مدخل إلى اللاهوت الكتابي

مقدمة

هذا الكتاب هو الجزء الأوّل من مجموعة نباشر اليوم بإصدارها في اللاهوت الأدبيّ أو الأخلاقيّ. وهو موجّه إلى طلاّب السنة الأولى في معاهد اللاهوت, وإلى طلاّب مراكز التثقيف الديني المخصصة للعلمانيين. وهو يقدّم، كما يدل عليه عنوانه، المبادئ الأساسية في الأخلاق المسيحية. وهو مقسّم إلى أربعة فصول وملحق.
الفصل الأوّل يوضح هدف اللاهوت الأدبي، وهو مساعدة الإنسان على الوصول إلى بناء إنسانيته في مختلف أبعادها الجسدية والنفسية والروحية، وذلك في الانفتاح على الذات وعلى الآخرين وعلى الله.
الفصل الثاني يعالج موضوع اللاهوت الأدبي، أعني الأفعال أو الأعمال الإنسانية أولا في علاقتها المزدوجة بالحرية من جهة وبالواجب من جهة أخرى, ثم في مضمونها الأخلاقي، فنحاول توضيح قياس القيم الأخلاقية والعناصر المتنوعة التي يجب الاستناد إليها للحكم على ما في الأعمال من خير أو من شر، وبنوع خاص على العلاقة بين غاية العمل الإنساني والوسيلة التي يستخدمها الإنسان للوصول إلى تلك الغاية.
في الفصل الثالث نتوسع في قاعدة الأخلاق, وهي قاعدة مزدوجة: الوصايا والشرائع من جهة، والضميرمن جهة أخرى. فنعالج هدف الوصايا والشرائع ومصدرها وإمكانية تطورها، وذلك من خلال تعليم الكتاب المقدّس: في العهد القديم ثم في العهد الجديد في تبشير السيد المسيح بالملكوت، ثم من خلال تعليم الكنيسة الأولى. ثم نبين العلاقة, القائمة أبدا بين الوصايا وشريعة الضمير.
الفصل الرابع يعرض لدور الكنيسة في التشريع الأخلاقي وسلطتها في تحديد الشرائع.
وفي ملحق خاص أوجزنا مضمون الرسالة العامة التي وضعها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في الأخلاق المسيحية في6 آب 1993, وعنوانها "تألق الحقيقة". وقد رأينا في هذه الرسالة موجزا لتعليم الكنيسة الكاثوليكية الرسمي في موضوع كتابنا هذا, أي المبادئ الأساسية في الأخلاق المسيحية.
وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نجمع بين الأمانة لتعليم الكنيسة المستند إلى الكتاب المقدّس, والانفتاح على الفكر المعاصر الذي أفاد من تطور العلوم الإنسانية, وهو يركّز على واجب كل إنسان في تربية ضميره للوصول إلى تحمل مسؤولية أعماله بفكر مستنير وإرادة واعية.
في تفكيرنا في موضوع الأخلاق, وفي التزامنا عمل الخير, قد نسأل نحن المسيحيين: "ألا يفعل ذلك أيضا الوثنيون, أو الملحدون, أو المؤمنون في الأديان الغير مسيحية؟" ويأتينا جواب السيّد المسيح: "فأنتم إذن كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متّى48:5). الحياة المسيحية هي حياة أبناء مع أبيهم, وقد صاروا بالمعمودية أعضاء في جسد المسيح، وبالتالي إخوة لجميع الناس أبناء الله الآب السماوي, وهياكل لروح الله القدّوس. 
يقول بولس الرسول عن الحياة المسيحية وعن السلوك المسيحي: "إن كنا نحيا بالروح, فلنسلكنّ أيضا بحسب الروح" (غلا25:5). وهذا هو مضمون الأخلاق المسيحية: أن يسلك المسيحي بحسب الروح الذي يحيا به. الحياة المسيحية ليست مجرّد خضوع لوصايا وشرائع تُفرض على الإنسان من الخارج، إنّما تنبع من داخل قلب الإنسان, بعد أن يتجدّد بنعمة يسوع المسيح ويمتلئ من روحه القدّوس. إنها الحياة بحسب التألّه الذي يدخل المسيحي منذ المعمودية مسيرته الطويلة. وتلك الحياة لا تنفي الواقع, بل تنطلق منه, غير أنها لا تخضع له. فهي تحرص على التفاعل معه أحيانا وعلى مصارعته أحيانا أخرى. الحياة الأخلاقية هي في كثير من الأحيان جهاد ضد العنف والعبث. لإضفاء معنى على السلوك الإنساني، معنى يليق بكرامة الإنسان المخلوق على صورة الله.
وفي هذا الجهاد يدرك المؤمن المسيحي أن يسوع المسيح عمّانوئيل هو معه، وأن روح الله القدّوس هو فيه. ذلك أن الله, الذي خلق الإنسان من فيض محبته له, لا يزال يجدّد فيه خلقه بروحه المحيي، ليصل الإنسان إلى أن يحقق في ذاته الصورة الإلهية التي خلق عليها.
الجزء الأول
مبادئ أساسية في الأخلاق

الفصل الأول
هدف اللاهوت الأدبي: الإنسان الحي

إن هدف اللاهوت الأدبيّ، على غرار هدف علم الأخلاق بنوع عام، هو مساعدة الإنسان على أن يحيا حياة أكثر إنسانية. فعلم الأخلاق واللاهوت الأدبي لا يهدفان إلى تثقيل كاهل الإنسان ولا إلى الحدّ من حريته بشرائع تناقض طبيعته وتُفرض عليه من الخارج دون أن يعرف في معظم الأحيان مصدرها وغايتها. فالخُلق (وجمعها أخلاق) هو ما خلق عليه الإنسان، هو طبيعته وسجيّته. وعلم الأخلاق واللاهوت الأدبيّ لا يمكن أن يناقضا طبيعة الإنسان إنما على العكس من ذلك يبحثان في الأمور التي يستطيع الإنسان من خلالها معرفة طبيعته التي خُلق عليها، وإكمال خلق ذاته بما يلائم تلك الطبيعة. وبما أن الإنسان خُلق "على صورة الله ومثاله"، فالأخلاق هي تحقيق صورة الله في الإنسان، هي التألّه. وهذا ما تعنيه لفظة علم الأخلاق في اللغة اليونانية واللغات المشتقّة منها. الإنسان كائن حي مدعو إلى النمو بحسب طبيعته، وهو كائن حر مدعو إلى أن يتّخذ هو نفسه القرارات التي يراها مناسبة لنموّه. وعلم الأخلاق واللاهوت الأدبيّ هما في خدمة الإنسان لإرشاده إلى أفضل السُبُل التي يجب عليه اتباعها للوصول إلى تحقيق ذاته، وفي الوقت نفسه، لهما أن ينظرا في أعمال الإنسان ويحكما على أخلاقيّتها، أي على مدى ملاءمتها للغاية التي يتوخّاها الإنسان من خلالها، وهذه الغاية هي دوما تحقيق الإنسان ذاته في كل أبعادها.
أمّا الفرق بين علم الأخلاق, الذي هو نوع من فروع الفلسفة, وعلم اللاهوت الأدبي الذي هو فرع من فروع اللاهوت, فيمكن في الأسس التي يرتكز عليها كل من هذين العلمين. فعلم الأخلاق يستند, في بحثه عن تلك السبُل وحُكمه على تلك الأعمال, إلى العقل البشري وحسب. أمّا اللاهوت الأدبي فمع استناده إلى العقل البشري, يستند أيضا إلى ما أوحى به الله في الكتاب المقدّس. ولا تناقض بين تطلّبات العقل البشري السليم وأنوار الوحي الإلهي. فالعقل البشري إنما خلقه الله, والمؤمن يرى فيه صورة الله. لذلك لا يمكن أن يكون تناقض بين صورة الله في الإنسان وكلام الله للإنسان المدوّن في كتب الوحي الإلهي. وإذا كان الإنسان, حسب تطلّبات العقل البشري, يسعى إلى السعادة وإلى تحقيق ذاته الإنسانية وكماله, فالوحي الإلهي أيضا يهدف إلى مساعدة الإنسان على تحقيق ذاته الإنسانية في كل أبعادها، وفقا لقول القدّيس إيريناوس: "مجد الله هو الإنسان الحي". فنحن المؤمنين نؤكد أن الإنسان بقدر ما يتحد بالله, يصير أكثر إنسانية. لذاك يسعى الفكر المسيحي، في اللاهوت الأدبي, إلى أن يسلّط على كيان الإنسان وأعماله أنوار العقل البشري والوحي الإلهي في آن واحد.
بما أن اللاهوت الأدبيّ إذن يهدف إلى مساعدة الإنسان على تحقيق ذاته الإنسانية بكل أبعادها، لا بدّ من التساؤل أولا عن كيان الإنسان. فما هو الإنسان؟ و ما هو معنى حياته؟

أولا- الإنسان كائن حي يعطي هو نفسه معنى لحيإنه 
ينطلق اللاهوت الأدبيّ من أن الإنسان كائن حي غير مسيَّر بغريزته, بل هو مدعو إلى بناء ذاته بوعي وحرية. فالهدف الأخير لحياة الإنسان هو الوصول إلى اكتمال ذاته، وهذا الاكتمال هو عينه الخير الذي هو موضوع كل من علم الأخلاق واللاهوت الأدبي. فالخير هو، لغويا, كما نقرأ في المعجم, "حصول الشيء على كمالاته". وخير الإنسان هو, فلسفيا ولاهوتيا, وصوله إلى اكتمال ذاته. وهذا ما يجب التركيز عليه في كل الأبحاث الأخلاقية وكل الأجوبة على المسائل الأخلاقية التي يعالجها اللاهوت الأدبيّ. في كل المواضيع يجب أن يظهر جليا أن الجواب الذي يقدّمه اللاهوت الأدبيّ يهدف إلى خير الانسان، أي إلى اكتمال ذاته. 
ا) الإنسان مُخيّر وليس مسيّرا
الإنسان كائن حي مخلوق. والكائنات الحية المخلوقة، من طبيعتها، تنمو وتترعرع وتتكاثر ثم تموت. وجودها هو مسيرة. تلك صفة عامة يتسم بها كل كائن حي، أنباتا كان أم حيوانا أم إنسانا. ولكن هناك فرق جذري بين النبات والحيوان من جهة والإنسان من جهة أخرى. فحياة النبات والحيوان تسيّرها الطبيعة أو الغريزة وفقا لنواميس يعمل الإنسان على اكتشافها ودرسها في العلوم الطبيعية وعلم الأحياء وعلم الحيوان. لذلك هي "مُسيّرة". أمّا الإنسان، وإن كانت الحياة التي فيه تخضع لكثير من النواميس المشتركة بينه وبين الكائنات الحية الأخرى، إلا أنه يتّسم بسمة خاصة هي وعيه لذاته وما ينجم عن هذا الوعي من حرية تتيح له أن يختار بين اتجاهات متعدّدة. الحيوان "مسيّر"، أمّا الإنسان "فمخيّر"، يختار بحريّته، وهو مدعو إلى أن يقرّر هو نفسه اتجاه مسيرة وجوده. ففيما يحقق الحيوان كيانه الحيواني بدافع من غريزته ودون وعي منه، منذ أول لحظة من وجوده حتى موته، يجابه الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته اختيارات متعدّدة يرى نفسه مدعوا من خلالها إلى تحقيق معنى حياته بحرية ومسؤولية. أن يعطي الإنسان معنى لحياته يعني أن يختار الاتجاه الذي يريد أن يسير فيه، والذي يستقطب كل نشاطاته. وهذا الاتجاه يكون أمّا خيرا وأمّا شرا. والخير هو، بنوع عام، كل ما يقود إلى بناء الحياة واكتمال الإنسان، والشر هو كل ما يقود إلى هدم الحياة وتشويه الإنسان. فكون الإنسان مخيّرا لا يعني أنه يحق له على السواء اختيار الخير أم الشر. فالخير والشر لا يتساويان. فالاختيار، لغويا كما نقرأ في المعجم، هو انتقاء الخير. وعلم الأخلاق واللاهوت الأدبيّ، في حكمهما على أعمال الإنسان, يقولان أن هذا الإنسان، في عمله، قد أحسن الاختيار، أي إنه انتقى الخير الذي يوصله إلى اكتمال ذاته، أو إنه قد أساء الاختيار، أي إنه انتقى الشر الذي ينتج منه هدم كيانه الإنساني. والأديان كلها والفلسفات، في أحكامها الأخلاقية وفي وصاياها وشرائعها، لا تهدف إلا إلى مساعدة الإنسان على حسن الاختيار للوصول إلى اكتماله الذاتي. وكلها تنطلق من المبدأ الأخلاقيّ العام: "يجب على الإنسان فعل الخير واجتناب الشر". ولا يقوم الخلاف بينها إلا في تحديد الخير والشر في تفاصيل هذا العمل أو ذاك. 
يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "الإنسان يتجه نحو الخير بملء حريته، هذه الحرية التي يعتبرها معاصرونا اعتبارا عظيما ويبحثون عنها بكل حماس، وهم في ذلك على حق. ولكن غالبا ما يعززونها بطريقة منحرفة، إذ يعتقدون أنها إجازة لصنع كل شيء يجلب السرور، حتى وإن كان شرا. غير أن الحرية الحقيقية هي في الإنسان علامة مميزة عن صورة الله فيه لأن الله أراد أن "يتركه لمشورته الخاصة" (راجع سي 15: 14), حتى يتمكن بذاته من أن يبحث عن خالقه ويتحد به بحرية. ويبلغ هكذا إلى تمام سعادته الكاملة. إن كرامة الإنسان تتطلّب منه أن يتصرف استنادا إلى اختيار حر وواع, لا يدفعه ولايحدد موقفه إلا الاقتناع الشخصي، دون أن يتأثر بالدوافع الغريزية أو الضغط الخارجي فقط. ويحصل الإنسان على هذه الكرامة عندما يتخلص من عبودية الأهـواء, إذ يختار الخير حرا فيسير نحو مصيره ويسعى حثيثا ليؤمن بالفعل الوسائل لتحقيقه ارتكازا إلى مهارته. غير أن الحرية الإنسانية، التي جرحتها الخطيئة, لا تستطيع أن تسير نحو الله كليا بطريقة فعلية إلا بمعونة النعمة الإلهية. وعلى كل إنسان أن يؤدي حسابا عن حياته أمام منبر الله عن الخير أو الشر الذي فعله (راجع 2 كو 5: 10) (الكنيسة في عالم اليوم، 17).

2) الفرق بين اللاهوت الأدبي والعلوم الإنسانية الوضعية: "القواعد" و "الوقائع" 
اللاهوت الأدبيّ يحكم على أعمال الإنسان. وفي هذا الحكم يتميز عن العلوم الإنسانية الوضعية التي تدرس مسلك الإنسان كما هو، في وضعه الفردي والاجتماعي، كعلم النفس وعلم الاجتماع والجغرافيا البشرية والتاريخ, تلك العلوم التي تبحث في مسلك الإنسان كما هو، فتتقصّى الوقائع الإنسانية والأحداث البشرية دون أن تبدي حكما أخلاقيا على ما تراه ويتبين لها. ومن تحليلها يمكنها الوصول إلى نواميس عامة تضعها في إطار نظريات علمية تقصد من خلالها تفسير سلوك الإنسان الفردي والاجتماعي. إلا أنه ليس من شأنها إبداء أي حكم على أخلاقية هذا التصرف أو ذاك.
فيما تُعنى العلوم الإنسانية الأخرى بالوقائع والأحداث، يُعنى اللاهوت الأدبي بقواعد السلوك الإنساني. وفي دراسته لمسلك الإنسان في مسيرة وجوده, يبدي حكمه على هذا المسلك, فيوضح ما هو الخير، أي ما هو المسلك الأفضل الذي يسير بموجبه الإنسان لتحقيق كيانه الإنساني الفردي والجماعي، ولإنماء الحياة فيه. فالعلوم الإنسانية الأخرى تبحث في مسلك الإنسان كما هو، أمّا اللاهوت الأدبيّ فيبحث في مسلك الإنسان كما يجب أن يكون, ليصل الإنسان إلى تحقيق ملء كيانه الإنساني. فالعلوم الإنسانية الأخرى تحلل وقائع السلوك البشري، واللاهوت الأدبيّ وعلم الأخلاق يحددان قواعد السلوك الخيّر والصالح. وهذا ما طلب أن يعرفه الإنسان الذي تقدم إلى السيد المسيح وسأله: "يا معلّم, ماذا يجب علي أن أعمل الصلاح لأنال الحياة الأبدية؟" (متّى 19: 16).
والحياة الأبدية هي حياة الله التي يبدأها الإنسان على هذه الأرض عندما يحقق صورة الله فيه. لذلك يجيبه السيد المسيح: "لِمَ تسألني عما هو صالح؟ إنما الصالح واحد. فإن شئت أن تدخل الحياة, فاحفظ الوصايا" (متّى 19: 17). الصالح واحد، هو الله، وهو الذي يقضي في الصلاح ويكشفه للناس بوصاياه التي هي موجز لإرادته.
لنُعطِ بعض الأمثلة على الفرق بين العلوم الإنسانية واللاهوت الأدبيّ. فعالم الاجتماع، مثلا, أو عالم الاقتصاد, في دراستهما موضوع المخدرات, يبحثان فيه كما يبحثان في أي سلعة تجارية أخرى. فيتقصيان إنتاج المخدرات وتصنيعها وتوزيعها واستهلاكها, ويستخدمان في بحثهما الوسائل العلمية, كنواميس السوق، والعرض والطلب والمنافسة الخ..., ثم يخلُصان إلى التحقق من وجود نسبة مئوية معينة من تعاطي المخدرات في هذا البلد أو ذاك. وقد تكون تلك النسبة, في نظرهما, طبيعية، أي إنه، في الحياة المعاصرة, من الطبيعي, من الناحية العلمية، توقع وجود هذا العدد من متعاطي المخدرات, كما أنه من الطبيعي, من الناحية الاجتماعية، توقع حصول نسبة معينة من حوادث السير في المناطق المزدحمة بالسكان. ولكن هذا الأمر الطبيعي لا يصير بالفعل عينه أمرا مباحا. فعلم الاجتماع يجب أن يقتصرعلى دراسة وقائع السلوك البشري والحكم عليهـا من الناحية الاجتماعية والعلمية, ولكنه لا يجوز له أن ينتقل من الحكم العلمي إلى الحكم الأخلاقي، فيقول إن تعاطي المخدرات بنسبة كذا في هذا البلد أو ذلك أمر جائز ومشروع ومحلل. 
هناك مثل آخر يوضّح الفرق بين اللاهوت الأدبيّ وسائر العلوم الإنسانية. فاستفتاء الآراء في موضوع ما من السلوك البشري, كالإجهاض أو اللجوء إلى الحرب, يبين "وقائع السلوك البشري" وآراء الناس في هذا السلوك. ولكن نتيجة هذا الاستفتاء لا تعني حتما القاعدة التي يجب أن يسير عليها الإنسان في مسلكه. فهناك أحكام مغلوط فيها قد تكون منتشرة لدى الأكثرية من الناس. ويعود إلى اللاهوت الأدبيّ تمييزها ونقدها وإصلاحها، انطلاقا من قواعد أخلاقية سنوضح في ما بعد أسس تكوينها. بيد أن اللاهوت الأدبيّ يمكنه الإفادة من سائر العلوم الإنسانية لمعرفة كل "وقائع" السلوك البشري. فمعرفة سلوك الإنسان في كل أبعاده وكل دوافعه أمر لابد منه للحكم على هذا السلوك ومساعدة الإنسان على التقدم في عمل الخير, ومساعدة المجتمع على أن يصير مجتمعا أكثر إنسانية وعدالة وأخوة.

ثانيا- الإنسان جسد ونفس
1) الإنسان في كيانه جسد ونفس
الجسد والنفس هما عنصران متميزان، منهما يتكون الإنسان. إنهما متميزان ولكنهما غير منفصلين, إذ إنهما معا يكوّنان الإنسان في وحدة تامة. إنهما متميزان، لأن لكل منهما خصائص تميزه عن الآخر. فالجسد مادي ومعرّض للانحلال. إنه مكوّن من أجزاء مختلفة, هي أعضاء الجسم, بحيث إن فقدات بعض الأعضاء لا يعني حتما موت الجسد كله. أمّا النفس فهي مبدأ روحي غير مركّب. إنها مرتبطة بالجسد الذي تحييه، ولكنها لا تنحصر فيه. إنها تتمتع بإمكانات خاصة بالفكر المجرّد والإرادة الحرّة وتلك الإمكانات ندعوها "ملكات النفس". ولأن النفس مبدأ روحي لا ينحصرفي الجسد، فهي لا تفنى بعد انحلال الجسد. الجسد يفنى لأنه مركّب من أعضاء مختلفة تنحل الواحد تلو الآخر. أمّا النفس، فلأنها مبدأ روحي بسيط غير مركّب, فهي غير معرّضة للانحلال والفساد. هذا هو أساس عقيدة "خلود النفس" التي تؤمن بها معظم الفلسفات والأديان.
نضيف أن الجسد والنفس متميزان, ولكنهما غير منفصلين. وهذا يعني أن جسدي ليس أمرا غريبا عني. جسدي هو "أنا" من حيث ارتباطي بالعالم الخارجي المحسوس. وهذا الارتباط بالعالم الخارجي، أي بالعالم الخارج عن الإنسان، ليس أمرا عرضيا في تكوين الإنسان. إنه من صلب كيان الإنسان، من صلب جوهره وطبيعته كإنسان. لذلك تؤمن المسيحية, ويؤمن الإسلام أيضا، بقيامة الأجساد في الدينونة العامة، أي بارتباط الأنفس بالعالم الخارجي ارتباطا جديدا. ولأن هذا الارتباط يمر من خلال مجد الله الذي تتمتع الأنفس بمشاهدته وجها إلى وجه، يدعو الفكر المسيحي هذه الأجساد "أجسادا ممجّدة". في هذا يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "الإنسان نفس وجسد. غير أنه حقا واحد. وهو, بوضعه الجسدي ذاته، صورة مصغّرة لعالم الأشياء التي تجد فيه ذروتها وتستطيع بحريّة أن تسبّح خالقها (راجع دا 3: 57- 95). فلا يجوز للإنسان احتقار الحياة الجسدية. بل بالعكس، عليه أن يقدّر ويحترم جسده الذي خلقه الله, والمدعو إلى القيامة في اليوم الأخير. ومع ذلك، بما أن الخطيئة جرحته، فالإنسان يشعر في ذاته بثورات الجسد. وكرامته نفسها هي التي تقضي بأن يمجّد الله في جسده (راجع 1 كو 6: 11- 25)، فلا يكون عبدا لأميال القلب الشريرة.
"أجل إن الإنسان لا يغلط عندما يعترف بأنه أسمى من العناصر المادية, ويعتبر أنه ليس مجرّد جزء يسير من أجزاء الطبيعة, ولا هو عنصر مجهول من عناصر المجتمع البشري. إنه, بحياته الداخلية، يفوق عالم الأشياء. وإلى هذه الأعماق الداخلية يعود عندما يرجع إلى ذاته, حيث ينتظره هذا الإله الذي يفحص القلوب (راجع 1مل 7:16 , 17: 10)، وحيث هو يقرر مصيره بذاته تحت نظر الله. وهكذا فإنه عندما يعترف بأن له نفسا روحية خالدة، فهو ليس بألعوبة خلقها الوهم ويمكن تفسيره بأنه وليد الظروف الطبيعية والاجتماعية، بل هـو، على خلاف ذلك، يبلغ حينئذ عمق أعماق الواقع" (الكنيسة في عالم اليوم، 14).

2) ترابط الجسد والنفس في أعمال الإنسان
الإنسان إذن في كيانه جسد ونفس في آن واحد. وهو أيضا في أعماله كلها جسد ونفس في آن واحد. لذلك تتسم أعماله بسمتين: سمة جسدية وسمة روحية. وهذا التعريف بالإنسان مهم جدا لإدلاء أي حكم على الأعمال الإنسانية. فإذا كان الإنسان, كما سبقنا وقلنا, هو نفسه صاحب قراراته بإرادته الحرة, إلا أنه لا يتخذ قراراته ولا يستخدم إرادته وحريته بمنأى عن جسده. فالإنسان، بجسده، يرتبط بالعالم الخارجي، وبجسده يمارس إرادته وحريته. فمرض الجسد يؤثر في إرادة الإنسان وحريته. وإثارة شهوة الجسد بالإغراء ومختلف أنواع المشاهد الإباحية تؤثر أيضا في إرادة الإنسان وحريته. كما أن إخضاع الجسد للتعذيب والتنكيل قد يصل إلى حد يفقد فيه الإنسان إرادته. لذلك، في أي حكم نصدره على أعمال الإنسان ومدى مسؤوليته فيها، لابد لنا من أن نأخذ بعين الإعتبار حالة جسده في أثناء قيامه بتلك الأعمال. فالإنسان يتحمّل مسؤولية أعماله بنفسه وكل طاقاته من صحة وسلامة واتّزان. فالجسد إذن يشارك النفس في تحمل مسؤولية أعمال الإنسان. 
وكذلك يشارك الجسد النفس في كرامة الشخص البشري. فكل تعد على الجسد هو بالوقت عينه تعد على كرامة الشخص البشري. وكل مس بالجسد هو مس بالإنسان في كامل كيانه. وهذا المبدأ يجب أن يكون دوما نصب أعيننا في أحكامنا الأخلاقية في شتى الميادين, ولاسيما في مسائل القتل والإجهاض والزنى. 
في هذا الإطار من التفكير يجب تفسير ما ورد في أسفار الكتاب المقدّس عن الجسد. فلفظة "الجسد" في الكتاب المقدّس تعني أمرين: تعني أولا الإنسان من حيث ارتباطه بالعالم الخارجي كما بينا أعلاه، وتعني ثانيا الإنسان من حيث وضعه الخاطئ الذي يدفع به إلى ارتكاب مختلف أنواع الشر.
كما أن لفظة "العالم" تعني أيضا أمّا العالم الخارجي, وأمّا العالم الخاطئ. فيجب التمييز بين هذين المفهومين. بالمعنى الثاني, يتكلم بولس الرسول عن التناقض بين الجسد والروح في الإنسان. فالجسد في هذا المعنى، هو كل ما يميل بالإنسان، في كامل كيانه جسدا ونفسا, نحو الشر. والروح هو الإنسان في كامل كيانه جسدا ونفسا من حيث هو ممتلئ من نعمة الله، ومتحد بروح الله الذي يميل به نحو عمل الخير. في هذا المعنى يقول بولس الرسول "اسلكوا بالروح, فلا تقضوا شهوة الجسد. فات الجسد يشتهي ما يخالف الروح, والروح يشتهي ما يخالف الجسد. فكلاهما يقاوم الآخر حتى إنكم تصنعون ما لا تريدون" (غلا 5: 16- 17). "السلوك بالروح" أو "بحسب الروح", و"السلوك بالجسد" أو "بحسب الجسد"، هذان التعبيران يشيران إلى اتجاهين مختلفين للشخص كله، وليس إلى سلوك هذا الجزء أو ذلك من الإنسان.
ثم يعدد بولس أعمال الجسد وأعمال الروح, وفي كل هذه الأعمال يشترك الجسد والنفس معا:
"وأعمال الجسد بيّنة: الفجور والنجاسة والعهر؟ وعبادة الأوثان والسحر, والعداوات والخصومات والأطماع, والمغاضبات والمنازعات والمشاقات والبدع, والمحاسدات والسكر والقصوف وما أشبه ذلك. وعنها أقول لكم، كما قلت أيضا سابقا: إن الذين يفعلون أمثال هذه لا يرثون ملكوت الله.
"أمّا ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام, وطول الأناة واللطف والأمانة, والوداعة والعفاف. وأمثال هذه ليس ضدها ناموس. لأن الذين هم للمسيح يسوع, صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. فإن كنا نحيا بالروح، فلنسكن أيضا بحسب الروح... إحملوا بعضكم أثقال بعض, وهكذا إنموا ناموس المسيح" (غلا 5: 19- 6: 2).
تقوم الحياة المسيحية على أن يثمر الإنسان في سلوكه ما حصل عليه بمعموديته. لقد ولد بالروح ولادة جديدة وصار ابن الله. فيجب أن تكون حياته الخلقية حياة أبناء الله. لقد تجدد كيانه بروح الله، فيجب ن يكون سلوكه الخلقي تحقيقا لكيانه الجديد. هذا معنى قول بولس في ختام تعداده: "إن كنا نحيا بالروح، فلنسلكنّ أيضا بحسب الروح" (غلا 5: 25). أي إذا كان الروح القدس مبدأ حياتنا، فيجب أن يظهر ذلك في سلوكنا, على صعيدي النفس والجسد. الجسد والنفس هما إذن مبدأان يتداخلان في تكوين الإنسان. ولا يصير الإنسان إنسانا بقدر ما ينفصل فيه الجسد عن النفس, بل, على خلاف ذلك, بقدر ما يتحقق فيه الانسجام والوحدة بين الجسد والنفس. وكذلك على صعيد الحياة المسيحية, لا يصير الإنسان مسيحيا بقدر ما ينفصل فيه الجسد عن النفس، بل بقدر ما يملأ روح الله جسده ونفسه، وبقدر ما يعمل في جسده ونفسه بحسب روح الله. 

ثالثا- الإنسان كائن يكتمل بارتباطه بالعالم الخارجي
أن الإنسان, كالكائنات الحية المخلوقة كلها، غير مكتمل في ذاته، ولا يمكنه البلوغ إلى هذا الاكتمال إلا بالانفتاح على العالم الخارجي في جسده ونفسه. وهذا الانفتاح يظهر في رغبات الإنسان المتنوعة التي تميل إلى ما هو خارج عنه من أمور مادية وأمور فكرية وأمور روحية. وتنقسم تلك الرغبات إلى رغبات بيولوجية كالطعام واللباس والسكن, وفكرية كالمعرفة والعلم, واجتماعية كالصداقة والحب. هذه الرغبات تنسجم كلها وطبيعة الإنسان البشرية، وبتحقيقها يكتمل كيان الإنسان. والمؤمن يدرك في ذاته رغبة روحية في المطلق ويعتقد أن كيانه الإنساني لا يكتمل إلا باتحاده بالله.

1) نزعة العقل إلى المعرفة
الإنسان كائن عاقل, وعقله منفتح على المعرفة وعلى الحقيقة وعلى الخير. وهناك انسجام بين العقل والحقيقة. فمتى وجد العقل الحقيقة ارتاح لها. وربما لن ينتهي بحثه عنها لأنها أوسع من أن يستطيع الإحاطة بها كلها. والتاريخ شاهد على محاولات الإنسان المستمرة في اكتشاف ميادين العلم وسَبر أعماق الحقيقة. وكلما اكتشف العقل بعض الحقيقة ارتاح لها, ونشرها في ما حوله وعلّمها لتلاميذ في مدارس فلسفية.
وكذلك هناك انسجام بين العقل والخير. والعقل يتطور في اكتشاف الخير, ومتى اكتشفه ارتاح له, وراح ينشره في مختلف الأديان ويسنّه في مختلف الأنظمة والقوانين والشرائع.
ولأن الإنسان كائن روحي من طبيعته، أي غير محصور كالحيوان لا بجسده ولا بالعالم الخارجي الملاصق له، فرغباته لا حد لها. فهو يستطيع أن يرغب في أمور جديدة ويعمل على تحقيقها. لذلك يشهد العالم على الدوام اكتشافات جديدة. وبهذه النزعة الديناميكية إلى الخارج, يسهم الإنسان في نمو البشرية وتطورها على مختلف الأصعدة كالعلم والثقافة والاقتصاد والأخلاق ... الإنسان كائن غير مكتمل, وسيبقى دوما غير مكتمل, لأن ما فيه من روح يتخطّى المادة ويضعه أمام ممكنات لا حد لها. نهجه هو دوام تطور. وما دام في الكون بشر, لن تتوقف مسيرة التطور. يقول خليل رامز سركيس: "لأسئلة الحياة أجوبة في مستوى الحياة نفسها. الموضوع اثنان في واحد: القضية وحلها, أو لا أبقى. على الدهر بقيت. كنت البرهان أن لا قضية بدون حل. وشيكا أتى أم في بعيد. فأمّا التقدم حلا، وأمّا خطر الفناء".
اللاهوت الأدبيّ يرافق سعي الإنسان نحو الحقيقة, ويسير معه في تطوره وفي اكتشافه جوانب جديدة للحقيقة، كما يرافق سعيه نحو الخير وتطبيقه على الظروف الجديدة التي تمر بها البشرية في اكتشافاتها الحديثة.

2) الإنسان كائن حي اجتماعي
الإنسان, بعقله ينزع إلى المعرفة، وبقلبه ينزع إلى الحب. وفي كلا الأمرين يخرج من ذاته ويرتبط بالآخر، أشخصا كان أم عملا يلتزم الإنسان تحقيقه. وبخروجه من ذاته يُنشئ مع العالم الخارجي علاقات بناءة تساعده على اكتمال ذاته. يقول أرسطو: "إن الإنسان كائن حي اجتماعي". هذه الحقيقة وعاها البشر منذ أقدم العصور. وعندما أراد الفلاسفة، التعريف بالإنسان، رأوا أنه لا يمكن التعريف به بمعزل عن الآخرين. فعلاقة الإنسان بإخوته البشر هي من صلب تكوينه كإنسان. لذلك لا يمكنه الوصول إلى كمال ذاته إلا بالعلاقة مع الآخرين. الإنسان كائن حي ناطق. ومَلَكَة الفكر والنطق عند البشر ليست فقط عنصر تأكيد للذات الإنسانية, بل هي سبيل للعلاقة والتعارف والتفاهم والتضامن بعضهم مع بعض.

أ) قيمة الشخص البشري
اللاهوت الأدبيّ, في حكمه على أعمال الإنسان, ينظر نظرة خاصة إلى قيمة الشخص البشري، الذي هو "فرد" أي كائن يتمتع بوجود "فريد" خاص إزاء الكون وإزاء الآخرين وإزاء الله. هذه السمة الفريدة يجب ألا تنحل وتذوب في الجماعة. والجماعة تنمو وتزدهر بقدر ما تعترف لكل فرد من أفرادها بما منحه الله من قيمة مطلقة. والقيم التي تنادي بها الجماعة تفقد معناها إن لم تتجسد في أفراد. فالكلام على الفكر والحرية والكرامة يمسي كلاما فارغا إن لم يتجسد في أفراد يتمتعون بالفكر والحرية والكرامة.
إن كرامة الفرد في اللاهوت المسيحي تنتج من عقيدة الخلق التي تؤكد أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله. ولفظة "الإنسان" في هذه الجملة ليست مفهوما مجرّدا كالإنسانية, بل تعني كل إنسان بمفرده، فكل إنسان بمفرده هو صورة الله، والله أحبه حبا شخصيا كما يحب الآب كلا من أبنائه بمفرده.
كل إنسان يحمل اسما دعاه به الله: "الراعي الصالح يدعو خرافه الخاصة بأسمائها" (يو 3:10). لذلك يجب أن تكون له قيمة مطلقة في نظر الناس، لأن له قيمة مطلقة في نظر الله. والله وحده يستطيع أن يسبر أعماق القلب البشري. كل إنسان يعيش في سرّ محجوب عن أنظار البشر، ولا يدركه إلا الله وحده.
مع تأكيدنا قيمة الفرد البشري, يجب أن نؤكد في الوقت عينه أن الفرد البشري هو "شخص". ونعني بالشخص الفرد البشري من حيث هو مرتبط بالآخرين, "يشخَص" إليهم (أي يذهب إليهم), أو "يشخص" عنهم. فالشخص هو إذا الفرد المرتبط بالآخرين ارتباطا لا يزيل الفرق بين الأفراد, بل يبقى فيه كل شخص إزاء الآخر كإننا يتمتع بذات خاصة يجب على الآخر أن يقف إزاءهـا (كما يقف إزاء شخص) باحترام وتقدير. لا يمكن أن تذوب الأشخاص بعضها في بعض. حتى في الزواج يقول جبران خليل جبران: "ستكونون معا حتى في سكون تذكارات الله. ولكن فليكن بين وجودكم معا فسحات تفصل بعضكم عن بعض, حتى ترقص في ما بينكم أرياح السماوات". هذه الفسحات ضرورية بين الأشخاص، لئلا يعتبر أي إنسان الآخر مجرد شيء يمكنه امتلاكه والتصرف به على هواه، وتذويبه وتدمير شخصيته. وبقدر ما يكون لكل إنسان شخصيته الفريدة, يستطيع الناس أن يتعاونوا ويتفاهموا ويتضامنوا. فالإنسان من طبيعته كائن منفتح على الآخر، وفي الآخر يعرف ذاته, ومع الآخر يبني ذاته ويبني المجتمع ويبني التاريخ.

ب) الشخص في التجمّع والمجتمع والجماعة
إن كيان الشخص الاجتماعي يتحقق بوجوده مع أشخاص آخرين بطرق متنوعة, يختلف بعضها عن بعض باختلاف العلاقات التي تجمع بين الأشخاص.
التجمع هو مجموعة أشخاص يلتقون معا بدافع من عوامل خارجية تؤثر في عاطفتهم وتقودهم إلى اتخاذ مواقف والقيام بأعمال لا يشارك فيها وعيهم ولا إرادتهم إلا بالنّزر اليسير. وهذا ما يعرفه محرّكو الجماهير الذين, في توجّههم إلى التجمعات الشعبية, لا يستندون إلى ثقافة الأشخاص الذين يشاركون فيها ولا إلى عقلهم وقناعتهم، بل إلى شعورههم وعاطفتهم. فالشخص في تلك التجمعات ليس له أي قيمة خاصة، إنما هو فرد في مجموعة, قد تخلّى عن إرادته الشخصية لينقاد لرأي فرد آخرعرف أن يسيطرعلى آراء الأفراد المشاركين في التجمع. 
المجتمع هو مجموعة أشخاص يلتقون لتحقيق هدف معين, وتربط بعضهم ببعض الوظيفة التي يقوم بها كل منهم للبلوغ إلى هذا الهدف. هذه الشركات التجارية والمؤسسات الصناعية التي لا يُنظَر فيها إلى الإنسان من حيث قيمته الشخصية بل من حيث مهارته في تحقيق هدف المجتمع. وإذا استقال شخص أو توفي, يُستبدل به غيره وتنقطع العلاقة بينه وبين المجتمع. إن تنظيم الدولة هو من نوع تنظيم المجتمع، إذ أن لكل مواطن وظيفة عليه القيام بها للوصول إلى هدف الدولة، وهو تأمين السلام والحقوق لكل المواطنين. ولكن الدولة الحقيقية يجب أن تبث في نفوس المواطنين روح الأخوّة التي تتميز بها "الجماعة"، لئلا تنحطّ مع الزمن إلى مستوى التجمعات.
الجماعة هي مجموعة أشخاص يعيشون معا ويربط بعضهم ببعض هدف واحد يسعون إليه جميعهم, ومحبة متبادلة, بحيث يعرف كل عضو من أعضاء الجماعة أن الآخرين قد قبلوه وأحبوه بمجرد انضمامه إلى الجماعة. من هذا القبول المتبادل تنشأ روح جماعية تحمل كل عضو على تقديم مصلحة الجماعة على مصلحته الفردية. تلك هي حال العائلة, والجماعات الرهبانية, والكنيسة.
لا شك أن الجماعة لا يمكن أن تحقق أهدافها إن لم يكن من بين أعضائها شخصيات قوية تؤثر إيجابيا فيها وتضمن لها الاستمرار والتقدم. وكما أن هناك تأثيرا من الشخص في الجماعة, كذلك أيضا هناك تأثير من الجماعة في الشخص. وكثير من تصرفات الشخص تكون صورة للجماعة التي ينتمي إليها. إلا أن نمو الشخص في الجماعة يجب أن يصل به إلى اكتساب قناعات شخصية، فيحقق هدف الجماعة بملء إرادته وكامل وعيه ومسؤوليته. الجماعة هي المكان الملائم لتحقيق الإنسان ذاته بانفتاحه على الآخر واكتماله بالآخر. في الجماعة يدرك الإنسان قيمته وكرامته عندما يعترف الآخرون بقيمته وكرامته. وفي الجماعة يغتني الإنسان بتبادل الفكر والحب مع غيره. الإنسان من طبيعته منفتح على المعرفة والحب. وتحقيق هذ الانفتاح بتبادل المعرفة والحب في الجماعة يغنيه ويحققه ويسعده في آن واحد. في الجماعة تتخذ أبسط الأعمال، كالطبخ والجلي والغسيل والتنظيف, بعدا علائقيّا لأنها تُتَمم حبا بأعضاء الجماعة. وتلك الأعمال تساعد الإنسان على تحقيق ذاته لأنه من خلالها يرتبط بسائر أعضاء الجماعة. فالأم التي تقوم بأعمال بيتها من طبخ وغسيل وترتيب...، محبّة بزوجها وأولادها، تعتبر عملها وسيلة لتحقيق علامة المحبة بينها وبين أفراد عائلتها, ويُمسي عملها، لا استعبادا وسخرة, بل اكتمالا لكيانها.
ج) المساواة الجوهرية بين الناس في الطبيعة البشرية وفي الحقوق والواجبات
كل ما نقوله للتعريف بالإنسان ينطبق على كل الناس, مهما كانت الفروقات بينهم في الجنس واللون والعِرق والدين والثقافة والوضع الاجتماعي. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إن جميع البشر قد خُلِقوا على صورة الله وتزينوا بنفس عاقلة، فهم ينتمون إلى الطبيعة نفسها ويتحدّرون من الأصل نفسه. إنهم ينعمون جميعهم بالدعوة ذاتها وبالمصير الإلهي ذاته، لأن المسيح افتداهم. فيجب إذن أن نعترف دائما وبمزيد من التعمق بالمساواة الجوهرية في ما بينهم" (الكنيسة في عالم اليوم، 1:29).
إن تأكيد قيمة الشخص البشري هو تأكيد للمساواة الجوهرية بين الناس في القيمة والكرامة. إن الطبيعة البشرية تتحقق دون شك بأوجه متعددة في الناس حسب مواهبهم وإمكاناتهم. ولكن هناك بنية إنسانية مشتركة بين الجميع, منها تنبع الحقوق والواجبات المشتركة بين الجميع.
قلنا إن الإنسان كائن يحقق ذاته بذاته ويكوّن مصيره الشخصي بملء إرادته وحريته, وهذا هو أساس كرامته والاحترام الواجب له. من هذه القيمة الجوهرية ينتج حقه الأساسي في الحصول على كل ما هو ضروري لتحقيق ذاته. ومن هذا الحق الأساسي تتفرّع مجموعة حقوق يمكن اعتبارها امتدادا للشخص البشري، بحيث إن إنكارها هو بالفعل عينه إنكار للشخص البشري وإنكار لقيمته السامية. وقد أصبح اليوم الاعتراف بهذه الحقوق أمرا شاملا، ولاسيّما بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من قِبل هيئة الأمم المتحدة، سنة 1948. وهذه الحقوق هي التجسيد العملي للشريعة الطبيعية التي يعمل العقل البشري مع الأيام وخبرة الأجيال على اكتشاف تطلّباتها.
ويقابل هذه الحقوق واجبات ناتجة من كون الإنسان يحيا مع غيره, وعليه ان يحترم حقوق الآخرين. فالحياة الجماعية لا يمكن أن تتم دون تبادل وتضامن. فكل إنسان ملتزم باحترام حقوق الآخرين، ولاسيما في الأمور الأساسية المرتبطة بمصير الإنسان وتحقيق تطلّبات كيانه الشخصي. هذا الالتزام هو في أساس الواجب الخُلقي الذي بدونه لا يمكن أن يلتقي الناس ضمن جماعة، عائلية كانت أم مهنية أم سياسية أم دينية. وبقدر ما يمتد إلى كل أفراد الجماعة ويتعمق في ضميرهم هذا الواجب الخُلقي الذي يفرض على كل إنسان احترام حقوق غيره، تزول من تلك الجماعة شريعة الغاب التي يأكل فيها القوي الضعيف ويهضم حقوقه، فيسود فيها السلم والتفاهم والتضامن، وتزدهر الحضارة الحقيقية، ويتاح لكل عضو من أعضاء هذه الجماعة الوصول إلى تحقيق ذاته.

رابعا- الإنسان كائن روحي منفتح على الله
النظرة المسيحية تؤكد ما يؤكده الفلاسفة من أن الإنسان كائن حي عاقل يحقق ذاته في الانفتاح على ما هو خارج عنه. ولكنها تعتبر أن هذا الانفتاح لن يحقق كيان الإنسان ما لم يتخطّ الكون والإنسان الآخر للاتحاد بما يسمو الكون والإنسان, بالله المتسامي والمتعالي. انفتاح الإنسان على الله يتحقق على ثلاث مراحل: الانفتاح على الله من خلال طبيعة الإنسان، الانفتاح على الله من خلال النعمة, وأخيرا الانفتاح على الله من خلال مشاهدة الله في المجد السماوي.

ا) الانفتاح على الله من خلال طبيعة الإنسان
كل كائن حي ينمو بحسب طبيعته: النبات بحسب طبيعته، والحيوان بحسب طبيعته, وكذلك الإنسان مدعو إلى النمو بحسب طبيعته. والنظرة المسيحية إلى الإنسان تعتبر أنه "خُلقَ على صورة الله ومثاله". وصورة الله في الإنسان تقوم على ما ينعم به من روح وعقل وحرية وإرادة. ومثال الله فيه هو ما يصنعه من خير وصلاح. الإنسان, بروحه وعقله وحريته وإرادته, يتسامى عن المادة والحيوان، وفي هذا التسامي تكمن صورة الله فيه. والإنسان ينزع من طبيعته إلى صنع الخير والصلاح, وفي تلك النزعة يكمن مثال الله فيه. فصورة الله هي في كيانه الروحي، ومثال الله في عمله الصالح. وصورة الله ومثاله هما في الإنسان حقيقة، وفي ذلك الوقت عينه منهاج عمل. فتلك الحقيقة ليست مكتملة, لأن الإنسان يعيش في التاريخ والزمن. وفي التاريخ والزمن عليه أن يحقق في ذاته تلك الصورة الإلهية وذلك المثال الإلهي. وبقدر ما يصنع الصالحات ويسير بمقتضى روحه وعقله وحريته وإرادته, يحقق في ذاته تلك الصورة الإلهية وذلك المثال الإلهي, وفي الوقت عينه يحقق ذاته الإنسانية.
واللاهوت الأدبي, بمختلف مواده وفصوله, إنما يهدف إلى إظهار بهاء تلك الصورة وذلك المثال وإلى مساعدة الإنسان على التوصّل إلى تحقيقهما في ذاته.

2) الانفتاح على الله من خلال النعمة والتبني والتأله
تؤمن المسيحية بأن الله ظهر لنا في كمال وحيه في شخص ابنه وكلمته وصورة مجده يسوع المسيح وفي حلول روحه القدوس. وكل إنسان يقبل هذا الوحي فيتحد بابن الله وروح الله, ينفتح على الله بنوع جديد. هذه هي النعمة. "فإن الناموس قد أعطي بموسى, وأمّا النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا" (يو 17:1). وهذا هو التبني: "لأن الذين سبق فعرفهم, سبق أيضا فحدّد أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه, فيكون هكذا بكرا ما بين إخوة كثيرين" (رو 8: 29) "ولمّا بلغ ملء الزمان, أرسل الله ابنه مولودا من امرأة, مولودا تحت الناموس, ليفتدي الذين تحت الناموس، وننال التبني. والدليل على أنكم أبناء, كون الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه، ليصرخ فيها: أبّا، أيها الآب. فأنت إذن لست بعدُ عبدا, بل أنت ابن, وإذا كنت ابنا فأنت أيضا وارث بنعمة الله" (غلا 4: 4-7). وهذا هو التألّه الذي يتكلم عنه الآباء القديسون منذ القديس إيريناوس: "صار كلمة الله إنسانا لكي يصير الإنسان إلها".
إن قبول الإنسان نعمة الله ودعوته إلى التبني والتأله هو الاختيار المسيحي الأساسي, وهو يدعى أساسيا لأنه أساس كل الأخلاق المسيحية وعليه يبني المسيحي حياته كلها. هذا الاختيار الأساسي يعبّر عنه الإنجيل المقدّس بتعابير متنوعة. فيتكلم عن طلب ملكوت الله: "أطلبوا أولا ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّه يُزاد لكم" (متّى 6: 33). أن يُخضع الإنسان كل شيء في حياته لمقتضيات ملكوت الله هو تعبير كتابي عن الاختيار المسيحي الأساسي.
وترد أيضا في الإنجيل المقدّس عبارة تتميم مشيئة الله: "ليس كل من يقول لي: يا رب, يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السماوات" (متّى 7: 21), "إن كل من يعمل إرادة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمّي" (متّى 50:12). والسيد المسيح قال عن نفسه: "إنما طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله" (يو 34:4). وعلّمنا في الصلاة الربية أن نصلّي: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض" (متّى 10:6). فتتميم مشيئة الله هو تعبير كتابي آخر عن الاختيار المسيحي الأساسي.
ويتكلم أيضا العهد الجديد عن اتباع السيد المسيح: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه, ويتبعني" (متّى 16: 24), وعن الاقتداء بالله وبالمسيح: "كونوا مقتدين بالله كأولاد أحباء, واسلكوا في المحبة على مثال المسيح الذي أحبكم" (أف 5: 1- 2), "ليكن فيكم من الأخلاق ما هو في المسيح يسوع" (في 5:2).
كما يتكلم أيضا العهد الجديد على محبة الله، وعلى المحبة على مثال الله وعلى مثال السيّد المسيح. هذه التعابير المتنوعة يكمّل بعضها بعضا, ويجب النظر إليها كلها لتكوين صورة كاملة عن الأخلاق المسيحية. فالملكوت هو حياة الله التي يشترك فيها المؤمن الذي خُلق على صورة الله ومثاله. وبما أن "الله محبة" (يو 16:4), فهذه الحياة لن تكون سوى حياة المحبة. فدعوة الإنسان إلى تحقيق ذاته وتحقيق صورة الله فيه هي دعوة إلى المحبة على مثال الله:
"سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. أمّا أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير. بل من لطمك على خدك الأيمن, فقدّم له الآخر أيضا... سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعدائكم, وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم, لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات, فإنه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين, ويمطر على الأبرار والأثمة. فإنكم إن أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم؟ أليس العشّارون أنفسهم يفعلون ذلك؟ وإن لم تسلّموا إلا على إخوانكم فقط, فأي عمل خارق تصنعون؟ أوَليس الوثنيون أنفسهم يفعلون ذلك؟ فأنتم إذن, كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متّى 5: 38-48).
دعوتنا إلى المحبة هي إذن دعوة إلى التمثّل بالله. وقد عرفنا الله ورأيناه من خلال ابنه وكلمته وصورة جوهره يسوع المسيح. وهو الذي قال لنا: "إني أعطيكم وصية جديدة: أن يحب بعضكم بعضا, أجل أن يحب بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي, إذا كنتم تحبون بعضكم بعضا" (يو13: 34-35), "هذه وصيتي: أن يحب بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا. ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل الحياة عن أصدقائه. فأنتم أصدقائي إذا صنعتم ما أنا موصيكم به... فما أوصيكم به إذن, هو أن يحب بعضكم بعضا" (يو15: 12-17).
ما هو جديد في وصية السيد المسيح هو أن نحب بعضنا بعضا كما أحبنا الآب وكما أحبنا السيد المسيح. إن انفتاح الإنسان على الله بالنعمة والتبني والتألّه يصل إلى هذا الحد في الأخلاق المسيحية: أن يجسّد الإنسان في محبّته محبة الله الآب ومحبة السيد المسيح, في كل علاقاته مع إخوته البشر.
إن انفتاح الإنسان على الله لا يعني انعزاله عن الكون وعن الآخرين, بل هو تعميق وتقديس وتأليه لانفتاحه على الكون وعلى إخوته البشر, بحيث يمكننا التعريف بالأخلاق المسيحية بأنها التخلّق بأخلاق الله كما ظهرت لنا في حياة السيد المسيح وتعاليمه.

3)الانفتاح على الله في تَوق الإنسان إلى السعادة 
السعادة تَوق كل إنسان. والاتجاه الذي يختار الإنسان أن يسير فيه, إنما يختاره لأنه يرى فيه ما يجلب له بعض السعادة. والأعمال التي يقوم بها, إنما يقوم بها, أخَيرا كانت أم شرّا, لأنه يرى فيها ما يوصله إلى السعادة. هذا التوق إلى السعادة هو في نظر الإيمان ونظر اللاهوت المسيحي دليل على انفتاح الإنسان, في عمق كيانه وجوهر طبيعته, على الله الحي. ولن يصل الإنسان إلى السعادة إلا باتحاده الكياني بالله, بالإيمان على هذه الأرض, وبالمشاهدة وجها لوجه في حياة الأبد.

أ‌) الإنسان كثيرا ما يخفق في سعيه وراء السعادة
السعادة هي حالة الكائن الحي الذي يصل إلى تحقيق كيانه, فتوق الإنسان إلى السعادة هو في الواقع توق إلى اكتمال ذاته. ولكن الإنسان كائن محدود, وسيبقى على هذه الأرض غير مكتمل وفي مسيرة دائمة لاكتمال ذاته. لذلك فالأفراح الجزئية, كالصحة والرفاهية والمال, والعلم والمعرفة, والصيت الحسن وتقدير الناس, والحب, والسلطة, وإن كان بعضها عناصر مهمة على طريق السعادة, إلا أنها لا يمكن أن تكون لها صفة المطلق. واعتبارها مطلقة وكافية لجلب السعادة هو الذي يجعل الإنسان تعيسا. فشقاء الإنسان لا يأتيه من سعيه وراء السعادة, فهذا السعي لابد منه, إذ إن البحث عن اكتمال الذات هو ميزة الإنسان الجوهرية. ولكن شقاء الإنسان يإنيه عندما يجعل المطلق في ما هو جزئي ووقتي. إن في الإنسان عطشا نحو المطلق, ولا يختبر في خيرات هذا العالم إلا النسبي والجزئي والوقتي. ههنا يكمن شقاؤه. 
فإذا تقصينا ذلك البحث عن السعادة لدى الإنسان، رأينا أن إشباع أي حاجة من حاجات الإنسان ينشئ فيه رغبة في إشباع حاجة أخرى. وأفق الحاجات والرغبات يتسع أمامه على الدوام. وفي كل مرة يشعر الإنسان بخيبة أمل لدى اختباره استحالة إشباع جميع رغباته. في هذا الإطار يمكننا إدراج اختبار يتميز به الإنسان عن الحيوان, وهو الشعور بالحزن وبنوع من الفراغ لدى إشباعه إحدى رغباته مهما كانت محلّلة وشريفة. فالشخص البشري يبحث على الدوام عن أمر يجلب له سعادة أكبر. وهذا ما نختبره لدى الطفل الذي يرغب في الحصول على لعبة يظن فيها سعادته, وما إن يحصل عليها ويلعب بها, بعض الوقت, حتى يسأم منها ويرمي بها خارجا. ثم إن تقدم العلم والتقنية قد أدى إلى تصنيع مواد استهلاكية جديدة تُعرض بغزارة على الناس مع الوعد بأنها ستجلب لهم السعادة, من مشروبات ودخان وعطور, ومختلف أنواع الرفاهية والتسلية. والخبرة في هذا المجال أيضا تدل على أن المجتمع الجديد الذي نشأ من تقدم العلم ودُعي "المجتمع الاستهلاكي" لم يجلب للإنسان السعادة بل السأم والرتابة وخيبة الأمل. وكذلك من يظن السعادة في الحب وحده, سريعا ما يختبر أن ممارسة الحب لا تشبع رغباته بل تخلق فيه كل مرة عطشا جديدا لا يرتوي.
زد على ذلك الشرور المتعددة التي يشهدها الإنسان في حياته, أكانت خللا في الطبيعة كالأمراض والأوبئة والزلازل, أم خللا في أعمال الإنسان كالحروب والجرائم والتعديات على الناس, مما يقود الإنسان إلى اليأس من إمكان حصوله على السعادة. وقد عبّر الشعراء في مختلف الآداب عن خيبة الإنسان هذه. ونجد صدى لخبرة الإنسان في بعض مقاطع من أسفار الكتاب المقدّس الحكمية.
فالمزمور 89 يعبّر عن هذا الاختبار المر بقوله: "سنونا تشبه العنكبوت, أيام سنينا سبعون سنة, وعلى الأكثر ثمانون سنة. ورغدها إنما هو تعب ووجع، وقد مرّت بنا سريعا مرور الطير".
وسفر الجامعة، في تأمله في مصير الإنسان، يؤكد الوجه السلبي في حياته، فيقول: 
"باطل الأباطيل، كل شيء باطل.
أي فائدة للإنسان من كل تعبه،
الذي يعانيه تحت الشمس...
رأيت جميع الأعمال التي عُمِلت تحت الشمس،
فإذا كل شيء باطل وسعي وراء الريح" (2:1-3، 14).
ويخلص إلى أنه على الإنسان الاكتفاء ببعض الأفراح الجزئية الوقتية:
"إني رأيت العمل الذي جعله الله لبني البشر ليعملوه:
صنع كل شيء حسنا في وقته، وجعل الأبد في قلوبهم،
من غير أن يدرك الإنسان أعمال الله،
من البداية إلى النهاية.
فعلمت أنه لا خير للإنسان،
سوى أن يفرح وتطيب نفسه في حياته،
وإن كل إنسان يأكل ويشرب،
ويذوق هناء كل تعبه،
إنما ذلك عطية من الله" (10:3-13, راجع 11 و 12).

ب) الرغبة في المطلق
إزاء هذا الاختيار المر لابد لنا، استنادا إلى العقل وإلى الوحي، من تقديم جواب على عطش الإنسان المستمر إلى السعادة. إن خبرة الإنسان هذه تُظهر أن الإنسان في عمق كيانه يشوبه نقص أساسي لا يمكن لأي شيء من أشياء هذه الدنيا أن يملأه. وهذا النقص يدعوه الفلاسفة واللاهوتيون اليوم "الرغبة" بالمعنى العام الواسع، ويميزون تلك الرغبة عن الحاجات. فالشعور بعدم الاكتفاء لدى إشباع الإنسان حاجاته هو دليل على أن هناك نقصا ملازما للإنسان طالما هو على قيد الحياة. تلك هي "الرغبة" التي بها يبقى الإنسان مشدودا إلى أمر لا يمكن أن يكون إلا المطلق. وكل المؤمنين في مختلف الأديان يدعون هذا المطلق "الله". والإنسان يشعر بالسعادة بقدر ما يحقق في ذاته الاتحاد بالله. فالسعادة التامة لن يحصل عليها إلا بالاتحاد الكامل بالله بعد هذه الحياة, حيث يرى الله وجها إلى وجه. وبقدر ما يحيا مع الله على هذه الأرض ويقوم بأعماله بالاتحاد مع الله وعلى مثاله, يشعر بالسعادة.

ج) مسيرة السعادة تبدأ على هذه الأرض وتكتمل في السماء
الإنسان بانفتاحه على الله, يحقق رغبته في المطلق ولكن فقط في جذورها, ويحصل على السعادة في مبدإها, كما أن الشجرة كلها موجودة في البزرة. والدرب أم ام الإنسان طويل للوصول إلى مبتغاه. فكيانه محدود في الزمان والمكان، ولابد من الوقت لكي "تنمو حبة الخردل, أصغر جميع البزور التي على الأرض, لتصير أكبر من جميع البقول, وتفرع أغصانا كبيرة, حتى أن طيور السماء تقدر أن تأوي إلى ظلها" (مر 4: 30-23). ولابد من الوقت لكي "يخمّر اليسير من الخمير العجين كله" (لو13: 21). لكن الإنسان، بانفتاحه على الله، قد حصل على الزرع الإلهي, "وسواء أنام أم استيقظ, في الليل وفي النهار، فالزرع ينبت وينمو، ولا يدري كيف. فالأرض من ذاتها تثمر: تخرج الساق أولا, ثم السنبلة، ثم الحنطة ملء السنبلة. فإذا أدرك الثمر، أعمل فيه المنجل, لأن حصاده قد حان" (مر 4: 26- 29).
إن الزمن الذي نعيش فيه على هذه الأرض هو زمن العمل للوصول إلى الكمال. فالمؤمنون "يسمعون الكلمة بقلب نبيل صالح، فيحفظونها ويثمرون بالصبر" (لو 15:8). السعادة التي خُلقوا لأجلها ويعدهم بها الله, يحصلون عليها على مرحلتين: مرحلة هذا الزمان حيث يُبنى الملكوت، ومرحلة ما بعد الموت حيث يتم بكماله. ولابد من إدراك التكامل بين المرحلتين, بالرغم مما تتميز به كل منهما. فمرحلة هذا الزمان هي مرحلة العمل الدائم والتضحيات الشتى، والقرارات والاختيارات التي قد تكون في معظم الأحيان صعبة وشائكة, لإحلال المحبة وتحقيق إرادة الله في تقلبات الحياة الحاضررة. لذلك يلقي صليب المسيح بظله على كل أعمال الإنسان التي يجاهد من خلالها لتتميم إرادة الله. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني:
"إن كلمة الله... يلفت انتباهنا إلى أن هذه المحبة يجب إلا تمارس فقط بأعمال تبهر, بل بالأعمال اليومية قبل كل شيء. وأنه, بقبوله أن يموت لأجلنا جميعا نحن الخطأة, علّمنا بمثله أنه علينا أن نحمل ذلك الصليب الذي يلقي الجسد والعالم بثقله على أكتاف الذين يسعون وراء العدل والسلام" (الكنيسة في عالم اليوم، 38).
مرحلة هذا الزمان تتسم بالصبر والسهر والعمل الصالح: "لتكن أحقاؤكم مشدودة، وسُرُجكم موقدة, وكونوا كرجال ينتظرون سيدهم عند عودته من العُرس، ليفتحوا له حالما يوافي ويقرع... من, ترى، الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيده على خدمه, ليعطيهم قسمتهم من الحنطة في حينها؟ طوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده يفعل هكذا! في الحقيقة أقول لكم: إنه يقيمه على جميع أمواله" (لو35:12- 44).
أمّا مرحلة ما بعد الموت فهي مرحلة السعادة الأبدية التي يتمتع بها الإنسان في السماء، ويصوّرها السيد المسيح في تشابيه مستقاة من حياة معاصريه: "يشبّه ملكوت السماوات بملك صنع عرسا لابنه، وأرسل غلمانه ليستقدموا المدعوين إلى العرس" (متى 22: 2- 10, لو 16:14- 24, راجع أيضا لو29:13), "يشبّه ملكوت السماوات بعشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس" (متى 25: 1- 13). وسفرالرؤيا يصف لقاء الإنسان مع الله في صورة حياة دائمة في أرض جديدة لا حزن فيها ولا موت: "ورأيت سماء جديدة وأرضا جديدة, لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد زالتا، والبحر لا يكون من بعد. ورأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء، من عند الله، مهيّأة كعروس مزيّنة لعريسها. وسمعت صوتا جهيرا من العرش, يقول: هوذا مسكن الله مع الناس، سيسكن معهم، ويكونون له شعبا, وهو "الله- معهم" يكون إلههم، ويمسح كل دمعة من عيونهم، ولا يكون بعد موت، ولا نوح، ولا نحيب, ولا وجع, لأن الأوضاع الأولى قد مضت" (رؤ 21: 1- 4).
إن المرحلة القصوى من سعادة الإنسان يجب إلا تفسّر بمعنى زمني وحسب, أي كسعادة يحصل عليها الإنسان بعد هذه الحياة، كمكافأة لحياة صالحة. بل يجب تفسيرها أيضا بمعنى وجودي ملازم لحياة الإنسان على هذه الأرض. الحياة مع الله هي عينها الملكوت الذي يبدأ على هذه الأرض. لذلك عندما "سأل الفريسيون السيد المسيح: متى يإني ملكوت الله؟ أجابهم وقال: إن ملكوت الله لا يجيء بوجه منظور، ولن يقال: هو هنا, أو: هناك! فها إن ملكوت الله في داخلكم" (لو 17: 20- 21).
لذلك يمكن القول أن السعادة التي بها يكتمل كيان الإنسان تبدأ على هذه الأرض, إنها الجو الذي يدخله الإنسان عندما يتحد بالله، ويعيش في أرجائه عندما يتمم وصايا الله. من يحفظ وصايا الله، يسكن فيه الله. يقول السيّد المسيح: "من كانت عنده وصاياي وحفظها، فهو الذي يحبني, والذي يحبني يحبه أبي, وأنا أحبه وأظهر له ذاتي... إن أحبني أحد يحفظ كلمتي, وأبي يحبه وإليه نأتي, وعنده نجعل مقامنا" (يو 15: 21- 23).
من يقيم فيه الله يحصل على السعادة، ومن تنفتح عيناه ويرى نور الله يجد السعادة، ومن يسمع كلمة الله له الطوبى: "طوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولآذانكم لأنها تسمع. الحقّ أقول لكم: إن كثيرين من الأنبياء والصدّيقين قد اشتهوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا, وأن يسمعوا ما أنتم سامعون ولم يسمعوا" (متّى 16:13- 17).
لأجل ذلك يعلن السيد المسيح "الطوبى" للمساكين بالروح، أي الذين يرغبون دوما في الله ويعيشون بالاتحاد معه. واتحادهم بالله هو الذي يجعلهم على الدوام ودعاء، باكين, جياعا وعطاشا إلى البر، رحماء، أنقياء القلوب، فاعلي السلام، صابرين على الاضطهاد من أجل البر. لقد أوضح السيد المسيح في هذه التطويبات الثماني أن الطريق إلى الله هي طريق السعادة، وأن تلك الطريق تمر حتما من خلال أعمال المحبة تجاه القريب: 
"طوبى للودعاء بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات,
طوبى للودعاء، فإنهما يرثون الأرض،
طوبى للباكاين, فإنهم يُعزَّون,
طوبى للجياع والعطاش إلى البر, فإنهم يشبعون,
طوبى للرحماء, فإنهم يُرحمون,
طوبى لأنقياء القلوب, فإنهم يعاينون الله,
طوبى لفاعلي السلام، فإنهم يدعون أبناء الله،
طوبى للمضطهدين من أجل البر، فات لهم ملكوت السماوات"
(متّى 5: 3-10).
الفصل الثاني
موضوع اللاهوت الأدبي

الأعمال الإنسانية بين الحرية والواجب
أولا- الأعمال الإنسانية وحدود الحرية
الإنسان يحقق ذاته بأعماله. فالأعمال الإنسانية هي إذن موضوع اللاهوت الأدبيّ، فيها يُصدر حكمه الأخلاقي. وتلك الأعمال الإنسانية لا تكون موضوع اللاهوت الأخلاقي إلا إذا كانت حرّة, أي صادرة عن إرادة الإنسان العاقلة. فهناك أعمال يقوم بها الإنسان، كهضمه الطعام الذي يأكله, دون أي تدخل من قبل إرادته وحريته, وأمثال هذه الأعمال ليست موضوع اللاهوت الأدبيّ ولا موضوع علم الأخلاق العام. وهناك أعمال يقوم بها تحت الضغط والإكراه، وهذه الأعمال لا يكون الإنسان مسؤولا عنها إلا بقدر ما يمكنه التخلص من الضغط والإكراه. وهناك أعمال يقوم بها عن سهو ودون انتباه, أو عن جهل لما يمكن أن ينتج منها من عواقب وخيمة, وهذه الأعمال, وإن لم تكن حرّة, فالإنسات يتحمّل مسؤوليتها بقدر ما يكون السهو أو الجهل ناجمين عن إهمال وعدم مبالاة. وعلى الصعيد القانوني يلتزم الإنسان التعويض عن الخسائر التي تلحق بالغير من جرّائها. 
الأعمال الإنسانية موضوع اللاهوت الأدبيّ هي إذن تلك التي يقوم بها الإنسان بملء حريته، أي بكامل معرفته وإرادته الحرة من أي ضغط خارجي. والمعرفة والإرادة ممكنتان وضروريتان. المعرفة ممكنة، لأن الإنسان كائن عاقل, ومن ميزة العقل إلا تأسره الأشياء المباشرة التي تقع أمام ناظريه، بل يستطيع أن يتخطّاها ويربط بين الأشياء المختلفة ويدرك العلاقة بين الأعمال والهدف الذي توصل إليه. والإرادة أيضا ممكنة, لأن الإنسان بإرادته يتجه نحو ما يُشبع رغبته في السعادة. والمعرفة والإرادة ضروريتان، إذ من دونهما لا يعود العمل حرا.
ولكن السؤال الذي لابد من طرحه هو التالي: هل يستطيع الإنسان القيام بأعمال تكون فيها حريته غير خاضعة لأي حدود وقيود في المعرفة والإرادة بحيث يمكن اعتبارها حرية مطلقة كاملة؟
جوابا على هذا السؤال، نقول مع معظم اللاهوتيين والفلاسفة أن الله وحده يملك حرية مطلقة وإرادة مطلقة. أمّا الإنسان فكائن محدود في حريته، لأنه محدود في معرفته وإرادته. وتظهر تلك الحدود في كونه لا يعمل إلا انطلاقا من معطيات يدركها في ذاته, وتلك المعطيات، كما تعنيه اللفظة عينها، لا يخلقها الإنسان بحرية مطلقة من اللاشيء, بل تُعطى له. وحريته تقوم إذّاك في تبنّيها والتزامها وتوجيهها وتطويرها. فالإنسان مثلا يشعر في ذاته بميل نحو هذا العمل أو ذاك, وقد يصل هذا الميل إلى شغف يجذبه بقوة بحيث لا يستطيع مقاومته. في هذا يقول هيجل: "لا يمكن القيام بعمل عظيم دون شغف". وكذلك يشعر الإنسان في ذاته بقوة إبداع في مختلف الفنون. فلا أحد يستطيع أن يكون شاعرا إن لم تكن له موهبة الشعر, ولا أحد يكون موسيقيا إن لم تكن له موهبة الموسيقى. والحب البشري عينه، الذي هو أسمى تعبير عن حرية الإنسان، لا ينطلق من لا شيء, بل يخضع لعفوية تقود الإنسان إلى التعلق بشخص آخر يميل إليه قلبه دون أن يستطيع تحديد أسباب هذا الميل. ففي هذه الأمثلة الثلاثة نرى أن الإنسان لا يؤكد حريته وإرادته إلا بقبوله معطيات، أي مواهب تُعطى له دون أن يختلقها هو نفسه.
ومن جهة أخرى يمكن القول أن المعطيات البشرية لا تتخذ معناها إلا بقدر ما تتبنّاها إرادة الإنسان الحرة. فالإنسان الذي يشعر بخوف إزاء تهديد من أي نوع كان, يجد نفسه في حالة نفسية لم يخترها ولم يُرِدها. ولكن الموقف الذي يتخذه إزاء هذا الشعور يتسم بعمل الإرادة الحرة. فإما يستسلم للخوف وتُشل حركته، وأما يجهد نفسه فيسيطر على هذا الشعور ويتابع عمله باندفاع أكبر. وكذلك الحب الذي يشعر به إنسان تجاه شخص آخر يبدأ بميل غريزي، ولكن الإنسان يستطيع أن يوجهه بإرادته ليصير عطاءً واعيا. 
فالأعمال الإنسانية هي دوما مشدودة إلى قطبين، فمن جهة حدود الكائن البشري، ومن جهة أخرى إرادة الإنسان وحريته. فلا ينبغي النظر إلى قطب دون الآخر. والإنسان يقوم بأعماله كلها في إطار تفاعل وتكامل بين هذين القطبين، وفي هذا الإطار يجب أن يندرج الحكم الأخلاقي عليها. وهذا ما يظهر في المراحل الثلاث التي يقوم بها كل عمل إنساني: الاختيار، والجهد، والقبول. فالاختيار يستند إلى دوافع، والجهد يقوم حسب إمكانات الإنسان, والقبول ترافقه الضرورة.
لنتوسع بعض الشيء في هذه الثنائيات الثلاث لتوضيح مدى حرية الإنسان وإرادته في القيام بأعماله.

1) الاختيار والدوافع
تظهر إرادة الإنسان الحرة في مرحلة أولى في ما يختاره من أعمال يرى فيها تحقيق سعيه وراء الخير والسعادة. ولكن اختيار هذه الأعمال ليس اختيارا حرا من أي دافع. فالإنسان يختار هذا العمل أو ذلك بتأثيرمن دوافع متنوعة، أوّلها رغبة البقاء على قيد الحياة وما يرتبط بتلك الرغبة من غرائز متصلة بجسد الإنسان كضرورة توفير الغذاء واجتناب ما يسبب المرض والألم، والميل إلى الجنس الآخر للتكامل والتناسل. غير أن هذه الدوافع لا تحرم الإنسان من حريته وإرادته, كما هي الحال عند الحيوانات. والبرهان على ذلك أن الإنسان يستطيع لدوافع أخرى الامتناع عن الطعام أو الامتناع عن الزواج. وهكذا يظهر جليّا أن المعطيات البشرية التي يجد الإنسان ذاته محدودا في أطرها ودوافعها تحد دون شك حريته، لكنها لا تزيلها. ففي الاختيار، كما في المرحلتين اللاحقتين اللتين سنتحدث عنهما, لا وجود لحرية مطلقة. إن الحرية التي يتمم بها الإنسان أعماله هي، حسب قول بول ريكور، "حرية إنسانية وحسب"، أي حرية يتفاعل فيها المطلق والنسبي، أي مطلق الاختيار لأن الإنسان هو الذي يختار ويقدّر ما يجب فعله، ونسبي الدوافع لأنه إنما يختار انطلاقا من دوافع يجدها في ذاته.

2) الجهد والقدرات
المرحلة الأولى للعمل الإنساني هي اختيار العمل وتقريره. المرحلة الثانية هي تحقيق العمل، وهذا يتطلّب جهدا من قبل الإنسان لتحريك إرادته وتوجيه طاقاته نحو العمل. ولكن هذا الجهد لا ينطلق من لا شيء كما أنه لا يمكنه أن يخلق أي شيء. بل ينطلق من واقع قدرات الإنسان, ولا يمكنه أن يحقق ما يريده إلا ضمن حدود هذه القدرات. وهذا ما ندركه اليوم أكثر مما يدركه الفلاسفة في زمن ديكارت الذي قال: "بمجرّد ما أردنا التنزّه, تتحرّك ساقانا ونمشي" فعلم النفس المعاصر أظهر أن الإنسان, على صعيد قدرات جسده, أبطأ من كل الحيوانات. ففيما معظم الحيوانات تتحرّك وتسير حالما تبصر النور, لا يحقق الإنسان قدرته على الحركة والسير إلا تدريجيا وببطء. لربما هذا دليل على أن عظمة الإنسان تكمن في ما يتخطّى قدرات الجسد. ومهما يكن من أمر, فلابد من الإشارة إلى أن هناك قدرات, وإن محدودة, يجدها الإنسان في ذاته وإليها يستند ليحقق ما يريد تحقيقه من أعمال. وهذه القدرات تظهر على ثلاث مستويات: المهارات الفطرية, والأحاسيس, والعوائد.

أ‌) المهارات الفطرية
منذ أن يتكوّن الإنسان وقبل أي تربية وعلم, يملك مهارات فطرية في جسده. فنراه, وهو في حشا أمّه, يضع يده أمام عينيه ليحميهما من نور باهر, كما نراه لدى عملية إجهاض يهرب إلى زاوية رحم أمّه الأكثر بعدا من سفّاطة الطبيب الذي يعمل على قتله. ومنذ نعومة أظافره يعرف أن يخفّف وطأة سقطة فيحمي وجهه بيديه. هذه الأمثلة البسيطة تدل على أن هناك مهارات فطرية تُعطى للإنسان قبل أن يتعلّم أي شيء. إن الفلسفة الوجودية قد بالغت في تأكيدها حرية الإنسان المطلقة وإمكاناته غير المحدودة في أن يخلق ذاته من لا شيء. هناك بالحري مواهب ومهارات تعطى للإنسان بالوراثة قبل أي عمل من قِبله, وهي قابلة لأن يطوّرها الإنسان ويستخدمها للبلوغ إلى أهدافه. 
ب‌) الأحاسيس والمشاعر
إن الإنسان, إلى جانب إرادته, يدرك في ذاته وجود أحاسيس ومشاعر تمنح الإرادة زخما خاصا وتدفعها إلى التحرّك والعمل. لا شك أن الإنسان لا يمكنه الاستسلام لأحاسيسه ومشاعره, بل يجب عليه ضبطها لئلا تقود الإرادة إلى الهَوَس والتهوّر. ولكن ضبط الأحاسيس لا يعني إزالتها. والأخلاقية السامية ليست تعمل على إزالة كل المشاعر في الإنسان كما عند الرواقيين اليونانيين. وقد رُوي أن أحدهم, لدى إنبائه بموت ابنه, لم يتأثّر, بل اكتفى بالقول: "كنت عالما أنه مائت". والفيلسوف العبد إبيكتيت ( 50-130 ب.م), لدى مشاهدته سيّده وقد انبرى بساديّة يلوي له ساقه, وقال له منبّها: "إذا تابعت, كسرتها" وإذ تابع سيّده عمله وكسر له ساقه أجابه إبيكتيت بهدوء ودون أي تأثر: "ألم أقل لك إنك ستكسرها" لا شك أن المشاعر, إذا تُركت على هواها, قد تقودنا إلى حيث لا نريد. ولكن دور الإرادة لا يقوم في خنقها بل في تنظيمها وتوجيهها في خدمة الأعمال التي ننوي القيام بها. 

ج) العادات
العادة هي قدرة لا إرادية تسهّل جهد الإنسان, ولكن لا يمكن أن تكون سببا لتبرير قراراته. والاستناد إليها لتبرير ما يتّخذه الإنسان من اختيارات وقرارات هو شأن الفكر التقليدي الذي يرفض أي تجديد وتطور. ما يميّز العادة هو أنها في بدء الأمر, وعلى نحو كبير, عمل الإرادة, إذ إن الإنسان يكتسبها بتكرار أعمال يقوم بها طوعا, فتُمسي فيه العادة طبيعة ثانية. فمن تعوّد مثلا النهوض الباكر من النوم, تصير فيه تلك العادة أمرا طبيعيا, فيستيقظ من تلقاء نفسه دون أن يشعر بأي حاجة إلى من يوقظه. وهكذا أيضا, من تربّى منذ صغره على الفضائل تصير فيه عادة ويكتسب في ممارستها سهولة كبيرة, في حين أن من لم يتعوّدها يحتاج إلى جهد كبير للقيام بأدنى عمل يُمتدح عليه. ومن جهة أخرى تحوي العادة في ذاتها تهديدا للحرية, عندما تصل إلى حد أنها تمنع الإنسان من أن يحيد ولو بعض الشيء عن نمط حياة معروف ومنسّق. خطر المشاعر الفوضى, وخطر العادة الجمود. لذلك لابدّ من العادة والنظام لحمل المشاعر على الاعتدال, ولابد من المشاعر لمنع العادة من الجمود.

3) القبول بحدود الإنسان
الإرادة البشرية لا تنطلق من حرية مطلقة غير مشروطة. فالإنسان لا يستطيع أن يقرّر ويحقق كل ما يريد. فهناك حدود يجدها في ذاته ويدرك ضرورة الخضوع لها. وهذه الحدود تعبّر عمّا في العمل الإنساني من بعد لا إرادي وغير اختياري. غير أن الإنسان, ليتمكّن من القيام بأعماله, لابد له من يقبل تلك الحدود بملء رضاه ويضطلع بها لتصير جزءا من إرادته. هناك ثلاثة أشكال من هذه الحدود: الطبع والجسد واللاوعي.
أ‌) حدود الطبع
طبع الإنسان هو, بحسب تعريف علم النفس, مجموعة مؤتلفة من الأجوبة بها يردّ الإنسان على ما يأتيه من تأثيرات من الخارج, وفيها تنعكس صفات سجيّته أي طبيعته التي خُلق عليها. الطبع هو النافذة أو الزاوية التي بها يطلّ الإنسان على ذاته وعلى العالم. وتلك النافذة أو الزاوية تكون ضيّقة أو واسعة, ويمكن أن تتّخذ أشكالا متنوعة, ولا يستطيع الإنسان أن يطل على ذاته وعلى العالم إلا من خلالها. لذلك كل إنسان إنما يقرر ما يريد عمله ويحققه بحسب طبعه: بشغف وإحساس عميق إذا كان ذا طبع عاطفي, وبهدوء وبرودة أعصاب إذا كان ذا طبع بارد وقليل التأثر. 
طبع الإنسان لا يزيل حريته, ولكنه يسِمُها بطابع خاص. وهذا ما يجب التنبّه له في الحكم على الأعمال الإنسانية. حرية الإنسان ليست مطلقة, بل هي محدودة بطبع كل إنسان. ولكن هذه الحدود ليست بدورها مطلقة بحيث يمكن نفي الحرية, والاستسلام لقدَر الطبع. لا يمكننا تغيير طبعنا, ولكن معرفتنا له تعطينا واقعية لنتعامل من خلاله مع الحياة, ونحقق في حدوده القيم التي نصبو إليها. نجد أشخاصا يعيشون في نقمة دائمة على الله أو على القدَر لكونهم إنوا إلى الوجود في هذا البلد أو ذاك, في تلك البيئة الاجتماعية أو تلك, وهم يحملون هذا الطبع أو ذاك. لا ريب في أن حدود الإنسان هي من الأمور السلبية التي قد تثير غضبنا وسخطنا. ولكن بدل أن نثور ونغضب ونستسلم لحتميّتها, يجدر بنا أن نقبلها كما هي ونرى فيها سمة خاصة تكوّن شخصيتنا التي بها ننفرد عن غيرنا, ودعوة إلى أن نحقق فيها ذواتنا. يقول جورج برنانوس في "يوميات خوري في الريف": "إنه لأسهل مما نعتقد أن يبغض الإنسان نفسه. النعمة هي في نسيان الذات. ولكن, إن ماتت فينا كل كبرياء, نعمة النعم تقوم في أن نحب ذواتنا بتواضع, كأي من أعضاء يسوع المسيح المتألّمة". 

ب‌) حدود الجسد 
كل إنسان إنما يولد في جسد له حدوده على صعيد الوراثة, وعلى صعيد الضعف إزاء المرض, وأخيرا على صعيد حتمية الموت. فالإنسان لا يتّخذ القرارات عينها في هذا الوضع الوراثي أو ذاك, في هذه المرحلة من العمر أو تلك, في هذه الحالة الصحية أو تلك. ورغم كل تلك الحدود, يجب القول إن جسدي هو أنا. وما ورثته يحدّ من حريتي ولكنه لا يزيلها. حالة جسدي الصحية تحدّ أيضا حريتي ولكنها لا تزيلها. المهم أن يعي الإنسان تمام الوعي ويدرك تمام الإدراك حدود جسده وحدود حياته البيولوجية, ويقوم بكل أعماله دون إغفال هذا البعد الواقعي من حياته, أي بحريّة واعية, وإن محدودة. 
ج) حدود اللاوعي
لقد أحدث الفيلسوف الألماني فرويد ثورة في عالم الفلسفة عندما كشف وجود عالم اللاوعي في داخل الإنسان, وأظهر أن الإنسان لا يعمل فقط بدافع من أفكاره الواعية الحالية, بل بقدر أكبر وأوسع, بدافع من صدمات نفسية مكبوتة في لاوعيه منذ طفولته. وتلك الصدمات النفسية هي نتيجة أحداث أليمة مرّ بها الإنسان في طفولته ولم يستطع أن يسيطر عليها ولا أن ينسجم معها, فكبتها في لاوعيه. والكبت لا يزيل تأثير الصدمات النفسية بل على العكس يضاعفه. إزاء هذا الواقع يهدف التحليل النفسي إلى مساعدة الإنسان على نقل صدماته النفسية من ميدان اللاوعي إلى ميدان وعيه ليُتاح له اكتشافها والتحرر منها. التحليل النفسي هو في النهاية رهان على حرية الإنسان. فالمحلّل النفسي هو على يقين من أن الإنسان يستطيع أن يعمل بوعي وحرية. وانطلأنا من هذا اليقين يساعد الإنسان على اكتساب وعيه وحريته. التحليل النفسي هو, إلى حد ما, طريق إنساني إلى ولادة جديدة للشخص البشري في كامل وعيه وحريته.
خلاصة القول إن حريتنا هي حرية محدودة بأمور ثلاثة: أولا بدوافع تحملنا على الاختيار في هذا الاتجاه أو ذاك: "نحن أحرار, أجل! ولكن لأجل بعض الأهداف, في سبيل بعض الدوافع, في خدمة بعض القيم. كل هذه التعابير تنمّ عن نسبية اختياراتنا وبالتالي عن محدوديّتها", ثانيا بقدرات نكتشفها في جسدنا: "نحن أحرار, دون شك, ولكن في جسد, بل بفضل جسد, يجب ألا نعتبره, كما كان يعتقد الأفلاطونيون, مجرّد سجن للنفس علينا احتماله طوال مدّة نفينا على هذه الأرض, بل بالحري الموضع الذي فيه تتحقق حريتنا الإنسانية", وحريتنا محدودة أخيرا بمعطيات طبعنا وجسدنا ولاوعينا. لذلك فالحرية الإنسانية هي مزيج من تأكيد الذات ومن الانفتاح على الغير. هذا معنى قول ريكور: حريتنا هي "حرية إنسانية وحسب", ويشير إلى أن هذا الوضع يجعل الإنسان يعيش في فرح ممتزج بالحزن: "فرح النعم في حزن المحدود". محدودية الإنسان هي واقع قد يجلب عليه بعض الحزن, ولكنها أيضا دعوة إلى تحقيق الذات بحريّة: "هذا الفرق بين حريتنا, المحدودة في وضع معين وشروط معينة, والحرية الإلهية التي هي فعل محض ليس فيه أي صيرورة, ولا أي فراغ يجب ملؤه, هذا الفرق هو ما نعبّر عنه مرارا بقولنا إن الحرية الإنسانية ليست حرية بقدر ما هي تحرّر. أي أنها حرية في طور التحقيق أكثر مما هي حرية مكتسبة وحالة ننعم بها كما ننعم بأمر نملكه ملكا مضمونا. تلك هي ميزة الحرية الإنسانية. ليس على الله أن يصير حرا, فهو حر منذ الأزل في كمال كيانه اللامحدود, وحسب الإيمان المسيحي, في تبادل الحياة الثالوثية الكاملة. أمّا عندنا نحن, فالحرية دعوة متطلّبة أكثر مما هي واقع يمكن التحقق منه. لا يتأكد لنا أننا أحرار كما يتأكد لنا أن شعرنا كستنائي اللون. الحرية الإنسانية هي دعوة لا يمكن أن تتحقق تحقيقا تاما. إنها تحريض للروح فينا, وليست من معطيات طبيعتنا المباشرة. "الطبيعة" هي, بحسب تعبير اللفظة عينها, ما يُطبع عليه الإنسان منذ ولادته. لا يولد الإنسان حرا مثلما يولد صلب العود أو هزيلا, فرنسيا أو بلجيكيا, إلخ. لا أحد يولد حرا إلا بالقوة والإمكانية. وحتى عندما يبلغ المرء أشدّه, تبقى الحرية الإنسانية أمرا مستقبليا وصيرورة...
حريتنا هي موضوع التزام ورهان. إنها لا تنمو إلا إذا اختبرناها بحريّة. ومتى التزمت الحرية ذاتها, فهي إذّاك على حد ما حرة".

ثانيا-القيم الأخلاقية في الأعمال الإنسانية
1) الاختيار عمل أخلاقي
بما ان حرية الإنسان لا وجود لها إلا ضمن حدود وشروط, لابدّ للإنسان من أن ينطلق منها ليعمل على تحقيق الأهداف التي يسعى إليها: هناك خطر من أن يستسلم الإنسان لحتميّة حدود الحرية وشروطها ويتخلّى عما تطلبه الحرية من التزام. إذ ذاك, بدل أن تكون إمكانية الحرية فيه عمل تحرر دائم, تصير استعبادا لبعض ما يشعر به الإنسان في داخله من غرائز غير منتظمة. وفي كلتا الحالتين اختيار يقوم به الإنسان: إمّا اختيار تنظيم حريته وتوجيهها إلى ما يريد الوصول إليه, وإما اختيار الاستسلام لحتمية حدود الحرية. كلنا ملزمون بالاختيار. والذي يدّعي عدم الاختيار يختار في الواقع الاستسلام لحتمية ما يحدّ حريته. وهذا يصح على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الجماعي. فالذي يدّعي الحياد في الشؤون الاجتماعية والسياسية يختار في الواقع المحافظة على الوضع الراهن. وهذا اختيار اجتماعي وسياسي.
من إلزامية الاختيار تنشأ المسألة الأخلاقية. فبما أننا مهما فعلنا نقوم باختيار: إمّا الالتزام وإمّا الاستسلام, يحمل اختيارنا هذا في ذاته قيمة أخلاقية. فإنه يقوم إمّا لبناء الإنسان ونشر الحق والعدالة في المجتمع, وإمّا لهدم الإنسان وإفساح المجال أمام الباطل والظلم والاستبداد.
لذلك يمكننا أن نعبّر عن المسألة الأخلاقية بالأسئلة التالية: في سبيل أي شيء أعمل؟ إلى أي شيء أوجّه حريتي؟ ما هي القيم التي تستحق مني الجهد والالتزام؟ 
الحرية الإنسانية, إن هي انغلقت على ذاتها, تلاشت. إن لم يكن للحرية مضمون يتخطّى حدودها, صارت أسيرة تلك الحدود وذابت فيها. تحقيق الحرية رهن بانفتاحها على القيم الأخلاقية التي توجّه طاقاتها الدفينة وتحدد مسيرتها وتبرزها إلى الوجود في وجه إنساني. ففي تحقيقها يتحقق الإنسان.
2) ميزات القيم الأخلاقية
لذلك تتسم القيم الأخلاقية بميزتين أساسيتين: الأولى تكمن في أن القيمة الأخلاقية جديرة بأن يسعى إليها الإنسان سعيا مطلقا، وهذا ما يميزها عن سواها من القيم الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفنية. وسبب ذلك أن سائر القيم تعني الإنسان في ظروف حياته المختلفة, أمّا القيم الأخلاقية فتعنيه في كيانه بالذات، في مصيره كإنسان, أي في حرّيته. لذلك نمتدح الناس أو نذمّهم لأجل أعمال الخير أو الشر التي تصدر عن حريتهم, وليس لأجل ما أنعمت به عليهم الطبيعة من مواهب, أو بسبب ما قست به عليهم يد الدهر من مصائب. نمتدحهم لأجل خُلقهم وليس لأجل جمال طلعتهم. نعجب من مهارتهم في جمع الأموال, ونمتدحهم أو نذمهم بحسب كيفية استعمال ما جمعوه من أموال. نعجب من مهارة لص محترف ونذمّ عمله غير الأخلاقي. هكذا ندرك كلنا أن القيمة الأخلاقية لا يمكن أن تكون فقط موضوع رغبة وسعي, بل يجب أن تفضّل على سائر القيم، بحيث إنه، في صراع قيم، يجب التضحية بسائر القيم في سبيل المحافظة على القيم الأخلاقية، فيضحّي الإنسان مثلا بالمال لإنقاذ حياة بشرية.
الميزة الثانية للقيم الأخلاقية تكمن في أن الإنسان يشعر في ذاته بواجب اتباعها. تلك الميزة قد تبدو لأول وهلة مناقضة للحرية. هذا التناقض الظاهر ناتج من أن الحرية في الإنسان اكتساب للذات وتحرر، فهي إذن أمر مستقبلي وصيرورة. وبقدر ما يصل الإنسان إلى كمال التحرر، لا تعود الأخلاق تظهر له كواجب يُفرض عليه من الخارج، بل تصير فيه عملا طبيعيا ينبع من داخل نفسه. هذا الانتقال من منطق الشريعة إلى منطق الروح يختبره القديسون الذين يغدو لديهم عمل الخير تحقيقا لأسمى ما في ذاتهم من تطلّعات ورغبات.

ثالثا- جوهر القيم الأخلاقية وقاعدة الأخلاق
هذه القيم الأخلاقية التي لابد للإنسان من أن يلتزمها ليصل إلى اكتمال حريته كيف يتم اكتشافها؟ بم يقوم جوهرها؟ وما هي القاعدة التي يمكن الاستناد إليها للحكم على أخلاقية أعمال الإنسان؟
هناك اتجاهات ثلاثة سار فيها الفلاسفة للجواب عن تلك الأسئلة، وتلك الاتجاهات تناسب الأبعاد الثلاثة التي يتضمنها اختيار الإرادة الحر. الإتجاه الأوّل يستند إلى طبيعة الإنسان ويطلب إشباع رغبته في السعادة. الإتجاه الثاني يؤكد استقلال الإنسان وإبداعه في العمل الخلقي انطلاقا من حريته ذاتها أو من عقله. الإتجاه الثالث ينظر إلى مضمون العمل الإنساني وإلى الغاية التي يهدف الإنسان الوصول إليها من خلال عمله.
فبحسب الإتجاه الأوّل يكون العمل أخلاقيا إذا كان سبب لذّة أو سعادة للإنسان, وبحسب الإتجاه الثاني يكون أخلاقيا إذا قام به الإنسان بملء حريته أو كان منسجما مع تطلّبات عقله، أمّا بحسب الإتجاه الثالث فيكون أخلأنيا بقدر ما يكون مضمونه الموضوعي- إلى جانب ما يسببه للإنسان من سعادة وبالإضافة إلى كونه منسجما مع حرية الإنسان وعقله- خيرا في ذاته، وبقدر ما يسعى الإنسان من خلاله إلى تحقيق هذا الخير. 
سنتوسّع في هذه الإتجاهات الثلاثة للوصول إلى جواب يتيح لنا إثبات قاعدة أخلاقية يستند إليها الإنسان في حكمه الأخلاقيّ على أعماله.

1) اللذة والسعادة والمنفعة
الإتجاه الأوّل يرى أن القيم الأخلاقة تقوم على كل ما يجلب للإنسان الفرد اللذة والسعادة أو على ما يسهم في توازنه النفسي، وعلى كل ما تنتفع به الجماعة البشرية ويُسهم في نموها وسعادتها.
لا شك في أن الإنسان وُجد على هذه الأرض ليعيش في السعادة. واللذة جزء من هذه السعادة. كما أن التوازن النفسي لا بد منه ليصل الإنسان إلى اكتمال كيانه. وكذلك يجب أن تُسهم الأعمال الإنسانية في نمو الجماعة البشرية وسعادتها. ففي هذه الأمور كلها يرى اللاهوت الأدبيّ نواحي هامة من تكوين الإنسان والمجتمع لا بد من النظر إليها والسعي إلى تحقيقها. ولكن هذه الأمور لا يمكن أن تكون هي وحدها قياس العمل الخُلقي، لأنها ليست مطلقة، وبالتالي لا يمكن اتخاذها قاعدة كل المشكلات التي تعترض الإنسان في اختياراته الأخلاقية. إنها ملتبسة، أي إن الإنسان يمكنه أن يستند إليها ليقوم بأعمال متناقضة. فما أراه سبب لذة لي قد يسيء إلى الغير، وما هو مدعاة سعادة أو منفعة لجماعة معيّنة قد يكون سبب إساءة لجماعة أخرى من الناس أو للبشرية عامة. وما يجلب اللذة الآن قد ينتج عنه في المستقبل ضرر. فحلّ مشكلة الإجهاض مثلا، استنادا إلى سعادة كائن بشري هو المرأة، ينتج منه قتل كائن بشري آخر هو الجنين. لا شك أن سعادة المرأة وتوازنها النفسي هما قيمتان يجب المحافظة عليهما، ولكن حياة الجنين هي أيضا قيمة أخلاقية يجب المحافظة عليها. في هذه الحالة نحن أمام صراع قيمتين: سعادة المرأة وحياة الجنين، ومبدأ اللذة أو السعادة أو المنفعة يعجز وحده عن حل تلك المشكلة.

2) استقلال الإنسان في خلق القيم الأخلاقية
الإتجاه الثاني ينطلق من الإنسان ويؤكد استقلاله في خلق الأخلاقية. فالذات الإنسانية هي وحدها المسؤولة عن القيم، وهي التي تخلقها، وهذا الخلق يتم على طريقتين: إمّا عن طريق الحرية المبدعة، وإمّا عن طريق العقل. والفرق بين الطريقتين يكمن في أن الحرية المبدعة هي حرية الشخص الفرد، أمّا العقل فهو موضع تلاقي إبداعية الشخص الفرد مع خير الجماعة البشرية كلها. الطريق الأولى سلكها سارتر، والثانية سلكها كنط.
أ) الحرية المبدعة القيم
حسب جان بول سارتر، لا وجود لقيم أخلاقية موضوعية خارج الإنسان الفرد الذي يوجد هو نفسه القيم الأخلاقية في الوقت عينه الذي يكوّن فيه طبيعته البشرية. ففي هذه النظرة لا وجود لطبيعة بشرية مسبقة تعطى للإنسان، بل الإنسان هو الذي بحريته المبدعة يكوّن طبيعته ويكوّن القيم التي يرى فيها تحقيق طبيعته. ولا يمكن، حسب تلك النظرة, أن تصير طبيعة الإنسان أمرا ثابتا ولا القيم أن تتكون تكوينا لا يتغير. فطبيعة الإنسان تقوم على حرية في حركة تجدد دائم، والقيم الأخلاقية لا وجود لها إلا ضمن تلك الحرية التي هي خلق دائم وإبداع مستمر. في هذا المفهوم للحرية, لا وجود لمضمون موضوعي للعلم الإنساني، ولا وجود لقيم أخلاقية ثابتة. القيمة الوحيدة في عالم الأخلاق هي إلا يتخلى الإنسان عن حريته وأن يكون أمينا لذاته في عمله. كل شيء مباح، شرط أن يقوم به الإنسان بملء إرادته وكامل حريته ومسؤوليته.
لا شك أن سارتر يضيف أن الإنسان الذي يلتزم أعماله بكامل وعيه وحريته لا يمكنه أن يقوم بأعمال مسيئة لذاته ولغيره. ولكن المبدأ الذي يستند إليه يقود إلى الالتباس وإلى إباحة كل شيء. الحرية الفردية هي دون ريب عنصر أساسي في العمل الإنساني، لكن الإنسان ليس مجرّد فرد, إنه شخص في جماعة, والجماعة ليست أمرا غريبا عنه، إنها أيضا عنصر هام من بين العناصر التي تكوّن شخصيته الإنسانية، كما رأينا في الفصل الأول. إنه شخص بقدر ما يشخَصُ إلى الآخرين. لذلك فالقيم الإنسانية التي عليه أن يلتزمها لاكتمال ذاته تتخطى وجوده الفردي وتتخطى حريته الفردية. تأكيد الحرية الفردية لا يكفي لإيجاد حل للمشكلات الأخلاقية التي تعترض الإنسان في حياته في المجتمع. ففي أسئلة حول الإجهاض أو القتل الهنيء أو الزنى أو اللواط, لا يكفي أن يُقال: "ليعمل كل إنسان حسب حرية ضميره, وليتحمّل كل إنسان مسؤوليته!" علم الأخلاق واللاهوت الأدبيّ يشعران بضرورة إيجاد مبادئ موضوعية يستنير بها ضمير الإنسان ويستند إليها لإبداء حكمه الشخصي واختيار ما يراه مناسبا من الحلول.

ب) الانسجام مع العقل قياس القيم الأخلاقية
لقد أحدث كنط ثورة في نظرية المعرفة تضاهي ثورة كوبرنيك: أثبت كوبرنيك أن الأرض هـي التي تدور حول الشمس، وليس العكس. كذلك أراد كنط ان يثبت أن موضوعية العلم لا ترتكز على صفات الأشياء التي هي موضوع معرفتنا, بل على الإنسان الذي يعرف الأشياء. فالموضوع هو الذي يدور حول الإنسان, وليس العكس, إذ إننا لا نعرف الأشياء في ذاتها, بل من خلال عقلنا والنواميس التي تكوّنه. ولكن العقل لا يمكنه أن يكون نظريا، فمعرفته للأشياء وجوهرها لا يمكن أن تتم إلا من خلال ارتباطه بالخبرة الحسية. لذلك لا معرفة حقيقية إلا بالارتباط مع عالم الاختبار.
في موضوع الأخلاق يرى كنط عكس هذا المبدأ. فالقيم الأخلاقية، في نظره، يجب أن تكون مجرّدة من عالم الحواس، لأن القيم الأخلاقية لا تصف ما هو موجود بل تحدّد ما يجب أن يكون. والإنسان من طبيعته يميل إلى الأنانية، لذلك لا يمكن أن يُترك لمقتضيات حواسه وتطلّبات ذاته الفردية، بل يجب أن يرتفع إلى شمولية العقل. فالحواس في الإنسان تميل به إلى الأنانية، أمّا العقل فهو فيه عنصر الشمول وعنصر المطلق. لذلك يجب إيجاد مبدأ يرتكز على العقل وليس على الحواس. وقد وجد كنط هذا المبدأ في الإرادة الصالحة. فمهما اختلف البشر على ما في بعض الأعمال من خير أو شر، إلا أنهم كلهم يتفقون على أن الإنسان الذي يعمل بإرادة صالحة يعمل خيرا. والإرادة الصالحة هي إرادة العمل من أجل الواجب وليس فقط طبقا للواجب. فالمهم ليس موضوع العمل ومضمونه بل النية التي تسيّره. فالتاجر الذي يعدل في تجارته رغبة في كسب عدد أكبر من الزبائن يعمل طبقا للواجب، ولكن عمله لا يصير أخلاقيا إلا إذا كانت نيته العدل من أجل العدل، أي الواجب. هذا الواجب، في نظر كنط، مطابق للعقل، وهو مطلق وشامل.
لقد أفلح كنط في أن يبين أن هذا المبدأ الأخلاقي، أي اتباع صوت العقل، يعبّر في الوقت عينه عن الواجب الذي يسمو به الإنسان وعن الذات الإنسانية. فالواجب الذي يلتزمه الإنسان هو أسمى وأشمل من تطلّبات حواسه الفردية. ولكن العقل الذي يلتزم الإنسان اتباعه هو عقل الإنسان نفسه، وليس عقل مشترع غريب عنه. لذلك يمكن العقل أن يأمر أمرا مطلقا وجازما دون أن يشعر الإنسان ذاته غريبا عن هذا الأمر.
من هنا يستنتج كنط ثلاثة مبادىء أساسية في الأخلاق: 1- إعمل الواجب على الدوام من أجل الواجب، 2- إعمل بحيث يكون عملك قاعدة شاملة يسير بموجبها جميع الناس، 3- إعمل بحيث تعتبر البشرية غاية وليس مجرّد وسيلة.
في هذه المبادئ الثلاثة يظهر سمو القاعدة الأخلاقية عند كنط، المرتكزة على حسن النية، وصلاح الإرادة. ولكن تلك المبادئ تفتقر إلى صلاح المضمون. فالعمل لا يكتسب أخلاقيته فقط من نية الشخص الذي يقوم به بل أيضا من مضمونه بالذات. وفي هذا الموضوع, وعلى سبيل المثال، يذكر كنط تأكيدا للمبدأ الثاني أنه لا يجوز لأي إنسان أن يحتفظ لنفسه بوديعة ائتمنه عليها إنسان آخر. ويسند هذا المنع إلى أنه, لو أردنا تعميم هذا العمل, لفقدت الملكية الخاصة كل معناها ومبرّر وجودها. على هذا التحليل يردّ هيجل- وقد حاول ماركس تطبيق هذا الرد في نظريته الاشتراكية- أنه لا مانع من أن تفقد الملكية الخاصة مبرّر وجودها، وأنه يمكن تصور نظام اجتماعي لا وجود فيه للملكية الخاصة. ويخلص هيجل إلى القول إن ما يجعل كنط يرفض أن يصير هذا العمل قاعدة شاملة هو اعتقاده المسبق بضرورة المحافظة على الملكية الخاصة كقيمة أخلاقية. وهكذا في الواقع، وإن بشكل خفي، لا يقتصر كنط على النية الصالحة, بل يُدخل أيضا في تحليله ضرورة النظر إلى مضمون العلم.
إنطلاقا من هذا الانتقاد نؤكد أنه لا يكفي النظر إلى حرية الإنسان، ولا إلى إرادته الصالحة، بل يجب النظر إلى مضمون العمل وإلى الغاية التي يقود إليها. وهكذا ننتقل إلى الإتجاه الثالث.

3) مضمون الأعمال وغايتها قياس القيم الأخلاقية
يعترف اللاهوت الأدبيّ المسيحي بكل ما هو إيجابي في الإتجاهين السابقين, ويطلب أن تكون أعمال الإنسان منسجمة مع تطلّبات طبيعته ورغبتها في السعادة، ومع تطلّبات العقل الإنساني الذي فيه يجتمع عنصرا الحرية الشخصية والواجب الشامل. فبالعقل ينفتح الإنسان على ذاته وعلى العالم. وكل قاعدة أخلاقية تُفرض على الإنسان من الخارج دون أن تنسجم مع تطلّبات عقله لا يمكن القبول بها, إذ إن قاعدة الأخلاق يجب أن تكون شخصية يلتزمها الإنسان بملء قناعته وحريته وإرادته، فالعمل هو عمله الشخصي. ولكن من جهة أخرى, كل قاعدة أخلاقية ينعزل بها الإنسان عن العالم ليستغل غيره من الناس أو يستعبدهم لا يمكن القبول بها، لذلك يجب أن تكون قاعدة الأخلاق أيضا شاملة يلتزمها جميع الناس.
هذا الانفتاح على العالم وعلى الآخرين. أي على الواجب الشامل, يفترض وجود بُنى موضوعية يجدها الإنسان في طبيعته وفي الواقع الخارجي لا بد له من أن يأخذها بعين الاعتبار في بحثه عن قياس أعماله وقاعدتها الأخلاقية. هناك قيم أخلاقية يكتشفها الإنسان في ذاته وفي الآخرين، ويُدرك أنه لا يمكنه التخلي عنها دون التخلي عن إنسانيته, كاحترام الحياة مثلا، واحترام حرية الغير على جميع الأصعدة، واحترام حقوق الغير بالمحافظة على العدالة. كل هذه القيم الأخلاقية هي قيم موضوعية, لا يخلقها الإنسان- لأنه كائن مخلوق- بل يجدها فيه ويدرك واجب احترامها. فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يخلق أي شيء من العدم, كذلك لا يستطيع أن يخلق أي قيمة أخلأنية. فكما أن الحياة ليست صنيعه كذلك قيمة الحياة ليست صنيعه. هذا هو الواجب الأخلاقي الذي يفرض ذاته على الإنسان.
ولكن الإنسان خُلق حرا. لذلك يعود له وضع قواعد لاحترام الحياة واحترام حرية الغير واحترام حقوقه واحترام العدالة. الحياة والحرية والعدالة قيم أخلاقية لم يخلقها الإنسان، إنها معطيات تسبق حريته واختياره، ولكنه يعود له تحديد الأنظمة والقوانين التي تكفل تحقيقها لجميع الناس, وفي هذا التحديد يقوم عمل حريته وقدرته على الإبداع والتجديد المستمر. كل يوم, يُطلب منه استنباط وسائل جديدة لتأمين الحياة والحرية والعدالة وسائر القيم الأخلاقية لجميع الناس وجميع الشعوب.
لذلك عندما يضع الإنسان لنفسه وتضع الدول للمجتمعات قوانين وقواعد وأنظمة للعمل, لابد من ن تكون دوما نُصب أعين الإنسان والمشترع تلك القيم الأخلاقية الموضوعية. وتكون الأعمال أخلاقية والشرائع أخلاقية بقدر ما تحترم تلك القيم كالحياة والحرية والعدالة. بقولنا هذا لا ندّعي أننا وجدنا حلا لكل المشكلات، إذ إن النقاش سيبقى مفتوحا حول أفضل القواعد لاحترام قيم الحياة والحرية والعدالة وسائر القيم. ولكننا في هذا القول نضع مبدأ أساسيا عليه يرتكز كل تفكير حول أخلاقية الأعمال الإنسانية.
استنادا إلى هذا المبدأ يرى الإتجاه الثالث أن قاعدة الأخلاق تقوم على الغاية التي تسعى إليها. فإذا كانت غاية تلك الأعمال احترام القيم الموضوعية كالحياة والحرية والعدالة، تكون تلك الأعمال أخلاقية، أي خيرا. وإذا كانت غايتها تدمير تلك القيم، تكون لا أخلاقية, أي شرا. سنعالج في فقرة لاحقة موضوع العلاقة بين الغاية والوسيلة التي تنتج منها مشكلات كثيرة للحكم على أخلاقية الأعمال الإنسانية. إن وجود الإنسان على الأرض وفي المجتمع ليس على هذا القدر من البساطة بحيث يمكنه، إزاء معضلة ما, تقديم جواب واضح ومقنع لجميع الناس. فالإنسان، بسبب وجوده في عالم متشعّب ومحدود وفي مجتمع تتشابك فيه حقوق الناس وواجباتهم, كثيرا ما يجد نفسه حيال قيم متعدّدة يُدرك واجب احترامها كلّها، ولا يعرف بوضوح السلوك الذي يجب اتباعه. هذا ما يدعو اللاهوت الأدبيّ "صراع القيم". إذ ذلك لا بد له من أن يختار بملء حريته. وسنرى أن اختياره لا يمكن أن يكون اعتباطيا, بل عليه أن يختار العمل الذي ينتج منه الخير الأكبر, وقد يضطر في بعض الظروف إلى اختيار "أهون الشرّين"، إذا لم يكن الاختيار ممكنا إلا بين شرّين. ولكن يبقى أن الإنسان، في كل أعماله وفي كل حالات صراع القيم التي يتعرّض لها، يجب عليه أن يستند إلى مبدأ أساسي هو النظر إلى القيمة التي يسعى إليها في عمله وإلى الخير الذي ينتج منه لنفسه وللآخرين.

4) خلاصة: المحبة هي القاعدة العظمى للقيم الأخلاقية
عندما ينظر الإنسان إلى ذاته نظرة منفتحة على الغير، يدرك أنه ليس هو مبدأ كيانه ومصدر وجوده, بل يتلقّى كيانه ووجوده من الغير، وفي الوقت عينه يدرك أن اكتمال كيانه لا يمكن أن يتم إلا بالتكامل مع الغير.
الخبرة الأولى التي يختبرها الطفل هي ارتباطه بأمّه التي منها يتلقّى الغذاء والأمان والدفء والحنان لجسده ولروحه. فإذا جاع يلجأ إلى ثدييها ليرضع منهما الغذاء، وإذا خاف يرتمي بين ذراعيها يطلب فيهما الأمان. ويسمعها تدعوه باسمه وتكلّمه، فيبادلها النداء والكلام. خبرة الإنسان الأولى هي خبرة علاقة حياة ومحبة مع أمّه وأبيه. هكذا يصير الإنسان, منذ ولادته، ماهو عليه بفضل الغير. الإنسان يتلقّى كيانه هبة من الغير, تلك خبرته الأولى في الوجود. وتلك الخبرة يقوم بها أيضا في ميدان اللغة التي يتعلّم أن يحكيها وفي مختلف العلوم التي يتلقنها وأساليب العيش التي يتربّى عليها. هذه الخبرة هي خبرة عطاء له وسخاء من الغير. لاريب في أنه، إلى جانب هذه الخبرة، خبرة العطاء يُغدق عليه، يختبر أيضا أنانية الآخرين ورغبتهم في التسلّط عليه وحرمانه من الحياة. هذا الصراع ناجم عن تصادم حريات تريد كل منها الوصول إلى اكتمالها، وتخاف من أن تعرقل مسيرة اكتمالها حرية أخرى. والأخلاق المسيحية المرتكزة على تعاليم السيد المسيح مدعوّة، كما سنرى لاحقا، إلى معالجة هذا الصراع. ولكن، بالرغم من هذا الصراع، لا بدّ من الاعتراف بأن أساس الكون وأساس الإنسان وأساس حريته عطاء وهبة وسخاء. وهذا ما يدعوه الإيمان الله، الذي هـو العطاء الأكمل والسخاء الأعظم. هكذا يصل المؤمن، من خلال الأمور المعطاة للإنسان، بما في ذلك العقل والحب والحرية، إلى العطاء عينه الذي يدعوه الله، كما أنه من خلال الكائنات يصل إلى الكيان نفسه الذي هو أيضا في نظره الله.
من هنا ندرك ان أساس القيم الأخلاقية وقاعدة الأعمال الإنسانية لا يمكن أن يكونا الإنسان المتقوقع على ذاته، المنعزل في حرية أنانيته، بل هو الحياة الشاملة والعطاء الأكمل والسخاء الأعظم, وهذا ما ندعوه نحن المؤمنين الله. وفي هذا الإطار من التفكير، لا يمكن أن يكون الله منافسا لحرية الإنسان يقيدها بقوانين خارجية يفرضها عليها، بل هو نفسه أساس تلك الحرية والينبوع المتدفّق الذي منه يخرج نهر الحرية, فيتشعّب سواقي تُروي وتُنبت وتُحيي. والقيم الأخلاقية هي عينها تلك السواقي التي تخرج من ينبوع الله, ينبوع الحياة، فتُنبت الكائنات وتُروي الحريات وتُحيي الناس.
قياس الأخلاق وقاعدة الأعمال هما في النهاية الحياة والعطاء والسخاء. كل ما لدينا من معطيات تلقّيناه هبة من الله. وتلك المعطيات هي, بين أيدينا، وديعة نحن مؤتمنون عليها. إنها وزنات لا بدّ لنا من استثمارها في سبيل الحياة الشاملة، حياتنا الشخصية وحياة جميع الناس, إنها ممكنات تطلب أن تصير فينا ومن خلالنا وقائع تتجلّى فيها الحياة. الأخلاق هي خلق مستمر فينا وعلى أيدينا للحياة. هكذا نفهم قول بولس الرسول: "وبعد, أيها الإخوة, فكل ما هو حق وكرامة, وعدل ونقاوة، ولطف وشرف, كل ما هو فضيلة وكل ما يمتدح, كل هذا فليكن محطّ أفكاركم... وعندئذ إله السلام يكون معكم" (في 8:4-9).
إنطلاقا من هذا المبدأ العام، يمكن اللاهوت الأدبيّ أن يتوسع ليبحث في مختلف ميادين الحياة الشخصية والعيلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية, من الأعمال الأخلاقية, أي أعمال الفضيلة, أي عن أفضل الأعمال التي منها تنبت الحياة، حياة الله, للإنسان كلّه ولجميع الناس.
رابعا- الغاية والوسيلة في الأعمال الإنسانية
إذا كانت قاعدة الأخلاق والقياس الذي يجب الرجوع إليه للحكم على أخلاقية الأعمال الإنسانية يكمنان في الغاية التي يقصدها الإنسان من خلال أعماله وفي المضمون الموضوعي لتلك الأعمال، فالسؤال الذي لا بدّ من طرحه هو التالي: ما هي العلاقة بين غاية الأعمال والوسيلة التي يستخدمها الإنسان لتحقيق تلك الغاية؟ هل يصحّ، حسب ما يقول البعض, أن "الغاية تبرر الوسيلة"؟, أي هل يجوز اللجوء إلى وسائل سيئة للوصول إلى غاية صالحة؟
هذا السؤال هو من الأسئلة الأساسية في الأخلاق وفي اللاهوت الأدبيّ, إذ عليه يرتكز الحكم في حالات كثيرة يجد الإنسان فيها ذاته مضطرا, لتحقيق غاية صالحة، إلى استخدام وسائل تبدو سيئة في ذاتها. فقد لا يجد إنسان وسيلة للدفاع عن نفسه إلا أن يقتل الشخص الهاجم عليه لقتله. وقد لا يجد شعب سبيلا للتخلّص من حاكم ظالم مستبد إلا القيام عليه بثورة يعلم مسبقا أنها ستسبّب قتل كثيرين من الناس. وقد لا يجد بلد وسيلة لتحرير أرضه إلا أن يخوض ضد المحتل حرب تحرير يعلم مسبقا أنها ستكون سبب قتل وتدمير. وفي هذا الموضوع عينه, قد لا يجد طبيب سبيلا لإنقاذ امرأة من الموت إلا أن يقتل الجنين الذي تحمله في أحشائها.
في كل هذه الحالات الغاية صالحة, وهي المحافظة على الحياة البشرية أو نصرة العدالة أو استرداد الحقوق المسلوبة. أمّا الوسيلة فهي سيئة، لأن فيها قتلا ودمارا. فهل يجوز اللجوء إلى وسيلة كهذه؟ وما هي المبادئ الأساسية التي يستند إليها علم الأخلاق واللاهوت الأدبيّ لتقديم حل يحافظ على القيم الأخلاقية؟

1) الإنسان الصالح والاختيار الأساسي
قبل البحث في العلاقة بين الغاية والوسيلة في أعمال الإنسان، لا بدّ من تأكيد أمر هو على غاية من الأهمية: إن أعمال الإنسان ليست منعزلة بعضها عن بعض وعن مجمل حياته, بحيث يقوم بها بطريقة اعتباطية وآنية, وفق تقلّب الظروف وتبدّل الأحوال، فيصنع الخير أحيانا والشر أحيانا أخرى. لا شك أن الإنسان ضعيف ومتقلّب ومعرّض في كل حين لصنع الشر. ولكن هناك اختيارا أساسيا يسير بموجبه الإنسان في مختلف أعماله، فيوجّه حياته توجيها جذريّا, إمّا نحو الخير وإمّا نحو الشر. وهذا الاختيار الأساسي يظهر في الأعمال الفردية التي يقوم بها, حسب قول السيد المسيح: "من ثمارهم تعرفونهم: أيُجتنى عن الشوك عنب أو عن العوسج تين؟ هكذا كل شجرة جيدة تثمر ثمرا جيدا, وكل شجرة رديئة تثمر ثمرا رديئا" (متّى 16:7- 17), "إجعلوا الشجرة جيدة، فتكون ثمرتها جيدة، أو اجعلوا الشجرة رديئة, فتكون ثمرتها رديئة. لأنها من الثمرة تُعرف الشجرة. يا نسل الأفاعي, كيف تستطيعون أن تنطقوا بالصالحات وأنتم أشرار؟ فإن الفم يتكلّم من فيضان ما في القلب. الإنسان الصالح من كنزه الصالح يخرج الصالحات، والإنسان الشرير من كنزه الشرير يخرج الشرور" (متّى 12 : 33- 36).
الإنسان الصالح هو الذي اختار اختيارا أساسيا- أي في عمق كيانه الذي يدعوه السيد المسيح "القلب"- أن يفعل الخير ويتّبعه ويمتنع عن الشر ويتجنّبه. الرغبة الأساسية في الإنسان الصالح لا تقوم فقط على فعل الخير بل على اتباعه، أي على السعي الدائم إليه، وذلك عن قناعة ومحبة. المحبة العميقة للخير تظهر في السعي لتحقيقه في مختلف نواحي الحياة في ما يدعوه اللاهوت "الفضائل".
فمحبة الخير تظهر في فضيلة العدالة في علاقات الناس بعضهم مع بعض في المجتمع، كما تظهر في فضيلة إكرام الوالدين في علاقة الإنسان بوالديه, وفي فضيلة الأمانة الزوجية في العلاقة بين الرجل والمرأة. كل هذه الفضائل هي ثمار الشجرة الجيدة أي القلب الصالح. ودعوة السيّد المسيح إلى التوبة هي دعوة إلى ارتداد القلب إلى الخير في مختلف نواحي محبة الله ومحبة القريب، "هاتين الوصيتين اللتين بهما يتعلق الناموس كله والأنبياء" (متّى 22: 40).
بين الاختيار الأساسي الذي يقوم به الإنسان والأعمال المتنوعة التي يصنعها علاقة عضوية تتضح لنا من خلال النقاط الأربع التالية:
أ) لا وجود لأعمال صالحة إلا مرتبطة بإنسان صالح، ولا وجود لأعمال سيئة إلا مرتبطة بإنسان شرير: فالصلاح والخطيئة مرتبطان دوما بالإنسان وبما يقوم به من أعمال. ومن جهة أخرى لا يمكن التحدث عن إنسان صالح إن لم يعمل أعمالا صالحة. فإرادة الخير, إن لم تظهر في السعي إلى عمل الخير, تبقى وهما, ولا يمكن اعتبارها إرادة حقيقية. لذلك يقول القديس يعقوب في رسالته: "كذلك الإيمان, فإنه، إن خلا من الأعمال, ميت في ذاته" (17:2)، "إن الديانة الطاهرة الزكية في نظر الله الآب, هي افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقهم، وصيانة النفس من دنس العالم" (1: 27). والأعمال تُظهر صدق الإيمان وصلاح الإنسان.

ب) هناك تفاعل بين الاختيار الأساسي والفضائل التي يظهر فيها هذا الاختيار من جهة والأعمال من جهة أخرى: فالقيام بأعمال صالحة يثبت الإنسان في اختياره الأساسي وينمي ما فيه من فضائل. ومن ناحية ثانية إهمال الأعمال الصالحة يقود الإنسان إلى الفتور واللامبالاة, وقد يؤدي به إلى تغيير اختياره الأساسي: فسرقة من هنا وكذبة من هناك, افتراء من هنا ونميمة من هناك, إهمال الصلاة من جهة وإهمال أعمال المحبة من جهة أخرى, كل ذلك قد يؤدّي بالإنسان إلى اختيار الشر بدل الخير اختيارا أساسيا جذريا. 
ج) إن اكتساب الفضائل يمنح الإنسان ألفة خاصة مع عمل الخير بحيث إنه, في المسائل التي يجب الاختيار فيها بين مواقف مختلفة, يسهل عليه التمييز بين الموقف الصالح والموقف السيء, ويسهل عليه اختيار الموقف الصالح والسير بموجبه. هكذا يجب فهم قول القديس أوغسطينوس: "أحبّ وافعل ما تشاء", أي إذا كانت فيك المحبة الحقيقية, فلن تقودك المحبة إلا إلى عمل الخير.
د) لا يمكن لأي عمل منفرد أن يجسّد الاختيار الأساسي أو الفضيلة تجسيدا كاملا: فكل عمل يجسّد هذا الاختيار الأساسي, أخيرا كان أم شرا, في درجة ما. من هنا تنتج إمكانية التقدم في الفضيلة، كما ينتج التمييز في اللاهوت بين الخطيئة المميتة والخطيئة العرضيّة. فالخطيئة المميتة هي التي يميل بها الإنسان عن الاختيار الأساسي للخير إلى الاختيار الأساسي للشر.

2)العلاقة بين الغاية والوسيلة في الأعمال الإنسانية
العمل الإنساني يتضمن عنصرين: الغاية التي من أجلها يقوم الإنسان بعمله, والوسيلة التي يستخدمها للوصول إلى تلك الغاية. فعندما يتناول إنسان دواء, فإن غاية عمله الشفاء من مرض انتابه، والوسيلة تناول الدواء. وفي حال الدفاع عن النفس، غاية الإنسان المحافظة على حياته, والوسيلة قتل المعتدي. ما هي العلاقة في الأعمال الإنسانية بين الغاية والوسيلة؟

أ) الغاية والوسيلة عنصران متميّزان ومتكاملان من عمل واحد
عندما يتناول مريض علاجا، ليست الغاية أي الشفاء من مرضه، والوسيلة أي تناول العلاج, عملين مختلفين بل هما عنصران متميزان ومتكاملان من عمل واحد. لأن الوسيلة لا يستخدمها الإنسان لأجل ذاتها, بل في سبيل الغاية. لا أحد يتناول دواء لأجل الدواء بل ليشفى من مرضه. كذلك القول عن الدفاع عن النفس. فالذي يلجأ إلى القتل كوسيلة للدفاع عن نفسه لا يريد القتل لأجل القتل ولا انتقاما من عدو له, بل يريد القتل كمجرّد وسيلة لإنقاذ حياته. وإذا كانت لديه وسيلة أخرى أقل ضررا, كشلّ حركة المعتدي عليه، مثلا، وجب عليه استعمالها. لأن غايته ليست قتل المعتدي عليه بل الدفاع عن نفسه وإنقاذ حياته.
لذاك لا بدّ لنا من التمييز بين الغاية والوسيلة، إذ إن الإنسان يمكنه الوصول إلى الغاية عينها بوسائل متنوعة، وعليه أن يستخدم الوسيلة الأقل ضررا للوصول إلى غايته. ومع التمييز بين الغاية والوسيلة، نعود ونؤكد وحدة العمل. فمتى اختار الإنسان الوسيلة التي يراها ملائمة لتحقيق غايته ومناسبة لتلك الغاية- والوسيلة المناسبة للغاية هي التي تحقق الغاية بأقل ما يمكن من الضرر- وجب اعتبار الوسيلة والغاية عنصرين متكاملين لعمل واحد.

ب) إن الذي يريد الغاية يريد بالفعل عينه الوسيلة المناسبة للغاية
فالإرادة الصادقة تتجه بفعل واحد نحو الغاية المتوخّاة ونحو الوسائل المناسبة لبلوغ الغاية. الاكتفاء بالإرادة دون اللجوء إلى الوسائل المناسبة ممكن, ولكنه دليل إرادة واهمة أو نيّة غير صادقة. يستطيع الإنسان أن يريد الغاية دون أن يريد الوسائل, ولكنه لا يستطيع أن يريد الوسائل دون أن يريد الغاية التي توصل إليها الوسائل. في هذا يقول القديس توما الأكويني في خلاصته اللاهوتية التي يمكن اعتبار مبادئها الأساسية في الأخلاق مرجعا ثابتا حتى لعصرنا الحاضر: "الإنسان بإرادته يتوجّه نحو الغاية معتبرا الغاية سببا لإرادة الوسائل، ويتوجّه بالفعل الواحد عينه نحو الوسائل التي توصل إلى الغاية... هكذا كلما أراد مريد الوسائل التي توصل إلى الغاية أراد الغاية أيضا بفعل واحد. وهذا لا يُعكس"، أي إن الإنسان يمكنه أن يريد الغاية دون أن يريد الوسائل, فتكون إذّاك إرادته واهمة. ثم يضيف الأكويني: "إن حركة الإرادة إلى الغاية وإلى الوسائل المرتبطة بالغاية هي حركة واحدة. فإني عندما أقول: أريد أن أتناول علاجا لأجل صحتي, لا أعني بقولي هذا إلا حركة واحدة من إرادتي. فالغاية هي السبب الذي لأجله أريد الوسائل. فالموضوع وسببه هما فعل واحد, كما ن اللون والضوء يُريات برؤية واحدة".

ج) وحدة العمل تنتج منها وحدة الحكم الأخلاقيّ
بما أن العمل واحد في عنصريه: الغاية والوسيلة, ينتج من ذلك أن الحكم الأخلاقي الذي يُصدره العقل ليعرف هل العمل موافق للأخلاق أم مناقض لها، يجب أن يكون حكما واحدا. فلا نحكم على الوسيلة حكما أخلاقيا يختلف عن حكمنا على الغاية. فلا يمكننا القول إن فلانا عمِل عملا صالحا بدفاعه عن نفسه وعملا شريرا, أي خطيئة, بقتله المعتدي عليه. فالعنصران عمل واحد قام به الإنسان بحركة واحدة من إرادته. وعلى هذا العمل الواحد نُصدر حكمنا الأخلاقي. فنقول إن هذا العمل, من الناحية الأخلاقية, هو في مجمله خير أو شر. 
على أي شيء نستند لإصدار هذا الحكم الأخلاقي؟

د) الشر الكياني أو النقص في العالم الذي نعيش فيه
لإصدار حكمنا الأخلاقي على أعمال الإنسان, لا بد لنا من التنبّه أولا إلى أن العالم الذي نعيش فيه عالم ناقص, ولم يبلغ بعد اكتماله لا من ناحية الإنسان الفرد في تكوينه البيولوجي وفي نفسيته, ولا من ناحية العلاقة بين الأشخاص، ولا من ناحية العالم الخارجي والبيئة المحيطة بالإنسان. من هذا الواقع ينتج صراع بين قيم مختلفة يُدرك الإنسان صلاحها منفردة, ولكنه يعجز عن التوفيق بينها وتحقيقها معا. وفي معظم الأحيان لا بد له من الاختيار بينها, وباختياره إحدى تلك القيم يرى نفسه مرغما على التضحية بقيمة أخرى
النقص في العالم هو دون ريب شر، ولكنه ليس في ذاته خطيئة. عنه يقول اللاهوت الأدبي اليوم إنه شر كياني، أي مرتبط بكيان الأشياء، أو شر طبيعي. أي مرتبط بطبيعة الأشياء. ولكنه ليس في ذاته شرا أخلاقيا أو شرا أدبيا. لذلك لا يُعتبر الإقدام عليه أو السماح به خطيئة في كل الأحوال, كما سنرى في الفقرة اللاحقة. من هذه الشرور الكيانية قطع ساق مريض لإنقاذ حياته, أو اللجوء إلى "إجهاض علاجي" لإنقاذ حياة الأمّ. في الطب كما في أمور أخرى من العالم الذي نعيش فيه, لم يتوصّل الإنسان بعد إلى حلّ كل المشكلات الناجمة عن ضعف الطبيعة البشرية المعرّضة على الدوام للمرض والموت. كذلك في العلاقات الاجتماعية والدولية, لم يتوصّل المجتمع إلى حلّ المشكلات الناجمة عن أطماع الناس وفساد إرادتهم. فيجد الإنسان ذاته أحيانا إزاء شخص مجرم يهمّ بقتله, فيضطر إلى الدفاع عن نفسه. يدرك أن حياة الشخص الآخر قيمة يجب عليه احترامها, ولكنه يدرك أيضا أن حياته الخاصة قيمة يجب الحفاظ عليها, وعليه أن يختار بين القيمتين: وكذلك الدولة التي تجد نفسها مضطرة إلى إعلان حرب تحرير على دولة غاصبة احتلّت أراضيها تدرك أن حياة الآخرين قيمة يجب احترامها, ولكنها تدرك أيضا أن الحرية وكرامة الوطن هما من القيم التي يجب الحفاظ عليها والدفاع عنها حتى الموت. وتسأل نفسها كيف يمكنها التوفيق بين تلك القيم. 

هـ) متى يجوز الإقدام على الشر الكياني: مبدأ العمل الواحد الذي تصدر عنه نتيجتان، إحداهما صالحة والأخرى سيئة
للمساعدة على الاختيار بين قيم مختلفة لا يستطيع الإنسان المحافظة عليها معا، يستند الللاهوت التقليدي إلى مبدأ جواز القيام بعمل تصدر عنه في آن واحد نتيجتان: إحداهما صالحة والأخرى سيئة، على أن تتوفّر في هذا العمل الشروط الأربعة التالية:
1) ألا تكون الوسيلة المستعملة عملا سيئا في ذاته. فقد يحدث مثلا أن امرأة تصاب. وهي حامل بسرطان في الرحم، وهي بحاجة إلى عملية جراحية. فالعملية الجراحية ليست وسيلة سيئة في ذاتها.
2) من هذا العمل تصدر نتيجتان: نتيجة صالحة, إنقاذ المرأة من الورم السرطاني الذي يوشك أن يمتد إلى كل جسمها ويميتها هي وجنينها, ونتيجة سيئة, إزالة الجنين الملتف حوله الورم السرطاني. فالشرط الثاني يقضي بأن يقصد الإنسان من عمله النتيجة الصالحة التي هي غاية عمله، ولا يسمح إلا مرغما بالشر الناتج، أي بقتل الجنين. 
3) الشرط الثالث ينص على ألا يكون الشر (وهنا قتل الجنين) نتيجة العمل المباشر التي منها يصدر الخير (وهنا إنقاذ حياة الأمّ), إذ لا يجوز أن يصنع الإنسان الشر ليصدر منه الخير. بل يجب أن ينتج الشر بطريقة غير مباشرة, أو ينتج الشر والخير كلاهما معا. 
4) أن يكون هناك سبب كاف للإقدام على العمل.
تطبيقا للشرط الثالث يُجيز اللاهوت التقليدي الإجهاض العلاجي الذي يتم فيه قتل الجنين بطريقة غير مباشرة, ولكنه يحظّره في الحالات التي يتم فيها قتل الجنين بطريقة مباشرة. غير أن اللاهوت المعاصر، نظرا إلى تطور الطب, قد أدرك أنه يصعب في بعض الأحوال البتّ في هل كان الشر ناتجا عن العمل بطريقة مباشرة أم غير مباشرة. في هذا يقول أساقفة بلجيكا في تصريح لهم حول الإجهاض العلاجي, في 6 نيسان 1973: "علميا، يصعب البتّ أحيانا هل كان الموت نتيجة مباشرة أم غير مباشرة للمبادرة الطبية. فهذه، من الناحية المسلكية, تُعتبر وحدة لا تتجزّأ. والمبدأ الذي يجب تسير بموجبه يمكن نصّه كما يلي: عندما تكون حياتان في خطر، على الطبيب أن يسعى بكل الوسائل الممكنة إلى الاحتفاظ بسلامة الاثنتين، والأحرى أن يحاول إنقاذ واحدة خوفا من خسارة الاثنتين معا".

و) النسبة اللازمة بين الغاية والوسيلة
لذلك لا ينظر اللاهوت المعاصر إلى الشرط الثالث بقدر ما ينظر إلى وحدة العمل وإلى النسبة اللازمة بين الغاية المتوخّاة والوسيلة المستعملة لتحقيق الغاية. فليس كل شر طبيعي شرا أدبيا. ولكن الشر الطبيعي يصير شرا أدبيا إذا لم تتوفر النسبة اللازمة بين الغاية والوسيلة. لتفسير هذه النسبة اللازمة نعود إلى مثل قطع ساق المريض فنقول: إن قطع ساق إنسان هو في ذاته شر طبيعي، ولكنه ليس شرا أدبيا, أي إنه ليس خطيئة, إذا أصيبت تلك الساق بجرثومة خبيثة تهدد الجسم كله. ولم يكن لدى الطبيب وسيلة أخرى لإنقاذ حياته سوى أن يقطع له ساقه المصابة. فالنسبة اللازمة بين الغاية (إنقاذ حياة الإنسان) والوسيلة (قطع ساقه) متوفرة في هذا العمل، إذ إن حياة الإنسان أهم بكثير من ساقه.
في هذا الموضوع يُصدر العقل حكمين متكاملين: الحكم الأول على الغاية، فيسأل هل الغاية صالحة؟ والحكم الثاني على الوسيلة، فيسأل هل الوسيلة المستعملة هي الفضلى لبلوغ الغاية؟
تكون الغاية صالحة إذا أدّت إلى اكتمال الإنسان في شخصه وفي علاقته بالله وبالآخرين وبالمصلحة العامة. الإنسان هو مشروع لم يتم بعد اكتماله, والمجتمع البشري أيضا مشروع لم يتم بعد ائتلاف أجزائه. ودليل ذلك ما نشهده كل يوم من خصومات بين الناس وحروب بين الشعوب. فالأعمال الإنسانية تكون غايتها صالحة بقدر ما تهدف إلى إنماء الإنسان في شخصه والتآلف بين الناس والعدل والصدق والأمانة والتعاون والمشاركة وسائر وجوه المحبة على أنواعها المتعددة.
أمّا الوسائل المستعملة لبلوغ الغاية فتكون صالحة إذا كانت مناسبة وملائمة للغاية المتوخّاة. فلا يستخدم منها الإنسان إلا القدر الكافي لبلوغ الغاية. فكما أنه لا يجوز قطع ساقين إذا كان قطع ساق واحدة كافيا لإنقاذ حياة المريض, كذلك لا يجوز هدم مدينة بكاملها بمن فيها من مدنيين أبرياء, ولا يجوز إطلاق القذائف والصواريخ في قصف عشوائي على الأحياء السكنية, إذا كان تدمير قوة العدو العسكرية كافيا لإنهاء الحرب. كذلك أيضا لا يجوز, دفاعا عن النفس, قتل المعتدي إذا كان بالإمكان نزع سلاحه وشلّ حركته. في مثل هذه الظروف تظهر أخلاقية الأشخاص وأخلاقية الشعوب, إذ يتبين هل كانت غاية القتل الدفاع عن النفس وإنقاذ الوطن أم الانتقام والإبادة. 
لتقدير النسبة اللازمة بين الغاية والوسيلة, يجب الاستناد إلى ثلاثة مبادئ. يجب أولا ألا يكون تناقض بين الوسيلة المستعملة والغاية التي تهدف الوسيلة إلى تحقيقها. فالإنسان الذي يسرق ممتلكات غيره للحصول على ممتلكات خاصة يستخدم, للوصول إلى غاية صالحة (الحصول على ممتلكات خاصة), وسيلة تناقض الغاية عينها, إذ يسرق ممتلكات غيره.
المبدأ الثاني يقضي بألا ننظر إلى العمل منفردا وفي المطلق, بل بحسب الغاية التي يريدها الإنسان الذي يقوم بالعمل وبحسب النتائج العملية التي يتوقّعها من عمله. فالعمل يُحكم عليه في علاقته مع مجمل حياة الإنسان الخاصّة (في مختلف أبعادها: الروحية والعقلية والجسدية)، والاجتماعية (في علاقته مع غيره, وعلاقة الدول بعضها ببعض). استنادا إلى هذا المبدأ, يختلف الحكم على الإجهاض بحسب اختلاف الأحوال. فالإجهاض العلاجي في حال مرض يشكّل خطرا على حياة الأمّ يختلف عن الإجهاض الاعتيادي الذي تقوم به المرأة لمجرّد التخلص من جنين لا تريده، رافضة تحمّل مسؤولية عمل قامت به بملء رضاها، كما يختلف عن الإجهاض الذي تطلبه امرأة في حال اغتصابها. كذلك يختلف الحكم على اتّخاذ "وسائل منع الحمل" بحسب اختلاف الأحوال (وضع العائلة الاقتصادي, عدد الأولاد، اتّزان الزوجين العاطفي, صحة الزوجة, وأيضا حال الاغتصاب). هذا النظر الضروري إلى مجمل الأحوال والظروف التي يتم فيها العمل, للحكم عليه, يؤكده بنوع خاص نهج أخلاقي معاصر يدعى "أخلاقية الغاية", يرى أن خُلُقية العمل تتحدّد بحسب غاية العمل, ولكن ليس في المطلق كما تأمر به الوصية (مثلا: لا تقتل), بل في النتائج العملية كما يتوقعها الفاعل ويريدها في لحظة إقدامه على العمل.
المبدأ الثالث يقوم على أن يسعى الإنسان قدر استطاعته إلى تقليص الشر الطبيعي في العالم والنقص الكياني في الأشياء والأعمال. وهكذا تتقلص فرص الشر وتخفّ أعمال الشر. العالم الذي نعيش فيه ليس كاملا, ولكن مسؤولية الإنسان تكمن في الإسهام في تطويره نحو الكمال.
على الإنسان وعلى الجماعات البشرية العمل معا في سبيل تكوين عالم يعيش فيه جميع الناس في العدل والكرامة. وبقدر ما يتطور العلم وتتطور الأخلاق يخفّ الشر الطبيعي في العالم. وهذا ما يحدث الآن مثلا في الطب, حيث يستطيع الطبيب, في معظم الأحيان بواسطة عملية جراحية، إنقاذ حياة الجنين وحياة الأمّ معا. ولكن إذا أُلجئ إلى قتل الجنين, عليه أن يعتبر عمله شرا كيانيا يتحمّل مسؤوليته بأسف وشجاعة في آن واحد. يأسف لعدم تمكنه من إنقاذ الحياتين معا، ولكنه يتحمل مسؤوليته بتبصّر وشجاعة. فهو المسؤول عن تطبيق الخير وعن التمييز بين القيم التي لا بد له من الاختيار بينها، إن لم يستطع تحقيقها كلها.

ز) تطبيق هذه المبادئ على موضوع العنف
في الختام سنحاول تطبيق هذه المبادئ الأساسية في علم الأخلاق وفي اللاهوت الأدبيّ على موضوع العنف في الدفاع عن النفس, أو القيام بثورة على حاكم ظالم مستبد، أو في الدفاع عن الوطن في حرب تحرير تشنّها دولة على عدو محتل.
فالذي يقوم بأعمال عنف وقتل في حالات كهذه يقوم بها بأسف وحزن معتبرا عمله "حلا يائسا لحالة يائسة".
فالوصية "لا تقتل" تبقى وصية مهما كانت الظروف والأحوال. والقتل يبقى شرا، حتى إذا شعر الإنسان بواجب اللجوء إلى القتل. غير أن الإنسان لا يستطيع دوما أن يبتعد عن العنف, فيستسلم لحتميات القدر (في الطب)، أو لتسلّط الحكم القائم (في السياسة)، بحجة أن القدر يمثّّل إرادة الله، والحكم القائم يمثّل سلطة الله، فإرادة الله ليست أن يستسلم الإنسان للقدر بل يمارس المحبة، والله لا يؤيد الحكم القائم إلا متى كان هذا الحكم عادلا. فالله محبة, والله عدل.
لذلك يرى "مولتمن" أن المسألة لا تقتصر على الاختيار بين العنف واللاعنف، لأن كل سلطة هي في الواقع عنف. فإذا كانت السلطة عادلة تضمن حقوق كل إنسان، كان عنفها مبررا. أمّا إذا لم تعدل، فالعنف الذي يعمل على إزالتها يصبح هو مبررا. "فالمسألة الأخيرة هي تبرير السلطة لئلا تغدو محض عنف"، واللجوء إلى وسائل مناسبة لتسلّم السلطة وضمان حقوق جميع الناس.
فالمهم، في رأيه، ليس التحاشي عن العنف للمحافظة على البراءة ونقاوة الضمير, بل تحمّل المسؤولية وممارسة المحبة، حتى إذا ألجأتنا المحبة إلى العنف. ثم يستشهد بمقطع من "بونهوفر"، يصف فيه العمل المسؤول بقوله: "بما أن المسيح يسوع قد حمل خطايا جميع البشر، فلا يستطيع أحد أن يعمل بطريقة مسؤولة دون أن يصبح مذنبا. ومن أراد التملص من تحمّل الذنب, انفصل بالفعل عينه عن الحقيقة الأخيرة للوجود الإنساني, وانفصل عن سر التحرير الذي به أخذ المسيح الذنب على عاتقه, ولم يشترك في التبرير الإلهي المرتكز على هذا الحدث. إن هذا الإنسان يفضّل نقاوته الشخصية على المسؤولية تجاه إخوته، وقد عمي عن الذنب الأسوأ الذي يقترفه, ولم ير أن البراءة الحقيقية تتجلّى في الدخول في شركة الذنب, محبّة بالآخر".
تعليقا على هذا النص يرى مولتمن أن "ما هو مطابق للإنجيل ليس مبدأ اللاعنف ذلك المبدأ المثالي, بل عمل المحبة المسؤول. فالمحبة هي تلك القوة الإلهية التي, كما يقول بولس الرسول, يبدو كمالها في الوهن (2 كو 12: 9). فالمحبة التي تشعر بمسؤوليتها في العمل السياسي تتجرّد عن ذاتها إلى حد أنها تضحّي ببراءتها وتقترف الذنب.
ويخلص مولتمن إلى نتائج ثلاث:

1) اللاعنف، بمعنى اللامقاومة, مسؤولية يستحيل القبول بها في حالات الطغيان والظلم, لأنها تحبّذ العنف القائم. ولا تحفظ للإنسان براءته الشخصية, بل تقود إلى "ذنب أسوأ".
2) عمل عنف يُتمّم عن محبة وبهدف القضاء على الشر, لا نستطيع أن نبرره بمعنى أننا نعتبره عملا مقدسا. ولكن يستطيع الإنسان أن يقبل بمسؤوليته. فالعنف لا يمكنه الابتهاج إزاء ضحاياه. هذا من شأن الثأر فحسب, لا من شأن المحبة. والذنب يبقى ذنبا. غير أن الإيمان يعطينا أن نحيا في هذا الشعور بالذنب دون أن نلجأ إلى الانتحار. والالتزام بالعنف والمقاومة بيقى "التزاما مرا". ولكن لا بدّ من التذكير بأن الذنب الناتج عن المحبة المسؤولة لا ينتج فقط في حال العنف, بل في كل عمل سياسي يقوم به الحكّام أو يُسهم فيه المواطنون.
3) ليس سواء أن يعمل الإنسان أو لا يعمل، بحجة أن الذنب يلحق به في كلتا الحالتين. فالذنب الأسوأ يكمن في إهمال العمل والتخلي عن المسؤولية.
هكذا يظهر لنا مرة أخرى أن الأخلاق المسيحية لا تهدف إلى تطبيق الوصايا تطبيقا حرفيا، بل تستنير بتلك الوصايا لتتخذ على ضوئها موقفا تعمل فيه على إحلال المحبة في العالم. ومهما تنوعت الوسائل، فيجب أن تكون على قدر الغاية، والغاية الأخيرة لكل أعمال الإنسان هي تمجيد الله من خلال إنماء الإنسان وإحلال المحبة في كل علاقات الناس بعضهم ببعض.
الفصل الثالث
قاعدة الأخلاق: الشرائع والضمير

رأينا في الفصل الأول ن اللاهوت الأدبيّ يهدف إلى مساعدة الإنسان على تحقيق ذاته واكتمال كيانه. وعالجنا في الفصل الثاني الأعمال الإنسانية التي من خلالها يصل الإنسان إلى هدفه وبيّنا واقعها بين الحرية والواجب. وسنبحث الآن، في هذا الفصل الثالث، في القاعدة التي يجب أن يسير عليها الإنسان للوصول إلى هدفه. وهذه القاعدة يجب، من جهة, أن تشمل جميع الناس، ومن جهة أخرى يجب أن يلتزم بها كل إنسان التزاما شخصيا. فمن حيث شمولها جميع الناس اتخذت في الأديان والمجتمعات شكل وصايا وشرائع، ومن حيث التزام كل إنسان التزاما شخصيا بها, هذه القاعدة هي الضمير. فالشرائع والضمير هما القاعدة المزدوجة التي بها يستنير الإنسان للربط بين الأعمال التي يقوم بها والغاية الأخيرة التي يهدف إلى الوصول إليها من خلال أعماله.

أولا- الوصايا والشرائع
الوصايا والشرائع يجدها الإنسان منذ ولادته, وترافقه على مدى مسيرة تثقيفه الإنساني والأخلاقي والديني, مسكوبة في قوانين وأنظمة تُفرض عليه. فما هو هدف تلك الوصايا والشرائع والقوانين والأنظمة؟ وما هو مصدرها؟ وهل هي عرضة للتغير وما هي العلاقة بين الشريعة الطبيعية والشرائع الإنسانية؟

1) هدف الوصايا والشرائع
أ) الوصايا والشرائع سبيل الحياة
نقرأ في الإنجيل المقدس أن إنسانا تقدّم إلى يسوع يوما وسأله قائلا: "يا معلّم، ماذا عليّ أن أعمل من الصلاح لأحرز الحياة الأبدية؟ قال له: لماذا تسألني عمّا هو صالح؟ إنما الصالح واحد! ولكن، إن شئت أن تدخل الحياة، فاحفظ الوصايا. فقال له: أي وصايا؟ فقال له يسوع: لا تقتل, لا تزن، لا تسرق, لا تشهد بالزور, أكرم أباك وأمّك, وأيضا أحبب قريبا كنفسك" (متّى 19: 16- 19).
إن السبيل إلى الحياة هو حفظ الوصايا. والحياة ليست فقط حياة ما بعد الموت، بل حياة هذا الدهر أيضا، حيث يبدأ ملكوت الله، ملكوت المحبة والحياة الإلهية, وهي الغاية الأخيرة التي بالوصول إليها يصل الإنسان إلى ملء ذاته.
والحياة ليست حياة الفرد المتقوقع في عزلته الأنانية، بل حياة الشخص العائش في مجتمع يتفاعل فيه أعضاؤه ويتعاونون على الخير. لذلك، فإن حفظ الوصايا يهدف إلى الحصول على الحياة لكل شخص. فهو إذا يتضمن احترام حياة الآخرين والعمل على إنمائها، كما يتضمن محبة القريب على قدر محبة النفس. فاحترام الشخص الآخر واحترام حياته وكرامته ومحبته، هذا هو أساس الوصايا التي يذكرها السيد المسيح. فمن يحترم حياة الآخر ويحبه لا يقتله ولا يسرقه ولا يشهد عليه بالزور. والزوجان اللذان يحب أحدهما الآخر ويحترم كرامته وحياته لا يزنيان. فاحترام حياة والمحافظة عليها في المحبة، هذا هو هدف الوصايا والشرائع والقياس الأخير الذي يجب الرجوع إليه، على الدوام، لمعرفة مدى انسجام التفسير البشري للوصايا والشرائع مع إرادة واضعها. الوصايا والشرائع لم توضع لإرهاق الإنسان بل لإنماء شخصيته وانشراحها ومساعدته على الحصول على ملء الحياة، وذلك على صعيده الشخصي وفي علاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه.

ب) التفسير الفريسي للوصايا والشرائع
إننا نشهد، طوال حياة السيد المسيح, خلافا حادا بينه وبين الفريسيين وعلماء الناموس في موضوع تفسير الوصايا والشرائع.
فوصية السبت التي أرادها الله مناسبة للإنسان ليستريح بواسطتها من عناء الأعمال اليومية ليُتاح له الاستمتاع بالتأمل في أقوال الله والصلاة إليه، جعلها الفريسيون في شرائعهم حملا ثقيلا وأداة هلاك للإنسان. فحظّروا عليه أن يسير أكثر من ألف متر في النهار، وحظّروا عليه القيام بأي عمل، حتى "أن يقطع وهو مجتاز بين الزروع بعض السنابل ليأكلها" (مر 23:2- 24), و"أن يحمل فراشا" (يو 5: 10), ورأوا في شفاء يسوع مخلّعا, يوم السبت (يو5: 16)، أو إنسانا يده يابسة (مر 3: 1- 6), سببا للحكم عليه: "فخرج الفريسيون وفي الحال ائتمروا عليه مع الهيرودسيين ليهلكوه" (مر 3: 6). لقد صارت الوصايا والشرائع في تفسير الفريسيين وعلماء الناموس مطلقا يجب أن يخضع له الإنسان مهما كانت الظروف. أمّا في نظر السيد المسيح فالوصايا جُعلت لخدمة الإنسان: "السبت جُعل لأجل الإنسان. لا الإنسان لأجل السبت (مر 27:2).
لذلك نرى السيد المسيح, الذي "إنما جاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه" (لو19: 10), والذي قال: "السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، أمّا أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة, وتكون لهم بوفرة" (يو 10: 10)، نراه يثور على الكتبة والفريسيين الذين، في تفسيرهم للوصايا والشرائع، "يحزمون أحمالا ثقيلة ويضعونها على أكتاف الناس, ولا يريدون هم أن يحرّكونها بإحدى أصابعهم" (متّى 23: 4), الذين جعلوا من الناموس مجرّد تتميم خارجي للشرائع "فيؤدون العُشر من النعناع والشّبث والكمون، وقد أهملوا أثقل ما في الناموس: العدل والرحمة والأمانة... الذين يصفّون من البعوضة ويبلعون الجمل" (متى 23: 23- 24).

2) مصدر الوصايا والشرائع
أ) التفسير الحرفي للكتاب المقدّس: الله هو المصدر المباشر للوصايا والشرائع
إن التمسك الحرفي بالشرائع هو نتيجة ذهنية معينة ترى في الله المصدر المباشر لكل الوصايا وكل الشرائع. في هذه الذهنية تبدو الشرائع في أدق تفاصيلها أمرا مقدسا لا يمكن أن يُمس وحكما ثابتا لا يجوز تعديله, من خلالها يعرف الإنسان معرفة صحيحة الخير الذي يجب أن يسعى إليه والشر الذي يجب أن يجتنبه. وهذه الذهنية مبنية على تفسير حرفي للكتاب المقدس, حيث نقرأ أن لله نفسه هو الذي أنزل على شعبه الوصايا والشرائع بواسطة موسى النبي. وهذا ما قاله موسى نفسه للشعب: "وجها إلى وجه كلّمكم الرب في الجبل، من وسط النار، وأنا قائم بين الرب وبينكم في ذلك الوقت, لكي أخبركم بكلام الرب... فاحرصوا أن تعملوا كما أمركم الرب إلهكم، ولا تنحرفوا يمنة ولا يسرة, بل في كل الطريق الذي أوصاكم به الرب إلهكم تسيرون، لكي تحيوا وتُصيبوا خيرا وتطول أيامكم على الأرض التي سترثونها" (تث 5: 4- 5، 32- 33. راجع أيضا خر 20: 1- 20).
إنطلاقا من هذا النص، رأى بعض المفسرين أن كل ما ورد في الكتاب المقدس من وصايا وشرائع وفرائض وأحكام وأنظمة وقوانين, كل ذلك هو, دون تفرقة, ولاتمييز, صنع الله أنزله مباشرة على النبي موسى الذي اكتفى بنقله إلى الشعب. فلا يجوز من ثم تغيير أي أمر فيه. في هذه الذهنية يبدو الإنسان مجرّد منفّذ لشرائع يجدها مسكوبة في قالب أحكام وأنظمة، لا يمكن أن يُدخل عليها أي تعديل حتى في تطبيقها على مختلف ظروف الحياة المتقلّبة، بل يقتصر اهتمامه على المحافظة عليها وتطبيقها كما هي.
في هذه الذهنية يتحوّل "اللاهوت الأدبي" إلى مجموعة من الأحكام المحددة تحديدا نهائيا، يتعلّمها "علماء الناموس" ويكتفون بتطبيقها كما هي على مختلف الأسئلة التي يعرضها عليهم الناس غير المتخصصين في هذا العلم. وفي هذه الذهنية يسأل الناس البسطاء "علماء الناموس": هل هذا الأمر جائز أم محظّر؟ هل هو مسموح به أم ممنوع؟ هل هو حلال أم حرام؟ إلى أي حد أستطيع الوصول في هذا العمل دون ارتكاب الخطيئة, ودون التعرّض للعقاب الإلهي؟ في هذه الذهنية يختفي الله وتنتفي العلاقة معه، ويُنسى القريب وتزول العلاقة معه. ويبقى الإنسان وحده إزاء الشريعة التي يشعر بواجب تطبيقها دون تردد ولا تخاذل. فيما الشريعة ليست في الواقع سوى وسيلة للدخول في علاقة مع الله وعلاقة مع القريب لذلك اعتبر السيّد المسيح أن الناموس كله والأنبياء لا معنى لهم إلا من خلال محبة الله ومحبة القريب: "بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء" (متّى 22: 40).

ب) مصدر الشرائع: الإنسان مخلوق على صورة الله
خلافا لهذه النظرة التقليدية، نقول إن مصدر الشرائع هو الإنسان المخلوق على صورة الله. إن إيماننا بأن الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله يتضمن حقيقتين متلازمتين: الحقيقة الأولى هي أن الإنسان ليس خالق نفسه. فالقيم الأخلاقية التي تجعله إنسانا ليست إذا من صنعه، إنها عناصر جوهرية تكوّن صورة الله فيه. إن الحرية واحترام الحياة والعقل والحقيقة والحب والعدالة والسلام هي من القيم التي تكوّن صورة الله في الإنسان, وُجدت معه منذ وجوده، ومنها تتكوّن طبيعته الإنسانية. ولكنه, لكونه كائنا عائشا في الزمن، لا يكتشف تلك القيم ولا يكتشف تطلّباتها وتطبيقاتها العملية إلا عبر الزمن وفي مسيرة اكتماله الإنساني في تقلّبات التاريخ، تارة في إرتقاء الحضارة وتقدمها، وطورا في انحدارها وتقهقرها. الحقيقة الثانية هي أن الإنسان هو الذي, انطلاقا من القيم التي يُدركها في ذاته، يصوغ عبر الزمن وفي إطار المجتمع الذي يعيش فيه والحضارة التي تحيط به, المبادئ العامة التي تجسّد القيم الأخلاقية، والأنظمة والقوانين التي تطبّق المبادئ العامة على مختلف الظروف والأحوال. فهو إذا الذي يصوغ الوصايا والشرائع.
فالمبادئ العامة صاغتها الأديان والحضارات في عبارات مقتضبة وجعلتها أساس الأخلاق, لإنقاذ الجماعات والأشخاص من جموح الغرائز ووثباتها الوحشية. وعبّرت عنها في وصايا وردت في معظم الأحيان في صيغة النفي, وكأنها تريد وضع الحواجز والسدود أمام تلك الغرائز: "لا تقتل", "لا تسرق"، "لا تزن"، "لا تكذب", "لا تشهد بالزور". فالقتل والسرقة والزنى والكذب وشهادة الزور، كلها أعمال مدمِّرة للإنسانية في الشخص والمجتمع. والمؤمن يرى فيها تدميرا لصورة الله في الإنسان. فإذا اتسعت هذه الأعمال المدمِّرة لتصير مبادئ يسير عليها المجتمع كله, سادت شريعة الغاب واستحالت الحياة البشرية في المجتمعات وانتفت الإنسانية. لذلك نرى أن جميع المجتمعات, على مرّ العصور وفي جميع الحضارات، اعترفت بهذه المبادئ الأساسية وفرضتها على شعوبها. وهي عينها نجدها في شريعة حمورابي في بابل (القرن 18 ق. م.), وفي وصايا الله مع موسى النبي في إسرائيل (القرن 13 ق. م.). إنها وصايا الله، بمعنى أنها صنع الإنسان المخلوق على صورة الله. إنها صنع العقل الإنساني المنفتح من طبيعته على الله وعلى الآخر. إنها تجسيد لانفتاح الإنسان على الله وعلى القريب. في تحقيقها يحقق الإنسان ذاته, إذ تتحقق فيه تلك العلاقة الجوهرية التي تكوّنه إنسانا، العلاقة مع الله والعلاقة مع القريب.
كذلك الشرائع أي الأنظمة والقوانين التي تجسّد المبادئ العامة والوصايا في واقع الحياة وتطبّقها على الأوضاع المتغيرة في الزمان والمكان، فهي أيضا صنع الإنسان في تكيفه مع البيئة التي يعيش فيها. ولكن فيما المبادئ الأساسية والوصايا لا يمكن أن تتغير, تبقى الأنظمة والقوانين عرضة للتغير والتطور. فقيمة الحياة ووصية احترامها "لا تقتل" لا يمكن أن يزولا يوما ولكن تطبيقهما في شرائع الدفاع عن النفس والحرب المشروعة والثورة الجائزة على حاكم مستبد يبقى خاضعا للظروف والأحوال. كذلك يبقى احترام ممتلكات الغير قيمة ثابتة وتبقى وصية "لا تسرق" مبدأ قائما. غير أن تطبيقهما في القديم على الغزو وسلب الأعداء ونهب ممتلكاتهم، وفي الزمن الحاضر على وسائل الإنتاج الفردية وضرورة تأميمها في بعض الأحيان، هو عرضة للتغير والتطور.

ج) كيف نبرر تغير الشرائع وتطور الأنظمة والقوانين؟
إن الهدف من الشرائع والأنظمة والقوانين هو تطبيق القيم الأخلاقية والمبادئ الأساسية التي تُنمي الشخص البشري في كل أبعاده فتحافظ على الخير العام وتضمن عيش الإنسان بسلام وأمان في كل مرافق المجتمع. لذلك كل شريعة تصير مع الزمن عاجزة عن تأمين هذا الهدف, أو عائقا في سبيل تحقيقه، لا بد من إزلتها والاستعاضة عنها بشريعة أخرى. وهذا العمل يعود إلى الإنسان الذي يتمتع بعقل بشري، من خواصه إدراك العلاقة بين العام والخاص. فكما أن العقل, عندما ينظر الإنسان إلى شجرة, يدرك العلاقة بين الشيء الذي يراه أمامه ومفهوم الشجرة العام، كذلك عندما يفكّر في شريعة خاصة ويربطها بالهدف العام الذي من أجله وُضعت, يمكنه أن يكتشف عجزها عن تحقيق الهدف. لذلك يعود إلى الإنسان أن يُبدع على الدوام شرائع وأنظمة وقوانين جديدة يمكنها أن تفي بالمرام بشكل أكمل. "فالبشر هم الذين يصنعون شرائعهم في مسيرة تاريخهم الذي فيه تتواجه خبرتهم والظروف المحيطة بها, وفيه يتلمّسون طريقهم, وفيه يعملون على تصحيح المسيرة بشكل أكثر فأكثر إرضاء للهدف الذي يتوقون إلى تحقيقه".
هـذا ما يفسر تطور الشرائع عبر الزمن, وحتى في أمور هامة كضمان حقوق الشخص البشري واحترام كرامته وصيانة حريته. فالشرع الروماني مثلا كان يجيز التعذيب القـضائي الذي يهدف إلى إرغام المقبوض عليه على البوح بارتكاب الجرائم المتهم بها. وقد تعرّض المسيحيون الأوائل لمثل هذا التعذيب لإرغامهم على إنكار إيمانهم. فالكنيسة الأولى شجبت بشدة هذا النوع من امتهان حرية الإنسان. ولكنها عادت فسمحت به في القرون الوسطى في حربها على الهراطقة, إلى أن ندّد به أشد التنديد، سنة 1954, البابا بيوس الثاني عشر، وحظّره أخيرا المجمع الفاتيكاني الثاني إلى جانب "كل ما يتصدى للحياة نفسها", وأضاف: "كل ذلك وكل ما شابهه هو في الحقيقة عار وشنار, وهو إذ يفسد الحضارة البشرية يشين فاعليه أكثر مما يشين متحمّليه, وينافي شرف الخالق منافاة لا حدّ لها".
في تعابير لا تقلّ قساوة يشجب المجمع أيضا العبودية. ولكن معظم اللاهوتيين الكاثوليكيين ظلّوا حتى القرن السادس عشر يبررون استعباد الأسرى الوثنيين الذين كان يتم أسرهم في الحروب المشروعة. ولم يتحقق تحرير العبيد بشكل نهائي إلا في القرن التاسع عشر وبضغط من الشرائع المدنية.
وكذلك القول بالنسبة إلى الحرية الدينية. ففي 17 تشرين الأول 1830 كتب لامنيه (1782- 1845)، منذ العدد الثامن من المجلة الفرنسية "المستقبل": "نريد لجميع الناس, لنا كما لغيرنا, حرية واسعة، واستقلالا مطلقا، ما خلا في الخضوع للشرائع. ليكن لكل إنسان، في حدود هذه الشرائع عينها، الحرية في أن يفكر ويتكلم ويعمل كما يشاء". إلا أن البابا غريغوريوس السادس عشر (1765- 1831- 1846) في رسالته العامة SYLLABUS كتب، سنة 1832: "أن نؤمّن ونضمن لكل إنسان حرية الضمير، فهذا قول خاطئ ومناقض للعقل... هل في الأخلاق أسوأ من حرية الضلال؟... وبهذا ترتبط حرية الصحافة، الحرية الأكثر شؤما, الحرية المقيتة التي يجب كرهها والابتعاد عنها". وبيوس التاسع (1792- 1846- 1878) في ردّه على الهرطقات، MIRARI VOS, سنة 1864، ندّد بكل القيم الجديدة التي كان الفكر التقدمي يتمسّك بها: الحرية الدينية, فصل الكنيسة عن الدولة، حرية ممارسة الدين العلنية غير المسيحيين، حرية التفكير والتعبير. وانتظرت الكنيسة الكاثوليكية البابا لاون الثالث عشر (1810- 1878 - 1903) لتعرف التسامح في حرية الضمير التي باتت قيمة معترفا بها رسميا مع بيوس الحادي عشر (1857- 1922- 1939), وبيوس الثاني عشر (1876- 1939- 1958), ويوحنا الثالث والعشرين (1881- 1958- 1963). وقد أكد المجمع الفاتيكاني الثاني، سنة 1965. في بيانه الشهير "في الحرية الدينية", حق الأفراد والجماعات بالحرية الدينية، وبنى هذا الحق على كرامة الإنسان كشخص بشري وعلى حقوقه الطبيعية وطالب القوانين الدولية بضمان هذه الحرية, محددا واجبات السلطات المدنية وحقوقها في هذا الصدد.
وكذلك القول أخيرا بالنسبة إلى الرِّبى. فقد ورد في سفر الخروج: "إذا أقرضت فضة لأحد من شعبي، لفقير عندك, فلا تكن له كالمرابي، ولا تفرضوا عليه رِبى" (خر 22: 24). وقد حافظت الكنيسة على شريعة حظر الرّبى حتى القرن التاسع عشر، حتى إن مجمع اللاتران (1139) منع الدفن الكنسي لكل من كان يتعاطى الرّبى. ثم تخلّت الكنيسة عن حظر الرّبى في القرن التاسع عشر، بسبب تغير الأحوال مع بروز الثورة الصناعية. فقد أدرك علماء الاقتصاد إن المال يخسر من جهة بعضا من قدرته الشرائية مع مرور الزمن, وأنه من جهة أخرى إذا استُثمر يؤدّي إنتاجا جيدا. فالقبول بالرّبى, أي بطلب فائدة مالية ممن يستقرض بعض المال، يبرر بتعويض الخسارة على صاحب المال وبإشراكه بجزء من الأرباح التي تنتج من المال الذي يقرضه.
هكذا يعمل العقل البشري على تطوير الشرائع لتبقى منسجمة والهدف الذي لأجله وُضعت، وهو إحقاق العدالة بين الناس وإنماء كرامة الشخص البشري.

3) الشريعة الطبيعية
إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يغيّر الشرائع الموروثة؟ هل من حدود لا يجوز له تخطّيها؟ هل من وجود لشرائع طبيعية يجب عليه الخضوع لها مهما كلّف الثمن؟ إزاء الشريعة الطبيعية هناك موقفات متطرّفات يبدو لنا من الضروري رفضهما، وموقف معتدل نتبنّاه اليوم في اللاهوت الأدبيّ.
أ) موقفان من الشريعة الطبيعية خاطئان
الموقف الأوّل هو موقف تقليدي متطرّف يرى الشريعة الطبيعية في ما توحي به طبيعة الأشياء وطبيعة الأشخاص الجامدة. فالله، في نظر هؤلاء, عندما خلق الكون وكل ما يتضمّنه، قد وضع له نواميس وشرائع تظهر في سير الأشياء والأشخاص الطبيعي، أي غير الخاضع لتدخّل الإنسان. فيجب على الإنسان احترام تلك الشرائع الطبيعية والسير بموجبها. وكل تدخّل لتغييرها هو انتهاك لقدسيتها وتمرّد على إرادة الله التي تظهر فيها. من هذا الموقف ينتج استسلام للقدر وتخدير لقدرة الإنسان الخلّاقة التي هي أيضا من صنع الله الخالق وتظهر فيها إرادته الإلهية. هناك خطر آخر ينتج من هذا الموقف وهو أن يعتبر الإنسان شريعة طبيعية ما ليس في معظم الأحيان سوى نتيجة لظروف اجتماعية أو لمرحلة عابرة من مراحل تطور البشرية. فالعبودية قد تبدو شريعة طبيعية. ووجود أغنياء إلى جانب فقراء قد يبدو أيضا من الشرائع الطبيعية التي أرادها الله- وقد ردد هذا البرهان لاهوتيّو القرون الوسطى- لإتاحة الفرصة أمام الأغنياء لمساعدة الفقراء.
الموقف المعاكس هو موقف يساري يؤكد الحرية التامة إزاء طبيعة الأشياء وطبيعة الإنسان. فالعالم والإنسان، في نظر هؤلاء، هما دمية في تصرّف الإنسان يستطيع أن يصنع بهما ما يشاء. هذه النظرة تقود إلى الفوضى وإلى سيطرة القوي على الضعيف، والغريزة على العقل, والشر على الخير.

ب) مفهوم ديناميكي للشريعة الطبيعية
بين هذين الموقفين المتطرّفين, هناك موقف ثالث معتدل يصحّ فيه قول أرسطو طاليس (384- 322 ق. م.) عن الفضيلة "إنها تقوم في الوسط". فلا بدّ أولا من التأكيد ضد الموقف الأوّل أن الشريعة الطبيعية ليست مطبوعة في طبيعة الأشياء البدائية. وإلا لأرغم الإنسان على أن يبقى عاريا, وأن يعيش من قطاف الثمار وجمع الأعشاب والصيد البدائي, وأن يأكل كل شيء نيئا ويسكن في المغاور وينام على الحضيض, إلخ. فاللباس والزراعة والصناعة والطهي والغرف الدافئة، زِد على ذلك القراءة والكتابة والفنون, كل هذه أمور صنعها الإنسان بعمله وفنه ومهارته.
الصناعة علامة ذكاء الإنسان, والذكاء طبيعي فيه, وبالصناعة توصّل إلى أن يطوّر طبيعته, فراح يسير على الطرقات ويطير في الجو بسرعة مدهشة. فدعوته هي "أن يملأ الأرض ويخضعها" (تك 1 :28).
وهكذا تصير الطبيعة حضارة وثقافة. فتطوير طبيعة الأشياء البدائية وتطوير طبيعته هما أيضا شريعة طبيعية فيه. فتقدُّم الطب يؤهله لأن يسند ضعف طبيعته ويسدّ عجزها، فيشفي الأمراض الطبيعية ويقوم بعمليات تطعيم أعضاء اصطناعية، من عين اصطناعية وكلية اصطناعية وقلب اصطناعي. فالأسئلة التي لا بدّ من طرحها إذّاك هي التالية: هل يجوز للإنسان المسّ بطبيعته، فيمنع, بواسطة حبوب اصطناعية، حملا من أن يحصل، أو يساعد، بوسائل اصطناعية, زوجين يريدان إنجاب طفل لا يستطيعان إنجابه بالوسائل الطبيعية الاعتيادية؟ وهل يجوز التدخل في دماغ الإنسان في سبيل تحسين عمله وإصلاح الخلل الطارئ على وظائفه النفسانية؟ أين تقف حدود الشريعة الطبيعية التي لا يجوز للإنسان تجاوزها؟ "الجواب عن هذه الأسئلة يكمن في التمييز بين بُنية الإنسان الجسدية وطبيعته الروحية ككائن عاقل، حر, يستطيع أن يُحِب وأن يُحَب". الشريعة الطبيعية ليست مجموعة أحكام وقوانين حدّدها الخالق عندما كوّن العالم والإنسان, فسمح ببعض الأعمال وحظّر غيرها.
"الشريعة الطبيعية هي احترام الشخص البشري كشخص. لا شك أن هذا الاحترام يشمل أيضا جسده وخيراته، ولكن بقدر ما تساعده على أن يحيا حياة أكثر إنسانية وأكثر انشراحا وأكثر انسجاما مع المجتمع. ذلك أن البعد الجماعي هو عنصر أساسي في تكوين الشخص البشري. الحق الطبيعي يعني إذا الشرائع الأساسية التي تتطلّبها كرامة الإنسان وانشراحه في الجماعة، وخير تلك الجماعة العام. وهل من الضروري التذكير بأن تلك القيم الأساسية يجب ألا تُستخلص من مثال مجرّد للإنسان الأفلاطوني، ذلك المثال الذي لا وجود له، بل من المقتضيات الواقعية التي تتطلّبها حياة اليوم في المساواة بين الأشخاص والانسجام بين الجماعات؟ وأفضل تعبير عن تلك الشريعة الطبيعية هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)".
أن تنتظر البشرية القرن العشرين لمعرفة مضمون الشريعة الطبيعية أمر يبدو غريبا. ولكن الإنسان من طبيعته كائن حي اجتماعي, أي مدعو إلى أن يعيش في مجتمع وأن يكتمل في علاقته مع غيره من الناس. والكائن الحي من طبيعته مدعو إلى النمو وإلى التطوّر. فالشريعة الطبيعية في الإنسان لا تعني أمرا جامدا غير قابل التطور والتغير، بل تعني بالحري طبيعة الإنسان الروحية المدعوّة إلى الاكتمال في الجسد والروح، وإلى النمو والتطوّر في الفكر والثقافة والاقتصاد والأخلاق والحياة الاجتماعية والحياة الروحية. الإنسان كائن منفتح على المجتمع وفي الوقت عينه كائن منفتح على الله. فالبعد الديني هو أيضا عنصر أساسي في طبيعته البشرية وفي الشريعة الطبيعية. إن أفضل مرادف للشريعة الطبيعية في الفكر المعاصر هو "الكرامة الإنسانية"، أو "كرامة الشخص البشري". وما يناقض الشريعة الطبيعية هو في النهاية ما يدمّر الشخص البشري ويحط من كرامة الإنسان في أي من أبعاد كيانه الإنساني، ويحرمه أيّا من حقوق البشرية المعترف بها اليوم عالميا.
ثم إن الفكر المعاصر قد أدرك اليوم أكثر من الماضي "تاريخية" الإنسان و "نسبية" معتقداته على صعيد الأخلاق. فالإنسان كائن يعيش في التاريخ. والوعي الأخلاقي في البشرية يتطوّر، وذلك بفضل الخبرة التي يكتسبها البشر على مرّ العصور. وتلك الخبرة هي خبرة الإنسان العاقل الحر الذي يدرك أكثر فأكثر ما الذي يُنمي كرامة الشخص البشري وما الذي يدمّرها، وهي في الوقت عينه خبرة الحضارات والشعوب التي باتت اليوم بفضل التقدّم العلمي قريبة بعضها من بعض، وأكثر معرفة بعضها لبعض. إن معرفتنا لمضمون الشريعة الطبيعية تتسع وتتضح أكثر فأكثر بفضل حرية الإنسان و إبداعيته، وبفضل التحاور بين الحضارات والأديان. إن وحدة العالم هي عنصر أساسي في مفهوم الشريعة الطبيعية. وتلك هي الخبرة التي نقوم بها كل يوم: فالبشرية لن تجد حلا لمشكلاتها إلا بالتضامن والتعاون بين جميع الشعوب. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "الرغبة في حوار كهذا مسوق إلى الحقيقة عن طريق المحبة وحدها وفي جِد من الفطنة الموافقة, هذه الرغبة من جهتنا لا تستثني أحدا. لا أولئك الذين يعظّمون قيم النفس الإنسانية السامية في غير معرفة لخالقها, ولا أولئك الذين يقاومون الكنيسة ويضطهدونها بأساليب مختلفة. وبما أن الله الآب هو مبدأ جميع البشر وغايتهم، فإننا جميعاً مدعوون إلى أن نكون إخوة. وإن كنا مدعوين إلى دعوة إنسانية وإلهية واحدة, كان بإمكاننا ومن واجبنا أن نتعاون، في غير عنف ولاخلفيات, على بناء العالم على سلام حقيقي".

4) الشرائع المدنية 
أ) مصدر الشرائع المدنية
الشرائع المدنية هي التي تنظّم حياة الإنسان في المجتمع في جميع مرافقها من بناء وسكن وتعليم واستشفاء وسير وعمل وما سوى ذلك مما له صلة بعلاقة الناس بعضهم ببعض. ومسؤولية وضع الشرائع تقع على السلطات المنصّبة التي لا وجود لها إلا لتأمين الخير العام. عن هذه المجتمعات ودور السلطات المدنية فيها يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إن الأفراد والمجمّعات المختلفة التي تتألف منها الجماعة المدنية، يدركون أنهم عاجزون وحدهم عن إقامة حياة كاملة الإنسانية, ويرون أنهم بحاجة إلى جماعة أوسع يعملون جميعا فيها وكل يوم على حشد طاقاتهم الخاصة في سبيل تحقيق أفضل ودائما أكمل للخير العام. ولهذا ينتظمون في جماعات ومنظمات سياسية مختلفة. وهذه الجماعات السياسية إنما تنشأ لأجل الخير العام، وفيه تجد التعليل الكامل لوجودها كما تجد فيه معناها, ومنه تستخرج حقوقها الخاصة والأصيلة. والخير العام يشمل مجموعة أوضاع الحياة الاجتماعية التي يستطيع الأفراد والأسر والمجموعات أن يبلغوا بها كمالهم على أتم وجه وأيسره.
"ولكن الناس الذين يلتقون في الجماعة السياسية هم كثيرو العدد ومختلفو المشارب، وقد يكون من حقهم أن يذهبوا في الرأي مذاهب متباينة. وللحؤول دون تصدّع الجماعة السياسية بذهاب كل واحد مذهبه الخاص، لا بد من سلطة توجّه طاقات جميع المواطنين شطر الشطر العام، لا آليا ولا قسرا، بل على أنها قبل كل شيء قوة معنوية تستند إلى الحرية وإلى روح المسؤولية والواجب. وإنه لمن الواضح أن الجماعة السياسية والسلطة العامة تقومان أساسا على الطبيعة البشرية، وأنهما بذلك ترجعات إلى نظام من وضع الله، على أن إقرار النظام السياسي وتعيين الحكام متروكات لإرادة المواطنين الحرة".
بعد أن أوضح المجمع ضرورة وجود المجتمعات المدنية ووجود السلطة فيها في سبيل الخير العام، أعلن أن هذا الوجود مرتبط بطبيعة الإنسان وبنظام من وضع الله الخالق، لكنه أضاف- وهذا جديد بالنسبة إلى الفكر المسيحي في القرون الوسطى- إن إقرار هذا النظام السياسي أو ذاك، واختيار هذا الحاكم أو ذلك متروكان لإرادة المواطنين الحرة. فالله أراد أن يكون في الجماعات البشرية نظام وسلطة، ولكن الناس هم الذين يختارون الأنظمة السياسية ويعينون الحكام. فيحق لهم من ثمة أن يغيّروا الأنظمة ويبدّلوا الحكام في سبيل المحافظة على الخير العام. ثم يضيف المجمع موضحا دور السلطة السياسية: "ينتج من ذلك أن ممارسة السلطة السياسية، سواء كان ذلك في داخل الجماعة كجماعة أو في الأجهزة التي تمثّل الدولة، يجب أن تتمشى دائما ضمن حدود النظام الأخلاقي، في سبيل الخير العام- على أنه حقيقة ديناميكية-، وذلك وفقا لنظام قانوني موضوع أو على طريق الوضع. وهكذا فالمواطنون مُلزمون ضميريا بالطاعة. من هنا يتضح ما لذوي الأمر من مسؤولية وكرامة وأهمية. وحيثما تتجاوز السلطة العامة حدود صلاحيتها، وتجور على المواطنين، ليس لأولئك المواطنين أن يرفضوا ما يقتضيه الخير العام عمليا، إلا أنهم يحق لهم أن يدافعوا عن حقوقهم وحقوق مواطنيهم، ويقاوموا تجاوزات هذه السلطة، على أن يراعوا الحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعية والشريعة الإنجيلية".

ب) موقف المسيحي من الشرائع المدنية
إن موقف المسيحي من الشرائع المدنية هو بشكل عام موقف الخضوع لها والالتزام الضميري بالسير بموجبها. وهذا الموقف يستند إلى ما قاله بولس الرسول إلى الرومانيين، وقد كانت السلطات في رومة وثنية في عصره: "ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه لا سلطان إلا من الله، والسلطات الكائنة إنما رتبها الله. فمن يقاوم السلطان إذن، فإنما يعاند ترتيب الله، والمعاندون يجلبون الدينونة على أنفسهم، لأن الخوف من الحكام لا يكون عن العمل الصالح بل عن الشرير. أفتبتغي أن لا تخاف من السلطان؟ فافعل الخير فتكون لديه ممدوحا، لأنه خادم الله لك للخير. وأمّا إن فعلت الشر فخف، لأنه لا يتقلّد السيف عبثا. فإنه خادم الله، الذي ينتقم ويُنفّذ الغضب على من يفعل الشر. فلذلك يلزم الخضوع لا خوفا من الغضب فقط، بل من أجل الضمير أيضا" (رو 13: 1- 5).
السلطة المدنية في نظر بولس الرسول هي خدمة للخير لجميع المواطنين. فالسلطان هو "خادم الله لك للخير". وحسب تعبير المجمع الفاتيكاني الثاني، إنها "في سبيل الخير العام" و "وفق النظام القانوني" الموضوع. أن إتّباع الخير العام من قبل المواطنين هو الجواب الصحيح على رغبة الخير واتّباعه من قبل السلطة المدنية. فطاعة القوانين واجبة على السلطة قبل المواطنين. وإن جارت السلطة على المواطنين، يبقى هؤلاء ملتزمين باتّباع الخير العام. إن انحراف السلطة عن الخير العام لا يبرر انحراف المواطنين عنه. ولكن مقاومة السلطة في هذه الحالة تضحي مشروعة وضرورية للدفاع عن حقوق المواطنين، وذلك كما يقول المجمع "ضمن حدود الشريعة الطبيعية"، أي كرامة الشخص البشري، و "الشريعة الإنجيلية"، أي المحبة ومتطلباتها. هذه المقاومة قد تؤدي إلى عصيان ثوري يجوز اللجوء إليه، حسب قول البابا بولس السادس, "في حال الطغيان الراهن المتمادي الذي يسيء إلى حقوق الشخص الأساسية إساءة خطيرة، وتنجم عنه لمصلحة البلاد العامة أضرار فادحة.
إن موقف الأخلاق المسيحية من الشرائع المدنية هو إذا موقف الاحترام والخضوع والتعاون البنّاء في سبيل الخير العام. والمسيحي يرى في هذا الموقف واجبا ضميريا إذ يعتبر الشرائع المدنية سبلا متنوعة لممارسة المحبة بشكل عملي وطريقة فعالة, يعمل من خلالها على أن يشع نور الإنجيل على جميع مرافق الحياة. وواجب الضمير وإرادة المحبة هما اللذان يفرضان في بعض الأحيان المقاومة والعصيان، إذا أخلّت السلطات بالخير العام أو أمرت المواطنين بالقيام بأعمال منافية للأخلاق، كالتعذيب أو السجن غير المبرر أو القتل دون محاكمة.
هناك حالات يدرك فيها المسيحي أن الشرائع المدنية قد سمحت بأمور لا يسمح بها ضميره, كالإجهاض مثلا. في هذه الحالات لا يجوز للمسيحي أن يسلك سلوكا مناقضا لحكم ضميره, بحجة أن الشرائع المدنية قد أجازته. فالسلطات المدنية قد تُضطر أحيانا إلى إصدار شرائع تتساهل فيها في بعض أمور الأخلاق تفاديا لشر أعظم. فعندما يعلم مثلا المشترع أن حظر الإجهاض لا يفيد شيئا ولا يمنعه في الواقع, بل يفتح الباب واسعا أمام إجهاضات تُجرى في الخفاء في أوضاع تخلو من أبسط مقتضيات العناية الصحية وتعرّض المرأة الحامل للموت, إذّاك يسمح به في سبيل المصلحة العامة، إذ يرى فيه شرا أدنى، تاركا لكل إنسان أن يتصرف بحسب ضميره وبحسب درجة نموه الأخلاقي.
في هذه الأحوال على المسيحي أن يتذكر أن الأخلاقية التي يجب عليه اتّباعها ليست الأخلاقية العامة التي تضع قواعدها الشرائع المدنية, بل أخلاقية الإنجيل الذي اتخذه شرعة له. فالشرائع المدنية تسعى إلى تقليص الشر في المجتمع وإلى منع ما يتأتّى من أعمال الإنسان من نتائج سلبية على المجتمع. أمّا الإنجيل فيتطلب من المسيحي أن يبحث عن الأكمل ويطلب الأسمى في جميع أعماله وفي مختلف نتائجها على الصعيد الشخصي وعلى صعيد المجتمع. والبر الذي يدعو إليه السيد المسيح المسيحيين اليوم يجب أن "يزيد" على البر الذي تدعو إليه الشرائع المدنية, كما طلب من مستمعيه قديما أن يزيد برّهم على بر شرائع الكتبة والفريسيين ليتمكنوا من دخول ملكوت الله (متى 5: 20). وبقدر ما يدرك المسيحيون هذا التطلب الإنجيلي, يُسهمون في تحسين الأخلاق العامة وتطوير الشرائع المدنية نحو ما هو أفضل لكرامة الشخص البشري ونحو الإنسان المرتجى.
ما هي متطلبات شريعة السيد المسيح وما هي مقوّمات الأخلاقية الإنجيلية؟

ثانيا- قاعدة الأخلاق بحسب الإنجيل المقدّس
الإنجيل هو البشرى الصالحة بأن خلاص الله قد حضر إلينا في شخص يسوع المسيح. إنه رسالة رجاء تُعلَن للبشرية الخاطئة. والأخلاق المسيحية تقوم أولا على الإيمان بهذا الخلاص والانفتاح على هذا الرجاء. هذا ما يشير إليه إنجيل مرقس عندما يوجز كرازة السيد المسيح في مستهل حياته العلنية بالنداء التالي: "لقد تمّ الزمان, واقترب ملكوت الله, فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (1: 15). إعلان الخلاص بمجيء ملكوت الله، وقبول هذا الخلاص بالتوبة والإيمان هما الوجهان المتكاملان للأخلاق الإنجيلية. إن الله هو الذي يبادر البشرية بالخلاص في شخص ابنه يسوع المسيح. تلك هي بشرى الملكوت. والإنسان مدعو إلى دخول الملكوت والعيش بموجب متطلباته بالتوبة والإيمان والمحبة.

1) بشرى الملكوت
أ) مجيءالملكوت في شخص يسوع المسيح
إن أساس الدعوة الإنجيلية إلى التوبة والإيمان ليس التهديد بالدينونة، كما جاء على لسان يوحنا المعمدان: "أثمروا ثمر توبة لائقا... ها إن الفأس على أصل الشجر. فكل شجرة لا تثمر ثمرا جيدا تُقطع وتلقى في النار" (متّى 8:3- 10)، بل إعلان خلاص العالم بمجيء الملكوت في شخص يسوع المسيح. وهذا ما يؤكده لوقا في حديثه عن بدء رسالة السيد المسيح في الناصرة، حيث دخل المجمع يوم السبت وقرأ المقطع التالي من سفر أشعيا: "روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشّر المساكين، وأرسلني لأنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأُطلق المرهقين أحرارا، وأُعلن سنة نعمة للرب" (61: 1- 2). ثم قال للذين في المجمع: "اليوم تمت هذه الكتابة التي تُليت على مسامعكم" (لوقا 16:4-21).
وتجدر الإشارة إلى أن أشعيا يتكلم على الله، فنقرأ في النص الكامل: "... وأعلن سنة نعمة للرب ويوم انتقام لإلهنا". توقّف لوقا عند "نعمة للرب"، وكأنه يريد التأكيد أن وعود الأنبياء بخلاص الله قد تحققت في شخص السيد المسيح، ولكن على نحو جديد بورود النعمة دون الانتقام. لذلك يقول السيد المسيح لتلاميذه عن الملكوت الذي بدأ بمجيئه: "طوبى للعيون التي تنظر ما أنتم تنظرون. فإني أقول لكم: إن كثيرين من الأنبياء والملوك ودّوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم سامعون ولم يسمعوا" (لو 10: 23 - 24).
إن قدرة الله عينها هي التي تظهر في أعمال يسوع. وهذه القدرة هي قدرة محبة ومسامحة ومغفرة وحق وعدالة، هي قدرة على إخراج الشياطين وشفاء المرضى ومغفرة الخطايا. وفي هذه القدرة وهذه المحبة يظهر ملكوت الله، حسب قول السيد المسيح: "فإذا كنت أنا بإصبع الله أُخرج الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله" (لو11: 20، متّى 28:12). إن ملكوت الله يبدأ حيث يتحرر الإنسان من كل القوى المعادية له. إن المستقبل الإسختولوجي قد صار حاضرا في شخص يسوع المسيح. الزمن الحاضر صار موضع المستقبل الآتي، وذلك بفضل أقوال السيد المسيح وأعماله. وهذه الأقوال والأعمال لا تُظهر قدرة الله وحسب، بل تكشف أيضا سر شخص يسوع المسيح, الذي هو الابن الوحيد الذي أرسله الله إلى العالم في تمام الأزمنة ليمنح العالم الخلاص: "لقد دفع إلي أبي كل شيء، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن يريد الابن أن يكشف له. تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين, وأنا أريحكم. إحملوا نيري عليكم, وكونوا لي تلاميذ، لأني أنا وديع ومتواضع القلب, فتجدوا الراحة لنفوسكم. أجل، إن نيري ليّن وحملي خفيف" (متّى 27:11- 30).
إن أساس الأخلاق المسيحية هو مجيء ملكوت الله في شخص يسوع المسيح ابن الله الذي وحده يعرف الآب معرفة كاملة، وبه وحده، بسبب تلك المعرفة عينها، يستطيع الناس أن يصلوا إلى الله. قبل السيد المسيح لم يصل أحد إلى تلك المعرفة الكاملة لله: لا الشعب، ولا المتّقون الحافظون الشريعة، ولا أحد من معاصري يسوع. هذه المعرفة تستند إلى الوحدة الكاملة بين الآب والابن. "فالآب قد دفع كل شيء إلى الابن". وهذا يعني أن الابن هو الوسيط الماسيوي لوحي الله الآب. لا وحي لله الآب خارجا عن الابن. وهذه المعرفة هي في الوقت عينه دخول في حياة الله. فمن خلال الابن يصل التلميذ إلى معرفة الله والاتحاد بحياته.

ب) بيسوع المسيح ابن الله يصير الناس أبناء الله
إن يسوع يدعو الله "أبا". وهـذه اللفظة التي لا استعمال لها في أي من نصوص أدب الصلاة العبري, تشير إلى أُلفة خاصة فريدة بين يسوع والله, إذ هي اللفظة التي يدعو بها الطفل الصغير أباه. وعندما علّم السيد المسيح تلاميذه أن يدعوا الله "أبانا", طلب منهم أن يخاطبوه بتلك الثقة البنوية عينها التي كان هو نفسه يخاطب بها الله. إن التلميذ يدرك بنوّته لله. تلك الموهبة التي نالها بواسطة ابن الله المخلص، ويمكنه ثُمَّت استعمال الألفاظ عينها التي استعملها يسوع. ويعلن إذّاك فرحه وشكره لله الذي تبنّاه وجعله عضوا في أسرته, وهذا التبني يسِم أعماله كلها.
"منذ أن ظهرت إرادة الله في يسوع المسيح, لم يعد ممكنا التحدث من أخلاق مسيحية وعن حياة مسيحية إلا بالعودة إلى شخصه. إن العلاقات الشخصية التي أنشأها يسوع بين التلميذ والله أبيه وبين التلميذ وبينه، لا يمكن أن تقتصر على ممارسة موضوعية غير شخصية للناموس يضطلع بها الإنسان بجهده وأعماله المتنوعة. الحياة الخلقية في نظر الأناجيل الإزائية ليست ممارسة للشريعة، بل هي حياة علاقة بين أشخاص".
هذه الحياة الشخصية مع الله التي يطلبها السيد المسيح من تلاميذه يصفها في عدة أمثلة. فالابن الشاطر يأخذ حصته من ميراث أبيه ويقصد إلى بلد بعيد ويُتلف هناك ماله عائشا في التبذير. وبعد أن اختبر الحياة بعيدا عن أبيه وشعر بالحرمان، قال في نفسه: "أقوم وأمضي إلى أبي". لقد اختبر أن لا خلاص له ولا حياة ولا فرح، خارجا عن علاقة البنوّة مع أبيه. الابن الأكبر لم يعرف في أبيه إلا الوصايا: "كم لي من السنين في خدمتك. ولم أتعدّ قط أمرا من أوامرك، وأنت لم تعطني قط جديا لأتنعّم مع أصدقائي. ولما رجع ابنك هذا, الذي أكل مالك مع البغايا, ذبحت له العجل المسمّن" (لو15: 29-30). إذا حكمنا على موقف الابنين من خلال ممارستهما "الشريعة" وأوامر أبيهما, يكون الابن الأكبر على حق في تفكيره. ولكن الأمر يختلف إذا نظرنا إلى التعرّف إلى الأب في علاقة بنوية حقيقمية. وهذا ما يوضحه الأب لابنه الأكبر: "يا ابني, أنت معي في كل حين" وجميع ما لي هو لك. ولكن كان لا بدّ من أن نتنعّم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش, وكان ضالا فوُجد" (لو15: 31- 32). يحيا الإنسان ويخرج من ضياعه عندما يعرف الله معرفة حقيقية ويحيا منه كما يحيا الابن مع أبيه. هذا هو الخلاص الذي جاءنا به المسيح ابن الله، وهذا هو الملكوت الذي يدعونا إلى دخوله.
وكذلك يوضح مثل الابنين (متّى 28:21- 32) اللذين طلب إليهما والدهما أن يذهبا ويعملا في الكرم أن علاقة الإنسان مع الله تشبه علاقة ابن يعمل في كرم أبيه و يفعل إرادته. والخطأة, من عشّارين وبغايا, يشبهون الابن الذي رفض أولا أن يذهب للعمل في كرم أبيه, ثم ندِم وذهب. وهؤلاء سيسبقون الفريسيين إلى ملكوت الله.
ويصف السيد المسيح أبوّة الله في حديثه عن الصلاة: "إسألوا فتعطوا، أطلبوا فتجدوا, إقرعوا فيفتح لكم... إبنُ من منكم يسأل أباه خبزا, فيعطيه حجرا, أو سمكة، فيعطيه بدل السمكة حية؟ أو إذا سأل بيضة يعطيه عقربا؟ فإذا كنتم, ما أنتم عليه من الشر, تعرفون أن تمنحوا العطايا الصالحة لأولادكم, فكم بالأحرى أبوكم السماوي يمنح الروح القدس لمن يسأله" (لو 9:11- 13).
وبسبب أبوّة الله للبشر، يجب على البشر ألا يقلقوا بشأن اللباس والطعام. ولا يطلبوا إلا ملكوت الله وبرّه، وهذه الأمور كلها تُزاد لهم (متّى 6: 25- 34, لو 16:12- 32). فالملكوت قد أعطي لهم: "لا تخف أيها القطيع الصغير، لأنه قد حسن لدى أبيكم أن يعطيكم الملكوت. بيعوا ما تملك أيديكم وتصدّقوا, إصنعوا لكم أكياسا لا تبلى, وكنزا في السماوات لا ينفد, حيث لا سارق يقترب إليه، ولا عثّ يفسده. لأنه حيث يكون كنزكم، هناك أيضا يكون قلبكم" (لو32:11- 34).

ج) مجانية الخلاص والملكوت
"لقد حسُن لدى أبيكم أن يعطيكم الملكوت". كما أن الآب يحب أبناءه محبة مجانية قبل أن يتاح لهم أن يقوموا بأي عمل تجاهه، هكذا يحب الله أبناءه ويغدق عليهم، دون أي استحقاق من قبلهم, محبته ورحمته ومغفرته. وقد كان تعليم السيد المسيح على هذا النحو مدعاة شك للفريسيين الذين كان تعليمهم يدور حول ما يجب على الإنسان أن يصنعه ليستحق الملكوت.
ولأمثالهم ضرب السيد المسيح الفريسي والعشار الذي توجه فيه الكلام إلى "قوم يثقون من أنفسهم بأنهم صدّيقون ويحتقرون الآخرين" (لو 18: 9- 14). فالعشّار الذي لم يقدّم لله أي عمل صالح من أعمال الناموس سوى توبته رجع إلى بيته مبررا دون الفريسي الذي كان يصوم ويؤدّي العُشر عن مقتنياته. لأن الله إله اليائسين، ورحمته لا حدّ لها على المنكسري القلوب الذين ليي لهم ما يقدمونه لله إلا خطيئتهم وتوبتهم، لينقلهم من اليأس إلى الرجاء, ومن الخطيئة إلى النعمة والبر.
إذ ما من إنسان يستطيع أن يبرر نفسه أمام الله. وهذا ما يعلمنا إياه السيد المسيح في مثل المديونين (لو7: 41- 43)، "اللذين كان لمداين على أحدهما خمس مئة دينار وعلى الآخر خمسون, وإذ لم يكن لهما ما يوفيان به سامحهما كليهما"، وكذلك في مثل العبد المديون (متّى 23:18- 35) الذي كان للملك عليه عشرة آلاف وزنة, "وإذ لم يكن له ما يوفي به, أمر سيده بأن يُباع هو وامرأته وأولاده وجميع ما له ويوفى ما عليه. فخرّ ذلك العبد وسجد له قائلا: أمهلني فأوفيك كل ما لك. فتحنّن سيد ذلك العبد، وأطلقه وترك له الدين". ولأن الله يتصرّف معنا على هذا النحو, يطلب إلينا أن يعامل بعضنا بعضا كما يعاملنا هو. ويختم السيد المسيح هذا المثل بقوله: "هكذا يفعل أبي السماوي بكم، إن لم يغفر كل واحد لأخيه من كل قلبه" (متّى 18: 35).
ولأن خلاص الله مجاني، يكافئ عمال الساعة الحادية عشرة الذين عملوا ساعة واحدة في كرمه على غرار عمال الساعة الأولى الذين حملوا ثقل النهار وحرّه. وذلك لا لأنهم استحقوا أجرتهم بل "لأنه هو صالح"، كما يعلّمنا السيد المسيح في مثل العمَلة المرسلين إلى الكرم (متّى 20: 1- 15). إذ لا أحد أمام الله يستطيع أن يقول إنه استحق أجرته. فجميع الناس خطأة, والله يرحم الجميع. وهذا الموقف الإلهي عبر عنه السيد المسيح ليس فقط في تعليمه بل أيضا في موقفه من الخطأة, فكان يأكل معهم, مشيرا إلى قبولهم إلى مائدة الملكوت. ولما تذمّر الفريسيون والكتبة وقالوا لتلاميذه: "لِمَ تأكلون وتشربون مع العشّارين والخطأة؟"، أجابهم يسوع: "ليس الأصحاء بحاجة إلى طبيب بل المرضى, إني لم آت لأدعو الصديقين إلى التوبة بل الخطأة" (لو 5: 27- 32). 
دعوة الله هي دعوة مجانية للخلاص. وهذا ما يدل عليه مثل المدعوين إلى العشاء الذين لم يلبّوا الدعوة. فأرسل رب البيت ودعا جميع المساكين والجُدع والعميان والعُرج، أي جميع الذين لا يستطيعون أن يبادلوه الدعوة (لو14: 12-24). وعلى مثاله يريد منا أن نتصرف، حسب قوله لواحد من أعيان الفريسيين دعاه يوما إلى بيته ليتناول فيه طعاما: "إذا صنعت غداء فلا تدعُ أخلّاءك، ولا إخوانك، ولا أقرباءك, ولا الجيران الأغنياء, مخافة أن يدعوك هم أيضا فتقوم بذلك مكافأتك. ولكن ادعُ, إذا ما صنعت مأدبة، المساكين والجُدع والعُرج والعميان، فتكون عندئذ سعيدا، إذ ليس لهم ما يكافئونك به، وتكون مكافأتك في قيامة الصدّيقين" (لو 14: 12- 14).
تلميذ المسيح هو شخص وجد الملكوت كما يجد إنسان كنزا مخفيا في حقل, أو كما يجد تاجر لآلئ لؤلؤة ثمينة (متّى 44:13- 46). من يجد كنزا أو لؤلؤة لا يمكنه القول إنه بفضله وباستحقاق أعماله قد حصل على الكنز أو اللؤلؤة. هكذا الملكوت يُعطى لنا دون أن نعمل شيئا لنستحقه. ولكن متى وجدناه، نبيع كل ما لنا ونتخلى عن كل شيء في سبيله. 

2) متطلبات الملكوت: الحياة الجديدة
أ) قبول الملكوت بالتوبة والإيمان
أن يبيع الإنسان كل ما له للحصول على كنز وجده إشارة إلى ضرورة التخلي عن كل ما يملكه وإنكار ذاته لقبول ملكوت الله. التوبة التي يدعو إليها السيد المسيح إزاء بشرى الملكوت ليست مجرّد توبة عن الخطيئة, بل هي، على مثال توبة الابن الشاطر, الاعتراف بالله أبا محبا رحيما، والعودة إليه للحياة معه وعلى مثاله، والاعتراف بالسيد المسيح ابنا لله ومخلصا, وقبول البنوّة الإلهية التي يمنحنا إياها. والإيمان ليس اعتناقا لعقائد وحسب، بل هو أولا قبول شخص يسوع المسيح والاتحاد به، انطلاقا من الاعتقاد بأن ملكوت المحبة والحق والعدالة قد بدأ يتحقق على الأرض من خلال شخصه، وإن بشكل سري وخفي. فإن ملكوت السماوات يشبه حبة خردل صغيرة تنمو لتصير شجرة كبيرة (متّى 13 :31- 32). ويشبه خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال من الدقيق حتى اختمر الجميع (متّى 33:13). الإيمان يرى في حبة الخردل الصغيرة الشجرة الكبيرة, وفي الخمير اليسير العجين كله.
الإيمان بالسيد المسيح وبالملكوت الذي يمثّله يجعل المؤمن يتخلى عن كل شيء ليتبع المسيح ويلتزم تعاليمه: "إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته, وبنيه وإخوته وأخواته, بل نفسه أيضا، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذا، ومن لا يحمل صليبه ويتبعني، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذا" (لو 426:1- 27).

ب) القاعدة الجديدة للأخلاق: الاقتداء بالآب
إن علاقة التلميذ مع الله ومع الناس لم تعد تحكمها سلسلة من الشرائع يمكن الإنسان أن يدّعي ممارستها. فعندما يقبل التلميذ البنوّة التي يُنعم بها الله عليه، تتحول علاقته مع الله من علاقة عبد يُطيع أوامر سيده إلى علاقة ابن يقتدي بأبيه في كل تصرفاته وفي جميع أخلاقه. هذا ما أوضحه السيد المسيح بقوله في إنجيل لوقا: "كونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم" (6: 36). هذا القول يصير في إنجيل متّى: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (5: 48), ويقابله في العهد القديم القول التالي: "كونوا قديسين, فإني أنا إلهكم قدوس" (أح 2:19). بدل لفظة "إلهكم" استعمل السيد المسيح "أباكم"، مشيرا إلى القاعدة الجديدة التي يجب أن يسير تلاميذه بموجبها، فيسعوا إلى القداسة والكمال والرحمة, انطلاقا من بنوّتهم لله واقتداء بأبيهم.
الاقتداء بالله الآب هو تعبير آخر للتتلمذ للمسيح الابن. فمن يتحد بالمسيح الابن يقبل في الوقت عينه الله أبا, وتصير قاعدة أخلاقه الاقتداء بالله الآب على مثال الابن يسوع المسيح وبالاتحاد معه. هذا هو جوهر الأخلاق المسيحية الناتج من أن ملكوت الله قد أعطي لنا في شخص ابن الله يسوع المسيح. إن اتّباع يسوع، كما ورد في عدة مقاطع من الإنجيل (متّى 16: 24, مر 8: 34، 38:10- 45, لو 14 : 25- 27)، يعني أكثر من السير وراء معلم كبير. فليس المقصود فقط أن يترك المرء كل شيء ويرتد، فهذا كان معهودا في اليهودية. الأمر المميز في اتّباع يسوع هو أن يترك التلميذ كل شيء ليحقق علاقة شخصية بينه وبين السيد المسيح, وقد اعترف بأن المسيح هو في شخصه الملكوت الآتي، النعمة التي أنعم بها الله علينا إذ جعلنا أبناءه. الدعوة إلى الكمال في نظر السيد المسيح ليست مجرّد مطلب أخلاقي على الإنسان أن يجتهد في تحقيقه. بل هي بالحري نعمة يُعطاها مع إعلان البشرى الصالحة بمجيء الملكوت. لذلك فإن نقطة انطلاق المسيحي للعمل الخُلقي لا تكمن في سعيه لتخطّي عجزه, بغية الوصول إلى مثال إنساني, بل في النعمة التي يعطاها أن يصير ابن الله ويدخل ملكوته ويحيا من ملء المحبة التي يؤمن أن الله قد أفاضها عليه في شخص ابنه يسوع المسيح.
لذلك لا تتسم أخلاق الإنجيل بسِمة الشرائع. فالزمن لم يعد زمن شرائع بل زمن ملكوت الله: "فلقد بقي الناموس والأنبياء إلى يوحنا, ومنذئذ يبشّر بملكوت الله, وكلٌّ يجتهد في الدخول إليه" (لو 16: 16). وهذا ما سيوضحه بولس الرسول بقوله: "الناموس كان مؤدبنا يرشدنا إلى المسيح, لكي نبرر بالإيمان. فبعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب. لأنكم جميعا أبناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع, لأنكم أنتم جميع الذين اعتمدوا للمسيح، قد لبستم المسيح" (غلا 3: 24- 27). وهذا ما يؤكده أيضا يوحنا في إنجيله: "فإن الناموس قد أعطي بموسى. وأمّا النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا" (17:1). 

ج) جذرية الأخلاق المسيحية
الفرق بين الشريعة والتبنّي يقوم على أمرين: الأمر الأول هو أن الشريعة تُفرض بالقوة وبتهديد العقاب لمن يخالفها. أمّا التبنّي فهو دعوة إلى أن يقبل الابن محبة أبيه بكل قلبه ويقتدي بأعماله بملء حريته. والأمر الثاني هو أن التبنّي أكثر تطلّبا من الشريعة. فالابن يتصرف انطلاقا من محبته, وفي حين أن الشريعة محدودة في أنظمتها وقوانينها، المحبة لا حدود لها. لذلك يقول السيد المسيح: "إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (متّى 5 : 20).
لم يأت السيد المسيح ليقيم شرائع جديدة عوضا عن الشرائع القديمة. فالمرور من زمن الشريعة إلى زمن النعمة لا يعني إزالة الشرائع القديمة. وهذا ما يؤكده السيد المسيح نفسه بقوله: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، إني ما جئت لأنقض بل لأكمّل. الحقَّ أقول لكم: إنه, إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول من الناموس ياء ولا نقطة حرف حتى يتم الكل" (متّى 17:5-18). ويوضح في بعض الأمثلة كيف يتم ذلك. فالناموس يقول: "لا تقتل", "لا تزن", "لا تحنث بل أوفِ للرب بأيمانك". هذه الوصايا لن تزول. ولكن الجديد في تعليم السيد المسيح هو ألا ينظر الإنسان إلى ما تأمر به من أعمال خارجية وحسب. بل أولا إلى القلب الذي منه تصدر تلك الأعمال. ومتى ارتدّ القلب إلى الله وآمن بالملكوت الذي أنعم به عليه وبمحبة الله له التي أفيضت في قلبه، لا يعود يكتفي بأن يتمم تتميما حرفيا وخارجيا وصايا الناموس, ولا يعود يسأل علماء الناموس أو الكتبة إلى أي حد يمكنه الوصول في أعماله. بل يعطي ذاته كليا لتتميم إرادة الله دون مساومات ودون قيود ولا شروط لالتزامه.
من هنا تتسم أخلاق الإنجيل بسمة الجذرية. فتلميذ المسيح لا يمتنع فقط عن قتل أخيه بل حتى عن الغضب على أخيه: "سمعتم أنه قيل للأقدمين: لا تقتل، فإن من قتل يستوجب المحاكمة, أمّا أنا فأقول لكم: إن كل من غضب على أخيه يستوجب المحاكمة, ومن قال لأخيه: "راقا" يستوجب المحفل، ومن قال له: "يا معتوه" يستوجب جهنم النار" (متّى 5: 21- 22).
وتلميذ المسيح لا يمتنع عن الزنى وحسب, بل عن كل نظرة شهوانية: "سمعتم أنه قيل: لا تزنِ، أمّا أنا فأقول لكم: إن كل من نظر إلى امرأة حتى ليشتهيها, فقد زنى بها في قلبه" (متّى5 :27-28).
وتلميذ المسيح لا يمتنع عن القسم الكاذب وحسب, بل عن أي قسم كان: "سمعتم أنه قيل للأقدمين: لا تحنث بل أوف للرب بأيمانك. أمّا أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة, لا بالسماء لأنها عرش الله، ولا بالأرض, لأنها موطئ قدميه... فليكن كلامكم: نعم, نعم, ولا، لا. وما يُزاد على ذلك فهو من الشرير" (متّى 33:5- 37).
إن ما يريده السيد المسيح من تلاميذه هو الانقطاع الكلي عن أي عمل شرير. لذلك أيضا في الأقوال الثلاثة الأخرى حول الطلاق والانتقام وبغض العدو، لا يطلب فقط تقليص الشر بل العمل على إزالته إزالة تامة: "لقد قيل: من طلّق امرأته فليدفع إليها كتاب طلاق. أمّا أنا فأقول لكم: إن من طلّق امرأته, إلا في حالة الزنى, فقد عرّضها للزنى, ومن تزوّج مطلّقة فقد زنى" (متّى 31:5-32).
"سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. أمّا أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن، فقدّم له الآخر أيضا. ومن أراد أن يرافقك إلى القضاء ويأخذ ثوبك، فخلّ له الرداء أيضا. ومن سخّرك لميل واحد فامض معه ميلين. من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تحوّل وجهك عنه.
"وسمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم, وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم, لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات, فإنه يُطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والأثمة" (متّى 5: 38- 45).
لقد حاول الناموس القديم, نظرا إلى إزالة الشر إزالة تامة, أن يضع له حدودا ويوقف امتداده. وهذا ما لم يقبله السيد المسيح. فبحضور ملكوت الله لا بدّ لأبناء الملكوت أن يعملوا على إزالة الشر من جذوره. فإزاء من يعتدي عليهم, يطلب منهم السيد المسيح أن يمتنعوا عن الرد, حتى وإن اقتصر الرد على العين بالعين أو على السن بالسن, أي على ضربة بضربة مماثلة. فالخصام بين الناس لا يمكن وضع حد له، إلا إذا كان أحد مستعدا أن يقدّم الخد الآخر لمن لطمه على الخد الأيمن. وكذلك في موضوع الطلاق, لا يدخل السيد المسيح في موضوع النقاش بين علماء الناموس حول الحالات التي يجوز فيها الطلاق، بل يطلب تغيير الذهنية تغييرا جذريا, وارتداد القلب ارتدادا تاما في علاقة الناس بعضهم مع بعض. لم يدخل السيد المسيح وصية جديدة تناقض الوصية القديمة. بل عاد إلى إرادة الله الأولى منذ البدء: "في بدء الخليقة, ذكرا وأنثى خلقهما الله, فلذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته، وكلاهما يصيران جسدا واحدا, ومن ثم فليسا هما اثنين بعد، بل هما جسد واحد, فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان" (مر 10: 6- 9).
إن ما أراده الله منذ البدء ولم يستطع الإنسان تطبيقه لقساوة قلبه, صار اليوم ممكنا بسبب مجيء الملكوت، أي بفضل النعمة التي يُغدقها الله على الذين يدخلون في حياة بنوّة معه بواسطة ابنه يسوع المسيح. وهذا يعني أن الزوجين, متى قبلا نعمة الملكوت يلتقي أحدهما الآخر في الإيمان والرجاء والمحبة وهما يؤمنان أن محبة الله قد أفيضت في قلبيهما, ولذلك يبقيان على الرجاء في الأمانة الزوجية, حتى ولو فقدا كل رجاء بشري. وهذا يعني أيضا أن تلميذ المسيح, في عالم مليء بالعنف والثأر والقتل, يؤمن أنه بإمكانه أن يشهد للمحبة والمغفرة والمسامحة، وتكون شهادته خميرة في عجين العالم ليصير العالم كله ممتلئا من روح الإنجيل.
لذلك لا يمكن القول إن السيد المسيح قد أراد أن يحدّد لنا شرائع جديدة عوضا عن القديمة. بل إنه من خلال المقابلة التي يجريها بين أقوال العهد القديم وأقواله هو, أراد أن يعلّمنا أن علاقات الناس بعضهم ببعض لا يمكن أن تتحسن بوسائل الناموس القديم الذي أعطي بسبب قساوة قلوب الناس، ومن هذه الوسائل: الطلاق, والعين بالعين، وبغض الأعداء، بل بالإمكانيات التي فتحها أمامنا مجيء ملكوت الله وسيادة محبته في شخص يسوع المسيح، أي بالمسامحة والمغفرة والمصالحة والأخوّة. وهكذا يكون تلاميذ المسيح "أبناء أبيهم الذي في السماوات الذي يُطلع شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار والأثمة" (متّى 5: 45).
إن متطلبات الإنجيل وحياة الملكوت ليست شرائع أخلاقية جديدة حلّت محلّ الشرائع القديمة. بل هي بالحري أمثلة واقعية تحدد التوجيه الذي يجب أن يسيّر أعمالنا، والصفة التي يجب أن تتصف بها, والسمو الذي يجب أن ترتفع إليه. ففي عالم مليء بالكراهية والأنانية وحب الانتقام، يدعو السيد المسيح تلاميذه الذين أحبهم الله وغفر لهم وتبنّاهم إلى أن يشهدوا لما أنعم به الله عليهم، ويتحلّوا بصفات الله من مسامحة ومغفرة وتجرّد وتواضع واحترام لشخص كل إنسان، وصبر وطول أناة. هذا الاتجاه الذي يطلب منهم السيد المسيح أن يسيروا فيه في كل علاقاتهم مع الناس هو اتجاه عام، وفي الوقت عينه يحقق في دقائق الأمور (من ضربك على خدك الأيمن... من سخّرك لميل واحد... من طلب ثوبك... من طلب أن يستقرض مالك... إلخ), ولكنه لا حدود له, بل يفتح المسيحي على أفق من الكمال لا يمكنه إدراكه ولا البلوغ إليه.
لقد طلب الناموس القديم أن يؤدي الإنسان العُشر من كل أمواله. لم يُلغ السيد المسيح تلك الوصية بل طلب أن تقترن بالعدل والرحمة, وأن يتخذ الإنسان موقفا متجرّدا من المال يعطي الوصية معناها العميق ويدخلها في إطار شامل في العمل على مثال الله. وهذا الموقف من المال يتبيّن لنا من بعض ما جاء في الإنجيل من أقوال للسيد المسيح: "لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال" (متّى 6: 24), "لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض" (متّى 19:6), كل واحد منكم، إن لم يزهد في جميع أمواله، لا يستطيع أن يكون لي تلميذا" (لو33:14), "بيعوا ما تملك أيديكم وتصدّقوا، اصطنعوا لكم أكياسا لا تبلى" (لو 33:12), "من سألك فأعطه" (متّى 42:5).
وكذلك القول بالنسبة إلى سائر الأمور التي توضح علاقة التلميذ بالله كالصلاة والصوم (متّى 6: 7- 18), وعلاقته بالقريب: كالصدقة (متّى 6: 1- 6) والمحبة (متّى 7: 1-5) والخدمة (متّى 25: 31- 46).
وفي جميع هذه الأمور يسعى التلميذ إلى "البر الأعظم" الذي يجب أن يزيد على بر الكتبة والفريسيين. وهذا "البر الأعظم" يجب ألا يُفسر كأنه مطلب أخلاقي يمكن التلميذ تحقيقه تحقيقا تامّا. بل هو مطلب ديني يقضي بأن يُخضع الإنسان ذاته لإرادة الله ويقبل دعوته في طهارة القلب وجذرية العطاء والثقة التامة بنعمته ومساعدته وخلاصه. وفي كل أعماله يعتبر التليمذ تعاليم السيد المسيح الأخلاقية مبادئ أساسية يرتكز دوما إليها ويسير بهديها في بحثه عن التصرف الأكثر ملاءمة وحياته الجديدة في ملكوت الله, ملكوت النعمة والمحبة. وهذه التعاليم تساعده على أن يعمل باستمرار على تصحيح مسيرته وتنقية رؤيته, وهدفه على الدوام تحقيق ملكوت الله في العالم, وتأليه البشر ليعملوا في العالم أعمال الله!
إن حرية التلميذ لا تنفي تنظيم الواجبات الأخلاقية في الحياة الاجتماعية المسيحية. وإلا استحال إيصال متطلبات الأخلاق الإنجيلية إلى كل المسيحيين داخل الكنيسة. وهذا ما أدركته سريعا الكنيسة الأولى عندما حاولت أن تطبق تعاليم الإنجيل الأخلاقية على حياة المسيحيين في مختلف الظروف والأحوال.

ثالثا- التعاليم الأخلاقية في الكنيسة الأولى: أساسها وميزتها
لقد كانت رسالة السيد المسيح وتعاليمه المحور الذي بَنت عليه الكنيسة الأولى مبادئها في الأخلاق, ونقطة الانطلاق لكل ما قدمته للجماعات الكنسية من تعاليم ووصايا وما سنّته من تشريعات أخلاقية. فالمطلب الأخلاقي الأساسي ينتج من كون الله قد دخل تاريخ البشر دخولا نهائيا وخلاصيا في شخص يسوع المسيح الذي هو، لأجل ذلك عينه, الرب والمخلّص. ومن يقبل عمل الله الخلاصي يعبّر عن هذا القبول بالتوبة والمعمودية باسم يسوع. إذّاك يصير الإنسان كائنا جديدا مخلّصا متحدا بالله. وما الأخلاق المسيحية برمّتها سوى تحقيق هذا الكيان الإلهي الجديد الذي يحصل عليه الإنسان بالمعمودية. فالأخلاق هي نتيجة التألّه، وهي تحقيق التألّه في مختلف ظروف الحياة.
لذلك من ينظر إلى الوصايا والإرشادات المتنوعة في رسائل بولس الرسول وسائر الرسائل يلاحظ أن معظمها يدور على الحياة الروحية. والتعاليم الأخلاقية تندرج دوما في إطار واسع من الوصايا والإرشادات الروحية. ذلك أن أساس هذه التعاليم ونقطة ارتكازها وانطلاقها وهدف توجهها إنما هو يسوع المسيح في أعماله وأقواله، ولكن ليس فقط بالنظر إلى بعض ما حفظه التاريخ من أحداث حياته وتعاليمه، بل أيضا استنادا إلى ما يريد أن يقوله اليوم للذين آمنوا أنه قد قام من بين الأموات، وأقامهم معه إلى حياة الله، وأنه لا يزال حاضرا في ما بينهم.
هذا هو الأساس الروحي الذي بنت عليه الكنيسة الرسولية تعاليمها الأخلاقية، والذي وحده يستطيع أن يسِم الأخلاق المسيحية بسِمتها الخاصة التي بها تتميز عن أخلاق سائر الأديان والفلسفات. كيف تظهر هذه السمة الخاصة في مختلف التعاليم الأخلاقية؟

1) أقوال الرب يسوع
لقد رأت الكنيسة الأولى في أقوال السيد المسيح قياسا أسمى ومثالا أعلى لتوجيه تصرف أبنائها ومسلكهم الأخلاقي.

أ) ذكر صريح لأقوال الرب يسوع
نلاحظ أن بولس الرسول لا يذكر ذكرا صريحا أقوال الرب يسوع إلا مرتين: في موضوع أجرة الذين يبشرون بالإنجيل (1 كو 9: 14)، وموضوع الزواج (1 كو 7: 10). فالموضوع الأول ليس موضوعا أخلاقيا بقدر ما هو موضوع مرتبط بتنظيم حياة الجماعة الكنسية. ففي1 كو 9:9 يقول بولس: "قد كُتب في ناموس موسى: "لا تكمَّ الثور في دياسه" (تثنية 25: 4). ألعلّ الله تهمّه الثيران؟ أوَليس من أجلنا، ولا مراء، يقول هذا؟ أجل، إنه من أجلنا قد كُتب: إن من يحرث فليحرث على الرجاء، ومن يدوس فعلى رجاء أن يكون شريكا في الغلّة... أوَلا تعلمون أن الذين يتولّون الأعمال الكهنوتية يأكلون من الهيكل، والذين يلازمون المذبح يقاسمون المذبح؟ هكذا رتّب الرب أيضا أن الذين يبشّرون بالإنجيل يعيشون من الإنجيل" (1 كو 9:9- 14).
في هذا القول الأخير إشارة إلى قول السيد المسيح: "وأي بيت دخلتموه، فقولوا أولا: السلام لهذا البيت... وامكثوا في ذلك البيت تأكلون وتشربون مما عندهم. فإن العامل مستحق أجرته" (لو 10: 5- 7), "فإن العامل مستحق طعامه" (متّى 10: 10). إن لقول السيد المسيح هذا، في نظر بولس، أهمية على غرار أقوال ناموس موسى. لذلك يذكره إلى جانب أقوال الناموس. ولكن بولس لا يرى فيه وصية إلزامية بل مجرّد حق. وهذا الحق قد تخلّى عنه بولس لأجل هدف أخلاقي أسمى, لئلا يعوّق بشارة الإنجيل بشيء, فيقول: "إن كان لآخرين هذا الحق عليكم, أفلسنا نحن أولى؟ ومع ذلك لم نستعمل هذا الحق، وإنما نحتمل كل شيء لئلا نعوّق إنجيل المسيح بشيء... فما ثوابي إذن؟ هو أني، إذا بشّرت, أبشّر بالإنجيل مجانا غير مستوف حقي في الإنجيل (1 كو 12:9 , 18).
إن ما نستخلصه من تصرّف بولس هذا هو أنه, لدى تغيّر الظروف الاجتماعية والكنسية، من بعد قيامة الرب، يجوز للمبشرين بالإنجيل أن يعيشوا من تعب أيديهم, على خلاف التلاميذ الذين كانوا يتبعون يسوع في حياته (راجع لو10: 4-8). وهكذا في هذا الموضوع تجب المحافظة على وصية السيد المسيح، ولكن ليس في حرفها بل في قصدها وجوهرها.
أمّا في موضوع الزواج, فيقول بولس إن وصية الرب يسوع هي وصية إلزامية. "أمّا المتزوجون, فأوصيهم، لا أنا, بل الرب: أن لا تفارق المرأة رجلها, وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة, أو فلتصالح رجلها, وأن لا يترك الرجل امرأته" (1 كو 7: 10- 21). وفي هذا القول إشارة إلى جاء في الإنجيل عن الزواج والطلاق (راجع مر 10: 2-12, متّى 3:19- 12). ولكن بولس نفسه يعود فيستثني من هذه الوصية الإلزامية حالة قران بين زوج مسيحي وآخر غير مسيحي: "أمّا الباقون فأقول لهم, أنا لا الرب: إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة, وهي ترتضي أن تقيم معه, فلا يتركها, والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهو يرتضي أن يساكنها, فلا تترك رجلها. لأن الرجل غير المؤمن يقدّس بالمرأة المؤمنة, والمرأة غير المؤمنة تقدّس بالأخ المؤمن، وإلا فيكون أولادكم نجسين, والحال أنهم قديسون. ولكن, إن فارق غير المؤمن, فليفارق, فليس الأخ أو الأخت مستعبدا في مثل هذه الأحوال. فإن الله قد دعاكم لتعيشوا في سلام، فما أدراك, أيتها المرأة, أنك تخلصين رجلك؟ وما أدراك أيها الرجل, أنك تخلّص امرأتك؟" (1 كو8: 12- 16).
هكذا يطبّق بولس الرسول وصية السيد المسيح على وضع خاص, مجتهدا أن يحافظ على جوهر الوصية وهو العيش في سلام والعمل على خلاص الآخر. فوصايا السيد المسيح ليست شرائع ضيقة يجب الأخذ بها حرفيا وبمنأى عن الوضع الإنساني المتبدّل. إنما تهدف إلى كمال المحبة في حياة كل إنسان. وعلى المسيحي أن يتبعها في جذرية تطلّباتها وسمو هدفها.

ب) صدى أقوال الرب يسوع في الكنيسة الأولى
إلى جانب الشهادات التي يرد فيها ذكر صريح لأقوال السيد المسيح, هناك تعاليم كثيرة في الكنيسة الأولى يترجّع فيها صدى أقوال السيد المسيح دون أن تكون ذكرا حرفيا لتلك الأقوال. وقد وصل علم التفسير الكتابي إلى النتائج التالية في هذا الموضوع: 
1) هناك في الكنيسة الأولى تقليد لمجموعة من "أقوال الرب يسوع" تعود إلى ما قبل تدوين الأناجيل،
2) هذا التقليد كان ثابتا ومقبولا قبولا شاملا بحيث كان يعتبر على الدوام المرجع الأخير في مختلف المسائل,
3) في حين كانت لهذه الأقوال سلطة مطلقة في جوهرها، كان هناك بعض الاختلاف في ألفاظها، إذ نجد أشكالا متعددة للقول عينه,
4) بعض هذه الأقوال على الأقل أُدرج في ما بعد في الأناجيل.
وقد كان لهذه الأقوال تأثير كبير على التعاليم الأخلاقية في الكنيسة الأولى، نذكر في ما يلي بعض ما ورد منها في رسائل القديس بولس:
هناك أولا أقوال في موضوع المحبة: محبة القريب، ومحبة الأعداء، وضرورة المغفرة والمسامحة على مثال السيد المسيح.
ففي محبة القريب يقول بولس: "إن الناموس كله يُتمّم في هذه الوصية الواحدة: أحبب قريبك كنفسك" (غلا 5: 14), "من أحب القريب قد أتمّ الناموس. فإن هذه الوصايا: لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشتهِ, وكل وصية أخرى تُلخّص في هذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك" (رو8:13-9).
وفي محبة الأعداء يقول: "نُشتَم فنبارك, نُضطهد فنحتمل، يُشنّع علينا فنصلّي" (1كو 4: 12- 13)، "باركوا الذين يضطهدونكم، باركوا ولا تلعنوا... لا تكافئوا أحدا على شر بشر... لا تنغلب للشر، بل اغلب الشر بالخير" (رو 12: 14 , 17 , 21)، "لماذا لا تحتملون بالحري الظلم، لماذا لا تصبرون بالحري على السلب؟" (1 كو 7:6). هذه الأقوال صدى لما جاء في الأناجيل: في عظة السيد المسيح على الجبل (متّى 43:5-44 لو 27:6- 28)، وفي جوابه عن سؤال أحد علماء الناموس: "ما هي أعظم الوصايا في الناموس؟" (متّى 22: 35- 40).
وعن المغفرة والمسامحة يقول بولس: "احتملوا بعضكم بعضا، وتسامحوا، إن كان لأحد شكوى على آخر وكما أن الرب سامحكم, سامحوا أنتم أيضا" (كو 13:3). وهذا القول صدى لما جاء في الإنجيل في الصلاة الربية (متّى 12:6- 15), وفي مثل المديون المداين: "أفما كان ينبغي لك, أنت أيضا, أن ترحم رفيقك، كما رحمتك أنا؟" (متّى 21:18-35).
وفي الموقف الذي يجب على المسيحي أن يتخذوه من دفع الجزيه للسلطات الرومانية الوثنية, يقول بولس: أدّوا للجميع حقوقهم: الجزية لمن له الجزية, والجباية لمن له الجباية" (رو 13: 7). وهذا القول مشابه لما قاله السيد المسيح في الإنجيل: "أدّوا ما لقيصر لقيصر, ومالله لله" (متّى 21:17:22).
كذلك نجد قولا مشابها في موضوع الأطعمة, في الفصل الرابع عشر من الرسالة إلى الرومانيين. ففي كنيسة تضم كثيرين من اليهود، كان من الطبيعي أن يحدث تساؤل حول ما يمكن للمسيحي أن يتناوله من الأطعمة، وهل هناك أطعمة نجسة وفقا للتقاليد اليهودية القديمة؟ يجيب بولس بوضوح: "إني عالم ومتيقّن في الرب يسوع أنه ما من شيء نجس في ذاته" (رو 14:14). وهذا القول يذكّرنا بقول السيد المسيح في الإنجيل: "ليس شيء مما هو خارج الإنسان يمكنه, إذا دخل الإنسان، أن ينجّسه, بل ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجّس الإنسان". ويضيف مرقس: "بهذا أُعلن أن جميع الأطعمة نقية" (مر 7: 14 -19).
وتجدر الإشارة إلى أن بولس ومرقس يستعملات للدلالة على ما هو "نجس" لفظة يونانية يندر استعمالها في هذا المعنى, وهي لفظة "كينوس". فاتّفاقهما على استعمالها دليل على أن قول الرب هذا كان معروفا لدى كليهما, ولذلك نلاحظ أن بولس يعرض المبدأ بثقة تامة، إذ إن هذا المبدأ يستند إلى قول من الرب نفسه.
وبهذه المناسبة يرِد أيضا قولان للرب, أحدهما عن دينونة الآخرين والآخر عن إثارة الشك لدى الضعفاء. يقول بولس: "من كان ضعيفا في الإيمان, فاقبلوه بغير مباحثة في الآراء. من الناس من يعتقد أن له أن يأكل من كل شيء, وآخر ضعيف لا يأكل إلا بقولا. فالذي يأكل لا يزدَرِ من يأكل, والذي لا يأكل لا يديننّ من يأكل، لأن الله قد قبله. فأنت من تكون فتدين عبد غيرك؟ إنه لمولاه يثبت أو يسقط. بيد أنه سيثبت, لأن الرب قادر أن يثبّته... فأنت إذن لِمَ تدين أخاك ... فإنا جميعا سنقف أمام منبر الله (رو 14: 1- 4 ,10), ثم يضيف: "فلا يَدِن بعضنا بعضا من بعد. بل احكموا بالحري أن لا يوضع للأخ معثرة أو شك" (رو 13:14).
لا يب في أن بولس كان يفكر بقولين للرب: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا, فإنّكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون" (متّى 7: 1- 2) و "الويل للإنسان الذي تقع المعاثر عن يده" (متّى 18: 6- 9). واللفظة اليونانية المستعملة في كل من الرسائل و الإنجيل للدلالة على المعثرة هي عينها "سكانذلون"، وبولس يستعملها لأنها معروفة في قول ثابت للسيد المسيح, ويضيف إليها كلمة أخرى أكثر بلاغة ولها المعنى عينه "بروسكومّا"، أي الشك ويعود إلى التنبيه "من الذين يحدثون الشقاقات والمعاثر" في رو 17:16.
كذلك نرى تذكيرا بقول السيد المسيح في قول بولس: "وضعت نفسي لترتفعوا أنتم" (2 كو 11: 7, راجع لو18: 14, "من يرفع نفسه يوضع, ومن يضع نفسه يُرفع"), وفي قوله: "فإذا كنت حرا من الجميع عبّدت نفسي للجميع، لكي أربح الأكثرين" (1 كو 9: 19، راجع قول السيد المسيح في متّى 20: 26- 28, "من أراد ن يكون فيكم كبيرا يكون لكم خادما, ومن أراد أن يكون الأول يكون لكم عبدا, على مثال ابن البشر, فإنه لم يأت ليُخدَم بل ليَخدم ويبذل نفسه فداء عن الكثيرين").

2) أعمال الرب يسوع
إن ما يستند إليه بولس الرسول في تعاليمه الأخلاقية ليس فقط بعض أقوال من السيد المسيح, بل قبل ذلك المثل الذي تركه لنا السيد في كل حياته: في استعداداته, أي في اختياره الأساسي, في عمق نيّته وإرادته واتجاه حياته, وفي كل أعماله الناجمة عن هذا الاختيار الأساسي. ففي الرسالة إلى الفيليبيين يطلب بولس من المسيحيين "أن يكونوا على رأي واحد", ثم يضيف: "ليكن فيكم الاستعدادات ما هو في المسيح يسوع", ثم يأتي النشيد الذي يوضح هذه الاستعدادات.
"هو القائم في صورة الله, 
لم يعتدّ مساواته لله [حالة] مختلسة،
بل لاشى ذاته، آخذا صورة عبد،
صائرا شبيها بالبشر، فوُجد كإنسان في الهيئة،
ووضع نفسه، وصار طائعا حتى الموت، [بل] موت الصليب!" (في 2: 2- 8).
هذا السلوك يدعوه بولس نعمة، أي محبة تعطي ذاتها، بقوله: "وأنتم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح كيف أنه، هو الغني، قد افتقر من أجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره" (2 كو 9:8).

3) ناموس المسيح
من هذا السلوك تستقي وصية المحبة ميزتها وأصالتها. ووصية المحبة هي التي يدعوها بولس "ناموس المسيح" (غلا 2:6، 1 كو 9: 21)، بالمقارنة مع ناموس موسى (1 كو 9: 9). إن لفظة "ناموس"، متى ارتبطت بالمسيح، لا تصح إلا بمعنى مجازي، أي كنهج نتصرّف بموجبه في كل أعمالنا. ولكن ناموس المسيح يتميز عن أي ناموس آخر بأمرين: أولا إنه لا يُفرض من الخارج، وثانيا لا يُقبل عن كُره.
إن ناموس المسيح لا يُفرض على المسيحي من الخارج، بل ينبع من كيانه الجديد. فالمسيحي يرى في ناموس المسيح، أي في المحبة على مثال المسيح وبالمسيح، طريقة حياة منسجمة مع الكيان الجديد الذي حصل عليه من خلال ولادته الجديدة بالمعمودية. ثم إن ناموس المسيح لا نقبله عن كره، ذلك أن المسيح هو في كيانه وحياته أصدق صورة وأكمل تعبير لمحبة الله للعالم. والإنسان الذي يقبل المسيح ويصير معه بالمعمودية كائنا واحدا، إنما يفعل ذلك إيمانا منه بأن المسيح هو الطريق الذي به يصل إلى كمال كيانه في الله، وهو الحق والحياة اللذان بهما يحصل على سعادته على هذه الأرض وفي حياة الأبد. لذلك فالوصايا التي تنطوي عليها الأخلاق المسيحية لا يقبلها المسيحي عن كره بل عن فرح وقناعة لأنه يرى فيها الطريق إلى تحقيق إنسانيته في كل أبعادها وبالتالي إلى سعادته، إذ إن سعادة أي كائن تقوم على تحقيق كيانه.
استنادا إلى هاتين الميزتين اللتين يتسم بهما ناموس المسيح، يمكننا القول إن ناموس المسيح لا يعني مجرد تعاليم تسلّمناها من المسيح معلمنا ونسعى لتطبيقها بجهد وقلق، دون أن نعلم مدى نجاحنا في هذا التطبيق، بل هو بالحري كيان جديد نحصل عليه باتحادنا بالمسيح, بحيث نحب بالمحبة عينها التي بها أحبنا المسيح، ونغفر بالمغفرة عينها التي بها غفر لنا المسيح, ونعمل بموجب البر عينه الذي حصلنا عليه بالمسيح.
وبما أن المحبة التي بها أحبّنا المسيح هي عينها محبة الله لنا, والمغفرة التي بها غفر لنا المسيح هي عينها مغفرة الله لنا, والبر الذي حصلنا عليه هو عينه بر الله, فحياتنا مع المسيح وبالمسيح في المحبة والمغفرة والبر هي عينها ناموس المسيح وهي عينها حياة الله فينا. من هذا ينتج ن الأخلاق المسيحية هي تحقيق ملكوت الله على الأرض، كما ورد في الأناجيل الإزائية, وتحقيق حياة الله في حياة البشر، كما ورد في إنجيل يوحنا, وتحقيق بر الله في هذا العالم كما ورد في رسائل بولس الرسول. والألفاظ الثلاثة هي تعابير متنوّعة للدلالة على مفهوم واحد هو تأليه الإنسان.
فالأخلاق المسيحية هي إذا تحقيق تأليه البشر، إنها التعبير الحسي في مختلف ظروف الحياة الخاصة والاجتماعية للتألّه الذي يحصل عليه الإنسان باتّحاده مع الله, بوساطة يسوع المسيح ابن الله. بها تتحقق سيادة الله على العالم، أي بها يتّخذ الله ومحبته وجها في هذا العالم.
يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: "الأخلاق المسيحية تتحقق انطلاقا من الإيمان بأن حياتنا قد أعطيت لنا في المسيح, على رجاء أن تلك الحياة ستصل إلى كمالها. من هنا يتميز الوجود المسيحي بالإيمان والرجاء في المحبة. ما يميزنا ليس أننا نؤمن ونرجو ونحب، فهذا له وجود في سائر الأديان والأخلاق, بل أننا نعتبر أن كياننا الإنساني ينطلق من المسيح بالإيمان ويتوجّه نحو المسيح بالرجاء، وأن المحبة التي نعنيها ليست أية محبة نجدها لدى أي إنسان، بل هي المحبة التي بها أحبّنا الله في المسيح. وفي هذه المحبة عينها نحن محبوبون، وفي هذه المحبة عينها علينا أن نحب نحن أيضا بدورنا.
"انطلاقا من هذا الأساس للوجود المسيحي يمكننا أن ندرك الميزة الخاصة التي بها يتميز تحقيق الوجود المسيحي. ما هو جديد ليس ما يُطلب من المسيحيين بنوع خاص ولا يُطلب من غيرهم, بقدر ما هو الحالة التي تُطلب فيها هذه الأعمال من المعمّدين, والتي فيها يستطيعون ويجب عليهم أن يحققوا تلك الأعمال, الجديد هو بالحري الطريقة التي فيها تتم تلك الالتزامات من المعمّدين. فالمعمّد يجب ألا يخدم الخطيئة من بعد كما كان يفعل من قبل عندما كان تحت الناموس، أي بطريقة تؤدّي به حتما إلى الموت وإلى الهلاك وإلى الدينونة, بحيث إن الجهاد ضد الشر هو مسبقا جهاد خاسر (رو 6: 6 ,12- 16 الخ, 7: 5- 6, غلا 13:5 الخ راجع كو 13:2, 3: 5, أف 2: 1 الخ, 3:5 الخ). 
"المسيحي لا يحتاج من بعد أن ينحني بقلق (عن طريق العبادة أو الفرائض) أمّا قوى العالم ليرتفع إلى العلاء نحو الله ويحصل على الخلاص. فإنه قد صار إلى العلاء (كو 2: 6 الخ، 3: 1الخ, راجع أف 2: 1الخ). أي إن ما يأتي إلى لقائه التزاما يُطلب منه، إنما هو ملء كيانه المُعطى له في المسيح. والمطلَب الأخلاقي، الذي هو في النهاية مطلب الله من البشر لخلاصهم، لا يحدث منذ يسوع المسيح إلا في حصولهم على الخلاص عينه من خلال يسوع وبيسوع في الروح القدس".
ناموس المسيح هو في النهاية المسيح نفسه كقاعدة حية للمسلك المسيحي. في الاقتداء بمحبته وفي الحياة من ينبوع محبته, يختبر المسيحي ما هي المحبة، أي محبة الله التي تتحقق في الالتفات الجذري نحو البشر. هذه المحبة, التي هي في العمق سمة الأخلاق المسيحية الأساسية, لا تسِم الدافع إلى العمل الأخلاقي وحسب، بل أيضا مضمون هذا العمل، بحيث إن أي عمل يقوم به المسيحي دون محبة لا يمكن أن يُدعى عملا مسيحيا. المسيحية لا تدّعي احتكار المحبة, فالمحبة نجدها أيضا لدى غير المسيحيين، ولكن المسيحية ترى في المحبة أخلاقيتها الأساسية.
من واجب المحبة الأساسي هذا لا نستخلص قواعد مباشرة وحلولا جاهزة يمكن الأخذ بها في مختلف مسائل الحياة بقدر ما نستخلص قيما أخلاقية تكوّن أساس كل تصرّفاتنا وقياس كل أعمالنا. والقيمة الكبرى التي لا مسيحية بدونها هي احترام الإنسان واحترام الحياة الإنسانية. فالإنسان هو القيمة الكبرى، لأن الله في المسيح أحبه حبا جما وخلّصه.

4) الروح القدس عطية الله لنا
إن المحبة التي بها أحبنا الله في المسيح هي أساس الأخلاق المسيحية برمّتها. و "محبة الله قد أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه" (رو 5: 5). فالأخلاق المسيحية هي حياة الروح فينا، وحياتنا بحسب الروح. وهذه الحياة يصفها بولس الرسول في الفصل الثامن من رسالته إلى الرومانيين، فيقول: "فليس إذا بعد من قضاء على الذين في المسيح يسوع، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد حررك من ناموس الخطيئة والموت... فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يُرضوا الله. أمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح, إن كان روح الله ساكنا فيكم. من ليس فيه روح المسيح فليس له. ولكن إن كان المسيح فيكم، فالجسد ميت بسبب الخطيئة، أمّا الروح فحياة لأجل البر" (8: 1- 2، 8: 10).
إن الله عندما يضع في قلوبنا روح ابنه يجذبنا إليه من داخل نفوسنا ومن عمق كياننا. ونعمته التي يغدقها علينا هي البهاء الإلهي الذي يُشرق في قلوبنا ليقودنا إليه وإلى العمل بحسب إرادته. فلا إرغام ولاكره ولا شرائع تُفرض علينا من الخارج، بل حياة بنوّة ومحبة في الروح القدس.
"من لا يشعر بأي عذوبة في تتميم إرادة الله ولا يختبر بأي شكل من الأشكال ديناميّة ناموس المسيح الجذّابة، هذا لم يعرف بعد المسيح ولا الآب في حقيقتهما الحية, ولم يعرفهما في روح الحق الذي هو موهبة الله لنا. إن المؤمنين الذين يحبهم المسيح ويحبون المسيح في الروح القدس يصيرون حياة مشرقة. من خلالهم يشاهد الناس وجه الله ويختبرون بهاءه الجذّاب. الروح القدس يجعلهم ينابيع نعمة فيجذبون الإخوة والأخوات إلى المسيح وإلى الآب، ويحملونهم على تتميم إرادة الله... مجمل القول إن النعمة تعلّم الناس التوبة الحقيقية إلى الله الذي يكشف ذاته ويعطي ذاته في ابنه الحبيب ويجذبنا إليه، حتى إننا، بالروح القدس، نصيرله أبناء يحب بعضهم بعضا بملء رضاهم".

5) الأخلاق الإنسانية وروح المسيح
متى امتلأ المسيحي من روح المسيح يستطيع دون خوف أن ينفتح على ما في مختلف الثقافات من قيم أخلاقية إنسانية. في الواقع نلاحظ أن رسائل بولس الرسول وسائر الرسائل تنطوي على أخلاقية وإرشادات كثيرة للتصرف في العلاقات العيلية والاجتماعية، تبنّتها الكنيسة الأولى دون أن تكون من وضعها ودون أن يتميز بها المسيحيون عن غيرهم من الناس، بل كانت مستقاة من الحكمة اليهودية والفلسفة اليونانية، وكانت شائعة في البيئة الاجتماعية والثقافية التي عاشت فيها الكنيسة الأولى.
وتندرج فيها على سبيل المثال لوائح الفضائل والرذائل التي يذكرها بولس في رسالته إلى الغلاطيين (5: 19- 26). ولكن هذه الفضائل المعهودة، من محبة وفرح وسلام وطول أناة ولطف وصلاح وأمانة ووداعة وعفاف, يضعها بولس في إطار الحياة الجديدة في المسيح وفي الروح القدس، فيقول: "لأن الذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا الجسد من الأهواء والشهوات. فإن كنا نحيا بالروح, فلنسلكنّ أيضا بحسب الروح" (غلا 5: 24- 25). وفي رسالته إلى الفيليبيين بعد أن يحرّضهم على اتفاق الرأي والحلم مع جميع النالس, والصلاة، يضيف: "وبعد, أيها الإخوة, فكل ما هو حق وكرامة، وعدل ونقاوة, ولطف وشرف, وكل ما هو فضيلة وكل ما يُمتدح, كل هذا فليكن محطّ أفكاركم" (8:4).
وفي كل شيء يطلب بولس الرسول أن يعمل المسيحيون بإدراك وتمييز: "امتحنوا كل شيء وتمسّكوا بما هو حسن" (تسا 5: 21). كذلك في رسالته إلى الرومانيين يدعوهم إلى التمييز: "لا تتشبّهوا بهذا العالم, بل تحوّلوا إلى صورة أخرى بتجديد عقلكم، لكي يتهيّأ لكم أن تميزوا ما مشيئة الله وما هو صالح وما يرضيه وما هو كامل" (2:12). ثم يسرد لائحة من الفضائل: التواضع والمحبة والغيرة، وفرح الرجاء، والصبر في الضيق، والصلاة، والصدقة، وضيافة الغرباء، وعدم مكافأة أحد على شر بشر، ومسالمة جميع الناس (12: 3- 21). وكذلك في رسالته الأولى إلى التسالونيكيين، يذكّرهم بالوصايا التي أعطاهم إياها "من قِبَل الرب يسوع" (4: 2). ثم يذكر الامتناع عن الزنى، فيحفظ كل واحد إناءه في القداسة والكرامة, والامتناع عن الشهوة وعن الاعتداء على الآخرين، والمحبة الأخوية، والسكينة والعمل كل بما يعنيه (راجع 1 تسا 3:4- 12).
توضح هذه الوصايا على سبيل المثال كيف يجب على المسيحي الذي ملأ روح المسيح قلبه أن يسلك في هذا العالم. لا شك أن هناك أنظمة مرتبطة بوضع اجتماعي خاص لم تعد تعني لنا اليوم الشيء الكثير، كالامتناع عن اللحم المقدّم ذبيحة للأوثان (1 كو 8: 9- 12)، أو ضرورة أن تصلّي المرأة ورأسها مغطّى (1 كو 11: 2- 16). ولكن يبقى المبدأ الداعي إلى الامتناع عن إثارة الشك لدى الآخرين: "إن كان طعام يعثّر أخي، فلا أكلت اللحم إلى الأبد لئلا أُعثّر أخي" (1 كو 13:8). ويبقى في كل شيء المبدأ الأساسي أن كل عمل يجب أن تكون المحبة الدافع إليه ومضمونه، لأن "المحبة هي كمال الناموس" (رو 10:13).

6) الوصايا الرسولية: نصح وتعزية
إن الوصايا الأخلاقية التي ترد في رسائل القديس بولس وسائر الرسائل لا تتسم بسمة الشريعة المفروضة من الخارج على المسيحي تحت وطأة التهديد بالعقاب. ولكنها في الوقت عينه ليست مجرد اقتراحات اختيارية يمكن المسيحيين أن يهملوها دون أن يؤثر إهمالهم لها على كيانهم المسيحي. إنها بالحري إرشادات من نوع التحريض المقرون بالتشجيع والنصح المرفق بالتعزية. والتحريض والنصح هما على السير بحسب النعمة التي حصل عليها المسيحيون والدعوة التي نُدبوا إليها. وفي ما يلي بعض ما جاء في رسائل القديس بولس في هذا الموضوع.
"بما أنّا معاونو الله، نحرّضكم أن لا يكون قبولكم نعمة الله عبثا" (2 كو 6: 1), "فأحرضكم إذا، أنا الأسير في الرب, أن تسلكوا مسلكا يليق بالدعوة التي نُدبتم إليها" (أف 4: 1),

الفصل الرابع
الكنيسة والتشريع الأخلاقي

عالجنا في الفصل الثالث موضوع الشرائع والضمير. يبقى لنا في هذا الفصل الأخير معالجة موضوع دور الكنيسة في التشريع الأخلاقي ومدى ارتباط ضمير المؤمن بما تحدده السلطة التعليمية في الكنيسة في مختلف المسائل الأخلاقية. فإذا كان الضمير هو القاعدة الأخيرة التي توجّه سلوك المؤمن، أين يقع دور الكنيسة؟ وإذا حصل خلاف بين ما يوحيه للمؤمن ضميره وما تسنّه السلطة التعليمية من تشريعات وما تحدّده من قواعد أخلاقية، فهل يستطيع المؤمن أن يتبع ضميره ويهمل ما تقوله السلطة التعليمية، أم عليه أن يتجاوز حكم ضميره ويتبع تعاليم السلطة الكنسية؟
الكنيسة هي استمرار على مدى الزمن لشخص يسوع المسيح. ويسوع المسيح هو وحي الله للعالم، هو "الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6), به يصل الإنسان إلى الله, وبه كمال إنسانيته. وبما أن الأخلاق هي الطريق إلى تحقيق الإنسان كماله, فالمسيح هو المعلم الأكبر للأخلاق، وقد علّمنا الأخلاق في أقواله وفي مثل حياته. والكنيسة، في تعليمها الأخلاقي، تستند دوما إليه. والسيد المسيح هو شخص حي: إنه حي في مختلف أسفار العهد الجديد، وحي أيضا في وسط جميع الذين يؤمنون به ويحيون من حياته. لذلك، لمعرفة الحقائق الأخلاقية وتطبيقها في قواعد عملية على مختلف ظروف الحياة الإنسانية، يجب أولا النظر إلى خبرة إيمان الكنيسة كلها. ثانيا، بما أن كل إنسان خُلق على صورة الله ويحمل في طبيعته الروحية العاقلة نزعة إلى تحقيق تلك الصورة الإلهية كما يحمل المبادئ الجوهرية للناموس الطبيعي، فلا بد من أن تمتد تلك النظرة لتشمل كل ذوي الإرادة الصالحة وما لديهم من مبادئ وخبرة حياة على صعيد العمل الأخلاقي. وثالثا بما أن مبادئ الأخلاق مرتبطة ارتباطا وثيقا بعقائد الإيمان، هناك دور مميز يعود للسلطة التعليمية في الكنيسة على صعيد الأخلاق كما على صعيد الإيمان.

أولا- خبرة إيمان الكنيسة كلها
إن البحث عن قواعد عملية للسلوك لحل المسائل الصعبة التي يجابهها الإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية لا يقع على عاتق رعاة الكنيسة وحدهم ولا على عاتق علماء اللاهوت وحدهم. بل إن جميع أعضاء جسد المسيح الذين اعتمدوا بالمسيح وامتلأوا من روحه القدوس هم مدعوون إلى أن يبحثوا, من خلال صلاتهم والتزام حياتهم, عن أفضل الحلول التي تحقق صورة الله في الإنسان وتعمل على نمو البشر ليصلوا إلى ملء قامة المسيح. لا ريب في أن ما يعتقده المسيحيون وما يعملون به في واقع حياتهم ليس هو بالضرورة أفضل ما يمكن اعتقاده والعمل به، ولا هو بالضرورة ما يجب أن يُتّخذ قاعدة أخلاقية شاملة. ولكن السلطة التعليمية لا يمكنها، في سعيها إلى تحديد قواعد السلوك المسيحي, التغافل عن خبرة شعب الله وعن القناعة, التي يتوصّل إليها من خلال تلك الخبرة, بأن ما يعتقده وما يعمل به يسهم إسهاما إيجابيا في نمو الحياة كما يريدها الله في الشخص الإنساني وفي مختلف أنظمة العالم.
وتاريخ الكنيسة حافل بالأمثلة على الإسهامات الحاسمة التي قدّمتها "القاعدة", أي مختلف أفراد الشعب المؤمن, في تحديد القواعد الأخلاقية في الكنيسة وتطويرها. وقد كان القديسون أعظم قوة محرّكة في هذا العمل. ونذكر على سبيل المثال ما فعله الرهبان من القديس أنطونيوس الكبير إلى القديس فرنسيس الأسيزي في موضوع الفقر, وكيف أنهم, في مثل حياتهم, أعادوا الكنيسة إلى تعاليم السيد المسيح في التجرّد عن ممتلكات هذا العالم. ونذكر أيضا كل الحركات الكاثوليكية الاجتماعية التي نشأت في القرن التاسع عشر في أوربة للمطالبة بحقوق العمال, وكانت نقطة انطلاق تعاليم الباباوات في المواضيع الاجتماعية. كما نذكر أيضا الجهود التي قام بها المسيحيون, في السنوات التي سبقت مباشرة المجمع الفاتيكاني الثاني وفي المداولات التي رافقته, لتأكيد الحرية الدينية. وقد أسهمت في نشأة تعليم جديد في العقيدة الكاثوليكية في هذا الموضوع. إن الروح يهبّ حيث يشاء، ولا يعمل فقط في السلطة التعليمية بل أيضا في جميع أفراد الشعب المسيحي, في جميع أعضاء جسد المسيح.

ثانيا- مبادئ أخلاقية لجميع الناس مبنية على تطلبات العقل البشري
الأخلاق المسيحية لا تهدف إلى إقامة نظام أخلاقي يتميز به المسيحيون عن غيرهم من الناس. فالمسيح قد أتى لخلاص كل إنسان. والأخلاق التي تستند إلى شخصه وإلى تعليمه لا بد لها من أن تسهم في نشأة قواعد أخلاقية يقبلها جميع الناس. ومع أن المجتمعات المعاصرة قد صارت أكثر فأكثر علمانية أي مستقلة عن سلطة الكنيسة المباشرة, فهذا يجب ألا يكون دافعا إلى إنكار دور الكنيسة في تكوين "الأخلاق العالمية".
وهذا ما أعلنه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته العامة "تألّق الحقيقة", حيث يقول: "إن الكنيسة, شعب الله السائر في ما بين الأمم, في تنبهها لتحديات التاريخ الجديدة وللجهود التي يبذلها الناس في البحث عن معنى لحياتهم, تعرض للجميع الجواب الذي يأتي من حقيقة يسوع المسيح وإنجيله. الكنيسة تعي على الدوام وعيا حيا, كما جاء في المجمع الفاتيكاني الثاني, أنه "لا بدّ لها أبدا من استشفاف علامات الأزمنة ومن تفسيرها على ضوء الإنجيل, بحيث تستطيع الإجابة, بطريقة توافق كل جيل, عن الأسئلة المزمنة التي يطرحها الناس عن معنى الحياة الحاضرة والآتية وعن العلاقات القائمة في ما بينهم. ورعاة الكنيسة, بالاتحاد مع خليفة بطرس, هم قريبون من المؤمنين في هذا الجهد, فيرافقونهم ويقودونهم, بما لهم من سلطة تعليمية, ويجدون تعابير دوما جديدة للمحبة والرحمة, يلتفتون من خلالها ليس فقط نحو المؤمنين, بل أيضا نحو جميع الناس ذوي الإرادة الصالحة. ويبقى المجمع الفاتيكاني الثاني شهادة مميزة لهذا الموقف الذي تتخذه الكنيسة, إذ إنها هي الخبيرة في الإنسانية تضع ذاتها في خدمة كل إنسان وفي خدمة العالم أجمع".
ثم يوضح قداسته "إن تشدّد الكنيسة في الدفاع عن القواعد الأخلاقية الشاملة والتي لا تتغير ليس فيه ما يُذِل. لأنها بفعلها هذا تعمل فقط من أجل خدمة حرية الإنسان. بما أنه لا حرية خارجا عن الحقيقة ولا ضد الحقيقة, يجب اعتبار الدفاع الجازم, الذي لا تلوين فيه ولا مساومة, عن مقتضيات كرامة الإنسان الشخصية التي يستحيل التخلي عنها, شرطا لوجود الحرية وسبيلا إليها". ثم يضيف: "إن هذه الخدمة موجهة إلى كل إنسان, من حيث كيانه ووجوده الفريدان على الإطلاق. فالإنسان لا يستطيع إلا في الطاعة للقواعد الأخلاقية الشاملة أن يجد توطيد وحدته كشخص توطيدا كاملا وإمكانية تطور أخلاقي حقيقي. ولأجل هذا السبب عينه, تتوجه هذه الخدمة إلى جميع الناس, إلى الأفراد وأيضا إلى الجماعة والمجتمع في ذاتهما. فإن هذه القواعد تكوّن الأساس الذي لا يتزعزع والضمانة الثابتة لتعايش إنساني في العدالة والسلام وبالتالي لديمقراطية حقيقية. فهذه لا يمكن أن تنشأ وتتطور إلا انطلاقا من المساواة بين أعضائها، في تعادل الحقوق والواجبات. فبالنسبة إلى القواعد الأخلاقية التي تحظّر الشر الباطني، لا امتياز ولا استثناء لأحد، أكان سيد العالم أم آخر "البؤساء" على وجه الأرض، فلا فرق في ذلك. أمام المقتضيات الأخلاقية، نحن جميعا متساوون مساواة مطلقة". وهكذا "في جميع ميادين الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية والسياسية، تؤدي الأخلاق- المبنية على الحقيقة والمنفتحة، في الحقيقة، على الحرية الأصيلة- خدمة أصلية لا بديل عنها وذات قيمة كبرى، ليس فقط للشخص في سبيل نموه في الخير، بل أيضا للمجتمع لأجل تطوره الحقيقي".
ولكن السؤال الذي يمكن طرحه هو التالي: إلى أي حد تستطيع الكنيسة أن تقرر تقريرا حاسما لا يحتمل الجدل أن هذا السلوك أو ذاك ينسجم وحده مع الشريعة الطبيعية، معتبرة أي سلوك آخر مناقضا لتلك الشريعة؟ إن السلطة التعليمية في الكنيسة، عندما تتوجه إلى جميع الناس في إعلان قواعد الأخلاق، لا بد لها من تقديم براهين عقلية يقبلها الجميع. وهذا ما يؤكده البابا يوحنا بولس الثاني بقوله إن السلطة التعليمية، عندما تعمل على تطبيق حقائق الأخلاق على الظروف التاريخية في قواعد عملية، "إنما يسبق قرارها ويرافقه الجهد الذي يبذله في القراءة والتعبير عقل المؤمنين والتفكير اللاهوتي".
ينتج من ذلك أن تطبيق المبادئ الأخلاقية الثابتة على قواعد السلوك العملي يتخذ قيمته، حتى في قرارات السلطة التعليمية في الكنيسة، من البراهين العقلية التي تستند إليها. وهناك يكمن إمكان الاختلاف مع السلطة التعليمية، إذ يصير ممكنا لكل إنسان، أمسيحيا كان أم غير مسيحي، مناقشة تلك البراهين للحكم على مدى صوابيتها في حل المسائل الأخلاقية المطروحة. وهذا ما حدث، على سبيل المثال، بعد أن أصدر البابا بولس السادس رسالته "في الحياة البشرية" (25 تموز 1965)، التي حظّر فيها استعمال وسائل منع الحمل الاصطناعية معتبرا إياها مناقضة للشريعة الطبيعية. وبما أن هذا الحظر لم يأت استنادا إلى نصوص كتابية صريحة، بل جاء نتيجة تحليل عقلي لتكوين الطبيعة البشرية ومقتضيات الشريعة الطبيعية التي هي مشتركة بين جميع الناس، وهو بالتالي مدعو إلى أن يكون قاعدة للسلوك الإنساني العام، انكب عليه المفكرون يناقشونه ويبحثون في الأسباب التي يرتكز عليها. فمنهم من وافقه ومنهم من عارضه. ولا تزال هذه المسألة حتى الآن موضوع جدل في الكنيسة بين بابا رومة والمجالس الأسقفية واللاهوتيين. والحل الوسط الذي توصل إليه بعض هؤلاء يقوم على أنه "من الضروري, في الحكم على وسائل تنظيم الحمل. أن يأخذ ضمير المؤمن بعين الاعتبار القواعد الموضوعية التي تقدمها السلطة التعليمية في الكنيسة". هذا الموقف ينظر باحترام إلى تعاليم الكنيسة في مواضيع الأخلاق ولكن دون أن يعتبرهـا دوما معصومة عن الخطأ وملزمة إلزاما ضميريا وعلى الإطلاق, ويترك القرار الأخير في الموضوع لضمير المؤمن المستنير بنور الوحي, وبخبرة إيمانه وبتعليم الكنيسة.

ثالثا: الصلاحية المميزة للسلطة التعليمية في الكنيسة
ولكن السلطة التعليمية في الكنيسة تتمتع بصلاحية مميزة في تحديد قواعد الأخلاق, أكّدها المجمع الفاتيكاني الثاني. بعد المجمع الفاتيكاني الأول, فيقول إن الأساقفة "هم المعلمون الأصيلون الذين قُلّدوا سلطة المسيح, فيعلنون للشعب الذي ائتمنوا عليه الإيمان الذي يجب أن ينظم تفكيره ومسلكه... و على المؤمنين أن يتمسكوا بالرأي الذي يعبّر عنه أساقفتهم باسم المسيح, في ما يتعلق بالإيمان والأخلاق". وفي بيانه في الحرية الدينية, يقول: "على المؤمنين بالمسيح, في تنشئة ضميرهم, أن لا يتوانوا في تطلّب تعليم الكنيسة المقدّس والصحيح. فالكنيسة الكاثوليكية هي, بمشيئة المسيح, معلمة الحقيقة, ومهمتها أن تعرض الحقيقة، التي هي المسيح، وتعلمها في أصالة, وأن تعلن وتقرّ, بما لها من سلطان, مبادئ النظام الأخلاقي النابعة من الطبيعة الإنسانية نفسها.
وهذا ما يعلنه أيضا البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته العامة "تألق الحقيقة", فيقول: "إن ما يميز اللاهوت الأدبي هو أنه تفكير عملي حول الإنجيل كعطية وكوصية لحياة جديدة, وحول الحياة "في الحقيقة والمحبة" (أف 4: 15), حول حياة القداسة التي تتصف بها الكنيسة والتي بها تتألق حقيقة الخير وقد بلغ كماله. في ميدان الإيمان، ولكن أيضا وبشكل غير منفصل في ميدان الأخلاق، تتدخل السلطة التعليمية في الكنيسة، وتقوم مهمتها "على أن تميّز، بأحكام على ضمير المؤمنين أن يتخذها قاعدة له، الأعمال التي هي، في ذاتها، مطابقة لمقتضيات الإيمان وتعزز التعبير عنه في الحياة، وتلك التي, على عكس ذلك، بسبب ما فيها من شر باطني، لا تنسجم مع تلك المقتضيات". والسلطة التعليمية في الكنيسة، إذ تبشّر بوصايا الله ومحبة المسيح، تعلم المؤمنين أيضا الرسوم الخاصة والمميزة، وتطلب منهم أن يعتبروها مُلزمة من الناحية الأخلاقية إلزاما ضميريا. وإلى ذلك فإن للسلطة التعليمية دورا هاما يقوم على السهر، وبموجبه تنبّه المؤمنين إلى وجود بعض الأضاليل، وإن فقط ضمنية، عندما لا يتمكن ضميرهم من التعرف إلى صحة الحقائق الأخلاقية التي تعلّمها وإلى حقيقتها".
ويركّز البابا دور السلطة التعليمية في موضوع الأخلاق، وفق ما جاء في المجمع الفاتيكاني الثاني، على "أن مهمة التفسير تفسيرا صحيحا لكلمة الله المكتوبة والمتناقلة في التقليد قد أُسندت إلى سلطتها التعليمية الحية وحدها، وهي تمارس سلطانها باسم يسوع المسيح". ويضيف قداسته: "وهكذا تظهر الكنيسة، في حياتها وفي تعليمها "عمود الحق وقاعدته" (1 تي 3: 15). وهذا يشمل أيضا الحقيقة في السلوك الأخلاقي". ثم يورد النص التالي من مجموعة الحق القانوني: "يعود إلى الكنيسة, في كل زمان ومكان, أن تعلن مبادئ الأخلاق، حتى في ما يتعلق بالنظام الاجتماعي, وتصدر حكمها في شتى الأمور البشرية، بقدر ما تقتضي ذلك كرامة الشخص البشري وحقوقه الأساسية, أو خلاص النفوس".
ويعتبر قداسته هذا العمل "خدمة تؤديها السلطة التعليمية للأشخاص والمجتمعات: "فالمؤمنون لهم الحق في أن تصلهم العقيدة الكاثوليكية في صفائها وسلامتها". ويوضح أن "سلطة الكنيسة، عندما تتخذ مواقف في المسائل الأخلاقية، لا تسيء إلى حرية ضمير المسيحيين: فحرية الضمير، من جهة، ليست أبدا حرية محررة "من" الحقيقة، بل هي دوما وفقط "في" الحقيقة. والسلطة التعليمية، من جهة أخرى، لا تزود الضمير المسيحي بحقائق غريبة عنه، بل تبيّن، على عكس ذلك، الحقائق التي يتوجب عليه أن يكون قد حصل عليها، إذ تبسطها انطلاقا من فعل الإيمان الأول. إن الكنيسة تضع نفسها على الدوام في خدمة الضمير وحسب، فتساعده على أن لا تتقاذفه كل ريح تعليم على هوى مكر الناس (راجع أف 4: 14)، وأن لا يزيغ عن الحقيقة حول خير الإنسان، وأن يبلغ الحقيقة، ولاسيّما في المسائل الأكثر صعوبة، بلوغا أكيدا، ويثبت فيها".
انطلاقا من كلمات البابا هذه، تؤكّد أن للسلطة التعليمية في الكنيسة دورا مميزا في موضوع الأخلاق لا يمكنها أن تتخلى عنه دون أن تتنكر لرسالتها. فهي المؤتمنة على أن يبقى إنجيل المسيح في كل تعاليمه حيا على مدى الزمن. وهذا الدور المميز يقوم أولا على التذكير الدائم بعلاقة الأخلاق الإنسانية بالله خالق كل إنسان وبالسيد المسيح مخلّص كل إنسان. فالواجب الأخلاقي لا يمكن أن يُفصل عن علاقة الإنسان بالله خيره الأسمى وغايته الأخيرة، ويُقصر على تفكير بشري أو على اتفاق اجتماعي بحت. لا معنى للواجب الأخلاقي، في نظر الإيمان المسيحي، إلا بقدر ما يحقق في الإنسان الصورة الإلهية التي خُلق عليها. ورسالة إنجيل يسوع المسيح، الذي هو صورة الله الشخصية، تتضمن تعاليم أخلاقية، بحيث يمكن القول أن هناك أنواعا من السلوك تتنافى مع تلك الرسالة. وعلى السلطة التعليمية أن تحدد تلك التصرفات المسلكية.
لا شك في أنها، في عملها هذا، تستند إلى براهين عقلية يستطيع جميع الناس، مسيحيين وغير مسيحيين، أن يحكموا فيها. ولكن الكل يعلم حدود العقل البشري. لذلك قد توجد حالات لا يمكن التقرير فيها تقريرا جازما أن هذا الحل أو ذاك هو وحده الملائم لتطلبات العقل البشري ومقتضيات الطبيعة البشرية والشريعة الطبيعية. ومع ذلك على السلطة التعليمية أن تصدر في كل تلك الحالات حكمها، وذلك لمساعدة المؤمنين لا على الوصول إلى الحقيقة النظرية في مواضيع الطبيعة البشرية والشريعة الطبيعية، بل على اتخاذ قرارات واضحة على صعيد واقع الحياة الذي يجب أن يعيش فيه المسيحيون وفق روح الإنجيل. فتحكم إذّاك السلطة أن هذا السلوك هو الأكثر ملاءمة مع الإيمان المسيحي وتعاليم السيد المسيح وتطلبات الإنجيل. وعلى المسيحي إذّاك أن يتبنى هذا الحكم على الأقل لما يجب عليه من الطاعة, إن لم تقنعه البراهين العقلية التي يستند إليها هذا الحكم. "وهذا ما أراد أن يعنيه البابا بيوس الثاني عشر في القول التالي الذي قد يبدو مفارقا لمن ليس له الإيمان, ولكنه يعبّر جيدا عن رسالة الرئاسة المقدسة في النظرة الكنسية": "عندما يتعلق الأمر بآراء وأحكام يعلنها الرعاة الشرعيون في موضوع الحق الطبيعي, يجب على المؤمن عدم التذرع بالمقولة التالية: قيمة المؤلف توازي قيمة براهينه. لذلك من لم تقنعه البراهين التي يرتكز عليها أحد الأحكام الكنسية, يبقى عليه مع ذلك واجب الطاعة. إن سلطة الكنيسة لا تنحصر في الأمور الدينية كما يقال، بل يدخل في سلطانها كل ما له علاقة بالشريعة الطبيعية ومبادئها وتفسيرها وتطبيقها, وذلك بقدر ما يرتبط الموضوع بالناحية الأخلاقية التي تنطوي عليها تلك الشريعة".
إذا لم يقتنع أحد المسيحيين بالبراهين العقلية التي تستند إليها أحكام السلطة التعليمية في المواضيع الأخلاقية واعتبرها غير حاسمة, وجب عليه إذّاك النظر إلى العلاقة التي تكون دوما واضحة وحاسمة بين تلك الأحكام والقيم الثابتة التى يتضمنها الوحي الإلهي (مثلا كرامة الشخص البشري، قداسة الزواج, إلخ). وليفكر بأن تبني تلك الأحكام لا يتضمن أي خطر بمناقضة التعليم الإلهي.
في هذا الإطار يجب فهم التحذير الذي يوجهه البابا يوحنا بولس الثاني إلى اللاهوتيين من الوقوف إزاء السلطة التعليمية موقف الرفض ونشر مناقضتهم تعاليمها في وسائل الإعلام. ويبيّن قداسته أنه إذا كان اختلاف الرأي طبيعيا في إطار الديمقراطية التمثيلية، فلا يجوز أن يكون الأمر كذلك في تحديد العقيدة الأخلاقية. "فهذا مخالف للشركة الكنسية وللمفهوم القويم لشعب الله وما ينطوي عليه من رئاسة مقدسة. ولا يمكن اعتبار مناقضة تعليم الرعاة تعبيرا مشروعا عن الحرية المسيحية ولا عن تنوع مواهب الروح".
وهذا ما أراد المجمع الفاتيكاني الثاني تأكيده بقوله: إنه من حق الأساقفة على الجميع, إذا ما علّموا وكانوا على الشركة مع الحبر الروماني, الاحترام اللائق بشهود الحقيقة الإلهية الكاثوليكية, وعلى المؤمنين أن يتمسكوا بالرأي الذي يعبّر عنه أساقفتهم، باسم المسيح، في ما يتعلق بالإيمان والأخلاق. وأى يولوه من ذهنهم القبول في شعور ديني. وأن هذا القبول الديني من الإرادة والعقل لواجب، بوجه فريد، لسلطة الحبر الأعظم التعليمية الحقيقية، حتى وإن لم يتكلم "عن السدّة" وهذا يفرض الاعتراف في احترام بسلطته التعليمية العليا، والأخذ في صدق بأحكامه، طبقا لما يُبديه من رأيه ومن إرادته ويمكن استنتاجه، بوجه خاص، من صفة الوثائق أو من الإلحاح في عرض تعليم ما، أو من طريقة التعبير بعينها".
السلطة التعليمية في الكنيسة إنما تقوم بواجبها عندما تصدر توجيهات وقرارات وأحكاما في شتّى مواضيع الأخلاق، وعلى جميع المسيحيين أن يكونوا منفتحين لتقبّل تلك التوجيهات ويروا فيها مساعدة لهم على تربية قناعات ضميرهم. ونختم بالنداء الحار التالي الذي يوجهه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني للرعاة ليُظهروا في كل تعاليمهم رونق حقيقة المسيح: "أيها الإخوة في الأسقفية يجب علينا ألا نكتفي بتحذير المؤمنين مما تنطوي عليه بعض النظريات الأخلاقية من أضاليل ومخاطر. بل يجب علينا قبل أي أمر آخر أن نبيّن التألق الباهر الذي تتسم به الحقيقة التي هي يسوع المسيح نفسه".
ملحق
تألّق الحقيقة
Veritatis Splendor
رسالة عامة لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني 
في الأخلاق المسيحية

في الخامس من تشرين الثاني 1993 أذيعت الرسالة العامة الجديدة لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني المؤرخة في السادس من آب 1993، وعنوانها "تألّق الحقيقة". ويبدو من تاريخ الرسالة, يوم عيد تجلي الرب، ومن عنوانها أن قداسته يريد أن يؤكّد أن السيد المسيح هو نفسه "الحقيقة المتألّقة" التي "تجلّت" للبشر. "التألّق"، لغويا, بالعربية واللاتينيةSplendor , هو "حالة الأجسام التي تبعث نورا دون أن تكون درجة حرارتها مرتفعة". فالمسيح هو "نور العالم" (يو8: 12)، وعندما تجلّى أمام تلاميذه "أضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور" (متّى17: 2). وهو "الطريق والحق والحياة" (يو 6:14). فهو، بحسب إيماننا المسيحي، الحقيقة المتألقة. ولا يمكن للإنسان أن يصل إلى الحقيقة في معرفته وفي عمله إلا انطلاقا من شخص السيد المسيح ومن تعاليمه. إن موضوع رسالة البابا هذه يقتصر على عمل الإنسان وعلى الناحية الأخلاقية في هذا العمل، وذلك جوابا على السؤالين الأساسيين التاليين اللذين لا يسع أي إنسان التهرّب منهما: "ماذا علي أن أعمل؟ وكيف السبيل إلى التمييز بين الخير والشر؟" (2).
تنقسم الرسالة إلى مقدمة وثلاثة فصول.

المقدمة
في المقدمة يطرح البابا موضوع الرسالة وهو "قراءة مجمل تعليم الكنيسة الأخلاقي، للتذكير ببعض الحقائق الأساسية التي تنطوي عليها العقيدة الكاثوليكية، والتي يحدق بها خطر التشويه أو الرّذل في الإطار الفكري الحالي" (4). ويشير قداسته إلى جسامة الخطر المحدق بالمسيحية, لأن الموضوع لم يعد فقط موضوع "اعتراضات محدودة وظرفية" تُثار على بعض نقاط تعليم الكنيسة الأخلاقي، بل "هو الميراث الأخلاقي بمجمله الذي يوضع موضع الجدل بشكل منهجي"، وذلك انطلاقا من تيارات فكرية تزيل ارتباط الحرية بالحقيقة, وتنبذ "عقيدة الشريعة الطبيعية التقليدية وما تتضمنه من وصايا شاملة وأحكام ثابتة". وفي الوقت عينه تُرفض بعض تعاليم الكنيسة الأخلاقية، وينتشر الاعتقاد بأن السلطة التعليمية في الكنيسة لا يحق لها أن تتدخل في مواضيع الأخلاق إلا "لحضّ الضمائر" و "اقتراح القيم", تاركة لكل واحد أن يستلهم من تلك التعاليم ما يراه مناسبا لاتخاذ قراراته واختيار مسلكه في الحياة بشكل مستقل.
ويروح البعض يتساءلون هل تقدر وصايا الله المحفورة في قلب الإنسان والمدوّنة في الكتاب المقدّس أن تنير الاختيارات التي يُطلب كل يوم من الأشخاص والجماعات اتخاذها؟ ويذهب البعض الآخر إلى الفصل بين العقائد والأخلاق، بحيث تكون العقائد وحدها موضوع إلزام للمسيحيين, فيما تُترك الأخلاق لحكم كل شخص، فيجوز فيها تعدّد الآراء والمواقف.
توضيحا لتلك المسائل كلها، يوجّه البابا هذه الرسالة العامة إلى إخوته في الأسقفية الذين يحملون معه مسؤولية المحافظة على "التعليم القويم" (2 تي 3:4)، "لمجابهة ما يشكّل، دون ريب، أزمة حقيقية, إذ إن الصعوبات الناجمة من هذا الوضع على قدر كبير من الخطورة لحياة المؤمنين الأخلاقية، وللشركة في الكنيسة، ولحياة اجتماعية مبنية على العدالة والتضامن" (5).
ويشير قداسته في ختام المقدمة إلى أن تأخير ظهور هذه الرسالة يعود إلى رغبة قداسته في ألا تنشر إلا بعد كتاب "التعليم المسيحي الكاثوليكي" الذي تحيل دوما إليه "كإلى مرجع أكيد وأصيل لتعليم العقيدة الكاثوليكية" (5). ولذلك ستقتصر على معالجة بعض المسائل الأساسية في تعليم الكنيسة الأخلاقي، التي يدور حولها النقاش بين الأخصائيين في علم الأخلاق واللاهوت الأدبي. وهي تقدّم تعليما مرتكزا على الكتاب المقدس والتقليد الرسولي الحي.
الفصل الأول
"يا معلم، ماذا عليّ أن أعمل من الصلاح؟" (متّى 16:19)
السيد المسيح والجواب على المسألة الأخلاقية

انطلاقا من حوار الشاب الغني مع السيد المسيح حول "ما يجب فعله من الصلاح للحصول على الحياة الأبدية"، يؤكد البابا المبادئ التي سيرتكز عليها للإجابة على بعض المسائل الأخلاقية في الفصل الثاني. ويمكننا إيجاز هذه المبادئ في النقاط التالية:
1) "إن سؤال الشاب الغني قبل أن يكون سؤالا حول قواعد يجب تطبيقها هو سؤال حول ملء معنى حياته" (7). فالتوق إلى المطلق هو مصدر كل قرار يتّخذه الإنسان وكل عمل يقوم به.
2) سؤال الشاب الغني يدور على الخير والشر, أي على الأعمال الصالحة التي يجب على الإنسان فعلها، وعلى الأعمال الشريرة التي يجب عليه تجنّبها: "ماذا علي أن أعمل من الصلاح؟" والسيد المسيح وحده يعلّمنا الحقيقة حول ما هو صالح وحول العمل الأخلاقي.
3) إن السيد المسيح في جوابه: "إنما الصالح واحد وهو الله", يؤكد أن ما هو صالح لا يمكن أن يجده الإنسان إلا في التفاته الدائم إلى الله الذي هو وحده الغاية القصوى لكل عمل إنساني وسعادة الإنسان الكاملة. لذلك لن يصنع الإنسان الخير إلا بقدر ما يعكس مجد الله الذي خُلق على صورته ومثاله. وما الحياة الأخلاقية إلا جواب محبة من قبل الإنسان على محبة الله والاعتراف الدائم بقداسة الله التي ظهرت في شخص السيد المسيح. 
4) الله وحده يستطيع أن يحدّد للإنسان ما هو صالح وما هو خير. وقد فعل ذلك عن طريقين: الطريق الأولى هي "الناموس الطبيعي" الذي وضعه الله في قلب الإنسان في ضميره منذ أن خلقه, وبواسطته يستطيع الإنسان أن يعرف الخير الذي يجب عليه فعله والشر الذي يجب عليه تجنّبه. والطريق الثانية هي "الوصايا العشر" التي بها تمّ إنشاء شعب العهد. وهذه الوصايا قد أظهر السيد المسيح في عظته على الجبل أن الإنسان يستطيع من خلال العمل بها أن يجسّد محبته لله ومحبته للقريب, هاتين الوصيتين اللتين بهما يتعلق الناموس كله والأنبياء. والسيد المسيح في ذكره الوصايا يكتفي ببعض منها: "لا تقتل، لا تزن، لا تسرق, لا تشهد بالزور, أكرم أباك وأمّك، وأيضا: أحبب قريبك كنفسك". فهذه الوصايا المتعلّقة بمحبة القريب واحترام حياته وكرامته وممتلكاته هي التعبير العملي عمّا تعنيه للإنسان الوصية الأولى: "أنا هو الرب إلهك" التي هي "النقطة المركزية" للوصايا العشر (13). ويذكّر البابا بما جاء في "التعليم المسيحي الكاثوليكي": "إن الوصايا العشر هي من وحي الله. وهي تعلّمنا في الوقت عينه إنسانية الإنسان الحقيقية. وتُبرز إلى النور الواجبات الجوهرية. وبالتالي, وبشكل غير مباشر, الحقوق الأساسية التي هي من صلب الطبيعة البشرية". "فهي إذا الشرط الأساسي لمحبة القريب، وبها يظهر في الوقت عينه صدق تلك المحبة. إنها المرحلة الأولى الضرورية على طريق الحرية، وبدايتها" (13), فبدون تتميم الوصايا التي هي تجسيد لمحبة القريب, "لا وجود ممكن لمحبة حقيقية لله" (14). وقول السيد المسيح، في مثل السامري الرحيم, لعالِم الناموس حول وصيتي محبة الله ومحبة القريب: "إفعل هذا فتحيا" (لو 10: 28)، يعني أن "الحصول على الحياة الأبدية غير ممكن دون ممارسة الوصايا" (14).
5) لقد أوضح السيد المسيح في عظته على الجبل أنه لم يُلغ الوصايا: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء, إني ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متّى 17:5). وكمال الوصايا يقوم على المحبة التي تدفع الى القيام بها. "إن محبة القريب تصدر من قلب يحب, ولأنه يحب فهو مستعد إلى أن يحيا بحسب أرفع ما تقتضيه تلك المحبة. وقد بيّن يسوع أن هذه الوصايا يجب ألا تعتبر حدا أدنى يمكن الاكتفاء به، بل بالحري طريقا مفتوحا لمسيرة أخلاقية وروحية نحو الكمال, الذي قلبه المحبة (راجع كو 3: 14). هكذا تصير وصية "لا تقتل" دعوة إلى محبة سريعة إلى مساندة حياة القريب وتعزيزها. والوصية التي تنهى عن الزنى تصير دعوة إلى نظرة طاهرة قادرة على احترام المعنى الزوجي للجسد" (15).
6) وعندما قال الشاب: "كل هذا قد حفظته، فماذا ينقصني بعد؟", أجابه يسوع: "إن شئت أن تكون كاملا، فاذهب وبع مالك، وأعطه للمعوزين, فيكون لك كنز في السماوات, ثم تعال اتبعني". إن جواب يسوع هذا تجب قراءته في منظار التطويبات التي هي جزء أساسي في تعليم يسوع الأخلاقي، وهي في الوقت عينه وصف شخصي لحياة السيد المسيح. لذلك فإن قمة العمل الأخلاقي في المسيحية هي اتّباع السيد المسيح: "تعال اتبعني"، والاقتداء به: "هذه وصيتي: أن يحب بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا" (يو 15: 12). وهذا العمل، مهما بدا مستحيلا, يصير ممكنا بنعمة الله، أي بالروح القدس الذي يفيضه الله في قلوبنا، والذي به تستنير حرية الإنسان, بحيث تصير حياته جواب محبة شخصيا على محبة الله له.
7) يعود للرسل ولخلفائهم تفسير وصايا الله وتعاليم المسيح والسهر على مسلك المسيحيين القويم, إلى جانب المحافظة على صحة الإيمان والعقيدة. فبين الإيمان والحياة تناغم لا يجوز قطعه. وكما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إن مهمة تفسير كلمة الله المكتوبة أو المنقولة تفسيرا صحيحا قد أوكلت فقط إلى السلطة التعليمية الحية في الكنيسة، التي تمارس سلطانها باسم يسوع المسيح" (في الوحي الإلهي، 10). وهذه السلطة التعليمية ترى من واجبها تقديم تعليم الأخلاق، لتساعد الإنسان في مسيرته نحو الحقيقة ونحو الحرية.
الفصل الثاني
"لا تتشبهوا بصورة هذا العالم" (رو 12: 2)
الكنيسة والتمييز في بعض النزعات في اللاهوت
الأدبي الحالي

يهدف هذا الفصل إلى توضيح العقيدة الأخلاقية القويمة ضد بعض التيارات اللاهوتية المعاصرة. فيؤكد البابا أولا أن الكنيسة في تعليمها الأخلاقي كما في تعليمها العقائدي تستند إلى الكتاب المقدس معتبرة إياه مصدر تعليمها الحي والدائم. ويشير إلى دور اللاهوت الأدبي في بسط تعليم الكنيسة الأخلاقي وتطبيقه على مقتضيات الزمن الراهن وتساؤلات الإنسان المعاصر. ويعرب عن تأييده جهود اللاهوتيين في هذا العمل وعن قبوله تنوّع المدارس اللاهوتية والمناهج الفلسفية. إلا أنه يرى من واجبه إعلان ضلال بعض الإتجاهات في تلك المدارس والمناهج وعدم انسجامها مع التعليم الصحيح. وفي هذا الغرض يودّ "إعلات المبادئ الأساسية لتمييز ما هو مناقض للعقيدة القويمة, والتذكير بما في تعليم الكنيسة الأخلاقي من عناصر تبدو اليوم بنوع خاص عرضة للضلال أو الالتباس أو النسيان" (30).
ويرى في مختلف تلك الإتجاهات الخاطئة ضلالا مشتركا ينبع من رغبة مشروعة، ولكنه يصل إلى الخطأ بسبب رؤية منحرفة للأمور. فالرغبة المشروعة تكمن في تأكيد حرية الإنسان وإعلان كرامته. وينتج من ذلك ضرورة اضطلاع الإنسان بمسؤوليته الكاملة في قراراته التي يجب أن يتخذها, وفي أعماله التي يجب أن يقوم بها, دون ضغط ولا إكراه، بل بملء حريته وبموجب قناعة ضميره. تلك الرغبة مشروعة, ولكن الانحراف يبدأ عندما "تصير تلك الحرية مطلقا وتُعتبر هي مصدر القيم". في تلك النظرة، يُترك لكل إنسان أن يحدد ما هو خير وما هو شر. ويصير لكل إنسان حقيقته المختلفة عن حقيقة الآخرين. إذّاك تزول الحقيقة الموضوعية ويقضى على مفهوم الطبيعة الإنسانية التي هي أمر مشترك بين جميع الناس.
ومن جهة أخرى يرفض البابا النتائج التي يستخلصها البعض من أبحاث "العلوم الإنسانية" في تأثير الظروف البيئية والاجتماعية من سلوك الناس, فينكرون وجود الحرية الإنسانية، ومن تنوّع العادات والأخلاق والمؤسسات يخلصون إلى إنكار القيم الأخلاقية الإنسانية الشاملة.
ثم تعالج الرسالة أربعة مواضيع: الحرية والشريعة, الضمير والحقيقة, الخيار الأساسي والتصرفات الواقعية, وأخيرا أخلاقية الفعل الإنساني.

أولا- الحرية والشريعة
السؤال الأساسي الذي تطرحه هذه الفقرة هو التالي: من يحدد الخير والشر؟ الإنسان في حريته أم الله في شريعته؟ انطلاقا من وصية الله للإنسان الأول بمنعه من أن يمد يده إلى "شجرة معرفة الخير والشر" (تك 2: 16- 17), يستخلص البابا أن الإنسان حر لكونه يتقبّل وصايا الله ويفهمها، ولكن حريته محدودة. "فشجرة معرفة الخير والشر" تعني تقرير ما هو خير وما هو شر. وهذا الأمر لا يعود للإنسان بل لله. فالله الذي هو وحده صالح يعرف تمام المعرفة ما هو خير للإنسان الذي خلقه عن محبة, ويعلنه له في وصاياه. ولا تناقض بين حرية الإنسان وشريعة الله, لأن شريعة الله هي التعبير الصحيح عما يوصل الإنسان إلى كمال طبيعته, لذلك تجد الحرية الإنسانية كمالها في قبول شريعة الله والعمل بها. أمّا القول إن الحرية الإنسانية هي التي "تخلق القيم" فهو بمثابة إعلان لاستقلال الإنسان عن الله وإنكار للأساس الديني الذي تستند إليه القواعد الأخلاقية.
لا شك في أن الفكر اللاهوتي المعاصر, رغبة منه في التحاور مع الثقافة المعاصرة, يؤكّد أن قواعد الأخلاق لا تناقض عقل الإنسان ولا تُفرض فرضا على إرادته، بل يتقبّلها لما يراه فيها من انسجام مع عقله وضميره, ولكن ذلك يجب ألا يقود إلى إنكار الوحي الإلهي واعتبار العقل البشري مصدرا مستقلا لكل القيم الأخلاقية, كان هناك نظامين منفصلين: نظاما أخلاقيا يجد أصله في العقل البشري وبموجبه يتم تحديد مضمون الأخلاق أي القيم وقواعد العمل الأخلاقية. ونظام خلاص يصلنا بالوحي الإلهي ويقتصر على بعض نوايا القلب ومواقف النفس. إن هذه النظرة تفرغ الوحي الإلهي من كل مضمون أخلاقي ومن كل شريعة إلهية ثابتة, وتقتصر كلام الله على نصائح وإرشادات عامة يعود إلى العقل البشري تحديد متطلّباتها بقواعد أخلاقية موضوعية وتشريعات محددة. ونتيجة لتلك النظرة, لا يعود للكنيسة ولا للسلطة التعليمية فيها أي صلاحية على تحديد قواعد الأخلاق، لأن تلك القواعد قد خرجت من نطاق والوحي الإلهي ولم يعد لها أي أهمية بالنسبة إلى الخلاص.
بعد هذا الموقف الأساسي, توضح الرسالة معنى الحرية الإنسانية والشريعة الأخلاقية والعلاقات الحميمة التي تربط بينهما. وفي هذا الشأن تذكّر بقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إن الحرية الحقيقية هي علامة مميزة لصورة الله في الإنسان. فقد أراد الله أن يترك الإنسان في يد اختياره، بحيث يتمكن من أن يبحث هو بذاته عن خالقه, حتى إذا التحق به يبلغ بحريته كماله مليئا وسعيدا, (الكنيسة في عالم اليوم،17). صورة الله في الإنسان إنما تنمو كلما قام الإنسان بأعمال صالحة أخلاقيا. فالعقل البشري يستقي إذا من شريعة الله الأزلية ما هو عليه من حقيقة. لذلك يجب القول إن الشريعة الأخلاقية تأتي من الله، ولكنها في الوقت عينه شريعة خاصة بالإنسان. "الشريعة الطبيعية هي نور العقل الذي وضعه الله في الإنسان. وبه يعرف الإنسان ما يجب عليه فعله وما يجب تجنّبه (40). 
فهناك إذا ارتباط وتداخل بين حرية الإنسان وشريعة الله. فحرية الإنسان لا تلغى بخضوع الإنسان للشريعة الإلهية, بل على خلاف ذلك, إنما يحقق الإنسان كرامته ويصل إلى ملء حريته "عندما يتحرر من كل عبودية الشهوات, ويختار بحريته الخير في طريق هدفه الذي يسعى إليه بكل ما تقدمه له مهارته من وسائل ملائمة وفعالة" (الكنيسة في عالم اليوم، 17). ويشير المجمع الفاتيكاني الثاني أيضا إلى الارتباط بين الحرية الإنسانية والشريعة في معرض حديثه عن الحرية الدينية, فيقول: "إن نظام الحياة الإنسانية الأعلى هو الشريعة الإلهية نفسها, الشريعة الأزلية والموضوعية والشاملة, التي يعمل بها الله, في تصميم حكمته ومحبته، على تدبير شؤون العالم كله ومسالك الأسرة البشرية تنظيما وإدارة وحكما. وقد أشرك الله الإنسان في شريعته هذه بحيث أصبح هذا الإنسان, بتدبير لطيف من العناية الإلهـية، قادرا على أن يتعرّف الحقيقة الثابتة أكثر فأكثر" (في الحرية الدينية, 3).
ثم يتطرّق البابا إلى النقاش الذي يدور اليوم حول العلاقة القائمة بين الطبيعة والحرية، إذ يرى البعض أن الطبيعة، بما في ذلك العالم الحسي والقوى الجسدية والدوافع النفسية والظروف الاجتماعية. تسيطر على الحرية وتفسر وحدها كل تصرفات الإنسان، بينما يرى البعض الآخر أن الإنسان مدعو بحريته إلى السيطرة على الطبيعة وإلى خلق ذاته وتكوين طبيعته وإبداع قيمه الأخلاقية. ويتّهم هؤلاء السلطة التعليمية في الكنيسة بأنها اكتفت في كثير من الأحيان بقبول النواميس الطبيعية البيولوجية كما هي، واعتبرتها شرائع أخلاقية. ويظهر ذلك بنوع خاص في تعليم الكنيسة الأخلاقي بالنسبة إلى الجنس والزواج. فلا تسمح السلطة التعليمية في هذين الموضوعين إلا بما هو طبيعي وتشجب كل ما تدخله الحرية على الطبيعة كمنع الحمل والتعقيم المباشر، والعادة السرية, والعلاقات الجنسية قبل الزواج, والاخصاب الاصطناعي, معتبرة كل تلك الأعمال مناقضة للأخلاق. وبحسب هؤلاء اللاهوتيين يجب أن تخضع الطبيعة لحرية الإنسان، على ألا يتصرف بحسب غريزته بل بحسب تطلبات عقله. فعقل الإنسان وما يراه من خير له هو المرجع الأخير لتحديد أخلاقية أي عمل يقوم به.
يرفض البابا هذا التحليل, ويؤكد أنه لا يجوز فصل الطبيعة عن الحرية كما لا يجوز فصل الجسد عن النفس الروحية، فكلاهما يشكّلان وحدة الشخص البشري المسؤول في جسده ونفسه عن أفعاله الأخلاقية. والأخلاق لا تكون سليمة إلا بقدر ما تحترم الشخص البشري ليس فقط في حريته بل أيضا في طبيعته وفي جسده. ثم إن اعتبار الجسد مجرّد وسيلة يفقده كرامته ومعناه ويقود في النهاية إلى النسبية والاعتباطية. "الجسد والنفس إذا لا ينفصلان: ففي الشخص وفي فعل إرادته وحريته يقومان معا أو يهلكان معا" (49). 
واستنادا إلى وحدة الشخص البشري، يمكن فهم معنى الشريعة الطبيعية، فهي تحيل إلى طبيعة الإنسان الخاصة والأصلية في وحدة النفس والجسد, وفي انسجام العناصر الروحية والبيولوجية في الإنسان. ولأن الطبيعة البشرية مشتركة بين جميع الناس، فالشريعة الطبيعية شاملة تتوجه الى كل إنسان عاقل وعائش في التاريخ.
ثم يتطرّق البابا إلى الوصايا, فيميّز بين الأوامر أي الوصايا التي تأمر بفعل الخير (الاعتراف بالله الواحد, وعبادته، وإكرام الوالدين)، والنواهي أي الوصايا التي تنهى عن فعل الشر (لا تحلف باسم الله بالباطل, لا تقتل، لا تزن, لا تسرق، لا تشهد بالزور). فالأوامر مفروضة على جميع الناس وفي كل عصر بشكل عام، وعلى كل إنسان أن يقبل حقيقتها ويطبّقها في أعمال خاصة بحسب حكم ضميره. أما النواهي فهي مفروضة على الجميع وفي كل الظروف ولا تتحمّل أي استثناء, لأن ما تنهى عنه "لا يمكن أن يتلاءم بأي شكل من الأشكال وصلاح إرادة الشخص الذي يعمل, ودعوته إلى الحياة مع الله وإلى الشركة مع الآخرين" (52).
ويوضح البابا أن القول "إن النواهي تُرغم دوما وفي كل ظرف لا يعني أن النواهي أهم في الحياة الخلقية من واجب فعل الخير الذي تعبّر عنه الأوامر. بل السبب هو التالي: إن وصية محبة الله ومحبة القريب لا تنطوي في ديناميتها الإيجابية على أي حد أعلى, ولكنها تتضمّن حدا أدنى يُعتبر أي عمل يتخطّاه مخالفة للوصية. بالإضافة إلى ذلك, إن ما يجب القيام به في وضع محدد مرتبط بالظروف, وتلك الظروف لا يمكن استدراكها مسبقا، على خلاف ذلك، هناك تصرفات لا يمكن أبدا، وفي أي من الأحوال، أن تكون الجواب الصحيح أي المطابق لكرامة الشخص. وأخيرا هناك دوما حالات يمكن الإنسان، بفعل الإكراه أو لأسباب أخرى, أن يُمنع فيها القيام ببعض الأعمال, ولاسيّما إذا كان مستعدا لأن يفضّل الموت على أن يفعل الشر" (52).
ويؤكد البابا أخيرا وجود "قواعد موضوعية للأخلاق" تصلح لجميع الناس وتبقى ثابتة لا تتغير على مدى كل الأزمنة والعصور، على الرغم من وجود تنوّع في الثقافات وفي طرق تطبيق تلك القواعد. وهذا يعني أن طبيعة الإنسان واحدة، وإليها يشير السيد المسيح بقوله في موضوع الطلاق: "في البدء لم يكن الأمر كذلك" (متّى 8:19). وفي هذا يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "فالكنيسة تُثبت أن وراء التغييرات كلها أمورا كثيرة لا تتغير, أمورا أساسية وقوامها في المسيح الذي هو هو في الأمس واليوم وإلى الأبد" (الكنيسة في عالم اليوم، 10).

ثانيا- الضمير والحقيقة
الضمير هو المقدّس الذي يتم فيه الارتباط بين حرية الإنسان وشريعة الله. وتذكّر الرسالة بقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "يكتشف الإنسان في ذات ضميره ناموسا لم يصدر عنه، ولكنه مُلزم بطاعته وصوته يدعو أبدا ذلك الإنسان إلى حب الخير وعمله، وإلى تجنّب الشر، ويدوي أبدا في آذان قلبه أن اعمل هذا وتجنّب ذاك. أجل إنه ناموس حفره الله في قلب الإنسان، وكرامته في أن يخضع له، وبموجبه سوف يُدان" (الكنيسة في عالم اليوم، 11).
يقرّ الجميع بضرورة الخضوع للضمير، ولكن هناك اختلافا في تفسير دور الضمير بالنسبة إلى قواعد الناموس الطبيعي، إذ يعتبر بعض اللاهوتيين أن الناموس الطبيعي لا يعطي قواعد واقعية بل مجرّد توجيهات عامة على كل إنسان أن يطبّقها بحسب حكم ضميره على الظروف الخاصة التي يمرّ بها في حياته. وينتج من هذا التفسير "جواز القيام بأعمال تنعتها الشريعة الأدبية بأنها سيئة في ذاتها... وكذلك تُشرّع حلول يُزعم أنها راعوية، وتكون مناقضة للسلطة التعليمية في الكنيسة" (56). على خلاف ذلك، يؤكد البابا أن الضمير لا يخلق القيم كما لا يخلق الشرائع الأخلاقية التي وضعها الله في طبيعة الإنسان, إنما يطبّقها على أوضاع حياته الخاصة. فصوت الضمير ليس حوار الإنسان مع نفسه بل حوار الإنسان مع الله خالق القيم وخالق الناموس الطبيعي.
وفي تطبيق الناموس الطبيعي على أوضاع الحياة، يمكن أن يخطأ الضميرفي حكمه. ففي حالة كهذه، "يمكن أن يكون الشر المقترف بسبب جهل مطبق أوخطأ في الحكم غير مذنب، ولا تعزى بالتالي مسؤوليته الأدبية إلى الشخص الذي يقترفه، ولكن، وحتى في تلك الحالة، يبقى الشر شرا وخللا بالنسبة إلى ما هو في الحقيقة خير. زد على ذلك أن الخير غير المعترف به لا يسهم في النمو الأخلاقي للإنسان الذي يفعله، ولا يمنحه أي كمال، ولا يساعده على السير نحو الخير الأسمى" (63). من هنا ينتج واجب تربية الضمير للبلوغ بالإنسان إلى كماله في الله. وهذا ما يشير إليه السيد المسيح بقوله: "سراج الجسد العين، فإن كانت عينك سليمة، كان جسده كله نيرا. أمّا إن كانت عينك عليلة، فجسدك كله يكون مظلما. وإذا كان النور الذي فيك ظلاما، فيا للظلمة حينئذ" (متّى 6: 22- 23).
ويؤكد البابا دور الكنيسة في تربية الضمائر مذكّرا بقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "على المؤمنين بالمسيح، في تنشئة ضميرهم، أن لا يتوانوا في تطلّب تعليم الكنيسة المقدّس والصحيح. فالكنيسة الكاثوليكية هي، بمشيئة المسيح، معلمة الحقيقة, ومهمتها أن تعرض الحقيقة التي هي المسيح، وتعلّمها في أصالة، وتقرّ، بما لها من سلطان، مبادئ النظام الأخلاقي النابعة من الطبيعة الإنسانية نفسها" (في الحرية الدينية، 14).

ثالثا- الخيار الأساسي والتصرفات الواقعية
يشير البابا إلى أن كثيرين من الأخصائيين في العلوم الإنسانية واللاهوتية, توضيحا لدور الحرية في ما يقوم به الإنسان من أعمال, يرون على حق "أن الحرية لا تقوم فقط باختيار بعض الأعمال الخاصة, بل هي, في قلب تلك الاختيارات, قرار على الذات وطريقة في سلوك الحياة مع الخير أوعليه مع الحقيقة أو عليها, وفي النهاية مع الله أو عليه". ولكن البعض يغالون في هذا النهج، فيفصلون بين الخيار الأساسي الذي هو خيار "متسام" يتّخذه الإنسان في عمق ذاته، والاختيارات الخاصة التي يضطلع بها الإنسان في تصرفاته اليومية في واقع حياته. ويذهبون إلى أن تلك الاختيارات الخاصة والأعمال الواقعية لا يمكن أن يكون موضوعها الخير بل الخيرات الخاصة, وينسبون إلى الخيار الأساسي وحده صفة "الخير والشر", فيما ينعتون الاختيارات الخاصة "بالصحيحة" أو "المخطئة" بحسب ما يصدر عنها من نتائج مفيدة أو مضرة. يرفض البابا تلك النظرة "النتائجية" لأفعال الإنسان, لأنها تفصل بين الخيار الأساسي والاختيارات الخاصة، ويعتبر أن الخيار الأساسي إنما يتحقق من خلال الاختيارات الخاصة والأفعال الواقعية. لذلك لا يهلك الإنسان فقط بسبب خيار أساسي خاطئ رفض بموجبه الله. "ففي كل خطيئة مميتة يرتكبها بملء إرادته, يهين الله الذي أعطى الناموس, ويصير مجرما إزاء الناموس كله (راجع يع2: 8-11), وإن بقي على الإيمان, فإنه يفقد "النعمة المبررة" و "المحبة" و"السعادة الأبدية". ويؤكد البابا ضرورة الإبقاء على التمييز التقليدي بين "الخطايا المميتة" و"الخطايا العرضية", معلنا أن الخطايا المميتة لا تنحصر فقط, كما يقول بعض هؤلاء اللاهوتيين, في خيار أساسي سيئ, بل تكمن أيضا في تصرفات خاصة وأعمال واقعية تناقض في مادة ثقيلة وصايا الله ويرتكبها الإنسان بملء إرادته وكامل وعيه.

رابعا- أخلاقية الفعل الإنساني
ثم تتوسع الرسالة في موضوع الأعمال الإنسانية أي في محتواها الواقعي وترى فيه أساساً للحكم الأخلاقي عليها. فالإنسان يصل إلى كمال إنسانيته من خلال أعماله. وبما أن الأخلاق تهدف إلى بلوغ الإنسان كمال إنسانيته وكمال طبيعته التي خلق عليها، فهناك علاقة ثابتة وضمنية بين الأعمال الإنسانية والأخلاق. فالأعمال التي تجلب الخير للإنسان وتبلغ به إلى كمال كيانه وإلى اتحاده بالله تعتبر صالحة من الناحية الأخلاقية. فالصلاح والخير لا ينتجان إذا من نية الإنسان وحسب, بل أولا من محتوى العمل عينه الذي يقوم به. وهذا المحتوى هو ما يتضمنه الناموس الأزلي الذي وضعه الله بحكمته التي تقود كل كائن نحو غايته الأخيرة. وهذا الناموس الأزلي تتم معرفته إمّا من خلال عقل الإنسان, ويقال له إذّاك "الناموس الطبيعي", وإمّا بفضل الوحي الإلهي, ويدعى إذّاك "الشريعة الإلهية". والعمل يكون صالحا أخلاقيا وخيرا، إذا كان الاختيار الحر مطابقا لخير الإنسان وملائما لتوجهه نحو غايته الأخيرة أي نحو الله نفسه. وأخلاقية الأفعال الإنسانية تكتسي في المسيحية طابعا جديدا هو مطابقتها الكائن الجديد الذي ظهر لنا في شخص يسوع المسيح الذي هو "بكر ما بين إخوة كثيرين" (روم8: 29).
ثم تعالج الرسالة العناصر التي تعطي الأفعال الإنسانية صفتها الأخلاقية. وينتقد البابا بعض النظريات اللاهوتية المعاصرة التي لا تقوم أخلاقية الفعل الإنساني إلا استنادا إلى الخيرات التي يبقيها والقيم التي ينوي احترامها. ففي تلك النظريات, "يكون السلوك صالحا بقدر ما ينتج منه خيرات أكثر وشرور أقل" (74). فهناك تيار فكري يحدد مسبقا أن هذا العمل صالح أو سيئ استنادا إلى حساب الخير أو الشر الذي يمكن أن ينتج منه. وهناك تيار آخر يعتبر العمل صالحا أو سيئا "استنادا إلى النسبة المتوفرة بين النتائج الصالحة والنتائج السيئة, بهدف الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الخير أو إلى أقل قدر ممكن من الشر في وضع معين" (75).
ضد هذين التيارين يقول البابا إنه يصعب على الإنسان بل يستحيل عليه تقدير كل العواقب الحسنة أو السيئة التي تنتج من أعماله، ولا يجوز بالتالي إسناد واجب مطلق إلى حسابات يمكن أن تكون موقع جدل لذلك يؤكد "إن أخلاقية الفعل الإنساني مرتبطة ارتباطا أساسيا وقبل أي أمر آخر بما يتضمنه هذا الفعل من موضوع تختاره الإرادة اختيارا واعيا ومنسجما مع العقل" (78). وموضوع الفعل هو محتواه المباشر, كالقتل أو السرقة مثلا، وليس ما ينتج منه من أحداث أخرى كإنقاذ شخص أو إطعام فقير. لذلك, كما يقول كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي: "هناك تصرفات مسلكية واقعية يكون اختيارها على الدوام خطأ, لأن اختيارها يتضمن خللا في الإرادة، أي شرا أدبيا. ويذكّر البابا بقول القديس توما الأكويني: "غالبا ما يسلك الإنسان بنيّة قويمة، ولكن ذلك لا يفيده شيئا, إذ تنقصه الإرادة الصالحة. ومثل ذلك كمثل إنسان يسرق ليطعم فقيرا. فلا ريب في أن نيّته قويمة، ولكن تنقصه استقامة الإرادة، التي بسببها لا تستطيع استقامة النيّة أن تعذر عملا سيئا. "ولِم لا نفعل الشر لكي يصدر الخير، كما يفترى علينا، وكما يزعم قوم أنا نقول. إن الحكم على هؤلاء عدل" (روم 8:3).
ويوضح قداسته أن التعليم الكاثوليكي يركّز على موضوع الأفعال الإنسانية، ويعتبرها قياسا أساسيا لأخلاقيتها، لأن الأفعال الإنسانية إنما توصل الإنسان، من خلال موضوعها، إلى تحقيق كماله وإلى الخير الأسمى الذي هو الله. "ينتج من ذلك أن العمل يكون صالحا إذا كان موضوعه مطابقا لخير الشخص في احترام الخيرات التي لها أهمية كبرى بالنسبة إليه من الناحية الأخلاقية" (78).
وتتوسّع الرسالة في مسألة الأعمال التي هي "شر في ذاتها" Actes "intrinsequement mauvais". ويؤكد البابا مع التقليد الأخلاقي الكاثوليكي، وضد النظريات المعاصرة الغائية teleologiqueوالنسبوية Proportionaliste، وجود مثل تلك الأعمال. فالنظريات الغائية والنسبوية "تدّعي أنه يستحيل، لدى حكمنا على بعض التصرفات أو الأعمال المحددة التي يقوم بها الإنسان بملء إرادته، أن ننعتها بالسيئة أخلاقيا بحسب نوعها- أي بحسب موضوعها-، بقطع النظر عن النية التي تمّ فيها اختيارها أو عن مجمل ما ينتج من العمل من عواقب يمكن استدراكها لجميع الأشخاص المعنيين" (79). إن أي عمل إنساني، بحسب هذه النظريات، يتضمن دوما ثلاثة عناصر: أولا موضوع العمل، ثانيا نيّة فاعله أي الغاية التي يقصدها من عمله، وثالثا العواقب التي تنتج منه لجميع الأشخاص المعنيين به. وللحكم على أي عمل إنساني من الناحية الأخلاقية، يجب على الدوام النظر إلى تلك العناصر الثلاثة معا. فلا يجوز إذا استخلاص أخلاقية أي عمل، أي الحكم هل هذا العمل خير أو شر، استنادا إلى أحد تلك العناصر منفصلا عن الآخرين. في هذه النظرة يُحلّل القتل دفاعا عن النفس أو دفاعا عن الوطن أو إعداما لمجرم، كما تُحلّل السرقة إذا كانت غاية السرقة ونتيجتها إنقاذ حياة من الموت، كما يُحلّل الكذب إذا كانت غاية الكذب ونتيجته إنقاذ حياة بريء أو خيرا آخر مماثلا كالمحافظة على سر الاعتراف أو أي سر آخر ملزم. وفي النظرة عينها يُحلّل استعمال حبوب منع الحمل إذا كانت غاية هذا العمل ونتيجته استقرار الأسرة وتوازن الزوجين النفسي، كما يُحلّل الإجهاض في حالي الاغتصاب والخطر على حياة الأم، كما يسمح أيضا باللجوء إلى الإخصاب الاصطناعي، وهو ما يُدعى عامّة طفل الأنبوب، على أن يكون "إخصابا متجانسا" أي من عناصر الرجل والمرأة المتزوجين وليس من شخص آخر رجلا كان أم امرأة.
إن قداسته في هذه الرسالة لا يأتي على ذكر أي من تلك الحالات، بل يكتفي بتأكيد المبدأ العام وهو "أن العنصر الرئيسي والحاسم للحكم الأخلاقي هو موضوع عمل الإنسان، الذي يقرر هل يمكن لعمله أن يوجّه نحو الخير ونحو غايته القصوى التي هي الله. وهذا التوجيه يجده العقل في كيان الإنسان بالذات, إذا نظرنا إلى الإنسان في حقيقته بكاملها, أي في أمياله الطبيعية وقواه وغاياته التي تنطوي أيضا ودائما على بعد روحي: وهذا هو بالضبط مضمون الناموس الطبيعي, وبالتالي المجموع العضوي "للخيرات لأجل الشخص"، التي توضع في خدمة "خير الشخص", في خدمة الخير الذي هو الشخص نفسه وكماله. وتلك هي الخيرات التي تؤمّنها الوصايا التي, بحسب القديس توما, تحتوي على الناموس الطبيعي كله" (79).
ثم يضيف البابا: "والحال أن العقل يؤكد إمكان وجود مواضيع للعمل الإنساني "لا يمكن توجيهها" إلى الله, لكونها في تناقض جذري مع خير الشخص المخلوق على صورة الله. تلك هي الأعمال التي دعاها تقليد الكنيسة الأخلاقي شرا في ذاتها. إنها شر على الدوام وفي ذاتها, أي بسبب موضوعها عينه, وبصرف النظر عن نوايا فاعلها اللاحقة وعن الظروف. لذلك فإن الكنيسة من دون أن تنكر تأثير الظروف, ولاسيّما النوايا, في الأخلاقية، تعلّم أن هناك أعمالا هي من ذاتها وفي ذاتها, بصرف النظر عن الظروف, على الدوام محرّمة تحريما ثقيلا بسبب موضوعها. والمجمع الفاتيكاني الثاني، في إطار الاحترام الواجب للشخص البشري, يتوسّع في مثل تلك الأعمال فيقول: كل ما يتصدّى للحياة نفسها عداء واعتداء كالقتل بشتّى أنواعه, والإبادة الجماعية, والإجهاض, والإجهاز الرحيم على المرضى، والانتحار المتعمّد, وكل ما ينال من سلامة الشخص الإنساني كبتر الأعضاء, والتعذيب الجسدي والمعنوي, والضغوط النفسية, وكل ما ينال من كرامة الإنسان كالوضع الحياتي الزري الذي دون المستوى البشري, والسجن الاعتباطي, والنفي الإبعادي, والنخاسة والبغاء, والاتجار بالنساء والأحداث, وكذلك أوضاع العمل المُحقّرة التي يُعامل فيها العمال بمثابة أدوات إنتاج لا لأشخاص أحرار ذوي مسؤولية: كل ذلك وكل ما شابهه هو في الحقيقة عار وشنار, وهو إذ يفسد الحضارة البشرية, يشين فاعليه أكثر مما يشين متحمّليه, ويهين شرف الخالق إهانة "جسيمة" (الكنيسة في عالم اليوم, 27) (80).
ويذكّر قداسته. بما قاله سلفه البابا بولس السادس في رسالته العامة "في الحياة البشرية" (25 تموز1968): "في موضوع الأعمال التي هي شر في ذاتها, وبالنسبة إلى ممارسات منع الحمل التي بها يُحرم العمل الزواجي عن قصد من الخصوبة, يعلم بولس السادس: إذا جاز أحيانا, التسامح بشرّ أدبي تجنّبا لشرّ أكبر أو تعزيزا لخير أكبر، غير أنه لا يجوز, حتى لأسباب شديدة الخطورة, فعل الشر ليصدر عنه الخير (راجع روم 3: 8), أي اتخاذ ما هو خلل في ذاته، وبالتالي أمر مشين للشخص البشري، موضوعا لفعل إيجابي تضطلع به الإرادة، حتى ولو كانت النية من ذلك صيانة خيرات فردية أو عائلية أو اجتماعية" (80). وتدعم الرسالة هذا الرأي بقول بولس الرسول: "فلا تغترّوا! فإنه لا العاهرون، ولا عبدة الأوثان، ولا الزناة، ولا المتخنّثون، ولا مضاجعو الذكور، ولا السارقون، ولا الطمّاعون، ولا السكّيرون، ولا الشتّامون، ولا الخطفة، يرثون ملكوت الله" (1 كو 6: 9-10). وتخلص الرسالة إلى أنه "إذا كانت الأعمال شرا في ذاتها، فالنية الصالحة والظروف الخاصة تستطيع تخفيف الشر الذي تنطوي عليه، ولكنها لا تستطيع إزالته. فهي أعمال شريرة لا محالة، من ذاتها وفي ذاتها لا يمكن أن توجّه نحو الله ونحو خير الشخص" (81).
تعليقا على تأكيد هذه الرسالة وجود أعمال هي شر في ذاتها ولا تحتمل أي استثناء، نكتفي بالقول إن تقليد الكنيسة الأخلاقي عينه قد سمح ببعض الاستثناءات ولاسيّما في مواضيع الدفاع المشروع عن النفس والحرب العادلة والسرقة في حال خطر الموت. وهذا ما يشير إليه البابا بولس السادس في المقطع السابق حيث يجيز "التسامح بشرّ أدبي أدنى تجنّبا لشرّ أكبر أو تعزيزا لخير أكبر". إن النظريات اللاهوتية المعاصرة المعتدلة. أغائية كانت أم نسبوية, توافق قداسته على المبدأ العام القائل إن الأعمال لا تتساوى من حيث قيمتها الأخلاقية. فهناك أعمال صالحة تحقق خير الإنسان، وهناك أعمال شريرة تنافي هذا الخير. كما توافق البابا بولس السادس على إمكان التسامح بشر أدنى تجنّبا لشرّ أكبر أو تعزيزا لخير أكبر. ولكنها تختلف معه في تحديد هذا الشر. فتميز بين نوعين من الشر: الشر الكياني الذي هو نقص في كيان الأشياء، مثلا في جسم المرأة الحامل، والشر الأدبي الذي هو انحراف الإرادة عما يقود إلى خير الشخص. فالإجهاض العلاجي لا تعتبره شرا أدبيا أدنى، بل هو شر كياني تسمح به بشكل عابر ريثما يتوصل الطب إلى تجنّبه. وكذلك قتل المجرم في حال الدفاع عن النفس لا تعتبره شرا أدبيا بل هو شر كياني تسمح به إلى أن يزول من العالم الإجرام، وكذلك القول عن الحرب العادلة التي على الإنسان أن يعمل على إزالة دوافعها بنشر العدالة في العالم. فالنظريات اللاهوتية المعاصرة المعتدلة تنظر هي أيضا إلى خير الشخص وإلى ما يعزز كرامته وتوجيهه نحو خيره الأسمى الذي هو الله. ولأجل هذا عينه لا تكتفي للحكم على أخلاقية الأفعال الإنسانية بالنظر إلى موضوعها بل تأخذ بعين الاعتبار أيضا نيّة فاعلها وعواقبها. ولذلك أيضا لا تسمح بالإقدام على شر كياني إلا إذا كان هناك "سبب مناسب"، أي إذا كانت هناك نسبة بين العمل الذي يقوم به الإنسان والقيمة الأخلاقية التي يهدف إلى المحافظة عليها وتكون دوما خيرا. فإذا كان يكفي للدفاع عن النفس شلّ حركة المعتدي، فلا يجوز قتله، لأن الهدف هو إنقاذ حياة البريء وليس قتل المعتدي. وهذا ما يوضحه القديس توما الأكويني نفسه: "قد يكون للعمل نتيجتان يريد المرء إحداهما ويرفض الأخرى. والحال أن الأعمال الأخلاقية تكتسب صفتها المميزة من الموضوع الذي تهدف إليه, وليس مما يبقى خارج النيّة ويبقى، كما نعلم, أمرا عرضيا. هكذا الدفاع عن النفس يمكن أن يستتبع نتيجتين: الواحدة محافظة المرء على حياته, والأخرى موت المعتدي. فهذا العمل يكون جائزا إذا لم يقصد به المرء إلا المحافظة على حياته, إذ من الطبيعي جدا أن يعمل المرء كل ما بوسعه ليبقى على قيد الحياة. ولكن قد يحدث أن يقوم المرء بعمل ما بنيّة صالحة ويكون عمله هذا محرّما، إذا لم تتوفر النسبة بينه وبين الغاية منه. فإذا لجأ المرء للدفاع عن نفسه إلى عنف أعظم مما ينبغي, فلن يكون ذلك دون خطيئة. أمّا إذا صدّ الهجوم بالقدر المناسب، يكون عمله حالة دفاع مشروع عن النفس".
لذلك يجب ألا يعتبر قتل المعتدي عملا مكتملا في ذاته ويُحكم عليه بأنه شر أدبي. إنه جزء من عمل واحد يتضمن عناصر متعددة هي: أولا, غاية العمل أو هدفه, وغاية العمل هنا هي إنقاذ حياة البريء. وثانيا الوسيلة التي يمكن توفّرها لإنقاذ حياة البريء. فقتل المعتدي هو شر كياني ولا يصير شرا أدبيا (أي شرا أخلاقيا) إلا إذا تجاوز النسبة المطلوبة لإنقاذ حياة البريء. التحليل عينه يصح في موضوع بتر الأعضاء الذي هو أيضا شر كياني ويجوز اللجوء إليه في الطب لإنقاذ حياة المريض. أمّا إذا تمكّن الطب من إنقاذ حياة المريض بوسيلة أخرى, تصير تلك الوسيلة الأخرى هي "الوسيلة المناسبة" للهدف, ويصبح بتر الأعضاء وسيلة غير مناسبة, لأنه, كما يقول توما الأكويني "عنف أعظم مما ينبغي". والتفكير عينه يصحّ كذلك في سائر الحالات التي تتضمن شرا كيانيا يقبل به الإنسان كالسرقة في خطر الموت، والكذب للمحافظة على السر المُلزم, والإجهاض العلاجي, واللجوء إلى وسائل منع الحمل الاصطناعية في حال اغتصاب. والإخصاب الاصطناعي من الزوجين نفسيهما إذا لم تتوفر وسيلة أخرى للإنجاب الذي هو قيمة كبرى لأنه أحد أهداف الزواج ويسهم في استمرار الحياة الإنسانية.
لا شك في أن التفكير اللاهوتي المعاصر يفتح الباب واسعا أمام الانحرافات. ولكن أن يقرر المرء في موضوع الأخلاق ويختار الحل الأكثر ملاءمة مع خير الإنسان ليسا أمرا سهلا، ولا يمكن الاكتفاء لذلك بمبادئ الأخلاق العامة ولا بما تأمر به الوصايا أو تنهى عنه. فالحياة البشرية، ولاسيّما في العصر الراهن واكتشافاته المذهلة في مختلف الميادين، هي على قدر كبير من التعقيد. لذلك تتطلب، إلى جانب التمسّك بوصايا الله، عقلا منفتحا على كل نواحي العمل الأخلاقي، ونظرا ثاقبا للإحاطة بأكبر قدر ممكن من عواقبه. وفي كل هذا على المؤمن أن يبقي نظره على الدوام موجّها نحو صليب المسيح. وهذا يقودنا إلى الفصل الثالث من هذه الرسالة.
الفصل الثالث
الخير الأدبي لأجل حياة الكنيسة والعالم

في الفصل الأخير يعود البابا فيؤكد أن القيم الأخلاقية التي تنطوي عليها الأخلاق المسيحية بكامل حقيقتها كفيلة وحدها بأن توصل الإنسان إلى خيره الحقيقي. "فالحرية التي تخضع للحقيقة هي وحدها توصل الشخص البشري إلى خيره الحقيقي. وخير الشخص يقوم على أن يكون في الحقيقة و يفعل الحقيقة" (84). والكنيسة مدعوّة إلى إظهار العلاقة الجوهرية بين الحقيقة والخير والحرية، وذلك في عالم ينزلق نحو النسبية "ويترك للحرية وحدها أن تقرر بشكل مستقل ما هو خير وما هو شر, وذلك بعيدا عن كل موضوعية" (84).
لذلك من واجب الكنيسة مساعدة المؤمنين على اتخاذ قرارات منسجمة في أخلاقيتها مع السيد المسيح الذي أحبّنا ببذل ذاته حتى الموت, موت الصليب. وعلى الإنسان أن يتحرر من الضعف الذي يختبره بالدخول في حقيقة المسيح, حسب قول السيد: "تعرفون الحق، والحق يحرركم" (يو 8: 32). ولقد أظهر لنا السيد المسيح بكلامه وبمثل حياته أن الحرية تتحقق في المحبة أي في بذل الذات وفي الطاعة الكاملة لإرادة الله: "إن جسده المصلوب هو الوحي الكامل للرباط الذي لا ينفصم بين الحرية والحقيقة، كما أن قيامته من بين الأموات هي إعلاء للخصب والقوة الخلاصية اللذين يميزان حرية يحياها المرء في الحقيقة" (87).
ثم يتطرّق البابا إلى العلاقة بين الإيمان والأخلاق. فالإيمان يحتوي على مضمون أخلاقي, إذ يقتضي العمل بوصايا الله. ويصير هذا العمل شهادة أمام العالم, ويبلغ حد الاستشهاد في سبيل القيم الأخلاقية. ثم يورد البابا بعض الأمثلة من بين الشهداء والقديسين الذين فضّلوا الموت على مخالفة وصايا الله.
ثم يبيّن الخدمة التي تقدّمها القواعد الأخلاقية الشاملة والثابتة للشخص والمجتمع، وذلك على الرغم من الشدة التي تظهرها الكنيسة في إعلانها. فالحقيقة لا يمكن أن تُخفى أو تُلطّف، بل يجب عرضها في سبيل خدمة الإنسان ونموّه في الحرية وسعيه نحو السعادة. وهذه القواعد هي الأساس الذي لا يزعزع والضمانة التي لا تزول لتعايش عادل ومسالم بين البشر وبالتالي للديمقراطية الصحيحة. وهكذا يتكشف ما للقواعد الأخلاقية وعلى رأسها للقواعد التي تنهى عن الشر من معنى وقوة على صعيد الشخص والمجتمع. فإنها تحمي الكرامة الشخصية وتحافظ على المجتمع وعلى استقامته وخصبه. والوصايا التي يذكرها السيد المسيح (متّى 18:19) تكوّن الأنظمة الرئيسية لكل حياة اجتماعية، وعلى السلطات المدنية وعلى المواطنين جميعا التقيد بها لكونها تعبّر عن حقوق الشخص البشري الأساسية التي لا يمكن نقضها ولا التخلي عنها.
وكذلك تسهم الأخلاق المسيحية في تجديد الحياة الاجتماعية والسياسية. فالاعتراف بالله خيرا أسمى وبالكرامة الإنسانية الناتجة من كون الإنسان مخلوقا على صورة الله يمنع تسلط الحكام الذي يقود إلى التوتاليتارية (99).
ويذكر البابا أن "التعليم المسيحي الكاثوليكي" يورد قواعد في الموضوع الاقتصادي، فيطلب القناعة والعدالة والتضامن وينهى عن الأعمال التي تسيء الكرامة الإنسانية: كالسرقة, والأجور غير العادلة، وتهريب الضرائب إلخ. "والوصية السابعة تنهى عن الأعمال التي تقود إلى استعباد الكائنات البشرية وإنكار كرامتها الشخصية والمتاجرة بها كما يتاجر بالبضائع" (100). وعلى الصعيد السياسي تقتضي الأخلاق المسيحية احترام حقوق الجميع وبناء ديمقراطية صحيحة (102).
وإن اتباع الوصايا أمر صعب, ولكن الله. مع الوصية, يمنح النعمة لحفظها. فهناك إذا تآزر بين النعمة وحرية الإنسان (103). ولا يجوز أن يجعل الإنسان "من ضعفه قياسا للحقيقة حول الخير بحيث يصل إلى الإدراك أنه قد تبرر من تلقاء نفسه دون أي حاجة للعودة إلى الله وإلى رحمته" (104) ويشير البابا إلى تعليم مثل الفريسي والعشار في هذا القبيل (لو9:18-14).
إن التبشير الجديد الذي يدعو إليه البابا يتضمن الناحية الأخلاقية، لأن "الحس الأخلاقي" قد فُقد في المجتمع المعاصر الذي لم يعد يدرك أصالة الأخلاقية الإنجيلية. فالأخلاق المعاصرة تتميز بالنفعية والنسبية والفردانية. وقد صارت هذه التيارات نظريات ثابتة تتطلّب الاعتراف بها على صعيدي الثقافة والمجتمع (106). واللاهوتيون مطالبون أكثر من سواهم، بالاتحاد مع السلطة التعليمية، بالتعمق في فهم كلام الله المدوّن في الكناب المقدّس وفي تقليد الكنيسة الحي (109). أمّا السلطة التعليمية فدورها أساسي في تنوير ضمائر المؤمنين. فلها يعود "أن تميز، بأحكام على ضمير المؤمنين أن يتّخذها قاعدة له, الأعمال التي هي في ذاتها مطابقة لمقتضيات الإيمان وتعزز التعبير عنه في الحياة، وتلك التي، على عكس ذلك, بسبب ما فيها من شر ذاتي، لا تنسجم مع تلك المقتضيات. والسلطة التعليمية في الكنيسة، إذ تبشّر بوصايا الله ومحبة المسيح، تعلّم المؤمنين أيضا الرسوم الخاصة والمميزة وتطلب منهم أن يعتبروها ملزمة من الناحية الأخلاقية إلزاما ضميريا. وإلى ذلك فإن للسلطة التعليمية دورا هاما يقوم على السهر وبموجبه تنبّه المؤمنين بوجود بعض الضلالات, وإن فقط ضمنية، عندما لا يتمكّن ضميرهم من التعرف إلى صحة الحقائق الأخلاقية التي تعلّمها وإلى حقيقتها" (110).
ثم تتوسع الرسالة في دور اللاهوتيين، الذين يعود لهم تثقيف المؤمنين في كل الوصايا وكل القواعد العلمية التي تعلنها الكنيسة بسلطتها. فاللاهوت الأدبي ليس مجرّد علم على غرار العلوم الإنسانية التي تعالج الأخلاق كمجموعة معطيات تاريخية، بل هو علم يحدد قواعد للعمل، جوابا على الأسئلة الأساسية التالية: "ما هو الخير؟ وما هو الشر؟ وماذا عليّ أن أعمل لأحصل على الحياة الأبدية؟".
لذلك تضيف الرسالة: "إنه يتوجب على العالم في اللاهوت الأدبي أن يتحلّى بالتمييز اليقظ والمتنبه لإطار الثقافة الحاضرة التي هي في جوهرها علمية وتقنية ومعرضة لخطر النسبية والبراغماتية والوضعية. من الناحية اللاهوتية المبادئ الأخلاقية غير مرتبطة بالزمن التاريخي الذي يتم فيه اكتشافها. وإذا كان بعض المؤمنين لا يتبعون في سلوكهم تعاليم السلطة التعليمية في الكنيسة أو ينظرون خطأ إلى مسلك أعلنه الرعاة منافيا لشريعة الله فيعتبرونه هم قويما من الناحية الأخلاقية، فهذا لا يمكن أن يكون برهانا صحيحا لنقض حقيقة القواعد الأخلاقية التي تعلّمها الكنيسة... ذلك أن اعتقادات الناس في المواضيع الأخلاقية تحمل في طيّاتها آثار سقطة الإنسان بالنسبة إلى وضعه الأول, فهي إذن مجروحة بالخطيئة. الإيمان المسيحي وحده يدل الإنسان على طريق العودة إلى البدء" (راجع متّى19: 8). وغالبا ما تكون هذه الطريق شديدة الاختلاف عما تكتشفه العلوم الإنسانية من قواعد لدى عامة الناس. لذالك لا يمكن أن تُعتبر العلوم الإنسانية، على الرغم من القيمة الكبرى التي تنطوي عليها المعلومات التي توفّرها لنا، الدلائل الحاسمة للقواعد الأخلاقية. فالإنجيل هو الذي يكشف الحقيقة الكاملة حول الإنسان وحول مسيرته الأخلاقية. وهو الذي ينير الخطأة وينبههم معلنا لهم رحمة الله الذي يعمل على الدوام ليقيهم اليأس من عدم قدرتهم على معرفة شريعة الله وعلى تتميمها، ويبعد عنهم الادّعاء بأنهم يستطيعون أن يخلصوا دون استحقاق، كما يذكّرهم أيضا بفرح الغفران الذي وحده يمنحهم القوة ليكتشفوا في الشريعة الأخلاقية حقيقة محررة ونعمة رجاء وطريق حياة" (112).
ويحذّر البابا اللاهوتيين من أن يقفوا إزاء السلطة التعليمية في الكنيسة موقف الرفض, وينشروا مناقضتهم تعاليمها في وسائل الإعلام. فإذا كان اختلاف الرأي طبيعيا في إطار الديمقراطية التمثيلية, فلا يجوز أن يكون الأمر كذلك في تحديد العقيدة الأخلاقية. فهذا مخالف للشركة الكنسية وللمفهوم القويم لتكوين شعب الله وما يتضمّنه من رئاسة مقدسة. ولا يمكن اعتبار مناقضة تعليم الرعاة تعبيرا مشروعا للحرية المسيحية ولا لتنوّع مواهب الروح القدس. وعلى الرعاة أن يطلبوا احترام حق المؤمنين في معرفة العقيدة الكاثوليكية في صفائها وسلامتها (113).
ثم يتوجه البابا إلى الرعاة فيقول: "يا إخوتي في الأسقفية، من صميم خدمتنا الراعوية أن نسهرعلى أن يُنقل هذا التعليم الأخلاقي نقلا أمينا، وأن نتخذ الوسائل الكفيلة بحفظ المؤمنين من كل عقيدة أو نظرية مناقضة. في هذا العمل نستعين باللاهوتيين. إلا أن الآراء اللاهوتية لا تكوّن قاعدة تعليمنا، الذي تصدر سلطته، بمؤازرة الروح القدس، وبالشركة مع بطرس والخضع لبطرس, من أمانتنا للإيمان الكاثوليكي الذي نلناه من الرسل. نحن كأساقفة لنا واجب خطير في السهر شخصيا على أن يعلّم التعليم الصحيح (1 تيم1: 10) في الإيمان والأخلاق" (116).
إن الأساقفة يُرسلون، كما يقول بولس الرسول عن نفسه، "للتبشير بالإنجيل، ولكن لا بحكمة الكلام، لئلا يُبطل صليب المسيح" (1 كو1 :17). لذلك يملك جواب الكنيسة على أسئلة الإنسان حكمة وقدرة المسيح المصلوب الذي هو الحقيقة التي تعطي ذاتها. فعندما يطرح الناس على الكنيسة مسائل ضميرهم، وعندما يتوجّه المؤمنون داخل الكنيسة إلى أساقفتهم ورعاتهم، فإنما هو صوت المسيح يسوع، صوت الحقيقة حول الخير والشر الذي يُسمع في جواب الكنيسة. وفي القول الذي تتلفّظ به الكنيسة يرنّ، داخل الكيان، صوت الله الذي "هو وحده صالح" (متّى 17:19) وهو وحده "محبة" (1 يو 16،8:4).
ويختم الرسالة تأمّل حول مريم العذراء أم الرحمة، التي أعطت لنا المسيح الرحيم. فكل خاطئ يخالف مقتضيات الأخلاق ويعيش دون تطلبات الحياة يجد, بالعودة إلى المسيح, تجديدا لكيانه المسيحي. ومريم العذراء، التي كانت تحفظ الأحداث التي لم تفهمها و"تتأمل بها في قلبها" (لو 2: 19)، هي مثال كل "الذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها" (لو 28:11). "لذلك هي إلى جانب الحقيقة وهي تشارك الكنيسة في حِملها عندما تذكّر الكنيسة جميع الناس وفي كل زمان مقتضيات الأخلاق. وللسبب عينه لا ترضى بأن يخدع الإنسان الخاطئ أي شخص يدّعي محبته بتبرير خطيئته, لأنها تعلم أن ذلك يبطل ذبيحة المسيح ابنها. ما من تبرير، وإن أتى على لسان مذاهب فلسفية أو لاهوتية، يستطيع أن يمنح الإنسان السعادة الحقّة: صليب المسيح ومجد المسيح القائم وحدهما يستطيعان أن يمنحا ضميره السلام ويخلّصا حياته" (120).