر بلوغ الوارث سنّ الرشد إنجيلاً وبشرى. ونقرأ أخيرًا في برديّة مصريّة تعود إلى سنة 237 ب م أنّ يوم تنصيب الملك هو خبر مفرح.
وهكذا تكثر في الحياة اليوميّة "الأناجيل" أو "الأخبار السارّة" وهي أحداث سعيدة تتوزّع حياة الملك، وهي انتصارات باهرة لمجد الملوك والقوّاد. أجل، عرف الوثنيّون بشارات عديدة، أمّا اليهود والمسيحيّون فلم يعرفوا إلاَّ بشرى واحدة، إلاَّ إنجيلاً واحدًا.
3- كلمة إنجيل في التوراة اليونانيّة
لم يخترع يسوع والمسيحيّون الأوّلون كلمة إنجيل، بل أخذوها عن التوراة اليونانيّة التي تستعمل فعل "أَنْجَلَ" نحو عشرين مرّة وكلمة إنجيل في المفرد والجمع ستّ مرّات. إليك هذه المقاطع: الأوّل على لسان داود بعد أن قُتل إشبوشت. قال: إنّ الذي أخبرني وقال لي: إنّ شاول قد مات وهو يظنّ أنّه يبشّرني نجبر، قبضت عليه وقتلته (2 صم 4: 10). الثاني يرتبط بمعركة داود ضدّ شاول. قال يوآب لأحيماعص بن صادوق: لست بصاحب بشرى في هذا اليوم، وإنّما تبشّر في يوم آخر. أمّا اليوم، فلا بشارة لك (2 صم 18: 20، 22، 25، 27). والثالث يروي كيف ترك الآراميّون حصار السامرة. قال الرجال بعضهم لبعض: ليس ما نصنعه حسنًا. إنّ يومنا هذا يوم بشرى ونحن ساكتون (2 مل 7: 9).
نلاحظ أنّ كلمة إنجيل تقابل كلمة بشرى في اللغات الساميّة أكانت العربيّة أو العبريّة. وسنقرأها خاصّة في أشعيا الثاني وأشعيا الثالث. وإليك بعض الأمثلة. قال النبيّ: "إصعدي إلى جبل عال، يا مبشّرة صهيون. إرفعي صوتك بقوّة، يا مبشّرة أورشليم" (إش 40: 9). إنّه يدعو صهيون وأورشليم لأن تحمل البشرى والخبر السارّ إلى أهل يهوذا بعد أن حلّ ما حلّ بهم من خراب. وأعلن النبيّ أيضاً: "ما أجمل أن نرى الآتين على الجبال المُسْمِعين بالسلام، المبشّرين بالخير، المُسْمِعين بالخلاص، القائلين لصهيون: قد ملك إلهك" (أش 52: 7). هنا ترتبط البشارة ببداية عهد الملك. ولكنّ الملك ليس هنا شخصاً بشر، إنّه الله بالذات. ونقرأ أخيرًا من أشعيا الثالث (61: 1) هذه العبارة التي ردّدها يسوع فجعلها برنامج حياته الروحيّة: "إنّ روح السيّد الربّ عليّ، وقد مسحني لأبشرّ المساكين، لأجبر المنكسري القلوب وأنادي المسبّبين بأنّهم أحرار والمأسورين بأنّ قيودهم سقطت" (رج لو 4: 18- 19). أجل إنّ البشرى التي تُعلَن هي بشرى مجيء ملكوت الربّ، وهذا المجيء قريب. أمّا علاماته فهي السلام والتحرّر والسعادة. كان شعب إسرائيل منفيًّا في بابل بعد نكبة سنة 587 ق م، فجاء النبيّ يقدِّم إليه إنجيلاً وخبرًا سارًّا. ولقد هتف المرتّل أيضاً: "لقد بشّرتُ بأعمالك في الجماعة العظيمة" (مز 40: 10). ودعا الجماعة قال: "رنّموا للربّ، باركوا اسمه، بشّروا من يوم إلى يوم بأنّه المخلّص" (مز 96: 2).
أجل، هناك بشرى واحدة لليهودي هي بشرى مجيء ملكوت الله. وفي هذا المعنى يستعمل يسوع كلمة إنجيل.

4- كلمة إنجيل في العهد الجديد
إذا قرأنا نصوص العهد الجديد نجد أنّ فعل "أنجل" استعمل 54 مرّة واسم إنجيل 76 مرّة. وتتوزّع هذه الاستعمالات على فئات ثلاث كبرى. أعلن يسوع بشرى (إنجيل) مجيء ملكوت الله. أعلن التلاميذ بشرى (إنجيل) يسوع. كتب مرقس إنجيل يسوع. وهكذا تبدّل المعنى. كان يسوع هو من يعلن الإنجيل فصار موضوع إعلان. لم يعد الرسل يتحدّثون عن ملكوت الله بل عن يسوع المسيح. ثمّ إنّ الإنجيل كان فعل إعلان ينتقل بالسماع من الفم إلى الأذن، فصار نصًّا مكتوبًا يقرأه المؤمنون على مدى أجيالهم.

أوّلاً: يسوع يعلن إنجيل الملكوت
وقف يسوع في خطّ تعليم أشعيا، واتّخذ من كلامه أساس الخطبة التي جعلها برنامج عمله في مجمع كفرناحوم. بعد أن قرأ أش 61: 1- 2 أعلن: "اليوم تمّت هذه الآية التي تليت على مسامعكم". (لو 4: 21). وهكذا قَدَّمَ مجيئه على أنّه سنة الرضى التي أعلنها النبيّ قال: إنّ ملكوت الله الذي تنتظرون جاء بمناسبة كرازته.
ويمكننا أن نقرأ نصوصاً أخرى. فالقدّيس متّى (4: 23) يتحدّث عن يسوع الذي يعلن بشارة (إنجيل) الملكوت ويشفي الشعب من كلّ مرض وعلّة (رج 9: 35). وهو يسمعنا كلامه الذي يبرهن ليوحنّا أنّ ملكوت الله قد جاء: العميان يبصرون، الكسحان يمشون، الصمّ يسمعون، الموتى يقومون، والفقراء يبشَّرون (مت 11: 5؛ لو 7: 22؛ رج أش 26: 19؛ 29: 18؛ 35: 5). هذه البشارة يعلنها يوحنّا قريبة (مر 1: 14)، وهي حين تعمّ الكون تدلّ على أنّ النهاية جاءت (مت 24: 14). أجل، كانت الشريعة وكتب الأنبياء حتّى يوحنّا، ثمّ ابتدأت البشارة بملكوت الله (لو 16: 16) مع يسوع ثمّ مع تلاميذه. مع فيلبّس الذي بشّر بملكوت الله واسم يسوع (أع 8: 12)، ومع بطرس (أع 10: 36) ومع بولس أع 13: 32) الذي أعلن أنّ ما وعد به اللهُ آباءَنا من بشارة قد تمّ في يسوع المسيح.
يوم بدأ التلاميذ يدوّنون الأناجيل، استعملوا كلمة إنجيل في معناها الثاني (الإعلان عن يسوع) محافظين على المعنى الأوّل. وهكذا نصل إلى جوهر كرازة يسوع الذي يعلّمنا أنّ ملكوت الله جاء بمناسبة تعليمه وأعماله وحياته.

ثانيًا: الرسل يعلنون إنجيل يسوع
كان يسوع يعلن ملكوت الله، وها هم الرسل يعلنون يسوع القائم من بين الأموات. فمنذ القرن الثاني ق م والأزمة المكابيّة، آمن بعض اليهود بقيامة الموتى وانتظروا أن تكون هذه القيامة الحدث الذي يشير إلى نهاية الأزمنة وإلى مجيء ملكوت الله. فحين نعلن أنّ شخصاً قام، حين نعلن أنّ الله أقام يسوع، فنحن نعلن في الوقت عينه أنّ ملكوت الله جاء وأنّ نهاية الأزمنة بدأت. أجل، إنّ حضور يسوع هو العلامة الجليّة أنّ هذا الملكوت قد جاء.
إذًا لا تكمن البشرى لدى المسيحيّين في مجموعة من الأحداث المتتالية والعابرة التي تزداد أهمّيتها أو تنقص، بل في حدث واحد رئيسيّ وأساسيّ: ففي يسوع المسيح اقترب الله من الناس بصورة حاسمة ونهائيّة. لقد جازف الربّ بنفسه من أجل البشريّة فدعاها إلى مشاركته في حياته. لم تعد معرفة الله والقرب منه والحياة معه حلمًا ممنوعًا عن البشر. ولم يعد الله كائنًا بعيدًا لا نصل إليه، ضائعًا في ضباب تساميه. بل تجلّى بيسوع المسيح في التاريخ كإله قريب، كإله يقدر كلُّ الناس في كلّ الأزمنة أن يبلغوا إليه كأبناء تصالحوا معه. لقد حقّق الله في يسوع المسيح مشروع الاقتراب الذي كشف عنه لآبائنا بواسطة الأنبياء (عب 1: 1). هذا هو الإنجيل الوحيد، هذه هي البشرى الوحيدة، هذا هو الخبر السارّ الذي يبدِّل مسيرة التاريخ ويحوّل آفاق الوجود البشريّ. وهكذا تتحقّق البشرى التي أنبأ بها أشعيا (51: 7) فردّدها القدّيس بطرس (أع 10: 36): أرسل كلمته إلى بني إسرائيل، أعلن بشارة السلام بيسوع المسيح الذي هو ربّ كلّ البشر. 
هذه الآية التي أوردناها هي جزء (أع 10: 34- 43) من خطبة بطرس أمام أوّل مجموعة وثنيّة تدخل الكنيسة. إنّها تعلن الكرازة المسيحيّة الأولى. والرسالة إلى أفسس تعطي الإنجيل مضمونًا مناسبًا في إطار لاهوتيّ متطوّر حيث عبد المقابلة بين الإنجيل وبين ما يعلنه أشعيا. كانت خطبة بطرس تحدّد موقع الإنجيل بالنسبة إلى الله (أع 10: 36) أمّا أفسس (2: 15- 18) فبالنسبة إلى المسيح. إلاَّ أنّ المضمون الجوهريّ للبشرى يبقى هو هو: فبين الله والإنسان حلّ السلام بصورة نهائيّة وصارت المشاركة ممكنة. قال بولس الرسول: "فالمسيح هو سلامنا. جعل اليهود وغير اليهود شعبًا واحدًا... خلق في شخصه من هاتين الجماعتين إنسانًا جديدًا. أصلح بينه وبين الله بصليبه فقضى على العداوة وجعلهما جسدًا واحدًا. جاء وبشّركم بالسلام (أش 52: 7) أنتم الذين كنتم بعيدين، كما بشّر بالسلام الذين كانوا قريبين (أش 57: 19). فلنا به جميعًا سبيل الوصول إلى الله الآب" (أف 2: 14- 18).
وإذا أردنا أن نقدّم رسمة سريعة نجمع مضمون الإنجيل في عبارة مثلّثة:
تدخّل الله بصورة حاسمة
تدخّل في يسوع المسيح
تدخّل من أجلنا.
فإن شدّدنا على القسم الأوّل، على الأصل والمبادرة، تحدّثنا عن إنجيل الله (روم 1: 1، 15، 16، 19...). أمّا إذا شدّدنا على القسم الثاني، على كيفيّة التدخّل، على الوجه التاريخيّ الملموس والشخصيّ الذي اتّخذه تدخّل الله، نتحدّث عن إنجيل المسيح (روم 1: 9؛ 1 كور 9: 12؛ 2 كور 2: 12...). وإذا فكّرنا بالذين وصل إليهم تدخّل الله نتكلّم عن إنجيل السلام، كما في نصّ أفسس الذي ذكرنا، أو عن إنجيل الخلاص كما في أف 1: 13.
ولقد تعمّق المؤمنون تدريجيًّا في مضمون الإنجيل ومداه وأوضحوا عناصر تدخّل الله في يسوع المسيح واكتشفوا السبل التي تقود إلى السرّ. فكان لنا أقدم الشهادات عن الإيمان المسيحيّ وهي التي سبقت زمن تدوين رسائل القدّيس بولس. وإنّ هذه الشهادات لفتت انتباهنا إلى القيامة وإلى ما صنعه الله من أجل يسوع: فيسوع هذا قد قام ونحن شهود على ذلك... فيسوع هذا الذي صلبتموه جعله الله ربًّا ومسيحًا (أع 2: 33- 36؛ رج 1 تس 1: 9 ي؛ 2 كور 4: 14؛ روم 10: 9؛ أف 1: 20؛ 1 بط 1: 21). وتوضح كلّ شيء على ضوء القيامة: هُوِيَّة يسوع، معنى موته وحياته الجديدة بعد القيامة. وهكذا ما أحاط الإنجيل فقط بما صنعه الله ليسوع، بل بمَا فعله لأجلنا بواسطة يسوع. وهذا ما يشهد عليه قانون الإيمان القديم الذي أورده القدّيس بولس في الرسالة الأولى إلى كورنتوس (15: 1- 15):
"أذكّركم أيّها الإخوة بالبشارة (الإنجيل) التي بشّرتكم (أنجلتكم) بها...
المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب.
قبر،
وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب.
تراءى لبطرس ثمّ للرسل الاثني عشر".
وهكذا أعاد بولس مضمون إنجيله الأساسيّ إلى السرّ الفصحيّ، إلى موت يسوع وقيامته وتوضَّح كلّ شيء على ضوء القيامة. فالقيامة هي جواب الله إلى ما عاشه يسوع. أحسّ الرسل بالأمر بطريقة غامضة قبل القيامة، ولكن جاء الموت فغطَّى كلَّ شيء وكاد اللهُ يبدو وكأنّه يتراجع عن مخطّطه. ولكنّ كلّ شيء صار واضحًا. عاد الرسل إلى الماضي وفهموا بطريقة أفضل معنى رسالة يسوع: ما عاشه، ما فعله، ما قاله. هذا هو مضمون الإنجيل، هذا هو تدخّل الله من أجل البشر. وفي النهاية عادوا إلى الحقبة السابقة لإعلان الإنجيل، بل لخلق الكون فقال يوحنّا الإنجيليّ (1: 1): "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله".
فإذا حدَّدنا موقع الإنجيل الرابع في نهاية القرن الأوّل المسيحيّ، هذا يعني أنّ مسيرة الجماعات المسيحيّة الأولى التي رسمنا مراحلها الرئيسيّة، قد امتدّت سحابة ثلاثة أرباع من القرن. لقد عُنِيَتْ هذه المسيرة بتوضيح معنى الحدث الذي هو يسوع وإيجاد أبعاد الإنجيل، على ضوء القيامة. ونحن نستطيع أن نجد عبارات مكثّفة لكلّ هذه المسيرة في النشيد القديم الذي أورده القدّيس بولس في رسالته إلى أهل فيلبّي (2: 6- 11): 
"فمع أنّه في صورة الله، لم يعدّ مساواته لله غنيمة (وجود سابق للكون)
بل تجرّد من ذاته متّخذًا صورة العبد (وجود الابن على الأرض)
وصار على مثال البشر، وظهر بمظهر الإنسان،
تواضع فصار طائعًا حتّى الموت (الموت)
لذلك رفعه الله (القيامة والارتفاع)
ووهب له الاسم الذي يفوق كلّ الأسماء
كيما تجثو لاسم يسوع كلُّ ركبة (وضع يسوع الحاليّ)
ويشهد كلُّ إنسان أنّ يسوع المسيح هو الربّ".
نجد قيامة يسوع وما سبقها: الموت، مجمل حياة يسوع على الأرض، وجود يسوع قبل خلق الكون. ونجد قيامة يسوع وما تبعها: الارتفاع بالمجد، إعطاء الروح القدس، عودة المسيح في النهاية. أما نكون هنا أمام بشارات عديدة؟ كلاّ. فالمسيحيّون الأوّلون وحَّدوا كلّ هذه الأمور حول شخص الله. فكلّ هذه الأحداث التي رسمت وجه تدخّل الله في ملء الزمان، شكّلت حدثًا واحدًا اكتشف فيه المؤمنون الخبر السارّ والمفرح، إنجيل الله.

ثالثًا: مرقس يكتب الإنجيل
بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله (مر 1: 1). هذه هي بداية إنجيل مرقس، وهي تدلّنا على الجديد الذي حمله إلينا هذا الكتيّب. حتّى الآن، كان الإنجيل يُعلَن بطريقة شفهيّة، من الفم إلى الأذن. وكان ناقلو التعليم أشخاصاً أحياء، كانوا رسلاً وأنبياء ومعلّمين وشيوخًا وكهنة، وقد اهتمّوا أوّل ما اهتمّوا لا بنقل كلمات يسوع نقلاً حرفيًّا بل بتطبيقها على حياة الجماعات المختلفة. وكان هؤلاء الشهود الأحياء الكافلين لصحّة هذه الكلمات. لقد اختلف المسيحيّون في البداية عن اليهود، فلم يكن لهم كتب خاصّة بهم تعتبر مقدّسة. وهم إذا كانوا يتحدّثون عن الكتب كانوا يشيرون إلى أسفار العهد القديم. 
ولهذا حين دوّن مرقس إنجيلاً قدّم شيئًا جديدًا. وسيخبرنا التقليد أنّ الشهود الأحياء كانوا متردّدين حيال هذه المحاولة الجريئة. وقد استند أوسابيوس القيصريّ (265- 340) في تاريخه الكنسيّ (أنهاه حوالي السنة 325) إلى أقوال إكلمنضوس الإسكندرانيّ (150- 215) الذي يورد تقاليد الشيوخ القدماء في شأن تدوين الأناجيل: إليك الظروف التي دوِّن فيها الإنجيل بحسب مرقس: قدّم بطرس التعليم جهارًا في رومة، وعرض الإنجيل بقوّة الروح. وإذ كان سامعوه عديدين حثّوا مرقس، وهو الذي رافقه منذ زمن بعيد وتذكّر ذكرياته، على نقل ما قاله. وهذا ما فعله. فنقل الإنجيل إلى الذين طلبوه منه. ولما علم بطرس بالأمر لم يقدّم نصائح صنعه أو ليدفعه إلى مثل هذا العمل.
ما يسترعي انتباهنا من هذه الشهادة هو ارتباك بطرس أمام هذه المبادرة. أيوافق ويشجعّ، أيمتنع ويمنع؟ لم يفعل شيئًا.
لقد جمع مرقس عناصر مختلفة حملها التقليد، فنظّمها في قصّة أو خبر يسوع، وهكذا فتح الدرب أمام فنّ أدبيّ جديد لا يقابله أيّ كتاب في سائر الآداب. وستدوَن العصورُ الأولى أناجيل عديدة، ولكن الحسّ المسيحيّ سيميز الغثّ من السمين ويحتفظ بأربعة أناجيل.
إنّ هذا التجديد لبَّى حاجة ملحّة: بدأ الشهود الحقيقيّون يموتون. فكان من الضروريّ أن تواجه الكنيسةُ التفسيرات العديدة والمختلفة حول فكر يسوع، أن تضع حدودًا لا يتعدّاها المؤمنون، أن تغرز أصولها في حياة يسوع.
ولكنّنا دومًا أمام الإنجيل الوحيد الواحد الذي أعلنه شهود مختلفون سُمُّوا متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا. في هذا المعنى نقول: الإنجيل بحسب لوقا، بحسب متّى أو مرقس... ولكنّ كلّ واحد منهم يشهد بطريقته الخاصّة وبأشكال مختلفة عن إنجيل الله الواحد.
وسوف ينتظر الآباءُ القرنَ الثاني المسيحيّ ليتحدّثوا عن الأناجيل بصيغة الجمع. فقد قال يوستينوس (+ 165): نقل إلينا الرسل في مذكّراتهم التي تسمَّى الأناجيل أنّ يسوع قدّم هذه التوصيات بشأن تأسيس سرّ الإفخرستيّا. وهكذا يكون يوستينوس أوّلَ شاهد عن استعمال أخذنا به، فصار الإنجيل لا المحتوى والمضمون، بل الكتيِّب الذي يحتوي هذا المضمون.
وقال إيريناوس (+ 202): إن سيِّد كلّ شيء أعطى الرسل السلطان أن يبشّروا بالإنجيل. بدأوا أوّلاً فأعلنوا هذا الإنجيل. ثمّ نقلوه إلينا بإرادة الله في كتب لتكون أساس إيماننا وعماده... والهراطقة أنفسهم يشهدون لمتانة الأناجيل.
بعد هذا ستنطبق كلمة إنجيل على أربع شهادات مدوّنة في العصر الرسوليّ هي أناجيل متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا. قالوا: الإنجيل بحسب مرقس. ثمّ قالوا إنجيل مرقس. وهكذا عبر نصف قرن انتقلنا من الإنجيل إلى الأناجيل. كيف تمّ هذا العمل؟ هذا ما سنتعرّف إليه حين نتحدّث عن تكوين الأناجيل.

ب- تكوين الأناجيل
إذا أردنا أن نُجمل تاريخ تكوين الأناجيل تظهر أمامنا طريقان. طريق أولى تتبع نظام الاكتشاف. فننطلق من فصول مختارة ونكتشف الطبقات المختلفة التي أوصلتنا إلى النصّ الذي بين أيدينا. وطريق زانية تتبع نظام التاريخ، فتلخّص أعمال الشرّاح. سنأخذ الطريق الثانية فزى كيف مررنا من الكرازة المسيحيّة الأولى على يد التلاميذ إلى النصّ الحاليّ الذي نقرأه اليوم في كلّ من متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا.
وتبرز أمامنا ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: يسوع يبشّر ويعمل في السنوات 28- 30.
المرحلة الثانية: يبشّرُ التلاميذُ في الجماعات المختلفة بيسوع القائم من بين الأموات. بدأوا يجمعون أقوال يسوع وأخبارًا من حياة يسوع. هذا ما نسمّيه تاريخ تكوين الأناجيل.
المرحلة الثالثة: جاء أربعة كتَّاب فجمعوا الموادّ المكوّنة هنا وهناك ودوَّن كلّ منهم إنجيله. هذا هو تاريخ تدوين الأناجيل الذي سنعالجه في القسم الثالث من مقالنا.

1- من يسوع إلى الأناجيل
إنّ يسوع هو الينبوع الأوّل للأناجيل. فكرازته وحياته اليوميّة خلقتا تيّارًا لا يزال حاضرًا إلى يومنا هذا. ولكنّ هذا التيّار أزعج السلطات في عصره فحكمت عليه بالموت. لو أنّ قصّة يسوع انتهت عند القبر لكتبنا سيرته كما تكتب سيرة العظام في التاريخ ولقدمناه نموذجًا للأجيال. ولكنّ موت يسوع لم يكن نهاية مصيره. فتلاميذه أعلنوا أنّه لم يزل حيًّا بعد موته، وأنّ الله أقامه من بين الأموات. والإيمان بقيامة المسيح يشكّل في نظرهم البشارة التي تعطي معنى جديدًا لحياتهم وتدفعهم إلى التبشير ثمّ إلى الكتابة.
ثمّ إنّ هذا الإيمان بالقيامة بدلَّ تبديلاً عميقًا طريقةَ الرسل في نظرهم إلى سيرة يسوع. لقد فتحت لهم القيامة أبعادًا جديدة على عمل يسوع وشخصه، وبدّلت طريقتهم في تفسير حياته. لا شكّ أنّ هذا التفسير يتدرّج إلى معرفة أفضل ليسوع، إلى اكتشاف لشخصيّته ودوافع عمله العميقة. ولكنّها تطرح على المؤرّخ سؤالاً: إلى أيّ درجة حوَّل هذا الإيمانُ ذكرياتِ الرسل عن أقوال يسوع وأعماله؟ كيف روَوا خبر يسوع بعد الفصح، هل استطاعوا أن يعودوا إلى يسوع كما وُجد في التاريخ؟ لقد وَجد المؤرّخون بعض المقاييس. أمّا نحن فنكتفي بالقول إنّ يسوع هو في أساس الأناجيل. ولكنّ ولادة هذه النصوص تبدأ حقًّا مع إيمان الجماعات المسيحيّة بقيامة يسوع المسيح.

2- الأمكنة التي وُلد فيها الإنجيل
إذا انتقلنا من يسوع إلى الجماعات لنحدّد العمل الذي تمّ على ذكريات يسوع نتوقّف عند وجهتين اثنتين. الأولى: الأمكنة التي ولد فيها الإنجيل. الثانية: الأشكال (أو الفنون الأدبيّة) التي اتّخذها الإنجيل. ونتوقّف على الأمكنة رابطين الإيمان بالإنجيل وبالجماعة المسيحيّة.

أوّلاً: من الإيمان إلى الإنجيل
قلنا إنّ الإنجيل هو تفسير خاصّ لأحداث حياة يسوع، وموقف إيجابيّ هو موقف الإيمان. والحكم التقييميّ على الحدث بشكل خبر سارّ ينبع من الإيمان. من هذا القبيل، يسبق الإيمان الإنجيل. فالإيمان ينظر إلى الحدث، يتأمّله، يتملّكه فيكتشف فيه بشرى وخبرًا سارًّا. ينطلق الإيمان من سلسلة من الأحداث التاريخيّة فيقرّ أنّ يد الله هي هنا.
كيف تمّ هذا التأمّل وهذا التملّك؟ ما الذي ساعد مسيرة الإيمان؟ ما هي الأمكنة التي تعمّقت فيها الجماعات الأولى بمعنى الحدث؟ هناك ثلاثة أمكنة. النشاط الليتورجيّ، التأمّل في الأسفار المقدّسة، الحياة اليوميّة.
كان النشاط الليتورجيّ أحد هذه الأمكنة المميّزة. فنحن نقرأ في أع 2: 42: وكانوا يداومون على تعليم الرسل وعلى الحياة المشتركة وعلى كسر الخبز والصلاة. هم يسمعون تعليم الرسل ويعملون به. هم يجتمعون للصلاة والاحتفال بالإفخارستيّا التي يدلّ عليها كسر الخبز.
تحدّثنا عن العبارات السابقة لرسائل القدّيس بولس. إنّها تشكّل أناشيد واعترافات إيمان وُلدت واستُعملت في إطار ليتورجيّ كالعماد وغيره. فالاحتفالات بالليتورجيّا والصلاة المشتركة كانت مناسبة لإعلان معنى الحدث وللتعمّق في سر المسيح. ويورد بلينوس الأصغر في بداية القرن الثاني ما عرفه عن المسيحيّين العائشين في منطقة البحر الأسود وعن اختباراتهم الجماعيّة. قال في رسالة بعث بها إلى الإمبراطور ترايانس لقد بيّن بحثي أنّهم يجتمعون في أيّام محدّدة، قبل شروق الشمس لينشدوا المدائح للمسيح كما لإله.
وكان الاحتفال الليتورجيّ بصورة خاصّة مناسبة لتذكّر ما عاشه يسوع وللتيقّن من حياته وحضوره اليوم ولإعلان الرجاء بمجيئه. نقرأ في 1 كور 11: 26 بلسان المسيح: إصنعوا هذا لذكري. فكلمّا أكلتم من هذا الخبز وشربتم من هذه الكأس تخبرون بموت الربّ إلى أن يجيء. وإنّ ف 24 من إنجيل لوقا يعكس اختبارًا ليتورجيًّا عاشته الجماعة. شاركت في "كسر الخبز") (لو 24: 39) كما شارك تلميذا عمّاوس، فكانت مشاركتها المكان المميّز للتعرّف إلى الربّ.
والمكان الثاني هو التأمّل في الأسفار المقدّسة. وعادت الجماعة إلى التوراة تقرأها على ضوء الحدث الذي هو يسوع المسيح، وتتأمّل فيها وتحاول أن تفسّرها. وارتبط كل هذا النشاط بالليتورجيّا والكرازة وتعليم الرسل. كلّ هذا نكتشفه في نصوص العهد القديم التي وردت في أسفار العهد الجديد. ففي قانون الإيمان الأوّل نقرأ مثلاً: مات من أجل خطايانا، كما في الكتب (1 كور 15: 3- 5). وفي الإنجيل الرابع نقرأ هذه الآية: لم يفهم تلاميذه أوّل الأمر معنى هذه الأشياء، ولكنّهم تذكّروا، بعدما تمجّد يسوع، أنّ هذه الآية كُتبت عنه (يو 12: 16). كلّ هذا يجعلنا نعتقد أنّ تفسير الكتب شكّل وظيفة أساسيّة في حياة الكنيسة. وهذا ما ينعكس في خبر عمّاوس. قال لهما يسوع: ما أغباكما وأبطأكما عن الإيمان بكلّ ما قاله الأنبياء، أما كان يجب على المسيح أن يعانيَ هذه الآلام ليدخل في مجده؟ وشرح لهما ما جاء عنه في جميع الكتب المقدّسة، من موسى إلى سائر الأنبياء (لو 24: 25- 27).
انطلق التلاميذ من الكتب المقدّسة فاتّخذت أحداث حياة يسوع أبعادًا جديدة، وبدت على أنّها تَدَخُّلُ الله كما أُعلن عنه في العهد القديم. وهكذا تحدَّد شيئًا فشيئًا مضمونُ الإنجيل وتوضَّح وبرزَ كقمّة مخطّط الله وقصده النهائيّ.
والمكان الثالث هو الحياة اليوميّة التي ساعدت على توضيح مضمون إنجيل الله. فالحياة لها مشاكلها وحاجاتها ومسائلها واختباراتُها، وهي تتنوّع تنوّعَ الكنائس وأوضاعها الخاصّة. طُرح على الجماعة سؤال أو واجهت وضعًا جديدًا، فتعمّقت في وجهة من وجهات السرّ وتذكّرت هذا الحدث أو ذاك وردّدت هذه الكلمة أو تلك لتكون لها ضوءًا في طريقها.
ولنا مثال على هذا في ف 7 من 1 كور. لقد طرح المسيحيّون في كورنتوس سؤالات عن الزواج. فاجاب بولس: أمّا المتزوّجون، فوصيّتي لهم، وهي من الربّ لا منّي، أن لا تفارق المرأة زوجها (1 كور 7: 10). وهذا يعني: تذكّروا أنّ الربّ قال كلمته في هذا الشأن: ما جمعه الله لا يفرّقه الإنسان (مر 10: 9). وطُرح سؤالٌ آخر: هل نقبل الوثنيّين في الكنيسة؟ أعلن بطرس: تذكّرت ما قاله الربّ: عمّد يوحنا بالماء، وأمّا أنتم فتتعمّدون بالروح القدس (أع 11: 16). واستنتج حالاً: إذا كان الله وهب هؤلاء ما وهبنا نحن عندما آمنّا بالربّ يسوع المسيح، فمن أكون أنا لأقاوم الله (أع 11: 17)؟ ويمكننا أن نتخيّل حالاتٍ أخرى فَرضت عليهم أن يعودوا إلى أقوال يسوع وأعماله. هل نحافظ على الشريعة، على السبت، على فرائض الطهارة؟ ماذا يكون موقفنا أمام الغنى، أمام الضرائب، أمام الاضطهادات؟ ما رأيكم بالبتوليّة؟ كم مرّة يخطأ إليّ أخي وأغفر له (مت 18: 21)؟ من هو قريبي (لو 10: 29)، وكيف أحبّه؟ هل نبتعد عن الخطأة كالفرّيسيّين أم نفعل مثل معلّمنا الذي أكل مع العشّارين والخطأة (مت 9: 13)؟ تلك بعض الأسئلة التي طرحها التلاميذ على نفوسهم فوجدت من قال: أتذكّر أنّ الربّ قال يومًا... أو تصرّف على هذا الشكل. وهكذا سار المسيحيّون حسب الظروف والحاجات، وأخذوا يوضحون شيئًا فشيئًا مضمون الإنجيل.

ثانيًا: من الإنجيل إلى الإيمان وإعلان البشرى
إكتشفنا بدهشة أنّنا أمام خبر سارّ وأنّ هذا الخبر يهمّ كلّ البشر، فهل نقدر أن نحتفظ به لنفوسنا. هل نبقيه في حوزتنا؟ لا، بل هناك المشاركة والإعلان والإرسال. قال بطرس ويوحنّا: أمّا نحن فلا يمكننا إلاَّ أن نتحدّث بما رأينا وما سمعنا (أع 4: 20). وكتب بولس: الويل لي إن كنت لا أعلن الإنجيل (1 كور 9: 16).
فالإنجيل واقع نبشّر به، نبلّغه، نعرّف به، نعلّمه، وإليك بعض الأمثلة: أذكّركم أيّها الإخوة البشارة التي بشّرتكم بها وقبلتموها ولا تزالون عليها ثابتين، وبها تخلصون إذا حفظتموها كما بشّرتكم بها (1 كور 15: 1). وقال بولس أيضاً (2 كور 11: 7): أتُراني أذنبت حين حملت إليكم مجّانًا بشارة الله (رج غل 1: 11؛ 1 كور 9: 14)؛ 
لقد بَلَّغَنَا الرسلُ بشارةَ الله (1 تس 2: 9) وعرضوها علينا كرازة (غل 2: 2) ونادوا بها (1 كور 1: 23). عرّفونا بالإنجيل (1 كور 15: 1) وعلّمونا إيّاه بعد أن تعلّموه من يسوع المسيح (غل 1: 12). لهذا يستطيع بولس الرسول أن يقول "إنجيلي" أو "إنجيلنا". نقرأ في روم 2: 16: وسيظهر ذلك كلُّه في اليوم الذي فيه يدين الله تصرّف الناس السرّيّ حسب إنجيلي بيسوع المسيح (رج روم 16: 25). ونقرأ في 2 تم 2: 8: واذكر يسوع المسيح الذي أقيم من بين الأموات، وكان من ذرّية داود، كما جاء في إنجيلي (رج 1 تس 1: 5؛ 2 تس 2: 14؛ 2 كور 4: 3).
في هذا الإطار، ليس الإنجيل تابعًا للإيمان. إنّه يسبق الإيمان ويناديه. سمعتم الإنجيل الذي يخلّصكم والذي به آمنتم (أف 1: 13). لسنا في معرض نقل تعليم محايد، لسنا في معرض نقل مضمون موضوعيّ وجملة من المعلومات. بل علينا أن نُعلن الحدث كما أحسسنا به، كما تقبّلناه (1 كور 15: 1). نعلنه كواقع له معناه، كواقع مهمّ ينتظر منّا جوابًا وموقفًا عمليًّا. وهكذا نُشرت الكرازة بطريقة شفهيّة سحابة 20 سنة، أي منذ موت يسوع إلى أولى رسائل مار بولس، وأعلنت داخل الجماعة المسيحيّة أو خارجها. فتثبّتت المواضيع ونضجت البراهين وتوسّعت الذكريات. وإنّ بعض خطب أعمال الرسل تشهد على مسيرة التعليم الذي انتقل من الطور الشفهيّ إلى الطور المدوَّن. فإذا توقّفنا مثلاً عند خطبة بطرس الأولى (أع 2: 14- 36)، نرى فيها رسمة كرازة رسوليّة تتوجه إلى اليهود: يذكر بطرس صلب يسوع (آ 23) وقيامته بيد الله (آ 24) ولمحة عن عمله الرسوليّ (آ 22) وعن مجيئه النهائيّ. وتُقَدَّم هذه الأحداث كامتداد للعهد القديم وتتمّة للنبوءات التي تحقّقت في يسوع الربّ والمسيح (آ 36).

ثالثًا: جماعات متنوّعة
إنتشر الإيمان بالمسيح القائم من بين الأموات أوّلاً في جماعة التلاميذ في أورشليم، وفي اليهوديّة، وفي الجليل، أي في مجموعات من اليهود صاروا مسيحيّين. ولكن امتدّ الإيمان سريعًا في محيطات قريبة من العالم اليهوديّ كالسامريّين. وبعد سنوات تأسّس مركز رسوليّ جديد هو جماعة أنطاكية في سورية، ومن هذا المركز انتشر الإيمان المسيحيّ في العالم الوثنيّ فكانت أكثرَ الجماعات التي أسّسها بولس في حوض البحر المتوسّط. فالإحساس الدينيّ عند هؤلاء الوثنيّين يختلف عما نجد عند اليهود، ولهذا فقد طبع بطابعه الخاصّ الطريقة التي تقبّل بها هؤلاء الناس التعليم المسيحيّ. ونحن سنكتشف هذه الإحساسات عندما ندرس الأناجيل التي هي صدى لهذه الجماعات، وسنتّخذ الأمثلة.
ففي الجماعات المتهوّدة (أي يهود صاروا مسيحيّين) نجد في شهادة متّى التربية الدينيّة والتقوى الخاصّة بالشعب اليهوديّ. والرجوع إلى الأسفار المقدسة أمر أساسيّ، وستهتمّ هذه الجماعات بتحديد موقع عمل يسوع في مخطّط الله بفضل إيرادات محدّدة تشرح على طريقة الرابّانيّين (أي المعلّمين). حينئذ يبدو يسوع كموسى الجديد. جاء يُتِمُّ الكتب ويعطي شعبه شريعة جديدة. والكنيسة التي يتحدّث عنها متّى هي جماعة ذات بنية وتنظيم مع ليتورجيّتها وتعليمها. ونحن نكتشف هذه الكنيسة في نهاية إنجيل متّى (28: 16- 20): إنّها تعمّد، إنّها تتنظّم وهي تنعم بحضور الربّ في وسطها إلى انقضاء العالم.
أمّا الجماعات السامريّة فقد كانت مهيّأة لأن تعبد الله بالروح والحقّ، لا في أماكن محدّدة مثل هيكل أورشليم (يو 4: 24). وقد كانت منفتحة على كلّ العائشين على هامش المجتمع اليهوديّ: على البرص (لو 17: 11- 19) ولاسيّما ذلك السامريّ الغريب الذي ارتمى على رجله عند قدمي يسوع يشكره، على العشّارين (أي جباة الضرائب) ولاسيّما ذلك الذي قبله الله الرحوم وفضّله على الفرّيسيّ (لو 18: 9- 14). أجل، إنّ الحبّ المتجرّد يساوي ممارسة الشريعة مهما كانت دقيقة، والسامريّ الذي أشفق على الجريح (لو 10: 30- 37) هو مثال المؤمن بعد أن قال يسوع للمعلّم الذي سأله: إذهب أنت وأعمل مثله.
في الجماعات الأمميّة (أي الوثنيّون الذين صاروا مسيحيّين)، كان التعليم ينطلق أيضاً من الكتاب المقدّس، كما تشهد بذلك رسائل القدّيس بولس. ولكنّ الرسول لم يكن يهتمّ بإيجاد إيرادات محدّدة، بل بتحديد موقع المسيح في تيّار التوراة الروحيّ. هذا ما نكتشفه إذا قابلنا خطبة الجبل في متّى (5: 17 ي) حيث ترد نصوص التوراة، مع خطبة السهل عند لوقا (6: 27 ي). وإذا أردنا أن نبحث في الكتاب المقدّس عن صورة يسوع لن نجدها عند موسى، بل إيليّا، ذلك النبيّ الناريّ الذي دفعه الروح فذهب إلى الوثنيّين واجترح لأجلهم المعجزات (لو 4: 25- 26). كان الانفصال مؤلمًا بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ، أمّا العالم الوثنيّ فلم يُحِسَّ بهذا التمزّق، فعاشت الجماعات الأمميّة شموليّة الكنيسة ببساطة وفرحت بكلّ ما قاله يسوع وعمله ليدلّ على وجه الكنيسة الشامل.
ويمكننا أن نتوقّف أخيرًا عند البنية الاجتماعيّة لهذه الجماعات. إنّ الديانة المسيحيّة نمت بسرعة في طبقات الشعب الوضيعة. هذا ما حدث في كورنتوس وقد قال بولس عن مؤمنيها: ما كان فيكم كثير من الحكماء بحكمة البشر ولا من الأقوياء أو الوجهاء... الله اختار ما يعتبره العالم حماقة، ما يعتبره ضعفًا. اختار الله ما يحتقره العالم ويزدريه ويظنّه لا شيء (1 كور 1: 26- 28). لقد اكتشف هؤلاء الناسُ حكمة حرمَتْهُم منها ظروفُ حياتهم، ونالوا قوّة ما كانوا ليجدوها في محيطهم. ولكن لا ننسَ أنّ الجماعات المسيحيّة الأولى عرفت منذ البداية أشخاصاً أغنياء ووجهاء لهم تأثيرهم في مجتمعهم. نذكر منهم على سبيل المثال برنابا (أع 4: 36؛ كو 4: 10) وفيلمون ذلك الغنيّ الذي اقتنى الضياع والعبيد (فلم 1- 2) وبرسكلّة وأكيلا (روم 16: 3؛ 1 كور 16: 19). ولكنّ الكنيسة، أحَوَتْ اغنياء أو فقراء، مدعوّةٌ لتسمع كلام يسوع عن السلطة في الكنيسة، عن الغنى والفقر، عن المغفرة وعن الحياة الأخوّية.

3- الأشكال التي اتّخذها الإنجيل
مهما كان الفكر مبتكرًا فهو سينصبّ في قالب، سيعبّر عن نفسه في فنون أدبيّة محدّدة. هناك فنون أدبيّة عامّة. مثلاً الحديث عن الألم هو هو في كلّ الحضارات وفي كلّ العصور. وهناك طرائق خاصّة. بعض الشعوب يفضّلون الأمثال وبعضهم الآخر يفضّلون الفكر المجرّد الذي يستنتج البراهين. وهكذا يفترق عالم الشرق حيث يسيطر التقليد الشفهيّ، عن عالم الغرب حيث تحتلّ الكتابة المكانة الأولى.
لقد كان يسوع وتلاميذه جهودًا من هذا الشرق. فأخذوا أساليب الشرق والطرائق التي عرفوها في محيطهم ليعبّروا عن حقيقة الإنجيل. وها نحن نتعرّف إلى ما سمّيناه الفنون الأدبيّة. هناك خبر المعجزة، والمثل، والقول الإطاريّ، والمجادلة، والبشارة والمدراش أو التعليق.

أوّلاً: خبر المعجزة
هناك طريقة لرواية المعجزة في العالم اليهوديّ والهلّينيّ والمسيحيّ لا تختلف كثيرًا من محيط إلى آخر. لقد عرف العهد القديم معجزات، ولاسيّما تلك التي اجترحها إيليّا وأليشاع، وعرف العالم اليونانيّ والرومانيّ أخبار معجزات نسبت مثلاً إلى أبولّونيوس (+ 97) المطبّب والشافي، وإلى فسباسيانس الإمبراطور الرومانيّ (69- 79).
أمّا في الأناجيل فأخبار الشفاء أو التدخّل في عالم الطبيعة أو طرد الشيطان تبدو بشكل رسمة في خمس نقاط:
مقدّمة تعرض الوضع.
طلب التدخّل من قبل شخص (أو محيطه) يدلّ على الثقة بيسوع.
تدخّل يسوع بشكل كلمة قصيرة أو حركة صغيرة.
النتيجة الحاصلة.
ردّة الفعل عند الحاضرين: الخوف، الدهشة.
نقرأ مثلاً معجزة طرد الشيطان من أحد الناس (مر 1: 23- 27): كان في المجمع رجل فيه روح نجس فأخذ يصيح (النقطة الأولى: عرض الوضع: المريض هو أمامنا): "مالنا ولك، يا يسوع الناصريّ؟ أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدّوس الله" (الممسوس يوجِّه الكلام إلى يسوع. هذه هي النقطة الثانية). فانتهره يسوع، قال: "أخرس واخرج من الرجل" (النقطة الثالثة: تدخَّلَ يسوع فأمر الشيطان بالخروج). فصرعه الروح النجس، وصرخ صرخة قويّة وخرج منه (النقطة الرابعة: النتيجة: شفاء الممسوس). فتعجّب الناس كلّهم وتساءلوا: ما هذا؟ أتعليم جديد يلقى بسلطان؟ حتّى الأرواح النجسة يأمرها فتطيعه (النقطة الخامسة: ردّة الفعل: تعجّبوا خافوا).
وإليك معجزة تهدئة العاصفة (مر 4: 37- 41): فهبّت عاصفة شديدة وأخذت الأمواج تضرب القارب حتّى كاد يمتلىء (الوضع: صورة عن العاصفة)... فأيقظوه وقالوا له: "يا معلّم، أما يهمّك أنّنا نهلك"؟ (التلاميذ يوقظون يسوع. طلب التدخّل). فقام وانتهر الريح وقال للبحر: اصمتِ اخرس (تَدَخَّلَ يسوع فأعطى أمره للعاصفة). فسكنت الريح، وحدث هدوء تامّ (النتيجة: هدأت العاصفة)... ولكنّهم كانوا في فزع شديد. وقال بعضهم لبعض: "من هذا؟ حتّى الريح والبحر يطيعانه" (ردّة الفعل عند التلاميذ).
ويمكنك أن تقرأ أيّ شفاء بحسب هذه الرقة التي اتّبعها الإنجيليّون كلُّ بطريقته. فإذا قرأنا متّى وجدنا أنّه لا يترك إلاَّ شخصين على المسرح، يسوع والمريض. ففي شفاء حماة بطرس (مت 8: 14- 15) يختلف متّى عن لوقا (4: 38- 39) ومرقس (1: 29- 31): يسوع شفاها فقامت تخدمه. ثمّ إنّ متّى يتوسّع أيضاً في الوجهة التعليميّة.
حين يجترح يسوع المعجزات فهو يريد أن يُبرز العلامات التي تعلن أنّ ملكوت الله جاء. هذا ما قاله لتلاميذ يوحنّا: العميان يبصرون، العرج يمشون، (مت 11: 5 ي؛ لو 7: 22 ي). ولكن لمّا روى الرسل المعجزات حدّدوا لها وظيفتين، وظيفة دفاعيّة ووظيفة تعليميّة. وهذا ما يوضحه كلام بطرس في خطبه. قال أمام الجموع المحتشدة يوم العنصرة: "كان يسوع الناصريّ رجلاً أيَّده الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والمعجزات والآيات كما أنتم تعرفون" (أع 2: 22). وقال أمام أهل بيت كورنيليوس: "مسح الله يسوع الناصريّ... فسار في كلّ مكان يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم إبليس لأنّ الله كان معه" (أع 10: 38). أظهر النصّ الأوّل أنّ بطرس نسب قدرة إلى رجل فأثار سؤالاً عند السامعين وفتح قلوبهم للتفسير الذي يعطيه المؤمنون: هذا الرجل هو المسيح الذي أرسله الله ليقيم ملكه. في النصّ الثاني، يعطي بطرس المعجزة وظيفة بأن تبيّن بطريقة منظورة العمل الخفيّ الذي تمّ بواسطة يسوع: الإيمان، التحرير من الشرّ...
ونلاحظ فرقًا أساسيًّا بين أخبار المعجزات في العهد الجديد وأخبار العالم الهلّينيّ. فهذه ترتبط بمعابد يريد القيّمون عليها المحافظة على النظام وعدم المساس بالبنى. وهي تبدو أعمالاً سحريّة وترتبط بأشخاص سرّيّين. أمّا معجزات يسوع فهي عكس ذلك. إنّها ترتبط به وبشخصه، وهدفها أن تزرعَ الخير وتبنيَ ملكوت الله.

ثانيًا: المثل
كان المثل في العالم اليهوديّ أكثرَ الطرق استعمالاً لتقديم فكرة، لعرضها، للدفاع عنها. وهو يبدو بشكل مقابلة يتوسّع فيها الراوي بشكل خبر. ففي أمثال الرابّانيّين، يبدأ الكلام بالعبارة التالية: بماذا يشبَّه هذا الشيء أو: مثل ملكوت الله... ونرى على المسرح ملكًا أو صاحب أرض.
حين يعرض المثل خبرًا معقولاً يشبه وضع سامعيه، فهو يدفعهم إلى أن يحكموا على الخبر ومن خلاله أن يحكموا على نفوسهم. مثلاً، حين أراد النبيّ ناتان أن يعيَ داودُ خطيئةً اقترفها لمَّا قتل القائد أوريّا الحثّيّ وأخذ له زوجته، روى له خبرًا. فأعطى داود رأيه: هذا الرجل يستحقّ الموت. فلم يبقَ لناتان إلاَّ أن يستنتج: أنت هو هذا الرجل (2 صم 12: 1 ي). يجب أن تكون التفاصيل معقولة لئلاّ تثيرَ شبهة لدى السامع. ولكنّ التفاصيلَ لا أهمّيّةَ لها في ذاتها. فما يهمّ هو أن تجعل الخبر قابلاً للتصديق.
بما أنّ المثل مقابلة، يجب أن نلخّصه في جملتين: كما أنّ... كذلك... لهذا نترك الأمور الثانويّة التي لا نجدها في الخاتمة. فإذا أخذنا مَثَلَ عمّال الساعة الحادية عشرة (أي الخامسة مساء) نجد خمس فئات من العمّال. ولكنّنا في النهاية لا نجد إلاَّ الفئة الأولى والفئة الأخيرة. فالفئات الثلاث الباقية قد وُضعت هنا لتجعل الخبر معقولاً (مت 20: 1 – 16). 
يمكن أن يكون للمثل أكثر من خاتمة وأكثر من أمثولة بعد أن أعادت الجماعة قراءته وأوَّنته، وبعد أنْ طَبَعَهُ الإنجيليُّ بطابعه. وهذا التأوين يرتبط بتبديل السامعين: كان يسوع يحدّث اليهود ورؤساءهم. أمّا التلاميذ فيحدّثون المسيحيّين. إذًا بدّل النصُّ وجهةَ المثل وشدَّد على البعد الكرستولوجيّ فبيّن أنّ يسوع الذي تكلّم عن ملكوت الله تكلّم أيضاً عن نفسه وعن دوره في إقامة هذا الملكوت. ففي مثل الكرّامين القتلة (مت 21: 33- 44؛ مر 12: 11- 11؛ لو 20: 9- 18) اهتمّ يسوع أوّل ما اهتمّ بمصير الملكوت: إذا رفض شعبُ إسرائيل الابن، آخر مرسلي الله، فسيُعطى الملكوت لشعب آخر. ولكنّ الجماعة المسيحيّة أوردت آية من المزمور 118 فاهتمّت بمصير يسوع وجعلت من كلامه إعلانًا مسبقًا لموت المسيح وقيامته.
وقد يتبدّل السامعون فيشدّد المثل على الوجهة الأخلاقيّة كما في مثل المدعوّين إلى الوليمة. أدخل لوقا في حديثه الأسباب الرئيسيّة التي تجعل أبناء جماعته مهملين في إيمانهم (لو 14: 18- 20). أمّا متّى فزاد مقطعًا آخر (ثياب العرس) منبّهًا المسيحيّين: يمكن أن يُطردوا بعد أن دخلوا الوليمة (مت 22: 11- 14).

ثالثًا: القول الإطاريّ
نحن أمام قول وضع داخل إطار خبر. وهذا الخبر يمكن أن يكون معجزة أو جدالاً بين يسوع واليهود أو حادثة من حياة يسوع. إذًا، لا يشدّد النصّ على الخبر أو على الحادثة اللذين هما إطار للكلمة الواردة. ولنأخذ قولاً ليسوع: أريد رحمة لا ذبيحة (مت 9: 13؛ 12: 7؛ رج هو 6: 6): دخل هذا القول في جدال أوّل بين يسوعِ والفرّيسيّين لأنّ يسوع يأكل مع الخاطئين، وفي جدال ثانٍ لمّا قطف التلاميذ سنبلاً وأكلوه يوم السبت.
وإذا أخذنا شفاء الرجل الذي يده يابسة (مر 3: 1- 6)، فنحن نرى أنّ الكاتب لا يتبع رسمة خبر المعجزة التي تحدّثنا عنها. لا يقدّم لنا المريض، ولا يورد طلب شفاء، ولا يذكر دهشة أو إعجاب الحاضرين. ولكن منذ البداية توجّهنا آ 2 إلى سؤال عن السبت. وهدف الخبر أن يبرز هذا السؤال الأساسيّ: أيحلّ في السبت عمل الخير أم عمل الشرّ؟

رابعًا: المجادلة
المجادلة أو المخاصمة بين يسوع والفرّيسيّين فنّ أدبي عرفه الرابّانيّون وتمرّسوا به. إنّه نقاش بين اختصاصيّين. في هذا الإطار تبدو العودة إلى الكتاب المقدس العنصر الرئيسيّ، والمجادِل يهيئ الطريق لإيراد النصّ الكتابيّ.
لقد واجه يسوع خصومه وتلاعب بالبرهان الكتابيّ بفنّ مذهل. ولما واجه التلاميذ الخصوم عينهم عادوا إلى ما فعله وقاله يسوع.
قال تلاميذ يوحنّا: "لماذا نحن والفرّيسيّون نصوم كثيرًا، وتلاميذك لا يصومون"؟ فأجابهم يسوع: "أتنتظرون من أهل العريس أن يحزنوا والعريس بينهم" (مت 9: 14 ي)؟ وسأله الفرّيسيون ومعلّمو الشريعة: "لماذا لا يراعي تلاميذك تقاليد القدماء بل يتناولون الطعام بأيدٍ نجسة"؟ فأجابهم يسوع: "يا مراؤون، صدق أشعيا في نبوءته عنكم كما جاء في الكتاب: هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فبعيد عني. وهو باطلاً يعبدني بتعاليم وضعها البشر" (مر 7: 5 ي؛ أش 29: 13). وسيجادل يسوع الفريسيّين. "ما قولكم في المسيح؟ ابن من هو"؟ قالوا له: "ابن داود". فقال لهم: "إذن كيف يدعوه داود ربًّا، وهو يقول بوحي من الروح: قال الربّ لربّي: إجلس عن يميني حتّى أجعلَ أعداءك تحت قدميك؟ فإذا كان داود يدعو المسيح ربًّا، فكيف يكون المسيحُ ابنَه"؟ فما قدر أحد أن يجيبَه بكلمة (مت 22: 41- 46؛ رج مز 110: 1). لقد طرح يسوع سؤالاً فأعطَوه جوابًا، ولكن بيَّن لهم أنّ هذا الجواب يتعارض والكتاب المقدّس. 
لقد جمع مرقس (2: 1- 3: 6) خمس مجادلات بين يسوع وخصومه: حين قال للمخلّع: مغفورة خطاياك، قالوا في أنفسهم: إنّه يكفر. حين أكل في بيت لاوي، قالوا: ما باله يأكل مع العشّارين. حين كانوا يصومون، قالوا له: لماذا لا يصوم تلاميذك. حين قطف التلاميذ السنبل. وحين أراد أن يشفي رجلاً يوم السبت. وانتهى الجدال، فخرج الفرّيسيّون وتشاوروا مع الهيرودسيّين ليقتلوا يسوع (مر 3: 6). أجل لقد هاجم الخصومُ يسوعَ ظلمًا، ورفضوا أن يقبلوا تعليمه رغم أنّه أفحمهم.
وهناك مجموعة أخرى من المجادلات في أورشليم (مر 11: 27- 33. 12: 23- 37) تريد أن تبيِّن أنّ يسوع أسكت في النهاية خصومه.

خامسًا: البشارات
يعلن الله لشخص من الأشخاص أنْ سيكون له مهمّة وسط الشعب. هذا الفنّ الأدبيّ عرفه العهد القديم واتّخذه عنه العهد الجديد. وهو يتضمّن سبع نقاط:
* يعرض الكاتب المشهد والأشخاص.
* يأتي رسول من الله ويحيِّي الشخص المدعوّ.
* يندهش هذا الشخص ويعبِّر عن خوفه.
* يُعلن الرسولُ الإلهيّ المهمَّة.
* يطرح الشخص سؤالاً: كيف يكون هذا؟ فيحدِّد الملاكُ المهمَّة.
* وتُعطى علامة.
* ويعود الرسول الإلهيّ.
يمكننا أن نقرأ خبر جدعون لمّا بشّره الملاك (قض 6: 11- 24). جاء ملاك الربّ. قال: الربّ معك أيّها الجبّار. قال جدعون: إن كان الربّ معنا فلماذا أصابنا هذا كلُّه. هنا يعلن الملاك المهمّة: إنطلقْ بقوّتك وخلِّص بني إسرائيل من قبضة المديانيّين. يطرح جدعون السؤال: بماذا أخلّص بني إسرائيل وعشيرتي أضعف عشيرة في مَنَسَّى، وأنا الأصغر في بيت أبي؟ والعلامة: أنا أكون معك فتغلب بني مديان كما لو كانوا رجلاً واحدًا.
ويمكننا أن نقرأ بشارة الملاك لزكريّا بمولد يوحنّا المعمدان (لو 1: 5- 25).
زكريّا وأليصابات لا ولد لهما وقد كبرا في السنّ. وكان زكريّا يكهن حسب التقليد المتّبع عند الكهنة.
ظهر له الملاك واقفًا عن يمين مذبح البخور
حين رآه زكريّا اضطرب وخاف
كلمة الملاك: سيكون لك ابن
طرح زكريّا السؤال: كيف يكون هذا؟
أعطاه علامة: سيكون أخرس
وعاد الرسول الإلهيّ
ونتوقف أيضاً على بشارة مريم العذراء (لو 1: 26- 38)) 
كانت عذراء مخطوبة لرجل اسمه يوسف
قال لها الملاك: افرحي
اضطربت لكلامه
أعلن الملاك المهمّة: ستحملين وتلدين ابنًا تسمّينه يسوع 
كيف يكون هذا؟
الروح يحلّ عليك. أمّا العلامة فهي أليصابات العاقر 
ومضى من عندها الملاك.
وهناك بشارات لإبراهيم (تك 12: 1 ي) وموسى (خر 3: 1 ي) ويوسف (مت 1: 18- 25) ورعاة بيت لحم (لو 2: 8- 15). المهمّ في هذه البشارات ليس نفسيّة الشخص المدعوّ، بل المهمَّة الملقاة على عاتقه.

سادسًا: المدراش أو التعليق
المدراش هو البحث والتعليق. هو أسلوب تأويليّ وثمرة هذا التأويل. ينطلق المؤمن من الكتاب المقدّس ليرى كيف تعنيه هذه الآية الآن. المدراش هو محاولة تأوين الكتاب المقدّس. هناك أنواع من المدراش. المدراش هلكه (درب، طريق): نبحث في الكتاب عن قواعد للسلوك، عن شرائع تساعدنا على تسيير حياتنا. المدراش هاغاده (روى، أخبر): نحاول أن نبنيَ الجماعة نجبر تَقويّ (حياة القدّيسين كتبت في هذا الإطار). المدراش بشر (فسّر): نبيّن كيف أنّ أحداث الكتاب أو أشخاصه تُحقّق نصّ الكتاب المقدّس.
لقد استعمل الإنجيليّون هذا الفنّ الأدبيّ بتحفّظ واعتدال وعكسوا وظيفته. ففي نظر يهوديّ من القرن الأوّل المسيحيّ يبدو نصّ موسى كقاعدة لأنّه موحى. والمدراش الذي هو تأوين للكلمة في الزمن الحاضر لا ينسى ارتباطه الجذريّ بالنصّ الملهم. أمّا المسيحيّن فقلبوا المعطيات: فيسوع القائم من الموت هو المرجع، وصارت التوراة خادمة لكلمة الله الجديدة، ليسوع المسيح. أجل، لقد حلَّ يسوع محلّ التوراة وصار الوسيط الوحيد بين الله والبشر. بعد هذا، لا يخدم المسيحيّ الأسفار المقدّسة، بل يخدم الربّ مستندًا بطريقة جديدة إلى الكتاب المقدّس. فاليهوديّ في مدراشه ينطلق من الكتاب المقدّس ليعود إليه في توراة أعيدت كتابتها وتكيّفت وعصرها. أمّا الإنجيليّ فينطلق من يسوع ويعلن هُوِيَّتَهُ ويروي عمله الخلاصيّ مستعينًا بالتوراة والتقاليد الشفهيّة الموجودة في هذا الكتاب الجديد الذي هو الإنجيل.
إذًا، نستطيع أن نسمّي أخبار الطفولة مدراشًا ونحن نتذكّر أنّ الإنجيليّ ينطلق من يسوع، يستند إلى أسفار التوراة ويعود إلى يسوع. فإذا أخذنا زيارة المجوس للطفل الإلهيّ (مت 2: 1- 12) ننطلق ممّا نعرفه عن يسوع الذي ولد في بيت لحم على أيّام هيرودس، ونتذكّر صراعه في أورشليم مع الفرّيسيّين وإعلانه لملكوت الله فنصل إلى نتيجتين ستعيشهما الكنيسة الأولى: رفض الشعب اليهوديّ أن يستقبل يسوع وحاول قتله. الثانية: عمل الوثنيّون ما لم يعمله اليهود فسجدوا للطفل وعبّروا عن إيمانهم به بأنّه الإله الذي يقدَّم له البخور وبأنّه الإنسان الذي يحنَّط جسدُه.

ج- تدوين الأناجيل
1- على طريق الأناجيل
وتكوَّنت في الجماعات المختلفة صورٌ عن يسوع ستنضمّ بعضها إلى بعض كما في سلسلة من اللقطات. وتقاربت مقاطع من فنّ أدبيّ واحد. فكان في يد الوعّاظ المسيحيّين لائحة من المواعظ أو الأمثال. وتجمّعت أقوال تلفّظ بها يسوع في ظروف متنوّعة، فشكَّلت تعليمًا منسّقًا نجد نموذجًا له في عظة الجبل في إنجيل متّى (ف 5- 7).
ولعبت الجغرافيا دورها. فتذكّر التلاميذ ما قاله يسوع وما صنعه في كفرناحوم، فتكوَّن ما سمّاه الشرّاح "يوم كفرناحوم" الذي فيه نرى نشاط يسوع كواعظ ومجترح عجائب. وتجمّعت ذكريات متعلّقة بشخص من الأشخاص: يوحنّا المعمدان، بطرس... وتنظَّم خبرُ الآلام في وقت مبكّر، منذ أُوقف يسوع في الجسمانيّة إلى دفنه.
وظهر ترتيبان نجد أَثَرَهُما في الأناجيل. الأوّل أخذه مرقس وتبعه كلّ من لوقا ومتّى. إنّه التقليد المثلّث. والثاني عرفه كلّ من متّى ولوقا، إنّه التقليد المثنّى. أمّا إنجيل يوحنّا فسنتحدّث عنه في وقته.
لقد حاول الشرّاح أن يكوِّنوا حياة يسوع فلا يتركوا تفصيلاً واحدًا. ودوَّن طاطيانس حوالي السنوات 170- 180 الدياتسارون. ولكنّ محاولته لقيت حربًا ضروسًا عليها في التقليد السريانيّ ولاسيّما بواسطة ربولا (+ 435).
وفي نهاية القرن الثامن عشر ظهرت كلمة الإزائيّين التي تدلّ على الإنجيليّين الثلاثة الأوّلين أي متّى ومرقس ولوقا. فقد وضع العالم الألمانيّ غريشباخ سنة 1776 نصوص كلّ من متّى ومرقس ولوقا الواحد بإزاء الآخر ليكوِّن عنها نظرة شاملة. وسنعود إلى المسألة الإزائيّة في فصل لاحق.

2- من الحدث إلينا: الأناجيل
إنطلاقًا ممّا قلنا، يمكننا أن نحدّد موقع الأخبار الإنجيليّة أو الأناجيل المكتوبة بالنسبة إلينا، وبالنسبة إلى ما سبق هذه الأناجيل.
تهدف هذه الأخبار إلى الشهادة عن الإنجيل، عن الخبر الطيّب السارّ. وهذا الإنجيل يتطلعّ إلى حدث أساسيّ هو تدخُّل الله في يسوع المسيح. وهذا التدخّل ظهر عبر سلسلة من الأحداث: القيامة وما سبقها، أي حياة يسوع قبل الفصح.
ولكنّ الأخبار دُوِّنت سنوات عديدةً بعد الأحداث التي ترويها. وهكذا انطبعت بمسيرة الإيمان التي حصلت في الجماعات المسيحيّة المهتمّة بتملّك معنى هذه الأحداث وإعلانها على الجميع. ثمّ إنّ هذه الأخبار دوِّنت على يد كتّاب مؤمنين، وقد كان لكلّ منهم نظرته الخاصّة إلى الأحداث وفهمه لها.
لهذا سنتوقّف على المراحل التاريخيّة والمراحل الأدبيّة.

أوّلاً: المراحل التاريخيّة
إذا أردنا أن نحدّد هذه المراحل المتعدّدة بحسب تسلسلها التاريخيّ نصل إلى الرسمة التالية: الحدث، الجماعات، الكتّاب، نحن. ونستطيع أن نجد هذه المراحل في مقدِّمة إنجيل لوقا (1: 1- 4): "لأنّ كثيرًا من الناس أخذوا يدوّنون رواية الأحداث التي جرت بيننا" (هذا هو الحدث).
كما نقلها إلينا الذي كانوا من البدء شهودَ عِيان للكلمة وصاروا عاملين لها (هذه مرحلة الجماعات التي شهدت وعملت).
رأيت أنا أيضاً، بعدما تتبَّعتُ كلَّ شيء من أصوله بتدقيق أن أكتبها لك حسب ترتيبها الصحيح (الكاتب).
يا صاحب العزّة تاوفيلوس، حتّى تعرف صحّة التعليم الذي تلقّيته (نحن القرّاء)". 
فبين الحدث (أو الأحداث) ونحن القرّاء تقف الجماعات من جهة والكتّاب من جهة ثانية.
فما نُقل إلينا هو أحداثٌ فسّرَتْها في الإيمان الجماعاتُ المسيحيّة ثمّ الكتّاب. أحداثٌ أعيدت قراءتها على ضوء الفصح فتعمّقت الجماعات في مدلولها بالنظر إلى الكتاب المقدّس وإلى تساؤلات الجماعة وحاجاتها. ليست الأخبار الإنجيليّة وثائق من الأرشيف ولا محاضر رسميّة. وليست سيرة حياة يسوع، بل شهادة إيمان وإعلان بشرى نقلها المسيحيّون إلى الآخرين. ولا تهدف شهادتُهم إلى نقل الحدث من أجل ذاته (ما قاله يسوع وفعله في ذلك الوقت وفي ذلك المكان)، بل إلى التعبير عن المعنى العميق الذي تحمله هذه الأحداث. وهذا المعنى توضَّح مع الزمن بفضل الكرازة والخبرة ونضوج الإيمان عند الجماعات الأولى.

ثانيًا: المراحل الأدبيّة
ونعود إلى الرسمة لنحدِّدَ موقع الأخبار الإنجيليّة. هناك النصّ المكتوب بين أيدينا وهو يرتبط بالمرحلة الثالثة، مرحلة الكتّاب الذين هم متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا. ولكنّ هذه الأخبار متجذّرة في تقليد ومطبوعة بما عاشته الجماعات المسيحيّة في الوقت الذي سبق التدوين. إذًا ترتبط المرحلة الثالثة بالجماعات فيكون لنا نصّ أوّلي ونصّ نهائيّ. فالنصّ الأوّليّ يكون على مستوى الجماعة، والنصّ النهائيّ يقدّمه لنا الكاتب.
كيف تتمّ مسيرة درس الأخبار الإنجيليّة؟ المراحل الثلاث الأولى (الحدث، الجماعات، الكتّاب) تعود إلى التأويل، والمرحلة الرابعة (نحن القرّاء) تعود إلى التفسيرة. المرحلتان الثانية والثالثة تعودان إلى النقد الأدبيّ. نحاول أن نفهم النصّ وشكله وبنيته ومضمونه (المرحلة الثالثة) وتجذّره وتعلّقاته لنصل إلى الحدث (المرحلة الأولى). فالحدث يرجع بنا إلى النقد التاريخيّ. وهو يسعى إلى الإجابة على السؤال: ما الذي حدث؟ هل جرت الأمور كما رواها الكاتب؟ هل تلفّظ يسوع بهذه الكلمة الواردة في النصّ؟ وهكذا نحاول أن نصل إلى الحدث من خلال النصّ وما سبقه من خلال التفاسير والتعابير التي نقلها الكاتب الملهم والذين جاؤوا بعده.
ولكن قبل أن نَطرحَ السؤال: ما الذي حدث؟ يجب أن نعبُرَ مراحل النقد الأدبيّ. فبعد أن نتفحّص النصّ (المرحلة الثالثة) ونكتشف كيفيّة تدوينه (المرحلة الثانية) نطرح الأسئلة عن تاريخيّته وصحّته (المرحلة الأولى). فإذا وردت كلمة من كلمات يسوع في شكلين متباينين (التطويبات في مت 5: 2- 12 ولو 6: 20- 26، الصلاة الربّية في مت 6: 9- 13 ولو 11: 2- 4) نتساءل أيّها أقدم وأقرب إلى الينبوع المشترك. وبعد هذا، نتساءل إن كان يسوع تلفّظ بهذه الكلمة في هذا الشكل.
ونصل إلى التفسيرة التي تفترض أيضاً تحليلَ النصّ. فبعد أن نكتشف ما يقوله النصّ، نقدر أن نبحث عمّا يقوله لنا اليوم. فعمل التفسيرة عمل تأوينيّ، يوضح لنا اليوم ما يقوله نصّ دوِّن في الماضي. إنّ هذا النصّ يتوجّه إلينا ويريد أن يكون لنا بشرى وخبرًا سارًّا. فكيف يلقي ضوءًا على حياتنا اليوم؟ هنا تبدأ عمليّة الوعظ وشرح النصّ الإنجيليّ على المؤمنين.

3- التأويل على مرّ العصور
إذا كانت التفسيرة تُعنى بشرح النصّ لتطبيقه على حاضر الكنيسة، فالتأويل يدرس النصّ من الناحية اللغويّة والتعليميّة ليزيل كلّ غموض فيه. لا نستطيع أن نفصل بين التفسيرة والتأويل وغرض كلّ منهما يتداخل في الآخر، ولكنّنا نميِّز بينهما لنشدّد على أنّ التفسيرة تركِّز على الناحية الآنيّة والحياتيّة، أمّا التأويل فيركِّز على الناحية العلميّة المجرّدة. 
ونتساءل عن تاريخ التأويل عبر العصور.
إهتمّ دارسوا الإزائيّين مدّة طويلة بتكوين الأناجيل. تحرّوا عن الاختلافات والتشابهات، وحاولوا أن يحدّدوا كيف يرتبط نصّ بآخر علَّهم يصلون إلى الينابيع على مستوى التقليد الشفهيّ وعلى مستوى الوثائق المكتوبة. هذا ما قام به العالمان الألمانيّان ديبليوس وبولتمان اللذان سيطرا على تاريخ التأويل في النصف الأوّل من القرن الحاليّ. انطلقا من النصّ الإنجيليّ فأخذا الوحدات الأدبيّة ورتّباها (خبر معجزة، مثل، حكمة، كلمة إطاريّة) وبحثا عن الإطار الكنسيّ والظروف والحاجات التي فيها دُوِّنت الوحدات قبل أن تُجمع في الإنجيل كما نعرفه.
في هذه المدرسة قلَّل العلماء من دور الكتّاب وجعلوهم مجرّد مقمِّشين جمعوا موادَّ مصنّعة وأدخلوها في إطار مصطَنعَ. فقامت ردّة فعل على المدرسة التكوينيّة في المدرسة التدوينيّة. فهذه لم تتخلّ عن المرحلة الثانية (الجماعات المسيحيّة)، ولكنّها زادت اهتمامها بالمرحلة الثالثة، مرحلة الكتَّاب. توقّفت عند القرينة التي رُتِّبت في داخلها الوحدات الأدبيّة التي اكتشفتها المدرسة التكوينيّة. كانوا في الماضي يتوقّفون عند كلّ قطعة على حدة ويتأمّلون فيها وكأنّها لؤلؤة، ولكنّهم نَسُوا أنّها تدخل في عقد. أمّا اليوم فأدخلوا كلّ مقطع في إطاره التدوينيّ. وهذا يعني أنّ متىّ ومرقس ولوقا هم كتّاب بكلّ معنى الكلمة. لاشكّ في أنّهم استعملوا موادّ تقليديّة، ولكنّهم أدخلوها في نظرة لاهوتيّة خاصّة بهم. فيبقى علينا أن نكتشف رؤية كلّ من متّى ومرقس ولوقا ولاهوتهم وروحانيّتهم. بدأوا يطبّقون النصوص على حاضر كنيستهم وهم يفتحون الدرب لنا لنكتب الإنجيل اليوم في حاضر كنيستنا، لا كلامًا جافًّا وحرفا ميتًا بل بشارة تعجّ بالحياة، لأن كلام الرب هو روح وحياة (يو 6: 63).
الفصل الخامس عشر
الإنجيل بحسب متّى

لعب الإنجيلُ بحسب متّى دورًا كبيرًا في تقليد الكنيسة اللاهوتيّ والليتورجيّ. لقد كان أولَّ كتاب فُسِر. وعاد إليه النحّاتون والرسّامون يستقون من صوره، ولاسيّما وإنّه يستفيد من العلائق الرمزيّة بين العهد القديم والعهد الجديد.
لم يُكتب إنجيل متّى بين ليلة وضحاها. فالتناوب بين الأقوال والأعمال يدلُّ على ممارسة ليتورجيّة وتعليميّة طويلة سبقت تدوين الكتاب.
عرفت الكنيسة هذا الكتاب في اللغة اليونانيّة ونقلته إلينا بعد أن دوِّن في السنوات 80- 90 ب م. كان الكتاب قد دوّن، على ما يبدو، في اللغة الآراميّة، لغة يسوع وتلاميذه، فجاء ورثة الرسول الروحيّون وأعطوا الكتاب شكله النهائيّ في اليونانيّة. 
إنجيل متّى هو أطول الأناجيل وهو يضمّ 28 فصلاً مثل سفر الأعمال. عدد كلماته 18278 وهي أقلّ من عدد كلمات إنجيل لوقا (19404) ومن أعمال الرسل (18374).
أمّا نحن فسنحاول الولوج إلى هذا الإنجيل متوقّفين على خمسة أقسام:
متّى وإنجيله
الجماعة التي انتمى إليها متّى
بنية الإنجيل بحسب متّى
طرائق متّى في تدوين إنجيله
التوجّهات اللاهوتيّة في الإنجيل الأوّل، إنجيل متّى.

أ- متّى وإنجيله
1- من هو متّى
إعتبر التقليد المسيحيّ أنّ متّى هو لاوي الذي يتحدّث عنه الإنجيل. نحن لا نقدر أن نقدّم البرهان الشافي على هذا القول، ولكنّ مصداقيّة الإنجيل لا تتبدّل. فجذوره عميقة في المحيط الفلسطينيّ حيث سارت الكنيسة الرسوليّة أولى خطاها واحتملت أوّل اضطهاداتها. لن نكون بعيدين عن الحقيقة إن أرجعنا هذا الإنجيل إلى مجموعة الاثني عشر رسولاً وبالتحديد إلى متّى (لاوي)، أقلّه في نواته الأولى التي قد تكون دوِّنت في الآراميّة. بعد هذا امتدّ عمل التدوين وشارك فيه تلاميذ رافقوا يسوع منذ البداية. يتحدّث الشرّاح عن "مدرسة القدّيس متى". يبقى أن نتعرّف إلى هذا الرسول الإنجيليّ الذي هو في أساس الأنجيل الأوّل.

أوّلاً: معطيات الإنجيل
اسم متّى يعني عطيّة الله. تذكره كلّ لوائح الرسل الواردة في العهد الجديد. نقرأ مثلاً في 10: 3: وفيلبّس وبرتلماوس وتوما ومتّى العشّار. وفي مر 3: 18: وأندراوس وفيلبّس وبرتلماوس ومتّى وتوما. وكذا نقرأ في لو 6: 15 وفي أع 1: 13. ويورد التقليد الإزائيّ دعوة لاوي ذاك العشّار أو جابي الضرائب. يقول مر 2: 14 وبينما هو سائر رأى لاوي بن حلفى جالسًا في بيت الجباية. فقال له يسوع: "اتبعني" فقام وتبعه. (رج لو 5: 27). وما شاء لاوي أن تمرّ هذه المناسبة دون أن يُولم وليمة يدعو إليها أصحابها الذين يحتاجون إلى يسوع احتياج المرضى إلى الطبيب والخاطئين إلى التوبة. يسمّيه مرقس "ابن حلفى"، أمّا الإنجيل الأوّل فيسمّيه متى (9: 9) ويذكر مهنته (10: 3). إذا تتبّعنا نصّ الإنجيل نجد أنّ موطنه كفرناحوم، وقد حمل اسمين لاويَ ومتّى، كما حمل رئيس الرسل اسمين سمعان وبطرس، وقد يكون يسوع أعطاه لقب متّى فأعطاه اسمًا جديدًا بعد أن جعل منه إنسانًا جديدًا.

ثانيًا: معطيات التقليد
اعتبر إكلمنضوس الإسكندرانيّ أنّ لاويَ هو متّى. وقال بابياس أسقف هيرابوليس (حوالي السنة 120): "إنّ متّى جمع في لغة العبرانيّين (أي اللغة الآراميّة) أقوال يسوع، وفسَّرها كلَّ واحد حسب استطاعته". نقل إلينا أوسابيوس القيصريّ هذه الشهادة كما نقل إلينا شهادة أوريجانس الذي يقول: "عرفت، من التقليد، الأناجيلَ الأربعة التي لا جدال فيها في كنيسة الله التي تحت السماء. قد كتب الأوّل حسب متّى الذي كان عشّارًا ثمّ أصبح رسول يسوع المسيح. دوّنه للمؤمنين الآتين من العالم اليهوديّ وكتبه في لغة العبرانيّين".
ولقد اهتمّ إيريناوس بتثبيت قانون الأناجيل، فقدّم تحديدًا عن زمن كتابتها. قال: "وأظهر متّى لدى العبرانيّين وفي لغتهم الخاصّة إنجيلاً مكتوبًا يوم كان بطرس وبولس يبشّران رومة ويؤسّسان فيها الكنيسة".
نقل أوسابيوس شهادة بابياس وأوريجانس وأظهر اهتمام بولس بالرسالات البعيدة. قال: "بشّر متّى أوّلاً العبرانيّين. وإذ وجب عليه أن يذهب إلى غيرهم، دوّن في لغة أجداده إنجيله فعوّض عن حضوره بالكتابة تجاه الذين يبتعد عنهم". وتحدّث إيرونيموس عن الرجال المشهورين فأعلن أنّ متّى العشّار كان أوّل من كتب لأهل الختان إنجيلاً في حروف وكتابة عبريّة. وزاد قائلاً: "إنّ النسخة العبريّة لا تزال موجودة في مكتبة قيصرّية التي جمعها الشهيد بمفيليوس باهتمام". في الواقع لم ير إيرونيموس الإنجيل بعينه ولكنّه استند إلى معلومات حملها إليه مسيحيّون من بيره، قرب أنطاكية. وقد ذكر إيرونيموس أنّه استعمل بعض نصوص من هذا الإنجيل الموجَّه إلى المتهوّدين (يهود صاروا مسيحيّين). كتب: في الإنجيل المسمّى "حسب العبرانيّين" وجدت مكان "الجوهري" كلمة "محر" التي تعني غدًا. وهكذا صار المعنى: أعطنا اليوم "خبز الغد".
إذًا، يساعد التقليد على القول بأصل إنجيل متّى الرسوليّ. ونزيد: لم يهتمّ القدماء بالأصل الأدبيّ للكتاب، بل بمضمونه التعليميّ وسلطته في الكنيسة. إنّهم يشدّدون على القيمة الرسوليّة لمتّى اليونانيّ الذي حفظ بين الأسفار القانونيّة، لا على مراحل تأليفه الأدبية.
ونزيد في إطار التقليد بعض المعلومات التي تقول إنّ متّى ذهب سنة 42 إلى الحبشة وبشرَّها، وقال آخرون بل إلى بلاد الفراتيّين أو فارس أو سورية أو مكدونية وحتّى إرلندة. وتختلف المعلومات حول موته. يبدو أنّه مات موتًا طبيعيًّا. ولكنّ الكنائس اليونانيّة واللاتينيّة أكرمت استشهاده الذي تمّ في الحبشة. نُقلت رفاته إلى كاتدرائيّة سالرنة (في إيطالية) في القرن العاشر، وعيَّدت له الكنيسة البيزنطيّة في 16 تشرين الثاني، والكنيسة اللاتينيّة في 21 أيلول، وقد صار متّى شفيع موظّفي الجمارك والصرّافين. 
احتفظت لنا الإيقونات برسوم للإنجيليّ متّى وقربه شابّ، فصار رمز الإنجيل الأوّل لأنّ متّى يبدأ إنجيله بنسب يسوع البشريّ. نشير هنا إلى أن الحيوانات الأربعة قد ذكرت في حز 1: 5- 14 فطبّقها آباء الكنيسة على الإنجيليّين الأربعة فكان الإنسان رمز متّى، والأسد رمز مرقس، والثور رمز لوقا، والنسر رمز يوحنّا.
لقد شرح أوريجانس (+ 253) إنجيل متّى فبقيت لنا منه مقاطعُ عديدةٌ، وقدّمه يوحنّا فم الذهبيّ (+ 407) للمؤمنين في 90 عظة، وشرحه كيرلّس الإسكندرانيّ (+ 444). هذا في العالم اليونانيّ. أمّا في العالم اللاتينيّ فنعرف قراءة متواصلة لمتّى عند هيلاريون أسقف بواتييه (+ 367) الذي أبرز سرّ الخلاص، وَشْرحَ إيرونيموس (+ 420) ألذي أبرز البعد التاريخيّ لهذا الإنجيل. أمّا في التراث السريانيّ والعربيّ فلا نجد شرحًا قبل القرن التاسع. نذكر إيشوعداد المروزيّ لدى السريان، وأبا الفرج عبد الله ابن الطيّب الذي كتب في العربيّة "فردوس النصرانيّة" ففسّر الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد.

2- إنجيل متّى
أوّلاً: النصّ المطبوع
وصلت إلينا حتّى اليوم 15 برديّة كتبت معظمها بين السنة 200 والسنة 400، ولكنّها لا تحتوي إلاَّ مقاطع صغيرة. فلا نجد أكثر من 10% من نصّ متّى على برديّات سابقة لسنة 400.
أقدم كودكس على البرديّ يعود إلى سنة 200 وقد حفظ لنا مقطعين. الأوّل في أوكسفورد (إنكلترّا) ورقمه 64 وهو يضمّ 3: 9، 15؛ 5: 20- 22، 25- 28. والثاني في برشلونة (إسبانيا) ورقمه 67 ويضمّ 26: 7، 10؛ 14: 15، 22- 23، 31- 33.
ونُشرت برديّات سنة 1935 فتضمّنت مقاطع من ف 20، 21، 25- 26 تعود إلى القرن الثالث.
أمّا النصّ المطبوع لمتّى فهو نصّ المخطوطات الإسفينيّة العائدة إلى القرن الرابع. في الدرجة الأولى هناك النصّ السينائيّ ثمّ الفاتيكانيّ، والأقراميّ، وفي الدرجة الثانية النصّ الإسكندرانيّ الذي يعود إلى القرن الخامس.

ثانيًا: مراجع متّى وعلاقته بمرقس ولوقا
إذا قابلنا متّى مع الإزائيّين الآخرين، وجدنا أنّه قريب من مرقس فيما يخصّ الأخبار، وقريب من لوقا فيما يخصّ كلمات المسيح: هناك 600 آية (من أصل 1068 آية) مشتركة بين متّى ومرقس. لكنّ متّى لخَّص مرقس، وافترق عن ترتيب مرقس في 4: 17- 13: 58، واقترب منه بعد ف 14. وهناك 240 آية مشتركة بين متّى ولوقا. وهكذا يبقى لمتّى 330 آية خاصّة به. حينذاك قدَّم بعض الشرَّاح افتراضًا يقول إنّ متّى هو نسخة موسّعة ومحوّرة لمرقس. وما زاده متّى أخذه هو ولوقا من معين خاصّ. وهكذا نكون أمام مرجعين لإنجيل متى: إنجيل مرقس والمعين المشترك بين متّى ولوقا.
وتبقى الآيات الخاصّة بمتّى. من أين جاءت؟ هل عرف متّى مرجعًا خاصًّا به، هل عاد إلى التقاليد الشفهيّة؟ فنحن نلاحظ التقاليد عن طفولة يسوع والدور الأوّل ليوسف (ف 1- 2)، وأقوال يسوع عن طبيعة "البرّ" المسيحيّ (في خطبة الجبل) وتعليماته عن حياة الجماعة. هناك تقاليد تتّصل ببطرس (14: 28- 31؛ 16: 17- 19؛ 17: 24- 27)، وتقاليد تناقلها اليهود عن يهوذا وحراسة القبر. وهكذا يبدو لنا متّى ذلك الكاتب الذي "تتلمذ لملكوت السماوات" (13: 52) فأنمى كنزه بأبحاث طويلة وقدّم لنا اكتشافاته بطريقة خاصّة. لا، ليس متّى مقمِّشًا وجمّاعًا وحسب، إنّه مؤلّف مبتكر عرف أن يحوِّر في النصوص التي وصلت إليه لأسباب أدبيّة أو لاهتمامات لاهوتيّة.

ب- الجماعة التي انتمى إليها متّى
1- جماعة متهوّدة
الجماعة التي عاش فيها متّى هي جماعة مسيحيّين جاؤوا من العالم اليهوديّ. إنّها جماعة حيّة ينعشها متّى بحضوره ويتكلّم باسمها. وهكذا يبدو كتابُه تعليمًا يتوجّه إلى هذه الكنائس المتهوّدة. كان أصلها من الجليل، وقد تكون هجرت أورشليم بعد الاضطهاد الأوّل لتقيم في شماليّ فلسطين أو في سورية الجنوبيّة، لأنّ إنجيل متّى يذكر هذه المناطق. وتحدّث بعض الشرّاح عن قينيقية أو أنطاكية كموطن محتمل لإنجيل متّى.
حين نقرأ هذا الإنجيل، نحسّ أنّنا أمام كنيسة منظَّمة تعود إلى نفسها على ضوء حياة يسوع وتعليمه. والذي دفعها إلى عمليّة الرجوع إلى الذات هو ضرورة اتّخاذ موقف تجاه العالم اليهوديّ الرسميّ الذي خرج المسيحيّون منه. فالمشكلة التي تعترضهم هي: هل يبقون على الاتّصال بجذورهم اليهوديّة أم يسجّلون على نفوسهم هذا الانفصال الذي لا دواء له؟ ليست المسألة بسيطة. ومتّى لا يتّخذ موقفًا قاطعًا. هو يحافظ على الاتّصال لأنّ يسوع يكمِّل تاريخ شعب إسرائيل، ولكنّ هذا الإكمال يحدث انفصالاً.
كان هؤلاء المسيحيّون أمام تقليد متجذّر في إبراهيم ويعود إلى ألفي سنة تقريبًا، فهل يمكنهم أن يُلغوه دون أن يتنكَّروا لتاريخهم، فمن خصائص الشعب المختار أنّها تكفل وجود يسوع البشريّ، يسوع الذي هو المسيح وابن الله الحيّ. ويشدّد متّى على أمانة يسوع لعهد الله مع شعبه كما يظهر في الشريعة والأنبياء. هو ما جاء ليبطل، بل ليكمِّل (5: 17). هو يحفظ السبت ويحضّ تلاميذه على ممارسة الوصايا، ولكنّه يتميّز عن الرابّانيّين بطريقته الجذريّة، بسلطته القديرة ورحمته تجاه الخطأة والعائشين على هامش المجتمع.
في زمان يسوع، كان الكتبةُ اللاهوتيّين الذين يفسّرون الكتاب على ضوء تفسير الفرّيسيّين، ويدعون إلى ممارسة الشريعة ممارسة تنبع من هذا التفسير. أمّا الرابّانيّون فهم الكتبة وقد اتّخذوا هذا الاسم بعد سنة 70 ب م (الربّ هو من يسوس القوم لأنّه فوقهم وأعظم منهم)، فنقلوا التعليم في مدارسهم. اعتبروا محافظين على التقليد الشفهيّ الذي يعود إلى موسى مارًّا بالقدماء والحكماء في المجمع الكبير. واستندت سلطة الرابّانيّين إلى اتّساع علمهم وخضوعهم الدقيق لتقليد الآباء. فإذا قابلنا تعليم الرابّانيّين بتعليم يسوع نجد أنّ تعليم يسوع يثير انتباهنا بحرّيته وعمقه واتّساع آفاقه.
إنّ تعليم يسوع قد حرّر شعبه من شريعة صارت عبوديّة، لأنّ حارسيها أحلُّوا محلَّ روح الحرّيّة مجموعة من الممارسات الدقيقة التي لا فائدة منها. غير أنّ هذا التحرّر لم يكن إلغاءً للشريعة بل تتميمًا لها. إذًا، على المسيحيّ أن يعيش شريعة العهد عينها، ولكن في استعداد بنويّ توجِّهه حرّيةُ أبناء الله. فعلى الكنيسة الأولى أن تحفظ نفسها من كلّ شريعانيّة (نزعة احترام الشرع بدقّة) تنكر هذا التتميم.
فالخطر لا يزال هنا وهو حقيقيّ ساعة كتب متّى: صار اليهود مسيحيّين، ولكنّهم ظلّوا يعيشون حسب فرائض الشريعة المعمول بها في الجماعات. ولكن بعد سقوط أورشليم سنة 70 ودمار الهيكل، خاف الشعب اليهوديّ على نفسه من الزوال، فأراد أن يستعيد أنفاسه. وتجاه تدمير الأمّة، تنظَّمت حركة دينيّة بقيادة الفرّيسيّين واجتمعت في يمنية (على شاطئ البحر، تبعد 20 كم إلى الجنوب من يافا) فأعادت تلاحم الشعب الذي كاد يتفتّت. حُدِّدت الأسفارُ القانونيّة في التوراة، وفُرِضت الممارسات الجوهريّة لتمنع كلّ انحراف.
وعرفت الجماعة اليهوديّة أنّ الخطر الأساسيّ يكمن في المسيحيّين (وكانت تسمّيهم ناصرّيين). اعتبرتهم شيعة منشقّة. أرادت أن تدافع عن نفسها فحرمت استعمال السبعينيّة (ترجمة التوراة اليونانيّة التي يستعملها المسيحيّون)، ونظَّمت طقوسًا لا يمكن للمسيحيّين أن يقبلوا بها.
اقترح رابي جملائيل الثاني حوالي سنة 80 إدخال المباركة الثالثة على صلاة الصبح التقليديّة المؤلّفة من ثماني عشرة مباركة. هذه المباركة تقال ضدّ المتشيّعين (أو الهراطقة ومنهم اليهود الذين ارتدّوا إلى المسيحيّة). وهذا نصّها: "ليَزُلْ رجاء المفترين، ليتبدَّدْ السيّئون، ليتدمّر الأعداء. لتَضْعُفْ قريبًا قوّة الكبرياء وتتحطّمْ وتُذَلَّ في هذه الأيّام. مبارك أنت أيّها الأزليّ، لأنّك تحطّم أعداءك وتُذِلُّ المتكبّرين". أدخلت هذه المباركة، فامتنع المسيحيّون عن المشاركة في طقوس المجمع، ومُنعوا من وظيفة الترجمان (الذي يترجم النصوص العبريّة المقروءة في العبريّة، ويفسّرها ويؤوّنها).
وإنّنا نكتشف هذه المعارضة في خلفية إنجيل متّى. في هذا الإطار نفهم عبارة "مجامعهم" في 4: 23؛ 9: 35؛ 10: 17؛ 12: 9؛ 13: 54؛ 23: 34. صار المسيحيّون المتهوّدون غرباء في هذه المجامع، انفصلوا عن اليهود فصارت هذه المجامع مجامع اليهود، وبحثوا لهم عن مكان خاصّ يجتمعون فيه. بدأوا يجتمعون في البيوت بانتظار أن تكون لهم معابد خاصّة بهم.
ونفهم لماذا يشدّد متّى بقوّة على أنّ يسوع يتمّم الكتب. إنّه موسى الجديد الذي يجمع شعب إسرائيل في بنوّة الله. ولكنَّ متّى يبتعد أيضاً عن الفرّيسيّين الذي نظّموا نفوسهم في يمنية فشكّلوا الدين اليهوديّ الرسميّ. كان موقفُ متّى موقفًا هجوميًّا، ولكنّ موقف الكنيسة لم يكن موقفًا متحيّزًا ومانعًا لأحد. إنّه واعٍ لخطر التحيّز الموجود أيضاً في الجماعات المسيحيّة. لهذا قال للمؤمن: "يا مرائي، أخرج الخشبة من عينك أوّلاً، حتّى تبصر جيّدًا فتخرج القشّة من عين أخيك" (7: 5). وقال أيضاً: "كلّ شجرة لا تحمل ثمرًا جيّدًا تقطع وتُرمى في النار" (7: 19؛ رج 7: 21- 23). لهذا يفتح القلوب إلى المصالحة وإلى محبّة الأعداء: "أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، صلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم" (5: 44).

2- كنيسة منظّمة ومنفتحة على العالم الوثنيّ
بدأ انفصال الكنيسة عن العالم اليهوديّ حين فتحت أبوابها لكلّ الناس من دون قيد ولا شرط. كلّ من اليهوديّ والوثنيّ يستطيع أن يدخل إلى الكنيسة. لا شكّ في أنّ الروح الشاملة وُجدت في العالم اليهوديّ، ولاسيّما عند الأنبياء الذي عاشوا بعد سبي سنة 587 ق م، فأعلنت الزمان المسيحانيّ الآتي. ولكنّ هذه الروح كانت بشكل جاذب، أي تندفع نحو المركز وتقترب منه. أجل، كان اليهود يظنّون أنّ الأمم الوثنيّة سترتدّ إلى عهد إسرائيل فتأتي وتعبد الله في أورشليم. نقرأ مثلاً في أش 2: 2- 3: "سيكون جبل الهيكل في رأس الجبال وفوق كلّ التلال فتأتي إليه جميع الأمم. يذهب إليه شعوب كثيرون ويقولون: هلمّوا نصعد إلى جبل الرب، إلى بيت إله يعقوب فهو يعلّمنا طرقه فنسلك. فيها. فمِن صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم تصلنا كلمة الربّ". أمّا مع يسوع فصارت الروح الشاملة نابذة، أي ابتعدت عن المركز وسارت إلى الأطراف البعيدة، فذهبت إلى الآخرين ولم تحاول أن تأتي بهم إليها. أجل، لقد أرسل يسوع تلاميذه إلى العالم كلّه، وقال لهم: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (28: 19).
أمّا الطريقة التي يقدّم فيها متّى انفتاح هذه الجماعة اليهوديّة فهي طريقة مثاليّة. يحدّثنا أوّلاً عن جليل الأمم (4: 15؛ رج أش 8: 23- 9: 10). وهذه العبارة تشير إلى الأرض التي رجع إليها شعب إسرائيل بعد المنفى. من هذا القبيل كان الجليل أرضاً مسيحانيّة يمتزج فيها الوثنيّون باليهود على مثال كنيسة متّى. وكان الجليل يمتدّ إلى صور وصيدا والجولان حيث أقام الغيورون (حزب المقاومة ضدّ الاحتلال الرومانيّ).
يبدو أنّ إنجيل متّى وُلد في هذا المكان: ترك يسوع الجليل ولكن ما زال يعود إليه خلال رسالته، وهذا الرواح والمجيء يدلّ على زمن الانسلاخ والمحنة، على زمن الاختلاء والتأمّل. وبعد الفصح سيجتمع الرسل في الجليل، على الجبل الذي دلّهم عليه يسوع (وظلّ مجهولاً بالنسبة إلينا)، ومن هناك أرسلهم إلى الأمم. لفت متّى نظر اليهود إلى هذه المنطقة الشماليّة من فلسطين، فعلَّمهم كيف يكتشفون تتمّة الكتاب في شخص يسوع المسيح.
إنّ هذه الكنيسة التي ولدت في العالم الدوديّ وانفتحت على العالم الوثنيّ بدت جماعة منظّمة كالجماعات اليهوديّة التي عرفتها. هناك نواة من التلاميذ يلتئم حولها الشعب. روح الجماعة تتحلّى بالأخوّة والمسؤوليّة والانفتاح. ليست تجمّعًا من الأبرار الحاصلين على شهادة، بل أناسًا يحاولون أن يعيشوا سعادة الملكوت البعيدة والقريبة منهم في قلب حياتهم اليوميّة.
تنظّمت هذه الكنيسة بطريقة ملموسة. فإعلان ملكوت السماء كأفق حاسم لكلّ وجود مسيحيّ، لم يُلغِ الكنيسة المؤسّسة، بل أقام فيها مجموعة منظّمة في الزمان والمكان يعيش فيها الذين قبلوا التعليم وفهموه وحاولوا أن يعيشوا منه. فيجب على الكنيسة أن تكون لليهود والوثنيّين الذين تعيش بينهم علامة حضور الملكوت وفاعليّته من أجل البشر. 
بعد موت يسوع، تنظّمت مجموعات من "الناصرّيين" آمنوا بواقع القيامة. أقاموا أوّلاً في أورشليم، ثمّ انتشروا حيث انتشر الرسل والتلاميذ الأوّلون. كانوا جماعات نشيطة يوم كتب متّى، وتنظّموا في مؤسّسة نجد آثارها في الإنجيل. ولَكنّنا لا نستطيع القول إنّ كنيسة متّى تشبه كنائسنا، كما لا نقول إنّ لا تقارب بين كنيسة متّى وكنائسنا. فالثمرة موجودة في البذرة، والشجرة الكبيرة هي بنت النبتة الصغيرة.
لهذا نجد في إنجيل متى آثارًا لحياة ليتورجيّة وأسراريّة واضحة المعالم. فالعماد موجود مع عبارة ثالوثيّة (28: 19) وهو يرجع بنا إلى عماد يسوع (3: 13- 17). نحن نفهم معنى عماد يسوع وعمادنا على ضوء الموت والقيامة (27: 45- 56). والإفخارستيّا التي أسّسها يسوع في العشاء الأخير (26: 26- 30) هي جزء من تجمّع الجماعة لتأكل الخبز باسم الربّ (14: 13- 21؛ 15: 32- 39). ويرافق الإفخارستيّا تعليمُ الكلمة المستوحى من العالم اليهوديّ، كما تشهد بذلك التوسّعات المدراشيّة في ف 1- 2 وفي الخطب الخمسة. ويلمّح إنجيل متّى إلى طريقة للمصالحة تساعدنا على الاهتمام بالأخ الذي ضلّ (18: 15- 17). هذا يدلّ على وعي الكنيسة لسلطتها: فهي على خطى يسوع (9: 8) وبالسلطان المعطى لبطرس (16: 18- 20) ولجماعة الرسل (18: 18) تقدر أن تمنح غفران الله، كما تقدر أن تشفيَ (10: 1)، وأن تُعلن بشرى الملكوت (10: 7). وتبقى الصلاةُ العملَ الجوهريّ (6: 5- 15؛ 21: 22: كلّ شيء تطلبونه وأنتم تصلّون بإيمان، تنالونه)، فتشهد على حضور يسوع القائم من بين الأموات وسط أحبّائه (18: 19- 20).
وهناك مسؤوليّات داخل الجماعة تُمارَس لا بالتسلّط والاكتفاء بل بروح التواضع (18: 4)، ومن أجل الخدمة (10: 26- 28). وسيلعب الرسل دور الوسيط بالنسبة إلى الجماعة، وهذا ما نراه في بداية خطبة الجبل (5: 1) وفي الحديث عن الأمثال (13: 10- 17، 34: 35)، وقبل مشهدَي تكثير الخبز (14: 19. 15: 36: أعطى يسوع تلاميذه، والتلاميذ أعطوا الجموع).
وسيكون لبطرس مركز الصدارة، ولكنّه يبقى ملتصقًا بالرسل. يوم مشى على المياه كان مع الرسل (14: 22- 30)، وحين شهد لحقيقة يسوع تكلّم باسمهم (16: 13- 28) كلام الله وكلام البشر (16: 23). إنّه يعبّر وَسْطَ إخوته عن سلطة يسوع التي أسّست الكنيسة وما تزال تؤسّسها. إنّه مسؤول عن نموّ الملكوت الذي أوكل إليه كما أوكل إلى رفاقه. إنّه المؤمن الذي يسمع، والصخرة التي بنى عليها يسوع كنيسته (16: 18)، والمجرِّب الذي يضع حجر عثرة في طريق يسوع (16: 23) بانتظار أن ينكره (26: 34، 75). هكذا أظهر أوّلُ الرسل (10: 2) في حياته التوتّر بين كنيسة ملموسة وملكوت أعلن عنه وهو حاضر منذ الآن. وهكذا نقول عن سائر الرسل. هم ولاشكّ يؤمنون، ولكن يجب على يسوع دومًا أن يوبّخهم على قلّة إيمانهم (6: 30؛ 8: 26؛ 14: 31؛ 16: 8). ويهوذا نفسه الذي دُعي "أحد الاثني عشر" (26: 14، 47) خانه وباعه بثلاثين من الفضّة (26: 20- 25، 47- 50).

ج- بنية الإنجيل بحسب متّى
1- تصميم الإنجيل
أراد بعض الشرّاح أن يستخرجوا تصميمًا فاستندوا إلى المعطيات الجغرافيّة التي تتوزّع مراحل حياة يسوع الخاصّة والعلنيّة. فهناك التناقض بين الجليل وأورشليم. أورشليم هي المدينة المنغلقة على نفسها، أمّا الجليل فهو زمن رجاء وانفتاح. في هذا يتبع متّى مرقس. ولكن متّى سيبيِّن أنّ لمنطقة الجليل وجهين. ففي أثناء خدمة يسوع الرسوليّة، يُظهر الجليل كأنّه بلاد يهوديّة لم يكد يسوع يتجاوز حدودها. فإن ذهب إلى صور وصيدا، فهو لم يبشّر إلاّ اليهود ونهى تلاميذه عن الذهاب إلى الوثنيّين والسامريّين (10: 5- 6). ولكن، بعد القيامة، أصبح الجليل أرض الانفتاح على العالم. ففي الجليل، لا في أورشليم، ظهر يسوع الممجّد لتلاميذه وأرسلهم يبشّرون في العالم كلّه (28: 16- 20).
إنّ هذه الملاحظات الجغرافيّة ضروريّة، ولكنّها لا تكفي لتبني تصميمًا لإنجيل متّى، لأنّ للجغرافيا كما رأينا بُعدًا لاهوتيًّا. لهذا راح بعض الشرّاح يَقْسُمُون إنجيل متّى حسب الطريقة التي بها استعمل مراجعه. ولَكنّهم نسوا طريقة متّى المبتكرة، فما اكتشفوا مبدأ ترتيب موادّه. وأبرزَ شرّاح آخرون الطابع الدراماتيكي لإنجيل متّى. أبرزوا عناصر أدبيّة عديدة تتوزّع النصّ. فهناك خلاصات تبدأ مجموعة من الأحداث أو تنهيها. فنحن نقرأ مثلاً في 4: 23- 25: "وكان يسوع يسير في أنحاء الجليل، يعلّم في المجامع ويعلن بشارة الملكوت ويشفي الناس من كلّ مرض وداء". (رج 11: 10؛ 11: 20؛ 12: 15- 21؛ 14: 34- 36؛ 15: 29- 31). وهناك مجموعات من أقوال منسّقة في خطب، وهناك ملاحظات جغرافيّة.
هناك دور يوحنّا المعمدان (3: 1- 17؛ 11: 2- 19؛ 14: 1- 2؛ 17: 12؛ 21: 23- 27) والإنباءات بالالام واختلاءات يسوع (14: 3؛ 15: 21؛ 16: 4).
ولكنّ الأبحاث البنيويّة ساعدتنا على الإحاطة بهذا الإنجيل. فما يلفت انتباهنا أوّلاً هو الوجه التعليميّ، فتتناوب الأقسام الإخباريّة والخطب. فيمكننا أن نستخلص ستّة أقسام: ف 3- 4، ت 8- 9، ت 11- 12، ف 14- 17، ت 19- 22، ف 26- 28. وهناك محطّة أدبيّة مهمّة تفصل بين أقسام الكتاب. فنحن نقرأ في 4: 17: "وبدأ يسوع من ذلك الوقت يبشّر فيقول: توبوا، لأنّ ملكوت السماوات اقترب" ونقرأ في 16: 21: "وبدأ يسوع من ذلك الوقت يصرِّح لتلاميذه أنّه يجب عليه أن يذهبَ إلى أورشليم ويتألّمَ كثيرًا". وهكذا نكون في جزء أوّل (ف 4- 16) مع يسوع الذي يعلن ملكوت الله بتعليمه وأشفيته ويهيّئ الكنيسة. وفي جزء ثانٍ (ف 16- 28) نرى المعلّم الذاهب إلى آلامه يجمع التلاميذ ليكونوا جماعة الشهود للملكوت. هذا ما فعله مرقس. أمّا متّى فزاد عليه أنّه أنهى الخطب الخمس (ف 5- 7، ف 10، ف 13، ف 18، ف 23- 25) بالعبارة نفسها. فنقرأ بعد خطبة الجبل: "ولمّا أتمّ يسوع هذا الكلام، تعجّبت الجموع من تعليمه" (7: 28). وبعد خطبة الإرسال: "ولمّا أتمّ يسوع وصاياه لتلاميذه الاثني عشر، خرج من هناك" (11: 1). وبعد الأمثال: "ولمّا أتمّ يسوع هذه الأمثال" (13: 53). وبعد الخطبة الكنسيّة: "ولمّا أتمّ يسوع هذا الكلام ترك الجليل (19: 1). وأخيرًا بعد خطبة نهاية العالم، قال متّى: "ولمّا أتمّ يسوع هذا الكلام كلّه، قال لتلاميذه" (26: 1).
وهكذا نرى أحداثًا ترتبط بأقوال: يعيش يسوع مع تلاميذه وعليهم سيبني جماعة الملكوت، وإيّاهم يعني تعليمات من أجل الزمن الذي بعد الفصح. إنّ الأخبار تدلّ على تجذّر يسوع في تاريخ شعبه، والخطب تشدّد على ارتباط الجماعة الكنسيّة بحياة يسوع على الأرض. في هذا الإطار، لم يعد إنجيل الطفولة مقدّمة بل هو يأخذ مكانه في المجموعة. ثمّ إنّ خبر الالام والقيامة يرتبط بخطبة نهاية العالم.
إذًا نحن أمام تصميمين متكاملين داخل الإنجيل الواحد، تصميم من قسمين كبيرين، وتصميم من ستّة أقسام. وسنتوقّف على التصميم الثاني: إنّ الكنيسة المؤسَّسة على بطرس وجماعة الاثني عشر هي كنيسة المسيح القائم من بين الأموات، كنيسة يسوع الذي نعرفه بالإيمان، لأنّها كانت كنيسة الناصريّ، كنيسة عمّانوئيل، كنيسة المسيح الذي عاش في التاريخ.

2- اثنتا عشرة مرحلة
وهكذا نرى اثنتي عشرة مرحلة، على عدد الأسباط الاثني عشر والرسل الاثني عشر وهي تشكّل ستّة أقسام يظهر كلّ قسم بحسب الرحمة: الكلام والعمل. هذا هو التقليد اليهوديّ الذي يقرن الخبر (هاغاده) بقواعد الحياة (هلكه). هذا هو التقليد المسيحيّ الذي يحتفل بالإفخارستيّا كلامًا يسمعه، وعملاً تقوم به الكنيسة، فتتذكّر حياة الربّ وموته وقيامته إلى أن يجيء.

أوّلاً: القسم الأوّل (ف 1- 4)
"لكي يتمّ ما قيل في الأنبياء" (2: 23).
المرحلة الأولى (ف 1- 2)
نسب يسوع. تمّ التاريخ في يسوع الذي هو المسيح.
المرحلة الثانية (ف 3- 4).
هيّأ يوحنّا المعمدان ملكوت السماوات، فأعلنه يسوع، ابن الله الحبيب، في مسيرته نحو جليل الأمم.
إن مسيرة طفولة يسوع الذي وُلد بالروح القدس، تعبِّر عن مخطّط خلاص الله في التاريخ البشريّ عبر تاريخ إسرائيل. ولمّا اعتمد يسوع حقَّق بصورة عجيبة الرجاء المسيحانيّ لشعب العهد، حسب أقوال الأنبياء، بمسحة الروح القدس.

ثانيًا: القسم الثاني (ف 5- 9)
"لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء" (5: 45).
المرحلة الثالثة (ف 5- 7).
سلطة الملكوت كما عبَّر عنها تعليم يسوع.
المرحلة الرابعة (ف 8- 9).
سلطة الملكوت كما ظهرت عبر الأشفية التي اجترحها يسوع.
وُضعت هذه الفصول الخمسة في إطار (4: 23= 9: 35) محدَّد، فدلّت على سلطة يسوع بكلماته وأعماله الخيّرة. ففي شخصه اقترب ملكوت الله حقًّا من البشر.

ثالثًا: القسم الثالث (ف 10- 12)
"حسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه" (10: 25).
المرحلة الخامسة (ف 10).
تنتقل سلطة الملكوت إلى الرسل الذين سيلقَون ألاضطهاد.
المرحلة السادسة (ف 11- 12).
الملكوت على المحكّ: يشوع موضوع شكّ وجدال.
نقل يسوع سلطته الخاصّة إلى رسله الاثني عشر، فجعلهم مثله ودعاهم لأن يقاسموه مصيره كعبد الله المتألّم. فمعه وعلى خطاه سيجابهون المعارضة في إطار يوم الدينونة.

رابعًا: القسم الرابع (ف 13- 17)
"على هذا الصخر سأبني كنيستي" (16: 18).
المرحلة السابعة (ف 13)
سرّ الملكوت ونموّه: الأمثال.
المرحلة الثامنة (ف 14- 17).
الملكوت ينمو: خطّ سير الإيمان في الكنيسة.
تتمحور هاتان المرحلتان على سماع الكلمة الذي يصبح فهمًا. أسرار الملكوت سهلة المنال للتلاميذ. أمّا الشعب فيبقى أصمّ وأعمى، لهذا يَقُوْتُهم يسوع ويشفيهم. وفي الوقت ذاته، يكرّس وقته لتربية جماعة التلاميذ (حيث يبرز بطرس)، ولتسييرهم بصبر إلى الإيمان الحقيقيّ بابن الله.

خامسًا: القسم الخامس (ف 18- 23)
"لا يريد أبوكم السماويّ أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار" (18: 14).
المرحلة التاسعة (ف 18)
جماعة الصغار التي يتقبّلها المسيح ويغفر لها.
المرحلة العاشرة (ف 19- 23).
الملكوت في قفص الاتّهام: الطريق إلى أورشليم والمجادلات.
ظهر يسوع كديّان الجماعة الكنسيّة التي نظّمها. هو يعيش في وسطها كأنّه "الصغير". ويحمل أيضاً الدينونة الحاسمة في قلب أورشليم حيث الصغار يتعرّفون إليه وحيث السلطات تتنكّر له فتطلب موته. في إطار من التجادل يذكرنا بمحاكمات الأنبياء للشعب على ضوء العهد، يُطرح سؤال الدخول إلى الملكوت وانفتاحه للجميع.

سادسًا: القسم السادس (ف 24- 28)
"إنّ ابن الإنسان يجيء في ساعة لا تنتظرونها" (24: 44).
المرحلة الحادية عشرة (ف 24- 25).
مجيء ابن الإنسان. النداء إلى السهر.
المرحلة الثانية عشرة (ف 26- 28).
صلب ابن الإنسان وفصح الملكوت.
يأخذ تاريخُ الكون وتاريخُ كلّ إنسان معناه من مجيء الله الحالي في يسوع المسيح. فلا نجعل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمن. إنّه يتحقّق بموت ابن الله وقيامته، وهو الحدث الحاسم الذي يحدّد موقع الكنيسة.

الخاتمة (28: 16- 20)
إنّ رسالة التلاميذ الشاملة تشكّل الكنيسة الشاهدة على حضور ملكوت السماوات في تاريخ الناس اليوم.
قال بعضهم: إنّ إنجيل متّى يجعلنا نكتشف في يسوع سيّد التاريخ. إنّه قد أعطى معنى لكلّ ما سبقه، منذ خلق العالم ونداء إبراهيم إلى إعلان يوحنّا المعمدان. وإنّه ربّ الكنيسة، تلك الجماعة المسيحانيّة التي أسّسها. وفي نهاية الزمن سيُعْلَنُ ملكَ العالم ومخلّصَه.

3- مضمون إنجيل متّى
وهكذا ارتبطت حياة الكنيسة بحياة يسوع بفضل هذا التناوب بين الخطب والأخبار. فالخطب تشكل تعليم الربّ لتلاميذه ودستور تأسيس الكنيسة الذي أعطاه القائم من الموت للجماعة التي أسّسها. والأقسام الإخباريّة تدلّ على مماثلة تعليم يسوع لعمله خلال رسالته على الأرض، وهي تمنعنا من أن نحسب الخطب توسّعاتٍ نظريّةً.
وسنبيّن الآن مضمون إنجيل متّى مستعيدين بالتفصيل بنية الأقسام المختلفة مبرزين بعض التطابقات الأدبيّة.

أوّلاً: القسم الأوّل: كلمة الله تكشف الابن الحبيب.
مقدمة: نسب يسوع الذي يُتمّ تاريخ شعبه (1: 1- 17). 
يسوع هو المسيح ابن داود وابن إبراهيم (1: 1).
من إبراهيم إلى داود الملك (1: 2- 6).
من داود إلى سبي بابل (1: 7- 11).
من سبي بابل إلى يوسف ويسوع (1: 12- 16).
سلسلة الأجيال: 3 × 14 (1: 17).

المرحلة الأولى: من هو يسوع (1: 18- 2: 23). 
هو عمّانوئيل أي الله معنا (1: 18- 25).
هو الرئيس وراعي شعبه (2: 1- 12).
هو ابن الله (2: 13- 15).
هو مخلّص أبناء راحيل (2: 16- 18).
هو الناصريّ (2: 19- 23).

المرحلة الثانية: اقتراب ملكوت السماوات (3: 1- 4: 17). 
إعلان يوحنّا المعمدان (3: 1- 4).
يوحنّا ويسوع: مسيحانيّة الانتقام أو التواضع (3: 5- 15). 
تنصيب الابن الحبيب مسيحًا (3: 16- 17).
يسوع والشيطان: مسيحانيّة زمنيّة أو إلهيّة (4: 1- 11). 
إعلان يسوع (4: 12- 17).

ثانيًا: القسم الثاني: الابن الحبيب يعلِّمنا البنوّة والأخوّة 
انتقال - الأخوّة على خطى يسوع (4: 18- 22).
- نشاط يسوع تتبعه الجموع (4: 23- 25).

المرحلة الثالثة: جماعة الأبناء (5: 1- 7: 29).
أ- مقدّمة: تعليم على الجبل (5: 1- 2).
ب- مدخل: سعادة المسيحيّين (5: 3- 12). 
ج- دورهم في العالم (5: 13- 16).
د- برّ الملكوت (5: 17- 7: 22).

1- أتمّوا الشريعة في العمق (5: 17- 48).
ما معنى أن نكون أبناء الله في الحياة اليوميّة؟
المبدأ: لقد أتمّ يسوع الشريعة وأسفار والأنبياء (5: 7- 20) ومتطلّباتِها (5: 18- 19).
تبدّل في العلاقات البشريّة (5: 21- 47).
بين الإخوة (5: 21- 24) حتّى المصالحة (5: 25- 26).
بين الرجل والمرأة (5: 27- 28) مع ذلك الذي يوقع في الخطيئة (5: 18- 19) والطلاق (5: 31- 32).
احترام الكلمة المعطاة (5: 33- 37).
تجاه الشرّير (5: 38- 42).
محبّة الأعداء (5: 43- 47).
الأصل: الآب (5: 48).

2- الطابع الباطنيّ لهذا البرّ (6: 1- 18).
كيف يُتمّ ابنُ الله الواجب المثلِّث تجاه القريب، تجاه الله وتجاه نفسه؟
المبدأ: إعمل عملك أمام الآب لا أمام البشر (6: 1).
الأعمال الصالحة التقليديّة (6: 2- 18).
الصدقة (6: 2- 4).
الصلاة (6: 5- 6) والصلاة الربّيّة (6: 7- 15).
الصوم (6: 16- 18).

3- متطلّبات برّ الملكوت (6: 19- 7: 12).
كيفا يعيش التلميذ حسب الموقف المطلوب منه تجاه الله وتجاه الإخوة؟ 
التزام حصريّ في خدمة الله (6: 19- 34).
القرار الضروريّ: الكنز، العين (6: 19- 24).
البحث الهادئ عن الضروريّ: ثقة في الآب (6: 25- 34).
السلوك تجاه الإخوة (7: 1- 12).
لا تدينوا: القشّة والخشبة (7: 1- 5).
احترم طريق كلّ واحد (7: 6).
إسأل بثقة (7: 7- 11).
الخاتمة: القاعدة الذهبيّة تلخّص الشريعة والأنبياء (7: 12).
هـ- النهاية: ننتقل إلى العمل (7: 13- 27).
الموقف الضروريّ: طريقان (7: 13- 14).
نوعان من الأنبياء (7: 15- 20).
نوعان من التلاميذ (7: 21).
النقص: (7: 22- 23).
نتيجة الموقف: البَيْتانِ (7: 24- 27).
و- الخاتمة: تعليم بسلطان (7: 28- 29). نزول من الجبل (8: 1).

المرحلة الرابعة: عبد الله يلازم شقاءنا (8: 2- 9: 38).
ثلاث كلمات شفاء: أبرص يَطهُر (8: 2- 4).
ضابط يُستجاب (8: 5- 13)
حماة بطرس تقوم (8: 14- 15).
عبد الله- متطلّبات ممّن يريد أن يتبع يسوع (8: 16- 22). 
ثلاث كلمات لها سلطان: العاصفة تهدأ (8: 23- 27).
الشياطين تُطرد (8: 28- 34).
المُقعد الخاطئ يقوم (9: 1- 8).
اتّباع يسوع: الطبيب والعريس (9: 9- 17).
أربع كلمات حياة: نازفة تخلص (9: 18- 22).
ابنة رئيس تقوم (9: 23- 26).
أعميان يريان (9: 27- 31).
أخرس يتكلّم (9: 32- 34).
انتقال: نشاط يسوع الشامل (9: 35).
الراعي والحصاد (9: 36- 38).

ثالثًا: القسم الثالث: المعلّم ينظِّم الاثني عشر رسولاً
المرحلة الخامسة: الجماعة الرسوليّة (10: 1- 11: 1). 
اختيار الاثني عشر (10: 1- 5 أ).
إعلان السلام ودينونة المدن (10: 5 ب- 15). 
الاضطهادات ومجيء ابن الإنسان (10: 16- 23).
تماثل التلميذ مع معلّمه (10: 24- 25).
اضطهادات التلميذ وثقة أمام الآب (10: 26- 33).
السلام أو السيف ومكافأة الاستقبال (10: 34- 42). 
ذهاب يسوع (11: 1).

المرحلة السادسة: المعلّم موضوع جدال (11: 2- 12: 50). 
1- أعمال المسيح: شكّ وتمييز (11: 2- 30).
سؤال يوحنّا المعمدان عن أعمال المسيح (11: 2- 6).
يوحنّا المعمدان هو نبيّ الملكوت ورسوله (11: 7- 15). 
التمييز الذي تحدثه الحكمة (11: 16- 19).
دينونة المدن التي لم تهتمَّ بأعمال قدرة يسوع (11: 20- 24). 
الابن يكشف عن الآب للصغار (11: 25- 30).
2- عبد الله هو رجاء الأمم وديّان الشعب (12: 1- 50). 
سؤال الفرّيسيّين عن السبت (12: 1- 14).
يسوع يشفي: عبد الله والديّان (12: 15- 23).
التمييز الذي يحدثه مجيء الملكوت (12: 24- 37).
الأمم تدين هذا الجيل المعوّج (12: 38- 45).
قرابة يسوع الحقيقيّة، أن نكون تلاميذ (12: 46- 50).

رابعًا: القسم الرابع: يسوع هو مبدأ نموّ جماعة الملكوت
المرحلة السابعة: سرّ الجماعة التي تنمو (13: 1- 52).
مقدّمة: يسوع يتكلّم بالأمثال (13: 1- 3 أ).
1- سماع الكلمة وفهمها: الجموع والتلاميذ (13: 3 ب- 35).
الزارع (13: 3 ب- 9).
لماذا الأمثال (13: 10- 17)؟
شرح مثل الزارع (13: 18- 23).
نحو الملكوت.
القمح والزؤان (13: 24- 30).
حبة الخردل (13: 31- 32).
الخمير في العجين (13: 33).
الخاتمة: أمثال من أجل الجموع (13: 34- 35).
2- الملكوت ينكشف للعالم: التلاميذ والناس (13: 36- 52). 
أبناء الملكوت وأبناء الشرّير، شرح مثل الزؤان (15: 36- 43). 
إشتر واجمع: الكنز المخفيّ (13: 44).
الدرّة الثمينة (13: 45- 46).
الشبكة الملآنة (13: 47- 48).
الخاتمة: الاختيار النهائيّ، شرح مَثَل الشبكة (13: 49- 52).

المرحلة الثامنة: تكوين الجماعة ونموّها (13: 53- 14: 36). 
1- نحو التعرّف إلى ابن الله (13: 53- 14: 36).
قلّة إيمان في بلدة يسوع (13: 53 ب- 58).
موت يوحنّا النبيّ (14: 12- 1).
بركة وعطيّة الخبز في البرّيّة (14: 13- 23).
قلّة إيمان بطرس وسجود التلاميذ ليسوع (14: 24- 33). 
اعتراف بيسوع كمخلّص البائسين (14: 34- 36).
2- نحو إفخارستيّا من أجل جميع البشر (15: 1- 39).
تقليد القدماء وكلمة الله (15: 1- 9).
عثار الكلمة وعدم فهمها لدى بطرس والتلاميذ (15: 10- 20).
خبز الأولاد وإيمان الكنعانيّة (15: 21- 28).
الجموع تمجّد إله إسرائيل (15: 29- 31).
الجموع شبعت بالإفخارستيّا (15: 32- 39).
3- نحو مجيء ابن الإنسان (16: 1- 28).
آية من السماء وآية يونان (16: 1- 4).
الخبز والخمر: لقد فهم التلاميذ (16: 5- 12).
وحي الله إلى بطرس الصخرة (16: 13- 20).
أفكار البشر أو أفكار الله: تسمية بطرس الشيطان (16: 21- 23).
أتريد أن تخلّص نفسك أم أن تَهْلِكَ؟ مجيء ابن الإنسان (16: 21- 23). 
4- نحو حريّة الأبناء (17: 1- 27).
تجلّى الابن فكشف عن نفسه لبطرس والتلاميذ (17: 1- 8).
ابن الإنسان المتألّم. هل فهم التلاميذ (17: 9- 13)؟
عجز عن شفاء مريض لقلّة الإيمان (17: 14- 21).
ابن الإنسان يسلَّم إلى البشر (17: 22- 23).
بطرس وضريبة الهيكل: حرّية الأبناء (17: 24- 27).

خامسًا: القسم الخامس: يسوع وَسْطَ جماعة الصغار
المرحلة التاسعة: جماعة الصغار يستقبلها الله ويغفر لها (18: 1- 19: 2). 
1- الصغير هو علامة حضور الابن في الجماعة (18: 1- 20).
سؤال التلاميذ (18: 1).
صيروا مثل طفل صغير (18: 2- 5).
اهتمّوا بالصغار: مثَل النعجة الضالّة (18: 6- 14).
نتقبّل بعضنا بعضاً ونصلّي بعضنا من أجل بعض (18: 15- 20).
2- نعمة الغفران بين الإخوة (18: 21- 35).
سؤال بطرس (18: 21).
إغفر دائمًا (18: 22).
مثل الغفران (18: 23- 34).
الخاتمة (18: 35).
الجموع تتبع يسوع (19: 1- 2).

المرحلة العاشرة: جماعة الملكوت في محاكمة (19: 2- 23: 39).
1- الانقلاب الإنجيليّ: (19: 2- 20: 34).
الحبّ الصعب (19: 2- 5).
التجرّد الصعب (19: 16- 29).
النعمة التي نتقبّلها (19: 30- 20: 16).
الأمكنة في الملكوت (20: 17- 28).
عيون العميان تنفتح (20: 29- 34).
2- الإيمان بابن داود (21: 1- 27).
كيف استقبلت ابنة صهيون ابن داود (21: 1- 9)؟
التينة اليابسة وإيمان التلاميذ (21: 18- 22).
سلطة يسوع وإيمان الشعب (21: 23- 27).
3- الجواب الحاكم أمام الملكوت (21: 28- 22: 14).
إرادة الأب والابنان (21: 28- 32).
الكرّامون والابن: إنتقل الملكوت من يد إلى يد (21: 33- 46).
رَفَضَ المدعوّون المجيء إلى العرس رغم أنّ الدعوة شاملة (22: 1- 10). 
الإنسان الذي ليس عليه لباس العرس (22: 11- 14).
4- العالم اليهوديّ على المحكّ (22: 15- 46).
الجزية لقيصر (22: 15- 22).
قيامة الأموات (22: 23- 33).
أعظم الوصايا (22: 34- 40).
المسيح ابن داود وربّه (22: 41- 46).
5- كشف رياء الكتبة ودينونة أورشليم (23: 1- 39). 
تمييز الأعمال بالخدمة المتواضعة (23: 1- 12).
يسوع يعارض الرياء (23: 13- 32).
الحكم بدم الانبياء (23: 33- 36).
رفضت أورشليم ولكن بقي أمل (23: 37- 39).

سادسًا: القسم السادس: يسوع آت، إنّه ربّ جماعته
المرحلة الحادية عشرة: مجيء ابن الإنسان في الكنيسة والعالم (24: 1- 26: 1). 
مقدّمة: كلمة عن الهيكل وسؤال من قِبَلِ التلاميذ (24: 1- 3).
1- مجيء ابن الإنسان ونهاية الزمن (24: 4- 36).
ضلال الشعب وقرب النهاية (24: 4- 14).
الضيقات العظيمة وتمييز المجيء (24: 29- 31).
علامات في السماء عن مجيء ابن الإنسان (24: 29- 31).
معرفة قرب هذا المجيء (24: 32- 35).
انتقال (24: 36).
2- آنيّة المجيء والسهر (24: 37- 25: 30).
لا نعرف زمن المجيء. إذن لنسهر (24: 37- 44).
الخادم الذي ينتظر مجيء سيّده (24: 45- 51).
الجماعة تذهب إلى لقاء العريس (25: 1- 13).
التزام الخدم عند مجيء ربّهم (25: 14- 30).
3- مجيء ابن الإنسان في المجد ليميّز الأمم (25: 31- 46).
الأمم أمام ابن الإنسان (25: 31- 33).
كلام المسيح للذين عن يمينه (25: 34- 40). 
كلام الملك للّذين عن شماله (25: 41- 46). 
انتقال وخاتمة (26: 1 أ).

المرحلة الثانية عشرة: الربّ يأتي إلى تلاميذه عبر الموت (26: 1 ب- 28: 15) 
مقدّمة: معنى الالام: الفصح (26: 1 ب- 5).
1- جاء الفصح وابن الإنسان يُسلَم (26: 6- 56).
الطيْب في بيت عنيا ومساومة يهوذا (26: 6- 16).
الجماعة الفصحيّة وكشف الخيانة (26: 17- 30).
الجماعة المشتّتة والاتّحاد بالآب (26: 31- 56).
2- أُسِلم ابن الإنسان ليُصلَب (26: 57- 27: 44).
الاستجواب عند رئيس الكهنة ونكران بطرس (26: 57- 75).
نَدَمُ يهوذا والمُثول أمام بيلاطس (27: 1- 26).
صلبوا ملك اليهود ابن الله (27:27- 44).
جاء فصح ابن الله (27: 45- 28- 15).
3- موت ابن الله وحياة البشر (27: 45- 56).
دَفْنُ يسوع وحِراسةُ القبر (27: 57- 66).
قِيامة يسوع وَرشوةُ الحرس (28: 1- 15).
الخاتمة: رسالة الرسل إلى العالم الربّ القائم من الموت يأتي إلى العالم (28: 16 – 20).

د- طرائق متّى في تدوين إنجيله
إنّ متّى أخذ بطرائق التأليف والتفسير المعروفة في العالم اليهوديّ في القرن الأوّل ب م، ولهذا فهو يحيرّنا. فسنحاول إذًا أن نكتشف أسلوبه في الكتابة.

1- المدراش في ف 1- 2
أوّل طريقة استعملها متّى هي المدراش الذي هو في الواقع خطبة نبويّة عن طفولة يسوع.
المدراش هو تأمّل في الكتاب المقدّس. يأخذ المؤمن المعطيات الكتابيّة ويؤوّنها بالنظر إلى الحالة الحاضرة. فينتهي إلى تحريض بشكل عظة. يمكن أن يكون المدراش خبرًا تقويًّا لإفادة المؤمنين (هاغادة)، أو قواعدَ لسلوك الإنسان في حياته العائليّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. عرفت المجامع المدراش في عهد المسيح والمسيحيّين الأوّلين. كانوا يقرأون مقطعًا من أسفار موسى ثمّ من أسفار الأنبياء ويبيّن الواعظ كيف يتمّ هذا الكتاب في حاضر الجماعة.
هكذا استعمل متّى مدراش موسى الطفل المستند إلى خر 2. نجا موسى الطفل من القتل وخلص من المياه فصار مخلّص شعبه بواسطة الحكمة والجمال اللذين وهبهما الله له. كيَّف متّى الخبر على يسوع ولكن لا في جوّ أسطوريّ. فهو يتصرّف على غير طريقة الرابّانيّين. هم ينطلقون من الكتاب المقدّس ليكتشفوا آنيَّته. أمّا متّى فينطلق من يسوع، من حياته الملموسة، من موته وقيامته فيلقي الضوء على هُوِيَّتهِ وعلى عمله بواسطة الكتاب المقدّس والتقاليد الشفهيّة التي هي امتداد له والتي يعرفها قرّاؤه. فاستند إلى الأنبياء ليعلن ألقاب يسوع المسيحانيّة: هو عمّانوئيل (1: 23؛ أش 7: 14) هو الحاكم والراعي (2: 6؛ صم 5: 2)، هو ابن الله (2: 15؛ هو 11: 1). إنّه يحمل في مصيره شعب أبناء راحيل (2: 18؛ إر 31: 15)، إنّه الناصري كما قالت الأنبياء (2: 23).

2- الخطب
أوّلاً: أسلوب الحطب
من الأساليب المعروفة في العهد القديم أن نجعلَ بطل الخبر يُلقي خطبة. فسفر التثنية يبدو بشكل ثلاث خطب يلقيها موسى على شعب إسرائيل قبل الدخول إلى أرض الموعد. وقد استعمل العالم اليهوديّ هذا الأسلوب في الأسفار الجليانيّة (المنحولة) فجعل الشخصيّات العظام يتكلّمون (آدم، أخنوخ، نوح، الآباء، موسى، إيليّا، باروك، عزرا) فيكشفون مخطّط خلاص الله عبر التاريخ، منذ بدء التاريخ إلى الأزمنة الأخيرة.
ودخل إنجيل متّى في هذا التقليد فسمىّ نفسه "كتاب نسب يسوع المسيح" (1: 1) وانتهى في "انقضاء العالم" (28: 20). إنّه في الواقع "وصيّة يسوع"، "موسى الجديد". كانت السماوات قد أُغلقت وغاب الأنبياء، فانفتحت في معموديّة يسوع (3: 16). نزل الروح القدس عليه قبل أن يفاض على التلاميذ يوم العنصرة. لقد وصل وحي الله إلى النقطة الحاسمة فَتَمَّ في يسوع الذي أتمّ بدوره الكتاب المقدّس الذي أنبأ به.
أجل، منذ موت الأنبياء، حجّاي وزكريّا وملاخي، انطلق اعتقاد في العالم اليهوديّ المتأخّر بأنّ الروح القدس أوقف أعماله على بعض الرجال المميّزين المُوْكَلِ إليهم أن يحملوا كلمة الله. كانوا يقولون: "أُغلقت السماوات". ولكن ما زال الروح ينعش تاريخ الشعب ويلهم الكتَّاب في تفكيرهم في معنى التاريخ. تزيّا هؤلاء الكتّاب بزيّ أناس عظام رُفعوا في الماضي إلى السماء. وها هم عادوا إلى الأرض "ليوحوا" في وصيّة، مسيرة التاريخ ونهايته. أمّا يسوع فدشّن انفتاح السماء وأجمل في شخصه كلّ الوحي الإلهيّ. ولمّا رُفع بدوره إلى السماء، بعد القيامة، أرسل الروح القدس الذي يعطي كلّ مسيحيّ أن يكون نبيًّا وأن يجعل من حياته شهادة للربّ.
وإذا عدنا إلى متّى، نرى أنّه وزّع تعليم المعلّم حسب تربية الجماعة. نحن أمام تعليم يساعد كلّ خليّة كنسيّة لتحيا وتنموَ. وما نلاحظه هو أنّ البعد الإرساليّ (ف 10) يسبق سرّ الجماعة النامية (ف 13) وتنظيمها الداخليّ (ف 18). وهكذا تسبق الإرساليّة استقرار الكنيسة وترتيبها. هذه الخطب هي رفيق يلازم المسؤولين عن الجماعة والمعلّمين الذين يعملون في المحيطات الخارجة من العالم اليهوديّ.
أمّا الرسالة التي أَوكل بها يسوع تلاميذه فهي أن يُدخلوا كلّ الأمم في جماعة أخوّة بالمعموديّة والتلمذة (28: 18- 20). ويسير المرسلون على خطى المسيح فيلعبون دور "الأنبياء" و "الأبرار" (10: 41- 42) لينقلوا "ككتبة تتلمذوا لملكوت السماء" (13: 52) تعاليم المعلّم الحقيقيّة.

ثانيًا: شرعة الملكوت (ف 5- 7)
تبدو خطبة يسوع على الجبل موجّهة إلى الجميع، إلى التلاميذ والشعب المجتمعين، وهي ترجع إلى مقالات الرابّانيّين الذين يتوسّعون في علم أخلاقيّ ينطلق من شرائع محدّدة. ولقد وجد بعض الشرّاح علاقة بين القسم الأوّل من خطبة الجبل (5: 17- 28) وأقسام المشناة الكبرى.
المشناة هي الدستور الأساسيّ لليهوديّة الرابّانيّة. إنّها تجميع لفرائض انطلاقًا من تقاليدَ قديمةٍ. قال الرابّانيّون: أعطى الله موسى على جبل سيناء "التوراة الشفهيّة" يوم أعطاه لوحَي الوصايا، فنقل القدماء هذه التوراة الشفهيّة التي تساوي التوراة المكتوبة أي الكتاب المقدّس والتي تكمّلها وتكيّفها على ظروف الحياة. المشناة هي ترداد الكتاب المقدّس، ولكنّ تدوينها منظّم بحيث نستخلص المبادئ الكبرى للمعرفة والعمل في شعب إسرائيل.
وهي تقسم إلى ستّة نظم أو أقسام: الأضرار (القتل، شريعة المِثل)، النساء (الحياة الزوجيّة)، الأعياد (مع السبت وخدمة الهيكل) الطهارة (قواعد الطاهر والنجس)، الزروع (مع الحديث عن العشور)، المكرَّسات (أي الهيكل وشعائر العبادة).
منذ القرن الثالث صارت المشناة دستور حياة اليهود الذين يريدون الأمانة للتوراة. أعيد تفسيرُها في المدارس فاغتنت وتنظّمت بين القرنين الثالث والخامس في نسختين للتلمود (أو الدرس): تلمود أورشليم المحافظ، وتلمود بابل المنفتح.
يستعمل متّى كثيرًا من هذه المعطيات ليبرز أقوال يسوع عن برّ الملكوت الذي يبتعد عن فتاوى الرابّانيّين المدقّقة. إنّ يسوع لا يريد أن يضع ممارسة بدل أخرى، بل ينظر بطريقة جذريّة إلى العلائق البشريّة بالنظر إلى الأخوّة التي تربط أبناء الله في خطّ حرّيّة بنويّة. ويشير إلى بعض المواقف: حوِّل الوجه الآخر، أرفض كلَّ ما يشكّك ولو كانت يدك أو عينك.
والتعليم عن الصدقة والصلاة والصوم (6: 1- 8) يذكرنا بالممارسات التقليديّة في العالم اليهوديّ (رج لا 23: 22- 27). ولكنّ يسوع لا يفرض هنا عملاً محدّدًا، وهو يرذل رياء معاصريه الذين يفضّلون نظرة الناس على نظرة الله. ما نقرأه في هذا الفصل ليس تنظيمًا على طريقة الرابّانيّين، بل عيش أبناء الله.
والتوجيهات العمليّة التي تتبع هذا التعليم (6: 19- 7: 27) تهدف إلى إعطاء نمط حياة أخويّ للجماعة المسيحيّة، وتبيّن كيف أنّ الالتزام المطلق نحو الله يفترض انفتاح الرحمة تجاه القريب وصدقًا يجعلنا نميّز العمل الذي نقوم به. إنّ الاهتمام الأوّل لعظة الجبل هو اهتمام رعاويّ.

ثالثًا: إرسال التلاميذ (ف 10)
خطبة إرسال التلاميذ الذين اختارهم المعلّم هي موسّعة عند متّى. وتبدو كمجموعة من التعليمات موجَّهة إلى الرسل لتعطيَهم روح الرسالة. نحن نجد مثل هذه التحريضات في الأسفار الجليانيّة اليهوديّة (المنحولة) التي فيها يعطي الآباء توجيهات إلى أبنائهم.
من المفيد أن نقابل بين خطبة يسوع هذه ووصيّات الآباء الاثني عشر حيث يتوجّه كلّ من أبناء يعقوب إلى أبنائه ليدعوَهم إلى اتّباع مثله، والحذر من التجارب، ومعارضة المحيط الذي يعيشون فيه، ومحاولة التحلّي بفضيلة خاصّة.
أمّا عند متّى، فالعمل الرسوليّ الواجب تحقيقه هو امتداد لعمل يسوع (10: 1= 9: 35): أن نذهب إلى الخراف الضالّة من بيت إسرائيل، أن نعلنَ اقتراب الملكوت، أن نشفيَ المرضى والمتضايقين. إنّ الإنجيليّ يعرف صعوبة الشهادة المسيحيّة، ومع ذلك يشدّد على مجّانيّة الرسالة وعلى الاضطهادات التي تنتظر التلاميذ كما رافقت معلّمهم. عليهم أن يتبعوا يسوع، أي أن يكونوا مستعدّين لأن يضحّوا بحياتهم من أجل قيام الملكوت، وهم متّكلون على الذي يرسلهم (10: 24- 25، 40).
ونلاحظ أنّ متّى لم يتكلّم عن ذهاب التلاميذ إلى الرسالة. فيسوع هو الذي ذهب أمام تلاميذه فلاقى المعارضة ودلّ رسله على الطريق. أمّا هم فسيذهبون في نهاية الإنجيل (28: 16- 20).

رابعًا: سرّ الملكوت النامي (ف 13)
تستعمل خطبة الأمثال فنًّا أدبيًّا معروفًا في الأسفار التاريخيّة والنبويّة والحكميّة. فالمثل يدعونا إلى أن نكتشف حقيقةً عميقةً وواقعًا روحيًّا بواسطة مقابلة تلفت النظر.
جمع مّتى في خطبة الأمثال سبعة أمثال تدلّ على النموّ: مثل الزارع أو نموّ الحبّة التي هي كلمة الله، مثل القمح والزؤان مع تفسيره الذي يدلّ على صبر الله. مثل حبّة الخردل ومثل الخمير في العجين اللذان يشدّدان على زخم الملكوت. أمّا مثل الكنز ومثل الدرّة فيُبرزان الالتزام الجذريّ الذي يفرضه الملكوت. ومثلُ الشبكة التي تجمع كلّ جنس يُظهر دينونة الخلاص في حياة المؤمنين.
تبدو هذه الأمثال كمدرسة تمييز، وعلى ضوئها يقدر المسيحيّ أن يختبر سماعه لكلمة المسيح. وهي تكشف قلب السامع في تقبّل التعليم. فهناك طريقتان للسماع: طريقة التلاميذ الذين يبحثون عن معنى النداء، وطريقة الشعب الذي يتوقّف عند الخبر. وهكذا يكون المثل وحيًا في العمل، يؤثّر على الذي يسمع وينفتح على معناه. 
توخّت خطبة الأمثال أن تُدخل الجموع في فهم أسرار الملكوت وتساعدهم ليكونوا تلاميذ فيبحثون عند قدمي المعلم عن مضمون كلامه. إن هذا التعليم يسهّل الطريق للكنيسة لكي تُبنى وتنموَ.

خامسًا: استعدادات الجماعة (ف 18)
تتوجّه الخطبة الكنسيّة مباشرة إلى الرعاة فتساعدهم على تنظيم كنائسهم وترتيب سير العمل فيها: بأيّ روح نعيش في الجماعة؟
قابل الشرّاحُ هذه الخطبةَ بقاعدة الجماعة وهي مجموعة وثائق وُجدت في قمران في برّيّة يهوذا، قرب البحر الميت. ترتبط هذه الوثائق بالإسيانيّين الذي التجأوا إلى البرّيّة لينجوا من فساد أورشليم ومحيط الهيكل الكهنوتي. أسّسوا جماعة العهد فهدفوا إلى تهيئة الشعب لنهاية الأزمنة ولإقامة ملكوت السماوات. أمّا قاعدة الحياة فانفصال عن العالم وتنسّك في الحياة المشتركة.
ولكنّ روح الخطبة الإنجيليّة يختلف عن هذه القواعد الصارمة. فهي تقسم إلى قسمين: القسم الأوّل يبدأ بسؤال من التلاميذ، والقسم الثاني بسؤال من بطرس: نحن أمام تقبّل الصغار تقبلاً رعاويًّا، وممارسة الرحمة بين أعضاء الجماعة، بين الإخوة. ثمّ يُبرز يسوعُ عودةَ الخطأة إلى الحظيرة وممارسة المصالحة لإبعاد كلّ حرم سابق لأوانه. ونجد مثلين في هذه الخطبة: مثل النعجة الضالّة، مثل العبد القاسي القلب. يجب أن لا نضيّع النعجة، يجب أن نقاسم الآخرين غفران الله.

سادسًا: صرخة الحبّ الذي خانه حبيبه
بعد القسم الذي يتبع الخطبة الكنسيّة (ف 19- 22) نجد خطبة أخرى هي رثاء المرائين، وهي تعاكس مضمون خطبة الجبل. يحذّر يسوع جماعته من مخاطر تعليم يُفرَض عليهم من الخارج.
يقف متّى في خطّ هجوم الأنبياء (أش 7- 8) في شكل محاكمة على أساس العهد لأنّ الله يتّهم شعبه الخائن، فيبيّن يسوع متوجّهًا في حديثه إلى الكتبة والفرّيسيّين المرائين في 7 أو 8 وَيْلات. كشف لهم تمييزهم الخاطئ والهوّة بين تعليمهم وأعمالهم (رج أش 5: 8- 25؛ 10: 1- 4). يمكننا أن نحسّ بصدمة تجاه هذه الأقوال القاسية. هذا المقطع يدلّ على أنّ الإنجيل ليس تسجيلاً حرفيًّا لأقوال يسوع. فمن خلال يسوع الناصريّ الذي يهاجم الفرّيسيّين العائشين في الثلاثينات نكتشف القائم من الموت والحاضر سرّيًّا في جماعة المسيحيّين المضطهدين في الثمانينات والذين يهاجمون فرّيسيّي يمنية. ولكنّ يسوع يصيب من خلال الفرّيسيّين الرعاة المسيحيّين وهمّه الحفاظ على الروح الأخويّة في الكنائس ومعارضة تسلّط الذين يملكون السلطان والمعرفة.

سابعًا: الخطبة الجليانيّة (ف 24- 25)
تسمّى خطبةُ مجيء ابن الإنسان الخطبةَ الجليانيّة لأنّها تقدّم نظرة إلى التزام المسيحيّ بالنسبة إلى مجيء ابن الإنسان في تاريخ البشر. وتتّخذ هذه الخطبة شكل كلام عن السهر موجَّه إلى التلاميذ. وهذا ما تشير إليه الأمثلة الثلاثة (الابنان، العذارى العشر، الوزنات) التي تشكِّل القسم الثاني من الخطبة، وتدخلنا في عالم الدينونة الأخيرة حيث تنكشف آنيّة دينونة البشر.
نجد مثل هذه الرؤى عند دانيال وفي وصيّات الآباء الاثني عشر وفي رؤيا أخنوخ التي تشير إلى انتظار المسيح ومجيء ابن الإنسان.
وُلد الأدبُ الجليانيّ في العالم النبويّ، ولكنّه تميّز عنه بشيئين: حلّت الإسكاتولوجيا (أو معرفة الأمور الأخيرة) محلّ الوعظ الاجتماعيّ والسياسيّ. اتّخذت الرؤى عن الحاضر أو عن المستقبل أهمّيّة لم تكن لها في أسفار الأنبياء. ويعود هذا الأدب إلى تيّار الحكمة الذي يبحث عن بدايات التاريخ ونهايته كموضع لتحقيق مخطّط الله.
وُلدت الرؤى اليهوديّة بين القرن الثاني ق م والقرن الأوّل ب م فهدفت إلى تثبيت الإيمان والرجاء عند الجماعات اليهوديّة وإنعاشِ الانتظار المسيحانيّ. ويمكننا أن نذكر أيضاً "مزامير سليمان" التي تطبِّق على المسيح لقبَ "ابن داود". استعمل المسيحيّون الأوّلون هذه الكتب ليحافظوا على تماسك جماعتهم وقت الاضطهاد، وليجدوا فيها إعلانًا واضحًا عن يسوع المسيح.
يستعيد متّى (ف 24- 25) ف 13 من مرقس حيث تمتزج تلميحات إلى دمار أورشليم سنة 70، مرسومة بصور نبويّة رحمت دمار أورشليم سنة 587 ق م، مع ذكر لنهاية العالم وإعلان لمجيء القائم من بين الأموات في حياة المسيحيّ. دوَّن مرقس خطبته ليهدّئ الأفكار وليبعث الرجاء. وزاد متّى أمثال السهر والدينونة الأخيرة، فشدَّد على أهمّيّة الالتزام المسيحيّ الحاليّ.
ويظهر اهتمامه الأخلاقيّ والرعائيّ. فمجيء المسيح الذي ينتظره اليهود في نهاية الأزمنة هو حاضر مع يسوع في كلّ دقائق تاريخ البشر. إذن، لننتبه إليه، فيسوع يرافق البشر، منذ قيامته، في حياتهم البشرّية، وهو لا يزال يأتي. إذًا، لن نتكلّم عن نهاية العالم على أنّها قريبة، بل على أنّا ملحّة وتتطلّب عملاً عاجلاً. بما أنّ المسيح يأتي فقد اتّخذت أمامه كلُّ أعمال البشر صورة الأبديّة بالنسبة إلى أصغر إخوته.
إنّ النظرة الإسكاتولوجيّة في خطبة يسوع الأخيرة تبرز التوتّر الرسوليّ والرعائيّ عند المسؤولين في الكنيسة ليكون عملهم امتدادًا لخدمة يسوع بالسهر والأمانة في المحنة.

3- إيرادات الكتاب المقدّس في إنجيل متّى
أجل، إن متّى يغرف من كنز الكتاب المقدّس. وقد أحصى الشرّاح 43 إيرادًا من العهد القديم. ونزيد عليها 89 مقطعًا ترتبط بالتوراة وعددًا كبيرًا من التلميحات. هكذا يقف متى في صفّ الرابّانيّين، فيقرأ بتواتر النصوص المقدّسة، ويتشرّب من كلام الله فيجعله أساس فهم عمل الله في العالم.
وبين إيرادات الكتاب نشدّد على أحد عشر إيرادًا (1: 23؛ 2: 6، 15، 18، 23؛ 4: 15- 16؛ 8: 17؛ 12: 18- 21؛ 13: 35؛ 21: 5؛ 27: 9- 10) تبدأ بهذه العبارة: "لكي يتمّ ما قيل". هذه الإيرادات الخاصّة بمتّى تعود إلى الأنبياء بصورة خاصّة (ما عدا 13: 35، التي ترجع إلى مز 78: 2) وتعبّر عن نظرة خاصّة بالإنجيليّ.
يريد متّى بهذه الإيرادات أن يبيّن أنّ يسوع يحقِّق بكلمته وبأعماله ما أعلنه الأنبياء. وهذا التحقيق يتعدَّى ما كنّا ننتظر، لهذا يبدو وكأنّه كمل. فيسوع هو الذي يلقي الضوء الكامل على رجاء إسرائيل. وعلى المستوى الأدبيّ، نلاحظ أنّ متّى يحوِّر في النصوص الكتابيّة التي أخذها غالبًا من السبعينيّة اليونانيّة، ليدلَّ على غنى المسيح الفيّاض بالنسبة إلى الانتظار المسيحانيّ عند اليهود. إنّه يجعل النصّ يتفجّر، كما أنّه يبرز طابعَه الشموليّ في خطّ أشعيا النبيّ.
لا تريد هذه الإيرادات أن تبرهن بالكتاب المقدّس عن الوقائع المرويّة، بل أن تحدّد موقع الأحداث التاريخيّة في زخم تاريخ الخلاص الواحد، فتبيِّن تماسك وتواصل مخطّط الله الذي يجد آخر تعبير له في شخص يسوع.

4- تجذّر إنجيل متّى في محيطه
يختلف إنجيل متى عن الأناجيل المنحولة في أنّه يعكس العالم الفلسطينيّ الذي يتجذّر فيه. وهذا ما نكتشفه في الأسلوب كما في التأليف.
يستعمل متّى كلمات وعبارات مميّزة. هناك كلمة "راقا" (أي رأس فارغ) في 5: 22، بعل زبول (سيّد وأمير وهو لقب شيطان) في 10: 25، قوربوناس (صندوق التقدمات) في 27: 6. وهناك عبارة ملكوت السماوات لا ملكوت الله (12 مرة)، الآب السماويّ (15: 13؛ 18: 35؛ 23: 9)، الشريعة والأنبياء (5: 17؛ 7: 12؛ 22: 40).
وهناك صورة أدبيّة هي قلب العبارة. مثلاً: من أراد أن يخلّصَ نفسه يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها (16: 25). وهكذا نقول عن 53:13- 58 وخطبة الإرسال. وهناك أيضاً التضمين فنعيد في نهاية المقطع عبارة قلناها في أوّل المقطع. مثلاً التطويبة الأولى والتطويبة الثامنة (5: 3 و5: 10)، عدم الاهتمام (6: 25 و6: 34)، الجموع التي يعلّمها يسوع (5: 1- 2 و7: 28- 29).
ونتوقِّف أخيرًا على معنى الأعداد وقيمتها الرمزيّة.
1= عدد الله الواحد (18: 5؛ 19: 6، 17).
2= عدد الخليقة حيث نجد الثنائيّة (8: 28؛ 9: 27؛ 26: 60) المطلوبة لصحّة الشهادة.
3= يدلّ على بنية الإنسان (روح، نفس، جسد) وتواصل الطبيعة (1: 17؛ 6: 1- 18، 31؛ 19: 12؛ 23: 20- 22، 23).
4= يدلّ على الكون بأقطاره الأربعة.
5= رقم العمل الإلهيّ: خمس خطب، خمس نماذج من المرضى شفوا في 4: 24، خمس مناطق في 4: 25، خمس علائق في 5: 21- 47. فالشريعة تتضمّن خمسة أسفار.
10= يدلّ على العمل الإنسانيّ (10 معجزات في ف 8- 9، 10 مرّات "أبوكم" في ف 5- 7، 10 عذارى في 25: 1).
7= يرمز إلى تاريخ البشر انطلاقًا من سبعة أيّام الخلق، 7 طلبات في الأبانا في 6: 9- 13، 7 أمثال في ف 13، 7 خبزات و7 سلال في 15: 34- 37، 7 شياطين في 12: 45 . 7 (أو 8) ويلات على الفرّيسيّين في 23: 13- 32.
6= يدلّ على نقص.
8= يدلّ على الملء والكمال (8 تطويبات).
12= رمز الجماعة. أسباط إسرائيل الاثنا عشر (ترد كلمة إسرائيل 12 مرّة) ونجد 12 سلّة في 14: 20 و12 مرحلة في إنجيل متّى.
وهناك أسلوب جمع الأرقام الذي استعمله متّى ليدلّ على كمال السلالة الداوديّة في يسوع. فالرقم 14 (1: 17) هو جمع أحرف داود (بحذف الألف): 4+ 6+ 4. هذا الأسلوب الذي استعمله الرابّانيّون ستتوسّع به القبلانيّة التي تفسِّر التوراة تفسيرًا حرفيًّا ورمزيًّا.

د- التوجّهات اللاهوتيّة في الإنجيل الأوّل
يتوسّع الإنجيل الأوّل في لاهوت التاريخ: الله يصنع التاريخ مع الإنسان في شخص يسوع الذي هو المسيح وابن الله وإذْ أتمَّ يسوع العهد بخضوعه التامّ لإرادة أبيه، فهو يفتح مستقبل الكنيسة والعالم على تحقيق المواعيد القديمة، ويبدِّل حاضر البشر إلى رجاء دائم.
يعرض لنا متّى مسيرة يسوع على الأرض: كيف كشف عن نفسه للجموع وهو يربِّي تلاميذه؟ كيف بنى الكنيسة وجعلها شاهدة في العالم لحضور ملكوت السماوات؟
في هذا الإطار نتحدّث أوّلاً عن يسوع المسيح الذي هو سيّد الكنيسة، ثانيًا عن كنيسة الربّ يسوع.

1- يسوع المسيح سيّد الكنيسة
الكنيسة هي جماعة تلاميذ يسوع. فيها يحضر القائم من بين الأموات فيعطيها سلطته الشاملة (28: 18- 20؛ رج دا 7: 13- 14). وكلامه "سترون منذ الآن ابن الإنسان جالسًا عن يمين القدرة وآتيًا على سحاب السماء" (26: 64) يدشِّن زمن مجيء الربّ الممجدَّ وسط البشر.
إن خُطب المعلّم وأعماله تتجذّر في حياته الأرضيّة (26: 32؛ 28: 7). إلاَّ أنّ متّى يشدِّد على أعمال القدرة والسلطان (4: 23؛ 8: 24؛ 15: 30). فالربّ يحقّق بحضوره الفاعل لدى أحبّائه أوّل نبوءة أوردها الإنجيل: "سمّي عمّانوئيل الذي معناه إلهنا معنا" (1: 23). ثمّ إنّ بطرس يجاهر بالإيمان المسيحيّ حين يقول: "أنت المسيح ابن الله الحيّ" (16: 16). قَبِل يسوع هذا الكلام على أنّه وحي من الآب لتلميذه (16: 17). واللقبان اللذان أُعطيا ليسوع في هذه الشهادة الإيمانيّة يقابلان لقب ابن الإنسان الذي قدَّمه يسوع (16: 13). فرسالته كابن الإنسان تقوم بتأليه الجماعة المسيحيّة.

أوّلاً: مسيح إسرائيل
قدّم متّى يسوع كالمسيح الذي انتظره شعب إسرائيل وأعلنه الأنبياء، فقدّم موضوعًا دفاعيًّا (21: 16، 43؛ 24: 4) ضدّ انغلاق الشعب اليهوديّ بعد سقوط أورشليم، وهكذا استعاد المسيحانيّة التقليديّة ليدلّ على يسوع.
منذ بداية الإنجيل ضمَّ متّى اسم يسوع ولقب المسيح (1: 1، 16، 18) فأعلن اعترافًا بمسيحانيّة يسوع ارتبطت بالبنوّة الداوديّة حسب نبوءة ناتان (2 صم 7: 8، 16)، وبوعد الله لإبراهيم (تك 12: 2- 7؛ 22: 16، 18). وبما أنّ يسوع هو المسيح الذي فيه يصل إلى كماله تاريخُ أعمال الله العظيمة، صار مجيئه الحدث الوحيد الذي به تتّخذ الوقائع التاريخيّة المذكورة في الكتاب كلّ معناها.
فإنجيل الطفولة يبيّن، بطريقة مدراشيّة وبواسطة الأنبياء، أن يسوع يُتِمُّ رجاء الشعب اليهوديّ. إنّه عمّانوئيل (1: 23؛ أش 7: 14) الذي يدعوه الله قائدَ شعبِه وراعِيَهُ (2: 6؛ 2 صم 5: 2) وابنه (2: 15؛ هو 11: 11)، والذي يجعل موت أباء راحيل في جوّ الخلاص (2: 18؛ إر 31: 15)، والذي يدعوه الناس الناصريّ (2: 23؛ أش 11: 1؛ 22: 6؛ قض 13: 5، 7).
حسب الإعلان النبويّ (مي 5: 2)، وُلد في بيت لحم (2: 5)، مدينة داود. فعبارة ابن داود تَرِد مرارًا عند متّى (1: 1) فيجعلها في فم يسوع (22: 42- 45) كما في فم الآتين إليه (9: 27؛ 15: 22؛ 20: 30- 31) وفي فم الجموع (12: 23؛ 21: 9- 15). فإذا كان يسوعُ المسيحَ الداوديّ فهو يرذل نظرة معاصريه الوطنيّة. وإذْ أراد أن يصحِّحها لجأ إلى صورة عبد الله (8: 17، 12: 8- 23) التي أخذها من أشعيا (42: 1- 4؛ 53: 4). كما بدَّل أيضاً لقب ملك (2: 2؛ 21: 5؛ 27: 11، 29، 42) وحوّل معناه على ضوء زك 9: 9.
ولكي يدلّ متّى على أنّ يسوع هو المخلِّص الذي وعد به الله، ملأ نصّه بإيرادات منٍ الكتاب المقدّس، وبيَّن أنّها تتمّ في يسوع. أخذ نصوصه تارةً من الأصل العبريّ، وتارة من الترجمة اليونانيّة، وتارةً من مجموعة شهادات استعملتها الكنيسة الأولى وكيَّفتها حسب نظرتها اللاهوتيّة الخاصّة. إنّها تكشف أنّ متّى أراد أن يعظِّم شخص يسوع وعمله، فأكّد أنّ كلمة الله التي عبَّر عنها الأنبياء وجدت كمالَها الذي يُتمُّ كلّ التدبير الجديد. فالله هو الذي يقود العالم نحو ملكوت السماء. يسوع هو في نهاية الوحي، في تمام ما كان وقِيْلَ. ولسنا فقط أمام تقابل بين الوعد والتحقيق. فالوعد يتجاوز حرف الوعد بكماله.
وهكذا يظهر شخص يسوع وقد أسنده الكتاب في عيون قرًّائه.

ثانيًا: إسرائيل الكامل
حين شدَّد متّى على أنّ يسوع أتمّ المواعيد المسيحانيّة التي تغذَّى بها الشعب المختار، حدّد زمنين في جماعة الخلاص: إسرائيل الناقص، وإسرائيل الكامل أو إسرائيل الحقيقيّ.
فنحن نرى توتّرًا في الإنجيل بين الذين يطلبون المسيح ويعترفون بيسوع أنّه ابن داود (9: 27؛ 15: 22؛ 20: 30- 31) ويصلون إلى النور (4: 14- 16)، وبين الكتبة والفرّيسيّين أولئك المفسّرين المألوفين للكتاب المقدّس، مع عظماء الكهنة والشيوخ أولئك الممثّلين الرسميّين للشعب الذين هم خصوم مُعلَنون ليسوع. إنّهم عميان وقوَّاد عميان (15: 14؛ 23: 16- 17، 19، 24، 26). يهزأون بملك اليهود (27: 27- 31) ويجرّبونه ويتحدَّونه بأن يبرهن أنّه ملك إسرائيل (27: 42) وابن الله (27: 40، 43). إنّهم يلعبون دور الأشرار الذين يضطهدون البارّ (حك 2: 10 – 20).
منذ البداية تنعكس الأمور: فالمجوس هؤلاء الفلكيّون الوثنيّون (تث 4: 19) يكتشفون مَلِكَ اليهود (2: 2). أمّا الملك هيرودس فيريد أن يقتله (2: 16). وفي نهاية الإنجيل، يحاول بيلاطس أن يعفوَ عن يسوع (27: 21- 24). أمّا شعب العهد فيرفض له العفو ويطلب أن يَنزل عليه دمُه الخلاصيّ (27: 25). وهكذا تبدو الآلام كتتمّة لما استشففناه في الطفولة.
وهذا ما أعلنه مثل الكرَّامين القتلة: لقد احتمل الابن، الذي هو يسوع، مصير الأنبياء (21: 39)، فأخذ على عاتقه خطيئة شعبه الخائن للعهد، وأعلن أنّه قد زال كشعب خاصّ، ووعد إسرائيل بشموليّة الكنيسة. وهكذا حين أكدَّ يسوع أنّ "ملكوت الله يؤخذ منكم ويعطى لشعب يُعطي ثمارًا" (21: 43)، أعلن دخول الكنيسة للوثنيّين الذي يتقبَّلون مجّانيّة الخلاص، ودان إسرائيل المضطهِد فكشف له رفضه وأمَل في عودته (23: 37- 39).
وتأسيس الإفخارستيّا الذي فيه يدلّ على آلامه وموته، يعطي العهدَ شكلَهُ الأخير ومضمونه النهائيّ في "الدم البريء" (27: 4) "الذي يُسفك من أجل الكثيرين لمغفرة الخطايا" (26: 28؛ رج خر 2: 8). فآلام يسوع تفسِّر وجود إسرائيل النهائيّ الكامل الذي تُشكّل جماعةُ متّى قسمًا منه، والذي يشكّل بواكيرَه الضابطُ والجنودُ على الجلجلة (27: 54). إنّهم، وسط جماعة القدّيسين القائمين من الموت، يعلنون لاهوت يسوع الذي يبدو موتُه ظهورًا إلهيًّا (27: 551- 54). لقد صار مسيحُ إسرائيل مسيحَ الأمم (12: 21). فحقَّق بركة إبراهيم (تك 12: 3)، وأشرق نورُه على "جليل الأمم" (4: 15) الذي يمثّل العالم الوثنيّ العائش على حدود العالم اليهوديّ والذي منه ينطلق التلاميذ ليقوموا برسالتهم المسكونيّة (28: 19).

ثالثًا: معلّم الجماعة وربّها
يسوع هو المسيح الحقيقيّ الذي يكمِّل انتظار إسرائيل. وهو يحمل أيضاً إلى كلّ البشر ملكوت السماوات. هذا الملكوت هو قدرة شفاء وإعلان تعليم (4: 23= 9: 35). فعجائب يسوع هي علامة رسالته (9: 33؛ 11: 2- 6؛ 15: 31)، يرويها متّى بإيجاز فيُبرز دورَ يسوع. إنّه عبد الله الطائع الذي ينفِّذ إرادةَ الله الخلاصيّةَ فيحمل في جسده كلّ مرض وضعفه في البشر (8: 17؛ أش 53: 4). اتّخذ طريقَ التواضع والوداعة (12: 18- 21؛ أش 42: 1- 4)، طريق الرحمة والشفقة (9: 13- 12: 7؛ هو 6: 6)، فاهتمّ بأن يخفّف آلام المرض والمحتقرين، وبأن يغفر خطاياهم (1: 21؛ 9: 2- 6؛ 12: 31؛ 26: 28).
وهو أيضاً ربّ جماعته. أمامه يسجد كلّ طالب نعمة (8: 2؛ 9: 18؛ 15: 25؛ 20: 20؛ 28: 9، 17). به صار الدخول إلى الهيكل ممكنًا للذين مُنع عينهم (21: 10- 17)، وقدِّم الخلاصُ للوثنيّين الذين سيُخجلون اليهودَ بإيمانهم (8: 10- 12؛ 11: 22- 24؛ 15: 26- 28). فبالإيمان يضمّ يسوعُ الإنسان إلى قدرته العجائبيّة، فيؤهّله لأن يتقبّل ما لا يقدر أن يحقّقه بنفسه (8: 13؛ 9: 1، 22، 29؛ 14: 28- 29؛ 15: 28؛ 17: 20؛ 21: 21). وما فعله يسوع في الماضي لا يزال يفعله الآن، لأنّ الناصريّ الذي حمل تعاسة البشر هو ربّ الكنيسة. 
يسوع هو وحده سيّدُ الجماعة ومعلّمُها (23: 8، 10). يُعلن بشارةَ ملكوت السماوات (4: 17، 23؛ 9: 35؛ 11: 1)، أي الخلاص الكونيّ الذي منحه الله لنا. ويعلِّم (5: 2) بسلطة تلفت النظر (7: 29) في المجامع (4: 23؛ 9: 35؛ 13: 54) وفي المدن (11: 1) أو في الهيكل (21: 23؛ 26: 55). يسمّيه الناس المعلِّم (8: 19؛ 9: 11؛ 13: 38؛ 17: 24؛ 19: 16؛ 22: 16، 24، 36)، بل يسمّي نفسه هو أيضاً بهذا الاسم (10: 24- 25؛ 23: 8؛ 26: 18). أمَّا تلاميذه فيسمّونه الربّ، ما عدا يهوذا الذي يدعوه "رابّي" (26: 25، 49). 
ماذا يعلِّم؟ لا يعلِّم شريعة جديدة تُلغي الناموس أو تعاليم الأنبياء. تعليمه هو تتمّة إرادة الله التي يسمّيها البرّ الفائض، ويحقّقها في التزام حياته تجاه الله أبيه، وتجاه إخوته البشر. إنّه من يتبعُه (يرد فعل تبع 25 مرّة في إنجيل متّى) أحبّاؤه، والتلميذ الحقيقيّ يكون مِثْل معلّمه (10: 24- 25). إنّه يعمل عمل الحكمة الإلهيّة (11: 19؛ سي 18: 2- 4) فيكشف للصغار (11: 25- 30؛ حك 10: 21) أسرار الله (حك 6: 9- 18). بهذه الطريقة، يتميَّز يسوع عن معلِّم البرّ في جماعة قمران. معلِّم البرّ ينقل شريعة، أمّا يسوع فهو الوديع والصبور أمام مصيره (11: 29؛ 21: 5)، فهو "المتواضع القلب" أي الخاضع لإرادة الله. بهذا يقوم نيره الذي يختلف عن نير الكتبة.

رابعًا: مجيء ابن الإنسان
مع يسوع اقترب ملكوت السماء من الإنسان (3: 2؛ 4: 17). وهذا الملكوت ينمو مثل بذرة (3- : 4- 9) تَفتح طريقها وسط الزؤان الذي ستتغلّب عليه (13: 24- 30)، أو مثل حبّة الخردل التي تصبح شجرة كبيرة (13: 31- 32)، أو مثل الخمير الذي يعمل في العجين (13: 33). أمّا هدف هذا النموّ فهو انقضاء العالم (13: 39، 40، 49؛ 24: 3؛ 28: 20) الذي يسمّيه متّى مجيء (24: 3، 27، 37، 39) ابن الإنسان. وهو دخول هذا الشخص السرّيّ الذي يتحدّث عنه دا 7: 13 والذي صار جسدًا في يسوع الملك والراعي، ديّانِ الأمم ومخلّصِها، في تاريخ البشريّة. 
هنا يتدشّن ملكه النهائيّ. وزمنُ مجيئه لا يكون في مستقَبل بعيد. إنَّ يسوع فتح بموتهِ وقيامته الزمنَ الإسكاتولوجيّ (24: 42، 44؛ 26: 18، 64). وذِكرُ الزلزال (27: 51؛ 28: 2) هو علامة ذلك. إنّ ابن الإنسان يأتي في ملكوته (24: 44) في كلّ وقت، وعلى المؤمنين أن يسهروا. وهذا المجيء يدفع "أبناء الملكوت" إلى النموّ الروحيّ (13: 38)، إلى يوم ينفصل "فاعلو الشرّ" (13: 41) الذي يرفضون برنامج ابن الإنسان (7: 23)، عن الأبرار الذين تعلّقوا ببرّه (5: 20). حينئذ يصبح ملكوتُ ابنِ الإنسان ملكوتَ الآب (13: 41- 43؛ 16: 27- 28؛ 25: 34).
فالكنيسة التي يذكرها متّى مرّتين (16: 18؛ 18: 17) والتي يكرِّسها دمُ العهد (26: 28) ليست ملكوت الآب. فهي تضمّ الذين وُعدوا بخلاص (25: 34) لم يتحقّق بعد، الذين يخضعون لسيادة ابن الإنسان، الذين يحملون ثمار ملكوت الله (13: 23، 21: 43) وينتظرون من الربّ أن يحكم على أعمالهم حكمًا نهائيًّا (25: 31- 32).
ولاهوت يسوع المسيح وابن الإنسان واضح في إنجيل متّى. فهو يذكر حبل المسيح البتوليّ (1: 16- 20) الذي تمّ بالروح القدس وتنصيبه مسيحًا في المعموديّة حين أعلن الآب: هذا هو ابني الحبيب (3: 17؛ رج 17: 5). ونشيد التهليل (11: 25- 27) الذي يشبه نصوص يوحنا، يشدّد على وعي يسوع لبنوّته الإلهيّة التي تَبرز في علاقات يسوع مع أبيه (7: 21؛ 10: 32، 33؛ 12: 5؛ 15: 13؛ 16: 17؛ 21: 37؛ 25: 34؛ 26: 42، 53)، وفي نقاشه مع الفرّيسيّين حول المقابلة بين المسيح وابن داود (22: 41- 45).
أمّا الجماعة فتسمّي يسوعَ الربَّ، وتعبّر عن إيمانها فتقرّ به أنّه ابن الله (14: 33؛ 16: 16؛ 27: 54).

2- كنيسة الربّ يسوع
إن خُطَبَ متّى الخمس الكبرى تقدّم لنا رسمة عن حياة الكنيسة التي جمعها المسيح (10: 1) وأسّسها (16: 18) وأرسلها (28: 19- 20). وإذْ أدخل متّى هذه الخطب في نشاط يسوع التاريخيّ، بيَّن أن يسوع هو القاعدة الحيّة والوحيدة التي يتمشّى عليها التلاميذ.

أوّلاً: روح الجماعة (ف 5- 7)
تشكّل خطبة الجبل، التي سُمِّيت شرعة الملكوت، مجموعةً ضمّت فيها الكنيسةُ الرسوليّة أقوالَ يسوع. هي صدى لتعليم يسوع الذي يحرّر الذين يتتلمذون له، من ممارسة حرفيّة للشريعة ومن الفتور والقنوط.
ويبدأ يسوع فيُعلن السعادة في ثماني تطويبات تساعدنا على اكتشاف ملء جديد وسط الظروف الصعبة. ويقدّم لنا متّى هذه التطويبات في إطار أخلاقيّ. فالمساكين في الروح (5: 3) والودعاء (5: 4) هم الذي يقتدون بالمسيح الوديع والمتواضع القلب (11: 29). والحزانى (5: 5) هم المسيحيّون المجرَّبون والمضطهَدون. أمّا الجياع والعطاش إلى البرّ (5: 6) فهم الذي يطلبون إرادة الله. والرحماء (5: 7) وأنقياء القلوب (5: 8) وفاعلوا السلام (5: 9) هم الذي يتصرّفون مع إخوتهم باستقامة تحت نظر الله. أمّا المضطهَدون من أجل البرّ (5: 10) فيمثِّلون كنيسة القرن الأوّل التي تلقى الاضطهاد من أجل ربّها.
بعد التطويبات يتوسّع متّى في البِرّ الجديد، بر ملكوت السماء الذي إليه يدعو تلاميذه. لا يفسِّر يسوع الشريعة كما يفعل الكتبة (7: 29) مردِّدًا ما قاله الشرّاح، بل يُدخل فيها حياتَه وموته ويحملّها كلّ سلطانِ الله. وكما أنّه لا يُحِلُّ شريعةً جديدة محلَّ الشريعة القديمة، فهو لا يزيد شرائع جديدة: ما جاء ليُلغيَ الشريعة التي أعطاها الله على جبل سيناء وسلّمها إلى الآباء، بل ليُدخلنا في أعماق متطلّباتها.
هذا البرّ الذي يطلبه يسوع يتناول العلائق بين الإخوة (5: 21- 26)، ووضع الرجل تجاه المرأة (5: 27- 32)، والتزام الإنسان بما يقول (5: 33- 37)، وموقف المؤمن تجاه الشرّير (5: 38- 42) وتجاه الأعداء (5: 43- 47). فحين يخصُّ يسوعُ تلاميذهَ على الاهتمام بالمصالحة والأمانة الزوجيّة، وعلى احترام الآخرين ولا سيّما الأعداء، فهو يبدو وكأنّه يقدِّم لنا طريقًا يستحيل علينا سلوكها. إنّه يدعونا لأنْ نقتديَ بالآب السماويّ. ولا نَنْسَ أنّ جوهر هذه الشرعة يستند إلى شخص يسوع وإلى وحي الله. فعملُ الآب هو مثال عمل التلميذ. لهذا نحتاج إلى قوّة الله الذي يساعدنا على تحقيق هذا المستحيل مع المحافظة على مسؤوليّتنا التي سَنُدانُ عليها (23:7؛ 25: 40 – 45).
الآب هو مبدأ ونهاية السلوك الذي يطلبه يسوع، وهذا واضح في الوصيّة المثلّثة عن الصدقة والصلاة والصوم التي تعبّر عن واجبات اليهوديّ تجاه القريب، وتجاه الله، وتجاه نفسه. يمارسها المؤمن خفية وتحت نظر الآب، لا ليراه الناس ويمدحوه (6: 1، 4، 6، 18) على مثال المرائين (6: 2، 5، 6). وهكذا يستطيع المؤمن أن يكون ابن الآب الذي في السماء (5: 45).
وَسْطَ هذا التوسّع، يجعل متّى الصلاة الربّيّة (صلاة الأبانا)، لأنّ علاقة التلميذ بأبيه تدفعه إلى هذا التصرّف في البرّ. فإذا كان الفقير والحزين يقدران أن يكتشفا السعادة في علائق بشرّية سامية، فلأنّهما سلَّما نفسيهما في يسوع إلى رحمة الله الحانية. فالذين يكتشفون نفوسهم أبناء الآب، يقدرون في الحقيقة أن يصلّوا إلى الله، فينموَ فيهم اسمه، ويشاركوا في انتشار ملكوته، ويعملوا إرادته، ويحصلوا منه على غذاءٍ لأجسادهم وغفرانٍ يحميهم من الشرّ والخطيئة.
ولكنّ بِرَّ الملكوت يفترض التزامًا في خدمة الله. فإذا كانت العلاقة بالآب تخلق المشاركة بين الإخوة، فصدق هذه المشاركة يظهر في الأعمال. إذًا، هناك تجرّد كامل (6: 19- 21) من كنوزنا لخدمة الربّ وحده. يتطلعّ التلميذ إلى ملكوت الله وبرّه، فلا يترك نفسه تنشغل بالهموم لأنّه عالم بأنّ الله يعرف ما يحتاج إليه (6: 23). 
وهذا الالتزام نحو الله يحدّد السلوك نحو القريب: يجب أن لا ندين الآخر لنحتقره أو نحكم عليه (7: 1- 5)، يجب أن نطلب بثقة ما نحتاج إليه من القريب (7: 7- 11). وتأتي القاعدة الذهبيّة فتدعونا إلى أن نتجاوز دومًا نفوسنا لا على مستوى العدالة الاجتماعيّة وحسب، بل على مستوى المحبّة التي تنبع من قلب الله. 
أيَّ طريق نختار (7: 13- 14)؟ أيّ نبيّ (7: 15- 20) أو تلميذ (7: 21- 23) نريد أن نحقّق صورته في حياتنا؟ والنهاية مع مثل البيتين تقول لنا: إنّ أعمالنا تكشف عن هُوِيَّتِنا وأعماق نفوسنا.

ثانيًا: خدمة الرسول (ف 10)
اختار يسوع تلاميذه الاثني عشر ومنحهم سلطانه (10: 1) على الأرواح والأمراض. وأعطاهم تعليماته التي هي قاعدة حياة المرسَل المسيحيّ.
أمّا نواة هذه الخطبة (10: 24- 25) فتُبرز طابعَ المرسَل: يتشبّه التلميذ بمعلّمه والعبد بسيّده. فإذا لم يكن المسيحيّ شهادةً للمسيح فما نفع شهادته؟ أمّا شروط هذه الشهادة فتلتقي بما قرأنا في التطويبات: على التلميذ أن يتألّم مثلَ معلّمه، لأنّ الاضطهادات تلاحقه كما لاحقت معلّمه. ولكنّ الروح الذي هو عطيّة الآب، سيُعطى للمضطهَد (10: 20).
ويُسْلَمُ المرسل إلى الناس على مثال معلّمه. إنّه في ذلك شاهدٌ للملكوت الذي صار قريبًا (10: 7). ورسالته مجّانيّة مطلقة، لأنّ الأشفية تتمّ بقدرة يسوع. الفقر هو مطلوب في الطريق. والتلميذ رسول سلام، وإن لم يُستقبَل دائمًا أحسن استقبال، وإن يكن دائمًا علامة خصام. ولكنْ مَن قبِلَ الرسول على أنّه علامة حضور الملكوت في البشريّة، يدخل في إطار هذا الملكوت.
والرسالة ترافق مجيء يسوع كابن الإنسان (10: 23). فالصراع الذي يجعل الأخ ضدّ أخيه باسم المسيح (10: 35- 36) يعلن عن سلام أحمى (10: 34) يُولد في تاريخ تصادم الحرّيّات البشريّة (24: 8).

ثالثًا: الخدمة الرعاويّة (ف 18)
تتوجّه هذه الخطبة إلى جماعة المسيحيّين. فمن خلال التلاميذ يتوجّه يسوع إلى الرعاة. أمّا واجبهم الأوّل فهو الصغار كجماعة، لأنّ كلَّ صغير يدلّ على حضور المسيح وَسْطَ أحبّائه. فهؤلاء الصغار هم المؤمنون الضعفاء والخطأة. أمّا الصغير فيتميّز باستعداده لدخول الملكوت أي لمشاركته في الحياة المسيحيّة. وهذا السلوك يفترض التواضع والارتداد الداخليّ، ويَظهر في تقبّل أعضاء الكنيسة. فمن تقبّل الآخرين تجنّب كلّ عثار يهدّد الإيمان، إيمانه وإيمان الآخرين.
ومن خلال خطبته يَحِلُّ "الإخوة" محلّ "الصغار" أمام المصالحة التي تمارس في الكنيسة. لسنا في معرض إعلان حرم بل اكتشاف الجماعة التي ستكون شاهدة وحاملة للغفران الإلهيّ. فإذا لم نستطع أن نسيّر الأخ المعاند إلى التوبة لأنّه يُخرج نفسَه من الكنيسة (18: 17)، فنحن أقلّه مدعوّون لكي نسلّمه إلى نعمة الله. ثمّ إنّ الجماعة تقدر أن تقرّر إذا كان عضو من الأعضاء ينتمي إليها، وذلك بالسلطة المعطاة لها والمسؤوليّة الممنوحة لبطرس (16: 18- 19).
ولكنّ الخضوعَ لعمل الله واجب في هذه الظروف. من هنا أهمّيّة التوافق تحت نظر الآب في صلاة توحّد المسيحيّين وتجعل يسوع حاضرًا بينهم (18: 19- 20).
وهنا يأتي الحديث عن الغفران. كنّا قرأنا في خطبة الجبل قولاً من الصلاة الربّيّة (6: 9- 13) يدعونا إلى أن نغفر بعضُنا لبعض (6: 14- 15). أمّا هنا فيتحدّث النصّ عن اتّساع هذا الغفران: لا سبع مرّات بل سبعين مرّة سبع مرّات: لا حدود للغفران. فمن قبل غفران الله مجّانًا وجب عليه أن يَقْسِمَهُ مع الإخوة. ويأتي مَثَلُ العبد القاسي القلب (18: 23- 35) ليحدّد موقع غفران البشر بعضُهم لبعضٍ في ضوء الدينونة التي يمارسها الله في نهاية الزمن.
هذه هي الخدمة الراعويّة في كنيسة يسوع. كلّهم مدعوّون إليها لأنّهم خطأة غُفر لهم، ولأنّهم شهود رحمة الله على خطى المسيح في انتباه دائم ومحبّ تجاه كلّ واحد، ولاسيّما الصغار الذين سنُسأل كلُّنا عنهم.

رابعًا: متطلّبات الملكوت (ف 23- 25)
نربط ف 23 بالخطبة الإسكاتولوجيّة في ف 24- 25. فنحن نقرأ في ف 23 دينونة الله لشعبه الذي رفض أن يؤمن. أبان له حبَّه فجابهه بالرفض. أراد أن يجمعهم كما تجمع الدجاجةُ فراخها تحت جناحيها فم يريدوا. وهكذا بدا الحبّ ضعيفًا. حينئذ كشف يسوع رياء الفرّيسيّين وعماهم، ومن خلالهم أصاب المسؤولين في جماعة متّى وفي كلّ جماعة. 
وتتوجّه الخطبة الإسكاتولوجيّة إلى تلاميذ يسوع في ثلاث محطّات: العلامات السابقة وهي تدلّ على الضيق والرجاء (24: 4- 36)، واقع الحدث الحاسم الذي يتطلّب السهر الدائم (24: 37- 25: 30)، لوحة دينونة الأمم (25: 31- 46). 
يذكّرنا القسم الأوّل من الخطبة بالتوجيهات من أجل الرسالة (10: 17- 22)، ويشير إلى الأخطار التي تهدّد وحدة الجماعة: مسحاء كذّابون، أخبار مخيفة، خيانات، أنبياء كذبة، شرّ يجرّ إلى نكران الله ويدفع المؤمنين إلى الفتور واللامبالاة. مثل هذه الحالة تتطلّب ثباتًا في المحنة وتدعو إلى متابعة إعلان البشرى.
وبما أنّ مجيء ابن الإنسان يكون في التاريخ، فالسهر مطلوب في الحياة اليوميّة. هذا هو موضوع القسم الثاني من الخطبة. والأمثلة التي تتعاقب تعبر عن الوجود المسيحيّ وعن الظروف التي تتمثّل فيها المسؤوليّة الرعاويّة.
تعوَّد قليل من الناس (كما في أيّام نوح) أن يهتمّوا بالمسائل الأساسيّة (24: 38- 39)، ومنها مسألة الموت. فيجب أن نسهر، أي أن نحيا تحت نظر الربّ الحاضر دائمًا (24: 42- 44). فالحياة اليوميّة محنة دائمة، والر

الفصل السادس عشر
الإنجيل بحسب مرقس

ظلّت الأخبار عن يسوع متفرّقة مدّة أربعين سنة، ثمّ جُمعت شفهيًّا قبل أن تدوَّن. كانت هناك ملخّصات يستعملها الوعّاظ الذين يعلنون البشرى. فهذا الإنجيل الموجَّه إلى الوثنيّين هو أوّل رفيق للكازرين بإنجيل المسيح.
تقاليد تكوَّنت على ضوء المسيح القائم من بين الأموات والحاضر والفاعل في جماعته، وهي تفسّر من كان يسوع الخلّص، ومن هو الآن. وبدل أن يكتفي مرقس بجمع الأقوال أو بكتابة مقالة لاهوتيّة على غرار الرسالة إلى العبرانيّين، اخترع فنًّا أدبيًّا يعرض الكرازة داخل إطار حياتيّ. عاد إلى المراجع وتأثّر بجماعته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فلم يكن جمَّاعًا ومقمِّشًا فقط، بل كاتبًا مبتكرًا ولاهوتيًّا عميقًا.
فمن هو مرقس؟ بعد أن نتعرّف إلى كاتب الإنجيل الثاني وإلى جماعته، نقدّم جردة بالمواد التي استعملها، ونُبرز طرائقه في الكتابة قبل أن ندرس لاهوته.

أ- من هو مرقس؟
لم يوقِّع أحد الإنجيل الثاني. أمّا العبارة "حسب مرقس" فهي متأخّرة وتدلّ على اسم رومانيّ واسع الانتشار.

1- ماذا يقول بابياس والتقليد القديم عن مرقس؟
كان بابياس أسقف هيرابوليس في فريجية من أعمال آسية الصغرى وقد عاش حوالي السنة 110. أمّا شهادته فقد احتفظ بها أوسابيوس القيصريّ. قال: وهذا ما قال الشيخ: كان مرقس ترجمان بطرس. فكتب بدقّة، ولكن بدون نظام، كلّ ما ذكره ممّا فعله أو قاله الربّ. هو لم يسمع الربّ ولم يرافقه. ولكنّه رافق بطرس كما قلت. أمّا بطرس فكان يقدّم تعاليمى حسب الحاجات دون أن يجمع أقوال الربّ. من هذا القبيل لم يخطئ مرقس حين كتب ما تذكّره. وقد كان له مقصد واحد، هو أن لا يهمل شيئًا ممّا سمعه وأن لا يُضِلَّ أحدًا في ما سمعه.
تتضمّن هذه القطعة تقليد الشيخ المحصور في الجملة الأولى، ثمّ بابياس وفيه ثلاثة أمور: كان مرقس ترجمان بطرس، كتب بدقّة، كتب بدون ترتيب. وحاول الدارسون أن يشرحوا بعض كلماته. ترجم أي نقل حرفيًّا. الترتيب يعني التأليف الأدبيّ لا التسلسل الزمني.
أمّا أوسابيوس فيقول هو نفسه: أثَّرت تعاليم بطرس تأثيرًا عميقًا على السامعين، فطلبوا من مرقس أن يدوّنها. هو لم يتبع تسلسل الأحداث، ولكنّ هذا لا يؤثّر على الدقّة والأمانة في ما نقله عن بطرس.
وعلى خطى بابياس وردت شهادات عن مرقس في آسية الصغرى ومصر وأفريقيا الشماليّة ورومة. وها نحن نعطي بعضها. يوستينوس (حوالي 150). لا يسمّي مرقس، ولكنّه ينسب إلى "مذكّرات بطرس" تفصيلاً خاصا بمرقس: سمَّى ابني زبدى بوانرجيس أي ابني الرعد (3: 17). وقال إيريناوس (+ 202): بعد موت بطرس وبولس نقل إلينا مرقس، تلميذ بطرس وترجمانه، خطّيًّا ما وعظه بطرس.
وقال إكلمنضوس الإسكندرانيّ (+ قبل 215) الشيء عينه. وجعل أوريجانس (+ 253/ 254) الإنجيل بحسب مرقس في الدرجة الثانية وقد أُلِّف حسب تعليم بطرس.

2- ماذا يقول العهد الجديد عن مرقس؟
لا يذكر مرقس اسمه في إنجيله. أمّا العنوان والتقليد القديم فيقولان إنّ كاتب الإنجيل الثاني هو مرقس. لم يكن رسولاً، ولكنّه تبع بطرس الرسول. إنّ العهد الجديد يعطينا عنه بعض المعلومات المتناثرة هنا وهناك.
يذكر سفر الأعمال يوحنّا الملقّب بمرقس (أع 12: 12، 25؛ 15: 37). يذكره مرّة باسم يوحنّا (أع 13: 5، 13) ومرّة باسم مرقس (أع 15: 39). إذا تتبّعنا مسيرة الأحداث تيقَّنّا أنّنا أمام شخص واحد حمل اسمًا عبرانيًّا واسمًا لاتينيًّا.
هو ابن مريم من أورشليم. وكان بيت أمّه يستقبل الجماعة المسيحيّة للصلاة، وإلى هناك ذهب بطرس بعد أن نجا من السجن (أع 12: 12) فاستقبلته الخادمة (أع 12: 13). ثمّ نجد مرقس في رفقة برنابا وشاول. وخلال الرحلة يشير الكاتب إلى أنّ يوحنّا هو معاونهما (أع 13: 5). ولكنّه انفصل عنهما في برجة من أعمال بمفيلية وعاد إلى أورشليم (أع 13: 13). وبعد وقت أراد برنابا أن يأخذ معه نسيبه يوحنّا المدعوّ مرقس في الرحلة الرسوليّة الثانية (أع 15: 37)، فتذكّر بولس ما حصل له معه في بمفيلية ورفض أن يصطحبه. اختلف بولس وبرنابا بسبب مرقس، فذهب كلّ في طريقه، وأخذ برنابا مرقس معه.
سيُذكَر اسمُ مرقس في الرسائل البولسيّة. ففي كو 4: 10 نقرأ: "يسلّم عليكم أرسترخس رفيقي في السجن، ومرقس ابن عمّ برنابا، وهو الذي طلبت منكم أن ترحِّبوا به إذا جاء إليكم". ونسمع في 2 تم 4: 11 بولسَ يتوجّه إلى تلميذه: "خذ مرقس وجئ به، لأنّه يفيدني كثيرًا في خدمة الربّ". أمّا فلم 24 فتعتبر مرقس من رفاق بولس في العمل مع أرسترخس وديماس ولوقا. وأخيرًا نقرأ اسم مرقس في 1 بط 5: 13: "كنيسة بابل (أي رومة) وهي مثلكم مختارة من الله، تسلّم عليكم، ويسلّم عليكم مرقس ابني".

3- علاقة مرقس ببطرس
نتوقّف هنا على وجهتين: تأثير بطرس على مرقس، صورة بطرس في إنجيل مرقس.
لقد أكّدت تقاليد الأجيال الأولى ارتباط مرقس ببطرس. ثمّ إنّ العهد الجديد يذكر العلاقة بين الرجلين في أورشليم (أع 12: 12) وفي رومة (1 بط 5: 13).
وحاول الشرّاح أن يسندوا هذا الارتباط إلى براهين أدبيّة. فقد احتفظ مرقس بتفاصيل حيّة تدلّ على الشاهد العِيان. وبما أنّه لم يعش في جوار يسوع، فقد أخذ ما أخذ عن معلّمه بطرس. وهناك عبارات ساميّة عديدة تتوزّع إنجيل مرقس. ثمّ إنّ خبر الالام يشير إلى ذكريات بطرس التي دوّنها مرقس، وَبْينَها: حين سكبت الإمرأة الطيب على يسوع (14: 3- 9)، وحين تعشّى الربّ عشاءه الأخير مع تلاميذه (14: 22- 25)، وحين جاؤوا إلى جتسيماني (14: 32- 42) واعتقلوا يسوع... 
يمكن أن تعود هذه التقاليد إلى بطرس، ويمكنها أن تعود إلى تقاليد قريبة من بطرس وقد اهتمّت بإبراز شخصيّته. ومهما يكن من أمر، فهناك تأثير بطرس على هذا الإنجيل إن من بعيد أو من قريب.
فكيف تبدو صورة بطرس في إنجيل مرقس؟ يقدّم لنا مرقس صورة عن بطرس تنطلق من التقاليد المتنوّعة. فمن خلال الإنجيل يظهر لنا بطرس شخصاً متحمّسًا، سحرته شخصيّة يسوع فعمي عن إدراك حقيقتها. رافق بطرس يسوع (1: 21) بعد أن اختاره مع أخيه أندراوس (1: 16) وشفى له حماته (1: 29- 30). سيعلن أنّ يسوع هو المسيح (8: 29)، ولكنّه يوبّخ معلّمه لأنّه يتطلعّ إلى طريق الالام (8: 33). رافق المعلّم مع يوحنّا ويعقوب إلى دار رئيس المجمع (5: 37) وعلى جبل التجلّي (9: 2) بانتظار أن يرافقه إلى جتسيماني (14: 33). ويحدّثنا مرقس عن بطرس الذي استولى عليه الخوف، فما عاد يعرف ماذا يقول على جبل التجلّي (9: 5)، والذي سمّاه يسوع "شيطانًا" لأنّ أفكاره "أفكار البشر لا أفكار الله" (8: 33). بعد العشاء، أعلن أنّه لن يترك المسيح ولو تركه الجميع (14: 29)، ولكنّه سينكر معلّمه ويخاف من جارية (14: 66- 72). ولكنّ بطرس سيعود إلى الربّ بتوبة صادقة فيبكي (14: 72) خطيئته بانتظار أن يكون له المقام الفريد بين الرسل (16: 7).
ويوم كفرناحوم (1: 16- 38) مليء بذكريات بطرس. صار تلميذًا يوم سمع النداء من أجل حياة مع يسوع ومشاركة في عمله الرسوليّ. وسيلعب مع رفاقه دور الشاهد. ارتبط بصورة خاصّة بيعقوب ويوحنّا، وتحدّث باسم التلاميذ مرارًا وكان الأوّل في لائحة الرسل. كان اسمه سمعان، فلقَّبه يسوع بطرس (3: 16).
لا نستطيع أن ننسب كلّ هذه المعلومات إلى مرقس. فصورة بطرس ودوره الرئيسيّ معروفان في التقليد. أمّا الوجهة السلبيّة فيمكنها أن تعود إلى محيط مسيحيّ يعارض بطرس: إنهم يحترمونه ولكنّهم يعارضونه (رج غل 1: 18- 19؛ 2: 1- 14). ولكن إذا قرأنا كلّ هذا في إطار توبة بطرس وحياته فيما بعد، نرى فيه تشجيعًا لأعضاء الجماعة: فليقتدوا ببطرس.

4- علاقة مرقس ببولس
يشدّد التقليد على علاقة مرقس ببطرس، ولكن يبدو أنّ العلاقة ببولس هي أقوى. إنّ إنجيل مرقس ورسائل بولس هي كلّ ما بقي لنا من آثار مسيحيّة بعد كارثة سنة 70. ثمّ إنّ مرقس هو مرجع رئيسيّ لكلّ من متّى ولوقا. ولكن من المفيد أن نقابل بين إنجيل مرقس والرسائل البولسيّة لا لنجد ارتباطات، بل لنفهم التلميحات إلى المسائل اللاهوتيّة التي تهمّ جماعة لوقا وجماعة مرقس. منها: عدم جدوى الشريعة، الخلاص بالإيمان، شموليّة الخلاص، الجديد الذي حمله يسوع.

ب- جماعة مرقس
ولد إنجيل مرقس في الكنيسة. هناك مجموعات من المسيحيّين عبَّروا عن إيمانهم الجديد وعن قصدهم في أن يسيروا على خطى يسوع. جمع مرقس هذه التقاليد بعد أن عاشها في جماعة قاسمها أفراحها وآلامها وآمالها. كيف بدت هذه الجماعة؟
إنّها جماعة تعيش في أزمة، إنّها جماعة تحدِّد شخصيّتها حين تكتب تاريخها، إنّها جماعة رومة.

1- جماعة تعيش أزمة
عرفت فلسطين ورومة اضطرابات خطيرة في السنوات 60- 70. ففي فلسطين كان التوتّر على أشدّه بين المحتلّ الرومانيّ وحركات الثوريّين الذي سُمُّوا بعض المرّات "جليليّين" (لو 13: 1؛ 5: 37). واندلعت الحرب اليهوديّة في سنة 54. وإنّ الاقتصاد والتجارة بدّلا التوازن الاجتماعيّ لصالح الفرسان الذين حاربوا والعبيد الذين تحرّروا. واتّسمت سنة 64 بحدثين هامّين: سقطت قيمة الدينار وأحرقت رومة. بعد موت نيرون اندلعت الحرب الداخليّة (1 حزيران 68- كانون الأوّل 69). حينئذ أعلن فسباسيانس نفسه إمبراطورًا (69- 79).
تأثّرت الجماعة المسيحيّة بهذه القلاقل، من قبل الجهود مرّة، ومن قبل الرومان مرّة أخرى. فحوالي سنة 43- 44 قطع هيرودس أغريبّا الأوّل بالسيف رأس يعقوب أخي يوحنّا (أع 12: 1). ثمّ استفاد اليهود من غياب السلطة فأعدموا يعقوب أخا الربّ سنة 62. فحلّ شمعون محلّه على رأس كنيسة أورشليم. وفي رومة سيتعرّف المؤمنون إلى الشهيدين بطرس وبولس بين سنة 64 وسنة 67.
لقد احتفظ إنجيل مرقس بأثر لهذه الأحداث، فشهد ردّة فعل الجماعة المسيحيّة تجاه ظروف الساعة. فالفصل 13 الذي يتوسّع في رؤيا تمثّل الإمبراطور كاليغولا في قسمات الخصم، هو صدى لهذه الفترة المتوتّرة. ففي مناخ الأزمة السياسيّة والاضطرابات الكونيّة، يدعو مرقس المسيحيّين إلى السهر وهم متيقّنون من مجيء ابن الإنسان (رج خاصّة 13: 24- 27). يمكن أن يأتي ملكوت الله بعد فترة محدّدة من الزمن (9: 1). ولكن يجب أن لا نتبع المسحاء الكذبة الذين سيظهرون في هذه الفترة.
ليس بأمر غريب أن يولد إنجيل في هذه الظروف. لقد أخذ يزول تدريجيًّا رفاق يسوع الأوّلون، فوجب أن تدوّن بدقّة الشهادة الرسوليّة. فالمجموعة التي تصيبها أزمة عميقة تعود إلى جذورها. هكذا عادت جماعة رومة إلى حياة يسوع، إلى بداية الإنجيل. جاءت التهديدات الخارجيّة والداخليّة. فأحسّ المؤمنون بالحاجة إلى التماسك. لم تَعُد التقاليد المنعزلة بكافية. لهذا عاشت جماعة مرقس وهي تكتب تاريخها. أرادت لنفسها أن لا تموت، فتركت لنا إنجيلاً.
إنّ نداء يسوع يفترض اقتلاع الإنسان من جذوره (1: 17، 20؛ 2: 14؛ 3: 13؛ 10: 21): يجب أن نترك العائلة والوظيفة. ولقد أعاد يسوع تحديد الرباطات العائليّة له ولتلاميذه. قال: "من هي أمّي ومن هم إخوتي؟ هؤلاء. هم أمّي وإخوتي، لأنّ من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأختي وأمّي" (3: 33- 35). وقال في آذان تلاميذه: "ما من أحد ترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أمًّا أو أبًا أو زوجةً أو حقولاً من أجلي ومن أجل البشارة، إلاَّ نال في هذه الدنيا، مع الاضطهادات مئة ضعف من البيوت والإخوة..." (10: 29- 30، رج 6: 1- 6). ويفرض يسوع على تلاميذه أن يتخلُّوا عن الأملاك (6: 8- 9؛ 10: 17- 31)، أن يتخلَّوا عن الراحة والطمأنينة (6: 11).
وإنّ جماعة يسوع تتبعه في حياته المتجوّلة. يستعمل مرقس عبارة "في الطريق" (8: 3، 27؛ 9: 33- 34؛ 10: 32- 52) وفعل تبع في أخبار الدعوات (1: 18؛ 2: 14- 15؛ 10: 21- 28، 32، 52) وسار وراء (1: 17، 20؛ 8: 33- 34). هذه الجماعة تتنقل دومًا في داخل الجليل من ضفّة البحيرة إلى الضفّة الأخرى، في المدن العشر، في أرض صور وصيدا وفي جوار قيصريِّة فيلبّس، وفي النهاية في أورشليم. يبدو أنّها تفضِّل القرى (1: 38؛ 6: 6 ب؛ 8: 27) على المدن حيث تلقى المعارضة (2: 1- 12؛ 3: 22؛ 7: 1). هي تتقدّم ولكنّها تتراجع أيضاً. وهي تنعم بحياة خاصّة وبتعليم خاصّ (4: 34؛ 6: 31- 32؛ 9: 28؛ 13: 3)، وتتميّز عن سائر التجمّعات كالعائلة (3: 31- 32)، أو الذين هم من الخارج (4: 11).

2- جماعة تكتب تاريخها
تعيش الجماعة على اتصال بمحيطها وتبني نفسها متجاوبة مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي أمامها. ولكن زخمًا داخليًّا يحرّكها كلّها فيجعل الجماعة تحيا وتكيِّف تاريخها.

أوّلاً: جماعة تتعرّف إلى يسوع
هذه الجماعة مدعوّة إلى أن تتعرّف إلى يسوع. فما يجعلها تحيا وما يحافظ على تماسكها هو بحثها الدائم عن يسوع. ففي نظر مرقس، لا تجد جماعة مسيحيّة هُوِّيَتها إلاَّ إذا اكتشفت هُوِيَّة يسوع، وهذا عمل لا تنتهي منه أبدًا، وصعوباته نعرفها عندما نتذكّر التلاميذ الذين لم يكونوا يفهمون يسوع. فالسرّ هو أمامنا دومًا. أن نكون رسلاً يعني أن نلتزم بكلّيّتنا بالسير على خطى يسوع تساعدنا بعض الأضواء في هذه الطريق المظلمة.
والجماعة تقدِّم لنا أمكنة تساعدنا على التعرّف إلى يسوع، نذكر منها شعائر العبادة والتعليم.
إذًا تذكّرنا شعائر العبادة، ولاسيّما الإفخارستيّا، فهمنا أنّ أخبار تكثير الخبز وُلدت في هذه المناسبة. ولقد رأى بعض الشرّاح أنّ المؤمنين كانوا يحتفلون بالفصح في أورشليم مرّة كلّ سنة، فيتذكَّرون ليلة يسوع الأخيرة وصلاة الجمعة العظيمة ووضع الجسد في القبر. من هذه الاحتفالات وُلد خبر الالام. وقال البعض الآخر: إنّ إنجيل مرقس كان يُقرأ كلّه على المعمّدين الجدد في السهرة الفصحيّة. وهذا يفرض جماعة التأمَتْ للاحتفال بالمعموديّة واستعدّت للممارسة المسيحيّة.
وهناك التعليم أيضاً. فالجماعة التي تحتفل هي التي تعلِّم أيضاً. هناك نصوص للمبتدئين، وهناك كتاب تثقيف للمسيحيّ. فإذا كان مضمون التعليم في مرقس أقلّ اتّساعًا منه في متّى ولوقا، فإنجيل مرقس يجيب على سؤالين جوهريّين للمسيحيّ الذي يريد أن يتعمّق في إيمانه: من هو يسوع؟ ماذا يعني أن تعيش مسيحيًّا؟
يشدّد مرقس بطريقته الخاصّة على التعليم، وإن لم تكن تعافه كثيرة. يستعمل كلمة علّم 17 مرّة (1: 21، 22؛ 2: 13؛ 4: 1، 2؛ 6: 2، 6، 30، 34؛ 7: 7؛ 8: 31؛ 9: 31؛ 10: 1؛ 11: 17؛ 12: 14، 35؛ 14: 49). يسوع يعلّم بصورة تكاد تكون متواصلة. ويتحدّث مرقس عن التعليم (5 مرّات) ويعود لقب المعلّم 12 مرة. يسوع هو رابّي (9: 5؛ 11: 21؛ 14: 45)، رابّوني (10: 51) أي المعلّم.

ثانيًا: جماعة تنفتح على الوثنيّين
وإذ تعرّفت الجماعة إلى يسوع، حملت هذه المعرفة إلى الوثنيّين. عاشت المسيحيّة الأولى مسائل الانفتاح على الوثنيّين وضمّ اليهود والوثنيّين في جماعة واحدة. ويشهد على ذلك أعمال الرسل (ف 10- 11؛ ف 15) ورسالة بولس إلى غلاطية (ف 1- 2). أمّا الرسالة إلى أفسس فتنظر إلى الأمور بهدوء (أف 3: 1 ي)، وتقدِّم لنا المثال عن تعايش يضمّ القريبين (أي اليهود) إلى البعيدين (أي الوثنيّين).
لقد اتّخذت جماعة مرقس موقفها بالنسبة إلى الانفتاح الرسوليّ وإدخال الوثنيّين إلى الجماعة. وقد أسّست إرادتها الشاملة في تصرّف يسوع الذي جاءت إليه جموع من كلّ بلد (3: 7- 8)، والذي ذهب إلى الوثنيّين في أرضهم (5: 1- 20؛ 7: 20). وعلامةُ الخبز أعطيت لليهود (6: 34- 44) كما لغير اليهود (8: 1- 10). وبين هذين الخبرين عن تقليد الخبز، يهاجم يسوع التمسّك الأعمى بالتقاليد (7: 1- 23) ويتقبّل فعل إيمان من المرأة السوريّة الفينيقيّة التي جاءت تطلب الشفاء لابنتها (7: 24- 30). ثمّ إنّ أوّل من أعلن أنّ يسوع هو ابن الله كان ضابطاً رومانيًّا، وقد فعل هذا ساعة كان حجاب الهيكل ينشقّ (15: 38- 39). وهكذا نرى أنّ جماعة مرقس تتوجّه إلى الوثنيّين، وتبقى بعيدة عن النُظُم اليهوديّة الآخذة في الانهيار. ولكنّها إذْ تقدّم صورتين عن الكتبة، فهي لا تدين الأشخاص ولا تحكم عليهم.

ثالثًا: جماعة تتنظّم
وبعد هذا، أخذت جماعة مرقس تتنظّم. ساعدت المؤمنين لكي يتعرّفوا إلى يسوع ويعلنوا اسمه للذين لا يعرفونه. وهكذا قامت بوظائفها المتعدّدة: أعلنت الإنجيل، علَّمت المؤمنين، إحتفلت بكسر الخبز، مارست الصلاة. انشغلت بالعمل لا بالتفكير في تنظيمها الداخليّ، فلم يحتفظ لنا مرقس إلاّ بالقليل عن حياتها.
هناك التلاميذ الذين يذكرهم مرقس 43 مرّة والذين يلعبون أدوارًا عديدة. هم الذين رافقوا يسوع خلال حياته على الأرض، هم المسيحيّون الذين يتابعون عمل الشهود الأوّلين. هم مسيحيّون معاصرون لمرقس، هم الجماعة كلّها، هم المسؤولون... 
وهناك الاثنا عشر. يرد ذكرهم 11 مرة في الإنجيل (3: 14، 16؛ 4: 10؛ 6: 7؛ 9: 35؛ 10: 32؛ 11: 11؛ 14: 10، 17، 20، 43). إنّهم يشكّلون جماعة محدّدة. جُعلوا مع يسوع، وتجذّرت رسالتهم في رسالته. أقامهم المسيح (3: 14، 16) وأرسلهم (6: 7). كرزوا، علّموا، شفَوا، طَردوا الشياطين، مَسحوا بالزيت (6: 7، 13، 30)، وشاركوا يسوع في عشائه الأخير (14: 17). كان دورهم محدودًا، ولكنّه ما زال يتواصل في أيّام مرقس على يد الذين يسمَّون رسلاً (3: 14؛ 6: 30). فالجماعة ما زالت ترتّب بنيتها.
هناك أشخاص بارزون: بطرس، يعقوب، يوحنّا (5: 37؛ 9: 2؛ 14: 33) ومعهم أندراوس (1: 16- 20؛ 1: 29؛ 13: 3). هؤلاء هم الفاعلون الرئيسيّون، وسيتقبّلون معاونين آخرين (5: 18- 20؛ رج 9: 38- 41). وفوق كلّ هذا، يُدخل يسوع في قلب المسؤول عن جماعته القاعدة الأساسيّة وهي: التواضع في الخدمة، بذل الذات على مثال ابن الإنسان الذي جاء "ليَخدم ويَبذل حياته فديةً عن كثيرين" (10: 35- 45).

3- جماعة رومة
لو كنّا نعرف أين عاش مرقس وجماعته لَنَمَتْ معرفتُنا للإنجيل. ولكن هناك احتمالان: إنجيل جليليّ، إنجيل كنيسة رومة.

أوّلاً: إنجيل جليليّ
كشفت قراءة الإنجيل حسب المدى الجغرافيّ معارضة بين الجليل وأورشليم. فما لاشكّ فيه هو أنّ مرقس يشدِّد على أهمّيّة الجليل في كتابه. لقد جاء يسوع من الجليل (1: 9)، والجليل هو موطن الإنجيل (1: 14- 39) ومركز انتشاره وشهرته (1: 28). في الجليل دعا يسوع تلاميذه الأوّلين (1: 16- 20)، ومعهم تجول في كلّ أنحائه قبل أن يتركه في النهاية ليتوجّه إلى أورشليم. وأخيرًا سيُعطي لتلاميذه في الجليل موعدًا ليلاقونه بعد قيامته (14: 28؛ 16: 7).
توقَّف الشرّاح عند هذه المعطيات. فقال بعضهم: إنّ الجليل هو موطن المجيء. فبعد كارثة أورشليم ستجد الجماعة المسيحيّة موضعًا تنتظر فيه رجوع المسيح. وقال آخرون: الإنجيل هو ملتقى الشعوب، ولهذا يعطي الإنجيل طابعه الإرسالىّ. وقال آخرون أيضاً: انطلقت المسيحيّة الأولى من مركزين هما أورشليم والجليل. انطلق لوقا في سفر الأعمال من أورشليم وانطلق مرقس في إنجيله من الجليل، ووصلا كلاهما إلى قلب العالم الوثنيّ. وقد ذهب بعض العلماء إلى القول إنّ إنجيل مرقس كُتب في الجليل أو أقلّه في جنوبيّ سورية، أو في المدن العشر. ماذا نقول في كلّ هذا؟
أن يكون الجليل موضع مجيء المسيح، هذا يعني أنّنا نغالي في تفسير النصوص. فليست هذه المقاطعة المكان الوحيد المنفتح على الرسالة. ثمّ إنّ الاهتمام بالجليل يدلّ على قصد مرقس في اكتشاف حياة يسوع الذي عاش قسمًا كبيرًا من حياته الرسوليّة في هذه المنطقة. وهناك معلومات جغرافيّة غير دقيقة (رج 7: 31: كيف نمرّ من صور إلى صيدا نحو بحر الجليل، وصور هي جنوبيّ صيدا التي لا تتّصل بالجليل؟) تدفعنا إلى القول إنّ كاتب مرقس ليس من الجليل ولم يكن على علاقة بجماعة الجليل. إذًا، من أيّ كنيسة كان مرقس؟

ثانيًا: إنجيل كنيسة رومة
إعتاد الشرّاح أن يقولوا إنّ مرقس كان من كنيسة رومة. فهناك الآباء الأوّلون: إكلمنضوس الإسكندرانيّ، إيرونيموس، أوسابيوس القيصريّ، أفرام السريانيّ. وتحدّث بعض الشرّاح عن عبارات لاتينيّة في نصّ الإنجيل. وقال البعض الآخر: بما أنّ كاتب إنجيل مرقس لم يكن رسولاً، وجب عليه أن يفيد من هيبة كنيسة كبيرة مثل رومة ليفرض نفسه.
بالنسبة إلى الذين درسوا العلاقة بين المسيحيّة وحركة الغيورين، يبدر إنجيل مرقس الذي كتب بعد انتصار تيطس سنة 71 كدفاع عن المسيحيّة في رومة. إنّه ردّة فعل على أحداث طبعت بطابعها نهاية العالم اليهوديّ. حاول الكاتب أن يبعد المسيحيّين عن اليهود. حاول أن يبعد الإنجيل عن السياسة. مثلاً: دَفْعُ الجزية لقيصر، أو نَقْلُ مسؤوليّة موت يسوع من الرومان إلى اليهود.
وفي النهاية يبدو أنّ إنجيل مرقس دوِّن حوالي السنة 70 في جماعة رومة. إنّه يُبرز علاقة برسالة يسوع التي بدأت في الجليل، وينقل عددًا كبيرًا من التقاليد اليهوديّة. إنّه على كلّ حال نبت في جماعة اختارت أن تنطلق إلى العالم الوثنيّ وتحمل إليه اسم المسيح.

ج- الموادُّ التي استعملها مرقس في إنجيله
يوم كَتب مرقس إنجيلَه وُلِد فنٌّ أدبيٌّ جديد. ولكنّ كتيّبه لم ينطلق من لا شيء بل استند إلى عمل سابق قامت به الجماعة المسيحيّة: تذكّرت أقوال وأعمال يسوع، دوَّنت أخبارًا منعزلة وأقوالاً متفرّقة، جمعتها وهكذا حصلنا على نصوص متناسقة. إنطلقت الكرازة بالإنجيل من التاريخ فتحوّلت إلى خبر، وما عتمَّ الخبر أن صار في خدمة الكرازة فصار بدوره كرازة.
سنحاول إذًا أن ندخل في سرّ إنجيل مرقس فنبحث عن الموادّ التي استعملها. ونكتشف كيف بنى عمله في كتاب هو الإنجيل الثاني.

1- الموادُّ المستعملة
يتكوّن النصّ من مقاطع صغيرة مرتبطة بطريقة مصطنعة. ونحن نستطيع أن نتعرّف إلى كلّ مقطع بما نجده في بدايته وفي نهايته، وما نكتشفه في مضمونه. نستطيع أن نأخذ مثلاً: 1: 40- 45 الذي يتحدّث عن شفاء أبرص. البداية: جاءه أبرص يتوسّل إليه. النهاية: كان الناس يجيئون إليه من كلّ مكان. أمّا المضمون فهو أنّ هذا الأبرص الذي كان مرذولاً من الجماعة صار رسولاً ينشر خبر يسوع في كلِّ مكان. ونأخذ أيضاً 3: 1- 6 والشفاء في السبت. المضمون هو: هل يحلّ عمل الخير يوم السبت؟ والبداية والنهاية واضحان. رج أيضاً 4: 26- 29؛ 12: 1- 12.
نتوقّف إذًا على الوحدات الأدبيّة أكانت منفصلة أو مجموعة.

أوّلاً: الوحدات الأدبيّة
نستطيع أن نطبِّق على إنجيل مرقس النظريّة التكوينيّة لنكتشف هذه الوحدات. نجد أخبار معجزات. 17 معجزة. أربعة أخبار تورد انتصار يسوع على الأرواح النجسة (1: 23- 28؛ 5: 1- 20؛ 7: 24- 30؛ 9: 14- 29). ثمانية أخبار شفاء: الحُمَّى (1: 29- 31)، البَرَص (1: 40- 45)، المخلّع (2: 1- 12)، الرجل اليابس اليد (3: 1- 6)، المرأة النازفة (5: 25- 34)، خبران عن البحر (4: 35- 41؛ 6: 45- 52)، خبران عن تكثير الخبز (6: 30- 44؛ 8: 1- 10).
نجد مجادلات ومخاصمات وهي تحتلّ مكانة هامّة في الكتاب. يكوِّن الخبر إطارًا لكلمة يسوع التي تعطي حلاًّ لمسألة تطرحها الجماعة على نفسها: الصوم، ممارسة السبت، دمج اليهود والوثنيّين. نجد سبع مخاصمات: بمناسبة شفاء المخلّع (2: 1- 12)، لمّا كان يسوع يأكل مع العشّارين (2: 15- 17)، بمناسبة الصوم (2: 18- 20)، لما مرّ التلاميذ يوم السبت بين الزروع (2: 23- 26)، بمناسبة شفاء الرجل الذي يده يابسة (3: 1- 6)، حين أكل التلاميذ طعامهم بأيد "نجسة" (7: 1- 13)، حين سأل اليهود يسوع بأيّ سلطة يعمل هذه الأعمال (11: 27- 33). ونجد أربع مجادلات بمناسبة السؤال عن الطلاق (10: 2- 12)، والسؤال عن دفع الجزية لقيصر (12: 13- 17)، والسؤال عن قيامة الأموات (12: 18- 27)، والسؤال عن أولى الوصايا (12: 28- 34).
نجد وحدات تعني التلاميذ. تنتظم في هذه الفئة أخبار الدعوة (1: 16- 20، 3: 13- 19). وخطبة عن الرسالة (6: 7- 13)، وتعليمات متنوّعة (9: 33- 35؛ 9: 38- 40؛ 10: 35- 45).
ونجد أخبارًا عن يسوع وعن يوحنّا المعمدان. بعضُها يرتبط بسيرة يسوع أو يوحنّا (1: 2- 8؛ 1: 9- 13؛ 6: 14- 29؛ 9: 2- 8)، وبعضها يُبرز كلمةً من كلمَات يسوع (6: 1- 16؛ 10: 13- 16؛ 12: 41- 44؛ رج 3: 31- 35). ويأتي خبر الآلام (ف 14- 15) الذي يتبعه الإعلان عن القيامة والذي يشكّل خُمس الكتاب تقريبًا. فيه نكتشف سرّ يسوع كابن الله.
وعبد الأمثال والتشبيهات. هناك 12 مثلاً (عند متّى 33 مثلاً. عند لوقا 39 مثلاً) ومنها واحد خاصّ بمرقس (4: 26- 29: الزرع الذي ينمو). ما نلاحظه هو أنّ الأمثال مجموعة في إحدى خطبتي مرقس (4: 1- 34). أمّا ما تبقّى فنجده في البداية (2: 19- 22: العريس) أو في النهاية (12: 1- 12: مثل الكرّامين؛ 13: 28- 29: شجرة التين؛ 13: 34- 37: الرجل الذي سافر).
ونجد أقوالاً نبويّة ورؤيويّة. فخطبة مرقس الثانية (ف 13) التي تضمّ المثلين اللذين ذكرنا، تشتمل على القسم الأكبر من أقوال يسوع الرؤيويّة: هي كلام تنبّؤ وكلام تنبيه، وكلام تشجيع. وهناك تحذير على طريقة الأنبياء (12: 38- 40: تحذير من معلّمي الشريعة)، والإعلانات الاحتفاليّة التي تبدأ بلفظة" الحقّ الحقّ" (آمين) والتي نجدها خاصّة في القسم الثاني من الإنجيل (3: 28- 29؛ 9: 1- 41، 10- 15، 29- 30؛ 13: 3؛ 14: 9، 18، 25، 30).
ونجد أقوال حكمة قليلة في إنجيل مرقس، ونحن لا نستطيع أن نميّزها عن الأمثال (2: 21- 22، 27- 28). ونجد ملخّصات ومقاطع ننتقل فيها من وحدة إلى أخرى. يُوقف الكاتب توسّعه ليشدّد على وجهة من نشاط يسوع ويعطيه بُعدًا عامًّا. ففي 1: 32- 34، يقدّم لنا مرقس ملخصاً عمّا يمكن أن يكون المساء في حياة يسوع. وكذا نقول في 3: 7- 13؛ 6: 12- 13، 53- 56. أمّا آيات الانتقال فإليك بعضها: 1: 21- 22، 39؛ 2: 13؛ 4: 1؛ 5: 1؛ 6: 6 ب، 30؛ 9: 14، 30؛ 10: 1).
هذه هي الموادّ الأساسيّة التي تدخل في بناء الإنجيل. لا شكّ في أنّ قسم الأخبار مسيطر، ولكنّ أقوال يسوع تشكّل خطًّا لا ينقطع في هذا التقديم الإجماليّ. فنحن لا نستطيع أن نفصل الخبر عن الخطبة. يبقى أن نعرف كيف تجمّعت هذه الموادّ.

ثانيًا: كيف تجمّعت هذه الوحدات؟
لا نحسب أنّ إنجيل مرقس هو فسيفساء مبعثرة. فالوحدات الأدبيّة مجموعة: 
سلسلة المعجزات 4: 35- 5: 43.
سلسلة المجادلات في كفرناحوم 2: 1- 3: 6.
أورشليم 11: 15- 12: 40.
مجموعة تعليمات- وضع التلميذ 9: 33- 50.
مشاكل الجماعة 10: 1- 45
خطبة الأمثال 4: 1- 34.
خطبة رؤيويّة 13: 1- 37.
خبر الالام 14- 15.
إذن يتألّف الإنجيل من معلومات ضُمَّت لأسباب متنوّعة: تقارب في الشكل الأدبيّ، متطلّبات العبادة، والتعليم، والرسالة...
ليست هذه المعلومات دومًا متناسقة: فوسط المجادلات في أورشليم، يُقحم الإنجيليّ مَثل الكرّامين القتلة. وتتضمّن الخطبة الرؤيويّة تنبّؤات وتحذيرات وأمثالاً... ونتساءل: كيف تنظّمت هذه المجموعات، وهل تنظّمت قبل مرقس أم أنّ مرقس هو الذي نظّمها؟ هنا تختلف الآراء. فأحد الشارحين الألمان يعتبر أنّ تقليد يوحنّا المعمدان وبداية رسالة يسوع (1: 2- 15) ويوم كفرناحوم (1: 21 أ- 29: 39) ومجموعة المخاصمات (2: 15- 3: 6) ومجموعة الأمثال (4: 2- 10؛ 13: 20، 26- 33) ودورة المعجزات (3: 7- 12؛ 4: 1، 35- 39، 41؛ 5: 1- 43؛ 6: 32- 56) ومجموعة التعليمات عن الزواج والغنى وطلب المراكز الأولى (10: 2- 12، 17- 27، 35- 45) وخبر الالام (8: 27- 33؛ 9: 2- 13، 30- 35؛ 10: 1، 32- 34، 46- 52؛ 11: 1- 23، 27- 33؛ 12: 1- 12؛ 13: 17، 34- 37، 41- 44؛ 13: 1- 2؛ 14: 1- 16: 8) سابق لمرقس. أمّا مرقس فنسَّقها في كتاب أبرزَ فيه لاهوتَه الخاصّ.

2- كيف بنى مرقس عمله؟
نبحث أوّلاً عن المقاييس. هناك مقاييس خارجيّة ومقاييس داخليّة. 
عاد الشرّاح إلى العالم الهلّينيّ أو اليهوديّ ليبحثوا عن نموذج، عادوا إلى المأساة اليونانيّة أو إلى أعمال الشهداء. وبعضهم عاد إلى الآداب اليهوديّة ولاسيّما الرؤيويّة. توقّفوا عند الخطبة التي تشتمل على توطئة ثمّ عرض أوّليّ يتبعه قلب الخطبة وفيها البراهين. وكلّ هذا ينتهي بالخاتمة. أمّا العمل المسرحيّ فيتضمّن فترة أولى ينعقد العمل، وفترة أخيرة تحلّ العقدة، وقسم وسطيّ يتوسّع في درس الأزمة.
ونتوقّف عند المقاييس الداخليّة. فهناك إشارات إلى المكان (الجليل، أورشليم، أرض يهوديّة- أرض وثنيّة) وإلى الزمان، وإلى الأشخاص (يسوع، الاثنا عشر، التلاميذ، العائلة، الخصوم، الجمع) وإلى الملخَّصات...
وها نحن نقدم سفر مرقس انطلاقًا من المكان، انطلاقًا من الدراما، انطلاقًا من العلائق بين الأشخاص.

أوّلاً: حسب المكان
1- (1: 1- 13). على الأردنّ.
2- (1: 14- 9: 50): رسالة في الجليل مع تجاوز حدود الجليل.
(1: 14- 3: 35): في كفرناحوم وخارج كفرناحوم.
(4: 1- 5: 43): على شاطئ البحيرة.
(6: 1- 13): الناصرة وما حواليها.
(6: 30- 7: 23): على شاطئ البحيرة.
(7: 24- 9: 29): أرض يهوديّة وأرض وثنيّة.
(9: 30- 50): عبور الجليل، إقامة في كفرناحوم دون أن يعرف الناس به. 
3- (10: 1- 52): صعود إلى أورشليم.
4- (11: 1- 15: 47): رسالة يسوع وآلامه في أورشليم.
5- (16: 1- 8): إعلان عن التجمعّ في الجليل.

ثانيًا: حسب توسّع الدراما
(1: 1- 13): إنجيل يسوع الذي هو المسيح وابن الله. سمّى الصوتُ السماويّ يسوعَ: "ابني الحبيب".
1- (1: 14- 8: 26): من هو يسوع.
(1: 14- 6: 6 أ): اقترب ملكوت الله الذي أعلنت عنه أقوال وعجائب يسوع. 
ولكنّ هُوِيَّةَ يسوع ظلّت مخفيّة.
الشياطين يعرفون ويُجبَرون على الصمت، والناس يتساءلون.
(6: 6 ب- 8: 26): آراء الناس في يسوع. شارك الرسل يسوع في الرسالة، ولكنّهم لم يفهموه.
2- (8: 27- 16: 8): يسوع يكشف عن ذاته.
(8: 27- 15: 52): أعلن بطرس: "أنت المسيح".
وأعلن الصوت السماويّ: "هذا هو ابنيَ الحبيب".
وأعلن يسوع: "على أبنِ الإنسان أن يُرذل ويُقتل ويموت".
(11: 1- 13: 37): فشلُ ابن داود في أورشليم.
ابن سيّد الكرم.
ابن داود.
(14: 1- 15: 47): أعلن يسوغ أمام المجلس أنّه المسيح ابن الله.
جدال حول "ملك اليهود".
قال ضابط وثنيّ: كان هذا الرجلُ ابنَ الله.
(16: 1- 8): ضياع النسوة أمام وحي القيامة.

ثالثًا: حسب العلاقات بين الأشخاص
1- (1: 1- 13): يسوع ويوحنّا المعمدان.
2- (1: 14- 6: 6 أ): يسوع وتلاميذه، الجمع، الخصوم.
(1: 14- 6:3): المرحلة الأولى: يسوع والتلاميذ من جهة، الجمع الخصوم: نحن أمام مثلّث.
(3: 7- 6: 6 أ): المرحلة الثانية: انفصال عن الخصوم وعن أهل يسوع. 
يُبعَد التلاميذُ عن الجمع.
يُميَّزون عن الجمع والخصوم.
3- (6: 6 ب- 10: 52): هوّة بين يسوع وتلاميذه.
(6: 6 ب- 8: 26): المرحلة الثالثة: يسوع وتلاميذه الذين لا يفهمون رسالته ولا رسالتهم.
(8: 27- 10: 52): المرحلة الرابعة: يسوع وتلاميذه الذين لا يفهمون طريقه ولا طريقهم.
4- (11: 1- 16: 8): يسوع وتلاميذه يواجهون الخصوم في أورشليم.
(11: 1- 13: 37): المرحلة الخامسة: المجابهة في أورشليم.
(14: 1- 16: 8): المرحلة السادسة: الالام والقيامة.
(14: 1- 42): يسوع يهيّئ تلاميذه لدراما الالام.
(14: 43- 15: 41): يسوع وحده أمام قضاته وجلاّديه.
(15: 42- 16: 8): النسوة وقبر يسوع.

رابعًا: بنية مقترحة
وإذ نعالج المقاييس الخارجيّة والداخليّة نستطيع أن نصل إلى بنية مقترحة.
(1: 1): بدء إنجيل يسوع الذي هو المسيح وابن الله.
(1: 2- 13): يوحنّا المعمدان ويسوع، عماد الماء والروح.
(1: 14- 3: 6): اقترب ملكوت الله، تعليم يدلّ على سلطان، ومجادلات.
(3: 7- 6: 6 أ): عائلة يسوع، الملكوت في أمثال، مجابهة قوى الشرّ.
(6: 6 ب- 8: 30): سؤال طرحه يسوع، والقسم المتعلّق بالخبز.
(8: 31- 10: 31): طريق ابن الإنسان والتلاميذ للدخول في الملكوت.
(10: 32- 12: 44): ابن داود يدين أورشليم.
(13: 1- 37): خطبة يسوع عن السهر.
(14: 1- 15: 47): الحكم على يسوع، "تجديف" ابن الإنسان، والاعتراف بابن الله.
(16: 1- 8): القبر المفتوح، وبلاغ الشابّ الملتحف بالبياض. 
(16: 9- 20): الخاتمة التي زيدت فيما بعد.

3- تصميم مقترح
أ- (1: 1- 13): المقدّمة.
ب- (1: 14- 6: 13): الخبر، العمل الدراميّ ينعقد.
(1: 14- 15): تقديم.
11: 16- 25): افتتاح كرازة يسوع، دعوة الرسل الأوّلين.
* (1: 21- 3: 6): القسم الأوّل ويتألّف من متتاليتين يجمعهما خبر انتقاليّ (1: 40- 45).
(1: 21- 39): سلطة يسوع على الأرواح النجسة.
(2: 1- 3: 6): معارضة الكتبة والفرّيسيّين ليسوع.
(3: 7- 19): ملخص عن رسالة يسوع. نداء الاثني عشر وتنظيمهم.
* (3: 20- 5: 43): القسم الثاني ويتألّف من ثلاث نقاط.
(3: 20- 35): في البيت، أوّل تعليم بالأمثال، معارضة.
(4: 1- 34): خطبة الأمثال ثمّ خبر انتقال (4: 35- 41).
(5: 1- 43): معجزات.
(6: 1- 13): كرازة يسوع في مدينته، رسالة الاثني عشر.
وضعت العناصر الجوهرية ونظّم الموضوعان وهما هُوِيَّة يسوع والسير على خطاه. وبرزت المعارضات وارتسمت الانفصالات. كلّ الممثلين في الدراما صاروا حاضرين. 
ج- (6: 14- 10: 52): قلب الدراما والبراهين.
(6: 14- 16): المقدّمة.
(6: 17- 26): استطراد.
* (6: 35- 8: 21): قسم أوّل هو "قسم الخبز". والموضوع الذي يوحّده هو التعرّف إلى يسوع. ولكنه لا يتمّ الآن. نلاحظ وحدة التأليف: فمعجزتا كسر الخبز تحيطان بجدال عن الطاهر والنجس. ويتجاوز الإنجيل إطار العالم اليهوديّ وينفتح على الوثنيّين. إذا أردنا أن نتعرّف إلى يسوع ندخل في بعد جماعيّ: ندخل في جماعة تضمّ اليهود والوثنيين.
(8: 22- 26): خبر انتقال.
* (8: 27- 9: 13): قسم ثان هو قلب البرهان بل قلب الإنجيل كلّه. يتعمّق سرُّ يسوع، وينكشف للتلاميذ سرُّ التزامهم على خطى المسيح.
(9: 14- 29): خبر انتقال.
* (9: 30- 10: 45): قسم ثالث يحدّده خبرَا شفاء ويميّزه عودة بعض المواضيع: في الطريق، الدخول في ملكوت الله. لقد تعلّمت الجماعة متطلّبات حياة التلميذ على خلى المسيح.
(10: 46- 52): خبر انتقال.
د- (11: 1- 15: 47): حلّ العقدة.
(11: 1- 12: 44): قسم أوّل.
(11: 1- 11): مقدّمة
(11: 12- 26): نقطة أولى.
(11: 27- 12: 12): نقطة ثانية. المعارضون يواجهون يسوع. 
(12: 13- 34): نقطة ثالثة.
(12: 35- 40): خاتمة.
(12: 41- 44): خبر انتقال.
* (13: 1- 37): قسم ثان. الخطبة الرؤيويّة.
(13: 1- 4): مقدّمة.
(13: 5- 23): نقطة أولى: إعلان أحداث هائلة وتحذير من الذين يوهمون الناس أنّهم المسيح، وأنّهم يعرفون زمن مجيئه.
(13: 24- 27): نقطة ثانية: نقطة ثقل الخطبة: إعلان عن انقلابات كونية ومجيء ابن الإنسان.
(13: 28- 37): نقطة ثالثة تذكّرنا بالكارثة النهائية (آ 30- 32). يوجِّهُنا مثَلُ التينة ومثل الرجل المسافر نحو انتظار المسيح.
* (14: 1- 15: 41): قسم ثالث ويتألّف من وحدتين.
(14: 1- 50): الوحدة الأولى مرتَّبة حول عشاء يسوع مع الاثني عشر (14: 17- 31).
(14: 51- 52): خبر انتقال.
(14: 53- 15: 41): الوحدة الثانية وتتضمّن ثلاث نقاط
الأولى: محاكمة أمام المجلس ونكران بطرس ليسوع (14: 54- 72).
الثانية: محاكمة أمام بيلاطس واتّخاذ القرار الأخير (15: 1- 15).
الثالثة: الصلب (15: 16- 41).
(15: 42- 47): خبر انتقال.
هـ- (16: 1- 8): الخاتمة: عند قبر يسوع. تشكّل كلمات المرسل خاتمة وإرسالاً.
و- (16: 9- 20): النهاية. ظهور القائم من بين الأموات.

د- لاهوت مرقس الإنجيلي
1- مميّزات الأسلوب اللاهوتي
أوّلاً: الدينامية
منذ البداية نلاحظ الطرائق الديناميكية. فالكلمة الأولى "بدء" تتطلّب توسّعًا. ونكتشف في الآيات الأولى تسلسلاً تصاعديًّا: العهد القديم يعلن يوحنّا المعمدان (1: 2- 3)، يوحنّا المعمدان يعلن يسوع (1: 7: 8). يسوع يعلن الملكوت (1: 14- 15). وأخيرًا هذه التوازيات. بين الشعب ويسوع، بين يوحنّا المعمدان ويسوع فيبرز تفوّقُ يسوع.
خلال الإنجيل، نجد أنّ مرقس ينطلق من حادث محدَّد فيمتدّ ويعمّم: فبعد تعليم أعطي في كفرناحوم (1: 21) ننتقل إلى تأكيد عامّ عن سلطة كلمة يسوع وجِدَّتِها (1: 22، 27). وبعد إخراج روح نجس واحد (1: 23- 26) نتعرّف إلى سلَطان يسوع العامّ (1: 27، 34). بعد تصوير شفاء واحد نقرأ ملخصاً يذكّرنا بأشفية عديدة (1: 32- 34). بعد أن ظهر يسوع في كفرناحوم، أراد أن يمدّ نشاطه إلى مكان آخر (1: 38). بعد أن أعلن أنّ خطايا المخلّع غُفرت (2: 5)، نعرف أنّ ليسوع سلطانًا عامًّا على الخطيئة (2: 10). بعد دعوة العشّار لاوي (2: 13- 4)، نرى يسوع يدعو كثيرًا من الخطأة والعشّارين (2: 15- 16). وأخيرًا نسمع هذا النداء يتوجَّه إلى كلّ الخطأة: "ما جثت لأدعو الصدّيقين، بل الخطأة" (2: 17). ونلاحظ أيضاً أنّ الأمثال التي احتفظ بها مرقس تشدّد على النموّ.
وإذا قابلنا حادثينِ متوازيينِ نلاحظ توسّعًا مهمًّا في الحادث الثاني. فالتعليم الذي نستشفّه من خلال أوّل طرد للروح النجس (1: 23- 28) يتجاوزه التعليم الذي نكتشفه في ممسوس الجراسيّين (5: 1- 20). أوّل تكثير للخبز (6: 30- 44) اقتصر على العالم اليهوديّ، أمّا التكثير الثاني (8: 1- 9) فشمل أيضاً العالم الوثنيّ.

ثانيًا: الرمزية
ليست رمزيّة مرقس مصطنعة، وهو لا يكتفي بأن يلعب بين طبقات تنقّليّة. إنّه يشكّل الرمزيّة المشاركة التي تقيم علاقة ذاتيّة بين الشيء الذي يرمز والواقع المرموز إليه. فالشيء يُهَيّئ الواقع ويمهّد له. إنّ الرمز جزء لا يتجزّأ من الواقع المرموز إليه. ومن خلال المضمون الخاصّ وبفضل الامتدادات التي يمنحها الفكر لكلّ ما يحمل معنى ما، يحرِّك الرمز رنّاتٍ لا حدود لها. ففي نظر مرقس، معجزات يسوع واقع له معنى، أي موجّهة نحو هدف. ويكفي الفكر أن يترك هذه الديناميّة الخاصّة تقوده إلى هذه العجائب لكي يتأمّل في الخلاص الكامل. لا شكّ في أنّه من الضروريّ أن نتجاوز الحدث الخام لنفهم معناه. فالقدّيس مرقس يذكر أوّل تكثير للخبز والسير على المياه، ثمّ يعلّمنا: "لم يفهموا شيئًا من معجزة الخبز، لعمى قلوبهم" (6: 52؛ رج 8: 17- 21). ثمّ إنّه يسهّل على الفكر أن ينتقل من أمراض الجسد إلى أمراض النفس كما يشهد بذلك كلام يسوع الذي أورده مر 2: 17: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى. ما جئت لأدعوَ الصدّيقين بل الخطأة".
وهكذا لا يأخذ مرقس رمزية تنقلنا إلى طبقة أعلى نُسجن فيها. إنّه ينطلق دومًا من واقع بسيط وملموس. إنّه يرتفع من الأرض إلى اللامحدود. نحن لا نكاد نرى هذه الزاوية الوضيعة ولكنّها في الواقع انفتاح لا حدود له.

ثالثًا: عمليّة شدّ وضغط
تعبّر هذه الديناميّة وهذه الرمزيّة عن عمليّة الشدّ. وإذا أردنا أمثلة نموذجيّة نشير إلى تلاصق بعض المقاطع: العماد والتجربة من الشيطان، التجلّي والإعلان عن الالام، الدخول إلى أورشليم والالام. وإنّ أكثر الأحداث تتمتعّ بشدّ داخليّ: فالعماد هو في الوقت ذاته صورة عن تنصيب ملكيّ وإلهيّ وإعلان عن الموت. والعاصفة المهدّأة ترمز إلى عاصفة الجمعة العظيمة وتعبّر عن قدرة يسوع.
ويتوخّى مرقس أن يكشف سرّ يسوع عبر الهزء والسخريّات التي أشبعه إيّاها خصومه: حاولوا أن يهزأوا به فسمَّوه ملك اليهود وابن الله. ولكن ما أحسن ما يقولون. كلّ ما يريد مرقس أن يعبّر عنه من عمق يقدّمه بطريقة سلبيّة. فالنتيجة مدهشة على المستويَينِ الأدبيِّ واللاهوتيِّ. ففي هذه الحالة الوضيعة تتجلَّى حقيقة هذه الألقاب.

رابعًا: وجود المسيح
تتّخذ الميزات السابقة معناها حين ننظر إلى إنجيل مرقس بشكل وجود. لقد شدّد التأويل منذ بعض الوقت على أنّ الأناجيل ليست سيرة حياة يسوع، بل إعلان خلاص في يسوع المسيح. هذه الحقيقة التي أخذ بها معظم الشرّاح اليوم تحتاج إلى أن نُظهر فروقَها الدقيقة وأن نكمّلها. فالأناجيل ليست مجموعة أقوال، وليست عرضاً لاهوتيًّا على غرار الرسالة إلى رومة.
مرقس هو أوّل من عبّر عن الكرازة في إطار رسمة وجود المسيح. وهذا فُرض عليه لأسباب عدّة لا تمتّ بصلة إلى حشريّة كاتب السيرة أو إلى التعلّق بالماضي. أوّلاً، لأنّ حياة يسوع بما فيها من انجذاب وتحوّل وحركة هي للمؤمن أكثر من تعليم. نحن لا نتعلّق بواسطة الإيمان بأيّ مسيح ممجَّد، بل بالمسيح الذي تمجَّد لأنّه يَتّضع، أن يُفرغ ذاته. ثم إنّ الوحي بالخلاص لا يقوم في أحد الأسرار العقلانيّة أو إحدى الحِكَم ولو كانت حكمة التطويبات، ولا يقوم ببعض الممارسات ولو كانت ليتورجيّة. إنّ وحي الخلاص يتحدّد بالنسبة إلى الوجود البشريّ. وإنّ الوحي يؤثّر فينا، في وجودنا، مع ما يتضمّن من خبرة ووعي، من قلق ومن مجابهة للموت، من بحث عن السعادة وسير نحو المطلق، من انجذاب نحو الله وقرار خلاّق. ولهذا يهمّنا أن يُعرَض الوحي المُوحى عبر وجود يعبِّر عن نفسه، عبر وجود يسوع المسيح. وما نلاحظه هو أنّ مرقس استعمل في تصوير موت يسوع (فاختلف عن سائر الإنجيليّين) أبسط الكلمات وأعمّها. لقد مات يسوع كما يموت كلّ إنسان. وفي هذه المرآة يقدر كلّ واحد أن يرى موته الخاصّ.

خامسًا: الوجهة البصرّية
فبسبب هذا وبسبب عبقريّة مرقس الخاصّة، لم يظهر هذا الإنجيل كمجموعة اعتبارات مجرّدة، بل حاول أن يصوِّر أمام العين وجود المسيح. ولكن لا نخطئ فلسنا أمام تحقيق صحافيّ بل أمام عرض بصريّ للكرازة في إطار وجود إنسان من الناس. ولسنا أمام غياب فكر، بل أمام أسلوب بصريّ لا يعبّر عن نفسه باعتبارات مجرّدة بل ينقل إلينا بلغة الصور بديهاتِه وأفكارَه. نحن نعرف اليوم كم تستطيع الصورة أن تكشفَ عن عمق لاهوتيّ وروحيّ: فيسوع نزل في مياه المعموديّة ومنها صعد. مرَّ المسيح ودعا لاوي الجالسة إلى مكتبه. يسوع النائم في القارب يقوم ويهدّئ العاصفة. المسيح يطرد جوقة من الشياطين ولكنْ يطرده بعض الناس. المسيح الذي مات بدا مثل ستار يمزَّق.
فهذا الإنجيل البسيط يتمتعّ بغنى عميق، ببعض التماسك العناصر وبعض الغموض، لأنّ كاتبه يحاول أن يعبّر في إطار وجود بشريّ تدخّل الله في عالمنا مع كلّ الانجذابات التي يتطلّبه هذا الوجود.

2- المسيح المهان
لا نستطيع أن نفهم شيئًا من صورة المسيح كما يعرضها مرقس إن لم ننظر الخلفيّة التي رُسمت عليها. ولكن تأتي التحذيراتُ والتنبيهاتُ الكثيرة لتمنعَنا من فهم يسوع فهمًا سريعًا وخاطئًا. فحين يشدّد مرقس على صعوبة ولوج سرّ يسوع، فهو لا يريد أن يشدّد فقط على عدم الفهم عند الجمع (4: 10- 12) وعند عائلة يسوع (3: 31- 35. 6: 1- 6)، وعند تلاميذه (6: 52، 8: 17- 18، 21، 33). وهو لا يصيب فقط شخصاً أو مجموعة. فكلّ الذين في حضرة يسوع أصيبوا بالعمى، لأنّ ما يُتِمُّه يتجاوز العقل البشريّ. إنّه الكاتب ينبّهنا مسبقًا: أراد أن يصوّر في إنجيله يسوعًا محيّرًا. ينبّهنا مرقس إلى ذلك حين يشدّد على الجِدَّة التي حملها يسوع (1: 27) وهي جِدَّة لا تتوافق مع تقاليد الكتبة البشريّة (7: 1- 3)، ولا مع الشريعة (2: 15- 17) وأسمى الروحانيّات التي ولدتها (2: 18- 23). لا شكّ في أنّ آلامَ يسوع وموتَه هي في قلب هذه الجدّة التي لا تُفهم، ولكنّ حياة يسوع كلَّها تبدو كلغز يتوضّح لنا ببعض شروط (4: 10- 13). هذا اللغز لا يعني يسوع فقط بل يحيط بسرّ الملكوت: الله الزارع، الكلمة المرميّة في الأرض، الناس الذين زرعت فيهم.
وطبقًا للفكرة التي كانت لهم عن الله، كانوا ينتظرون مسيحًا قديرًا يسحق الأعداء بسرعة، يحفظ الأبرار من كلّ شرّ ويقيم مملكة منظورة. في هذا المعنى نستطيع أن نقرأ التصاويرَ المسيحانيّة التي نجدها في كتب تعكس العقليّة اليهوديّة في القرن الأوّل ب م مثل سفر أخنوخ (ف 70) وصعود موسى (ف 10). ولهذا سيتحيّر الناس: أن يَخرج المسيحُ من عائلة وضيعة في الناصرة، أن يظهر فقيرًا بدون قدرة ولا مجد، أن لا يحاول أن يفرض نفسه بالقوّة والمعجزات (8: 11- 12). وما لم يستطع أن يفهمه معاصرو يسوع ولا قرّاء مرقس هو أنّ يسوع ترك أعداءه يمسكون به ويهزأون به ويقتلونه. إن لم نفهم هذه النقطة نبقى على هامش شخصيّة يسوع كما رسمها مرقس.
لقد أراد بعضهم أن يجعل من إنجيل مرقس صورة عن الصراع بين المسيح والشيطان، فلم يصلوا إلى المشكلة الأساسيّة. فتحقيق دقيق لمسيرة الإنجيل الثاني يدلّ على أنّ هناك مرحلة أولى يحارب فيها يسوع القوى الشيطانيّة (1: 23- 28. وسيهتمّ دومًا بهذا الأمر: 5: 1- 20؛ 9: 14- 29). ولكنّ المهمّ هو تبديل قلب الإنسان. ولهذا أخذ يسوع يغفر الخطايا ويدعو إلى التوبة (2: 1- 17). ونصل إلى مرحلة ثانية أعمق من الأولى مع أنّها غير كافية: ما العمل حين يرفض الإنسان الغفران المعروض عليه؟ هل نقاصصه، نعاقبه، وفي النهاية نقضي عليه؟ لا، لأنّ ابن الله يترك نفسه تُسحق بالإرادة السيّئة التي لدى البشر المتمرّدين. هذه هي المرحلة الثالثة التي هي قمّة هذا الإنجيل وجوهره. لا شكّ في أنّنا نستطيع القول إنّه في عقليّة مرقس ومعاصريه يجب أن نحارب ضدّ الخطيئة والمجرِّب. ولكنّ كلّ مرحلة تتميّز بموقف مختلف لدى يسوع، وهذا يدلّ على أنّ نقطة الصراع قد تحوّلت وأنّ حقل الوحي قد بدّل مكانه.
ومن جهة أخرى نصل إلى هذه النتائج حين نأخذ بعين الاعتبار القسمين الكبيرين اللذين يركِّبان إنجيل مرقس. وهما يقابلان السؤالين التاليين: من هو (1: 14- 8: 30)؟ إلى أين يذهب (8: 22- 16: 8)؟ نحن نعرف كيف أن هذين السؤالين يوجدان في إنجيل يوحنا ويُضَمّان إلى سؤال ثالث: من أين يأتي؟ لم يتوسّع مرقس في هذا السؤال ولكنّه يقدّم لنا يسوع على أنّه ابن الله، وإنّ كلاًّ من هذه الأسئلة يرتبط بالسؤالين الآخَرَيْنِ. فما هو جوهريّ وما لا نستطيع. أن نفهمه هو آلام المسيح، لا آلام رجل عاديّ، لا آلام نبيّ ومجترح معجزات، بل آلام مسيح وُعد به أنّه آتٍ ليقيم ملكوت الله، وآلام ابن الله الذي يوحي إلينا الآب. فمن التعارض بين قدرة السماء التي يقدر أن يطالب بها وبين مهانة الصليب، ينبع شخص المسيح غير العاديّ.
ويمكننا أيضاً أن نعالج هذه المسألة منطلقين من المعجزات. لم يكن هدف مرقس أن يقدّم لنا فقط شخصاً يجترح المعجزات. بل أن يقدّم لنا في تعارض مثير ومعبّر مسيحًا له من القدرة لكي يتغلّب على الشياطين وعلى الأمراض، وله من الضعف أمام المعاملات السيّئة التي يَسِمُه بها البشر. وإنّنا نجد تفسير إحدى المعجزات التي وردت عند مرقس في العبارة التي نُسبت إلى أعداء المسيح على الصليب: "خلّص آخرين، ونفسه لم يقدر أن يخلّصها. إذا كان المسيحَ ملكَ إسرائيل، فلينزلِ الآنَ عن الصليب لزى ونؤمن" (15: 31- 32). إنّ موقع المعنى العميق للمعجزة في إنجيل مرقس هو في الوحي الذي يحمله عن الرباط الوثيق الذي يضمّ الضعف إلى القوّة في يسوع كما في أبيه.
كان من الصعب أن نعبّر عن هذا الوحي وهذا التجاذب القائم في حياة يسوع بين أصله الإلهيّ وانخفاضه الأرضيّ وتمجيده. ولكنّ مرقس نجح في التعبير عنه مستندًا إلى ما سمّاه السرّ المسيحانيّ. لا يكفي، لكي نفسّر هذا السرّ، أن نتحدث عن الأسباب التي برّرته خلال حياة يسوع. بل يجب أن نقول لماذا شدّد مرقس على هذا السرّ. لماذا أراد أن يضخّم هذا السرّ في وقت (حوالي 60- 70) خسر فيه هذا الموضوع أهمّيّته؟ في الواقع، أراد مرقس أن يضمّ في عرض ملموس وحيّ تأكيدين لاهوتيّين: منذ البداية، يسوع هو المسيح ومع ذلك كان عليه أن يتقبّل هذا اللقب من أبيه عبر الاتّضاع والصليب. وحين دوّن مرقس إنجيله كان هذا الموضوع رئيسيًّا ليؤسّسَ كرستولوجيا لا تساوم مع التبنّوية (تقول إنّ يسوع هو ابن الله بالتبنّي لا بالطبيعة) ولا مع الظاهريّة (تقول إنّ جسد المسيح لم يكن حقيقيًّا وبالتالي لم تكن آلامه وموته حقيقيّة)، ويبيّنَ للمؤمن وضعه كإنسان قد خُلِّص في الماضي ولكنّه يحتاج أيضاً إلى أن يُخَلَّصَ.
وهكذا كشف لنا مرقس معنى حياة المسيح: إنّه يسوع وابن الله الذي أرسله الآب. جاء ليخلّص البشر من أعدائهم، جاء ليغفر للخاطئ لا ليدمّر الخاطئ ويفرض نفسه عليه. هو يقف على مفترق الطرق لا ليحطّم قلوب البشر، بل ليتّضع وليتقبّل الهزء والطرد.

3- وحي الله
لا يقدِّمُ لنا يسوع كما نعرفه في إنجيل مرقس أيّ تحديد جديد عن الله، ولكنّه بحياته وشخصه يجدّد فكرتنا عن أبيه.
سيقدّم لنا يوحنّا الإنجيليّ يسوع على أنّه صورة الآب: "من رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9). "أنا والآب واحد" (يو 10: 30). ولكنّنا نستشفّ الفكرةَ عينَها في إنجيل مرقس. في هذا الإطار نقدر أن نفهم العماد الذي يشير إلى موت يسوع وتنصيبه مسيحًا، فيعلن الصوت السماويّ أنّه الآبن (1: 11). وهذا ما نسمعه في التجلّي وقبل الالام: فبعد الشريعة والأنبياء وبحسب شهادتهم، هذا هو الوحي السامي الذي يطلب منّا الصوت السماويّ أن نسمعه لأنّه آتٍ من الابن (15: 39). وبعد هذه التأكيدات الاحتفاليّة، نجد تلميحاتٍ مباشرةً (إعلانات الشياطين) أو غير مباشرة (5: 19- 20. أبّا في 14: 36، موت يسوع في 15: 38 يكشف قدس الأقداس) تذكّرنا دومًا أنّ يسوع هو صورة أبيه. لهذا فإنّ موقفه المسيحانيّ، ولاسيّما وقت الالام، أوحى إلينا الله.
وحين رفض الكتبة والفرّيسيّون مرسلاً من إله يغفر للخاطئين بدل أن يعاقبهم (2: 1- 12، 17:13)، يتقبّل الهزء بدل أن يفرض نفسه بقوّة وجلال، كانوا يستندون إلى نظرة إلى الله يجب على المسيح أن يأخذ بها. رفضوا أن يحوّلوا فهمهم لله. ولكن لا نحكم عليهم سريعًا، فعائلة يسوع وسكّان الناصرة (6: 1- 6) وحتّى تلاميذه (8: 33؛ 9: 32) لم يقدروا أن يتبعوه وأن يتقبّلوا وحيًا مشكِّكًا عن إله يفضّل الذلّ على فرض نفسه بالقوّة.
والشكّ الكبير هو أنّنا حاولنا عبر العصور أن نفسّر معطيات العهد الجديد (ومنها معطيات مرقس) بطريقة تجعلها "معقولة". إذا أردنا أن نفسّر الصليب فصلنا الآب عن الابن، جعلنا الآب يواجه الابن، فيصبح الابن ذبيحة تقدر وحدها أن تهدّئ غضب الله. فنحن إن وجدنا في إنجيل مرقس أيّ تلميحاتٍ إلى الذبائح وموضوع عبد الله، فهي قليلة جدًّا. لقد استند مرقس إلى العهد القديم، ولكنّه توخّى أن يقدّم لنا موت المسيح بما فيه من فرادة وجدّة. هذا الموت ساعدنا على الدخول نهائيًّا في قدس الأقداس (15: 38) وأوحى إلينا وجه الله الحقيقيّ (9: 7؛ 14: 65؛ 15: 38- 39). لا نستطيع أن نستند إلى المزمور 22 الذي يجعله مرقس على شفتَي يسوع المائت لكي نقول إنّه كانت مسافة بين يسوع وأبيه. هذه القراءة الروحيّة لا توافق التفسير التأويليّ. في الواقع إنّ عبارة "متروك من الله" تعني في التوراة حالة من الألم والشقاء، لا حالة الخاطئ أو الهالك. إنّ هذه الصرخة تشدّد عند مرقس على حالة الضعف العظيم التي وجد يسوع نفسه فيها: إلى أيّ حدّ هو متروك بين أيدي أعدائه؟ ولكنّه في الوقت عينه يكشف لنا أنّ الله يُسْلِمُ نَفْسَهُ إلى أيدي البشر في شخص ابنه. وإذ يعمل هذا يغفر لهم شرط أن يكتشفوا فيه هذا الحبّ المتواضع والسريع العطب.

4- الإنسان والإيمان
إذن، ما يُطلَب من الإنسان قبل كلّ شيء هو الإيمان. وهذا يعني أنّه لا يحاول أن يضع يده بنفسه على إمكانيّة القرب من الله، بل إنّ الوجه الحقيقيّ المتواضع والمهان لحبّ الله قد أوحي إلينا في يسوع. فإنْ قَبِل الإنسان هذا الحبّ وتجاوب معه يخلص مثل الضابط الذي عبّر عن إيمانه عند قدم الصليب، ويقدر أن يدخل في قدس الأقداس (15: 38- 39). إنّ موضوع الإيمان موجود في كلّ إنجيل مرقس. سنعالج بعض جوانبه.

أوّلاً: الارتداد
الارتداد هو جزء من الإيمان. كان الشرّاح يفكّرون في الماضي أنّ العهد الجديد هو امتداد للعهد القديم، وكانوا يرون في الارتداد تبديل اتّجاه من أجل العودة إلى الله. نحن لا ننكر عمق هذه النقطة، ولكنّ دراسةَ الألفاظ تبيّن أنّ الوضع ليس بهذه البساطة. فإنّ العهد الجديد عامّةً، ومرقسَ خاصّةً، يستعمل لفظة قلّ وجودها في السبعينيّة اليونانيّة. فكأنّي به يفضّل لفظة جديدة تدلّ على التوبة مع التشجيع. إذا أردنا أن نعطي هذه الكلمة كلّ مضمونها يجب أن نستقيَ من أخبار الارتداد. فدعوة لاوي والوليمة مع الخطأة (2: 13- 17) تلقي ضوءًا فريدًا على 1: 15 مثلاً. فالارتداد ليس مجهودًا بشريًّا سابقًا للإيمان، إنّه نداءٌ آتٍ من الله بيسوع المسيح، إنّه نداءُ المسيح الذي يجعل نفسه رفيق الخطأة في مناسبة وليمة حميمة. وإذ يتعرّف الإنسان إلى نعومة هذا النداء يصل إليه بحبّ متواضع، يمكنه أن يجد التشجيع ويبدّل عقليّته. ولكنّنا قد أصبحنا في إطار الإيمان.
هكذا نفهم ملخّص الكرازة المسيحيّة الذي قدّمه إلينا مرقس 1: 15: "توبوا وآمنوا بالإنجيل". فقوّة "توبوا" تأتي أوّلاً من شكل النداء الذي أطلقه يسوع. فهو الذي يجعل الإنسان يتعرّف إلى حالته كخاطئ ويشجّعه، عارضاً عليه حبّه كما تجلّى بالصليب وبالإنجيل.

ثانيًا: الإيمان والشريعة
في أخبار المعجزات ولاسيّما في ممسوس كفرناحوم (1: 21- 28) وفي شفاء المخلّع (1: 40- 45) أراد مرقس أن يحدّثنا عن الخلاص بالإيمان. فتجاه عجز الشريعة التي تقدر فقط أن تتحقّق من أمر ما، تعمل كلمة يسوع بفاعليّة من أجل الخلاص. والمعارضة بين الإيمان والشريعة تصل إلى قمّتها في المجادلات الخمس (2: 1- 3: 6). فالمسيح لا يقدّم فقط تعمّقًا في الشريعة بحيث يكفي أن ندخل إلى باطنها وأن نطبّقها بتعقّل (كما في قطف السنابل: 2: 23- 27 أو في حدث الرجل اليابس اليد: 3: 1- 6)، بل يعارض الشريعة وبالأخص في الوليمة مع الخطأة (2: 15- 17). أمّا المثلان الصغيران عن الثوب الجديد والخمرة الجديدة (2: 21- 22) اللذان يليان مجادلة مع الفرّيسيّين وتلاميذ يوحنّا (2: 18- 20) فهما يدلاّن على عدم التوافق بين يسوع وأسمى أشكال الروحانيّة اليهوديّة. فالجديد الذي يراه مرقس في يسوع وفي الإيمان المسيحيّ (1: 27؛ 2: 21- 22) لا يرتبط بالزمن (الجديد بعد القديم)، ولا هو قضيّة درجات. الجديد هو أمر جذريّ ونوعيّ. فالشابّ الغنيّ الذي تحدّث عنه مرقس (10: 17- 31) هو نموذج مثاليّ للشعب اليهوديّ. إنّه يمارس الشريعة بأمانة ويبحث عن الحكمة. يجتذبه شخص المسيح ولكنّه لا يقبل أن يتخلّى عن خيراته الكثيرة التي هي ربما خيرات أخلاقيّة وروحيّة آتية من الشريعة. إنّ مرقس لا يحتقر هذا الشابّ واهتماماته الأولى. إنّ مرقس يتباعد عن الشريعة، ولكنّه لا يرذل العهد القديم. إنّه يقرأه كإعلان نبويّ وكتهيئة للإنجيل (1: 1- 2).

ثالثًا: مضمون الإيمان
ليس الإيمان تعلّقًا فارغًا من أيّ مضمون. في 1: 15 يقول لنا مرقس: آمنوا بالإنجيل. وفي مقطع العاصفة المهدّأة (4: 35- 41)، لا يقوم إيمان التلاميذ بأن يوقظوا المسيح ويثقوا به لينجوا من كلّ ما يضرهم، بل أن يتبعوه عبر العاصفة. فالإيمان يَقبل أن يمرّ عبر موت المسيح وقيامته. والخلاص أكيد ويصل إلينا عبر الأحداث الطبيعيّة والمحيّرة شرط أن نعيشها بحبّ متواضع لله والبشر. لا يؤمن المسيحيّ أنّه، بعد انتصار المسيح، قد حُمي من الألم والموت. مثل هذا الوهم وُجد في كنيسة تسالونيكي وفي الحركات الألفانيّة (اعتقاد بأنّ المسيح سيملك ألف سنة). أمّا المسيحيّ فعليه أن ينطلق في الطريق عينها التي اتّبعها المسيح (10: 30 "مع الاضطهادات"؛ 10: 38؛ رج 8: 34- 38). وهذا يعني أنّ الإيمان المسيحيّ جديد بالنسبة لكلّ عاطفة دينيّة وكلّ امتزاج في النشاطات البشرّية. فنحن نمارس الإيمان عبر مسيرة الأحداث العاديّة وفي عملنا اليوميّ. إنّ مرقس لا يتخلّى عن واقع حياتنا الملموس، الذي عبره ينكشف مطلقُ الله حاملاً معه تحرّك الإيمان.

رابعًا: تعبير أسراريّ عن الإيمان
لا نجد عند مرقس الإيمان من جهة والأسرار من جهة ثانية. حينئذ تكون الأسرار ممارسة خلاصيّة تعارض الإيمان. فمكانة الأسرار في الإنجيل الثاني ضئيلة. ولكنّ هذا لا يعني أنّ لا أهمّيّة لها ولا مدلول. فالسرّ في نظره لا يرتبط بالإيمان، إنّه تعبير عنه، إنّه نقطة الوصول بالنسبة إليه. فإذا كان الإنسان يُقِرُّ بالإيمان أنّه لا يقدر أن يخلّص نفسه بنفسه، حتّى ولا بأعمال الشريعة، فهو ينتظر الخلاص كعطيّة مجّانيّة آتية من الله بعمل المسيح وكلمته. وهذا العمل وهذه الكلمة اللذان يتوّجان إيمان الإنسان يشكّلان ما نسمّيه اليوم سرًّا. فالمعموديّة هي عند مرقس قريبة من مدلولها الاشتقاقيّ (10: 39): إنّها تغطيس، إنّها إغراق، إنّها غرق في مياه الموت مع المسيح. والقيامة مع المسيح (1: 10- 11) وفي الروح (1: 8، 10) هي النتيجة الخلاصيّة (16: 16) المباشرة.
والمقطع عن العشاء الأخير (14: 22- 24) وخبرا تكثير الخبز (6: 30- 44؛ 8: 1- 10) يشهدان على وجود الإفخارستيّا في جماعة مرقس: هذه المشاركة في موت المسيح تحمل إلى المؤمن عطيّة الحياة الفيّاضة.
ومن خلال هذه الأسرار التي نكتشفها بسهولة، يجب أن ندرك عند مرقس ما يُسمَّى ولادة السرّ: ففي أخبار الأشفية تبيّن الرمزيّة بوضوح أنّ المسيح يغفر بكلمته الفاعلة وينجّي ويشفي ويخلّص، ولكن يجب أن نلاحظ أنّ يقين الخلاص المعطى لنا لا يعفينا من أن نعيش الواقع الذي انخرطنا فيه. قال يسوع لتلميذيه: "أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سأشربها، أو تعتمدا بالمعموديّة التي سأعتمد بها" (10: 38)؟

خامسًا: موضع الإيمان
إذا توقّفنا عند ظاهر الأمور وجدنا أنّ الكنيسة تحتلّ مكانًا ضئيلاً في الإنجيل الثاني. ولن نبحث فيه عن عبارات تجعل من الكنيسة جماعة وسيطة بها نخلص، أو مؤسّسة بشريّة على غرار المجتمعات البشريّة. فالقدّيس مرقس يشدّد على وحدة المسيح في آلامه: إنّه وحده حتّى الموت، وسينعزل شيئا فشيئًا (لا تُذكر النسوة إلا بعد موته). فما أراده مرقس ليس فقط أن يصوّر عزلة وألم يسوع على الصليب، بل أن يؤكّد أنّ المسيح وحده يخلّص. إلاَّ أنّنا نشاهد عند مرقس ولادة الكنيسة: يدعوها المسيح، يغفر لها، يوحّدها بنفسه، يتكلّم باسمها ويجعلها تعمل باسمه (16: 20). فنحن نرى كيف دعيت جماعة التلاميذ (1: 16- 20) وتنظّمت (3: 13- 15) وأرسلت (6: 7- 13). ولكنّ هذا الإرسال وهذا التنظيم يتجذّران في الاتّحاد بالمسيح (3: 14: ليكونوا معه) الذي يعطي وحده الوجود والتماسك لهذه الجماعة البشرّية. بعد أن سبقهم في طريق الخدمة (9: 33- 37، 10: 41- 45) سلّمهم رسالة يقدر وحده أن يعمل فيها بفاعليّة (16: 16- 20).
وهكذا نشاهد ظهور "الخِدم". يتجنّب مرقس أن يستعمل ألفاظ العهد القديم والديانات الوثنيّة ليدلّ على هذه الخِدَم، لأنّنا أمام رسالة جديدة وأصليّة. فالمرسل لا يمارس وظيفة وساطة: إنّه يعلن ويترك المسيح يعمل. فإعلان الكلمات، أكان قبل القيامة أو بعدها، يرافقه عمل خلاصيّ. وهذا ما تشدّد عليه الوجهة الفاعلة في إنجيل المسيح. يمكننا أن نقول إنّ الخادم هو في نظر مرقس علامة فاعلة لعطيّة الله بيسوع المسيح. وإذا أمكن أخيرًا أن نرى عبر العلامات المرسومة في نهاية إنجيل مرقس، رموزًا عن هذه الفاعليّة الأسراريّة، وبقدر ما ترافق هذه العلامات الأحد عشر والذين سيؤمنون (16: 17)، يمكننا أن نفهم أنّ هذه السلطات الخلاصيّة ليست ملك الرسل الذين يمارسونها وحدهم، بل أعطيت لمجموعة الشعب المسيحيّ ككلّ، وتحيلنا دومًا إلى عمل المسيح الحاضر.

سادسًا: نتائج الإيمان في الوجود المسيحيّ
كلّ ما سبق يعني الوجود المسيحيّ. ولكنّنا نستطيع أن نرى أيضاً عند مرقس ميزات طريقة حياة. ولا يقوم هذا الموقف المسيحيّ كتوطئة للخلاص. فنداءات المسيح تسقط فجأة على الرسل الأربعة الأوّلين (1: 16- 20) وعلى لاوي (2: 13- 14) وكأنّ لا فائدة منها ولا من عدمها. ولكن بما أنّ المسيحيّ يخلص مجّانًا فعليه أن يعيش عيشًا يطابق القداسة التي نالها. فما هو مطلوب من الرسل ومن كلّ مسيحيّ هو أن يحبّ المسيح ويفضّله على كلّ شيء بحيث يتخلّى عن كلّ شيء أو يكونَ مستعدًا للتخلّي عن كلّ شيء.
ويشدّد مرقس على روح الخدمة ليعبّر عن المحبّة المتواضعة التي تدفع المسيحيّ إلى العمل. فالتواضع المطلوب ليس فضيلة بين الفضائل، إنّه ميزة الحبّ الحقيقيّ. لهذا عاش يسوع هذا الشكل من الحبّ وحقّقه (10: 45) فأوحى أنّ حبّ الله الذي أنشده العهد القديم في صور الزوج والأمّ والأب، يتجاوز أشكال الحبّ هذه التي يمكنها أن تتضمّن عاطفة تملكيّة أو أبويّة. إذا كان المسيح ابن الآب وصورته قد دلّنا على المحبّة المتواضعة، فعلى المسيحيّ، أكان رسولاً (9: 33- 37؛ 10: 41- 45) أو طفلاً (10: 13- 16)، أن يعيش بحسب هذا المثال.

الخاتمة
لن نبحث في إنجيل مرقس عن توسّعاتٍ كبيرةٍ تصلح لأن تكون الجواب الوافي لكلّ مشاكلنا اللاهوتيّة والروحيّة. ولكنّه أعطانا أفضل من ذلك: قدّم لنا الحياة المسيحيّة حين ظهرت كالنبتة التي تطلع من الحبّة. فهذه الديناميّة البِذَاريّة تساعدنا على فهم عمل المسيح الخلاصيّ ووحيه عن الآب والإيمان الذي يقدّمه للإنسان. فعلى كلّ عصر أن يجمع هذه البذار ليجعلها تثمر. ولكنّ ما قدّمه لنا مرقس يساعدنا على أن ندرك نقطة الانطلاق والجوهر وهو موت الله الوضيع الذي يوحي إلينا بالآب ويفتح للبشر طريق الإيمان. أمّا قيامته فهي تكفل لنا حضوره الفاعل في العالم.

الفصل السابع عشر
الإنجيل بحسب لوقا

مقدّمة
إنّ ما كتبه لوقا مبتكر في العهد الجديد.
ركّز كلّ من متّى ومرقس ويوحنّا كتبهم على حياة يسوع. أمّا لوقا فقسم كتابه جزءين: الإنجيل والأعمال. فميّز هكذا بوضوح زمن يسوع عن زمن بدايات الكنيسة. 
أعلن مرقس مقصده: أن يقدّم إنجيلاً. أمّا لوقا فأعلن ببساطة: أن يقدّم خبرًا عمّا حصل. ولكنّ الخبر الذي يقدّمه لا ينفي النظرة اللاهوتيّة.
شدّد الجميع منذ القديم على رقّة ولطف لوقا. فسمّى الشاعر الإيطاليّ دانتي إنجيله إنجيل لطف المسيح، ووجد الرسّامون فيه ينابيع لإلهامهم. من لا يتذكّر صورة الابن الشاطر أو تلميذَيِ عمّاوس.
إلى هذا الإنجيليّ سنتعرّف. فنتوقّف في فصلٍ أوّل على إنجيله. ثمّ نعود إلى سفر الأعمال فنفرد له فصلاً خاصًّا.

أ- من هو كاتب الإنجيل الثالث؟
بعد أن مرّ قرن كامل على تدوين الإنجيل الثالث، نسب شهود التقليد هذا الإنجيل وأعمال الرسل إلى لوقا الطبيب ورفيق القدّيس بولس. ماذا نعرف عن هذا الشخص وما قيمة نسبة الإنجيل الثالث إليه؟

1- اسم لوقا
لا يظهر اسم لوقا إلاّ قليلاً في العالم اليونانيّ، في بعض النقوش.
أمّا في العهد الجديد فنقرأ اسم لوقا ثلاث مرات: في الرسالة إلى كولسّي التي دوّنت حوالي السنة 60، يوجّه بولسُ السجين إلى قرّائه تحيّاتِ رفاقه. فيورد أوّلاً أسماء الذين هم من أهل الختان: أرسترخس، مرقس، يسوع الملقَّب بيسطس. والآخرون لم يكونوا مختونين- على ما يبدو- وهم أبفراس ولوقا الطبيب الحبيب وديماس (كو 4: 10- 14).
وفي الرسالة إلى فيلمون التي أرسلت إلى كولسّي، وفي الوقت ذاته الذي فيه أرسلت الرسالة إلى كولسّي (رج كو 4: 9 وفلم 2؛ كو 4: 7 وفلم 2). رفاق بولس هم هم: أبفراس، مرقس، أرسترخس، ديماس، لوقا (فلم 23- 24). سمَّى بولس جميع هؤلاء "المشاركين لي" (العاملين معي) في العمل، فلم يميّز بين اليهود وغير اليهود. 
وتنتمي الرسالة الثانية إلى تيموثاوس إلى مجموعة الرسائل الرعائيّة ولكنّ الشرّاح يتّفقون على القول إنّها تتضمّن عناصر قديمة ومنها ذكر رفاق بولس في 4: 10- 11. لم تتبدّل أسماء عديدة ولكنْ تبدّلت الحالات. "ديماس تركني حبًّا بهذه الدنيا وسافر إلى تسالونيكي. وسافر كريسكيس إلى غلاطية وتيطس إلى دلماطية، وبقي لوقا وحده معي. خذ مرقس وجئ به لأنّه يفيدني كثيرًا في خدمة الربّ".
نستنتج من هذه النصوص الثلاثة بعض المعطيات: لم يكن لوقا مختونًا. كان طبيبًا. نظر إليه بولس كأحد معاونيه. التقى مرقس مرّات كثيرة عند بولس الرسول.
ويرد اسم لوقيوس مرتين، مرّة في روم 16: 21 (لوقيوس، ياسون، سوسيباترس) على أنّه قريب بولس، ومرّة في أع 13: 1، على أنّه أحد اليهود القبارصة والقيروانيّين الذين طردهم الاضطهاد الذي تلا مقتل إسطفانس (أع 11: 19- 20). رغم رأي أوريجانس بالنسبة إلى النصّ الأوّل ورأي بعض النصوص الأرمنيّة واللاتينيّة بالنسبة إلى النصّ الثاني، نقول إنّ لوقيوس هو غير لوقا.

2- معطيات التقليد
إيريناوس. يتوقّف مرّتين في كتابه الثالث ضدّ الهراطقة عند إنجيل لوقا. فيقول في المرّة الأولى: "دوّن لوقا، رفيق بولس، في كتاب الإنجيل الذي كرز به بولس". ويتوسّع في المرّة الثانية فيورد شهادة لوقا على أسفاره مع بولس (المقاطع بلغة المتكلّم الجمع في الأعمال)، ثمّ يقدّم شهادة بولس على لوقا في 2 تم 4: 10- 11 وكو 4: 14. وفي النهاية يدافع عن وحدة عمل لوقا التامّ الكامل ضدّ المرقيونيّين (يعارضون بين إله العهد القديم، الإله العادل وبين إله العهد الجديد، الإله المحبّ) والغنوصيّين (يشدّدون على ثنائية الخير والشرّ، الروح والمادّة) الذين يشوّهونه. هذه شهادة قديمة اتّخذها أسقف ليون (بفرنسا) من آسية الصغرى.
قانون موراتوري. دوّن في نهاية القرن الثاني فأعطانا رأي كنيسة رومة في أسفار العهد الجديد. قال عن الإنجيل الثالث: "ثالثًا، كتاب الإنجيل حسب لوقا. فلوقا هذا كان طبيبًا بعد صعود المسيح إلى السماء. أخذه بولس كمعاون له بسبب معرفته بالحقوق، فدوّن برضاه ما رآه مناسبًا. هو لم يرَ الربّ بالجسد. ولهذا انطلق ممّا سمع فبدأ بقوله ابتداء من مولد يوحنّا". ثمّ يقول عن أعمال الرسل: "وقد دُوِّنت في كتاب واحد أعمالُ كلّ الرسل". أفهم لوقا تاوفيلوس الطبيب أنّ كلّ شيء حدث في أيّامه وبيّن ذلك تاركًا جانبًا آلام بطرس وذهاب بولس من المدينة (رومة) إلى إسبانية.
ترتليانس. منذ بداية القرن الثالث كتب ضدّ مرقيون وداء عن إنجيل لوقا. قال: "تعلّق مرقيون بلوقا، دون سائر الكتّاب الكنسيّين، ليمزّقه تمزيقًا. لم يكن لوقا رسولاً، بل رجلاً رسوليًّا. لم يكن معلّمًا، بل تلميذًا أدنى من معلّمه". ثمّ يقول ترتليانس: "فَبْرَكَ مرقيون إنجيله الخاصّ ونسبه إلى بولس، أمّا بولس فجعل إنجيله يتوافق وإنجيل الرسل الذين سبقوه". واختتم قوله: "الذي كان مشعل لوقا أراد أن يقوّي إيمانه وكرازته على سلطة سابقيه. فَلِم أطلب من إنجيل التلميذ أن يستند إلى سلطة المعلّم... أن يكون قد نزل من بولس إلى لوقا، فلا شيء أفضل من ذلك. فلإنجيل لوقا شهادة تُوَصّي به". وهكذا يستند ترتليانس إلى أعمال الرسل ليربط لوقا ببولس ويعلن أنّه كاتب الإنجيل الثالث وأنّ سلطتَه من الرسل.
أوريجانس. ينسب الإنجيل الثالث إلى لوقا تلميذ بولس فيقول:" الإنجيل الثالث هو الإنجيل حسب لوقا الذي امتدحه بولس. دوّن من أجل المؤمنين الآتين من الوثنيّة". 
أوسابيوس القيصريّ. منذ بداية القرن الرابع نجد معلومات إضافيّة. قال أوسابيوس في كتابه التاريخ الكنسيّ: "أمّا لوقا الذي كان أنطاكيّ الأصل وطبيبًا، فقد انضمّ إلى بولس وعاش مع الرسل مدّة طويلة فتعلّم منه مداواة النفوس، كما ترك براهين في كتابين ملهمين من الله: الإنجيل الذي يشهد أنّه كتبه انطلاقًا من تقاليد الذين كانوا منذ البدء شهودًا للكلمة وخدّامًا لها، ويؤكّد أنّه اتّبعهم منذ البداية. وسفر أعمال الرسل الذي دوّنه، لا بعد أن سمعهم (أي الرسل) بأذنيه، بل بعد أن رآهم بعينيه". إنّ أصل لوقا الأنطاكيّ توافق علمه رواية مختلفة من نصّ الأعمال الغربيّ تسمع في أع 11: 38 كيف أنّ لوقا يخطب بصيغة المتكلّم في جماعة أنطاكية.
مدخل إلى إنجيل لوقا. دوّن في اللاتينيّة وهو يعود إلى القرن الرابع. يقول: "لوقا هو من أنطاكية سورية وكان طبيبًا. بعد هذا تبع بولس حتّى استشهاده. خدم الربّ بلا عيب فلم يكن له امرأة ولا أولاد. مات في عمر 84 سنة في بيوتيَة (اليونان) وهو مملوء من الروح القدس. بما أنّ إنجيلاً كتب على يد متّى في اليهوديّة، وإنجيلاً كتب على يد مرقس في أنطاكية، كتب لوقا بوحي من الروح القدس هذا الإنجيل في مناطق أخائية (في اليونان). أعلن في البداية أنّ أناجيلَ كتبت قبل إنجيله، ولكنّه وجد من الضروريّ أن يعرض بكلّ اهتمام للمؤمنين في اليونان، التدبير الإلهيّ... ثمّ كتب لوقا أعمال الرسل". 
وسيحاول التقليدُ اللاحق أن يعطيَنا شيئًا عن سيرة حياة لوقا. قال غريغوريوس النازيانزيّ إنّه استشهد. وقال إبيفانيوس أنّه أحد التلامذة السبعين. وقال غريغوريوس الكبير إنّه كان رفيق كلاوبّا على طريق عمّاوس...

ب- التأليف الأدبيّ في إنجيل لوقا
1- المراجع
يبدو تصميم الإنجيل الثالث واضحًا في خطوطه الكبرى. فبعد المقدّمة (1: 1- 2: 52) نعيش مع يسوع في الجليل (3: 1- 9: 50)، ثمّ نسير على طريق أورشليم (9: 51- 19: 27) قبل أن نشهد في أورشليم موت يسوع وقيامته (19: 28- 24: 53).
نجد مقابلة بين نصوص مرقس ونصوص لوقا. فما نقرأه في مر 1: 1- 3: 19+ 3: 20- 35 نجده في لوقا 3: 1- 6: 19. وما نقرأه في مر 4: 1- 9: 50 (ما عدا 6: 45- 8: 26) نجده في لو 8: 4- 9: 50. وما نقرأه في مر 10: 13- 52 نجده في لو 18: 15- 19: 27. وما نقرأه في مر 11: 1- 16: 20 نجده في لو 19: 28- 24: 53.
يقدّم لوقا متتالية مماثلة لمتتالية مرقس ثمّ متتالية خاصّة به. فالفاصل الصغير (6: 20- 8: 3) والفاصل الكبير (9: 51- 18: 14) يقطعان حبل الخبر عند مرقس. فيبدو أنّ لوقا يأخذ بعين الاعتبار مرجعًا يشبه مرقس فيضمّ إليه تقاليد خاصّة جمعها هنا وهناك. وسندرس هذه النظرة حين نتوقّف عند المسألة الإزائيّة.
فالتقليد المشترك يقدّم لحمة الإنجيل. ثمّ أقحمت تقاليد إضافيّة كانت قد ضمّت بعضُها إلى بعضٍ وتُشبه إلى حدّ بعيد ما جمعه متّى. واستقى لوقا بعض المعلومات من التلاميذ: كلاوبّا، فيلبّس، رسول السامرة (أع 21: 8)، مناين، صديق هيرودس منذ الطفولة (أع 13: 1؛ رج لو 23: 7- 12)، النساء القدّيسات (8: 1- 3؛ 10: 38؛ 23: 27- 28، 49؛ 24: 10)، ومريم أمّ يسوع (ف 1- 2). أمّا التشابه بين الإنجيل الثالث والإنجيل الرابع فيجب أن نعتبره وليد تأثير المدرسة اليوحنّاويّة على لوقا.
يتّفق الشارحون على القول إنّ الإنجيل الثاني هو المرجع الرئيسيّ للإنجيل الثالث. ولكنّهم يختلفون عندما يحاولون أن يحدّدوا سائر المراجع. فالبعض يعتقد أنّه وجد "إنجيل التلاميذ" في أساس الفاصل الكبير (9: 51- 18: 14). ويحاول آخرون أن يبنوا لوقا الأصليّ انطلاقًا من خبر الالام ومن المقاطع المستقلّة بمرقس والتي ترتبط برسالة يسوع في الجليل (3: 1- 4: 30) أو بصعوده إلى أورشليم (19: 1- 27، 37، 44). ولكنّ محاولتهم ظلّت افتراضًا وهميًّا. وتخلّى آخرون عن محاولة اكتشاف إنجيل واقع تحت تقاليد لوقا الخاصّة، فتعرّفوا إلى وثائق عديدة مكتوبة وإلى تقاليد شفهيّة.
فشلت النظريّات الكبرى في اكتشاف مراجع لوقا الأدبيّة. ولكنّ هذا لا يمنعنا من البحث عن مبدأ تنسيق لوقا. فالثنائيّة التي أشار إليها في المقدّم ستظهر عبر اهتمامات الكاتب الذي أراد أن يكون خادم الكلمة. فنحن نكتشف المؤرّخ في تحديده لوضع الأحداث في الزمن، وفي تنسيق الخبر الإنجيليّ.

2- وضع الأحداث
أوّلاً: إشارات إلى اهتمامات تاريخيّة
إليك أوّلاً تزامنيّات لافتة للنظر وهي تشكّل أروقة مبنيّة أمام خبر مولد يسوع، وأمام خبر رسالة يوحنا. نقرأ في النصّ الأول (2: 1- 2): "وفي تلك الأيّام أمر القيصر أوغسطس بإحصاء سكّان الإمبراطورية. وجرى هذا الإحصاء الأوّل عندما كان كيرينيوس حاكمًا على سورية". ونقرأ في النصّ الثاني (3: 1- 2): "وفي السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيباريوس، حين كان بيلاطس البنطيّ حاكمًا على اليهوديّة، وهيرودس واليًا على الجليل، وأخوه فيلبّس واليًا على إيطورية وتراخونيتس، وليسانيوس واليًا على أبيلينة، وحنّان وقيافا رئيس الكهنة، كانت كلمة الله إلى يوحنّا بن زكريّا في البرّيّة". يذكر لوقا هنا سبعة حكّام عاشوا في زمن واحد.
وهنا تحديدات زمنيّة نسبيّة يزيدها لوقا على ما وجد في سائر الأناجيل. فمجلس شيوخ الشعب اجتمع حين طلع الصبح، لا في الليل (22: 26). قال متّى (17: 1) ومرقس (9: 2) إنّ يسوع تجلّى على الجبل بعد ستة أيّام من اعتراف بطرس بيسوع. أمّا لوقا فقال (9: 28): بعد ثمانية أيّام. ويضع المؤرّخ بتواضع كلمة "نحو" أمام أرقام مدوَّرة (أي لا تحسب حساب التفاصيل). قال: "أقامت مريم عند أليصابات نحو ثلاثة أشهر" (1: 56). وقال عن يسوع: "كان في نحو الثلاثين من العمر" (3: 23). وحين تكلّم عن عدد الآكلين بعد تكثير الخبز قال: "وكانوا نحو خمسة آلاف رجل" (9: 14؛ رج 22: 59؛ 23: 44).
ويغفل لوقا ما يحسبه تكرارًا. تحدّث مر 1: 16- 20 عن دعوة الرسل الأوّلين، أمّا لوقا فوجد تقليدًا أفضل وأقرب إلى المعقول فتحدّث عن دعوة الرسل فيما بعد (5: 1- 11). وما يرويه مرقس في إطار، يرويه لوقا في إطار آخر. مثلاً يسوع وبعل زبول: مر 3: 22- 30؛ لو 11: 14- 23. مر 4: 30- 32؛ لو 13: 18- 19. مر 6: 1- 6؛ لو 4: 16- 30... ولا يحبّ لوقا الأخبار القريبة من بعضها. تحدّث كلّ من متّى (14: 13- 21؛ 15: 32- 39) ومرقس (6: 30- 44؛ 8: 1- 10) عن معجزتين لتكثير الخبز، أمّا لوقا فاحتفظ بمعجزة واحدة وأغفل الثانية. وترك لعنة التينة (مر 11: 12- 14، 20- 25) وأبقى على مثل التينة التي لا تثمر (13: 6- 9). أغفل خبر سير يسوع على المياه (مر 6: 45- 52؛ مت 14: 22- 33؛ يو 6: 16- 21) وأبقى على معجزة العاصفة المهدّأة (8: 22- 25؛ رج مت 8: 23- 27؛ مر 4: 35- 41). ترك خبر المرأة التي تسكب الطيب على يسوع (مت 26: 6- 13؛ يو 12: 1- 8) واكتفى بخبر الخاطئة التي غفر لها يسوع (7: 36- 50). تحدّث مرقس (15: 23) عن الخمر الممزوج بمرّ، أمّا لوقا (23: 36) فتحدّث عن الخلّ.
يمتنع لوقا عن الإيضاح بأنّ العاصفة هدأت ليلة يوم الأمثال (مر 4: 35؛ لو 8: 22). وألمح إلى أنّ التجلّي تمّ في الليل. يقول: "فالنعاس غلب بطرس ورفيقيه" (9: 32)، ثمّ يذكر "الغد" (9: 37) حين نزلوا من الجبل. أما كان يسوع يصعد مرارًا إلى الجبل للصلاة، أما كان يصلّي غالبًا في الليل (9: 22، 37؛ رج 6: 12؛ 22: 39 ي)؟ يذكر لوقا أنّ يسوع صعد إلى أورشليم ثلاث مرّات (9: 51؛ 13: 34؛ 19: 28) لا مرّة واحدة، كما يقول متّى (21: 1- 11) ومرقس (11: 1- 11) فيتبع تقليد يوحنّا.
وأخيرًا يعطي لوقا قارئه معلومات جغرافيّة. فكفرناحوم هي مدينة في الجليل مثل الناصرة (1: 26، 4: 31). وبحر الجليل (مر 1: 16؛ مت 4: 18) صار بحيرة جنيسارت (5: 1؛ 8: 23). وهناك إيضاحات أخرى عن "ناحية الجراسيّين، مقابل شاطئ الجليل" (8: 26)، عن "بيت فاجي وبيت عنيا، عند الجبل المسمّى جبل الزيتون" (19: 29)، وعن الرامة التي "هي مدينة يهوديّة" (23: 51).

ثانيًا: إشارات سلبيّة
هناك تصحيحات وتحديدات وتلميحات جديرة بمؤرّخ مثل لوقا. ولكنّ هناك تفاصيلَ تبيّن أنّ لوقا جهل فلسطين وطرق بناء البيوت فيها وعاداتها ومناخها وطبيعة أرضها. حين شفى المسيح الكسيح يقول لوقا إنّ حامليه "صعدوا إلى السطح ونقبوا مكانًا فيه ودلّوه مع سريره إلى وسط المجلس قدّام يسوع" (5: 19). تخيّل لوقا أنّنا أمام بيت من القرميد ولم يدر أنّه كانت كوّة في السطح تدخل منها الشمس إلى البيوت التي كانت مظلمة. من هذه الكوّة كانت تنزل الحبوب التي جفّت على السطح، أو تحت هذه الكوّة كان يجلس ضيف الشرف. كانت تُغطّى الكوّة في الشتاء وتفتح في الصيف. ويتحدّث لوقا عن الرجل الذي "حفر وعمّق وجعل الأساس على الصخر" (لو 6: 48) فيتذكّر العالم اليونانيّ حيث تفيض الأنهار فيُجبَر البنَّاء على تعميق الأساس. أمّا متى (7: 24- 25) فتحدّث عن سيل يضرب بيتًا بني على الصخر أو على الرمل.
وفي حادث قيامة ابن أرملة نائين يقول لوقا عن يسوع إنّه "دنا من النعش ولمسه" (7: 14). ولكنّ الميت لا يوضع في نعش كما في بلاد اليونان، بل على المحمل كما في مناطق عديدة من الشرق اليوم. في مثل الزارع يتحدّث كلّ من مرقس (4: 5) ومتّى (13: 5) عن أرض صخريّة كثيرة الحجارة قليلة التربة، وهذا ما يتوافق مع أرض فلسطين. أمّا لوقا (8: 6) فيقول إنّ الحبّ "وقع على الصخرة". فكيف يمكنه أن ينبت؟
بعد خطبة يسوع في أهل الناصرة قال لوقا: "أخرَجوه إلى خارج المدينة وجاؤوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه عنه" (4: 29). ولكنّ هذا القول لا يوافق جغرافية الناصرة. ولكنّ لوقا ضخّم الأمور ليعطيَ صورةً مسبقةً عن اليهود الذين سيقتلون يسوع. وقبل تكثير الخبز يقول لوقا عن يسوع إنّه "أخذهم واعتزل بهم عند مدينة اسمها بيت صيدا" (9: 10) أمّا مرقس (6: 45) فيقول إنّه بعد تكثير الخبز، "أمر يسوع تلاميذه أن يركبوا القارب ويسبقوه إلى بيت صيدا، عند الشاطئ المقابل". وكذا نقول عن الغيم والريح (12: 54- 55) والفصول (21: 29).
ولماذا سمح لوقا لنفسه أن ينقل بعض الأحداث من مواضعها؟ مثلاً حادثة الناصرة (4: 16- 30)، دعوة التلاميذ الأوّلين (5: 3- 11)، المقدّمة إلى الخطبة الأولى (6: 12- 19)، حادثة عائلة يسوع الحقيقيّة (8: 19- 21)، حادثة ابن طيما (35:18- 43)، خبر العشاء الأخير وإعلان الخيانة (22: 15- 20، 21- 23).
ولكنّ المؤرّخ لم يكن يهتمّ في القديم بالتسلسل الزمنيّ للأحداث ولا بالجغرافيا وطبيعة الأرض. ونحن لن نحاسب لوقا عمّا نعتبره أخطاءً، بل نسأله عن السبب.

ثالثًا: تأليف دراماتيكي
السبب الأوّل هو أنّ لوقا أراد أن يقدّم لنا تأليفًا دراماتيكيًّا. فيبدو من الأفضل أن نجمع كلّ ما يتعلّق بشخصٍ ما قبل أن ننتقل إلى موضوع آخر. يتحدّث لوقا (19:1- 20) عن سَجن يوحنّا المعمدان قبل معموديّة يسوع. أمّا متّى (14: 3- 4) ومرقس (6: 17- 18) فيتحدّثان عن هذا الموضوع فيما بعد. والسبب هو أنّ لوقا يريد أن يبيّن أنّ رسالتَيْ يوحنّا ويسوع تمثّلان فترتين متميّزتين في تاريخ الخلاص (رج 1: 56؛ 1: 80 حيث ينهي الحديث عن يوحنّا قبل أن يعود إلى ميلاد يسوع). أمّا مشهد تدشين الإنجيل في الناصرة (4: 16- 30) فهو يلخّص كلّ رسالة يسوع والمسيحيّة الأولى فيما بعد، لا بين اليهود بل بين الوثنيّين على مثال إيليّا واليشاع. وفي أمكنة أخرى يرتّب لوقا الأحداث من أجل المعقوليّة التاريخيّة. كيف نفهم جواب التلاميذ إلى نداء الخلّص إن لم يسبق هذا النداء خبر بعض المعجزات (5: 1- 11)؟ يقدّم لنا لوقا أعداء يسوع كلّهم دفعة واحدة (5: 17) ويحدّثنا عن يسوع الذي يطرد الباعة من الهيكل حالَ دخوله إلى أورشليم (19: 45 ي). ونقول إنّ خبر العشاء الأخير مبنيّ بطريقة منطقيّة (22: 14- 38)، وكذا نقول عن خبر إنكار بطرس ليسوع (22: 54- 62).

رابعًا: بناء لاهوتيّ
والسبب الثاني هو أنّ لوقا أراد أن يبني بناء لاهوتيًّا انطلاقًا من المراجع التي بين يديه. فهل نبحث بعد ذلك عن البناء التاريخيّ؟
فالفاصل الكبير يقدّم لنا مثلاً معبّرًا. إنّه يرسم لنا بدقّة سَفَرًا ويكرّر ثلاث مرّات أنّ يسوع يصعد إلى أورشليم (9: 51- 53؛ 13: 22؛ 17: 11). ولقد حاول بعض الشرّاح أن ينطلقوا من هذه الآيات ليبنُوا الحلقاتِ التاريخيّةَ لحياة يسوع، مقابلين هذه الإشارات الثلاث بما نقرأ في إنجيل يوحنّا (7: 1- 13؛ 10: 22؛ 11: 54). ولكنّهم تخلَّوا عن هذه التوافقيّة، واكتفوا بالقول إنّهم أمام رباط مصطنع ذات بُعد أدبيّ فقط. 
نوى لوقا أن يقدّم لنا بناء لاهوتيًّا وبانت نيّته في إهمالات معطيات جغرافيّة وردت عند مرقس. ذكر مرقس (2: 1؛ 9: 33) كفرناحوم، أمّا لوقا فلا (5: 17، 9: 46). ذكر مرقس (2: 13؛ 3: 7؛ 4: 1) بحر الجليل أمّا لوقا (5: 27؛ 6: 17؛ 8: 4) فلم يذكره. أغفل لوقا ذكرَ الجليلِ فلم يتبع مرقس (9: 30) كما أغفل ذكر المدن العشر (8: 39؛ رج مر 5: 20). لم يهتمَّ لوقا بتحديد أمكنة الأخبار: هل هي في قيصريّة فيلبّس (مر 8: 27) أو في الطريق (مر 10: 17) أو في الهيكل (مر 12: 35) أو أمام الخزانة (مر 12: 41) أو على جبل الزيتون (مر 13: 3) أو في الجسمانيّة (14: 32). انطلق بعض الشرّاح ممّا قرأوه في أع 14: 28 وما وجدوه من أسماء فأكّدوا أنّ لوقا يجهل أسماء هذه المواقع في فلسطين. ولكنّهم نَسُوا أهمّيّة التأليف اللاهوتيّ الذي لا يريد أن ينجذب القارئ بشيء إلاّ بيسوع وبحضوره وبالطريقة التي ينطلق فيها ليصل إلى أورشليم حيث سيموت ويقوم.
ولقد تحدّث بعض المسؤولين عن حلقات من الأحاديث حول المائدة. ففي 5: 29- 39، نجد نفوسنا في وليمة كبيرة أقامها لاوي ليسوع. ويأتي السؤال الأوّل: لماذا تأكلون وتشربون مع الخاطئين والعشّارين؟ ثمّ السؤال الثاني: لماذا لا تصومون؟ ويجيب يسوع على السؤال الأوّل بمثل الطبيب ومرضاه، وعلى السؤال الثاني بأمثال العرس والثوب الجديد والخمرة الجديدة.
وفي 11: 37- 54 نرى يسوع مدعوًّا إلى الغداء عند أحد الفرّيسيّين. وهناك يقول للفرّيسيّين ومعلّمي الشريعة الحقيقةَ القاسية. ونلاحظ أيضاً تبادلَ الأحاديث على المائدة في 14: 1- 24. دخل يسوع بيت أحد كبار الفرّيسيّين ليتناول الطعام. جاء رجل مريض فشفاه وأعطى الأمثولة الملائمة. رأى المدعوّين يختارون المقاعد الأولى فأعطاهم مثلاً. ثمّ توجّه إلى صاحب الدعوة يحثّه على إقامة وليمة للفقراء الذين لا يقدرون أن يكافئوه. ولمّا قال أحد المدعوّين: هنيئًا لمن يجلس إلى المائدة في ملكوت الله، أعطى يسوع مثل الوليمة (رج 22: 14- 30)

3- تنسيق الخبر الإنجيليّ
أوّلاً: سرد متواصل للأحداث
عرف لوقا أن يقدّم إلى تاوفيلوس سردًا متتابعًا للأحداث بواسطة أدوات الانتقال من مقطع إلى آخر، وهو بذلك يتفوّق على مرقس. انتقد الفرّيسيّون يسوع لأنّه يأكل مع الخطأة، وطرحوا سؤالاً حول صوم التلاميذ، فجاء الخبران متجاورين عند مرقس ولا رباط بينهما. أمّا لوقا فجعل الخبرين في إطار واحد (خلال وليمة)، وجعل الفرّيسيّين يسألون في المرة الأولى (5: 30) وفي المرّة الثانية (5: 33) دون سواهم (في مر 2: 18 نحسّ أنّ السائلين هم تلاميذ يوحنّا والفرّيسيّون). ونلاحظ أيضاً أدوات الانتقال في 8: 11 (رج مر 4: 13) و8: 16 (رج مر 9: 2). وهناك أوقات يُهَيِّئُ فيها لوقا الطريق لهذه الانتقالات. فهو يُهَيِّئُ كرازة يوحنّا المسيحانيّة بالإشارة إلى النتيجة التي أحدثتها في الجموع كرازة التوبة هذه. فتساءلوا: أليس هو المسيح (3: 15)؟
وفي 4: 1 بدأ بذكر اسم يسوع حالاً بعد آدم ليدلّ على أنّ حرب يسوع مع الشيطان هي امتداد لحرب الحيّة مع آدم. في 5: 1 يحدّثنا لوقا عن الجموع المستعدّة لسماع كلمة الله، وفي 5: 36 يفصل بين المشهد السابق والأمثلة اللاحقة (رج 9: 34- 37؛ 19: 28، 36؛ 47؛ 20: 1). ولكنّ هناك حالات تبقى فيها هذه الانتقالات غامضة، ولاسيّما في الفاصل الكبير. نقرأ في 6: 12: "وفي تلك الأيّام". وفي 7: 11: "وفي الغد". وفي 8: 1: "بعد ذلك" (رج 20: 17). ويوجّه لوقا خبره بفضل إشارات تهيِّئ لأحداث لاحقة. يقول مثلاً إنّ الشيطان ترك يسوع "إلى حين" (4: 13). وسيرجع إليه في 22: 3 (دخل الشيطان في يهوذا)، 53 (هذا سلطان الظلام). ويمكننا أن نرى كيف أنّ 1: 80 (أقام في البرّية إلى أن ظهر لبني إسرائيل) قد هيّأت الدرب أمام 9: 9 (يوحنّا، أنا قطعت رأسه). وكيف أنّ 9: 1- 6 (يسوع يرسل الاثني عشر) هيّأت الدرب أمام 10: 1 (يسوع يرسل السبعين). وكيف أنّ 5: 33 (تلاميذ يوحنّا يصومون) هيّأت الدرب أمام 11: 1 (ق أيضاً 20: 19 مع 22: 2؛ 21: 37 مع 22: 39؛ 20: 25، مع 23: 2؛ 9: 9 مع 23: 8؛ 8: 1- 3 مع 23: 49، 55).

ثانيًا: خبرٌ مركزُه أورشليم
لقد ركّز لوقا إنجيله كلّه على أورشليم. فمسيرة يسوع سهّلت له الأمر. أغفل لوقا سَفَر يسوع على حدود الجليل (رج 6: 45- 8: 26)، ولم يذكر قيصريّة فيلبّس (مر 8: 27) والجليل (مر 9: 30). وموضع اللقاء الذي حدّده يسوع في الجليل (مر 14: 28) وأشار إليه الملاك (مر 16: 7) قد صار في لو 24: 6: "تذكّروا ما قال لكم يوم كان في الجليل". 
إذن نحن أمام خبر دُوّن من أجل هدف محدّد. إنّه يبدأ في أورشليم (1: 5) وينتهي في أورشليم (24: 52 ي). يبدأ مع زكريّا في الهيكل. وينتهي حين يبارك يسوع التلاميذ وينفصل عنهم. "سجدوا له ورجعوا إلى أورشليم وهم في فرح عظيم. وكانوا كلّ حين في الهيكل يسبّحون الله ويباركونَهُ". يذكّرنا لوقا في المقدّمة بصعودين نموذجيّين إلى أورشليم. الأوّل لمّا كان الطفل ابن 40 يومًا (2: 22- 38)، والثاني يوم كان يسوع ابن اثنتي عشرة سنة (2: 41- 50). وقبل أن يبدأ يسوع حياته العلنيّة جُرِّب وكانت قمّة التجارب لا على الجبل كما في متّى (4: 8) بل في أورشليم وعلى شرفة الهيكل (4: 9- 12).

ثالثًا: الصعود إلى أورشليم
يبدو الفاصل الكبير بشكل صعود احتفاليّ إلى أورشليم. وجد لوقا موادّه هنا وهناك وجمعها أخبارًا وأقوالاً بطريقة مصطنعة. فهناك خطب هجوميّة من 11: 14 إلى 14: 24 يوحّدها الموضوع. وهناك أقوال ضمّت بطريقة مصطنعة أو ربطت بوصلات لفظيّة (12: 1- 12؛ 14: 25- 35؛ 16: 16- 18). وسنجدكما عند متّى الرقم 3. هناك ثلاثة أخبار دعوات (9: 57- 62)، هناك ثلاث كلمات عن امتياز التلاميذ (10: 18- 24)، هناك ثلاثة أمثلة عن رحمة الله (15: 1- 32)، هناك ثلاثة تعليمات عن الصلاة (11: 1- 13)، هناك ثلاثة أقوال عن الشريعة (16: 16- 18) وثلاثة آراء متفرقّة (17: 1- 6).
ويميّز لوقا الأزمنة التي فيها تلفّظ يسوع بأقواله. فنجد مثلاً فعل قال في الآيات التالية: 9: 59 (وقال لآخر)؛ 11: 5 (ثمّ قال لهم يسوع)؛ 13: 18 (وقال يسوع)، 20 (وقال أيضاً)؛ 15: 11 (وقال يسوع). ولكنّ هناك مقاطع مربوطة برباط سقيم، كما عند متّى. مثلاً: بعد هذا، في تلك الساعة، أو غير مربوطة البتّة كما في 10: 1، 21، 25؛ 12: 1، 35، 47؛ 13: 21؛ 16: 1؛ 17: 1، 3، 4، 7).
جمع لوقا موادّه واشتغل عليها حسب هدف واضح: أن يلغيَ كلّ الإشارتِ الجغرافيّةِ ولا يبقيَ إلاّ على أورشليم. فجاءت النتيجة رائعة. ففي 9: 51 نجد عبد الله الذي ذهب لمواجهة الصراع (أش 50: 6 ي) أو بالأحرى الذي يعود إلى الله (رج يو 13: 1). وفي 9: 53 يقول لنا لوقا إنّ أهل إحدى قرى السامرة رفضوا أن يستقبلوا يسوع "لأنّه كان متوجّهًا إلى أورشليم".
ثمّ ينطلق يسوع وتلاميذه "إلى قرية أخرى" (9: 56). ما اسمها؟ لا ندري. وجاءت إشارة "وبينما هم سائرون" (9: 57) فحملت معها ثلاثة أخبار تربطها كلمة "تبع". في 10: 1 نحن أمام "كلّ مدينة أو موضع عزم أن يذهب إليه". وبعد أن يقدّم لنا لوقا بعض الخطب، يحدّثنا عن رجوع التلاميذ (10: 17 ي)، ويروي لنا مثل السامريّ الصالح (10: 25 ي)، ثمّ يعود إلى خبر المسيرة في 10: 38: "وبينما هم سائرون دخل يسوع قرية". اسمها بيت عنيا. إنّ لوقا يعرفها، ولكنَّه لا يذكرها. فأنظاره متّجهة إلى أورشليم.
وتأتي عبارات غامضة: "وكان يسوع يصلّي في أحد الأماكن" (11: 11)، "وسار في المدن والقرى، يعلّم وهو في طريقه إلى أورشليم" (13: 22). وبعد هذا نصحوا يسوع أن ينصرف من هنا (13: 31). ولكن من أين؟ أمّا هو فأجاب: "يجب أن أسير في طريقي اليوم وغدًا وبعد غد، لأنّه لا يجوز أن يهلك نبيّ في خارج أورشليم" (13: 33). وبعد هذا وجّه يسوع كلامه إلى أورشليم معاتبًا: "يا أورشليم، يا أورشليم"، ولكنّنا لم نصل بعد إلى أورشليم. فبعد بعض التعاليم المعطاة خلال الوليمة (14: 1- 24)، "كانت جموع كبيرة ترافق يسوع" (14: 25). أجل، كلّ الناس يسيرون معه. وبعد تعاليم وأمثال، وبينما هو في طريقة إلى أورشليم، مرّ بالسامرة والجليل (17: 11. نحن هنا في خبر آخر من السفر يبدأ هنا وينتهي في 19: 28). ودخل "إحدى القرى" (17: 12).
ويعود لوقا فيلتقي بمرقس: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم فيتمّ كلّ ما كتبه الأنبياء في ابن الإنسان" (18: 31؛ رج مر 10: 33). ويقدّم لنا تحديدًا جغرافيًّا أخذه من التقليد المشترك: ودخل يسوع أريحا (19: 1؛ رج 18: 35). ولكنّ لوقا يشدّد على طريقته الخاصّة فيكتب: "فأضاف هذا المثل، لأنّه كان قريبًا من أورشليم، ولأنّ الناس كانوا يظنّون أنّ ملكوت الله سيظهر في الحال" (19: 11)
ثمّ يصوّر لوقا دخوله يسوع الاحتفاليّ. "قال هذا الكلام وسار في المقدّمة صاعدًا إلى أورشليم. ولمّا اقترب من بيت فاجي وبيت عنيا" (19: 28 ي)... "ولما اقترب من منحدر الزيتون" (19: 37)، "ولمّا اقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها" (19: 41)، "ثمّ دخل الهيكل وأخذ يطرد الباعة" (19: 45)
قد تبدو كلّ هذه الملاحظات مصطنعة ولكنّها تؤثّر في القارئ. ثمّ إنّ هذا الفاصل الكبير ليس غريبًا عن الإنجيل. فهو قد بدأ في أورشليم. وإلى أورشليم عاد يسوع ظافرًا. أقام الليلة في بستان الزيتون ثمّ أعيد أسيرًا فَدِين وُحكم عليه وصلب. قام في أورشليم وظهر هناك للتلاميذ ثمّ ودّعهم في بيت عنيا وصعد إلى السماء. عاد التلاميذ وهم يسبّحون الله. وجاء سفر الأعمال فأعلن انتشار الإنجيل من أورشليم إلى أقاصي الأرض (أع 1: 8)
كلّ هذا يبيّن لنا أنّنا لسنا أمام سيرة يسوع. فقبل أن يكون لوقا مؤرّخًا، هو خادم الكلمة. إنّه الإنجيليّ الثالث الذي رتّب المعطيات التقليديّة وأبرزها ليكون كتابه بشارة وخبرًا مفرحًا.

ج- تصميم إنجيل لوقا
وبدأ لوقا كتابة إنجيله. لكنّ القارئ يلاحظ وقفة بين ف 2 (نهاية إنجيل الطفولة) وف 3 (تعليم يوحنّا المعمدان ثمّ تعليم يسوع). قبل لوقا، كانت أخبار يسوع تبدأ بالحديث عن يوحنّا المعمدان. هذا ما نكتشفه في خطب أعمال الرسل (10: 26- 43؛ 13: 24- 31)، وفي الموادّ التقليديّة التي نجدها في يو 1- 3، وفي إنجيل مرقس. أيكون لوقا قد بدأ إنجيله بالفصل الثالث فأورد تزامنيّات احتفاليّة (3: 1- 2) كتلك التي نجدها في بداية بعض الأسفار النبوّية (عا 1: 1)؟ بدأ لوقا فحدّثنا عن رسالة يسوع ثمّ عن طفولته، وجعل في البداية مقدّمة قصيرة (1: 1- 4) تحدّد هدفه.

1- طفولة يسوع (ف 1- 2)
بعد العبارة التمهيديّة (1: 1- 4)، يخصّص لوقا فصلاً طويلاً لولادة يوحنّا المعمدان: بشارة زكريّا في اليهوديّة تقابلها بشارة مريم العذراء في الجليل. وتلاقت الأُمَّان. تحرّكت مريم بسرعة (1: 39)، وهذا ما يدلّ على أنّ الله يعمل. وأنشدت مريم نشيدها (وهناك مخطوطات تقول إنّه نشيد أليصابات). وتأتي ولادة وختانة يوحنّا فتحلّ عقدة لسان زكريّا. هذا الذي لم يؤمن شرع يؤمن وأطلق نشيده: "مبارك الربّ". وينتهي الفصل بأوّل ملخّص لدى لوقا: وكان الطفل ينمو ويتقوّى في الروح (1: 80).
توازت البشارتان وتوازت الولادتان. استعمل لوقا من أجل ولادة يسوع (2: 1- 20) خبرًا تقليديًّا هو خبر الرعاة. وأسبقه بحدث الإحصاء. لقد جعل العائلة المقدّسة تنتقل من الناصرة إلى بيت لحم، من موطن يسوع التاريخيّ إلى موطن المسيح المفروض حسب الكتب المقدّسة (مي 5: 1). تحدّث لوقا عن خضوع يوسف للسلطة الرومانيّة فمنع أيّة قراءة سياسيّة للإنجيل على طريقة جماعة الغيورين. حَرَمَ الثوريّين اليهودَ من منفعة كان باستطاعتهم أن يستغلّوها. اليوم هو ينبوع فرح ومولد كيريوس (أي الربّ والسيّد)، لا لأنّه عيد الإمبراطور أوغسطس، بل لأنّ المسيح المتواضع قد ولد. ووجهتا خبر الرعاة (الوعد بعلامة، اكتشاف العلامة التي هي طفل ملفوف بالقماطات) تتمحوران حول جوقة الملائكة الذين يقدّمون للبشر معنى تاريخ يمكن حدوثه:" المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام للناس أحبّائه" (2: 14). والجرأة الإنجيليّة ليست في إعلان مجد الله في السماء، بل في إعلان هجوم السلام على الأرض. سيكون للسلام المسيحانيّ بُعدٌ مسكوني، أمّا الآن فهو يصل إلى "الناس الذين يرضى عنهم الله".
هؤلاء الناس الذين رمز إليهم الرعاة، هؤلاء الشهود لعلامة أيّ لحدث حمَّلته الكلمةُ معنى، يشكّلون في زمن لوقا الكنيسة أو بالأحرى حزمة الجماعات المحلّيّة. إنّهم أوّل المؤمنين مثل مريم التي رأت وآمنت، إنّهم يخبرون، مثل الرسل، بما قيل لهم عن هذا الصبيّ (2: 17).
هناك اهتمامات في قلب لوقا الإنجيليّ: أن يدلّ على انتماء يسوع بالختان إلى العالم اليهوديّ (2: 21) بل إلى سلالة بني إسرائيل المكرّسين لله بالتقدمة في الهيكل (2: 22- 24)، وأن يشدّد على العبور من التدبير القديم إلى التدبير الجديد، على غرار ما قالت الرسالة إلى العبرانيّين (8: 13) التي تتحدّث عن شيخوخة العهد القديم. فليس من الصدف أن يكون سمعان الشيخ وحنّة النبيّة شيخين. إنّهما يشبهان موسى حين وصل إلى عتبة أرض الموعد، فيعلنان "نور الوحي للأمم والمجد لشعب إسرائيل" (2: 32). 
يهوى لوقا أن يرسم أو يروي ما يقوله الآخرون في عبارات عقائديّة. فالعبور من العهد القديم إلى العهد الجديد يرسمه حضور هذين الشيخين اللذين ينتظران هذا الطفل ويريان فيه عربون عزاء إسرائيل (2: 2 5) وتَحَرُّرِ أورشليم (2: 38). تمّ العبور بدون اصطدام. قالوا إنّ لوقا هو لاهوتيّ مراحل تاريخ الخلاص. هو لاهوتيّ العتبات ويهتمّ بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة. وهذان الفصلان يشكّلان إحدى المحطّات: أغلق على النبوءة لأنّها تحققت. فشعائر العبادة التي شارك فيها زكريّا والنبوءة التي حمل سمعان وحنّة موهبتها، ما زالت تنتمي إلى العهد القديم. ويوحنّا المعمدان هو على العتبة: إنّه نبيّ وهو يشارك في العهد القديم العائش في الرجاء، وهو المعمدان ومعاصر يسوع، وفاتح الطريق أمام المسيح، وفاعل في ما يتحقّق من تاريخ خلاص.
وتنتهي مقدّمة القدّيس لوقا بملخّص، وبحادثة يسوع في الهيكل وهو ابن اثنتي عشرة سنة. يقدم الملخّص عنصرًا آخرَ من التوازي. فيسوع يشبه يوحنّا وهو ينمو في الحكمة. ولكن إذا كانت يدّ الله على يوحنّا (1: 66) فنعمة الله (رج 3: 22) تحلّ على يسوع (2: 40). 
يشكّل خبر يسوع وهو ابن اثنتي عشرة سنة شواذًّا. فكما أنّ لوقا انطلق من مُثنّى الصلب والقيامة ليؤكّد تجسّد الابن الموجود منذ الأزل، هكذا تجرّأ بعد أن تحدّث عن الولادة، أن يقدّم صورة مثاليّة عمّا بين الطفولة والشباب، أن يقدّم خبرًا يُخرج يسوع من فلك الطفولة والصبا. وإذ فعل هذا بدّل المحور التعليميّ. كان قد جعل نفسه إلى الآن في مسيرة التاريخ بين الوعد والتحقيق، فجعل نفسه الآن على محور الأرضيّ والسماويّ. إنّ ما يجعل من يسوع محقِّق المواعيد الإلهيّة، هو انتماؤه إلى عالم الله أر بالأحرى علاقته البنوّية بالآب.
وتساءل الشرّاح عن أصل الموادّ التي أدخلها لوقا في بداية كتابه. هناك من قال إنّ هذه الأخبار تجذّرت في ذاكرة عائلة يسوع، بل في قلب مريم، ولكنّ لا شيء يسند هذا الافتراض. أنستطيع أن نلجأ إلى تلامذة يوحنّا المعمدان الذين حافظوا على إكرام السابق بعد موته؟ وقد أبقى المسيحيّون الأوّلون على العلاقة مع هؤلاء التلامذة. كانوا يكرّمون يوحنّا، ولكنّهم كانوا يُخضعون وظيفة المعمّد لشخص المعتمد أي للمسيح الذي دلّ عليه روح الله. قَبْلَ لوقا أخذ المسيحيّون تقاليد المعمدان وربطوها بتقاليدهم الخاصّة. من هنا كانت التوازيات المختلّة التوازن من أجل ذلك الذي جاء بعد موت يوحنّا ولكنّه كان أكبر منه.
من تقاليد جماعة يوحنّا وصل إلينا نشيد المباركة الذي أنشده زكريا وربّما نشيد التعظيم الذي أطلقته مريم. ولكن تبقى التقاليد المتعلّقة بيسوع. هنا نعود إلى محيط المتهوّدين أي هؤلاء المسيحيّين الذين عاشوا في اليهوديّة والجليل وتكلموا اللغة الآراميّة واهتمّوا باللاهوت الإخباريّ أكثر من الجماعات البولسيّة التي تعلّقت بالأناشيد واعترافات الإيمان.

2- رسالة يسوع في الجليل (3: 1- 9: 50)
بعد المقدّمة (ف 1- 2)، يبدأ لوقا قسمًا أوّل كبيرًا يتحدّث فيه عن رسالة يسوع في الجليل. وينتهي هذا القسم في 9: 50، إذ في 9: 51 تبدأ رحلة يسوع الطويلة (ق مر 10) من الجليل إلى أورشليم. قد دوِّنت 3: 1 مثل 9: 51 في أسلوب احتفاليّ لتدلّ على انطلاقة جديدة.
من الصعب أن نجد تقسيمات ثانية داخل هذا القسم الأكبر، ولكنّنا سنتوقّف عند الوثائق التي استعملها لوقا ونقرأ مثلاً واحدًا هو زيارة يسوع إلى الناصرة، وننهي بكلمة عن التعليم الذي نستنتجه من هذه المجموعة الأولى.

أوّلاً: الوثائق التي استعملها لوقا
إذا أردنا أن نكتشف ترتيب العرض عند لوقا، فمن المستحسن أن ننطلق من الوثائق التي عاد إليها وهي اثنتان: إنجيل مرقس ومرجع خاصّ عرفه كلّ من متّى ولوقا. لم نجد هذا المرجع بعد، ولكنّ الشرّاح يقولون بوجوده ليبرّروا القرابة بين متّى ولوقا في مقاطع عديدة لا يرتبطان فيها بمرقس. أمّا مرجع الأقوال فمجموعة كلمات يسوع التي نقلت من الآراميّة إلى اليونانيّة. حافظ متّى على طريقة التعبير في هذه الأقوال، أمَّا لوقا فكان أمينًا لترتيبها. وإنجيل توما المنحول الذي هو مجموعة أقوال يسوع، يشهد بوجود فنّ أدبيّ داخل التقليد المسيحيّ الأوّل، ويقدّم برهانًا على وجود هذا المعين الخاصّ.
يبدو أنّ لوقا انطلق من المعين لا من مرقس حتّى 4: 30. في هذا الموضع ترك المعين وسار وراء مرقس بطريقة لا شكّ فيها من 4: 31 إلى 6: 20 أ. ثمّ عاد إلى المعين فاتّخذ منه عظة السهل (6: 20 ب- 49) وبعض المقاطع حتّى 7: 50. وبعد ملخّص قصير (8: 1- 3) انضمّ لوقا إلى مرقس الشاهد على أمثلة يسوع وعجائبه المتعدّدة (8: 4- 9: 17). أهمل لوقا مر 6: 45- 8: 26 ثمّ تابع قراءة الإنجيل الثاني حتّى 9: 50. وهكذا يكون انتقل من المعين (3: 1- 4: 30) إلى مرقس (4: 31- 6: 20 أ)، ثمّ عاد إلى المعين (6: 20 ب- 7: 50) قبل أن يعود إلى مرقس (8: 1- 9: 50).
ولا بدّ من أن نقول هنا إنّ لوقا يُقحم هنا أوهناك في هذه الوثائق موادَّ أخذها من موضع آخر أو موادَّ ألَّفها انطلاقًا من معلوماتٍ وصلت إليه. مثلاً: كرازة يوحنّا الأخلاقيّة (3: 10- 14)، أوّل كرازة في الناصرة (4: 16- 30)، الصيد العجيب ودعوة التلاميذ (5: 1- 11)، قيامة ابن أرملة نائين (7: 11- 17)، يسوع والخاطئة عند سمعان الفرّيسيّ (7: 36- 50). من المفيد أن نلاحظ، أنّه إن وضعنا جانبًا قيامةَ ابنِ أرملةِ نائين، فإنّنا نجد تقاليد تقابل هذه المقاطع. فمتّى 10: 1- 17 ينقل إلينا نسب يسوع وإن اختلف عمّا في لوقا. ومرقس 6: 1- 6 يذكر زيارة يسوع إلى الناصرة ولكن دون الخطبة البرنامج. ويروي كلّ من متّى ومرقس ويوحنّا خبر الطيب في إطار الالام وهو يقابل ما فعلته المرأة الخاطئة في بيت سمعان الفرّيسيّ.
نحن نجهل مضمون مرجع كلمات المسيح، ولكنّ إنجيل مرقس هو أمامنا. فنجد أنّ لوقا ضمّ إليه تقريبًا كلّ مر 1- 9. وإن أهمل بعض الأمور فمن أجل اعتبارات أدبيّة ولاهوتيّة. فمرقس 1: 1- 20 يشبه ما في المعين. ومرقس 6: 1- 6 قد دخل عند لوقا في حادثة الناصرة، وموت يوحنّا المعمدان (6: 17- 29) قد لخّصه لوقا واعتبره استطرادًا. ولكن لماذا أغفل لوقا كلّ مر 6: 45- 8: 26؟ لماذا تنازل عن السير على المياه؟ عن ملخّص الأشفية، عن المجادلات حول تقاليد الآباء والعادات الطقسيّة؟ لماذا تخلّى عن طلب السوريّة الفينيقيّة وعن شفاء الأخرس والأصمّ، عن معجزة تكثير الخبز الثانية، عن رفض الآية (رج لو 11: 16)، عن الخطبة عن الخبز وعن شفاء الأعمى؟ أجاب الشرّاح: إنّ لوقا هو لاهوتيّ مراحل تاريخ الخلاص. وبما أنّ الإنجيل سيصل إلى الوثنيّين بعد العنصرة فلا يليق بأن تصل البشرى إلى أرض وثنيّة قبل هذا الوقت. إذن، لا مكان في مخطّط لوقا لمتتالية مرقس التي تقود يسوع إلى خارج الحدود. ولكنّ هذا البرهان لا يعني إلاّ حادثة المرأة السوريّة الفينيقيّة (مر 7: 24- 30) التي تحصل في منطقة صور، وشفاء الأخرس والأصمّ الذي تمّ، على ما يبدو، في أرض وثنيّة (مر 7: 31- 37). فما رفضه لوقا هو الأسلوب العجائبيّ (شفاء بالبصاق). لهذا ترك خبر شفاء الأصمّ وشفاء الأعمى (مر 8: 22- 26). فالتقليد الخطوط لأعمال فيلبّس الذي لم ينشر، يدلّ على ردّة فعل مشابهة حين يشفي فيلبّس أعمى ببصاق أخته مريانا. ولماذا ترك لوقا مر 7: 1- 24؟ هل رأى أنّه دخل في مناخ يهوديّ؟ أم تراه رأى في الكلام انتقادًا لممارسة الشريعة من خلال الهجوم على التقاليد البشريّة؟ أمّا لماذا ألغى السير على المياه، فهذا ما لا نجد له جوابًا؟

ثانيًا: زيارة يسوع إلى الناصرة (4: 16- 30)
ونتوقّف عند مثل معبِّر: أبدل يسوع محلّ زيارة يسوع إلى الناصرة وأعاد تفسيرها. إذا عدنا إلى لوقا وجدنا أنّ الخبر يدشّن رسالة يسوع العلنيّة. ثمّ تأتي خطبة طويلة فتعطي الحدث معناه: روح الله يحلّ الآن على مسيح إسرائيل. لقد تحقّقت النبوءة. فالذي وُلد مسيحًا وربًّا، وجاءه تثبيت سماويّ على هُوِيَّته، يَظهرُ لشعبه لا بشكل كائن سماويّ وعجيب، بل كموفد من الله من أجل أمور هذا العالم، كرسل الأخبار الطيّبة، كسفير لسنة الرضى التي ينتظرها كلّ الشعب من أجل نهاية الأزمنة وإقامة إسرائيل من جديد. إلاَّ أنّ يسوع أكثرُ من رسول. إنّه يحمل الأخبار السارّة. هو يظهر كنبيّ قويّ بالأعمال وقادر أن يحقّق هذا البرنامج الذي أنبأ به وأعلنه بلسان أشعيا.
ويتضمّن هذا الخبر مدلولاً آخر. كان ملاك البشارةِ والكاهنِ زكريّا وملاك الميلادِ قد شدّدوا فقط على مُلك يسوع العتيد. أعلن يوحنّا المعمدان أنّه ليس المسيح، وأعلن مجيء المسيح الذي يوزّع الروح (الخلاص) والنار (الدينونة). وربط لوقا نسب يسوع (بطريقة مباشرة أو غير مباشرة) بالله أبيه في البشريّة عبر آدم، وأبيه في اللاهوت عبر مريم. ولكنّ سمعان النبيّ كان قد أعلن أنّ إقامة هذا السلطان الجديد وهذا المُلك المسيحانيّ لا تتمّ من دون معارضة: "إنّه هنا لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل وليكون علامة مقاومة" (2: 34). ففشل كرازة يسوع في الناصرة يثبت إحساس سمعان ويسبّق على المعارضة التي ستقود يسوع إلى الجمعة العظيمة... فعبارة "لا يُقبل نبيّ في وطنه" التي أخذها لوقا (4: 24) من مرقس تتّخذ في كلامه بُعدًا تاريخيًّا وكونيًّا. نحن نجد فيها بذار الخلاف بين المجمع (أي العالم اليهوديّ) والكنيسة التي هي بقيّة إسرائيل الأمينة والتي ستنهض. ومن خلال المثلين عن الأرملة الغريبة في صرفت صيدا ونعمان السوري، يبدأ وقت اختيار الوثنيّين. أوّن لوقا تقليدًا نبويًّا فتيقّن (وسيكرّر هذا اليقين في فم إسطفانس) أنّ مرسلي الله لن يلقوا الاستقبال الحسن المميَّز من قِبَلِ المرسلين إليهم. فاستنتج أنّهم أُرسلوا إلى الكثيرين (اي الى العالم كله).

ثالثًا: التعليم الذي نستنتجه
إذا تأمّلنا في هذا الفصول، وجدنا أنّ تعليم لوقا يتّخذ وجهتين تسيران في اتّجاهين: وجهة كرستولوجيّة (تنظر إلى يسوع المسيح)، ووجهة أنطربولوجيّة (تنظر إلى الإنسان) أو كنسيّة.
الاتّجاه الكرستولوجيّ. يقدّم لنا لوقا يسوع كرسول ملكوت الله القريب. لهذا جاءت أخبار المعجزات مكمّلة لعمل الكلمة (هذا ما فعله مرقس أيضاً). جاء تعليم يسوع الذي يحدّد بواسطة التطويبات الأشخاص الذين أرسل إليهم الإنجيل. فخطبة السهل يجب أن تقرأ على مستويين: مستوى المجيء إلى الإيمان، ومستوى النموّ في القداسة. وهذان المستويان يدخلان في إطار مبادرة الله النموذجيّة (رج 6: 35- 36).
ولكنّ وجود المؤمن يتأوّن في العالم الأخلاقيّ. فالخلاص الذي يقدّمه الله ليس مضمونًا. لهذا ينبّه لوقا قرّاءه إلى خطر المال، ويعود إلى هذا التنبيه، ولاسيّما وإنّ قرّاءه يبدون من الطبقة الميسورة. لهذا يتّخذ تعليم لوقا بُعدًا أنطربولوجيًّا وكنسيًّا. ويشهد خبرا الدعوة أنّ يسوع يريد أن يربط بشخصه مجموعة من التلاميذ.
الخبر الأوّل (5: 1- 11). تنازل لوقا عن النداء المقتضب للتلاميذ الأربعة (مر 1: 16- 20) ليبنيَ مشهدًا احتفاليًّا وحيًّا يكون فيه بطرس بقرب يسوع الوجه الأوّل. فالصيد العجائبيّ الذي يربطه يو 21 بظهور القائم من الموت، يصبح هنا مناسبة لدعوة رسوليّة. هنا نستشفّ الطابع الرمزيّ الذي اكتشفه القدّيس أمبروسيوس مثلاً. فالقاربان اللذان يحيطان بالسمك يمثّلان تقبّل اليهود ثمّ الوثنيّين في الكنيسة. ويحوّل لوقا الكلمة التي أخذها من مرقس (صيّادي الناس 1: 17): سيصبح بطرس صياد بشر يأخذ الناس أحياء في شباكه (هذا هو معنى الفعل اليونانيّ المستعمل في لوقا).
الخبر الثاني: دعوة لاوي (5: 27- 32). لا يقول لنا لوقا إنّ كلّ الذين يسمّيهم "تلاميذ" (5: 33، 6: 1) تلقَّوا نداءً خاصًّا من يسوع. إنّهم عديدون على ما يبدو، ومنهم اختار يسوع الاثني عشر الذين أعطانا لوقا لائحة بهم في 6: 12- 16. في 6: 17- 19 نجد يسوع والاثني عشر تحيط بهم جموع الشعب. تتوجّه التطويبات والويلات إلى التلاميذ (6: 20)، أمّا ما تبقّى من خطبة السهل فيتوجّه إلى كلّ من يسمع (6: 27). هذه العبارة غامضة ويمكنها أن تدلّ على التلاميذ وحدهم (آ 20) أو على التلاميذ والجمع (آ 17- 19). في ف 9 يسلّم يسوع إلى الاثني عشر مهمّة أولى بعد أن أعطاهم من قدرته وسلطانه (9: 1- 6، 10).
وهناك حدثان في نهاية هذا القسم الأوّل يُعِدّان الطريق لما يلي: اعتراف بطرس الذي يرى في يسوع مسيح الله، وبعده الإعلان الأوّل للالام (9: 18- 27) والتجلّي (9: 28- 36). يدلّ هذا الحدث في نظر مرقس على مجد الابن وهو وعد بحياة جديدة يجب أن ننتظرها. أمّا لوقا فيعتبر أن مجده لا ينفصل عن عبوره (أي موته) الذي سيتمّ في أورشليم.

3- من الجليل إلى أورشليم (9: 51- 19: 28)
أوّلاً: المصادر التي استقى منها لوقا
لا يروي القسم الأوسط من الإنجيل الثالث (9: 51- 19: 28) إلاَّ أحداثًا قليلة تتعلّق بالسَفَر، ولكنّه ينقل يسوع من الجليل إلى أورشليم. فالذي أعطى هذا الاتّجاه للخبر هو لوقا لا التقاليد التي استعملها. رج 9: 51، 53، 57؛ 10: 38؛ 13: 22- 23؛ 14: 25؛ 17: 11. في 18: 35 و19: 1 يقترب يسوع من أريحا ثمّ يدخلها. في 19: 11 يقترب من أورشليم. في 19: 28 يهمّ بالدخول إلى أورشليم. في 19: 29 ي نشهد الدخول إلى أورشليم من على جبل الزيتون، والدموع التي ذَرَّفَها على المدينة وأوّل عمل قام به في المدينة حين طهّر الهيكل.
نلاحظ أنّ لوقا لا يتصوّر الأمكنة بطريقة فضوليّة. في 4: 44 وخلال الفترة الجليليّة تصوّر نشاط يسوع "في مجامع اليهوديّة". أمّا هنا، وخلال السفر فهو يستعمل عبارة غريبة: "إذ كان يسير نحو أورشليم مرّ عبر السامرة والجليل" (17: 11).
استعمل مرقس في ف 10 بعضَ موادَّ ليرسم سَفَر يسوع. أخذها لوقا (ما عدا شواذّين) وجعلها تتوالى في هذا القسم الأوسط في ف 18: يسوع والاطفال (18: 15- 17)، نداء الرجل الغنيّ (18: 18- 30)، الإنباء الثالث بالالام (18: 31- 34)، شفاء ابن طيما الأعمى (18: 35- 43). واستبعد لوقا المقطع عن الطلاق، وقد أشار إليه في 16: 18، كما استبعد طلب يعقوب ويوحنّا بأن يجلسا في الملكوت عن يمين يسوع وشماله، لأنّه اعتبره تكرارًا لما سيحدث في إطار العشاء الأخير (22: 24- 47) وهو أمر خاصّ بلوقا.
ولكن من أين جاء لوقا بموادِّ ما تبقّى من فصول؟ قسمٌ جاءه من المعين. وهنا يعود لوقا فيتنقّل بين المعين ومرقس. من 9: 57 إلى 13: 35 عاد إلى المعين ولكنّه أدخل بعض العناصر المأخوذة من مرقس والموجودة في وحدات خاصّة بالمعين: أكبر الوصايا (10: 25- 28)، مثَل النور (11: 33)، المجادلة حول بعل زبول (11: 14- 23)، الخطيئة ضدّ الروح القدس وسند الروح (12: 1- 12)، مثل حبّة الخردل (13: 18- 19). وأقحم لوقا هنا أمثالاً أخذها من ينبوع آخر فساعدته على التوسّع في بعض الأقوال الواردة في المعين: الاستقبال الرديء في السامرة (9: 52- 56)، ثمّ السامريّ الصالح (10: 25- 37)، مرتا ومريم (10: 38- 42). وهذان الحدثان يتوسّعان بوصيّة المحبّة في وجهيها (10: 22- 42). مثل الصديق الذي يلين، يُلمّح إلى الصلاة (11: 5- 8)، ثمّ حادثة الأخوين (11: 13- 15) ومثل الغنيّ الجاهل (11: 16- 21) والنداء إلى التوبة لدى رؤية الشقاوات (13: 1- 5) ومثل التينة العقيمة (13: 6- 9) وأخيرًا شفاء المرأة المريضة يوم السبت (13: 10- 17).
منذ ف 14 خفّ تأثر المعين. فرجع لوقا إلى وثيقة أخرى خاصّة به، فاحتوت وحداتٍ أدبيّةً واسعةً مكتوبةً بلغة أنيقة، وتألّفت خاصّة من أخبار وأمثال وجّهها يسوع أمام جمهور الفرّيسيّين. نلاحظ بصورة خاصّة شفاء المريض بداء الاستسقاء يوم السبت (14: 1- 6)، وأمثلة الابن الضالّ (15: 11- 32) والوكيل الخائن (16: 1- 13) والغنيّ ولعازر الفقير (16: 19- 31)... ومثلا المدعوّين الذين حلّ المساكين محلَّهم (14: 15- 24) والنعجة الضالّة (15: 3- 7) يجدان ما يقابلهما عند متّى (22: 1- 10؛ 18: 12- 14) ويعودان إلى لوقا، هذا إذا لم يكونا من خاصيّات لوقا وقد انتشرت في قنوات مختلفة. ويلفت نظرَ القارئ وحدات قصيرة: القول على الملح (14: 34)، على السيّدين (16: 13)، على الشريعة والملكوت (16: 14- 18)، على النصائح للتلاميذ (17: 1- 6). قد ترجع هذه الأقوال إلى المعين لأنّ بعضها وُجد في متّى، وقد تكون خاصّة بلوقا.
ما هو مبدأ تنظيم هذه الفصول (9: 51- 19: 28)؟ سنجد خلال السفر إلى أورشليم ملخّصين يساعداننا على توزيع هذا القسم الأوسط على ثلاث حصص. الأوّل نقرأه في 13: 22: "سار في المدن والقرى، يعلّم وهو في طريقه إلى أورشليم". الثاني نقرأه في 17: 11: "وبينما هو في طريقه إلى أورشليم مرّ بالسامرة والجليل".

ثانيًا: حياة المؤمن 9: 51- 13: 21
هنا يوجّه الإنجيليّ انتباه القارئين نحو حياة المؤمن. ما معنى أن يكون الواحد تلميذًا؟ كيف يعيش حالته كتلميذ؟ أيّ سلوك يسير فيه لكي يبقى في هذه الحالة؟ وتبرز مواضيع أساسيّة عن الإيمان والأخلاق عند القدّيس لوقا: الانتماء إلى الله ومسيحه كفعل انفصال (يترك العائلة والخيرات والامتيازات الاجتماعيّة)، حياة المؤمن المطبوعة بالصلاة وفعل الإيمان. طاعة تتعارض وطاعة الفرّيسيّين. تتميّز هذه الطاعة بالتوكّل على الله وبالسهر. لسنا فقط أمام حياة تكون أكثر أو أقلّ أخلاقيّة، بل أمام انتصار الشيطان أو الله (10: 18)، بل أمام حياة أسيرة الشيطان (13: 16) أو خاضعة لله، لإله ليس القاضي الصارم بل الإله الذي كشف حنانه للصغار. إذًا، هناك معارضة بين الذين يتقبّلون التعليم وبين الذين يرفضونه: "أتظنّون أنّي جئت لألقيَ السلام على الأرض؟ أقول لكم: لا، بل الخلاف" (12: 51). يسوع هو العلامة الفاعلة لحبّ الله. أراد لوقا أن يرسم لنا وجه الآب فأرانا الابن. أمّا التلاميذ والفرّيسيّون فيمثّلون الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون.
ولكن لكي يصل ظهور هذا الملكوت إلى البشر لا بدّ من وسطاء. هناك يسوع أوّلاً، ثمّ الاثنا عشر، ثمّ السبعون الذين يفتح نداؤهم وإرسالهم هذا القسم من الإنجيل (10: 1- 11). نلاحظ أنّ لوقا يخصّ هذا الإرسال بمكانة مميّزة: فخطبة الإرسال التي يربطها المرجع بإرسال الاثني عشر (مت 10: 7- 15) يربطها لوقا بإرسال السبعين. إنّ إرسال الاثني عشر يشير إلى تبشير شعب إسرائيل (الذي فشل بعض الفشل)، أمّا إرسال السبعين (راجع لائحة الأمم في السبعينيّة: تك 10: 1 ي) فيشير إلى دعوة أمم العالم التي سارت مسيرتها الناجحة في أيّام القدّيس لوقا: هو يهتمّ بالإرسال الأوّل ولكنّه يخصّ الإرسال الثاني بأهمّيّة حاسمة.

ثالثًا: حبّ الله وشخص يسوع 13: 22- 17: 10
إذا قلنا إنّ 13: 22- 17: 10 تشكّل الحصّة الثانية في القسم الأوسط نلاحظ أنّ المواضيع المطروقة تستعيد وتكمّل ما قيل بعد ف 9. ومن هذه المواضيع: المحبّة التي أظهرها الله في يسوع المسيح تجاه الضالّين (مثل الابن الضالّ: 15: 11- 32) والجواب على هذه المحبّة: حسد الابن الأكبر. إنّ اتّساع حنان الله قسّى قلب أوّل المستفيدين. نتذكّر هنا مثل المدعوّين إلى الوليمة (14: 15- 24) حيث الفَوْجانِ من المساكين يمثّلان المسيحيّين الآتين من العالم اليهوديّ وأولئك الآتين من العالم الوثنيّ. ويتطلّع لوقا إلى قرّائه المسيحيّين فيبيّن لنا خطر القلب القاسي الذي يتّخذ شكل محبّة المال.
وهناك توسّعات تحدّثنا عن شخص يسوع وتوضح لنا الطابع النهائيّ للزمن الحاضر. كان لوقا في 1: 1- 9: 50 قد قدّم لنا الطابع المسيحانيّ لشخص يسوع وتدخّله. ولكنّه في نهاية هذا القسم أعلن على خطى مرقس آلام يسوع وقيامته على التلاميذ غير المؤمنين (9: 22، 44). أمّا في 9: 51- 19: 28 فقد استعاد هذا الإعلان وأدخل يسوع في سلسلة الأنبياء المتألّمين (13: 31- 35). وأنبأ أنّ سيادة المسيح سيسبقها موته الذي هو نتيجة المعارضة العدوانيّة لرسالته والطريق السرّيّ الذي هيّأه قصد الله. وخلاصة القول الذي لا يني القائم من الموت (24: 44- 48) والرسل يردّدونه (أع 26: 22- 23)، أنّ يسوع هو المسيح، ولكنّه مسيح متألّم. فقبل نهاية الأزمنة سنجد الألم ورذل ابن الإنسان (17: 25). كان الإنباء الثالث بالالام عند مرقس الإنباء الخامس عند لوقا (18: 31- 34). لم يفهم الاثنا عشر. لا بدّ من الفصح ليَقبلَ الرسل بما حدث يوم الجمعة العظيمة ويفهموه.
يربط 13: 23- 30 وجهة نهاية الأزمنة بمصير إسرائيل. فالقبول بالتعليم الإنجيليّ أو رفضُه له طابع نهائيّ وحاسم. إن فتحنا قلبنا أو أغلقناه، فُتح لنا باب الملكوت أو أغلق. وهنا يشير لوقا إلى أنّ الوثنيّين يتفوّقون على اليهود في قبول الإنجيل بإرادة طيّبة.

رابعًا: نهاية الأزمنة 17: 11- 19: 28
الحصّة الثالثة في هذا القسم الأوسط (17: 11- 19: 28) توجّه انتباهنا إلى عالم نهاية الأزمنة.
وجّه يسوع حديثه إلى الفرّيسيّين الذين يهتمّون بالملكوت وبعلامات مجيئه، فأكّد لهم أن ملكوت الله جاء إليهم في شخصه (17: 20- 21). ثمّ توجّه إلى الرسل وحدّد موقع المجيء بالنسبة إلى المستقبل: في البداية سيكون إلى ابن الإنسان (17: 25)، ثمّ الزمن من الصعود إلى المجيء (17: 22) الذي يسبق يوم ابن الإنسان (17؛ 24). هذا التعليم يصحّح التعاليم عن الآمال الكاذبة. يعارض لوقا حسابات القلقين وعدم صبر المتعصّبين وشكوك اليائسين الذين خاب رجاؤهم. وهذا التعليم ليس عقيدة، إنّه برنامج حياة: "قال لهم يسوع مثلاً في أنّه يجب أن يصلّوا دائمًا ولا يملّوا" (18: 1). وهناك خبران خاصّان بلوقا يقدّمان لنا صورة عن الحياة البارّة في نظر الله: حياة نبدأ فيها الاعتراف بشقائنا ويتقبّل الله: العشّار (18: 9- 15) وزكّا (19: 1- 10). وساعدت لوقا ثلاث وحدات وجدها عند مرقس فأفاد منها ليحدّثنا عن التوبة والخلاص: يسوع يتقبّل الأطفال (18: 15- 17)، الرجل الغنيّ صار عند لوقا أحد الوجهاء (18: 18- 30)، أعمى أريحا (18: 35- 42). لا يهتمّ لوقا في أن يحدّد الموقف الصالح تجاه الحياة الخاطئة، بل أن يعارض برارة في نظر الله بع برارة في نظر البشر. قدّم لوقا صورة عن الفرّيسيّين في زمن يسوع فوبّخ المسيحيّين في زمانه بسبب عجرفتهم واكتفائهم بنفوسهم. ولكنّه اهتمَّ أيضاً بمصير إسرائيل ومسألة المجيء. فأعاد تفسير مثل الوزنات مطبّقًا تفاصليه على الحالة الحاضرة: لن يظهر ملكوت الله في الحال (19: 11). أمّا مواطنو الملك الذين عارضوا سلطانه فهم شعب إسرائيل وقد نالوا أقسى عقاب (19: 27). إنّ المؤمنين الذين استثمروا حصّتهم يُجازون خير جزاء، أمّا العبد الجبان الذي تصوّر الله على غير ما هو فسينال قصاصه (19: 15- 26).

4- في أورشليم (19: 29- 24: 53)
يجري القسم الثالث من إنجيل لوقا (19: 29- 24: 53) في أورشليم. يحدّثنا لوقا عن نشاط يسوع في الهيكل ثمّ يروي لنا آلامه ويقدّم أخيرًا يوم الفصح.

أوّلاً: في الهيكل 19: 29- 21: 38
هنا يعود لوقا إلى مرقس حتّى نهاية ف 21. يجعل يسوع الهيكل مركز نشاطه. فحادث الشعانين الذي قرأه متّى في منظور نبويّ، فسّره لوقا بمعنى ملكيّ: إنّ ذلك الآتي باسم الآب هو الملك. أورد لوقا آية مز 118: 26 (مبارك الآتي باسم الربّ) وزاد كلمة "الملك" (19: 38). فتكريس الملك سليمان (1 مل 1: 33) ساعده على جذب الخبر التقليديّ إلى فكرته. ولكن لا التباس على طريقة جماعة الغيورين: فنشيد الشعب الذي يطابق ما تقوله جوقة الملائكة يوم الميلاد، لا ينشد السلام على الأرض (2: 14)، بل في السماء. أمّا على الأرض فالعاصفة ترعد وعقاب المسؤولين يُعلن، هذا ما نفهمه من النبوءة على سقوط أورشليم (19: 41- 44).
بماذا يقوم هذا التعليم وهو آخر تعليم يسوع؟ إذا عرفنا الجبهة التي يحارب فيها نوضح مضمون هذا التعليم في الهيكل. إنّه لا يتوجّه أوّلاً إلى الفرّيسيّين، بل إلى عظماء الكهنة والصادوقيّين. ويشهد تطهير الهيكل نيّة يسوع في إعادة البناء والإصلاح، كما يثير غضب الخصوم الذين يَعِقدونَ العَزْمَ على تصفية يسوع (19: 47). ثمّ إنّ يسوع يرفض أن يكشف عن يَنبوع سلطته. (20: 1- 8)، فلا يبقى له إلاَّ الشعب الذي يريد أن يحيا من كلمته. فإلى الشعب يوجّه لوقا "مثل الكرّامين القتلة" (20: 9- 19): موت الوارث وتسليم الكرم إلى كرّامين آخرين. هذا ما يرويه لوقا فيدلّ على مصير يسوع (ف 22- 24) وعلى إعادة بناء شعب الله انطلاقًا من كلّ الأمم، كما يقول سفر الأعمال. فَهِم رؤساء الكهنة والكتبة كلام يسوع. ولكنّ لوقا جعلهم يقولون: "لا سمح الله" (20: 16). ونهاية ف 20 هي حوارات لا تصل إلى نتيجة لأنّ خصوم يسوع يوجّهون إليه كلامهم ليُفحِموه لا ليَفهَموه. ولكنّ يسوع ردّ على أسئلتهم الماكرة بأسئلة منبّهة ومثيرة. غير أنّ محاوري يسوع تشدّدوا في معارضتهم.
يستعيد ف 21 خطبة مرقس الجليانيّة كما استعاد ف 17 المعين. توجّهت الخطبة إلى الشعب أمّا ف 17 فتوجّه إلى التلاميذ. واهتمّ لوقا بأن يفصل سقوط أورشليم عمّا سيحدث في النهاية (21: 8- 11). هذا لا يعني أنّ مصير المدينة المقدّسة صار أمرًا عاديًّا، إنّه عقاب من الله. ولكنّ لوقا لا يقول إنّ هذه المحنة ستكون الأخيرة (21: 20- 24). فالعلامة التي تسبق النهاية ستكون الاضطهاد الذي يضرب الكنيسة، والعون الذي يقدّمه المسيح للشهداء (21: 12- 19). سيأتي ابنُ الإنسانِ في شعلة من العلامات الكونيّة (21: 25- 27). انتظر لوقا قرب مجيء ملكوت الله بقوة (21: 28- 33) ولكنّه دعا الراجين إلى السهر. تلك هي آخر كلمة قالها يسوع وهو يعلّم في الهيكل (21: 34- 37). ها إنّ زمن الأمم قد جاء (21: 24) زمن القمع الرومانيّ وارتداد الوثنيّين.

ثانيًا: الالام ف 22- 23
يشكّل خبر الالام (ف 22- 23) الحصّة الوسطى في القسم الأخير من إنجيل لوقا. نحسّ أنّ لوقا ترك مرقس وتبع يوحنّا. وقد كثرت الأبحاث في هذا الموضوع ولم تلق جوابًا.

المؤامرة 22: 1- 6
تبدأ الالام بالمؤامرة (22: 1- 6). ويوضح لوقا أنّ الشيطان دخل في يهوذا (22: 3). كان قد أشار بعد خبر التجارب: "وبعد ما استنفد الشيطان كلّ تجربة ممكنة فارقه إلى الوقت المحدّد" (4: 13). فهل نستنتج أن زمن يسوع كان زمنًا سعيدًا وواحة سلام؟ كلاّ. فلوقا قريب من الأسفار الجليانيّة. فبعد أن قُهر الشيطان في السماء طُرد إلى الأرض (10: 18). وهو يفعل هنا ولاسيّما في حياة يسوع (13: 16). قاتله يسوع لينتزع منه ضحاياه (أع 10: 38). يوم انتصر يسوع عليه بعد التجارب الثلاث أفلت من قبضته وما عاد يغويه. ولكن الشيطان يقدر بعد أن يجرّبه. وهذا ما يحدث الآن.
أغفل لوقا دهن الطيب في بيت عنيا لأنّه أعطى خبرًا موازيًا لهذا الخبر في 7: 36- 50 (الخاطئة في بيت سمعان الفرّيسيّ).

الفصح 22: 7- 38
اتّخذ يسوع موقفًا تجاه مبادرة خصومه (22: 7- 14) فأرسل بطرس ويوحنّا ليعدّا الفصح. تفرّد لوقا بإيراد اسمي هذين التلميذين، ليدلّ على أهمّية هذين الشاهدين. وتظهر هنا معرفة يسوع المسبقة. فقبل الشعانين وقبل الفصح أرسل يسوع تلميذين ليُهِّيئا ما يعرف أنّه معَدّ سلفًا. وهذا يدلّ على أنّ يسوع يسيطر على مصيره ساعة تبدأ القوى المعادية تنقضّ عليه.
اختلف لوقا عن مرقس فجعل تأسيس الإفخارستيّا (22: 15- 20) سابقًا للإعلان عن الخائن (22: 21- 23). يتضمّن خبر التأسيس ثلاث مراحل: أوّلاً يربط يسوع بين الفصح وفصح الملكوت (22: 15- 16). ثانيًا: هذه الآيات تهيِّئ وتفسّر القول التقليديّ الذي تلفّظ به يسوع بعد أن قدّم الكأس (22: 17- 18). نلاحظ في آ 15 استعمال كلمة "تألّم" في المعنى المطلق لتدلّ على آلام يسوع وموته (رج 24: 26، 46؛ أع 1: 3؛ 3: 18؛ 17: 3). ففي نظر لوقا، لم يمت يسوع فقط، ولكنّه تألّم على مثال كلّ شهيد. ثالثًا: تذكر آ 19- 20 كسر الخبز وتقديم الكأس. هنا يلتقي لوقا لا مع مرقس بل مع 1 كور 24: 25: زاد على كلمة "جسدي" الكلمات "الذي يبذل من أجلكم". وقال "اعملوا هذا لذكري". ثمّ أخذ الكأس "بعد العشاء" وسمّاها "العهد الجديد بدمي" (أمّا العبارة "الذي يسفك لأجلكم" فلا نجدها في نصّ القدّيس بولس). لا ينفصل العشاء عند متّى ومرقس عمّا يُقال عن الخبز والكأس. لا يجعل متّى ومرقس قوّة خلاصيّة للجسد ويسمّيان الكأس دم العهد. ثمّ هما لا يوجّهان كلمات التأسيس إلى الحاضرين (يسفك الدم من أجل الكثيرين لمغفرة الخطايا، كما قال متّى، ومن أجل الكثيرين، كما يقول مرقس). إذًا تعكس آ 19- 20 ممارسة خاصّة بلوقا وبولس، ومختلفة عن ممارسة متّى ومرقس. 
إنّ آ 19 ب- 20 (كلّ المخطوطات تتوقّف عند "هذا هو جسدي") غير موجودة في بعض المخطوطات الغربيّة. ثمّ إنّ المخطوطات السريانيّة تقلب ترتيب الآيات. فهناك مخطوطة تجعل آ 19 قبل آ 17- 18. وهناك مخطوطة أخرى تعمل الشيء عينه ولكنّها تقحم "بعد العشاء" بعد آ 19، وتقحم" هذا الدم هو العهد الجديد" بعد آ 17. وهناك مخطوطة ثالثة تهمل آ 17- 18. إذًا هناك اختلاف لا بسبب إهمال الخطّاطين، بل لأنّهم حاولوا أن يُوفِّقوا بين النصّ الكتابيّ وممارستهم للإفخارستيّا. أمّا النقّاد فيعتبرون اليوم أنّ الترتيب اليونانيّ هو الأصليّ وأنّ آ 19 ب- 20 هما من صلب الكتاب وترجعان إلى لوقا.
وتميّز لوقا عن سائر الإنجيليّين في آ 24- 38. يلقي يسوع خطبة وداعيّة (فنّ أدبيّ عرفه العالم اليهوديّ. رج أع 20 وخطبة بولس في شيوخ أفسس). حدّد يسوع نموذج السلطة في الكنيسة، لا السلطة المتسلّطة كما عند أسياد هذا العالم، بل السلطة الخادمة على مثال ما فعل يسوع (رج مر 10: 41- 45). ووعد يسوع تلاميذه الذين ثبتوا معه في محنته (هل ثبتوا معه حقًّا؟ ولكن بعد العنصرة...) بمشاركة في وليمة الملكوت ودور في دينونة إسرائيل (أي في الحكم الملكيّ في نهاية الأزمنة. رج مت 19: 28). ثمّ يتوجّه إلى بطرس (رج مت 16: 18: أنت الصخر، يو 21: 15: أتحبّني). ونبّه يسوع سمعان أنّ الشيطان سيغربل التلاميذ ويمتحنهم ليتحقّق من قيمتهم (يحرّك القمح فيتخلّص من البقايا التي جاء بها عن البيدر) إذا كان الشيطان حصل على هذا الامتياز من الله (كما كان مع أيّوب)، فيسوع وَسَطَ محنته، تدخّل مع الآب متشفّعًا "لئلاّ يزول الإيمان" (ينظر لوقا إلى فشل المسيحيّة. رج 18: 8). وأخيرًا يسلِّم يسوع إلى بطرس وظيفة رعائيّة (ثبّت إخوانك). ولا يقدر أن يقوم بهذه الوظيفة إلاّ بعد التوبة (يفكّر لوقا بنكران بطرس ليسوع لا بجحود لا رجوع عنه).
بعد إعلان إنكار بطرس (22: 34) نقرأ حادثة السيفين الخاصّة بلوقا (22: 35- 38): الرجوع إلى الإرسال يميّز الزمن الذي فيه كان يسوع يحمي تلاميذه، من زمن آلام يسوع وزمن الكنيسة. فلا حاجة للمؤمنين بأن يتسلّحوا. ونقرأ إنباء جديدًا عن الالام يجعلنا نكتشف المعنى الذي ينسبه لوقا إلى موت يسوع. فهذا الموت سيكون تتمّة لنبوءة أش 53: 12: "أُحصي مع المجرمين". هذا يعني أنّ البارّ سيُحصى مع الأشرار ليستطيعَ الخطأةُ أن ينضمّوا إلى أفواج المؤمنين. ليست آلام يسوع حدثًا عابرًا ستصلحه القيامة. إنّ الالام هي عمل جهل الإنسان ولكنّها أيضاً تعبير عن قصد الله (أع 2: 23). فإن كان للآلام بعدٌ سلوكيّ (يدعى المؤمنون ليسيروا على خُطى يسوع، 1 بط 2: 21)، فلها أيضاً منظور فدائيّ.

النزاع 22: 39- 46
لا يتكلّم لوقا في خبر النزاع (22: 39- 46) عن جتسيماني، هذا الاسم العبريّ، بل يحدّد موقع المشهد في هذا البستان الواقع على جبل الزيتون، وإلى هذا الجبل ينسب أهمّيّة لاهوتيّة. حسب الأنبياء سيُظهر الربّ مجده وقدرته على هذا الجبل (حز 23؛ زك 14: 4). وحسب لوقا، من هناك يصل يسوع إلى أورشليم (19: 29، 37)، وعن هذا الجبل سيصعد إلى السماء (أع 1: 9- 12). هذا الجبل هو الوجهة الإيجابيّة نجاه أورشليم الخاطئة. إنّه نقطة اتّصال بين السماء والأرض وهو يتميّز عن الهيكل.
ونجد خصائصَ واضحةً في الخبر: ظلّ التلاميذ معًا (ولم يفترق عنهم بطرس ويعقوب ويوحنّا). وجّه يسوع صلاته إلى أبيه مرّة واحدة (لا ثلاث مرّات). جزع يسوع فعزِّاه ملاك. يفترض متّى ومرقس أنّ يسوع استعاد شجاعته ولا يقولون كيف استعادها. يشير يوحنّا إلى صوت سماويّ (يو 12: 28). أمّا لوقا فيقدّم هذا العزاء بشكل منظور من أجل تربية قارئيه. ويتجاهل لوقا قولين ليسوع (مر 38:14: "الروح قويّ أمّا الجسد فضعيف". مر 14: 41- 42: "جاءت الساعة: ها إنّ ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطأة. قوموا، لنذهب، ها قد وصل الذي يسلمني"). ولكنّه يورد لنا دعوتين لئلا ندخل في تجربة (22: 40، 46). وهذا ما ما يعطي بُعدًا سلوكيًّا لحدث يتّخذ عند متّى ومرقس بعدًا كرستولوجيًّا. ولكن لماذا بدّل لوقا نصّ مرقس؟ لا شكّ في أنّه اتّبع تقليدًا خاصًّا.

من التوقيف إلى الموت 22: 47- 23: 56
إنّ الخبر الذي يقود من التوقيف إلى الصلب يبتعد عمّا نقرأ عند الإزائيّين الآخرَين. خلال التوقيف، يحدّثنا لوقا بطريقته الخاصّة عن قبلة يهوذا، ويشير إلى شفاء الأذن المجروحة، وينقل إلينا كلام المسيح (هذه ساعتكم الآن، هذا سلطان الظلمة: 22: 53)، ولا يقول كلمة عن هرب التلاميذ (رج مر 14: 50- 52).
لا اجتماعَ في الليل للمجلس. يدخل يسوع إلى بيت عظيم الكهنة (22: 54؛ رج يو 18: 13). أنكر بطرس المعلّم، ولكنّ نظر يسوع جعل التوبة (التي أعلنت في 22: 32) تبدأ عند الرسول (22: 61- 62).
ويتبع لوقا مرقس أو مصدرًا خاصًّا فيقدّم لنا مشهد الهزء: طُلب إلى يسوع أن يبيّن أنّه نبيّ (22: 63- 65).
يدور المثول أمام المجلس (جلسة الصباح) حول مسيحانيّة يسوع (22: 66- 71). لا يورد لوقا كلمة يسوع عن الهيكل ولكنّه يقسم سؤال رئيس الكهنة إلى قسمين: إن كنت المسيح فقل لنا، هذا هو السؤال الأوّل. "إذن، أنت ابن الله"، هذه هي صرخة الدهشة. نجد هنا في أساس هذه القسمة طريقة خاصّة بفهم التعليم المسيحيّ في أيّام لوقا: يقابل المسيح تساؤل شعب إسرائيل ويقابل ابن الله انتظار الأمم الوثنيّة. رفض يسوع أن يجيب تحت الضغط (كما عند متّى لا كما عند مرقس) أو هو أجاب بطريقة مُلَغَّزة. ولكنّه أعلن: "إنّ ابن الإنسان سيجلس بعد اليومٍ عن يمين الله القدير" (22: 69). اتّفق الإزائيّون على هذا القول فشكّلت آياتهم ملخّصا للتعليم عن المسيح.
ويأتي بعد هذا، المثولُ أمام بيلاطس (23: 1- 5). اهتمّ لوقا بأن يشرح لماذا استطاع بيلاطس أن يطرح على يسوع السؤال "هل أنت ملك اليهود" فبدأ الدعوى بشكوى من السلطات اليهوديّة: اتّهموا يسوع بمسيحانيّة سياسيّة ومزاحمة للإمبراطور، ولكنّ هذا افتراء في نظر لوقا. أمّا جواب يسوع "أنت قلت" فهو هو عند كلّ من متّى ومرقس ولوقا. لم يظهر لوقا دهشة في ذلك الوقت بل أعلن براءة يسوع. وسيبيّض الوالي ثلاث مرّات "سجلّ" يسوع (23: 22: وقال لهم للمرة الثالثة). لقد اقتنع لوقا ببراءة يسوع كما اقتنع بأنّ المسيحيّة لا يمكنها أن تحمل ضررًا لأحد. فلا يجب على السلطة الرومانيّة أن تخاف من الرسالة المسيحيّة. هذا ما أراد لوقا أن يبيّنه في دعوى يسوع كما في أعمال الرسل.
وأدخل لوقا مشهدًا خاصًّا به هو مثول يسوع أمام هيرودس أنتيباس (23: 6- 12). هل نحن أمام توسّع ثانويّ يحقّق المزمور الثاني (قام ملوك الأرض والعظماء ائتمروا معًا على الربّ وعلى مسيحه)؟ هل نحن أمام حدث تاريخيّ؟ بعد هذا الحادث يضع لوقا مشهد الهزء الثاني ولا يذكر إلاَّ الثوب البرّاق (23: 11).
يشدّد لوقا في خبر الالام على استعدادات الشعب الطيّبة. فهو ما زال يسمع ليسوع منذ دخوله إلى أورشليم. ولكنّ معظم المخطوطات تجعل الشعب يقف هنا بجانب الكهنة. والرؤساء كخصم ليسوع (23: 13). لهذا لا نقرأ "زعماء الشعب" بل "الزعماء والشعب" بحيث يكون الشعب مسؤولاً عن موت يسوع مع زعمائه. طلب بيلاطس إلى الشعب أن يختار ففضّل برأبّا على يسوع. هذا ما يقوله مرقس. وسيذكر سفر الأعمال مسؤوليّة شعب أورشليم في موت يسوع.
لا يشير لوقا إلى امتياز فصحيّ (مر 15: 6- 8)، ولكنّه يلاحظ مع مرقس عمى الشعب الذي يطلب التحرير لثائر، لا لهذا المتّهم (23: 18- 23).
لا يحكم بيلاطس صراحة على يسوع، ولكنّه يسلمه إلى عقاب الشعب. ينفرد لوقا فيقول: "أسلم يسوع إلى مشيئتهم" (23: 25).
عرف الإزائيّون الثلاثة سمعان القيريني (23: 26) (أو القيرواني)، ولكنّ لوقا انفرد بذكر شفقة يسوع على نساء أورشليم (23: 27- 32)، وكلام اللصّين (23: 39- 43). انفرد بنقل كلمتين ليسوع، الأولى: "اغفر لهم يا أبتِ، لأنهم لا يدرون ماذا يعملون" (23: 34). الثانية: "يا أبتِ، في يديك أستودع روحي" (23: 46). وينفرد لوقا في الكلام عن توبة الجموع. قال: "والجموع التي حضرت ذلك المشهد... رجعت وهي تلطم الصدور" (23: 48).
ويشير لوقا مع الإزائيّين الآخرين إلى الاقتراع على الثياب (23: 34)، إلى حضور الشعب الذي ينظر إلى كلّ شيء (يتحدّث متّى ومرقس عن العابرين الذين يهزأون بيسوع)، إلى الدعوة التي أطلقها الرؤساء والجند إلى يسوع لكي يخلّص نفسه (23: 35 ب- 37. يقول مرقس: الكهنة والكتبة. يقول متّى: الكهنة والكتبة والشيوخ)، إلى الكتابة التي تدلّ على التهمة المحفوظة ضدّ يسوع (23: 38)، إلى الظلمة من الساعة السادسة (أي الظهر) إلى الساعة التاسعة (أي الثالثة بعد الظهر: 23: 44)، إلى انشقاق حجاب الهيكل (23: 45)، إلى اعتراف الضابط. في متّى ومرقس يعلن الضابط أنّ يسوع هو ابن الله. في لوقا يعلن "أنّ هذا الرجل كان بارًّا". لماذا هذا التبديل؟ لأنّ الإيمان الحقيقيّ غير ممكن قبل الفصح والعنصرة. ثمّ إن كلمة "بارّ" تشير إلى موت يسوع لأجل الأشرار. وهناك حضور أقرباء يسوع ولاسيّما النسوة اللواتي رافقنه من الجليل (23: 49. هل تعني كلمة "أقرباء" التلاميذ؟)، والوضع في القبر (23: 50- 56). ويشير لوقا إلى صفات يوسف الذي من الرامة (رجل تقيّ وصالح)، وإلى صفات النسوة (يمارسن شريعة السبت).

ثالثًا: يوم الفصح (ف 24)
يروي آخر فصل في إنجيل لوقا يوم الفصح: حدث القبر الفارغ (24: 1- 12)، الظهور لتلميذَيْ عمّاوس (24: 13- 35) ثمّ للأحد عشر (24: 36- 49)، وأخيرًا الصعود (24: 50- 53).
أخذ لوقا من مرقس الخبر الأوّل، ولكنّه كمّله وحوَّره في نقاط عديدة ومهمّة. احتارت النسوة لغياب الجسد. ظهر لهن ملاكان لا ملاك واحد. دلّ الكلام الفصحيّ على يسوع أنّه الحيّ (صفة الله في العهد القديم)، وبدل أن يدعوَهم إلى الجليل ذكّرهم بإعلان الآلام والقيامة في الجليل. تجرّأ لوقا فرفض كلّ ظهور للقائم من الموت في الجليل، وركّز كلّ الظهورات في أورشليم، وهذا منظور مهمّ. اقترب لوقا في هذه النقطة من يو 20: 2- 10: أرسل لوقا بطرس، صاحب السلطة الكنسية العتيدة، إلى القبر الفارغ فشرَّع خبر النسوة. فكمّل يوحنا اللوحة فزاد على بطرس التلميذ الحبيب الذي هو سيّد جماعته. إذًا، لوقا ويوحنّا هما شاهدان لعادة كنسيّة عن خبر القبر الفارغ. هما لا يحصران اكتشاف القبر بالنسوة بل يربطانه بالسلطة الشرعيّة.
خبر تلميذيْ عمّاوس خاصّ بلوقا. لم يكن كلاوبّا وصديقه من مصافّ الاثني عشر، ولهذا نستنتج أنّ الخبر لم يصل إلى لوقا عبر عضو من كنيسة أورشليم. ثمّ إنّ لوقا أعطى الخبر بعدًا لاهوتيًّا فأقحم تعليمًا عن يسوع المسيح والكتب المقدّسة (آ 25- 27). لا نجد ما يوازي خبر عمّاوس إلاَّ في مقطع من مرقس (16: 12) يلخّص الحدث.
يشكّل خبر كلاوبّا وصاحبه مشهد تعارف مع يسوع. أمّا الظهور للأحد عشر فيجمع اللقاء إلى إعلان عن مهمّة ورسالة. قدّم لنا لوقا خطابًا هامًّا بلسان القائم من الموت: استعاد يسوع البرهان الكتابيّ المتعلّق بمصير يسوع المسيح (رج 24: 25- 27) وأنبأ بإعلان الإنجيل إلى كلّ الأمم، هذا الإعلان يقود إلى التوبة وغفران الخطايا. من هذه النبوءة نستشفّ سفر الأعمال. تخلّى يسوع عن إرسال تلاميذه (أو شهوده وهذا اللقب سينتشر في سفر الأعمال) فدعاهم إلى انتظار حلول الروح القدير في أورشليم.
ولم ينتظر المسيح الأربعين يومًا التي يذكرها أع 1: 4، بل أخذ تلاميذه في ذلك اليوم إلى بيت عنيا (أع 1: 12 يحدّد: جبل الزيتون). باركهمِ وتركهم بعد أن أُخِذ إلى السماء. يقوم هذا الخبر الأوّل عن الصعود، بوظيفتين. أوّلاً: يضع حدًّا لحياة يسوع، وهذا موضوع الخبر الأوّل. ثانيًا: أشار إلى أنّ التلاميذ لن يُتركوا وحدهم. فلمّا أحسّوا أنّهم في حماية الله، أحسّوا بفرح عظيم فعادوا إلى المدينة وأقاموا في الهيكل يسبّحون ويباركون الله.

د- الوجهات التعليميّة في إنجيل لوقا
دوّن لوقا كتابًا في جزءين فأراد أن يرسم تاريخ مخطّط الله منذ مجيء يسوع إلى امتداد الملكوت إلى أطراف الكون. في نظر الإنجيليَّين الأوّلَيْنِ، بدا وجود يسوع كنقطة مركزيّة تجمع وتفصل بين زمنين رئيسيّين من تاريخ الخلاص: زمن المواعيد، وزمن إكمال المواعيد. أمّا لوقا فيعتبر أنّ الإكمال يتمّ في زمنين: زمن يسوع، وزمن نزول الروح "الذي وعد به الآب" (أع 1: 4) على الرسل. فالتاريخ لا يتضمّن فقط زمنين، زمن إسرائيل وزمن يسوع (الذي يتضمّن زمن الكنيسة)، بل ثلاثة أزمنة: زمن إسرائيل، زمن يسوع، زمن الكنيسة.
لهذا قال بعضُ الشرّاح إنّ لوقا انفصل عن تقليد الإنجيل الصحيح وأعطى كثافة لزمن الكنيسة كما لزمن المسيح. إنّهم يعتبرون أنّ الإنجيل الحقيقيّ يفترض أنّنا ننتظر المجيء بعد فترة قريبة بحيث لم يعد مدى بين الفصح والمجيء الثاني. ويتابعون: عرف لوقا تأخُّرَ المجيء فرأى أنّ أمامَ الكنيسة مستقبلاً لا محدودًا. لهذا أخذ زمانها كثافة وبالتالي وضع حدًّا لزمن المسيح كزمن سابق لزمن الكنيسة.
ولكنّ لوقا لم يُحلَّ محلَّ الإسكاتولوجيا تاريخَ الخلاص، بل حافظ على منظور النهاية الآتية في النصوص الموازية لمتّى أو مرقس (لو 9: 27؛ 10: 9) أو الخاصّة به (10: 11؛ 18: 18). وقد أبرز حضور الروح القدس الذي يعمل في أزمنة التاريخ الثلاثة دون أن يشدّد على المؤسّسات والنظم.
اقتصر مرقس على تقديم سرّ الإنسان الإله كما هو. حاول متّى شرحًا كتابيًّا. أمّا لوقا الذي لا يجهل هذا ولا ذاك (إليك براهين كتابيّة في 4: 17؛ 18: 31؛ 21: 22، 37؛ 24: 25- 44، فقد وسّع وحاول أن يعطينا عرضًا تاريخيًّا لأحداث الخلاص، رسمًا أوّليًّا للتاريخ، وفهمًا للوقائع بواسطة أسبابها. هو لا يتحدّث فقط عن وجود، بل يفسّر هذا الوجود. لا شكّ في أنّه لم يكن شاهدًا عِيانًا فلم يستطع مِثْلَ يوحنّا أن يقدّم لنا "إنجيلاً روحيًّا". ولكنّه عرف مع الجماعة أنّ يسوع قام من الأموات فألقى على أحداث حياة يسوع أضواء سر الالام والقيامة، كما بيّن في سفر الأعمال كيف ينتصر الإيمان في الكنيسة عبر الاضطهادات.
لوقا هو إنجيليّ مخطّط الله. يمكننا أن نقول إنّ الفصح هو المقرّ، والروح القدس هو الفاعل، وجماعة المؤمنين هي الغاية.

1- سرّ الفصح
أوّلاً: إنباءات بالالام والقيامة
تنتمي الإنباءات بالالام والقيامة إلى التقليد الإنجيليّ المشترك: ثلاث نبوءات تتوزّع الصعود إلى أورشليم (9: 22؛ مت 16: 21؛ مر 8: 31- 33؛ لو 9: 43- 45؛ مت 17: 22- 23؛ مر 9: 30- 32؛ لو 18: 31- 34؛ مت 20: 17- 19؛ مر 10: 32- 34). ويزيد لوقا تنبيهًا قبل الإنباء الثاني: "إسمعوا أنتم جيّدًا ما أقوله لكم" (9: 44 أي ضعوه في رؤوسكم). ويرتبط الإنباء الثالث ببرهان كتابيّ (18: 31) ويزيد لوقا وحده: "فما فهم التلاميذ شيئًا من ذلك، وكان هذا الكلام مغلقًا عليهم، فما أدركوا معناه" (18: 34). وهكذا كرّر ما قاله مرقس بعد الإنباء الثاني (9: 45)، أمّا متّى فأشار إليه بالنسبة إلى بطرس فقط بمناسبة الإنباء الأوّل. إنّ الملاك يذكّر النسوة القدّيسات بهذه الإنباءات بعد المأساة (24: 7)، ويذكّر بها يسوعُ تلميذَيْ عمّاوس في الطريق (24: 25 ي)، والرسل في العلّية (24: 45 ي). ثمّ إنّ لوقا اعتبر أنّ يسوع يرغب في "معموديّة" الالام (12: 50)، فأنبأ بأنّه يجب على كلّ نبيّ أن يموت في أورشليم (13: 22 ي)، وأنّ على ابن الإنسان أن يتألّم كثيرًا ويُرذل قبل أن يظهر كالبرق (17: 24 ي).
هناك إشارة إلى موت يسوع في إنجيل لوقا: إنّ يسوع تحدّث عن النهاية التي سيعرفها في أورشليم خلال مشهد التجلّي (9: 31)، لا بعده كما فعل كلّ من متّى (17: 12) ومرقس (9: 12). إنّ لوقا لا يُزيل لاهوت الصليب، ولكنّه يشدّد على أنّ الخلاص يُعطى لنا بقيامة يسوع المجيدة، وليس فقط بذبيحته التكفيريّة.

ثانيًا: إشارات أخرى
يجد الصعود إلى أورشليم علاقات مع مت 20: 17؛ مر 10: 32، ولكنّ لوقا نظّمه بطريقة رائعة. فهناك إشارات خاصّة بلوقا تصل إلينا في أسلوب رمزيّ. نجدها في خبر الطفولة. فيسوع هو "علامة خلاف" (2: 24). ضاع يسوع ووُجد "بعد ثلاثة أيّام" (2: 46). وفي كرازة الناصرة (4: 16- 30) التي وضعها لوقا قصدًا في بداية حياته العلنيّة، نعرف أنّ الذي هو موضوع إعجاب (4: 22) هو علامة خلاف، بل موضوع بغض (4: 29). ولكنّه يسير طريقه (4: 30) وقد انتصر مسبقًا على الموت. هنا نلتقى بما قاله يو 7: 30: "فأرادوا أن يمسكوه، فما مدّ أحد يده إليه، لأنّ ساعته ما جاءت بعد". وفي يو 8: 20 نقرأ: "فما أمسكه أحد لأنّ ساعته ما جاءت بعد".

ثالثًا: لقب يسوع الربّ
ليس يسوع فقط ذلك الذي يعرف أفكار القلوب العميقة. قال مت 9: 4: وعرف يسوع أفكارهم، وتبعه مرقس (2: 8) ولوقا (5: 22). ولكنّ لوقا أعاد الكلام عينه بمناسبة شفاء الرجل الذي يده يابسة (6: 8) ومناسبة الجدال عمّن هو الأعظم (9: 47؛ رج مر 9: 33). إنّ يسوع يعرف أيضاً الآب معرفة الأبن لأبيه (10: 21- 22= مت 11: 25- 27). ولكنّ لوقا يتفرّد بأن يعطي يسوع لقبًا مسيحيًّا محضاً. إنّه كيريوس أي السيّد والربّ. وهذا اللقب يوازي لقب المسيح الممجّد. نقرأ عن يسوع في شفاء ابن أرملة نائين: "فلمّا رآها الربّ "كيريوس" (7: 13؛ رج 7: 19 حيث نجد "كيريوس" أو "يسوع"). ونقرأ في 10: 21: ابتهج الربّ "كيريوس". وفي 10: 39 إن مريم "جلست عند قدمي الربّ" (رج 10: 41؛ 11: 39؛ 12: 42؛ 13: 15...) كان هناك موضوع السرّ المسيحانيّ الذي أحسّ به التلاميذ (4: 35- 41؛ 5: 14؛ 8: 56؛ 9: 21)، ولكنّه اختفى أمام حضور الربّ.
ويبدو المسيح ملكًا حين يدخل إلى أورشليم (19: 38؛ رج يو 12: 13). واتّخذ مثل الدنانير (19: 12، 14- 15، 17، 27) طابعًا ملوكيًّا لم يكن له في مثل الوزنات عند متى (25: 14، 19، 21، 23).

2- ملكوت الله والروح القدس
أوّلاً: ملكوت الله
البشرى هي ملكوت الله. قال يسوع: "يجب عليّ أن أبشّر سائر المدن بملكوت الله" (4: 34). وقال عنه لوقا (8: 1): "سار... يعظ ويبشّر بملكوت الله". هذا هو موضوع الكرازة المسيحيّة. فيسوع أرسل الاثني عشر "ليبشّروا بملكوت الله" (9: 2؛ رج 9: 60- 62؛ 16: 16؛ 18: 29). لا يدلّ لوقا بهذه الكلمة على الواقع الإلهيّ العامل على الأرض (هذا هو المعنى عند متّى)، بل على الملكوت الإسكاتولوجيّ (أو السماوي) الذي يسيطر على عملنا هنا ويتطلّب إيماننا (13: 27- 29؛ 14: 15؛ 19: 11؛ 22: 16- 18). وهكذا فمثل الزارع لا يدلّ، كما عند متّى ومرقس، على حضور الملكوت السرّيّ، بل على ما يطلبه الإيمان (8: 12- 15). ويمكننا أيضاً أن نقابل ما يقوله مت 16: 28 عن مجيء الملكوت وما يقوله لو 9: 27 عن الذين لا يذوقون الموت حتّى "يشاهدوا" الملكوت.
إذا كان الملكوت حاضرًا على الأرض (17: 21)، فهو حاضر في شخص ابن الإنسان (17: 22). وهذا ما يفسّر أنّه وإن كان الملكوت سيأتي (11: 2: ليأت ملكوتك كما نقول في الصلاة الربّيّة) فإنّه قد صار قريبًا من الناس (10: 9- 11)، فإنّه قد أقبل إلينا (11: 20).

ثانيًا: الروح القدس
كان لملكوت الله في إنجيل متّى وجهة ديناميكيّة زالت في إنجيل لوقا، ولكنّ الروح القدس (وإن لم يذكر مرارًا في الإنجيل) يصبح هذا الواقع الإلهيّ العامل على الأرض. ليس ملكوتُ الله هو الذي ينزل، بل الروح القدس الذي ينقضّ من العلاء كموهبة. إنّ الذي يفعل الآن هو الروح الذي هو قوّة الله. وهذا ما أشار إليه لوقا بوضوح في أع 1: 7 ي: حين سأل الرسل إذا كان حان الوقت ليعيد الربّ الملك لإسرائيل، أجاب يسوع: "ستنالون قوّة، قوّة الروح القدس الذي ينزل عليكم". أبعد اهتمامهم عن هذا الملكوت وثبّته على الروح القدس.
الروح القدس هو العطيّة الفضلى. قال يسوع: "فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون كيف تحسنون العطاء لأبنائكم، فما أولى أباكم السماويّ بأن يهب الروح القدس (قال مت 7: 11: "الأشياء الصالحة") للذين يسألونه" (11: 13)؟ ونلاحظ أيضاً في الإطار ذاته النصّ المختلف في 11: 2: "ليأت علينا روحك القدّوس وليطهّرنا".
إنّ الروح القدس يملأ بعض الأشخاص المُعَدّين لوظائفَ مميّزةٍ: يوحنّا (1: 15)، يسوع (1: 35). وهذا الحضور يرتبط عادة بالكلمة النبوّية التي نتلفّظ بها: أليصابات (1: 41)، زكريّا (1: 67)، سمعان الشيخ (2: 25- 27)، ويسوع (4: 18، 10: 21) والتلاميذ في الاضطهاد (12: 12= مت 10: 12؛ رج مر 13: 11). ويرتبط الروح بالقوّة التي بها تتمّ المعجزات (4: 14)، بل تحلّ محلّه القوّة التي بها يُشفى المرضى (4: 17؛ 5: 17؛ 6: 19؛ 9: 1). لقد قال بطرس عن يسوع: مسحه الله "بالروح القدس والقوّة" (أع 10: 38).
ثالثًا: مناخ المديح
عندما نقرأ إنجيل لوقا نسمع المديح وأفعال الشكر وتمجيد الله. تهتف مريم: "تعظّم نفسي الربّ" (1: 46 ي). ومجّد زكريّا الربّ (1: 64) بعد ولادة يوحنّا، أنشد: "تبارك الربّ إله إسرائيل" (1: 68). وسبَّح الملائكة وقالوا: "المجد لله في العلى" (2: 13) فتجاوب الرعاة معهم وأخذوا" يمجّدون الله ويسبّحونه" (2: 20). حمد سمعان الله (2: 28) ومثله فعلت حنّة النبيّة (2: 38). شُفي المخلّع فذهب إلى بيته "وهو يمجّد الله" (5: 25). حينئذ مجّد الناس كلّهم الله (5: 26) وقالوا: "رأينا اليوم عجائب". أحيا يسوع ابن أرملة نائين فمجّد الناس الله (7: 16)، وشفى المرأة المنحنية الظهر فمجّدت الله (13: 13). طهَّر الأبرص "فمجّد الله بأعلى صوته" (17: 15)، ورأىَ الأعمى "فتبع يسوع وهو يحمد الله" (18: 43). "و

الفصل الثامن عشر
المسألة الإزائيّة

حين قرأنا أناجيل متّى ومرقس ولوقا ظهرت لنا مشابهات واختلافات متنوّعة. فهذا واقع فريد في عالم الآداب نسمّيه التوافق المختلف. وهذا يطرح علينا سؤالاً: ما هي العلاقات المتبادلة بين هذه الأناجيل؟
هذا ما نسمّيه المسألة الإزائيّة، بمعنى أنّنا نضع نصّ إنجيل بإزاء إنجيل آخر. هي مسألة علميّة مجرّدة، وقد ظلّت الدراسات فيها نظريّة وقريبة من الافتراضات. إلاَّ أننا توخّينا أن نعالجها ليكون هذا المدخل متكاملاً.
حاول القدّيس أغوسطينس، أن يبيّن الاتفاق الجوهريّ بين الأناجيل الإزائيّة أي أناجيل متّى ومرقس ولوقا. وحاول اللاهوتيّون والوعّاظ أن يقدّموا "تناغماتٍ" تهدف لا إلى التشديد على الواقع الإزائيّ، بل إلى تنسيق التقاليد المختلفة فتضحّي بالاختلافات البسيطة وتجعل الخبر في إطار زمنيّ لحياة يسوع. أوّل محاولة من هذا النوع كانت محاولة طاطيانس في الدياتسارون: حاول أن يستعين بالأناجيل الأربعة ومن هنا معنى الكلمة اليونانيّة، ليسطّر خبرًا متواصلاً للبشارة. ولكنّ الكنيسة لم تشجّع مثل هذه المحاولات، وفضّلت الأخذ بالأناجيل الأربعة رغم الصعوبات التي تعترض تنسيقها وتناغمها. 
وحاول العلماء الأوروبيّون في نهاية القرن الثامن عشر أن يعرضوا الوضع بموضوعيّة دون محاولة البرهنة عن توافق التقاليد. وأتقنوا الأداة فوصلوا إلى نظرة إجماليّة إلى النصوص: جعلوا النصوص المتقاربة في نظرة واحدة فاكتشفوا درجة تقاربها وتباعدها. هذا ما نسمّيه الواقع الإزائيّ. ونحن سندرس المجموعات والتفاصيل لأنّها تؤثّر على المضمون والقرينة والتعبير الإنجيليّ. ولا ننسَ أنّنا حين نطرح هذه المسألة إنّما نتوخّى تأويلاً أفضل للأناجيل لا اقتصارًا على حلّ مشكلة.

أ- عرض الواقع الإزائيّ
1- مضمون الأناجيل الثلاثة
تقدّم لنا الأناجيل الثلاثة الأولى المعطياتِ عينها من كمّية أقوال يسوع وأعماله (رج مت 9: 35؛ مر 4: 22؛ يو 21: 25). نجد المعجزاتِ عينَها والأمثالَ عينَها والمجادلاتِ عينَها والأحداثَ الرئيسيّة في حياة يسوع. فإذا ألقينا نظرة سريعة تقابل بين الإزائيّين والإنجيل الرابع يبدو الأمر لنا واضحًا.
نسمّي التقليد المثلّث المقاطع الموجودة عند الشهود الثلاثة، أي متّى ومرقس ولوقا. إنّه التقليد المرقسيّ، لأنّ مرقس يحتلّ المكانة الوسطى بين متّى ولوقا. ونسمّي التقليد المثنّى المقاطع الموجودة عند شاهدين هما متّى ولوقا. ونسمّي الصنوين تقليدين يتكرّران في إنجيل واحد.

أوّلاً: نظرة عامّة إلى الموادّ الإزائيّة
وصل الإحصائيّون إلى نتائجَ تكاد تكون مماثلة. ثمّ إنّ تقدير درجة القرابة بين شاهدين يمكنها أن تختلف. مثلاً النسب في متّى (1: 1- 7) وفي لوقا (3: 23- 38) هو تقليد مشترك وكذا نقول عن تجارب يسوع عند مرقس (1: 12- 13)، وعند متّى (4: 1- 11)، وعند لوقا (4: 1- 13). وهناك فوارق زادها هذا الإنجيليّ أو ذاك. وإنّ الإحصائيّات تختلف إذا انطلقنا من الآيات أو من الجمل أو من الكلمات. 
فالتقليد المثلّث يغطّي نصف آيات مرقس (330 من أصل 661 آية) وثلث آيات متّى (330 من أصل 1068 آية) وثلث آيات لوقا (330 من أصل 1150). ويغطّي تسعة أعشار كلمات مرقس (10045 كلمة من أصل 11078) ونصف كلأت متّى (8751 كلمة من أصل 18298) وثلث كلمات لوقا (6761 من أصل 19430 كلمة). ثمّ إنّ مرقس لا يملك إلاّ خمسين آية خاصّة به: مثل صبر الزارع (مر 4: 26- 29)، حادث أقرباء يسوع (مر 3: 19- 21)، شفاء الأخرس الأصمّ (مر 7: 31- 37)، أعمى بيت صيدا (مر 8: 22- 26) وبعض الأقوال المتفرّقة. أمّا ما تبقّى من مرقس فنجده عند مّتى ولوقا. فكأنّي بمرقس يمثّل القاسم المشترك في التقليد الإزائيّ. ولكنّ مرقس يقدّم تقاليدَ يجهلها متّى أو لوقا كما أنّه يجهل تقاليدَ عديدةً أوردها متّى أو لوقا.
أمّا التقليد المثنّى فيغطّي خِمس آيات متّى ولوقا أي 3951 كلمة عند متّى و3782 كلمة عند لوقا. ثمّ إنّ متّى يملك 315 آية (أو 5596 كلمة) خاصّة به: خبر الطفولة (ف 1- 2)، ثمانية أمثال، بعض الأخبار وأقوال عديدة. ويملك لوقا 500 آية (أو 8887 كلمة) خاصّة به. إذًا يبدو أنّ هناك يَنبوعًا مشتركًا يستقي منه متّى ولوقا، ويزاد عليه تقاليد خاصّة يعرفها الواحد ويجهلها الآخر.

ثانيًا: تقاليد الموادّ الإزائيّة
هناك يقين إجماليّ عن التقارب بين الموادّ المستعملة، ولكنّه يخفّ حين نتفحّص التفاصيل. هناك تذكّر واحد ولكن كم من الاختلافات. فصلاة الأبانا تتضمّن خمس طلبات عند لوقا وسبع طلبات عند متّى. إذا قرأنا مت 10: 10 ولو 9: 3 أو 10: 4 نجد أنّ يسوع يمنع تلاميذه أن يأخذوا أيّ شيء الطريق. أمّا في مر 6: 8 ي فهو يسمح لهم بأن يأخذوا عصاً. ولكنّ هذه الفوارق الدقيقة لا تلغي اليقين الذي وصلنا إليه ولكنّها تحدّد مدلوله. لهذا يجب أن نتساءل دومًا: لِمَ هذه الروايات المختلفة في أخبار متشابهة إجمالاً؟
إذا تفحّصنا المضمون طُرح علينا سؤالان: إذا أنكرنا كلّ ارتباط أدبيّ، فكيف نبرّر التوافقات العديدة؟ وإذا قلنا بارتباطات مشتركة بين النصوص، فكيف نفسِّر الإسقاطات والزيادات؟ لا يكفي أن نربط هذا بنظرة الكاتب إلى النصّ أو باهتمامه بالقرّاء. فكيف نتجنّب الموقف الاعتباطيّ في تفسيرنا؟

2- ترتيب الموادّ الإنجيليّة
أوّلاً: المتتالية الإجماليّة للمقاطع
لقد توزَّعت المواد عند الإنجيليّين الثلاثة في أربع مراحل: الأولى، تهيئة رسالة يسوع (مت 3: 1- 4: 11؛ مر 1: 1- 13؛ لو 3: 1- 4: 13). الثانية، يسوع في الجليل (مت 4: 12- 18: 35؛ مر 1: 14- 9: 50؛ لو 4: 14- 9: 50). الثالثة، صعود يسوع إلى أورشليم (مت 19: 1- 20: 34؛ مر 10: 1- 52؛ لو 9: 51- 18: 43). الرابعة، الآلام والقيامة (مت 21: 28؛ مر 11- 16؛ لو 19: 24).
إذًا، يبدو أنّ كرازة أولى طبعت بطابعها النهائيّ أحداث حياة يسوع (رج أع 10: 37- 41). فإنّنا نجد رسمة مماثلة رغم الزيادات الخاصّة بكلّ إنجيليّ. ولكن في قلب هذا التوافق الإجماليّ هناك اختلافات بارزة. أهمّها اختلاف متّى عن مرقس ولوقا. فلوقا يتبع (4: 31- 9: 6) ترتيب مرقس (1: 21- 6: 13). أمّا متّى فيسير وحده ولاسيّما في تبديل محلّ خطب الرسالة والأمثال. ثمّ إنّ توزيع أقوال يسوع يختلف في لوقا عمّا هو في متّى. فمتّى يجمع أقوال يسوع في بعض خطب رئيسيّة، أمّا لوقا فيوزّعها على مجمل الكتاب.

ثانيًا: المتتالية الجزئيّة للأخبار
نجد في هذه النصوص المتشابهة توافقًا أو تنافرًا في تفاصيل المتتاليات. هناك توافق في قرينة واسعة مختلفة. فمتتاليات مر 1: 21- 6: 13 ومت 4: 23- 13: 58 هي مختلفة. ولكنّنا نجد تكتيلات جزئية بين مر 1: 21- 45 ومت 7: 28- 8: 16، بين مر 2: 1- 22 ومت 9: 1- 17، بين مر 2: 32- 3: 6 ومت 12: 1- 14، بين مر 3: 22- 4: 34 ومت 12: 22- 13: 34، بين مر 4: 35- 5: 20 ومت 8: 18- 34، بين مر 5: 21- 43 ومت 9: 18- 26.
وهناك اختلاف في تكتيل مماثل. ففي التكتيلات الجزئيّة أدناه نكتشف عكاسات عند متّى بالنسبة إلى مرقس. وُضع مر 1: 40- 45 في متّى قبل مر 1: 21- 39، وُضع مر 4: 25 في متّى قبل مر 4: 13- 24، وُضع مر 4: 35- 5: 20 في متّى قبل مر 2: 1- 22، وُضع مر 5: 21- 43 في متّى قبل مر 2: 1- 22.
أمّا لوقا فيسير بمحاذاة مرقس: إنّه يقحم تقاليده الخاصّة دون أن يفسد نظام المتتالية المرقسيّة. ولكنْ في قلب هذا التوافق الإجماليّ نجد عكاسات أو تنقيلات عديدة. فدعوة التلاميذ في مر 1: 16- 20 تسبق خطبة يسوع الأولى في كفرناحوم وتتبعها في لو 5: 1- 11. والناصرة هي في قرينة مختلفة عند مر 6: 1- 6 وعند لو 4: 16- 30. هناك تقاليد مرقسيّة عديدة تجد ما يقابلها في الفاصل الكبير عند لو 9: 51- 18: 14؛ مر 3: 22- 30؛ 4: 30- 32؛ 9: 42- 48، 49، 50؛ 10: 11- 12، 31؛ 12: 28- 34؛ 13: 15- 16، 21- 23، 33- 37. وفي خبر الالام نجد تنقيلات عديدة: لو 22: 14- 23، 31- 33، 36- 38، 43- 44؛ 23: 6- 16، 27: 31، 40- 43، أخيرًا نلاحظ تنقيلات في مر 10: 35- 45؛ 11: 15- 17.
وقد يرتبط بنهاية متتالية متوافقة حدث بعيد عنها. مثلاً: المجادلة عن بعل زبول في لوقا لا يتبعها حدث متّى ومرقس عن عائلة يسوع الحقيقيّة، بل حدث يشبهه، هو حدث المرأة التي تبارك أمّ يسوع (لو 11: 27 ي). أمّا الحدث عن عائلة يسوع الحقيقيّة فيورده لوقا في قرينة تختلف عن قرينة متّى ومرقس، بعد فصل الأمثال (لو 8: 19- 21).

ثالثًا: وجود متتالية متنافرة داخل مقطع واحد
إذا أخذنا الحلقة عينها وجدنا الأقوال والأحداث واردة في ترتيب واحد. ولكنّ هناك عكاسة تدهشنا: تعكس التجربة الثانية والتجربة الثالثة عند متّى ولوقا. وهناك تبديل في الجملة الواحدة. مثلاً في مت 13: 8 تعطي حبّة القمح مئة وستّين وثلاثين أمّا في مر 4: 8 فتعطي ثلاثين وستّين ومئة. ثمّ نجد شاهدين يتّفقان ضدّ الثالث. مثلاً مت 14: 21= مر 6: 44 ضدّ لو 14:9 أ.
هذه الاختلافات هي كثيرة وهي تصيب كلّ تفاصيل التقليد وتؤثّر على فهم الواقع الإزائيّ. ومهما توغّلنا في التفاصيل بدت حرّيّة الكتّاب واضحة في معالجات الموادّ أو المتتاليات.
هنا يُطرح السؤال: إذا كانت المتتالية الإجماليّة تعكس ارتباط رسمة واحدة، فكيف نفسّر هذه التبدّلات المتعدّدة؟ هل يكفي أن نربطها بعمل الإنجيليّين الأدبيّ؟

3- التوافق في التعبير
إنّ المشابهات والاختلافات لا تصيب فقط مضمون الموادّ المستعملة وقرينتها، بل التعبير نفسه. نلاحظ أوّلاً التوافق. إذا قابلنا أسلوب يوحنّا بأسلوب الإزائيّين وجدنا أنّ أسلوبَ الإزائيّين فريدٌ إذ فيه قليل من الحوارات وقليل من الخطب المؤلّفة.
أوّلاً: في بنية الخبر
نجد التوافق على مستوى بنية الخبر. فبعض الإشارات والمعترضات ترد في النقطة عينها من الخبر مع أنّ الحركة الإخباريّة لا تفرضها. مثلاً: "لأنّهما كانا صيّادين" (مت 4: 18= مر 1: 16). في خبر شفاء المخلّع نجد انقطاعًا في الموضع عينه وبالألفاظ عينها "لكي تعلموا أنّ ابن الإنسان له في الأرض سلطان يغفر به الخطايا، ثمّ قال للمخلّع" (مت 9: 6= مر 2: 10= لو 5: 24). ونقول الشيء عينه عن التعليق "ليفهم القارئ" (مت 24: 15= مر 13: 14).

ثانيًا: في الألفاظ
ويصل التوافق حتّى التماثل بالألفاظ. لا شكّ في أنّنا لا نجد آياتٍ تشبه الواحدة الأخرى شبهًا كاملاً. ولكنّنا مع ذلك نرى مشابهات مثيرة. ترد كرازة يوحنّا في 63 كلمة عند لوقا ومتّى وليس من فرق إلا في كلمتين فقط (مت 3: 7 ب- 10= لو 3: 7 ب- 9).

ثالثًا: في أقوال الرب
يتصرّف كلّ من الإنجيليّين بحرّية في القسم الإخباريّ ولكنّه يوافق الآخر في أقوال الربّ. مثلاً: حادث الضابط الرومانيّ (مت 8: 5- 13= لو 7: 1- 10؛ 13: 28 ي). حادث ابني زبدى (مت 20: 20- 28= مر 10: 35- 45). شفاء المصروع (مت 17: 14- 20= مر 9= 14- 29= لو 9: 37- 43؛ 17: 5 ي).

رابعًا: في استعمال الكلمات النادرة
لا نجد هذه الكلماتِ النادرةَ إلاَّ في هذا المقطع من الإزائيّين، ولا نجدها في أيّ مكان آخر من العهد الجديد. نجد في الموضع عينه الماضي القديم لفعل "ترك، غفر" في مت 9: 2، 5= مر 2: 5، 9= لو 5: 20، 23 (مغفورة). وكذا نقول عن كلمة "يُرفع" (مت 9: 16= مر 2: 21= لو 5: 36). وهناك عبارة في مت 12: 1= مر 2: 23= لو 6: 1 حيث الفعل الكلاسيكيّ لا يعني عادة "اقتلع (أو قطف) السنابل" بل "شدّ الشعر". وهناك أمثلة أُخرى عديدة تدلّ على ارتباط أدبيّ بين الأناجيل أو لغة مشتركة.

خامسًا: في إيرادات نصوص العهد القديم
قد تكون الايرادات مماثلة عند الإزائيّين الثلاثة مع أنّها لا ترجع إلى العبرانيّة ولا إلى السبعينيّة. مثلاً: مت 3: 3= مر 1: 3= لو 3: 4 تبدّل نصّ أش 40: 3- 5 لتقول عن المسيح ما كان يقال عن الله نفسه. ثمّ إنّ مت 11: 1= مر 1: 2= لو 7: 27 تورد ملا 3: 1 وتطبّقه على يسوع. رج أيضاً مت 4: 4، 7= لو 4: 4، 12؛ مت 22: 24، 37= مر 12: 19، 30= لو 20: 28؛ مت 26: 31= مر 14: 27.

4- التنافر في التعبير
أوّلاً: ملاحظات عامّة
غالبًا ما نجد اختلافات طفيفة بين نصوص مأخوذة من تقليد واحد: الانتقالات بين حادثتين، الفوارق الإنشائيّة، تبدّل كلمات تعكس نظرة أخرى... كلّ هذا ينسبه النقّاد إلى العمل التأليفيّ لدى هذا الإنجيليّ أو ذاك. إنّ لو 11: 33 قد حسَّن لغة القول عن السراج كما نجده في مت 5: 15.
ثمّ إذا عدنا إلى اللغة الآراميّة نجد أنّ الاختلافات في الألفاظ تعود إلى اختلافات في ترجمة كلمة آراميّة واحدة. فكلمة "بريا" الآراميّة قد ترجمها لو 5: 31 "الأصحّاء" ومت 9: 12= مر 2: 17: "الأقوياء".
وهناك ظاهرة ثالثة هي ظاهرة البنية الثابتة والكلمات المتنوّعة. روى مرقس حادثة طرد الروح النجس (مر 1: 25- 27) في الإطار الذي روى فيه معجزة تهدئة العاصفة (مر 4: 39- 41). وروى خبر الإعداد للعشاء الأخير (مر 14: 13، 14، 16) في الإطار الذي روى فيه الدخول إلى أورشليم (مر 11: 1- 6). يمكننا أن نقول إنّ أحد عناصر الأخبار انفصل عن أسرته: بقيت البنى والألفاظ ثابتة، وتنوّع الموضوع.

ثانيًا: بنية ثابتة وكلمات متنوعة
قلنا أعلاه إنّ بنية خبر المخلّع مماثلة في الإزائيّين الثلاثة حتّى في الألفاظ. ونفسّر هذه الظاهرة باتّصال أدبيّ بين الشهود الثلاثة. غير أنّ هذا الشرحَ لا يكفي في حالاتٍ أخرى. مثلاً: في مت 23: 13= لو 11: 52 نجد العبارة عينها: الويل لكم. هجوم على نوعين من الناس: الكتبةِ والفرّيسيّين. "لأنّكم". يختلف الفعل (أغلقتم، استوليتم). ويتبدّل الموضوع: ملكوت السماوات، مفتاح المعرفة. إنّ لو 11: 21- 22 يقدّم لنا المعنى الذي عبده في مت 12: 27= مر 3: 29، ولكنّه يستعمل ألفاظاً مختلفة. 
نستطيع أن نضع في هذه الفئة التقارب بين مثل الوزنات (مت 24: 14- 30) ومثل الدنانير (لو 19: 11- 27)، ومثل الأعراس الملكيّة والمدعوّين إلى الوليمة (مت 22: 1- 10؛ لو 14: 16- 24). هناك تنوّع على مستوى التقليد الشفهيّ، ولكنّ هناك اتّصالاً أدبيًّا بين الاثنين.

ثالثًا: كلمات ثابتة وبنية متنوّعة
في حادثة واحدة ظلّت الكلمات هي هي، ولكنّها بدّلت موضعها ومعناها ووظيفتها. قد تحفظ الكلمات المعنى عينه، ولكنّها تعبّر عن واقع مختلف: "صرخ الروح بصوت قويّ وخرج من الممسوس" (مر 1: 26) أو استقبل يسوع (4: 33). أقام يسوع حماة سمعان (مر 1: 31). أمّا مت 8: 15 فيقول إنّها قامت (كما من عالم الموت). وقد تأخذ اللفظة مدلولاً مختلفًا أو وظيفة أخرى في الجملة. فكلمة "لوغوس" اليونانيّة تعني "الحدث والخبر" في مر 1: 45 و"السمعة" في لو 5: 15. وهذا في إطار حادثة واحدة. والكلمة اليونانيّة الواحدة تعني في مت 14: 24 أنّ "السفينة تتقاذفها الأمواج" وفي مر 6: 48 أنّ "التلاميذ يلاقون مشقّة في التجذيف". نقرأ في مت 10: 27: "ما أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور". صارت في لو 12: 3: "ما تقولونه في الظلمة سيسمع في النور". في مر 12: 20 مات الأخ الأكبر ولم يترك عقبًا. في مت 22: 25: لم يكن للزوج عقب، فترك زوجته. في مت 27: 50: حين صرخ يسوع بصوت قوي في ساعة موته أسلم الروح. في مر 15: 37: حين صرخ يسوع لفظ الروح. وأخيرًا نقرأ في مت 13: 35: "أليس هذا ابن النجّار"؟ وفي مر 6: 3: "أليس هذا هو النجّار، ابن مريم"؟

خاتمة
هناك اتّفاقات تجعلنا نتحدّث عن ارتباط متبادل بين هذه المقاطع أو أقلّه اتّصال أدبيّ. ولكنّ هناك اختلافات، يُرجعها بعضهم إلى فنّ التأليف والميول التعليميّة، وينسبها البعض الآخر إلى نشاط الإنجيليّ الأدبيّ والتعليميّ. مثلاً: التعميمات المتّاويّة عن الأشفية التي تمّت في المساء (مت 8: 16= مر 1: 32)، النظرة الأورشليميّة التي نراها في لو 24: 6.
هنا نودّ أن نتوقّف عند محاولات تفسير هذه الظاهرة وأوّلها التقليد الشفهي.

ب- التقليد الشفهي
1- المناهج
إنّ غيسلر مؤسّس منهج التقليد الشفهيّ (سنة 1818) يستبعد كلّ ارتباط أدبيّ مشترك بإنجيل واحد: فالكرازة الأولى تقولبت سريعًا بسبب فقر ألفاظ اللغة الآراميّة وحسب قواعد التكرار المتواصل. من هنا التشابهات في المؤلَّفات. ولكن تنوّعت الكرازة حسب متطلّبات كلّ محيط فكانت الاختلافات.
وجاء من يصحّح هذا المنهج: كمّل متّى اليونانيّ التقليد الآراميّ بمجموعة خطب ترجمت إلى اليونانيّة. واستعمل لوقا كتابات مجزّأة لمّها من مكان آخر. إذًا الأناجيل مستقلّة بعضها عن بعض وقد كتبت في أماكن مختلفة: مرقس حوالي سنة 64 في رومة. متّى حوالي سنة 66 في الشرق ولوقا في الوقت عينه في سورية. ولكن بقي هذا مجرّد افتراض.
وظهر منهج ثالث يتحدّث عن لغة إنجيليّة مشتركة برزت في استعمال عبارات أو كلمات نادرة. والألقاب المعطاة ليسوع (ابن الإنسان، ابن الله، الربّ) والرسل (الاثنا عشر، التلاميذ، الرسل) تدلّ على تطوّر قي ممارسة هذه اللغة.
ولكن أما يمكن أن يكون هناك اتّصال أدبيّ بين الأناجيل أو بين الوحدات التي سبقت المرحلة الإزائيّة.

2- دور التقليد الشفهيّ
يُقرّ معظم الشرّاح بدور التقليد الشفهيّ في تنسيق بعض المقاطع، في التقاليد البسيطة، في مقاطع من التقليد المثنّى. ولكنّهم لا يكتفون بالتقليد الشفهيّ في التقليد المثلّث. ثمّ إنّ المتتاليات الطويلة التي تمتدّ إلى خمسة عشر مقطعًا لا تجد ما يبرّرها في منهج التقليد الشفهيّ.
ولكنْ يبقى أنّ التقليد الشفهيّ يلعب دورًا: هناك الإنشاء الشفهيّ الذي يعرّفنا به اختصاصيّو اللغة الآراميّة (الإيقاع، التوازي، الأساليب الذاكريّة، الكلمات الرابطة، التضمينات)، هناك تبدّل في استعمال الأفعال ومعانيها.
وهكذا يتّفق الشرّاح على القول بدور هامّ للتقليد الشفهيّ في تدوين الأناجيل. ولكنّهم يرفضون تعميم هذا المنهج ويختلفون في مدى تطبيقه.

ج- ترابط الإزائيّين بعضهم ببعض
إنّ أصحاب الترابط المتبادل بين الأناجيل يتأثّرون بالتشابهات في المضمون وفي تنسيق الموادّ، ويتركون جانبًا الفوارق الطفيفة. ونقدّم بعض الإثباتات.
1- يتّفق مجمل الشرّاح على القول إنّ مرقس مستقلّ عن لوقا ومتّى.
2- عندما لا يتبع متّى أو لوقا مرقس في الموادّ المستعملة، أو في التنسيق، أو في التعبير، فهما يختلفان الواحد عن الآخر.
3- إذا أخذنا خبر الالام، فلكلّ من متّى ولوقا تقاليده الخاصّة بحيث لا ينسخ الآخر.
4- لا يقلّد متّى لوقا عندما يحوِّل بعض الأحداث مثل كرازة يسوع في الناصرة أو الصيد العجائبيّ.
5- لا يقلّد متّى لوقا في المقاطع الإضافيّة التي احتفظ بها لوقا من مرقس (مر 5: 8- 10، 18- 20، 29- 33). وهو يغفل المقاطع الأربعة التي يتفرّد لوقا بمشاركة مرقس فيها.
6- يجعل لوقا حوالي 15 مقطعًا مشتركًا بين متّى ومرقس ولا يأخذ بالإشارات الخاصّة بمتّى.
7- إذا تحدّثنا عن التنسيق نقول إنّ متّى ولوقا لا ينفصلان عن مرقس حين يسير الواحد منهما منفردًا. مثلاً: يقدّم متّى متتالية شخصيّة عن أحداث الجليل. ويتفرّد لوقا بعكس بعض الأمور في خبر الالام أو بنقل المجادلة على بعل زبول أو مثل حبّة الخردل. ولكنّ لوقا ومتّى يتّفقان على مرقس في حدث الباعة المطرودين من الهيكل.
8- يمكننا القول إنّنا نجد أمورًا قديمة في كلّ من متّى ولوقا دون أن نحدّد تبعيّة الواحد إلى الآخر.
9- يختلف متّى ولوقا عن مرقس حين يهملان الأحداث الخمسة الخاصّة بمرقس، حين يجعلان حدث الباعة المطرودين من الهيكل حالاً بعد الدخول إلى أورشليم، حين يُهملون بعض الإشارات الخاصّة بمرقس أو يقدّمان فوارقَ قديمةً.
10- وإذا توقّفنا عند التقليد المثنّى، فقابلنا مقاطع متى ولوقا نجد ارتباطاً متبادلاً في توافق إجماليّ. فالموادّ متشابهة، ولكنّنا لا نقول إنّ الواحد نسخ الآخر. فالاختلافات كثيرة في أخبار الطفولة والأنساب وظهورات المسيح القائم من الموت ونصّ الأبانا ومثلي الوزنات والدنانير...
11- هل من تنسيق للموادّ؟ هناك متتالية متشابهة (مت 10: 26- 33= لو 12: 2- 9)؛ ولكنّ هناك اختلافًا عميقًا. هناك تماثل مدهش في العبارات (مت 3: 7 ب- 10= لو 3: 7 ب- 9، مت 11: 25- 27= لو 10: 21- 22). مع فروقات عديدة. كلّ هذا يدفعنا إلى القول إنّه ليس من تبعيّة أدبيّة مباشرة بين متّى ولوقا. غير أنّ هذا التوافق يتطلّب تفسيرًا. هل هناك مراجع خطّيّة أو شفهيّة؟
12- هل يرتبط لوقا بمرقس؟ نعم، يجيب البرهان الكلاسيكيّ ويستند إلى الأجزاء المرقسيّة (لو 4: 31- 6: 19؛ 8: 4- 9: 50؛ 18: 15- 21: 38). في هذه المتتاليات الثلاث يعود لوقا إلى موادِّ مرقسَ وإن أغفل بعضها فلكي يمنع التكرار (المسح بالطيب في بين عنيا) أو الشكوك (عومل يسوع كمجنون بواسطة أقربائه: مر 3: 20- 21 أو اعتبر جاهلاً اليوم والساعة: مر 13: 32. أو متروكًا من الآب: مر 15: 34). ثمّ إنّ تنظيم الموادّ عند لوقا شبيه بتنظيمها عند مرقس. وإذا انتقلنا إلى وسائل التعبير وجدنا أنّ لوقا يحسِّن لغة مرقس ويتجنّب خشونة الإنشاء وقلّة المهارة في عرض الوقائع. وراح هؤلاء الشرّاح يقولون إنّ لوقا وضع أمامه نصّ مرقس. وقالوا: لم يستعن لوقا بمرقس فقط، بل بنصّ متّى الآراميّ كما نقل إلى اليونانيّة... ولكن يجب أن نزيد على كلّ هذا تدخّل التقليد الشفهيّ ونقول إنّه كان في حوزة لوقا مراجع استقى منها مرقس وهي تضمّ مقاطعَ مثل هذه: مر 2: 1- 3: 6؛ 4: 1- 34؛ 4: 35- 5: 43؛ 6: 6- 44؛ 8: 27- 9: 29؛ 9: 20- 10: 52؛ 11: 27- 12: 44؛ 13: 1- 31.
13- هل يرتبط متّى بمرقس؟ ليس الوضع بسيطاً كما كان في لوقا، ولكنّ بعض الشرّاح يقولون إنّ متّى وضع هو أيضاً مرقس أمامه حين دوَّن إنجيله. فما هو أكيد هو أنّ موادَّ مرقس دخلت كلّها تقريبًا في إنجيل متّى فلم يفلت إلاَّ 40 آية من أصل 675 آية. وزاد متّى 12: 30، 33- 45؛ 17: 24- 27؛ 19: 10- 12؛ 20: 1- 16؛ 21: 28- 32. وترتيب إنجيل متّى هو ترتيب إنجيل مرقس خاصّة بعد مت 14: 1= مر 6: 14 (ما عدا حادثة الباعة في الهيكل والتينة اليابسة). ثمّ إنّ متّى بدّل مواضع بعض المقاطع. أخذ أربعة أخبار معجزات (مر 1: 40- 45؛ 4: 35- 5: 43) فجعلها في مت 8- 9. وأخذ مقطعين عن الاثني عشر، واختيار التلاميذ (مر 3: 13- 19) وتعليمهم (مر 6: 7- 11) وجمعهـا في خطبة ف 10. وأخذ دهشة الشعب أمام تعليم يسوع في مر 1: 12 فجعلها في مت 7: 28- 29. إلى كلّ هذا نزيد خطبتي الرسالة والأمثال.

د- الينابيع المراجعيّة
1- مرقس هو مرجع سابق للوضع الإزائيّ
أوّلاً: الينبوعان
نجد في أساس هذا النهج يقينًا هو أنّ متّى ولوقا يرتبطان مباشرة بمرقس. قال بعضهم: هو نصّ سابق لمرقس. وقال غيرهم: هو التقليد الشفهيّ وما جمعه من معلومات في قوالب سابقة. إذًا يبقى ضباب بين متّى ولوقا ويَنبوعهما المشترك الأوّل. أمّا الينبوع الثاني فيفترض وجوده تقاليد مشتركة بين متّى ولوقا وغائبة عن مرقس. سمّاها العلماء "المعين" وحاولوا أن يحدّدوا طبيعة هذا المعين وامتداده. عادوا إلى شهادة بابياس ليجدوا البرهان أنّه وجدت مجموعة أقوال يسوع دوّنها متّى الرسول (مت 5: 7، 10، 13، 18، 23- 25) وغيرها مثل 19: 3- 12؛ 16:19- 26؛ 19: 27- 20: 16... وجاء من يحدّد هذا اليَنبوع الذي يزاد على مرقس ليكمّل متّى ولوقا.
وإليك التفسير: بما أنّنا لا نقدر أن نكتفيَ لا بمنهج التقليد الشفهيّ (الذي يبقى غامضاً) ولا بالوثيقة الواحدة (التي تبقى ناقصة) وجب أن نتكلّم عن تقليدين أو يَنبوعين. نحن نعرف اليَنبوعَ الأوّل فكيف نحدّد اليَنبوع الثاني؟ هناك أقوال وأخبار (تجارب يسوع، ضابط كفرناحوم) وتنسيقات... راح بعضهم يجزّئون هذا المعين ولكنّهم عادوا فتكلّموا عن طبقات التقليد الدائم النموّ.
ولكن جاء من ينتقد نظريّة اليَنبوعين ويعتبر أنّ اليَنبوع الأوّل هو في رأي هذه المدرسة متّى الآراميّ.

ثانيًا: الإنجيل الأوّل والمرجع الإضافيّ
وطرح أحد العلماء فكرة إنجيل أوّل آراميّ نقل إلى اليونانيّة، كان مرقس. عرف مّتى ولوقا متى الآراميّ ومرقس اليونانيّ. وراح علماء آخرون يتحدّثون عن متّى الآراميّ الذي هو يَنبوعُ متّى ومرقس والذي يعكسه لوقا عبر مرقس. وهكذا مزجوا النظريّة المراجعيّة (متّى الآراميّ) ونظريّة الترابط (يرتبط متّى اليونانيّ بمرقس وبمتّى الآراميّ). وهكذا نكون أمام يَنبوعين رئيسيّين للتقليد المثلّث: متّى الآراميّ ومرقس. لا شكّ في أنّنا نقدر أن نفسّر شهادة بابياس من أجل وجود متّى الآراميّ. ولكن يجب أن نسند النقد الخارجيّ بالنقد الداخليّ، أي أن نسند ما قاله بابياس بدراسة موضوعيّة للنصّ الإنجيليّ.

ثالثًا: محاولة بناء متّى الآراميّ
إنّ إنجيل متّى الآراميّ لا يغطّي فقط المقاطع اللامرقسيّة (أي المعين) بل كثيرًا من مواد التقليد المثلّث. مثلاً: خبر شفاء ممسوس الجدريّين (مت 8: 28- 34)، خبر إقامة ابنة رئيس المجمع (مت 9: 18- 26)، الخطبة الكنسيّة (ف 18)... فالإنجيل الأوّل ورث اسم متّى لأنّه استفاد بصورة خاصّة من إنجيل متّى الآراميّ. إذًا، نجد في أساس التقليد الإزائيّ شهادة بطرس بواسطة مرقس، وشهادة متّى في نصّه الأصليّ. فلسنا أمام مرجعين بل أمام إنجيلين هما يَنبوعان للتقليد الإزائيّ. وتساءل بعضهم: ما الذي حصل لكي يكون رسم مرقس مشابهًا لمتّى الآراميّ دون أن يرتبط به؟ التقليد الشفهيّ لا يكفي. وقال آخرون: هذه النظريّة تحتاج إلى مرجع ثالث.
فجاء عالِم (هو الأب فاغاني) يتجنّب هذه الصعوبات. أعلن أنّ متّى الآراميّ المنقول إلى اليونانيّة قد عرفه متّى اليونانيّ كما عرفه مرقس ولوقا. كان هذا الكتاب الأوّل "نصًا شفهيًّا" فأغناه مرقس بكرازة بطرس، وحين دوّن كلّ من متّى ولوقا إنجيله، كان أمامه متّى الآراميّ المنقول إلى اليونانيّة ونصّ مرقس.
واقترح هذا العالِم مرجعًا إضافيًّا لمتّى الآراميّ يتضمّن أقوالاً وُضع معظمها في فاصل لوقا الكبير (لو 9: 51- 18: 14)، وسمّاه كنز لوقا. وكان في هذا المرجع أيضاً 45 آية خاصّة بمتّى وحده.

2- مراجع سابقة للوضع الإزائيّ
إن تخلّى العلماء عن وجود مرجع أو مرجعين في أصل التقليد الإنجيليّ، فهذا لا يعني أنّهم سيرجعون إلى افتراض التقليد الشفهيّ أو إلى منهج الترابط الأدبيّ. هناك طريق وسطى ما تزال مفتوحة: وضع مراجع متنوّعة خلف الأناجيل الإزائيّة.
أوّلاً: تقليد إنجيليّ ومراجع متعدّدة
إنّ حياة الرسالة في الجماعة الأولى تفسّر تكوين الأناجيل. بدأوا باكرًا يؤلّفون نماذج من الأعمال والأقوال تَكُون بشكل مذكّرة في أيدي الوعّاظ والمعلّمين. وكان كلّ واحد يستقي من هذه المذكّرة حسب حاجات سامعيه وحسب ما يرتئيه: المعجزات، أقوال يسوع، آلام المسيح، هذا الخبر أو غيره. وهكذا تكوّنت مجموعات قصيرة أو طويلة، قبل أن تدوَّن في الأناجيل. فلا يكفي أن نقابل الوحداتِ الأدبيّةَ لنحدّد أصل الأناجيل، بل يجب أن نتفحّص تسلسل هذه الوحدات. لم تكن هذه المجموعات عمل الوعّاظ الجوّالين، بل عمل الكنائس التي كانت تعطيها شكلها الأوّل وتنشرها.
قال أصحاب المدرسة التكوينيّة إنّ الإنجيليّين كانوا مُقَمِّشين جمعوا وحدات ومجموعات وُجدت قبلهم ووضعوها في إنجيلهم. وجاء الأب "سرفو" يشرح نظرية "الوثائق المختلفة". حافظ على ارتباط متّى اليونانيّ ولوقا بالنسبة إلى مرقس وجعل في أساس التقليد الإزائيّ تنظيمًا آراميًّا واسعًا تبعته تقاليد جزئيّة متعدّدة. كلّ هذا نقل إلى اليونانيّة: هذا هو متّى الأوّل الذي يرتبط به الإزائيّون الثلاثة.
ولكن نتساءل: هل نحن أمام وثيقة واحدة أم أمام وثائق متعدّدة؟ لا نستطيع أن نتحدّث عن إنجيل واحد، ولكنّ الوثائق المتنوّعة التي تمثّل هذا التقليد طبعت بطابع واحد، طابع الكرازة المربّعة الأقسام. لا حاجة إلى اللجوء إلى "ينبوع ثان"، فمتّى الآراميّ يكفي أن يفسّر مجمل المسألة. له بعض الخصوصيّات ولكنّه يظلّ بشكل ضباب. فلا بدّ إذن من تحديد المرحلة التي سبقت مباشرة متّى الآراميّ.

ثانيًا: أربع وثائق
انطلق العالِم الدومينيكانىِّ "بوامار" من أنّ إنجيل مرقس يقدّم نصوصاً معقّدة لا تفسّر إلاّ بالرجوع إلى وثيقتين سابقتين للوضع الإزائيّ. وهكذا يدمج مرقس (ب) والوثيقة (أ) في خبر قرابة يسوع الحقيقيّة (مر 3: 31- 35) وإقامة ابنة يائيرس (مر 5: 21- 43) وخطر الغنى (مر 10: 23- 27). ويدمج ثلاث وثائق في صلاة الجسمانيّة ونكران بطرس ليسوع والهزء بيسوع كنبيّ. فنقدر أن نقول إنّ الأناجيل الثلاثة تفرض وجود ثلاث وثائق (أو ينابيع)، تشكّل كلّ منها الينبوع الرئيسيّ لكلّ إنجيل: (أ) لمتى، (ب) لمرقس، (ج) للوقا (وبالأخصّ في خبر الالام). غير أنّ الوضع يبدو أكثر تعقيدًا من ذلك. فمرقس ينشأ من (ب) ويدمج معه (أ) وبعض (ج). هذا هو مرقس الوسيط، اليُنبوع الرئيسيّ لمرقس الحاليّ الذي يرتبط جزئيًّا بمتّى الوسيط ولوقا الأوّل. ونضع في أصل متّى الوثيقة (أ) والمرجع (ي). ولنصل إلى متّى الحاليّ يجب أن نقرّ بتأثير مرقس الوسيط. وينشأ لوقا الأوّل من الوثيقة (ب) والوثيقة (ج) ومن المعين ومن متّى الوسيط. أمّا نصّ لوقا الحاليّ فيرجع إلى لوقا الأوّل المتأثّر بمرقس الوسيط.
إذًا يتضمّن التقليد الإزائيّ المراحل الأساسيّة التالية: بعد إعداد المجموعات السابقة للإنجيل، ألّفت الوثيقة (أ) التي هي إنجيل من أصل فلسطينيّ ولد في الأوساط المسيحيّة التي من أصل يهوديّ. الوثيقة (ج) تعكس تقليدًا مستقلاًّ عن (أ) وترجع هي أيضاً إلى أصل فلسطينيّ. لا نستطيع أن نحدّد المرجع (ي) لأنّ لوقا الأوّل تأثّر أيضاً بمتّى الوسيط الذي يتضمّن التقاليد اللامرقسيّة. (أ) و(ج) و(ي) هي ينابيع الإزائيّين الأولى، ونضمّ إليها الوثيقة (ب) التي هي إعادة تفسير (أ) في الكنائس المسيحيّة التي من أصل وثنيّ.

ثالثًا: افتراض أخير: ثلاث وثائق
استعاد "غابوري" محاولة "سرفو" ليحدّد المرحلتين الرئيسيّتين في تكوين الأناجيل. فبين النصوص الحاليّة والوثائق المتعدّدة للتكتيلات الجزئيّة نجد مرحلتين سبقتا مباشرة تدوين الإزائيّين. فالتنسيق العامّ لمقاطع التقليد المثلّث يفرض يقينًا وهو أنّ العلاقة بين الأناجيل الثلاثة تختلف حسب أجزاء كلّ منها. تسير الروايات الثلاث معًا في طريق واحدة حتّى الإعلان البدائيّ للملكوت (مت 3: 1- 4: 11= مر 1: 1- 13= لو 3: 1- 4: 13) وبعد تدخّل هيرودس (مت 14: 1- 27: 61= مر 6: 14- 15: 47= لو 9: 7- 23: 56). أمّا القسم الوسيط (مت 4: 12- 13: 58= مر 1: 14- 6: 13= لو 4: 14- 9: 6) فيبدو مشوّشًا. 
رأى الإنجيليّون الثلاثة هذا الاختلاف بين القسم المشوّش والقسم المنسّق. في القسم المنسّق فُرضت اللحمة عليهم فاكتفوا بأن يزيدوا أو ينقّصوا تفصيلاً صغيرًا دون أن يبدّلوا في المتتالية المشتركة. أمّا في القسم المشوّش فيتصرّف الإنجيليّون بحرّيّة ويوزعون بطريقتهم الخاصّة الموادّ التي وصلت إليهم.
ونزيد على هاتين الوثيقتين الأساسيّتين المراجع المشتركة بين ومتّى ولوقا والمراجع الخاصّة بكلّ منهما. ولكنّنا لسنا أمام وثيقة واحدة، بل جملة وثائق.

خاتمة
تفرض ممارسة تأويل الأناجيل تفسيرًا للواقع الإزائيّ. أيّها أفضل نظريّة؟ لسنا ندري. ولكن يجب أن لا تكون النظريّة غامضة كالتقليد الشفهيّ، ولا صلبة مثل نهج اليَنبوعين. فهذا النهج قدّم خدمات جلّى للبحث النقديّ وقدّم نظريّة ثابتة وبسيطة نستطيع أن نطبّقها في الممارسة. ولكنّ هذا النهج يبسّط المعطيات الأدبيّة إلى أقصى الحدود ويقودنا إلى تجاهل ما في إنجيل متّى من ابتكار.
نستطيع أن نبدأ بنهج اليَنبوعين، ولكنّه يحتاج إلى التقليد الشفهيّ. حينئذ يدمّر نفسه كنهج مراجعي دقيق. فمرقس ليس التقليد الأوّل، ولا متّى ولا لوقا. أمّا اليَنبوع الثاني (أي المرجع) فليس وثيقة بل طبقة من التقليد الإنجيليّ. ففي أصل التقليد الإنجيليّ نجد تكتيلات ثابتة أو متقلّبة، واسعة أو ضيّقة.
ونختم قولنا بأنّ التقليد الشفهيّ يعمل دومًا وإنْ لم يقتصر العمل عليه. فقد تدخّل في بداية التقليد الإنجيليّ وفي نهايته قبل أن يتثبّت في الأناجيل الثلاثة، بين فترة الاتّصالات الأدبيّة وفترة التدوين النهائيّ. فالدراسات الحديثة تؤكّد أهمّيّة دور الجماعات في التقليد. وما ننسبه إلى تبديلات أدبيّة هو في الواقع تحوّل في قلب الجماعة. وهذا ما يفسّر الاختلافات العديدة التي لا تجد ما يبرّرها في مناهج الترابط الأدبيّ.
كانت هناك اتّصالات أدبيّة لا بين الأناجيل الحاليّة بل في الوثائق السابقة للمرحلة الإزائيّة. هذا ما توصّل إليه كلّ من بوامار وغابوري اللذين قدّما افتراضاً يفسّر ظاهرة تنوّع التنسيق في الأناجيل الإزائيّة الثلاثة التي هي متّى ومرقس ولوقا.
الفصل التاسع عشر
الإنجيل والتاريخ

خلال الفصول السابقة كان اهتمامنا بالنصوص الإنجيليّة. ولكن يُطرح السؤال: ما الذي حدث في الواقع؟ وهذا السؤال لا نجيب إليه انطلاقًا من النقد الكتابيّ وحده. فهو يتطلّب استعمال النقد التاريخيّ ويلزم بمواقف واعية لدى المؤرّخ. ويُطرح السؤال بطريقتين: ماذا نعرف عن يسوع وعمّا قال وفعل؟ كيف نصل إلى يسوع؟ نتوقّف عند الحدث وعند طريقة معرفتنا للحدث.
كان الجواب الكلاسيكيّ يستند إلى معطيات تقليديّة. كان الشرّاح يرون في مؤلّفي الأناجيل شهودًا رأوا بعيونهم أو بعيون غيرهم حياة يسوع: كان متّى ويوحنّا رسولين رافقا الربّ يسوع. واتّصل مرقس ببطرس فكان شاهدًا من خلاله. وارتبط لوقا ببولس وبالمراجع التي يحدّثنا عنها في مقدّمته. أمّا اليوم فقد ضعف هذا التأكيد الإجماليّ عن صحّة الأناجيل الأدبيّة. إذا طبّقنا الأسلوب النقديّ الحديث نستطيع أن نسميَ كتَّاب الأناجيل "شهودًا". ولكنّ ارتباطهم بمتّى وبطرس وبولس ويوحنّا لا يكفل لنا شهادتهم بطريقة حرفيّة.
حاول الشرّاح في القرن العشرين أن يتفحّصوا بعناية كيف كان كتّاب الأناجيل صادقين ومطّلعين. ولكنّ الدراسات السابقة أظهرت أنّهم كانوا قبل كلّ شيء "خدّام الكلمة". وقد اهتمّوا أن ينقلوا المعطيات، كما جمعوها، في منظور محدّد. لقد فرضت عليهم في شكل ثابت. اختاروها ووضعوها في رسمة إجماليّة قبلوها من التقليد. خضع الإنجيليّون الثلاثة الأول لهذه الرسمة، أمّا يوحنّا فتجرّأ على قلبها رأسًا على عقب. أمّا الرباطات التي بها جمعوا موادّهم فهي ظاهرة وتتيح لنا أن نعود إلى مرحلة سبقت الواقع الإزائيّ. بعد هذا، هل نستطيع أن نقول إنّ الكتّاب مسؤولون عن الموادّ التي كان لها وجود أدبيّ مستقلّ؟ أجل، بمعنى أنّهم خبروا مكانة التقليد الذي قبلوه. لا، بمعنى أنّهم لا يجعلون نفوسهم فوق الكنيسة التي تنقل هذا التقليد. وختام القول، أنّ البرهنة الكلاسيكيّة ناقصة: فعلى النقد التاريخيّ أن يُخضع لتحقيقه كتاب الأناجيل وأن يتعرّف إلى الجماعة التي كانت الأناجيلُ صوتَها.

1- المؤرّخ يبحث عن يسوع الناصريّ
لنقل في بداية كلامنا: لا يستطيع أيّ نصّ أدبيّ أن يستند إلى تقليد المخطوطات كما تستند الأناجيل، سواء في عدد الشهود أو في قدمها. مرّت مئة سنة بين تدوين الإنجيل الرابع ونشرته الكاملة في برديّة بودمر رقم 2 التي نشرت سنة 1956. أمّا بين ما دوّنه أفلاطون الفيلسوف اليونانيّ ومخطوطات كتابته فهناك ثلاثة عشر قرنًا. فقابل. ولا ننسى ترجمات الأناجيل في القبطيّة والسريانيّة العتيقة واللاتينيّة العتيقة، وبعض مخطوطاتها يعود إلى القرن الثالث. ثمّ هناك شهادات عند كتّاب مسيحيّين أمثال يوستينوس الذي كتب في السنوات 150- 170. ولكنّ كلّ هذا رفد خارجيّ للنقد التاريخيّ الذي عَمَلهُ أن يتحقق من موادِّ النصوص الإنجيليّة ليتعرّف إلى متانة المعلومات التي يقدّمها.

1- معايير صدق التقاليد
هل نستطيع أن نسند الصدق التاريخيّ إلى شهادة متينة لكلمة يسوع لأنّها قديمة في التقليد الإنجيليّ أو لأنّها موجودة في ينابيع عدّة؟ إذا أردنا أن نصل إلى يسوع عبر التقليد الإنجيليّ وجب علينا أن نرجع إلى معايير أخرى. وقد احتفظ النقّاد بمعيارين يطبّقانِهِمَا بطريقة مختلفة.

أوّلاً: معيار الاختلاف
حين يقابلون بين ما نسبه الإنجيليّون إلى يسوع وبين العالم اليهوديّ المعاصر والعالم المسيحيّ، يكتشفون مشابهات واختلافات. فكلّ ما لا يأتي من المحيط اليهوديّ ولا من المسيحيّة الأولى يكون صادقًا. مثلاً: بين التعليمات المعطاة للتلاميذ تعليمة يأمر فيها يسوع تلاميذه بأن لا يتوجّهوا إلى الوثنيّين ولا إلى السامريّين. يجب أن نعتبر هذه التعليمة صحيحة لأنّها تعارض الرسالة المسيحيّة الأولى. فبمعيار الاختلاف نبرز أصالة يسوع الجذريّة، نبرز ما به يتميّز عن عصره. ولكن نخاطر فننتزع يسوع من محيطه. والحال أنّ يسوع تكلّم ككلّ يهودي وتصرّف كما يتصرّف كلّ يهوديّ. مثلاً: حين قال إنّه سيقوم في يوم من الأيّام. ونخاطر أيضاً في أن نقطع المسيحيّة عن كلّ ارتباط بمؤسّسها حين تبدو هذه العبارة أو تلك لاحقة للفصح. كلّ ما نقدر أن نفرضه هو معادلة بين أقوال يسوع وأقوال المسيحيّين الأوّلين.

ثانيًا: معيار التماسك
يفترض هذا المعيار أنّ التعبير عن شخص أو عن تعليم يصدر عن مركز واحد يضمّ العناصر المتعدّدة. فإذا استطعنا بوسائل أخرى أن نبيّن أنّ إحدى كلمات يسوع صحيحة أو أنّ إحدى المعطيات الإخباريّة أكيدة، فهذه المعرفة الإجماليّة تؤثّر على نصوص حلّلناها وما تأكّدنا منها. قد يُفرض هذا التماسك من الخارج بواسطة المسيحيّة الأولى أو بواسطة التأويل. ولكنّه يساعدنا وحده على فهم شخصية يسوع. مثلاً: إذا كان المنظور الإسكاتولوجيّ الخاصّ بيسوع يبرّر هذا القول أو ذاك، فلا ننسى أنّه كان ليسوع أيضاً منظور لاهوتيّ بفضل علاقته الخاصّة بالآب. فعيار التماسك يستند في النهاية إلى مجموعة أسفار العهد الجديد: ننطلق من معرفة كلّ هذه الكتب فنصل إلى معرفة أجزائها. 
هذان المعياران ضروريّان لندرك الواقع الأصليّ بطريقة متواصلة، لا متقطّعة. فالمعيار الأوّل الذي يشدّد على التحليل لا يسمح لنا أن نجمع النتائج فنكوّنَ شخصيّة يسوع. والمعيار الثاني يشدّد على الشميلة التي تحاول أن تتطلعّ إلى كلّ شخص يسوع، ويرتبط أكثر من الأوّل بنظرة المسؤول. المعيار الثاني مهمّ كالأوّل، والأوّل يحقّق في قيمة الشميلة التي توصّل إليها الثاني. فإذا أراد النقد التاريخيّ أن يقوم بعمله أحسن قيام، وجب عليه أن يطبّق هذين المعيارين على مختلف المستويات التي نجدها في التقليد الإنجيليّ: مستوى المضمون، مستوى شروط النقل، مستوى التفاصيل.

2- مستويات التقليد المختلفة
أوّلاً: كل مستوى المضمون
إنّ المعطيات الخارجة عن الأناجيل تتيح لنا أن نتحقّق، بطريقة سلبيّة، أنّ المعطيات الإنجيليّة لا تعارض التاريخ.
فالوضع الذي يصوّر الأناجيل يقابل حالة فلسطين قبل سنة 70. ثمّ إنّ هذه الصورة لا تنفصل عن اللحمة الإنجيليّة.
من جهة اللغة: دوّنت هذه الكتابات في لغة يونانيّة تدلّ على اتّصال بالعهد القديم، وعلى أصل فلسطينيّ سابق لانتشارها وسط الجماعات الهلّينيّة. من جهة الجغرافيا: أحسّ الشرّاح أنّهم أمام إنجيل خامس. من جهة الأركيولوجيا (علم الآثار): تؤكّد الحفريّات التي تمّت منذ أكثر من قرن على تحديد مواضع ذكرها الإنجيل: كفرناحوم، الناصرة، نائين، قيصريّة فيلبّس وقيصريّة البحر، الطريق من أورشليم إلى أريحا، بركة بيت زاتا، هذا فضلاً عن مغاور قمران. من جهة التاريخ والسياسة: حدّثنا المؤرّخ يوسيفوس عن الصراعات بين اليهود والسامريّين، بين الفرّيسيّين والصادوقيّين. وتظهر الحياة الاجتماعيّة على حقيقتها قبل دمار أورشليم. ونتعرّف إلى العادات الدينيّة في ذلك الزمان: الأعياد، الحجّ إلى الهيكل، الصلاة في المجمع، راحة السبت. وتنعكس في هذه الحياة التيّارات الفكريّة: التيّار الإسكاتولوجيّ، التيّار المسيحانيّ، التيّار القمرانيّ...
وإذا عدنا إلى ما قبل سنة 50، نرى أنّ أعمال الرسل والرسائل البولسيّة تبيّن تطوّر الجماعة المسيحيّة تطوّرًا سريعًا إنْ في تنظيمها أو في توجّهات تفكيرها.
بدأت النظم المسيحيّة في زمن بولس تتميّز عن نظم المجمع. هناك نظام تدريجيّ تراتبي، وهناك الهرطقات التي بدأت تظهر، وهناك الاضطهادات، وهناك النظرة الشاملة إلى الرسالة. أمّا الأناجيل فتقدّم ديانة جديدة غير منفصلة عن المجمع، وتحدّثنا عن معلّم يهتمّ مع تلاميذه باحترام الشرائع الموسويّة بما فيها من أمور خاصّة (مت 10: 5؛ 15: 24). وإذا كان هناك من اضطهاد، فالكلمات المستعملة غامضة إذا قابلناها بكتب منحولة ظهرت في ذلك الزمان.
توجّه التعليم المسيحيّ في أيّام بولس نحو منهجة العقيدة عن يسوع المسيح (كرستولوجيا)، عن الخلاص، عن الروح القدس والكنيسة، عن التقليد الذي هو وديعة. أمّا في الأناجيل فلا نجد اهتمامًا بشميلة عقائديّة أو نظرية لاهوتيّة. مثلاً: عن لاهوت المسيح أو وجوده قبل الزمن. والتعابير قديمة (ابن الإنسان، ملكوت السماوات) وهي ستزول فيما بعد.
ولقد تبدّلت الميول أيضاً. اهتمّ بولس بمحاربة المتهوّدين (الذين يحاولون أن يفرضوا الشرائع اليهوديّة على المؤمنين) وروّاد المدرسة الغنوصيّة. أمّا يسوع فيحارب الفرّيسيّين والصادوقيّين، وهذا ما يعود بنا إلى الماضي.

ثانيًا: على مستوى النقل
إذًا، على مستوى المضمون، بدت الأناجيل مجذّرة في التاريخ. فماذا نقول عن مستوى التقليد عامّة والتفاصيل الإخباريّة خاصّة؟ لقد اعتقد البعض أنّ الإنجيل جمّل الواقع وقرّبه من المثاليّة. وهذا عائد إلى طبيعته كإنجيل وخبر طيّب، يريد أن ينعش إيمان قارئيه. كيف نثق بالتقليد حين يرتبط ارتباطاً وثيقًا بالإيمان؟
نجد الجواب الأوّل بفضل معرفتنا بالجماعة المسيحيّة المسؤولة عن هذا التقليد. لسنا أمام جمهور مغفّل وغير معروف بل أمام جماعة لها بنيتها: الشهود هم هنا وهم مكلّفون بنقل تذكّراتهم، وهكذا يجذّرون حاضر حياة الكنيسة الغنيّة بماضٍ لا يزال حيًّا فيهم. ثمّ إنّ الكنيسة تتكوّن من جماعات عديدة تراقب الواحدة الأخرى. ونجد بين هذه الجماعات علاقاتٍ عديدةً بعضها متقارب وبعضها متباعد. فهذه الجماعات المتعدّدة والمركّزة، كوَّنت موادّ التقليد لتحميَه من أيّ انحراف جوهريّ عن فكر يسوع كما فهمته على ضوء قيامته. وموقف الجماعات تجاه التقليد المتعدّد يقوم بأن نهمل التباعدات الطفيفة ونشدّد على التوافق الأساسيّ.
وقال بعض الشرّاح: كما كان تلاميذ الرابّانيّين أمينين لتعليم الآباء فلا يحوّرون فيه شيئًا، كذلك كانت الجماعة المسيحيّة الأولى لتعليم يسوع الناصريّ الذي صار بالنسبة إليهم تقليدًا مقدّسًا. هذا هو المناخ الأوّل ولكنّنا لا نستطيع أن نماثل الجماعة المسيحيّة بجماعة رابّانيّة. فالأمانة ليسوع هي في أمانة الروح، وهي تعطينا حرّيّة حقّة تجاه حرفيّة التعليم. فالتكرار المادّيّ لا يدلّ على الأمانة المسيحيّة. ولنا مثل في طريقة بولس في إيراد أقوال يسوع. نقرأ في أف 5: 2: تعرفون أنّ يوم الربّ يجيء كاللصّ في الليل. يعود بولس إلى لو 12: 39- 40 ولكنّه لا ينقله نقلاً حرفيًّا. ويعود بولس إلى وصيّة الربّ فيقول: لا تفارق المرأة زوجها (1 كور 7: 10) فيورد حديث يسوع عن الزواج والطلاق (مت 19: 1- 12؛ مر 10: 1- 12؛ لو 16: 18) ويعطي بعض الفرائض الجديدة التي تنبع من تعليم يسوع (رج أيضاً 1 كور 9: 14؛ 11: 23- 25؛ 13: 2، روم 14: 14).
أجل، ليس من هوّة بين يسوع والكنيسة الأولى. وإنّ درسًا سوسيولوجيًّا يساعدنا على الوصول، عبر الجماعة الرسوليّة، إلى الجماعة التي ألّفها يسوع مع تلاميذه، إلى الجماعة السابقة للفصح. فهذه الجماعة هي محيط حياتيّ صحيح تكوَّن فيه تقليد يسوع. فالشرّاح يقرّون أنّ يسوع جمع تلاميذ ارتبطوا بكلمته، وساروا إلى الرسالة بناء على أمره، ومارسوا بعض قواعد حياتيّة أخذوها عنه. فالمؤرّخ يستطيع أن يرجع من إيمانهم الفصحيّ بيسوع القائم من الموت، إلى تعلّقهم السابق للفصح، فيكتشف بين الحقبتين تواصلاً أكيدًا. فتعلّق التلاميذ بكلمة يسوع ليس خضوعًا وحسب. إنّه يؤسّس تقليدًا مقدّسًا بدأ قبل الفصح وامتدّ إلى ما بعد الفصح وظلّ في جوهره هو هو.
إنّ هذا البرهان يلائم خاصّة أقوال يسوغ. ولكن إذا عدنا إلى الأخبار المتعلّقة بيسوع، وجدنا أنّ تدخّل الجماعة مهمّ فيها. ولهذا يجب أن نطبق القواعد التي تدلّ على تاريخيّة التفاصيل. على كلّ حال، يمكننا القول إنّ عرض واقع الإنجيل التعليميّ أقرب إلى الرسم منه إلى الصورة الفوتوغرافيّة، أقرب إلى التذكّر منه إلى تقرير صحافيّ.

ثالثًا: على مستوى التفاصيل
لا نستطيع أن نتوقّف عند كلّ التفاصيل لأنّها كثيرة جدًّا، وقد حاول كلّ إنجيلي أن يطبّق هذه التفاصيل على حاجة هذه الكنيسة أو تلك. ولكنّ هذا لا يعني أنّه من السهل تشويه التقاليد الأصليّة، بسبب طبيعة الجماعة. ولكنّ بعض التقاليد تحوّلت، ولا عجب في ذلك، لأنّ الكنيسة هي التي تنقل إلينا فهم الوقائع. فإذا أردنا أن نفهم أحداث ماضي يسوع وأقواله ننظر إليها ونسمعها برفقة الكنيسة. مثل هذا الأسلوب علميّ وتقليديّ: فالأناجيل تكوّنت في جماعة هي خليّة من خلايا الكنيسة.
مثلاً: كلمة "أبّا" هي التي استعملها يسوع نفسه، لأنّ هذه التسمية غير موجودة في العالم اليهوديّ المعاصر. ولكن ماذا نقول عن كلمات العشاء السرّيّ؟ هل قال: هذا هو جسدي؟ الكلمة اليونانيّة "سوما" لا تقابل حرفيًّا الكلمة الآراميّة. وهناك عبارة ترد في مت 8: 22: "دع الموتى يدفنون موتاهم". لم تخترع الجماعة الأولى هذه العبارة لأنّها تعارض عادات اليهود الشرعيّة. أمّا بالنسبة إلى الأخبار فنقول إنّ يسوع أخذ فعلاً عشاء أخيرًا مع تلاميذه، أنّه بارك الله وكسر الخبز وأعطاه إيّاهم وتلفّظ بكلمات تفسيريّة على طريقة الأنبياء: كلّ هذا يتوافق مع العالم اليهوديّ وتسمية الكنيسة الأولى للإفخارستيّا: "كسر الخبز". وقصارى القول، إنّ لتفصيل الخبر قيمة بالنسبة إلى مجمل الخبر، وهو يساعدنا على الوصول إلى معنى الخبر وإن لم يكن وحده مؤكدًا وثابتًا.
3- نتائج النقد التاريخيّ
بعد أن غربلنا في غربال النقد التاريخيّ الأقوال والأخبار مستعينين بمعيارَيِ الاختلاف والتماسك، يبقى أن نشير إلى خطوط تنسيق حياة يسوع ورسم صورة عن يسوع الناصري.

أوّلاً: تنسيق حياة يسوع
نسارع إلى القول إنّنا لا نقدر أن نقدّم آخر التفاصيل عن مكان وزمان حياة يسوع. ولكنّنا نجد بعض نقاط نستدلّ بها. بدأ يسوع رسالته في ظلّ يوحنا المعمدان، ثمّ أعلن في الجليل مجيء ملكوت الله. هنا اصطدم بسوء فهم الجليليّين وعداوة الرؤساء الروحيّين وريبة هيرودس. فترك هذه المنطقة وبعد أن أقام وقتًا تصيرًا على حدود البلاد صعد إلى أورشليم حيث بقي بضعة أشهر. وذهب إلى شرقيّ الأردنّ ثمّ عاد إلى العاصمة اليهوديّة يوم الشعانين. فانطلاقًا من هذه المعطيات نستطيع أن نقسم رسالة يسوع قسمين رئيسيّين: أوّلاً: تقديم تعليم عن مجيء ملكوت الله القريب ونداء إلى التوبة. ثمّ فترة من التنقّلات كرّسها لتربية تلاميذه وتثقيفهم. ثانيًا: إعلان احتفاليّ كشف فيه شخصيّته.
كلّ نقد عقلانيّ يقبل بهذا الحد الأدنى من المعلومات. فهل نستطيع أن نذهب أبعدَ من ذلك ونحدّد التسلسل الزمنيّ لحياة يسوع؟ حاول أحد الشرّاح أن يجعل عماد يسوع يتمّ في كانون الثاني سنة 28. ثمّ حدّد تاريخ سائر الأحداث. ولكنّ هذه المحاولةَ فاشلةٌ سلفاً لأنّها تظنّ أنّ باستطاعتها أن تحدّد روزنامة حياة يسوع. أن نبحث عن زمن العشاء السرّيّ أو موت يسوع، أن نبحث عن زمن ميلاد يسوع يرتبط بعض الارتباط بمعطيات الإيمان. فسّر الخلاص يندرج في التاريخ البشريّ. أمّا أن نؤكّد أنّ خطبة الجبل ألقيت في 19 حزيران سنة 28، وهدأت العاصفة في كانون الأوّل سنة 28 وتجلّى يسوع على الجبل في 6 آب 29... مثل هذه الأقوال تبعدنا عن النقد السليم والصائب. وإنّنا نغوص في متاهات خطيرة فنضع على المستوى عينه، معطيات هامّة وتفاصيل خياليّة. فإذا شككنا في هذه انجرفنا إلى الشكّ في تلك.
إنّ هذه المحاولة لاكتشاف الأسس التاريخيّة الوضعيّة تقوم بأن نستجوب الوثائق الإنجيليّة، لا بحسب فنّها الأدبيّ بل ضدّ منظورها. وهي تعيد بناء مسلسل الأحداث بمعزل عن مدلولها الدينيّ وتزيد عليها بعض التفاصيل، ولكنّ مثل هذا العمل له تأثيره السيّئ في نطاق الإيمان.

ثانيًا: وجه يسوع
يقول عامّة الشعب إنّنا لا نصل إلى أيّ شيء أكيد عن وجه يسوع. فهذا ليس بصحيح. وها نحن نقدّم اإلى القارئ بعض الأمور الواضحة.
فيسوع يبدو شخصيّة أصيلة. إنّه من عالم معروف، هو عالم فلسطين في القرن الأوّل المسيحيّ. ظهر أمام معاصريه كأنّه رابّي (أو معلّم) أو نبيّ، دون أن يقدروا على أن يحصروه في أيّة فئة من الفئات. هذا الرابّي يتكلّم بسلطة محيّرة فيقلب عادات ذلك الزمان. وهذا النبيّ لا يبرّر رسالته إلاّ بأعمال عجائبيّة وبأمثال تدلّ على قوّتها المباشرة والمدهشة. لا شيء بينه وبين الطبيعة، بينه وبين الآخرين، بينه وبين أقواله، حتّى ولو كانت الكتب المقدّسة. الله أبوه هو هنا وهو يبرّر حرّيّته العجيبة. هذا هو الشخص المذهل الذي يطلّ على القارئ.
ونستطيع أن نرسم تعليم يسوع وتصرّفه بثقة كبيرة. من الأكيد أنّ يسوع أعلن أنّه يدشّن زمنًا جديدًا بكرازته: فملكوت الله الذي أنبأ به الأنبياء يقوم الآن بطريقة نهائيّة. وهو لا يقوم بعنف كما فكّر بذلك يوحنا المعمدان أو جماعة الغيورين، فيتطلعّ إلى الملكوت الآتي. يتعرّف السامع إلى هذا الملكوت في شخص يسوع الذي يتكلّم. كلّ هذا يبرّر تصرّفًا غريبًا لدى يسوع الذي يقلب حواجز بناها الرؤساءُ الروحيّون ويعاشر الخطأة خلال الولائم ويعمل الخير يوم السبت.
لا يوجّهنا فكر يسوع إلى نهاية الزمن فقط، بل إلى التعرّف إلى الله. ففي أعماق هذا الحاضر الجديد الذي يؤوّن ملكوت الله، هناك علاقة مدهشة بين يسوع والله الذي يسمّيه أبيه. يسوع هو الابن، وكلامه يفرض على سامعيه تعلّقًا جذريًا به كما بكلام الله نفسه. هذا هو الأساس التاريخيّ للتعرّف إلى شخص يسوع المسيح: علاقة فريدة تربط بين يسوع والله أبيه.
ويعبّر يسوع عن هذه العلاقة الفريدة مع الله بشكل علاقة فريدة مع كلّ البشر. هذا هو أساس التعليم عن الكنيسة. إنّ يسوع يتقبّل كلّ بشر دون تمييز في جنس أو عرق. وأخيرًا يثبت يسوع بُعد موته لا بإعلان عن الفداء، بل حين ضحّى بحياته من أجل الآخرين فتمَّم ذاته في موت عن الجميع.
قد يتحسّر البعض على قلّة الاستنتاجات الأكيدة. أجل إنّ البحث الدقيق يتيح لنا أن نعرف حدود معرفتنا. ولكنّ تلك هي العلاقة لنبدّل الهدف الذي نتوخّاه من بحثنا. فالنتيجة التي نصل إليها هي غير ما كنّا ننتظره. فالتاريخ بأحداثه يصل إلى الإنسان يسوع الناصريّ. ولكنّ يسوع طرح على معاصريه، عبر أقواله وتصرّفاته وأعماله، سؤالاً ظلّ مطروحًا أمام المؤرّخ نفسِه: "وأنتم من تقولون إنّي هو"؟ هذا السؤال هو الحدث الأساسيّ الذي يظهر وسط البحث التاريخيّ. وهو يدعونا إلى أن نفكّر في طبيعة هذا البحث: كيف نعرف حدث يسوع؟

ب- كيف نعرف حدث يسوع؟
حين تحدّثنا عن البحث عن الحدث الذي يقوم به المؤرّخ ليصل إلى يسوع، تكلّمنا كما لو أنّ المؤرّخ هو شاهد أمام شيء يحاول أن يحيط بحدوده. ولكنّ الأمر ليس هكذا. فأمام شخص يسوع، أكثر من أمام أيّ حدث من الماضي، يتدخّل المؤرّخ إمّا ليفهم النصوص الإنجيليّة التي هي في أساس معرفته، وإمّا ليعدّ تصوّره الخاصّ عن يسوع. ثمّ لا ننسى أنّ النصوص الإنجيليّة تشكّل تفسيرًا للحدث الذي تشير إليه.

1- أوهام المدرسة الوضعيّة
تقف هذه المدرسة عند الظواهر والوقائع اليقينيّة ولا تريد أن تتعدّاها.
يجد المؤرّخ (أو المؤمن) في نفسه رغبة سرّيّة في أن يتعرّف إلى الحدث في حدّ ذاته. فإن أزلنا الأوهام التي إليها يقود هذا الأمل الكاذب، نكون قد هيّأنا أنفسنا بطريقة أفضل لنعرف شروط كلّ قراءة صحيحة للأناجيل. تارةً نحاول أن نحيط بالحدث ونحصره. هذا هو المذهب التاريخيّ. وطورًا نقاوم الحدث فنغيب في عالم الارتياب الذي يقتل المعرفة الحقيقيّة ليسوع في ملء واقعه.

أوّلاً: المذهب التاريخيّ
إنّه يريد أن يزيل كلّ العوامل الذاتيّة التي تقود معرفة الواقع التاريخيّ إلى الخطأ. وهو مقتنع أنّ العقل لا يخلق الحدث بل يتأمّل فيه. وهو يهتمّ بأن يحافظ على الواقع وعلى قيمته. لا شكّ في أنّ الواقع موجود في حدّ ذاته وبمعزل عنّا، وأنّ الحقيقة ليست تابعة لفكرنا. ولكن هل يحقّ لنا أن نعالج الغرض المعروف والفكر العارف كشيئين موضوعين الواحد بجانب الآخر؟ وإذ يفعل المذهب التاريخيّ هذا يفصل واقعين تربطهما المعرفة فتكون قيمتها في هذه العلاقة المتبادلة. وهكذا تصل الموضوعانيّة التاريخيّة إلى أوهام تحسنا واقعًا. فالنقّاد الذين يقعون في هذه التجربة يظنّون أنّهم يعرفون يسوع الناصريّ حين يجرّدون الوثائق الإنجيليّة من منظور الإيمان الذي فيه دوّنت. ويرتأون أنّه لا يجب أن نحتفظ إلاّ بالوقائع الخام وبأقوال يسوع عينها. هذه الطريقة ضروريّة لأنّها تثور ضدّ خطر التفسيرات الذاتيّة التي تحرّف تصوّر الواقع. ولكنّها لا تكفي لتسمح لنا بتنظيم المعطيات التي نحسبها وضعيّة.
نجد مثلاً عن هذا الموقف في كتب يرامياس الشارح الألمانيّ. في نظره، يقوم مثال العمل التاريخيّ بأن نكتشف من خلال الحجاب الذي وضعته الكنيسة الأولى على التاريخ السابق للفصح، سمات يسوع الناصريّ وأقواله الحقيقيّة. هذه ردّة فعل سليمة ضدّ الرافضين لهذا البحث، ولكنّها ردّة فعل ناقصة. حصر يرامياس نفسه في إعادة بناء الأقوال والقرينة الأصليّة في نظره، فلم يهتمّ بتفاسير الشهود الأوّلين. حينئذ حسب نفسه أنّه يقدر أن يقدّم "تعليم أمثال يسوع" أو "لاهوت العهد الجديد". ولكن هل إنّ هذه الموادّ المنقّاة والمحرّرة من أيّ رباط بالكنيسة الأولى، تعبّر عن فكر يسوع الكامل؟ هل نستطيع أن نفسّرها دون الرجوع إلى القرينة الأصليّة؟ ثمّ، هل إنّ التفسيرات المميّزة التي تقدّمها الأناجيل غير نافعة؟ لا شكّ في أنّه يجب، قدر الإمكان، أن نعود إلى الحدث الأوّل، إلى كلمة يسوع بالذات. ولكنّ هذا العمل يتطلّب بحثًا نقديًّا آخر: فإذا نظرنا إلى الأمثال، يؤول بحثنا إلى تثبيت تاريخ التفاسير التي تعطينا إيّاه الوثائق الإنجيليّة. فإذا توقّفنا عند الطريقة الأولى (تنقية الموادّ) وتركنا الثانية (البحث عن القرينة) نصل إلى نهج موضوعانيّ ووهميّ. وإذا تجاهلنا المعطيات التاريخيّة والوثائق التي تشهد لها نُحِلّ لاهوت المؤرّخ الشخصيّ محلّ الفكر الحقيقيّ ليسوع ولاهوت شهوده المميّزين.

ثانيًا: المذهب الارتيابيّ
هذا المذهب هو ردّة فعل أمام المذهب التاريخيّ الذي يحصر نظرته في التاريخ الموضوعيّ إلى أقصى حدود الموضوعيّة. بدأ بولتمان أبحاثه عن إيمان المسيحيّين الأوّلين وعن تنوّع عباراته الأدبيّة وعن علاقته بالأوساط الثقافيّة التي تأثّر بها هذا الإيمان. ولكنّه جعل الارتياب مبدأ لا يحيد عنه. قال: لا يستطيع المؤرّخ أن يتجاوز عتبة الإيمان الفصحيّ، لأنّه يظلّ محصورًا في إيمان الجماعة الأولى. إذًا، لا يستطيع أن يصل إلى يسوع الناصريّ كما عرفه الرسل في الفترة السابقة للفصح.
ويزاد على هذا الارتياب في عالم التاريخ، نظريّةٌ عن طبيعة الإيمان. يقول: لن يبحث الإيمان عن برهان في حدث يستطيع العقل أن يدركه بوسائله الخاصّة. وإلاّ صار الإيمان عملاً بشريًّا لا نعمة إلهيّة. إذًا، نرذل كلّ المحاولات التي تريد أن تكتب "حياة يسوع" انطلاقًا من الأبحاث النقديّة: فالإيمان يتوجّه إلى الله الحيّ وهو يتقبّل كلمته مرّة واحدة في عثار الصليب. فهو لا يتوجّه إلى رسم يسوع التاريخيّ الذي يجعله الموضوعانيّون موضوع إيمان للمؤمن. وهكذا يقطع بولتمان الإيمان المسيحيّ عن كلّ ارتباط تاريخيّ فيضيع شخص يسوع الحقيقيّ الذي نعرفه من خلال الأناجيل.

2- الشرط الواقعيّ للبحث التاريخيّ عن يسوع
تعيق المدرسة الوضعيّة عمل النقد الكتابيّ، وهي تؤثّر على عقليّة الناس العاديّة في المحيط الذي نعيش فيه. وهي تصل إلى المؤمنين الذين يظنّون أنّهم يدافعون عن إيمانهم حين يدافعون عن نظرة موضوعانيّة للتاريخيّة المنسوبة إلى النصوص الإنجيليّة. فإذا أردنا أن نتخلّص منها نتساءل عن الشرط الواقعيّ لكلّ بحث تاريخيّ يتعلّق بيسوع. ويمكننا أن نعالج هذه المسألة في ثلاثة مستويات: مستوى إيمان المؤوِّل الذي بدأ بحثه كمؤرّخ. مستوى طبيعة المسيرة العقلانيّة. بالتالي مفهوم اليقين في عالم التاريخ. مستوى حدث يسوع الذي ندركه فقط عبر النصوص التي تفسّره.

أوّلاً: البحث التاريخيّ وإيمان المؤوّل
هل نظرة المؤرّخ تجاه يسوع هي نظرة المؤمن أو اللامؤمن؟ فكل تأويل للأناجيل يوجّهه بالضرورة موقف القبول أو الرفض نحو ذلك الذي نريد أن نعرفه. فالمؤلّف لا يقدر أن يضع إيمانه جانبًا عندما يكون أمام مقاطع ذات بُعد عقائديّ. لا حاجة إلى "سيكولوجيا مشتركة" لنقدّم رسمًا موضوعيًّا لشخص يسوع ورسالته. لا حاجة إلى فلسفة "سليمة" تستقلّ عن الإيمان: فكلّ بحث تاريخيّ في إطار دينيّ تسبقه نظرة إيمان أو لا إيمان. فليس اللامؤمن في وضع أكثر موضوعيّة من المؤمن، لأنّ له أفكاره المسبقة وهو يحاول أن يجد تماسكًا بينها وبين نتائج بحثه. فمَن تخيّل أنّه يوجد مؤرّخ حياديّ بحث عن السراب. فالعالم الذي ولد فيه قد سمع عن ذلك الرجل الذي طرح يومًا هذا السؤال: "وأنتم من تقولون إنّي هو"؟ فأمام هذا الرجل الذي جعل الكثيرين يؤمنون به، لا يقدر المؤرّخ أن يكون لا مباليًا. فعليه أن يجيب عاجلاً أو آجلاً على السؤال المطروح. وجوابه يؤثّر على تحاليله.
ثمّ إنّ المحاولة التاريخيّة ليست عملَ إنسان واحد، بل ثمرةُ تشارك بين مؤرّخين تتنوّع أفكارهم المسبقة. هذا لا يعني أنّ المؤمن يحصل من اللامؤمن على حقيقة التاريخ، ولا أنّ موضوعيّة الوقائع تنبت من التقارب بين نظرات المؤرّخين. ولكنّ اللامؤمن يساعد المؤمن، خلال مسيرته العقلانيّة، على أن يرفض نورًا يأتيه من الإيمان لا من البحث التاريخيّ. ومقابل هذا، يحذّر المؤمن من ميله إلى إلغاء السؤال المطروح عليه في نهاية بحثه. فكلّ مؤرّخ يعي وعيًا أفضل الحدود التي تفرضها على بحثه ثقافته الشخصيّة. فمن خلال الحوار يحفظ المؤرّخ نفسه من الاكتفاء الذاتيّ ومن سرعة التصديق ومن العقلانيّة.

ثانيًا: المسيرة العقلانيّة واليقين التاريخيّ
على هذا المستوى الثاني يقوم الحوار، لا بين المؤمن واللامؤمن، بل بين مختلف الاختصاصيّين الذين يتفحّصون النصّ. هناك افتراضات وأفكار مسبقة توجّه بحثنا. فرجل العلم يدعو المؤرّخ لأن يتعرّف إلى واقع، ويفهمه أنه أمام افتراضات. كما أنّ المؤرّخ مشروط بالعالَم الثقافيّ الذي يعيش فيه وبتقدّم العلوم المعاصرة. فإن تأكّد ممّا يقول فهو يتصرّف داخل عالم محدّد.
فإن يكن الأمر هكذا، فما هي طبيعة اليقين التاريخيّ الذي نصل إليه في مسيرتنا العقلانيّة؟ ليست يقينًا ميتافيزيقيًّا ولا يقينًا حسابيًا (2+2= 4) ولا يقينًا فيزيائيًّا. نحن هنا على مستوى يقين العلوم الإنسانيّة المشروطة دومًا باكتسابات تدريجيّة في إطار محدّد. في هذا المعنى يكون اليقين التاريخيّ شيئًا معقولاً ليس من المعقول أن نرفضه. وهذا ما يفسّر تعدّد وجوه يسوع أو أنواع لاهوت العهد الجديد. الموضوعيّة حقيقيّة، ولكنّها ترتبط بسلسلة معارف تحدّد المنظور الذي فيه نتأمّل في شخص يسوع. ولكن يطرح سؤال: إلى أيّ حدّ يرتبط إيماننا بيقين تاريخيّ؟ نجيب: لا يرتكز إيماننا على يقين تاريخيّ مع أنّه يفترض كثيرًا من اليقينات التاريخيّة.

ثالثًا: حدث "يسوع" وتفسيراته
وفي مستوى ثالث يتمرّس الفكر في مادّة البحث التاريخيّ. ما هي هذه المادّة الموضوعة أمام المؤرّخ، أمؤمنًا كان أو غير مؤمن، في هذه الشميلة أو تلك؟ إنّها تظهر أمامنا بشكل نصّ يعود إلى حدث ويرتبط به. فما هي العلاقة بين الحدث والتفسير؟ إذا أردنا أن نفلت من إطار المدرسة التاريخيّة والمدرسة الإيمانيّة (تتعلّق بالإيمان دون العقل)، يجب أن نقيم حركة دائريّة بين الواقع الخام الذي على مستوى الظواهر الملاحَظة، وبين التفسير الذي يكشف المعنى، بين السؤال الذي يطرحه شخص داخل التاريخ والجواب المعطى في فعل الإيمان. أمّا المبدأ المحرّك لهذا التعارض الجدليّ فهو الجواب الذي قدّمته الكنيسة الأولى على السؤال: من هو يسوع الناصريّ؟ ولكنّ هذا الجواب يعيد المؤرّخ إلى السؤال، والسؤال يتطلّب من قِبَله جوابًا. يقف يسوع أمام المؤرّخ في وحدة سريّة، عبر حدث يفلت منه ساعة يظنّ أنّه أمسك به. فعليه إذًا أن يبحث عن مدلوله. أليس هذا هو معنى كلّ سؤال؟ فالسؤال يحمل بعضاً من الجواب الذي يثيره. ولكنّ السؤال ليس الجواب بعد، والجواب يعني سرّ يسوع الذي يستطيع المؤرّخ أن يحسّ به، ولكنّه لا يُعطى له بمجرّد بحثه التاريخيّ.
ونقدر أن ندرك العلاقة بين الحدث وتفسيراته بفضل الرباط الذي يوحّد مختلف التفاسير التي تقدّمها الأناجيل والكلمة التي يعتبر المؤرّخ أنّ يسوع تلفّظ بها. ولنأخذ مثلاً على ذلك تطويبة الفقراء. في نظر لوقا، يتوجّه يسوع إلى الفقراء ويميّزهم عن الأغنياء. في نظر متّى، يطوّب يسوع الذين يقبلون داخليًّا بفقرهم. ولكنّ المؤرّخ يعتبر أنّ هذين التفسيرين اللذين طبّقًا كلمة يسوع على حالة معيّنة حدّدا وضيّقا منظورها الأصليّ. لم يكن هدف يسوع أخلاقيًّا (لوقا) ولا تعليميًّا (متّى). لقد كان نبيًا يعلن أنّ الذين ينتظرون كلّ شيء من الله سيكافأون في شخصه. فما الذي يربط هذه المنظورات الثلاثة: المنظور الأخلاقيّ والمنظور التعليميّ والمنظور النبويّ؟ أوّلاً: يتوازن تفسيرا متّى ولوقا. فمتّى يساعد لوقا على أن لا يجعل غرض التطويبة حالة سوسيولوجيّة. ولوقا يساعد متّى على أن لا يترك التطويبة تتبخّر في "روح فقر" لا يبالي بشقاء الناس. ثانيًا: ننطلق من معرفتنا لما استطاع يسوع أن يقوله فنقول إنّ التفسيرين ليسا فقط تطبيقًا أخلاقيًّا: إنّهما يتّخذان معناهما بالنسبة إلى شخص يسوع الذي يكلّم الفقراء ويأتي إليهم. هذه هي العلاقة المثلّثة والديناميكية التي من خلالها يظهر معنى التطويبة التي وعد بها يسوع. فالحقيقة ليست في واحد من الأقطاب الثلاثة ولكن في علاقة مدلول كلّ قطب من الثلاثة. لا نمزج، لا نجمع ولا نطرح: فحين يحدّد المسؤول موقع التفاسير والكلمة الأصليّة يحدّد في الوقت ذاته موقعه من كلمة الله.

خاتمة
في نهاية هذا الفصل، لم يعد السؤال المطروح علاقة الأناجيل بالتاريخ، بل علاقة الأناجيل بالمؤرّخ. فلا تاريخ من دون مؤرّخ. فالبحث عمّا يتكلّم عنه النصّ أبعد من النصّ، يؤول بنا إلى أن نخترع حدثًا جديدًا. فالأناجيل هي وحدها سيرة المسيح التي يمكن أن تكتب. فلا يبقى علينا إلاّ أن نفهمها قدر الإمكان. هذا الكلام يعني أنّ النصّ ليس شيئًا نرميه بعد أن نستعمله. إنّه يرتبط بالحدث الذي يشهد له. لن يجد المؤرّخ الحدث إلاّ في النصّ.
ولكن ماذا يدرك في الواقع؟ حين يكتشف المؤرّخ شخص يسوع كمركز المنظور الذي يوحّد معطى التقليد المتعدّد، فإنّ هذا المشخص يفلت منه. بل هو يدفعه إلى البحث أيضاً بسؤال جديد يتعدّى كفاءته واختصاصه. فيسوع الذي هو يَنبوعُ نورٍ يضيء على كلّ الإنجيل وعلى عمل المؤمنين، يبقى سرًّا يعمي ساعة نظنّ أنّنا قبضنا عليه. وهكذا يقف المؤرّخ أمام يسوع كما أمام لغز. من هو هذا الرجل؟ وإذ يورد الشهود أعماله وأقواله، فهم يدلّون على أنّ كيانه لا ينحصر في غرض يسيطر عليه الفكر البشريّ، أكان هذا الغرض إلهيًّا أو عبارة عقائديّة أو لقبًا كرستولوجيًّا. نستطيع أن نلتقي يسوع ولكن كَسِرٍّ لا يُسْبَرُ. نُدركه عبر الحدث ولكن في أبعدَ من هذا الحدث. وفي النهاية، الحدث هو يسوع نفسه الذي يأتي إلى المؤرّخ كسؤال. واللامؤمن لا يسمع جواب المسيحيّين الأوّلين إلاّ بقدر ما ينير هذا الجواب المعنى الحقيقيّ للسؤال. ويستند المؤمن إلى السؤال ليبحث عن سرّ لا يستطيع بشر أن يستنفده. وإنّ يسوع يقدّم نفسه إلى كلّ مؤرّخ كسؤال يجب أن يوضح. طُرح هذا السؤال في الماضي على معاصري يسوع، ولا يزال يطرح اليوم في قلب كلّ إنسان: وأنتم من تقولون إنّي هو؟
خاتمة
في هذا الجزء من المدخل إلى العهد الجديد اطّلعنا أوّلاً على العالم اليهودي في أيّام يسوع، وتوقّفنا ثانيًا عند تكوين أسفار العهد الجديد لدى المسيحيّين المتهوّدين كما في أرض الرسالة. أمّا في القسم الثالث فكانت لنا رحلة مع الأناجيل الإزائيّة الثلاثة، أي أناجيل متى ومرقس ولوقا، وصلت بنا إلى طرح موضوعين مهمين: المسألة الإزائيّة، الإنجيل والتاريخ.
تلك كانت المحطّة الأولى في مسيرتنا للتعرّف إلى العهد الجديد، فإلى المحطّة الثانية التي تفتح أمامنا باب الوحي في سيوع كما حمله إلينا تلاميذه. لقد أمر الملاك يوحنا أن لا يكتم "الأقوال النبوية التي في هذا الكتاب، لأنّ الوقت صار قريبًا". هذا ما توخّيناه ن هذه المقدّمة، أن يصبح العهد الجديد كتابًا مفتوحًا أمام الجميع. فلنتابع مسيرتنا في إنجيل يوحنّا وأعمال الرسل والرسائل وسفر الرؤيا.