التَّجَسُّدُ فَيضُ المحَبَّة

 

التجسد فيض المحبة
القِسْمُ الأوَّلُ
التَّجَسُّدُ الأوَّلُ ابنُ اللهِ يَصيرُ ابن الإنسَانِ
الفَصْلُ الأوّلُ
إلهٌ تَامٌّ وَإنسانٌ تَامٌّ
1-الله يصير إنساناً
في ملء الزمّان، يوم صارت البشريّة مستعدّة لتقبّل مجد الله والإشعاع بسناه، ارتضى ابن الله، خالق الكون والمحبّ البشر، أن ينزل من السماء، ويأخذ صورة بشر في أحشاء فتاة من بني البشر، بحسب قول بولس الرسول:
"لمّا بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس" (غلا 4 : 4). 
ابن الله، الإله من الإله، والنور من النور، اتخّذ طبيعتنا البشريّة بملء حقيقتها، فصار جنيناً، ونما وترعرع كما ينمو ويترعرع كل كائن بشريّ. الخالق صار خليقة، الذي لا نهاية له وُسع في الحشا، "الكلمة صار جسداً" ، كما جاء في انجيل يوحنّا (1 : 14).
ندعو هذا العيد باسمين: فإن أردنا تأكيد حدث الله الذي يصير إنساناً، دعوناه "عيد التجسّد"؛ وإن نظرنا إلى دعوة الملاك جبرائيل العذراء مريم لتصير أمّ الله، دعوناه "عيد البشارة".
سنة 451 ، حدّد المجمع المسكونيّ الرابع الملتئم في خلقيدونية حقيقة التجسّد في نصّ يتّسم بعظمة الفكر ودقّة التعبير. لقد ترك لنا آباء المجمع الخلقيدوني تصريحاً هو في آنٍ واحد نشيد لله وإعلان لكرامة الجنس البشري:
"نعلم أنّ ابن الله الوحيد،
ربّنا يسوع المسيح، واحد هو:
إذ إنّه هو نفسه إله حقّ:
أي إنّه في ألوهيّته من ذات جوهر الآب.
وهو نفسه إنسان حقّ:
أيّ إنّه في بشريّته من جوهرنا البشري.
واحد هو، وهو نفسه المسيح، الابن الوحيد، الربّ،
في طبيعتين (طبيعة إلهيّة وطبيعة إنسانيّة)،
دون اختلاط ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال.
إنّ اتّحاد الطبيعتين
لم يُزل ولم يُلغِ بأي شكل من الأشكال ما فيهما من تباين.
بل كلّ واحدة منهما حفظت خصائصها وميزاتها،
لدى اتّحادها بالأُخرى في الشخص الواحد،
الربّ الواحد، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد،
الذي هو نفسه الله الكلمة".
لقد أعلن آباء المجمع أمرين هاميّن: الأمر الأوّل هو أنّ اتّحاد الله بالجسد البشريّ هو اتّحاد حقيقيّ في صُلب الطبيعة، به اتّحدت طبيعة الله بطبيعتنا البشريّة؛ والأمر الثاني هو أنّ هذا الاتحاد بين الألوهيّة هو اتّحاد من نوع خاصّ، بحيث لا تسيطر طبيعة على أخرى ولا تغيّرها. فالطبيعة الإلهيّة تبقى إلهيّة، والطبيعة البشريّة تظلّ بشريّة، ومع ذلك فالاتّحاد هو في تمام الكمال. فالمسيح هو معاً إله تامّ وإنسان تامّ. وهذا الاتّحاد الخاص بين الألوهيّة والبشريّة يجعل ما هو بشريّ يصير، بنعمة من الله، ما اللهٌ عليه بالطبيعة.
الأمر الأوّل يؤكّده القدّيس بولس بقوله: "في المسيح يحلّ كلّ ملءِ اللاهوت جسديّاً" (كو 2:9).
لا تتغير في طبيعة المسيح الإلهيّة ولا صيرورة. لا انتقال للطّبيعة من نوع إلى آخر. فإنّ شخصَ "كلمة" الله، الأقنومَ الثّاني من الثّالوث الأقدس، باتّخاذه الطبيعة البشريّة، بقي إلهاّ كما كان منذ الأزل وكما سيبقى إلى الأبد. ولكن في الوقت نفسه كان في جسد حقيقي، وصار شريكاً لنا في اختباراتنا البشريّة.
لذلك يمكننا القول حقّاً إنّ الله تجسّد، وإنّ الله وُلد وعطش وجاع، وإنّ الله تألّم ومات وقام، وإنّ الله صعد إلى السماوات.
لنسمع غريغوريوس النَزِيَنْزي ينشد للإنسان الحقيقي والإله الحقيقي الحاضريْن كليهما في تجسّد المسيح:
"إنّه قد وُلد،
ولكنه كان من قبلُ مولوداَ.
وُلد من امراة،
ولكنّه حفظها عذراء.
لُفّ بأقمطة،
إلاّ أنّه رمى أكفان القبر
لمّا قام من بين الأموات.
وُضع في مذود،
غير أنّ الملائكةَ مجّدته،
والنجمَ أعلن عنه،
والمجوسَ سجدوا له.
لم يكن له صورةُ بهاء
في أعين شعبه،
ومع ذلك فقد رأى فيه داودُ
أجملَ بني البشر.
على جبل التجلّي كان لامعاً كالبرق،
وصار وجهه مضيئاً أكثر من الشّمس،
فأدخلنا في نور أسرارِ ما سوف يأتي.
تقبّل المعمودية لكونه إنساناً،
إلاّ أنّه غفر الخطايا لكونه إلهاً.
جُرّب لكونه إنساناً،
غير أنّه انتصر لكونه إلهاً.
قاسى الجوع،
لكنّه أطعم الآلاف.
عرف ما العطش،
لكنّه نادى: "إن عطش أحد فليأتِ إليّ ويشرب".
اختبر التّعب،
إلاّ أنّه سلام المُتعَبين.
إنّه يصلي،
لكنّه أيضاً يستمع الصّلاة.
إنّه يبكي،
لكنّه هو الذي يضع حدّاً للدُّموع.
يسأل أين وُضع لعازرُ الميْتُ، لكونه إنساناً،
لكنّه يقيم لعازر من الموت، لكونه إلهاً.
كشاة سيق إلى الذبح،
غير أنّه هو راعي العالمين.
سُحق وجُرح،
لكنّه هو الذي يشفي الأمراض والجراح.
رُفع وسُمِّر على عُود،
لكنّه هو الذي بعود الحياة يحيينا.
وضع حياته،
لكنّ له سلطاناً أن يسترجعها.
إنّه يموت،
لكنّه يمنح الحياة،
يموت، وبموته يبيدُ الموت".
إنّ الطريقة التي ظهر فيها الله يدعوها بولس الرّسول "إخلاء". فابن الله قد "أخلى ذاته، آخذاً صورةَ عبد" (في 2: 7)، أي إنّه أفرغها من كل علامات المجد المرتبطة بألوهيتّه. لم يتخلّ عن ألوهيته، بل سَتر ما فيها من سِمات المجد، وصار خاضعاً، ليس لما في الطبيعة البشرية عامّةً من حدود وحسب، بل أيضاً لحدودِ التّاريخ الذي أتى فيه، والعِرق الذي أُخذ منه جسداً.
الأزليّ خَضع للزمن، ومُعطي الناموسِ خضع لناموس موسى، إذ "وُلد من امرأة، وُلد تحت النّاموس" (غلا 4 : 4). بقي الله إلهاً كما كان، وتشرّبت بشريّتنا الألوهة. لذلك يجوز لنا القول: "إنّه ما من أمر بشريّ يمكن أن يكون غريباً عن المسيح"، الذي هو الإله الإنسان، أو بالحريّ الإلهُ الصائرُ إنساناً.
2- الإنسان يصير إلهاً: التألّه
إنّ الذات الإلهيّة قد اتّحدت اتّحاداً حقيقيّاً بطبيعتنا البشريّة. لذا يمكننا القول دونما تردّد لذا يمكننا القول دونما تردّد: إنّ كلّ قوة في جسدنا البشريّ صارت، في جوهرنا، نغماً شريفاً ولحناً مقدّساً. اللهُ الآبُ منحَ ابنَه طبيعةً بشريّة. لذا يمكننا القول إنّ الجسد البشريّ هو أثمن هديّة يمكن الله أن يقدّمها، إلى جانب تقدمة ذاته. "لقد شاهدنا مجده" (يو1: 14) في جسد طفلٍ عريان. نحنُ المسيحيّين نرى في الجسد البشريّ هديّةً ونعمةً، وأداةً إلهية بها ألّه الله الكونَ بأسره. ولمّا صعد إلى السماء في هذا الجسد عينه، نقلنا معه ونقل الكون كلّه إلى الآب، ينبوعِ كياننا ومصدره. هذا هو التألّه.
إنّ عقيدة التألّه هي، في ديانتنا المسيحيّة، التعليمُ الأهمَ. وقد أُغفلت وأهملت، حسب قول فلاديمير لوسْكي، "لانشغالنا الوحيد بأمر خلاصنا، أ, بالحريّ لأنّنا لم ننظر إلى اتّحادنا بالله من ناحيته السلبيّة، أي بالنسبة إلى شقائنا الحاضر الذي أُنقذنا منه".
إنّ الله، باتّحاده بطبيعتنا، لم يغيّر ذاتَه، ولم يغيّر بشريّتنا. بل قدّم ذاته نعمة وهبة لبشريّتنا، ورفعها إلى أعلى مستوى من الكيان. لقد أَلّهَنا، أي إنّه منحنا النعمة والمقدرة على أن نحبّ من محبّته ونحيا من حياته.
بنعمة التألّه يتاح لنا أن نفكّر ونحبّ ونعمل على مثال الله. إنّها لّعطيّة مجّانيّة، عطيّة حياة مقدّسة معه. لا خليقة تستطيع بقوّتها الذاتيّة أن تفكّر أو تحبّ أو تعمل على المستوى الخاص بالله. ولكنّ الله، بمجيئه إلينا واتّخاذه طبيعَتنا، منحنا المقدرة على أن نفكّر كما يفكّر هو، ونحبّ كما يحبّ هو، على أن نفكّر ونحبّ ونكون حقّاً على مثاله، فنصير واحداً معه في الفكروالقلب. وقد عبّر عن هذا أروعَ تعبير القدّيسُ أثناسيوس بقوله: "إنّ الله قد أتى إلينا ليحمل جسدنا، فيُتاح لنا أ، نصير نحن حاملي الروُّح".
في التجسّد اتّسمت بشريّتنا بسمات الله، وارتدت إنسانيّتُنا بهاءَ الله، وصارت المادّة في الكون "جوّاً إلهيّاً" يحيا فيه الله، وفيه يتنشّق الحياة والحبّ. وعندما نقدّم ذواتنا للمسيح تقدمةً حرّة تامّة، ونقبل نهج حياته، يتحقّق اتّحادنا التامّ به، ويصير التألّه فاعلاً فينا في كلّ أبعاده.
إنّ عقيدة التألّه هذه هي الفكرة الأولى والرئيسة لتصريح مجمَع خَلقيدونية.
3- وحدةُ الألوهيّة والبشريّة
الأمر الثاني الذي أكّده المجمع الخلقيدوني هو أنّ اتّحاد الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة في شخص المسيح الواحد لم يكن اختلاطاً ولا امتصاصاً يُبطِل فيهما أحدُ العنصرين العنصرَ الآخر أو يزيله. فالألوهيّةُ في المسيح بقيت تامّة وسالمة باتّحادها ببشريّته، وبشريّتُه ظلّت تامّة وفاعلة باتّحادها بألوهيّته. الألوهيّة لبست البشريّة، والبشريّةُ ارتدَت الألوهيّة. وهكذا تألّهت البشريّة.
إن تأليهَ البشريّة، أي تقديسَها، يقوم إذاً أوّلاً وقبل أيّ أمر آخر على عطاء اللهِ ذاتَه لنا ليسكن هو نفسه فينا.
لقد اختار الله أن يصير محور كلّ فكر لنا أو قرار أو رغبة.
لقد وهب لنا ذاته في وحدة أشدَّ ما تكون ألفة وقُرباً.
إنّه يسكن فينا كما يسكن في هيكله الخاصّ،
إنّه يقيم فينا كما يقيم في جوّه الخاصّ. إنّه يصير هو نفسُه قداستَنا.
لذلك لا تأتي قيمة أعمالنا الدينيّة ممّا نعمل نحن،
بل ممّا يملأنا به الله من إيمان ومحبة ورجاء.
إنّ قيمة أعمالنا هي في مدى انفتاحنا لله،
ليرى هو نفسَه فينا، ويُعنى بالكون من خلالنا،
ويصيرَ هو عمقَ ذاتنا.
إنّ الله يهب لنا ذاته لنحيا من حياته،
ونفيضَ بها على الآخرين.
تلك هي النعمة في نظر اللاهوت الشرقي.
إنّها ليست مساعدة تأتينا من الخارج من وقت إلى آخر لتسند ضعفنا.
بل هي سُكنى الله فينا، ليعمل هو نفسه فينا ومعنا.
ومن ثمّ يغدو عملُنا البشريّ عملَنا نحن
وفي الوقت عينه عملَ الله فينا.
تلك هي النعمة، وهي عينها التألّه.
4- الجسد علامةُ الوحدة
نتيجةً لهذا التعليمِ الساميّ، أَعلن مجمع خلقيدونية أنّ بشريّة المسيح ليست بشريّةَ كائنٍ فرْدٍ وحسب، هو شخص يسوع المسيح، بل بشريُّة كلّ واحد منّا. فالقول "إنّ الله صار جسداً" يعني، في عرف الكتاب المقدّس والمسيحيّة، أنّ الله قد صار كائناً بشريّاً حقيقيّاً، بجسد بشريّ حقيقيّ وروح بشريّة حقيقيّة، واتّخذ كلَّ ما تضمنته بنيةُ الكائن البشريّ، وما يقتضيه تطّورُه، مع كلّ مفاجآت الوجود البشريّ. ويعني هذا القول أيضاً أنّ الله صار مادّة. فالجسد يشير إلى المادّة الطبيعيّة التي تتكّون منها البشريّة، إنّه الجزء المأخوذ من الكون، إنّه المادّة عينها التي تتكوّن منها النجوم والكواكب، وحتى جزئيّات الغبار التي تملأ الفضاء بين النّجوم. إنّ "الجسد" يعني إذاً الاتّحاد مع الكون المخلوق بأسره بقدر ما يعني الاتّحاد والتضامن مع كل كائن بشريّ.
إنّ للفظة "جسد" علاقةً وثيقة بمفهوم آخر نجده في العهد القديم والعهد الجديد، ألا وهو مفهومُ "التُّراب". إنّ الجسد والتراب يشيران، في كلا العهدين، إلى الإنسان بكامله. إنّهما رمز للإنسان بمجمله من حيث هو، في عُمق ذاته، مُباين لله في طبيعته الهشّة وفكره العاجز ومسلكه الأخلاقيّ المتقلقِل. وهذا الضّعف الإنسانيّ يَظهر في ما يرتكبه الإنسان من خطايا، كما يظهر في الموت الذي لا بدّ له أن يعبره. فالقول إنّ "الإنسان هو جسد"، والقول إنّ الإنسان هو تراب هما إذاً في جوهرهما قولان مترادفان على نحو بعيد.
وقد استخدم الكتابُ المقدّس رمزَ التراب للتعبير عن جوهر الإنسان في قول الله لآدم بعد الخطيئة الأُولى: "بعَرق وجهكَ تأكل خبزكَ حتى تعود إلى الأرض التي أُخذتَ منها، فإنّّك تراب وإلى التراب تعود" (تك 3 : 19). إنّ التراب هو صورة الإنسان بكامله في جسده وروحه، وقد ورد التّعبير عن ذلك في العهد القديم بطرق مختلفة، كما في النصّ الآتي: "كما يرأف الأبُ ببنيه، رئف الربّ بالّذين يتّقونه، لأنّه عالِم بجبلتنا وذاكر أنّنا تراب" (مز 102 : 13_14).
وإذا ببُشرى الخلاص تُعلَن في مِلْءِ الأزمنة، ويترجّع صداها في جنبات الكون: "الكلمة صار جسداً"، أي إنّه صار تراباً، صار ما نحن عليه. بيد أنّ الجسد والتراب، في التجسّد، لا يعنيان مجرّدَ انحدار الله إلى اللاشيء، إلى الخطيئة والموت، فهذا الانحدار إنْ هو إلاّ سبيلٌ إلى الارتقاء بالبشريّة إلى الله، إلى الأزليّة والخلود. حركةُ الانحدار إلى الجسد والتراب هي لنا حركة ارتقاءٍ وصعود إلى أعلى السَّماوات، إلى التألّه.
لذلك عندما يقول الإنجيل المقدّس إنّ كلمة الله "صار جسداً"، يعني بذلك أنّ كلّ كائن بشريّ في الجسد قد دخلت فيه الألوهة واتّحد بالله. لمّا صار الإله إنساناً، صار الإنسانُ وصار البشرُ كلّهم مشاركين الألوهة، وتغلغلت فيهم سِمات المسيح الإلهيّة. إنّ في التجسّد تبادلاً بين الله والإنسانيّة. غير أنّ الإنسانيّة، في هذا التبَّادل، بقيت كما هي، أي خليقة، وظلّ الله كما هو، أيّ خالق الكلّ وإلههم.
إنّ الجسد، في هذه النظرة الرّائعة التي هي نظرة المسيح نفسه، هو إذاً علامة ورمز.
إنّه الحقيقة المرئيّة للوحدة غير المرئيّة للجنس البشريّ بأسره وللعالم الماديّ بكامله. فكما أنّ جسد آدم كان العلاقة والرمز لوحدة الخليقة كلّها، هكذا جسد المسيح، "آدم الثّاني"، هو علامةٌ ورمز لوحدة جميع البشر والخليقة كلّها.
5- آدمُ الأوّلُ وآدم الثاني
تُبيّن لنا حكاية آدم وحوّاء في الفردوس أنّه طالما كان الإنسان في سلام وانسجام كاملين مع الله، كان السّلام والانسجام سائدين في كلّ مكان، والفردوسُ والسعادة يشملان كلّ الكائنات. إنّ الخليقة كلّها كانت في سلام بفضل وحدتها مع آدم. ولكن لمّا فقد آدم السّلامَ والانسجام في داخله فقد معهما الفردس، وفقده البشرُ كلّهم والخليقةُ كلّها، بسبب تضامن آدم واتّحاده بالبشر كلّهم وبالخليقة برمّتها.
إنّ حكاية سقوط آدم في الخطيئة ورواية نتائج خطيئته هما رمز وتعبير عن نظرة الكتاب المقدّس إلى تضامن كلّ الأجساد وكلّ البشر في علائقهم المتبادلة بعضُهم مع بعض.
يقول بولسُ الرسَّول إنّ يسوعَ المسيحَ، ابنَ الله، هو، بالنسبة إلى الإنسانيّة كلّها والخليقة بأسرها، آدمُ الثّاني. إنّه آدم الثاني لأنّه جمع في ذاته التاريخَ البشريّ برمّته، ومعه وبه بدأت البشريّة مرحلةً جديدة من رحلتها الطويلة نحو النضوج الذي سوف يتمّ لها عندما تصير كلّها واحداً، فتكّون، بحسَب قول بولسَ الرسّول، "إنساناً واحداً كاملاً في المسيح" (أف 4 : 3).
يسوعُ المسيحُ هو آدمُ الثّاني، أي الإنسان الجديد الذي فيه تَجدّد كلّ شيء، ومعه بدأ اتّجاه جذريّ جديد في البشريّة والخليقة بأسرها. الشعوبُ كلّها صارت جسداً واحداً مع البشريّة. يقول القدّيس كيرلّس في تفسيره لإنجيل يوحنّا:
"إنّ الابن الوحيد المولود من الآب له في طبيعته كلُّ كيان الآب.
ولمّا صار بشراً امتزج بطبيعتنا البشريّة،
واتّحد بجسدنا البشريّ اتّحاداً لا يمكن وصفه بكلام بشريّ.
إنّه في آنٍ واحد إلهٌ وإنسان.
يوحّد في ذاته، على نحو خاص،
ما هو مباين له أشدَّ التباين،
ويجعله مشاركاً له في طبيعته الإلهية".
6- الوحدةُ والتضامنُ بين كلّ جسد
يفسّر القدّيس بولس في رسائله هذه الوحدةَ وهذا التضامن بين كلّ جسد وكلّ مادة على ضوء ما أوصى به الله موسى في العهد القديم. فلقد أمر الله أن تُقدَّم له بواكيرُ الثمار وبواكير الحَصاد، وأن يكرّسَ له أيضاً البكْرُ الذَّكَر من كلّ أسرة. ويقول القدّيس بولس إنّ تقدمة الثمار الأولى لله هي اعتراف بأنّ كلَّ ما سيأتي من ثمار ومحاصيل هو أيضاً ملكُ الله. وتقدمة البكر من كل أسرة هي علامةُ تقدمةِ كلِّ الّذين سيولَدون من الحشا نفسه. فالأسرة كلّها هي ملك الله، بحسب القول المأثور: "الواحد في الكلّ، والكلّ في الواحد".
والقدّيس كيرلّس الأورشليميّ يتوسّع في هذا الموضوع، فيقول:
"مهما كنّا عليه من التباين والانقسام، فلقد هيّأ لنا الابنُ الوحيد المولود من الآب وسيلةً ليجمعنا ويوحّدنا في تجسّده كما يوحّدنا أيضاً في تناول جسده. من يستطيع أن يفرّق بين أولئك الذين وحّدهم به؟ من يمكنه أن ينزع عنهم تلك الوحدة الطبيعيّة التي تربط بعضَهم ببعض في وحدة المسيح بواسطة جسده المقدّس؟"
ويؤكّد غريغوريوسُ النّيصي أنّه، في ضوء التجسّد، يجب على المسيحيّين أن يُعلِنوا بقوّة وثبات حقيقة وحدة كلّ جسدٍ في المسيح، فيقول:
"إن وحدتنا هي على هذا القَدْر من الحقيقة بحيث لا يمكننا من بعد أن نتكلّم عن "النّاس" بصيغة الجمع، كما أنّه لا يمكننا أن نتحدّث عن التعدّد في الله عندما نقول "الآب والابن والرّوح القدس".
نحن المسيحيّين نحيا في انسجام مع الآخرين، لأنّنا ندرك تمامَ الإدراك وحدتَنا مع المسيح ومع الآخرين. يمكننا أن نحبّ ونسامح، لأنّنا نعرف معرفة اختبار أنّنا جميعاً واحد. نتّحد بالآخرين لأنّنا نعي وحدتنا مع المسيح. وكذلك نرتبط بالكون، ونؤكّد أنّ كلَّ شيء حَسنٌ، لأنّنا نرى كلّ الأشياء وكلّ الناس قد صاروا واحداً في المسيح. فالمسيح هو حقيقة كلّ ما هو حقيقيّ.
7-المفهوم اليونانيّ للجسد
إنّ مفهوم الفلسفة اليونانيّة "للجسد" والمادّة مناقض كلَّ المناقضة للنّظرة الكتابيّةِ الرّائعة. فالفلسفة اليونانيّة تعتبر أنّ المادّة والجسد مكوّنان من أجزاء وذرّات. والأجزاء والذرّات محدودة في ذاتها، وتضع حدوداً داخل الكائنات. لذلك هي عناصر تفرقة. وبما أنّ الجسد البشري مكوّن من أجزاءٍ تَحُدّ وتُقسِّم وتفرِّق، اعتقد الفلاسفة اليونانيّون أنّه غير جدير بأن تقيم فيه الروّحُ البشرية، فاعتبروه سجناً للروح، وحدّدوا الكائن البشريّ روحاً تسكن قَسْراً في جسد، وليس، كما يقول الكتاب المقدّس، جسداً تحييه روح. والروح والجسد هما، في عرفهم، عدوّان أحدهما للآخر.
يرى أفلاطون أنّ النفس البشريّة التي لا تموت ولا تفنى كانت في الله قبل خلق المادّة. وإذ سقطت في الخطيئة عاقبها الله بأن رمى بها في جسد مادّي "تجسّدت" فيه كما في سجن. وبما أنّ الجسد هو للنفس سجنٌ كريه، وجَبَ، في نظر أفلاطون، أن يُرذَل ويعاقَب. ويذهب هذا الفيلسوف إلى القول بأنّه يجب أن يُقضى على الجسد لتتحرّر منه النفسُ وتطير عائدةٌ إلى مصدرها. ولقد طَوّرت الغنوصيّةُ والمانويّةُ هذه الفلسفةَ اليونانيّة في منهج مسلكيّ صار على جانب كبير من النفوذ بحيث دخلَ الفكرَ المسيحيّ وأفسده على مدى أجيال. والجسد الذي هو، في نظر الإنجيل، علامةُ مجدٍ واعتزاز، صار مرادفاً لعدوّ من أعداء الله. وانتشرت في اللاهوت الغربيّ الفكرةُ القائلة بأنّ أعداء الله ثلاثة:
"العالم، والجسد، والشّيطان".
8- المفهومُ المسيحيّ للجسد
أمّا في نظر الكتاب المقدّس ونظر المسيحيّة، فالشَّخص البشريّ ليس "روحاً مُعتقَلة في جسد"، بل هو، على العكس من ذلك، "جسد تُحييه روح". والجسد والروح مقترنان في الحبّ، بحيث يمكن القول إنّ الجسد هو كالعروس التي يملأها الله بنعمته وبهائه. فالله لم يوحّد بين الروح والجسد عقاباً للروح ولا انتقاماً منها، بل حبّاً بها.
إنّ الجسد، في نظرنا نحن المسيحيّين، هو جزء من الكون ويمثّله بأسره. إنّه خباء وسُكْنى لمسرّة الله. لذلك نعتقد أنّ الله قد خلق الجسد بدافع من حبّه، وبدافع من حبّهِ اتّخذ هو نفسُه جسداً. ونؤمن أنّ المسيح، لمّا وَحّد في ذاته الجسدَ والخليقة، أعادهما إلى مجدهما الأوّل، وإلى الآب الذي منه صَدرا.
إنّ الخليقة بأسرها تجد في جسد يسوع المسيح مبدأَ وحدتها وتضامنها. هذه الحقيقة هي الخيط الذهبيّ الذي نَسَج منه الفكرُ المسيحيّ تعليمه على مدى التّاريخ، وبه اتّسم واتّخذ معناه المميّز الذي لا يمكننا الإحاطة بأبعاده مهما توغّلنا في الحديث عنه.
إنّ ابن الله، بتجسّده، وحّد في ذاته السماءَ والأرض،
ووحّد الخالقَ بخليقته.
لذلك، بموته لأجل خطايا البشر،
ماتت البشرية الخاطئة كلّها فيه ومعه،
وأُزيلت بموته الخطيئةُ وامّحَت.
وبقيامته من بين الأموات،
قامت البشريّة كلّها فيه ومعه،
وشاركته في حياته الجديدة.
وبصعوده إلى السماء وجلوسه إلى يمين الله الآب،
أعيدت البشريّةُ فيه ومعه إلى بهائها الأوّل.
البشريّة كلّها، بل الخليقة بأسرها،
هي فيض من محبّة الله الثّالوث،
وفي المسيح الإله أُعيدت إلى الله الثّالوث.
إلى هذه النظرة تستند المسيحيّة في قولها إنّ الأسرار تَحمل نعمةَ الله وحياتَه. فإنّ مادّة الأسرار ليست الخليقَة الخاطئة بل الخليقةُ التي اتّحدت بالله في تجسّد المسيح، وقامت معه بقيامته، وامتلأت من حياته بصعوده إلى السماء. وبما أنّ المادّة قد امتلأت من الحقيقة الإلهيّة، ففي وسْع قطعةٍ من الخبز أن تصير إفخارستيّا وقرباناً مقدّساً، فتحمل الإله الحيّ وتوزّعه، وفي وسع بعضٍ من الماء أن يصير، بالمعمودية، قناةً لحياة الله والتماثل مع المسيح، ونقطةٍ من الزّيت، في الميْرون، أن تمنح الروّح القدس، وإيقونةٍ أن تكون سرّ المسيح وحاملة الروح.
في التجسّد صار المسيح جوهرَ البشريّة ومحورَ الخليقة المرتبطَ بجميع الكائنات. إنّ التجسّد هو عملُ محبّةٍ محض، أراد الله أن يصير واحداً مع خليقته.
لقد أعلن آباء الكنيسة الشرقيّة مراراً أنّ التجسّد غير مرتبط بخطيئة الإنسان، بل بمحبّة الله. أي إنّه، وإن لم يخطأ الإنسان، لكان اللهُ الكلمةُ تجسّد. فالله قد خلق العالم بدافع من محبّته، وليس عن حاجة إليه. إنّه بحق يُدعى "المحبَّ البّشر" الذي يحبّ خليقته وكلّ وجه بشريّ في هذا العالم. إنّ ما حمله على التجسّد ليس حاجة البشريّة الخاطئة إلى الخلاص، بل فيض محبّته التي أراد أن يُغدِق بها على النّاس، ودفق حيته التي أراد أن يملأهم بها. لقد صار الله جسداً، رغبة منه في أن تتجلّى ألوهيّته في البشريّة التي خلقها وقَصد منذ الأزل أن تكون هي المقرّ المصطفى لسكناه والمكان المحبوب لحضوره.
الفَصْلُ الثَّاني
حِكَايَةُ التّجَسُّدِ
1- حكاية التجسّد كما رواها الإنجيل المقدّس
" في الشهر السّادس، أُرسل الملاك جبرائيل من قبلِ الله،
إلى مدينة في الجليل تسمّى النّاصرة،
إلى عذراء مخطوبة لرجلٍ اسمهُ يوسف،
واسمُ العذراءِ مريم.
فلمّا دخل الملاك إليها، قال لها:
"السّلام عليك، يا ممتلئةً نعمةً، الربّ معك".
فاضطربت مريم لهذا الكلام،
وجعلت تفكّر ما عسى أن يكون هذا السّلام.
فقال لها الملاك:
"لا تخافي يا مريم، فلقد نلتِ حظوةً عند الله.
وها أنت تحبلين، وتلدين ابناً، وتسمّينه يسوع.
إنّه يكون عظيماً، وابنَ العليّ يُدعى.
وسيعطيه الربّ الإلهُ عرشَ داود أبيه،
ويملك على بيت يعقوب إلى الدّهر،
ولن يكون لملكهِ انقضاء".
فقالت مريم للملاك:
"كيف يكون ذلك، وأنا لا أعرف رجلاً؟"
فأجاب الملاك وقال لها:
"الروّح القدّس يأتي عليك، وقدرةُ العليّ تظلّلك،
ومن أجل ذلك، فالقدوّس الذي يولد منك يدعى ابنَ الله.
وها إنّ أليصابات نسيبتك
قد حبلت، هي أيضاً، بابن في شيخوختها،
وهذا الشهر هو السّادس لتلك التي تُدعى عاقراً،
إذ ليس من أمر يستحيل على الله".
فقالت مريم:
"أنا أَمَة الربّ، فليكن لي بحسَب قولك".
وانصرف الملاك من عندها" (لوقا 1 : 26_38).
"والكلمةُ صار جسداً وسكن في ما بيننا" (يو1 : 14).
ابنُ الله وكلمتهُ، الإلهُ من الإله، صار بشخصه إنساناً، واتّخذ هو نفسه، في شخصه الإلهي، الجوانبَ المتعدّدة المرتبطة بحياةِ الإنسان. إنّ مَن لا زمن له دخل في الزمن، وتاريخ البشر صار به تاريخ الله. الصّمت والسّجود وحدهما يَلقيان بعظمة سرّ التجسّد.
2- إيقُونة التجسّد
إنّ حكاية التجسّد التي يرويها الإنجيل المقدّس تعبّر عنها، في كل ما فيها من عظمة وبهاء، إيقونةُ التجسّد، من خلال مواقف الأشخاص وألوان الرَّسم.
إنّ هذه الإيقونة هي مشهد عذب يمتدّ على دفّتي الأبواب الملوكيّة، ويعيد، عبر عظمةِ المواقف وروعة الألوان وسكينة الحِوار، ذكرى الحدث التاريخيّ الذي جرى في النّاصرة منذ ألفي سنة، ويجعله حاضراً أمامنا حضوراً حقيقياً.
العذراء مريم تحتلّ جهةَ الباب اليُمنى، والملاكُ جبرائيل الجهةَ اليُسرى. السماء تقف وجهاً لوجه إزاء الأرض، والأرض تلتفّ بسرّ الله الذي يعرض على خليقته إقامةَ عَلاقات جديدة معها.
مريم والملاك ينتصبان أمام رسم هندسيّ يشير إلى أنّ الحدث قد جرى على الأرض. العذراء تقف في مكان يرمز إلى مَنزل، في حين يقف الملاكُ جبرائيل أمام برج شاهقٍ يمثّل السّماء. والمكانان متّصلان أحدهما بالآخر بمنديلٍ حريريّ أحمر ملتفٍّ في أعلاهما، دلالة على أنّ السماء قد ارتبطت بالأرض، والأرض صارت سماء.
الكتاب المقدّس موضوعٌ على منبرٍ مفتوحاً. لقد أنهت مريم قراءةَ الصّراخ الذي أطلقه أشعيا النبيّ، باسم البشريّة جمعاء المترقّبةِ بشوق مجيءَ المسيح:
"أقطري أيّتها السمّاوات من فوق،
ولتمطرِ السّحبُ الصدّيقَ.
لتنفتحِ الأرض،
وليثمر الخلاص،
ولينبت البِّر" (أش 45 : 8).
في الإيقونة نجد ذواتنا في الّلحظة التي قَبلت فيها مريمُ دعوةَ الله وقالت: "ليكن لي بحسّب قولكَ" (لو1 : 38). وقبول مريم هو عنصر أساسيّ في سرّ التجسّد، لأنّ الله لا يفرض ذاته على الإنسان، بل يقدّم ذاته وينتظر جوابَ الإنسان. في هذا يقول اللاهوتي الأرثوذكسي نيقولاس كاباسيلاس، في عظته ليوم عيدِ البِشارة:
"لم يكن التجسّد عملَ الله وحسب، بل كان أيضاً عمل إرادة العذراء وعمل إيمانها. لولا موافقة العذراء الكلّية القداسة، ولولا إسهام إيمانها، لاستحال تحقيقُ تصميم الله، كما كان استحال لولا تدخّلُ الأقانيمِ الإلهيةِ الثّلاثة أنفسِهم. لقد اختار الله مريمَ العذراء أُمّاً له، واتّخذ منها الجسد الذي قبلت أن تمنحه إيّاه. وكما تجسّد بإرادته وملء رضاه، هكذا أراد أن تمنحه أمّه الولادةَ بإرادتها وملء رضاها".
مريم العذراء هي حوّاء الجديدة، وهي أمّ الله وأمّ كلّ حيّ. فإنّها باسمنا جميعاً قد قبلت دعوةَ الله وقالت: "ليكن لي بحسب قولك".
الملاك ينحني أمامها بتهيّب شاكراً لها قبولَها. ومن إحدى زوايا السّماء ينزل الروح القدس ليحلّ عليها ويظلّلها ويملأها بنعمته وحضوره.
تتمّةً للمدلول العقائديِّ الذي يحمله سرُّ التجسّد، نجد بإزاء مشهد البشارة مشهدَ الإنجيليّين الأربعة. فهم جالسون على منابرهم يكتبون إنجيلهم، وفي هذا إشارة إلى أنّه كما حلّ الروح القدس على العذراء مريم ليحقّق فيها تجسّد ابنِ الله، فيصير ابنُ الله فيها ابنَ الإنسان، هكذا حلّ أيضاً على الإنجيليّين ليتمّ في إنجيلهم تجسّدُ الكلمة، فيصير كلمةُ الله من خلالهم كلمةَ الإنسان. لذلك ندعو الإنجيلَ "التجسّدَ الثّاني"، ما سنبيّنه في القسم الثاني من هذا البحث.
وقرب النافذة، فوق رأس مريم، تَرفعُ بعضُ الأزهار الحمراء الوضيعة تيجانَها في تمايل واعتزاز، متصاعدةً إلى السماء، معبّرة عن حنان هذا الوجه الأنثويّ الواقف بمجد واتضّاع أمام الملاك الذي أتى إليها من قبل الله يطلب منها موافقتها.
3- ليتورجيّا التجسّد
ما يكتبه الإنجيل في وحي الكلمات تعبّر عنه الإيقونةُ في بهاء الألوان، وترنّم به الليتورجيّا في مجد الألحان. كلّ النواحي الإلهيّة لسرّ التجسّد تعلنها الليتورجيّا وتتغنّى بها في روعة التعابير الأدبيّة المختلفة:
"أليومَ بُشرى الفرح،
اليوم العيدُ البتوليّ،
اليوم اتّصلت بالأرض.
آدم اكتسى حياةً جديدة،
وحوّاء أُعتقت من الحزن.
جوهرنا الإنسانيّ صار مقرّاً لسُكنى الله،
وجسدنا البشريّ أضحى هيكلاً له،
لذلك نحن البشر قد تألّهنا".
عيد البشارة هو أًحد الأعيادِ الكبرى في السّنة المسيحيّة، احتفلت به الكنيسة منذ القرنِ الثّالث، ويدعوه القدّيس أثناسيوس (353)، في عظته عن هذا اليوم، "الأوّل في قائمة الأعياد". وقد عمّمه الامبراطور موريكيوس سنة 582 على الامبراطوريّة كلّها، وتبّنته كنيسة رومة بين سنة 660 وسنة 680.
تحتفل الليتورجيّا بهذا الحدث الإلهيّ في كلّ أبعاده. فالسماء تفتح نافذة على الأرض، والصرةُ تصير مقرّ السرِّ الذي لا يدركه الملائكة أنفسُهم. إذ كيف يتّحد الله بخليقته، وكيف يمكن فتاة من بني البشر أن تحبل دون مُباشرةِ رجل؟
هذه أسئلة لا يمكن عقلنا البشريّ الإجابة عنها، كما لا يمكن الإجابة عن معجزة الخليقة الأُولى، إذ كيف صنع الله الخليقة كلّها من العدم؟ ولكنّ تلك المعجزات هي في الله نغم كان ينشده في خلايا قلبه منذ الأزل. من التّراب صنع الله آدمَ الأوّل. والآن من جسد فتاة يصنع آدمَ الثاني الذي هو إلهٌ من إله.
القول إنّ الروح القدس "ظلّلها" يعني أنّه ملأ كلّ ثنايا جسدها، واتّخذ من صميم كيانها طبيعةً بشريّة جديدة أكثر كمالاً وأعظمَ مجداً من بشريّة الخليقة الأولى.
آدم كان الإنسان الذي حمل في ذاته الرّجلَ والمرأة. أمّا مريم فكانت الفتاة التي حملت في ذاتها الرّجلَ والإله. لمّا أراد الله أن يظهر الحنان في الكون، كوّن من آدمَ امرأةً، وظهرت المرأة في حقيقتها الأنثويّة، التي هي عطف وحنّو وعمقُ معنى. ولمّا أراد أن يوحي إلى البشر بمحبّتهِ اللامتناهية، أخذ جسداً بشريّاً، وصار بشراً ليؤلّه البشر. آدم أُوقِع في سُبات ليستخرج منه اللهُ المرأةَ. أمّا مريم فأُوقِظت لتتقبل الله في جسدها: لتقبل الله وتلبّيَ دعوته.
أ) السماء تواجه الأرض
إنّ معجزةَ التجسّد تصفها الليتورجيّا وتترنّم بها في مختلف أبعادها ونواحيها. لذلك تبدو صلاةُ العيد كلّها وكأنّها أنشودة هي أشبه بلؤلؤةٍ مرصّعةٍ بنشوةِ الفرح وغبطة القلب، توقظ في الإنسان الرغائبَ السّامية والمشاعر الإلهيّة التي بثّها في ثنايا كيانه الإلهُ المتسامي عندما كوّنه، وفيها تتكّرر دون ملل العبارات التي تؤكّد اتّحاد الله بخليقته اتّحاداً سريّاً. فلنصغِ إلى حوار الملاك مع مريم، ولنرَ كيف يعمل الله:
"إنّ الملاك جبرائيل أُرسل من السماء، ليبشّر العذراء بالحبَل العجيب.
فأتى النّاصرةَ، وهو يفكّر في قلبه،
منذهلاً من الحدث الرّهيب، وقائلاً:
كيف الذي يفوق كلَّ إدراك بشريّ،
كيف العليُّ نفسه يمكن أن يولَد من عذراء؟
كيف الذي السماءُ عرش له،
والأرضُ موطئ قدميه،
يمكن أن يوسَع في أحشاء امرأة؟
كيف يمكن أن يتنازل ويتجسّد منها،
بكلمة واحدة تُعطى أن تنطق بها؟
وهو الّذي لا يُتاح للسيرافيم ذوي الأجنحة الستة والعيون الكثيرة أن يحدّقوا إليه!"
ويجد الملاكُ لنفسه وللبشريّة جمعاء الجوابَ عمّا يعترض العقل البشريَّ من حيرة والمنطقَ الإنسانيّ من تساؤلات إزاء تلك المعجزة، فيقول:
"إنّ الذي يأتي هو كلمةُ الله.
فلماذا أتردّد، ولمَ أحتار؟
سأهتف نحو البتول:
افرحي، يا ممتلئةً نعمةً، الربُّ معك.
افرحي، يا عذراء نقيّة.
افرحي، يا عروسة، ويا فتاةً أبداً بتول.
افرحي، يا أمّ الحياة".
وباسم البشريّة جمعاء، يطلب من العذراء مريم الإجابةَ إلى دعوة الله. فيعتري العذراء خوف، وتطرح السّؤال. إنّها تتردّد وتحار، لكونها من جبلة البشر، ولا تريد أن تستسلم دون وعي لمغامرة تبدو لها من المحال:
"تردّدت العذراء، وطلبت من الملاك
ألاّ يخدعَها، ولا يضلّلها.
فقالت لرئيس القوّاتِ السمّاويّة:
لقد أتيتَ لي في هيئة بشر،
فكيف تنطق بكلمات تفوق تصوُّرَ البشر،
فتقول لي: الربُّ معك،
وتقول لي: الله سيسكن في أحشائك؟
أوضحْ لي كيف أصير إناء
يسعُ من هو أسمى من الشيروبيم.
لا تضلّلني.
فإنّي لا أعرف رجلاً،
فكيف إذاً ألدُ ابناً؟"
إنّ حوار مريم مع الملاك يضيءُ العملَ الإلهيّ، ويضفي عليه من المعاني ما لم يخطر من قبل على فكرِ بشر. فالملاك لا تفسير له يعطيه. بل كلّ ما يمكنه أن يأتي به هو فعل إيمان بأنّ الحدث هو عمل الله، وهو إرادة الله:
"أجابها الملاك الذي لا جسد له، قائلاً:
إنّ الله، متى أراد،
يغلب نظامَ الطّبيعة.
وما يستحيل على الإنسان،
يمكنه، هو الإله، أن يتمّمه.
لذلك، يا فتاةً نقيّة،
ويا امرأة كليّة القداسة،
صدّقي حقيقة كلامي".
ب) الأرض تواجه السماء
سمعت مريم كلامَ الله، "وراحت تتأمّل به في قلبها" (لو2 : 52). إنّ كلام الله هو، بالنسبة إليها، كنز إلهيّ، وزرع يُنبت فيها حياةَ الله. لقد قبلت في ذاتها تقدمة الله.
فالله هو الذي يقدِّم، وهو نفسه الذي يقدَّم.
"فأجابت، وقالت:
ليكنْ لي بحسب قولك،
سألد الذي لا جسد له،
الذي سيأخذ منّي جسداً،
وباتّحاده بجسد بشريّ،
سيرفع البشر إلى النعمة الأُولى.
ما أعظمك يالله إلهي!"
نستشفّ من هذا الحوار شخصيّةَ مريم القويّة وعظمةَ خلقها. ففي نفسها ليس شيءٌ صبيانيّ. إيمانها لا تعتريهِ السّخافة، وعبادتُها لا تشوبها الميوعة. إنّها ليست تلك الفتاة الصّغيرة الساذجة التي تخضع دونما وعي وإدراك لرجل يتسلّط عليها، كما حدث أنْ صوّرتها في الغرب المسيحيّ تقوى القرون الوسطى. إنّ أنوثتها إزاء الملاك تسمو كالبرج الشاهق، وتكاد تجاور الألوهة. وهي تنتصب عظيمة وقويّة إزاء البشر جميعاً. إنّها تدرك كلّ مخاطر حبلها دون زوجٍ شرعي. ولكن عندما تيقّنت أنّ الله هو المحبّ فيها قبلت عمله فيها، دون غطرسة ولا عجرفة، بل بكلّ تواضع وعفّة فتحت قلبها وأحشاءها لله. وأسرعت نحو أليصابات نسيبتها لتشاركها البُشرى الحسنة. ثمّ توجّهت بجرأة وإقدام إلى المجتمع والشّريعة، وإلى الرجل الذي كانت قد وُعدت أن تكون له.
ج) مريم تنشد أنشودة المجد
عرفت أليصاباتُ في مريم المرأةَ التي اصطفاها الله وباركها وشرّفها على كل نساء العالمين، واتّضعت أمام أُمّ ربّها: "من أين لي هذا أن تأتي أمُّ ربّي إليّ؟" (لو1 : 43).
أمّا مريم، فبكل كرامة أدّت مجداً للإله الذي اصطفاها، وعبّرت عن عظمة دعوتها في كلمات من نار لم يخطر على قلبِ امرأة أنّه يُتاح له يوماً التفكير بها. قالت:
"كلُّ كياني يعظّم الربّ،
وقلبي يبتهج بالله مخلّصي.
لقد نظر إليّ أنا الصّغيرة،
وها منذ الآن تغبّطني الأجيال كلّها.
هو القديرُ صنع بي عظائم،
قدّوسٌ هو، ورحمته تدوم إلى الأبد.
بسطَ قدرةَ ساعده،
وشتّتَ ذوي القلوب المتغطرسة بأفكارها.
حَطّ المقتدرين عن عروشهم ورفع المتواضعين،
أشبع الجياع خيراً، والأغنياء أرسلهم فارغين.
عضَد إسرائيل فتاهُ، ذاكراً _كما كلّم آباءنا_
رحمتَه لإبراهيم ونسله إلى الأبد".
إنّ الكنيسة البيزنطية لا ترنّم هذا النشيد ولا تتلوه إلاّ وتقطعه بين الفقرة والأخرى لتعظّم تلك التي تُّشيد بعظائم الربّ إلهها، فتنشد لأمّنا العذراء بعد كلّ فقرة:
"يامن هي أكرمُ من الشّيروبيم،
وأمجد بلا قياس من السّيرافيم،
يامن وَلدتِ الله الكلمةَ ولبثت بتولاً،
إنّك حقاً والدة الإله،
إيّاك نعظّم".
إنّ الله لا يتّصل بنا بأفكار محض، ولا يوحي إلينا بألوهيّته بمفاهيم مجرّدة، إنّما اتّصاله بنا هو اتّصالُ عطاءٍ لذاته،ووحيه لنا هو وحي ذاتيّ لشخصه. في العهد القديم أوحى بذاته لموسى سيّداً ومشترعاً، وفي الأنبياء أوحى بذاته مخلّصاً محبّاً ومحامياً عن شعبه. أمّا في العهد الجديد فقد أوحى بذاته في جسد بشريّ وفي وجه بشريّ، في شخص يسوع المسيح، الذي هو إنسانٌ من بني البشر. ووحيُ الله بذاته هو دوماً ينبوعٌ يتفجّر حياة في الإنسان والكون. والجواب الإنسانيّ على وحي الله ودعوته هو التّسبيحُ والشكر وتسليم الذات لله. وهذا ما تصفه الأناشيد الكنسيّة وتعبّر عنه الإيقونة ببهاء الألوان وسكينة الأشخاص.
في أيّام طفولتي كنت أتردّد على الرهبان القدّيسين. فذهبت يوماً لزيارة دير "مار الياس الطُوَق" في زحلة، فالتقيتُ الرّاهب الأب أكليمنضوس واقفاً أمام إيقونة البشارة، وبين يديه الإنجيل المقدّس مفتوح على صفحة بشارةِ التجسّد. وفي الأسبوع التالي وجدته يتأمّل أمام الإيقونة عينها. وبعد أسبوع آخر كان لا يزال أما الصفحة نفسها من الإنجيل وأمام الإيقونة عينها. فسألته: "أبتِ، إنّ لك أكثرمن أسبوعين وأنت تقرأ الصفحة نفسها وتتأمّل بالإيقونة عينها". فأجابني: "يا بنيّ، إنّي عندما أصل إلى الكلمات الآتية: "ليكن لي بحسَب قولك"، أرى الله يصير إنساناً، والعالم بأسره يستضيء أمامي، فأرى الناس كلّهم إخوةً لي وأخوات. أبصرهم يشعّون قداسة وصلاحاً. في الإيقونة أشاهد عناصر الخليقة كلّها وقد امتلأت من تجسّد الله وتقدّست به. أتأمّل مجده الإلهيّ، وأدرك انّ تجسّده خلاصٌ وفداء للعالم كلّه، وأصير أنا نفسي شُعلة من قداسة، ولا أعود أشعر بأيّ رغبة في أن أتأمّل بأيّ شيء آخر"
الفَصْلُ الثَالِثُ
إشْعَاعُ التّجَسُّدِ
1- الإيقونةُ امتدادُ التجسّد
أ) المسيح هو إيقونة الآب
الإيقونة هي الامتداد الضروريّ للتجسّد في الجمال والبهاء. إنّ لفظة "إيقونة" تعني "الصّورة" و"الانعكاس"، المرآة التي بها نختبر شخصاً والصورة التي فيها نتعرّف إلى وجه الله كما ظهر لنا في هيئتنا البشريّة. يقول بولس الرسول إنّ المسيح هو "صورة الله غيرِ المنظور" (كو1 : 15). إنّه إيقونة الآب لأنّه يرينا إيّاه، على ما قال لتوما الرسّول: "من رآني فقد رأى الآب" (يو14 : 9). المسيح هو حقّاً وحي الآب.
إنّ الفكرة التي يستند إليها لاهوت الإيقونة هي فكرةُ تجلّي الله وظهور سرّه في الجسد. يقول يوحنّا الدمشقي: "إنّي أصوّر غير المنظور، لا من حيث هو غير منظور، بل من حيث إنّه قد صار منظوراً لمّا أخذ جسداً ودماً من جسدنا ودمنا. لا أصوّر الألوهة غيرَ المرئية، بل أصوّر الجسد الذي فيه شوهد الله".
ثمّ إنّنا، عندما نرسم صورة المخلّص، فمَا نرسمه ليس طبيعتَه الإلهيّة ولا طبيعته البشريّة، بل شخصُه الذي تتّحد الطبيعتان اتّحاداً لا يُدرك. فالإيقونة هي تصوير الشّخص لا تصوير الطّبيعة. يقول يوحنّا الدمشقي: "إنّ الجوهر (أو الطبيعة) لا يقوم بذاته، إنّما يُشاهد في الأشخاص". والإيقونات تُتيح لنا الاتصالَ بشخصِ ابنِ الله ومعرفَته معرفةً شخصيّة من خلال الحدث التاريخيّ لتجسّده. الإيقونات هي عطيّة التجسّد.
ب) النّور في الإيقونة
ومن ثمّ فالنّور الذي يشعّ في الإيقونة وبه نُبصر الأوجهَ والأحداث يختلف عن نور النّهار الذي به نرى الناس والأشياء في الحياة الاعتياديّة. ففي الإيقونة نبصر بواسطة نور إلهيّ، ذاك النور الذي ينبع من المسيح القائم من بين الأموات، الذي هو نفسه نور العالم. لذلك عندما ننظر إلى الإيقونات، لا يمكننا أبداً القول إنّ النور فيها يأتي من هذه الزّاوية أو من تلك، من فوق أو من أسفل، من الشّمس أو من القمر أو من أحد الكواكب. فالنور في الإيقونة ليس له مصدرٌ منظور، بل إنّمَا مصدره الوحيد هو المسيح الذي يشعّ من خلال كلّ وجهٍ وكلّ ثوب وكلّ ما تصوّره الإيقونة.
الروح القدس يقيم في كلّ تفاصيل الإيقونة، وهو الذي يتغلغل في كلّ شيء ويشعّ من كلّ شيء. الروح القدس كلّه ضياء، وهو ينبوع كلِّ نور. إنّه يشعّ من خلال الجسد وثنايا الثّياب، ويغمر كلَّ شيء ضياءً وبهاء.
إنّ أجساد الأشخاص تصوَّر في كل تفاصيلها، وقد أعيدت إلى ما أراده لها الله، منذ أن خلقها، من جمال وانسجام، وبهذا تعبّر الإيقونات عن انتصار المسيح على الموت والفساد وعلى التّشرذم والخواء.
ديانتنا المسيحيّة ليست مجرّدَ عقيدة، ولا مجموعةَ مقولاتٍ عقليّة، ولا صيغة فكرية، بل هي عملٌ وحدث. يقول أوسبنسكي: "يستند وجود الإيقونة بالذات إلى حدثِ التجسّد الإلهيّ، والإيقونة تبيّن استمرار هذا الحدث وتؤكّد دوامه". والربّ الإله يتجلّى لنا في سكينة الألوان المتآلفة والحركات الهادئة، ويظهر الإنسان وقد تجلّى وتألّه واستنار بكل ّ ثنايا جسده. فالإيقونة إذن هي تجلّي الخليقة كما بدا على وجه يسوع المسيح الذي هو الألوهة عينها، إذ إنّه واحد في الجوهر مع الآب والروح.
والكون كلّه أيضاً يبدو في الإيقونة وقد امتلأ من حضور الله. فإنّه، لمّا صار الله جسداً، تغلغلت الألوهة في الكون بأسره، وتشرّبت خلايا المادة نعمةَ الله وصارت قناة لصلاحه. لذلك تبدو لنا المادة في الإيقونة وكأنّها لا ثقلَ لها، إذ إنّ النعمة قد غمرتها والسماء ملأتها.
لقد علّم المجمع المسكونيّ السّابع الملتئم في نيقية سنة 787 أنّ "الإيقونات ليست من اختراعِ أصحاب الفنون، بل هي تجسيد أمينٌ للروح الحيّ الذي يحيا في أفئدة المسيحيّين وفي قلب التراث المسيحي". الإيقونة هي شاهد على تجسّد كلمة الله وعلى حقيقة تألّه الخليقة كلّها. إنّها في وجودها صورة صادقة للمثال الذي تصوّره، وإن اختلفت عنه اختلافاً جوهريّاً. فكل لون وحركة ومشهد، إنمّا هو إعلان صامت لما يقوله الإنجيل في الكلمات. الإيقونة لا تقصد التعليم بل الإيحاء: إنّها توحي بالحياة الإلهيّة والمعنى الخفيّ للأقوال البشريّة والأحداث الإنسانيّة.
ج) الإيقونة هي الإنجيل المنظور
نجد تفسيراً موجزاً لمعنى الإيقونة في الطَّروباريّة إلى الإله وتفسّر كيفيّة حضورها في الإيقونة:
"إنّ كلمة الآب الذي لا يمكن الإحاطة به
قد صار محدوداً، لمّا تجسّد منك، يا والدة الإله،
وأعاد الصّورة المشّوهة إلى بهائها القديم،
وقَرَنها بالجمال الإلهي.
لذلك نعترف بخلاصنا،
ونعلنه بالقول والعمل".
إنّ القسم الأوّل من الطروبارية يدلّ على العلاقةِ الوثيقة بين الإيقونة والتجسّد، بالرّغم ممّا بينهما من تباينٍ جوهريّ. فابنُ الله، في ألوهيّته، لا يمكن الإحاطة به، لأنّه صورة الآب ومن ذات جوهره. لكنّه بالتجسّد دخل حدود الطّبيعة البشريّة، وكشف لنا كيانَ الإنسان الحقيقي. إنّ حقيقة الشّخص الواحد فيه تضمن اتّحاد طبيعته "دون اختلاطٍ، ولا تحوّلٍ، ولا انقسامٍ، ولا انفصال"، كما جاء في مجمع خلقيدونية. في الإيقونة لا نصوّر بشريّةً منفصلة عن الألوهة، فالمسيح هو شخص واحد، شخصُ ابنِ الله، الأقنوم الثاني من الثّالوث الأقدس. إنّه، كإله، لا يمكن الإحاطة به، ولكنّه لمّا تجسّد صار كائناً بشرياً محدوداً في جسدٍ مثلنا. فلقد دخل حدود البشريّة والمادة ليؤلّه البشرَ والمادة، ويمنحَ الكلّ الإمكانَ والمقدرة على أن يصيروا قناة للقداسة في العالم.
ويؤكّد القسمُ الثّاني من الطروبارية أنّه، بما أنّنا قد تألّهنا، و"أُعدنا إلى بهائنا الأوّل"، فقد صار في قدرتنا أن نخلّص المادّة ونصيّرها بدورها أداةَ خلاص. إنّنا، بالخلاص، نشترك في سمات المسيح الإلهيّة، وننال منه القدرة على أن نعلنه بالقول (كما في الأناجيل)، والعمل (كما في الإيقونات).
إنّ الإيقونة هي الإنجيل المنظور والإعلان الصامت لما هو المسيح وما يمثّله. لقد أعلن مجمع 860 أنّ كل ّ ما تنطق به الكلمات (في الأناجيل)... هو عينه ما تبشّر به لغة الألوان (في الإيقونات). ولقد فسّر ذلك يوحنّا الدمشقيّ بقوله: "كما أنّنا في الكتاب المقدّس نصغي إلى أقوال المسيح ونتقدّس بها... كذلك من خلال الإيقونات المرسومة نبصر تصوير هيئته البشريّة ومعجزاته وآلامه، ونتقدّس بها ونتبارك ونمتلئ سلاماً وفرحاً وأماناً".
إنّ المسيح، لمّا ضمّ طبيعتنا إلى بهائه الإلهيّ، منحنا المقدرة على أن نُبدع إيقونة له من المادة المحيطة بنا، وكذلك المقدرة على أن نبدع إيقونة له بالأقوال، وهي الإنجيل المقدّس.
لقد أقرّ المجمع المسكونيُّ أنّه يجب علينا إكرامُ الإيقونات إكرامَنا للكتاب المقدّس نفسه، لأنّ الإيقونات هي انعكاس للوحي عينه الذي يتضمّنه الكتاب المقدّس. فكلاهما يعبّر عن الله الذي لا يمكن الإنسان التعبير عنه، والذي، لأجل ذلك، تجسّد ليتيح لنا أن نعبّر عنه. إنّ الإيقونات هي، على غرار الكتاب المقدّس، استمرارُ حضورِ المسيح في ما بيننا بالجسد. فكما أنّ الكتاب المقدّس ينقل إلينا وحيه بالكلمة ويعبّر عن حضوره في ما بيننا بالأقوال، كذلك الإيقونات تعيد حضوره في ما بيننا بالألوان وتناغمِ الأشكال البشريّة. ولقد أوضح آباء المجمع عقيدتَهم بقولهم" إنّ ما سمعناه في الكتاب المقدّس نبصره الآن في الإيقونات. الكتاب المقدّس والإيقونة يعيدان إلى ما بيننا حضور الأشخاص الذين يمثّلانهم ويدخلاننا حقّاً حضرتَهم". فما تعلنه الكلمة على مسامع المؤمنين تبسطه الإيقونة أمام أنظارهم في سكينةِ الوجه البشريّ. وهذا ما يذكّرنا بقول القدّيس أغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى الأفسسيّين: "إنّ من يمتلئ حقاً من كلام يسوع المسيح يمكنه حتّى سماع سكونه وصمته" (رقم 15).
د- الإيقونة وفداء الخليقة
في الإيقونة تتجمّع كلّ عناصر الخليقة الماديّة لتّتحد مع نفحة نَفَس الإنسان في سبيلِ التّقديس والفداء.
فالنّبات حاضر في لوحةِ الخشب.
وعالمُ الجماد حاضر في الكِلْس والجصّ اللذين يغطّيانِ الخشب، كما هو حاضر في الدّهان والحجارة الكريمة والموادّ الأخرى الثمينة التي تُلصَق عليه.
وعالم الحيوان حاضر في صَفارِ البيْض الذي يمزجه الرسّام على لوحته المكّونة من 24 لوناً أساسيّاً.
وأخيراً العنصر البشريّ حاضر في ذخائر القدّيسين التي يضيفها الرسّام، إن أمكن، إلى الدّهان.
وهكذا يُسهم العالم المنظور كلّه في التعبير عن العالم الإلهي غير المنظور.
ومتى اجتمعت هذه العناصر، تنقّيها يد الرسّام بنفحة الروح القدس الذي فيه. فإنّ المادة تعاد إليها الحياة وتُعتَق من العبودية، وتقدَّم لخدمة خالقها، فتصير هكذا مادةً ليتورجيّة وقناة للنّعمة.
إنّ كلّ إيقونة تدعى "عجائبيّة" "لأنّها تتشّرب قدرةً إلهيّة ونعمة هما حضور الروح القدس فيها، ولأنّها تسكب على المؤمن الذي يكرمّها نعمة التقديس"، كما جاء في مقالة يوحنّا الدمشقيّ عن الإيقونة (1 : 16). وهكذا تصير الإيقونة في الكنيسة وسيلة علاج روحيّ وجسديّ، كما أنّ الكتاب المقدّس هو كلمة الله "الحيّة الفعّالة التي هي أمضى من كل سيف ذي حدّين" (عب 4 : 12).
إنّنا إذا نظرنا إلى الأيقونة في ذاتها نجد أنّها لا تحمل أيّ معنى مميّز، بل هي مكونة من خشب ومادّة. أمّا إذا نظرنا إليها على ضوء التجسّد ومشاركة نفحة الروّح القدس، فإنّها توحي بما هو خفيّ وسرّي، وتسهم في حقيقة فداء الكون بالمسيح. إنّها الدليل على قدرة المسيحيّ في فداء الخليقة، حسب قول بولس الرسول: "إنّ الخليقة كلّها تتوقّع مترقّبةً تجلّي أبناء الله. لأنّ الخليقة قد أُخضعت للباطل... على رجاء أنّها ستُعتَق هي أيضاً من عبوديّة الفساد إلى حريّة أبناء الله" (رو 8 : 19_21).
إنّ ما ترسمه الإيقونات هو أوّلاً وجهُ المسيح المنتصر بقيامته على الفساد والموت. وما ترسمه إيقونات القدّيسين والملائكة ليس سوى إشعاع هذا الوجه الإلهيّ المنتصر. ونحن البشر، بإكرامنا الإيقونات وتأمّلنا ما تمثّله، يرتسم على وجوهنا نورُ هذا الوجه الإلهيّ، ونمتلئ من حضوره، فنصير على مثاله، كما يصفه بولس الرسول بقوله: "فنحن جميعاً، والوجه مكشوف، نعكس كما في مرآة، مجدَ الربّ، فنتحوّل إلى تلك الصورة بعينها المتزايدة في البهاء" (2 كو 3 : 18).
وهذا ما تطلبه الكنيسة البيزنطيّة كلّ صباح في نهاية رُتبة "السّاعة الأُلى"، في الصّلاة الآتية:
"أيها المسيح، النور الحقيقيّ،
الذي ينير ويقدّس كلّ إنسان آتٍ إلى العالم،
فليرتسمْ علينا نور وجهك،
لنبصرَ به النّور الذي لا يُدنى منه.
سدّد خطواتنا إلى العمل بوصاياك،
بشفاعة والدتك الكاملةِ الطهّارة وجميع قدّيسيك".
يقول القدّيس يوحنّا الدمشقي، وهو أعظم من كتب في لاهوت الإيقونة: "من ينكر أنّ الله يمكن أن يكون حاضراً في المادّة، لا بدّ له أن ينكر أيضاً تجسّد المسيح". ثمّ يوضح ذلك بقوله: "إنّي أعبد خالق المادّة، الذي، لأجلي، دخل عالم المادة وسكن فيها، وبواسطة المادة أتمّ خلاصي. لن أكفّ عن عبادته من خلال المادة التي فيها تحقّق لي الخلاص".
ه) نورُ الشّموع
وبما أنّ الإيقونات ترسم الحقائق الإلهيّة وتعلنها، فإنّها تعلّق على الجدران، وتوضع أمام الهياكل وعلى المنصّات، وتعرض بشكل دائم في مزارات ومعابد خاصّة. وأمام الإيقونة تضاء شمعة، أو يوقد سراج من زيت، رمزاً للحياة الإلهية التي سكبها الله على العالم بتجسّده. فالنور أمام الإيقونة يذكّرنا على الدوام بأنّ الكلمة المتجسّد هو "نور العالم" (يو 9 : 5)، وبأنّ كل الذين يستنيرون به يصيرون هم أيضاً على مثاله "نورَ العالم" (متى 5: 14).
إنّ الشموع والمصابيح التي يضيئها المؤمنون أمام الإيقونات تدلّ أيضاً على ما تفيض به قلوبهم من مشاعر الشّكرِ والحنان والسخاء والحرارةِ والاستنارة وتسليمِ الذّات في غمرة الحبّ. فالشّعلة التي ترتجف وتتمايل أمام الإيقونة إنّما تتراقص على أنغام وجه ذاك الذي تراءى لنا بالجسد وصار "محبّاً كلَّ وجهٍ بشريّ".
وتشيرُ الشّعلة الحيّة أمام الإيقونة كذلك إلى ترقّبِ لحظةِ اللقاء مع السيّد المحبوب. فهي تسترعي انتباهنا وتدعونا إلى السّهر لانتظار مجيئه:
"لتكن أحقاؤكم مشدودة،
وسُرُجُكم موقدة.
وكونوا كرجال ينتظرون سيّدهم
عند عودته من العُرس،
ليفتحوا له حالما يوافي ويقرع.
فطوبى لأولئك العبيد الذين،
إذا ما وافى سيّدهم،
وجدهم ساهرين.
فالحق أقول لكم:
إنّه يشدّ وسْطَه،
ويُتكئهم، ويدور عليهم يخدمُهم" (لو 12 : 35_38).
2- عقيدة تكريم الإيقونات: تاريخها وتطوّرها
منذ أيّام قسطنطين أكرم المسيحيّون الإيقونات والتماثيل والصور التي تمثّل السيّدَ المسيح وأمَّه المباركة والقدّيسين والشهداء. إلاّ أنّ أعمالاً كهذه تعرّضت لمقاومة عنيفة، ولا سيّمَا في الأوساط المتأثّرة باليهوديّة والإسلام. فإنّ رسم الإيقونات يعتبره اليهود نقضاً خطيراً لشريعة موسى القائلة: "أنا الرب إلهك... لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي. لا تصنع لك منحوتاً ولا صورة لشيء ممّا في السماء من فوق ولا ممّا في الأرض من أسفل، ولا ممّا في المياه من تحت الأرض. لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ" (سفر الخروج 20 : 2_5). ويرى فيه المسلمون كذلك انحرافاً عن تعاليم القرآن الذي يمنع أيّ تمثيل لله أو لأيّ خليقة حيّة.
إنّ هذه التّحريمات صحيحة ومحقّة، إلى درجة ما، بالنسبة إلى الدّيانات الوثنية التي تعبد الأصنام، إذ إنّ هذه تماثيلُ ورسومٌ لآلهة لا وجود لها، فيضحي الجماد نفسه معها موضوعَ العبادة، وإذّاك يصيرُ السّجود للتماثيل عبادةَ أصنام. أمّا في الإيقونة فالإكرام والعبادة يتوجّهان إلى الشخص الحيّ الذي تمثله وإلى الله الذي كشف لنا ذاته في شخص السيّد المسيح؛ والمسيح هو صورة الله الآب الحقيقيّة، فيه نرى الآب ونلتقيه (يو 14 : 9 ؛ 2 كو 4 : 4 ؛ كو 1 : 15).
وممّا ضاعف المقاومةَ للإيقونات لجوءُ بعض المسيحيّين إلى ممارسات شاذّة هي أقرب إلى الخرافة منها إلى الدّين. فقد اعتبرَ البعضُ الإيقونات أصناماً حقيقيّة، واعتقدوا أنّ لديها مقدرة إلهيّة على صنع العجائب من تلقاء ذاتها. فلا عجب أن يثير هذا التصرّف نفور الكثيرين من الأساقفة والرهبان والمؤمنين الغيورين الذين اعتقدوا أنّ إكرام الإيقونات على هذا النحو هو عودة إلى الوثنية، فقاوموا الإيقونات وشرعيّتها.
وهذا ما حمل الامبراطور لاون الإيصوري (717_740) على أن يُصدر سنة 726 قراراً يحرّم فيه على المسيحين تكريم الإيقونات في جميع أنحاء الامبراطوريّة، ويأمر بتحطيمها، واستحق بذلك لقب "محطّم الإيقونات". وسار ابنه قسطنطين الخامس (740_775) في النهج عينه، ودعا سنة 754 إلى مجمعٍ خلص إلى القرار الآتي: "نعلن بالإجماع، باسم الثّالوث الأقدس، أنّه يجب أن تُقصى وتُبعد وترذل من الكنيسة المسيحيّة كلّ صورةٍ تُصنع من أيّ مادة بأيدي الرسّامين وفنّهم اللّعين".
وعقب ذلك ازدادت الثورة على الإيقونات، وراح الناس يمزّقون الثياب المقدّسة، ويدنّسون الأواني المقدّسة ويهدمون الكنائس، رغبة منهم في إزالة كلّ معالم الإيقونات.
ورافق ذلك حجز الأديار وتوقيف الرّهبان وحبسهم ونفيهم، فمات بعضهم في السجن، وأُرغم آخرون على السير برفقة الزواني في السّاحات العامة في مواكبِ هزء وسخرية.
وبعد وفاة لاون الرابع سنة 780 نعمت الكنيسة بفترة من الهدوء. فقد تسلّمت الحكم امرأةُ لاون، الملكة إيريني، وكانت من محبّذي تكريم الإيقونات. ففي أثناء حياة زوجها، لم تستطع القيام بأي شيء، ولكن لدى ترقّيها العرش أصدرت قراراً يقضي بحريّة الضمير وحرية تكريم الإيقونات، واستبدَلت تدريجيّاً بالأساقفة المقاومين للإيقونات رهباناً حافظوا على حبّهم للإيقونات.
ولكنّ العقيدة القويمة لم تتمكّن من الانتشار بسرعة، لأنّ مناقضة الإيقونات كانت قد قويت كثيراً، وكانت الحدود الشرقيّة للامبراطورية، أي البطريركيات الملكيّة الثلاث، تحت سيطرة جيوشٍ مناهضة للإيقونات، أو تتعرّض لهجمات الجيوش الإسلاميّة.
إلاّ أنّه سنة 787 التأم في نيقية المجمعُ المسكونيّ السابع وأعلن عقيدة تكريم الإيقونات بقوله: "إنّنا نحافظ على كل تقاليد الكنيسة حتى يومنا هذا بلا تغيير ولا تبديل. ومن هذه التقاليد صُنع الصّور التي تمثّل الأشخاص وتروي تاريخ البشارة بالإنجيل. وهو تقليد مفيد من عدّة وجوه، ولا سيّمَا أنّه يظهر أنّ تجسّد الكلمة إلهنا هو حقيقة وليس خيالاً ولا تصوّراً، ولأنّ الإيقونات، إلى جانب ما تتضمّن من إشارات وإيضاحات، تثير المشاعر النبيلة. لذلك نحدّد... أنّه كما يُرفع الصّليب الكريم المحيي، هكذا يجب أن تُعلّق الإيقونات الموقّرة المقدّسة... لأنّ التكريم الذي يقدَّم للصورة إنّما يقدّم للأصل الذي تمثّله، فالذي يكرم الصورة إنمّا يكرم الأصلَ الممثّل فيها". ولكنّ انتصار العقيدة القويمة لم يدم طويلاً، إذ عاد الامبراطور لاون الخامس سنة 815 وأمر بتحطيم الإيقونات، فشنّ من جديدٍ الاضطهاد على مكرّمي الإيقونات، ممّا أغرق الكنيسة من جديد في البلبلة والاضطراب. ولم تنته الأزمة إلاّ سنة 842، حين قامت الامبراطورة ثيوذورة، بعد أن تسلَّمت مقدّرات الامبراطورية، إثر وفاة زوجها ثاوفيلوس، وأعادت السّلام إلى الكنيسة، ووضعت حدّاً للضّلال، فعزلت البطريرك القسطنطيني يوحنّا السابع، ورفعت إلى الكرسي البطريركي القدّيس مثوذيوس، وقضت على كل أثر للضلال. وانتصر التعليم القائل بوجوب تكريم الإيقونات بكثرة على الإيقونوسطاس وعلى جدران الكنائس وفي بيوتهم.
وسنة 843 التأم مجمع محلّي في القسطنطينية وقرّر الاحتفال في كل سنة، في الأحد الأوّل من الصوم، بذكرى انتصار العقيدة القويمة في موضوع الإيقونات، وبما تحمله الإيقونات المقدّسة من معان.
ومع الزمن، ولا سيّمَا سنة 1166 في مجمع الفلاخرني، اتّسع معنى هذا العيد ليشمل انتصار العقيدة القويمة ليس فقط على بِدْعة محطّمي الإيقونات المقدّسة، بل أيضاً على البدَع والهرطقات كلّها، القديمة منها والحديثة، التي حرمتها المجامع المسكونيّة وقاومها الآباء والمعلّمون القدّيسون، ودُعي هذا الأحد "أحد الأرثوذكسية"، أي أحد العقيدة القويمة.
3- راسم الإيقونات
إنّ قداسة موضوع الإيقونة تتطلّب من راسم الإيقونات أن يكون على جانب كبير من التقوى والقداسة. لذلك يوكَلُ عادة رسم الإيقونات إلى رهبان أو إلى أُسر مسيحيّة كرّست ذاتها لهذا العمل المقدّس منذ أجيال عديدة.
وعلى راسمي الإيقونات أن يكونوا متضلّعين من اللاهوت والليتورجيّا على حدّ سواء، لأنّ الإيقونة هي معاً لاهوت وليتورجيّا يتمّ التعبير عنهما في الرّسم والصوّرة. وما يقوله سمعان اللاهوتي عن اللاهوت يصحّ في رسم الإيقونة: "إنّنا لا نتكلّم إلاّ بما تأمّلنا فيه. لذلك، كل ما نقوله في اللاهوت يجب ألاّ يكون مجرّدَ نقلٍ لأفكار وصلت إلينا، بل تعبيراً عمّا تأمّلنا فيه واختبرناه في عمق ذاتنا". ولذلك كان راسم الإيقونات في أيّام بيزنطية يدعو عملَه "صلاةَ التأمّل".
إنّ الإيقونة لا تنقل إلينا مجرّد أفكار نُعمِل فيها عقلنا، بل توحي لنا بالحقيقة عينها، حقيقة الله الإلهيّة. لذلك يقول أيضاً سمعان اللاهوتي: "كيف يمكن أن يتكلّم أحد عن الله أو يعلن شيئاً عنه تعالى، إن لم يستنر قبلاً بنوره الإلهي؟" إنّ من اختبر الله يستطيع وحده أن يوحي الله. لذا فإنّ رسم الإيقونة هو ثمرة الزهد والصلاة والتأمّل، وعمل فنّان كرّس نفسه لعمله في الورع والتقوى. ويطلب التقليدُ أن يقضي الرسّامون أربعين يوماً في الصّلاة والتأمّل قبل المباشرة بعملهم الفنّي. وبعد تهيئة ذواتهم وإعداد ما يلزم لعملهم، يُخضعون كلّ أدوات عملهم للكنيسة التي تباركها رسمياً وتطلقهم إلى العمل.
يقول تامارا رايس "إنّ راسمي الإيقونات يُعنون بنقلِ الحرارة الروحيّة التي تتدفّق كالسّيل في حياتهم، ويجتهدون في أن يشعّ إيمانهم في الإيقونات التي يرسمونها، ويشعل نوره المتأجّج وَرَعاً مماثلاً في الّين ينظرون إليها".
ينتج من ذلك أنّ الرسامين الحقيقيّين لا يوقّعون أعمالهم. فقد تحّرروا من ذواتهم ومن الرغبة في أن يمدحهم النّاس. وهم يعلمون أنّهم ليسوا سوى أداة للروّح القدس الساكن فيهم. وهذا الروح وحده هو الذي يكشف للمؤمنين سرَّ المسيح ويوضح معاني أحداث حياته.
في الإيقونة يتجرّد الرسّام عمّا يتعلّق بشخصهِ الخاص وبنظرته إلى الأشياء. لذلك لا يمكنه القول: "تلك هي الطّريقة التي أرى أنا فيها الأمور". بل يكتفي بالقول: "تلك هي الطّريقة كما هي".
ثمّ إنّه يجب أن يُكتب دوماُ على الإيقونةِ اسمُ الشخص الذي تمثّله ليمكن التعرّف إليه. وبدون هذا الاسم تظلّ الإيقونة ناقصة وغير صالحة. ولكن متى كتب عليها تصير إيقونة حقيقيّة يمكن تكريمها. وفي هذا يقول البطريرك نيكيفوروس: "الاسم المكتوب على الصورة يقدّس الإيقونة".
4- التحقيق الفنّي: قواعد لرسم الإيقونات
الإيقونة الحقيقيّة يجب أن توحي بالألوهة والبشريّة معاً. لذلك لا يمكن أن تكون مجرّد صورة فوتوغرافيّة أو نسخة مطابقة لما يستطيع المرء رؤيته بأعين الجسد.
أ) الجسد
فالإيقونة تصّور أوّلاً الجسد الممجّد الممتلئ من حضور الله والذي يعبّر تعبيراً منظوراً عن بهاء القيامة. يقول بولس الرسول إنّ الجسد الممجّد ليس كالجسد الأرضيّ، إذ إنّه "روحيّ"، أي ممتلئ من نور القيامة. ففيه تبدو حواسّ الشخص الممثّل في الإيقونة وقد تنقّت واستنارت بنور الله الذي غمرها بسناه. لذلك يجب أن تكون ألوانُ الرّسم ساطعةً ومتلألئة بمختلف ألوان قوس الغمام. أما خلفيّة الإيقونة فيجب أن تكون من ذهب. فالذّهب هو رمزُ السماء، يذكرّنا بأنّ الذين تصوّرهم الإيقونة سُكناهم في السمّاء حيث سكنى الله وسكنى الأجساد الروحيّة.
إنّ الجسد والجسم هما أمران مختلفان. فالإيقونة ترسم الجسد دون أيّ إيماء إلى الجسم وإلى ما فيه من لحم ودم. إنّها تصوّر الجسد الممجًّد الذي بلغ ذروة كماله بانتصاره على الفساد والفناء وامتلائه من صفاء الله وشفافية روحه. الأجساد في الإيقونة ليس فيها أيّ إشارة إلى أنّها تحتلّ مكاناً ماديّاً محدّداً، بل تبدو وكأنّها لا حجم لها ولا وزن ولا شيء يحملها. لا بل إنّها ليست جزءاً من المنظر الخارجي، بل هي حرّة ومستقلّة عن أي محيط طبيعي. إنّها تتطاير في أجواء روحيّة أزالت منها الصلاةُ والعبادة كلَّ المسافات.
وفي سبيل إيحاء الجو السّماوي الذي يقيم فيه الأشخاص، يتحاشى راسمو الإيقونات تصويرهم في حركات أو تعابير تنمّ عن مشاعرِ القلق والاضطراب، بل يجتهدون في إبراز الهدوء والصّفاء في كلّ المشاعر البشريّة. لذلك تبدو الإيقونات مفعمة هدوءاً وسكينة، فلا تظهر فيها أيّ حركة اعتباطيّة أو غير منتظمة ولا أحاسيس شهوانيّة مثيرة.
ولأنّ الأشخاص قد امتلأت من حياة الروّح القدس، فلا تُصوّر جانبياً بل مواجهة لتنظر إلينا. وأحياناً تُصوّر مع شيء من الاستدارة للإشارة إلى أنّها تتحرّك نحونا أو نحو شخص يحتلّ في الإيقونة مركزاً أساسيّاً. وأحياناً تحرج بأقدامِها عن إطارِ الرسّم وكأنّها تنوي مغادرة الإيقونة والانضمامَ إلينا والاجتماع بنا. وهذه الديناميّة عينها تعبّر عنها الأثوابُ والمناديل التي تُصوَّر أحياناً وهي تتطاير في الفضاء أو تجرّها الأشخاص وراءها، وكأنّ الهواء يحملها، فيما الأقدام تكاد تلامس الأرض. كذلك تبدو الأقدام والأيدي مستطيلة وصغيرة للدّلالة على ما في الأشخاص من مرهف الأحساس.
ب) الوجوه
الوجوه هي أهمّ ما في الإيقونة، تتميّز دوماً بأعين الصوفيّين المتّقدة وأنوفِ النسّاك الطويلة، وخطوطُ الفم فيها صامتة ببهاء ومثقلةٌ بأسرار دفينة لا توحي بها إلاّ العيون، فيما تقاسيم الوجه مستطيلة تمتدّ إلى السّماء، والعيون واسعة تنظر مباشرة إلى عيوننا في نظرةِ انتباه، محاولةً الدّخول إلى أعماق ضميرنا لتوقظنا أو لتوحي إلينا، وإن التفتت أحياناً إلى السماء فما ذلك إلاّ للتأمّل في رؤيا من رؤى المجد، فقد ارتفعت إلى درجة أسمى من الكيان.
وفي الإيقونات لا يرتسم أبداً على وجوه الأشخاص أيّ تشنّج من جرّاءِ الغضب أو المرض أو العذاب، ولا ينمّ عن عاطفة حالمة ولا عن مزاج غريب من كآبة أوحتى من اغتباط. فالوجه دوماً هادئ، تغمره سكينة الروح القدس ويملؤه سلامُ حضوره. لذلك على سبيل المثال، يبدو لنا وجه المسيح المصلوب مفعماً جلالاً ووقاراً حتى في أقسى آلامه، في لحظة موته.
ولئن كانت أوجه الأشخاص ومواقفها في الإيقونات هادئةً في وقار، إلاّ أنّه ليس فيها شيء من اللامبالاة والغياب اللذين يميّزان الفنّ الدينيّ في الشّرق الأقصى، كالهند، وفي مجمل الديانات الوثنية. فالأوجه في الإيقونات هي في علاقة معنا، تكلّمنا كلامَ وحْي، وتبسط أمام أعيننا عمل الله في البشر، وتعرض على تأمّلنا انفتاحَ البشر على إله انفتاحاً مليئاً كرامةً ونعمة، فتملأ هكذا كياننا انسجاماً وسلاماً.
والهالة التي تحيط بالرأس هي رمز الحياة الإلهيّة التي تملأ الأشخاص وتتفجّر مجداً من كل كيانهم، هي إشعاعُ كثافةِ الحياةِ التي يعيشونها، لذلك تكون دوماً من ذهب، أومن فِضّة، إشارةً إلى الألوهة.
وهناك نوعان من الهالات: الهالةُ المستديرة، وهي الأكثر شيوعاً في الإيقونات، والهالة المميّزة للسيّد المسيح، وقِوامها رسمان هندسيّان منقسمان إلى أربع زوايا تمثّل المسيح الذي هو الحياةُ والنور والطريق والخلاص الأبدي.
ج) التّشابه
الإيقونة عمل ليتورجيّ من نوع الأسرار. فهي إذاً ملْك الجماعة المسيحيّة. لذلك لا يحقّ لراسم الإيقونات التصرّف فيها على هواه. لا ريب في أنّ الأسلوب الفنّي يعود إلى كل رسّام ويمكن أن يتغيّر من جيل إلى آخر ومن ثقافة إلى اُخرى، ولكنّ هناك أنظمة محدّدة يجب على كل راسمي الإيقونات التقيّد بها. فوجوه الأشخاص والثياب التي ترتديها، وطريقة وقوفها وما تحمله في أيديها، كل ذلك يجب أن يكون مشابهاً للأصل بحيث يسهل التعرّفُ إليها في مختلف الإيقونات. كذلك تحدّد الأنطمة طريقةَ تصوير الأحداث وتوزيع الأشخاص فيها. والألوان عينها تخضع لأنظمة معيّنة، استُوحي بعضها من الليتورجيا والبعض الآخر من التّقليد، فلا يمكن اختيارها بشكلٍ اعتباطيّ.
وتؤكّد القوانين المقدّسة ضرورة تقيّد الفنّانين بهذا التّشابه بين الصّورة ومن تمثلّه، للإشارة إلى أنّ الإيقونة هي رسم لأشخاص محدَّدين ولأحداث محدّدة. فمن خلال الصورة المشابهة نتعرّف إلى الأصل. وهكذا ترتاح العين البشريّة ويتاح لها الارتقاء إلى الأجواء السماويّة والاتصال في مشاهدةٍ روحيّة بالأشخاص الذين تمثّلهم الإيقونات، ويتاح لنا الولوج إلى الحقائق المقدّسة، فتكون لنا الإيقونة قناة تنقل إلينا نعمة الأصل من الأشخاص والأحداث.
وتعود معظم الإيقونات في رسم الأشخاص والأحداث إلى نماذج قديمة تَقيّد بها كلُّ الرسّامين منذ البدء. ويروي التقليد أنّ هذهِ النّماذج قد بدأت بوحي إلهيّ أو بإحدى الطرق العجائبيّة. ويقال إنّ لوقا الإنجيلي هو أوّل من أنشأ تلك الأنظمة الفنّية، وإليه تُنسب بعضُ إيقونات مريم العذراء.
د) الخلْفيّة والأمكنة الجغرافيّة
الإيقونة هي عمل فنّي مفعم قداسةّ ورهبة، وتعبير لاهوتيّ ممتلئ قدرةً روحيّة. وقدرته الروحيّة تكمن في ذاته، فهو يمثّل تجليّاً داخلياً، ويقود إلى التجلّي الدّاخلي.
في الإيقونة تُمثَّل الأشخاصُ والأحداث وهي في السّماء. إنّها تحيا وتتحرّك في زمن الله الدائم الفيضان والدائم الحضور، ويغمرها "جوّ روحيّ". إنّها في السماء وتقودنا إلى السماء. فمن الروح القدس وفي الروح القدس تكتسب امتداداً لامتناهياً واستمراراً لا ينقطع، والروح القدس هو الذي يمنحها أن تكون حاضرة في الزمن حضوراً حقيقياً. وكما أنّه لا يمكن حصرُ الروح القدس في مكان ماديّ، كذلك لا يمكن حصر الأشخاص التي تمثّلها الإيقونة في مكان ماديّ.
إنّ أحداث حياة السيّد المسيح قد جرت منذ ألفي سنة في زمن محدّد ومكان محدّد. فقد وُلد في مغارة، وعاش في بيت، وأحاطت به الجبال، ووُجد بين المياه، في النهر أو على البحيرة. إنّ المسيحَ، ابنَ الله والإلهَ من الإله، قد كان في وضعه البشريّ محدوداً في أماكن ماديّة ومحصوراً في كل حركة من حركات حياته، لكنّه قد قام، وهو الآن حيّ في مجد الله. إلاّ أنّ ذلك لم يفقده شيئاً من حقيقته ولا من الحياة التي كانت تميّزه قبلاً. فالأعمال التي قام بها منذ ألفي سنة لا تزال "ممسوحةً" بمسحة الروح القدس وممتلئة من حضوره. لذلك لم يعد السيّد المسيح محصوراً، ولم تعد أعماله محصورة في أماكن أو في مناطق جغرافيّة محدّدة.
ولذلك لا يشار في الإيقونات إلى الأحداث التاريخّية التي جرت منذ ألفي سنة إلاّ في خلفيّةِ اللوحة فقط، فيما الأشخاص وأعمالها تظهر في مكان مفتوحٍ، حرٍّ من كلّ حدود جغرافيّة، إذ إنّ وجودها وعملها هما في الروح القدس.
إنّ مشاهدة الإيقونة تملأ القلب والعقل من سرِّ المسيح، وتنبّهنا إلى حضور الروح القدس. والقول الآتي لآبائنا في الإيمان ينسجم والمبادئ الأوّليّة للنفسيّة البشريّة: "الإنسانُ يصيرُ إلى ما يشاهده ويتأمّله". ففي الإيقونة نشاهد وجه الله ونتأمّل بهاءه في المادة المفتداة، ولا بدّ لنا من أن نصير إلى ما نشهده ونتأمّله. وفي تأمّلنا الإيقونةَ نوقن أنّ الجمال والانسجام هما من الكنوز التي لا يمكن دفنها والتي تصير، بتأمّلنا إيّاها، ملْكاً لنا.
وخلاصة القول أنّ الإيقونة مرآة التجسّد والمثل الحيّ لافتداء المادة وإعادتها إلى ما أراده لها الله منذ البدء من بهاء وتناسق وانسجام وثمرة من ثمارِ القيامة والتّجلّي.
لذلك يمكن القول مع القدّيس يوحنّا الدمشقيّ إنّها:
"وحي، وأُنشودة انتصار،
وقناة ناقلةٌ للنعمة،
وحياة تنبع منها القدرة،
ويتفجّر الرجاء،
وتتولّد التّعزية".
إنّ الإيقونة هي حقّاً إشعاعُ التّجسّد.
الفَصْل الرّابعُ
مَسْكِنُ التّجَسُّدِ الكَنيسَةُ هَيكَلُ اللهِ
يقول القدّيس جرمانوس بطريرك القسطنطينية إنّ بناء الكنيسة يمثّلُ "السّماء على الأرض، والمكانَ الذي يقيم فيه الإله السماويّ ويعمل". إنّ الكنيسة مسكنُ تجسّدِ الله، فيها يُتمّ المسيحُ عملَ تقدّيسنا، وفيها يلتئم العالم الممجّد وينتظم في رتب ودرجات ليقدّم ذاته قرباناً لله.
جدران الكنيسة وكلّ زاوية من زوياها تشهد لحضور الله. فالجدران تكسوها الرسوم والإيقونات. إنّها مرآة السماء، التي فيها تنعكس وجوهُ الملائكة والقدّيسين، وأحداثُ حياة السيّد المسيح وحياة سيّدتنا مريم العذراء، وأحداث العهد القديم. في الرسوم والإيقونات يظهر جليّاً أنّ القدّيسين والملائكة يكوّنون مع المؤمنين على الأرض عائلة واحدة، "شعباً مختاراً، كهنوتاً ملوكيّاً، أُمّةً مقدّسة، وشعباً مقتنىً للإشادة بتسابيحِ الله" (ا بط 2 : 9).
في الكنيسة لا يعيش المؤمنون منعزلين بل في ألفة مع الملائكة والقدّيسين الذين يحيطون بهم ويكتنفونهم برعايتهم ويضمّونهم إلى أذرعتهم. أهل الأرض، لدى دخولهم هيكلَ الله، يزورون أهل السماء ويستقبلونهم في ما بينهم. السماء والأرض تتّحدان في شركة حقيقيّة وواقعيّة. وهذا الاتحاد بالقدّيسين والملائكة أمر يسمو الزّمنَ ويتخطّى المكان.
إنّ الترتيب العام لما تحويه الكنيسة يخضع لقوانين شديدة. فالهيكل، والإيقونات، والثياب الكهنوتيّة، والكتب الليتورجيّة، وسائر الأغراضِ المعدّةِ للخدْمة يُعيَّن لها أماكن محدّدة، ويخضعُ استعمالها لأنظمة دقيقة.
إنّ المجمع المسكونيّ السّابع اَقرّ سنة 787 أنّ ترتيب الإيقونات المقدّسة لا يمكن أن يُترك لحريّة الرسّامين، بل يُربط بأنظمة وضعتها السّلطة الكنسيّة وحفظها التراث. الفن وحده هو ملْك الرسّام، أمّا ترتيب الإيقونات وتنظيمها فهما ملك الآباء. ولقد خصّص المجمع الروسيّ، المنعقد في ستوكلاف سنة 1551 في أيّام الامبراطور إيفان الرابع والمتروبوليت مكاريوس أسقف موسكو، فصلاً كاملاً، هو الفصل 43، لترتيب الإيقونات في الكنيسة، وأمر "بألاّ يتمّ أيُّ رسم إلاّ وفقَ الأمثلة والنماذجِ التي تركها لنا أسلافنا الآباء اليونانيّون". فعلى الرسّام ألاّ يحرص فقط على أن تكون الأشخاص مشابهة للنّماذج القديمة، بل أن يكون أيضاً كلّ شخص وكلّ حدث في الموضع الذي حدّده لهما التقليد القديم. وهذا يتيح للمؤمنين، لدى دخولهم الكنيسة، أن يجدوا الإيقونات عينها في الوضع عينه، كما يجدون كلمات الحياة في الكتاب المقدّس دوماً في الوضع عينه.
1- أقسام الكنيسة
إنّ كنائسنا المسيحيّة قد صُمّمت في خطوطها الكبرى على تصميم هيكل سليمان الذي يروي التقليدُ الكتابيّ أنّ الله قد أوحاه إلى موسى على جبل سيناء. والكنيسة لم تنفصل عن الماضي، إذ اعتبر المسيحيّون ذواتهم الورثةَ المباشرين للعهد القديم.
وطبقاً لهذا التقليد القديم يُقسَم بناء الكنيسة إلى ثلاثة أقسام:
أ) قُدْس الأقداس
إنّه أقدس قسم في الكنيسة، يحتّل الجهة الشرقيّة منها، ويواجه الشّرق الذي منه تشرق الشمس وينطلق النور ليضيء الأرض. والشرق يرمز إلى المسيح الذي هو "نور العالم" و"شمس العدل"، وهو أيضاً المكان الذي يجتمع فيه الملائكة والصدّيقون في السماء ليتأمّلوا وجه المسيح المنير.
ب) النرثكس أو المدخَل
يقع في الجهة المقابلة، جهة الغرب، حيث تغيب الشمس ويختفي النور. فالغرب يرمز إلى الظّلمة والحزنِ وظلال الموت. فبعد التأمّل في بهاء وجه المسيح في الجهة الشرقية من الكنيسة، يلتفت المؤمنون إلى الغرب ليواجهوه ويقدّسوه ويملأوه سعادة وصلاحاً. وهذا القسم هو المكان المخصّص للموعوظين والتائبين والذين لم ينضمّوا بعد إلى الكنيسة. فكل هؤلاء يُؤذن لهم بسماع قراءات الكتاب المقدّس والاشتراك في بعض الخِدَم الكنسيّة.
وفي النرثكس أيضاً ينتصب جُرن المعموديّة، ويقف الكهنة والرهبان الموكل إليهم سماعُ الاعترافاتِ ومغفرةُ الخطايا.
ج) صَحْن الكنيسة
بين قدس الأقداس والنرثكس، في القسم الذي يُدعى "صحن الكنيسة"، يجتمع المؤمنون للصّلاة وعبادة الله. وفي مقدّمة هذا القسم يقف المرنّمون والقرّاء ورجال الإكليروس الذين ليس لهم مهمّة خاصة في الاحتفالات الدينيّة. وقد شبّه الآباء هذا القسم بسفينة نوح التي منحت من دخلها الأمان والخلاص: إنّها سفينة تُبحر نحو الشّرق حاملةً المؤمنين نحو وجه المسيح، نحو النور والحياة.
2- قدْس الأقداس
يحتلّ قدس الأقداس مركزَ الصّدارة. فهو في الجهة الشرقية، في الشرق الذي يرمز إلى حيث يقيم الله، وحيث يقيم المسيح وينتظرنا، ومن حيث يأتي ليقدّسنا ويحفظنا في نعمته وخلاصه.
في وسط قدس الأقداس ينتصب الهيكل الذي يمثّل عرش الله، وحيث يستريح إلهُ صلاتنا وعبادتنا. لإقامة صلواتنا لا ندير ظهرنا للشرق، بل نلتفت صوبه وننظر إلى الله. وعلى الهيكل، كما على عرش المجد، يوضع كتابُ الإنجيل الإلهي المقدّس الذي هو كلمةُ اللهِ نفسه الحاضر في كلامِ البشر. وأخيراً على هذا الهيكل عينه يقدّم ابنُ الله ذاتَه، ويقدّم الكونَ أجمع، في عمل الليتورجيّا الإلهيّة المقدّسة، وهو أكثر الأعمال الدينية رهبةً وقداسة. إنّه مائدة الذبيحة حيث يضحّي المسيحُ نفسَه، ويبقى في الوقت عينه حيّاً إلى الأبد.
يغطّي الهيكلَ عادةً ثلاثةُ أغطيةٍ ترمز إلى الأكفان التي لُفّ بها جسد السيّد المسيح. وفوق تلك الأغطية يوضع "الأنديمنسي" الذي يدعى أيضاً "العرش"، إذ يوضع عليه كما على عرشٍ كتابُ إنجيل الربّ، ولا يُفتح إلاّ عندما تبدأ التقدمة، ليحمل جسد المخلّص ودمه.
إلى الجانب الأيسر من الهيكل ينتصب هيكلُ التّقدمة الأصغر، أو طاولة بسيطة، حيث يهيّئ الكهنة التقادمَ للذّبيحة. هنا تبدأ مأساة الجُلْجُلة. لذلك ترمز رتبةُ تهيئةِ التقادم إلى تقدمة المسيح ذاتَه، تلك التقدمة التي تبدأ بالتجسّد وتبلغ كمالها على الجلجلة. إنّها في آن واحد ذكرى النّاصرة وذكرى بيت لحم وذكرى الجلجلة. وفي هذه الأحداث كلّها تحتلّ مريم العذراء دوراً هاماً ومكانة مرموقة. إنّها "الملكة القائمة على يمينِ المسيح".
وفوق الهيكل يتدلّى "بيتُ القُربان" الذي يحوي جسد ربنا وإلهنا ودمه في الخبز والخمر المكرَّسين غذاءً للمرضى الذين لم يستطيعوا الاشتراك في الليتورجيا الإلهية مع سائر الشعب. وبيت القربان هذا يكون عادة بهيئةِ حمامة، إشارةً إلى الروح القدس الذي يحفظ المسيح يسوع حيّاً ويبقيه على الدوام حاضراً لغذاء المؤمنين. وهذه الحمامة تكون من فضّة أوذهب، وتتدلّى من السقف إلى وسط الهيكل. وقد يكون بيت القربان أيضاً بهيئة "معْبد صغير" من خشب، يوضع على الهيكل الجانبيّ من قدس الأقداس. وأمام بيت القربان، مهما كان شكله، يوضع دوماً سراج أو قنديل تشير شعلته الحيّة والمتمايلة إلى حضور المسيحِ الخاص.
في طرف قدس الأقداس، في وسط الحنيَّة، تنتصب بوقار إلهيّ العذراءُ مريم والدة الإله التي هي "أرحب من السّماوات"، حاملةً على ذراعيها "المسيح الضّابط الكلّ" الذي نرنّم له بأنّه "الضّابط الخليقةَ بأسرها في قبضته". إنّ مريم واعية أمومتَها الإلهيّة وهي فخورة بها. السَّكينة والعظمة تشعّان من وجهها البيضاويّ وعينيها الواسعتين، ويلفّ ثيابَها رداء يشبه السّحابة، فيما تتألّق حولها حاشية من الملائكة ينحنون باحترام أمام ملكتهم وسيّدتهم. وقد تتكوّن حاشيتها من فتيات لابسات مثل شريفات روما، كما هي الحال في كنيسة القدّيس أبوليناريوس في رافِّنا في إيطاليا، وهي تعود إلى القرن السّادس. وقد تكون حاشيتها أخيراً نخبة من ألمع آباء الكنيسة.
3- الإيقونوسطاس: معناه اللاهوتيّ والإيقونات التي عليه
ليس الإيقونوسطاس جداراً يُنصب أمام قدس الأقداس ليعزله عن سائر الكنيسة، إنّما هو طريق يصل الشعبَ والله، ومَعْبر يقود من الأرض إلى السماء. إنّه الخط الذي تلتقي فيه تخومُ الزّمن ومشارف الأبديّة. يقول القدّيس سمعان التسالونيكي (1429): "يشير الإيقونوسطاس إلى أنّ وراءه قدسَ الأقداس حيث يقيم الله عزّ وجلّ في كلّ مجده، يحيط به الملائكة والقدّيسون".
إنّ الإيقونوسطاس إذ يَعرض على خطّ يلتقي فيه الزمنُ والأبد إيقوناتِ سيّدنا يسوع المسيح، الكلمة المتجسّد، وسيّدتنا مريم العذراء والد الإله، والملائكة الذين كانوا رسل الله إلى البشر، والقدّيسين الذين جسّدوا في حياتهم حياةَ الكلمة المتجسّد، يشير إلى أنّ كل انفصال قد أُزيل بين الله والبشر، وأنّ المصالحة قد تمّت بين الأرض والسّماء. فالله قد نزل إلى شعبه المحبوب، وشعبُ الله يستطيع أن يصعد ليتّحد بإلهه.
كلّ الأوجه والأحداث التي تُرسم على الإيقونوسطاس تشير إلى الأسرار الكامنة وراءه وتوحي بها، وهي تأخذ بأيدينا وتقودنا إلى التأمّل في وجه الله. والأبواب الملوكيّة التي في وسط الإيقونوسطاس تشير إلى أنّ الله سيأتي إلينا معلّماً وديّاناً وخلاصاً وغذاء.
أ) الأبواب
يصل قدسَ الأقداس بصحن الكنيسة ثلاثةُ أبواب على طول الإيقونوسطاس، واحد في الوسط يُدعى البابَ الملوكيّ، وواحد في الجهة الشمالية مكرّس لرئيس الملائكة ميخائيل ومزدان بإيقونته، وواحد في الجهة الجنوبية مكرّس لرئيس الملائكة جبرائيل.
على الباب الشمالي يُصوّر الملاك ميخائيل واقفاً، وفي يده سيف يحرس به باب عَدْن، الفردوس الأوّل. وهذا الباب هو أيضاً باب الخدمة، منه يدخل الإكليريكيّون الذين في الدرجات الصُّغرى وكل من له دور في الخدمات الطقسيّة.
أمّا الباب الجنوبيّ فتُرسم عليه إيقونة رئيس الملائكة جبرائيل. إنّه بابُ الشمّامسة الإنجيليّين (الذيا كونيكون)، يقود إلى السكرستيّا حيث تُحفظ الأواني والملابس المقدّسة.
يُعتبر الملاكان ميخائيل وجبرائيل شمّاسين إنجيليّين يساعدان في الاحتفال بالليتورجيّا الإلهية. وإنّ إيقونتيهما هما بنوع الإجمال من أروع ما يُرسم في الفن البيزنطي. إنّ ميخائيل، واسمه يعني "مَنْ مِثلُ الله"، هو ملاك الخليقة الأولى، يشير إلى أنّ الله هو "أصل كلّ الكائنات". أمّا جبرائيل، ومعنى اسمه "جبروتُ الله" أي "قدرة الله"، فهو ملاك الأزمنة الأخيرة التي بدأت بتجسّد كلمة الله في أحشاء مريم العذراء، يشير إلى أنّ الله هو "نهاية كل الكائنات". فالله هو الأوّل والآخِر، الألف والياء. وكلا الملاكين يحمل ما يحمله عادةً المرسَل، لأنّهما، حسَب قول الرسالة إلى العبرانيّين، من عداد "الأرواح الخادمة، التي تُرسل للخدمة من أجل المزمعين أن يرثوا الخلاص" (عب 1 : 14).
أمّا الباب الملوكي، وتطلق عليه عادةً صيغةُ الجمع فيدعى الأبواب الملوكيّة، فهو مكوّن من دفّتين تفتح إحداهما إلى جهة اليمين والأخرى إلى جهة اليسار. والأبواب الملوكيّة هي طريق العبور من الأرض إلى السماء، من هذا العالم إلى عالم ملكوت الله، وبحركة معاكسة من الله إلى الأرض، من خلالها نتّصل بحقيقة الله فتوافينا حاملةً إلينا الغذاء والخلاص، فهي علامة التجسّد الذي به نزلَ ابنُ الله إلى الأرض ليقيم في ما بيننا، وعلامة دعوة الله إلينا لندخل ملكوته. وإنّ المرور من خلال الأبواب الملوكية لا يجوز إلاّ للأسقف ولسائر رجال الإكليروس عندما يكونون في كامل حُلَلهم الليتورجيّة. وتبقى هذه الأبواب عادة مغلقة، لا تفتح إلاّ لبضع لحظات في أوقات معيّنة من الليتورجيا الإلهية ومن بعض الاحتفالات الكبرى.
يُزين النصفَ الأعلى من الأبواب الملوكية إيقونةُ البشارة، ويُظهِر المشهدُ مريمَ العذراء وقد أَعلنت قبولها لأن تصير والدة الإله، فيما ينزل الروح القدس من السماء ليظلّلها ويملأها بنعمته فينجز معجزة التجسّد في أحشائها، وابنُ الله يصير فيها واحداً من بني البشر.
وفي وسط الأبواب مشهدُ المناولة، وهي الحضور الثاني الحقيقيّ لله تحت أعراض المادة. فالمسيح يناول رسله خبزَ جسده من جهة، وكأسَ دمه من الجهة المقابلة. وفي النصف الأسفل من الأبواب يُشاهَد الإنجيليّون الأربعة جالسين يدوّنون الإنجيل الإلهيّ المقدّس الذي هو الحضور الثالث الحقيقيّ للربّ. والروح القدس الذي حقّق التجسّد الأوّل، تجسّد ابنِ الله ليصير ابنَ الإنسان في أحشاء مريم العذراء، هو نفسه يظلّل الإنجيلين ويُنجز التجسّدَ الثاني والحضور الحقيقيَّ الذي يصير فيه كلمةُ الله كلمةَ الإنسان في كتاب الإنجيل المقدّس. وحضوره في الكتاب المقدّس لا يقلّ حقيقة عن حضوره في سرّ الخبز والخمر.
على يمين السيّد تقف والدته، حاملةً على ذراعيها الممدودتين البشريّةَ والخليقةَ بأسرها، تقدّمهما إلى ابنها الإلهي ليمنحها الخلاص والفداء. وعلى يساره يقف يوحنّا المعمدان، حانياً رأسه، وقفة اتّضاع وقبول للخلاص باسم البشريّة والخليقة جمعاء.
إنّ إيقونة الابتهال مشهد مليء بالوداعة والجلالة والكرامة، مفعم بكثير من الحنان والثقة السّاكنة.
وإلى جانبي إيقونة الابتهال مجموعة إيقونات تمثّل الرسل الاثني عشر أو أعياد السيّد.
ب) إيقونتا السيّد والسيّدة
والإيقونتان الأكثر أهميّة على الإيقونوسطاس هما، إلى الجانب الأيمن إيقونة السيّد المسيح، الكاهن الأعظم، وإلى الجانب الأيسر إيقونة العذراء مريم والدة الإله وملكة الكون والسيّدة الهادية إلى من هو الطريق والحق والحياة.
إيقونة السيّد المعلّم والملك
يبدو السيّد المسيح في الإيقونة حاملاً في يساره كتابَ الإنجيل الإلهي المقدّس، بينما يمنح بيمينه بركة الكاهن الأعظم. وحركة اليد عينها قد تكون أيضاً دعوة إلى الإصغاء، إشارةً إلى أنّ المسيح هو وحده المعلّم، إلى أنّه هو وحده يمكنه أن يفسّر الكلام الذي ينطق به. وقفته يتجلّى منها الوقار وتوحي بالثقة والأمان.
في هذه الإيقونة يدعونا المسيح المعلّم والكاهن الأعظم إلى أن ننزع عنّا القلق والخوف، فهو مخلّص الجميع، وهو وحده يسود على مصير العالم بأسره. وهذا ما يشير إليه الحرفان المكتوبان باليونانيّة من جهتي رأسه A ، الألفا والأوميغا، أي الألف والياء، أو كلمة "الكائن" التي هي اسم الله الكائن الأزليّ. فالمسيح هو ابنُ الله الأزلي، لكل شيء "الألف والياء، الأوّل والآخر، المبدأ والغاية"، كما جاء في سفر الرؤيا (22 : 13). إنّه إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقّ، واحد في الجوهر مع الآب والروح. إنّه منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد.
من هذه الإيقونة تشعّ سمات الألوهة وفيها يتجلّى في آن واحد الوقار والحنان. إنّ القدرة والسكينة تجتمعان في إيقونة السيّد لتؤكّدا لنا أنّ المسيح هو إلهنا وهو في الوقت عينه كائن بشريّ حقيقيّ مثلنا. وقد ترسمه بعض الإيقونات متوّجاً بتاج ملكيّ للدلالة على أنّه أيضاً ملك الكلّ، ملكنا وإلهنا. وامتزاج اللون الأحمر باللون الذهبيّ في الهالة التي تحيط برأسه يخلع على وجهه أناقة وبهاء يدخلان أعماق قلوبنا فتنطلق منها صرخة إيمان به ونهتف له: "أنت ملكنا وإلهنا".
إيقونة السيّدة الملكة
على يسار الأبواب الملوكيّة تظهر العذراء والدةُ الإله متوّجةً في الجلال والمهابة. إنّها أمّ المسيح الإله المجيدة، وقد كُتب اسمها بالأحمر والذهبي على جانبي رأسها، وكأنّه خارج من هالتها أو جزء منها. ولا بدّ من التذكير أنّه في الفن البيزنطي لا ترسم العذراء وحدها، ولا يجوز أن ترسم كذلك فالأمومة علاقة شخصيّة تربط بين شخصين وتدلّ على أنّ كلاًّ منهما يخصّ الآخر، وأنّ الواحد لا يمكن أن يكون دون الآخر. فالأم لا تكون أمّاً دون طفل، كما أنّ الطفل لا يكون ابناً دون أمّ.
على أثر مجمع أَفسس المسكونيّ الذي عُقد سنة 431 وحدّد أنّ المسيح هو شخصٌ واحد، وأنّ هذا الشخص الواحد هو نفسه إنسان حقيقيّ وإله حقيقيّ، وأنّه يجوز تالياً أن ندعو العذراءَ مريم "والدةَ الإله"، لأنّها وَلدت بالجسدِ الشّخص الواحد الذي هو يسوع المسيحُ ابنُ الله، أكّدت الكنائس أنّ مريم العذراء تظهر دوماً في إيقونات كنائس الشرق حاملة ابنها وإلهها. والدة الإله، وحاملة الإله، هذا هو لقبها الذي به نكرّمها. وهذا عينه هو سبب وجودها في كنائسنا.
عندما ندرك أنّ مريم العذراء أعطت جسداً لابنِ الله، وأنّها حملته في أحشائها، وغذّته، وقبلت أن تكون شريكته الحميمة في فداء البشرية، يلتهب فينا العقل وتتحرّق مخيّلتنا لنكتشف بعضاً من العظائم التي صنعها الله فيها. فبمَا أنّها أمّ الله، يمكن أن نجد فيها كلّ معجزات السماء والأرض. فهي أكرم من الشيروبيم، وأمجد بلا قياسٍ من السيرافيم، وهي أمٌّ وبتولٌ معاً، قد ماتت ولكنّها تحيا إلى الأبد مع ابنها وإلهها.
وبما أنّها الملكة، فهي تُرسم جالسةً في المجد والبهاء على عرش مقابل عرشِ ابنها عن يمين الأبواب الملوكيّة. إنّها تعكس في إيقونتها كلّ المجد الذي يفيضه ابنها عليها. لذلك تشبه وقفتها وقفةَ ابنها، مع الوضع عينه في اليدين والرجلين.

إنّ العذراء مريم تمسك ابنَها بحنان وتشير إليه، فهي الهادية إليه. وبين ذراعيها يظهر المسيح الربّ وهو يبارك بيد، وباليد الأخرى يمسك، في ملفّ مطويّ، كلمتَه التي لم تُعلن بعد. ويُمثّل في بعض الإيقونات، إيقونةِ سيّدة المعونة الدائمة، وأحدُ نعليه ساقط من رجله، في حين لا يزال الآخر مربوطاً، إشارةً إلى قول يوحنّا المعمدان، وقد وصفه الربّ بأنّه "أعظم مواليد النساء"، إنّه ليس بأهل أن ينحني ويحلّ سُيور نعلي المسيح (مر 1 : 7). ففي الإيقونة تبدو مريم العذراء قادرة على أنّ تحلّ سيور نعلي ابنِها وتربطها، فهي إذن أعظم من يوحنّا نفسه، وأعظم من كل مواليد النساء.
أمّا ألوان الإيقونة المتباينة فتندمج فيها صبغةٌ قاتمة على خَلْفيّة من ذهب دافئ، ممّا يزيد الإيقونة بهاء وقدرةَ إيحاء. فرداء المسيح بين ذراعي العذراء مريم أحمرُ غامق، إشارةً إلى ألوهته الكاملة، أمّا العذراء فترتدي ثوباً أزرق رمزاً لبشريّتها، ويتدلّى فوقه رداء مصطبغٌ بالأحمر، دلالةً على مشاركتها ابنَها في سِماته الإهيّة.
النجوم الثلاث
إيقونات العذراء كلّها إعلان للعقيدة القائلة إنّ بتوليتها ليست مجرّد تقشّف وزهد بشريّ، بل لها سمة إلهيّة، كما أنّ لأمومتها سمةً إلهيّة. لم تصل امرأة قط إلى هذا السموّ الذي يجمع بين البتوليّة والأمومة. العذراء مريم وحدها، لأنّها والدة الإله، أُعطيت أن توحِّد بين الاثنين. وهذا الجمع بين بتولية الأمومة وخصب البتوليّة ليس إنكاراً لقيمة الحب الجنسيّ، بل افتداءُ هذا الحبِّ وخلاصهُ من الفساد والموت؛ إنّه علامة تحويله إلى شعلة لا تذوي أبداً، وإشارة تجلّيه النهائي في المجد.
هذا ما تشير إليه النجمة على جبين العذراء، البتوليةُ الدائمة مع الأمومة، فهي أمّ وبتول معاً. وعلى كتفها الأيمن نجمة أُخرى للدّلالة على بتولّيتها قبل ولادةِ ابنها، وعلى كتفها الأيسر نجمة ثالثة للإشارة إلى بتوليتها الدائمة بعد تلك الولادة. فلقد كانت السيّدة دوماً بتولاً، حتى في الأمومة.
في بعض الأحيان تزيّن أيقونتي السيّد والسيّدة صفائحُ ثمينة من فضّة أو ذهب. هذا "التّلبيس" لا يغطّي سوى خلفيّة الإيقونة وأطرافها، ويُبقي على الوجه واليدين في حقيقة الجسد. ولا يهدف المسيحيّون من خلال هذا العمل إلاّ إلى أن يجعلوا الإيقونة أكثر جمالاً وقيمة. وقد كان ذلك أيضاً إذّخاراً لأوقات ماليّة عصيبة غير متوقّعة.
ج) سائر الإيقونات
على يسار إيقونة السيّد تقوم إيقونة يوحنّا المعمدان، أعظم الأنبياء وسابقِ المسيح، وموجز العهد القديم بكامله. وكممثّل للعهد القديم ينحني أمام المسيح باسم كل الأجيال السّابقة.
وعلى يمين إيقونة السيّدة تنتصب عادةً إيقونةُ شفيعِ الكنيسة. فهو يمثّل الجماعة المسيحيّة كلّها في عبادة دائمة وصلاة مستمرّة. وفي ما سوى ذلك توضع إيقونات الأساقفة العظام باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتيّ ويوحنا الذهبيّ الفم، وأحياناً أثناسيوس الإسكندري أو غيرهم من آباء الكنيسة.
وفوق الأبواب الملوكيّة رأساً نجد إيقونة العشاء السرّي الذي فيه أنشأ السيّد سِرّ الإفخارستيا المقدّس، سرّ جسده ودمه في الخبز والخمر. وتظهر في الإيقونة اللّحظة التي يناول فيها السيّد المسيح رُسلَه. فمن جهةٍ ستةُ رسلٍ يتناولون الخبز المقدّس، ومن جهة أخرى ستة آخرون يتقرّبون من الكأس الإلهيّ، وكلا العنصرين ضروريّ لمناولة الشعب في الكنيسة الشرقيّة. إنّ حركة المسيح هذه، وهو يعطي جسده ودمه، تبرز صفته الكهنوتيّة، فهو الكاهن الأوحد والوسيط الأوحد.
وفوق إيقونة العشاء السرّي نجد إيقونة "الابتهال"، فيها يقف يوحنّا المعمدان ومريم العذراء، ممثّلا العهد القديم والجديد، وقفة ابتهال وتضرّع، يحيطان بالمسيح، إمّا جالساً على عرش وإمّا مصلوباً، وهو في كلا الوضعين مخلّص العالم، يجمع بين العظمة والوقار والمحبّة التي لا نهاية لها؛ وتقاسيمُ وجهه الوديعة تنمّ عن نُبله ورفعة أخلاقه وعن محبّته العميقة التي تشعّ سكينة وهدوءاً. يقول يوحنّا الذهبيّ الفم: "انظر إلى المسيح المصلوب، إلاّ أنّي أرى مَلك الكلّ".
وفوق الأعياد ترتفع أحياناً إيقونات أنبياء العهد القديم، يحمل كلٌّ منهم درْجاً مفتوحاً كُتب عليه بعض ما جاء في نبوءته عن سرّ التجسّد، وفي وسطهم إيقونة العذراء، سيّدةِ العلامة، كلّهم يلتفتون إليها، مشيرين إلى أنّها هي أكملت نبؤاتهم بولادتها المسيح.
من الإيقونوسطاس تشعّ قداسة فاتنة لا يمكن وصفها، تقودنا إلى العبادة الصّامتة، فنرى أنفسنا وقد أحاط بنا من كل جانب جوّ من الألفة يقرّبنا من غير المنظور، ويضيء رؤيتنا للعالم المتجليّ بالمسيح. إنّ معنى الإيقونوسطاس اللاهوتيّ ودوره الليتورجيّ الهامّ قد ألهما معظم راسمي الإيقونات والمتضلّعين من فنونِ النّحت والنّقش والتصميم، ليخلقوا أعمالاً فنّية هي آية في الدقّة والأناقة، يعبّرون فيها بالروعة والبهاء عن إيمانهم ورؤيتهم المسيحيّة.
4- تاريخ الإيقونوسطاس وضرورة وجوده في الكنائس البيزنطيّة
أ) لمحة تاريخيّة عن الإيقونوسطاس
إنّ ترتيب الإيقونوسطاس كما هو عليه اليوم لم يتمّ إلاّ في القرن السّادس عشر. لكنّ أصله قديم جدّاً في الكنيسة. يؤكّد بوكروفسكي، وهو أخصّائيّ في العلوم البيزنطيّة، أنّ الإيقونوسطاس يعود إلى القرون الأولى للمسيحيّة، وقد اكتشف أصله في دياميس روما.
يقول: "كانت في الدّياميس معابد صغيرة تقام فيها الليتورجيّا، ولا سيّما في أثناء الاضطهادات، وكانت مراسيم دفن الشهداء هناك كثيرة. وفي هذه المعابد يبدو قدس الأقداس بشكل حنيّة منفصلة عن صحن الكنيسة بدرابزين منخفض. وهذا هو الشّكل الأوّل للإيقونوسطاس، لا تزال آثاره موجودة في بعض الدياميس. وفي هذه الحنيّة كان يوضع ناووس تُحفظ فيه ذخائر الشهداء وعليه تقام الإفخارستيّا. وإلى هذا يعود التقليد الذي يقضي بوضع ذخائر القدّيسين والشهداء إمّا في الهيكل وإمّا في الأنديمنسي".
لقد كان المسيحيّون الأوّلون متشرّبين فكرةَ رهبةِ الله، ممّا حملهم على أن يعيدوا تلقائياً في كنائسهم "ستار الهيكل" الذي كان يفصل قدس الأقداس عن سائر الهيكل. إنّ قدس الأقداس في كنائسنا هو أقدس بما لا يقاس من قدس الأقداس في العهد القديم، لأنّ هذا، حسب قول يوحنّا الدمشقيّ، "مع كل ما يتضمّنه من شرائع ونواميس، لم يكن سوى ظلّ للخدمة التي بين أيدينا والتي هي الحقيقة ذاتها".
في القرن الرابع أو الخامس جرت العادة في كنائس الشرق والغرب أن يُبنى مقابل الستار حاجز يعلو صدرَ الإنسان، يمكن للمرء الاتكاءُ عليه، يفصل المحتفلين يعمل المسيح على الهيكل عن سائر المؤمنين، تأكيداً لقداسة العمل والمكان الكّرس له.
وقد كان هذا الدرابزين في بعض الأحيان أعلى بقليل، يتضمّن اثني عشر عموداً من فضّة أو عاج، أو من خشب سنديان مذهّب، تجمع بينها عارضة أفقيّة، تأكيداً للنظرة القائلة إنّ قدس الأقداس هو، كما أفصح القدّيس صوفرونيوس، "المكانُ الذي يوحي بالمجيء الثاني للجالس على العرش والذي سوف يأتي ليدين الأحياء والأموات".
والأعمدة الاثنا عشر تمثّل الرسل الاثني عشر "الذين سيجلسون على اثني عشر كرسيّاً ليدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر" ( متى 19 : 28). والإفخارستيا هي بالتدقيق حضورُ المسيح، وفي الوقت عينه رحلةُ الكنيسةِ إلى ملكوت الدّهر الآتي. والليتورجيا الإلهيّة المقدّسة هي، قبل أيّ أمر آخر، التئامُ الّذين يذهبون لملاقاة العريس الآتي ويدخلون معه خِدره السماويّ.
ويشهد على وجود الستار والدرابزين يوحنّا الذهبيّ الفم وغيره من الآباء الأوّلين. فنقرأ في "التاريخ الكنسي" لأوسابيوس، مؤرخ الكنيسة الشهير في القرن الرابع، أنّ قسطنطين الكبير بنى في كنيسة الرسل في القسطنطينية معبداً محاطاً بستائر أو شبك. ويصف الكنيسة في صور، وفيها عرش مهيب، وكراسٍ مرتّبة بانتظام، وهيكل "يحول دون وصولِ الجموع إليه حاجزٌ يحيط به، مصنوع من خشب مشبّك، وهو عمل أمهرِ الصنّاع".
ونقرأ عند بولس الصّامت، أمينِ سرّ الامبراطور يوستنيانوس، وصفاً مفصّلاً لدرابزين رائعٍ في كنيسة "آجيا صوفيّا" في القسطنطينيّة. فقد كان مزيّناً بزخارف وحجارة كريمة، وستائر من فضّة متّصلة بعواميد محبوكة تحملها ميداليّات بيضاويّة عليها إيقونات السيّد المسيح والعذراء مريم والد الإله والأنبياء والرسل.
ويورد كذلك الامبراطور قسطنطين السّابع المولود في البرفير (905_959) وصفاً لكنيسة المخلّص التي بناها الامبراطور باسيليوس الأوّل في قصره الكبير. يقول: "إنّ بهاء هذا المعبد وتألّقه لا يمكن أن يصدّقهما من لم يره، لكثرة ما تحويه جدرانه من ذهب وفضّة ولآلئ وحجارة كريمة. فالأرض مرصوفة كلّها بفضّة خالصة... والجدران مكسوّة أيضاً بتألّق اللآلئ والحجارة الكريمة. أمّا الحاجز الذي يفصل قدس الأقداس، فما أكثر الثروات المجمّعة فيه: عواميده من فضّة، وكذلك الدرابزين الذي يحمل تلك العواميد. والعارضة التي تربط بين تيجان العواميد هي من ذهب خالص، ومثقّلة في كلّ جزء منها بمختلف ما يمكن الهندُ تقديمه من كنوز".
أمّا في كنيسة روما، في الغرب، فبسبب اجتياحِ البرابرة وانحطاط الفنّ تقلّص الدرابزين إلى درابزين بسيط دُعي "درابزين المناولة".
وبمَا أنّ الإيقونات المقدّسة تصوّر المسيح، وأحداث حياته، والقدّيسين، والملائكة، علّقها الشعب المسيحي على هذا الدرابزين. وسنة 874، بعد انتصار الكنيسة على محطّمي الإيقونات، تلك البدعة التي أنكرت شرعيّة إكرام الإيقونات، صار هذا الدرابزين محلاًّ شعبياً لعرضها. وفي القرن الرابع عشر، تحوّل الدرابزين إلى جدار يمتدّ على عرض قدس الأقداس، ويرتفع إلى علو شاهق، ويصل في بعض الكنائس إلى السقف. وفي القرن السادس عشر دُعي هذا الجدار رسمياً باسم "إيقونوسطاس"، وهذه اللفظة يونانيّة تعني "منصّة الإيقونات". وصار الإيقونوسطاس جزءاً ضرورياً في الكنائس البيزنطيّة في أنحاء العالم كلّه.
ينجم عمّا تقدّم أنّ الستار والجدار أمام الهيكل وُجدا دوماً في الكنيسة، وإن لم يتمّ تعليق الإيقونات على الجدار ويطلق عليه رسمياً اسمُ الإيقونوسطاس إلاّ لاحقاً في تاريخ الكنيسة.
ب) ضرورة وجود الإيقونوسطاس
لماذا نحافظ اليوم على الإيقونوسطاس في كنائسنا البيزنطيّة؟ لا يكفي القول إنّ وجود الإيقونوسطاس هو حصيلة تطوّر تاريخيّ، بل يجب البحث في مغزاه ومعناه للمؤمنين في الزمن الحاضر.
إنّ للإقونوسطاس، ولا سيّما للسّتار الذي يعلّق عليه، أهميّةً نفسية كبرى. فهو يمنع المؤمنين من الألفة المفرطة والرتابة في الممارسات اليوميّة، ويبعد غير المؤمنين وغير المعمّدين عن الفضوليّة والشكّ. إنّه للمؤمن بهاء فنّي ينير ظلمة رؤيته البشريّة، ولغير المؤمن حاجز ضدّ الشك والسخرية من المقدّسات. فالأسرار المسيحيّة لا يمكن أن تنكشف إلاّ للعيون التي تنظر إليها، وليس لأي فكر فلسفي يحاول سبر أغوارها.
أمام عالم الله يقف الإنسان موقفاً من اثنين: فإمّا يعتبره شيئاً يمتلكه، وإمّا ينظر إليه نظرته إلى سرّ يواجهه. فكلّ ما نمتلكه يمكننا التصرّف به كيفما أردنا، وتبديده كأمر لا أهمية له، أمّا ما نواجهه فيتغلغل في كياننا بالذّات، وهو حاضر فينا. ما نمتلكه يمكننا استبداله، إذ ما هو إلإّ مجرّد شيء بين أيدينا، أمّا ما نواجهه فهو أعظم منّا، ويسمُو كيانَنا، لذلك نحرص على ألاّ نبدّده ولا نلوّثه. إزاء ما تمتلكه أيدينا نقف لا مبالين، أو نعتاده ونسأم منه، وهو خاصّتنا، أمّا إزاء ما يواجهنا فنقف برهبة وذهول وإعجاب، إذ إنّنا لا نملكه بل نحن في شركة واتّحاد معه. والرّهبة والإعجاب والذهول ليست مشاعر عابرة، بل هي ينابيع لا تنضب يتفجّر منها على الدّوام فرح سماويّ يفوق كلّ ما يتوقّعه المرء. إنّها دلائل حسّ باطنيّ ينفذ من عمق كياننا إلى الأمور الإلهية، ويتّحد بالحقيقة التي تفوق إدراك البشر.
إنّ السرّ هو حقاً فيض لا يجفّ من حياة لا يمكن التعبير عنها تعبيراً وافياً ولا امتلاكها امتلاكاً كاملاً. ولكي يتاح للإنسان تقبّل تلك الحياة التي يفيض بها السرّ، لا بدّ له أوّل الأمر من أن ينزع عن ذاته كلّ رغبة فضوليّة في تمحيصه والتدقيق فيه. إذّاك، وإذّاك فقط، يمكنه إدراكه على حقيقته، وتنشأ بينه وبين السرّ علاقة حضور ينبع منها الدّهش والإعجاب.
إنّ مسألة إدراك الإنسان لما هو إلهيّ وما يفوق الطبيعة لا تقوم على البحث في "مكان وجوده"، ولا في تقصّي "ماهيته"، بل بالحريّ على دخول علاقة عميقة معه، ولا بدّ لذلك من الابتعاد عن الألفة المفرطة التي تقود إلى الرتابة والسأم.
لهذا السبب نقيم منذ القرون الأولى في كنائسنا ستاراً أمام الهيكل الذي يمثّل سرّ الله، فهو ضرورة نفسيّة، إذ يمنع المؤمن من الانزلاق إلى الألفة المفرطة مع أمور الله، وتالياً إلى السأم منها.
لا يمكننا دخول عمق الأمور الإلهيّة إلاّ إذا تخلّينا عن رغبتنا في امتلاكها كشيء وفهمها كأمور عقليّة. ولا يمكننا مواجهتها إلاّ إذا اعترفنا بكل تواضع بما لها من أبعاد فريدة تتخطّى إدراكنا. فلكي نرى ما في الأشخاص والأشياء من قيمة نفسية لا بدّ لنا من أعين الملائكة. إنّ أثمن ما في الكائنات هو ما لا يمكننا رؤيته بأعين الجسد، وما لا يكون في متناول أهوائنا واستعمالنا الخاص، وما نعرف أنّه ليس بوسعنا امتلاكه.
والستار الذي أمام هياكلنا يشير إلى القيمة الثمينة الدّفينة في ما هو سرّي، وإلى تسامي ما هو قدسيّ. إنّه يحيلنا إلى ما هو أثمن من كل ما نراه وأعظم، ويوحي إلينا بما نؤمن بوجوده من خلال ما نراه.
إنّ ما لا ندركه باللمس الحسّيّ والفهم العقليّ نعيه في الرَّهبة. ولربّما صارت أسرارنا أعمالاً سحريّة أو احتفالات فارغة مملّة، بسبب الشّروحات الطويلة المعقّدة التي حاولنا خلالها إدراكَ كلّ أبعادها وسبرَ أغوارها، وكأنّنا نريد امتلاكها. إنّ كثرة تفسير الأمور الإلهيّة والإفراط في تحليلها يفقدانها قدسيّتها ويجعلانها في عداد الأمور المبهمة المغفلة، لأنّ الأمور الإلهيّة المقدّسة ليست من الأمور التي يمكن تحليلها بالعقل، بل من الأمور التي يدخل من خلالها الإنسانُ علاقةً شخصيّة مع الله، فيتغنّى به كما يتغنّى الحبيب بحبيته، ويحتفل به كما يحتفل المرء بعُرس صديق له. فإنّ الإنسان لا يحلّل حبّه لحبيبه، بل يدخل غمرته ويحيا في أرجائه، وينتظر منه على الدّوام وحياً جديداً. لذلك ينظر إليه نظرته إلى كائن فريد لا يمكنه سبر أغواره واستجلاء عمق أسراره. تلك هي الرّهبة التي لا بدّ من المحافظة عليها في كل ما يتعلّق بالأمور الإلهيّة المقدّسة.
إنّ الألفة المفرطة تُفقد الأشخاص والأشياء ما تنطوي عليه من ميزات إلهيّة وسمات مقدّسة. وإنّ إحدى الطرق التي لجأت إليها الكنيسة لوقف تلك الآفة القتّالية، وما ينتج منها من رتابة وسأم، تغطيةُ ما هو قدسيّ. والإيقونوسطاس يمثّل دور الحاجز أمام الفضولية والتحليل والرتابة والسأم، يسند إيماننا ويملأ قلوبنا رغبة وتوقاً لنطير على أجنحة الحبّ لملاقاة المحبوب.
في وجود الإيقونوسطاس نشعر بحدْس هادئ يسكّن بوداعته حواسَّنا ويجتذبنا إلى حقيقة أعظم ممّا نستحق أو نرغب وأروع، فنرى رؤية جليّة، إذ لا نستخدم منظار أعيننا القاتم، بل بلّور عمقِ جوهرنا البشريّ الصافي. أن نشاهد ما هو فريد ومميّز، تلك هي الروّعة العظمى والرعشة القصوى. ولدى نظرنا أعماق الإيقونوسطاس المذهّبة، لا يسعنا إلاّ أن نهتف: "هذا هو حقاً بيت الله، هذا باب السماء".
وهذا ما جرى لموفَدي فلاديمير امبراطور الرّوس، الّذين أرسلهم سيّدُهم ليبحثوا عن الدّين القويم، فوصلوا سنة 987 إلى القسطنطينيّة، عاصمة الشرق المسيحيّ آنذاك، فلم يستهوهم في المسيحية لا حقيقتُها الفكريّة ولا مبادئها الأخلاقيّة الرفيعة، بل ما شاهدوا فيها من جمال وبهاء، جمالِ الإيقونات المقدّسة وبهاءِ الاحتفالات الدينيّة. ولدى عودتهم إلى بلادهم أبلغوا ملكهم اختيارهم: "لم نعلم أفي السماء كنّا أم على الأرض، ولكن عرفنا وتيقّنّا أنّ الله هو في كنيسة الشرق المسيحيّ حيٌّ وسط شعبه".
القِسْمُ الثَّاني
التَّجَسُّدُ الثَّاني: كَلِمَةُ اللهِ يَصيرُ كَلِمَةَ الإنسَانِ
الفَصْلُ الخَامِسُ
في الإنجْيلِ المُقَدَّسِ
كَلِمَةُ اللهِ يَصيرُ كَلِمَةَ الإنسَانِ
من أعظم أمجادنا نحن المسيحيّين أنّ كتابَ الإنجيل الإلهيّ المقدّس، إنجيل ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح. والإنجيل المقدّس هو التجسّد الثاني. ففي التجسّد الأوّل ابنُ الله صار ابنَ الإنسان، وفي التجسّد الثاني كلمةُ الله صار كلمةَ الإنسان.
الإنجيل المقدّس يفسّر التجسّد الأوّل ويجعله قريباً من إدراكنا البشري ومن خبرتنا الإنسانية، بحيث نستطيع فهمه واستيعابه. إنّه استمرار على مدى الزمن للتجسّد الإلهيّ الذي حدث مرّةً في الزمن.
الإنجيل المقدّس هو التعبير بلغة البشر وخبرات البشر عن كلمة اللهِ المعطي الحياةَ الّذي أتى إلينا في الجسد. إنّ كلمة الله نفسه، الذي بشّر به العهد القديم، قد اتّخذ في العهد الجديد جسداً من جسدنا البشريّ، وهو الآن معنا حاضر إلى الأبد في لغتنا البشريّة.
1- الإنجيل المقدّس هو كلمة الله وكلمة البشر
الإنجيل المقدّس هو حقّاً تجسّدٌ ثانٍ. فكما أنّ ابن الله المتجسّد هو في آن واحد إلهٌ وإنسانٌ، كذلك الإنجيل المقدّس هو إنسانيّ وإلهيّ. إنّه إنسانيّ لأنّه مكوّن من كلمات بشريّة تروي أعمالاً وأحداثاً جرت في حياة إنسان من بني البشر، ولأنّه تعبير العقل البشريّ مع كل ما للأقوال والتعابير البشريّة من حدود. وهو إلهيٌّ لأنّ الله نفسه هو الذي يتكلّم فيه في شخصِ ابنه وكلمته، وهو نفسه الذي يعمل فيه ويمنح العالم الخلاص.
يؤكّد اللاهوت الشرقيّ أنّ الثالوث الأقدس حاضر في الإنجيل المقدّس. فالكلمة التي نسمعها هي كلمة الآب. وهذه الكلمة نفسها هي أقنوم الابن. والروح القدس حاضر في تلك الكلمة يكشف لنا معانيها ويوحي إلينا بأبعادها. وحضور الروح القدس هذا قد وعد به السيّدُ المسيح تلاميذَه بقوله: "عندي أيضاً أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنّكم لا تطيقون الآن حملَها. ولكن متى جاء هو، روحُ الحق، فإنّه يرشدكم إلى الحقّ كلّه، لأنّه لن يتكلّم من عند نفسه، بل يتكلّم بمَا يكون قد سمع، ويخبركم بما يأتي (...) جميع ما للآب هو لي. من أجل هذا قلت لكم: إنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم" (يو 16 : 12_14).
إنّ أقوال الرب هي حقٌّ وروح. وكلّ الكلمات التي قيلت عنه هيَ السَّبيل الذي به نلج قدس أقداس شخصه الإلهيّ ونتّحد به اتّحاداً سريّاً. يقول أوريجانيس: "إنّنا لا نشرب دم المسيح فقط بتقرّبنا من الكأس الكريم، بل أيضاً لدى قراءتنا إنجيلَه المقدّس أو سماعه".
2- عمل الروح القدس
ومع ذلك، وعلى ما لكتاب الإنجيل الإلهيّ المقدّس من أهمية كبرى في نظرنا، فلا بدّ لنا من القول إنّ ديانتنا المسيحية ليست ديانةَ كتاب، ولسنا نحن المسيحيّين "أهل كتاب"، لأنّ الإنجيل المقدّس لا يورد كلّ ما قاله السيّد المسيح وفعله. الإنجيل المقدّس هو حقّ وحياة، إلاّ أنّ ذلك يعود إلى الروح القدس الذي يضيئه بوحيه ويملأه بحضوره الشخصيّ، مكمّلاً ما بدأه السيّد المسيح وموضحاً لنا جميع أبعاده. الروح القدس هو الذي ينيرنا في الإنجيل المقدّس، بحيث يتاح لنا أن نفهم حياة السيّد لمسيح، ونعبّر عنها في اللاهوت والليتورجيا والإيقونة. الروح القدس هو الذي يقدّم لنا من الإنجيل المقدّس ليس كمجموعة قواعد مسلكيّة، بل كمرآة نتأمّل فيها وجه مخلّصنا وسيّدنا يسوع المسيح، لنعيد حضوره بأمانة من خلال حياتنا، ونشهد له الشهادةَ الحقَّ أمام العالم.
إنّ السيّد المسيح، قبل مغادرة العالم، وعدنا بإرسال الروح القدس ليمث معنا، ليذكّرنا بكل ما قاله وعمله، ويساعدنا على التعمّق في معرفته: "قلت لكم هذه الأشياء وأنا مقيم معكم. وأمّا المعزّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو الذي يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم جميع ما قلت لكم" (يو 14 : 15_26).
إنّ الروح القدس، "ظلّل مريم العذراء" وجعلَ ابنَ الله يتجسّد في أحشائها، وبقدرته صار ابنُ الله ابنَ الإنسان، هذا الروح عينه قد ظلّل الإنجيليين وقادهم إلى التعبير، بأفضل ما أمكنهم من الكلمات، عن أقوال المسيح وأعماله. وبقدرة الروح القدس صار كلمةُ الله كلمةَ بشر. الألوهة عينها دخلت من جديد هذا العالم في أعمال بشريّتنا وأصواتها وكلماتها، ومكثت في ما بيننا.
لقد صعد السيّد المسيح إلى السماء بجسده، ولكنّه يمكث حيّاً معنا في الإنجيل المقدّس، في أحداث حياته الأرضيّة وما نطق به من أقوال. كتاب الإنجيل المقدّس ضروريّ لنا، نحن العائشين في الزمن، لنبقى على الدوام متّصلين بالله الذي اتّصل بنا في شخص ابنه وكلمته، سيّدنا يسوع الميح. نحن بحاجة لسماع صوته في الإنجيل المقدّس، كما أنّنا بحاجة لمشاهدة وجهه في الإيقونة، ولتناول جسده ودمه في القربان المقّدس.
ولأنّنا نحن المسيحيّين نؤمن أنّ كتاب الإنجيل المقدّس يتضمّن المسيحَ نفسه حيّاً وفاعلاً، لا نلمسه أبداً إلاّ بعد أن ننحني له باحترام ونقبّله بمحبة. وكما أنّ الملوك والأباطرة يتزيّنون بثياب من ذهب وحجارة كريمة، هكذا كتاب الإنجيل المقدّس، الذي هو "ثوب المسيح" ملكنا وإلهنا، يُغطّى دوماً ويُجلَّد بفضّة وذهب وأثمن المواد. وهذا ما نشاهده حتى في أفقر كنائسنا الملكيّة، وفي سائر الكنائس البيزنطيّة في العالم، أكانت في الجبال أم في الصّحاري أم في المدن العظمى، في عظمة كرملين القياصرة أم في معابد أوكرانيا الوضيعة. قد لا يكون أثاث كنائسنا فخماً، ولكنّ كتاب الإنجيل المقدّس يجب أن يكون دوماً مرصّعاً بفضّة أو ذهب أو حجارة كريمة، أو على الأقلّ مغطّى بمخمل ثمين مزيّن بشرائط ذهبيّة.
في سيامة الأُسقف يوضع على رأس المرتسم، طيلة صلوات السِّيامة، الإنجيل المقدّس مفتوحاً على صفحة مكتوبة، إشارة إلى أنّ الذي يرسم الأسقفَ إنّما هو المسيح وروحه القدّوس الحاضران والعاملان في كتاب الإنجيل. وتقول صلاة وضع اليد الأولى: "إنّ السيامة لا تتمّ بوضع يد الذي يَرسمُ بل بالروح القدس والسيّد المسيح الحاضرين في كتاب الإنجيل المقدّس".
ولأنّ الإنجيل المقدّس يمثّل السيّد المسيح ويحوي كلامه، يوضع أيضاً على هياكل كنائسنا كأنّه "الإله الجالس على عرشه".
3- حضور المسيح
هناك قانون صارم في كنائسنا الشرقيّة يقضي بألاّ يوضع القربان المقدّس وكتاب الإنجيل على الهيكل الواحد في الوقت عينه. فبينما يكون الإنجيل على الهيكل الرئيس كما على عرش الله، يكون القربان على الهيكل الجانبيّ المختصّ به، لاجتناب تعداد أنواع حضور الربّ في المكان الواحد، فهذا التعداد من شأنه تقسيم انتبهانا وبالتالي إضعاف عبادتنا.
في نظر الكنيسة الشرقية واعتقادها الصّميم، ليس الغرض من سرّ القربان المقدّس عبادة المسيح والسجود له والتطواف به في زياحات، بل الاتحاد به سريّاً بتناول الخبز والخمر المكرَّسين، جسدِه الكريم ودمِه المحيي: "خذوا كُلوا، هذا هو جسدي الذي يُكسر لأجلكم لمغفرة الخطايا" ، "إشربوا من هذا كلّكم، هذا هو دمي للعهد الجديد، الذي يُهَراق عنكم وعن كثيرين لمغفرة الخطايا". ليس الغرض من حضور السيّد المسيح في سر القربان المقدّس النظر إليه أو التحدّث إليه. إنّ هذا الغرض تفي به الإيقونة التي يتاح لنا من خلالها أن نزور المسيح ونتحدّث إليه. ففي الإيقونة نلتقي إنساناً ونشاهد وجهاً بشريّاً من خلاله نلج إلى علاقة شخصيّة وحوار شخصيّ مع السيّد المسيح.
إنّ الغرض من الاحتفاظ بكتاب الإنجيل المقدّس في كنائسنا هو إعلان كلمة الله. الإنجيل هو للتثقيف وللترنّم بصوت سيّدنا يسوع المسيح. لذلك يطاف به في الكنائس. وعندما يحمله الكهنة أو الشمامسة في التّطوافات يرفعونه عالياً فوق رؤوسهم باحترام ورهبة، بحيث يشاهده الجميع. إنّ كتاب الإنجيل المقدس لا يُحمَل أبداً بطريقة أُخرى، لأنّه يسوع المسيح نفسه حاضراً حضوراً حقيقياً في كلامه وفي أحداث حياته.
وكلّ مرة يُحمَل فيها الإنجيل المقدّس في التطوافات، يحيط به خَدمَةُ الهيكل بشموع مضاءة وبخور يملأ عطره أرجاء الكنيسة. فكلمة السيّد المسيح هي نورنا وعطر حياتنا. ولدى مروره، يُدعَى المؤمنون إلى السّجود للمسيح. فيرنّم الأسقف والكهنة والشمامسة الإنجيليّون: "هلمّوا نسجدْ ونركع للمسيح ملكنا وإلهنا...". وينحني الجميع باحترام راسمين على وجوههم إشارة الصليب، تعبيراً عن قبولهم حكمة الله العظيمة التي أعدّت لنا هذا الحضورَ الرائع لكلمة الله في ما بيننا.
وعندما يحين وقت إعلان كلمة الله، يدعو الشمّاس الإنجيليّ الجميعَ إلى "الوقوف لسماع الإنجيل المقدّس". إذّاك تقف الجماعة كلّها تعظّم اسم الرب الذي سيوحي بذاته إلينا في إنجيله، فينحني الجميع باحترام، ويرسمون على ذواتهم إشارة الصليب بمهابة هاتفين: "المجد لك يا ربّ، المجد لك".
وكذلك في نهاية ترتيل الإنجيل، تعيد الجماعة كلّها هتاف الفرح والتهليل عينه: "المجد لك يا رب، المجد لك"، مرفقة إيّاه بإشارةِ الصّليب المقدّس وإحناء الرأس. في هذا يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "عندما يتكلّم الامبراطور، نهتف كلّنا: المجد لك يا رب. ولكن عندما يتكلّم سيّدنا يسوع المسيح، ينطلق إيماننا بالاندفاع ونعيد هذا الهتاف مرّتين، فنقول: المجد لك. نرنّم به ليس بعد كلام الربّ وحسب، ما نفعل للامبراطور، بل حتى قبل أن يتكلّم".
4- وحي الثالوث الأقدس
الإنجيل المقدّس هو نورنا وحياتنا، فالسيّد المسيح، عندما يهب لنا ذاته وينسكب لأجلنا في كلمات بشريّة وفي أحداث حياته، إنّما ينقل إلينا حياته ونوره الإلهيّين، كما قال عن ذاته: "أنا الحياة... أنا الطريق... أنا النور...".
ومن خلال السيّد المسيح عرفنا وحي الآب والروح. ففي القديم أوحى اللهُ الآب بذاته بشكل متفرّق وغير كامل. إنّ العهد القديم، حسب قول بولس الرسول، هو "ظلّ المستقبلات، والحقيقة هي المسيح" (كو 2 ، 17). الوحي عني كشفَ النّقاب. ولقد أُزيح حجاب أسرار الله من خلال أسفار العهد القديم كتاباً تلو كتاب، وأوحي للعالم رويداً "الإله المجهول" الذي، في الوقت المحدّد، أوحى بذاته ملء الوحي في شخص يسوع المسيح الذي هو صورته، كما جاء في الرسالة إلى العبرانيّين: "إنّ الله، بعد إذ كلّم الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتّى الطرق، كلّمنا نحن، في هذه الأيّام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكلّ شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده، وصورة جوهره، وضابط كلّ شيء بكلمة قدرته" (عب 1 : 1_3).
وكما أنّ الله الآب قد أوحى بذاته في شخص السيّد المسيح، كذلك أيضاً في المسيح أوحى الروحُ القدس بذاته. وفي كلّ كلمة من الإنجيل المقدّس وفي كلّ عمل من أعمال السيّد المسيح نجد صدى لوحِي الروح القدس:"إنّ كلمة الله حيّة فعّالة، وأمضى من كلّ سيف ذي حدّين، تنفذ حتى مفرق النفس والروح، والأوصال والمخاخ، وفي سعها أن تنير خواطر القلب ونيّاته" (عب 4 : 12).
الروح القدس يقرّب السيّد المسيح من كلّ أذن منفتحة للسمّاع ومن كلّ قلب منفتح للإدراك. الروح القدس هو الذي يحمل أنغام صوت الرب، وكالهواء النقيّ بالنسبة إلى خلايا الجسم، يغمر الإنسانَ حياةً ونوراً وأماناً. إنّه يودع حقيقةَ الربّ عميقاً في نفوسنا، ومن خلالها يجعل سكناه في أعمق خفايا ذواتنا. إنّ الروح القدس ، الذي يصير بكلمة الإنجيل مقيماً ثابتاً فينا، يولّد فينا على الدوام القوّة والنعمة، ويدفعنا إلى الخير والصلاح. لقد شبّه الآباءُ الصّوتَ الآتي من الإنجيل بالعطر الخفيف وبندى الصُّبح وبالريح التي تهبّ من كل صوْب. عندما ينزل المطر والندى على الأرض يغذّيانها ويمنحانها الحياة والخصب. وعندما تهبّ الريح تدخل في كل ما تلامسه. إنّ كلمات المسيح ليست بحاجة إلى أيّ فلسفة بشريّة لتفسيرها وجعلها حيّة ومُحيية. فالمسيح يعرف الطريق إلى أفكارنا وقلوبنا، والروحُ القدس الذي لا يموت هو دوماً حاضر للإلهام والتفسير.
5- تفسير الإنجيل
إنّ كلمات الإنجيل ليست بحاجة إلى تفسير بشريّ، فهي تلج إلينا وتلهمنا بقوّتها الذاتيّة وبحضور الروح القدس فيها. لقد كان الأب لاغرانج، مؤسّس مدرسة أورشليم الكتابيّة يردد: "كل ما نستطيع أن نقدّمه للإنجيل للمساعدة على فهمه هو تفسيرُ تركيب جُملهِ من ناحيةِ الصّرف والنحو". من البديهي أنّ اللاهوتيّين ومفسرّي الكتاب المقدّس والمؤرّخين بوسعهم جمع معلوماتهم لتوضيح هذا التّركيب ومعنى الأدب الكتابي، ولكنّ تفسيراتهم لا قيمة لها إن لم تنسجم مع الأنشودة التي يتغنّى بها لروح القدس في قلب كلّ إنسان وفي قلب تراث الكنيسة الجامعة الحيّ.
إنّ ما يستطيع البشر تقديمه من تفسيرات هو دوماً محدود ومرتبط بما لديهم من أفكار خاصّة. أمّا أفكار المسيح فتقودنا إلى التألّه. إنّ في أفكار المسيح تنقيةً لكلّ الأحداث والوقائع، وغذاءً للحياة في أبعادها التي لا تُحصى. المسيح يعمل في الإنجيل كالحَكَم الأخير في التّقدير والتّقويم. لذلك هو وحده يستطيع أن يوضح رسالته ويفسّرها. به وحده يتّضح كلّ شيء على الصّعيد الإلهيّ، وحول هذا الصّعيد تأتلف كل أفكار الإنجيل وتّتضح لنا معانيها وأبعادها. عمل المسيح كلّه مركّز على تألهينا. لذلك تعليمه على جانب كبير من الرّهبة، بحيث لا يسع من يسمعه إلاّ أن يقف وقفة إعجاب أمام تلك الرسالة السامية، ويدع كيانه يتشرّبها بكل جوارحه. إنّ تعليم المسيح يوحي للأطفال الصغار بما يصعب فهمه على العقلاء والمعلّمين.
الفَصْلُ الَّسادِسُ
رسَالَةُ الإنْجيلِ لبَنِي البَشَرِ
لقد كانت رسالةُ السيّد المسيح على الأرض، كما وصفها الإنجيل الكريم، تأليهَ الجنس البشري وتحرير كلّ إنسان من أيّ استعباد، حتى من استعباد الشريعة. جاء السيّد المسيح ابنُ الله ليقود البشريّة إلى ملكوت الله، إلى حريّة أبناء الله، التي هي حريّة المحبة. فالعبد يطيع أوامر، أما الابنُ فيحيا في المحبة ويصنع إرادة أبيه عن محبة.
التحرّر هو في المحبة، في نظر السيّد المسيح. والمحبة إذ تأتي من الله وتنسكب على البشر تجعلهم مشاركين في حياة الله وكيانه وحريّته.
إنّ تعليم الإنجيل يفوق كل تصّور بشري وتفسير يمكن البشر أن يقدّموه عن سرّ الكون وعلاقة الناس بعضهم ببعض. إنّه تعليم إلهي ينطلق من الله ويقود إلى اله. الإنجيل المقدّس هو "بُشرى صالحة" لجيمع الناس محورها المحبّة والحريّة والتأله: بالمحبة يتحرّر الإنسان ويصير على مثال الله.
إنّ بشرى الإنجيل الصالحة تنطوي على رسائل ثلاث نجدها في كل صفحة من صفحات كتاب الله الكريم: الرسالةُ الأولى تأليهُ الإنسان؛ والرسالة الثانية تنتج من الأولى وهي الكرامةُ الإنسانيّة؛ والرسالة الثالثة هي الخيط الذهبيُّ الذي نُسجت منه الرسالتان الأُوليان: الله هو لنا أبٌ نجد فيه الأمان.
1- الرسالة الأولى: تأليه الإنسان
لقد جاء المسيحُ ابنُ الله ليجعل كلّ إنسان يحيا على مثال الله. والإنسان يحيا على مثال الله بالمحبة. إنّ أعظم الوصايا وأقربها إلى الألوهة، تلك التي لم يجرؤ نبيّ ولا مؤسّسُ ديانة على النُّطق بها، قد تفوّه بها السيّد المسيح باسلوب سهل واضح وطبيعيّ. لقد طلب من تلاميذه أن "يزيد بِرُّهم على برّ الكتبة والفرّيسيّين" ( متى 5 : 21). ففيما يقتصر برّ علماءِ النّاموس على اتّباع شرائع الناموس، يشدّ المسيح تلاميذه إلى المحبة. ولم تكن وصيته محبة الأعداء وحسب، ولا محبة العالم كلّه وحسب، بل المحبةُ كما أحبّنا هو: "أحبّوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا. هذه وصيّتي لكم" (يو 15 : 12). فكيف أحبّنا المسيح؟
لقد اتّسمت محبة المسيح لنا بمزيّتين: أحبّنا دون قيد ولا شرط، و"أحبّنا إلى الغاية" (يو 13 : 1). والمحبة إلى الغاية تعني أوّلاً إلى أقصى حدود المحبة والسخاء والعطاء والشجاعة، حتى بذل الذات، وذلك ليس فقط لأجل خلاص الأبرار والأصدقاء، بل أيضاً لأجل الأعداء والمجرمين؛ وتعني أيضاً أنّها تثبت طول الحياة وتستمرّ حتى آخر لحظة منها دون أن تضعف أو تكلّ. هكذا أحبّنا المسيح حتى موته. ففي الّلحظة الأخيرة من حياته وهو على الصًّليب غفر لقاتيله ولّلصّ التائب عن يمينه. إنّ محبة كهذه ووصيّة لممارسة المحبة على هذا النحو لا يمكن أن يتصوّرهما ويمارسهما إلاّ كائن إلهيّ وكلّ من تألّه به.
إنّ السيّد المسيح هو حقّاً من الله، ويريد من أتباعه أن يكونوا إلهيّين على مثاله ويقوموا بأعمال إلهيّة. هذا النوع من الحب الذي لا حدود له ولا شروط هو الحب الوحيد الذي يحرّر الإنسان. وفي هذه الحريّة يتاح لنا ليس تتميم وصايا الله وحسب، بل أيضاً تتميمها بعفويّةٍ وفرح.
إنّ حريّة المسيحيّين تلاميذِ المسيح تستمرّ وتقوى بقوّة الروح القدس الذي هو نهر الماء الحيّ الذي يجري فينا ويسقي كلّ ثنيّة من ثنايا كياننا وكلّ ناحية من نواحي حياتنا. إذّاك لا تعود شرائع الله، ولا أيّ شريعة أخرى، تبدو كأنّها واجب يُفرَض علينا، بل مجرّد سلّم تساعدنا على الارتقاء إلى الله. عندما نتحرّر ونحبّ نرتقي بفرحٍ أيَّ سلّم لنصل إلى مشاهدة وجه الله حبيبنا.
2-الرسالة الثانية: الكرامة الإنسانية
ليس الإنجيل شريعة المحبّة والحريّة وحسب، بل هو أيضاً شريعة الكرامة الإنسانيّة. لم يستعمل السيّد المسيح مفاهيم مجرّدة "كحقوق الإنسان" أو "كرامة الإنسان"، ولكنّه بدعوته الإنسان إلى التألّه اعترف له بأسمى الحقوق والكرامات. وهذا ما يظهر من خلال احترام السيّد المسسيح لكل إنسان بشكل مباشر وواقعيّ. فكل مرّة كان يلتقي شخصاً، كان يرى فيه صورة الله، ويكرّمه، ويحترمه، ويعترف له بكرامته. لقد نظر المسيح إلى الخطأة بمحبّة واحترام، ودعاهم إلى أن يجسّدوا في حياتهم صورةَ الله الكامنة في أعماق كيانهم. لذلك عاملَ الزانيةَ والعشّار واللصّ على الصليب المعاملة عينها التي بها عامل تلاميذه الأمناء والأبرار. إنّ قبوله للشخص البشريّ لم يكن له شروط ولا حدود. فبالنسبة إلى المسيح جميعُ البشر هم "أبناء الآب والخطأة" دون تمييز ولا تفرقة (متى 5 : 45).
على هذا يقوم الكمال: أن نحبّ ونغفر على مثال الله نفسه: "أمّا أنتم، فكونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كامل" (متى 5 : 48).
إنّ قياس السيّد المسيح للسلوك البشريّ والقاعدة التي يطلب من تلاميذه أن يسلكوا بموجبها نجدهما في سلوك الله الآب. فكما أنّ الله يخلق كلّ شخص بشريّ ويحبّه، هكذا يريد أن يعتني كلّ منّا بالآخر ويقود كلّ منا الآخر إلى كمال إمكاناته. لمّا عرف زكّا "القصير القامة" أن السيّد المسيح قد قبله كما هو، أي كخاطئ، شعر بأنّه صار كبيراً كالكون، وأثبت للحال كم كانت صحيحةً ثقةُ السيّد المسيح به. أدرك، من خلال معاملة السيّد المسيح له، كرامته الإنسانيّة وقيمته الشخصيّة، وأعلن أنّه سيقدم على الاعتناء بالآخرين: "يا سيّدي، ها أنذا أعطي المساكين نصف أموالي، وإن كنت قد ظلمت أحداً في شيء، فإنّي أردّ أربعة أضعاف" (لو 19 : 8).
والسيّد المسيح نفسه، وهو على الصليب، أودع أمّه الحبيبة بين يدي يوحنّا: "هذه أمّك"، وأودع يوحنّا التلميذَ الذي كان يحبّه بين يدي أمه: "هوذا ابنُك" (يو 19 : 26_27).
الفكرة السائدة في الإنجيل هي أنّه، كما أنّنا في أمان في عناية الله ومحبته، هكذا يجب أن نكون في أمان في تبادل العناية والمحبة بعضنا مع بعض.
الإنجيل وحده، من بين كل الكتب المقدّسة في ديانات العالم، يرى في الله كائناً من روعة وجمال يملأ الشخص البشريّ بفيض من الأمان والحب، بحيث يصير لغيره من الناس قوّة وملجأ أمان.
وهذا ما يؤكّده السيّد المسيح في مَثَل السامريّ الصّالح: "من بين الذين مروّا باليهوديّ الذي وقع في أيدي اللّصوص، من كان له القريب الحقيقي؟". وكان الجواب: "الذي صنع إليه الرّحمة"، أي السامريّ؛ والسامريّون يعتبرهم اليهود من المنبوذين. ويختم السيّد المسيح المثل بقوله: "إمضِ واصنع أنت أيضاً كذلك". وهذا يعني: "وإنْ كنت في نظر الناس منبوذاً، فإن اعتنيت بالآخرين وصنعت إليهم الرحمة، فأنت حقّاً ابنُ الله".
3- الرسالة الثالثة: في الله أمان الإنسان
يروي لنا الإنجيل المقدّس أنّ المستحيل يصير في الله واقعاً. عندما ندخل علاقةً مع الله، فعلاقاتنا هذه هي مع أب لنا يدعوه السيّد المسيح "أبَّا"، وهي اللفظة التي ينادي بها الطفل الصغير أباه. نحن لله بقدر ما نحن لذواتنا. إنّنا أبناؤه.
إنّ لفظة "أب" هي، في لغتنا البشريّة، مجرّد لفظة أو اسم. كثيرون يُدعَون "آباء" دون أن يكون لهم علاقة حبّ وحياة مع أبنائهم. أمّا لفظة "أبّاً" في الإنجيل فتعني علاقة حب وحياة. إنّها تشير إلى وجه شخص واحد فقط، منه تنبع كلّ أبّوة، هو الله "الأبَّا". إنّ وجه "الأبَّا" يشعّ ويبتسم ويذوب رقّة وحناناً. ليس إلاّ وجهٌ واحد على الأرض يمكننا أن ندعوه "أَبَّا". والسيّد المسيح، في إنجيله الشريف، وفي كل الحكايات والأمثلة التي رواها لتقريب سرّ الله المتسامي من أذهان البشر، يتحدّث عن الله داعياً إيّاه دوماً "أَبَّا". إنّه يعلّمنا أن ننظر إلى وجهه وندعوه "أبانا الذي في السّماوات". إنّ لفظة السماء في صيغة المفرد تشير إلى حيث يقيم الملائكة والقدّيسون وحيث تتمّ إرادة الله كما جاء في العبارة الآتية: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". أمّا في صيغة الجمع فتعني لفظة "السماوات" أيَّ مكان نوجد فيه ونتخيّله، وأيّ اتجاه يلتفت صوبه وجهنا. ففي كل مكان نلاقي وجه "الأبَّا". أينما اتّجهت أنظارنا وانفتحت أعيننا نلتقي إشعاع وجه الله أبينا. فعندما نقول "أبانا الذي في السماوات"، نعني الله الذي على الدوام وفي كل مكان هو لنا أب محب رحوم، في أعماق قلوبنا كما في أرجاء الكون الفسيح.
عندما يوصينا السيّد المسيح بأن ندعو الله "أَبَّا"، يعلّمنا أنّنا في علاقة مع المسامحة والفرح والخلاص الحاضرة أبداً معنا وفينا، ويذكّرنا على الدوام أنّنا صُنْعُ حبٍّ يفوق كلّ تعبير بشريّ، هو حبّ الله الذي ندعوه بدالَّةٍ "أَبَّا". إزاء تعليم كهذا يرنّم قلبنا أناشيد الفرح والانتصار، وندرك أنّ كرامتنا أعظم من السماء والأرض وأثمن من كل معجزات الكون. وبسبب تعليم الإنجيل ندرك أنّ قيمتنا هي أرفع وأسمى من كل خليقة.
إنّ حكمة الله، التي كانت، حسَب قول سِفْر الأمثال، من الأزل مع الله، "كانت في نعيم يوماً فيوماً تلعب أمامه في كل حين، تلعب في مسكونة أرضه، ونعيمها هو مع بني البشر" (أم 8 : 30_31). وفي هذا يقول سمعان اللاهوتيّ الجديد: "الله لا يتّحد إلاّ بالآلهة"؛ وغريغوريوس النَزْيَنْزي يعلن بنشوة: "حقّاً إنّ الإنسان هو ألعوبة تغنّي في قلب الله".
كلّ رسالة لا تحمل أوّلاً وفوق أيّ شيء آخر روعةَ الأنشودة ودفءَ القلب هي رسالة خيانةٍ محكومٌ عليها بالعُقم. كل حقيقة نطق بها السيّد المسيح في الإنجيل المقدّس هي حقيقة تحمل الحياة والسعادة، لأنّها تنطلق من دفء محبّته. كل حركة قام بها السيّد المسيح في الإنجيل المقدّس هي بُشرى فرح وأنشودة تجعلنا نرنّم لمجده. كل ما فعله السيّد المسيح يجعل من حياتنا احتفالاً وعيداً.
إنّ بشرى الإنجيل هي بشرى فرح وروعة. وكل حدث من أحداث حياة السّيد المسيح التي نقرأ سيرتها في الإنجيل ينطوي على مفاجأة تثير إعجابنا وغبطتنا.
إنّ كلمات السيّد المسيح هي خبرة تحرّك الحياة، إذ تتيح لنا أن نلج خضمّ الحياة ونحياها بملئها. إنّ صوت السيّد المسيح في الإنجيل هو مبعث نشوة تفوق كل ما ينتج من أيّ كلام بشري. فهو يدخل قلوبنا وينزع عنّا كلّ قباحة وخطيئة. إنّ صوت السيّد المسيح يحمل رسالة سامية وأنشودة رائعة تعلن أنّنا في الطريق إلى عالم آخر أكثر حياةً يعجّ بمعجزات تسمو تصّورَ البشر وتصدح فيه أنغام سماويّة ويتفجّر إشراقاً وفرحاً.
الفَصْلُ السَّابعُ
إعْلانُ رِسَالَةِ الإنجيلِ
إنّ رسالة الإنجيل المقدّس تنطوي على تعاليم إلهية تتطلّب من الإنسان تغييراً جذريّاً في أفكاره وأعماله. لذلك لا تعلنها الكنيسة دون التمهيد لهذا الإعلان بدعوةٍ توجّهها إلى المؤمنين ليكونوا متيقّظين لما سيُتلى عليهم، ويدركوا أنّ ما سيسمعونه ليس كلاماً بشريّاً، بل هو كلام الله، وأنّ ما سيُدعَون إلى القيام به ليس عملاً بشرياً، بل هو عمل الله. إنّهم يُدعون إلى الدخول في أعظم مغامرة يتاح لكائن بشريّ أن يخوضها، مغامرة الدخول في حياة الله نفسه. فليدخلوا فيها بجرأة ودون أيّ تردّد ولا خوف ولا وجل. ولكنّهم بحاجة إلى نور الله ليفهموا تلك "التعاليم الإلهيّة"، وإلى قدرة روح الله ليسيروا تلك "السّيرة الروحيّة". وهذا ما يطلبه الكاهن باسمهم في الصلاة التي يتلوها قبل إعلان الإنجيل المقدّس في ليتورجيا القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم:
"أيّها السيّد المحب البشر،
أضئ قلوبنا بصافي نور معرفتك الإلهيّة،
وافتح عيون أذهاننا لنفهم تعاليمك الإنجيلية.
ضع فينا خشية وصاياك المغبوطة،
حتى إذا دسنا جميع الشهوات الجسديّة
نسير سيرةً روحيّة
مفكّرين بكل ما يرضيك وعاملين به،
فإنّك أنت استنارة نفوسنا وأجسادنا،
أيها المسيح الإله،
وإليك نرفع المجد وإلى أبيك الأزليّ وروحك القدّوس الصالح والمحيي
الآن وكل أوان وإلى دهرِ الدّاهرين. آمين".
1- ترتيل الإنجيل المقدّس
بمَا أنّ رسالة الإنجيل المقدّس تنطوي على تعاليم إلهيّة وأحداث تفوق تصوّر البشر، فيجب نقلها على نحو خاص. لذلك في الاحتفالات الكنسيّة لا يُقرأ الإنجيل المقدّس، بل يُرتَّل. على هذا درجت الكنائس منذ القرون الأولى في الشرق والغرب. وفي كنائسنا البيزنطية يعيّن لهذا الغرض مرتّلٌ خاص يدعى "الشمّاس الإنجيلي".
إنّ إعلان بشارة الإنجيل المقدّس هو فعل إيمان خاص، به ننقل معنى حضور الله، الآب والكلمة والروح، الذي به نؤمن إيماناً عميقاً، وإيّاه نودع كلَّ كياننا.
لذلك لا توكَل تلك المهمّة إلى أيّ كان من الناس، بل إلى الذين أوتوا موهبة خاصّة في الإنشاد والتّرتيل. ولهؤلاء وحدهم كان يُسمَح بترتيل الإنجيل المقدّس أمام الكنيسة المجتمعة.
ولقد أوضح الأقدمون، بحسّ عميق من الحكمة، طريقةَ تنغيم الصّوت ولفظ الكلمات، في سبيل إبراز المعنى بكامله. فهناك نوعان من ترتيل الإنجيل، الترتيل البسيط، والترتيل المطوّل المنمَّق. وفي كلا النوعين يجب أن يكون الصّوت عذباً واللفظ واضحاً، فلا يسيء التنغيمُ إلى وضوح الألفاظ.
وإنّه لمن الأهمية الكبيرة تذكير مرتّل الإنجيل أنّه ينقل رسالة إلهيّة، وأنّ ترتيله، أكان بسيطاً أم منمَّقاً، يجب أن يهدف إلى هذا الأمر الواحد: أن يوصل إلى المستمعين جمال النصّ المقدّس وما يتّسم به من سمات إلهيّة، ويخلق فيهم الشعور بالمجد والفرح لكونهم في حضرةِ الله. وللبلوغ إلى هذا الهدف لا يكفي المرتّل ما أنعمت به عليه الطبيعة من جمال في الصوت وما توصّل إليه من فنّ في الأداء. فما يجب أن يظهر في ترتيله، قبل جمال صوته وفن أدائه، إنّما هو قناعة إيمانه ودفء محبته وعمق روحانيّته.
وكما أنّ الكاهن هو معاون الأسقف في تكريس القربان المقدّس، كذلك الشمّاس الإنجيليّ هو صوت الأسقف والكاهن في ترتيل الإنجيل. ولذلك تعدّ رتبته في إعدادِ الدرجات الكبرى.
إنّ الدرجات الكبرى في الخدمة الكهنوتية في الكنيسة ثلاث: الأسقفية، والكهنوت، والشموسيّة الإنجيليّة. فالأسقف يُدعى "رئيس الكهنة"، لأنّه الأوّل في الكنيسة وفي الخدمة الكهنوتيّة. وتأتي أوّليّته من أنّه هو الذي يرئس الاحتفال بسرّ الإفخارستيا الذي يجعل المسيحَ حاضراً وسط شعبه في القرابين المقدّسة. والكهنوت من الدرجات الكبرى، لأنّ الكاهن هو معاون الأسقف في تحقيق حضور المسيح. والشموسية الإنجيلية تعتبرها الكنيسة أيضاً من الدرجات الكبرى، لأنّ دورَ الشمّاسِ الإنجيليِّ الأساسيَّ هو إعلانُ بشارة الإنجيل وجعل المسيح حاضراً في قلوب المؤمنين وأذهانهم.
2- موقف المؤمنين
عندما يتقدّم الكاهن أوالشمّاس الإنجيليّ إلى المنبر لترتيل الإنجيل الإلهي المقدّس، تُضاء حوله شمعتان. ونجد ذكراً لهذه العادة منذ القرن الرابع لدى القدّيس إيرونيموس الذي يقول: "لدى قراءة الإنجيل المقدّس، تُضيء الكنائسُ الشرقيّة الشموع، تعبيراُ عن فرحها للبشرى الصّالحة التي يعلنها الإنجيل المقدّس من جهة، وكوسيلة حسيّة، من جهة أخرى، تشير إلى النور الذي يقول عنه صاحب المزامير: "كلمتك مصباحٌ لخُطاي ونورٌ لسبيلي" (مز 17).
إذّاك يقف الشعب بصمت وخشوع. يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "إذا كان الصمت واجباً لسماع قراءة رسالة تأتينا من أحد ملوك الأرض، فكم بالحريّ يجب علينا أن نقف خاشعين بآذان صاغية عندما تُقرأ على مسامعنا رسائل لم ترد إلينا من ملكٍ أرضي بل من سيّد الملائكة".
وقبل الذهبيّ الفم بزمن طويل، أقرّت القوانين الرسوليّة أنّه "عندما يُقرأ الإنجيل، يجب أن يقف الكاهن والشمامسة الإنجيليّون والشعب كلّه بصمت عميق".
وعندما يؤتى بكتاب الإنجيل المقدّس إلى المنبر، يترك من يشاء من المؤمنين أماكنَهم ويتقدّمون نحوه ويحيطون به، وجميع المحتفلين على الهيكل يخرجون من أبواب الإيقونوسطاس الجانبيّة، ويقفون بتهيّب وخشوع ينظرون إليه، وكل المرضى والمعذّبين يقتربون ممّن هو طبيب نفوسنا وأجسادنا.
وفي الكنيسة الملكيّة، يأتي مندوب من الجماعة من أعيان الشعب، ويحمل باسم الكلّ على رأسه، وليس على يديه المفتوحتين، كتابَ الإنجيل، علامةً لإيمان الجماعة كلّها بحضور السيّد المسيح وقبول رسالته ومحبته.
وعندما يتوقّف المرتّل في نهاية كل فقرة من فقرات النص الإنجيليّ الكريم، يتابع الحاضرون التنغيم في ما يشبه الدَّندنة، بصوت جليل منخفض على نغمة قَرار اللّحن المستعمل، ممّا يسمح للمرتّل بالاستراحة وللكلمات بالولوج في امتداد معانيها إلى أعماق قلوب المؤمنين. إنّ هذه الدندنة هي تعبير عن إعجاب المؤمنين بما يسمعونه، وهي أيضاً صدى للأقوال الإلهيّة التي تملأ كيانهم وكل مشاعرهم، فتجعلهم يهتّزون طرباً لدفق النور الذي ينسكب عليهم ولملء الحياة التي تغمرهم.
ولدى نهاية ترتيل الإنجيل، كل الذين كانوا قريبين منه، أو الذين لمسوه، يقبّلونه علامة احترام ومحبة للسيّد المسيح الذي تكلّم فيه. ثمّ يعود كل منهم إلى مكانه في الكنيسة.
3- موقف رجال الإكليروس
يذكر الراهب القديس إيسيذوروس البيلوسي في مصر عادة أُخرى لا يزال يتبعها بأمانة رجال الإكليروس في الكنائس الشرقية. يقول: "عندما يظهر الراعي الحقيقي لدى فتح الإنجيل المقدس، إذاك يقف الأسقف ويضع جانباً كل شارات سلطته ورتبته الأسقفية، مشيراً بذلك إلى أنّ الربّ نفسه، واضعَ الوظيفة الرّعوية، إلهه وسيّده، قد حضر الآن".
واليوم أيضاً، لدى ترتيل الإنجيل المقدّس، ينزع الأسقف عن رأسه تاجه الأسقفيّ، ويضع جانباً عصاه الرعائيّة وكلّ شارات سلطته. فالسيّد المسيح وحده هو كرامته وسلطته.
4- زمن الإنجيل
إنّ إعلان الإنجيل المقدّس ليس ظهور الملكوت وحسب، بل هو أيضاً تحقيقه في حياة الجماعة الملتئمة لسماعه. في صلاةِ السَّحَر، التي هي الاحتفال بنهار جديد وببدء حياة جديدة، عندما يحين وقت إعلان الإنجيل، تُدَقّ أجراس الكنيسة دقّاتِ فرح وانتصار، ولسان حالها يقول: "الرب هنا! المجيء الثاني الذي ننتظره قد تحقّق الآن! الملكوت في متناول أيدينا! الأزليّ ينسكب من أزليّته ليحيا في زمننا ومع دقّات ساعاتنا. الزمن الإلهي بكل ملئه يغمر هذا العالم المتقلّب المتعثّر ليجعلنا نشارك في يقين حقيقته وثبات أزليته".
إنّ عبارة "في ذلك الزمان" التي نبدأ بها كلّ قراءةٍ من الإنجيل المقدّس تشير دون شك إلى زمان المسيح الذي جرت أحداثه منذ ألفي سنة، ولكنّها تشير أيضاً إلى الزمان الذي يجري الآن. فالمسيح دوماً حاضر، أبداً حيّ في حقيقته الأزليّة، يجعل في كلّ لحظةٍ الأزلَ في متناول أيدينا، ويدخلنا عالم الأبد، ويقودنا نحو مصيرنا الأخير: "ذلك الزمان" هو ملء الزمان، هو زمن الله.
إنّ ما يجب علينا من عبادة الله وإيمان حيّ به ورغبة شديدة في سماع تعليمه يتّضح لنا بأجلى بيان عندما نكشف من جديد معاني كلّ تلك الطقوس وإشارات الإكرام والعبادة التي ابتكرها التراث المسيحيّ ليبقينا على الدوام في التيقّظ والسّهر. تلك الطقوس الخارجيّةهي ثمرة الحدس الروحيّ المستنير بوحي الروح القدس، وهي أغنى من أيّ تحليل فكري. وإذا اقترنت فينا بروح داخليّ من الإكرام والعبادة، تصير كفيلة بتقريب حقيقة أقوال المسيح وأحداث حياته إلى وعينا المسيحي.
5- رؤية الإنجيل
لقد علّم البشرُ ابنُ الله كيف يكون إنساناً وكيف ينمو كما ينمو كل إنسان: "وكان الصبي ينمو ويتقّوى ويمتلئ من الحكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو 2 : 40)، "أمّا يسوع فكان ينمو في الحكمة والقامة والنعمة أمام الله والناس" (لو 2 : 52). ولكنّ ابن الله الذي صار إنساناً علّم الإنسانَ كيف يكون إلهاً، فيحيا كما يحيا الله، ويعمل كما يعمل الله، ويحبّ على النحو الخاصّ بالله. وأساس حياة الإنسان الجديدة هذه هو أنّه بالمسيح يسوع ابنِ الله قد صار متَّحداً بالله. والهدف من هذا الاتجاه الجديد لحياته هو المحافظة على هذا الاتحاد بالله. إنّ موضوع تعليم الإنجيل بدقّته هو اتّحادنا بالله واتحادنا بالآخرين، لأنّنا أولاد الملكوت ونشارك في حياة الله نفسه.
في عالم يملؤه الحقد والانقسام والتفرقة، يتكلّم المسيح على المحبة والوحدة والمسامحة دون قيد ولا شرط ولا حَد: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كامل" (متى 5 : 48)؛ "كونوا رحماء كما أنّ أباكم هو رحيم" (لو 6 : 36). إنّ وصيّة السيّد المسيح هذه تبدو غير واقعية بل مستحيلة. لا شك أنّها مستحيلة على عقولنا البشرية، ولكنّ السيّد المسيح لا ينفكّ، لكونه إلهاً، يلعب لعبة الأمور غير الواقعية والمستحيلة ليجعلها أحداثاً واقعية وطبيعية، على غرار نمو الطفل الذي هو أمرٌ طبيعي. فإنّنا في الحقيقة أبناء الملكوت. وبقدرة الروح القدس الساكن فينا، نستطيع أن نحقّق ما يستحيل على الإنسان تحقيقه.
يعتنق المرءُ رؤيةً معيّنة بغبطة واندفاع بقدر ما يجذبه إليها ما فيها من حقيقة تزخر بالحياة وبهاء يوحي بالبهاء. إنّ رؤية الإنجيل هي رؤية حياة الله وبهائه. والخطوة الأخيرة الحاسمة التي تدفعنا إلى اعتناق تلك الرؤية الإلهية ليست عملنا نحن، بل هي عمل روحِ الله نفسه، الذي يملأ كل صفحة من صفحات الإنجيل، ويقودنا إلى أن نحيا حياة الله.
إنّ المسيح يسوع، لكونهِ ابنَ الله المحبّ البشر والمحب كلَّ إنسان في هذا العالم، لا يقتصر إنجيله على نواةٍ تنهي عن فعل السوء وشرائعَ تهدّد بالعقاب. فإنجيل السيّد المسيح دعوة إلى الحبّ. والحبّ لا إكراه فيه. بل هو جواب على وحيٍ ودعوة. الحبّ قويّ يدفع من يمتلئ منه إلى القيام بأعمال إيجابية. وإن تكلّم المسيح على ممارسة الناموس وعلى العقاب والجزاء، فما ذلك إلاّ ليلاقي الناسَ حيث هم، فيستعمل تصوّرات معهودة لديهم. ولكنّه لا يكتفي بذلك، بل يرفع مستوى تفكيرهم ويعيد توجيهه إلى الحبّ الحقيقيّ الصّافي. إنّه يغيّر نظرتنا البشريّة برمّتها إلى نظرة إلهيّة.
إنّ بوذا وكونفوشيوس وموسى والأنبياء قد أعطوا العالم أدقّ الوصايا وأبهى القوانين الأخلاقيّة، ولكنّهم ربطوها بالجزاء والعقاب. ومحمّد نبيّ المسلمين زاد ذلك كلّه منهجاً تشريعيّاً مبنياً على المنطق والقواعد المسلكيّة. كل ما جاء به هؤلاء من تشريعات ووصايا وقوانين اجتماعية استقوها من تفكيرهم البشري وكان مرتبطاً بتهديد العقاب أو رجاء المكافأة. أمّا وصيّة السيّد المسيح في الإنجيل المقدّس فتقوم على أن نختاره لنا معلّماً فنكون له تلاميذ، ونقتفي آثاره ونسلك كما سلك هو، ونصير هكذا صُورتَه في العالم.
6- التطويبات والتتلمذ للمسيح
الشريعة توصي المرء بأن يفعل شيئاً، فهي دعوة إلى العمل. أمّا الدعوة إلى أن يصير الإنسان تلميذَ المسيح فهي دعوة إلى تحوّلٍ في كيان الإنسان. أن يكون المرء تلميذ المسيح يعني أن يكتسب رؤيته وموقفه من الحياة ومن الناس. بالمحافظة على الشريعة يهدف الإنسان إلى إرضاء واضع الشريعة. أمّا التلميذ فيسعى إلى وحدة الفكر والقلب مع الرب، لينمو في المحبة فيصير قادراً على أن يحب كما أحبّ المسيحُ. لقد قال السيّد المسيح لتلاميذه: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (متى 28 : 19)، أي: "إجعلوا منهم تلاميذَ لي". لم يقل لهم أن يجعلوا من الناس متمّمي ناموس. لقد خطّ المسيح من جديد كلّ الشرائع والوصايا ليجعل منها وحي الله ودعوة إلى المشاركة في حياته الإلهية. والشريعة التي منحنا إيّاها السيّد المسيح تنبعث من قلبه ومن فيض محبته. لقد ترك لنا التطويبات، وهي ليست شرائع ولا وصايا بل أحلامٌ إلهيّة وتطلّعات إلهيّة.
التطويبات هي شبيهة "ببساطِ الرّيح" الذي ينقلنا إلى أجواء سماوية تزخر بروائع الحياة التي تسمو كلّ تصوّر بشري. إنّها تبعث فينا الرجاء بأنّ تأليهنا سيتحقّق يوماً في ملئه، فنصير تلاميذ حقيقيّين للمسيح. كلّ تطويبة هي واسعة وسعَ الكون، ومع ذلك يمكن كل إنسان أن يتلاءم وإيّاها.كل تطويبة هي باب مفتوح يدعونا إلى الدخول من خلاله. ولكن لا أحد يستطيع الدخول إلاّ متى التهب حرارةً داخلية وكان مستعدّاً للجهاد ضد عالم الأنانية والعنف والظلم. لقد أراد الرب أن تكون التطويبات شريعتنا الجديدة، والشريعة الوحيدة الضرورية للحياة الاجتماعيّة والدينيّة. إنّه يدعو كلاًّ منا إلى مائدته: الأعرج والأعمى، الفقير والبائس، الخاطئ والبار دون تمييز: "إن أردت أن تتبعني فاذهب وبعْ كل شيء وأعطِه للفقراء، ثمّ تعال اتبعني" (متى 19 : 21)؛ "إن أراد احد أن يتبعني، فلينكر نفسه أوّلاً... " (مر 8 : 34).
التطويبات على جانب كبير من السموّ والروعة بحيث توصينا الكنيسة بأن نترنّم بها طول السنة كلَّ نهارِ أَحَد في التئام الجماعة المسيحيّة للاحتفال بسرّ الشكر. إنّ نهار الأحد هو نهار إعلان التطويبات كم أنّه نهار إعلان قيامة المسيح.
يقول يوحنّا الذهبيّ الفم: "إنّ الرب يسوع لا يعرض علينا أقواله بشكل أوامر أو وصايا، بل بشكل بركة، بحيث يغدو كلامه وتعليمه أقلّ ثقلاً علينا، وينفتح أمام كلّ منا طريقُ التتلمذ له. إنّه لم يقل: هذا الشخص أو ذاك، بل: كلّ الذين يفعلون ذلك هم مُبارَكون. لذلك، وإن كنت عبداً فقيراً أو متسوّلاً، أو غريباً، أو غير مثقَّف، لا شيء يمنعك من الحصول على بركة الربّ إن سرت على درب التطويبات". فلنقرأها كما وردت في إنجيل متى:
"طوبى للفقراء بالروح (أي المنفتحي القلوب)، فإنّ لهم ملكوت السماوات؛ طوبى للودعاء، فإنّهم يرثون الأرض؛
طوبى للحزانى (أي الذين يصرخون طالبين الرأفة)، فإنّهم يُعزّون؛
طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ، فإنّهم يُشبَعون،
طوبى للرّحماء، فإنّهم يُرحَمون؛
طوبى لأنقياء القلوب ،فإنّهم يعاينون الله؛
طوبى لفاعلي السلام، فإنّهم يُدعون أبناء الله؛
طوبى للمضطهدين من أجل البّر، فإنّ لهم ملكوتَ السّماوات".
7- دراسة الإنجيل
إنّ الإنجيل المقدّس لا يمكن أن يكون كتاباً للدراسة الفكريّة والتحليل العلميّ وحسب. فإنّ كل جملة نطق بها الربّ هي آية من الروعة والبهاء تفوق كل ما يمكن العقل البشري أن يفكّر به أو يتوقّعه. لذلك لا يسعنا الدخول في نوره إلاّ بقلب سخيّ مستعدّ للبذل والعطاء. إنّ السبيل إلى فهم الإنجيل المقدّس ليس دراسته، بل الوقوف وقفةَ ذهول وإعجاب أمام كلّ عمل قام به السيّد له المجدُ وأمام كلّ كلمة نطق بها وأمام كلّ حدث من أحداث حياته. لذلك لا يُقرأ الإنجيل المقدّس لدى التئام الجماعة الكنسية، بل يُرتَّل، ليتسنّى لكل أذن تسمعه أن تطرب لنغمته ولكلّ قلب ينفتح له أن يمتلئ من دفئه.
الإنجيل الإلهيّ المقدّس ليس كتاباً يزوّدنا بعملومات ولا مجموعة أقوال تتضمّن تعاليم وحسب، بل هو إعلان لأمور إلهيّة تفوق تصوّر البشر، فيه يبيّن لنا السيّد المسيح كيف نحيا حياة الله؛ فيه يقول لنا إنّنا لسنا خلائق وحسب بل نحن أبناء للإله الواحد؛ فيه يردّد على مسامعنا أنّنا إلهيّون وأنّ روح الله ينسَم فينا وأنّ الحياة التي نحياها الآن ليست حياتنا، بل "هو المسيحُ يحيا فينا" (غلا 2 : 20). في كلّ صفحة من صفحات الإنجيل المقدّس يدعونا السيّد المسيح إلى أن نحيا، لا على قدْرنا ومستوانا نحن، بل على قدْرة ومستواه هو. إنّه يدعونا إلى التألّه.
أن نحيا بمقتضى حياة السيّد المسيح يضمّن اعتناقَ مواقفه والاضطلاع بالقيم التي تجلّت في حياته والتي أوجزها في التطويبات. وإنّ ذلك يفوق تصوّرات عقلنا وإمكانات إرادتنا. فنحن دوماً عاجزون عن تصوّر ما يقتضيه ذلك منا في الواقع ،ويعوزنا السخاء والشجاعة للقيام به. إنّ إدراكَ ما هو السيّدُ المسيح وفهمَ مضمونِ الرسالة التي يريد إبلاغنا إيّاها أمران يتخطّيان إمكاناتِ الفرد الواحد، بل هما من شأن حياة الجماعة الكنسيّة كلّها، وهذه كلّها مدعوّة إلى الالتزام بتحقيقهما. لذلك يجب إعلانهما في الجماعة الكنسيّة الملتئمة ولأجلها.
إنّ كتاب الإنجيل الإلهيّ هو السيّدُ المسيح نفسه متكلّماً، مرنّماً، متمّماً أعمال الله. لذلك يجب إحاطته بأروع الحفاوة ليوقظ فينا حسّ الألوهة ويساعدنا على أن نكون مستعدّين لقبول دعوة السيّد المسيح إلى الاشتراك في عشائه والدخول في ملكوته.
الفَصْلُ الثَّامِنُ
الإنجيلُ في الليّتُورجِيَّا
إنّ تلاوة الإنجيل المقدّس في الليتورجيّا تتوزّع على مدار السنة كلّها. ففي كل فصل من فصول السنة يُتلى أحد الأناجيل الأربعة. ففي الربيع، ابتداء من عيد الفِصح، عيد قيامة المسيح، يُتلى إنجيل يوحنّا الذي يعلن للمسيحيّ أنّه قد قام مع المسيح الربّ وأنّه حاملُ المسيح. وفي الصيف، ابتداء من عيد العنصرة، عيد حلول الروح القدس على التلاميذ، يُتلى إنجيل متّى الذي يدعو المسيحيّ إلى أن يكون حاملَ الروح، فيقوم بأعماله كلّها بحسب روح الله. وفي الخريف يتلى إنجيل لوقا الذي يبيّن للمسيحيّ كيف يكون حامل الآب. وفي الشتاء يُتلى إنجيل مرقس الذي يعلن للمسيحيّ أنّه حاملُ جسده وحامل الكون.
هكذا حرصت الكنيسة البيزنطيّة على اختيار نصوص الأناجيل بحيث تتلاءم والزمن الطقسيّ الذي يميّز كلاًّ من فصول السنة الأربعة. ففي الفصول الثلاثة الأولى يتأمّل المسيحيّون الحياة على ضوء الثالوث الأقدس، ليفهموا كيانهم المسيحيّ ويدركوا دعوتهم الخاصة إلى التألّه، أي إلى أن يحيوا مع السيّد المسيح، وقد ملأهم الروحُ القدس، حياةَ أبناء الله الآب. وفي الفصل الأخير يتعلّمون كيف يقدّسون أجسادهم والطبيعة كلّها، ليعودوا بها إلى حالة الفردوس، إلى الحالة التي يريدهم الله عليها منذ إنشاء العالم. فالمسيحيون مدعوّون إلى أن يخلقوا من جديد فردوسَ الحياة مع الله.
1- إنجيل يوحنّا
إنجيل يوحنا هو أكثر الأناجيل ملاءمةً لإبراز صورة المسيح الإنسان الحقيقي وابنِ الله الحقيقي، وتوضيح الدعوة المسيحية إلى التألّه. وفصل الربيع بأكمله مخصّص لتلاوة هذا الإنجيل وإعلان تلك الدعوة.
فالربيع هو زمن الحياة الجديدة والرجاء الجديد، فيه تستيقظ الطبيعة من سبات الشتاء، وتتفتّح البراعم معلنةً بدءَ الحياة الجديدة. في هذا الزمن عينه يقوم المسيح من بين الأموات مانحاً البشريّة والخليقة كلّها دفقاً من الحياة جديداً. وفي هذه الفترة يتأمّل المسيحيّون في شخص السيّد المسيح كما ظهر من خلال أعماله وأقواله، ويطّلعون على النهج الجديد والرؤية الجديدة اللّذين أدخلهما في البشرية. "فالإنسان، على قول الآباء، يصير ما يتأمّل"، ونحن، إذ نتأمّل المسيح، نصير "حاملي المسيح".
تمتدّ تلاوة إنجيل يوحنا خمسين يوماً من عيد الفصح إلى عيد العنصرة، عيد حلول الروح القدس على التلاميذ. وطول هذه الفترة، التي بجملتها عيد واحد كبير، يعيش المسيحيّون في أجواء الفرح والابتهاج، وهم يرنّمون دون ملل أناشيد القيامة والانتصار:
المسيح قام من بين الأموات،
ووطئ الموتَ بالموت،
ووهب الحياة للذين في القبور.
لقد قام يسوع من القبر كما سبق فقال،
ومنحنا الحياةَ الأبديّة وعظيمَ الرحمة.
في الزمن الفِصحيِّ كلّه لا نمارس أيّاً من أعمالِ التّوبة. فلا نركع ندامة عن خطايانا، ولا نصوم، بل نصير واحداً مع المسيح الذي خلّصنا بقيامته وصالحنا مع الله، والذي هو حيّ في ما بيننا.
إنّ النصّ الإنجيلي الذي يُتلى في أثناء ليتورجيا عيد الفصح ليس رواية قيامة المسيح بل رواية تأليهنا. منذ اليوم الأوّل من الزمن الفصحيّ ننتقل إلى أزليّة الله. لنسمع القدّيس يوحنا يعلن لنا أنّ أصلنا هو في قلب الله، وأنّنا الآن نحيا من جديد في قلب الله في المسيح القائم إلى حياة الله، وأنّ مصيرنا هو الحياة الأبديّة الدائمة في قلب الله مع المسيح كلمةِ الله:
في البدء كان الكلمةُ،
والكلمةُ كان لدى الله،
وكان الكلمةُ الله،
به كُوِّن كلّ شيء،
وبدونه لم يكن شيء واحد ممّا كُوِّن.
إنجيل يوحنّا هو آخر الأناجيل من حيث زمن تدوينه، ولكنّه الأوّل في الأهمية. في هذا يقول أوريجانيس: "أعتقد أنّه كما أنّ الأناجيل الربعة هي أساس إيمان الكنيسة، وعلى هذا الأساس يرتكز كلّ العالم الذي تصالح مع الله في المسيح، هكذا أيضاً إنجيل يوحنا هو الإنجيل الرئيس. ولا أحد يمكنه أن يفقه معناه ما لم يتّكئ أوّلاً على صدر يسوع، ويتّخذ مريم، أمّاً له".
الفكرة الرئيسة في إنجيل يوحنّا هي أنّه، إن كان الكلمة قد صار بشراً فما ذلك إلاّ ليمنح العالم الحياة والخلاص، ويجعلنا أبناء الله. ففي بدء إنجيله يعلن يوحنّا أنّ "جميع الذين قبلوا (المسيح النور الحقيقي)، قد آتاهم سلطاناً أن يصيروا أبناء الله" (يو 1 : 12). ويختم إنجيله بقوله: "وصنع يسوع أمام التلاميذ آيات أخرى كثيرة لم تُدوَّن في هذا الكتاب؛ وإنّمَا دُوّنت هذه لكي تؤمنوا أنّ يسوع هو المسيحُ ابنُ الله، وتكون لكم، إذا آمنتم، الحياة باسمه" (يو 20 : 30_31).
يوماً بعد يوم، على امتداد الزمن الفصحيّ، يدخلنا إنجيل يوحنّا سرَّ شخص السيّد المسيح. إنّه إنسان تامّ، ولكنّه أيضاً آتٍ من السماء. كلّ أحداث حياته التاريخيّة هي إنسانية وإلهية معاً. إنّها تندرج في حياة بشرية، ولكنّ جذورها تمتدّ إلى الأزل. والمعجزات التي يصنعها المسيح هي "آيات" يَظهر فيها مجد الله وحضوره. ويوماً بعد يوم ينكشف لنا أنّ السيّد المسيح هو نور العالم وخبز الحياة والماء الحيّ والراعي الصالح والكَرْمة الحقيقيّة، وأنّ جسده هو هيكل الله الذي سوف يقوم بمجد بعد أن يدمَّر ويموت.
وهذا ما تشير إليه آحاد الزمن الفصحي: أَحَدُ القدّيس توما، أحد حاملات الطيب، أحد المخلّع، أحد السامريّة، أحد الأعمى، أحد آباءِ مجمع نيقية الأوّل. ففي هذه الآحاد والنصوص الإنجيلية التي تُتلى فيها يظهر لنا مجد المسيح القائم من بين الأموات، الذي يجب الإيمان به مع القدّيس توما وسائر الرسل (أحد توما)، والتبشير به مع حاملاتِ الطّيب أنّه هو القيامة (أحد المخلّع)، والماء الحيّ (أحد السامرية)، والنور (أحد الأعمى)، وأنّه الكلمة الذي مع الآب منذ الأزل، كما أعلن ذلك آباء مجمع نيقية.
وبالتأمّل في شخص المسيح والامتلاء من حياته يصير المسيحيّون "حاملي المسيح". إلاّ أنّ حياة المسيح فيهم يجب أن تثمر برّاً وقداسة، وهذا ما يقوم به الروح القدس الذي يحتفلون بحلوله في عيد العنصرة.
2- إنجيل متّى
بعد الربيع، زمنِ تقتّح الحياة الجديدة، يأتي الصيفُ زمنُ نموّ تلك الحياة ونضجها. هكذا أيضاً بعد الاحتفال ببروز الحياة الجديدة من قبر المسيح، تحتفل الكنيسة في عيد العنصرة بحلول الروح القدس، روح النّمو والنضج. والمسيحيّ الذي يصير في الزمن الفصحيّ "حاملَ المسيح"، يصير في زمن العنصرة "حاملَ الروح"، ويعمل بقدرة الروح الذي يملأه على تحقيق دعوته إلى التألّه.
النّمو والنضج هما مسيرة طويلة. لذلك فالفترة الطقسيّة التي يُتلى فيها إنجيل متّى هي أطول الفترات، إذ تدوم ثمانية عشر أسبوعاً. يوماً بعد يوم وأسبوعاً بعد أسبوع، تتلو الكنيسة على مسامع المؤمنين عظات السيّد المسيح، ابتداءً من العظة على الجبل (فصل 5_7) التي هيَ الشّرعة الجديدة لأبناء الملكوت، مروراً بخطبة إرسال التلاميذ للكِرازة (فصل 10)، وخطبة أسرار الملكوت في أمثالٍ سبعة (فصل 13)، إلى عظة يسوع في نقاء القلب (فصل 15)، ومستلزمات الحياة الأخويّة (فصل 18)، والزواج المسيحي (فصل 19)، والعمل (فصل 20_21)، والمحبّة (فصل 22_25). وبين العظة والأخرى، يروي إنجيل متّى بعضاً من معجزات السيّد المسيح وأحداث حياته، ويخلص في كلّ منها إلى تعليم خاصّ يكمّل التعليم في العظات، ويطبّقه على مختلف ظروف حياة الجماعة المؤمنة.
إنّ السيّد المسيح، في إنجيل متّى، هو "المعلّم" بالذات، وهو أعظم بما لا يقاس من الكتبة والفرّيسيين أو أيّ معلّم آخر. لذلك إنجيل متّى هو كتاب السلوك المسيحي، الذي يجب أن يلجأ إليه كلّ المعلّمين.
ويبيّن إنجيل متّى أنّ يسوع هو المسيح الحقيقيّ الذي أتى ليكمّل الناموس والنبياء، أي ليوصل تعاليمهم إلى كمال الله. لقد أتى ليزيل أثقال الشريعة القديمة ويحرّرها من قيود الحرْف ويفتح الطريق المسدود الذي أوصلت إليه كلّ من كان ينبغي بصدقٍ الوصول إلى الله. إنّ يسوع هو حقّاً "المسيحُ ابنُ الله الحيّ" (متّى 16 : 16)، كما شهد له بذلك بطرس الرسول، وكما أعلن هو نفسه أمام رئيس الكهنة (متّى 26 : 62_64). إنّه السيّد والمعلّم الذي جمع الوصايا القديمة كلّها في وصية واحدة ذات وجهين متكاملين: محبة الله ومحبة القريب (متّى 22 : 34_40).
والمحبة، في نظر السيّد المسيح، هي الحريّة عينها. أن يحبّ المرءُ يعني أن يكون حرّاً، ومن هو حقّاً حرّ من عبودية الخطيئة لا يمكنه إلاّ أن يعيش في المحبة. المحبة تنسكب من قلب الله وتشارك في حرية الله، لأنّها تطلب خير الله، الذي هو خير الجماعة في الوقت عينه.
وانطلاقاً من مبدأ المحبة هذا يورد إنجيل متّى تعليماً ليسوع لا نجده عند سواه من الإنجيليّين، وهو جواب السيّد المسيح لبطرس عندما أراد هذا أن يدافع عنه بالسيف: "رُدَّ سيفك إلى موضعه، لأنّ جميع الذين يأخذون السيّفَ يهلكون بالسيف" (متّى 26 : 52). فإنّ ملكوت الله لا يتحقق بقّوة السلاح بل بقدرة الروح، روح المحبة وروح التطويبات الإنجيليّة:
"طوبى للفقراء بالروح. فإنّ لهم ملكوت السماوات
طوبى للودعاء، فإنّهم يرثون الأرض...
طوبى لفاعلي السلام، فإنّهم يُدعون أبناءَ الله... " (متّى 5 : 3_12).
إنّ المسيحيَّ الذي يتعلّم تعاليم سيّده ويحاول أن يعيش بموجبها يصير "حامل الروح"، لأنّه يمتلئ من الروح القدس الذي هو في الوقت نفسه روح المسيح وروح الله الآب، وفيه يتحقّق أوّلاً ملكوت الله، على رجاء أن يتحقّق من خلاله وبواسطته في العالم أجمع.
3- إنجيل لوقا
بعد نموّ الطبيعة ونضجها في الصّيف، يأتي فصل الخريف، وفيه تسكب الطبيعة على البشر عطاياها وخيراتها، وتُنتج لهم الأرض شتّى غلالها وثمارها. فيجمعون ما هم بحاجة إليه لغذائهم، ويخزنون مؤونتهم لفصل الشتاء. في هذا الزمن تدعو الكنيسة أبناءها إلى أن يفرحوا بالله الآب، ويشكروا له عطاياه، ويتمثّلوا بسخائه، هو "الذي يعطي الغذاء لكلّ جسد"، ويوزّع خيراته على كل كائن حيّ.
لذلك تَقرأ على مسامعهم في هذه الفترة إنجيلَ لوقا الذي يستفيض في هذه التعاليم. إنّ إنجيل لوقا هو إنجيل الفقراء الذين لا يتّكلون على أنفسهم بل على الله على الصعيدين الماديّ والروحيّ. وفي هذا الإنجيل تتجلّى محبة الله الآب ورحمته للفقراء والوضعاء والخطأة.
فمنذ إنجيل الطفولة يظهر بوضوح أنّ الله يلتفت إلى الفقراء الذين ينتظرون منه الخلاص والفداء. فتتوالى أمام أعيننا مشهد القراء والوضعاء الذين لا يتّكلون على قدرتهم البشريّة بل على قدرته تعالى: زخريّا وأليصابات اللذان يولد لهما صبيّ وقد تقدّما في أيّامهما (1 : 5_25)؛ مريم العذراء التي يحلّ عليها الروح القدس وتظلّلها قدرة العليّ، فتلد يسوع المسيحَ ابنَ الله، وتنشد نشيد الفقراء الذين يؤمنون بأن الله "ينظر إلى الوضعاء ويحطّ المقتدرين عن عروشهم ويرفع المتواضعين" (1 : 26_56)؛ والرعاة الذين يظهر لهم الملائكة يبشّرونهم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: "اليوم، في مدينة داود، وُلد لكم مخلّصٌ هو المسيح الربّ"؛ ويقدّمون لهم علامة ظهور الله: "إنّكم تجدون طفلاً ملفوفاً بقمُط، ومُضْجعاً في مِذود" (2 : 8_20).
وفي تعاليم السيّد المسيح، يركّز إنجيل لوقا على محبة الله للفقراء أو الوضعاء وقساوته تجاه الأغنياء والمترفّعين. فبينما في التطويبات يتكلّم متّى في إنجيله عن "الفقراء بالروح، وعن الجياع والعطاش إلى البّر" (5 : 3، 6)، نسمع السيّد المسيح في إنجيل لوقا يخاطب مباشرة مستمعيه الفقراء والجياع والباكين ويعدهم بالتعزية:
"طوبى لكم أيّها الفقراء، فإنّ لكم ملكوت الله،
طوبى لكم أيّها الجياع الآن، فإنّكم ستُشبَعون،
طوبى لكم أيّها الباكون الآن، فإنّكم ستضحكون..."
كما يخاطب أيضاً مباشرة الأغنياء بلهجة قاسية:
"الويل لكم أيّها الأغنياء، فإنّكم قد نلتم عزاءكم،
الويل لكم المشبَعون، فإنّكم ستجوعون،
الويل لكم أيّها الضاحكون الآن، فإنّكم ستنوحون وتبكون" (لو 6 : 20_26).
ويفسّر لوقا دعوة السيّد المسيح إلى الكمال: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كامل" (متى 5 : 48) بدعوة إلى الرحمة: "كونوا رحماء كما أنّ أباكم هو رحيم" (لو 6 : 36).
ونسمع أيضاً السيّد المسيح في إنجيل لوقا يحذّر من الطّمع في مَثَلِ الغنيّ الأحمق (12 : 13_21)، ومن عاقبة قساوة القلب تجاه الفقراء في مثل الغنيّ ولعازر (16 : 19_31)، ومن صعوبة الخلاص لذوي الأموال، ويطلب التخلّي عن الممتلكات في هذا الزمان (18 : 18_30). ويعطي درساً في التواضع والخدمة المجانيّة (14 : 7_14 ؛ 17 : 7_10)، ويوصي بالتشبّه بالأولاد لدخول ملكوت الله (18 : 15_17)، كما يؤكّد ضرورة التوبة للجميع، وللأغنياء بنوع خاص (13 : 1_9)، فنسمع زكا لدى توبته يقول: "يا سيّدي، ها أناذا أعطي الفقراء نصف أموال" (19 : 8). فإنّ الله يفرح بعودة الخطاة كما يفرح الراعي عندما يجد خروفه الضال وكما تفرح المرأة الفقيرة عندما تجد درهمها المفقود، وكما يفرح الأب لدى عودة ابنهِ الشّاطر (15 : 1_32).
كذلك نسمع السيّد المسيح في إنجيل لوقا يؤكّد ضرورةَ الصَّلاة، ويقدّم هو نفسه المثل لتلاميذه. ففي تجلّيه على الجبل نراه يصلّي (9 : 28_29)؛ وقبل أن يعلّم تلاميذه الصلاةَ الرّبيّة كان يصلّي (11 : 1_13). وعن ضرورة الصلاة وكيفية القيام بها، نقرأ في إنجيل لوقا مثل القاضي الجائر ومثل الفرّيسيّ والعَشّار (18 : 1_14). وفي هذين المثلين كما في سائر تعاليم السيّد المسيح في الصلاة، يركّز إنجيل لوقا على المحبة والثقة اللتين يجب أن يتميّز بهما تلميذ المسيح في علاقته بالله الآب.
من خلال إنجيل لوقا يتعلّم المسيحيّ أن يكون "حاملَ الآب".
4- إنجيل مرقس
وأخيراً نصل إلى فصل الشتاء، وهو الزمن الذي يعود فيه الإنسان إلى ذاته للتأمّل في كيانه وفي ما يشعر به في جسده من رغبات. ويسأل نفسه كيف يمكنه أن يمسك بزمام نفسه ويحقق أسمى رغباته.
ولمساعدة المسيحيين في الإجابة على هذا السؤال، تعرض عليهم الكنيسة صلواتٍ خاصة وطائفةً من الأصوام والقطاعات وممارسات التوبة. وكذلك تتلو على مسامعهم في هذه الفترة إنجيل مرقس الذي يقدّم لهم حياة السيّد المسيح مثالاً لحياتهم، والطريقة التي حقّق فيها كيانه ورسالته نموذجاً للطريقة التي يبحثون عنها.
فيسوع، في نظر مرقس، هو "المسيحُ ابنُ الله". وهذا ما يؤكّده منذ بداية إنجيله حتى نهايته. ففي الإنجيل يعلن شهادة إيمانه بالمسيح إذ يقول: "بَدْءُ إنجيل يسوع المسيحِ ابنِ الله" (1 : 1). وفي نهاية الإنجيل يعلن الشهادة نفسَها، باسم البشرية جمعاء، قائدُ المئة الواقف بإزاء الصليب، الذي "لمّا رأى يسوع يُسلم الروح هكذا، قال: في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (15 : 39).
ويبيّن مرقس، على مدى فصول إنجيله، الجهدَ الذي بذله السيّد لينقل الشعب من نظرة ماديّة للمسيح إلى نظرة روحيّة. فقد كان الشعب ينتظر مسيحاً دنيوياً وملكاً زمنياً، ولن يفهم رسالة المسيح على حقيقتها إلاّ من بعد آلام السيّد وقيامته.
والكنيسة، إذ تتلو على مسامع المؤمنين إنجيل مرقس، تهدف إلى إدخالهم تدريجياً سرّ شخص المسيح ليفهموا رسالته الحقيقيّة ويتمثّلوا بها. يتميّز إنجيل مرقس "بالسرّ الماسِيَوي"، الذي يعني أنّ السيّد المسيح كان يطلب من معظم الذين كان يصنع معهم العجائب ألاّ يقولوا لأحد عنه شيئاً، وذلك لئلاّ يُساء فهم رسالته وتُعزَى إليه مآرب سياسيّة (راجع مثلاً 5 : 43 ؛ 7 : 36 ؛ 8 : 30).
وله السبب عينه نرى يسوع يفضّل لذاته لقبَ "ابنِ البشر" على لقب "المسيح". ولقبُ "ابن البشر" او "ابن الإنسان" يتضمّن بُعدين: بعداً إلهيّاً وبعداً إنسانياً. فحسب نبوءة دانيال، ابنُ البشر هو كائن سماوي "يأتي على سحاب السماء" أي من لدن الله، ويؤتيه الله "سلطاناً ومجداً وملكاً" (راجع دا 7 : 13_14). ولكنّ هذا الكائن السماوي هو أيضاً إنسان كسائر الناس، عاش على الأرض كما يعيش جميع البشر. ويبيّن مرقس في إنجيله كيف عاش يسوع على الأرض حياة البشر وحقّق في تلك الحياة رسالته السماوية.
يوماً بعد يوم يتعمّق المسيحيون في معرفة شخص السيّد المسيح، ابنِ الله وابن الإنسان، فيدركون أوّلاً أنّ ابن البشر يتمتّع على الأرض بسلطة الله نفسه. "فما من أحد يقدر أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده" (مر 2 : 7)؛ "وابنُ البشر له على الرض سلطان مغفرة الخطايا" (2 : 10). والله هو الذي وضع شريعةَ السّبت؛ "وابن البشر هو ربّ السبت أيضاً" (2 : 28). والله هو الذي خلق الرياح والبحار، وعندما هدّأ السيّد المسيح العاصفة في البحر، "استولى على التلاميذ ذعر شديد؛ وطفقوا يقولون في ما بينهم: من هو هذا فتطيعه الريح والبحر" (4 : 41).
ثمّ يدرك المسيحيون أنّ ابن البشر هذا، الذي له على الأرض سلطة الله نفسه، سيقدّم ذاته على الصليب لفداء العالم:
"وأخذ يعلّمهم أنّه ينبغي لابن البشر أن يتألّم كثيراً،
وأن ينتبذه الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة،
وأن يُقتَل ويقوم بعد ثلاثة أيام" (مر 8 : 31).
"فإنّ ابن البشر لم يأتِ ليُخدَم، بل ليَخدُم،
ويبذل نفسه فداء عن الكثيرين" (10 : 35_45).
في آلام ابن البشر وموته وقيامته، يدرك المسيحيّون أنّ الله ليس إله السيطرة والتسلّط، بل إله المحبة والتضحية، ويدركون أنّهم بالمحبة والتضحية يحقّقون إنسانيتهم ويحقّقون صورة الله التي فيهم. بالمحبة والتضحية يصيرون أبناء البشر وأبناء الله، ويسهمون مع السيّد المسيح، ابن البشر وابن الله، في فداء البشرية وتأليهها.
تلك هي الرسالة التي تدعو الكنيسة المسيحيين إلى أن يحملوها هم أيضاً في أجسادهم كبشر، على مثال السيّد المسيح ابن البشر. هكذا يتعلّم المسيحي كيف يكون "حاملَ الجسد"، بعد أن تعلّم كيف يكون "حاملَ المسيح"، و"حاملَ الروح"، و"حاملَ الآب".
وهكذا تعدّنا الكنيسة إلى استقبال الأسبوع العظيم المقدّس.
5- الأناجيل في الأسبوع العظيم المقدّس
إنّ الأسبوع العظيم المقدّس، أسبوع آلام مخلّصنا وربّنا يسوع المسيح، يبسط أمامنا بصورة مهيبة عمل فدائنا بكامله. لذلك في احتفالات هذا الأسبوع والصلوات التي تقام يه، تتشابك نصوص الأناجيل الأربعة في روايات مسهبة لسرْد الأحداث الأخيرة من حياة المخلّص وسيرة آلامه وموته. فالحدث عينه يمكن أن نبدأ سرده انطلاقاً من نصّ إنجيل متّى، ثمّ نتابع روايته بحسب نصّ مرقس ولوقا، وقد ننتهي بمقطع أخير مستقى من إنجيل يوحنّا. وعلى عكس ذلك، يمكن البدء برواية للحدَث عينه انطلاقاً من نصّ يوحنّا ثمّ يُتابع سردُ الحدث بحسب لوقا ومرقس لينتهي بمقطع من متّى. فالتناغم تامّ بين الأناجيل الأربعة التي تشهد كلّها معاً لحقيقة واحدة هي حقيقة فدائنا، من خلال وصف حيّ للمسيرة التي قام بها الله مع بشريتنا ليبلغ بها إلى مجد الانتصار الأخير في القيامة.
ثمّ إنّ صلوات الأسبوع العظيم المقدّس تفسح في المجال واسعاً لأسفار العهد القديم التي نجد فيها تهيئة للأناجيل وتبشيراً بها، فتُقرأ منها مختارات طويلة تُظهر أنّ آمال البشرية برُمَّتها قد تحققت في شخص السيّد المسيح وحياته وآلامه وموته وقيامته. فالمسيح هو محور القلب البشريّ وكمال أشواقه وتطلّعاته.
6- يوم الأحد "يوم الرب"
في هذه الدورة الطقسيّة، يحتل يوم الأحد محلاًّ خاصّاً. فهو "يوم الربّ"، أي يوم المسيح الرب القائم من بين الأموات. كان العهد القديم يقدّس يوم السبت ويخصّصه للرب. "لأنّ الرب في ستة أيّام خلق السماوات والرض والبحر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح، ولذلك بارك الربُّ يومَ السّبت وقدّسه" (خر 20 : 10_11). أمّا في العهد الجديد، فنخصّص للرب يومَ الأحد لأنّه ذكرى قيامة المسيح. فالخليقة الأولى توقّفت يوم السبت، أمّا الخليقة الجديدة فقد بدأت يوم الأحد بقيامة المسيح. إنّ أيّام الآحاد على مدار السنة مفعمة بحضور القيامة. لذلك تخصّصها الكنيسة لذكرى المسيح القائم من بين الأموات، الذي منحنا بقيامته حياة جديدة. إنّنا ندخل يوم الأحد كالعريس الذي يدخل الخِدر المزيّن للقاء عروسه.
في الزمنِ الفِصحيّ، يكون الأحدُ بدءَ الأسبوع وأوّلَ أيّامه. فعلى سبيل المثال "الأسبوع الثالث بعد الفصح" يلي "الأحد الثالث بعد الفصح". فيوم الأحد، في هذا الزمن الفصحيّ، يمثّل المسيح الذي يحملنا على منكبيه خلال سائر أيّام الأسبوع. إنّه حياتنا ونورنا وثبات مسيرتنا. إنّه السحابة المنيرة التي كانت تسير أمام شعب الله في العهد القديم لتقوده في الصحراء إلى "أرضِ الميعاد". لذلك خلال الأربعين يوماً من الزمن الفصحي لا نمارس الصيام ولا القطاعة ولا أيّاً من أعمال التوبة، لأنّ المسيح نفسه هو الذي يحملنا.
وبعد صعود الربّ إلى السماء وحلول الروح القدس على التلاميذ، يصير الأحدُ نهايةَ الأسبوع واليومَ الأخير منه. "فالأحد الثالث بعد العنصرة"، مثلاً، يلي "الأسبوع الثالث بعد العنصرة". ففي هذه الفترة، يغدو الأسبوع مسسيرة للقاء المسيح القائم والاستراحة فيه. ففي أيّام الأسبوع الستة الأولى يمكننا أن نسقط ونتوب ونبكي ونصوم، غير أنّنا نترقّب أن نجد راحتنا وخلاصنا في لقاء الربّ في الأحد الآتي. إذّاك نفرح ونعيّد لمن هو فرحنا وعيدنا، للمسيح الذي يقيمنا من سقطاتنا، ويغفر لنا آثامنا، ويعيدنا إلى الحياة.
إنّ النور الذي يشرق يوم الأحد يختلف عن النور الذي يأتينا من الشمس أو من القمر أو من النجوم. في هذا يروي التقليد الشعبي أنّه لمّا خطئ آدم وفقد الفردوس، أخبأ الله نورَ الفردوس وحفظه للسماء. ولكن لمّا قام المسيح، وصار يوم الأحد يوم لقاء المسيح، أطلق الله من جديد هذا النور، لينير وجهُ المسيح القائم كلَّ وجه بشري، بحيث يصير كلّ وجه يستنير بنور المسيح مشرقاً بالبهاء.
وللاحتفال بيوم الأحد، وضعت الكنيسة البيزنطيّة، كتاباً خاصّاً، يدعى الأُكطوئيخوس، أي كتاب الألحان الثمانية، وهو يتضمّن أناشيد خاصّة بيوم الأحد وأخرى خاصة بسائر أيام الأسبوع. في كلّ من الألحان الثمانية المعهودة في الموسيقى البيزنطيّة التي تحتوي مختلف نغمات الموسيقى البشرية. فالكنيسة تحتفل بالقيامة وترنّم لها في كلّ ألحان البشر، وهي ممتلئة غبطة وفرحاً وابتهاجاً. وقد أسهم في وضع هذا الكتاب القدّيس الملكيّ يوحنا الدمشقي في القرن الثامن. وهو أروع ما أنتجه المؤلّفون الروحيّون على مدى العصور من حيث البنيةُ الأدبية واللغة الشعرية والعمقُ اللاهوتي.
إنّ المسيحيين يستخدمون كل ما أوتوا من فنّ وشعر وموسيقى للاحتفال بيوم الربّ ولقاء العريس الذي ينتظرنا ليُجلسنا على مائدته ويكسر لنا خبز الحياة بقلب يفيض حبّاً وسخاء.
7- الإنجيليّون في الإيقونات
إنّ الإيقونات تمثّل الإنجيليّين عادة جالسين أمام منبر يقرأ كلّ منهم أو يخطّ الكلمات الأولى من إنجيله. وقد يبدو إلى جانب كلّ منهم أحد الرموز الأربعة التي وردت في نبوءة حزقيال (حز 1 : 10)، وعاد يوحنّا فذكرها في سفر الرؤيا:
"في وسط العرش، وحول العرش، أربعة حيوانات ممتلئة عيوناً...
فالحيوان الأوّل يشبه الأسد،
والحيوان الثاني يشبه العِجل،
والحيوان الثالث له وجه كوجه إنسان،
والحيوان الرابع يشبه النسر الطائر" (رؤ 4 : 6_7).
لقد أجمع آباء الكنيسة منذ أوغسطينوس وإيرونيموس في القرن الرابع على أنّ تلك الأشكال الأربعة تركز إلى الإنجيليّين الأربعة. فالأسد يرمز إلى مرقس، لأنّه يبدأ إنجيله بكرازة يوحنا المعمدان في البّريّة، حيث تكثر الأسود (مر 1 : 2)؛ والعجل يشير إلى لوقا، لأنّه في مستهلّ إنجيله يروي قصة زخريّا الكاهن في الهيكل حيث تقدّم الذبائح للرب (لو 1 : 8_9)؛ أمّا وجه الإنسان فيرمز إلى متّى لأنّه يبدأ إنجيله بنسَب يسوع بحسب الجسد (متى 1 : 1)؛ وأخيراً يشير النسر الطائر إلى يوحنّا لأنّه يبدا إنجيله بالتحليق في أعالي السماوات ليصف وجود الكلمة لدى الله منذ الأزل.
إنّ إيقونات الإنجيليين منسجمة كلّ الانسجام الواحدة مع الأخرى. وعندما يُرسَمون معاً في لوحة واحدة، فللتعبير عن الإيمان المسيحيّ بأنّهم يتكلّمون جميعاً عن الشخص الواحد عينه، وأنّهم في تناغم تام يعلنون الحقيقة الواحدة التي يوحي بها الروح القدس الواحد.
وجوههم ونظراتهم ممتلئة دفئاً، بحيث لا يستطيع أيّ مؤمن إلاّ أن تجتذبه البشرى التي يعلنونها. والألوان الهادئة التي تتميّز بها إيقوناتهم تُبرز تواضعَهم وسكينتهم وتيّقظهم. وإنّ من ينظر إليهم لا يعتّم أن يتأثّر بهم ويتنبّه لرسالتهم. فكلّهم يتمتّعون بملامح الرجل الحكيم، الواعي لهدفه ومسؤولياته الكبيرة، والأمين كلّ الأمانة للإلهام الذي يتلقّاه من الروح القدس.
وعندما يحملون الإنجيل المقدّس يبدون كأنّهم لا يمسكون به بل يكادون يلمسونه، فهم يعلمون أنّ ما كتبوه ليس كلمتهم الخاصة ولا أقوالهم البشرية، بل قد أُنعم عليهم أن يدوّنوا كلمة الله نفسه ويشهدوا، بمَا أوتوا من حكمة سامية، لظهور الله في الجسد. والهالة الذهبيّة التي تحيط برؤوسهم تدلّ على أنّ الله قد اختارهم وألهمهم كتابةَ الأناجيل المقدّسة.
إنّ إيقونات السيّد المسيح وأحداثَ حياته كما دوّنتها الأناجيل المقدّسة، هي في معظم الأحيان ثابتة في أشكالها، لأنّها تمثّل بالرَّسم ما أوحى به كلمةُ الله وروحهُ القدّوس. وهذا الوحي لا يمكن أن يطرأ عليه أيّ تغيير أو تعديل.
لذلك هناك جاذبيَّة خاصة في إيقونات الإنجيليّين وإيقونات الأحداث التي ترويها الأناجيل. وعلى المؤمن أن يستعين بالعين الباطنة لفهم حقيقة الإنجيل الإلهية والتمتّع بها تمتّعاً كاملاً.
إنّ الأناجيل المقدّسة تدخلنا أعماق حياة السيّد المسيح، نقرأ قصّة الكلمة الذي صار إنساناً، وقصّة تألّهنا نحن البشر، عندما نفتح قلوبنا لتمتلئ من الأقوال الإلهيّة التي نسمعها، ومن الأحداث الخلاصيّة التي نقرأ سيرتها. إنّها حقّاً باب السماء ومفتاح الملكوت.
الفَصْلُ التَّاسِعُ
التَّصَوُّفُ: الطَّرِيقُ المَلكِيَّةُ
1- التصوُّف المسيحي
أ) التألّه هدف الحياة المسيحيّة
قال السيّد المسيح في إنجيل يوحنّا: "أنا الطريق والحق والحياة. لا يأتي أحد إلى الآب إلاّ بي" (يو 14 : 6). إنّ هدف الإنسان الأخير هو الوصول إلى الله والاتّحاد به. لكنّ الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الله بقواه البشريّة. لذلك أرسل الله إلينا ابنَه وكلمتَه الذي صار إنساناً ليجعل من كلّ إنسان ابناً لله يحيا حياة الله. نؤمن نحن المسيحيّين أنّ طريقنا الوحيد إلى الله هو السيّد المسيح الذي فيه نجد الحق والحياة وفيه نحصل على التألّه. التصوّف في المسيحيّة هو التألّه بواسطة يسوع المسيح ابن الله.
إنّ أوّل من يُنسَب إليه التألّه هو السيّد المسيح، لأنّ الطبيعة البشريّة فيه اتّحدت اتّحاداً أقنومياً بشخص كلمة الله. وكذلك يُنسَب التألّه إلى كلّ إنسان يتّحد بالسيّد المسيح. لكن، في حين أنّ السيد المسيح هو ابنُ الله بالطبيعة والجواهر، نحن البشر نصير أبناء الله بالتبنّي. فالتألّه الذي نحصل عليه لا يزيل الفرق بين الخالق والمخلوق. فالله هو الخالق، وهو يملك كلّ الكمالات من ذاته. إنّه فوق كلّ تغيير وكلّ صيرورة. لا شيء يحدّه ولا شيء يحويه. هو الضّابط الكلّ بقدرته والحاوي كلّ شيء في قبضته. أمّا البشر فهم خلائق، أي إنّهم مرتبطون بالله في وجودهم وكيانهم ونموّهم. إلاّ أنّهم باتّحادهم بكلمة الله المتجسّد يصيرون إلهيين، باعتمادهم باسمِ ابن الله يصيرون أبناء الله. وكما أنّ الطبيعة البشريّة في السيّد المسيح، باتّحادها بأقنوم كلمة الله، امتلأت من الصفات والكمالات الإلهية، كذلك من يتّحد بابن الله وكلمته، ويصير ابناً لله بالتبنّي، يمتلئ من صفات الله وكمالاته. أي إنّ التألّه الذي يحصل عليه، والتبنّي الذي يناله نعمةً من الله، يصيران فيه منبعاً لأعمال إلهيّة ومصدراً لكمالات وفضائل يسعى من خلالها إلى التحلّي بسمات الله والتخلّق بالأخلاق الإلهيّة، على مثال الحديد الذي يوضع في النار فيأخذ صفاتها كالحرارة والاحمرار، دون أن يفقد هُويّتَه أو يغيّر طبيعته.
الحياة المسيحية برمّتها ليست سوى سعي لتحقيق التألّه والتبنّي اللذين يحصل عليهما المسيحيّ في عمق كيانه يوم يلبس المسيحَ في المعموديّة ويغطس في نار الألوهة: "أنتم الذين بالمسيحِ اعتمدتم، المسيحَ قد لبستم" (غلا 3 : 27). ولن يستطيع المسيحيّ أنّ يحقّق حياة التألّه هذه إلاّ من خلال جهود كثيرة وفي مسيرة تدوم العمر كلّه. وهذا ما يهدف إليه الجهاد الروحيّ في التصوّف.
ب) الجهاد الروحيّ
يعيش البشر في الزمن، ولا يمكنهم النموّ في أيّ كمال ما لم يُخضِعوا ذواتهم لجهود كثيرة يقومون بها عبر الزمن في أجسادهم ونفوسهم. الله هو أزليّ، وهو كامل في جوهره. أمّا الإنسان فنموّه في الكمال رهن بجهاد طويل يسعى فيه للبلوغ إلى كمال الله، حسب وصيّة السيّد المسيح: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كامل" (متى 5 : 48).
إن التصوّف المسيحيّ يهدف، عبر مسيرة طويلة من الجهاد الروحيّ، إلى تحقيق كمال الشخصيّة الإنسانيّة، أي إلى الإنسان البالغ في المسيح.
ممارسات الجهاد الروحي
الجهاد الروحي هو الجهاد لتحرير النفس من سيطرة الأهواء التي تستعبدها والأطماع الأنانية التي نعيثفيها الفوضى والفساد. ولن تتمكّن النفس من بلوغ الحرية الكاملة إلاّ من خلال تمارين متنوّعة وتقشّفات وحرمانات متعدّدة. فكما أنّ الرياضيّين يمرّنون أجسادهم للوصول إلى نتائج متفوّقة، وكما أنّ رجال العلم والفن يقضون السّاعات الطوال في تجارب واختبارات مختلفة لإبداعِ روائع فنيّة تبهج القلوبَ واختراعِ أساليب تخدم تطوّر البشريّة، وكما أنّ الزوج والزوجة يبحثان بصبر وتجرّد عمّا يخلق في العائلة جوّاً من الحب والسعادة، كذلك المسيحيّ الذي يريد أن يكوّن في نفسه صورة الله لا بدّ له من أن يُخضِع نفسَه لجهاد طويل ضدّ نزوات النفس.
ركائز الجهاد الروحي
إلاّ أنّ الجهاد الروحيّ لا يمكنه تحقيق أيّ نتيجة ما لم يقم به الإنسان بوعي تام للغاية التي يتوخّاها وبحب عميق للهدف الذي يبغي الوصول إليه. لا يمكن أيّ جهاد وأيّ تقشّف أن يخلقا في الإنسان حبّ العمل الذي يقوم به. فالتمارين اليوميّة مهما طالت لا تستطيع أن تخلق في الموسيقيّ حبَّ الموسيقى، ولا في الراقص حبّ الرقص، ولا في العالِم حبَّ الاكتشاف، ولا في الزوج والزوجة حبّ أحدهما للآخر وحبّ الحياة الزوجية، ولا في الراهب حبّ الحياة على مثاله. بل إنّ حبّ العمل الذي يُقدم عليه الإنسان وحبّ الهدف الذي يسعى إليه يجب أن يسبقا الإقدام على هذا العمل. وهذا الحبّ هو الدّافع الوحيد الذي يمكنه أن يحمل الإنسان على الاضطلاع بالأعمال الصعبة والقيام بالتمارين الشاقّة التي لا بدّ منها لبلوغ الهدف السامي الذي يسعى إليه. الجهاد الروحي، أكان مرتبطاً بالميدان الرياضي أم بالفعل الفنّي أم بالمختَبر العلميّ أم بالمنزل الزوجيّ أم بالحياة الرهبانية، يسند حبَّ الهدف والشغفَ بالكمال، لكنّه لا يمكنه أن يخلقهما؛ إنّه يسهم في جعلهما أكثر أمانة وأشدّ صبراً واحتمالاً.
فالركيزة الأولى التي يُبنى عليها الجهادُ الروحيّ هي محبةُ الهدف. فهي التي تقود الناسكَ إلى القفر لملاقاة الله، والعالمَ إلى مختبره لاكتشاف أسرار الكون، وهي التي تساعد الرياضي والراقص والموسيقي على احتمال ساعات التمرين الطويلة المرهقة، والزوجَ والزوجة على مواجهة مصاعب حياتهما الزوجيّة، والراهبَ المبتدئ على تقبّل مختلف الرياضات الروحية التي تُطلب منه. إنّ محبة الهدف الذي يسعى إليه الإنسان هي التي تحوّل له صعوباتِ الحياة أفراحاً وأعمالَ التقشّف والحرمان وسائلَ للنموّ في الكمال والازدياد في العطاء. لهذا السبب كان رؤوساء الأديار قديماً يمنعون رهبانهم من الصوم وممارسة أعمال التقشّف ما لم يبلغوا درجةً سامية من المحبة لله وللأخرين، وإلاّ صارت تلك الأعمال ثقلاً يصعب عليهم حمله. والقول المأثور في هذا الموضوع هو أنّ "التصوُّفَ يسبق التقشّف". وهذا يعني أنّ من امتلكته محبة الله والقريب يستطيع وحده أن يخضع نفسَه لنظام صارِم وتمارين قاسية، ويحرم ذاته من مختلف المباهج والملذّات. المحبّ وحده يعتبر أوقاتَ التأمّل الطويلة وساعات التمرين المرهِقة ومختلف الحرمانات سُبُلاً لا بدّ من سلوكها لتثبيت المحبة التي فيه وتعميقها وإنمائها.
الركيزةُ الثّانية التي يستند إليها الجهاد الروحيّ هي رجاءُ بلوغ الهدف الذي نسعى إليه.
والجهاد الروحي يسند بدوره الرجاءَ الذي فينا، ويسهم في استمراره فينا وثباته في خضمّ الصعوبات التي تعترض سبيلنا. والرجاء ليس انتظاراً خاملاً، بل هو امتداد للحيويّة التي تملأ جوارح نفوسنا وأجسادنا. الرجاء ليس مجرّد رغبة وهمية، بل هو إرادة صادقة للعمل الدائب لتحقيق كلّ ما يملكه الإنسان في أعماق ذاته من إمكانات ومواهب وصفات.
والركيزةُ الثالثة للتصوّف والجهاد الروحي هي الإيمان بأنّ أيّ كمال يسعى إليه الإنسان في ميدان الروح أو العقل أو الجسد إنّما هو تحقيق للصورة التي وضعها الله في النفس البشريّة وظهور وتجلٍّ لكمالات الله نفسها. إنّ أيّ كمال إنساني هو شعاع من نور الله. وتحقيقه هو تحقيق في الجسد لله الذي لا جسد له. تلك الحقيقة التي آمنت بها المسيحية منذ القرون الأولى وأعلنتها ضدّ البدع والهرطقات، قد استخلصتها من إيمانها بالتجسّد. فكلمة الله قد ظهر في الجسد ليصير كلُّ جسد ظهوراً لله. إنّ ابن الله قد صار ابنَ البشر لصير كلُّ كمال بشري تجلّيّاً لكمالات الله.
تلك الركائز الثلاث مرتبطة بعضها ببعض، إذ إنّ رجاءنا لتحقيق كمالنا الإنساني على صورة الله يستند إلى إيماننا بالتجسّد، والمحبةُ تلهب هذا الرجاءَ وتجعله شعلة دائمة. لقد ردّدت المسيحيّة منذ القرن الثاني مع القدّيس إيريناوس أنّ "مجد الله هو الإنسان الحيّ". والإنسان الحيّ هو الإنسان الممتلئ إيماناً ورجاء ومحبة. الإنسان الحيّ يؤمن بأنّ الله قد أرسل إلى العالم ابنَه وكلمتَه وضياء وجهه ليجعل من كل إنسان ابناً له ينطق بكلمته ويكون في عمله ضياء وجهه. والإنسان الحيّ يرجو أنّ ما جاء ابنُ الله من أجله سيتحقق.
لذلك يعمل لتحقيقه بمحبة وغيرة. الإيمان الثابت والرجاء الوطيد والمحبة المندفعة، تلك هي الركائز التي يستند إليها الإنسان ليثبُتَ في جهاده الروحيّ ويحوّل المصاعب التي تعترضه في تحقيق هدفه إلى سبل يرتقي من خلالها إلى أسمى درجات الكمال.
ج) الزهد في النفس ونكران الذات
في تلك النظرة فقط يمكننا فهم قول السيّد المسيح: "من أراد أن يتبعي، فلينكر نفسَه (وبترجمة أخرى، فليزهد في نفسه)، وليحمل صليبه، ويتبعني. من أراد أن يخلّص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها. وماذا ينفع الإنسانَ أن يربح العالَم كلّه، إذا خسر نفسه؟" (متى 16 : 24_26).
"من أراد أن يتبعني فليزهد في نفسه". إنّ الدافع إلى الزهد في النفس هو الرغبة في اتّباع السيّد المسيح وسلوك النهج الذي نهجه، وهو نهج المحبة والعطاء حتى الموت، موت الصّليب. إنّ نكران الذات لا يعني تدميرَ الذات وقتلَ الأنا، بل تجاوزُ الذات وانفتاحُ الأنا على الله وعلى الآخرين. لذلك من أراد أن يخلّص نفسه بالانزواء على ذاته واستغلال الآخرين لأجل مصلحته الفرديّة، أضاع نفسه، لأنّه انفصل عن الله الذي خُلق لأجله وعن الآخرين الذين لا يكتمل إلاّ معهم. قد يربح العالم، ولكنّه، بانفصاله عن الله وعن القريب، يخسر نفسه. هذا هو الصليب الذي يطلب السيّد المسيح من كل من يريد أن يكون له تلميذاً أن يحمله. فالصليب هو خروج الإنسان من ذاته ومن أنانيته ليعيش في العطاء والتضحية على مثال السيّد المسيح. الصليب هو الحياة على مستوى الله. الفراشة لا تصير فراشةً ما لم تكسر الشَّرنقةَ المحيطة بها. لا بدّ لها من أن تفقد جزءاً هامّاً منها لتكتسب رونقها وبهاءها. كذلك لا بدّ للإنسان من أن يخرج من الأنا الضيّق الذي يغلقه على ذاته، مهما كان هذا الأنا عزيزاً على قلبه، إذّاك ينبعث منه بهاء الله في ملئه.
د) الإنسان البالغ في المسيح
عندما يتغلّب الإنسان على الأنا الذي يستبعده ويتحرّر من سيطرة الأهواء التي تتصارع فيه، إذّاك يحقّق في ذاته صورةَ المسيح، وينعكس وجه الله في مرآة نفسه، ويشعّ نوره الإلهيّ في كل جَنبات كيانه. عندئذ تتآلف فيه قوى النفس ويملأ السلامُ حواسَّه، وينتصب إنساناً بالغاً في المسيح في وجه القوى التي تسعى لهلاكه. إنّ التصوّف المسيحيّ يهدف إلى تحقيق صورة صورة السيّد المسيح في الإنسان.
يقول القدّيس غريغوريوسُ النيّصي إنّ القداسة ليست سوى عطش إلى الله لا يرتوي. لأجل ذلك لا تستطيع النفس البشرية أن تجد راحتها إلاّ في حقيقة الله التي لا حدّ لها.
الكنيسة تطوّب القدّيسين، وتقرأ سِيَرهم على مسامع المؤمنين، لأنّها ترى فيهم شعاعاً من نور الله وقداسته. الأكاديميّات العلميّة والمنظّمات الفنّية والرياضيّة تطوّب أيضاً أبطالها وتكّرمهم بمكافآت وجوائز متنوّعة لأنّهم أحسنوا إلى البشرية وقرّبوها من الكمال والمطلق.
الله هو الكمال بالذات. هو الحقيقة، وهو الجمال، وهو الحبّ، وهو القداسة. وكلّ إنسان يسعى إلى الحقيقة والمعرفة والجمال والحبّ والقداسة، إنّما يسعى إلى الله نفسه.
2- التصوّف الأخلاقي
إلى جانب التصوّف المسيحيّ الذي يستند إلى التجسّد، هناك تصوّف أخلاقيّ دعا إليه الفلاسفة اليونانيّون الأقدمون ابتداء من زينون في القرن السادس وديوجين في القرن الخامس قبل المسيح، وسواهم من دعاة الحكمة الذين لُقّبوا بالسّفسطائيّين. وكان مبدأهم الساسي أنّ كمال الإنسان يتحقّق له عندما تصل نفسه إلى الحريّة الباطنة التي تقوم على اللامبالاة إزاء أيّ متعة فردية كانت أم جماعية والتحرّر منها. فاللامبالاة والتحرّر يتيحان للنفس ألاّ تتاثّر بظروف العالم الخارجيّ المتقلّبة. لذا اعتُبرت كل متعة حسّيّة أو فكريّة أو علميّة استعباداً وانحطاطاً، ووجب اجتناب كلّ لذة تأتي من الأكل والشرب والعلم ومختلف أنواع الرفاهيّة، وبنوع خاص من معاشرة النساء. هذا التقشّف الأخلاقي مارسه الفلاسفة ومعلّمو الآداب وجعلوه محور تعليمهم.
وفي القرن الثاني بعد المسيح، أوجز الغنوصيّون مجمل تعاليم التصوّف الأخلاقي في ما دعوه الأختامَ الثلاثة: "ختم الفم" ضدّ الطعام والشراب، و"ختم الجسد" ضد الرفاهيّة، و"ختم الحشا" ضد أي علاقة جنسيّة. أمّا ازدراء النساء فناتج من نظرة أتت من الفلسفة الشرقيّة، ترى في الجسد شرّاً، وتعتبر تالياً المرأة شرّاً لأنّها هي التي تلد أجساد البشر. وقد تبنّى الفلاسفة اليونانيّون والرومانيّون، ولا سيَّمَا أتباع المدرستين الكلبيّة والرواقيّة، تلك النظرة في تفكيرهم وممارستهم وأشاعوها في تعليمهم، وكان لهم تأثير كبير في بعض الجماعات اليهوديّة والوثنية. وقد تبعتهم فرقة الإسيّنيّين اليهودية، ووضعت للمنتمين إليها قواعد سلوك صارمة، تَظهر من خلالها غيرة كبيرة واندفاع وبطولة. وقد عاش الإسيّنيّيون في عزلة عن العالم وكره شديد له معتبرينه شرّاً يجب اجتنابه.
واتّسعت هذه النظرة المعادية للجسد والعالم في القرنين الثاني والثالث في بعض طبقات المجتمع الروماني واليوناني، وأثّرت في معتقد الكنيسة وروحانيّة آبائها.
في أيّام الرسل وفي القرن الأوّل للمسيحيّة، كنتَ تشاهد في مختلف أنحاء الامبراطورية الرومانية يهوداً ووثنيين من أتباع المدرسة الكلبيّة، مرتدين ثياباً خشنة، وحاملين أكياسَ متسوّلين وعصاواتٍ من شوك، يجولون من مدينة إلى مدينة مردّدين على مسامع الشعب أخلاقياتهم الهزيلة. والتهب بعض المسيحيين غيرة واندفاعاً لهذا النوع من الفضائل والأخلاق.
وعندما انطلق الرسل للتّبشير بالإنجيل، راحوا يتجوّلون بشكل مماثل متحرّر من كلّ الأمور الدنيويّة. وكانوا يكرزون بنكران الذات لأجل الملكوت. إلاّ أنّ البعض لم يميّزوا بين كرازة الرُّسل التجرّدَ عن العالم في سبيل الملكوت وتعليم أولئك الفلاسفة رذلَ العالم عن كره له. وهكذا أُغفل في المسيحية لفترة من الزمن التعليم الناجم عن التجسّد والذي يطلب أن يتمّ انسجام كامل بين المادّة والروح.
وفي موضوع الزواج، قَبِل الرسل والمسيحيّون الأوّلون العزوبة، وكرّسوا البتوليّةَ نمطَ حياة، وحبّذوها لسببين: السَبب الأوّل هو التحرّر في سبيل التبشير بالملكوت، والسبب الثاني هو توقّعهم نهايةً قريبة للعالم. وقد أوضح ذلك بولس الرسول في رسائله الأولى، مؤكّداً أنّه من الأفضل ألاّ يرتبك الإنسان بامرأة وأولاد، لئلاّ تعيقه الاهتمامات بشؤون العالم عن الإعداد لاستقبال الربّ، فيقول: "إنّ الزمن قصير، فبقي إذن أن يكون الذين لهم نساء كأنّهم بلا نساء... لأنّ هيئة هذا العالم في زوال" (1 كو 7 : 29_31).
ثمّ إنّ المحيط اليوناني والروماني الذي نشأت فيه المسيحيّة كان مشبعاً بالممارسات الوثنيّة. وكانت التقاليد المستوحاة من العقليّة الوثنية والمتأثّرة بالفلسفة الشرقيّة تفرض شرائع متعددة "للطهارة الطقسيّة"، ومنها أنّه لا يجوز للكاهن الاقتراب من الهيكل لممارسة طقوس العبادة ما لم يكن قد امتنع الليلة السابقة عن ملذّات فينوس إلهة الحب. وقد تبنّت المسيحيّة في القرون الأولى هذه الشريعة، لا سيّما أنّ الهيكل الذي يقترب إليه الكاهن فيها أسمى وأقدس بكثير من الهيكل الوثني.
واتّخذت هذه الشريعة أهمّية كبرى في محيط الفلسفة الرواقية التي كانت تركّز على أهميّة العقل والوعي لدى الإنسان. فالعلاقات الجنسيّة كانت تدعى "الشَّلل الصغير"، لأنّها تحرم الإنسان من كامل وعيه، وهي بالتالي غير منسجمة مع العقل. وتأثّرت المسيحية بهذا التفكير، فكان القدّيس إيرونيموس يقول "إنّ كلّ علاقة جنسية هي عملٌ نجس". وانتشرت الطهارة الطقسية في كلتا الكنيستين الشرقية والغربية، غير أنّها اتّخذت منحىً متميّزاً في الغرب عندما أعلن المجمع اللاتراني الثاني سنة 1139 قانون عزوبة الكهنة، محرّماً الكهنوتَ على الرجال المتزوّجين.
3- التصوّف في الإنجيل المقدّس
يقدّم إنجيل ربّنا يسوع المسيح تعليماً مناقضاً لتعليم الفلاسفة اليونانيين وللذهنيّة الشرقية. ويبدو هذا التناقض جليّاً إذا قارنّا موقف السيّد المسيح وموقف يوحنّا المعمدان الذي يمثّل العهد القديم وأفضل ما أفرزته الفلسفة اليونانية في عصره. لقد كان يوحنّا المعمدان متزهّداً متصوّفاً وفق التقليد اليهودي الإسّيني. أمّا السيّد المسيح فلم يكن كذلك.
عاش يوحنّا المعمدان في القفر بعيداً عن الجموع والمدن المأهولة، "وكان لباسه من وبر الإبل، وعلى حَقويه مِنطقة من جِلْد، وكان طعامه الجراد وعسل البّر" (متى 3 : 4). وكان هو وتلاميذه يصومون كثيراً (مر 2 : 18) ويمتنعون عن الزواج وعن معاشرة النساء.
أمّا السيّد المسيح فلم يفرض في الإنجيل المقدّس أيّ شريعة حول المأكل والمشرب، بل قال "ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو ينجّس الإنسان" (متى 15 : 11). ولم يعش في القفر، ولم يلجأ إلى العزلة إلاّ في بعض الأوقات من أجل التأمّل والصّلاة، كان يأكل ويشرب مع العشّارين والخطأة، ويقبل دعوة الفرّيسيين والأغنياء. كما أنّه لم يعتبر المرأة شرّاً يجب اجتنابه، بل رأى في الزواج أمراً مقدّساً مرتبطاً بإرادة الله منذ البدء: "أما قرأتم أنّ الخالق، من البدء، خلقهما ذكراً وأنثى، وأنّه قال: لذلك يترك الرجلُ أباه وأمه ويلزم امرأته، ويصيران كلاهما جسداً واحداً؟ ومن ثمّ، فليسا هما اثنين بعد، بل جسد واحد. وإذن، فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان" (متى 19 : 4_6). وعندما كان السيّد المسيح "يجول في المدن والقرى يعظ ويبشّر بملكوت الله، كان معه الاثنا عشر وبضع نساء كنّ قد برئن من أرواح شرّيرة وأمراض، وهنّ مريم التي تدعى المجدليّة، التي خرج منها سبعة شياطين، وحنّة امرأة كوزى قيّم هيرودس، وسوسنّة، وأُخَر سواهنّ كنّ يبذلن من أموالهنّ في خدمته" (لو 8 : 1_3). لقد كانت علاقة السيّد المسيح مع مختلف فئات الشعب، من فرّيسيين وعشّارين وخطأة، من رجال ونساء، متّسمة بالشفافية والصّدق والحريّة.
كان السيّد المسيح مثالَ الإنسان الذي لا حاجة له للتقشّف لأنّه كان إنساناً كاملاً وحرّاً. إنّ التباين الذي لحظناه بينه وبين يوحنّا المعمدان ملفت للانتباه ولكنّه تباين في نَمط الحياة وليس في جوهر الموقف. فلقد كان السيّد المسيح متحرراً من كل قيد زمني، وأوصى تلاميذه بأنّ من أراد أن يدخل الملكوت ويحيا وفق حياة أبناء الملكوت، لا بدّ له من التحرّر من كلّ قيد يأسره. يجب على تلميذ المسيح أن يمتنع عن كلّ ما يعوق دفق الحياة الإلهية من أن تملأ كيان الإنسان. "إذ لا يستطيع أحد يكون عبداً لسيّدين. فإنّه إمّا أن يبغض الواحد ويحبّ الآخر، أو يلزم الواحد ويرذل الآخر. لا تقدرون أن تكونوا عبيداً لله وللمال" (متّى 6 : 24).
إنّ رجال العلم الذين، طمعاً بالمال أو بالجاه، يخونون السعي النبيل إلى الحقيقة، ورجال الفن الذين يخونون فنّهم للغرض نفسه، والرياضيّين الذين يخونون أجسادهم من أجل انتصار مؤقّت، والمحبّين الذين يخونون لمنفعة ماديّة، وطالبي القداسة الذين يخونون القداسة لأجل الشهرة والصيت، كل هؤلاء يفضّلون عبادة المال على عبادة الله.
إنّ كلّ ما يبعدنا عن الله وكلّ ما يستعبدنا وكلّ ما يلهي قلبنا عن الحبّ الحقيقيّ يجب، حسب قول السيّد المسيح، رفضه ونبذه. فلقد دعانا إلى الحريّة الحقيقيّة والمحبّة الكاملة. أن نكون له تلاميذ يعني أن نكون متحرّرين وأن نحبّ: "إن كان أحد يأتي إليّ، ولا يبغض أباه وأمّه وامرأته، وبنيه وإخوته وأخواته، بل نفسه أيضاً، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذاً" (لو 14 : 26_27). السيّد المسيح معلّم متطلّب، لأنّه يريدنا أقوياء وأسياداً وأحراراً. يوصينا بأن "نبغض" أي بأن نرفض أيّ شيء أو أيّ شخص يستعبدنا ويريدنا دون ما نستطيع أن نكون، ويصدّنا عن تحقيق حرّية كياننا كتلاميذ له.
4- التصوّف في الحياة الرهبانيّة
أ) الحياة النسكيّة
الناسك هو الذي يعيش وحده بعيداً عن العالم والمجتمع، ويقضي وقته في التأمّل والصلاة ومُناجاة الله. وقد بدأت الحياة النسكية في صحاري مصر وفلسطين. وكان الدافع إليها محبّة السيّد المسيح والرغبة في نهج متطلّبات الإنجيل، والتجرّد المطلق عن مباهج العالم في سبيل الملكوت، والسعي إلى تحقيق القداسة بالصلاة والصمت والابتعاد عن العالم الفاسد.
وعندما شنّ الامبراطور داكيوس سنة 250 الاضطهاد على المسيحيّين، راح ينفيهم إلى الصحاري والجبال والأماكن المنعزلة. واكتشف هؤلاء المنفيّون في عزلة النفي الجوَّ الملائم للصلاة وممارسة العبادات الدينيّة دون أيّ عقبة، وبقوا في القفار والجبال، ونشأت معهم الحياة النُسكيّة. وقد ازدهرت تلك الحياة مع القدّيس أنطونيوس الكبير الذي عاش في قفار مصر في القرنين الثالث والرابع (251_356)، واقتفى آثارَه الكثيرون من النسّاك في مصر وليبيا وفلسطين وسوريا والعربيّة، وكتب القدّيس أثناسيوس سيرته التي اشتهرت بواسطتها الحياة النسكية في العالم المسيحيّ كلّه.
إلى جانب الاضطهاد هناك سبب آخر يبدو أكثر تأثيراً في نشأة الحياة النسكية وازدهارها. فإنّه، عندما منح الامبراطور قسطنطين الكبير في القرن الرابع الحريّة للدين المسيحيّ، انتقل كثيرون من الوثنية إلى المسيحيّة، ووجدوا أنفسهم وقد احتلّوا مراكز مرموقة في الحضارة الرومانيّة. فللمرّة الأولى في تاريخ المسيحية صار من الممكن بل من المحبّذ أن يكون المرء مسيحياً. فتسرّب الفتور إلى القلوب، وتقلّصت في النفوس الرغبة في القيَمِ العُليا، وتراخت الأخلاق ودخلت الممارساتُ الوثنية الكنيسةَ ووجدت بين أعضائها مؤيّدين. ولمقاومة هذا التراخي لم يجد المسيحيون الأتقياء والملتهبون غيرة للمحافظة على القيم المسيحية سبيلاً إلاّ الهرب إلى القفز بعيداً عن فساد المجتمع والعالم.
ففي القرون الثلاثة الأولى، عندما كان المسيحيون يقاسون شتّى أنواع الاضطهاد، كانوا يتوقون إلى الاستشهاد لأجل المسيح. ولكن، بعد أن أصبحوا أحراراً وأصحابَ نفوذ في المجتمع الروماني، حلّ في قلوب الكثيرين، عوضاً عن رغبة الاستشهاد، التَّوقُ إلى الأخلاق الشديدة التي كان يبشّر بها الرواقيّون والسفسطائيّون والمانويّون وسواهم، فمارسوا الفضائل بقسوة وغيرة وفاقوا في تلك الممارسة من سبقهم من الوثنيّين. وانتشر النسك في القرن الرابع وصار حركةً شعبيّة واسعة خلبت عقول المثقّفين والبسطاء على السواء. وانطلق المسيحيّون إلى القفار والجبال بالألوف. ودعي روّاد الحركة النسكية ومنظّموها "آباءَ القَفْر". أمّا نمط حياتهم فتحوّل تدريجياً من التوحّد التام إلى مجموعات من النسّاك يعيشون قريبين بعضهم من بعض يرشدهم أحد المتقدّمين في الحياة النسكية. ثمّ تأسّست الأديار لتضمّ النسّاك في شبه حياة جماعيّة يخضع فيها الجميع لإرادة "راعٍ" أو "أنبا" في ما يتعلّق ببعض الصلوات، وتُترك لهم الحريّة في ما يتعلّق بالأعمال والأصوام وسائر ممارسات التقشّف.
لقد توصّل الكثيرون من النسّاك إلى القداسة التي سعوا إليها، وقضوا حياة مثاليّة في الزهد والتجرّد والمحبة. إلاّ أنّ البعض منهم مال إلى المغالاة، فكنت ترى نسّاكاً يعيشون سنوات كثيرة على رأس عمود، وغيرهم اعتبروا المادّة والجسد البشري شرّاً، فحاولوا قتل حواسّهم وعذّبوا أجسادهم بقسوة لا مثيل لها. وكلّما اكتشفوا عجزهم عن السيطرة على الغرائز التي فيهم ازدادوا قسوة وحرماناً. لكنّ هذه الفترة لم تدم طويلاً.
ب) تنظيم الحياة الرهبانيّة في الشرق: القدّيس باسيليوس
لإصلاح الحياة الرهبانية وتنظيمها، كان لا بدّ من شخص متّزن، متعمّق في معرفة الإنجيل المقدّس وفي معرفة النفس البشريّة. وكان هذا الشخص القدّيس باسيليوس أسقف قَيْصريّة كباذوكيا (329_379)، الذي رأى مع أخته القدّيسة مكرينا أنّ جماعةً من المسيحيين الأتقياء العائشين في العفّة ويربطهم بعضهم ببعض نظام شديد، يخدمون الله أفضل من نسّاك عائشين في القفر. وبدأت مكرينا بتأسيس دير نسائي سنة 358. ثمّ حذا حذوها باسيليوس، بعد أن جال في مصر وفسطين وسوريا وما بين النّهرين وزار أديرة النسّاك، فأنشأ جماعةً رهبانيّة للرجال. ووضع لهذين الديرين قواعد تتضمّن المبادئ والتنظيمات العملية للحياة والصلاة والعمل ضمن الدير في ما دعي في ما بعد "قانون القدّيس باسيليوس". والفكرة الأساسية التي استند إليها هي أنّ الدير الرهبانيّ لا يجب أن يكون فقط جماعة يعيش فيها كلّ فرد لخير المجموعة، بل أيضاً جماعة يخضع فيها كلّ عضو لسلطة رئيس في إطار محدّد. ومع القدّيس باسيليوس وَجدت الفضائل الثّلاث، الفقر والعفّة والطاعة، صيغَتها الأولى. وفي ما بعد تبنّت المسيحية في كلّ مكان تلك النذور الثلاثة التي صارت ركائز الحياة الرهبانية. وبفضل ما كان يتحلّى به القدّيس باسيليوس من قداسة وسعة علم وفصاحة في الكتابة والخطابة، انتشرت آراؤه وقوانينه في الحياة الرهبانيّة في مختلف الأديار والبلدان، وتحوّلت جماعات النسّاك إلى جماعات رهبانيّة يعيش فيها الرهبان في حياة مشتركة يربطهم بعضهم ببعض قانون واحد ينظّم كل دقائق حياتهم الرهبانية التصوّفية.
وكان لهذا التنظيم أثر كبير في تطوّر العلم في الأديار الرهبانية. ففي البدء، بتأثير من السفسطائيّة اليونانيّة، وبسبب نمط الحياة النسكية، ازدرى النسّاك العلم والفلسفة ومختلف أنواع النشاط الفكري، معتبرين إيّاها أموراً دنيويّة لا تمتّ بصلة إلى السيّد المسيح ولا إلى الإنجيل المقدّس. ولكن، مع تنظيم الحياة الرهبانية في حياة مشتركة داخل أديرة تخضع لقانون واحد ولإدارة رئيس واحد، اقتنع الرهبان بضرورة العلم، وصاروا روّاد المعرفة في مجتمعهم، وأُنقذت بفضلهم الثقافة اليونانية والثقافة الرومانية من السقوط في الانحطاط والنسيان. وقد أنتجت الأديار الرهبانية في القرن الرابع أعظم الفلاسفة واللاهوتيين وأعظم آباء الكنيسة.
ج) تنظيم الحياة الرهبانية في الغرب: القدّيس بندكتوس
انتقلت الحياة النسكيّة من الشرق إلى الغرب، وتأثّرت الأديار الغربية بقانون القدّيس باسيليوس. إلاّ أنّه يعود للقدّيس بندكتوس (480_547) تنظيمُ الحياة الرهبانية في الغرب. فصار على يده الدير الرهبانيّ "مدرسةً للعبادة الإلهية"، والتزم الرهبانُ "الثّباتَ في ديرهم"، خاضعين لسلطة رئيس ينتخبونه لمدى الحياة. وتحدّدت بدقة العلاقات بين الرهبان داخل الدير ومع العالم الخارجي وانتظمت، وتوزّعت حياة الدير بين أوقات للصلاة وأوقات للعمل وأوقات لمطالعة الكتاب المقدّس. وصار الرهبان في الكنيسة الغربية أكثر تأثيراً في إدارة كنيستهم. واكتسبوا إلى ذلك سلطة زمنية كبيرة بفضل علمهم وثقافتهم، وتمكّنوا من الدفاع عن المدنيّة والحضارة في وجه هجمات البرابرة. ولزمن طويل كانوا المؤهّلين الوحيدين لصياغة شرائع الكنيسة والدولة.
وكان بيدهم أيضاً تثقيف ضمائر المسيحيين وإرشادها، وتطوير العلوم الدينيّة والمدنية. ففي الصلاة والتأمّل، نمت عقول كبيرة ومهارات فنّية، وتطوّرت طرق علمية جديدة، وتمّ اكتشاف مناهج فكرية جديدة في العلوم والفنون. وصارت مناهجهم أساساً لكل العلوم الماصرة والفلسفات والأبحاث الاجتماعية والتقنيات وسائر المعارف.
د) القيمة الروحيّة للحياة الرهبانية
إنّ من يدخل الأديار الرهبانية لا يدخلها هرباً من العالم أو عن كره له، بل محبة به ورغبة في إنمائه. فالرهبان، بابتعادهم عن العالم، يسعون إلى إنقاذه من الهستيريا التي يتخبّط فيها ومساعدته على إدراك القيم العليا التي يجب أن يسير بموجبها. العزلة الحقيقية تسعى إلى خلق إنسانٍ جديد بل تدخل في شركة عميقة مع مُجمل العالم البشري والعالم المادي.
يصير المسيحيّون رهباناً لأنّ ناراً تلهبهم بحيث لا يستطيعون الاكتفاء بحياة اعتياديّة كسائر الناس ضمن حدودِ عائلةٍ من بضعة أشخاص. بل يتطلّعون إلى ملء الحياة، فيعيشون مع الله منفتحين على أسمى القيم متأهّبين لخدمة أكبر عدد ممكن من الناس. وفيهم يصحّ قول السيّد المسيح: "كلّ من ترك بيوتاً، أو إخوة، أو أخوات، أو أباً، أو أمّاً، أو بنين، أو حقولاً من أجلِ اسمي، يأخذ مئةَ ضعف، ويرث الحياة الأبديّة" (متى 19 : 29).
ليس الدافع إلى ابتعاد الرهبان عن العالم وامتناعهم عن الزواج التنكّر لقيم العالم واحتقار الجسد والزواج والعائلة. وليس القصد من حياة التصوّف التي يسعون إليها الكبت والحرمان وتعذيب الجسد. إنّ ما يدفع الرهبان إلى الابتعاد عن العالم، وما يبغونه من امتناعهم عن الزواج والعائلة، هو الوصولُ مباشرة إلى الله للاتحاد به، ومن خلاله خدمةُ جميع الناس وتحقيق أسمى ما في العالم والزواج والعائلة من قيم أزليّة. ومكافأتهم السعادة الروحية الدائمة التي تتخطى المتعة الجسدية العابرة. إنّهم في الجسد يعيشون حياةَ الملكوت السماويّ، حياة "القيامة، حيث لا يزوّجون ولا يتزوّجون، إنّما يكونون كملائكة في السماء" (متى 22 : 30).
لقد كانت الأديار الرهبانية في الشرق والغرب مَناراتٍ للمحبّة المتجرّدة والعطاء السخيّ وأعمال الخير والصلاح، على الرغم من بعض الانحرافات والأخطاء الناجمة عن الضعف البشري الذي لا يزال الراهب متلبّساً به ما دام عائشاً في الجسد. إنّ النُذورات الرهبانيّة الثلاثة، الفقر والعفّة والطاعة، هي التزامات روحيّة تشمل الجسد والنفس، والفكر والقلب، يضطلع بها الراهب بالانسجام مع تطّلبات الإنجيل، ويسعى مدى حياته كلّها إلى تحقيق ما تقتضيه من كمال.
ذلك هو التصوّف في أحد تعابيره الأكثر تألّقاً وتطلّباً. فالرهبان يحاولون الوصول إلى "حقائق على مستوى الله"، ويُدركون أنّ تلك الحقائق يمكنها أن تخدم البشريّة في جميع المناسبات، شرط أن يضطلع بها المرءُ باتّضاع وتمييز وسخاء، بقيادة الصلاة والروح القدس.
5- التصوّف في الزواج
إلى جانب التصوّف الرهبانيّ، هناك تصوّف من نوع آخر لا يدور الحديث عنه كثيراً ولكنّه نصيبُ معظمِ الناس، وهو تصوّف الزواج المسيحيّ. يتمّ زواجٌ مسيحيّ عندما يقف شاب وفتاة وجهاً لوجه ويقول الشاب للفتاة: "أريد أن أجد طريقي إلى محبة الله برفقتكِ وليس بمفردي. تعالي معي؛ خذي بيدي، ولنوحّد قوانا ونظراتنا، ولنتعاون معاً للوصول إلى إلهِنا". والقول نفسه تقوله الفتاة للشاب.
لا بدّ للزوجين المسيحيّين، على مِثال الرهبان، من التخلّي عن كلّ أنانية. لذلك عليهما أيضاً ممارسة الفقر والعفّة والطاعة، وإن على طريقتهما الخاصّة. عليهما أوّلاً أن يقرّرا ما هو كافٍ لهما ولعائلتهما من الخيرات الماديّة، وهما يعيشان في مجتمع لا هدفَ له سوى اكتسابِ أكبر قدْرٍ ممكن من الممتلكات الماديّة. وعليهما أيضاً أن يمارسا العفّة في الزواج ليس بالامتناع عن الحب الجنسيّ، بل بتنظيم ذلك الحب وتوجيهه نحو اكتمال كلّ منهما ومشاركةِ الله في استمرار الحياة على الأرض. وعليهما أخيراً أن يتعلّما الطاعة، فيسعى كلّ منهما إلى تحقيق رغبات الآخر وأمنياته فيما ينموان معاً ليصيرا جسداً واحداً.
6- التصوّف في الليتورجيّا: الصّوم والقطاعة
أ) هدف الصوم والقطاعة
التصوّف من خلال الصوم والقطاعة ليس اختراعَ المسيحيّة ولا هو حَكْر عليها. إنّه أمر مشترك بين مختلف الأديان، وأقصدُ منه المحافظةُ على صحّة الجسد وإنماء النشاط الفكريّ والمساعدة على التأمّل والصلاة. نحن المسيحيين نصوم تأكيداً لحريتنا إزاء الأنا الذي يدفعنا إلى اعتبار ذواتنا محورَ كلّ شيء. إنّ انقطاعنا بملء اختيارنا عن تواتر رغباتنا الأساسيّة واللذة التي نجدها في الطعام والشراب والعلاقات الجسديّة هو واسطة لإنماءِ السّكينة في داخلنا والصفاء في ذهننا ليسهُلَ علينا التقرّبُ إلى الله والتأمّل في كمالاته وفي ما يطلبه منّا لنصير على مثاله. الأصوام والقطاعات تفقد هدفها إن مارسها المسيحيّ عن ضغط وإكراه، أو كانت له سببَ كبتٍ وتشنُّج. بل يجب أن تكون له وسيلةً لاختبار روحيّ يقوده إلى اتحادٍ بالله أعمق.
الفقر والعفّة والطاعة هي للرهاب طريق الضعيف في مواجهة قوّة الغريزة. فالصوم، أي الجوع الاختياريّ، كالعفّة والطاعة، أمر يرتبط بالروح والجسد في الوقت عينه، به يسيطر الإنسان على غريزة أساسيّة فيه، ويحدّ من جموح جسده ونفسه. الجوع والعفّة والطاعة إن فُرضت تقود إلى المرارة والحقد واليأس. ولكن، إن اختارها الإنسان وقبِلَها بملء حريّته، تساعده على معرفة ذاته ومعرفة حاجاته وإمكاناته وحدوده، كما تحمله على أن يرى في آلام المعذّبين والمحرومين العطفَ والمحبة آلامَه الخاصّة. الصوم والقطاعة يجعلاننا أكثر قرباً من الأخ والأخت الجائعين والمحتاجين إلى حنانٍ بشريّ. المسيحيون يعلمون أنّهم أعضاء في عائلة الله الواحدة مدعوون إلى مساندةِ بعضهم البعض وبناءِ أسرة تسير نحوَ الفردوس.
والصوم والقطاعة هما بنوع خاص للمسيحيّ تهيئةٌ ضروريّة للاحتفال بملاقاة الله، كما هما ضروريان للفنّان لتهيئة حفلة خاصة. عندما يكون غذاء المرءِ الصّمت والسَّكينة والسلام يصير متيقّظاً لله، ويصير الله جزءاً من جسده. في الصمت والعفّة، في الطاعة والسكينة، لا تعود تلتهمنا عجلة المهامّ المتعدّدة، ويسهل على قوانا أن تخضع لعمل الروح القدس. إذّاك تزول منّا المرارة ونصير أكثر استعداداً لأن نتفهّم قريبنا ونقبله، ويسهل على قريبنا أن يتفهَّمنا ويقبلنا. يقول يوحنّا الذَّهبيّ الفم في معرض حديثه عن معنى الصّوم في المسيحيّة:
الصومُ علاج. وهو ككلّ علاج مفيدٌ جداً لمن يعرف أن يستعمله. إلاّ أنّه يصير دون فائدة بل مضرّاً في يدي من لا يجيد استعماله. لا أقول هذا للحطّ من قيمة الصوم، بل لتأكيد أهميّته. فإنّ تقدير الصوم لا يقوم في الامتناع عن الطعام بل في التوقّف عن أعمال الخطيئة. ومن يقتصر صومه على الامتناع عن الطعام فهو الذي لا يقدّر الصوم حقَّ قدْره.
"أتصوم؟ إذن قدّم لي برهانَ ذلك بأعمالك. وإليك أمثلة على أعمال الصوم: إن رأيت فقيراً تحنّنْ عليه. إن كان لك عدو تصالحْ معه. إن شاهدت صديقاً يزداد كرامةً لا تحسدْه... لتُصمْ يداك بالترفّع عن السرقة والبخل... لتصمْ رجلاك... لتصمْ عيناك... لتصم أذناك بالامتناع عن سماع أقوال الشرّ والنميمة والافتراء... وليصم فمك عن كلام السخرية والشّتيمة.
إذ ما يفيدنا أن نمتنع عن أكل اللحم والسمك إن كنّا نعضّ وننهش أخانا وأختنا؟ إنّ من يتكلّم بالسوء يأكل لحم أخيه وأخته، وينهش جسد قريبه. إنّك لم تُدخل أسنانك في لحمه، ولكنّك أدخلت افتراءاتك في نفسه وسبّبت له جراحَ الظنّ بالسّوء، وأسأت بألف طريقةٍ لنفسك وله ولكثيرين آخرين، إذ إنّك، بكلام الافتراء، تزيد من يسمعك سوءاً، لأنّه إن كان شرّيراً يزداد شرّاً عندما يجد شريكاً له في الشر، وإن كان صدّيقاً تحمله رؤية خطايا غيره على الانفتاح كِبْراً وعلى اعتبار نفسه فوق قَدْرها؛ وعلاوة على ذلك فإنّك تسيء إلى الكنيسة نفسها، لأنّ من يسمعك لا يتّهم فقط من تقول عنه إنّه خاطئ بل الجماعة المسيحيّة بمجملها".
ب) أوقات الصوم والقطاعة
أوقات الصوم والقطاعة مقسّمة على مدار السنة الطقسيّة لفصول السنة، وأهمّها زمنُ الصوم الكبير وزمن صومِ الميلاد. ففي نهاية الشتاء وأوّل الربيع وضعت الكنيسة الصوم الكبير الذي يدوم أربعين يوماً يستعدّ فيها المسيحيون لعيد الفصح المجيد، عيد قيامة السيّد المسيح التي منها نبع الفرح والرّجاء والخلاص للعالم. وفي نهاية الخريف وضعت صوماً آخر يدوم أيضاً أربعين يوماً إعداداً لميلاد السيّد المسيح الذي نقلنا من الظلمة إلى النور. وفي الصيف أيضاً هناك صومٌ يدوم خمسة عشر يوماً إعداداً لعيد انتقال العذراء مريم إلى السماء. فكما أنّ السيّد المسيح دخل العالم البشريّ بجسده البشريّ بالتجسّد ودخل عالم السماء في جسده الممجّد بالقيامة والصّعود، هكذا أيضاً مريم العذراء التي أعطت السيّد المسيح جسداً بشرياً، انتقلت إلى السماء بعد موتها في جسدها الممجَّد. فعيد انتقال العذراء هو يومُ تمجيدٍ للبشريّة، ولا سيّما للعنصر الأُنثويّ فيها، ولذلك تستعدّ الكنيسة له بالصوم والقطاعة. تلك هي أهمّ الأصوام، وتضيف إليها بعضُ الكنائس صومَ الرسل تهيئةً لعيد الرسولين بطرس وبولس في 29 حزيران، وصومَ الصليب تهيئةً لعيد الصليب الواقع في 14 أيلول.
7- خلاصة
إنّ تصوّف الجسد والنفس يحمل السلامَ والبهاء للفنّان في مَشغله، والثباتَ للرياضيّ في ميدانه، والصبرَ والرجاء للعالِم في مُختبره، ونشوةَ الحب للرجل والمرأة في اتّحادهما الزوجيّ، وملءَ المحبة للراهب والراهبة في عزلتهما. إنّ تصوّف الجسد والنفس يلهم الموسيقيّين والفنّانين، ويقوّي الرياضيّين، ويثبّت العلماء، ويُرشد الأزواج ويسند الرهبان والراهبات في عطائهم وتجرّدهم، ويولّد عند الجميع رؤيا من الروعة والبهاء تتجدّد دوماً.
المتصوّفون هم في تيقّظ دائم للاستماع إلى صوت الله واكتشاف حاجات الآخرين، وشعارُهم هو: "أخي وأختي هما حياتي وفرحي". وهتاف النّصر وملء السعادة يوجزه بولس الرسول في القول الآتي: "إني حيّ، ولكنّي لست أنا الحيّ بعدُ، بل هو المسيحُ يحيا فيّ!" (غلا 2 : 20).
الفَصْلُ العَاشِرُ
المَلَكُوتُ
إنّ إعلان مجيء الملكوت هو كِرازة السيّد المسيح وموجَز بشارةِ الإنجيل. فنقرأ في الفصل الأوّل من إنجيل مرقس: "بعدما ألقي يوحنّا في السجن ، أتى يسوعُ إلى الجليل ، وهو يكرز بإنجيل اللّه، ويقول: لقد تمّ الزمان، واقترب ملكوت اللّه: فتوبوا، وآمنوا بالإنجيل" (مر 1 : 14_15) .
ماذا يعني "ملكوتُ الله"؟ كيف يدخله الإنسان؟ وما هي متطلّبات حياة أبناء الملكوت؟
1- رؤية السيّد المسيح: الملكوت هو حياة الله في العالم
ملكوت الله هو، في نظر السيّد المسيح ، حياةُ الله نفسه التي أتت إلى العالم في شخصه، وظهرت في ما قام به من أعمال، حسب قوله للفرّيسيّين: "إن كنتُ أنا بروح الله أُخرج الشياطين، فذلك أنّ ملكوت الله قد انتهى إليكم" (متّى 12 : 28) .
السّيد المسيح هو ابنُ الله الذي أرسله الله إلى العالم ليمنح العالم الحياةَ والخلاص .
"فلقد أحبّ الله العالمَ حتى إنّه بذل ابنَه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة. فإنّ الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم" (يو 3 : 16_17). فالملكوت هو السيّد المسيح نفسه، من اتّحد به دخل الملكوت، وعاش حياةَ الله. وهذا الاتحاد بالسيّد المسيح يتمّ عن طريق الولادة الجديدة، حسب قول السيّد المسيح لنيقودموس: "الحقَّ الحقَّ أقول لك: ليس أحد يقدر أن يعاين ملكوت الله ما لم يولد من فوق... ليس أحد يقدر أن يدخل ملكوت السّماوات، ما لم يولد من الماء والروح. فالمولود من الجسد إنّما هو جسد، والمولود من الروح إنّما هو روح" (يو 3 : 3_6). أن يكون الإنسان في الملكوت يعني أن يتّحد بالله الثالوث ويشاركه في حياته الإلهيّة. وهذا ما ترّده الكنيسة في رتبة المعموديّة، إذ تقول: "إنّنا لسنا بعد أبناء الجسد، بل أبناء الملكوت".
تلك الحياة الإلهيّة يرسلها الله إلينا في حركة تجسّدٍ دائمة، وذلك بروحه القدّوس الساكن فينا والذي به نحيا ونتنفّس، وبالمسيح القائم من بين الأموات الذي هو فرحنا ومجدنا ونورنا. لذلك لا حاجة لنا، يقول الربّ، لأن ننظر حولنا لعلّنا نلاقي الملكوت، أو ننتظر من يقول لنا: إنّه هنا، أو إنّه هناك: "إنّ ملكوت الله لا يجيء بوجه منظور، ولن يقال: إنّه هنا، أو إنّه هناك. إنّ ملكوتَ الله هو في داخلكم" (لو 17 : 20_21).
إنّ ملكوت الله، أي حياة الله فينا، هو حقيقة ثابتة، وإن لم يظهر في الخارج بشكل منظور. وهذا ما يوضحه السيّد المسيح في أمثال الملكوت. فيشبّه الملكوتَ بحبّة الخردل "التي هي أصغر البذور جميعاً، بيد أنّها إذا نمت، تصير أكبر البقول جميعاً، ثمّ تصبح شجرةً حتى إنّ طيور السماء تأتي وتعشّش في أغصانها" (متى 13 : 32). البزرة صغيرة، إلاّ أنّ قوّتها على النموّ كامنة فيها بشكل خفيّ. ويشبّه أيضاً الملكوت "بخميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال من الدَّقيق، حتى اختمر الجميع" (متى 13 : 33). وكذلك يشبّهه "بكنز مدفون في حقل. فالإنسان الذي وجده أخفاه، ومن فرحه مضى وباع كلّ ما له واشترى ذلك الحقل". ويشبّهه أيضاً "بتاجر يطلب لآلئَ حسنة. فلمّا وجد لؤلؤة نفيسة، مضى وباع كلّ ما كان له واشتراها" (متى 13 : 44_46).
تُبيّن هذه الأمثال أنّ ملكوتَ الله حاضرٌ بيننا، وإن بشكل وضيع خفيّ. والسيّد المسيح يدعونا إلى دخوله لمشاركة الله في حياته. ويوضح لنا جمال تلك الدّعوة، وروعة تلك الحياة، مؤكّداً أنّها لا تتضمّن أيَّ ضغط أو إكراه. لا شكّ أنّ التجرّد والتضحية ضروريان لمن يريد دخول الملكوت، لأنّه لا يمكن الإنسان أن يحيا حياة الله ما لم يتخلّ أوّلاً عن أنانيّته. وهذا ما تعنيه الولادةُ الجديدة بالروح. إلاّ أنّ التضحية والتجرّد والتخلّي عن الأنانية يلتزمها الإنسانُ بملء رضاه، بعد أن يدرك أنّ الملكوت جدير بأن يضحّيَ المرءُ بكل ما لديه لدخوله. فمن وجد الملكوتَ كأنّه وجد كنزاً مدفوناً في حقل، لذلك من تلقاء نفسه يمضي ويبيع كلَّ ما له ويشتري ذلك الحقل؛ من وجد الملكوت كأنّه وجد لؤلؤة ثمينة كان يبحث عنها. لقد وجد هدفَ حياته، والأمرَ الذي يجلب له السعادة. لذلك يتخلّى عن كلّ شيء لشراء تلك اللؤلؤة.
لقد أوصانا السيّد المسيح أن نتوق إلى الملكوت ونسعى إليه. لذلك في الصلاة الربيَّةعلّمنا أن نصلّي: "ليأتِ ملكوتُك!". باتّحادنا بالمسيح ندخل الملكوت. إلاّ أنّ حياتنا كلّها هي سعي لتحقيق الملكوت فينا وفي العالم أجمع تحقيقاً كاملاً، بحيث تملأ حياةُ الله كلَّ جوارح كياننا وكلّ أعمالنا، وتشمل البشريّة بأسرها.
2- رؤية المسيحي
المسيحيّ هو من يَقبل رؤية المسيح هذه، ويتخلّى عن حياة الأنانيّة ليلتزم حياة الله، حياة المحبة والتضحية والعطاء. وبمّا أنّ الملكوت ليس خارج الإنسان بل في عمق قلبه، يدرك المسيحي أنّه ليس من طريق آخر لدخول الملكوت إلاّ طريق السَّكينة والصلاة. ففيهما يتّحد المسيحيّ بالله ويحيا في الألفة معه، وينكشف له وحيه. الملكوت، في الرؤية المسيحيّة، هو الحياة الإلهيّة التي يُشركنا فيها الله، فتصير فينا كالخميرة في العجين وكحبة الخردل في الأرض. والصلاة تعيدنا إلى عمق ذاتنا حيث نجد الله وينكشف لنا جمال الدعوة الإلهيّة التي دعانا إليها. "ها أناذا أتملّقها وآتي بها إلى البّريّة، وأخاطب قلبها"، يقول الربّ في نبؤة هوشع (2 : 14) عن النفس التي يريد أن يكسب حبَّها. فالقلب هو محور الكائن البشريّ، فيه تنتصب شجرة الحياة، وفيه يُغرَس الملكوت، وفيه يتمّ الاتّحاد بين الإنسان والله: "ها أناذا واقفٌ على الباب، وأَقرع. فإن سمع أحد صوتي، وفتح الباب، أدخل إليه، فأتعشّى معه، وهو معي" (رؤ 3 : 20).
3- كرامة الإنسان
كلّ إنسان مدعوّ إلى دخول الملكوت ومشاركة الله في حياته. لقد أكّد السيّد المسيح في تعليمه وفي أعماله قيمةَ الشخص البشريّ، معلناً أنّ الإنسان من أصلٍ إلهيّ، وأنّه مرتبط بالله ارتباطَ الابن بأبيه، وعلّمنا أن ندعو الله "أبانا". لا نجد في تعليم السيّد المسيح بحثاً نظرياً في "الكرامة الإنسانيّة" وفي "حقوق الإنسان". ولكنّه أعلن كرامة الإنسان وما ينجم عنها من حقوق بموقفه من كلّ إنسان كان يلتقيه، وأعلنها ضدّ الشرائع القديمة، وفي ظروف دقيقة يقف إزاءها معظمُ المفكّرين والفلاسفة حَيارى.
فالمرأة الزّانية التي جاء بها الفرّيسيّون السيّد المسيح طالبين أن تُرجَم بحسَب شريعة موسى، رأى فيها السيّد المسيح إنساناً مخلوقاً على صورة الله ومدعوّاً إلى النهوض من سقطته. والمرأة السامريّة التي التقاها على بئر يعقوب خاطبها باحترام، مع علمه بأعمالها السيّئة، ودعاها إلى الإيمان به. وزكّا العشّار السّارق نزل المسيح إلى بيته ودعاه إلى الخلاص. والسامريّ الصالح قدّره وأثنى على محبته وقدّمه مثالاً لعلاقات الأخوّة والقربى بين البشر، دون أن ينظر إلى الفئة التي ينتمي إليها. لذلك يقول للفرّيسيين: "إنّ كثيرين يأتون من المشرق والمغرب، ويتّكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السّماوات، أمّا أبناء الملكوت فيُلقَون في الظلمة الخارجيّة حيث يكون البكاء وصريف الأسنان" (متى 8 : 11_12). لقد أكرم السيّد المسيح الإنسانَ في جميع أعماله، مؤكّداً أنّ كلّ النظرات التي ننظر بها إلى الإنسان وكلّ الاعتبارات يجب أن تزول حيال النظرة الوحيدة التي تعتبر كلَّ إنسان ابناً لله مخلوقاً على صورته ومدعوّاً إلى أن يحقّق في حياته تلك الصّورةَ الإلهيّة.
إنّ كرامة الإنسان نستخلصها نحن المسيحيّين من عقيدة الخلق وعقيدة التجسّد، إذ نؤمن أنّ الله خلق كلّ الناس من فيض محبته، وأنّه عندما انتهى من خلق الكون وخلق الإنسان، "رأى اللهُ جميعَ ما صنعه، فإذا هو حسن جدّاً" (تك 1 : 31). فأصْلُنا إذن هو إلهيّ. ووضعنا الراهن أيضاً هو إلهيّ. لأنَّ ابنَ الله، بتجسّده، شاركنا في إنسانيّتنا لكي يُشركنا في ألوهيّته. وبقيامته وصعوده إلى السماوات، أصعد معه طبيعتَنا البشريّة، وأجلسها معه إلى يمين الله الآب ممجدّدة مكرّمة.
إنّ إيمان المسيحيّ لا يمكن أن يتزعزع، لأنّه يعلم أنّه، مهمه ساءت الأمور، قد دخل الملكوت مع السيّد المسيح. ويسعى في أن يحيا على هذه الأرض حياة المسيح نفسه، حياة أبناء الملكوت الذين يزهون تحت نظر أبيهمِ السّماوي "كزنابق الحقل"، ويعيشون بحرية "كعصافير السماء". فالسيّد المسيح يريد لنا حياةً بهيّة ملأى بالنور والفرح.
4- الكرامة الإنسانيّة والشرائع
في الملكوت، لا مجالَ بعدُ لأن نضع ثقتنا بالشّرائع والقوانين لتهبَنا الخلاص. في العهد القديم وفي سائر الدّيانات والمناهج الأخلاقيّة، يُقاس البرّ وفق الأمانة للشرائع والقوانين. فالإنسان البارّ هو الإنسان الذي يتبع الشرائع. أمّا في الإنجيل المقدّس، فالبرّ هو نعمة من الله، هو محبة الله التي تُحرّر المستعبَدين وتفكّ قيود الخطأة. لذلك يدعو السيّدُ المسيح إلى دخول الملكوت جميعَ الناس دون استثناء: المرضى والفقراء، الخطأة والمرذولين. في الملكوت فَرَحٌ بخاطئٍ يتوب أكثر ممّا بتسعة وتسعين صدّيقاً يمارسون الشرائع والقوانين ولكنّهم يفتقرون إلى المحبة والتوبة ولا يشعرون بضرورة التقرّب أكثر من الله ومن القريب.
وقد أوضح السيّد المسيح هذا التعليمَ الجديد في عدّة أمثال، منها مثل الفرّيسيّ والعَشّار (لو 18 : 9_14)، ومثل العَمَلةِ المرسلين إلى الكرْم (متى 20 : 1_16). فالفرّيسي الذي راح يفتخر بأنّه يصوم مرّتين في الأسبوع ويؤدّي العُشْر عن كل ما يقتني لم يتبرّر لأنّه احتقر الآخرين. أمّا العشّار فطلب إلى الله أن يغفر له خطاياه، لذلك عاد إلى بيته مبرَّراً. كان اليهود في العهد القديم يظنّون أنّ الله يحكم على الناس بحسب ممارساتهم. أمّا السيّد المسيح فيبيّن أنّه لا يستطيع أيّ إنسان أن يكون بارّاً أمام الله. لذلك ما يريده قبل كلّ شيء من الإنسان هو أن يتوب عن خطيئته ويؤمن أنّ كلَّ ما يستطيع أن يقوم به من أعمال هو نعمة من الله.
وذلك كمثل إنسان أرسل عَمَلةً إلى كرْمه في أوقات مختلفة من النهار من الساعة الأولى حتى الساعة الحادية عشرة. وفي آخر النهار أعطاهم جميعاً الأَجْر نفسه. وإذ تذمّر الأوّلون على ربّ البيت، أجابهم: لقد وافقتموني على دينار، فخذوا مالكم وانصرفوا. إنّي أريد أن أعطي الآخرين مِثلكم. أو ليس لي أن أفعل بمالي ما أريد؟ أم عينكم شرّيرة لأني أنا صالح. في ملكوت الله كل شيء هو نعمة من الله.
وهذ ما يوضحه يوحنّا الذهبيّ الفم في عظة له ليوم الفصح، ترنّمها الكنيسة البزنطيّة منذ أكثر من ألف وخمس مئة سنة في مختلف أنحاء العالم من أنطاكية إلى البوسفور، ومن أوروبا إلى الصين، ومن أفريقيا إلى أمريكا:
"من كان تقيّاً محبّاً لله، فليتمتّعْ بهذا الموسم البهيّ السنيّ. من كان عبداً حكيماً، فليدخل إلى فرح ربّه مسروراً. مَن تَحمّلَ مشقّةَ الصوم، فليَنل الآن الدّينار. من عمل من الساعة الأولى، فليأخذ اليوم أجرته الواجبة. من قَدِم بعد الثالثة، فليعيّدْ شاكراً. من وافى بعد السادسة، فلا يتردّد، فإنّه لا يطاله عقاب. من تخلّف إلى التاسعة، فليتقدّم غيرَ مرتاب. من لم يصل إلاّ في الحادية عشرة، فلا يخشَ من إبطائه. فإنّ السيّد سخيّ يقبل الأخير كالأوّل، يريح عامل الحادية عشرة كعالم الأولى، يرحم الأخير ويكرم الأول، يعطي لذاك ويُنعم على هذا، يقبل الأعمالَ ويرتاح إلى النيّة، يقدّر العمل ويمتدح العزم. أدخلوا إذاً كلّكم فرحَ ربّنا. أيّها الأوّلون والآخرون، تمتّعوا بالجزاء. أيّها الأغنياء والفقراء، اجذَلوا معاً. أيّها الممسِكون والمتوانون، كرّموا هذا النهار. أيّها الذين صاموا والذين لم يصوموا، افرحوا اليوم. المائدة حافلة فتنعّموا كلّكم. العِجل سمين فلا يخرجْ أحد جائعاً. تمتّعوا كلّكم بوليمة الإيمان، تمتّعوا كلّكم بوفرة الصلاح. لا يشكونّ أحد فقراً، فقد ظهر الملكوت المشترك. لا يبكينّ أحد زلاّته، لأنّ الغفران قد أشرق من القبر. لا يخشَ الموتَ أحدٌ، لأنّ موت المخلّص قد حرّرنا. أخمد أنفاسَ الموت حين قبض الموت عليه. سبى الجحيمَ الذي انحدر إلى الجحيم. غاظها لمّا ذاقت جسده".
البرّ والقداسة هما عنصران أساسيّان في الملكوت. ولكنّهما لا يقومان على تتميم الوصايا والشرائع القائمة، بل على الانفتاح على محبة الله وعلى محبة القريب. فالله لا يريد منّا أن نقتصر على تتميم الوصايا والشرائع. ففي الملكوتِ، القلبُ هو المهمّ، وليس التمسّك بالشرائع التي لا هدف لها سوى مساعدتنا على معرفة بعض ما يَحُسن فعله للنموّ في التجرّد والمحبة. ولكنّها ليست إطاراً جامداً يمكننا البقاء في حدوده. فالله يدعونا إلى أن نحبّ على مثاله. ومحبة الله لا حدود لها لا في الزمان ولا في المكان ولا في الأشخاص.
5- حياة الملكوت
حياة الملكوت، بحسب تعليم السيّد المسيح، ليست أمراً من أمور العالم الاخر وحسب، بل هي أوّلاً واقعٌ من وقائع هذا العالم، وهي في متناول أيدي كلّ من يتّحد منذ الآن بالله ويحيا من حياته ويعمل أعماله. كثيرون من المسيحيّين لا يرون في الحياة المسيحية ملءَ الحياة، لأنّهم يريدون تحليل الواقع وبرْمجته والسيطرة عليه. فيقتصرون في خبرتهم الروحيّة على ما يمكنهم إدراكه بعقلهم، فلا يتجاوزون في رؤيتهم ما تقع عليه حواسّهم، ويخفقون تالياً في اختبار ملكوت الله في الزمنِ الحاضر واللحظة الراهنة.
عندما نحتفل نحن المسيحيّين بالأسرار المقدّسة، ولا سيّما بسرّ الإفخارستيا، وعندما نعيّد لتذكارات حياة السيّد المسيح في مختلف الأعياد التي نقيمها، إنّما ندعو إلى سَبْر أعماق الحياة الحاضرة لاكتشاف أبعادها الأزليّة ورؤية ملكوت الله حاضراً فيها. المسيحيّ هو من يحوّل كلَّ لحظة من لحظات حياته إلى لحظةَ يعمل فيها اللهُ من خلاله، ويجعل هكذا ملكوت الله حاضراً فيها. إذّاك يغدو زمنُ حياته كلّها على هذه الأرض زمنَ نعمةٍ وقداسة، إذ يصير زمنَ عملِ الله فيه.
بقدر ما نكون في انسجام وتناغم مع حقيقة الله الحاضرة في العالم، بقدر ذلك نحيا في انسجام وتناغم مع أنفسنا ومع الآخرين ومع الكون بأسره. نحن المسيحيّين نؤكّد صلاح الأشياء كلّها وصلاح الناس كلّهم، لأنّنا على الدوام مرتبطون بمن هو ينبوع كلّ صلاح في الأشياء وفي البشر. إنّنا نعلن الصلاح في الكون، لأنّنا نختبر صلاح الله. مع الله نختبر الحياة كنهر يسقي الأرض ويزيل منها كلّ عائق يمنعها من الوصول إلى كمالها في الله.
المسيحيّون العائشون في الملكوت منفتحون على المحبة لأنّهم يعرفون أنّ هناك علاقةَ محبةٍ بينهم وبين الله، ولا يمكنهم أن يتصوّروا كيف يستطيع الإنسان أن يعيش دون محبة، دون أن يحمل أثقال الآخرين وأحزانهم وأن يسامح ويغفر. وفي نظرهم، كما في نظر المسيح، المحبة والمسامحة لا تعرفان الحدود. ولقد علّمنا السيّد المسيح كيف نحبّ ونغفر، من خلال موقفه من الفقراء والمرضى والمرذولين والمتألّمين والخطأة والزناة والعشّارين، ومن خلال موته على الصليب، إذ مات وهو يغفر لصالبيه. لقد كان للمسيح هذا القدْر من المحبة وتلك القدرة على المغفرة، لأنّه أتى من قلبِ الله، من قلبِ الملكوت حيث الله محبة.
ثمّ إنّ الذين يقيمون في الملكوت هم أعضاء في جماعة. والذين يعيشون في السلام والمحبة مع الآخرين هم مِرآة لإلههم الواحدِ الثّالوث، الآب في الابن بالروح القدس.
ونحن المسيحيّين ننمو ونصير أشخاصاً كاملين عندما يحقق كلٌّ منّا بمفرده ارتباطه بالآخرين في جسد المسيحِ الواحد. نحن لا ننفصل عن العالم، بل نسير بالعالم إلى الله. لقد أجبنا بحريّة على دعوة الله لنا، وكوّنّا جماعة خاصة تًدعى الكنيسة. ومن خلال الكنيسة يحقّق الله تجديد البشري وتجديد الخليقة كلّها. الملكوت هو، في نظر المسيحيّ، حقيقةٌ نبويّة: فالخميرة لا بدّ من أن تخمّر العجينَ كلّه، وحبّة الخردل لا بدّ من أن تصير شجرة كبيرة تأتي طيور السماء وتعشّش في أغصانها.
أبناء الملكوت يخفق قلبهم حناناً وعطفاً على كل كائن بشريّ. إن رأوا أحداً من إخوتهم في ضيق أو شدّة يسعون في التخفيف عنه. إنّهم يصومون ويصلّون، ولكنّهم يعرفون أنّ الصوم والصلاة يقودانهم إلى إخوتهم. لنسمع ما قاله يوماً أحدُ رؤساء الأديار الرهبانيّة لبعض رهبانه الذين كانوا يفتخرون بأنّهم يفوقون غيرهم فضيلةً لكثرة أصوامهم وصلواتهم:
"لا تقولوا لي كم مرّة تصومون، وكم من الصلوات والمزامير تتلون. فهناك أعظم من هذا. هناك للمسيحيّ الحقيقي وصيةُ الإنجيل المقدّس أن نهتمّ بالآخرين. هل فيكم من يتألّم مع المتألّمين؟ هل فيكم من يتفهّم البشريّة المتعبة في الزمن الحاضر؟ هل فيكم من يعمل على تحرير الخاطئ من خطاياه؟ هل فيكم من يمنح السلام لمن هو بحاجة إلى السلام؟ من يساعد جميع الناس على أن يعيشوا في فرح الحياة، شاكرين الله ما أنعم به عليهم، ويبني هكذا جماعةَ الله الحيّ؟ هؤلاء هم تلاميذ المسيح الحقيقيّون، هؤلاء هم أبناءُ الملكوت".
أبناء الملكوت لا يشعرون بالحاجة إلى أن يقارنوا أنفسهم بأيّ شخص آخر. لا يضيّعون وقتهم وجهدهم في محاجّةِ الناس ولا في الدفاع عن آرائهم ضدّ الآراء المعاكسة.
إنّهم ليسوا بصَليبيّين لأنّ قوّتهم ليست قوّة الضّغط والإكراه بل قوّة الشهادة المنبثقة من الله الذي يملأ كيانهم. لا يردّون الناس بالبراهين العقليّة، بل يحملونهم على أن يقوموا على مثالهم باختبار عملِ الروح في حياتهم. لا يندفعون في مواعظ أخلاقيّة تحدّد للناس واجباتهم المفروضة عليهم بل يكشفون الكرامة الحقيقيّة التي ينعم بها كلّ من أقام في الملكوت. ومتى أدرك الإنسان كرامتَه انكشفت له واجباته. إنّ إلهامهم يأتيهم من الله الساكن في أعماق قلوبهم، وما يشعّ إلى الخارج هو السلام والثقة اللذان يغمران نفوسهم.
خلاصة
من يقبل خلاصَ الله الآتي في المسيحِ، الكلمةِ المتجسّد، يدخل الملكوت.
من يتحرّر عقلُه ومخيّلته من قيود الخوف والقلق هو في الملكوت.
من يحيا في فرح العيد الدائم ويُنشد لله في قلبه باستمرارٍ ترانيمَ الشكر والتسبيح هو في الملكوت.
من يكتشف كلّ يوم كرامةَ الحياة ويُسَرّ بتأدية دوره على مسرح العالم هو في الملكوت.
من ينظر إلى ما حوَله بإيمانٍ وثقة ويقوم بأعماله بسكينة وحيويّة هو في الملكوت.
من يعرف أنّ السعادة الحقيقيّة تقوم في أن يحيا الإنسانُ بمحبة كاملة في اللحظة الرّاهنة ولا يقلق بشأن الغدِ هو في الملكوت.
من يسعى في إنماء كلّ قواه البشريّة وتحقيق كامل إنسانيّته هو في الملكوت.
من يدرك أنّه ابنُ الله في المسيح وأنّ روحَ الله مقيمٌ فيه هو في الملكوت.
من يتنبّه لحضور الله في كلّ إنسانٍ هو في الملكوت.
من يعمل ما في وسعه ليصير قريباُ من كلّ إنسان هو في الملكوت.
لملكِنا وإلهنا المجدُ والعزّة والكرامة إلى دهر الدّاهرين. آمين.