المدخل إلى الى الكتاب المقدس ج 4

توطئة

هذا هو الجزء الخامس من المدخل الى الكتاب المقدس ممّا يخصّ العهد الجديد. بدأنا فيه مع إنجيل يوحنا فاطّلعنا على ما سمّي الانجيل الروحاني، وتوقّفنا عند التاريخ والرمز في كتاب ظنّه النقّاد بعيدًا عن الواقع. وانتقلنا إلى أعال الرسل الذي يحدّثنا عن مسيرة الكلمة من أورشليم إلى رومة، إلى أقاصي الأرض. وبرزت أمامنا شخصية بولس الرسول قبل أن نتدارس رسائله الثلاث عشرة. وبعد أن اطّلعنا على الرسالة إلى العبرانيين والرسائل العامّة أو الكاثوليكية، أنهينا الكتاب بلمحة سريعة إلى سفر الرؤيا الذي هو نهاية الوحي.
وقبل أن نبدأ توسيعنا نقدّم الملاحظات التالية:

إيراد النصوص الكتابية
ترد النصوص الكتابيّة بحسب النسخة العبرانيّة في ما يتعلّق بالأسفار القانونيّة الأُولى أي تلك المدوَّنة أصلاً في اللغة العبرانيّة (أو الآراميّة).
أمّا نصوص الأسفار القانونيّة الثانية أي تلك التي نقلتها إلينا الكنيسة في اللغة اليونانيّة. فهي ترد بحسب الترجمة السبعينيّة.
عمليًّا نتَّبع الترتيب المعمول به في الترجمة الكتابيّة المسكونيّة في اللغة الفرنسيّة.
ينتج من ذلك أن أرقام المزامير تختلف عمّا نجده في ترجمة الآباء اليسوعيّين القديمة والدومينيكان (بالعموم هناك فرق في رقم واحد. مز 11 في النسخة اليسوعيّة هو مز 12 في النسخة العبرانيّة) وإن أرقام الآيات في المزامير تختلف عمّا نجده في ترجمة جمعيّة الكتاب المقدّس، التي لا تعطي رقمًا لمقدّمة المزمور (مرّات عديدة هناك فرق في رقم واحد. مثلاً مز 83: 4 في العبرانيّة هو 3:83 في نسخة جمعيّة الكتاب المقدّس). 
وينتج أيضاً بعض الفروقات في ترقيم فصول وآيات تختلف فيها اليونانيّة و (اللاتينيّة) عن العبرانيّة مثلاً: زك 1: 1 ي يحتوي 17 آية في النص العبرانيّ و21 آية في النصّ اليونانيّ (الذي يتّبعه كلّ من نص الآباء اليسوعيّين والجمعيّة). وهذا ما يجعل زك 2: 1 بحسب النصّ العبرانيّ يقابل 1 :18 في النصّ اليونانيّ. وزك 2: 1 بحسب النصّ اليونانيّ يقابل 2: 5 في النصّ العبرانيّ.
وتفصيلاً عندما نقول تك 2: 4 فنحن نعني سفر التكوين الفصل الثاني الآية الرابعة. 
وعندما نقول خر3: 4- 6 فنحن نعني سفر الخروج الفصل 3 من الآية 4 إلى الآية 6 ضمنًا.
وعندما نقول لا4: 5، 9 فنحن نعني سفر اللاويين (أو الأحبار) الفصل 4 الآية 5 والآية 9.
وعندما نقول عد 4- 6 فنحن نعني سفر العدد من الفصل الرابع إلى الفصل السادس ضمنًا.
وعندما نقول تث 1: 2؛ 3: 4 فنحن نعني سفر التثنية الفصل الأول آية 2 ثمَّ الفصل 3 آية 4.

تسمية الأسفار المقدّسة
هناك أسماء اتفق عليها المترجمون العرب (سفر التكوين مثلاً) وأسماء اختلفوا عليها. فسفر الجامعة الذي يسمّيه الشرّاح الغربيّون "قوهلت" (كما في العبرانيّة) سمّاه الشدياق "الواعظ". وسفر اللاوّيين الذي هو السفر الثالث من أسفار موسى قد سمَّته الترجمة السريانيّة البسيطة سفر الكهنة (كهني) والترجمة اليسوعيّة سفر الأحبار مقتفية بذلك ترجمة الشدياق. ثمَّ إنّ الترجمة اليسوعيّة ذكرت أسفار الملوك الأول والثاني والثالث والرابع على خطى اليونانيّة واللاتينيّة، أمّا نحن فسنذكر سفر صموئيل الأول وسفر صموئيل الثاني، ثمَّ سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثاني. ونسمّي السفر الرابع من أسفار موسى سفر العدد (عِوَض سفر الأعداد كما في الشدياق)، والسفر الخامس سفر التثنية عِوَض تثنية الاشتراع كما في الشدياق واليسوعيّة.
القسم الأول
إنجيل يوحنّا

اعتاد الشرَّاح من زمان بعيد أن يفصلوا انجيل يوحنا عن الأناجيل الثلاثة الباقية والمسمّاة الأناجيل الازائية. وها نحن نفرد لهذا الكتيّب فصلين:
الفصل الأول: الإنجيل بحسب يوحنا
الفصل الثاني: التاريخ والرمز في إنجيل يوحنا
الفصل الأول
الإنجيل بحسب يوحنّا

تعوّد التقليد المسيحيّ أن يشبّه يوحنّا بالنسر الذي يحدّق ببهاء الشمس بعينيه الثاقبتين. إنّ يوحنّا ينقلنا منذ الصفحة الأولى من إنجيله إلى التأمّل في الله وسرّه الأزليّ. ولكنّه في الوقت ذاته يشير إلى البحث الصوفيّ كما يدلّ على ذلك استعمال فعل طلب في إنجيله. فأوّل كلمة قالها يسوع لتلميذيه العتيدين: "ماذا تطلبان" (1: 38)؟ والسؤال الذي وجّهه إلى مريم المجدليّة في صباح الفصح كان: "من تطلبين" (20: 15)؟ وكما دعا المسيح تلميذيه لأن يأتيا وينظرا (1: 39)، هكذا يدعو يوحنّا قراءه إلى أن يقتربوا بإيمان متجدّد من ذلك الذي سمّى نفسه "الطريق والحقّ والحياة" (14: 6). هذا هو الشرط لنحمل ثمرًا يثبتُ في الحياة الأبديّة.
إلى هذا الإنجيل سنتعرّفُ فندرسُ الوجه الأدبيّ للإنجيل الرابع وتكوينه وخلفيّته الدينيّة. وبعد أن نتوقّف عند لاهوت إنجيل يوحنّا نعالج العلاقة بين الحقيقة التاريخيّة والتفسير الرمزيّ.

1- الوجه الأدبيّ للإنجيل الرابع
عندما نقرأ الإنجيل الرابع قراءة إجماليّة نشعر أوّلاً أنّه يختلف عن الأناجيل الإزائيّة حيث تبرز المعجزات والمجادلات والأمثال وتبدو وكأنّها وضعت من دون ترتيب: أمّا إنجيل يوحنّا فيتضمّن مجموعاتٍ مبنيّةً بناءً محكمًا. هناك المقدّمة (1: 1- 18)، حوار يسوع مع السامريّة (4: 1- 42)، خطبة خبز الحياة (ف 6) وحدث شفاء الأعمى (ف 9) وقيامة لعازر (ف 11)، وخبر الالام (ف 18- 19).

1- تصاميم ممكنة
قدّم الشرّاحُ تصاميمَ عديدةً، فشكلّ كلّ تصميم لقطة عن مجمل الإنجيل. لكلّ تصميم حقيقته النسبيّة، ولكن كل هذه التصاميم لا تقود بالقدر عينه إلى فهم النصّ فهمًا وافيًا.
اهتمّ المفسّرون الأقدمون بكتابة حياة يسوع فتوقّفوا عند إشارات الزمان والمكان فأبرزوا إحدى ميزات يوحنّا: إنّه الإنجيل الوحيد الذي يساعدنا على تحديد زمن رسالة يسوع العلنيّة. وبيَّن أحد الشرّاح أهمّية الأعياد التي تتوزّع مسيرة الإنجيل: أوّل عيد للفصح في أورشليم (2: 13)، عيد آخر في أورشليم (5: 1)، الفصح في الجليل (6: 4)، عيد المظالّ (7: 2) الذي صعد فيه يسوع إلى أورشليم صعودًا مستترًا، عيد التجديد (10: 22)، فصح الصلب (11: 55- 19: 42) والقيامة (ف 20). وهكذا نستطيع أن نقدّم تصميمًا على أساس سباعيّة الأعياد أو الاسابيع. انطلق يوحنّا من رمز العدد 7 فدلّ على أنّ الملء المسيحانيّ قد تمّ في حياة يسوع ونشاطه الرسوليّ. واقترح شارح آخر أن يقسم إنجيل يوحنّا قسمين، على أن يقسم كلّ قسم جزئين. القسم الأوّل: يوم يسوع، حياته العلنيّة، كشف خفيّ لمجده (1: 19- 12: 50). ويتضمّن هذا القسم كتابَ الآيات (ف 2- 4) وكتابَ الأعمال (ف 5- 12). القسم الثاني: ساعة يسوع، كشف مجده. ويتضمّن هذا القسم كتاب الوداع (ف 13- 17) وكتاب الآلام (ف 18- 20) يتبعه ملحق. يشدّد هذا العرض على موضوع الكشف والوحي وعلى كلمات يوحنّاويّة هامّة: المجد، الآية، العمل، والساعة. ولكنّنا نتساءل عن الفرق بين العمل والآية. ونقول إنّ كلمة "الآلام" لا توافق الطريقة التي بها يعرض يوحنّا دراما الجلجلة.
وأبرز شارح ثالث أهمّية 13: 1- 2: "وكان يسوع يعرف، قبل عيد الفصح، أنّ ساعته جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، وهو الذي أحبّ أخصّاءه الذين هم في العالم، أحبّهم منتهى الحبّ". فبعد نهاية ف 12 التي تشكّل 12: 37- 50 يبدأ ف 13 في صيغة متوازية لبداية الإنجيل (في البدء كان الكلمة). وهكذا يُقْسَمُ الكتاب قسمين: كتاب الآيات وكتاب الالام. ويتميّز كتاب الآيات بسبع حلقات. نلاحظ أنّ خبر عدد من الآيات ينتهي بخطبة طويلة وهكذا يتوحّد العمل والكلمة في القسم الأوّل. أمّا القسم الثاني فمن المفضّل أن نسمِّيَه كتاب الساعة (13: 1) أو كتاب المجد.
إنّ كلمة "الحياة" تسود في ف 1-6 (42 مرة من أصل 56). وينتهي ف 6 بشكل دراماتيكيّ حين يبتعد التلاميذ ويعلن بطرس إيمانه وينبى يسوع بخيانة يهوذا. إذًا لا بدّ من إبراز هذا الفاصل الهامّ. ونبدأ مع ف 7 بمجموعة تسود فيها كلمة موت (24 مرة من أصل 35): "ما شاء يسوع أن يسير في اليهوديّة لأنّ اليهود كانوا يريدون أن يقتلوه " (7: 1). مجادلات عن أصل يسوع، إعلانات تتبعها تهديدات بالموت خلال عيد الفصح وعيد التجديد حتّى قيامة لعازر.
أمّا مفردات الحبّ فلا تسيطر إلاَّ بعد ف 13 وحتى ف 21 ضمنًا (32 مرة من أصل 40). وهناك ملاحظات أخرى تجدر الإشارة إليها. لا يظهر موضوع النور إلاَّ في ف 1- 12. إذ يبدو اليهود عادةً خصوم يسوع، فخطبة الوداع (ف 13- 17) تبيّن لنا، أنّ العالم هو خصم يسوع وأخصّائِهِ.
على أساس هذه الملاحظات نقدّم الأقسام التالية:
(1: 1- 18) مطلع الإنجيل.
(1: 9- 12: 55) كتاب الآيات.
(1: 9- 6: 71) إعلان الحياة.
(7: 1- 12: 50) رفض الحياة وتهديد بالموت.
(13: 1- 25: 31) كتاب الساعة.
(13: 1-17: 26) وصيّة يسوع، العشاء الأخير وخطبة الوداع.
(18: 1-19: 42) ساعة التمجيد على الصليب.
(20: 1- 31) يوم الرب.
(21: 1-25) خاتمة: تعليمات القائم من الموت لكنيسته.
قبل آن نقدّمَ إيضاحاتٍ عن ديناميّة البناء اليوحنّاويّ يجدر بنا أن نتعرف إلى عناصرَ عديدةٍ تبلبل التنسيق العامّ. مثلاً: لماذا يُذكر يوحنّا المعمدان مرتين في قلب المطلع (1: 6- 8، 15). ثمّ إنّ شهادة المعمدان الأخيرة تنتهي بقطعة عقائديّة من الصعب أن يكون قد تفوّه بها (3: 31- 36). ونقابل هذا الملخّص للاهوت اليوحنّاويّ مع قطعة أخرى ليست في محلّها (12: 44-50). وهناك صعوبة كلاسيكيّة في ترتيب ف 4، 5، 6. فنهاية ف 4 تتمّ في الجليل (آية قانا الثانية). وهكذا نقول عن نهاية ف 6. أمّا آية الخلعّ (ف 5) فتتمّ في أورشليم. ولكنّ يوحنّا لم يشر إلى تنقّل يسوع من الجليل إلى أورشليم، ومن أورشليم إلى الجليل، كما اعتاد أن يفعل. أما نكون أكثر منطقيّين إن عدنا إلى الترتيب المنطقيّ: ف 4، 6 (السامرة، الجليل)، ف 5 (أورشليم). وهكذا يكون التلميح إلى الخلعّ (7: 15- 24) في محلّه. ولكن ماذا نفعل ببداية ف 7 التي تتكلّم عن صعود سرّيّ ليسوع إلى أورشليم في عيد المظالّ؟ نرى أنّنا إذا أردنا أن نجيب على صعوبة تطلّ صعوبات أخرى. وهذا ما نراه أيضاً في ف 10. إن أردنا أن نقوم بالتنقيلات المقترحة نشير إلى هذه الصعوبات (وهناك غيرها) لنلفت الانتباه إلى الطابع التدريجيّ في تأليف الإنجيل الرابع. فعمل المراجعة النهائيّة لم يتمّ، وهذا ظاهر من التنافر في موضوع المعموديّة التي يمنحها يسوع (3: 22) أو تلاميذه (4: 2).

2- تحليل المضمون
أوّلاً: المطلع (1: 1- 18)
قلنا إنّ هذا المقطع يَذْكُرُ يوحنّا المعمدان مرّتين. ونزيد فنقول إنّه يبدو متعدّد العناصر. فالبداية تبدو كنشيد إلى اللوغوس (الكلمة)، والنهاية كاعتراف إيمان (1: 14ي). الأسلوب إيقاعيّ في البداية، ولكنّنا نجد في آ 12- 13 زياداتٍ وإضافاتٍ . إذًا هناك محاولات عديدة لإعادة النظر في النصّ الأوّل. ومع هذا يبدو الترتيب الحاليّ بشكل نوع من البديع يقوم بقلب العبارة وهو أسلوب عرفته الآداب اليهوديّة (رج حك 9: 1 ي). فكيف نستطيع أن نبرّر هذه البنية؟
آ 1-2: اللوغوس متّجه نحو الله. آ 18: الابن يوحي لأنّه في حضن الآب.
آ 3 اللوغوس وسيط بالنسبة إلى الكون. آ 17: وسيط بالنسبة إلى الخلاص.
آ 4-5: الخيرات التي منحها اللوغوس. آ 16: ملء النعمة.
آ 6- 8: شهادة المعمدان. آ 15: شهادة المعمدان.
آ 9: حضور اللوغوس في العالم. آ 14: سكن اللوغوس المتجسّد.
آ 10- 11: عدم إيمان العالم وإسرائيل. آ 12- 13: قبول بالإيمان يتيح لنا 
أن نصير أبناء الله.
سندرس فيما يبعد أصل ومضمون لقب اللوغوس المعطى للمسيح الموجود قبل الزمن. 

ثانيًا: كتاب الآيات (1: 19- 12: 50)
إعلان الحياة (1: 19- 6: 71)
هناك طرق عديدة تفسّر ترتيب البداية. يحاول البعض أن يجد رسمة أسبوع في اللقاءات الأولى مع يسوع وأوّل آية في قانا الجليل (2: 1- 11). أمّا الصعوبة الكبرى فتأتي من إعلان يسوع في 1: 51 (سترون السماء مفتوحةً وملائكةَ الله صاعدين ونازلين فوق ابن الإنسان) الذي يشكلّ قمّة سلسلة من الإعلانات عرّفتنا تدريجيًّا إلى ذلك الذي شهد له المعمدان.
هناك رباطات عديدة تجمع بين آية قانا وطرد الباعة من الهيكل (2: 13- 22). "فاليوم الثالث" في 2: 1 يشير إلى الفصح، ويقابل الكلام عن عيد الفصح في آ 13. ونجد مقابلاتٍ عديدةً تقرّب هذين الحدثين من خبر الجلجلة: لا تُذكر أمّ يسوع إلاَّ في قانا وعند صليب يسوع (19: 37) الذي من جنبه خرج دم وماء الأسرار (19: 34). والكلمة السرّيّة عن الهيكل الذي سيُرفع في ثلاثة أيّام (2: 19 ي) ستجد كامل معناها في خبر الآلام. أجل، لقد ألّف يوحنّا بفنّ بدايةَ إنجيله ونهايته.
وبعد العملين (اللذين يشكلان برنامجًا) في ف 2، نقرأ حوارين، يدلّ الواحد على مسيرة الإيمان المتردّد والناقص (نيقوديمس) والثاني على ارتداد امرأة ستصبح مرسلة (السامرة). أمّا آية قانا الثانية فتبرز إيمان الضابط الملكيّ (4: 43- 54) وتشكّل نهاية هذه المجموعة. يبدأ كلّ من ف 5 و 6 بخبر آية، ثمّ يتضمّن خطبة طويلة ليسوع. فشفاء المخلعّ قرب البركة ذات الخمسة أروقة يدلّ على أنّ يسوع نال من الآب السلطان ليحييَ من يشاء (5: 21). بعد هذا نقرأ خطبة تبرّر الشهاداتِ من أجل الابن (5: 31- 47). وآية تكثير الخبر التي يتبعها السير على المياه، تؤّدّي إلى خطبة طويلة عن هُوِيَّة خبز السماء الحقيقيّ. وينتهي الفصل بشكل دراماتيكيّ: ترك يسوعَ كثيرٌ من التلاميذ. إنّ الدراما التي تصل إلى الصليب تقوم على تعلّقٍ بكلام يسوع لا تحفّظَ فيه.

رفض الحياة وتهديد بالموت (7: 1- 12: 50)
تتكوّن ف 7- 12 من سلسلة مجادلات في الهيكل تتوزّعها محاولات رجم ينجو منها يسوع، لأنّ ساعته لم تأت بعد (7: 30، 8: 20). دُعي يسوع بطريقة هازئة لأن يكشف عن نفسه في عيد المظالّ، فأجاب أوّلاً بالرفض. ثمّ صعد إلى أورشليم صعودًا خفيًّا. وأكّد أمام اليهود المتردّدين أو المعادين له أنّه وحده يعرف من أين جاء وإلى أين يذهب (7: 27- 29). ويقدّم نفسه على أنّه يَنبوع الماء الحيّ (7: 37 ي) ونور العالم (8: 12). ثمّ أعلن أمام اليهود المفتخرين بأنّهم من نسل إبراهيم، أنّه وحده يقدر أن يخلّصهم من موت الخطيئة، وأوضح أنّه أسمى من إبراهيم: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (8: 38). وتبيّن علامة المولود أعمى كيف تنقلب الأدوار: استعاد المولود أعمى النظر، أمّا الفرّيسيّون فانهمكوا في خطيئتهم (9: 41). ويرتبط مثل الراعي الصالح (ف 10) بالموضوع عينه: يسوع هو غير الرعاة الأردياء الذين يسبّبون دمار القطيع. إنّه وحده يعطي الحياة بوفرة (10: 10) بذبيحة حياته الإراديّة (10: 15- 18). أمّا الحديث عن عيد التجديد فلا يقطع التوسيع، بل يدعونا لنفهم أنّ تجديد العهد لا يأتي إلاّ مع يسوع الذي هو واحد مع أبيه (10: 30).
يسود ف 11- 12 موضوع الموت وموضوع القيامة، فيُعِدَّانِ الطريق لكتاب الساعة. فقيامة لعازر تشكّل "مثلاً تاريخيًّا" فيه يواجه يسوع الموت ويكشف عن نفسه أنّه "القيامة والحياة" (11: 20) للذين يؤمنون به. ودلّت المشاورة عند قيافا (11: 46- 54) أنّ كلّ شيء قد تمّ مسبقًا. لقد تنبّأ رئيس الكهنة من غير أن يدريَ أن يسوع سيموت من أجل خلاص الشعب اليهوديّ وجماعة البشر (11: 50 ي). ثمّ وضع يوحنّا سكب الطيب (12: 1- 11) قبل دخول يسوع إلى أورشليم، فدلّ على أنّ هذا العمل هو مدخل إلى الدفن، بينما أبرز الدخولُ الاحتفاليُّ إلى المدينة المقدّسة كرامةَ يسوع المسيحانيّة (12: 12- 19)، وطلبُ اليونانيّين الذين يريدون أن يرَوا يسوع أدّى إلى إعلان أخير للساعة التي فيها يجتذب يسوع إليه كلّ البشر من على صليبه (12: 32). 
وينتهي كتاب الآيات بخاتمتين اثنتين (12: 37- 43 و 44- 50): اعتبار على عدم إيمان اليهود حسب نبوءة أش 6: 9 ي، ملخّص لكرازة يسوع: "ما جئت لأدين العالم، بل لأخلّص العالم" (12: 47).

ثالثًا: كتاب الساعة (13: 1- 20: 31)
وصيّة يسوع (ف 13-17)
وينفتح الكتاب الثاني بآية جليلة تعطيه طابعًا خاصًّا (13: 1- 2): إنّه كتاب الساعة التي فيها يقوم يسوع بعمل حبّ سامٍ فينتقل من هذا العالم إلى أبيه. لم يكن حاضرًا هنا إلاّ التلاميذ. سيختفي الخائن بعد قليل في الليل، ويُذكر للمرة الأولى "التلميذ الذي كان يسوع يحبّه" (13: 23- 26).
يبدو غسل الأرجل (13: 1- 20) علامة نبويّة بها يدلّ يسوع على معنى موته القريب ويبرز بُعدَه من أجل حياة تلاميذه الملموسة.
بعد التشهير بالخائن (13: 21- 30) تبدأ سلسلة أحاديث اعتاد الشرّاح أن يسمّوها "خطبة بعد العشاء الأخير". ولكنّ يسوعَ لا يتحدّث هنا عن تأسيس الإفخارستيّا. لهذا يُفضَّل أن تسمّى "خطبة الوداع" المؤلّفة حسب فنّ أدبيّ معروف في اليهوديّة، هو فنّ الوصيّة التي يتلوها الإنسان قبل موته.
ينتهي حديث أوّل في 14: 31: قوموا نذهب من هنا. ويبدأ حديث ثان بمثَل الكرمة الحقيقيّة (15: 1 ي). وتختتمُ هذه المجموعةَ الصلاةُ الكهنوتيّة (ف 17) فتحدّد نيّة يسوع الذاهب إلى ساعته: ليكون التلاميذ واحدًا كما أنّه والآب واحد. وتتميّز ف 14- 16 بإعلان مجيء الروح المؤيّد.

ساعة التمجيد على الصليب (ف 18-19)
يتبع خبر الالام في خطوطه الكبرى الترتيب الذي نجده عند الإزائيّين. ولكنّ يوحنّا يطبعه بطابعه الشخصيّ بواسطة قوّة التأليف الدراماتيكيّة وغنى الرموز.
نجد هنا ثلاثة أقسام تكاد تكون متوازية. يروي القسم الأوّل (18: 1- 27) كيف سلّم يسوع نفسه لجلاّديه وكيف استُجوب في دار حنّان خلال الليل. ويخصَّص القسم الثاني (18: 18- 19: 16) لمحاكمة رومة ليسوع عبر شخص بيلاطس. هناك حركة دخول وخروج تساعدنا على تحليل النصّ إلى سبعة مشاهد، يمثّل فيها المشهد الأوسط إكليل الشوك.
في الخارج: طلب اليهود موت يسوع في الخارج: إذا أطلقته فأنت عدوّ قيصر. 
29:18- 32. حينئذ أسلم بيلاطس إليهم يسوع 13:19- 16.
في الداخل: حوار أوّل: هل أنت في الداخل: حوار ثان، من أين أنت؟ 
ملك؟ لم يكن لك سلطان عليّ لو لم يُعْطَ لك 
جئت لأشهد للحقّ 18: 33- 38 أ. من فوق 19: 9- 12
في الخارج: لا أجد سببًا للحكم. في الخارج: ما وجدت سببًا للحكم. 
برأبّا أو يسوع؟ ها هو الرجل! إصلبه!
18: 38 ب- 40. 19: 4- 8.
في الداخل: جلَدَ الجنودُ يسوع وكلّلوه بالشوك 19: 1- 3.
ونستطيع أن نحلّل القسم الثالث (19: 17- 42) إلى سبعةِ أحداثٍ ، وكلُّ حدث يحمل معنى عميقًا: كتابة الصليب التي تبيّن للجميع أنّ يسوع هو ملك اليهود. الثوب غيرُ المخيط الذي لم يمزّقه الجنود. تسمية مريم أمّ التلميذ. لقد تمّ كلّ شيء. الدم والماء يجريان من القلب المطعون. دفنة ملوكيّة تُمنح ليسوع.

يوم الربّ (ف 20)
أراد يوحنّا أن يبيّن انتصار يسوع على الموت فأورد أربعة أحداث جرت في أورشليم في اليوم الأوّل من الأسبوع (20: 1، 9، 26). دفع مجيءُ مَرْيَمَ المجدليّة إلى القبر بطرسَ والتلميذ المحبوب أن يركضا، ولكنّ التلميذ المحبوب وحده آمن (20: 1- 10). ثمّ تلا ذلك ظهورٌ تعرّفت فيه مريم المجدليّة إلى يسوع (20: 11- 18). في العلّيّة نال التلاميذ عطيّة الروح وأُرسلوا إلى العالم (20: 19- 23). ظلّ توما غيرَ مؤمن فحظي بظهورٍ يشهد أنّ مَنْ قام اليوم هو مَن صُلب بالأمس. وجاءت خاتمة أولى تبيّن لماذا اختار الإنجيليّ هذه الآياتِ ورواها.

خاتمة: تعليمات القائم من الموت لكنيسته (ف 21)
زيد ف21 فيما بعد وسُطِّرَ في إنشاء يختلف عن إنشاء سائر الإنجيل ولكنّ هذا لا يعني أنّنا نستطيع أن نستغنيَ عنه. فكما أنّ المطلع جعلنا نستشفّ سرّ شخص يسوع، فإنّ ف 21 يدخلنا في زمن الجماعة ويسمعنا توجيهات المعلّم للذين يتابعون عمله.
إنّ خبر الصيد العجيب (21: 1- 11) يجد ما يوازيه في لو 5: 1- 11 في إطار دعوة الرسل. أمّا هنا فيشدّد الإنجيليّ على أنّ الشبكة لم تتمزق رغم وجود 153 سمكة كبيرة. وتأتي نظرة إلى المستقبل (21: 12- 23): تعرّف التلاميذ إلى يسوع خلال غذاء يذكّرنا بغداء عمّاوس. بعد هذا حدّد يسوع وظيفة بطرس (إرع خرافي) وأشار إلى موته العتيد وإلى مصير التلميذ الذي يحبّه. وتبيِّن الخاتمة الثانية (21: 24- 25) نشاط الجماعة اليوحنّاويّة في تأليف الإنجيل الرابع.

ب- تكوين الإنجيل الرابع
1- لماذا كُتب الإنجيل الرابع ولمن كتب؟
يدلّنا إهداء إنجيل لوقا إلى أنّ كاتبه توجّه إلى جمهور متعلّم من أصل يونانيّ، أمّا الإنجيل الرابع فلا يحدّد جمهوره: هل يتألّف من يهود ووثنيّين يريد الإنجيلي أن يجتذبهم إلى الإيمان، أو من مسيحيّين يريد أن يثبّتهم في الإيمان؟ من الضروريّ أن نجيب على هذا السؤال لنفهم النصّ فهمًا وافيًا. هنا نعود إلى الخاتمتين (20: 30 ي؛ 21: 24 ي) فنجد فيهما اقتراحات عديدة.
نتوقّف أوّلاً على الافتراضات ثمّ نستخلص بُعْدَ هذين المقطعين قبل أن نتعرّف إلى الخصوم الذين يهاجمهم الكاتب أو إلى الضلال الذي يفنّده.

أوّلاً: الافتراضات
إفتراض أوّل قدّمه دود: أراد يوحنّا أن يجتذب إلى المسيحيّة يونانيّين "متصوّفين، يبحثون عن الحقيقة والنور في حياتهم". قال: "يتوجّه الإنجيليّ إلى جمهورٍ غيرِ مثقّف... ويستطيع أن يقرأ الإنجيل شخص يهتمّ بالديانة ويتحلّى ببعض المعرفة للديانات السرّيّة". 
افتراض ثان (جاء بعد نشر نصوص قمران) قدّمه فان اونيك: "هدف الإنجيل الرابع إلى أن يقود اليهود وخائني الله إلى الاعتقاد بأنّ يسوع هو المسيح".
افتراض ثالث: ميّز روبنسون بين الإنجيل الرابع (وهو ذو بعد إرساليّ) ورسالة يوحنّا الأولى التي تهدف إلى تثبيت المسيحيّين في إيمانهم وإلى تحذيرهم من الهراطقة. 
افتراض رابع. قال مارتين: اهتمّ يوحنّا بمثال الجماعة اليوحنّاويّة التي تواجه معارضة واضطهادات من السلطات اليهوديّة، فأراد أن يثبّت المسيحيّين الذين هم من أصل يهوديّ.
افتراض خامس قدّمه فوغا: هناك هدفان للإنجيل الرابع: الردّ على البلبلة التي تلت فصل المسيحيّة عن اليهوديّة، تشجيع الذين يخافون اضطهاد دوميسيان الإمبراطور. "كانت الكنيسة مصدومة ومتردّدة ويائسة فانبرى يوحنّا اللاهوتيّ يحدّث المؤمنين ويطلب مدنهم أن يلتزموا بالتاريخ الذي يصنعه اللّه معهم. ويشجّعهم لكي يواجهوا حالة الألم والفشل".

ثانيًا: الخاتمة الأولى (20: 30- 31)
"وصنع يسوع أمام تلاميذه آياتٍ أخرى غيرَ مدوّنةٍ في هذا الكتاب. أمّا الآيات المدوّنة هنا فهي لتؤمنوا بأنّ يسوع هو المسيح، ابن الله. فإذا آمنتم نلتم باسمه الحياة". 
حدّد يوحنّا أسلوبَ عمله وهدفَه. كان لوقا (1: 1- 4) المؤرّخ قد أكّد أنّه جمع الوثائق الضروريّة ورتّب خبره باعتناء. أمّا يوحنا فأعلن أنّه قام بعمليّة اختيار في التقليد الإنجيليّ الواسع من أجل هدف معيّن: تثبيت الإيمان.
كلمة آية مهمّة جدًّا في الإنجيل الرابع حيث نعدّ سبع آيات. والعلاقة بين الآية والإيمان ظاهر بمناسبة آية قانا الأولى (2: 11) وفشل عمل يسوع مع اليهود (12: 37). فيوحنّا لا ينظر إلى المعجزة في وجهتها الماديّة فحسب، بل مع تفسيرها (6: 26). إنّ الخطبة ترتبط نخبر الآية ارتباطًا وثيقًا. أمّا الآية العظمى فهي الصليب. وإن 20: 30 التي تبدو وكأنّها لا تدلّ إلاّ على كتاب الآيات (ف 1- 12) تدلّ أيضاً على كتاب الساعة (ف 13- 20).
وتدخلنا 20: 31 في قلب إنجيل يوحنّا. ففعل آمن مهمّ جدًّا ويستعمله يوحنّا 98 مرّة. يستعمله يوحنّا بمعنى التعلّق الشخصيّ (9: 35: هل تؤمن بابن الإنسان؟)، أو يجعله يدلّ على غرض اعتراف الإيمان. حين أعلنت مرتا إيمانها قالت: "أؤمن أنّك المسيحُ، ابن الله، الآتي إلى العالم" (11: 35).
"فإذا آمنتم". هل نفهم: لكي تقتنوا الإيمان، وهذا ما يدلّ على هدف إرساليّ.
أو: لكي تنموا في الإيمان، وهذا يشير إلى جمهور مسيحيّ. إذا قرأنا النصّ نستطيع أن نأخذ بالاحتمالين. ولكنّ الفحوى الإجماليّ يقودنا إلى الاحتمال الثاني: ماذا يستطيع القارئ أن يفهم من هذا الإنجيل إن لم يكن تَدَرَّجَ حقًّا في الإيمان المسيحيّ؟ إذًا يريد يوحنّا أن يقوّيَ إيمانَ المسيحيّينَ الخاضعينَ للمحنةِ. هنا نشير إلى فعل "ثبت". يجب أن تثبت كلمات يسوع في المؤمنين (8: 31؛ 15: 7) ليشاركوا في حريّة الابن (8: 35) ويحملوا ثمارًا وافرة. ويدعونا مثل الكرمة لنثبت في المسيح كما يثبت هو في المؤمنين (4:15، 10).
ونحافظ في 20: 31 على قيمة كلّ كلمة: المسيح وابن الله. إهتمّ يوحنّا بأن يدخل وحي يسوع في تاريخ الخلاص، فبيّن أنّه مسيح إسرائيل المنتظر مع ما في هذا القول من مفارقة.
في ف 1 يعدّد يوحنّا الألقاب المسيحانيّة: حمل الله، ابن (أو مختار) الله، المسيح، ملك إسرائيل، ابن الإنسان (1: 29- 51). وتُظهر طبيعة ملكوت المسيح في وجهها الظاهريّ التناقض في الالام (رج 19: 1- 3: التكليل بالشوك). والكتابة فوق الصليب أعلنت للكون أنّ يسوع هو ملك (19: 20: كانت في ثلاث لغات). وهكذا يُتمّ يسوع انتظار إسرائيل الطويل في شكل شاملٍ وسامٍ.
لو لم يقل يوحنّا "ابن الله" لظلّ التعبير الإيمانيّ ناقصاً. لقد اهتمّ يوحنّا أكثر من أيٍّ كان في إظهار العلاقة الوثيقة بين الابن والآب. وخبر الظهورات الفصحيّة له معناه وهو الذي ينتهي بأوسع اعترافِ إيمان: "ربّي وإلهي" (20: 28).
ليست الإيمان في نظر يوحنّا شيئًا مجرّدًا. إنّه انفتاح على الحياة. إنّه الحياة بالذات. كلمة حياة مهمّة جدًّا (36 مرة) وهي ترتبط بمعرفة الإيمان: "من يؤمن كان له فيه (في المسيح) الحياة الأبديّة" (3: 15). "الحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك والذي أرسلته، يسوع المسيح" (17: 3). فكلّ الرموز التي بها كشف يسوع عن نفسه ارتبطت بالحياة (الخبز في ف 6، النور في 8: 12، الراعي في 10: 10، الطريق في 14: 6...). فالحياة والموت يتعلّقان بقبولنا أو رفضنا لكلمة المسيح (8: 12، 24...). فالإنجيليّ يحدّد لنفسه غاية ويحاول أن يصل إليها بكلّ الوسائل: أن يوقظ إيمانًا واعيًا يحصل على الحياة. هنا نقرأ خبر المولود أعمى فيبدو نموذجًا لنا: ينتقل هذا الأعمى من مرحلة إلى مرحلة حتّى يصل إلى فعل العبادة: "أؤمن يا ربّ، وسجد أمامه" (9: 38). إذًا، يتوسعّ يوحنّا في لاهوت لا ينفصل فيه الإيمان عن الحياة. لا يهتمّ يوحنّا بحياة يسوع كماضٍ قد عبر، بل كحاضر حقيقيّ يعطي حياةَ المؤمنين معناها ويساعدهم ليصيروا أبناء الله (1: 12).

ثالثًا: الخاتمة الثانية (21: 24- 25)
"وهذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور ويدوّنها، ونحن نعرف أنّ شهادته مطابقة للحقيقة. وهناك أمور كثيرة عملها يسوع، لو كتبها أحد بالتفصيل، لضاق العالم كلُّه، على ما أظنّ، بالكتب التي تحتويها".
يحدّد ملحق الإنجيل الرابع موقع التلميذ الذي كان يسوع يحبّه بالنسبة إلى الجماعة اليوحنّاويّة. سنعود إلى الحديث عن هذه الجماعة. ولكنّنا نقول الآن إنّ الجماعة اهتمّت بنشر الكتاب وختمته بخاتمها معلنة أنّه صادق وموافق للحقيقة.
إذًا، لسنا أمام كتاب يبقى داخل المجموعة التي فيها رأى النور، بل أمام كتاب يتوجّه إلى كلّ الذين ينتمون إلى القطيع الذي سلّم المسيح إلى بطرس مسؤوليّة العناية به. ويتذكّر النصّ بجلال استشهاد بطرس (21: 19). إنّ الجماعة اليوحنّاويّة تعي خصائصها، ولكنّها تحسّ أنّها متضامنة مع الكنيسة الواحدة وتريد أن تشارك في الخير العامّ فتنشر المؤلَّف الذي يرتكز على شهادة التلميذ الحبيب.
نلاحظ هنا أهمّيّة مفردة الشهادة. نقرأ الفعل 33 مرّة في الإنجيل الرابع ومرّتين عند الإزائيّين، والاسم 14 مرّة عند يوحنّا وأربع مرّات عند الإزائيّين. ويتذكّر الإنجيل شهادة التلميذ بإجلال في وقت الآلام: "الذي رأى شهد، وشهادته هي موافقة للحقيقة. وهَذا (أي المسيح) يعرف أنّه يقول الحقّ حتّى تؤمنوا مثله".
نستشفّ مرحلة طويلة من الكرازة الشفهيّة قبل أن تدوّن شهادة التلميذ. ولقد ألقى موت التلميذ البلبلة في جماعته، كما يدلّ على ذلك التفسير المعطى لكلمة الربّ الغامضة: "إن شئت أن يثبت إلى أن أجيء" (21: 22 ي). انتظر البعض حضورًا جسديًّا حتّى مجيء الربّ، فإذا هو حضور شهادة بفضل الكتاب. هكذا يبين لنا ناشرو الإنجيل الرابع أصل التقاليد الخاصّة التي يتضمّن والأهمّيّة التي يعلّقون عليها.

رابعًا: هل لإنجيل يوحنّا هدف هجوميّ؟
شدّد بعض الشرّاح على حرب الإنجيل الرابع على جماعة المعمدان، أي تلاميذ يوحنّا المعمدان الذين يشير سفر الأعمال (18: 25 ؛ 19: 2- 4) إلى حضورهم في أفسس حيث ألِّف الإنجيل، كما تقول التقاليد. إنّ المقطعَين المتعلّقَين بيوحنّا في مطلع الإنجيل (1: 6- 8، 15) يدخلان في التوسعّ ويحاربان فكرة خاطئة عن شخص السابق ورسالته. ولكن يجب أن لا نشدّد على العنصر الهجوميّ هذا. فإن شدّد الإنجيليّ على المسافة بين المعمدان ويسوع (1: 6- 8، 15، 20؛ 10: 41) وأشار إلى المزاحمة بين تلاميذ يسوع والمعمدان (3: 25، 4: 2)، فهو لا يجعل يوحنّا مسؤولاً عن هذا الواقع، بل يُبرز تجرّده البطوليّ: "له هو أن ينموَ ولي أنا أن أنقصَ" (3: 30). إنّ المعمدان هو في الإنجيل الرابع مثال المرسل المسيحيّ. وهكذا يوجّه الإنجيليّ نداءً إلى أتباع المعمدان ليكونوا أمناء لشهادة معلّمهم.
هل هناك حرب ضدّ المسيحيّين الذين من أصل يهوديّ؛ هناك ولا شكّ مقاطع في الإنجيل الرابع تصيب هؤلاء المسيحيّين المتهوّدين الذين لم يتوصّلوا إلى التعلّق الكامل بالمسيح لئلاّ يطردوا من المجمع. هل يكون "إخوة يسوع" المذكورون في 7: 3- 5 الممثّلين لهذه المجموعة؛ حين دعا يسوع الناس ليثبتوا في كلمته ويصلوا إلى الحرّيّة (8: 31 ي)، فهو يعني هؤلاء اليهود الذين بدأوا يؤمنون ولكنّهم لم يذهبوا إلى النهاية في إيمانهم. فيؤكّد لهم يوحنّا في إنجيله أنّ عليهم أن يؤمنوا أنّ يسوع هو حقًّا ابن الله لكي يخلصوا.
يعتبر إيريناوس أنّ يوحنّا أراد أن يقتلع ضلال قرنتيس والنقولاويّين. وزاد إيرونيموس أنّه حارب الأبيونيّين. كان قرنتيس يمزج نظريّاتٍ غنوصيّةً بتعلّقٍ بالشريعة اليهوديّة. وارتبط الأبيونيّون بالمتهوّدين فمارسوا شريعة موسى (ما عدا تقدمة الذبائح الدمويّة)، ورأوا في يسوع النبيّ المعلن عنه في تث 18: 15، ورفضوا أن يعترفوا ببنوّته الإلهيّة.
وحارب الإنجيل الرابع الظاهريّين (لم يتّخذ المسيح إلاَّ ظاهرَ الجسد لا حقيقة الجسد). شجب أغناطيوسُ الأنطاكيُّ في بداية القرن الثاني الهراطقة الذين يرتابون بحقيقة التجسّد. لقد قصدت رسائل يوحنّا الظاهريّة بطريقة واضحة. ونستطيع أن نجد بعض الحرب على الظاهريّين في مقاطع من إنجيل يوحنّا: الإعلان أنّ الكلمة صار بشرًا (1: 14)، العظة على ضرورة أكل الجسد وشرب دم ابن الإنسان (6: 51- 58)، الشهادة الاحتفاليّة عن الدم والماء اللذين سالا من جنب الخلّص (19: 34 ي)، الظهور لتوما مع التشديد على جراحات القائم من الموت (20: 24- 29).

خامسًا: البعد الإرساليّ للإنجيل الرابع
نودّ أن نبيّن الديناميّة الإرساليّة التي نكتشفها لدى قراءة الإنجيل الرابع. إذا توقّفنا عند ظاهر الأمور نشعر أنّ كلّ شيء قد انتهى: من الناس مَنْ ينتمون إلى العالم السفليّ (8: 23)، مَن يُدخ لأنْ يحكم بحسب الجسد (8: 15)، مَن يعجز أن يسمع صوت حامل الوحي لأنّ إبليس هو أبوه (8: 44). إنّهم يميلون عن النور لأنّ أعمالَهم شرّيرة (3: 19 ي)، فهم ينتمون إلى هذا "العالم" الذي لا يصلّي المسيحُ من أجله (17: 9). 
لا نُصَلِّبْ هذهِ العباراتِ التي ترتبط بالحرب الكلاميّة. فمن بداية الإنجيل إلى نهايته يدوّي نداء المسيح مقدّمًا الحياة بوفرة: "أنا هو خبز الحياة. من يأتِ إليّ لا يَجُعْ، ومن يؤمنْ بي لا يعطشْ أبدًا" (6: 35، رج 4: 10؛ 7: 37، 2: 44- 47). لا معنى لمثل هذا الكلام إن لم يكن للسامعين إمكانيّة العبور من الظلمة إلى النور بفضل الإيمان. 
إذا وضعنا جانبًا المطلع الذي يشدّد على عمل اللوغوس (أو الكلمة) الشامل، فهناك أحداث تدلّ على اهتمام يوحنّا بالرسالة. تفرّد مع لوقا بالحديث عن السامرة: ففي القسم الأوّل المركّز على إعلان الحياة، لا تمثّل امرأة سوخار أبناء قريتها فقط بل كلّ الذين يطلبهم الآب (4: 23) ليجعلهم عبّادًا بالروح والحق. والحديث مع التلاميذ (4: 34- 38) يشكل موازاة لخطبة الإرسال التي نقرأها عند الإزائيّين (مت 10: 5 ي، مر 6: 7 ي، لو 9: 2 ي، 10: 3 ي). وتنتهي هذه الحادثة بإعلان أهل السامرة بصوت واحد: "نحن نعرف أنّه حقًّا مخلّص العالم" (4: 42). ويضع المشهد التالي أمامنا ضابطاً ملكيًّا (4: 46- 54) سينتقل إيمانه كالعدوى إلى كلّ أهل بيته (4: 53، رج أع 10: 44- 48، 16: 15، 31 ي). غاب يسوع عن عيد المظالّ فظنّ الناس أنّه ذهب يعلّم اليونانيّين (7: 35). وسيظهر هؤلاء اليونانيّون من جديد عند اقتراب عيد الفصح فيدلّ مسعاهم على مجيء الساعة (12: 20، 23).
إهتمّ يوحنّا بالمعطيات التي تلقي ضوءًا على معنى الآلام فأشار إلى أنّ الكتابة سطّرت في ثلاث لغات: العبرانيّة واللاتينيّة واليونانيّة. قرأها اليهود فاشمأزّوا. أمّا يوحنّا فرأى في هذه الكتابة علامة شمول الفداء.
إنّ يوحنّا يؤسسّ في سيرة يسوع دعوة الكنيسة إلى عمل الرسالة. فيسوع نفسه صلّى من أجل الذين يؤمنون بواسطة تلاميذه (17: 20) لتكون وحدتهم علامة الإرادة الخلاصيّة التي أُوحي بها على الصليب (3: 16). وحين ظهر المسيح على التلاميذ في العلّيّة بعثهم إلى الرسالة وأعطاهم الروح القدس ليغفروا للمؤمنين خطاياهم (20: 21- 23). وهكذا تتمّ رسالة الحمل الإلهيّ الذي جاء ليرفع خطيئة العالم (1: 29).

2- ينابيع الإنجيل الرابع
منذ القرن التاسع عشر بدأ الشرّاح يبحثون عن الينابيع التي استقى منها الإنجيليّون. أعلن لوقا نفسُه (لو 1: 1- 4) أنّه أخذ من سابقيه ولاسيّما من مرقس. ثمّ إنّنا نجد قسمًا من وثائق لوقا في إنجيل متّى وهذا ما دفع البحّاثة إلى الكلام عن "معين" أقوال يسوع. ولكنّ الأمرَ يختلف في ما يخصّ إنجيل يوحنّا الذي لا يوافق الإزائيّين إلاَّ في بعض مقاطع. يسير يوحنّا وحده، فلا يشبه كتابُه كتابًا آخر. فإذا أردنا أن نتعرّف إلى ينابيعه، ننطلق من إنجيله نفسه.
نبدأ فنتعرّف إلى المعايير التي تساعدنا على اكتشاف الينابيع، ونقابل بين يوحنّا والإزائيّين قبل أن نقدّم بعض الافتراضات الحديثة.

أوّلاً: معايير التمييز
عرض الأب بوامار المبادئ التي تتيح لنا أن نتعرّف إلى الينابيع التي استقى منها يوحنّا.
هناك الزيادات: نجد مقاطعَ متعدّدةً تشبه حواشيَ زيدت فيما بعد لكي توضح النصّ أو لتزيل منه بعض التنافر. مثلاً: تُشرح كلمة "ماشيح" (1: 41)، ولقب "كيفا" المعطى لسمعان (1: 42)0 الإشارة في 4: 2 توضح ما قيل في 3: 22، 26 و 4: 1 من أنّ يسوع كان يعمّد. ويشرح لنا النصّ دهشة السامريّة: "لأنّ اليهود لا يخالطون السامريّين" (4: 9).
هناك استعادة نصّ قطع الكاتب سياقه. إذًا، مع الحواشي التفسيريّة هناك زيادات خطيرة تبلبل نظام الأفكار أو تبدّل الفكرة. في 14: 1- 3 نقرأ وعد يسوع عن رجوعه (ومجيئه)، ولكن بعد آ 4 نقرأ شرحًا يعني الزمن الحاضر. قابل بوامار 18: 33- 37 مع ما يقابله في الإزائيّين فرأى في تكرار سؤال بيلاطس (أأنت ملك اليهود: آ 33، 37) برهانًا عن استعادة اليَنبوع الذي تركه الكاتب حين زاد آ 34 و 36.
هناك الفكرة التي تعود مرّتين أو ثلاثة. مثلاً: نجد خاتمتين لكتاب الآيات (12: 37- 40 و 12: 44- 50)، وتفسيرين لغسل الأرجل (13: 6- 11 و 13: 12- 17)، وخطبتي وداع (13: 31- 14 و 15: 1- 16: 33)، هذا إذا م نحسب الصلاةَ الكهنوتيّة (ف 17). زيدت الثانية إلى الأولى لأنّ الدعوة إلى الذهاب (14: 31) تجد كمالها في الانطلاق إلى جتسيماني (18: 1).
وهناك تعابير إنشائيّة ومعايير لاهوتيّة. ولكن نحتاج إلى إشارات عديدة لنتعرّف إلى ينابيع متواصلة في داخل الإنجيل الرابع.

تانيًا: يوحنّا والإزائيّون
إليك مقاطع يوحنّا المتوازية مع التقليد المشترك: عماد يسوع على يد يوحنّا المعمدان ونداء التلاميذ الأوّلين. طرد الباعة من الهيكل. تكثير الخبز والسير على المياه. اعتراف بطرس بالمسيح. المسح بالطيب في بيت عنيا. دخول يسوع إلى أورشليم دخولاً احتفاليًّا. التشهير بالخائن. خبر الالام بعد توقيف يسوع في جتسيماني. مجيء النسوة إلى القبر. 
إذا وضعنا جانبًا متتالية الآلام، نلاحظ بصورة خاصة رسالة يسوع في الجليل حسب ف 6: تكثير الخبز، السير على المياه، الخطبة على خبز الحياة والقريبة من "مجموعة الخبز" عند الإزائيّين، اعتراف بطرس بالمسيح (ق مع مر 6: 34- 8: 30).
ولكن يجب على المشابهات ألاّ تنسيَنا الاختلافاتِ. لنأخذ مثلاً عماد يسوع الذي يرد عند الإزائيّين في إطار خبر. أمّا يوحنّا فلا يلمّح إلى المعموديّة إلاّ في إطار شهادة يوحنّا (1: 32- 34). إذًا، نحن أمام تحوّل عميق لا يفسّره فقط إرتباط أدبيّ. ولنأخذ مشهد الباعة المطرودينَ من الهيكل: نلاحظ أنّ مرقس يعطيه معنى شموليًّا: "سيدعى بيتي بيت صلاة من أجل كلّ الشعوب" (مر 11: 17). كيف نفسّر أن يهمل متّى العبارة الأخيرة (من أجل كلّ الشعوب) لو كان نصّ مرقس أمامه. أمّا يوحنّا فأعطى الحدث معنى كرستولوجيًّا. إنّ طرد حيوانات الذبائح (2: 15) تدلّ على نهاية الهيكل الأوّل وتهيّئ لبناء هيكل جديد هو المسيح القائم من بين الأموات (2: 19- 22).

ثالثًا: ينابيع الإنجيل الرابع حسب بولتمان
يبدأ بوقان فيبعد تصليحات منسوبة إلى الكاتب الكنسيّ (ذكر الماء في 3: 5، النصوص عن الإسكاتولوجيا التقليديّة في 5: 28 ي أو عن الأسرار في 6: 52- 58 ؛ 19: 34 ب- 35). ثمّ يميّز في الإنجيل الرابع ثلاثة ينابيع. الينبوع الأوّل: خطب وحي من أصل غنوصيّ نسبت إلى يسوع. أوّلها هو المطلع. ثمّ توزّعت سائر الإعلانات في الإنجيل ولا سيّما تلك التي تبدأ: أنا هو الخبز الحق والحياة والراعي والحقيقة. إنّ هذا اليَنبوع يقدّم النصّ الذي انطلق منه الإنجيليّ فتوسعّ في كرازته الخاصّة. ولكن بفعل خدعة أدبيّة وُضع النصّ والكرازة في فم يسوع نفسه. الينبوع الثاني: إنّ الأقسام الإخباريّة في ف 1- 12 ولا سيّما أخبار العجائب أخذت من "مجموعة الآيات" التي تنتهي مع الخاتمة في 20: 30- 31. لم يأخذ يوحنّا معطياته الإخباريّة من الإزائيّين بل من مجموعة الآيات. ويتألّف اليَنبوع الثالث من خبر الآلام وظهورات المسيح القائم من الموت. لن نتوقّف عند هذه النظريّة وما فيها من أخطاء.

3- مراحل التأليف
سنقدّم هنا ثلاثَ نظريّات.

أوّلاً: نظريّة شناكنبورغ الألمانيّ
حاول أن يحدّد الخلفيّة الدينيّة والمضمون اللاهوتيّ للإنجيل الرابع. المرحلةُ التأليفيّة الأولى تقابل مرحلة التقاليد السابقة ليوحنّا: أخبار على مثال ما نرى عند الإزائيّين، مجموعة الآيات، أقوال يسوع التي نُقلت بطريقة شفهيّة أو دُمجت في قطعة ليتورجيّة. قال شناكنبورغ أوّلاً إنّ الرسولَ يوحنّا كان كفيلَ هذه المعطياتِ التقليديّةِ، ثمّ تحدث عن التلميذ الحبيب الذي كان من أهل أورشليم ومن أخصّاء يسوع دون أن ينتميَ إلى حلقة الرسل الاثني عشر. وتتمثّل مرحلة التأليف الجوهريّة بعمل الإنجيليّ الذي هو تلميذ الرسول والذي طبع بطابعه الخاصّ كلّ الموادّ التي استعمل. لهذا نجد وحدة أدبيّة ولاهوتيّة في الإنجيل الرابع. ولكنّ الكاتب لم يُنهِ كتابه، فجاء الناشر فاستعمل معطيات متبقّية (مثلاً 13:3- 21، 31- 36، 44:12- 50، 15: 1-17: 26) ولاسيّما ف 21 وقلب النظام الأوّل ولاسيّما ف 5 وف 6.

ثانيًا: نظرّية براون الأميركانيّ
وزّع على خمس مراحل تاريخ تدوين الإنجيل الرابع.- المرحلة الأولى: نقطة الانطلاق: كرازة شفهيّة قام بها يوحنّا بن زبدى.- المرحلة الثانية: جمع تلاميذُ يسوعَ ذكرياتِ معلّمهم. نجد في هذه المرحلة من التكوين تأليف الأخبار والخطب الكبرى. دَوَّنَتْ هذه العناصرَ المتنوّعةَ أيدٍ عديدةٌ . لهذا نجد اختلافات في الإنشاء ولا سيّما في ف 21.- المرحلة الثالثة: وبعد الوعّاظ اللاهوتيّين جاء الإنجيليّ وهو التلميذ البارز في الحلقة اليوحنّاويّة. كتب في اليونانيّة فألّف مجموعة تضمّ الرسالة في الجليل والرسالة في اليهوديّة. ولكنّه أغفل بعض العناصر التي تنتمي إلى التقليد اليوحنّاويّ.- المرحلة الرابعة: ظهرت بعض هذه العناصر في "طبعة" ثانية نجد فيها حربًا على تلاميذ المعمدان أو على اليهود الذينَ يطردون من المجمع أبناءَ دينهم المتعلّقين بالإيمان المسيحيّ (9: 22 ي ؛ 16: 2).- المرحلة الخامسة: استعاد المؤلّف الأخير عناصر المرحلة الثانية التي تركها الإنجيليّ جانبًا حين قدّم "طبعتي" مؤلَّفه.

ثالثًا: نظريّة بوامار الفرنسيّ
وزّع تكوين الإنجيل الرابع على أربعِ مراحل.
التدوين الأوّل ويسمّيه بوامار الوثيقة (ج) ليحدّد موقعه بالنسبة إلى التقليد الإزائيّ. شكّل هذا التدوين إنجيلاً كاملاً يبدأ بشهادة يوحنّا وينتهي بظهورات القائم من الموت، ولكنّه لم يضمّ واحدة من الخطب الكبرى. أورد خمس معجزات وتحدّث عن فصح واحد. احتلّت السامرة في هذا التدوين مكانة هامّة. سُطّر حوالي السنة 50 في فلسطين فمثّل تقليدًا مستقلاً عن تقليد الإزائيّين. كاتبه هو يوحنّا الرسول أو لعازر من بيت عنيا. 
التدوين الثاني: حوالي السنوات 60- 65 استعاد كاتب آخر (يوحنّا 2 أ) نصّ الوثيقة (ج) وزاد عليها أخبارًا تخصّ التقليد الإزائيّ كما زاد بعض خطب يسوع. ظلّ التصميم هو هو تقريبًا. يحتوي هذا التدوين سبع معجزات ويتوسّع في الجدال مع اليهود في إطار عيد المظالّ.
التدوين الثالث: حوالي نهاية القرن الأوّل استعاد الكاتب نفسه في آسية الصغرى عمله السابق ليجعله يلائم المشاكل الجديدة (يوحنا 2 ب): خلافات داخليّة مع خطر انشقاق (1 يو 2: 18 ي؛ 2 يو 9- 11)، صعوبة الإيمان لدى مسيحيّي الجيل الثاني، هجومات المحيط اليهوديّ على المسيحيّين. وزّع الكاتب حياة يسوع على ثمانية أسابيع وشدّد على ثلاثة أعياد الفصح. فمن الوجهة التعليميّة، تميّزت هذه المرحلة بالتوسيع في التعليم عن يسوع المسيح والروح المعزّي في خطبة الوداع. وصارت الحرب أعنف على اليهود بسبب الحرم الذي أعلنته يمنية على المسيحيّين.
التدوين الرابع: في بداية القرن الثاني دمج مسيحيّ من آسية الصغرى التدوين الثاني (يوحنّا 2 أ) والتدوين الثالث (يوحنّا 2 ب) بطريقة تخلو من الفهم. لهذا وجب على الشارح الحديث أن يكتشف الترتيب الأوّل. ويبدو أنّ التدوين الثالث (يوحنا 2 ب) هو الأهمّ وإلى كاتبه ننسب الشميلة اللاهوتيّة التي تميّز الإنجيل الرابع.
جعل بوامار التدوين الثاني في فلسطين والتدوين الثالث في أفسس (وهما المرحلتان الجوهريّتان) ليبين التجذّر اليهوديّ والتجذّر الهلّينيّ في إنجيل يوحنّا.
نقول في الختام إنّ لا اتّفاقَ في ما يخصّ ينابيعَ الإنجيل الرابع ولا مراحلَ تكوينه. ولكنّ هذا يعني أنّنا أمام تعميق متواصل لكلمة الله. فالقراءة اللغويّة تساعدنا على استشفاف مراحلها. وأهمّ معيار يبقى التكرار. فالخطبة الإفخارستيّة في 6: 51 ب- 58 تكمّل التوسيع الأول وتقابل مرحلة ثانية تشدّد على واقعيّة التجسّد. وخطب الوداع تتوزّع على ثلاث أو أربع مراحل: دوّنت الخطبة الأولى (13: 31- 14: 31) قبل أن يُطرد المسيحيّون اليوحنّاويون من المجمع. وتجيب الخطبة الثانية (15: 1- 16: 14 أ) على عثار الحرم الذي أعلنه اليهود، وتكشف أنّ يسوع هو الكرمة الحقيقيّة التي نتحدّ بها لنكون شعب الله. وتعالج الخطبة الثالثة (16: 4 ب- 33) التي تقابل خطبة الإزائيّين الإسكاتولوجيّة (مر 13: 3 ي، مت 24: 3 ي؛ لو 21: 7 ي)، عداوة العالم ضدّ التلاميذ وتتوسعّ في دور الروح المؤّيد في هذه الظروف. ويمكن أن نرى في ف 17 الخطبة الرابعة التي هي جواب على التوتّر الموجود داخل الجماعة بسبب المتطرّفين (2 يو 9) الذين يستعدّون "ليخرجوا من بيننا" (1 يو 2: 19).
ويجب أن نهتمّ بالفصل 21 وبالمكانة التي يعطيها للتلميذ الحبيب. إنّه يفتح أمامنا منظوراتٍ هامّةً عن حياة الجماعة اليوحنّاويّة، ويساعدنا على تحديد موقعها بالنسبة إلى الكنائس التي ترتبط ببطرس.

4- تاريخ الجماعة اليوحنّاويّة
كان الشرّاح يهتمّون قبل كلّ شيء بإنجيل يوحنّا على أنّه عمل لاهوتيّ كبير. ولكن منذ بعض الوقت انصبّ الاهتمام على العلاقة بين هذا الإنجيل والجماعة التي فيها تكوّن. يرتبط هذا البحث، ولا شكّ، بتحليل الينابيع، ولكنّه يتميّز أيضاً لأنّه يُدخِلُ عواملَ جديدة مثل موقع هذه الجماعة بالنسبة إلى سائر المجموعات المسيحيّة، ويستعمل معطياتِ رسائلِ يوحنّا وسفر الرؤيا التي ترتبط بقرابة بالإنجيل الرابع.
ويجدر بنا أن نميّز هنا بين الجماعة اليوحنّاويّة والمدرسة اليوحنّاويّة. فالجماعة هي مجموعة المؤمنين الذين يتأثّرون بيوحنّا. أمّا المدرسة فتدلّ على مجموعة محصورة من التلاميذ تربَّوا على يد يوحنّا واهتمّوا بأن ينشروا تعليمه.
نتوقّف هنا على محاولتين حول تاريخ الجماعة اليوحناويّة. الأولى تشدّد على علاقة التاريخ باللاهوت، والثانية تقدّم لنا صورة عن جماعة التلميذ الحبيب.

أوّلا: التاريخ واللاهوت في الإنجيل الرابع
قال مارتين: يجب أن نقرأ أخبار الإنجيل الرابع على مستويَين: مستوى تاريخ يسوع، ومستوى الجماعة التي دوّن فيها هذا الإنجيل.
في البداية تكوّنت الجماعة من يهود يتردّدون على المجمع. ولكنّهم عرفوا أنّ يسوع هو المسيح. فأُجبروا على أن يختاروا بين انتمائهم إلى العالم اليهوديّ وبين إيمانهم المسيحيّ. استند مارتين إلى ذكر الحرم ثلاث مرّات في يوحنّا: مرّة أولى خلال الحديث عن المولود أعمى (9: 22: "اتّفق اليهود أن يطردوا من المجمع كلّ من يعترف بأنّ يسوع هو المسيح")، ومرّة ثانية حين قال إنّ الزعماء لم يتجرّأوا على الاعتراف بيسوع لئلاّ يُطردوا من المجمع (12: 42: "آمن رؤساء اليهود، ولكنّهم ما أعلنوا إيمانهم مسايرة لليهود، لئلاّ يُطرَدوا من المجمع")، ومرّة ثالثة في خطبة الوداع (16: 2: "سيطردونكم من المجامع"). وقوّة البرهان هي أنّ الكلمة اليونانيّة (طرد من المجمع) لا ترد إلاّ في هذه المقاطع الثلاثة من العهد الجديد.
نفسّر هذا الطرد بتصرّف جماعة يمنية (حوالي السنة 90 ب م) الذين أدخلوا في صلاتهم الرسميّة لعنة "المينيم" (أو الهراطقة) على المباركات (مبارك أنت يا ربّ) الثماني عشرة وأجبروا الجماعة على التلفّظ بها بصوت عال. فأجبر هذا الإجراءُ المسيحيّين الذين من أصل يهوديّ على طرد نفوسهم من المجمع لئلا يُنكروا إيمانهم. ولكن رفَضَ بعض المؤمنين أن يتخلَّوا عن المجمع. فكانوا مسيحيّين في الخفاء وإليهم توجّهت بعضُ المقاطع في الإنجيل الرابع (8: 31- 32: "قال يسوع لليهود الذين آمنوا به: إذا ثبتمّ في كلامي، صرتم في الحقيقة تلاميذي: تعرفون الحقَّ، والحقُّ يحرّركم"، رج 12: 42). وأصابت الجماعةَ اليوحنّاويّة صدمةٌ ثانية: التهديد بالموت والاضطهاد المفتوح (10: 28- 29؛ 15: 18: "إن أبغضكم العالم، فتذكّروا أنّه أبغضني قبل أن يبغضكم"). اكتشفت الجماعة أنها ليست من هذا العالم فتوسّعت في كرستولوجيا تمثّل يسوع كالغريب الآتي من عالم آخر.
وفي مرحلة أخيرة استعادت الجماعة أنفاسها ووثقت بنفسها. فتوجّهت إلى مسيحيّي الخفاء الذين لبثوا في المجمع وطلبت منهم أن ينضمّوا إلى صفوفها وأن يقيموا علاقاتٍ مع سائر الجماعات المشتّتة (10: 16) لتؤلّف معها الرعيّة الواحدة للراعي الواحد.

ثانيًا: جماعة التلميذ الحبيب
رسم الأب براون تاريخ الجماعة اليوحنّاويّة منذ بدايتها إلى زوالها خلال القرن الثاني المسيحيّ. انطلق براون ممّا لاحظه مارتين ووصفه بالمسيحيّة الوضيعة الإيمان في مسيحانيّة يسوع فقط. واختلف عن مارتين فاعترف بتأثير التلميذ الحبيب الذي لم يكن من مصافّ الاثني عشر بل من جمهور التلاميذ. هذا التلميذ هو الذي أمَّن علاقة الجماعة بأصولها. واهتمّ براون بارتداد السامريّين (يو 4) الذين لم يستطعوا أن يفهموا الكرستولوجيا التقليديّة التي تتحدّث عن يسوع ابن داود. فحملوا نِظرتهم الخاصّة إلى المسيح على أنّه موسى الجديد وتعمّقوا في كرستولوجيا ستقودهم إلى الانفصال عن العالم اليهوديّ. وإنّ قساوة المجادلات في ف 7- 8 تعكس التوتّر القائم بين اليهود والمسيحيّين. ونلاحظ الاهتمام بمسألة الجذور (8: 14). يعلن يسوع أنّه أعظم من إبراهيم (8: 58). 
طُردت الجماعة اليوحنّاويّة من المجمع، فتوجّهت إلى العالم الهلّينيّ كما تَشهد بذلك الأحداث التي تتكلّم عن اليونانيّين (7: 35؛ 12: 20). وحمل التشديد المتزايد على ألوهيّة المسيح خطر التقليل من ناسوته. من هنا التوترات الحادّة التي تتكلّم عنها 1 يو 2: 19؛ 4: 1- 6.
بدت شميلة براون أقوى من شميلة مارتين لأنّها تسيطر على مجمل المسائل التاريخيّة والأدبيّة واللاهوتيّة. ولكن هل هذا يعني أنّنا في اليقين التامّ؛ كلاَّ. فالأب براون يعتبر نفسه سعيدًا إن استطاع أن يقنع ستّين في المائة من القرّاء. كان يتساءل عن تاريخ الجماعة اليوحنّاويّة فتوصّل إلى طرح أسئلة تخرج من منظور كاتب الإنجيل الرابع. ما يهتمّ به يوحنّا ليس المؤسّسة (أكانت جماعة أو شيئًا آخر) بل التعلّق الشخصيّ بيسوع المسيح والحياة الصوفيّة. فإذا أردنا أن ندخل في حياة الجماعة يجب أن نقرأ بين السطور مع كلّ ما تتضمّن هذه القراءة من مخاطر.

ثالثًا: المدرسة اليوحنّاويّة في أفسس
ماذا نستطيع أن نستنتج؛ أوّلاً: إنّ جذور الجماعة اليوحنّاويّة هي في فلسطين. لقد تبع التلميذ الحبيب (الذي نعتبره مؤسّس الجماعة اليوحنّاويّة) يوحنّا المعمدانَ وظلّ على اتّصال بالحلقات المعمدانيّة وسعى إلى ردّ رفاقه القدامى إلى الإيمان المسيحيّ. لا يجب أن نشدّد على تأثير العالم اليهوديّ "المهرطق". فجمل المجادلات مع اليهود التي نقرأها في الإنجيل الرابع قد جرت في هيكل أورشليم نفسه وبمناسبة الأعياد. ثمّ إنّ معنى السبت ويوم ظهور عمل الله (ف 5) يذكّرنا بالمجادلات التي نجدها عند الإزائيّين (مر 2: 22- 28؛ لو 13: 10- 17). ولكنّ ما يميّز هذه المجادلات هو وحي يسوع عن نفسه. إنّ اهتمامات يوحنّا في هذا المجال هي اهتمامات تعليميّة. فجيء السامريّين إلى الإيمان يشكّل قِمَّةَ القسم المركّز على الحياة التي يعطيها يسوع. فلا حاجة إلى تقديم النظريّة عمّا حمله السامريّون الذين دخلوا في الجماعة اليوحنّاويّة لأنّنا نجهل لاهوتَهم في القرن الأوّل.
ونودّ أن نعرف متى ترك التلميذ الحبيب فلسطين وذهب إلى أرض الشتات، إلى سورية أو بالحريّ إلى أفسس. يتحدّث أوسابيوس عن هرب المسيحيّين من أورشليم إلى بلاَّ في السنوات 66- 70 وقبل ثورة اليهود على الرومان. ثمّ إنّه من الثابت أنّ مسيحيّين متهوّدين قد أقاموا في ذلك الوقت في أفسس أو في جوارها. حينئذ يمكننا أن نتكلّم عن مدرسة يوحنّاويّة بالمعنى الحصريّ، يوم كانت جماعة تدلّ على تيّار ووجهة تفكيريّة أكثر منها على مجموعة محدّدة. وكان اليهود عديدين في أفسس (كما في المدن المجاورة) وكانوا فاعلين. فما طُرد المسيحيّون المتهوّدون من المجمع جُرحوا في الصميم ولهذا سيتكلّم سفر الرؤيا (2: 9) عن "مجمع الشيطان". ومقابل هذا انفتح التلميذ الحبيب (مؤسسّ المدرسة اليوحنّاويّة) على الأسئلة الدينيّة التي طرحتها النخبة الهلّينيّة، وحاول أن يبيّن كيف أنّ الإيمان المسيحيّ يتجاوب مع الرغبة بالحقيقة الكامنة في كلّ إنسان مستقيم؛ كلّنا يعي أهمّيّة موضوع الحقيقة وموضوع الكلمة (لوغوس) عند السامعين اليونانيّين. وما يلفت النظر هو أنّ يسوع، حين توجّه إلى بيلاطس، كلّمه بكلام يدركه الجميع: "وُلدت وجئت إلى العالم لأشهد للحقّ" (18: 37). أمّا جواب بيلاطس ("وما هو الحقّ؟") فلا يعكس الحالة الفكريّة لدى كلّ الوثنيّين.

ج- الخلفيّة الدينيّة في الإنجيل الرابع
تميَّز الإنجيل الرابع عن سائر أسفار العهد الجديد، واستقلّ بالنسبة إلى التقليد الإزائيّ. وهذا ما يجعلنا نتساءل عن أصل النظريّات الخاصّة به. هذا ما يفرض علينا أن نتعرّف إلى التيّارات الدينيّة التي التقت في العالم الذي دوّن فيه هذا الإنجيل. نشير هنا إلى أنّ الجماعة اليوحنّاويّة تجذّرت أوّلاً في العالم اليهوديّ قبل أن تجتذب العديدين من العالم الهلّينيّ.
طُرحت مسألة الخلفيّة الدينيّة منذ القرن التاسع عشر بتأثير من مدرسة تاريخ الديانات. وما عادت القضيّة فقط تساؤلات عن تجذّر يهوديّ أو هلّينيّ. فالمسألة أكثر تعقيدًا. فهناك الغنوصيّة المرتبطة بتيّارات فارسيّة. واليهوديّة المنقسمة إلى يهوديّة فلسطينيّة ويهوديّة هلّينيّة تنوّعت جدًّا بعد دمار الهيكل سنة 70 ب م. ثمّ إنّ دخول العالم الهلّينيّ إلى أرض فلسطين كان أعمقَ ممّا تصوّره كثير من العلماء. واليهوديّة الإسكندرانيّة (فيلون هو أعظم ممثّليها) ظلّت على اتّصال باليهوديّة التقليديّة. وأخيرًا سنجد قرب الفرّيسيّين والصادوقيّين فئة الإسيانيّين الذين عرّفتنا بهم نصوص قمران.
لن نستطيع أن نستنفد هذا الموضوع الواسع. ولكنّنا نقدّم النماذج الرئيسيّة التي تساعدنا على اكتشاف الخلفيّة الدينيّة لإنجيل يوحنّا.

1- الغنوصيّة
اختلفت الغنوصيّة عن الرواقيّة. علّمت الرواقيّة تماسك الكون الذي يلجه اللوغوس الإلهيّ، ودعت الإنسان ليتصرّف كمواطن العالم (لا مواطن مدينة خاصّة وحسب). أمّا الغنوصيّة فولدت من نِظرة تشاؤميّة إلى الكون: يحسّ الإنسان أنّه غريب في الكون، ويشعر بهذا الانقسام المؤلم بين المادّة والروح. أمّا السؤال الأوّل الذي يطرحه فهو مسألة وجوده الشخصيّ. يئس من اكتشاف معنى لوجوده فحاول الإفلات من عالم تسيطر عليه قوى شرّيرة وعمياء.
وإليك مقطعًا لتيودوتيس احتفظ به إكلمنضوس الإسكندرانيّ وهو يدلّ على الأسئلة التي تعذّب الغنوصيّين: ماذا كنّا؟ ماذا صرنا؟ أين كنّا؟ أين رُمينا؟ إلى أيّ هدف نسرع؟ من أين نجونا؟ ماهي الولادة؟ ما هي الولادة الجديدة؟
تذكّرنا كلمة الولادة الجديدة بحوار يسوع مع نيقوديمس (3: 3، 5). أمّا السؤال: من أين؟ فنقرأه في خطب يسوع أو في الأقوال التي تتكلّم عنه (7: 11، 27- 28 ؛ 8: 14 ؛ 9: 29- 30؛ 13: 36؛ 14: 5؛ 16: 5).
قال بعض العلماء إنه وجد في أساس الغنوصيّة الإيرانيّة فكرة المخلّص الذي يحصل على الخلاص. تمزّق الإنسان الأوّل ليولد الكون. ثمّ جاء ليجمع نتف النور الخفيّة في عالم المادّة. والإنسان سيحصل على الخلاص بالمعرفة (غنوسيس أو العرفان). فعليه أن يكتشف ما هو في الحقيقة أو يستيقظ من رقاد الجهل الطويل.
ولكنّ هذا الخلاص لا يدركه الجميع، لأنّه حسب المفردات الغنوصيّة في القرن الثاني، هناك ثلاث فئات: الروحيّون، (يرتبطون بالروح)، النفسانيّون (يرتبطون بالنفس)، الهيوليّون (يرتبطون بالمادّة): فالروحانيّ ينجو بطبيعته، والنفسانيّ الذي يتمتعّ بالحرّيّة، يقدر أن يذهب إلى الإيمان والخلود، كما يقدر أن يذهب إلى اللا إيمان والفساد، حسب اختياره. أمّا الهيوليّ فهالك بطبيعته. حين نقرأ هذه النصوص نفكّر بأقوال يسوع التي يمكنها أن تعنيَ أنّ البعض لا يقدرون أن يسمعوا صوته (23:8- 24 ؛ 10: 26).
كان بولتمان أكثر الشرّاح الذين استندوا إلى الغنوصيّة (ولا سيّما المندعيّة. مندع = معرفة. رج السريانيّة يدع) ليتحدثّوا عن إنجيل يوحنّا. قال: "تميّز دور يسوع الفدائيّ في إنجيل يوحنّا بمعونة المفاهيم الغنوصيّة: يسوع هو ابن الله الموجود قبلاً، إنّه الكلمة الموجودة قبل الزمن. حمل مع الوحي الحياة والحقيقة، ودعا إليه أخصّاءه الذين هم كذلك بالحقّ. وبعد أن يتمّ العمل الذي حدّده له الآب، سيرتفع من جديد عن الأرض ويفتح لأخصّائه الطريق الذي يقود إلى المنازل السماويّة (14: 6). إذًا، هي الغنوصيّة التي أتاحت ليوحنّا أن يدرك الطبيعة الحقيقيّة للفداء إلى أن يرى حضور الخلاص المعطى لنا في شخص يسوع وعمله. وبالتالي أن يفهم أنّ التاريخ الإسكاتولوجيّ يبدأ في الزمن الحاضر". ويزيد بولتمان أنّ الإنجيليّ قد أنقذ فكرة المخلّص ممّا فيها من أسطورة، واحتفظ بضرورة الإيمان في النداء الذي يوجّهه إلينا صليب المسيح.
ماذا نقول في هذه النظريّة؟ أوّلاً: إنّ الغنوصيّين قد قرأوا بشغف إنجيل يوحنّا ولا سيّما مطلعه وخطبه. ولكن هل سبقت الغنوصيّة (كنظام ثنائيّ ظهر في القرن الثاني فنسب العهد القديم إلى إله أدنى من إله العهد الجديد) ظهور إنجيل يوحنّا أم جاءت بعده؟ قال الغنوصيّون: إنّ الشرّ الذي نتخلّص منه هو الضلال والنسيان واللاوعي تجاه الأنا الحقيقيّ. أمّا في نظر يوحنّا وسائر كتّاب العهد الجديد، فالشرّ يأتي من الخطيئة وهو موقف ترفض فيه إرادتُنا إرادة الله. والخطيئة الكبرى في نظر يوحنّا هي اللا إيمان ورفض المجيء إلى النور (3: 20) لا الجهل فقط. وهكذا نقول إنّ فكر يوحنّا يقف على مستوى غير مستوى الغنوصيّة.

2- الهرمسيّة
الهرمسيّة تيّار باطنيّ بمثّل ديانة النخبة المتعلّمة في الحضارة الهلّينيّة. جُمعت كتاباتُ هرمس بعد زمن تدوين إنجيل يوحنّا، ولكنّها تعود إلى زمن قديم. تدعو أحد النصوص الهرمسيّة الناس إلى التوبة فتذكّرنا بأقوال الإنجيل: "أيّها الأرضيّون، لماذا استسلمتم إلى الموت وأنتم تقدرون أن تشاركوا في الخلود؟ توبوا يا من جعلتم من الضلال رفيق طريقكم ومن الجهل شريككم. أتركوا هذا النور الذي هو ظلمة. تخلَّوا عن الفساد ليكون لكم الخلود". ولكنّ هذهِ النظريّةَ تتحدّث عن انحدار المادّة وعن إله ذكر وأنثى. ثمّ إنّ بين الله السامي والعالم وسطاء عديدين. كم نحن بعيدون عن مطلع إنجيل يوحنّا حيث الكلمة وحده يصنع كلّ شيء، حيث الكلمة يصير جسدًا. ولا يستنكف من أن يأخذ جسدًا مادّيًّا.
قرَّب بعض البحّاثة مقالة في الولادة الجديدة من نصوص يوحنّا عن الولادة الثانية بالمعموديّة (3: 3- 5). ولكنّ كتاب هرمس يحدّثنا عن أمّ هي الحكمة، وعن بذار هو الخير الحقيقيّ، وعن زارع هو إرادة الله الفاعلة بواسطة هرمس الرسول السماويّ. هذه الولادة تعطي المعرفة الخلاصيّة وتقود إلى الانخطاف بواسطة تقنيّات جاءت من الهند فيَضيع الإنسان في الكلّ. كم نحن بعيدون عن الصوفيّة اليوحنّاويّة التي تشدّد على الطابع الشخصيّ للاتّحاد بين المؤمن والله (رج 6: 56 ؛ 15: 4- 7؛ 17: 20- 23). والمحبّة التي هي أساسيّة في يوحنّا غائبة عن الهرمسيّة.
لا شكّ في أنّه كان هناك توق لدى النخبة الهلّينيّة. أخذ يوحنا عناصره وحوّله تحويلاً جذريًّا قبل أن يقدّمه في إنجيله.

3- فيلون الإسكندرانيّ
كان فيلون معاصرًا للمسيح وهو أعظم ممثّل لليهوديّة في العالم الهلّينيّ. ترك لنا المؤلّفاتِ العديدةَ ولا سيّما تفاسير رمزيّة لشريعة موسى. عاد فيلون إلى الفكر الفلسفيّ اليونانيّ ليبرّر فرائض الشريعة وليرسم خطًّا صوفيًّا يقود إلى التأمّل في الله. مثلاً: أخبار الآباء هي محطّات في تقدّم النفس. إبراهيم هو صورة الإيمان، يعقوب هو صورة النسك، إسحق هو صورة الكمال. هذا لا يعني أنّ فيلون يرتاب في حقيقة الخبر الكتابيّ. بل، إنّه يحاول أن يكتشف بواسطة الرموز، معنى أعمق للنصوص. أمّا موسى فهو الملك والمشترع والكاهن الأعظم والنبيّ.
اهتمّ الشرّاح بالنصوص المتعلّقة باللوغوس (الكلمة) الإلهيّ كعامل الخلق. وقالوا: هنا نجد يَنبوعَ تعليمِ مطلعِ الإنجيل عن دور الكلمة الكونيّ، عن دور الابن الوحيد (1:1، 18).
يصعب علينا أن نقابل فيلون مع يوحنّا في هذا المجال لأنّ فيلون يستعمل كلمة "لوغوس" 1300 مرّة في كتبه فتعني العالم المعقول أو قوّة الله السامية (مثل الحكمة في الخلق) أو الوسيط بين تسامي الله وحنانه، أو الكاهن الأعظم في الخيمة الأرضيّة (رج الرسالة إلى العبرانيّين). أمّا يوحنّا فيعتبر أنّ اللوغوس نصب خيمته بيننا (1: 14) بالتجسّد ليلعب دور المتشفّع للذين يلجأون إليه بإيمان. إنّه الهيكل الحقيقيّ (2: 19- 21) لأزمنة الخلاص.
ويمكننا أن نتاج المقابلة بين يوحنّا وفيلون. فالتسمية "إسرائيليّ حقيقيّ" المعطاة لنتنائيل في 1: 47 تفترض اشتقّاقًا لكلمة إسرائيل (= الذي يرى الله) عزيزة على قلب فيلون. والعظة على المنّ التي نستشفّها في يو 6 تعود إلى نموذج نقرأه عند فيلون وفي العالم اليهوديّ الفلسطينيّ. والتوسّعات الرمزيّة عن الماء والنور والكرمة ليست غريبة عن فيلون. ولكنّ فيلون يتطلّع إلى مسيرة النفس الصوفيّة، أمّا يوحنّا فيطبّق هذهِ الرموزَ على شخص المسيح، على الكلمة الذي صار جسدًا. بعد هذا يختلف فيلون عن يوحنّا لأنّ مسيحانيّته تسير في طريق التلاشي والفناء. تأثّر بأفلاطون فبيّن أنّ الخلاص يعني النفس التي تتحرّر من ثقل رغباتها اللحميّة. أمّا يوحنّا فينظر إلى يسوع المسيح ويجعل فيه كلّ أبعاد الوجود البشريّ.
إذن، لا نستطيع أن نقول إنّ فيلون أثّر على يوحنّا. ولكن يبقى فيلون شاهدًا على التوق الدينيّ لدى اليهود العائشين في العالم الهلّينيّ. وقد يكون يوحنّا التقى بعض هؤلاء اليهود في أفسس فبيّن لهم أنّ المسيح جاء يتجاوب مع توقهم إلى الله.

4- اليهوديّة المنشقّة
ميّز كولمان شكلين في العالم اليهوديّ الفلسطينيّ في القرن الأوّل المسيحيّ: العالم الرسميّ والعالم المنشقّ الذي أدخل إلى فكره عناصر غريبة. فجعل خلفيّة إنجيل يوحنّا العالم اليهوديّ المنشقّ وجذَّر المسيحيّة العاديّة في العالم اليهوديّ الرسميّ. وهكذا تكوّنت علاقة بين الهلّينيّين في سفر الأعمال (ف 6- 8) الذين كانوا أوّل من بشرّ السامرة، وبين محيط إنجيل يوحنّا. تميّز الهلّينيّون بعداوتهم لهيكل أورشليم وكانوا قريبين بجذورهم من الإسيانيّين، من جماعة قمران.
ولكنّنا نتساءل: أين نجد اليهوديّة الرسميّة؟ عند الفرّيسيّين أم عند الصادوقيّين حيث يتمّ اختيار رؤساء الكهنة؟ وبين الفرّيسيّين، هناك الخطّ المتصلّب (شمعي) والخطّ المنفتح (هلال). أمّا اليهوديّة المنشقّة فتبرز في صور عديدة تشترك كلّها في أنّها تعارض شعائر العبادة الرسميّة. وها نحن سنتحدّث عن فئتين: المعمدانيّون والإسيانيّون.

أوّلاً: المعمدانيّون
هم أصحاب تيّاراتِ يقْظةٍ دينيّة. عملوا في وَسَطٍ شعبيّ فأعلنوا قرب الدينونة الإسكاتولوجيّة ودعَوُا الناس إلى الخلاص بتوبة القلب وطقس العماد في الماء من أجل مغفرة للخطايا. توجّه طقس العماد إلى الجميع وكان في متناول الجميع بمعزل عن حواجز الطهارة.
الإنجيل الرابع هو الإنجيل الوحيد الذي يقدّم الرسلَ الأوّلين على أنّهم كانوا تلاميذَ قدماء ليوحنّا المعمدان. وأشار الإنجيل أيضاً إلى الأمكنة التي كان يوحنّا يعمّد فيها ومنها بيت عنيا في عبر الأردنّ (1: 28) وعين نون (3: 23). وأبرَزَ مرحلة معمدانيّة في رسالة يسوع (3: 26؛ 4: 1- 2)، وهذا معطى مهمّ لنقدّر تاريخيّةَ الإنجيل الرابع ونكتشف تاريخ الجماعة اليوحنّاويّة. ولكن لا ننسَ أنّ الإنجيل الرابع لا يقول شيئًا عن كرازة المعمدان الإسكاتولوجيّة. كلّ ما يهمّه هو الشهادة التي قدّمها السابق لحمل الله.

ثانيًا: الإسيانيّون.
نجد في نصوص قمران العباراتِ عينَها التي نجدها في إنجيل يوحنّا: التعارض بين الحقيقة والكذب، بين النور والظلمة... روح الحقّ، يسير في الظلمة، ابن الهلاك... وهناك نصّ في "قاعدة الجماعة" مُعَنْوَنٌ : قاعدة الروحَيْنِ، روحِ الحقيقةِ وروحِ الضلالِ: "الله خَلَقَ روحَ النور وروحَ الظلمة وأسسّ عليهما كلّ ما عمله. واحد يحب الله والآخر يكره مشورة الله ويبغض طرقه". "يتصارع هذان الروحان في قلب البشر... وسيتدخّل الله قريبًا ليطهّر العالم من الكبرياءِ وتَرَفُّعِ القلب والجشع والكذب والرياء، وليُظْهِرَ التواضعَ وطولَ البال والرحمةَ والفطنةَ..."
هناك موازاة بين هذه الوثيقة وثنائيّة القدّيس يوحنّا. ويمكننا أن نتوقّف أيضاً عند مفهوم الحقيقة في إنجيل يوحنّا ونصوص قمران... ولكن رغم هذه التشابهات فهناك اختلافات في العمق. فإصلاح معلٍّم البرّ (عند جماعة قمران) يرتكز على شريعة موسى التي نمارسها بدقّة. وهكذا تتكوّن جماعة من "الأنقياء" الذين ينعزلون عن جمهور أبناء الإثم وينتظرون الدينونة المقبلة والحكم على الخطأة. أمّا مكانة المسيح فهي متواضعة في هذه النظرة المستقبليّة. ولكنّ إنجيل يوحنّا يتركّز على شخص يسوع الذي أوحى إلينا بأبوّة الله. وما يفرضه هو الإيمان به والمحبّة المتبادلة بين التلاميذ.

5- تجذُّر الإنجيل الرابع في الكتاب المقدّس
ارتبط إنجيل يوحنّا بالتوق الدينيّ لدى العالم الهلّينيّ كما ارتبط بالتيّارات الهامشيّة في العالم اليهوديّ. ولكنّ له خلفيّةً يهوديّة. لقد أعلن يسوع للسامريّة: "الخلاص يأتي من اليهود" (4: 22). لسنا أمام اعتبار ثانويّ، بل أمام يقين عميق. لا شكّ في أنّ اليهود لم يقبلوا يسوع، ولكنّه جاء إلى أخصّائه (1: 11). إذا كانوا لم يقبلوه، فهل نلغي كلّ تيّار التهيئة لمجيئه ونعتبر أنّ لا قيمة لهذا التيّار بعد أن ظهر النور الحقيقيّ؟ كلاَّ. فالإنجيل يهتمّ بأن يبيّن أن يسوع هو حقًّا مسيح إسرائيل.
يتوزّع الحجّ إلى أورشليم حياة يسوع. إن كان المعلّم طرد حيونات الذبيحة (2: 14 ي)، فهو يحب أن يعلّم في الهيكل المقدّس. وفي الهيكل يجادل اليهودَ المتكلّمين باسم الإيمان الرسميّ، ويحاول أن يقنعهم بأنّ الآب أرسله حقًّا. ويدعو موسى ليشهد له: "لو آمنتم بموسى لآمنتم بي أيضاً، لأنّه كَتَبَ عنّي" (5: 46).
إذًا سنبيّن هذا التجذّر في الوحي الكتابيّ فنعدِّد الإيراداتِ والتلميحاتِ إلى النصوص المقدّسة ثمّ نبيّن كيف تنغرز هذه الممارسةُ في التأويل اليهوديّ التقليديّ.

6- إيرادات النصوص الكتابيّة
لا نجد إلاَّ 19 إيرادًا صريحًا للكتاب المقدّس في الإنجيل الرابع. فإذا زدنا على هذا الرقم التلميحات التي لا نقاش فيها، يبقى العدد أقلّ ممّا نجد في الإزائيّين ولا سيّما في إنجيل متّى.
إذا قابلنا يوحنّا بالإزائيّين، اكتشفنا استقلاليّة يوحنّا في استعمال الكتاب المقدّس. فهو يهمل إيراداتٍ لها أهمّيتُها في التقليد المعروف. مثلاً: "اسمع يا إسرائيل" وهي ترتبط بوصيّتَيْ محبّةِ اللهِ والقريب (تث 6: 4- 5؛ لا 19: 18؛ مت 22: 37- 39؛ مر 12: 29- 33؛ لو 10: 27). وإيراد مز 110 عن المسيح الذي هو أكبر من داود (مت 22: 44؛ مر 12: 36؛ لو 20: 42- 43)، والنصّ المتعلّق بالحجر الذي رذله البنّاؤون فصار رأس الزاوية (مز 18: 22؛ مت 21: 42؛ مر 12: 10- 11؛ لو 20: 17). وإنِ استعمل يوحنّا نصًّا استعمله الآخرون، فهو يبتكر في استعماله. فنصّ أشعيا (40: 3): "صوتُ صارخٍ في البرّية: أعدّوا طريق الربّ" يطبّقه الإزائيّون على يوحنّا المعمدان (مت 3: 23؛ مر 1: 3؛ لو 3: 4)، أمّا في إنجيل يوحنّا فالمعمدان يتلفّظ به (1: 23). ويذكر الإزائيّون تقسية إسرائيل (أش 6: 9 ي) في إطار الأمثال (مت 13: 14 ي ؛ مر 4: 12؛ لو 8: 10) أمّا يوحنّا فيجعلها في نهاية كتاب الآيات (12: 4). كلّ هذا يدلّ على استقلاليّة يوحنّا.
أخذ يوحنّا إيراداتِه وتلميحاتِه بصورةٍ خاصّةٍ من أسفار موسى (خاصّة الخروج والتثنية) ومن أشعيا (خاصّة القسم الثاني) ومن المزامير. ومِثْلَهُ عَمِلت نصوص قمران.
غير أنّ نصوص قمران قدّمت تفسيرًا قانونيًّا للشريعة، أمّا يوحنا فقرأ الكتاب المقدّس في منظور رمزيّ محاولاً أن يصل من خلالها إلى شخص يسوع المسيح.
شريعة موسى

يتحدّث الإنجيل الرابع مرارًا عن الشريعة (ترد كلمة ناموس 14 مرة)، ولكنّه يعتبرها توطئةً للوحي النهائيّ في يسوع المسيح، لا نظامًا خلاصيًّا. وإذ يشير يوحنّا إلى وحي اسم الله في سيناء (خر 34: 6)، يكتب في مطلع إنجيله: "إذا كانت الشريعة قد أعطيت لنا بواسطة موسى، فبواسطة يسوع المسيح جاءتنا النعمة والحقّ " (1: 17). وهذه الشريعة لا تنفصل عن أسفار الأنبياء كما أعلن فيلبّس: "إنّ الذي كُتب عنه في شريعة موسى والأنبياء، قد وجدناه " (1: 45). ولقب نبيّ الذي يُعطى مرارًا ليسوع (6: 14، 7: 40، 52)، وإن لم يعبّر إلاَّ بطريقة ناقصة عن سرّ شخصه، يدلّ على وجهة حقيقيّة من رسالته ويتأمّل في تأويل قمرانيّ وسامريّ (4: 25) لنصّ تث 18: 15 عن مجيء نبيّ شبيه بموسى.
ومقابل هذا، نجد نصوصاً متعدّدة تخلق تباعدًا ليسوع والجماعة اليوحنّاويّة من "شريعة اليهود". فيسوع يستند إلى أمر قانونيّ في سفر التثنية فيعلن: "كُتب في شريعتكم أنّ شهادة رجلين مقبولة" (8: 17؛ 10: 34). والانفصال واضح خاصّة في ما يتعلّق بالسبت. فيسوعُ يتمّ الأشفية في هذا اليوم (5: 9؛ 9: 14). يقدّم يسوع براهينه في الإزائيّين منطلقًا ممّا يفعله سامعوه (من منكم له خروف واحد ووقع في حفرة يوم السبت، لا يمسكه ويخرجه؟ مت 12: 12)، أمّا في يوحنّا فيعود إلى ما يعمله الآب: "أبي يعمل إلى الآن، وأنا أيضاً أعمل" (5: 17).
حين نتبعُ ترتيب العهد القديم نلاحظ المقابلاتِ بين المرحلة الأولى من تاريخ الخلاص وكمالها في يسوع المسيح.
نصوص البدايات (تك 1- 11). بداية مطلع يوحنّا تستعيد تك 1: 1 كما فسّره أم 8: 22. فكلمة الله المماثلة لحكته (سي 24: 3 أ) نصبت خيمتها هنا في جسد يسوع (1: 14 مع تلميح إلى سي 24: 8). ونفخة المسيح القائم من الموت للروح على تلاميذه (20: 22) تقابل نفخة الخالق لنسمة الحياة في تك 2: 7 (الفعل هو هو في المقطعين) ونرى في تسمية يسوع لأمّه "يا امرأة" (2: 4؛ 19: 26) تلميحًا إلى تك 2: 32، وفي كلمته عن ساعة المرأة (16: 21) إشارة إلى حوّاء، أمّ الاحياء (تك 4: 1). 
يذكر يوحنّا دورة إبراهيم خلال مجادلة عاصفة (8: 31- 59). افتخر اليهود بنسل لحميّ (8: 33، 59) فحدّثهم يسوع عن أعمال إبراهيم (8: 39 ب- 40) التي تقود إلى الإيمان به، عكس أعمال الشيطان الذي هو قاتل منذ البدء (8: 44 مع تلميح إلى ترجوم تك 4: 3- 16). كان إبراهيم يتوق إلى يوم يسوع (8: 56 مع تلميح إلى التقاليد الترجوميّة عن مولد إسحق: تك 17: 17 أو عن رؤية إبراهيم: تك 15: 12- 21). ويعود ذكر ذبيحة إسحق (العقدة والرباط: تك 22: 1- 19 كما في الترجوم الفلسطينيّ) في خلفيّة التعليم عن الفداء في ما عمله الله "الذي يبذل ابنه الوحيد" (3: 16)، وفي لقب حمل الله الذي يشير إلى إسحق "الحمل من أجل المحرقة" (تك 22: 8 وترجوم فلسطين). ويذكر يوحنّا حلم بيت إيل (تك 28: 2) في 1: 51: بعد اليوم لن يكون اتّصال بين السماء والأرض في مكان محدّد، بل في شخص ابن الإنسان. وفي خلفيّة الحوار مع السامريّة نعيش في جوّ التقاليد الآبائيّة (4: 5، 6، 12). إنّ يسوع أعظم من "أبينا يعقوب".
وتحتلّ دورة الخروج مكانة هامّة مع التوسيعات التقليديّة التي قام بها التفسير اليهوديّ. فالآيات والمعجزات التي أتمّها موسى في أيّام الخروج والبرّيّة (رج تث 34: 11) تتيح لنا أن نفهم معنى الآيات التي أتمّها يسوع: إنّه ليس فقط نبيًّا لا مثيل له (تث 34: 10) بل المرسل الوحيد والنهائيّ. وسنجد في هذا الإطارِ توازياتٍ عديدةً: مَنُّ موسى والخبز النازل من السماء (6: 30- 33)، معجزة الماء والوعد بالمياه الحيّة (4: 10؛ 7: 37 ي)، إرتفاع الحيّة النحاسيّة وارتفاع ابن الإنسان (3: 14). ولكن في كلّ هذه الحالات، يسوع هو الآية: إنّه خبز الحياة (6: 51)، الماء خرج من جنبه (19: 34). رُفع على الصليب (3: 14 ي، 12: 32 ي) ليجتذب إليه كلّ الناس في نظرة إيمان (19: 35).
يسرد يوحنّا أعياد اليهود باهتمام، ولكنّه يهتمّ أكثر ما يهتمّ بعيد الفصح. إنّه يختلف عن الإزائيّين الذين لا يعرفون إلاّ عيدَ فصحٍ واحدًا في نهاية رسالة يسوع. أمّا يوحنّا فيوزع حياة يسوع العلنيّة على فترة تتميّز بثلاثة احتفالات فصحيّة. ففي الفصح الأوّل، طرد يسوع الباعة من الهيكل وأفهمنا أنّه هو نفسه الهيكل الحقيقيّ (2: 13- 22)؛ وفي الفصح الثاني نرى يسوع في الجليل يكثّر الخبز علامة عطيّة جسده لحياة العالم (ف 6). وفي الساعة التي تذبح فيها حملان الفصح في الهيكل أسلم يسوع الروح على الصليب (19: 36) فحمل الخلاص النهائيّ والشامل الذي يرمز إليه الطقس القديم.

قراءة أشعيا قراءة كرستولوجيّة
هذا ما نكتشفه في 12: 37- 42. يستعمل الإنجيليّ نصّين يتعلّقان بلا إيمان إسرائيل (الأوّل أش 53: 1: من نشيد عبد الله المتألّم. الثاني أش 6: 9 ي من دعوة أشعيا) ويعلن: "قال أشعيا هذا الكلام حين رأى مجده وتحدّث عنه" (12: 41). فَمَجْدُ يهوه (الربّ) صار مجدَ المسيح. وما يبرّر هذا الانتقال هو أنّ أشعيا كان النبيّ المسيحانيّ الأكبر. والتشديد على مُلْكِ المسيح ولا سيّما في بداية الإنجيل (1: 49) وخلال الالام، يتجذّر في حضور الروح الدائم على يسوع بعد المعموديّة (1: 32). 
وتوقّف يوحنّا، كما توقّف غيره من كتّاب العهد الجديد، على الأقوال المتعلّقة بعبد الله (عبد يهوه) المتألّم. فإعلان يسوع "أنا هو نور العالم" (8: 12) يقابل قول أش 42: 6؛ 49: 6 عن أنّ العبد سيكون نورَ الأمم. وفي بداية نشيد عبد الله الأخير نقرأ: "هذا هو عبدي: إنّه يُرفع ويتمجّد جدًّا" (52: 13). فاستعمال هذين الفعلين هو في أساس أقوال يوحنّا عن ارتفاع (3: 14؛ 8: 28؛ 12: 32- 34) المسيح على الصليب وتمجيده الذي لا ينفصل عنه (7: 39؛ 8: 54؛ 12: 16- 23، 38؛ 13: 31 ي،17: 1، 5، 10).
وسيحصل وحي مجد الله حين يرى الناسُ مجدَ الكلمة الذي صار بشرًا (1: 14). يصل إلينا هذا المجد عبر الآيات التي يُتِمُّها يسوع (2: 11؛ 11: 4، 10) ولا سيّما عبر عمله السامي (17: 4). ولكنّ يوحنّا يحوّل هنا تعليم النبيّ فيُدخل فيه موضوع المحبّة: محبّة الله للعالم (3: 16)، محبّة الابن لأبيه (14: 31). ويجعل هذا التعليمَ يمتدُّ إلى اللامحدود: فالإله الذي لا يريد أن يعطي مجده لأحد (أش 41: 8 ؛ 48: 11) أعطاه للابن بحيث استطاع الابن أن يستعيد عبارة الوحي الإلهيّ: أنا هو (8: 24، 28، 58؛ 13: 19). وحين قدّم لنا يوحنّا لوحة الصليب ضمّ تأمّل عبد الله المذبوح كشاة لا تدافع عن نفسها (أش 53: 7) إلى تأمّل الابن الوحيد المطعون (19: 37، رج رؤ 1: 7) حسب نبوءة زك 12: 10.

قراءة المزامير قراءة كرستولوجيّة
يرد مز 22: 9 بمناسبة اقتسام ثياب يسوع (19: 24). وينطلق يوحنّا من مز 41: 10 ليعلن خيانة يهوذا (13: 18؛ رج 17: 12). ويوضح مز 69: 10 السبب العميق لذبيحة يسوع (17:2). وترجمت آ 5 من مز 69 بغض اليهود ليسوع (15: 25)، ووردت آ 22 في صرخة يسوع على الصليب. وأخيرًا دُمج مز 34: 21 مع خر 12: 46 فجمع صورة البارّ المتألّم إلى صورة الحمل الفصحيّ (19: 36). 
ويمكننا أن نتابع هذا البحث فنذكر التلميحات إلى دا 7 في المقاطع المتعلّقة بآبن الإنسان، والتلميحات إلى النصوص الحكميّة التي نستشفّها خلف مطلع الإنجيل وخطبة خبز الحياة: "من يأتِ إليّ لا يَجُعْ، ومن يؤمنْ بي لا يعطشْ أبدًا" (6: 35؛ رج أم 9: 1- 6؛ سي 24: 19-22). وهكذا يَتمُّ وعدُ الله للأنبياء: "يكونون كلهم تلاميذ الله" (6: 45؛ رج أش 54: 13).

7- التأويل عند يوحنّا والتأويل اليهوديّ
هناك طرائق متعدّدة لقراءة الكتاب المقدّس: قراءة الرابّانيّين، قراءة محيط الإسكندريّة، قراءة جماعة قمران. وهناك القراءة الجارية في المجامع يوم السبت التي نجدها خاصّة في التراجيم والأسفار المنحولة. سنتوقّف عند هذه القراءة الأخيرة ونعطي بعض الأمثلة.
المثل الأوّل: الحوار بين يسوع والسامريّة على بئر يعقوب. إنّه يحمل كخلفيّة التوسّعات المدراشيّة عن بئر البرّيّة التي أخرج منها موسى الماء بطريقة عجائبيّة. ويقول التأويل اليهوديّ إنّ هذه البئر الفائضة بالمياه تدلّ على الشريعة. ويتوسّع الترجوم في نشيد البئر في عد 21: 18: "البئر التي حفرها سابقًا أسياد العالم إبرام وإسحق ويعقوب، وأكملها أناس فطنون من الشعب هم السبعون حكيمًا الذين وضعوا جانبًا. ثمّ جاء سيّدا إسرائيل، موسى وهارون، فقاساها بعصيّهما. ومنذ زمن البرّيّة أعطيت لهما كموهبة".
نجد التفسير عينه في نصوص قمران، وهذا ما يدلّ على أنّنا أمام تقليد قديم. وهكذا يتّخذ يو 4 وجهًا جديدًا حين نقابل الماء الحيّ الذي وعد به يسوع بماء الشريعة، والتعلّم عن العبادة بالروح والحقّ بالممارسة اليهوديّة أو السامريّة المركّزة على موضع للعبادة منظور، أورشليم أو جبل جرّزيم.
المثل الثاني: يو ف 6 والخطبة عن خبز الحياة. نحن نفهم بطريقة أفضل أهمّيّة المنّ في الخطبة عن خبز الحياة إذا قابلنا هذا الفصل بالشروح اليهوديّة المستوحاة من هذا الحدث. لقد لاحظ المفسّرون أنّ حركة النزول والصعود قد عُكست: "في الماضي كان المنّ يصعد من الأرض والندى تنزل من السماء كما قيل: أرض حنطة وخمر. السماء أمطرت الندى. أمّا الآن فتبدّل الوضع: بدأ الخبز ينزل من السماء والندى تصعد من الأرض لأنّه كتب: ها أنا أمطركم خبزًا من السماء. وكتب أيضاً: وصعدت طبقة من الندى". نقابل هذا التفسير بالإشارات إلى نزول خبز السماء (يرد فعل نزل 7 مرّات: 6: 33، 38، 41، 42، 50، 51، 58) وإلى صعود ابن الإنسان (6: 62). 
ولا نفهم النداء الذي أطلقه يسوع في يوم العيد "إن عطش أحد فليأت إليّ" إلاّ في علاقته بانتظار يَنبوع الهيكل (حز 47؛ زك 13: 1) وبليتورجيّة يوم العيد: إذ كانوا يحملون باحتفال مياه شيلوح، كانوا ينشدون هذه الآية من أشعيا (12: 3): "تستقون بفرح من مياه الخلاص". إنّه يسوع يقدّم نفسه على أنّه هيكل الخلاص النهائيّ.

د- اللاهوت في الإنجيل الرابع
اعتُبر يوحنّا اللاهوتيَّ منذ العصور المسيحيّة الأولى، والضيعة التركيّة التي تحتفظ بقبره قرب أفسس تشهد بذلك: "أَيَّا سوليك" أي القدّيس اللاهوتيّ. وتؤكّد هذه التسمية كتابة وَجَدَها علماء الآثار: أيّها الربّ، أنت الله مخلّصنا، ويوحنّا هو الإنجيليّ واللاهوتيّ، ارحم عبدك الخاطئ.
نفهم هذا اللقب الجليل من اتّساع مطلع الإنجيل الذي انطلق منه يوحنّا للتأمل في السرّ المشعّ لحياة الله. إذا اقتصرنا على معطيات الإنجيل الرابع نلاحظ أنّ التلميذَ الحبيب هو في نظر الجماعة اليوحنّاويّة الشاهدُ الأوّل (19: 35؛ 21: 24). فموضوع الشهادة سيوجّهنا شطر أحد الأبعاد الجوهريّة في الإنجيل الرابع: ففي الدعوى التي تجعل عالم الظلمة يقف في وجه المسيح النور، يقدّم يوحنّا شهادة: يسوع هو المسيح وهو ابن الله (20: 31). وهذه الشهادة تصل إلينا بتأثير الروح الحقّ، المؤيّد الذي يوبّخ العالم على خطيئة الكفر واللاإيمان (16: 8 ي)، وتدعو التلاميذ إلى الوحدة. فبعد أن نتوقَّف عند موضوع الدينونة، نلقي ضوءاً على الشهادة عن المسيح. وبعد أن نحدّد دور الروح القدس، نتطلّع إلى صورة الكنيسة التي نستشفّها من إنجيل يوحنّا.

1- الدينونة الحاضرة
يحتلّ إعلان الدينونة موضعًا هامًّا عند الأنبياء وفي الأسفار الجليانيّة. كان الأنبياء يعتبرون أنّ الدينونة تتمّ في قلب التاريخ. أمّا أصحاب الرؤى، فبعد أن يئسوا من الضيق الحاضر، انتظروا كلّ شيء من تدخّل صاعق لله في نهاية هذا الزمن الحاضر. ويدخل يوحنّا المعمدان في هذا المجال، كما أنّ هناك كلمات عديدة (أوردها الإزائيّون) تشير إلى هذا اليوم الرهيب. فالخطبة الجليانيّة في مر 13 تدلّ على أنّ القلق أمام اليوم القريب شغل بال الجماعات الأولى. ولكنّ يسوع أعلن أمام الذين أرادوا أن يحسبوا الأيّام والسنين، أنّ اليومَ والساعةَ سرٌّ من أسرار الآب (مر 13: 32). وهكذا علّم يسوعُ الخائفين من طلائع هذا اليوم الرهيبة أن يتحلَّوا بالشجاعة والرجاء (مر 13: 20 ؛ لو 21: 28). أمّا في الإنجيل الرابع فالمناخ مختلف عن هذا الجوّ. لا شكّ أنّنا نجد مفردات الدينونة في كلّ الكتاب، ولكنّها دينونة في الزمن الحاضر. نقرأ 29 مرّة بطريقة احتفاليّة كلمة "الآن": "الحقّ الحقّ أقول لكم: ستأتي ساعة، وهي الآن، حين يسمع الموتى صوت ابن الله والذين يسمعونه يحيَون" (5: 25). وإذْ أعلنت مرتا إيمانها بالقيامة في اليوم الأخير، أجابها يسوع: "أنا القيامة والحياة: من يؤمن بي وإن مات فسيحيا" (11 : 25). والآلام التي تبدو فشلاً، تشكّل في الواقع ساعة الدينونة الإسكاتولوجيّة ضدّ رئيس هذا العالم الذي ضلّل البشر مدّة طويلة: "الآن دينونة هذا العالم. الآن يُرمى سيّد هذا العالم خارجًا" (12: 31). وكلٌّ مِنَّا مدعوّ أمام المسيح لكي يتّخذ موقفًا، لكي يوافق: هل هو من حزب النور، هل هو من حزب الظلمة (3: 19- 21)؟ ويسوع يمتنع حسب الظروف أن يدين أيًّا كان (8: 15؛ 12: 47) ويترك الحكم للآب أو هو يقدّم كلمته كديّان: "من رذلني ولم يقبل كلامي فله دينونة: الكلمة التي قلتها تدينه في اليوم الأخير" (12: 48). إنّه ابن الإنسان ولقد نال السلطان ليدين (5: 27). فبكلمته وعمله تنقلب الأوضاع: حُسب المولود أعمى خاطئًا ولكنّه توجّه نحو النور. أمّا الذين حسبوا نفوسهم تلاميذ أمناء لموسى فانغمسوا في خطيئتهم (9: 40- 41). 
لا نستطيع أن نعزل هذا التشديد الدراماتيكيّ على الدينونة، عن إعلان حبّ الله الخلاصيّ. "لقد أحبّ الله العالم حتّى إنّه بذل ابنه ووحيده لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة" (3: 16 ؛ رج 1 يو 4: 9- 10). فوحي يسوع لا يوصلنا إلى إله يعاقب بلا شفقة، بل إلى أب يعمل دومًا من أجل خلاص البشر (5: 17). وما يحمله يسوع إلى سامعيه هو الحياة والحياة بوفرة (10: 10). أمّا الدينونة فهي الوجه السلبيّ لجدّيّة الحبّ الإلهيّ، وهي العلامة أنّ رسالة الابن هي آخر محاولة من قِبَلِ الله نحو البشر. فلا ننتظرْ بَعْدُ شيئًا. فمع الابن أعطي لنا كلّ شيء، أعطيت النعمة والحقّ (1: 17).
وما يطلبه الله هو أن نقبل عطيّته بالإيمان (1: 12).
إنّ التشديد على الزمن الحاضر كزمن قرار، يرافقه تركيز تعليميّ على فعل الإيمان. كان الإزائيّون قد أوردوا كلمات يسوع على القيمة الخلاصيّة للإيمان والثقة: "اذهبي، إيمانك خلّصك" (لو 7: 50؛ رج 8: 48؛ 17: 19). أمّا يوحنّا فتجنّب الكلمة المجرّدة "إيمان"، واستعمل الفعل "آمن" الذي يشدّد على الطابع الفاعل للإيمان، على تحرّك الإنسان الداخليّ باتّجاه المسيح، على خروج المؤمن من ذاته من أجل تعلّق حميم بيسوع. هذا هو موقف التلاميذ الذين اكتشفوا مجد يسوع في قانا: "فآمنوا به" (2: 11) أي تعلّقوا به بطريقة نهائيّة. فالإيمان هو مبدأ الوجود المسيحيّ وقلبه. فالإيمان يلخّص مشاركة الإنسان في عمل الله (6: 29، 40). وقد وُعد المؤمنون بأنهارِ مياهٍ حيّة (هي صورة الروح 7: 37- 39) جرت من جنب المسيح ساعة تمجيده (19: 34). وينتهي خبر الظهورات الفصحيّة في تطويبة المؤمنين (20: 29: "طوبى للذين لم يروني وآمنوا"). فالإيمان يقود إلى الحياة (20: 31).

2- شخص يسوع
أوّلاً: يوحنّا ومرقس
هناك اختلاف واضح بين عرض مرقس لشخص يسوع وعرض يوحنّا له. ففي مرقس، لا يكشف يسوع عن نفسه إلاّ بطريقة تدريجيّة، فيفرض السرّ المسيحانيّ على الذين يلجون سرّ رسالته وشخصه. وسوف ننتظر مشهد قيصريّة فيلبّس ليسأل يسوع تلاميذه عن رأيهم فيه (مر 8: 27- 30). وما إن تفوّه بطرس بإعلانه المسيحانيّ حتّى فرض عليه يسوع الصمت. أمّا في الإنجيل الرابع، فما إن يلتقي التلاميذ بيسوع للمرّة الأولى حتّى يعبّروا عن حماسهم بأقوال متنوّعة: "لقد وجدنا المسيح"، "رابّي، أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل" (1: 41- 49). ويسوع لا يعارض أفعال الإيمان هذه، بل يتجاوزها فيقدّم نفسه كابن الإنسان المتسامي على الملائكة (1: 51). وحين يلتقي السامريّة يعلن لها أنّه المسيح المنتظر (4: 26). وفي أوّل خطبة له في أورشليم قدّم نفسه أنّه الابن (5: 17- 21). وسيكرّر فيما بعد إعلاناته. والسؤال الحاسم الذي احتفظ به الإزائيّون في إطار الدعوة اليهوديّة يوم الجمعة العظيمة (مر 14: 61) قد قدّمه يوحنّا قبل ذلك بأشهرٍ عديدة (10: 24- 36).
وهناك سمات تجعلنا نعتقد أن ليس في يسوع ما يدلّ على بشريّته. هو يعرف كلّ شيء مسبقًا. لقد رأى نتنائيلَ تحت التينة قبل أن يلتقيَ به للمرّة الأولى (1: 48). هولا يثق بأهل أورشليم "لأنّه يعرفهم كلَّهم" (2: 24 ي). يعرف كيف يُطْعِمُ الجمع ولا يسأل التلاميذ إلاّ ليمتحنهم (6: 6). يعرف من هو الخائن مسبقًا (6: 64) كما يعرف أنّ لعازر قد مات قبل أن يصعد إلى بيت عنيا (11: 14). أمّا المعجزات فتبدو عند يوحنّا ظهورات إلهيّة (2: 11؛ 6: 20). يكفي أن يتكلّم يسوع ليقع الحرس الذين أتَوا ليوقفوه (18: 6).

ثانيًا: يسوع هو إنسان حقيقيّ
نحن لا ننكر هذه السمات التي تعطي يسوع في إنجيل يوحنّا تعبير وجه يختلف عمّا نقرأ عند الإزائيّين. ولكنّنا نحافظ على الطابع الواقعيّ لبشريّة يسوع. اختلف يوحنّا عن الأناجيل الغنوصيّة التي قدّمت وحيًا لا زمنيًّا عن مسيح روحاني. أمّا هو فظلّ أمينًا للإطار الزمنيّ للتقليد الإنجيليّ. سنشدّد على هذا الأمر فيما بعد. أجل، إنّ يوحنّا يستعمل كلمة إنسان ليصف يسوع (15 مرة). وإليك بعض العبارات: قالت السامريّة لأبناء بلدتها: "تعالُوا وانظروا انسانًا قال لي كلّ ما فعلت" (4: 29). ودافع جملائيل عن يسوع بهذه الكلمات: "هل تحكم شريعتنا على إنسان دون أن تسمعه"

الفصل الثاني
التاريخ والرمز في إنجيل يوحنّا

نتوقّف في هذا البحث عند التاريخ والرمز في إنجيل يوحنّا. وننهي حديثَنا عن الإنجيل الرابع بالتعرّف إلى شخصيّة يوحنّا الرسول، ذلك التلميذ الذي كان يسوع يحبّه.

أ- التاريخ والرمز
أكّدت خاتمتا الإنجيل الرابع (20: 30ي؛ 21: 24ي) إرادة الإنجيليّ في سرد الوقائع التاريخيّة التي توقظ الإيمان وتغذّيه. أمّا التقليد المسيحيّ القديم فم يشكّ في القيمة التاريخيّة للإنجيل. ولكنّ ترتيب حياة يسوع أثار مجادلات منذ اكتشاف قانون موراتوري في القرن الثامن عشر. ثمّ إنّ خصوم المسيحيّة، أمثال سلسيوس وبورفيروس، أبرزوا الخلافات بين الأناجيل الأربعة ليدمّروا شهادتها. فاهتمّ آباء الكنيسة، ولا سيّما أوريجانس وأغوسطينس، بالبرهنة أنّ النصوص تتكامل وتتناسق. أمّا على مستوى اللاهوت، ففرض العرض اليوحنّاويّ (وجود المسيح السابق) نفسه بحيث أهمل الشرّاح السمات البشريّة التي يتحلّى بها يسوع في إنجيل يوحنّا أكثر منه في إنجيل مرقس.
أمّا النقد الحديث فزعزع الثقة بشهادة التلميذ الحبيب. تحدّثنا مثلاً عن محاولة بولتمان (ومدرسة تاريخ الديانات) ليحدّد تبعية الإنجيل الرابع لتيّارات زمنه الدينيّة. وجعل النقّاد الأدبيّون تأليف الإنجيل الرابع يتمّ في القرن الثاني ويرتبط بالإزائيّين. ولنعط مثالاً عن أقوالهم: "ليست اهتمامات الإنجيليّ وإلهامه من نوع التاريخ أو السيرة. هدفه دفاعيّ وتعليميّ ولاهوتيّ. استعمل يوحنّا التقليد الإزائيّ بحرّية وكيّفه حسب الظروف. فجاءت الاختلافات بين الإنجيل الرابع وسائر الأناجيل نتيجة هذه التكيّفات. إنّ خطب يوحنّا تعبّر عن فكر الإنجيليّ (لا عن فكر المسيح). إذن، ليس الإنجيل الرابع يَنبوعًا نستطيع أن نغرف منه لنكتب سيرة يسوع. يجب أن نستعمله مع الإزائيّين مفضّلين الإزائيّين عليه". لن نتوقّف عند هذا الكلام وما يمكن أن يكون فيه من مغالطات.
في الحالة الحاضرة للدراسات اليوحنّاويّة المطبوعة بتجديد الأساليب وتنوّع الوجهات، لا نجد اتّفاقًا في خطّ أو في آخر. ولكنّنا سندرس مسألةَ تاريخيّةِ الإنجيل الرابع بعد أن درسنا في فصل سابق تاريخيّة الأناجيل الإزائيّة. نقدّم بعض المحطّات المنهجيّة، قبل أن نبيّن تجذّر الإنجيل الرابع في تقليد تاريخيّ متين، ونبيّن تنوّع الرموز التي يتضمّن. 
الاعتبار الأوّل: إنّ القيمة التاريخيّة للإنجيل الرابع مستقلّة عن الجواب المعطى للسؤال عن كاتبه. هذا معطى عامّ يتعلق بدراسة الأناجيل. فالنظرة الدفاعيّة القديمة المؤسّسة على أنّ الإنجيليّين هم شهود عِيان صادقون قد أعيد النظر فيها على ضوء أعمال المدرسة التكوينيّة: ليس الإنجيليّون كتَّابًا فرديّين يسطّرون مؤلّفاتهم بمعزل عن جماعة تحمل التقليد. كائنًا من كان مؤلّف الإنجيل الرابع، فقد يكون بين يديه وثائق مكتوبة أو تقاليد شفهيّة قيّمة.
الاعتبار الثاني: لا نفهم الواقع التاريخيّ بمعنى العلم الوضعيّ الذي عرفته نهاية القرن التاسع عشر. فطبيعة العلم التاريخيّ تفرض علينا أن نقرّ بأنّه ليس من استعادة للماضي من دون تفسير، وأنّه ليس من مؤرّخ يعمل دون إيديولوجيّة سابقة، وأنّه ليس من نقد للمراجع دون نظرة مسبقة ترتبط بفلسفة عامّة وموقف دينيّ شخصيّ. إذن، لن نقيّم يوحنّا بالنظر إلى موضوعيّة تاريخيّة قادتنا في الماضي إلى مشاريعَ فاشلةٍ حاولت أن تكتب "سيرة يسوع".
الاعتبار الثالث: تركّزت كتب سيرة يسوع على المبدأ التالي: حين ننطلق من مرقس، أقدم الأناجيل وأقلّها لاهوتًا، نستطيع أن نستخلص السمات الأساسيّة لنرسم صورة يسوع. أمّا الشرح المعاصر فأبرز قيمة مرقس الكرازيّة واللاهوتيّة، كما اكتشف قيمة متّى ولوقا. من هذا القبيل، لم يعد يوحنّا معزولاً، وإن توسّع في لاهوت اختلف عن لاهوت سابقيه. إذن، لن نستطيعَ أن نعارضَ الإنجيل الرابع بإنجيل مرقس فنقولَ إنّ يوحنّا هو تأمّل لاهوتيّ، ومرقس هو شهادة غير متقنة عن البداية.
الاعتبار الرابع: هل تكون الرمزيّة الموجودة في الإنجيل الرابع حاجزًا لتجذره في التاريخ؟ سؤال صعب، ولكنّه مهمّ من أجل فهم الإنجيل الرابع بعد أن عارض البحّاثة بين التاريخ والرمز معتبرين أنّهما بُعدان لا يتوافقان. ولكنّ العلوم الإنسانيّة (ومنها التفكير الفلسفيّ) تكشف عن ضرورة الرمز وقيمته: إنّه ترجمة ملموسة لمعطيات وجوديّة يتمّ فيها مصير البشر. ثمّ إنّه لا وجود لواقع إن لم يفسّر، والرمز شرط ضروريّ لتقييم أبعاد واقع في مسيرة التاريخ. فقد يهدف التقديم الرمزيّ إلى اكتشاف كلّ هذه الخلفيّة في حياة القارئ الشخصيّة أو في تاريخ الجماعة.
الاعتبار الخامس: اهتمّ العم الحديث بالجماعة اليوحنّاويّة، وبحث العلماء في النصوص انعكاس اهتماماتها وصراعاتها. هذا البحث هو شرعيّ. ولكن يجب أن لا ينسيَنا أنّ الإنجيل الرابع هو قبل كلّ شيء شهادة عن حياة وتعليم شخصٍ تاريخيّ هو يسوع الناصريّ. فإذا أردنا أن نتعرّف إلى تاريخ الجماعة ننطلق من النصوص.

1- تقاليد يوحنّا التاريخيّة
إذا وضعنا المطلع جانبًا، فالإنجيل الرابع يتميّز جذريًا عن الأناجيل الغنوصيّة التي كانت كثيرة في القرن الثاني (إنجيل توما، إنجيل فيلبّس، إنجيل الحقيقة...). فيوحنّا لا يعرض تعليم يسوع في إطار لا زمنيّ بل خلال حياة مدرّجة في محيط يهوديّ ومطبوعة بصراعات متزايدة مع الخصوم حتّى الالام. حتّى خطبة الوداع التي قيلت أمام التلاميذ وحدهم، ليست تعليمًا سرّيًّا وباطنيًّا محفوظاً لبعض المتدرّجين. نحن أمام تعليم يتوجّه إلى الجميع. فهدف الإنجيل الرابع يختلف عن هدف الغنوصيّين الذين لا يهمّهم إلاَّ مسيرة النفس إلى الله.

أوّلاً: إطار حياة يسوع
يجعل الإزائيّون نشاطَ يسوعَ يبتدئ بعد توقيف يوحنّا المعمدان (مر 1: 14). أمّا الإنجيل الرابع فيختلف عنهم ويشهد لوجود مرحلة معمدانيّة في رسالة يسوع (3: 22- 26؛ 4: 1-2). حدّثنا مرقس عن نداء فجائيّ للتلاميذ الأوّلين (مر 1: 16- 20)، أمّا الإنجيل الرابع فقدّم لنا رسلاً عديدين كانوا تلاميذ يوحنّا القدامى وجعلنا نتعرّف إلى مسيرتهم الإيمانيّة (1: 35؛ 2: 11؛ 6: 67- 71).
يتميّز الإنجيل الرابع بعّدة زيارات ليسوع إلى أورشليم، وبصمته على الرسالة في الجليل (4: 43- 54؛ 6: 1ي). ومع هذه الفجوات الواضحة، فإنّ تسلسل الأحداث يلفت انتباه المؤرّخين ويجعلهم يوزّعون أحداث حياة يسوع العامّة على سنتين ونصف السنة. بينما لا يعرف مرقس إلاّ سنة واحدة من النشاط الإنجيليّ.
وتبقى مسائل معلّقة: مَتَى طُرد الباعة من الهيكل؟ بعد أوّل فصح كما يقول يوحنّا (2: 13- 22). بعد آخر فصح، كما يقول الإزائيّون. ونتوقّف عند زمن الآلام وفيه يختلف يوحنّا عن الإزائيّين. يقول هؤلاء إنّ يسوع احتفل بالعشاء الفصحيّ مع تلاميذه وأعلن فيه حكم الإعدام يوم الفصح. فرجوع سمعان القيريني من الحقل (مر 16: 21) وكلّ البلبلة حول محاكمة يسوع لا معنى لهما إذا كان يسوع قد أوقف يوم العيد. أمّا يوحنّا فيحدّد أنّ يسوع امسك ليلة العيد (18: 28)، في يوم التهيئة.

ثانيًا: التحديدات الطوبوغرافيّة (رسم الأماكن) في الأنجيل الرابع
وإذا أردنا أن نتعرّف إلى التجذّر التاريخيّ للإنجيل الرابع، نتوقّف عند أسماء الأماكن. فيوحنّا يتحدّث عن أمكنة عديدة: يعرف بيت عنيا في عبر الأردنّ (1: 28) وقانا الجليل (2: 1، 11؛ 4: 46) وينابيع عين نون (3: 23) وسوخار في السامرة (4: 4) مع بئر يعقوب (4: 11) وضيعة أفرام حيث يختبئ يسوع (11: 54). وهو يعرف طوبوغرافيّة أورشليم: بركة سلوام (9: 7) وبركة بيت زاتا (أو بيت حسدا) ذات الخمسة أروقة التي اكتشفها علماء الآثار (5: 1- 2). يذكر وادي قدرون (18: 1) والمكان المسمّى في اليونانيّة ليتوس ستروتوس (أو تبليط الحجر) وفي العبرانيّة جباتا (أو المكان العالي، 19: 13). ويسمّي الجلجلة موضع الجمجمة وفي العبريّة (أي الآراميّة) جلجثّة (19: 17). يشير إلى باب سليمان في الهيكل (10: 23؛ رج أع 1: 12) والمكان المسمّى الخزانة (8: 20؛ رج لو 20: 21).
لاشكّ في أنّ تحديد الموضع لا يكفي ليكفل قيمة الخبر التاريخيّة. ولكنّه إشارة تساعدنا مع غيرها من إشارات. أمّا يوحنّا فلا يقدّم التفاصيل بصورة مجّانيّة. إنّه يدمجها في سلسلة من المفاهيم يكشفها الشارح ويستخلص بُعد المشهد اللاهوتيّ. ستَظْهَرُ لنا طريقةُ يوحنّا عندما ندرس تقديمه لمعجزات يسوع.

ثالثًا: تفاصيل مثيرة
ونعطي بعض الأمثلة التي تلقي ضوءًا على البعد التاريخيّ في الإنجيل الرابع. حسب مرقس، أطلق يسوعُ التلاميذَ بعد تكثير الخبز الأوّل (مر 6: 54): لا يشرح مرقس السبب. أمّا في نصّ يوحنّا فنلاحظ أنّ يسوع أراد أن يجنّب تلاميذه مشاركة الشعب في حماسهم (6: 14 ي). حسب قول نقله لوقا (13: 34؛ رج مت 37:23)، أراد يسوع مرارًا أن يجمع أبناء أورشليم، ولكنّه اصطدم برفض سامعيه. يأخذ هذا الإعلان كامل معناه إذا حسبنا حساب الصعودات المتكرّرة إلى أورشليم في الإنجيل الرابع. وهو وحده يجعلنا نرى تزايد عداوة السلطات اليهوديّة ضدّ يسوع. وهكذا تظهر دعوى يوم الجمعة العظيمة خاتمة دراما طويلة. وهناك تفصيل يسترعي الانتباه بصورة خاصّة: بعد قيامة لعازر، تحاشى يسوع أن يروح ويجيءَ بطريقة ظاهرة بين اليهود، فاعتزل في منطقة قريبة من البرّية، في مدينة اسمها أفرام، فأقام فيها مع تلاميذه (11: 54). في هذا الظرف بدا يسوع كإنسان فرّ وأُجبر على أن يختبئ. ولكنّ هذه الملاحظة تتعارض وميول الإنجيل الرابع الذي يشدّد على مبادرة يسوع في تحرّكاته. وفي الوقت ذاته نفهم موقفه أمام الموت: هو ثابت ولكنّه لا يتحدّى السلطات. ونتوقّف أيضاً عند المثول أمام حنّان (18: 13 ي). هذا المثول يقابل اجتماع المجلس الأوّل المذكور في متّى ومرقس، أمّا الاجتماع الرسميّ فتمّ في الصباح. ويتّخذ مثول يسوع أمام بيلاطس أهمّيّة كبيرة. فإذا أردنا أن نترك جانبًا تفاصيل الاستجواب، لن نستطيع أن ننكر أنّ نصّ يوحنّا يساعدنا على أن نفهم كيف توصّل الوالي ليحكمَ على "يسوع الناصريّ" ويعتبرَه "ملك اليهود" (19: 19). لقد خاف أن يَشِيَهُ اليهود لدى طيباريوس قيصر (19: 12). حين نعرف أنّ الإمبراطور كان ظنونًا وحذرًا، نفهم أساس مخافة بيلاطس. إذًا، يندرج تقديم يوحنّا للأحداث في إطار تثبته سائر الوثائق التاريخيّة المتعلّقة بشخص بيلاطس وولايته.

رابعًا: الخطب اليوحنّاويّة والأقوال الإزائيّة
تدلّ خطبة يوحنّا (3: 1- 21؛ 19:5- 47؛ 10: 1 ي؛ 13: 31- 17: 26) على تأمّل الإنجيليّ. فهناك آيات عديدة يمكن أن تندرج في الرسائل دون أن ننتبه لها. فليس من مؤوّل للكتاب المقدّس يقول إنّنا أمام كلمات يسوع كما تلفّظ بها حرفيًّا. والتشديد على كشف يسوع عن نفسه يتعارض وتحفّظ يسوع في الإزائيّين، كما بيّنّا.
هل نحن أمام نصّ خلقه الإنجيليّ؟ لا بدّ من التوقّف عند النصوص. فهناك أقوال نجدها في يوحنّا وفي الأناجيل الإزائيّة. منها: الأمر الذي أعطاه لفيلبّس: "اتبعني" (1: 43؛ رج أخبار الدعوة في الأناجيل الإزائيّة). والكلمة الني قالها عن الهيكل الذي يعاد بناؤه في ثلاثة أيّام (2: 19؛ رج مر 14: 58. يعود شهود الزور إلى هذه الكلمة). الإعلان عن الجسد الذي يُسلَّم (6: 51؛ رج 1 كور 11: 24)، التعارض بين الحبّ والبغض (12: 25؛ رج مت 10: 39) العلاقة بين السيّد والعبد (13: 16؛ رج مت 10: 24)، الكلمة عن استقبال تلاميذ يسوع (13: 20؛ رج مت 10: 40)0 الحوار مع التلاميذ في 4: 34- 38 يتوازى مع خطبة إرسال التلاميذ (مت 10). والجدالات عن السبت (7: 23ي؛ 9: 14ي) تقابل جدالات مماثلة في الإزائيّين. والوعد بالبارقليط امتداد لما قاله الربّ لتلاميذه بمناسبة الاضطهاد (ق يو 16: 13ي ومت 10: 20؛ مر 13: 11). ونقابل سلطة الحلّ من الخطايا في يو 20: 23 بما نقرأ في مت 19:16؛ 18:18.
إذا كان يوحنّا لم يحتفظ لنا بأمثال يسوع بالمعنى الحصريّ، فهو يستعمل تشابيهَ قريبةً من الأمثال. مثلاً: فرح صديق العريس (3: 29)، تعلّم الابن في مشغل أبيه (5: 19- 20)، المسافر الذي يدهمه الظلام (11: 9 ي)، حبّة الحنطة في الأرض (12: 24)، المرأة التي تلد (16: 21). وما يميّز يوحنّا هو البعد الكرستولوجيّ لهذه الأمثال الصغيرة. كان مثل الزارع يدلّ على كرازة الملكوت عند الإزائيّين، فصارت الحبّةُ في يوحنّا يسوعَ نفسه الذي يرضى بالموت ليحمل ثمرًا كثيرًا.
في لو 15: 1- 7 صوَّر مثلُ الراعي الذي يطلب خروفه الضالّ سلوكَ الله تجاه الخاطئين، وبرّر بالتالي موقف المسيح. أمّا في يوحنّا فيسوع هو الراعي الصالح (10: 1- 18).
إذا قرأنا الخطب بتمعّن اكتشفنا طريقة الإنجيليّ في التأمّل انطلاقًا من إحدى معطيات التقليد. فالكلمة عن الولادة من فوقَ تُقابَل مع النصوص الإزائيّة عن الأطفال: إنّها أحد النصوص النادرة التي تتكلّم عن ملكوت الله في الإنجيل الرابع (ق يو 3: 3، 5 مع مر 10: 15). إنّ كلمة يسوع هذه هي نقطة انطلاق لوحي عن ابن الإنسان الذي يكشف سرّ ملكوت السماوات. وإنّ هذا الأسلوب الجليانيّ يرتبط بالتقليد القديم.
في ف 5 يوصلنا مثل الابن "المتمرِّن" إلى توسّع عن الأعمال التي يوكلها الآب إلى الابن. وإعلان الدينونة المتواترة عند الإزائيّين، يتمّ الآن في حاضر الكلمة. وهنا أيضاً نجد نصوصاً موازية في الإزائيّين: تدلّ أمثال الملكوت على أنّ ملكوت الله يعمل حين يزرع الزارع الكلمة.
بعد الكلمة عن الجسد المسلّم (6: 51) نلاحظ توسّعًا عن نتائج الإفخارستيّا الموحّدة، وهذا ما يقابل توسّعات بولس بعد خبر تأسيس الإفخارستيّا (1 كور 27:11ي). كما يمكننا أن نجد في ف 17 توسّعًا في طلبات الصلاة الربّيّة (ق يو 6:17 مع مت 9:6؛ يو 4:17- 5 مع مت 10:6؛ يو 2:12 مع مت 13:6 أ؛ يو 17: 15 مع مت 6: 13 ب). ويمكننا أن نتابع هذه الأبحاث لنكتشف العلاقة بين خطب الإنجيل الرابع والتقليد القديم عن يسوع.

خامسًا: الشهادة التي تفسّر
إذا أردنا أن نقدّر تاريخيّة الإنجيل الرابع وجب علينا أن نتعرّف إلى هدف الإنجيليّ: أن يقدّم شهادته في الدعوى الكبرى التي تضع العالم أمام المسيح، وهكذا يمرّ أمامنا كلّ الشهود من أجل المتَّهم: يوحنّا المعمدان، الكتب المقدّسة، أعمال يسوع، الآب (5: 31- 47). وشهادة يسوع نفسها قيّمة، لأنّه يعرف من أين جاء وإلى أين يذهب (8: 14). إنّه الحقيقة (14: 6).
في هذا الإطار لا تكون الشهادة فقط بأن نورد واقعًا لاحظناه، بل أن نلتزم شخصيًّا في خدمة الحقيقة. ويجب أن نتذكّر أنّ العالم القديم لم يعرف الحقّ العامّ المسؤول عن اتّهام المجرمين. كان الشهود أو الأهل يتدخّلون ليحكوا للمظلوم. وإذ جمع يوحنّا الذكريات عن يسوع، اهتمّ بأن يبيّن معناها العميق ويدلّ على علاقتها مع حياة التلاميذ الحاضرة.

سادسًا: زمنان للتاريخ
عبّر يوحنّا بوضوح عن المسافة بين زمن الحدث وزمن التفسير الإيمانيّ، وذلك ثلاث مرّات ليفهمنا كيف نقرأ النصوص. مثلاً: حين طرد يسوع الباعة من الهيكل تلفّظ بكلمات سرّية: "اهدموا (بمعنى إذا هدمتم) هذا الهيكل وأنا أُقيمه في ثلاثة أيّام" (2: 19). في الحال لم يفهم أحدٌ التلميح إلى الموت والقيامة ولا التنبّؤ عن الهيكل الجديد الذي فيه يعبد المؤمنون الآب بالروح والحقّ (4: 23). فاهتمّ يوحنّا بأن يقول لنا إن التلاميذ لم يتذكّروا هذا ولم يفهموه إلاّ بعد القيامة. حينئذ آمنوا بالكتاب وبالكلمة التي قالها (2: 22). فالإيمان يتيح لنا بأن نربط الحدث، كلمة يسوع وتمامها، بزمن الحياة الكنسيّة (ق مع 2: 17). فالشهادة تنطلق من التقليد التاريخيّ وتبرز هذه السلسلة من المفاهيم. ونلاحظ الشيء ذاته بمناسبة دخول يسوع إلى أورشليم: "في الوقت الأوّل لم يفهم التلاميذ ما حصل. ولكن حين مُجِّد يسوع تذكّروا أنّ هذا كُتب عنه وأنّ هذا كان ما صنعوه له" (12: 16). هنا تشير شهادة الإنجيليّ إلى العلاقة بين حدث، بين كلمة الكتاب (زك 9: 9)، والتمجيد الفصحيّ. وفي مكان آخر نفهم كيف يتحقّق وعد المياه الحيّة (7: 38) بعطيّة الروح للمؤمنين.
أمّا العامل الذي يجعلنا نتذكّر، والقائد الذي يساعدنا على هذا التعمّق اللاهوتيّ، هو البارقليط كما قلنا آنفًا. إنّه يتيح لنا، كروح حقّ، أن نعود من زمن الآنيّة الكنسيّة إلى زمن المسيح. بما أنّه مساعد قضائيّ للذين سيشهدون بدورهم (15: 27)، فهو يشهد ليسوع فيجعلنا نتذكّر، ويوصل هذا التذكّر إلى الحقيقة كلّها (16: 13). إذن، ليس هناك زمن الروح الذي يحلّ محلّ زمن يسوع. فزمن الروح هو زمن ملء اكتشاف غنى الوحي الذي يتضمّنه جسد الابن. قدّم الغنوصيّون تفسيرًا يفسّر شخص المسيح من واقع بشريّته فجاء عكس القضيّة الأساسيّة التي يدافع عنها يوحنّا. وأفرغ بولتمان الإنجيل الرابع من بُعده لتاريخ الخلاص، فمنع يسوع من الدخول في تاريخ شعب بل في تاريخ البشر. فخلفيّة العهد القديم ليست إطارًا للدراما الإنجيليّة، بل هي تعطيها كلّ كثافة واقعها التاريخيّ. وهكذا يبدو يسوع كمركز التاريخ كلّه منذ إنارة البشر بالكلمة قبل التجسّد (1: 4) حتّى اليوم الأخير، يوم القيامة العامّة (5: 28ي).

2- آيات ورموز
أعلن لنا الإنجيليّ في خاتمته الأولى أنّه اختار بعض الآيات التي اجترحها يسوع ليبرّر لدى قرّائه إيمانهم بمسيح إسرائيل وبابن الله. وكلمة آية خاصّة بيوحنّا، وهي تنطبق على بعض أعمال عجيبة أتّمها المسيح، وتشير في الوقت عينه إلى مدلول تعليميّ.
هناك نصوص مطبوعة باستعمال كلمة آية، ولكنّ كلّ الشرّاح يقرّون بأنّ الإنجيل الروحانيّ له بُعد أعمق من بُعد الخبر البسيط. لهذا يتحدّثون عن بعد رمزيّ للنصّ شبيه بما عند فيلون الإسكندرانيّ وسائر النصوص اليهوديّة. ويترجمون 20: 30: "وصنع يسوع أمام أعين التلاميذ أعمالاً رمزيّة".
إذا أردنا أن نفهم كلمة آية عند يوحنّا، نعود إلى أسفار موسى الخمسة حيث نجد آيات ومعجزات اجترحها الله في زمن الخروج. مثل هذه الآيات تكشف عن مجد إله الآباء. وهكذا، فأناس جيل البرّيّة هم "الذين رأوا مجدي والآياتِ التي صنعتُ في مصر وفي البرّيّة" (عد 14: 22). فالعلاقة دائمة بين المجد والآية. وخبر المَنّ هو أفضل مثال يعبّر عن هذه الحقيقة: "في الصباح ترون مجد الربّ". (خر 16: 7). لم يُتمَّ أيُّ نبيٍّ آياتٍ ومعجزاتٍ كما فعل موسى، "هو الذي عرفه الربّ وجهًا لوجه، هو الذي أرسله الربّ ليتمّ كلّ هذه الآياتِ والمعجزاتِ" (تث 34: 10ي). إذن، اهتمّ يوحنّا بالآيات ليدلّ على أنّ يسوع يتجاوز بوحيه وعجائبه كلّ ما عمله موسى في الماضي.

أوّلاً: من الرمزيّة الكونيّة إلى الرمزيّة التاريخيّة
من السهل أن نعاين بعض الرموز الأساسيّة في كلّ خبرة بشريّة: النور والظلمة، النسمة والحياة، العطش والماء، الخبز والحياة... وهذه الخلفيّة تجعل تعليم يوحنّا سهل المنال لكلّ قارئ. ولكنّنا لن نكتفيَ بمعطيات الرمزيّة البشريّة لنفهم يوحنّا. هناك مواصفة للرمز ترتكز على الخلفيّة الكتابيّة. وإليك بعض الأمثلة:
المقابلة بين النور والظلمة، بين النهار والليل، تدخل في بنية الخبرة البشريّة. فالنور يشير إلى زمن النشاط والأمان، أمّا الظلمة فتثير القلق. نقرأ في الإنجيل الرابع: "أما النهار اثنتا عشرة ساعة؟ فمَن سار في النهار لا يعثر، لأنّه يرى نور هذا العالم. ومن سار في الليل يعثر، لأنّ لا نور فيه" (11: 9- 10). في كلّ التقاليد الدينيّة، يرتبط النور بالخير والظلمة بالشرّ. وهذا التعارض الدراماتيكيّ بين النور والظلمة ظاهر في الديانات الفارسيّة، وهو يشكّل خلفيّة مقالة قمران عن الروحَيْن، روحِ النور وروح الظلمة. ونجد هذه الرمزيّة في يوحنّا: "فمن يعملِ الشرَّ يكرهِ النورَ، فلا يخرج إلى النور لئلاّ تنفضحَ أعمالهُ. ومن يعملِ الحقَّ يأتِ إلى النور" (3: 20- 21). فالابتكار في الرمزيّة اليوحنّاويّة هو أنّ المسيح صار النور شخصيًّا. في الماضي كان عمود الغمام (المظلم في النهار والمضيء في الليل) يقود بني إسرائيل في البرّيّة (خر 13: 21ي). أمّا الآن فالمسيح يقود مؤمنيه: "أنا هو نور العالم. من يتبعْني لا يمشِ في الظلام، بل يكون له النور الذي يقود إلى الحياة" (8: 12). لقد اغتنت رمزيّة النور الأساسيّة بخبرة تاريخيّة، وأتاحت لنا أن نفهم أنّ المسيح هو وحده الذي يقود إلى الحقيقة والحياة (14: 6).
وتحتلّ المياه مكانة هامّة في الإنجيل الرابع. تظهر أوّلاً كشيء يضع حدًّا للعطش ويؤمّن حياة الإنسان. على هذا المستوى الحياتيّ فهمت السامريّة أوّلاً نداء المسيح (4: 13ي). ومِثْل كلّ الرموز الكونيّة، تستطيع المياه أن تكون خيّرة ومدمّرة. حين يشير المسيح إلى المعموديّة التي يجب أن يعتمد بها (مر 10: 39) يعود إلى خطر المياه الغامرة، مياه الموت التي تتحدّث عنها المزامير. أمّا يوحنّا فيحتفظ فقط بالوجهة الخيّرة. فالمياه تبدو دومًا كعطيّة من الله. والمعارضة بين الماء والخمر في قانا تدلّ على تعاقب عهدين: إنّ خمر العهد الجديد وعلامة الفرح المسيحانيّ يقابلان مياه تطهير اليهود. وفي مكان آخر تعني المياه الوحي الذي يشبع جوع الإنسان الدينيّ: "ظمئت نفسي إلى الله الحيّ" (مز 42: 3). وإذ حاول يسوع أن يوقظ الرغبة الروحيّة عند السامريّة، وعدها بماء يفيض بالحياة الأبديّة (4: 14).
ويتوضَّح هذا الرمز العامّ إذا قابلناه بموضوع بئر مريم في العالم اليهوديّ. فالتقاليد اليهوديّة توسّعت بأخبار الصخرة التي أخرج منها موسى المياه الغزيرة، فتحدّثت عن بئر ترافق الشعب في تجواله. واستلهم بولس هذا التفسير حين كتب: "كانوا يشربون من صخرة روحيّة تتبعهم: وهذا الصخر هو المسيح" (1 كور 10: 4). أمّا يوحنّا فرأى في المسيح النبع الذي منه تجري أنهار المياه الحيّة للمؤمن (7: 37ي). وبصورة أخصّ، قابلوا مياه البئر بتعليم موسى أو بتوجيهات الحكمة. والمعارضة بين بئر يعقوب واليَنبوع الذي وعد به يسوع تفترض تعارضاً بين تقاليد الآباء التي نقلها موسى، والوحي الذي حمله يسوع المسيح. إنّه وحده يقدر أن يعطيَ الماء الذي يحيي إلى الأبد: "من يشربْ من الماء الذي أنا أعطيه لن يعطشَ أبدًا" (4: 14). وسيقول فيما بعد إنّ هذا الماء هو علامة الروح الذي سيعطيه المسيح الممجّد (7: 38). فالروح هو ما يتيح للكلمة أن تدخل إلى باطننا وتحيِيَنا (36:6)..
ونقول الشيء عينه عن الروح (أو النسمة). ففي الحديث مع نيقوديمُس رجع يسوع إلى حرّيّة الروح ليتحدّث عن الولادة الجديدة. "فالريح تهبّ حيث تشاء فتسمع صوتها ولا تعرف من أين تجيء ولا إلى أين تذهب. هكذا كلّ من يولد من الروح" (3: 8). نشير هنا إلى حرّيّة الريح كما يقول جا 1: 6: "تذهب الريح إلى الجنوب وتدور إلى الشمال. تدور الريح وتدور وتذهب ثمّ تعود الروح إلى مدارها". ولكنّ الكلمة اليونانيّة التي تترجم الريح هي التي تترجم الروح (بنفما). فالاختبار الكتابيّ للروح الإلهيّ الذي ينزل على القاضي (مثل جدعون او شمشون) أو على النبيّ قد تجاوز اختبار الريح الكونيّ. إنّه أيضاً الروح الإلهيّ الذي يدعوه النبيّ من أربعة أقطار الكون ليعيد الحياة إلى عظام إسرائيل الجافّة (حز 37: 14). هذا هو روح الله الذي يقدر أن يجعل الجسد خليقة جديدة (3: 6). ثمّ إنّنا لا نستطيع أن نعزل إعلان الروح الإلهيّ هذا عن مواعيد الروح بلسان يسوع ولا بنفخ الروح على الرسل (20: 22). نحن بعيدون عن الروح الكونيّة التي كانت في البدايات. نحن أمام روح المسيح الذي، حين يرتفع عن الأرض (3: 14)، يعطي الروح الحيّ للذين يؤمنون به. نحن هنا أمام ثلاثة مستويات: مستوى كونيّ، مستوى كتابيّ، مستوى كرستولوجيّ.

ثانيًا: رمزيّة الأزمنة والأمكنة
رأينا كيف أنّ الإنجيل الرابع ينتظم حول الساعة: فكتاب الآيات يتوزّع حول إعلان أنّ الساعة لم تأت بعد (2: 4؛ 7: 30؛ 8: 20). وكتاب الساعة يبدأ بإعلانٍ احتفاليّ أنّ ساعة يسوع جاءت ليَعْبُرَ من هذا العالم إلى أبيه (13: 1؛ رج 16: 32؛ 17: 1). وبجانب هذه الرمزيّة الكبرى التي تدلّ على ارتباط المسيح الكامل بالنسبة إلى إرادة الآب (14: 31) نستطيع أن نجمع إشارات عديدة عن المعنى الذي يعطيه الإنجيليّ إلى العلامات الزمنيّة في كتابه. حين خرج يهوذا من العلّية كان الوقت ليلاً (13: 30)، بل كان يهوذا نفسه ليلاً، كما قال القدّيس أغوسطينس.
قد لا يكون مدلول خاصّ للساعة العاشرة (الرابعة بعد الظهر) التي فيها طلب التلاميذ يسوع (1: 39). ولكنّنا نستطيع أن نقابل الليل الذي فيه جاء نيقوديمُس إلى يسوع (3: 2) بالساعة السادسة (الظهر) التي فيها تمّ الحوار مع السامريّة (4: 6): إنّها ساعة ملء الوحي (23:4).
ولقد درس أحد الشرّاح رمزيّة الأمكنة في الإنجيل الرابع: فالناصرة خاصّة والجليل عامّة لا يمثّلان فقط معطى طوبوغرافيًّا. فالناصرة تدلّ على عثار التجسد (1: 45ي؛ 6: 38، 42؛ 7: 41، 52). وعلى الجلجلة، إنّ الكتابة التي فوق الصليب تبسط على عيون الكون عثار "الناصريّ ملك اليهود" (19: 19ي). وكما تمثّل السامرة في نظر يوحنّا بلاد اللايهود، فاليهوديّة هي الموضع الذي تكون فيه حياة يسوع في خطر والذي فيه يصعد من أجل ساعته (3: 22؛ 4: 3؛ 7: 1، 3؛ 11: 7- 16). لا تعود هذه الساعة إلى تسلسل زمنيّ، بل تندرج في زمن تحقيق مخطّط الله. وهذا المخطّط يتمّ في أورشليم بوحي يسوع عن نفسه (من هنا أهمّيّة مجادلاته مع السلطات اليهوديّة في حَرَم الهيكل)، وبالحكم على يسوع بالموت بعد هذه المجادلات (11: 45- 52). في هذا المجال صار المثول أمام حنّان وقيافا جلسة تحقيق قضائيّ لتهيئة الاتّهام أمام بيلاطس.

ثالثًا: أعمال المسيح الرمزيّة
حين ندرس إنجيل يوحنّا نرى أنّه يلاحظ بعض التفاصيل ويسجّلها لا كروايةٍ شعبيّة بل لقيمتها في النصّ. ففي خبر تكثير الارغفة، يبارك يسوع وحده الخبزات ويوزّعها (6: 11). ولكنّ التلاميذ مدعوّون لجمع الكسر في اثنتي عشرة قفّة. ويبدو أنّه مهتمّ بهذا الجمع: "اجمعوا ما فضل من الكسر لئلا يضيع منها شيء" (6: 12). إنّ هذا التجميع هو علامة الخلاص، أمّا التبديد فعلامة الهلاك. أجل، لقد كثّر يسوع الخبز مرّة واحدة من أجل حياة العالم، ودور التلاميذ عبر العصور هو أن يعملوا لكي يشارك هذا الخبز في تجميع أبناء الله (رج 52:11).
ويشدّد شفاء المولود أعمى على الوحل الذي صنعه يسوع ببصاقه. فكلمة تراب تعود خمس مرّات في الخبر (مرّتين في آ 6، ثمّ في آ 11، 14، 15). فالكلمة تدلّ على الطين الذي يصنع منه الفخّاريّ آنية (رج روم 9: 21). أما يفكّر يوحنّا بإعادة خلق الإنسان على يد المسيح؟ هذا ما قاله إيريناوس: "رَدَّ النظر إلى الأعمى لا بكلمة بل بفعل. تصرّف هكذا ليعرّفنا إلى يد الله التي جبلت الإنسان في البدء". كان الغنوصيّون ينسبون الخلق إلى العقل الفعّال. أمّا يوحنّا فدلّ على عمل الخلق عند الكلمة الذي صار جسدًا (رج آ 20، 22 مع نفخ نسمة حياة).
ويشدّد خبر غسل الأرجل على أنّ يسوع السيّد والرب خلع ثيابه ثمّ لبسها (13: 4، 12). فالفعلان المستعملان هنا يعنيان في مكان آخر (10: 17، 18): ضحّى بنفسه واستردّها. وإذا تذكّرنا اهتمام يوحنّا بثياب المسيح في وقت الالام (19: 23ي) نفهم أنّنا أمام مثل حيّ. فيسوع يبيّن للتلاميذ موته وقيامته اللذين هما الخدمة العظمى، وينبوع كلّ تطهير، والشرط الضروريّ للمشاركة في الملكوت.

3- آيات عجائبيّة في الإنجيل الرابع
يتكلّم يوحنّا كالإزائيّين عن يسوع الذي صنع معجزات عديدة (2: 23؛ 5: 1ي؛ 6: 1ي؛ 9: 1ي؛ 11: 1ي؛ 20: 30). ولكنّه يتميّز عنهم في مفرداته وتفسيره لدور الآيات في حياة الإيمان.
لا يستعمل يوحنّا كلمة تدلّ على القوّة وعلى تدخّل يسوع العجيب كما يفعل الإزائيّون. إنّه لا يريد أن يظهر قدرته حتّى من أجل مريض أو محتاج. المعجزة عند يوحنّا هي عمل وحي (رج 4:11). فالمعجزة هي كلمة منظورة كما قال القدّيس أغوسطينس.
إذا اقتصرنا على الفصول العشرين الأولى نجد سبع معجزات: آية الماء المحوّل خمرًا. إنّها مبدأ سائر المعجزات. والآية الثانية تمّت أيضا في قانا: شفى يسوع من بعيد ابن الضابط الملكيّ في كفرناحوم (4: 46- 54). الآية الثالثة: شفاء مخلّع بيت زاتا في أورشليم (5: 1- 9: اجترح يسوع المعجزة يوم السبت). الآيتان الرابعة والخامسة: تكثير الخبز في الجليل في زمن الفصح (6: 1- 15) وظهور يسوع خلال العاصفة فوق البحيرة (6: 16- 21). وحصلت الآيتان الأخيرتان في أورشليم: شفاء المولود أعمى في إطار عيد المظالّ (ف 9) وقيامة لعازر (ف 11) قبل الفصح الأخير ببضعة أيّام. وردت هذه الآية من أجل مدلولها الكرستولوجيّ. وزيدت في ف 21 آية الصيد العجيب من أجل بعدها الكنسيّ.

أوّلاً: مقابلة مع الإزائيّين
هناك آيات يوحنّاويّة نجد ما يقابلها في الأناجيل الإزائيّة. مثلاً: تكثير الخبز والسير على المياه (رج مر 6: 30- 52). ولكنّ هذا لا يمنع يوحنّا من أن يقدّمَ نقاط اختلافٍ في التفاصيل. ويمكننا أن نقابل الصيد العجيب (ف 21) بما نقرأه في لو 5: 1- 11 مع أنّ الوضع مختلف (تمّت العجيبة عند لوقا في بداية رسالة يسوع. وعند يوحنّا بعد الفصح). وناقش الشرّاح ليعرفوا هل آية شفاء ابن الضابط الملكيّ في يو 4: 46- 54 تقابل حدث شفاء ابن (أو عبد) الضابط الرومانيّ في مت 8: 5- 13 (ق لو 7: 1- 10): ففي الحالتين نحن أمام قدرة كلمة يسوع التي تفعل عن بعد. إذًا، هناك خبر واحد في الأساس اتّخذ منحيَينِ مختلفينِ. وهناك آيتان خاصّتان بيوحنّا (المخلّع والمولود أعمى) تمّتا يوم السبت فأثارتا جدالاً مع اليهود (5: 10، 16، 18؛ 9: 14، 16). إنّهما قريبتان من معجزات أوردها الإزائيّون (مر 3: 1- 5؛ لو 13: 10- 17). أمّا إقامة لعازر فتتعدّى بقوّتها الدراماتيكيّة وطابعها العجيب معجزات الإزائيّين التي فيها أيقظ يسوع مَن ظَنُّوه ميتًا: ابنة يائيرُس (مر 5: 41)، ابن أرملة نائين (لو 7: 11). أمّا في يو 11 فلم يوضع لعازر في القبر فحسب، بل بدأ الموتُ عملَ الفساد (11: 39: إنّه أنتن). وهناك معجزة تخرج من الفئات التي عرفها الإزائيّون: تحويل كمّيّة كبيرة من الماء إلى خمر (2: 6: ستّ جرار تحتوي كلّ واحدة مكيالين أو ثلاثة). وهناك فئة تظهر عند الإزائيّين ولا تظهر عند يوحنّا: طرد الشياطين. لا تعني هذه الملاحظة أنّ يوحنّا يشكّ بتسلّط سلطان هذا العالم على البشر (12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11)، ولكنّ الإنجيل الرابع يعبّر عن الانتصار على الشرّ بتأمّله في ارتفاع المسيح على الصليب (12: 31ي).

ثانياً: خبر المعجزة كفنّ أدبيّ
إذا حلّلنا أخبار المعجزات وجدنا بطريقة عامّة خمسة عناصر أساسيّة. مقدّمة تعرض الحالة (نقص، ضيق)، طلب تدخّل يدلّ على ثقة الطالب أو محيطه، تدخّل يسوع بكلمة قصيرة أو بحركة وعمل، ذكر النتيجة التي تحصل حالاً، ردّة الفعل لدى الحاضرين.
يمكننا أن نحلّل أوّل آية في قانا على ضوء هذه الرسمة: أشارت مريم إلى نقص الخمر (2: 3). أجاب يسوع جوابًا امتحن فيه إيمان مريم فدعت الخدم إلى إطاعة ابنها. أعطى يسوع أمرًا فملأوا الجرار ماء (2: 7). تحوّل الماء إلى خمر أثار الدهشة (2: 9ي)، ظهر مجد يسوع فآمن تلاميذه.
هنا، يجب أن نلاحظ تشديد يوحنّا على مبادرة يسوع. فمخلّع البركة لم يطلب شيئًا. فيسوع هو الذي بدأ فكلّمه (5: 6). وكذا نقول عن المولود أعمى (ف 9)، لأنّ سؤال التلاميذ كان سؤالاً نظريًّا (من أخطأ؟) وما تضمّن طلبًا من أجل العليل. وفي تكثير الخبز اتّخذ يسوع المبادرة (6: 5) في يوحنّا، أمّا في الإزائيّين فالرسل يطلبون إلى يسوع أن يصرف الناس وقد فات الوقت (مر 6: 35ي).

ثالثًا: آيات الإيمان
نجد في الإنجيل الرابع توترا بين المقاطع التي تجعل من الآيات عنصرًا هامُّا يقود إلى الإيمان، وبين المقاطع التي تعتبر الآيات لا تتوافق والإيمان الحقيقيّ.
ولنعطِ بعض الأمثال. تبدو الآية أوّلاً وسيلة تقرّ بصحّة سلطة. هكذا طلبت السلطات اليهوديّة من يسوع أن يعمل آية ليبرّر تدخّله في الهيكل (2: 18). وجموع الجليل من جهتها طلبت آية لتستطيع أن تؤمن (6: 30). وأعلن آخرون أنّ المسيح عندما يأتي لن يعمل آياتٍ أكثرَ ممّا عمل يسوع (7: 31) وهذه الآيات "الشرعيّة" تقابل الآيات التي أعطاها الله لموسى حين أُرسل إلى أبناء إسرائيل (خر 4: 1- 9) في هذا الإطار عينه ترى الخاتمةُ الأولى في الآيات الواردة وسيلةً تقوّي إيمان القارئين (30:20ي).
ومقابلَ هذا، يتشكّى يسوع أمام الضابط الملكيّ: "إن لم تَرَوُا الآياتِ والعجائبَ فلن تؤمنوا" (4: 48). فالإيمان الحقيقيّ هو الذي يستغني عن الرؤية: "طوبى للذين لم يرَوا وآمنوا" (20: 29).
هل من تناقض؟ هناك قول ليسوع يعطينا الجواب: "أنتم تطلبونني لا لأنّكم رأيتم الآيات، ولكن لأنّكم أكلتم خبزًا وشبعتم" (6: 26). هناك انتباه إلى الوجهة الخارجيّة للمعجزة يقف حاجزًا في مسيرة الإيمان. وهكذا يقول يوحنّا إنّ يسوع لم يكن يطمئنّ لأهل أورشليم الذين آمنوا فقط بسبب الآيات (2: 23ي). فالإيمان الحقيقيّ يفترض مداومة ونموًا في قبول الكلمة الخلاصيّة (8: 31ي). والمولود أعمى يعطينا أفضلَ مثالٍ عن هذا. فرغم معارضة الفرّيسيّين له وعزله من قِبَلِ أهله، أكّد الأعمى بوضوح متزايد إيمانه. هذا الرجل الذي شفاه هو نبيّ (9: 17). هو رجل من الله (9: 33). ولمّا التقى بيسوع، خرَّ أمام ذلك الذي قدّم نفسه على أنّه ابن الله (9: 35).
فالتلميذ الحقيقيّ هو الذي يرى في آيات يسوع وأعماله تدخّلاً من الله نفسه. فخطبة ف 5 مركّزة على هذه الفكرة: إنّ شفاء المخلّع الذي تمّ بيد يسوع هو تبيان لما يتمّه الآب (5: 7، 19- 30). وتعود خطبة الوداع إلى هذه الفكرة أيضاً. سأل فيلبّسُ أن يرى الآبَ، فأجابه يسوعُ: "إنّ الآب الذي يقيم فيّ يعمل أعماله الخاصّة. آمنوا أنّي في الآب وأنّ الآب فيّ. وإن لم تؤمنوا بكلمتي فآمنوا أقلّه بسبب هذه الأعمال" (14: 10ي). 
وحين أعلن يوحنّا في آخر المطلع "الكلمة صار بشرًا فأبصرنا مجده"، فهو يجمع كلّ ظهورات الكلمة المتجسّد: أقواله، أعماله، عطيّة ذاته على الصليب. ونحن لا نستطيع أن نعزل الآيات عن كلّ هذه المجموعة التي تدلّ على اندراج الكلمة في حياة البشر وتُصوِّر نشاطه الخلاصيّ الممتدّ في الكنيسة. فحين نتأمّل مجد المسيح (2: 11) نكتشف أنّه يفيض دومًا خيرات الخلاص على المؤمنين (1: 16).

رابعًا: تفسير للأسرار في الإنجيل الرابع
اكتشف الآباء منذ القديم الخلفيّة الأسراريّة في الإنجيل الرابع. لنقل أوّلاً إنّنا لا نجد في يوحنّا أمرًا من المسيح لنمنح المعموديّة (كما في مت 28: 19) ونمارس الإفخارستيّا. فبدل الخبر التقليديّ عن العشاء الأخير، يورد يوحنّا غسل الأرجل. فكلمة يسوع هي التي تطهّر (15: 3). ولكنّنا لا نستطيع أن نلغيَ التلميحاتِ إلى المعموديّةِ وهي كثيرة في ف 1- 3: يقابل يوحنّا بين معموديّة الماء التي يمنحها يوحنّا المعمدان، وبين العماد في الروح القدس الذي يمنحه يسوع (1: 33). ويتضمّن الحوار مع نيقوديمس تعليمًا عن الولادة الجديدة من الماء والروح (3: 5)، وهو نصّ طبّقه التقليد على المعموديّة (ق مع تي 3: 5). وهذه الولادة غير ممكنة إلاَّ بارتفاع ابن الإنسان (3: 14)، والإرتفاع هو العلامة الفضلى لحبّ الله للعالم (3: 15). إنّ كلّ هذا الفصل الثالث يحتوي كرازة عن المعموديّة. ثمّ إنّ الإشارة العابرة إلى أنّ يسوع (أو تلاميذه) كان يعمّد (3: 22 و 4: 2) تدعونا إلى التعرّف إلى يسوع الذي يعمّد.
وتُفَسَّرُ معجزة بركة بيت زيتا (ف 5) في معنى عماديّ. ولكنّ هناك اختلافًا عند الشرّاح. فالنصّ يشدّد على قدرة كلمة يسوع (كما في آية قانا الثانية: 4: 46- 54) إلتي تشني العليل دون أن يغطس في البركة. والخطبة التي تلي تدلّ على أنّ الابن يعمل أعمال الآب. وهكذا لا يعود ف 5 إلى علامة أساريّة. أمّا ف 9 فيتضمّن كرازة عماديّة رائعة. فالأعمى اغتسل في البركة التي أنها شيلوحا (أي الرسل: 9: 7). ويعود فعل غسل 5 مرّات. وهو يرتبط باستعادة النظر. وهكذا نفهم أن يكون آباء الكنيسة سمَّوُا المعموديّة سرّ الاستنارة. ومشهدُ غسل الأرجل (13: 1- 20) دلّ أوّلاً على آلام يسوع المطهِّرة. ولكنّ التشديد على الغطس وغسل الأرجل يشير في الدرجة الثانية إلى تفسير عماديّ. أمّا في ما يخصّ الإفخارستيّا، فالكلمة عن الجسد المسلَّم لحياة العالم (6: 51) تقابل الكلمة على خبز الإفخارستيّا. ويمكننا أن نفكّر أنّ الكلمة التي قالها يسوع تقابل "بسر" الآراميّة التي تدلّ على اللحم لا على الجسد. قد نعجب إذ نرى يوحنّا لا يورد خبر العشاء السرّيّ في المكان المخصص له. ولكنّه جعل من ف 6 مجموعة حيث التغذّي من الكلمة يقود إلى التغذّي من جسد المسيح. وإذ أورد خبر غسل الأرجل أفهمنا ينبوع عشاء الربّ ونتيجته. فحين غسل المسيح أرجل رسله أعطاهم أكثر من مثل (13: 15). إنّه علّمهم ممارسة. فالاحتفال الإفخارستيّ الذي لا يقود إلى الخدمة المتبادلة لا معنى له. هذه هي الأمثولة التي يعطينا إيّاها يوحنّا وهو الذي اهتمّ بالمعنى العميق للواقع الأسراريّ أكثر منه بطريقة ممارستها.
وأخيرًا، رأى اللاهوتيّون في الدم والماء اللذَين جريا من جنب المسيح علامة النعمة الأسراريّة. لو فكّر يوحنّا بأسرار التدرّج المسيحيّ أما كان كتب "الماء والدم "؛ ولكنّ النصّ يشدّد أوّلاً على واقع موت المسيح وعلى خصب هذا الموت: فقلبه المطعون هو ينبوع الأنهار الموعود بها لزمن الخلاص (ق يو 7: 37 مع التلميح في حز 47 وزك 13: 1). إنّ هذا التأمّل يتضمّن الأسرار ولكن قي مكانها كآيات لملء عطيّة الروح. وهنا يفرض علينا يوحنّا أن نكتشف الجوهر عبر العلامات الخارجيّة

ب- من كتب الإنجيل الرابع؟
نجد منذ القرن الثاني تقليدًا ثابتًا ينسب الإنجيل الرابع إلى يوحنّا بن زبدى. ولكن جاء من يشكّ بهذه النسبة وللمرّة الأولى سنة 1820. وما زال الجدال قائمًا إلى أيّامنا هذه، فزج الشرّاح مسائلَ متعدّدةً: هُوِيَّةَ الكاتب، جذورَ شهادتِه، القيمةَ التاريخيّةَ لإنجيله.
لقد رأينا كم أن المسألة معقّدة. فالإنجيل الرابع هو في حالته الحاضرة ثمرة نضج بطيء. ذكرْنَا بعضَ النظريّاتِ المتصلّبةِ (بوقان، بوامار). ولكنّ هذا يفهمنا أنّ الإنجيل الرابع عرف مراحل عديدة في تدوينه. وهكذا يمكننا أن نكتشف انعكاساتِ حياةِ الجماعة اليوحنّاويّة: تكوّنت في فلسطين، وانتقلت إلى الشتات (ربّمَا آسية الصغرى)، وانفتحت على الرسالة لدى اليونانيّين. فالإنجيل الرابع لا يهدف فقط إلى أن يبيّن أنّ يسوع هو ملك إسرائيل، بل وأنّه "ابن الله" و "مخلص العالم". وهكذا يتجاوب مع توق الناس إلى الحقيقة والحياة.
كان الشرّاح يعتبرون أنّ برهان التقليد يكفي ليثبّت الأصل اليوحنّاويّ للإنجيل الرابع. أمّا النقّاد فيردّون قول التقليد الذي لم يَظهر قبل نهاية القرن الثاني يوم أكّدت الكنيسة الأصل الرسوليّ للأسفار القانونيّة، في صراعها ضد الغنوصيّة. لا شكّ في أنّ هناك بعض الخلل في شهادات الآباء، ولكنّ هناك توافقًا بينهم. ثمّ إنّنا لا نستطيع أن نرى في شهادة إيريناوس (وهي أهمّ شهادة) اختراعًا دفاعيًّا لا أساس له. في هذه الظروف يبدو من المهمّ أن نقدّم أجزاء الملفّ.

1- الملفّ الآبائيّ
أوّلاً: شهادات آباء آسية الصغرى
ضاع مؤلَّف بابياس، أسقفِ هيرابوليس (حوالي سنة 125). ولكنّ أوسابيوس احتفظ لنا بمقاطع عن أصل إنجيلَيْ متّى ومرقس. وهناك مقطعِ آخر يدلّ على الاهتمام الذي يعلّقه التقليد على أقوال الشيوخ: "إن رافق أحد الشيوخ، كنت استعلم منه عن أقوال الشيوخ: ماذا قال أندراوس أو بطرس أو فيلبّس أو توما أو يعقوب أو يوحنّا أو متّى أو سواهم من تلاميذ الربّ، وما قاله أريستون والشيخ يوحنّا، تلميذا الربّ. لم أكن أعتقد أنّ ما يأتي من الكتب يفيدنا كذاك الذي يأتينا من كلمة حيّة ودائمة". 
يستنتج أوسابيوس من هذا النصّ أنّه يجب أن نميّز بين يوحنّا الرسول ويوحنّا الشيخ، وهذا ما يثبّته وجود مدفنين في أفسس كما يؤكّد ديونيسيوس الإسكندرانيّ. يرى أوسابيوس أنّ الرسول دوّن الإنجيل الرابع، وأنّ الشيخ دوّن سفر الرؤيا. وفي نهاية كلامه عن بابياس يزيد تفصيلاً غريبًا عن حادثة المرأة الزانية: "يستعمل بابياس نفسه شهادات مأخوذة من رسالة يوحنّا الأولى ورسالة بطرس الأولى. فيعرض قصّة أخرى عن المرأة المتّهمة بخطايا عديدة أمام الربّ، كما يحتويها الإنجيل حسب العبرانيّين".
فالحادثة المحفوظة في 53:7- 8: 11 (وفي بعض مخطوطات لوقا) وُجدت في إنجيل منحول (يعود إلى محيط مسيحيّ متهّود) يتحدّث عنه إكلمنضوس الإسكندرانيّ وأوريجانس.

إيريناوس
أفضل شاهد عن تقليد أفسس هو إيريناوس، أسقف ليون (في فرنسا)، وتلميذ بوليكربوس الإزميريّ. يشهد ضدّ الغنوصيّين أنّ التقليد الصحيح موجود في الأناجيل الأربعة. ويتحدّث عن أصل كلّ إنجيل. ثمّ يكتب عن الإنجيل الرابع ما يلي: "يوحنّا هو تلميذ الربّ الذي استلقى على صدره. فدوّن هو أيضاً إنجيلاً خلال إقامته في أفسس من أعمال آسية". ثمّ يعطي لصديقه فلورينوس تفاصيلَ عن الغنوصيّة في رسالة بعث بها إليه: "أستطيع أن أحدّد الموضع الذي كان يجلس فيه الطوباويّ ليتكلّم. كيف كان يدخل ويخرج، طريقة عيشه، مظهره الخارجيّ، أحاديثه أمام الناس. كيف كان يورد حواراته مع يوحنّا ومع سائر الذين عرفوا الربّ. كيف كان يذكر أقوالهم وما كانوا يقولونه عن الربّ، عن عجائبه وتعاليمه. بعد أن تقبّل بوليكربوس كلّ هذا من شهود عيان عن حياة الكلمة، كان ينقلها حسب الكتب المقدّسة... أستطيع أن أشهد أمام الله أنّه إن كان هذا الشيخ الطوباويّ والرسوليّ (= بوليكربوس) سمع أيّ شيء مشابهًا لما تقول، لكان أطلق صرخته وسدّ أذنيه".
ويستشهد إيريناوس في حربه ضدّ نظريّات قرنتيس بمعارضة يوحنّا لهذا الهرطوقيّ. وذهب إلى حمّامات أفسس فرأى قرنتيس في الداخل. حينئذ خرج من المكان دون أن يغتسل. قال: لننج لئلاّ تسقط الحمامات لأنّ قرنتيس، عدوّ الحقيقة، هو في داخلها.

بوليكراتيس الأفسسيّ
كانت هناك مجادلات حول الفصح مع البابا فكتور حوالي سنة 190. أراد أن يبيّن شرعيّة الاحتفال به في الرابع عشر من شهر نيسان، كما تفعل كنيسته فأورد أسماء كَافِليه: "نحن نحتفل بدقّة في هذا اليوم فلا نزيد أو ننقص شيئًا. ففي آسية يرقد نجوم كبار... فيلبّس أحد الاثني عشر رسولاً... وأيضاً يوحنّا الذي رقد على صدر الربّ والذي كان كاهنًا وتوِّج شهيدًا ومعلّمًا. فهو أيضاً رقد في أفسس".
يشهد هذا الكلامُ لتركيزِ تقليدِ يوحنّا في أفسس، ويثبّت ما قيل أعلاه عن مدفنه. فالإجلال "للنجوم الكبار" يذكرنا بإجلال الجماعات المسيحيّة المتهوّدة "لعُمُد الكنيسة" (غل 2: 9). ثمّ إنّ مجيء المسيحيّين المتهوّدين إلى مقاطعة آسية بعد سنة 70 هو شبه أكيد، وهو يدلّ على الفنّ الأدبيّ الذي دُوِّن فيه سفر الرؤيا.

ثانيًا: شهادات من مصر
انتشر الإنجيل الرابع سريعًا في مصر كما تشهد بذلك البرديّات التي ذكرناها. فدَرَسه الغنوصيّون باعتناء. وأوّل تفسير لهذا الإنجيليّ يعود إلى غنوصيٍّ من مدرسة ولنطينس، هو هيرقليون. وقد احتفظ لنا أوريجانس ببعض مقاطعَ من كتابه ليردّ عليها. ثمّ إنّ إجلال إكلمنضوس الإسكندرانيّ للإنجيل الرابع معروف وهو الذي سمّاه الإنجيل الروحانيّ. أمّا أوريجانس فيبيّن تفسيره أنّ التلميذ الحبيب هو يوحنّا الرسول. ثمّ إنّ الأصل الرسوليّ لرسالة يوحنّا الأولى لم يكن يومًا موضع بحث في الإسكندريّة. أمّا الرؤيا فنسبها ديونيسيوس الأسقف إلى يوحنّا الشيخ.

ثالثًا: جدال مع الرافضين للكلمة في رومة
في البداية لم يلق استعمال التقاليد اليوحنّاويّة أيّة صعوبة في رومة. جاء يوستينوس من آسية وعلّم في رومة ونسب الرؤيا إلى يوحنّا الرسول. لم تُعطَ له مناسبة ليقول رأيه في أصل الإنجيل الرابع، ولكنّه تعلّق بتعليمه عن اللوغوس (الكلمة). غير أن أناسًا عارضوا المونتانيّين (هرطقة أسسها مونتانوس في القرن الثاني في فريجية من أعمال آسية الصغرى) الذين رفضوا اللوغوس وتعلّقوا بالبارقليط. هؤلاء استبعدوا الأصل الرسوليّ للإنجيل الرابع.
فأجاب قانون موراتوري (نهاية القرن الثاني) على هذه الصعوبات مبرزًا اتّفاق يوحنّا مع التقليد الرسوليّ المشترك وشرعيّة ترتيبه الخاصّ في تنظيم كتابه. قال: "الإنجيل الرابع هو إنجيل يوحنّا أحد التلاميذ. بعد أن حرّضه زملاؤه التلاميذ والأساقفة قال لهم: صوموا معي ثلاثة أيّام منذ اليوم، وسنخبر بعضنا بعضاً بما سيُوحى لكلّ واحد منا. وفي الليلة نفسها أوحي إلى أندراوس أحد الرسل أنّ على يوحنّا أن يكتب كلّ شيء باسمه وبموافقة الجميع. لهذا، ورغم أنّ كلّ إنجيل يبدأ بطريقة مغايرة، فلا فرق بالنسبة إلى إيمان المؤمنين، لأنّ الروح السامي والواحد هو الذي عرض كلّ هذه الأشياء في كلّ واحد منهم".
إذا جعلنا جانبًا مجادلة الرافضين للكلمة، نستطيع القول إنّ هناك توافقًا عامًّا بين مراكز المسيحية الهامّة على أصل الإنجيل الرابع في نهاية القرن الثاني. لا شكّ في أنّ أمورًا تتّصل بالخبر التقوي. نسب بوليكراتيس الأفسسيّ الكرامة الكهنوتيّة إلى يوحنّا، مستندًا إلى ما ورد في يو 18: 16 (التلميذ معروف من قِبَلِ رئيس الكهنة). وخبر الشابّ الذي ردّه يوحنّا ثمّ صار رئيس لصوص يعود إلى إكلمنضوس الإسكندرانيّ ويشهد على عمل يوحنّا الرسوليّ في منطقة أفسس. ولكن لا نستطيع أن نأخذ هذا الخبر على حرفيّته. ويذكر ترتليانس عذاب الزيت المغليّ الذي قاساه يوحنّا، ولكنّ لا شيء يؤكّد هذا الخبر. وهناك أعمال يوحنّا التي أُلِّفت في النصف الثاني من القرن الثاني، ونَسبت إلى يوحنّا تعليمًا غنوصيًّا عن الصلب الذي لم يكن حقيقيًّا. لاشكّ في أنّ هذا التعليم مرفوض. 
إذن ما نستنتجه رغم كلّ شيء هو أن الرسول يوحنّا أقام في نهاية حياته في أفسس وأنه هو التلميذ الحبيب الذي يكفل تقاليد الإنجيل الرابع (21: 24).

2- التلميذ الحبيب
لا يُذكر التلميذ الذي كان يسوع يحبّه إلاَّ في ظروف قليلة ولكن مهمّة. يظهر أنّه بدا كصديق حميم ليسوع بعد غسل الأرجل والتنديد بالخائن (13: 23). ونجده عند الصليب (19: 26) فيسلّمه يسوع أمّه. وفي صباح اليوم الأوّل من الأسبوع ركض التلميذ الحبيب إلى القبر مع بطرس (20: 2) وكان أوّل من آمن (20: 8). وهو يحتلّ مكانة هامّة في الملحق (ف 21) ببعده الكنسيّ. هذا التلميذ هو رجل التمييز: كان أوّل من عرف الربّ (21: 7) ودلّ بطرس عليه. وبعد إعلان استشهاد بطرس نقرأ كلمة مهمة تلفّظ بها يسوع فجعل الآخرين يستشفّون أنّ التلميذ سيبقى حيًّا إلى عودة الربّ. فُهمت هذه الكلمة أوّلاً بحرفيّتها، ثمّ دلّت على ديمومة شهادة التلميذ، وهي شهادة تنقلها جماعة يوحنّا إلى سائر الكنائس.
وهناك مقطعان ظلاّ موضع جدال. من هو رفيق أندراوس في 1: 35- 40؟ إذا لاحظنا المقابلة بين الفصول الأولى وخبر الآلام، نفهم أنّ رفيق أندراوس هو ذلك الذي شهد ليسوع عند الصليب. وفي 18: 15 يتحدّث النصّ عن "تلميذ آخر" (بدون التعريف في أفضل المخطوطات) يُدخل بطرس إلى قصر حنّان لأنّه معروف من قبل رئيس الكهنة. استند كثير من الشرّاح إلى علاقة التلميذ ببطرس (رج 13: 23- 25) ففكّروا بالتلميذ الحبيب. ولكنّ النصّ لا يسمح لنا بأن نحدّد. ثمّ إنّنا نعرف أنّه كان ليسوع أتباع في أورشليم وفي المجلس الأعلى مثل يوسف الذي من الرامة ونيقوديمُس (19: 38- 39؛ رج 3: 1، 7: 5). قد يكون أحدهم تدخّل في هذه المناسبة من أجل بطرس. لا يعلّق الإنجيليّ أهمّية خاصّة على هذا التدخّل الذي يهيّئ الدرب لإنكار بطرس خلال مثول يسوع أمام حنّان وقيافا (18: 12- 14، 19- 24). 
لن نتوقّف عند رأي القائلين إنّ التلميذ الحبيب هو لعازر (قال 11: 31، 36 إنّ يسوع كان يحبّه) أو يوحنّا مرقس الذي لعب دورًا فاعلاً في الجماعة الأولى. كان شناكنبورغ وبراون قد جعلا التلميذ الحبيب هو نفسه يوحنّا الرسول. ثمّ قالا إنّه أحد أصدقاء يسوع في أورشليم.
ولكنْ يبدو أنّ التلميذ الحبيب هو يوحنّا الرسول نفسه. لماذا نعود إلى شخص مجهول ولا نعود إلى ما يقوله التقليد؟ فعطيات النصّ تقود إلى هذه النتيجة. ففي الظروف العديدة (13: 23- 26؛ 20: 3- 10؛ 21: 7، 20- 23) نجد بطرس والتلميذ الحبيب معًا، وهذا ما يوافق سفر الأعمال (أع 3: 1- 4، 11؛ 4: 13، 19؛ 8: 15، 20). وإنّ بولس يحسب بين أعمدة الكنيسة يعقوب وكيفا (أو بطرس) ويوحنّا (غل 2: 9). وهناك ملاحظة هامّة: إنّ ابني زبدى (يعقوب ويوحنّا) اللذَين احتلاّ مكانة مرموقة في التقليد الإنجيليّ وحياة الكنيسة الأولى حسب الإزائيّين وأعمال الرسل، هما غائبان من يو 1- 20. هذا الإغفال يصبح مفهومًا إذا كان التلميذ الحبيب هو أحد ابني زبدى. يمكننا أن نتصوّره في مشهد 1: 35، 39 حيث نجد تلميذَين للمعمدان: أندراوس وشخص أُغفل اسمه. جاء أندراوس بأخيه سمعان إلى يسوع (1: 40- 42)، وهذا ما يقرّبنا من دعوة يسوع لسمعان وأندراوس وابني زبدى. فالتلميذ الحبيب هو واحد منهم. ولكنّ المشهد يجري على شاطئ البحيرة حيث يصطاد سمعان بطرس ورفاقه. فيوحنّا بن زبدى هو ذلك الذي لعب دور التلميذ الذي كان يسوع يحبّه.
خاتمة: من الرسول يوحنّا إلى التقليد اليوحنّاويّ.
أين دوِّن إنجيل يوحنّا؟ الرأي الأصحّ في أفسس. قال بعضهم: في أنطاكية بسبب التقارب مع موشّحات سليمان (كتاب منحول) واستعمال أغناطيوس الأنطاكيّ للإنجيل الرابع. ولكنّ هذا يعني أنّ الجماعة اليوحنّاويّة انتقلت إلى أفسس، لأنّ تجذّر الرؤيا في آسية الصغرى أمر لا جدال فيه. ثمّ إنّ المعيّدين للفصح في الرابع عشر من نيسان يرجعون إلى يوحنّا، وقد كانوا مسيحيّين من آسية الصغرى (أفسس، سرديس، إزمير). أمّا أنطاكية فلم تتحدّث يومًا عن تعيين الفصح في هذا التاريخ.
"نُشر" الإنجيل الرابع في نهاية القرن الأوّل، فساعد أكثر من كلّ أسفار العهد الجديد على التعمّق في الكرستولوجيا وفي شخص الروح القدس. لا نقدر أن نقول إنّ مدرسة يوحنّا تتفرّد بالحديث عن وجود المسيح السابق. فهذا ما نجده في رسائل الأسر وفي الرسالة إلى العبرانيّين. ولكن. يبقى أنّ الإنجيل الرابع كَشَفَ لنا أنّ يسوع وحده يقدر أن يحمل إلينا ملء الحياة لأنّه هو الكلمة (اللوغوس) وينبوع الحياة. ويُظهر إنجيل يوحنّا عمق الحياة الحميمة التي يقدّمها المسيح للذين ينفتحون عليه بإيمان: "من يأكلْ جسدي ويشربْ دمي يثبتْ فيَّ وأنا فيه" (6: 56). "أنّا هو الكرمة وأنتم الأغصان. من يثبتْ فيّ وأنا فيه يأتِ بثمار كثيرة لأنّكم بدوني لا تقدرون أن تصنعوا شيئًا" (15: 5). والإنجيل الصوفيُّ يُدخل في قلوبنا ضرورة الحياة في الكنيسة، فعلامة حضور المسيح في العالم هي وحدة تلاميذه (ف 17).
القسم الثاني
أعمال الرسل

دوّن لوقا كتابًا في جزئين ضمنّهما حياة يسوع والكنيسة الأولى.
تحدّث الجزء الأوّل وهو الإنجيل الثالث عن زمن يسوع.
أمّا الجزء الثاني فهو سفر أعمال الرسل، يدخلنا في زمن الكنيسة، ويحدّثنا عن بطرس وبولس وإسطفانُس وفيلبّس... ولكنّه يحدّثنا بصورة خاصّة عن عمل الروح في انتشار الإنجيل وعن انطلاق الكلمة من أورشليم واليهوديّة والسامرة إلى رومة، إلى أقاصي الأرض.
سيتألف هذا القسم من فصل واحد هو سفر أعمال الرسل.
الفصل الثالث
سفر الأعمال

المقدّمة
يقول النقّاد اليوم إنّ الإنجيل الثالث وسفر الأعمال قد ألّفهما كاتب واحد. ويستند هذا الرأي إلى الرباط بين مقدّمة الإنجيل الثالث (1: 1- 4) ومقدّمة سفر الأعمال (1: 1- 2) وإلى التجانس بين أسلوب وفكر الكتابين. ونجد إشارة في البناء المتوازي بين الكتابين: يبدو الإنجيل صعودًا من الجليل إلى أورشليم، ويبدو سفر الأعمال انتشار الإنجيل من أورشليم واليهوديّة والسامرة إلى أقاصي الأرض (1: 8).
يبدو الإنجيل (أقوال المسيح، الأخبار ولا سيمّا أخبار الطفولة) وسفر الأعمال (خطب مكتوبة على طريقة المؤرّخين في اليونان) تأليف شخص هلّينيّ استفاد من تقليد عالم ساميّ. ونكتشف محيط كاتب الإنجيل الثالث والأعمال من خلال إشارات عديدة. 
ليس المؤلّف من فلسطين وهو يجهل جغرافيّتها وعاداتها.
ثقافته اليونانيّة واضحة، ليس فقط بالنظر إلى اللغة وأساليب الكتابة، بل بالنظر إلى كتَّاب اليونان، وقد أورد نصوصًا منهم ولاسيمّا في خطبة بولس في ساحة أثينة (16:17- 34).
لم يكن لوقا يهوديًّا، وهذا واضح من معاملته لشريعة إسرائيل. فالإنجيل الثالث لا يعطي أهميّة للشريعة في تعليم يسوع، بل يعتبرها كعادة وطنيّة أو كالشريعة الرومانيّة (21:16؛ 17:25).
ارتبط لوقا بمحيط بولسيّ. أعطى مكانًا مرموقًا لبولس في أعمال الرسل، وأورد أسفاره مع بولس في لغة المتكلّم الجمع (16: 10- 17؛ 20: 5- 15؛ 21: 1- 18؛ 27: 1- 28: 16). وهناك مقاطع في الإنجيل مطبوعة بلغة بولس وفكره (لو 8: 12، 15؛ 18: 1، 14؛ 21: 28، 34). نذكر بصورة خاصّة العبارة الإفخارستيّة (لو 22: 19- 20) البعيدة عن متّى ولوقا والقريبة من 1 كور 11: 23- 25.
والآن بعد أن قرأنا الإنجيل في فصل سابق، نتوقّف عند سفر الأعمال.

أ- كيف يبدو سفر الأعمال
1- العنوان والمقدّمة
عُرف أعمال الرسل (أو أعمال بعض الرسل) منذ القرن الثاني، وهو يلخّص بعضًا من مضمون كتاب عن أعمال وأقوال المسؤولين الأوّلين في الكنيسة، ولا سيّما بطرس وبولس. ولكنّه يشدّد لا على بعض الأبطال يذكّرنا بسيرتهم، بل على الروح القدس، مبدأ الكلمة، وعلى الجماعة الرسوليّة التي ينعشها الروح. إذًا لا يشبه سفر الأعمال "أعمالاً" عُرفت في العالم الهلّينيّ فقدّمت لنا سيرة هنيبعل أو الإسكندر، كما لا يشبه ما نسمّيه أعمالَ الشهداء.
سفرُ الأعمالِ هو امتدادٌ لإنجيل لوقا، والاثنانِ توجّها إلى تاوفيلوس (1: 1؛ لو 1: 3). تذكّرنا المقدّمة (1: 1، 5) باختصار برسالة يسوع دون أن تعلن مضمون الجزء الثاني. إلاَّ أنها تشير في 1: 4- 5، 8 إلى حدث العنصرة. كما نرى أنّ يسوع القائم من الموت يعطي التلاميذَ برنامجَ رسالتهم الذي هو برنامج سفر الأعمال: "ستكونون لي شهودًا في أورشليم، في كلّ اليهوديّة والسامرة وإلى أقاصي الأرض". هكذا يحدّد الكاتب مقصده.
ويبرز تعارض ظاهر بين خبر الصعود في نهاية إنجيل لوقا (ليلة الفصح، في بيت عنيا) وخبر الصعود في سفر الأعمال (بعد أربعين يومًا، على جبل الزيتون). فحسبَ بعضِ الشرّاح، إنّ هذين النصّين (أي لو 24: 50- 53 وأع 1: 1- 5) زيدا فيما بعد ليفصلا بين جزءَيِ الكتاب. لقد اعتبروا أنّ السفرينِ أَلّفا في البداية كتابًا واحدًا. ولكنّ هذا الرأي لا يثبت، لأنّ الرباط المقترح بين لو 24: 49 وأع 1: 6 (بعد إزالة المقطعين) ليس كاملاً. إنّ أع 1: 6- 12 تجعلنا على جبل الزيتون لا في داخل بيت (33:24- 49). ثمّ إنّ هذا الكتاب سيكون طويلاً فلا يمكن استعماله بسهولة في الليتورجيّا. وكما دأبت الترجمة السبعينيّة على قسمة كتب صموئيل والملوك والأخبار، هكذا قسم لوقا كتابه إلى إنجيل وأعمال رسل يكادان يكونان متساويين. يتألف الإنجيل من 19404 كلمات وأعمال الرسل من 18374 كلمة.
يرتبط الإنجيل بسفر الأعمال ارتباطًا وثيقًا: "يتكلّم لو 24: 47 عن شهادة مقدّمة إلى كلّ الأمم، ابتداء من أورشليم". وهذا ما يقوله أع 1: 8. موضوع الخلاص الممنوح للوثنيّين يبرز في البداية (لو 3: 6: "فيرى كلّ بشر خلاص الله") وفي نهاية كتاب لوقا (أع 28: 28: "ليكن معلومًا أنّ الله أرسل خلاصه إلى غير اليهود من الشعوب"). ثمّ إنّ أع 1 يقف في نقطة الاتّصال بين السفرين. في هذا الفصل نجد تذكيراتٍ إنجيليّةً ( بشارة الملكوت، عشاء القائم من الموت، يوحنّا المعمدان ووعد الروح، جماعة الاثني عشر) تبرز الوحدة الجذريّة بين زمن يسوع وزمن الكنيسة. في الإنجيل ينهي الصعودُ زمن يسوع، كنقطة في تاريخ انتهى. هدف الخبر هو كرستولوجيّ. أمّا في الأعمال، مع حبّ التنوّع الذي يتميّز به لوقا، فالخبر ذاته يدشّن أزمنةَ الروح الجديدة. هدف النصّ هو كنسيّ. أنه خبر التواصل بين تاريخ يسوع وتاريخ كنيسته. ثمّ إنّ اختيار متّيّا (1: 15- 26) يدلّ على التواصل بين جماعة الاثني عشر التي نظّمها يسوع وكنيسة العنصرة، شرط أن يُملأَ الفراغُ الذي سبّبه يهوذا في هذه المجموعة التي تمثّل أسباط إسرائيل (لو 22: 30). نحن نرى ان موضوع الوحدة يلعب دورًا كبير في الفصل الأوّلِ من الأعمال بانتظار أن نكتشفه خلال كلّ سفر الأعمال.

2- تنظيم سفر الأعمال
إنّ تنوّع موادِّ سفر الأعمال من أخبار وخطب، كبير جدًّا. والفنون الأدبيّة تمتزج مرارًا، والخبر يبدو بعضَ المرّات غيرَ متناسقٍ . والأمرُ واضحٌ خاصّةً في ف 1- 12 حيث تبدو بعض العناصر قرب الأخرى، بينما تبدو ف 13- 28 وحدة متماسكة في إطار خبر سَفَرْ. فهل من الممكن أن نجد تصميمًا دقيقًا؟ يمكننا أقلّه أن نشير إلى بعض الطرائق الأدبيّة أو البنى الظاهرة، وأن نكتشف بعض المبادئ التنظيميّة التي توجِّه فكر القارئ.

أولاً: البنى الظاهرة
ونبدأ بالأخبار. نشير إلى ثلاثة ملخّصات هامّة تقسم عادة الفصول الثلاثة الأولى: 2: 42- 47 عن وحدة الجماعة، 4: 32- 35 عن المشاركة في الخيرات، 5: 12- 16 عن قوّة الرسل التي تجترح المعجزات. وهناك ردّات تتكرّر في الرواية فتدلّ على نموّ الكنيسة أو الكلمة؛ 2: 47: "وكان الربّ كلّ يوم يزيد عدد الذين أنعم عليهم بالخلاص"؛ 4: 4: "وآمن كثير من الذين سمعوا"؛ 5: 42: "وكانوا يعلّمون كلّ يوم في الهيكل وفي البيوت ويبشّرون بيسوع المسيح"؛ 6: 7: "وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يزداد في أورشليم" (رج 6: 7؛ 9: 31؛ 11: 24؛ 12: 24؛ 16: 5؛ 19: 5؛ 19: 10، 20). وهناك أسلوب التكرار مثلاً في لوحتي قصّة حنانِيَّا وسَفِّيرَة (5: 1- 6 و5 :7- 11)، وفي الروايات الثلاث لدعوة بولس (9: 1- 19؛ 22: 4- 21؛ 26: 9- 18)، وفي رؤى كورنيليوس (10: 3- 8، 30- 33 و11 :13) وبطرس (10: 9- 16، 28 و11: 5- 10). لا نستطيع أن ننطلق من هذه الروايات المتوازية لنتحدّث عن وثائق مختلفة. ثمّ إنّ هناك عناصر عديدة تعود بانتباه القارئ إلى حادث سابق. مثلاً: العنصرة (4: 1: "وبينما هم يصلّون اهتزّ المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأوا كلّهم من الروح القدس". رج 10: 44- 48؛ 11: 15؛ 19: 6)، مقرّرات مجمع أورشليم (15: 19- 20؛ 21: 25)، تشتّت الجماعة (8: 14؛ 11: 19)، أغابوس (11: 28؛ 21: 10)، فيلبّس (8: 40؛ 21: 8). 
ونصل إلى الخطب وظاهرة التكرار واضحة في خطب سفر الأعمال. نجد نحو 24 خطبة، وهذا يشكّل ثلث السفر تقريبًا. نشير خاصّة إلى خطب بطرس الرسوليّة ( 2: 14- 41؛ 10: 34- 43)، وإلى خطب بولس يتوجّه فجها إلى اليهود (13: 16- 41) وإلى اليونانيّين (14: 15- 17؛ 17: 22- 31)، وإلى دفاع بطرس (4: 9- 12؛ 5: 29- 32) وإسطفانُس (7: 1- 53) وبولس (22: 1- 21؛ 26: 2-23). وهناك خطب إلى مسيحيّين آخرين (1: 16-22؛ 11: 4- 17؛ 15: 13- 21؛ 20: 18- 35). وتورد آخر آياتُ الأعمال كلماتِ الرسول القاطعةَ التي تقدّم الفكرة الأساسيّة في الكتاب (28: 15- 28).
وُضعت هذه الخطب في الأماكن المهمة من الكتاب لتعرض بوضوح للقرّاء مضمون الأحداث. فالأخبار ترتبط بالخطب ارتباطًا وثيقًا. ثمّ نجد على المستوى الأدبيّ أنّ أشخاص الخبر يعطون الطريقة لولوج الأحداث. اتّبع لوقا أسلوب المؤرّخين في اليونان أو في مجامع فلسطين (القديميّات الكتابيّة لفيلون المزعوم). من هذا القبيل تعبِّر خطب الأعمال أفضل تعبير عن فكر لوقا اللاهوتيّ. فبعلاقاتها المتبادلة (كتب 13: 35 على ضوء 25:2- 31) ومواضيعها المتكرّرة، تشكّل الخطب عنصرًا هامًّا من بنية الكتاب. نستطيع مثلاً أن نقابل الخطبتين إلى اليونانيّين: 14: 15- 17 تهيّيء الدرب لخطبة ساحة أثينة (17: 22- 31). ولكنّ الأمر أجلى في الخطب الموجهة إلى اليهود والتي تتألّف من رسمة واحدة.
هناك مقدّمة تتضمّن العنوان (أيّها الإخوة، يا رجال يهوذا...) ونداءً إلى السامعين ليُصْغُوا (اسمعوا، أصغُوا...)، وتذكِّر بصعوبة أو بسؤال طرحه السامعون. وهكذا ترتبط الخطبة بالقرينة الإخباريّة (رج 2: 14- 21؛ 3: 11- 12؛ 5: 27- 28؛ 10: 34- 35؛ 13: 14- 15). ثمّ هناك صُلب الخطبة بوجهها الكرازيّ: يذكر الخَطِيبُ صَلبَ يسوع على يد اليهود وقيامتَه (2: 22- 26؛ 3: 13، 21- 26؛ 5: 29- 32؛ 10: 36- 43؛ 13: 23 ي). وهناك أخيرًا تحريض مع دعوة إلى التوبة والارتداد إلى الله (2: 37- 41؛ 3: 17- 20؛ 5: 31؛ 10: 42؛ 13: 38- 41).
هذه الرسمة هي تلك التي عرفتها العظات في مجامع العالم الهلّينيّ. فإيراد النصّ الكتابيّ (2: 17- 21) أو التلميح إليه في بدء العظة يقابلان ما نعرفه عن الخطبة في المجامع. ونشدّد أيضًا على وجود أمور تتكرّر في القسم الكرازيّ من الخطبة مع استشهاد (2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39؛ 13: 31) أو تقديم البرهان الكتابيّ (2: 25- 31؛ 3: 22- 24؛ 10: 43؛ 13: 32 ي). وهناك مواضيع تظهر مرّات عديدة: ذِكرٌ سريع لرسالة يسوع على الأرض، ذِكر الصَلب الذي يتجاوب وقصد الله، ولكنّ هذا لا يخفّف مسؤوليّة أهل أورشليم أو السلطات اليهوديّة. ذكر قيامة يسوع بيد الله، كما يؤكّد الشهود. المعنى المسيحانيّ لهذا الحدث كما تبيّنه الأسفار المقدّسة. وأخيرًا موضوع إعلان مغفرة الخطايا.
تلك هي النقاط الرئيسيّة في الكرازة الرسوليّة كما جمعها لوقا من فم يسوع (لو 24: 46-49)، وبطرس باسم جماعة التلاميذ، وبولس. وهذه المواضيع المتكرّرة تدلّ على التماسك اللاهوتيّ بين الإنجيل الثالث وسفر الأعمال.
ونتحدّث أخيرًا عن المقابلة بين بطرس وبولس. هناك أسلوب بلاغة عند اليونانيّين اتّبعه لوقا فجعل أقوال بطرس وأعماله تقابل في القسم الثاني من الكتاب أقوال بولس وأعماله. ويمكننا مثلاً أن نقارن بين شفاء الكسيحَين على يد الرسولين (2:3- 26 و14 : 8- 17)، ومثول بطرس وبولس أمام المجلس (4: 5- 7؛ 23: 1- 15). جُلدا كلاهما، واجترحا المعجزات عينها (5: 4، 12-16 و19: 11- 12، 22)، وأقام كلّ منهما ميتًا (32:9- 42 و20: 19- 12). ويمكننا أيضًا أن نقابل 2: 14- 36 و13: 5- 17؛ 3: 1 و17:22؛ 3: 6 و20: 33؛ 8:4 و13: 9؛ 8: 9 و6:13- 8؛ 10: 25 و14: 14؛ 10: 34- 43 و17: 22- 31؛ 3:12- 11 و22:16- 26؛ 7:15- 11 و20: 18- 35.
هل تساعد هذه الموازاة بين بطرس وبولس على قسمة الكتاب قسمين؟ ربّما. ولكنّ الكاتب يحتفظ بحرّيّته لينظّم موادّه حسب بعض المبادئ. نجد في الكتاب بعض الوحدة ولكن دون رسمة مسبقة ومع التنوّع في التواصل.

ثانيًا: ثلاثة مبادئ للتنظيم
المبدأ الأوّل: التنظيم الإرساليّ
مبدأ التنظيم الأوّل هو مبدأ لاهوتيّ: ففي هذا التاريخ الذي يوجّهه الروح يُبرِز الكاتبُ الانتشارَ المسكونيّ للبشرى وَسْطَ اليهودِ أوّلاً ثمّ وَسْطَ الوثنيّين. (3: 26). يُحمل الإنجيلُ إلى الأمم، من أورشليم إلى "أقاصي الأرض" (1: 8). لأنّ "خلاص الله هذا قد أرسل إلى الوثنيّين" (14: 27). وهناك نصوص أخرى عديدة تبرز أهميّة هذا الإعلان على أيدي المرسلين (9:2- 11؛ 39:2؛ 9: 15؛ 11: 18؛ 46:13-47؛ 15:14). على كلّ حال، كان لوقا قد شدّد على هذا الموضوع في لو 6:3 و47:24- 48. وينتج عن هذا المبدأ اللاهوتيّ نتيجتان. الأولى: إنّ موضوع انتشار الكلمة الإرساليّ جرّ معه موضوع الموانع التي اصطدم بها الواعظون. ونتيجة ذلك نظّم الكاتب وحدات أدبيّةً ذاتَ فكرةٍ إرساليّةٍ وفكرة هجوميّة. إليك أخبار الإرساليّة: 2: 1- 41؛ 8: 1 ب- 40؛ 9: 1-31؛ 9: 32- 11: 18؛ 13: 1- 14: 28...) وإليك أخبار الدعاوى: 3: 1- 4: 11؛ 5: 17-42؛ 6: 1- 8 أ؛ 12: 1-23؛ 15: 1- 35؛ 21: 17- 26: 29. وإنّ هذه الوحدات الأدبيّة الصغيرة تبدأ مرارًا بخبر معبّر (2: 1- 13؛ 3: 1- 10؛ 6: 1- 7؛ 9: 32- 42).
والنتيجة الثانية: يساعدنا مبدأ التنظيم الأوّل (اليهود أوّلاً ثمّ اليونانيّين) على قسمة سفر الأعمال قسمين، كما اعتاد اليهود أن يقسموا كتبهم. هناك فئة تجعل القسم الأوّل يبدأ بالفصل الأوّل وينتهي بالفصل الثاني عشر، وتجعل القسم الثاني يبدأ ببداية الفصل الثالث عشر وينتهي بنهاية الكتاب. وهناك فئة ثانية تجعل خبر مجمع أورشليم يقسم الكتاب قسمين. قسم أول: 1: 1 15: 35. قسم ثان: 15: 36-28: 31. فهذا المجمع الذي فيه التقى بطرسُ ببولس قبل أن يختفيَ، يشكّل الهدفَ اللاهوتيَّ للقسم الأوّل من سفر الأعمال. ويمكننا أن نعتبر ف 13- 15 كنقطة اتّصال لدرفتي الكتاب.

المبدأ الثاني: جغرافية الكتاب
يهتمّ لوقا بإبراز المراحل الجغرافيّة. في 1: 8: أورشليم، اليهوديّة والسامرة إلى أقاصي الأرض. ثمّ في 9: 31 انتشرت الكنيسة في اليهوديّة والجليل والسامرة. في 19: 21 و23: 11 نجد إعلان سَفَر بولس من أورشليم عبر مكدونية قبل أن يصل إلى رومة. 
لقد لعب المقياس الجغرافيّ، دورًا أكيدًا في تنظيم موادّ الكتاب. ولقد لاحظ بعض الشرّاح توازيًا بين الإنجيل الثالث وسفر الأعمال. فبعد عمل الرسل في فلسطين، بدأت أسفار بولس الرسوليّة حتّى توقيفه بسبب موقفه من الهيكل (27:21 ي). وفي الإنجيل هناك رسالة يسوع في الجليل يتبعها الصعود إلى أورشليم (ق لو 9: 51 وأع 15:21) حتّى دخوله إلى الهيكل وتوقيفه. وهكذا يفضّل بعض الشرّاح أن لا يقسموا سفر الأعمال قسمين فقط، بل أكثر آخذين في الاعتبار الأمور الجغرافيّة. إليك مثلاً هذا التصميم في خمسة أقسام: 1: 15- 3:8: أورشليم؛ 8: 4- 18:11: السامرة وساحل فلسطين، يافا وقيصريّة؛ 11: 19- 15: 35: أنطاكية؛ 15: 36- 19: 21: حول بحر إيجيه؛ 19: 21- 28: 31: من أورشليم إلى رومة.

المبدأ الثالث: الأشخاص
يستند المبدأ الثالث إلى أشخاص الخبر. نلاحظ أوّلاً دورة بطرس (ف 1- 12) ودورة بولس (ف 13- 28)، دون أن نتشدّد في عملية الفصل بين الدورتين، لأن ف 9 يتحدّث عن بولس، وف 15 يتحدّث عن بطرس.
ونلاحظ أيضًا بصورة أدقّ حضور أشخاص عديدين يشكّلون في ذاتهم سلسلة من المعطيات الأدبيّة: بطرس ويوحنّا في 3: 1- 4: 31 وبعد الملخّص الأوّل. برنابا مع حنانِيَّا وسَفِّيرة (في موازاة تضاديّة) بعد الملخّص الثاني (36:4- 5: 11). الرسل بعد الملخّص الثالث (5: 17-42)، السبعة ومنهم إسطفانُس (6: 1- 8: 8) وفيلبّس (8: 5- 40). بولس وبرنابا، بولس وسيلا. نحن نرى أنّ المرسلينِ يعملان عادة اثنين اثنين كما أمرهما يسوع (لو 10: 1).
توجّه الكاتب بفكرة لاهوتيّة (الخلاص يعمّ المسكونة) وبقصد جغرافيّ عامّ، فحاول أن يقدّم بناء متماسكًا ومركَّزًا على أمكنة محدّدة وأشخاص معروفين. جمع لوقا موادّه ونظّمها فدلّ كتابه على وحدة التاريخ وتواصله.

ثالثًا: تصميم الكتاب
هناك تصميم في قسمين تحدّثنا عنه.. وهناك تصميم في ثلاثة أقسام، وآخر في أربعة أقسام (1: 1- 8: 3؛ 8: 4- 15: 35؛ 15: 36- 21: 26؛ 21: 27- 28: 31) وفي خمسة أقسام (ذكرناها أعلاه) وفي ستّة أقسام... أمّا نحن فنتوخّى الفائدة التربويّة ونقسم سفر الأعمال قسمين وخمسة أجزاء. نلاحظ في بداية كلّ جزء الإشارات التاريخيّة: 1: 15: وفي تلك الأيّام؛ 6: 1: وفي تلك الأيّام، 27:11: وفي تلك الأيّام؛ 15: 36: وبعد أيّام قليلة، 19: 21: وبعد هذه الأحداث.

- القسم الأوّل: اليهود أوّلاً (1: 1- 11: 26).
الجزء الأوّل: جماعة أورشليم (1: 1- 5: 42).
* من الفصح إلى العنصرة (1: 1- 2: 41).
1: 1- 14: المقدّمة، الصعود، الاثنا عشر.
1: 15-26: متّيّا والاثنا عشر.
2: 1- 41: العنصرة وخطبة بطرس.
* حياة الجماعة الأولى (2: 42- 5: 42).
2: 42- 47: الملخّص الأوّل عن وحدة الجماعة
3: 1- 4: 31: نشاط بطرس ويوحنّا.
4: 32- 35: الملخّص الثاني عن مقاسمة الخيرات.
4: 36- 5: 11: برنابا، حنانيّا وسفّيرة.
12:5- 16: الملخّص الثالث عن نشاط الرسل الخيّر.
5: 17- 42: الاضطهاد الذي احتمله الرسل.

الجزء الثاني: رسالة إسرائيل (6: 1- 11: 26).
6: 1- 8: 1 أ: السبعة وخبر إسطفانس.
8: 1 ب- 40: رسالة في السامرة وخبر فيلبّس.
9: 1- 31: دعوة بولس.
9: 32- 43: نشاط بطرس في اللدّ ويافا.
10: 1- 11: 18: كورنيليوس.
11: 19- 26: تأسيس أنطاكية (رج 8: 1- 4).

- القسم الثاني: ثمّ اليونانيّون (11: 27- 28: 31).
الجز الثالث: رسالة أنطاكية (11: 27- 15: 35).
11: 27- 12: 25: خدمة برنابا وبولس مع مقطع عن الاضطهاد وعن موت هيرودس.
13: 1- 14: 28: بولس وبرنابا في الرحلة الأولى.
15: 1- 35: صراع في انطاكية.
نجد في هذه الأجزاء الثلاثة انطلاقًا من أنطاكية وعودة إليها.

الجزء الرابع: الرسالة الكبرى (15: 36- 19: 20).
15: 36- 17: 15: رسالة بولس وسيلا وتيموتاوس في مكدونية. 
17: 16- 18: 23: بولس في اليونان: أثينة وكورنتوس.
18: 24- 19: 20: بولس في أفسس.

الجزء الخامس: من أفسس إلى رومة (19: 21- 28: 31).
19: 21- 23: 11: من أفسس إلى أورشليم. 
23: 12- 26: 32: في قيصريّة.
27: 1- 28: 31: في رومة

3- تاريخ ديني
أوّلاً: الآراء المعاصرة
حول الفنّ الأدبيّ وهدف الحب
لماذا كتب لوقا سفر الأعمال ولمن كتبه؟ قال أكثر الشرّاح: ما أراد لوقا أن يعطي كتاب تاريخ بل عملاً تعليميًّا وتقويًّا وجّهه إلى المسيحيّين الهلّينيّين ليذكّرهم بانتشار الإنجيل وامتداد الكنيسة إلى الأمم الوثنيّة. ويوضحون قولهم: ليس سفر الأعمال كتاب تاريخ، لأنّ لوقا لا يريد أن يورد الماضي بحدّ ذاته ولا أن يقدّم صورة موضوعيّة عن بدايات المسيحيّة. ليس سفر الأعمال سيرة بطرس أو بولس كتبها لوقا على الطريقة الهلّينيّة متصرّفًا بحرّيّة بالموادّ التي بين يديه. ولا يريد لوقا أن يجيب على فضوليّة معاصريه أو الأجيال الآتية. أنه يريد أن يبنيَ جماعته الخاصّة. هو لا يهتمّ بسيكولوجيّة الأبطال القدماء من خلال تنظيم دقيق لوقائع التاريخ. أنه يهتمّ بالماضي، وينقل فكره اللاهوتيّ في سفر الأعمال ولا سيّما في الخطب العديدة التي تتوزّع الكتاب. إذًا، نحن أمام كتاب تعليم يقدِّم للمؤمنين إرشادًا دينيًّا.
ويقولون: هناك سببان دفعا لوقا إلى تدوين كتابه: السبب المسكونيّ الذي تحدّثنا عنه أعلاه: إنّ تعليم الخلاص يتوجّه إلى الجميع، وعلى الإنجيل أن يمرّ من اليهود إلى الأمم الوثنيّة. هذا ما أراد لوقا أن يقوله للمسيحيّين الهلينيّين. ولكنّنا نتساءل: لماذا وجب على لوقا أن يذكّر بهذا اليقين مؤمنين من أصل وثنيّ؟ هل ليحميَهم من محاولات يهوديّة على غرار ما حصل لأهل غلاطية؟ ربّما.
والسبب الثاني هو سبب دفاعيّ. أنه أقلّ أهميّة من السبب الأوّل وفيه يعرض لوقا وجه الديانة المسيحيّة للعالم الرومانيّ بطريقة إيجابيّة. يذكّرهم بأنّ المسيحيّين لا يعادون الدولة وأنّهم أهل لأن يتقبّلوا الامتيازاتِ التي تقدّمها الدولة للعالم اليهوديّ وتعتبر ديانته ديانة مسموحًا بها. ولكن إذا كان هذا السبب سائدًا في سفر الأعمال فيكون لوقا قد وجّه كتابه إلى اللامؤمنين وبالأخصّ إلى السلطات الرومانيّة. وهنا نتساءل عن هُوِيَّة تاوفيلوس (1: 1؛ لو 1: 3) دون أن نجد جوابًا لتساؤلنا.
لم يتبع كثيرون من الشرّاح هذا السبب الثاني. وزاد بعضهم: دوَّن لوقا سفر الأعمال ليصالح الكنيسة الكبرى مع المسيحيّين المتهوّدين، فحاول أن يبعد كلّ صراع بين بطرس وبولس. لا شكّ أنّ لوقا كان صاحب طبع مسالم، ولكنّه قدّم لنا بطرس وبولس داخل الكنيسة الكاثوليكيّة دون أن يجعلهما يتضادّان أو يتصلّبان في مواقفه. وقال بعض آخر: كتب لوقا دفاعًا عن بولس ليساعده في دعواه أمام القيصر. ولكن ما هو مصير ف 1- 12 التي تتحدّث عن بطرس؟ وهل ننسى أنّ سفر الأعمال هو اللوحة الثانية وأنّ الإنجيل الثالث هو اللوحة الأولى، فكيف نفصل بين اللوحتين؟ وراح بعضهم ينكر على لوقا الصفة التاريخيّة بسبب التضارب بين سفر الأعمال ورسائل بولس. سنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد، ولكنّنا لا نقدر أن ننكر أمرًا واضحًا وهو أنّ لوقا يلقي نظرة إلى ماضي الجماعة الأولى ليجمع المعطيات التي تساعده على بناء نِظرته اللاهوتيّة. فكتابه هو تاريخ قبل أن يكون كتاب تعليم مسيحيّ. ولكن يبقى علينا أن نتساءل: ما هي العلاقة بين كتاب تاريخيّ وبين الحدث الذي دفع الكاتب إلى تدوين كتابه؟

حول الإستولوجيا والتاريخ
لماذا دوّن لوقا هذا التاريخ، وكيف تجرّأ أن يزيد على النصّ الإنجيليّ (كتابِه الأوّل) سفر الأعمال، ويجعل في مجموعة واحدة وعلى مستوى واحد حياة الكنيسة والحدث الخلاصيّ الذي أعلنه الإيمان؟ إنّ الجواب على هذا السؤال يعطينا المفتاح الذي به ندخل إلى سفر الأعمال.
كان المسيحيّون، قبل الجيل الثاني المسيحيّ، ينتظرون رجوع الربّ حالاً. ولكنّ النهاية القريبة التي أُعلن عنها لم تأتِ. فْضُعْفُ انتظار الخلاص الإسكاتولوجيّ أَوْهَنَ قرارَ الإيمان. في قلب هذه الأزمة وعى لوقا مستقبل الكنيسة: إنّ أمامها منذ الآن مستقبلاً غير محدود. فأقامت في "زمن الخلاص" حيث يجب أن تعمل كمؤسّسة خلاص تكفل التعليم الخلاصيّ. أجل، لقد أدخل لوقا التعليم الإسكاتولوجيّ في إطار التاريخ: إنّ الخلاص يأتي منذ الآن من زمن الكنيسة الحاملة الخلاص. أُبعد السبب الإسكاتولوجيّ وبدأ زمن الشهادة: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء" (1: 11)؟ هل نقدر أن نكتب تاريخ الكنيسة حين ننتظر كلّ يوم نهاية العالم؟ كلاّ. ولكنّ تأخير المجيء دفع لوقا لأن يتخلّى عن الانتظار القريب لليوم الإسكاتولوجيّ، وأن يُحلّ محلّه رؤية "تاريخ الخلاص" حيث تشكّل حياة يسوع نصف الزمن، بين زمن إسرائيل وزمن الكنيسة.
ولكن تبرز صعوبات بوجه هذا البناء اللاهوتيّ والسيكولوجيّ. ونتساءل: أين تبرز في سفر الأعمال الخيبة أمام تأخّر المجيء؟ هل دفع لوقا الانتظار الإسكاتولوجيّ إلى زمن بعيد ولا أهميّة له في سفر الأعمال، واحتفظ في إنجيله بإمكانيّة دينونة فجائيّة وقريبة (لو 10: 9؛ 12: 35 ي؛ 21: 34- 36)؟ هذا لا يُعْقَلُ. وقال أحدُ الشرّاح: كان لوقا ينتظر الدينونة الأخيرة عندما ينتهي جيله الخاص (لو 9: 27؛ 18: 8؛ 23:21). لقد وعى مستقبل الكنيسة بفضل الماضي الذي مضى. ولكنّه حين ثبّت فكرة بداية جديدة للتاريخ في يسوع المسيح، أكّد النهاية. إذا كان هناك من بداية، فلا بدّ من نهاية.
ومع ذلك، ففي إنجيل لوقا وفي سفر الأعمال، يخفّ الانجذاب الإسكاتولوجيّ (لو 19: 11؛ 8:21؛ أع 1: 6- 8). فهل أراد لوقا أن يحارب النظريّاتِ الرؤيويّةَ التي تهدّد رسالة الكنيسة؟ على كلّ حال، هذا لا يمنعه من النظر إلى الأزمنة الحاضرة كأنّها الأيّام الأخيرة التي دشّنها مجيء الروح (17:2)، ولا من التكلّم عن الملك الآتي في بداية وفي نهاية سفر الأعمال (3:1، 6؛ 23:28، 31) وفي أمكنة أخرى أيضًا (8: 12؛ 14: 22؛ 17: 7؛ 19: 8؛ 20: 25). وهنا نلاحظ فرقًا واضحًا بين إنجيل لوقا حيث يبدو الملكوت حاضرًا في عمل يسوع الخلاصيّ، وبين سفر الأعمال حيث يواصل الروح هذا الحضور الخلاصيّ بانتظار ملكوت سيأتي.
لا يسعي لوقا لأن يفتح التاريخ على زمن غير محدود لتاريخ الكنيسة، بل لأن يجمع زمن الكنيسة الحاليَّ في وحدة الحدث المؤسّس. وإذا قرأنا لو 16: 16 نستطيع أن نميّز زمنين لا ثلاثة أزمنة: زمن إسرائيل إلى يوحنّا وزمن "خلاص الله" (لو 6:3؛ أع 28:28) أي زمن يسوع وزمن الكنيسة معًا بانتظار الملكوت. الكنيسة التي يسمّيها لوقا إسرائيل الجديد تُكوِّن جسدًا واحدًا مع معلّمها. من هذا القبيل يبدو لوقا قريبًا جدًّا من بولس.
إذًا، ما هو الفنّ الأدبيّ؟ دفاع، سيرة، كتابُ تعليمٍ، كتابٌ هجوميّ، كرازة، تاريخ دينيّ، وحتّى إنجيل وخبر طيّب أو إنجيل الروح. نظر الشرّاح إلى كلّ هذه الافتراضات ولم يتّفقوا. وما يمكننا أن نقول هو أنّ سفر الأعمال ارتبط بالإنجيل فكان صدى لبشرى الخلاص. وأنّ إنجيل لوقا اتّخذَ بعدًا تاريخيًّا انطلاقًا من الحدث الخلاصيّ الذي يصل صداه إلى أقاصي الأرض. إنّ تاريخ يسوع هو بداية تاريخ دينيّ جديد يجد امتداده في الكنيسة.

ثانيًا: تاريخ دينيّ
يقدّم سفر الأعمال تاريخًا دينيًّا في خطّ التواريخ الكتابيّة والاستعدادات التاريخيّة التي عرفتها المجامع في القرن الأوّل ب. م. ويورد لوقا نفسه لوحة توراتيّة واسعة يوجّهها قصد لاهوتيّ (إسطفانس: 7: 2- 47؛ رج 13: 17- 22). إنّ تاريخ يسوع وتاريخ الكنيسة يواصلان تاريخ شعب الله. وعبر تسلسل الأزمنة لا نجد انقطاعًا في التاريخ. فكتابة الحدث المسيحيّ تقدّم لنا نصًّا متواصلاً للتوراة ومدوّنًا في أسلوب احتفاليّ لتاريخ جديد يجد كماله في يسوع وفي الجماعة المسيحيّة.

مقابلة بين "القديميّات البيبليّة" وسفر الأعمال
عرفنا في القرن الأوّل المسيحيّ هذه الاستعادات التاريخيّة التي تستعمل التوراة والتقاليد الشفهيّة (من نوع الهاغادا) من أجل بناء الشعب. ونذكر خاصّة كتاب "القديميّات البيبليّة" المنسوب إلى فيلون والذي دوّن في فلسطين حوالي السنة 70 ب. م. يقدّم "فيلون" سلسلة من اللوحات الحيّة المركّزة على شخصيّات بيبليّة (من آدم إلى شاول) مثل يشوع، القاضي والحاكم قناز، صموئيل. في هذا التاريخ الجديد للعهد، وُضعت خطب في أفواه الأشخاص لتذكّرنا بأنّ العهد ثابت دائم. فالله هو وحده سيّد التاريخ. وكلّ شيء يسير حسب قصده، كما أنّ النبوءات تتحقّق دومًا. الله هو وحده يخلّص، والرئيس الذي يعيّنه الله هو أداة هذا الخلاص (عُيِّن قناز بالقرعة مثل متّيّا). 
هناك تشابه بين "القديميّات" وكتاب لوقا: خبر البشارات، الصلوات العديدة، الملائكة، الروح القدس والنبوءة، موضوع المرأة، موضوع الشهادة والانفتاح المسكونيّ. يتبع التاريخ اللوقاويّ خطّ "القديميّات" ولكنّه يشدّد على الحدث الخلاصيّ. 
وفي سفر الأعمال، يقود الله مسيرة التاريخ بطرق لا ننتظرها، محترمًا تناسق التواصل التاريخيّ. الله سيّد التاريخ وكلّ شيء يتمّ حسب قصده (4: 28)، حسب "مخطّط الله" (20: 27) فلا يعارضه أحد (5: 39؛ 11: 17؛ 26: 14). ويتبع الرسول إرادة الله (5: 29؛ 6:9، 16) لأنّ كلّ شيء سيتحقّق حتمًا (6:1، 22) حتّى "تجديد كلّ شيء" (3: 21). يخدم هذا الخطّطَ الإلهيّ ملائكةٌ (5: 19؛ 26:8؛ 10: 3؛ 7: 22؛ 11: 13؛ 12: 7- 11، 23) ويُعطى للبشر رؤى (2: 17؛ 9: 10، 12؛ 10: 3؛ 16: 9، 10؛ 18: 9؛ 23: 11؛ 26: 16، 19؛ 27: 24). ثمّ إنّ الروح يوجّه الأحداث دومًا منذ فيضان الكلمة يوم العنصرة. فالروح يحمل قوّة الشهادة الرسولية (8:4، 31؛ 5: 32؛ 6: 10) منذ بداية رسالة يسوع (لو 4: 1، 18) إلى عماد الكنيسة (1: 5؛ 2: 4، 18) وطوال رسالتها. أنه يفعل في الرسل (8: 15، 17؛ 13: 2، 4؛ 28:15) في بولس (16: 6- 7: يعارض الروح القدس مشروع بولس وسيلا، 19: 1- 7، 21؛ 20: 22- 23؛ 21: 11). وإنّ جدّة الحدث المسيحيّ منذ العنصرة إلى الرسالة بين الوثنيّين، هي عمل الروح. وبرباط الروح تبان التبدّلاتُ المتواصلة التي تصيب الناس والأحداث، وتواصلُ التاريخ دون أيّ انقطاع للمخطّط الإلهيّ. هذه هي إحدى ميزات التواريخ المقدّسة (ومنها "القديميّات البيبليّة"): فالإعلان النبويّ والتكرارات والرموز تجمع الأحداث في بوتقة تاريخ واحد ومتناسق.

الإيراد الكتابيّ في سفر الأعمال
يلعب الإيراد الكتابيّ في سفر الأعمال دورًا كبيرًا. فالكتب المقدّسة قد عرفت مسبقًا كلّ شيء وأنبأت به (16:1؛ 2: 31؛ 18:3؛ 52:7). كلّ شيء قد قيل مسبقًا حسب عبارة بولس الرسول: "إنّ الأنبياء وموسى قالوا مسبقًا ما يجب أن يحصل، ولا أزيد شيئًا" (26: 22). أمسك تلميذا عمّاوس بمفتاح الكتب المقدّسة (لو 24: 27)، ومثلهما رأى لوقا في الحدث يسوع ولاسيمّا في قيامته، تتمّة الوعد القديم (أع 13: 32- 33). منذ الآن، الكتب المقدّسة تخصّ الكنيسة. لهذا يمكن أن تكون موضوع مدراش كما في المجمع (4: 25- 27). يتأوّن النصّ القديم أو يتعرّف المؤمن إلى معناه، فينطلق من الكتاب ليصل إلى الواقع الجديد (8: 34). وفي 7: 2- 40 تساعد فكرة البارّ المتألم والمخلّص على فهم مجدّد للنصّ المقدّس. وهكذا يصبح النصّ القديم كلمة جديدة تعلن عن وجود الكنيسة (2: 17؛ 13: 47؛ 15: 17). وما زالت النبوءة تتحقّق اليوم في زمن الكنيسة وحياة الجماعة (1: 20: إحلال متّيّا محلّ يهوذا، 17:2 ي: فيض الروح؛ 4: 25: الاضطهاد). أورد لوقا هذه الآياتِ الكتابيّةَ فشدّد على وحدة الأزمنة وتواصلها من إسرائيل إلى يسوع، من يسوع إلى الجماعة الأولى، من جماعة أورشليم إلى الجماعات التي أسّسها بولس. وهكذا يعطي للمسيحيّين الهلّينيّين رسالة اعتراف بهم.

موضوع الوحدة في سفر الأعمال
يحتلّ موضوع الوحدة مكانًا هامًّا في سفر الأعمال، وهذا ما قلناه عندما بيّنا الموازاة بين بطرس وبولس. وبفكرة الوحدة هذه يقيم لوقا موازاة بين الخِدَم والمعجزات وموت يسوع من جهة، وبين موت إسطفانس (7: 56- 60؛ لو 22: 69؛ 23: 34- 36) ومعجزات بطرس وبولس (أع 9: 40 ولو 8: 54؛ أع 28: 7- 10 ولو 4: 38- 39) وسفر بولس إلى أورشليم وتوقيفه وآلامه من جهة ثانية. وينسج لوقا رباطات بين البشر والأحداث في وحدة الجماعة الأولى. هو يحبّ التوافق التامّ (1: 14؛ 2: 1، 46؛ 24:4؛ 12:5؛ 6:8)، ويركّز مثاله الوحدويّ في أورشليم (44:2، 46؛ 4: 32). فَخَبَرُ كورنيليوس (ف 10- 11) ينتهي في أورشليم، وفيها أيضًا ينتهي نزاع أنطاكية (15: 1- 29). واهتمامه بالوحدة كبير بحيث أنه يخفّف من حدّة الاحتكاك بين الناس (ما عدا خلاف مرقس مع بولس: 15: 39). فلو توقّفنا عند سفر الأعمال لجهلنا الاضطرابات والانقسامات التي هزّت الجماعة الأولى. فالخلاف في 6: 1- 6 هو من المتفرّقات العاديّة. وموقف إسطفانس ضدّ الذبائح والهيكل خسر من حدّته (7: 1 ي). وقصّة المسيحيّين الذين جاؤوا من اليهوديّة (15: 1- 5) انتهت بهذا الكلام: لم يكن لهم توكيل منّا (15: 24). والخلاف بين بطرس وبولس في أنطاكية (غل 1- 2) كان وكأنه لم يكن. 
في نظر لوقا لا فائدة للكنيسة من النظر إلى الخلافات القديمة، والمتهوّدون غير موجودين مع أنّهم موجودون حقًّا. إن عقليّة لوقا المسالمة تساعدنا على أن نفهم هذا التلطيف للأمور وهذه التسوية للمعطيات التاريخيّة. وهي أيضًا نتيجة اقتناع: إنّ المسيحيّين الهلّينيّين هم المؤتمنون على خيرات الخلاص. ويبرهن لوقا عن هذا الوضع فيبيّن كيف أنّ كنيسة بولس (أي كنيسته) تكوِّن جسدًا واحدًا مع جماعة العنصرة اليهوديّة ومع شعب الوعد الحقيقيّ.

الشريعة في سفر الأعمال
يذكّرنا لوقا بأقوال بولس عن الأمانة نحو الشريعة وعادات شعب إسرائيل (3:22؛ 14:24؛ 8:25؛ 17:28). وهو يستفيد من كلّ مناسبة ليريَنا بولسَ يمارس الشريعة (17:22: صلاة بولس في الهيكل؛ 3:16: ختانة تيموثاوس؛ 18:18: نذر كنخرية؛ 20: 16؛ 23:21- 27). مثل هذا التصرّف يبدو غريبًا ويتعارض مع ما يقوله بولس عن نفسه في رسائله. ولكنّ استعادة إسرائيل في شخص بولس كانت ضروريّة للوقا لكي يبرّر تجذّر الكنائس الهلّينيّة المسيحيّة في الجيل الثاني. بالنسبة إليها، لم تعد مسألة الشريعة ذا بالٍ كما كانت في أيّام بولس. إذًا، لم يعد الأمر بالنسبة إليها أن تتحرّر من الشريعة، بل أن ترتبط بشعب الوعد من خلال الجماعة الأولى، على مثال بولس الذي قبله حنانيّا، وهو "رجل تقيّ ومتمسّك بالشرائع" (22: 12). فالكارزون الأوّلون كانوا من اليهود في اليهوديّة وفي الشتات. والسامعون الأوّلون للكلمة كانوا أيضًا من اليهود، يوم الفصح وفي مجامع الشتات حيث مارس بولس رسالته (9: 20؛ 13: 5، 14؛ 14: 1؛ 17: 1- 2، 10، 17؛ 18: 4، 26). وجماعة أورشليم المتّحدة ببولس كانت يهوديّة، كما أنّ كثيرًا من اليهود تقبّلوا تعليم بولس (9: 19- 21؛ 43:13). ولكن لماذا التشديد على هذه النقاط حين كان لوقا يوجّه كلامه إلى مؤمنين آتين من العالم الهلّينيّ؟

لماذا كتب سفر الأعمال، ولمن كتب؟
توجّه لوقا أوّلاً إلى المؤمنين، لا مباشرة إلى الوثنيّين والسلطات الرومانيّة. لا شكّ في أنّ الكاتب يشير إلى براءة بولس أمام الوثنيّين وتجاه القيصر (16: 39؛ 18: 15- 18؛ 29:23؛ 8:25، 25؛ 32:26) أو تجاه الإلهة أرطميس في أفسس (19: 36- 39). إنّه لا يريد أن يداهن قارئًا آتيًا من الوثنيّة، بل أن يقدّم قواعدَ فَطِنَةً للمسيحيّين المهدّدين بالاضطهاد. يجب أن نحترم سلطاتِ هذا العالم وأن لا نتحدّاهم. قال بولس: "ما أذنبت بشيء لا إلى شريعة اليهود، ولا إلى الهيكل، ولا إلى قيصر" (8:25).
يحدّث لوقا الهلّينيّين المسيحيّين ليبيّن لهم متانة الخلاص الذي أعطته الكنيسة، وليدلّهم على الرباطات العديدة التي تربط كنيستهم بيسوع وبجماعة البدايات. وتستند فاعليّة الخلاص إلى الرباط الحيّ بين الكنيسة الحاليّة، وريثة بولس، وحدث الخلاص الأوّل. لقد كتب لوقا إلى المؤمنين لا ليتحقّقوا فقط من تاريخيّة صحّة الوقائع المَرْوِيّة، بل ليؤكّد لهم شرعيّة وحقيقة التعاليم الحاملة الخلاص. لا يورد لوقا الماضي بما أنه ماضٍ ، ولا يَرْفَعُ من قيمة زمن الكنيسة مع ما فيها من نظم خلاص. إنّه يسعى ليعيد الزمن الحاضر إلى وحدة الحدث المؤسّس. وهكذا يثّبت مطالَبة الكنائس الهلّينيّة بأن تكون في خطّ الجماعة الأولى ومتّحدة بها. احتاجت جماعة المؤمنين إلى الطمأنينة، فكتب لوقا يطمئنها على أنّ خلاص الله دائم.
وخلاصة الكلام، يعتبر لوقا أنّ الكنائس التي تنتسب إلى بولس توحي بالثقة. بعد الآن بقي من جهة جماعةُ المؤمنين الذين ارتّدوا من العالم اليهوديّ أو العالم الوثنيّ، ومن جهة ثانية اليهود الذين لم يؤمنوا والذين يشكّلون شعبًا بين سائر الشعوب فلم يعد لهم أيُّ امتياز (13: 46؛ 18: 6). وينهي لوقا كتابه بعبارة قاسية: "أرسل الله خلاصه إلى الوثنيّين (أي غير اليهود)، وسيستمعون إليه" (28: 28، رج لو 4: 25- 27). صار مستقبل الكنيسة وسط الأمم، غير أنّ الكنيسة تأخذ رسائل كفاءة من ماضي إسرائيل ومن رسالة الجماعة الأولى.

ب- الوجهة الأدبيّة لسفر الأعمال
حوالي السنة 180 نسب إيريناوس سفر الأعمال إلى لوقا، رفيق بولس. وحوالي سنة 150 استعمل يوستينوس براهين مأخوذة من سفر الأعمال. ولكن هل نستطيع أن نعود في الزمن ونتتبّع التاريخ الأدبيّ لسفر الأعمال؟

1- أشكال النصّ المختلفة
في "النصّ المتداول" الذي نجده في أكثر الشهود، يبدو سفر الأعمال في شكلين قريبين الواحد من الآخر: النصّ السوريّ أو الأنطاكيّ، والنصّ المصريّ أو الإسكندرانيّ. نجد هذا النصّ في كلّ من الخطوط الفاتيكانيّ والسينائيّ والإسكندرانيّ والأفراميّ وفي البرديّات 45، 50، 74 وفي نصوص الآباء الإسكندرانيّين. وهناك شكل ثالث للنصّ هو الشكل الغربيّ ونحن نجده في الكودكس البازيّ وفي البرديّات 8، 29، 38، 48، في اللاتينيّة العتيقة، وفي هوامش الترجمة السريانيّة الحرقليّة، في مخطوط سريانيّ فلسطينيّ، وفي تفسير لمار أفرام حُفظ في الأرمنيّة، وبالأخصّ في مخطوط قبطيّ. 
النصّ الغربيّ أطول من "النصّ المتداول" (440 زيادة). حسَّن العلائق بين المقاطع وبسّط الصعوبات. تأثّرت اللغة بالنزعة الآراميّة وابتعدت النصوص عن السبعينيّة، وصار بطرس وبولس موضوع إكرام عميق. ومال النصّ إلى مهاجمة الشعب اليهوديّ الذي قتل المسيح.
انتشر النصّ الغربيّ في الشرق وفي الغرب وهو يرجع إلى منتصف القرن الثاني. أيكون هو النصّ الأصليّ؟ لا. والسبب هو أنّه يحاول أن ينسّق النصوص (ق ف 9 وت 22 وف 26) أو يشرحها (16: 35). كما يتجنّب التنافر في التأليف ويقدّم زياداتٍ ليتورجيّةً (37:8) ونظريّاتٍ لاهوتيّةً. توقف العلماء عند 15: 20- 29 التي تقدّم تفسيرًا لقرار أورشليم. ونجد أيضًا إشاراتٍ جغرافيّةً في 12: 10 و20: 15، وإشاراتٍ تاريخيّةً في 19: 9؛ 27: 5؛ 28: 16.

2- متى دوّن سفر الأعمال؟
يقول معظم الشرّاح اليوم إنّ سفر الأعمال دوّن بين سنة 75 وسنة 90، بل بعد سنة 80. هناك من يقول أنه دوّن قبل سنة 70 وآخرون إنّه دوّن في القرن الثاني. ولكنّنا ننتبه إلى أنّ هذا النقاش لا يؤثّر لا في تاريخيّة الكتاب ولا في موضوع الإلهام.
ما هي البراهين التي تدفع إلى القول إنّه كتب قبل سنة 70؟ أنه لا يتكلّم عن موت بولس ولا عن دمار الهيكل.
إذا أردنا أن نحدِّد موقفًا نأخذ بعين الاعتبار العناصر التالية: أوّلاً: هناك مسافة بين بولس وكاتب سفر الأعمال. لهذا فتاريخ قريب من السنة 70 يبدو صعب القبول. ثانيًا: لا نستطيع أن نتعدّى نهاية القرن الأوّل المسيحيّ لأنّ الكاتب يجهل مجموعة الرسائل البولسيّة. ثالثًا: المناخ الهادئ في الكتاب يجعلنا نحدّد موقعه قبل اضطهاد دوميسيان الكبير أي سنة 95. رابعًا: إنّ الأجزاء المدوّنة في صيغة المتكلّم الجمع تلعب دورًا هامًّا في إطار لاهوت سفر الأعمال الذي يشدّد بقوّة على موضوع الوحدة والتواصل التاريخيّ للخلاص. وهذه الأجزاء تعني، على مستوى القرّاء، رباطًا ملموسًا بين الجماعة المتقبّلة وشهادة بولس من خلاله الكرازة الرسوليّة. أن يؤمّن لوقا (أو أحد تلاميذه) رباط الوحدة، كما يقول التقليد القديم، فلا يجب أن تكون المسافة كبيرة بين قرّاء الكتاب وشهود النشاط البولسيّ.
وهكذا نقول إنّ سفر الأعمال دوِّن بين سنة 80 وسنة 95. إذا كان لوقا هو كاتب سفر الأعمال نقول أنه كتب حالاً بعد سنة 85. وإذا قلنا إنّه دوّن في محيط لوقاويّ فنستطيع أن نقول إنّه انتهى من تدوينه في نهاية القرن الأوّل تقريبًا. أمّا أين دوّن الكتاب؟ في أنطاكية؟ في آسية الصغرى؟ في اليونان أو في رومة (بسبب 28: 30)؟ لا جواب.

3- المراجع والتقاليد
أوّلاً: تكوين الكتاب
نلاحظ تنافرًا في لحمة النصّ. والسبب هو أنّ مقاطعَ غريبةً قطعت سياق النصّ. فهذا ما نقولُه عن استشهاد إسطفانس (6: 8- 15 و7: 55- 60) الذي قطعته خطبة طويلة. هذه الحبيسات عديدة في الكتاب: تبشير السامرة بين 8: 1 أ و9: 1 ي والحديث عن بولس المضطهِد. اضطهاد هيرودس وموته بين 27:11- 30 و24:12- 25. تخليص بولس بطريقة عجيبة (25:16- 34). ثورة أفسس بين 19: 20 و20: 2. إقامة أفتيخوس (20: 7- 12) تقطع خبر اجتماع تراوس. ونذكر أيضًا شفاء العاجز في لسترة (8:14- 18) مشيرين إلى ذكر دربة في 14: 6 و14: 20 ب. وفضلاً عن هذه الحبيسات، حوَّل الكاتبُ النصَّ ليربط بين الأقسام ويقدّم لنا كتابًا واحدًا. هذا ما نلاحظه في الإجمالات الثلاث (2: 43، 44-45؛ 4: 33 و5: 12 ب- 14). فيجب أن ترتبط 4: 32 ب 4: 34. ولكن أقحمت 4: 33 لتهيّئ موضوع الملخّص الثالث عن قدرة الرسل العجائبيّة. وهناك زيادات في 16: 32- 33، يجب أن تَتبع 18: 21 ج (وسافر في البحر من أفسس) 18: 19 أ (ولمّا وصلوا إلى أفسس): انفصل بولس عن رفيقيه ليذهب إلى أفسس بحرًا لا ليذهب إلى المجمع كما نفهم من الزيادة في 18: 19 ب، 21 ب. من وضع هذه الزيادات؟ أنه لوقا في الدرجة الأولى، وقد يكون بعض تلاميذه الذين أعادوا قراءة النصّ وزادوا مثلاً 4: 33.

ثانيًا: المراجع
هل استعمل لوقا مراجع؟ هل أدخل في نصّه وثائق خطّيّة أو شفهيّة كاملة؟ هل استفاد من مجموعات لكتابة سفر الأعمال كما استفاد من مرقس لتدوين إنجيله؟ يبقى الجواب صعبًا لأننا لا نملك المراجع.
لا شكّ في أنّ هناك فرقًا في الأسلوب بين القسم الأوّل بطابعه الساميّ والقسمٍ الثاني بطابعه اليونانيّ. ولكنّنا نعرف أنّ لوقا يعرف أن ينوّع أسلوبه ويتبنّى طريقةً قديمة توافق طبيعة الخبر.
قال بعض العلماء إنّ هناك مرجعًا أنطاكيًّا يتضمّن 6: 1- 8: 4؛ 11: 19- 30؛ 12: 25. الافتراض معقول.
وهناك افتراض آخر يستند إلى الأجزاء المكتوبة في صيغة المتكلّم الجمع. قال بعضهم: كان هناك خبر سَفَر يتضمّن 13: 4- 14: 28 و15: 36- 21: 16. وقال آخرون: كان هناك يوميّات بولس... ولكنّ لوقا أدخلها في سياق كتابه فلا نستطيع أن نميّز هذه الأجزاء من سائر موادّ الكتاب.

ثالثًا: التقاليد
ولكنّ لا شكّ في أنّ لوقا رجع إلى الوثائق أكانت خطّية أو شفهيّة. ولقد قال في لو 1: 3 أنه استعلم بدقّة في الكنائس التي زارها ولدى المسيحيّين عن "الأحداث التي جرت بيننا". ففي زمن بولس كانوا ينتقلون من كنيسة إلى كنيسة، ويشدّد صاحب سفر الأعمال على العلائق والاتّصالات بين الجماعات (14: 27؛ 15: 3- 4). ولكنّ هل يمكن أن نجد في النصّ الحاليّ إشارات إلى هذا التكوين الأوّل للنصوص؟ هنا يلجأ الشرّاح إلى معيار التنافر في الأسلوب، في الكتابة، ويتوقّفون عند المعطيات الغريبة أو التي لا فائدة منها أو التي لا تدخل في الإطار العامّ للفكر اللوقاويّ. في الواقع، كلّ مقطع يطرح علينا سؤالاً خاصّة بالنسبة إلى الأخبار القديمة التي نقرأها في القسم الأوّل من الكتاب. وفي خبر السفَر، نستطيع أن نتعرّف إلى طبيعة التوثيق وإلى طريقة عرض المعلومات. مثلاً: اعتاد لوقا أن يقدّم الأشخاص في بداية الخبر. أمّا في 17: 5 فيدخل ياسون في الخبر بطريقة لا ننتظرها. ثمّ إنّ لوقا يشير إلى مدن ومراحل سفر لا فائدة منها في اللحمة الإخباريّة (رج 14: 25؛ 17: 1؛ 20: 13- 15). إن لم يكن له شيء يقوله، يتابع طريقه ولا يقول شيئًا. وهناك مرّات نتساءل إن كان لا يفضّل أن يسكت على قضايا مثل قضيّة أنطاكية (رج غل 2: 1- 4) أو أزمة كورنتوس، لئلاّ يُضْعِفَ فكرتَه الأساسيّة حول الوحدة الكنسيّة. ونتساءل أخيرًا: هل غربل وثائقه؟ أما ترك تقاليد شعبيّة مختلفة القِيَمِ (1: 18؛ 16: 25- 34؛ 19: 14- 16، 20: 7- 12)؟ ولمّة بولس من أجل المسيحيّين في أورشليم لم تكن مفهومة لديه. فهو يتحدّث في 17:24 عن "بعض التبرّعات". غير أنّ تنوّع الأخبار عند لوقا يجعلنا نفهم أنّ لوقا جمع التقاليد المتعدّدة. قالوا أنه لم يسيطر عليها. ولكن لماذا لا نقول أنه خاف أن يضيع أيُّ فتات، فحاول أن يدخل كلّ معلوماته في كتاب أراده أن يكون مرآة كنيسة لجماعته التي تعرف الخلافات الباطنيّة. ولكنّنا نتساءل حينئذ: ما هي القيمة التاريخيّة لهذه التقاليد؟

ج- القيمة التاريخيّة لسفر الأعمال
1- لوقا ونظرته إلى التاريخ
دوّن لوقا تاريخًا دينيًّا انطلاقًا من التقاليد التي لمّها من الجماعات وأدخلها في كتابه حسب حاجة قارئيه. هو الذي كتب، ولكنّنا نحس في كل وقت بقبضة الحدث الذي يرويه التقليد الشفهيّ على مضمون هذا النصّ. من جهة، يشكّل سفر الأعمال وثيقة تاريخيّة رئيسيّة على وضع الفكر المسيحيّ في نهاية القرن الأوّل. ومن جهة ثانية نسمع من خلال النصّ صدى الأحداث الماضية. أراد لوقا أن يثبّت الوحدة الجذريّة الموجودة بين كنائس عصره وجماعة البدايات، فوجب عليه أن يختار ما يوافقه من بين العناصر التي قدّمها له التقليد. ما كان باستطاعته أن يخترع هذه التقاليد وإلاّ دمّر القضيّة التي يدافع عنها في نظره، وفي نظر معاصريه، وفي نظر السلطات التي سمعت ولا شكّ بالأحداث التي جرت في الماضي.
حين عاد لوقا إلى مرقس أَبان في الوقت ذاته عن أمانة كبيرة وحرّيّة مدهشة في عرضه للأمور. هل نستطيع أن نقول الشيء عينه بالنسبة إلى سفر الأعمال؟ فالأخبار والخطب ليست صورة فوتوغرافيّة عن الأحداث أو نسخة كربونيّة عن خطب حقيقيّة. لهذا، حين نقرأ الكتاب أو نشرحه، لن نقف على مستوى الحدث الأوّل لنقدّم البرهانَ على صحّة النصّ. ففي أحد التقاليد الشعبيّة عن يهوذا (18:1)، لا نستطيع أن نفسّر موت الخائن الذي وقع على رأسه بأن نُصعده إلى سطح البيت الذي يتحدّث عنه 1: 20 على خطى مز 26:69. فكلّ مرّة يترك المفسّر النصّ ليعيد بناء الحدث على طريقته، يخلق نصًّا جديدًا وتاريخًا جديدًا. وكذلك كلّ مرّة يرفض الشارح تاريخيّة حدث باسم نِظرة تاريخيّة خاصّة فهو يخطئ أيضًا. فإنّ أحدَ الشرّاح يلغي 1: 19 لأنّ بطرس لا يستطيع أن يتلفّظ بالكلمات "في لغتهم". ثمّ يلغي 1: 18 الذي يتحدّث عن يهوذا لأنّ الرسل كانوا عارفين بهذا الأمر. فينتج عن ذلك أنّ برهان 1: 20 لا يمكن أن يكون صحيحًا. إذًا تسقط 1: 16. وهكذا يهدم كلّ المقطع عن متّيّا... هذا يعني أنّ أخبار لوقا مركّبة تركيبًا متينًا. بحيث إنّنا إذا انتزعنا حجرًا هبط البناء كلّه.
إذًا يجب على شارح القسم الأوّل من سفر الأعمال أن يجعل نفسه على مستوى النصّ لكي يفهمه. هذا لا يمنعه أن يكتشف إشاراتٍ تاريخيّة نوجّهه إلى حدث سابق. في الوضع الحاليّ للتوثيق، لا يقدر المؤوّل أن يعود إلى الحدث ليصوّره من جديد. كل ما يقدر عليه هو أن يتحقّق من قوّة تأثير هذا التذكار أو ذاك في التقاليد التي جمعها لوقا. 

2- دورة بطرس والتاريخ
لا نستطيع أن نسبر القيمة التاريخيّة لكلّ حدث في القسم الأوّل من سفر الأعمال. ولكنّنا سنقدّم بعض الملاحظات القصيرة.
أوّلاً: تاريخيّة الخطب
ليست خطب سفر الأعمال ملخّصًا لخطب أوسع، بل وحدات صغيرة منظّمة وكاملة، وإن توقّفت عند الذروة حسب فمن لوقا (7: 53؛ 10: 43؛ 26: 23). يجب أن نتحلّى بالفطنة قبل أن ننسب إلى التقليد القديم العبارات اللوقاويّة أو رسمة الخطبة العامّة. ولكنّنا لن نرفض وجودَ مواضيعَ تقليديّةٍ تُشْبِهُ عناصرَ سابقةً لرسائل مار بولس (1 كور 3:15- 5). بل نلاحظ أنّ لوقا يستعيد عناصرَ أساسيّةً من فكر بولس حين لم تكن نقاط المناقشة في منظوره اللاهوتيّ: مثلاً: التبرير وموت يسوع الخلاصيّ (13: 38- 39؛ 20: 28). وخطبة إسطفانس بأسلوبها اللوقاويّ تحمل عناصر ضدّ الشريعة وذبائح الهيكل، وهي عناصر تعارض فكر لوقا العاديّ. إنّ احترام لوقا لمراجعه يقدر أن يتجاوز بعض المرّات أفكارًا عزيزة على قلبه.

ثانيًا: الأخبار
لأخبار دورة بطرس طابع خاصٌّ يميّزها عن أخبار الأسفار البولسيّة. فبعد 15: 36 يقدّم لوقا خبرَ سفرٍ يحمل بعض المرّات ملاحظات غريبة وعديمة الجدوى، ولكنّ الخبر متماسك. أمّا في القسم الأوّل من سفر الأعمال فنجد فسيفساء من الأخبار والخطب وسلسلة من العناصر المتنوّعة التي لا رابط بينها. نحسّ أنّ لوقا لا يسعى إلى صد التاريخ، بل إلى أن يكشف انطلاقًا من عناصر مختارة ومعبّرة، عن ينابيع الخلاص في فكر الجماعة الأولى وفي ممارستها النموذجيّة. إذًا، لا نستطيع أن نجعل قسمَيْ سفر الأعمال على المستوى التاريخيّ الواحد. في القسم الثاني، ينقل لوقا إلى الجماعات الهلّينيّة بداية تاريخهم الخاصّ على خطى بولس. أمّا في القسم الأوّل فيذكّرهم بالتاريخ القديم للجماعة اللوقاويّة في سلسلة من اللوحات الحيّة والنموذجيّة. إِنّها اعتبارات لاهوتيّة نرجعها إلى زمن البدايات. مثلاً: خبر العنصرة عن ولادة الكنيسة، الإجمالات عن حياة الجماعة المثاليّة، خبر أوّل خطيئة وإخراج حنانِيَّا وسَفِّيرة من الجماعة، أصل الخدَم (6: 1- 7) وأصل الرسالة بين الوثنيّين (كورنيليوس، أنطاكية). إنّ هذه الأخبار القَريبة من التقاليد المتهوّدة تفيدنا على المستوى اللاهوتيّ والتاريخيّ شرط أن نتعلّم كيف نقرأها.

ثالثًا: تسلسل الأحداث
يستعيد لوقا فكرة مر 27:7 وبولس في روم 1: 16 و2: 9 فيقول: أعلن الإنجيل أوّلاً لليهود ثمّ للوثنيّين. إذًا، يمدّ الأحداثَ في تسلسل ظاهر، بينما تبقى الرسالةُ في إسرائيل همَّ بولس بعد ذهابه إلى الوثنيّين. إذا قرأنا غل 2: 9 و1 كور 9: 19- 23 نفهم أنّ الرسالتين تقاسمتا نشاط بولس. وحين يبدأ لوقا بمعالجة موضوع، فهو يحبّ أن ينهيَ منه قبل أن يعود إلى غيره. وهكذا يُكَوِّنُ مجموعاتٍ مرتّبةً (رج قصّة يوحنّا المعمدان في لو 3: 1- 20). وهذا ما صنعه في الأعمال بالنسبة إلى دورة بطرس. إنّ دخول كورنيليوس في الكنيسة (10: 1- 11: 18) يقع في نهاية هذه الدورة كفعل رمزيّ يهيّىء لتأسيس كنيسة أنطاكية ويُعدّ الدرب لعمل بولس. أمّا إذا عدنا إلى المستوى التاريخيّ فقد يكون ارتداد كورنيليوس تمّ فيما بعد. ولكنّ ما يهمّ لوقا هو المستوى الأدبيّ وتنظيم دورة بطرس لا المستوى التاريخيّ لتسلسل الأحداث. وإذا تحدّث لوقا في أع 17:12 عن موت بطرس نستطيع أن نستنتج من هذا التقديم أنّ الأحداث الواردة بعد هذه الآية حدثت بعد موت الرسول (رج 3:15 ي). إذًا، نتجنّب الاعتباراتِ التي تستند فقط إلى المتتالياتِ الإخباريّة. ولنا مَثَلٌ في أسفار بولس الثلاثة إلى أورشليم.

3- بولس وسِفر الأول
هناك فرق حقيقيّ بين صورة بولس كما نراها في سفر الأعمال وصورته كما نراها في رسائله. فراح بعض الشرّاح يقولون إنّ لا قيمة تاريخيّة لسفر الأعمال، ونسبوا تدوين هذا السفر لا إلى لوقا، أحد رفاق بولس، بل إلى شخص غريب. ولكنّ هذا القول مُغَالىً فيه. فسفر الأعمال يرسم المحيط الجغرافيّ والبشريّ الذي عاشت فيه إرساليّات بولس. ثم إنّ الفرق بين الرسائل وسفر الأعمال يدلّنا على تطوّر الفكر في فترة قصيرة من الزمن، وهذا علامة التنوّع في الكنيسة الواحدة.
وها نحن نقدّم بعض الملاحظات حول هذا الاختلاف:
أوّلاً: إنّ إقامة بولس الثانية في أورشليم التي يتحدّث عنها غل 2: 1- 10 تقابل ما نقرأه في أع 15: 4- 29 رغم اختلاف الوجهات. ولكن إذا عدنا إلى أع 9: 26- 30؛ 11: 30؛ 12: 25؛ 15: 4، نجد أنّنا أمام إقامة بولس الثالثة في أورشليم (لا الثانية). ولكن، إلى أيّ مدى نستطيع أن نستند إلى تسلسل الأحداث في القسم الأوّل من سفر الأعمال. وهكذا تحتاج المسألة إلى مزيد من البحث. ثمّ إنّ خبر أع 15 يقدّم لنا الصعوبات. أين نجعل خلاف أنطاكية الذي يحدّثنا عنه غل 2: 11- 14، وأع 3:15، قبل مجمع أورشليم أو بعده؟ ثمّ، ألا يجب أن نفصل الاتّفاق الذي تمّ في أورشليم عن القرارات الطقسيّة التي ترد في الرسالة إلى الكنائس في أع 15: 29- 30؟ ففي مقطع عن لحوم الأوثان (1 كور 10) يجهل بولس هذه القرارات. بل إنّ يعقوب سيخبره بها خلال إقامته الأخيرة في أورشليم حسب أع 21: 25. إذًا، من المفضّل أن نستند إلى عرض الأوضاع حسب بولس لا إلى النظرة الإجماليّة التي يجمع فيها لوقا عناصره من أزمان ومحيطات مختلفة.
ثانيًا: يقول سفر الأعمال إنّ بولسَ كان خطيبًا بارعًا. أمّا في 2 كور 10 : 10؛ 12:12 فهو متواضع. ولكنّ "ترجمان" القدّيس بولس عبّر بهذه الطريقة عن محبّته لمعلّمه واستعاد عباراتٍ عزيزةً على قلب لوقا (هذا ما نقوله عن لقب "ابن الله" في 9: 20) وأدخلها مثلاً في خطبة أثينة (أع 23:17- 27؛ روم 1: 19- 20).
ثالثًا: إذا قرأنا سفر الأعمال نجد أنّ بولسَ متّحدٌ ببطرس ويعقوب. ولكنَّ بولسَ يبدو متحفّظًا (رغم غل 9:2). هل ننسى قضيّةَ الوحدة التي يدافع عنها لوقا؟ لهذا فهو يزيل الخلافاتِ بين المسؤولين في الكنيسة أو يخفّف من حدّتها، وذلك ليثبّت في الوحدة الجماعاتِ التي ورثت تقليد بولس في خطّ المؤسسّين القدماء. وراح موضوع الوحدة يعيد إلى بولس بعض وجهه اليهوديّ. ولكنّ هذا لا يمنع لوقا من أن يذكّر بحرّيّة الوثنيّين تجاه الشريعة (15: 10) أو أن يستعيد عباراتٍ مهمّةً من فكر بولس عن التبرير والنعمة (38:13، 43؛ 3:14؛ 15: 11؛ 20: 24). وقد قلنا أعلاه إنّ لوقا يتطلّع إلى زمن البدايات كمبدأ وحدة أكثر منه إلى المستقبل، وبالتالي إنّه يخفي الموضوع الإسكاتولوجيّ.
رابعًا: إذا قرأنا الأعمال نفهم أنّ الرسل هم الاثنا عشر انطلاقًا من تحديد نقرأه في 1: 21-22. ولكن كيف ينسى رفيق بولس مطالبة رسول الأمم بهذا اللقب؟ فلا ننسى أن 14: 4، 14 تسمّي بولس وبرنابا رسولين. ثمّ إنّ كلمة "رسل" تستعمل في صيغة الجمع كوحدة على مستوى الحلقة الرسوليّة. وإذا كان الرسل يمارسون "خدمة الرسالة" (25:1)، فلماذا لا يعود لوقا يتحدّث عن الاثني عشر بعد 2:6، أي وقت تبدّلت وظيفة الرسل حين تنظّم السبعة؟ يجب إذًا أن لا نعارض بين لوقا وبولس. فما يريد أن يبنيه لوقا هو أنّ بولس يؤمّن رباط الوحدة بين جماعة الرسل الأساسيّة (13: 31- 22) والزمن الحاضر للكنيسة اللوقاويّة.
خامسًا: يختلف لوقا عن بولس في أنّه لا يشدّد على القيمة الخلاصيّة لموت يسوع. ولكنّه احتفظ بهذا الموضوع في فم بولس في 28:20، كما أنّه أدخل لاهوت القيامة. كان لوقا يتوجّه إلى يونانيّين تصدمهم فكرة القيامة، لا إلى يهود يشكّكهم صليب المسيح (1 كور 1: 23) فأجبر على التشديد على لاهوت خلاص مؤسَّس على حدث القيامة (13: 30، 35- 36؛ 17: 17- 18، 31- 32؛ 23: 6؛ 24: 15، 21؛ 26: 23). إنّ لوقا حاول أن يكيّف تعليمه حسب العقليّة الهلّينيّة فقدّم لاهوتًا أوحى به الروح من أجل بناء الكنيسة.

د- قراءة إجماليّة لسفر الأعمال
كان المؤرّخون القدماءُ يقولون: يجب أن نرتّب الموادّ حسب نظام يميّز الأحداث ويحافظ معًا على تواصلها. فنهاية الإنجيل الثالث وبداية سفر الأعمال تدلاّن على أنّ لوقا أخذ بهذه القاعدة. فإن فُرض عليه قاطع بين حياة يسوع ومصير جماعته، وجب عليه أن يقيم رابطًا. فبداية سفر الأعمال تستعيد نهاية لو 24، كما أنّ آيات الإنجيل الأخيرة توجّه أنظارنا نحو الرسالة المسيحيّة.
ولكنّ بداية سفر الأعمال (1: 1- 14) ليست مجرّد تكرار. إنّها توضح أنّ رفقة الرسل الفصحيّة ليسوع دامت أربعين يومًا (تميّز الرسل بهذا وصاروا جديرين بالرسالة)، وتهدم رجاء رؤيويًّا: إنّ الانتصار الفصحيّ لا يقيمُ حالاً ملكوتَ الله. وتؤكّد هذه البداية أخيرًا أنّ فترة ستدشَّن يطبعها مجهود الرسالة ونشاط الروح القدس: هذا هو زمن الكنيسة. بعد هذا يلعب خبر الصعود الثاني دورًا غير الخبر الأوّل: ينطلق من موضوع الارتفاع فيشدّد على غياب المسيح وعلى مسؤوليّة الرسل الذين نبّههم إليها الملائكة. 
إذا أخذنا الكلام بحصر المعنى، لم يُرسِلِ القائم من الموت الأحد عشر. إنّه يعلن لهم مهمّة، ويعدهم بالوسائل التي تساعدهم على إتمامها. ليس على الرسل أن ينطلقوا بل أن يبقوا حيث هم. إنّهم لا يتفرّقون بل يبقَون أوّلاً. وأوّل صورة عن التلاميذ يرسمها لنا لوقا، هي صورة جماعة رسوليّة متّحدة في الصلاة تحيط بها بعض النسوة ويتكلّم باسمها بطرس قائدها. إنّ كلمة "رسل" لا تظهر في سفر الأعمال إلاّ في صيغة الجمع.

1- جماعة الاثني عشر في أورشليم (ف 1- 5)
تروي الفصول الخمسة الأولى حياة هذه الجماعة. أعيد تنظيم حلقة الاثني عشر (1: 15-26)، وهذا ما أتاح للوقا أن يعطيَ بفم بطرس تحديدًا للرسالة. إذا أراد الواحد أن يكون شاهدًا، فلا يكفي أن يكون رأى المسيح القائم من الموت، بل أن يكون تلميذه خلال رسالته على الأرض (1: 21- 23). فالاثنا عشر هم كافلون للشهادة قبل أن يكونوا جماعة من المرسلين.
وتحقّق وعد يسوع (لو 24: 49:؛ أع 1: 4- 5) في عيد العنصرة. وإذ أراد لوقا أن يتصوّر قرّاؤه الحدث، استعمل تقاليدَ متعلّقةً بعطيّة الشريعة في سيناء. حقّق أع 2 ما تضمنّه خر 19- 20 وابتدأ الروح والكلمة ينتشران معًا في "الأيّام الأخيرة"، كما قال لوقا ولم يخطئ، مشيرًا إلى نبوءة يوئيل (أع 17:2). هذا حدث في أورشليم كما أنبأ به أش 2: 1- 3. كان لوقا أمينًا لمواعيد العهد القديم. فركّز في المدينة المقدّسة بدايات الكنيسة. ولكنّ هذا لا يعني الأُمَمَ إجمالاً، لهذا قدّم لائحة بالأمم الشتات الذين سيفيدون من إِعلان كلمة الله (2: 9- 11). إذا كان الروح القدس سيعطي التلاميذ الجرأة التي نقَصَتْهُم، فالكلمة المسيحيّة التي أعلنها يسوع أوّلاً (رج لو 7:24، 25- 27، 44- 48) اتّخذت شكل خطبة ستكون نموذجًا لوعظ المرسلين. إنّ الخطب تتركّز على شخص يسوع، فتذكر باقتضاب رسالتَه على الأرض. ثمّ إنّ موته الذي هو انتصار عابر لعنف البشر يترك المكان للقيامة التي هي قلب البشارة. ويستعين الواعظ بالكتب المقدّسة من أجل مصداقيّة أقواله وينهي بتحريض على التوبة.
لم تسجَّل خطب المرسلين حرفيًّا كما قيلت. فالمؤرّخون ينطلقون من فكرة عامّة ويؤلّفون خطب أبطالهم. ولكن هل يعني هذا أنّ لوقا جعل الرسل يقولون ما أراده هو؟ حاشا وكلاّ. إنّه يسطّر ولكنّه لا يخترع. يجعل في فم بطرس ما اعتبره جوهرَ خطبته. إذًا ليست عظة العنصرة كلام بطرس بالذات، وليست كرازة خاصّة بالزمن الذي كتب فيه لوقا. لقد وعى لوقا المسافة التاريخيّة، فميّز بين أوّل التعابير العقائديّة وبين التعابير الكرستولوجيّة في زمانه. كما ميّز بين كرازة رسوليّة وعظة يلقيها في جماعته. لا يظهر معنى الصليب حالاً، ولن تظهر قيمة الموت الخلاصيّة إلاّ في الخطبة الموجّهة إلى مسيحيّين (28:20).
بما أنّ الشهادة هي في نظره، تذكير بتاريخ وكشف لمعنى، فالخطب الكرستولوجيّة هي علامة حضور الرسل ونتيجة فنّ لوقا الإخباريّ. تأتي الخطب في الأوقات الحرجة فتتيح للإنجيليّ أن يلقيَ ضوءًا على التاريخ: العنصرة، موت إسطفانس، ارتداد أوّل وثنيّ، أوّل بعثة بولسيّة، مجمع أورشليم، أسر بولس. كلّ هذا يتّخذ بعدًا ستراتيجيًّا بفضل الخطب.
إنّ خطبة بطرس الأولى (2: 14- 36) حملت ثمارًا فنتج عنها ارتداداتٌ وتكوّنت جماعة انطلاقًا من نواة أولى. وصوّرت الاجمالة الأولى (2: 42- 47) مثابرة المؤمنين على تعليم الرسل (لا تعليم ليسوع دون وساطة الشهود)، على المشاركة الأخويّة (طاعة لمتطلّبات الإنجيل التي تفرض المقاسمة لا الفقر)، على كسر الخبز (أي الإفخارستيّا وعشاء المحبّة)، وعلى الصلوات (وهذا موضوع عزيز على قلب لوقا).
وترافق الكلمة آيات (رج لو 9: 1- 6) منها شفاء الكسيح (أع 3: 1- 10). هذه المعجزة تعطي دفعًا جديدًا للكرازة (كلمة هيكل تربط 3: 1- 10 بـ 42:2- 47). وقدّمت الخطبة الثانية (3: 12- 26) لسكّان أورشليم المناسبة الأخيرة للتوبة عمّا فعلوا يوم قتلوا يسوع. اتّخذوا قرارًا مهمًّا (كما يقول الإنجيل) وها هي أهمّيّته تظهر الآن (في سِفر الأعمال). أطلق لوقا الكلمة الأخيرة عن اعتقاداته الجليانيّة بواسطة تعابيرَ قديمةٍ اختارها بمهارته (3: 19-21).
تتضمّن هذه الآياتُ التأكيداتِ التاليةَ: الارتداد الذي يُدعى إليه السامعون هو رجوع إلى الله، وإعادة العلاقات تطابق المغفرة التي يقدّمها الله. يقابل لوقا نهاية الزمن بزمن الفرج والراحة، وهو يتبع عمل الارتداد. هنا يستند لوقا إلى اعتقاد يهوديّ يعتبر أنّ ارتداد الشعب يسهّل تدخّل الله الأخير.
حسب مخطّط الله، ستظهر هذه النهاية بمجيء المسيح الأخير الذي يُحفظ في السماء بالنظر إلى الصعود. هذا المجيء هو أكيد ولكنّه ليس بقريب. وعندما يحصل تتمّ مواعيد الأنبياء التي تعني تجديد الشعب ومصير الأمم بل مصير الكون كلّه.
انتشر التعليم المسيحيّ ونجحت الرسالة (تجاوز عدد المؤمنين 5000 في 4: 4) فانقسمت الأفكار (جاء يسوع ليحمل الشقاق: لو 12: 51). وكما في الإنجيل، نبتت العداوة من السلطات الدينيّة الذين نسيناهم بعد القيامة. تضامنت الجماعة مع ربّها بأمانتها للإنجيل فأثارت على نفسها الاضطهاد. لقد أكّد برنابا وبولس ما رآه يسوع وعاشه: "يجب أن نمرّ في مضايقَ عديدةٍ لندخلَ في ملكوتِ الله" (14: 22). وإذ كان بطرس في وضع المتّهم ألقى خطبة ثالثة (4: 9- 12) فأعطى فكرة مسبقة عن الدفاعات اللاحقة. تتناوب الرسالة والدفاع في سفر الأعمال وتسندها صلاة الجماعة (24:4- 30). يقدّم إلينا لوقا هذه الصلاة الأولى في شكل احتفاليّ. أمّا بنيتها فبسيطة: دعاء وطلب.
وقبل أن يُحَدِّثَنَاْ لوقا عن توقيف ثان، يوجّه أنظارنا باتّجاه الجماعة (4: 32- 35: إجمالة جديدة). إنّ استعمال المال في محلّه يقابل لا متطلّبات الأخلاق فحسب، بل متطلّبات الإيمان. هنا يتعارض عمل برنابا (36:4- 37) مع عمل حنانِيّا وسَفِّيرة (5: 1- 11). ما فعله بطرس يصدمنا. أمّا لوقا فيستند إلى تقليد متهوّد ويورد ممارسة تأديبيّة عرفها الإسيانيّون، ويعلن أنّ الروح القديس عاقب بواسطة بطرس هذين الزوجين اللذين كذبا عليه.
إذا كانت الأمانة تقود إلى الألم، فالله هو أيضًا إله الخلاص. ولهذا يجعلنا لوقا نرى بأمّ العين هذا اليقين المجذّر في العهد القديم بمعجزة القيود التي تسقط وحدها، وباب السجن الذي ينفتح وحده.
وينتهي زمن أوّل باستراحة. اكتفى المجلس، بعد أن نصحه جملائيل، بمعاقبة الرسل بالجلد. أمّا الرسل فخرجوا من المجلس "فرحين لأنهم وُجدوا أهلاً لقبول الإهانة من أجل اسم يسوع" (5: 4). فتابعوا عملَهم الرسوليَّ جهارًا في الهيكل وعلى حدة في البيوت.

2- من بطرس إلى بولس: الهلّينيّون (ف 6- 7)
ينهي ف 6- 7 ما سمّاه لوقا كنيسة أورشليم (6: 1: في تلك الأيّام)، ويدشّنان رسالة الهلّينيّين (أي المسيحيّين المتكلّمين اليونانيّة) ونشر كلمة الله خارج أورشليم. 
ويروي لوقا باختصار تأسيس السبعة ويتحدّث مطوّلاً عن استشهاد إسطفانس أوّل السبعة. مع أنّ لوقا اهتمّ بإظهار التناغم بين التلاميذ، فإنّه لم يتورّع عن ذكر حادثة حنانِيّا وسفّيرة وأن يشير إلى أزمة داخل الجماعة أوجبت تأسيس السبعة. إذًا هناك جناح هلّينيّ (9: 29) في جماعة أورشليم. كان الهلّينيّون أتقياء أقاموا في أورشليم في أواخر أيّامهم ليكونوا قريبين من المكان الذي تتمّ فيه قيامة الموتى. شعروا بأنّه يجب أن تكون الديانةُ اليهوديّةُ مسكونيّةً شاملةً وأدركوا حدود عبادة طقسيّة ضيّقة. مهما يكون من أمر، يقول ف 6 إنّ كثيرًا من هؤلاء الهلّينيّين ارتدّوا إلى الإيمان المسيحيّ.
ولكنّ ف 6 يقدّم لنا بعض الصعوبات. هل يخدم السبعةُ الهلّينيّين فقط؟ ليس من جواب واضح. لماذا اهتمّ لوقا فقط بإسطفانس وفيلبّس؟ وهل كانا مرسلَيْنِ أم شمّاسَيْنِ؟ ما هي خدمة الأرامل اليوميّة؟ هل هي ما يقابل الإسعافات المعروفة لدى اليهود؟
غير أنّ لوقا يهتمّ بأمور غير هذه. بعد أن ثبّت حقيقة الإنجيل بواسطة الرسل، لجأ إلى الهلّينيّين ليدلّ على انتشار الكلمة في السامرة ثمّ في أنطاكية.
ويشير استشهاد إسطفانس إلى انقطاع آخر: رسم أوّل السبعة لوحة تاريخيّة كبيرة، فقابل بين موسى ويسوع، ثمّ دلّ على تصلّب رؤساء إسرائيل الروحيّين. هذا الاتّهام يفترض وجود أشخاص آخرين من ذوي النيّات الطيّبة، عَنَيْتُ بهم الوثنيّين. وهكذا يتابع لوقا، من خلال الأخبار، تأمّله في مصير إسرائيل ومصير الأمم. شكر الله لأنّ قسمًا من شعب إسرائيل آمن فساعد على انتشار الإنجيل الموعود إلى كلّ الأمم. ولكنّ معارضة القسم الآخر، ولا سيّما الرؤساء، سبّبت الألم والتشتّت للهلّينيّين الذين حملوا شهادتهم بين الأمم الوثنيّة.
ويشدّد لوقا على أنّ الله برَّأ ساحة إسطفانس. بدا وجهه أمام المجلس كوجه ملاك (6: 15) على مثال وجه موسى (خر 34: 29-35). وحين رجموه رأى مجد الله وابن الإنسان جالسًا عن يمين الله (7: 55-56). كلّ هذا يلمّح إلى آلام يسوع (لو 22: 69). لقد أقام الإنجيليّ موازاةً بين استشهاد يسوع واستشهاد إسطفانس: كانا كلاهما من بني إسرائيل. قال الرؤساء عنهما إنّهما هاجما موسى والشريعة والهيكل، ولكنّهم افتروا عليهما. فالكنيسة (كنيسة لوقا هي المتفرّعة من الهلّينيّين) هي المؤتمنة على ميراث إسرائيل، على الشريعة وعلى مواعيد الله.

3- من أورشليم إلى أنطاكية عبر السامرة (ف 8-12)
ترتبط نهاية ف 7 ببداية ف 8: يشير النصّ مرّتين إلى شاول الذي سيصبح بولس في إطار استشهاد إسطفانس (7: 58؛ 8: 1)، ويصير مضطهِدًا (8: 3). تأخّر الحديث عن دفن إسطفانس (8: 2) بين ذكر الاضطهاد (8: 1) ونتائجه (8: 4). يدلّ هذا التشابك على أنّ الخبر يجتاز هنا مرحلة هامّة. والمعطيات الجغرافيّة (عن اليهوديّة والسامرة) تُثْبِتُ هذا القول، إذا تذكّرنا برنامج الرسالة الذي رسمه القائم من الموت في بداية سفر الأعمال (1: 8).
ينتقل القارئ من إسطفانس إلى فيلبّسَ ثمّ إلى شاولَ فيتركُ أورشليم آخذًا طريق السامرة. وإنّ أسطورة فيلبّس وسمعان تبرز الصراع الذي ستواجهه الديانة الجديدة على حدود العالم اليهوديّ أو في خارجه. بيَّن فيلبّسُ تفوّقَ ديانته بتجرّده (كان الناس يدفعون المال في هذه العبادات الجديدة). لم يشارك بطرس ويوحنّا في الخبر منذ البداية، ولكنّهما جاءا فيما بعد ليشدّدا الروابط بين الاثني عشر والسبعة.
وخبر خصيّ (وزير) ملكة الحبشة يقدّم لنا خبرًا نموذجيًّا عن ارتداد فرديّ. كان ذاكَ الحبشيُّ من فئة الدخلاء أو الخائفي الله. ثمّ كان كورنيليوس أوّل وثنيّ ارتدّ وتعمّد على يد بطرس. وحادثة المركبة أتاحت للوقا أن يستعمل أش 53 كبرهان كتابيّ.
من إسطفانس إلى فيلبّس ومن فيلبّس إلى شاول. هل رتّب لوقا مادّة كتابه أم استلم وثائق من أصل هلّينيّ؟ فبعد السامرة والشاطئ (غزّة)، حملَنا لوقا إلى سورية، على طريق دمشق. إنّ ارتداد شاول (الذي رواه لوقا ثلاث مرّات) يلعب دورًا هامًّا كتهيئة لما سيأتي. فإلى هذا الرجل، إلى هذا الهلّيني، سيسلّم الربُّ تبشيرَ الأمم (9: 15). لأعمال الرسل قطبان: أورشليم حيث يعمل الاثنا عشر حول بطرس، والشتات حيث يعمل السبعة ثمّ بولس. وسيكون لوقا الشاهد للمسيحيّة التي ستفرض نفسها في رومة بصورة خاصة، وعلى حساب المتهوّدين في فلسطين، وفي الجماعات اليوحنّاويّة في آسية الصغرى أو مصر.
ستساعدنا الرسالة إلى غلاطية لنقيِّم عمل لوقا التأليفيّ. فهو لا يخترع ارتداد بولس على طريق الشام، ولكنّه يكيّف الوقائعَ حسب مخطّطه الأدبيّ. وتثبت الرسالة الثانية إلى كورنتوس (33:11) حادثة القفّة التي دلَّوه فيها من السور (9: 25). ولكن يبدو أنّ لوقا لم يستق معلوماتِه من رسائل بولس، بل من أخبار تناقلها الفريق الرسوليّ أو الجماعات البولسيّة.
وتأتي إجمالة مهمّة (9: 31) فتحدّد وضع الرسالة وتلاحظ وجود الكنيسة (في المفرد، وهي تدلّ على جماعات عديدة) في اليهوديّة والجليل (هي المرّة الوحيدة تذكر فيها جماعة الجليل) والسامرة. لقد اتّسع الأفق ولكنّ حاجز الوثنيّين لم يُعبَر بعد. 
وسيكلّف الربّ بطرسَ بهذه المهمّة. هنا تبدأ دورة بطرس التي تتضمّن ثلاث وحدات تقودنا إلى شاطئ البحر المتوسّط: خبر معجزتين (شفاء أينياس وإقامة طابيتا: 9: 32-43)، ثمّ خبر كورنيليوس الطويل (10: 1- 11: 18). مزج لوقا ثلاثة تقاليد (واحد عن ارتداد الضابط، وآخر عن رؤية بطرس، وثالث عن الخطبة الكرستولوجيّة) فجعل من ف 10 إحدى قمم سفر الأعمال. ضغط الله على بطرس فقبل وثنيًّا في الكنيسة. هذه السابقة جعلت جماعة أورشليم تتذمّر ثمّ تقبل ببراهين بطرس.
ونجد الهلّينيّين مشتّتين من جديد (11: 19). ويروي الكاتبُ بتحفّظٍ تأسيسَ كنيسة أنطاكية والخطر الذي واجهه بعضُ الهلّينيّين حين حملوا البشرى إلى اليونانيّين. نفهم هذا التحفّظ باهتمام لوقا أن يوكِل إلى بطرس باكورة دعوة الأمم، وأن لا يترك الهلّينيّين يتحرّرون بسرعة. لهذا يجعل الكنيسة ترسل برنابا إلى أنطاكية ليؤمّن التواصل مع أورشليم.
إنّ لوقا يمتلك معلوماتٍ عديدةً عن أنطاكية: المشاركة في الرسالة بين برنابا وشاول (تركه لوقا في طرسوس في أع 9: 31)، إعطاء اسم "المسيحيّين" للتلاميذ (26:11)، اللمّة من أجل القدّيسين.
ويعود بنا لوقا من أنطاكية إلى أورشليم فيقحم في ف 12 مواجهة بين هيرودس أغريبا الأوّل (ابن أخي هيرودس أنتيباس الذي ملك على كلّ فلسطين سنة 41-44) وبطرس الرسول. يقسم الخبر ثلاثةَ أقسام: الأوّل يشير إلى مقتل يعقوب بن زبدى. الثاني يتحدّث عن موت المضطهد (رج 2 مك 9: 1-28 عن موت أنطيوخس إبيفانيوس). الثالث يتحدّث عن خلاص بطرس بطريقة عجيبة. خُلِّص الرسول بطرس فأفلت من يد هيرودس وذهب إلى مكان آخر (أو اتّجاه آخر أو مصير آخر: 12: 17)، ولن نعود نراه إلاّ في مجمع أورشليم (15: 7- 11). هل يريد لوقا أن يحدّثنا بهذه العبارة عن استشهاد بطرس؟ لا شكّ في ذلك، وموت بطرس يشبه موت يسوع، وخلاصه من السجن ترجيع لقيامة يسوع من سجن الموت.
ويشير لوقا إلى اللمّة (12: 25) ويعود بنا إلى أنطاكية.

4- أوّل بعثة رسميّة من أنطاكية (ف 13-14)
هل نَعُدّ برنابا بين الهلّينيّين؟ أصله من قبرس، ولكنّه متجذّر في أورشليم لأنّه من اللاويّين. أُرسل إلى أنطاكية كموفد من أورشليم، من قبل الرسل. اختاروه لأنه يتكلّم الآراميّة واليونانيّة. ولكنّ بولس يجيد اليونانيّة أفضل منه، ولهذا حسبه أهل لسترة "هرمس" رسول الآلهة، لأنّه كان يتولّى الكلام (14: 12) كان الثنائيُّ برنابا وبولسُ ثمرةَ تعاون بين العبرانيّين والهلّينيّين. في لائحة الأنبياء والمعلّمين في أنطاكية، يبدو برنابا في أوّل اللائحة وشاول في آخرها (13: 1-2). وسيبقى شاول في الدرجة الثانية حتّى 13: 9 (يُذكر برنابا ثمّ شاول). ولكن حين صار شاول بولس، حلَّ في الدرجة الأولى وجاء بعده برنابا. أجل، سيعود إلى بولس الدور الأوّل في تبشير الوثنيّين.
اختلفت الحال هنا عن الرسالات السابقة: نحن أمام رجلين انتدبهما الروح القدس في إطار ليتورجيّة جماعة أنطاكية. كانت أنطاكية نقطة الإنطلاق، وستكون نقطة الوصول لرسالة كانت مراحلها: قبرص، بمفيلية، بسيدية، ليكونية (ف 13- 14). 
أمّا أسلوب الرسالة فهو هو منذ زمن يسوع (لو 16:4 ي) وبطرس (أع 2: 14 ي): يبدأ الرسول فيعظ في المجمع، فينقسم السامعون، وتأتي آية فتكمّل عمل الكرازة. وتتكوّن جماعة. إلاَّ أنّ العداوة تدفع المرسلين إلى الذهاب. ومثال الكرازة الرسوليّة ليس فقط ملخّصًا عن قانون الإيمان. إنّه يذكّر ويكمّل خطبة إسطفانس الدفاعيّة (ف 7). تشدّد اللوحة التاريخيّة على المُلك في إسرائيل، على النبؤات المسيحانيّة التي تحقّقت بقيامة يسوع. فإنْ رَفَضَ اليهودُ أن يؤمنوا حكموا على نفوسهم. وعليهم أن يقبلوا بتبشير الوثنيّين. هذا اليقين عبّر عنه لوقا بوضوح وسيعبّر عنه حتّى نهاية الكتاب (18: 6؛ 28: 17، 28). يَحُقّ للشعب اليهوديّ أن يكون الأوّل تجاه البشارة، ولكنّ البشارة لا تنحصر فيه. إنّ المسيحيّين يتصرّفون منذ الآن بالكتب المقدّسة بعد أن قبلوا الكلمة. ويتوصّل لوقا إلى إضفاء مسحة بولسيّة على خطبة أنطاكية بسيدية فيلمّح إلى التبرير بالإيمان (13: 38-39). ونقدر أن نستنتج أنّه حاول أن يضني على خطب بطرس سمة بطرسيّة وعلى خطبة إسطفانس شيئًا من روحه.
تسبق خطبة بولس معجزة يعاقب فيها بولس ساحرًا يهوديًّا في بافوس (قبرص: 13: 6- 12) وتتبعها معجزة شفاء في لسترة (ليكونية: 14: 8- 18). وننتقل من إيقونية إلى دربة دون أن ينقل إلينا لوقا شيئًا جديدًا (14: 1- 20- 21). 
خُصِّصَتْ طريقُ الرواح للرسالة، أمّا طريقُ الرجوعِ فللبنيان (أقاموا مسؤولين من شيوخ أو قسوس: 23:14). وكانت النتيجة أنّ الله فتح باب الإيمان لغير اليهود (14: 27).

5- بولس المرسل (ف 15- 21)
أوّلاً: مجمع أورشليم
يشكل ف 15 قِمَّةً ومنعطفًا. هنا يُظْهِرُ لوقا أمانَتَهُ للحقيقة وحرّيّته في ترتيب الموادّ. نجد جوهر غل 2 في أع 15. ولكنّ لوقا يروي، ويريد أن تكون روايته شيّقة ودراماتيكيّة: صعد بولس إلى أورشليم (تقول غل 2: 2 إنّه صعد بوحي)، ولكنّ هذا يفترض أنّه نزل إلى أنطاكية أناس مقلقون (تقول غل 2: 4: "دخلاء دسُّوا أنفسهم بيننا")، فأثاروا جدالاً أوّل في هذه المدينة، وهذا ما دفع الرسل إلى الالتئام في مجمع أورشليم.
فسرّ لوقا التاريخ على طريقته، فحوَّل الى وفاق ما كان مواجهة بين ممارستين رسوليّتين ونظرتين إلى الهويّة المسيحيّة، ماكان مواجهة بين أورشليم وأنطاكية، بين بطرس وبولس. منذ البداية قاسم الرسل موقف بولس وحذّروا الفئة المتأخّرة في كنيسة أورشليم (15: 5). فلم يبق لبولس ان يدافع عن نظرته. فاكتفى بأن يرويَ مع برنابا المعجزات التي أتمّها الله على يدهما وسط الوثنيّين. وتستند خطبة بطرس إلى حادثة كورنيليوس التي أبرزها لوقا (ت 10)، وتثبت أقوالُ يعقوب، بواسطة الكتاب، اختيارَ الأمم. إنّ يعقوب يمثّل تاريخيًّا الجناح المتعلّق بالشريعة في المسيحيّة الأولى. ولكنّ لوقا ضمّه إلى نفسه وإلى نظرته الخاصّة. والبرهان على ذلك نصّ عاموس (9: 11 ي) الذي لا يفيد قضيّة الشمول والمسكونيّة إلاّ إذا قرأناه في الترجمة السبعينيّة.
لا يذكر بولس في رسائله أن نتائج مجمع أورشليم دوِّنت. أمّا لوقا فيتحدّث عن تدوين رسالة وإرسال وفد. واختار كمضمون لرسالته تنظيمًا كنسيًّا يتعلّق ببعض الممنوعات في أورشليم (21: 25). وإنّ بولس يجهل في رسائله كلّ شيء عن هذا القرار الرسوليّ، كما لا يعرف عنه شيئًا كلُّ الأدب المسيحيّ، حتّى جُعل سفر الأعمال في عداد الأسفار القانونيّة.
وف 15 هو منعطف هامّ. ترك بولس أنطاكية وانطلق إلى عمل الرسالة بعد أن انفتحت أمامه كلّ الأبواب. اهتمّ لوقا حتّى الآن بحلقة أورشليم الرسوليّة. ثمّ وجد في جماعة أنطاكية، التي أسّسها الهلّينيّون، نقطة انطلاق وقوى بشريّة من أجل أوّل بعثة رسميّة (ف 13-14). ولكنّه لن يتوقّف لا في أنطاكية ولا في أورشليم، بل سيرافق بولس الذي تمتّع بسند الجماعتين (أورشليم مركز المتهوّدين، أنطاكية عاصمة المسيحيّين الأمميّين) وانفصل عن برنابا وقام بعملين أخيرين: الأوّل، تبشير حوض بحر إيجيه (اليونان وآسية الصغرى)، الثاني، تحمّلُ الاضطهاد من أورشليم إلى رومة. وهكذا ترك لوقا بطرس ويعقوب وفيلبّس وبرنابا وسائر الاثني عشر والسبعة. أهمل مصير الجماعة لأنّ ما يهمّه هو الرسالة لبناء الكنائس.
يرتبط ت 15 بما سبق. وإن آ 3-4، 12 تتيح لبولس وبرنابا أن يتذكّرا نجاحها (ف 13-14) الذي تحدّثنا عنه في أنطاكية (14: 27). وآ 1-2، 5-7 آ تهيّئ الطريق أمام مشاورات المجمع (آ 7 ب-19). وفي نهاية النصّ، يبدو الوفد المؤلّف من يهوذا وسيلا (15: 30- 31) تطبيقًا لتدابير القرار الرسوليّ. وإن إجمالة ملخّص 15: 35 تستعيد اجمالة 28:14 وتسجّل استراحة.
ثمّ إنّ 36:15-16: 5 تسجّل انتقالاً: لا يعلن بولس عن مشاريع رسوليّة جديدة، بل هو يريد أن يزور الجماعات التي أسسّها في رحلته الأولى. ويأتي الخلاف مع برنابا بسبب يوحنّا مرقس، وانفصال الرسولين (اختار بولس سيلا ثمّ تيموثاوس). وتُذكر تدابير القرار مرة أخرى (16: 4) بانتظار أن نستريح مرّة أخرى في إجمالة 16: 5. 
وتدخّل الروح القدس. منع بولس من الذهاب إلى آسية وبيتينية، ثمّ أظهر مشروعه من خلال رؤية ذلك المكدونيّ: "أُعبرْ إلى مكدونية وساعدنا" (16: 9). إنّ الشعوب المحرومة من الإنجيل تعيش وضعًا دراماتيكيًّا.

ثانيًا: رحلة رسوليّة في اليونان
يتوقّف لوقا في هذه الرحلة على ثلاث مراحل: فيلبيّ، أثينة وكورنتوس (في ما يخصّ تسالونيكي وبيرية: رج 17: 1- 15).
ثلاث نقاط تلفت انتباهنا في فيلبيّ: الأولى، ظهور صيغة المتكلّم الجمع (نحن) في خبر مدوّن إلى الآن في الغائب (رج 16: 10-17؛ 20: 5-15؛ 21: 1-18؛ 27: 1-16:28)0 الثانية، تداخل خبر تخليص عجائبيّ (25:16-34) في خبر تقسيم (16: 6-24، 35-40). الثالثة، معرفة الكاتب بمؤسسّات المدينة.
لم يرافق العبورَ في أثينة أيّةُ معجزة (17: 16-34). أمّا الخطبة المشهورة فتقدِّم إلى القارئ تعبيرًا عن الإنجيل موجَّهًا إلى مستمِعين وثنيّين. هيّأ لوقا الدرب لهذه الوعظة بنزهة بولس في شوارع أثينة. تستند الخطبة إلى رسمة كرازة يهوديّة ثمّ مسيحيّة موجّهة إلى الوثنيّين، وهي تدعو السامعين إلى أن يميلوا عن الأصنام وأن يوجّهوا قلوبهم نحو الله في لغة نقرأها في منظور بيبليّ كما في وجهة فلسفيّة. أراد لوقا قراءة تجعل الإنسان يتّصل بالله الحيّ وتدعوه إلى التوبة. ولكي يوجّه القارئ أقحم ذكر ابن الله. وانقسمت الجماعة. ولم يبق مع بولس إلاّ ديونيسيوس الأريوباجيّ وداماريس وسواهما. انضمّوا إلى بولس وشكّلوا "الصغار" (لو 10: 21) تجاه الحكماء والفهماء.
وستجعل مرحلة كورنتوس (18: 1-17) لوقا ينقل إلينا بعض المعلومات القريبة من الواقع: كرازة في المجمع، انقسام الناس، عداء ضدّ بولس. ولكنّه رأى في الليل رؤية تشجّعه: "لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت، فأنا معك ". وسيحصل بولس على رؤى أخرى في القسم الثاني من سفر الأعمال (9:16- 15، 22: 17- 21؛ 23: 11 ؛ 23:27-24) ذكرها لوقا ليدلّ على أنّ رسالة بولس توافق نحطّط المسيح.
استفاد بولس من عداء يهود كورنتوس فتوجّه إلى الوثنيّين (6:18)، وستفهم السلطة الرومانيّة أن ليس في الإيمان الجديد ما يؤذيها.

ثالثًا: أفسس: كلمة الله تصحّح الأخطاء
سيركّز لوقا انتباهه على أفسس آخر مرحلة رسوليّة من عمله. ولكنّه يقحم تحرّكًا إلى قيصريّة وأورشليم ثمّ أنطاكية، وسفر عبر غلاطية وفريجية، أي رواح في البحر ورجوع بطريق البرّ (18: 18-23). لم يكن للوقا معلومات فاكتفى بالقول: سلّم الرسول على كنيسة أورشليم.
لا تبدو أفسس من خلال سفر الأعمال مركز رسالة وبناء بل موضع تصحيح أخطاء. حصل أبلّوس من برسكلّة وأكيلا على تعليم كان ينقصه (24:18-28). اكتشفت تلاميذ يوحنّا المعمدان الروح القدس، ودخلوا بفضل بولس في حضن الكنيسة (19: 1-6). حلّ العقاب بالمُقسِّمين اليهود (19: 13-17)، وأحرقت كتب السحر (19: 19-20). هذا يعني أنّ أفسس تمثّل الموضع الذي فيه كلمة الربّ تصحّح وتؤدّب (19: 11-12)، 17- 20). وقدرة أرطميس وهيكلها وعبّادها، لا يقدرون أن يتغلّبوا على الكارزين بالإنجيل (مع هذا يشير لوقا إلى نشاط المرسلين بعبارات اصطلاحيّة لا ابتكار فيها: 8:19- 10). لا شكّ في أنّ الوضع السوسيولوجيّ للمسيحيّة لا يسمح لأحد بتدمير هيكل إلهة أفسس.
وأقحم لوقا في خبر الإقامة في أفسس آيتين (19: 21-22) تهيّئان المستقبل وتعدّان الطريق للقسم الأخير من سفر الأعمال. وتأتي اجمالتان (19: 10 و19: 20) فتدلاّن أنّنا في وضع استراحة وعلى مفترق طرق.

رابعًا: الصعود إلى أورشليم
ألهم بولسَ الروحُ فأراد الصعودَ إلى أورشليم (19: 21؛ 20: 16، 22). انطلق بولس من أفسس فاجتاز مكدونية واليونان. نلاحظ أنّ لوقا لم يقل كلمة عن الأزمات التي مزّقت جماعة كورنتوس، ولا عن سبب سفر بولس الذي هو تأخير اللمّة (سيشير إليها فيما بعد: 17:24)، ولا عن تدوين الرسالة إلى رومة خلال إقامته مدّة ثلاثة أشهر في اليونان (20: 3). ما يهمّ لوقا هو السفر وتأليف المجموعة التي ترافق الرسول. كان معظم هؤلاء الأشخاصِ موفدين من قبل جماعاتهم ليحملوا ثمرة اللمّة ويوصلوها إلى هدفها. ذكرهم لوقا ثمّ نسِيَهم.
ومرّت طريق بولس في ترواس وميليتس وصور وقيصريّة قبل أن تصل إلى أورشليم. كان لوقا راويًا ولاهوتيًّا فقدّم لنا بولسَ في وجهتين: في ترواس أعاد بولسُ الحياةَ إلى الفتى أفتيخوس (7:20-12). وهكذا دلّ لوتا على أنّ بولس يستطيع أن يجترح عجائب مذهلة مثل يسوع (لو 7: 11-17) ومثل بطرس (36:9-43)، ورمز بالإطار الذي أحاط بالحدث إلى تجديد الحياة في الكرازة والإفخارستيّا. وفي ميليتس يظهر بولس كبطل أنهى مهمّته فاستأذن من أحبّائه (20: 17-38). ومن خلال شيوخ أفسس المدعوّين إلى ميليتس، ودّعت كلُّ الرسالة البولسيّة بولسَ الرسول. كان لوقا أمينًا لفنٍّ أدبيٍّ هو خطبة الوداع (استعمله مع يسوع في لو 22: 25-37)، فقدّم في هذا المقطع ثلاثةَ مواضيع: الأوّل: نظرة دفاعيّة عن خصومة بولس (25: 18- 21، 26-27، 31، 33-35)، صورة عن وضع بولس الحاضر وعن نواياه (20: 22- 25)، تحريض للخدّام المحلّيّين أمام مستقبل يكدّره موت الرسول وهجمة الهراطقة (20: 25، 28-22، 35).
وصوّر لوقا بصورة دراماتيكيّة حزن الكنائس التي ستنفصل عن حضور الرسول حاميها. وبكى المؤمنون في ميليتس وصور وقيصريّة، وحاولوا أن يمنعوا الرسول من الخضوع لقاعدة سامية، لإرادة الربّ. وهكذا حوّل لوقا موضوع اللمّة إلى مسيرة نحو الاستشهاد كما أنبأ الروح إلى الرسول (23:20) وإلى الجماعة بواسطة النبيّ أغابوس (21: 11).
ظلت النظرة رسوليّة ولم تصبح حقًّا كنسيّة: فلوقا لا يهتمّ ببناء الجماعات بقدر ما يهتمّ بمصير البشر. لقد مات بولس الرسول وُولد بولس الشهيد الذي بدأ درب صليبه. 

6- بولس يلقى الاضطهاد. مستقبل التعليم (ف 21-28)
لا يحدّثنا لوقا في هذه المرحلة الأخيرة إلاّ عن وجهة واحدة هي الاتّهام للشاهد للمسيح والدفاع عن نفسه. ولكنّه لا يقول شيئًا عن تنفيذ الحكم. إذا كانت الرسالة تنتهي في الاضطهاد، فلوقا يجعل مستقبل التعليم يمرّ قبل المعلّم. فرغم ضغط الخبر الذي يدفع الأشخاص إلى الواجهة، فاللاهوتيّ لوقا يجعل التعليم في قلب الفصول الأخيرة. أُوقف بولس في أورشليم واتّهم أنّه تعدّى على الشريعة. ولكنّه سيدافع عن موقفه وعن المسيحيّة أمام جهات عديدة، أمام واليَين وملك وملكة.

أوّلاً: إنّ إرادة الله تمرّ عبر مقاصد البشر
لا يصوّر لنا لوقا توقيف بولس مثل الإمساك بمجرم، بل بشكل حماية تقدمها الشرطة الرومانيّة لبائس هجمت عليه الجموع الهائجة (21: 7- 36). ويبيّن لنا منذ البداية ضعف إتّهامات اليهود لبولس وتعريضهم له (22: 1- 21). انطلق من مسيرة حياته فردّ اتّهامهم له بأنّه خائن للشريعة: كان يهوديًّا مضطهِدًا فاتّبع "الطريق" التي دلّته عليها رؤية من السماء. وذكّرنا لوقا من جديد بحادثة طريق دمشق وإقامة بولس الأولى في أورشليم. وقدّم لنا تفاصيلَ جديدةً تُجَنّ

القسم الثالث
رسائل القديس بولس

نتعرّف في هذا القسم إلى بولس من خلال سفر الأعمال والرسائل، ثمّ ندخل في جوّ كلّ رسالة من رسائل هذا الذي اعتبرَ أنّ الربّ أرسله قبل كلّ شيء ليحمل البشارة إلى الأمم الوثنيّة.
وها هي عناوين هذا القسم:
القدّيس بولس في زمانه. مقدّمة لرسائله: الفصل الرابع.
الرسالتان إلى أهل تسالونيكي: الفصل الخامس.
الرسالتان إلى أهل كورنتوس: الفصل السادس.
الرسالة إلى أهل غلاطية: الفصل السابع.
الرسالة إلى أهل رومة: الفصل الثامن.
رسائل الأسر: إلى أهل أفسس،
إلى أهل فيلبّي،
إلى أهل كولسيّ.
إلى فيلمون: الفصل التاسع.
الرسائل الرعاويّة الثلاث: الفصل العاشر.
الرسالة إلى العبرانيّين: الفصل الحادي عشر

الفصل الرابع
القدّيس بولس في زمانه
مقدّمة لرسائله

مقدّمة
بولس الرسول إنسان في مجموعة، شخصيّة متعدّدة الجوانب يسحرنا ويثير فينا الرفض. هو ابن مدنيّتين: مدنيّة يهوديّة، ومدنيّة يونانيّة. طبعه من صخر لا يلوي ولا يلين. والحياة معه صعبة حين تكون القضيّة متعلّقة بالرسالة. بطرس ومرقس وبرنابا والكورنثيّون اختبروا أطباعه. أتقن فنّ الشرح الكتابيّ لدى الرابّانيّين إلى درجة جعلتنا نسير وراءه في حججه ونضيع، ولكنّنا في الوقت ذاته نكتشف شخصًا يملأنا إعجابًا. كلّه عطف ومحبّة ويندفع كلّ الاندفاع حين يعبّر عن حبّه لربّه الذي أمسك به على طريق دمشق، ويشتعل غيرة من أجل الذين تمخّض بهم ووولَدهم للمسيح.
عن بولس هذا سنتحدّث فندخل في المحيط الذي عاش فيه ونطّلع على دعوته وأسفاره وما تركه لنا من رسائل.

أ- محيط القدّيس بولس
كم نوّد أن نكتب سيرة حياة ذلك الذي كان أعظم المرسلين، شاول الطرسوسيّ الذي اهتدى إلى الربّ على طريق دمشق. ولكنّ معلوماتنا ضئيلة.
وُلد بولس حوالي السنة الخامسة ب. م.، والكتاب يعتبره "فتى" (أع 58:7) يوم رجم إسطفانس. كم سنة قضاها في طرسوس موطنه؟ حتّى الدروس الجامعيّة! وسيتعلّق قلبه بهذه المدينة التي ولد وترعرع فيها وحمل إليها الرسالة قبل أن ينطلق إلى أقطار بعيدة (أع 9: 30؛ 25:11؛ رج غل 1: 21). وفي خطّ مقابل نعرف أنّه نشأ في أورشليم (أع 3:22) وكان له أخت نعرف في أورشليم أحد أبنائها (أع 16:23) الذي ينبّه قائد الألف إلى الخطر المحدق بخاله.

1- يهوديّ من طرسوس
ما هي هويّته؟ يقول هو عن نفسه: "أنا يهوديّ من أصل طرسوسيّ". وطرسوس مدينة من كليليكية غير مجهولة (أع 21: 39). "إنّي مختون في اليوم الثامن لمولدي وإنّي من بني إسرائيل من سبط نيامين، عبرانيّ من العبرانيّين. أمّا في الشريعة فأنا فرّيسيّ" (فل 5:3).
إذًا وُلد بولس في أسرة يهوديّة تُفاخر بأصلها وتتعلّق بإيمانها. كان والده حائكًا كما سيكون هو، ولكنّ حالته كانت ميسورة لأنّه حصل على امتياز حسده عليه الكثيرون هو المواطنيّة الرومانيّة (أع 25:22-28)، وسيستفيد مرارًا منه (أع 37:16؛ 22: 25-29؛ 27:23)، كما سيقدّر السلام الرومانيّ الذي نعم به فدعا المؤمنين في رومة إلى الولاء للسلطان: "ليخضع كلّ امرىء للسلطات، فلا سلطة إلاّ من عند الله..." (رج روم 13: 1-7). غير أنّ هذا لا يعني أنّه لم يكن قاسيًا تجاه المجتمع الرومانيّ المرفّه الذي يعرض شهواته بوقاحة (روم 1: 18-32).
ما هو اسمه؟ إذا رجعنا إلى الرسائل نجد دومًا اسم بولس الذي هو رسول المسيح (1 كور 1: 1؛ 2 كور 1: 1). ولكنّ لوقا احتفظ لنا في سفر الأعمال باسمه الساميّ شاول، ولن يبدأ بالتحدّث عن بولس إلاّ حين يلتقي الرسول بحاكم جزيرة قبرص سرجيوس بولس فيقول: "شاول، ويدعى أيضًا بولس" (أع 9:13). هل بدَّل بولس اسمه في ذلك الوقت؟ لا، ولكنّ استعمالَ اسمين كان أمرًا معروفًا في حوض البحر الأبيض المتوسّط. فيوحنّا الذي كتب الإنجيل الثاني يحمل أيضًا اسم مرقس (أع 12: 12)، وأحد أنبياء الكنيسة الأولى سيلا اتّخذ اسمًا رومانيًا سلوانس (أع 15: 27؛ 1 تس 1: 1). ثمّ إنّ كلمة "ساولوس" تدلّ في اليونانيّة على الرجل المخنّث، فكيف لا يبدّل رسولنا اسمه وهو المعروف برجولته وصلابته.
لن نتحدّث عن طرسوس موطن بولس إلاّ لنقول أنها كانت مدينة جامعيّة نشيطة ضمّت في جوانبها ما يقارب 300.000 نسمة وعرفت كما عرفت سائر المدن الرومانيّة العبادات الوثنيّة ولا سيّما عبادة رومة والإمبراطور. كلّ هذا جعل عائلة بولس تغذّي احتقارًا لمثل هذه الديانات، ولن نتصوّر يومًا أن يقابل بولس الإيمان بالمسيح المائت والمنبعث بشعائر العبادات السرّيّة التي عرفها العالم الوثنيّ.
أمّا بالنسبة إلى العالم اليهوديّ، فبولس هو من يهود الشتات أي الذين تشتّتوا خارج فلسطين قبل المسيح بمئات السنين وظلّوا متعلّقين بأورشليم (رج أع 9:2- 11). كان عددهم يقارب الثلاثة ملايين، وكانوا يعتبرون نفوسهم مسؤولين عن الشريعة لينقلوا إلى العالم أنوارها الخالدة (حك 18: 4). والتجّار خاصّة ربطوا فنّ التجارة بغيرة دينيّة فهدَوا الكثير من الوثنيّين إلى عبادة الإله الواحد. ولقد روى مثلاً فلافيوس يرسيفوس ارتداد العائلة الملكيّة في حدياب وهي منطقة تقع شرقيَّ الفرات.
هؤلاء اليهود في شتات البحر المتوّسط أخذوا باللغة اليونانيّة وردّدوا كلمات التوراة في هذه اللغة بعد أن ترجمت إليها السبعينيّة في القرن الثالث ق. م. في الإسكندريّة. واعتادوا أن يجتمعوا في المجامع كلّ سبت يستمعون إلى كلمة الله ويمارسون المشاركة في خيرات الأرض، وسيسمع بولس معهم هذا الاعتراف بالإله الواحد الذي يردّده المؤمنون: "إسمع يا إسرائيل، الربّ إلهنا ربّ واحد فأحبب الربّ إلهك بكلّ قلبك وكلّ نفسك وكلّ قدرتك" (تث 4:6- 5).

2- فرّيسيّ من أورشليم
ويحدّثنا بولس عن نفسه: "في الشريعة أنا فرّيسيّ، وفي الغيرة فأنا مضطِدُ الكنيسة وفي التقوى حسب الشريعة فأنا بلا لوم" (فل 3: 5-6). "نشأت هنا في هذه المدينة (أي في أورشليم) وتعلّمتُ عند قدمي جملائيل شريعة آبائنا تعليمًا صالحًا موافقًا لشريعة الآباء وكنت غيورًا على خدمة الله مثلكم أنتم جميعًا في أيّامنا هذه" (أع 3:22). 
الفرّيسيّة حركة تهدف إلى تكوين جماعة من الأنقياء داخل شعب إسرائيل. الفرّيسيّ هو من انفصل عن الآخرين وعاش في عالم قدسيّ يميّزه عن سائر الناس. والفرّيسيّون يعتبرون الشعب كلّه مدعوا إلى القداسة فيفرضون على الجميع ممارسة شعائر الطهارة المطلوبة في البداية من الكهنة وحدهم، ويعطون الأهمّية الكبرى لتقاليد الآباء الموروثة من موسى كما يقولون.
أمّا مدارس الكتبة فكانت بأكثريّتها في يد الفرّيسيّين. كانت مدرسة أورشليم ومدرسة بابل التي جاء منها رابي هلاّل. وجاء بولس من طرسوس إلى أورشليم القدس ليتعمّق في علومه الدينيّة: قراءة التوراة كلّها، شرح النصّ شرحًا حرفيًّا ثمّ درسه وتفسيره واستخلاص العبرة الروحيّة منه. أمّا طريقة التعليم فتستند إلى الذاكرة والتكرار وكانوا يقولون: الطالب النجيب يشبه اسفنجة تتشرّب من تعليم المعلّم أو بئرًا جديدة لا تخسر نقطة ماء واحدة.
في هذا الإطار المدرسيّ تربّى بولس وبهذه الروح الفرّيسيّة الغيورة على ديانة الآباء سيتصرّف فيكون ذلك المضطهِدَ لكنيسة الربّ. حين كانوا يرجمون إسطفانسَ كان شاولُ هنا (أع 58:7)، بل بدأ يضطهد الكنيسة في أورشليم فيدخل البيوت "ويخرج الرجال والنساء ويلقيهم في السجن" (أع 3:8). ولن تكفيه أورشليم، بل طلب رسائل إلى مجامع دمشق حتّى إذا وجد أناسًا على هذه الطريقة المسيحيّة، ساقهم موثقين إلى أورشليم (أع 9: 2). ويقول عن نفسه في دفاعه أمام أغريبا: "أمّا أنا فكنت أعتقد أنّه يجب أن أقاوم اسم يسوع الناصريّ بكلّ جهدي، وهذا ما فعلت في أورشليم فسجنت بتفويض من رؤساء الكهنة عددًا كبيرًا من القدّيسين المؤمنين بيسوع، ولمّا كانوا يُقْتَلون كنت موافقًا على قتلهم. وكثيرًا ما عذّبتهم في كلّ مجمع لأجبرهم على الكفر بإيمانهم، واشتدّت نقمتي عليهم حتّى أخذت أطاردهم في المدن التي في خارج اليهوديّة" (أع 9:26- 11). وسيكتب في رسائله أنّه اضطهد كنيسة المسيح (1 كور 9:15؛ غل 1: 13، 23؛ فل 6:3) ومع ذلك قبل الربّ أن يجعل منه رسولاً.
نشير هنا إلى أنّ الاضطهاد هذا ضدّ الكنيسة بدأ ضدّ فئة الهلّينيّين لمواقفهم الجذريّة ضدّ شعائر العبادة في الهيكل (أع 6: 13 ي). ونوضح الأسباب التي حدت شاول على اضطهاد أتباع يسوع الناصريّ. فالمصلوب لا يمكن أن يكون المسيح، لأنّه بصلبه صار ملعونًا من قبل الله كما يقول الكتاب (تث 23:21؛ رج غل 13:3 وشرح بولس لهذه الآية).
ثمّ إنّ بولس يوم سمع إسطفانس أدرك نتائج تعليمه الذي يهدّد نظام الشريعة، وكافة حياة شعب الله في العالم. الإيمان المسيحيّ بدا لبولس نفيًا لمثال يدعو إلى ممارسة فرائض الشريعة ممارسة دقيقة. ولهذا تصرّف عن غيرة وحماس كما يقول عن نفسه، ولكن بعد اختياره على طريق دمشق تحوّل هذا الحماس من "ضدّ المسيح" إلى "مع المسيح".

ب- دعوة بولس ليكون رسول الأمم
يشكّل ارتداد شاول المضطهد محطّة هامّة في تاريخ الكنيسة في مهدها، لأنّه سيرمي شبكة الإنجيل إلى البعيد فيطوّر طرق التبشير التي أخذ بها الرسل الذين رافقوا يسوع منذ معموديّة يوحنّا إلى الصعود (أع 1: 21-22).
ربط لوقا في أعمال الرسل بين موت إسطفانس وارتداد بولس، فبيّن لنا أنّ صلاة إسطفانس لأجل جلاّديه قد استجيبت (أع 7: 6-8: 1). ولكنّ فترة من الزمن تفصل بين اضطهاد الهلّينيّين وإيفاد شاول إلى دمشق. ويقول لنا بولس في رسالته إلى أهل غلاطية (1: 18) إنّه بعد ثلاث سنوات من ارتداده في دمشق صعد إلى أورشليم؛ ويقول لنا أيضًا (غل 2: 1) إنّه صعد مرّة ثانية إلى أورشليم، بعد أربع عشرة سنة، لحضور مجمع الكنيسة الأوّل الذي عقد على ما يبدو سنة 48. أمّا ارتداد بولس فقد تمّ سنة 34 ب.م.

1- شهادة بولس
ما حاول بولس يومًا أن يكتب مذكّراته. فهو رسول، وهمّه الأوّل أن ينقل البشارة من مدينة إلى مدينة. وهو لا يعود إلى الماضي إلاّ بقدر ما تفرض عليه الظروف ذلك. كلّ مرّة يصل إلى مجمع أو ساحة عامّة فهو بحاجة إلى "رسالة توصية" لأنّ الخطباء الشعبيّين والواعظين بالديانات والعرّافين والسحرة كانوا كثرًا. ففي قبرص سيصطدم بولس بساحر من أصل يهوديّ اسمه بريشوع ويلقّب بعليم (أع 13: 6-8)؛ وفي أفسس سيزاحمه بعض اليهود المتجوّلين الذين يطردون الأرواح الشريرة (أع 19: 11-17)؛ وفي أثينة سيحسبه الناس مبشرًّا بآلهة غريبة (أع 17: 19). وسيشكوه أعداؤه أنّه أشعل نار الفتنة في المدينة (أع 17: 6-7).
دافع بولس عن نفسه في أوّل رسالة كتبها. تال: "فما كلّمناكم بكلام التمليق (على مثال المشعوذين) كما تعرفون، ولا أضمرنا مطمعًا (على مثال السفسطائيّين)، يشهد الله، ولا طلبنا المجد من الناس لا منكم ولا من غيركم، مع أنّه كان لنا حقّ عليكم لأنّنا رسل المسيح" (1 تس 2: 5-6). هذه هي أهميّة الرسول في العالم الفلسطينيّ: المرسل هو مثل من أرسله (مت 10: 40). أمّا بولس فأبرز خاصّيّة الوظيفة الرسوليّة، فقدّم نفسه على أنّه نبيّ المسيح وخادم العهد الجديد. ومقدّمة الرسالة إلى رومة تدلّ على معنى كلمة رسول بحسب نظرة القدّيس بولس: "بولس عبد يسوع المسيح الذي دعاه الله ليكون رسولاً واصطفاه ليعلن إنجيل الله... بالمسيح نلنا النعمة لنكون رسولاً فندعوَ جميع الشعوب الوثنيّة أن تخضع له بالإيمان لمجد اسمه" (روم 1: 1، 5). مدعوّ ورسول، كلمتان تعبّران عن الجوهر. فبولس كالأنبياء في الماضي وكالرسل في الجليل هو موضوع اختيار مجّانيّ من أجل رسالة ما زالت آفاقها تتّسع. وعندما يكتب بولس إلى الجماعات التي أسّسها، ما كان يحدّثهم عن ظروف دعوته فيبدو كتومًا في ما يخصّ النعم الروحيّة االتي أنعم الله بها عليه. ولكنّ هناك ظروفًا دفعته فيها حاجة الكرازة والدفاع لأن يبيّن أصالة رسالته. سنورد النصوص الأساسيّة قبل أن نستخلص أفكارها الرئيسة.
- بولس رسول لأنه رأى الربّ (1 كور 1:9).
- كان بولس المضطهِد القديم فصار أحد الشهود الرحميّين لقيامة المسيح وأعلن الإنجيل عينه الذي أعلنه كيفا (أي بطرس)، والاثنا عشر، يعقوب وسائر الرسل (1 كور 15: 1– 11).
- أدرك المسيح بولس على طريق دمشق فعلّمه أن يضحّيَ بالقيم القديمة ليجد خلاصه في الإيمان (فل 3: 4-16).
- دعاه الربّ هو المضطهد القديم فشهد على قدرة نعمته (1 تم 1: 12- 14). 
ماذا نستخلص من هذه النصوص؟
- لا يصوّر بولس الرؤيا التي حصل عليها، ولكنّه متيقّن من أنه التقى الربّ. غير أن الكلماتِ أعجزُ من أن تعبّر عن هذا الوحي (غل 1: 12). المجد والنور هما الصورتان اللتان تساعداننا على تصوّر السرّ (رج 2 كور 4: 6).
- جاءت المبادرة من الآب (غل 1: 15)، فأحسّ بولس بنفسه أنّه في خطّ أنبياء العهد القديم. لهذا لجأ إلى عبارات مأخوذة من رسالة إرميا أو عبد الله المتألّم.
- تراءى له يسوع (2 كور 15: 5، 7، 8) وتدخّل في حياته بطريقة إيجابيّة فكان اللقاء. وسيكتب بولس إلى أهل فيلبيّ فيقول لهم إنّ المسيح يسوع أمسك به (فل 12:3) فكيف يستطيع أن يرفس المهماز (أع 14:26)؟
لم يتضمّن عمل المسيح فقط رؤية وتعليمًا بل تحويلاً حميمًا. جعل بولس رسولاً شأنه شأن الاثني عشر، ورسالته لا ترتبط إلاّ بالمسيح.
أُرسل بولس بطريقة خاصّة إلى الأم الوثنيّة، ولكنّه لم يعِ هذا الواقع إلاّ تدريجيًّا. بدأ يتلمّس طريقه منذ البداية، ولكن منذ البداية أخذ كلّ شيء في حياته يرتبط بهذا اللقاء الأوّل مع المسيح.
- ما استحى بولس يومًا من ماضيه كمضطهِد، ولكنّه شهد أنّه عمل ما عمله بنيّة حسنة. أمّا ارتداده فهو مثل واضح على قدرة نعمة الله. وهذا أمر لن ينساه بولس أبدًا في لاهوته.

2- شهادة لوقا
إحتفظ لنا القدّيس لوقا بثلاث روايات لارتداد بولس. رواية جعلها في مكانها الطبيعيّ (أع 9: 1-19) وروايتان برزتا بشكل دفاع لبولس أمام اليهود في أورشليم (أع 22: 4- 21) وأمام الحاكم فستس والملك أغريبا (أع 26: 9-18). هذا يدلّ على الأهمّيّة التي يعلّقها لوقا على الحدث. هناك اختلافات في عرض الأمور، وكلّ نصّ يهدف إلى إظهار وجهة من وجهات دعوة بولس. ففي ف 9 يبرز لوقا دور حنانيّا الموكل بإدخال الرسول في الجماعة المسيحيّة. وفي دفاعه أمام يهود أورشليم يشدّد بولس على ماضيه اليهوديّ وعلى غيرته كمضطهِد، فيميّز بين رؤية دمشق ورؤية تمّت له في الهيكل فتقبّل أمرًا بأن يبشّر الوثنيّين (أع 22: 21). أمّا أمام فستس وأغريبا، فبولس لا يتكلّم عن حنانيّا، بل يشدّد على التعليم الذي تقبّله في طريق دمشق (اع 26: 15-18). غير أنّ هذه الاختلافات في الروايات الثلاث تبرز تشديدًا على قلب الحدث: هذا الذي التقى به بولس في مجده هو يسوع الذي يضطهِدُه (أع 9: 4-5؛ 8:22؛ 26: 15).
وفي هذه العبارة نجد صدى للوحي الذي وصل إلى بولس: حضور الربّ في كنيسته. 
ووصل بولس إلى دمشق... إنّ مضطهِد الأسى صار مبشِّراً عنيفًا. "كان شاول يفحم اليهود المقيمين في دمشق، مبيّنًا أنّ يسوع هو المسيح" (أع 9: 22)، ولسبب نجهله قرّر أن يذهب إلى ديار العرب (غل 1: 17) أي إلى المنطقة الواقعة شرقيَّ الأردنّ والخاضعة بعضها للرومان والبعض الآخر للحارث ملك الأنباط (8 ق. م.- 40 ب. م.). كانت الجماعات اليهوديّة عديدة في شرقيّ الأردنّ، فأمضى بولس معها سنتين محاولاً أن يجتذبها إلى الإيمان الجديد. هل نجح؟ هو لا يقول شيئًا، وما نعرفه هو أنّه صار شخصًا غير مرغوب فيه بسبب البلبلة التي أحدثتها كرازته. وحين رجع إلى دمشق أراد عامل الملك حارث أن يقبض عليه، فأفلت بولس من يديه: "دلّوه في زنبيل من كوّة في السور" (2 كور 11: 30-33). ولا تزال كنيسة صغيرة قرب الباب الشرقيّ تذكّرنا بمَا حدث هناك.
حينئذ عزم بولس على الذهاب إلى أورشليم (غل 1: 18) ليتعرّف إلى كيفا (بطرس) وهكذا كان. فقابل الواحد اختباره مع اختبار الآخر، وظهرت رغبة عند بولس في أن يتعرّف إلى كلمات يسوع الناصريّ.
غير أنّ جماعة أورشليم رفضت أن تستقبل مضطهِد الأمس، فحدّثها برنابا عن صحّة ارتداد بولس، وقدّمه إلى الإخوة (اع 9: 26- 30). ولكن رغم ذلك طلبت الجماعة من بولس أن يعود إلى موطنه ففعل. وسيذهب إليه برنابا في الوقت المناسب ويصطحبه في عمل الرسالة.

ج- رسول يلجأ إلى التعليم
أساس معلوماتنا عن بولس نجده في رسائله. ولكنّ الرسائل صعبة كما تقول الرسالة الثانية لبطرس (3: 15-16) بسبب كثافتها اللاهوتيّة وهي تُجمل في بضع كلمات تعليمًا نضج طويلاً في فكر هذا الرسول. ثمّ لا ننسَ الطابع الظرفيّ للمراسلة، لأنّ الرسالة امتداد لحديث بين اثنين. ولهذا فالتلميح يفهمه قارىء الرسالة الذي يعرف كاتبها أكثر منّا نحن الذين نبعد تسعة عشر قرنًا عن زمن كتابتها. فلا بدّ من التأويل وكثير من المخيّلة لنكتشف الأحداث التي دفعت بولس لينشد نشيد الفرح، أو لنطلعّ على الباع التي يتصدّى لها بولس وهو العارف بنتائجها.

1- بولس إنسان مغرم بالإنجيل
هو رسول قبل أن يكون كاتبًا. والصرخة التي خرجت من قلب إنسان أمسكه المسيح (فل 3: 12) هي: "الويل لي إن لم أبشّر" (1 كور 9: 16). هو لا يستطيع إلاّ أن يعلن في كلّ مكان وأمام كلّ إنسان إيمانه بالحبّ الفادي (2 كور 5: 14 ي).
دفع المسيح بولس فراح يبحث عمّن ينقل إليه كلمة الخلاص. راح إلى المجامع وأروقة المدن والساحات العامّة، توجّه تارة إلى أبناء جنسه وتارة إلى اليونانيين، حدَّث النساء والرجال، الأحرار والعبيد، وحاول أن يجد لكلّ واحد الكلمة المناسبة. ورسائله هي سلسلة من الأحاديث مع المؤمنين الذين كسبهم للمسيح، تجعلنا نشعر باهتمامه بكلّ الكنائس. "من يضعف ولا أكون ضعيفًا؟ من يسقط ولا أحترق" (2 كور 28:11 ي)؟
إهتدى بولس على طريق دمشق فأحسّ بتمزّق في حياته. تلاشت في لحظة واحدة قيم تعلّق بها، واستنارت قيم أخرى. (كلّ هذه الأشياء التي كانت لي ربحًا اعتبرتها من أجل المسيح خسرانًا، بل أَعُدّ كلّ شيء خسرانًا من أجل الربح الأعظم الذي هو معرفة ربّي يسوع المسيح" (فل 7:3-8).
إنطبع لاهوت بولس بهذا الاختبار الروحي فأخذ بالتناقضات التي يجب أن لا نفهمها على ظاهرها. قال: "أضيفت الشريعة من أجل المعاصي" (غل 3: 19). وقال: "لا أريد أن أعرف إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا" (1 كور 2: 2). فهل تراه تناسى لاهوت القيامة؟ لا وألف لا. هنا لا بدّ من تكملة التعابير التناقضيّة بتعابير توازنها. مثلاً: "الشريعة مقدّسة" (روم 7: 12). وأيضًا: "لولا قيامة المسيح كان إيماننا باطلاً" (1 كور 15: 14). "كلّ شيء يحلّ لي" (1 كور 6: 12؛ 10: 23): هذا هو كلام بعض الناس في كورنتوس، ولكنّ بولس يبدي تحفّظاته على هذا القول: "يحسن بالرجل أن لا يمسّ امرأة" (1 كور 7: 1). ولكنّنا لسنا أمام مبدأ لا يُناقَش، وسنعرف في ما يلي أنّ بولس يعظّم البتوليّة ولا يحتقر الزواج.

2- وسائل الكتابة
كتب بولس رسائلَ، ولكنّ لصاحب الرسائل همومه. لا بدّ من إيجاد الرقّ أو ورق البرديّ؛ لا بدّ من إيجاد الكاتب نملي عليه أو نعطيه الفكرة ونتركه يتوسعّ فيها كما يشاء. أمّا القدّيس بولس فكان يملي رسائله، فتندفع الأفكار فلا يكمّل جملة بدأ بها (غل 2: 4؛ روم 5: 12). نحن نعرف اسم كاتب الرسالة إلى أهل رومة: ترتيوس (روم 16: 22) وقد أرسل سلامه إلى الإخوة. ومرّات يزيد بولس بخطّه الكبير الكلمات الأخيرة ليدلّ على صحّة الرسالة (غل 6: 11؛ فلم 19) لأنّ هناك مزوِّرين يستغلّون ثقة الجماعات (2 تس 2: 2؛ 3: 7).
حين تُكتَب الرسالة تُرسَل، ولكنّنا نحتاج إلى من يحملها ومن يشرح مضمونها. هكذا كانت تتمّ الأمور في العلاقات الدبلوماسيّة: ينقل الموفد مضمون الرسالة شفهيًّا، ثمّ يقدّم النصّ المكتوب والمختوم بالشمع. حين اتّخذت جماعة أورشليم قرارها أوفدت يهوذا وسيلا وطلبت منهما أن يشرحا مضمون الرسالة. وحين كتب بولس الأولى إلى أهل كورنتوس حملها إستفاناس وفورتوناتوس وأخائيقس (1 كور 17:16). وسيحمل تيخيكس الرسالة إلى أهل كولسيّ (كو 4: 7)، وإبفريديتس الرسالة إلى أهل فيلبيّ (فل 25:2).
يصل الموفد فتستقبله الجماعة كلّها (1 تس 5: 27) فيقرأ الرسالة باحتفال كما لو كانت مقطعًا من الكتب المقدّسة: "طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون هذه الأقوال" (رؤ 1: 3)، ولكنّ الويلَ لمن يزيد عليها شيئًا أو يسقط شيئًا (رؤ 22: 18-19). وتتبادل الجماعات الرسائل: "بعد أن تقرأوا رسالتي أوصلوها إلى كنيسة اللاذقيّة لتقرأها بدورها. وأنتم من جهتكم إقرأوا الرسالة التي تصلكم من اللاذقيّة" (كو 4: 16). وهكذا تكوّنت مجموعة رسائل القدّيس بولس، ولعبت جماعة أفسس الدور الأبرز في تكوين هذه المجموعة.

3- أسلوب الكتابة
ويأخذ بولس بالعبارات التقليديّة في الرسائل، ولكنّه يحوّرها ويعطيها وجهة مسيحية. رسالته إلى فيلمون تشبه الرسائل الشخصيّة، ولكنّ بولس يتكلّم كرسول وهو يحاول أن يقنع صاحبه ليعفوَ عن العبد الهارب. ورسالته إلى رومة تذكّرنا برسائل الأباطرة الطويلة، ولكنّ الفصول الأخيرة تعود بنا إلى السلام والكلام.
ماذا نجد في الرسالة؟ هناك العنوان: من فلان إلى فلان، سلام. ينطلق بولس من هذا المثال ولكنّه يعرض المواضيع التي سيتوسعّ فيها. وتعود عبارة "النعمة والسلام" لأنّ المصالحة تمّت لنا بيسوع الذي هو سلامنا (أف 2: 14). ومن المفيد أن نكتشف العباراتِ الأولى وما تحمله إلينا من معلومات عن بولس وعن الجماعة التي يكتب إليها. 
نهاية الرسائل طويلة: فيها السلامات المتعدّدة التي تدلّ على الرباطات الوثيقة بين الجماعات المختلفة، وفيها الأمنيّة الليتورجيّة كما في 1 كور 16: 22-24: "إن كان أحد لا يحبّ الربّ فاللعنة عليه. ماران اتا (ربّنا اتى). نعمة الربّ يسوع عليكم أجمعين. محبّتي لكم جميعًا في المسيح يسوع". وفي 2 كور 13:13: "نعمة ربّنا يسوع المسيح ومحبّة الله وشركة الروح القدس لتكن معكم جميعًا".
وفي الرسالة موضع للشكر، وبولس يتوسّع فيه منطلقًا من الليتورجيّا اليهوديّة، فيجمع فعل الشكر إلى صلاة الطلب، أو يجعل فعل الشكر تمنيّا بالبركة. يقول لصديقه فيلمون (آ 4، 6): "أحمد إلهي كلَّما ذكرتك في صلواتي... وأسأله ليجعل مشاركتك في الإيمان فعّالة". هلاّ تدارسنا الأسباب التي تدفع بولس لأن يحمد الله في الأولى إلى تسالونيكي، في الرسائل إلى كولسيّ ورومة وكورنتوس، فتعلّمُنا الكثير عن هذه الكنائس. نجد مباركة على الطريقة اليهوديّة في بداية أفسس، ولكنّ العنصر الجديد هو أنّ المسيح محور نظرة بولس.

4- رسائل بولس
نستطيع أن نقسم رسائل بولس بحسب مضمونها وزمن كتابتها إلى ما يلي: رسائل ذات طابع نهيويّ: 1 تس، 2 تس، 1 كور 15؛ رسائل تشدّد على آنيّة الخلاص وعلى حياة الجماعة: 1 كور، 2 كور، غل، فل، روم؛ رسائل الأسر وهي تشدّد على دور المسيح في الكون: كو، أف، فلم؛ رسائل مركّزة على تنظيم الجماعات واسمها أيضًا الرسائل الرعاويّة: 1 تم، 2 تم، تي.
أمّا زمن كتابتها فإليك لائحة عنه:
أرسل بولس الأولى والثانية إلى تسالونيكي من كورنتوس حيث أقام من شتاء سنة 50 إلى صيف 52 فكانت أولى أسفار العهد الجديد.
وأقام بولس سنتين وثلاثة أشهر في أفسس سنة 54- 57 ومن هناك كتب الرسائل إلى أهل كورنتوس وغلاطية وفيلبّي.
وأقام في كورنتوس في شتاء سنة 57- 58، فكتب الرسالة إلى أهل رومة. وحين كان في الأس في رومة سنة 61- 63، كتب الرسائل إلى أهل كولسيّ وأفسس وإلى فيلمون، ثمّ الرسائل الرعاويّة أي الأولى والثانية إلى تيموتاوس والرسالة إلى تيطس. 

5- بولس والكتاب المقدّس
بولس ابن العالم اليهوديّ وسيعود إلى التوراة ليقدّم براهينه إلى قرّائه. هو لا يكتفي بإعلان الإيمان، بل يهتمّ بأن يبيّن أنّ الإنجيل يتوافق والكتب المقدّسة (1 كور 15: 35، 5). نجد في مجمل رسائله 76 إيرادًا للكتاب المقدّس تسبقها عبارة مثل هذه: "لأنّه كتب"، "قال الكتاب"، "أشعيا كان قد أنبأ"... في 22 حالة لا نجد عبارة الإيراد، ولكنّنا لا نشكّ في نيّة بولس أن يستند إلى الكتاب المقدّس. مثلاً في روم 3: 20: لهذا لا يُبَّررُ بشر لديه (مز 143: 2) بأعمال الشريعة. أمّا التلميحات فأكثر من أن تحصى إذ يستعمل بولس كلماتٍ كتابيّةً تأتيه في عمليّة توارد الأفكار دون أن يستعيد النصّ الذي تأتي منه هذه الأفكار.
غير أنّ بولس يدهشنا في تفسيره لبعض الآيات، كمثل استعماله للشريعة عن الثور الذي يدوس الحنطة ليبرّر أنّ الواعظ يستحقّ أجرته (تث 25: 4؛ في 1 كور 9: 9)، أو تطبيقه على الرسل (روم 18:10) لآية مز 19: 5 في ما يتعلّق بلغة الكواكب: في كلّ الأرض ذهب صوتهم. أمّا في أف 4: 8 فبولس يحوّر النصّ الأساسيّ فيقول: أعطى عطايا للناس. أمّا مز 19:68 فيقول: قبلتَ الناس بشكل جزية.
ولكي نفهم طريقة بولس، لا بدّ من التذكّر أنّه في مدرسة جملائيل كان التلاميذ يتعلّمون قواعد التفسير السبع التي جمعها ونسقّها رابّي هلاّل وهي: الاستدلال الناتج، الاستدلال بالقياس، الاستقراء انطلاقًا من نصّ كتابيّ، الإستقراء انطلاقًا من نصّين كتابيّين، استنتاج من العامّ إلى الخاصّ ومن الخاصّ إلى العامّ، توضيح مقطع كتابيّ انطلاقًا من مقطع مشابه، استنتاج انطلاقًا من القرينة.
الاستدلالات الناتجة عديدة عند بولس. ففي روم 5: 9: "المسيح مات من أجلنا إذ كنّا خاطئين، فما أحرانا اليوم وقد نلنا البرّ بدمه" (رج أيضًا روم 5: 10، 17؛ 11: 12؛ 1 كور 9: 12؛ 2 كور 8:3، 11). وينطلق بولس بتمثّل قانونيّ من حالة إلى أخرى حين يستعمل النصّ عن المساواة بين العبرانيّين في جمع المنّ ويطبّقه على العلاقات الواجبة بين المسيحيّين (2 كور 8: 15 يورد خر 18:16). ومرّات يسند الرسول استدلاله انطلاقًا من إيرادين تجمع بينهما كلمة واحدة. مثلاً في روم 4 يضمّ تك 6:15 (حُسب له ذلك برًّا) الى مز 32: 1-2 (طوبى للرجل الذي لم تحسب له خطيئته) فيستنتج تعليمه عن التبرير بالإيمان (روم 4: 11 ي).
ويتّخذ القياس شكل الخطبة أي مقابلة أحداث العهد الأوّل مع أحداث العهد الجديد. وأفضل مثل نقرأه في 1 كور 10: 1- 11: "حدث ذلك كلّه ليكون لنا مثلاً (أو نمطًا) لئلاّ تنال منا الشهوات الخبيثة كما نالت منهم" (1 كور 10-6). وفي الخطّ ذاته نقرأ ما يقوله بولس عن سارة وهاجر (غل 4: 21- 31). لا يكتفي بولس باتّباع طريقة هلال، بل يتعدّاها ليطبّق النصّ على الجماعة المسيحيّة. هنا نتذكّر أنّ بولس لا ينطلق من التوراة ليصل إلى المسيح، بل يبحث في إيمانه بالمسيح المنبعث عن إعلانات مجيئه وعلامات حضوره في العهد القديم. تفسيره مبنيّ إذًا على المسيح: الإيمان بآدم الجديد يساعده ليفهم مأساة آدم الأوّل (روم 5: 12- 21)، وواقع المعموديّة في المسيح يسمح له بأن يرى في عبور البحر الأحمر معموديّة في موسى (1 كور 10: 2). والطابع المسيحيّ لهذا التأويل يقودنا الى أبعاده عن الكنيسة: سارة، المرأة الحرّة التي تلد ابن الموعد، الهيكل، أورشليم، كلّ هذا صورة للكنيسة عروس آدم الجديد (أف 5: 21-32).

د- على طرقات العالم المعروف
1- سفرات بولس
إختلف يسوع عن معلّمي الشريعة الذين يقيمون في مدرستهم بأورشليم، فكان يجوب مدن الجليل وقراه. وبعد العنصرة خصّص الرسل مجهودهم ليبشّروا أورشليم المدينة المقدّسة. ولمّا جاء استشهاد إسطفانس تفرق الهلّينيّون (أع 8: 4) ثمّ الاثنا عشر فلم يجد منهم بولس في مجيئه الأوّل إلى أورشليم إلا كيفا ويعقوب أخا الربّ (غل 1: 18)، وخلال "مجمع أورشليم" إلاّ يعقوب وكيفا ويوحنّا (غل 9:2). نحن لا نعرف الكثير عن أسفار الاثني عشر رسولاً، ولكنّ لوقا يقدّم لنا في أعمال الرسل "يوميّات" رسالة بولس وإن لم تكن مفصّلة.
هناك سفرات ثلاث انطلقت كلّها من أنطاكية مركز الرسالة الجديد بعد أورشليم: السفرة الأولى: قبرص، بمفيلية، ليكونية (أع 13-14). مشكلة ختان الوثنيّين المرتدّين إلى المسيحية: "مجمع" أورشليم (أع 15: 1-29؛ غل 2: 1- 10). السفرة الثانية: ليكونية، بلاد غلاطية، ترواس، مكدونية (فيلبيّ، تسالونيكي)، أثينة، كورنتوس، رجوع إلى أنطاكية عبر أفسس (أع 15: 41-18: 22). السفرة الثالثة: غلاطية، أفسس (قضى فيها ما يزيد على السنتين) مكدونية وكورنتوس (في الشتاء). وعاد إلى أورشليم عبر مكدونية وميليتس. الأسر في أورشليم (18: 1-23: 22).
أما زمن هذه السفرات فنحدّده انطلاقًا من مثول بولس أمام غاليون الذي كان حاكمًا في كورنتوس سنة 51، وهكذا تمتدّ السفرة الأولى في السنوات 46-48، والسفرة الثانية في السنوات 49-52، والأخيرة في السنوات 53-58.
لن نتحدّث عن طرقات البرّ الطويلة الوعرة المليئة بالأخطار والصعوبات، ولن نتوقّف على الحديث عن السفر في البحر في تلك الأيّام. كلّ ما نقوله هو أنّ بولس اجتاز في الرحلة الأولى ألف كيلومتر، وفي الرحلة الثانية ألفًا وأربعماية كيلومتر، وفي الثالثة ألفًا وسبعماية كيلومتر.

2- صحابة بولس
يوم أرسل يسوع تلاميذه للمرّة الأولى، أرسلهم اثنين اثنين (مر 6: 7). وبولس من جهته أحاط نفسه بفريق من المعاونين في جولاته الرسوليّة حتّى تكوّن فريق عمل سنذكر أهمّ أعضائه الذين نقرأ أسماءهم في أعمال الرسل ورسائل القدّيس بولس.
في بداية حياة بولس الرسوليّة لعب برنابا الدور الأوّل. كان حائزًا ثقة جماعة أورشليم متمتعًا بموهبة نبويّة، فقدّم بولس إلى الكنيسة الأمّ وذهب إليه في طرسوس يدعوه إلى حمل الإنجيل في أنطاكية. يوم الانطلاق في السفرة الأولى كان برنابا رئيس الفريق (أع 13: 4). ولكن ما عتّمت أن انقلبت الأدوار فحدّثنا القدّيس لوقا عن بولس ورفاقه (أع 13:13). وسيسند برنابا بولس في مجمع أورشليم (غل 2: 1). ولكنّه يتردّد في أنطاكية، فيتألم بولس لهذا التردّد (غل 13:2).
في السفرة الأولى اصطحب برنابا قريبه يوحنّا مرقس، ولكنّ مرقس تراجع أمام أخطار الطريق، فرفض بولس أن يأخذه معه في السفرة الثانية (أع 15: 39)، فعاد برنابا ومرقس إلى قبرص واصطحب بولس سيلا (أو سلوانس) ذاك النبيّ الآتي من أورشليم فقاما بتبشير تسالونيكي (راجع مقدّمة 1 تس، 2 تس).
في لسترة دعا بولس تيموتاوس وكانت أمّه لئيس وجدّته أونيكة قد ارتدّتا إلى الإيمان في الجولة الرسوليّة الأولى (2 تم 1: 5). كان تيموتاوس من أب وثنيّ وأمّ يهوديّة فلم يختن مع أنّ الشريعة تفرض ذلك. ولكي يتجنّب بولس الصعوبات مع يهود الجوار قبل أن يختن تلميذه (أع 3:16) مع أنه رفض بقوّة أن يختن تلميذه الآخر تيطس (غل 3:2). يبدو لنا تيموتاوس معاونًا أمينًا للرسول الذي أرسله في مهمّات دقيقة إلى تسالونيكي (1 تس 3: 2) وإلى كورنتوس (1 كور 4: 17؛ 16: 10). ولمّا غاب عنه ابنه (رج 1 تم 1: 18) كمّا يسمّيه بولس، قلق عليه (1 تس 6:3، 2 تم 1: 4). نقصته روح المبادرة فدعاه بولس ليكون أكثر جرأة (2 تم 1: 6 ي). كان رجلاً ليّنًا فعمل مع بولس وورد اسمه مع اسم بولس في مقدّمة 2 كور، فل، كو، 1 و 2 تم.
وكان بولس يتّكل أيضًا على تيطس أحد المرتدّين الذي يسمّيه "ابني الحقيقيّ في الإيمان" (تي 1: 4). كان من عائلة وثنيّة فلم يسمح له بولس أن يختن (غل 3:2). وحين انفجرت أزمة كورنتوس وفشل تيموتاوس في حلّها، أرسل بولس تيطس فنجح نجاحًا ما كان ينتظره أحد (2 كور 6:7 ي). حمل من مكدونية إلى بولس توبة الكورنثيّين ثمّ عاد إلى كورنتوس مع بولس لتنظيم جمع الحسنات لكنيسة أورشليم (2 كور 8: 6 ي). في نهاية حياته كلَّف تيطس أن ينظم الجماعات المسيحيّة في كريت وكان ذاك عملاً صعبًا إذا تذّكرنا ما يقوله بولس عن الكريتيّين (تي 1: 12)، غير أنّه نجح في ذلك.
ولوقا الطبيب الأمين (كو 4: 14؛ فلم 24؛ 2 تم 4: 11) رافق بولس في قسم من أسفاره، وهذا نستنتجه من المقاطع المكتوبة بصيغة المتكلّم الجمع في أعمال الرسل. ما رواه ثمين جدًّا لكي نحدّد إطار رسالة بولس. أمّا تعاليم بولس فلم تظهر كثيرًا في ما كتبه. 
ويمكننا أن نذكر من رفاق بولس إبفريدتس من فيلبيّ (فل 2: 25) وأبفراس من كولسيّ (كو 1: 7؛ 4: 12) وتيخيكس معاونه الأمين وموفده إلى كنيسة أفسس (أف 21:6 ي؛2 تم 12:4) وغيرهم.
ولا ننسَ العنصر النسائيّ في رسالة بولس، وقد قال لوقا إنّ نساء شريفات كنَّ بين مرتديّ تسالونيكي (أع 17: 4) وبيرية (أع 17: 12). واحتفظ لنا باسم داماريس من أثينة (أع 17: 34)، وأبرز الدور الذي لعبته ليدية، تاجرة الأرجوان في فيلبيّ (أع 16: 14)، وبرسكلّه زوجة أكيلا حاثك الخيام (أع 18: 2 ي، رج 1 كور 16: 19؛ روم 16: 3-5؛ 2 تم 4: 19).
ولا يكتفي القدّيس بولس بإيراد أسماء نساء عديدات في رسائله، بل يصف العمل الرسوليّ الذي تقوم به كلّ منهنّ. فيبة هي شمّاسة في كنيسة كورنتوس (روم 16: 10) وهي المسؤولة عن حمل رسالة بولس إلى أهل رومة، ومريم جاهدت كثيرًا من أجلكم (روم 16: 6) والجهاد (1 كور 4: 12، جهاد اليدين) هو الجهاد الرسوليّ أيضاً (1 كور 10:15؛ 16:16؛ غل 4: 11؛ فل 16:2؛ 1 تس 5: 12). نِمفة تقيم في كولسيّ وتستقبل الكنيسة في بيتها (كو 15:4)، وأهودية وسنتيخة لعبتا دورًا هامًّا مع الجماعة رغم اختلافهما (فل 4: 2).
كلّ هؤلاء أشركهم بولس في عمله الرسوليّ رغم طبعه، وسمّاهم معاونيه (روم 3:16، 9،، 21؛ فل 25:2؛ 3:4؛ فلم 24)، وانتظر منهم روح الوحدة، وحارب روح التحزّب في كورنتوس (1 كور 1: 1 ي). فالمبدأ الأساسيّ رغم الاختلافات الثانويّة هو أن يعلن اسم المسيح (فل 1:18)، ولكن لا يكون الإعلان حقيقيًّا إلاّ إذا طابق كرازة الرسل الاثني عشر (1 كور 3: 10 ي).

3- السفرة الرسوليّة الأولى
تحتلّ مدينة أنطاكية في حياة مار بولس مركزًا هامًّا جدًّا. ففيها سيكتشف الرسول جماعةً تتكلّم لغتينِ ومؤلّفةً من يهود ومن وثنيّين مرتدّين، وفيها سيعي وعيًا تامًّا إلحاحيّة الرسالة في العالم اليونانيّ. وسيجعل بولس من أنطاكية نقطة انطلاق لجولاته الرسوليّة وإليها سيعود فيشرك إخوته في الشكر من أجل نموّ الإنجيل في العالم.

أوّلاً: أنطاكية حاضرة عظيمة على العاصي
تأسّست أنطاكية سنة 301 ق م على يد سلوقس فصارت ثالث مدينة في العالم بعد رومة والإسكندريّة وكان عدد سكّانها 500,000 نسمة. أمّا محيط أسوارها فكان 15 كلم. كانت مهمّة بسبب موقعها على ملتقى الطرق الآتية من البقاع اللبنانيّ أحد أهراء العالم القديم، ومن بلاد الرافدين، وبرّ الأناضول.
متّى تكوّنت جماعة مسيحيّة في أنطاكية؟ منذ مجيء الهلّينيّين الذين "بدأوا يخاطبون اليونانيّين أيضًا ويبشّرونهم بالربّ يسوع" (أع 11: 20). حينئذ أرسلت جماعة أورشليم برنابا إلى أنطاكية فرأى نعمة الربّ في ما يعمله هؤلاء المبشّرون. ثمّ ذهب إلى طرسوس يطلب شاول. فلمّا وجده جاء به إلى أنطاكية فأقاما سنة كاملة فعلّما خلقًا كثيرًا (أع 11: 26). وستظهر روح الاتّحاد عميقة بين أنطاكية وأورشليم فترسل أنطاكية معونة إلى الإخوة المقيمين في اليهوديّة (أع 29:11).

ثانيًا: الانطلاق في الرسالة
يورد لنا لوقا، وأصلُه من أنطاكية، لائحة بالمسؤولين عن الجماعة، ويقول لنا إنّه خلال سهرة الصلاة قام أحد الأنبياء وقال باسم الربّ: "أفردوا لي برنابا وشاول من أجل العمل الذي ندبتهما إليه" (أع 13: 2). وصامت الجماعة وصلّت بحرارة وانطبعت حفلة الانطلاق بوضع يد المسؤولين على المرسلين. كلّ واحد أحسّ نفسه متضامنًا معهما على المستوى الروحيّ والمستوى الماديّ: هما يحتاجان إلى زاد للطريق، وإلى مال ليدفعا أجرة السفر. وهكذا وصلا إلى قبرص.
أمّا جزيرة قبرص، موطن برنابا (أع 36:4)، فكانت تعدّ جماعة يهوديّة هامّة وكانت على علاقة بفلسطين. في قبرص اتّصل بولس بالحاكم الرومانيّ سرجيوس بولس لِما وجد عنده من الاستعدادات الطيّبة. غير أنه واجه ساحرًا من أصل يهوديّ اسمه عليم (أع 8:13) له مكانة في بلاط الحاكم. ولكنّ قوّة الروح أسكتت الساحر فآمن الحاكم.

ثالثًا: في بمفيلية وبسيدية
عُرفت مقاطعة بمفيلية بمدنها الهامّة ولاسيمّا برجة التي بلغها بولس ورفيقاه برنابا ويوحنّا مرقس. ولكن خاف مرقس من وعورة الطريق وأخطارها فرجع إلى أورشليم. وتقدّم بولس وبرنابا نحو بسيدية وليكونية. ولقد ترك لنا لوقا عظة نموذجيّة من عظات بولس قالها في أنطاكية بسيدية (أع 13: 16- 41). دخل المجمع وكان فيه اليهود والخائفو الله. قَبِل الوثنيّون كلام الله أمّا اليهود فأبدَوا معارضة عنيفة (أع 13: 45)، فرأى فيها بولس علامة من الله ليتوجّه إلى الوثنيّين (أع 13: 46): "جعلتك نورًا للأمم لتحمل الخلاص إلى أقصى الأرض".
وطُرد الرسولان من أنطاكية بسيدية فجاءا إلى ليكونية ووجدا هناك الصعوبات نفسها. وستحصل لهما مغامرة غريبة في لسترة. شفى بولس مقعدًا، فحسب الناس أنّ الآلهة تقمّصت البشر: حسبوا أنّ برنابا هو زَوْشٌ، رئيس الآلهة، وأنّ بولس هو هرمس إله الفصاحة وأرادوا أن يقدّموا ذبيحة إكرامًا لهما. فلمّا علم بولس وبرنابا بالأمر مزّقا ثيابهما وحاولا أن يقنعا السامعين بالاعتراف بالله الواحد الذي خلق الكون ونظّم الفصول... هكذا كان يتكلّم الفلاسفة الرواقيّون، وهكذا سيتكلّم بولس في أثينة. لم يقتنع أهل لسترة. ثمّ جاء اليهود وأثاروا الناس على بولس فرجموه وجرّوه إلى خارج المدينة بعد أن حسبوه قد مات (أع 19:14). وهذه الحادثة لن تكون الأخيرة في حياته (1 كور 11: 25).
وعاد بولس وبرنابا وكانا يمرّان على الجماعات التي أسّساها ويشجّعان المؤمنين ويقيمان كهنة لتنظيم أمورهم. أجل، لا يكتفي بولس بأن يزرع الكنيسة، بل يهتمّ بنموّها ويعيّن لها مسؤولين.

رابعًا: مجمع أورشليم
بعد هذه السفرة الأولى كان للإنجيل انطلاقته الرائعة. تجاوز حدود فلسطين فوصل إلى جزر البحر المتوسّط ودخل بلاد الأناضول. ولم تعد القضيّة قضيّة ارتدادات فرديّة كما حدث لوزير ملكة الحبشة (أع 8: 26- 20) أو لكورنيليوس الضابط الرومانيّ (أع 10: 1- 11: 18) بل قضيّة جماعات جديدة ستكون لها مكانتها في الكنيسة.
ولكن برزت الصعوبات وخاصّة بالنسبة الى شريعة الختان. يوم عقد الربّ عهده مع إبراهيم ونسله على الدوام جعل الختان علامة هذا العهد (تك 17: 11). والشريعة لا تطبّق فقط على اليهود بل على كلّ الذين يريدون أن يدخلوا في العهد، والختان علامة الدخول في شعب الوعد. ثمّ إنّ يسوع لم يقل شيئًا عن شريعة الختان.
وبرز الجدال في أنطاكية ثمّ في أورشليم (أع 15: 1-29؛ غل 2: 1- 10) فمناصرو الختان انقسموا قسمين، منهم من قال إنّ الختان ضروريّ ومنهم من اعتبره مكمّلاً للعماد. ويعطينا لوقا وجهة نظره في ف 15 من سفر الأعمال وبولس في غل 2: 1- 10. يقدّم لنا لوقا حلاًّ توافقيًّا نضج في الكنيسة، أمّا بولس فاحتفظ لنا بالجوّ العاصف الذي عرفته الجماعة لتأخذ قرارًا حاسمًا لمستقبل الكنيسة. أراد الغلاطيّون أن يرَوا في الديانة اليهوديّة درجة سامية من الحياة الروحيّة فذكّرهم بولس أنّ عُمُد الكنيسة (يعقوب وكيفا ويوحنّا) أقرّوا بحرّيّة الأمم تجاه الشريعة ولم يفرضوا عليهم إلاّ مساعدة الفقراء في أورشليم. 
إعتبر المسيحيّون من أصل يهوديّ الوثنيّين المرتدّين إلى المسيحيّة مؤمنين من الدرجة الثانية وأرادوا أن يفرضوا عليهم الختان. ولكنّ مثلَ هذا الأمر يشكّل للتبشير حاجزًا لأنّ اليونانيين يعتبرون الختان تشويهًا مُحِطًا للإنسان. ولكن أبعد من الزاوية الرعاويّة اكتشف بولس الزاوية اللاهوتيّة: ما قيمة الشريعة بعد اليوم؟ أيّ جديد جاءنا به موت يسوع وقيامته؟ على أيِّ مبدأ يبرّر المسيحيّ؟ كلّ هذه الأسئلة سيعيد طرحها في روم وغل فتشكّل قلب تفكيره اللاهوتيّ.

خامسًا: حادثة أنطاكية
يبدو أنّ لوقا جمع في أع 15 حدثين مختلفين: قرار بأن لا يختتن الوثنيّون المرتدّون، ووسيلة عمليّة تسهل المشاركة بين مسيحيّين من أصل يهوديّ ومسيحيّين من أصل وثنيّ. ونحن لن نفهم حادثة أنطاكية إلاَّ إذا عرفنا أنّ هذه الإجراءات لم تكن أخذت بعد. 
نحن في أنطاكية، وبولس يعدّ العدّة لسفرته الرسولية الثانية. وصل كيفا وقاسم الوثنيّين المرتدّين المائدة. ولكن لما جاء أناس من صحب يعقوب "توارى وتنحّى خوفًا من أهل الختان فجاراه سائر اليهود في ريائه حتّى إنّ برنابا انقاد أيضًا إلى ريائهم" (غل 2: 12 ي). ما هي أبعاد الحدث وما الذي جل الحاضرين يتحرّكون؟
إنّ الشرائع اليهوديّة عرفت تأويلاً ضيّقًا: خافت أن يضيع التمييز بين اليهود واليونانيين حتّى في قلب فلسطين. لم تقل شريعة موسى شيئًا في أمر الطعام، ولكنّ العادات منعت أن يؤاكل اليهوديُّ الوثنيَّ لئلاّ يتنجّسَ به. هنا نتذكّر موقف بطرس يدعوه الصوت للذهاب إلى بيت كورنيلوس (أع 10: 10-16). تغلّب الروح على بطرس (أع 47:10). ولكن لا بدّ من التغلّب على جماعة أورشليم ولم يكن الأمر سهلاً (أع 11: 1-18)، والعقليّات لا تتبدّل في يوم واحد، وجماعة أورشليم باقية على أمانتها للممارسات اليهوديّة. لم يَلُمْها بولس، وهو الذي حدّد الموقف الواجب أخذه أمام الضعيف (رج 1 كور 9: 20؛ روم 14: 1 ي). ولكنّه لم يقبل أن نجعل من ممارسة حرّة قضيّة مبدأيّة تقسم الكنيسة قسمين. فقال عن نفسه: "لمّا رأيت أنّ كيفا وبرنابا لا يسيران سيرة قويمة كما تقضي حقيقة البشارة، قلت لكيفا بمحضر من جميع الإخوة: إذا كنت أنت اليهوديّ تعيش كالوثنيّين لا كاليهود، فكيف تلزم الوثنيّين أن يسيروا كاليهود" (غل 14:2)؟ ما يأخذه بولس على كيفا (بطرس) ليس غلطًا تعليميًّا بل موقف عمليّ وضعف أمام جماعة ضاغطة هي جماعة المتهوّدين.
وزاد بولس: "نحن يهود بالولادة ولسنا من الخاطئين الوثنيّين، ومع ذلك فنحن نعلم أنّ الإنسان لا يتبرّر بأعمال الناموس بل بالإيمان بيسوع المسيح" (غل 2: 5). وبداية هذا الخطاب تتضمّن أصل التعليم الذي سيتوسعّ فيه بولس في الرسالة إلى أهل رومة. فامتيازات اليهود (لهم التبنيّ والعهود والشريعة وشعائر العبادة، رج روم 9: 4) لا تستطيع أن تخلّصهم. فالشريعة التي يعتبرونها طريق حياة تزيد شعورهم بالخطيئة حين يخطئون بكامل معرفتهم. وعاطفة التعالي التي تجعل اليهوديّ يرفع نفسه أمام الوثني تقوده فورًا إلى الرياء... اتّهام لا تخفيف فيه... ولكنّ سواد اللوحة يُبرز المبدأ الأساسيّ الذي هو: يسوع المسيح وحده يخلّصنا بالإيمان. وهكذا نتذكّر كلماتِ يسوع: "إذهبي إيمانك خلّصك"، فنفهم أنّ القدّيس بولس عمّم كلمات قالها يسوع في ظروف خاصّة.
والخلاصة: شركة المائدة تدلّ على وحدة الإيمان ووحدة الكنيسة، وسيقول بولس في 1 كور 17:10: "نحن كلّنا جسد واحد لأنّنا نشارك في الخبز الواحد".

4- السفرة الرسوليّة الثانية
بولس رائد مقدام همّه أن يزرع صليب المسيح في كلّ مكان، هذا ما عرفناه عنه. ولكنّه أيضًا رئيس جماعة شاغله ثبات المؤمنين على الإيمان. لهذا نراه، بعد وقت قصير من الراحة في أنطاكية، يعرض على برنابا أن يرافقه: "لنعد فنتفقّد الإخوة في كلّ مدينة بشّرنا فيها بكلام الربّ ونرى كيف أحوالهم" (أع 15: 36). ولكنّ برنابا أراد أن يرافقَهما يوحنّا مرقسُ، غير أنّ بولس لم ينسَ له تراجعه أمام الخطر.. فتنازع بولس وبرنابا وتفارقا (أع 15: 39). ذهب برنابا ومرقس إلى قبرص واصطحب بولس سيلا (أو سلوانس).

أوّلاً: عبور في آسية الصغرى
لا يهتمّ لوقا بالقسم الأوّل من السفرة الذي يتمّ في آسية الصغرى فهو يريد أن يصل سريعًا إلى أوروبا. عبرَ بولس أبواب كيليكية حتّى وصل إلى لسترة. فاستقبلته أسرة تيموتاوس فدعا بولسُ الشابَّ إلى أن يتبعه فتبعه وكان له من أخلص المعاونين.
نوى بولس أن يذهب مباشرة إلى أفسس ولكنّ الروح القدس منعه فجال في فريجية ومنطقة غلاطية (أع 7:16). ذهب بولس إلى قلب غلاطية (غل 3: 1) ولم يكتف بالمرور في بسيدية وليكونية.
كان بولس يرغب في أن يبشّر المدن الكبرى (1 تس 1: 8) ومنها ينطلق إلى الأرياف، ولكنّ مرضًا أجبره على تبديل مشاريعه فبقي في أرض الغلاطيّين وحدّثنا عن لطافتهم في استقباله يوم عاملوه كأنّه "ملاك الله" (غل 4: 14).
لم يمنع مرضُ بولس ضيوفَه من التعلّق بالمبشّر. مرض فلم يعتبروا مرضه عقابًا من الآلهة. بل تأثّروا بكرازة المسيح المصلوب (غل 3: 1)، وانطبع ارتدادهم الحماسيّ بتدخّلات الروح (غل 3: 2). وسيحتفظ بولس من هذه الرسالة غير المنتظرة بِعَاطفةٍ عميقةٍ وهذا ما سيجعله يدهش من انقلابهم حين مرّ عليهم الوعّاظ المتهوّدون (غل 3: 1-15).

ثانيًا: رسالة في مكدونية
وتردّد بولس في أيّ طريق يتّخذ (أع 6:16- 10) ولكنّه سمع في الحلم نداء رجل مكدونيّ يدعوه: "أعبر إلى مكدونية وأغثنا" (أع 16: 10). فانطلق الفريق الذي انضمّ إليه لوقا (المتكلّم الجمع انطلاقًا من أع 16: 10) إلى ترواس ونيابوليس حتّى وصل إلى فيلبيّ.
فيلبيّ مستعمرة رومانيّة تتمتعّ بامتيازات هامّة، منها المواطنيّة الرومانيّة التي يشير إليها بولس حين يحدّث المؤمنين عن "موطننا في السماء" (فل 3: 20). عرفت فيلبيّ تعدّد الآلهة وآمنت أكثر من غيرها بحياة بعد الموت. جاءها بولس فاتّصل بأبناء ديانته وكان عددهم قليلاً. لم يكن لهم مجمع بل مكان قرب النهر يجتمعون فيه للصلاة. وستهتمّ ليدية، وهي تاجرة غنيّة، بكرازة بولس فتدعوه إلى بيتها (أع 16: 11- 15).
كم من الوقت قضاه بولس في فيلبيّ؟ بضعة أشهر ولا شكّ. وجعل فيها أساقفة وشمامسة (فل 1: 1) سيرتبط بهم بمحبّة تجعله يقبل مساعداتهم الماليّة (فل 4: 10-18). ولكن ستهبّ العاصفة بسبب جارية عرّافة، طرد منها بولس الشيطان فضاع الرزق على سيّدها. حينئذ جاء سيّدها وشكا الرسول لدى القضاة المحلّيّين: "هذان الرجلان يوقعان الاضطراب في مدينتنا، وهما يهوديّان، يدعوان إلى سنن لا يحلّ لنا قبولها ولا اتّباعها نحن الرومانيّين" (أع 16: 20 ي). سمح القانون بالديانة اليهوديّة في المملكة الرومانيّة، ولكنّه لم يسمح لليهود بنشر ديانتهم بين الرومان. اهتمّ القضاة للأمر فجلدوا الرسولين وجعلوهما في السجن: أنشد السجينان طوال الليل وحدث زلزال فخاف السجّان فارتدّ إلى الإيمان. ولن يترك بولس المدينة إلاّ بعد أن اعتذرت السلطات لديه. أمّا لوقا فبقي في فيلبيّ حيث سنلقاه في السفرة الثالثة (أع 20: 5- 15).
ووصل بولس وسيلا وتيموتاوس إلى تسالونيكي، أهمّ مدن مكدونية، تلك المدينة الحرّة التي يحكها مجلس يختاره الشعب (أع 17: 5 ي). وذهب بولس كعادته إلى المجمع فأبان بالكتب المقدّسة أنّ يسوع المصلوب هو المسيح (أع 17: 1-3). وتكلّم ثلاثة سبوت، ولكنّ اليهود طردوه. أمّا خائفو الله فقبلوه، ومنهم ياسون (أع 17: 8) وبعض النسوة.
بعد هذا سيخصّص بولس وقته لتبشير العالم الوثنيّ. كان يعمل بيديه (1 تس 2: 9) ويتقبّل معوناتِ الإخوة في فيلبيّ (فل 16:4). سيكرز في تلك المدينة الوثنيّة بالإله الواحد الحيّ والحقيقيّ (1 تس 1: 9) الذي لا نكتفي أن نكرّمَه بل نخدمه. وبعد أن ركّز أساس وحدانيّة الله، انتقلَ بولس إلى ما يميّز الإيمان المسيحيّ، وشدّد على الطابع الإسكاتولوجيّ الذي يميّز المرحلة الأولى من تبشيره. "نحن ننتظر أن يأتيَ من السماوات ابنه لينجِّينَا من الغضب الآتي" (1 تس 1: 10). هدّد يوحنّا المعمدان سامعيه "بالغضب الآتي" (لو 3: 7)، واستند بولس إلى التهديدات الجليانيّة التقليديّة، فأبرز دور يسوع كمخلّص يتدخّل من أجل أخصّائه ساعة الدينونة. ونتصوّر بأيّ حماس انتظر بولس رجوع الربّ: "تعال أيّها الربّ يسوع". وستجد كرازة بولس الإسكاتولوجيّة نجاحًا لم ينتظره. إذا كان مجيء الربّ قريبًا فلماذا نعمل؟ هذا ما قاله الكسالى. فأجابهم بولس بحزم: "نوصيكم أن تشتغلوا بأيديكم وتشغلوا بالكم في ما يعنيكم" (1 تس 4: 11؛ 2 تس 6:3-12). علّمه الاختبار فتجنّب أحاديث تُفهَم بغير معناها.
وأبرز بولس ميزة رسالته (1 تس 2: 1-12): تجرّد، نقاوة تعليم، تعلّق محبّ بالمؤمنين الذين ولدهم بالبشارة (1 كور 4: 15). ونجح بولس، غير أنّ نجاحه أيقظ عداوة اليهود (1 تس 2: 14-16)، فشكَوا بولس ورفاقه لأنّهم يبشّرون بملك غير قيصر (أع 6:17 ي). كفل ياسون المرسلين فتركوا المدينة ولكنّ بولس سَيَحْذرُ بعد ذلك من التكلّم عن مملكة يسوع وسيدعو المؤمنين إلى طاعة السلطات (روم 13: 1-7).

ثالثًا: كرازة في أثينة
ووصلوا إلى بيرية وكرزوا فاستمع إليهم الناس برغبة شديدة. ولكن جاء اليهود من تسالونيكي وحرّضوا الجمع وأثاروه. فرأى الإخوة أن يرسلوا بولس إلى أثينة ويبقى سيلا وتيموتاوس في بيرية.
لا يذكر بولس اسم أثينة في رسائله إلاّ مرّة واحدة (1 تس 3: 1). أمّا لوقا فيقدّم لنا لوحة عن نشاط بولس في هذه المدينة وهمّه أن يعارض الرسالة الإنجيليّة والفلسفة اليونانيّة. كان هناك الأبيقوريّون الذين بحثوا عن سعادة الحكيم في اللذّة وغياب كلّ قلق، وكان الرواقيّون الذين يطلبون الحياة بحسب الطبيعة فتتوافق مع شريعة الكون السامية. وصل بولس إلى أثينة وتكلّم بلغة الفلاسفة فهنّأ الأثينيّين لشدّة تديّنهم (أع 17: 22). وشدّد على لوحة كُتِبَ عليها "إلى الإله المجهول"، فانطلق منها يبشّر بالإله الحقيقيّ. نجد في خطبته أمورًا مأخوذة من عالم اليونان (أبيمنديس وأراتوس) ومن عالم الكتاب المقدّس (رج مثلاً عا 15:5؛ أش 55: 6؛ إر 13:29؛ حك 11-2؛ 12:6-14). هذه الخطبة التي سيستوحي منها الآباء (يوستينوس مثلاً) ستفشل فشلاً ذريعًا، لأنّ فكرة القيامة بدت لأهل أثينة وكأنّها لا معنى لها. فقالوا: "سنستمع إليك مرّة أخرى" (أع 17: 32).

رابعًا: كورنتوس
إكتأب بولس لفشله في أثينة (1 كور 3:2) فعزم على الذهاب إلى كورنتوس، عاصمة أخائية. قضى بولس في هذه المدينة اليونانيّة المطبوعة بالحياة الرومانيّة ثمانية عشر شهرًا (أع 18: 11)، من شتاء 49/50، إلى صيف 51/52. وإذ نحدّد هذا نتذكّر الكتابة التي وجدت في دلفس والتي تورد اسم غاليون (أع 18: 12) حاكم أخائية. 
أمّا مراحل رسالة بولس في كورنتوس فهي كما يلي: بدأ عند اليهود ووجد عملاً لدى أكيلا وبرسكلّة ولكنّه لقي معارضةً من قِبَلِ اليهود (أع 18: 16-17). في هذه الظروف كتب إلى التسالونيكيّين رسالة شكر وتشجيع وحدّثهم عن معارضة اليهود لتبشير الوثنيّين (1 تس 2: 14-16): "فهم الذين قتلوا الربّ يسوع والأنبياء واضطهدونا... ويمنعونا من أن نهديَ الوثنيّين إلى الخلاص". ولكن وصل تيموتاوس، فحمل إلى بولس الأخبار الطيّبة عن أهل تسالونيكي فتشجعّ بعد خبرته القاسية في أثينة. قال: "وجدنا فيكم تعزية بفضل إيمانكم وسط كلّ ضيقاتنا ومحننا والآن عادت إلينا الحياة لأنّكم ثابتون في الربّ" (1 تس 7:3-8).
طرد اليهود بولس من المجمع فتوجّه إلى الوثنيّين. أقام عند تيطس يوستس وبدأ رسالة مثمرة. ولقد قال له الربّ ذات ليلة: "لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت فأنا معك ولن يمدّ أحد يده إليك لينالك بسوء. فإنّ لي شعبًا كبيرًا في هذه المدينة" (أع 9:18- 10). لا يحدّثنا بولس عن النعم الروحيّة التي نالها فيكتفي بظهور الربّ له على طريق دمشق. ولكنّه يرفع الستار قليلاً بعض المرّات: إن كان لا بدّ من الافتخار وإن لم يكن منه فائدة فأذكر رؤى ووحيًا من الله. انتقل إلى السماء الثالثة، وأوحي إليه أنّ ضعف الإنسان لا يقف حاجزًا أمام عمل الله. طلب مرّات أن تنزع شوكة الشيطان من جسده فسمع صوتًا يقول له: "تكفيك نعمتي، ففي الضعف يبدو كمال قدرتي" (2 كور 12: 9 ). 
وحضر بولس أمام غاليون للمحاكمة بعد أن شكاه اليهود. أمّا الحاكم فما أراد أن يسمع لشكواهم. قال: "تجادلون في ألفاظ وأسماء، وفي شريعة خاصّة بكم. هذا يتعلّق بكم. أمّا أنا فلا أريد أن أكون قاضيًا في هذه الأمور" (أع 18: 15).
ممَّن تألّفت جماعة كورنتوس؟ من اليهود والوثنيّين. كان اليهودُ أقَلِيَّةً ومنهم كرسبس رئيس المجمع الذي اهتدى هو وأسرته (أع 8:18). أمّا الوثنيّون فمنهم الرومان الذين يحتلّون المراكز الهامّة: تيطس يوستس، أكيلا، برسكلّة، فورتوناتوس، ومنهم اليونان، ومنهم العبيد الآتون من الشرق. كلّهم كانوا يشكّلون الجماعة المسيحيّة: "اعتمدنا كلّنا بروح واحد لنكون جسدًا واحدًا، يهودًا أو يونانيّين، عبيدًا أو أحرارًا" (1 كور 13:12). وتألّفت من أناس مساكين، من عمّالِ المرفأ والعبيد، من أناس ليسوا بشيء (1 كور 1: 28). هناك حشم خلوة، (1 كور 1: 11) هذه التاجرة الثريّة، وهناك أغنياء يسمحون لنفوسهم بإقامة الدعاوى بعضهم على بعض (1 كور 6: 1-8): نذكر منهم أكيلا وبرسكلّة اللذيين يمْلكان محلاّتٍ تجاريّةً في رومة وأفسس وكورنتوس، وخلوة وكرسبس، وغايوس (روم 23:16) الذي يستضيف الكنيسة في بيته، وإرستس، خازن المدينة (روم 16: 23).
وبعد أن مثل بولس أمام غاليون بشرّ بعض الوقت في كورنتوس، ثمّ قرّر الرجوع إلى أنطاكية قبل نهاية الصيف. مرّ سريعًا في أفسس ووعد أن يعود إليها ثمّ ذهب إلى الكنيسة الأمّ في أورشليم. وبعد هذا قضى الشتاء في أنطاكية (أع 18: 18-22).

5- السفرة الرسوليّة الثالثة
في الربيع انطلق بولس في الطريق التي أخذها خلال سفرته الثانية فزار الجماعات الجديدة التي أسّسها. وعبَر منطقة الغلاطيّين وفريجية قبل أن يصل إلى أفسس.

أوّلاً: أفسس
تشكّل أفسس في حياة بولس مرحلة هامّة. هو لم يؤسّس فقط جماعة مزدهرة أشعّت إيمانها على المدن المجاورة، بل كتب من أفسس رسائل كثيرة وجابه الأزمة التي افتعلها اليهود. وأقام في أفسس سنتين ولاقى محنًا قاسية يلمّح إليها في 1 كور، 2 كور، فل. 
حين وصل بولس إلى أفسس كان فيها بعض التلاميذ (أع 18: 27) وكان لأكيلا وبرسكلّة محلّ تجاريّ. هذان التاجران اهتمّا بتثقيف أبلّوس المتجدّد المتحمّس الذي أخذ بكرازة يوحنّا ولم تصل به الطريق إلى ملء الإيمان المسيحيّ (أع 18: 24-28). كان أصله من الإسكندريّة وكان سيّد المنابر فنجح نجاحًا باهرًا لدى الطبقة المتعلّمة وتكوّن حولَه حزب (1 كور 1: 12) لم يكن له فيه يد (1 كور 16: 12). والتقى بولس في أفسس باثني عشر تلميذًا من تلاميذ يوحنّا المعمدان (أع 19: 1-7) فعمّدهم ووضع عليهم يده فأخذوا يتكلّمون باللغات ويتنبّأون فدلّوا بذلك على حلول الروح القدس عليهم.
هناك مرجعان يعلماننا عن حياة بولس في أفسس: سفر الأعمال والرسالتان إلى كورنتوس. يتحدّث سفر الأعمال عن كرازة بولس في أفسس (أع 19: 8- 10): بدأ في المجمع فبشّر خلال ثلاثة أشهر (أع 8:19) فقبلت الإنجيلَ أقليّة ضئيلة. ثمّ انتقل إلى المحيط الوثنيّ فامتدّت رسالته سنتين (أع 19: 9- 10). ولقد نجح بولس فضاقت قاعة الاجتماع، فاستأجر مدرسة تيرانّس وكان يعلّم فيها، كما يقول النصّ الغربيّ، من الساعة 11 إلى الساعة 4 بعد الظهر. ولكن ثارت ثائرة الصاغة إذ رأوا مورد ربحهم قد خفّ بسبب الارتدادات إلى الإيمان الجديد.
وظلّ بولس على علاقة بالكورنثيّين، والمواصلات سهلة بين أفسس وكورنتوس، ولكنّ الأمور لم تكن دومًا على ما يرام بين الرسول والكنيسة التي خطبها للمسيح (2 كور 11: 2). ومرّ في محن قاسية حدّثنا عنها في 2 كور 1: 8-9 فقال: "لا نريد أن تجهلوا الشدّة التي ألمّت بنا في آسية، فثقُلت علينا جدًّا وجاوزت طاقتنا حتّى يئسنا من الحياة، بل أحسسنا أنه قُضي علينا بالموت". أيكون أنّ بولس وقع في الأسر في أفسس وأنّ هذا الأسر يشكّل إطار الرسالة إلى فيلبيّ؟ الأمر معقول. حين كتب بولس إلى أهل فيلبيّ أعلن بوضوح أنّه يتحمّل القيود من أجل المسيح (فل 1: 13) وهذا ما شجّع الإخوة (فل 1: 14) على متابعة العمل. وستعمل قيود بولس على تقدّم الإنجيل وتكون سبب فرح له (18:1) رغم نوايا هؤلاء وأولئك. وسيتساءل: ما الأفضل أن يموت الآن ويكون مع المسيح أم أن يعيش ليخدم إخوته (فل 1: 21-24)؟
في نهاية إقامته في أفسس كتب بولس إلى أهل كورنتوس رسالة في الدموع هي الثانية إلى كورنتوس، وفيها يهاجم المقلقين، هؤلاء "الرسل" الذين يعتبرون نفوسهم وكلاء المسيح وهم في الواقع معاونو الشيطان (2 كور 11: 13). وفي الوقت ذاته أرسل بولس تيطس ليسوّيَ الأمورَ بمزاجه اللين. وفي الواقع ستعود الجماعة إلى نفسها فتتّخذ إجراءاتٍ ضدّ المخطىء (2 كور 2: 6). وهكذا عاد تيطس بأخبار معزّية فالتقى في مكدونية بولس الذي حمّله رسالة هادئة إلى الكورنثيّين الذين تصالحوا مع رسولهم لأنّ قلبه مفتوح لهم دومًا (2 كور 6: 11 ي).
في تلك الأثناء انفجرت أزمة أخرى هي أزمة المتهوّدين دفعت بولس ليُنْضِجَ لاهوتَه فيقدّم لنا الخطوط الأولى في الرسالة إلى الغلاطيين والفكر المعمّق في الرسالة إلى الرومانيّين.

ثانيًا: أزمة المتهودين
عرفنا صعوبات بولس مع المتهوّدين بمناسبة الختان (مجمع أورشليم) والمشاركة في المائدة (حادثة أنطاكية). وها نحن الآن نجد وعّاظًا متهوّدين يتكلّمون فيلقون الاضطراب في جماعات أيسّمها ويحاولون أن يعيدوا إلى إسرائيل الأمم المرتدّة إلى الإيمان.
ردّ بولس على هؤلاء المتهوّديَّن في رسالته إلى أهل غلاطية. وقال في فل 3: 1-2: "إحذروا الكلاب، إحذروا عمال السوء، إحذروا أنصار الختان". ما سبب هذه الأزمة؟ أوّلاً: تقلُّب الغلاطيّين: استقبلوا الرسول بلطف واهتمام وها هم يصدّقون ببساطةٍ الوعّاظَ الجدد الذين يدعونهم إلى درجة "أسمى" من القداسة؛ ثانيًا: بحثوا عن اطمئنان لهم في الطقوس والمراسيم فتعلّقوا بالختان. ولكنّ القدّيس بولس لا يفرّق بين الممارسات اليهوديّة وشعائر الوثنيّين، فمن أخذ بها خضع لعناصر العالم (غل 4: 9) ووقف موقف العبد. ولكن هل نسينا أنّ الله يدعونا إلى الحريّة (غل 5: 1)؛ والسبب الثالث هو سياسيّ ودينيّ معًا: نحن في زمن توتّرت فيه العلاقات بين المسيحيّين والسلطة الحاكمة في أورشليم واتّسعت حركة الغيورين، والغيرة على الشريعة لا تفترق عندهم عن الحُمَّى الوطنيّة. فكيف لهؤلاء أن يقبلوا أن ينسحب أناس من الأمّة اليهوديّة ويصيروا مسيحيّين. ويجيب بولس رسول الأمم: يجب أن نفصل بين الإيمان بالمسيح والتعلّق بإسرائيل بحسب الجسد؛ وهناك سبب خامس أعمق وهو مكانة المسيح في تاريخ الخلاص ومعنى الإنجيل بالنسبة إلى الشريعة: جعل المتهوّدون المسيح نبيًّا يكرز بالتوبة كسائر الأنبياء الذين حاولوا أن يقودوا شعبهم إلى ممارسة أفضل للشريعة. أمّا بالنسبة إلى بولس فالمسيح هو ابن الله المرسل إلى العالم "ليفتديَ الذين هم في حكم الشريعة". مع المسيح كلّ شي جديد. وما يهمّ الآن ليس الختان ولا عدم الختان بل الخليقة الجديدة (غل 6: 15). وأورشليم التي إليها نتوجّه ليست أورشليم هذه الأرض بل أورشليم السماويّة (غل 26:4). 
وللوصول إلى مبتغاهم قام المتهوّدون بحملة افتراء على بولس: هو رسول من الدرجة الثانية لأنه لم يتبع يسوع خلال حياته على الأرض، بل هو ذلك الذي اضطهد الكنيسة الأمّ. وهو في جولاته البعيدة يعمل وحده وبمعزل عن عُمُد الكنيسة. ويجيب بولس فيدافع عن حقيقة رسالته، ويشهد لصحّة الخلاص بالإنجيل: "ما هناك بشارة أخرى، بل هناك قوم يلقون البلبلة بينكم وبغيتهم أن يبدّلوا بشارة المسيح. فلو بشّرناكم نحن أو بشّركم ملاك من السماء بخلاف ما بشّرناكم به فليكن ملعونًا" (غل 1: 7-8).
وفي الرسالة الثانية إلى أهل كورنتوس يجابه بولس خصومه الآتين من الخارج فيتحدّث عنهم بقساوة: "رسل كذّابون وعملة مخادعون يتزيّون بزيّ رسل المسيح... ولكنّ عاقبتهم تكون على قدر أعمالهم" (2 كور 11: 13-15). يوبّخهم على تدخّلهم في طريقة عمله حين يفرض على نفسه أن يكرز بالإنجيل حيث لم يُكرز به بعد (2 كور 10: 13-16). هم يعلنون أنّهم عبرانيّون وإسرائيليّون ومن ذرّيّة إبراهيم ولكنّ بولس لا يتأثر بهذا الكلام (1 كور 11: 22). يعتبرون نفوسهم خدم المسيح (2 كور 11: 23) فيجيبهم بولس معدّدًا علامات الرسالة الحقّة (2 كور 11: 23-13:12). ويعتدّون برؤىً وانخطافاتٍ ، فيجيبهم بولس: "إن كان لا بدّ من الافتخار، فإنّي أنتقل إلى رؤى الله ومكاشفاته" (2 كور 12: 1). ويعلن أنّ علامة الرسالة لا تكن في ظواهرَ خارجيّةٍ مرتبطة بالروح ولا بتعازيَ روحيّةٍ بل بالتشبّه بآلام المسيح، وفي هذا المجال لا أحد يجاري بولس: "في المشقّات أفضل منهم، في السجون أفضل منهم. في تحمّل الجلد أفضل منهم. أشرفت على الموت مرارًا... جُلدت... رُجمت..." (2 كور 23:11 ي). 

ثالثًا: الحسنات من أجل القدّيسين في أورشليم
خلال مجمع أورشليم سُلِّمَ بولسُ توصيةً أن لا ينسى مساكين المدينة المقدّسة، والتوصية لا تعني الفقراء فحسب بل الكنيسة المؤلّفة من "مساكين الربّ". فكنيسة أورشليم كلّها فقيرة بعد أن عرف البطالة الجليليّون الذين صعدوا إلى أورشليم. ثمّ إنّ الأعمال في ترميم الهيكل توقّفت فحُرم العمل مسيحيّون كثيرون.
أمّا إرسال التقدمات إلى أورشليم فهو تعبير عن إقرار بفضل الكنيسة الأمّ. وما يقدّمه المسيحيّ لأبناء أورشليم يقابل الفلس الذي يدفعه يهود الشتات للهيكل كلّ سنة (رج مت 17: 24). ويهتمّ بولس في أن يعطيَ معنىً خاصًّا لهذه "اللمّة" التي ينظّمها: "إنّ القيام بهذه الخدمة المقدّسة لا يقتصر على سدّ حاجات القدّيسين، بل ينجم عنه أيضًا حمد جزيل لته" (2 كور 12:9).
نظّم بولس هذه "اللمّة" فخلقت له المتاعب. دعا المؤمنين ليهيّئوا تقدمتهم كلّ أسبوع، بل في اليوم الأوّل (أي يوم الأحد، رج 1 كور 16: 2) وأُعجب بسخاء الفيلبّيّين ووبّخ الكورنثيّين الذين هم أسرع إلى الكلام منهم إلى العمل (2 كور 9: 5-9). إتّخذ الاحتياطاتِ اللازمةَ لئلاّ يتّهمَه أحدٌ بسوء التصرّف، فاختار أناسًا مجرّبين ليجمعوا المال وقال أنه لن يذهب إلى أورشليم إلاّ بصحبتهم، شرط أن تكون كميّة المال وافرة (2 كور 8: 20- 5 2).
وقضى بولس شتاء 57/58 في كورنتوس، عند غايوس (روم 16: 23). فاستفاد من الأزمات السابقة وعرض في الرسالة إلى أهل رومة الخطوط الكبرى لتاريخ الخلاص وهي تتلخّص في هذه العبارة: "البارّ يحيا بالإيمان". سنكشف نفسيّته في هذه الرسالة. هو القاسي على المتهوّدين يعلن: "إنّ في قلبي حزنًا شديدًا وألمًا يلازمني" (روم 9: 2) بسببهم. هو الذي اتّهم اليهود بمعارضة ارتداد الوثنيّين (1 تس 2: 14 ي) أقرّ أنّ "فيهم غيرة على الشريعة" (روم 10: 1-2).
إقترب زمن رجوع الربّ (روم 13: 12)، فلا بدّ من الإسراع في الكرازة بالإنجيل في كلّ مكان لإعداد مجيئه. هذا ما فكّر به بولس الذي ينوي أن يتوقّف في رومة قبل أن يذهب إلى إسبانية (روم 15: 24). ولكنه الآن يحمل "اللمّة" إلى أورشليم فيدلّ على وحدة الكنيسة. ولكن كيف سيكون استقباله هناك؟ كتب للمؤمنين: "أناشدكم باسم ربّنا يسوع المسيح وبمحبّة الروح، أن تجاهدوا معي بصلواتكم التي ترفعونها من أجلي، لأنجوَ من الكفّار الذين في اليهوديّة" (روم 15: 30- 31). كأنّي به أحسّ مسبّقًا بالأسر ينتظره هناك.

6- سنوات بولس الأخيرة
أوّلاً: السفرة الأخيرة إلى أورشليم
لا نملك في رسائلِ بولسَ إشارةً إلى هذه المرحلة من حياته، ولكنّ سفر الأعمال يقدّم لنا رواية نابضة بالحياة. فإن استندنا إلى المقاطع المكتوبة بلغة المتكلّم الجمع نرى أنّ لوقا الذي ظلّ في فيلبيّ انضمّ إلى رفقة بولس وهم: سوبترس بن بروس البيريّ، أرسترخس وسكندس التسالونيكيّان، وغايوس الدربيّ وتيموتاوس وتيخيكس وتروفيمس اللذان من مقاطعة آسية (أع 20: 4 ي).
متى تصّت هذه الأحداث؟ إذا عرفنا أنّ الحاكم الرومانيّ فستس جاء إلى قيصريّة سنة 60، يكون بولس قد أوقف في هيكل أورشليم في عيد العنصرة سنة 58.
حين نقرأ أع 20 يمكننا أن نقرأه كمسافر فنعدّد المراحل، أو كمؤرّخ فنكتشف الإشارات المختصّة بجماعات مسيحيّة تكاثرت على شاطىء لبنان وفلسطين، أو كليتورجيّ فنتذكّر سهرة ترواس التي انتهت بكسر الخبز (أع 7:20- 11)، أو خطبة بولس إلى كهنة أفسس. أمّا لوقا فقابل بين صعود بولس إلى أورشليم وسفرة يسوع الطويلة نحو المدينة المقدّسة (لو 9: 15 ي) التي تقتل الأنبياء وترجم المرسلين إليها (لو 13: 34). أنبأ يسوع مرارًا بآلامه، ونبّه بولس من مدينة إلى مدينة بالمصير الذي ينتظره (أع 20: 22 ي). ومرّات رافقت الحركة الكلمة فأعطتها قوّة. وهكذا تصرّف أغابوس القيصريّ على مثال الأنبياء الأقدمين: تناول منطقة بولس وشدّ بها رجليه ويديه وقال: "إنّ الروح القدس يقول: صاحب هذه المنطقة يشدّه اليهود هكذا في أورشليم ويسلّمونه إلى أيدي الوثنيّين" (أع 25:21). في هذه المجموعة يبدو إحياء الولد أفتيخس رمزًا هامًّا (أع 7:20-12): إنّ قوى الموت لا تتغلّب على الحياة.
وأسرع بولس إلى أورشليم، ولهذا لم يتوقّف في أفسس بل في ميليتس وهناك جمع شيوخ الكنيسة في أفسس. سبق لوقا فأورد لنا كيف وعظ بولس في المجمع (خطاب أنطاكية بسيدية، أع 13: 16- 41) وكيف حدّث الطبقة المتعلّمة (خطبة أثينة، أع 17: 22- 31)، وها هو يسمعنا وصيّة بولس الرعاويّة. نجد في هذه الوصيّة الخطوط الكبرى لكلام يوصي به الآباء أبناءهم. إلاّ أنّ خطبة بولس تتميّز بطابع خاصّ: السمات الخاصّة ببولس، اهتماماته التي ستظهر في الرسائل الرعاويّة (1 تم، 2 تم، تي)، الذئاب الخاطفة والأناس الذين ينطقون بالضلال. ويشير بولس إلى طبيعة الرسالة المسيحيّة: "خذوا الحذر لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أقامكم عليه الروح القدس لترعَوا كنيسة الله التي اكتسبها بدمه" (أع 28:20).

ثانيًا: بولس في أورشليم
وصل بولس إلى فلسطين فوجد البلاد تغلي، والناس لا يحتملون إدارة الحاكم فيلكس الذي استفاد من الحكم ليجمع ثروة. قرنَ القساوة بالجشع، ومارس صلاحيّة الملك بنفسيّة عبد. في هذه الظروف كان موقف الجماعة المسيحيّة دقيقًا بين المتطرّفين من كلّ جهة. أمّا يعقوب وشيوخ أورشليم فاستقبلوا بولس استقبالاً خجلاً لأن مواقفه التحرّريّة أغضبت الكثيرين فاتّهموه بأنّه يمنع اليهود من ممارسة الشريعة (أع 21: 21). قدّم له يعقوب نصائحَ فَطِنةً وأعلمه بالقرارات المتّخذة لتسهيل العيش المشترك بين المسيحيّين الآتين من العالم اليهوديّ والمسيحيّين الآتين من الأم (أع 21: 25).
دعاه يعقوب فقبل بولس بالمشاركة في احتفال تطهير الهيكل (أع 21: 26 ي). هل عاد بولس إلى اليهوديّة فحلق رأسه لنذر كان عليه (أع 18:18)؟ ليس بولس معلّمًا يعيش في النظريّات بل إنسان من عصره مطبوع بالتربية التي تلقّاها، بل رسول تهمّه عقليّات الناس. هو يتكيّف مع الظروف شرط أن لا تكون استقامة الإيمان في خطر. أما أعلن هو أنّه جعل نفسه يهوديًّا مع اليهود وبلا شريعة مع الذين بلا شريعة (1 كور 9: 20)؟ والتعليمات عن اللحوم المقدّمة للأوثان (1 كور 8: 10) وتحريض الضعفاء والأقوياء في جماعة رومة (روم 14: 1-13:15)، كلّ هذا يدلّ على الحسّ الرعائيّ عند القدّيس بولس.
دخل بولس الهيكل مع أربعة رجال حلقوا رؤوسهم فاتّهمه اليهود أنه أدخل يونانيًّا من آسية الصغرى في رواق الهيكل المخصّص لبني إسرائيل، وكادوا يقضون عليه لولا تدخّل الجنود السريع وهكذا نجا بولس من غضبة الناس عليه (أع 27:11-36). 

ثالثًا: من أورشليم إلى قيصريّة
نوجز هنا الأحداث التي أوردها القدّيس لوقا بفنّه الروائيّ. دافع بولس عن نفسه أمام اليهود (أع 22: 1- 21). فروى خبر ارتداده وأبرز تعلّقه بديانة الآباء ودور حنانيّا الرجل التقيّ والأمين للشريعة في هذا الارتداد. وكشف عن صفته كمواطن رومانيّ فأعفي من الجلد (أع 22: 22-29). وقُدّم أمام مجمع اليهود أو السنهدرين (أع 22: 30-23: 10) فأعلن إيمانه بقيامة الموتى على طريقة الفرّيسيّين فزرع الخصام بين قائلين بقيامة الموتى ورافضين لها. وتآمر اليهود عليه (أع 23: 11-22) فنُقل تحت حراسة مشدّدة إلى قيصريّة حيث يقيم الحاكم (أع 23: 23-35). فاتّهمه اليهود أمام فيلكس (أع 24: 1-9) بأنّه يقلق النظام العامّ وينجّس الهيكل. ودافع بولس عن نفسه (أع 24: 10- 21)، وأبان بطلان الاتّهامات الموجّهة إليه، وشدّد على الإيمان بالقيامة. وجعل فيلكس بولس في السجن (أع 24: 22-27) وانتظر منه مالاً ليطلقه، إلاّ أنّه سمح لأصحابه بالقيام بخدمته.

رابعًا: بولس يرفع دعواه إلى قيصر
تميّزت الأوقات الأخيرة في إدارة فيلكس بصدامات دمويّة بين اليهود واليونانيّين في قيصريّة. ما استطاع الوالي أن يقمع الفتنة فأرسل وجهاء الفريقين إلى رومة ليفضّ الخلاف. حينئذ أرسل الإمبراطور فستسَ حاكمًا ليقوم بعمل التهدئة. يقول سفر الأعمال إنّ فستس كان سموحًا مع الناس صلبًا في ممارسة العدالة. ولكي يستميل إليه السنهدرين دعا بولس ليمثل أمام المحكمة اليهوديّة. أمّا بولس فأجاب: "أنا واقف لدى محكمة قيصر، ولديها يجب أن أُحاكم". (أع 25: 10). كان بولس مواطنًا رومانيًّا فطلب أن يحاكم لدى الإمبراطور، ولا أحد يستطيع أن يرفض له هذا الحقّ. ولكن لا بدّ من تهيئة ملفّ عن القضيّة، فاستفاد فستس من مرور الملك أغريبا الثاني وامرأته برنيكة ليطلب من بولس أن يشرح قضيّته (أع 25: 13-27). قال: "ليس من عادة الرومانيّين أن يُسْلموا أحدًا قبل أن يتقابل المتّهَمُ ومتّهِموه ويعطى له الحقُّ بأن يردّ على دعواهم" (أع 16:25).
وألقى بولس دفاعه كخَطِيبٍ من الخطباء القدماء (رج أع 26: 1) فروى قصّة ارتداده وعبّر في بضع كلمات عن معنى رسالته. قال له يسوع: "أرسلتك لتفتح عيون الأم الوثنيّة فيرجعوا من الظلام إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، وينالوا بإيمانهم بي غفرانًا للخطايا ونصيبهم من الميراث في عداد القدّيسين" (أع 18:26). بدا بولس بريئًا للحاكم والملك والملكة، ولكن بما أنّه رفع دعواه إلى قيصر فإلى قيصر يذهب (أع 26: 30-32). 
ويروي أع 27 سفر بولس في البحر والعاصفة التي ضربت السفينة فاضطرب الجميع ما عدا بولس الذي شجّع رفاقه وكسر الخبز وشكر (أع 35:27). وهكذا وصل الركّاب كلّهم إلى مالطة.

خامسًا: الوصول إلى رومة
وكانت الظروفُ موافقةً في السفر من مالطة إلى رومة، فاستقبل الإخوة بولس في بوطيولي. نلاحظ هنا انتشار المسيحيّة في مدن مثل الإسكندريّة (أع 18: 24 ب) وبطلمايس (أع 7:21) دون أن نعرف من بشّرهما. ثمّ أكرم مسيحيّون من رومة بولس فلاقوه في ساحة أبيّوس والحوانيت الثلاثة.
حين دخل بولس رومة كان فيها جماعة يهوديّة مهمّة. أمّا الإشارة الأولى لترسيخ المسيحيّة في المدينة الخالدة فنلاحظها على أثَرِ قرارِ كلوديوس الذي طردَ اليهود من رومة سنة 49. وحين كتب بولس رسالته كانت الجماعة المسيحيّة معروفة بإشعاعها (روم 1: 8) فتألّفت من يهود مرتدّين هم الأقلّيّة ووثنيّين وكانوا الأكثريّة.
رفع بولس دعواه إلى قيصر، فأوفد قيصر من قبله حاكم المدينة، ولمّا كان التقرير الذي أرسله فستس موافقًا لبولس، لم يجعل بولس في السجن بل في منزل استأجره وكان يحرسه الجنود. فأقام في المنطقة الشرقيّة الشماليّة من المدينة كما يقول النصّ الغربيّ (أع 16:28) وظلّ على هذه الحال سنتين (أع 28: 30).
وحدّثنا لوقا عن كرازة بولس بحرّيّة في رومة. أرسلت إليه الجماعة اليهوديّة وفدًا، فسبّبت خطبته انقسامًا بين السامعين، ولاحظ بولس أنّ ساعة تبشير الوثنيّين وتصلّب اليهود قد دقّت (أع 25:28-28). وهكذا أبان لوقا شموليّة الخلاص في قلب الإمبراطوريّة الرومانيّة.
وينتهي سفر الأعمال بلوحة متفائلة: بولس يبشّر بثقة فلا يمنعه أحد (أع 28: 31). ها ساعة الحرّيّة اقتربت. ما الذي حدث بعد ذلك؟ هل جاء يرد أورشليم، وهم متّهمو بولس، فلاحقوا عدوّهم أمام محكمة الإمبراطور؟ لا، على ما يبدو (أع 28: 21). ومرّت سنتان ولم يأتِ أحد، فاعتُبر الاتّهام باطلاً وبولسُ بريئًا، فأُخلي سبيله. 

سادسًا: بولس وجماعات آسية الصغرى
ما زال بولس خلال أسره في رومة يحمل اهتماماتِ كلِّ الكنائس (رج 2 كور 28:11)، ولهذا كان ينتظر بفارغ الصبر رسولاً يعلمه عن تقدّم الإيمان في هذه الجماعات العزيزة على قلبه. فزاره أبفراس الذي من مدينة كولسيّ والذي ردّه بولس إلى الإيمان في أفسس. فلمّا ارتدّ ذهب يبشّر في كولسيّ ولاودكية وهيرابوليس (كو 4: 13). ولكن أحسّ أنّ الأمور تطغى عليه. فالجماعات الجديدة تتبلبل بسبب وعّاظ يبشّرون بالختان (كو 2: 11-13) وممارسات تتعلّق بالأطعمة (كو 2: 16- 21) ويعلنون التقيّد بروزنامة لتتوافق عبادة الأرض وعبادة الملائكة (كو 2: 16-18). والمعلّمون الكذبة في كولسيّ يعتبرون أنّهم رأوا رؤى (كو 18:2) فيتوسّعون في نظريّات غريبة عن المراتب السماويّة.
حرّك تقرير أبفراس عند بولس تأمّلاً عميقًا في أولويّة المسيح في كلّ شيء. لم يعد الأمر أن نعلن أنّ الخلاص يأتينا من المسيح، بل أن نقرّ بدور المسيح الخلاصيّ الذي ينبع من قدرته الخلاّقة.
وهكذا طبّق بولس على المسيح نصوص العهد القديم التي تذكر الدور الخلاّق للحكمة الإلهيّة، فدعانا إلى التأمّل في المسيح صورة الله اللامنظورة، بكر جميع الخلائق والذي به خُلق كلُّ شيء (كو 1: 15). فلماذا التعلّق بقوى ألغاها المسيح فسمّرها على الصليب، ورئاسات وسلطات خلعها يسوع وعاد بها في رَكبه ظافرًا (كو 2: 15)؟ لماذا نهتمّ بممارسات خارجيّة بعد أن لبسنا بالمعموديّة الإنسان الجديد (كو 3: 10)؟
في هذه الفترة هدى بولس أونسيموس، وهو عبد من كولسيّ هرب من سيّده والتجأ إلى رومة، تم عمّده. أحسّ بولس بحنان نحو هذا "الولد" الذي ولده في سجنه. هو يستطيع أن يبقيه عنده، ولكنّه قرّر أن يعيده إلى سيّده وهو مسيحيّ غنيّ من كولسيّ يستضيف الجماعة في بيته (فلم 1-2) وهكذا سلّم بولس تيخيكس (كو 7:4) رسالتين: واحدة لجماعة كولسيّ، وأخرى لفيلمون طلب فيها منه أن يعفو عن عبده، بل أن يحرّره (فلم 16). وأخيرًا أعلن الرسول عن أمله بأن يتحرّر من الأسر ويذهب إلى كولسيّ (فلم 22). 
الرسالتان إلى كولسيّ وفيلمون غنيّتان بالأخبار الشخصيّة التي تساعدنا أن نتصوّر ما كان فريق عمل الرسول (كو 4: 14). هناك مرقس الذي نسي ورفه مع بولس في أنطاكية (أع 15: 38)، وأرسترخس ابن تسالونيكي (أع 20: 4) الذي رافق بولس إلى أورشليم وحمل معه "اللمّة"، وديماس ابن تسالونيكي الذي ترك بولس رغبة في الدنيا (2 تم 4: 10)، ولوقا الطبيب الأمين الذي بواسطته كونّا فكرة عن جولات بولس الرسولية، وأبفراس الذي يقاسم بولس حياة الأسر (فم 23).

سابعًا: بعد الخروج من السجن
الغموض يلفّ السنوات الأخيرة من حياة بولس. لا شكّ في أنّه استشهد في رومة، ولكنّنا لا نعرف متى استشهد. هناك تقليد قديم يحدّد تاريخ الاستشهاد في السنة الرابعة عشرة من حكم نيرون أي 67/68. هذا ما يقوله أوسابيوس في الكرونيكون وإيرونيموس الذي يزيد أنّ بولس مات سنتين بعد الفيلسوف سينيكا الذي توفّي في نيسان 65. 
وبين السنة 63، سنة الأسر الأوّل في رومة، والاستشهاد، نذكر تنقّلاتِ بولس الواردة في 1 تم، 2 تم، تي. وفي هذا يقول أوسابيوس القيصريّ: بعد أن دافع بولس عن نفسه ترك رومة لرسالة الكرازة، ثمّ جاء مرّة ثانية إلى رومة وأنهى حياته بالاستشهاد. 
خرج بولس من السجن وذهب إلى إسبانية (روم 28:15)، إلى تراغونة، كما يقول التقليد القديم (قانون موراتوري). وفي هذا يقول إكلمنضوس الرومانيّ: بعد أن علّم البرَّ في العالم كلّه ووصل إلى حدود الغرب، شهد أمام الحكّام ثمّ ترك هذا العالم إلى موضع القداسة. ونستنتج من الرسائل الراعويّة الأمور التالية: في أفسس ترك بولس تيموتاوس يهتمّ بأمر الجماعة، في كريت أوكل إلى تيطس أن ينظّم الحياة الكنسيّة وأن يقيم كهنة (تي 1: 5). ومرّ بولس في ترواس فترك رداءه وبعض الكتب (2 تم 13:4) وقضى الشتاء في نيكوبوليس، مرفأ دلماطية.
في تلك الأثناء تطوّرت الأمور وهدّدت الكنيسة الفتيّة. ففي سنة 62 استفاد حنّان رئيس الكهنة من غياب الحاكم، فأمر برجم يعقوب أخي الربّ كما يروي يوسيفوس. وفي سنة 64 شبّ حريق في رومة وظنّ الناس أنّ نيرون افتعل هذا الحريق، إلاّ أنّه أبعد الظنّ فوشى بالمسيحيّين. حينئذ صُلب بطرس ودُفن قرب ملعب نيرون.

ثامنًا: إستشهاد بولس في رومة
ما زال بولس يروح ويجيء فيدلّ على أنّه رجل قَلِقٌ تلاحقه السلطات، وسيشي به مرّة إسكندر الحدّاد (2 تم 5: 14). نُقل إلى رومة فعرف قساوة الأسر في سجن ممرتين قرب الكابيتول كما يقول التقليد، وأحسّ بمحنة العزلة الباردة، وبشقّ النفس سيتوصّل أونيسيفورس الذاهب من أفسس أن يصل إليه (2 تم 1: 16-18). ولكنّ لوقا سيكون معه (2 تم 4: 11). في هذا الإطار نقرأ مقطعًا من إكلمنضوس الرومانيّ عن الحسد الذي سبّب موت بطرس وبولس. قال: بسبب الحسد والخلاف دلّ بولس على الثمن المحفوظ للثابتين. أُسر سبع مرّات، نُفي، رُجم فصار مناديًا بالإنجيل في الشرق والغرب ونال شهرة واسعة استحقّها له إيمانه. من أين جاء الحسد؟ من المتهوّدين أو من اليهود الغيارى على الشريعة، الذين وشوا به فتخلّصوا منه.
ونستطيع أن نجمع إشاراتٍ عن مسيرة الدعوى انطلاقًا من 2 تم. في الجلسة الأولى وجد بولس نفسه وحيدًا، والعادة كانت أن يرافق الأهل والأصحاب المتّهم ليؤثّروا في القاضي. ومضى وقت قبل الجلسة الثانية فكتب بولس وصيّته الروحيّة: "الربّ أعانني وأيّدني لتُعلن الدعوة على يدي وتبلغ إلى جميع الوثنيّين، فنجوت من شدق الأسد وسينجّيني الربّ من كلّ مسعى خبيث ويحفظني لملكوته السماويّ" (2 تم 4: 17-18). 
ومرّت أسابيع احتمل بعدها بولس العقاب الذي يليق بمواطن رومانيّ: قُطع رأسُه، وهكذا استشهد كما يقول التقليد قرب طريق أُستية. ثمّ بنيت على مدفنه كنيسة الملك قسطنطين. ولكن بقي لنا من بولس أهمّ من بناء الحجر: رسائله التي تجعل منه معلّم الكنيسة من دون منازع.

7- خاتمة
تعرّفنا في هذه العجالة إلى هذا المسافر الذي لا يعرف التعب، إلى السامعين المتنوّعين الذين وجّه كلامه إليهم، وأدركنا مشاكل عصره التي هي مشاكل عصرنا. فهلاّ نمت فينا الرغبة في التعرّف إلى بولس أكثر وقراءة رسائله؟ وفي النهاية نودّ أن نبرز بعض السمات الرئيسيّة لهذا الذي جمع فيه الميول والأفكار المتفرّقة في إيمانه بالمسيح الحيّ، لهذا الرّابي الذي ارتدّ إلى المسيحيّة فجمع غنى الفكر اليهوديّ وثقافة العالم الوثنيّ ليعلن إيمانه بالمسيح المخلّص ويؤسّس جماعة تشعّ بشارة الإنجيل الجديدة.

أوّلاً: بولس رسول يسوع المسيح
يعلن بولس بقوّة أصل دعوته المباشرة ولا يريد أن يخضع إلاّ للمسيح فيعلن أنّه خادم له. يختلف بولس عن الاثني عشر الذين تبعوا يسوع على طرقات أورشليم، أمّا هو فجاء متأخرًّا (كالسقط، 1 كور 15: 8) واكتشف في لمحة بصر الحضور السرّيّ للمسيح المنبعث الحاضر في كنيسته. لهذا سيختلف لاهوته. عن لاهوت الاثني عشر، وإنّ عثار الصليب والإشعاع الفصحيّ وسرّ الموت والقيامة ستسيطر على تأمّله بحيث نكتشف بصعوبة صدى لتعاليم يسوع. ما يهمّ بولس هو أن يبيّن أنّه يجب أن نعيش في المسيح لا أن ندلّ على سرّ البدايات المسيحيّة مع يسوع.
ولكنّه إذ يعلن أنّ رسالته خاصَّة، فهو يؤكّد أن لا إنجيل إلاّ ذلك الذي يبشّر به كلّ الرسل (1 كور 15: 1-11؛ غل 1: 6-9)، وهو لن يتردّد في الذهاب إلى أورشليم رغم سوء التفاهم الذي يمكن أن يحصل، ليبيّن بوضوح التضامن الرسوليّ.

ثانيًا: اليهوديّ واليونانيّ
يرتبط بولس بأصله وتربيته بثقافتين مختلفتين ولكنّه لم يتنكّر لأيّ منهما، بل أخصب الواحدة بالأخرى. درس الكتب المقدّسة وتعلّم أساليب التأويل لدى قدمي جملائيل، ولكنّه جعل علم التأويل في خدمة المسيح الذي يكتشف سر حضوره في تاريخ إسرائيل. وإعلانه أنّ المسيح مات وقام بحسب الكتب يصبح مفتاح التأويل الذي يساعده على قراءة العهد القديم دون حجاب (2 كور 3: 14). هر يعرف أن يكون دقيقًا في تفسيره، ولكنّه يتتبع مسيرة النصّ الذي يورد، فيجد المعنى العميق للعهد الذي يعطي التاريخ معناه، ويكتشف عدالة الله التي لا تحكم على الإنسان بل تخلّصه بكامل زخمها. 
يونانيّ مع اليونانيّين، هكذا حاول بولس في أثينة أن يصل إلى إله يسوع المسيح انطلاقًا من العبادة للإله المجهول. فَشَلٌ في خطابه في أثينة وتصرّفُ الكورنثيّين المتبجّحين بعلمهم دفعاه إلى أن يقول كلمات قاسية في حكمة البشر (1 كور 1: 17-2: 5). ولكنّ بولس لم يشجب كلّ القسم الإنسانيّة. هزىء بالخطابة، ولكنّه خطيب من بطن أمّه. وهو يعرف أن ينقل قوّة قناعته الداخليّة إلى سامعيه وأن يستعمل أساليبَ الجَدَلِ المعروفة في أيّامه. قدّر كلّ جمال في مدنيّة عصره (فل 4: 8) حتّى عندما دعا المؤمنين إلى التجرّد (1 كور 29:7- 31)، ولكنّه لم يطلب من المؤمن أن يخرج من العالم: إنّ المسيحيّ ينمّي نعمة العماد في الحالة التي دُعي فيها.
كان رسول الأمم، ولكنّه تمزّق بسبب مأساة عدم إيمان إسرائيل (روم 9: 1-5)، ورغم الفشل بعد الفشل كرّر رسالته في المجامع. أمّا قساوته فسببها حبّ كبير قد خاب، وهو لم يشكَّ يومًا بمصالحة اليهود مع المسيح الذي هو سلامنا (أف 2: 14). أجل، كان بولس باختباره وبتعليمه المعلّم الأكبر في كنيسة مدعوّة لأن تجمع كلّ الشعوب في محبّة الله.

ثالثًا: الإيمان والمحبّة
هذا الذي رأى الربّ على طريق دمشق، مقتنع أنّنا نسير في الإيمان لا في العيان (2 كور 5: 7). هذا الذي تمتعّ بنعم روحيّة يحذّر من كلّ ما يغذّي الغرور، ويعلن أنّ لا قيمة إلاّ لنعمة الله وحدها في الحياة (2 كور 11: 9). جادل المتهوّدين، قال كلمات قاسية في الشريعة وسنحتاج إلى توسيعات طويلة لنشرح نظرية البرّ بالإيمان ورفض أعمال الشريعة. أشرنا إلى الموضوع وبيّنّا أنّ قضيّة المسيح كانت مطروحة: يجب أن نعرف من يخلّص الإنسان، يسوع أم الشريعة. هاجم بولس الشريعة وكان قاسيًا في هجومه، ولكنّه أوضح الأمور في الرسالة إلى رومة دون أن يخفيَ انحطاط الإنسان من دون المسيح. 
الإيمان الذي يمتدحه بولس ليس فضيلة إلهيّة كسائر الفضائل، بل كلّ شيء في الحياة المسيحيّة: هو تجرّد الإنسان من نفسه لأنّ الروح يقوده إلى الربّ يسوع (1 كور 12: 3)، وهو زخم روحيّ يفتح على أبعاد المحبّة الإلهيّة. قال في غل 5: 6: بالنسبة إلى الذي "في يسوع المسيح، لا الختان ينفع ولا عدم الختان، بل الإيمان الفاعل بالحبّ". 
والتعليم عن الحرّيّة الذي يتمسّك به بولس (غل 5: 1) يذكّرنا بتفكير الرواقيّين الذين يعتبرون أنّ الحكيم ملك وبالتالي حرّ

الفصل الخامس
الرسالتان إلى أهل تسالونيكي

مقدّمة
إذا قابلنا الرسالتين إلى تسالونيكي برسائل بولس الكبرى (1 كور، 2 كور، غل، روم) وبرسائل الأسْر (فل، كو، أف)، وجدنا أنهما أقلّ أهميّة لأنّ المواضيع البولسيّة العظيمة لا تبرز بعد بوضوح. ففي هاتين الرسالتين يستعيد بولس الرسول المواضيع الأساسيّة للكرازة الأولى ويشجعّ جماعة مسيحيّة لتعيش في رجاء مجيء يسوع القريب. والرسالة الأولى تشكّل أوّل وثيقة مسيحيّة وصلت إلينا، عشرين سنة بعد أحداث القيامة، وهي تساعدنا على اكتشاف آثار أوّل تعابير الإيمان بالمسيح، وعلى تحديد حيويّة البشارة في بدايتها. والرسالة الثانية التي أرسلها بولس بضعة أشهر بعد الرسالة الأولى تشكّل امتدادًا للتعليم الذي ورد في الأولى إلى تسالونيكي.

أ- تسالونيكي
تسالونيكي- سالونيك الحاليّة والمدينة الثانية في اليونان اليوم- كانت عاصمة مكدونية يوم صارت مقاطعة رومانيّة سنة 146 ق. م. أسّسها أحد قوّاد الإسكندر الكبير حوالي السنة 300 ق. م. وسمّاها باسم امرأته التي كانت أخت الإسكندر من أبيه. تقع هذه المدينة في خليج ترماييك وتستند إلى سلسلة من التلال. تصل إليها طرق رومانيّة من الدرجة الأولى: طريق أغناطيا التي تربطها بألبانيا الحاليّة، وطريق أبيّا الآتية من رومة والمتوجّهة إلى آسية الصغرى والبحر الأسود، تمرّ فيها وتتوجّه نحو الشمال، إلى نهر الدانوب.
بعد سنة 42 ق. م.، صارت تسالونيكي مركز قنصل وممثّل مباشر لمجلس الشيوخ وحصلت على لقب مدينة حرّة لأنها تشيّعت لأوكتافيوس وقد أصبح الإمبراطور أغوسطس سنة 27 ق. م.، وستستفيد المدينة من السلام الرومانيّ لتزيد في غناها. وحكت نفسها بنفسها بواسطة مجلس يختار حكّامه (أع 17: 5-8)، وتنوّع سكّانها فكانوا من اليونانيّين والإيطاليّين والشرقيّين من سوريّين ومصريّين ويهود. أمّا اليهود فلهم مجمعهم (عكس فيلبّي، رج أع 16: 13) وتأثيرهم في المدينة بحيث أصغى إليهم الحكّام ولبّوا مطالبهم. ولن يكتفوا بأن يثيروا بعض الرعاع على المبشّرين في تسالونيكي بل سيلاحقونهم إلى بيرية (أع 17: 13 ي).

ب- كنيسة تسالونيكي
وصل بولس إلى تسالونيكي مع سلوانس وتيموثاوس بعد أن طُرد من فيلبيّ على أثر اضطراب حدث في المدينة كلّفه هو وسلوانس الجَلد وليلةً في السجن (أع 16: 16 ي؛ 1 تس 2: 2). وبدأ كعادته فأعلن البشارة لليهود في المجمع يوم السبت. ويقول لوقا إنّه جادلهم ثلاثة سبوت وبيّن لهم كيف كان يجب على المسيح أن يتألّم ويقوم من بين الأموات (أع 17: 2-3). وبما أنّ قصد الله تحقق- فمن يبشّرهم به هو المسيح الذي يرجو اليهود مجيئه- قال: "يسوع الذي أبشّركم به هو المسيح". هذا الإعلان أعطى اليهود ذريعة ليشكُوا بولس والمسيحيّين أنّهم يتعدَّون أوامر القيصر ويزعمون أنّ هناك ملكًا آخر، غير الإمبراطور، اسمه يسوع (أع 7:17).
هذه الإشارة التي نقرأها في سفر الأعمال تقدّم لنا معلوماتٍ عن نتيجةِ هذه الرسالة التي قام بها بولس ورفاقه في صيف سنة 50: أسّسوا مجموعة من المسيحيّين فيهم اليهوديّ وغير اليهوديّ. وكان عدد اليهود قليلاً، وهذا ما نستنتجه من كلمة "بعضهم" (أع 17: 4)، ومن عدم إيراد نصوص العهد القديم، ومن هجوم بولس على اليهود الذين سَينزل عليهم في النهاية غضب الله (1 تس 2: 14-16)؛ وفيهم عباد الله وخائفوه وهم مؤمنون غير يهود يتعبّدون لإله إسرائيل ويحفظون بعض الشرائع الأخلاقيّة الخاصّة باليهوديّة؛ وفيهم كثير من اليونانيّين من أهل تسالونيكي؛ وفيهم أخيرًا عدد كبير من السيّدات الفاضلات وقد ذكرهنّ لوقا ليحارب الرأي القائل إنّ الجماعات المسيحيّة مكوّنة من أناس لا حسَب لهم ولا نسَب.
هذه اللوحة عن نتائج الرسالة تدفعنا إلى القول إنّ بولس لم يكتفِ بالتوجّه إلى اليهود والخائفي الله ثلاثة سبوت في المجمع، بل ظلّ وقتًا أطول، وعمل بيديه وتسلّم مساعدة من أهل فيليبيّ مرةً ومرّتين (فل 4: 16). وستنتهي إقامة المرسلين الثلاثة في تسالونيكي كما انتهت في فيلبيّ: هيّج اليهود الناس فأجبروا بولس وسلوانس على مغادرة المدينة والتوجّه إلى بيرية ليلاً (أع 17: 10).
وهكذا مارس بولس رسالته في كنيسة جاء أكثر أعضائها من الوثنيّة فربّاهم تربية مسيحيّة جديرة بهذا الاسم (1 تس 2: 7-12). ولمّا ترك الجماعة الجديدة كان إيمانها قويًّا بحيث انتصرت على المحنة (1 تسع6:3).

ج- مناسبة الرسالتين إلى تسالونيكي وهدفه
وصل بولس مع سيلا (أو سلوانس) وتيموثاوس إلى بيرية، ووجّه كلامه إلى اليهود في المجمع، وقد حالفه النجاح. إلاّ أنّ يهود تسالونيكي حرّضوا الجموع وهيّجوهم فترك بولس رفيقيه وهرب إلى أثينة بعد أن أعطى للمؤمنين تعليماته. ثمّ اجتمع بولس برفيقيه في أثينة (1 تس 3: 1)، ومن هناك ذهب تيموثاوس إلى تسالونيكي. وحاول بولس مرارًا أن يعود إلى تسالونيكي فما استطاع لأنّ الشيطان عاقه (1 تس 18:2)، فانتظر رجوع تيموثاوس: ولمّا اجتمع الثلاثة في كورنتوس كتبوا الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي في نهاية السنة 51 أو بداية السنة 52.
كتب بولس الرسالة الأولى في الفرح والارتياح فجعل منها فعل شكر للّه، قال: "فأيّ شكر نقدر أن نؤدِّيه إلى الله من أجلكم على كلّ هذا الفرح الذي نشعر به أمام إلهنا بفضلكم" (3: 9). وهذا الفرح سبّبته معلومات طيّبة تلقّاها بولس وسلوانس من تيموثاوس: "رجع تيموثاوس من عندكم وبشّرنا بما أنتم عليه من إيمان ومحبّة" (6:3).
جاءت بولسَ الأخبارُ فتنفّس الصعداء: "الآن عادت إلينا الحياة" (3: 8). بعد أن كاد يموت من الجزع، عادت إليه معنويّاته، وبعد القلق جاءه الفرح والارتياح. وهذا ما دفعه إلى الكتابة. ثمّ إنّ دخولهم في الإيمان الجديد لم يجلب عليهم بركاتِ الأرض بل فرض عليهم المحن القاسية فخاف بولس أن يترك أهلُ تسالونيكي الإيمان ويجحدوا.
ولكنّ بولس أخطأ في تحسّباته. فإيمان التسالونيكيّين ما زال حيًّا وفاعلاً وهم ثابتون في الربّ. فتحوّل الارتياح إلى إعجاب أمام معجزة عمل الله. وهذا ما يعطي هذه الرسالة نبرةً خاصّة: فلا مجادلة فيها ولا خيبة أمل في تحريضاتها، بل أسلوب ملؤه الهدوء والعطف والثقة والأمل في المستقبل.
أملى بولس رسالته وهو ممتلىء من العزاء والفرح اللذين سبّبتهما الأخبار التي حملها تيموثاوس. وقد استعلم منه عن حالة الكنيسة وعن التعليمات الواجب توجيهها إلى هؤلاء المؤمنين الجدد. ويمكن أن يكون قد تسلّم بولس رسالة منهم بواسطة تيموثاوس فحاول الإجابة على مضمونها نقطة نقطة. فالتوسيعات التي يبدأها الرسول بعبارة: "أمّا في ما يتعلّق" (9:4، 13؛ 5: 1) قد تشكّل أجوبة على أسئلة تتضمنّها رسالة من أهل تسالونيكي (رج 1 كور 7: 1، 25؛ 8: 1؛ 12: 1؛ 16: 1). ثمّ إنّ المقطع 5: 21-22 يتضمّن تعليمات موجّهة إمّا إلى الكنيسة كلّها وإمّا إلى المسؤولين.
فإذا أردنا ألاّ نحسبها تعليمًا أخلاقيًّا عامًّا، فهي لا تُفهم إلاّ إذا أخذنا بوجود توتّر بين الكنيسة والمسؤولين فيها. في هذه الظروف، يمكن أن يكون هؤلاء قد كتبوا رسالة إلى بولس يطلبون مساندتَه وتعليماتِه عن بعض المواضيع الملحّة في الكنيسة. ويقول قائل: لماذا لم يُشِرْ بولس إلى هذه الرسالة وكان بوسعه أن يفعل (1 تس 3: 6)، نجيب أنه كان من الحكمة ألاَّ يشير الى هذه الرسالة لئلاّ يزدادَ التوتّر بين الكنيسة والمسؤولين، ولهذا كتب إلى الجميع وطلب إلى حاملي الرسالة أن يقرأوها على الكنيسة جمعاء (27:5). 
وجاءت الرسالة الثانية على غرار الأولى ولمّا يمضِ وقت طويل، فطرحت تقريبًا المسائل عينها ووضّحت بعض الأمور التي أشكلت على سامعي الرسالة الأولى. هذا يعني أنّ المراسلات كانت متواصلة بين بولس وأبناء تسالونيكي بانتظار أن يزورهم فيتعزّى بهم أفضل تعزية.
وكان بولس وسيلا وتيموثاوس ما زالوا معًا حين كتبوا هذه الرسالة الثانية، لا لأنّ إيمان الجماعة ضعف ورجاءها خفّ ومحبّتها بردت، بل لأنّ الاضطهاد أثار الأفكار وفتح الباب على معتقدات خطرة وفوضى لا بدّ من ضبطها (2 تس 1: 3- 10). فاعتبر بعضهم أنّ ساعة مجيء يسوع قد حلّت فنّبههم بولس أن ينتظروا علامتين: الكفر ورجل المعصية. لا شكّ أنّ الشيطان يعمل في العالم ولكنّ العائق يمنعه من ذلك. فعندما يزول العائق يظهر الدجّال فيأتي الربّ ويزيله. وهناك فوضى ثانية متأتيّة من الذين لا يريدون أن يعملوا بل يعيشون على حساب الآخرين. من أجل هذا كتب رسالته الثانية إلى تسالونيكي.

د- مضمون 1 تس
هناك قسمان متقابلان ينتهيان بصلاة يرفعها بولس. القسم الأوّل (1: 1-13:3) ينتهي بهذه الكلمات: "نرجو أن يمهّد الله أبونا وربّنا يسوع طريق المجيء إليكم... وأن يقوّيَ قلوبكم بقداسة لا لوم فيها". والقسم الثاني (4: 1-28:5) ينتهي بهذه الكلمات: "إله السلام نفسه يقدّسكم في كلّ شيء ويحفظكم منزّهين عن اللوم، سالمين روحًا ونفسًا وجسدًا".
بعد العنوان والتحيّة (1: 1) يذكّر القسم الأوّل (1: 2-3: 13) بالعلاقات بين المرسلين والتسالونيكيين في وقتين هامّين. الوقت الأوّل، حين أسّست الكنيسة (1: 2-2: 16)، وهنا يرسم بولس الرسول أمامنا لوحتين، لوحة أولى (1: 2- 10) تبدأ بفعل شكر (1: 2-3) وتشدّد على طابع الكرازة التي اتسّمت بقوّة الله (1: 4- 5) وتشير إلى قبول التسالونيكيّين للإنجيل بصورة عجيبة (1: 6-10)، ولوحة ثانية (2: 1-16) تعلن أنّ موقف بولس ورفيقه كان مقدّسًا عادلاً ولا لوم فيه (2: 1-12) وأنّ المؤمنين آمنوا واحتملوا الالام بشجاعة (2: 13-16). أمّا الوقت الثاني فبعد ذهاب المرسلين (17:2-3: 10)، وهنا يصوّر بولس شوق المرسلين إلى رؤية المؤمنين مرّة ثانية (2: 17-20) ويخبرهم كيف ذهب تيموثاوس إلى تسالونيكي (3: 1- 5) كيف عاد يحمل الأخبار الطيّبة (3: 6- 10). وينتهي هذا القسم بالصلاة (3: 11-13).
أمّا القسم الثاني فيشتمل على تعليمات وتحريضات (4: 1-5: 22). فبعد مقدّمة عامّة عن التقدّم المطلوب في الإيمان (4: 1-2) يذكّرهم الرسول بالعفّة والقداسة والزواج المسيحيّ (3:4-8) ثمّ بالمحبّة الأخويّة (9:4-12). ومن ثمّ يحدّثهم عن الذين ماتوا: سيقومون ويجتمعون مع الأحياء إلى الربّ (4: 13-18)؛ وبانتظار مجيء الربّ الذي لا نعرف متى يكون نجاهد الجهاد المسيحيّ (5: 1- 11). وبعد أن يُنبّهَهم إلى احترام المسؤولين (5: 11-13) يحرّض الجميع ليحيَوا حياة مسيحيّة (5: 14-22). وينتهي هذا القسم الثاني بصلاة ختاميّة (23:5) وبتمنيّات ودعاء (5: 24-28).
إنّا نلاحظ المركِز الرئيسيّ الذي تحتلّه الكرازة عن قيامة الموتى ويوم الربّ (4: 13-5: 11). ويرافق هذه الكرازةَ تحريضٌ رسوليّ يتعلّق بالحياة المسيحيّة.

هـ- مضمون 2 تس
يشكر بولس الربّ على تقدّم التسالونيكيّين في الإيمان. وسوف ينال ثباتهم في الاضطهاد جزاءه حين مجيء الربّ الذي يحمل العقاب إلى المضطهِدين. وبعد العنوان والسلام (1: 1-2) نعرف أنّ التقوى والتصبّر في الاضطهاد هما ضمانة خلاص في يوم الدينونة (3:1-12). ومن ثمّ يصحّح بولس نِظرة خاطئة عن قرب مجيء الربّ، بلبلت قرّاءه. فيوم الربّ لا يمكن أن يكون الآن هنا لأنّه سيسبقه الكفر وظهور رجل الهلاك، غير أنّ ظهور الكفر يتأخّر بسبب عائق يذكره الرسول ولا يقول اسمه وكأني بقرّائه يعرفونه. أمّا مجيء الربّ المجيد فيضع حدًّا لانتصار رجل الهلاك ويحكم بطريقة نهاثيّة على كلّ الذين خُدعوا به وقبلوا خداعه. أجل هناك علامات لمجيء يوم الربّ (2: 1- 5) وهناك ما يفسّر تأخيره (6:2-8). لكن حين يجيء الدجّال يجيء الربّ ويتغلّب عليه بل يخضعه للدينونة (9:2-12). وبعد كلام الشكر والصلاة والتشجيع (2: 13-3: 5) نسمع الرسول يحذّر المؤمنين من ترك أشغالهم عن كسل فيذكّرهم بمثله وتعليمه ويقدّم لهم قواعد تطبّقها الكنيسة على الذين يعيشون في الفوضى. وتنتهي الرسالة الثانية إلى تسالونيكي بصلاة وسلام، ثم توقيع يؤكّد فيه بولس أنّ الرسالة رسالته (3: 16-18) فلا يخاف المؤمنون من الضلال والمضلّين.

و- هل كتب بولس 1 تس وهل كتبها كلّها؟
ما يلفت انتباه القارىء هو الفرق في النبرة بين 1 تس وسائر الرسائل البولسيّة. فالرسول لا يتوقّف عند مشكلة تعليميّة، بل يريد أن يبيّن عمق العواطف التي تربطه بجماعة أسّسها وأُجبر على تركها حالاً. أحسّ بالقلق ثمّ بالفرح حين رأى إيمان هذه الكنيسة الفتيّة، فما احتاج إلى تقويم ضلال، وهو العارف أنّ الإخوة في تسالونيكي يسيرون في الطريق القويم. والشيء الوحيد الذي يطلبه منهم هو أن يثابروا في هذه الطريق وأن يتقدّموا فيها.
هذه الرسالة المفعمة بالفرح والثقة والورع والتي تشكّل أوّل نصوص العهد الجديد، هل كتبها بولس بيده وهل كتبها كلّها؟
شهد على وجود 1 تس مرقيون منذ سنة 140. ويورد نصوصًا منها كتاب الديداكه (بداية القرن الثاني) وإكلمنضوس الرومانيّ (93-97) ورسالة برنابا (115- 130) وأغناطيوس الأنطاكيّ (حوالي 110) وراعي هرماس (140-155) ويوستينوس (150-160). إذًا، 1 تس هي رسالة من رسائل بولس ولم يناقش أحد صحّة نسبتها إليه في الكنيسة القديمة. غير أنّ بعض العلماء الألمان (القرن 19) رفضوا هذا الأمر لأنهم لم يجدوا المواضيع التي توسعّ فيها بولس وهي: الحرب على المتهوّدين، إبطال الشريعة، التبرير بالإيمان... ولكنّهم نسُوا الطابع الخاصّ لكلّ رسالة. فرسالة بولس ليست بحثًا مجرّدًا في العقائد، بل جواب على أسئلة تُطرح على هذه الجماعة أو تلك، وكلّ جماعة يمكن أن تختلف عن أختها. أمّا اليوم فالنقّاد متّفقون على أنّ 1 تس تندرج بين رسائل بولس وفيها نجد بداية تفكيره الذي سيتوسعّ فيه في الرسائل الكبرى.
ولكنّ بعض العلماء الذين قبلوا صحّة نسًبة 1 تس إلى بولس، اكتشفوا وجود نصّ مدسوس فيها ألا وهو 2: 14-16. اشتبهوا بهذا النصّ بسبب العنف الذي فيه على اليهود. يقول بولس إنّهم "قتلوا ربّنا يسوع والأنبياء واضطهدونا، ولا يُرضُون الله ويعادون جميع الناس فيمنعونا من تبشير سائر الأمم بما فيه خلاصهم، فهم في كلّ مرّة يجاوزون الحدّ بخطاياهم، فينزل عليهم في النهاية غضب الله". ولكنّا نفهم سبب وجود هذا النصّ ممّا قاساه بولس من اليهود الذين لاحقوه في فيلبّي وبيرية وتسالونيكي، هذا عدا ما قاساه منهم في مدن آسية الصغرى.
واعتبر بعض العلماء أنّ المقطع الإسكاتولوجيّ (4: 13-5: 11) درس لاهوتيّ لم يكتبه بولس بل زاده أحد تلاميذه وأقحمه وسط تعليم أخلاقيّ فقطع سياق الحديث. ولكنّ القائلين هذا الكلام ينسَون أنّ التعاليم الاسكاتولوجيّة جواب على حاجات خاصّة في كنيسة اعتبرت أنّ النهاية قريبة وتساءلت ما يكون حظّ الأموات عند مجيء ربّنا الثاني.
إذًا نقول مع أكبر عدد من الشرّاح إنّ بولس كتب 1 تس وكتبها كلّها، أو بالأحرى أملاها على أحد الكتبة المختصّين بفنّ الكتابة على البرديّ أو على الرقّ. ثم زاد في النهاية بخطّ يده عبارة تكون علامة بينه وبين قرّائه.

ز- صحّة نسبة 2 تس إلى بولس
نقول هنا ما قلناه عن 1 تس: إنّ التقليد القديم يُجمع على نسبة 2 تس إلى بولس: بوليكربوس (حوالي 115)، ويوستينوس، والديداكه، ومرقيون، وقانون موراتوري (حوالي 180)، وترتليانس، وإيريناوس، وأوريجانس، وغيرهم.
إلاّ أنّ النقد الأدبيّ بدأ في نهاية القرن الثامن عشر وانتهى في القرن التاسع عشر إلى رفض نسبة 2 تس إلى بولس انطلاقًا من المفردات والأسلوب، من المقاطع الإسكاتولوجيّة ومن التشابهات بين 1 تس و 2 تس.
كُتبت 2 تس بعد 1 تس بوقت قليل باسم بولس وسلوانس وتيموثاوس (1:1) الذين سنجدهم مجتمعين بعد لقائهم الأخير في كورنتوس (أع 18: 5، 18). هناك تقارب في المفردات والأسلوب، ولكن كيف نفسّر الاختلاف في النبرة عندما ننتقل من 1 تس إلى 2 تس؟ فبعد صفحات كلّها عاطفة وحماس في 1 تس، نجد نبرةً احتفاليّة باردة. ولكنّ المنتقدين ينسَون أيضًا صفحاتٍ لا تقلّ عاطفة عمّا نقرأه في 1 تس (مثلاً 1: 3؛ 2: 1، 3، 15؛ 3:3-4، 13-14).
وينطلق النقّاد من المفردات والأسلوب. فهناك عشر كلمات من 2 تس نجدها في سائر الرسائل، ولكنّنا لا نجد إلاّ 17 كلمة من 1 تس. إذًا لسنا أمام برهان حاسم. ثمّ إنّ كلمة "دعوة" تعني هنا الدعوة إلى المجد بينما تعني في رسائل أخرى الدعوة إلى الإيمان (1: 11؛ رج فل 4:3). وفي 13:2 كلمة "اختار" ليست كما في 1 كور 1: 27 ي وأف 1: 4. وهناك عبارات تجعلنا نتردّد. ففي 1: 3 نقرأ "يجبُ أن نحمدَ الله" بدل "نحمدُ الله"... أمّا الجواب بحسب أحد العلماء فهو أنّه عندما ينزل النقد المعادي إلى هذه التفاصيل التي تجد سندًا في معطيات غير ثابتة، فهو إقرار بضعف ما يريدون أن يبرهنوا عنه.
أمّا البرهان الذي يحسبونه حاسمًا ضدّ صحّة نسبة 2 تس إلى بولس فهو التعليم الاسكاتولوجيّ في 2: 1-12 الذي لا يمكن أن يجد مكانًا في رسائل بولس. ونجيب أوّلاً أنّ مجموعة العناصر الموجودة في 2: 1-12 ترتبط بالتقليد الكتابيّ عن معارضة المسيح في نهاية الزمن. فالعهد القديم (أشعيا، حزقيال، ولا سيّما دانيال) يقدّم مراجعَ لتفكير بولس. وهكذا نقول بالنسبة إلى العهد الجديد ولا سيّمَا متّى ومرقس: الكفر والجحود وتدنيس الهيكل وتكاثر الإثم وقوّة الشيطان. كلّ هذه مواضيعُ معروفةٌ تَدْخُلُ في لاهوت الرسول وتجد مكانها في إطار تفكيره دون أيّ تعارض. ثمّ إنّنا نقول إنّ بولس لم يستنفد مرّة الموضوع الذي يطرقه فيذكر في هذه الرسالة ما قاله في رسالة أخرى. ففي 1 تس 4: 11 يقول إنّ يوم الربّ يأتي فجأة كاللصّ في الليل وفي 2 تس 2: 1-12 يعلن عن هذا اليوم بعلامات. فأيّ ضير في ذلك؟ فكلّ التقليد الجليانيّ اليهوديّ والمسيحيّ يعرف تقاربًا بين فجاءَة اليوم الأخير والعلامات المهيّئة له. ويكفي أن نذكر يسوع الذي قال في مرقس 6:13: "سيجيء كثيرون من الناس منتحلين اسمي فيقولون: أنا هو المسيح ويخدعون أناسًا كثيرين". وقال أيضًا في مرقس 13: 33- 34: "وأمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعرفهما أحد... فكونوا على حذر واسهروا لأنكم لا تعرفون متى يجيء الوقت". في النصّ الأوّل نجد علامة مجيء الربّ، وفي النصّ الثاني دعوة إلى السهر لأنّنا لا نعرف متى يجيء.
وينطلق النقّاد أخيرًا من المشابهات بين 1 تس و 2 تس ويوردون المقاطع المتقابلة: 2 تس 1: 3= 1 تس 1: 2-3؛ 2 تس 1: 5= 1 تس 2: 12؛ 2 تس 1: 7= 1 تس 13:3؛ 2 تس 2: 16-17= 1 تس 3: 11-13؛ 2 تس 8:3= 1 تس 9:2؛ 2 تس 3: 16= 1 تس 23:5؛ 2 تس 18:3= 1 تس 28:5. وبعد ذلك يعلنون أنّ كاتبًا انتحل شخصيّة الرسول فاستقى من الرسالة الأولى إلى تسالونيكي ليؤلّف الرسالة الثانية. ولكن ما الذي يبرّر هذا الافتراض، ولماذا رجع الكاتب المزعوم إلى 1 تس ولم يرجع إلى 1 كور أو 2 كور مثلاً؟
بعد كلّ هذا نقول مع أحد كبار الشرّاح: لا نجد في هذه الرسالة ما يفرض علينا أو يسمح لنا أن ننكر صحّة نسبتها إلى بولس. وهذا الكلام كلّه حكمة ويستند إلى تقليد الكنيسة القديمة وإلى النقد الحديث البعيد عن كلّ فكر مسبّق.

ح- التعليم اللاهوتيّ في الرسالتين إلى أهل تسالونيكي
1- التعليم الرسوليّ
لا نقدر أن نتناسى أهمّيّة هاتين الرسالتين اللتين هما أقدم ما كتبه بولس الرسول، بل أقدم ما كُتب في المسيحيّة. لا شكّ أنّ الأناجيل وأعمال الرسل عادت إلى مراجعَ قديمةٍ، ولكنّها كُتبت بعد رسائل بولس.
ماذا نكتشف من التعليم الرسوليّ حوالي السنة 50 ب. م.؟ الديانة المسيحيّة تُقدَّم إلى العالم الوثنيّ بشكل مجموعة من الحقائق والفرائض تتميّز عمّا في اليهوديّة وتتركّز على شخص يسوع الذي مات عن الخطايا وقام وصعد إلى السماء ومن هناك سيأتي ليقود إليه الذين آمنوا به.
ويذكّرنا بولسُ انطلاقًا من خبرته بأصلِ الرسالة. فهي تنبع من الله وترتبط بمخطّط الله. إنّ الله هو من يدعو البشر إلى الملكوت (1 تس 2: 12؛ 5: 24)، ولكنّ هذه الدعوة تصلهم بواسطة الإنجيل الذي يكرز به الرسل (2 تس 2: 14). فالله سلّم إنجيله إلى الرسل لأنّه اعتبرهم أهلاً لذلك (1 تس 2: 4). فلا غرابة إذًا أن يقوموا بعملهم هذا (1 تس 3:2- 5) وأن تكون كلمتُهم كلمةَ الله التي تفعل في المؤمنين (1 تس 13:2). والمعجزات وفيض الروح ترافق هذه الكلمة فتدلّ المؤمنين على أنّهم موضوع اختيار الله (1 تس 1: 4- 5). والربّ يوفد رسوله (1 تس 1: 5) ويعمل في الوقت نفسه في قلوب المؤمنين فيمنحهم الثبات في المصاعب (1 تس 2: 14؛ 8:3) ويحميهم من الشّرير (2 تس 3:3) ويُنْمي إيمانهم (1 تس 6:3- 10) ويرى محبّتهم (1 تس 12:3؛ 4: 9). لقد زرع الرسول هذه الحياة الجديدة (1 تس 2: 8-11) ولكنّه ظلّ مسؤولاً عنها فعمل على تجذيرها بطريقة أعمق. أخذه القلق من كلّ نقص (1 تس 3: 2، 10) واهتمّ بتثبيت المسيحيّين في الإيمان إمّا بطريقة مباشرة وإمّا بواسطة موفدين له (1 تس 3: 2)، وهو واع أنّه بذلك يمارس سلطات جاءته من الربّ. فإن عارضه المعارضون، فالمجرّب (1 تس 2: 18؛ 3: 5) وأعوانه ينتظرهم العقاب الرهيب (1 تس 2: 16؛ 2 تس 1: 6-10) لأنّهم فيمَا يعارضونه إنّما يعارضون الله نفسه (1 تس 8:4).
أمّا موضوع هذه الرسالة فهو البشرى التي حمّله الله إيّاها (1 تس 2: 4)، هو الإنجيل الذي يكرز به (1 تس 1: 5؛ 2 تس 2: 14)، إنجيل الله (1 تس 2: 2، 8، 9) والربّ المسيح (1 تس 3: 2؛ 2 تس 8:1)، وهو الكلمة (1 تس 1: 6)، كلمة الله (1 تس 13:2) والربّ (1 تس 1 :8) التي يعلنها الرسول (1 تس 2: 9) ويبشّر بها (1 تس 4:2، 16) ويشهد لها (2 تس 1: 10).
يرجع بنا بولس في كرازته إلى تعليم عامّ يبدو بشكل قانون إيمان. وهناك بعض مقاطع تعطينا عناصرَ من هذا التعليم فتشدّد على حقيقتين جوهريّتين: الله الحقّ والحيّ، والمسيح الذي مات وقام: نكتشف هنا سرّ الله وسرّ الفصح.
يَرِدُ اسمُ الله الآب ما يقارب الأربعينَ مرّةً في 1 تس و 2 تس. وهو في أصل الرسالة بل في أصل كلّ شيء، والخلاص يأتينا بمبادرة من حبّه (1 تس 1: 4؛ 2 تس 2: 13). فهو أراد أن يخلّص من يؤمنون بابنه، المسيح يسوع، فضمّهم إلى كنائسه (1 تس 14:2؛ 2 تس 1: 4) وكوَّن شعبًا جديدًا منحه عطيّة الروح القدس (2 تس 8:4).
غير أنّ عمل الله هو عمل المسيح. فبالمسيح يؤثّر حضور الله في البشريّة، وفي شخص المسيح تلتقي التعاليم والأوامر والتشجيعات في كلّ حياة الكنيسة والمسيحيّين. فالكنائس هي في المسيح كما هي في الله (1 تس 1: 1؛ 2 تس 1: 1؛ 2: 14)، والمؤمنون يعملون كلّ شيء في الربّ وحياتهم إيمان ورجاء ومحبّة في الربّ يسوع المسيح (1 تس 1: 3)، واقتداء بالربّ (1 تس 1: 6)، وانتظار للربّ (1 تس 1: 10)، قبل أن تكون موتًا في الربّ (1 تس 4: 14) واجتماعًا أبديًّا معه (1 تس 4: 14-17؛ 5: 10؛ 2 تس 2: 1).
ويتوجّه الرسول والمؤمنون إلى يسوع الذي صار ربًّا بقيامته ودخوله في مجده، ويجعلونه مساويًا لله الآب، بحيث يكون عمل الاثنين وبركتهما وعونهما أمرًا واحدًا (1 تس 3: 11). فربّنا يسوع أحبّنا كالله الآب وأنعم علينا بعزاء أبديّ (2 تس 2: 16)، ومنه نطلب كلّ خيركما نطلب من الله الآب (2 تس 3: 1- 5).
قال التقليد القديم إنّ الله أقام من الموت ابنه الذي سيجيء (1 تس 1: 10)، وقال أيضًا: واضطُهد يسوع (1 تس 1: 6) وقُتل على يد اليهود (1 تس 15:2) ولكنّه قام وأقام أخصّاءه (1 تس 4: 14 ي) وسيأتي في يومه (1 تس 2:5، 4) فيحاسب كلّ واحد بحسب العدالة، فيعاقب الذين قاوموه ويُدخل المؤمنين في مجده. إنّ الحياة المسيحيّة وقداسة المؤمنين متشرّبتان من هذا اليقين أنّ المسيح آت في مجده. فالفرائض الأخلاقيّة تصلنا باسم يسوع، وإرادة الله عبّرت عن ذاتها بيسوع (1 تس 18:5)، وأوامر بولس لا قيمة لها إلاّ لأنّها ترتبط بسلطة الربّ (1 تس 4: 1-3، 15؛ 2 تس 3: 6-12). بل إنّ اندفاع بولس نحو المرتدّين (1 تس 7:2- 11) يتغذّى من الحبّ ليسوع والإيمان به والعطاء الكامل لقضيّة الإنجيل.

2- نهاية الزمن
تعليم بولس عن مجيء المسيح ونهاية الزمن يرتبط بتعليم الأنبياء، فهو يقسم العالم زمنين، الحاضر والمستقبل، ويعلن أنّ يوم الربّ يسوع آت. يرى بولس مثل الأنبياء نهاية الأزمنة المليئة بالغضب والشرّ والاضطهاد والجحود، ويستفيد من الصور الكتابيّة ليرسم مجيء يسوع الأخير: تُسمعَ الأوامر وصوت رئيس الملائكة وبوق الله، وتُرَى السحبُ تُعيدُ المسيحَ والقدّيسين من أجل دينونة الذين دفعتهم شرورهم إلى الهلاك الأبديّ، وعلى طريقة دانيال (دا 36:11) يُصوَّر المقاوِم يرتفع فوق كلّ إله ويجلس في الهيكل. 
في هذه الصور يلتقي بولس والأناجيل الإزائيّة. وهو يوجّه أنظارنا إلى بعض حقائق لا بدّ من ذكرها:
- يسوع الممجّد بقيامته وإقامته في السماء هو الربّ وابن الله. جاء في السابق وسيأتي ثانية فيكون للأشرار دينونة بالهلاك الأبديّ (2 تس 1: 6، 9؛ 2: 10) وللمؤمنين خلاصًا (1 تس 1: 9؛ 9:5) ومشاركة في مجد الله (2 تس 10:1).
- كلّ المسيحيين، سواء أكانوا أحياء أو أمواتًا سوف يشاركون المسيح في مجده. ينضمّون إليه (2 تس 2: 1) فيكونون دومًا معه (2 تس 17:4) ويعيشون معه (1 تس 5: 10). وبانتظار ذلك ستكون الحياة الحاضرة رجاء يتحمّل الألم بفرح (1 تس 1: 3؛ 2 تس 1: 4- 5) وانتظارًا يحفظنا من الغضب الآتي (1 تس 1: 10) وتقديسًا لا عيب فيه ليوم المجيء (1 تس 13:3؛ 23:5؛ 2 تس 1: 7، 10) وسهرًا كسهر أبناء النور والنهار في العفّة "لابسين درع الإيمان والمحبّة وخوذة رجاء الخلاص" (1 تس 8:5).
- كان المؤمنون في تسالونيكي يحسبون أنّ يوم الربّ قريب جدًّا بل هو حاضر هنا (2 تس 2: 2)، ولهذا رَبَطَ البعضُ منهم هذه الفكرة الخاطئة بحياة من الكسل والفسق. أمّا بولس فقال لهم: احرصوا على العيش عيشة هادئة وانشغلوا بما يعنيكم واكسبوا رزقكم بعرق جبينكم (1 تس 4: 11)، وأوصاهم أن يتجنّبوا كلّ أخ بطّال. وحذّرهم بقوله: من لا يريد أن يعمل لا يحقّ له أن يأكل (2 تس 6:3-12).
- ماذا قال بولس عن مجيء الربّ؟ إنطلق من كلام الربّ أنّ ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفهما أحد (مر 32:13) فتكلّم وكأنّه يرجو لجيله رجوع يسوع. عاش في الانتظار مثل الكنيسة الأولى وأكّد أنّ يوم الربّ لم يأتِ بعد. صبغ تعليمه بألوان الرجاء وأحيا عمله بالشوق الذي يتضمنّه هذا الانتظار. فهو حين يرى عظمة الله وحبّه في ابنِه الربِّ المنبعثِ ووالممجَّدِ لا يرى تأخيرًا في تحقيق الخطّط الإلهيّ، ولهذا انتظره واعتبر أنه سيتم قريبًا.
- أمّا الإسكاتولوجيّا الفرديّة فهي واضحة. المسيحيّون الذين ماتوا سيقومون ويشاهدون رجوع الربّ الذي يعود مع قدّيسيه وملائكته. سيعود الربّ مخلّصًا وديّانًا فيمنح المختارين حصّة في مجده ويعاتب بالهلاك الأبديّ الذين رفضوا الإنجيل واضطهدوا المسيحيّين (2 تس 1: 6-9؛ 2: 12). فالذين حفظوا نفوسهم بلا عيب إلى مجيء ربّنا (1 تس 13:3) سيخلصون، والأحياء في يوم مجيئه يتحوّلون (1 تس 4: 13-18). 
- وينبّه بولس المؤمنين في 2 تس مزيلاً الخطأ من أذهانهم لأنّهم تركوا الخوف يسيطر عليهم حين سمعوا أقوالاً كاذبة تقول إنّ يوم الربّ قد حلّ. يهدّىء من روعهم ويبيّن لهم أن يوم الربّ لم يأت بعد ويذكّرهم تعليمًا سابقًا يقول بأنّ الربّ سيجيء بعد علامتين: الجحود، ورجل الإثم. ولكنّ العائق يمنع ظهورهما وهو يعمل في السرّ. وعندما يزول العائق يُمنح الشيطانُ الدجَّالُ أن يجترح آياتٍ للذين رفضوا قبول الحقيقة. في ذلك الوقت يظهر الربّ ويتغلّب على خصمه.
- الجحود الذي تتحدّث عنه 2 تس لا يرتبط لا بالديانة اليهوديّة ولا بالديانة المسيحيّة. فالهالكون والمحكوم عليهم هم الذين قُدِّم لهم الإنجيل والخلاص بالإيمان ففضّلوا الظلم والشرّ والكذب. فبالنسبة إلى بولس يشكّل الإنجيل والبِرّ والحقّ والخلاص مصيرًا ساميًا دعي إليه الناس بواسطة الكرازة الرسوليّة. فمن مال عنها كان جاحدًا. أمّا الجحود، بمعنى الابتعاد عن الدين المسيحيّ، فسيحدّثنا عنه بولس فيما بعد بقوله: بعض الناس يرتدّون عن الإيمان في الأزمنة الأخيرة، فهم مراؤون وكذّابون اكتوت ضمائرهم فماتت (1 تم 4: 1-2؛ رج2 تم 3: 1- 5).
- الدجّال أو المعارض للمسيح كلمة ترجع إلى يوحنّا (1 يو 18:2؛ 3:4؛ 2 يو 7) لا إلى بولس. ولكنّ بولس يعني الدجّال حين يكلّمنا عن مجيء ربّنا (2 تس 2: 1-12). إنّ العهد الجديد يستعيد تقاليد العهد القديم عن معارضة للمملكة المسيحانيّة فيتعمّق فيها ويوسّعها ويقدّمها في قالب جديد دون أن يعطيَنا الكلمة الفصل في هذا الموضوع.
- لا نستطيع أن نخفيَ عُمْقَ تعليم بولس رغم الغموض الذي يلفّه. فيسوع المسيح هو ربّ السماء والأرض وسيأتي ليدين الأحياء والأموات فيعطي لمؤمنيه حياة أبديّة مجيدة بصحبته. أمّا العالم الحاضر، عالم الصراعات والاضطهادات، فسيَحِلُّ محلَّه عالمٌ من السلام والبركات الإلهيّة. مثل هذا الكلام يحمل إلينا الرجاء والقوّة والشجاعة. 
وهكذا تكون 1 تس و 2 تس شهادة عن الكنيسة الأولى وعن رجائها. ليس فيهما توسيع لاهوتيّ ولكنّ هذا لا يعني أنّهما من الدرجة الثانية. فهـما توردان ببساطة إيمانَ المسيحيّين الأوّلين واختبار أوّل الذاهبين إلى الرسالة لدى الوثنيّين أعني حبَّ الله الذي يدعو، وسيادةَ المسيح الذي ننتظر رجوعه بشغف، وعملَ الروح الفيّاض في إعلان الكلمة وفي حياة الجماعات، ويقينَ القيامة، والثباتَ في الاضطهاد، والمحبّةَ الأخويّة والتضامن. وكيف لا يتحّرك فينا الإيمان أمام هذه المواضيع فنجد فيها نداء لنعيش اليوم الرجاء عينه الذي عاشه المسيحيّون الأوّلون؟

الفصل السادس 
الرسالتان إلى أهل كورنتوس

الرسالتان إلى أهل كورنتوس هما أطول مراسلة بين بولس وبين جماعة مسيحيّة محدّدة. يشكّلان معًا 29 فصلاً. وهما يعطياننا صورة عن الكنيسة الأولى فيساعداننا على التفكير في كنيستنا اليوم واستنباط الحلول التي تحتاج إليها.
سنتعرّف إلى جماعة تعيش هي أيضًا صعوباتِها وتساؤلاتِها وآمالَها. وسنقرأ حوارًا حيًّا بين كنيسة تحاول أن تعيش الإنجيل وبين رسول يفعل ما يقدر ويدلّ على عجزه مرارًا أمام واقع يتحدّاه. يلمّح بولس إلى ما وصله من أخبار حملها مسافر جاء من كورنتوس (1 كور 1: 11؛ 5: 1)، أو إلى مسائلَ وجّهها إليه الكورنثيّون في بريد سابق (1 كور 7: 1). ويخطّط لزيارة إلى كورنتوس ليذلّل الصعوباتِ (1 كور 16: 5-7)، ولكنّه يعدل عن مشروعه في الدقيقة الأخيرة لئلاّ ينفجرَ غضبٌ لم يُكبَح فيُحْدِثَ أضرارًا (2 كور 1: 23). وباختصار الكلام نحن أمام حياة تمتدّ أمام عيوننا فتتيح لنا أن نكتشف جماعة مسيحيّة، ونتعرّفَ إلى شخص بولس ذلك الذي ترك أكبر أثرٍ في المسيحيّة على مدّ عصورها.
ويَبرز في الرسالتين إلى كورنتوس وجه يسوع المسيح الذي أُغرم به بولس. إن غَضِب أو أظهر عواطف الحنان، فيسوع يحتلّ المقام الأوّل في قلبه. وفي هذا يشبهنا بولس: فهو مثلنا لم يعرف يسوع خلال حياته على الأرض، ولكنّه يريد دومًا أن يحيا حياة حميمة مع ذلك الذي قام من بين الأموات. وهكذا يصبح المسيح حاضرًا في كلّ سطر من هاتين الرسالتين فنشارك بولس في اللقاء الذي تمّ له على طريق دمشق وما زال يعيش منه كلّ حياته.
إذًا نتعرّف إلى كنيسة، إلى رسول، وإلى شخص يسوع المسيح. هذا ما نغتني به لدى قراءتنا 1 كور و 2 كور اللذين وقّعهما بولس بيده وأرسلهما إلى كنيسة معينة ومن خلالها إلى كنائس الله في كلّ زمان ومكان.

أ- مدينة كورنتوس
تقع كورنتوس جنوبيّ المضيق الذي يربط يونان البرّيّة بالبلوبونيز. نجد إلى الغرب خليج كورنتوس الذي يتّصل ببحر الأدرياتيك، وإلى الشرق بحر إيجيه. أمّا المدينة فتقوم على ملتقى طريقٍ برّيّة وطريقٍ بحريّة وهي مهيّأة لأن تلعب دورًا هامًّا في مجال الاتّصالات. أمّا اليوم فقد تغيّرت الحال بعد أن فُتح قنال يبعد بضعة كيلومترات إلى شمال مدينة صغيرة تعدّ عشرين ألف ساكن فلا تعطينا فكرة واضحة عمّا كان هذا المرفأ الكبير كما عرفه القدّيس بولس.
في القديم كانت الدورة حول البلوبونيز مغامرة خطرة بسبب شاطئها الصخريّ ورياحها التي لا تهدأ. لهذا كان الملاّحون يفضلون أن يعبروا المضيق (وعرضه يقارب 6 كيلومتر ونصف كيلومتر) على طريق معدّ لنقل السفن من بر إلى آخر. فكان الناس والبضائع ينزلون في كنخرية على بحر إيجيه ويبحرون من ليخيون على خليج كورنتوس. وهكذا يؤمّ مدينةَ كورنتوس جمع من الملاّحين والمسافرين طوال المدّة المطلوبة لتنتقل السفينة من البحر إلى الخليج. فيمتزجون بالتجّار والصنّاع المحلّيّين الذين يعيشون من نقل البضائع أو تحويل الموادّ الأوّليّة فيجعلون من هذه المدينة عالمًا واسعًا ومتحرّكًا. لقد عرفت كورنتوس نشاطَ أيّ مرفأ مزدهر وعرفت تسلياتِ كلّ مدينة كبيرة منذ السياحة إلى المجون، وهذا ما أعطى المدينة شهرة سيّئة عبر حوض البحر الأبيض المتوسّط.
لعبت كورنتوس دورًا اقتصاديًّا وتجاريًّا وزادت على هذا نشاطًا إداريًّا هامُّا. فحين أراد الرومان أن يحتلّوا اليونان، سارت كورنتوس على رأس المدن اليونانيّة وقاومت الجيوش الغريبة. ولكن حين انتصر الرومان هدموا المدينة من أساسها سنة 146 على يد لوسيوس موميوس. ولكنّ يوليوس قيصر سيعيد بناءها سنة 44 ق. م. ويجعلها قاعدة مقاطعة أخائية الرومانيّة (جنوبيّ اليونان الحاليّة) بينما كانت تسالونيك عاصمة مكدونية (في الشمال). وكان الموظّفون كثرًا تسندهم فرق عسكريّة هامّة أُوْكِلَ إليها المحافظةُ على النظام قدر المستطاع.
ما كان عدد سكّان كورنتوس؟ كيف نعدّ مدينة تعجّ بالعبيد العاملين في بيوت الأغنياء فيُحسبون كالحيوانات؟ ولكنّ المؤرخين يقولون إنّ سكّانَ كورنتوس كانوا حوالي 500000 نسمة وهذا ما يساوي نصف سكان رومة في ذلك الوقت: فكورنتوس من أهمّ مدن الإمبراطوريّة، وهي أعظم من أثينة التي خسرت دورها الرفيع وانعزلت في جامعاتها ومدارسها. نقول هذا الكلام لنُشيرَ إلى ضخامة العمل الذي سيقوم به ذلك اليهوديّ الصغير في مدينة عالميّة لا تملك من اليونانيّة إلاّ احمها وبعض لغتها.

ب- بولس في كورنتوس بحسب شهادة أعمال الرسل
سفر أعمال الرسل هو المصدر الرئيسيّ لمعلوماتنا عن تاريخ الكنيسة الرسوليّة، والقسم الثاني منه (ف 16 وما بعد) مخصّص لرحلات القدّيس بولس. كتبه القدّيسُ لوقا أحدُ تلامذة بولس فجعله بشكل دفاع عن معلّمه.
يقول سفر الأعمال إنّ بولس أقام مرّتين في كورنتوس. يشير لوقا إلى المرّة الثانية بالتلميح، فيقدّم إلينا الطريق الذي سار فيه الرسول: "وسار في تلك الأنحاء (أي مكدونية) يشجعّ بكلامه الكثير جماعةَ المؤمنين، ثمّ جاء إلى اليونان، فأقام فيها ثلاثة أشهر. وبينما هو يستعدّ للسفر في البحر إلى سورية، تآمر اليهود لقتله، فرأى أن يرجع بطريق مكدونية" (أع 20: 2-3). من الممكن أن يكون قضى هذه الثلاثة أشهر في كورنتوس. ولكنَّ الخبرَ المقتضب لا يورد لنا الظروف التي دفعت بولس لأن يقوم بهذه الزيارة الثانية إلى عاصمة أخائية، ولا يقول لنا ما الذي حصل له خلال إقامته فيها. بل يشدّد فقط على عداوة اليهود التي حدت ببولس على أن يعود بطريق البرّ عبر مكدونية ولا يعود إلى سورية بطريق البحر.
ولكنّ سفرَ الأعمال يطيل الحديث ويكثر من التفاصيل عن إقامة بولس في كورنتوس في المرّة الأولى (18: 1-18). جاء بولس من أثينة بعد أن مُنِيَ هناك بالفشل لأنّ المتعلّمين الأثينيّين هزئوا بخطبته وبما احتوت من براهينَ عقليّةٍ . ولم يقتنع بالتعليم الجديد إلاّ قلّةٌ قليلة (أع 17: 16-34). أمّا في كورنتوس فاستعمل أسلوبًا اعتاد عليه: توجّه أوّلاً إلى إخوته وبَنِي جنسه وارتبط بيهود يعملون في مهنة كمهنته (صناعة الخيام) هما أكيلا وبرسكلّة. أقام عندهما وعمل معهما فانخرط في الحياة الاجتماعيّة. وبدأ كرازته في إطار صلاة المجمع الذي جاء إليه سبتًا بعد سبت. وما انقضى بعض الوقت حتّى تعلّقت بعض العائلات بيسوع المسيح وقبلت المعموديّة.
ولكن أُثيرت العداوةُ داخل الجالية اليهوديّة ضدّ بولس: فأجبر الرسول على قطع العلاقات مع إخوته وبني جنسه وعزم على التوجّه إلى الوثنيّين. ودام عمل بولس في كورنتوس أكثر من 18 شهرًا بقليل. ولكن لم تهدأ القلاقل الآتية من الوسط اليهوديّ الرافض. فاتّهمه إخوته أمام القنصل المساعد غاليون أخ سينيكا الفيلسوف اللاتينيّ الذي كان مدير كورنتوس حوالي السنة 52 (وجدت كتابة في دلفس).
وإذا أردنا أن نجمع المعلوماتِ التي زوَّدنا بها سفر الأعمال عن علاقة بولس بكورنتوس نصل إلى اللائحة التالية. أوّلاً: هناك زيارتان قام بهما بولس إلى كورنتوس. الأولى امتدّت ثمانية عشر شهرًا فكانت أوّل كرازة للإنجيل في عاصمة أخائية. والثانية دامت ثلاثة أشهر فقط. ثانيًا نتعرّف إلى اسم رفيقَيْ بولسَ في رسالته: سيلا وتيموتاوس (أع 18: 5). ثالثًا: نتعرّف أيضًا إلى أسماء المسيحيّين الأوّلين: أكيلا وبرسكلّة امرأته، تيسيوس، يوستس الذي كان رومانيًّا متعبّدًا لإله إسرائيل، كرسبس رئيس المجمع (أع 18: 7- 8). رابعًا: نكتشف هُوِيَّةَ خصوم بولس: يهود دفعته عداوتهم لأن يتوجّه في حديثه إلى الوثنيّين.

ج- علاقات بولس وكورنتوس انطلاقًا من 1 كور و 2 كور
تتوزّع المعلومات التي تزوّدنا بها 1 كور و 2 كور على مدى النصّ كلّه وها نحن نذكرها حسب ورودها. ففي 1 كور 1: 11 نقرأ: جاء رسل من كورنتوس وأعلموا بولس بالخلافات التي في الكنيسة. وسيأتي بولس إلى كورنتوس قبل أن يرسل الرسالة الأولى (1 كور 2: 1). وبعث بولس تيموتاوس قبل أن يرسل 1 كور ولكنّه تأخّر فوصل بعد وصول الرسالة لأنّه مرّ في مكدونية (أع 19: 22) فطال طريقه (1 كور 17:4). وفي 1 كور 4: 19- 21 أعلن بولس أنّه سيزور كورنتوس قريبًا. ويقول في 1 كور 5: 9: "كتبت إليكم في رسالتي". هذا يعني أنّ 1 كور ليست أوّل رسالة يبعث بها بولس إلى الكورنثيّين. ونقرأ في 1 كور 7: 1: "ما كتبتم به إليّ". وهكذا تكون 1 كور جوابًا على رسالة بعث بها الكورنثيّون إلى بولس. ونعرف من 1 كور 16: 5-8 أنّ 1 كور كتبت في أفسس حيث سيقيم بولس حتّى العنصرة. بعد هذا يستعدّ للذهاب إلى مكدونية ومنها إلى كورنتوس حيث سيقضي فصل الشتاء القادم. ونعرف من 1 كور 16: 10- 11 أنّ تيموتاوس سيصل عمّا قريب إلى كورنتوس. وينتظر بولس أن لا يتأخّر كثيرًا ويعود سريعًا إلى أفسس. وتمنّى بولس أن يرسل أبلّوس أيضًا إلى كورنتوس، ولكنّ أبلّوسَ "رفض بإصرار أن يجيئكم في الوقت الحاضر" (1 كور 12:16).
وعاد تيموتاوس إلى بولس (2 كور 1: 1) ويبدو أنّهما تركا أفسس (2 كور 1: 8). وخطّط بولس طريقه: ينطلق من أفسس إلى كورنتوس ومكدونية، ويعود إلى كورنتوس ليذهب منها إلى اليهوديّة (2 كور 1: 15-16). ولكنّ هذا المخطّط يختلف عن ذاك الوارد في 1 كور 16: 5-8. وعدل بولس عن الذهاب إلى كورنتوس (2 كور 2: 1-9) فاكتفى بأن يرسل رسالة "وعيناه تسيل منهما الدموع". وترك بولس أفسس (2 كور 2: 12-13) ومرّ في ترواس ولكنّه قلق جدًّا لأنّه لم يجد تيطس، ثمّ سافر إلى مكدونية. ولمّا وصل بولس إلى مكدونية وجد تيطس، وسرّ بالأخبار التي حملها إليه. يبدو أنّ تيطس كُلِّفَ بحمل الرسالة المكتوبة بالدموع، ولمّا عاد أخبر بولس بالنتيجة التي وصل إليها (2 كور 7: 5-16). فعقد بولس العزم على الذهاب مرّة ثالثة إلى كورنتوس (2 كور 12: 14)، وأكّد هذه الزيارة الثالثة وسمّاها الزيارة الثانية (2 كور 13: 1-2).
ماذا نستنتج من هذه المعلومات؟ أنّ بولس كتب أكثر من رسالتين إلى أهل كورنتوس وأنّ أهل كورنتوس كتبوا إليه. 1 كور هي في الواقع الرسالة الثانية، أمّا 2 كور فتشير إلى رسالة سابقة كتبت في الدموع وليست 1 كور تلك الرسالة الهادئة. إذًا، كتب بولس أقلّه أربع رسائل. الرسالة الأولى كتبها بولس وحذّر المؤمنين من مخالطة الزناة (1 كور 9:5). الرسالة الثانية هي 1 كور وكان بولس قد تسلّم في أثناء ذلك رسالة من الكورنثيّين. الرسالة الثالثة هي التي كتبت في الدموع. والرسالة الرابعة هي 2 كور. 
ولكن تبرز صعوبات أخرى. الأولى: هل يمكن أن نعتبر أنّ 2 كور أرسلت مرّة واحدة، أم كوَّنت رسائل متعدّدة جعلت الواحدة قرب الأخرى، وهذا ما يفسّر الأسلوب المتقطّع. ونعطي بعض الأمثلة. في 13:6-14 يحذّر بولس من عدوى غير المؤمنين فيبدو أسلوبه مختلفًا عن أسلوب الآيات السابقة المميّز بالصراحة والانفتاح. ويعود بولس في 7: 1-2 إلى الأسلوب الهادىء. ويتطرّق في 9: 1-2 إلى موضوع اللمّة (التبرّع) وكأنّه لم يتحدّث عنها في ف 8. وبعد 10: 1 نقرأ أربعة فصول يدافع فيها بولس عن نفسه بأسلوب انفعاليّ لا يطابق نظرته إلى الرسالة كما تتوسعّ فيها الفصول السبعة السابقة. فقال الشرّاح: قد تكون 6: 14-7: 1 جزءاً من الرسالة الأولى. وتكون الفصول 10-13 الرسالة التي كُتبت في الدموع. ولكنّنا نبقى هنا على مستوى الافتراضات.
الصعوبة الثانية: حين كتب بولس 2 كور 10: 13 تحدّث عن زيارة إلى كورنتوس ستكون الثالثة ولكنّ سفر الأعمال يتحدّث عن زيارتين. فإذا قلنا إنّ الزيارة الثالثة هي التي قام بها إلى اليونان خلال رحلته الرسوليّة الثالثة (أع 20: 2-3) فأين نضع الزيارة الثانية؟ وهنا افترض الشرّاح سفرة خاطفة من أفسس إلى كورنتوس ومن كورنتوس إلى أفسس لم يذكرها سفر الأعمال، ولا سيّمَا وإنّ الاتّصالات كانت سهلة بين المدينتين. والعبارة "لن أعود إليكم في الحزن" (2 كور 2: 1) تُقرأ: ذهبت إليكم في الحزن ولن أعيد ذلك.
وباختصار القول إليك جدْوَلاً بالعلاقات بين بولس وكورنتوس.
شتاء50- صيف 52: أقام بولس مرّة أولى في كورنتوس وطالت إقامته 18 شهرًا أسسّ فيها الكنيسة.
صيف 52- ترك بولس كورنتوس ليذهب إلى أورشليم ثمّ إلى أنطاكية. وهكذا انتهت الرحلة الرسوليّة الثانية.
سنة 53- بدأت الرحلة الرسوليّة الثالثة، فعبر بولس بلاد غلاطية وفريجية. ووصل سنة 54 إلى أفسس حيث أقام سنتين وثلاثة أشهر (أع 8:19، 10).
حين كان بولس في أفسس جاء من نبّهه إلى الصعوبات التي تعيشها جماعة كورنتوس فكتب إليها الرسالة الأولى: "لا تخالطوا الزناة".
وعرف بولس من أهل خلوة (1 كور 1: 11) أنّ الصعوباتِ ظلت هي هي. وتسلّم في الوقت ذاته رسالة يسأله فيها كاتبها نصائحَ أخلاقيّةً (1 كور 7: 1). فكتب بولس الرسالة الثانية (وهي 1 كور) خلال السنة 55.
وتفاقمت الصعوبات فقام بولس بزيارة خاطفة إلى كورنتوس عاد بعدها إلى أفسس (زيارته الثانية: 2 كور 2:13). فعمل ولم يشفق. نجح في إعادة المياه إلى مجاريها. ولكنّه سيقرّ فيما بعد أنّه لا يريد أن يقوم بمثل هذه الرحلة السريعة (2 كور 1:2).
حين عاد بولس إلى أفسس كتب الرسالة الثالثة ي الدموع وحمّلها إلى تيطس أحد مشاركيه في الرسالة (2 كور 2: 1-9، 7: 8-12). وقرّر أن يترك أفسس فأوْكلَ إلى تيطسَ أن يلاقيَه في محطّة قريبة ويقدّمَ له تقريرًا عن رسالته.
سنة 57 ترك بولس أفسس ومرّ في ترواس وحزن لأنه لم يجد أخاه تيطس (2 كور 12:2-13).
مضت بضعة أسابيع قبل أن يلتقيَ تيطسُ ببولسَ في مكدونية حاملاً إليه الأخبار السارّة (2 كور 7: 6- 16).
وهدأت الحالة في كورنتوس. فكتب بولس من مكدونية في نهاية سنة 57 الرسالة الرابعة (وهي 2 كور من دون الفصول الأخيرة).
سنة 57- 58 أقام بولس ثلاثة أشهر في كورنتوس (زيارته الثالثة) ومنها كتب الرسالة إلى أهل روما.

د- تصميم 1 كور ونظرة عامّة إلى مضمونها
نستطيع أن نجد في 1 كور ثلاثة أقسام. في القسم الأوّل (1: 10-6: 20) رتّب الأمور حسب ما سمعه من أهل خلوة. في القسم الثاني (7: 1-11: 34) أجاب على أسئلة الكورنثيّين. في القسم الثالث (12: 1-58:15) تدّم تعليمًا عن اجتماعات الجماعة وعن قيامة الموتى مجيبًا على تقرير شفهيّ قدّمه إليه حاملُ الرسالة من أهل كورنتوس إلى رسولهم.
لن ندرس النصّ آية آية، بل نقدمُّ نِظرةً إجماليّة تتطرّق إلى مشاكل الرسالة الكبرى وتجمع الغنى الذي تحمله إلينا. نحن أمام تعليم ثمين ينطلق فيه بولس من أوضاع ملموسة ومشاكلَ عمليّةٍ ليلقيَ به الضوء على الفكر المسيحيّ والحياة المسيحيّة.
توقّف بولس في 1 تس و 2 تس على فكرة مجيء المسيح وقيامة الموتى كنتيجة مباشرة لقيامة المسيح. وتطرّق في الرسائل الكبرى (غل، 1 كور، 2 كور، روم) إلى وضع المسيحيّ الحاليّ ولكنّه لم ينس البعد الإسكاتولوجيّ. يبرز بولس ديانة التبرير المجّانيّ في غل وروم ويبيّن لليونانيّين أنّ المسيحيّةَ حكمةٌ آتية منِ الله (تعليم 1 كور، 2 كور). وستتوسّع رسائل الأسر (فل، كو، أف) في سرّ شخص المسيح.
اتّصل بولس بالفلسفة اليونانيّة (رج أع 17: 22- 31) وأمل منها أن تحالفه ليحتلّ العالم الوثنيّ ويقدّمَه إلى المسيح. ولكنّ الرسول سيعرف أنّ هذه الحكمةَ فشلت وحلّت محلّها حكمة الصليب.
إلاّ أنّ الرسولَ سيحاول أن يكون يونانيًّا مع اليونانيّين فيأخذ الكثير من المحيط الذي يبشّرُه ويحوّل الكلماتِ والعبارات المأخوذة من العالم الهلّينيّ فيعطيها مضامين عميقة. أمّا أساس تعليمه فهو اختبار طريق دمشق، وتعليم المسيح والجماعة المسيحيّة الأولى كما عرف من خلال التقليد والكرازة الشفهيّة، والعهد القديم وشروح المعلّمين اليهود له.

1- القسم الأوّل: ترتيب الأمور (1: 10-6: 20)
هناك تحزّبات في الجماعة وشكوك تبدو عارًا على كنيسة كورنتوس.

أوّلاً: التحزّبات والحكمة المسيحيّة
إنّ التحزّباتِ الموجودةَ بين الكورنثيّين تعارضا وحدة المسيح الذي مات من أجلهم والاسم الذي به تعمّدوا (1: 11-16). وسببها أنّ الكورنثيّين اغتنوا بالمواهب فتكبّروا وجعلوا المسيحيّة حكمة بشريّة تشبه التفكّرات الفلسفيّة التي يختار فيها الإنسان نظرته الخاصّة. ولكنّ الحكمة الإلهيّة التي أرادت أن تخلّص العالم بوسيلة جنونيّة في الظاهر، هي وسيلة صليب المسيح، تخزي حكمة هذا العالم (1: 17-25). وهذه الحكمة تحقّقت في كورنتوس حيث دعا الله الجهلاء والضعفاء (26:1- 31) وحيث رفض بولس أن يلجأ إلى سحر الكلام والحكمة البشريّة فما أراد أن يعرف إلاّ المسيح المصلوب (2: 1-4).
هذا لا يعني أنّ لا وجود لحكمة مسيحيّة أي لتعليم متماسك يقدّم تفسيرًا دينيًّا لتاريخ البشريّة ومخطّط الله. ولكنّها حكمة سرّيّة لا يدركها العقل البشريّ إن لم يستنر بنور الله. وهو الروح القدس يكشف هذه الحكمة "للكاملين" ويسهّل لهم الطريق لأن يتكلّموا عنها بالكلمات التي تليق (62-16). ويبدو هذا السرّ الذي سيعرضه في أف في ثلاث مراحل: حكمة الله السرّيّة التي تتضمّن كلّ الخيرات الخلاصيّة والعلويّة موجودة منذ الأزل ومخفيّة في الله، (2: 7-9)، وقد كشف هذا السرّ الروح القدس (2: 10-12) وكرز به وكلاء على غنى الله.
ما استطاع بولس أن ينقل هذه الحكمة إلى الكورنثيّين. ما استطاع أن يُعْطِيَهم إلاّ الحليب أي تعليمًا أوّليًّا لأنّهم ما زالوا جسديّين كما تشهد بذلك انقساماتُهم بالنسبة إلى الواعظين. وعارض بولس هذه الخلافاتِ بنظرةٍ صحيحة إلى الوظيفة الرسوليّة: وعّاظ الانجيل هم مشاركون للّه وسيدانون على وظيفتهم. ليسوا أسياد المسيحيّين الذين يفتخرون بهم بل خادمين لهم. فالمسيحيّون يخصّون المسيح ويشاركونه في ملكه الشامل. وقد أراد الربّ أن يكون الوعّاظ متّضعين ومجرّدين عن كلّ شيء. لئلاّ يفتخرَ بهم أحد بل يفتخر بالإنجيل الذي يحملونه (3: 1-4: 21).
هل نستطيع أن نتعرّف إلى هذه الأحزاب التي تؤلّف جماعة كورنتوس (1: 12)؟ هناك أربعة أحزاب. محازبو أبلّوس ذلك الخطيب اللامع، وكانوا يهتمّون بالفلسفة اليونانيّة. محازبو كيفا (أو بطرس) هم مسيحيّون جاؤوا من فلسطين ورفضوا أن يعتبروا بولس رسولاً. محازبو المسيح الذين يرفضون كلّ سلطة خارجيّة ويعتبرون أنْ لا رئيس لهم إلاّ المسيح ولا معلّم لهم إلاّ المسيح (7:10). والحزب الرابع هو حزب بولس نفسه. 
من أين جاء بولس بأفكاره عن الحكمة؟ من اختبار دمشق. التقى الربّ المجيد بعد أن عرت أنّه صُلب فعرف أنّ عذاب الجلجلة كان خلاص العالم. وهناك تعليم المسيح والجماعة المسيحيّة الأولى. قال يسوع: "أحْمَدُك يا أبي، يا ربّ السماء والأرض، لأنّك أظهرت للبسطاء ما أخفيته عن الحكماء" (مت 25:11؛ لو 10: 21-22): إعلان حكمة خفيّة (1: 19- 20؛ 7:2)، تعليمُ يعطَى للصغار (22:1-28؛ 8:2- 10؛ 3: 1)، مشيئة الآب (1: 21؛ مت 11 : 26)، لا يعرف أحد الآب إلاّ الابن (6:2؛ 11: 16؛ مت 11: 27). ولقد حكم العهد القديم أيضًا على حكمة البشرَ وإن بطريقة سلبيّة، تاركًا الطريقة الإيجابيّة للمسيحيّة. وإليك النصوص التي رجع إليها الرسول: 1: 19 (أش 29: 14؛ مز 33: 10)؛ 1: 20 (أش 19: 11-12؛ 18:33؛ 44: 25)؛ 1: 31 (إر9: 22-23)؛ 2: 16 (أش11: 13)؛ 3: 19 ( أي 5: 12-13)؛ (مز 94: 11).

ثانيًا: الشكوك والمثال المسيحيّ (ف 5-6)
الشكوك التي تشوِّه جماعة كورنتوس هي مناسبةٌ ليشدّدَ بولس على المتطلّبات الأخلاقيّة للمثال المسيحيّ، وهي تدفع الرسول لأن يقدّمَ ثلاثة توسّعات. يُخَصَّصُ التوسّعان الأوّل والثالث للنجاسة والثاني للدعاوى: ويتلفّظ بولس متّحدًا بالجماعة بالحرم ضدّ الرجل الذي يعيش مع امرأة أبيه (ف 5) من أجل إصلاح الخاطىء وخلاصه. والجماعة مدعوّة أيضًا لأنّ تتخلّص من الخمير العتيق، خمير الخطيئة، لأنّ المعمّدين فطير وعجين بلا خمير. ويذكّر بولس المسيحيّين أنّهم سيدينون العالمَ والملائكةَ وأنّهم بالتالي يستطيعون أن يحكوا في دعاوى تقام بينهم، فكيف يلجأ بعض الإخوة إلى محاكمَ وثنيّةٍ لفضّ خلافاتِهم (6: 1- 11)؛ يجب أن لا يكون الأمرُ هكذا. لقد غُسلوا وتبرّروا وتقدّسوا وانسلخوا عن عالم الخطيئة. ردّد المؤمنين عبارة يقولها الرواقيّون: كلّ شيء يَحِلُّ لي، فأعلن بولسُ أنّ الجسد الذي صار عضو المسيح في المعموديّة يخصّ المسيح وهو هيكل الروح القدس. وبالتالي، فهو مخلوق للقيامة لا للزنى والفجور.
إعلانات عديدة في هذين الفصلين تذكّرنا بالتقليد الإنجيليّ: 5: 4؛ رج مت 18: 20 (يسوع حاضر وسط المجتمعين باسمه)؛ 6: 2؛ رج مت 19: 28؛ لو 22: 30 (وعدَ يسوع بأن يدين الرسلُ أسباطَ إسرائيل الاثني عشر). لائحة الرذائل التي ترذل الإنسان من ملكوت الله (9:6- 10) قريبة مما نقرأ في مر 7: 21-22.
قال بولس: القدّيسون (أي المسيحيّون) يدينون العالم وهذا قريب من دا 7: 22 (الحكم معطى لقدّيسي العليّ) وحك 8:3، فهي تعني مشاركة المسيحيّين في مُلْكِ مخلّصهم الشامل وفي سيادته على الكون المخلوق ولاسيّمَا الملائكة.
إنّ شعب الله في العهد الجديد هو امتداد لشعب العهد القديم ولجماعة البرّيّة الملتئمة حول موسى. فيجب أن تكون جماعة كورنتوس مقدّسة. وعبارة 5: 13 (أزيلوا الفاسد من بينكم) تعود إلى تث 7:17. أمّا الحرم فهو عادةٌ عمِل بها أهل المجمع ضدّ المؤمنين عقابًا لهم. ثم إنّ العبارة "يصير كلاهما جسد واحدًا" ترجع إلى تك 2: 24.
طلب بولس من المؤمن أن لا يقاومَ الشرّ (7:6) فاستعاد وصيّةً من عظة الجبل (مت 5: 39 ي؛ 1 بط 23:2) وتَذَكَّرَ فكرةً لا يجهلها العالم اليونانيّ بأنْ من الأفضل أن نحتمل الشرّ من أن نرتكبه.

2- القسم الثاني: إجابات على أسئلة الكورنثيّين (ف 7- 11)
هناك سؤال عن الزواج والبتوليّة (ف 7)، وسؤال عن اللحوم المذبوحة للأصنام (8: 1-1:11).

أوّلاً: الزواج والبتوليّة (ف 7)
يتطرّق الرسول أوّلاً إلى مسألة الزواج والبتوليّة (7: 1-16، ثمّ ينتقل إلى اعتبارات عامّة (7: 17-24)، ويعود أخيرًا إلى الموضوع الأوّل يعالجه بطريقة جديدة. 
تساءل بعض المسيحيّين: أمَا يجب أن تكون المحافظة على العفّة قاعدة عامّة. أجاب بولس: البتوليّة حالة كريمة وهي أفضل من الزواج، ولكنّها عطيّة نادرة. ما كتب الرسول مقالاً في الزواج، ولكنّه تطرّق إلى وضع خاصّ (كيف نحيا حياة مسيحيّة وسط مجتمع فاسد؟) فنصح بالزواج كوقاية ضدّ الزنى ولم يتوقّف عند أهدافه السامية. في حالة الزواج يُفرض على الزوجين القيام بالواجبات الزوجيّة، لأنّ كلَّ: احد يخصّ الآخر. وإنْ تَوَقَّفَتْ ممارسةُ هذا الحقّ فَلِوَقْتٍ محدّد وباتّفاق تامّ من أجل التفرّغ للصلاة. أمّا الطلاق فيحرّمه المسيح نفسه. غير أنّ بولس يسمح به بسلطته الخاصّة إذا رفض الزوجُ الوثنيّ أن يعيشَ بسلام مع الزوج المسيحي. هذا ما نسمّيه الإنعامَ البولسيّ.
وينتقل الرسول من هنا إلى قاعدة عامّة: المسيحيّة تستطيع أن تتكيّفَ مع كلّ حالات الحياة وتقدّسَها، فلا يجب على المسيحيّ أن يتهرّب من الوضع الخارجيّ (ختان أو لا ختان، عبوديّة أو حرّيّة) الذي وُجد فيه حين دُعي إلى الإيمان. فلا قيمة أخلاقيّة للختان أو للاَّختان. فالمهمّ هو حفظ الوصايا. ثمّ إنّ الإنسان يرتدّ إلى المسيح فيصبح عبد المسيح، والعبد الذي يرتدّ إلى الربّ يحرّره الربّ.
وبعد هذا يعود الرسول إلى مسألة الزواج والبتوليّة ليتطرّقَ إليها من وجهة فرديّة. هنا أيضًا لم يحصل على أمر من الربّ لهذا فهو يعطي نصيحة شخصيّة. ليس الزواج بخطيئة. ولكن لأنّنا وصلنا إلى الساعة الأخيرة، ولأنّ الوقت الذي يفصلنا عن النهاية قصير، فالأفضل أن نحافظ على العفّة المطلقة لأنّها تساعدنا على أن لا ننقسم، بل نكون بكلّيّتنا لما هو للربّ. وزاد الرسول على هذه المبادىء الحلّ لقضيّتين. الأولى: قضيّة الأب الذي يتردّد في أن يزوّج ابنته (آ 36- 38)، الثانية: قضيّة المرأة التي مات زوجها (آ 39- 40). 
العفّة هي عطيّة من الله (7:7)، وتلك فكرة نجدها في التقليد الإنجيليّ (مت 19: 11). ويميّز بولس الزواج بين المسيحيّين حيث يمنع الطلاق وزواج المطلّقين (7: 10- 11)، والزواج بين المسيحيّ وغير المسيحيّ الذي ينظّمه بسلطته الخاصّة (12:7-16).

ثانيًا: أكل اللحوم المذبوحة للأصنام (8: 1- 11: 1)
كان قسم من اللحوم المذبوحة للآلهة الوثنيّة يباع في السوق. وكان اليهود يعتبرون هذا الطعام نجسًا. فماذا يجب على المسيحيّين أن يفعلوا؟ إنّ مجمع أورشليم منع استعمال لحوم الأصنام (أع 28:15-29)، ولكنّ بولس لم يفرض هذه الفريضة على المرتدّين في كورنتوس، لأنّه لو فعل لَعَزَلَ هؤلاء المسيحيّين عن محيطهم. ولكنّ هناك من يتردّد. فاهتمّ بولس بتربية ضمائر المسيحيّين. إنطلق من مسألة تعدّاها الزمن، ولكنّه استفاد من الظرف ليعطيَ تعليمًا مهمًّا.
يبدأ الرسول فيعطي المبادىء التي تسود لحوم الأصنام (ف 8) ثمّ يعطي مثلين: مثل بولس نفسه (ف 9) ومثل العبرانيّين في البرّيّة (10: 1-22) وأخيرًا يعود إلى لحوم الأصنام ليعطيَ الحلّ العمليّ (23:10- 11: 1).
وإليك المبادىء: يعرف المسيحيون أنّ الأصنام ليست شيئًا، ولكنّ هذه المعرفة ليست في الجميع. فإن أكلنا من لحوم الأصنام شكّكنا إخوتنا أصحابَ الضمائر الضعيفة. لهذا تفرض علينا المحبّة أن نمتنعَ عنها وإلاّ أخطأنا ضدّ المسيح (7:8). فالمسيحيّ يعرف أن يتخلّى عن حرّيّته وعن حقوقه. هذا ما فعله بولس نفسه فما طالب يومًا بحقوقه ليعيشَ من الإنجيل بل اعتبر أنّه فخرٌ له أنْ يعلنه مجّانًا. وهو من أجل قضيّة الإنجيل يجعل نفسه كُلاًّ للكلّ ويحرم نفسه من كلّ شيء على مثال الراكضين في الحلبة. 
وفي البرّّية سقط آباؤنا بالشهوة والشرك بعد أن تعمَّدوا في الغمام والبحر (الغمام قاد العبرانيّين وعبور البحر الأحمر رمز إلى المعموديّة المسيحيّة). واقتاتوا من طعام وشربوا شرابًا روحيًّا (المنّ ومياه الصخر هي رمز إلى الإفخارستيّا). والخطر ذاته يكمن للمسيحيّين: أن يشاركوا في مائدة الشياطين بعد أن يشاركوا في مائدة الربّ.
وبعد هذا العرض التعليميّ الغنيّ، يعود بولس بالتفصيل إلى الاستنتاجات العمليّة: يستطيع المؤمن أن يأكل من كلّ ما يباع في السوق وما يقدّم له على المائدة دون أن يسأل، ولكن إن قيل له إنّ هذه لحوم أصنام عليه أن يمتنع لئلاّ يشكّكَ الآخرين. وهنا يتمّ التناسق بين المعرفة والمحبّة في حرّيّة المسيحيّ الحقيقيّة.
أبرز بولسُ خطرَ الشكوك وقال: من أخطأ ضدّ القريب أخطأ ضدّ المسيح. وهكذا تذكّر التقليد الإنجيليّ كما نقرأه خاصّة في مت 17: 1-2 (مر 9: 42، لو 17: 1-2)؛ 25: 45. والعبارة في 9: 14 (أمر الربّ أنّ الذين يبشّرون بالإنجيل يعيشون من الإنجيل) تعود إلى قول يسوع (مت 10: 40؛ لو 7:10). وأعلن بولس أنّه رغم حرّيّته صار عبدًا للجميع ليربحَ أكبر عدد ممكن (9: 19)، فَتَذَكَّرَ أقوالَ يسوعَ الذي ما جاءَ ليُخدمَ بل ليَخدمَ ويقدّمَ حياتَه فديةً عن كثيرين (مت 20: 28؛ مر 10: 45). 
وعاد بولس إلى العهد القديم حين تحدّث عن عبور البحر الأحمر وأحداث البرّيّة. ولكنّ أسفار موسى لا تكفي لتفسّر أقوال بولس. فعبور العبرانيّين وسط الغمام لا يعرفه سفر الخروج الذي يشير إلى غمامة تسبق العبرانيّين أو تتبعهم. وكيف نفسّر عبور العبرانيّين في البحر والنصّ يقول إنّهم ساروا على اليابسة؟ وكيف نفسّر أيضًا ذكرَ الصخر الذي يرافقهم والذي هو المسيح؟ إنّ بولس يتصوّر أحداث البرّيّة كما كان يتصوّرها اليهود في عصره على ضوء بعض المزامير (78؛ 105) وسفر الحكمة (ف 16؛ 19) وفيلون الذي ماثل بين الصخر وحكمة الله، وتقليد الرابانيّين الذي يتحدّث عن الصخر المرافق. وبما أنّه يستعمل أحداث البرّية لتعليم المسيحيّين فهو يعيد تفسيرها على ضوء الواقع المسيحيّ الذي يعطيها عمقًا جديدًا. فهو حين يتكلّم عن العماد في موسى يفكر في العماد بالمسيح.

3- القسم الثالث: تعليمات عن حياة الجماعة وقيامة الموتى (11: 2- 15: 58) 
يتطرّق هذا القسم إلى حجاب النساء (2:11-16) والاحتفال بعشاء الربّ (11: 17-34) والمواهب (ف 12- 14) وقيامة الموتى (ف 15).

أوّلاً حجاب النساء (11: 2-16)
هذا التوسعّ موجّه ضدّ أمر لا يتوقف عند لباس النساء. ثبَّتت غل 28:3 المساواة بين الرجل والمرأة في العالم المسيحيّ. هذه المساواة تشير إليها 11: 11. إنّ بولس يهاجم الفوضى ويحاول أن يضع حدًّا للتجاوزات فيشدّد على تنوّع الوظائف في النظام المسيحيّ أيضًا وعلى خضوع المرأة للرجل. وإلى هذا الخضوع يرمز الحجاب الذي تلبسه النساء في الاجتماعات. يعود الرسول إلى براهين كتابيّة ولاهوتيّة (خَلْقُ المرأة من الرجل، حضور الملائكة في الجماعات المسيحيّة) وأخلاقيّة (اللياقة والحشمة). وإذ أراد أن ينهيَ الجدال جاء بتقليد كنائس الله.

ثانيًا: الاحتفال بعشاء الربّ (17:11-34)
إنّ الطقس الإفخارستيّ يعيد عشاء يسوع الأخير ويَتمّ وسط عشاء المحبّة. كان عشاء المحبة يسبق الاحتفال بالإفخارستيّا. عشاء الربّ هو أعمق تعبير عن اتّحاد المسيحيّين (أع 2: 44-47؛ 2: 7) ولكن رافقته الانقسامات في كورنتوس. كلّ فريق يأكل وحده. الأغنياء يتشارهون والفقراء يجوعون. أراد بولس أن يداويَ هذا المرض فرجع كعادته إلى المبادىء السامية وذكر ظروف تأسيس الإفخارستيّا وهدفها وخطورتها: فن يشارك فيها وهو غير أهل لها يجلب على نفسه عقاب الله. أجل، سنجد في هذا النصّ أقدم وثيقة عن تأسيس سرّ الإفخارستيّا على يد يسوع.

ثالثًا: المواهب (ف 12- 14)
نجد أوّلاً في هذا التوسّع الطويل إعلانَ المبدأ المتعلّقِ باستعمال المواهب (ف 12)، ثمّ نشيدَ المحبّة (12: 31-13:13) التي تسمو على كلّ المواهب. ونعود أخيرًا إلى موضوع المواهب من أجل الممارسة العمليّة (ف 14).
ينظّم بولس استعمال المواهب حسب المبادىء التالية: تأتي المواهب الحقيقية من الروح القدس وهي تختلف عمّا عند الوثنيّين من إثارات انخطافيّة تجعلهم يضيعون. هذه المواهب لا تدفعنا إلى التجديف وينبوعها الواحد الأقانيم الإلهيّة الثلاثة. وهذا التنوّع فيها يعود إلى أنّها أعطيت لفائدة جسد المسيح. أعضاء جسد الإنسان متنوّعة وكذلك أعضاء جسد المسيح، فلها وظائف متنوّعة ومرتّبة بحسب تسلسل. وإذا أردنا أن نبحث عن الموهبة العظمى فما لنا إلاّ المحبّة. ويقدّم بولس ثلاث قولات جوهريّة تؤلّف نشيد المحبّة. القولة الأولى (13: 1-3): أعمال البطولة الفائقة ليست بشيء من دون المحبّة. القولة الثانية (13: 4-7): المحبّة أمّ الفضائل وملكتها وهي أوضع الفضائل وأكثرها عمليّة لأنّها تظهر دومًا في بساطة الحياة اليوميّة. القولة الثالثة (8:13-13): المحبّة تفوق النبوءات وموهبة الألسن والمعرفة وفضيلتَيِ الإيمان والرجاء. إذًا لنطلب فضيلة المحبّة ونفضّل النبوءة على التكلّم بالألسنة الذي لا ينفع الكنيسة. فالتكلّم بالألسنة يحتاج إلى من يفسّر، وإن مارسناه حَسِبَنا الناسُ مجانين. أمّا النبوءة (أو الكرازة) فهي تبني وتعلِّم المؤمنين وغيرَ المؤمنين. وبعد أن يعطيَ بولسُ حكمًا يمليه عليه العقلُ السليم، يقدِّم بعض القواعد العمليّة الواجب اتّباعها في الجماعة.
يورد بولس في 13: 13 الفضائل الإلهيّة الثلاث، الإيمان والرجاء والمحبّة كما فعل في 1 تس 1: 3؛ 8:5؛ غل 5: 5-6؛ روم 9:12، 12؛ أف 1 :15-18؛ 4: 2- 5. هذا يعني أنّ هذا المثلّث يَعرفُه قرّاؤه. ويتوقّف بولس عند تعليم جسد المسيح المذكور أيضًا في غل 28:3 وروم 12: 4- 5، ننطلق هنا من عاملين. الأوّل: اتّحاد سرّيّ بين المسيحيّين والمسيح، وهذه الحقيقة وصلت إلى بولس في وحي طريق دمشق فاختبرها بشكل فريد. الثاني: مقابلة المجموعة بجسم حيّ.

رابعًا: قيامة الموتى (ف 15)
يرتكز واقع قيامة الموتى على قيامة المسيح التي تشهد لها ظهورات المسيح القائم بما فيها ظهور دمشق والتي تشكّل الموضوعَ الأساسيّ للكرازة الرسوليّة والإيمان المسيحيّ (آ 1- 11). الرباط متين بين قيامة يسوع وقيامتنا. فإن رذلنا الثانية أنكرنا الأولى وأزلنا الإيمان والرجاء المسيحيّ. فقيامة المسيح هي ينبوع قيامة الموتى. كما أنّ خطيئة آدم وموته أدخلا الموت على الأرض في البشر، فانتصار المسيح على الخطيئة سيتمّ بانتصاره على الموت في اليوم الأخير (آ 12-28). ثمّ يقدّم بولس برهانين: ما معنى العماد عن الموتى إن لم تكن قيامة للأموات؟ لماذا يعرِّض بولس نفسه للمخاطر إن لم تكن قيامة للأموات (آ 29-34)؟.
ولكن كيف يقوم الموتى؟ هذا ما تفسّره آ 35-38. إنّ القيامة تحوّل أجسادنا تحوّلاً عميقًا. فلا يكن لنا ارتياب في ذلك. فهناك أنواع عديدة من الأجساد، والله يقدر أن يخلق أنواعًا عديدة من الأجساد الروحانيّة. سيكون المسيح، آدم السماويّ نموذج القائمين. وإذا وفّر الموتُ الأحياءَ عند مجيء المسيح، إلاّ أنّ كلّ البشر سيتحوّلون في لحظة وحينئذ يتمّ النصر على الموت.
وتنتهي الرسالة (ف 16) بتوصية من أجل اللمّة لقدّيسي أورشليم، بإعلان مشروع زيارة إلى كورنتوس يقوم به بولس وتيموتاوس، وبالتوصية ببعض الأشخاص.
هـ- نصّ 2 كور وفنّها الأدبيّ
اكتُشف كودكس كامل حوالي السنة 200 وهو يتضمّن قسمًا كبيرًا من 2 كور رقمه 46. وهناك برديّات أخرى تعود إلى القرن الخامس أو السادس وهي تتضمّن أجزاءً كبيرة أو صغيرة. أمّا إذا عدنا إلى المخطوطات القديمة ذات الحروف الكبيرة، فالسينائيّ (القرن الرابع) والفاتيكانيّ (القرن الرابع) يحويان 2 كور كاملة. أمّا النصّ الإسكندراني (القرن الخامس) فيغفل 4: 13- 12: 6 والكودكس الأفراميّ (القرن الخامس) يتوقّف عند 8:10. وهناك 18 مخطوطة بين القرن السادس والقرن الثاني عشر وهي تتضمّن نصّ 2 كور كاملاً أو ناقصاً. وأهمّها كلارومونتانوس (القرن السادس) الموجودة في المكتبة الوطنيّة في باريس، وبورنيريانوس (القرن التاسع) المكتوبة في اللغة اللاتينيّة واليونانيّة والموجودة في ألمانيا.
نشير إلى أن قانون موراتوري الذي يعود إلى نهاية القرن الثاني يورد أوّل ما يورد 1 كور و 2 كور. أمّا مرقيون (حوالي السنة 150) فيذكر 2 كور في قانونه وهذا ما يفعله إيريناوس وإكلمنضوس الإسكندرانيّ وترتليانس وكلّ الترجمات القديمة.
ونتساءل: هل 2 كور رسالة واحدة أم مجموعة رسائل؟
انطلق النقاد من انقطاع في النصّ وتبديل في اللهجة. ففي 2: 11 ينهي بولس كلامه عن المغفرة للمذنب، وينتقل حالاً في 2: 12 إلى مجيئه إلى ترواس. وهناك انقطاع بين 6: 13، و 6: 14 وكذلك بين 7: 16؛ 8: 1؛ 8: 24 و9: 1، وتقدّمت الافتراضات المتعدّدة.
قالت فئة أولى: 2 كور هي رسالة واحدة، والانتقال من فكرة إلى أخرى نفسّره بطبع بولس السريع الانفعال، بتوقّف عن الإملاء. أملى بولس ف 1-9 ثمّ كتب بيده ف 10-13 ليهاجم بقوّة المتطفلّين. فإن كان هناك رسالة واحدة فيمكننا أن نقرأها حسب التصميم التالي: علاقات بولس مع الكورنثيّين (1: 1-7: 16)، وصيّتان عن اللمّة لكنيسة أورشليم (ف 8-9)، تنبيهات عن العمل الرسوليّ ودفاع عنه (ف 10-13).
وقالت فئة ثانية: 2 كور هي مجموعة رسائل أرسلها بولس إلى الكورنثيّين. جمعها أحد تلاميذ بولس ونسقّها. وإذا قرأناها قراءة سريعة نكتشف كتلتين ظاهرتين. الكتلة الأولى 2: 14-6: 2. الثانية 10: 1-13:13، لا شكّ أنّ هناك نقاطًا مشتركة بين الكتلتين. الكتلة الثانية متناسقة أمّا الكتلة الأولى فيختلف على مضمونها الشرّاحُ. أمّا ف 8 و9 فهما رسالتان صغيرتان أرسلتا في الوقت عينه. أرسلت 2 كور 8 إلى كورنتوس و 2 كور 9 إلى كلّ أخائيّة التي عاصمتها كورنتوس. وهكذا نستطيع أن نقسم 2 كور إلى خمس رسائل:
- الرسالة المتوسّطة 2: 14-7: 4.
- الرسالة "في الدموع" ف 10-13.
- الدفاع عن العمل الرسوليّ 1: 1-13:2؛ 7: 5-16.
- رسالة إلى كورنتوس ف 8.
- رسالة إلى أخائية ف 9.
هذا ما يقول النقد الأدبيّ. أمّا نحن فنقرأ 2 كور قراءة متتابعة. إنّها كلمة الله تتوجّه إلينا على لسان القدّيس بولس.

و- بنية الرسالة الثانية إلى الكورنثيّين
المقدّمة 1: 1- 11
1: 1-2 العنوان والسلام: من بولس وتيموتاوس إلى كنيسة الله في كورنتوس، عليكم النعمة والسلام.
1: 3-7: البركة: مقاحمة الآلام والتعزيات: تشاطروننا العزاء كما تشاطروننا الآلام. 
1: 8-11: نجا الرسول من الموت: ولنا ثقةٌ أنّ الله سينقذُنا منه أيضًا.

1- القسم الأوّل: العمل الرسوليّ، صعوباته وواقعه (1: 12-7: 16)
* لماذا غيَّر بولس طريق سيره 1: 12-13:2
1: 12-14: الكورنثيّون موضوع فخر الرسول وهو موضوع فخرهم: ستفتخرون بنا كما سنفتخر بكم في يوم ربنا يسوع.
1: 15-22: يسوع هو أمين لله، نعم لله. لم يكن نم ولا، وإنّما كان كلّ شيء فيه نعم.
1: 23-2: 4: ما دفع بولس إلى تبديل مخطّطاته هو المحبّة: أريد أن تعرفوا مبلغ حبّي العظيم لكم.
2: 5- 11: الرسول والجماعة والغفران للمذنب. فمن عفوتم أنتم عنه عفوت عنه أنا أيضاً. 
2: 12-13: لمّا كان بولس في ترواس قلق لأنّه لم يجد تيطس.

* خدمة العهد الجديد 2: 14-3: 18.
2: 14-17: رائحة الموت، رائحة الحياة.
3: 1-3: الكورنثيّون هم رسالة المسيح، مكتوبة لا بمداد بل بروح الله الحيّ.
3: 4-6: أهَّل اللهُ الرسولَ من أجل رسالة العهد الجديد: مكَّننا من خدمة العهد الجديد، عهد الروح، لا عهد الحرف.
7:3- 11 وَجْهُ موسى وَوَجْهُنا. كيف يكون مجد خدمة الروح؟
3: 12-18: نحن نعكس مجد الربّ بصورة مكشوفة ولسنا كموسى الذي كان يضع قناعًا على وجهه.

* العمل الرسوليّ، ضيقه ويقينه 4: 1-5: 10
4: 1-6: تجلّت معرفة مجد الله على وجه المسيح. أضاء نوره في قلوبنا لكي تشرق معرفة مجد الله، ذلك المجد الذي على وجه المسيح.
7:4-12: كنز في آنية من خزف: الحياة في الموت: الموت يعمل فينا والحياة فيكم.
13:4-15: كرازة الحياة. أقام الربّ يسوع، وسيقيمنا نحن أيضًا مع يسوع.
4: 16-18: ما نراه عابرٌ وما لا نراه أبديٌّ. لا ننظرْ إلى ما يُرى بل إلى ما لا يُرى.
5: 1-5: من الهيكل الأرضيّ الذي هو جسدنا إلى عربون الروح: لنا في السماوات بيت من بناء الله لم تصنعه الأيدي.
6:5-10: سنتجمّع ونبقى أمام الربّ لنرضيَه قبل أن نقف أمامه. لا بد لنا جميعًا من أن نمثلَ لدى محكمة المسيح لينالَ كلّ واحد جزاءَ ما عمله وهو في الجسد.

* خدمة المصالحة، وهي تقابل خدمة العهد الجديد 5: 11-13:6
5: 11-13: الوجه والقلب أو الأسباب الحقيقيّة التي دفعته لأن يكتب الرسالة. 
5: 14-17: قد زال كلّ شيء قديم وها هوذا كلّ شيء جديد.
5: 18-19: الله يصالح العالم معه في المسيح ويعهد إلينا بخدمة المصالحة.
5: 20- 21: سفراء باسم المسيح والله يعظ بألسنتنا.
6: 1-2: هذا هو الوقت المرتضى، هذا هو يوم الخلاص.
6: 3- 10: مفارقات الخدمة الرسوليّة: نُحسب كاذبين ونحن صادقون، مجهولين ونحن معروفون، مائتين وها نحن أحياء، فقراء ونُغْنِي كثيرًا من الناس.
6: 11-13: الدعوة إلى الصراحة بين بولس والكورنثيّين: عاملونا بمثل ما نعاملكم.

* تبديل وجهة السير كان خيرًا 6: 14-7: 16.
6: 14-7: 1: اختيار ضروريّ: نطهّر أنفسنا من أدناس الجسد والروح كلّها. 
7: 2-4: أنتم في قلوبنا على الحياة والموت.
7: 5-13 أ: وصول تيطس ومفاعيل الرسالة. 
7: 13-16: فرح بولس لِمَا لَقِيَهُ تيطسُ من ترحاب في كورنتوس.

2- القسم الثاني: اللمّة من أجل كنيسة أورشليم 8: 1-9: 15
* من المبادرة إلى النعمة 8: 1-6
* سخاء المسيح وعفويّة المؤمنين في العطاء 7:8- 15
7:8-12: من الوفر إلى العطاء العفويّ. تعلمون جود ربّنا يسوع المسيح: كيف افتقر لأجلكم وهو الغنيّ لتغتنوا بفقره. 
8: 13-15: لا اتّحادَ دون مقاسمة: تكون بينكم مساواة.
* يتيح مجيء تيطس تحقيق العطيّة الموعود بها 8: 16-24
* من مبادرة لدى الآخرين إلى تحقيق المشروع عندنا 9: 1- 5.
* كيف نعطي أمام الله 6:9-10؟
* غنى روحيّ يرجوه بولس في كورنتوس مع فعل شكر 9: 11- 15

3- القسم الثالث: سلطة الخدمة الروحيّة في الضعف 10: 1-13: 10
* يبقى بولس، وإن غائبًا، الرسولَ المؤسّسَ لكنيسة كورنتوس 10 : 1- 1
10: 1-6: شخص الرسول يدلّ على شخص المسيح: ليس سلاحُ جِهادِنا سلاحًا بشريًّا.
7:10- 11: من اعتقد أنّه للمسيح فليفكرّ في نفسه أنّنا نحن أيضًا للمسيح بمقدار ما هو له.

* جرأة بولس فدّ الرسل "المميّزين" وضدّ الرسل الكاذبين 10: 12- 11: 15.
10: 12-18: مقدار خدمة بولس وحدودها.
11: 1-6: يطالب بولس بسلطته لثلاثة أسباب: هو أصل أعراس كورنتوس مع المسيح، والكورنثيّون يتحمّلون الرسل الكذّابين، وبولس ليس أقلّ من هؤلاء الرسل "المميّزين".
7:11- 11: تجرّد الرسول الحقيقيّ.
11: 12-15: بولس يدحض حجج الرسل الكذّابين.
* بولس يجعل نفسه على مستوى خصومه 11: 16-12: 10.
11: 16-29: أتعاب بولس الرسوليّة. أسفار متعدّدة، أخطار من الأنهار، أخطار من اللصوص.
11: 30-33: ويبرز بولس ضعفه. أنا أفتخر بما يبدو من ضعفي.
12: 1- 10: وينتقل بولس إلى رؤى الربّ ومكاشفاته. ويقول: إذا كنت ضعيفًا كنت قويًّا.

* بولس يمارس رسالة حقيقيّة في كورنتوس 12: 11- 21.
12: 11-18: العلاقات التي تميّز الرسول وتجرّده.
12: 19- 21: البنيان هو هدف العمل الرسوليّ.

* محنة قاسية بين بولس والكورنثيّين 13: 1-10
13: 1-4: سيفعل بولس ولا يشفق.
13: 5- 10: حاسبوا نفوسكم وانظروا هل أنتم على الإيمان. اختبروا نفوسكم.

* الخاتمة 13: 11-13
13: 11-12: تشجيع وسلامات. يسلّم عليكم جميع القدّيسين. 
13:13 بركة ثالوثيّة: نعمة ربّنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس معكم جميعًا.

ز- 2 كور والعهد القديم
ترد في 2 كور نصوصٌ عديدة من العهد القديم. يقدّم لها بولسُ بهذه العبارة: "قال الله" (4: 6). أو "يقول" (6: 2)، أو "كما كتب" (4: 13). وهناك إيرادات من دون مقدّمة. إن 17:10 تعود إلى إر 9: 24؛ و 13: 1 إلى تث 19: 15.
كيف يفسّر بولس العهد القديم في 2 كور؟
تدلّ 2 كور 3: 1 ي على روح الله العامل في القلوب، وهي تشير إلى إر 31 :33 وحز 26:36. ما يوجّه المؤمنين ليست الشريعة بل حضور يجدّد القلوب ويحوّل إمكانيّاتِ الفهم. فنحن مع المسيح نعيش نظامًا جديدًا. ولكي يبيّن بولسُ هذه الحقيقة، يتوسعّ في المعارضة بين العهد الجديد والعهد القديم. وبهذا يطبّق ما قاله في 1: 19- 20 فيشدّد على أنّ المواعيد الكتابيّة تمّت بالتأكيد في يسوع المسيح كما عاش في الزمن. وفي 17:5 نقرأ: "زال كلّ شيء قديم وها هوذا كلّ شيء جديد".
ويبدو بولس في 2 كور كموسى الجديد وإرميا الجديد.
نقرأ أوّلاً 3: 6- 7: تلك ثقتنا بالمسيح لدى الله، ولا يعني ذلك أنّ بإمكاننا أن ندَّعي شيئًا لأنفسنا، فإنّ إمكانَنا من الله، فهو الذي مكّننا من خدمة العهد الجديد، عهد الروح، لا عهد الحرف، لأنّ الحرفَ يميتُ والروحَ يحيى. فإذا كانت خدمة الموت (شريعة موسى) المنقوشة حروفها في حجارة قد أحيطت بالمجد، حتّى إنّ بني إسرائيل لم يستطيعوا أن ينظروا إلى وجه موسى لمجد طلعته، مع أنه مجد زائل، فكيف يكون مجد خدمة الروح؟
وهناك مقابلة بين دعوة بولس ودعوة إرميا. قال بولس: الويل لي إن لم أبشّرْ بالإنجيل، فأحَسَ أنّ الله أعطاه هذه الوظيفة وحمَّله حملاً ثقيلاً. رج 1 كور 9: 15- 18؛ إر 1: 6- 8؛ 20: 9. فالخدمة الرسوليّة ضعيفة كالخدمة النبويّة: "إنّها كنزٌ في آنية من خزف" (7:4؛ إر 18: 4-6). وكما فتح لنا إرميا قلبه وأسرَّ لنا بمكنوناته، كذلك فعل بولس الذي ظلّ فرحًا بينما سيطر الحزن على إرميا. وإنّ 7: 2- 4 تدخلنا في قلب المأساة التي عاشها بولس مع الربّ. وإنّ بولسَ سيعبّر عن موقفه تجاه الكورنثيّين بكلمات مأخوذة من إرميا. الهدم والبناء في 10: 3- 6؛ 13: 10؛ رج إر 1: 10؛ 14:12-17؛ 7:18-9؛ 6:24؛ 28:31؛ 32: 41. لم يفهمْ شعبُ إسرائيلَ إرميا، ولم يفهم الكورنثيّون بولس، فتألّم كلاهما حين رأيا الشعب يتخلّى عن محبّة الله (11: 2- 4؛ رد إر 2: 1 ي).

ج- من هم خصوم بولس في 2 كور؟
من الصعب أن نتعرّف إلى خصوم بولس وأن نعرف عددهم وأصلهم وطريقة مخاصمتهم له. تتحدّث 7: 12 عن شخص واحد، هو الظالم. وتتحدّث 11: 4 عن مجموعة لها ميول متعدّدة. لقد سبّب "الظالِمُ" حزنًا لبولسَ (2: 5- 6) بل إلى الجماعة. هو يعتقد أنّه للمسيح (7:10، 11) ولكنّه متطفّل جاء يكرز بيسوعَ آخرَ (11: 3- 4). ويشير بولسُ أيضاً إلى خصومٍ عديدين جاؤوا من الخارج وتلقّبوا برسل مميّزين (11: 5- 6، 12- 13؛ 12: 11- 12).
تحدّث عنهم بولس وعن مهاجمتهم له ليستطيعَ أن يجيبهم. وهولا يحتفظ إلاّ بالأمور التي تصيب خدمته الرسوليّة، فينطلق منها ليحدّد طريقته في أن يكون رسولاً.

1- الخصم في ف 1-7
يقف بولس أمام مثير للشفقة قد لامته الكنيسة فأظهر بولس نحوه حلمًا ووداعة. ولكنّ هذا الرجل هو غير الزاني الذي تتحدّث عنه 1 كور 5: 1- 13. لقد كان الرسول قاسيًا أمام الفوضى الأخلاقيّة (رج 1 تس 4: 3؛ روم 13: 12) فلا يعقل أن يعفوَ بسرعة عن حالة مثل هذه.
المذنب هو غريب عن جماعة كورنتوس، وفي هذا الإطار يبدو الكورنثيّون أبرياء. ولكنّهم لم يخبروا بولس بأمره بل انتظروا وقتًا طويلاً. إلاّ أنّهم تابوا عن تقاعسهم وأظهروا اندفاعًا تجاه الرسول.
هل ننطلق من 12: 21 فنرى في هذا الرجل أحد الغنوصيّين الذي تاب فيما بعد فبدا بولس حليمًا معه. فإن كان غنوصيًّا فهو لم يقف موقف اليهود الذين يزيدون في تقدير موسى (3: 7؛ 13، 15). ونتساءل: أيكون هذا الخصم أبلّوس؟ يتحدّث النصّ الغربيّ لسفر الأعمال عن أبلّوس فيقول: "إنّ الكورنثيّين المقيمين في أفسس والذين سمعوا أبلّوس دعوه للانتقال معهم إلى بلدهم. واتّفق معه أهل أفسس فكتبوا إلى التلاميذ في كورنتوس ليستقبلوه استقبالاً حسنًا". حمل أبلّوس رسائل التوصية هذه (3: 1) وأقام في كورنتوس وانتقد بولس: هو رسول جاء متأخرًا وما عرف يسوع وما أفاد من تعليمه. أمّا أبلّوس فهو أحد السبعين الذين تبعوا يسوع (لو 10: 1) ولهذا يسمح لنفسه بأن يعلّم يسوع آخر غير الذي يعلّمه بولس (11: 4). قاوم تعليم بولس وشخصه (7: 12) وجرَّح فيه لأنّه "لم يعرف المسيح بالجسد". كان فصيحًا فشبّهوه ببولس (11: 6). تعلّق بالحكمة والغنوصيّة فردّ عليه بولس (11: 6). كان قريبًا من إسطفانس في نقاطٍ عديدة ولكنّه استعان بشريعة موسى (3: 1 ي؛ أع 7: 1 ي) وشارك في مظاهر اختطافيّة (12: 1؛ 10). هذا هو رأي أحد الشرّاح، ولكنّه يبقى مجرد افتراض.

2- خصوم بولس في ف 10-13
ماذا يقول لنا بولس عنهم؟ هو يصفهم بتسع صفات:
- القسم الأكبر مدنهم متهوّدون يتعلّقون بممارسات يهوديّة مع أنّهم صاروا مسيحيّين (11: 22؛ رج 3: 6-16).
- تلعب الغنوصيّة والمعرفة دورًا هامًّا عندهم (11: 6) وإن لم يكن بأهمّيّة 1 كور.
- يرغبون بحماس في الاختبارات الروحيّة غير العاديّة حيث الرؤى والانكشافات تلعب دورًا كبيرًا (12: 1-10). ولكنّ هذا يختلف عن المواهب المذكورة في 1 كور 12: 1 ي.
- الكلام والفصاحة ظاهرتا إلهام لهم (11: 5- 6). ولكنّهم لا يقدرون أن يفتخروا أنّ المسيح يتكلّم فيهم.
- يحبّون كلّ ما فيه آياتٌ ومعجزاتٌ وعجائبُ (12: 12؛ رج 1 كور 1: 22).
- يرفضون رسالة بولس الكرستولوجيّة وسيصلون إلى وقت يرذلون فيه المسيح ويعيشون طلاقًا روحيًّا فيُفْصَلُونَ عن الاتّحاد السرّيّ بالمسيح (11: 2- 3).
- يلعب الرباط الماليّ بينهم وبين الجماعة دورًا كبيرًا ليكفل صحة رسالتهم (11: 7، 11؛ رج 2:7).
- هؤلاء المعارضون هم رسل كذّابون ومبشّرون خادعون يتخفَّون وراء رسل المسيح (13:11-14؛ رج 17:2؛ 2:4؛ 12:5).
- إنّهم مأخوذون بتفوّقهم، لهذا يسمّيهم بولس مرّتين "رسلاً مميّزين" (11: 4؛ 11:12؛ رج 5:4).

3- هل يمكن أن نتعرّف إلى هؤلاء الخصوم؟
يصوّرهم بولس على أنّهم رفضوا رسالته الكرستولوجيّة، ويزيد:
- يقدّمون نفوسهم على أنّهم رسل المسيح (7:10؛ 23:11).
- يحملون رسائلَ توصية (10: 12، 18؛ رج 3: 1).
- هم مبشِّرون هلّينيّون ويتعاطَون مع العالم اليونانيّ.
- هل أرسلتهم كنيسة أورشليم؟ كلاّ. وهذا ما يفسّر عدم رجوعهم إلى التوراة وعدم فرضهم للختان.
- أيُّ فرق بين الرسل المميّزين الذين يمتلكون بعض السلطة والرسل الكذبة الذين لا يملكون أيّة سلطة؟
- تنازع بولس مع يهود آسية الذين كانوا السبب في توقيفه في أورشليم (أع 21: 20-36). فهل وصل تأثيرهم إلى بعض المسيحيّين؟
- هل تصادم بولس مع أوّل الهراطقة في الكنيسة؟

4- جواب بولس ينطلق من رسالته الكرستولوجيّة
اكتشف بولس من خلال انتقاداتهم لعمله الرسوليّ أنّهم يرفضون واقع رسالته الكرستولوجيّة. بدأ فأبرز الرباط الدائم بين المسيح والرسالة. شرع خصومه يَنْقُضُونَ عَمَلَهُ من الأساس فجعل نفسه في تيّار كرستولوجيّ: لقد تنازل المسيح واتّضع. ويمكننا القول إنّ بولس صوَّر وأعلن اتّضاع المسيح في واقعه التاريخيّ. ما برح أن يكون رسولاً، ولكنّه تجرّد عن كلّ ما يشكّل واقعًا ظاهرًا لرسالته. استسلم إلى الامِّحاءِ الرسوليّ (رج فل 2: 7). حَسِب الكورنثيّون أنّهم فوق التاريخ، فذكّرهم بتصرّفه بوضع الإنسان على الأرض.
وانتظر بولس طاعة رسوليّة تجلب طاعة للمسيح الذي ذكر انحدارَه الجميعُ بما صنع لهم. ولكنّ بولس لا يخلط بين طاعة وطاعة. طاعته ضعف وطاعة المسيح اتّضاع. فالضعف الرسوليّ ليس حاجزًا يقلّل من قيمة الخدمة، بل عنصر أساسيّ في كرازة الرسول وتصرّفه. فبقدر ما يكون بولسُ ضعيفًا، بهذا القدر يبرز الإنجيل ويصبح الكورنثيّون أكثرَ قوّةً. فالضعف الرسوليّ ليس ابتعادًا وتخاذلاً. إنّه يتيح لسلطة الرسول أن تظهر كما هي في واقعها.

ط- الغنى اللاهوتيّ في 2 كور
1- تعليم عن المسيح
أخذ بولس من التقليد ألقابًا ثلاثة: يسوع، المسيح، الربّ. نجد في 1 كور أنّ المسيح هو قدرة الله (1 كور 1: 24) وحكمة الله والصخر (1 كور 10: 4) وآدم الآخر (1 كور 15: 45). ولَكنّنا لا نقدر أن نعتبرَ "نعم ولا" لقبًا (1: 19).
احتفظ بولس من حياة يسوع بعبارة 8: 9 (افتقرَ لأجلكم وهو الغنيّ لتغتنُوا بفقره) ليُبرزَ تنازل المسيح ووداعته وصلاحه (10: 1). أمّا 5: 16- 17 (لا نعرف أحدًا بعدَ اليوم معرفة بشريّة) فلا تشير إلى معرفة يسوع معرفة تاريخيّة بل تشدّد على سلطانه الخلاّق. لقد تسلّم بولس من التقليد فكرة المسيح الديَّان الإسكاتولوجيّ (5: 10).
وهناك قولة تعتبر المسيح ربًّا (4: 5). وكلمةُ "آبنٍ" المطبَّقةُ على المسيح تُظْهِرُهُ في 1: 9 كَابنِ الله (هذا هو المثل الوحيد في 2 كور). ولكنّ البنوّة حاضرة في عبارة "الله، أب ربّنا يسوع المسيح" (1: 2). وتتحدّث الرسالة عن موت يسوع: "واحد مات عن الجميع" (5: 14). "الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا" (5: 21). ولقد استنبط بولس عبارتين: "في المسيح" ليدلّ على اتّحاد المؤمن به الآن، "مع المسيح" ليدلّ على رباط في نهاية الأزمنة (2: 17؛ 3: 14؛ 5: 17، 19؛ 12: 2، 19).
ويتطرّق بولس إلى العلاقة بين المسيح والله (8: 9). وفي 13: 13 نجد أوضح تعبير ثالوثيّ في العهد الجديد. وفي 4: 4 تبرز صورة الله والإنسان في وقت واحد.

2- تعليم عن الكنيسة
نقرأ كلمة كنيسة في المفرد مرّة واحدة في 2 كور 1: 1 (كنيسة الله). وفي ما عدا ذلك تبرز الكلمة في صيغة الجمع. ففي 8: 1 نجد علاقة بين الكنائس ومقاطعة مكدونية. وحين يفكّر بولس في هذه الجماعات يستعمل صيغة الجمع (8: 19، 23، 24). فالكنيسة هي موضوع نموّ وبناء من قبل الله (12: 19). وإنّ كانت الكنيسة هيكلَ الله ومعبدَ روح الله في 1 كور 3: 16 فبولس يزيد في 6: 16: "نحن هيكل الله الحيّ". فالروح يعمل في الكنيسة ويشكّل عربونَ الواقع الإسكاتولوجيّ (1: 22). فالذي كوَّننا من أجل هذا المستقبل هو الله الذي أعطانا عربون الروح (5: 5). وَيُشَبِّهُ بولسُ وَحْدَةَ الكنيسةِ بالخطبة بين عذراء طاهرة والمسيح (11: 2). ضعف الإنسان والكنيسة يذكّرنا بإناء من خزف، وقدرة الله في المسيح بكنز ثمين (4: 7 ي). فإن انتمى المؤمنون إلى هذا الدهر بكيانهم الخارجيّ فهم أعضاء الدهر الآتي بكيانهم الداخليّ الموعود بالتجدّد كلّيًّا (4: 16- 18). وهذا التجاذب في الحياة المسيحيّة حيث نحن مخلّصون دون أن نكون بعد في ملكوت السماء، تعبّر عنه 5: 1- 10: ننتقل من خيمتنا الأرضيّة المتزعزعة التي هي صورة حياتنا الحاضرة إلى البناء الثابت الآتي من السماء. هذا الانتقال هو المرحلة الأخيرة التي تعبّر عن نموّ الاتّحاد الحقيقيّ بين المسيح والمؤمن. وهذا الزخم يعبّر عنه بصورة الشعب (6: 16) السائر نحو المستقبل بمشاركته في العهد الجديد (3: 6).

3- المحبة
ترد لفظة المحبّة 9 مرّات في 2 كور وفعل أحبّ 4 مرّات. فاستعمال هاتين الكلمتين يدلّ على اتّساع معناهما. ففي 9: 7 نقرأ أنّ الله يحبّ المعطيَ الفرحان، وهذا يعني أنّ على المؤمن أن يعطيَ بفرح. وفي 11: 11 يرفض بولس انتقاد من يقول إنّه لا يحبّ الكورنثيّين لأنّه رفض أن يأخذ منهم مالاً يعيش به.
إنّ محبّة المسيح لنا هي سرّ الحياة الرسوليّة وهي أيضاً سرّ حياة كلّ مؤمن. "إنّ محبّة المسيح تأخذ بمجامع قلبنا عندما نفكّر أنّه إذا كان قد مات واحد من أجل جميع الناس، فجميع الناس ماتوا أيضاً. قد مات من أجلهم جميعًا كيلا يحيا الأحياءُ من بعد لأنفسهم، بل للذي مات وقام من أجلهم" (5: 14- 15). صارت المحبّة مرادِفًا لعمل المسيح في حياة المسيحيّين. وفي 13: 11، إله المحبة والسلام هو الإله الذي يفعل في المسيح وفي المسيحيّين. وينهي بولس 2 كور فيجمع في عبارة ثالثوثيّة النعمة والشركة (13: 13) بعد أن يذكر إله النعمة والسلام. ففي 2 كور علامات الروح هي محبة حقيقيّة (6: 6، 8:8). وقصارى القول، فالذي يمتلك المحبّة يمتلكه الله (8: 24).
وتتّخذ المحبّة طابعًا أخويًّا لا يهتمّ للنتائج. نحبّ أكثر ولو وصل بنا الأمر إلى أن يُحِبَّنا الغيرُ أقل (12: 15). وفي 8: 7، 8، 24 يشدّد بولس على الطابع العامّ والظاهر المعارض لحبّ محتال يستميل الآخرين إليه. هو حضور المسيح وَسْطَ العلاقات مع الآخرين. فحين يكتب بولس رسالته في الدموع فهو لا يريد أن يُحْزِنَهم بل أن يُعْلِمَهُمْ بالحبّ الذي يَكُنُّه لهم. تتبدّل الظروف وتتنوّع التطبيقات ولكنّ المضمونَ اللاهوتيّ والكرستولوجيّ لا يتطوّر. وهناك واقعان في أساس هذا الإثبات: لقاء المسيح ببولس حين كان مضطهِدًا للكنيسة أوحى إليه بقوّة حبّ المسيح. وهذا الحدث الحاسم في وجوده أتاح له أن يتقبّل بفرح وقوّة ما تسلّمته كلّ الجماعات الأولى من المسيح والرسل. اجتمع هذان العنصران فأتاحا للرسول أن يُغْنِيَ التقليدَ رابطاً بين الروح القدس والمحبّة. وهذا الرباطُ يعطي المحبّةَ طابع الصدق والحقيقة.
الفصل السابع
الرسالة إلى أهل غلاطية

الرسالة إلى أهل غلاطية هي ابنة معركة بين بولس وخصومه نستشفّ من خلالها طبعَ بولس الفائر، وغضبه وحنانَه واندفاعَه من أجل الإنجيل، وحبَّه للمسيح.
الرسالة إلى غلاطية رسالة قصيرة ولكنّها تحتلّ مكانة مرموقة بين رسائل القدّيس بولس. فهي تتيح لنا أن نحدّد مراحلَ حياة الرسول في خطوطها الكبرى. وهي تقدّم لنا "إنجيلاً" مركَّزًا على صليب الربّ يسوع، وتبيّن لنا الصعوباتِ التي جابهته في تثبيت رسالته وَسْطَ الوثنيّين. في هذه الرسالة يدافع بولس عن حرّيّة المسيحيّ تجاه الشريعة اليهوديّة ويقدّم للكنيسة الفتيّة الحرّيّة بالنسبة إلى كنيسة أورشليم.
الرسالة إلى غلاطية رسالة الحرّيّة والانفتاح. بما أنّ الله يخلّصنا بالإيمان بالمسيح، فلا يحقّ لإنسان أن يكون عبد شريعة ونظام ومؤسّسة مهما كانت عجيبة ومهـا بدت وكأنّ لا غنى عنها. إنّ بولس يدعونا إلى مغامرة الإيمان التي لا تحسب حسابًا للصعوبات وتهزأ بما يخيف الناس ولا تتعلّق بما يعطيه أمانًا هو أقرب إلى السراب منه إلى الحقيقة.
رسالة كتبت في جوّ المعركة، فاختلف الشرّاح منذ القديم في قراءتها. فلقد هاجم أغوسطينسُ إيرونيموسَ الذي حسب هذه الرسالةَ إخراجًا مسرحيًّا. وفي القرن السادس عشر رأى لوتر مؤسّس البروتستانتيّة في غل "عروس نفسه" فاستند إليها ليعلنَ التبرير في الإيمان ضدّ ديانة الأعمال. ولكنّ الشرَّاح فهموا ارتباط الإيمان بالأعمال من أجل حياة مسيحيّة متوازنة.
الرسالة إلى غلاطية رسالة دوّارة لا تتوجّه إلى كنيسة واحدة (مثلاً إلى تسالونيكي أو كورنتوس) بل إلى كنائسَ متعدّدة هي كنائس غلاطية. لم يكن في منطقة غلاطية مدينة هامّة بشّرها بولس، بل جماعات صغيرة مشتّتة ترتبط بعضها ببعض برباط الإيمان الجديد.

أ- غلاطية والغلاطيّون
تدلّ غلاطية على هذه الهضبات العالية في آسية الصغرى (تركيا الحاليّة) التي اجتاحها الغاليّون (أتَوا من غالية أي فرنسا الحاليّة) في بداية القرن الثالث ق م. فنهبوا دلفس (بمعبدها الشهير) واجتازوا البوسفور. وتابع هؤلاء المحاربون المقتدرون أعمال السلب والنهب قبل أن يقيموا في منطقة أنقرة التي صارت عاصمتَهم. وفي سنة 25 ق م أوصى أمينتاس، آخر ملوكهم، بمملكته إلى الرومان.
أقام الغاليّون مع سكّان البلاد الأصليّين وجمعوا آلهتهم مع آلهة الأم الخاضعة لهم واحتفلوا بأسرار اتيس وقيبليس. وسيكرّم الغاليون هذا الإله الراعي ولا يتورّعون أن يَخْصوا أنفسهم في احتفالات حماسيّة. وهكذا يبدو الختان عمليّة بسيطة تجاه هذه الطقوس الهمجيّة.
في زمن بولس، كانت غلاطية مقاطعة رومانيّة تضم غلاطية بحصر المعنى ومناطق أخرى ومنها بسيدية التي بشّرها الرسول خلال رحلته التبشيريّة الأولى (أع 13: 14 ي). ويشير لوقا إلى أنّ بولس حين رجع إلى أنطاكية مرَّ في الأماكنِ عينها التي بشَّرها يشدّد عزائم التلاميذ ويحثّهم على الثبات في الإيمان (أع 14: 21 ي). هذه الإشارة تقابل ما نقرأه في 13:4 (بشّرتكم أوّل مرّة).
ونتساءل: متى بشّرت غلاطية؟
لا يهتمّ لوقا اهتمامًا خاصًّا بتبشير غلاطية. ففي سفر الأعمال يكتفي بأن يقول مرّتين إنّ بولس اجتاز منطقة غلاطية. مرّة أولى خلال رحلته التبشريّة الأولى (أع 16: 6) ومرّة ثانية خلال رحلته التبشيرّية الثالثة (أع 18: 23).
أمّا بولس فيقدّم لنا إشاراتٍ ثمنية تجعلنا نستخلص المعلوماتِ الآتيةَ:
- كان الغلاطيّون الذين بشّرهم بولس من الوثنيّين.
- ما أراد بولس أوّلاً أن يتوقّف عندهم، لأنّ خطّته الرسوليّة كانت تدفعه نحو المدن الكبرى.
- ولكنَّ مرضاً خطيرًا أوجب عليه التوقّفَ هناك. ويمكن أن يكون المرض "تلك الشوكة في الجسد التي طلب بولس ثلاث مرّات أن يتخلّص منها" (2 كور 12: 7 ي). كان بإمكان هذا المرض أن يثير الاحتقار والقرف عند الناس الذين يحسبونه من فعل شياطين خطرين.
- أمّا الغلاطيّون فاهتمّوا ببولس اهتمامًا نادرًا. وبدل أن يشيحوا بوجوههم عن مرضه "ويبصقوا" لكي يحتموا من مصير سَيِّئٍ، استقبلوا بولس "كملاك من الله" أي كمرسل يتكلّم باسم الله (8:1).
- قال بولس إنّه بشّر الغلاطيّين مرّة أولى (4: 3)، ولمّح إلى أنّه زارهم مرّة أخرى على الأقل.
- تميّز ارتداد الغلاطيّين بفيض من مواهب الروح (3: 1- 5). ونحن نكتشف أيضاً نواة تنظيم جماعيّ، ولا سيّما وإنّ الغلاطيّين كانوا يقومون بحاجات من أوكل إليهم أمر التعليم (6: 6). فقد تكلّف هؤلاء المعلّمون (1 كور 12: 28) أن يفسّروا نصوص الكتاب المقدس، وإلاّ فكيف كان باستطاعة الغلاطيّين أن يفهموا براهين بولس. وكانت "كنائسهم" تجتمع في اليوم الأوّل من كلّ أسبوع وتدعى لأن تشارك في اللمّة من أجل القدّيسين في أورشليم (1 كور 16: 1- 2).
ونتساءل أيضاً: هل كتبت غل إلى غلاطية الشماليّة أو غلاطية الجنوبيّة؟ قال بعض النقّاد إنّها كتبت إلى غلاطية الجنوبيّة وأرادوا بذلك أن يؤالفوا بين ما قاله بولس في ف 1- 2 وما قاله القدّيس لوقا في أعمال الرسل. فالصعود الثاني إلى أورشليم الذي يشير إليه 2: 1- 10 يقابل حينذاك الرحلة التي يشير إليها سفر الأعمال. (11: 30؛ 12: 25) ليحمل اللمّة التي قرّرها أغابوس. وحدث أنطاكية (2: 11- 14) حصل قبل تنظيم الحياة المشتركة بين المؤمنين من أصل يهوديّ والمؤمنين من أصل وثنيّ (أع 15: 1 ي). في هذه الحال تتوجّه غل إلى المؤمنين في مدن أنطاكية بسيدية وإيقونية ولسترة، وتكون أولى الرسائل التي كتبها القديس بولس. ولكنّ هذا الرأي لا يفرض نفسه.
ولنتوقّفْ عند البراهين. الأوّل: تعوّد بولس أن يسمّيَ المناطق بالاسم المعروف في السياسة الرومانيّة. هذا صحيح. ولكنّ التسمية لم تكن محدّدةً ونحن نجد كتاباتٍ في عهد بولس تورد الأسماء القديمة التي حملتها المقاطعات. الثاني: لا يتكلّم أع 16: 6؛ 18: 3 عن كنائس أسّسها بولس في غلاطية الشماليّة. هذا صحيح، ولكنّ لوقا يهمّ خاصّة بالمدن الكبرى. الثالث: كان تيموتاوس (2: 3، 5) من لسترة (أع 16: 1) ومعروفًا في كنائس الجنوب. الرابع: شارك الغلاطيّون في اللمّة (1 كور 16: 1) ولكنّنا نقرأ في أع 20: 4 أنّ الموفدين هما غايوس من دربة وتيموتاوس من لسترة. الخامس: من السهل أن نتخيّل تدخّل المرسلين الآتين من أورشليم في المنطقة الجنوبيّة لا في المنطقة الشماليّة المعروفة ببرّ الأناضول.
وهناك من يقول إنّها وُجِّهَتْ إلى غلاطية الشماليّة ويقدّمون من أجل هذا برهانين أساسيّين. الأوّل: قال بولس في 1: 21: "ثمّ سافرت إلى بلاد سورية وكيليكية". ما كان قال هذا، بل كان قد زاد "وعندكم". ولكنّه لم يفعل. ولكن يردّ المعارضون: نشكّ في أن يُلْمِّحَ هذا النصّ إلى الرحلة الرسوليّة الأولى. الثاني: قال بولس في 3: 1: "أيّها الغلاطيّون الأغبياء". فلو توجّه إلى أهل إيقونية ولسترة لما كان قال لهم هذا الكلام. وعلى كلّ حال لا يُعطى اسمُ الغلاطيّين لأهل بسيدية. ويزيدون أنّ المسافة قريبة بين غل والرسالتين إلى كورنترس وهذا ما يجعل غل مكتوبة في مكدونية في نهاية خريف سنة 57 وموجهة إلى غلاطية الشماليّة.
ونتوسّع في هذا البرهان الأخير. هناك هجوم يهوديّ يحاربه بولس في غل وفي فل فيقول: "احترسوا من الكلاب، احترسوا من عمّال السوء، احترسوا من المختونين الكذبة" (فل 3: 2). ونحن شبه متأكّدين أنّ فل كتبت حين كان بولس أسيرًا في أفسس حوالي السنة 56. ثمّ إنّ بولس يهاجم هؤلاء "الرسل العظام" الذين يعتبرون نفوسهم عبرانيّين من بني إسرائيل ومن نسل إبراهيم (2 كور 11: 5، 22). والأمر ذاته نقرأه في فل 3: 5 حيث ينسب بولس إلى نفسه هذه الألقاب المجيدة "حسب الجسد" (فل 3: 4). ثمّ يرذلها باسم معرفة المسيح (فل 3: 8).
إذًا تجعلنا غل وفل 3 و 2 كور 10- 13 نشهد رسالة مضادّة يقوم بها اليهود ليردّوا إلى طاعة شريعة موسى مؤمنين ردّهم بولس إلى الإيمان المسيحيّ. ثمّ إنّ هناك تقاربًا بين غل وروم بحيث لا نقدر على القول إنّ فترة طويلة فصلت بين تدوين الرسالتين. فمسألة الشريعة تؤسس براهين بولس في غل وروم. وهكذا نستخلص أنّ غل كتبت في قلب الأزمنة اليهوديّة في نهاية إقامة بولس في أفسس أو في الخريف الذي قضاه في مكدونية بانتظار أخبار سارّة عن جماعة كورنتوس أي سنة 57.

ب- تعليم هؤلاء اليهود
يقدّم لنا بولس إشاراتٍ ضئيلةً عن جماعة اليهود "الذين يثيرون البلبلة بينكم" (1: 7). يتحدّث عنهم بولس باحتقار ويُلْمِّحَ إلى قائدهم في 5: 10: يزعم هؤلاء الناس أنّهم يستندون إلى يعقوب، أخي الربّ (2: 12). ولهذا اهتمّ بولس بأن يبيّن أنّه على اتّفاق مع يعقوب في ما يخصّ جوهر الأمور (1: 19؛ 2: 9).
أمّا هَدَفُ هذه المجموعة فهو أن يفرضوا الختان على الغلاطيّين (6: 13). فلا رسالة تتحدّث عن الختان مثل غل (يرد الفعل خمس مرّات والاسم 7 مرّات). أمّا برهانهم فبسيط: حصل إبراهيم على شريعة الختان كعلامة لعهد دائم بين الله ونسله (تك 17: 9- 14). إذًا لا يحقّ لأحد أن يطالب بميراث إبراهيم إلاّ المختونون.
والكرازة على الختان تفترض الاعتقاد بأنّ لعهد سيناء قيمة نهائيّة. هذا ما تفكّر به اليهوديّة عامّة. وفي هذا يقول فيلون المنتحل: "في سيناء سلّم الله شريعة العهد النهائيّة لأبناء إسرائيل وأعطاهم وصايا أبديّة لا تزول". وهل طلب هؤلاء اليهود أن يمارس المسيحيّون الجددُ الشريعة ممارسةً كاملة؟ يبدو أنّ الجواب هو كلاّ بدليل ما نقرأ في 5: 3: "وأشهد مرّة أخرى لكلّ من يختن بأنّه ملزم أن يعمل بأحكام الشريعة كلّها". هل هؤلاء الأعداء أشخاص تحرّروا من كلّ قيد وعاشوا على هواهم فحذّرهم بولس من "أعمال الجسد" (5: 19)؟ بل نحن هنا أمام تعليم تقليديّ يحرّض فيه بولس على حرب الروح ضدّ الجسد (رج روم 6: 1 ي).
ويشير بولس إلى هؤلاء اليهود إشارة مبتكرة في 4: 9- 10 فيقول: "كيف تعودون إلى العناصر الأوّليّة الضعيفة الحقيرة وتريدون أن تكونوا عبيدًا لها كما كنتم من قبل"؟ تراعون الأيّام والشهور والفصول والسنين مراعاة دينيّة".
نجد كلمة "عناصر" في كو 2: 8، 20. هي عناصر الكون المنسوبة إلى فلسفة البشر الخاطئة والمعارضة لمعرفة المسيح الحقيقيّة. ويورد بولس مثلاً: شرائع الأطعمة (كو 2: 20). وتتطرّق القرينة إلى تفوّق المسيح المطلق. فالقوى الوسيطة (الرئاسات، السلاطين...) التي جعلتها نظريّات ذلك الزمانِ بين الله الذي لا يدرَك وبين العالم المخلوق، قد زالت وخسرت كلّ دور لها بصليب المسيح (كو 2: 14).
لا نستطيع أن نقيس تعليم اليهود على تصوّرات الكولسيّين: فمسألة الشريعة اليهوديّة والختان تطرح في كو 2: 11- 15 وتُعتبر في الدرجة الثانية بالنسبة إلى مكانة المسيح في نظام الخلق والفداء. أمّا ما يسيطر في غل فهو المشاركة في بركة إبراهيم، دون أيّ تلميح إلى نظريّات خاصّة بالخلق. فإبراهيم يحتلّ مكانًا هامًّا في غل ولكنّه لا يُذكر في كو. 
إذًا يفهم بولس كلمة "عناصر" في غل بمعناها البسيط: أنها تعليم بدائيّ (رج عب 5: 12) وناقص وقريب من الممارسات الوثنيّة (رج 4: 3، 9). ففي الحالتين يلفت النصّ انتباهنا إلى روزنامة: يُستعبَد الإنسان لقوى الطبيعة ولكائنات علويّة (الملائكة بالنسبة إلى اليهود، الآلهة بالنسبة إلى الوثنيّين) تسيطر على مساره وتبعده عن الإيمان بالمسيح الذي هو الوسيط الوحيد بيين الله والبشر.
كانت جماعة قمران تعتبر الروزنامة موحاة وانعكاسًا لروزنامة سماويّة. فإن لم نتبعها صارت عبادتنا باطلة لأنّها لا تتمّ في الوقت الذي تتمّ فيه خدمة الملائكة في السماء. وهكذا فكرَّ يهود غلاطية أيضاً.
ويرتبط هجوم اليهود في غلاطية بدعاوة جماعة الغيورين الذين حاولوا أن يجمعوا كلّ اليهود من أجل المقاومة ضد رومة. وهكذا خلط المسيحيّون الذين من أصل يهوديّ قضيّةَ الله بقضيّة أورشليم.
فإن أعلن هؤلاء الختان على مرتدّي بولس فهم ينتزعون سلاحًا يستعمله اليهود ضدّ مسيحييّ أورشليم الذين يعتبرونهم إخوة كذبة (6: 12). بما أنّ الشريعة الرومانيّة تحامي عن الدين اليهوديّ، فإدخال المسيحيّين بالختان في العالم اليهوديّ موقف يدلّ على فطنة سياسيّة. ومهما يكن من هذه الافتراضات فالخصوم الذين يحاربهم بولس هم مسيحيّون لا دعاة يهود. ولكنّهم مسيحيّون لم يفهموا ما حمله إليهم المسيح من جدّة وجذريّة، ولم يتأمّلوا في سرّ الصليب. هم مسيحيّون تعلّقوا بشخص يسوع كمسيح وكملك لإسرائيل. إذًا لا يُفهم برهان بولس إلاّ من الوجهة المسيحيّة وقد أراد أن يبيّن أنّ الشموليّة تنبع من الصليب الذي يكفي وحده للخلاص.
هل اقتنع الغلاطيّون بكلام القدّيس بولس؟ إن بولس لم يكتب لهم مرّة ثانية. أمّا بطرس فبعث برسالة دوّارة وجّهها إلى مسيحيّي آسية الصغرى وبالأخصّ مسيحيّي غلاطية (1 بط 1: 1). ولكنّه لا يشير إلى مسألة الشريعة، بل يعتبر المسيحيّين إسرائيلَ الحقيقيّ "نسلاً" مختارًا وجماعة الملك الكهنوتيّة وأمَّة مقدّسة وشعبًا اختاره الله (1 بط 2: 9). لقد انتقلت امتيازات إسرائيل القديم إلى الذين آمنوا بالمسيح الحجر الحيّ وأساس هيكل الله بقيامته (1 بط 2: 4 ي).

ج- المسائل التي تتطرّق إليها غل
1- الختان
انتشر الختان في العالم القديم وكان في الأصل طقسًا استعداديًّا للزواج وللحياة داخل العشيرة. وستُبرز الأسفار التاريخيّة احتقار بني إسرائيل للفلسطيّين غير المختونين دون أن تعطيَ الأساس الدينيّ لهذه الممارسة. أمّا إرميا فيستعمل الكلمة بشكل استعارةَ ويدعو معاصريه لأن يختنوا قلوبهم (إر 4: 4) وآذانهم (إر 6: 10) ليسمعوا كلمة الله. وستنتقل العبارة إلى سفر التثنية لتعنيَ أنّ الله يقدر وحده أن يختن القلوب من أجل حبّ حقيقيّ وأمين (تث 6:30).
بعد المنفى اتّخذ الختان أهمّيّة أولى. فبعد انهيار البنى السياسيّة وتبدُّد بني إسرائيل، أحسّ المؤمنون بالحاجة إلى أن يرفعوا قيمة علامات الانتماء إلى الشعب المختار. من أجل هذا جعل التقليدُ الكهنوتيُّ الختانَ علامة العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم ونسله إلى الأبد. "هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم أي بين نسلك من بعدك: يُختن كلّ ذكر منكم: تختنون القلفة من أبدانكم، ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم... فيكون عهدي في أبدانكم عهدًا مؤبّدًا" (تك 17: 10-13).
ويعلن الفصل ذاته أنّ العبد العائش في البيت يُختن، وهذا شرط أساسيّ ليشارك في عشاء الفصح (خر 12: 44). وستُطبّق هذه الفرائض على المهتدين حديثًا من أجل دخولهم في جماعة إسرائيل (يه 14: 10: أحيور). وتعلّقُ اليهود بالختان سيدفع بعضَهم إلى الموت في أوان اضطهاد أنطيوخس إبيفانيوس (167- 164 ق م. رج 1 مك 1: 6؛ 2 مك 6: 10). وهكذا صار الختان علامة الانتماء إلى الشعب المختار. وفي هذا قال كتاب اليوبيلات (سفر منحول دوِّن حوالي سنة 125 ق م): "من لم يُختن في اليوم الثامن لا يخصّ أبناء العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم، بل أبناء الدمار لأنّ لا علامة فيه تدلّ على أنه يخصّ الربّ... مصيره الدمار... لأنّه نقض عهد الربّ إلهنا. فكلّ ملائكة الحضور (رؤساء الملائكة السبعة)، وكلّ ملائكة التقديس خُلقوا هكذا منذ يوم خلقهم".
وهكذا تقدّس الختان، وبه وبالروزنامة المقدّسة شارك مؤمنو الأرض في الليتورجيّا السماويّة. ولقد عاصر كتابُ اليوبيلات الأحبارَ الحشمونيين الذين فرضوا الختان على الأدوميّين. ونحن نجد صدًى لهذه الممارساتِ التسلطيّةِ في زيادة يونانيّة على كتاب أستير: بعد أن انتصر مردخاي خضع كثير من الوثنيّين للختان وصاروا يهودًا خوفًا من اليهود. 
ولكنّ الشعب لم يخسر المعنى النبويّ للختان. فقاعدة الجماعة القمرانيّة تفرض على المؤمنين أن يختنوا "قلفة ميلهم الشرير ورقبتهم القاسية ليضعوا أساس الحقّ من أجل إسرائيل". وربطت وثيقة دمشق بين الالتزام في الجماعة واهتمام إبراهيم بممارسة الختان حالما أمره الرب به.
وكان لدم الختان قيمة عظيمة، وقد ارتبط بدم الذبيحة. فهكذا عفا الله عن بيوت بني إسرائيل في ليلة الفصح، لا لأنّهم حافظوا على الشعائر، بل من أجل الختان. 
اهتمّ يهود فلسطين بالختان ولم يكن اهتمام يهود الشتات أقلّ من أهتمامهم. من أجل هذا طُرحت المسألة منذ بداية الرسالة المسيحيّة: هل نختن الوثنيّين أم لا؟ وكان جواب الرسل: لا نضع على رقاب التلاميذ نيرًا عجز آباؤنا وعجزنا نحن عن حمله، خصوصاً ونحن نؤمن أنّنا نخلص بنعمة الربّ يسوع كما هم (أي الوثنيّون) يخلصون (أع 15: 10 – 11).

2- الانفصال بين اليهود والوثنيّين
تعطي التوراة أهمّيّة كبيرة لشرائع الطهارة التي تُبرز في الحياة اليوميّة دعوة بني إسرائيل "كأمّة مقدّسة وشعب مختار" (خر 19: 5- 6). من الصعب أن نتحقّق من الوضع الحقيقيّ فيما يخصّ العلائق اليوميّة بين اليهود والوثنيّين، لأنّ النصوص تقدّم مثالاً لا تتيح الحياة اليوميّة بممارسته، ولا سيّما في المناطق التي يمتزج فيها السكّان. ولهذا نكتفي ببعض اللمحات القصيرة.
بعد انتشار الثقافة الهلّينيّة واضطهاد أنطيوخس إبيفانيوس، برز تصلّب في موقف اليهود تجاه الأمم. فتعمّمت شرائع الطهارة حسب نظرة الفرّيسيّين: فما فرضته الشريعة على الكهنة حين يخدمون الهيكل، صار واجبًا على كلّ أعضاء الشعب أن يحفظوه. ومن لا يفرض على نفسه هذا النظامُ يعامَل باحتقار ويُعتبَر ملعونًا لأنّه لا يحفظ الشريعة. 
ولقد اتّخذ عزرا موقفًا متشدّدًا في ما يتعلّق بالزواجات، فأجبر اليهودَ على أن يُبْعِدوا نساءهم الغريبات مع أولادهنّ. واعتبر تقليدُ الرابّانيّين المرأة الغريبة نجسة. إنّها تدنّس زوجها لأنّها لا تحفظ القواعد التي وضعها موسى. ولكنّ التشريع يسهّل الأمور للنساء اليهوديّات اللواتي يتزوّجن رجالاً وثنيّين. فأولادهنّ يهود، وهذا ما يفهمنا موقف بولس حين ختن تيموتاوس ليدخله في المجامع (أع 16: 3). لقد كانت أمّه يهوديّة.
لا تتضمّن التوراة أيّ ترتيب يتعلّق بالطعام الذي يأخذه اليهوديّ مع الغرباء. أمّا سفر اليوبيلات فيبدو متشددًّا. "قال إبراهيم ليعقوب: انفصِلْ عن الأمم ولا تؤاكلْهم. لا تعمل مثل أعمالهم ولا تكن شريكًا لهم. فأعمالهم نجسة وكلّ طرقهم قذارة ورجس ودنس".
ولقد كان يهود الشتات متشدّدين، شأنهم شأن اليهود المقيمين في فلسطين. لقد كان يهود الإسكندرية خاضعين لملك مصر خضوعًا تامًّا، ولكنّهم أقاموا في حيّ خاصّ بهم (3 مك 3: 4). وفي قصّة يوسف واسنات، كان يوسف لا يؤاكل المصريّين معتبرًا مائدتهم رجسًا. ولقد برّرت رسالة أرستيس موقف المؤمنين على الشكل التالي: "أراد المشترع أن يمنع عنّا الاتّصال الدنس ومعاشرة أناس شائنين لئلا نفسدَ، فأحاطنا بسلسلة من الفرائض المتعلّقة بالطهارة: الطعام، الشراب، الاتّصال، السمع، النظر... كلّ هذا كان موضع تشريع".
هنا نفهم موقف "حزب الختان" (2: 13) في أنطاكية. أرادوا أن يحافظوا على قداسة الشعب المختار. ولكنَّ بولس لم ير رأيهم. رأى أنهم لا يسيرون سيرة مستقيمة مع حقيقة الإنجيل، فثار ثائره وقال لبطرس: "إذا كنت أنت اليهوديّ تعيش كغير اليهود لا كاليهود، فكيف تُلزم غير اليهود أن يعيشوا كاليهود" (2: 14)؟

3- إبراهيم في الديانة اليوديّة
تحيط الديانة اليهوديّة إبراهيم بهالة من الإكرام. حين يتكلّمون عن موسى يسمّونه "معلّمَنا"، ولكنْ حين يتكلّمون عن إبراهيم يسمّونه "أبانا" (أش 51: 2، رج يع 2: 2). ولقد رسم كلّ عصر لوحة روحيّة عن أبي المؤمنين. وسنكتفي هنا ببعض إشارات تلقي الضوء على موقف اليهود الذين هاجمهم بولس في غل.
إبراهيم هو من حفظ الشريعة. ندهش لهذا المديح، والشريعة أعلنها موسى بعد إبراهيم بأجيال. إلاّ أنّ تقليد الرابّانيّين يستند إلى إشارة في تك 26: 5 فيبيّن أنّ إبراهيم خضع مسبقًا للشريعة. "بارك الله إبراهيم في كلّ شيء، لأنّ إبراهيم أبانا أتمّ كلّ الشريعة يوم لم تكن أعطيت بعد".
التوراة هي أوّل كلّ شيء. والآباء ليسوا أوّلاً أناسًا آمنوا بالوعد بل أناسًا أطاعوا الشريعة. في هذا الإطار تبرز قيمة الختان. ويورد التقليد المحن التي تجاوزها إبراهيم منتصرًا عليها. يشير ابن سيراخ (44: 20) إلى ذبيحة إسحق التي تحتلّ مكانة رفيعة في الديانة اليهوديّة، ويربط مواعيد الله بهذه الأمانةِ البطوليّةِ (تك 22: 15- 18). ويذكر سريعًا بركات الأمم ليشدّد على نسل إبراهيم الذي وعده الله بأرض لها حدود مثاليّة (رج مز 72: 8؛ زك 9: 10).
ويتضمّن كتاب اليوبيلات سيرة حياة إبراهيم. وُلد من أب وثنيّ واكتشف بتأمّل السماء أن ليس إلاّ إله واحد، فرمى في النار أصنام أبيه. ولم ينج هو من النار إلاّ بعجيبة على مثال الأولاد الثلاثة الذين طرحوا في النار (دا 3: 1 ي). ما عرف في أيّ اتّجاه ينطلق. أيبقى في حاران أم يعود إلى أور الكلدانيّين؟ حينئذ توجّه إلى الله في صلاة حارّة. فأُرسلت إليه كلمة الربّ: "اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أدلّك عليها" (تك 12: 1- 3). شدّد سفر التكوين على أنّ نداء الله برز فجأة. أمّا في كتاب اليوبيلات فقد استعدّ إبراهيم ليكون ينبوع بركات بصلاته وجهاده من أجل الإله الحقيقيّ. وهكذا تكلّم النصّ عن استحقاق إيمان إبراهيم. وعلى هذا الاستحقاق يشهد الترجوم الفلسطينيّ: "باستحقاقاتك تتبارك كلّ عشائر الأرض (تك 12: 3). آمن إبراهيم باسم كلمة الربّ فحسب له ذلك برًّا" (تك 15: 6). وارتبطت بإيمان إبراهيم هذا، معجزاتُ الخروج كما نقرأ في شرح خر 14: 15: "الإيمان الذي به آمن إبراهيم بي استحقّ أن أشقّ لكم البحر كما قيل: آمن بالربّ فحسب له الربّ هذا برًّا". أوشك هذا الاعتقاد باستحقاقات إبراهيم أن يولِّد عند نسله طمأنينة خاطئة. لهذا هاجم يوحنّا المعمدان هؤلاء اليهود المفتخرين بأبيهم (مت 3: 9). ولقد أشار يوستينوس في حواره مع تريفون (القرن الثاني ب م) إلى هذا الرجاء فقال في الحوار الأربعين: "ينخدع معلّموكم معكم حين يفكّرون أنّ الملكوت الأبديّ يعطى من دون شرط للذين هم من زرع إبراهيم حسب الجسد ولو كانوا خطأة وكافرين وعاصين لله".
ويقدّم فيلون الإسكندرانيّ حياة إبراهيم بطريقة مبتكرة. ففي تفاسيره الرمزيّة يتوسعّ بمناسبة حديثه عن حياة الآباء في انطلاقة الإنسان نحو الله. ترك إبراهيم الكلدانيّ أرض العالم المحسوس وهاجر إلى إلى أرض الحكمة ولكنّه لم يدرك الكمال. فهذا أعطي لإسحق الذي يعني اسمه الضحك، والذي يمثّل الكمال وذلك الذي له الحكمة الفطريّة. وإليكم كيف يشرح فيلون تك 6:15:
أعلن الكاتب الملهم: "آمن إبراهيم بالله" فامتدح الذي أعطاه إيمانه. ولكن ربّما تقولون: "أتفكّرون أنّه كان لهذا أهلاً للمديح؟ فمن لا يعطي انتباهه حين يتكلّم الله ويَعِدُ"؟ ويزيد فيلون: "هذا ليس من السهل بسبب قرابتنا إلى الجزء المائت الذي نرتبط به. وهذا الرباط يقنعنا أن نعتقد بالخيرات المادّيّة، بالمجد، بالسلطة. لنتنقّ من كلّ هذه الخيرات ولنسحب ثقتنا من عالم الصيرورة لأنّه في حدّ ذاته ليس أهلاً للثقة. هذا هو عمل عقل عظيم لا تغويه كلّ خيرات هذه الأرض. أنه على حقّ حين يقول: حُسب له إيمانه برًّا. فلا أبَرَّ من أن يكون للإنسان تجاه الله وحده إيمان نقيّ لا مزج فيه". 
يُبرز هذا النصّ وجهاتِ الإيمان لدى فيلون. موضوعه الاعتراف بالله الواحد، علّة الكون وعنايته. وهو ملء الرجاء والثقة. سيقول فيلون إنّ الإيمان أثبتُ كلّ الفضائل لأنّه يستند إلى ثبات الله عينه. مثل هذا التعليم ستردّده الرسالة إلى العبرانيّين (ف 11)، ولكنّه يختلف عن تعليم بولس الذي يربط الإيمان مباشرة بذبيحة المسيح الفدائيّة وبالتبرير. 
وينهي فيلون مقالته عن حياة إبراهيم فيبرز محافظته المسبقة على الشريعة. وإليك كيف يفسر تك 26: 5: "لم يحصل على تعلّم النصوص المكتوبة. ولكن دفعته الفطرة (غير المكتوبة) فاهتمّ بأن يتبع وثبات سليمة لا عيب فيها. هذه هي سيرة الأوّل (مؤسّس النسل) وهي سيرة تطابق الشريعة التي هي دستور غير مكتوب".

4- إكرام الشريعة في الديانة اليهوديّة
الشريعة أو التوراة تدلّ على توصيّة وتعليم وشريعة. في البداية التوراة هي جواب الكاهن لمن يسأله سؤالاً في المعبد (تث 33: 10). ثمّ عنت التوراة مجموعة الفرائض (شريعة الذبائح). ولكنّ الأنبياء احتفظوا بمعنى التعليم (إر 31: 33، الشريعة المكتوبة في القلوب). وحين أعلن عزرا توراة موسى (نح 8: 1 ي) حدّد معاني الكلمة: خمس كتب البنتاتوكس. واتّسع معنى الكلمة فدلّ على كلّ العهد القديم أي الشريعة والأنبياء والكتب. فالشريعة في نظر اليهوديّة هي الجزء الجوهريّ، والجزء يعطي اسمه للكلّ. 
وبسبب أهمّيّة الشريعة سُمّيت الديانة اليهوديّة ديانة الشريعة. هنا نفهم مهاجمة يسوع للفرّيسيّين وكلام بولس عن التبرير بالأعمال. ولكن إذا أردنا أن نتعرّف إلى اليهوديّة، يجب أن لا نكتفيَ بقراءة المشناة (مجموعة القوانين)، بل نتعرّفَ إلى سائر الكتب التي لا تحتوي الفتاوى الدقيقة وحسب، بل تتضمّن روحانيّة حيّة. إليك هذه الجملة المأخوذة من مز 119: 1: "طوبى للذين سلوكهم بلا عيب، للذين يسيرون في شريعة الربّ".
وتأمّل ابن سيراخ في أصل الحكمة على خطى الحكماء فعرض الشريعة التي كتبها موسى كتجسيد للحكمة التي جاءت إلى إسرائيل مثل نهر الفردوس (سي 24: 23- 24). وقدّمها على أنها "شريعة الحياة" (سي 17: 11)، شريعة الحياة والعقل (سي 45: 5). ولعب معلّمو الشريعة دورًا رئيسيًّا حين علّموا الشعب أنّهم بها يحصلون على الخلاص.
الشريعة هي في قلب الحياة اليهوديّة. ويعبّر الرابّانيّون عن عظمتها فيعدّدون رموزها. ولنعط مثلاً هذا التفسير لنص تث 33: 2: "من يمينه تتفجّر لهم دفقات نور. ينبّهنا الكتاب أنّ كلمات الشريعة تشبهُ النور. فكما أنّ النور أعطي من السماء، كذلك أعطيت كلمات الشريعة من السماء. وكما أنّ النور حياة للعالم، كذلك كلمات الشريعة حياة للعالم".
أُعلنت الشريعة على سيناء وهي لا تتبدّل، وكلماتها لا تزول. وفي الحرب بين ذرّيّة المرأة والحيّة، تكون الشريعة الملاذَ الوحيد كما يقول الترجوم الفلسطينيّ في تك 3: 15: "أجعل عداوة بينك وبين المرأة، بين أبنائك وأبنائها. وحين يحفظ أبناؤها الشريعة (وهذا ما وجب على آدم أن يفعله حسب ترجوم تك 2: 15) ويتمّمون الوصايا يصيبونك ويحطّمون رأسك ويقتلونك. ولكن حين يهملون وصايا الشريعة تصيبينهم، تغضبيهم وتحرجينهم. ولكن سيكون دواء لأولادها لأنهم مهيّأون لأن يصنعوا السلام في النهاية، في يوم الملك المسيح".
أمّا تفسير بولس لنصّ تك 3 فهو يتعارض جذريًّا وهذا التفسير. فالوصيّة هي سبب الخطيئة والموت (روم 5: 12- 21) "لأنّ الوصيّة التي هي للحياة قادتني أنا إلى الموت، لأن الخطيئة اتّخذت من الوصيّة سبيلاً فخدعتني بها وقتلتني" (روم 7: 9- 10). 

د- تصميم الرسالة إلى غلاطية
1- العنوان وتوجيه الكلام إلى الغلاطيّين (1: 1- 10).
بولس رسول ورسالته تتعلّق بالمسيح القائم من الموت. أمّا التحيّة فتلخّص إنجيل الربّ يسوع المسيح المصلوب الذي ينتزعنا من العالم القديم. ليس إلاّ إنجيل واحد، وهو الذي بشّر به بولس الغلاطيّين (1: 5- 10). وهنا يهتف بولس: يريدون أن يغيّروا إنجيل المسيح.

2- القسم الأوّل: الأصل الإلهيّ لإنجيل بولس (1: 11- 2: 21)
- إنجيل بولس من الله (1: 11- 12)، دُعي بولس "رسول الأمم" (13:1- 24). وهو لم يتلقَّ إنجيله من البشر، بل بوحي من المسيح الذي دعاه. فمنذ ارتداده ذهب إلى جزيرة العرب، وبعد ثلاث سنوات صعد إلى أورشليم فالتقى بطرس ويعقوب. ولكنّ كنائس اليهوديّة لم تتعرّف إليه. يعود بولس إلى ماضيه كمضطهد وإلى رؤيته ليسوع المسيح وتبشيره وزيارته لأورشليم، ويعلن أنّ حربه هي من أجل حقيقة الإنجيل والحرّيّة المسيحيّة. ومرّت 14 سنة فصعد بولس ثانية إلى أورشليم وتمّ الاتّفاق مع يعقوب وبطرس ويوحنّا (2: 1- 10). ويعود بولس إلى حادثة أنطاكية وإلى طريقة مواجهة بطرس (2: 11- 14). وينتهي هذا القسم بعرض القضيّة: الله يبرِّر اليهود والوثنيّين بالإيمان بالمسيح (2: 15- 21). وهكذا يشدّد بولس على ارتداده واجتماعه بالمسؤولين في أورشليم وعلى حادثة أنطاكية فيُدْخِلُ الغلاطيّين في إطار حياته الشخصيّة.

3- القسم الثاني: الشريعة والإيمان، البرهان الكتابيّ (ف 3- 4)
التبرير بالإيمان يُتمّ العهد لإبراهيم. ويعود بولس إلى خبرة الغلاطيّين: كيف قبلوا الروح (3: 1- 5)؟
بَركة إبراهيم: نحصل عليها بالإيمان لا بأعمال الشريعة (3: 6- 14). يقدّم بولس برهانًا كتابيًّا ليبيّن حقيقة الإنجيل. وصلت بركة إبراهيم إلى الوثنيّين في يسوع المسيح فحصلنا على الإيمان بالروح.
ويقدّم بولس برهانًا قانونيًّا: جاءت الشريعة بعد العهد، وهي لا تستطيع أن تبدّل العهد الذي يمنح البركة لإبراهيم (3: 15- 18).
دور الشريعة دور عابر، ونحن وارثو إبراهيم بعد أن صرنا واحدًا في المسيح. تدخّلت الشريعة من موسى إلى يسوع المسيح (3: 19- 20) فكشفت للإنسان عصيانه أو أثارت الخطيئة فبدت قاتلة أو وضعت سدًّا للخطيئة إلى مجيء المسح. أجل، لعبت الشريعة دور المربّي (كالعبد الذي يرافق الولد إلى المدرسة) فهيّأت لمجيء المسيح (3: 21-29). وهكذا صار المؤمنون أبناءً بروح الابن (4: 1- 11). انتقلوا من عبوديّة الشريعة إلى حرّيّة أبناء الله. ويُبرز بولس المعارضة بين الماضي والحاضر، ويطبّقها على الغلاطيّين. تعلّق الغلاطيّون ببولس الذي أصابه مرض خطير، فكيف يعاملونه الآن وكأنّه عدوّ؟ هل نَسُوا رسولهم (12:4-20)؟
ويقدّم بولس تفسيرًا رمزيًّا عن زوجتَيْ إبراهيم: سارة وهاجر، الحرّة والخادمة. فيرسم دور العهدين. نحن أبناء سارة بالروح وننتمي إلى أورشليم السماويّة (21:4-31).

4- القسم الثالث: الحرًّية المسيحية: الحياة حسب الروح (5: 1- 6: 10)
يجب أن نختار بين المسيح من جهة والختان وممارسة الشريعة من جهة ثانية (5: 1- 6). ويتوجّه بولس ضدّ الذين يقطعون الطريق على الغلاطيّين ويدعونهم إلى الختان (5: 7- 10). فهل أُبطل عثار الصليب (5: 11- 12). وهل نَسُوا أنّ المسيح افتدانا من أجل الحرّيّة؟
ويتحدّث بولس عن الحرّيّة المسيحيّة وشريعة المسيح. فحرّيّة المؤمن هي في أن يحبّ القريب. فيجب أن نترك الروح يسيّرنا لكي نتجنّب أعمال الجسد. ويقدِّم لنا بولس في لائحتين متوازيتين: أعمال الجسد وثمر الروح (5: 13- 25). ويحدّثنا أخيرًا عن شريعة المسيح والحياة في الجماعة (5: 26- 6: 10). لسنا أمام شرائعَ جديدةٍ تحلّ محلّ الشرائع القديمة. فلا فريضة إلاّ فريضة المحبّة التي تشكّل العنصر الذي يكوّن طريقة عيش المسيحيّ الجديدة.

5- الخاتمة وتوقيع بولس (6: 11-18)
لا يكتفي بولس بأن يمليَ رسالته، بل يكتب بيده بحروف كبيرة الخاتمة التي هيّ ملخّص كلّ رسالته. هم يفرضون الختان لتفتخروا به. أمّا أنا اليهوديّ فلا أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح. فعلى الغلاطيّين أن يختاروا. وتنتهي الرسالة بالتمّني الأخير: لتكن مع روحكم نعمة ربّنا يسوع المسيح.

هـ- التعليم في الرسالة إلى غلاطية
تحدّث بولس في هذه الرسالة عن فاعليّة عمل المسيح الذي سلَّم نفسه إلى الموت من أجل خطايانا، فأقامه الله (1: 1 ي).
قبل مجيء المسيح كان الناس كلّهم تحت سلطة الخطيئة، الوثنيّون منهم، واليهود الذين لم يستطيعوا أن يستندوا إلى الشريعة لتخلّصهم منها. ما أعطيت الشريعة لتقيم البرّ وتعطيَ الحياة (3: 24). ولكنّها عبّرت عن متطلّبات الله فأفهمت الإنسان عجزه بعد أن اختبر أنّه لا يقدر أن يتجاوب معها بقواه الخاصّة.
كان الوثنيّون واليهودُ في الوضع نفسه، والوارث لا يتميّز في شيء عن العبد ما دام قاصرًا (4: 1). كلّهم خضعوا لعناصر العالم الأوّليّة (4: 3) وهي عناصر ضعيفة وحقيرة (4: 9) تميِّز هذا العالمَ الفاسد الذي جاء المسيح يخلّصنا منه (1: 3).
ارتبطت هذه العناصر بالأصنام عند الوثنيّين (4: 8)، وبالملائكة الذين آمْلَوُا الشريعة (3: 19) عند اليهود، وهكذا حُبس اليهود والوثنيّون تحت سلطان الخطيئة (3: 22).
ولكنّ اليهود اخِتيروا ليحملوا عهدًا شاملاً أعطي لأبيهم (3: 8) إلى أن يأتيَ المسيح الذي فيه صارت البركة والميراث واقعًا ملموسًا (3: 19). فالمسيح هو من نسل إبراهيم وهو ابن الله أيضاً (2: 20) وقد أرسله الآب ليفتديَ الذين كانوا خاضعين للشريعة (4: 4). لهذا أخذ على عاتقه، بموته على الصليب، اللعنة التي استحقّها اليهود لأنهم لم يمارسوا كلّ الوصايا. وضع حدًّا للشريعة فصار الوعد بالبركة واقعًا لجميع الشعوب. 
لم يتعرّف اليهود إلى المسيح في شخص يسوع فخسروا كلّ امتياز. لم يعد وضعهم وضع نسل المرأة الحرّة، بل نسل الأمة (4: 22- 29). أمّا الذين يؤمنون بالمسيح، أكانوا يهودًا أم وثنيّين، فهم أبناء الله. والمعموديّة التي يقتبلونها باسمه هي شهادة إيمانهم وعلامةُ تحوّلٍ علويٍّ يصنعه الله فيهم. هذا ما تعنيه العبارة: "عرفتم الله، بل عرفكم الله" (4: 9). فالمعموديّة تُلْبِسُهُمُ المسيح (3: 26 ي) بحيث يتحقّق فيهم ما تحقّق فيه أي موته عن الخطيئة وقيامته. صارت حياته حمياتهم (2: 19 ي)، وصاروا فيه أبناء إبراهيم ووارثين حسب الموعد (3: 29).
كلّ هذا بأتيهم بالروح الذي هو موضوع الوعد الحقيقيّ (3: 14). فهو يحمل إليهم الحياة (3: 21) وهو ذاته حياتهم (5: 25). مثل هذه الحياة هي، في الإيمان، علامة البارّ، وثمرة التبرير، وحياة لله (2: 19).
غير أنّ المشاركة في حياة المسيح مهدَّدة ما دام المسيح لم يتكوّن فيهم (4: 19). بعد أن عاشوا بالروح وصاروا خليقة جديدة (6: 15) فلا يجب عليهم أن يتصرّفوا حسب رغبات الجسد (5: 19- 21) بل بدافع من الروح (5: 25). الإيمان الحقيقيّ يعبَّر عنه بالمحبّة (5: 6) وممارسة الخير تجاه كلّ إنسان (6: 10). هكذا يُتمّ المؤمن شريعة المسيح (2:6).
وهكذا لا تتعارض الأعمال والإيمان بل تتكامل. فكلاهما تعبير عن حياة المسيح والروح في المؤمنين. هذه الحياة التي وُلدت في الإيمان تظهر في نشاط المحبّة. والمحبّة كالإيمان تعبير عن حياة المسيح الذي أسلم نفسه لأجلنا حبًّا بنا (2: 20).

و- الجسد والروح في غل
يعارض بولس في غل كما في روم الجسد والروح. فلنبعد الفكرة التي تجعلنا نعارض الجسد والنفس، أو التي تحصرنا في المستوى الأخلاقيّ. فالأنطروبولوجيا السامّية التي ورثها بولس تعتبر الإنسان كلاًّ واحدًا فتنظر إليه تارة من وجهة الجسد وتارة من وجهة الروح. فالجسد يشير إلى الإنسان في ضعفه الفطريّ، والروح إلى القدرة الآتية من الله والتي تُعطى للإنسان.
حين تحدّث بولس عن حياته الإيمانيّة في الجسد (2: 20) لم يذكر الصراع الداخليّ الذي يحسّ به، بل المحن (محن الصحّة والاضطهاد) التي يفرضها عليه تماثله مع المسيح المصلوب (2: 19؛ 4: 13- 14؛ 6: 17). وحين أعلن أنّه لم يستشر اللحم والدم (أي البشر) فهو لا يقدّم حكمًا أخلاقيًّا على سلطات أورشليم (1: 17)، بل يشدّد على أن دعوته تتعلّق برؤيته ليسوع المسيح. وحين يلوم الغلاطيّين الذين يتابعون بالجسد ما بدأوه بالروح، فهو لا يتّهمهم بالفلتان، بل يوبّخهم لأنّهم وضعوا ثقتهم في ممارسات مضحكة بعد أن نالوا روح الله. والمعارضة بين الجسد والروح في 4: 23 تقوم في النطاق الأخلاقيّ: وُلد إسماعيل من الجسد، أي حسب نواميس الولادة البشرّية، وُولد إسحق حسب الروح لتتم مواعيدُ الله.
وسوف ننتظر ف 5 لتتّخذ المعارضة بين الجسد والروح قيمة أخلاقيّة خاصّة. هذه المعارضة تجد ما يقابلها في نصوص قمران. نحن لسنا أمام ثنائيّة ماورائيّة يتعارض فيها العالم المادّيّ الذي هو عمل إله شرّير وعالم النور الذي هو عمل إله صالح، بل أمام ثنائيّة أخلاقية تربط الإيمان التقليديّ بالله الخالق.
ولنورد بعض النصوص القمرانيّة التي تشدّد على ميل الإنسان إلى الشرّ بسبب ضعف جسده. "أنا أخصّ الطبيعة الخاطئة وجماعة جسد الإثم. فذنوبي ومعاصيَّ وخطايايَ وضلالُ قلبي تدلّ على جماعة آخرتها الدود". ويتابع صاحب هذا المزمور كلامه فلا يستسلم إلى اليأس بل يضع ثقته في برِّ الله أي في أمانته للعهد ويقول: "إن تزعزعتُ فنعم الله تكون خلاصي إلى الأبد. وإن زلقت بسبب إثم الجسد فدينونتي في عدالة الله الثابتة إلى الأبد".
هذا الحسّ بالخطيئة وهذا الميل إلى التطهير بالروح هيّأ تعليم بولس عن التبرير. أمّا انغلاق جماعة قمران فمنعها من تقبّل كرازة يسوع المسيح وبولس الرسول. ثمّ إنّ روح الله لا يظهر كشخص حيّ في قمران، أمّا نصوص غل 4: 5-7 مثلاً فهي ترى في الروح العلاقة الحيّة والشخصيّة بين الابن والآب.

ز- الحرّيّة المسيحيّة حسب القدّيس بولس 
تطرّق بولس إلى الحرّيّة في 1 كور من الوجهة اليونانيّة وما خاف أن يقدّم نفسه مثالاً ونموذجًا قال: "ألست حرًّا... بلى، أنا رجل حرّ عند الناس، ولكنّي جعلت من نفسي عبدًا لجميع الناس حتّى أربح أكثرهم" (1 كور 9: 1، 19). أمّا في غل فينظر إلى الحرّيّة من وجهة اليهود ويضع نصب عينيه مسألة الشريعة. 
فالحرّيّة التي يكرز بها بولس تقابل الدعوة المسيحيّة. هو لا ينظر إلى الحرّيّة كالفلاسفة الذين يبحثون عن ميزات الطبيعة البشرّية، بل يضع نفسه على المستوى الدينيّ. وهذا النداء إلى الحرّيّة يرتبط بالمخطّط الخلاصيّ الذي يكشفه لنا الوعد المُعطى لإبراهيم.
وهذه الحرّيّة لا تستطيع أن تنبسط إلاّ بفضل الفداء الذي تمّ في المسيح (5: 1): فداء بالنسبة إلى وضع الخطيئة التي انغمست فيها البشرّية (وستوضّح روم هذه النقطة)، وفداء بالنسبة إلى وصاية الشريعة التي لم تَشفِ الإنسان بل أثارت معصيته (3: 19). 
وتتميّز الحرّيّة المسيحيّة أوّلاً بأنّها حياة بنويّة (4: 4- 7). فتفرض علينا أن نرذلَ كلّ فكرة خاطئة عن الله (الشرك، السحر) ونتعرّفَ إلى الله أبي يسوع المسيح الذي نقول له: أبّا، أيّها الآب. فالوجهة اللاهوتيّة تسيطر على الوجهة الأخلاقيّة. فبعد الارتداد إلى الله الآب تبدأ الحرب على شهوات الجسد. والتأمّل في حبّ الله العجيب الذي أوحى به صليب المسيح يتيح لنا أن نجاهد لنتحرّر من استبداد الخطيئة بنا.
وتتفتّح الحرّيّة المسيحيّة في الخدمة المتبادلة، في مناخ المحبّة الذي تُصَوِّره 5: 22 ي. هذه الحرّيّة لا تغلق الإنسان على اكتفاء ذاتيّ، بل تدفعه نحو الآخرين كما دخل يسوع ذاته حبًّا بنا (2: 20).
الروح القدس هو الفاعل الحاسم. فلنسلك في طريق الروح (5: 25)، لأنّه حيث روح الربّ فهناك الحرّيّة (2 كور 3: 17). يشير بولس في غل بصورة خاصّة إلى كلّ الفرائض التي تجعلها الشريعةُ شبكةً تحيط بحياة اليهود اليوميّة. فهذه الحياة على الطريقة اليهوديّة (2: 12) غير مقبولة لدى الوثنيّين المدعّوين إلى الإيمان بيسوع المسيح، وليست مرذولة لديهم: فلا يعارض بولس أن يداوم مسيحيّون حول يعقوب على اتّباع الشريعة شرط أن لا يجعلوها شرط خلاص لهم ولغيرهم. ففي كلّ عصر يبرز خطرُ أن نجعلَ الأعمالَ تمرّ قبل حرّيّة الروح. وتأتي غل فتذكّرنا بأنْ نركّز على تعليم الصليب المحرّر، إنْ في الحياة الروحيّة أو في الحياة الكنسيّة. لسنا أمام حرّيّة من الدرجة الثانية بل أمام حرّيّة متطلّبة لأنّ لا حدود على طريق المحبّة. "ولا أدّي أنّي فزت أو بلغت الكمال، بل أسعى لعلّي أفوز بما لأجله فاز بي المسيح يسوع" (فل 3: 12).
أجل، حدود الحرّيّة المسيحيّة هي حدود المحبّة، وهل للمحبّة من حدود؟

خاتمة: ماذا تَعَلَّمْنَا من الرسالة إلى غلاطية؟
تعلّمنا أولويّة الإيمان. فبولس لا يملّ من أن يذكِّرَنا بأنّ الإنسان يتبرّر بالإيمان، وبأنّ الله هو العامل الأوّل فينا بيسوع المسيح.
وتَعَلَّمْنا صليب المسيح. فغل تجعلنا أمام الصليب في عريه. نحن لا نفتّش عن الألم والفشل، ولكنّنا نكتشف أهمّيّة الانقطاع، ونتعرّف إلى الإيمان الذي يحوِّل الشرّ إلى خير بالمحبّة التي تعطي ذاتها.
وتَعَلَّمْنا الحرّيّة المسيحيّة. فغل هي بيان الحرّيّة وهي تشجب التمسّك بالشكليّات الدينيّة وتدعونا إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الله.
وتَعَلَّمْنا الشموليّة المسيحيّة. كان بولس قاسيًا بالنسبة إلى الشريعة اليهوديّة فرذلها لأنه يريد أن يزيل كلّ حاجز أمام ارتداد الوثنيّين. يبقى علينا أن نكتشف روح الشموليّة هذه فنتجاوز الخصوصيّات لنحيا حقيقة الإنجيل الواحدة فاتحين قلبَنا على الجميع في يسوع المسيح.
الفصل الثامن
الرسالة إلى أهل رومة

الرسالة إلى أهل رومة أهمّ رسائل القدّيس بولس وأطولها، وأغناها من الوجهة التعليميّة، وأفضلها بنيانًا. سُمِّيت رسالة ولكنّها أكثر من رسالة، هي بحث ودراسة مطوّلة عن أعمق ما في الإيمان المسيحيّ. لا شكّ أنّ فكر بولس سوف يغتني فيما بعد في رسائل الأسر، ولكنّه كان من العمق في روم بحيث سمّاها بعضهم وصيّة بولس الأخيرة. هي تتوجّه إلى كنيسة خاصّة، إلى رومة، ولكنّها تعالج مسائل حياتيّة لم يتجرّأ أن يتصدّى لها أحد في الديانة المسيحيّة. لهذا احتلّت مكانة مرموقة في علم التأويل وفي علم اللاهوت، ففسرها أوريجانس ويوحنّا فم الذهب وتيودورويتس القورشيّ وبلاجيوس وأغوسطينس وغيرهم. وستلعب دورًا هامًّا في عصرين مهمّين من تاريخ الكنيسة: في القرن الخامس يوم شدّد البلاجيّون في أفريقيا الشماليّة خاصّة على قوّة الحرّيّة في الإنسان على حساب النعمة الإلهيّة، وفي القرن السادس عشر يوم أعلن البروتستانت مجّانيّة الخلاص وأهمّيّة الإيمان دون الأعمال.
سنحاول قراءة هذه الرسالة فنتعرّف إلى الجماعة التي وُجّهت إليها، والظروف التي أحاطت بكتابتها، والتعليم اللاهوتيّ والأخلاقيّ الذي تتميّز به.

أ- جماعة رومة
كانت رومة عاصمة الإمبراطوريّة كلّها، فكانت تستقبل غنى كلّ البلدان التي احتلّتها، كما كانت تستقبل أناسًا جاؤوا إليها من كلّ أنحاء المملكة. هؤلاء تجمّعوا كلّهم في هذه المدينة التي صارت عالما مصغَّرًا، وزادوا في عدد سكّانها فبلغ في القرن الأوّل المسيحيّ ما يوازي مليون نسمة تقريبًا.
كان مجمل هؤلاء السكان من الطبقة الشعبيّة: مهاجرون أتقنوا الصناعة والتجارة، عبيد معتقون وآخرون ما زالوا في العبوديّة، أبناء أسرى الحرب الذين جاؤوا إلى رومة في القرنين السابقين للمسيحيّة.
وكانت الطبقةُ العالية طبقةَ الأرستقراطيّين الحاكمة. وبدأ يزاحمها على الحكم طبقة الفرسان وقد كانوا من الدرجة الثانية، ثمّ ضبّاط الجيش. ثمّ إنّ العبيد المعتقين ولاسيّما العائشين في ظلال الإمبراطور زاد تأثيرهم في الأمور السياسيّة والاقتصاديّة ووصل بعضهم إلى أعلى المناصب.
أمّا الآتون من الشرق فتجمّعوا وعاشوا في أحياءٍ خاصّةٍ بهم وشكّلوا مجموعة كبيرة. وكان مدنهم اليهود الذين كوَّنوا جالية متناسقة وقويّة. ولقد دلّت الحفريّات على أنّه كان لهم ما لا يقلّ عن ثلاثة عشر مجمعًا وستّة مدافن خاصّة بهم، وعلى أنّ عددهم راوح ما بين أربعين وستّين ألفًا في رومة في القرن الأوّل المسيحيّ. طردهم من رومة قرار كلوديوس (سنة 49)، ولكنّهم عادوا إليها بعد موت هذا الإمبراطور (سنة 54) أو قبل موته بقليل. ونحن نعرف أنّ بولس التقى خلال رسالته في كورنتوس ببعض التجّار اليهود مثل أكيلا وبرسكلّة (أصلهم من البنطس)، الذين تركوا المدينة بعد قرار الإمبراطور (1 كور 16: 19). ويبدو أنّ الذي أثار الاضطهاد عليهم هو الكرازة المسيحيّة التي حملها المؤمنون الآتون من الشرق. هذا ما يقوله المؤرّخ سويتونيوس. ولكنْ متى دخلت المسيحيّة إلى رومة ومتى تنظّمت فيها كنيسة محلّيّة؟ هذا ما لا نجد له جوابًا.
ومها يكن من أمر، فالرسالة إلى رومة تشهد على وجود جماعة مسيحيّة. وسيقول لنا لوقا فيما بعد (أع 28: 15) إنّ الإخوة (المسيحيّين) جاؤوا من رومة للقاء بولس السجين. وكان معظم هؤلاء الإخوة من الطبقة الشعبيّة، وبعضهم كان من اليهود كما تلمّح إليه مقاطع عديدة من روم ولاسيّما 15: 7- 9. ولكنّ الشّراح يختلفون حول نسبة اليهود والوثنيّين في هذه الجماعة. ولكنّ الرأي الذي يأخذ به أكثر الشرّاح هو أنّ الأكثرّية كانت من المسيحيّين الآتين من العالم الهلّينيّ الوثنيّ، بعد أن هرب قسم كبير من اليهود على أثر قرار كلوديوس. فإلى الوثنيّين يتوجّه بولس وهو يرغب أن يجنيَ بعض الثمار الروحيّة عندهم كما عند سائر الأمم (1: 13- 15). وسيعود في النهاية إلى القول نفسه: إنّه يريد أن يقدّم لله الوثنيّين المرتدّين كذبيحة حقيقيّة (15: 15- 16).
هل جاء بطرس إلى رومة وكم قضى فيها من السنين؟ يشهد على علاقة بطرس برومة الرسالة الأولى التي أرسلها البابا إكلمنضوس إلى كورنتوس سنة 95، ورسالة أغناطيوس إلى أهل رومة. وتلمّح 1 بط (5: 13) إلى إقامة بطرس في رومة. إذًا، لا شكّ في مجيء بطرس إلى رومة ولكنّنا نجهل متى جاء إليها. وإذا كانت روم لا تذكر اسم بطرس فلأنّه كان غائبًا عنها أو لم يأت إليها بعد.
يعتقد البعض أنّ المسيحيّين من أصل يهوديّ هم أوّل من حمل بشارة الإنجيل إلى رومة. ومن هذا القبيل نفهم أن تكون جماعة رومة قد تأثّرت ببطرس الرسول. واعتبر البعض الآخر أنّ بطرس ظلّ خمسًا وعشرين سنة يدير كنيسة رومة. ولكنْ لا شيء في التاريخ يسند هذا القول، وكلّ ما نستطيع أن نقوله هو أنّ بطرس أقام في رومة قبل مجيء بولس إليها. وقال آخرون إنّه كان لمسيحيِّي رومة أفكار خاطئة منذ ارتدادهم، يشهد على ذلك مقدّمات لاتينية للرسالة إلى رومة، وهذا ما دفع بولس لأن يكون عنيفًا في بعض مقاطع الرسالة.

ب- لماذا كتبت الرسالة إلى رومة؟
هناك أسباب ثلاثة تجعلنا نعتبر كتابة روم سرًّا ولغزًا. أوّلاً: توجّهت سائر رسائل القدّيس بولس إلى كنائسَ سبق له وأسّسها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو زارها. فما الذي دفعه ليكتب إلى جماعة رومة التي لم يتّصل بها بعد؟ ثانيًا: كيف نفسّر تجرّؤ رسول الأم أن يكتب إلى كنيسة رومة المتّصلة بالقدّيس بطرس وهو الذي افتخر أنه لم يَبْنِ على أساسٍ وضعه غيره (15: 20)؟ ثالثًا: ما الذي دفع بولس إلى تأليف رسائل؟ صعوبات ألمّت بالجماعة أو أسئلة طُرِحَتْ على الرسول. فكيف نفسّر أنّ يوجّه بولس رسالة تعليميّة إلى جماعة غريبة عنه ولم تطرح عليه سؤالاً واحدًا؟
كيف يفسّر الشرّاح هدف القدّيس بولس حين كتب روم؟ هناك خمسة آراء. الرأي الأوّل: الحرب على نقص خطير في جماعة رومة المسيحيّة، ولكنّنا لا نستطيع أن نتكلّم عن نقص خطير على المستوى التعليميّ وبولس يقول: "إنّكم على قسط كبير من كرم الاخلاق، وإنّكم مزوّدون بتمام المعرفة، قادرون على أن ينصح بعضكم بعضاً" (15: 14). الرأي الثاني: أراد بولس أن يهيئ سفره إلى أورشليم قبل أن يعود إلى رومة وإسبانية. ولكن نتساءل: هل كتب بولس من أجل نفسه أم من أجل أهل رومة؟ الرأي الثالث: نحن أمام رسالة دوّارة لا تتوجّه إلى كنيسة واحدة بل إلى كنائس متعدّدة. ولكنْ لا أساس لهذا الرأي. ثمّ، لماذا أُرسلت إلى رومة ولم ترسل إلى غيرها من المدن؟ الرأي الرابع: رغب بولس في أن يعرّف بنفسه وفي أن يطلب المساعدة من كنيسة رومة. ولكن هل كان بولس مجهولاً بعد نشاط طويل ومثمر؟ ثمّ هل إنّ من كتب ما كتب في بداية الرسالة إلى غلاطية يحتاج إلى موافقة أحد على رسالته؟ الرأي الخامس: أراد بولس أن يضع حدًّا للخلاف بين الأقوياء والضعفاء وسط جماعة رومة المسيحيّة. ولكنّ هذا الموضوع جانبيّ ولم يتطرّق إليه بولس إلاّ في ف 14- 15، لهذا نعتبر أيضاً أنّ هذا الرأيَ غيرُ كاف.
هذه الآراء صحيحة ولكنّها غير كافية. وها نحن نقدّم رأيّا يعطي فكرة عامّة عن أفضل الحلول فنعود إلى 13:15- 32 حيث يشركنا الرسول في نواياه، ونقابل معطيات روم وغل عن المسألة اليهوديّة.
فبعد المقطع الطويل (14: 1- 15: 13) الذي حاول فيه بولس أن يُحِلَّ الوحدة في جماعة منقسمة بين أقوياء وضعفاء، نتعجّب حين نسمع مديحًا لهذه الجماعة (15: 14). وإذا كانت الجماعة كاملة فلماذا كلّ هذه التعليمات؟ وبعد هذا اعتذر الرسول لأنّه تجرّأ وكتب ثمّ أردف أنّه ما أراد إلاّ أن يذكّر الرومانيّين بما يعرفون (15: 15). ثمّ يضيف أنّه يفتخر بأنّه لم يحمل الإنجيل حيث كان المسيح معروفًا (15: 20- 21). فهو يشير بهذا إلى جماعة رومة العائشة في ظلّ بطرس. فكيف تجاسر أن يكتب بحثًا طويلاً إلى أهل رومة وفيه ما فيه من تعليم؟ نجيب هنا: كان بطرس على اتّفاق مع بولس على جوهر التعليم المعروض في روم، ولهذا قال بولس إنّه يكتفي بأن يذكّرهم. ولكنْ يُطرَح سؤالٌ ثانٍ : لماذا اهتمّ بولس في كتابة بحث تعليميّ طويل جدًّا؟
هنا نعود إلى 15: 22- 30: عرف بولس، وإنْ كان غريبًا عن جماعة روما، أنّه مُتَّحِدٌ بها روحًا وقلبًا وأنّه يودّ أن يجدَ سرورًا لدى هؤلاء المسيحيّين (آ 24) ويجدَ عندهم بعض الراحة (آ 32) وهو متيقّن أنّه يحمل إليهم بركة المسيح (آ 29). ويُسِرّ إليهم في الوقت ذاته بهمومه ليلة ذهابه إلى أورشليم ليحمل إلى هناك حسنات القدّيسين ويطلب منهم أن يجاهدوا معه في الصلاة لينجو من الكفار الذين في اليهوديّة ويُقبَل الإحسان الذي يحمله إلى أورشليم (آ 30- 31). إذن، يبحث بولس عن خير الرومانيّين الروحيّ وعن خيره أيضاً.
ثمّ إنّ بولس كان قاسيًا في رسالته إلى أهل غلاطية فلم يساوم مع المتهوّدين وأغفل ذكر امتيازات الشعب المختار، بل أنكرها. ففي غل 3 يعتبر أن الشريعة الموسويّة نظام عابر وقد أضيف من أجل المعاصي (غل 3: 19). ويقابل الشريعة بسجّان ثمّ بحارس إلى أن يأتيَ المسيح (غل 3: 23- 24). وفي بداية الفصل الرابع يسمّي العبادة اليهوديّة والعبادة الوثنيّة معًا "أركان العالم" (4: 3، 9). وحين كتب روم أكمل ما حسبه ناقصاً في غل فحارب أفكار المتهوّدين المسبقة ضدّه. إذًا قدّم في رومة قضيّة سيدافع عنها في المدينة المقدّسة. لهذا كتب ف 9- 11 وشدّد على امتيازات الشعب المختار في الخطط الخلاصيّ. فالمسيح هو من ذرّيّة داود (1: 3). واليهوديّ هو قبل اليونانيّ (1: 16؛ 2: 9- 10). وقال: "ما هو تفوّق اليهوديّ؟ وما نفع الختان؟ كبير من كلّ وجه" (3: 1- 2). وقال أيضاً: "أفنُبطل بالإيمان عملَ الشريعة؟ معاذ الله، بل نُثْبِتُ الشريعة".

ج- متى كتبت الرسالة ومن أين أرسلت؟
يختلف الشرّاح في تحديد التاريخ، ولكنّهم يعتبرون أنها كتبت بين السنة 55 والسنة 58، ولكنّ الرأي الأصحّ أنّها كتبت سنة 57 وأرسلت في ربيع 58، ساعة تبدأ الرحلات البحريّة.
نحن في زمن نيرون (54-68) والتوتّر على أشدّه في فلسطين، والمقاومة تتهيّأ ضدّ الرومان مع أصحاب السيوف وغيرهم. ثمّ إنّ ما يؤثّر في يهود فلسطين يؤثّر في يهود الشتات. وهنا نتذكّر قضيّة التمثال الذي أراد الإمبراطور كاليغولا أن يضعه في هيكل أورشليم سنة 40. كانت هذه المحاولة سببًا لجرح بليغ في قلب كلّ يهود ذلك الزمان. وبدأ هجوم اللصوص وقطاع الطرق وأصحاب السيوف، يسندهم بأفكارهم "أنبياء" من نوع خاصّ (أع 5: 36؛ 21: 38) فيمنعون عنهم اللامبالاة. وفي سنة 59- 60 ستشاهد قيصريّة عاصمة فلسطين الرومانيّة ثورة اليهود ضدّ السلطة وهمّهم أن يحصلوا على حقوق تساويهم بالوثنيّين. مقابل هذا، زاد عداء الوثنيّين لليهود في الإسكندريّة وفي غيرها من المدن. هذا المناخ السياسيّ والدينيّ، وهذا العنف المتصاعد، لم يكونا غريبَيْن عن بولس حين كتب روم، فحاول أن يتّخذ طريقًا تحاول أن تجابه حالة تزداد خطورة. حين كتب غل ما خاف أن يشحذ التوتّر بين الفِرَق داخل الجماعة المسيحيّة الواحدة. ولكنّه يعود الآن إلى الهدوء ويتطرّق إلى مسألة علاقات اليهود (بمن فيهم المتهدوّدين) والمسيحيّين الآتين من الأمم.
من أين كتبت روم؟ من اليونان، وبالتحديد من كورنتوس. هذا ما يتّفق عليه معظم الشرّاح.
أجل، حين أملى بولس رسالته على ترسيوس (16: 22)، كان في كورنتوس عند غايوس مضيفه ومضيف الكنيسة كلّها (23:16؛ رج 1كور 1: 14-15). وهو يستعدّ لأن ينطلق إلى أورشليم (15: 25-33) حاملاً حصيلة اللمّة التي نظّمها في مكدونية وأخائية من أجل القدّيسين المعوزين في أورشليم (15: 25- 26).
قضى بولس ثلاثة أشهرٍ في كورنتوس (أع 20: 3) في نهاية رحلته الرسوليّة الثالثة التي كُتبت فيها 1 كور و 2 كور وغل وفل. وهو يجد نفسه في نهاية حقبة متقلّبة من نشاطه الرسائليّ واللاهوتيّ. بل ينطلق بفكره إلى رومة وإسبانية (15: 24). ولكنّه قلق: كيفا ستنتهي رحلته إلى أورشليم؟ فهو يحسّ مسبقًا بالصعوبات التي تنتظره (15: 30- 31). ويؤكّد هذه المخاوف سفرُ أعمال الرسل: "وأنا اليوم ذاهب إلى أورشليم بدافع من الروح القدس، لا أعرف ما يصادِفُني هناك. غير أنّ الروح القدس كان يحذِّرني في كلّ مدينة من أنّ القيود والمشقّات تنتظرني" (أع 20: 22-23). 
وصلت إلى بولس بعض المعلومات عن جماعة رومة بواسطة الذين التقاهم في هذه المدينة أو تلك، فوضع بعض النقاط على الحروف بالأخصّ فيما يتعلّق بكرامة ودعوة شعب الله (3: 1ي؛ 9: 1ي). سيذهب بولس إلى رومة وستستقبله الجماعة هناك دون أن تشكّ في تعليمه. لهذا عرض طريقته لفهم إنجيل المسيح وأفاد من المناسبة ليعطيَ تعليمًا عرض بعضه على كنائس غلاطية: إنّ الله يعطي الخلاص مجّانًا لكلّ الذين يؤمنون بالمسيح. انطلق من دعوته المسيحيّة والرسوليّة (غل 1: 12، 16) ومن أحداث رسالته حيث جابه اليهود والمتهوّدين، فعمّق هذا الموضوع الأساسيّ في كرازته. حمله إلى الشرق وسوف يحمله إلى الغرب. لهذا كتب رسالته.

د- تصميم الرسالة إلى رومة
قضيّة تصميم الرسالة قضيّة مهمّة جدًّا في روم اكثر منها في سائر الرسائل. فكلّ من 1 تس، 2 تس، فل، غل كتبت في ظرف معيّن فجاءت بنيتها صدفة واتّفاقًا. إنّ 1 كور تتضمّن سلسلة من الأجوبة على أسئلة، أو توسّعاتٍ في مواضيعَ تهمّ الحياة اليوميّة في الجماعة. وإنّ 2 كور كُتبت في اطار من الدفاع عن أساس رسالة بولس. أمّا روم، وبالأخصّ ف 1- 11، فهي بحث يتألّف من نقاط تعليميّة. من هنا أهمّيّة التصميم ليبدوَ البحث واضحًا. ولكنِ اختلف الشرّاحُ في التصاميم التي قدّموها لأنّهم اختلفوا حول هدف بولس الأساسيّ.
هناك قسم أوّل (ف 1- 11) تعليميّ بمجمله، وقسم ثان (ف 12- 15) أخلاقيّ ثمّ السلامات وكلام الوداع (ف 16): وها نحن نقدّم تصميمًا وتحليلاً للرسالة داخل هذا الإطار العامّ.

1- المقدّمة (1: 1- 17)
بعد السلامات المعتادة يقدّم بولس نفسه على أنّه رسول الأمم (1: 1- 7) ويشكر الله من أجل إيمان كنيسة رومة ويخبرها برغبته في أن يزورها (8:1- 15) ثمّ يقدّم موضوعه: إنجيل البرّ في الإيمان (1: 16- 17).

2- القسم التعليمي (1: 18- 11: 36)
بالإيمان في الإنجيل ينتقل البشر من غضب الله إلى برّه الخلاصيّ. هنا يبدأ القسم الأوّل وعنوانه: الإنجيل قوّة لكلّ من يؤمن، وينتهي في 11: 36.

أ- من غضب الله الى برّه (18:1-26:4)
* ظهر غضب الله... (1: 18)
- على الأمم (1: 18- 32) التي لم تعبد الله ولم تشكره. رفضوا متطلّبات الله المشروعة، ولو أرادوا لاستطاعوا أن يتأمّلوا الله في خلقه. ولكنهم لم يفعلوا. لهذا غرقوا في الخطايا.
- على اليهود (2: 1- 3: 20) الذين عرفوا الشريعة ومارسوا الختان، إلاّ أنّهم ظلّوا بعيدين عن الخلاص، شأنهم شأن سائر البشر. ولكن بين الأم من يحفظون شريعةَ الله المكتوبة في قلوبهم. هم لم يعرفوا نظام الشريعة ولكنهم عاشوا حسب نظام الروح. وهكذا، فكل البشر خاطئون كما يقول الكتاب وهم يستحقون عقاب الله.

* ولكن ظهر بر الله (3: 21)
- برّ خلاصيّ أعطي لجميع المؤمنين بموت يسوع الفِدائيّ ولم يُعطَ لغيرهم (21:3-31).
- لا يعارض الكتاب هذا القول، ويدلّ على ذلك مَثل إبراهيم. حُسب له إيمانُه بقدرة الله بِرًّا. ولهذا فهو أبو كلّ المؤمنين (4: 1- 25).
(5: 1- 8: 39): حُمل يسوع إلى جميع البشر بالإيمان فأحّل محلّ نظام الشريعة الدينيّ نظام الروح.

ب- من الموت إلى الحياة (5: 1- 6: 23)
- نحن بالإيمان ننال النعمة، لأنّ الله، حين أرسل ابنه، صالحنا معه وأعطانا المحبّة بروحه (5: 1- 11). لهذا، كما أدخل آدم إلى العالم الخطيئة والموت، كذلك أدخل المسيح آدم الجديد، النعمة والبرّ والحياة (5: 12- 21).
- تعمّد المسيحيّون في موت المسيح فماتوا عن الخطيئة وما عادوا يتحمّلون سلطتها عليهم. فبسبب المسيح نالوا حياة جديدة هي مشاركة في قيامته (6: 1- 11). تحرّروا من الخطيئة فوجب عليهم أن يعيشوا في طاعةٍ لله تقودهم إلى القداسة والحياة الأبديّة (6: 12- 23).

ج- من نظام الشريعة إلى نظام الروح (7: 1-8: 39)
- حصل لنا المسيح بموته على التحرّر من نظام الشريعة الدينيّ (7: 1-6)، ولكنّ هذا لا يلغي الواقع أنّ الشريعة صالحة ومقدّسة وروحيّة. غير أنّ الإرادة والعقل ما استطاعا أن يؤمّنا ممارسة الشريعة لدى الخاطئ: فالشريعة أكثرت الخطيئة التي تقود إلى الموت (7:7-25).
- ولكنّ الله حكم على الخطيئة في جسد المسيح ليستطيع المؤمنون الذين عاشوا حسب الروح وتحرّروا من سلطان الخطيئة أن يتمّوا متطلّبات الشريعة ويحصلوا على رجاء القيامة (8: 1- 11). صاروا بالروح أبناء الله ووارثين مع المسيح (8: 12- 17) فنالوا رجاءً شاركتهم فيه الخليقةُ كلّها. وحين قيامة الأجساد يتمّ تبنيّنا على يد الله (8: 18-30). وينهي بولس هذا العرض بنشيد الرجاء المسيحيّ (8: 31- 39). 

د- بنو اسرائيل ومخطط الخلاص (9: 1- 11: 36)
رفض بنو إسرائيل مؤقّتًا المسيح يسوع، ولكنّ رَفْضَهم لا يقف حاجزًا أمام شموليّة مخطّط الله الخلاصيّ.

* لم يؤمن الشعب المختار (9: 1-33)
- إنّ الموقف الذي اتّخذته جماعة إسرائيل تجاه الإنجيل طرح عل بولس مشكلة أحسّ بها في أعماقه وتألّم لها: فرغم الامتيازات الممنوحة للشعب كلّه (9: 1- 5)، صار قسمٌ بسيط من هذا الشعب أبناءَ الوعد (6:9-33).
- وهذا حصل لا بسبب ظلم الله الذي أظهر رحمته حين دعا الوثنيّين إلى نعمته (9: 14- 24). ولكنّ هذا يبيّن صدق الكتاب الذي أنبأ أنّ بقيّة تبقى فقط (9: 25- 33).

* جهلَ الشعبُ المختار برَّ الله فلا عذر لهم (10: 1- 21).
- طلب اليهود بِرَّهُمُ الخاصّ فجهلوا بِرّ الله الذي جعل المسيح غاية الشريعة (10: 10-4)، وهذا ما يوافق الكتاب الذي يعلن خلاص الناس بالإيمان (10: 5- 13).
- ما طلب اليهود الربّ، مع أنّ صوت المبشّرين وصل إلى أقاصي الأرض. إذن لا عذر لهم لأنّهم شعبٌ عاصٍ وعنيدٌ (10: 14- 21).

* مخطّط الله ومستقبل شعب إسرائيل (11: 1-36):
- لم يرذل الله شعبه، ولكنّه اختار له منذ الآن بقيّة وَسْطَ الجماعة العاصية (11: 1-10). ولكن إذا كان سقوط اليهود سببًا لخلاص الأمم فأيّة نعمة يجلبها رجوعهم (11: 11-15)؟
- فالأمم أغصان زيتون برّيّ طُعِّموا على زيتون جوّيّ هو شعب إسرائيل (11: 16- 24). دخولهم كمجموعة في طريق الخلاص يدعو إلى الخلاص كلّ إسرائيل الذي من أجله كان نداء الله وعطاياه. وهكذا حُبِس جميع الناس في الخطيئة لينالوا في النهاية رحمة الله (11: 25-23).
- وينتهي تأمّل هذا السرّ بنشيد شكر (33:11-36).

3- القسم الأخلاقي (12: 1- 15 : 13 )
* مقدمة: تطبيق على الحياة المسيحيّة كلها
ويرتبط القسم الأخلاقيّ (12: 1- 15: 13) بالتوسعّ السابق فيعلن القاعدة الأساسيّة: حين يُتمّ المؤمنون إرادة الله يحيَوْنَ الحرّيّة المسيحيّة فتصبح حياتهم ذبيحة حيّة ومقدّسة لمجد الله (12: 1- 2).

* قواعد من أجل حياة الجماعة (12: 3- 21)
- ويستنتج المؤمن أوّل قول عن حياة الجماعة حيث يوزّع الله مواهبَ متنوّعةً. فعلى كلّ واحد أن يستثمرها من أجل بناء جسد المسيح الذي هو الكنيسة (12: 3- 13). 
- وتتوسّع هذه النظرة في دعوة إلى البركة والفرح وحبّ الأعداء (14:12-21).

* قواعد تحدّد موقفنا أمام السلطات المدنيّة (13: 1- 7)
تعيش الجماعة المسيحيّة في عالم وثنيِّ فلا قانون أساسيًا لها. فيجب أن يتحلّى موقف أعضائها بالصدق نحو السلطات المدنيّة من أجل الضمير.

* رجوع إلى قواعد الحياة الجماعيّة (13: 8- 14)
تتضمّن وصيّة المحبّة سائر الوصايا (13: 8- 10)، وتمارَس في إطار الرجاء الإسكاتولوجيّ (13: 11- 14).

* تطبيق على جماعة رومة (14: 1-13:15)
عرف بولس أنّ هناك مجابهة بين الذين يسمّون أقوياء والذين يسمّون ضعفاء. فيوصي الفريقين بالتقبّل والاحترام المتبادلين (14: 1- 22). فهناك طرق عديدة تساعدنا على أن نحيا حياة مسيحيّة حقيقيّة تمجّد الله (15: 1- 6). وهكذا يمجد اللهَ معًا المختونون وغيرُ المختونين.

4- الخاتمة (15: 14- 16: 27)
* رسالة شخصيّة (15: 4- 33)
ويصل بولس إلى الأخبار الخاصّة. يذكر أنّه ينوي أن يسافر إلى الغرب مارًّا في رومة. أمّا الذي دفعه إلى أن يتجرّأ ويكتب إلى أهل رومة حيث لم يبشّر بالإنجيل، فدعوته كرسول للأمم.

* توصيات وسلامات (16: 1- 16)
ويوصي بولس بفيبة التي حملت الرسالة، ويورد لائحة بمن يسلّم عليهم.

* زيادات أخيرة (16: 17- 27)
- نقرأ هنا تحذيرًا إلى المتهوّدين في الجماعة (16: 17- 20).
- وترد سلامات رفاق بولس ولاسيّما ترسيوس سكرتيره (16: 21-23).
- وزيدت أيضاً: نعمة ربّنا يسوع المسيح عليكم أجمعين. آمين (16: 24).
- المجدلة الأخيرة (16: 25- 27) تستعيد مواضيع إنجيل بولس الرئيسيّة وتذكّرنا بـ 1: :16- 17 فتشكّل تضمينًا ناجحًا.

هـ- الفنّ الأدبيّ في الرسالة إلى أهل رومة
تحدّثنا عن الظروف التي أحاطت بالرسالة إلى أهل رومة ولم نكشف كلّ الأسرار، إلاّ أنّ طبيعة هذه الرسالة تبقى لغزًا علينا. هل نحن أمام بحث تعليميّ أو رسالة كُتبت في ظرف من الظروف، أو رسالة كالرسائل البولسيّة؟
نحن أوّلاً أمام بحث لاهوتيّ، ولكنّه لا يتضمّن كلّ تفكير الرسول اللاهوتيّ. فهذا البحث هو عرض لما يسمّيه بولس "إنجيله" (2: 16؛ 16: 25) وقلب البشرى التي يحملها إلى الأمم. من هنا قال البعض إنّ بولس لم يكن يعرف جماعة رومة معرفة دقيقة. لهذا تحاشى المسائل العمليّة الملموسة التي تعرفها جماعة خاصّة، وتجنّب الدفاع عن نفسه كما فعل في غل و 2 كور، فعرض على كنيسة رومة، ومن خلالها على كلّ الكنائس، المشاكل التي تتحدّى رسالته.
وهنا يمكننا أن نقابل بين روم وغل. ففي هاتين الرسالتين نجد المواضيع الرئيسيّة الخاصّة ببولس: التبرّر والخلاص، شريعة موسى والإيمان المسيحيّ، شخصيّة إبراهيم... ولكنّ طريقة طرح هذه المواضيع تختلف بين الرسالة وأختها. كتب بولس غل متأثّرًا بما سمعه عن الغلاطيّين الأغبياء الذين سحر عقولَهم تعليمٌ مغاير للذي سمعوه منه (غل 3: 1). فثار ثائره لأنّهم تركوا الذي دعاهم بنعمة المسيح واتّبعوا بشارة أخرى (غل 1: 6). أمّا في روم فبولس هادئ في كلامه، وهو صاحب منهج في تعليمه. نظر إلى الأمور من عَلُ فجاء كلامه متوازنًا: خفض من كبرياء اليهود في البداية، ثمّ خفض من كبرياء الوثنيّين الذين نَسُوا أنّهم زيتونة برّيّة طُعِّمَتْ على زيتونة جويّة (11: 17 ي). 
لا شكّ في أنّ أسلوب بولس في روم يعجّ بالحياة. فهو يتوجّه إلى سامع لا يحدّده. يسأله، يتعجّب معه: ماذا نقول إذن؟ ولكنّ هذا الشكل الحواريّ يدلّ على أنّ الشخص الذي يحدّثه بولس يمكن أن يكون أيّ مؤمن كان في رومة أو في غيرها من الكنائس.
في هذا الإطار نرى الفرق الشاسع بين روم والرسالتين إلى كورنتوس. فهاتان الرسالتان دافعتا عن سلطة بولس الرسوليّة وحاربتا من أجل وحدة كنيسة كورنتوس وبنيانها. أمّا روم فلا تكاد تتحدّث عن الكنيسة إلاّ في التوصيات العمليّة الأخيرة. ثمّ إنّنا لا نجد في روم ما يقابل تعليم 1 كور عن الإفخارستيّا (1 كور 11: 17- 34). ثمّ إنّ 1 كور تحدّثنا عن الروح الذي هو يَنبوعُ المواهب والخدم المنظّمة، أمّا روم فتحدّثنا عن الروح الذي هو في أصل الصلاة والحرّيّة الشخصيّة (8: 1ي). ولكنّ روم تلتقي 1 كور في حديثها عن الكنيسة جسد المسيح (12: 4- 6؛ 1 كور 12: 12- 27) وعن المسيح آدم الثاني (روم 5: 1ي؛ 1 كور 15: 1ي).
إذن، هناك مواضيع تطرحها روم وهناك مواضيع لا تذكرها. هذا ما يدفعنا إلى القول إنّها كتبت في ظرف من الظروف، فلم تكن فقط بحثًا مجرّدًا لا يرتبط بمشاكل الكنيسة في بداية القسم الثاني من القرن الأوّل المسيحيّ.
وعى بولس الخطر الذي يهدّد الكنيسة في وقت من تاريخها وخاف أن تنقسم جماعتين: جماعة آتية من العالم اليهوديّ وترتبط بالمجمع، وجماعة آتية من العالم الوثنيّ. ولقد عرف أزمة هزّت كنيسة غلاطية كما عرف انقسامًا في كنيسة كورنتوس فقال واحد: أنا مع بولس، وقال آخر: أنا مع بطرس (1 كور 1: 12). إذًا الوضع صعب، فكيف ستتقبّل كنيسة رومة رسالته وكيف ستستقبله أورشليم شخصيًّا؟ تجاه هذه الحالة شدّد بولس على وحدة الوحي في العهد القديم وفي الإنجيل، وأشار إلى المواعيد إلى شعب إسرائيل ودوره في تاريخ الخلاص. وستكون اللمّة التي نظّمها في العالم اليونانيّ علامة على تضامن الكنيسة الآتية من العالم الوثنيّ مع الكنيسة الآتية من العالم اليهوديّ والعائشة في فلسطين.
ونعود إلى الزمن الذي كتبت فيه الرسالة أي سنة 57- 58. لمّا أصدر كلوديوس قراره بطرد اليهود من رومة لم يستثن منه المسيحيّين من أصل يهوديّ. لهذا غادر أكيلا وبرسكلّة رومة والتقيا ببولس في كورنتوس (أع 18: 2). ولكنْ لمّا كتب بولس روم كانا في رومة من جديد (3:16). فهذا يعني أنّهما عادا كما عاد غيرهما من اليهود والمتهوّدين. وهنا نتساءل: هل اتّخذ المسيحيّون الذين من أصل وثنيّ موقف ازدراء وتعالٍ تجاه إخوتهم الذين من أصل يهوديّ والذين عادوا من المنفى؟ هنا نفهم بعض عبارات في روم: "فكيف يا هذا تدين أخاك؟ وكيف يا هذا تحتقر أخاك؟ نحن جميعًا سنقف أمام محكمة الله" (14: 10). فإذا كان الوثنيّون قد شاركوا اليهود في خيراتهم الروحيّة فمن الطبيعيّ أن يشركوهم في الخيرات الماديّة (15: 27). ولا يجب على الوثنيّين أن ينسوا أنّهم زيتون برّيّ مُطَعَّمُونَ على من هم زيتون جوّيّ. وهكذا بدت كنيسة رومة مقسّمة على مثال كنيسة كورنتوس وغلاطية. فاندفع بولس يدعو الفئة اليهوديّة والفئة اليونانيّة إلى وعي وحدتهم الأساسيّة: "فاقبلوا بعضكم بعضاً لمجد الله كما قبلكم المسيح" (15: 7). وهكذا تكون روم بحثًا تعليميًّا عن وحدة الكنيسة كُتب في ظرف خاصّ مرّت فيه كنيسة رومة وسائر كنائس المسيح. فإن لم يقبل المسيحيّون بعضهم بعضاً يتمزّق جسد المسيح وتضيع الشهادة المسيحيّة.

و- النقائض في الرسالة إلى رومة
درج القدّيس بولس على استعمال أسلوب النقائض في رسائله: الجسد والروح، الجنون والحكمة، الضعف والقوّة، الظلمة والنور، العبد والحرّ، اليهوديّ واليونانيّ، الأعمال والإيمان، الختان وعدم الختان... ونفسّر هذا الأسلوب بحياة بولس. ارتدّ إلى الديانة المسيحيّة فاتّخذ موقفًا معاكسًا للذي كان قد أخذ به سابقًا. كان يقول: حياتي هي الشريعة، فصار يقول: حياتي هي المسيح. تبدّلت حياته ففكّر في الخليقة الجديدة، غار على شريعة موسى وها هو يحارب هذه الشريعة التي صارت سببًا للخطيئة. وبرزت نقائض: الجسد والروح، الشريعة والنعمة، الحرف والروح، الموت والحياة، الخطيئة والبرّ، الخسارة والربح.
وسنتوقّف الآن على نقائض ثلاث نقرأها في ف 1-8، النقيضة الأولى: بين خطيئة الإنسان وبرّ الله، النقيضة الثانية بين الموت والحياة، النقيضة الثالثة بين الحرف (الشريعة، الوصيّة) والروح.

1- نقيضة الخطيئة والبرّ
نجد الصفة (البارّ) والاسم (برّ) والفعل (تبرّر) في ف 1-4 ولا نعود نجدها إلاّ قليلاً فيما بعد. ثمّ نلاحظ في هذه الفصول الأربعة تعارضاً دائمًا بين خطيئة الناس ولابرّهم مع البرّ الذي يقدّمه الله إليهم مجّانًا بفضل الإيمان. ونلاحظ أيضاً نقيضة بين وحي غضب الله (1: 18) وظهور برّ الله (3: 21). ونشير هنا إلى أنّ عبارة "غضب الله" ليست صفة من صفات الله الذي هو بطيء عن الغضب وطويل البال (خر 34: 6؛ نح 9: 17)، بل تعبيرًا استعاريًّا وأنتروبومورفيًّا عن تنافر مطلق بين قداسةِ اللهِ وخطيئة الإنسان.
وإذا أردنا أن نفهم كلام الرسول نعود إلى العهد القديم حيث نقرأ أنّ الله يبدو بارًّا حين يمارس دينونته وعقابه على الخطأة. ولكنّ برّه يرتبط أيضاً بأمانته للمواعيد المتضمّنة العهد، وبرحمته التي تريد أن تخلّص شعبه.
برّ الله هو تدخّله الخلاصيّ في تاريخ شعبه المختار (قض 5: 11؛ 1 صم 12: 7؛ مي 6: 5). وبرّ الله يدلّ في أشعيا على الخلاص الذي يحمله الله (أش 45: 8؛ 46: 13؛ 51: 5- 8). الكلمة العبرّيّة التي تقابل "برّ" هي "صدقة" وهي أهمّ كلمة تدلّ على العلاقات الحياتيّة بين الإنسان والإنسان، بين الله والإنسان.
إذن نربط البرّ بالمعنى الخلاصيّ، وإلاّ يصعب علينا فهم مقاطع عديدة من روم. فحين يعلن بولس في 3: 5 أن "لابرّنا" (ضلالنا) يُبْرِزُ برّ الله"، فهو لا يعني العدالة التي تحمل العقاب، بل أمانة الله لكلمة نعمته، وهذا واضح إذا قابلنا هذه الآية مع 3: 7: "إذا كان كذبي يزيد ظهور صدق الله من أجل مجده، فلماذا يُحكَم عليّ كما يُحكَم على الخاطئ"؟
نجد كلمة برّ وبرّر في روم، 1 كور، 2 كور، غل، ولكنّنا نجد عبارة "برّ الله" في روم ثماني مرّات (1: 17؛ 3: 5، 21، 25، 26؛ 10: 3) ولا نجدها إلاّ مرّة واحدة في 2 كور 5: 21. وتساءل الشرّاح عن معنى العبارة. هل تدلّ على البرّ الذي في الله أو على البر الذي يأتي من الله وينتقل إلى البشر؟ ما الذي يسند الرأي الأوّل؟ المقابلة بين وحي برّ الله (1: 17) ووحي غضب الله (1: 18) والعلاقة بين برّ الله (1: 17) وقدرة الله (1: 16)، والتعارض بين برّ الله ولا برّ البشر (3: 5).
واعتبر بعض الشرّاح أنّ عبارة برّ الله تعني في اليهوديّة المتأخّرة وفي قمران عمل الله الخلاصيّ وأمانته للعهد ورحمته الغافرة ومتطلّباته في أن نطيعه ونخضع له بكلّيّتنا. وقالوا بحقّ إنّ هذه العبارة تتعلّق بحالة برّ الإنسان الآتي من عند الله. ففي 3: 25- 26، يعني برّ الله البرّ الذي في الله. وفي 10: 3: جهلوا برّ الله وسَعَوا إلى برّهم الخاصّ. نحن هنا أمام برّ يعطيه الله وهو يقابل ذلك الذي يظنّ الإنسان أنّه يقدر أن يحصل عليه بقواه الخاصّة (رج فل 3: 9). ونقرأ في 1 كور 1: 30: "صار المسيحِ يسوع لنا حكمة آتية من الله وبرًّا وقداسة وفداء". فالله يعطينا الحكمة ويعطينا البرّ أيضاً.
من أين جاءت نقيضة "خطيئة الإنسان وبرّ الله التي تملأ الفصول الأربعة الأولى من روم؟ نقول أوّلاً إنّ عبارة بر الله حاضرة في أشعيا وفي المزامير كما ألمحنا إلى ذلك أعلاه. أمّا النقيضة فلا نجدها إلاّ في النشيد الرابع من أناشيد عبد الله في أشعيا (52: 13- 53: 12). هنا تقف أمام خطيئة البشريّة كلّها نعمةُ التبرير التي يقدّمها الله للخاطئين بذبيحة عبد الله التكفيريّة. وهذا واضح من 2 كور 5: 21: "الذي لم يعرف الخطيئة" تقابل "الذي لم يقترف خطيئة" (أش 53: 9)، "جعله الله خطيئة من أجلنا" تقابل "قدّم حياته ذبيحة تكفيريّة" (أش 53: 10)، " لنصير فيه برّ الله" تقابل "الصدّيق عبدي يبرّر الكثيرين" (أش 53: 11). أمّا عبارة "نصير برّ الله" فتعني أن نتبرّر بالله. هنا نفهم "كفّارة" في 3: 25 على أنها تلميح إلى ذبيحة عبد الله التكفيرّية (أش 53: 10). ونقرأ في 4: 25: "سلِّم لأجل ذنوبنا وقام لأجل تبريرنا" (رد أش 53: 4- 5). 

2- نقيضة الموت والحياة
خصّص بولس ف 1- 4 للحديث عن البرّ المرتبط بالإيمان، وسيخصّص ف 5-8 للحديث عن وعد الحياة.
نجد في 5: 12- 21 معطى جديدًا: دخول الموت إلى العالم. ويحلّ محلّ نقيضة الخطيئة والبرّ نقيضة الموت والحياة التي ستمتدّ حتّى نهاية ف 8. فانطلاقًا من هنا تظهر كلمات: مات، أمات، موت، مائت، وما يقابلها: حيِيَ، أحيا، حياة، حيّ. وما يريد أن يشدّد عليه الرسول هو شموليّة الموت قبل شموليّة الخطيئة فيعود إلى تك 3: 1ي في ثلاثة مقاطع: 5: 12- 21؛ 7:7- 11؛ 8: 19- 21.
عرفنا أنّ موت المسيح كان تكفيرًا عن خطايا البشرّية كما أمر به حبّ الله. ونحن نعرف الآن أنّ هذا الموت كان نصر الحياة على موت دخل إلى العالم بواسطة خطيئة آدم. نستطيع أن نلخّص بهاتين العبارتين صراع الحياة وانتصارها ضدّ الموت: إذا كان سلطان الموت قد دخل في البشرّية بخطيئة إنسان واحد، فالناس يثقون أنّهم يملكون الحياة بواسطة يسوع المسيح وحده. فإذا قتلت وصيّة الله كلّ إنسان خاطئ ومستند إلى قواه الخاصّة، فروح ذلك الذي أقام المسيح يسوع من بين الأموات يحيى كلَّ إنسان جعلَ نفسه في خدمة المسيح.
ونتساءل من أين جاءت نقيضة الموت والحياة؟ قال بعضهم: إنّها جاءت من العالم اليونانيّ (هيراكليتس وأفلاطون). ولكنّ التأثير اليونانيّ يبقينا على هامش فكر بولس. فالرسول مقتنع بأنّ موت المسيح كان حياة العالم وبأنّ الناس أفلتوا بواسطة المسيح، من نير الموت الجسديّ والروحيّ ليدخلوا في دائرة الحياة التي لا سلطة للموت عليها. ثمّ إنّ الوجود المسيحيّ الذي هو مشاركة في موت المسيح وقيامته يتحدّد أساسًا في هذه المفارقة: الموت الذي هو حياة. وهنا عاد بولس الرسول إلى سفر الحكمة لا إلى فلسفة الرواقيّين كما يظنّ البعض.
إنّ ما يميّز الفصول الخمسة الأولى من سفر الحكمة هو تكرار هذه النقيضة (حك 1: 12، 13، 16؛ 2: 1؛ 3: 2، 4؛ 4: 6؛ 5: 4) مع التشديد على أنّ الخلود (اللاموت) أراده الله منذ البدء وأنه ثمرة البرّ الطبيعيّة. وإنّ موت الأبرار هو مظهر خارجيّ، لأنّهم يملكون حياة لا تزول.
ونبرهن بهذا الشكل على ارتباط نقيضة الموت والحياة في روم بسفر الحكمة. فبصورة عامّة تستغلّ روم سفر الحكمة دون أن تورد نصوصه حرفيًّا. وبالأخصّ، حين يكتب الرسول: "كما أنّه بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت" (5: 12) فهو يتذكّر حك 2: 14: "دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس". لا يعبّر هذان النصّان فقط وبالطريقة عينها عن دخول الموت إلى العالم على خطى آدم، بل يقدّمان نظرة لاهوتيّة يبدو فيها الموت الجسديّ علامة لواقع أعمق هو الموت الروحيّ وحرمان الخلاص في نهاية الأزمنة. وحين يعارض الرسول سلطان الموت والخطيئة بالسلطان الذين ينالون به وفرة النعمة وعطيّة البرّ في الحياة، فهو يرجع إلى سفر الحكمة الذي يشيد بمُلك الأبرار ويعارضه بسلطان الموت.
سبق بولسُ واستعمل نقيضة الموت والحياة في 1 كور 15: 22: "كما أنّهم كلّهم يموتون في آدم، كذلك يَحيَوْنَ في المسيح"، فعاد إلى سفر الحكمة. ثمّ حين قال: "إذا كان الموتى لا يقومون، لنأكل ونشرب فإنّا غدًا نموت" (1 كور 15: 32)، فهو يعود إلى أش 13:22، ولكنّه يقرأه على ضوء سفر الحكمة الذي أورد هذا النصّ.

3- نقيضة الحرف (الوصيّة، الشريعة) والروح
نقرأ في روم 7: 6: "ولكنّنا الآن تحرّرنا من الشريعة لأنّنا متنا عمّا كان يقيّدنا حتّى نعبد الله في نظام الروح الجديد، لا في نظام الحرف القديم". نحن هنا أمام نقيضة جديدة: الحرف والروح. وكانت قد ظهرت أوّلاً في 2 كور 3: 6: "الحرف يقتل أمّا الروح فَيُحْيِي". واستعادها بولس في 2: 29: "ختان حسب الروح لا حسب الحرف". أمّا الآن فستكون موجودة في 7: 7- 8: 39. تخصَّص 7: 7- 25 للحرف الذي نعبّر عنه بكلمتين معادلتين له: الشريعة (أو الناموس ترد 11 مرّة في 7: 7- 25) والوصيّة (ترد 6 مرّات في 7: 7- 13). أمّا ف 8 فيتوقّف عند الروح القدس (ترد كلمة روح 16 مرّة في 2:8-27).
من 5: 12 إلى 7: 6 صوَّر بولس مأساة شاملة ممثّلوها هم آدم والمسيح، الموت والحياة، الشريعة والخطيئة (خاصّة في 7: 1- 6). بعد 7: 7 يدخل ممثّل جديد هو "أنا" تجاه شريعة الله. جعل مأساة الخلاص وكأنّها شخص حيّ، فانطلق انطلاقة جديدة حتى 8: 2. شريعة روح الحياة حرّرتني (او حرّرتك كما في بعض المخطوطات أو حرّرتنا كما في غيرها). فماذا يعني هذا "الأنا"؟
"الأنا" يدلّ على الجماعة كما في المزامير، وهو الإنسان بما أنّه حرّ ومسؤول. وهنا نفصل بين مقطعين 7: 7- 13 و7: 14- 25 بسبب صيغة الأفعال. فنقدرأن نعطيَ عنوانًا للمقطع الأوّل: الشريعة والخطيئة. يقول النصّ إنّ المسيحيّ مات عن الشريعة الموسويّة (7: 4) كما مات عن الخطيئة (6: 2) فنستنتج من هذا أنّ الشريعة سيّئة وليست من عمل الله. أمّا جواب بولس فهو أنّ الشريعة تعرّفنا بالخطيئة وأنّ الخطيئة كقوّة شخصيّة تفيد من الشريعة لتثير الشهوة وتجرّ الساقطين إلى الموت فتنتصر انتصارًا أكيدًا. 
أيّة شريعة يعني الرسول؟ لا الشريعة الموسويّة فقط وإنْ دخلت الشريعة في الحساب. فاستعمال كلمة "وصيّة" قرب كلمة "شريعة" والتلميح الواضح إلى قصّة الفردوس الأرضيّ يشيران إلى أنّ الشريعة الموسويّة ليست وحدها الهدف.
في هذا المقطع يتجاوز بولس تاريخ البشريّة كلّه مفكّرًا أنّ ما حدث في البدايات (أو حين أعطيت الشريعة الموسويّة) يتكرّر في حياة كلّ إنسان يقف بحضرة الشريعة الإلهيّة. فكلّ الوصايا تقتل إن لم تَشْفِ النعمةُ الإلهيّةُ ضعفَ الإنسان الساقط. وحين يقول بولس إنّ الحرف يقتل والروح يحيى، فهو يعني أنّ الشريعة الموسويّة وحدها، بمعزل عن عطيّة الروح، تفرض على الإنسان طاعة لا يقدر أن يحقّقها فتقوده إلى الموت. بهذا المعنى نفهم النقيضة بين الحرف والروح في 7: 6: يموت المسيحيّون عن الشريعة التي تقيِّدهم. 
وننتقل إلى المقطع الثاني (7: 14- 25) الذي يصوّر الصراع الممزّق وانقسام الإنسان الداخليّ الذي لا يفعل ما يريد بل يفعل ما يبغض، الذي لا يصنع الخير الذي يريد ويقترف الشر الذي لا يريد. فمن هو هذا الإنسان؟ هل هو الإنسان الذي لم تحوّله النعمة قبل ان يصير مسيحيًّا؟ هل هو الإنسان الساقط والمفديّ؟ يبدو أنّ نظرة بولس شاملة وهو يشير إلى كلّ إنسان أمسيحيًّا كان أم غيرَ مسيحيّ.
تنطبق هذه الصورة أوّلاً على الإنسان الذي لم يحوّله عمل الروح القدس. فما يعارض الجسد ليس روح الإنسان الذي حوّله الروح القدس بل العقل. وتدلّ آ 22- 23 على أنّ شريعة العقل هي أيضاً شريعة الله، ولاسيّما وإنّ روم 2: 13- 16 تعلّمنا أنّ شريعة العقل المكتوبة في داخلِ كلّ إنسان والمعروفة في ضميره تقابل الشريعة الموسويّة لدى الوثنيّين الذين لم ينعموا بالوحي. وما نقرأه في 7: 23- 25 يذكّرنا بنصوص يونانيّة لاوفيدس وأبيكتاتس الذي قال: لا يصنع الخاطئ ما يريد، ويصنع ما لا يريد. ويتكلّم أفلاطون عن صراع الإنسان الداخليّ ضدّ غرائزه السيّئة.
وتنطبق 7: 14- 25 على المسيحيّين الذين يتواصل فيهم الصراع الداخليّ. فالإنسان الذي يسرّ بشريعة الله يريد الخير ويكره الشرّ ويخدم بعقله شريعة الله. هو أسمى من الوثنيّين الذين تصوّرهم 2: 18- 32 عبيدًا للخطيئة والنجاسة. وهنا نفكّر أنّ الإنسان الداخليّ (7: 22) هو الإنسان الجديد (2 كور 4: 16؛ أف 3: 16). والأفعال المستعملة في هذا المقطع تدلّ على أنّ الصراع الذي يصوّره الرسول هو واقع حاضر ويدوم حتّى عند الإنسان الذي وُلد بالنعمة. بهذا المعنى نقرأ آ 25: "فأنا (الآن) أخضع بالعقل لشريعة الله، وبالجسد لشريعة الخطيئة".
يقدّم لنا بولس هنا نِظرةً إلى الحرّيّة. فحرّيّة الإنسان، ذلك المخلوق المرتبط بالله والموجَّه إليه، ليست إمكانيّة صنع أيّ شيء كان، بل إمكانيّة توجيه الذات نحو الخير السامي الذي يريده كيانه العميق. فالنصّ يقول: الخير الذي أريد... الشرّ الذي لا أريد. يبقى على الإنسان الساقط أن يُدخل إلى أعماقه شريعة الله. وهذه هي ثمرة الموهبة المعطاة لنا في الروح القدس، وهذا هو المكان الذي فيه تسقط النقيضة بين الحرف والروح.
ما هو أصل هذه النقيضة (الحرف والروح) التي تلعب دورًا هاما في ف 7- 8؟ يمكننا أن نعود إلى أفلاطون؟ ولكنّنا نبقى معه في النطاق البشريّ للمعرفة العقليّة. أمّا النقيضة البولسيّة فتشدّد على حاجة الإنسان إلى عون الله. لهذا سنتوجَّه إلى العهد القديم وإلى الحديث عن العهدين كما في إرميا (31: 31- 34) وحزقيال (36: 26- 27).

ز- التعليم اللاهوتيّ
توقّف الشرّاح عند عظمة هذه الرسالة التي يسمّونها دستور المسيحيّة الخالد. ينعم فيها بولس بحسّ استقاه في حواره مع الله. ويحدّثنا بولس كرسول أوكلت إليه سلطة التعليم في الكنيسة. ويبدو بولس أخيرًا ذلك اللاهوتيّ بقوّته الخلاّقة التي تتيح له أن يؤوّل معطيات الإنجيل والكرازة الأولى ويتعمّق فيها دون أن يزوّرها أو يحرّفها. أمّا كيف يبدو لاهوت القدّيس بولس؟ إنّه تعليم عن الخلاص كما نقرأ في 1: 16: "أنا لا أستحي بإنجيل المسيح، فهو قدرة الله لخلاص كلّ من آمن، لليهوديّ أوّلاً ثمّ لليونانيّ". سنتطرّق إذًا إلى الخلاص وسرّ الثالوث، إلى حياة المسيحيّ الجديدة، إلى المسيح آدم الجديد وعبد الله المتألّم.

1- الخلاص وسرّ الثالوث
يرتكز تعليم روم اللاهوتيّ على أقوال كرستولوجيّة هامّة جدًّا يبدو بعضها بقايا أفعال إيمان ردّدتها الكنيسة الأولى. نقرأ في 1: 3- 4: "في شأن ابنه (ابن الله) الذي في الجسد جاء من نسل داود، وفي الروح القدس (أو روح القداسة والتقديس) ثَبَتَ أنّه ابن الله في القدرة بقيامته من بين الأموات، ربّنا يسوع المسيح". يعني هذا النصّ أنّ المسيح هو منذ الأزل "ابن الله". وفي وقت محدّد من التاريخ لبس ابنُ الله الطبيعةَ البشريّة فصار جسدًا. والجسد يدلّ هنا (رج يو 1: 14) على الطبيعة البشرّية الضعيفة المائتة، لا على الخطيئة. ويقابل بولس بين ضعف الجسد وقدرة روحيّة سرّيّة هي قدرة الروح القدس أو القداسة أو التقديس. أمّا القدرة فهي قدرة ابن الله (رج 4: 24- 25؛ 5: 8؛ 8: 32).
ونقرأ أيضاً في 9: 5: "وجاء المسيح في الجسد وهو الكائن على كلّ شيء إلهًا مباركًا إلى الأبد". اسم المسيح الإلهيّ في رسائل القدّيس بولس هو "كيريوس"، الربّ، واسم الربّ هو "تيوس"، الله. ولكنّ هذه الآية تسمّي المسيح نفسه الله. إلاّ أنّنا نستطيع أن نقرأها بصورتين مختلفتين: منهم (أي من بني إسرائيل) جاء المسيح بالجسد (أو حسب الطبيعة البشريّة) الذي هو مسيح فوق كلّ شيء إله مبارك إلى الأبد. والطريقة الثانية: ليكنِ الله الذي هو فوق كلّ شيء مبارَكًا إلى الأبد. ولكنّ الطريقة الأولى هي الأصحّ لأنّ المجدلات البولسيّة ترتبط دومًا بما قبلها. أجل ليس المسيح إنسانًا فحسب، ولكنّه ينعم بالطبيعة الإلهيّة. والروح القدس هو قوّة إلهيّة ويبدو أنّه شخص وأقنوم بحمر المعنى ولاسيّمَا في ف 8. فالروح هو كائن شخصيّ يقيم في المسيحيّين (9:8، 11)، ويحرّكهم بنشاطه (8: 11، 14)، ويشهد لروحهم أنّهم أبناء الله (8: 16)، ويُعين ضعفهم ويتشفّع من أجلهم بأنّات لا توصف (8: 26). هذا الروح هو روح الله الآب (9:8، 14) وروح المسيح أو الابن (8: 9؛ ق 8: 15 مع غل 4: 6). هو لا يسكن في المؤمنين إن لم يسكن الابن فيهم، وغيابه يعني غياب الابن. هذا يعني أن الابن والروح متحدان اتحادًا لا ينفصم. غير أنهما متميزان. فالروح لا يُسمَّى ابن الله ولا تُنسب إليه صفات الابن ونشاط المسيح الفدائيّ.
لا يكشف لنا القدّيس بولس كيان الله الحميم، بل نشاطه الخارجيّ الحرّ، وبالأخصّ عمله الخلاصيّ من أجلنا. ولكنّه يقول لنا من خلال هذا العمل بعض الشيء عمّا هو الله في ذاته، عمّا هم الآب والابن والروح القدس. لا يعلِّم الرسول فقط أنّ المسيح هو ابن الله بالمعنى الحصريّ، بل يجعلنا نستشفّ أنّ الروح هو، في قلب الثالوث، العطاء المتبادل بين الآب والابن. نحن ننعم به مع الآب والابن، وهو يُنمي فينا عمل الآب والأبن، ويتيح لنا أن نجيب إلى نداء الآب بعطاء ذواتنا الحرّ.
إنّ هذه المعطيات الكرستولوجيّة والثالوثيّة قد لعبت دورًا هامًّا في نموّ اللاهوت، فانفتح أمام البحث اللاهوتيّ طريقان مختلفان: طريق أغوسطينس والآباء اللاتين الذي ينطلق من وحدة الله ثمّ يتأمّل في الأقانيم الثلاثة. وطريق الآباء اليونانيّين الذين انطلقوا من الاقانيم الإلهيّة الثلاثة ليصلوا بعد هذا إلى الجوهر الإلهيّ الواحد. وإنّ الطريق الثاني أقرب إلى القدّيس بولس الذي يربط التبرير والتقديس بكلّ من الأقانيم الثلاثة: الآب ثمّ ابن الله المتجسّد وآدم الجديد، وأخيرًا الروح القدس.
ولكن لا ننسى أنّ تعليم روم هو الخلاص الذي لا يقتصر على شعب واحد (كما في العهد القديم) والذي لا يتوقّف على إطار زمنيّ وسياسيّ. فالمسيح يقدّم لكلّ البشر خلاصاً عن خطاياهم، فيشدّد أوّلاً على الإيمان، وثانيًا على شموليّة هذا الخلاص الذي يصيب اليهوديّ واليونانيّ.
وكيف يخلص الإنسان؟ حين يقبل بتدخّل الله المتمثّل بشخص يسوع وعمله. فبولس ينظر إلى كلّ شيء من خلال المسيح ولا يحيد نظره برهة عن مخلّصه. ففيه يتأمّل البشريّة كلّها وفيه يكتشف ضعفها من دون النعمة، وسمّو دعوتها العلويّة. ونحن لا نفهم الإنجيل إلاّ بعد أن نتعرّف إلى شقاء البشريّة المحرومة من المسيح. ولقد قال الرسول: "ما أشقاني أنا الإنسان، من ينجّيني من هذا الجسد الذي يقودني إلى الموت؟ الحمد لله بربّنا يسوع المسيح" (7: 24-25).

2- حياة المسيحيّ الجديدة
إنّ مبادرة العمل الخلاصيّ محفوظة كلّها للآب. هذا ما نجده في الجزء التعليميّ الأوّل (1: 18- 5: 11) وبالأخصّ في المقطع الأساسيّ (3: 21- 31).
يبدو التبرير في 3: 24 كنتيجة نعمة الله أي صلاحه الرحوم ومجّانيّة عمله. أظهر الله محبَّتَه لنا في أنّه حين كنّا خطأة مات المسيح من أجلنا. فالله الآب يحيينا في المسيح المائت على الصليب وهكذا نحصل على الفداء. والفداء في العهد القديم هو نجاة من عبوديّة مصر أو من سجن بابل أو بطريقة أعمق من عبوديّة الخطيئة. وفي نظر بولس نُفتدى من الخطايا ونَنعم بهذا الفداء منذ الآن.
والآب يبرّر الخطأة بالإيمان. ولكنّ الإيمان ليس سبب البرّ، بل هو حركة يقوم بها الإنسان ليتقبّل البرّ ويستسلم إليه. الإيمان هو استعداد أخير يساعد الإنسان على امتلاك البِرّ. فالإيمان يتأثّر أيضاً بعمل الله لأنّ الإنسان الساقط لا يستطيع أن ينفتح على حبّ الله إن تخلّى اللهُ عنه.
والتبرير الذي نحصل عليه لا يزيل حالة الخطيئة. هذا المجد الذي حُرمنا منه مع الخطأة يعود إلينا ولكن بطريقة ناقصة، لأنّ التمجيد هو آخر أعمال الآب في مخطّطه الخلاصيّ. وخلال حياتنا على الأرض ننتظر هذا التمجيد كما يقول الرسول (8: 18، 21).
وبعد مبادرة الآب الذي يبرّر الخطأة بفضل عمل الفداء في المسيح، نقرأ في ف 6 إعلانًا عن عمل المعموديّة الذي يربط بطريقة حميمة حياة الإنسان الجديدة بالمسيح المائت والقائم.
المسيحيّ إنسان تعمَّد في المسيح، وهذا العماد يعبّر عنه بولس بأداة المعيّة: صلبنا مع المسيح (6: 6)، دفنّا مع المسيح (6: 4) حيينا مع المسيح (6: 8). ونتساءل: كيف نتّحد بالمسيح، وموتُه وقيامته حدثا في تاريخ محدّد؟ هنا نقول: لا يصبح موت المسيح حاضرًا بل هو المعمَّد يدخل في موت المسيح. فمن المسيح القائم والجالس عن يمين الله تفيض قوى جديدة على المؤمن وهذا ما يجعل وجوده تحت تأثير المسيح الممجّد. 
وهكذا يقيم المسيح في المسيحيّين بالإيمان والمعموديّة. فيقول بولس: "المسيح يحيا فيَّ". (غل 2: 20). "إلى أن يتكوّن المسيح فيكم" (4: 19). "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيئة أحياء لله في المسيح يسوع" (6: 11).
نقرأ في ف 6 أنّ المسيح حرّرنا من الخطيئة والموت وأدخلنا إلى الحياة. وفي ف 8 نرى الروح يعمل العمل عينه. فنحن هنا أمام موازاة بين دور المسيح ودور المعزّي كما في إنجيل يوحنّا، وبين عمل المسيح كما يصوّره إنجيل لوقا وعمل الروح الممتدّ في الكنيسة بعد العنصرة كما يصوّره سفر أعمال الرسل.
لقد أعلنت 5: 5 عطيّة الروح: "سكب الله محبّته في قلوبنا بالروح القدس الذي وُهب لنا". هذا النصّ الذي ردّده أغوسطينس ما يزيد على 200 مرّة يعني أنّ الروح القدس يُفيض في قلب المسيحيّين الحبّ الذي أحبّهم به الله. وهذا يدخلنا في ف 8 الذي موضوعه التحرير الذي تمّ في الإنسان الساقط بعطيّة الروح، وعبور من عالم الحرف إلى عالم الروح الذي يعطي الحياة. وتتردّد كلمة روح فتعني مرّة روح الله، هذا الشخص المميز، وينبوع الحياة العلويّة لنا، وطورًا النعمة التي ينقلها إلينا، وطورًا روح الإنسان الذي تجلّى بهذا الروح.
هنا يظهر التضادّ بين الجسد والروح وكلّ منهما يتّخذ اتّجاهًا مختلفًا في الإنسان الواحد. والروح الذي يقاومه الجسد ليس الروح القدس بل عقل الإنسان المولود بالروح القدس. أمّا الجسد فهو الحياة البشرّية التي تصبح في الإنسان الساقط أداة وحليفة للخطيئة فتقف بوجه الله والحياة الإلهيّة التي في الإنسان. إذًا هناك حياتان متعارضتان (8: 8- 14): حياة حسب الجسد تطابق الميول الشرّيرة التي في الإنسان الساقط، وحياة حسب الروح هي امتداد للقوى العلويّة والميول التي في الإنسان المتجدّد بالروح. 
الروح يعمل في الكنيسة ويعمل في كلّ مؤمن وإن يكن عمله سرّيًّا. فهو يجعل المسيحيّ حرًّا ويمنحه عواطف بنويّة: الذين يقودهم روح الله هم أبناء الله (8: 14).
وهكذا نتصرّف كأبناء لا كعبيد بعد أن تحرّرنا بالروح. ولكنّ هذا التحرّر يتمّ تدريجيًّا ولا يكون كاملاً على هذه الأرض. فالمهمّ أن نعرف أنّنا لم نعد في الجسد بل في الروح، "هذا إذا كان روح الله ساكنًا فيكم". لهذا لا نطيع الجسد بل نطيع الروح.

3- المسيح آدم الجديد وعبد الله المتألّم
شدّد الشرّاح على نقيضة آدم والمسيح في 5: 12- 21 التي تقدّم حقبتين تسودان كلّ التعليم البولسيّ: حقبة سلطان الخطيئة والموت التي دشّنها آدم، وحقبة البِرّ والحياة التي بدأ بها المسيح. وهنا يرتبط بولس بتعليم يسوع (مر 1: 15) الذي يجعل الحقبة الجديدة تتهيّأ بمجيئه وتبدأ نهائيًا بالسرّ الفحصيّ.
وإذا أردنا أن نفهم المقابلة بين آدم والمسيح (1 كور 15: 45- 49؛ روم 5: 12- 21)، يجب أن نتذكّر تيّارين فكريّين في العالم اليهوديّ: تيّار مسيحانيّ ينسب صورة الله إلى المسيح الداوديّ، إلى ابن الله الرؤيويّ، إلى الحكمة الإلهيّة المشخّصة التي تلعب دور المسيح. وتيّار أنطروبولوجيّ يعتبر صورة الله مكفولة لكلّ إنسان بفعل الخلق. شُوِّهت هذه الصورة بالخطيئة ولكنَّها لم تهلك بصورة نهائيّة.
في 1 كور 11: 7 تذكر الرسول تعليم سفر التكوين فقال إنّ الإنسان صورة الله ومجده، وفي 1 كور 15: 45- 49 تأمّل الإنسانَ في وضعه الحاليّ ككائن ساقط وخاطئ، ولا يعود إليه شبهه بالله إلاّ إذا شارك آدم الجديد الذي جعله الله روحًا محييًا منذ الدقيقة الأولى من وجوده.
ولكنّ يسوع ابن الإنسان الذي يرتبط بمسيح دانيال العلويّ أعلن أنّه ما جاء ليُخدم بل ليَخدم (مر 10: 45). وهذا ما يحيلنا إلى أش 52: 13- 53: 12. فهناك كلمة الكثيرين تتردّد أربع مرّات في نشيد عبد الله هذا (52: 14، 15؛ 53: 11، 12). وهكذا نقابل 5: 19 (بطاعة واحد بُرّر الكثيرون) مع أش 53: 11 (الصدّيق عبدي يبرّر الكثيرين). و 4: 25 (أُسلم لأجل ذنوبنا وأقيم من أجل تبريرنا) وأش 53: 12 الذي يعلن أنّ العبد أسم. وفي 5: 6 نقرأ أنّ يسوع أُسلم عن الخطأة وفي 5: 8 أنّ يسوع المسيح مات من أجلنا. كلّ هذا يذكّرنا بالكرازة المسيحيّة الأولى المرتبطة بعبد الله المتألّم (1 بط 21:2).
وحين يتذكّر بولس عبد الله المتألّم يشير إلى الحبّ الذي دفع يسوع إلى هذا العمل من أجلنا. "ابن الله أحبّني وأسلم نفسه من أجلي" (غل 2: 20). "ابن الله أحبّنا وأسلم نفسه عنّا مقدّمًا ذاته لله ذبيحةً، عَرْفًا طيّبًا" (أف 5: 2). "أحبّ المسيح الكنيسة وأسلم نفسه عنها" (أف 5: 25). أجل إنّ سبب آلام يسوع هو حبّه، بل حبّ أبيه الذي أسلمه عنّا كلّنا (8: 32). وهذا ما يذكّرنا بكلام القدّيس يوحنّا: "أحبّ الله العالم حتّى إنّه أسلم ابنه الوحيد" (يو 3: 16).
ويصوّر رسول الأمم عمل المسيح الفدائيّ كفعل تضامن دفعه إليه حبّه الإلهيّ. ففي غل 4: 7، يبيّن لنا كيف أنّ الآب أرسل ابنه إلى العالم ليحرّر البشر من العبوديّة ويجعلهم أبناء الله، وطلب منه أن يقاسمَ البشرَ وَضْعَهم. ويشدّد في 5: 12- 21 على موضوع التضامن بين المسيح والبشريّة بشكل آخر: فالبشر صاروا متضامنين مع المسيحِ آدمَ الجديدِ وعبدِ الله المتألّم، بعد أن كانوا متضامنين مع آدمَ الأوّلِ ومع خطيئته المقترَفَةِ في البدء. هذا التضامن مع آدمَ الجديدِ يفترض انتماءَ المسيح إلى الجنس البشريّ، وكرامتُه كابن الله كرامةٌ لا يقدر بدونها أن يحوّلَ طبعنا البشريّ ويؤلِّهَه.
ويقابل بولس عصيان آدمَ الأوّل بطاعة المسيح وهي طاعة ينفحها الحبّ بروحه. وهكذا يكفّر يسوع بآلامه عن خطايا البشر إخوته ويفتح لهم باب البرّ والحياة الأبديّة.

ح- التعليم الأخلاقيّ
إنّ روم غنيّة من الناحية الأخلاقيّة وهي تضع أسسَ أخلاقيّةٍ مسيحيّة ترتبط بالإيمان والمعموديّة. عزَلت الأعمالَ عن التبريرِ الأوّل، ولكنّها وجّهت إلى المسيحيّين تحريضاتٍ أدبيّةً. فكيف يتخيّل الرسول إنجيل المسيح دون تأثير على الحياة الأخلاقيّة؟ هنا نتوقّف على ثلاثة أمور: تمييز إرادة الله بالضمير والإيمان، ربط الأوامر الأخلاقيّة بالزمن المسيحيّ ووضع المسيحيّ الجديد، العلاقات بين الشريعة القديمة والأخلاقيّة المسيحيّة.

1- التمييز الأخلاقيّ عند المسيحيّ (الإيمان) وغير المسيحيّ (الضمير)
اسم التمييز يعني فحص المرشّحين لوظيفة. والفعل امتحن: تحقّق إذا كانت العملة صحيحة أو مزيّفة. وفي رسائل بولس التمييز هو عمل يرتبط بحكم الله وقبول هذا العمل وتنقيته من كلّ ما هو بشريّ وشرّير (1 تس 2: 4؛ 1 كور 13:3؛ 1: 28؛ 2 كور 2: 9؛ 8: 8، 22؛ 9: 13؛ غل 6: 4)0 التمييز يُعَرِّف المؤمنَ بواجباته فَيَدُلُّهُ على ما يجب أن يعمل في هذا الظرف أو ذاك ليطابق عملُه الإنجيلَ.
وقبل أن تتكلّم روم عن تأثير الإيمان المسيحيّ على التمييز الأخلاقيّ، تتطرّق إلى قضيّة الوثنيّين: "رفضوا أن يحتفظوا بمعرفة الله فأسلمهم الله إلى فساد عقولهم ليصنعوا كلّ عمل شائن" (1: 28). حَسبَ الوثنيّون أنّهم لا يحتاجون إلى معرفة الله لكي يَحيَوا، فأقصيَ تمييزهم الخلقيّ وفسد. فَدَعَوْا خيرًا ما هو شرّ فأسلمهم الله إلى الشرّ.
ولكنْ حين نقرأ هذا النصّ نقابله ب 13:2-16 و 25:2-29 عن ختانة القلب أو حسب الروح التي لها أهمّيّتها. لقد اعتبر الرسول أنّ للوثنيين وصولاً إلى الخلاص الذي حمله المسيح حين يَتْبَعُوْنَ ضميرَهم. وهذا يعني أنّ حِسّهم الخُلُقِيّ لم يُلغَ. فالضمير يعمل كشخص غريب عن الإنسان فيتّهمه أو يدافع عنه. إنّه شريعة داخليّة مصدرها الله كالشريعة الموسويّة، وحكمه تسبيق للحكم النهائيّ حيث يقف جميع البشر أمام منبر المسيح.
نلاحظ أنّ بولس يعلن في 2: 19 أنّ الحافظين الحقيقيّين للشريعة يبرَّرون. وفي الآية التالية يعلِّم أنّ الوثنيّين الذين يُتمّون فرائض الشريعة يدلّون على واقع الشريعة المكتوبة في قلوبهم. هذا المقطع يؤكّد وجود شريعة طبيعيّة مكتوبة في القلوب، وإمكانيةً للوثنيّين أن يخلصوا بممارستهم هذه الشريعةَ الطبيعيّة. هذا يعني أنّهم يؤمنون إيمانًا ضمنيًّا بالمخلّص الوحيد الذي وصل فداؤه إلى البشريّة جمعاء. هذا يعني أنّه إنْ خَلُصَ الوثنيّون بممارسة الشريعة الطبيعيّة وحدها، فخلاصهم لا يتمّ من دون نعمة الله.
هل يتفوّق اليهود على الوثنيّين لأنّهم قبلوا الشريعة فعرفوا إرادة الله؟ سيجيب بولس بالإيجاب ثمّ يعلن أنّ هذه المعرفة لا تفيد، لأنّ سلوكهم الأخلاقيّ لا يقابل تمييزهم. فاليهود مسؤولون عن عدم التوافق بين ممارستهم ومعرفتهم. يقولون ولا يفعلون. وهكذا نستعدّ لسماع كلام الرسول في 12: 2: "لا تتشبّهوا بما في هذه الدنيا، بل تغيّروا بتجديد عقولكم لتعرفوا مشيئة الله: ما هو صالح، وما هو مرضيّ وما هو كامل".
في ف 1- 8 بيَّن الرسول أنّ المسيحَ، آدمَ الجديد، هو مصدر العالم الجديد والخليقة الجديدة، وهذه فكرةٌ نجدها في غل 1: 4: المسيح أسلم نفسه من أجل خطايانا لينتزعنا من هذا العالم السيّئ. فالمسيحيّ نجا من هذا العالم بفضل عماده وحضور الروح القدس فيه، ودخل إلى عالم جديد. والمقاومة الخاصّة في المسيحيّة تضعنا أمام عالَمَيْنِ متعارضينِ وموجودينِ معًا: عالَمِ إبليسَ والظلمةِ والخطيئةِ الذي لا يزال يعمل الآن، ولكنّه جرح بعد أن تغلّب عليه المسيح ودشّن مُلْكَهُ النهائيّ.
لقد دخل المسيحيّ في العالم الجديد بالإيمان والمعموديّة. ولكنّ هذا يتطلّب منه مجهودًا ليكمّل دخولَه في النظام الجديد وتحَوُّلَهُ الروحيّ، وإلا تركَ نفسَه تتقولبُ بواسطة العالم القديم. وهذا التحوّل الذي بدأ به الروح القدس والذي يتابعه الإنسان بعونه يرتبط بتجدّد أخلاقيّ يوميّ. فإذا تشوّه التمييز بحياة شائنة فهو يتكمّل بسلوك المعمد الروحيّ. وهكذا تصبح الحياة المسيحيّة التي نحياها يَنبوعَ نور.
ويقدم لنا ف 14-15 تطبيقًا عمليًّا عن التجديد الخُلُقيّ كما قرأنا عنه في 12: 20. 
في توسّع أوّل (14: 1- 12) نجد إشاراتٍ عامّةً من علاقات الضعفاء بالأقوياء: يجب أن لا يدين الواحد الآخر، وأن يتصرّفَ كلّ واحد حسب متطلّبات ضميره. وفي توسعّ ثان (14: 13- 23) نقرأ عن واجب تجنّب الشكوك المفروض على الأقوياء باسم المحبّة المسيحيّة. وفي توسعّ ثالث (15: 1- 12) نقرأ النصائحَ الموجّهةَ إلى الفئتين الحاضرتين في هذه الجماعة: من جهة أتمّ اللهُ وعودَه للآباء من أجل الشعب المختار، ومن جهة ثانية سَيُسَبِّحُ الوثنيّون الله من أجل رحمته.
ولكنْ ما هي علاقة الضمير الخلقيّ بالإيمان المسيحيّ؟ إنّ الإيمان المسيحيّ أغنى وعمَّق الضميرَ. فنحن حين نتبع ضميرنا لا نترك متطلّباتِ المحبّةِ المسيحيّةِ. وهنا نتذكّر مسألةَ اللحوم المكرّسةِ للأصنام (1 كور 8- 11).

2- ربط الأوامر الأخلاقيّة بالزمن المسيحيّ
هناك كلمتانِ تدلاّنِ على الزمن. "كرونوس" يدلّ على تعاقب الساعات والأيّام والسنين. "كايروس" يعبّر عن وجهة نوعيّة وينطبق على التواريخ الهامّة في حياة البشرية الدينيّة، وبالأخصّ على مجيء المسيح على الأرض. ففي 5: 6: "كايروس" هو الزمن الذي حدّده الله لموت المسيح الفدائيّ. وفي 3: 26، الزمن الحاضر يقابل زمن صبر الله يومَ لم يكن بعدُ تَمَّ عملُ الفداء. وفي 8: 8، الزمن الحاضر هو الزمن الذي ينشر فيه الروحُ القدس عملَه في النفوس رغم وجود الالام والضعف. وفي 11: 5: إنّ عدم إيمان إسرائيل الذي يميّز الزمن المسيحيّ هو عابر. فستبقى بقيّة هم اليهود الذين ارتدّوا إلى الإنجيل والذين هم عربون عودة الشعب كلّه إلى المسيح.
لم يتمّ الخلاص بعد فينا. ومع ذلك يعيش المسيحيّون في زمن غنى علويّ لم يُسمع به. ولكنّ زمن النعمة والرحمة الإلهيّة هو نداء مُلِحٌّ يتوجّه إلى البشر ليتعرّفوا إلى علامات الأزمنة. في هذا الإطار نفهم الأخلاقيّة المسيحيّة. بعد أَن يوحيَ بولسُ بالمحبّة الأخويّة (8:13- 10) يرتبط تعليمه بالزمن المسيحيّ: "وأنتم تعرفون في أيّ وقت نحن: حانت ساعتكم لتفيقوا من نومكم. فالخلاص الآن أقربُ إلينا ممّا كان يوم آمنّا" (11:13).
يذكر الرسولُ مُسَبِّباتٍ لاهوتيّة مأخودةً من العهد القديم ليبنيَ التعليمَ الأخلاقيَّ، ولكنّه يعود إلى الكرازة المسيحيّة. هناك الإيمان والمعموديّة، وهناك الكنيسة جسد المسيح. فعلى المعمَّد أن يجعلَ حياته تتناسقُ وتدبير النعمة الذي دخل فيه. وتبدو الحياة المسيحيّة في بُعديها الفرديّ والجماعيّ: سيروا في نظام حياة جديدة (6: 4)، سيروا في طريق المحبّة (14: 15).
تَبَرَّرَ الناسُ بإيمانهم وعمادهم بطريقة مجّانيّة بواسطة الله الآب، فصاروا أبناءً في المسيح وفي الروح. لقد انتقلوا بواسطة المسيح الفادي إلى تدبير الخلاص، وبدأوا يعيشون تحت تأثير الروح الإلهيّ الذي حوَّل روحهم الخاصّ. ولكنّ هذه هي البداية، فيجب أن يَحْيَوْا أفضلَ كأبناء الله الحقيقيّين، أي أن يُطابِقَ سلوكُهم تعليمَ المسيح ابنِ الله لمجد الله الآب.
وترتبط الأخلاقيّة البولسيّة بالمسيح عن طريقين. أوّلاً: ترتبط بعمل التبرير والتقديس الذي ينتج عن الإيمان بالمسيح. ثانيًا: الأخلاقيّة البولسيّة هي صدى لتعليم المسيح نفسه، وإليك بعض الأمثلة: نقرأ في 12: 14: "باركوا الذين يضطهدونكم، باركوا ولا تلعنوا" وفي 12: 21: "لا يغلبْك الشرُّ بل أغلبِ الشرّ بالخير". هذا يذكّرنا بأمثولة عظة الجبل عن محبّة الاعداء وعدم مقاومة الشرّ وانتزاع روح الانتقام. وفي 13: 7 نقرأ عن واجب الطاعة للسلطات السياسيّة فنتذكّر قول الربّ. "أعطُوا ما لقيصرَ لقيصرَ" (مت 22: 21). وفي 14: 14 نقرأ: "وأنا عالم ومتيقّن في الربّ يسوع أنّ لا شَيْءَ نجسٌ في حدّ ذاته ولكنّه يكون نجسًا لمن يعتبره". هذه الآية تذكّرنا بكلام الربّ عن الطاهر والنجس (مر 7: 14-23؛ مت 15: 10- 20). وفي 13:14 يطلب بولس من الأقوياء ألاَّ يكونوا حجَر عَثْرَةٍ للضعفاء، فيعود ولا شكَّ إلى أقوال المسيح: "الويلُ للعالم من الشكوك" (مت 18: 7). وعندما يقول بولس: "كيف يا هذا تدين أخاك" (14: 10)؛ يتذكّر قول المسيح: "لا تدينوا لئَلاَّ تُدانوا"، لا تدينوا الآخرين لِئَلاَّ يَدينَكُمُ الله (مت 7: 1- 2. لو 6: 37).

3- الشريعة القديمة والأخلاقيّة المسيحيّة
هناك أقوال لبولسَ قاسيةٌ بالنسبة إلى الشريعة. ولكن يجب أن نقرأ تجاهها ثلاث آيات. في 3: 31 يقول لنا إنّ نظام الإيمان في المسيح يثبِّت الشريعة. في 10: 4 يؤكّد أنّ المسيح غاية الشريعة. وفي 13: 10 يقول: المحبّة هي كمال الشريعة.
ماذا تعني العبارة الأولى (3: 31)؟ لا نفصل الشريعة عن تاريخ الخلاص. فالشريعة ترتبط بوحي الله عن نفسه أنّه الإله الواحد. ولهذا فأخلاقيّة العهد القديم هي أخلاقيّة جواب الله. والطاعة للشريعة هي جواب الإنسان إلى الربّ الذي أحبّه أوّلاً. وأخيرًا، ارتبطت الشريعة بالعهد (وهو عمل رحمة) فتضمّنت نعمة العهد والعون الإلهيّ للحفاظ على هذا العهد.
ما معنى عبارة "المسيح غاية الشريعة" (10: 4)؟ هل تعني أنّ المسيح يضع حدًّا للشريعة؟ هل تعني أن المسيح هو الغاية التي تسير نحوها الشريعة الموسويّة؟ المعنى الأوّل يرتَبِطُ ب 10: 5- 13. والمعنى الثاني ب 10: 1- 3. إنّ البرّ المؤسَّسَ على ممارسة الشريعة قد أراده الله قبل مجيء المسيح لأنّ الذي يعمل بهذه الشريعة يحيا (لا 18: 5). ولكنّ هذا البرّ سراب لا يتحقّق من دون النعمة. وإذا عدنا إلى المعنى الثاني نسمع بولس يتكلّم عن غيرة اليهود للشريعة، ولكنّه يوَبِّخُهم لأنّهم نَسُوا برّ الله المجاني وظَنُّوا أنهم يقدرون أن يحقّقوا بأعمالهم برًّا يكون مُلْكًا لهم. فقادهم هذا التكبّر إلى نسيان خطاياهم، فخالفوا الشريعة، ودفعهم لأن يُخْضِعُوا قصدَ الله لأفكارهم المُسَبَّقةِ وأغلقهم على نشاط الله الخلاصيّ والرحوم. وهكذا حين جاء المسيح إلى العالم مخلّصاً لم يعرفوا أنه كان الهدف الذي تُوَجِّههُمُ إليه الشريعة.
وكيف نفهم 13: 10: المحبّة كمال الشريعة؟ أي إنّها ملء الشريعة وكلّ الشريعة. فهذا ما تعنيه كلمة "بليروما" في اليونانيّة عند القدّيس بولس. هي لا تعني أنّ المسيح يكمل الشريعة التي هي ناقصة. فملء اللاهوت أوكلّ غنى الحياة الإلهيّة يقيم في المسيح فيجعله للمسيحيّين ملئًا فيّاضاً (كو 2: 9). والكنيسة هي ملء المسيح (أف 1: 23)، لا لأنّها تكمّل المسيح "الناقص"، بل لأنّ فيها تتركّز كلّ الخيرات الإلهيّة التي حملها المسيح إلى العالم. وكذلك نقول إنّ المحبة هي كال الشريعة. هذا لا يعني أنّ ممارستها تساوي كمال الشريعة الموسويّة، بل أنّ كلَّ فرائضِ الشريعةِ موجودةٌ فيها. ولكنّ المحبّة تجمع كلّ الوصايا لتتجاوزها. فمن الممكن أن نحفظ كلّ فرائض الشريعة التي هي موانع، ويبقى علينا دَيْنُ المحبّة الأخويّة: وهذا ما قاله يسوع حين أعلن أنّ كلّ الشريعة والأنبياء ترتبط بمحبّة الله ومحبّة القريب.
الفصل التاسع
رسائل الأسر
الرسالة إلى أهل أفسس

مقدّمة
تشكّل الرسالة إلى أهل أفسس إحدى رسائل السجن مع فل وكو وفلم. فكلّ هذه الرسائل كتبها بولس في السجن. فهو يقول في 3: 1: "لذلك أنا بولس سجين المسيح من أجلكم أيّها الوثنيّون" (رج 4: 1؛ 6: 20). وفي فل 1: 7: "كلّكم شركائي في النعمة، سواء في قيودي أو في الدفاع عن الانجيل" (رج فل 1: 17). ويعلن بولس في كو 4: 4 أنه "في القيود" من أجل المسيح وأنّ معه أسترخس "في الأسر" (كو 4: 10؛ رج 4: 18؛ فلم 1، 9، 23).
ولكن عن أيّ سجن نتكلّم؟ تُعلمنا 2 كور 11: 23 أنّ بولس سُجن مرارًا. ونعرف من أعمال الرسل (16: 23- 40) أنّه سُجن بضعة ساعات في فيلبّي، وأنّه سجن سنتين (58- 60) في قيصرّية فلسطين (أع 24: 27) وسنتين (61-63) في رومة (أع 28: 16، 30- 31). وافترض بعض الشرّاح منطلقين من إشارات هنا وهناك فتحدّثوا عن سجن بولس في أفسس حين أقام في هذه المدينة (53- 56)، وأعلنوا أنّ رسائل السجن كتبت كلّها في أفسس. ولكنّ كو وأف وفلم دُوِّنَتَا في رومة في نهاية السنة الأولى من أسر بولس أي سنة 62- 63
دوِّنت كو وأف في الوقت ذاته تقريبًا، والقرّاء جيران، وأخطار الإيمان هي هي. لهذا برزت المواضيعُ نفسُها. لهذا يجب أن نقرأ كو أوّلاً ثمّ أف. ونضمّ إلى هاتين الرسالتين فلم. أمّا فل فقد كانت آخر ما كتب بولس من رسائل السجن. فهو يمنيّ نفسه بخلاص قريب. يقول: "أرجو أن أبعث إليكم تيموتاوس عندما يتّضح مصيري. ولي ثقة بالربّ أن آتيَكم أنا أيضاً بعد قليل" (فل 2: 23- 24؛ رج 1: 25- 27). وهذا ما دفع الشرّاح إلى الافتراض أنّ الرسول عاد إلى كنائس آسية بعد خروجه من السجن، وزار تلك التي أسّسها وغيرها، فشدَّد المؤمنين ونظّم جماعاتِهم.

أ- أفسس وكنيستها
كانت أفسس مدينة هلّينيّة كبيرة، ثمّ صارت عاصمة مقاطعة آسية الرومانيّة بعد أن أزاحت برغامس من مكان الصدارة. لهذا اهتمّ بها بولس اهتمامًا خاصًّا فغرس فيها الإنجيل الذي سيشعّ على المناطق المجاورة. مرَّ بولس في أفسس مرّة أولى في نهاية سنة 52 وخلال رجوعه من الرحلة الرسوليّة الثانية (أع 18: 19- 21). ثمّ عاد إليها في بداية الرحلة الرسوليّة الثالثة (أع 19: 1) فأقام فيها ما يقارب الثلاث سنوات من سنة 54 إلى سنة 57 (أع 19: 8، 10، 22، 20، 31). ومن أفسس أرسل بولس المرتدّين الجدد ليحملوا البشارة إلى المدن المجاورة (أع 19: 26)، كما فعل أبفراس في كولسّي. وهكذا انتشرت المسيحيّة سريعًا في مقاطعة آسية فشكّلت ربع المسيحيّين في ذلك الوقت. كانوا 80000 من أصل 400000، حسب تقدير بعض العلماء، في مقاطعة تعدّ أربعة ملايين.
ولكنْ نتساءل: هل كتبت أف إلى كنيسة أفسس؟ تعَّودنا أن نقرأ العنوان "إلى أهل أفسس"، ونقرأ 1: 1 في بعض الترجمات: "إلى القدّيسين الذين في أفسس والمؤمنين في المسيح يسوع". ولكنّ العنوان ليس في الأصل وليس قانونيًّا، وإنّما هو قديم لأنّ ترتليانس يفترض وجوده حين يناقش مع مرقيون الذي يصحّحه "إلى أهل لاودكية". ثمّ إنّ "في أفسس" غير موجودة في بعض المخطوطات الهامّة جدّاً. والذي دفع الشرّاح إلى هذا البحث هو أنّ أف لا يمكن أن تكون موجّهة إلى جماعة عاش معها بولس طويلاً. فهو يحدّثهم وكأنّه لا يعرفهم، وكأنّهم لا يعرفونه. فيقول في 1: 15: "قد سمعت بإيمانكم في الربّ يسوع وبالمحبّة التي تُولونها جميعَ القدّيسين". وفي 4: 20- 21: "أمّا أنتم فما هكذا تعلّمتم ما هو المسيح، إذا كنتم أخبرتم به وتلقّيتم تعليمًا للحقيقة التي في يسوع". وفي 3: 2: "سمعتم كيف أوليتُ نعمة الله من أجلكم".
والآن نتساءل: إن كانت هذه الرسالة لم تتوجّه إلى أفسس فإلى من توجّهت؟ هناك من يقول إلى لاودكية مستندًا إلى ما نقرأ في كو 4: 16- 17: "فإذا قرئت هذه الرسالة عليكم فدعوها تقرأ أيضاً في كنيسة لاودكية. والتمسوا رسالة لاودكية لتقرأوها أنتم أيضاً". وقال آخرون: إنّها رسالة دوّارة، قد وُزِّعَتْ على كنائسَ متعدّدةٍ ومنها أفسس ولكنّها لم تنحصر في كنيسة أفسس. ويسندون قولهم إلى اللهجة الباردة التي بها يكلّم أهل أفسس الذين قضى معهم ما ينيف على سنتين وودّع شيوخهم بكلام كلّه حرارة (أع 20: 17 ي). ولكن أتكون الرسالة كتبت إلى أهل أفسس أو إلى أهل لاودكية أو إلى كنائس عدّة، فلا برهان يجعلنا نميل إلى هذا الرأي أو ذاك. غير أنّنا نُبْقِي على التسمية بعد أن صارت تقليديّة. فإلى القائلين "إلى كنيسة لاودكية"، نقول: لا نجد اسم لاودكية في أيّ مخطوط للرسالة إلى أفسس. وإلى القائلين "رسالة دوّارة" نجيب لماذا لم يقل بولس إلى كلّ آسية كما قال في 2 كور 1: 1: "جميع القدّيسين في أخائية"، أو كما قال في غل 1: 2، "إلى كنائس غلاطية"؟

ب- تصميم الرسالة إلى أفسس
بعد العنوان (1: 1- 2)، من بولس... إلى القدّيسين المؤمنين... عليكم النعمة والسلام، نجد في أف قسمينِ رئيسيّينِ: قسم عقائديّ وتعليميّ، وقسم إرشاديّ وأخلاقيّ.
1- القسم الأوّل (1: 3- 3: 21): الخلاص الشامل والوحدة بالمسيح والكنيسة 
- نقرأ أوّلاً مديحًا لله (3:1- 14) مع عبارة تتردّد ثلاث مرّات (آ 6، 12، 14): لتسبيح مجده. ويشكّل هذا المديح ملخّصاً للرسالة كلّها ويُقْسَمُ مقاطعَ: المقدّمة (آ 3) الاختيار (آ 4- 6 أ)، الخلاص (آ 6 ب- 7)، موهبة المعرفة (آ 8- 9)، جمع العالم تحت رأس واحد هو المسيح (آ 9 ب- 10)، الميراث الموعود به (آ 11- 12) ختم الروح (آ 13- 14).
- بعدها نجد صلاة شكر وتنوير وتشفّع (1: 15- 23). تبدأ هذه الصلاة بفعل شكر (آ 15- 16) يسأل فيها بولس الله أن يمدّ كنيسته بالروح (آ 17- 19). إنّ قيامة المسيح أعطته السيادة على كلّ قوّة (آ 20- 21) وجعلته رأس الكنيسة (آ 22- 23). 
- نحن مخلّصون بقيامة المسيح (2: 1- 10). بعد أن تكلّم الكاتب عن ماضي الوثنيّين (الخاطب الجمع، أنتم، رج آ 1- 2) وماضي اليهود (المتكلّم الجمع، نحن، رج آ 3)، عرض كيف يتحقّق الخلاص بواسطة القائم من بين الأموات (آ 4- 10)، مشدّدًا على النعمة (آ 8- 9).
- نحن واحد في المسيح، يهودًا كنّا أم يونانيّين، بالسلام الذي تحقّق على الصليب (2: 11- 22). كان الوثنيّون في الماضي من دون مسيح (آ 11- 12) فصالحهم المسيح الذي هو سلامنا (آ 13-18). فنتج عن ذلك نموّ عظيم للكنيسة (آ 19- 22).
- صلاة بولس سجين يسوع المسيح (3: 1- 21). يبدأ بولس صلاته فيقدّم نفسه على أنّه سجين المسيح (آ 1). اختاره الله بنعمته ليحقّق مخطّطه (آ 2- 4)، وهو السرّ، أي وحدة اليهود والوثنيّين. هذا السرّ الذي كُشف للرسل والأنبياء صار معروفًا لدى الجميع (آ 5- 6). ويصوّر بولس مكانته في مخطّط الله (آ 7- 9): نجد في المسيح الحرّيّة لنقتربَ من الله بثقة (آ 10- 12). وآلام الرسول هي مجد قرّائه (آ 13). ويسأل بولس في صلاة خاشعة ليعرِفَ المؤمنون الحبّ الذي يفوق كلّ معرفة (آ 14- 19). وينتهي الفصل بمجدلة: "لله المجد في الكنيسة وفي المسيح يسوع على مدى جميع الأجيال والدهور. آمين" (آ 20- 21).

2- القسم الثاني (4: 1- 6: 20) الحياة الجديدة
- بناء جسد المسيح في الوحدة (4: 1- 16). يتركّز التحريض على الوحدة (آ 1- 6) ثمّ يتفتّح على تنوّع المواهب وتناسقها (آ 7- 16) من أجل غنى وكمال الكنيسة التي هي جسد المسيح.
- تَعارضٌ بين الحياة القديمة والحياة الجديدة (4: 17- 31). فحياة الوثنيّين في الماضي (آ 17- 19) تتعارض والحياة في المسيح (آ 20- 21 ب). ونتيجة كلّ ذلك: اخلعوا الإنسان القديم والبسوا الإنسان الجديد (4: 21 ج- 24). ويعطي الكاتب بعض الأمثلة (آ 25- 31): كفوا عن الكذب، إذا غضبتم لا تخطئوا، لا تجعلوا لإبليس سبيلاً، لا تخرج من أفواهكم أيّة كلمة سوء، أزيلوا كلّ شراسة وسخط وغضب وصخب وشتيمة.
- نعيش كأبناء النور (4: 32- 5: 20). اقتدوا بالله وتخلَّوا عن سلوككم السابق لِتَحْيَوا كأبناء النور مستفيدين من الزمن الحاضر حامدين الله حمدًا دائمًا على كلّ شيء باسم ربّنا يسوع المسيح.
- علاقات جديدة متبادلة (5: 21- 6: 9). هناك قاعدة عامّة: اخضعوا بعضكم لبعض (5: 21). وتطبَّق هذه القاعدة على العلاقات بين الرجل والمرأة. وهذه العلاقات ترمز إلى العلاقات بين المسيح والكنيسة (5: 22- 33). وتطبَّق هذه القاعدة أيضاً على البنين والأبناء (6: 1- 4)، على العبيد والأسياد (6: 5- 9). 
- جهاد الإيمان (6: 10- 20). تسلّحوا بقوة الربّ (آ 10)، البسوا سلاح الله (آ 11- 13) المؤلّف من ستّ آلات (منطقة، درع، نعل، ترس، خوذة، سيف) (آ 14- 17). وأقيموا كلَّ وقت الصلاةَ والابتهالَ في الروح (آ 18- 20).

الخاتمة
سيحمل تيخيكسُ الرسالةَ إلى المؤمنين ومعها أخبار الرسول (6: 21-22). وتنتهي الرسالة بالسلام (6: 23- 24): السلام والمحبّة والإيمان للإخوة من لدن الله الآب، ومن لدن الربّ يسوع المسيح. لتكن النعمة على جميع الذين يحبّون يسوع المسيح حبًا لا يزول.

ج- التعليم في الرسالة إلى أفسس
1- المسيح جالس على عرشه في السماء
إنّ بولس قد أحسّ بواقعيّة هذا القول المبنيّ على مز 110: 1. فلقد أعلن في كو تفوّق المسيح على القوى السماويّة بالخلق وبالفداء (كو 1: 15- 20؛ 2: 10- 15). وذكر مع إيمان الكنيسة الأولى أنّ المسيح الممجّد جالس عن يمين الله (كو 3: 1). أمّا في أف فهو يجمع هذين المُعْطَيَيْنِ. في 1: 20 يحدّد أنّ جلوس المسيح عن يمين الله يجعله فوق كلّ سلطة سماويّة، بل تصبح كلّ سلطة تحت قدميه شأنها شأن كلّ شيء (رج مز 8: 7). وفي 4: 8- 10 يبدو هذا التفوّق الكونيّ بعد صعود (سبقه نزول من السماء إلى الأرض) يرفع المسيح إلى قمّة كلّ السماوات بعد أن يكون وضع يده على الكون. 
وما حصل للمسيح يحصل للمسيحيّين. فهم أيضاً جالسون منذ الآن معه في السماوات (2: 6). كانت كو 2: 12 قد أبرزت القيامة في خطّ الإسكاتولوجيا المتحقّقة، كما في روم 6: 4- 11، وخطت أف خطوة في هذه الطريق.
ويتوقّف بولس عند الأفق السماوي فيورد عبارة "في السماوات" خمس مرّات (1: 3، 20؛ 2: 6؛ 3: 10؛ 6: 12). فالعبارة لا تعني ما هو فوق السماوات، بل السماويّات وتقابل الأرضيّات (1 كور 15: 40؛ فل 2: 10). ولكنّ الأقدمين قالوا بدرجات في السماوات. أمّا يسوع فهو في أعلاها، عن يمين الله في السماوات فوق كلّ رئاسة (1: 20 ي)، والمسيحيّون جالسون معه في السماوات في المسيح يسوع (2: 6). هذه العبارة تدلّ على مستوى فكر بولس: ففي السماوات تنبع منذ الأزل كلّ بركة إلهيّة وكلّ مخطّط الخلاص.
ونقرأ في 3: 10 و 6: 12 عن أصحاب الرئاسة والسلطة في السماوات. هنا نفكر بمملكة الجوّ (2: 2) حيث يملك سيّد هذا العالم وحيث يقيم الشياطين. فالقوى التي تحكم الكون قريبة من الشياطين لأنها قوى ظلمة (رج كو 1: 13، 16). وهذه القوى الكونيّة، وإن أخضعها المسيح وجعلها تحت قدميه، إلاّ أنّها ما زالت فاعلة وهي أكبر خصم لخلاص البشر لأنّها جيش إبليس وأرواح الشرّ (6: 11 ي).
هنا تختلف أف عن كو لأنّها تجعل الرئاسات والسلطات الكونيّة مع القوى الشيطانيّة. فكو لا تجمع السلطات السماويّة المخلوقة والمتصالحة في المسيح (كو 1: 16، 20) مع مملكة الظلمة التي نجّانا منها (كو 1: 13). كانت هذه القوى محايدةً، بل صالحةً في أصلها وضحيّة لتعبّد الناس المفرط لها تعبّدًا يجعلها في إطار الخطيئة. إنّ أف 1: 21 و 3: 10 يُفهمَان بهذا المعنى الخفيف، أمّا 6: 12 فتعتبر هذه القوى شرًّا. فكيف نفهم هذا؟ في كو جعل بولس هذه القوى ملائكة مدبّرين للشريعة فدلّ على أنّ سلطانهم زال بعد أن أُبْطِلَ النظامُ الموسويّ. كان لها دور في الماضي وصار هذا الدور ملتبسًا، فَعُرِّيَتْ منه وعاد كلّ شيء إلى أصله. أمّا أف فهي تجعل هذه القوى في إطار القوى المعادية على مثال ما نقرأ في روم 8: 38 ي حيث تبدو هذه القوى معادية لأنّها سببت موت المسيح (1 كور 2: 8) أقلّه عن جهل (3: 10). وهي ستصبح ضعيفة كأعداء خاضعين لسيّدهم (1 كور 15: 24 ي). والعنصر الجديد في أف هو أنّه ماثل بين هذه القوى الكونيّة وقوى الظلمة وأرواح الشرّ العاملين بإمرة إبليس (6: 11 ي) أو الروح الذي يقود المتمرّدين (2: 2).
هل ستخلص هذه القوى الشرّيرة؟ قالت كو 1: 20 إنّ الله سيصالح كلّ موجود بما فيها هذه القوى بعد أن عادت إلى حجمها الطبيعيّ. وتقول أف 1: 10 إنّ القوى السماويّة ستعود كالقوى الأرضيّة إلى سلطة المسيح كرئيس بخضوع يمكنه أن يكون خضوع الحبّ أو خضوع القوّة.

2- البشر المخلّصون باتّحادهم بالمسيح
ولكنّ هذه القوى وهذا الكون لا تهمّ بولس في ذاتها. إنّها إطار للبشريّة. عاد بولس إلى هذه القوى ليرسم المسرح الذي عليه تتمّ دراما الخلاص، ولكنّها تختفي لتترك المجال للمجموعة التي تهمّ بولس وهي شعب البشر المختارين المخلّصين باتّحادهم بالمسيح. هذا الموضوع هو في قلب بولس منذ لقائه بالربّ على طريق دمشق وهو يعود إليه دومًا في رسائله. ويقدّم مواضيع معروفة يتوسّع فيها حسب نظرة جديدة: الدعوة إلى حياة مقدّسة في حضرة الله (4:1؛ رج 1 تس 13:2؛ 1 كور 1: 8؛ فل 1: 10؛ 15:2؛ كو 1: 22)، القرب بثقة إلى الله بالإيمان (3: 12؛ رج روم 5: 2)، الفداء بدم المسيح (1: 7؛ رج روم 3: 25)، الإيمان بالإنجيل (1: 13؛ رج 1 تس 1: 5- 7؛ روم 1: 16؛ كو 1: 4- 6)، الروح القدس كختم وعربون (1: 14؛ رج 2 كور 1: 22؛ 5: 5)، قدرة الله التي أقامت المسيح (1: 19 ي؛ رج 2 كور 13: 4؛ روم 6: 4؛ فل 3: 10؛ كو 2: 12)، الخلاص بالنعمة لا بأعمال، وهو خلاص يدفعنا إلى الأعمال الصالحة (2: 8- 10)، ماضي الخاطئ في عمى بالنسبة إلى الروح (4: 17- 19؛ رج روم 1: 21، 24)، لبس (ارتداء) الخليقة الجديدة في المسيح (4: 24؛ رد غل 3: 27؛ 6: 15؛ 2 كور 5: 17؛ روم 13: 12، 14؛ كو 3: 10). كلّ هذه الوجهات المألوفة في فكر بولس تبرز هنا وهناك (2: 8- 10؛ 4: 17- 19)، ولكنّها في خدمة فكرة مركزيّة وجديدة هي: فكرة خلاص البشريّة الشامل في المسيح. هذه الوجهة ليست جديدة في حدّ ذاتها، بل تعبِّر عن اتّجاه جوهريّ لمخطّط الله وترتبط بتدبير الشعب المختار في العهد القديم. ولقد تطرّق إليها بولس في رسائله السابقة. ولكنّ المشاكل المطروحة كانت تعود به إلى وجهات خاصّة مثل انتظار المجيء الثاني، جنون حكمة الصليب، النظام في الجماعات الليتورجيّة، تدبير الشريعة والنعمة. أمّا الآن فقد توسّع الأفق أمام مسيح أقام في ارتفاعه السماويّ. وجماعة المخلّصين التي تنمو وتملأ الأرض تصبح موضوع تفكيره اللاهوتيّ، جماعة المحبين هي الكنيسة التي تجمع اليهود والوثنيّين، التي تنتظم في جسدٍ رأسُه المسيح.

3- اجتماع اليهود والوثنيّين
كان بولس من الشعب اليهوديّ، ولكنّ المسيح اختاره ليبشر الوثنيّين. ما فتئ يدعو إخوته بني قومه ولكنّه لم يلق منهم إلاّ العداوة والاضطهاد. فكان هذا الرفض من قبل الشعب المختار مشكلة تقلق قلبه ولقد سمّاها في 2 كور 12: 7 "شوكة في جسده". وتطرّق إلى هذه المشكلة في روم 9- 11 وتوقّف أمام سرّ مخطّط الله (روم 11: 25): كان رفض اليهود مطلوبًا ليتقرّب الوثنيّون من الخلاص. وبعد ذلك يدخل بنو إسرائيل إلى الحظيرة. كان هذا أملاً ممزوجًا بالقلق. واستعادت أف المشكلة في اتّساع كونيّ وتفاؤل يرتبط بنهاية الزمن. كلّ شيء ينتظم حسب تدبير مخطّط الله الذي تأمَّلَه في السماوات. فاليهود والوثنيّون يقابلون مرحلتين من مراحل مخطّط الخلاص، مرحلة الرجاء ومرحلة الإيمان بالإنجيل، وكلتاهما تتمّان بالروح عينه. فالوثنيّون مدعوّون لأنّ يشاركوا في ميراث القدّيسين (1: 18)، أي شعب إسرائيل (2: 19). وفي 2: 2- 3 يقابل بولس بين ماضي الوثنيّين الخاطئ وماضي اليهود الخاطئ كما في روم 1: 18-23؛ 2: 1- 29؛ 3: 9- 20، ولكنّ المقطع الأهمّ نقرأه في 2: 11- 22: تَغَرُّبُ الشعبين ثمّ تقارُبُهـا: انفصلا في الماضي في زمن التدبير القديم الذي حصر خيرات الخلاص في شعب إسرائيل (آ 11- 13)، وتقاربا واقتربا معًا من الله بصليب المسيح الذي أزال التدبير القديم (آ 14- 18). بعد هذا اجتمع الشعبان في بناء هيكل روحيٍّ يقيم فيه الله وسط البشر (آ 19- 22). ويعود بولس مرّة أخيرة إلى هذا اليقين في تحديده لسرّ المسيح: ميراث واحد، جسد واحد، وعد واحد للوثنيّين ولليهود (3: 6). إنّ زوال أحكام الشريعة بالصليب (2: 14- 15) أزال المسافات ووضعَ السلام بين فئتين من البشر.

4- جسد المسيح
ويتمّ التجمعّ في إنسان واحد جديد (2: 15) هو المسيح مثال البشريّة الجديدة، في جسد واحد (2: 16) هو جسده المصلوب والمائت عن الخطيئة، وفي روح واحد (2: 18) هو روح المسيح القائم من بين الأموات. هنا نكتشف موضوع جسد المسيح في عمقه البولسيّ. لسنا أمام استعارة لصورة الجسم الاجتماعيّ، بل أمام امتداد إسكاتولوجيّ لجسد المسيح الذي مات وقام وجمع بالمعموديّة أجساد المسيحيّين وتوسّع وسوع جسد الكنيسة العظيم. كان بولس قد تطرّق إلى هذا الموضوع في الرسائل إلى كورنتوس ورومة وحدّده في كو، وها هو يتعامل مع الكنيسة وكأنها شخص حيّ. جمع موضوع الرأس وموضوع الجسد. وحافظ على التمييز بين الجسد الذي يُبنى عك الأرض وبين الرأس الذي ينظّم النموّ من أعلى السماء (4: 15 ي؛ كو 2: 19). وشدّد على أنّ الكنيسة شخصٌ فردٌ انطلاقًا من صورة الهيكل الذي يشكّل المسيح فيه حجر الزاوية (أو حجر الغلق، رج 2: 20- 22). والكنيسة تكشف بوجودها للرئاسات والسلاطين حكمة مخطّط الله (3: 10). وبنيتها الواحدة مع تنوّع خِدمها تبدو في 4: 3- 16 على أنّها مؤسسّة في الوحدة وموجّهة إلى الوحدة. نقطة الانطلاق هي الجسد الواحد والروح الواحد لربّ واحد نرتبط به بالإيمان الواحد والمعموديّة الواحدة لنصل إلى الرجاء الواحد الذي إليه يدعونا الله الواحد وأبو الجميع (4: 4- 6). وفي النهاية هو المسيح، الإنسان الكامل حيث يلتقي الجميع في وحدة الإيمان والمعرفة.

- 2 -
الرسالة إلى أهل فيلبّي
ما يلفت انتباهنا حين نقرأ فل هو طابعها الشخصيّ الشديد. فلقد أعطي لنا في هذه الرسالة، أكثر من غيرها، أن نحسّ بدقّات قلب بولس. لا شكّ، لم تكن كنيسة فيلي خاليةً من كلّ عيب، ولكن الرسول ما كان ليشكَّ بأمانتها الأساسيّة للإنجيل وصدقها تجاه شخصه. هذه الصراحة جعلت بولس يحبُّ أهل فيلبيّ ويسكب لهم قلبه في عواطف عميقة.

أ- مدينة فيلبّي
كانت فيلبّي في أيّام بولس تقع على هضبة تقابل مكدونية الشرقيّة. أحاطت بها الجبال فما وجدت لها مَنْفَذًا إلاَّ من جهة الغرب حيث يمرّ نهر انجيتيس الذي يشقّ مجراه بين جبلين. واتّصلت فيلبّي ببحر إيجِه بواسطة طريق تعبر جبل سمبولون وتصل إلى نيابوليس المدينة الجديدة (أع 16: 12) بعد ثلاث ساعات أو أربع من السير على الأقدام.
يشتقّ اسم فيلبّي من فليبس الثاني ملك مكدونية ووالد الإسكندر الكبير الذي حوّل أماكن مغمورة إلى مدينة محصّنة سنة 358-357. كانت المنطقة غنيّة بمعادن الذهب وهذا ما جعل المدينة تزدهر وجلب إليها السكّان. في سنة 169 انتصر إميليوس الرومانيّ على برسيس ملك مكدونية وحوَّل بلاده إلى مقاطعة رومانيّة وقسّمها إلى مناطق. وشكلت فيلبّي جزءًا من المنقطة الأولى بعاصمتها أمفيبوليس (أع 17: 1). وبعد سنة 148 صارت مكدونية إقليمًا رومانيًّا وكانت فيلبّي مدينةً محطّة على الطريق الأغناطيّة المهمّة التي تربط الشرق والغرب عبر ألبانيا الحاليّة. وخلال القلاقل الداخليّة التي حصلت في القرن الأوّل ق م، انتصر أنطونيوس وأوكتافيوس في سهل فيلبّى سنة 42 على المدافعين عن الجمهوريّة اللذين قتلا يوليوس قيصر وهما بروتوس وكاسيوس. وما إنِ انتهت المعركة حتّى بدأ أنطونيوس يجعل من فيلبّي عظمى المدائن (رج أع 16: 12)، وتابع العمل أوكتافيوس الذي صار أغوسطس بعد انتصاره على أنطونيوس في أكسيوم سنة 31 ق م. فأسكن في المدينة جماعة من قدماء الحرب الذين رافقوه في انتصاراته، وجعل فيلبّي مدينة رومانيّة يسود فيها الحقّ الإيطالي، فكانت تُعامَل كما تُعامَل مدن إيطاليا.
وعى السكّان وضعهم: أنهم رومانيّون (أع 16: 21)، ولكنّهم تألّفوا من جنسيّات مختلفة: فهناك أهل البلاد الأصليّون، والجنود القدامى الذين جاء بهم أوكتافيوس، والمهاجرون الإيطاليّون الذين تحزّبوا لأنطونيوس فخسروا أملاكهم لصالح محازبي خصمه. تنوّع السكّان وتنوّعت العبادات: فهناك عبادة الإمبراطور بوظيفتها الموحّدة، وهناك عبادة التراقيّين، السكّان الأصليّين، وعبادات أهل اليونان والأناضول وسورية ومصر. كلّ هذا شكّل مزيجًا تلفيقيًّا بدا العالم اليهوديّ تجاهه حقيرًا مع عبادته التوحيديّة.
هكذا بدت فيلبّي حين أمَّها بولس وجعل منها أوّل مدينة أوروبيّة تتقبّل بشارة الإنجيل. أمّا اليوم ففيلبّي تلّة من الدمار بعد أنّ مرّ الأتراك فيها.

ب- جماعة فيلبّي
المرحلة التي يشكّلها تأسيس جماعة فيلبّي المسيحيّة هامّة جدًّا. فهي الحقل الذي زُرعت فيه أوّل بذور الإنجيل. ولقد أبرز كاتب سفر الأعمال تبشير فيلبّي فروى كيف أنّ بولس حظي برؤية ليليّة حين كان في ترواس من آسية الصغرى. بدا بولس كالآباء الأوّلين المتنقلين من مكان إلى آخر، فوجّهه الله بطريقة علويّة. "رجل مكدونيّ قائم لديه يتوسّل إليه فيقول: اعبر إلى مكدونية وأغثنا" (أع 16: 9).
فعبر بولس شماليّ بحر إيجيه برفقة سيلا وتيموتاوس، وبعد أن توقّف في ساموتراكية وصل إلى نيابوليس. حينئذ سلك الطريق الأغناطيّة ووصل إلى فيلبّي. وما مضت أيّام حتى ذهب بولس ورفيقاه إلى خارج المدينة وانضمّا إلى الجماعة اليهوديّة الصغيرة التي كانت تصلّي على شاطئ النهر يوم السبت. اجتمعت النساء هناك فتوجّه إليهنّ بولس بالكلام. وكان بينهنّ امرأة أصلها من تياتيرة في ليدية، ولهذا سمّيت ليدية، وكانت تبيع الأرجوان. كانت وثنيّة تتعبّد لله أي أنّها كانت تتعاطف مع الديانة اليهوديّة وتمارس بعض فرائضه. فقبلت الإنجيل الذي بشَّر به بولس ونالت سرّ المعموديّة مع أفراد اسرتها، واستضافت في بيتها المرسلين الثلاثة (أع 16: 11- 15).
كنّا نتمنّى أن يتابع سفر الأعمال خبره كما بدأه فيورد لنا كيف قام المبشّرون بعملهم. ولكنّه يروي لنا فقط بعض الأحداث. تبعتهم عرّافة فأخرج بولس منها الروح الشرّير فكلّفه عمله السجن هو وسيلا. ويحدّثنا النصّ عن نجاتهما وعماد السجّان وأفراد أسرته. بعد هذا أطلق الحكّام سراح الرسولين وأمروهما أن يغادرا المدينة. مهما يكن من هذه الاخبار التي نمّقها الكاتب، لا شكّ في أنّ إقامة بولس الأولى في فيلبّي رافقها الألم والاضطهاد. وهذا ما يشير إليه مرّتين (1: 30؛ 1 تس 2: 2) كافلاً صحّة أقوال أعمال الرسل. أجل، لم تَسِرِ الأمور بالنسبة إلى المرسلَين كما يجب، فأجبرا على مغادرة المدينة متّجهَين إلى تسالونيكي (أع 17: 1).
متى تأسّست كنيسة فيلبّي؟ إذا عدنا إلى تاريخ سيرة القدّيس بولس يمكننا أن نحدّد هذا التأسيس بسنة 50. وهكذا تكون البشارة الإنجيليّة وصلت إلى أوروبا عشرين سنة بعد موت يسوع وقيامته.
وسيمرّ بولس بعد ذلك مرّتين في فيلبّي. المرّة الأولى نستنتجها من الخطّ الذي اتّبعه في رحلته الرسوليّة الثالثة. أَتُراهُ عبر مكدونيةَ ولم يسلّم على الكنائس المحلّيّة؟ يبدو الأمر صعبًا (1 كور 16: 5؛ 2 كور 2: 13؛ 7: 15). أمّا المضايقات التي قاساها هناك (2 كور 7: 5) فلا يمكنها أن تأتيَ من كنائس امتدح بولس شجاعتها وسخاءها (2 كور 8: 2). أمّا المرّة الثانية فيوردها سفر الأعمال (20: 6): ما أبحر بولس من جنوبي اليونان كما كان قد تقرّر (رج أع 18: 18)، فأجبر على أن يرجع على طريق مكدونية بسبب مؤامرة دبّرها له اليهود. قال بولس: "أبحرنا من فيلبّي"... وسيصل إلى أورشليم.

ج- من أين كتب بولس رسالته إلى أهل فيلبّي؟
عَرَّفَنا سفر الأعمال أنّ بولس سُجن مرّتين. مرّة أولى في قيصريّة فلسطين (أع 23: 33- 26: 32) ومرّة ثانية في رومة (أع 28: 16- 31). غير أنّ الرسائل التي كتبها في السجن لا تشير إلى المكان الذي سجن فيه.
تذكر لنا 2 تم أنّ ساعة رحيل الرسول اقتربت (2 تم 4: 6). فمهما يكن من أصل هذه الرسالة والرسالتين الرعاويّين الأخريين، فإنّ 2 تم دُوِّنَتْ في رومة حيث يقول التقليد إنّ بولس استشهد. أمّا الرسائل إلى الأفسسيّين والكولسّيّين وفيلمون فقد كتبت في وقت واحد أقام فيه بولس في السجن، والدليل على ذلك العلاقات بين فلم وكو من جهة، وبين أف وكو من جهة ثانية. ولكن عن أيّ أسر نتكلّم؟ يظنّ معظم الشرّاح أنّه أَسْرُ رومة. وما يدفعهم إلى هذا القول هو أن يبعدوا كو وأف عن الرسائل الكبرى ليتيحوا لبولس أن يتطوّر فكرًا وأسلوبًا.
وتبقى فل التي دوّنت في خطّ الرسائل الكبرى. كان الشرّاح يقولون حتّى القرن التاسع عشر إنّ فيلبّي كتبت خلال الأسر في رومة. ولكن تبدّلت الحال الآن فتساءل الشرّاح: هل كتب بولس إلى فيلبّي رسالة واحدة؟ وبحثوا عن مكان آخر سُجن فيه بولس وكتب رسالة إلى أهل فيلبّي. هنا تبرز أفسس كمكان ثالث سُجن فيه بولس ومنه كتب فل.
نعرف أنّ بولس أقام ثلاث سنوات في أفسس، وهي مدينة في آسية، خلال رحلته الرسوليّة الثالث (أع 19: 1- 20: 1). يحدّثنا أع عمّا حصل لبولس في هذه الأماكن. ولكنّه لا يشير إلى أنّه سجن. أمّا 1 كور التي دوّنت في نهاية إقامة بولس في أفسس (فصح 57) فهي تذكر الأخطار التي تعرّض لها بولس من أجل الإنجيل والتي تشكّل في نظر بولس برهانًا أنّه يؤمن بقيامة الموتى. قال: "ولماذا نتعرّض نحن للخطر كلّ حين؟ فإذا كنت صارعت الوحوش لغرض بشريّ، فما الفائدة لي؟ وإذا كان الأموات لا يقومون، فلنقل مع القائلين: تعالوا نأكل ونشرب، فغدًا نموت" (1 كور 15: 30، 32).
لقد فهم بعضهم هذه المصارعة مع الوحوش بطريقة حرفيّة، واعتبروا أنّ لوقا كاتب أع جهل أنّ بولس بارز الوحوش في الحلبة. ولكن ليس من المعقول أن نفهم 1 كور 15: 33 على هذا الشكل، لأنّ مصارعة الوحوش كانت مهنة صعبة لا قِبَلَ لبولسَ بها. وإن فهمنا العبارة أنّ بولس قُدِّمَ للوحوش مثل أغناطيوس الأنطاكيّ، لكانت الوحوش افترسته. ثمّ إنّه لا يمكن أن يُلْقَى بولسُ أمام الوحوش لأنّه مواطن رومانيّ. ولهذا فهم بعضهم هذه العبارة على أنّها تدلّ على معاملة سيّئة تعرّض لها بولس، ولكنّ هذه المعاملة لا تدلّ بالضرورة على السجن.
إذًا هل كتب بولس إلى أهل فيلبّي من رومة؟ ففي 1: 13 يعلن: "إن وجودي في السجن من أجل المسيح ذاع خبره في دار الحاكم وسائر الأماكن كلّها". "دار الحاكم" تدلّ على خيمة القائد في الجيوش الرومانيّة. أمّا في الإنجيل فتدلّ على قصر الوالي بيلاطس (مر 15: 16؛ مت 27: 27؛ يو 18: 28، 33). ونذكر أنّ هناك واليًا آخرَ اسمه فيلكس سجن بولس في قيصريّة في دار هيرودس (أع 23: 25) أي في القصر الذي بناه هيرودس الكبير كدار ضيافة لممثّل رومة. ولكنّ الكلمة تعني مكانًا يقيم فيه الجنود وتعني الجنود ذاتهم أي الحرس الإمبراطوريّ الذي توزّع في رومة وسائر مدن الإمبراطوريّة ومنها أفسس. إذًا لا تدلّ "دار الحاكم" على أنّنا في رومة. ولا نستطيع أن نستنتج أيّ شيء من العبارة "يسلّم عليكم حاشية قيصر" (4: 22). فهذه العبارة تدلّ على الحشم الذين يهتمّون بممتلكات الأمبراطور في رومة أو في سائر مدن الإمبراطوريّة. وهكذا لا نجد البرهانَ الوافيَ على أنّ فل كتبت في رومة.
ثمّ إنّ رومة تبعد عن فيلبّي مسافة 1300 كلم، وهذا ما يستغرق أربعة أو خمسة أسابيع من السفر. أمّا الرسالة فتفترض أنّ الرواح والمجيء بين المدينتين يستغرقان مدّة قصيرة. علم مسيحيّو فيلبّي بأنّ بولس ألقي في السجن فأرسلوا إليه إبفروديتس. وحين وصل إلى بولس سقط طريح الفراش فعرفت جماعة فيلبّي بمرضه. كلّ هذا تذكره 2: 25- 26 وهو يفترض أربعة أو خمسة أشهر من التبادل. ولكنّ الوقت يقصر إذا عرفنا أنّ السفر من أفسس إلى فيلبّي عبر بحر إيجيه يستغرق عشرة أيّام.
وهناك مشاريع بولس. فهو يرجو بعد خروجه من السجن أن يقوم بزيارة إلى أهل فيلبّي (2: 24). ولكن إذا رجعنا إلى روم 15: 23-24، عرفنا أنّ بولس نوى الذهاب إلى إسبانية بعد مروره في رومة. فلو كتبت فل في رومة، لكان بولس عدل عن مشروعه وذهب إلى الشرق لا إلى الغرب، إلى فيلبّي لا إلى إسبانية. الأمر ممكن، ولاسيّما وإنّ بولس عزم على الذهاب إلى رومة كمرسل حرّ لا كسجين. تبدّلت الظروف فتبدّلت مخطّطات بولس. إذًا لم تكتب الرسالة من أفسس. ولم تكتب من قيصرّية لأنّ المواصلات بين رومة وفيلبّي كانت أسهل من الموصلات بين قيصرّبة وفيلبّي. من أجل كلّ هذا يبدو أنّ فل كتبت من سجن رومة في فترة من الزمن تمتدّ بين سنة 61، وسنة 67 التي فيها مات الرسول شهيدًا. هذا رأي وهناك رأي آخر يعتبر أنّ فل كتبت من أفسس في سنة 56-57.

د- رسالة واحدة أم رسائل متعدّدة
حين يكتب بولس إلى أهل فيلبّي فهو يكتب بصورة شخصيّة. فيشير في رسالته إلى "قيوده" (1: 13، 14، 17)، ويتطلعّ إلى استشهاده كأمر ممكن (1: 20- 21؛ 2: 17). ولكنّنا لا نقرأ هذه التلميحات إلاّ في الفصلين الأوّلين وفي 4: 14 حيث يهنِّئ الرسول أهل فيلبّي لأنّهم شاركوه في "محنته". من أجل هذا اعتبر الشرّاح أنّ فل هي من نتاج بولس ولكنّهم انطلقوا من إشارات عديدة تدلّ على أنّنا لَسْنَا أمام رسالة واحدة بل أمام ثلاث رسائل أرسلت إلى فيلبّي ثمّ جمعت في نصّ واحد.
ففي 3: 1 يبدأ بولس تحريضاً يدعوهم فيه لأن يفرحوا في الربّ. ولكنّ هذا التحريض ينقطع ويصبّ في خطبة قاسية ذات لهجة شديدة: "احترسوا من الكلاب، احترسوا من عمّال السوء". لا شيء في الفصلين الأوّلين يهيّئنا لمثل هذا التحذير. ثمّ إنّ بولس لا يحدّثنا في ف 3 عن سجنه، ولا يعبّر عن اهتمامه بمصيره الخاصّ. وأخيرًا سينتظر نهاية الرسالة ليشكر أهل فيلبّي عمّا فعلوه لأجله (4: 10- 20)، وهذا ما يدهشنا. 
من أجل هذه الأسباب وغيرها فضَّل بعض الشرّاح أن يتحدّثوا لا عن رسالة واحدة، بل عن ثلاث رسائل كتبت الواحدة بعد الأخرى. الرسالة الأولى (4: 10- 25) وقد ضمّنها شكره لأهل فيلبّي عمّا أرسلوا إليه من مساعدة. الرسالة الثانية (1: 1-3: 1 أ؛ 2:4-7، 21-23) التي تتضمّن مقدّمة (1: 3- 11) وصورة عن وضع بولس كسجين (1: 12- 26) ونصائح عن الحياة الجماعيّة (1: 27- 2: 18) ومشاريع في المستقبل (2: 19- 30) وبعض تحريضات. الرسالة الثالثة (3: 1 ب- 4: 1، 8- 9) التي تتضمّن هجومًا على خصوم بولس ودفاعًا عن موقفه. إنّها لا تشير إلى سجن بولس وقد تكون كتبت قبل الرسالة الثانية أو بعد أن أُخْلِيَ سراح بولس.
فإنْ قبلنا بهذه النظريّة أو بنظريّة قريبة منها، لا بدّ أن نسلّم بأنّ الجامع دمج الرسائل الثلاث في رسالة واحدة. فوضع في النهاية السلامات والتمنّيات (4: 21- 23) التي كانت في ختام الرسالة الثانية. ويجب أن نفترض أنّه اقتطع خاتمة ومقدّمة رسالتين من الرسائل الثلاث لتبدو الرسائل وكأنّها رسالة واحدة.
ولكنّ هذه النظريّة تبدو مجرّد افتراض قدّمه بعض العلماء. ولهذا نحن نتساءل: لماذا دمج أحدهم الرسائل الثلاث؟ فإن أجاب مجيبٌ بأنّها كانت قصيرة وبالتالي معرّضة للضياع، نجيب أنّ الآداب القديمة احتفظت برسائل قصيرة جدًّا. وفي ما يخصّ العهد الجديد، فهناك الرسالة إلى فيلمون والرسالتان الثانية والثالثة ليوحنّا. ثمّ من يتجرّأ على اقتطاع أجزاء من رسائل اعتبرها المؤمنون كتابًا مقدّسًا (رج 2 بط 3: 16)؟
نحن لا نجهل الوقت المطلوب ليمليَ بولس رسالته. ثمّ إنّه كان في السجن فيجبر على التوقّف عن الإملاء. وهكذا يكون قد مرّ بين قسم وآخر بعض الوقت حصلت فيه أحداث جديدة ففرضت على الرسول تغييرًا في الأسلوب واللهجة.
هذه الملاحظات التي تطبّق على 2 كور ترافقها براهينُ إيجابيّةٌ . فالبرهان الأوّل يشدّد على أنّ الرسالة تبدو واحدة بمقدّمتها (1: 1- 11) وخاتمتها. ولهذا لا بدّ من الأخذ بالنصّ الحاليّ وهذا منتهى الفطنة. والبرهان الثاني يشير إلى وجود تكرارات تتيح لنا أن نوحّد بين أقسام اعتبرها بعض الشرّاح متنافرة. والمثال على ذلك المقابلة بين 3: 20- 21 و 6:2- 11 حيث نجد الكلمات عينها. "وطننا في السماء ومنها ننتظر الربّ يسوع المسيح" (3: 20) تقابل: "هو في صورة الله" (2: 6). يسوع المسيح هو الربّ (2: 11). "يبدّل جسدنا الوضيع ويجعله على صورة جسده المجيد" (3: 21) يقابل "ظهر بمظهر الإنسان وتواضع" (2: 7، 8)، "صورة الله، صورة الإنسان تمجيدًا لله الآب" (6:2، 7، 11). وإذا قلنا إنّ مقطع الشكر تأخّر إلى النهاية (4: 10- 20)، فهذا لا يدفعنا إلى أن نقتطعه من فل، ونحن نعزو هذا التأخير إلى أنّ بولس أراد أن يكون كتومًا في شكره (4: 17- 118). ثمّ إنّ موضوع الشكر الذي نقرأه في النهاية هو صدى لما كتبه بولس في البداية. "أشكر هذا الشعور نحوكم جميعًا" (1: 7) تقابل "فرحت بالربّ كثيرًا عندما رأيت أنّكم عدتم أخيرًا إلى إظهار شعوركم نحوي" (4: 10). "وكلّكم شركائي في نعمة الله، سواء في السجن أو في الدفاع عن الإنجيل وتأييده" (1: 7) تقابل "كان حسنًا أن تشاركوني في محنتي" (4: 14). "أحمد إلهي لمشاركتكم في خدمة الإنجيل من أوّل يوم إلى الآن" (1: 5) تقابل "منذ بداية الإنجيل، عندما تركت مكدونية، ما من كنيسة شاركتني في حساب الأخذ والعطاء إلاّ أنتم وحدكم" (4: 15).
هذه الملاحظات وهذه المقابلات تدفعنا إلى القول إنّ فل رسالة واحدة، وإنّ ما يقوله الشرّاح عن وجود رسائل ثلاث يبقى مجرّد افتراض لا يساعدنا على فهم كتابات القدّيس بولس.

هـ- مضمون الرسالة إلى أهل فيلبّي
نصّ فل ثابت وهو يكاد يكون كاملاً في برديّة تعود إلى بداية القرن الثالث. أمّا المخطوطات الثلاث ذات الحروف الكبيرة التي تعود إلى القرنين الرابع والخامس فهي تتضمّن النصّ كلّه.
كتب بولس إلى كنيسة يعرفها وتعرفه، فبدا صديقًا يكتب إلى أصدقائه في المسيح. ولهذا لن نبحث عن تصميم منسّق بل مواضيع ترافق فكره المهتمّ بأمر كنيسة أحبّها وأحبّته.

1- العنوان (1: 1- 2)
كتب بولس وتيموتاوس إلى القدّيسين الذين في فيلبّي، وإلى الأساقفة والشمامسة. نحن أمام جماعة منظّمة فيها المؤمنون وفيها المسؤولون.

2- صلاة الشكر (1: 3- 11)
هي أطول صلاة شكر نقرأها في رسائل القدّيس بولس. يصلّي الرسول من أجل قرّائه (آ 4) ويهنّئهم لمشاركتهم في الإنجيل (آ 5). وعبارة "دومًا" وفي "كلّ وقت" تدعونا إلى نظرة إسكاتولوجيّة (1: 6، 9- 11). وهكذا بعد شكر أوّل (1: 3- 6) يبدي بولس حبّه (1: 7- 8) وينهي كلامه بصلاة من أجل أحبّائه (1: 9- 11).

3- بولس يعطي أخبارًا عن وضعه (1: 12-26)
رغم وجوده في السجن فالإنجيل يتقدّم (1: 12- 20). وها هو أمام اختيار: أن يموتَ ليكونَ مع المسيح، أو أن يبقى على قيد الحياة فيتابع عمله الرسوليّ (1: 21- 24). فاختار بولس الحياة وأعلن يقينه أنّه سيرى أهل فيلبّي من جديد (1: 25- 26). 

4- ويتذكّر بولس وضع أهل فيلبّي (1: 27- 2: 18)
إذا أرادت الجماعة أن تبقى واحدة، فعليها أن تجاهد من أجل الإيمان بالإنجيل (1: 27- 2: 4). كلّ حياتها مؤسّسة على اتّضاع يسوع وارتفاعه (نشيد إلى المسيح). بعد هذا تسير الأمور نحو الأحسن للمسيحيّين في فيلبّي ولو أريق دم الرسول قربانًا لذبيحة إيمانهم وخدمته (2: 12- 18).

5- مشاريع (2: 19- 30)
اهتمّ تيموتاوس بدعوى بولس فسيبعثه الرسول إلى فيلبّي حالما تسنح الظروف (2: 19- 24). ولكنّه بانتظار ذلك أعاد إليهم إبفروديتس الذي حمل إلى الرسول المساعدة الماليّة. مرض إبفروديتس ووصل إلى الموت إلى أنّه شُفي فكان شفاؤه منبع فرح (25:2-30).

6- دفاع وتحذير (3: 1- 4: 9)
هنا تتبدّل اللهجة فيصبح الكلام هجومًا على المعارضين المرتبطين بالعالم اليهوديّ. فإن كان أحد يهوديًّا حقيقيًّا فهو بولس نفسه المختون في اليوم الثامن الذي هو من بني إسرائيل ومن عشيرة بنيامين (3: 3-6). ولكنّه عرف المسيح (3: 7- 11) فدفعه المسيح في مسيرة لم تنتهِ بعد (12:3-17). وقبل أن يعلن الرسول رجاءه وثقته (3: 20- 21) يرسل تحذيرًا آخر: "هناك جماعة كثيرة تسلك في حياتها سلوك أعداء صليب المسيح. هؤلاء عاقبتهم الهلاك، وإلههم بطنهم، ومجدهم عارهم، وهمّهم أمور الدنيا" (3: 18- 19). وهنا تأتي الخاتمة فتدعو المؤمنين إلى أن يثبتوا في الربّ. 

7- شكر الله على عطاياه والسلامات الأخيرة (4: 10- 23)
يترك الرسول العنان لفرحه فيشكر الربّ ويشكر جماعة فيلبّي وينهي رسالته بالسلامات: "سلّموا على جميع الإخوة القدّيسين في المسيح يسوع. يسلّم عليكم جميع الإخوة القدّيسين هنا".

و- التعليم اللاهوتيّ في فل
لقد لاحظنا أنّ فل ليست رسالة تعليميّة مثل روم وكور. إنّها فيض حبّ مسيحيّ وشكر خرج من قلب الرسول وتوجّه إلى أحبّائه في فيلبّي. وبما أنّها من القلب فهي تتضمّن هنا وهناك نظرات عميقة تصل بنا إلى السرّ المسيحيّ.
إذا كانت فل كتبت في أفسس فسنجد فيها صدى لمشاكل كنيسة كورنتوس التي اهتمّ بها بولس في ذلك الوقت. وأخطر هذه المشاكل كان الوضعَ المتأتيَ عن وجود تحزّبات في الجماعة (1 كور 1: 11 ي). نجد انعكاسًا عن هذه الحالة عندما يدعو بولس أهل فيلبّي إلى الوحدة وإن كانت الانقساماتُ أقلَّ خطرًا عندهم ممّا عند الكورنثيّين. يردّد بولس كلمة "جميع" (1: 4، 7، 8، 25؛ 2: 17، 26؛ 4: 21) ليشيرَ إلى موضوع الوحدة ويقدّم تحريضين واضحين. الأوّل (1: 27- 28) يتعلّق بوحدة في مجابهة العدوّ الخارجيّ: "ثابتون بروح واحد وتجاهدون بقلب واحد في سبيل الإيمان بالإنجيل. لا تخافوا خصومكم في شيء". والتحريض الثاني الذي هو أكثر توسيعًا يطلب وحدة الأفكار والقلوب داخل الجماعة (2: 1- 5): "فتمّموا فرحي بأن تكونوا على رأي واحد وقلب واحد وفكر واحد منزّهين عن التحزّب والتباهي، متواضعين في تفضيل الآخرين على أنفسكم، ناظرين لا إلى منفعتكم، بل إلى منفعة غيركم".
ويتحدّث بولس عن المرحلة الواقعة بين الموت ومجيء المسيح. قال في 1: 23: "أرغب أن أترك هذه الحياةَ لأكون مع المسيح". وفي 2 كور 5: 8: "نفضّل أن نغترب عن هذا الجسد لنقيم مع الربّ". هذا يعني أنّنا لا ننتظر مجيء الربّ (1 تس 4: 13) لنختبر سعادة الاتّحاد بالمسيح.
وهناك تعليم مميّز عن القيمة الرسوليّة للحياة المسيحيّة. "واعملوا كلّ فيء بلا تذمّر ولا خصام حتّى تكونوا أنقياء، لا لوم عليكم وأبناء الله بلا عيب في جيل ضالّ فاسد، تضيئون فيه كالكواكب في الكون، متمسّكين بكلمة الحياة" (2: 14- 16). عرض حياة المؤمن اليوميّة بشكل كرازة فأوضح أفكارًا كانت مخفيّة في مقاطع أخرى. "لا تكونوا حجر عثرة لليهود أو غير اليهود ولا لكنيسة الله" (1 كور 10: 32). "تكون سيرتكم حسنة عند الذين في الخارج" (1 تس 4: 12). "اجتهدوا أن تعملوا الخير أمام جميع الناس" (روم 12: 17). مثل هذه التنبيهات تجد ما يقابلها في كو 4: 5: "كونوا حكماء في معاملة الذين في خارج الكنيسة" وفي أف 4: 15: "نعيش الحقّ في المحبّة" (رج تي 9:2- 10).
وتلفت انتباهنا الاستعارة العباديّة المستعملة في 2: 17. فضيق الرسول يبدو بشكل تقدمة تكمّل الذبيحة اليوميّة والدائمة للإيمان المسيحيّ. نجد هذه الفكرة في 2 تم 4: 6 وفي الرسائل الكبرى. ففي 1 كور 3: 16- 17 تبدو الجماعة التي أسّسها بولس بكرازته كهيكل الروح القدس والموضوع الجديد والنهائيّ للعبادة. وكلمة الله التي يتلفّظ بها الرسول هي تقدمة بخور تليها في الطقس اليهوديّ بركة الكاهن للشعب. ولكنّ أكملَ عبارةٍ عن هذا الموضوع نقرأها في روم 15: 16- 17 حيث يتكلّم بولس عن "النعمة التي وهبها الله لي حتّى أكون خادم المسيح يسوع عند غير اليهود وأن أخدم إنجيلَ الله ككاهن فتصير تقدمة غير اليهود مقبولة عند الله ومقدّسة بالروح القدس".
ويدخلنا بولس أيضاً في موضوع مدينة الله، فيعبّر عن واقع المسيحي الذي هو في العالم وليس من العالم. نقرأ في 1: 27: "أن تكون سيرتكم في الحياة لائقة بإنجيل المسيح". وفي 3: 20: "أمّا نحن فمدينتنا في السماء". ففي قرينة هذين النصّين نجد معارضة. ففي 1: 27 يشجّع بولس المرتدّين على أن يقاوموا الضغط الاجتماعيّ الذي يريد لهم أن يشاركوا في عبادة المدينة الرسميّة، فيذكّرهم بأنّهم منذ الآن مواطنون في مدينة جديدة ربّها المسيح وشريعتها الإنجيل. فواجباتهم كمواطنين في ملكوت المسيح أهمُّ من واجباتهم كمواطنين في رومة. ولكن تتبدّل النظرة في 3: 20. فمدينة المسيحيّين السماويّة لا تعارض مدينة رومة بل أرض إسرائيل. نحن في 2 مك 6: 1؛ 11: 25 أمام سلطة تيوقراطيّة تخضع لشريعة الله وعوائد الآباء. فالعلاقة الخاصّة مع الله تنتج عن اختيار ميّز هذه البلاد عن سائر بلدان الأرض، ولكنه بدا فوق سائر البلدان لأنّه يطال الذين يعيشون خارج حدوده. وهذا ما قاله بولس عن الحقوق السامية التي تتمتّع بها مدينة الربّ يسوع المسيح السماويّة. وتتحدّث الرسالة إلى أفسس عن رعيّة إسرائيل، ولكنّنا لا نجد معارضة بين اليهود والأمم. فالأمم ليسوا مرذولين من رعيّة إسرائيل (أف 2: 12)، لم يعودوا "غرباء أو ضيوفًا" بل مواطني القدّيسين" (أف 2: 19)، لأنّ المسيح الذي هو سلامنا جعل من الاثنين شعبًا واحدًا" (أف 2: 14) يملك مع المسيح في السماوات (أف 2: 6). وما يقابل موضوع مدينة الله نقرأه في غل (4: 25- 26): "أورشليم الحاضرة التي هي وبنوها في العبوديّة. أمّا أورشليم العليا فحرّة وهي أمّنا".

ز- النشيد للمسيح (2: 6- 11)
1- أصل النصّ
حين يتوسعّ بولس في حديثه إلى أهل فيلبّي يقحم نشيدًا ليتورجيًّا من أصل آراميّ وُجِدَ قبل بولس وارتبط بليتورجيّا العشاء الأخير. في هذا النشيد تمتزج صورة ابن الإنسان (دا 7: 1ي) بصورة عبد الله (أش 52: 13- 53: 12). ويركّز الشرّاح على تجرّد المسيح وامّحائه كأساس لشرح لاهوتيّ للتجسّد. تخلّى المسيح عن صورة الله وأخذ صورة العبد أي صورة البشر، فوصل إلى المجد عن طريق الاتّضاع. في هذا النشيد نرى الله والمسيح ونرى كيف أنّ المسيح صار ربّ الخليقة.

2- بنية النشيد وأهمّيته اللاهوتيّة
ميَّز الشرّاح في هذا النشيد ستّة مقاطع: ثلاثة منها تنشد اتّضاع ابن الإنسان (آ 6-8) وثلاثة تنشد ارتفاعه (آ 9- 11)
هذا النشيد هو أقوى تعبير عن التعليم البولسيّ على المسيح وهو أساس النظريّة الكرستولوجيّة الحديثة، عَنَيْتُ بها لاهوت الامّحاء (كينوسيس).
يعرض النشيد وجهين ليسوع على هذه الأرض، لا زمنين متعاقبين يفصلهما التجسّد، ليصل في النهاية إلى التمجيد.
ونتساءل: ماذا تعني "مورفي" أو الصورة؟ هل تعني الجوهر أو الطبيعة، الصورة أو الحالة؟ الصورة هي الجلاء الخارجيّ والمنظور للكائن. والمساواة مع الله، هل تعني طبيعة المسيح أو حالته الوجوديّة؟ ثمّ إنّ العبد "دولوس" لا يدلّ على العبوديّة، بل على وضع الخادم (العابد) تجاه الله.
لم يعد مساواته لله غنيمة. هل يملك هذه الغنيمة، هل سيملكها؟ وكيف نماثل بين المسيح وعبد الله، ونقابله مع آدم؟
ويأتي الفعل الأساسيّ "كينو" الذي يعني أفرغ، امّحى، تجرّد. من هنا نظريّة "كينوسيس": إنّ المسيح تجرّد بالتجسّد عن صفات خاصّة بالله (المعرفة الكلّيّة، الحضور الكلّيّ، القدرة الكلّيّة) محتفظاً بصفاته الإلهيّة كالقداسة والمحبّة والبرارة. 
صار شبيهًا بالبشر... هذا يدلّ على أنّ المسيح ماثل البشر بشكل واقعيّ وتاريخيّ وكان الصليب قِمَّة تلك المماثلة. وستُبرز الآيات اللاحقة تمجيد يسوع دون أن تذكر بوضوح موضوع القيامة. قال النصّ: أعطاه الله الاسم الذي هو فوق كلِّ اسم. أي أعطاه اسمه بالذات، صار "كيريوس" أي الربّ وهو مرادف الكلمة العبريّة يهوه. ولهذا فسجود كلّ الخلائق يُتمّ نبوءة أشعيا (45: 23)، واعتراف إيمانهم (يسوع هو الربّ) يستعيد عبارة ليتورجيّة أساسيّة في الكنيسة الأولى. إنّ كلّ معاني كلمة الربّ في العالم الكتابيّ والهلّينيّ تجتمع لتعلن سموّ المسيح الممجّد.
أدخل بولس هذا النشيد ساعة نبّه جماعة فيلبّي إلى الأخطار التي تتعرّض لها: إنّ اعتراف الإيمان الحقيقيّ بسلطان المسيح الذي اقتناه بتجرّد تامّ حتّى موت الصليب، يتيح للمؤمنين أن يعرفوا كيف يتصرّفون كما يليق. كونوا على فكر المسيح، تخلّقوا بِخُلُقِ المسيح الذي تجرّد من ذاته وأخذ صورة العبد وتواضع، وأطاع حتّى الموت، الموت على الصليب.


- 3 -
الرسالة إلى أهل كولسّي

أ- كولسّي وكنيستها
كولسّي هي مدينة في فريجية من أعمال تركيا تقع في وادي ليكوس أحد جداول مياندريس وتبعد 15 كلم إلى الشرق والجنوب الشرقيّ من لاودكية و 200 كلم إلى الشرق من أفسس. وتؤلّف كولسّي مع لاودكية وهيرابوليس ثلاث مدن متّصلة بعضها ببعضها (2: 1؛ 4: 13، 15- 16). أقيمت هذه المدن في منطقة خصبة وعلى طريق هامّة تربط البحر المتوسّط بكليكية وسورية، فازدهرت واشتهرت. وهكذا يرد اسمُ كولسّي على طريق أحشويروش في تاريخ هيرودوتيس وعلى طريق كورش في تاريخ إكسينوفون. ولكنّ كولسّي ستصبح مدينة ثانويّة في عهد بولس، وستزول قيمتها في العهد البيزنطيّ، ولا يتذكّرها الناس اليوم إلاّ بسبب رسالة القدّيس بولس.
حين كتب بولس إلى أهل كولسّي، لم يكن بعد قد التقى بهم شخصيًّا. هم لم يروه بعيونهم (2: 1)، وهو لا يعرف إيمانهم إلاّ بما سمعه من الآتين من هناك (1: 4، 9). فطريق القدّيس بولس خلال سفرته الثانية إلى أفسس مجتازًا أواسط البلاد (أع 18: 23؛ 19: 1)، مرَّ في وادي هرموس إلى الشمال من ليكوس ومدنه. ولكن حين وصل إلى أفسس أقام فيها ما يقارب الثلاث سنين (أع 19: 8، 10؛ 0: 31). وكان يعظ دومًا فيجعل الإنجيل ينتشر في كلّ المنطقة القريبة من أفسس (أع 19: 10، 26). في هذا الوقت اجتذب إلى الإيمان فيلمون الذي من كولسّي (فل 1: 19؛ رج كو 4: 9) ونمفاس الذي من لاودكية (4: 15) وأبفراس مولود كولسّي (4: 12) الذي أَوْكَلَ إليه بولس أمر نشر الإنجيل في مدينته (1: 7) وفي المدن المجاورة (4: 13). 
وتمرّ الأيّام ويُوضَع بولس في السجن. فيذهب إليه أبفراس ويحمل إليه محبّة الكولسّيّين (1: 8) ويخبره بالصعوبات الدقيقة التي تشغل باله (4: 12). حينئذ أخذ بولس القلم وكتب، فكشف عن الخطر، ووضع الأمور في نصابها. ولكنّ أبفراس لم يحمل الرسالة. أبقاه بولس بقربه (4: 12؛ فلم 23) وسلّم الرسالة إلى تيخيكس (4: 7) مولود تلك المنطقة ومعاون القدّيس بولس ورفيقه في الرحلة الرسوليّة الثالثة (أع 4:20).

ب- أين كتبت كو ومتى كتبت؟
حين كتب بولس كو كان في "القيود" (4: 3، 10، 18؛ رج 2: 1) والسجن. ولكن أيَّ سجن نعني؟ هل سجن قيصريّة فلسطين الذي قضى فيه بولس سنتين (58- 60، أع 33:23 ي؛ 27:24)؟ هل سجن رومة الذي جاء بعد سجن قيصريّة ودام سنتين أيضاً (61: 63، أع 28: 16، 30)؟ وهناك رأي ثالث يقدّمه الشرّاح الحديثون فيتكلّمون عن سجن أفسس الذي قيّد فيه بولس خلال الرحلة الرسوليّة الثالثة. لا يتكلّم سفر الأعمال عن هذا السجن، ولكنّ هناك إشاراتٍ عديدةً تجعل الشرّاح يؤكّدونه. ثمّ إنّنا نقرأ في مقدّمة كو اللاتينيّة: "كتبها حين كان مقيّدًا في أفسس". ولكن لا يبدو أنّ كو وأف كتبتا من أفسس قبل 1 كور و 2 كور وغل وروم. فأسلوب بولس في كو وأف يختلف عن أسلوبه في الرسائل الكبرى. وهو في كو وأف يقدّم نظرة تعليميّة تفترض أمورًا جديدة ونضوجًا فكربًّا. وإذا كانت أف تستعيد بعض أفكار روم فهذا يعني أنّه يستحيل أن تكون أف (وبالتالي كو المرتبطة بها) قد كتبت قبل روم. 
هل يعقل أن تكون كو قد كتبت من قيصريّة؟ الأمر ممكن، لولا أنّ الفترة قصيرة لتفسّر توسّع فكر بولس بعد الرسائل الكبرى. ثمّ إنّ كو (المرتبطة مع أف) تدلّ على تقارب مع فلم: كلتاهما تتحدثان عن بولس الذي بعث أونسيمس (4: 9؛ فلم 12) وتذكران رفاقَ بولسَ أنفسهم (4: 10- 14؛ فلم 23- 24). هذا يعني أنّ كو وفلم تعودان إلى زمن واحد وترتبطان بقضيّة العبد أونسيمس الذي هرب من عند سيّده. فإلى أين هرب هذا العبد؟ إلى قيصريّة أم إلى رومة؟ بل إلى رومة. ثمّ إنّ بولس يقول لفيلمون إنّه يرجو أن يَرُدَّه الله إليه (فلم 22)، فهل يعقل هذا القول في رومة أم في قيصريّة حيث ينتظر بولس أن يتركها طالبًا مثوله أمام محكمة الإمبراطور (أع 25: 11- 12، 21، 25؛ 26: 32)؟ في رومة. بالإضافة إلى ذلك، ما كانت تسمح الحالة لبولس أن يقوم بنشاط رسوليّ في "قصر هيرودس"، في قيصريّة (أع 4: 3 ي). ولكنّ وضعه في رومة سمح له ببعض الأعمال الرسوليّة، فكان يرحّب هناك بكلّ من يزوره. وفي هذا قال بولس: "وَادْعُوا لنا أيضاً كي يفتح الله لنا باب الكلام فنبشّر بسرّ المسيح" (4: 3).
وهكذا نقول: إنّ كو كتبت في رومة خلال إقامة بولس في السجن سنة 61- 63، فإلى رومة ذهب أونسيمس ليفلت من ملاحقات سيّده. وفي رومة تمتّع بولس ببعض الحرّيّة (أع 28: 16) ليناقش في الأمور الدينيّة (أع 28: 17، 23، 30- 31) وليأمل في خلاص قريب لغياب متّهميه. وأخيرًا مرّت أربع أو ستّ سنوات على كتابة آخر الرسالات الكبرى، وهذا ما سمح لبولس أن يعمّق تفكيره اللاهوتيّ ويوسّعه. وماذا نقول عن رفاق بولس؟ إنّ أرسترخس (4: 10) وتيموتاوس (1: 1) اللذين كانا بقربه في أفسس (أع 19: 29؛ 20: 4؛ 1 كور 4: 17؛ 2 كور 1: 1) قد انضمّا إليه في رومة (أع 27: 2). أمّا لوقا (4: 14) فكان في فيلبّي حين كان بولس مقيمًا في أفسس (أع 16: 12- 17؛ 20: 5). ومرقس كان قد تركه قبل الرحلة الرسوليّة الثانية (أع 15: 37- 39) وما عاد يرافقه في أسفاره، غير أنّه التقاه في رومة (4: 10).
ما نقوله هنا قاله التقليد المسيحيّ القديم الذي اعتبر أنّ بولس كتب كو وأف وهو في رومة. ويعلن معظم الشرّاح أنّ هاتين الرسالتين كتبتا مع فلم في نهاية أسر بولس الأوّل سنة 62- 63. أمّا لماذا نقول في نهاية الأسر؟ ليكون لأبفراس الوقت الكافي ليعرف أنّ بولس في رومة، وليستطيع بولس أن يتحدّث عن الإفراج القريب عنه (فلم 22). 
هل أفرج عن بولس وعاد إلى آسية الصغرى؟ هذا ما تقوله الرسائل الرعاويّة. ويمكن حينئذ أن يكون بولس قد عاد إلى الكنائس التي أسّسها وزار تلك التي لم ترَ وجهه مثل كنيسة كولسّي. ولكنّ هذا يبقى في عالم الافتراض.

ج- تصميم الرسالة إلى أهل كولسّي
1- العنوان (1: 1- 2)
نقرأ اسم المرسِل: بولس، رسول المسيح يسوع، وتيموتاوس. واسم المرسَل إليه: القدّيسين الذين في كولسّي.

2- فعل الشكر (3:1-8)
كلّ رسائل بولس (ما عدا غل، 1 تم، تي) تبدأ بفعل شكر. أمّا في كو (رج 1 تس 1: 2؛ 2 تس 1: 2) فنقرأ فعل الشكر في صيغة المتكلّم الجمع، لأنّ تيموتاوس يشاركه فيه. أمّا مضمون فعل الشكر هذا، فالإنجيل الذي كرز به أبفراس المشارك لبولس في عمله الرسوليّ. وهذه الكرازة قدّمت للكولسّيّين إيمانًا في المسيح يسوع ومحبّة لجميع القدّيسين ورجاء أُعدَّ لهم في السماوات.

3- صلاة (9:1-14)
ويحرّض بولس الكولسّيّين تحريضاً بشكل صلاة، فيدعوهم إلى ممارسة هذا الإيمان الذي قبلوه: ندعو لكم ونسأله تعالى... لتسيروا سيرة جديرة بالربّ.

4- النشيد للمسيح (1: 15- 20)
يبدو المسيح الإله الضابط الكلّ، صورة الله غير المنظور، الأوّل في الزمن، الأوّل في المكان، الأوّل في المرتبة والكرامة، رأس الخلق كلّه.

5- المسيحيّون في كولسّي ومساعي بولس (1: 21- 2: 3)
على الكولسّيّين بعد أن تصالحوا مع المسيح أن يثبتوا في الإيمان وأن لا يتحوّلوا عن رجاء الإنجيل الذي صار بولس خادمًا له (1: 21- 23). ويقول بولس إنّه يتألّم من أجل الكولسّيّين. وهو يتمّ من أجل الكنيسة في جسده ما ينقص من آلام المسيح. وهذا يعني أنّ حضور المسيح في خدمته يجعله مشاركًا في آلامه. ما ينقص لهذه الآلام يَتِمُّهُ في جسده من أجل الكنيسة. وما يريد أن يعلنه بولس هو "السرّ" الذي كُشف للقدّيسين وَسْطَ الوثنيّين (2: 24-29). أمّا الجهاد الذي يقوم به بولس فسيشجّع المؤمنين ليبلغوا الإدراك التامّ ومعرفة سرّ الله (2: 1- 3).

6- التحذير من التعاليم الغريبة (2: 4- 23)
يتمّيز النظام الدينيّ الذي يهدّد إيمان الكولسّيّين بأنّه: نظريّة دينيّة، وتشديد على أهمّيّة عناصر العالم (رج غل 4: 3، 9)، وقوّات ملائكيّة. وهذا النظام يتجاوز النظرات المعروفة في العالم اليهوديّ والعالم الهلّينيّ. فيردّ بولس: كلّ ملء اللاهوت يسكن في المسيح. وينهي بولس هذا القسم بنشيد (2: 6- 15): "محا ما كان علينا من صكّ للوصايا وألغاه مسمّرًا إيّاه على الصليب، وخلع أصحاب الرئاسة والسلطة وعاد بهم في ركبه ظافرًا". ويتابع القدّيس بولس: لا تقوم الحرّيّة المسيحيّة الحقيقة على ممارسات بشأن الطعام والشراب وبعض الأعياد (2: 16- 19)، ثمّ يطبّق هذا المبدأ على الكولسّيّين (2: 20-23): "فأمّا وقد متمّ مع المسيح متخلّين عن أركان العالم، فما بالكم... تخضعون لهذه الفرائض"؟
7- نداء إلى حياة مسيحيّة نشارك فيها المسيح القائم من الموت (3: 1- 4: 6) 
ويبدأ بولس بنداء إلى حياة مسيحيّة: "فأمّا وقد قمتم مع المسيح، فاسعوا إلى الأمور التي في العلى حيث المسيح قد جلس عن يمين الله" (3: 1- 4). والتجرّد عن الإنسان القديم يعني التخلّي عن سلسلتين من خمس رذائل (3: 5-8). وسنقرأ فيما بعد (3: 12) لائحةً مؤلّفة أيضاً من خمس فضائل. ولكنّ بولس يتعدّى هذا المستوى ويعلن: "لا يونانيّ، ولا يهوديّ، لا أعجميّ ولا إسكوتيّ، لا عبد ولا حرّ، بل المسيح الذي هو كلّ شيء وفي كلّ شيء" (3: 10- 11). ويُوْصِيْ بولس بالمحبّة الأخويّة وبسلام المسيح ويعلن أنّ هذا ما يعنيه: البسوا الإنسان الجديد (3: 10). وهذه العلاقات الجديدة تصيب كلّ الحالات. فيحرّض بولس الزوجة والزوج والأولاد والأهل، والعبيد والأسياد (3: 18- 4: 1) ويدعوهم إلى الصلاة (4: 2- 4) ويعلّمهم كيف يتعاملون مع غير المسيحيّين (4: 5- 6).

8- سلامات جديدة (4: 7- 17)
سيحمل تيخيكس وأونسيمس (فلم 10- 15) أخبار الرسول إلى أهل كولسّي. ولكنّ بولس ليس وحده. فعه أرسترخس ومرقس ويسوع الملقّب بيوستوس ولوقا الطبيب وأبفراس، وكلّهم يبعثون بالسلام. لقد تعب أبفراس كثيرًا من أجل المسيحيّين في كولسّي ولاودكية وهيرابوليس فليسلّموا في لاودكية على نمفاس والكنيسة التي تجتمع في بيته (أو بيتها) (4: 15). ونقرأ تفصيلاً ثمينًا: بعد أن يقرأ الكولسّيّون رسالة الرسول فليبعثوا بها إلى المسيحيّين في لاودكية. وهؤلاء يرسلون رسالتهم الى الكولسيّين. وأخيرًا يأتي تنبيه إلى أرخبس: تَنَبَّهْ للخدمة التي قبلتها في المسيح (17:4؛ فلم 2).

9- سلام بولس بخطّ يده (4: 18)
هذا ما فعله بولس مرارًا ليبيّن صدق رسالة يوقّعها بيده (2 تس 3: 11؛ 1 كور 16: 21؛ غل 6: 11) فبولس لم يكتب بيده كو كما كتب الرسالة إلى فيلمون.

د- التعليم اللاهوتيّ في كو
هذه الرسالة هي ظرفيّة كغيرها من رسائل القدّيس بولس وهي تواجه خطرًا محدّدًا. هي لا تقدّم مقالةً لاهوتيّةً بل تعليمًا حيًّا يقف فيه بولس في ميدان الخصوم. ينطلق من موقفهم فيفكر ويغني طريقة تقديمه لإنجيل الخلاص. هو لا يردّد ما قاله في السابق ولا يقدّم تعليمًا كلّيّ الجدّة في كو. هو يستعيد عناصرَ من الرسائل السابقة أو من الكرازة المسيحيّة الأولى فينظّمها ويكيّفها على المشكلة الجديدة.
الموضوع الأساسيّ الذي يلفت انتباهنا هو سموّ المسيح في الكون. بما أنّ أهل كولسّي يهتمّون بقوًى سماويّةٍ تدير الكون، شاء بولس أن يبيّن أنّ المسيح يسمو عليها إطلاقًا. وهذا السموّ يعبّر عنه بالأوّليّة، ويؤكّد المرحلتين الكبيرتين من مراحل تاريخ الخلاص: الخلق والخلق الثاني.
منذ البدء، المسيح هو قبلها وهو يسمو عليها لأنّه به وله ولأجله (وهو صورة الله غير المنظور) خُلق كلّ شيء مع هذه القوى (1: 15-17). ونقرأ موضوع المسيح صورة الله في 2 كور 4: 4، وموضوع المسيح وسيط الخليقة في 1 كور 8: 6. ولكنّ نصّ كو يعطي لتأكيد وجود المسيح السابق قوّة ووضوحًا يجعلانه قِمَّةً في تعليم القدّيس بولس عن المسيح.
إنّ القوى السماويّة ترتبط بالمسيح في نظام الخلق وهي ترتبط به في نظام الخلاص فيدخلها في التكفير الشامل بدم صليبه (1: 18- 20). فالمصالحة بموت المسيح موضوع بولسيّ معروف (2 كور 5: 18- 20؛ روم 5: 1) ومرتبط بموضوع الفداء وغفران الخطايا (1: 14، 2: 13). أجل، لقد ارتبطت القوى السماويّة بعمل الخلاص البشريّ. ولسنا في حاجة إلى أن نفكّر في صراع بين فئات هذه القوى، أو في صراع بين الإنسان وهذه القوى. المهمّ أن نعرف أنّ هذه القوى يهمّها رجوع السلام بين الناس والله. وهذا الوجه يوضحه 2: 14- 15. حملت هذه القوى السماويّة الشريعة كما يقول التقليد اليهوديّ (غل 3: 19) فأخضعت الإنسان (غل 4: 2- 3) بالأحكام التي فرضتها عليه وبتأثيرها على خطيئته. ولكنّ المسيح دخ دين الخاطئ فألغى سلطان هذه القوى ووضع حدًّا لنظام الشريعة وأخذ من هذه القوى أداة تسلّطها. ولكنّ الشريعةَ رمزت إلى قوّة دينيّة شخصيّة. أمّا الآن فالذين يستثمرونها هم القوى وقد انكشفت (مذكورة في 1 كور 15: 24؛ روم 8: 38؛ أو تحت أساء أخرى، 1 كور 2: 8؛ فل 2: 9- 10). ولكنّها لعبت هنا لا دورًا عدائيًّا بل دورًا أراده الله فنظّمت الديانات السابقة للمسيح. أمّا الخطأ فهو أن نحافظ على نظام أُلغي. وهذا الخطأ هو واقع الكولسّيّين المتهوّدين الذين يُبرزون من جديد قيمة أحكام الشريعة.
المسيح هو رأسُ ورئيس هذه القوى (2: 10). هذا اللقب يعبّر عن أوّليّته ويجملها. وما يسنده هو انتصار الصليب على نظام الشريعة القديم وإقامة الملء الكونيّ في المسيح. الملء والكمال ليس فقط الجوهر الإلهيّ بل الكون كلّه أي اللاهوت والكون الذي أخذه بواسطة جسده. فالمسيح الإله والإنسان بالتجسّد الذي توّجته القيامة يضمّ في ملئه لا الله الذي يخلّص وحسب ولا البشر الخلّصين وحسب، بل كلّ إطار البشريّة الذي هو الكون بما فيه من قوى سماويّة.
انطلاقًا من هذه النظرة تتحلَّى كو بأفق كونيّ تتميّز به. وموضوع الاتّحاد بالمسيح يبدو في ضوء جديد. لا شكّ في أنّنا نجد في الرسائل السابقة المعطيات الأساسيّة: القرب إلى المسيح بالإيمان بالإنجيل (1: 4- 6، 23؛ 2: 5- 7)، اتّحاد بموته وحياته بواسطة المعموديّة (2: 12- 13؛ 3: 1- 3)، خلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد (9:3- 10). حياة مقدّسة لا عيب فيها بحضرته (1: 22) وكلّ التعليم الأخلاقيّ الناتج عنها (3: 5- 4: 6). هذا هو أساس اعتبارات القدّيس بولس. فهو لا يهتمّ بإطار الخلاص الكونيّ. لمّح إليه قليلاً في الماضي (روم 8: 19- 22) وتطرّق إليه هنا مدفوعًا بآراء الكولسّيّين، والهدف من كلامه أن يعيد الأنظارَ إلى المسيح الذي هو يَنبوعُ خلاصِنا الوحيد. إلاّ أنّنا نجد انطلاقًا من هذا الأفق الواسع نظرة جديدة: تشديد على وجهة الخلاص الجماعيّة. فالمسيحيّون مدعوّون في جسد واحد (3: 15)، وهذا الجسد هو الكنيسة (18:1، 24؛ رج 1 كور 6: 15؛ 11: 16-17؛ 12: 22-27؛ روم 12: 4- 5). يؤلّف المسيحيّون مع المسيح وبعضهم مع بعض جسدًا واحدًا. لأنّهم يرتبطون كلّهم بجسد يسوع الذي صلب وقام كبذار عالم جديد. 
تشدّد كو على تسامي المسيح على القوى السماويّة فتميّزه عن الجسد (أي الكنيسة) الذي يُبنى على الأرض والذي يصير المسيح رأسه. هو يدير الجسد ويغذّي الجسد الذي هو كائن حيّ يتقبّل كلّ شيء من المسيح ولكنّه يتميّز عنه، وإنْ لم ينفصل، بفرديّته البنويّة.
وتتوقّف كو عند اختبار بولس الرسوليّ وارتباط الوثنيّين بالإيمان واقترابهم من المواعيد شأنهم شأن بني إسرائيل. هذا هو سرّ المسيح الذي ستتكلّم عنه مطوّلاً أف. فعبارة "السرّ" التي ابتكرها الفكر اليهوديّ الجليانيّ والتي تعني سرّ تخطيط الله الذي كان مخفيًّا وانكشف الآن، نجدها في 1 كور 2: 7-9 وروم 16: 25 ي. وهي تتفتح في رسائل السجن. فالسرّ منذ الآن هو دعوة الأمم إلى الخلاص: فالمسيح بينكم، وهو يحمل إليكم رجاء المجد الذي كان محفوظاً في الماضي لبني إسرائيل (1: 26 ي). يعرف بولس أنّه مرسل من أجل مخطّط الخلاص هذا (1: 23-26). لهذا فهو يعمل ويكدّ في خدمة السرّ (28:1-2: 1، 3:4) فيكمّل في جسده ما لم يستطع المسيح خلال حياته على الأرض أن يقاسِيَه من سعي رسوليّ. وإنّ بولس يقاسيه على خطى المسيح ومكان المسيح من أجل خدمة الجسد الذي هو الكنيسة (1: 26). فسرّ الخلاص الشامل الذي يُتمّ نحطّطَ الله، يخفي في نظر الرسول "كلّ كنوز الحكمة والمعرفة" (2: 3). لهذا يدعو قرّاءه إلى التأمّل في قصّة الله تأمّلاً عاقلاً وعلوًيا (1: 9؛ 2: 2؛ 3: 16). وهذه المعرفة الروحيّة التي ترتبط بالتقليد الكتابيّ وتعيد ما قاله بولس سابقًا (1 كور 1: 5؛ 13: 2؛ 2 كور 4: 6؛ روم 11: 33)، تتفتّح في نهاية حياته أمام أفق أوسع يدخل فيه المسيح فيجعله يتضمّن الكون.

هـ- الأزمة الكولسّيّة والآراء الفاسدة
نحن لا نعرف عن هذه الآراء إلاّ ما نجده في الرسالة، ولهذا لا نستطيع أن نقدّم عرضاً وافيًا ومنسّقًا عن هذا التعليم الضالّ. نلاحظ أوّلاً بعض الإشارات التي أثّرت على الجماعة وشكّلت لها خطرًا ملموسًا. فعلى الجماعة أن لا تنخدع (2: 4) وأن لا تقع في الفخّ (2: 8) بسبب الغرور الباطل القائم على سنَّة الناس وأركان العالم، وأن لا تخضع لنواحيَ وأحكامٍ تقول لها: "لا تأخذ، لا تذق، لا تمسّ" (2: 20- 21). أمّا ما يميّز هذه التعاليم المضلّة فهو: عبادة الملائكة (2: 18) والتعلّق بأركان العالم (2: 8؛ رج غل 4: 3)، المحافظة على الأصوام وعيد الهلال والسبت (2: 16)، والارتباط بأحكام عن المأكول والمشروب (2: 16، 21)، وعن حياة نسكيّة (2: 21)، وعن قساوة ضدّ الجسد (23:2).
فالنسك والعبادة تهيّئان لرؤية الملائكة (2: 18، 23) كما يقولون، ولكنّها ممارسة لا قيمة لها وهي ظلّ الأمور المستقبلة (2: 17). وهذه التعاليم المؤسّسة على نظريّات دينيّة متفلسفة (2: 8) وعلى تعاليمَ بشريّةٍ تودّ أن تتجاوز الإنجيل التقليديّ لتمنح الإنسان معرفةً أفضلَ للأسرار. فهل تقدر؟
ولكن من أين جاءت هذه الهرطقة؟ هناك آراء عديدة من نظرة يهوديّة تأثّرت بجماعة قمران، من عبادة وثنيّة شرقيّة يرافقها وجود كائنات سماويّة، من غنوصيّة حقيقيّة، أو من غنوصيّة مطعّمة بالنظريّات اليهوديّة.

الخاتمة
نشير في الخاتمة إلى أنّ كو قد استُعْمِلَتْ منذ بداية الكنيسة. فَذَكَرَتْهَا رسالة برنابا ورسائل أغناطيوس الأنطاكيّ. وأورد يوستينوس عبارة "بكركلّ الخلائق" التي سترد أيضاً عند آباء كثيرين انطلاقًا من إيريناوس. هذه الرسالة موجودة في لائحة مرقيون وقانون موراتوري. ومنذ القديم لم يشكَّ أحد في نسبتها إلى بولس. ولكنّنا سننتظر القرن التاسع عشر لينطلق بعض العلماء من الهرطقة التي يحاربها بولس، ومن التعليم عن المسيح، ومن اللغة والأسلوب، ومن علاقتها بأف، ليرفضوا الرسالة كلّيًّا أو جزئيًّا.
ولكنّ هذا المدّ الرفضيّ انحسر انحسارًا كبيرًا، وأخذ معظم العلماء يعودون إلى كو التي تقدّم لنا تعليمًا يعود إلى بولس نفسه.
- 4 - 
الرسالة إلى فيلمون

يسمّي بولس المعمّدين "خليقة جديدة" (2 كور 5: 17). وإذا كان من خلافات في المجتمع فهي تزول أمام المساواة في المسيح الواحد. "لا يهوديّ ولا يونانيّ، لا عبد ولا حرّ، لا رجل ولا امرأة. فأنتم كلّكم واحد في المسيح يسوع" (غل 3: 28). وقال بولس أيضاً: "فنحن كلّنا، يهودًا كنّا أم غير يهود، عبيدًا أم أحرارًا تعمّدنا بروح واحد لنكون جسدًا واحدًا، وارتوينا من روح واحد". وقال في كو 3: 11: "فلا يبقى هناك يهوديّ أو يونانيّ، لا مختون أو غير مختون، ولا أعجميّ أو بربريّ، ولا عبد أو حرّ، بل المسيح الذي هو كلّ شيء وفي كلّ شيء". أمّا فلم فتتطرّق إلى واقع ملموس: أفلت عبد من يد سيّده والتجأ إلى بولس، فعمّده وأعاده إلى سيّده وتشفّع من أجله. آتُرَى بولس طبّق على هذا الوضع الحاضر الاعتباراتِ النظريّة التي قرأناها في رسائله؟ نحن لا نقرأ كلمة تطلب من فيلمون أن يحرّر عبده. لا بل سيكتب بولس للعبيد أن يطيعوا سادتهم في كلّ شيء في هذه الدنيا (كو 3: 22). وقال في 1 كور 7: 21- 22: "فإن كنت عبدًا عندما دعاك الله فلا تهتمّ. ولكن إن كان بإمكانك أن تَصِيرَ حُرًّا، فالأَوْلى بك أن تغتنم الفرصة. فن دعاه الربّ وهو عبد كان للربّ حرًّا، وكذلك من دعاه المسيح وهو حرّ كان للمسيح عبدًا".

أ- أين كتبت ومتى كتبت وإلى من كتبت؟
هناك تقارب بين فلم وكو، وهذا التقارب يدلّ على أنّ ظروف تأليف فلم هي ظروف تأليف كو. فبولس هو سجين في فلم (آ 9، 10، 13، 23) وفي كور (4: 3، 10، 18). ويشاركه في الكتابة تيموتاوس (فلم 1؛ كو 1: 1) ويحيط به خمسة رفاق (أبفراس، أرسترخس، مرقس، ديماس، لوقا). هم ذاتهم في فلم (23- 24) وفي كو (4: 10- 14). يذكر بولس في فلم 2 أرخبّس ويوجّه إليه كلمة في كو 17:4. وأونسيمس الذي يرافق تيخيكس إلى كولسّي (كو 4: 7- 9) هو موضوع الرسالة إلى فيلمون (آ 12).
هذه القرابة الدقيقة تدفعنا إلى القول إنّ فلم وكو كُتبتا في مكان واحد. دوِّنت كو في رومة خلال أسر بولس الأوّل، ودوّنت فلم في الوقت عينه وفيها يعبّر بولس عن أمله أن يُخلى سبيلَه (آ 22). كلّ هذا يعني أنّنا حوالي السنة 63 (رج أع 28: 30). قال بعضهم إنّ أونسيمس هرب من كولسّي ولجأ إلى أفسس ولكنّ هذا الرأي مردود بدليل ما قاله تقليد الآباء وآراء الشرّاح.
إلى من كتبت الرسالة؟ إلى فيلمون الذي من فريجيه بآسية الصغرى. وبما أنّ العلاقات وثيقة بين كو وفلم وبما أنّ موطن أونسيمس هو كولسّي على ما يبدو، فيكون فيلمون من كولسيّ أيضاً.
الكنيسة تجتمع إذًا في كولسّي، في بيت فيلمون (آ 2). هذا لا يعني أنه رئيس كنيسة كولسّي أو أسقفها بل أحد الأشراف الذي يُشْرِكُ إخوتَه في خيراته ونفوذه (آ 5- 7). بشّره بولس وردّه إلى الإيمان المسيحيّ (كما يقول في آ 19) في أفسس (أع 19: 10) واعتبره اعتبارًا كبيرًا فسمّاه "عزيزنا ورفيقنا في العمل". وكلّ هذه الرسالة تعكس ثقة وَوُدُّا بين بولس وفيلمون.
أمّا أبفيّة فتبدو أنها امرأة فيلمون، وأرخبّس فيبدو أنّه ابنه. وسيظهر اسم أرخبّس في كو 17:4 حيث يطلب منه بولس أن يتمّم الخدمة التي قبلها من الربّ.

ب- الظرف الذي كتبت فيه الرسالة
كان أونسيمس عبدًا لدى فيلمون. أساء إلى معلّمه (آ 18) فسرقه وتركه هاربًا إلى رومة حيث كان بولس سجينًا. هل بحث عن بولس أم التقى به صدفة؟ مهما يكن من أمر، فقد ارتدّ أونسيمس واقتبل سرّ العماد من يد بولس (آ 10). أحبّ الرسولُ محبّة خاصّة هذا الذي سمّاه "ابنه" والذي "ولده في القيود" فصار "كقلبه" (آ 12). أونسيمس ومعنى اسمه "المفيد" صار مفيدًا لبولس بحيث ما عاد يقدر أن يستغنيَ عنه بعد الخبرة (آ 11). ولكنّه ردّه إلى معلّمه تائبًا ومسيحيًّا مولودًا من جديد وهو يرجو من فيلمون أن يقبله لا كعبد بل كأخ حبيب (آ 16). كان بولس قد أراد أن يحتفظ بأونسيمس ليخدمه (آ 13)، ولكنّه رفض أن يفرض نفسه على فيلمون، فطلب العبد من سخاء سيده (آ 14) وهو مستعدّ أن يَفِيَهُ الأضرارَ التي سبّبها له أونسيمس. ولكنّ بولس يُفهمه بالإشارة أنّه مدين له بالكثير، بل مدين له بنفسه (آ 18- 19).
بولس هو سجين بسبب نشاطه الرسوليّ "سجين المسيح يسوع... في هذه القيود من أجل الإنجيل" (آ 1، 9، 13). أمّا شروط سجنه فهي خفيفة لأنّه يستطيع أن يستقبل تلاميذه وشركاءه في العمل الرسوليّ (آ 23- 24). في هذا السجن استقبل أونسيمس وبعث معه رسالة هذا هو تصميمها:
(آ 1- 3): العنوان والسلامات: من بولس إلى فيلمون وإلى الكنيسة التي تجتمع في بيتك.
(آ 4-7): شكر لله وتقدير لما يفعله فيلمون من أجل الإخوة.
(آ 8- 20): قلب الرسالة. بولس يتشفّع من أجل أونسيمس: أناشدك في أمر ابني أونسيمس الذي ولدته في الإيمان وأنا في القيود... فاقبلْه كما تقبلني.
(آ 21- 25): الختام. "يسلّم عليك أبفراس ومرقس"... والتمنّي الأخير: "لتكن نعمة الربّ يسوع المسيح مع روحكم".
هذه الرسالة تتوجّه في ظاهرها إلى شخص فرد وتحاول أن تحلّ مشكلة شخصيّة، ولكنّ العنوان يتوجّه أيضاً إلى "الكنيسة التي تجتمع" في بيت فيلمون، وهذا ما يجعلنا وكأنّنا أمام رسالة إلى جماعة من الجماعات. نجد فيها فعل الشكر في البداية والسلامات في النهاية. وهكذا يكتب بولس عبر فيلمون إلى كنيسة محلّيّة عارفة بالقضيّة التي تعالجها الرسالة ومهتمّة بالحلّ الذي يقترحه الرسول.
لا يشكّ بولس في سلطته الشرعيّة. فله الحقّ في المسيح أن يأمر (آ 8؛ 1 كور 7: 6، 17؛ 11: 34، 16: 1) فيلمون الذي جاء به إلى الإيمان، والجماعة التي أسّسها. له الحقّ أن يفرض الواجبات التي يمليها عليه ضميره الرسوليّ، هذا الحقّ يأتيه من الله مع الإنجيل الذي تسلّمه (غل 1: 11- 12؛ روم 1: 15؛ 15: 15- 16). ولكنّ بولس يعرف أن يتخلّى عن بعض الحقوق عندما يجد نفسه أمام خير الإنجيل وخير المؤمنين (1 كور 9: 15-18؛ 2 كور 11: 7). وهذا ما فعله هنا بسبب المحبّة التي تنعش قلب فيلمون. وثق بولس فما أمر بل طلب واستند إلى اعتبارات شخصيّة: عمره وهو أكبر من فيلمون، وضعه كسجين بينما فيلمون حرّ، الدَين الذي له على فيلمون. فهل يستطيع من نال مثل هذه العطية الثمينة (آ 19) التي قادته إلى المسيح أن يرفض طلبًا لبولس؟ وزاد الرسول: "أنِعش قلبي في المسيح" (آ 20).

ج- تعليم الرسالة إلى فيلمون
هذه الرسالة التي كتبها بولس بخطّ يده (آ 19) ليست مقالة عقائديّة أو أخلاقيّة. فلها طابع شخصيّ وظرفيّ وهي تكشف لنا ما في قلب الرسول من حنان.
ولكن من خلال هذه البساطة والمحبّة نحسّ بسلطة الرسول. فهو يضمّ إلى فيلمون الجماعة وله أن يأمرهم لأنّه سفير المسيح. إنّ فيلمون مدين له لأنّه رسول ويستطيع أن يطلب منه الطاعة ولكنّه لم يفعل. هو ما تخلّى عن سلطته الرسوليّة بل عرف أن يكون للكلّ (1 كور 9: 19-27) ليقنع سيّدًا أن يعامل عبده كأخ. أجل، لجأ إلى لغة الأخوّة في المسيح.
هذه الرسالة لا تتضمّن فقط عواطفَ بشريّةً، بل تعليمًا برسم لفيلمون واجبه أمام مسألة مهمّة هي مسألة العبوديّة.
كانت العبوديّة نظامًا أساسيًّا وداءً يتألّم منه العالم اليونانيّ والرومانيّ. كان العبد "شيئًا" ولم تكن له حقوق. فالسيّد الذي اشتراه يتصرّف به كما يحلو له: يرسله إلى العمل، يضربه، يعدمه الحياة. فإن هرب العبد أُمْسِكَ وأُعِيْدَ إلى سيّده فيعاقبه أقسى عقاب. 
أشار بولس إلى مشكلة العبوديّة وانطلق من مبدأ الحياة الجديدة في المسيح. هو لا يطالب بإلغاء وضع اجتماعيّ منتشر في الإمبراطوريّة كلّها، بل يسعى إلى تحويل هذا الوضع. العبد يصير حرًّا في المسيح. لم يعد خاضعًا إلاّ للسيّد الحقيقيّ الذي هو المسيح.
لاشكّ في أنّ العلاقاتِ البشرّيةَ تبقى هي هي بين السيّد والعبد، ولكن على المستوى المسيحيّ صار الواحد أخًا للآخر يحبّه ويتعاون معه.
طلب بولس من فيلمون أن يعطيَه أونسيمس فكأنّه يطلب أن يحرّره من العبوديّة ليكون في خدمة المسيح ورسوله.
أجل وضع بولس المبدأ الذي يجدّد البُنَى القديمةَ من الأساس، أَلاَ وَهُوَ المساواة بين كلّ البشر في مصيرهم الأبديّ في خدمة الربّ الواحد. ونتيجة هذا المبدأ هي إزالة العبوديّة. وهذا ما حصل في الكنيسة وبها في المجتمع البشريّ بفضل خميرة المسيح.

خاتمة
هذه الرسالة من نتاج بولس: هذه هي لغته، هذا هو أسلوبه، هذا هو قلبه. هذا ما قاله الشرّاح ما عدا قلّة أرادت أن تلغيَ كو فبدأت وألغت فلم ولكنّ أقوالهم ذهبت هباء. 
وبدت هذه الرسالة قانونيّة وقد أخذت بها الكنيسة منذ العصور الأولى. دافع عنها إيرونيموس ويوحنّا فم الذهب وتيودورس المصّيصي وغيرهم وحلَّت في قانون مرقيون بعد كو حالاً. ويعزو بعض الشرّاح الاحتفاظ بهذه الرسالة إلى أونسيمس نفسه الذي صار أسقفَ أفسس فيما بعد. هذا الرأي تسنده رسالة أغناطيوس الأنطاكيّ إلى أهل أفسس (وإلى أسقفهم أونسيمس) التي تعود في بعض مقاطعها إلى رسالة القدّيس بولس إلى فيلمون.

الفصل العاشر
الرسائل الرعاوية الثلاث

المقدّمة
إنّ الرسائل إلى تيموتاوس وتيطس التي تبدو كملحق بالنسبة إلى مجموعة رسائل القدّيس بولس، تشكّل هي أيضاً مجموعة متناسقة مثل روم وغل، مثل أف وكو. وإن شدّدت 1 تم على تنظيم الكنيسة، وقي على الحياة المسيحيّة، و 2 تم على التعليم الصحيح، فالرسائل الثلاث تتمتعّ بالأسلوب الواحد، وتتضمّن التعليم الواحد، وتتوجّه ضدّ الميول المهرطقة الواحدة، وتفترض ظروف الزمان والمكان الواحدة. إذًا لا يمكنها أن تَصْدُرَ إلاّ عن قلم واحد فتشكّلَ وحدةً أدبيّةً وتاريخيّةً ودينيّةً.
سمّيت الرسائل الرعاويّة فدلّت على طابعها الخاصّ والمبتكر. فهي وحدها بين رسائل العهد الجديد تحدِّد شروط اختيار الخدّام في الكنيسة، وطبيعة وظيفتهم ومداها، والفضائل التي يمارسونها. بالإضافة إلى ذلك فهذه التوصيات (1 تم 1: 3؛ 4: 11؛ 5: 7؛ 6: 13، 17) تهدف إلى تعليم تيموتارس وتيطس الواجباتِ المطلوبةَ من الرؤساء المسؤولين عن الكنيسة المحلّيّة، وإلى تربية ضميرهم الرعاويّ. "أكتب إليك بهذه الأشياء لتعرف كيف تتصرّف ببيت الله" (1 تم 3: 15).
كتب بولس إلى اثنين من معاونيه الأمناء، فذكّرهم بالنصائح والتحريضات التي طالما قالها لهما بصوته خلال رحلاته الرسوليّة (2 تم 1: 13؛ 2: 2؛ 3: 10- 11). من هنا نجد أسلوبًا حيًّا وبديهيًّا. ولكنّنا لسنا أمام رسالة خاصّة من صديق إلى صديق مع ما في هذه الرسالة من مناجاة وبوح بأسرار القلب. فبولس يكتب كرسول، كشخص رسمّي له سلطة إلهيّة وهو يمارس وظيفة عامّة في التعليم والتدبير وحتّى في التوبيخ. هذا من جهة، ومن جهة ثانية يتوجّه من خلال تيموتاوس وتيطس إلى جماعة المؤمنين الموجودين في وضع يعرفه تمامًا. قُرئت تعليماته على الأساقفة والكهنة والشمامسة والرجال والنساء المتزوّجين والشيوخ والشبّان والعذارى والأرامل والعبيد وأسيادهم وفيها تحريض على ممارسات الواجبات والفضائل المرتبطة بوضعهم. وهكذا تستنير الكنيسة المحلّيّة بمبادئ الإيمان الأساسيّة. فتعي ذاتها كأسرة الله الحيّ" (1 تم 3: 15) المنتظرة "الرجاء السعيد" (تي 2: 13). من هذا القبيل تُعتبر هذه الرسائل الرعيّة والشخصيّة رسائلَ توجيه تَجمع بين الواقع والمناسبة، وهي تشبه بأسلوبها إلى حدّ بعيد رسائل عديدة من العالم اليونانيّ أو رسائل جماعة قمران.

أ- إلى من وُجّهت الرسائل الرعاويّة
وُجّهت إلى تيموتاوس وتيطس. فمن هما هذان الشخصان؟
تيموتاوس (ومعنى اسمه من يخاف الله) ولد في لسترة من أب يونانيّ (أي وثنيّ) ولهذا اعتُبر كذلك، ولم يُختن في اليوم الثامن رغم أنّ أمّه أونكة وجدّته لوئيس كانتا يهوديّتين (2 تم 1: 5). تربّى تيموتاوس تربية دينيّة (تم 3: 15). ولمّا ارتدّت أمّه وجدّته إلى الإيمان المسيحيّ أدخلتا الفتى في جوّ هذا الإيمان. وحين مرّ الرسول مرّة ثانية في لسترة حوالي السنة 50، قبل تيموتاوس أن يرافقه في رسالته (أع 16: 3) فيحلّ محلّ مرقس. ختنه بولس (أع 16: 3) ليسهّل له رسالته وَسْطَ أهل فريجية المتعلّقين بالأمور اليهوديّة. ويمكن أن يكون الرسول والكهنة قد وضعوا عليه الأيدي (1 تم 4: 14؛ 2 تم 1: 6) فجهر تيموتاوس بإيمانه أمام شهود كثيرين (1 تم 6: 12).
وسار تيموتاوس مع بولس وسيلا عبر آسية الصغرى ووصلوا إلى مكدونية. هل شارك تيموتاوس بولس في سجنه مثل سيلا (أع 16: 13- 40)؟ الأمر معقول، وسيرافق تيموتاوس بولس في هذه الرحلة الثانية ثمّ في الرحلة الرسوليّة الثالثة.
إذا عدنا إلى 1 تم 1: 3 نعرف أن تيموتاوس كان على رأس كنيسة أفسس وأنّه سيأتي إلى لقاء بولس السجين في رومة (2 تم 4: 19- 1 2). هل حضر استشهاد بولس سنة 67؟ هذا ممكن.
لا تُحدّثنا أعمال الرسل عن تيطس كما تُحَدِّثُنا عن تيموتاوس. يبدو أنّ تيطس ارتدّ إلى المسيحيّة على يد الرسول الذي يسمّيه ابنَه (تي 1: 4). وُلد في أنطاكية من أبوين وثنيّين (غل 2: 3)، لهذا رفض بولس أن يختنه كما ختن تيموتاوس ومع هذا أخذه معه إلى أورشليم حوالي السنة 50. فشل تيموتاوس في حل أزمة كورنتوس فبعث بولس الرسولُ تيطسَ ليهدّئ الأمور وقد يكون حمَّله الرسالة الضائعة (2 كور 2: 13؛ 7: 6). نجح تيطس في عمله (2 كور 13:7) ثمّ انضمّ إلى بولس في مكدونية، فأرسله الرسول مرّة ثانية إلى كورنتوس لينظّم الجماعة (2 كور 8: 6، 16).
بعد أن تحرّر بولسُ من الأسر الرومانيّ الأوّل، مرّ في كريت فوجد جمَاعاتٍ مسيحيّةً مُنَظَّمَة يَنهَشُها معلّمون كذبة. فترك فيها تيطس ليقوم بإصلاح الأمور، وكتب له رسالة تذكره كتابةً بما قاله له شفهيًّا.
كان العمل الرئيسيّ لتيموتاوس وتيطس أن يجعلا النظام في أفكار المسيحيّين وعاداتهم وفي حياة الجماعات الدينيّة. وسيقومان بهذا العمل بأقوالهما وأعمالهما ويظهران أنهمـا مثال المسؤولين عن الكنائس بالتعليم والفضيلة التي يعلّمان. وأوّل واجب لهما على مستوى التعليم أن يبقيا ثابِتَيْنِ في الإيمان، وأن يحفظا التعليم الذي تسلّماه. ثمّ عليهما أن يعلّما المؤمنين بالكرازة فيتوجّها إلى الجميع حسب أعمارهم وظروف حياتهم، ويكونا مثالاً للرعيّة بفضائلهما وأعمالهما الصالحة. فسلوكهمـا في بيت الله سيكون بلا عيب لئلاّ يصيرا عرضة للانتقاد: الكرامة والوقار والعفّة والوداعة والتجرّد تلك هي المزايا التي يتحلَّيان بها.

ب- تحليل الرسائل الرعاويّة
1- تيموتاوس الأولى
أوّلاً: التوجيه (1: 1- 2)
يقدّم بولس نفسه على أنّه رسول يسوع المسيح بأمر الله مخلّصنا. وهو يكتب إلى تيموتاوس ابنه الذي ولده في الإيمان. "عليك النعمة والرحمة والسلام".

ثانيًا: توصيات لدرء خطر المعلّمين الكذّابين (1: 3- 20)
طلب بولس من تيموتاوس أن يظلّ في أفسس ليقف بوجه التعاليم الضالّة التي يجهر بها من سَمَّوا نفوسَهم معلّمي الإيمان فتعلّقوا بأساطيرَ وأنسابٍ على حساب الإيمان الصحيح. وعلى تيموتاوس أن يسهر على المحبّة ونقاوة الضمائر والمحافظة على الإيمان الحقيقيّ (آ 3- 7). فالشريعة اليهوديّة صالحة ومفيدة لتُقدّم لنا لائحة بالخطايا، ولكنّها صارت في خدمة التعليم المقدّس الذي سلِّم إلى بولس (آ 8- 11). ويستفيد بولس من الفرصة ليتحدّثَ عن نفسه ويؤكّدَ سلطته. كان مضطهِدًا فصار خادمَ الإنجيل بعد أن حصل على رحمة الله لأنّه كان يتصرّف بجهل. إنّه أوّلُ الخاطئين الذين خلّصهم المسيح ومثالُ كلّ الذين سيَخْلُصُون. ويعلن بولس: "لملكِ الدهور، الإلهِ الواحدِ الخالدِ الذي لا يُرى، الإكرامُ والمجدُ أبدَ الدهور. آمين" (آ 12- 17) ويوصي بولسُ تيموتاوسَ الذي نال عطايا روحيّةً خاصّة، بأن يجاهد الجهاد الحسن. فهناك كثيرون انكسرت بهم سفينة الإيمان فغرقوا مثل هيمينايس والإسكندر اللذين أسلمهما إلى الشيطان ليتأدّبا ويكفّا عن التجديف (آ 18- 20). ما هو هذا العقاب وما هي نتائجه؟ هذه أمور نجهلها، ولكنّنا نعرف أنّ غاية العقاب هو التأديب من أجل التوبة والرجوع إلى الرب.

ثالثًا: توصيات من أجل تدبير الجماعة (2: 1- 3: 16)
يتحدّث بولس أوّلاً عن الصلاة. يصلّي المؤمنون من أجل الملوك والذين يملكون السلطة ليستطيع المسيحيّون أن يَحْيَوا حياتهم بالتقوى، وليصلَ جميعُ الناسِ إلى معرفة الحقّ (آ 1- 4). هنا نقرأ اعترافًا بالإيمان المسيحيّ: الله، المسيح الوسيط، الشهادة التي يحملها بولس، معلّم الأمم، والتي ينادي بها كرسول (آ 5- 7). يجب على الرجال أن يُصَلُّوا في كلّ مكان فَيَحْيَوا حياة هادئة من غير غضب ولا خصام، وعلى النساء أن لا يُعَلِّمْنَ بل يَبْقَيَنَ متواضعاتٍ وخاضعاتٍ لرجالهنّ (آ 8- 15). 
ويتحدّث بولس ثانيًا عن الأساقفة والشمامسة. فمهمّة الأسقف عمل جليل يتطلّب صفاتٍ بشريّةً ومسيحيّةً عظيمةً. وكذا نقول عن مهمّة الشمامسة. تكون حياتهم العائليّةُ بلا عيب (3: 1- 13). ويأمل بولس أن يأتيَ إلى أفسس قريبا. وإن تأخّر فليتابعْ تيموتاوس إدارةَ الكنيسة التي تحفظ سرّ المسيح (آ 14- 16). قال بولس: سرّ التقوى عظيم: قد ظهر بَشَرًا وُبرّر في الروح وتراءى للملائكة وبشِّر به عند الوثنيّين وأؤمن به في العالم ورفع في المجد. بعد المجدلة (1: 17) واعتراف الإيمان المسيحيّ (2: 5- 7) نجد هنا نشيدًا يُنشد سرّ المسيح (3: 16).

رابعًا: دور تيموتاوس أمام صعوبات نهاية الأزمنة (4: 1- 16)
ويعلن الروح القدس أنّ بعضَهم يرتدّون عن الإيمان الحقيقيّ في الأزمنة الأخيرة: تدفعهم الشياطين فيتعلّقون بتعاليمَ تَرذُلُ استعمالَ خيراتِ هذا العالم (الزواج، الأطعمة). وماذا يقول الإيمان الحقيقيّ؟ كلّ خليقة هي من الله وهي صالحة، وكلام الله والصلاة تقدّسانها (آ 1- 5). هذا ما يكون عليه تعليم تيموتاوس التلميذ الأمين. يحفظ نفسه من الخرافات الباطلة (آ 6- 10) ويعطي في نفسه الفضائل المسيحيّة (آ 11). ينتظر بولس فيقرأ الكتب المقدّسة ويحرّض ويعلّم لأنّه أُعِدّ لهذه المهمّة بالمواهب التي نالها بالصلوات الليتورجيّة ووضع يد الكهنة (آ 12- 16).

خامسًا: نصائح توجّه سلوك تيموتاوس (5: 1- 6: 2)
ويحدّد بولس السلوك الفطن الذي يسلكه تيموتاوس تجاه الشيوخ والشبّان والشابّات، ويقدّم نصائحَ خاصّة بالأرامل (5: 3- 16) وتوصياتٍ تتعلّق بالكهنة (آ 17- 22). ويقدّم إلى تيموتاويس نصيحة عمليّة عابرة: لا تقتصر بعد اليوم على شرب الماء، بل اشرب قليلاً من الخمر من أجل معدتك وأمراضك الملازمة (5: 23). وأخيرًا يقدّم نصائحَ للعبيد والسادة (6: 1- 2).

سادسًا: خاتمة الرسالة (6: 3- 19)
ويصوّر بولس التقوى الحقيقيّة: نتعلّق بتعليم الإنجيل، نتجنّب المجادلات العقيمة، ونكتفي بالقليل فلا نتشبّه بالذين يطلبون الغنى. ويحرّض تيموتاوس ليمارس الفضائل المسيحيّة ويجاهد جهاد الإيمان ويمتلك الحياة الأبديّة التي إليها دعي بالمعموديّة وشهادة الإيمان، وينتظر مجيء المسيح الذي يعلنه الربّ في وقته. وهنا نقرأ مجدلة: "ذلك السعيد القدير، ملك الملوك وربّ الأرباب، له وحده الخلود ومسكنه نور لا يقترب منه وهو الذي لم يره إنسان ولا يستطيع أن يراه، له الإكرام والعزّة الأبديّة. آمين". وأخيرًا يقول لتيموتاوس: "وصِّ أغنياءَ هذه الدنيا أن لا يتعجرفوا ويتّكلموا على غنى العالم الزائل".

سابعًا: خلاصة الرسالة والوصيّة الأخيرة (6: 20- 21) 
يا تيموتاوس، احفظ الوديعة وتجنّب المعرفة الكاذبة.

2- تيطس
أوّلاً: توجيه وسلام (1: 1- 4)
من بولس عبد الله ورسول المسيح يسوع... إلى تيطس ابني الذي ولدته في إيماننا المشترك. ويسترسل بولس في الحديث عن صفته كرسول يسوع المسيح الذي أرسل من أجل إيمان المختارين ومعرفة الحقّ. وتتمدّد هذه المعرفة بالنسبة إلى الحياة الأبديّة التي وُعد بها قبل الدهور وتجلّت في الإنجيل الذي عُهد به إلى بولس.

ثانيًا: ظروف الرسالة (1: 5- 16)
ترك بولس تيطس في اكريت ليُتمّ تنظيم الكنيسة فيقيم كهنة في كلّ مدينة. ويتوقّف بولس عند مهمّة هؤلاء الكهنة (أو الأساقفة): من كان بريئًا من اللوم، من لم يتزوّج غير مرّة واحدة، من كان أولاده مؤمنين. هؤلاء يكرَّسون للتعليم الصحيح ويَردّون على المخالفين.
هنا يهاجم بولس المعلّمين الكذبة الآتين من عالم الختان: يهمّهم الربح السريع، يعلّمون الخرافات، وسلوكهم نجس.

ثالثًا: تحريضات متنوّعة (2: 1- 3: 11)
يتوجّه بولس إلى تيطس الذي سيعلم التعليم الصحيح. وهذا التعليم يرسم خطّ سلوك ينطبق على الشيوخ والعجائز والشبّان والشابّات والعبيد (2: 1- 10). أمّا أساس تلك الفرائض: نقاوة حياة هي ثمرة تعليم ربّنا الذي أبعدنا عن العالم وجعلنا ننتظر ظهور مجده العتيد، والذي أسلم من أجل خطايانا (آ 11- 15). ويتوجّه التحريض التالي إلى كلّ المسيحيّين: خضوع للسلطات، تجنّب الرذائل، ممارسة الفضيلة (3: 1- 3). أمّا أساس هذا التحريض فهو: ظهور الله مخلّصنا الذي خلّصنا لا بأعمالنا بل بموهبة المعموديّة والتجديد في الروح القدس (آ 4- 7). وينهي كلامه إلى تيطس: ليعلّمهم أن يمارسوا الأعمال الصالحة، أن يتجنّبوا المجادلات العقيمة، كالمجادلات حول الشريعة (آ 8-11).

رابعًا: وصايا عمليّة وسلامات (3: 12- 15)
حين يصل أرتيماس وتيخيكس، يلتحق تيطس ببولس في نيكوبوليس، ويستعدّ للسفر زيناسُ، معلّمُ الشريعة، وأبلّوس. وينهي بولس كلامَه: يسلّم عليكم جميع الذين معي، سلِّموا على الذين يحبّوننا في الإيمان. عليكم النعمة أجمعين.

3- تيموتاوس الثانية
أوّلاً: العنوان (1: 1- 2)
يشبه هذا العنوان ما نقرأ في 1 تم؛ من بولس رسول المسيح يسوع... إلى ابني الحبيب تيموتاوس. عليك النعمة والرحمة والسلام.

ثانيًا: هل الشكر (1: 3- 18)
يمتزج فعل الشكر بذكريات عديدة. يتذكّر بولس إيمان جدّة (لوئيس) تيموتاوس وأمّه (اونيكة)، والموهبة التي وضعها فيه بوضع يديه ليبشّر بالإنجيل وليشارك في الآلام المرتبطة بالرسالة (آ 3- 8). بعد هذا يَرِدُ تحديد للإنجيل: ودعانا الله لا بسبب أعمالنا بل بعطيّته التي انكشفت في ظهور ربّنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت وأوحى بالحياة والخلود (آ 9- 10). ويتحدّث بولس عن نفسه: إنّه سجين من أجل المسيح. أقيم مناديًا ورسولاً ومعلّمًا وتقبّل وديعة تبقى سليمة حتّى اليوم الأخير. فليحافظ تيموتاوس على هذه الوديعة بمعونة الروح القدس (آ 11- 14). ويقدّم بولس أخبارًا عن الرسالة: تركه الجميع وما بقي معه إلاّ اونيسيفورس.

ثالثا: تحريضات إلى تيموتاوس (2: 1- 26)
* تحريضات عامّة: على تيموتاوس أن يسلّم وديعة الإيمان إلى أناس أمناء يعلّمون غيرهم، وأن يكون جنديّاً لا صالحًا للمسيح يسوع، أن يفهم الإنجيل الذي لأجله يَلقى بولس الآلام ويتحمّل القيود كمجرم (آ 1- 13). ويقول بولس: "إذا متنا معه حيينا معه، وإذا صبرنا ملكنا معه، وإذا أنكرناه أنكرنا هو أيضاً. وإذا كنّا خائنين ظلّ هو وفيّاً لأنّه لا يمكن أن ينكر نفسه".
* تحريضات خاصّة بوجه التعاليم الضالّة: على تيموتاوس أن يقف بوجه المعلّمين الكذبة أمثال هيمينايس وفيليتس اللذَيْنِ قالا بأنّ القيامة قد أتت. وهكذا هدما إيمان بعض الناس. فعلى تيموتارس أن يبقى أمينًا للتعاليم والمواقف المسيحيّة (آ 14-26): "أُهرب من أهواء الشباب واطلب البرّ والإيمان والمحبّة والسلام... تجنّب المباحثات السخيفة... ".

رابعًا: تحذير من أخطار الأيّام الأخيرة (3: 1- 17)
ويصور بولس هذه الأيّام الأخيرة بما فيها من خطايا الكفر ومن المعلّمين والأنبياء الكذبة. أمّا دور تيموتاوس: كان في البداية تلميذًا أمينًا لبولس في أنطاكية وايقونية ولسترة. فعليه أن يحتملَ الاضطهاد ويحفظ بأمانة ما تعلّمه ويواظب على قراءة الكتب المقدّسة.

خامسًا: وصايا بولس في أواخر حياته (4: 1- 23)
أناشدك يا تيموتاوس: أعلِنِ الإنجيل في وقته وفي غير وقته، أعلِنِ إنجيل رجوع ربّنا رغم شر البشر (آ 1- 5). أمّا أنا فقد اقترب وقت رحيلي. جاهدتُ جهادًا حسنًا وأتممتُ شوطي وحافظتُ على الإيمان، وقد اعِدَّ لي إكليلُ البرّ (آ 6- 8). وصار بولس وحده وما بتي معه إلاّ لوقا. البعض تركوه، والبعض الآخر أَرسلهم في مهنات خاصّة (كرسكس إلى غلاطية، وتيطس إلى دلماطية). فليأتِ تيموتاوس مع مرض (9: 15). ويذكر بولس شيئًا ممّا حصل في المحكمة: في دفاعي الأوّل لم يناصر في أحد، بل خذلوني كلّهم. صفح الله عنهم ولكنّ الربّ أعانني وأيّدني (آ 16- 18). ويرسل سلامًا ويعطي أخبارًا ويطلب إلى تيموتاوس أن يجيء إليه قبل الشتاء وتنتهي الرسالة: "ليكن الربّ مع روحك، ولتكن النعمة معكم " (آ 19- 23).

د- صحّة الرسائل الرعاويّة
قرأ الشرّاح الرسائل الرعاويّة فوجدوها مختلفة عن سائر رسائل بولس أسلوبًا ومضمونًا وبرزت ثلاثة مواقف. موقف أوّل يربط هذه الرسائل بالقدّيس بولس، وموقف ثان يعتبر أن لا علاقة لبولس الرسول بهذه الرسائل، وموقف ثالث يعتبر أنّنا نجد مقاطع ترتبط بالقدّيس بولس وأخرى زادها تلاميذه فيما بعد.

1- الموقف الأوّل
هو الموقف التقليديّ الذي لم يعارضه أحد قبل القرن التاسع عشر. فهو يستند أوّلاً إلى التقليد القديم الذي لا نسمع فيه صوتًا ناشزًا. إن 2 بط 3: 5، تورد نصُّا من 1 تم 1: 16. نجد تلميحًا إلى الرسائل الرعاويّة عند إكلمنضوس الروماني وأغناطيوس الأنطاكيّ وبوليكربوس وراعي هرماس. نقرأ ني قانون موراتوري: رسالة إلى تيطس ورسالتان إلى تيموتاوس. ويبدأ إيرينارس دفاعه ضدّ الهراطقة بنصّ 1 تم 1: 4. والترجمة السريانيّة البسيطة واللاتينيّة العتيقة اللتان تعودان إلى نصف القرن الثاني تشتملان على الرسائل الرعاويّة وكذلك نقول عن البرديّة 46 الى تعود إلى بداية القرن الثالث.
يَعتبر هذا الموقف أنّ المعطيات التاريخيّة الواردة في الرسائل الرعاويّة هي ذات قيمة، فينطلق منها ليرسم أمامنا نهاية حياة بولس بعد خروجه من السجن الأوّل (61- 63). ويلاحظ أنّ المعلّمين الكذبة ما زالوا داخل الجماعة. هم لم يُرذلوا إلاّ في الظروف القصوى وبعد تنبيه أوّل وتنبيه ثان (تي 2: 10). ولكن لم تكن الحالة كذلك في القرن الثاني حيث كان تمييز تامّ بين الكنائس وشيع الهراطقة. ويقول قائل: نرى في الرسائل الرعاويّة تقدّمًا في تنظيم الكنائس لا نجده في سائر الرسائل (رج أف 3: 11). فيجيب أصحاب هذا الموقف: بدأ هذا التطوّر في نهاية رحلات بولس الكبرى وتابعه بولس بعد سجنه الأوّل. لقد فرضت عليه الظروف أن يثبّت دعائم عمله في الجماعات المحلّيّة. وهذا ما فعل. وينطلق المنتقدون من المضمون والأسلوب واللغة ليدلّوا على أنّ لا علاقة للرسائل الرعاويّة بالقدّيس بولس، فيجيب المدافعون بأنّ هذا التطوّر يرتبط بالأسفار وتنوّع الظروف ومواجهة المواضيع الجديدة.
ونجد فوارق داخل هذا الموقف. إذا عادت الرسائل الرعاويّة إلى بولس فهي لا تشبه بعضها بعضًا. هناك نقاط مشتركة بين 1 تم وتي. أمّا 2 تم فهي بمثابة وصيّة أخيرة يوجّهها بولس إلى أحد تلاميذه. وتتضمّن 1 تم وتي و 2 تم ملاحظاتٍ شخصيّةً لا بدّ أن تكون دوِّنت قبل موت بولس. أمّا أن يكون كاتبٌ (لوقا أو غيره) كتب إحدى هذه الرسائل أو كلّها فالأمر معقول.

2- الموقف الثاني
هو موقف النقاد الذين يلفت نظرهم كلّ الصعوبات لقبول الموقف الأوّل. فالرسائل الرعاويّة لم يكتبها بولس بل وضعت تحت اسمه. وأوّل من قال هذا القول كان الألمانيّ شميت سنة 1804 وتبعه شرّاح كثيرون. فهناك من يعتبر أنّ التعاليم الضالّة الموجودة في الرسائل الرعاويّة قريبة من الغنوصيّة (ولاسيّما المرقيونيّة) التي ازدهرت في القرن الثاني (1 تم 6: 20). فهل يعقل أن يعيش بولس حتّى القرن الثاني؟ ولكن يجيب أصحاب الموقف الأوّل أنّنا أمام فكر سابق للغنوصيّة وقريب ممّا نجده في كو. وهناك من يستند إلى اللغة التي تختلف عن لغة سائر رسائل مار بولس. وهناك من يبرز تنظيم الجماعات المسيحيّة، وهذا أمر لم يشدّد عليه بولس بقدر ما شدّد على المواهب المتعدّدة في الكنيسة.
وهناك من يقول إنّ لاهوت الرسائل الرعاويّة يختلف عن لاهوت بولس في سائر الرسائل وبالأخصّ التعليم عن الله والمسيح والكنيسة. ويرى آخرون أنّ الذي كتب الرسائل الرعاويّة يعرف جيّدًا سفر الأعمال ويستوحي أفكاره. وهناك برهان يبيّن إشارة التأليف الثانويّ: التقليد، العمل اللاهوتيّ المرتبط بسائر الرسائل البولسيّة، نفسيّة بولس ولاهوته وظروف نشاطه. ولكنّ كلّ هذا لا يقنعنا.

3- الموقف الثالث
وهو بين الموقفين الأوّل والثاني، هو موقف وسط. فهناك من يعتبر أنّ الرسائل الرعاويّة غيرُ صحيحة ولكنّها تتضمّن مقاطع صحيحة استُعملت في إطار أوسع وقُدّمت لنا في هذه الرسائل كما نقرأها اليوم. فقال أحد النقّاد: هناك ثلاثة مقاطع في أساس هذه الرسائل: قي 3: 12- 15 وقد كتب من مكدونية، 2 تم 4: 9- 15، 20- 22 وقد كتب في نيكوبوليس؛ 2 تم 16:1-18+3: 10- 11+4: 1-2، 5- 8، 16- 19، 21- 22، وهو رسالة وداع كُتبت من رومة. ولكنّ هذا التقسيم لا يُقنعنا كما لا يُقنعنا تقسيم يختار الأناشيد الدينيّة (1 تم 1: 17؛ 3: 16؛ 6: 5 ي؛ 2 تم 2: 11 ي) أو المقالات اللاهوتيّة الصغيرة دون غيرها. ولكن نتساءل: إن كانت هذه المقاطع صحيحة فكيف قبل القرّاء بتأليف أوسع يضمّ هذه المقاطع؟ وأعلن ناقد فرنسيّ أنّ بولس كتب ثلاث رسائل قصيرة وجاء أحد تلاميذه من كنيسة رومة فأعطى نسخة موسّعة تتجاوب وحاجات عصره. ولكنّ هذا يعارض التناسق الذي نجده في هذه الرسائل.
ويعود نقّاد كثيرون إلى افتراض قدّمه شوت الألمانيّ سنة 1830 ويقول فيه إنّ بولس لجأ إلى سكرتير فأعطاه الأفكار الرئيسيّة وتركه يوسّعها حسب تفكيره اللاهوتيّ. فبولس هو مقيّد في السجن (2 تم 1: 8، 16، 2: 9). هل يستطيع أن يكتب؟ هل يحقّ له أن يُمْليَ؟ بل ترك سكرتيره يكتب باسمه.
فما يكون موقفنا؟ ترتبط الرسائل الرعاويّة ببولس مع دور كبير لسكرتيره. هذا ما يحفظ لها قيمتها الخاصّة في النقاط التي تقدّم عناصرَ حديثةً في العهد الجديد.

هـ- متى كتبت الرسائل الرعاويّة وأين كتبت؟
دوّنت هذه الرسائل بين السنوات 63 و 67 (سنة موت بولس). لقد توسّع نشاط بولس في تلك الفترة، ويبدو أنه عاد بعد خروجه من السجن إلى آسية الصغرى (رج فلم 19) ومرّ في كريت قبل أن يصل إلى إسبانية. هل كان في إسبانية حين بدأ نيرون اضطهاده سنة 64؟ وسنجده فيما بعد في أفسس ثمّ في مكدونية (1 تم 1: 3). ومن هناك كتب 1 تم وتي سنة 65، أو 66. وإذا عدنا إلى تي 3: 12 نجد أنّه عزم على قضاء الشتاء في نيكوبوليس. لا نعرف متى أُوقف ولكنّنا نجده سجينًا في رومة حيث كتب 2 تم كرسالة وداعيّة: اقترب وقت رحيلي (2 تم 4: 6).
وهكذا لا تكون الفترة كبيرة بين رسالة ورسالة، ونحن نعرف أنّ بولس حين يكتشف موضوعًا جديدًا ينشره في رسالتين أو أكثر. ففي 1 تس و 2 تس تحدّث عن الأزمنة الأخيرة، وفي غل وروم عن الإيمان والحرّيّة، وفي أف وكو عن تفوّق المسيح وسمّوه. وهو في الرسائل الرعاويّة يتوسعّ في الموضوع عينه: نقل التعليم المسيحيّ نقيًّا من كلّ بدعة وضلال.

و- المعطيات التاريخيّة
المعطياتُ السيرويّة والتاريخيّةُ قليلة في 1 تم. نقرأ في 1 تم 1: 3 أنّ بولس كان ذاهبًا إلى مكدونية فترك تيموتاوس في أفسس ليدبّر الكنيسة هناك. وهو يرجو أن يعود إليه بعد قليل (1 تم 3: 14). أمّا وضع الكنيسة (التنظيم، التعاليم الضالّة) فهو بعيد عمّا نقرأه في أع 19: 1ي؛ 17:20 ي.
وإذا عدنا إلى تي 1: 5 رأينا أنّ بولس أوكل إلى تيطس مهمّة تنظيم الكنيسة التي أسّسها في كريت. وحين يأتي أرتيمَاس وتيخيكس ليحلاّ محلّ تيطس، يذهب تيطس إلى نيكوبوليس ( تي 3: 12).
أمّا 2 تم فتقدّم لنا معطيات أكثر غزارة. بولس هو سجين في رومة (2 تم 1: 8- 16)، في ظروف أقسى من الظروف التي تشير إليها أع 28: 30. أنه مقيّد كمجرم (2 تم 1: 16؛ 9:2) ولا تمكن زيارته بسهولة (2 تم 1: 17). يعرف أنّ نهايته قريبة (2 تم 4: 6) ولهذا يقدر أن يكتب: "أتممت شوطي" (2 تم 4: 7). طلب من تيموتاوس أن يأتيَه عاجلاً (2 تم 4: 9) لأنّه وحده. تركه ديماس، وذهب كرسكوس وتيطس (2 تم 4: 10) وبتي بقربه لوقا وحده (2 تم 4: 11). وخلال المحاكمة دافع بولس عن نفسه ولكن لم يناصره أحد بل خذلوه كلّهم (2 تم 4: 16). فعلى تيموتاوس أن يأتيَ إليه قبل الشتاء. إذا أردنا أن نقحم هذه المعطيات في نسيج التاريخ البولسيّ لا بدّ أن نفترض أنّه أُخلي سبيلُه بعد سجن رومة (سنة 61-63) (أع 28: 30) وأنه استعاد نشاطه الرسوليّ. ويقول أوسابيوسُ في تاريخه الكنسيّ إنّ بولس عاد ثانية إلى رومة حيث أنهى حياته شهيدًا من أجل المسيح. وهكذا يكون بولس قد مات حوالي السنة 67. في هذا المعنى نفسّر ما كتبه إكلمنضوس الروماني: "بعد أن علّم الكونَ كلَّه بالبرّ ووصل إلى أواخر الغرب، بعد أن قدّم شهادةَ أمام الرؤساء (2 تم 4: 7)، أُخذ من هذا العالم".
فإذا اعتبرنا هذه المعطيات تاريخيّة، نستطيع أن نتصوّر نشاط بولس من سنة 63 إلى سنة 67 على الشكل التالي: أخلي سبيله سنة 63 فذهب إلى إسبانية (رج روم 23:15-28). ثمّ عاد إلى كريت وترك فيها تيطس (تي 1: 5)، ومضى إلى نيكوبوليس ليقضيَ فصل الشتاء هناك (تي 3: 12). بعد هذا جاء إلى أفسس وأوْكَلَ الكنيسةَ إلى تيموتاوس (1 تم 1: 3) قبل أن يذهب إلى مكدونية. هناك كتب 1 تم وتي وهما رسالتان متشابهتان جدًّا. ولمّا أُجبر على ترك أفسس بطريقة نهائيّة، أرسل تيخيكس (2 تم 4: 12). وحين مرّ في ترواس وأقام عند كربس نسي رداءه والكتب وخصوصاً صحفَ الرقّ (2 تم 4: 13). فأبحر إلى ميليتس (2 تم 4: 20) ولم يستطع تروفيمس أن يرافقه بسبب مرضه. ولمّا كان بولس في آسية الصغرى أوقف (في ترواس أو في أفسس؟) ونُقل إلى رومة، ومن هناك أَرسل 2 تم. تركه كلّ مؤمني آسية فمات وحيدًا لا يكاد يكون أحد بقربه.
هذا البناء يفترض أنّ لوقا لم يرافق في سفر الأعمال بولسَ حتّى نهاية حياته، وأنّنا نتحدّث عن المحاكمة الثانية لبولس مستندين إلى 2 تم.

ز- المعطيات النظميّة: التنظيم الكنسيّ
ليست الألقاب المعطاة للذين يتسلّمون وظيفة في الكنائس في الرسائل الرعاويّة كما هي في رسائل بولس الكبرى (روم، 1 و 2 كور، غل). فالمفردات المستعملة تمزج بين ثلاثة أنواع: مفردات بولس: الأسقف والشمّاس (فل 1: 1)؛ مفردات المسيحيّة المتهوّدة الأولى: القسس أو الشيوخ (أع 11: 30؛ 14: 23؛ 15: 22؛ يع 5: 14)؛ مفردات نقرأها في أعمال الرسل (20: 17، 28): القسس والأساقفة أو البشير والإنجيليّ (أع 8:21). وهكذا نكون أمام نموذج معقّد نُجْمِلُهُ كما يلي: هناك قُسُسٌ أو أساقفة بمهمّتهم المثلّثة: يترأسون الجماعات، يعلّمون كلمة الله، يسهرون على الإيمان فيردّون على أصحاب التعاليم الضالّة. وفوق هؤلاء المسؤولين المحلّيّين نجد معاوني بولس المباشرين (مثل تيموتاوس وتيطس) المُوكَّلين بالسهر على التبشير وتنظيم الكنائس في منطقة معيّنة. البشير أو الإنجيليّ مسؤول عن المركِز الرسوليّ يعاونه الشمامسة. أمّا العلاقة بين القسس والأساقفة فغير واضحة. فكلمة أسقف تستعمل دومًا في صيغة المفرد (1 تم 3: 2؛ تي 1: 7). فهل يعني هذا أنّنا أمام نظام يشبه النظام الملكيّ حيث السلطة في يد شخص واحد، أم أنّ الأسقف هو قسّيس يتولّى سلطة أعلى؟
هل نجد في الكنائس هيئةَ قُسُسٍ كما سيكون الأمر في أيّام أغناطيوس الأنطاكيّ؟ يرتبط الجواب بترجمة 1 تم 4: 14. نستطيع أن نفهم أنّنا أمام وضع أيدي حلقةِ القُسُسِ، أو وضع الأيدي من أجل حياة القسّيس. يبدو أنّ العبارة اليونانيّة هي ترجمة للعبريّة "سمكت زقنيم" المستعملة للرسامة لوظيفة رابّي. ويكون تيموتاوس قد نال من بولس ما يساوي الرسامة الرابّانيّة أي الحقّ في أن يعلّم بطريقة رسميّة التعليم المسيحيّ. ولكنّ تيموتاوس لا يدعى أبدًا قسّيسًا. ومهما يكن من أمر، هناك طقس وضع الأيدي (1 تم 4: 14؛ 5: 22؛ 2 تم 1: 6) المستعمل للقسس بشكل عامّ (1 تم 5: 22)، إنّه يمنحهم موهبة روحيّة من أجل الخدمة (1 تم 4: 14؛ 2 تم 1: 6). وعلى مستوى التنظيم الكنسيّ نجد إشارات واضحة عن الخلافة الرسوليّة (2 تم 4: 14؛ 2: 2) وعن تقليد منظّم يتّخذ اسم "الوديعة" (2 تم 1: 6؛ 1 تم 6: 20). وهكذا نجد في القواعد المعطاة لتيطس وتيموتاوس نظامًا كنسيًّا متطوّرًا لا نجده في سائر أسفار العهد الجديد.

ح- المعطيات اللاهوتيّة
تشدّد الرسائل الرعاويّة على مقاومة المعلّمين المضلّين وهي تعود إلى أطر يستعملها الفلاسفة المجادلون وسيفيد منها المدافعون المسيحيّون أمثال أتيناغوراس وإكلمنضوس الإسكندرانيّ. يدعو الكاتب قارِئَه إلى أن يعتبر تعليمه الحكمة الحقّة والتعليم السليم والإيمان الحقيقيّ والوديعة الصالحة التي نميّزها عن تعليم الخصوم الذين هم الهراطقة والمتشيّعون والمتعصّبون لآرائهم (تي 3: 1). هؤلاء المعارضون هم مسيحيّون متهوّدون يعلّمون الشريعة (1 تم 1:7؛ تي 9:3) وأساطير اليهود وخرافاتهم (1 تم 1: 4؛ 4: 7؛ تي 1: 14؛ 2 تم 4: 4)، والأنساب التي لا تنتهي (1 تم 1: 4؛ تي 3: 9)، ويمنعون الناس من الزواج (1 تم 4: 3) ويوجبون عليهم فرائض تختصّ بالأطعمة (1 تم 3:4- 5). ويزعم هؤلاء أنّ القيامة قد أتت (2 تم 2: 18).
ولكنّ ما هو التعليم الحق؟ عندما ندرس العلاقة بين الإيمان والإنجيل في الرسائل الرعاويّة نستطيع أن نستخلص ثلاثة استنتاجات. الأوّل: لم توجَّه هذه الرسائل إلى الرعاة فحسب، بل إلى الجماعات أيضًا. الثاني: وعى الكاتب أنّ الإنجيل حاضر الآن وفاعل، ووعى شخص يسوع فذكر مجيئه على الأرض، والشهادة الحسنة التي شهدها أمام بونسيوس بيلاطس (1 تم 6: 13)، وظهوره في اليوم الأخير (1 تم 13:6؛ تي 2: 13؛ 2 تم 4: 1، 8). والنقطة الهامّة هي علاقة الإنجيل بالكرازة والكارزين. الثالث: نفهم هذه الإشاراتِ في وقت لا نستطيع أن نتّخذ اللاهوت البولسيّ على حرفيّته وفي وقت يجب أن يصبح الإنجيل إيمانًا وعملاً.
ويشير بعض الشرّاح إلى النقاط التي تختلف فيها الرسائل الرعاويّة عن رسائل بولس الكبرى. أوّلاً: صار الإيمان تعليمًا بعد أن كان رباطاً حيًّا بين الإنسان والمسيح. ثانيًا: شدّد الكاتب على ضرورة الأعمال الحسنة بعد أن شدّد على الحياة بحسب الروح. ثالثًا: استعادت الحياة المسيحيّة أخلاقيّة متوازنة مركزها التقوى. رابعًا: يُحدِثُ الروح في الإنسان ميلادًا جديدًا مرتبطاً بالمعموديّة (غسل الميلاد الثاني، رج تي 3: 5) والروح هو أيضاً كافل الوديعة المُوْكَلَه إلينا. خامسًا: لم تعد المحبّة الفضيلة السميا، بل فضيلة بين الفضائل. سادسًا: تتدخّل النعمة لتسند المجهود البشريّ. فلا تَعارض بين الرسائل الرعاويّة وسائر الرسائل البولسيّة بل تشديد على أمور على حساب أمور أخرى. ويمكننا أن نزيدَ على هذه العبارة الخاصّة "الله الخلّص" (تي 2: 10، 10؛ 2 تم 1: 9) المستعملة مرّة للآب، ومرّة للمسيح يسوع (تي 2: 13). ولقب الله المُعْطى للمسيح (روم 9: 5) قليل الاستعمال في العهد الجديد (عب 1: 8 ي؛ يو 1: 1، 18؛ 20: 28؛ 1 يو 5: 20؛ 2 بط 1: 1) ولكنّه سيصبح متواترًا بعد أغناطيوس الأنطاكيّ. وهكذا تكون الرسائل الرعاويّة محطّة هامّة تربط العهد الجديد بتقليد آباء الكنيسة.
الفصل الحادي عشر
الرسالة إلى العبرانيين

الرسالة إلى العبرانيّين هي أكثر مؤلّفات العهد الجديد سرّيّة. لا بداية فيها تدلّ على مُرسِلها والجهةِ التي إليها أرسلها، ولا تاريخ يدلّ على زمانها ولا إشارة إلى المؤمنين الذين تسلّموها. اسمها الرسالة إلى العبرانيّين، فلا هي رسالة، ولا هي توجّهت إلى العبرانيّين، أولئك المسيحيّين من أصل يهوديّ. قيل إنّها من القدّيس بولس ولم يكتبها القدّيس بولس. يمكننا أن نعنونها: عظة إلى مسيحيّين ضائعين. أمّا قارئوها فهم رجال ونساء تعلّقوا بحماس بيسوع المسيح، ولكن خاب أملُهم حين واجهتهم الصعوبات والاضطهادات: إجعلوا نصب عيونكم رأس إيماننا ومتمّمه يسوع المسيح.

أ- هدف الرسالة
تحتلّ التوسّعات التعليميّة مركَزًا هامًّا في عب فتلفت انتباهنا إلى كثافتها وأصالتها، ولكنّ هذه التوسّعات لم تدوَّن بطريقة مجرّدة بل في أُطُر محلّيّة سوف نتعرّف إليها. فهدف الكاتب هدف عمليّ وهو أن يعزّيَ ويشجعّ مسيحيّين اضطُهِدوا فملّوا من الجهاد. فينطلق التحريض مرّة في توسعّ نظريّ يسنده، ومرّة أخرى يطلّ التأويل الكتابيّ فيتبعه تعليم أخلاقيّ هو خاتمته وتطبيقه الروحيّ (1: 1- 4؛ 3: 1، 6؛ 4: 16؛ 5: 11؛ 6: 12؛ 7: 26؛ 10: 19- 39). نحن لسنا أمام فرائضَ أخلاقيّةٍ خاصّة أو عامّة، ولا أمام لوائحَ من الفضائل نمارسها أو لوائح من الرذائل نتجنّبها، بل أمام إشارة محدّدة في ظرف معيّن: حافظوا على إيمانكم ما كلّفكم الأمر، فإيمانكم هو قبول للكلمة الموحاة وثقة بالعناية الإلهيّة وأمانة ثابتة لإرادة الله (3: 7؛ 4: 3؛ 11: ي). قرّاء عب هم أمام التجربة والمحنة (13: 9)، فوجب عليهم أن يتابعوا سعيَهم وجهادهم (12: 1) فيحافظوا على النعمة (12: 28)، على رجاء لا يلين (10: 23) وعلى التزام بالله لا تراجع فيه (10: 39).
ويحدّد الكاتب كتابه: إنّه كلام تعزية (13: 22). والكلمة اليونانيّة المستعملة هنا (باراكلاسيس) تدلّ على نداء ملحّ يتضمّن التشجيع والتنشيط والسند ترافقه التعزية مرّة والتنبيه والتوصيّة مرّة أخرى. هذا الكلام يتوجّه إلى أشخاص تواجههم الصعوبات، إلى مسيحيّين وجب عليهم أن يكونوا أهلاً لدعوتهم السماويّة (3: 1) وكفوئين ليحقّقوا مصيرهم (11: 40). تجرّب هؤلاء المؤمنون، ضَعُف إيمانُهم وأمانتهم، فحملت إليهم عب مزيدًا من النور عن المسيح وقدّمت لهم لاهوتًا عن الكهنوت. من هذا القبيل تبدو عب مقالة دفاعيّة وتبيانًا لسموّ العهد الجديد على العهد القديم، ويسوع ابن الله على موسى وعلى الملائكة. ما استطاعت الليتورجيّا القديمة أن تطهّر الضمائر، أمّا دم المسيح فيغسل قذارة كلّ خطيئة. ما استطاع بنو إسرائيل أن يدركوا الله، أمّا المسيحيّ فيدخل إلى الهيكل السماويّ. فن يفضّل القليل على الكثير والعابر على الثابت والظلّ على الجوهر والصورة على الحقيقة والوعد على تمامه؟ فلو كان العهد الأوّل لا غبار عليه لَمَا كنّا طلبنا عهدًا آخر (8: 7). ولهذا لمّا جاء المسيح "أَبطل الأوّل وأقام الآخر" (10: 9).
عب هي مقالة دفاعيّة تحمل إلى قرّائها براهينَ عقليّة وتشجيعًا خلقيًّا، وقد كُتبت حسب قواعد البلاغة التي عرفها القرن الأوّل المسيحي. إنّ كلمة التعزية هذه هي خطبة إقناعيّة تمثّل نموذج وعظ المرسلين في الكنيسة الأولى وكرازة الخلاص بالمسيح وتعليمًا عن ابن الله الذي فدانا فداء أبديًّا. هنا نشير إلى مواضيعَ ثلاثة. الأوّل: دعوة الله (3: 1ي؛ 9: 15) التي نقلها الوعّاظ (2: 1- 4) والتي توصل "كلام الله الحسن" (6: 5؛ رج 3:4) في وقت النعمة (7:3، 15؛ 7:4) وتطلب منّا أن نقبل الخلاص المعروض علينا. الثاني: يكمن الخلاص في المسيح حامل الوحي الكامل (1: 1) وراعي الخراف العظيم (13: 20) وقائد خلاصنا (2: 10) فينقّينا من الخطايا (9: 26) ويمنحنا الميراث السماويّ فتتحقّق مواعيد العهد القديم كافلة الرجاء (7: 28). الثالث: يجب أن ننقادَ إلى هذا التعليم (3: 15) ونطيعَ المسيح (5: 9) ونؤمنَ فنخلص (2: 1ي).
ويتوسّع كلام عب بشكل تأويل كتابيّ فَيُعتَبَرُ عظة يتلوها أحد الوعّاظ المرسلين. يتذكّر النفوس الكبيرة المؤمنة في العهد القديم (11: 1ي) ويدعو المسيحيّين إلى الأخذ بمثَل الأجيال السابقة (6: 12). هكذا كان يفعل الخطباء ومعلّمو الأخلاق ليقنعوا عقل الإنسان ويحرّضوه ويدفعوه إلى أن يأخذ قراره. وفي عب تغلّب أبرار العهد القديم على المحنة الطويلة فكانوا غمامة من الشهود تنشّط مجاهد العهد الجديد وتبيّن له حكمة العناية الإلهيّة وثمرة الاتّكال على الله. ظروف الأبرار في العهد القديم هي ظروف تلامذة المسيح، فليقتدوا بهم وليتحاشوا أن يسقطوا بعد أن ورثوا مثل هذه التقليد المجيد. 
قلنا إنّ عب هي مقال دفاعيّ وعظة ونقول أيضاً أنها رسالة. فهي قريبة من رسائل العهد الجديد وبالأخصّ الرسالة إلى أفسس التي تشبه العظة والمقالة لا الرسالة. ونجد في عب تحديدات ملموسة عن حالة قرّائها (6: 10؛ 10: 25، 33- 34؛ 13: 7) واللغة المباشرة التي تتضمّن التحريض والتهديد. هذه الرسالة ترتبط براع عارف بحاجات مؤمنيه الروحيّة، وهي تنتهي كما تنتهي كلّ رسالة: "ادعوا لنا لأنّنا نعلم أنّ ضميرنا صالح... كتبت إليكم بإيجاز... اعلموا أنّ أخانا تيموتاوس قد أخلي سبيله... يسلّم عليكم الذين في إيطالية" (13: 18- 25). أمّا نقص العنوان والتحيّة في البداية فهو أمر نجده مثلاً في 1 يو وفي رسائل أخرى من الكتاب المقدّس ومن العالم القديم. 
وهكذا يمكننا أن نتخيّل كاتب عب كمعلّم ونبيّ نَعِمَ بموهبة خاصّة لشرح الكتب المقدّسة. انكبّ على العهد القديم فاكتشف فيه الصور المسبقة عن الجديد وبرّر تعلّقه بالمسيح بإنباءات وإسنادات وجدها في النُظُم الموسويّة والأقوال النبويّة. ما يهمّه هو أن يبيّن توافق العهد القديم والعهد الجديد والمفارقة بينهما. فقدّم لنا لاهوتًا عن المسيح الملك والكاهن الذي قُدِّم ذبيحةً فاعلة في المعبد السماويّ فمَنح الخطأةَ المطهَّرين وصولاً إلى الله. وصلته أخبار عن جماعة من "العبرانيّين المثقّفين" (5: 12؛ 6: 1؛ 12: 15) يعيشون أزمة إسكاتولوجيّة وخلقيّة، فشجّعهم ونشّطهم وحرّضهم على الإصلاح. جمع تعليقات وعاد إلى عظات سابقة فقدّم ثمرة تأمّله الكتابيّ بشكل عظة تأويليّة ليشجّعَ المؤمنين المجرَّبين وينيرَ لهم الدرب إلى المسيح.

ب- تصميم الرسالة ومضمونها
لا بنية أدبيّة واضحة للرسالة، وهذا الأمر يصحّ في 1 كور التي تلامس المواضيع المتعدّدة. أمّا عب فهي رسالة وخطبة ونحن سنكتشف أنّ الكاتب اعتنى بتدبيجها فجاءت آية في البيان. وحاول الشرّاح أن يجدوا تصميمًا منطقيًّا فقسموا عب إلى قسم عقائديّ (1: 1- 10: 18) وقسم خلقيّ (10: 19- 13: 21) فاعتبروا خطأً أنّ الكاتب انتظر الفصل العاشر ليحثّ سامعيه على الحياة المسيحيّة. وجعلوا القسم العقائديّ مؤسَّسًا على فكرة التفوّق: تفوّق يسوع على الملائكة (1: 5-18:2)، تفوّق على موسى (3: 1- 4: 13)، تفوّق على الكهنوت القديم (4: 14). ولكن نشير هنا إلى أنّ الكاتب لا يشدّد فقط على التفوّق بل على التشابه بين المسيح والعهد القديم (رج 3: 1- 2؛ 5: 4- 5). وهناك شرّاح آخرون قدّموا تصميمًا في ثلاث نقاط: كلمة الله (1: 1- 4: 13)، كهنوت المسيح (4: 14- 10: 18)، طريق المؤمنين (10: 19- 13: 21). غير أنّ التصميم يتجاهل الفصل الواضح الذي نجده في 3: 1 (لذلك أيّها الإخوة القدّيسون...) وفي 5: 11 (ولنا في هذا الموضوع كلام كثير). ثمّ إنّ موضوع الكهنوت مذكور في ف 3 وما بعد، وموضوع الكلمة حاضر في ف 5 وف 12-13 كما في الفصول الأولى.
وها نحن نقترح مضمون الرسالة إلى العبرانيّين:
1- المقدّمة (1: 1- 4) تتضمّن موضوع الرسالة حسب منهجيّة البلاغة القديمة. تُقدّم شخص وعمل ابن الله الملك والكاهن، حامل الوحي والفداء وموضوع إيمان المسيحيّين (رج 4: 14-16؛ 8: 1-2؛ 10: 19- 22). ينتج من هذا أنّ عهد الخلاص الجديد يتفوّق على القديم.
2- تعلن نهاية المقدّمة عرضاً عن الاسم الذي ناله الابن بالوراثة، وهو اسم يختلف عن اسم الملائكة، تعلن عرضاً كرستولوجيًّا. وهذا هو موضوع القسم الأوّل (1: 5- 2: 18). ابن الله المتجسّد هو ملك الكون. هو إله وإنسان وهو فوق الملائكة المعلنين الوحي القديم. انحدر كإنسان بطريقة موقّتة ولكنّ انحداره ضروريّ لرسالته الخلاصيّة ليتمثّل بإخوته وهو لا يضرّ مطلقًا بسلطانه. أجل، هذا ما قالته الكرازة التقليديّة: أعلن الكاتب أنّ المسيح هو ابن الله وأخ البشر فهيّأ كرستولوجيّته الكهنوتيّة إذ حدّد موقف المسيح كالوسيط الكامل بين الله والبشر.
3- عرضت نهايةُ القسم الأوّل موضوعَ كهنوت المسيح فقالت إنّه وجب على المسيح أن يكون "حَبْرًا رحيمًا وأهلاً للتصديق في ما يخص العلاقات مع الله". وهكذا أعلنت القسم الثاني (3: 1-5: 10) الذي عنوانه يسوع الحبر الأمين والرحيم، والذي يتضمّن جزءين يقابلان الصفتين اللتين أعطيتا للمسيح. يبيّن الجزء الأوّل (3: 1- 4: 14) أنّ المسيحَ حبرٌ أهل للتصديق فيقابل بينه وبين موسى مقابلة تستند إلى عد 12: 7. وبعد هذا يحرّض المؤمنين: بما أنّ المسيح أهل للتصديق فتجنّبوا الكفر وقلّة الإيمان. ويبيّن الجزء الثاني (4: 14- 5: 10) أنّ المسيح حبر رحيم فيقابل بينه وبين هارون. ثمّ يعطي تحديدًا عن الكهنوت يطبّقه على المسيح الذي يتحلّى بالصفتين الجوهريتين لكلّ كهنوت: إنّه رحيم فهو متضامن مع البشر، إنّه أهل للتصديق بفضل تمجيده، لهذا يستطيع أن يتدخّل لدى الله من أجل إخوته. وهكذا يكون للمسيح إمكانيّة إقامة العلاقة الضروريّة لدى كلّ حبْر من أجل دوره كوسيط.
4- وننتقل إلى القسم الثالث (5: 11- 10: 39) الذي يتطرّق إلى كهنوت المسيح الحقيقيّ. يثير الكاتب انتباهَ المؤمنين وينعشُ إيمانَهم فتتوالى التشجيعات والتهديدات. عبّرت الجملة الأخيرة في القيم الثاني عن السمات الخاصّة بكهنوت المسيح فأعلنت القسم الثالث الذي يتضمّن ثلاثة مقاطع تقابل ما قرأناه في 5: 9- 10. وقبل كلّ مقطع يذكّر الكاتب بالكلمات التي تعلنه والتي سيتوسعّ فيها (رج 6: 20؛ 7: 28؛ 28:9). ويسبق كلّ هذا مقدّمة يحرّض فيها المؤمنين (5: 11- 6: 20)، ويدعوهم إلى الإصغاء، ويشدّد على أهمّيّة هذا العرض التعليميّ.
المقطع الأوّل (7: 1- 28) يحدّد نوعيّة كهنوت المسيح الممجّد. فهو كاهن لا على مثال هارون بل على مثال ملكيصادق (7: 11). وهو كاهن، لا لأنه ينتمي إلى أسرة كهنوتيّة أرضيّة، بل لأنّه ابن الله. ويتوقّف المقطع الثاني (8: 1- 9: 28) عند موضوع الذبيحة الذي جعل من المسيح الحبر الكامل الذي جلس عن يمين الله. ويقابل الكاتب الليتورجيّا الحديثة مع عبادة العهد القديم التي تضمّنت فقط ذبائحَ حيوانات في هيكل أرضيّ وطقوسًا خارجيّة غير فاعلة. أمّا ذبيحة المسيح فكانت ذبيحة شخصيّة أدخلته السماء وجعلت منه الوسيط الحقيقيّ، لأنها تنفع من أجل تنقية الضمائر. ويتوسعّ المقطع الثالث (10: 1- 18) في هذه الفكرة الأخيرة فيشدّد على عجز الشريعة القديمة عن تطهير الضمائر رغم معاودة تقديم الذبائح، وعلى فاعليّة كهنوت المسيح الذي "بقربان واحد جعل الذين قدّسهم كاملين أبدًا" (10: 14). وبعد هذا العرض التعليميّ يَرِدُ تحريض (10: 19- 39) يعبّر عن علاقة التعليم بالحياة فيدعو السامعين إلى الدخول في القدس على خطى المسيح الكاهن الأعظم، والعيش في الإيمان والرجاء والمحبّة، ويحذّرهم من السقوط. نحن هنا في قلب الناحية العمليّة.
5- وتهيّئتا نهاية هذا التحريض (36:10-39) للقسم الرابع (11: 1- 12: 13) الذي يشدّد على موضوعين: الثبات الضروريّ والإيمان الذي يحي البارّ. ونتأمّل في مقطع أوّل (11: 1- 40) رسمة جميلة من التاريخ الكتابيّ تصوّر لنا إيمان الأقدمين، ونسمع في مقطع ثان (12: 1- 13) تحريضاً على الثبات يتوجّه إلى المسيحيّين العائشين وسط المحنة.
6- دعت العبارة الأخيرة المسيحيّين "ليرسموا لخطاهم سبلاً قويمة" (12: 13). وهكذا انتقل الكاتب من الإيمان والثبات الأساسيّين للحياة المسيحيّة، إلى النشاط الذي لا يقدر مسيحيٌّ أن يتهامل فيه. هذا هو موضوع القسم الخامس (12: 14- 13: 18) الذي يحدّد اتّجاهاتٍ من أجل السلوك المسيحيّ: "اطلبوا السلام مع جميع الناس. اطلبوا القداسة التي بغيرها لا يرى الربَّ أحدٌ". هنا يتوقّف الكاتب على شعائر العبادة المسيحيّة في علاقتها مع الحياة اليوميّة مستندًا إلى ذبيحة المسيح والربّ القائم في السماء. 
7- وتنتهي الرسالة بِتَمَنٍ أخير يختم العظة ويورد السلامات (13: 20- 25).

ج- الفنّ الأدبيّ في الرسالة إلى العبرانيّين
وصل إلينا نصّ عب في حالة جيّدة ونقلته إلينا مخطوطات عديدة أقدمُها السينائيّ والإسكندرانيّ (القرنان الرابع والخامس)، ووصل إلينا ناقصاً في الفاتيكانيّ (يتوقّف في وسط 9: 14). ونقلته إلينا البرديّات كاملاً (رقم 46) أو مقاطع متفرّقة (رقم 12، 13، 17)، وشهدت له الترجمات السريانيّة والقبطيّة واللاتينيّة. وهناك نصوص تقدّم اختلافات عن النصّ المعروف عامّة. ففي 2: 9 نقرأ: بنعمة الله. وهناك نصّ يقول: بدون الله أو ما عدا الله، وهذا لا يتوافق مع القرينة (رج 2: 10). قال أوريجانس: لكلّ إنسان ما عدا الله (رج 1 كور 15: 27) وفكّر كثيرون بكلمة يسوع على الصليب (مت 27: 46). وفي كلتا الحالتين نحن أمام الخيرات الأخيرة التي صارت لنا بواسطة ذبيحة المسيح. وفي 11: 11 نقرأ حرفيًّا: سارة أخذت قدرة على إنشاء نسل، وهذه العبارة تنطبق على إبراهيم لا على سارة. ولكنّ اسم سارة موجود في كلّ المخطوطات فأبقت عليه الترجمات وقالت مثلاً: نالت سارة القوّة على أن تحمل.
وبعد هذا نتساءل: هل نحن أمام رسالة أم مقالة دفاعيّة، أم خطبة وعظة؟ أمّا النظرة التقليديّة فتعتبر عب رسالة كسائر رسائل مار بولس، غير أنّ النظرات الحديثة تختلف عنها.
ولنعد إلى معطيات النصّ. فإذا قابلنا الآيات الأولى (1: 1- 4) مع الآيات الأخيرة (13: 22- 25) وجدنا أنّ المسألة ليست في غاية البساطة. فالخاتمة (13: 22- 25) هي نهاية رسالة حقيقيّة وتتضمّن العناصر التي نجدها في نهايات رسائل القدّيس بولس: تحريض قصير، أخبار شخصيّة، سلامات، وتمنٍّ أخير. وهناك علاقة بين ضمير المتكلّم (أنا) وضمير المخاطب (أنتم). ابتعد الكاتب عن القرّاء فما استطاع أن يتّصل بهم إلاّ بالكتابة. أسلوب هذه الخاتمة بسيط وجملها قصيرة لا رابط بينها، ولهذا تبرّر تسمية عب رسالة.
ولكنّ البداية (1: 1- 4) لا تحمل شيئًا من الطابع الرسائليّ. فلا نجد اسم الكاتب ولا المؤمنين الذين يكتب إليهم ولا تمييزًا بين ضمير المتكلّم وضمير المخاطب ولا عبارة سلامات. الأسلوب فخمٌ احتفاليّ وتشكّل الآيات الأربع الأولى جملة واحدة. فتساءل النقّاد: هل ضاعت البداية، ولكنّ 1: 1- 4 تشكّل بداية حقيقيّة لا لرسالة بل لخطبة وهي تُهيِّئ القارئ للتوسيعات التالية.
بما أنّ الخاتمة رسائليّة والبداية خطابيّة فلنعد إلى جسم الرسالة. هناك عناصر خاصّة بالرسائل: أكتب إليكم (نجدها حتّى في 1 يو)... أو أنتم بعيدون... فالكاتب لا يقول أنه يكتب بل يتكلّم: ولنا في هذا الموضوع كلام كثير (5: 11)، أمّا نحن مع ما تقدّم من كلام (6: 9)، ورأس الكلام في هذا الحديث (8: 1؛ رج 9: 5؛ 11: 32). فلا شيء يفرض علينا القول إنّ الذين يتوجّه إليهم غائبون. ثمّ هو لا يشير إلى رسائل تسلّمها منهم ولا إلى أخبار يريد أن ينقلها إليهم. إنّ العناصر الرسائليّة تنحصر في نهاية عب. والنتيجة التي نصل إليها هي أنّ عب ليست رسالة بل عظة. فنحن لسنا أمام مقالة مكتوبة، بل أمام عظة شفهيّة قيلت في جماعة مسيحيّة ثّم أُرسلت خطّيًّا إلى جماعة أخرى وأضيف إليها العنصر الرسائليّ. ثمّ إنّ الخاتمة تشهد أنّ ما سبقها ليس رسالة بل خطبة وعظة (13: 22). أمّا ما يميز العظة فمزج فنّين أدبيَّين: العرض التعليميّ والتحريض الرعائيّ. وهذا ما نجده في عب. فبين المقدّمة (1: 1- 4) والخاتمة (13: 20- 21) يبدأ الكاتب بالعقيدة ثمّ يدعو سامعيه لأن يستخلصوا الاستنتاحات لحياتهم (2: 1- 4؛ 3: 7- 4: 16؛ 5: 11- 6: 20؛ 10: 19- 39؛ 12: 1-18:13).
وانطلق نقّادٌ من هذا القول فاعتبروا أنّ عب مزيج من مؤلَّفَيْن مختلفَين، جُعلا أجزاء ثمّ دُمجت هذه الأجزاء. فالعرض التعليميّ يعود إلى مقال دفاعيّ يردّ به كاتبه على اعتراضات يهوديّة. من هنا سمّي المؤلَّف: رسالة إلى العبرانيّين. أمّا المقاطع التحريضيّة فتعود إلى عظة ألقيت على المسيحيّين. ولكنّ هذا الاعتبار مرفوض ووحدة عب واضحة. 
وتساءل نقّاد آخرون: هل كان هدف الكاتب الأوّل أن يحثّ المؤمنين على حياة مسيحيّة أم أن ينير إيمانهم؟ هناك من قال إنّ الناحية العمليّة هي الأولى وإنّ العرض التعليميّ مرتبط بها. وهناك من يقول إنّ الناحية العمليّة تستند إلى العرض التعليميّ. ويبدو أنّ الرأي الثاني هو الأصحّ ولاسيّما وإنّ عب تشدّد على ضرورة تقبّل رسالة الإيمان قبل أيّ شيء آخر (2: 1؛ 3: 12؛ 4: 14؛ 15: 22، 38؛ 12: 25؛ 13: 7). وإنّ الوحدة العميقة بين تعليم كرستولوجيّ وتحريض أخّاذ يجعل من عب نموذج الكرازة المسيحيّة. فالرسالة إلى العبرانيّين تقدّم لنا العظة الوحيدة التي احتفظ لنا بها العهد الجديد.

د- من كتب الرسالة إلى العبرانييّن؟
هذا السؤال طرحه أوريجانس منذ القرن الثالث المسيحيّ فجاء الجواب: ترتبط عب بالمعنى الواسع ببولس الرسول، ولكننا لا ننسبها بصورة مباشرة إلى بولس الرسول. 
قال التقليد الشرقيّ إن عب رسالة بولسيّة بسبب علاقاتها مع رسائل القدّيس بولس ووجودها بين هذه الرسائل. فكرستولوجية عب تذكّرنا بما نقرأ في رسائل الأسر (أف، كو): المسيح هو صورة الله الذي ارتفع فوق الملائكة ونال الاسم الذي يتفوّق على كلّ الأسماء. ثمّ إنّ عرض عب لذبيحة آلام المسيح يستند إلى نصوص مار بولس، وموضوع الكهنوت نفسه يرتبط بما نجده عند القدّيس بولس: فقد أعلن نظام الشريعة وطاعة المسيح الفدائيّة. وهكذا يمكننا أن نقول إنّ صاحب عب هو أحد أعضاء الجماعة الرسوليّة البولسيّة. وذهب بعضهم إلى القول إنّ بولس دوّن ختام الرسالة وضمّه إلى عظة ألقاها أحد رفاقه في الرسالة، ولاسيّما وأنه يذكر تيموتاوس أخاه الذي ترك السجن. ولكنّ هذا القول الأخير يبقى مجرّد افتراض.
دافع عن هذا الموقف نقّاد حتّى النصف الأوّل من القرن العشرين. ولكن ليس من يدافع الآن عن نسبة عب المباشرة إلى بولس. فأسلوب عب يختلف عن أسلوب بولس، والتأليف مختلف بسبب القواعد البيانيّة. تعوَّد بولس أن يتحدّث عن نفسه حتّى في عظة طويلة كما نقرأ في روم:16- 13:15 (رج روم 8:3؛ 9: 1- 3؛ 10: 1- 2؛ 11: 1). أمّا صاحب عب فيختفي كلّيًّا وراء مؤلَّفِهِ. هو لا يعبّر عن مكنونات قلبه ولا يخاطب قرّاءه في صيغة المتكلّم المفرد (أنا)، بل في صيغة المتكلّم الجمع (نحن) التي هي صيغة اصطلاحيّة. لا يعود صاحب عب إلى سلطته الرسوليّة، بل يعلن بالمقابل أنه لم يتّصل اتّصالاً مباشرًا بالربّ يسوع (رج 2: 3). فكم نحن بعيدون عن موقف القدّيس بولس الذي يُعلن بالصوت العالي أنه تسلّم إنجيله من دون وسيط (غل 1: 1، 11- 12) ويدافع عن لقبه كرسول (1 كور 9:؛ 2 كور 2: 11- 12). وهناك أمور أخرى تدلّ على أنّ بولس ليس صاحب عب: طريقة إيراده للنصوص الكتابيّة، طريقة تسميته ليسوع المسيح، التعليم الكهنوتيّ الذي نجده عند القدّيس بولس.
وبحث الشرّاح عن كاتب عب. قال أوريجانس: هو لوقا الإنجيليّ أو إكلمنضوس الرومانيّ، وقال ترتليانس: هو برنابا اللاويّ الذي يقدر وحده أن يقدّم هذه الكرستولوجيا المسيحيّة. وقال آخرون: أنه إسطفانس أو أحد تلاميذه أو فيلبّس أحد السبعة (أع 6: 5) أو الإنجيليّ مرقس أو سيلا تلميذ مار بطرس أو يهوذا صاحب رسالة يهوذا. وقدّم الباحثون براهينهم فبدت ضعيفة. ولكنّهم اتّفقوا على أنّ صاحب عب هو يهوديّ من الإسكندريّة. فتوجهت الأنظار إلى أبلّوس تلميذِ بولس والشخصيّة الرئيسيّة في الكنيسة الأولى. وهو من قال فيه القدّيس لوقا: "وقدم أفسس يهوديّ يدعى أبلّوس، من أهل الإسكندريّة، فصيح اللسان، مُتبحِّر في الكتب. وكان قد لُقّن دين الربّ فاندفع يخطب بحميّة ويعلّم تعليمًا صحيحًا ما يختصّ بيسوع. ولكنّه لم يكن يعرف سوى معموديّة يوحنّا. فشرع يتكلّم في الجمع رابط الجأش. فسمعته برسكلّة وأكيلا، فأتيا به إلى بيتهما وأوضحا له دين الربّ إيضاحًا تامًّا" (أع 18: 24-26). ثمّ إنّ أبلّوس ارتبط بالقدّيس بولس وبشّر معه (1 كور 1: 12؛ 3: 4- 9؛ 16: 12؛ تي 3: 13). ولكنّ التقليد القديم لا يقول شيئًا عن أبلّوس الذي لم يترك لنا مؤلَّفًا نقابله بالرسالة إلى العبرانيّين. من أجل هذين السببين لا نستطيع أن نجزم في أمر صاحب عب وإن يكن النقّاد يميلون إلى أبلّوس.

هـ- لمن كتبت الرسالة إلى العبرانيّين؟
ماذا نقرأ في النصّ؟ يسلّم عليكم الذين في إيطالية (13: 24). ما معنى هذه العبارة؟
هل تعني أن هؤلاء المسيحيّين يقيمون في بلدهم، وأنّ الرسالة أرسلت إلى مكان آخر. فنحن نقرأ شيئًا مماثلاً في 1 كور 16: 19. تسلّم عليكم كنائس آسية. ولقد زيدت ملاحظات في نصّ بعض المخطوطات: كتب من إيطالية، كتب من رومة. ولكنّنا نقدر أن نفهم العبارة بطريقة مغايرة فنقول إنّ أصل هؤلاء الناس من إيطالية وقد أقاموا في بلد آخر. وفي هذا السبيل نقرأ في إحدى المخطوطات: كتب من أثينة. مهما يكن من أمر فلا يعلمنا النصّ عن المكان الذي وُجد فيه قرّاء عب.
وهناك إشارة ثانية تُقرأ في عب 13: 23: إعلموا أنّ أخانا تيموتاوس قد أُخليَ سبيله. فهذا يعني أنّ القرّاء يعرفون من هو تيموتاوس، رفيق بولس. وهذا يوجّه أنظارنا إلى محيط يرتبط بالقدّيس بولس.
وتوقّف الشرّاح القدماء على العنوان: إلى العبرانيّين، فاستنتجوا أنّ القرّاء يهود أقاموا في اليهوديّة وتكلّموا العبريّة. ولكن بولس لم يكتب في العبريّة بل في اليونانيّة، ولا يبدو أنّ النصّ ترجم عن العبريّة. ثمّ إنّ عب تتوجّه لا إلى اليهود بل إلى المسيحيّين الذين يطلب منهم صاحب عب المحافظة على إيمانهم المسيحيّ (6:3، 14؛ 14:4؛ 10: 22؛ 13: 7-8).
من هم العبرانيّون؟ يهود صاروا مسيحيّين يجتمعون لإقامة شعائر العبادة (10: 25) بقيادة رؤسائهم (13: 24). نالوا الثقافة الدينيّة عيونها وتمتّعوا بالإمكانيّات العلميّة نفسها (5: 11-12) وشاركوا في المحن عينها (6: 10؛ 10: 34؛ 13: 2، 5). وفكّر بعضهم بكهنة أطاعوا الإيمان (أع 6: 7) وحافظوا على خدمتهم في الهيكل. ولكن بعد موت إسطفانس تركوا المدينة المقدّسة (6: 18) والتجأوا إلى مكان آخر يمكن أن يكون رومة أو أفسس أو كورنتوس أو غلاطية أو أنطاكية. خسر هؤلاء الكهنة امتيازاتهم المادّيّة والروحيّة وصاروا أشخاصاً عاديّين. تعوَّدوا على فخامة العبادة في الهيكل وها هم يجتمعون في منزل وضيع. يئسوا (12: 12- 13؛ 13: 5- 6) وأحسُّوا بالتجربة تدفعهم إلى الرجوع إلى الديانة اليهوديّة (3: 12- 14؛ 6: 4- 6؛ 10: 39). لهذا وجّه أبلّوس إيمانهم نحو المَقْدِسِ السماويّ (13: 14) الذي يخدم فيه كاهن على رتبة ملكيصادق (3: 1).
ولكنّ النقّاد يتساءلون: هؤلاء المسيحيّون، هل هم من أصل يهوديّ أم وثنيّ؟ هذا السؤال لا تواجهه عب ولا تتكلّم عن اليهود والأمم، ولا عن الختان وعدم الختان. ولكنّها تحارب طموحات الشريعة (7: 18- 19؛ 15: 1، 8- 9) وتعلن أنّ العهد الأوّل قد زال (7: 22، 9: 15؛ 12: 25). نظرة الكاتب نظرة مسيحيّة صريحة وهي تنطلق من رباط عميق بنسل إبراهيم (2: 16) الذي ولد شعب الله (4: 9؛ 11: 25) قبل أن تنفتح على الكون كلّه. فالمسيح جابه الموت من أجل كلّ إنسان (2: 9) وصار علّة خلاص أبديّ لكلّ الذين يطيعونه (5: 9) دون تمييز في العرق واللسان والدين.
ويمكننا أن نجمع من العظة (1: 1-13: 21) ما يساعدنا على تحديد وضع المسيحيّين الذين نحن بصددهم. هم لم يعرفوا الربّ مباشرة (2: 3). إذن ليسوا من فلسطين. ليسوا مرتدّين جددًا بل مسيحيّين منذ زمن طويل (5: 12)، فقدوا مدبّريهم الأُوَل (13: 7). يوم ارتدّوا إلى الإيمان الصحيح، جابهوا الصعوبات والاضطهادات التي سبّبت لهم آلامًا مُرّة وخسارةً مادّية فادحة، ولكنّهم تحمَّلوها بفرح (10: 32- 34). وها هي صعوبات جديدة تعترضهم الآن (12: 1، 7). فالثبات ضروريّ (10: 36)، واليأس يمكنه أن يتغلغل في النفوس (12: 3، 12). وإنّ بعض أعضاء الجماعة انقطع عن الاجتماع (10: 25) فانحدر المستوى الروحيّ (5: 11- 12) وظهرت انحرافات تعليميّة (13: 9). وحذّر الكاتب المؤمنين من مواقف يهوديّة تشدّد على حفظ الأطعمة (13: 9- 10؛ 12: 16)، ونبّههم إلى خطر السقوط والجحود، وأعلن أنّ هذه الطريق تقود إلى الهلاك (6: 4- 6؛ 10: 26- 31). هل يعني هذا أن وضع سامعيه يدعو إلى اليأس؟ كلاّ. بل هو يمتدح سخاءهم في الماضي وخدمتهم لله وللكنيسة. وهو إن تكلّم معهم هكذا فلكي يحثّهم على حياة مسيحيّة حقّة.

و- متى كتبت الرسالة إلى العبرانيّين؟
هناك موقفان. موقف أوّل يعتبر أنّ عب كُتبت قبل سنة 55، ويعلّلون موقفهم بأنّ الوضع الذي تَعْرِض يقابل ما نعرفه عن أزمة غلاطية. وموقف ثان يقول إنّ عب كتبت سنة 80 أو سنة 115.
هنا نقطة نستدلّ بها وهي رسالة إكلمنضوس أسقف رومة إلى الكورنثيّين الني تتضمّن مقطعًا هاما (رقم 36) يتّصل بعب 1: 3-13. وبما أنّ رسالة إكلمنضوس كُتبت سنة 95- 96، فعظم الشرّاح يقولون إنّ عب سابقة لهذا التاريخ. هذا موقف يتحلّى بالحكمة والتعقّل ولكنّه ليس بكاف، لأنّ نصّ إكلمنضوس ونصّ عب يمكنهما أن يعودا إلى مرجع سابق.
وهناك نقطة أخرى نستدّل بها هي دمار هيكل أورشليم سنة 70 ب م. فطريقة عب في الكلام عن شعائر العبادة اليهوديّة يدلّ على أنّ الكاتب دوّن رسالته قبل هذا الزمن. فهو يصوّر الليتورجيّا اليهوديّة وكأنّها حاضرة (9: 9، 25؛ 10: 1- 3، 11). وإذا توقّفنا على 10: 1- 3 نجد أنّ الكاتب متأكد أنّ هذه الذبائح لن تزول. فلو كتب بعد سنة 70 وبعد دمار الهيكل وزوال الذبائح، لما كان كتب ما كتب. ثمّ إنّ التوسعّ في الكرستولوجيا وذكر أوّل المدبّرين في الجماعة يجعلنا نفكر أنّ تأليف عب تّم حوالي السنة 68 وفي بداية الحرب اليهوديّة التي كانت حقبة من القلاقل والسلب والسجن الاعتباطيّ والعنف في إبعاد الناس وطردهم.

ز- قانونيّة الرسالة إلى العبرانيّين
اختلفت الأحكام على عب فتأخّر دخولها في قانون (أو مجموعة) الكتب الملهمة. وإذ كانت رسائل القدّيس بولس جمعت منذ القديم وعُرفت في كلّ مكان وقُرِئت في الاجتماعات الليتورجيّة (رج 2 بط 3: 15- 16)، طُرحت على الكنيسة ثلاث مسائل: نسبة الرسائل إلى القدّيس بولس، وهذه مسألة نقديّة وعلميّة حاولنا الإجابة عليها. أيّ نصّ نقرأه في الليتورجيّا المقدّسة، وهذه مسألة راعويّة وتنظيميّة؟ أي نصّ يشكّل جزءاً من "الكتب الإلهيّة" التي تشكّل وحدة مقدّسة لأنها ملهمة، وهذه مسألة عقائديّة؟ كان الأقدمون ينظرون إلى هذه المسائل نظرة واحدة، وهمّهم أن يحتفظوا بهذا الكتاب أو ذاك بين المؤلفات القانونيّة في الكنيسة.
ففي الشرق نسب بانتينس وإكلمنضوس الإسكندرانيّ عب إلى القدّيس بولس. ونشير هنا إلى أنّ نصّ عب وُجد في البرديّة رقم 46 لتقليد مدينة الإسكندريّة. أمّا أوريجانس فقال بالأصل الرسوليّ للرسالة إلى العبرانيّين ولم يقدر أن يتعرّف إلى كاتبها. وعدّها أثناسيوس بين الرسائل الأربع عشرة المنسوبة إلى بولس الرسول في رسالة العيد (الفصح) التاسعة والثلاثين (سنة 367). وكذا نقول عن أوثاليوس (القرن الخامس) وأوسابيوس القيصريّ وتيودوريتس القورشيّ وتيودورس المصّيصي.
ويورد أفرام عب على أنها من الكتب المقدّسة وأنها من بولس الرسول، مع أنّه عارف بالصعوبات التي تعترض هذه النسبة. وتضع السريانيّة البسيطة عب بين رسائل القدّيس بولس. أمّا طاطيانس فقد عرف عب ولكنّه أخرجها من المجموعة البولسيّة. ورذل مرقيون عب، وهو لا يعترف إلاّ بعشر رسائل بولسيّة. أمّا قانون الرسل المدوَّن حوالي السنة 400 فينسب إلى القدّيس بولس أربع عشرة رسالة ومنها عب. ونشير هنا إلى يوحنّا الدمشقيّ الذي يعتبر عب كتابًا مقدّسًا وينسبها إلى مار بولس. ونذكر هنا القانون 60 من مجمع اللاذقيّة في فريجية (تركيا) الذي يعتبر رسائل مار بولس أربع عشرة فيُثَبِّت قانونيّة عب. هذه القانونيّة ظاهرة في إنجيل الحقيقة (كتاب قبطيّ منحول) الذي يعود إلى القرن الثاني في نسخته اليونانيّة. ورد نصّ عب في كلّ المخطوطات، ولكنّ موقعه تبدّل قبل أن يدخل في المجموعة البولسيّة. فالفاتيكانيّ يجعل عب بين غل وأف. والكودكس بتي بين روم و1 كور، والسينائيّ والإسكندرانيّ بعد 2 تم، والكلارومونتانس في نهاية المجموعة البولسيّة.
أمّا الغرب فهو يورد مقاطع من عب ولكنّه لا ينسبها إلى القدّيس بولس. هناك إكلمنضوس الرومانيّ وراعي هرماس وهيبّوليتس. ويتجاهل عب قانونُ موراتوري الذي دوّن حوالي السنة 180. ورفض الكاهن الرومانيّ كايوس أن ينسب إلى بولس إلاّ ثلاث عشرة رسالة (أي دون عب) كما يفعل معاصروه، وكذا فعل الأمبروسياستر (منسوب إلى أمبروسيوس) في نهاية القرن الرابع. أمّا فكتورينوس فأعلن في التاريخ نفسه تقريبًا: "قال الرسول للعبرانيّين". وهناك نصّ لتلميذ كروماتيوس (القرن الرابع والقرن الخامس) يقدّم لنا أوّل شرح للرسالة إلى العبرانيّين. واعتقد كلّ من أمبروسيوس وروفينوس أسقف أكيلة وهيلاريوس أسقف بواتيِيه بنسبة عب إلى بولس. أمّا كنائس أفريقيا فتجاهلت عب: لا يعرف ترتليانس إلاّ ثلاث عشرة رسالة، ولا يذكر قبربانس عب مرّة واحدة وكذلك أوبتاتوس أسقف نوميديا وزينون الفيرونيّ الذي ولد في أفريقيا. عُقد مجمع هبّونة سنة 393، ومجمع قرطاجة سنة 397، فقدّما لائحة رسميّة بالكتب الملهمة وزادا عب على الرسائل الثلاث عشرة التي ينسبها التقليد إلى مار بولس. أمّا مجمع قرطاجة السادس (سنة 419) فقال في قانونه 29 (بتأثير من أغوسطينس): أربع عشرة رسالة لبولس. أمّا إيرونيموس فسوف يميّز الإلهام الإلهيّ وسلطة عب القانونيّة التي تشهد لها كلّ الكنائس وتقرأها في ليتورجيّتها، عن نسبة عب إلى بولس وهو أمر يجادِل فيه الكثيرون. وفي القرار إلى اليعاقبة في مجمع فلورنسة (4 شباط 1441) ستُوضَع عب في نهاية المجموعة البولسيّة وقبل 1 بط. وفي الدورة الرابعة من المجمع التريدنتينيّ (8 نيسان 1546) سيجعل الآباء عب بين الرسائل البولسيّة الأربع عشرة، ولكنّهم يرفضون أن ينسبوها إلى القدّيس بولس. ويستفيد المجمع الفاتيكانيّ الأوّل في دورته الثالثة (24 نيسان 1870) ممّا قاله المجمع الترلدنتينيّ عن الكتب المقدّسة ويجعل عب بين الرسائل البولسية.

ح- نظرات لاهوتيّة في الرسالة إلى العبرانيّين:
1- شعب الله
إنّ قرّاء عب هم جماعة من الأشخاص هُجِّروا من أرضهم فتشبّهوا ببني إسرائيل العابرين البرّية نحو أرض الميعاد (عب 3: 7- 4: 13). هذا هو الوضع الطبيعيّ لكلّ حياة روحيّة: نحن سائرون، نحن غرباء ونزلاء على الأرض (11: 13) ولاجئون (6: 18) وساكنون في الخيام (11: 9) ونتوجّه نحو مدينة الله الحيّ المبنيّة بناء متينًا (12: 22؛ 13: 14) بل قدس الأقداس السماويّ (9: 8؛ 10: 19). ويتقدّمون كلّ يوم (آ 6:1؛ 18:12-22) كما في تطواف ليتورجيّ نحو عرش النعمة (4: 16). فالإيمان بالله يعني أن نقترب منه ونقدّم له عبادة يرضى عنها (12: 28). فالمسيحيّون هم الذين يتقرّبون (7: 25؛ 10: 1) من المَقْدِس بعد أن تأهّلوا للدخول فيه وخدمته. اقتُلعوا من على هذه الأرض وزُرعوا في العلاء. فحياة الأرض في نظر المؤمن عبور دائم وهجرة دائمة. وهذه الهجرة تحدّد بأربع. أوّلاً: بكلمة ووحي الله (2: 1- 4؛ 4: 12؛ 6: 13 ي) الذي يحدّد الهدف ويعد بالراحة مجازاة للجهود المبذولة والتضحيات المقبولة. ثانيًا: بالمحن التي ترسلها العناية والتجارب (2: 18؛ 12: 5- 11) التي تبدو وكأنها تعارض تحقيق الرجاء (10: 23)، ولكنّها في الواقع مناسبات تظهر أمانتنا لله (11: 2، 4، 5، 39). نعني بكلامنا عبور البَرّيّة أي هذا العالم المُعَادِي وهذه الظروف الخطرة. ثالثًا: فإذا أردنا أن نتغلّب على الصعوبات، لا نبقى في عزلتنا بل نندمج في شعب الله (9:4) ونكون شركاء المسيح (3: 14) الذي هو قائد هذه المسيرة الجماعيّة. ننضمّ إلى المؤمنين (4: 2) ونخضع لنصائح مدبّرينا (13: 7، 17، 24) ونشجعّ رفاق الطريق ونأخذ عينهم بعضاً من أثقالهم (10: 25، 33- 34؛ 13: 5). فمن اعتزل الجماعة ورفض التضامن معها (10: 25) ضلّ وهلك. رابعًا: إنّ النَصر نصيبُ الذين يتحمّلون الاضطهاد ويثبتون حتّى النهاية: نتمسّك إلى المنتهى (3: 14) ولا نتراخى (6: 12).

2- يسوع ابن الله وكاهن
فإذا أرادت البشرية أن تتقرّب من الله وتقدّم له عبادة ترضيه، فهي تحتاج أوّلاً إلى قائد قريب منها يسبقها ويدفعها كما يدفع الراعي قطيعه. يفتح لها الطريق ويسير أمامها ويرافق الذين يتبعوه (9: 18) ويقودهم إلى المنتهى (2: 10؛ 12: 12). وهي تحتاج ثانيًا إلى حَبْر بريء وكامل يقدر أن يطهّرها من خطاياها ويقدّسها. ولقد وجدت ما تحتاج إليه في يسوع المرسل من الله (3: 1؛ 9: 26)، المولود في إسرائيل وفي قبيلة يهوذا (7: 14). هو إنسان حقيقيّ (2: 6 ي؛ 5: 7) وهو يشارك الطبيعة البشريّة في ضعفها (4: 15؛ 5: 2) ولاسيّما في الموت (2: 14؛ 5: 7- 8). غير أنه ظلّ بلا خطيئة فامتُحن في كلّ شيء مثلنا ما عدا الخطيئة (4: 15؛ 7: 26). وُجد قبل أن يأتي على الأرض (1: 10- 12؛ 13: 8) وامتلك حياة لا تزول (7: 3، 16؛ 9: 14) وهذا خاص بابن الله بالمعنى الحصريّ للكلمة. هو الله المالك الطبيعة التي للآب، وبهذا فهو يشاركه في عمل الخلق وتدبير الكون (1: 2- 3) ويمارس سيادته على الملائكة والبشر (1: 6؛ 2: 5 ي؛ 3: 6).
إنّ يسوع يملك الطبيعة البشرّية والطبيعة الإلهيّة، فلهذا أقيم كاهنًا أي وسيطاً وعلّة خلاص أبديّ (2: 10؛ 5: 9). وقد منحه الله هذا اللقب (مز 110: 4) منذ دخوله في العالم (10: 5- 10)، لأنّ كلّ كاهن مأخوذ من بين الناس (5: 1) يهمّ بإخوته البشر من يوم اختاره الله. كان هذا الكاهن إنسانًا فخضع للألم فكان رحيمًا شفوقاً لكلّ المتألّمين (2: 10، 17)، وكان إلهًا فظلّ الكاهن الأبديّ والسماويّ (7: 28). فالمسيح يخدم في المعبد السماويّ (9: 24) فيشفع لنا ويُغْدِقُ علينا خيراتِ الله (8: 1- 2). هو حاضر أمام الله، وحضوره فاعل كخادم للقدس والقبّة الحقيقيّة (8: 2؛ 9: 21). وقُربه من الله وذبيحةُ دمه يجعلان وساطته لا تُرَد. "أنه قادر أن يخلّص الذين يتقرّبون به إلى الله لأنّه حيّ باق يشفع لهم" (7: 25).

3- عمل المسيح
ونتساءل: كيف استطاع هذا الهادي وهذا القائد الكامل وهذا الكاهن أن يتمّ عمله فيقود إلى المجد إخوة كثيرين (2: 10)؟ أوّلاً: حمل إلينا الوحي. فقد كلّمنا الله به (1: 2) ففاق تعليمه تعليم كلّ الأنبياء. وكانت رسالته على الأرض رسالة كرازة (2: 3) فلم تتبدّل من أجل كلّ المؤمنين (3: 7 ي؛ 4: 2). ثانيًا: ولكنّ هذا الكاهن هو أيضاً ذبيحة لأنّ الناس الذين سيخلّصهم هم خطأة (10: 4، 11؛ 12: 1، 4) فلا تُفتح لهم السماء إلا إذا نقّى الله ضمائرهم وغفر لهم (8: 12؛ 10: 17- 18). في الماضي كانت ذبائح العبادة اللاويّة ولكنّها لم تكن نافعة. فتجسّد ابن الله ليقدّم ذاته كالذبيحة الوحيدة التي تقدر أن ترضي الله (10: 5- 10). تمّت هذه الذبيحة على الجلجلة، وهذا يعني أنّ موته كان ذبيحة حقّة. فنتج عن هذا أنّ يسوع كان الكاهن الأوحد والذبيحة الواحدة في عبادة دينيّة جاء ينظّمها.
وتشدّد عب على عفويّة تقدمة يسوع الشخصيّة والطابع الواثق فيها تجاه حيوانات يذبحها العهد القديم. فما يشكّل جوهر الذبيحة ليس الموت بل هذه التقدمة عينها، وقوّة الفداء لا تقوم أوّلاً في موت المسيح، بل في إرادة تقدمة الضحيّة وقداسة الكاهن الذي يقرّبها إلى الله. ولا يحتاج هذا القربان الواحد (10: 14) أن يتجدّد، لأنّ قيمته تبقى هي هي إلى الأبد. فيسوع نفسه قرّب بروح أزلي قربانًا لا عيب فيه (9: 14)، وهذا ما يتيح لنا أن نفهم أنّ الحَبْر الأزليّ هو خادم ليتورجيّ دائم بعد أن أراد أن يقدّم دمه إلى الأبد. إذن هناك ذبيحة سماويّة (8: 3)، وإلاّ لما استطعنا القول إنّ المسيح كاهن في السماء، لأنّ دور الكاهن الأوّل هو أن "يقرّب قرابين وذبائح كفّارة للخطايا" (5: 1). 
ينتج عن كلّ هذا أنّ الله رضي عن البشر وأنّ الخطأة تصالحوا معه وكُفِّرت ذنوبهم. والفداء (9: 12) يعني أنّ دم المسيح فدية، وأنه كثمن تحرير العبيد والأسرى (9: 15) وكتعويض ماليّ. فمنذ مقدّمة الرسالة تبدو كلّ ثمار ذبيحة يسوع "تطهيرًا من الخطايا" (1: 3). عجز دم الحيوانات عن أن ينظّف ويغسل الضمير النجس (9: 13)، مع أنّ الجميع اعتبروا الدم وسيلة تطهير (9: 22)، أمّا دم يسوع فطَّهر ضمائرنا من الأعمال الميتة وقلوبنا من سؤ النيّة (9: 14؛ 10: 22)، وغسلنا من كلّ نجاسة. عجزت شعائر العبادة الموسويّة عن تقديسنا تقديسًا حقيقيًّا (9: 13)، أمّا المسيح القدّوس فقدّس شعب الله على المستوى الدينيّ وعلى المستوى الأخلاقي، وجعله أهلاً لأن يرى الله ويدخل في مقدسه. المسيح يقرّبنا من الله، لأنه الوسيط وكفيل العهد الجديد الذي يهبنا الخلاص والخيرات السماويّة.

4- الليتورجيّا السماويّة والحياة المسيحيّة
ويتابع المسيح في السماء وبشكل جديد وظيفته الكهنوتيّة من أجلنا (9: 24). لا شكّ في أنّ لا صلة له بالخاطئين (7: 26) وهو يرتبط بالمعبد السماويّ فيمارس ليتورجيّا خاصّة (8: 1ي). بما تقوم هذه الليتورجيّا؟ تعتبر عب أنّنا لا نتصوّر كهنوتًا من دون ذبيحة (8: 3؛ 10: 11). ولكن كيف نتصوّر ذبيحة سماويّة، وهل ستزاحم ذبيحة الصليب؟ هنا نقابل بالقياس بين طقس اللاويّين في يوم التكفير وذبيحة المسيح. فبحسب لا 16: 1ي يذبح الكاهن الأعظم ضحيّتين وينضح بدمهما "الكفّارة، أي الغشاء الذي يغطّي تابوت العهد، وهذا ما يشكّل العمل الذبيحيّ بحصر المعنى. وهكذا فموت المسيح يقابل ذبح العجل والتيس على يد رئيس كهنة بني هارون، والدخول إلى قدس الأقداس السماويّ يقابل تقدمة الدم. ما وجب على يسوع أن يقدّم دمه بطريقة مادّية في المقدس الجديد، إلاّ أنّ سَفكَ دمِهِ كان وسيلةً لدخوله قدس الأقداس. ولقد كان موتُه باطلاً لو لم يستفد من قيمته فيعبر الحجاب ويتمّ ذبيحته. إذن لا حاجة أن نفترض أنّ هناك ذبيحة للمسيح المنبعث تُزاد على ذبيحة الصليب، ولكنّ ذبيحة الصليب هذه ما زالت تقدَّم على يد الكاهن الأزليّ (9: 14). وهكذا تقوم الليتورجيّا السماويّة بهذه التقدمة الدائمة. ولقد قال الشرّاح في ذلك: تتألّف ذبيحة المسيح من التقدمة الطوعيّة التي بها يقدّم حياته البشرّية المكرّسة لله كقربان مخصّص لعبادة الله.
ونتيجة هذه الليتورجيّا هي أن تُطَهِّرَ وتقدّس المؤمنين على مثال الكهنة ليتقرّبوا من الله. وهذه العبادة لا تنحصر في جماعة ليتورجيّة محدّدة. فحين نتحلّى بضمير نقيّ وقلب صادق (19:10 ي؛ 16:13) نمارس وظيفة ليتورجيّة بروح عبادة تتجلّى في الحمد والشكر. هؤلاء المؤمنون (3:4)، هؤلاء القدّيسون (3: 1) هم إخوة (3: 12؛ 10: 19) مدعوّون إلى السماء (3: 1؛ 9: 15)، يعلنون الإيمان الواحد ويعيشون من الرجاء الواحد وهم واثقون أنهم واصلون إلى الربّ. المسيحيّ إنسان يتأمّل فَيُثَبِّتُ انتباهَه على كلماتٍ سمعها (2: 1- 3؛ 12: 25). هو يفهم أن العوالم خلقت بكلمة الله (11: 3) كما عرف إبراهيمُ أنّ الله يتحلّى بالقدرة ليقيم الموتى (11: 19). ويدرك عظمة ملكيصادق (7: 4) ومن يمثّل، ويتعلّم أقوال الله. أنه محتاج إلى أكثرَ من اللبن الحليب، أنه يحتاج إلى الطعام القويّ المخصّص للكاملين، وهو لا يتوانى عن الإصغاء فيستفيد من الزمن ليصبح من المعلّمين (5: 11 ي).

5- وجه الله
الله يتكلّم (1: 1) ونحن نسمعه (12: 25) ونتعبّد له (12: 29؛ 13: 21). ووجوده موضوع فعل إيمان فريد (11: 6). هو العليّ وربّ السماء والأرض، وهو إله سيناء الرهيب (12: 21) وإله المسيحيّين وإله الأرواح (12: 7- 9). هو القدّوس والعارف بكلّ شيء والقادر على كلّ شيء، هو إله الحقّ والحكيم والثابت في مقاصده والأمين في وعوده، هو العادل والرحوم والكلّيّ الصلاح.
الله حيّ وهو بالتالي فاعل (3: 12؛ 9: 14). خلق الكون والأرواح بكلمته وبواسطة ابنه. أنه المبدأ الأوّل والغاية الأخيرة لكلّ موجود، أنه صاحب تصميم الخلاص وسيّد تنفيذه في كلّ مراحله وفي كلّ عناصره. لقد حدّد تدبير مسيرة الشعب المختار وفدائه (3: 4)، ونظّم بصورة خاصّة التوازيَ بين العهدين (9: 9)، وعيّن زمن الإصلاح والفائدة المحفوظة لأعضاء العهد الجديد. وقرّر الله بصورة خاصّة تجسّدَ ابنه (3: 1- 2) وإرسالَه إلى العالم موحيًا وفاديًا وحبرًا. أعطاه جسدًا وجعله كاملاً بالألم، وأقامه من بين الأموات وأجلسه عن يمينه وأخضع له الكون. وبنى بنفسه المقدس الذي سيخدم فيه هذا الحبر، وهو أيضاً باني المدينة الطوباويّة التي يجتمع فيها المقدَّسون (11: 10؛ 12: 22). وإليه تتوجّه شفاعة وسيط العهد الجديد على الأرض أو في السماء، وأمامه تتقدّم خِدمة المؤمنين وعبادتهم (10: 36؛ 11: 4؛ 12: 28؛ 21:13).
والله يتذكّر البشر ويتفقدّهم، يعتني بهم ويُعينهم. هو إله المؤمنين ويبادر ليعقد معهم العهود. لا يتخلّى عن مؤمنيه، بل يحميهم ويقودهم ويعضدهم ويعطيهم نعمته ويؤدّبهم ويرضى بذبائحهم الروحيّة. أمّا واجب الإنسان الأوّل فهو أن يؤمن بالله وبتدخّلاته، وأن يتقبّل كلمته ويسمعها ويتمسّك بها ويكون لها أمينًا. يدفعه إلى ذلك اقتراب اليوم (10: 25) واليقين أنّ هذا الإله هو ديّان الجميع الذي يجازي كلّ واحد حسب أعماله. الله نار محرِقة وهو يحتفظ بعقابه للكفرة والنجسين المتراخين والزناة، ولكنّه يجازي الإنسان على الأعمال الصالحة ولاسيّما أعمال الرحمة، ويشرك المؤمنين في سعادته الخاصة.

6- التأويل الكتابيّ
يتطرّق صاحب عب إلى مسألة تفسير الكتب المقدّسة فيجمع بين الأضداد. فيبيّن من جهةٍ احترامًا مطلقًا لسلطة العهد القديم، وينتقد من جهة ثانية العهد القديم انتقادًا جذريًّا. هو يعلن زوال العهد القديم ويعلن أنه تمّ. يقدّم لنا عباراتٍ قاطعةً ضدّ الشريعة القديمة. قال: إذا تبدّل الكهنوت، فلا بد من تبدّل الشريعة... وهكذا نُسخت الوصيّة القديمة لضعفها وقلّة فائدتها، لأنّ "الشريعة لم تحقّق شيئًا من الكمال، فاستبدل بها رجاء أفضل منها نتقرّب به إلى الله" (7: 12، 18- 19). وقال أيضاً: "ولمّا كانت الشريعة لا تشمل إلاّ ظلّ الخيرات المستقبلة، لا جوهر الحقائق، فهي عاجزة، بتلك الذبائح التي لا تزال تقرَّب كلّ سنة، أن تجعل الذين يتقرّبون بها كاملين... فقد أبطل العبادة الأولى وأقام الثانية" (10: 1- 9).
ولكن رغم ذلك، ما زال يلجأ بعناية إلى العهد القديم بوجهته النُظُمِيّة ووجهته النبويّة. فالعهد القديم كنبوءة يحتفظ بكلّ قيمته لأنه يشهد على المسيح. أمّا كنظام فيجب أن يَتْرُكَ مكانه لنظم العهد الجديد. فبعد أن شُيِّد البناء النهائيّ نتخلّى عن المسكن الموقّت. وهكذا يُفهمنا الكاتب أنّ العهد القديم كنبوءة يعلن نهايته كنظام وهذا واضح بالأخصّ في العرض المركزيّ (7: 1- 10: 18) الذي يستعمل فيه نصوص مز 110 وإر 31: 31- 34 ومز 40 ويحلّل شعائر تفرضها الشريعة على المؤمنين (رج لا 16: 1 ي).
هنا يتطرّق الكاتب إلى العلاقات بين العهد القديم والعهد الجديد فيتوقّف عند ثلاث كلمات: استمرار، انقطاع، تجاوز، ويلقي الضوء على هذه الوجهات الثلاث. فإن لم يكن لموت المسيح أيّة علاقة بالذبائح القديمة، فلا نقدر أن نتعرّف فيه إلى تتمّة قصد الله. فلو لم يكن استمرارًا لَبَدَا موتُ المسيح واقعًا خاصًّا لا نعرف موضعه في تاريخ الخلاص. من هنا كان من الضروريّ أن توجد تشابهات. قال: "فإذا كان دم التيوس والثيران ورشّ رماد العجول يقدّسان المنجَّسين ويطهِّران أجسادهم، فما أَوْلى دم المسيح الذي قرَّب نفسه إلى الله بروح أزليّ قربانًا لا عيب فيه، أن يطهّر ضمائرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ" (9: 13- 14).
ولكنّ هناك اختلافاتٍ أيضاً. فإذا كان المسيح قدَّم فقط ذبيحة طقسيّة كسائر الكهنة لما استطعنا أن نتكلّم عن إتمام وإنجاز، بل نكون أمام إعادة لطقس لا فائدة فيه ولا منفعة. فالإنجاز الحقيقيّ يفترض ذبيحة من شكل آخر ومن نوع جديد. قالت عب: "أمّا المسيح فقد جاء حبرًا للخيرات المستقبلة واجتاز قبّة أكبر وأكمل من الأولى، لم تصنعها أيديّ الناس، أي أنها ليست من هذه الخليقة، فدخل القدس مرّة واحدة، ولم يدخله بدم التيوس والعجول، بل بدمه فكسب لنا فداء أبديّاً... فالمسيح لم يدخل قدسًا صنعته الأيدي رمزًا للقدس الحقيقيّ، بل دخل السماء عينها ليَمْثُلَ الآن في حضرة الله من أجلنا، لا لأنه سيقدّم نفسه عدّة مرات كمَا يدخل الحبر القدس كلّ سنة بدم غير دمه. ولو كان ذلك، لكان عليه أن يتألّم كثيرًا منذ إنشاء العالم" (9: 11-12، 24- 26).
غير أنّ الاختلافات تتّجه في طريق التجاوز والسموّ. فالعهد الجديد يتفوّق على العهد القديم. وإلاّ فأيّة فائدة أن تحلّ محلّ طقوس عاجزة شعيرة مختلفة تبقى هي أيضاً عديمة الفائدة. فما وجب أن يكون هو تحقيق كامل لا ينقصه شيء. وهذا ما نجده في آلام المسيح المجيدة. قالت عب: "جاءنا التقديس... بالقربان الذي قرّب فيه يسوع جسده مرّة واحدة... لأنه بقربان واحد جعل الذين قدّسهم كاملين أبدًا... فحيث يكون غفران لا يقدَّم من بعد قربان من أجل الخطيئة" (10: 10- 14، 18).
وانطلاقًا من هذه العلاقة بين الاستمرار والانقطاع والتجاوز، يتوصّل الكاتب لأن يعرض علينا كهنوت المسيح بصورة عميقة ومتّزنة وديناميكية. ولو لم يتصرّف هكذا لأضاع ملء الحقيقة ووقع في خطر مزدوج: إمّا أن يشدّد على الاستمرار ويعود بطريقة لا واعية إلى نظم العهد القديم، وإمّا أن لا يدرك الاختلافات فيعتبر الكلام عن كهنوت المسيح مجرّد استعارة. ولكنّ وجهة الكاتب كانت مغايرة لهذا الموقف. فلقد صار الكهنوت في المسيح واقعًا حقا، ولم يكن في الماضي يتجاوز مرحلة الصورة الرمزيّة العاجزة. 
توقّف الشرّاح عند أسلوب التأويل في عب وحاولوا أن يقابلوه بتفسير حبقوق كما وصلنا من مغاور قمران، أو بتفاسير فيلون الإسكندرانيّ. واعتبر آخرون أنّ عب مدراش (أو: درس) على المزمور 110، وهذا ما يعطينا فكرة تقريبيّة وناقصة عن هذه الرسالة. إنّ تفسير عب للعهد القديم يبدو مبتكرًا جدًّا فيدخل النصوص في مجموعة أدلّته ولا يوردها بطريقة رتيبة. وبقد قام صاحب عب بهذا التفسير بعد أن وعى وعيًا تامًّا أن الكتب المقدّسة تجد كمالها في المسيح.
القسم الرابع
الرسائل الكاثوليكيّة أو العامة

يتضمّن قانون العهد الجديد، فضلاً عن الرسائل البولسيّة، مجموعة من سبع رسائل سمّيت كاثوليكيّة (أو جامعة) لأنها كانت تقرأ في كلّ الكنائس، وسمّيت عامّة لأنّها لم تتوجّه إلى جماعة معيّنة بل إلى الكنيسة بصورة عامّة.
وإليك فصول هذا القسم:
رسالة القدّيس يعقوب: الفصل الثاني عشر.
رسالة بطرس الأولى: الفصل الثالث عشر.
رسالة بطرس الثانية: الفصل الرابع عشر.
رسائل القدّيس يوحنّا: الفصل الخامس عشر.
رسالة القدّيس يهوذا: الفصل السادس عشر

الفصل الثاني عشر
رسالة القدّيس يعقوب

مقدّمة
لم تُعرف رسالة يعقوب ولم تشتهر كما عُرفت واشتهرت رسائل القديس بولس والقدّيس بطرس والقدّيس يوحنّا. ولهذا لم يكن لها هذا البريق اللامع، فاستنكف بعضهم عن تفسيرها، لأنّها مطبوعة بالطابع اليهوديّ، ولأنّها لا تَذْكُرُ اسْمَ يسوع إلاّ مرّتين.
هي في الواقع لا تحمل من الرسالة إلاّ اسمها. ثمّ إنّنا نجهل كاتبها الذي يسميّ نفسه يعقوب. وهي أقرب إلى تعاليم يشوع بن سيراخ منه إلى تعاليم الإنجيل. ومع هذا فهذا المسؤول المسيحيّ يعيش إيمانه بيسوع المسيح ويعبّر بقوة عن هذا الإيمان. أمّا تعليمه فهو قريب من تعليم عظة الجبل كما وردت في إنجيل متّى (ف 5- 7). ومها يكن من أمر فقرَّاؤه يعيشون أوضاعًا قريبة من أوضاعنا: انقسام بين المسيحيّين. محن متنوعة. احتقار الفقراء وسعي وراء الغنى، شعائر عبادة لا ترافقها ممارسة حقيقيّة لوصيّة المحبّة.
إلى هذه الرسالة سوف نتعرّف فنستعدّ لقراءتها والولوج في معانيها فتكون لنا هي أيضاً نورًا لخطانا وسراجًا في سبيلنا.

أ- كاتب الرسالة
1- الرأي التقليديّ
إسمه يعقوب. هذا ما نقرأ في 1: 1: "من يعقوب عبد الله ويسوع المسيح". هل نحن أمام اسم حقيقيّ أم اسم مستعار؟ أمَا نُسب سفر الحكمة إلى سليمان وكذلك الأمثال والجامعة؟ ولقد وصلت إلينا كتب منسوبة إلى بطرس ويعقوب ويوحنّا وغيرهما نسمّيها كتبًا منحولة. ولقد رأى أحدهم في هذه الرسالة كتابًا يوجّهه يعقوب أبو الإثني عشر إلى أبنائه أي إلى القبائل المشتّتة. في الواقع نحن أمام اسم مستعار. وهو كاتب مغمور أراد أن يعطيَ كتابه بعضاً من الثقة فربطه باسم يعقوب كما فعل غيره حين كتب 2 بط. ولكن يبقى أن نتساءل: مَن هو يعقوب هذا؟ هل هو يعقوب أخو الربّ أو أحد المسيحيّين الهلّينيّين الذي عاد بعد سنة 70 إلى نصّ من نصوص يعقوب أخي الربّ؟
كاتب يع هو شخص من أصل يهوديّ، وهذا واضح من معرفته لتعاليم وعبارات العهد القديم كما وردت في السبعينيّة. ولنتذكّر طريقته في الكلام: "المشتّتين من الأسباط الإثني عشر" (1: 1)، إبراهيم أبونا (2: 21)، الولادة كمثل باكورة الخلائق (1: 18)، شريعة الحرّيّة الكاملة (1: 25)، الشريعة الملكيّة (2: 8)، الاسم الحسن الذي به دعي عليكم (2: 7)، حكمتم على البارّ وقتلتموه (5: 6). وهناك تفاصيل تشير إلى أنّ موطنه فلسطين بالذات.
كاتب يع شخص مسيحيّ رغم ما قال بعضهم إنّ الرسالة دوّنها كاتب يهوديّ فجاء من زاد اسم يسوع عليها (1: 1؛ 2: 1). ولكنّ الرسالة كلّها مشبعة بروح مسيحيّة، وهذا واضح من التقارب بينها وبين عظة الجبل وتعاليم الإنجيل ورسائل بولس وبطرس. ثمّ إنّ الأعمال التي يتكلّم عنها يعقوب (2: 14- 26) تدلّ على أعمال المحبّة لا على ممارسات الشريعة الموسويّة.
كاتب يع معلّم الجماعة المسيحيّة التي يوجّه إليها كتابه. يسمّي نفسه معلّمًا ويمنع قُرَّاءه أن يتلقّبوا بهذا الاسم. فالمعِلّم هو "رابّي" المخصَّص في التعليم الدينيّ (يو 1: 38؛ 20: 16) والذي طلبه كثيرون بحثًا عن الكرامة لا عن الخدمة (مت 23: 7 ي). ولكنّ هذا اللقب الآتي من عالم المتهوّدين لم يعد يستعمل في نهاية القرن الأوّل المسيحيّ. 
ولا يكتفي الكاتب أن يتكلّم كخادم موكّل على التعليم فينقل إلى قرّائه تعاليم الحكمة على مثال الحكماء في العهد القديم، بل هو يرسل كلامه كرئيس حقيقيّ. فهو يأمرهم بسلطان ولا يحسّ بالحاجة لأن يبرّر طريقته في الكلام. ويكفي هنا أن نتذكّر الأفعال في صيغة الأمر، وهي تتحدّث عنه معلّمًا ومشجّعًا ومحذّرًا (2: 5، 3: 1 ي) وموبّخًا (4: 1ي) ومهدّدًا (5: 1ي) وموجّهًا (5: 13- 16).
إنّ كاتب يع هو يعقوب أخو الربّ ورئيس كنيسة أورشليم. هذا ما قاله آباء الكنيسة منذ القرن الثاني: إكلمنضوس الإسكندراني، أوريجانس، إبيفانيوس. يسمّونه البارّ ويميّزونه عن يعقوب بن حلفى. ماذا يقول العهد الجديد عن يعقوب أخي الربّ وابن مريم زوجة كلاوبّا (مر 15: 4)؟ إنّه بكر أربعة إخوة عاشوا في الناصرة (مر 6: 3؛ يهو 1). وهناك من يقول إنّه يعقوب بن حلفى بالذات (وكلاوبا وحلفى اسم واحد يُكتب بطريقتين مختلفتين). هنا نفهم أن يكون من مصافّ الاثني عشر الذين آمنوا بيسوع. بينما لم يؤمن به إخوته (مر 3: 20 ي؛ يو 7: 3 ي). وهنا نفهم لماذا لقّبه بولس بالرسول (غل 1: 19) وأنعم عليه يسوع بظهور خاصّ بعد قيامته (1 كور 7:15).
كانت له في كنيسة أورشليم سلطة واسعة (غل 1: 19؛ أع 12: 17) سيحفظها حتّى سنة استشهاده سنة 62 أو 66. مارس الشرائع الموسويّة ممارسة دقيقة لا اعتقادًا بضرورتها بل إهتمامًا بإخوته فلا يشكّكهم (أع 15: 20 ي). ففي سنة 48- 49 وأمام جماعة أورشليم سيتبع بطرس وبولس فيعفي من الختان الوثنيّين المرتدّين (أع 15: 13 ي) ويعلن جهارًا اتّفاقه مع بولس (غل 2: 9 ي). في سنة 58 استقبل بفرح بولس العائد من رسالته في الأرض الوثنيّة، وابتهج بنجاحه الرسوليّ، وأعطاه بعض النصائح ليهدِّئَ عواطف المتهوّدين في أورشليم.

2- اعتراضات على الرأي التقليديّ
الأوّل: لا يتكلّم صاحب الرسالة مطلقًا عن فرائض الشريعة الموسويّة. هو لا يهتمّ إلا بالفرائض الأخلاقيّة (1: 27، 2: 8 ي). ولا يتعرف إلاّ إلى شريعة الحرّيّة (1: 25؛ 2: 12). لكنّ يعقوب أخا الربّ كان متعلّقًا بممارسات شريعة موسى. 
الثاني: لا نجد في يع إلاّ القليل القليل عن حياة يسوع وأعماله، عن آلامه وقيامته. ثمّ هو يكتفي بأن يعطيَنا أمثلة.
من العهد القديم ليحدّثنا عن المحبّة (2: 21 ي) والصبر (5: 7 ي) والصلاة (5: 17 ي)، فلا يقدّم لنا مِثلَ بطرس (1 بط 2: 21 ي) مثال يسوع وهو القريب من يسوع.
الثالث: لو كان يعقوب كاتب هذه الرسالة لما انتظرت زمن أوريجانس لتُعرف في الكنيسة.
الرابع: كيف يكون يعقوب أخو الربّ الذي توفّي سنة 62- 66 كاتب رسالة قريبة من رسالة برنابا وراعي هرماس ورسالة إكلمنضوس الرومانيّ التي كتبت في نهاية القرن الأوّل أو بداية الثاني؟
الخامس: كيف استطاع يعقوب ذلك الآراميّ الأصل وابن أبوين أمّييّن أن يدوّن رسالة تفوق بأسلوبها اليونانيّ أفضل أسفار العهد الجديد؟
من أجل كلّ هذا نقول إنّ كاتب يع مسيحيٌّ من الجيل الثاني المسيحيّ. دوّنها بروح يعقوب أخي الربّ وقد عرف تعليمه التقليديّ.

ب- أين كتبت يع ومتى ولمن؟
أصحاب الرأي التقليديّ الذين يعتبرون أنّ يعقوب أو سكرتيره كتب يع يقولون إنّها كُتبت في أورشليم بين السنة 35 والسنة 49. ويعلّلون رأيهم بطابع المسيحيّة القديم: فالجماعة ما زالت في بدايتها (2: 2؛ 3: 1؛ 5: 14). والصورة عن يسوع المسيح تكاد تكون مرسومة (1: 1؛ 2: 1؛ 6:5)، وانتظار مجيء الربّ قريب (13:2؛ 5: 7- 11)، والتعليم سابق لرسائل مار بولس (2: 14 ي)، ثمّ إنّ يع تجهل التبشير في العالم الوثنيّ والأزمة التي نتجت عن هذا التبشير (أع 15: 1 ي)، ولكنّ بعض أصحاب الرأي التقليديّ يعتبرون أنّ يع كتبت قبل استشهاد يعقوب بقليل أي في سنة 62- 66.
أمّا أصحاب الرأي الجديد فيظنّون أنّ يع دوّنت في أواخر القرن الأوّل في عالم متهوّد يمتدّ من سورية إلى فلسطين وربّما إلى مصر. أمّا الإشارة إلى مصر فتدلّ عليها أولى الشهادات التي جاءتنا من الإسكندريّة عن رسالة تأخَّرَ العالم المسيحيّ في التعرّف إليها. 
في العنوان والتحيّة يتوجّه يعقوب إلى الأسباط الإثني عشر الذين في الشتات (1: 1). نحن بادئ ذي بدء أمام اليهود العائشين خارج فلسطين وفي العالم الرومانيّ. فإسرائيل القديم يعتبر أنّه من نسل الأسباط الخارجة من أبناء يعقوب الإثني عشر ويرى أنّ أبناءه يعيشون بأكثرّيتهم خارج حدود فلسطين. أمّا في الواقع وبما أنّنا أمام سفر مسيحيّ فالعبارة في 1: 1 تدلّ على قرّاء مسيحيّين. غير أنّنا نتساءل: هل العبارة تصيب فقط المتهوّدين، أي الذين ارتدّوا من العالم اليهوديّ وعاشوا بعيدًا عن فلسطين، أم تدلّ بالأحرى على كلّ المسيحيّين، على كلّ أعضاء الكنيسة الذين يشكلّون إسرائيل الجديد وشعب الله الجديد؟ يبدو أنّ الرأي الثاني هو الأصحّ ولاسيّما وإنّ كتاباتٍ قريبة من يع (رسالة برنابا، راعي هرماس) تتوجّه بالأخصّ إلى مسيحيّين جاؤوا من العالم الوثنيّ.

ج- بنية الرسالة ومضمونها
يسلّم جميع النقّاد أنّ يع مؤلفة من سلسلة من التحريضات الأخلاقيّة، منها القصيرة ومنها الطويلة. ويحاول بعضهم أن يجدوا لها تصميمًا منطلقين من 1: 9 أو 1: 26. ويظنّ البعض الآخر أنّنا أمام مدراش على هو 10: 2 يتوسعّ في مواضيع مز 12: 2- 6 فتكون مقابلة بين مز 12: 2 ويع 1 (موضوع الإيمان)، وبين مز 3:12 ويع 2 (موضوع الأعمال)، وبين مز 12: 4 ويع 3 (موضوع اللسان)، ومز 12: 5 ويع 4 (موضوع العدوة مع الله)، ومز 12: 6 ويع 5 (موضوع ظلم الفقراء). ولكنّ معظم النقّاد يَعْدِلون عن البحث عن وحدة في تصميم يع فينشئون مخطّطاً كهذا أو يشبهه.
1: 1: العنوان والتحيّة.
1: 2- 4: الفرح وسط المحن.
1: 5- 8: الصلاة لطلب الحكمة من الله.
1: 9- 11: كيف نقيِّم الفقر والغنى؟
1: 12: السعادة بعد المحنة التي تغلّبنا عيها.
1: 13- 15: أصل الخطيئة في التجربة. 
1: 16- 18: صلاح الله.
1: 19- 21: واجباتنا نحو كلمة الله. 
1: 22- 25: نسمع هذه الكلمة ونعيش بموجبها.
1: 26- 27: الديانة الحقّة.
2: 1- 13: لا محاباة في التعامل مع الناس.
2: 14- 26: الإيمان من دون الأعمال لا يُنَجِّي.
3: 1- 12: المعلّمون وضبط اللسان.
3: 13- 18: الحكمة الحقّة.
4: 1- 10: لا تطلبوا الملذّات، تجنّبوا حبّ العالم وتوبوا.
4: 11- 12: لا نميمة ولا افتراء.
4: 13- 17: لا تكونوا تجّارًا معتدّين بنفوسكم.
5: 1- 6: هجوم على الأغنياء الأشرار.
5: 7- 11: الصبر.
5: 12: تجنّب القَسَم.
5: 13- 18: صلّوا في كلّ الظروف.
5: 19- 20: خلّصوا المؤمنين الضالين.
كان بالإمكان أن نجمع بين هذه المواضيع، تلك التي تتطرّق إلى المحن (1: 2- 4، 12؛ 5: 7- 11)، وإلى الحكمة (1: 5- 8؛ 3: 13- 18) وإلى العمل بكلمة الله (1: 19- 25؛ 2: 14-26)، وإلى النِظرة الحقيقيّة إلى الفقر والغنى (9:1- 11؛ 2: 1- 13؛ 4: 1- 10؛ 5: 1- 11) وإلى ضبط اللسان (1: 19- 21؛ 3: 1- 12؛ 4: 11- 12) والصلاة (1: 5- 8؛ 13:5- 18).
إن لم نجد تصميمًا حقيقيًّا في يع فهذا لا يعني أنّنا لا نجد وحدة متكاملة. فهناك حقيقة ثابتة هي ضرورة الكمال، وتجنّب كلّ رياء وجعل حياتنا العمليّة موافقة لإيماننا الدينيّ، والثقة بالله لا بإغراءات هذا العالم.
ونشير هنا إلى اللغة اليونانيّة النقيّة المطعّمة ببعض العبارات الساميّة المستوحاة من الترجمة السبعينيّة، كما نشير إلى أنّنا لسنا أمام رسالة بكلّ معنى الكلمة (رغم ما نقرأ في 1: 1)، بل أمام تعليم أخلاقيّ كما في الأسفار الحكميّة التي عرفتها التوراة (الأمثال، ابن سيراخ) أو الآداب اليهوديّة (أخنوخ، رسالة أرستيس، وصيّات الآباء الإثني عشر) أو كتب التعليم المسيحيّ في بداية الكنيسة (رسالة برنابا، راعي هرماس).
وهنا نجد تقاربًا بين يع وكتب الرواقيّين من جهة، وأسفار العهد القديم والعهد الجديد من جهة ثانية، لا مجال إلى ذكره الآن.

د- رسالة يعقوب في الكنيسة
نجد تلميحًا أوّليًّا إلى يع في نصوص نجع حماديّ التي اكتشفت في مصر سنة 1945 وتضمّنت فيما تضمّنت نصّين لرؤيا يعقوب (سفر منحول) ورسالة ليعقوب هي غير التي نقرأها في الأسفار القانونيّة.
أمّا أوّل شهادة عن يعقوب فهي شهادة أوريجانس (+ 254) المعلّم في الإسكندريّة (حتى سنة 231). نسب إلى يعقوب الرسول هذه الرسالة وأورد بعضاً من نصوصها (2: 26؛ 4: 4، 10) معتبرًا إيّاها كلام الله، وأعلن أنّ الجماعات المسيحيّة تأخذ بها وإن لم تتبع كلُّها تعليمَها. ويورد أوسابيوس شهادة سابقة لشهادة أوريجانس من إكلمنضوس الإسكندرانيّ. كانت كنيسة الإسكندرية تعتَبر يع رسالة قانونيّة وقد فسّرها ديونيسيوس (+ 265) وديديمس (+ 398) وكيرلّس (+ 444) وأوردوا مقاطع منها وجعلوها بين أسفارهم القانونيّة (أثناسيوس، رسالة العيد رقم 39).
هذا في الإسكندرية، أمّا في فلسطين فسيتحدّث أوسابيوس في تاريخه الكنسيّ عن يعقوب البارّ وأسقف أورشليم وأخ الربّ والشهيد. وينهي عرضه فيقول: "هذا ما يتعلّق بيعقوب الذي منه أولى الرسائل الكاثوليكيّة.. يجب أن نعرف أنّ هذه الرسائل تُقرأ جهارًا مع غيرها في عدد كبير من الكنائس". ثمّ يميّز الأسفار التي تأخذ بها كلّ الكنائس من التي هي موضوع جدال مثل رسالة يعقوب. وفي مكان آخر يتحدّث عن يع على أنّها أحد الأسفار المقدّسة. ويمكننا أن نورد شهادة كيرلّس الأورشليميّ (+ 386) وغريغوريوس النازيانزيّ (+ 390) وإبيفانيوس (+ 403) ويوحنّا فم الذهب (+ 398). ونضمّ إلى هذه الشهادات نصوصَ الكتاب المقدّس التي تحتوي يع وهي مخطوطة الإسكندريّة اليونانيّة ومخطوطة سيناء اليونانيّة والترجمة السريانيّة البسيطة والترجمات القبطيّة.
لا نجد ذكرًا لرسالة يعقوب في قانون موراتوري ولا عند إيريناوس، وسننتظر القرن الرابع لتدخل يع في عداد الأسفار المقدّسة لدى الكنائس اللاتينيّة. وذلك بتأثير من أثناسيوس الإسكندريّ وإيرونيموس وهيلاريوس. بعد هذا تضمّنت اللوائح في رومة (382) وهيبّونه وقرطاجة (393، 397، 409) رسالة يعقوب.. وفي 5 نيسان 1546 سيعلن المجمع التريدنتينيّ بصورة رسميّة قانونيّة رسالةِ يعقوب.

هـ- التعليم الدينيّ في رسالة يعقوب
هناك نقاط دينيّة عديدة تتطرّق إليها يع

1- التعليم الأخلاقيّ
أراد الكاتب قبل كلّ شيء أن يقدّم تعليمًا أخلاقيًّا. فجاءت توصياته المستوحاة من العهد القديم في أسفاره الحكميّة على مواضيع دون أخرى ذكرناها في مضمون الرسالة. غير أن أبعادها أسمى من تلك التي نجدها في أسفار العهد القديم. فهي لا تعتمد على النظرة إلى فائدة دنيويّة بل إلى يقين أساسيّ وهو أنّنا نتمّ إرادة الله ونتقرّب منه (1: 30؛ 2: 5 ي؛ 4: 5 ي) فننالُ منه خيراتٍ روحيّةً في هذه الدنيا وفي الأخرى (1: 2- 4، 12، 2: 5، 13، 36؛ 5: 7- 20).
والتعليم الاجتماعيّ الذي نجده في يع يرتبط أيضاً بالتقاليد المسيحيّة. فكاتبها يعود إلى كرامة الفقراء على خطى الأناجيل ورسائل القدّيس بولس (مت 5: 3؛ 11: 5؛ 1 كور 1: 26- 31). فهؤلاء الفقراء قد حصلوا على وعد يَتِمُّ لهم في نهاية الأزمنة بعد أن يكونوا احتملوا محنهم (1: 9، 12؛ 2: 5 ي؛ راجع مت 5: 10- 12؛ 1: 7 ي؛ 2 كور 4: 7 ي؛ روم 8: 17 ي). ولهم الحقّ أن يتّخذوا الوسائل ليحسّنوا وضعهم الحاضر (2: 5-7؛ 13:4 ي؛ 5: 4 ي). أمّا الأغنياء فهو لا يحكم عليهم ولا يحرمهم من مغفرة الله، بل يدعوهم إلى التأمّل في زوال خيراتهم (1: 10 ي). فيجب عليهم أن لا يحتقروا الفقراء أو يعاملوهم معاملة سيئة (2: 6 ي)، ولا أن يستغلّوهم (5: 1- 6). وما نلاحظه هو أنّ الكاتب لا يدعو إلى العنف ضدّ الأغنياء، بل يدعو الفقراء إلى الصبر إلى يوم مجيء الربّ (7:5 ي؛ اج مت 38:5- 42؛ 1 كور 6: 7 ي؛ روم 12: 14 ي).

2- مسائل لاهوتيّة
لا تتطرّق يع إلى مسائلَ لاهوتيّةٍ إلاّ لمامًا، وذلك لكي تبرّر الموقف الأخلاقيّ الذي تقدّمه. فالله هو إله العهد القديم وكما يوحي به العهد الجديد (1: 17 ي؛ 2: 5، 13، 23). يسوع هو المسيح والمخلّص والربّ الممجّد (1: 1؛ 2: 1) الذي يُدعى اسمُه على المؤمنين وعلى المرضى (2: 7؛ رج أع 2: 21؛ يع 5: 14؛ رج أع 3: 7). وهناك مقاطع ترجعنا إلى ممارسات عباديّة واحتفالات عماديّة. نورد بعض الأمثلة على ذلك: في 2: 2 يشير الكاتب إلى المكان الذي يجتمع فيه المسيحيّون للصلاة والإستماع إلى الوعظ. ويشير أيضاً إلى الجسد والأعضاء، إلى البركة واللعنة (3: 10) إلى الكلمة التي تلدنا لنكون باكورة للربّ (1: 18) إلى العبادة والديانة الحقّة (1: 26 ي) إلى المعلّمين والشيوخ (3: 1ي؛ 5: 14)، إلى الأناشيد والصلوات والاعتراف المتبادل (13:5- 16).
ويشدّد الكاتب على بعض المواضيع بصورة خاصّة: موضوع الحكمة أو الطريقة التي بها نتصرّف حسب نظر الله وإلهاماته العلويّة (1: 5- 8؛ 3: 13- 17). موضوع الخطيئة التي تشمل جميع البشر (3: 2). يتطرّق الكاتب إلى أصلها الحقيقيّ (1: 13- 15؛ 4: 17)، وخطورتها وإمكانيّة الحلّ منها (5: 15 ي). ويشير إلى موضوع الصلاة فيتوقف عند صفاتها السلبيّة والإيجابيّة، عند ظروفها وفوائدها (5:1- 8؛ 3:4؛ 13:5- 20).
ويتأمّل الكاتب في موضوع الإيمان بطريقة جزئيّة. فهو لا يذكّر قراءه المعمَّدين (18:1 ي) بما يجب أن يعرفوه عن أصل هذه الفضيلة المجّانيّة (رج روم 3: 22- 28). بل يلمّح بطريقة مختصرة إلى طابع الالتزام الواثق (1: 6، إيمان لا يداخله ريب، 5: 1) وإلى غرضها الذي هو ربّنا يسوع المسيح (2: 1) والله الواحد (2: 19)، ثمّ يغفل ما عليه يشدّد القدّيس بولس عنيت به النتائج المباشرة لهذا الالتزام: خلاص من الخطيئة، مشاركة في حياة الله (رج روم 5: 12- 21). ولا يقول كلمة عن سبب وجود هذه النتائج: إرادة الله الخلاصيّة الشاملة التي تتحقّق في مجيء المسيح وذبيحته (رج روم 3: 21 ي؛ 5: 1ي؛ 3: 1ي) فيكتفي بأن يذكّرنا بأنّ الإيمان المسيحيّ ليس التصاقًا عقليًّا (1: 19). فإذا أردناه خلاصيًّا فرض علينا أن يوجّه كلّ أعمالنا كما وجّه أعمال إبراهيم وراحاب (2: 14- 26). في هذا المجال تلتقي يع مع تعليم القدّيس بولس الذي يطلب من المسيحيّين المبرّرين بعمل المسيح أن يمارسوا بدورهم الأعمال التي يتطلّبها إيمانهم الجديد (كل 5: 6، 16 ي؛ 1 كور 13: 1ي؛ روم 12: 1ي؛ رج أف 2: 10). نحن لا نعارض هنا يعقوب ببولس، ولا نتساءل مَنْ أثّر على الآخر مع أنّ يع كُتبت بعد رسائل القدّيس بولس. فما كان على يعقوب أن يقدّم ردّة فعل على تعليم سابق، بل أن يحارب تراخيًا أخلاقيًّا ستعرفه الغنوصيّة في القرن الثاني المسيحيّ.

3- مسحة المرضى
ويعود يعقوب في نهاية رسالته إلى موضوع الصلاة ويقدّم توصية خاصّة (5: 14- 15). يطلب من المسيحيّ المريض الذي وهن جسدُه فما عاد يقدر أن يخرج من بيته، أن يدعوَ شيوخ الكنيسة ليصلّوا عليه ويمسحوه بالزيت باسم الربّ. ويحدّد أنّ هذِهِ الصلاةَ التي ينعشها الإيمان الواثق (رج 1: 5- 8) تخلّص المريض وتعافيه وتحصل له على غفران الخطايا التي يمكن أن يكون اقترفها (5: 15).
نجد في هذه التوصيةِ أكثرَ من رجوع إلى ممارسة موهبة مسيحيّة تحدّث عنها القدّيس بولس (1 كور 12: 9) هي موهبة الشفاء، وأكثر من تلميح إلى عادة زيارة المرضى التي أوصى بها ابن سيراخ (7: 35) أو يسوع (مت 25: 35 ي) أو بولس (روم 12: 15) أو يعقوب (1: 27). فالنصيحة المعطاة تصيب المريض نفسه وتميّزه عن المتألّمين العاديّين (5: 13). فهو من يدعو زوّاره الذين ليسوا أهلاً وأصدقاء وجيرانًا ولا طبيبًا أو شافيًا، بل شيوخ الجماعة المسيحيّة في المكان الذي يقيم فيه. ففي زمن كتابة الرسالة كان لهؤلاء الشيوخ سلطات دينيّة واسعة تتميّز عن تلك التي لشيوخ الجماعة الوثنيّة أو اليهوديّة. وعمل الزائرين المدعوّين هو عمل ليتورجيّ لا عمل علاجيّ: صلاة الإيمان، مسحة باسم الربّ ترتبط بصلاة الإيمان. وافتراض المريض الذي اقترف بعض الخطايا أو لم يقترف يشدّد على الصفة الروحيّة للنتيجة المترقّبة ويُبعد الفكرة اليهوديّة التي تربط بين الخطيئة والمرض.
وهذا ما يدفعنا إلى أن نفكر أنّ 5: 14- 15 تشهد على تقليد جاءنا من يسوع والرسل. فهؤلاء نالوا من المسيح خلال رسالتهم الجليليّة السلطان على شفاء المرضى بعد مسحهم بالزيت (مر 6: 13)، وسلّموا هذا السلطان إلى خلفائهم (رج مر 16: 18 التي كتبت فيما بعد). في هذا الإطار فهم المجمع التريدنتينيّ هذه المسألة، وسيشدّد المجمع الفاتيكانيّ الثاني على أنّ هذا السرّ، سرّ مسحة المرضى، لا يُعطى فقط للمرضى، بل عندما يبدأ المؤمن بالدخول في خطر الموت نتيجة ضعف جسديّ أو بسبب الشيخوخة.
الفصل الثالث عشر
رسالة القدّيس بطرس الأولى

تقدّم الرسالةُ نفسَها على أنّها عمل بطرس رسول يسوع المسيح (1: 1) الذي هو شيخ بين الشيوخ (5: 1) والشاهد لآلام المسيح (5: 1). يشير النصّ إلى بطرس، هامة الرسل الذي اختاره يسوع (مر 3: 13 ي) ليرعى قطيع الربّ (يو 21: 15 ي). ويكون شاهدًا للمسيح (أع 1: 22 و 2: 32 و 10: 41).

أ- بطرس الرسول
يحتلّ بطرس مكانة هامّة في الإنجيل كرئيس الرسل. وهو في أعمال الرسل قائدُ الجماعة الأولى في أورشليم. ولكنّنا لا نعرف الشيء الكثير عن فترة حياته من مجمع أورشليم (حوالي سنة 49) حتّى موته شهيدًا في رومة (حوالي السنة 64- 67). مارس رسالته بالدرجة الأولى لدى اليهود كما تقول الرسالة إلى غلاطية (2: 7). ولكنّه لعب دور الريادة في تبشير الوثنيّين حين عمّد الضابط كورنيليوس (أع 10: 1ي). قدّر بولسُ كيفا (اسم بطرس في الآراميّة) قدره كأوّل شاهد للقيامة (1 كور 15: 5) ولكنّه تصادم وإيّاه في أنطاكية. كان بطرس يأكل مع المرتدّين الجدد من الوثنيّة، ولما جاءت جماعة يعقوب تنحّى وتنحّى معه برنابا. أحسّ بولس في هذا العمل أنّ بطرس يرفض حقيقة الإنجيل (غل 2: 14)، لا على مستوى المبادئ (غل 2: 15 ي)، بل على مستوى التطبيق العمليّ.
بعد هذه الحادثة الخطيرة، أقام بطرس مدّة طويلة في أنطاكية كما يشهد التقليد القديم في هذه الكنيسة، ثمّ توجّه، على ما يبدو، إلى كورنتوس (رج 1 كو 1: 12). ولكن نتساءل: هل قام بطرس برسالة في مقاطعات آسية الصغرى التي تتوجّه إليها الرسالة الأولى، هل ذهب إلى بنطس وغلاطية وكبادوكية وآسية وبيثينية؟ لا شيء يؤكّد ذلك ولا شيء ينفيه.
متى وصل بطرس إلى رومة؟ لا نملك التاريخ الأكيد. فحين كتب بولس إلى أهل رومة في شتاء سنة 57- 58، لم يشر إلى بطرس. وحين روى القدّيس لوقا حياة الأسر التي قضاها بولس في عاصمة الإمبراطوريّة فهو لا يتكلّم أيضاً عن بطرس. لكنّ الشيء الأكيد هو أنّ رئيس الرسل مات شهيدًا في رومة. فقبره كان موضع تكريم منذ القرن الثاني على ما يقول الكاهن غايوس في نصّ حفظه لنا أوسابيوس القيصريّ: "أمّا أنا فأقدر أن أبرز الأسلاب التي هي علامة انتصار الرسل. فإذا أردت أن تذهب إلى الفاتيكان أو إلى طريق أُستيا، تجد أسلاب الذين أسسّوا هذه الكنيسة". والحفريّات التي أجريت تحت قبّة مار بطرس في رومة قدّمت الدليل المؤثّر على هذا التقليد. فمنذ القرن الثاني بدأ الحجّاج يأتون إلى هذه الأمكنة يطلبون حماية صيّاد بيت صيدا المتواضع الذي جعل منه يسوع أساس كنيسته.
قدّمت لنا رسائل القدّيس بولس المعطياتِ الكثيرةَ عن حياته الرسوليّة. أمّا رسالتا بطرس فلا تحملان إلاّ القليل من المعلومات الشخصيّة. تبدوان بشكل رسالة دوّارة، تنتقل من موضع إلى آخر وتتطرّق إلى مواضيع عامّة دون أن تُعْلِمَنا بالعلائق الخاصّة التي تربط كاتبها بالذين يكتب إليهم. لهذا وضعت رسالتا بطرس بين الرسائل الكاثوليكيّة السبع، أي الرسائل العامّة، لأنّها تتوجّه إلى الكنيسة كلّها.

ب- عنوان الرسالة وخاتمتها
يقدّم الكاتب نفسه: أنه رسول يسوع المسيح. وهو يتدخّل كشيخ قديم فيحرّض كهنة الجماعة على ممارسة وظائفهم (5: 1). وبما أنه الشاهد لآلام المسيح والمشارك في مجده العتيد، يحقّ له بشكل من الأشكال أن يشجعّ المؤمنين على الثبات في المحنة. 
كتب رسالته من بابل (5: 13)، أي من رومة التي سمَّتها الرؤى اليهوديّة والمسيحيّة (رؤ 17: 5؛ 18: 10، 21) مدينة الدماء والزنا. لم يكتب بطرس رسالته بيده ولكن دوّنها سلوانس، الأخ الأمين، الذي عمل عمل السكرتير. وهذا يعني أنّ بطرس أملى عليه كما أملى بولس على ترثيوس رسالته إلى الرومانيّين (16: 22)، أو أنّ بطرس أعطى سلوانس الأفكار العامّة وتركه يكتب بطريقته الخاصّة.
من هو سلوانس؟ هو ولا شكّ سيلا، ذلك النبيّ في جماعة أورشليم الأولى (أع 15: 22، 40) الذي رافق بولس في رحلته الرسولية الثانية. قدّر رسول الأمم خدماته خير تقدير، وأورد اسمه مرّتين في رأس اثنتين من رسائله، في 1 تس 1: 1 وفي 2 تس 1: 1 .
وتورد الرسالة أيضاً اسم مرقس "ابني" (13:5). فالعلاقة حميمة بين بطرس ومرقس، وأمّ هذا كانت تستقبل في بيتها مؤمني أورشليم. فحين نجا بطرس من سجنه جاء وقرع باب بيتها (أع 12: 12- 17). في البداية، رافق مرقس بولس في رسالته. ولكنّ مرقس سيترك رسول الأمم (أع 13: 13). فيقرّر بولس أن لا يرافقه من فارقه في بمفيلية وما شاركهـما في العمل (أع 15: 38). حينئذ التحق مرقس ببطرس وصار له ترجمانًا. ولأنّه حمل هذا اللقب دوّن باسمه الإنجيل الذي نسمّيه إنجيل مرقس.

ج- مَن كتب 1 بط؟ 
هناك ثلاثة آراء:

الرأي الأوّل
بطرس هو نفسه كاتب الرسالة. هذا هو الرأي العامّ المؤسسّ على إشارات في الرسالة نفسها وفي التقليد الآبائيّ. وهذا هو رأي شرّاح عديدين يعتبرون البراهين المعارضة غير مقبولة.
بطرس هو رسول يسوع المسيح، والشاهد لآلامه وموته، والمسؤول عن رعاية القطيع، وصاحب الطبع العفويّ (1: 8؛ 2: 3؛ رج مر 9: 5؛ يو 6: 68)، والذي يعالج في رسالته مواضيع سبق له وعالجها في عظاته الواردة في أعمال الرسل (2: 14 ي؛ 12:3 ي..).
ولكنّ هناك اعتراضاتٍ : لغة الرسالة يونانيّة أنيقة، فأين تَعَلَّمها بطرس؟ ثمّ إنّ القسم الثاني (4: 12 ي) من الرسالة يلمّح إلى اضطهادات دوميسيانس (+ 96) أو ترايانس سنة 110- 111 على ما يقول المؤرّخ الرومانيّ بلينوس الأصغر في رسالته 96 (رج 4: 16). فكيف يكتبها بطرس وهو الذي توفّي على أبعد تقدير سنة 67 وفي أيّام نيرون؟ والاعتراض الثالث، قرْب أفكار 1 بط من أفكار رسائل القدّيس بولس. وسنعود إلى هذا فيما بعد فنبيّن أنّنا أمام تقليد واحد غرف منه كتّابُ العهد الجديد. 
ونُجيب: تمتّعت الجليل بمعرفة اليونانيّة والآراميّة وهي القريبة من وسائل الاتّصال بين العالم اليونانيّ والعالم الساميّ. ثمّ إنّ الرسالة مقالة واحدة تشير إلى الآلام عينها وإلى الفرح عينه (1: 6؛ 13:4) والسعادة عينها (3: 14؛ 4: 14) والمجد عينه (3: 17؛ 4: 14، 5- 10) والطاعة عينها (2: 13- 18؛ 4: 15) ومثال يسوع المتألّم (1: 11؛ 2: 21؛ 3: 18؛ 4: 13) وإرادة الله الواحدة (3: 17؛ 4 : 19).

الرأي الثاني
سلوانس هو الكاتب وإليه تشير الرسالة (5: 12). دعاه بطرس ففعل (5: 12- 14) أو انتظر موت بطرس فدوّن سنة 80- 95 فذكّر بالتعليم العماديّ وشجّع المؤمنين في محنتهم. ولكن كيف نفهم المديح الذي يكيله سلوانس لنفسه: إنّه أخ أمين. ثمّ لماذا لا يقول كلمة عن بطرس الذي يعرفه القرّاء ولا عن بولس؟

الرأي الثالث
كاتب الرسالة مجهول الاسم. دوّنت الرسالة في عهد ترايانس وأرسلت باسم بطرس في نهاية القرن الأوّل. واعتَبر هذا الرأي أنّ الرسالة رسالتان. تنتهي الأولى بالمجدلة في 4: 11: "له المجد والعزّة إلى دهر الدهور. آمين"، وتبدأ الثانية في 4: 12: "أيّها الأحبّاء". ولكنّ هذا الرأيَ مردودٌ وهو أضعف الآراء. أمّا نحن فنقول إنّ صاحب الرسالة هو بطرس الذي دوّنها بمؤازرة سلوانس. فتحدّث عن الاضطهادات التي لحقت بالكنيسة في أيّام نيرون.

د- لمن كُتبت 1 بط؟
إن 1 بط هي رسالة دوّارة وجّهها كاتبها إلى الجماعات المسيحيّة المشتّتة في بنطس. وغلاطية وكبادوكية وآسية وبيثينية. وهي ضمن مقاطعات تقع في الشمال والشمال الغربي من تركيا الحاليّة. اثنتان منهما تلقّتا البشارة على يد بولس الرسول وهما: غلاطية التي مرّ فيها في رحلته الثانية والثالثة، وآسية بعاصمتها أفسس التي أقام فيها زمنًا يزيد على السنتين (أع 19: 1ي). إذا عُدنا إلى سفر الأعمال نعرف أنّ بولس مُنع من الدخول إلى بيثينية (16: 7). أمّا بنطس وكبادوكية فلا يُعلِمُنا بأمرهما العهد الجديد. وما نقرأه في أع 2: 9 لا يُعرِّفنا بطريقة ملموسة إلى هُوِيَّة تلاميذ بطرس الأُوَل، بل يريد أن يبيّن أن الإنجيل وصل إلى المسكونة كلّها. ثمّ إنَّ لا شيء يشير إلى أنّ بطرس زار هذه المقاطعات. فما يبدو معقولاً هو أنّ بعض التلاميذ دفعهم الروح القدس فحملوا بشارة المسيح إلى هذه الأصقاع البعيدة (1: 12). وما نقرأه عند بلينوس الأصغر يُعَرِّفنا أنّ المسيحيّة تجذّرت تجذّرًا ثابتًا في بيثينية منذ بداية القرن الثاني.
حين نتحدّث عن هذه المقاطعات الخمس، لن نتوقّف على المعنى السياسيّ بل على المعنى الأثني أو الشعبي الذي يدلّ على مناطق شاسعة. ثمّ إنّه أورد المناطق الخمس متتبّعًا الطريق التي سيسلكها حامل الرسالة.
وكما سُميّ اليهود العائشون خارج فلسطين الغرباء في أرض الشتات (يو 7: 35) هكذا يسمّي بطرس قرّاءه. نفهم هذا بالمعنى المادّيّ، وبالأحرى بالمعنى الرمزيّ، وخطّ الرسالة خطّ إسكاتولوجيّ يوجّه أنظارنا إلى نهاية الزمن.
من أين يأتي القرّاء؟ من العالم الوثنيّ وهذا واضح من الإعتبارات التي نقرأها في 1: 18 (سيرتكم الباطلة التي ورثتموها عن آبائكم) و 4: 3 (مجاراة الأمم، عبادة الأوثان). ولكنّ بطرس يفترض أنّ هذه الجماعات تقرأ بصورة متواترة الكتاب المقدّس في نصّ السبعينيّة. فالتلميحات العديدة والنصوص الكتابيّة الواردة لا يفهمها إلاّ الذي تآلف ونصَّ الكتاب المقدّس. كانوا في الماضي جُهّالاً (1: 14) بتفكيرهم وسلوكهم، وكانوا عائشين على هامش شعب الله (2: 10)، فصاروا اليوم شعب الله بعد أن نالوا رحمة الربّ.
وكتب القدّيس بطرس رسالته إلى أبناء المدن الذين يستطيعون أن يفهموا اللغة اليونانيّة الأنيقة التي تتحلّى بها الرسالة، لأنّ أبناء الريف احتفظوا بلغاتهم الأصليّة (رج أع 14: 11). بعض هؤلاء كانوا يعيشون في بحبوحة (13:2- 17؛ 3: 1- 6). 
ولكنّ أكثرهم كانوا من صغار القوم، من العمّال والصنّاع والعبيد (2: 18- 25؛ رج 1 كو 1: 26 ي). إذا قابلنا 1 بط مع سائر أسفار العهد الجديد، نلاحظ أنّ هذه الأسفار تعالج مسألة الغنى (يعقوب، لوقا)، بينما يتحفّظ بطرس فلا يورد إلاّ مقطعًا تقليديًّا يحارب فيه ترف النساء (3: 3).
وما يجمع بين هذه الجماعات المشتّتة وسط عالم مُعاد هو روح الأخوّة (5: 9). فهي عُرضة لتهديدات خطيرة. ولهذا يكتب إليها بطرس ليعزّيَها في شدائدها ويبيّنَ لها معنى المحنة في عناية الله. وإذ نقرأ بعض الآيات نكتشف طبيعة هذه الأزمة: "أيّها الأحبّاء، لا تتعجّبوا مَّما يصيبكم من محنة تصهركم بنارها لامتحانكم كأنّه شيء غريب يحدث لكم" (4: 12). " فاثبتوا في إيمانكم وقاوموه (أي إبليس) عالمين أنّ إخوتكم المؤمنين في العالم كلّه يعانون الآلام ذاتها" (5: 9). هل نستطيع أن نتعرّف إلى الاضطهاد الذي تشير إليه الرسالة؟

هـ- اضطهاد المسيحيّين
هناك تفسير مألوف يقول إنّ 1 بط تشير إلى الاضطهاد الذي شنّه نيرون ضدّ المسيحيّين بعد حريق رومة في شهر تمّوز سنة 64. كان لابدّ من إيجاد المذنبين لتهدئة غضبة الشعب فاعتُبر المسيحيّون سبب هذا الحريق وأُُسلِموا إلى الوحوش والعذاب في النار. وترك لنا تاقيتس عن هذا الإضطهاد الدمويّ مقطعًا قال فيه: "قدّم نيرون كمتّهمين وسلّم إلى أقسى العذابات أُناسًا مبغَضين بسبب دناءتهم ويسمّيهم الشعبُ مسيحيّين. بدأوا يلاحقون الذين يقرّون. وبناء على إقرارهم اتّهموا جمعًا كبيرًا لا لجريمة حرق رومة، بل لعداوتهم للجنس البشريّ".
كان اضطهاد نيرون سريعًا، ولكنّه لم يتعدّ نطاق رومة. فما صدر قرار يحرم الاسم المسيحيّ بحدّ ذاته. وأفضل برهان على ذلك ارتباك بلينوس الأصغر، حاكم بيثينية، حين قدّموا إليه مسيحيّين للمحاكمة. كان رجل أدب معروف وما جهل القوانين، ومع ذلك تحيّر فرجع إلى السلطة العليا كما يفعل كلّ موظف صالح. فكتب إلى ترايانس رسالة تشكّل وثيقة رئيسيّة عن نموّ المسيحيّة في آسية الصغرى في بداية القرن الثاني.
لم تبدأ القضيّة من فوق، بل إنّ بعض الناس اشتكوا علنًا أو خفية إلى الحاكم وحذّروه من عدد المسيحيّين في المدينة بل في الريف نفسه. ويبدو أنّه من جرّاء ذلك اضطربت الحياة الاقتصاديّة وهُدِّدَ النظام العامّ. عمل بليتوس أوّلاً للحصول على تراجع من قِبَلِ المتّهَمين وعلى فعل ولاء للإمبراطور المؤلَّه. قال: "سألتهم إن كانوا مسيحيّين. فالذين أقرّوا بذلك سألتهم مرّة ثانية ومرّة ثالثة وهدّدتهم بالعذاب. فالذين ثبتوا على موقفهم أعدمتهم. فمهما يكن من أمر إقرارهم، فلقد. تأكّد لي أنه يجب معاقبة هذا العناد وهذا التصلّب الذي لا يلين.
"وأُلْصِقَ إعلانٌ غيرُ موقع يتضمّن عددًا كبيرًا من الأسماء. فالذين أنكروا أنهم مسيحيّون أو أنّهم كانوا مسيحيّين فتوسّلوا إلى الآلهة حسب العبارة التي أمليتها عليهم، وضعوا البخور والنبيذ أمام صورتك التي جئت بها لهذه الغاية مع أصنام الآلهة، وجدّفوا على المسيح (وهذه أمور لا نقدر أن نحصل عليها من المسيحيّين الحقيقيّين)، فكّرت أنّه يجب عليّ أن أطلق سراحهم".
ولقد ساعد البحث بلينوس على التثبّت من أنّ بعض المسيحيّين تركوا إيمانهم منذ ثلاث سنوات أو حتّى منذ عشرين سنة، وهذا يعود بنا إلى زمن دوميسيانس الذي هاجمه سفر الرؤيا بسبب ادّعاءاته التي تُدنّس اسم الله.
وانطلق بعض الشرّاح من رسالة بليتوس هذه فاعتبروا أنّ 1 بط دُوِّنَتْ خلال الإضطهاد ضدّ المسيحيّين في بيثينية. ولكنّ هذا القولَ مردود بسبب العلاقة الوثيقة بين 1 بط والقدّيس بطرس. ثمّ إنّ 1 بط تشير إلى 2 بط (2 بط 2: 1) ويبدو أنّها كتبت قبلها بزمان. فإذا حسبنا أنّ 1 بط دوّنت في بداية القرن الثاني وأنّ 2 بط دوّنت بعد ذلك الوقت بكثير، لما كانت استطاعت الدخول بين الأسفار القانونيّة.
كلّ هذا يدفعنا إلى القول إنّنا لسنا أمام إضطهاد معلَن ومنظّم، بل في جوّ من الضيق وفي حالة من الخطر الدائم بسبب الحياة الغريبة التي يعيشها المؤمنون وسط عالم وثنيّ. ولْنتوقّفْ على بعض الصعوبات: هناك افترائات (2: 12) على متّهَمين ببغض الجنس البشريّ. إنّهم يؤلّفون تجمّعاتٍ سرّيّةً ويهدّدون النظامَ العامّ (2: 15 ي). والعبيد لا يخضعون لنزوات أسيادهم حين تكون منافية للأخلاق، ونستطيع أن نتصوّر أنّ حالة العبيد من شبّان وشابّات لم تكن سهلة. فدعاهم بطرس ليحتملوا بهدوء العقاب الذي ينتج عن طاعتهم لإرادة الله (2: 20 ي). وكانت الزواجات المختلطة بين وثنيٍّ ومسيحيّةٍ كثيرة. فعلى النساء أن يُظهرن وداعة وصبرًا ليحوّلن ظنون أزواجهن. وأيّ سلوك يسلكه المسيحي أمام جيران أو رؤساء يقلقون من طريقة حياته (3: 15 ي) وبالأخصّ في الأعياد الكبرى التي تَفِيْضُ فيها المدينة ببهجة مبّللة بالخمر والفسق. نتذكّر هنا الاحتفالات في أفسس كل ربيع إكرامًا للإلهة أرطميس، إلهة الخصب.
ولقد كان على المسيحيّ أن يواجه هذا المناخ من الحذر كلّ يوم، وهو أصعب من الإعتراف يومًا واحدًا بإيمانه مخاطرًا بحياته. لا شكّ في أن العاصفة كانت تهبّ بين الفينة والأخرى (4: 12) وما كانت جماعة بمأمن منها (5: 9). إلاّ أنّ بطرس أراد أن يشجّع المؤمنين أمام محنة طال أمدها فبدت ثقيلة على المسيحيّين.

و- أين كتبت 1 بط ومتى كتبت؟
أرسلت 1 بط من بابل (5: 13). أمّا اسم بابل فصار في الكتاب المقدّس رمز العواصم الوثنيّة التي تعادي الشعب المختار (أش 13: 1ي؛ 21: 9؛ 43: 14؛ إر 28: 4؛ 50: 29). وسيستعمل الكتّاب اليهود والمسيحيّون هذا الاسم ليدلّوا على رومة (رؤ 14: 8؛ 16: 19؛ 17: 5 ي، 18: 2، 10، 21، عذرا الرابع 5: 1- 31؛ باروك الثاني 67: 4). ولهذا يعتقد الشرّاحُ عامّةً أنّ بابل تدلّ هنا على عاصمة الإمبراطوريّة الرومانيّة. ثمّ إنّ لا شيء يدفعنا إلى الظنّ أنّ بطرس بشّر بابل القديمة التي كانت خرابًا في أيّامه، أو أنّه بشر تلك القلعة القريبة من ممفيس في مصر والتي يذكرها المؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس. إذًا كتبت 1 بط من رومة، لا من إحدى مدن آسية الصغرى كما يقول بعض الشرّاح.
متى كُتبت 1 بط؟ هناك عناصر تساعدنا على تحديد الوقت الذي كُتبت فيه. فحال القرّاء وأفكار الرسالة تدفعنا إلى أن نقول إنّ 1 بط دوّنت بعد أسفار بولس الأخيرة إلى آسية وتدوينه لرسائله الكبرى. ثمّ إذا اعتبرنا أنّ بطرس هو صاحب الرسالة، وإذا عرفنا أنّه جاء إلى رومة ومات فيها شهيدًا فلا نستطيع أن نتأخّر عن السنة 67. ثمّ إنّ الآباء الرسوليّين (الذين عرفوا الرسل) استعملوا هذا النصّ باكرًا، وهذا ما يمنعنا من القول إنّ الرسالة دوّنت في القرن الثاني كما يظنّ بعض الشرّاح. أمّا الذين يقولون إنّ سلوانس كتب الرسالة فيحدّدون زمن كتابتها بين سنة 64 وسنة 95. والذين يقولون بكاتب آخر فيجعلون زمن تدوينها بين سنة 96 وسنة 111. على كلّ حال، نحن أمام مشكلة نقديّة لا تلزم الإيمان بشكل من الأشكال، والرسالة هي كلام الله. والمهمّ أن نعرف أنّ ذكر بطرس ارتبط برومة حين أُلّفت الرسالة وأنّ سلطته اعتبرت أعظم حافظ للتقليد الرسوليّ.

ز- الفنّ الأدبيّ
اختلف النقّاد في تسمية 1 بط. فقال بعضهم إنّها رسالة، وقال آخرون إنّها عظة، وأكّدت فئة ثالثة أنّنا أمام ليتورجيّا عماديّة.

1- هي رسالة
فالعنوان واضح والسلامات موسّعة ترافقها صلاة (1: 1ي). كلّ هذا يشبه عددًا كبيرًا من الرسائل في ذلك الزمان. أمّا الخاتمة فتشبه خاتمات رسائل القدّيس بولس. وإنْ نقص جسم الرسالة تفاصيل عن الكاتب والقرّاء، إلاّ أنّه يتوافق مع العنوان والسلامات وفعل الشكر، ويستعيد الكلمات المهمّة. وإن قال بعضهم إنّ طابعَ الرسالة لا شخصيّ بمعنى أنّنا لا نحسّ بعلاقة حميمة بين الكاتب والقرّاء. نجيب أصحاب هذا الرأي أنّ الرسالة لا تتوجّه إلى شخص فرد (كما في الرسالة إلى تيطس) ولا إلى كنيسة خاصّة (كما إلى تسالونيكي أوكورنتوس) بل إلى مجموعة واسعة من الكنائس.

2- هي عظة.
فالتحريضات الأدبيّة المتعدّدة تجعل من 1 بط عظة زيد عليها ما يشير إلى الفنّ الرسائليّ (1: 1- 2؛ 5: 12- 14). إلاّ أنّ ما يميّزها عن رسالة يعقوب مثلاً هو أنّ العرض المنطقيّ يحلّ محلّ النقد اللاذع والشكل الحكميّ. تَرِدُ نصوص من العهد القديم، ولكنّها لا ترجع إلى الأسفار الحكميّة، وتذكّرنا المعلّلات التعليميّة بالرسالة إلى العبرانيّين فتتوافق مع هدف كاتب الرسالة الذي يَظهر في الخاتمة: أن يحرّض المسيحيّين على الأمانة رغم المحن، أن يدفعهم إلى الشهادة لِمَا نالوا من نِعَم.

3- هي ليتورجيّا عماديّة
فالتلميحات إلى المعموديّة عديدة (13:1-23). وهذا ما لفت نظر النقّاد فاستنتجوا أنّ الكاتب استعمل عباراتٍ وأفكارًا تعود إلى كرازة عن المعموديّة. فقال بعضهم: الرسالة نسخة عن كرازة عماديّة تستوحي أفكارها من المزمور 34. واعتبر البعض الآخر أنّ القسم الأوّل (1: 3- 4: 11) هو عظة أُلقيت بمناسبة احتفال عماديّ أو هو حفلة معموديّة أُقيمت ليلة عيد الفصح. أمّا القسم الثاني (4: 12- 5: 11) فهو تحريض للموعوظين الذين سيتألّمون بسبب إيمانهم (1: 6؛ 3: 3 ي؛ 4: 6) ولكلّ الجماعة المعرّضة للاضطهاد (4: 12 ي؛ 5: 8- 10).
أمّا نحن فنقول إنّ 1 بط هي رسالة حقيقيّة استقى الكاتب عناصرها المتعدّدة من الكرازة أو الليتورجيّا كيّفها حسب الظروف بشكل تحريض. أراد الكاتب أن يسند المسيحيّين الذين يمرّون في محنة من أجل إيمانهم، فذكّرهم بأصل هذا الإيمان الإلهيّ، وبالالتزام الواجب على كلّ الصعد، وبالخلاص النهائيّ الذي يكلّل جهادنا.

ح- 1 بط وأسفار العهد الجديد
1- 1 بط ورسالة يعقوب
هناك موازاة بين 1 بط 1: 22- 2: 5 ويع 1: 17- 27. أمّا الفكرة الرئيسيّة في هذين المقطعين فهي ولادة المسيحيّ الجديدة انطلاقًا من مبدأ إلهيّ هو كلام الله. نقرأ في 1 بط 1: 23: "وُلدتم ولادة ثانية، لا من زرع يفنى، بل من زرع لا يفنى، وهو كلام الله الحيّ الباقي". ونقرأ في يع 1: 18: "شاء (الآب) فولدنا بكلمة الحقّ لنكون باكورة لخلائقه". والنتيجة التي تنبع من هذه الولادة الثانية تبدو في شكل سلبيّ وفي شكل إيجابيّ: "فانزعوا عنكم كلّ خبث ومكر ونفاق وحسد ونميمة" (2: 1). "فانبذوا كلّ دنس وكلّ بقيّة من شرّ" (يع 1: 21). وفي شكل إيجابيّ يقول يعقوب 1: 21 ب: "وتقبّلوا بوداعة ما يغرس الله فيكم من الكلام القادر أن يخلّص نفوسكم". وتعبّر 1 بط 2: 2 عن الفكرة ذاتها: "ارغبوا كالأطفال الرضّع في اللبن الروحيّ الصافي حتّى تنمُوا به للخلاص". فاللبن رمز الكلمة: وحين يتغذّى الإنسان من الكلمة يصل إلى الخلاص. وهناك نتيجة ثانية لولادة المسيحيّ الجديدة: بعد أن تخلّى المسيحيّ عن كلّ شرّ وأطاع الله الذي ولده، يقدر أن يقدّم حياته ذبيحة روحيّة لله (1 بط 2: 5؛ يع 1: 26- 27).

2- 1 بط ورسالة يوحنّا الأولى
إنّ 1 يو 2: 29- 3: 2 تقابل 1 بط 1: 2- 5. فموضوع الولادة الإلهيّة هو قلب هذين المقطعين: مبارك الله لأنّه ولدنا ثانية (1 بط 1: 3): صرنا أبناء الله (1 يو 3: 1) بعد أن وَلَدَنا الله (1 يو 2: 29؛ رج 3: 9). مبدأ ولادتنا في رسالة بطرس رحمة الله. وفي رسالة يوحنّا محبّة الله. وهذه الولادة الإلهيّة التي تَمَّتْ منذ الآن توجّهنا إلى حالة من الكمال ستتجلّى (1 يو 2:3؛ 1 بط 1: 5) عند مجيء المسيح (1 يو 28:2؛ 1 بط 1: 7). أجل، بدأ مصير المسيحيّ العلويّ منذ الآن بالولادة الإلهيّة، وسيتفتّح حين تنكشف الحقائق الإسكاتولوجيّة.
والنتيجة؟ قال 1 يو 33: "ومن كان له هذا الرجاء طَهَّرَ (أو قدّس) نفسَه كما أن المسيح طاهر" (أو قدّيس). وقال 1 بط 1: 15: "كونوا قدّيسين في كلّ ما تعملون على مثال القدّوس الذي دعاكم". وكيف يتقدّس المسيحيّ، كيف يتجنّب الخطيئة؟ بفعل المسيح الذي ظهر ليزيل الخطيئة ويدمّر أعمال إبليس (1 يو 3: 5: 8). فالمسيح يعطي البشر مبدأ حياة ويقوّيهم لئلاّ يخطأوا (1 يو 3: 9). وهذا ما يقوله 1 بط 1: 18- 20: ظهر المسيح في الجسد وافتدانا من سلوك ورثناه عن آبائنا أي من الخطيئة التي تُمَيِّزُ العالم الوثنيّ. أجل، لم يكفّر المسيح خطايانا السابقة فحسب، بل هو يخلّصنا من عالم شرّير تسود فيه الخطيئة ليُدْخِلَنا في عالم نورانيّ تملك فيه القداسة. ولقد نجونا بدم الحمل (1 بط 1: 9) الذي يحمل خطايا العالم (يو 1: 29، 31).
ونعود من جديد إلى الولادة الثانية في 1 يو 3: 9: "كلّ مولود من الله لا يعمل الخطيئة لأنّ زرع الله ثابت فيه". وهذا الشيء قاله 1 بط 1: 23: "فأنتم ولدتم ولادة ثانية، لا من زرع يفنى بل من زرع لا يفنى. وهذا الزرع هو كلام الله" (رج يو 1: 12- 13)، ويتساءل يوحنّا: كيف يتميّز أبناء الله الحقيقيّون عن أبناء إبليس؟ أبناء إبليس لا يحبّون إخوتهم. إذًا المحبّة تميّز المولود من الله (1 يو 3: 10) أمّا 1 بط 1: 33 فقال: "أحبّوا بعضكم بعضاً من صميم القلب".

3- 1 بط ورسالة القدّيس بولس إلى تلميذه تيطس
يبدأ القدّيس بولس فيعدّد واجباتِ الشيوخ الموكّلين على الجماعة المسيحيّة (تي 1: 5- 9)، ثمّ واجباتِ الرجال والنساء والعبيد (تي 2: 1- 10). بعدها يتطرّق إلى الخضوع للسلطات العامّة (تي 3: 1- 3). هذه هي المواضيع التي يعالجها القسم الثالث من 1 بط. ونلاحظ موضوع الخضوع، خضوع العبيد لأسيادهم، والنساء لرجالهنّ، والمؤمنين للسلطات العامّة.. والهدف: سلوك المسيحيّ الصالح يفحم الوثنيّين الذين يَتَّهِمونه (1 بط 12:2؛ 2:3؛ تي 5:2، 10).
بعد هذه التنبيهات الخاصّة، يدعو بولس قُرّاءه بواسطة تيطس أن يبدِّلوا حياتهم (تي 2: 11-14). وهذا ما يتوافق مع 1 بط 1: 13-16: "لا تتبعوا شهواتكم". وتبديل الحياة مبنيّ على رجاء الخيرات الإسكاتولوجيّة. قال بولس: "نمتنع عن الكفر وشهوات هذه الدنيا لنعيشَ بتعقّل وصلاح وتقوى في العالم الحاضر منتظرين اليوم المبارك الذي نرجوه، يوم ظهور مجد إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح الذي ضحّى بنفسه من أجلنا حتّى يفتديَنا من كلّ شرّ" (تي 12:3-14). وهذا ما يقوله 1 بط 1: 13- 15، 18؛ 2: 9. يستند المسيحيّ إلى الرجاء الإسكاتولوجيّ فيبدّل حياته الأخلاقيّة لأنّ المسيح افتداه وخلّصه ليؤلّف شعب الله الجديد.
ونجد مواضيعَ مشتركةً بين تي 3: 5- 7 و 1 بط 1: 3- 5. ونورد نصّ تيطس: "برحمته (1 بط 1: 3) خلّصنا (1 بط 1: 5) بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي أفاضه علينا وافرًا بيسوع المسيح (1 بط 1: 3) مخلِّصِنا لنتبرّر بنعمته ونصير ورثة (1 بط 1: 4) برجاء (1 بط 1: 3) الحياة (1 بط 1: 3) الأبديّة". نلاحظ هذه المواضيع البولسيّة: معارضة بين التبرير بالأعمال والتبرير بنعمة الله، وموضوع التجديد الذي يضاف إلى موضوع الولادة الجديدة. لقد حلّ الروح القدس محلّ الكلمة كمبدأ لولادتنا الجديدة، وهذا الروح أفيض علينا (رج أف 2: 4- 10؛ كو 3: 10؛ روم 5: 5). 
المواضيع التي قرأناها في 1 بط هي عينها التي نجدها في تيطس. غير أنّ 1 بط ينطلق من العامّ إلى الخاصّ ليعرض الحياة المسيحيّة، أمّا تيطس فينطلق من الخاصّ إلى العامّ: واجبات المسيحيّين الخاصّة، ثمّ ضرورة الارتداد، وأخيرًا مصير المسيحيّين الإسكاتولوجيّ.

4- 1 بط ورسالة القدّيس بولس إلى أهل رومة
يتطرّق بولس في روم 6: 1 ي إلى المعموديّة التي توحّدنا بموت المسيح وقيامته. ونتيجة هذا الاتّحاد تبديل حياة جذريّ: صُلب الإنسان العتيق ومات (رج 1 بط 1: 14- 15). ويتوسع القدّيس بولس في هذا فيقول: يصير تبديل حياتنا ممكنًا لأنّنا نجونا من عبوديّة الخطيئة فاستطعنا أن نخدم الله والِبرّ (روم 6: 18، 22). يحدّثنا 1 بط 1: 18 عن الفداء، ولكنّ الرسالة لا تتكلّم على عبوديّة الإنسان لقوى الشرّ. أمّا بولس فيجعل من الخطيئة شخصاً يستعبدنا ويعارض الله (روم 3: 8: 10). هنا نجد معارضة بين شخصين يتجاذبان أفعالنا الأدبيّة، أكانت صالحة أم طالحة وهما: الله وإبليس. ويبيّن القدّيس بولس الإنسان يصارع الخطيئة التي تفرض عليه شريعتها، وينهي بنشيد الظفر (روم 7: 24) لأنّ الروح حرّره من شريعة الخطيئة (روم 8: 1- 3). فإن استطاع المسيحيّ أن يحيا حسب شريعة الله فلأنّه يملك في ذاته مبدأ حياة يشركه في قدرة الله عينها. هنا نلتقي مع 1 بط 1: 22-23 ومع 1 يو 3: 9 مع فارق بسيط هو أنّ بولس يتكلّم عن الروح وبطرس ويوحنّا عن كلام الله.
وفي روم 9- 11 نجد مقابلة بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ تستند إلى نصوص من العهد القديم هي أش 28: 16؛ مز 118: 22؛ أش 8: 14 ثمّ هو 1: 9- 12؛ 11: 1- 6. ولنقرأ أوّلاً روم 11: 29- 31: "ولا ندامة في هبات الله ودعوته. فكما عصَيتم الله من قَبْلُ ورَحِمكُمْ الآن لعِصْيَانكم، فكذلك هم عَصَوُا الآن ليرحَمَهم كما رَحِمَكُمْ" ونقرأ في 1 بط 2: 8، 10: "هم يعثرون لأنّهم لا يؤمنون بكلمة الله... أمّا أنتم فشعب اقتناه الله لإعلان فضائله وهو الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب. وما كنتم شعبًا من قبل، وأمّا اليوم فأنتم شعب الله: كنتم لا تنالون رحمة الله وأمّا الآن فنلتموها". نجد مقابلة على مستوى العصيان بين "من قبل" و "اليوم".
ثمّ إنّ روم 12: 1- 2 تقابل 1 بط 2: 5؛ 1: 13- 15. وبعد هذه المقدّمة يتوسّع بولس في القسم الأخلاقيّ منطلقًا من واجبات الذين نالوا مواهبَ لبناء الكنيسة روم 12: 3- 8. ثمّ يعدّد الفضائل التي تؤول إلى التعاون مع الجميع (روم 12: 9- 21؛ رج 1 بط 4: 7- 11؛ 3: 8- 9). بعد هذا يدعو بولس إلى المحبّة الأخويّة والضيافة (رج 1 بط 4: 8- 9). هنا يقول بولس (روم 12: 14- 17): "باركوا مضطهديكم، كونوا متّفقين، لا تتكبّروا بل اتّضعوا. لا تجازوا أحدًا شرًّا بشرّ". وفي 1 بط 3: 8- 9 نقرأ: "وبعد فليكن لكم جميعًا وحدة في الرأي وعطف وإخاء ورأفة وتواضع. لا تردّوا الشرّ بالشرّ، والشتيمة بالشتيمة، بل باركوا فترثوا البركة". 
في روم 13: 1- 7 يطلب بولس من المسيحيّين أن يخضعوا للسلطات العامّة (1 بط 2: 13، 17)، وهذا الخضوع يتأسسّ على مخافة الله. ويعود بولس (روم 13: 8- 14) إلى المحبّة الأخويّة ويدعو المؤمنين لأن يخلعوا أعمال الظلمة ويلبسوا سلاح النور. هذا ما نقرأه في 1 بط 1: 13- 2: 10 عن تبديل حياة المسيحيّين، عن الحبّ الأخويّ، عن التخلّي عن كلّ شرّ لأنّ الله دعانا من الظلمة إلى النور.

5- 1 بط ورسالة القدّيس بولس إلى كولسّي
بعد أن أشار بولس إلى المعموديّة (كو 2: 11- 12) التي يعتبرها (رج روم 6: 3- 4) اتّحادًا بموت المسيح وقيامته، استخلص نتائج من أجل الحياة المسيحيّة: "الله أحياكم.. إذا كنتم متّم مع المسيح... إذن، إن قتم مع المسيح.. أميتوا أعضاءكم" هنا نكتشف أفكار 1 بط: دعوة المسيحيّ العلويّة، تبديل الحياة، وواجبات المسيحيّ. 
إن كو 3: 1- 4 تقابل 1 بط 1: 3- 5. يقول بولس إنّ المسيحيّ نال حياة جديدة (كو 2: 13؛ 3: 3). ويشدّد على إسكاتولوجيّة هذه الحياة الجديدة التي نلناها في المعموديّة فيقول: "لأنّكم متّم وحياتكم مُسْتَتِرَةٌ مع المسيح في الله. فمتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا تظهرون أنتم أيضا معه في مجده". هذا هو موضوع 1 بط 1: 3- 5: "وَلَدَنَاْ الله ولادة ثانية لرجاء لكم في السموات.. لخلاص سينكشف في اليوم الأخير". 
ويشدّد 1 بط 1: 13- 2: 10 على تبديلٍ في الحياة الأخلاقيّة مفروض على المسيحيّ. هذا هو أيضاً الموضوع الأساسيّ في كو 3: 5- 17. هناك الوجهة السلبيّة: "أميتوا أعضاءكم" (كو 3: 5)، تخلّصوا من كلّ ما فيه غضب (كو 3: 8)، اخلعوا الإنسان العتيق (كو 3: 9). وهناك الوجهة الإيجابيّة: "البسوا الإنسان الجديد (كو 3: 7). وهذا ما نقرأ في 1 بط 1: 14: "لا تتبعوا شهواتكم ذاتها التي تبعتموها في أيّام جهالتكم.. انزعوا عنكم كلّ خبث".
وبعد أن يتحدّثَ بولسُ عن الإرتداد إلى المسيحيّة بوجه عامّ، يحدّد بالتفصيلِ واجباتِ أعضاءِ الجماعة: خضوعَ النساء لرجالهنّ، واجباتِ الأزواج نحو نسائهم، واجباتِ الأولاد نحو والديهم وواجباتِ الوالدين نحو أولادهم، خضوع العبيد لأسيادهم وواجبات الأسياد نحو عبيدهم (كو 3: 18- 4: 1). هذا ما نقرأ أيضاً في 1 بط 18:2- 7:3.
حين قابلنا 1 بط مع يع، 1 يو، تي، روم، كو، إكتشفنا المواضيع عينها. إذًا لا بد من وجود رسمة عامّة لبسَتْ أشكالاً متنوّعة حسب الأمكنة فأعطت الخطوط الكبرى للأخلاقية المسيحيّة: دعوة المسيحيّ إلى حياة إسكاتولجيّة، تبديل حياة تفرضه هذه الدعوة على المسيحيّ، تفاصيل هذه الحياة الجديدة. من أين جاءت هذه الرحمة؟ لا بدّ لنا هنا من أن نعود إلى النصوص الليتورجيّة. المعموديّة خروج جديد ينتقل فيه المسيحيّ من عالم إلى آخر، لأنّه افتُدِي بدم حملٍ لا عيب فيه ولا دنس هو المسيح. والمعموديّة ولادة جديدة بكلمة الله الحيّ والأزلي: ننزع عنّا كلّ شرّ وننكر الشيطان، ننسلخ من عالم الظلمة وننتقل إلى ملكوت الابن.

ط- مضمون 1 بط
تبدو 1 بط بشكل رسالة. تبدأ بعنوان (1: 1- 2) يُذكَر فيه اسم المرسِل والمرسَل إليه.

1- القسم الأوّل (1: 3- 12)
يبدأ هذا القسم بعبارة مباركة يهوديّة أخذت طابعًا مسيحيًّا ونجدها في 2 كور 1: 3؛ أف 1: 3: "يبارَك الله ويُمْدَح لأنّه ولدنا ولادة ثانية من أجل مصير إسكاتولوجيّ" (1: 3- 5). ويعبَّر عن هذا المصير بثلاث كلمات: من أجل رجاء، من أجل ميراث، من أجل خلاص، فالرجاء والميراث والخلاص هي المجد الإسكاتولوجيّ (رج 1: 7؛ 5: 10) المستتر بعد الآن والذي سينكشف يومًا ما (1: 5)، هي ظهور يسوع المسيح (1: 7). وُضع المسيحيّ منذ البداية أمام مصيره العلويّ الذي دشّنته على الأرض الولادة الإلهيّة الجديدة والذي يجد كامل تفتّحه في المجد الإسكاتولوجيّ. وتبرز نتيجة طبيعيّة مرتبطة باضطهادات محتملة: رجاء الخلاص الإسكاتولوجيّ هو يَنبوع فرح عميق يتيح لنا أن نتحمّل آلآم هذا الزمن الحاضر وأحزانه دون أن نلينَ (1: 6- 9). ثمّ إنّ الآلام الحاضرة والمجد الإسكاتولوجيّ قد أعلن عنها الروح النبويّ. المسيح نفسه تألّم قبل أن يدخل في مجده. وهكذا نكتشف في هذا القسم الثالوث الأقدس. يُذكر الآب في 1: 3- 5، والروح القدس في 1: 10- 12، والابن في المقطع كلّه.

2- القسم الثاني (1: 13- 2: 10)
يبدو القسم الثاني كنتيجة لتوسيع القسم الأوّل وهو يبدأ: لذلك. أمّا قلب هذا القسم فموضوع ولادتنا الجديدة بيد الله (1: 23) الذي عبّرت عنه الرسالة في 1: 3. أمّا الفكرة المسيطرة فهي ارتداد المسيحيّ وتبديل حياته المسيحيّة الذي تفرضه دعوته الإسكاتولوجيّة. يجب أن نتخلّى عن شهواتنا الماضية لنحيا حياة قداسة على مثال القدّوس السامي (1: 13- 16). وتبديل الحياة ممكن، لأنّ دم الحمل افتدانا من حياة أخلاقيّة شرّيرة ورثناها من آبائنا (1: 17- 21). فالحياة الجديدة تتميّز بالمحبّة الأخويّة التي صارت ممكنة بولادتنا الجديدة بكلمة الله (1: 22- 25). إذن يجب علينا أن ننزع كلّ شرّ ونكرّس نفوسنا للخير بحيث تكون حياتنا كلّها ذبيحة روحية مقدَّمة لله (2: 1- 5). وهكذا حلّ المسيحيّون محلّ اليهود فكوّنوا شعب الله الجديد. دُعُوا من الظلمة إلى النور. أي انتُزعُوا من منطقة الشرّ ليدخلوا إلى دائرة الخير والقداسة. ونلاحظ التضمين الذي يقدّم لنا الفكرة الأساسيّة في هذا القسم: حين دعانا الله أجازنا من حياة فساد إلى حياة قداسة (1: 14- 15)، من الظلمة إلى النور.

3- القسم الثالث (2: 11- 5: 11)
يتوسعّ هذا القسم الأخير بطريقة ملموسة في ما تقوم به حياة المسيحيين الجديدة التي تتعارض وحياة الوثنيّين. فبعد مقدّمة (2: 11- 12) تُثَبِّتُ العلاقة مع القسم السابق، نجد لائحة بواجبات المسيحيّين نحو السلطات العامّة (2: 13- 17)، بواجبات العبيد نحو أسيادهم (2: 18- 25)، بواجبات النساء نحو أزواجهنّ وواجبات الأزواج نحو نسائهم (3: 1-7)، بفضائل يجب ممارستها لِيسودَ السلامُ في الجماعات (3: 8- 9)، بواجبات الذين نالوا مواهب لبناء الكنيسة (4: 7- 11)، بواجبات الشيوخ الذين أقيموا على رأس القطيع وبواجبات الشبّان نحو الشيوخ (5: 1- 5). 
كان من حقّ المسيحيّين أن يظنّوا أنّ أمانتهم الأخلاقيّة المسيحيّة ستؤمّن لهم احترامًا وإكرامًا من مواطنيهم غير المسيحيّين. ولكن يبدو أنّ الوثنيّين استاؤوا لأنّ المسيحيّين لا يعيشون مثلهم ويبدون وكأنّهم يعطونهم أمثولات في علم الأخلاق (رج 2: 12؛ 16:3؛ 4:4).
من هنا بعض المضايقات والاضطهادات ضدّ جماعات آسية الصغرى، فأراد بطرس أن يحرّض المسيحيّين ليبقَوا أمناء للمثال الذي اتّخذوه، وكلّمهم عن الفرح وسط الالام من أجل البِرّ. من الأفضل أن نتألّم على مثال المسيح لأنّنا نعمل الخير، من أن نتألّم كفاعلي سؤ (3: 13- 4: 6). فإن تألّمنا كمسيحيّين كان لنا مجد أبديّ وهذا أفضل من أن تصيبَنا دينونةُ الله (4: 12- 19). تأتي هذه الإضطهادات من إبليس، ولكن الله الذي دعانا إلى مجد أبديّ يحمينا إن سلّمنا إليه نفوسنا متّكلين عليه (5: 7- 11).

ي- التعليم اللاهوتيّ في 1 بط
إنّ رسالة بطرس الأولى هي أقدم إعلان عن البديهيّات الأساسيّة التي توجّه الحياة المسيحيّة: "إيمان من أجل الخلاص" (1: 5، 9). أي رجاء (3: 15) حيّ (1: 3) لا يتعب ولا يلين (1: 13، 3: 5). فعلى المسيحيّين أن يتصرّفوا "كأناس أحرار وكخدّام لله" (2: 16) لا كمن يجعل الحرّيّة ستارًا للشرّ. من أجل هذا أعطاهم الله عقلاً يسودون عليه وينيرونه ويُغْنُوْنَهُ بتعليم الإنجيل الصحيح (2: 2)، وقلبًا به يعبدون الله ويحبّون القريب (1: 22، 3: 15)، وضميرًا به يعبّر المؤمن عن نواياه الخاصّة وعن شخصيّته الأخلاقيّة (3: 16) وبه ينذر نفسه لخدمة الله (3: 21) فيوجّه سلوكه حسب أنوار الإيمان (2: 19). وهذه الأنوار تتركز خاصّة على شخص المسيح (آلامه وعمله الفدائيّ، 1: 8) وعلى المعموديّة التي هي الحدث الخلاصيّ الحاضر دومًا بالنسبة إلى كلّ واحد منا. "هو ينجّيكم منذ الآن" (3: 21).
فكلّ معمّد وُلد ولادة ثانية لرجاء الحياة بفضل قيامة المسيح (1: 3). وينتج عن ذلك:

1- كلّ أبناء الله هم إخوة (17:2؛ 5: 9)
على أبناء الله أن يحبّوا بعضهم بعضاً محبّة صادقة (22:1-23؛ 17:2؛ 4: 8). ونعبّر عن هذه المحبّة بقبلة السلام في نهاية الحفلات الليتورجيّة (5: 14)، والتوافق في الآراء (3: 8)، والإحترام المتبادل (3: 7) والضيافة (4: 9) وخدمة الآخرين (4: 10 ي) والتغاضي عن الشتائم ونسيان سيّئات القريب (3: 9) ورفض كلّ افتراء ونميمة (2: 1). إنّ ممارسة مثل هذا الحبّ الإلهيّ الصادق تعطينا غفران كلّ خطايانا (4: 8).

2- مات المسيح ليقودنا نحو الله (3: 18؛ 4: 6)
لهذا كانت الحياة المسيحيّة انطلاقًا في غربة (1: 1، 17؛ 2: 11) تسير في إطار إسكاتولوجيّ، ولاسيّما وإنّ نهاية منفانا قريبة (4: 7) وإنّ كلّ خليقة على الأرض فانية وسريعة العطب كالعشب الذي ييبس (1: 24). ينتج عن هذا أنّ المسيحيّ المنطقيَّ مع ذاته ينظر دومًا إلى المجد السماويّ (4: 14؛ 5: 1، 4، 10) إلى الميراث الذي لا يفسد ولا يضمحلّ (1: 4؛ 3: 7: 7- 9) إلى ساعة ظهور يسوع (1: 7، 13)، ساعة المديح والإكرام (4: 13؛ 5: 4) وساعة الحساب والمجازاة (4: 5، 17- 18؛ 5: 6). فلا ظروف بشريّة ولا أعمال يوميّة ولا حالة حياة إلاّ ويضيئها هذا النور وهذا الرجاء بالنهاية، ويعطيها معنى وقيمة. وهذا النور يحدِّد موقف سهر ويقظة وعفّة (1: 13؛ 4: 7؛ 5: 8). فيكون يَنبوع قوّة ويكفل لنا الثبات (5: 9: 10، 12) ويحفظ في النفس الفرح والبهجة (1: 6، 8؛ 13:4) لأنّنا متيقّنون أنّنا سنرى أيامًا سعيدة (3: 10).

3- شعب مقدّس
بعد أن طهّرت المعموديّة نفوس المختارين (1: 22) بفضل تقديس الروح ورشّ دم المسيح (1: 2)، يكون المسيحيّون شعبًا مقدّسًا (2: 9) ويحسبون ذواتهم كهنة يعملون في مديح الله ورفع الصلوات إليه وتقدمة الذبائح الروحيّة له (2: 5). وبعد أن صارت حياتهم طاعة ليسوع المسيح (1: 2- 14) أصبحت دينيّة وهي تمجّد الله (: 11 6). "عيشوا مدّة غربتكم في مخافته" (1: 17) وأنتم في أرض غريبة (2: 17). ويشدّد على العفّة (31: 2) كما على التكريس لله (1: 15). وهنا نفهم كم تُعارض القداسةُ الجذريّة ممارساتِ الوثنيّين (1: 18؛ 4: 3- 4). إنّها موت عن الخطيئة وحياة من أجل البرّ (2: 24)، وهي تفرض علينا أن ننزع كلّ خبث ومكر ونفاق وحسد ونميمة (2: 1- 2)، أن نزيل الشهوات البدنية التي تحارب نفوسنا (1: 14؛ 2: 11؛ 4: 33)، أن نضع حدًّا للخطيئة (4: 11) وأن نميل عن الشرّ بكلّ أشكاله (2: 16؛ 3: 10، 17؛ 4: 15). هذا السلوك الجميل هو أفضل ردّ على الإفتراءات التي تصيب المؤمنين (2: 12، 15)، وهو يقدر أن يردّ إلى المسيح ذوي الإرادة الصالحة (3: 1، 15).

4- المشاركة في الصلب
ما يميّز هذه الحياة المسيحيّة هي أنها مشاركة في صليب المخلّص. فبطرس الشاهد للمسيح (5: 1) يعلم أنّ زمن الغربة هو زمن المحنة (1: 6؛ 5: 10) لأنّ إيماننا يجب أن يُمتحن وينقّى (1: 7). فالمسيح تحمّل معاملات مؤلمة ومذلّة، فلا يقدر تلاميذه إلاّ أن تصيبهم الالام عينها. "هذه هي دعوتكم: تألّم المسيح من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه" (2: 21). نحن هنا في قلب سرّ الخلاص الذي لا يزال يتمّ في كلّ من يطيع يسوع المسيح (1: 2). فلاهوت آلام المسيحيّين يرتبط بصليب المخلّص. ولقد تبيّن الأنبياء على ضوء الروح القدس أنّ المجد يتبع الآلام (1: 11). منذ ذلك الوقت "هي نعمة أن نصبر على العذاب ونتحمّله مظلومين" (2: 19). إنّها السعادة الحقّة لأنّها تدخلنا إلى السماء بفضل هذه المطابقة الدقيقة مع المخلص (3: 14؛ 4: 13- 14). وهذا اليقين عند المعمَّد يوجّه تحقيق حياته المسيحيّة. "تألّم المسيح في الجسد، فتسلّحوا أنتم بهذه العبرة" (4: 1).

5- تقبّل مشيئة الله
مثل هذا الزهد الصارم بل البطوليّ يبقى قابل التحقيق ويبدو عاديًّا للمؤمن الذي يسلم ذاته إلى الربّ على مثال يسوع (13:2) ويهتمّ بالعمل بمشيئته (4: 2؛ 19: 5: 2). وهو يتّكل على الخالق الأمين عاملاً الخير (4: 19). يزيل عنه كلّ همومه ويتركها لله الذي يُعْنَى بنا (7:5) فتبقى عيناه على الأبرار ويستجيب طلباتهم (3: 12). وهو يتقبّل بتواضع وخضوع كامل نظام العناية الذي أسسّه الله على الأرض. ويبدو من هذا القبيل محترمًا للتسلسل الاجتماعيّ (2: 18 ي) والزواجيّ (3: 1ي) والسياسيّ (2: 13 ي). لا يدهش من شيء، ولا من كارثة حين تفرض نفسها وكأنها آتية من عند الله (4: 12). هو يعرف أنّ إله كلّ نعمة (5: 10) الذي اختارنا وهيّأنا مسبقًا (1: 1، 20؛ 5: 10) يحمينا (1: 5) بقدرته (5: 10- 11) ويتمّم عمله. بعد هذا لا الخوف ولا التهديد يؤثّران في شجاعته (3: 6، 14، 16) وثباته (5 : 9) والسلام العميق الذي يعيش فيه (3: 4، 5: 14). فالمسافرون والمتغرّبون هم تلاميذ يسوع المسيح، هم مؤمنون بالله (1: 21) ولهذا يدعونه كأب (1: 17) ويتذوّقون طيبته (2: 3) ويعرفون أنّه ثالوث (1: 2) فيعبدونه.

6- مسبّبات وفرائض
في هذا التعليم الخلقيّ تتناوب الفرائض البسيطة والمسبّبات السامية. فالمسيحيّ يبدو إنسانًا عاديًّا يحافظ على ثنائيّة كل حياة أخلاقيّة: يتجنب الشرّ ويصنع الخير (3: 11). وفوق ذلك يظهر ورعه في تكريس ذاته للخير (3: 13) بفضل إيمانه: يعيش سلوكًا صالحًا في المسيح، يعيش للبرّ (2: 24؛ 3: 16). ولكنّ القدّيس بطرس يذكّر أعضاء الجماعة المسيحيّة (النساء، العبيد) أنّ عليهم أن يتصرّفوا حسنًا (2: 15، 20؛ 3: 6، 17) فيخالفوا فاعلي السوء. والتصرّف الحسن يكون بأن نقوم بواجباتنا حسب حالتنا الاجتماعيّة ووظيفتنا في الكنيسة، أن نكون أصحاب أخلاق حميدة فلا نعمل شيئًا قبيحًا أو عائبًا. وهذا الإصلاح واجب لنقطع ألسنة المفترين الوثنيّين وتدخّلات العدالة البشرّية، بل لأنّ الربّ يطلبه وفيه السلام الحقيقيّ وفرح الضمير (3: 11- 17). 
ويعود القدّيس بطرس إلى مبادئ الإيمان ولاسيّما حين يكون على المسيحيّ أن يضع خطواته في خطوات المسيح المتألّم. وهو يبرّر السلوك المسيحيّ مذكّرًا المؤمنين بهذه الأمور العلويّة. يحدّثهم عن قداسة السيرة فيستند إلى سلطة الكتاب المقدّس (1: 15)، وعن الخضوع للسلطات فيرجع إلى إرادة الله (2: 15). ويجب على المسيحيّ أن يكون متواضعًا ولا يهتمّ لأمور الدنيا لأن الله يعطي نعمته للمتواضعين ويعتني بنا (5: 5، 7). ثم يسند متطلّبات المحبّة والصبر إلى النظرة إلى الخلاص وغفران الخطايا (3: 9؛ 4: 8، 14، 17). ثم يقول لنا إنّه يجب أن نتحمّل كلّ شيء لأنّ المسيح مات من أجل خطايانا.

7- الله والمسيح ها قطبا الأخلاقيّة المسيحيّة
هذا ما يعطي هذه الأخلاقيّة وجهًا خاصًّا في الكنيسة الأولى. فإله كلّ نعمة يهيّئ دومًا للمؤمنين عطيّة الخلاص المجّانيّة (1: 10) ويغمرهم منذ الآن بمواهبه (1: 2) حتّى حين يمتحنهم (2: 9- 20). فعلى كلّ منّا أن يستعمل هذه المواهب الإلهيّة من أجل إخوته الذين يعتبرهم وارثي النعمة (3: 7) ومختارين (1: 1). وهو من أعماق قلبه يشكر رحمة الله أي ربّنا يسوع المسيح (1: 3). هذا من جهة. ومن جهة ثانية فهو كمسيحيّ يمجّد الله (4: 16) والمسيح ويؤمن به ويرجوه (1: 21) ويتمّم إرادته مقتديًا بالمسيح ومتّحدًا به. فالتلاميذ هم المسيحيّون (4: 16 نسبة إلى المسيح) أو الذين هم في المسيح (5: 14)، لأنّهم موضوع اختيار أبديّ وتقديس تمّ منذ البدء. وهم كمعمّدين مُعَدُّون لحياة دينيّة وأخلاقيّة "في الطاعة ليسوع المسيح" (1: 2) "وفي السيرة الحسنة في المسيح" (3: 16). فكلّ تلميذ يؤمن بربّه (1: 8) ويحبّه دون أن يراه (1: 8) ويعبده (3: 15) ويسير وراءه كالنعجة وراء الراعي. ويثق به على أنّه حافِظُ نفسه (2: 25) والوسيط تجاه الآب (2: 5؛ 4: 11؛ 5: 10). يقتات من الإنجيل الذي هو الغذاء الوحيد الذي ينمّيه من أجل الخلاص (2: 2). حياته هي اقتداء بيسوع المسيح، بل مشاركة في حياته بحيث يقاسمه مجد السماء (7:1) بعد أن يتّحد هنا معه في آلامه (1:4، 13؛ 1:5).
لا ينفصل كائن المسيحيّ عن كائن المسيح. فعند الولادة الثانية بالمعموديّة يدخل العضو الجديد كحجر حيّ في الحجر المختار والثمين الذي هو المسيح، ويجتهد ليكمّل هذه الوحدة ويتقرّب أكثر بل يتمثّل ويندمج بحيث لا نعود نميّز بين حجر وحجر. وهذا ما يفصل المؤمنين عن اللامؤمنين (2: 7- 8) ويجعلهم شعب المدعوّين إلى النور (2: 9). المؤمنون هم قطيع الله ورعيّته (5: 2، 3)، هم بيت روحيّ (2: 5)، أمّة مقدّسة، نسل مختار، شعب نظّمه الله بانتماء كلّ المؤمنين إلى المسيح. من خلال الصور والاستعارات نكتشف أنّ الكنيسة هي الموضع الذي نتقبّل فيه نعمة الله (4: 10؛ 5: 12) لأنّها تجمع المختارين حول حجر الزاوية المختار من الله (2: 4، 6).

8- المسيح ابن الله (1: 3)
المسيح هو ابن الله الموجود قبل الخلق والذي جاء على الأرض في نهاية الزمن ليَظْهَرَ للمسيحيّين (1: 2). تألّم بإرادته ومات عن خطايانا (1: 19) وقام (1: 3؛ 3: 18، 21) في المجد (1: 21). وجلس عن يمين الله فوق كلّ الأرواح السماويّة (3: 22) وسيعود أيضاً ليدين الأحياء والأموات (4: 5؛ 5: 4). وحين يذكّرنا بطرس بتاريخ الخلاص يشير إلى أنّ المسيح لَمَّا دُفن نزل إلى الجحيم (أي عالم الموتى) بنفس حيّة، ليحمل البشرى إلى الناس هناك.

9- نزول المسيح إلى الجحيم (3: 19)
يشكّل هذا النزول أحد المواضيع في الإيمان المسيحيّ فيدّل على أنّ سلطان المسيح شمل الكون كلّه وأنّ فداءه عمل حتّى في عالم الموتى.
علّم بطرس يوم العنصرة (أع 2: 27؛ رج مز 16: 10) أنّ المسيح نزل إلى الجحيم يوم كان جسده محبوسًا في القبر. وكان أشعيا قد قال: "الجحيم من أسفل تزلزلتْ لك لتستقبل مجيئك، وأنهضت لك كلّ الأشباح.. فأجاب جميعهم قائلين: أنت أيضاً سُحقت مثلنا وصرت مشابهًا لنا" (أش 14: 9- 10). وعلّم الرسل أنّ المسيح يسود على مملكة الموتى: "من أجل هذا مات المسيح وعاش ليكون سيّد الأموات والأحياء" (روم 14: 9). وقال بولس في الرسالة إلى أهل فيلبّي (2: 10): "كلّ ركبة تنحني باسم يسوع في السماء وعلى الأرض وفي الجحيم". فالمسيح جاء بتجسّده إلى الأرض، وبموته نزل إلى الجحيم وبقيامته صعد إلى السماء. وهو يقبل الهتافات في المناطق المختلفة من أفواه مستقبليّه. فأهل الجحيم أنفسهم حَنَوا ركبهم وأقرّوا به سيّدًا وعبدوه. وهذا ما يقوله أيضاً سفر الرؤيا (5: 13): (كلّ خليقة في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض تهتف لله وللحمل الذي بيده مفاتيح الموت والجحيم" (رؤ 1: 18)، لأنّ سلطانه مطلق على ذلك المكان.
سلطان يسوع سلطان حيّ وخلاصيّ. أعلنه يوحنّا (5: 25، 28، 29) فقال: "ستأتي ساعة وهي الآن حاضرة متى يسمع الموتى صوت ابن الله فيحيا الذين سمعوه... ستأتي ساعة يسمع الذين في القبور صوته فيخرجون: فالذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيّئات إلى قيامة الدينونة". وتعلن آ 25 قيامة روحية دشّنها المسيح بكرازته على الأرض. وتعلن آ 28- 29 قيامة للموتى حين يسمعون صوت الربّ.
أمّا القدّيس بطرس فيحدّد أنّ المخلّص مارس رسالة فاعلة تجاه سكّان الجحيم: "مات المسيح مرّة من أجل الخطايا. مات وهو البارّ من أجل الأشرار، فانطلق يبشرّ في السجن الأرواح التي رفضت أن تؤمن فيما مضى حين تمهّل صبر الله أيّام بَنَى نوحٌ الفلك" (3: 18- 20). "فالوثنيّون سيؤدّون حسابًا للذي هو مستعدّ أن يدين الأحياء والأموات. ولذلك أذيعت البشارة على الأموات أيضاً" (4: 4، 6). ينتج من هذين النصّين:
إنّ المسيح انطلق بعد موته إلى الأرواح (إلى الموتى) الذين ظلّوا غير مؤمنين في أيّام نوح فلم يسمعوا تنبيهه فحُفظوا في الجحيم، في جبّ المسجونين. وإنّ على موتى العهد القديم أن يسمعوا أوّلاً الإنجيل وبشارة الخلاص بالمسيح قبل أن يدانوا ويحكم عليهم بصورة نهائيّة. لأنّ لا خلاص إلاّ بالمسيح (أع 4: 12).
هذا يفترض ضرورة اتّخاذ موقفٍ واعٍ مع المخلّص أو ضدّه. لقد تمهّل الله وصبرَ وانتظر الزمن المؤاتي زمن التوبة للموتى قبل الدينونة الأخيرة. كان اللاهوت اليهوديّ على خطى دا 12: 2 يقسم الموتى إلى أبرار يذهبون إلى الحياة الأبديّة وأشرار يذهبون إلى العار الأبديّ. أمّا مدرسة شمعي فتحدّثت عن طبقة متوسّطة تنزل إلى الجحيم لتُسحق هناك وتخرج بعد أن تشفى. واعتبر بعض الرابّانيّين أنّ داود انتزع أبشالوم من ذلك المكان وأنّ رابي مئير أخرج معلّمه أبنير وأنّ المسيح سيُخرج بني إسرائيل من هذا السجن المظلم.
إذًا ذهب المسيح إلى الجحيم بين موته وخروجه من القبر ليعطيَ الأرواح الفرصة الأخيرة للخلاص. قال يوستينوس: "فالربّ الإله القدّوس تذكّر موتى بني إسرائيل والذين يرقدون في تراب القبور، نزل إليهم ليبشّرهم بالخلاص". ولكن هذا التدخّل الأخير لا يتلائم والعهدَ الجديد حيث ظهر المسيح بالجسد، وحلّ على الملائكة والوثنيّين والعالم (1 تم 3: 16). وتعلن الرسالة إلى العبرانيّين (9: 27): "مصيرُ البشر أن يموتوا مرّة واحدة. وبعد ذلك الدينونة". فبعد أن ينال الخطأة معرفة الحقّ لا يبقى لهم إلاّ "إنتظار مخيف ليوم الحساب ولهيب نار يلتهم العصاة" (عب 10: 26- 27). فلا مجال للتوبة للكفّار والسفهاء والفاسقين (عب 12: 6-17).
استعمل بطرس فعل "كرز" وفعل "أنجل" (أي أعلن الإنجيل) ليدلّ على رجاء عون إلهيّ حفظه الله لأهل الجحيم. فلقد قال الترجوم كامتداد لنصّ تث 30: 12- 13: "لو كان لنا واحد مثل يونان النبيّ الذي نزل إلى أعماق البحر فيأتي إلينا بالمسيح ويسمعنا فرائضه فنتّمها"! ثمّ إنّ أف 4: 8 أوردت مز 68: 19 فتذكّرت تحرير الموتى على يد المسيح: "صعد إلى العلى واقتاد المسبيّين وأعطى البشر عطايا". وفي هذا الكلام رجوع إلى الترجوم: "أصْعَدْتَ (يا موسى) إلى الفُلْكِ مسبيّين وعلّمتَ كلماتِ الشريعة ووزّعت على الناس العطايا". ويقول بولس (أف 4: 9- 10): "وما المقصود بقوله صعد سوى أنّه نزل أولاً إلى أعمق أعماق الأرض. وهذا الذي نزل هو نفسه الذي صعد إلى ما فوق السموات كلّها ليملأ شيء". وهكذا تسلّط المسيح على الكون كلّه بما فيه عالم الموتى. وكما أنّ آلام المصلوب هي مجده لأنّها آلام خلاصه، فقيامته وصعوده هما غلبة منتصر انتزع الخاطئين من سلطان الموت والشيطان.
الفصل الرابع عشر
رسالة القدّيس بطرس الثانية

حين نقرأ رسالة القدّيس بطرس الثانية للمرّة الأولى نحسّ أنّها تختلف اختلافًا كلّيًّا عن رسالة بطرس الأولى. هذا ما لاحظه القدماء، وقال القديس إيرونيموس: "ينكر أكثرهم 2 بط بسبب أسلوبها المختلف عن أسلوب 1 بط". وبعد الأسلوب هناك النبرة: تتضمّن 1 بط لوحة عن الحياة المسيحيّة التي تقتدي بحياة المسيح، معروضة بحرارة نابعة من الإنجيل. أمّا في 2 بط فنجد عبارات معقّدة ندركها بصعوبة ونحسّ بجدال حادّ يبعدنا عن الروح المسالمة التي في 1 بط. المحن والاضطهادات حاضرة دومًا في 1 بط لا في 2 بط، وانتظار المجيء في 1 بط يصبح مسألة لاهوتيّة لا بدّ من الدفاع عنها. كلّ هذا يجعلنا نستشفّ أنّ كاتب 1 بط غير كاتب 2 بط. وأنّ مسافة زمنيّة طويلة تفصل بين الاثنتين. وهذا ما نتحقّق منه في دراستنا لهذه الرسالة.

أ- مضمون 2 بط
2 بط هي تحريض في الإيمان الذي قبلناه (1: 1) وفي معرفة دقيقة لله والمخلص يسوع المسيح (2: 8، 12، 20؛ 3: 18) للحصول على الملكوت الأبديّ (2: 11؛ 3: 13). وهي تدلّنا على الوسائل التي نأخذها للبلوغ إلى هذه المعرفة وهذا الملكوت: نمارس الفضائل (1: 5- 10؛ 3: 11، 14)، نقبل رجاء مجيء المسيح (1: 11، 16- 21؛ 3: 1- 13)، نرفض أن نتبع خطى المسيحيّين اللاأخلاقيّين الذين ينكرون مجيء الربّ (2: 1- 22، 4: 17). كلّ هذه المواضيع التي نقرأها في 2 بط تنبسط في مقدّمة وثلاثة توسيعات متتالية.

1- العنوان والسلام (1: 1- 2)
من سمعان بطرس، عبد يسوع المسيح ورسوله إلى الذين نالوا.. إيمانًا ثمينًا كإيماننا. عليكم وافر النعمة والسلام.

2- القسم الأوّل: نداء إلى الأمانة (1: 3- 21)
النصيحة الأولى (1: 3- 11) تدلّ على أنّ ممارسة الفضائل المسيحيّة توافق المواهب المعطاة. هذا هو الشرط للنموّ في معرفة يسوع المسيح (1: 8- 10) وإدراك ملكوته الأبديّ (1: 11).
تبدو هذه النصيحة في نظر الكاتب الذي يشير إلى نهاية حياته القريبة كواجب ملحّ (1: 12- 15)، وتجد تبريرها الثابت في عينيه. وهو يطلب منّا مجهودًا لندرك ملكوت المسيح الأبديّ لأنه متأكّد من قدرة هذا المخلّص الذي سيأتي. فالتجلّي أعطاه صورة مسبقة عن هذا المجيء (1: 16- 18)، والإعلانات النبويّة في الكتاب المقدّس كانت عربون هذا المجيء (1: 19- 21).

3- القسم الثاني: تحذير من المعلّمين الكذبة (2: 1- 22)
قبل أن يبدأ الكاتب بالردّ المباشر على المنكرين لمجيء ربّنا، يشدّد مطوّلاً على فسادهم الأخلاقيّ ليفقدهم أيّ اعتبار في نظر قرّائه. وهكذا يكون كلامه الأوّل تحذيرًا غير مباشر فلا يتخلّى المسيحيّون عن الرجاء المسيحيّ.
كان مجيء هؤلاء المعلّمين الكذبة متوقّعًا (2: 1-3) ولهذا لم يفاجئنا. وتصرّفهم هو إنكار عمليّ ليسوع معلّمهم وفاديهم، لهذا سيُعاقَبون كأولئك الذين أنكروه في الماضي (2: 4- 13). فهم عبيد لشرّهم (2: 14- 19) الذي ينمو بهم إلى مستوى أكثر انحطاطاً ممّا كانوا عليه قبل أن يعرفوا يسوع المسيح (2: 2- 21).

4- القسم الثالث: الاستعداد ليوم الربّ (3: 1- 18)
كان الموضوع الأخير في القسم الأوّل مدخلاً إلى القسم الثاني الموجَّه ضدّ الهرطقة. وجاء القسم الثاني بشكلِ مَقْطَعٍ اعتراضيّ فهيّأنا لنعرف أنّ الهرطقة ليست أخلاقيّة فقط بل عقائديةٌ أيضاًَ. فهذا الضلال يعارض تعليم الرسل (3: 1- 2) ولا يتوافق وفهم الكتاب المقدّس وفكرة صبر الله (3: 3- 10). فيقين المجيء يفرض علينا الاستعداد له بالقداسة والنموّ في معرفة يسوع (3: 11- 18 أ). وإذ يذكر الكاتب اسم يسوع يقدّم لنا المجدلة الأخيرة: "له المجد الآن وإلى الأبد. آمين" (3: 18 ب). 
نحن أمام رسالة واحدة. ولقد كادت تكون بنيتها واضحة لولا ف 2 الذي قطع موضوع المجيء الذي بدأ في 1: 16- 21 وتتابع في ف 3. ولهذا ذهب بعض الشرّاح إلى القول إنّ ف 2 جاء متأخرًا واستوحى أفكاره من رسالة يهوذا (آ 4- 19). وقال البعض الآخر إنّ القسم الثاني نقل من مكانه داخل الرسالة. ولكن يبدو أنّ الرسالة دوّنت كما تبدو الآن أمامنا. والتقليد الذي تنقله إلينا المخطوطات أكبر شاهد على ذلك. ثمّ إنّ المقابلات بين الفصول الثلاثة التي تكوّن 2 بط تدلّ على وحدة في اللغة والتعليم. نلاحظ مثلاً مواضيع النبوءة (1: 9 ي؛ 2: 1، 16؛ 3: 2)، وفساد الكون (1: 4 ب؛ 2: 19)، والهلاك (1: 11؛ 2: 3 ب؛ 3: 16 ب)، ويوم الدينونة (2: 4 ي، 9؛ 3: 7 ب، 10، 11)، ومعرفة الربّ يسوع (1: 2 ي، 8؛ 2: 20؛ 18:3 أ).

ب- الفنّ الأدبيّ في 2 بط
نلاحظ أوّلاً الشكل الرسائليّ في 2 بط. فهناك إشارات تدلّ على أنّه رئيس الرسل: سمعان بطرس عبد يسوع المسيح رسوله (1: 1)، الذي سيفارق هذا المسكن عن قريب كما أظهر له ربّنا يسوع المسيح (1: 14) والذي رأى عظمة يسوع بعينيه حين تجلّى على الجبل وسمع صوته لمّا كان معه (1: 16- 18). هو يكتب رسالة ثانية (3: 1- 5)، بعد أن كتب رسالة أولى ليخبرهم بهذا (17:3) كما فعل "أخونا الحبيب بولس" (15:3).

1- إلى من يكتب رسالته؟
إلى الذين نالوا من فضل إلهنا إيمانًا ثمينًا (1: 1)، ولكنّه لا يحدّد أكثر. ومن عادة الرسالة أن تمتدّ في فعل شكر (1 بط 1: 3 ي). أمّا 2 بط فتكتفي ببضع كلمات. "عليكم وافر النعمة والسلام" (1: 2). وإذا توقّفنا على جسم الرسالة نفهم أنّ قرّاءه جاؤوا من العالم الوثنيّ لا من العالم اليهوديّ: ابتعدوا عمّا في هذه الدنيا من فساد الشهوة (1: 4) بعد أن عاشوا في الضلال (2: 18)، نجَوا من مفاسد العالم بعدما عرفوا ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح (2: 20- 22). أمّا الخاتمة فتنحصر في مجدلة قصيرة دون سلامات ولا تمنّيات (18:3).
يقول الكاتب لقرّائه إنّه يكتب لهم "رسالة ثانية" (3: 1) فيشير ولا شكّ إلى 1 بط. ولكنّ هذه الملاحظة لا تهدف إلى تحديد هُوِيَّة القرّاء بقدر ما تربط هويّة الكاتب بشخص الرسول بطرس. أمّا 2 بط فهي تبدو بشكل سلسلة من التحريضات التي تتوجّه لا إلى كنائس خاصّة بل إلى الجماعة المؤمنة كلّها. اكتشفنا في 1 بط لهجة الأب يتحدّث إلى أبنائه وعاطفة الذي عرف شخص المسيح فحدّثنا عنه، وهذا ما لم نكتشفه في 2 بط. 
وهكذا نكون لا أمام رسالة حقيقيّة بل أمام وصيّة روحيّة من أب إلى أبنائه عند ساعة موته. هذا الفنّ الأدبيّ معروف في العهد القديم وفي الكتب المنحولة. ونعطي بعض أمثلة: وصيّة يعقوب لأبنائه الاثني عشر (تك 49: 1ي) التي كانت أساس المؤلَّف "وصيّات الآباء الاثني عشر". وكلام موسى للشعب الذي يتنبّأ فيه مسبقًا عن النتائج السيّئة لتمردّهم على الله (تث 29: 33) نتج عنه "وصيّة موسى"، وهو كتاب منحول دوّن في القرن الأوّل المسيحيّ.

2- سماتِ هذا الفنّ الأدبيّ
إنّ الأب الروحيّ الذي سيموت يجمع مرّة أخيرة أولاده أو تلامذته. يذكّرهم ببعض وقائع هامّة من حياته فيستخلص منها العبر الأخلاقيّة، ثمّ يتصوّر المستقبل في وجهه المظلم، وينهي بتحريض على الأمانة للشريعة والوحدة والوئام بين الأفراد. ونجد في العهد الجديد فنّ الوصيّة في سفر الأعمال 20: 17- 35: يخاطب بولس شيوخ أفسس قبل ذهابه إلى الموت: ويدعوهم إلى الحذر واليقظة.
وإذا عدنا إلى 2 بط نجد الملامح والعبارات التي تجعل هذه الرسالة وصيّة أب لأبنائه. يُنْبِئُ بطرس بموته القريب (1: 14) ويستعيد حدثًا حاسمًا في حياته: رؤية مجد الابن الحبيب (1: 17) تبشّر ببهائه في مجيئه الثاني. ويحاول أن ينعش الجماعة ببعض الذكريات (1: 12- 15) ويحذّرَها من هجوم المعلّمين الكذبة (2: 1ي). ويعود بها إلى التقليد فيقول: "أذكّركم في رسالتي بهذه الأمور لأثير الأفكار النقيّة في عقولكم. فتذكّروا الأقوال التي جاءت على ألسنة الآباء القدّيسين وما أبلغكم الرسل من وصايا ربّنا ومخلّصنا" (3: 1- 2).

ج- من كتب 2 بط؟
إنّ معظم الشرّاح اليوم يرفضون القول إن بطرس كتب 2 بط. ولكنّ هناك براهينَ تنسب هذه الرسالة إلى بطرس. غير أنّ الشراح يعتبرون أنّها لا تفي بالمرام وأنّ البراهين المعاكسة أكثر إقناعًا.
وإليك البراهين التي تجعل نسبة 2 بط إلى بطرس مقبولة:

1- يقدّم الكاتب نفسه
إنّه سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله. ويشدّد على هُوِيَّته فيتّخذ الشكل القديم لاسمه وهو النابع من العبريّة (1: 1؛ رج أع 15: 14) ويعلن أنّه كان شاهدًا للتجلّي (1: 16- 18) وبالتالي أحد الثلاثة الذين كانوا مع يسوع على الجبل (مر 9: 22 ي). ويؤكّد أنّه يكتب مرّة ثانية (3: 1) راجعًا إلى 1 بط. ويطبّق على نفسه نصّ يوحنّا (يو 18:21 ي) المتعلّق بنبوءة يسوع عن موت بطرس (1: 14). وأخيرًا يسمّي بولس "أخاه الحبيب" (3: 15) أي رفيقه في الرسالة.

2- معطيات التقليد الآبائيّ
والمصريّون يستعملون هذه الرسالة منذ القرن الثاني وينسبونها إلى بطرس كما تشهد بذلك الترجمات الصعيديّة والبحيريّة والنسخة اليونانيّة على ورق البرديّ. في القرن الثالث أعلن أوريجانس نسبتها إلى بطرس وهو عارف أنّ الآباء لا يتفقون على هذه النسبة. وأعلن إيرونيموس رأيًا مماثلاً في القرن الرابع: دوّن بطرس رسالتين. ولكنّ معظمهم ينكر أن تكون الثانية له بسبب اختلاف في الأسلوب. وبرّر إيرونيموس هذا الاختلاف في أنّ بطرس لجأ إلى كاتبين مختلفين.

3- البراهين التي تعارض نسبة الرسالة إلى بطرس
أوّلاً: يقابل الكاتب بين جيل التلاميذ وجيل الآباء، ويعلن أنّ هذا الجيل قد زال فيتحسّر على ذلك: "آباؤنا ماتوا وبقي كلّ شيء منذ بدء الخليقة على حاله" (3: 4). 
ثانيًا: ينظر المسيحيّون إلى اختفاء الرسل ويتساءلون: لماذا تأخّر مجيء الربّ؟ وينطلقون من هذا الواقع لينكروا مجيء الربّ وأساس الاعتقادات الاسكاتولوجية (3: 3- 10).
ثالثًا: نعرف من 3: 15- 16 أنّه في زمن كتابة 2 بط كانت رسائل بولس منتشرة ومقبولة كنصوص قانونيّة على مثال سائر الكتب المقدّسة. ضُمّت إلى مجموعة واحدة، واختلف المعلّمون في تفسيرها. كلّ هذا تم ولاشكّ بعد موت بولس الرسول ببضعة سنوات على الأقل.
رابعًا: دوّنت 2 بط كردّة فعل على هرطقة ترتبط بالغنوصيّة القديمة. فالمعلّمون الكذبة يقولون بمعرفة سامية بوجه خرافات ملفّقة (1: 16) يوردها التقليد المسيحيّ. ينكرون سيادة الربّ (1: 16) ومجيء المسيح (3: 4) ويعارضون بتصرّفهم عمل الفداء (2: 2) والشريعة. ويقدّمون أساسًا لتعليمهم شرحًا شخصيًّا لرسائل القدّيس بولس وأقوال الأنبياء لا يتوافق مع فهم الكنيسة للكتب المقدّسة (1: 20- 21). أمّا فسادهم الخلقيّ فهو النتيجة المباشرة لضلالهم الدينيّ. هم وقحون ومتكبّرون (2: 10 ب). مستهزئون (3: 3) يرفضون "القوّة والمقدرة" (2: 11) للكائنات السماويّة المجيدة (2: 10 ب). يتعلّلون بحرّيّة المرتدّين (2: 19) فيستسلمون إلى الفجور (2: 2، 7، 8) بكلّ أشكاله: الطمع والشراهة والفسق والزنى... تركوا طريق البرّ والصلاح (2: 21) ولكنّهم ما زالوا داخل الجماعة (2: 1) فيخدعون المؤمنين بمشاركتهم في الأخوّة المسيحيّة (3: 13).
إذا لم يكن بطرس كاتب 2 بط، فمن يكون إذًا؟ لا نعرف اسمه ولكنّنا نقول إنّه لم يكن سكرتير بطرس ولا رفيقه في العمل. إنّه تلميذ له بعيد في الزمن. كان رئيس كنيسة وشاهدًا لمسيحيّة خرجت من العصر الرسوليّ وتردّدت في أن تعلن عن ذاتها لأنّها مهدّدة أن تخسر وضعها ووحدتها. صاحب 2 بط هو إذن صوت التقليد، يذكر أنّ هذا التقليد ينبع من الله وأنبيائه، من المسيح وتلاميذه، من بطرس وبولس. وهذا التقليد يبقى بعد موت الرسل السلطة الوحيدة في عالم الإيمان وفي الحياة الأخلاقيّة وفي التأويل الكتابيّ. وإذ أراد هذا الكاتب أن يعطيَ لشهادته وزنًا لجأ إلى أسم مستعار هو اسم بطرس الرسول. 
إذًا 2 بط رسالة نسبت إلى كاتب آخر غير الذي دوّنها. نحن لسنا هنا أمام غشّ أدبيّ، بل أمام أسلوب عرفه القدماء وأخذوا به. فلقد جعلت أسفار الشريعة الخمسة على اسم موسى وسلطته، ونسبت المزامير بأكثريّتها إلى داود، وجعلت أسفار الحكمة في حماية سليمان. ولكنّ مشكلة الاسم المستعار في العهد الجديد تختلف عنه في العهد القديم بسبب الفاصل الزمنيّ البسيط بين هذا السفر أو ذاك وبين موت الشخص الذي نسب إليه السفر. ثمّ نحن أمام ظاهرة تقليد. فإذا أخذنا رسائل بولس الرعائيّة (1 تم، 2 تم، تي) نجد فيها تيّارًا بولسيًّا. فبعد موت بولس بعشر سنوات أو خمس عشرة سنة انبرى تلميذ أَلِفَ تعليم الرسول فطبّق أفكار معلّمه على عصره وحارب البدع المهدِّدة. وإذا اعتبرنا أنّ بطرس لم يكتب 1 بط نقول إنّنا أمام وضع مماثل. ولكنّ الحالة تختلف مع 2 بط بسبب الفارق بين 1 بط و 2 بط، والتقارب الغريب بين رسالة يهوذا والفصل الثاني من 2 بط، فالكاتب المجهول لجأ إلى سلطة بطرس فحمل كلمة "التقليد الرسوليّ" راجعًا إلى الرسل (3: 2) ولاسيّما إلى القدّيس بولس، مستوحيًا من يهوذا أفكارًا سيصحّح ما فيها من مغالاة.

د- 2 بط والكتب المقدّسة
تستقي 2 بط من مراجعَ متنوّعةٍ، من العهد القديم ومن العهد الجديد. فهناك عبارات منعزلة لا تبرهن عن شيء (1: 1، 11، 18؛ 2: 5؛ 3: 3). ولكنّنا نجد إيرادًا حرفيًّا لسفر الأمثال (26: 11؛ رج 2 بط 2: 22) وتلميحًا واضحًا إلى مز 90: 4 (رج 2 بط 3: 8) وإلى أش 65: 17 (رج 2 بط 3: 13). ويستفيد صاحب 2 بط في تعليمه من أخبارٍ كتابيّةٍ تتعلّق بالخَلْق (3: 5= تك 1: 6- 9) وخطيئة الملائكة (2: 4= تك 6: 1ي)، والطوفان (2: 5= تك 6- 9) ودمار سدوم وعمورة (2: 6- 8= تك 19) وضلال بلعام (2: 15 ي= عد 22). لقد عاد الكاتب مباشرة إلى النصّ الأصليّ كما استعان بشواهد وجدها في مراجع ثانويّة.
ونجد تقاربًا بين 2 بط والآداب اليهوديّة المعاصرة. ففي 3: 7، 10 يشدّد الكاتب على أنّ الكون بعد أن هلك في الماضي بالمياه سيهلك مرّة ثانية بالنار. "في ذلك اليوم تزول السموات بدويّ صاعق وتنحلّ العناصر بالنار وتحترق الأرض وكلّ ما عليها". هذا الموضوع معروف في سفر أخنوخ الحبشيّ وحياة آدم وحوّاء وكتاب سيبيلة. وهناك الفكرة المتعلّقة بالزمن التي تعتبر أن ألف سنة كيوم واحد، وظهور سموات جديدة يحلّ فيها البِرّ (3: 5 ي)، نقرأها أيضاً في سفر أخنوخ المنحول. وتشير 2 بط إلى الكلمة النبويّة وحضور الروح في الأنبياء كما يفعل فيلون المفسّر اليهوديّ. وحين تتحدّث عن فساد الأيّام الأخيرة والعقاب اللاحق لها تقترب أيضاً من أخنوخ ومن وصيّات الآباء الإثني عشر كما تقترب من رسالة يهوذا (آ 4- 9).
وهنا ننتقل إلى التقارب بين 2 بط ونصوص العهد الجديد. ما يدهشنا أوّلاً هو أنّ الكاتب الذي يعتبر نفسه أنه يعرف تعليم المسيح والرسل (1: 12 ي؛ 3: 2) ورسالة بطرس الأولى ورسائل بولس 3: 1، 15 ي) لا يورد الشيء الكثير من هذه الأسفار. فهو لا يحتفظ من الأناجيل إلاّ بخبر التجلّي (1: 16- 18) وتنبّؤِ يسوعَ عن مار بطرس (1: 14؛ رج يو 21: 18 ي). ومن 1 بط يأخذ حدث الطوفان ناظرًا إليه من زاوية مختلفة (2: 5؛ 3: 5- 7؛ رج 1 بط 3: 20 ي). ويورد من القدّيس بولس موضوع الإيمان والنبوءة الإلهيّة (1: 1- 4) متطرّقًا إليه بشكل آخر.
ونلاحظ خاصّة تقاربًا بين رسالة يهوذا و 2 بط، وهذا التقارب يبدو على مستوى الأفكار لا على مستوى العبارات. (2: 1- 3= يهو 4؛ 6:2= يهو 7؛ 2: 11= يهو 9؛ 13:2= يهو 12؛ 2: 15= يهو 11؛ 3: 14= يهو 24؛ 18:3= يهو 25).
وهناك تقابل بين 2 بط وكتابات الآباء الرسوليّين وبالأخصّ برنابا المنحول. ونجد المواضيع نفسها في 2 بط ورؤيا القدّيس بطرس (كتبت حوالي السنة 150 ب. م): التجلّي، إعلان الأنبياء الكذبة، وعقاب الخطأة النهائيّ. ولكن يمكن القول إنّ 2 بط هي الأولى، وعنها أخذت الكتب المنحولة أو مؤلّفات الآباء الرسوليّين.

هـ- 2 بط رسالة قانونيّة
اختلفت 2 بط عن 1 بط فقبلتها الكنيسة بصعوبة. فقانون موراتوري الذي دوّن في نهاية القرن الثاني معدّدًا الكتب المقبولة في رومة، لا يتكلّم عن 1 بط و 2 بط مع أنّه يورد رسالة يهوذا. فلا بوليكربوس ولا يوستينوس يذكران 2 بط. ونقول الشيء عينه عن ترتليانس وقبريانس في أفريقيا، عن أغناطيوس وثيوفيلوس ويوحنّا فم الذهب ولوقيانس في أنطاكية. وسننتظر هيبوليتس (+ 235) لنجد إشارتين أو ثلاثة إلى 2 بط. 
ظهرت 2 بط أوّل ما ظهرت في مصر واستعملتها رؤيا القدّيس بطرس. تُرجمت إلى اللغة البحيريّة واللغة الصعيديّة فوصلت إلينا في البرديّ رقم 72 الذي يعود إلى القرن الثالث، ونحن نفترض نصًّا نُسخ مرّات عديدة قبل أن يدوّن على هذا البرديّ. ويحدّثنا أوسابيوس عن إكلمنضوس الإسكندرانيّ (+ بعد 211) الذي قدّم "عرضاً ملخّصاً لكلّ أسفار العهد الجديد ولم يهمل تلك التي هي موضوع جدال مثل رسالة يهوذا وسائر الرسائل الكاثوليكيّة ورسالة برنابا ورؤيا بطرس". ولكنّ هذا القول لا يدلّ على شيء لأنّ إكلمنضوس لا يذكر 2 بط باسمها، كما أنّه يشرح أسفارًا منحولة.
واتّبع أوريجانس (+ 254) عادة عصره فأورد مقطعًا من 2 بط ونسبه إلى بطرس موضحًا أنّ له رسالتين. ولكنّ هذا الناقد الواعي سيعلن في تفسيره لإنجيل يوحنّا: "ترك بطرس رسالة واحدة لا جدال فيها، وربما ترك رسالة ثانية هي موضوع جدال". ويقول في مكان آخر: "يسمّي بطرس في رسالته الكاثوليكيّة مرقسَ ابنَه". أمّا أوسابيوس الشاهد عن التقليد المسيحيّ فيجعل رسالة 2 بط موضوع جدال ويقول: "مِنْ بطرسَ رسالة واحدة" هي التي تسمّى الأولى والتي عرفها الشيوخ القدماء واستعملوها في كتاباتهم كنصّ لا يناقش. أمّا التي تسمّى الثانية فليست نصًّا رسميًّا، ولكنّها بدت مفيدة للكثيرين فاعتُبرت مع سائر الكتب المقدّسة. وكتب إيرونيموس: "يعقوب وبطرس ويوحنّا ويهوذا نشروا سبع رسائل". وكتب أيضاً: "دوّن بطرس رسالتين تسمّيان كاثوليكيّة إلاّ أنّ أكثرهم ينكر الثانية بسبب اختلافها عن الأولى". وسيكون لإيرونيموس دور كبير في إدخال 2 بط بين الكتب القانونيّة في الغرب.
نذكر هنا ديديمس الأعمى (313- 398) الذي يحسب 2 بط كتابًا مقدّسًا وينسبها إلى بطرس (يورد 2 بط 1: 14؛ 2: 22 كل شرحه لزكريّا و 2 بط 1: 4 في مقالته عن الثالوث). ومع القائلين بقانونيّة 2 بط نشير إلى فرمليانس (القرن الثالث) أسقف قيصريّة في كبادوكية وميتوديوس الأولمبيّ. وبعد القرن الخامس والقرن السادس لن تناقش قانونيّة 2 بط.
ونورد هنا النصوص الرسميّة: القانون 60 من مجمع اللاذقيّة في فريجيّة (بتركيا) الذي عُقد سنة 360. القانون 36 من مجمع قرطاجة الذي عقد سنة 393. وسيُردَّد هذا القانون في مجمع قرطاجة الثالث الذي عقد سنة 397 (قانون 47) وفي مجمع قرطاجة الرابع (قانون 29)، وسيرسل البابا أنوشنسيوس الأوّل إلى اكسوبيروس أسقف تولوز في فرنسا رسالة في 10 شباط سنة 405 يعلن 2 بط بين الكتب القانونيّة. وسوف ننتظر طويلاً قبل أن يعلن الهامّ وقانونيّة 1 بط و 2 بط وذلك في مجمع فلورنسا (4 شباط 1441) والمجمع التريدنتينيّ (قانون 59) والمجمع الفاتيكانيّ الأوّل (قانون 79). 
أين كُتبت 2 بط؟
إمّا في مصر حيث انتشرت، وإمّا في سورية بسبب تقاربها من رسالة يهوذا. متى كتبت؟ في بداية القرن الثاني أو نهاية القرن الأوّل في عهد دوميسيانس.

و- التعليم اللاهوتيّ في 2 بط
دوّنت 2 بط في زمن متأخّر وشكّ الشرّاح في نسبتها إلى مار بطرس. ولكنّ هذا لا يمسّ مضمونها. فتعليمها أهمّ شهادة عن إيمان الكنيسة في نهاية القرن الأوّل المسيحيّ وهو يقدّم غنىً كبيرًا لمعاصرينا. أمّا موضوع هذه الرسالة فيمكن أن يكون: الإيمان والحياة المسيحيّة، وهدفه أن يثبّت المؤمنين في الحقيقة ويطمئن المتردّدين ويقود الضالّين. يشدّد ف 1 على مضمون الإيمان وشروط نموّه وعلاقته بسائر الفضائل الأخلاقيّة. ويذكر أسسه الكتابيّة والنبويّة والإنجيليّة والرساليّة ويحرّضنا على النموّ في معرفة المسيح. ويعلن ف 2 الحرب على الهرطقة من أجل الحفاظ على نقاوة الإيمان. ويؤكّد ف 3 على كمال هذا الإيمان الذي لا يكون نقص فيه: لا يستطيع الواحد أن يكون مسيحيًّا إن لم يؤمنْ بمجيء الربّ ويتهيَّأ لهذا المجيء. وهكذا تتّخذ حياة المؤمنين منحًى إسكاتولوجيًّا.

1- الإيمان والمعرفة.
يتحدّد المسيحي إنسانًا أُنعم عليه بقدرة الله، وعمله المجيد أن يشارك في الطبيعة الإلهيّة (1: 4). وهذه عطيّة مجّانيّة كالحياة والإيمان والتبرير (1: 1- 3؛ 3: 18). والإيمان معرفة يوافق اقتناؤها الحياة المسيحية نفسها. وحين يرتدّ المؤمن يفلت من قذارات العالم ويعرف يسوع المسيح وطريق الصلاح (2: 20) بفضل تعليم الرسل. فالمسيحي يعرف قبل كلّ شيء التعليم الموحى وقواعد الحياة الأخلاقية وأصول العلم التأويلي (1: 20؛ 3: 3، 17). هو ثابت في الحقيقة ومتيقّظ (1: 13؛ 3: 1). يتذكّر وثائق إيمانه ويحاول أن يلجّ أكثر فأكثر في معرفة الله والمسيح (1: 2- 8؛ 3: 18).
هذا يفترض فكرًا نقيًّا وإصلاحًا أخلاقيًّا كاملاً: فمعرفة يسوع تعني الإستعلام عن شخصه وتعليمه والاعتراف به ربًّا. وهذا يعني القبول (3: 2) والعيش في فضيلة العفّة والصبر والتقوى والمحبّة. وهذا الخضوع للنور ينقّي الكائن كلّه ويصفّي العقل ويقوّي الدعوة والإختيار (1: 10).
إن دُعِيَ المسيحي إلى أن يزيد المعرفة على الإيمان والفضيلة، فهذا لا يسمح له أن يفكّر ما يشاء وأن يتخيّل زيادات على تاريخ الخلاص. إنّه يرتبط بالتقليد فيبقى ابن التلمذة. ومعرفة يسوع المسيح الذي هو كنزه الذي يكتشفه وصل إليه عن طريقين: 
أوّلاً: طريق الآب الذي يعطي المجد والكرامة لابنه (1: 17). هذا الإعلان السماوي قد سمعه الرسل الذين شاهدوا عِيانًا مجد المسيح (1: 16، 18) والذين كُلِّفوا بأن يبشّروا المؤمنين بذلك (3: 2). فالمعلّمون والرسل ما فتئوا بالكلام والكتابة يعطون المؤمنين فهمًا أعمق لشخص المخلّص (3: 15).
ثانيًا: يرتكز الإيمان على مواعيد ثمينة وعظيمة تتمّ في يسوع المسيح (1: 4). وهذه الأمور أعلنها الأنبياء (3: 2) شفهيًّا (1: 19) أو كتبوها (1: 20؛ 3: 16) فشكّلت نورًا مستمرًا في قلب المسيحي وسط ظلمات العالم (1: 21) فالملهمون تكلّموا من قِبَل الله، والروح القدس قدّم لنا في الأنبياء الكفالة عن حقيقة شهادتهم.
من هذا القبيل لا يكون الإيمان قبولاً لأساطير وأخبار، بل معرفة مؤسّسة ومكفولة ضدّ كلّ ضلال (3: 17). يبقى أن نفهم الكلمات والنصوص النبوية حسب الروح الذي ألهمها (2 تم 3: 14- 16). فكما أنّ رجال الله لم يتكلّموا من عندهم وبحسب نزواتهم، بل نقلوا إلينا تعليم الله الصحيح (1: 21؛ رؤ 22: 6، 18)، هكذا لا يحقّ للمسيحيّ أن يشنّع بالنصوص ويجعلها تقول الشيء الذي لا تتضمّنه ويقدّم تفاسير شخصية واعتياطية. فما من نصّ مثل 2 بط ربط الإيمان بكلمة الله. فنقاوة هذه الكلمة تتعلّق بفهمها فهمًا دقيقًا.

2- تحذير من تعاليم المضلّين
بما أنّ الإيمان يوصل إلى الملكوت الأبدي ويقوم بمعرفة يسوع التاريخ وتعليمه الذي نقله إلينا التقليد الرسولي، فيجب أن نكون متيقّظين لنحافظ على نقاوة هذا الإيمان وكماله. فنقاوة الإيمان مهدَّدة دومًا. وتكرِّس 2 بط فصلاً كاملاً لتنذرنا بشرّ معلّمي الضلال. في الماضي كان الأنبياء الكذبة في إسرائيل، واليوم نجد المعلمين الكذبة في الكنيسة وهم يثيرون الانقسامات والشيع الضارّة. إنّهم مروّجون نشيطون وأصحاب إغراء وحيلة (2: 3، 13). إنّهم ثرثارون. وكلماتهم الغاشّة (2: 3، 13) تجلب إليهم تباعًا ليقودوهم في فجورهم. إنّهم متجرّئون، وقحون، مستهزئون يرفضون كلّ سلطة دينيّة وقاعدة أخلاقيّة. إنّهم عبيد اللحم والفساد (2: 10- 19) لا يشبعون من اقتراف الخطايا. هم زناة (2: 14) يدمنون على كلّ شهوة نجسة ويغطسون في قذارة العالم. سلوكهم يشكّك حتّى الوثنيّين (2: 1). فنحن أمام مسيحيّين مالوا عن الطريق القويم (3: 2، 15) وأنكروا معلّمهم الذي افتداهم (2: 1) ثمّ عادوا إلى الرجاسة التي تنقَّوا منها.

3- الإسكاتولوجيا والحياة المسيحيّة
في ف 3 يجيب كاتب 2 بط على المستهزئين والمتشكّكين حول قرب نهاية العالم التي أعلنها الأنبياء، فيحدّثنا عن التأخير في مجيء الربّ ويؤكّد بالأخصّ أنّه ستكون لهذا العالم نهاية كما كانت له بداية. إنّه سريع العطب لذلك ستضربه الكوارث. خرج من المياه الأولى بكلمة الله (تك 1: 2، 6) وغمرته مياه الطوفان ثمّ تجفّف (3: 5- 6). غير أنّ إرادة الله الواحدة ستدمِّر بالنار السمواتِ والأرضَ الحاضرة وتتكوّنُ سمواتٌ جديدة وأرض جديدة (3: 13). هذا هو العالم الآخر الذي يرغبه المسيحيّون وينتظرونه لأنّه عالمهم. فإن هم أقاموا هنا ففي خيمة مؤقّتة (1: 14) ودعوتهم أن يكونوا في السماء (10:1).
يردّد الناس: "أين موعد مجيئه" (3: 4)؟ ويعتقدون أنّ العالم سينتهي بفعل كارثة كونيّة يترقّبها العلم. ولكنّ النهاية ستكون بفعل الله (3: 7) فيطلّ المسيح كالسارق، ونحن لا ننتظره (3: 10). وهذا الواقع المنتظر لا نقبل به بعقلنا فحسب بل نحسب حسابه في حياتنا اليوميّة.
ولهذا ترسم أمامنا 2 بط أخلاقيّة إسكاتولوجيّة نمشي بموجبها على مثال الآباء (عب 11: 13- 16) نحو ملكوت البرّ (3: 13). والغاية توجه اختيار الوسائل واستعمالها: "بما أنّ كلّ شيء سينحلّ فكيف يجب عليكم أن تكونوا" (3: 11)؟ هذا يفترض نقاوة عظيمة (3: 14) وسط عالم وثنيّ مليء بالقذارات (2: 21) والشهوات والفجور والكذب والضلال (2: 18). فالمسيحيّ الذي تنقّى من خطاياه في المعموديّة (1: 9) سيهرب ويقتلع نقسه من الفساد الذي يعيش فيه معاصروه. يتحفّظ لئلاّ يسقطَ (3: 17)، يبقى ثابتًا رغم إغراءات الشرّ.
إنّ المسيحي النقيّ صاحب الإيمان الإسكاتولوجيّ، يستخدم خيرات نعمته العماديّة بعد أن وهبته القدرة كلّ ما يؤول إلى الحياة والتقوى. وفي منظار نهاية العالم يشعل غيرته ويضاعف جهاده فيزيد التقوى على الصبر، والمحبّة الأخويّة على التقوى. أمّا موقفه الروحيّ فنلخّصه بكلمة واحدة: إنّه ينتظر، وهو لا يحيا إلاّ في هذا الانتظار وفي هذا الرجاء.
لا يستطيع المسيحيّ أن يمتلك مثل هذا الوعي الروحيّ وهذه الحرارة في المحبّة دون أن يفقد بعض الصيرفي انتظار يوم الله. فالمؤمنون يعرفون أنّ كلّ شيء معدّ منذ مجيء يسوع المسيح لظهور الخلاص (1 بط 1: 5) ولكنّ الساعة المحدّدة يمكن أن تتبدّل. فالذين ينتظرون تدخّل الرب يقدرون أن يجعلوه يعجّل. لا يحدّد النصّ كيف نجعله يعجّل. ولكنّ قداسة حياة دينيّة حقّة وصلاة حارّة لا تَتْعَبُ، هما سلاح حاسم وَسْطَ تقلّبات هذا العالم في نهاية الزمن. أمّا بالنسبة إلى 2 بط فصدق المؤمن يُتَرْجَمُ بتمنِ حارٍّ أن يأتيَ الربُّ بسرعة. وهنا تلتقي هذه الرسالة مع كلمة سفر الرؤيا (22: 20): "آمين. تعال، أيّها الربّ يسوع".
الفصل الخامس عشر
رسائل القدّيس يوحنا

قال القدّيس أغوسطينس: أَحْبِبْ وافعل ما تشاء. هذه الكلمات خرجت من شفتي هذا القدّيس في أسبوع الفصح من سنة 407 حين كان يشرح للمعمّدين الجدد رسالة القدّيس يوحنّا الأولى. كان همّه كهمّ القدّيس يوحنّا: المحافظة على وحدة الإيمان في جماعة تهزّها الهرطقات والبدع.
ونحن اليوم أيضاً نحتاج إلى قراءة رسائل القدّيس يوحنّا ليصل إلينا منها قوّة الإيمان بالمسيح الذي جاء في الجسد، ومتطلّبات المحبّة الحقيقيّة التي هي عاطفة إيمانيّة لا تفصل القريب عن الله.
ترك لنا القدّيس يوحنّا ثلاث رسائل سنحاول أن نكتشفها. فالرسالة الثالثة هي بطاقة وجّهها الشيخ إلى شخص محدّد هو غايوس فذكر خلافًا بين أشخاص أخطأ أحدهم في مسألة الضيافة. والرسالة الثانية يوجّهها الشيخ نفسه إلى جماعة كنسيّة يلقّبها بالسيّدة المصطفاة، ويحذّرها من خصم يحاول أن يُغْوِيَها فيبدو كالمسيح الدجّال بالنسبة إليها. أمّا الرسالة الأولى فلا تبدو بشكل رسالة بل بشكل جدال منظّم ضدّ الذين يعارضون تعليم كاتب الرسالة.
نحن أمام جماعات تعيش أيّامًا متأزّمة وقد حاولت كلّ منها أن تفسّر إنجيل يوحنّا على هواها. سنعود إلى نقاط الخلاف ونفهم هَمَّ الرسالة الأولى التي تحدّد العناصر الأساسيّة للإيمان المسيحيّ.

أ- مَن هو يوحنّا؟
هو أخو يعقوب. كان من الجليل ومن بيت صيدا مثل بطرس وفيلبّس وأندراوس (يو 1: 44). اسم أبيه زبدى وكان صيّادًا ميسورًا لأن له اجراء يعملون معه (مر 1: 20). اسم أمّه سالومة (ق مت 27: 55- 56 ومر 15: 40) التي كانت على ما يبدو أخت مريم العذراء (هناك أربع نساء لا ثلاث في يو 19: 25)، وهذا ما يفهمنا طلبها ليسوع من أجل ابنيها (مت 20: 20 ي) وحضورها على الجلجلة (مت 27: 56؛ مر 15: 40)، وتسليم يسوع المائت أمّه ليوحنّا (يو 19: 25 ي) الذي يكون في هذه الحالة ابن خالته.
تشير أعمال الرسل إلى أنّ يوحنّا لم يتعلّم لدى الرابّانيّين، فقد كان مثل بطرس أمّيًّا ولا علم عنده (أع 4: 13). غير أنّه كان تلميذ يوحنّا المعمدان وانتقل من عنده إلى يسوع (يو 1 :35- 41).
لعب يوحنّا دورًا هامًّا في الإنجيل فكان مع يعقوب أخيه وبطرس أحد الثلاثة القريبين من يسوع. شهد قيامة ابنة يائيرس (مر 5: 37؛ لو 8: 51)، وكان حاضرًا وقت التجلّي على الجبل (مر 2:9) ووقت النزاع في الجسمانيّة (مر 14: 33). هو التلميذ الذي كان يسوع يحبّه وقد أرسله الربّ مع بطرس ليهيّئ وليمة العشاء السرّي (لو 22: 8). هو التلميذ الآخر (يو 18: 15) الذي كلّم البوّابة وأدخل بطرس إلى دار رئيس الكهنة، وهو الذي ركض مع بطرس إلى القبر ليتحقّق من أقوال مريم المجدليّة (يو 20: 2- 10). عرف المسيح القائم من الموت على شاطئ البحيرة (يو 21: 7) وأنبأ يسوعُ ما سيصير إليه هو وبطرس (يو 21: 18- 23).
كانت العلاقات حميمة بين بطرسَ ويوحنّا. كانا معًا لمّا شفى بطرس المقعد في الهيكل (أع 3: 1- 11) ووقفا معًا أمام مجلس الكهنة (أع 4: 13- 19). ذهب مع بطرس إلى السامرة بناء على طلب الرسل (أع 8: 14) لأنّه كان يُحْسَبُ مع يعقوب وبطرس من عُمُدِ الكنيسة (غل 2: 9).
هذا ما يقول العهد الجديد عن يوحنّا، فماذا يقول التقليد المسيحيّ؟ جاء إلى أفسس بعد أن بشّرها بولس، وذلك بشهادة إيريناوس (القرن الثاني) وأوسابيوس (القرن الرابع). نُفِيَ إلى جزيرة بطمس في عهد دوميسيانس فكتب هناك سفر الرؤيا. يُروى عنه في نهاية حياته أَنَّهُ كان يُحْمَلُ إلى جماعة المؤمنين فيردّد عليهم هذه الكلمات: "أحبّوا بعضكم بعضاً. هذه هي وصيّة الربّ فإن حفظتموها يكفي".
هناك قول يعتبر أنّ يوحنّا مات مع أخيه يعقوب سنة 44 في عهد هيرودس أغريبا (رج مر 10: 35- 40). ولكنّ هذا القولَ مردودٌ. وهناك من يميّز بين يوحنّا الرسول ويوحنّا الشيخ. ولكن يبدو أنّ الاثنينِ شخصٌ واحد.

ب- الرسالة الثانية
تبدو 2 يو بشكل رسالة فنتعرّف فيها إلى العنوان: من الشيخ إلى السيّدة المصطفاة (آ 1- 3)، وإلى جسم الرسالة (آ 4- 11)، وإلى السلامات والخاتمة (آ 12- 13). 
ونبدأ بالعنوان (آ 1- 3) المؤلّف من قسمين: اسم الكاتب والأشخاص الذين كتب إليهم والإشارة إلى المستوى الذي فيه يتمّ الاتّصال.
الكاتب يسمّي نفسه الشيخ، وهذا يدلّ على شخص يتمتّع ببعض السلطة: يحقّ له أن يكتب إلى الجماعة، أن يدليَ بِرَأْيِهِ حيال موقفِ هذا أو ذاك، أن يذكّر المؤمنين بالوصيّة. سلطته حكمة ونصح وتنبيه. وهو عضو في جماعة المسيحيّين من الجيل الثاني. سمّاه أحد النقّاد: تلميذ تلاميذ المسيح. أمّا سلطته فتنبع من التقليد الذي تسلّمه والذي ما زال يسلّمه إلى الآخرين. وثقته بنفسه ترتبط بهذا التقليد.
كتب إلى "السيّدة المصطفاة" فدلّ بذلك على إحدى الكنائس الشقيقة (آ 13) التي ترتبط بيوحنّا. "والأبناء" هم المسيحيّون أعضاء هذه الجماعة الذين إليهم تتوجّه الرسالة. 
أمّا المستوى الذي فيه يتمّ الاتصال فهو المحبّة والحقّ. قال: "الذين أحبّهم في الحقّ" (آ 1). وأنهى العنوان: "في الحقّ والمحبّة" (آ 3). وسيتكلّم فيما بعد عن "سبل الحقّ" (آ 4) "وسبل المحبّة" (آ 6). هذا الكلام اليوحنّاويّ يشدّد على أنّ الحقّ والمحبّة يعبّران عن الموقف الصحيح تجاه الله والإخوة: المحبّة تنفي الكذب، وإذا وُجد الحقّ وجدت المحبّة بالضرورة. ثمّ يورد النصّ ثلاثًا: النعمة والرحمة والسلام.
وندخل في جسم الرسالة (آ 4- 11) فنتوقّف على ثلاثة مقاطع: نسلك في الحقّ والمحبّة، نعترف بيسوع المسيح الذي جاء في الجسد، نقيم على التعليم.
نسلك في الحقّ (آ 4)، نسلك حسب الوصايا (آ 6)، نسلك في المحبّة أوفي الوصية (آ 6). ويفرح الكاتب (آ 4) لأنّ المضِلِّين لم ينجحوا في جرّ الجماعة كلّها إلى ضلالهم وكذبهم، لأنّ بعضاً ما زالوا يسلكون في الحقّ أو حسب الوصيّة. أمّا الوصيّة فهي قديمة وقد تقبّلناها منذ البدء، هي وصيّة المحبّة، "وما الحبّ إلاّ السير على طريق وصاياه". 
وتشدّد آ 7 على أنّ السلوك بالحقّ يفترض الإعتراف بأنّ يسوع جاء في الجسد. إنّ حبّ الإخوة يرتبط بسرّ المسيح والرباط هو يسوع المسيح الذي جاء في الجسد. أجاب المسيح على حبّ الآب للبشر حين صار إنسانًا، ولا يكون جوابنا صحيحًا إلاّ إذا جسّدنا حبّ الله في أقوالنا وليتورجيّتنا واعترافنا وأعمالنا.
يتحدّث النصّ عن المسيح الدجّال "أنتيكريست" الذي هو ضدّ المسيح، الذي يريد أن يحلّ محلّ المسيح. لا نجد هذه الكلمة إلاّ هنا وفي 1 يو 2: 18، 22؛ 4: 3. إن حالة الجماعة الآن تتأثّر بالمضِلِّين الذين يعارضون المسيح فاحذروهم.
نقيم على التعليم ونحمل التعليم. هذا التعليم أعطانا إيّاه المسيح وذكّرنا به الروح القدس وعمّقه فينا. وتعليم المسيح هو المسيح بالذات. قال يو 16: 14: "يأخذ ممّا لي ويشرككم فيه". غير أنّ هناك من يجاوز حدّه فينتشر في العالم ويسلك طريق تعليم المضِلِّين. فلا يجب أن نستقبلَ مثل هؤلاء أو نستضيفَهم لأنّ هذا يعني مشاركتهم في تعليمهم وفي أعمالهم الشريرة. فالمشاركة بعضنا مع بعض تفرض علينا أن نرذل الظلمة فلا نتنجّس بروح الضلال.
ونصل إلى خاتمة الرسالة (آ 12- 13) التي تشبه 3 يو 13- 14 ويو 20: 30؛ 21: 25. يعلن الكاتب أنه سيزور الجماعة "ليكون فرحنا تامًّا". يرغب في أن يلتقيّ جماعة أمينة للتعليم الذي تسلّمته. فالهرطقة تهدّد كنائس الله.

ج- الرسالة الثالثة
الرسالة الثالثة ليوحنّا هي أقصر سفر في العهد الجديد، ولكنّها تعطينا الشيء الكثير عن الجماعات اليوحنّاويّة وعن الصعوبات التي واجهها الوعّاظ الأوّلون. ويوقفنا فيها ثلاثة أشخاص: غايوس الذي دلّ على أنه يسلك في الحقّ (آ 3- 5) فشجّعه الكاتب في هذا السبيل (آ 11). ديوتريفس الذي يتميّز بموقف متكبّر وأحاديث خبيثة ورفض لقبول الإخوة (آ 9- 10). ديمتريوس الذي شهد له الجميع والشيخ نفسه. أنه المثال الذي يجب أن يُحتذى به.
عنوان الرسالة (آ 1- 4) يدلّنا على المرسِل: الشيخ، وعلى مُستَلِمِ الرسالة: غايوس أحد أعضاء الجماعة اليوحنّاويّة الذي يلقى المديح لما صنع والتشجيع على المتابعة والدعوة لتمييز موقف ديوتريفس السلبيّ. إنّ غايوس العضو الأمين، يسلك في الحقّ وهو متّحد بكاتب الرسالة.
ويتوقّف جسم الرسالة (آ 5- 12) عند موقف غايوس الإيجابيّ (آ 5- 8)، وتصرّف ديوتريفس السلبيّ (آ 9- 10) والمثال الذي يتبعه ديمتريوس الذي يقول: "من يعمل الخير فهو من الله ومن يعمل الشرّ لم ير الله" (آ 11- 12).
انطلق بعض الإخوة المتجوّلين ليعلنوا اسم المسيح فاستضافهم غايوس. عادوا فشهدوا أمام الكنيسة عن الاستقبال الذي لَقُوْهُ. فكتب الشيخ إلى غايوس. انتظَر هؤلاء الإخوةُ أن يَلْقَوُا الضيافةَ لدى ديوتريفس ولكنّه لم يقبلهم ومنع الذين يريدون أن يقبلوهم وطردهم من الكنيسة. كانوا غرباء بالنسبة إلى غايوس فصاروا أقرباء، وكانوا إخوة لديوتريفس فعاملهم كغرباء. وينطلق الكاتب من هذه الواقعة ليدعو الجماعة إلى قبول الإخوة الذين توفدهم الجماعة.
ويشجب الكاتب موقف ديوتريفس لسببين: يحبّ أن يكون الأوّل وسط الكنيسة المحلّية. هو صاحب سلطة ويمارسها بزهو وغرور. ثمّ إنّه لم يستقبل الشيخ والإخوة ويطرد الذين يقبلونهم ويتلفّظ بكلمات خبيثة. هذا يدلّ على وجود خلافات داخل الجماعات اليوحنّاويّة وعلى نقص في المحبّة بين الكنائس المحلّيّة.
ويختتم الشيخ رسالته (آ 12- 15) بتمنيّات تشبه تلك التي قرأناها في 2 يو. تشدّد 3 يو على تصرّف المؤمن. فبطريقة حياتنا وأفعالنا وبطريقة قبولنا لإخوتنا نعرف إن كنّا من الله أم لا. هذا واضح في 1 يو. والرباط بين اللاهوت والأخلاقيّات هو إحدى ميزات اللاهوت الذي يتوسَّع فيه يوحنّا في رسائله.

د- موضوع وصحّة 2 يو و 3 يو
تبدو كلٌّ من 2 يو و 3 يو بطاقة كتبت في ظرف من الظروف. تميّزتا عن 1 يو بقصرهما وبفنّهما الأدبيّ. تتضمّن 1 يو عناصر كرازة عديدة وتتوجّه إلى جماعات متعدّدة. أمّا 2 يو و 3 يو فهما رسالتان حقيقيّتان تبدآن وتنتهيان ككلّ الرسائل.
2 يو مكتوبة إلى السيّدة المصطفاة وهي كنيسة محلّية، لها أخت مصطفاة (2 يو 13) وأبناء يحبّهم كلّ المؤمنين. هذه الجماعة هي إحدى جماعات آسية الصغرى المؤمنة والمهدّدة بمضِلّين لا يعترفون بتجسّد يسوع المسيح. فعلى المسيحيّين أن يتحلَّوا بنقاوة الإيمان وممارسة المحبّة الأخويّة ويقطعوا كلّ صلة بالمُبْدِعِين.
وتتوجّه 3 يو إلى غايوس. موضوعها صراع بين الشيخ ورئيس إحدى الجماعات. تمسّك بسلطته فرفض استقبال الموفدين من قبل الشيخ، ولكنّ غايوس قبلهم فامتدحه الشيخ على ذلك.
2 يو و 3 يو رسالتان قصيرتان لم تنتشرا كثيرًا، غير أنّهما ستُقبلان بسهولة ما عدا في منطقة أنطاكية. يورد بوليكربوس 2 يو 7 وأغناطيوس الأنطاكيّ 2 يو 10، في رسالته إلى أهل أزمير. أمّا قانون موراتوري فيتحدّث عن رسائل يوحنّا في صيغة الجمع. وكتب أوسابيوس إنّ إكلمنضوس الإسكندراني شرح 2 يو و 3 يو. ويورد إيريناوس مقطعين من 2 يوكما يورد من سائر كتب العهد الجديد وينسبها إلى يوحنّا، تلميذ الربّ. خلال القرن الثالث يسجّل أوريجانس مجادلاتٍ عن 2 يو و 3 يو ولكنّه يقرُّ بهما في قانونه. في أفريقيا، عرف ترتليانس 2 يو 7 وأورد الأسقف أوريليوس 2 يو 10 كنصّ قانونيّ (في مجمع قرطاجة سنة 256). أمّا ديونيسيوس الإسكندراني فنسب الرؤيا إلى يوحنّا الشيخ والرسائل الثلاث إلى يوحنّا الرسول. ونسب إيرونيموس 2 و 3 يو إلى يوحنّا الشيخ. واعتبر أوسابيوس أنّ يوحنّا الرسول دوّن 2 و 3 يو. في القرن الرابع اعترف الجميع بقانونيّة 2 يو و 3 يو. أمّا السريانيّة البسيطة التي تتضمّن 1 يو فقد تجاهلت 2 و 3 يو. ولكنّهما ستَدْخُلان في الترجمة الفيلوكسنيّة. هذا التردّد جعل المُصْلِحين لوتِر وكَلِفين وغيرهما يتحفّظان بالنسبة إلى هاتين الرسالتين. وفي 8 نيسان 1546 أعلن المجمع التريدنتيني في جلسته الثالثة قانونيّة 2 و 3 يو فانتهى الجدال عند الكاثوليك. أمّا البروتستانت فسوف يدخلانهما في العهد الجديد منذ القرن السابع عشر.
مَن كتب هاتين الرسالتين؟
يبدو أنّ كاتبًا واحدًا كتب كلّ من 1 يو و 2 يو و 3 يو كما كتب إنجيل يوحنّا. هو شخص صاحب سلطة في الكنيسة. يزور الجماعات، يهيئ ويوبّخ ويأمر ويُوصِي ولا يناقشُ أحدٌ أقوالَه. هكذا كان يفعل بولس الرسول بالنسبة إلى كنائسه وهكذا كان يفعل صاحب الرؤيا في رسائله إلى الكنائس (رؤ 2- 3). فمن هو هذا الكاتب؟ يوحنّا الرسول؟ ولكن كيف نفهم أقوال ديوتريفس الخبيثة ضدّه؟ يوحنّا الشيخ الذي كان إحدى الشخصيّات المعروفة في الحلقات اليوحنّاويّة والوارث الروحيّ ليوحنّا الرسول؟ الأمر ممكن.

هـ- مضمون رسالة يوحنّا الأولى
اختلف الشرّاح في تنسيق 1 يو فاكتشف أحدهم ثلاثة أقسام: إعلان بشرى يسوع ودمه المُطَهِّر (1: 5- 2: 27)، مثال بنوّتنا الإلهيّة (2: 28- 4: 6)، وحي يسوع عن حبّ الله (4: 7- 5: 17). واكتشف آخر قسمين: شروط المشاركة مع الله ومع الجماعة الكنسيّة (1: 5- 2: 29)، محبّة الله وأبناء الله (3: 1- 5: 4). واقترح ثالث تصميمًا في ثلاث نقاط: الله نور (1: 5- 2: 17)، الله أب (2: 18- 3: 24)، الله محبّة (4: 1- 5: 12). واقترح رابع: الله نور، الله عادل، الله محبّة. وفكّر خامس في موضوعين رئيسيّين: أن نسلك في النور، أن نعيش كأبناء الله.
وإليك تصميمًا مقترحًا:

1- المقدّمة (1: 1- 4)
تبدأ 1 يو بجملة طويلة تذكّرنا بنسقها وأفكارها (كلمة الحياة، رأى، شهد) بمقدّمة الإنجيل الرابع. أمّا آ 2 فتشكل جملة اعتراضيّة تهيّئنا لقراءة جسم الرسالة. وتتردّد كلمة شركة (كوينونيا في اليونانيّة) مرّتين في آ 3 فتدلّ على هدف الكاتب: تأمين شركة المؤمنين مع الآب والأبن، وشركتهم بعضهم مع بعض بالأمانة للشهادة الرسوليّة.

2- القسم الأوّل: الله نور
يقدّم لنا الكاتب عرضاً عن علامة شركتنا مع الله (1: 5- 2: 28). ونلاحظ هنا مقطعين: مقطع أوّل (1: 5- 2: 2): نسير في النور ونقطع كلّ علاقة بالخطيئة، ومقطعًا ثانيًا (2: 3- 11): نحفظ وصيّة المحبّة. أمّا 2: 12- 28 فنعنونها: إيمان المؤمنين أمام العالَمِ والمسحاءَ الدجّالين. نلاحظ هنا وجهة سلبيّة (نتجنّب الخطيئة، 1: 5- 2: 2) ووجهة إيجابيّة (حفظ الوصايا، 2: 3- 11)، ثمّ وجهة سلبيّة (لا تحبّوا العالم، 2: 12- 17) ووجهة إيجابيّة (الأمانة للتعليم الذي تعلّمناه رغم المعلّمين الكذبة، 2: 18- 28).
وتبدو 2: 28 كخاتمة مؤقّتة. وسيعود الكاتب بعدها إلى المواضيع التي تطرّق إليها مشدّدًا على المحبة. يرد فعل أحبّ (أغابان في اليونانيّة) 28 مرّة، والأسم (المحبّة، أغابي) 18 مرة.

3- القسم الثاني: عطيّة الله
نحن أبناء الله. ويقدّم الكاتب عرضاً عن علامات شركتنا مع الله (2؛ 29- 4: 6) مع التشديد على البنوّة الإلهيّة (2: 29؛ 3: 1، 2، 9، 19؛ 4: 2، 4، 6) وعلى موضوع البرّ (2: 19؛ 3: 7، 10، 12) المرتبط بالمحبّة. ونستطيع أن نتوقّف عند المقاطع الثلاثة الآتية.
العلامة الأولى التي تساعدنا على التمييز بين أبناء الله وأبناء الشيطان هي: ممارسةُ البرّ وتجنّبُ الخطيئة (29:2- 3: 10).
والعلامة الثانية هي: ممارسة المحبّة على مثال ابن الله (3: 11- 24). تشير 3: 11 إلى أوّل جريمة قتل (قايين) فتوسّعُ النظرةَ تَوَسُّعَ التاريخ البشريّ. وتشكّل 3: 16 إعلانًا يعتبر قلب هذا المقطع: وهب يسوع حياته من أجلنا. ينتج عن هذا أنّنا نعبّر بأفعالنا عن الحبّ المتبادل (3: 18- 23). ويذكر الكاتب الروح (3: 24) فيهيِّئ المقطع الثالث.
والعلامة الثالثة هي تمييز الأرواح بالإيمان بيسوع المسيح (4: 1- 6). يختلف هذا المقطع عن المقطعين السابقين فيصيب وضعًا ملموسًا وموازيًا للعرض الأوّل (2: 18-28). ويقدّم إيضاحات عن العلامات التي تساعدنا على الكشف عن الأنبياء الكذبة انطلاقا من تعليمهم.

4- القسم الثالث: الله محبّة
يقدّم الكاتب عرضاً عن علامات وشروط مشاركتنا مع الله (4: 7- 5: 12). لا يتضمّن هذا العرض الثالث علامة سلبيّة (تجنّب الخطيئة) بل إعلانًا يتردّد مرتين: الله محبّة (4: 8، 16). ترتبط مواضيع الإيمان والمحبّة ارتباطاً وثيقًا ولكنّ التشديدَ واضحٌ على الإيمان والشهادة. وهكذا نكتشف مقطعين.
المقطع الأول: تأتي المحبّة من الله وتتأصّل في الإيمان (4: 7- 21).
المقطع الثاني: الإيمان بابن الله هو إيمان يتجاوب مع شهادة الله ويتفتّح في المحبّة ( 5 : 1 – 12 ).
الخاتمة الأولى (5: 13) تشدّد على هدف الرسالة: أن يعيَ المؤمنون أنّ لهم الحياة الأبديّة (رج يو 20: 31).
والخاتمة الثانية (5: 14- 21) التي تشبه حاشية فهي تشدّد على الأفكار الرئيسيّة في الرسالة. هذا ما فعله بولس حين كتب مقطعًا بخطّ يده في غل 6: 11- 17. فبعد أن دعا يوحنّا قرّاءه إلى الصلاة ولاسيّما من أجل الخطأة، قدّم ملخّصاً عن التعليم الذي سبق وأعطاه (5: 18- 20)، ثمّ أنهى كلامه بتوصية ترتبط بموضوع العهد الجديد (رج حز 11: 21).

و- الفن الأدبيّ في 1 يو
تبدو 1 يو في خطوطها العامّة قريبةً من الإنجيل الرابع، وقوّتها راجعة إلى كثافتها التعليميّة وقدرتها على الإقناع لاجئة إلى الترداد (مثلاً يتردّد فعل "عرف" مرّات عديدة. رج 2: 20، 21؛ 2:3، 5، 14، 15؛ 13:5، 15، 18، 20).
وهنا نتساءل هل نحن أمام عظة أم أمام رسالة؟
تختلف 1 يو عن رسائل العالم اليونانيّ والرومانيّ في أنّها لا تبدأ بذكر الكاتب ولا القرّاء ولا السلامات. كما لا نجد الخاتمة التي اعتاد كتّاب الرسائل أن يُنْهُوا بها رسائلَهم. كيف نفسّر هذا الواقع في زمن ازدهرت فيه الرسائل المكتوبة باسم مستعار؟ حاول بعضهم أن يجد جوابًا في أنّ حامل الرسالة يقدّم كاتب الرسالة ويوصل إلى القرّاء تمنيّاته. ولكنّ هذا الجوابَ غيرُ كاف ولاسيّما وإنّ صاحبَه يسند إلى الرسالة إلى العبرانيّين القريبة من فنّ العظة.
فالرسالة الأولى تتضمّن سمات العظة. فالكاتب يتوجّه كالواعظ إلى قرّائه كأولاد (2: 1، 12، 14، 18، 28؛ 3: 7، 18؛ 4: 4؛ 5: 21) أعزاء (2: 7؛ 3: 2، 21؛ 4: 1، 7، 11). في هذا السبيل يختلف إنجيل يوحنّا عن 1 يو التي تعطي مكانة هامّة للتعليم الأخلاقيّ. ونجد أيضاً في 1 يو مواضيعَ عماديّةً، لهذا وصفها بعضهم برسالة عماديّة أو بمقالة تذكّر المسيحيّين بالتزاماتِ عمادهم.
ولكنّ 1 يو ليست عظة نموذجيّة تصلح لأيّة جماعة كانت. فهي تتكيّف مع ظروف الجماعة التي تتوجّه إليها. وكاتبها يعرف حالة قرّائه الأخلاقيّة والروحيّة ومتاعبهم والأخطار المحدقة بهم (2: 12، 14، 19، 26؛ 3: 7، 13؛ 4: 4؛ 5: 13). كيف نفهم ترداد العبارة "كتبت إليكم" ثلاث مرّات في 2: 14 بعد أن قال لهم في 2: 12، 13: أكتب إليكم؟ هل يشير الكاتب إلى رسالة سابقة أم إلى الإنجيل الرابع؟ هل نحن أمام فنّ رسائليّ يتخيّل فيه الكاتب نفسه وَسْطَ قرّائه؟ يبدو أنّ الرأي الأخير هو أقرب إلى الواقع. 
إختفى اسم الكاتب ونفسّر اختفاءه بالتشديد على الشهادة الرسوليّة كقاعدة للإيمان القويم. ونجد بُعدًا جماعيًّا في صيغة المتكلّم الجمع (نحن) تجاه قرّاء يتوجّه إليهم في صيغة المخاطب الجمع (أنتم). فكاتب 1 يو هو المتكلّم باسم التقليد الرسوليّ، ورسالته تقوم في أن يدافع عن الإيمان ضدّ تجديدات المعلّمين الكذبة.
وسواء أكانت 1 يو رسالة أو عظة فموضوعها الأساسيّ هو: لا شركة مع الآب من دون اعتراف بوساطة ابن الله الذي جاء إلى العالم في الجسد.

ز- الجماعة التي كتب إليها يوحنّا
نجد في المخطوطات اللاتينيّة هذا العنوان: إلى الفراتيّين (أي المقيمين على الفرات) فنتساءل: من أين جاء؟ نحن لا نجد في الرسالة أيّة إشارة تدلّ على المكان الذي عاشت فيه هذه الجماعة، ولكنّنا نستطيع من خلال قراءتنا أن نتعرّف إلى الحالة الروحيّة لهذه الجماعة.
فهذه الجماعة تتمتّع بماض من الحياة المسيحيّة وهي تتألّف من الشيوخ ومن الشبّان (2: 12- 14). ولكن متى بُشِّرت هذه الجماعة ومتى تنظّمت؟ هذا ما لا تقوله 1 يو المركِّزة على مشاكل في داخل الكنيسة لا على اهتمامات رسوليّة كما هو الحال في إنجيل يوحنّا و 3 يو. ما يهمّ الكاتب هو أن يثبّت المسيحيّين في إيمَانهم التقليديّ ضدّ دعوة الهراطقة. لا نجد في 1 يو إيراد نصوص من العهد القديم وهذا ما يجعلنا نفترض أنّ الجماعة تألّفت من مسيحيّين جاؤوا من العالم الوثني وانفتحوا على إغراءات الغنوصيّة الهلّينيّة. 
لن نطرح هنا مسألة أصول الغنوصيّة ومراحل تكوّنها، ولكنّنا نقول إنّ 1 يو تشير إلى غنوصيّة من نمط يهوديّ. فنحن نجد في خلفيّة هذه الرسالة إعلانًا لمعرفة الله يتميّز به العهد الجديد حسب إرميا (31: 31- 34) وحسب حزقيال (36: 26 ي). ويُبرز حزقيال دورَ الروح الإلهيّ في قلب الإنسان لِيّتِمَّ وصايا الله. هنا نفهم خاتمة 1 يو 5: 29 (احذروا الأصنام) على ضوء نصوص حزقيال (11: 19- 21؛ 36: 25) التي تجعل عطيّة الروح تأتي بعد التطهير من النجاسات ورذل الأصنام. ثمّ إنّ التلميح إلى قايين المولود من الشرّير (3: 12) يدلّ على أنّ القرّاء يعرفون توسّعات الهاغادة (الاخبار اليهوديّة) عن قايين وهابيل.
ثمّ إنّ الثنائيّة الأخلاقيّة الواردة في إنجيل يوحنّا وفي 1 يو تجد ما يقابلها في نصوص قمران. هناك ما نقرأ في 1: 6- 7 عن تجديد العهد، وفي 1: 6 عن رذل الرياء، وفي 1: 6- 7 عن التعارض بين النور والظلمة في سلوك الإنسان، وفي 1: 7 عن متطلّبات الطهارة. ثمّ إنّ كلمة "شركة" تقابل لقب الجماعة "ياحاد". وهناك التعليمات عن الصراع بين روح الحقّ وروح الكذب، وعن تجنّب العالم وشهواته (2: 16) والحذر من الأصنام (5: 21). كلّ هذه الإشارات تدلّ على أن قرّاء 1 يو عرفوا أفكار جماعة قمران. في هذا الإطار تبدو أفسس المكان الأنسب الذي إليه أرسلت 1 يو ولاسيّما وأنّ الرسالة إلى أهل أفسس (التي دوّنت ربَّما في أفسس) هي أغنى الرسائل البولسيّة بالتعليمات القمرانيّة.
ولكن يبقى الفرق شاسعًا بين 1 يو وقاعدة الجماعة القمرانيّة. فالإيمان الذي هو في قلب نظرة يوحنّا لا يحتّل إلاّ مكانةً ضئيلة عند جماعة قمران. والاهتمام الزائد بفرائض الشريعة في قمران يقابله تركيز على وصيّة المحبّة (في 1 يو) كنتيجة لظهور محبّة الله في يسوع المسيح.
كلّ هذا التقارب مع إنجيل يوحنّا والرسائل إلى الكنائس السبع (رؤ 2- 3) التي يهددها ضلال الأنبياء الكذبة ومع رسائل إغناطيوس الأنطاكيّة تجعلنا نقول إنّ 1 يو كتبت في نهاية القرن الأوّل وتوجّهت إلى قرّاءٍ في مقاطعة آسية الرومانيّة التي كانت أفسس عاصمتها.

ح- من كتب 1 يو؟
نحن لا نجد جوابًا قي الرسالة التي لا عنوان لها والتي تبدأ بهذه الكلمات: "ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعيوننا" (1: 1). فلا بدّ إذن من أن نعودَ إلى التقليد ونتطرّقَ معًا إلى انتشار 1 يو وقانونيّتها والشهادة عن أصلها. فالرسالة الأولى لا جدل عليها، حسب أوسابيوس، كما على 2 يو و 3 يو وسفر الرؤيا. غير أنّها غابت من اللائحة القانونيّة القديمة في الكنيسة السريانيّة (تعود إلى حوالي السنة 400). وسوف تدخل فيما بعد في البسيطة مع رسالة يعقوب ورسالة بطرس الأولى. وسيحتفظ تيودورس المصّيصي بموقف سلبيّ بالنسبة إلى 1 يو.
وإذا خرجنا من إطار العالم السريانيّ نجد شهادات على 1 يو في كلّ المراكز المسيحيّة. فبوليكربوس أسقف إزمير يورد 1 يو ليردّ على الظاهريّين: "من لا يعترف أنّ يسوع المسيح جاء في الجسد هو معارض للمسيح (أنتيكرست)، والذي لا يقرّ بشهادة الصليب هو من الشيطان، والذي يحرّف أقوال الربّ بحسب رغباته الخاصّة وينكر القيامة والدينونة هو بكر الشيطان". فالعبارة الأولى تستعيد 4: 2- 3 (رج 2 يو 7). وعبارة "شهادة" تشدّد على واقعيّة موت المسيح ونتائجه الأسراريّة (5: 6- 8؛ يو 19: 30). 
أمّا لقب "بكر الشيطان" فيذكّرنا بالمعارضة بين المولودين من الشيطان والخطأة منذ البدء (3: 8) وبين المولودين من الله.
وهناك نصوص عديدة من يوستينوس تستعيد 1 يو. نورد هذا المقطع من الحوار مع تريفون الذي يلخّص تعليم 1 يو: "نحن الذين وَلَدَنَا الله.. دعينا وكنّا أولاد الله الحقيقيّين لأنّنا نحفظ وصايا المسيح" (رج 3: 1). ويعلن إيريناوس ارتباط 1 يو بالقدّيس يوحنا الرسول فيجمع شهاداتٍ مأخوذةً من إنجيل يوحنا، من 1 يو ومن 2 يو. وينطلق من 3:4 فيقول إنّ الغنوصيّين "يَحُلُّون ابن الله ويقطّعونه". وينسب إكلمنضوس الإسكندرانيّ 1 يو إلى يوحنّا وكذلك يفعل ترتليانس وقبريانس وأوريجانس. أمّا ديونيسيوس الإسكندرانيّ فينطلق من القرابة الأدبيّة بين 1 يو وإنجيل يوحنّا لينسب الاثنينِ إلى يوحنّا الرسول. وسنجد 1 يو في كلّ اللوائح القانونيّة: قانون موراتوري، إيرونيموس، رسالة العيد لأثناسيوس، لوائح المجامع الأفريقيّة، رسالة أنوشنسيوس الأوّل...
كلّ هذه المعطيات توجّه أنظارنا إلى مدرسة يوحنّاويّة التأمت حول شخص يوحنّا بن زبدى الذي يقول التقليد عنه إنّه أقام في أفسس. فهل يكون يوحنّا الشيخ تلميذ يوحنّا الرسول وهل كتب بوحي منه أو هل كان وريثه الروحيّ؟ كلّها أسئلة لا تجد لدينا جوابًا. إنّما يبدو أنّ يوحنّا كاتب 1 يو، 2 يو، 3 يو كان المسؤول عن هذه المدرسة اليوحنّاويّة وهو يمثّل التقليد الرسوليّ الذي يجد آذانًا صاغية عبر المسؤولين الكنسيّين ليوجّه المؤمنين فيميّزوا التعليم الصحيح والبدع المضَلِّلَة.

ط- انشقاق داخل الجماعة
يقول كاتب 1 يو: خرجوا من عندنا (19:2)، من صفوف جماعتنا. فن هم هؤلاء؟ هم أناس عرفوا المسيحيّة من خلال الإنجيل الرابع ولكنّهم فسّروه بطريقة مختلفة. لهذا كُتِبَتْ 1 يو لتحذّر المؤمنين من تعليمهم الذي يتمحور حول مواضيع أربعة هي: الكرستولوجيا، والأخلاقيّة، والإسكاتولوجيا، والبنفماتولوجيا.
1- كانت الكرستولوجيا النقطة الأساسيّة في صراع الجماعة اليوحنّاويّة مع اليهود. فالاعتقاد بوجود ابن الله منذ البدء كان أساس التأكيد على أنّ المؤمن يمتلك حياة الله. ماذا تقول 1 يو في الذين ابتعدوا عن تعليم يوحنّا؟ "من هو الكذّاب إن لم يكن ذاك الذي ينكر أنّ يسوع هو المسيح" (22: 23)؟ "وصيّته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح" (3: 23). "من اعترف بأنّ يسوع هو ابن الله أقام الله فيه وأقام هو في الله" (4: 15). "من يؤمنْ بأنّ يسوع هو المسيح فهو مولود من الله" (5: 1). "من الذي غلب العالم إن لم يكن ذاك الذي آمن بأنّ يسوع هو ابن الله" (5: 5)؟
وهكذا شدِّد يوحنّا على أنّ يسوع هو المسيح وابن الله،. ومن أنكر هذا عارض المسيح.
2- وكانت معارك بين يوحنّا والمنشقّين على المستوى الأخلاق والتصرّف المسيحيّ. اعتبر المعارضون 
أوّلاً أنّهم يعيشون حياة حميمة مع الله وأنّهم بالتالي كاملون وبلا خطيئة. وتورد 1 يو مزاعمهم. "فإذا زعمنا أنّنا نشاركه ونحن نسير في الظلام" (1: 6). "إذا زعمنا أنّنا بلا خطيئة" (1: 8). "إذا زعمنا أنّنا لم نخطأ جعلناه كاذبًا" (1: 10). "من قال إنّي أعرفه". (2: 4) "من زعم أنّه مقيم فيه" (2: 6). "من زعم أنّه في النور" (2: 9). "من قال أنا أحبّ الله" (4: 20).
ثانيًا: لم يشدّد المعارضون على حفظ الوصايا (2: 3- 4؛ 3؛ 24؛ 5: 2، 3). 
ثالثًا: إّنهم مخطئون فما يتعلّق بالمحبّة الأخويّة.
3- حين نتطرّق إلى موضوع الإسكاتولوجيا لا نجد شَجْبًا واضحًا للمنشقّين عند يوحنّا. ولكنّ مزاعمَ المعارضين في أنّهم كاملون ترتبط بالإسكاتولوجيا في نتائجها. أجل، قُهِرَ الشرير (2: 13- 14)، وانكشفت الحياة الأبديّة (1: 2)، وسلكنا في النور (1: 7، 2: 9- 10)، ووصل حبّ الله إلى كماله (2: 5)، ووجدت شركة مع الله (1: 3). نحن أبناء الله حقا (3: 1) والله يقيم في المؤمن (4: 15). ولكنّ يوحنّا يربط متطلّبات أخلاقيّة بادّعاءاتٍ إسكاتولوجية تحقّقت. أجل نحن في شركة مع الله إن سِرْنَا في النور (1: 7). وحبّ الله وصل إلى كماله في الذي يحفظ كلمة الله (2: 5). والذي يقيم حقُّا في النور يحبّ أخاه (2: 10). والذين يمارسون البرّ هم من الله، هم أبناء الله (3: 10). بعد هذا يعود يوحنّا إلى الإسكاتولوجيا الآتية. قال في 3: 2: "يا أحبّائي، نحن منذ الآن أبناء الله حقًا". ولكنّه يزيد: "وما كشف لنا بعد عمّا نصير إليه. غير أنّنا نعرف أنّنا سنصير مثله حين يظهر لأنّنا نراه كما هو". ولماذا يشدّد على رجاءِ وحي آتٍ؛ ليقول إنّ البركاتِ الآتيةَ ترتبط بالطريقة التي يعيش فيها المسيحيّون. فالإسكاتولوجيا الآتية تصحّح أخلاقيّة المنشقّين. قال: "يا أبنائي الصغار، استقرّوا في المسيح فإذا ظهر كنّا واثقين كلّ الثقة ولن نبعد عنه في مجيئه" (2: 28). وقال أيضاً (3: 18- 19): "يا أبنائي الصغار، لا تكن محبّتنا بالكلام أو باللسان بل بالعمل والحقّ. إنّما نعرف أنّنا من الحقّ ونسكن قلبنا لديه". فعطايا الإسكاتولوجيا المحقّقة ليست هدفًا بحدّ ذاتها (كما يقول المعارضون) بل يَنبوع رجاء للمستقبل شرط أن يتابع أبناء الله حياة تليق بالله الذي سيرونه وجهًا لوجه.
4- وفي مجال البنفماتولوجيا يؤكّد لقارئيه: "ليس لكم حاجة إلى من يعلّمكم" (2: 27). وينبّههم: "كثير من الأنبياء الكذبة توزّعوا في العالم". فعليهم أن يمتحنوا تجلّياتِ الروح ليرَوا إن كان هذا الروح من عند الله (4: 1). هذا يدفعنا إلى الظنّ أنّ المعارضين اعتبروا أنفسهم معلّمين وأنبياء، وزعموا أنهم يتكلّمون بوحي من الروح. كيف يجيب يوحنّا على مزاعم هؤلاء الأنبياء والمعلّمين؟ لا يذكر الروحَ إلاَّ مرّتين في رسالته. مرّةً أولى (3: 24 ي) حيث يُقدّم الكاتب العلامة لنميّز روح الله من روح الشيطان الكاذب. ومرّة ثانية (5: 6- 8) حين يوجّه كلامه إلى معارضيه: ترتبط شهادة الروح بذلك الذي أُعطي في معموديّة يسوع وموته.

ي- الأفكار الرئيسيّة في 1 يو
المسألة التي تطرحها 1 يو هي مسألة الخبرة المسيحيّة. فموضوع 1 يو هو موضوع اتّحاد المسيحيّين مع الله ومع إخوتهم في يسوع المسيح. الاتّحاد والإقامة والامتلاك، ثلاث كلمات تعبّر عن سرّ واحد هو سرّ الحياة الأبديّة الذي هو الله بالذات، الذي يشركنا فيه الله والذي نحيا منه كمسيحيّين في أعمق أعماق كياننا. أمّا تعليم 1 يو فيتضمّن بطريقة ملموسة: تحذيرًا من الخطيئة المهدّدة، تذكيرًا بالإيمان بيسوع المسيح كأساس لمعرفة الله، تشديدًا على المحبّة التي هي الطريق الوحيد للاتّحاد بالله.

1- لا توافق بين الحياة المسيحيّة و الخطيئة
تُدلي 1 يو بحكم متشائم على العالم: العالم كلّه تحت وطأة الشرّير (5: 19). وتشير 2: 16 بصورة ملموسة إلى المناطق الثلاث التي تنتشر فيها شهوة العالم: شهوة الجسد، شهوة العينين، والكبرياء الواثقة بخيور الأرض.
وهناك تمييز بين الخطيئة والإثم. الخطيئة تدلّ على عمل يمكن أن يكون وحيدًا في حياة الإنسان، أمّا الإثم فهو حالة من العداوة الإسكاتولوجيّة ضدّ ملكوت المسيح، ضدّ المسيح بالذات. وما يريد يوحنّا أن يُفهِم قرّاءه هو أنّ الخطيئة المقصودة والمتعمَّدة تساوي رفض الله (3: 4). ونلاحظ في 1 يو عبارتين تبدوان متناقضتين:
الأولى: كلّ مولود من الله لا يقترف الخطيئة لأنّ زرع الله باق فيه. لا يسعه أن يخطأ لأنّه مولود من الله (3: 9).
والثانية: إذا زعمنا أنّنا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا ولم يكن الحقّ فينا (1: 8). 
ويهاجم يوحنّا خصوصاً من يعتبرون أنّ الخلاص يقوم على المعرفة: فحين يكتشف الإنسان أنّه مولود من الله وأنه يحمل في ذاته شعلة روح الله، يتأكّد تأكيدًا لا ريب فيه أنّ الله اختاره. فبعد هذا، لا نهتم لوجهة الحياة الملموسة والعمليّة. هذا ما يقول المبدعون الغنوصيّون. فيحاول يوحنّا أن يجعل قرّاءه يعون المتطلّبات الصحيحة لهذا الزرع الإلهيّ الذي اقتيلناه في المعموديّة (3: 9). من أين جاء يوحنّا بكلمة "زرع"؟ من الديانات السرّيانيّة عبر اليهوديّة الهلّينيّة التي حمل لواءها فيلون الإسكندرانيّ. ولكنّ يوحنّا يبدّل معنى الكلمة فيرى في زرع الله الروح الذي ينكشف في كلمته. بل يربط الزرع بمثل الزارع فيصبح كلمة الله التي تحسب مسحة يجب أن تبقى فينا. وكلمة الله التي هي مبدأ ولادتنا الجديدة وقداستنا تلج إلى داخل المؤمن بواسطة الروح.
إنّ المسيحيّ لا يمكن أن يخطأ بقدر أمانته للعطايا التي وهبها الله له، ولكنّه لا يزال معرّضاً لضعف الطبيعة البشريّة. ومع أنّ المحبّة تنفي المخافة (4: 18)، إلاّ أنّ على المسيحيّ الحقيقيّ أن يُقِرَّ بضعفه (1: 8) ويستسلم لأمانة الله وعدالته. "إذا اعترفنا بخطايانا، فإنّه أمين عادل يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كلّ إثم" (1: 9). "فإذا بَكَّتَنا (دعانا إلى التوبة) قَلْبُنا، فالله أكبر من قلبنا وإنّه بكلّ شيء عليم" (3: 20).
المهمّ هو أمانة الله للعهد، وإذا كان هناك من انفصال بيننا وبين الله، فسبب الانفصال هو دومًا الإنسان لا الله. في هذه الحالة تقدر صلاة الجماعة أن تحصل لنا على غفران ذنوبنا شرط أن لا نكون أمام خطيئة تقود إلى الموت (5: 6- 17). مثل هذه الخطيئة تشبه التجديف على الروح القدس (مر 3: 29) وهي في 1 يو خطيئة الكفر.

2- الإيمان بيسوع المسيح
إذا قرأنا 1 يو نجد أنّ الكاتب لا يشدّد على الإيمان (يرد الفعل 9 مرّات والاسم مرّة واحدة) بقدر ما يشدّد على المعرفة (هناك فعلان يردان 40 مرّة). وهنا تختلف 1 يو عن الإنجيل. فصاحب الإنجيل متيقّظ إلى ظهور الإيمان ونموّه والحواجز التي تقف في وجهه، أمّا 1 يو فتتأمّل إيمان الذين التزموا بتعليم كلمة الحياة وتهتمّ لكي تبقى فيهم كلمة الله (2: 14). إذًا نحن أمام مسألة الثبات الذي هو أساسيّ والثبات الفاعل الذي يصل بنا إلى الغلبة.
أجل، الإيمان غلبة، غلبة على الشرّير (2: 13- 14)، غلبة على المعلّمين الكذبة (2: 19؛ 4: 4)، غلبة على العالم (5: 4؛ رج يو 16: 33). بالإيمان يولد المؤمن من جديد ويماثل الابن الذي يقيم فيه (5: 18). إنّ ما يميّز 1 يو هو الأهمّيّة المعطاة لاعتراف الإيمان. يجب أن نؤمن باسم الابن (3: 23؛ 5: 13)، يجب أن نؤمن بأنّ يسوع هو المسيح، ابن الله (5: 1، 5)، يجب أن نعلن معًا الإيمان الحقيقيّ.
وإذ يرى الضلالَ يهدّد الجماعةَ يشدّد يوحنا على واقعية التجسّد وعلى الطابع الدمويّ لذبيحة الفادي. قال: "كلّ روح يعترف بيسوع المسيح المتجسّد كان من الله، كلّ من لا يعترف بيسوع لا يكون من الله" (4: 2- 3). ثمّ إنّه يتحدّث عن المسيح كذبيحة كفّارة (2: 2؛ 4: 10) تمتدّ شفاعته من أجل الخطأة. ويعارض الذين يغامرون في النظريّات فيحلّون شخص المسيح (4: 3). حينئذ يشدّد على الطابع الملموس للخلاص الذي ظهر على الصليب وعاشته الكنيسة في أسرارها. "هو الذي جاء بالماء والدم، أعني يسوع المسيح. لا بالماء وحده بل بالماء والدم. والروح يَشهَدُ لأنّ الروحَ هو الحقّ" (5: 6). هذه الآية هي خلاصة التعليم المعطى في بداية حياة يسوع ونهايتها على الأرض. لقد شهد يوحنّا من أجل الذي يعمّد بالروح لأنّ الروح يحلّ عليه (يو 1: 33). وهذا ما يقابل شهادة الإنجيليّ: حين أسلم يسوع الروح من قلبه المطعون بالحربة جرى منه دم وماء (يو 19: 34). فعمل الروح يتمّ خاصّة في التدبير الأسراريّ. هو لا يبعدنا عن واقع التجسّد، بل يُظْهِرُ أنّ عمل الله يتجلّى في واقع ملموس لوجود تاريخيّ. "بهذا تعرفون روح الله: كلّ روح يعترف أن يسوع المسيح جاء في الجسد هرمن الله" (4: 2). من هذا القبيل، يتمتعّ الإيمان ببُعد منظور كنسيّ، إذ هو التزام بكلمة الحياة كما يكشفها التقليد الرسوليّ (1: 1- 4). ثمّ إنّ 1 يو تشدّد على مسحة الإيمان (2: 20، 27)، فتدلّ على روحانيّةٍ فردّيةٍ وجماعيّةٍ معًا. فهناك أخذ وردّ بين التعليم والتزام الإيمان: وهنا نقرأ في 2: 21. (كتبت إليكم، لا لأنّكم تجهلون الحقّ، بل لأنّكم تعرفونه وما من كذبة تأتي من الحقّ". وهكذا فموضوع الإيمان هو محبّة الله كما تتجلّى في يسوع المسيح (4: 9). وبالمقابل لا يكون الإيمان حقيقيًّا إن لم يتفتّح على عالم المحبّة.

3- وصيّة المحبّة
المحبّة مهمّة في 1 يو. فواقعيّة التجسّد الفدائيّ تقابلها جديَّة الحياة المسيحيّة. وهنا يعارض يوحنّا نظرة عقلانيّة إلى المحبة بأولويّة المحبّة (2: 3- 11). فيشدّد ويعود مرارًا إلى ضرورة حفظ الوصايا التي تتلخّص في النهاية في وصيّة واحدة. نحن لسنا أمام شريعة كما عرف بعضها العهد القديم، بل أمام طريق ووصيّة، أمام عمل نحقّقه في تاريخ الخلاص وطريقة حياة نرسمها. وصورة الطريق تفترض هذا التحريض: عليه أن يسير كما سار هو (أي المسيح) (2: 6). لا يفرض يوحنّا على المسيحيّ اقتداءً مبنيًّا على إرادة متصلّبة كما يفعل الرواقيّون، بل التزامًا شخصيًّا بالذي بدأ فبذل حياته ليعلّمنا كيف نُحِبُّ نحن بدورنا.
ويبيّن يوحنّا أنّنا لا نقدر أن نعرف الله إن لم نحبَّ إخوتنا (4: 21؛ 5: 2) بالفعل والحقّ (3: 18). فحبّ الله دون حبّ القريب وَهْمٌ وسرابٌ. فالله الذي لا يُرى في ذاته يصبح منظورًا في شخص القريب (4: 20) الذي هو طريقنا إلى الله. بالمقابل، إنّ محبّة الإخوة دون محبّة الله تبدو كشجرة مقطوعة من أصلها، وكنهر مفصول عن يَنبوعه. "نعلم أنّا نحبّ أبناء الله إذا كنّا نحبّ الله ونعمل بما أوصى" (5: 2). لا يقف يوحنّا على مستوى القيم البشريّة المحضة بل على مستوى قصد الله الكامل. وعلى هذا المستوى تبدو المحبّة كعلامة تشير إلى الله في العالم. لأنّ الله محبّة (4: 8، 16).
الله محبّة. تتردّد هذه العبارة مرتين، ونحن نقابلها بعبارات يوحنّاوية أخرى: "الله روح" (4: 24)، الله نور (1: 5). وكلّ من هاتين العبارتين لها ما يقابلها: الله روح، وهذا يعارض العالم الجسدانيّ المتميّز بالضعف (يو 3: 6). الله نور وهذا يتعارض والبغض القاتل. إذًا يتوقّف يوحنّا أوّلاً على طريقة تصرّف الله في التاريخ، ويعلّمنا قي الوقت عينه أن نكتشف في كلّ حبّ حقيقيّ علامة لعمل الله وحضوره لأنّ المحبّة تأتي من الله (4: 7). ثمّ يربط بين المحبّة والمعرفة. "كلّ من يحبّ هو مولود من الله ويصل إلى معرفة الله" (4: 7). ونرى إذا تابعنا قراءة النصّ، أنّ يوحنّا لا يكلّمنا عن جوهر الله بكلمات مجرّدة، بل يجعلنا نتأمّل التدخّل الخلاصيّ الذي قام به الأقانيم الإلهيّة الثلاثة. فحبّ الله نحونا يظهر بإرسال الأبن الوحيد إلى العالم وبعطيّة روحه لنقيم فيه ويقيم فينا (4: 9- 12). وكم نودّ أن نوردَ هذهِ العباراتِ التي تتحدّث عن حضور الله فينا وعن مشاركتنا قي حياته. "فإن ثبت فيكم ما سمعتموه منذ البدء، ثبتّم أنتم أيضاً في الأبن والآب" (2: 24). "أن حفظ وصاياه أقام في الله وأقام الله فيه. وإنّما نعلم أنّه مقيم فينا من الروح الذي وهبه لنا" (3: 24). "ونعرف أنّا نقيم فيه وأنّه يقيم فينا بأنّه وهب لنا من روحه" (4: 13). "نحن في الحقّ، إذن نحن في ابنه يسوع" (5: 20). هنا نلتقي بما نقرأ في إنجيل يوحنّا (15: 4). "اثبتوا فيّ وأنا فيكم" (رج يو 17: 21).
إنّ يوحنّا يشدّد على المحبّة داخل الكنيسة، ومحبّة الإخوة (ترد مرة في 1 يو) هي محبّة الذين يقاسموننا إيماننا. هنا نتذكّر الأزمة التي تواجهها الجماعة المسيحيّة والتي تدعونا أن لا نسالم مروّجي الهرطقة الذين يصيبون الإيمان في جوهره (2 يو 10)، بما أنّ الهراطقة بادروا وقطعوا علاقتهم بالكنيسة (3: 19). ارتاح كاتب 1 يو لأنّهم "خرجوا". ولكن ليست هذهِ الكلمةَ الأخيرةَ. فإنْ تميّزَ حبُّ الله على أنّه مبادرةٌ مجّانيّة صِرْفٌ (4: 10) فهو يظهر أيضاً في التكفير الذي أتمّه المسيح من أجل العالم كلِّه (2: 2). أجل، إنّ زخم المحبّة لا تقف حدوده عند حدود الكنيسة. ولهذا تأخذ كلمة "أخ" معنى واسعًا في 2: 9- 11 وفي 3: 15. كانت كتابات قمران تفرض على المؤمن أن يبغض الخاطئين. أمّا يوحنّا فيعتبر أنّ البغضَ يأتي من إبليس.
وفي الختام تبدو 1 يو ثمرة معرفة مسيحيّة حقيقيّة، ثمرة معرفة واتحاد تغرز جذورها في العهد القديم. وهذه المعرفة تقدّم لنا روحانيّة القدّيس يوحنّا ولكنّها ترتكز على الله، أو تسير مع المسيح لتصل إلى الله. والمثال الذي تقدّمه 1 يو هو أن نقيم في الله، في النور، في الآب والأبن (2: 6، 9، 10، 24، 28؛ 3: 24؛ 4: 12، 13، 15). وهذا لا يمنع يوحنّا من أن يشدّد على وساطة ابن الله المتجسّد ليجعل المؤمنين يدركون حياة الله بالذات. غير أنّ 1 يو تشهد أيضاً على واقعيّة أخلاقيّة واعية ومتطلّبة. فالاتّحاد بحياة الله غير ممكن دون الأمانة المطلقة للوصايا. صفحات 1 يو تدلّ على طريق لصعودنا الروحيّ السامي، ولكنّها تقطع الدرب على كلّ مذهب إشراقيّ على مثال أفلاطون. فهذه الصفحات تنير دربنا وتعطينا الوسائل العمليّة في حياتنا المسيحيّة. تحبّها النفوس السامية ولكنّها تبقى في متناول النفوس الوضيعة. هذه هي قوّة كتابات القدّيس يوحنّا: ترفعنا إلى الله دون أن تفصلنا عن عالم البشر في أبسط أوضاعه.
الفصل السادس عشر
رسالة القدّيس يهوذا

رسالة يهوذا رسالة صغيرة تجتمع في فصل واحد وفي 25 آية. يوردها قانون موراتوري منذ القرن الثاني في لائحة الأسفار المقدّسة ويعتبرها ترتليانس الأفريقيّ سفرًا مقدّسًا ويستعملها أوريجانس ويعجب بها مع تحفظه لأنّها تلجأ إلى الكتب اليهوديّة المنحولة. نقرأ نصّها في القرن الثالث في إحدى أوراق البرديّ ويذكر إيرونيموس ارتياب بعض من معاصريه بالنسبة إليها. أغفلتها كنيسة سورية لصغر حجمها وقبلها التقليد اللاتينيّ رسميًّا منذ بداية القرن الخامس في مجامع أفريقيا ورسالة أنوشنسيوس الأولى. وهذا الاعتراف سيكرسُ في المجمع التريدنتينيّ سنة 1546.

أ- مَن كتب رسالة يهوذا؟
كاتب الرسالة مسيحيّ من أصل يهوديّ تمتعّ بثقافة هلّينيّة رفيعة، يشهد على ذلك الأسلوب والتعليم والفن الأدبي. ولكن هل نقدر أن نكتشف هُوِيَّة هذا الكاتب؟ هنا تختلف الآراء.
هناك من يقول إنّ كاتب يهو يسمّي نفسه: يهوذا عبد يسوع المسيح وأخ يعقوب (1: 1). يشير النصّ إلى أخ يعقوب أسقف أورشليم الذي تتحدّث عنه أسفار العهد الجديد (أع 12: 17؛ 15: 13 ي؛ 21: 18 ي؛ غل 1: 19؛ 2: 9). أوضح النصّ أنّه أخ يعقوب فميّزه عن يهوذا بن يعقوب (لو 16:6 ي؛ أع 1: 13؛ يو 14: 22) أحد الاثني عشر الذي يسميه متى ومرقس تدّاوس ( مت 10 : 3؛ مر 18:3). ولكنّ هذا يعني أنّنا نميّز بين يعقوب أخ الربّ ويعقوب بن حلفى (مت 10: 3؛ مر 3: 18؛ لو 6: 15). والعبارة المستعملة تفترض أنّ يعقوب كان معروفًا يوم كتبت الرسالة ولم يكن أيّ التباس في اسمه. في هذه الحال، نعرف أنّ يعقوب أسقف أورشليم عاش في محيط مسيحيّ متهوّد. غير أنّ بعض الشرّاح يجعلون يهوذا أخ يعقوب هو نفسه الرسول تدّاوس فيترجمون لو 6: 16: يهوذا أخ يعقوب.
ولكنّ عددًا من دارسي الكتاب المقدّس اليوم يعتبرون أنّ يهوذا أخ يعقوب هو اسم مستعار يُخفي شخصيّة الكاتب الحقيقيّ ويعطون الأسباب التالية:
1- لا تتعارض عادة استعارة الأسماء مع قانونيّة الرسالة. فأسفار الأمثال والجامعة والحكمة التي هي قانونيّة نُسبت إلى سليمان الحكيم وهو لم يكتبها. ثمّ إنّ كتَّاب الرؤى اليهوديّة اخذوا بأسلوب استعارة الاسم في القرن الأوّل المسيحيّ ليقدّموا تعليمهم في محيطهم. وفي هذا الوقت كان اسم يهوذا معروفًا بحيث استعاره كاتب يهو، وهذا ما يشهد عليه خبر يورده أوسابيوس عن هجاسيب الذي عاش في القرن الثاني.
2- حين دوّنت يهو كان الزمن الرسوليّ قد مضى. فالتعليم المسيحيّ تثبّت بعد أن سلّم إلى القدّيسين مرّة واحدة (آ 3)، وتبيّن أنّ ما أنبأ به الرسل يعود إلى ماضٍ بعيد (آ 17). هذا السبب يعني أنّ يهوذا لم يُعَمِّرْ طويلاً ولاسيّما وأنّه غير الرسول تدّاوس. 
3- تحارب يهو بدعًا غنوصيّة لم يعرفها الزمن الرسوليّ. لا شكّ أنّ هذه البدع كانت في بدايتها (آ 12)، ولكنّها بدأت تفعل فتنكر "سيدنا وربّنا الواحد يسوع المسيح" (آ 4 ).
4- أمّا السبب الأهمّ فهو لغة الرسالة. كان يهوذا أخ الربّ قرويًّا من الناصرة (رج مر 6: 3) وظلّ قرويًّا كما يقول أوسابيوس القيصريّ. فكيف ننسب إليه نصًّا يتحلّى بالثقافة اليونانيّة وبمعرفة كتب منحولة دوّنت في اليونانيّة ؛ ولكن نجيب على هذا السبب الأخير أنّ رؤساء الجماعات أحاطوا نفوسهم بأناس ارتدّوا من العالم الهلّينيّ (أع 6: 1 ي). هكذا فعل يعقوب ويوحنّا فاستفاد كلّ منهما من سكرتير أو كاتب جعلا فكرتهما في لغة يونانيّة أنيقة.

ب- متى دوّنت رسالة يهوذا ولمن دوّنت؟
يعتبر الذين يقولون إنّ يهوذا أخ يعقوب هو صاحب يهو أنّ الرسالة دوّنت حوالي السنة 70، وهذا ما يتوافق مع ما تقوله آ 17 عن رسل ربّنا الذين غابوا ويحسب حسابًا لحدود عمر يهوذا. أمّا الذين يقولون إنّنا أمام اسم مستعار فيحدّدون زمن كتاب يهو في السنوات 80- 90. وتذهب فئة ثالثة فتجعل زمن تدوين الرسالة في منتصف القرن الثاني بسبب ما تنطوي عليه من تعليم غنوصيّ متطوّر. غير أنّ الأسباب التي يستند إليها الرأي الثالث ضعيفة.
ولكن مهما يكن من أمر، يجب أن نؤكّد أنّ الكاتب دوّن رسالته في وقت بعيد عن البدايات الرسوليّة (آ 17- 18). في وقت تَشَوَّهَ فيه تعليم بولس عن الحرّيّة المسيحيّة وعن الروحيّين (آ 4، 18، 19). لا تشير يهو إلى دمار أورشليم (سنة 70) حين تعدّد العقابات السالفة (آ 5- 7). ولكنّ هذا ليس بالغريب وقد اعتاد الكتّاب أن يرجعوا إلى أمثلة مكتوبة. وإذا ربطنا يهو برسالة بطرس الثانية نقول إنّها جاءت متأخّرة. ولكن عندما نعرف أنّ مجمع اليهود التأم في يمنية في نهاية القرن الأوّل ورذل بصورة رسميّة من بين أسفاره القانونيّة الأسفار المنحولة نقول إنّ يهو كُتبت قبل سنة 90. وإنْ قال قائلٌ إنّ الكنائسَ المسيحيّةَ ما زالت تعود إلى الأسفار المنحولة، نذكّر بأنّ 2 بط التي استعملت موادّ يهو أزالت من نصوصها إيرادات الأسفار المنحولة. وهكذا تكون يهو قد كتبت في السنوات 85- 90 وجاءت بعدها 2 بط.
أين كتبت يهو؟ لا ندري. لمن كتبت؟ هذا ما لا تقول فيه شيئًا الرسالة ولا تقليد الآباء. ولكنَّ ما يظهر من قراءة النصّ أنّ القرّاء مسيحيّون جاؤوا من العالم الوثنيّ، لا من العالم اليهوديّ، وقد ظلّوا سريعي العطبِ على المستوى الأخلاقيّ كما تشرحه رسائل القدّيس بولس (1 كور 5 :9؛ غل 13:5 ي؛ كو 3- 4؛ أف 4- 5؛ 1 تم 4:3).
أين عاش هؤلاء القرّاء ومن أيّ بلد كتب إليهم يهوذا؟ لا شيء يتيح لنا أن نقدّم جوابًا معقولاً. قال بعضهم: دوّنت يهو في فلسطين والدليل على ذلك رجوع كاتبها إلى الأسفار المنحولة. ولكنّنا نجيب أنّ هذه الأسفارَ المنحولة نقلت سريعًا إلى اليونانيّة وانتقلت وسط الشتات اليهوديّ فتعرّف إليها المسيحيّون في حوض البحر الأبيض المتوسّط.

ج- بنية رسالة يهوذا وتصميمها
تبرز عناصر الرسالة فكرة أساسيّة: يجب المحافظة على إيمان القرّاء. 
وإليك التصميم الذي نقترحه:

1- العنوان والتحيّة (آ 1- 4)
يذكّر الكاتب قرّاءه بدعوتهم ومصيرهم ويهيّئهم لأنْ يقبلوا ما يوصيهم به: جاهِدوا في سبيل الإيمان. والسبب في توصيته: لقد تسلّل إلى جماعتكم أناس كفرة منافقون.

2- جسم الرسالة (آ 5- 23)
تشدّد على أسباب هذه التوصية: شر العلماء الكذّابين (آ 5- 10) ، ضلالهم الذي يشبه ضلال بلعام (آ 11- 19). ولكن إذا بنى المؤمنون أنفسهم على الإيمان المقدّس أفلتوا من شرّ هؤلاء المضِلِّين (آ 20- 23).

3- المجدلة الأخيرة (آ 24- 25)
تدعو الربّ لأن يصون شعبه ويجازيه خير جزاء، وتنتهي بهذه الكلمات: "للإله الواحد مخلِّصِنا يسوع المسيح ربّنا المجد والجلال والقوّة والعِزّة".
إذا قرأنا التفاصيل نجد أنّ الرسالة مكتوبة بمهارة. أراد الكاتب أن يشدّد عزيمة قرّائه أمام الخطر المحدق بهم (آ 3- 4) فذكّرهم بالعقوبات الإلهيّة التي أصابت المنافقين في الأزمنة الماضية. ثمّ صوّر شرّ المضِلِّين في الزمن الحاضر (آ 8- 13) وأكّد أنّ الربّ أنبأ بعقابهم (آ 14- 16) كما سبق له فأنبأ بمجيئهم (آ 17- 19). أمّا فكرة الخلاص التي تتوزّع سعادة أخيرة نقتبلها (21- 24) أو شقاء أخيرًا نتجنّبه (آ 4- 7، 14- 15، 23)، فنجدها حاضرة دومًا. كما نكتشف صورة المنافقين الذين يجعلون نعمة إلهنا فسقًا، آ 4) الذين هم حيوانيّون لا روح لهم لأنّهم يوجدون الشقاق (آ 19).
نشير هنا إلى أنّ الرسالة كتبت في اليونانيّة لا في الآراميّة كما زعم بعضهم. مفرداتها متنوّعة تنُمّ عن معرفة باللغة، وأسلوبها يتميّز بصياغة الجمل صياغة ناجحة. ونتساءل: هل نحن أمام رسالة؟ فهناك العنوان والتحيّة في البداية (1- 2) ولكنّنا لا نجد ذِكرًا للقرّاء والخاتمة (24- 25). هي مجدلة من نوع ليتورجيّ لا من النوع الذي تعوّدناه في الرسائل. أمّا قلب الرسالة (3- 23) فيبدو بشكل جدال فيه الكثير من التحريض الأخلاقيّ. وهكذا نقول إنّنا بالأحرى أمام عظة تستند إلى أمثلة مأخوذة من الأسفار المقدّسة والأسفار المنحولة، على مثال ما تعوّد عليه العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ في القرن الأول ب م.

د- رسالة يهوذا وسائر الكتب
إذا قابلنا بين يهو وسائر أسفار العهد القديم لوجدنا تَقَارُبًا لا شكّ فيه. فالأمثلة عن المنافقين في ما سلف من الأيّام (آ 5- 7، 11) مأخوذة من أسفار الشريعة الخمسة. ترجعنا آ 4 إلى عد 14: 26- 35 الذي يتكلّم عن هلاك الكفرة من بني إسرائيل. وترجعنا آ 5 إلى تك 6: 1- 4 الذي يتحدّث عن أبناء الله أو الملائكة وأبناء البشر. وتذكرنا آ 7 بسدوم وعمورة (تك 19: 4- 25). ولكنّ الطريقة التي بها تورد يهو هذه النصوص تدلّ على تأثير الأسفار اليهوديّة المنحولة التي توسّعت في معناها.
فما تقوله يهو عن المنافقين المهيَّئين ليوم العقاب (آ 4) يعود بنا إلى كتاب أخنوخ الذي ستورد الرسالة اسمه فيما بعد (آ 14- 16). كتب يهوذا رسالته في اليونانيّة فأفاد من ترجمة أخنوخ اليونانيّة في موضوع الساهرين. ويذكر يهوذا خطيئة الملائكة وعقابهم فيعود إلى أخنوخ وكتاب اليوبيلات و "وصيّات الآباء الإثني عشر"، وكلّها كتب منحولة. والخلاف بين رئيس الملائكة وإبليس في مسألة جثّة موسى (آ 9) ورد في سفر "ارتفاع موسى". وحين تكلّم الكاتب عن قايين (تك 4: 1 ي) وبلعام (عد 22- 24) ذَكَرَ تقاليدَ يهوديّةً آتيةً من فيلونَ الإسكندرانيّ وحياةِ موسى وترجومِ التكوين. وصورة الكواكب الشاردة (آ 13) تعود إلى أخنوخ، والعبارة المتعلّقة بكبرياء المنافقين تعود إلى "وصيّة موسى".
ونجد بعض التقارب بين يهو ورسائل القدّيس بولس عن الإيمان الذي سُلِّمَ إلينا (آ 3؛ رج 2 تس 2: 15؛ 1 كور 11: 2؛ 15: 1 ي؛ روم 16: 17؛ 1 تم 1: 18 ي؛ 2 تم 2: 1ي). عن حرّيّة نُسيء الأخذ بها (آ 4، رج غل 13:5؛ روم 6: 1ي؛ 1 كور 6: 12)، عن إنكار عمليّ لسيّدنا وربّنا الواحد يسوع المسيح (آ 4 ب؛ رج تي 1: 15 ي)، عن البنيان والصلاة والمثول أمام الإله الواحد المخلّص (آ 20 ي؛ رج روم 8: 15، 26- 27؛ غل 4: 6).
وهناك تقارب ملفت للنظر بين آ 4- 19 و2 بط 2: 1- 18؛ 3: 1- 3. فالكاتبان يتحدّثان عن قيام منافقين وأنبياء كذبة يرتقبهم العقاب الإلهيّ بسبب حياتهم الفاسقة ونكرانهم ليسوع السيّد الأوحد (آ 4؛ رج 2 بط 2: 1- 3). هما يذكران هلاك الملائكة الخاطئين ودمار سدوم وعمورة (آ 6- 7؛ 2 بط 4- 6) وخطايا المنافقين (آ 8؛ 2 بط 2: 10) والموقف المتضارب عند الملائكة الأخيار والأشرار (آ 9؛ 2 بط 2: 11) وخطورة خطايا المنافقين (آ 9؛ 2 بط 2: 11) ووجودهم في احتفالات المحبّة المسيحيّة وتَشَبُّهَهم بغيوم لا ماء فيها تسوقها الرياح (آ 13؛ 2 بط 17:2)، وعن مواقفهم (آ 16؛ 2 بط 2: 18)، وعن تنبّؤات الرسل عليهم (آ 17؛ 2 بط 3: 2) في خطّ التنبّؤات عن الأزمنة الأخيرة (آ 1، 18؛ 2 بط 3: 3). هذه التشابهات تصيب الأفكار وتنظيمها والتعبير عنها. ولكنّ هناك اختلافاتٍ أهمّها أنّ 2 بط لا تعود إلى الأسفار المنحولة. رغم هذا يبدو أنّ 2 بط أخذت أفكار يهو ووسّعتها بطريقتها الخاصّة تاركةً جانبًا إيراداتِ الأسفار المنحولة.

هـ- المواضيع التعليميّة في رسالة يهوذا
رسالة يهوذا رسالة قصيرة إلاّ أنّها تتضمّن غنى تعليميًّا كبيرًا. فهي تعلن الإيمان بالله الواحد (آ 25) وتورد أسماء الأقانيم الثلاثة الذين يتدخّلون في عمل الخلاص. فالله الآب الذي يعاقب المنافقين (آ 6، 15- 16) يحبّ القرّاء (آ 1، 21 أ). ويدعوهم إلى الخلاص والنعمة (آ 3- 4) أي إلى الحياة الأبديّة والمجد الذي يملك (آ 21 ب، 24: 25). ويسوع هو ربّ كالله الآب (آ 4، 9، 14، 17، 21، 25) وهو السيّد الأوحد (آ 4) الذي افتدى البشريّة (آ 25). تكلّم بواسطة الرسل (آ 17) وسيرحم المسيحيّين من أجل الحياة الأبديّة (آ 21 ب) لأنّهم له محفوظون (آ 1 ب). والروح القدس الذي نصلي إليه هو كفيل لثبات المسيحيّين في الإيمان الذي قبلوه (آ 20). لولاه نبقى "حيوانيّين" كالمنافقين (آ 19). ينظر الكاتب إلى الإيمان كتعليم نقتبله ووديعة نتسلّمها (آ 3). أمّا موضوع هذا الإيمان فيقوم بأن نعترف بيسوع ربًّا أوحد (آ 4 ؛ رج 2 بط 2: 1). وعلينا أن نتجنّب المنافقين المعاندين لئلاّ نخسرَ هذا الإيمان (آ 23 ب). 
وتشدّد يهو على فساد أخلاق المنافقين. إنّهم فاسقون (آ 4)، منجَّسون (آ 8، 12، 23)، حيوانيّون (آ 11)، مُخْزَوْنَ (آ 13). ثائرون، شهوانيّون، متملّقون (آ 15- 16)، مكتفُون بنفوسهم (آ 8، 18- 19). نستنتج من كلّ هذا أنّهم يعارضون بأعمالهم شرائع الله ويُنكرون يسوع المسيح (آ 4؛ رج تي 1: 16؛ 2 بط 2: 1 ب) ويحتقرون سيادته (8، 15- 26) ويجدّفون على الكائنات السامية الموكَّلة بهذه الشرائع (آ 8 ب، 10 أ). وهكذا نجد رباطاً بين الأخطاء على مستوى الأخلاق والضلال التابع لمثل هذه الحياة الفاسقة (آ 4، 8، 10). ونشير إلى مضمون آ 4 (يحوّلون نعمة إلهنا فِسقًا) التي تفهمنا أنّ المنافقين يفسرّون بطريقة خاطئة الحرّيّة المسيحيّة التي تكلم عنها القدّيس بولس (غل 3: 19 ي؛ روم 7: 1ي). إنّهم يعتبرون حياتَهم الأخلاقيّةَ مِنْ دونِ جدوى لأنّ نعمة الله خلّصتهم وأعطتهم الروح (آ 19؛ رج 1 كور 2: 10- 16). فيا لَعمى قلوبهم!
القسم الخامس
سفر الرؤيا
سفر الرؤيا (من رأى) أو الجليان (من جلا أي كشف) هو وحي يرسله الله إلى البشر عن أمور خفيّة يعرفها وحدَهُ.
سفرُ الرؤيا هو كلام الله يحمل التشجيع إلى المؤمنين في زمن الشدّة والاضطهاد.
سفر الرؤيا هو سفر النهاية. يختتم اللهُ التاريخَ بحضوره المجيد. يزيل عالمَ الشر ويجعل المؤمنين يملكون معه إلى الأبد.
الفصل السابع عشر
سفر الرؤيا
الرؤيا ترجمة كلمة يونانيّة تعني كشف وأوحى.
وحين نتكلّم عن الرؤيا نفكّر اليوم بالنكبات والخوف وهيجانِ القوى الهائلة والشبيهة بانفجار ذرّيّ. أمّا في الحقيقة، فالرؤيا هو كتاب وحي نقرأه لأنّه يكشف لنا معنى الإنجيل. ولا نتوقّف عند تنديدات نبيٍّ غارَ غَيْرةَ الربّ فحكم على العالم الخاطئ وأنذره بأقسى العقوبات.
إلى هذا الكتاب سنتعرّف، فندرسُ وجهَه الأدبيّ والمحيطَ الذي كتب فيه، واللاهوتَ الذي نستنتجه من سفرٍ هو صدىً لصوتِ الله يعزّي المضطهَدين في شدّتهم.

أ- الوجه الأدبيّ لسفر الرؤيا
1- رؤيا يوحنا والرؤى اليهوديّة
إنّ العالم اليهوديّ الذي سبق المسيح وتلاه، قد شهد ولادة كتبِ رؤىً عديدةٍ نذكر بعضها: 
* كتاب أخنوخ الأوّل أو أخنوخ القبطيّ (وجدت نسخة قبطيّة فقط): يجمع تقاليد ترجع إلى القرنين السابقين للمسيح. يقدّم وحيًا عن نهاية العالم، عن عقاب الملائكة الجاحدين، عن أسرار الطبيعة ونواميس الكواكب وتاريخ الكون.
* كتاب أخنوخ الثاني أو كتاب أسرار أخنوخ أو أخنوخ السلافيّ (نسخة في لغة السلاف). دوِّن في بداية العصر المسيحيّ. حَسَبَ تاريخَ الكون، وحدّد له زمن 6000 سنة تتبعها راحة سبتيّة تمتدّ على ألف سنة.
* وصيّات الآباء الاثني عشر. يقتدي الكتاب بسفر التكوين (49: 1- 27) فيتضمّن الوصيّة الروحيّة لكلّ من أبناء يعقوب الاثني عشر. نجد تقديمًا لتاريخ الأب (يهوذا أو غيره) ونبوءةً تعني مستقبل القبيلة التي تسمّت باسمه. يعود النصّ إلى نهاية القرن الثاني ق م، وقد دُسَّتْ فيه مقاطعُ مسيحيّةٌ فيما بعد.
* رؤيا عزرا أو سفر عزرا الرابع. دوّنت حوالي السنة 100 ب م، فتضمّنت سبع رؤًى تتعلّق بتاريخ إسرائيل. إنّها محاولةٌ للإجابة على التساؤلات المؤلمة التي أثارتها نكبة سنة 70 الوطنيّة. إنّ الإسكاتولوجيا وحدها تعطي هذا الشقاء معناه في مخطّط الله. 
* رؤيا باروك السريانيّة أو سفر باروك الثاني. يعود الكتاب إلى نهاية القرن الثاني ب م، ويقدّم نقاطاً مشتركةً مع رؤيا عزرا.

أوّلاً: مؤلّفات مُغفَلَةٌ
تعلن الرؤى اليهوديّة أنّ كتَّابَها شخصيّاتٌ كبيرةٌ من تاريخ إسرائيل، مثل موسى، أخنوخ، عزرا... وهكذا تحاول أن تستند إلى سلطة آباء أجلاّء.
أمّا صاحب رؤيا يوحنّا فيقدّم نفسه ببساطة: إنّه شاهد يسوع المسيح (1: 1- 2، 9).
الشاهد والشهيد كلمتان تعودان إلى جذر واحد وإنِ اختلف معناهما. في 1: 5 ينال المسيح ثلاثة ألقاب متتالية: إنّه الشاهد الأمين، وبكر الأموات، وملك ملوك الأرض. من الواضح أنّ اللقبين الثاني والثالث يشيران إلى قيامة يسوع وارتفاعه في المجد. فكيف لا نفهم أنّ كلمة "الشاهد الأمين" تلمّح إلى الصلب؟ حين مات المسيح على الصليب، كشف عن نفسه أنّه الشاهد الأمين. وهنا نفهم لماذا يُدعى الشهيد أنتيباس أيضاً الشاهد الأمين (2: 13). أنه دُعي كمعلّمه وربّه ليختم شهادته بدمه.
ونقرأ أيضاً في 6: 9 عن المسيحيّين المذبوحين من أجل الشهادة، في 11: 7 عن الشهيدَين المقتولَين، في 12: 11 عن انتصار المسيحيّين الذين ماتوا من أجل شهادتهم. 
وهكذا لا يرى كاتب سفر الرؤيا أنّه يكشف المخطّط الذي نقله الله في ماضٍ سحيق إلى أحد عِباده الأمناء، بل يريد أن يقدِّم في العالم المعاصر له، صدى إنجيلٍ يتطلّب أمانة صعبة.

ثانيًا: الرمزيّة
تتكلّم الرؤى اليهوديّة بالألغاز والصور والرموز، فلا تختلف عنها رؤيا يوحنّا، كما يبدو. ولكن، إن عرفنا العهد القديم، لاحظنا أنّ أكثر الصور المستعملة تُفهم بسهولة: ابن الإنسان (ف 1)، الابن المسيحانيّ للمرأة (ف 12)، الحمل (ف 5)، العريس (ف 19)، كلّ هذهِ ألقابٌ تشيرُ إلى المسيح الذي أنبأ به العهد القديم.
وإن وجدت في سفر الرؤيا رموزٌ أكثرُ غموضاً (مثلاً 13: 18، عدد اسم نيرون)، فهي ولاشكّ تثير الفضول، ولكنّها لا تمنعنا من اكتشاف البشارة من خلال هذا الأسلوب المصطلح.

ثالثًا: التشاؤم
تلقي الرؤى على العالم نظرة تشاؤم: فالشرّ يسود الأرض، والمؤمنون يُضايَقون، بل يُضطهَدون. ولكنّ الله سيتدخّل قريبًا، ويبدّل الحالة التي يشهد لها "الرائي" مسبقًا. 
قد نظنّ أنّ أسلوب رؤيا يوحنّا لا يختلف عن أسلوب هذه الرؤى. ولكن إن قرأنا النصّ بتمعّن، وجدنا أنّ الكاتب يشدّد على أنّ الخلاصَ والنصر حاضران الآن (رج 12: 11). لا شكّ في أنّه يعلن ظهور الملكوت المجيد في المستقبل. ولكن بعد أن انتصر المسيح بصليبه، حصل البشرُ على جوهر الأمور، فلم يبق لهم إلاّ أن يحقّقوا في حياتهم واقع هذا الخلاص الذي تمّ.

رابعًا: الكشف عن المصير
تكشف هذه الرؤى عن أسرار مخطّطٍ وضعَهُ اللهُ منذ الأزل. فالذي حصل على وحي يقدر أن يتتبعّ في التاريخ تحقيقَ هذا القصد تحقيقًا تدريجيًّا وأن يصلَ إلى سرّ المستقبل.
ولكن، كيف لا نلاحظ أنّ الإله الذي تتكلّم عنه هذه الرؤى لم يعد الإلهَ الحيّ الذي كلّم شعبه خلالَ تاريخه وفرض عليه الطاعةَ له وعاقبه على خياناتِه وتراجعَ عن قساوتِه عندما يتوب الإنسان، ودعا البشر لأنْ يقدّموا التزاماتٍ جديدة... إنّ إله الرؤى هو سجين مخطّطه. لقد قرّر كلّ شيء فحلّ محلّه مصيرٌ محدَّدٌ سلفًا.
ولكنّ رؤيا يوحنّا تستعمل لغة نبويّة أكثر منها جليانيّة. لا شكّ في أنّها تؤكّد أنّ إرادة الله سوف تتحقّق حتمًا (1: 1). ولكن تعاد هذه الآية في 22: 6- 7 لتعلن: ما يجب أن يحصل هو مجيء المسيح. وعندما تلجأ إلى صورة مطبوعة بالحتميّة فتعلن عدد المختارين المطبوعين بختم الحمل (ف 7)، فهي تؤكّد أنّ ما يميّز هؤلاء المختارين هم أنّهم يلبسون ثوبًا تبيّض بدم الحمل.
ويبدو العدد 144000 حاملاً تعليمًا رمزيًّا يماثل بين هؤلاء المختارين وقبائل شعب الله الاثنتي عشرة. المهمّ أنّنا نبيّن أنّنا لا نستطيع أن نتأمّل في المختارين وفي عددهم إلاّ في علاقتهم بالمسيح.
لا شكّ في أنّ مخطّطَ الله أزليّ ولكنّنا نزيد أنّه مركَّز على يسوع المسيح منذ الأزل. لهذا نستطيع أن نقول عن الناس الذين دلُّوا على أمانتهم بطاعة حاليّة وخطرة، إنّهم مسجَّلون منذ البدايات في سفر الحمل (13: 8).
هكذا تُحوِّل رؤيا يوحنّا حتميّة الرؤى اليهوديّة الباردة إلى بشارة خلاص في يسوع المسيح. ولهذا نَسْمَع نداءاتٍ وتحريضات: يجب أن تحيا كإنسان مختار أي أن تبقى متّحدًا بالمسيح.
كلّ هذه الملاحظات تقودنا إلى القول إنّ كاتب رؤيا يوحنّا وعى أنّه يكتب كتابًا جليانيًّا: إنّه يعرف الفنّ الأدبيّ الخاصّ بهذا النوع من الكتابة ويستلهمه. ولكنّ إيمانه المسيحيّ يحوّل التعليم الجلياني من الأساس. احتفظ الكاتب بالشكل الخارجيّ، ولاسيّما حين يساعده على إعلان الانقلاب الذي يُتِمُّهُ يسوع في حياة كلّ إنسان كما في حياة العالم كلّه، وعلى الاحتفال بيقين انتظار مجيئه النهائيّ على أساس خبرة حضوره الحاليّ والمتطلّب والخلاصيّ.

2- تصميم سفر الرؤيا
لن نستطيع الآن أن نتكلّم عن تصميم بالمعنى الحصريّ. لاشكّ في أنّ هناك سبعَ كنائسَ وسبعَ رسائلَ وسبعةَ ختومٍ وسبعةَ أبواق... وهناك ثلاثُ بلايا... ولكن لا نستطيع أن نبيّن كيف تتنظّم هذه البنى.

أوّلاً: المواضيع المطروحة
مقدّمة ورؤية أولى (ف 1).
الرسائل السبع إلى الكنائس (ف 2- 3).
رؤية العرش والحمل والكتاب صاحب السبعة ختوم (ف 4- 5).
الختوم السبعة (6: 1- 8: 5) مع المعترضة في ف 7.
الأبواق السبعة (8: 6- 11: 19) مع المعترضة في 10: 1- 11: 14. 
المرأة وابنها والتنين (ف 12).
الوحشان (ف 13). 
144000 مختار أو الدينونة (ف 14).
الملاك والكؤوس السبع (ف 15- 16).
الحكم على بابل (17: 1- 19: 10).
المسيح الديّان (19: 11- 21).
الألف سنة والدينونة (ف 20).
عصر جديد (21: 1- 22: 5).
الخاتمة (22: 6- 21).

ثانيًا: بعض الملاحظات حول بنية سفر الرؤيا
نتوقّف هنا بعضَ الشيء عند أسلوب الكتاب ومبادئه ومعلّلاته.

معنى التوازيات
يتضمّن الختم السادس "بالقوّة" الأبواق السبعة (8: 1- 15). فحين يصوّت البوق الرابع يعلن النسرُ باحتفالٍ ثلاثَ ويلاتٍ (8: 13) لا يتقابل تعاقبها مع تعاقب الأبواق وهذا ما يدلّ على أن نتيجة البوق السابع ستمتدّ إلى أبعدَ ممّا يرد في 11: 15- 19. 
"ثم إنّ الموازاةَ بين الأبواق السبعة والكؤوس السبع، واستعادةَ بعض المواضيع مثلَ موضوع الدينونة، وتأكيداتٍ عن آنيَّة ملكوت الله، كلّ هذا يقودنا إلى قراءة لا تجد في الرؤيا إنباءات متعاقبة لأحداث مرتّبة ومتسلسلة في الزمن: مثلاً ما تُنْبِئ به الختوم السبعة يسبق في التاريخ الأحداث التي أنبأت بها الأبواق السبعة. وفي داخل كلّ سباعية، فالعدد 1 إلى 7 لا يقابل سياقًا تاريخيًّا، بل وحيًا بأشكال متنوّعة عن واقع هو هو. 
وبكلام آخر، فموضوع السبعة أبواق لا يختلف جذريًّا عن موضوع السبع كؤوس. فالتعاليم هي هي في الأساس. أو بالأحرى هي تعلن الحقائقَ عينَها بطرق مختلفة. هذا ما يسمّيه الموسيقيّون: استعمال اللحن الرئيسيّ مع بعض التغيير.
وهكذا نستطيع أن نقابل بين سلسلة الأبواق وسلسلة الكؤوس.
الأبواق الكؤوس
1- البرد والنار على الأرض 1- سكبت الكأس على الأرض
التي احترق ثلثها. سكبت الكأس على البحر.
2- اشتعل الجبل وسقط البحر 2- فصارت دمًا هلك كلّ شيء. 
الذي صار ثلثه دمًا.
3- اشتعل كوكب فسقط على المياه 3- سكبت الكأس على المياه الحلوة 
الحلوة فصارت دمًا.
التي تسمّم ثلثها.
4- خرب ثلث الكوكب. 4- سكبت الكأس على الشمس التي أحرقت البشر.
5- سقطت نجمة من السماء ففتحت 5- سُكبت الكأس على عرش 
الغمر، فخرمنه غمام حجب الوحش
الشمس، ثمّ خرج الجراد أو الذي أظلمت مملكته.
العقارب عضّ الناسُ على ألسنتِهم من الألم
فأضرّ بالبشر الذين ليسوا لله. ولكنّهم لم يتوبوا.
6- تحرير أربعة ملائكة قيِّدوا على 6- سكبت على الفرات الذي جُفِّفَ 
الفرات، اجتياح، قتل ثلث فأتاح
البشر. لملوك الشرق عمليّةَ
الاجتياح.
7- إعلان آنيّة الدينونة 7- دينونة بابل.
نلاحظ المقابلة بين جزء وجزء ونلاحظ أيضاً تدرّجًا: فضربات الكؤوس أوسع من ضربات الأبواق (هنا الثلث، هناك الكلّ). وقد يتّخذ التدرّجُ طريقَ المنطق: هناك توضيح متزايد: من دينونة المضطهِدين بصورة عامّة نصل إلى دينونة بابل أو رومة. 
ثمّ إنّ الكاتبَ يشدّدُ على وحدةِ كلِّ الرؤى. مثلاً: تستعيد الرسائلَ بعض المواضيع في الكتاب. مثلاً: الفردوس، المدينة السماوية، الموت الثاني.
ولكنّنا لا نقول إنّ سفر الرؤيا يدور على نفسه، وإنّ تعليم الخاتمة موجود في الأسطر الأولى. فالكاتب يقدّم لنا مسيرةً، وكتابُه يقودنا إلى تمام وكمال. فرؤى ف 21 لا تُنْقَلُ إلى بداية الكتاب دون أن تؤثّر على مضمونه.
إنّ الوحي يقودنا إلى اعلان الملكوت. إذن، يجب أن يأخذ التفسيرُ بعين الاعتبار هاتين الخاتمتين اللتين تبدوان متعارضتين: تعود الرؤى إلى التأكيدات عيِنها، ولكنّها تنفتح على منظورات إسكاتولوجيّة.

معترفات جوهرية
إذا عدنا إلى التصميم نلاحظ على مرّتين أنّ تصوير سلسلة العناصر السبعة قد انقطعت وتركت المكانَ لمعتِرضة. وإذا تأمّلْنا بدقّة فهمْنا أنّنا أمامَ معترضات خارجة عن التوسيع الجاري، بل أمام عناصر تلعب دورًا خاصًّا فتؤخّرُ قصدًا السيرَ المتدرِّج. مثلاً الوقفة التي تفصل الختم السادس عن الختم السابع (ف 7)، أو تلك التي تفصل بين البوق السادس والبوق السابع (10: 1- 11: 13)، أو تلك التي تلي البوق السابع وتسبق الكأس الأولى (ف 12- 14).
أنها ملاحظةٌ شكليّةٌ ولا شكّ، ولكنّ هذهِ المعترِضاتُ تقدّمَ توسُّعاتٍ هامّةً جدًّا: إنّها تدعو القارئ ليتوقّف ويفكّر في المعنَى العميق والبعدِ الوجوديّ للسلسلات الجليانيّة التقليديّة.
حينئذ نجد الدور ذاته الذي تلعبه الأناشيد والإعلانات الاحتفاليّة داخل الرؤى المختلفة: إنّها تدعو القارئ ليكتشف أنّه معنيٌ مباشرةً بالأحداث الجليانيّة المعلنة. ينقطع الخبر ويبدأ تأمّل يدعو الناسَ ليُدخلوا في قلوبهم حقائقَ الإيمان التي تنبعث من التاريخ المقدّس.
ونقول أيضاً إنّنا نجدُ في هذه المقاطع (معترضات وإعلانات) ما يهمّ الكاتبَ بالدرجة الأولى.
يتوقّف عن استعمال موادِّ التقليدِ الجليانيّ فيتكلّم هو نفسُه ويقدّم لنا أعمقَ وأهمّ ما في سائر فكره.
فإذا أردنا أن نفسّر سفرَ الرؤيا تفسيرًا صحيحًا لا بدّ من إعطاء هذه النصوص الشاذّة مكانةً مميّزةً.

3- تأليف سفر الرؤيا
أوّلاً: نصّ منقّح
هناك إشارات عديدة تدلّ على أنّ سفر الرؤيا نُقِّحَ مرّاتٍ بعد أن دوّن. وها نحن نقدّم مثلاً واحدًا: 16: 15: ها أنا آتٍ كالسارق. هنيئًا لمن يسهر ويحرس لئلاّ يمشيَ عريانًا فيرى الناسُ عورتَه. هذه الآية مزادة، فإذا حذفناها ترابطت آ 14 وآ 16. ولكن إذا تأمّلنا اللغة والمفردات نجد أنّ الكاتبَ نفسه وضع هذه الزيادة.
وإليك أمثلة أخرى.
18: 14: الثمر الذي اشتهته نفسُك ذهبَ عنكِ وزال الترف والبهاء جميعًا ولن تجديه. يبدو أنّ هذه الآية ليست موضوعةً في محلّها.
22: 11: من كان ظالمًا فليداوم على الظلم، ومن كان نجسًا فليبق في نجاسته. ومن كان صالحًا فليداوم على الصلاح. ومن كان قدّيسًا فليبقَ في قداسته. إنّ هذه الآية تعطّل القرينة وتزعج الشرّاح. من زاد هذا العنصر الموازي أو الأعتبار الإضافيّ؟
كلّ هذا يصبح معقولاً حين نتوقّفُ عند حركة فكرة ف 17. فالآية 15 تقدّم تفسيرًا ثانيًا للمياه التي تقيم بقربها الزانية. إنّ 17: 1 كشف أنّ التفصيل يرجع إلى إر 51: 13 وأنّ الكاتبَ يلمّح إلى مملكة رومةَ البحريّة. ثمّ إذا حذفنا آ 15 وأولى كلمات آ 16 نحصل على نصّ واضح وبنية مركّبة أفضلَ تركيبٍ بأسماءَ الإشارة الثلاثة. في 13:17: هؤلاء اتّفقوا... 14:17: هؤلاء سيحاربون....16:17: هؤلاء سيبغضون.

ثانيًا: نشرتان متتاليتان
فرضيّة الأب الدومينينيّ بوامار
افترض شرّاح عديدون أنّ سفر الرؤيا لم يؤلَّف دفعةً واحدة في الشكل الذي نعرفه اليوم. فقالوا هناك نسخات متعدّدة وأيدٍ متنوّعة وطبقاتٌ مختلفةٌ. وانطلقوا من إثباتين. الأوّل: نرى في سفر الرؤيا مقاطعَ تتكرّر. قال بوامار: كلّ رؤية، كلّ حدث يظهر في نسختين. مثلاً: 000 144 من مؤمني المسيح (2:7- 8؛ 14: 1- 5). الطوباويّون في السماء (7: 9- 17؛ 15: 2- 5). ضربات السبعة أبواق والسبع كؤوس (ف 8- 9؛ ف 16). تصوير الوحش برؤوسه السبعة وقرونه العشرة (13: 1- 8؛ 3:17- 8). وتمتدّ اللائحة وتنتهي مع "أورشليم المثاليّة" (21: 1- 8؛ 21: 9- 22: 5) ورذل الأشرار بصورة نهائيّة. الإثبات الثاني: ولكنّ الدراساتِ الأخيرةَ وصلت بنا إلى القول إنّ كلّ الرؤيا دوّنت بيد واحدة. يبقى أن نجد تفسيرًا يرتبط بالإثبات الأوّل دون أن نقول إنّ كتَّابًا عديدين دوّنوا سفرَ الرؤيا. 
وإليك الحلَّ الذي عرضه بوامار: ألّف الكاتب نفسه كتابين متميّزَيْنِ ومتوازيَيْن في تواريخَ مختلفة وفي أطرٍ تاريخيّة مختلفة. النصّ الأقدم يعود إلى زمن نيرون. يستعيد نبؤاتِ دانيالَ ليعلن للمؤمنينَ المضطهَدين تدخلَ اللهِ الخلاصيَّ وعقابَ المملكة الرومانيّة، ثمّ الدينونةَ الأخيرة ونهايةَ العالم وحلولَ أورشليمِ السماويّة. وأُلِّفَتِ "الرؤيا الثانية" في عهد فسباسيانس أو دوميسيانس. استعادتِ الرحمة عينَها ولكنّها استندت إلى نبوءات دانيال. وتوحّدت الوثيقتان مع بعض التكيّفات وزيادة الرسائل إلى الكنائس. 
ولكنّ هذا النوعَ من التفسيرِ يتلاعب بالنصّ ويتخيّل الكاتبَ كأحد البحّاثة يستقون من وثيقتين مختلفتين. إنّ هذا النظريّة تجيد في طرح المسألة لا في تقديم الجواب. ونأخذ مثلاً على هذا: أورشليم المثاليّة التي قيل إنّ موضوعَها تكرّر في 21: 1- 8 و21: 9- 22: 5. أما يكون الأفضلُ أن نرى في 21: 1- 22: 5 وحدة موضوعيّةً تتألّف من ثلاثة مقاطع؟ المقطع الأوّل: 21: 1- 8: العالم الجديد. المقطع الثاني: 21: 9- 27: أورشليم السماويّة. المقطع الثالث: 22: 1- 5: الفردوس. إنّها المواضيع الإسكاتولوجيّة الرئيسيّة عند أنبياء العهد القديم. ولقد شدّد الكاتبُ على تلاقي هذه النبوءاتِ الثلاث بل على وحدتها. مثلاً: نلاحظ التوازيَ بين 21: 2 و21: 10، بين 21: 8 و21: 27، بين 21: 23 و22: 3، بين 21: 23- 25 و22: 5. أراد الكاتبُ أن يقول: أعلن الأنبياء النهايةَ بكلمات عن العالم الجديد وأورشليمَ الجديدة والفردوس الجديد. هذا هو تمام هذه النبوءات. ولكن لا نحسب أنّ الله يبدأ بتبديل العالم لينزل فيما بعد إلى مدينته المقدّسة، وينتهي بإقامة الشروط الفردوسيّة. فالعالم الجديد وأورشليم الجديدة معاصران ومتماثلان للفردوس. إنّها ثلاث صور وثلاث طرائق لنقول بكلمات البشر كيف يكون العالم العجيب الذي يهيّئه الله. لهذا يقابل الكاتبُ بين النهرِ العجيب الذي يسقي الفردوس والشارعِ الرئيسيّ في المدينة (22: 2).

نسخة ثانية زيدت عيها الرسائل
هناك إشاراتٌ تدلّ على أنّ الكتاب عرف تحوّلاتٍ أكثر جوهريّة. فأوّل كلماتِ سفرِ الرؤيا تعلن البرنامج الذي أراد الكاتبُ أن يتوسّع فيه: أنْ يعلنَ ما سيحدث قريبًا (1: 19)، ويستعيد العبارةَ عينها في الخاتمة (22: 6) ليبيّن أنّه وصل إلى الهدف الذي وضعه نُصْبَ عينيه: لقد كرّس الكتاب حقًّا لإعلان ما سيحدثُ قريبًا. وهذه علامة واضحة تدلّ على وحدة النصّ وكماله. إنّه لا ينقصه شيء.
ولكن ماذا نجد إذا تمعّنّا في الأمور؟ في 1: 19 تعود الكلماتُ عينُها مع بعض التغيير: "أعلن ما يكون الآن وما سيكون فيما بعد". وهذا النظام يجد كماله المباشر: هذه هي الرسالة إلى الكنائس منذ بداية ف 2. وما إن تنتهي الرسالة السابعة حتّى يتقبّل الرائي وحيَ "ما سيحدث قريبًا" (4: 1).
نفهم إذن، أنّ الرسائلَ هي إعلانَ ما يكون الآن. وإنْ تَصَحَّحَ البرنامجُ الأوّل في 1: 19 و4: 1، فلكي يتيح للكاتب إقَحام توسّع غاب عن النصّ الأوّل. أجل، إنّ الرسائلَ إلى الكنائس زيدت فيما بعد.

خاتمتان
تبدأ خاتمة سفر الرؤيا في 22: 6 حيث نجد تذكيرًا بشروط الوحي: إرسال ملاك من قبل الله. وهدفًا: أن نبيّنَ ما سيحصلُ قريبًا. إلاّ أنّنا نلاحظ في 22: 16 عبارة مماثلة نكتشف فيها تبديلين مهمّين: صاحب الوحي هو يسوع، وموضوعٍ الوحي يعني الكنائس. فكأنّي بنا أمام خاتمة أولى استعيدت لتقدّم إيضاحاتٍ جديدةً ومهمّة: ما عدَّته آ 6- 7 وحيَ الله المتعلّق بالمسيح ومجيئه، صارَ الآنَ كلمةَ المسيح عن الكنائس. غير أنّنا لا نجد إلاّ حصة واحدةً في سفر الرؤيا تتحدّث عن كلمة المسيح الموجّهة إلى الكنائس، هي الرسائل السبع. ف 2 و 3 هما الفصلان الوحيدان اللذان يتحدّث فيهما المسيحُ بصيغةِ المتكلّم إلى الكنائس.
كلّ هذا يدفعنا إلى القول إنّ 22: 16 ي تشكل خاتمةً ثانيةً زيدت على النسخة الثانية لتبرّر وجودَ الرسائل التي لم توجد في النسخة الأولى.

ب- المحيط الذي كتب فيه سفر الرؤيا
1- حالتان متتاليتان
ما قلناه سابقًا يدلّ على أنّه كان لسفر الرؤيا وجهتان مختلفتان ومتتاليتان.
الحالة الأولى: نجدها في بداية الفصل الأوّل وصلب سفر الرؤيا (4: 1- 22: 15). اهتمّ الكاتب بالمسائل التي تطرحها على المسيحيّين حياةٌ يعيشونها وَسْطَ مملكة وثنيّة، وتهديداتٌ تفرضها متطلّباتُ العبادة للإمبراطور على الذين يرفضون أن يشاركوا فيها.
الحالة الثانية: تعالج الرسائلُ إلى الكنائسِ المسائلَ عينَها ولكن من زاوية مختلفة: هي تتوجّه إلى جماعات لم تقتنع كلّيًّا بأمانة الرائي التي لا مساومة فيها. إذن، تحاول الرسائل أن تطبّق استنتاجات الرؤى الأساسيّة على وضع محدّد، وضعِ مسيحيّين تجتذبهم سهولةُ المساومة والتسوية.

2- عبادة الإمبراطور
تضع أمامنا رؤية ف 12 الشيطانَ والمرأة السماويّة (التي هي صورة عن شعب الله) والمسيح. إنّها قصّة العدواة التي يحرّكها الشيطان ضدّ الله وأخصّائه. ولكن قُهر إبليسُ وطُرد من عالم السماء، فانحدر على الأرض. غضب لأنّه قُهر، فهاجم نسل المرأة أي الذين يعملون بوصايا الله ويحفظون شهادةَ يسوع (12: 17). هكذا ينتهي ف 12. 
ويتابع ف 13 فيورد كيف تظهر هذه العداوة. هذا يعني أنّ الوحش الذي برز هو خليفة الشيطان وأحد وكلائه على الأرض. الوحش هو واقع يجسّد الشيطانَ في العالمِ المعاصِرِ للرائي. يبقى علينا أن نحدّد هُوِيًّةَ الشخصِ الذي يختفي وراءَ هذه الصورة. ولهذا ننطلق من ف 13.

أوّلاً: الوحش الأوّل
وكيل الشيطان
يدلّ وجهُه بوضوح على قرابته الوثيقة بالتنين الذي هو الشيطان (ق 12: 3 و13: 1). إنّه أداةُ إبليسَ ومُفَوَّضُه. فلا نعجب بعدَ هذا أن يعمل الوحشُ الأوّلُ ليدفعَ الناسَ إلى عبادة التنين.

واقع سياسيّ
يستعيد الوحش سماتِ الوحوشِ الثلاثة الأولى في دا 7. إنّها ترمز على التوالي إلى ممالكِ بابل ومادايَ وفارس. إذًا، لا تختلف الرمزيّةُ في نصّ الرؤيا، والوحشُ يدلّ أيضاً على مملكة. وما يُثْبِتُ قولنا هو أنّ السلطةَ تميّز عمل الوحش الأوّل الذي يأتي ليمارس السلطان باسمِ التنين. إنّه قدير جدًّا وله عرش وسلطته تشمل الكون. وبما أنّنا أمام سلطة يعرفها الشيطان، فإنّها تُمارَسُ بالطبع ضدّ المسيحيّين الذين يضطهدهم ويقتلهم.

طابع دينيّ
ونلاحظ أخيرًا الإشاراتِ التي تبرز طابع الوحش الدينيّ. هو يحمل اسمًا كلّه تجديف. ويتلفّظ بتجاديفَ تدلّ على ادّعائه بأن يرتفع إلى مستوى الله. يطلب هذا الوحشُ أن يُعْبَدَ وأن يُزيّح باحتفال. أمّا العبارة "من هو مثلُ الوحش" فهي منسوخة عن فعل إيمان شعب إسرائيلَ بالله الوحيد: من هو مثلُ الله.

المملكة الرومانيّة
كلّ هذه السماتِ ترسم صورةً عرفها حالاً قرّاءُ سفر الرؤيا: صورةَ المملكة الرومانيّة التي يتلوَّن سلطانُها الشاملُ بألوان شيطانيّة في عين من يعرف أن يميّز الأساسَ الذي يرتفع فوقه البنيان.
فالعقليّة الشعبيّة تعتبر أنّ النظام الرومانيّ الذي يتيحُ العيشَ في عالم عادي ومُنَظَّمٍ هو نتيجةُ بركةِ الالهة الموجودين وراء كلِّ سلطة بشريّة. لهذا فالملك الذي يجتمع فيه السلطانُ كلّه هو من مصافّ الالهة. عند ذاك استفاد الأباطرةُ الرومانَ من هذا الوضع ليركّزوا سلطتهم على عرش منيع تاركين الناسَ يعتبرونهم كآلهة أو فارضين عليهم أن يؤلّهوهم ويعبدوهم.
تصرّف الأباطرةُ في القرن الأوّل المسيحيّ بطرق مختلفة. تحفّظ بعضهم ولكنّهم تركوا الناس ولاسيّما في آسية الصغرى يلتهبون حماسًا بعبادة الإمبراطور. أمّا الآخرون ففرضوا لقبًا دينيًا رسميًّا وشجّعوا الناسَ على تشييد معابدَ لعبادةِ الإمبراطور وتنظيم كهنة لهذه المعابد. فيمكننا القولُ إنّ هذا المجتمع التوتاليتاريّ يستند إلى أساس وثنيّ يتنافى والمسيحيّة.

رومة وبابل
في هذا الإطار نقرأ ف 17- 18، فنجد فيهما دينونةَ بابلَ، الزانية الكبرى. نحن هنا أمام صورة تقليديّة عند أنبياءِ العهد القديم الذين رأَوا في صورة الزانية رمزًا إلى خيانةِ الشعوب والمدنِ لله (هو 5: 3: إسرائيل؛ أش 1: 21: أورشليم؛ نا 3: 4: نينوى). 
ولكن من تكون هذه المدينة؟
اسم بابلَ يعطى لكلّ من يعارض اللهَ وشعبه (أش 46: 1- 3؛ 47: 1- 15؛ إر 50: 29- 32). وقد احتفظ الكاتبُ بهذا اللقبِ ليدلّ على رومة التي حَكَمَ اللهُ عليها أيضاً (آ بط 5: 13). وتتحدّث 17: 9 عن التلال السبعِ فتدلّ على رومة بتلالها السبع.

رؤوس الوحش السبعة
تتوسّع 9:17- 11 في مثل سرّيّ تدلّ بموجبه رؤوس الوحش السبعة على سبعة ملوك. خمسة منهم سقطوا. السادس لا يزال يملك. والسابع مرّ سريعًا. أمّا الثامن فهو يقابل الوحش وأحد الملوك السبعة السابقين. إذا كنّا نعرف أنّ الوحشَ يدلّ على المملكة الرومانيّة في القرن الأوّل المسيحيّ، فهل نقدر بسهولة أن نتعرّف إلى هؤلاء الملوك؟ الأمر صعب. لأنّه يجب أن نعرف من هو الملك الأوّل. ثمّ هل نحسب حسابًا لمغتصبين دام ملكهم بضعة أيّام؟
إذًا، يبدأ الحسابُ من التاريخ كما يراه صاحبُ الرؤيا. فحسب ف 12 قِمّة التاريخِ هي هزيمة الشيطان والنصر الفصحيّ. فيقول: في أيّام طيباريوسَِ طُرد الشيطانُ من السماء فانحدر على الأرض. حينئذ بدأ يستعمل المملكةَ ليُعْمِلَ بُغْضَه في مؤمني يسوع. وهكذا يكون كاليغولا خلف طيباريوس أوّلَ إمبراطور شيطانيّ. وجاء بعده كلوديوس ونيرون. وإذا ترى جانبًا كلاًّ من غلبا وأوتون وويتاليوس، يكون الرابع فسباسيانس والخامس تيطس والسادس دوميسيانس الذي في أيّامه كُتِبَ سفرُ الرؤيا. ولا يزال الكاتبُ ينتظرُ الإمبراطورَ السابع. ثمّ يأتي الثامن الذي هو أحد السبعة ويقابل الوحش نفسه. نفهم إذًا أنّه تجسيد كامل للمملكة الوثنيّة. كلّ هذا يوجّهنا نحو الجواب: لقد خلبَ نيرونُ معاصريه بكثرة شرّه (قتل أمّه، أحرق المدينة، تسلّط على البلاد). إنّه يرمز إلى مملكة يلهمها الشيطان ويوجّهها. ويلاحَظ أنّّه بعد موت نيرون انتشرت شائعاتٌ بأنّه لم يمت، بأنّه يختفي في الشرق ومن هناك سيأتي ليسحقَ خصومَه. وقالت بعض هذه الشائعات: مات نيرون ولكنّه سيعود. سيحيا من جديد وسيكون رجوعه العجيب رجوع المنتصرين.
هذا هو الإمبراطور الثامن الذي هو أحد السبعة والذي هو الوحش. هذا هو رأس الوحش الذي ضرب فمات، ولكنّه عاد إلى الحياة (13: 3). هذا هو الوحش الذي كان ولم يعد موجودًا ولكنّه سيطلع من الهاوية (17: 8).
من المفيد أن نلاحظ أنّ صاحب سفر الرؤيا لا يكتفي بأن يُبْعِدَ باحتقار هذه الآمالَ وهذهِ المخاوفَ: إنّه يتوجّه إلى أناسٍ يشكّل رجوعُ نيرونَ في نظرهم جزءًا من المستقبل. قال: أجل، سيعود ولكن ليذهب إلى الهلاك (17: 8، 11). لن يدلّ رجوعُه على انتصاره، بل سيكون مناسبة ليرى العالمُ كلُّه، ليشاهدَ بصورةٍ نهائيّة هزيمةَ القِوى الشيطانيّة.

ثانيًا: الوحش الثاني (13: 11- 18)
قرابة مع الوحش الأوّل
نلاحظ أنّ بين الوحش الأوّل والوحش الثاني نقاطًا مشتركَة. الوجهان يختلفان. ولكنّ صوتَ الوحش الثاني يدلّ على طبيعته: ألقى الخطبة عينها التي ألقاها التنين. ثمّ إنّ عمله يرتبط بالوحش الأوّل: يمارس سلطانه ويخدمه دومًا.

عمل دينيّ
يَبْرُزُ فعلُ "صَنَعَ" سبعَ مرّات وفاعله الوحش الثاني. وفي حالة ثامنة (13: 14) يكون الفاعل "البشر" الذين يصنعون، بناءً على أمره، تمثالاً للوحش الأوّل. وهكذا يتّصل واقع هذه الصورة بحياة البشر ويحقّق فيهم أعماله.
وهذه الأعمال هي أوّلاً دينيّة: يصنع الوحش معجزات ويمارس السحر. وتتوجّه هذه الأعمال نحو شعائر العبادة تجاه الوحش الأوّل. وسيعطي سفر الرؤيا فيما بعد (16: 13؛ 19: 20؛ 20: 10) للوحش الثاني لقب النبيّ الكذّاب. وهذا ما يُثْبِتُ قولَنا السابق: نحن أمام واقع يهدف إلى أن يعترف البشر بالطابع الإلهيّ للوحش الأوّل.

عبادة الإمبراطور
إذا بحثنا في عالم ذاك الزمان، عمّا دفع الإنسان للإقرار بالطابع الدينيّ للإمبراطوريّة نجده في عبادة الأباطرة أو في الرغبات الدينيّة التي تشير إلى التأكيد الأساسيّ وهو أنّ الإمبراطوريّة تدلّ على طابعها الدينيّ في شخص الإمبراطور.

عالم توتاليتاريّ
تتحدّث 13: 16- 17 عن نتائجَ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ لعَمَلِ الوحش الثاني. ولكنّ هذا لا يعارض النتائج السابقة. يجب أن لا ننقل إلى عالم الزمن المبادع التي توجّه مجتمعاتِنا الحديثة: فالإمبراطور في القرن الأوّل يجهل كلّ انفصال بين مجالات الدين والسياسة والحرب والاجتماع والاقتصاد. كلّ هذا يشكّل وحدة تربط الديانة بين أجزائه وتوجّهه.

دين سياسيّ
إليك بعض الوقائع: وضعت مقاطعة آسية الرومانية (غربيَّ تركيا اليوم) تحت سلطة وال عيَّنه الإمبراطور. ولكن كان بقرب هذا الوالي مجلسُ مقاطعات يتمتّع بسلطات محدودة. وكان هذا المجلسُ ينتخبُ كلَّ سنة كاهنًا أعظمَ لإقامة شعائرِ عبادة الإمبراطور.
نقرأ نصّينِ يذكّراننا بقرار مجلس آسية. نقرأ في الأوّل وهو كتابة وُجدت في بريانيس: يشكّل يوم ولادة الله (أي الإمبراطور أغوسطس الذي يحتفل بيوم مولده في 23 أيلول) بالنسبة إلى الناس بداية الأخبار السارّة. وفي كتابة هليكرناسيس نقرأ: أعطت طبيعة الكون الأزليّة والخالدة للبشر خيرًا ساميًا. فَمَنَحَتْ لحياتنا السعيدة أغوسطس قيصر، أبَا وطننا الإلهيّ رومة... ومخلّصَ مجموعةِ الجنس البشريّ، إنّه العنايةُ التي لا تكتفي باستجابة صلاتنا، بل تسبقها.
في سنة 23 ب م، وفي عهد طيباريوس، اتّخذ المجلسُ نفسُه قرارًا ببناء هيكل جديد في المقاطعة إكرامًا للإمبراطورِ وأمِّه ومجلسِ الشيوخ الرومانيّ. فلمّا قبل طيباريوس بالمبدأ تزاحمت إحدى عشرةَ مدينةً لتحصل على إذنٍ ببناء المعبد الجديد، مشدّدة على أمانتها السابقة في إطار السياسة والحرب. واختيرت إزمير لتشيّد هيكلاً إكرامًا لمدينة رومة. 
فحياة المقاطعات السياسيّة ونشاط رابطة النقابات وإدارة المدن والقرى، كلّ هذا تغلغلت فيه الديانةُ وانطبع بطابع العبادة للإمبراطور. مثلاً: قد تعود اللحوم التي تباع في السوق إلى ذبائح قدّمت في هيكل الإمبراطور.
إذا كانت المملكة لا تزال ثابتة فتتيح الحياة والنشاط للأفراد والجماعات، فهذا عائد إلى الالهة، وأوّلهم هو الإمبراطور. فمن عارض هذا الأساس الدينيّ دلّ على أنّه ثائر خطِر يهدّد موقفُه أُسُسَ المجتمع عينَها.

الرقم 666
وتشير 13: 18 إلى صعوبة كبيرة: ماذا يعني رقم الوحش: 666؟ إنّه يدلّ على الوحش، كما يقول الكاتب. فمن تحلّى بالعقل والذكاء (الملهم) يقدر أن يحلّل ويترجم. 
نحن نعرف أنّ الحروف تدلّ على الأرقام والعكس صحيح. فإذا أخذنا اللغة العبريّة وجدنا أنّ الحروف التي تؤلّف اسم "قيصر نيرون" تساوي 666. هذا افتراض أوّل ممكن ومميّز. وهناك افتراض ثان. فالرقم 7 يدل على فكرة كمالات الله، والرقم 12 يدلّ على الاثني عشر سبطاً أو رسلاً، وبالتالي على كلّ شعب الله (وهذا يصحّ في الرقم 144000= 12 × 12 × 1000). أمّا الرقم 6 وهو قريب من 7، فهو يرمز إلى الشرّ والتمرّد على الله، يرمز إلى العالم الوثنيّ (يدلّ على النقص). نجد في الأقوال السيبيليّة (كتاب منحول) أنّ اسم يسوع يساوي في اليونانية 888. فالرقم 8 هو فوق الرقم 7 ويدلّ على كمال ألوهيّة الابن.

3- تعليم سفر الرؤيا
ولكنّ الوضعَ كان أكثر تعقيدًا من هذا العرض السريع والواضح، وقد اختبره معاصرو يوحنّا فأحسُّوا بثقله.
يجب أن نتذكّر أنّ المملكةَ لم تعلن نفسها في ذلك الوقت عدوّ المسيحيّة اللدود. كانت للمسيحيّين صعوباتهم مع السلطة الملكيّة أو ممثّليها، ولكنّ الصعوباتِ وإنْ خطيرةً، لم تكن تعبيرًا عن تعارض مبدئيّ. وفي آسية الصغرى مثلاً، لم تُتّخذْ إجراءاتٌ لاضطهادِ المسيحيّين اضطهادًا منظّمًا. كانت هناك حالات من العداوة، ولكنّها ارتبطت بظروف عابرة ومحلّيّة كانت تتبدّل مع الزمن.
في هذا الإطار الصعب أسمعَنا يوحنّا تعليمَه النبوي الذي نحدّده في شكلينِ اثنينِ: المملكة الشيطانية والنصر.

المملكة الشيطانيّة
أوحى أوّلاً الطبيعةَ الحقيقيّةَ للمملكة. كانت هناك أصوات مسيحيّة تشدّد على التوافقِ المُمْكِنِ بين مُثُلِ العصرِ السياسيّةِ والأخلاقيّةِ وبين الإيمان المسيحيّ. وقلّل آخرون من أهمّيّة الصِدامات التي جعلت سلطات المملكة تقف بوجه أعضاءِ الكنيسة الفتيّة واعتبروها تحوّلاتٍ بسيطةً وأخطاءَ مؤسفةً وعملَ الأباطرة الأردياء. أمّا سفر الرؤيا فأعلن بقوّةٍ أنّ المملكةَ هي في خدمة الشيطان. والبرهانُ على ذلك العبادة الوثنيّة التي هي في أساس النظام. فلا نستطيع أن نأمل تحسنا في العلاقات بين الكنيسة والمملكة. لا تقدر المملكةُ إلاّ أن تضطهدَ المسيحيّين. فعلى المسيحيّين أن يعرفوا أنّهم يسيرون نحو غَدٍ صعب. سيتكاثر الشهداء. قُهِرَ الشيطانُ على يد المسيح فقام بحملة على الكنيسة.

النصر
وما هو أخطرُ من هذا هو أنّ المملكةَ تنتصر، وهذا أمر طبيعيّ إذا قابلنا القوى الحاضرة: من جهة قبضةٌ من المؤمنين بالمسيح لا سندَ لهم ولا جيشَ ولا تأثيرَ. ومن جهة ثانية قوّةٌ رومةَ التي تسيطر على كلّ العالم المعروف. قال يوحنّا (رؤ 13: 7): "أعطي له أن يحارب القدّيسين ويغلبهم". وكل من يسجد لصورة الوحش يقتل (13: 5). هذا ما يقوله عادة كتّاب الرؤى. ولكن نسمع هنا صوتًا جديدًا. ترك يوحنّا الطريقة التقليديّة، فم يعلن تدخّلَ الله المقبل الذي سيأتي في النهاية ويُعِيْنُ أخصّاءه ويسحق أعداءه. بل أكّد: ليس الوضع الحاضر كما يبدو لعيونكم. لا تؤخَذوا بالظواهر. انزعوا القناعَ عن الوجوه المستعارة: يمكنكم أن تؤخذوا إلى الشهادة، أن تموتوا وتُغْلَبوا بطريقة نهائيّة. ولكنَّ الواقعَ الصحيحَ والحقيقةَ الأزليّةَ المؤسَّسَةَ على الله تختلف عن هذا: فالوقت الذي فيه صُلب يسوع كان وقت انتصاره. حينئذ قُهر الشيطان وأُنْزِلَ من السماء إلى الأرض وحُصر في مكان لا يقدر منه أن يبدّل مخطّطَ الخلاص. وكلّ مرّة يعترف أناسٌ على الأرض بأنّ السلطانَ الوحيدَ الذي أمامه ننحني وإيّاه نطيعُ هو سلطان الله ومسيحه، وكلّ مرّة يبرهن الناس في سلوكهم وفي استشهادهم على واقعيّة موت المسيح، ينتصرون هم أيضاً ويدلّون على الحقيقة الوحيدة التي لا تطمسها ظلمة قطّ.

3- الغنوصيّة
أولاً: الرسائل إلى الكنائس
لم يتضمّن سفر الرؤيا في نسخته الأولى الرسائلَ إلى الكنائس. إنّه أراد أن يعلن حضور المسيح القائم من الموت ورجوعه القريب، وأن يحتفل بنصره على العالم الوثنيّ. ومهما استعملت المملكة الرومانيّة من قوّة، ومهما جعل الشيطان هذه المملكةَ أداةَ بغضِه على المسيحيّين، فالمسيحيّون هم المنتصرون الحقيقيّون مع ربّهم حتّى ولو ماتوا مثله من أجل إيمانهم.
تبدو الرسائل كلمة نبويّة يوجّهها يوحنّا إلى الكنائس من قبل يسوع. وهي تشير إلى ما هو حاضر الآن. لهذا سنبحث عن هذا الحاضر الذي سيلقي ضوءًا على جماعات آسية الصغرى في نهاية القرن الأوّل المسيحيّ.

الهراطقة
تتحدّث الرسائل عن مجابَهات واضطهادات. ولكن ليس هذا هو همّها الأوّل. فإن تمعّنّا في ف 2- 3 اكتشفنا اهتمام الكاتبِ الأوّل: إنّه يتوجّه إلى كنائسَ تعالجُ خطرًا خاصًّا. لهذا يبدأ يسوع، مُلْهِمُ هذه الرسائل، بأن يعلنَ أنّه يعرض الوضع المحلّيّ. فيوافق أو يحرّض أو يندّد حسب ردّة فعل الكنيسة أمام ما يهدّدها.
يكمن الطابع الجديد للوضع، في أنّ الخطرَ لا يأتي فقط من الخارج. إنّه حاضر في قلب هذه الكنائس وهو يتزيّا بالزيّ المسيحيّ ليطغي المؤمنين. هذا الخطر هو الهرطقة. 
في أفسس: بدأت الكنيسة بطرد الهراطقة ثمّ تسامحت معهم. في سميرنة: لا مشاكل. في برغامس: التهديد ظاهر، ولكن لم يؤخذ بالأفكار الجديدة إلاّ بعضُ أعضاء الجماعة. في ثياتيرة: كانت ردّةُ الفعلِ حسنةً لدى الكنيسة. ولكنّ الكنيسةَ تسامحت مع نبيّة تضلّل الناسَ بتعليمها الهرطوقيّ. في سارديس: الحالة مقلقة. لم يقاوم العدوى إلاّ عددٌ قليل من المسيحيّين. أمّا في فيلادلفية فالوضع عكس ذلك. وتبقى كنيسة لاودكية التي مالت كلُّها إلى الهرطقة، على ما يبدو.

النقولاويّون
ويسميّ يوحنّا الهراطقة مرّتين: إنّهم النقولاويّون (2: 6- 15). ويمكننا أن نزيد النبيّة إيزابيل (ق 12: 14- 15 و 2: 20) التي لا يختلف تعليمها عن تعليمهم. ويبدو أنّ الخطر الذي يهدّد سائر الكنائس هو خطر النقولاويّين.
لا تقول رسائل سفر الرؤيا شيئًا كثيرًا عن هذه الهرطقة. ولكن حين نضع بعض المعلومات التي بين أيدينا في الإطار الذي يرسمه الكتّابُ المسيحيّون اللاحقون، نحصل على صورة متماسكة ومحدّدة. فهناك تقليد يعود بالحركة النقولاويّة إلى الشمّاس نقولا أحدِ الهلّينيّين السبعة المذكورين في سفر الأعمال (6: 5). كان هذا الشمّاس متزهّدًا، فاهتمّ بجعل جسده في الدرجة الدنيا. هذا يعني أنّ النقولاويّين يقولون بثنائيّة بين الجسد والروح.
نحن إذًا أمام غنوصيّة، أي منهجٍ فكريٍّ يُعْرَضُ فيه الخلاصُ على الناس بشكل وحي عن أصلهم وعن هُوِيَّتِهم.
يكتشف "المختار" أنّه يحمل شعلة إلهيّة مَخْفِيَّةَ في جسده كما في سجن. بما أنّ جسدَنا ليس أنا الإنسان الحقيقيّ، نستطيع من دون خطر أن نغامر به ونأخذه إلى احتفالاتٍ وثنيّة. فالخلاص لا يتأثّر بمثل هذه الأعمال التي هي أمور طفيفة. ولكنّ يوحنّا يعتبر على خطى أنبياء العهد القديم، أنّ هذا العملَ هو زنى مُشِينٌ وخيانةٌ لله الحيّ لا تغتفر.
في هذه الأوقات التي صارت فيه الطاعة المسيحيّة أكثرَ صعوبةً وأكثرَ خطرًا، وجب على المؤمنين أن يرذلوا هذه التجربةَ النافذةَ التي تجعلهم يعتبرون أنّ الاستشهادَ هو عنادٌ قصير النظر وليس اقتداءً بيسوعَ المسيح.
وانطلق النقولاويّون في فكرهم الثنائيّ إلى نتائجه الأخيرة، فأعلنوا أنّ المسيح لم يستطع أن يأخذ جسدًا، لأنّ الجسد يرتبط بمبادئِ المادّة البغيضة. فجسد المسيح هو ظاهرٌ الجسد، وصَلبه حيلةٌ كاذبة. بما أنّ المعلّمَ لم يتألّم على الصليب، لماذا يُجبِرُ تلاميذَه على تحدّي الموت والاستشهاد.

ثانيًا: تعليم الرسائل
قد تكون اللوحةُ التي رسمناها عن النقولاويّين سوداء. ولكنّ الهدفَ ليس أن نكتشف حقيقة هُوِيَّةِ النقولاويّين الروحيّة، بل أن نفهم جواب صاحب الرؤيا. لسنا أمام تنوّع في التعليم المسيحيّ، بل أمام نهج شيطانيّ. فالنقولاويّون يقفون على نقيض تعليم سفر الرؤيا: إذا لم يعد لانتصار المسيح شهود في هذا العالم، فهذا يعني أنّ هذا الموتَ غيرُ حقيقيّ.
لهذا أحسّ يوحنّا أنّ المسيح يدفعه ليكتب إلى الكنائس ليحثّها على طرد هؤلاء المسيحيّين الكذبة، وعلى السير بثبات على خطى المسيح في طرق تحفّ بها المخاطر إذا أردنا أن نعترف بإيماننا. لهذا نجد في الرسائل تلميحاتٍ عديدةً إلى الاعتراف باسم المسيح، إلى الابتعاد عن إنكار المسيح، إلى الأخطار التي تواجهنا (2: 3، 10، 13، 26؛ 8:3...).
ويبدو أنّ هناك هرطقةً ثانيةً في هذه الكنائس، تتمثّل في التيّار اليهوديّ وهي حاضرة في كنيستي سميرنة وفيلادلفية. مهما يكن من أمر هذه الهرطقة الثانية، فيوحنّا يعتبر أنّ الشيطان يُلْهِمُ هاتين الهرطقتين اللتين تقودان إلى النتائج نفسها. في هذه الظروف يبدو من الفطنة أن نتكلّم عن هرطقة واحدة هي الهرطقة النقولاويّة: تلوّنت بلون الغنوصيّة، تغذّت بالتقاليد اليهوديّة، واعتبرت أنّها تقدّم التفسير الحقيقيّ للعهد القديم.

ج- اللاهوت في سفر الرؤيا
1- ف 11 أو رسالة الكنيسة النبويّة
أُمِرَ الرائي في نهاية ف 10 أن يتنبّأ على كثير من الشعوب والأمم والألسنة والملوك (10: 11). فجاءت رؤية ف 11 تدلّ على أّنه أتمّ المهمّة: مارس شخصانِ رسالةً اعتُبرت نبويّةً.
الشاهدان هما اثنان: إذا أردنا أن نعرف السببَ نعودُ إلى زك 4: 2- 14 الذي يشكّل خلفيّة 11: 3- 4. يرى يوحنّا في هذين النبيّين تتمّةَ نبوءة زكريّا التي تتحدّث بالصور عن خادمين لله. فالزيتونتان في رؤية زكريّا تدلاّن على رئيسَيْ شعبِ إسرائيل، رئيس الكهنة يشوع، وزربابل الرئيس المدنيّ الذي أوكلت إليه مهمّة السهر على مستقبل الشعب (أو الهيكل) الذي يمثّله الشمعدان (أو المنارة).
حوّلَ سفرُ الرؤيا النُبوءة: صار الشخصانِ منارتينِ. فأتاح له هذا التحويلُ أن يُبْرِزَ الطابع النبويّ للشاهدَينِ: فالمنارةُ الحاملة السراج هي رمز الروح في رؤ 4: 5؛ 5: 6. ولقد حاول بعض الشرّاح أن يجدوا في المنارتين الرسولينِ بطرسَ وبولسَ.
ولكن يبقى همُّ الرائي أن يشدّد على الطابع النبويّ (الملهَم) للشاهدين. لم يتكلّم عن زيتونتين كما فعل زكريّا بل عن منارتين. ولكن يبقى أنّ الأعمالَ المنسوبةَ إلى هذين الشخصين تذكّرنا بنماذج معروفة: فإيليّا منع المطر (آ مل 17: 1) وموسى حوَّل الماء إلى دم (خر 7: 17). هذا يعني أنّ الشاهدين يُتمّان عملاً نبويًّا عرفه العهد القديم.

أولاً- أنبياءٌ وشهود
من المفيد أن نلاحظَ كيف يقدّم لنا سفرُ الرؤيا هذه الخدمةَ النبويّة. فإذا قرأنا ف 11 وجدنا أنّه لا يقول كلمةً عن مضمون كرازة الشاهدَينِ.
يظهرُ الشاهدانِ فجأةً كما تصوّرهما نُبوءة زكريّا (4: 2- 14). ثمّ يصوّر النصّ نشاطهما على مثال نشاط إيليّا (آ مل 17: 1) وموسى (7: 17). بعد هذا يتحدّث مطوّلاً عن موتهما وقيامتهما. وهكذا يبدو أنّ المهمّ ليس تعليمَ هذين النبيّين بل موتُهما وقيامتُهما.
ونلاحظُ أيضاً أنّ الكاتبَ يقرّبُ موتَهما من موت ربّهما (11: 8) ويصوّر قيامتَهما بكلمات تدلّ على قيامة المسيح. وإذا زدنا على كلّ هذا أنّهما يقدَّمان كشاهدين أي كرجلين لا يتردّدان في أن يتبعا معلّمَهما، الشاهدَ الأمينَ (2: 13)، نصل إلى الاستنتاج أنّ ف 11 يريد أن يبيّن ماهيّة الرسالةِ النبويّةِ في الكنيسة المسيحيّة، ويشدّد على أنّنا نعيشُ هذه الرسالةَ بالاتّحاد بموت يسوعَ وقيامته.
إنّ هدفَ تعليم هذه الرؤية هو إعلانٌ للمسيحيّين العائشين وسط عالم معادٍ أنّ دعوتهم أن يكونوا شهودًا للمصلوب. أوّل ما يجب عليهم هو أن يعيشوا أو يموتوا مثل معلّمهم لا أن يتكلّموا.

ثانيًا- 1260 يومًا
يبقى علينا أن نوضح شروط هذه الدعوة وإطارها الزمنيّ: يدوم زمن نبوءة الشاهدين 1260 يومًا (11: 3). نلاحظ أنّ هذا يساوي 42 شهرًا (مذكور في آ 2) إذا حسبنا الشهرَ 30 يومًا. إذًا، نحن أمام حِقْبَةٍ تقليديّة تعود بنا إلى حِقْبَةٍ صعبةٍ من تاريخ شعب إسرائيل.
إذا عدنا إلى سفر دانيال، نرى أنّ اضطهادَ أنطيوخسَ إبيفانيوسَ (الذي دنّس الهيكلَ ومنعَ اليهودَ من ممارسة ديانتهم) دام ثلاثَ سنوات وبضعة أيّام. ولكنّ دانيال قال: ثلاث سنوات ونصف السنة (زمان، زمانان ونصف زمان: دا 7: 25؛ 12: 7) متطلّعًا إلى رمزيّة هامّة. فالثلاث سنوات ونصف السنة تشكّل نصف السنة السبعينيّة والأخيرة. هذا يعني أنّه إن كان للاضطهادِ مكانةٌ في مخطّطِ الله، فهذا المكانُ محدودٌ تحديدًا دقيقًا: إنّ الله لا يتخلّى عن أخصّائه. فالمحن لا تصيبهم يومًا واحدًا يزيد عن إرادته، والربّ لا يسمح أن تَطُولَ هذهِ الأيّام الصعبةُ وحدة زمنيّةً كاملة.
هذا هو المعنى الدينيّ. لهذا يعود إليه الكاتب في ف 12- 13 من أجل مضمونه ومدلوله: إنّه زمن المحنة وزمن الحماية الإلهيّة. وما يحدث في هذا الوقت يدلّ على ثنائيّة دائمة: فالنبيّان الشاهدان يُتمّان مهمّتَهما دون أن يعترضَهما أحد (11: 5) ولكنّهما في النهاية سيُقتلان.
والمدينة المقدّسة (ولاسيّما الهيكل الذي هو أقدس مكان فيها) قد حمى اللهُ قسمًا منها (هذا هو معنى قياس الهيكل في آ 1)، وأسلم القسمَ الآخر للأممِ ليدوسوه (2:11).

ثالثًا- واقعان اثنان
يصوَّر الوقت الذي فيه تمارَس دعوةُ الكنيسة النبويّة، وهو وقتُ الشهادة والوقت الحاضر، بشكلين مختلفين اختلافًا جذريًّا: نرى فيه الوقتَ الذي فيه تكمِّل الكنيسةُ حياتَها العابرةَ فتصلُ إلى نهايتِها. ونرى فيه أيضاً الوقت الذي فيه يُظهر الربّ سلطانه ويَمنح النصر لمؤمنيه. وهذا الشكلُ الثاني لا يُحفظ للأيّام المقبلة. فنحن نكتشف نصرَ الله في الواقع الحاضر، شرط أن يضيء نظرَنا نورُ الإيمان.
ونلاحظُ أنّ الله يأتي من خارج هذه الحِقبة من الزمن ويحمل إلينا الوحي: إنّه يتدخّل ويقيم شاهديه بعد انتهاء 1260 يومًا. وهذا أمر أساسيّ: فإذا ظهر موت الشاهدين كانتصار يتوِّجه الربّ، لا فشلاً ذريعًا كما اعتبره الناسُ، فهذا الانتصار لا ينتمي إلى العالم الحاضر: فالشاهدان لم يكونا ضحيّة قضيّة نبيلة سيقتنع بها خصومهما. والنصّ لا يتكلّم عن قداستهما التي لم تصل إلى القمّة في العطاء. ما يقوله النصّ بوضوح هو أنّ مصيرهما أمر جديد لأنّ الله يرضى أن يكونا شاهديه. أوحى الله أنّ هذين الشاهدين كانا أمينينِ له مثلَ ابنه، فدلاّ على حقيقة العالم الجديد الذي دشّنه يسوع المسيح.

رابعًا- ما هي النبوءة؟
نقرأ 19: 10: "شهادة يسوع هي روح النُبوءة". من يتنبّأ يترك روحَ الله يتكلّم فيه ويعمل فيه، هذا الروح الذي أعلن عبر أنبياء العهد القديم مجيء يسوعَ وشهادتَه. فعلينا أن نكتشف هدف النُبوءات القديمة ونسير على خط هؤلاء الأنبياء على طريق شهادة يسوع وفي إثر يسوع. ونجد في ف 11 ما يبرز هذا التحديد: العودةَ إلى نبوءة زكريّا، الموازاةَ بين مصير الشاهدين ومصير ربّهما. فالنبيّ هو وكيل المسيح على هذه الأرض، وهو يشهد بطريقة ملموسة وحتّى في حياته وفي موته على موت المسيح. والله يشركه في قيامة ربّه.
لهذا كانت حياة الشهيد وموتُه علامةَ دينونةٍ للعالم (لهذا يغضب سكّان الأرض) وعلامة خلاص. لهذا السبب تُقدَّم رسالةُ الكنيسة النبويّة في هذا الموضع من الرؤيا كعنصر ضروريّ لتاريخ الخلاص. ولا يصل مخطّطُ الله إلى تمامه، ولا يُنفخ في البوق الأخير قبل أن تُعطى الكنيسةُ الوقتَ الكافيَ لتقومَ بدعوتِها كشاهدةٍ ليسوع في العالم.

خامسًا- مسألة الأماكن
وهناك إشاراتٌ طوبوغرافيّةُ في ف 11 لا نفهم سرّها. إنّ 11- 2 اللتين تذكران الهيكل والمدينة المقدّسة تجعلان العمل يتمّ في أورشليم. ولكنّ استشهاد الشاهدين تمّ في المدينة العظيمة أي في رومةَ الملقّبةِ ببابل. وتسمَّت هذه المدينةُ رمزيًّا باسم سدوم ومصر: فرومةُ تلعب دورَ أمِّ الرذائل وأمّ المعارضين لله، الدَورَ الذي لعبته سدومُ ومصرُ الفرعون. ولكنّنا نندهش حين تحدّد آ 8 أنّ المدينة العظيمة (رومة) هي المكان الذي صُلب فيه الربّ. فكيف نجيب على هذه الصعوبة؟ هنا نعود إلى النظرة إلى الزمن في سفر الرؤيا: كما أنّ طرق تحديد الزمن ترتبط كلّها بالحقبة ذاتها، حقبة زمن الحاضر الذي بعد الفصح، كذلك تحدّد كلّ الإشاراتُ الطوبوغرافيّةُ فقط الموضوعَ الذي تعيشُ فيه زمن الشهادة في العالم.
فالعالمُ هو حقًّا مملكة الشرّ، ورومةُ هي اليومَ شعارُ هذا العالم كما كان شعارَه في الماضي سدوم ومصر. هناك كانت المقاومةُ لله وابنِه على الجلجلة. فأقدس أمكنةٍ مكرّسةٍ لِله ليست بمنأًى عن محاولاتِ سكّان البشر الشريرة، فحظّها حظّ الشاهدين. فالناس يقتلون النبيّين ويهدمون أقدس الأماكن وحتّى هذا المعبد الذي هو الكنيسة (كشعب الله). ومع ذلك، هناك هيكل ومذبح ومدينة مقدّسة وعبّاد. إنّ الله يسهر على أخصّائه فلا يترك المضطهدين يدنّسونهم. فالمكان والزمان هما في يده ولا شيء يفلت من إرادته.

2- ف 12 وولادة الإنسان الجديد
أوّلاً: تصميم الفصل
يَحْتَلُّ ف 12 قلبَ الكتاب. إنّه مقطع صعب وها نحن نبدأ بتلخيص المراحل المميّزة: ظهرت امرأة في السماء متجلببة بحلى عجيبة. وَلدت ولدًا أراد التنين أن يفترسه. أفلت الولد وأّخذ إلى قرب الله. أمّا المرأة فالتجأت إلى الصحراء 1260 يومًا تحت حماية الله. وقهر ميخائيلُ الشيطانَ فسقط على الأرض. واحتفل نشيد بنتائج هذه الهزيمة المذهلة.
ويرد هربُ المرأة مرّةً ثانية في كلمات واضحة: لسنا أمام هرب ثان، بل أمام تقديم ثان للهرب عينه: فشلت محاولات التنين ضدّ المرأة فنقل بغضَه على سائر أولاد المرأة.

امتداد ف 11
لا يكفي هذا الملخّص لإفهامنا النصّ. وها نحن نكمِّله ببعض ملاحظات: نلاحظ أوّلاً العلاقات بين ف 11 وف 12: نحن في الزمن الواحد. حين حدّد الكاتب أنّ زمن إقامة المرأة في الصحراء هو 1260 يومًا (آ 6) فهو يشدّد على أن ليس لهذا الحدث إطار زمنيّ مختلف عن ذلك الذي جرى فيه نشاط الشاهدين. نحن دومًا في الزمن الحاضر، زمن ما بعد الفصح. ورقم آ 14 لا يختلف عن سابقه. فالأزمنة الثلاثة ونصف الزمن (ثلاث سنوات ونصف) تقابل 1260 يومًا و 42 شهرًا في 11: 2. وكلّها تأتينا من نبوءة دانيال. لهذه الأرقام مدلول واحد: إنّ الزمن الذي تتحدّث عنه هو زمن محنة يسمح بها الله، ولكنّه يحدّد مداها. نحن أمام معترِضة زمنيّة لا أمام نهاية حبّ الله الذي يحمي أخصّاءه. قلنا سابقًا إنّ هذا الزمنَ هو زمنُ الاضطهاد والموت، وإنّه أيضاً زمنُ حمايةِ الله. وهكذا نقول أيضاً عن الرؤية الجديدة، وهذا ما يثبته مصيرُ المرأة ومصيرُ أبنائها.

هدف ف 12
هل هذا يعني أنّ ف 12 هو استعادة ف 11؛ نبدأ فنجيب نعم، ولكن نفهم أنّ موضوع الاضطهاد لا يحتلّ قلب الفصل.
إذا قرأنا ف 12 وجدنا أنّ الشخص الذي نتحدّث عنه كثيرًا في هذه الرؤية هو التنيّن الذي يرتبط به كلّ شيء: يراقب ولادة الولد، يفشل في محاولته، يلاحق المرأة، يقهره ميخائيل. ولمّا حُرم من ثمار بغضه ضدّ المرأة هاجم أبناءها. ونشيد آ 10 ي يحتفل بنتائج هذه الهزيمة.
إذًا هناك التنين الذي قُهر، وهناك انتصار قد تمّ في شخص الابن الذي هو المسيح. وهكذا نستطيع أن نلج إلى أسرار هذه الرؤية ونميّز تعليمها الأساسيّ: صوَّر ف 11 الزمن الحاضر كزمن للشاهدَين، وصوّر ف 12 الزمن عينه كزمنٍ قام فيه التنين المقهور بآخر هجماته على المسيحيّين. قُهر العدوّ، وهذا يعني أنّ النصر يخصّ الذين هاجمهم. وهذا سيكون موضوع النشيد.

ثانيًا- الخلفيّة الرمزيّة
ونتساءل: من أين جاءت هذه الصور؟ قال بعض الشرّاح: عاد الكاتب إلى عالم الأساطير الوثنيّة. ولكنّ هذا الرأي مرفوض لأنّنا نعرف عقليّة يوحنّا المتصلّبة في طرد كلّ ما هو وثنيّ. لهذا نعود إلى العهد القديم.
فموضوع المرأة التي تدلّ آلامُها على ولادة المسيح متأثّر بنصّ أش 66: 7- 9. يتنبّأ هذا النصّ عن ولادة شعب جديد تلده صهيون المرموز عنها بامرأة. وكلمات الترجمة اليونانيّة في نصّ أشعيا هي هي في نصّ الرؤيا. وفوق هذا يحدّد تقليد يهوديّ قديم (ترجوم أشعيا) أنّ هذا الولد هو الملك المسيح.
وهربُ المرأةِ إلى الصحراء حيث تُقاتُ بطريقة عجيبة، يَعرضه ف 12 بكلمات قريبة مَن الخروج ومعجزتَيْ المنّ والسلوى. وتحدّد آ 14 أنّ جناحَيِ النَسْرِ أعطيا للمرأة كما أعطيا لشعب الخروج. (خر 19: 4؛ تث 32: 11). وهناك زينة المرأة التي نجد ما يقابلها في التقاليد اليهوديّة. ويثير النصّ إلى هَوِيّة التنّين الحقيقيّة، حيّة البدايات: اله الشيطان وإبليس (12: 9)، وصورته بشكل حيّة تذكّرنا بالرمزيّة التي طبّقها الأنبياء على فرعون (أو مصر) (أش 51: 9؛ خر 29: 3؛ 32: 2) الذي كان عدوّ شعب الله في زمن الخروج الأول.
أجل، عاد يوحنّا إلى العهد القديم فاستقى كلماتِه وصُورَه كما استقى الإنباءَ النبويَّ لعملٍ إسكاتولوجيٍّ يُتِمُّ فيه اللهُ مخطّطَه الخلاصيَّ.

ثالثًا- الأشخاص
المرأة ترمز عادة إلى جماعة المؤمنين. تتكلّم النصوصُ النبويّةُ عن امرأة حبلى، عن أمّ لها أولاد عديدون (هم أعضاء الشعب).
أمّا هويّة الابن فليست واضحة: بما أنّه يُتِمّ النبوءة المسيحانيّة في مز 2: 9 (رج رؤ 12: 5) فهو المسيح.
ويكشف الرائي هويّة التنّين فيسمّيه إبليس والشيطان.
ولكن تبقى صعوبات عديدة. المرأة (أو الشعب المقدّس) تلد المسيح أي يسوع. ما تعوّدنا أن نتكلّم هكذا عن عيد الميلاد. وماذا نقول عن مصير الولد المسيح؟ إنّه يتلخّص في ولادة وفي ارتفاع إلى السماء. فهل نستطيع أن نقدّم هكذا حياة يسوع؟

رابعًا- الميلاد أو الفصح؟
نحن لسنا أمام مذود بيت لحم. ثمّ إنّ الصليب هو هنا. وننطلق من ملاحظة أولى: اعتادت الأناشيد التي في سفر الرؤيا أن تقدّم تفسيرًا أو تطبيقًا للقارئ. فكأنّي بها تقول: هذا ما تعنيه لكم الأمور يا مسيحيّي آسية الصغرى، وهذه هي النتائج التي تستخلصونها. الأناشيد دليل تفسير تساعدنا على أن نرفض تأويلاً أو أن نوحي بآخر، أو أن نشير إلى تأويل ثالث.
أمّا في ف 12 فالنشيد موسعَّ وتعليمه واضح: إنّه يحتفل بانتصار يحرزه الشهداء حين يموتون وهم متّحدون بربّهم المصلوب (12: 11). إذًا يجب أن يكون الخبر الذي ورد قد أعلن بصورة أو بأخرى موت المسيح كانتصار على الشيطان. فيمكننا إذًا أن نقرأ ف 12 على الشكل التالي: هكذا ينبئ يو 16: 19- 22 أنّ جماعة التلاميذ ستكون في وقت الصلب مثل امرأة تلد في الأوجاع. ولكنّها ستعرف يوم الفصح الفرح مثل المرأة التي تفرح بولادة ابنها. لا يمكن أن نتكلّم عن نصر على الشيطان (حتّى ولو توقّفنا عند أساسه الكرستولوجيّ) دون أن نذكر حالاً الدور الذي يُدعى البشر إلى أن يلعبوه. 
لقد اشتركت أوّل جماعة مسيحيّة على الأرض، وبعدها كنيسة القرن الأوّل، ثمّ كنيسة كلّ زمن، في عمل الله الحاسم في يسوع المسيح بحيث نستطيع أن نقولَ إنّها أمّ المصلوب. ليست أمُّا طبيعيّة، بل حسب شرائع الإيمان التي تجعل الإنسان مشاركًا للمسيح الذي هو المنتصر الأكبر. لهذا يمارس ميخائيل في النصّ لا دورَ المنتصر بل دورَ المنفّذ. وتدخّله المسلّح يحقّق على الأرض شروطاً فرضها عمل سابق.

خامسًا- تعليم ف 12
ذكّرنا ف 11 أنّ المسيحيّين مدعوّون إلى الشهادة في الزمن الحاضر. إنّها دعوة خطرة والقيام بها يقود ظاهريًّا إلى الفشل والموت. ولكن يرى اللهُ فيها أمانة نعيشها بالاتّحاد مع يسوع، ويعطي الحياة الجديدة.
ويتابع ف 12 الموضوع ذاته فيشدّد على الأساس الكرستولوجيّ: يمكن أن يكون الوقت الحاضر وقت الاستشهاد. ولكنّ الموت الذي نتّحد فيه بالمخلّص هو نصر على الشيطان.
إذ يتلقّى المسيحيّون هجماتِ الشيطان، يعرفون أنهم جزء من شعب الله، من الكنيسة التي تلد الإنسان الجديد، ذلك القائم من الموت في قلب آلام المسيح وفي الأوجاع والأخطار التي هي امتداد لهذه الآلام. والوقت الذي فيه يقترب الشيطان من النصر النهائيّ، هو في الحقيقة الوقت الذي فيه ينتقل النصر إلى يد الضحيّة. نحن أمام وحي لانقلاب أساسيّ في سلّم القيم: لقد قرّر الله أنّ ما يسمّيه العالمُ وسلطانه نصرًا ليس النصرَ الحقيقيّ الذي ينكشف فقط في هزيمة المصلوب وموته. هنا يتدشّن نظام جديد، إنسان جديد، وحياة جديدة وأبديّة. حينئذ يسقط الشيطان حقًّا ولم يعد له مكان في السماء، أي لم يعد في مصافّ القيم السامية والأخيرة. لا يستطيع الشيطان من بعد أن يعطي معنى لحياة البشر. يقدر أن يؤذي حتى الموت، ولكن أذيّته لا تحمل بُعْدًا أبديًّا، عكس الانتصار والحياة التي منحها لنا الله في يسوع المسيح. والبرهانُ على ذلك هو أنّه لم يعد يقدر أن يتّهم البشر أمام الله (12: 10).

3) الكرستولوجيا
نجد في بداية سفر الرؤيا (1: 4- 6) عبارة تبدو كملخّص للكرستولوجيا في الكتاب: "عليكم النعمة والسلام... من يسوع المسيح الشاهد الأمين وبكر من قام من بين الأموات وملك ملوك الأرض: هو الذي أحبّنا وحرّرنا (أو غسلنا) بدمه من خطايانا، وجعل منّا ملكوتًا وكهنةً لله أبيه، فله المجد..."
نلاحظ أوّلاً ثلاثة ألقاب كرستولوجيّة: ملك ملوك الأرض، وهذا يرتبط بالسيادة. بكر الأموات، وهذا يرتبط بالقيامة. والشاهد الأمين يرتبط بالصلب. وفي 2: 13، الإنسان الذي دعي هو أيضاً الشاهد الأمين، قد قُتل أيضاً من أجل إيمانه.

أوّلاً: شاهد لله في العالم
يختم المسيح شهادتَه بدمه. وتقابَل هذه الذبيحة بنحر حمل الفصح (5: 6)، وتؤكّد فداء شاملاً (5: 9) بمغفرة الخطايا (1: 5؛ 7: 14).
إذن، ليس الصليب هزيمةً بل شهادةٌ في العالم لِنَصْرِ الله الذي ينجيّنا بحبّه.
ويمكن أن يدعى أناس إلى هذه الشهادة التي تقوم بأن تُعْلَنَ وسطَ عالَم معادٍ سيادةُ الله وحده، وتقود هذه الشهادة منطقيًّا إلى الاستشهاد: فشهيدا ف 11 (يرمزان إلى رسالة الكنيسة النبويّة) قُتلا مثل ربّهما. ولكنّ 12: 11 يؤكّد أنّ الشهود يؤوّنون في استشهادهم انتصار المسيح، يثبتون أنّهم تعلّموا من الله كيف يقيّمون الحياة والموت، النجاح والفشل، لا من العالم الذي يقدّم معنًى غشّاشًا.

ثانيًا: بكر المائتين
لقد قام المسيح. عرف الموت، ولكنّه حيّ الآن (1: 18؛ 2: 8). فالحمل المذبوح يقف أمام الله (5: 6). للمرّة الأولى تَراجعَ الموتُ وجاءت هزيمتُه بصورة فهائيّة: إنّ المسيحَ يُمسك بيديه مفاتيح الموت.
هذا يعني أنّه يعطي أخصّائه حياة لا يصل إليها الموت الطبيعي. إنّها حياة قائم من الموت لا يخاف شيئًا حتّى ولو كانت الدينونة الأخيرة التي يمكن أن تقود إلى الموت الثاني، إلى الموت الكلّيّ (2: 11؛ 20: 4، 5، 6).
منذ الآن يملكُ المسيحُ وهو يجلسُ مع اللهِ على عرشه (3: 21). إنّه يمارس سلطانًا على الأمم (2: 27-28) ويفوزُ بالغلبة (17: 14؛ 19: 11 ي). هذه الفكرة سنجدها في صورة الحمل الملكيّ المنتصر والغالب كما تبدو في كتب الرؤى اليهوديّة.
ولا يصل إلى هذه الحقيقة إلاّ المؤمن. أمّا الإنسان الطبيعيّ فيعتبر أنّ الشيطان ووكلاءه (الوحشان) يمارسون اليوم السلطان على العالم (ف 13).
وأنّ مُلكَ الله ومسيحِه واقعيّ بحيث إنّنا نقدر أن نتحقّق منه ونختبرَه منذ الآن: حين نقرّ بأنّه يحقّ لِله وحدَه بأن يملِكَ ويدينَ ويُحيِيَ، نَلِجُ في عالمٍ جديد حيث الإنسانُ الجديدُ يشاركُ في هذا السلطان الجديد الذي لا يشبه التسلّطَ الذي يميل إليه كلُّ سلطان بشريّ (1: 6؛ 2: 26؛ 3: 21؛ 5: 10؛ 12: 11). أمّا الآن، فالظواهر تعارض الواقع. لهذا تتحدّث عنه الرؤيا كواقع عابر ومحدود (ملك ألف سنة: 20: 1- 6). 
المسيحيّون هم شهود لله في المسيح، أحياء بحياته، مشتركون في ملكه. إذًا، هم في العالم شعب كهنة يشهدون لحضور الله وعمله (1: 6؛ 5: 10؛ 20: 6). ونحن هنا أيضاً أمام وظيفة عابرة. فمخطّط الله يصل إلى التمام، إلى عالم يكون فيه الله والمسيح حاضرَين بحيث لا نحتاج بعد إلى هيكل (21: 22) ولا إلى كهنة.
ونلاحظ أخيرًا أنّ الألقاب المعطاة للمسيح في سفر الرؤيا هي ألقاب محفوظة تقليديًّا لله نفسه (الأوّل والآخر، الألفة والياء، البداية والنهاية، الحيّ، الربّ، ملك الملوك...) هذا يعني أنّ الله يكشف عن نفسه في يسوع المسيح.

ثالثًا: الروح
يتكلّم سفر الرؤيا مرارًا عن الأرواح السبعة (1: 4، 3، 1؛ 4: 5؛ 5: 6). يجب أن نفهم: الروح في ملئه. فالروح هي الوسيلة المميّزة للعلاقات بين الله والبشر. فهو يجعل الرائي يرى وهو يكشف له الأسرار (1: 10؛ 4: 2؛ 17: 3؛ 21: 10). إنّه روح نبويّ (22: 6). وهنا تختلف الرؤيا عن غيرها من الكتب. فالنُبوءة هي شهادة يسوع (19: 10). وهنا نميّز وجهتين في هذا الكلام. الأولى: أنّ الروح الذي يلهم الأنبياء يرتبط دومًا بشخص يسوع وعمله وصليبه. الوجهة الثانية: أن الروح يدفع المؤمنين إلى شهادة شبيهة بشهادة المسيح. لهذا نجد في الرسائل إلى الكنائس أنّ الروحَ يجعلُ يسوع نفسَه يتكلّم (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22) ليدعوَ المسيحيّين إلى أمانة مجسّدة في العالم رغم ما يحيط بها من أخطار.

4- الدينونة
أوّلاً: إنباءات متعدّدة
حين نقرأ سفر الرؤيا نجد أنّ النصّ ينبئنا بالدينونة في كلّ رؤية. وهو يقول بأنّ هذه الدينونة قد تحقّقت أو هي في طريق التحقيق. وهذا يدعونا إلى الاستنتاج أنّ الرؤيا تتكلّم عن سلسلة دينونات تضرب أعداءَ الله وأعداءَ مؤمنيه في نظام محدّد سلفًا. ولكن إذا تمعّنّا في القراءة، اكتشفنا أنّ هذهِ الإشاراتِ التي تدلّ على دينوناتٍ مزعومةٍ ليست إلاّ مقدّمات مختلفة لمشهد واحد هو الدينونة الأخيرة.
هكذا نجد أنّ سفر الرؤيا يذكر ثلاث مرّات (14:16 ي؛ 14:17؛ 19: 11 ي) حرب المسيح الإسكاتولوجيّة ضدّ القوى المعادية. الأعداء هم هم. ونحن لسنا أمام ثلاث حروب متتالية، بل أمام ثلاثة تلميحات إلى الانقلابِ نفسه. هكذا أنبأ الكاتبُ بعقابٍ كواقع حاضر منذ 14: 8. ولكنَّ ف 18 يورد حدوثه كنتيجة حاضرة للنبؤات.

ثانيًا: الدينونة الأخيرة
ونلاحظ أيضاً أنّ الإنباءات بالدينونة ترتبط كلُّها بالمسيح: إنّه يقود المعركة الحاسمة التي تصل إلى سحق الأعداء مع رئيسهم. وإنّه في قلب الحدث الرئيسيّ الذي يدلّ على منعطف رئيسيّ في تاريخ الخلاص.
وهكذا يتجاوب الاحتفال الأوّل بآنيّة الدينونة (11: 18) مع اعتراف الإيمان الذي يقرّ بآنيّة ملكِ الله ومسيحه. ونجد التوازي عينه في ف 14: يرافق 144000 الحمل حيثما ذهب. هذه هي ساعة سقوط بابل. وكذلك في ف 15: ينشد المنتصرون نشيد الحمل ويحتفلون بظهور دينونات الله.
وأبرزَ تصويرُ ممارسةِ الدينونة (19: 11- 12) الطابع الإلهيّ للمسيح الديّان: إنّه يحمل صفاتٍ وأسماءَ خاصةً بالله (الأمين، الحقيقيّ، ملك الملوك، ربّ الأرباب). إنّه يُتمّ النبوءاتِ التي أنبأت أنّ الله يدين (أش 63: 1- 6). إنّه كلمة الله بالذات. 
لهذا لن نجد إلاّ دينونة واحدة هي الدينونة الأخيرة والإسكاتولوجيّة التي يمارسها الله في يسوع المسيح. ولهذا تدلّ الرؤى التي تورد الدينونة على الوحدة العميقة: نحن أمام دينونة يقوم بها يسوع المسيح ويعلن يوحنّا أنها شجب للشيطان ولأخصّائه (يو 12: 31؛ 16: 11) وخلاص للذين يقبلون يسوع (يو 12: 47 ي).
والكتاب الذي هو أساس هذه الدينونة (20: 12) يسمَّى كتاب الحياة، كتاب الحمل المذبوح (13: 8): إنّه يتضمّن أسماء الناس الذين يأخذ يسوع مصيرهم على عاتقه.

الكشف عن الدينونة
هذا اللاهوت اليوحنّاويّ يفسّر أن تكون الدينونةُ (كالخلاص) موضوعَ كشفٍ إلهيّ لا واقعًا نتحقّق منه بالاختبار. هنا نعود إلى قراءة ف 16: فالكؤوس الستّ تثير كوارث لا بدّ من النظر إليها. نلاحظ أوّلاً توازنًا بين سباعيّة سلسلة الأبواق وإرادةً للتشديد على القرابة بين هذه الآفات وضربات مصر. هذا يعني أنّنا أمام علامات تقليديّة عن غضبِ الله ودينونتِه العاملة في الكون. فكما في سفر الخروج، الله هو في الوقت ذاته الديّانُ والمخلّص: إذ يُخرج شعبه من أرض العبوديّة يَضرب الظالمين.
إذن، لن نكتشف الإله الديّان ولا نتميّز علامات الدينونة في العالم قبل أن نكتشف علاماتِ الخلاص. لهذا تشدّد الرؤيا (خاصّة ف 16) على النداء إلى التوبة الذي يدوّي في آياتِ الدينونة وفي تقسية قلوب "سكّان الأرض". فمن رفض الخلاص وجد في التاريخ مصيرًا أعمى تتوزّعه كوارثُ لا يفهمها.

آنيّة الدينونة
الدينونة هي كالخلاص، موضوع وحي وموضوع إيمان. ولكنَّ هذا لا يعني أنّ واقعه يُبعدنا إلى مستقبل غير ثابت. ولكي نقتنع من هذا القول نعود إلى المقاطع التي تنبئ بتتمّة الدينونة: فحين يَخْضَعُ المسيحيّون لدعوتهم النبويّةِ ويكونون في هذا العالم شهودًا أمناء للمسيح الذي مات وقام، يستطيعون حينئذ أن يعلنوا آنيّة الدينونة (11: 18). 
وحين يدلّ المنتصرون على الوحش على أنّ هناك في هذا العالم أناسًا يعتبرون أنّ خلاص الله في يسوع المسيح هو الواقع النهائيّ الذي يتعدّى بأهمّيّته كلّ واقع، يقدرون أن ينشدوا نشيد المفديّين، نشيد موسى والحمل. فيعلنون الدينونة ويتيحون للكؤوس السبع بأن تبيّن علاماتها. وبكلام آخر، حين يقرّ البشر بالله كمخلّص لهم، يصبحون على هذه الأرض شهودًا أحياء للدينونة: يبيّنون حقيقة متطلّبات الله ويتبعونها، ويرفضون ما يرفضه الله ويشجبه.
تبرز كلّ هذه الوجهات في إطار الإعلانات الليتورجيّة، وهذا أمر طبيعيّ: فالعبادة هي الموضع المفضّل الذي فيه يؤوَّن الوحي، لأنّ الليتورجيّا تحتفل بالله كالمخلّص والملك، وبالتالي كالديّان.

الدينونة الآتية
إنّ الدينونة هي موضوع الوحي وهي تدعو المؤمنين لكي يتحقّقوا من حقيقتها في حياتهم الملموسة. لهذا تُعرض كحدث من الماضي أو الحاضر. الله يخلِّص أيضاً وهو لا يزال يدين، فيتوب أناسٌ ويعيشون من الخلاص. وأناسٌ آخرون يرفضون أيَّ ارتداد. إذن، نستطيع أن نواصل الكلام عن الدينونة في المستقبل (14: 9- 10). ويتواصل تاريخ الخلاص. ولكنّ سفر الرؤيا يعلن أنّ الله لا يترك هذه الحالة تدوم إلى ما لا نهاية. فكرازة الدينونة لا تُحصر في نداء بسيط إلى التوبة. فهناك أساس كرستولوجيّ للدينونة: تمّت الغلبة على الشرّ، وهذا الانتصار يعلن حالةً لن يعود فيها من وجود للشرّ، ولن يخاف فيها الإنسان عداوةَ الشيطان. فحياة الشهود الحاضرة هي نبوءة عن الحياة الأبديّة وعلامة للملكوت وتذوّق مسَبق لما يؤول إليه تاريخ الخلاص.

5- ف 20 أو كشف عن الزمن
أوّلاً: تفاسير ف 20
هناك نموذجان لتأويل هذا الفصل. النموذج الأوّل يعتبر أنّ الله وعد بالألفِ سنة وهي ستأتي. سيحقّق الله يومًا على الأرض شروط سعادة كاملة. نستطيع أن نأخذ هذِهِ الشروطَ بحرفيّتها (1000 سنة من الخيرات الملموسة) أو بطريقة روحيّة (سيبيّن الله سيادته على الأرض خلال فترة من الزمن). ولكنّ أساس التفسير هو هو. وتقول اختلافة لهذا التفسير: نحن أمام فترة آتية بالنسبة إلى الرائي وحده الذي يتنبّأ بمجيء زمن سلام للكنيسة بعد زمن الاضطهاد. في هذا المجال نستطيع أن نعتبر أنّ النبوءة تمّت في قسم منها.
ويستند النموذج الثاني إلى الاعتبار أنّ الألف سنة هي الفترة التي دشّنها مجيء المسيح. إنّها الفترة الحاضرة. ولكن يقول قائل: إنّ الشيطان لم يُربط، فكيف نقول إنّ الألف سنة هي الفترة الحاضرة. نجيب: ما يقوله سفر الرؤيا يعود إلى نطاق الإيمان لا إلى نطاق الملاحظة الخارجيّة.

ثانيًا: نهاية الشيطان
التأكيد الأساسيّ في هذا الفصل هو نهاية الشيطان. حين نعرف أنّ هذا هو هدف النصّ، نفهم أن مصير الشيطان يذكّرنا بمصير التنّين والوحش الأوّل وبابل- رومة: فالمراحل التي تدلّ على تاريخ رؤساء الحزب الشيطانيّ تتوازى لا بفعل الصدفة وتتلخّص في الرسمة التالية: سلطان، هزيمة، نهوض، نهاية.
إنّ التنّين هو قويّ بحيث يكنس نجوم السماء. طُرد إلى الأرض فاضطهدَ المرأة وأولادها، ولكنّ وقته صار قصيرًا. والوحشُ لم يعد موجودا، ثمّ عاد، ولكنّه سيذهب في النهاية إلى الهلاك. والشيطان طغى الأمم، رُبط ثمّ فُكّ رباطُه، وفي النهاية زال. وتبرز هذه الموازاة حين نلاحظ أنّ الوقت الرئيسيّ الذي فيه يبدأ التطوّر (أعني الهزيمة) يرتبط بعمل المسيح: قُيّد الشيطان ساعة كان يسوع يملك. طُرد التنين حين تدخّل المسيح في العالم.
ونجد أيضاً هذا التحديد الكرستولوجيّ حين نبحث عن نتائجِ هذا النظرِ بالنسبة إلى المسيحيّين. ففي الفترة المشار إليها (1260 يومًا = 42 شهرًا = 3 سنوات ونصف) سيهدَّد المؤمنون بل سيُقتلون مثل معلّمهم. ولكنّهم يعودون مثله إلى الحياة. مثله سينتصرون ويملكون. كلّ هذا يفهمنا أنّ الألف سنة هي ملاحظة لاهوتيّة أكثر منها زمنيّة على مثال سائر الأزمنة المذكورة.
وباختصار الكلام، يمكننا القول إنّ تاريخ الظهورات الشيطانيّة في العالم وُضع في قالب واحد مطبوع بالواقع الكرستولوجيّ. يجب أن لا نأخذ هذه العروض المتتالية على أنّها تصاوير متعاقبة بل ككشوف تلقي ضوءًا على وجهات العالم المتنوّعة بالنور الوحيد الذي ينير الناس في كلّ زمان ومكان. وهذا النور هو انتصار يسوع المسيح.
هذا لا يعني أنّ ف 12، 13، 17، 20 تتكرّر. ففي ف 20 نقرأ أنّ إبليس قُيِّد لألفِ سنةٍ، وأنّ المؤمنين يدينون ويعيشون ويملكون مع المسيح. هذه هي القيامة الأولى.

ثالثًا: الدينونة، المُلك والقيامة
من يدين؟ هم الشهداء (قُطعت رؤوسهم من أجل شهادة يسوع كلمة الله) والمعترفون (الذين لم يعبدوا الوحش ولم يقبلوا وجه). كان ف 19 قد قدّم لنا المسيح الديّان يرافقه أخصّاؤه. وها نحن نجدهم يشاركونه في الدينونة.
ونستخلصُ الشيءَ عينه بالنسبة إلى المُلك: إنّ المؤمنين يشاركون المسيح في سيادته. يعني التأكيد مستقبل الوعد في 5: 10 و 2: 26 ولكنّه يعني حاضر الحياة المسيحيّة في 1: 5، بل حاضر حياة يوحنّا، صاحبِ سفر الرؤيا في 1: 9.
لا تُوَجَّهُ هاتانِ الميزتانِ للألف سنةٍ التفسيرَ نحوَ تتمّةٍ في المستقبل. وهكذا نقول أيضاً عن القيامة. تكلّم الشرّاحُ منذ القرن الثاني عن قيامتين: قيامةِ المؤمنين، ثمّ قيامةٍ ثانيةٍ هي القيامة العامّة. ولكنّ سفر الرؤيا لا يتكلّم أبدًا عن قيامة ثانية. ومن جهة ثانية، فهو يؤكّد أنّ المؤمنين يقدرون منذ الآن أن ينالوا خلاصهم الأبديّ ويحيَوا هذه الحياة التي وُعد بها مواطنو ملكوت الله. وحين يقدّم النصّ هؤلاء الناس الذين عادوا من الموت إلى الحياة فهو لا يقول "عادوا إلى الحياة"، بل "حيُوا" أو " نالوا الحياة" (20: 4). يجب أن نفهم: عاشوا الحياة التي هي أقوى من الموت والحياة التي هي أبعد من الدينونة، الحياة الحقيقيّة التي يتحدّث عنها الإنجيل الرابع: يستطيع الموتى أن يسمعوا في المسيح الصوت الذي يُحيي (يو 5: 25). إذًا، نحن أمام أناسٍ يقدرون أن يسمعوا يسوع ويمكنهم أن يموتوا. رج يو 11: 25 ي: "من عاش ومات فيّ لن يموت أبدًا".
هذه هي الحياة التي يعطيها اللهُ لأخصّائه: يجعل منهم قائمين من الموت. وهكذا يتكلّم يوحنّا عن قيامة واحدة.

رابعًا: وقُيِّد الشيطان ألفَ سنةٍ
هناك تأكيدان: الأوّل: قُيِّد الشيطان، وهذا ما يقوله تعليم المثل الإنجيليّ (مت 12: 29) عن الرجل القويّ (إبليس) الذي قيَّده يسوع وانتزع منه ملكه (أي البشر). فمجيء المسيح يعني بالنسبة إلى الشيطان هزيمةً كبيرة. بعد هذا لا يُطغي الأمم كما كان يفعل منذ تدخّله الاوّل في بستان السقوط (12: 9). ضعفت قوّته وسقط سلطانه فما عاد يملك، وطُرد من السماء.
والتأكيد الثاني: ألف سنة. ويتحدّث بعض الناس عن تفسير مستقبليّ، ولكنّهم يخطئون. إنّ الألف سنةٍ تحتلّ في سيرة قوى الشيطان المكان الذي احتلّته 1260 يومًا أو 42 شهرًا أو ثلاث سنوات ونصف السنة، أي وقتًا قصيرًا (12: 12) يتركه انتصار المسيح للعدوّ المقهور. إذًا، نحن أمام ملاحظاتٍ ذاتِ بعدٍ رمزيٍّ لا زمنيّ. وسنأخذ مثلاً: تعطي نبوءةُ أش 65: 22 للمملكةِ المسيحانيّة زمنًا يشبه الحِقْبَةَ السابقة. مثلاً: إنّ الإقامة في الفردوس دامت أقلّ من ألفِ سنةٍ . فالله نبَّه آدم أنه سيموت يوم يأكل من الثمرة المحرّمة (تك 2: 17). ولكنّ يوم الربّ يساوي ألفَ سنةٍ (مز 90: 4). وفي الواقع مات آدم وهو أبن 930 سنة (5: 5)، أي قبل نهاية يوم الفردوس. وحين نعلن أنّ الشيطان لا يقدر أن يملك على الأمم ألفَ سنةٍ ، فهذا يعني في لغة تقليديّة مصوّرة، أنّه قد أعيدت شروطُ القرب والثقة التي كانت تنظّم علاقاتِ اللهِ بالإنسان في الفردوس قبل السقطة. وهذا ما يؤكّده سفرُ الرؤيا: فهزيمة الحيّة الأصليّة (12: 9) تمنعها من إغواء الأمم كما فعلت مع الإنسان الأوّل (12: 9؛ 20: 3). وقُدِّمت ثمرةُ شجرة الحياة إلى الذين انتصروا على الشيطان مع المسيح (2: 27؛ 22: 14، 19). ويستطيع هؤلاء المؤمنون منذ الآن أن يدخلوا في جنّة الله ويحيَوا حياة القيامة دون أن يخافوا الموت المباشر أو الأخير.

خامسًا: هدف ف 20
لا يكتفي ف 20 بتكرار ما قالته الفصول السابقة عن هزيمة القوى الشيطانيّة. فإذا أردنا أن نفهمه نقابل تعليمه الأساسيّ مع تأكيدات ف 11، 12، 13، 17. ففي ف 11 تدلّ 42 شهرًا أو 1260 على الزمن الحاضر: إنّه زمن الشهادة ليسوع وسط عالم وثنيّ يهدّد المؤمنين. لقد سلِّم الشهود إلى خصومهم، ولكنّ القدرة الإلهيّة حمتهم. ولكنّ هذا الالتباس أُزيل بتدخّل الله الذي أقامهم فكشف المعنى الحقيقيّ لحياتهم. حينئذ دَوَى في السماء نشيدٌ يعلنُ مُلْكَ الله والمسيح. ويستعمل ف 12 الرمزَ العدديّ نفسَه ليدلّ على الزمن الحاضر الذي دشّنه موت وقيامة المسيح المنتصر على الشيطان. غُلب العدوّ الأصليّ، فلن يستطيع أن يؤثّر على مخطّط خلاص الله. فانحصر عمله بالاضطهاد. ولكنّ الله لا يتخلّى عن أخصّائه، بل يعدّهم بين المنتصرين حتّى ولو أجبروا على الموت مثل ربّهم.
ونجد في ف 13 الرمزيّة عينها تصوّر الزمن الحاضر الذي تسوده تهديدات الوحشين الشيطانيَّيْنِ واضطهاداتهم. ويبدو أنّ المملكةَ تمارسُ سلطانًا لا حدود له بحيث تؤثّر على إمكانيّة العيش حياة مسيحيّة في هذا المجتمع. ولكنّ المؤمنين يعرفون أن يميّزوا الطابع الظاهر للسلطان البشريّ. ويتحدّث ف 17 عن الزمن الحاضر وما فيه من علامات تدلّ على الدينونة التي ستتمّ.
وأخيرًا في ف 20 تدلّ الألف سنةٍ على الزمن الحاضر كزمن يربط فيه المسيح الشيطان ويمنعه من ممارسة عمله المدمّر. ويملك المؤمنون مع المسيح ويكون انتصارهم مشاركة في دينونة العالم. إنّه شعب كهنوتيّ لإلهٍ لا يحتاج بعد إلى وسطاء. وبعد الألفِ سنةٍ يُطْلَقُ الشيطانُ ثمّ يَفْنَىْ: ليس الزمن الحاضر النهايةَ الأخيرة لتاريخ الخلاص. فالله وحده يبيّن، في تدخّل يتعدّى الإطار الزمنيّ المحدّد، أنّ مخطّطه يعني عالمًا لن يكون فيه مكان للشيطان.

سادسًا: وحي الرؤيا
نجد في قلب الكاتب يقينًا: إنّ الله الذي هو فوق الزمان والمكان جاء يخلّصُنا في يسوع المسيح. منذ الآن تبدَّل كلّ شيء. فعمل يسوع في الماضي هو الشرط الوحيد الذي يفتح الحاضر على أبديّة الله. وهكذا نستطيع القول إنّ المسيحيّين، وإنْ مضطهَدين، يملكون في السماء مع المسيح فيعبّرون عن واقع الخلاص. ونزيد: هذا المُلك هو المستقبل الموعود به الذي يدلّ على أنّ الله وحده يحقّق مجيئه.
ولهذا يجب أن نواصل استعمال كلماتٍ تَجَاوَزَها الوحيُ: الآن وبعد الآن، سابقًا وليس بعد، هنا وهناك، الأرض والسماء. إنّها محاولات بشريّة عكشة تعبّر عن وحي لا تستطيع كلمات البشر أن تحيط به. فالحاضر يحمل الأبدية، والأرض زارتها السماء، والحياة هي مَثَل عن الحياة الأبدية. والنصر الذي يعتدُّ به عظماء هذا العالم ليس إلا ظاهرًا. فالسلطان الحقيقيّ هو بين يدَيِ الله. لقد انقلب كلّ شيء فصار عالم القيم الإنسانيّة موضوعَ وحيٍ يكشف معاييره الجديدة.
لا تستطيع لغة البشر أن تعبّر إلاّ عمّا يكتنهه المنطق البشريّ. وإذ أراد الرائي أن يحدّثنا عن معجزة الإنجيل لجأ إلى مقولتي الزمان والمكان، واستعملهما بحرّيّة مبيّنًا أنّهما ليستا إطارًا يسيطر على عمل الله.
يسكن الماضي في الحاضر. ويدل الحاضر على وجود شحنة من الأبديّة فيه. نستطيع أن نعيش على الأرض وأن نكون أيضاً بين رفاق الحمل في السماء أمام عرش الله.

6- سفر الرؤيا وشعائر العبادة

أوّلاً: أهمّية العبادة 
نلاحظ أوّلاً تلميحًا (1: 3) إلى قراءة ليتورجيّة وإلى سامعين للأقوال النبويّة. فالعبادة في المجمع كانت تتضمّن قراءة الشريعة والأنبياء. واستلهمت المسيحيّةُ الأولى هذا النموذجَ وزادت عليه قراءاتٍ من أسفار مسيحيّة (كو 4: 16؛ 1 تس 5: 27). وهكذا يبدو سفرُ الرؤيا كتابًا مُعَدًّا للعبادة. 
إنّه يتكلّم عن الصلوات وشعائر العبادة، عن كؤوس ومبخرة ومذابح. والأبواق هي في التقليد اليهوديّ أدوات عباديّة. ومشاهد السجود عديدة، ونسمع إعلاناتٍ وأناشيدَ دينيّة. 
ونلاحظُ وقفتين ليتورجيّتين خلال التوسعّ الجليانيّ: ففي سلسلة الختوم تتوالى الختوم الستّةُ بتواتر منتظم. ولكن قبل أن يُفتح الختم السابع، يتوقّف الخبر ليقدّم شعبَ المختارين المنشغلَ في تقديم عبادته لله والاحتفالِ بخلاصٍ حقّقه له. هذا يعني أنّ علاماتِ النهاية لا تتمّ قبل أن تُسْمِعَ عبادةُ الكنيسة في هذا العالم صوتَ البشر الذين يريدون أن يعيشوا منذ الآن من الخيرات الأبديّة التي يهبها الله. 
ونجد ظاهرةً مماثلة في ف 16: قبل أن تُصبّ الكأسُ الرابعة فتطلق الكوارث التي هي علامة الدينونة، يُسمع حوار بين الملاك والمذبح ليشكر الله على عدالته في دينونته. وتنال سلسلة الكؤوس مدلولها الحقيقيّ: فالضربات لا تدلّ على قساوة قدر أعمى ولا على انتقام إله مُغْاظٍ، بل على تدخّلِ مخلّصٍ يحرّرُ أخصّاءه ويقاتل أعداءه، كما فعل في مصر. 

ثانيًا: آثار ليتورجيّة في ف 4- 5
ف 4- 5 
يشكّل هذان الفصلان بداية صُلب سفر الرؤيا ويقدّمان مشهد سجود سماويّ. يصوّر يوحنّا هذه العبادةَ بكثير من التفاصيل، وتتوالى الهتافات الاحتفاليّة والأعمال. يمكننا أن نعجب بجمال هذه الرؤية وننسحر بهذه الليتورجيّا التي تستلهم ليتورجيّا واقعيّةً عرفها المسيحيّون الذين يتوجّه إليهم سفر الرؤيا.
نجد نشيد الله الخالق مبنيًّا على رؤية حزقيال (رأى اللهَ الجالسَ على الكائنات الحيّة) وعلى نشيد قدوس في أش 6: 3. ثمّ نجد مديحًا للشريعة. يقدّم ف 5 الكتاب الختوم الذي يقدر الحمل وحده أن يفتحه. إذًا، نحن أمام تلميح إلى الشريعة (هنا العهد القديم) التي يعطي المسيح وحده مدلولها الحقيقيّ. ونجد أخيرًا نشيدًا للإله الفادي. هذا هو موضوع النشيد الجديد في قلب الرؤيا (5: 9- 10).

ليتورجيّا إفخارستيّة
نستطيع أن نقابل نهاية سفر الرؤيا (22: 17- 21) مع نصّين مسيحيّين قديمين ونستنتجَ من هذه المقابلة أنّ رؤية الشهود الثلاثة تعود إلى حوار ليتورجيّ مأخوذ من ليتورجيّا إفخارستيّة عرفها المسيحيّون في الأجيال الأولى.
نقرأ في 22: 20: تعال أيّها الربّ (ماراناتا) الذي نجده في 1 كور 16: 22 وفي مؤلَّف يعود إلى نهاية القرن الأوّل. إنّه الديداكيه (أو تعليم) الرسل الاثني عشر. 
إليك الحوار الليتورجيّ في الديداكيه: تمنّيات، دعوة وتحذير، (إن كان أحدٌ مقدّسًا فليأت، وإلا فليتب). ماراناتا. آمين.
وفي 1 كور 16 22- 23: دعوة وتحذير (من يحبُّ الربَّ فليأت). من لا يحبّ الربّ فليكن محرومًا. ماراناتا. تمنٍّ : لتكن نعمة الربّ يسوع.
وفي سفر الرؤيا: دعوة: من كان عطشانًا فليأتِ. تحذير: من لا يأخذ بالشروط الموضوعة لا يشارك في شجرة الحياة (رمز إفخارستيّ). آمين. تعال أيّها الرب (ماراناتا). تمنٍّ : فلتكن نعمة ربّنا يسوع معكم أجمعين.
في قلب هذه النصوص نجد "ماراناتا" التي تترجم "تعال أيّها الربّ" أو "الربُّ أتى"، وفي كلتا الحالتين نحن أمام حضور المسيح. فالربّ الذي نقدر أن نلتقيَ به هو المخلّص الذي يدعو: تعال. وهو يقدّم خيراته، والإفخارستيّا هي العلامة الملموسة. ولكنّه أيضاً الإلهُ العادلُ والقدّوسُ، إنّه الديّان الذي لا يتحمّل الشرّ. لا نستطيع أن نقترب منه دون أن نعطيَه. وإلاّ اختفى عنّا وما اتّحدنا به، فيبقى علينا أن نواجهَ الشرَّ وحدَنا. 
بدأ سفر الرؤيا بالليتورجيّا وانتهى بتلميح إلى ليتورجيّا إفخارستيّة. فالكتاب يريد أن يعلن مجيء المسيح الأخير. ولكنّنا لا نتكلّم عن المجيء المستقبليّ إلاّ لندلّ على أنّ البشر لا يميّزون في حياتهم نتائج مجيء يسوع الأخيرة. ولكن يوجد مكان على الأرض ويوجد ظرف في حياة البشر يُعلن فيه عملُ الخلاص ويتحقّق: إنّه العبادة. ففي العبادة يتّخذ الناس الموقفَ اللائق بهم: موقفَ الساجدين الذين يُقِرّونَ أنّ لِله السلطةَ بأن يخلقَ كلّ شيء، ويعيد خلقَ كلّ شيء في يسوع، بما في ذلك حياتهم. إنّ الليتورجيّا هي التي تربط الناسَ بالأبديّة، بالسماء، بالله. وإنّها تجعلهم يختبرون هذه المعجزة. لا في انخطاف يبعدهم عن العالم، بل في نعمة تساعدهم على الأمانة التي يفرضها الإله القدّوس.

7- مَنْ كَتَبَ سفرَ الرؤيا؟
اسمه يوحنّا (1: 1، 4، 9؛ 22: 8). إنّه شاهد يسوع المسيح (1: 2) ونبيّ (1: 1؛ 22: 9). وتبيّن 1: 2- 3 أنّ الشهادةَ والنبوءةَ هما أمر واحد (رج ف 11). وهذا يفترض نظرةً خاصّةً إلى النبوءة: فالنبيّ ليس أوّلاً من ينبئ بالمستقبل، بل من يكشف معنى مجيءِ يسوعَ في هذا العالم. وهذا الكشفُ يأخذ طابع الشهادة المجسّدة. 
المسيحيّ هو شاهدٌ للمسيح المصلوب، وقد يُدعى إلى أن يتبع معلِّمَه في طرق تمرّ في الاضطهاد: نُفِيَ يوحنّا إلى جزيرة بَطْمُسَ بسبب الإنجيل (1: 9)، وسار شهودٌ آخرون على طريق الاستشهاد (2: 13).
ماذا يقول التقليد؟ يقول يوستينوسُ إنّ يوحنّا بنَ زبدى هو الذي كتبَ الإنجيلَ الرابعَ وسفرَ الرؤيا. ويعلن أبوكريفون يوحنّا (كتاب غنوصيّ من القرن الثاني) أنّ رؤ 1: 19 هي من تأليف يوحنّا الرسول. أمّا غايوس (كاهن رومانيّ في نهاية القرن الثاني) فقال إنّ قرنتيس الهرطوقيّ المتأثّر بالأفكار اليهوديّة هو الذي دوّن سفر الرؤيا. وقابل ديونيسيوسُ الإسكندرانيّ لغةَ الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا وأفكارهما، وأعلن أنّنا أمام كاتبين مختلفين. وتبعه في ذلك أوسابيوسُ القيصريّ. ولكنّ هذه التحفّظات تبقى قليلة. وكاتب سفر الرؤيا هو يوحنّا الرسول نفسه. ومع ذلك سيخاف الشرق المسيحيّ من كتابٍ أَحَسَّ بِغَرَابته فما أدخله بين أسفاره القانونيّة حتّى القرن الخامس.
خاتمة

قدمنا لاسفار العهد الجديد، فبان لنا غنى تعليم لا ينفد. وما اكتشفناه في الواقع هو وحدة العهد الجديد أولاً. ثم وحدة العهدين، حيث العهد الجديد يغرز جذوره في العهد القديم، والعهد القديم يجد كماله في العهد الجديد

1- وحدة العهد الجديد
لا بدّ لنا من أن نأخذ بعين الاعتبار تنوّع الكتّاب الذين دوّنوا أسفار العهد الجديد. أراد الله أن يقدّم وحيه إلينا فأفاد من أناس تختلف طباعهم وتتنوّع مواهبهم. أفاد منهم ولم يستعملهم كأداة تنفعل ولا تفعل، كآلة يُحرّكها ولا تتحرّك. فكل واحد له طريقته الشخصية في نقل كلمة الله. فالقديس بولس ليس القديس يوحنا. والازائيون الذين قدّموا صورة مماثلة عن حياة يسوع وأعماله وأقواله، ابرزوا أيضاً الاختلافات العديدة بين انجيل وآخر. فلا بدّ إذن من الأخذ بعين الاعتبار نظرة كل واحد منهم. هذا ما يصبو إليه البحث البيبلي الحالي. ان المسيح لم يكتب بيده، ولكنه سلَّم تعليمه إلى تقليد حيّ. ولم تصل إلينا التعابير عن هذا التعليم إلا بعد عشرات السنين من التوارث والتناقل. والالهام لا يكفل شهادة شخص واحد، بل عدة اشخاص تعرفوا إلى مختلف وجهات التعليم الاساسي في أوساط واوضاع ملموسة. ولم يصل بنا الالهام إلى نص نموذجي واحد أنزل علينا فلا نحيد عنه. إن تنوع الشهادات هو علامة عن الغنى التعليمي الذي وصل إلينا. فلا نجمع هذه الاقوال المتنوعة في بوتقة ضيقة تخنق الحياة التي في كلمة الله وتعيدنا الى قاسم مشترك لا يحمل شيئا من زخم الانجيل. أجل، التنوّع هو سمة أسفار العهد الجديد.
ولكن نود أن لا تنسينا هذه الملاحظة الأولى، على اهميتها، الوحدة الاساسية في تعليم الخلاص كما نقرأها في العهد الجديد. فكم من كاتب حوَّل تنوع وجهات النظر إلى تناقضات، وجعل يسوع يعارض الكنيسة، أو يعارض القديس بولس. فكأن هناك إنجيل المسيح وأنجيلاً آخر دوّنته الجماعات الاولى! توقّف هؤلاء الشرَّاح عند التفاصيل ونسوا المعطيات الاساسية التي فيها يجد التعليم المسيحي وحدته.
هناك نواة أساسية في أسفار العهد الجديد: كرستولوجيا واحدة، اكليزيولوجيا واحدة، سوتيريولوجيا واحدة.
كرستولوجيا واحدة، أي تعليم واحد عن يسوع المسيح. فأسفار العهد الجديد كلها تقول لنا ان يسوع هو إله وانسان. فلا سفر يشكّ في لاهوت المسيح حتى سفر الاعمال وانجيل مرقس. ولا سفر يهمل التشديد على ناسوت المسيح حتى الرسالة الى العبرانيين وانجيل يوحنا.
اكليزيولوجيا واحدة، أي تعليم واحد عن الكنيسة. فالاناجيل الاربعة تخبرنا عن يسوع الذي أراد حقًا أن يؤسسّ جماعة، أن يؤسّس كنيسة. ووعى المسيحيون الاولون مع رؤسائهم، ولا سيما بطرس وبولس، انهم يشكّلون هذا الشعب الجديد المرتبط بالله. 
سوتيريولوجيا واحدة، أي تعليم واحد عن الخلاص. لكل شاهد وجهته الخاصة وطريقته الشخصية في عرض شقاء الانسان (على المستوى الاخلاقي) وسر الفداء الذي حمله يسوع. غير أنهم كلَّهم مقتنعون أن لموت يسوع وقيامته بعدًا خلاصيًا، أنهما يتمّان الكتب. ويشهد القديس بولس الذي توقّف عند لاهوت الفداء، على هذه الوحدة العميقة بين مختلف النظريات، فيقول: "سواء أنا (بولس)، سواء هم (بطرس، يعقوب، يوحنا)، هذا ما نكرز به، وهذا ما به آمنتم" (1 كور 21:15).

2- وحدة العهدين
حين عرضنا مختلف الاسفار البيبلية شدّدنا على رباط العهد الجديد بالعهد القديم. وحين تصرّفنا بهذه الطريقة، اتبعنا ما أشار اليه الكتَّاب الملهمون الذين ما فتئوا يعودون إلى الأسفار السابقة بصورة واضحة أو ضمنية. فهناك صفحات، بل أسفار، مثل سفر الرؤيا، تبدو بشكل تأمل في أسفار العهد القديم. كل هذا يدلّ على الوحدة العميقة بين العهدين. وهذا ما سوف نتوقّف عنده.
هذه الوحدة ليست تماثلاً وتماهيًا. فإيمان إبراهيم ليس إيمانًا بالمسيح في معنى صريح. وأكل المن لدى العبرانيين ليس تناولاً افخارستيًا ومشاركة في جسد المسيح ودمه. فإن نحن نسينا هذا المبدأ الغينا تاريخ الخلاص كما فهمه الكتّاب الملهمون أنفسهم. فهؤلاء يفترضون بين العهدين تواصلاً وانقطاعًا.
نحن أمام تواصل حيوي، لأننا أمام المخطّط الالهي الواحد. استشففناه منذ البداية وسار إلى كماله مع يسوع المسيح. لقد أبرز الانبياء هذا التواصل وهذا النموّ، وأوّلهم اشعيا. ففي القسم الأول من كتابه، نرى تاريخ شعب الله يسير حسب مخطّط اله قدير، فكّر بكل شيء وقاد كل شيء إلى هدف يعرفه وحده. وسيستعيد اشعيا في القسم الثاني من كتابه فلسفة التاريخ هذه المطبوعة بالطابع الديني، فيظهر أن التحرّر من عبودية مصر هو صورة مسبقة عن خلاص يتعدّاه عمقًا وروحانية. وسنجد هذا الخلاص بشكل آخر في سفر دانيال ورؤيا القديس يوحنا، كما سنجده في الاناجيل ورسائل القديس بولس.
ينتج عن هذا أن حقائق العهد الجديد لا تمتلك بُعدَها الحقيقي إلاّ إذا أخذنا بعين الاعتبار النبؤات المسيحانية ومجمل التيار الديني الذي نكتشفه في التوراة. وهناك نتيجة أخرى: إن عدنا إلى الوراء وقرأنا نصوص العهد القديم كما تمت في نهاية الزمن، فهي تستضيء بنور جديد. إنها شاهدة لديانة تجاوزتها المسيحية، ولكنها لا تزال حاليّة بفضل الحدث الأول الذي يشكّل أساسها، وهو خبرة الخلاص التي تجد قمتها في خلاص حمله إلينا يسوع المسيح.
تواصل وانقطاع. فكتّاب العهد الجديد الذين يعودون دومًا إلى العهد القديم، يشدّدون على التمايز والتفاصل بين التدبيرين. فتدبير العهد الجديد مفصول عن تدبير العهد القديم. وان كان يسوع يتمّ الكتب، فهو يتمّها بسلطان لا سلطان فوقه. فلا نتخيّل النبوءات دينًا يدفعه ابن الانسان، أو أمرًا مكتوبًا ومحتومًا يخضع له ابن الله المتجسّد. فعمل يسوع هو خلق الهي يرفض كل تقابل آلي مع إنباءات وردت في العهد القديم. وهنا نورد كلمة اوريجانس بمَا فيها من صورة موحية: "حين جاء المخلص إلينا وأعطى للانجيل جسدًا، صيّر بالانجيل كل شيء شبيهًا بالانجيل".