لاهوت مسيحي ج1 الله الخالق-الشر والخطيئة-يسوع المسيح

توطئَة

تشهد المسيحية في نهاية هذا القرن العشرين ظاهرتين متناقضتين. فمن جهة وعند فئات كثيرة من الشعب فتور في الممارسات الدينية وابتعاد عن الايمان وإلحاد، ومن جهة أخرى وعند فئات من الشعب لا تقلّ عدداً عن الأولى عودة إلى القيم الروحية ورغبة متزايدة في التعمّق في مختلف أبعاد الايمان والدين.
لقد كان يومٌ ظنّ فيه الانسان أن العلم سيحلّ كل مشكلاته. فتطوِّرَ العلم وبلغ بالانسان ولاسيمَا في البلدان الراقية قمةَ الرفاهية وبحبوحة العيش. إلا أنه لم يتمكّن من مساعدة الانسان على إزالة ما يشعر به في أعماق كيانه من فراغ وضياع.
وكان يومٌ ظنّ فيه الانسان أن مشكلاته ناتجة عن رزوحه تحت نير العبودية والطغيان والاستعمار وان الثورات هي السبيل الوحيد للبلوغ بالبشر الى الحرية والاخوّة والمساواة. فقات الثورات وتبدّلت الحكومات وأُنشئت أنظمة جديدة حاولت ضمان الحريات والحقوق للأفراد والجماعات. إلا أنّ شيئاً لم يتغيّر لا في حياة الانسان الاجتماعية ولا في عمق كيانه. فقد ظلّ في حياته الاجتماعية والسياسية عرضة للتعسّف وكبت الحريات وشتى المظالم، وبقي في أعماق كيانه حائراً ضائعاً غريباً عن ذاته.
فلا بدّ والحالة هذه من إعادة طرح موضوع الايمان والدين بشكل جذري. فالابتعاد عن الايمان ورفض الدين هل هما ابتعاد عن الايمان الحقيقي ورفض للدين الصحيح، أم إنّهما ليسا في الواقع سوى ابتعاد عن إيمان مزيّف ورفض لدين خاطئ؟
ان التحدّيات التي يجابها الدين المسيحي اليوم إن من قبل الفلسفات الملحدة التي ترفض وجود الله، وإن من قبل الأديان الأخرى التي يحسب كل مها ذاته الدين القويم، وإنْ من قبل ما أحرزه العقل البشري في ميادين العلم والتقنية، تحتّم علينا العودة إلى الأسس التي بُني علها إيماننا للتأكد من قوة ثباتها ومدى ملاءمتها للانسان المعاصر.
هذا ما سنحاول تحقيقه في سلسلة من المقالات اللاهوتية نوجز فيها العقيدة المسيحية في مختلف جوانبها وتعاليمها. كثيرون من المسيحيين يجهلون المبادئ الأوليّة للديانة التي وُلدوا فيها، وكثيرون يتساءلون عمّا بقي من الدين المسيحي عقب اكتشافات المذهلة التي شاهدها القرن العشرون في مختلف ميادين العلم والتاريخ والدروس الكتابية.
هدفنا إذاً في هذه المقالات هو هدف مزدوج. فمن جهة عرض شامل، وان بإيجاز واقتضاب، لجميع عقائد الايمان المسيحي، ومن جهة أخرى إظهار ما يتميّز به الايمان المسيحي عن الاديان الأخرى وعن العلم والايديولوجبات المختلفة، ومن ثمّ إبراز موافقة الدين المسيحي للانسان المعاصر في بعده الشخصي وبعده الجماعي.
ولا نقصد من هذه المقالات أن نبرهن عقلياً للملحدين وأتباع الديانات الأخرى انهم على ضلال وأن الديانة المسيحية هي وحدها الديانة الحقيقية. فالبراهين التي تستند إلى العقل لإظهار صحة الدين المسيحي وضلال سائر الديانات لم تعد مقبولة في اللاهوت المعاصر. سيقتصر عملنا إذاً على عرض موضوعي لما نؤمن به نحن المسيحيين وعلى إيضاح الأسباب التي تدفعنا إلى التمسّك بهذا الايمان.
أما التصميم الذي سنتَّبعه فهو تصميم "قانون الايمان" الذي لا يزال المسيحيون يتلونه منذ القرن الرابع معبّرين فيه عن مجمل العقائد التي يؤمنون بها. فنعالج على التوالي:
* الايمان بالله الواحد الآب الضابط الكل.
* الايمان بالله خالق السماء والأرض.
* الايمان بيسوع المسيح ابن الله الوحيد.
* الايمان بالروح القدس والثالوث الأقدس.
* الايمان بالكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية.
* الاعتراف بالمعمودية والأسرار المقدسة.
* رجاء قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي.
سنعالج في هذا الجزء الأول المواضيع الثلاثة الأولى، على أمل معالجة سائر المواضيع في أجزاء لاحقة من هذه السلسلة.
القِسم الأول
لمحة تاريخية، من بدعة آريوس إلى مجمع نيقية

1- البدعة الآريوسية
في بداية القرن الرابع كان يعيش في اسكندرية مصر كاهن فيلسوف ومعلم مقتدر يدعى آريوس. وكان هذا الكاهن الفيلسوف قد أفلح في إشاعة الفكر المسيحي بين عامة الشعب في تعابير ومصطلحات فلسفية. إلاّ أنه في الوقت نفسه أدخل إلى اللاهوت النهج العقلاني الذي كان قد تسرّب إلى مسيحيي الامبراطورية في الشرق والغرب، كما أنه استخدم، في عرض الايمان المسيحي وتفسيره، المناهج الفلسفية اليونانية التي كانت آنذاك قد اجتاحت الأوساط المسيحية وبدأت تنخر قلب الكنيسة.
تخرّج آريوس في مدرسة انطاكية الشهيرة واقتبس من أساليب مؤسّسها لوقيانوس الذي رأى فيه اسكندر أسقف الاسكندرية باعثَ العقلانية الآريوسية. لقد أخذ آريوس عن لوقيانوس، إلا أنه فاق معلمه فصاحة في الجدل واتساعاً في النفوذ. فبتأثير من آريوس ومن مدارس التعليم الديني في انطاكية والاسكندرية، انتشرت المناقشات والمجادلات الفلسفية بين الأساقفة والكهنة وعامة الشعب، وسيطرت على الجميع الرغبة في عرض أسرار الديانة المسيحية عرضاً عقلياً.
ان الغيرة والمحبة لوحي المسيح تحملان المسيحيين على أن "يكونوا دوماً مستعدّين ليجيبوا كل من يسألهم حجّة عن الرجاء الذي فيهم"، حسب قول القديس بطرس الرسول (1 بط 3: 15). لكن بعضاً منهم، من أمثال آريوس، ذهبوا بعيداً في هذا الميدان حتى طغى العقل عندهم على الإيمان. لقد حاولوا أن يفسّروا تفسيراً عقليًّا ما يفوق قدرة العقل البشري، فتقلّص الوحي الإلهي عندهم إلى أفكار بشرية محض. لذلك ضلّوا وتاهوا في الهرطقة.
ان المسيحيين واليهود والمسلمين قد أكّدوا على الدوام وحدانية الله. فاليهودية تعلن: "اسمع يا اسرائيل ان الرب إلهنا هو رب واحد، وإله واحد" (تثنية 6: 4). والاسلام يشهد: "الله أكبر! لا إله إلا الله". والمسيحيون يعترفون: "نؤمن بإله واحد". فالديانات الثلاث تعلِّم إذاً العقيدة نفسها في وحدانية الله. فالله فيها كلها هو واحد، وليس من إله آخر سواه.
إلاّ أن وحدانية الله في الإيمان المسيحي تختلف عما هي عليه في اليهودية والاسلام. فالعقيدة الجوهرية في المسيحية هي الايمان، ليس بوحدانية الله وحسب، بل بوحدة ثلاثة أقانيم في الله. ولما بلغ وحي الثالوث كماله في وعي الكنيسة، حاول المسيحيون تفسير التناقض الظاهر بين تأكيد وحدانية الله والاعتراف بالأقانيم الثلاثة، الآب والابن والروح القدس. وقد كان جلّ اهتمام المسيحيين في بداية القرن الرابع تبيين الانسجام بين الوحدانية والثالوث.
إلا أنه بالاقتصار على استخدام مفاهيم الفلسفة البشرية لم يكن من سبيل منطي يمكّن من القول "إن الله واحد، وفي الوقت نفسه آب وابن وروح قدس"، كما تقول المسيحية. وكان آريوس يقبل المبدأ القائل ان الله واحد في ثلاثة أقانيم، آب وابن وروح قدس، غير أن تفكيره الفلسفي العقلي قاده إلى القول انه، من بين الأقانيم الثلاثة في الله، الآب وحده هو حقاً وجوهرياً إله منذ الأزل، أما الابن فليس إلهاً ولا الروح هو إله. ويزعم آريوس أنه كان وقتٌ وُجد فيه الآب وحده. ويعترف كذلك أن الابن هو "قبل كل الدهور"، ويعتقد أنه أعظم من كل خليقة مادية وغير مادية، لكنه يعتبره خليقة محضاً. "ويضيف انه قد يصحّ القول عن الإبن انه إلهي وفي صورة الآب، ولكن لا يجوز القول انه "من جوهر الآب"؛ فالابن مختلف في جوهره عن الآب، لذلك لم يكن المسيح إلهاً حقاً، بل انه مخلوق ومن صنع الآب. ويتابع آريوس تفسيره بالتأكيد أنه عندما نقوك إن المسيح هو ابن الله، فاننا لا نعتي البنوّة بالمعنى الحقيقي الكياني، بل بالمعنى المجازي الأدبي.
وينتج من ذلك، في رأي آريوس وأتباعه، ان المسيح غير مساوٍ للآب. فهو ليس إلهاً من إله، إنما هو فقط من أصل إلهى. إلا أن كأنه من أصل إلهي يعطيه مركزاً رفيعاً لدى الآب. فهو الوسيط بين الآب والخلائق، وهو أيضاً الوسيط في الخلق. وهو الذي، في لحظة من الأزل، خلق الروح القدس. فكما أن الابن هو صُنْع الآب، كذلك الروح القدس هو صُنْع الابن. تلك بإيجاز تعاليم الآريوسية.
لقد كانت لتلك التعاليم نتائج خطيرة فإنها تهدم كل ما أوحى الله به إلينا عن حياة الثالوث فيه، وتنكر على الجنس البشري التألّه والاتحاد الحقيقي بالله، ولا تعترف للفداء بأي مفعول جذري في الطبيعة البشرية، بل تقرّ فقط بتأثير له أدبي وروحي. وهكذا تناقض الآريوسية مناقضة صريحة الحقائق الجوهرية في الدين المسيحي.
فجوهر الدين المسيحي يقوم على أن المصالحة بين الله والبشر لم تتمّ على يد مرسل من العلاء ولا على يد بنيّ ملهم، بل على يد الكلي القدرة نفسه، صانع الكون والخالق الذي أبدع الأشياء كلها، ما يُرى منها وما لا يُرى. إن فداء البشرية وتألّهها قد حققهما الله نفسه ينبوع الكائنات الأوحد وغير المنقسم.
إن المسيحية تؤمن بأنه ليس في مقدور إنسان أن يعيد إلى البشر صورة الله إلا إذا كان هذا الإنسان إلهاً. الإله المتجسّد يمكنه وحده أن يعيد إلى جنسنا الساقط صورته الالهية الأولى، ويؤلهنا حقاً. لذلك كان لا بدّ من أن يكون المسيح "إلهاً من إله، نوراً من نور، إلهاً حقاً من إله حق"، وبالتالي "مولوداً من الآب وغير مخلوق".
اننا، بسبب حدود عقلنا البشري، نميل إلى تقريب ما هو متسامٍ وإلهي إلى مستوانا البشري ليسهل علينا تحليله وإدركه. انه لأسهل بكثير على عقلنا البشري أن نقول ان الله لم يصبح هو نفسه كائناً بشر،، بل أرسل باسمه إنساناً إلى العالم. كما انه لأسهل بكثير أن نقول اننا لم نؤلّه بل رفعنا إلى درجة أدبية أما.
ان صراع المسيحية في هذا الميدان من الايمان ليس فلسفياً وحسب، بل هو نفسيّ أيضاً. فقد يصعب جداً إقناع البشر بأنهم من أصل إلهي، وبأن كيانهم الراهن هو إلهي، وبأنّ مصيرهم كذلك هو إلهي، كما يعلّم المسيح. لقد اؤتمن الدين المسيحي على الحقيقة القائلة ان الله نفسه أصبح انساناً لنصبح نحن إلهيين ونجلس عن يمين الله الآب. قد تبدو تلك الحقيقة أروع ما يمكن تصديقه. انها رائعة، ولكنها أيضاً واقعة. اننا نخاف من سموّ كياننا. إنّ قصد الله هو الارتقاء بنا إلى مستواه. ولكننا نحن، لوعينا ما نحن عليه من ضعف وعجز، نحاول أن ننزل به إلى مستوانا. لم يستطع آريوس أن يؤمن بقصد الله السامي تأليه الكائنات البشرية، فاختلق إلهاً على صورة البشر .
نشر آريوس وأتباعه أفكارهم في كل مكان بالمناقشات الفلسفية العلنية ولا سيمَا بالترانيم الشعبية، بحيث انه في نهاية القرن الرابع أفاقت الكنيسة المسيحية في الشرق والغرب من كابوس المجادلات الفلسفية وإنشاد الترانيم الهرطوقية لتجد نفسها على شفير الآريوسية.
وكلما كان آريوس وأتباعه يمضون في محاولاتهم تفسير الثالوث الأقدس تفسيراً فلسفياً، كانت الآراء تتشعّب وتزداد الفوضى بين المسيحيين، وتتّسع شقّة الخلاف في جسم الكنيسة. ورأَسَ تلك المجادلات بعض الأساقفة ممّن أُوتوا الفصاحة الفلسفية والبلاغة اللاهوتية، فنشأت كنيسة دعاها مسيحيو الاسكندرية "الكنيسة المتفلسفة". فالكاثوليك والهراطقة والمنشقّون وتلاميذ اثناسيوس وأتباع آريوس وأتباع دوناتيوس، جميع هؤلاء دخلوا في صراع محموم اختلطت فيه الآراء وتباينت المذاهب.
وقد عبّر الكاتب اللاتيني أمانيوس ببضع كلمات عن شعور الشعب المسالم حيال الصراع الشديد الذي أدّى بالمسيحيين إلى المعاداة والاضطهاد بعضهم لبعض، فقال: "ان الوحوش المفترسة لا تظهر عداءها للبشر بقدر ما يظهر المسيحيون بعضهم لبعض الحقد المميت".
على خلاف ذلك كانت الكنيسة في القرنين الثاني والثالث تؤكد على الدوام ضرورة عدم وضع أن حدّ لحرية المعتقد والتسامح. لقد قال ترتوليانوس: "لا يجوز أن ننكر على الانسان ما أنعمت به عليه الطبيعة، أعني الحق في عبادة الله عبادة حرّة"؛ والقول السائد كان: "يجب الدفاع عن الدين لا يقتل الآخرين بل بالموت لأجلهم"، وكذلك: "ليس من أمر كالدين هو قضية الارادة الحرّة"؟ وأما يوحنا الذهبيّ الفم، في العصر الذهبيّ للامبراطورية، فقد كان يردّد باستمرار : "لم يلجأ المسيح إلى القتل بل مات في سبيل الحقيقة". هذا كان موقف المسيح والانجيل من حرية المعتقد، "فالعابدون الحقيقيون يعبدون الآب بالروح والحق" (يو 4: 24).
في حين كانت الآريوسية تمزّق الشرق، كان الانشقاق الدوناتي شمالي أفريقية كالجرح المفتوح فيجسم الكنيسة الغربية، وقد غذّاه التعصّب الأعمى وأنماه الصراع الطبقي والحقد العرقي. وهكذا كانت المسيحية في القرن الرابع تنزف في الامبراطورية الرومانية من جرحين بليغين: العقلانية الآريوسية في الشرق والتعصّب الدوناتي في الغرب.

2- مجمع نيقية
إنّ تفاقم التصلّب في المواقف الدينية واشتداد حدّة الاضطهادات دفعا الامبراطور قسطنطين إلى التدخّل بحزم وشدّة، فدعا إلى مجمع مسكوني يعقد في نيقية في آسية الصغرى، بغية تحديد عقائد الايمان تحديداً جليًّا ووضع حدّ لهذا التصلّب. وتوافد الأساقفة من الشرق والغرب، من الشمال والجنوب، من جميع أطراف الامبراطورية الرومانية الشاسعة، ومن خارجها، من بلاد فارس، والتأموا، بما أُوتوه من عم وقداسة، في نيقية "مدينة النصر".
من 20 أيار حتى 19 حزيران من سنة 325 تناقش الأساقفة عقائد الدين المسيحي. وقد زاد حدّة النقاش ما كانوا عليه من اختلاف في التعابير الفلسفية. إلاّ أن ما صدر عن مداولاتهم تجنّب كل المفاهيم الفلسفية العقلية. وبدل أن يفسّروا طبيعة الله، أنشدوا أنشودة مجد تعظيماً له.
أما اللفظة الفلسفية الوحيدة التي نسبوها إلى المسيح فهي لفظة ، التي تعني "من ذات جوهر" الآب. إلا أن كلمة لم تكن تعني الجوهر في ذلك الوقت. فالافلاطونية الحديثة والغنوصية استعملتاها في القرن الثالث للدلالة على الكائن أو الكائن العاقل أو الشخص. وكانت تستعمل أيضاً للأشياء المادية. فقطعتان من المادة نفسها كانت تطلق عليهما لفظة ، يعني أنهما من كيان واحد.
إلا أنه في المجمع تغيّر فجأة معنى الكلمة، وأُعلم الآباء أن تعني "الجوهر" وليس "الكيان". فإطلاقها على المسيح يعني أن المسيح هو من جوهر الآب ذاته. وقد أحدث تغيير معنى هذه اللفظة بلبلة في الكنيسة كلها. فالأساقفة والفلاسفة الذين لم يحضروا المجمع اغتاظوا لسماعهم أن المجمع قد نسب تلك اللفظة إلى المسيح، وراحوا يتساءلون: من أعطى لفظة معنى "الجوهر" عوضاً عن "كيان"؟ ومن الذي أقرّ أن تعني "الوحدة في الجوهر"، وليس، كما يقول الهراطقة، "الوحدة في الكيان"، أي في الأقنوم؟ فلفظة تعني "كائن". فالشخص هو كائن، كما ان الجوهر كائن. وخافوا من أن ينتقل البعض بسهولة من "وحدة المسيح مع الآب في الجوهر" إلى "وحدته معه في الكيان" أي في الأقنوم، وعندئذٍ يصبح الابن أقنوماً واحداً مع الآب كما كان يقول الهرطوقي سابيليوس.
لقد كان الغرب مهد الهرطقة التي تقول ان في الله أقنوماً واحداً، فوقعت الشبهة على الكنيسة الغربية واتهمت بأنها هي التي نسبت الى المسيح لفظة ، وذلك لإدخال بدعة سابيليوس في الكنيسة الشرقية. ورغم ضآلة عدد ممثّلي الكنيسة الغربية في مجمع نيقية وربما بسبب ضآلة عددهم، اتّهموا بأنهم كانوا من أتباع سابيليوس، لاسيّمَا ان الامبراطور قسطنطين الذي دعا إلى المجمع ورأسه كان هو نفسه غربيًّا وكان يناصرهم. فلهذا السبب ولأسباب أخرى، راح أساقفة الشرق، بعد عودتهم من نيقية إلى كنائسهم، يرفعون إمضاواتهم عن قانون الايمان. وما زاد البلبال قرار أصدره الامبراطور يفرض فيه لفظة بالقوة.
لقد كان مجمع نيقية رومانياً غربيًّا في تنظيمه فقط، أما في روحه فكان له نفحة كتابية شرقية ويهودية، ولقد عبّر عن عقائد الايمان بألفاظ يونانية. إلا أن آباء المجمع لم يقبلوا أن يفرض أي من المفاهيم الفلسفية. وبهذا تميّزت عبقريتهم، بأنهم حموا فوق الفلسفة البشرية وابتعدوا عن جميع المناهج الفلسفية الخاصة، فأعطوا لفظة معنىً مسيحيًّا، بحيث اتخذت كلمة المعنى الجديد التالي: "بما أن الابن هو من جوهر الآب، فالإبن إله كما أن الآب إله. وبالتالي يجب القول إن المسيح هو أي من الجوهر الواحد مع الآب".
القِسم الثَاني
قانون الايمان أنشودة تأليه الانسان

في قانون الايمان أعلن الآباء بوضوح كلّي فكرتين أساسيتين متماسكتين: الفكرة الأولى هي أن الله واحد، آب وابن وروح قدس، خلق الكون كله، ما يرى منه وما لا يرى، وبالتجسّد اتّحد هو نفسه بخليقته، وبصعوده إلى السماء أصعد معه الخليقة وأجلسها على عرش الألوهة. والفكرة الثانية هي أن الجنس البشري قد اشترك اشتركاً حقيقياً في حياة الله ومحبته ومجده الأزلي. قال أحد الشعراء: "لا يقبل وحي إلا إذا كان مخطوطاً بأحرف من نور على كبد الشمس". وقانون إيمان نيقية خطّ الوحي المسيحي أنشودة على كبد شمس الألوهة.

1- التعابير اللاهوتية وخبرة الله
لم يكن قانون إيمان نيقية مجموعة من الصيغ الفكرية الجامدة، بل كان أنشودة مجد. فالمجمع لم يَرُم بالألفاظ والتعابير التي استخدمها احتواء الله وتفسير سرّه اللامتناهي، بل كان مرامه توجيه التفكير اللاهوتي اللاحق. فالتعابير العقلية تعجز عن الاحاطة بالله الحق الذي لا حدّ له ولا نهاية. ولا شيء يسعه الإحاطة به. جلّ ما يمكن التعابير البشرية القيام به هو تقريبنا إلى مَن لن نتمكن أبداً من التعبير عنه، ومساعدتنا على التحاور بعضنا مع بعض. أما أن نعتبرها تحديدات مطلقة فهذا يؤدي بنا إلى التصلّب ويقتل كل حوار وكل انسجام في علاقاتنا. وقد حدث هذا مراراً في تاريخ الكنيسة كما حدث في تاريخ سائر الديانات.
الاستخدام المفرط للفلسفة في الدين ورفض كل تعبير فلسفي كلاهما يقود إلى التصلُّب في الرأي، وعن التصلُّب ينجم التعصُّب والاضطهاد. فالتعابير البشرية عن حقائق الله ليست مطلقة بحيث تقدَّم لها العبادة. إنما هي اشارات استدلال هدفها جعل الحوار ممكناً، فلا يجوز أن تكون السبب في قطع سُبُل الحوار والتناغم. والدين المسيحي هو في جوهره دين الحوار والتناغم.
نحن المسيحيين لا نؤمن بصيغ وتعابير. إيماننا ارتباط بحدث. وهذا الحدث هو شخص حيّ نختبر صداقته ونلتزم محبته. المرحلة الأولى في مسيرة إيماننا هي مرحلة اختبار لشخص نعبّ من بحر حياته، لشخص هو الأقانيم الإلهية الثلاثة. وخبرتنا هذه هي التي نعبّر عنها في كلمات بشرية. فالصيغ نحن نخلقها، والتعابير نحن نصنعها. لذلك فالصيغ والتعابير لا تفي من خبرتنا إلا بالنزر اليسير. خبرة إيماننا هي خبرة حياة في حركة دائمة، هي ريح تعصف بنهجنا دون توقّف. فان اقتصر إيماننا على الصيغ والتعابير، سكنت الريح وأمست خبرتنا في ركود. خبرتنا هي التي تعطي التعابير معناها، ونقيض ذلك انحراف وضلال. والذي نختبره هو شخص الآب الينبوع الحيّ الذي يخلق، وشخص الابن الحياة التي تخلّص وتفتدي، وشخص الروح القدس الشعلة التي تحيي.
قانون إيمان نيقية ليس مجموعة من عقائد. انه بالحري إعلان لحقيقة الله واعتراف بما صنع لنا. انه إعلان لملاقاتنا الأقانيم الالهية التي تؤلّه شخصنا البشري. وهذه الملاقاة لا نعبّر عنها بألفاظ عقلية بل نعلنها كحدث: الله يسعى إلينا ونحن نجد أنفسنا قد تألّهنا بمجد يفوق كل توقّع بشري.
ان حقيقة الله، كما يعبِّر عنها قانون الايمان، ليست صفة مبهمة "كالصلاح" أو "الفضيلة"، ولا فكرة مجرّدة اختلقها العقل البشري "كالطبيعة" أو "المحرّك الأول". والله ليس "العجوز الأعزب" ولا "الفرد المنعزل" الذي "يسكن في أعالي السماء، هناك، بعيداً، في مكانٍ ما"، على ما يظن به الفيلسوفُ الملحد نيتشه إله المسيحيين. الله، في عرفنا، إله شخصي، آب وابن وروح قدس. الشخص وحده يستطيع أن يتكلم ويوحي بنفسه. الشخص هو في جوهره علاقة مع شخص آخر.

2- الله محبة في ثلاثة أقانيم
تعلن المسيحية أن الله محبة. وتلك المحبة ليست فكرة محضاً. انها حقيقة قائمة في شخص حيّ. ولأنها تقوم في شخص، ندعو هذا الشخص "الأقنوم" أي الذي تقوم فيه المحبة. والأقانيم في الله ثلاثة. أي ان المحبة تقوم في الله على ثلاثة أوجه: الحب الذي يعطي وهو أقنوم الآب، والحب الذي يتلقى عطاء الآب وهو أقنوم الابن، والحب الذي يصل الآب بالابن والابن بالآب وهو أقنوم الروح القدس. فالأقنوم الأول ندعوه "الآب" لأنه في ذاته فيض من الحب. والأقنوم الثاني ندعوه "الابن" لأنه يقوم في ذاته على محبة الآب له، لذلك نقول ان الابن "مولود من الآب قبل كل الدهور"، أي ان الله منذ الأزل هو محبة وعطاء. ولا وجود للمحبة إن "لم يكن أقنوم ثانٍ يفيض عليه الآب محبته، وتلك المحبة التي تنبثق من الآب لتفيض على الابن هي الاقنوم الثالث، الروح القدس "المنبثق من الآب".
فالله في المسيحية ليس إلهاً جامداً. انه في ذاته علاقة حب أزلية وحركة عطاء دائمة بين الآب والابن والروح القدس. إله واحد، طبيعة إلهية واحدة، أي محبة واحدة في ثلاثة أقانيم. هذا هو سرّ الأسرار، سرّ حياة الله الباطنة التي لا تستطيع خليقة من الملائكة والبشر أن تدركها أو تفسّرها. لهذا السبب لا نتلو قانون الايمان في ليتورجيا الموعوظين حيث يمكن اللجوء إلى تفسيرات عقلية، بل في قلب الصلاة الافخارستية، في ليتورجيا المؤمنين التي تفرض تخطّي كل تفسير عقلي والدخول في علاقة صميمة مع الله. ولا نتلوه إلا بعد أن تغلق جميع الأبواب في وجه الذين لم يستنيروا بعد بنور الايمان ولم يدخلوا في سرّ الله.
3- الايمان علاقة شخصية مع الله
هذا السرّ لا يدركه إلا الإيمان. "إذ ما من سبيل، بحسب قول القديس مكسيموس، إلى عقد علاقة بين الانسان والله إلا بالإيمان. فالإيمان قوة. انه قوة خاصة توحّد الانسان المؤمن والله الذي به يؤمن توحيداً مباشراً كاملاً يفوق الطبيعة البشرية".
ليس الايمان علاقة عقلية وحسب. فالشياطين أيضاً قد يكون لهم مثل هذا الإيمان (يعقوب 2: 19). إنما الإيمان ارتباط حياتي يطال الشخص البشري بكامله بما يفوق إدراك البشر. لذلك يرى الآباء القديسون أن الإيمان لا يكون إيماناً حقيقياً إلا اذا شمل الشخص كله وحوّله إلى صورة المسيح. هناك عبارة كتابية يردّدها الشرق المسيحي في صلاته: "بنورك نعاين النور". وتعني تلك الصلاة الشعبية اننا بنور الآب -ونور الآب هو الروح القدس- نستطيع أن نرى المسيح النور الحقيقي.
بالإيمان لا يعتنق المسيحي عقيدة مجرّدة، بل يتّحد بأشخاص أحياء، بحضور حقيقي. الإيمان هو جواب الإنسان علىِ دعوة شخصية يكشف له فيها كل من الآب والابن والروح القدس عن ذاته شخصاً حياً وحضوراً محيياً. وجواب المؤمن على تلك الدعوة يقوم بأن يرتمي في أحضان كل من الآب والابن والروح القدس ليغرف من بحر حضور الله كما كشف عن ذاته. والله قد كشف عن ذاته انه آب يرسل الابن للخلاص وبواسطة الابن يمنح الروح للحياة. فالإيمان، في عرفنا نحن المسيحيين، ليس تحليلاً فكرياً، إنما هو دخولنا في حياة الأقانيم الالهية لتتحقق فيها كل ممكنات كياننا.
"أُومن بإله واحد آب ضابط الكل...". عندما يتلو المؤمن قانون الإيمان لا يكتفي بترداد كلمات، بل يغرق في بحر الحياة، في الآب الذي منه يولد الابن وينبثق الروح.
"أُومن برب واحد يسوع المسيح...". أقول هذا وأغرق في بحر الحب، في الابن "الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء... وصار إنساناً".
"أُومن بالروح القدس الرب المحيي...". أقول هذا وأغرق في بحر النور، في الروح الذي فيه يتحقق لي الوجود "لأعبد وأُمجّد الآب والابن".
ان خبرتنا الشخصية لله هي خبرة علاقة "الأنا" و"الأنت" بين الوجود الالهي والوجود البشري. فالله يوحي بذاته ملء الحياة والنور والمحبة، ونحن نقبل وحي الحياة والنور والمحبة. نقبل وحي الحياة وننفتح بكل جوارح ذاتنا على الحياة، فنمتلئ من ملء الحياة، ونقبل وحي المحبة فنصبح دفقاً من محبة، ونقبل وحي النور فنضحي أشعة من نور. وهكذا نتخطى نحن البشر كل حدودنا البشرية وندخل في لانهاية الله ونشترك في أُلوهته.
نحنِ المسيحيين نلجأ إلى أفكار ونصيغ تعابير، لكننا نحتفل بشخص. اننا نعبد ونمجّد شخصاً هو الحدث. والحدث يعني، في التعبير المسيحي، الحقيقة القصوى التي بها يعبّر الشخص عن ذاته في علاقة حياة مع الغير. فالله ليس فكرة بل حدث: انه في صميم ذاته علاقة حياة بين الآب والابن والروح، ومن صميم تلك الحياة، حياة الآب والابن والروح، يتدفق الله في الخلق والتجسّد والفدأء. الحدث هو تلك العلاقة الجوهرية التي تصل الله بخليقته صلة حياة ومحبة. ان جوهر الحقيقة هو حدث. وجوهر الله هو هذا الحدث المزدوج المتكامل: الله في صميم ذاته آب وابن وروح، وفي علاقته بالانسان استمرار وحي ودفق عطاء في الخلق والتجسّد والفداء والقيامة والصعود. يقول القديس غريغوريوس النزينزي: "الله هو استمرار كشف ودوام وحي لذاته، يحرّك دون انقطاع الوجدان البشري وينير ظلماته".
يعلن قانون الإيمان أن ديانتنا ليست مجرد أقوال، بل هي يقين وموقف حياة. لذلك نحن بحاجة إلى سماع قانون الإيمان كل يوم وعدّة مرات في اليوم، صباحاً وظهراً وفي صلاة النوم وفي صلاة الليل. لا غنية لنا عن ترداده مراراً إن أردنا تأكيد وجودنا الديني. لا بدّ من ترنيمه مراراً لنعلن ارتباطنا بالله وتعلّق عقلنا ونفسنا تعلّقاً مطلقاً بمن هو عمق حياتنا، قيل بكياننا إلى مماثلة كيانه. قانون الإيمان هو ترنيمة يجب إنشادها على الدوام، كما يقول اغوسطينوس أسقف ايبونة في شيلي أفريقية: "أُتلُ قانون الإيمان كل يوم، صباحاً ومساءً. أتله لنفسك أو بالحري لله... ردّده دون انقطاع... ألا ترتدي ثوبك كل يوم؟ انك عندما تتلو قانون الإيمان يرتدي قلبك رداء الله".
نحن المسيحيين على يقين من أقانيم الله. لسنا بحاجة إلى براهين عقلية لإثبات يقيننا أو تفسيره. فالله ذات وجودنا وخلاصنا. لا شك في أن المسيحية في العصور السابقة لجأت إلى براهين فلسفية وتفسيرات عقلية لإثبات وجود الله. وقد تجمّعت لديها تلال ضخمة من المفاهيم الفلسفية ومتاحف برمّتها من النظريات اللاهوتية.
ولن تتوقف المسيحية عن السعي لإيجاد طرق عقلية ونفسية وعلميّة تعبّر بها عن خبرة سرّ الله. ولكنها في الوقت نفسه ستتمسك بيقين مطلق بالوحي الذي يعبّر عنه قانون الإيمان، بتلك "الحقيقة المخطوطة على كبد الشمس". عندما تبحث المسيحية عن تعابير فلسفية، لا تعلّق إيمانها ولا ترتاب في يقين ما تؤكّده. انها تتقلّب في مختلف الأفكار القديمة والتعابير المستحدثة بغية استجلاء خبرتها لسرّ الله، ولكن دونما خوف من أن ما سيبلغه العقل قد يناقض إيمانها.

4- قانون الايمان سمفونية بحركتين
إن أردنا تحليل قانون الإيمان وجدنا انه سمفونية بحركتين. الحركة الأولى هي حركة انحدار تبسط سرّ حياة الله الباطنة، حياة الآب والابن والروح القدس، وتصف تدفّق هذه الحياة في الخلق والتجسّد والفداء والقيامة والصعود. انها "رحمة سلام" كما نرنّم في الليتورجيا البيزنطية. أما الحركة الثانية فهي حركة ارتقاء، "ذبيحة تسبيح"، عودة الانسان والكون إلى الله. في الحركة الأولى نعترف بأن كل شيء يأتي من الله، "وان كل عطية صالحة وكل هبة كاملة تنحدر من فوق، من لدن أبي الأنوار" (يعقوب 1: 17)، وفي الحركة الثانية نعلن أن كل شيء يعود إلى قلب الله في المجد.
في قانون الإيمان نعلن تلك الحقيقة، بصوت جهير، حتى يستطيع العالم أجمع سماعنا، اننا من الله جئنا، واننا في الله نستريح، واننا إلى الله سنعود. تلك هي الحقائق الثلاث التي تتكرّر في كل صفحة من صفحات الانجيل والتي نحن بحاجة إلى سماعها والعيش بمقتضاها. علينا تذكير البشرية أن بشريتنا هي من أصل إلهي، وأن وضع كياننا الراهن هو إلهي، وأن مصيرنا إلهي. بتجسّد المسيح أصبحت بشريتنا واحداً مع الله، وبقيامة المسيح تحوّلنا إلى حياة أبدية الله، وبصعود المسيح جلسنا عن يمين الله على عرش المجد والكرامة.

أ- الحركة الأولى: انحدار الله إلى الانسان
في القسم الأول من قانون الإيمان نعلن أن الله حقيقي، بل هو جوهر الحقيقة. وكل ما ليس منه أو ليس متصلاً به لا حقيقة له ولا وجود. كل الموجودات "ما يرى منها وما لا يرى" هي من أصل إلهي ويحيط بها جوّ إلهي. لذلك نعلن: "نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى". بقولنا ان الله خالق نؤكد أنه فنّان ومبدع وشاعر. فلفظة "خلَق" في اليونانية تعني "أبدع الشعر". فانه قد أبدع الكون كما يبدع الشاعر الشعر.
إلهنا ليس ساحراً يقوم بأعمال سحر وبراعة. انه شاعر يخلق الحياة ويبدع الجمال. انه شاعر ينير كل ما يلمسه بالمجد والبهاء. الشاعر يخلق ما هو نفسه عليه. انه في بالمفاجآت لأنه في شعره يعبِّر عن أعماق ذاته.
الله هو الشاعر الأسمى. لا بدّ لنا لمعرفة شاعر من درس شعره وأعماله. العالِم والفنّان والباحث هم الدارسون لشعر الله. وحصيلة درسهم تنهّدات أعجاب ورهبة أمام روعة عمله. وهذا الإعجاب، وما يرافقه من تنهّدات، هو الطريقة الفضلى لعبادة الله والسجود له. ثم ان من يعاشر شاعراً يتشرّب شعره ويمتلئ منه. المسيحي يعيش في ألفة إله شاعر. العالِم والفنان والباحث هم اللاعبون الملهمون لألعاب الله والمرنّمون لموسيقاه وشعره. عندما نفكر بالله نفكر به دوماً كشاعر مبدع: "أومن بإله واحد، الخالق الشاعر، مبدع السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى".
لقد نظم الله عدداً لا يحمى من القصائد. نظمٍ قصيدة ودعاها "السماء"، ونظم قصيدة أخرى ودعاها "الأرض"، ونظم أيضا قصائد أخرى دعاها "النجوم" و"الكواكب" و"الماء" و"الحيوان" و"الملاك" و"الشجر" و"الزهر" و"الزرع". كل قصيدة من قصائد الله هي مصدر مفاجأة ومدعاة فرح. كل قصيدة من قصائد الله هي ينبوع مفاجآت توسّع إمكاناتنا وتملأنا إعجاباً وابتهاجاً.
صنع الله السماوات والأرض بكلمة واحدة منه، بفعل واحد من إرادته. قال الله "ليكن"، فكان. وكل ما كان "كان حسناً". وسُرّ الله بما صنع. لقد أحبَّ الله عمله: النور في السماء والشجر على الأرض والعصافير في الفضاء والحيوانات والزحّافات. كل ذلك كان "حسناً". البذور الصغيرة والحيتان الضخمة جاءت إلى الوجود، وكلها كانت "حسنة". جمال في الصنع وروعة في العمل!
واذ رأى الله أنّ ما صنعه على جانب كبير من الجمال، أراد أن يتكاثر. وباركهم الله وقال: أُنموا واكثروا واملأوا البحار والمحيطات والأرض والسماء. وكلما نظر الله إلى ما نظمه من شعر، كانت ترد على شفتَي الآب والابن والروح القدس كلمة إعجاب: "ورأى الله ذلك أنه حسن". إن أصل الكون هو في قلب الله، ان أصل العالم إلهي.
تروي كتبنا المقدّسة أيضاً قصة خلق الانسان. فعندما أنهى الله صنع الخليقة المادية، حدث توقّف في الأزل، صمت عميق لفّ السماء والأرض، اضطراب عظيم ملأ الخليقة كلها، وسرت في أرجاء الكون رعشة من ترقّب. الله ينظم أُنشودة خاصة، يكتب أروع قصائده. انها قصيدة حياته الخاصة يرغب في أن يشرك فيها الآخرين. لقد أراد أن يعكس ذاته في شخص يمكنه بدوره أن يعكس وجه الله. وقال الله: "لنصنع الانسان على صورتنا ومثالنا، وليتسلّط على سمك البحر وطير السماء وكل حيوانات الأرض. فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم". وكانت قصيدة الانسان رجلاً وامرأة.
إن أروع قصائد الله كلها وأعجب عجائب خلقه هو بلا مراء الكائن البشري الذي وضع فيه الله بعضاً من قدرته وجماله. القصيدة الانسان هي موجز روائع الخلق وأسمى تعبير لحب الله. وبعد أن خلق الله الانسان لم يقل، كما قال بعد سائر أعمال الخلق: "انه حسن"، بل، لدى مشاهدته معجزة الانسان، الرجل والمرأة، هتف هتاف الانتصار والمجد: "انه حسن جداً".
الكائن البشري هو حقاً آية في الحسن والجمال. وهو أثمن من الكون بأسره. انه مكوّن من مليارات الذرّات التي تولّدت في الأفران السماوية، في النجوم، منذ ملايين السنين. لذلك يرى علماؤنا المعاصرون "ان الكائنات البشرية هي أولاد النجوم". والمسيحية تعطي تاريخ الجنس البشري ملء معناه بقولها "ان أولاد النجوم هم الآن أولاد الله".
لقد خرجت الطبيعة البشرية من يد الله على جانب كبير من الجمال بحيث انه قرّر أن يتّحد هو نفسه بالجسد البشري فيلبسه ويؤلّهه في تجسّده. نقول في قانون الإيمان: "وتجسّد... وصار إنساناً". يا للمفخرة إذاً أن يكون كائن إنساناً ويحيا في الجسد! انّ تجسّد الله قد جعل تألّه البشرية المرتكز الأساسي للمسيحية، إذ إن هذا التألُّه كان مقصده الأخير. فأصل الانسان إذاً هو في قلب الله. إنه إلهيّ.
خُلق الانسان على صورة الله. فهو يملك حرية العقل والخيال. إن له الحرية أن يجعل من كل شيء عيداً، ويجبّ كل شيء، ويهوى بنوع خاص نبض الحياة في عروقه، ويشغف باللعبة العظيمة، لعبة الحياة، ويعيش في الاعجاب الدائم بروعة أعمال الله.
انها مفخرة الانسان تلك القدرة التي له على الإعجاب بمغامرات الله في الكون وعلى التعبير عن إعجابه ورهبته حيالها. هذا هو بالذات عمل العبادة. قوام عبادة الله الإعجاب بخلائقه. والانسان المؤمن هو الانسان الذي يختبر الخليقة فينشأ فيه الاشتياق الى الله الخالق "الشاعر المبدع". مصير الانسان أن يحيا في استمرار من التسبيح والإعجاب، لمشاركته في المغامرة الحياة التي من خلالها يختبر الله. الكائن الانسان، رجلاً وامرأة، هو حقاً منشد قصائد الله.

ب- الحركة الثانية: ارتقاء الانسان إلى الله
الحركة الثانية في سمفونية قانون الايمان هي حركة ارتقاء الى الله تتبسّط في الأمجاد التي يحصل عليها الانسان ميراثاً من الله: "ونؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولِية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا". ان الذين يعتمدون في المسيح يصبحون واحداً معه وواحداً بعضهم مع بعض، ويكوّنون الكنيسة الواحدة. فالمعمودية، بحسب قول بولس الرسول، تجعل من كل إنسان عضواً في المسيح (1 كور 6: 15). وجميع الذين اعتمدوا هم جسد واحد (1 كور 12: 13) رأسه المسيح "الذي منه ينال الجسد كله التنسيق والوحدة" (أف 4: 16). إنّ مَن يقبل سرّ العماد يدخل في أُسرة سرّية هي الكنيسة، ويحيا في المسيح كما في سائل سماوي يستقي منه النعمة والقداسة وبه يصبح ابناً لله ووارثاً للملكوت.
نعلن في قانون الايمان أن الكنيسة واحدة لأن رأسها واحد وهو المسيح، ولأن الآب واحد وجميع أعضاء الكنيسة هم أبناؤه، ولأن الروح فيها واحد وهو الذي يحيي الجميع. ورغم انقسام المسيحيين كنائس مختلفة، فالكنيسة مع ذلك لا تزال واحدة. نقول في الليتورجيا الالهية إن جسد المسيح "يجزّأ ولا ينقسم، يؤكل كل حين ولا ينفد أبداً". فالكنيسة، رغم تجزئتها وانقسامها، تبقى واحدة، لأن معموديتنا واحدة تجعل منا جميعاً أعضاء في جسد المسيح الواحد، ومن خلال المسيح تصيّرنا واحداً في الثالوث الأقدس.
الكنيسة أيضاً "جامعة" أو "كاثوليكية". تشير هذه اللفظة اليونانية الأصل إلى شمولية الايمان، وتعني "ما هو موضوع الإيمان لدى كل إنسان في كل مكان وفي كل آن". ليست الكنيسة محصورة في موضع أو بلد، في الشرق أو في الغرب، وحياتها ليست مرتبطة بثقافة معيّنة. الكنيسة جامعة لأنها تجمع الشرق والغرب، الصينيين والأسكيمو. إنها مشرّعة على جميع الناس من أقاصي الشرق إلى أقاصي الغرب. انها أوسع من البيزنطيين والرومانيين، أي إنه لا يجوز اعتبار هاتين الكنيستين التعبير الوحيد عن كنيسة المسيح. لا تعصّب في الكنيسة ولا تسلُّط من قبل ثقافة على أخرى، ولا حصر في نمط واحد ضيّق. الكنيسة جامعة لأنها تفسح لكل إنسان المجال للتعبير عن ذاته، ولأن جميع الثقافات تأتلف فيها ائتلافاً تاماً منسجماً. الكنيسة تنسج وحدتها من مختلف إسهامات الأفراد والثقافات.
تدعى الكنيسة أيضاً "أرثوذكسية". إنّ لفظة "ذُكسا" تعني في اليونانية أولاً المجد، وتعني ثانياً الرأي. فالجماعة الأرثوذكسية هي أولاً الجماعة التي تنشد التسابيح لمجد الله. ولكنّ تلك اللفظة قد اتخذت معنىً خاصاً بعد المجمع المسكوني الخلقيدوني (453)، فأصبحت نعتاً للكنيسة التي قبلت قرارات هذا المجمع وسارت على "رأيه القويم وعقيدته القويمة". لذلك كانت لفظتا "ارثوذكسية" و"كاثوليكية" مترادفتين تستعملان الواحدة بدل الأخرى، وظلّتا تنسبان إلى الكنيستيين البيزنطية والرومانية معاً إلى ما بعد المجمع النيقاوي الثاني (787). ولدى انقطاع الشركة بين بطريركية القسطنطينية وبطريركية الغرب في القرن الحادي عشر، اختصت الكنيسة الغربية بلفظة "كاثوليكية"، وانفردت الكنيسة الشرقية بلفظة "أرثوذكسية". إلاّ أنّ كل واحدة منهما ادّعت ولا تزال تدّعي أنها في جوهرها "كاثوليكية وأرثوذكسية معاً".
الكنيسة واحدة جامعة و"مقدّسة". فعلى الرغم من خطايا أعضائها، تبقى الكنيسة مقدسة لأنها جسد المسيح وقد افتداها وغسلها بدمه، ولأن الآب أحبّها وتبنّاها وأرسل إليها روحه القدوس ليمكث فيها ويحييها.
والكنيسة أخيراً "رسولية" لأنها تأسست على إيمان الرسل وكرازتهم، ولأنها لا تزال تعلن هذا الايمان وتبشّر بتلك الكرازة.
ويختم النشيدَ بمجد ترنيمةٌ لمصير البشرية الاهي، أي للقيامة والحياة الأبدية: "ونترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين".
انه لضلال وانحراف أن تهمل بعض الكنائس المسيحية في عصرنا ترتيل قانون الايمان، ولا سيمَا في أثناء الليتورجيا الالهية، فتستبدله ببعض الترانيم المستحدثة التي تعطي غذاءً عقلياً جافاً وينقصها الملء والأصالة. لقد فقد قانون الايمان النيقاوي فتنته ومجده في الأوساط المسيحية منذ أن جعل منه المجمع التريدنتيني مجموعة عقائد وعبارات تفسّر براهين فلسفية في "التعليم المسيحي" الذي وضعه. وهكذا غاب عن بالنا أن قانون الايمان لا يعرض الايمان المسيحي في عبارات عقلية وعقائدية بل في شهادة حياتية تجعل المسيحي يهتزّ حياةً وفرحاً ومجداً. الايمان المسيحي يصلنا صلة مباشرة بالحياة، بالمجازفة، بالمغامرة. انه لا يدخلنا في أمان العقل وطمأنينته الهنيئة الزائفة، بل يرمي بنا في بحر اللانهاية، في عالم الله.
"نؤمن بإله واحد..."
أخذت المسيحية عن اليهودية إيمانها بالإله الواحد، ثم أخذ الاسلام عن المسيحية واليهودية معاً إيمانه بالإله الواحد. فالإيمان بالإله الواحد هو اذاً عنصر مشترك بين هذه الديانات الثلاث. أما أن يقول بعض المسلمين عن المسيحيين إنهم مشركون لأنهم يؤمنون بالثالوث الأقدس فهذا دليل جهل مطبق للمبادئ الأولية في الديانة المسيحية، سنردّ عليه في الجزء الثاني من هذه المقالات، في معرض حديثنا عن الروح القدس والثالوث الأقدس. نكتفي الآن بالقول أن المسيحية هي من الديانات التي تؤمن بالإله الواحد. ماذا نعني بذلك؟
1- أسماء الله في مختلف الحضارات
إنّ كلمة "إله" مشتقّة من كلمة "إيل" وهو الاسم الذي كانت جميع الديانات الساميّة تدعو به آلهتها، ويعني "القوة والقدرة". أما كلمة "الله" فناتجة من إدخال ال التعريف على كلمة إله، فأصبحت "الإله"، ثم من إدغام الألف في وسط الكلمة باللام التي قبلها وتشديد اللام، فأصبحت "الله". فالله هو الإله الأعظم بين سائر الآلهة، عند العرب قبل الاسلام. أما في اليهودية والمسيحية والاسلام، فالله هو الإله الوحيد.
أسماء الله في اللغات اليونانية واللاتينية (Deus) واللغات الاوروبية المشتقّة من اللاتينية، كالفرنسية (Dieu) والايطالية (Dio) والاسبانية (Dios)، مشتقّة من السنسكريتية وهي أقدم اللغات الهندية الأوروبية؛ ففي هذه اللغة "ديو" تعني "النور". وحتى يومنا هذا كلمة "ديوا" تعني "المصباح الصغير" في بعض اللغات الهندية.
أما أسماء الله في اللغة الانكليزية (God) والالمانية (Gott) وسائر اللغات الجرمانية، فمشتقّة من كلمة "غوتو" التي تعني في اللغات الهندية الاوروبية "الذي ندعوه أو نبتهل إليه".
في العهد القديم استعمل الشعب اليهودي كلمتين للإشارة إلى الله، كلمة "ايلوهيم" وهي اسم جمع أو تفخيم لكلمة "إيل" التي استعملتها مختلف الشعوب الساميّة للدلالة على الله، وكلمة "يهوه" وهي مشتقّة من فعل "هيا" ويعني في العبرية "كان". فاسم "يهوه" يعني "الذي يكون". ونجد تفسيراً لهذا الاسم في رواية ظهور الله لموسى في العلّيقة المحترقة على جبل سيناء. فعندما سأل موسى الله عن اسمه أجابه "أكون الذي أكون"، ثم قال له: "كذا قل لبني اسرائيل: أكون أرسلني إليكم" (خروج 3: 14). وفي الآية التالية يضيف النص: "وقال الله لموسى ثانية: كذا قل لبني اسرائيل يهوه إله آبائكم إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب بعثني إليكم. هذا اسمي إلى الدهر وهذا ذكري إلى جيل فجيل".
- من تعدّد الآلهة إلى الإله الواحد:
خبرة الشعب اليهودي في العهد القديم
نشأت الديانة اليهودية وسط شعوب وحضارات كانت العقيدة السائدة فيها الايمان بتعدّد الآلهة، كالبابلية والمصرية والفينيقية واليونانية. وقد توصّل الشعب اليهودي إلى الايمان بوحدانية الله تدريجياً مع ابراهيم وسائر الآباء وبشكل واضح ونهائي مع موسى. وتكرّس هذا الايمان في الوصية الأولى من وصايا الله: "أنا يهوه (الرب) إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي" (خروج 20: 2، 3).

أ- إله الحياة وإله الخلاص
لم يكن وصول الشعب اليهودي الى الايمان بوحدانية الله نتيجة تفكير فلسفي في ضرورة وجود كائن مطلق يملك كمال الكيان، كما توصّل إلى ذلك بعض فلاسفة اليونان كأفلاطون وأرسطوطاليس، بل كان نتيجة خبرة حياتية عرفها الشعب في تاريخه الطويل. فمع ابراهيم ظهر الله للشعب إله الوعد وإله الحياة. فبينما كان ابرام بعد في حاران دعاه الله ووعده بأن يعطيه أرضاً جديدة ويجعل منه أمّة كبيرة: "قال الرب لأبرام: انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك الى الأرض التي أريك، وأنا أجعلك أمّة كبيرة وأُباركك وأُعظِّم اسمك وتكون بركة" (تكوين 12: 1، 2).
ومع موسى ظهر الله إله الخلاص الذي أخرج شعبه من أرض العبودية إلى أرض الحرية: "كلَّمَ الله موسى وقال له: أنا يهوه. أنا الذي تجلّيت لابراهيم واسحق ويعقوب إلهاً قادراً على كلّ شيء. أما اسمي يهوه فلم أُعلنه لهم. وأقمت معهم عهدي على أن أُعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي نزلوا بها. وأيضاً قد سمعت أنين بني اسرائيل الذين استعبدهم المصريون، فذكرت عهدي. لذلك قل لبني اسرائيل: أنا يهوه، لأخرجنّكم من تحت أثقال المصريين وأُخلِّصكم من عبوديتكم، وأفديكم بذراع مبسوطة وأحكام عظيمة، وأتّحذكم لي شعباً، وأكون لكم إلهاً، وتعلمون أني أنا يهوه إلهكم، الخرج لكم من تحت أثقال المصريين. وسأُدخلكم الأرض التي رفعت يدي مُقسماً أن أُعطيها لابراهيم واسحق ويعقوب، فأُعطيها لكم ميراثاً، أنا يهوه" (خروج 6: 2- 8).
في كلام الله هذا لموسى يأخذ اسم "يهوه" كل معناه. ان الله "يكون مع" شعبه ليخلّصهم. فالله هو، في العهد القديم، إله الوعد والحياة والقدرة وإله الخلاص والفداء.
وإيمان اليهود بالله، في العهد القديم، لم يكن إيماناً نظرياً فلسفياً، بل كان إيماناً وجودياً عملياً بأنّ الإله الوحيد الذي خلق السماوات والأرض قد اختارهم له شعباً وصنع معهم عهداً أبدياً، وانه سيبقى معهم إله الحياة وإله الخلاص مهما انتابهم من محن ومصائب.
لذلك في أثناء سبيهم في بابل نسمع أشعيا الثاني يعدهم بالخلاص: "هكذا قال الله، يهوه، خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض مع ما ينبت ما، الذي يعطي الشعب عليها نسمة والسالكين فيها روحاً. أنا، يهوه، دعوتك لأجل البرّ وأخذت بيدك وحفظتك وجعلتك عهداً للشعب ونوراً للأمم" (اشعيا 42: 5، 6). "هكذا قال يهوه، خالقك يا يعقوب وجابلك يا اسرائيل: لا تخف فانّي قد افتديتك ودعوتك باسمي. انّك لي. اذا اجتزت في المياه فانّي معك، أو في الأنهار، فلا تغمرك، واذا سلكت في النارفلا تُلذَع، ولا يلفحك اللهيب" (اشعيا 43: 1، 2).

ب- أُبوَّة الله
على هذا الإيمان باختيار الله لشعبه بنى العهد القديم فكرة "أُبوَّة الله". نقرأ في تثنية الاشتراع هذا النصّ الذي يعود إلى القرن السابع قبل المسيح: "أبهذا تكافئ يهوه، أيها الشعب الأحمق الذي لا حكمة له؟ أليس انه هو أبوك الذي فطرك وأبدعك؟" (تثنية 32: 6).
وقد أكّد الأنبياء على تلك الفكرة. فالإله الوحيد هو أيضاً الأب الوحيد لشعبه. يقول النبي ملاخيا: "أليس أب واحد لجميعنا؟ أليس إله واحد خلقنا؟" (ملاخيا 2: 10). 
ويقول النبي اشعيا مخاطباً الله في صلاته: "انك أنت، يهوه، أبونا وفادينا. منذ الدهر اسمك... الآن، يهوه، أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا، ونحن جميعاً عمل يديك" (اشعيا 63: 16؛ 64: 8).
ويصف هوشع أُبوَّة الله بتعابير مليئة بالعطف والحنان: "إذ كان اسرائيل صبياً أحببته ومن مصر دعوت ابني... أنا درّجت افرائيم وحملتهم على ذراعيّ" (هوشع 11: 1- 3).
ان الإيمان بوحدانية الله، الذي نعدّه اليوم أمراً طبيعياً، لم يصل إليه الحدود إلاّ من خلاله خبرة عاشوها على مدى تاريخهم. وتلك الخبرة قد قادتهم إلى رفض تعدّد الآلهة وإلى الإيمان بوجود إله واحد خلق الكون والبشر جميعاً واختار الشعب اليهودي ليصنع بواسطته عهداً مع جميع أُمم الأرض وشعوبها.

ج- الإيمان بالإله الواحد في عصرنا الحاضر
لم يبقَ اليوم أي مشكلة بالنسبة إلى الاعتقاد بتعدّد الآلهة. فجميع الذين يؤمنون اليوم بالله يؤمنون بإله واحد. فالله هو كمال الكيان، ولا يمكن أن يكون الكمال منقسماً بين اثنين. والله هو مبدأ الكون، ولا يمكن أن يكون للكون مبدأان. فمن يؤمن بالله يؤمن بأن الخلائق كلها متعلّقة بكائن مطلق كامل هو أصل جميع الكائنات ومبدأها وغايتها.
لذلك ينقسم الناس اليوم، بالنسبة إلى الإيمان بالله، إلى فئتين: فئة تؤمن بوجود الله، وهم المؤمنون، وفئة ترفض وجود أي إله، وهم الملحدون.
مَن مِن الفئتين على حق ومَن منهما على ضلال؟ هل يستطيع المؤمن أن يبرهن للملحد بالبراهين العقلية الجازمة انه على ضلال وان الله موجود؟ ومن جهة أخرى هل يستطيع الملحد أن يبيّن للمؤمن بالبراهين العقلية الجازمة انه على ضلال، وان لا وجود لأي إله؟
3- البراهين على وجود الله أو السبُل إلى الله
هناك ثلاثة أنواع من البراهين لجأ إليها اللاهوت المسيحي عبر القرون لإثبات وجود الله، يمكن أن يكون كل منها سبيلاً للوصول إلى الله:
1- براهين ترتكز على وحي الله نفسه، إذ ترى أن العقل البشري لا يمكنه بقواه المجرّدة إثبات أي شيء أكيد عن الله.
2- براهين تنطلق من الطبيعة والعالم وترى أن العقل يستطيع من خلال الكون إثبات وجود الله.
3- وبراهين وتنطلق من الانسان ومن شعوره الكياني بأن لحياته مبدأً وأساساً وغاية ومعنى، وتظهر أنّ الله هو مبدأ حياته وأساسها وغايتها.

أ- البراهين التي ترتكز على وحي الله
يرى بعض اللاهوتيين البروتستنتيين من أمثال كارل بارت ورودولف بولتمن ان الانسان لا يمكنه معرفة الله إلا إذا أوحى الله له بذاته. وقد تمّ هذا الوحي في الكتاب المقدّس الذي هو وحده كلام الله وفيه وحده يستطيع الانسان أن يعرف الله معرفة حقيقية. وكل ما يقوله الانسان عن الله خارجاً عن وحي الله لذاته في الكتاب المقدّس ليست سوى صورة مزيّفة للإله الحقيقي، لأنه مجرّد انعكاس لرغبة الانسان في الارتفاع من واقع ضعفه وحدوده إلى المطلق الأسمى.
ان الخوف من أن يؤلّه الانسان صورة رغباته البشرية هو الذي حمل كارل بارت على رفض كل معرفة لله خارج الوحي. لا ريب في أن هذا الخوف له ما يبرّره. غير أن الايمان بالله، وان ارتكز على الوحي، لا بدّ له من الاستناد أيضاً إلى خبرة انسانية ومعرفة بشرية، وإلا أصبح افتراضاً لا أساس له أو مجرّد وهم أو شريعة تفرض من الخارج ويحتّم على الانسان القبول بها دون محاولة تفهّمها.
فالايمان لا يمكن أن يكون إيماناً أعمى بل هو إيمان مسؤول. لذلك لا يفرض الايمان على الانسان من فوق، بل يتّخذ كل مؤمن قرار الايمان انطلاقاً من خبرة شخصية متّصلة بواقع حياته.

ب- البراهين التي تستند إلى الطبيعة والعالم والمخلوقات
يعتقد اللاهوت الكاثوليكي التقليدي أن الانسان يستطيع التوصّل إلى معرفة الله من خلال الكون والطبيعة وسائر المخلوقات. فالتأمّل بالمخلوقات وبما فيها من جمال ونظام يمكن أن يقود إلى الاعتراف بوجود إله خالق خلقها ووضع ما فيها من جمال ونظام.
ويرتكز اللاهوتيون الكاثوليكيون في تحليلهم على البراهين الفلسفية لوجود الله التي وضع أُسسها أرسطوطاليس وأفلاطون، وأدخلها القديس اغوسطينوس في اللاهوت، ثم نظّمها وتوسّع فيها القديس توما الاكويني.
وقد عالج المجمع الفاتيكاني الأول (سنة 1870) هذا الموضوع وأخذ بنظريّة توما الاكويني بعد أن أدخل عليها بعض التعديل. فبينما يقول توما الاكويني إن العقل البشري يمكنه مبدئياً أن يبرهن عن وجود الله، اكتفى المجمع بالقول إن الانسان يمكنه مبدئياً أن يعرف الله، ويضيف أن هذه الامكانية المبدئية قد أصبحت واقعاً بفضل وحي الله.
وتبنّى المجمع الفاتيكاني الثاني أيضاً هذا الموقف في "الدستور العقائدي في الوحي الالهي" (سنة 1965)، الذي يعلن فيه "ان العقل البشري يستطيع بنوره الطبيعي أن يعرف الله مبدأ كل شيء وغايته معرفة أكيدة، وذلك عن طريق المخلوقات". ويستشهد بما يقوله بولس الرسول في رسالته الى الرومانيين (1: 20) "ان صفات الله غير المنظورة، ولا سيمَا قدرته الأزلية وأُلوهته، تبصر منذ خلق العالم، مدركة بمخلوقاته". ثم يضيف المجمع: "إلا أنه من الواجب أن يُعزَى إلى الوحي أن الأمور الإلهية التي ليست في حدّ ذاتها صعبة المنال على عقل الانسان، يستطيع الجميع، حتى في ظروف الجنس البشري القائمة، أن يعرفوها بسهولة، وأن يتيقّنوا منها يقيناً ثابتاً لا يخالطه غلط" (رقم 6).
ان هذا الموقف، الذي دُعي باللاهوت الطبيعي، هو حلّ وسط بين موقف العقلانيين الذين ينكرون الوحي ولا يرون في الايمان إلا عملاً عقلياً، وموقف الذين يرفضون الارتكاز على أي معرفة عقلية لله ولا يرون في الايمان إلا استسلاماً لله ولكلامه.
ويؤكد اللاهوت الطبيعي أن هناك نوعين من المعرفة: معرفة طبيعية ترتكز على العقل البشري، ومعرفة فائقة الطبيعة ترتكز على الوحي والايمان. فالمعرفة الطبيعية هي نقطة الانطلاق التي يوجد فيها الانسان عندما يسمع كلام الوحي. عندئذٍ ينتقل من المعرفة العقلية إلى الايمان.
ان السبيل إلى الله من خلال الكون والطبيعة والتفكير العقلي لا يزال يعتمده الكثيرون من اللاهوتيين المعاصرين. إلا أن كثيرين غيرهم، وعددهم يزداد يوماً بعد يوم، يرون أن البراهين العقلية عن وجود الله قد ضعفت قدرتها على الاقناع، ولا سيمَا بعد ما أظهر الفيلسوف الالماني كانط حدود العقل البشري وعدم قدرته على تأكيد أي شيء يخرج عن نطاق الطبيعة والخبرة الانسانية. فالعقل لا يمكنه، في نظر كانط، أن يقدّم براهين جازمة عن وجود الله ولا عن عدم وجوده.
لا شك أن كانط يصل إلى الايمان بوجود الله عن طريق أخرى. فيقول إن تأكيد وجود الله هو من المسلّمات التي يفترضها الانسان ويقبل بها انطلاقاً ما يشعر به في داخله من واجب يدفعه إلى عمل الخير ومن رغبة في السعادة اللامتناهية مرتبطة بتتميم هذا الواجب. فالشعور بالواجب غير ممكن إن لم يكن هناك إله يفرض هذا الواجب. والرغبة في السعادة غير ممكنة إن لم يكن هناك إله يشبع تلك الرغبة ويكافئ بالسعادة الأبدية من يصنع الخير في حياته على الأرض.
غير أن تلك المسلَّمات، كما يرى بعض اللاهوتيين المعاصرين، هي أيضاً بحاجة إلى إثبات، ولا يمكنها بالتالي أن تقود إلى تأكيد وجود الله.

ج- السبيل إلى الله من خلال خبرة الانسان
* القلق الوجودي
ان من ينظر إلى ما يختبره الانسان في واقع حياته يرى أن الانسان يعجز دوماً عن تحقيق ما تصبو إليه نفسه، وأن هناك تبايناً مستمراً بين ما يريد أن يكون وما هو عليه في الواقع. يريد كياناً مطلقاً ووجوداً خالداً ولا يختبر إلا كياناً محدوداً ووجوداً مائتاً، يريد حياة مليئة بالقيم ولا يختبر إلا الفراغ والعبث، يريد عمل الخير وراحة الضمير ويصطدم بالشرّ والشعور بالذنب. ونتيجة لتلك الخبرة يساوره الخوف وينتابه القلق.
لقد أوجز اللاهوتي الالماني "بول تيليخ" (1886- 1965) حالة الانسان هذه في كتاب دعاه "الجرأة على الكيان"، ميَّزَ فيه ثلاثة أنواع من الخاطر تهدّد كيان الانسان في أبعاده الثلاثة:
- فالمصائب والموت تهدد الانسان في حياته ووجوده،
- والشعور بالفراغ والعبث يهدّدان كيانه الروحي،
- والشعور بالذنب والهلاك الأبدي يهدّدانه في كيانه الأدبي
وتكون هذه المخاطر نسبية أو مطلقة وفقاً لما تحدثه من دمار في كيان الانسان: فالمصائب والأمراض تهدّد حياة الانسان تهديداً نسبياً، أما الموت فيقضي عليها نهائياً، والفراغ يهدّد كيان الانسان الروحي تهديداً نسبياً، وأما العبث فيقضي عليه نهائياً؛ والشعور بالذنب يهدّد كيان الانسان الأدبي تهديداً نسبياً، أما الهلاك الأبدي فيقضي عليه نهائياً.
والقلق الذي يعانيه الانسان ينتج ما يشعر به من خوف حيال تلك الخاطر. لذلك يكون هو أيضاً إما قلقاً نسبياً وإما قلقاً مطلقاً.

* السيطرة على القلق
بعد هذا التحليل للوضع الانساني، يصف تيليخ كيف يتمكّن الانسان من السيطرة على القلق. فيرى أن الانسان لا يمكن أن يبقى في الوجود رغم ما يهدّد كيانه من مخاطر إلا إذا كانت له "الجرأة على الكيان". وتلك الجرأة يستمدّها الانسان من مصادر ثلاثة: من المجتمع ومن ذاته ومن الله.
فالانسان يشعر بأنه جزء في مجتمع يتفاعل معه فيعطيه ويأخذ منه ويجد فيه الراحة لنفسه والمعنى لحياته. كما يشعر الانسان انه شخص له كرامته وهدف يسعى إليه وفيه يحقّق ذاته. وبقدر ما يندمج الانسان في المجتمع ويحقّق فيه ذاته بقدر ذلك يمكنه أن يتغلّب على ما يهدّد وجوده من مخاطر وما يعانيه في كيانه من قلق.
إلا أن تلك الجرأة التي يستمدّها الانسان من المجتمع ومن ذاته لا تقوى على السيطرة إلا على المخاطر النسبية التي تهدّد كيان الانسان في مختلف أبعاده وعلى ما ينتج عن ذلك من قلق نسبي. فأي قوة يستطيع الانسان أن يجدها في ذاته أو في المجتمع للسيطرة على القلق الذي يشعر به إزاء الموت والعبث والهلاك الأبدي؟
في تلك الحالات القصوى، يقول تيليخ، لا يبقى للانسان إلا ملجأ واحد يلجأ إليه، وهو الايمانُ بوجود حقيقة قصوى تفوق الطبيعة وتسمو على الكون، والاعترافُ بوجود كائن مطلق يستطيع أن يرتمي في أحضانه بثقة كاملة. وحده الايمان بالكائن المطلق يمكّن الانسان من التغلّب على القلق المطلق الذي يعانيه حيال المخاطر التي تهدّد كيانه تهديداً مطلقاً في مختلف أبعاده.

* التغرّب والضياع
ان هذا القلق الوجودي العميق، إن لم يتمكّن الانسان من السيطرة عليه، لا بدّ من أن يقوده إلى التغرّب. والضياع.
التغرّب والضياع كلمتان لمفهوم واحد تردان كثيراً في الفلسفة المعاصرة للتعبير عن حالة الانسان الذي يعيش غريباً عن نفسه وعن الآخرين، ضائعاً في عالم وُجد فيه دون أن يعرف من أين أتى وإلى أين هو ذاهب.
يقول شارل مالك في وصف تغرّب الانسان: "غريب هو الكائن الانسان -غريب في امتلائه سراً وغرابة، وغريب هو في كونه متغرّباً- غريب متغرّب. وسرّ أسراره يكمن في ذلك التغرّب إياه. لذلك نسأل: متغرّب عن ماذا؟ متغرّب عن مَن؟ ونجيب انه متغرّب عن شيء كانه أو بإمكانه أن يكونه، لكنه، وهو في حالة التغرّب هذه، يكون دون ذلك الشيء أو بعيداً عنه، وحنينه الأخير هو في الرجوع إليه. فغرابة الانسان، إذن، هي في كونه متغرّباً عن شيء يحنّ للرجوع إليه. كلّنا غرباء. أنا أعرف تماماً أيّ غريب، وأزعم، أيها القارئ، أنك أنت أيضاً غريب. غرابتك انك طافح بالأسرار التي أجهل، بل، والتي تجهل أنت أيضاً. وهذا هو الأغرب. غرابتك انك تجيش بالمهام التي لست واثقاً منها أنت نفسك. انك مثلي، تتلمّس أسرارك ومعنى حياتك كلها في هذا التلمّس. ان سرّك الدفين هو أنك تريد، مثلي، إنهاء تغرّبك والعودة إلى كيانك، وتفتّش، مثلي، عن طريق العودة. متى نعود؟ وكيف نعود؟ وإلى أين بالذات؟ وإلى مَن؟ ثم هل نستطيع العودة؟ أم انه قُضي علينا بالتغرّب طيلة العمر؟ وهل من طبيعة كياننا أن نبقى غرباء، نعاني حسرات الغربة؟ تلك هي الأسئلة الأخيرة الحاسمة... "
التغرّب اذاً هو حالة الانسان العائش غريباً عن غاية وجوده، بعيداً عن معنى حياته. ولن يستطيع إنهاء تغرّبه والعودة إلى كيانه ما لم يجد غاية وجوده ومعنى حياته. كيف السبيل إلى ذلك؟

* اكتشاف القيمة القصوى
في وجود كل انسان قيم متعدّدة يسعى إلى تحقيقها لأنه يرى في ذلك تحقيقاً لذاته. وتختلف هذه القيم باختلاف الحاجات والرغبات والأطباع والأميال. فهناك حاجات بيولوجية لا بدّ من إشباعها كالحاجة إلى الطعام والكسوة والمسكن، وهناك حاجات فكرية كالحاجة الى المعرفة والجمال؛ وهناك حاجات اجتماعية كالحاجة إلى عائلة ومجتمع ووطن.
ويختلف البحث عن تلك القيم باختلاف أهميتها. فمن القيم ما هو أساسي في حياة الانسان ومنها ما هو ثانوي. وفي الواقع لكل إنسان سُلَّم من القيم يبنيه هو نفسه، وفي أعلى هذا السُلَّم يضع قيمة أساسية قصوى، كالحب، والصداقة، والمال، والشرف، والسلطة، والمكانة الاجتماعية، والحزب، والوطن، الخ... وهذه القيمة القصوى هي التي تعطي معنى لوجود الانسان وتساعده على تحمّل صعوبات الحياة والتغلّب على ما يعانيه من حيرة وقلق. لذلك يوجّه إليها كل قواه، ولا ينظر إلى الحياة إلا من خلالها، ولا يبحث عن سائر القيم إلا بقدر ما تتيح له تحقيق تلك القيمة القصوى، لأنه يرى في تحقيقها تحقيقاً لذاته، وفي فقدانها فقداناً وضياعاً لذاته، فهي محور نظرته الى الكون والواقع، ومركز ائتلاف كيانه وشخصيته.
معظم الناس يختارون لذواتهم قيمة قصوى يسعون لتحقيقها في حياتهم، ولكن المهم في الأمر ليس الاختيار بل حسن الاختيار.
ومشكلة الانسان الكبرى، التي هي في أساس تغرّبه، هو انه، في معظم الأحيان، يخطئ في اختياره. يختار لنفسه قيمة قصوى من بين هذه الأمور التي تشبع رغباته الوقتية وحاجاته الزمنية، ولكنها لا تقوى على إشباع رغبته في المطلق وعطشه وإلى اللامتناهي، ولا تستطيع من ثَمَّ إزالة الخاطر المطلقة التي تهدّد الانسان في عمق كيانه: خطر الموت وخطر العبث وخطر الهلاك الأبدي. لذلك ان اكتفى بها الانسان ووضع فيها رجاءه الأخير، لا بدّ له من الشعور بخيبة الأمل وبالتغرّب عن غاية وجوده ومعنى حياته.
ان الأمر الوحيد الذي يستطيع أن يكون الغاية القصوى الحقيقية للانسان يجب أن يصحّ فيه ما يقوله أيضاً شارل مالك عن الحقيقة: "انه شيء موجود، شيء حقيقي ثابت وأكيد، لا غشّ فيه ولا زيف، شيء لا يخدع ولا يغالط، وهو، على بعده وخفيته، شيء متاح، ممكن الأخذ والمنال، شيء يرتاح إليه العقل ويطمئنّ تماماً، بل ليس في مقدور العقل أن يشكّ فيه، أو يتساءل عنه، أو يدور حوله، انه شيء يقنع ويشبع، شيء مضبوط لا عطب في أيّ من جوانبه كافة، يملأ النفس، فتطمئنّ إليه، وتجد فيه سعادتها، شيء باقٍ أركن إليه بسلام، وهو حين أجده أقول انه كان موجوداً منذ الأزل وهو الذي كنت أبحث عنه طيلة حياتي؛ شيء يغنيني عن أيّ شيء آخر إن أنا وجدته ومكثت فيه؛ شيء مباح عمومي بمقدار ما هو خصوصي أمتلكه شخصياً، شيء إن أنا حزته واعتنقته تمكّنت من شرحه ونقله إلى غيري، وتمكّن غيري من حيازته واعتناقه هو أيضاً، دون أن ينتقص مثقال ذرّة من حيازتي له واعتناقي إياه، شيء بقدر ما أشرحه وأكونه وأشهد له، وأشرك فيه غيري، بقدر ما يزداد فيّ تمكّناً ووثوقاً". ولكن هل من سبيل للتأكد من وجود هذا الكائن المطلق؟
4- بين الإلحاد والإيمان
أ- الإيمان والإلحاد كلاهما ممكن
لا بدّ لنا من الإقرار أولاً اننا لا نستطيع أن نثبت بالبراهين العقلية الجازمة التي لا تقبل الشك لوضوحها وصفائها وجود هذا الكائن المطلق وتلك الحقيقة القصوى. فكثافة الجسد الذي نحن فيه وكثافة المادة التي تكتنفنا تحولان دون ظهور هذا الكائن ظهوراً جلياً. لذلك يستحيل علينا إقناع الملحدين بالبراهين العقلية أنّ إلحادهم خاطئ.
ولكن من جهة أخرى لا بدّ للملحدين من الإقرار بأنهم هم أيضاً لا يستطيعون أن يبرهنوا بالبراهين العقلية الجازمة التي لا تقبل الشكّ ان هذا الكائن المطلق الذي نؤمن بوجوده هو وهمٌ محض وصنع خيال.
فمن الناحية المبدئية اذاً الايمان ممكن والالحاد ممكن، وكلاهما لا يرتكز على براهين عقلية. انهما موقفان يختارهما الانسان انطلاقاً من نظرة أساسية شاملة إلى الكون والحياة فالايمان يرتكز على نظرة إيجابية، نظرة ثقة بالكون والحياة، بينما يرتكز الإلحاد على نظرة سلبية، نظرة شكّ وتشاؤم بالكون والحياة.

ب- الإيمان والإلحاد موقفان من الحياة
المؤمن يرى ان للحياة مبدأ ومعنى وغاية، وان الله هو مبدأ الكائنات ومعناها وغايتها. لذلك يستطيع ان يتغلّب على ما يشعر به من قلق. فالموت لن يعود في نظره نهاية كل شيء بل دخول في حياة الله؛ والحياة لن تعود فراغاً وعبثاً، بل اشتراك مع الله في متابعة خلق العالم؛ والخطيئة لن تقوده إلى اليأس والخوف من الهلاك الأبدي، بل تحمله على الرجاء برحمة الله اللامتناهية. وهكذا يجد في الله الحلّ الله الذي ينشده للخروج من قلقه والسيطرة على تناقضات حياته والعيش في أمان وسلام.
اما الملحد فبرفضه الله يرفض أن يكون للحياة مبدأ دائم ومعنى مطلق وغاية أخيرة. فهو يكتفي بأن يحيا في النسبي من الأمور. وإن رأى في الكون ما يبرّر الحياة ويجعلها حلوة في نظره، فلن يتمكّن من حلّ مجمل ألغازها والإجابة على التساؤلات القصوى التي لا بدّ له من طرحها يوماً في ميادين المعرفة والعمل والرجاء:
- ماذا نستطيع أن نعرف؟ لمَ الحياة ولمَ الكون؟ من أين يأتي الانسان؟ وإلى أين هو ذاهب؟ ولمَ هذا العالم؟
- ماذا يجب علينا أن نعمل؟ لماذا نحن مسؤولون وأمام مَن؟ ما هو المصير الذي يجب أن يتوق إليه الانسان؟ وما هو المصير الذي يجب أن يجتنبه؟ ما الذي يقرّر مصير الانسان؟ وما معنى الأمانة والصداقة؟ لماذا العذاب؟ لماذا الخطيئة؟
- ماذا يمكننا أن نرجو؟ ما هي غاية وجودنا؟ ماذا سيحدث للكون؟ ما هو مصيرنا: الموت النهائي الذي سوف يقضي على كل شيء؟ ما الذي يحملنا على البقاء بجرأة على قيد الحياة؟ وما الذي يحملنا أيضاً على قبول الموت بجرأة؟
إن تلك الأسئلة تهمّ الناس جميعاً: الجهّال والحكماء، الضعفاء والأقوياء، المرضى والأصحّاء، المائتين والأحياء. في وسط كل ما هو معرَّض للتحوّل والتغيُّر والزوال والفناء، هل من حقيقة ثابتة تسند الكون وتسند الانسان وتمنعه من الانقياد إلى اليأس؟ لا جواب لأي من تلك الأسئلة عند الملحدين.
فالملحد لا يرى إلا ما تقع عليه حواسه، ولا يقبل إلا ما يدركه عقله إدراكاً مباشراً. ولكنه برفضه الانفتاح على ما يتجاوز العقل والحواس، يحصر الانسان في حدود ضيقة هو مدعو الى تجاوزها، ويغلق على العقل في آفاق قصيرة المدى هو مدعو الى الذهاب أبعد منها. وبذلك يجرم الى الانسان والى العقل الانساني ويبقيهما في حيرة وخوف وقلق.
يرى الملحد أن المادة. أصل كل شيء وكل فكر وكل روح؛ انها أزلية لا شيء قبلها ولا كائن آخر أوجدها. أما المؤمن فيرى ان المادة، إن لم يكن هناك روح يحرّكها، لا يمكن أن يخرج منها الروح. ويرى ان الانسان، ذاك الكائن الضعيف المعرّض للموت، لا يمكن أن يكون هو أصل كيانه، إذ لا يملك في ذاته ما يجعله يكتفي بذاته. الانسان متعلِّق بالكائن الأسمى المطلق الذي يملك كل شيء وهو أصل كل شيء وغاية كل شيء.
الملحد يعدّ الانسان "كائناً خُلِقَ ليموت" بعد فترة من الوقت يقضيها على الأرض. أما المؤمن فيعدّ الانسان "كائناً خُلِقَ ليحيا" مع الله إلى الأبد. الملحد يعيش دون رجاء، أما المؤمن فيحيا في الرجاء.
الملحد والمؤمن كلاهما يختبر ضعف الانسان وحدود كيانه في المرض والألم والشقاء والموت. ولكن بينما يغلق الملحد على ذاته في تلك الخبرة ويضيع فيها كيانه، يتجاوزها المؤمن ليرى فيها دعوة الى الاتحاد بمن لا حدود لكيانه ولا نهاية لحياته.
إن لم نتمكّن من إثبات وجود الله بالبراهين العقلية الجازمة، فإننا نستطيع أن نظهر أن إيماننا لا يناقض العقل، بل، على العكس من ذلك، يجيب على تساؤلاته وقلقه وتطلباته أكثر من الإلحاد.
لا يدّعي اليوم المؤمنون أنهم يستطيعون إقناع الملحدين بالبراهين العقلية. حسابهم أن يشهدوا على ما يؤمنون به وعلى ما يختبرونه في إيمانهم.
- خبرة الإيمان
أ- الإيمان والتغرّب
ليس الإيمان اعتناقاً لبعض المبادئ النظرية أو قبولاً لبعض العقائد الموضوعية البعيدة عن حياة الانسان. إنما الإيمان خبرة حياتية تشمل نظرة الانسان إلى الكون بأسره وإلى وجوده في هذا الكون.
وتلك الخبرة هي الناحية الإيجابية لما يختبره الانسان سلبياً في التغرّب. فبالايمان يدرك الانسان أن ما يشعر به من تغرّب ليس سوى غشاء يحجب الحقيقة الأخيرة، وانه بامكانه الاتحاد بتلك الحقيقة، وإنْ من خلال الغشاء الذي يحجبها. بالايمان يدرك الانسان ان ما يبحث عنه ليس مجرد سراب ووهم خيال، بل هو كائن حقيقي، هو الكيان بالذات، أصل كل الكائنات ومبدأها وغايتها، هو الموجود الأول الذي لولاه ما وُجد شيء.
ومن خلال وجود هذا الكائن المطلق ينظر المؤمن إلى الكون وإلى نفسه. فلا يغدو الكون عمل الصدفة أو السحر، بل عمل مبدع خالق منظّم أبدع الكون من لا شيء وخلق الانسان من العدم ودعاه إلى مشاركته في تنظيم الخلق وإلى متابعة عمل الخلق.
بموجب تلك النظرة الإيمانية يرى المؤمن في معطيات الكون والواقع والعالم والتاريخ نعماً أُعطيت له من قبل الله لتحقيق ذاته ونموّ كيانه. لا يتعامى المؤمن عن النواحي السلبية والجوانب الشاقة التي لا بدّ لكل كائن بشري من أن يصطدم بها في الكون. إنما لا يتوقف عندها ولا يبقى أسيرها، بل يرى في وجودها دعوة إلى تجاوزها وتحقيق حريته أن خلالها. فيدرك من جهة انه مرتبط بالكون وبالآخرين وبالله بعلائق لا يستطيع أن يحيا من دونها، ويعرف من جهة أخرى انه حر، غير انه لا يحسب حريته قائمة على رفض تلك العلائق، بل بالأحرى على تحويلها إلى علائق تكامل وصلات محبة.

ب- أبعاد الإيمان
هكذا يبدو الإيمان نظرة إلى الكون وموقفاً من الحياة يتيحان للانسان اكتشاف عمق الأشياء وأصلها ومستقبلها في نظرة شاملة تحيط بكل أبعاد الواقع.

* نظرة إلى عمق الأشياء
لا يتوقف المؤمن عند القشرة من الأشياء بل ينفذ إلى لبّها وجوهرها، لا يكتفي بالنظر إلى سطحيات الأمور، بل يسبر غورها وعمق معناها. من خلال ما يُرى يكتشف ما لا يُرى، من خلال الرمز يكتشف المعنى.
فكما ان الانسان يرى في ابتسامة أوفي باقة ورد تُهدى له علامة صداقة، هكذا في جمال الخلائق يرى جمال الخالق، وفي الكون والحياة يشاهد وجه الكائن والإله الحي الذي خلق الانسان ليشركه في كيانه ويملأه من حياته.
تلك النظرة إلى عمق الأشياء توصل الانسان إلى اكتشاف أساسها الراسخ الثابت الأمين، وبالتالي إلى اكتشاف قيمتها. فهي ليست نتيجة الصدفة بل عمل الله الذي خلقها ليحقّق الانسان ذاته من خلالها.
تلك النظرة إلى عمق الأشياء من شأنها مساعدة الانسان في محاولته السيطرة على ما يشعر به من حيرة وقلق وتغرّب وضياع.

* نظرة إلى أصل الأشياء
في حياتنا اليومية تتبادر دوماً إلى أذهاننا أسئلة عن أصل الأشياء وأصل الانسان: مَن صنع هذا الشيء وما هو مصنوع؟ من أين أتى هذا الانسان؟ مَن هم ذووه؟ أين وُلد وأين تعلَّم؟ من خلال ماضي الانسان نحاول أن نكتشف حاضره. وللتعمّق في معرفة ذواتنا نحاول أن نتذكّر نحن أيضاً تاريخنا الماضي وحياتنا السالفة.
لا يكتفي الايمان بتلك العودة في الزمن إلى ماضي الأشياء وماضي الانسان، بل يحاول اكتشاف الأصل اللازمني لجميع الكائنات، أي علّة وجودها ومبدأ كيانها.
كل انسان يختبر حدود وجوده في المكان والزمان، ولا سيمَا في أوقات الضيق والمرض والضعف والموت. من خلال تلك الخبرة يكتشف المؤمن أن الكائن المحدود لا يمكن أن يكون هو أصل ذاته. عندئذٍ ينفتح الكائن المطلق ويرى فيه أصل كل كيان وكل وجود. ويدرك إذّاك ان حياته هي نعمة أُعطيت له من قبل الله.
هذا ما تؤمن به مختلف الديانات وتعبّرعنه في عقيدة الخلق. وتلك العقيدة ليست نظرية علميّة تهدف إلى تفسير الطريقة التي خلق الله بها الكون، بل تعبير عن إيمان الانسان بعلاقته بالله أصل كيانه وعلّة وجوده.

* نظرة إلى مستقبل الأشياء
الايمان بأن الله هو خالق الكون لا يقتصر على الزمن الماضي. فالخلق عمل دائم، لأن العلاقة بين الله والكون هي علاقة دائمة. لذلك لا يكتفي المؤمن بالنظر إلى الماضي والحاضر، بل يتجاوزهما إلى المستقبل. وفي كل نقص يختبره في الحاضر يرى دعوة من الله للعمل في سبيل بناء مستقبل يحقّق فيه كل انسان ما تصبو إليه انسانيته.
فالايمان هو إذاً نظرة إلى الكون والانسان كما يريدهما الله أن يكونا، وفي آن معاً التزام للإسهام مع الله في تحقيق تصميمه وإرادته في الكون والانسان.
استناداً إلى هذا الالتزام الذي هو من صميم الايمان، ندرك أن الايمان ليس من مخلَّفات العصور السابقة، كما يدّعي الملحدون، بل هو أساس لبناء المستقبل. انه الركيزة الثابتة التي يستطيع الانسان أن يعتمد عليها للحفاظ على تفاؤله بانتصار الخير على جميع قوى الشر المعادية، وللثبات في جهاده لبناء أرض تسود فيها المحبة ويسود السلام. فالمؤمن موقن انه لا يعمل وحده، يل يعمل مع الله الساكن فيه، وانه بقوة الله يستطيع أن يحقّق ما لا يستطيع الانسان تحقيقه وحده. فاذا كان هذا العمل مستحيلاً عند الناس، "فعند الله كل شيء ممكن" (متى 19: 26).

* نظرة شاملة إلى الكون والحياة
والايمان هو أخيراً نظرة شاملة إلى الكون والحياة. لا ريب في أن الخبرة البشرية، بسبب حدود الانسان وحدود معرفته، هي دوماً خبرة جزئية. أي ان الانسان لا يمكنه أن يختبر الواقع كلّه. إنما كل حدث فردي من أحداث الواقع يمكن أن يحيلنا إلى الكل. لذلك لا يغلق المؤمن على ذاته ضمن ما يجري في حياته من أحداث فردية، بل يضعها دوماً في إطار نظرة شاملة لحياته ومصيره.
فإزاء موت قريب له أو صديق، وما يسبّبه له هذا الحدث المفجع من حزن وألم، يتساءل المؤمن ليس عن نهاية حياة هذا الانسان وحسب، بل عن نهاية حياته هو ونهاية حياة كل انسان. من خلال تلك الخبرة يدرك أن الانسان لم يخلق فقط لبضع سنوات يقضيها على هذه الأرض، بل خُلق للحياة الدائمة مع الله. عندئذٍ لا يعود الموت في نظره نهاية كل شيء بل مروراً إلى حياة الله.

ج- الإيمان بالله هو الإيمان بالمحبة
لا شك في أن تلك النظرة لن تزيل من حياته كل ألم. فالفواجع التي تنتابه والمصائب التي تلمّ به تبقى أحداثاً لا يمكنه كإنسان إلا أن يشعر بمرارتها وقسوتها. ولكنه يؤمن ان الله أعظم منها، وان محبة الله له أقوى من الموت وأقوى من كل ما يمكن أن يحدث له.
عندما أراد يوحنا الانجيلي التعريف بالله لم يلجأ إلى تعبير فلسفيّ نظريّ، بل قال: "ان الله محبة. فمن ثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16). وفي تعريفه بالمحبة يقول: "على هذا تقوم المحبة: لا أنّا نحن أحببنا الله، بل هو نفسه أحبَّنا وأرسل ابنه كفّارة عن خطايانا" (1 يو 4: 10). لقد عرّفنا يوحنا بالله من خلال علاقة الله بالبشر. وتلك العلاقة هي علاقة محبة.
ويجد هذا التعريف بالله صدى في قول جبران خليل جبران: "أما أنت إذا أحببت فلا تقل: الله في قلبي، لكن قل: أنا في قلب الله".
هذا هو موقف المؤمن الحقيقي إزاء الحياة والكون وكل ما يمكن أن يحدث له في اليسر والضيق، في الفرح والحزن، في السعادة والشقاء، في الحياة والموت، يؤمن انه ليس وحيداً في هذا الكون ولا غريباً في هذه الحياة. فالله قد أحبّه واختاره وقبله.
انه في قلب الله إلى الأبد.
تلك هي البشرى الصالحة التي بشّرنا بها يسوع المسيح في كلامه عن الله، وفي حياته كلها وموته وقيامته.
كيف ظهر لنا الله في شخص يسوع المسيح؟
الله الآب في العَهْد الجَديد

"نؤمن بإلهٍ واحدٍ آبٍ ضابطِ الكل..."

"الله لم يره أحد قط، الإله، الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو نفسه قد أخبر" (يو 1: 18).
ان الإله الذي يتوق كل إنسان إلى معرفته والذي ظهر للأنبياء في العهد القديم، قد ظهر لنا في ملء الأزمنة في شخص ابنه يسوع المسيح. وقد رسمت لنا الأناجيل المقدسة، في لوحات رائعة، صورة الله كما تجلَّت من خلال تعاليم يسوع وأعماله وموته وقيامته، ونجد في تلك الصورة خطوطاً اعتدناها في العهد القديم وخطوطاً جديدة برزت لنا في المسيح.
- الإله الوحيد
فعلى غرار العهد القديم، يبدو لنا اللهُ في العهد الجديد الإلهَ الوحيد الذي له وحده يجب السجود والعبادة، والإله القريب من الانسان، الذي يعتني بجميع الناس ويدعوهم إلى دخول ملكوته.
فعندما يتكلم يسوع عن الله لا يبشّر بإله جديد، بل بالإله الوحيد الذي ظهر في العهد القديم لابراهيم واسحق ويعقوب وموسى وسائر الأنبياء. وقد سأل يوماً أحد الكتبة يسوع عن أولى الوصايا، فأجابه يسوع مردّداً كنت العهد القديم: "أُولى الوصايا هي: اسمع يا اسرائيل: الرب إلهنا هو الرب الوحيد. فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوّتك" (مر 12: 29، 30؛ راجع تثنية الاشتراع 6: 4، 5).
وللتعريف بهذا الإله لا يلجأ يسوع إلى لغة فلسفية وتعابير نظرية تصف الله في ذاته، بل يستخدم، على مثال أنبياء العهد القديم، لغة حياتية وتعابير واقعية وأمثالاً شعبيّة لا تعرّف بالله في ذاته بقدر ما تعرّف به في علاقته بالعالم والانسان. فيبدو الله، في تعاليم يسوع، قريباً من العالم والانسان، على خلاف آلهة الفلاسفة الأقدمين.
فالله، عند أفلاطون، هو الفكرة المطلقة المجرِّدة للخير، وهو بعيد كل البعد عن هذا العالم، عالم الظواهر الحسية والمادة الفاسدة. وينتج من تلك النظرة إلى الله موقف عداء للمادة ورذل للجسد.
والله، عند أرسطوطاليس، وان كان قد أبدع الكون، إلا أنه يحيا منذ الأزل بعيداً عن الكون. فهو العقل الذي يعقل ذاتَه ولا يبالي بالعالم: لا علاقة له بشؤون البشر، فلا يعتني بهم ولا يطلب منهم شيئاً.
والله، عند أفلوطين، هو الواحد المنفصل عن الكون، الذي منه انبثق عالم المادة. إلا أن العالم، بانبثاقه من الواحد، سقط في فساد الكثرة والتعدّدية. لذلك، بينما الإله الواحد هو إله الخير، لا يرى أفلوطين في المادة إلا الشر والفساد. ويتحتّم من ثم على الانسان الذي يريد الوصول إلى الله أن يبتعد عن المادة ويتحرّر منها.
- الإله القريب من الانسان
هذا التناقض بين الله والكون لا وجود له في العهد القديم ولا في تعليم يسوع. فالله، منذ العهد القديم، هو الذي خلق الكون والمادة وخلق الانسان روحاً وجسداً، "ورأى ذلك كله انه حسن". وبعد أن خلق الكون والانسان لم يتخلَّ عنهما بل بقي ملتزماً ما خلق. فهو سيّد التاريخ وسيّد الانسان، وهو الذي يقود البشرية جمعاء إلى الخلاص. وقد أعلن للانسان مشيئته القدوسة في ما رسم له من أحكام ووصايا، وطلب منه الطاعة لأحكامه والأمانة لوصاياه. ومهما ابتعد الانسان عن الله، يبقى الله قريباً من الانسان يخاطبه ويذكّره بعهده ووصاياه، تارة في كلام الأنبياء وطوراً من خلاله أحداث التاريخ، يلاطفه مرّة ويداعبه، ويؤنّبه مرّة ويقاصّه.
هذا الإله يصوّره لنا الكتاب المقدّس منذ سفر التكوين في ملامح بشرية. فنراه يتكلم ويأمر ويَعِد ويهدّد ويقاصّ ويسامح ويتطلّب ويغار ويغضب ويندم، يشعر بالفرح والحزن، بالمحبة والكره. لا تعني تلك التصاوير البشرية أن الله هو على مثال الانسان في تقلُّب عواطفه وتغيّر طبعه ومزاجه. فالقصد منها إظهار قرب الله من الانسان وعنايته الدائمة به وغيرته المستمرة عليه.
فالله ليس كائناً مبهماً ولا حقيقة مجرّدة. وليس هو بالفراغ المظلم الذي لا يمكن التعريف به ولا الهاوية التي لا يمكن تحديدها. الله في تعليم يسوع، كما في العهد القديم، يظهر لنا كائناً شخصياً يمكن التحدّث إليه، وكائناً حياً أعطى الحياة للإنسان، وكائناً محباً يعتني بالبشر كما يعتني الأب بأبنائه. وهذا الكائن الشخصي الحي المحب هو الذي أخذ المبادرة وأوحى بنفسه إلى الانسان داعياً إياه إلى أن ينشى معه علاقات شخصيّة وحيّة، وعلاقات محبة.
فالله هو الذي يقترب من الانسان ويريد أن يقترب منه الانسان بثقة ومحبة فيخاطبه ويتحدث إليه في الصلاة داعياً شاكراً ساجداً مبتهلاً. ومن خلال تلك العلاقات يريد الله من الانسان أن يزيل من نفسه كل خوف وقلق يمكنه أن يشعر بهما في هذا العالم، ويثق بالله ثقة الصديق بصديقه ويحبه محبة الابن لأبيه.
لذلك لا نجد لا في العهد القديم ولا في تعاليم يسوع براهين فلسفية عن وجود الله. فيسوع لا ينطلق من الكون والانسان ليبرهن من خلالهما عن وجود الله. إلاّ أنه عندما يتكلم عن الكون والانسان يظهرهما دوماً مرتبطين بكائن آخر هو مبدأ كيانهما وثبات وجودهما. لا يرى يسوع العالم إلا في نور الله، فاذا به عالم حسن يستطيع الانسان، دون خوف وقلق، أن يحقّق فيه ذاته ويصل من خلاله إلى سعادته وغاية وجوده.
وهكذا يظهر وجود الله في تعليم يسوع جواباً ليس على رفض الملحدين ولا على فضولية علمية تحاول تقصّي أسرار الكون، بل على حاجة وجودية كامنة في أعماق كيان الانسان. 
فالله، في نظر يسوع، لا يهمل الناس بل يعتني بهم جميعاً كما يعتني بطيور السماء وزنابق الحقل. لذلك يجب على الانسان ألاّ يعيش في الخوف والقلق والاضطراب. وهذا معنى عدم الاهتمام المفرط بأمور الحياة الذي يطلبه يسوع بقوله:
"لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماء، فإنها لا تزرع ولا تحصد، ولا تجمع إلى الأهراء، وأبوكم السماوي يقوتها؛ أفلستم أنتم أفضل منها بكثير؟ مَن منكم يستطيع، مع الجهد، أن يزيد على عمره ذراعاً واحدة؟ ولماذا تقلقون بشأن اللباس؟ تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو، إنها لا تتعب ولا تغزل؛ وأنا أقول لكم: ان سليمَان نفسه، في كل مجده، لم يلبس كواحدة منها. فاذا كان عشب الحقل، الذي يكون اليوم، ويُطرَح في التنّور غداً، يلبسه الله هكذا، فكم بالأحرى يلبسكم أنتم، يا قليلي الايمان؟ فلا تقلقوا إذن قائلين: ماذا نأكل؟ أو: ماذا نشرب؟ أو: ماذا نلبس؟ فهذا كله يطلبه الوثنيون، وأبوكم السماوي عالم بأنكم تحتاجون إلى هذا كله. بل اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّه يُزاد لكم".
(متى 6: 25- 34)
وهذا ما يعنيه يسوع أيضاً في مَثَل القاضي الجائر الذي كانت تأتي إليه أرملة قائلة: أنصفني من خصمي.
"فامتنع زماناً طويلاً، ثم قال في نفسه: اني وإن كنت لا أتّقي الله، ولا أرعى للناس حرمة، أنصف هذه المرأة بما أنها تبرمني، لئلا تعود، على غير نهاية وتوجع رأسي". ثم قال الرب: "اسمعوا ما يقول القاضي الجائر! والله، ترى، أفلا ينصف مختاريه الذين يصرخون إليه نهاراً وليلاً؟ وهل يتوانى عنهم؟ أقول لكم: انه ينصفهم سريعاً".
(لوقا 18: 4- 8)
ويشبّه يسوع الله بالأب الذي يعرف أن يعطي العطايا الصالحة لأولاده:
"إسألوا فتعطوا، اطلبوا فتجدوا، إقرعوا فيفتح لكم. فإن كلّ من يسأل يُعطى، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له. أي إنسان منكم يسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً؟ أو يسأله سمكة فيعطيه حيّة؟ فاذا كنتم، مع ما أنتم عليه من الشرّ، تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأولادكم، فكم بالأحرى أبوكم الذي في السماوات يمنح الصالحات للذين يسألونه!"
(متى 7: 7- 11)
في تلك التصاوير والتشابيه والأمثلة يجد الانسان الجواب على ما يلاقيه في حياته من صعوبات ومضايق: في الشدّة والعذاب، في الضيق والألم، في الحزن والحرمان، يعلم أن الله لا يهمله، بل هو قريب منه، وانه باستطاعته في كل لحظة أن يلتجئ إلى الله فيجد الراحة والسلام والفرق والحياة.
لم يأتِ يسوع ليشبع فضولية الانسان ويكشف له عن أسرار الكون، بل جاء ليعطيه موقفاً جديداً من الحياة، موقف إيمان بأن الحياة هي عطية من الله الأب المحبّ القريب من الانسان.
- إله الملكوت
إنّ قُرب الله من الانسان قد تحقق بشكل خاص بمجيء الملكوت في شخص يسوع المسيح. كان اليهود في العهد القديم ينتظرون زمناً يملك فيه الله على البشر ملكاً مباشراً فيزيل من الأرض الشقاء والظلم، ويحيا الناس متّحدين اتحاداً صميماً بالله الحاضر في العالم حضوراً دائماً ومتمّمين على الدوام إرادته المقدسة.
عندما باشر يسوع كرازته بدأها بالتبشير مجيء الملكوت: لقد تمّ الزمان واقترح ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. والأدلّة على قرب الملكوت أعطاها يسوع في ما اجترح من معجزات. ففي نقاش مع الفريسيين قدّم لهم يسوع معجزاته دليلاً على قرب الملكوت: "اذا كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله" (متى 12: 28).
وبينما كان يوحنا المعمدان في السجن أرسل اثنين من تلاميذه يسألان يسوع: أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟ فأجابهما يسوع: "انطلقوا وأعلِموا يوحنا المعمدان بما تسمعون وترون: العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصمّ يسمعون والموتى ينهضون والمساكين يبشّرون وطوبى لمن لا يشكّ فيّ" (متى 11: 4- 6).
كل تلك المعجزات هي آيات، أي أعمال رمزية تظهر حضور الله وعمله في العالم بشكل نهائي في شخص يسوع المسيح، وتدعو الناس إلى الايمان بالمسيح ودخول الملكوت. ولا يستطيع أحد أن يلاقي الله ويدخل ملكوته إلا بتجديد حياته. فالسامرية والمرأة الزانية وزكّا العشّار ونيقوديمس ومتى العشّار وبطرس، جميعهم دخلوا الملكوت عندما آمنوا أن الله قد حضر اليهم في شخص يسوع. التقوا الله في الايمان بالمسيح ومن ثم جدّدوا حياتهم ليحيوا حياة الله فيهم.
قلنا في الفقرة الثانية إن يسوع لا يبرهن عن وجود الله فلسفياً بل يرى كل شيء في نور الله، فيبدو وجود الله أساساً لوجود الكون ووجود الانسان.
نضيف هنا أن الله ليس وهماً ولا صنع مخيّلة البشر ولا انعكاساً لرغباتهم كما يدّعي الملحدون من أمثال وماركس وفويرباخ فالله، في نظر يسوع حقيقة تسبق الانسان وكائن لا يستسلم لرغبات الانسان بل يدعوه إلى تجديد حياته للولوج إلى حياة الله. وقد أصبح ذلك ممكناً بمجيء المسيح.
ان الله الذي هو قريب من الانسان منذ أن خلقه، والذي التزم محبة الانسان منذ أن أوجده، قد أصبح حاضراً في الكون ومع الناس حضوراً خاصاً ومميّزاً في شخص يسوع المسيح. ففي المسيح يسوع يملك الله على البشر لا كما يملك ملك على عبيده، بل لا يملك الحق في قلب عاشق الحق. وفي المسيح يسوع يحيا الناس مع الله، لا كما يحيا عبيد مع أسيادهم بل كما يحيا أبناء مع أبيهم. فبيسوع ابن الله يستطيع الجميع أن يصبحوا أبناء الله.
"لما بلغ ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس وننال التبنّي" (غلا 4: 4، 5)، "وكل الذين قبلوه آتاهم سلطاناً أن يصيروا أبناء الله" (يو 1: 12).
لذلك في العهد الجديد يبدو لنا الله إله والملكوت وإله النعمة والرحمة في آن واحد.
- إله النعمة والرحمة
"إن الناموس قد أُعطي لنا بموسى، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا" (يو 1: 17).
إن قمة كشف الله عن ذاته في العهد القديم هي في ظهوره لموسى على جبل سيناء. فهناك أبرم الله عهداً مع بني اسرائيل وهناك أعطاهم الناموس ووعدهم بأن يكون معهم إن حفظوا وصاياه. وأصبح الناموس في العهد القديم الطريق الذي يقود الانسان إلى الله.
أما في العهد الجديد فالله ليس إله الناموس بل إله النعمة والرحمة. وهذا ما أظهره يسوع في عمله وفي تعليمه. فنراه ينقض الناموس ليجري الأشفية يوم السبت، فيشفي اليابس اليد (متى 12: 1- 14)، والمرأة الحدباء (لوقا 13: 10- 17)، ويرفض أن تطبّق شريعة موسى القائلة برجم المرأة الزانية ويستبدلها بالرحمة والمغفرة (يو 8: 3- 11).
لقد أظهر يسوع بنوع فائق رحمة الله للخطأة. "فكان العشّارون والخطأة جميعاً يقبلون إليه ليسمعوه، ما جعل الفريسيين والكتبة يتذمّرون قائلين: ان هذا الرجل يقبل الخطأة ويأكل معهم" (لوقا 15: 1، 2).
فيغفر لمخلّع كفرناحوم: "يا رجل مغفورة لك خطاياك"، ثم يشفيه: "لك أقول: قمْ واحمل فراشك وامضِ إلى بيتك" (لوقا 5: 17- 26).
وفي بيت سمعان الفرّيسي يغفر للمرأة الخاطئة التي جاءت إليه تبكي وتبلّ رجليه بالدموع وتمسحهـا بشعر رأسها، ويقول لسمعان: "إن خطاياها، خطاياها الكثيرة، مغفورة لها، بما أنها أحبّت كثيراً" (لوقا 7: 36- 50).
ويغفر لزكّا العشّار قائلاً: "اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت، فإنه هو أيضاً ابن لابراهيم. لأن ابن البشر قد جاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه" (لوقا 19: 1- 10).
وتفسيراً لموقفه من الخطأة يصف في عدة أمثال موقف الله نفسه من الخطأة. وقد جمع لوقا في الفصل الخامس عشر من إنجيله ثلاثة من هذه الأمثال: الخروف الضالّ والدرهم المفقود والابن الشاطر.

أ- مَثَل الخروف الضالّ
فالله يشبه الراعي الصالح الذي لا يرضى بأن يهلك أحد من خرافه، "فاذا كان له مئة خروف وأضاع واحداً منها، يترك التسعة والتسعين في البرّية ويمضي في طلب الضالّ حتى يجده، واذا ما وجده يحمله على منكبيه فرحاً، ويعود إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران ويقول لهم: افرحوا معي، فإني قد وجدت خروفي الضالّ". ثم يردف يسوع منتقداً الفريسيين والكتبة الذين كانوا يتذمّرون لقبوله الخطأة ومؤاكلتهم، ومنتقداً الصورة المشوّهة التي كانوا يرون الله من خلالها: "أقول لكم: هكذا في السماء يكون فرح بخاطئ يتوب أكثر ما يكون بتسعة وتسعين صدّيقاً لا يحتاجون إلى توبة" (15: 4- 7). ويعني بهؤلاء التسعة والتسعين الفريسيين الذين يعتقدون أنهم صدّيقون وأنهم ليسوا بحاجة إلى توبة (راجع في ذلك مَثَل الفريسي والعشّار، لوقا 18: 9- 14).

ب- مَثَل الدرهم المفقود
والله يسعى أيضاً وراء الخاطئ كما تسعى المرأة الفقيرة وراء درهم أضاعته من دراهمها العشرة، "فتوقد سراجاً وتكنِّس البيت، وتطلبه في اهتمام حتى تجده؛ واذا ما وجدته تدعو الصديقات والجارات وتقول لهنّ: افرحن معي، فاني قد وجدت الدرهم الذي أضعت". ثم يضيف يسوع: "أقول لكم، إنه هكذا يكون الفرح عند ملائكة الله بخاطئ يتوب" (15: 8- 10).

ج- مَثَل الإبن الشاطر أو الأب الرحيم
أما قمّة الوحي الانجيلي بصورة الله فنجدها في مَثَل الإبن الشاطر. فالله الملك يصبح الله الأب، وعلاقة الله مع الناس لم تعد علاقة ملك مع عبيده، بل علاقة أب مع أبنائه، الخطأة والصدّيقين، الأشرار والصالحين.
فالله هو ذلك الأب الذي ينتظر عودة ابنه الأصغر الذي أخذ حصّته من الميراث وقصد إلى بلد بعيد وأتلفها هناك عائشاً في التبذير. ولدى عودته، "وإذ كان بعد بعيداً، أبصره أبوه، فتحرّكت أحشاؤه وبادر إليه وألقى بنفسه على عنقه وقبَّله طويلاً" (15: 20). ولما أراد الابن أن يعتذر عمّا صنعه، قائلاً: "يا أبتاه، قد خطئت إلى السماء وإليك، ولا أستحقّ بعد أن أُدعِى لك ابناً" قاطعه الأب قائلاً لغلمائه: "هلمّوا سريعاً بأفخر حلّة وألبسوه وضعوا في يده خاتماً وفي رجليه حذاء، وأْتوا بالعجل المسمَّن واذبحوه، ولنأكل ونفرح، لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجِد" (15: 22- 24).
يجب أن يدعى هذا المَثَل، لا مَثَل "الإبن الشاطر"، بل مَثَل "الأب الرحيم"، لأنه لا يركّز على موقف الإبن الشاطر بقدر ما يركّز على موقف الأب من ابنه الأصغر ثم من ابنه الأكبر. فالأب يغفر لابنه الأصغر ويعيده إلى بيته مكرَّماً، ثم يدعو ابنه الأكبر الذي يغضب ويرفض الدخول إلى البيت، إلى مشاركته الفرح بعودة أخيه الأصغر "الذي كان ميتاً فعاش وكان ضالاًّ فوُجِد" (15: 32).
فالابن الأكبر يمثِّل الفريسيين في كبريائهم وقسوتهم تجاه موقف يسوع من الخطأة. كل ما عرَف الابن الأكبر عن أبيه الخدمة والأوامر. فيقول لأبيه: "كم لي من السنين في خدمتك، ولم أتعدَّ قط أمراً من أوامرك" (15: 29). وكل ما عرف الفريسيون عن الله الناموس والوصايا. ولكن الله، في نظر يسوع، ليس إله الأوامر والنواهي والناموس والوصايا، بل الله هو إله الرحمة والمحبة، وبقدر ما يبتعد أبناؤه عنه، بقدر ذلك تزيد محبته لهم. وهذا ما لم يستطع أن يفهمه الفريسيون المتعلقون تعلُّقاً أعمى بحرف الناموس.
الله، في نظر يسوع، ليس إله الكبت والضغط والإكراه، بل إله التحرّر الذي يحرّر الانسان من حواجز التقاليد الاجتماعية والأحكام البشرية التي تفصل السامريين عن اليهود والعشّارين عن الفريسيين، وتغلق على الخطأة في خطيئتهم وعلى المنبوذين في انتباذهم وعلى المحرومين في حرمانهم وعلى الضعفاء في ضعفهم.
الله، في نظر يسوع، هو إله الممكنات الذي يفتح أمام الانسان آفاق المستقبل، فيحرّره من قيود نفسه ويدعوه إلى تجاوز ذاته باستمرار؛ الله فيض من العطاء المجاني لا نستطيع أن ندرك عمقه أو سعة امتداده.
والايمان بهذا الإله لا يستطيع الانسان أن يصل إليه عن طريق التحليل الفكري بل عن طريق الاختبار الشخصي. ان الإله الحقيقي قد ظهر لنا في شخص يسوع المسيح. والرسل والتلاميذ الذين آمنوا بيسوع وعاشوا معه اختبروا من خلاله الله وعرفوا وجهه الحقيقي.
وعندما أراد يوحنا الانجيلي أن يعرّف بالله كما ظهر له من خلال تعاليم يسوع وحياته، ومن خلال خبرته الشخصية وخبرة سائر الرسل، لم يجد أجمل وأعمق وأصدق من هذا التعبير : "ان الله محبة" (1 يو 4: 16).
- كمال الله في كمال المحبة
في نهاية الفصل الخامس من انجيل متى، يطلب يسوع من مستمعيه أن يتشبّهوا بكمال الله: "فأنتم اذاً كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل" (متى 5: 48).
قد يتبادر إلى أذهاننا أن كمال الله هو في قدرته المطلقة على كل شيء، وعلمه الكامل بكل شيء، وتنزّهه عن المادة، وأزليته التي لا يستطيع أحد أن يدرك مداها، وعدم تحوّله وتغيّره. ونتساءل: كيف يسعنا، نحن البشر الضعفاء المحدودين في الوجود والمعرفة، أن نتشبّه بكمال الله؟
ان يسوع يعلم ضعف البشر وحدودهم، ومع ذلك يطلب منهم أن يكونوا كاملين مثل الله. ذلك لأنه أوجز جميع صفات الله في صفة واحدة هي في متناول الانسان، وتلك الصفة هي المحبة:
"سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أما أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فانه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والأثمة. فإنكم إن أحببتم من يحبكم فأيّ أجر لكم؟ أليس العشّارون أنفسهم يفعلون ذلك؟ وإن لم تسلِّموا إلاّ على اخوانكم فقط، فأيّ عمل خارق تصنعون؟ أوَليس الوثنيون أنفسهم يفعلون ذلك؟ فأنتم إذن كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل".
(متى 5: 43- 48)
لن يصل الانسان إلى كمال الله، في نظر يسوع، إلا بالتشبّه بمحبة الله الشاملة لجميع الناس. "قل لي مَن هو إلهك، أقُل لك مَن أنت". إلهنا محبة، فينبغي أن نكون نحن محبة. والله هو الذي بادرنا بالمحبة. وانطلاقاً من تلك المحبة التي أحبَّنا، يطلب منا أن نحبّ بعضنا بعضاً. بهذا فقط نستطيع أن نصل إلى الله: "ان الله محبة، فمن ثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16).
ان الله قد أحبّنا أولاً وغفر لنا خطايانا. فنحن البشر كلنا نشبه ذلك العبد الذي قُدِّمَ إلى سيّده وعليه عشرة آلاف وزنة، وإذ لم يمن له ما يوفي به، تحنّن عليه سيّده وترك له الدَّين. (راجع المَثَل في متى 18: 21- 35). وكما غفر لنا الله دون حدّ، كذلك يطلب منا أن نغفر بعضنا لبعض زلاّتنا، وذلك ليس فقط إلى سبع مرّات بل إلى سبعين مرّة سبع مرات أي دون أي حد.

أ- صفات الله
بهذا تتميّز المسيحية عن سائر الديانات، في نظرتها إلى الله. ان إله المسيحية لم يخترعه المسيحيون كما يدّعي الملحدون. فالله هو الذي أظهر لنا ذاته في شخص يسوع وتعليمه. وقد ظهر لنا محبة متجسّدة. فالمحبة هي التي تحدّد الله في المسيحية وانطلاقاً من هذا التحديد تأخذ صفات الله التي تتحدّث عنها الفلسفة ومختلف الديانات معاني جديدة:
فأزلية الله لا تعني ابتعاده عن الزمن، بل حضور محبته حضوراً دائماً ومعاصراً لجميع الأزمنة.
وروحانيته لا تعني تنزّهه عن المادة الفاسدة، بل سلطته المطلقة على الخليقة كلها وشمول محبته الكون بأسره؛ فالروح يهبّ في كل مكان ولا يستطيع أحد أن يوقف عمله.
وصلاحه ليس إشعاعاً طبيعياً لما فيه من خير بقدر ما هو عمل اختيار عطوف ومحبة حرة. 
وعدم تحوّله لا يعنى الجمود بل الأمانة الكاملة لذاته ولمحبته. وعدله لا يعني مجازاة كل واحد بحسب أعماله وفقاً لنظام لازمني، بل هو فيض من المحبة والرأفة والخلاص.
وعدم ادراكنا له لا يعني اننا أمام كائن مبهم وحقيقة غامضة، بل ان الله يسمو على كل ما يستطيع الانسان أن يتصوّره، وان محبته لا يمكن أحداً أن يسبر عمقها، حسب قول بولس الرسول:
"يا لعمق غنى حكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن التنقيب وطرقه عن الاستقصاء! فمن عرف فكر الرب؟ ومَن كان له مشيراً؟ من سبق فأعطاه، فيردّ اليه؟ ان كل شيء هو منه وبه وإليه. فله المجد إلى الدهور، آمين"
(روم 11: 33- 36).

ب- المحبة حتى الموت
ولقد ظهرت محبة الله في أقصى حدودها في موت يسوع على الصليب: "فانه هكذا أحبّ الله العالم حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16).
فالله الآب بذل ابنه لأجل العالم. ويسوع ابن الله بذل ذاته لأجل العالم متمماً ما قاله لتلاميذه: "ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل الحياة عن أصدقائه". (يو 15: 13). والابن في بذل ذاته حتى الموت هو صورة لله الآب: "مَن رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9). ان يسوع المسيح هو صورة لله الآب ليس فقط في حياته ومعجزاته وموقفه تجاه الخطأة، بل أيضاً وبنوع خاص في موته. فالابن في محبته لنا حتى الموت هو صورة حقيقية للآب الذي أحبنا حتى أقصى حدود المحبة.
يتصوّر البعض أن يسوع على الصليب قد سكَّنَ غضب الله الثائر على البشر من جرّاء خطاياهم. ان هذا التصوّر البشري بعيد كل البعد عن الموقف الالهي. فيسوع في بستان الزيتون كان يخاطب الله قائلاً: "يا أبتاه، إن شئتَ فأَجزْ عني هذا الكأس. ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لوقا 22: 42). الكأس هنا هي كأس العذاب ولكنها في الوقت نفسه كأس الخلاص. ومشيئة الله ليست في الانتقام من الخطأة بل في خلاصهم وتبريرهم. ويسوع في وسط عذابه يستعمل لفظة يا أبتاه (بالعبرية "أبّا")؛ ففي لحظة عذابه وموته، كما في كل حياته، نرى ان إرادته متّحدة بإرادة الله الآب لخلاص البشر بالمحبة حتى الموت في سبيلهم.
ان حوار يسوع مع أبيه في بستان الزيتون يذكّرنا بحوار اسحاق مع أبيه ابراهيم عندما أصعده ابراهيم إلى جبل موريّا ليقدّمه ذبيحة لله: "فكلّمَ اسحاق ابراهيم أباه وقال: يا أبتاه! قال: لبّيك يا بُنيّ! قال: هذه النار والحطب، فأين الحَمَل للمحرقة؟ فقال ابراهيم: الله يرى الحَمَل له للمحرقة يا بُنيّ. ومضيا كلاهما معاً" (تكوين 22: 7، 8).
إن إله ابراهيم ليس إلهاً سفاحاً كآلهة الوثنيين العطشى إلى دم البشر، وإله يسوع كان بإمكانه أن يرسل لنصرته اثنتي عشرة جوقة من الملائكة. ولكن إله يسوع، كإله ابراهيم، ليس إله الحرب والقتل والدمار، إنه أب لإبن وحيد. وهذا الابن قد أسلمه لأجلنا نحن، حسب قول بولس الرسول: "اذا كان الله معنا، فمَن علينا؟ هو الذي لم يشفق على ابنه الخاص بل أسلمه عنا جميعاً، كيف لا يهبنا معه كل شيء؟" (روم 8: 31، 32).
بموت يسوع ظهرت صورة الله الحقيقية. فالله ليس إله القدرة والتسلّط والعظمة والانتقام. إنه إله العطاء والمحبة الذي بذل ابنه الوحيد للموت ليظهر للبشر محبته لهم ويمنحهم الفداء والخلاص.
إلا أن الموت ليس نهاية كل شيء. فالله الذي أظهر أقصى محبته للعالم ببذل ابنه إلى الموت لأجل حياة العالم، أظهر أيضاً أقصى محبته لابنه وللعالم بإقامته يسوع من بين الأموات وإدخاله البشرية إلى مجده السماوي. "فالله ليس إله أموات، بل إله أحياء" (متى 22: 32). ثم "ان المسيح قد قام من بين الأموات، باكورة للراقدين" (1 كور 15: 20).
- الله والانسان
هل انكشف لنا، من خلال ما قلناه، وجه الله الحقيقي؟ لربما لم يتضح لنا وجه الله في ذاته بقدر ما اتضح لنا وجه الله في علاقته بالانسان. فالله في ذاته لا يستطيع انسان أن يراه ويبقى حياً. اننا نبقى إزاء سرّ الله كموسى الذي ظهر له الله على جبل سيناء فطلب إليه أن يريه وجهه فقال له الله: "لا يستطيع انسان أن يراني ويبقى حياً". لم يقدر موسى أن يشاهد وجهه، لكنه شاهد مجده أي بعضاً من حضوره، لم يعرف موسى الله إلا من خلال عمله. فلما أخرج الله شعبه من عبودية مصر، عرف موسى ان الله هو إله الخلاص والمحبة والحرية.

أ- يسوع المسيح طريق الانسان إلى الله
هكذا في العهد الجديد أيضاً عرفنا الله من خلال ابنه يسوع الذي هو حضور الله بالجسد.
جميع الذين يؤمنون بالإله الواحد يعترفون بأن الله هو خالق الكون وخالق الانسان. وجميع الذين يؤمنون بالوحي يعترفون بأن الله قد أوحى بذاته للانسان بواسطة أنبيائه ومرسليه. إلا أن الإيمان بالإله الواحد يتَّسم في المسيحية بسِمَة خاصة. فإله الكون وخالق الدنيا الذي يؤمن بوجوده المسيحيون والمسلمون واليهود معاً هو، تبعاً للإيمان المسيحي، إله المحبة الذي لم يكتفِ بإظهار وجوده في الكون والطبيعة وإعلان إرادته لبعض الأنبياء المختارين كإبراهيم وموسى عند اليهود ومحمد عند المسلمين، بل ظهر شخصياً في تاريخ البشر وأوحى بذاته في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح، ليشرك البشر جميعاً في حياته الالهية.
"ان الله، بعد إذ كلَّمَ الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالإبن الذي جعله وارثاً لكل شيء كما وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده، وصورة جوهره، وضابط كل شيء بكلمة قدرته".
(عبرانيين 1: 1- 3)
بهذا يتميّز الايمان المسيحي عن إيمان اليهودية والاسلام: "ان الناموس قد أُعطي بموسى، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا. الله لم يره أحد قط، الإله، الابن الوحيد الذي في حضن الآب، هو نفسه قد أخبر" (يو 1: 17، 18)
ان الناموس الموسوي هو الطريق الذي يقود اليهود إلى الله، والقرآن المحمّدي هو الطريق الذي يقود المسلمين إلى الله؛ أما الطريق الذي يقود المسيحيين إلى الله فهو شخص يسوع المسيح، ابن الله المتجسّد، الذي هو "الطريق والحق والحياة ولا يأتي أحط إلى الآب إلا به" (يو 14: 6).
ماذا يعني شخص يسوع المسيح بالنسبة إلى البشر؟ لقد تمّ في شخص يسوع المسيح اتحاد الله والانسان. فيسوع المسيح هو ابن الله الذي أظهر لنا الإله الحقيقي، وهو الانسان الكامل الذي كان، في عمق كيانه وفي كل حياته، متّحداً اتحاداً تاماً بالله الآب. لذلك حقّق في ذاته وفي حياته حلم الانسان الدائم ببلوغ الاتحاد الكياني بالله.
ان المسيحيين، بقبولهم يسوع المسيح واتحادهم به، يكرزون برؤية جديدة للكون وللواقع الانساني. فالكون الذي يرى فيه كل مؤمن وجه الله الخالق يرون هم فيه أيضاً وجه الله المخلص، بيسوع المسيح الكائن الجديد الذي حقق في الكون الخليقة الجديدة وصالح الانسان مع الله ومع نفسه ومع الآخرين.
نؤمن نحن المسيحيين أن الكيان الانساني قد ظهر في الوجود والتاريخ دون نقص أو اعوجاج في شخص يسوع المسيح الذي، باتحاده العميق بالله في كيانه وحياته، تغلَّبَ على المخرّب والضياع وبلغ كمال الانسانية. ان الكائن الجديد قد ظهر في شخص يسوع المسيح. وهذا الكائن الجديد وحده يطابق جوهر الانسان ما يجب أن يكون.
وعلى هذا الإيمان نرتكز لنؤكد أن الانسان يستطيع أن يتغلّب على ما يشعر به من تغرّب وضياع وقلق ويحقّق ما يصبو إليه في عمق كيانه. فالبشر لا يطلبون جواباً نظرياً على تغرّبهم وقلقهم، بل يطلبون السيطرة على تغرّبهم والخلاص من قلقهم، وهذا ما يجدونه في الاشتراك في الكيان الجديد الذي ظهر في شخص يسوع المسيح. عندما يعتمدون بالمسيح يلبسون المسيح ويصبحون خلائق جديدة: "أنتم الذين للمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم" (غلا 3: 27)؛ "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، فالقديم قد اضمحلّ وكلّ شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 17).
لقد رأينا في الفصل الأول أن هناك ثلاثة أنواع من الخاطر تهدّد الانسان في أبعاد كيانه الثلاثة: فالشعور بالفراغ والعبث يهدّدانه في كيانه الروحي، والشعور بالذنب والهلاك الأبدي يهدّدانه في كيانه الأدبي، والمصائب والموت تهدّده في وجوده وحياته. وقد أظهر لنا يسوع في حياته وأعماله وموته وقيامته انّ من يؤمن بالله ويحيا متّحداً به لا يمكن أن يخاف من بعد أو يقلق إزاء أي من تلك الخاطر.
فلا شعور من بعد بالفراغ والعبث عندما نعلم أن لحياتنا قيمة لامتناهية، إذ ان الله أحبّنا إلى حدّ أنه بذل ابنه الوحيد لأجلنا.
ولا شعور من بعد بالذنب ولا خوف من الهلاك الأبدي عندما نعلم أن الله هو إله الرحمة والمغفرة الذي لا يريد موت الخاطئ بل يسعى إليه كالراعي الصالح ليعيد إليه الحياة، وينتظر عودته كما ينتظر الأب الرحيم عودة ابنه الضالّ.
ولا خوف من بعد أمام المصائب ولا قلق أمام الموت، عندما نعلم أن الله نفسه يمنحنا قوته لنتغلب على المصائب ونزيل الشرّ من العالم، وننتصر أخيراً على الموت وندخل مع ابنه القائم من بين الأموات إلى الحياة الأبدية.

ب- حياة الانسان مع الله
يتساءل بعض الناس اليوم: ماذا يفيد الانسان أن يؤمن بالله في عصر الذرّة والعلم والتقنية؟ لقد توصل العلم إلى اكتشاف أسرار الكون وتوصلت التقنية المعاصرة إلى تلبية معظم حاجات الانسان المادية. فما الحاجة بعد إلى الايمان بالله؟
لا يهدف الايمان بالله إلى كشف أسرار الكون للانسان ولا إلى تلبية حاجاته المادية. "نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل". الإيمان بالله، في المسيحية، هو الإيمان بأن الله هو أب لجميع البشر، وبأن هذا الأب قد أوحى لنا بذاته في شخص ابنه يسوع المسيح ليصبح كل إنسان في المسيح ابناً لله.
الله محبة، والمحبة علاقة بين أشخاص. لذلك فالإيمان بالله هو أولاً الإيمان بأن الله بادرنا بالمحبة وأعطانا ابنه الوحيد ليظهر لنا عمق تلك المحبة ويكون هو نفسه العلاقة بيننا وبين الله، وهو ثانياً الدخول إلى تلك المحبة والحياة بموجبها.
وبقدر ما يحيا المسيحي بموجب تلك المحبة، وبقدر ما تتوطّد أواصر العلاقة بينه وبين المسيح، بقدر ذلك ينكشف له الله: "مَن كانت عنده وصاياي وحفظها، يقول يسوع، فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبّه أبي، وأنا أُحبّه وأُظهر له ذاتي" (يو 14: 21). لن يظهر الله ذاته للانسان ولن يعرف الانسان الله إلا بقدر ما يحفظ الانسان وصايا الله ويحيا في المحبة. فكما ان المعرفة بين الأشخاص تزيد بقدر ما تزيد محبتهم بعضهم لبعض، كذلك تنمو معرفتنا لله بقدر ما تنمو محبتنا له: "إن أحبّني أحد يحفظ كلمتي، وأبي يحبّه، وإليه نأتي، وعنده نجعل مقامنا" (يو 14: 23).
الهدف من الإيمان بالله هو البلوغ بالانسان إلى أن يحيا في ذاته حياة الله، فيقيم الله فيه ويقيم هو في الله. عندئذٍ يسيطر على قلقه وضياعه وتغرّبه، ويجدّد كيانه على صورة المسيح يسوع ابن الله القائل: "أنا في الآب والآب فيَّ" (يو 14: 10).
"إن الله لم يشاهده أحد قط، ولكن إن نحن أحببنا بعضنا بعضاً، أقام الله فينا، وكانت محبته كاملة فينا" (1 يو 4: 12).
الله لم يره أحد قط، ولكن من يحيا في المحبة على مثال المسيح وبالاتحاد معه يستطيع أن يختبر الله، ولن نقوى نحن المسيحيين على أن نقود الناس إلى الايمان بالله وإلى اختبار الله في ذواتهم إلا عن طريق المحبة.
"إنّ الله محبة. فمن ثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16).
توطئَة
"خالقِ السماءِ والأرض، كلِّ ما يُرى وما لا يُرى".

في التعبير عن الإيمان المسيحي بالله الخالق نجد صلة وثيقة بين الخلق وأُبوَّة الله. فالإله الذي نؤمن بأنه خلق السماء والأرض ليس الإله المتجبِّر المتسلِّط بل الله الآب. لذلك نعتبر أن الإيمان بالله الخالق هو الإيمان بأن محبة الله هي التي أوجدت الخلائق كلها، وان العالم ليس وليد صدفة بل ثمرة اختيار الله وقصده المحبّ.
لقد أوجز يوحنا الانجيلي فحوى الإيمان المسيحي بقوله: "نحن قد عرفنا المحبة التي لله فينا وآمنّا بها" (1 يو 4: 16). إنّ في أصل الكون وفي أصل الإنسان كائناً محباً من فيض محبته يعطي الوجود لجميع الكائنات.
ان الإيمان بالله الخالق هو نتيجة لقاء بين كشف الله عن ذاته وخبرة الانسان لمحبة الله. وهذا اللقاء نقرأ حكايته في الكتاب المقدّس في كلا العهدَين القديم والجديد. ففي العهد القديم اختبر اليهود محبة الله المخلّص الذي أنقذهم من عبودية مصر، وانطلاقاً من تلك الخبرة راحوا يتأملون في الإله الخالق. فالإله الذي أحبّهم وخلّصهم هو نفسه الإله الذي أحبّهم وخلقهم وخلق الكون بأسره.
كذلك في العهد الجديد: فلقد ظهر خلاص الله في شخص يسوع المسيح؟ وانطلاقاً من الا يمان بالله الذي خلّصنا بالمسيح يعبّر الرسل والمسيحيون الأوّلون عن إيمانهم بالله الذي خلقنا بالمسيح.
بعد قسم كتابي نتطرّق فيه الى الإيمان بالله الخالق كما عبّر عنه العهد القديم ثم العهد الجديد، ننتقل إلى المفهوم اللاهوتي للخلق ونعالج المشكلات التي نتجت من مختلف اكتشافات المعاصرة.
القِسم الأول
الخلق في الكتاب المقدس

أ- في العهد القديم

1- روايتا الخلق بين العلم والدين
ان رواية الخلق في العهد القديم نجدها في الفصلين الأوّلين من سفر التكوين. إلا أنّ علماء الكتاب المقدس يجمعون اليوم على أن هذه الرواية تضمّ في الواقع روايتين مختلفتين: رواية أولى تعود إلى القرن السادس قبل المسيح (تك 1: 1- 2: 4)، وقد كتبت في محيط كهنوتي في أثناء جلاء بابل؛ ورواية ثانية أقدم من الأولى ترجع إلى القرن العاشر قبل المسيح، وضعها كتبة وحكماء من بلاط سليمان الملك (تك 2: 4 ب- 25). وبعد العودة من جلاء بابل جمعت الروايتان ودُوِّنتا الواحدة تلو الأخرى في الفصلين الأوّلين من سفر التكوين.
ماذا كان قصد كاتبي هاتين الروايتين؟
عندما استقرّ الشعب اليهودي في فلسطين بعد خروجهم من مصر مع موسى، راحوا يكتبون تاريخهم استناداً إلى روايات شفوية وصلت إليهم من الأجيال السالفة. إلاّ أن تاريخهم لا يعود إلى أبعد من ابراهيم أي إلى القرن التاسع عشر قبل المسيح. ولكن ماذا جرى قبل ذلك؟ إنّ الذي دعا ابراهيم "ليجعل منه أمّة عظيمة" (تك 12: 2)، ألم تكن له علاقات مع البشر قبل ابراهيم؟ وسائر الشعوب التي تدين بأديان أخرى وتؤمن بآلهة أخرى هي في الواقع "أصنام من ذهب وفضة من صنع أيديهم" (مز 134: 15)، ما هي علاقتها بهذا الإله الأوحد؟ والأرض وما عليها من نبات وحيوان، والسماء وما في جَلَدها من كواكب ونجوم، ما هي علاقتها بالله أيضاً؟
لقد عاش ابراهيم في القرن التاسع عشر قبل المسيح، ولكن العلم قد بيّن لنا اليوم أن ظهور أول إنسان على الأرض يعود إلى أكثر من مليون سنة، وان تكوين الأرض يرجع إلى ما يقارب العشرة مليارات من السنين. فهل يُعقَل والحالة هذه أن تكون روايات الكتاب المقدّس للحوادث التي جرت منذ إنشاء العالم تاريخية بالمعنى الحديث للكلمة؟ وهل يُعقل أن يكون وصفها لتكوين الأرض والسماء وصفاً علمياً؟
ان الكتاب المقدّس ليس كتاباً علمياً يهدف إلى وصف كيفية تكوين الكون، ولا كتاباً تاريخياً، بالمعنى الحديث للكلمة، يروي بالتدقيق سيرة البشر منذ ظهور أول إنسان على الأرض. وهنا، من الناحية التاريخية، لا بدّ لنا من التمييز بين الحوادث التي يرويها الكتاب المقدس ابتداءً من ابراهيم (أي ابتداءً من الفصل الثاني عشر من سفر التكوين)، والحوادث التي سبقت ابراهيم والتي نقرأ روايتها في الفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين. فاذا كانت رواية حوادث ابراهيم على جانب كبير من الموضوعية التاريخية، فالفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين هي مجموعة أساطير استقاها الشعب اليهودي من آداب الشعوب المجاورة ولا سيمَا الأدب البابلي؛ وما قَصْدُه في روايتها إلا إظهار علاقة شعوب العالم أجمع وارتباط الكائنات جميعها بالإله الأوحد الذي هو وحده خالق الكون وسيّد جميع الشعوب.
فالكتاب المقدّس هو قبل أي شيء آخر كتاب ديني. لذلك لا يعنى بتفسير كيفية تكوين الأشياء بقدر ما يعنى بإظهار معنى وجودها. فبينما يحاول العلم أن يعرف كيف نشأ العالم كيف تكوّنت الأرض كيف ظهر الانسان، يبيّن الدين معنى تكوين العالم وغاية حياة الانسان. يستطيع العلم تحليل المادة تحليلاً كيميائياً وتحليل الجسم البشري تحليلاً بيولوجياً، إلا أنه لا يقوى على إدراك غاية وجود المادة، ويعجز عن الدخول إلى أعماق النفس البشرية وفهم علائق المحبة والإيمان التي تربط الانسان بالله.
هذا الإيمان بالله وبمحبته هو ما أراد كاتبو الأسفار المقدسة التعبير عنه في روايتهم لتاريخ الكون منذ خلقه ولتاريخ الشعوب منذ نشأتها.

2- الخلاص والخلق
لقد تأثرت كتابة واضعي الأسفار المقدسة لكلا التاريخين ليس بالآداب المجاورة فحسب بل أيضاً بما اختبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دوّنوا فيه تلك الأسفار.
قلنا إن رواية خلق العالم كما نجدها في سفر التكوين قد اتخذت شكلها النهائي في القرن السادس بعد عودة الشعب اليهودي من جلاء بابل. ففي بابل اختبر اليهود الذلّ والعبودية وراحوا ينتظرون خلاصهم وتحريرهم متذكّرين إنقاذ الله لهم من مصر على يد موسى، ومعبّرين عن إيمانهم بالله مخلّصهم. وقد انطلقوا من هذا الاختبار لخلاص الله على مدى تاريخهم لتأكيد عمل الله الخالق في بدء الأزمنة. فالإله المخلّص الذي يصنع المعجزات مع شعبه وينقذهم من أعدائهم هو نفسه الإله الخالق الذي في بدء الأزمنة خلق الكون مسيطراً على جميع قوى الشرّ المعادية.
تلك الصلة بين الإله المخلّص والإله الخالق يعبّر عنها أجمل تعبير سفر اشعيا النبي، ولا سيمَا في القسم الثاني منه، الذي كُتب في أثناء السبي في بابل. فقد كان اليهود عندئذٍ بحاجة إلى سلطة تقوى على سلطة بابل، فاتخذ الإيمان بالله الخالق أهمية كبري، إذ جمع أول عمل خارق قام به الله في خلقه العالم، والعمل الخارق الذي كان الشعب ينتظره منه الآن أي نصرته على أعدائه الذين كانوا يستعبدونه. لذلك يطلب اشعيا من الشعب ألاّ يخافوا ممن يعتبرون ذواتهم أسياد الكون والتاريخ. فالله خالق السماوات والأرض هو وحده سيّد الكون والتاريخ:
"هكذا قال الرب صانعك وجابلك الذي أعانك منذ البطن: لا تخف يا يعقوب عبدي... أنا الرب صانع الكل، ناشر السماوات وحدي وباسط الأرض بنفسي، مبطل آيات الكذبة ومحمّق العرّافين، ورادّ الحكماء إلى الوراء ومسفِّه علمهم، مثبِّت كلام عبده ومتمّ مشورة رسله، القائل لأورشليم ستعمرين ولمدن يهوذا ستُبنين، وأنا أُقيم المتهدّم منها" (اشعيا 44: 1، 24- 26).
هذا الإله صانع الكل، ناشر السماوات وحده وباسط الأرض بنفسه، كيف يروي سفر التكوين خلقه للعالم؟

3- تفسير روايتَي الخلق




اليوم الأول:
خلق النور

اليوم الثاني:
خلق الجَلَد

اليوم الثالث:
خلق اليبس
والبحار والنبات
والشجر المثمر



اليوم الرابع:
خلق الشمس
والقمر والكواكب



اليوم الخامس:
خلق الحيوانات
البحرية والطيور



اليوم السادس:
خلق الحيوانات
البرية والبهائم
وخلق الانسان










اليوم السابع:
فيه استراح الله
الرواية الأولى (تك 1: 1- 2: 4 أ)
"في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله يرفّ على وجه المياه.
وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلام. وسمىَّ الله النور نهاراً والظلام سمَّاه ليلاً. وكان مساء وكان صباح يوم واحد.
"وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. فصنع الله الجَلَد وفصلَ بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد، فكان كذلك. وسمَّى الله الجَلَد سماء. وكان مساء وكان صباح يوم ثانٍ .
"وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى موضع واحد وليظهر اليبس. فكان كذلك. وسمىَّ الله اليبس أرضاً ومجتمع المياه سمّاه بحاراً. ورأى الله ذلك انه حسن. وقال الله لتنبت الأرض نباتا عشباً يبزر بزراً وشجراً مثمراً يخرج ثمراً بحسب صنفه بزره فيه على الأرض. فكان كذلك. فأخرجت الأرض نباتاً وعشباً يبزر بزراً بحسب صنفه وشجراً يخرج ثمراً بزره فيه بحسب صنفه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوم ثالث.
"وقال الله لتكن نيّرات في جَلَد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين، وتكون نيّرات في جَلَد السماء لتضيء على الأرض. فكان كذلك. فصنع الله النيّرين العظيمين النيِّر الأكبر لحكم النهار والنيِّر الأصغر لحكم الليل والكواكب. وجعلها الله في جَلَد السماء لتضيء على الأرض، ولتحكم على النهار والليل وتفصل بين النور والظلام. ورأى الله ذلك انه حسن. وكان مساء وكان صباح يوم رابع.
"وقال الله لتفض المياه زحافات ذات أنفس حيّة وطيوراً تطير فوق الأرض على وجه جَلَد السماء. فخلق الله الحيتان العظام وكلّ دابّ من كلّ ذي نفس حية فاضت به المياه بحسب أصنافه وكلّ طائر ذي جناح بحسب أصنافه. ورأى الله ذلك انه حسن. وباركها الله قائلاً انمي واكثري واملأي المياه في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح يوم خامس.
"وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها بهائم ودبابات ووحوش أرض بحسب أصنافها. فكان كذلك. فصنع الله وحوش الأرض بحسب أصنافها والبهائم بحسب أصنافها وكل دبابات الأرض بحسب أصنافها. ورأى الله ذلك انه حسن. وقال الله لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلّط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الأرض كل الدبابات الدابّة على الأرض. فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم انموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلّطوا على سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ على الأرض. وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر على وجه الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر يبزر بزراً يكون لكم طعاماً. ولجميع وحش الأرض وجميع طير السماء وجميع ما يدبّ على الأرض ما فيه نفس حية، جميع بقول العشب جعلتها مأكلاً. فكان كذلك. ورأى الله جميع ما صنعه فاذا هو حسن جداً. وكان مساء وكان صباح يوم سادس.
"فأكملت السماوات والأرض وجميع جيشها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدّسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي خلقه الله ليصنعه.
"هذه مبادئ السماوات والأرض اذ خلقت".

* تناقضات بين هذه الرواية والعلم
إن أول ما يصدمنا في قراءة هذه الرواية أنها تناقض في بعض عناصرها معطيات العلم الأولية. فالنور يخلق في اليوم الأول، بينما لا تخلق الشمس إلا في اليوم الرابع. ونحن نعلم اليوم أن النور مرتبط بالشمس. ثم هناك ذكر لمياه علوية فوق جَلَد السماء، والعلم يؤكد لنا أن لا وجود لمثل هذه المياه. وتقول لنا هذه الرواية أن الكون خُلِق في ستة أيام، بينما يؤكد لنا العلم أن تكوين "الأرض والسماء" استغرق مليارات من السنين.
لحلّ تلك التناقضات بين الكتاب المقدسِ والعلم، لا بدّ لنا من التأكيد من جديد أن الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً يحوي دروساً في علم الكون أو في علم الحياة؛ إنما هو كتاب ديني يحتوي تعاليم عن علاقة الكون بالله خالقه. وعندما يعمد إلى وصف عمل الله الخالق لا يستطيع أن يصفه إلا في إطار الصورة التي كان البشر في القديم يرون فيها العالم: فالأرض في نظرهم صفحة منبسطة تعوم على وجه المياه، والدليل على ذلك ظهور الينابيع التي تتفجّر من هنا ومن هناك من جوف الأرض. والجَلَد (أي الفضاء) الذي فوق الأرض هو نصف كرة ترتكز أطرافها على حدود الأفق. وفوقه وضع الله المياه العلوية التي تنزل مطراً على الأرض عندما يفتح لها سدود الجَلَد. وتحت الجَلَد أثبت الله الكواكب وخطّ للشمس والقمر مسيرهما. أما النور فهو مستقلّ عن الشمس، والدليل على ذلك ظهور النور حتى عند احتجاب الشمس وراء الغيوم.
قد نبتسم ابتسامة الاستهزاء لتلك التخيّلات البدائية. لا ريب في أن العلم قد تقدّم وأننا لا نستطيع بعدُ قبول تلك التفسيرات. لكن الله لا يكلمنا إلا عن طريق البشر، والكتاب المقدس الذي هو كلام الله لا يمكنه أن يعطينا تعاليمه إلا في لغة الشعب الذي نشأ فيه، وفي عقليته وتصوراته للكون. فلا بدّ اذاً من فهم تلك العقلية وتلك التصورات لاكتشاف إرادة الله وإدراك تعاليمه المقدسة.

* تعاليم هذه الرواية
نجد في هذه الرواية أجوبة دينية على أسئلة طرحت البشر منذ أقدم العصور ولا تزال تُطرح اليوم: ما أصل الكون؟ ما علاقة الانسان بالشمس والقمر والكواكب، وهل هي آلهة أم خلائق؟ ما علاقة الانسان بسائر الخلائق، وهل له سلطة على كل لا في الأرض من نبات وحيوان؟ ما علاقة الرجل بالمرأة، وهل المرأة مساوية للرجل؟ لِمَ الراحة يوماً في الاسبوع، وما شأن الله والصلاة في يوم الراحة هذا؟

الله الخالق
نلاحظ أولاً أن لفظة الله هي التي تتكرر تقريباً في كل آية من آيات هذا الفصل. "خلق الله"، "قال الله"، "رأى الله"، "سمّى الله"، "فصل الله"، "صنع الله"، "باركها الله"، الخ... لا يقصد الكاتب المقدس في رواية الخلق هذه وصف الخلائق وتكوينها وميزاتها بقدر ما يقصد إظهار علاقتها بالله الخالق؛ فالله وحده هو أصل جميع الكائنات ومبدع كل الخلائق، هو وحده خالق الأرض وما فيها من نبات وحيوان وبشر، وهو وحده خالق السماء وما يدور فيها من كواكب ونجوم.

"ورأى الله ذلك أنه حسن"
تعاد هذه العبارة ست مرات في النص، وفي المرة السادسة يؤكد الكاتب أن "جميع ما صنعه الله... هو حسن جداً". وفي ذلك اسم إعلان لمجال الحمل الذي قام به الله وتركيز على قيمة الخلائق، ليس في تكوينها البيولوجي، بل في علاقاتها بالله. فالله أو الري أرادها، لذلك لها قيمة كبرى في ذاتها. وهذا التركيز على حسن الخلائق هو في الوقت نفسه شهادة على وحدانية الله الخالق ورفض للازدواجية التي نجدها في بعض الديانات القديمة والتي تؤكد وجود إلهين في أصل الخلائق، إله الخير وإله الشر. أما هنا فالكتاب المقدس يعلن وجود إله واحد قد خلق جميع الكائنات؛ لذلك هي حسنة. أما موضوع الشرّ فسنعالحه في القسم الثاني من هذا البحث.

"وكان مساء وكان صباح..."
تعود تلك العبارة ست مرات أيضاً، في نهاية كل يوم من أيام الخلق، مذكرّة الشعب بالذبيحتين اللتين كانتا تقامان كل مساء وكل صباح. فذبيحة المساء كانت تقام "نحو مغيب الشمس" معيدة إلى الأذهان العمل الخلاصي الذي قام به الله عندما أخرج شعبه من مقصر (تثنية 16: 6)؛ وذبيحة الصباح كانت تقدّم بالغداة "محرقة دائمة كما قدمت في سيناء" (العدد 28: 6)، معيدة ذكرى العهد الذي أبرمه الله مع شعبه على يد موسى في سيناء.

ترتيب خلق الكائنات لأهميتها
نلاحظ أن الكائنات قد برزت للوجود في تدرّج تصاعدي وفقاً لأهميتها. ففي البدء لم يكن سوى أرض خربة خالية وعلى وجه الغمر ظلام. ثم خلق الله النور فالمياه فاليابسة فالنبات فالعشب فالشجر فالكواكب، فالحيوانات البحرية فالطيور فالحيوانات البرية فالبهائم، ثم توّج عمله بخلق الانسان على صورته كمثاله ليتسلّط على جميع الخلائق.

الانسان صورة الله
بينما تأتي النباتات والأشجار والحيوانات إلى الوجود "كلّ بحسب صنفه" (1: 11، 24)، يُخلق الانسان "على صورة الله كمثاله". تقوم صورة الله في الانسان على اشتراك الانسان في سيادة الله على سائر الخلائق. وتلك السيادة تفرض العقل والحرية والارادة. فقد خلق الانسان "ليتسلّط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الارض" (1: 26، 28). أما لفظة كمثالنا في قوله تعالى: "لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا"، فيقصد الكاتب بها إلغاء المساواة التامة بين الانسان والله. فالانسان هو على صورة الله ولكنه ليس مساوياً له في الألوهة. وقد رأى بعض الآباء القديسين الشرقيين في الصورة الطبيعة التي خُلق عليها الانسان، وفي المثال الدعوةَ التي هو مدعو لبلوغها. فقد خُلق على صورة الله، ولكنه مدعو إلى أن يصبح على مثال الله في قداسته.
والمرأة هل هي مساوية للرجل في تلك الصورة؟ جواباً على هذا السؤال يؤكد الكاتب المقدس مساواة الرجل والمرأة. فكلاهما خُلق على صورة الله: "فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم" (1: 27).

الأيام الستة
ان الكاتب وزّع على ستة أيام عمل الخلق الذي قام به الله. يجب ألاّ نرى في هذا العدد تحديداً علمياً للمدة الزمنية التي استغرقها تكوين العالم. فقد قسّم الكاتب المقدس الكائنات كلّها ستة أقسام، وبيّن أن الله قد خلقها في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع. وما ذلك إلا طريقة تعليمية تظهر في عمل الله مثالاً لعمل الانسان وتؤكد ضرورة تقديس يوم السبت كما جاء في الوصية الثالثة من وصايا الله: "اذكر يوم السبت لتقدّسه. في ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك. واليوم السابع سبت للرب إلهك، لا تصنع فيه عملاً لك، أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك. لأن الرب في ستة أيام خلق السماوات والأرض والبجر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح، ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدّسه" (خروج 20: 8- 11)


الأرض الجافة


خلق الانسان

غرس الجنة







وصية الله
للانسان

خلق الحيوانات




خلق المرأة الرواية الثانية (تك 2: 4 ب- 25)
"يوم صنع الرب الإله الأرض والسماوات، كلّ شجر البرية لم يكن بعد في الأرض كلّ عشب البرية لم ينبت بعد، لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر بعد على الأرض، ولم يكن انسان ليحرث الأرض.
"وان الربّ الإله جبَلَ الانسان تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الانسان نفساً حيّة.
"وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً وجعل هناك الانسان الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشرّ. وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة، ومن ثم يتشعب فيصير أربعة رؤوس: اسم أحدها فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع. واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض الحبشة. واسم النهر الثالث حدّاقل وهو الجاري في شرقي أشور. والنهر الرابع هو الفرات.
"وأخذ الرب الإله الانسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها. وأمر الرب الإله الانسان قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل، أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً.
"وقال الرب الإله لا يحسن أن يكون الانسان وحده، فأصنع له عوناً بإزائه. وجبل الرب الإله من الأرض جميع حيوانات البرية وجميع طير السماء وأتى بها آدم ليرى ماذا يسمّيها، فكلّ ما سمّاه به آدم من نفس حية فهو اسمه. فدعا آدم جميع البهائم وطير السماء وجميع وحش الصحراء بأسماء. وأما آدم فلم يوجد له عون بإزائه.
"فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فاستلّ إحدى أضلاعه وسدّ مكانها بلحم. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، فأتى بها آدم، فقال آدم: ها هذه المرة عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تسمى امرأة لأنها من امرئ أُخذت. ولذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته، فيصيران جسداً واحداً. وكانا كلاما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان".

تعود هذه الرواية إلى القرن العاشر قبل المسيح. فهي اذاً أقدم من الأولى. إلا أنها ليست من كاتب واحد؛ فهي بدورها تجمع تقليدين مختلفين، تقليداً أول يتكلم عن خلق الانسان (2: 4 ب- 8) وخلق المرأة (2: 18- 24)، وتقليداً ثانياً يدور حول حوادث الخطيئة الأولى. فيصف أولاً الإطار الذي ستجري فيه تلك الحوادث، أي الجنة وما فيها من أشجار ولا سيمَا شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. ثم يتكلم عن وصية الله بالامتناع عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر (2: 9- 17). ثم يتابع هذا التقليد روايته في الفصل الثالث فيروي قصة التجربة وعصيان آدم وحواء أوامر الله (3: 1- 24).

الله الخالق
يبدو لنا الله في هذه الرواية أيضاً الإله الوحيد الذي خلق وحده كل شيء، الانسان والجنة والحيوانات والمرأة. وتتميّز صورة الله في هذه الرواية بأنها تنسب إلى الله أعمالاً انسانية، فتصفه وهو يغرس الجنة ويجبل تراباً ليصنع الانسان، ثم يأخذ ضلعاً من أضلاعه ليصنع المرأة، ويسدّ مكانها بلحم. وفي الفصل الثالث نراه "يتمشّى في الجنة عند نسيم النهار" (3: 8)، ويصنع لآدم وحواء بعد الخطيئة "أقمصة من جلد ليكسوهما" (3: 21). تظهر هذه الرواية قرب الله من الانسان وعطفه عليه، إلا أنها لا تقلّص شيئاً من قدرته، فهو وحده الخالق، وهو وحده السيد الذي يعطي الانسان وصاياه وفي يده الحياة والموت.

خلق الانسان
تصف هذه الرواية خلق الانسان بطريقة بدائية. فالله يجبل تراباً وينفخ فيه. من البديهي أن الله روح وليس له جسد ولا يدان ليجبل التراب. لقد استخدم الكاتب صورة معروفة في عمره ليعطي من خلالها تعليماً دينياً. فالأساطير المصرية القديمة كانت تصوّر الإله الكبش يكوّن الملك على آلة الخزاف. فمن خلال تلك الصورة يؤكد الكاتب ان الانسان هو من صنع الله في جسده وروحه.

الجنة
ان الإطار الذي ستجري فيه حوادث الخطيئة الأولى هو "جنة في عدن شرقاً". يستحيل على علماء الكتاب المقدس اليوم تحديد هذا الموضع جغرافياً. إلا أن لفظة "عدن" مشتقّة بالعبريّة من أصل يعني "النعيم". وبما ان الرواية ليست رواية تاريخية بل تعليمية، نكتفي بهذا المعنى لنستنتج منه هدف الكاتب المقدس، ألا وهو التشديد على محبة الله للانسان. فبعد أن خلقه وضعه في "جنة نعيم" فيها كل ما كان الانسان القديم العائش في الصحراء يتمناه: واحة ظليلة مليئة بالشجر المثمر والمياه الغزيرة. وكذلك القول عن الأنهر الأربعة التي كانت تخرج من الجنة، وعن أسماء البلدان التي تسقيها، فانها ليست مواضع جغرافية نستطيع تحديدها، إنما تعني أن الأنهار التي تسقي جهات الأرض الأربع تخرج من الجنة، فهي اذاً من صنع الله.

العمل
"وأخذ الرب الإله الانسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها" (2: 15). يعتبر الكاتب عمل الانسان أمراً أراده له الله منذ أن خلقه. فليس العمل في ذاته قصاصاً على الخطيئة الأولى، كما يقال أحياناً. ان نتيجة الخطيئة ستكون المشقّة في العمل، كما ورد في قول الله لآدم: "إذ سمعت لصوت امرأتك فأكلت من الشجرة التي نهيتك قائلاً لا تأكل منها، فملعونة الأرض بسببك، بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تُنبت لك" (تك 3: 17، 18). فالخطيئة، أياً كانت، تحدث خللاً في طبيعة الانسان وفي علاقاته مع الله ومع الآخرين ومع الكون. أما العمل فهو في ذاته من صلب الطبيعة الانسانية.
سيادة الانسان على الحيوانات
بعد أن خلق الله الحيوانات "أتى بها آدم ليرى ماذا يسمّيها. فكل ما سمّاه به آدم من نفس حية، فهو اسمه" (2: 19). ان الله قد أعطى الانسان السيادة على الحيوانات. وهذه السيادة عبّرت عنها الرواية الأولى بقوله تعالى للانسان: "تسلّطوا على سمك الحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ على الأرض" (1: 28). أما هذه الرواية الثانية فتعبّر عن الفكرة عينها بقولها ان الله قد ترك للانسان نفسه تسمية الحيوانات.

خلق المرأة
يتصوّر الكاتب أن الله خلق المرأة من ضلع الرجل. هذه صورة شعبية للدلالة على أن المرأة والرجل هما من جبلة واحدة: "هذه تسمى امرأة، لأنها من امرئ أخذت" (2: 23)، وانهما متساويان في الطبيعة الانسانية. وفي هذه الصورة أيضاً إصرار على أن الزواج أمر مقدّس أراده الله نفسه: "لا يحسن أن يكون الانسان وحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (2: 18). ويضيف الكاتب: "لذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته فيصيران جسداً واحداً" (2: 24). وهذا النص سيعود إليه يسوع في حديثه عن الزواج وشجبه الطلاق (متى 19: 3- 6).

الخلق والعهد وشجرة معرفة الخير والشر
نلاحظ إذاً في هذه الرواية أيضاً ان الكاتب المقدس لم يقصد أن يروي بالتدقيق ما جرى من حوادث في فجر البشرية، بل أن يبرز علاقة الله بالانسان وعلاقة الانسان بالكون وعلاقة الرجل بالمرأة، كما أرادها الله منذ خلق الكون والانسان والرجل والمرأة.
ان علاقة الله بالانسان هي علاقة عهد على مدى التاريخ منذ بدء الكون. فالله الذي قطع مع الشعب اليهودي عهداً بأن يكون معهم ويخلّصهم من أعدائهم، هو نفسه قد قطع مع البشرية جمعاء عهداً مماثلاً منذ خلق الانسان الأول. ويمكننا أن نجد أوجه شبه متعددة بين عهد الخلاص وعهد الخلق:
- فكما ان الله خلّص اسرائيل إذ أخرجه من مصر وقاده عبر الصحراء ليقيمه في أرض خصبة "تدرّ لبناً وعملاً"، هكذا خلق الله الانسان الأول على أرض "لم يكن فيها أي شجر أو عشب" (2: 5)، ثم غرس له جنة وأقامه فيها ليفلحها ويحرسها.
- وكما ان الله أعطى شعبه على جبل سيناء بواسطة موسى وصاياه وأحكامه انطلاقاً من الوصية الأساسية "لا يكن لك آلهة تجاهي" (خروج 20: 3)، هكذا، منذ خلق الانسان، أوصاه ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وترمز تلك الشجرة، لا إلى التمييز بين الخير والشر- لأن هذا من صلب طبيعة الانسان العاقل، والله قد أعطى الانسان هذا التمييز منذ أن خلقه- إنما إلى السلطة على تحديد الخير والشر. وتلك السلطة هي بيد الله وحده، فهو الذي يحدّد الخير والشرّ، وهو الذي يعطي الوصايا التي توضح ما الخير الذي يجب فعله وما الشر الذي يجب الابتعاد عنه. فالأكل من شجرة معرفة الخير والشر هو إذاً رفض لله والاستقلال عنه في كل ما يتعلّق بالخير والشر، والتخلّي عن وصاياه، انه رفض الانسان أن يكون خليقة، أي كائناً مرتبطاً بالله.
- وفي عهد سيناء وعد الله بالبركة من يتبع وصاياه وهدّد بالموت من يخالفها: "انظر، اني قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير والموت والشر. بما اني آمرك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسير في طرقه وتحفظ وصاياه ورسومه وأحكامه لتحيا وتكثر ويباركك الرب إلهك. وان زاغ قلبك ولم تسمع وملت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها، فقد أنبأتكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً" (تثنية 30: 15- 18). وفي الجنة أيضاً هدّد الله الانسان بالموت إن لم يتبع وصاياه: "أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً" (2: 15). ليس القصد من الموت في هذه الجملة الموت الجسدي، لأن الموت الجسدي هو طبيعي للانسان، بل موت النفس؛ فعبارة "تموت موتاً" هي مرادفة لعبارة "تهلكون هلاكاً" التي نقرأها في سفر تثنية الاشتراع. ان الانسان الذي يرفض الله ويريد أن يكون هو إله نفسه لا محالة هالك. كل ما يستطيع بلوغه من دون الله إنما هو اكتشاف عريه وبؤسه، وهذا ما عبّر عنه الكاتب المقدس بقوله ان آدم وحواء بعد خطيئتهما "انفتحت أعينهما فعلما أنهما عريانان" (تك 3: 7). وما طرد آدم وحواء من الجنة (تك 3: 23) إلا صورة رمزية للموت الروحي الذي حصل لهما بعد الخطيئة، أي لفقدانهما بركة الله وحياة الألفة معه.

4- ماذا يمكننا أن نستنتج من تعاليم العهد القديم في موضوع الخلق؟
من كل ما سبق يمكننا استخلاص التعاليم التالية:
1) ان الله هو الإله الوحيد الكائن منذ الأزل، الذي لم يأخذ كيانه من أي كائن آخر.
2) ان الله هو الخالق الوحيد للكون كله وللانسان. وعمل الخلق هو فيض من محبته، فالله حاضر مدى الدهر مع الانسان بصلاحه ومحبته وقدرته.
3) ان عمل الخلق هو عمل حر، لم يكن فيه الله مرغماً ولا مقيّداً بأي عامل خارجي. والكون الذي ينتج من عمله لا يتعلّق إلا به.
4) ان عمل الخلق هذا تصفه تقاليد مختلفة من سفر التكوين في عبارات وتصاوير وتشابيه متأثرة بالمحيط الذي نشأت فيه تلك التقاليد وبالبيئة التي كتب فيها سفر التكوين، ولا سيمَا بالحضارتين البابلية والمصرية.

ب- في العهد الجديد

لا نجد في العهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم. إلا أن الإيمان بالله الخالق هو الأساس الذي يرى من خلاله العهد الجديد علاقة الله بالانسان. ثم ان الذين عاشوا مع المسيح أدركوا بالإيمان أنهم يحضرون في شخص يسوع المسيح تحقيق مواعيد الله ومقاصده التي سبق فحدّدها منذ إنشاء العالم. لذلك يؤكد العهد الجديد من جهة أُبوّة الله الشاملة لجميع خلائقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع في الخلق كما في الخلاص.

1- الله الخالق
إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الأصنام أكّد الرسل في كرازتهم عبادة الله الأوحد "خالق السماء والأرض". فبولس الرسول، في خطابه في لسترا، طلب من مستمعيه أن يرجعوا "إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها" (أعمال 14: 15)؛ وفي خطابه في أثينا في الآريوباغس، قال للجموع المحتشدة لسماعه:
"ان الإله الذي صنع العالم وجميع ما فيه لا يسكن، إذ هو رب السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي، ولا تخدمه أيدي البشر كأنه محتاج إلى شيءٍ ما، إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء. وهو الذي صنع من واحد كلّ أمة من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً لهم مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم، لكي يطلبوا الله، لعلّهم يجدونه متلمّسين، مع انه غير بعيد من كل واحد منا، إذ به نحيا ونتحرّك ونوجد، كما قال أيضاً بعض شعرائكم: "إنّا نحن ذريّته" (أعمال 17: 24- 28).
فالله، بحسب تعليم بولس، هو الذي صنع السماء والأرض، وهو الذي صنع من واحد جميع أُمم الأرض. فهو إذاً خالق الكون وجميع البشر، وبه نحيا ونتحرك ونوجد.

2- الخلق بالمسيح
يضيف العهد الجديد إلى الإيمان بالله الخالق فكرة جديدة، وهي أن الله خلق كل شيء بالمسيح. ترد هذه الفكرة عند ثلاثة كتّاب: بولس الرسول ويوحنا الانجيلي وفي الرسالة إلى العبرانيين التي تَبيَّن أنها ليست من وضع بولس الرسول.

* النصوص
(كولسي 1: 12- 20)
يقول بولس في رسالته إلى الكولسيّين إن المسيح هو "صورة الله غير المنظور، المولودُ قبل كل خلق، إذ فيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى... به وإليه خلق كل شيء، انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (1: 15- 17).
يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان يُنشده المسيحيون الأوّلون مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلاص. فبعد الإشادة بدور المسيح في الخلق يتابع بولس: "الذي هو أيضاً رأس الجسد، أي الكنيسة، انه المبدأ، البكر من بين الأموات -لكي يكون هو الأول في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن يحلّ الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (1: 18- 20).

(1 كورنثس 8: 6)
"فنحن إنما لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء ونحن إليه، ورب واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به".
يعلن بولس إيمانه بالله الآب الخالق كل شيء، ثم إيمانه بالابن الذي هو الوسيط في الخلق: "به كل شيء". وهو الوسيط أيضاً في الخلاص: "فنحن به" أي به افتدينا وتقدّسنا وأصبحنا خليقة جديدة.


(يوحنا 1: 1- 18)
ان الفصل الأول من انجيل يوحنا هو أيضاً، على ما يرجّح، مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة الله في الخلق والخلاص، فيعلن أن المسيح هو الكلمة الذي، خلق الله الآب الكون، وأنّه مساوٍ لله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1). ثم تشير الآية الثالثة إلى وساطة الكلمة في الخلق: "به كوّن كل شيء وبدونه لم يكن شيء واحد مما كُوِّن"، وتعود الفكرة عينها في الآية العاشرة: "العالم به كُوَن".
وفي الآية الرابعة يبدو لنا الكلمة، الذي وُصف بأنه الوسيط في الخلق، الوسيط أيضاً في الخلاص: "فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة..."، فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلاص، وكأنك في الآية 16: "ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة".

(الرسالة إلى العبرانيين 1: 1- 3)
"ان الله، بعد أن كلَّمَ الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته، الذي بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس عن يمين الجلال في الأعالي".
في هذه الآيات التي قد تكون أيضاً مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع الكاتب عمل المسيح الخلاصي الذي به "طهّرنا من خطايانا"، ووساطته في الخلق. فبالمسيح "أنشأ الله لعالم". والمسيح هو "ضابط كل شيء بكلمة قدرته". فالخلق بالكلمة، الذي هو من عمل لله في سفر التكوين، تؤد هذه الرسالة أنه أيضاً من عمل الابن كلمة الله والوسيط الوحيد في الخلق كما في الخلاص.

* مصادر فكرة "الخلق بالمسيح"
ان المراجع الثلاثة التي يعبّر فيها العهد الجديد عن "الخلق بالمسيح" هي مستقلّة بعضها عن بعض. ومعظم المقاطع التي ترد فيها تلك الفكرة هي بقايا من أناشيد كان المسيحيون الأولون يتلونها في صلواتهم. ومعروف أن الأناشيد والصلوات تعبِّر عن الإيمان. فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلق بالمسيح قد ظهرت في السنوات الأولى للمسيحية، وهي تعبّر عن إيمان الرسل والمسيحيين الأوّلين بأن يسوع المسيح هو كلمة الله الذي به خُلق كل شيء. ماذا يعني هذا التعبير، وما هو مصدره؟
ان المسيحيين الأوّلين قد رأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في العهد القديم في الحكمة الإلهية، وعبَّروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة اليونانية ولا سيمَا من أقوال فيلون الاسكندر في العقل الالهي الذي نظّم العالم.

الحكمة في العهد القديم
ان العهد القديم قد تصوّر الحكمة موجودة مع الله منذ خلق العالم. وهذه بعض الآيات التي نجدها في الأسفار الحكمية:
"أنا الحكمة... الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مسحت ومن الأول من قبل أن كانت الأرض. وُلدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه... حين وضع للبحر رسمه فالمياه لا تتعدى أمره، وحين رسم أُسس الأرض، وكنت عنده مهندساً" (الأمثال 8: 22- 35).
"كل حكمة فهي من الرب ولا تزال معه إلى الأبد... قبل كل شيء حيزت الحكمة، ومنذ الأزل فهم الفطنة. ينبوع الحكمة كلمة الله ومسالكها الوصايا الأزلية" (يشوع بن سيراخ 1: 4، 5).
"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك... ان معك الحكمة العليمة بأعمالك والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضيّ في عينيك والمستقيم في وصاياك" (الحكمة 9: 4، 9).
نجد في هذه النصوص تعابير سيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح. فهو مولود كالحكة قبل كل خلق "حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة". وهو "من الرب"، وهو "كلمة الله"، وهو "الجالس إلى عرش الله"، وهو "حاضر مع الله عند خلق العالم".

"الكلمة" في الفلسفة اليونانية
وردت لفظة "الكلمة" في الفلسفة اليونانية للدلالة على العقل الإلهي الذي نظّم العالم. واعتبر فيلون الاسكندري الكلمة إلهاً أدنى بواسطته خلق الله الكون. فالكلمة، حسب قوله، "صورة الله التي بها خُلق الكون كله". كذلك يتكلم فيلون عن الحكمة التي "بها خُلق كل شيء".
فالجماعة المسيحية اليونانية الأصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي رأت فيه حكمة الله المتجسِّدة وكلمة الله الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع الله قبل خلق العالم. ففي الخلق كما في الخلاص لا وساطة غير وساطة المسيح الذي هو كلمة الله المولود من الله منذ الأزل. 
وهكذا نشأت في الكنيسة الأولى تلك الأناشيد التي تستخدم الثقافة اليونانية للتعبير عن سرّ المسيح وإظهار علاقته الفريدة بالله الآب. فهو وحده ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله، وبه وحده تمَّ خلق العالم، كما انه به وحده تمَّ الخلاص الذي هو"خلق جديد": "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ وكل شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 17).

المسيح هو المبدأ والغاية
ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلق الأول ملء معناه. فالخلق الأول كان منذ البدء موجّهاً ليجد كماله في المسيح. لذلك فان المسيح هو في الوقت ذاته مبدأ الخلق وغايته الأخيرة، والهدف الذي يجب أن يسير إليه كل انسان. لذلك يقول بولس: "به وإليه خلق كل شيء" (كولسي 1: 16). ان لفظة "به" تعني أنه المبدأ، ولفظة "إليه" تعني انه الغاية. ويردف بولس: "انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (كولسي 1: 17). فكما أن كل عمل يقوم به كائن عاقل يسبقه دوماً الفكر والتصميم والمبدأ، هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق العالم، "انه قبل كل شيء". وكما ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة، هكذا أيضاً المسيح هو الغاية الأخيرة التي يسير إليها الخلق، لذلك "فيه يثبت كل شيء".
هذا الإيمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلاص، عبَّرَ عنه أخيراً يوحنا في سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو "الألف والياء، الأول والآخر، المبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13).
القِسم الأول
الخلق في الكتاب المقدس

أ- في العهد القديم

1- روايتا الخلق بين العلم والدين
ان رواية الخلق في العهد القديم نجدها في الفصلين الأوّلين من سفر التكوين. إلا أنّ علماء الكتاب المقدس يجمعون اليوم على أن هذه الرواية تضمّ في الواقع روايتين مختلفتين: رواية أولى تعود إلى القرن السادس قبل المسيح (تك 1: 1- 2: 4)، وقد كتبت في محيط كهنوتي في أثناء جلاء بابل؛ ورواية ثانية أقدم من الأولى ترجع إلى القرن العاشر قبل المسيح، وضعها كتبة وحكماء من بلاط سليمان الملك (تك 2: 4 ب- 25). وبعد العودة من جلاء بابل جمعت الروايتان ودُوِّنتا الواحدة تلو الأخرى في الفصلين الأوّلين من سفر التكوين.
ماذا كان قصد كاتبي هاتين الروايتين؟
عندما استقرّ الشعب اليهودي في فلسطين بعد خروجهم من مصر مع موسى، راحوا يكتبون تاريخهم استناداً إلى روايات شفوية وصلت إليهم من الأجيال السالفة. إلاّ أن تاريخهم لا يعود إلى أبعد من ابراهيم أي إلى القرن التاسع عشر قبل المسيح. ولكن ماذا جرى قبل ذلك؟ إنّ الذي دعا ابراهيم "ليجعل منه أمّة عظيمة" (تك 12: 2)، ألم تكن له علاقات مع البشر قبل ابراهيم؟ وسائر الشعوب التي تدين بأديان أخرى وتؤمن بآلهة أخرى هي في الواقع "أصنام من ذهب وفضة من صنع أيديهم" (مز 134: 15)، ما هي علاقتها بهذا الإله الأوحد؟ والأرض وما عليها من نبات وحيوان، والسماء وما في جَلَدها من كواكب ونجوم، ما هي علاقتها بالله أيضاً؟
لقد عاش ابراهيم في القرن التاسع عشر قبل المسيح، ولكن العلم قد بيّن لنا اليوم أن ظهور أول إنسان على الأرض يعود إلى أكثر من مليون سنة، وان تكوين الأرض يرجع إلى ما يقارب العشرة مليارات من السنين. فهل يُعقَل والحالة هذه أن تكون روايات الكتاب المقدّس للحوادث التي جرت منذ إنشاء العالم تاريخية بالمعنى الحديث للكلمة؟ وهل يُعقل أن يكون وصفها لتكوين الأرض والسماء وصفاً علمياً؟
ان الكتاب المقدّس ليس كتاباً علمياً يهدف إلى وصف كيفية تكوين الكون، ولا كتاباً تاريخياً، بالمعنى الحديث للكلمة، يروي بالتدقيق سيرة البشر منذ ظهور أول إنسان على الأرض. وهنا، من الناحية التاريخية، لا بدّ لنا من التمييز بين الحوادث التي يرويها الكتاب المقدس ابتداءً من ابراهيم (أي ابتداءً من الفصل الثاني عشر من سفر التكوين)، والحوادث التي سبقت ابراهيم والتي نقرأ روايتها في الفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين. فاذا كانت رواية حوادث ابراهيم على جانب كبير من الموضوعية التاريخية، فالفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين هي مجموعة أساطير استقاها الشعب اليهودي من آداب الشعوب المجاورة ولا سيمَا الأدب البابلي؛ وما قَصْدُه في روايتها إلا إظهار علاقة شعوب العالم أجمع وارتباط الكائنات جميعها بالإله الأوحد الذي هو وحده خالق الكون وسيّد جميع الشعوب.
فالكتاب المقدّس هو قبل أي شيء آخر كتاب ديني. لذلك لا يعنى بتفسير كيفية تكوين الأشياء بقدر ما يعنى بإظهار معنى وجودها. فبينما يحاول العلم أن يعرف كيف نشأ العالم كيف تكوّنت الأرض كيف ظهر الانسان، يبيّن الدين معنى تكوين العالم وغاية حياة الانسان. يستطيع العلم تحليل المادة تحليلاً كيميائياً وتحليل الجسم البشري تحليلاً بيولوجياً، إلا أنه لا يقوى على إدراك غاية وجود المادة، ويعجز عن الدخول إلى أعماق النفس البشرية وفهم علائق المحبة والإيمان التي تربط الانسان بالله.
هذا الإيمان بالله وبمحبته هو ما أراد كاتبو الأسفار المقدسة التعبير عنه في روايتهم لتاريخ الكون منذ خلقه ولتاريخ الشعوب منذ نشأتها.

2- الخلاص والخلق
لقد تأثرت كتابة واضعي الأسفار المقدسة لكلا التاريخين ليس بالآداب المجاورة فحسب بل أيضاً بما اختبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دوّنوا فيه تلك الأسفار.
قلنا إن رواية خلق العالم كما نجدها في سفر التكوين قد اتخذت شكلها النهائي في القرن السادس بعد عودة الشعب اليهودي من جلاء بابل. ففي بابل اختبر اليهود الذلّ والعبودية وراحوا ينتظرون خلاصهم وتحريرهم متذكّرين إنقاذ الله لهم من مصر على يد موسى، ومعبّرين عن إيمانهم بالله مخلّصهم. وقد انطلقوا من هذا الاختبار لخلاص الله على مدى تاريخهم لتأكيد عمل الله الخالق في بدء الأزمنة. فالإله المخلّص الذي يصنع المعجزات مع شعبه وينقذهم من أعدائهم هو نفسه الإله الخالق الذي في بدء الأزمنة خلق الكون مسيطراً على جميع قوى الشرّ المعادية.
تلك الصلة بين الإله المخلّص والإله الخالق يعبّر عنها أجمل تعبير سفر اشعيا النبي، ولا سيمَا في القسم الثاني منه، الذي كُتب في أثناء السبي في بابل. فقد كان اليهود عندئذٍ بحاجة إلى سلطة تقوى على سلطة بابل، فاتخذ الإيمان بالله الخالق أهمية كبري، إذ جمع أول عمل خارق قام به الله في خلقه العالم، والعمل الخارق الذي كان الشعب ينتظره منه الآن أي نصرته على أعدائه الذين كانوا يستعبدونه. لذلك يطلب اشعيا من الشعب ألاّ يخافوا ممن يعتبرون ذواتهم أسياد الكون والتاريخ. فالله خالق السماوات والأرض هو وحده سيّد الكون والتاريخ:
"هكذا قال الرب صانعك وجابلك الذي أعانك منذ البطن: لا تخف يا يعقوب عبدي... أنا الرب صانع الكل، ناشر السماوات وحدي وباسط الأرض بنفسي، مبطل آيات الكذبة ومحمّق العرّافين، ورادّ الحكماء إلى الوراء ومسفِّه علمهم، مثبِّت كلام عبده ومتمّ مشورة رسله، القائل لأورشليم ستعمرين ولمدن يهوذا ستُبنين، وأنا أُقيم المتهدّم منها" (اشعيا 44: 1، 24- 26).
هذا الإله صانع الكل، ناشر السماوات وحده وباسط الأرض بنفسه، كيف يروي سفر التكوين خلقه للعالم؟

3- تفسير روايتَي الخلق




اليوم الأول:
خلق النور

اليوم الثاني:
خلق الجَلَد

اليوم الثالث:
خلق اليبس
والبحار والنبات
والشجر المثمر



اليوم الرابع:
خلق الشمس
والقمر والكواكب



اليوم الخامس:
خلق الحيوانات
البحرية والطيور



اليوم السادس:
خلق الحيوانات
البرية والبهائم
وخلق الانسان










اليوم السابع:
فيه استراح الله
الرواية الأولى (تك 1: 1- 2: 4 أ)
"في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله يرفّ على وجه المياه.
وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلام. وسمىَّ الله النور نهاراً والظلام سمَّاه ليلاً. وكان مساء وكان صباح يوم واحد.
"وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. فصنع الله الجَلَد وفصلَ بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد، فكان كذلك. وسمَّى الله الجَلَد سماء. وكان مساء وكان صباح يوم ثانٍ .
"وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى موضع واحد وليظهر اليبس. فكان كذلك. وسمىَّ الله اليبس أرضاً ومجتمع المياه سمّاه بحاراً. ورأى الله ذلك انه حسن. وقال الله لتنبت الأرض نباتا عشباً يبزر بزراً وشجراً مثمراً يخرج ثمراً بحسب صنفه بزره فيه على الأرض. فكان كذلك. فأخرجت الأرض نباتاً وعشباً يبزر بزراً بحسب صنفه وشجراً يخرج ثمراً بزره فيه بحسب صنفه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوم ثالث.
"وقال الله لتكن نيّرات في جَلَد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين، وتكون نيّرات في جَلَد السماء لتضيء على الأرض. فكان كذلك. فصنع الله النيّرين العظيمين النيِّر الأكبر لحكم النهار والنيِّر الأصغر لحكم الليل والكواكب. وجعلها الله في جَلَد السماء لتضيء على الأرض، ولتحكم على النهار والليل وتفصل بين النور والظلام. ورأى الله ذلك انه حسن. وكان مساء وكان صباح يوم رابع.
"وقال الله لتفض المياه زحافات ذات أنفس حيّة وطيوراً تطير فوق الأرض على وجه جَلَد السماء. فخلق الله الحيتان العظام وكلّ دابّ من كلّ ذي نفس حية فاضت به المياه بحسب أصنافه وكلّ طائر ذي جناح بحسب أصنافه. ورأى الله ذلك انه حسن. وباركها الله قائلاً انمي واكثري واملأي المياه في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح يوم خامس.
"وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها بهائم ودبابات ووحوش أرض بحسب أصنافها. فكان كذلك. فصنع الله وحوش الأرض بحسب أصنافها والبهائم بحسب أصنافها وكل دبابات الأرض بحسب أصنافها. ورأى الله ذلك انه حسن. وقال الله لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلّط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الأرض كل الدبابات الدابّة على الأرض. فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم انموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلّطوا على سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ على الأرض. وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر على وجه الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر يبزر بزراً يكون لكم طعاماً. ولجميع وحش الأرض وجميع طير السماء وجميع ما يدبّ على الأرض ما فيه نفس حية، جميع بقول العشب جعلتها مأكلاً. فكان كذلك. ورأى الله جميع ما صنعه فاذا هو حسن جداً. وكان مساء وكان صباح يوم سادس.
"فأكملت السماوات والأرض وجميع جيشها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدّسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي خلقه الله ليصنعه.
"هذه مبادئ السماوات والأرض اذ خلقت".

* تناقضات بين هذه الرواية والعلم
إن أول ما يصدمنا في قراءة هذه الرواية أنها تناقض في بعض عناصرها معطيات العلم الأولية. فالنور يخلق في اليوم الأول، بينما لا تخلق الشمس إلا في اليوم الرابع. ونحن نعلم اليوم أن النور مرتبط بالشمس. ثم هناك ذكر لمياه علوية فوق جَلَد السماء، والعلم يؤكد لنا أن لا وجود لمثل هذه المياه. وتقول لنا هذه الرواية أن الكون خُلِق في ستة أيام، بينما يؤكد لنا العلم أن تكوين "الأرض والسماء" استغرق مليارات من السنين.
لحلّ تلك التناقضات بين الكتاب المقدسِ والعلم، لا بدّ لنا من التأكيد من جديد أن الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً يحوي دروساً في علم الكون أو في علم الحياة؛ إنما هو كتاب ديني يحتوي تعاليم عن علاقة الكون بالله خالقه. وعندما يعمد إلى وصف عمل الله الخالق لا يستطيع أن يصفه إلا في إطار الصورة التي كان البشر في القديم يرون فيها العالم: فالأرض في نظرهم صفحة منبسطة تعوم على وجه المياه، والدليل على ذلك ظهور الينابيع التي تتفجّر من هنا ومن هناك من جوف الأرض. والجَلَد (أي الفضاء) الذي فوق الأرض هو نصف كرة ترتكز أطرافها على حدود الأفق. وفوقه وضع الله المياه العلوية التي تنزل مطراً على الأرض عندما يفتح لها سدود الجَلَد. وتحت الجَلَد أثبت الله الكواكب وخطّ للشمس والقمر مسيرهما. أما النور فهو مستقلّ عن الشمس، والدليل على ذلك ظهور النور حتى عند احتجاب الشمس وراء الغيوم.
قد نبتسم ابتسامة الاستهزاء لتلك التخيّلات البدائية. لا ريب في أن العلم قد تقدّم وأننا لا نستطيع بعدُ قبول تلك التفسيرات. لكن الله لا يكلمنا إلا عن طريق البشر، والكتاب المقدس الذي هو كلام الله لا يمكنه أن يعطينا تعاليمه إلا في لغة الشعب الذي نشأ فيه، وفي عقليته وتصوراته للكون. فلا بدّ اذاً من فهم تلك العقلية وتلك التصورات لاكتشاف إرادة الله وإدراك تعاليمه المقدسة.

* تعاليم هذه الرواية
نجد في هذه الرواية أجوبة دينية على أسئلة طرحت البشر منذ أقدم العصور ولا تزال تُطرح اليوم: ما أصل الكون؟ ما علاقة الانسان بالشمس والقمر والكواكب، وهل هي آلهة أم خلائق؟ ما علاقة الانسان بسائر الخلائق، وهل له سلطة على كل لا في الأرض من نبات وحيوان؟ ما علاقة الرجل بالمرأة، وهل المرأة مساوية للرجل؟ لِمَ الراحة يوماً في الاسبوع، وما شأن الله والصلاة في يوم الراحة هذا؟

الله الخالق
نلاحظ أولاً أن لفظة الله هي التي تتكرر تقريباً في كل آية من آيات هذا الفصل. "خلق الله"، "قال الله"، "رأى الله"، "سمّى الله"، "فصل الله"، "صنع الله"، "باركها الله"، الخ... لا يقصد الكاتب المقدس في رواية الخلق هذه وصف الخلائق وتكوينها وميزاتها بقدر ما يقصد إظهار علاقتها بالله الخالق؛ فالله وحده هو أصل جميع الكائنات ومبدع كل الخلائق، هو وحده خالق الأرض وما فيها من نبات وحيوان وبشر، وهو وحده خالق السماء وما يدور فيها من كواكب ونجوم.

"ورأى الله ذلك أنه حسن"
تعاد هذه العبارة ست مرات في النص، وفي المرة السادسة يؤكد الكاتب أن "جميع ما صنعه الله... هو حسن جداً". وفي ذلك اسم إعلان لمجال الحمل الذي قام به الله وتركيز على قيمة الخلائق، ليس في تكوينها البيولوجي، بل في علاقاتها بالله. فالله أو الري أرادها، لذلك لها قيمة كبرى في ذاتها. وهذا التركيز على حسن الخلائق هو في الوقت نفسه شهادة على وحدانية الله الخالق ورفض للازدواجية التي نجدها في بعض الديانات القديمة والتي تؤكد وجود إلهين في أصل الخلائق، إله الخير وإله الشر. أما هنا فالكتاب المقدس يعلن وجود إله واحد قد خلق جميع الكائنات؛ لذلك هي حسنة. أما موضوع الشرّ فسنعالحه في القسم الثاني من هذا البحث.

"وكان مساء وكان صباح..."
تعود تلك العبارة ست مرات أيضاً، في نهاية كل يوم من أيام الخلق، مذكرّة الشعب بالذبيحتين اللتين كانتا تقامان كل مساء وكل صباح. فذبيحة المساء كانت تقام "نحو مغيب الشمس" معيدة إلى الأذهان العمل الخلاصي الذي قام به الله عندما أخرج شعبه من مقصر (تثنية 16: 6)؛ وذبيحة الصباح كانت تقدّم بالغداة "محرقة دائمة كما قدمت في سيناء" (العدد 28: 6)، معيدة ذكرى العهد الذي أبرمه الله مع شعبه على يد موسى في سيناء.

ترتيب خلق الكائنات لأهميتها
نلاحظ أن الكائنات قد برزت للوجود في تدرّج تصاعدي وفقاً لأهميتها. ففي البدء لم يكن سوى أرض خربة خالية وعلى وجه الغمر ظلام. ثم خلق الله النور فالمياه فاليابسة فالنبات فالعشب فالشجر فالكواكب، فالحيوانات البحرية فالطيور فالحيوانات البرية فالبهائم، ثم توّج عمله بخلق الانسان على صورته كمثاله ليتسلّط على جميع الخلائق.

الانسان صورة الله
بينما تأتي النباتات والأشجار والحيوانات إلى الوجود "كلّ بحسب صنفه" (1: 11، 24)، يُخلق الانسان "على صورة الله كمثاله". تقوم صورة الله في الانسان على اشتراك الانسان في سيادة الله على سائر الخلائق. وتلك السيادة تفرض العقل والحرية والارادة. فقد خلق الانسان "ليتسلّط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الارض" (1: 26، 28). أما لفظة كمثالنا في قوله تعالى: "لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا"، فيقصد الكاتب بها إلغاء المساواة التامة بين الانسان والله. فالانسان هو على صورة الله ولكنه ليس مساوياً له في الألوهة. وقد رأى بعض الآباء القديسين الشرقيين في الصورة الطبيعة التي خُلق عليها الانسان، وفي المثال الدعوةَ التي هو مدعو لبلوغها. فقد خُلق على صورة الله، ولكنه مدعو إلى أن يصبح على مثال الله في قداسته.
والمرأة هل هي مساوية للرجل في تلك الصورة؟ جواباً على هذا السؤال يؤكد الكاتب المقدس مساواة الرجل والمرأة. فكلاهما خُلق على صورة الله: "فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم" (1: 27).

الأيام الستة
ان الكاتب وزّع على ستة أيام عمل الخلق الذي قام به الله. يجب ألاّ نرى في هذا العدد تحديداً علمياً للمدة الزمنية التي استغرقها تكوين العالم. فقد قسّم الكاتب المقدس الكائنات كلّها ستة أقسام، وبيّن أن الله قد خلقها في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع. وما ذلك إلا طريقة تعليمية تظهر في عمل الله مثالاً لعمل الانسان وتؤكد ضرورة تقديس يوم السبت كما جاء في الوصية الثالثة من وصايا الله: "اذكر يوم السبت لتقدّسه. في ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك. واليوم السابع سبت للرب إلهك، لا تصنع فيه عملاً لك، أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك. لأن الرب في ستة أيام خلق السماوات والأرض والبجر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح، ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدّسه" (خروج 20: 8- 11)


الأرض الجافة


خلق الانسان

غرس الجنة







وصية الله
للانسان

خلق الحيوانات




خلق المرأة الرواية الثانية (تك 2: 4 ب- 25)
"يوم صنع الرب الإله الأرض والسماوات، كلّ شجر البرية لم يكن بعد في الأرض كلّ عشب البرية لم ينبت بعد، لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر بعد على الأرض، ولم يكن انسان ليحرث الأرض.
"وان الربّ الإله جبَلَ الانسان تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الانسان نفساً حيّة.
"وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً وجعل هناك الانسان الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشرّ. وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة، ومن ثم يتشعب فيصير أربعة رؤوس: اسم أحدها فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع. واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض الحبشة. واسم النهر الثالث حدّاقل وهو الجاري في شرقي أشور. والنهر الرابع هو الفرات.
"وأخذ الرب الإله الانسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها. وأمر الرب الإله الانسان قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل، أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً.
"وقال الرب الإله لا يحسن أن يكون الانسان وحده، فأصنع له عوناً بإزائه. وجبل الرب الإله من الأرض جميع حيوانات البرية وجميع طير السماء وأتى بها آدم ليرى ماذا يسمّيها، فكلّ ما سمّاه به آدم من نفس حية فهو اسمه. فدعا آدم جميع البهائم وطير السماء وجميع وحش الصحراء بأسماء. وأما آدم فلم يوجد له عون بإزائه.
"فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فاستلّ إحدى أضلاعه وسدّ مكانها بلحم. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، فأتى بها آدم، فقال آدم: ها هذه المرة عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تسمى امرأة لأنها من امرئ أُخذت. ولذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته، فيصيران جسداً واحداً. وكانا كلاما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان".

تعود هذه الرواية إلى القرن العاشر قبل المسيح. فهي اذاً أقدم من الأولى. إلا أنها ليست من كاتب واحد؛ فهي بدورها تجمع تقليدين مختلفين، تقليداً أول يتكلم عن خلق الانسان (2: 4 ب- 8) وخلق المرأة (2: 18- 24)، وتقليداً ثانياً يدور حول حوادث الخطيئة الأولى. فيصف أولاً الإطار الذي ستجري فيه تلك الحوادث، أي الجنة وما فيها من أشجار ولا سيمَا شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. ثم يتكلم عن وصية الله بالامتناع عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر (2: 9- 17). ثم يتابع هذا التقليد روايته في الفصل الثالث فيروي قصة التجربة وعصيان آدم وحواء أوامر الله (3: 1- 24).

الله الخالق
يبدو لنا الله في هذه الرواية أيضاً الإله الوحيد الذي خلق وحده كل شيء، الانسان والجنة والحيوانات والمرأة. وتتميّز صورة الله في هذه الرواية بأنها تنسب إلى الله أعمالاً انسانية، فتصفه وهو يغرس الجنة ويجبل تراباً ليصنع الانسان، ثم يأخذ ضلعاً من أضلاعه ليصنع المرأة، ويسدّ مكانها بلحم. وفي الفصل الثالث نراه "يتمشّى في الجنة عند نسيم النهار" (3: 8)، ويصنع لآدم وحواء بعد الخطيئة "أقمصة من جلد ليكسوهما" (3: 21). تظهر هذه الرواية قرب الله من الانسان وعطفه عليه، إلا أنها لا تقلّص شيئاً من قدرته، فهو وحده الخالق، وهو وحده السيد الذي يعطي الانسان وصاياه وفي يده الحياة والموت.

خلق الانسان
تصف هذه الرواية خلق الانسان بطريقة بدائية. فالله يجبل تراباً وينفخ فيه. من البديهي أن الله روح وليس له جسد ولا يدان ليجبل التراب. لقد استخدم الكاتب صورة معروفة في عمره ليعطي من خلالها تعليماً دينياً. فالأساطير المصرية القديمة كانت تصوّر الإله الكبش يكوّن الملك على آلة الخزاف. فمن خلال تلك الصورة يؤكد الكاتب ان الانسان هو من صنع الله في جسده وروحه.

الجنة
ان الإطار الذي ستجري فيه حوادث الخطيئة الأولى هو "جنة في عدن شرقاً". يستحيل على علماء الكتاب المقدس اليوم تحديد هذا الموضع جغرافياً. إلا أن لفظة "عدن" مشتقّة بالعبريّة من أصل يعني "النعيم". وبما ان الرواية ليست رواية تاريخية بل تعليمية، نكتفي بهذا المعنى لنستنتج منه هدف الكاتب المقدس، ألا وهو التشديد على محبة الله للانسان. فبعد أن خلقه وضعه في "جنة نعيم" فيها كل ما كان الانسان القديم العائش في الصحراء يتمناه: واحة ظليلة مليئة بالشجر المثمر والمياه الغزيرة. وكذلك القول عن الأنهر الأربعة التي كانت تخرج من الجنة، وعن أسماء البلدان التي تسقيها، فانها ليست مواضع جغرافية نستطيع تحديدها، إنما تعني أن الأنهار التي تسقي جهات الأرض الأربع تخرج من الجنة، فهي اذاً من صنع الله.

العمل
"وأخذ الرب الإله الانسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها" (2: 15). يعتبر الكاتب عمل الانسان أمراً أراده له الله منذ أن خلقه. فليس العمل في ذاته قصاصاً على الخطيئة الأولى، كما يقال أحياناً. ان نتيجة الخطيئة ستكون المشقّة في العمل، كما ورد في قول الله لآدم: "إذ سمعت لصوت امرأتك فأكلت من الشجرة التي نهيتك قائلاً لا تأكل منها، فملعونة الأرض بسببك، بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تُنبت لك" (تك 3: 17، 18). فالخطيئة، أياً كانت، تحدث خللاً في طبيعة الانسان وفي علاقاته مع الله ومع الآخرين ومع الكون. أما العمل فهو في ذاته من صلب الطبيعة الانسانية.
سيادة الانسان على الحيوانات
بعد أن خلق الله الحيوانات "أتى بها آدم ليرى ماذا يسمّيها. فكل ما سمّاه به آدم من نفس حية، فهو اسمه" (2: 19). ان الله قد أعطى الانسان السيادة على الحيوانات. وهذه السيادة عبّرت عنها الرواية الأولى بقوله تعالى للانسان: "تسلّطوا على سمك الحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ على الأرض" (1: 28). أما هذه الرواية الثانية فتعبّر عن الفكرة عينها بقولها ان الله قد ترك للانسان نفسه تسمية الحيوانات.

خلق المرأة
يتصوّر الكاتب أن الله خلق المرأة من ضلع الرجل. هذه صورة شعبية للدلالة على أن المرأة والرجل هما من جبلة واحدة: "هذه تسمى امرأة، لأنها من امرئ أخذت" (2: 23)، وانهما متساويان في الطبيعة الانسانية. وفي هذه الصورة أيضاً إصرار على أن الزواج أمر مقدّس أراده الله نفسه: "لا يحسن أن يكون الانسان وحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (2: 18). ويضيف الكاتب: "لذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته فيصيران جسداً واحداً" (2: 24). وهذا النص سيعود إليه يسوع في حديثه عن الزواج وشجبه الطلاق (متى 19: 3- 6).

الخلق والعهد وشجرة معرفة الخير والشر
نلاحظ إذاً في هذه الرواية أيضاً ان الكاتب المقدس لم يقصد أن يروي بالتدقيق ما جرى من حوادث في فجر البشرية، بل أن يبرز علاقة الله بالانسان وعلاقة الانسان بالكون وعلاقة الرجل بالمرأة، كما أرادها الله منذ خلق الكون والانسان والرجل والمرأة.
ان علاقة الله بالانسان هي علاقة عهد على مدى التاريخ منذ بدء الكون. فالله الذي قطع مع الشعب اليهودي عهداً بأن يكون معهم ويخلّصهم من أعدائهم، هو نفسه قد قطع مع البشرية جمعاء عهداً مماثلاً منذ خلق الانسان الأول. ويمكننا أن نجد أوجه شبه متعددة بين عهد الخلاص وعهد الخلق:
- فكما ان الله خلّص اسرائيل إذ أخرجه من مصر وقاده عبر الصحراء ليقيمه في أرض خصبة "تدرّ لبناً وعملاً"، هكذا خلق الله الانسان الأول على أرض "لم يكن فيها أي شجر أو عشب" (2: 5)، ثم غرس له جنة وأقامه فيها ليفلحها ويحرسها.
- وكما ان الله أعطى شعبه على جبل سيناء بواسطة موسى وصاياه وأحكامه انطلاقاً من الوصية الأساسية "لا يكن لك آلهة تجاهي" (خروج 20: 3)، هكذا، منذ خلق الانسان، أوصاه ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وترمز تلك الشجرة، لا إلى التمييز بين الخير والشر- لأن هذا من صلب طبيعة الانسان العاقل، والله قد أعطى الانسان هذا التمييز منذ أن خلقه- إنما إلى السلطة على تحديد الخير والشر. وتلك السلطة هي بيد الله وحده، فهو الذي يحدّد الخير والشرّ، وهو الذي يعطي الوصايا التي توضح ما الخير الذي يجب فعله وما الشر الذي يجب الابتعاد عنه. فالأكل من شجرة معرفة الخير والشر هو إذاً رفض لله والاستقلال عنه في كل ما يتعلّق بالخير والشر، والتخلّي عن وصاياه، انه رفض الانسان أن يكون خليقة، أي كائناً مرتبطاً بالله.
- وفي عهد سيناء وعد الله بالبركة من يتبع وصاياه وهدّد بالموت من يخالفها: "انظر، اني قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير والموت والشر. بما اني آمرك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسير في طرقه وتحفظ وصاياه ورسومه وأحكامه لتحيا وتكثر ويباركك الرب إلهك. وان زاغ قلبك ولم تسمع وملت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها، فقد أنبأتكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً" (تثنية 30: 15- 18). وفي الجنة أيضاً هدّد الله الانسان بالموت إن لم يتبع وصاياه: "أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً" (2: 15). ليس القصد من الموت في هذه الجملة الموت الجسدي، لأن الموت الجسدي هو طبيعي للانسان، بل موت النفس؛ فعبارة "تموت موتاً" هي مرادفة لعبارة "تهلكون هلاكاً" التي نقرأها في سفر تثنية الاشتراع. ان الانسان الذي يرفض الله ويريد أن يكون هو إله نفسه لا محالة هالك. كل ما يستطيع بلوغه من دون الله إنما هو اكتشاف عريه وبؤسه، وهذا ما عبّر عنه الكاتب المقدس بقوله ان آدم وحواء بعد خطيئتهما "انفتحت أعينهما فعلما أنهما عريانان" (تك 3: 7). وما طرد آدم وحواء من الجنة (تك 3: 23) إلا صورة رمزية للموت الروحي الذي حصل لهما بعد الخطيئة، أي لفقدانهما بركة الله وحياة الألفة معه.

4- ماذا يمكننا أن نستنتج من تعاليم العهد القديم في موضوع الخلق؟
من كل ما سبق يمكننا استخلاص التعاليم التالية:
1) ان الله هو الإله الوحيد الكائن منذ الأزل، الذي لم يأخذ كيانه من أي كائن آخر.
2) ان الله هو الخالق الوحيد للكون كله وللانسان. وعمل الخلق هو فيض من محبته، فالله حاضر مدى الدهر مع الانسان بصلاحه ومحبته وقدرته.
3) ان عمل الخلق هو عمل حر، لم يكن فيه الله مرغماً ولا مقيّداً بأي عامل خارجي. والكون الذي ينتج من عمله لا يتعلّق إلا به.
4) ان عمل الخلق هذا تصفه تقاليد مختلفة من سفر التكوين في عبارات وتصاوير وتشابيه متأثرة بالمحيط الذي نشأت فيه تلك التقاليد وبالبيئة التي كتب فيها سفر التكوين، ولا سيمَا بالحضارتين البابلية والمصرية.

ب- في العهد الجديد

لا نجد في العهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم. إلا أن الإيمان بالله الخالق هو الأساس الذي يرى من خلاله العهد الجديد علاقة الله بالانسان. ثم ان الذين عاشوا مع المسيح أدركوا بالإيمان أنهم يحضرون في شخص يسوع المسيح تحقيق مواعيد الله ومقاصده التي سبق فحدّدها منذ إنشاء العالم. لذلك يؤكد العهد الجديد من جهة أُبوّة الله الشاملة لجميع خلائقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع في الخلق كما في الخلاص.

1- الله الخالق
إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الأصنام أكّد الرسل في كرازتهم عبادة الله الأوحد "خالق السماء والأرض". فبولس الرسول، في خطابه في لسترا، طلب من مستمعيه أن يرجعوا "إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها" (أعمال 14: 15)؛ وفي خطابه في أثينا في الآريوباغس، قال للجموع المحتشدة لسماعه:
"ان الإله الذي صنع العالم وجميع ما فيه لا يسكن، إذ هو رب السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي، ولا تخدمه أيدي البشر كأنه محتاج إلى شيءٍ ما، إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء. وهو الذي صنع من واحد كلّ أمة من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً لهم مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم، لكي يطلبوا الله، لعلّهم يجدونه متلمّسين، مع انه غير بعيد من كل واحد منا، إذ به نحيا ونتحرّك ونوجد، كما قال أيضاً بعض شعرائكم: "إنّا نحن ذريّته" (أعمال 17: 24- 28).
فالله، بحسب تعليم بولس، هو الذي صنع السماء والأرض، وهو الذي صنع من واحد جميع أُمم الأرض. فهو إذاً خالق الكون وجميع البشر، وبه نحيا ونتحرك ونوجد.

2- الخلق بالمسيح
يضيف العهد الجديد إلى الإيمان بالله الخالق فكرة جديدة، وهي أن الله خلق كل شيء بالمسيح. ترد هذه الفكرة عند ثلاثة كتّاب: بولس الرسول ويوحنا الانجيلي وفي الرسالة إلى العبرانيين التي تَبيَّن أنها ليست من وضع بولس الرسول.

* النصوص
(كولسي 1: 12- 20)
يقول بولس في رسالته إلى الكولسيّين إن المسيح هو "صورة الله غير المنظور، المولودُ قبل كل خلق، إذ فيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى... به وإليه خلق كل شيء، انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (1: 15- 17).
يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان يُنشده المسيحيون الأوّلون مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلاص. فبعد الإشادة بدور المسيح في الخلق يتابع بولس: "الذي هو أيضاً رأس الجسد، أي الكنيسة، انه المبدأ، البكر من بين الأموات -لكي يكون هو الأول في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن يحلّ الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (1: 18- 20).

(1 كورنثس 8: 6)
"فنحن إنما لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء ونحن إليه، ورب واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به".
يعلن بولس إيمانه بالله الآب الخالق كل شيء، ثم إيمانه بالابن الذي هو الوسيط في الخلق: "به كل شيء". وهو الوسيط أيضاً في الخلاص: "فنحن به" أي به افتدينا وتقدّسنا وأصبحنا خليقة جديدة.


(يوحنا 1: 1- 18)
ان الفصل الأول من انجيل يوحنا هو أيضاً، على ما يرجّح، مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة الله في الخلق والخلاص، فيعلن أن المسيح هو الكلمة الذي، خلق الله الآب الكون، وأنّه مساوٍ لله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1). ثم تشير الآية الثالثة إلى وساطة الكلمة في الخلق: "به كوّن كل شيء وبدونه لم يكن شيء واحد مما كُوِّن"، وتعود الفكرة عينها في الآية العاشرة: "العالم به كُوَن".
وفي الآية الرابعة يبدو لنا الكلمة، الذي وُصف بأنه الوسيط في الخلق، الوسيط أيضاً في الخلاص: "فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة..."، فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلاص، وكأنك في الآية 16: "ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة".

(الرسالة إلى العبرانيين 1: 1- 3)
"ان الله، بعد أن كلَّمَ الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته، الذي بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس عن يمين الجلال في الأعالي".
في هذه الآيات التي قد تكون أيضاً مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع الكاتب عمل المسيح الخلاصي الذي به "طهّرنا من خطايانا"، ووساطته في الخلق. فبالمسيح "أنشأ الله لعالم". والمسيح هو "ضابط كل شيء بكلمة قدرته". فالخلق بالكلمة، الذي هو من عمل لله في سفر التكوين، تؤد هذه الرسالة أنه أيضاً من عمل الابن كلمة الله والوسيط الوحيد في الخلق كما في الخلاص.

* مصادر فكرة "الخلق بالمسيح"
ان المراجع الثلاثة التي يعبّر فيها العهد الجديد عن "الخلق بالمسيح" هي مستقلّة بعضها عن بعض. ومعظم المقاطع التي ترد فيها تلك الفكرة هي بقايا من أناشيد كان المسيحيون الأولون يتلونها في صلواتهم. ومعروف أن الأناشيد والصلوات تعبِّر عن الإيمان. فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلق بالمسيح قد ظهرت في السنوات الأولى للمسيحية، وهي تعبّر عن إيمان الرسل والمسيحيين الأوّلين بأن يسوع المسيح هو كلمة الله الذي به خُلق كل شيء. ماذا يعني هذا التعبير، وما هو مصدره؟
ان المسيحيين الأوّلين قد رأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في العهد القديم في الحكمة الإلهية، وعبَّروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة اليونانية ولا سيمَا من أقوال فيلون الاسكندر في العقل الالهي الذي نظّم العالم.

الحكمة في العهد القديم
ان العهد القديم قد تصوّر الحكمة موجودة مع الله منذ خلق العالم. وهذه بعض الآيات التي نجدها في الأسفار الحكمية:
"أنا الحكمة... الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مسحت ومن الأول من قبل أن كانت الأرض. وُلدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه... حين وضع للبحر رسمه فالمياه لا تتعدى أمره، وحين رسم أُسس الأرض، وكنت عنده مهندساً" (الأمثال 8: 22- 35).
"كل حكمة فهي من الرب ولا تزال معه إلى الأبد... قبل كل شيء حيزت الحكمة، ومنذ الأزل فهم الفطنة. ينبوع الحكمة كلمة الله ومسالكها الوصايا الأزلية" (يشوع بن سيراخ 1: 4، 5).
"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك... ان معك الحكمة العليمة بأعمالك والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضيّ في عينيك والمستقيم في وصاياك" (الحكمة 9: 4، 9).
نجد في هذه النصوص تعابير سيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح. فهو مولود كالحكة قبل كل خلق "حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة". وهو "من الرب"، وهو "كلمة الله"، وهو "الجالس إلى عرش الله"، وهو "حاضر مع الله عند خلق العالم".

"الكلمة" في الفلسفة اليونانية
وردت لفظة "الكلمة" في الفلسفة اليونانية للدلالة على العقل الإلهي الذي نظّم العالم. واعتبر فيلون الاسكندري الكلمة إلهاً أدنى بواسطته خلق الله الكون. فالكلمة، حسب قوله، "صورة الله التي بها خُلق الكون كله". كذلك يتكلم فيلون عن الحكمة التي "بها خُلق كل شيء".
فالجماعة المسيحية اليونانية الأصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي رأت فيه حكمة الله المتجسِّدة وكلمة الله الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع الله قبل خلق العالم. ففي الخلق كما في الخلاص لا وساطة غير وساطة المسيح الذي هو كلمة الله المولود من الله منذ الأزل. 
وهكذا نشأت في الكنيسة الأولى تلك الأناشيد التي تستخدم الثقافة اليونانية للتعبير عن سرّ المسيح وإظهار علاقته الفريدة بالله الآب. فهو وحده ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله، وبه وحده تمَّ خلق العالم، كما انه به وحده تمَّ الخلاص الذي هو"خلق جديد": "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ وكل شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 17).

المسيح هو المبدأ والغاية
ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلق الأول ملء معناه. فالخلق الأول كان منذ البدء موجّهاً ليجد كماله في المسيح. لذلك فان المسيح هو في الوقت ذاته مبدأ الخلق وغايته الأخيرة، والهدف الذي يجب أن يسير إليه كل انسان. لذلك يقول بولس: "به وإليه خلق كل شيء" (كولسي 1: 16). ان لفظة "به" تعني أنه المبدأ، ولفظة "إليه" تعني انه الغاية. ويردف بولس: "انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (كولسي 1: 17). فكما أن كل عمل يقوم به كائن عاقل يسبقه دوماً الفكر والتصميم والمبدأ، هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق العالم، "انه قبل كل شيء". وكما ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة، هكذا أيضاً المسيح هو الغاية الأخيرة التي يسير إليها الخلق، لذلك "فيه يثبت كل شيء".
هذا الإيمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلاص، عبَّرَ عنه أخيراً يوحنا في سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو "الألف والياء، الأول والآخر، المبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13).
القِسم الثَاني
مفهوم الخلق في اللاهوت المسيحي

أ- تصورات خاطئة عن الخلق

لكي نوضح المفهوم الصحيح للخلق، سنعرض أولاً بعض تصورات خاطئة رأى من خلالها الناس الخلق على مرّ العصور. منهم من رأى الخلق بداية في الزمن، ومنهم مَن عَدَّه انبثاقاً من الله، وآخرون صنعاً من مادة سابقة.

1- الخلق ليس بداية في الزمن
كثيرون من الناس يتصوّرون الخلق عملاً تمَّ على مراحل في الزمن: مرحلة أولى لا وجود فيها لأي كائن غير الله، ومرحلة ثانية يقصد فيها الله خلق العالم، ومرحلة ثالثة ينفّذ فيها قصده فيخلق العالم الذي ينتقل هكذا من اللاوجود والعدم إلى الوجود. ويميِّزون على هذا النحو الزمن الذي قبل الخلق والزمن الذي بعد الخلق.
ان هذا تصوُّر بشري يرى الانسان من خلاله عمل الله في الخلق على مثال أعمال البشر. فعندما يريد انسان أن يبني بيتاً يمتلك أرضاً لا بناء عليها، فيقوم أولاً بالتصميم والتخطيط، ثم ينفّذ تصميمه فيبني البيت؛ في المرحلة الأولى لم يكن على الأرض بيت، وفي المرحلة الأخيرة وُجد البيت.
يعتبر هذا التصوّر للخلق ان الخلق هو "بداية في الزمن". وإذا عدنا إلى معظم تصاوير الكتاب المقدس نرى أنها تتصوّر الخلق على هذا النحو: قبل الخلق لم يكن شيء سوى العدم، وبعد الخلق ظهرت الخلائق إلى الوجود. وهذا التصوّر هو الذي يعبِّر بواسطته آباء الكنيسة ومعلِّموها عن إيمانهم بالله الخالق.
إلا أننا نعم أن عمل الله لا يمكن أن يكون على مثال عمل الانسان، لأن الانسان عائش في الزمن وفي النسبي، فيتقلّب ويتحوّل ويتغيّر، وينتقل من الماضي إلى الحاضر ثم إلى المستقبل. وهكذا كل ما يصنعه الانسان ينتقل معه من مرحلة اللاوجود في الزمن إلى مرحلة الوجود: قبل مدة من الزمن لم يكن هناك بيت، وبعد قليل وُجِد البيت. بيد أنّ الله فوق الزمن؛ انه المتعالي المتسامي عن الزمن وعن التغيّر، إذ "ليس فيه ظل تحوّل ولا دوران"؛ انه "هو هو أمس واليوم وإلى الدهور"، لذلك لا نستطيع أن نتصوّر عمله على مثال أعمال البشر .
ثم كيف يمكننا أن نتكلم عن "قبل الخلق" و"بعد الخلق"، في حين أنّ لفظتَي "قبل" و"بعد" هما لفظتان تعبّران عن الزمن؟ فهما إذاً وُجِدتا مع الزمن، ولا وجود للزمن قبل الخلق.
ولكن هل بإمكان الانسان، في كلامه عن الله وعمله، ألاّ يستخدم الألفاظ والتعابير نفسها التي يستخدمها للكلام عن الأمور الزمنية؟ نحن العائشين في الزمن وفي النسبيّ، اذا أردنا التفكير والكلام عن الله، لا نستطيع أن نفكر ونتكلم إلا بموجب مفاهيم وتعابير تتلاءم وعقلنا البشري، وإلا أرغمنا على الصمت. غير أننا، في تفكيرنا وكلامنا عن جميع أمور الله، لا بدّ لنا من التنبّه إلى عجز مفاهيمنا وتعابيرنا البشرية عن الاحاطة بسرّ الله وبعمله.
ثم ان مسألة قدم العالم، أي أن يكون العالم قد ابتدأ في زمن محدد أم أن يرجع وجوده إلى ما لا نهاية له في الزمن، هي اليوم مسألة يترك اللاهوت للعلم أمر البتّ فيها. لا شك أن معظم العلماء اليوم لا يرون كيف يمكن الرجوع بالعالم إلى ما لا نهاية له؛ فالمادة لها قوة محددة، ولا بدّ انها بدأت في زمن محدد.
ولكن مهما يكن من أمر، فإنه يعود للاهوت أن يبيّن أن العالم، وان افترضنا وجوده منذ زمن لا نهاية له، إنما هو متعلق بالله على مدى الزمن وعلى مدى اللانهاية، وإنّ جوده النسبي مرتبط بوجود كائن مطلق هو الله، منه يأخذ الوجود ويستقي الكيان.
ان جميع التصاوير البشرية التي يرى الكتاب المقدس من خلالها الخلق لا تهدف إلى الإجابة عن مسألة بدء الخلق في الزمن بقدر ما تقصد إظهار الارتباط الوثيق بين الخلائق والله، فالخلائق مرتبطة كلها بالله على مستوى كيانها ووجودها.

2- الخلق ليس انبثاقاً من الله
كان بعض الفلاسفة الأقدمين يعتبرون الخلق انبثاقاً من الله. إن تلك النظرة خاطئة، لأن الانبثاق يعني المساواة بين جوهر الله وجوهر الخلائق وهذا ما لا يمكننا قبوله. فجوهر الله مختلف تمام الاختلاف عن جوهر الخلائق: الله مطلق أما الخلائق فنسبية؛ كيان الله هو من ذاته، أما كيان الخلائق فهو من الله؛ الله لا يتغيّر ولا يتحوّل، أما الخلائق فهي عرضة للتغيّر والتحوّل. وهذا ما يعبّر عنه الكتاب المقدس، عندما يتكلم عن قداسة الله إزاء خطيئة الانسان، وعن النور إزاء الظلمة، وعن ثبات الله وأمانته لنفسه ولخلائقه إزاء تقلُّب الانسان وخيانته.

3- الخلق ليس صنعاً من مادة سابقة
ان عملنا البشري هو دوماً عمل على مادة سابقة. فالمادة نجدها قبلنا، فلا نخلقها بل نطوّرها ونضيف إليها مواد أخرى أو نقسّمها أجزاء مستغلّين كل طاقاتها الدفينة. أما الخلق فهو، في النظرة المسيحية، "خلق من العدم". وهذا التعبير يعني أن لا وجود لأي شيء خارجاً عن الله، فكل ما هو موجود يأخذ من الله، وجميع الكائنات تأخذ كيانها من الله.
يصعب على الفكر البشري تصوّر" الخلق من العدم"، لأنه يفوق اختبار الانسان، إذ إنّ في كل عمل إنساني أربعة عناصر: العامل والمادة السابقة التي سيعمل عليها العامل وتحول المادة إلى مادة أخرى والنتيجة النهائية. اما في عمل الله، في الخلق، فالعنصر الثاني والعنصر الثالث لا وجود لهما، إذ لا وجود لمادة سابقة ولا وجود بالتالي لأي تحول من مادة إلى أخرى، فلا يبقى إذاً في مفهوم الخلق سوي عنصرين: الله والخليقة، وبين الخليقة والله علاقة ارتباط دائم.

ب- المفهوم الصحيح للخلق
هذا هو في النهاية المفهوم الصحيح للخلق: إن بين الخليقة والله ارتباطاً دائماً، فالكائنات كلها متعلّقة بالله تعلُّقها بمبدإ وجودها ومصدر كيانها.
ان عقيدة الخلق في الإيمان المسيحي لا تقصد تفسير كيفية وجود العالم وكيفية تكوينه. بل جلّ قصدها إظهار معنى وجود العالم والتأكيد أن هذا الوجود يستقيه من الله ينبوع كل وجود ومصدر كل كيان. واذا استطاع العلم يوماً تفسير كيفية تكوين العالم تفسيراً أكيداً ونهائياً -كل التفسيرات التي يعطيها اليوم العلم إنما هي مجرد نظريات قابلة للنقاش- فالإيمان وحده يستطيع اكتشاف العلاقة الحميمة التي تربط هذا العالم بالله.
وتلك العلاقة هي علاقة محبة، فالعالم هو فيض من محبة الله اللامتناهية وعطيّة مجانية من إله العطاء والمحبة.
الآن يتضح لنا بأجلى بيان ما قلناه في القسم الأول من هذا البحث عن العلاقة التي يراها الكتاب المقدس في العهدَين والقديم والجديد بين الخلق والخلاص. فالله المخلص هو نفسه الله الخالق؛ وكلا الخلق والخلاص فيض من محبة الله.
لتفسير كيفية خلق العالم وخلق الانسان، تستخدم الرواية الأولى من سفر التكوين عبارة "وقال الله...". وتعود تلك العبارة عشر مرات في النص مذكرة بوصايا الله العشر. فكلمة الله في الوصيايا تمنح الانسان الخلاص والحياة، وكلمة الله في الخلق تمنح الانسان الوجود والكيان. وكل كلمة وقول علاقة حوار بين أشخاص. فالانسان الذي أتى إلى الوجود بكلمة من الله، إنما هو في صميم كيانه علاقة حوار مع الله، والحوار يفترض الحرية، فالخلق إذاً ليس استعباداً للانسان ولا احتقاراً لكيانه ولا امتهاناً لكرامته.
لقد رفض ماركس وجود الله الخالق لأنه اعتبر ان مثل هذا الوجود ينقص من قيمة الانسان. ولكن ماركس لم يفهم معنى الخلق الصحيح، وما رفضه لله الخالق إلا رفض لصورة خاطئة عن الله الخالق. فبالخلق يعطي الله الانسان الوجود، إلا أن عطاءه هذا ليس عطاء سيّد لعبد ولا عطاء محسن لمستجدي، بل عطاء صديق لصديقه وأب لابنه وحبيب لحبيبه. "ان الله محبة"، والخلق هو أول أعماله التي بها أظهر محبته. يبقى أن يفتح الانسان قلبه لتلك المحبة، لتكون حياته وكلها جواباً على محبته تعالى له.
في تلك النظرة العميقة لمفهوم الخلق ندرك أن عمل الله في الخلق لا يقتصر على منح الكائنات وجودها في بدء الزمن، بل هو عمل دائم أبد الدهر، وعلاقة المحبَة التي تربط الله وخلائقه دائمة كذلك إلى الأبد.

ج- الخلق والتطوّر
هناك إذاً نظرتان متميّزتان إلى الكون، نظرة لاهوتية تسبر أعماق الكون للبحث عن معنى وجوده وتظهر ما بين الخلائق والله من علاقة حميمة على صعيد الكيان والوجود، ونظرة علمية تحاول العودة إلى أصل الكائنات لتبيِّن كيف برزت إلى الوجود. ماذا يقول لنا العلم اليوم عن أصل الكائنات، وهل يتفق ما وصل إليه مع معطيات الوحي والإيمان؟

1- نظرية التطوّر
ان نظرية التطور هي نظرية علمية ترى التطور في جميع مرافق الكون، من المادة، في جميع أصنافها على الأرض والكواكب، إلى الحياة في مختلف فروعها النباتية والحيوانية والبشرية. وقد حدث هذا التطوّر على ثلاث مراحل:
ففي البدء لم يكن سوى أولى انفجرت فأعطت غازات محرقة، ولما خفّت حرارة تلك الغازات تحوّلت إلى مليارات من النجوم. والشمس هي إحدى تلك النجوم، تكوّنت حولها فيمَا بعد الكواكب وظهرت الأرض. وكان ظهورها منذ خمسة مليارات سنة.
وفي المرحلة الثانية ظهرت الحياة على الأرض من جرَّاء إشعاعات الشمس على جوّ الأرض. فالحياة النباتية بدأت في أعماق البحار حيث وجدت غذاءً ملائماً، ثم تحوّلت إلى حياة حيوانية، فتكوّنت قبل كل شيء الأسماك، ومن البحر انتقلت الحياة الحيوانية إلى البرّ، وتطوّرت الحيوانات وتنوّعت.
اما الحياة الانسانية فلم تظهر إلا نتيجة تطور بعض أنواع القردة. وبدأ ذلك منذ سبعين مليون سنة، عندما أخذت بعض أنواع القردة التي لم يعد لها الآن أي أثر تنتصب على قدميها، ثم واصلت تطورها، فراحت تستخدم الآلات من حجارة وعظام؛ وظهر عندئذٍ الانسان القديم الذي اكتشف النار منذ مليوني سنة؛ ومنذ مئة ألف سنة بدأ يدفن موتاه ويضع في مدافنهم بعضاً من آلاتهم الحجرية وطعاماً زاداً لهم لحياة ما بعد الموت التي أخذ يؤمن بها.
ومنذ خمسة وثلاثين ألف سنة ظهر "الانسان العاقل" آخر حلقة من مرحلة طويلة. بدأ هذا الانسان باستخدام عقله وذكائه في رسوم يرسمها على جدران المغاور للتعبير عن أفكاره ورغباته؛ ومنذ خمسة آلاف سنة اخترع الكتابة ودوَّنَ أفكاره ومعتقداته في أساطير لا نزال نقرأها حتى اليوم.
2- هل من تناقض بين نظرية التطوّر وعقيدة الخلق؟
هذه النظرية هي اليوم النظرية الشائعة بين العلماء. ولكن ألا تناقض عقيدة الخلق؟ ان تلك النظرية تفسّر تفسيراً علمياً كيف ظهر الكون وتكوّن النبات والحيوان والانسان؛ إلاّ انها لا تجيب على السؤال الذي لا بدّ من طرحه: هل تلك الكائنات التي اكتشف العلم تطورها هي نفسها مبدأ وجودها، أم أنها مرتبطة بكائن آخر أعطاها الوجود؟ وهذا السؤال لا بدّ من طرحه، سواء تكوّن العالم في لحظة واحدة أم على مراحل استغرقت مليارات من السنين؛ وهذا السؤال لا يستطيع العلم الاجابة عليه، لأن العلم يحلّل المادة ويدرس تركيبها ويتقصّى تطورها، غير انه ليس من شأنه البحث في مبدإ وجودها.
وهذا ما يجيب عليه الايمان والوحي. لذلك لا تناقض بين الايمان والعلم. لأن لكل منهما ميدان بحث خاصاً به: العلم يبحث عن كيفية ظهور الأشياء، أما الإيمان فيرى أن هذه الأشياء والخلائق كلها ليست هي بذاتها مبدأ وجودها، إنما هي مرتبطة بالله الذي يعطيها الكيان والوجود.

* الانتقال من الحياة الحيوانية إلى الحياة البشرية
ولكن اذا قبلنا نظرية التطور، فكيف يمكننا تفسير الانتقال من جسد حيواني تحرّكه روح غير عاقلة إلى جسد بشري تحييه روح عاقلة؟
ان تطوّر الكون والانتقال من مستوى حياة إلى مستوى حياة أرقى يتطلّب تخطّياً للذات وازدياداً في الكيان؛ وهذا الازدياد في الكيان لا يمكن الكائنات أن تحصل عليه بقواها الخاصة، لذلك لا بدّ من الإقرار بوجود كائن يملك الكيان المطلق ويستطيع أن يعطي الكائنات هذا الازدياد في الكيان ويساعدها على تخطّي ذاتها والانتقال من حياة نباتية إلى حياة حيوانية ثم من حياة حيوانية إلى حياة انسانية.
يرى بعض اللاهوتيين ضرورة القول بتدخّل مباشر من قبل الله في لحظة الانتقال من حياة إلي حياة، ولا سيمَا من الحياة الحيوانية إلى الحياة البشرية ليخلق النفس الانسانية في الجسم الحيواني المتطوّر؛ ولكننا نقول مع البعض الآخر من اللاهوتيين ان هذا التدخل المباشر غير ضروري، فعمل الله يرافق التطور منذ بدايته؛ لذلك يجب ألا نتصوّر عمل الله في التطوّر عملاً موازياً لعمل الخلائق، به يتدخل الله من الخارج وفي فترات متقطعة، بل هو عمل من الداخل وعمل دائم، فالله هو المبدأ والقوة والسبب في بلوغ الكائنات قمة تطوّرها في الانسان.

* أصل واحد للبشر أم أُصول عديدة؟
هناك مشكلة أخيرة تعترضنا إذا قبلنا نظرية التطوّر.
فعندما تفسّر تلك النظرية التحوّل من الحياة الحيوانية إلى الحياة الانسانية، ترى أقرب إلى الواقع أن يكون هذا التحوّل قد حدث في فترات متقاربة في الزمن وفي مواضع عديدة من الكرة الأرضية؟ فليس البشر إذاً من أصل واحد بل من أصول متعدّدة. ولكن سفر التكوين يتكلم عن أصل واحد هو آدم؛ أفلا نجد هنا تناقضاً بين الكتاب المقدس والعلم؟
ان لفظة "آدم" في العبرية ليست اسماً لشخص معيّن، بل تعني "الانسان"، فكل ما يريد الكاتب المقدس تعليمنا إياه هو ان الله قد خلق "الانسان"؛ وقد أعطانا هذا التعليم في إطار نظرة قديمة هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى العلم، تعتبر أن البشر كلهم ينحدرون من أصل واحد. أما اليوم، فإذا استطاع العلم أن يبيّن ان انحدار البشر من أكثر من إنسان هو أقرب إلى الصواب، فلا شيء يمنع من قبول تلك النظرة العلمية، شرط المحافظة على جوهر التعليم الكتابي، ألا وهو أن الكائنات كلها، من جماد ونبات وحيوان وبشر، تستقي وجودها وكيانها من الله، وان الانسان الأول، أفرداً كان أم عدّة أفراد، لم يصل إلى الحياة الانسانية إلا بقوة الله.
لذلك لا نزال، اليوم، في عصر العلم والاكتشافات الحديثة، نعلن قائلين: "نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى".
القِسم الأول
تفسيرات خاطئة

لقد أعطيت، على مرّ العصور، وفي مختلف الأديان، تفسيرات للشرّ لم تعد مقبولة اليوم.

1- تفسير ميثولوجي في الأديان التي تعتقد بتعدّد الآلهة
كان الاعتقاد السائد عند اليونانيين والبابليين أنّ الخير هو من صنع الإله الأعظم، وأنّ الشرّ هو من عمل الآلهة الأدنين. وتلك هي الأسطورة التي نقرأها في كتاب طيمَاوس لأفلاطون: ان الله الكليّ الصلاح قد أراد أن يكون كلّ ما في الكون صالحاً على مثاله، فكوّن هو نفسه الآلهة الأدنين، وأزال عنها كل شرّ، ومنحها الخلود، ووكل إليها مهمّة صنع سائر المخلوقات، فجبلتها مزيجاً من روح وجسد، من خلود وموت، من خير وشرّ؛ ونشأ هكذا أصل كل الشرور. وإنّ هذه الأسطورة إذ تنزّه الإله الأعظم عن خلق الشرّ، وتلقي المسؤولية على الآلهة الأدنين، تجد حلاً لمعضلة الشرّ.

2- تفسير الغنوصيّين والمانويّين: الشرّ في المادة
لتفسير وجود الشرّ يقول الغنوصيون -وهم بدعة ظهرت في القرون المسيحية الأولى- ان المادة انبثقت من الله ولكن على مراحل متعدّدة. وفي كل انبثاق كان الخير يتقلّص والشرّ يزيد، إلى أن انبثقت المادة الحالية التي هي شرّ كلّها.
أما المانويون -وهم أتباع الفيلسوف الفارسي ماني، الذي توفي في فارس سنة 273 بعد المسيح- فلا يعتقدون بوجود إله واحد خالق للكون، بل بوجود مبدأين أزليين وغير مخلوقين، النور والظلمة، أحدهما صالح والآخر شرير. فالنور هو إله الخير، والظلمة إله الشرّ. أما المادة فهي ظلمة، أي شرّ. وفي أساطيرهم انه حدث يوماً أن أشرق إله الخير بنوره على المادة المظلمة، فأرادت أن ترتفع إلى مستواه، فصدّها، وخلق الانسان الأول لمساعدته على مقاومتها. إلا أن الظلمة كانت أقوى من الانسان، فسجنته في المادة. ومن هذا الانسان المقهور وُلدَت الانسانية الحالية التي لا تستطيع التحرّر من قيود المادة إلا بالمعرفة الحقيقية.
ان ما يجمع بين الغنوصيّين والمانويّين، في تفسير الشرّ، هو أنهم يرون الشرّ كلّه في المادة. أمّا الله فلا وجود للشرّ فيه، لأنه روح محض؛ فهو إذاً الخير والصلاح في ذاته.

3- تفسير الشرّ بالعودة إلى العناية الإلهية:
الشرّ الجزئي يقود إلى الخير العام
يقول أفلوطين إنّ في العالم "نفساً شاملة" هي عناية الله التي تنتشر من تلقاء ذاتها في العالم وتقوده إلى الخير، لذلك لا وجود للشرّفي العالم. أما ما نعتبره شرًّا، من زاويتنا الضيقة، فهو في الحقيقة خير ضروري للنظام العام ضرورةَ الجلاَّد في الدولة.
وهذا التفسير قد تأثّر به بعض آباء الكنيسة، كالقديس أوغوسطينوس الذي يرى أنّ العناية الالهية تنظّم كل شيء بحكمة، وانّ كل شرّ ينتابنا، علينا أن نقبله بفرح لأنه يقودنا إلى الخير العام.
هذا التفسير نجده أيضاً في القرن الثامن عشر عند الفيلسوف الألماني لايبنيتز الذي يتصوّر الله مهندساً يبني قصراً جميلاً لمجده الخاص. ويقول انه يجب علينا، لتفسير معضلة الشرّ، ألاّ ننظر إلى قباحة بعض التفاصيل بل إلى روعة البناء بجملته. وأكثر من ذلك، فان قباحة تلك التفاصيل تزيد روعة البناء وتضاعف إعجابنا بحكمة الله الذي يستخدم الشرّ ليخرج منه الخير الأعظم. لذلك، وان كانت هناك عدّة عوالم ممكنة، فالعالم الذي خلقه الله هو أفضلها.
إن تفسير الشرّ بالرجوع إلى العناية الإلهية لا يزال التفسير السائد مختلف الأوساط المسيحية التي تؤمن بصلاح الله ولا تريد أن تعزو إليه أيّ شرّ. فتقول إن الله يَعلم خيرنا أكثر منّا، فاذا سمح بالشرّ، فما ذلك إلا ليقودنا إلى الخير. وقد نسمع، لدى موت شاب في ريعان العمر، أن الله قد أراد له هذا الموت المبكِّر لأنه يعلم بعلمه السابق أنّه لو بقي على قيد الحياة لعاش في الألم والشرّ. فموته هو في نظرنا شرّ؛ أما في نظر الله الذي يعلم كل شيء علماً سابقاً، فإنما هو خير.
وفي نظرة مماثلة يرى البعض أن الشرور الطبيعية، من أمراض وأوبئة وفيضانات وزلازل، إنما هي "ضربات" يرسلها الله للبشر عقاباً على خطاياهم. لذلك نسمع بعض الناس يتذمّرون وينتقدون الله قائلين: ماذا فعلت من إثم لكي يعاقبني الله؟ أيّ ذنب اقترفت ليميت الله ولدي؟
وفي هذه النظرة يصبح الإنسان هو نفسه مسؤولاً عن الشرّ، حتى عن الشرّ الطبيعي: فالشرّ هو عقاب الخطيئة. وهذا يقودنا إلى التفسير التقليدي في المسيحية: الشرّ هو نتيجة الخطيئة الأصلية.
القِسم الثَاني
هل يكون الشرّ نتيجة الخطيئة الاصلية؟

1- الخطيئة الأصليّة في كتابات القديس أوغوسطينوس
هناك تفسير للشرّ بدأ في المسيحية في القرن الخامس مع القديس أوغوسطينوس، وساد الفكر المسيحي الغربي طوال قرون عديدة، وتأثرت به عقليتنا الشرقية، في حين كان في البداية غريباً عن تفكير آباء الكنيسة الشرقية القدامى.
يقول القديس أوغوسطينوس ان آدم هو، كما يروي سفر التكوين، أول إنسان خلقه الله على الأرض. وهذا الانسان قد ارتكب الخطيئة الأولى التي يروي الفصل الثالث من سفر التكوين أحداثها. وبسبب وضعه المميّز في الفردوس ومسؤوليته الشاملة كجدّ للبشرية كلها، فقد انتقلت الخطيئة بالوراثة منه إلى جميع الناس. وفي رأي أوغوسطينوس أن الهوة الجنسيّة ليست من صُلب الطبيعة البشرية، أي ان الله لم يضعها في الانسان عندما خلقه، بل هي نتيجة خطيئة آدم وحواء. وبما أنها نتجت من الخطيئة فهي تقود حتماً إلى الخطيئة. لذلك كل انسان يولد إنما هو ثمرة الشهوة وبالتالي ثمرة الخطيئة. بخطيئة آدم لم تصبح البشرية خاطئة وحسب، بل فوق ذلك أصبحت تولّد أُناساً خاطئين. فآدم هو الأصل الذي كان الجنس البشري بجملته حاضراً فيه عندما ارتكب خطيئته. فخطيئته هي الأصل والسبب لجميع الخطايا التي ارتكبها البشر على مدى التاريخ. لذلك يدعو أوغوسطينوس خطيئة آدم "الخطيئة الأصلية".
لا يمكننا فهم تفسير أوغوسطينوس هذا إلا إذا وضعناه في إطاره التاريخي. فهذا التفسير ليس إلا جواباً على تعاليم المبتدع بيلاجيوس، الذي كان يدَّعي أن طبيعة الانسان ليست خاطئة ولا فاسدة، وأنّ كل إنسان بالتالي يستطيع الحصول على الخلاص ودخولَ الملكوت بأعماله البشرية، دون أي حاجة إلى فداء المسيح. فالمسيح لم يفتدِ الناس، بل كان لهم مجرّد معلّم ومثال. لا ريب في أن تعاليم بيلاجيوس هذه تقتلع سرّ الفداء من جذوره، إذ تزيل عن المسيح كل وساطة في الخلاص؛ لذلك ثار عليها أوغوسطينوس؛ إلا أن تفسيره للخطيئة الأصلية كان متطرّفاً إذ حمّل آدم وحده مسؤولية كل ميل إلى الخطيئة في الانسان.
وتبع معظم اللاهوتيين الغربيين نهج أوغوسطينوس وأضافوا إليه، فلم يكتفوا بتحميل آدم مسؤولية الميل إلى الخطيئة وحسب، بل حمّلوه فوق ذلك مسؤولية المرض والموت وسائر الشرور الطبيعية التي اعتبروها أيضاً من نتائج الخطيئة الأصلية.
ماذا يقول لنا الكتاب المقدّس عن خطيئة آدم هذه؟

2- الخطيئة الأصلية في سفر التكوين
ان رواية خطيئة آدم وحواء في الفردوس متعلقة بالرواية الثانية للخلق، التي نجدها في الفصل الثاني منّ سفر التكوين. فبعد رواية خلق الانسان، يقول الكاتب:
"وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً، وجعل هناك الانسان الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيّبة المأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر... وأمر الرب الإله الانسان قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل، وأما شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً" (2: 8، 9، 16، 17).
ثم يتابع الكاتب في الفصل الثالث رواية الخطيئة:

التجربة






السقوط
في التجربة

قصاص الله
















الطرد من
الفردوس "وكانت الحيّة أحْيَل جميع حيوان البرية الذي صنعه الرب الإله، فقالت للمرأة: أيقيناً قال الله لا تأكلا من جميع شجر الجنّة؟ فقالت المرأة للحيّة: من ثمر شجر الجنّة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنّة، فقال الله لا تأكلا منه ولا تمسّاه كي لا تموتا. فقالت الحيّة للمرأة: لن تموتا! إنما الله عالم أنكما في يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشرّ. ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للمأكل وشهيّة للعيون، وان الشجرة منية للعقل،
"فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت بعلها أيضاً معها فأكل، فانفتحت أعينهما فعلِما أنهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر.
"فسمعا صوت الرب الإله وهو متمشٍّ في الجنّة عند نسيم النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في ما بين شجر الجنّة. فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ قال: إني سمعت صوتك في الجنّة فخشيت لأني عريان فاختبأت. قال: فمَن أعلمك أنك عريان، هل أكلت من الشجرة التي نهيتك عن أن تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت. فقال الرب الإله للمرأة: ماذا فعلت؟ فقالت المرأة: الحية أغوتني فأكلت. فقال الرب الإله للحية: اذ صنعت هذا فأنت ملعونة من بين البهائم وجميع وحش البرية، على صدرك تسلكين وترابًا تأكلين طول أيام حياتك، وأجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، فهو يسحق رأسك وأنت ترصدين عقبه. وقال للمرأة: لأكثرنّ مشقات حملك، بالألم تلدين البنين والى بعلك تنقاد أشواقك وهو يسود عليك. وقال لآدم: اذ سمعت لصوت امرأتك فأكلت من الشجرة التي نهيتك قائلاً لا تأكل منها، فملعونة الارض بسببك، بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك، وتأكل عشب الصحراء. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود الى الأرض التي أُخذت منها، لأنك تراب والى التراب تعود.


"وسمّى آدم امرأته حوّاء لأنها أُمّ كلّ حيّ. وصنع الرب الإله لآم وامرأته أقمصة من جلد وكساهما. وقال الرب الإله: هوذا آدم قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر، والآن لعلّه يمدّ يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضاً فيحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليحرث الأرض التي أُخذ منها. فطرد آدم وأقام شرقي جنة عدن الكروبين وبريق سيف متقلّب لحراسة طريق شجرة الحياة".
(تك 3)

أ) فن أدبي خاص
إن أول ما يسترعي انتباهنا، لدى قراءتنا تلك الرواية، هو أنها تجعل الحية تنطق وتقود الانسان إلى الخطيئة. والغريب في الأمر أيضاً أن أحداثها تدور حول شجرة في وسط الجنة يدعوها الكاتب "شجرة معرفة الخير والشرّ"، يأكل منها الانسان، خلافاً لوصية الله. وكذلك تتكلم الرواية عن شجرة أخرى هي شجرة الحياة، لا يستطيع الانسان الوصول إليها، ويطرده الله من الجنة قبل أن يأكل منها. ونحن نعلم أن الحية لا تتكلم، وأنه لا وجود لشجرة معرفة الخير والشرّ، ولا لشجرة الحياة.
من هنا نستخلص أن الرواية ليست رواية لحدث تاريخي جرى مرة في بدء الخليقة، إنما هي رواية رمزية تعليمية هدفها تفسير واقع الخطيئة، الذي يختبره الانسان في ذاته وفي الآخرين. كل إنسان يسأل: ما هي الخطيئة؟ ما هي علاقتها بالله؟ ما هي نتائجها؟ للإجابة على تلك الأسئلة يلجأ الكاتب المقدس إلى فنّ أدبي معروف في الأدب العبري وفي مختلف الآداب القديمة والحديثة، وهو فن "الأمثال". وهذا الفن الأدبي هو الذي سيلجأ إليه يسوع في تعليمه. ومن أشهر أمثاله مَثَل الإبن الشاطر، وهو نقيض حكاية آدم وحواء. فبينما يخرج آدم وحواء من الجنة، أي من الحياة مع الله، يعود الإبن الشاطر إلى بيت أبيه بعد أن اختبر أن لا حياة له إلا بالقرب من الله. وكأن يسوع يشير في هذا المَثَل إلى أن مسؤولية مغادرة الجنة والابتعاد عن الله تقع كلها على عاتق الانسان الذي بملء إرادته غادر البيت الأبوي. أما الله فلا يزال ذلك الأب المحبّ الرحيم الذي ينتظر عودة أبنائه إليه ليغفر لهم ويُعيد إليهم الحياة.
وتحت تأثير الأدب الأسطوري القديم، أدخل الكاتب على فمن الأمثال عناصر من فمن "الأسطورة"، فأعطى الحية دوراً هاماً في روايته. فالأدب المصري كان يتصوّر الحية تعترض سبيل الإلهة الشمس لمنعها من الظهور؛ والحية عند الكنعانيين كانت رمزاً للجنس في بعض العبادات؛ وفي أسطورة جلجامش البابلية تلعب الحية دوراً مماثلاً للدور الذي تلعبه في قصة آدم وحواء، فهي التي تسرق من البطل جلجامش "نبتة الحياة" التي استطاع الحصول عليها بعد عناء كثير.
لا شك في ان اختيار الكاتب المقدس للحية قد تأثّر بالآداب المجاورة. ولكن تعليمه عن الخطيئة وأسبابها مخالف لتعاليم الأديان القديمة. فبينما يرى البابليون أن الآلهة هم الذين خلقوا البشر خطأة وأشراراً، يعتبر سفر التكوين أن الخطيئة ليست من طبيعة الانسان، بل بدأت بتجربة من الخارج في مقدوره أن يرفضها. فهو إذاً المسؤول عن الخطايا التي يرتكبها.

ب) الخطيئة رفض الله
لتعريف الخطيئة يتكلّم سفر التكوين بأسلوب روائي، في حين يتكلّم سفر تثنية الاشتراع بأسلوب تشريعي. يقول الله للشعب على لسان موسى:
"إن هذه الوصية التي أنا آمرك بها اليوم ليست فوق طاقتك ولا بعيدة منك. لا هي في السماء فتقول مَن يصعد لنا إلى السماء فيتناولها ويسمعنا إياها فنعمل بها. ولا هي في عبر البحر فتقول مَن يقطع لنا هذا البر فيتناولها ويسمعنا إياها فنعمل بها. بل الكلمة قريبة منك جداً في فيك وفي قلبك لتعمل بها. أنظر اني قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير والموت والشرّ... وان زاغ قلبك ولم تسمع وملت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها، فقد أنبأتكم اليوم أنكم يكون تهلكون هلاكاً، ولا تطول مدّتكم في الأرض التي أنتم عابرون الاردن لتدخلوها وتمتلكوها. وقد أشهدت عليكم اليوم السماء والأرض بأني قد جعلت بين أيديكم الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي نحيا أنت وذريتك" (تثنية 30: 11- 20).
نرى في هذا النص التشريعي العبارات نفسها التي ترد في حكاية آدم وحواء. "فالحياة والموت"، و"الخير والشرّ" هي بين أيدي الانسان. فان سمع وصية الله حصل على الحياة، وإلا نال الموت واللعنة وهلك هلاكاً.
ان "شجرة معرفة الخير والشرّ" التي يتكلم عنها سفر التكوين لا تعني مجرد التمييز بين الخير والشرّ، فهذا من ميزات الانسان العاقل، بل بالأحرى السلطة على تقرير ما هو خير وما هو شرّ، وهذا أمر محفوظ لله الذي يعلّم الانسان ما هو خير وما هو شرّ في ما يعطيه من وصايا. 
فخطيئة الانسان إذاً تقوم على التمرّد على الله ورفض وصاياه. وهنا لا بدّ من الاشارة إلى أنه لا تناقض بين وصايا الله وخير الانسان. فالله لا يوصي إلا بما يقود الانسان إلى الخير ويمنحه الحياة. لذلك مخالفة وصايا الله هي في الوقت نفسه مخالفة ما يقود الانسان إلى الخير ويمنحه الحياة.

ج) نتائج الخطيئة
أما النتائج التي تقود إليها الخطيئة فيعبّر عنها الكاتب في ثلاثة تصاوير:
الخجل من العري
"فانفتحت أعينهما فعلما أنهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر". ان الابتعاد عن الله لا يقود الانسان إلى المعرفة والحكمة، كما قالت الحية: "تنفتح أعينكما وقصيران كآلهة عارفي الخير والشرّ"، بل يقوده إلى اكتشاف عريه. والعري هنا يعني ضعف الانسان وعجزه. ثم ان كلمة عريان في العبرية (عيروم) قريبة من كلمة محتال (عاروم)، وقد قيل في أول الرواية إن الحية "أحيل جميع حيوان البرية"؛ فالانسان الذي يسمع كلمة الشرير المحتال يصبح على مثاله شريراً محتالاً. وإنّ الخجل من العري هو أخيراً تعبير واقعي عن سيطرة الشهوة على الانسان. فالنتيجة الأولى التي تقود إليها الخطيئة هي أنها تجعل الانسان خجلاً من نفسه، عاجزاً إزاء شهوته، محتالاً وشريراً إزاء الآخرين

التعب والمشقّة
قال الرب للمرأة: لأكثرنَّ مشقّات حملك، بالألم تلدين البنين وإلى بعلك تنقاد أشواقك وهو يسود عليك. وقال لآدم... ملعونة الأرض بسببك، بمشقّة تأكل منها طول أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تُنبت لك، وتأكل عشب الصحراء، بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها". إنّ النتيجة الثانية التي تقود إليها الخطيئة هي الخلل في العلاقات بين الانسان ونفسه، وبين الانسان والآخرين، وبين الانسان وعمله. وقد رأى الكاتب أمثلة عن هذا الخلل في الألم الذي يرافق الولادة، والتعب الذي يرافق العمل، وعدم الانسجام في العلاقات بين الرجل والمرأة.

فقدان الحياة مع الله
"أخرج الرب الإله الانسان من جنّة عدن ليحرث الأرض التي أخذ منها": إنّ "جنة عدن"، أو "جنة النعيم"، هي صورة لحياة الانسان مع الله، والخروج من الجنة تعبير عن فقدان الانسان صداقة الله. لقد رفض الانسان شريعة الله التي تحدّد له "الخير والشر"، وأراد أن يكون هو إله نفسه وشريعة نفسه، فقطع العلاقة الشخصية التي كانت تربطه بالله. فلا عجب من ثمَّ أن يشعر بأنه قد أصبح بعيداً عن الله، وبأن الله قد أصبح عنه غريباً.

3- الخطيئة الأصلية في العهد الجديد
لا نجد في العهد الجديد روايات خاصة عن الخطيئة الأصلية: إنما هناك مقطعان من رسالة القديس بولس إلى الرومانيين، يقارن الأول منها بين الخطيئة التي دخلت إلى العالم مع آدم والنعمة التي حصل عليها البشر بالمسيح، ويصف الثاني حالة الانسان الخاطئ الذي تسيطر عليه الخطيئة.

أ) روم 5: 12- 19
ان الفصل الخامس هو القسم الرئيسي من الرسالة إلى الرومانيين، فيه يبيّن بولس الرسول أن برّ الله ونعمته قد ظهرا للناس في موت يسوع وقيامته. ثم يقارن بين آدم والمسيح، فيقول: "كما انه بانسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، لأن جميعهم قد خطئوا... كما انه بزَلَّة واحدة كان القضاء على جميع الناس، كذلك ببرّ واحد يكون لجميع الناس تبرير الحياة. لأنه كما جُعل الكثيرون خطأة بمعصية انسان واحد، كذلك بطاعة واحد يُجعَل الكثيرون أبراراً".
يظهر أن بولس يرى في آدم أول انسان خلقه الله، بينما رواية سفر التكوين ترى في آدم رمزاً لكل إنسان. ينطلق بولس من تفسير معاصريه اليهود الذين كانوا يعتبرون لفظة "آدم" اسم علم لأول انسان على الأرض، ويبني برهانه عليه فيقول: كما انه بانسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، كذلك بانسان واحد دخل البرّ إلى العالم. ثم يردف قائلاً: "لأن جميعهم قد خطئوا". ان هذه العبارة قد نقلها آباء الكنيسة اللاتينية إلى: "ففيه (أي في آدم) جميعهم قد خطئوا". واستناداً إلى هذه الترجمة فسَّروا نتائج الخطيئة الأصلية بقولهم إن جميع الناس قد خطئوا في شخص آدم. فآدم يصبح في هذا التفسير المسؤول الوحيد عن دخول الخطيئة إلى العالم.
أما آباء الكنيسة اليونانية فرأوا أن خطيئة آدم كانت الخطيئة الأولى، وأنّ الجميع خطئوا بعد الانسان الأول. فالخطيئة الأصلية مكوّنة إذاً، في نظرهم، ليس من خطيئة آدم وحسب، بل أيضاً من خطايا جميع الناس.
لذلك بينما ينظر أوغوسطينوس وآباء الكنيسة اللاتينية إلى الخطيئة في أصلها التاريخي، فيتكلمون عن "خطيئة أصلية" اقترفها آدم وانتقلت منه بالوراثة إلى جميع البشر، ينظر آباء الكنيسة اليونانية إلى الخطيئة في واقعها الانساني الشامل. وفي هذه النظرة تصبح مسؤولية الخطيئة مسؤولية شخصية يتحمّلها جميع الناس كما تحمّلها الانسان الأول.
وهذا الاختلاف في النظرة إلى الخطيئة الأصلية يبدو واضحاً عندما يتكلّم الآباء عن معمودية الأطفال. فالنظرة الأولى ترى أن المعمودية ضرورية للأطفال لتنزع عنهم الخطيئة الأصلية التي ورثوها عن آدم؛ أما النظرة الثانية فتؤيّد معمودية الأطفال، لا لنزع الخطيئة عنهم، بل لإدخالهم في حياة النعمة. وبينما يتساءل ترتوليانوس: لماذا نعمِّد الأطفال، إذا كانوا أبراراً وبلا خطيئة؟ يجيب القدسي كبريانوس: ولِمَ لا نعمِّدهم؟ إنهم بلا خطيئة، لذلك تستطيع النعمة أن تعمل فيهم بدون عائق. وهذا أيضاً رأي القديس يوحنا الذهبي الفم: "وإن كان الأطفال بلا خطايا، فإننا نعمِّدهم ليزداد فيهم البرّ والقداسة ويصبحوا هياكل للروح القدس".
ب) روم 7: 7- 25
في القسم الذي يضمّ الفصول السادس والسابع والثامن، يبيّن بولس كيف يستطيع المسيحي، بالإيمان والمعمودية، الدخول شخصيّاً في الخلاص الذي يقدّمه المسيح لجميع البشر. ففي المعموديّة يحرّر الروح القدس الانسان من عبودية الخطيئة. ولإظهار جمال تلك الحالة الجديدة، يصف بولس بكل دقّة حالة الضياع والعبودية التي يقع فيها الخاطئ. وهذا الوصف نجده من الآية 14 إلى الآية 25، وكلّها تدور حول العبارة التالية: "اني لا أعرف ما أفعل. فما أُريده لا أفعله، وما أكرهه إياه أفعل" (7: 15). والآية 21 تعود فتوضح الأمر: "أريد أن أفعل الخير، وإذا الشرّ حاضر لديّ". ففي الانسان نزعتان: نزعة إلى الخير تحمله على أن "يسرّ بناموس الله" (7: 22)، ونزعة نحو الشرّ تجعله "أسيراً لناموس الخطيئة الذي في أعضائه" (7: 17).
تلك الحالة اليائسة التي تجعل بولس يصرخ: "يا لي من إنسان شقيّ. مَن ينقذني من جسد الموت هذا؟" (7: 24)، لا أحد يستطيع أن ينقذنا منها إلا المسيح. لذلك يختم بولس وصفه بقوله: "الشكر لله بيسوع المسيح ربنا" (7: 25).
ولكن تلك الحالة ما هو سببها؟ وكيف يصل إليها الانسان؟ على هذا السؤال يجيب بولس في الآيات 7- 13:
"ماذا نقول؟ أوَ يكون الناموس خطيئة؟ كلا، وحاشا. بيد أني ما عرفت الخطيئة إلا بالناموس. فاني ما كنت عرفت الشهوة لو لم يقل الناموس: لا تشتهِ. فاذ اتخذت الخطيئة بالوصية سبيلاً، فعلتْ فيَّ كل شهوة، لأن الخطيئة بدون الناموس ميتة. أجل لقد كنت عائشاً من قبل إذ لم يكن ناموس، ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطيئة، فمتّ أنا. والوصية التي لي للحياة وُجدَت هي نفسها للموت. لأن الخطيئة قد اتخذت بالوصية سبيلاً فأغوتني وقتلتني بها. فالناموس إذاً مقدّس والوصية مقدّسة وعادلة وصالحة. فما هو صالح إذاً صار لي موتاً؟ كلا، وحاشا. بل هي الخطيئة، لكي تظهر خطيئة، عملت فيَّ بالصلاة موتاً، حتى تصير الخطيئة بالوصية خاطئة للغاية".
يدور هذا النص حول عمل الخطيئة في الانسان. وبشكل فلسفي وتحليلي، يعطي بولس هذا العمل التفسير نفسه الذي يعطيه سفر التكوين بشكل روائي وأُسطوري في قصة آدم وحواء. وفي كلا النصَّين نجد العناصر ذاتها: حياة الانسان قبل الخطيئة، التجربة والسقوط فيها، نتائج الخطيئة وانكشاف خداع التجربة.
فموضوع الحديث هو الانسان عامةً، ممثّلاً، في تحليل بولس، بضمير المتكلم: "عرفتُ... كنتُ... متُّ..."، وفي سفر التكوين بشخصين رمزيين يدعوهما الكاتب المقدس باللغة العبرية آدم (أي الانسان) وحواء (أي التي تعطي الحياة). ففي كلا النصين ليس المقصود شخص بولس، ولا أول رجل وأول امرأة ظهرا في التاريخ، بل كل إنسان يعيش على هذه الأرض ويسقط في الخطيئة. وإنّ بولس، بقوله "لقد كنت عائشاً من قبل، إذ لم يكن ناموس"، يعيد إلى الأذهان حالة آدم وحواء اللذين، قبل الخطيئة، كانا في جنة نعيم، أي في الحياة الحقيقية، ويعيد بالتالي حالة الإنسان قبل الخطيئة.
أما المجرّب فهو في كلا النصّين عامل شرّير خارج عن إرادة الانسان، يرمز إليه شخص الحيّة في سفر التكوين، والخطيئة المشخّصة عند بولس.
وهذا المجرّب يلجأ في كلا النصّين إلى الاسلوب نفسه: يستخدم الوصية لإغواء الانسان واجتذابه إلى الشرّ. فالوصية، في سفر التكوين، هي: "أمّا شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها. فانك يوم تأكل منها تموت موتاً"؛ وفي تحليل بولس فهي: "لا تشتهِ". وهذه الوصية هي، كما يقول بولس، "مقدّسة وعادلة وصالحة"، لكنّ المجرّب يصوّرها للانسان كأنها وصية ظالمة، فيُدخل في قلبه الشك وفي نفسه الشهوة. وهذا ما صنعته الحية إذ أدخلت في قلب آدم وحواء الشك في صدق نيّة الله: "أيقيناً قال الله لا تأكلا من جميع شجر الجنة؟... إنما الله عالِم أنكما في يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشرّ"؛ كما أدخلت في نفسيهما الشهوة: "ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للمأكل وشهية للعيون وان الشجرة منية للعقل". وهذا أيضاً ما يعنيه بولس بقوله: "الخطيئة (أي المجرّب) اتخذت بالوصية سبيلاً، وفعلت فيَّ كل شهوة... فأغوتني وقتلتني بها".
وأمّا الرحلة التي تلي التجربة فهي أيضاً نفسها في كلا النصّين: يسقط الانسان في التجربة، ويكتشف انه قد خُدع و"اغوي"، وان وصية الله كانت في الواقع "مقدسة وعادلة وصالحة". يقول بولس: "ان الخطيئة قد أغوتني وقتلتني". وحواء تقول: "ان الحية قد أغوتني فأكلت". آدم وحواء، بعد سقوطهما، طُردا من الجنة، وتحقق كلام الله: "إن أكلت من شجرة معرفة الخير والشرّ تموت موتاً". المقصود هنا هو أولاً الموت الروحي، أي الابتعاد عن الله والضياع. وبولس أيضاً يتكلم عن الموت الذي ينتج من الخطيئة: "هي الخطيئة، لكي تظهر خطيئة، عملت فيَّ بالصلاح (أي عن طريق الوصية الصالحة) موتاً؛ ثم يردف: "حتى تصير الخطيئة، بالوصية، خاطئة للغاية". فالموت الروحي الذي يسقط فيه الانسان الخاطئ يكشف خداع التجربة، ويظهر حقيقة الخطيئة التي لا تقود إلى التألّه، كما ادّعت الحية بقولها لآدم وحواء "تصيران كآلهة"، بل تقود إلى الموت والعبودية والضياع، فيصبح الانسان "مبيعاً للخطيئة وتحت سلطان الخطيئة"، وهذه هي العبودية، و"لا يعود يعرف ما يفعل"، وهذا هو الضياع. وتلك الحالة يصفها بولس في الآيات التي بدأنا بتفسيرها (14- 25).


4- تساؤلات حول الخطيئة الأصلية
بعد هذا التفسير لرواية الخطيئة الأصلية كما وردت في سفر التكوين وفي رسالة بولس إلى الرومانيين، سنعرض الآن بعض الأسئلة التي يطرحها المؤمنون وغير المؤمنين حول هذه الخطيئة، ثم نحاول تحديدها.

أ) هل آدم اسم علم لشخص عاش في التاريخ؟
تتكلّم رواية سفر التكوين عن خطيئة آدم وحواء، ويقارن بولس الرسول بين خطيئة آدم وقداسة المسيح. وفي رأي البعض أنّ لفظة "آدم" هي اسم علم لشخص عاش في زمن محدد من التاريخ، وارتكب خطيئة كبرى أحدثت خللاً في الكون والانسان، وجرّت على البشر العذاب والموت، وقد كما نوا قبل خطيئة آدم غير خاضعين لهما، بينما يرى البعض الآخر انّه لا وجود لآدم وحواء في التاريخ، وانّ قصتهما هي أسطورة خيالية، ويستنتجون من ذلك أنّه لا وجود للخطيئة الأصلية: ليس إلا خطايا شخصية يرتكبها الناس بشكل فردي، وكل إنسان هو مسؤول عن خطيئته.
كلا الرأيين، في نظرنا، على خطإ، لأنهما لا ينظران النظرة الصحيحة إلى الخطيئة الأصلية.
فالرأي الأول على خطإ، لأن آدم ليس اسم علم لشخص محدد عاش في بدء التاريخ؛ فكلمة "آدم" لفظة عبرية تعني "الانسان"، كما ان حواء تعني "التي تعطي الحياة"؛ لذلك آدم وحواء هما رمز لكل انسان، وقصة خطيئتهما هي قصة خطيئة كل إنسان.
إن كاتب سفر التكوين يتحدّث من الفصل الرابع حتى الفصل الحادي عشر عن الفساد والقتل والعنف ومختلف الجرائم والمظالم التي اجتاحت البشرية حتى كارثة الطوفان. ثم يسأل: مَن المسؤول عن تلك المظالم؟ هل يريد الله كل هذا الشر؟ ويجيب على السؤال، في الثلاثة الفصول الأولى، بقوله إن الله قد خلق كل شيء صالحاً، وإنّ البشر هم الذين يجنون على أنفسهم باختيارهم الشرّ بدل الخير والموت بدل الحياة. وهذا الاختيار يقوم به الناس على مدى التاريخ منذ الانسان الأول. ومهما تنوّعت خطاياهم فهي كلها إنكار لله ورفض لتعاليمه ووصاياه.
لذلك يجب التمييز بين جوهر الجواب الذي يعطيه سفر التكوين، والأسلوب الذي جاء فيه هذا الجواب. فقصة آدم وحواء هي قصة أسطورية، إلا أن تعليمها تعليم إلهي. لهن خلال هذا "المَثَل" يكشف لنا الكتاب المقدس عن حقيقة دينية ثابتة، وهي ان الانسان لم يُخلَق خاطئاً وانّ الخطيئة ليست من صلب طبيعته البشرية. ان الله قد وضع أمامه "الحياة والموت والخير والشرّ"، ومنحه الحرية والارادة. فالانسان هو مسؤول عن خطيئته.
والرأي الثاني على خطإٍ كذلك لأنه لا يميّز بين الخطيئة الشخصية التي يرتكبها كل انسان، ووضع العالم الخاطئ الذي يوجد فيه الانسان منذ ولادته. فإذا رفضنا أن تكون لفظتا "آدم" و"حواء" إسمَي علم لشخصين عاشا في بدء التاريخ، إلا أنه لا بدّ من الاعتراف بأن الانسان قد بدأ يوماً. متى بدأ؟ وكيف بدأ؟ هذا من شأن العلم، لا من شأن الدين، البحث عنه. ولا بدّ لنا من الاعتراف بأن هذا الانسان، في جميع العصور وعلى مدى التاريخ، قد خطئ، فلا يمكننا إنكار خطيئته.
ثم ان الانسان ليس فرداً عائشاً وحده في جزيرة؛ انه عضو في مجتمع؛ والأعضاء في الجسد الواحد يتأثر بعضها ببعض. اني لست مسؤولاً إلا عن الخطايا التي أرتكبها أنا نفسي، ولكن الخطايا التي أرتكبها تؤثّر في غيري. والخطايا التي ارتكبها البشر على مدى الأجيال خلقت في العالم وضعاً خاطئاً مناقضاً لإرادة الله. وعندما أُولَد أنا، إنما أُولَد في عالم خاطئ هو بحاجة إلى خلاص الله ونعمته. "الجميع قد خطئوا، يقول بولس الرسول، وأعوزهم مجد الله" (روم 3: 23). فالخطايا التي يرتكبها كل إنسان هي خطايا شخصية، أما الوضع الذي يولد فيه فإنما هو وضع عالم خاطئ.

ب) أسئلة خاطئة
من ردّنا على الرأي الأول نستنتج أن هناك أسئلة خاطئة لا تزال تُطرَح اليوم، كل مرة يؤتى على ذكر الخطيئة الأصلية. ماذا كانت خطيئة آدم وحواء في الفردوس، أخطيئة زنى أم خطيئة من نوع آخر؟ كم من السنين عاش آدم وحواء في الفردوس قبل الخطيئة الأصلية؟ أين كان الفردوس؟ هل كان آدم وحواء معرَّضين للعذاب والموت قبل الخطيئة الأصلية؟
ان جميع تلك الأسئلة نعتبرها اليوم أسئلة خاطئة، لأنها تُطرح من نقطة انطلاق خاطئة هي أن آدم وحواء هما إسما علم للشخصين اللذين عاشا في بدء التاريخ وارتكبا خطيئة كبرى. عندئذٍ لا بدّ من التساؤل: ماذا كانت خطيئتهما؟ وكم من الزمن عاشا قبل الخطيئة؟ وكيف يرضى الله أن يخلق إنساناً لا يتعذّب ولا يموت، ثم يحكم عليه بالعذاب والموت لأجل خطيئة واحدة ارتكبها؟ والأسئلة تزداد إلحاحاً وإحراجاً بعد ان اكتشف العلم أن الانسان لم تكتمل إنسانيته إلا على مدى ملايين من السنين. ففي أي مرحلة من التطور الانساني ارتكب تلك الخطيئة الكبرى التي جرّت الويلات على البشرية جمعاء؟
ان هذه الأسئلة كلّها تسقط، إذا فهمنا رواية سفر التكوين على حقيقتها: انها ليست رواية لحدث تاريخي محدّد جرى في زمن معيّن من التاريخ، بل رواية رمزية تروي ما يجري للانسان -لكل إنسان، منذ الانسان الأول- عندما يرفض الله ويرفض وصاياه. ومن خلال تلك الرواية يدو الله إله القداسة والمحبة والصلاح، الذي لا يريد أن يعيش الانسان في الخطيئة ويسبّب لنفسه الهلاك، بل أن يرجع إليه ويجد فيه الحياة والخلاص.
لذلك لا يمكننا القول إن آدم وحواء قد عاشا فترة من الزمن قبل الخطيئة الأصلية، ولا إنهما، بخطيئتهما، سبَّبا لذريّتهما المرض والعذاب والموت، وقلبا نظام الكون بأسره. إن ما ينتاب الانسان من أمراض وأوجاع، والموت المحتّم الذي يسير إليه جميع البشر، لا يمكن أن يكون نتيجة لخطيئة انسان واحد عاش في فجر التاريخ؛ فكل هذه الشرور الطبيعية هي من صلب طبيعة الانسان المحدودة. والتطور الذي أظهر العلمُ أنه شمل العالمَ والانسان، لا يمكن أن يتمّ دون وجود الموت الذي يفسح المجال أمام التغيّر والتقدّم.
فالتفسير التقليدي الذي يرى في الموت عاقبة الخطيئة لا يصحّ إلا جزئياً، أي بالنسبة إلى الموت الروحي. فالخطيئة تبعد الانسان عن الله. لذلك ما ينتج من الخطيئة إنما هو الموت الروحي والقلق الوجودي. وهذا أوّل ما يريد سفر التكوين وبولس الرسول تأكيده. أما الموت الجسدي فهو أمر متعلق بطبيعة الانسان المحدودة، وهو، للمؤمن بقيامة المسيح، انتقال من حياة مائتة إلى حياة خالدة مع الله.

ج) الخطيئة الأصلية حالة تضامن مع خطيئة العالم
اذا قلنا إنّ الخطيئة الأصلية لا يمكن أن تكون فقط خطيئة أول رجل وأول امرأة ظهرا على الأرض، فكيف اذاً نحدّدها؟ ان عبارة "الخطيئة الأصلية" لم تستعمل في اللاهوت إلا ابتداءً من القديس اوغوسطينوس. إنّ العهد الجديد يتكلم عن "خطيئة العالم": فالمسيح هو، حسب قول يوحنا الانجيلي، "حمل الله الذي يرى خطيئة العالم" (1: 29)؛ وبولس يصف، في الفصول الثلاثة الأولى من رسالته إلى الرومانيين، كيف شملت الخطيئة جميع الناس، يهوداً ويونانيين، ويختم بقوله: "ان اليهود واليونانيين جميعاً هم تحت سلطان الخطيئة. إذ ليس من فرق، فالجميع قد خطئوا وأعوزهم مجد الله". ثم يردف: "والجميع بنعمته يُبرّرون مجاناً، بالفداء الذي بالمسيح يسوع، الذي سبق الله فأقامه أداة تكفير بالايمان بدمه، لإظهار برّه -بعد أن تغاضى عن الخطايا السالفة في عهد صبره الالهي- لإظهار برّه، اذاً، في الزمان الحاضر بإعلانه بارّاً ومبرّراً من آمن بيسوع" (روم 3: 9، 23- 26).
انّ الخطايا السالفة التي صبر عليها الله، هي التي يندّد بها اشعيا النبيّ بقوله في مطلع نبوءته: "استمعي أيتها السماوات وأنصتي أيتها الأرض، فان الربّ قد تكلم: اني ربّيت بنين ورفعتهم، لكنهم قد تمرّدوا عليّ. عرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه، لكنّ اسرائيل لم يعرف، وشعبي لم يفهم. ويل للأمة الخاطئة، الشعب الموقَّر بالإثم، ذرية المجرمين، البنين الفجّار" (اشعيا 1: 2- 4).
لقد جاء المسيح ليفتدي من الخطيئة هذا "الشعب الموقَّر بالإثم، ذرية المجرمين، البنين الفجّار". ولتعريف الخطيئة الأصلية يجب أن نقارن، مع بولس الرسول، بين حالة البشرية الخاطئة، لأن "الجميع قد خطئوا"، والفداء الذي حصلت عليه البشرية بالمسيح يسوع، لأن "الجميع يبرّرون مجاناً بالفداء الذي بالمسيح يسوع". فلا يمكننا إذاً أن نفهم الخطيئة الأصلية إلا بالمقارنة مع الفداء بالمسيح. فالخطيئة الأصلية هي حالة التضامن مع خطيئة العالم، أي مع جميع الذين خطئوا عبر التاريخ منذ الانسان الأول؛ والفداء بالمسيح يدخلنا في حالة جديدة هي حالة النعمة والبرّ.
ليست الخطيئة الأصلية إذاً خطيئة انسان واحد عاش في بدء التاريخ، ويرثها كل انسان يولد من ذريته؛ وإلاّ لكان كل انسان يسأل: ما ذنبي أنا لكي يعاقبني الله على خطيئة ارتكبها الانسان الأول؟ إنما الخطيئة الأصلية حالة نتجت من خطايا جميع البشر الذين عاشوا عبر التاريخ منذ الانسان الأول. فالبشرية خاطئة، وهذا واقع لا يمكننا إنكاره، وإنّ الحروب الكثيرة التي نسجت تاريخ البشر بجرائمها ومظالمها أفصح دليل عليه. فعندما يولد الانسان، يولد ضمن تلك البشرية الخاطئة، أي في حالة تضامن معها، وهذا أيضاً واقع لا يمكننا تجاهله. إلا أن هذا التضامن ليس أمراً محتوماً على الانسان البقاء فيه، فالمسيح قد افتدانا وبرّرنا، وهو يدعونا إلى الانتقال من حالة التضامن مع البشرية الخاطئة إلى حالة التضامن معه. وتلك الدعوة يلبّيها الانسان بقبوله المعمودية؛ فالذين يعتمدون للمسيح يجدّدون في ذواتهم موت المسيح وقيامته: "فكما ان المسيح بموته قد مات للخطيئة إلى الأبد، وبحياته يحيا لله، كذلك أنتم أيضاً، احسبوا أنفسكم أمواتاً للخطيئة، أحياء لله في المسيح يسوع" (روم 6: 10، 11).
القِسم الثَالث
هل من تفسير للشر؟

نعود الآن إلى السؤال الذي طرحناه في مستهلّ بحثنا: إذا كان الله ينبوع الصلاح والخير، فمِن أين الشر؟ إذا لم يكن الشر عمل إرادة إله شرير، كما بينّا في القسم الأول، ولا نتيجة خطيئة الانسان الأول، كما أظهرنا في القسم الثاني، فمن أين يأتي؟
قلنا ان الشر على نوعين، طبيعي وأدبي. والانسان معرّض لكلا الشرّين؛ فهو من طبيعته خاضع للمرض والموت، ومن طبيعته معرّض للخطيئة، إذ انه ليس إلهاً بل خليقة. فالشرّ الطبيعي ناتج من كون الانسان خليقة محدودة، والشرّ الأدبي من كونه خليقة حرّة.

1- الشرّ الطبيعي
أ) حدود الطبيعة البشرية: الخلق ليس ولادة ولا انبثاقاً
لماذا لم يخلق الله طبيعة غير معرَّضة للمرض والموت؟ ذلك مستحيل، لأنه لو وُجدت تلك الطبيعة، لما كانت طبيعة مخلوقة، بل طبيعة إلهية غير منفصلة عن طبيعة الله، ولما كان بالتالي وُجد خلق، بل كان الله وحده في ذاته الالهية. فالفرق جوهري بين الولادة والخلق. نؤمن، نحن المسيحيين، ان كلمةَ الله مولودٌ من الآب منذ الأزل، لذلك فهو واحد مع الآب في الجوهر؛ وكذلك نؤمن أن الروح القدس منبثق من الآب قبل كل الدهور، لذلك هو أيضاً واحد مع الآب في الجوهر. فالتمييز بين الأقانيم الالهية لا ينتج منه اختلاف في الطبيعة. أما الخلائق فليست مولودة ولا منبثقة من جوهر الله، بل هي مخلوقة، لذلك فهي مختلفة عن الله اختلافاً جوهرياً.
إنّ الله لا حدود لكيانه ولا نهاية لذاته؛ انه منذ الأزل وإلى الأبد. أما الخلائق فمحدودة في الزمان والمكان وخاضعة للمرض والموت. وكما ان كمال الله هو فيه صفة جوهرية وأمر متعلق بجوهره، كذلك نقص الخلائق هو فيها أمر جوهري أي مرتبط بجوهرها. ومن هذا النقص ينتج ضعف الانسان ومرضه وموته.

ب) الإلحاد هو رفض الانسان أن يكون انساناً
هذا الاختلاف بين طبيعة الانسان وطبيعة الله قد يبدو لنا أمراً جائراً، فنثور عليه، ونرفض إلهاً يخلقنا محدودين ومعرّضين للمرض والموت، بينما هو كامل أزليّ. وقد يقود هذا الرفض إلى الإلحاد؛ فكثيرون من الملحدين يرفضون وجود الله لأنهم لا يستطيعون التوفيق بين صلاح الله ووجود الشرّ في العالم.
ان هذا الإلحاد هو في الواقع رفض الانسان أن يكون انساناً، أي خليقة محدودة في طبيعتها. إن في أعماق الانسان رغبة في الارتفاع إلى مستوى الله، ترمز إليها "شجرة معرفة الخير والشرّ" و"شجرة الحياة": "تصيران كآلهة عارفي الخير والشرّ". وإنّ الخطيئة تكمن في محاولة الانسان تحقيق تلك الرغبة خارجاً عن الله، عندئذٍ يرفض الانسان حدود طبيعته وارتباطه بالله.

ج) بالتجسد شارك الله بطبيعة الانسان ليرفعها إليه
إنّ ما لم يستطع الانسان تحقيقه خارجاً عن الله قد حقّقه الله نفسه، إذ أخذ جسداً بشرياً في شخص يسوع المسيح. ويسوع، في حياته، عمل على إزالة الشرّ، وفي موته وقيامته انتصر على الموت وأقام معه الانسان المائت إلى حياة الله.

يسوع لم يُعطِ تفسيراً للشرّ بل عمل على إزالته
يروي يوحنا، في الفصل التاسع من انجيله، أن يسوع "فيمَا كان مجتازاً رأى رجلاً أعمى منذ مولده. فسأله تلاميذه قائلين: يا معلّم، مَن خطئ، هذا الرجل أم أبواه، حتى وُلد أعمى؟ أجاب يسوع: لا هذا خطى ولا أبواه، وإنما لتُظهر أعمال الله فيه. فما دام النهار ينبغي أن نعمل أعمال من أرسلني. فسيأتي الليل حيث لا يستطيع أحد عملاً. ما دمت في العالم فأنا نور العالم". ثم طلى بالطين عينَي الأعمى وأرسله يغتسل في بركة سلوام. فمضى واغتسل ورجع وهو يبصر بجلاء.
ان سؤال التلاميذ يسوع يطرح معضلة وجود الشرّ الطبيعي في العالم. لماذا وُلد هذا الرجل أعمى؟ هل مرضه نتيجة خطيئة أبويه؟ ويمكننا أن نطرح السؤال بشكل عام: هل المرض والموت وسائر الشرور الطبيعية هي نتيجة خطيئة أبوينا الأوّلين؟ على هذا السؤال يردّ يسوع بالنفي: الشرّ الطبيعي ليس نتيجة خطيئة الانسان ولا خطيئة الجدَّين الأولين. ولكنّ يسوع لا يعطي جواباً نظرياً، إنما جوابه عملي، وكأنه يقول إنّ الجواب الوحيد على مشكلة الشرّ هو العمل على إزالته: "يجب أن تظهر أعمال الله فيه". وأعمال الله هي شفاء المرض، وهذا ما صنع يسوع إذ "كان يجول في جميع المدن والقرى، يعلِّم في المجامع، ويكرز بانجيل الملكوت، ويشفي كل مرض وكل سقم" (متى 9: 35).

قيامة يسوع هي الجواب الأخير على وجود الشرّ الطبيعي
ان يسوع، في شفائه المرضى، عمل على إزالة المرض، وفي آلامه وموته وقيامته انتصر على الألم والموت. لذلك، وإن لم نستطع إيجاد تفسير نظري للشرّ الطبيعي في العالم، إلا أنه يمكننا التوفيق بين صلاح الله ووجود العذاب والموت، لأننا نؤمن أن يسوع بقيامته انتصر على العذاب والموت.
إنّ مَن لا يمسّه الألم والعذاب قد أصبح مثلنا قابلاً للألم والعذاب، ليزيل بألمه وعذابه ألمنا وعذابنا؛ إنّ مَن لا يعرف الموت قد دخل في عالمنا المائت ليقضي على الموت الذي، بدون الله، يقضي علينا؛ إنّ مَن لا حدّ لكيانه قد اتخذ طبيعتنا المحدودة ليرفعها إلى الاتحاد بكيانه غير المحدود. انّ الموت لا يقطع علاقة الانسان بالله، بل هو الطريق الذي لا بدّ للانسان أن يسلكه لتتحوّل طبيعته من طبيعة مائتة محدودة إلى طبيعة تشارك الله في حياته الخالدة وكيانه اللامحدود. إنّ الانسان كحبّة الحنطة التي، إن لم تمت، تبقى وحدها، معزولة في حدودها الضيّقة، وأمّا إن ماتت فتأتي بثمر كثير وتدخل في لا نهاية الله.
ان آمال الانسان بالخلود تبدو وهماً وخيالاً، إن لم ترتكز على قيامة المسيح. لذلك يرى بولس الرسول في قيامة المسيح أمانة لقيامة الأموات: "إن كان الأموات لا يقومون، المسيح أيضاً لم يقم. وإن كان المسيح لم يقم، فإيمانكم باطل وأنتم بعد في خطاياكم؛ ومن ثمَّ فالذين رقدوا في المسيح قد هلكوا. ان كان رجاؤنا في المسيح في هذه الحياة فقط، فنحن أشقى الناس أجمعين. ولكن لا، فإنّ المسيح قد قام من بين الأموات، باكورة للراقدين. لأف، بما ان الموت كان بانسان، فبانسان أيضاً قيامة الأموات. فكما انه في آدم يموت الجميع، كذلك أيضاً في المسيح سيحيا الجميع" (1 كور 15: 16- 22).

التألّه بواسطة المسيح الإله
وهكذا لا يستطيع الانسان أن يفهم نفسه ويفهم الكون إلا على ضوء تجسّد المسيح وحياته وموته وقيامته. فالشر الطبيعي الذي يختبره الانسان في نفسه وفي الكون ليس نهاية كل شيء. فقد أخذ كلمةُ الله طبيعة البشر ليؤلّهها. وهذا التألُّه بواسطة المسيح الإله قد تحدّث عنه آباء الكنيسة الشرقية بطريقة رائعة، وفيه وحده يمكن الانسان أن يتحمّل لغز الشرّ وسرّه. يقول القديس كيرلس الاسكندري: "لقد صار الإله انساناً لكي يصير الانسان إلهاً"؛ والقديس اثناسيوس: "لقد أصبح الكلمة جسداً لكي نستطيع نحن أيضاً، بما نناله من روحه، أن نتألّه"؛ واكليمنضوس الاسكندري: "ان كلمة الله قد صار انساناً لكي نتعلّم من الانسان كيف يستطيع الانسان أن يصير إلهاً"؛ وغريغوريوس النزينزي: "فلنصرْ آلهة به، بما انه، لأجلنا، صار إنساناً".

2- الشرّ الأدبي
أ) في الحرية إمكان الخطيئة
اذا كان الشرّ الطبيعي ناتجاً من طبيعة الانسان المحدودة، فالشرّ الأدبي ناتج من سوء استعمال الانسان حريته. إن الله لم يخلق الانسان خاطئاً، بل خلقه حراً. وفي الحرية يكن إمكان الخطيئة؛ ولكن في الحرية أيضاً يكمن إمكان التألُّه. فالله لا يستطيع أن يصنع الانسان إلهاً على رغمه، لذلك على الانسان أن يشارك في بلوغ كماله في الله. تلك هي الحرية.
الحرية ليست مجرد إمكان الاختيار بين الخير والشرّ، بل هي بالأحرى إمكان الإسهام في بناء الذات. إنّ مَن يختار الشرّ يظن نفسه حراً، إلا أنه في الواقع مستعبد للشرّ، بحسب قول يسوع: "كل من يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة" (يو 8: 34). وإنّما جاء المسيح ليحرّرنا من تلك العبودية: "فان حرّركم الابن، كنتم في الحقيقة أحراراً" (يو 8: 36).

ب) في المسيح الانتصار على الخطيئة
"حيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة" (روم 5: 20)؛ "وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا" (يو 1: 17).
يسأل يوحنا الدمشقي: "لماذا خلق الله الكون، مع علمه أن الشرّ سوف يحدث فيه؟". ويجيب: "لو كان الله قد امتنع عن خلق الكون والانسان بسبب ما سيحدث فيهما، لكان أظهر أنه أضعف من الشرّ".
لقد خلق الله الانسان حراً؛ وفي هذه الحرية إمكان السقوط في الخطيئة؛ إلا أن الله لم يكتفِ بخلق الانسان، بل أرسل إليه ابنه يسوع المسيح مخلصاً وفادياً، لينتصر على الشرّ والخطيئة، ويكون هو نفسه القوة التي بها يستطيع الانسان أن يتغلّب بملء حريته على الشرّ والخطيئة.
فالمسيح يكشف للانسان انه لن يستطيع تحقيق ذاته برفض الله والتنكّر لوصاياه، بل بالاتحاد به وبتتميم وصاياه. إنّ حياة المسيح كلها كانت حياة اتحاد بالله: "إن طعامي هو أن أعمل مشيئة الذي أرسلني" (يو 4: 34)؛ ولقد قبل الموت تتميماً لتلك المشيئة الالهية: "يا أبتاه، إن شئت فأجِزْ عني هذه الكأس. ولكن، لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لوقا 22: 42)؛ وصلاته الأخيرة إلى الآب: "يا أبتاه، في يديك أستودع روحي" (لوقا 23: 46)، قالها وهو على الصليب، وفي قلبه ملء الثقة والايمان بأن الله لا يزال أباه حتى في الموت، وانه من الموت سيبعث الحياة.
لقد قضى المسيح على الشرّ والخطيئة دون القضاء على حرية الانسان، وذلك بتجديد الانسان من الداخل، وتصحيح نظرته إلى الله، بحيث يرى فيه الخير الأعظم ويحبه ويتّحد به بملء حريته. وهكذا افتدى المسيح الانسان وقوَّمَ ما في الطبيعة البشرية المحدودة من ضعف وميل إلى الخطيئة والشرّ.
ان خطيئة آدم الأول، الانسان القديم، تكمن في نظرته الخاطئة إلى ما يعطي الحياة وما يجلب الموت، إذ قد ظن أنه بالاتحاد بالله يجد الموت، وبمقاومته يحصل على الحياة.
أما يسوع، آدم الثاني والانسان الجديد، فقد قبل الموت في الاتحاد بالله ووجد الحياة في القيامة، ولاشى هكذا خطيئة آدم الأول، وجدّده من الداخل، مظهراً وجه الله الحقيقي، مبيّناً السبيل الوحيد الذي لا بدّ للانسان أن يسلكه إذا أراد تحقيق ذاته، ومن خلال الموت الذي هو للانسان حجر عثرة وسب شك، بيّن للانسان أن الله هو أبداً الاب الذي يعطي الحياة.

خلاصة
هل يجد القارئ في ما قلناه تفسيراً لوجود الشرّ في العالم؟ ربما لا. غير ان الشرّ، على ضوء المسيح وحياته وموته وقيامته، لا يعود ذلك اللغز الخانق الذي يقود إلى اليأس. فنحن المسيحيين نؤمن أن الشرّ، في مختلف مظاهره، في الموت الذي هو نتيجة طبيعة الانسان المحدودة، وفي الخطيئة التي هي نتيجة إرادته الضعيفة، لم يعد ذلك السيّد المتسلّط الذي يستعبد الانسان. ففي المسيح الذي سحق الموت وانتصر على الخطيئة وحرّرنا من عبودية الشرّ، انكشف لنا عجز الشرّ، وأصبح في مقدورنا، باتحادنا بالمسيح، السيطرة على الموت والانتصار على الخطيئة، بحسب قول بولس الرسول في كلامه عن القيامة: "متى لبس هذا الجسد الفاسد عدم الفساد، ولبس هذا الجسد المائت عدم الموت، فحينئذٍ يتم القول الذي كتب: "لقد ابتُلع الموت في الغلبة. أين غلبتكَ أيها الموت؟ أين شوكتك أيها الموت؟". ان شوكة الموت هي الخطيئة، وقوة الخطيئة هي الناموس. ولكن الشكر لله الذي يؤتينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (1 كور 15: 54- 57).
ولئن بقي الشرّ سراً، إلا أنه لم يعد عائقاً لنا ولإيماننا بالله الآب الضابط الكل الخالق كل شيء؛ بل إنه، على العكس، يعطي الانسان كرامة أوفر، إذ يتيح له أن يسهم مع الله في إكمال عمل الخلق، ويسهم مع المسيح في تجسيد الفداء في ذاته وفي الآخرين وفي الكون كله، حتى يزول الشرّ وتزول الخطيئة "ويصير الله كلاً في الكلّ" (1 كور 15: 28).

توطئَة

"... وبربٍّ واحدٍ يسوعَ المسيح، إبنِ الله الوحيد، المولودِ من الآب قبل كلّ الدهور، نورٍ من نور، إلهٍ حق من إلهٍ حق، مولودٍ غيرِ مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كلُّ شيء، الذي من أجلنا نحنُ البشر ومن أجلِ خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد من الروحِ القُدسِ ومن مريم العذراء وتأنّس".

بهذه الكلمات يبدأ القسم الثاني من قانون الإيمان. ففي القسم الأول نعلن إيماننا بالله الآب الخالق. أما في القسم الثاني فنعلن إيماننا بابن الله يسوع المسيح. وفي هذا القسم يظهر بأجلى بيان ما يميّز الديانة المسيحية عن سائر الديانات. فالإيمان بالإله الواحد خالق السماء والأرض هو، في جوهره، إيمان مشترك بين معظم الديانات ولا سيمَا المسيحية واليهودية والاسلام. وقد يقبل العقل دون ارتياب هذا الإيمان بالإله الواحد، ولكن الإيمان بأن يسوع المسيح الانسان الذي وُلد من مريم العذراء بالجسد هو نفسه "ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور"، وانه بالتالي "إله حق من إله حق ومساوٍ للآب في الجوهر"، قد يبدو لأول وهلة مناقضاً للعقل البشري، جهالةً لليونانيين وعثرة لسائر المؤمنين من يهود ومسلمين، يعتبره العقلانيون جنوناً وبهتاناً، ويرى فيه اليهود والمسلمون تجديفاً على اسم الله وتحقيراً لعظمته. فكيف يُعقَل أن يُقال عن إنسان وُجد في الزمن انه هو بدء الزمن؟ وعن كائن فرد وُلد من كائن آخر انه خالق كل الكائنات وأساسها منذ الأزل؟ وكيف ينحصر معنى التاريخ كله في إنسان واحد عاش في حقبة محددة من التاريخ؟
ان هذا الإيمان بأُلوهية يسوع المسيح، الذي أنكره اليهود ورفضه المسلمون، بقي على مدى التاريخ حجر عثرة لكثيرين من المسيحيين أنفسهم. ويمكننا اختصار تاريخ اللاهوت المسيحي بقولنا إنه تاريخ مدّ وجزر حول تحديد هوية شخص يسوع المسيح. فالإنجيل هو، بحسب القديس مرقس، "إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (1: 1). ومعظم المجامع المسكونية، ولا سيمَا في القرنين الرابع والخامس، كان موضوعها المسيح في شخصه وفي طبيعته الالهية والانسانية. والموضوع نفسه يعالجه اليوم بإسهاب اللاهوتيون المعاصرون في مختلف البلدان المسيحية محاولين التقرّب من إدراك سرّ ظهور الله في الزمن في شخص ابنه يسوع المسيح. 
سنتطرّق في هذا الفصل إلى الإيمان بالمسيح كما يظهر من خلال أسفار العهد الجديد، ثم نعالج في الفصل السادس تعاليم المجامع المسكونية والعقائد التي أعلنتها عن شخص المسيح وعن طبيعته الالهية والانسانية، وفي الختام نخلص إلى ما يعنيه لنا اليوم شخص يسوع المسيح ابن الله الوحيد.
1- قيامة يسوع نقطة انطلاق إيمان الرسل به
لقد كانت قيامة المسيح نقطة الانطلاق لإيمان الرسل إيماناً كاملاً ثابتاً بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحيّ. يستند البعض إلى ما رواه انجيل متى عن اعتراف بطرس في قيصرية فيلبس ليؤكدوا أن الرسل، حتى في أثناء حياة يسوع، آمنوا بأن يسوع هو ابن الله. فانجيل متى يذكر أنه لمّا سأل يسوع تلاميذه: "في نظركم، أنتم، مَن أنا؟"، أجاب سمعان بطرس وقال: "أنت المسيح ابن الله الحيّ"، فقال له يسوع: "طوبى لك يا سمعان بن يونا، فانه ليس اللحم والدم أعلنا لك هذا، بل أبي الذي في السماوات..." (16: 15- 17). إلا أن إنجيل مرقس، الأقدم عهداً من إنجيل متى، لدى روايته الحدث نفسه، يضع على لسان بطرس الاعتراف التالي الموجز: "أنت المسيح". وهذا دليل على أن عبارة "ابن الله الحيّ" قد أضافها كاتب إنجيل متى، معلناً ليس إيمان بطرس في أثناء حياة يسوع، بل إيمان بطرس والرسل والكنيسة الأولى بأُلوهية المسيح من بعد قيامته.
ولدينا دليل آخر على صحة هذا التفسير، وهو ما يقوله متى في الفصل الرابع عشر عن اعتراف الرسل بيسوع قبل اعتراف بطرس. فبعد أن يروي متى كيف "مشى يسوع على الماء"، يضيف: "ولما صعد إلى السفينة سكنت الريح، فسجد له الذين كانوا في السفينة قائلين: "أنت حقاً ابن الله" (14: 33). فلو كان متى يذكر حرفياً اعتراف بطرس والرسل، حقَّ لنا أن نتساءل: ما فَضْلُ بطرس على سائر الرسل في الاعتراف بأن يسوع هو ابن الله، إذ إن الرسل اعترفوا بذلك قبله؟ من هنا نستنتج أن ما يضعه الإنجيل على فم بطرس وسائر الرسل ليس ما فاهوا به في أثناء حياة يسوع، بل ما وصل إليه إيمانهم به من بعد قيامته.
وهذا الإيمان هو ما بشَّروا به بعد حلول الروح القدس عليهم. ففي الخطاب الأول الذي ألقاه بطرس أمام الجموع المحتشدة يوم العنصرة، نشمعه يعلن دون تردّد: "إن يسوع الناصري، الانسان الذي أيّده الله لديكم بالعجائب والمعجزات والآيات، التي أجراها على يديه في ما بينكم -كما أنتم تعلمون-، ذاك الذي أُسلم بحسب مشيئة الله المحدودة وعلمه السابق، فقتلتموه صلباً بأيدي الأثمة، قد أقامه الله ساحقاً قيود الموت... ونحن جميعاً شهود بذلك". ثم ينهي خطابه بقوله: "فليعلم إذاً يقيناً جميع بيت اسرائيل أن الله قد جعل يسوع هذا الذي صلبتموه ربّاً ومسيحاً" (أعمال 2: 22- 36).
لم يصل إيمان الرسل بيسوع المسيح إلى كماله إلا بعد حلول الروح القدس عليه. ويروي لوقا في سفر أعمال الرسل أنهم، حتى بعد أن قام يسوع "وتراءى لهم مدة أربعين يوماً يكلِّمهم عن شؤون ملكوت الله"، سألوه في ظهوره الأخير لهم: "يا رب، أفي هذا الزمان تردّ المُلك لإسرائيل؟" (أعمال 1: 3- 6). لقد بقيت نظرتهم إليه نظرة دنيوية خاطئة حتى آخر لحظة من وجوده معهم.
لكننا نجد جذور إيمان الرسل بيسوع في مشاهدتهم أعماله وسماعهم تعاليمه طوال حياته العلنية. لقد تبع الرسل يسوع وعاشوا معه حياة ألفة وصداقة مدة ثلاث سنوات، ورأوا عجائبه واستمعوا إلى أقواله، واختبروا بعضاً من سرّه، إلا أن عيونهم لم تنفتح تماماً ولم ينجلِ الغشاء عن بصائرهم إلا من بعد قيامته، كما حدث لتلميذَي عماوس اللذين ظهر لهما يسوع "وسار معهما، إلا أن أعينهما أُمسكت عن معرفته... وبعد أن اتكأ معهما وأخذ الخبز وبارك وكسر وناولهما، انفتحت أعينهما وعرفاه. ولكنه غاب عنهما. فقال أحدهما للآخر: أوَلم تكن قلوبنا مضطرمة فينا، إذ كان يخاطبنا في الطريق، ويفسّر لنا الكتب!" (لوقا 24: 16- 32).
هكذا سار الرسل مع يسوع طوال حياته العلنية يستمعون إليه يفسّر لهم الكتب ويكلّمهم عن ملكوت الله فتضطرم فيهم القلوب، ويشاهدون عجائبه فتملأ الحيرة أذهانهم. يرونه يشفي المرضى ويغفر للخطأة فيروحون يتساءلون من تُرى هذا الرجل، ألعلّه هو المسيح الذي كانوا ينتظرون مجيئه في آخر الأزمنة؟
- كيف ظهر يسوع في حياته؟
أ) رسالة يسوع: التبشير بملكوت الله
بقول مرقس في مستهلّ إنجيله: "بعدما أُلقي يوحنا في السجن، أتى يسوع إلى الجليل وهو يكرز بإنجيل الله، ويقول: لقد تمَّ الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالانجيل" (1: 14، 15). يعبِّر هذا القول الذي وضعه انجيل مرقس على فم يسوع عن مضمون رسالته الأساسي، ألا وهو قرب مجيء ملكوت الله. مع ملكوت الله وسيادته العالم كان اليهود ينتظرون أن ينتشر السلام بين الأفراد والجماعات والشعوب وتسود العدالة علاقات الناس بعضهم ببعض ويحظى الفقراء بالحماية والمساندة. في هذا المعنى، بدل لفظة "الملكوت" يستعمل يوحنا لفظة "الحياة" وبولس لفظة "البر". والألفاظ الثلاث مرادفة للفظة "الخلاص".
منذ أقدم العصور يتوق البشر إلى السلام والعدالة والحياة والخلاص، لكنهم لا يستطيعون بلوغ تلك القيم، فيعتقدون وجود قوى معادية تمنعهم من ذلك، تلك القوى التي يدعوها الكتاب المقدس "الشياطين". من خلال هذا المفهوم المستقى من الثقافات القديمة الميثولوجية، يعبّر الكتاب المقدّس عن خبرة الانسان القديمة بعدم تمكّنه بقواه البشرية من تحقيق ما تصبو إليه نفسه من سلام وعدالة وحرية وحياة.
في نظر الكتاب المقدّس الله وحده هو سيّد الحياة والتاريخ، وهو وحده يستطيع أن يسحق جميع القوى الشريرة المعادية للانسان ويمنح الانسان الخلاص والحرية والحياة. هذا هو مضمون ملكوت الله الذي بدأ يسوع رسالته بالتبشير بقرب مجيئه.
يروي انجيل متى انه "قُدّم إلى يسوع مجنون أعمى وأخرس، فشفاه، حتى ان الأخرس تكلّم وأبصر. فبُهت الجموع كلهم، وقالوا: أفلا يكون هذا ابن داود؟ وسمع الفريسيون، فقالوا: هذا الرجل لا يُخرج الشياطين إلا ببعل زبول، رئيس الشياطين. واذ أدرك يسوع أفكارهم، قال لهم: كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت ينقسم على نفسه لا يثبت. فان كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على نفسه، فكيف إذاً تثبت مملكته؟... وان كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين، فذلك أن ملكوت الله قد انتهى إليكم. وهل يستطيع أحد أن يدخل بيت القويّ، وينهب أمتعته، إلاّ أن يربط القويّ أولاً؟ عندئذٍ فقط، ينهب بيته" (12: 22- 29).
يبدأ ملكوت الله بتدمير مملكة الشيطان وتحرير الانسان من جميع أنواع الشر: من الخطيئة والمرض والجنون واستحواذ الأرواح الشريرة. لذلك لا يقتصر ملكوت الله على حياة ما بعد الموت، بل يبدأ أولاً في هذه الحياة. وليس هو حقيقة روحية وحسب، بل يشمل الانسان كله في روحه وجسده. وليس هو وعداً لمستقبل بعيد، إنما يبدأ الآن وهنا في كل انسان يقبل رسالة المسيح فيتوب وينفتح لعمل الله في داخله.
بعد أن أرسل يسوع تلاميذه الاثنين والسبعين للتبشير بملكوت الله عادوا إليه يقولون: "ان الشياطين أنفسها تخضع لنا باسمك". فأجابهم: "لقد رأيت الشيطان هابطاً من السماء كالبرق" (لوقا 10: 17، 18). وهذا يشير إلى أن مُلك الشيطان لا يمكنه أن يثبت أمام مُلك الله. فملكوت الله ينشئ في قلب العالم القديم عالماً جديداً يجتاح العالم القديم ويحرّر من عبوديّة إبليس كل إنسان يقبل في ذاته حياة الله ويتبع يسوع ويصبح له تلميذاً. ان طريق الحرية في اتّباع يسوع، واتّباع يسوع يعني ألاّ يستسلم الانسان لمُلك آخر غير ملُك الله الأوحد الذي أعلنه يسوع وسيلة نهائية للخلاص.
وهكذا يظهر يسوع نفسه مرسل الله وممثله ووكيله في تحقيق الملكوت. والشعب الذي ينشئه يصبح شعب الله النهائي. وكل من يقبل اتّباع يسوع والانضمام إلى شعب الله يحصل على المصالحة والمسامحة والسلام والخلاص والحرية التي يذّخرها الله للذين يخضعون لملكه.
ان جميع أعمال يسوع، من شفاء المرضى ومسامحة الخطايا وطرد الشياطين، يدعوها الانجيل المقدس "آيات"، أي علامات تشير إلى بدء تحقيق الملكوت. فهي تدلّ على أن الله أصبح قريباً من الانسان بمحبته، قريباً من كل إنسان، ولا سيمَا الفقراء والضعفاء والمرذولين والخطأة. وهذا هو معنى جواب يسوع عندما أرسل إليه يوحنا المعمدان بعضاً من تلاميذه يسألونه: "أأنت مَن يأتي، أم ننتظر آخر؟ فأجاب يسوع وقال لهم: انطلقوا وأعلموا يوحنا بما تسمعون وترون: العُمي يبصرون، والعُرج يمشون، والبُرص يطهرون، والصُمّ يسمعون، والموتى ينهضون، والمساكين يبشّرون، وطوبى لمن لا يشكّ فيَّ!" (متى 11: 2- 6).
إنّ الدواعي كثيرة للشك في يسوع. فكيف يمكن أن ينشأ ملكوت الله على يد رجل وضيع قادم من قرية حقيرة في الجليل، يتبعه بعض التلاميذ ورهط من العشّارين والخطأة والزواني، ويقول عنه ذووه أنفسهم "انه متهوّس"؟ (مر 3: 21).
لذلك يتكلم يسوع عن ملكوت الله بأمثال تظهر أن الله هو الذي يعمل من خلال عمل يسوع الوضيع، وان ما يبدو الآن صغيراً سوف ينمو ويكبر بقوة عمل الله: وهكذا "يشبه ملكوت الله حبّة خردل أخذها انسان وزرعها في حقله: إنها أصغر البذور جميعاً؛ بيد أنهما اذا نمت تصير أكبر البقول جميعاً؛ ثم تصبح شجرة حتى ان طيور السماء تأتي وتعشّش في أغصانها". وكذلك يشبه ملكوت الله "خميرة أخذتها امرأة وخبّأتها في ثلاثة أكيال من الدقيق، حتى اختمر الجميع" (متى 13: 31- 33). هناك تناقض بين صغر البذرة وعبر الشجرة وبين اليسير من الخميرة والكية الكبيرة من الدقيق. هكذا ملكوت السماوات يبدأ صغيراً ومختبئاً، ولكنه يكبر كما تكبر حبّة الخردل ويمتدّ امتداد الخميرة في العجين، وينمو نموّ الزرع فيثمر ثلاثين وستين ومئة (مَثَل الزارع: مرقس 4: 3- 20). ولا أحد يستطيع أن يمنع ملكوت الله من النمو، فكما أن القمح لا يزال ينمو حتى في وسط الزؤان، هكذا ملكوت الله ينمو في وسط الشر (مَثَل الزؤان: متى 13: 24- 43).
وما شأن يسوع في هذا كله؟ "ان الذي يزرع الزرع الجيّد هو ابن البشر" (متى 13: 37). وقوّة الله هي التي تنمي الزرع بشكل خفيّ ولكن في الوقت ذاته بشكل ثابت ومستمرّ: "مَثَل ملكوت الله كمَثَل إنسان ألقى الزرع في الأرض. فسواء أنام أم استيقظ، في الليل وفي الأنهار، فالزرع ينبت وينمو، ولا يدري كيف. فالأرض من ذاتها تثمر: تخرج السّاق أولاً، ثم السنبلة، ثم الحنطة ملء السنبلة، فإذا أدرك الثمرُ أعمل فيه المنجلَ، في الحال، لأنه قد أحصد" (مر 4: 26- 29).

ب) سرّ يسوع من خلال أعماله وتعاليمه
لقد ظهر ملكوت الله في أعمال يسوع، ولا سيمَا في شفائه المرضى وطرده الشياطين وموقفه من الخطأة. وظهر في الوقت نفسه بعض الشيء من سرّ يسوع. إنّ يسوع هو ممثّل الله في أعماله وفي تعاليمه.

أعمال يسوع
هذا ما يبدو بوضوح في جميع أعمال يسوع، ولا سيمَا في موقفه من شرائع الناموس ومن الخطأة. فالشرائع والوصايا التي ينصّ عليها الناموس هي شرائع الله ووصاياه، ولا أحد يستطيع أن ينقضها إلا الله وحده. لكننا نرى يسوع ينقض شريعة السبت معلناً انه هو "ربّ السبت" (مر 2: 29)، ونراه ينقض شرائع الصوم (مر 2: 18- 22) وجميع المراسيم المتعلقة بغسل الأيدي وغسل الكؤوس والجرار (مر 7: 1- 23). ونراه خصوصاً يغفر الخطايا وهو يعلم أن "ما من أحد يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده" (مر 2: 7). إنّ يسوع يعمل على الأرض أعمالاً خاصة بالله، مبيّناً أن عمله هو عمل الله وارادته إرادة الله. يقول للمخلّع: "يا ابني مغفورة لك خطاياك". (مر 2: 5)، وللمرأة الخاطئة: "مغفورة خطاياكِ" (لو 7: 48). ومن خلال صيغة المجهول يدرك المستمعون أن الله هو الذي يغفر الخطايا في شخص يسوع. فيسوع إذاً هو ممثّل الله وعمله انعكاس لعمل الله.
في شخص يسوع ظهر ملكوت الله، ملكوت المسامحة والسلام والتحرّر من الخطيئة. لذلك يدعو يسوع الخطأة والعشّارين إلى تناول الطعام معه. واذ يتذمّر الفريسيّون قائلين: "ماذا؟ يأكل مع العشّارين والخطأة؟"، يجيبهم يسوع: "ليس الأصحّاء في حاجة إلى طبيب بل المرضى. اني لم آتِ لأدعو الصدّيقين بل الخطأة" (مر 2: 16، 17). لقد كان الطعام المشترك عند اليهود رمزاً للوليمة السماوية أي للاتحاد بالله في دار الخلود. لذلك لم يكن تناول يسوع الطعام مع الخطأة والعشّارين تعبيراً عن سعة أفكاره الاجتماعية وعن تفهّمه البشري لضحايا المجتمع بقدر ما هو تعبير عن بدء تحقيق ملكوت الله، ملكوت المحبة والمسامحة والخلاص، ملكوت الأخوّة التي تجمع في شركة واحدة جميع أبناء الله. واهتمام يسوع بالخطأة والفقراء والمهملين والمنبوذين دليل على مجيء الملكوت في شخص يسوع.

تعاليم يسوع
يظهر يسوع في تعاليمه، كما في أعماله، أنه ممثّل الله وأنه أعظم من الكتبة والأنبياء. فالمعلمون والكتبة كانوا يقتصرون، في تعليمهم، على تفسير ناموس موسى. أما يسوع فيتخطّى الناموس، أو بالأحرى يوصل الناموس إلى كماله، كما يقول هو نفسه: "لا تظنّوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء؛ إني ما جئت لأنقض بل لأُكمِّل" (متى 5: 17). لذلك يردف: "اني أقول لكم: إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى 5: 20).
كذلك الأنبياء كانوا يتكلمون باسم الله، فيبدأون نبوءاتهم بالعبارة التالية: "هكذا يقول الرب". لا نجد أي أثر لتلك العبارة في أقوال يسوع، بل إنما يتكلم بسلطته الخاصة، كما نسمعه يردّد في عظته على الجبل في الفصل الخامس من انجيل متى: "سمعتم أنه قيل للأقدمين... وأنا أقول لكم". "قيل للأقدمين": صيغة المجهول في تلك الجملة تعبير مألوف يشير إلى الله. ومن يستطيع أن يزيد كلام الله شيئاً أو أن يدّعي الوصول بهذا الكلام إلى كماله إلا الله نفسه؟ ومع ذلك نسمع يسوع يضيف: "وأنا أقول لكم". وهذا دليل على أن يسوع يدرك أن كلامه ليس كلام إنسان بل كلام الله نفسه، وانه، في تعليمه، يوصل كلام الله الذي أعطي في العهد القديم إلى كماله، معلناً هكذا إرادة الله الأخيرة والنهائية.
- مَن هو يسوع؟
إن انساناً كيسوع يبشّر أنّ ملكوت الله قد أتى في شخصه وفي أعماله، فيعمل أعمال الله. ويعلّم تعاليم الله، مَن تراه يكون؟ ان لقب "نبيّ" لا يكفي للتعبير عن رسالته. لذلك يقول عنه الانجيل انه "أعظم من يونان" و"أعظم من سليمان" (متى 12: 41، 42). لقد رأى فيه الرسل والمسيحيون الأوّلون "المسيح" و"ابن البشر" و"الرب" و"ابن الله" و"كلمة الله".

أ) يسوع هو "المسيح"
يروي انجيل مرقس انه عندما سأل يسوع تلاميذه في قيصرية فيلبس: "في نظركم، أنتم، مَن أنا؟" أجاب بطرس وقال له: "أنت المسيح" (8: 29). ويروي انجيل يوحنا أن أندراوس الرسول، بعد أن تعرّف إلى يسوع، لقي أخاه سمعان فقال له: "لقد وجدنا ماسيّا، أي المسيح" (1: 41). ثم "صادف فيلبّس نثنائيل، فقال له: ان الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء أيضاً قد وجدناه. فهو يسوع بن يوسف من الناصرة" (يو 1: 45).
فمَن هو هذا المسيح الذي كتب عنه موسى والأنبياء والذي كان ينتظره اليهود؟
كانت لفظة "المسيح" في العهد القديم نعتاً للنبي والكاهن والملك، لأنهم كانوا يُمسحون بالزيت دلالة على تكريسهم لخدمة الله وخدمة شعب الله. فموسى مسح هارون وبنيه ليكونوا كهنة الله (خروج 30: 30)، وصموئيل مسح داود "ليكون ملكاً على اسرائيل" (1 ملوك 16: 1- 13؛ 2 ملوك 12: 7). والمسحة بالزيت هي رمز منح الروح القدس، كما يوضح ذلك سفر الملوك: فعندما "أخذ صموئيل قرن الدهن ومسح داود من بين اخوته، حلّ روح الربّ على داود من ذلك اليوم فصاعداً" (1 ملوك 16: 13).
وقد وعد الله داود على لسان ناتان النبي انه سيقيم له من نسله ملكاً "وسيقرّ عرش ملكه إلى الأبد" (2 ملوك 7: 13). عاش اليهود على مدى أجيال العهد القديم وهم ينتظرون تحقيق تلك النبوءة بمجيء ملك من نسل داود "يُمسَح" كسائر ملوك اسرائيل ولكن لا يكون لمُلكه انقضاء. وازداد رجاؤهم إلحاحاً بعد تدمير مملكتهم وسبيهم إلى بابل. وعندئذٍ راح الأنبياء يصفون ملامح هذا المسيح الذي سوف يأتي في آخر الأزمنة ممتلئاً من الروح القدس، نبياً وملكاً يوطّد مملكة اسرائيل إلى الأبد.
ويطبّق انجيل لوقا على يسوع إحدى تلك النبوءات. فقد دخل يسوع يوم سبت مجمع اليهود في الناصرة، "وقام ليقرأ. فدُفع إليه سفر أشعيا النبيّ؛ فلما نشر السفر وقع على الموضع المكتوب فيه: روح الربّ عليَّ، لأنه مسحني لأُبشِّر المساكين، وأرسلني لأُنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأطلق المرهقين أحراراً، وأعلن سنة نعمة للرب. ثم طوى السفر، ودفعه إلى الخادم، وجلس. وكانت عيون الذين في المجمع شاخصة إليه بأجمعها. فشرع يقول لهم: "اليوم تمّت هذه الكتابة التي تُليت على مسامعكم" (4: 16- 21).
وقد تلاقت نبوءة ناتان وسائر الأنبياء من بعده مع ما أعلنه الرب على لسان موسى: "سيقيم لكم الرب الإله من بين إخوتكم نبيًّا مثلي؛ فله تسمعون في جميع ما يكلّمكم به؛ وكل من لا يسمع لذلك النبيّ يُقطع من بين الشعب" (تثنية 18: 15، 19).
ولقد رأى الرسل أن نبوءة موسى هذه وسائر نبوءات العهد القديم المتعلقة بالمسيح قد تمّت كلها في شخص يسوع (راجع أعمال الرسل 3: 17- 26).
جاء المسيح ممتلئاً من الروح القدس، ولكنه لم يأتِ، كما كان يتوقّعه اليهود، ملكاً زمنياً. "فمملكته ليست من هذا العالم" كما قال لبيلاطس (يو 18: 36). ولذلك عندما أراد اليهود أن يقيموه عليهم ملكاً توارى عنهم، كما يروي يوحنا الانجيلي بعد آية تكثير الخبزات: "فلما عاين الناس الآية التي صنعها يسوع، أخذوا يقولون: هذا الرجل هو في الحقيقة النبيّ الآتي إلى العالم. واذ علم يسوع أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليقيموه ملكاً، اعتزل أيضاً في الجبل وحده" (يو 6: 14- 16).
وهذا هو المعنى العميق للتجارب التي يروي الانجيليون أن يسوع تعرّض لها في بدء حياته العلنية (متى 4: 1- 11). فهذه التجارب ليست رواية لما جرى ليسوع مرة قبل البدء بكرازته بقدر ما هي تفسير بشكل روائي للعراك الذي قام به يسوع طوال حياته العلنية ليقاوم نظرة اليهود إلى المسيح المنتظر. فبينما كان اليهود ينتظرون مسيحاً يبهر الناس بالعجائب الخارقة، فيحوّل الحجارة إلى خبز، ويرمي بنفسه من قمة جناح الهيكل دون أن يُصاب بأذى، ويستعبد نفسه للقوى الشيطانية للحصول على ممالك الدنيا ومجدها، جاء يسوع مسيحاً ممتلئاً من الروح القدس يحيي الجائعين بكلمة الله ومسيحاً متألماً يقدّم ذاته على الحب ذبيحة فداء لتحقيق ملكوت الله في قلوب الناس.
لذلك عندما أنبأ يسوع تلاميذه بأنه سيتألم ويُقتل "اجتذبه بطرس إليه وطفق يزجره قائلاً: معاذ الله، يا رب، لا، لن يكون ذلك البتّة. أما هو فالتفت وقال لبطرس: إذهب خلفني، يا شيطان! انك لي معثرة. لأن أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار الناس (متى 16: 21- 23). أفكار الناس في المسيح المنتظر هي، في نظر يسوع، أفكار شيطانية لأنها ترى طريق المجد في السلطة الزمنية والملك المادي. أما طريق المجد، بحسب منطق الله، فهي طريق المحبة والتضحية والعطاء حتى الموت، كما قال يسوع للتلميذين اللذين صادفهما في الطريق إلى عماوس وقد قطعا كل رجاء بعد موت يسوع: "ما أقصر أبصاركما، وما أبطأ قلوبكما في الإيمان بكل ما نطقت به الأنبياء. أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل إلى مجده؟" (لوقا 24: 25، 26).
بعد آلام يسوع وموته وقيامته، فهم الرسل أقوال الأنبياء في المسيح المتألم، وراحوا يكررون أن تلك الأقوال قد تمّت فيه. ولنا مثال ذلك في نصّ من اشعيا النبي ورد في ما رواه سفر أعمال الرسل عن كرازة فيلبس لقيّم ملكة الحبشة: "كشاة سيق إلى الذبح، وكحمل صامت أمام الذي يجزّه، هكذا لا يفتح فاه. في مذلّته ألغي قضاؤه، وأما مولده فمَن يصفه؟ لأن حياته قد انتُزعت من الأرض" (اشعيا 53: 7، 8). ويتابع سفر أعمال الرسل: "أجاب الخصيّ وقال لفيلبس: أرجو منك أن تخبرني عمّن يقول النبيّ هذا؟ أعن نفسه أم عن رجل آخر؟ ففتح فيلبس فاه وابتدأ من تلك الكتابة وبشَّره بيسوع" (أعمال 8: 32- 34).

ب) يسوع هو "ابن البشر"
ينسب هذا اللقب إلى يسوع في 38 مقطعاً مختلفاً من الأناجيل الازائية. ويعتبره مفسّرو الكتاب المقدّس أقدم لقب أُطلق على يسوع في العهد الجديد. ويرجع هذا اللقب إلى الفصل السابع من نبوءة دانيال: "ورأيت في رؤى الليل فإذا بمثل ابن البشر آتياً على سحاب السماء، فبلغ إلى القديم الأيام وقُرّب إلى أمامه، وأُوتي سلطاناً ومجداً وملكاً. فجميع الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه سلطان أبديّ لا يزول، وملكه لا ينقرض" (7: 13، 14).
تشير هذه النبوءة إلى مجيء انسان ملكي وسماوي يظهر في آخر الأزمنة، فيزيل سلطان سائر الملوك، ويملك إلى الأبد. لقد رأى الرسل في يسوع هذا الانسان السماوي الذي أرسله الله في آخر الأزمنة لينشى ملكوت الله الذي لا ينقرض. وتجدر الاشارة إلى أن معظم المقاطع التي يدعى فيها يسوع "ابن البشر" ترد في إطار الحديث عن آخر الأزمنة وعن الدينونة: "أقول لكم: ان كل مَن يعترف بي قدّام الناس يعترف به ابن البشر قدّام ملائكة الله" (لوقا 12: 8، 9). "الحق أقول لكم: إنّ في القائمين ههنا مَن لا يذوقون الموت حتى يروا ابن البشر آتياً في ملكوته" (متى 16: 28). كذلك يقول يسوع في حديثه عن مجيئه الأخير: "كما أن البرق ينبثق من المشرق ويلمع حتى المغرب، كذلك يكون مجيء ابن البشر... عندئذٍ تظهر علامة ابن البشر في السماء، وعندئذٍ أيضاً ينوح جميع قبائل الأرض ويشاهدون ابن البشر آتياً على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد" (متى 24: 30).
ويبدأ يسوع وصفه للدينونة الأخيرة بقوله: "متى جاء ابن البشر بمجده وجميع الملائكة معه، حينئذٍ يجلس على عرش مجده، وتحشر لديه جميع الأمم، فيفصل بعضهم عن بعض كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء. ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره" (متى 25: 31- 33). وفي تفسير مَثَل الزؤان يقول يسوع: "فكما أن الزؤان يُجمع ويُحرَق، كذلك يكون في منتهى الدهر: يرسل ابن البشر ملائكته فيجمعون من مملكته كل المعاثر وفاعلي الإثم، ويلقونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصريف الأسنان. عندئذٍ يضيء الصدّيقون في ملكوت أبيهم" (متى 13: 40- 43). وعندما يسأل رئيس الكهنة يسوع في أثناء المحاكمة: "أأنت المسيح ابن المبارك؟" يجيبه يسوع: "أنا هو". ثم يردف: "وسترون ابن البشر جالساً عن يمين القدرة، وآتياً على سحاب السماء" (مر 14: 61، 62).
ان سلطة ابن البشر لا تقتصر على يوم الدينونة في آخر الأزمنة. فملكوت الله قد بدأ بمجيء يسوع، لذلك يمارس يسوع سلطة ابن البشر في أثناء حياته. "فابن البشر له على الأرض سلطان مغفرة الخطايا" (مر 2: 10)، و"ابن البشر قد جاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه" (لو 19: 10)، و"ابن البشر هو ربّ السبت" (مر 2: 28).
غير أن سلطة ابن البشر على هذه الأرض ليست سلطة للسيادة بل للخدمة. "فالثعالب لها أوجرة، وطيور السماء أوكار، أما ابن البشر فليس له موضع يسند إليه رأسه" (متى 8: 20). "وابن البشر لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين" (متى 20: 28). وكل مرّة ينبئ يسوع تلاميذه بآلامه يدعو نفسه "ابن البشر" (مر 8: 31؛ 9: 31؛ 10: 33). وكذلك عندما ينبئ بخيانة يهوذا له: "ان ابن البشر يمضي، على حسب ما هو مكتوب عنه، ولكن، ويل لذلك الرجل الذي يُسْلِم ابن البشر" (مر 14: 21). وعندما يأتي يهوذا ليقبض عليه يقول لتلاميذه: "لقد قضي الأمر وأتت الساعة! هوذا ابن البشر يُسْلَم إلى أيدي الخطأة!" (مر 14: 41). ولما دنا يهودا من يسوع ليقبّله قال له يسوع: "يا يهوذا، أبقبلة تسلم ابن البشر!" (لو 22: 48).
ان يسوع بآلامه وموته وقيامته قد حقق نبوءة دانيال وأنشأ ملكوت الله الذي لا ينقرض. ويرى انجيل يوحنا علاقة وثيقة بين موت ابن البشر ودينونة العالم. فعندما يتنبّأ يسوع عن موته في الفصل الثاني عشر من انجيل يوحنا يقول: "الآن دينونة هذا العالم، الآن رئيس هذا العالم يلقى خارجاً. وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبت إليَّ الجميع". ويوضح يوحنا: "قال يسوع هذا ليدلّ على أية ميتة كان مزمعاً أن يموتها. فأجابه الجمع: "لقد علمنا من الناموس أن المسيح يثبت إلى الأبد. فكيف إذاً تقول أنت: ينبغي أن يُرفع ابن البشر؟ مَن هو ابن البشر هذا؟" فقال لهم يسوع: "ان النور معكم بعد إلى حين، فسيروا ما دام النور معكم، لئلا يغشاكم الظلام" (12: 31- 36). ويؤكد يوحنا في موضع آخر العلاقة بين النور والدينونة: "على هذا تقوم الدينونة: ان النور قد جاء إلى العالم، والناس آثروا الظلمة على النور، لأن أعمالهم كانت شريرة" (3: 19). ويرى يوحنا في موت يسوع تمجيده. فعندما خرج يهوذا من العشاء الفصحي ليسلم يسوع، قال يسوع: "الآن تمجّد ابن البشر، وتمجّد الله فيه" (13: 31). "وكما أنّ موسى قد رفع الحيّة في البريّة، كذلك ينبغي أن يُرفَع ابن البشر" (3: 14). فيسوع المرفوع على الصليب هو نفسه ابن البشر المرتفع في مجد الله.

ج) يسوع هو "الرب"
يدعو العهد الجديد يسوع في مواضع كثيرة بلقب "الرب". وهذا اللقب هو ترجمة اللفظة اليونانية "كيريوس" التي تعني "السيّد" و"الرب". يدعى سيداً على وجه العموم كل صاحب سلطة على الأشخاص أو على الأشياء. فسيّد مكان أو قطعة من الأرض هو الشخص الذي يملك ذلك المكان أو تلك القطعة من الأرض. والسيّد والرب بالمعنى المطلق هو الله، لأنه خالق الكون بأسره، والخليقة كلها خاضعة لسيادته.
وتطلق أيضاً لفظة "كيريوس" على أي من الناس، وذلك في معرض الاكرام والاحترام. وتترجم بالعربية بلفظة "سيّد". ونجد هذا الاستعمال في عدّة مقاطع من العهد الجديد. فالمرأة السامرية تخاطب يسوع بقولها: "يا سيدي، أرى انك نبيّ..." (يو 4: 19)؛ ومخلّع بركة بيت حسدا يقول ليسوع: "يا سيدي، ليس لي من يلقيني في البركة اذا تحرّك الماء" (يو 5: 7)؛ ومريم المجدلية، لدى مشاهدتها يسوع بعد قيامته سألته، وقد ظنت أنه البستاني: "يا سيدي، إن كنت أنت قد ذهبت به، فقلْ لي أين وضعته وأنا آخذه" (يو 20: 15)؛ وفي المعنى ذاته يخاطب بعض اليونانيين فيلبس: "يا سيّد، نرغب في أن نرى يسوع" (يو 12: 21).
إلا أن هناك مقاطع أخرى من العهد الجديد يدعو فيها الرسل يسوع بلقب "كيريوس" ويعنون به أكثر من مجرد الاكرام والاحترام. في تلك المقاطع تعني لفظة "كيريوس" الرب بالمعنى المطلق. ولفهم هذا الاستعمال لا بدّ لنا من العودة إلى العهد القديم.
لقد كان اليهود في العهد القديم يمتنعون عن لفظ اسم الله "يهوه" احتراماً له. لذلك في قراءاتهم العمومية للكتاب المقدس، كلما كانوا يشاهدون اسم "يهوه"، كانوا يقرأونه "أدوناي" أي "الرب". ومن ثم أصبحت لفظة "الرب" مرادفة لاسم الجلالة "يهوه". وعندما ترجم يهود الاسكندرية كتب العهد القديم من العبرية إلى اليونانية في القرن الثالث قبل المسيح في الترجمة المعروفة "بالسبعينية"، ترجموا اسم "يهوه" بكلمة "كيريوس" التي تعني "الرب".
من هنا نستنتج أن الرسل، باعترافهم بأن يسوع هو "الرب"، يعترفون له بلقب مختصّ بالله نفسه. لذلك ترد لفظتا الرب والإله جنباً إلى جنب كمترادفين. ولنا مثال على ذلك في إعلان توما إيمانه بيسوع لدى ظهوره له في اليوم الثامن لقيامته. فعندما قال يسوع لتوما: "هاتِ إصبعك إلى ههنا وانظر يديّ؛ وهاتِ يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن، بل مؤمناً"، أجاب توما وقال له: "ربي! وإلهي!" (يو 20: 27، 28).
ان هذا اللقب مع ما يحمله من معنى الألوهة لم يطلقه الرسل على يسوع إلا بعد قيامته. فعندئذٍ فقط انكشف لهم سرّ شخصه وأدركوا أنّ الصلب لم يكن بالنسبة إليه نهاية كل شيء، لأن الذي صُلب ومات قد قام وظهر لهم وأوكل إليهم مهمّة تبشير جميع الأمم بقوة السلطان الذي دُفع إليه: "لقد دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس..." (متى 28: 18- 20). وراحوا يبشّرون أن يسوع الذي صلبه اليهود قد أقامه الله وأجلسه عن يمينه وجعله ربًّا ومسيحاً ومنحه كل سلطان. وفي قيامة يسوع واعتلانه ربًّا وجد الرسل الجواب كل السؤال الذي طرحه يسوع على الفريسيين قبل آلامه: ان المسيح هو ابن داود، فكيف اذاً يدعوه داود ربّه؟ (راجع متى 22: 41- 45). وهذا ما قاله بطرس الرسول في خطابه الأول يوم العنصرة: "ان داود لم يصعد قط إلى السماوات، ومع ذلك فإنه يقول: قال الرب لربّي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك". "قال الرب" أي الله، "لربّي" أي للمسيح، "اجلس عن يميني"، والجلوس عن يمين الله يعني الحصول على سلطة الله. ثم يختم بطرس قائلاً: "فليعلم اذاً يقيناً جميع بيت اسرائيل ان الله قد جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحاً" (أعمال 2: 34- 36).
ان إعلان يسوع ربًّا لا يعني أن يسوع بقيامته قد نال من الله ما لم يكن يملكه من قبل، أي كان مجرّد انسان ثم أصبح ربًّا بعد قيامته. إن قيامة يسوع هي كشف وإعلان أمام الملأ لسرّ شخص يسوع كما هو في ذاته منذ الأزل. وهذا ما يوضحه نشيد قديم يعود إلى المسيحيين الأوّلين، وقد أدخله بولس في رسالته إلى الفيليبيين (2: 6- 11).
يصف هذا النشيد في ست فقرات المراحل المتعدّدة التي مرَّ بها شخص يسوع:

وجوده قبل التجسّد


تجسّده



تنازله حتى الموت



تمجيده


سجود الخلائق له



إعلانه ربًّا هو القائم في صورة الله
لم يعتدّ مساواته لله حالة مختلسة

بل لاشى ذاته آخذاً صورة عبد،
صائراً شبيهاً بالبشر،
فوُجد كبشر في الهيئة،

ووضع نفسه،
وصار طائعاً حتى الموت،
بل موت الصليب.

لذلك رفعه الله رفعة فائقة،
وأنعم عليه بالاسم الذي يفوق كل اسم،

لكي تجثو لاسم يسوع
كل ركبة ممّا في السماوات
وعلما الأرض وتحت الأرض،

ويعترف كل لسان
بأن يسوع هو ربّ
لمجد الله الآب.

ان الاسم الذي يفوق كل اسم والذي أنعم الله به على يسوع هو اسم الله نفسه، اسم "الرب". ويصل العهد الجديد في هذا اللقب إلى قمّة الايمان بالمسيح. لذلك يقول بولس في رسالته إلى الرومانيين: "ان اعترفت بفمك أن يسوع هو ربّ، وآمنت في قلبك أن الله قد أقامه من بين الأموات، فإنك تخلص" (10: 9). ويؤكد بطرس في أعمال الرسل أمام محفل رؤساء كهنة اليهود: "ما من خلاص بأحد غيره، إذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلُص" (4: 12).
ويصبح لقب "الرب" اللقب المميّز ليسوع في العهد الجديد. فيبدأ بولس معظم رسائله بالتحية التالية: "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" (روم 1: 6؛ 1 كور 1: 3؛ 2 كور 1: 2؛ الخ...)، كما ينهيها بالتحية نفسها: "نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم" (1 كور 16: 23؛ غلا 6: 18؛ فيليبي 4: 23)، "نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله، وشركة الروح القدس معكم أجمعين" (2 كور 13: 13).
وقد اتخذت الشهادة المسيحية على أن يسوع هو الربّ مدلولاً خاصاً في القرون الأولى في إطار الامبراطورية الرومانية. فبينما كان الوثنيون يعلنون امبراطور رومة "ربّاً" و"إلهاً"، كان المسيحيون، مقابل ذلك، يعلنون أن يسوع وحده هو الرب، ولا إنسان فينه يستحق هذا اللقب الإلهي.
وهذا ما أراد آباء مجمع نيقية تأكيده عندما أعلنوا في قانون الايمان: "وبربِّ واحدٍ يسوع المسيح".

د) يسوع هو "ابن الله"
ابن الله في العهد القديم والحضارات القديمة
ان عبارة ابن الله كانت مستعملة في العهد القديم وعند المصريين والبابليين والرومانيين، ولكن ليس بالمعنى الذي يحمّلها إياه العهد الجديد، ولا سيمَا بعد قيامة يسوع.
نقرأ في المزمور الثاني: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، سلْني فأُعطيك الأُمم ميراثاً لك وأقاصي المسكونة مِلكاً لك" (7، 8). كانت هذه العبارة تستخدم في حفلة تتويج ملوك اسرائيل، وقد أخذها اليهود عن البابليين والمصريين. فعند هؤلاء الشعوب كان الملك، يوم تنصيبه، يُعلن "ابن الله". ولكن بينما كان المصريون يعتبرون ملوكهم أبناء الله بالجسد بطريقة أسطورية، كان البابليون يعتبرون تلك البنوّة بمعنى التبنّي القانوني. وهذا المفهوم البابلي هو الذي تبنّاه البلاط الملكي الاسرائيلي، وهو الذي نجده في مختلف أسفار العهد القديم. فالملك هو ابن الله ليس لأن الله ولده بالجسد، بل لأن الله اختاره وتبنّاه، فإنّ إرادة الله إرادة خلاّقة وكلمته كلمة مبدعة، يريد فيتمّ، يقول فيكون؛ يقول الله للملك: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك"، فيصبح الملك منذ تلك اللحظة ابن الله.
إن فكرة تبنّي الله للانسان فكرة قديمة نجدها في أسفار الكتاب المقدّس الأولى. وقد كان الشعب اليهودي بجملته يعتبر نفسه ابناً لله. ففي سفر الخروج نقرأ قول الله لموسى: "قل لفرعون: كذا قال الرب: اسرائيل ابني البكر، فلذلك أطلق ابني ليعبدني، وان أبيت أن تطلقه فهاءنذا قاتل ابنك البكر" (4: 22، 23). وكذلك يقول النبي هوشع: "إذ كان اسرائيل صبياً أحببته، ومن مصر دعوت ابني" (11: 1).
لقد كان الشعب اليهودي كله اذاً ابناً لله. ولكنّ الملك هو ابن الله بنوع فائق، فهو يمثّل الشعب كله، وفي شخصه تتجمّع وعود الله لشعبه. وتوجز تلك الوعودَ الآيةُ الثامنة من المزمور الذي أتينا على ذكره: "سلني فأُعطيك الأمم ميراثاً وأقاصي المسكونة مِلكاً لك". إن هذا القول الذي يصحّ في ملوك مصر وبابل العظماء الذين ترتجف المسكونة أمامهم، قد يبدو حلماً وخيالاً عندما يُلفظ لدى تنصيب ملوك اسرائيل، تلك المملكة الضعيفة التي كانت دوماً عرضة لهجمات الممالك المجاورة. لذلك كان هذا القول يعتبر وعداً لمستقبل زاهر يرسل فيه الله إلى شعبه ملكاً قوياً يسود الأمم ويمتدّ مُلكه إلى أقاصي المسكونة. ويتّفق هذا الوعد مع الوعد الذي وعد به الله داود على لسان ناتان النبي: "متى تمّت أيامك واضّجعت مع آبائك، سأُقيم من يليك من نسلك الذي يخرج من صُلبك وأقرّ مُلكه. فهو يبني بيتاً لاسمي، وأنا أقرّ عرش مُلكه إلى الأبد. أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً" (2 ملوك 7: 12- 14).
لقد كانت تلك النبوءة نقطة الانطلاق لترقّب مجيء المسيح ملكاً من نسل داود. ويشير المزمور 88 إلى تلك النبوءة ويضع علامة واضحة بين "المسيح" و"الابن". يبدأ المزمور بذكر وعود الله لداود. فقد اختاره الله وجعله ابناً له: "حلفتُ لداود عبدي، لأثبتنَّ نسلك إلى الأبد، ولأثبتنَّ عرشك إلى جيل فجيل... وجدتُ داود عبدي، بدهن قداستي مسحتُه... يدعوني: انك أبي وإلهي وصخرة خلاصي، وأنا أجعله بكراً عليًّا فوق ملوك الأرض". ثم يقابل تلك الوعود بالحالة التي وصل إليها ملوك اسرائيل: "لكنك أقصيت ورذلت. استشطت على مسيحك... أين مراحمك الأُوَل أيها السيّد التي لأجلها حلفتَ لداود بأمانتك؟". ويطلب إلى الله أن يرسل دون إبطاء المسيح الحقيقي الموعود به: "اذكر أيها السيّد عار عبيدك، الذي عَيَّر به أعداؤك يا رب، عَيَّروا بإبطاء مسيحك".
**********
ابن الله في العهد الجديد
إنّ الرسل والمسيحيين الأوّلين قد رأوا في شخص يسوع تحقيق وعود الله بإرسال هذا الملك "المسيح" و"ابن الله"، الذي سوف يملك على المسكونة كلها ولن يكون لمُلكه انقضاء. هذا ما عَبَّر عنه لوقا في روايته بشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم بولادة المسيح. وقد وضع على لسان الملاك الأقوال الحرفية التي جاءت فيها وعود الله بالمسيح في العهد القديم: "ها أنتِ تحبلين وتلدين ابناً، وتسمّينه يسوع. انه يكون عظيماً، وابن العليّ يدعى. وسيُعطيه الرب الإله عرش داود أبيه؛ ويملك على بيت يعقوب إلى الدهر، ولن يكون لملكه انقضاء" (لوقا 1: 31- 33).
إلا أن تحقيق نبوءات العهد القديم في المسيح لم يكن تحقيقاً مادياً بل روحياً، كما رأينا في حديثنا عن "ملكوت الله". فالمسيح لم يصعد على عرش ملك زمني ليسود العالم، بل صعد على الصليب ليجتذب إليه الجميع وينشئ ملكوت الله: "وأنا متى ارتفعت عن الأرض اجتذبت إليّ الجميع" (يو 12: 32).
في انتقال لقب "ابن الله" من العهد القديم إلى العهد الجديد نلاحظ تغييراً جذرياً في المدلول والمعنى، مماثلاً للتغيير الذي حصل للقبَي "المسيح" و"ابن البشر". ان هذه الألقاب، بانتقالها من عهد التهيئة إلى عهد الكمال، ومن عهد الرمز إلى عهد التحقيق، قد تحوّل معناها من الملك المادي البشري المحصور في بقعة ضيقة من الأرض، أرض اسرائيل، إلى الملك الروحي الإلهي الذي يتخطى حدود الممالك الأرضية ويمتدّ امتداد الله في الكون بأسره.
إن لقب ابن الله يرد في مواضع كثيرة من العهد الجديد إلى جانب لقب المسيح وكأنهما مترادفان. فمرقس يبدأ انجيله بقوله: "بدء انجيل يسوع المسيح ابن الله" (1: 1). وفي انجيل متى يعترف بطرس الرسول بيسوع قائلاً: "أنت المسيح ابن الله الحيّ" (16: 16). ويوحنا ينهي إنجيله بالشهادة ليسوع المسيح ابن الله: "وصنع يسوع أمام التلاميذ آيات أخرى كثيرة لم تدوّن في هذا الكتاب، وإنما دوّنت هذه لكي تؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله" (20: 30، 31). وفي رسالته الأولى يتكلم عن الايمان تارة بأن "يسوع هو المسيح"، وطوراً بأن "يسوع هو ابن الله"، وكأنّ اللّقبين مترادفان. ففي الفصل الرابع مثلاً يقول في الآية الثانية: "ان كل روح يعترف بأن يسوع المسيح قد أتى في الجسد، هو من الله" ثم يضيف في الآية 15: "من اعترف بأن يسوع هو ابن الله، فالله يقيم فيه وهو يثبت في الله". كذلك في الفصل الخامس، يقول في الآية الأولى: "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فهو مولود من الله". ثم يضيف في الآية الخامسة: "مَن ذا الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله؟".
ترد هذه الشهادة على أن يسوع هو "ابن الله" في الأناجيل الأربعة وفي جميع مراحل حياة يسوع وعلى لسان الله الآب ويسوع نفسه والملائكة والرسل وكثيرين ممّن شفاهم يسوع أو رأوا أعماله وعجائبه وموته وقيامته.
فمنذ البشارة يقول الملاك جبرائيل للعذراء مريم: "لا تخافي يا مريم، فلقد نلتِ حظوة عند الله. وها أنتِ تحبلين وتلدين ابناً وتسمّينه يسوع. انه يكون عظيماً وابن العليّ يدعى". وعلى سؤال مريم: "كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلاً؟"، يجيب الملاك: "الروح القدس يأتي عليك وقدرة العليّ تظلّلك، ومن أجل ذلك فالقدّوس الذي يولد منك يدعى ابن الله" (لوقا 1: 30- 35).
يضع لوقا علاقة بين لقب يسوع "ابن الله" والحبل به من الروح القدس في أحشاء مريم العذراء دون مباشرة رجل. وهذا الحبل العجيب من الروح القدس لم يُذكر عن إنسان آخر غير يسوع في الكتاب المقدس كله. ويتّفق متى مع لوقا في ذكر الحبل بيسوع من الروح القدس: "أما مولد يسوع فكان هكذا: لما خُطبت مريم أُمه ليوسف، وُجدَت من قبل أن يسكنا معاً، حبلى من الروح القدس" (1: 18، 19).
وفي أثناء معمودية يسوع يشهد الآب ليسوع قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (متى 3: 17). والشهادة ذاتها يعطيها الآب ليسوع في أثناء تجلِّيه على جبل ثابور (متى 17: 5).
ويسوع نفسه، عندما يسأله رئيس الكهنة في أثناء محاكمته: "هل أنت المسيح ابن الله؟"، يجيب: "أنت قلت!" (متى 26: 63، 64).
ويوضح يسوع في مَثَل "الكرَّامين القتلة" الفرق الجوهري بينه وبين من سبقه من الأنبياء. فجميع الأنبياء الذين جاءوا قبل يسوع ليبشّروا الشعب ويجنوا من كرمه الله ثمار التوبة وأعمال الإيمان لم يكونوا سوى خدّام لله. أما يسوع فهو ابن الله. فبعد أن يروي المَثَل كيف قتل الكرّامون جميع الخدّام الذين أرسلهم الله إليهم، يضيف: "وبقي له أيضاً واحد، ابن حبيب، فأَرسله إليهم في الأخير، قائلاً: انهم سيهابون ابني. غير أنّ أولئك الكرّامين قالوا في ما بينهم: هذا هو الوارث. هلمّوا فلنقتله فيكون الميراث لنا. فقبضوا عليه وقتلوه وطرحوا به خارج الكرم" (مر 12: 1- 8).
وترد الشهادة على أن يسوع هو ابن الله على فم يوحنا المعمدان: "ها هوذا حمل الله، الذي يرفع خطيئة العالم. هذا هو الذي قلت عنه انه يأتي بعدي انسان قد تقدّم عليَّ لأنه كان قبلي... انا لم أكن أعرفه، إلاّ أنّ الذي أرسلني لأُعمِّد بالماء هو قال لي إن الذي ترى الروح ينزل ويستقرّ عليه هو الذي يعمّد بالروح القدس. فذلك ما قد عاينت وأشهد أن هذا هو ابن الله" (يو 1: 29- 34).
كما ترد الشهادة نفسها على فم نثنائيل: "رابي، أنت ابن الله، أنت ملك اسرائيل" (يو 1: 49)، وسائر الرسل الذين بعد أن عاينوا يسوع يمشي على الماء سجدوا له قائلين: "أنت حقاً ابن الله" (متى 14: 32).
ويضع الانجيليون الشهادة نفسها على فم الأرواح النجسة: "وكانت الأرواح النجسة إذا رأته تخرّ له وتصرخ قائلة: أنت ابن الله" (مر 3: 11؛ راجع أيضاً لوقا 4: 41).
وترد مراراً في رسائل بولس الرسول الشهادة على أن يسوع ابن الله، في إطار رسالة يسوع الخلاصية، وعلى أوجه ثلاثة. فيسوع هو أولاً ابن الله الذي أرسله الله في ملء الأزمنة ليفتدي العالم ويصبح بواسطته الناس أبناء الله: "لما بلغ ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، وننال التبّني. والدليل على أنكم أبناء، كون الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه، ليصرخ فيها: أبّا! أيها الآب!" (غلا 4: 4- 6). ثم إنّ يسوع هو ابن الله الخاص الذي قدّمه الله إلى الموت كما قدّم ابراهيم ابنه اسحق: "اذا كان الله معنا، فمَن علينا؟ هو الذي لم يشفق على ابنه الخاص بل أسلمه عنا جميعاً، كيف لا يهبنا معه كل شيء؟" (روم 8: 32). ويسوع هو أخيراً ابن الله بمعنى أنه "صورة الله غير المنظور" (كولسي 1: 25)، و"صورة جوهر الآب" (عب 1: 2، 3).
ان الشهادة على أن يسوع هو ابن الله قد أصبحت في القرون المسيحية الأولى الداعي الأكبر لاستشهاد المسيحيين في الامبراطورية الرومانية. فالامبراطور الروماني كان يدعى "ابن الله"، وكان الشعب كلّه يقدّم له السجود والعبادة كإلى إله. أما المسيحيون فقد رفضوا الاعتراف بلقب "ابن الله" للامبراطور، وأعلنوا أن يسوع هو "ابن الله الوحيد" الذي له ينبغي السجود والعبادة.
وتلتقي لفظة "ابن الله" مع لفظة "الرب" التي كانت تطلق أيضاً، كما رأينا، على الامبراطور الروماني.
وهكذا استقى الرسل والمسيحيون الأوّلون من العهد القديم، الذي تأثّر، في التعبير عن إيمانه، بالديانات والحضارات القديمة المجاورة، الألقاب الأربعة: المسيح، ابن البشر، الرب، ابن الله، ليعبِّروا بواسطتها عن إيمانهم بشخص يسوع، هذا الانسان الذي عرفوه على الأرض وصُلب ومات ثم أقامه الله من بين الأموات، وليدلّوا على العلاقة الفريدة في تاريخ البشرية كلها، التي تربطه بالله.

هـ) يسوع هو "الابن"
لتوضيح العلاقة الفريدة التي تربط يسوع بالله، يدعو العهد الجديد أيضاً يسوع "الابن" دون إضافة الله. ويعتبر بعض علماء الكتاب المقدس ان هذا اللقب يختلف، في أصله وفحواه، عن لقب "ابن الله". فبينما لقب "ابن الله" هو لقب مرادف لسائر الألقاب الماسوية، كالمسيح وابن البشر، ويرجع إلى العهد القديم، وله مقابل في الديانات القديمة وفي الامبراطورية الرومانية، فإنّ لقب "الابن" يعود إلى يسوع ذاته، ويكشف لنا سرّ يسوع وعلاقته الجوهرية بالله الآب. ويرى هؤلاء المفسّرون صلة وثيقة بين لقب "الابن" ولفظة "أبّا" التي كان يسوع في صلاته يخاطب بها الله. وتلك لفظة آرامية ينادي بها الطفل أباه، وقد نقلتها إلينا بلفظها الآرامي الأناجيل المكتوبة باليونانية. وهذا يدلّ على أن يسوع كان يستعملها في صلاته. وقد تفرّد يسوع عن العهد القديم كله وعن جميع معاصريه صن المعلّمين في استعمال تلك اللفظة في صلاته إلى الله، ما يشير إلى ألفة خاصة بينه وبين الله. فالانسان الذي يدعو الله "أبّا" هو "الابن" بالمعنى المطلق.
ويرى البعض الآخر من المفسّرين أن لقب "الابن" هو صيغة مختصرة للقب "ابن الله". ويوحنا يستعمل الذين جنباً إلى جنب كأنهما مترادفان. ففي الفصل الخامس من انجيله مثلاً يقول يسوع لليهود: "الحق الحق أقول لكم: انها تأتي الساعة -وها هي ذي حاضرة- التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، والذين يسمعون يحيون". ثم يردف: "فكما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته، وآتاه سلطاناً أن يدين لأنه ابن البشر" (5: 25- 27).
مهما يكن من أصل هذا اللقب، فالمهم بالنسبة إلى إيماننا بالمسيح هو التأكيد الذي نجده في العهد الجديد على تلك العلاقة الفريدة التي تربط يسوع بالله. فيسوَع هو الابن الذي دفع اليه الآب كل شيء، وهو وحده يعرف الآب ويستطيع أن يقود الناس إليه، كما يقول في انجيل متى: "لقد دفع إليّ أبي كل شيء، وليست أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومن يريد الابن أن يكشف له" (11: 27؛ راجع أيضاً لوقا 10: 22). ويسوع هو الابن الوحيد الذي في حضن الآب، كما يقول يوحنا: "الله لم يره أحد قط؛ الإله، الابن الوحيد الذي في حضن الآب، هو نفسه قد أخبر" (يو 1: 18).
ويؤكّد يوحنا الوحدة بين الآب والابن. فبعد أن أبرأ يسوع المخلّع يوم سبت، أخذ اليهود يضطهدونه، فأجابهم: "إنِّ أبي يعمل بلا انقطاع، وأنا أيضاً أعمل. فازداد اليهود لذلك طلباً لقتله، ليس فقط لأنه كان ينقض السبت بل أيضاً لأنه كان يدعو الله أباه، مساوياً نفسه بالله. فأجاب يسوع وقال لهم: الحق أقول لكم: ان الابن لا يستطيع من نفسه أن يعمل شيئاً إلا ما يرى الآب يعمله، فما يفعله هذا، يفعله الابن كذلك. لأن الآب يحبّ الابن ويريه جميع ما يفعل، وسيريه أعمالاً أعظم من هذه فتأخذكم الدهشة. فكما أن الآب ينهض الأموات ويحييهم، كذلك الابن أيضاً يحيي مَن يشاء" (يو 5: 17- 21).
ونسمع يسوع يقول في بدء صلاته لأجل الوحدة: "يا أبتاه، لقد أتت الساعة! فمجّد ابنك لكي يمجّدك ابنك، ويعطي -وقد قلّدته السلطان على كل بشر- الحياة الأبدية لجميع الذين أعطيتهم له" (يو 17: 1، 2).
ان الآب قد أعطى الابن السلطان على كل بشر. لذلك لا يصنع الابن إلاّ إرادة الآب: "اني قد نزلت من السماء، لا لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني. ومشيئة الذي أرسلني أن لا أتلف شيئاً ما أعطاني، بل أُقيمه في اليوم الأخير. مشيئة أبي أن تكون لكل من يرى الابن ويؤمن به الحياة الأبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير" (يو 6: 38- 40).
ويوجز يسوع وحدته مع الآب بالعبارتين التاليتين: "أنا والآب واحد" (يو 10: 38)، و"مَن رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9).

و) يسوع هو "الكلمة"
"في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله... والكلمة صار جسداً وسكن في ما بيننا. وقد شاهدنا مجده: مجداً من الآب لابنه الوحيد، الممتلئ نعمة وحقاً" (يو 1: 1، 2، 14).
إلى جانب الألقاب التي يستعملها سائر الانجيليين، يدعو يوحنا يسوع "الكلمة". وقد جمع في هذا اللقب كل ما قاله العهد القديم عن "كلمة الله" و"حكمة الله"، ولا سيمَا في سفر الحكمة (7: 21- 30؛ 9: 9- 12)، وسفر الأمثال (8: 22- 36)، وسفر يشوع بن سيراخ (24: 1- 25). فحكمة الله كانت لدى الله قبل خلق الكون، وقد أرسلها الله إلى الأرض لتكشف أسرار إرادته الإلهية، ثم تعود إليه بعد إتمام رسالتها كما يقول أشعيا النبي: "كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجع إلى هناك بل يروي الأرض ويجعلها تنشئ وتنبت لتؤتي الزارع زرعاً والآكل طعاماً، كذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليّ فارغة بل تتمّ ما شئت وتنجح في ما أرسلتها له" (55: 10، 11). هكذا يعبّر يوحنا عن دور المسيح الكلمة. "فالكلمة كان لدى الله" قبل خلق العالم، "وبه خُلق كل شيء". وقد أرسله الله إلى العالم ليخلّص العالم (3: 17). "والذي أرسله الله ينطق بكلمة الله" (3: 34). وبعد إتمام رسالته سيعود إلى الآب (8: 21- 37).
ما يعنيه يوحنا في لقب "الكلمة" مماثل لما أراد إظهاره العهد الجديد في لقب "ابن الله". فكما أن "الابن" هو أصدق صورة "للآب"، كذلك "كلمة" الله أصدق تعبير لله ولفكره ولإرادته. لذلك يقول يسوع: "مَن نبذني ولم يقبل أقوالي فله ديّانه: الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الأخير، لأني لم أتكلم من نفسي، بل الآب الذي أرسلني هو حدّد لي ما أقول، وما أُبشِّر به، وأعلم أن وصيته حياة أبديّة. فما أقول إذاً إنّما أقوله على حسب ما أوصاني به أبي" (يو 12: 48- 50). إنّ الذي رآه الرسل وسمعوه وعاشوا معه ليس مجرّد إنسان تلقّى رسالة خاصة من الله. انه "كلمة الحياة"، انه "الحياة التي ظهرت" (1 يو 1: 1- 3). "والكلمة هي الله" (يو 1: 1)، والحياة مرادف لله. فيسوع اذاً هو ظهور الله في الجسد.
خاتمة
في ختام هذا البحث عن سرّ شخص يسوع كما يبدو لنا من خلال العهد الجديد، نوع الإصرار مرة أخرى على ما يؤكّده العهد الجديد في كل سفر من أسفاره وفي كل صفحة من صفحاته بالنسبة إلى يسوع، أعني العلاقة الوثيقة التي تربطه بالله. وتلك العلاقة هي التي توجز في النهاية سرّ يسوع وشخصه. فيسوع إنسان مرتبط بالله في صميم رسالته وعمق كيانه. ولا فرق، في شخص يسوع، بين رسالته وكيانه. فرسالته هي كيانه وكيانه هو رسالته. وهذا ما لا يصحّ عند سواه من البشر ولا حتى عند الأنبياء. فكل إنسان له كيانه الخاص به، ثم يتلقّى من الله رسالة مستقلّة عن كيانه، فإمّا يرفضها وإمّا يقبلها. أما في يسوع فالرسالة والكيان أمران متماثلان. ان رسالته هي إعلان إرادة الله وإظهار محبة الله وإنشاء ملكوت الله، وإنّ كيانه هو تعبير عن إرادة الله وإظهار محبة الله وهو نفسه ملكوت الله. هذا هو المعنى العميق للألقاب التي يدعو بها العهد الجديد يسوع: المسيح ابن البشر، ولا سيمَا الرب وابن الله والابن والكلمة.
فالله إذاً قد أوحى بذاته إلى العالم بشكل نهائي في شخص ابنه يسوع المسيح الذي هو صورة جوهره وكلمته الأزلي، والذي يعبّر عن كيانه أصدق تعبير. فالله عمل في شخص ابنه الذي فيه ظهرت محبة الله اللامتناهية، والله تكلّم في شخص كلمته الذي فيه عرفنا إرادة الله النهائية وفيه سبرنا أعماق الوجود. لذلك يقول يسوع: "مَن رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9)، و"أنا والآب واحد" (يو 10: 38)، ولذلك يقول يوحنا الانجيلي: "كل من ينكر الابن ليس له الآب، ومن يعترف بالابن له الآب أيضاً" (1 يو 2: 23)، ولذلك يسوع هو "الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6) والنور والفداء والخلاص، و"الألف والياء، والأول والآخر، والمبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13). تلك الوحدة في الرسالة بين الابن والآب تصبح في انجيل يوحنا وحدة في الكيان: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله" (يو 1: 1). فوجود "الكلمة عند الله" يعني تمييزاً في الأشخاص بين الكلمة والله. إلا أن هذا التمييز لا يدخل انقساماً في الله، وهذا ما تعنيه العبارة: "وكان الكلمة الله".
إلى هذا الحدّ يصل مفهوم العهد الجديد لشخص يسوع المسيح. وانطلاقاً من هذا المفهوم ستتابع المجامع المسكونية تقصّيها لسرّ المسيح، لتعلن في وجه البدع والهرطقات أن يسوع انسان حق وإله حق، وان فيه طبيعتين، طبيعة إلهية وطبيعة انسانية، وان كلتا الطبيعتين متّحدة في أقنوم واحد هو أقنوم الابن، الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس. كيف وصلت المجامع المسكونية إلى تلك التحديدات والعقائد؟
هذا ما سيكون موضوع بحثنا في الفصل السادس.
توطئَة

رأينا في الفصل السابق أن العهد الجديد يرى في يسوع إنساناً حُبِل به من الروح القدس في أحشاء مريم العذراء ووُلد وترعرع وعلّم وصنع المعجزات ثم صُلِب ومات وقام. وتعلن جميع أسفار العهد الجديد أن هذا الانسان هو نفسه المسيح المنتظر وابن البشر الذي أرسله الله في ملء الأزمنة لينشئ ملكوت الله، وتشهد أن هذا الانسان الذي عاش في الزمن هو ابن الله وكلمة الله الكائن منذ الأزل مع الله.
فيسوع إذاً هو إله وإنسان في آن واحد. ولكن كيف يتّحد الانسان والاله في شخص واحد؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي حاول اللاهوتيون وآباء الكنيسة الإجابة عليه منذ القرون المسيحية الأولى، فكتبوا مقالات كثيرة وعلّموا في جميع كنائس الشرق والغرب. وتبيّن للبعض أن تعاليم البعض الآخر حول المسيح يسوع قد حادت عن الايمان القويم، فاتهموهم بالهرطقة. ولحسم الخلافات القائمة بين هؤلاء وأولئك عقدت المجامع المسكونية، وهي مؤتمرات دينية يجتمع فيها أساقفة من كنائس المسكونة كلها في الشرق والغرب لتحديد عقائد الايمان المسيحي. وكان كل مجمع مسكوني يصدر وثائق يعلن فيها إيمان الكنيسة القويم وعقائدها الثابتة، ويرشق بالحرم تعاليم المبتدعين والهراطقة.
لذلك يمكننا القول ان عقائد الايمان التي أعلنتها المجامع المسكونية الأولى كانت كلها، في صياغتها وتعابيرها، موجّهة ضد الهراطقة. ولو لم تقم في الكنيسة بِدَع وهرطقات لاكتفت الكنيسة في تعاليمها بتعاليم المسيح والرسل كما وردت في مختلف أسفار العهد الجديد. إلاّ أنّ البدع والهرطقات التي ظهرت منذ نشأة الكنيسة أرغمت أساقفة الكنيسة ومعلّميها علىِ توضيح تعاليم المسيح والرسل في صيغ وتعابير جديدة. وقد كان هذا التوضيح ضرورياً للإحاطة بسرّ يسوع المسيح الانسان والإله وتحديد أبعاد إنسانيته وأُلوهيته.
لا بد من الاشارة إلى أن المجامع المسكونية لم تدخل شيئاً جديداً على إيمان المسيح والرسل كما ورد في أسفار العهد الجديد. إلاّ أنّها عبّرت عن هذا الإيمان بطُرُق جديدة. فبينما اقتصر العهد الجديد على إظهار يسوع يتصرف في حياته كإنسان وإله، أوضحت المجامع المسكونية كيف يتّحد العنصران الانساني والالهي في شخص يسوع الواحد، فأدخلت في العقائد الإيمانية ألفاظاً فلسفية استقتها من الفلسفة اليونانية السائدة آنذاك، كالأقنوم والشخص والطبيعة والجوهر، وقالت ان المسيح هو شخص واحد في طبيعتين، طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية.
إلاّ أنّ تلك الألفاظ لم يكن لها المعنى ذاته في جميع المدارس الفلسفية المنتشرة في أنحاء العالم المسيحي. وقد حدث مراراً أن اتهمت الكنائس بعضها بعضاً بالهرطقة، مع أن الخلاف بينها لم يكن على الايمان بل على الألفاظ والتعابير. إلى جانب هذا الاختلاف في الألفاظ، لا شك أنه كانت هناك بِدعَ حقيقية وتيّارات فكرية خاطئة حرمتها المجامع المسكونية في إعلانها عقائد الإيمان القويم.
لذلك يجب التمييز، في ما أعلنته المجامع المسكونية، بين أمرين: فهناك أولاً الإيمان الذي لا يمكن أن نحيد عنه، وهو نفسه إيمان المسيح والرسل في جميع أسفار العهد الجديد، وهناك ثانياً الألفاظ والتعابير التي فرضتها المجامع المسكونية، وقد اعتبرتها الأدقّ والأصحّ من بين جميع الألفاظ والتعابير المتداولة في زمانها للتعبير عن هذا الإيمان. فتلك الألفاظ والتعابير يمكن مجامع مسكونية أخرى إعادة النظر فيها وتطويرها وفقاً لتطوّر المفاهيم الفلسفية على مدى التاريخ.
ما هو إيمان المجامع المسكونية في ما يختص بيسوع المسيح؟ وما هي الألفاظ والتعابير التي اختارتها للتعبير عن هذا الإيمان؟
القِسم الأول
يسوع المسيح إنسان حقيقي

1- يسوع هو الكلمة المتجسّد
"الكلمة صار جسداً وسكن في ما بيننا" (يو 1: 14). بهذه العبارة يؤكد يوحنا أن يسوع هو إنسان حقيقي. ولفظة "جسد" تعني هنا الانسان بكامله، وليس فقط جسد الانسان دون نفسه. فعبارة "صار جسداً" تعني صار إنساناً أو، بترجمة أدقّ، "صار بشراً". فإن اللفظة اليونانية المستعملة هنا هي لفظة ، وهي ترجمة اللفظة العبرية "بَسَر" التي يقابلها بالعربية "بشر". فما يريد يوحنا تأكيده هو أن كلمة الله الكائن منذ الأزل عند الله قد دخل في عالمنا وأصبح بشراً وإنساناً مثلنا، "فسمعناه، ورأيناه بأعيننا، وتأملناه، ولمسته أيدينا"، كما يقول في مستهلّ رسالته الأولى الجامعة (1: 1). ويجعل الايمان بتجسّد الكلمة العلامة المميّزة للإيمان الذي يسير بحسب روح الله. فيقول في رسالته الأولى: "أيها الأحباء، لا تركنوا الى كل روح، بل اختبروا الأرواح هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا الى العالم. بهذا تعرفون روح الله: ان كل روح يعترف بأن يسوع المسيح قد أتى في الجسد، هو من الله؛ وكل روح لا يعترف بيسوع ليس من الله، بل هذا روح المسيح الدجّال الذي سمعتم أنه يأتي؛ إنه، الآن، في العالم" (4: 1- 3). ويعود الى الفكرة ذاتها في رسالته الثانية فيقول: "انه قد انتشر في العالم مضلّون كثيرون، لا يعترفون بيسوع المسيح الذي أتى في الجسد".


المظهرية (docétisme)
يبدو أن يوحنا يشير في قوله هذا الى فريق من "الغنوصيين" أو "أصحاب المعرفة"، الذين انتشروا بين المسيحيين منذ نهاية القرن الأول. والمعرفة، في رأي هؤلاء المبتدعين الذين يعود أصلهم الى ما قبل المسيحية، لا يصل إليها الإنسان إلا إذا تخلّى عن عالم المادة والجسد، الذي كانوا يعتبرونه عالماً فاسداً في جذوره. لذلك رفضوا الإيمان بأنّ المسيح كان له جسد حقيقي، بل كانوا يعتقدون أنه اتخذ "مظهر جسد" أو "شبه جسد"، لذلك دعوا "بالمظهريين" أو "الشبهيين" (docétes)
ان تجربة المظهرية رافقت الفكر المسيحي على مدى العصور، ولا تزال قائمة في أذهان كثيرين من المسيحيين، حتى في عصرنا الحاضر. فيسوع، في نظر هؤلاء المسيحيين، إله يمشي على الأرض مستتراً في شبه جسد بشري. لذلك لم يحتمل مشاقّ الطبيعة البشرية كما يحتملها سائر الناس. وإن جاع وعطش وتعب وتعذّب، فكونه إلهاً يجعله يحتمل كل تلك المصاعب دون أيّ ألم.
القديس اغناطيوس الانطاكي
لقد قاوم آباء الكنيسة منذ القرون الأولى ذلك التيار الفكري في مختلف مظاهره. فالقديس اغناطيوس الانطاكي يؤكّد أن إنكار حقيقة بشرية المسيح هو في الوقت نفسه إنكار حقيقة الفداء، لأنه إن لم يكن ليسوع سوى جسد ظاهري، فهو لم يتألّم إلاّ ظاهرياً، ونحن لم نحصل على الفداء إلاّ في الظاهر؛ وكذلك تصبح الافخارستيا مجرّد مظهر؛ ويصبح بذلك مناقضاً للعقل أن نتألم في الجسد لأجل يسوع ونحتمل لأجله الاضطهاد، فكل شيء يتلاشى في تلك الظواهر. لذلك يدعو اغناطيوس المسيح "حامل الجسد".

القديس ايريناوس
يعود القديس ايريناوس، أسقف ليون، الى الموضوع نفسه، ويستند في تفكيره الى المبدأ التالي الذي سوف عبده في كل التقليد اللاحق: "إن المسيح، لأجل محبته اللامتناهية، قد صار مثلنا لكي يجعلنا مثله". فالمسيح هو قمة التاريخ البشري ومثال الإنسان الجديد. لذلك عاش في جسده وفي حياته البشرية جميع مراحل تطور الحياة البشرية من الطفولة حتى كمال الله.

2- التجسّد يفرض وجود نفس بشرية في المسيح
لا نجد في العهد الجديد أي تساؤل أو شك حول وجود نفس بشرية في المسيح. على العكس من ذلك فالأناجيل تؤكد وجود تلك النفس في المسيح، ولا سيمَا عندما تصفه وهو يعبّر عن عواطفه، كالفرح (لو 10: 21)، والصداقة (يو 11: 3؛ مر 10: 21)، والشفقة (متّى 9: 36؛ 15: 32)، والحزن حتى البكاء (لو 19: 41، 42؛ يو 11: 33)، والغضب (متّى 16: 23؛ مر 3: 5؛ يو 2: 15)، وكلها عواطف تصدر عن النفس البشرية.
وكذلك يتحدّث الانجيليون عن طاعة يسوع وخضوعه لإرادة الآب. فالكلمة الأولى التي يضعها إنجيل لوقا على فمه هي قوله لمريم ويوسف عندما طلباه ووجداه في الهيكل وسط العلماء: "لمَ تطلبانني؟ ألم تعلما أني ملتزم بشؤون أبي؟" (لو 2: 49). والكلمة الأخيرة قبل موته هي صلاته للآب: "يا أبتاه، في يديك أستودع روحي" (لو 23: 46). ويذكر الانجيليون انه كان يصلّي مراراً (مر 1: 35)، بل يقضي ليالي في الصلاة (لو 6: 12) ويصفونه في نزاعه في بستان الزيتون "يرتاع ويكتئب" (مر 14: 33)، إلاّ أنه يستسلم بملء حريته لإرادة الآب: "أبّا، أبتاه! إنّ كل شيء ممكن لديك، فأجِزْ عني هذه الكأس! ولكن، ليس ما أريد أنا، بل ما تريد أنت!" (مر 14: 36).
لقد عرف يسوع كل شيء من الطبيعة البشرية ما عدا الخطيئة، كما تقول الرسالة الى العبرانيين: "ان الحبر الذي لنا ليس عاجزاً عن الرثاء لأسقامنا، بل هو مجرّب في كلّ شيء، على مثالنا، ما خلا الخطيئة" (عب 4: 15).
إن إنكار النفس البشرية في المسيح قد دعا اليه في القرن الرابع آريوس الاسكندري وأبوليناريوس أسقف اللاذقية. فآريوس قد اشتهر برفضه أزلية الكلمة وبالتالي ألوهية المسيح ومساواته للآب في الجوهر، إلاّ أنّه ادّعى أيضاً أن الكلمة قد حلّ في المسيح محلّ النفس البشرية. أما أبوليناريوس أسقف اللاذقية فكان يؤمن بألوهية المسيح، إلاّ أنّه في تفسيره لوحدة الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في شخص المسيح، اعتقد أن تلك الوحدة لا يمكن أن تتمّ إلاّ اذا اعتبرنا أن الكلمة قد اتخذ جسداً بشر دون نفس بشرية. ثم عدّل موقفه في كتاباته الأخيرة فاستخدم تقسيم أفلاطون للإنسان ثلاثة عناصر: الجسد، والنفس الحسيّة المشتركة بين الإنسان والحيوان ( )، والنفس الروحية أو العاقلة الخاصة بالإنسان ( ). وقال ان الكلمة اتخذ من الطبيعة الانسانية الجسد والنفس الحسّيّة، لكنه لم يتخذ النفس الروحية. واستشهد بقول يوحنا الانجيلي: "الكلمة صار جسداً"، وليس "الكلمة صار روحاً". وفي تفسير نظريته استند أولاً إلى مبدأ فلسفي يقول بأنه يستحيل على جوهرين كاملين أن يتحدا فيصيرا كائناً واحداً. ودعم حجته ببرهان لاهوتي يذهب إلى أنّ المسيح لو كان له نفس بشرية روحية، لتعرّض للخطيئة واستحال عليه فداء البشرية.
فلضمان قداسة المسيح، اعتبر أبوليناريوس الإله الكلمة المبدأ والمحرّك الأوحد لجميع أعمال المسيح وتصرّفاته البشرية. فالفداء، في نظره، هو فقط عمل الإله الكلمة في المسيح، أما الطبيعة الانسانية فكانت مجرّد ثوب لبسه الكلمة ليقوم بعمله الخلاصي.
إن تفسير أبوليناريوس للتجسّد والفداء مبني على نظرة خاطئة لعلاقات الله والانسان في العالم. فبموجب تلك النظرة، هناك تناقض جذري بين عمل الله وعمل الإنسان وبين حرية الله وحرية الإنسان، بحيث لا يمكن أن يوجدا معاً. وعندئذٍ يحلّ الله محلّ الانسان، ويفقد الانسان حريته وقيمة عمله.
لقد رفضت الكنيسة نظرة أبوليناريوس وحرمت تعاليمه في عدّة مجامع ولا سيّمَا في مجمع خلقيدونية المنعقد سنة 451، حيث أعلنت أن المسيح "إله حق وإنسان حق مكوّن من نفس عاقلة وجسد، وانه مساوٍ للآب في اللاهوت ومساوٍ لنا في الناسوت، وقد صار بشراً مثلنا في كل شيء ما خلا الخطيئة". وسنعود الى هذا النصّ العام في القسم الثالث من هذا البحث.
وقد فسّر آباء الكنيسة رفضهم لتعاليم أبوليناريوس بقولهم ان فداء الجسد لا يمكن أن يتمّ إلا بواسطة جسد المسيح، وكذلك فداء النفس لا يمكن أن يتمّ إلا بواسطة نفس المسيح. في هذا يقول أوريجانيس: "لو لم يكن المسيح إنساناً كاملاً، لاستحال خلاص الانسان بكامله". وكذلك يقول القديس غريغوريوس النزينزي: "ان أيّ شيء فينا لا يمكن أن يشفى ويخلص إلا باتحاده بالله". لذلك لو لم يتّخذ كلمة الله في شخص يسوع المسيح نفساً بشرية روحية، لمَا خلصنا في كياننا الروحي.
وعلى برهان أبوليناريوس الفلسفي من أن جوهرين كاملين، أي الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية، لا يمكن أن يتحدا في كائن واحد، أجاب آباء الكنيسة واللاهوتيون على مدى العصور أنّ الطبيعة الانسانية ليست جوهراً منغلقاً على ذاته، إنما تتضمّن من صلب كيانها انفتاحاً على ما يتخطّاها، وهذا الانفتاح هو من خصائص النفس لا من خصائص الجسد، لذلك لا يمكن أن يتّحد الكلمة بجسد بشري تنقصه نفس بشرية، لأن الجسد وحده دون النفس لا يستطيع أن ينفتح على ما يتخطّاه؛ فالنفس البشرية هي إذاً عنصر أساسي لا بدّ من وجوده في المسيح لكي يتمّ فيه اتحاد الكلمة بالطبيعة الانسانية.
القِسم الثَاني
يسوع المسيح إله حقيقي

سنة 325 أعلن الآباء الملتئمون في مجمع نيقية إيمانهم "برب واحد يسوع المسيح، إبن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر". وكان هذا الإعلان لألوهية المسيح جواب الكنيسة الرسمي في أول مجمع مسكوني على نقاشات حادّة دارت بين اللاهوتيين حول تعاليم آريوس الاسكندري الذي كان يقول ان كلمة الله الذي صار إنساناً في شخص يسوع المسيح ليس أزلياً ولا مساوياً للآب في الجوهر، إنما هو أول خليقة خلقها الله.
لم تكن بدعة آريوس البدعة الوحيدة التي أنكرت ألوهية المسيح في القرون المسيحية الثلاثة الأولى، لكنها حلقة هامة من سلسلة طويلة رافقت تاريخ المسيحية منذ نشأتها. لا نستطيع في هذا البحث التبسّط في تاريخ كل تلك البدع وتعاليمها، لأن هذا يتطلّب عدّة مجلّدات ولا يهمّ إلا الأخصّائيين. فرأينا أن نجمع تعاليم المبتدعين الذين أنكروا ألوهية المسيح في ثلاثة تيارات أو اتجاهات عقائدية خاطئة حرمتها الكنيسة إذ رأت أنها، في عرضها لسرّ المسيح وعلاقته بالله الآب، قد شوّهت تشويهاً جسيماً وجه المسيح ووجه الآب.

1- الشكلانية (Modalisme)
الاتجاه الأول أراد المحافظة على وحدانية الله ووحدانية مبدأ الكون، لكنه رأى أن تلك الوحدانية لا يمكن أن تثبت إذا آمنّا بوجود ثلاثة أقانيم في الله؛ لذلك اعتقد أن الثالوث الأقدس ليس في الواقع إلا أقنوماً واحداً ظهر لنا في ثلاثة أشكال أو أحوال: حال الآب، وحال الابن، وحال الروح القدس. وعليه دعيت تلك البدعة "الشكلانية" أو "الحالانية" (modalisme)، أو بدعة المبدأ الواحد (Monarchianisme)
فالتمييز في الله، بموجب تلك البدعة، ليس بين أقانيم متساوية في الجوهر؛ بل بين أحوال وأشكال ثلاثة اتخذها الإله الواحد في الزمن. لذلك نستطيع أن نخلع عليه ثلاثة أسماء، فندعوه تارة الآب لأنه مبدأ الكون وخالقه، وتارة الابن لأنه تجسّد وصار إنساناً، وتارة الروح القدس لأنه يملأنا بحضوره.
لقد انتشرت هذه البدعة في آسية الصغرى ورومة وشمالي أفريقية في أواخر القرن الثاني وفي النصف الأول من القرن الثالث. ومن أهم دعاتها نوئيطوس الذي بشّر في أزمير بين سنة 180 وسنة 200، وبراكسياس الذي نشر تعاليمه في قرطاجة ورومة، وصابيليوس أسقف بطوليمَائيس في الخمس المدن، وقد كان له تلامذة كثيرون في رومة، ودُعيت البدعة نفسها أيضاً باسمه: الصابيلية.
نجد دحضاً لتعاليم نوئيطوس في كتاب "دحض جميع الهرطقات" المنسوب إلى القديس ايبوليتوس الروماني (170- 235)، ودحضاً لتعاليم براكسياس في كتاب لترتوليانوس عنوانه "ضد براكسياس". ويذكر المؤرّخ افسافيوس أسقف قيصرية في كتابه "تاريخ الكنيسة" (7: 6) أن ديونيسيوس أسقف الاسكندرية (190- 264) كان ينعت أصحاب تلك البدعة بالتجديف والكفر وعدم الاحترام للآب والابن والروح القدس. كما نجد ذكر الصابيلية بين البدع التي يجب نبذها، في القانون الأول من قوانين المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381، وكانت تلك البدعة قد فقدت عندئذٍ قوّتها كتنظيم خاص، إلاّ أنّ آراءها كانت لا تزال شائعة عند بعض فئات من الناس.
لماذا حرمت الكنيسة تلك البدعة؟ وماذا نستطيع أن نستنتج من هذا الحرم بالنسبة الى إيماننا بالمسيح؟
يقوم ضلال تلك البدعة على أنها لم تميّز في الله بين الأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد. اعترفت بألوهية المسيح، لكنها قالت ان المسيح هو نفسه الله الآب. وينتج من هذا القول أن الآب نفسه هو الذي تجسّد في الزمن في أحشاء مريم العذراء ووُلد منها طفلاً وتألّم وصُلب ومات وقام، ممّا يناقض مناقضة صريحة كل تعاليم العهد الجديد حول المسيح والآب. فالمسيح الذي عاش على الأرض هو ابن الله الذي جاء ليتمّم في حياته إرادة أبيه؛ والابن والآب أقنومان أو شخصان متميزان؛ والابن هو الذي، تتميماً لإرادة الآب، قبل الألم والصلب والموت؛ أما الآب فبقي منزّهاً عن الجسد والألم والموت.
إنّ ما أكّدته الكنيسة في رفضها تعاليم تلك البدعة، وما يجب أن نؤكّده اليوم أيضاً، هو سموّ الله وتعاليه في سرّ التجسّد. فالله "هو هو أمسِ واليوم وإلى الأبد"، لا يمكن أن يتحوّل فيصير من حال إلى حال، ولا أن يتغيّر فينتقل من شكل الى شكل. هذا ما تعلنه المسيحية في رفضها القول بتجسّد الآب. وفي هذا تتّفق مع سائر الديانات التي تؤمن بالإله الواحد، كاليهودية والإسلام، إلاّ أنّها تدخل كثر من تلك الديانات في سرّ الله، فتؤكّد، إلى جانب سموّ الله وتعاليه، قربه من الانسان. والله لم يقترب من الانسان فقط، كما في اليهودية والاسلام، بما أوحاه إلى أنبيائه وبالكلام الذي تكلّم به على ألسنتهم، فالمسيحية تؤمن أن اقتراب الله من الانسان هو اقتراب شخصي. فكلمة الله هو نفسه صار بشراً، والكلمة هو شخص في الله: انه الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. وهذا الأقنوم هو الذي أخذ من مريم العذراء طبيعة بشرية وصار إنساناً خاضعاً مثلنا للألم والموت.
إلاّ أن المسيحية تعود فتؤكّد، في شخص المسيح أيضاً، سموّ الله، فتقول ان المسيح لم يخضع للألم والموت إلا في طبيعته البشرية. وهذا ما ستوضحه الكنيسة في المجامع اللاحقة التي سنأتي على ذكرها في القسم الثالث من هذا البحث.

2- التبنّويّة (Adoptianisme)
الاتجاه الثاني الخاطئ الذي يؤدّي إلى إنكار ألوهية المسيح انطلق أيضاً من التمسّك بوحدانية الله، فأنكر الثالوث الأقدس، واعتقد أن يسوع المسيح ليس سوى إنسان تبنّاه الله ومنحه سلطة إلهيّة لتتميم رسالته.
لقد سار في هذا الاتجاه منذ القرن الأول بعض النصارى من اليهود، الذين آمنوا أن يسوع هو المسيح، لكنهم رفضوا الاعتراف بأنه ابن الله المولود من الآب منذ الأزل. ومن بين هؤلاء اليهود النصارى يذكر القديس ايريناوس في القرن الثاني بدعة الابيونيين الذين كانوا يقولون ان يسوع هو مجرّد إنسان وُلد من مريم ويوسف، وانه كان أقدس جميع الناس، وقد حلّ عليه في أثناء معموديته كائن سماوي هو المسيح. وتلك البدعة لم تكن تعترف إلا بإنجيل متّى، وكانت تعتبر بولس الرسول كافراً وترفض كل رسائله وتعاليمه، وتلتزم جميع تعاليم الناموس الموسوي ووصاياه.
وفي أواخر القرن الثاني، دعا أيضاً إلى إنكار ألوهية المسيح ثيوذوتس البيزنطي الذي جحد إيمانه في أثناء اضطهاد حدث ضد المسيحيين، فهرب من بيزنطية والتجأ إلى رومة؛ ولتبرير جحوده قال انه لم ينكر إلهاً، بل أنكر إنساناً، لأن المسيح ليس سوى إنسان.
وأشهر القائلين ببدعة التبنوية، وقد دُعيت كذلك لأنها تقول ان يسوع هو مجرّد إنسان تبنّاه الله، بولس السميساطي الذي نشأ في "ساموساطة" في ما بين النهرين على الفرات، ثم صار أسقفاً على انطاكية من سنة 260 حتى سنة 272، حين حرمه مجمع محلّي وأقاله عن كرسيّه. وكان يقول ان الله والكلمة شخص واحد كالانسان الذي يكوّن هو وفكره شخصاً واحداً. أما يسوع فاعتبره مجرّد إنسان متّحد بالله اتحاداً عرضياً. فالله قد ملأه، اكثر من سائر الأنبياء، من الحكمة الإلهية والقوة الإلهية. فلا مانع إذاً من أن ندعوه إلهاً، ولكن ليس بصورة بيانية. لذا كان أتباع بولس السميساطي يذكرون اسم الآب والابن والروح القدس في إتمام سرّ المعمودية، ولكنهم لم يستعملوا تلك الكلمات بمعناها الحقيقي. لذلك حدّد القانون 19 من قوانين المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325: "ان أتباع بولس السميساطي اللاجئين الى الكنيسة الجامعة، يجب أن تعاد معموديتهم".
إن ما أرادت الكنيسة تأكيده في رفضها تعاليم بدعة التبنّوية هو أنّ يسوع ليس مجرّد إنسان. لو كان يسوع فقط إنساناً مثلنا، لكان أيضاً مثلنا في علاقته بالله. وعندئذٍ يمكننا أن نتسائل: لماذا نتبعه هو، ولا نتبع معلماً آخر؟ ولماذا نبشّر به وندعو الناس إلى أن يعتمدوا باسمه؟ يعلن الايمان المسيحي أن علاقة الانسان بالله يجب أن تمرّ بالمسيح، لأنّ المسيح لم يكن مجرّد إنسان كسائر الناس، ولا مجرّد نبيّ كسائر الأنبياء، واتحاده بالله لم يكن اتحاداً عرضياً، بل كان اتحاداً جوهرياً: انه من ذات جوهر الآب. وهذا ما ستؤكده الكنيسة بوضوح في رفضها تعاليم آريوس.

3- الآريوسية
بدعة آريوس
اتخذت الآريوسية اسمها من الكاهن المبتدع آريوس. كان ليبيّ المنشأ، وتعلّم في مدرسة انطاكية لدى لوكيانوس الشهير، ثم انتقل إلى مصر حيث رُسم كاهناً سنة 310، وأصبح خادماً لإحدى كنائس الإسكندرية، وبسبب تعاليمه المناقضة للإيمان القويم، حرمه مجمع محلّي عُقد في الاسكندرية سنة 320 برئاسة الاسكندر أسقف تلك المدينة، فالتجأ الى نيقوميذية حيث كان أسقفاً صديقه أوسابيوس المؤرخ، وألّف هناك، لنشر تعاليمه، كتاب "الوليمة"، وهو مزيج من النثر والشعر والأناشيد الدينية الشعبية. وانتشرت أفكاره وتعاليمه في مختلف كنائس الشرق والغرب، وانقسم المسيحيون بين مساند له ومناوئ. فالتأم في نيقية سنة 325 المجمع المسكوني الأول وحرم بدعته، فنفاه عندئذ الامبراطور قسطنطين، إلاّ أنّه عاد فعفا عنه بعد بضع سنوات. لكن اثناسيوس أسقف الاسكندرية رفض استقباله، فحصل له أتباعه أن يلتحق بإكليروس القسطنطينية، إلاّ أنه توفي سنة 336 قبل دخوله المدينة.
إنّ تعاليم آريوس يمكن إيجازها في النقاط التالية:
ء) إنّ الله واحد أحد، أزلي غير مولود، وكل ما سواه من الكائنات مخلوق من العدم بإرادته الحرة.
ب) إنّ الكلمة كائن وسط بين الله والخلائق؛ فالله قد خلقه من العدم قبل سائر الخلائق، ثم أعطاه أن يخلق جميع المخلوقات؛ لذلك نستطيع أن ندعوه إلهاً، فهو إله ثانٍ أدنى من الله. وهذا التمييز بين الإله الأول والإله الثاني، استقاه آريوس من الفلسفة الأفلاطونية.
ج) كذلك نستطيع أن ندعو الكلمة "ابن الله" أو "مولوداً من الله"، الاّ أنّ تلك البنوّة الالهية ليست في الواقع إلا تبنّياً. فالكلمة ليس من جوهر الله، إنما تبنّاه الله منذ خلَقه، استباقاً لاستحقاقاته. وفكرة التبنّي هذه أخذها آريوس عن بولس السميساطي.
د) إنّ الكلمة، بما أنّه مخلوق، فهو معرّض من طبيعته للخطيئة، لكنه في الواقع استطاع أن يحيا حياة قداسة وكمال ولم يسقط قط في الخطيئة. فهو أدنى من الله، ولكنه أقدس جميع الخلائق، ولا يمكن أن يُخلق كائن أعلى منه.
هـ) إنّ الروح القدس هو أوّل خلائق الكلمة، وهو أيضاً ليس من جوهر الله.

مجمع نيقية
سنة 325 التأم في نيقية حوالى 300 أسقف، وحكموا على آريوس وأعلنوا تعاليمه مناقضة للإيمان القويم، وأوجزوا إيمانهم في القسمين الأول والثاني من قانون الإيمان الذي لا نزال نتلوه اليوم، أي من أوّله حتى عبارة "وبالروح القدس". ونلاحظ في معظم التعابير المتعلقة بيسوع المسيح دحضاً لتعاليم آريوس.
فيسوع هو "ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور". وبينما كان يقول آريوس ان الكلمة قد خلقه الله من العدم، يعلن المجمع أنه "مولود غير مخلوق". والفرق كبير بين الخلق والولادة. فالخلق يعني اختلافاً في الجوهر والطبيعة، أمّا الولادة فتعني أن ابن الله هو من ذات جوهر الله.
لذلك يضيف قانون الإيمان أن يسوع المسيح هو "مساوٍ للآب في الجوهر"، أو، ترجمة أدقّ، "واحد مع الآب في الجوهر". والجوهر هنا هو جوهر الألوهة أو الطبيعة الإلهية. فكما أن الآب إله، هكذا الابن أيضاً إله، والآب والابن لهمَا جوهر واحد، أي طبيعة إلهية واحدة.
فالابن واحد مع الآب في الجوهر، إلاّ أنه متميّز عنه في الأقنوم. والأقنوم كلمة سريانية ترجم بها الآباء كلمة اليونانية، وتعني الشخص، أي الكائن الذي يقوم به الجوهر. فالجوهر لا يمكن أن يقوم دون كائن فرد يحمله. فالطبيعة الإنسانية مثلاً لا يمكن أن توجد دون إنسان فرد، دون شخص بشري يحملها، فتقوم به إلى الوجود. كذلك جوهر الله هو واحد، والطبيعة الإلهية هي واحدة. إلاّ أنّ تلك الطبيعة تقوم في ثلاثة أشخاص ندعوهم أقانيم، لأنه بهم يقوم جوهر الله أو الطبيعة الإلهية الواحدة: أقنوم الآب، وأقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس. وأقنوم الابن هو الذي تجسّد في شخص يسوع المسيح.
إن الفرق في النظرة الى يسوع المسيح بين آريوس وآباء نيقية أن آريوس يعتبر المسيح خليقة، فينكر الوهيته وينكر معاً الثالوث الأقدس وتجسّد الله. فالذي تجسّد وصار إنساناً، في رأي آريوس، ليس الله، بل كائن وسط بين الله والإنسان، وفي الواقع كائن أقرب إلى الإنسان منه إلى الله، لأنه مخلوق من الله.
أما آباء نيقية فقد أعلنوا أن الذي ظهر لنا في يسوع المسيح ليس كائناً وسطاً بين الله والإنسان، بل الله نفسه في شخص كلمة الآب الأزلي وابنه الوحيد، الواحد معه في الجوهر.
وهذا ما يجب أن نركّز عليه اليوم، عندما نتكلّم عن ألوهية المسيح. إيماننا بألوهية المسيح ليس اعتقاداً أسطورياً بكائن وسط بين الله والإنسان، نزل في أحد الأيام من أعالي السماء ودخل في إنسان. أن مثل هذا الاعتقاد نجده في بعض الديانات القديمة، وهو لا يمتّ إلى المسيحية بشيء. إيماننا المسيحي هو الإيمان بأن الله نفسه، في كيانه وشخصه، قد حضر إلينا في شخص يسوع المسيح. فمَن رأى يسوع رأى الله، ومَن اتحد بيسوع اتحد بالله، ومَن اعتمد باسم يسوع اعتمد باسم الله.
ولأن الله نفسه قد حضر إلينا في شخص يسوع، فيسوع يستطيع أن يؤلّهنا. هذا هو البرهان الذي ردّده مراراً آباء الكنيسة. فلو اعتبرنا يسوع مجرّد إنسان لاستحال عليه أن يوصلنا إلى الله. ولكن، بما أن يسوع إله، فهو يستطيع أن يوصلنا إلى الله. هذا هو المعنى العميق للعقيدة المسيحية القائلة ان يسوع نفسه الكلمة المتجسّد، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، وانه إله حق وإنسان حق، وانه شخص واحد في طبيعتين، طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية.
كيف يجب أن نفهم العلاقة بين الطبيعتين في شخص يسوع الواحد؟ هذا ما تطرّقت إليه المجامع المسكونية التي تلت مجمع نيقية.
القِسم الثَالث
يسوع المسيح شخص واحد في طبيعتين
طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية

كيف يمكن أن يكون شخص واحد في آنِ معاً إنساناً وإلهاً، إبنَ مريم وإبن الله؟ لقد أجابت الكنيسة على هذا السؤال في ردّها على ثلاث بدع ظهرت تباعًا من القرن الرابع حتى القرن السابع: بدعة نسطوريوس وبدعة أوطيخا وبدعة "المشيئة الواحدة"

أ- البدعة النسطورية
1- نسطوريوس ولقب "والدة الاله" 
ان موضوع وحدة الشخص في المسيح قد طرح بشكل دقيق في معرض النقاش الذي احتدم مع نسطوريوس بطريرك القسطنطينية حول استعمال لقب "والدة الاله" لمريم العذراء. ولد نسطوريوس في مرعش من اعمال سورية على الفرات، ودرس في انطاكية وترهّب فيها. ثمّ انتخب بطريركا على القسطنطينية سنة 428، وراح في عظاته يدافع عن الايمان القويم، ولا سيّمَا ضد اتباع ابوليناريوس وآريوس. ورأى في لقب "والدة الاله" الذي كان يطلق على مريم العذراء في القسطنطينية لقبا خاطئا يقود الى تعاليم هذين المبتدعين: فالقول بأنّ مريم هي "والدة الاله" يسوع يعني أمرين: إمّا أنّ يسوع ليس انسانا كاملا، وهذا ما كان يقوله ابوليناريوس، وإمّا أنّ يسوع هو الله مخلوق، وهذا ما كان يقوله آريوس.
بلغ الخبر القديس كيرلس أسقف الاسكندرية، وكان لقب "والدة الاله" يستعمل أيضاً في تلك المدينة، فراح يداه عن هذا اللقب ويتّهم نسطوريوس بالهرطقة. فقد رأى كيرلس انّ رفض هذا اللقب لوالدة يسوع ينتج منه رفض لوحدة الشخص في يسوع. فيسوع هو شخص واحد، ووحدة الشخص فيه تفرض ان تطلق عليه خصائص الطبيعتين معا: الطبيعة الالهية والطبيعة الانسانية. فيمكننا القول بأنّ ابن الله وُلد من مريم، ونعني بذلك أنه ولد منها بحسب طبيعته البشرية، كما يمكننا القول بأنّ ابن مريم قد خلق الكون، ونعني بذلك انه خلقه بحسب طبيعته الالهية. وهذا ما يدعوه اللاهوتيون "اتصال الخصائص" (Communication des idiomes). وانطلاقا من هذا المبدأ يصحّ القول بأنّ مريم هي والدة الاله، لا لأنّها خلقت الله، أو لأنّها خلقت شخص ابن الله، إذ إنّ هذا الشخص كائن منذ الأزل مع الله وهو الذي خلق مريم، بل لأنّ هذا الشخص الذي اعطته جسدا، وحملته في احشائها مدة تسعة أشهر ثمّ ولدته، هو نفسه ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله والذي صار منها انسانا.
أمّا رفض نسطوريوس وأتباعه تطبيق خصائص الطبيعتين على شخص يسوع فيعني، في نظر كيرلس، الاعتقاد أنّ يسوع ليس شخصا واحدا بل فيه شخصان، شخص إلهي وشخص بشري، متّحدان معا اتحادا خارجيا عرضيا. لذلك اراد كيرلس ان يفرض على خصومه القبول بعبارة "الاتحاد الشخصي" في المسيح بين العنصرين، العنصر الالهي والعنصر الانساني. إلاّ أنّ نسطوريوس وأتباعه رفضوا تلك العبارة، لأنّ لفظة الشخص، بحسب الفلسفة الانطاكية التي كانوا متشرّبينها، تعني "الطبيعة"، والمبدأ السائد في الفلسفة الانطاكية كان أنّ "كل طبيعة كاملة هي شخص". فقول كيرلس بأنّ الاله والانسان اتحدا في يسوع "اتحادا شخصيا" يعني، في نظر نسطوريوس وأتباعه، انهما أصبحا طبيعة واحدة؛ لذلك كانوا يتّهمون كيرلس بالسقوط في بدعة ابوليناريوس. أمّا تطبيق خصائص ابن على شخص واحد فقد رفضوه أيضاً لأنه يقود، في زعمهم، الى القول بأنّ المسيح تألّم ومات في طبيعته الالهية.
لذلك يرى بعض مؤرّخي اللاهوت اليوم أنّ افكار نسطوريوس لم تكن خاطئة، وأنّ خلافه مع كيرلس لم يكن سوى خلاف على الألفاظ. وإنّ ما نبذه مجمع أفسس في البدعة النسطورية ليس بتعاليم نسطوريوس بل التفسير الذي اعطاه كيرلس لتلك التعاليم.

2- مجمع أفسس (431)
مهما يكن من أمر تلك النظرة، فالأزمة النسطورية أرغمت آباء الكنيسة على توضيح إيمانهم في وحدة الشخص في المسيح. وهذا ما صنعوه في المجمع المسكوني الثالث الذي عقد في أَفسس، مدينة العذراء، سنة 431، وأعلنوا خلاله موافقتهم على الرسالة التي كان كيرلس قد بعث بها الى نسطوريوس. وأهمّ ما جاء فيها: "اننا نعترف بأنّ الكلمة صار واحدا مع الجسد، اذ اتّحد به اتحادا شخصيا. فنعبد الشخص الواحد، الابن، والرب، يسوع المسيح. اننا لا نفرق بين الله والانسان ولا نفصل بينهما وكأنّهما اتحدا الواحد بالآخر اتحاد كرامة وسلطة. فهذا القول ليس سوى كلام فارغ. ولا ندعو الكلمة المولود من الله مسيحا آخر غير المسيح المولود من امرأة. انما نعترف بمسيح واحد هو الكلمة المولود من الآب وهو الذي اتخذ جسدا".
أمّا عن العذراء فتقول الرسالة: "بما أنّ العذراء القديسة قد ولدت بالجسد الاله الذي صار واحدا مع الجسد بحسب الطبيعة، فإننا ندعوها والدة الاله".
لقد رافقت هذا المجمع أحداث معقّدة. ففي أواسط حزيران سنة 431، وصل الى أَفسس حوالي مئتي أسقف يمثّلون جميع الكنائس، ما عدا وفد أنطاكية الذي كان يرئسه يوحنا بطريرك انطاكية، ومندوبي بابا رومة الذين تأخروا في السفر. وفي 22 حزيران، إذ كان موعد افتتاح المجمع قد انقضى، دعا كيرلس الاسكندري الاساقفة الحاضرين الى مباشرة اعمال المجمع. ودعي نسطوريوس الى الحضور ثلاث مرات، فرفض. فقرئ قانون ايمان نيقية ثم رسالة كيرلس الى نسطوريوس فجواب نسطوريوس فوافق الآباء على رسالة كيرلس وحكموا على نسطوريوس واعلنوا في اليوم نفسه إقالته عن كرسيّه.
وبعد بضعة ايام قدم يوحنا مع اساقفة انطاكية، وقد كانوا من محبّذي نسطوريوس. وفي 26 حزيران حكموا على كيرلس لكونه تصرّف خلافا للشرع الكنسي، ورأوا في اقواله سقوطا في ضلال ابوليناريوس وآريوس.
وفي أوّل تموز وصل مندوبو البابا. وبعد سماعهم محضر جلسة 22 حزيران وافقوا على كل ما جاء فيها وثبّتوا الحكم على نسطوريوس. ومن ثمّ حرم المجمع يوحنا بطريرك انطاكية. وإزاء هذا البلبال أمر الامبراطور بإقفال المجمع وتوقيف كيرلس ونسطوريوس معا. إلاّ أنّ كيرلس استطاع بعد بضعة اشهر العودة الى كرسيّه. أمّا نسطوريوس فنفي الى ديره الأوّل قرب أنطاكية ثم الى احد أديرة صعيد مصر.

3- قانون الوحدة (433)
بعد الاحداث الأليمة التي جرت في أَفسس ومزّقت الكنيسة، عمل يوحنا بطريرك أنطاكية مع بعض الاساقفة على إعادة السلام الى الكنيسة ولاسيّمَا بين أنطاكية والاسكندرية. واعيدت الوحدة سنة 433 بعد أن تمّ الاتفاق على قانون الايمان التالي الذي دعي بقانون الوحدة وهو من وضع لاهوتي أنطاكية: "اننا نعترف بأنّ ربنا يسوع المسيح، الابن الوحيد لله، هو الله حق، وانسان حق مؤلّف من نفس عاقلة وجسد؛ وانه ولد من الآب قبل كل الدهور بحسب الوهيته؛ وانه هو نفسه، في الأزمنة الأخيرة، ولد، لأجلنا ولأجل خلاصنا، من مريم العذراء بحسب بشريّته؛ وأنه مساوٍ للآب في الجوهر بحسب الألوهية، وكذلك مساوٍ لنا بحسب البشريّة. فقد صار اتحاد من طبيعتين؛ لذلك لا نعترف إلاّ بمسيح واحد وابن واحد ورب واحد. وبسبب هذا الاتحاد المنزه عن أيّ اختلاط، نعترف بأنّ العذراء القديسة هي والدة الاله، لأنّ الاله الكلمة قد صار جسدا، قد صار انسانا، واتحد، منذ، لحظة الحبل به، بالهيكل الذي أخذه منها".
قبل كيرلس هذا النص والعبارة الواردة فيه والتي تتكلم عن "الاتحاد من طبيعتين". إلاّ أنّ بعضا من أتباعه رفضوا تلك العبارة، وهم الذين سيرفضون في ما بعد قرار مجمع خلقيدونية وسيدعون "القائلين بالطبيعة الواحدة".
إنّ ما رفضه مجمع أفسس هو أن يكون يسوع مجرّد انسان متحد بكلمة الله اتحاد حرية واختيار. فهذه النظرة "تنقض سرّ التجسد من أساسه"، كما كتب المجمع في خلاصة اعماله التي أرسلها الى البابا كلستينوس. لأنّ التجسد لا يعني اتحادا خارجيا بين الله وانسان، بل انّ الاله الكلمة نفسه صار انسانا، اي اتخذ الى جانب طبيعته الالهية طبيعة بشرية دون دمج أو اختلاط بين الطبيعتين.
هذا ما سيعالجه بوضوح المجمع الخلقيدوني في ردّه على بدعة القائلين بالطبيعة الواحدة.
ب- بدعة "الطبيعة الواحدة في المسيح" (Monophysisme)
1- اوطيخا
نشأت هذه البدعة مع اوطيخا الذي كان رئيس دير في القسطنطينية يضمّ ثلاث مئة راهب. وسنة 448 بدا أنّ تعليمه حول سرّ التجسد كان مناقضا للإيمان القويم، إذ يقول انّ طبيعتي المسيح، الطبيعة الالهية والطبيعة الانسانية، اتحدتا وصارتا بعد التجسد طبيعة واحدة. ولتبرير موقفه كان يستند الى عبارة استعملها القديس كيرلس الاسكندري: "الطبيعة الواحدة المتجسدة للاله الكلمة".
لا شك أنّ كيرلس كان يستعمل تلك العبارة التي ظنّ انها من القديس اثناسيوس وهي في الواقع من ابوليناريوس. إلاّ انّه كان يعني بلفظة "طبيعة" الشخص الفرد، إذ كان يقول ان يسوع هو "طبيعة واحدة" مكوّنة من عنصرين، عنصر الهي وعنصر انساني، أي ان يسوع هو "كائن فرد"، "شخص واحد"، اله وانسان معا.
اما في لغة انطاكية والقسطنطينية فكانت لفظة "طبيعة" تعني الخصائص التي تحدّد الكائنات وتميّزها بعضها عن بعض. ففي هذا المعنى تتميز الطبيعة الانسانية عن الطبيعة الحيوانية بخصائص محددة كالعقل والحرية. وكذلك تتميّز الطبيعة الالهية عن الطبيعة الانسانية بالأزلية والقدرة والتنزه عن الألم والفساد والموت. وهذا ما نعنيه اليوم أيضاً بلفظة طبيعة، فنقول ان في المسيح طبيعتين، طبيعة الهية وطبيعة انسانية. وقد وافق كيرلس على استعمال تلك اللفظة في هذا المعنى بموافقته على قانون الوحدة سنة 433 كما رأينا. أما في كتاباته السابقة فكانت لفظة "طبيعة" تعني الكائن الفرد. وللتعبير عن طبيعتي المسيح كان يستعمل لفظة التي تعني "العنصر" أو "الشيء"، أو لفظة التي تعني "الأقنوم" أو "الشخص"، وقد استعملها كيرلس بمعنى "الجوهر".
وهنا يتساءل المؤرّخون: عندما كان أوطيخا يقول ان المسيح "طبيعة" واحدة بعد التجسد، فماذا كان يعني بلفظة "طبيعة"؟ فاذا كان يعني بها "الشخص"، على غرار كيرلس، يكون تعليمه قويمًا؛ أما اذا كان يعني بها خصائص الشخص، فعندئذ يصبح تعليمه خاطئًا، لأن الخصائص الانسانية والخصائص الالهية في المسيح تبقى كما هي بعد تجسد الكلمة، وتنسب الى شخص واحد، كما رأينا في الأزمة النسطورية.

2- مجمع اللصوص في أفسس (449)
مهما يكن من أمر اوطيخا ونواياه، فقد بدا أنّ تعليمه مناقض للإيمان القويم. لذلك حرمه سنة 449 فلابيانوس بطريرك القسطنطينية. فطلب اوطيخا الى الامبراطور تيوذوسيوس أن يدعو الى مجمع للبحث في تعاليمه، فدعا الامبراطور الى مجمع مسكوني عقد في أَفسس سنة 449. إلاّ أنّ ذيوسقورس، الذي كان قد انتخب اسقفا على الاسكندرية سنة 444 بعد وفاة كيرلس، ترأس المجمع، وبمؤازرة اساقفة مصر وقوة سواعد زمرة من الرهبان المتعصّبين وضربات عصيّهم، فرض رأيه على جميع آباء المجمع، وكان عددهم 135، وبرّر اوطيخا من كل التّهم التي ألصقت به، وحرم بعض مناوئيه من الأساقفة، ولاسيَّمَا فلابيانوس بطريرك القسطنطينية الذي توفي بعد ثلاثة ايام متأثرا بجراح الضربات التي انهالت عليه في المجمع. فهرب موفدو البابا لاون حاملين رسائل الاستدعاء من ضحايا هذا المجمع الذي دعي بحق "مجمع اللصوص".

3- مجمع خلقيدونية (451)
سنة 450 توفي الامبراطور تيوذوسيوس وخلفه مركيانوس، فدعا الى مجمع جديد. وسنة 451 التأم في خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع برئاسة موفدي البابا لاون. فحرم هذا المجمع اوطيخا لتعاليمه الخاطئة وذيوسقورس لتصرّفه الشاذ في مجمع أفسس، وقرئت الرسالة التي كان البابا لاون قد بعث بها الى فلابيانوس بطريرك القسطنطينية سنة 449. وأهمّ ما جاء في هذه الرسالة قول البابا عن طبيعتي المسيح: "ان الذي هو الله حق هو نفسه انسان حق. وليس في هذا الاتحاد اي خداع. فاتضاع الانسان وسمو الله حاضران معا في علاقة تبادل. وكما أنّ الاله لا يتغيّر عندما يتحنن على الجموع، كذلك الانسان لا يذوب في الكرامة الالهية. فانّ كلتا الطبيعتين تعمل، بالاتحاد مع الأخرى، ما هو خاص بها. فالكلمة يعمل ما هو خاص بالكلمة، والجسد يحقّق ما هو خاص بالجسد. احدهما يشرق بالعجائب والآخر يخضع للاساءات التي توجّه اليه. وكما أن الكلمة لم ينفصل عن مساواة مجد الآب، كذلك الجسد لم يفارق طبيعتنا البشرية. واحد هو، وهو نفسه -وهذا ما يجب ترداده مرارا- حقا ابن الله وحقا ابن الانسان. فهو الله لأنه "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله"، وهو انسان "لأن الكلمة صار جسدا وسكن في ما بيننا". هو اله لأنه "به كوّن كل شيء، وبدونه لم يكن شيء واحد ممّا كوّن"، وهو انسان لأنه "مولود من امرأة، مولود تحت الناموس". فولادة الجسد هي ظهور الطبيعة البشرية، والولادة من عذراء هي علامة القدرة الالهية".
ثم تتابع الرسالة: "وبسبب وحدة الشخص هذه التي تجمع بين الطبيعتين نقول ان ابن الانسان نزل من السماء، عندما نتكلم عن اتخاذ ابن الله جسدا من العذراء التي ولد منها. وعلى العكس من ذلك نقول ان ابن الله صلب ودفن، بينما لم يتعذّب في الوهيته نفسها -تلك الالوهية التي بها ولد من الله منذ الأزل وبها هو مساوٍ للآب في الجوهر- انما في ضعف الطبيعة البشرية. لهذا السبب نعلن في قانون الإيمان ونعترف ان ابن الله الوحيد صلب ودفن".
أمّا عن اوطيخا فيقول البابا في رسالته: "ان اوطيخا قد أجاب على سؤالكم بقوله: اني اعترف بأنّ ربنا مؤلّف من طبيعتين قبل التجسد، أمّا بعد التجسد فلا أقرّ الا بطبيعة واحدة. إني اتعجب من ان هذا الاعتراف الفاسد والقول الكافر لم يشجبه احد منكم... فانه من الكفر القول بأنّ ابن الله الوحيد كان مؤلفا قبل التجسد من طبيعتين؛ ولا يقلّ عن ذلك كفرا القول الآخر انه بعد التجسّد ليس فيه سوى طبيعة واحدة".
وافق آباء المجمع على رسالة البابا لاون هاتفين: "هذا هو إيمان الرسل، هكذا كلنا نؤمن، وهكذا يؤمن المستقيمو الرأي..."، ثم أعلنوا تحديدهم للعقيدة القويمة. وأهم ما جاء في هذا التحديد: "اننا نتمسّك باتباع الآباء القديسين في الاعتراف بمن هو واحد وهو نفسه الابن (ابن الله) وربنا يسوع المسيح. وبصوت واحد متّفق نعلن أنه هو نفسه تامّ في الألوهية وتامّ في البشرية، الله حق وانسان حق، وهو نفسه مكوّن من نفس عاقلة وجسد. إنّه مساوٍ للآب في الالوهية ومساوٍ لنا في البشرية، شبيه بنا في كل شيء ما خلا الخطيئة. قبل كل الدهور ولد من الآب بحسب الألوهية، وفي الأيام الأخيرة هو نفسه، لأجلنا ولأجل خلاصنا، ولد من مريم العذراء والدة الاله، بحسب البشرية. واحد هو، وهو نفسه المسيح، الابن الوحيد، الرب، الذي يجب الاعتراف به في طبيعتين متحدتين دون اختلاط ولا تحوّل ولا انقسام ولا انفصال.
"انّ اتحاد الطبيعتين لم يُزل ولم يُلغ بأي شكل من الأشكال ما فيهما من تباين، بل على العكس من ذلك، قد حُفظت سالمة جميع خصائص الطبيعتين اللتين اتحدتا في شخص واحد وأقنوم واحد. وهو لم ينقسم ولم ينفصل الى شخصين، بل واحد هو، وهو نفسه الابن الوحيد، الاله الكلمة، الرب يسوع المسيح.
"هكذا تكلّم عنه الانبياء قديمًا، وهكذا علّمنا يسوع نفسه، وهذا ما سلّمنا اياه الآباء في قانون الإيمان".
بهذه الكلمات اوضح آباء خلقيدونية ما جاء في قانون إيمان نيقية سنة 325. وقد أكّدوا أمرين هامّين في ما يتعلّق بشخص يسوع المسيح: الأمر الأول هو وحدة الشخص في المسيح، وهذا هو معنى العبارة التي ترد عدّة مرّات في النص: "واحد هو، وهو نفسه..."؛ فيسوع المسيح هو شخص واحد، وهذا الشخص هو نفسه كلمة الله، الاقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، ابن الله المولود من الآب قبل كل الدهور، وقد ولد من مريم العذراء في الجسد. والأمر الثاني هو محافظة كل من الطبيعتين على خصائصها في وحدة الشخص. فابن الله صار انسانا وأخذ كل شيء من الطبيعة البشرية، ما خلا الخطيئة، دون ان يتغيّر شيء في ألوهيته.
كيف يمكن ان يكون شخص واحد بطبيعتين؟
لا بدّ أوّلا من إدراك الفرق بين الطبيعة والشخص. فالطبيعة هي الجواب على السؤال الذي نطرحه أمام كل كائن: "ما هذا؟"، فنقول: هذا إله، هذا إنسان، هذا حيوان، هذا نبات... ولكلّ من الكائنات طبيعته الخاصة التي يتميّز بها عن غيره. والطبيعة لا يمكن ان تقوم في الوجود دون شخص أو فرد يحملها؛ لذلك هي منفتحة لتقبّل الاشخاص. وانفتاح الطبيعة هذا أمر لا بدّ منه لكي تبرز الكائنات الى الوجود. وهكذا فإنّ الطبيعة البشرية منفتحة لتقبّل الشخص البشري وتقبّل عدد لا يحصى من الاشخاص البشرية. ولا وجود لأيّ شخص بشري قبل بروزه الى الوجود بطبيعة بشرية.
أمّا في المسيح فالطبيعة البشرية يتقبّلها شخص موجود منذ الأزل هو شخص ابن الله الكائن منذ الأزل مع الآب. وهذا الشخص هو، قبل التجسّد، شخص قائم (وهذا معنى لفظة أقنوم) في الطبيعة الالهية الواحدة مع الآب والروح القدس. أمّا بعد التجسّد فيبقى الشخص هو نفسه، وطبيعته الالهية لا تتغيّر. الا أنه يسخذ أيضا طبيعة بشرية، فيصبح شخصا واحدا بطبيعتين.
تلك هي عقيدة التجسّد كما عبّر عنها مجمع خلقيدونية بتعابير فلسفية، بينما اكتفى العهد الجديد باظهار يسوع انسانا تاما وابن الله الكائن منذ الأزل مع الله. فالمفاهيم الفلسفية كان لا بدّ منها لتوضيح جوهر العقيدة. وهذا الجوهر هو ما يجب التمسّك به: فيسوع المسيح هو انسان شبيه بنا في كل شيء ما خلا الخطيئة، إلاّ أنه ليس مجرّد انسان تبنّاه الله، كما قال بولس السميساطي، ولا إلهًا أدنى كما قال آريوس.
لسنا هنا إزاء أساطير هي من نسج الخيال، إنما ازاء سرّ محبة الله التي لا تدرك أبعادها. هكذا أحب الله العالم حتى انه أرسل ابنه الوحيد الى العالم ليشرك العالم في حياته الالهية. فيسوع المسيح الانسان هو نفسه ابن الله وكلمته الذي صار انسانا ليرفع الانسان الى الله. انه عمانوئيل، أي الله-معنا، وحضور الله في ما بيننا، فيه التزم الله التزاما نهائيا حياة البشر ليسير بها الى التألّه.

4- الكنائس غير الخلقيدونية
لقد عمل مجمع خلقيدونية على توضيح العقيدة، إلاّ أنّه لم يفلح في جمع الكنائس حولها، بسبب استعماله عبارة "الطبيعتين في المسيح". فبعض الكنائس الشرقية، السريانية والارمنية والقبطية، رفضت تحديد هذا المجمع اذ رأت في تلك العبارة عودة الى النسطورية التي تعتقد بوجود "شخصين في المسيح"، وبقيت متمسّكة بعبارة القديس كيرلس: "الطبيعة الواحدة المتجسدة للاله الكلمة"؛ ولذلك دعيت بالكنائس "القائلة بالطبيعة الواحدة" (Monophysites)
لا شكّ في أنّه كان في تلك الكنائس متطرّفون يعتقدون بطبيعة واحدة في المسيح، إلاّ أنّ السواد الاعظم من الاساقفة واللاهوتيين فيها كان إيمانه قويمًا. وقد تبيّن بعد خمسة عشر قرنا أن الخلاف بين تلك الكنائس والكنائس التي تبعت مجمع خلقيدونية، كالكنيسة الرومانية والكنيسة البيزنطية والكنيسة الملكية، لم يكن خلافا على العقيدة بل على الألفاظ. وقد أُعلن ذلك في لقاء مسكوني جَمَعَ لاهوتيين من مختلف تلك الكنائس ولاهوتيين من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في فيينة عاصمة النمسة سنة 1970، كما أْعلن رسميا في لقاءين هامين تمّا، الأوّل بين البابا بولس السادس والبطريرك اغناطيوس يعقوب الثالث، والثاني بين البابا بولس السادس والبابا شنودا الثالث بطريرك الأقباط الارثوذكس. وعقب هذا اللقاء الأخير الذي تمّ في 10 أيار 1973، وقّع المجتمعان بيانا مشتركا جاء فيه: "اننا نعترف بأنّ ربنا والهنا ومخلصنا وملكنا جميعا، يسوع المسيح، هو الله تام من حيث ألوهيته وانسان تام من حيث بشريته. والوهيته متحدة فيه ببشريته اتحادا حقيقيا كاملا دون امتزاج ولا اختلاط ولا تشوّش ولا تغيّر ولا انقسام ولا انفصال. والوهيته لم تنفصل عن بشريته لحظة واحدة حتى ولا زهاء طرفة عين. هو الاله الازلي وغير المنظور قد أصبح منظورا في الجسد آخذا صورة عبد، وبقيت فيه سالمة جميع خصائص الالوهية وجميع خصائص البشرية، متحدة معا اتحادا حقيقيا كاملا غير منقسم ولا منفصل.
"واننا نكرّم مريم العذراء أم النور الحقيقي، ونعترف بأنها والدة الاله والعذراء الدائمة البتولية. إنّها تشفع فينا. وبما أنها والدة الاله، فانّها تفوق كرامة جميع طغمات الملائكة".
يظهر بوضوح من خلال هذا النص الاتفاق الجوهري على أنّ يسوع هو الله تام وانسان تام وانّ الوهيته وبشريته قد اتحدتا فيه دون ان تفقدا شيئًا من خصائصهما. وقد تحاشى النص استعمال لفظة "الطبيعتين"، التي نشأ بسببها الشقاق، فلم يتكلم عن "الطبيعة الالهية والطبيعة البشرية في المسيح"، بل عن الوهية المسيح وبشريته، وفي ترجمة أخرى، عن لاهوت المسيح وناسوته. وهذا في الواقع ما كان يعنيه مجمع خلقيدونية بلفظة "الطبيعتين". لذلك لم تعد اليوم الكنائس التي رفضت مجمع خلقيدونية تدعى بالكنائس "القائلة بالطبيعة الواحدة"، بل فقط بالكنائس غير الخلقيدونية. فمن حيث العقيدة لم يعد أيّ داع لبقاء الانقسام بين تلك الكنائس والكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية الخلقيدونية.
إلاّ أنّ استعادة الوحدة الكاملة بين كل تلك الكنائس يلزمها بعض الوقت، كما جاء في ختام هذا البيان المشترك.: "اننا نقرّ بتواضع انه ليس بوسع كنائسنا ان تشهد شهادة اكمل لتلك الحياة الجديدة في المسيح، بسبب الانقسامات الحالية التي لا تزال تحمل ثقل اجيال من التاريخ العصيب. فمنذ سنة 451 بعد المسيح برزت خلافات لاهوتية غذّتها وأثقلتا عناصر غير لاهوتية. وهذه الخلافات لا يمكن تجاهلها. غير أننا، بالرغم منها، نكتشف ذواتنا من جديد كنائسَ لها ميراث مشترك، ونعمل جاهدين، بتصميم وثقة بالرب، للوصول الى الملء والكمال من تلك الوحدة التي هي هبة منه".

ج- بدعة "المشيئة الواحدة في المسيح" (Monothélisme)
1- مبادرة سرجيوس
في بداية القرن السابع كانت الامبراطورية البيزنطية مهدّدة من كل صوب بخطر اجتياح الفرس ثم العرب. وأدرك هرقل الامبراطور وسرجيوس بطريرك القسطنطينية ضرورة توحيد المسيحيين في جميع أقاليم الامبراطورية على الصعيدين السياسي والديني، إذ كانت الكنيسة مقسومة شطرين من حين رفض جزء من كنائس الشرق، كما رأينا، قرارات مجمع خلقيدونية. فاقترح البطريرك على الامبراطور عبارة لاهوتية جديدة ظن أنها تستطيع اعادة الوحدة بين شطري الكنيسة. فجمع أفسس حدد ضد النسطورية انّ يسوع شخص واحد لا شخصان، ومجمع خلقيدونية حدد أنّ فيه طبيعتين. فالكنائس التي رفضت قرار خلقيدونية رفضته لأنها رأت فيه عودة الى النسطورية. فارتأى سرجيوس ان يعيد الوحدة معها حول عبارة "الفعل الواحد للمسيح"، أو، بصيغة أخرى، "القوة الفاعلة الواحدة للمسيح". وقد استعمل اللفظة اليونانية التي تعني "فعل الشخص" أو "القوة الفاعلة فيه" أو "القوة التي بها يفعل جميع افعاله". لذلك أطلق على نظريته اسم "بدعة الفعل الواحد" (Monoénergisme)
ففي رأي سرجيوس ان المسيح، لكونه شخصا واحدا، جميع اعماله الالهية والانسانية صادرة عن فعل واحد أو عن قوة فاعلة واحدة فيه. وهذا ما سيرفضه الايمان القويم الذي سيحدّد انّ القوة الفاعلة في الإنسان مرتبطة لا بالشخص، كما رأى سرجيوس، بل بالطبيعة. فبمَا أنّ في المسيح طبيعتين، طبيعة الهية وطبيعة انسانية، لا بدّ ان يكون له قوّتان فاعلتان، قوة الهية بها يعمل الاعمال الالهية وقوة انسانية بها يعمل الاعمال الانسانية.

2- صيغة الوحدة (633)
سنة 631 عيّن الامبراطور الاسقف كيروس بطريركا على الاسكندرية، فعقد هذا فيها سنة 633 مجمعا محلّيا تمّ الاتفاق فيه على صيغة تعيد الوحدة الى الكنائس المنقسمة. وينصّ البند السابع من تلك الصيغة أنّه "يمكننا اعتبار المسيح بطبيعتين، إنّما نعني بذلك أنّه هو نفسه تام في الالوهية وتام في البشرية". ثم يضيف البند: "ان المسيح الواحد نفسه قد عمل الاعمال الالهية والاعمال الانسانية بفعل واحد الهي-انساني".
وأرسلت هذه الصيغة الى سرجيوس، فأجاب بالموافقة عليها. ومما جاء في جوابه: "ان المسيح الواحد نفسه هو الذي يعمل الاعمال الالهية والاعمال الانسانية بفعل واحد. لأنّ كل فعل الهي وانساني ينبثق من واحد هو نفسه الكلمة المتجسد".

3- جواب صفرونيوس
نمى خبر تلك المداولات الى راهب يدعى صفرونيوس كان قيم في أحد اديرة بيت لحم وله من العمر ثمانون سنة، فرأى فيها تعاليم مناقضة لمجمع خلقيدونية، لأنّ الفعل مرتبط بالطبيعة لا بالشخص، وكلّ كائن يعمل بحسب طبيعته، وبما أن للمسيح طبيعتين فلا بدّ أن يكون له أيضاً قوّتان يعمل بهما. فسافر الى الاسكندرية وارتجى كيروسَ أن يعدل عن هذا التعليم الجديد فلم يقتنع. وقصد القسطنطينية وحاول عبثا اقناع سرجيوس. فعاد الى فلسطين فانتخب بطريركا على اورشليم سنة 634. عندئذ كتب رسالة أوجز فيها كل العقيدة المسيحية في الثالوث الأقدس والتجسّد، وبعث بها الى هونوريوس بابا رومة والى البطاركة الشرقيين. وفي تلك الرسالة يبيّن صفرونيوس انّ يسوع هو شخص واحد وهو نفسه يقوم بالاعمال الالهية والاعمال الانسانية. وكما اننا لا نرى تناقضا بين كونه الها وكونه هو نفسه انسانا، كذلك يجب الا نرى تناقضا بين اعماله الالهية واعماله الانسانية. ويختم بقوله إنّ المسيح بطبيعتين لكل منهما فعلها الخاص الذي به تعمل الاعمال المناسبة لها. فالفعل الالهي يعمل الاعمال الالهية، والفعل الانساني يعمل الاعمال الانسانيّة. إلاّ انّ ذلك يتمّ بانسجام في العمل دون انقسام، وفي الوقت نفسه دون اختلاط، لأنّ المسيح واحد وهو نفسه يقوم بالاعمال الالهية والانسانية.

4- "المشيئة الواحدة" وتفاقم الأزمة
سنة 638 علّق الامبراطور هرقل في كنيسة آجيا صوفيا في القسطنطينية بيانا عقائديا كتبه البطريرك سرجيوس بمؤازرة معاونه بيروس، وفيه يوجز الايمان القويم في المسيح، ويحظّر استعمال عبارتي "الفعل الواحد" و"الفعلين" في المسيح. فالقول بالفعل الواحد ينتج منه انكار الطبيعتين، والقول بالفعلين يقود الى الاعتقاد بوجود ارادتين متناقضتين في المسيح الواحد. "لهذا السبب، يقول البيان، نقرّ ونعترف بمشيئة واحدة في ربنا يسوع المسيح الاله الحقيقي، بحيث انه لم يحدث مرة واحدة انّ جسده الذي تحييه نفس عاقلة تبع ميله الطبيعي وعمل ما يناقض رغبة الاله الكلمة الذي كان متحدا به اتحادا جوهريا، بل انه عمل دوما ما اراده الاله الكلمة نفسه ومتى اراده ومثلما اراده".
ثم كتب سرجيوس الى البابا هونوريوس يفسّر له موضوع البيان، فأجاب البابا بالموافقة على كل ما جاء فيه.
اراد سرجيوس ان يوحّد الكنيسة فخلق أزمة جديدة أحدثت بلبلة دامت زهاء نصف قرن حتى المجمع المسكوني السادس الذي عقد في القسطنطينية سنة 681. ونكتفي هنا بذكر المراحل الهامّة التي مرت بها تلك الأزمة:
سنة 640 توفي البابا هونوريوس وخلفه يوحنا الرابع، فعقد مجمعا في رومة وحرم بدعة "المشيئة الواحدة".
سنة 647 اعلن بولس، بطريرك القسطنطينية الجديد، ايمانه بمشيئة واحدة في المسيح.
سنة 648 أصدر الامبراطور قسطنديوس الثاني قرارا عقائديا يحظّر فيه التكلم عن هذا الموضوع مكتفيًا بأقوال الكتاب المقدّس وقرارات المجامع المسكونية السابقة.
سنة 649 عقد البابا مرتينوس المنتخب حديثا مجمعا في كنيسة اللاتران في رومة، غير آبه لقرار الامبراطور. حضر المجمع 105 أساقفة معظمهم من ايطالية وصقلّية وسردينية وبعضهم من أفريقية. وترأس البابا نفسه المجمع واعلن أنه كما انّ في المسيح طبيعتين كذلك فيه مشيئتان، مشيئة الهية ومشيئة انسانية، وفعلان، فعل الهي وفعل انساني.
سنة 653 أمر الامبراطور بتوقيف البابا، فقبض عليه ونفاه الى القسطنطينية ثم الى بلاد القرم حيث توفي سنة 655. وقبض أيضاً على الراهب اللاهوتي مكسيموس المعترف الذي دافع دفاعا مستميتا عن عقيدة المشيئتين في المسيح، ونفاه الى القفقاز هو واثنين من تلاميذه، فتوفي هناك سنة 662.
سنة 678 بعث الامبراطور الجديد قسطنطين الرابع برسالة الى بابا رومة يطلب إليه ارسال مندوبين من قبله الى القسطنطينية للتداول في أمر المشيئتين. وصلت الرسالة الى رومة بعد انتخاب البابا اغاثوس سنة 679، فأراد البابا استشارة اساقفة الغرب في الموضوع، فعقد سنة 680 مجمعا في رومة اشترك فيه 125 أسقفا أعلنوا ايمانهم بالطبيعتين والمشيئتين والفعلين في المسيح الواحد.

5- المجمع المسكوني السادس (681)
عقد هذا المجمع في القسطنطينية سنة 681 واعلن بشكل رسمي عقيدة المشيئتين في المسيح:
"نصرّح ان في المسيح مشيئتين طبيعيّتين وفعلين طبيعيّين بلا انقسام أو تحول أو انفصال أو اختلاط، كما جاء في تعليم الآباء القديسين. وهاتان المشيئتان لا تعارض احداهما الأخرى، كما يزعم باصرار المبتدعون الجاحدون. فمشيئته البشرية تخضع بدون مقاومة او تلكّؤ للمشيئة الالهية الكلية القدرة...
"واننا نمجّد فعلين طبيعيّين في ربنا يسوع المسيح الهنا الحقيقي نفسه، فعلين غير منقسمين وغير متحدين وغير مختلطين وغير منفصلين. نعني بذلك فعلا الهيا وفعلا بشريا كما يقول الواعظ الالهي لاون مؤكّدًا بكل صراحة وعلى النحو التالي: "ان كل طبيعة تعمل، بالاشتراك مع الأخرى، ما تختصّ به. أي انّ الكلمة يعمل ما يختصّ به الكلمة، والجسد يعمل ما يختصّ به الجسد"، لأننا لا تسلّم بعمل طبيعي واحد في الله وفي المخلوق، كما اننا لا نرفع الى الجوهر الالهي ما قد خلق، ولا نحطّ من قدر مجد الطبيعة الالهية الى درجة معادلة للمخلوق.
"اننا نعترف بصدور العجائب والآلام عن الشخص الواحد نفسه، ولكننا نعترف بأنّها إمّا لهذه الطبيعة وإمّا للطبيعة الأخرى، وهو كائن بكلتيهما، كما يقول كيرلس بحق... وان اجتمعت الطبيعتان معا، فكل طبيعة منهما تشاء وتعمل ما تختصّ به، بدون انقسام ولا اختلاط ولا امتزاج. ولذلك نعترف بمشيئتين وفعلين متّفقين احسن اتفاق لخلاص الجنس البشري".

6- أهمية هذا الموضوع
قد يتساءل المرء لماذا أثيرت تلك الضجة وعقدت المجامع المحلية والمسكونية واستشهد القديسون، والأمر يبدو لنا اليوم وكأنه لا أهمية له؟ ألم يكن من الأفضل، كما قال البابا هونوريوس في رسالته الى سرجيوس، "تحاشي التحدث عن مسألة "الفعل والفعلين"، وترك الموضوع لأساتذة علم القواعد والفلاسفة الذين لا عمل لهم سوى مناقشة أمور وهمية. اما تلاميذ الصياد بطرس فيجدر بهم الا ينجرّوا الى تلك الأوهام. وحسبنا الاقرار بأنّ ربنا يسوع المسيح هو شخص واحد وهو نفسه الذي يعمل في طبيعته الالهية وطبيعته الانسانية؟".
ليس الأمر على هذا القدر من البساطة. فالسؤال المطروح مرتبط بمفهوم الطبيعة البشرية التي اتخذها الاله الكلمة حين تجسّد، وفيها افتدى الجنس البشري. فالموضوع متعلق اذًا بسرّي التجسّد والفداء.

المشيئة البشرية والتجسّد
إن قلنا انّ المسيح لم يكن له سوى مشيئة واحدة هي المشيئة الالهية، فهذا يعني ان الكلمة اتخذ بتجسّده طبيعة بشرية ناقصة. وبهذا القول نسقط في بدعة مماثلة لبدعة ابوليناريوس. فلقد اعتقد هذا انّ الكلمة اتّخذ من الطبيعة البشرية الجسد دون النفس. والقائلون بالمشيئة الواحدة يعتقدون ان الكلمة اتخذ جسدا ونفسا بشرية تنقصها الارادة البشرية. وفي كلتا البدعتين انقاص لبشرية المسيح وافساد لمعنى التجسّد. فلا يصحّ ان يقال ان الكلمة صار انسانا دون ارادة انسانية وحرية انسانية.
اما تخوّف مؤيّدي المشيئة الواحدة من أنّ القول بالمشيئتين في المسيح يعني الخلاف بين هاتين المشيئتين، فقد أجاب عليه القديس مكسيموس المعترف بقوله انّ الخلاف بين ارادة الانسان وارادة الله لا يحدث إلاّ بسبب خطيئة الانسان؛ أما المسيح فطبيعته البشرية كانت كاملة ومقدّسة بسبب اتحادها بالطبيعة الالهية. فكما ان الحديد، عندما يوضع في النار، يتّحد بطبيعة النار فيحمرّ دون ان يفقد شيئا من جوهره، هكذا طبيعة المسيح وارادته البشرية، باتحادهما بشخص الكلمة وطبيعته الالهية، قد تقدّستا دون ان تفقدا شيئا من جوهرهما البشري.

الفداء والحريّة البشرية
انّ تأكيد المسيحية أنّه لا بدّ، لكي يكون التجسد حقيقيا، ان يكون للمسيح مشيئة بشرية، وبالتالي حرية بشرية، لهو أمر له نتائج هامة أيضاً بالنسبة الى مفهوم الفداء ومفهوم الحرية الانسانية في الفكر المسيحي. فالفداء لم يتمّ فقط لأنّ كلمة الله اتخذ جسدا واحتمل فيه الألم والموت، بل لأنه أيضاً بملء حريته البشرية قبل الألم وصار طائعا حتى الموت، موت الصليب. لا شكّ ان الخلاص هو أولا عمل الله الذي دخل تاريخ البشر واعلن محبته للعالم، إلاّ أنّ هذا العمل لم يتمّ خارج ارادة الانسان بل في ارادة الانسان يسوع المسيح ممثل البشرية كلّها.
انّ الهدف من التجسد والفداء هو تأليه الانسان، لكنّ التأليه لا يعني الاستعاضة عن عمل الانسان بعمل الله ولا عن حرية الانسان بحرية الله ولا عن إرادة الانسان بإرادة الله، بل يعني تجديد طبيعة الانسان وارادته ليتجاوب بملء حريته مع نعمة الله التي تعمل فيه.
هذا هو المفهوم المسيحي للعلاقة بين عمل الله وعمل الانسان. فكل شيء في هذا العمل هو من الله وكل شيء هو من الانسان. لذلك فانّ تأليه الانسان لا يمكن ان يتمّ الا اذا أسهمت طبيعته الانسانية بهذا العمل بكلّ ما فيها من قوى، العقل والحرية والارادة.
هذا ما نستنتجه من تحديد المجامع المسكونية أنّ في يسوع طبيعتين تامّتين ومشيئتين تامّتين. فالمسيح هو انسان حقيقي أخذ كل شيء من الطبيعة البشرية، الجسد والنفس والارادة والحرية، وعاش في تلك الطبيعة دون خطيئة. وقد كان متحدا بالله ليس في عمله وحياته فحسب، بل أيضاً في عمق كيانه. فهو "ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، الله حق من الله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر".
الفصل السّابع
الخلاص وَالفداء بيَسوع المسِيح

"وصُلِبَ عنّا على عهد بيلاطس البنطي، وتألّم وقُبر".

يتضمّن إيماننا بيسوع المسيح ناحيتين متكاملتين: يسوع في شخصه، ويسوع في عمله الخلاصي. فيسوع، في شخصه، هو "ابنُ الله الوحيد المولودُ من الآب قبل كلِّ الدهور، نورٌ من نور، إلهٌ حقّ من إلهٍ حقّ، مولودٌ غيرُ مخلوق ومساوٍ للآب في الجوهر". هذا ما عرضناه في الفصل السابق.
أما في هذا الفصل، فسننظر إلى يسوع في عمله الخلاصي. فالتجسّد وحياة يسوع الانسان وصلبه وموته وقيامته، كل هذه الأحداث نعلن في قانون الإيمان أنها تمّت "من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا". ماذا نعني بالخلاص؟ وكيف خلّصنا يسوع المسيح بتجسّده وحياته وموته وقيامته؟

القِسم الأول
ما هو الخلاص

1- حالة الانسان
"اني بائس ومسكين، فليعضدني خلاصك يا ألله" (مز 68: 30). هناك خبرتان يختبرهما الانسان طوال حياته: خبرة ايجابية من الانسجام مع ذاته ومع الآخرين ومع الكون، وخبرة سلبية من النقص في ذاته وفي المجتمع وفي الكون. لذلك يقضي الانسان حياته متقلبًا بين الفرح والحزن، بين الصحة والمرض، بين السلام والحرب، بين السعادة والشقاء.
يدرك الانسان النقص في ذاته: يرغب في الانسجام مع ذاته وفي السلام الداخلي، الا أنه غالبًا ما يعاني القلق والتمزّق الداخلي. يريد سعادة كاملة دائمة فلا يحصل الا على أفراح جزئية ممزوجة بالحزن والشقاء. يريد الصحة الدائمة والحياة الخالدة فيصطدم بالأمراض والمصائب والموت المحتوم. يريد عمل الخير وراحة الضمير فيسقط في عمل الشر ويشعر بتوبيخ الضمير.
ويدرك الانسان النقص في علاقاته مع الآخرين وفي جميع المجتمعات: يرغب في الانسجام مع الآخرين، ويريد أن يسود السلام وتسود المحبة علاقات الناس بعضهم ببعض وعلاقات المجتمعات بعضها ببعض، وغالبًا ما يرى حوله الخصومات والمنازعات والحروب.
جميع الناس يدركون بؤس الانسان وضعفه وقلقه، ولكن المؤمن وحده ينظر الى الله ويقول: "اني بائس فليعضدني خلاصك يا ألله".

2- الخلاص من الله
يرى المؤمن أنّ سبب حالة الانسان هذه هو بعده عن الله وبعده عمّا يجب ان يكون. فالانسان خلق لأجل الله وهو كائن ينسم فيه روح الله، فان ابتعد عن الله انما يبتعد عن ذاته وينفصل عن جوهره ويفقد هويته. هذا ما يعبّر عنه الكتاب المقدس بقوله ان الله قد خلق الانسان على صورته ومثاله. الا أن الانسان شوّه تلك الصورة بالخطيئة. والله وحده الذي خلق الانسان يستطيع ان يعيد اليه بهاء الصورة الاصلية، أن يخلّصه.
انّ في عمق القلب البشري نزعة نحو المطلق، لذلك لا يكتفي الانسان بالأمور الجزئية العابرة: لا يكتفي بالحب الوقتي بل يسعى نحو الحب المطلق، ولا يقبل بتجزئة كيانه بل يريد الوحدة مع ذاته ومع الآخرين ومع الكون اجمع، ويدرك ميله الى الشر ويشعر أن الشرّ هو دمار لذاته وهلاك لنفسه فيرغب في الخير الثابت المطلق.
هذا الفراغ الذي يشعر به الانسان في مختلف أبعاد كيانه انما هو نداء يوجهه الله الى الانسان للارتقاء اليه. من خلال هذا الاختبار البشري، اختبار الضعف والقلق والضياع، يدخل الله الى قلب الانسان ويظهر ذاته الكائن الوحيد الذي يستطيع ان يملأ فراغ الانسان ويعيد اليه أصالته وملء كيانه، اي أن يمنحه الخلاص. والانسان الذي يحصل على الخلاص هو كالمريض الذي تعاد اليه عافيته، وكالأعمى الذي يعاد اليه بصره، وكالمخلّع الذي تعاد اليه قدرته على السير، وكالأبرص الذي تعاد اليه نقاوته؛ انه كالذهب الذي ينقّى من الاوحال والأتربة وجميع الشوائب العالقة به فيعود الى خلوصه وصفائه ولمعانه؛ انه كالعبد الذي يحرَّر من عبوديته ويعود الى حريته.

3- مرادفات الخلاص
هذا التغيير الذي يحدثه الله في الانسان بحضوره اليه يعبّر عنه الكتاب المقدس بألفاظ مختلفة:
فيدعوه الخلاص، لانه به يخلّص الانسان من ضياعه وتغرّبه.
ويدعوه الحياة، لانه به يدخل الانسان في الحياة الحقيقية، حياة الله.
ويدعوه الملكوت، لأنه به يملك الله ملكًا دائمًا على قلوب البشر.
ويدعوه النعمة، لأنه عطية مجانية ينعم بها الله على الانسان.
ويدعوه الفداء والتحرير، لأنه به يفتدي الله الانسان ويحرّره كما يفتدى الأسرى ويحرّر العبيد.
تشير هذه التعابير الى جوانب مختلفة لحقيقة واحدة هي حضور الله حضورًا محبًا محييًا في كل انسان وفي الجماعات البشرية وفي التاريخ بأسره، لتجديد الانسان والبشرية والتاريخ. وهذا الحضور هو ثمرة استمرار حب الله المجّاني للكون والانسان منذ خلقهما. فكما أحبّنا الله وخلقنا، هكذا أيضا أحبّنا وخلّصنا من ضياعنا، أحبنا وأشركنا في حياته، أحبّنا وأدخلنا في ملكوته، احبّنا وحضر فينا بنعمته، احبنا وافتدانا من خطيئتنا وحرّرنا من عبوديتنا.
هذا ما نقرأه في كل صفحة من صفحات الكتاب المقدس. وما كتب في الاسفار المقدسة لم يكن نتيجة تفكير نظري او تحليل فلسفي لسرّ الله، بل نتيجة اختبار حياتي لعمل الله في التاريخ ولظهوره، عند بلوغ ملء الزمان، في شخص ابنه يسوع المسيح.

4- اختبار الخلاص في العهد القديم
لقد اختبر الشعب اليهودي في العهد القديم محبّة الله المجانية لهم وحضوره الدائم معهم على مدى تاريخهم، منذ ان اختار ابراهيم ووعده بأن "يجعل منه أمة كبيرة" (تكوين 12: 1، 2) الى أن أصبح أمة كبيرة مع داود وسليمان. ولقد اختبر الشعب اليهودي بشكل فائق خلاص الله في العمل العظيم الذي عمله لأجلهم عندما خلّصهم على يد موسى من عبودية المصريين: "قال الرب لموسى: لقد سمعتُ أنين بني اسرائيل الذين استعبدهم المصريون، فذكرت عهدي. لذلك قل لبني اسرائيل: أنا الرب، لأخرجنّكم من تحت أثقال المصريين، وأُخلّصكم من عبوديتهم، وأفديكم بذراع مبسوطة وأحكام عظيمة، وأتخّذكم لي شعبًا، وأكون لكم الهًا، وتعلمون اني أنا الرب الهكم... " (خروج 6: 5- 7).
"أخلّصكم... وأفديكم". الخلاص والفداء هما أمر واحد يتضمّن عنصرين متكاملين: العنصر الأول هو انقاذ الشعب من حالة العبودية التي كان عائشًا فيها، والعنصر الثاني الملازم للأول هو ادخاله في صداقة الله: "اتخذكم لي شعبًا واكون لكم الهًا". وهذا الخلاص هو عمل مجاني يصنعه الله لشعب دون اي استحقاق، كالخلق، فيضا من محبة الله للانسان.
وقد حفظ اليهود ذكرى هذا العمل الخلاصي رمزًا لكل اعمال الخلاص التي يصنعها الله للانسان: "ويكون هذا اليوم لكم ذكراً، فتعيّدونه عيداً للرب، تعيّدونه مدى أجيالكم فريضة أبديّة" (خروج 12: 14).
القِسم الثَاني
الخلاص بيسوع المسيح

لقد انحنى الله على البشر عندما أخذ ترابًا وجبله وخلق الانسان، ثم انحنى عليهم عندما كلّمهم بواسطة انبيائه، ولما بلغ ملء الزمان انحنى عليهم في شخص ابنه يسوع المسيح الذي جاء مخلصا للانسان في شخصه وحياته وموته وقيامته.

1- يسوع المسيح خلّصنا بتجسده
"اني أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: اليوم، في مدينة داود، ولد لكم مخلّص، هو المسيح الربّ،" (لوقا 2: 10، 11). تلك هي الكلمات التي وضعها لوقا على لسان الملائكة في روايته لتبشيرهم الرعاة بميلاد يسوع. هكذا يعرّف لوقا المولود الجديد: انه "المخلص"، وهذا معنى اسمه. فلفظة "يسوع" تعني بالعبرية "الله يخلّص". وهذا ما جاء ايضًا في انجيل متى الذي يروي بشارة الملاك ليوسف بميلاد يسوع: "يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم، فانّ الذي حبل به فلا انما هو من الروح القدس. وستلد ابنًا فتسميه يسوع، لأنه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم".
لم يولد يسوع كما يولد سائر الناس من رجل وامرأة، بل "ولد من الروح القدس ومن مريم العذراء"، كما نقول في قانون الإيمان. وهذا يعني أنه في عمق كيانه حضورُ الله على الأرض. انه "عمانوئيل"، اي "الله معنا"، فليس هو انسانًا وحسب، وليس الخلاص الذي جاءنا به من انسان. فالله نفسه هو الذي أتى الينا في شخص يسوع، والله نفسه هو الذي خلّصنا في شخص يسوع.
في هذا يقول انجيل يوحنا: "الكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا، وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنه الوحيد الممتلئ نعمة وحقًا... اجل، من امتلائه نحن كلنا قد أخذنا، ونعمة فوق نعمة. فان الناموس قد اعلي بموسى، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا" (يو 1: 14، 16، 17). والنعمة والحق في انجيل يوحنا مرادفان للخلاص.
ان خلاص الله قد بدأ يتحقق للبشرية بتجسّد كلمة الله في احشاء مريم العذراء. قد نسمع احيانًا بعض اللاهوتيين والوعّاظ، في حديقهم عن الفداء والخلاص، يحصرون الفداء والخلاص في موت المسيح. انها نظرة ضيّقة لسر الخلاص. لقد كان لآباء الكنيسة الاولى نظرة اوسع واشمل للخلاص، اذ رأوا علاقة وطيدة بين الخلاص والتجسد، كما جاء مثلاً في احدى عظات القديس كيرلس الاسكندري: "منذ ان اتخّذ الكلمة جسدًا، انطفأ في الجسد سمّ الحية، وقوّة الشر أزيلت منه، وقضي على الموت الذي نتج من الخطيئة... لقد أخذ الكلمة جسدًا مخلوقًا ومائتًا، وبما أنه الخالق جدَّده وألَّهه في ذاته، ليقودنا جميعًا على مثاله الى ملكوت السماوات".
بتجسّد الكلمة في احشاء امرأة، بظهور يسوع المسيح ابن الله في الجسد، ظهر في البشرية الانسان الجديد الذي لا نقص فيه ولا اعوجاج، لا ضياع ولا تغرّب، لا ذنب ولا خطيئة. بتجسّد الكلمة حصلت الطبيعة البشرية على الخلاص واتحدت بشخص ابن الله القدوس، "فتجدّدت وتألّهت". في شخص يسوع المسيح وُجدت طبيعة بشرية خالصة كاملة، فإنّ خلاص الانسان هو قبل كل شيء خلاص كيانيّ. وهذا الخلاص يتم باتحاده في كيان المسيح، الانسان الجديد، الانسان المتّحد بالله اتحادًا جوهريًا.

2- يسوع المسيح خلّصنا بأعماله.
ان يسوع المسيح الذي هو المخلّص في كيانه قد حقّق لنا هذا الخلاص في اعماله. يروي لوقا ان يسوع دخل المجمع يوم سبت وقام ليقرأ، "فدُفع اليه سفر أشعيا النبي؛ فلما نشر السفر وقع على الموضع المكتوب فيه: "روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشّر المساكين، وأرسلني لأنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأطلق المرهقين أحرارًا، وأعلن سنة نعمة للرب". ثم طوى السفر، ودفعه الى الخادم، وجلس. وكانت عيون الذين في المجمع شاخصة اليه بأجمعها. فشرع يقول لهم: "اليوم تمّت هذه الكتابة التي تليت على مسامعكم وكانوا جميعًا يشهدون له، ويعجبون بكلام النعمة الخارج من فيه" (لو 4: 14- 22).
كان اليهود يحتفلون كل خمسين سنة بسنة يوبيل يريحون في اثنائها الأرض ويطلقون الأسرى ويحرّرون العبيد. لقد كانت تلك السنة سنة نعمة للرب. وبمجيء المسيح اصبحت سنة النعمة هذه سنة دائمة، لأنّ المسيح هو نعمة الله التي انسكبت على جميع البشر ولا سيما على الفقراء والمرهقين والخطأة.
يعيش الانسان في القلق والعبودية والخوف عندما تسيطر عليه مخاطر من ذاته، من شهواته وامياله، فيسقط في الخطيئة ويصبح عبدًا لها، وبالتالي في حاجة الى من يخلّصه من خطيئته؛ ومخاطر من المجتمع، عندما يدرك ان المجتمع يرذله ويحتقره ويستعبده، فيمسي في حاجة الى من ينقذه من قيود المجتمع، ومخاطر من الطبيعة والكون، كالأمراض والمصائب والموت.
ولقد جاء المسيح مخلصا للانسان ينقذه ويحرّره من سطوة تلك الخاطر: جاء يغفر الخطايا ويظهر للخطأة ان محبة الله اعظم من خطاياهم، وجاء يظهر بأقواله واعماله ان الخطأة والغرباء والفقراء هم أقرب الى قلب الله من الفريسيين والمتسلّطين والاغنياء، ويؤكد أنّ محبة الله تشمل جميع الناس على السواء، وجاء يشفي المرضى وينهض المخلّعين ويقيم الموتى، مظهرًا ان محبة الله أقوى من مخاطر المرض والموت.
المحبة وحدها هي، التي تخلّص الانسان في جميع ابعاده: في ذاته وفي علاقته بالآخرين وفي ارتباطه بالحياة والكون. وقد أظهر لنا يسوع في حياته واعماله عمق تلك المحبة التي ليست محبة انسان لآخر بل محبة الله نفسه التي تنسكب على جميع الناس فتحيي نفوسهم وتخلّصهم من عبوديتهم.

3- يسوع المسيح خلّصنا بموته
"ليس لأحد حب اعظم من ان يبذل الحياة عن اصدقائه" (يو 15: 13). لقد خلّصنا يسوع في حياته عندما أظهر لنا بأقواله واعماله وفرة محبة الله. وقد ظهرت تلك المحبة في اقصى حدودها في موت يسوع. لذلك ترى المسيحية في موت يسوع قمة عمله الخلاصي.

ء) بقي يسوع أمينًا لرسالته حتى الموت: مات موت الأنبياء
لمِ يرد يسوع الموت لاجل الموت ولا العذاب لاجل العذاب، فالعذاب يبقى شكًا وجنونًا. ويسوع، في بستان الزيتون، حيال الموت الذي كان يتوقعه، "طفق يحزن ويكتئب" (متى 26: 37)، "وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض" (لوقا 22: 44)، وراح يصلي: "يا أبتاه! ان شئت فأجزعني هذه الكأس! ولكن، لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لوقا 22: 42).
لم يرد يسوع الموت والعذاب، الا أنه لم يتهرّب منهما ولم يتراجع أمامهما بل بقي أمينًا لرسالته حتى الموت. لقد أظهر في تعاليمه واعماله محبة الله لجميع الناس على السواء وخلّص الانسان من استعباد الخطيئة ومن تعاليم الفريسيين المبنية على تفسير حرفي للناموس، فأثار بذلك حقد الفريسيين والكتبة وحنق رؤساء الكهنة والشيوخ الذين رأوا في تعاليمه خطرًا على الناموس وفي اعماله ومعجزاته خطرًا على سلطتهم، فعقدوا العزم على قتله وقبضوا عليه. واذ كانت اليهودية ولاية خاضعة للامبراطورية الرومانية، وكانت رومة قد حرمت المحاكم اليهودية حق الحكم بالاعدام، اسلموه الى بيلاطس الوالي الروماني وطلبوا منه ان يحكم عليه بالموت بحجة انه جعل نفسه "ملك اليهود" وانه "يفتن الشعب": "لقد وجدنا هذا الرجل يثير أمّتنا، ويمنع من أداء الجزية لقيصر، ويدّعي أنه المسيح الملك" (لوقا 23: 2). لم يقتنع بيلاطس باتهاماتهم وشكاياتهم، بل "كان يعلم أنهم قد أسلموه عن حسد" (متى 27: 18؛ مر 15: 10). واراد أن يطلقه، الاّ أن اليهود هددوه قائلين: "ان أنت أطلقته، فلستَ مواليًا لقيصر، لأنّ كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر" (يو 19: 12).
وهيّج رؤساء الكهنة الشعب للمطالبة بصلب يسوع. "وشاء بيلاطس ان يرضي الجمع... فأسلم اليهم يسوع، بعد أن جلده، ليُصلب" (مر 15: 15).
لقد كان بإمكان يسوع تجنّب الموت بالهرب من اليهود الذين كانوا يطلبون قتله، أو بالتوقف عن التعليم. الا أنه لم يرد التراجع امام تطلبات رسالته. وعندما سأله بيلاطس في أثناء محاكمته: "أنت اذًا ملك؟"، أجابه: "أنت قلت، اني ملك، لقد ولدت وجئت الى العالم لأجل هذا: أن أشهد للحق. وكل من هو للحق يسمع صوتي" (يو 18: 37). جاء يسوع ليشهد للحق وبقي أمينًا لرسالته حتى الموت. لم يتّبع منطق ملوك العالم ونهجهم: "ان مملكتي ليست من هذا العالم. فلو كانت مملكتي من هذا العالم لكان رجالي يقاتلون عني فلا أسلم الى اليهود. ولكن، لا، ان مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36).
وعندما قبض اليهود على يسوع في بستان الزيتون، وأراد بطرس ان يدافع عنه بالسبيل الذي يلجأ اليه معظم الناس، اي بالسيف والقتل، قال له المعلّم: "ردّ سيفك الى موضعه، لأنّ جميع الذين يأخذون السيف يهلكون بالسيف. أوَ تظنّ أني لا أستطيع ان اسأل أبي فيقيم لي، في الحال، ما ينيف على أثنتي عشرة كتيبة من الملائكة... فكيف اذًا تتمّ الكتب القائلة: ان هذا ما ينبغي أن يكون؟" (متى 26: 52- 54).
ان النهج الذي اتّبعه يسوع في تعليمه وفي اعماله كان لا بدّ أن يقوده الى الموت. فالظلم لا يحتمل قوة العدل، والباطل لا يصبر على تحدي الحق. هذا ما تعبّر عنه مختلف أسفار العهد الجديد عندما تظهر موت يسوع أمرًا ضروريًا. فيسوع أنبأ تلاميذه ثلاث مرات قبل آلامه "أنه ينبغي لابن البشر أن يتألم كثيرًا، وأن ينتبذه الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأن يُقتل ويقوم بعد ثلاثة أيام" (مر 8: 31، 32). ولدى ظهوره لتلميذي عماوس اللذين كانا منذهلين من موته، قال لهما: "ما أقصر أبصاركما، وما أبطأ قلوبكما في الإيمان بكل ما نطقت به الانبياء، أما كان ينبغي للمسيح ان يكابد هذه الآلام ويدخل في مجده؟" (لو 24: 25، 26).
لم يكن موت يسوع على الصليب أمرًا محتومًا. انه لم يأت صوت على الصليب ويحقّق تصميماً الهيًا حدّده له الآب بمعزل عن ارادته، بل جاء ليجمع ابناء اورشليم "كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها" (راجع متى 23: 37). الاّ أن ابناء اورشليم "قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها... لم يريدوا"، بل قبضوا عليه وأسلموه للموت. انّ ما اعتبره يسوع أمرًا ضروريًا ورأى فيه مشيئة الله، كما قال في صلاته في بستان الزيتون "يا أبتاه، ان شئت فأجز عني هذه الكأس! ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لو 22: 42)، هو مجابهة عالم الخطيئة والشهادة للحق. وهذا ما بقي امينًا له حتى الموت.
على هذا الصعيد يشبه موتُ يسوع موتَ سائر الانبياء والمرسلين الذين استشهدوا للدفاع عن الحق. لكنّ يسوع "اعظم من نبي" (متى 12: 41، 42). انه المسيح. لذلك كان لموته، الى جانب معنى الشهادة، معنى آخر هو معنى الفداء.


ب) يسوع هو المسيح الذي افتدانا بموته من الخطيئة
يسوع غفر لقاتليه
كان الشعب اليهودي ينتظر مجيء مسيح ملك يخلّصه من عبوديته ويحرّره من سيطرة الرومان ويعيد مملكة داود، منشئاً مملكة دنيوية كسائر الممالك مبنية على القوة والسيادة. لذلك رفض الاعتراف بأنّ يسوع هو المسيح المنتظر. ولقد حقق يسوع رغبة الاجيال السابقة ونبوءات الأنبياء، وجاء ليخلّص الانسان ويحرّر الشعب، لكنه رفض تحقيق ذلك باللجوء الى طرق ملوّثة بالخطيئة، لأنّ الخطيئة لا تزيلها خطيئة أخرى: فالحقد لا يزيله الحقد، والإثم لا يمحيه الإثم، والقتل لا يبطله القتل. المحبة وحدها تستطيع ان تزيل الحقد، والمغفرة وحدها تستطيع ان تمحي الإثم، والموت في سبيل القاتل يستطيع وحده ان يبطل القتل. لقد استطاع الحقد ان يعلّق يسوع على الصليب، ولكنه وقف عاجزًا أمام المغفرة التي منحها يسوع لصالبيه: "يا أبتاه! اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ما يعملون" (لوقا 23: 34).
أوصى يسوع تلاميذه بأن تكون محبّة الأعداء العلامة المميّزة لهم، لأنها العلامة المميّزة للآب السماوي: "أحبوا اعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات، فإنه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والأثمة" (متى 5: 44، 45). تلك المحبة التي تقوم، لا على اقامة الحواجز وتدمير الآخرين بحجة أنهم أعداء وأثمة، بل على رفع كل حاجز يفصل الانسان عن أخيه الانسان، والانسان عن الله، قد حقّقها يسوع في حياته، عندما غفر للخطأة، وحققها الى أقصى حدّ في موته عندما غفر لقاتليه.
انّ من يرفض الدخول في مسلسل القتل والإثم والخطيئة يوقف انحطاط البشرية، ومن يرفضه أن يسيطر عليه الحقد يسيطر على الخطيئة، ومن يغفر لأعدائه يزيل العداوة. وبما أنّ يسوع هو مسيح الله "وابن البشر الذي أعطاه الله على الأرض سلطان مغفرة الخطايا" (مر 2: 9، 10)، وبما أنه "ابن الله الذي لا يستطيع من نفسه أن يعمل شيئًا، الاّ ما يرى الآب يعمله" (يو 5: 19)، و"كما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك اعطى الابنَ ان تكون له الحياة في ذاته، وآتاه سلطانًا أن يدين لأنه ابن البشر" (يو 5: 26، 27)، "لأنّ الآب لا يدين احدًا، بل فوّض الى الابن كلّ دينونة" (يو 5: 22)، فالمغفرة التي منحها يسوع وهو على الصليب تعبّر عن المغفرة التي منحها الله لقاتلي يسوع ومن خلالهم لجميع القتلة والخطأة على مدى التاريخ كلّه.

مبادرة الخلاص تأتي من الله
لقد وردت في تاريخ اللاهوت بعض تفسيرات لموت المخلص الفدائي تظهره عملاً قام به المسيح لتسكين غضب الله أو فدية دفعها المسيح عن الانسان لتحريره من عبودية الشيطان. انّ غضب الله على الخطأة وعبودية الخطأة للشيطان هما صورتان أدبيتان هدفهما اظهار البعد السحيق والتناقض العميق ص بين الخطيئة والله. وذبائح الحيوانات التي كانت شعوب العهد القديم تقدمها لله كانت تعبّر عن ادراك الانسان لهذا البعد الذي تنشئه الخطيئة بينه وبين الله، وعن اقتناع الانسان بأن الموت وحده يمكنه التكفير عن الخطيئة، لأن الخطيئة هي اهانة قصوى لله.
كان الانسان في العهد القديم يحاول هو التقرّب من الله لارضائه والتصالح معه. اما في العهد الجديد فالمبادرة تأتي من الله نفسه. فالله هو الذي يبادر برحمته الخلاّقة الى تبرير من كان خاطئًا واحياء من كان مائتًا. لا يقول العهد الجديد ان الانسان هو الذي يتصالح مع الله، بل "ان الله هو الذي صالح، في المسيح، العالم مع نفسه" (2 كور 5: 19). ويعبّر العهد الجديد عن هذه الفكرة بأمثال وتشابيه متنوعة: فالله هو الراعي الصالح الذي يمضي هو نفسه في طلب الخروف الضال حتى يجده ويحمله على منكبيه، ويعود به الى بيته فرحًا (لوقا 15: 4- 7)؛ والله "هكذا أحبّ العالم حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16). ويشبّه بولس الرسول الله بابراهيم الذي لم يذخر ابنه بل اسلمه الى المحرقة، فيقول: "اذا كان الله معنا فمن علينا؟ هو الذي لم يذخر ابنه الخاص، بل اسلمه عنا جميعًا، كيف لا يهبنا معه كلّ شيء؟" (روم 8: 31). ويقول في موضع آخر من الرسالة عينها: "ان الله قد برهن عن محبته لنا بأن المسيح قد مات عنّا ونحن خطأة" (روم 5: 8).

يسوع المسيح حمل الله
في العهد القديم قدّم ابراهيم ذبيحة لله كبشًا عوضا من ابنه اسحق (تكوين 22: 12، 13). اما في العهد الجديد فيسوع كان هو نفسه الحمل الذي رخ خطيئة العالم بتقدمة ذاته على الصليب، كما يصفه انجيل يوحنا: "ها هوذا حمل الله، الذي يرفع خطيئة العالم" (يو 1: 29). وقد مات يسوع في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة السابق عيد الفصح، وهي الساعة التي كانت تذبح فيها امام هيكل اورشليم الحملان الفصحية. ويؤكد انجيل يوحنا هذا الشبه بين يسوع والحمل الفصحي عندما يشير أيضا الى ان يسوع وهو على الصليب "لم يُكسر له عظم" (يو 19: 36)، على مثال الحمل الفصحي (خروج 12: 46).
لقد افتدانا يسوع من الخطيئة مظهرًا ان العبادة الحقيقية ليست تقدمة ذبائح الحيوانات بل تقدمة الذات لتتميم ارادة الله في البرّ والقداسة. هذا ما يفسّره بولس الرسول بقوله: "ان ناموس روح الحياة التي في المسيح يسوع قد أعتقك من ناموس الخطيئة والموت. انّ ما لم يستطعه الناموس لعجزه بسبب الجسد قد انجزه الله اذ أرسل ابنه، من اجل الخطيئة، في شبه جسد الخطيئة، فقضى على الخطيئة في الجسد، لكي يتمّ برّ الناموس فينا" (روم 8: 2- 4). أراد الله ان يحرّر البشرية من الخطيئة وأن يفتديها ويخلّصها ويقدّسها. واذ أصبح الناموس القديم عاجزًا عن ذلك "بسبب الجسد"، أي بسبب خطيئة الانسان، أرسل الله ابنه "في شبه جسد الخطيئة"، اي انّ ابن الله صار انسانًا مثلنا في كل شيء ما خلا الخطيئة، "فقضى على الخطيئة في جسده"، اي انه عاش في هذا الجسد حياة برّ وقداسة. وهكذا أتمّ فينا البرّ الذي كان الله يطلبه منا في الناموس ولم يستطع الناموس ان ينجزه.
وتتوسّع الرسالة الى العبرانيين في هذا الفداء فتقول: "ان كان دم ثيران وتيوس يرشّ على المنجّسين، فيقدّسهم لتطهير الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح، الذي بروح أزلي قرّب لله نفسه بلا عيب، يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ" (عب 9: 13، 14). وترى هذه الرسالة في ذبائح العهد القديم رموزًا لذبيحة العهد الجديد: "اذ انه من المحال ان دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا. لذلك يقول المسيح عند دخوله العالم: ذبيحة وقربانًا لم تشأ، غير أنك هيأت لي جسدًا. لم ترتض محرقات ولا ذبائح خطيئة. حينئذ قلتُ: ها أنا ذا آتي -اذ عني قد كُتب في درج الكتاب- لأعمل، يا ألله، بمشيئتك. فلقد قال اولاً: انك لم تشأ ذبيحة وقرابين، ولا محرقات، ولا ذبائح خطيئة... ولم ترضَ بها -مع أنها كلها تقرّب بموجب الناموس-، ثم يقول: ها أنا ذا آتي لأعمل بمشيئتك. فهو اذًا يُبطل النظامَ الأول ليقيم الثاني. وبقوّة هذه المشيئة قُدّسنا نحن بتقدمة جسد يسوع مرّة لا غير" (10: 4- 10).
وقد رأى العهد الجديد أيضاً في موت يسوع تحقيق النبوءات القديمة، ولا سيما نبوءة النبي أشعيا عن عبد الرب الذي سيحمل خطايا الكثيرين: "لقد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا، فحسبناه ذا برص، مضروبًا من الله ومذلّلاً. جُرح لأجل معاصينا وسُحق لأجل آثامنا. عليه وقع القصاص الذي يعيد الينا السلام، وبجراحه شفينا. كلّنا ضللنا كالغنم، كل واحد مال الى طريقه، فألقى الرب عليه إثم كلّنا. قُدّم وهو خاضع ولم يفتح فاه. كشاة سيق الى الذبح، وكحمل صامت أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه... الرب رضي ان يسحقه بالعاهات. فإنه اذا جعل نفسه ذبيحة تكفير عن الخطايا، يرى ذرّيّة وتطول أيامه، وارادة الرب تتمّ علىِ يده. بعد عناء نفسه، سيرى النور وتُحقّق رغباته. بعلمه يبرّر الصديق عبدي كثيرين حاملاً هو نفسه آثامهم. فلذلك أجعل له نصيبًا مع الكثيرين وغنيمة مع العظماء. لأنه بذل نفسه للموت وأحصي مع الأثمة، وهو حمل خطايا الكثيرين وشفع في العصاة" (أشعيا 53: 4- 12).

العشاء الفصحي والعهد الجديد بدم يسوع
انّ هذا المعنى الذي نجده في العهد الجديد وفي الكنيسة الاولى لموت المسيح، قد عبّر عنه يسوع نفسه في العشاء الفصحي الأخير الذي تناوله مع تلاميذه. "ففي الليلة التي أُسلم فيها، يقول بولس الرسول، أخذ خبزًا وشكر وكسره وقال: هذا هو جسدي الذي هو لأجلكم؛ اصنعوا هذا لذكري" (1 كور 11: 23، 24). ويوضح لوقا عبارة "الذي هو لأجلكم" بقوله "هذا هو جسدي الذي يُبذَل لأجلكم" (لو 22: 19). "وكذلك اخذ الكأس من بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يهراق من أجلكم" (لو 22: 20). ويضيف انجيل متى: "الذي يهراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا" (متى 26: 28).
رأى يسوع انّ رفض اليهود رسالته وحقدهم عليه سيقودانهم الى قتله. انتظر الموت، الاّ أنه جعل من موته لحظة المغفرة والمسامحة للذّين سيقتلونه. لقد اعطى موتَه معنى الفداء "في الليلة التي اسلم فيها"، وبينما كان معه على العشاء "يهوذا الذي سيسلمه" (متى 26: 21- 25)، ممثّلاً حقد اليهود وخطايا العالم أجمع. وهو الذي قال: "انا الراعي الصانع. والراعي الصالح يبذل حياته عن خرافه... لا احد ينتزع مني حياتي، وانما أنا أبذلها باختياري" (يو 10: 11- 18)، يستبق الآن موته ويعطيه معنى الفداء، فيبذل حياته، جسده ودمه، لاجل أصدقائه واعدائه، ويكسر الخبز ويقول: "هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم"، ويَسكب الخمر في الكأس ويقول: "هذا هو دمي الذي يهراق عن الكثيرين".
"هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي". لقد اعطى يسوع حياته لينشَأ عهد جديد بين الله والناس. وهكذا كان موته نقطة انطلاق لحياة جديدة في العالم. من البشرية التي قتلته بُعث شعب جديد مقدّس هو أولاً جماعة التلاميذ الذين بذل يسوعٍ حياته لأجلهم، كما جاء في انجيل لوقا: "هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم"، وهو أيضا العالم أجمع، بحسب ما جاء في متى ومرقس: "هذا هو دمي الذي يهراق عن الكثيرين". ولفظة الكثيرين تعني هنا الجميع، كما جاء في رسالة بولس الأولى الى تيموثاوس: "ان الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، الانسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فداء عن الجميع" (1 تيم 2: 5، 6).
ان تقدمة يسوع ذاته للموت تنشئ عهدًا جديدًا. والعهد يتضمّن طقوسًا وشريعة وشعبًا. فالعهد القديم أنشئ بين الله وشعبه على يد موسى بواسطة دم الحيوانات (راجع الخروج 24: 8 "واخذ موسى الدم ورشّه على الشعب وقال: هوذا دم العهد الذي عاهدكم به الرب على جميع هذه الأقوال")، اما يسوع فينشئ عهدًا جديدًا بدمه الخاص؛ والعهد القديم كان مبنياً على شريعة الله التي اعطيت لموسى، أما العهد الجديد فمبنيّ على تعاليم يسوع ومحبته التي جعلته بسكب دمه عن أحبّائه: وفي العهد القديم نشأ مع موسى شعب الله المكوّن من الشعب اليهودي، أما في العهد الجديد فنشأ مع المسيح شعب الله الجديد المنفتح على جميع الشعوب.
من صليب المسيح نبع الغفران للجميع وتصالح الجميع مع الله: "وانا متى ارتفعت عن الأرض، يقول يسوع، اجتذبت اليّ الجميع" (يو 12: 32). لم يمت يسوع "عن الأمّة اليهودية وحسب، بل ليجمع أيضا في الوحدة أبناء الله المتفرّقين" (يو 11: 52). وعندما "طعن أحد الجنود جنب يسوع بحربة فخرج منه للوقت دم وماء" (يو 19: 34)، رأى آباء الكنيسة في الماء والدم رمزًا لسرّي المعمودية والافخاريستيا ورمزًا لولادة الكنيسة التي تنشأ بالمعمودية وتترعرع وتتوحد بالافخاريستيا. إنّ الكنيسة، شعب العهد الجديد، ولدت من فيض محبة الله التي ظهرت لنا في موت يسوع المسيح، وهي تترعرع وتنمو بقدر ما تشترك في تلك المحبة وتحققها في حياتها.
عاش يسوع تلك المحبة بتقدمة ذاته على الصليب، ويطلب من كل من يريد اتّباعه والتتلمذ له ان يدخل في تيار محبته: "من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه وليحمل صليبه كل يوم ويتبعني" (لوقا 9: 24). وفي العشاء السري طلب يسوع من تلاميذه ان يأكلوا جسده ويشربوا دمه: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي... اشربوا من هذا كلكم، هذا هو دمي...". فمن يأكل ذبيحة المسيح يدخل في جميع معاني تلك الذبيحة ويلتزم تطلباتها، فيقدّم حياته مع المسيح، ويغفر ويحبّ كما غفر وأحبّ المسيح، وهكذا يتحقق فيه العهد الجديد الذي أنشأه المسيح بدمه بين الله والانسان، عندما تسري في عروقه حياة الله، حياة المحبة والمغفرة، وهكذا يتحقق على مدى الزمن والتاريخ الخلاص الذي حققه يسوع بموته على الصليب.

ج) يسوع هو ابن الله الذي كشف لنا بموته سر الله
تؤمن المسيحية ان يسوع الذي قدّم ذاته على الصليب ليس بمجرّد في ولا المسيح الملك وحسب، بل هو ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. لذلك لم يكن موته على الصليب عملاً غريباً عن كيان الثالوث الأقدس ولا خارجاً عن حياته، إنما كان تعبيراً عن ذلك الكيان وتلك الحياة.
هنا يبلغ اللاهوت المسيحي قمة الوحي في موضوع الفداء والخلاص. لقد حصلت البشرية على الفداء والخلاص ليس لأنّ يسوع مات موت الأنبياء وحسب، وليس لأنّ المسيح قدّم حياته كحمل فصحي تكفيرًا عن خطايا البشر وحسب. رأينا في مقطع سابق انّ النظرة الى الفداء كإلى عمل قام به المسيح تسكينًا لغضب الله هي نظرة وثنية. فالفداء هو اولاً عمل محبة الله، فالآب احبنا وبذل ابنه الى الموت لأجلنا، والابن أحبنا وبذل نفسه الى الموت لأجلنا.
في نهاية العشاء الفصحي "رفع يسوع عينيه الى السماء وقال: يا أبتاه، لقد أتت الساعة! فمجّد ابنك لكي يمجّدك ابنك، ويعطي -وقد قلّدته السلطان على كل بشر- الحياة الابدية لجميع الذين اعطيتهم له. والحياة الأبدية هي ان يعرفوك، أنت الاله الحقيقي الوحيد، والذي أرسلته، يسوع المسيح" (يو 17: 1- 4).
يحصل الانسان على الحياة والخلاص عندما يعرف الله كما هو. وبموت يسوع على الصليب انكشف لنا سرّ الله: الله محبة. وتلك المحبة قد ظهرت لنا في حياة يسوع واعماله، وظهرت لنا في أقصى حدودها في موت يسوع على الصليب. فمن يؤمن بيسوع وبما يمثّله يخلص، ومن يحيَ من تلك المحبة يجد الخلاص على هذه الأرض ويحيَ مع الله الى الأبد.
الإيمان في المسيحية هو الإيمان بأن الله محبة. وهذا الإيمان هو كالصخرة الثابتة غير المتزعزعة التي تعطي من يبني بيته عليها الأمان والاطمئنان. والخلاص يقوم في النهاية على اعتناق الانسان هذا الإيمان بالله المحبة اعتناقًا وجوديًا، وليس اعتناقًا عقليًا وفكريًا فقط، فيثبّت عليه اساس كيانه ويحيا به، ويقوم على انفتاح الانسان على الله مبدأ وجوده وينبوع حياته.
انّ قمة الوحي في التعريف بيسوع المسيح هو القول انه "ابن الله" أو "الابن". والابن لا وجود له الا من الآب وفي الآب. انه ليس أقنومًا قائمًا بذاته ومنفصلاً عن جوهر الآب. انه والآب جوهر واحد. انه في صميم كيانه وفي عمق جوهره انفتاح دائم وعطاء مستمّر للآب. انه "الكائن لأجل الله". وما تأنّسه الا تعبير لبنوّته الالهية وتجسيد لجوهره الذي هو انفتاح وعطاء. لذلك كانت حياته حياة انفتاح وعطاء ومحبة للناس. انه، في انفتاحه على الآب، "الكائن لأجل الله"، وفي انفتاحه على الآخرين، "الكائن لأجل الآخرين". لم يصنع في حياته الا مشيئة الآب، وبذلك حقّق "كيانه لأجل الله". وفي بذل ذاته الى الموت حقق "كيانه لأجل الآخرين"، وحقق رسالته التي حدّدها هو نفسه بقوله: "ان ابن البشر لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين" (مر 10: 45).
عند سائر الناس رسالة الشخص منفصلة عن كيانه، فهو انسان اولاً ثم له رسالته التي يعمل على تحقيقها. اما في يسوع المسيح فالرسالة والكيان أمر واحد، فهو في كيانه الابن الذي لا وجود له ولا حياة الا من الآب وللآب؛ وقد كانت رسالته تعبيرًا وظهورًا لكيانه، فعاش ومات لأجل الله ولأجل الآخرين.
يجد الانسان الخلاص عندما يتحد بيسوع المسيح ويحيا حياته في هذين البعدين: انفتاحه على الله وانفتاحه على الآخرين. "اذهبوا في العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. فمن آمن واعتمد يخلص" (مرقس 16: 16). فمن يؤمن بيسوع المسيح وبإنجيله وبرسالته ويحيَ حياته يخلص. والمعمودية هي السرّ الذي يعبّر بواسطته المؤمن عن إيمانه بالمسيح وعن رغبته في الموت عن الخطيئة والتحرر من عبوديتها للحياة مع الله كابن مع أبيه: "ان كل من يعمل الخطيئة، يقول يسوع، هو عبد للخطيئة. والعبد لا يقيم في البيت على الدوام. اما الابن فيقيم على الدوام. فان حرّركم الابن كنتم في الحقيقة أحرارًا" (يو 8: 34- 36).
يجد الانسان الخلاص عندما يتوب عن خطاياه ويتخلّى عن انانيته ويعتنق رسالة يسوع المسيح ابن الله ويحيا حياة ابن الله في جميع ابعادها: "من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم، ويتبعني. فإنّ من اراد ان يخلص نفسه يهلكها؛ وأما من أهلك نفسه من أجلي يخلّصها" (لوقا 9: 23، 24). فمن أراد ان يخلّص نفسه بعيدًا عن الله وعن المسيح يهلكها ويعيش في التغرّب والضياع. لا يخلص الانسان من التغرّب والضياع ولا يجد نفسه الا اذا أضاع نفسه لأجل المسيح، أي اذا تخلّى عن ذاته الضيّقة وعن حياته الأنانية ودخل في ذات الله وانفتح على حياته التي لا نهاية لها.

4- يسوع المسيح خلّصنا بقيامته
"ان كان المسيح لم يَقُم، فإيمانكم باطل، وانتم بعد في خطاياكم؛ ومن ثمّ فالذين رقدوا في المسيح أيضا قد هلكوا. ان كان رجاؤنا في المسيح، في هذه الحياة فقط، فنحن أشقى الناس أجمعين. ولكن، لا، فإنّ المسيح قد قام من بين الأموات، باكورة للراقدين، لأنه، بما أنّ الموت كان بإنسان، فبإنسان أيضاً قيامة الأموات. فكما أنه في آدم يموت الجميع، كذلك أيضا في المسيح سيُحيا الجميع" (1 كور 15: 17- 22).
حيال الموت يقف الانسان حائرًا يائسًا يسأل نفسه: ما نفع حياةٍ نهايتُها الموت والفناء؟ قيامة المسيح انقذت الانسان من الحيرة واليأس امام الموت. لقد خلّصنا المسيح بموته من الخطيئة وبقيامته من الموت. لو لم يقم المسيح لبقيت الخطيئة مسيطرة والموت سيدًا. لكن الله أقام يسوع مصدّقًا رسالته ومعلنًا أنّ الكلمة الأخيرة هي للمغفرة لا للخطيئة، للمحبة لا للحقد، للحياة لا للموت: "فليس اذًا بعد من قضاء على الذين في المسيح يسوع، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد حرّرك من الخطيئة والموت" (روم 8: 1، 2).
لقد قام المسيح وأرسل الينا روحه القدوس الذي يستمّر حضوره مدى التاريخ في ما بيننا وفي داخلنا. وهو الذي يجددنا تجديدًا دائمًا ويقود الى الكمال الخلاص الذي حققه المسيح في حياته وموته وقيامته.
ما هي سائر أبعاد قيامة المسيح؟ وما هو عمل الروح القدس في امتداد خلاص المسيح في الكنيسة وفي العالم أجمع؟ هذا ما سنعالجه في الفصل الثامن.
الفصُل الثامن
مِن قيَامة المسيح إلى مجيئِه الثاني

"وقام في اليوم الثالث كما في الكتُب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين اللهِ الآب، وأيضاً يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياءَ والأموات، الذي لا فناء لملكه".

"لِمَ تطلبنَ بين الأموات مَن هو حيّ؟ انه ليس ههنا، لكنه قد قام" (لو 24: 5). بهذه الكلمات أعلن الملائكة بشرى قيامة المسيح للنسوة اللواتي جئن قبره مع فجر اليوم الأول من الأسبوع. وبعد أن ارتفع يسوع عن أبصار التلاميذ ظهر لهم ملاكان وقالا: "ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء؟ إنّ يسوع هذا، الذي ارتفع عنكم الى السماء، سيأتي هكذا، كما عاينتموه منطلقاً الى السماء". انّ قيامة المسيح وصعوده الى السماء ومجيئه الثاني المجيد هي ثلاثة أحداث تعبّر من خلالها المسيحية عن إيمانها بمصير يسوع الناصري من بعد موته ودفنه. وتلك الأحداث الثلاثة مرتبطة بعضها ببعض بحيث لا يمكن أن يُفهَم الواحد منها دون الآخرَين.
انّ يسوع "من بعد تألمه أرى نفسه حيًّا" (أعمال 1: 3) لشهود كثيرين. فمن هم شهود القيامة وكيف عبّروا عن إيمانهم بقيامة المسيح في مختلف أسفار العهد الجديد؟ ثمّ ما هي أبعاد قيامة المسيح وعلاقتها بصعوده الى السماء وجلوسه عن يمين الآب؟ وأخيراً ما هي علاقة هذين الحدثين بالمجيء الثاني المجيد؟
القِسم الأول
شهود قيامة المسيح

ان الحدث التاريخي الذي يرتكز عليه إيماننا بقيامة المسيح هو إيمان الرسل بها. لقد عاش الرسل مع يسوع في حياته وشاهدوا صلبه. ومن بعد موته نسمعهم يعلنون إيمانهم بقيامته ويشهدون لهذا الايمان حتى الموت. لا يمكن أحداً أن يشكّ بأنّ الرسل آمنوا بقيامة المسيح. وقد يقدم أحد على التهوّس لأمر يتخيّله، ولكنة لا يُعقَل أن يقدم الرسل كلهم على الشهادة حتى الموت لأمرٍ ما، إن لم يختبروا في هذا الأمر اختباراً خاصاً يجدر الموت في سبيله. انّ المسيح قد "أرى نفسه حيًّا لهم". لقد اختبروا أنه حيّ وسمعوه يرسلهم الى التبشير وراحوا يعلنون ما اختبروا ويكرزون بما سمعوا. قبل القيامة كانوا "مختبئين في منزل أبوابه موصَدة خوفاً من اليهود" (يو 20: 19)، وبعد القيامة نراهم يشهدون لايمانهم أمام الألوف من اليهود المجتمعين في أورشليم لعيد العنصرة، معلنين أنّ يسوع الذي صلبه اليهود قد أقامه الله. ومن تلك البشارة نشأت الكنيسة التي يمكن التعريف بها انها جماعة الذين يؤمنون بأنّ يسوع قد قام ويبنون حياتهم على هذا الايمان.
انّ الكرازة بقيامة المسيح قد وصلت الينا في ثلاثة مصادر، كلٌّ منها يشهد لها بطريقة خاصة: أعمال الرسل ورسائل بولس والأناجيل.

1- أعمال الرسل
نجد في سفر الأعمال كرازة الرسل الأولى. في خمس خطب، وفي أوضاع وظروف مختلفة، نسمع بطرس ويوحنا وبولس يعلنون البشرى نفسها. كتب لوقا سفر أعمال الرسل حول سنة 80. فيمكننا أن نتساءل: هل الخطب التي يضعها لوقا على لسان الرسل قد فاهوا بها حقاً أم هي من تأليفه هو؟ انّ دراسة نص الخطب وتصميمها من استهلال وتوسّع وخاتمة تشير الى أنّ الصيغة التي وردت فيها إلينا هي من وضع لوقا. لكنّ النقد الأدبي أظهر أنها تحوي عبارات مترجمة من الآرامية. لذلك يجمع أهل الاختصاص على أنّ لوقا لم يختلقها اختلاقاً بل استند في وضعها الى وثائق قديمة كتابية أو شفوية. فيمكننا إذن اعتبارها صدى أميناً لكرازة الرسل في السنوات الأولى لكنيسة أورشليم.

ء) الخطبة الأولى
فاه بها بطرس يوم العنصرة: "ان يسوع الناصري، الانسان الذي أيّده الله لديكم بالعجائب والمعجزات والآيات، التي أجراها على يده في ما بينكم، كما أنتم تعلمون -ذاك الذي أسلم بحسب مشيئة الله المحدودة وعلمه السابق، فقتلتموه صلباً بأيدي الأثمة، قد أقامه الله، ساحقاً قيود الموت، اذ لم يكن في وسع الموت أن يضبطه... فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن جميعاً شهود بذلك... ان يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم قد جعله الله ربًّا ومسيحاً. فلما سمعوا ذلك انصدعت قلوبهم وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع، أيها الرجال الاخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس... فاعتمد الذين قبلوا كلام، وانضمّ الى الكنيسة في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس" (2: 22- 41).
يمكننا إيجاز هذه البشرى في أربع نقاط: أولاً، انّ يسوع قد صلبه اليهود؛ ثانياً، لكنّ الله قد أقامه؛ ثالثاً، والرسل جميعا هم شهود بذلك؛ رابعاً، فتوبوا واعتمدوا باسمه.

ب) الخطبة الثانية
ألقاها بطرس أيضاً أمام الشعب، بعد شفائه مقعداً أمام الهيكل، وبهد فيها النقاط الأربع ذاتها: "لقد قتلتم مُبدِئ الحياة، الذي أقامه الله من بين الأموات، ونحن شهود بذلك... فاندموا اذاً وتوبوا لكي تمحى خطاياكم" (3: 15- 19).

ج) الخطبة الثالثة
فاه بها بطرس ويوحنا أمام رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة الذين قبضوا عليهما بعد شفائهما المُقعَد، "مستائين لتعليمهما الشعب وندائهما في يسوع بالقيامة من بين الأموات... وسألوهما: بأيّ قوّة وباسم مَن فعلتما هذا؟ فقال لهم بطرس: انه باسم يسوع المسيح الناصري -الذي صلبتموه أنتم، وأقامه الله من بين الأموات- به وقف هذا الرجل أمامكم متعافياً. فذاك هو الحجر الذي ازدر يتموه. أيها البنّاؤون، الذي قد صار رأساً للزاوية، وما من خلاص بأحد غيره، اذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلص... إنّا لا نقدر أن لا نتكلّم بما عاينّا وسمعنا" (4: 2- 20).

د) الخطبة الرابعة
فاه بها بطرس أمام كرنيليوس قائد المئة: "أنتم تعلمون بما قد جرى في اليهودية... كيف مسح الله بالروح القدس والقدرة يسوع الناصري... ونحن شهود بكل ما صنع في أرض اليهود وفي أورشليم، هو الذي قتلوه معلّقين إياه على خشبة. فهذا قد أنهضه الله في اليوم الثالث، وآتاه أن يظهر، لا للشعب كلّه، بل لشهود قد اصطفاهم الله من قبل، لنا، نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد نهوضه من بين الأموات، وقد أوصانا أن نكرز للشعب، ونشهد بأنه هو الذي أقامه الله ديّاناً للأحياء والأموات، وله يشهد جميع الأنبياء، بأن كل من يؤمن به ينال باسمه مغفرة الخطايا" (10: 37- 43).

هـ) الخطبة الخامسة
ألقاها بولس في مجمع اليهود في انطاكية بيسيذية: "ان القاطنين في أورشليم ورؤساءهم، اذ لم يعرفوه، أتمّوا، بالقضاء عليه، أقوال الأنبياء التي تتلى في كل سبت، ومع أنهم لم يجدوا عليه علّة للموت، التمسوا من بيلاطس أن يُقتل، واذ أتمّوا كل ما كتب عنه، أنزلوه عن الخشبة، وجعلوه في قبر، لكن الله أنهضه من بين الأموات، وتراءى أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل الى أورشليم، الذين هم الآن شهوده عند الشعب... فبه قد بُشِّرتم بمغفرة الخطايا، وبه يتبرّر كل مؤمن، من كل ما لم تستطيعوا أن تُبرّروا منه بناموس موسى" (13: 27- 39).
لقد عبّر الرسل في خطاباتهم هذه الأولى عمّا اختبروه بعد موت يسوع، عن تلك الحقيقة التي كانت ولا تزال أساس إنشاء الكنيسة، والتي كوّنت ولا تزال تكوّن جوهر الإيمان المسيحي: انّ يسوع المسيح هو مخلّص العالم. فقد مسحه الله بالروح القدس والقدرة، فاجتاز وهو يحسن الى الجميع، إلاّ أنّ اليهود قتلوه معلِّقين إيّاه على خشبة. لكنّ الله قد أقامه، والرسل شهود لقيامته، فقد تراءى لهم وأوصاهم أن يكرزوا به ويعمّدوا باسمه لمغفرة الخطايا ومنح الروح القدس. كل من يؤمن به ينال البرّ والخلاص.
تلك هي الشهادة الجوهرية التي نجدها أيضاً في رسائل بولس.

2- رسائل بولس
انّ أقدم شهادة لقيامة المسيح نجدها في رسالة بولس الأولى الى الكورنثيين التي كُتب في ربيع سنة 56. يقول فيها: "أُذكّركم، أيها الاخوة. الإنجيل الذي بشّرتكم به... وبه تخلّصون... فإني قد سلّمت اليكم ما قد تسلّمت أنا نفسي: ان المسيح قد مات من أجل خطايانا، على ما في الكتب؛ وانه قُبِر، وانه قام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وانه تراءى لكيفا ثم للاثني عشر؛ ثم تراءى لأكثر من خصص مئة أخ معاً -أكثرهم باقٍ حتى الآن وبعضهم رقدوا- ثم تراءى ليعقوب، ثم لجميع الرسل؛ وآخر الكل، تراءى لي أنا أيضاً كأنّما للسِّقط (1 كور 15: 1- 8).
يقول بولس انه سلّم الى الكورنثيين ما تسلّمه هو نفسه: "انّ المسيح مات وقُبر وقام وتراءى لبطرس وسائر الرسل". تلك الشهادة قد تسلّمها بولس في دمشق عند ارتداده، وكان ذلك سنة 34- 35 أي خمس سنوات بعد قيامة المسيح. ثم يضيف شهادته الخصية: فالمسيح القائم من بين الأموات تراءى آخر الكل له أيضاً. وهذا الترائي يرويه سفر أعمال الرسل (9: 3- 9): نور من السماء أبرق حول بولس وسمع صوت المسيح يقول له: "أنا يسوع الذي تضطهده!".
لا نجد في سفر أعمال الرسل ولا في رسائل بولس وصفاً مفصَّلاً لأحداث قيامة المسيح وظهوراته لتلاميذه. فالاثنا عشر وبولس يقتصرون على تأكيد تلك القيامة كحقيقة لا جدل فيها، بها يحيون ولها يشهدون حتى الموت، ويعلنون معناها استناداً الى الكتاب المقدس. فقيامة المسيح هي ينبوع خلاص للانسان على هذه الأرض وعربون قيامته بعد الموت: "ان اعترفت بفمك أنّ يسوع هو ربّ، وآمنت في قلبك أن الله قد أقامه من بين الأموات، فإنك تخلص" (روم 10: 9). "إن كنا نؤمن أن يسوع قد مات ثم قام، فلنؤمن كذلك أن الذين رقدوا في يسوع سيحضرهم الله معه" (1 تسا 4: 14).

3- الأناجيل
نجد أيضاً شهادات كثيرة لقيامة المسيح في الأناجيل الأربعة التي تعود الى الثلث الأخير من القرن الأول. فإنجيل مرقس كُتب سنة 67؛ وانجيل لوقا بين 70 و80، وانجيل متى اليوناني الذي بين أيدينا، وقد تُرجم عن انجيل آرامي مفقود، كُتب حول سنة 80، وأخيراً انجيل يوحنا كُتب حول سنة 95. إلاّ أنّ هذه الأناجيل قد دوّنت ما كان الرسل يبشّرون به منذ قيامة المسيح، مستندة في ذلك الى تقاليد شفوية والى مجموعات كتابية من أقوال يسوع وأحداث حياته وسيرة آلامه وقيامته.
انّ من يقرأ سيرة قيامة المسيح في هذه الأناجيل يصطدم أولاً بما فيها من اختلاف في سرد الأحداث التي رافقت هذا الحدث الأساسي في الإيمان المسيحي.
فهنالك أولاً اختلاف في تحديد النسوة اللواتي ذهبن الى القبر: "مريم المجدلية ومريم الأخرى"، حسب متى (28: 1)، "مريم المجدلية ومريم أمِ يعقوب وصالومي"، حسب مرقس (16: 1)؛ "مريم المجدلية وحنة ومريم أم يعقوب وأُخر كنّ معهنّ"، حسب لوقا (24: 10) الذي يضيف أيضاً بطرس الرسول (24: 12)؛ "مريم المجدلية" وحدها، ثم "بطرس والتلميذ الآخر"، حسب يوحنا (20: 1، 3).
هناك أيضاً اختلاف في تحديد الأشخاص الذين ظهر لهم المسيح: النسوة، حسب متى (28: 9)؛ مريم المجدلية وحدها، حسب مرقس (16: 9) ويوحنا (20: 14)؛ تلميذا عمّاوس، حسب لوقا (24: 13) ومرقس (16: 12). وتذكر الأناجيل الأربعة ترائي يسوع للرسل كلهم معاً، وينفرد لوقا في ذكر ظهور خاص لبطرس (24: 34).
انّ هذه الاختلافات تبقى ثانوية بالنسبة الى ما يتفق عليه الانجيليون الأربعة في كرازتهم بقيامة المسيح. وتلك الكرازة تشمل ثلاثة أمور: أوّلاً، انّ يسوع قد تراءى من بعد موته للرسل الأحد عشر وبعض النسوة والتلاميذ، ثانياً؛ انّ الرسل قد آمنوا أنّ يسوع قام من بين الأموات وهو الآن حيّ مع الآب؛ ثالثاً، القبر الذي دُفن فيه يسوع وُجد في اليوم الثالث فارغاً من جسده.
سنتوسّع في هذه الأمور الثلاثة لنرى كيف عبّر الانجيليون عن إيمان الكنيسة الأولى بقيامة المسيح.

ء) يسوع تراءى لتلاميذه
نوعان من الترائيات
يذكر الانجيليون نوعين من ترائيات يسوع لتلاميذه من بعد قيامته: ترائيات شخصية لبعض الأفراد، كتلميذي عمّاوس (لو 24: 13- 35) ومريم المجدلية (يو 20: 11- 18)، وهذه الترائيات تعبّر عن الاختبار الشخصي لقيامة المسيح الذي يختبره المؤمنون لدى سماعهم كلمة الله وتناولهم عشاء الرب في الافخارستيا؛ ثمّ ترائي جماعي للرسل الأحد عشر (متى 28: 16- 20؛ مر 16: 15- 18؛ لو 24: 36- 53؛ يو 20: 19- 23). في هذه النصوص يبيّن الانجيليون أن الكرازة بقيامة المسيح مبنية على ترائي المسيح للرسل الأحد عشر، فهم الشهود الرسميون للقيامة وإليهم وكل المسيح رسالة التبشير باسمه. وفي رواية هذا الترائي يؤكّد كل انجيلي ناحية خاصة من سرّ المسيح.
ففي متى (28: 16- 20) يتراءى يسوع لتلاميذه على جبل الجليل. وهذا يذكّرنا بعظة يسوع على الجبل التي أعلن فيها شريعته الجديدة (متى 5: 1). فإنّ يسوع هو موسى الجديد الذي يطلب من تلاميذه أن يعلّموا جميع الأمم وصاياه الجديدة ويعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. ولكن بينما سجد موسى لله على جبل سيناء، يسجد التلاميذ هنا ليسوع، فإنه هو ربّ المجد وابن البشر الذي دفع اليه الله كل سلطان.
أمّا في لوقا (24: 36- 49) فالأمر الهام الذي يركَّز الاهتمامُ عليه هو انّ يسوع يفسّر لتلاميذه الكتب ويزيل الشك من قلوبهم ويعدهم بأن يرسل اليهم الروح القدس. وبواسطة حضور الروح القدس يتحقق وعد يسوع، الذي تحدث عنه انجيل متى، "بأن يكون مع تلاميذه كل الأيام الى انقضاء الدهر".
وأمّا في يوحنا (20: 19- 39) فيدور الموضوع حول متابعة رسالة المسيح. فالرسالة التي يكلها يسوع إلى تلاميذه هي ذاتها التي تلقّاها من الآب: "كما أنّ الآب أرسلني كذلك أنا أُرسلكم". ثم يعطيهم الروح القدس وسلطان مغفرة الخطايا. وهكذا تبدو رسالة الكنيسة دخولاً في سرّ الثالوث الأقدس.

كيف تراءى يسوع لتلاميذه؟
ان اللفظة التي استعملها بولس للتعبيرعن اتصال المسيح بتلاميذه من بعد قيامته هي فعل "تراءى": "تراءى لكيفا ثم للاثني عشر... ثم ترائى ليعقوب ثم لجميع الرسل، وآخر الكل تراءى لي أنا أيضاً" (1 كور 15: 1- 8). وصيغة الفعل اليونانية المستعملة هنا تعني بالأحرى "أرى نفسه".
وهذه اللفظة يستعملها لوقا في ترائي المسيح لبطرس (لو 24: 34)، وترد في مواضع مختلفة من العهد القديم: في الحديث عن ترائي الله لابراهيم ("يتراءى الرب لأبرام": تك 12: 7؛ 17: 1)، ولمنوح وزوجته في سفر القضاة ("ولم يعد ملاك الرب يتراءى لمنوح وزوجته": قض 13: 21). ونجد أيضاً هذه اللفظة في مختلف أسفار العهد الجديد: فلاك الرب تراءى لزخريا وهو في الهيكل (لو 1: 11)، وفي تجلي يسوع على جبل ثابور تراءى موسى وايليا في مجد للتلاميذ (لو 9: 31؛ مر 9: 4؛ متى 17: 3)؛ وفي نزاع يسوع في بستان الزيتون تراءى له ملاك من السماء ليشدّده (لو 22: 43)؛ ويوم العنصرة تراءت للرسل ألسنة منقسمة كأنها من نار (أعمال 2: 3)، وهناك نشيد قديم يستخدمه بولس في رسالته الأولى الى تيموثاوس يتكلم عن يسوع الذي تراءى للملائكة (1 تيم 3: 16).
وهناك تفسير لترائي الله لابراهيم نقرأه في كتابات الفيلسوف اليهودي فيلون الاسكندري يقول فيه: "ليس ابراهيم هو الذي رأى الله، بل انّ الله هو الذي أرى نفسه لابراهيم".
انّ استعمال هذه اللفظة في ترائيات يسوع لتلاميذه من بعد قيامته يشير الى أمرين: الأمر الأول هو الإصرار على أنّ ظهور المسيح لتلاميذه من بعد قيامته ليس توهماً حصل للتلاميذ ولا نسجاً من خيالهم. فيسوع هو صاحب المبادرة في إظهار نفسه. وبما أنه قد أرى نفسه للتلاميذ فهذا يعني أنه حيّ، كما أنّ الله الحي قد أرى نفسه لابراهيم. فالتلاميذ اذاً لم يكونوا ضحية أوهام وتخيلات عندما شهدوا أنّ يسوع تراءى لهم حياً بعد قيامته.
أمّا الأمر الثاني فيتعلّق بكيفيّة تصوّر الحالة التي تراءى فيها يسوع لتلاميذه. فهل يختلف هذا الترائي عن سائر الترائيات التي يذكرها الكتاب المقدس في العهد القديم وفي العهد الجديد؟ وهل يختلف عن ترائيه لبولس على طريق دمشق؟ ففي رواية هذا الترائي يذكر سفر أعمال الرسل ان مرافقي بولس "سمعوا صوتاً، لكنهم لم يروا أحداً" (أعمال 9: 7)، وفي موضع آخر انّهم "رأوا النور، إلاّ أنّهم لم يفقهوا صوت الذي يكلّمه" (أعمال 22: 9). فهل كان ترائي المسيح ترائياً مادياً بحيث يمكن التقاطه بآلة تصوير أو يستطيع أي انسان غير مؤمن أن يشاهده؟
يتجه اليوم معظم مفسّري الكتاب المقدس الى القول بأنّ ترائيات يسوع لتلاميذه من بعد قيامته لم تكن ترائيات مادية يمكن تيقّنها بأعين الجسد المادي، بل ترائيات روحية لا يمكن رؤيتها إلا بأعين الايمان.
قد يعترض البعض قائلين: ولكن هناك مقاطع في الانجيل تدل على عكس ذلك: "واذ كانوا بعد غير مصدّقين من الفرح، منذهلين، قال لهم: "هل عندكم ههنا طعام؟" فقدّموا له قطعة من السمك المشوي. فأخذ وأكل أمامهم" (لو 24: 41- 43). وفي انجيل يوحنا، عندما يظهر لتوما يقول له: "هات إصبعك الى ههنا وانظر يديّ، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً" (يو 20: 27).
لا يمكننا قراءة هذه النصوص قراءة مادية حرفية، بل يجب البحث من خلالها عن هدف الانجيليين وهو هدف مزدوج: الإصرار أولاً على أنّ الرسل ليسوا أمام وهم جماعي ولا أمام تخيل شخصي، فقد يتخيّلون وجود روح أمامهم ولكنّهم لا يستطيعون ان يتخيّلوا انساناً له لحم وعظم ويأكل أمامهم، فإنّ يسوع حقاً أمامهم في روحه وفي جسده أي في كامل شخصه؛ والإصرار ثانياً على انّ يسوع الذي ظهر للرسل هو نفسه الذي صُلب، وهذا معنى الاشارة الى آثار المسامير في يديه والحربة في جنبه.

ب) الرسل آمنوا أنّ يسوع قد قام
الإيمان اختبار شخصي
يؤكّد جميع الانجيليين أنّ الإيمان عنصر أساسي في ترائي المسيح لرسله. ففي ترائي يسوع لتوما يقول له: "أفلأنك رأيت آمنت؟ طوبى للذين يؤمنون ولم يروا!" (يو 20: 27- 29)، وفي إنجيل لوقا يفتح يسوع أذهان تلاميذه ليؤمنوا استناداً الى الكتاب المقدس: "ثم قال لهم: ذلك ما قلت لكم اذ كنت بعد معكم، انّه لا بد أن يتمّ جميع ما كتب عني في ناموس موسى، وفي الأنبياء والمزامير". عندئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب، وقال لهم: "هكذا كُتِب: انه ينبغي للمسيح أن يتألّم، وأن يقوم من الأموات في اليوم الثالث" (لو 24: 44- 46).
ان الايمان لا يستند الى وقائع مادية يمكن تحققها بالوسائل العلمية الخارجة عن الانسان. انه نور داخلي يملأ الانسان يقيناً بحضور الله وقدرته. فالرسل لم يتحققوا حدث القيامة استناداً الى براهين علمية خارجية. انهم أوائل مَن آمنوا بقيامة المسيح. لقد آمنوا بحضور الله في شخص يسوع المسيح، وآمنوا أن الله قد أقام يسوع وسحق الموت.
يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: "ان اللقاء مع المسيح القائم هو، في نظر العهد الجديد، لقاء مع الله واختبار لله. انّ ما ظهر للرسل هو حقيقة ملكوت الله الذي جاء بشكل نهائي في يسوع المسيح بموته. انّ ما تراءى للرسل هو ضياء مجد الله على وجه المصلوب. ترائيات يسوع هي الوحي الاسكتولوجي، الوحي الأخير، الذي به يوحي الله بذاته. فالله هو الذي يكشف ذاته، ويكشف مجده على وجه يسوع المسيح. ما رآه التلاميذ هو مصلوب البارحة في مجد الله. هذا الوحي لله ولمجده هو الأساس الحقيقي للإيمان الفصحي وللإيمان بوجه عام، لأنّ الإيمان هو اختبار الله غاية الحياة وهدفها. وهذا الإيمان لا يمكن أن يستند الى أحداث وبراهين خاصة، بل الى أمانة الله وحقيقته اللتين تفرضان نفسيهما على الانسان".
إنّ الرسل آمنوا بقيامة المسيح، ونحن أيضاً نؤمن اليوم بقيامته. فهل من فرق بين إيمان الرسل وإيماننا نحن؟
الإيمان اختبار شخصي، والاختبار الشخصي يصعب التعبير عنه. وبقدر ما يكون الاختبار شخصياً وعميقاً، بقدر ذلك يصعب التعبير عنه وإبلاغه بكل أبعاده للآخرين. اننا نجد بعض الصعوبة للتعبير عن اختبارنا التعبير الملائم، فكم بالأحرى يصعب علينا إدراك اختبار الرسل والتعبير عنه تعبيراً مطابقاً تمام المطابقة للواقع.
كل ما نستطيع قوله عن اختبار الرسل لقيامة المسيح هو أنهم لاقوا المسيح من بعد موته في لقاء شخصي واختبروا اختباراً جديداً انّ المسيح حيّ وأنه حاضر بينهم. اختبارنا نحن لا يختلف في أبعاده عن إيمان الرسل. "فإن دخل انسان غير مؤمن لا يعرف شيئاً عن المسيحية الى مكان يؤدّي فيه المسيحيون شعائر العبادة، شعر، من خلال موقفهم، أنّ أمراً ما يجري. وان سألهم عنه أجابوا: انّ الرب يسوع حاضر بيننا، وهو يدعونا الى مائدته، ونحن نأكل معه ونستمع إليه ونخاطبه... انّ هذا الجواب يشبه شبهاً مدهشاً روايات الانجيليين. لكنّ هناك فرقاً: يقال في هذه الروايات انّ الرسل عرفوا انه يسوع. لقد سبقوا وتعرّفوا اليه مدة حياته الأرضية، فبإمكانهم أن يتحقّقوا أنّ اختبار القائم من بين الأموات الذي يختبرونه الآن يطابق اختبار يسوع الأرضي الذي اختبروه من قبل. وهذا الأمر لا نقدر عليه نحن. فلكي نتحقق صدق اختبارنا لا بدّ لنا أن نقارنه باختبار الرسل. لا شكّ أنّ الاختبار نفسه هو واحد في كلتا الحالتين ولا يختلف أساساً في عمق أبعاده، لكنّ الرجوع الى الماضي الذي يثبّته ويصدّقه يختلف: إنّه حياة يسوع بالنسبة الى الرسل، واختبار الرسل بالنسبة إلينا".
إنّ إيماننا نحن يستند الى إيمان الرسل: استناداً الى إيمانهم واختبارهم نحن أيضاً نؤمن أنّ المسيح حيّ، ونفتح قلوبنا لنلاقيه ونحيا من حياته.
إنّ الكنيسة هي جماعة المؤمنين الذين يتناقلون شهادة الرسل بقيامة المسيح ويحقّقونها في حياتهم، ويشهدون بدورهم أن المسيح حيّ وأنّه بروحه حاضر في العالم وفي تاريخ البشر .

العلاقة بين الظهورات والايمان
قلنا انّ المسيح تراءى للرسل، والرسل آمنوا بأنّه حيّ. فترائي المسيح وإيمان الرسل هما أمران يجب التمييز بينهما، ولكن دون فصل أحدهما عن الآخر.
نقرأ في بعض كتب اللاهوت المعاصرة أنّ المسيح لم يتراءَ لرسله، إنما هم آمنوا به وآمنوا أنّه قد قام، وما ظهورات المسيح إلا تعبير بأسلوب روائي عن إيمان الرسل بقيامته. ان هذا التفسير هو ردّة فعل على التفسير الذي يعتبر ظهورات المسيح أموراً موضوعية يمكن فصلها عن الايمان وتحقّقها ببراهين علمية ثابتة. بين هذين التفسيرين: التفسير الذي لا يرى في القيامة إلا إيمان الرسل بها، والتفسير الذي يفصل القيامة عن إيمان الرسل، هناك مجال لتفسير آخر يميّز ظهورات المسيح عن إيمان الرسل دون أن يفصل بينهما. وهذا التفسير يبدو لنا أقرب الى حقيقة الله وحقيقة الانسان في آن واحد.
يرتكز هذا التفسير على اعتبار الإيمان اختباراً روحياً شخصياً. ولكنّ الاختبار لا بدّ أن يكون اختباراً لشيء خارج عن الانسان، وإلاّ أصبح توهماً وتخيّلاً. إنّ الاختبار هو حتماً لقاء بين الانسان وموضوع متميّز عنه.
في هذا يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: "يجب ألا نفصل "الموضوع" (أي قيامة يسوع وارتفاعه الى عند الآب اللذين حدثا في الواقع) عن "الذات" (أي اختبار الإيمان كما تعبّر عنه روايات الظهورات). دون اختبار الإيمان المسيحي ينقصنا العنصر القادر على إدراك المسيح القائم. وعلى عكس ذلك، دون قيامة يسوع نفسه لا وجود لاختبار فصحي. إنّ الحدث الفصحي هو الاختبار الفصحي الذي اختبره التلاميذ (أي إنّهم اختبروا أنّ يسوع الذي عاشوا معه هو وحده المسيح المخلّص النهائي للبشر)، ولكنّ منبع هذا الاختبار هو المسيح القائم.
"وقيامة المسيح لا تعني فقط انّ الله قد أقامه من بين الأموات، بل أيضاً انّ الله يعطيه جماعة يكون فيها حاضراً: أخصّاؤه الذين يجتمعون من جديد ويصبحون كنيسته. وهذا يفرض أن تكون قيامة يسوع هي في الوقت نفسه حضوره السماوي في ما بيننا... انّ قيامة يسوع وحضوره السماوي بين أخصّائه الذين على الأرض هما وجهان لحقيقة واحدة، بحيث إنّ التلاميذ لا يعرفون ما حدث ليسوع نفسه، أي انه قد قام، إلاّ من خلال حضوره من جديد في ما بينهم وبواسطة هذا الحضور".
يرى هذا اللاهوتي ان ترائيات المسيح للرسل تعني في الواقع خبرة إيمان الرسل لحضور المسيح بينهم، إلاّ أنه يضيف انّ تلك الخبرة ليست سوى وجه واحد لحقيقة القيامة. فالوجه الآخر الملازم لتلك الخبرة هو أنّ يسوع قد قام، أي انّه قد دخل في مجد الآب.

ج) القبر الفارغ
وهذان الوجهان هما ما تؤكّدهما الأناجيل في إطار روائي في روايات القبر الفارغ. يروي الانجيليون انّ بعض النسوة أتين القبر "في اليوم الأول من الأسبوع". أمّا سبب مجيئهن الى القبر فيختلف حسب الروايات: فمرقس يقول: "انّ النسوة أتين "ليحنّطن يسوع" (مر 16: 1)، وكذلك لوقا: "جئن مع الفجر الى القبر يحملن الحنوط الذي أعددنه" (لو 24: 1)؛ أمّا متى فيقول: "لما انقضى السبت، عند فجر اليوم الأولى من الأسبوع، جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر" (متى 28: 1)، وكذلك يوحنا لا يذكر شيئاً عن الحنوط (يو 20: 1).
ثم يتّفق الانجيليون في ذكر القبر الفارغ: لمّا وصلت النسوة الى القبر وجدن الحجر الذي كان على باب القبر قد دُحرج، ودخلن القبر ولم يجدن جسد يسوع. ولتفسير حدث القبر الفارغ، يظهر لهنّ "شاب جالس الى اليمين، عليه لباس أبيض"، يقول مرقس (مر 16: 5). هذا الشاب يقول عنه متى انه "ملاك الرب انحدر من السماء، وأتى ودحرج الحجر وجلس عليه، وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج" (متى 28: 2- 3). أما لوقا فيتكلم عن "رجلين عليهما ثياب برّاقة" (لو 24: 4)، ويوحنا عن "ملاكين بثياب بيض" (يو 2: 12).
هل هذه الرواية تاريخية بكل تفاصيلها؟ هل أتت النسوة الى القبر لتحنيط جسد يسوع أم لرؤية القبر؟ هل ظهر لهنّ ملائكة، بثياب بيض؟ هل وجدن القبر حقاً فارغاً من جسد يسوع؟ في الاجابة على هذه الأسئلة يجب التمييز بين فراغ القبر من جسد يسوع ورواية هذا الحدث كما ورد في الأناجيل.
انّ فراغ القبر من جسد يسوع تقليد قديم في أورشليم وأمر يجمع عليه الانجيليون الأربعة. لذلك، وان كان بعض مفسّري الكتاب المقدس اليوم لا يقرّون بتاريخية هذا التقليد ويعتبرونه أمراً رمزياً للدلالة على دخول المسيح في حياة الله، إلاّ أن معظم المفسّرين واللاهوتيين يقولون انه لو لم يوجد القبر في الواقع فارغاً لما نشأ هذا التقليد القديم ولا استطاع أن يثبت ويصمد.
اما رواية هذا الحدث فقد افترض بعض المفسّرين أنها نشأت من عادة قديمة عند اليهود كانت تقضي بزيارة قبور الأنبياء والصدّيقين والأقرباء للذكرى والصلاة. تمشياً مع هذه العادة كان المسيحيون الأوّلون يحجّون الى قبر يسوع، الى قبر فارغ، ويعلنون إيمانهم بقيامته. من هنا نشأت رواية أولى، أعاد كل من الانجيليين النظر فيها على طريقته وعبّر من خلالها عن فكره اللاهوتي. انها ليست روايات تاريخية بقدر ما هي روايات لاهوتية. لذلك تتضمّن، الى جانب شهادة الايمان بقيامة المسيح، عناصر لا يمكن تفسير ها تفسيراً مادياً وحرفياً.
فمجيء النسوة الى القبر ليحنّطن ميتاً دُفن منذ ثلاثة أيام، كما يقول مرقس ولوقا، يناقض كل التقاليد اليهودية ولا يتلاءم مع ما هو معروف عن المناخ الحار في فلسطين. لكن هذا التحنيط يتخذ معناه الحقيقي اذا فهمناه كتمهيد أدبي لإعلان قيامة المسيح: جاءت النسوة الى القبر ليحنّطن يسوع أي ليبقينه في الموت، فاذا هو حيّ قد تغلّب على الموت. كذلك قولهنّ بعضهنّ لبعض "من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر" ليس سوى صيغة أدبية وسؤال تمهيدي للتأكيد أنّ المسيح لم يُغلَق عليه في القبر بل أُخرج بقدرة الله الى الحياة، إذ لا حجر مهما كان كبيراً ولا حاجز مهما كان عظيماً يستطيع أن يمنع قدرة الله من أن تعتلن وتنهض يسوع من الموت.
ثمّ انّ فراغ القبر ليس في ذاته برهاناً على قيامة المسيح. انه لا يأخذ هذا المعنى إلاّ على ضوء الإيمان. أمّا غير المؤمن فقد يقول كما قال اليهود: "انّ تلاميذه جاءوا ليلاً وسرقوه!..." (متى 28: 13)، أو كما قالت مريم المجدلية: "أخذوا سيدي ولا أدري أين وضعوه" (يو 20: 13).
ان فراغ القبر يحتاج الى تفسير، وهذا التفسير يصفه الانجيليون على لسان الملائكة. فرسالة الملائكة في الكتاب المقدس تقوم على إعلان ارادة الله وتفسير معنى الأحداث والتشديد على تدخّل الله في حياة البشر. هذا ما يقوم به الملائكة الى جانب قبر المسيح: يعلنون للنسوة قيامة يسوع ويطلبون منهنّ تبشير الرسل بذلك:
"لا تخفن أنتنّ! اني أعلم أنّكن تطلبن يسوع المصلوب. انه ليس ههنا: فقد قام كما قال. لمّ وانظرن الموضع الذي كان مضجعاً فيه. ثم امضين في سعة، وقلن لتلاميذه: انه قد قام من بين الأموات، وانه يسبقكم الى الجليل. فهناك ترونه" (متى 28: 5- 7).
"لا ترتعدن. انكنّ تطلبن يسوع الناصري، المصلوب: انه قد قام، ليس هو ههنا. دونكنّ المكان الذي قد وضعوه فيه. فاذهبن الآن، وقلن لتلاميذه، ولبطرس: انه يسبقكم الى الجليل؛ فهناك ترونه، كما قال لكم" (مر 16: 6- 7).
"لِمَ تطلبن بين الأموات مَن هو حيّ؟ انه ليس ههنا، لكنه قد قام. تذكّرن ما قال لكنّ اذ كان بعد في الجليل: انه ينبغي لابن البشر أن يُسلم الى أيدي الخطأة ويُصلب، وأن يقوم في اليوم الثالث. فتذكرن كلامه" (لو 24: 5- 8).
تؤكّد النصوص الثلاثة التناقض بين طلب النسوة وقيامة المسيح: انكنّ تطلبن يسوع المصلوب، انه ليس ههنا، فقد قام. ويشير متى ومرقس الى المكان الذي كان مضجعاً فيه. وبقولهما "قلن لتلاميذه انه يسبقكم الى الجليل، فهناك ترونه" يمهّدان لترائي المسيح لتلاميذه في الجليل. تلك الجملة الأخيرة تصبح في انجيل لوقا: "تذكّرن ما قال لكنّ اذ كان بعد في الجليل...". فلوقا لا يروي ترائي يسوع لتلاميذه في الجليل، بل في أورشليم التي هي محور لاهوته. فمن أورشليم سينطلق الرسل للكرازة بالانجيل "في جميع اليهودية والسامرة والى أقاصي الأرض" (أعمال 1: 8).
وهكذا فانّ كلام الملائكة يسلّط الأضواء على جميع مراحل حياة يسوع ويفسّرها للنسوة: ففي الماضي أنبأ يسوع تلاميذه أنه سيُصلَب ويقوم، وفي الحاضر إنه ليس في القبر، لكنه قد قام، وفي المستقبل سيظهر لتلاميذه ويرسلهم للكرازة.
تلك الرسالة السماوية يوجّهها الانجيليون من خلال النسوة الى جميع الذين عرفوا يسوع وآمنوا به في حياته وراحوا يتساءلون متحيرين لماذا انتهت حياته بالصلب والموت، ويوجهونها كذلك الى جميع المؤمنين بيسوع على مدى الأجيال. فيسوع لم يمت لكنه قام الى مجد الله. والرسالة نفسها يضعها لوقا على فم يسوع في ترائيه لتلميذي عمّاوس وللرسل: "أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل في نجده؟" (لو 24: 26)، "هكذا كتب: انه ينبغي للمسيح أن يتألّم، وأن يقوم من بين الأموات، في اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه، بالتوبة لمغفرة الخطايا، في جميع الأمم، ابتداء من أورشليم" (لو 24: 46- 47).
انّ دخول يسوع الى مجد الله تعبّر عنه أيضاً تفاصيل أخرى في روايات القبر الفارغ تجدر الاشارة اليها. فالشاب الذي يظهر في رواية مرقس يوحي بالحالة الجديدة التي أصبح فيها يسوع: "انه جالس الى اليمين" مثل المسيح الممجّد الجالس الى يمين الآب وعليه "ثوب أبيض" يذكّر بالثوب الذي ظهر فيه يسوع في تجلّيه أمام تلاميذه على جبل ثابور (مر 9: 3).
أمّا متى فيستخدم في روايته الصوَر التقليدية التي تشير الى القيامة العامة في نهاية العالم: "واذا زلزال عظيم قد انبعث، لأنّ ملاك الرب انحدر من السماء، وأتى ودحرج الحجر، وجلس عليه" (متى 28: 2). فالزلزال هو من دلائل نهاية العالم (راجع خطاب يسوع في منتهى العالم، متى 24: 7). وهذا الزلزال يذكره متى أيضاً لدى موت يسوع: "الأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، كثيرون من القديسين الراقدة أجسادهم فيها قاموا وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وتراءوا لكثيرين" (متى 27: 51- 53). فموت يسوع وقيامته هما نهاية العالم القديم وبدء الأزمنة الجديدة. ويشير الى ذلك أيضاً مجيء الملاك الذي "كان منظره كالبرق" (كمجيء ابن البشر في نهاية العالم، متى 24: 27). وقد "دحرج الحجر وجلس عليه". فالحجر الذي يختم القبر ويرمز الى سلطة الموت قد أُزيل ودُمّرت معه سلطة الموت.

د) اليوم الثالث
أتت النسوة الى القبر "في اليوم الأول من الأسبوع، عند الفجر"، أي صباح نهار الأحد. وهذا اليوم هو اليوم الثالث لموت المسيح الذي حدث نهار الجمعة (مر 15: 42؛ يو 19: 31). في انجيل لوقا نسمع الملاك يقول للنسوة: "تذكّرن ما قال لكنّ اذ كان بعد في الجليل: انه ينبغي لابن البشر أن يسلم الى أيدي الخطأة ويُصلب، وأن يقوم في اليوم الثالث" (لو 24: 6- 7). في هذا تذكير بما تنبّأ به يسوع أمام تلاميذه عن آلامه وموته وقيامته، وكلّ مرة يذكر الانجيليون أنّ يسوع سيقوم، يضيفون أنه "سيقوم في اليوم الثالث" (لو 18: 33) أو "بعد ثلاثة أيام" (مر 10: 34؛ متى 27: 63).
لقد اتخذت عبارة "القيامة في اليوم الثالث" معنى زمنياً بمجيء النسوة الى القبر في اليوم الثالث وتحقّقهنّ فراغه من جسد يسوع، وبظهور يسوع حياً لتلاميذه في هذا اليوم عينه، حسب لوقا (24: 13، 33، 36)، ويوحنا (20: 19). إلاّ أنّ هذه العبارة تتضمّن معنى آخر، معنى لاهوتياً يجدر التنبه له. ففي نبوءة هوشع نقرأ الجملة التالية: "يحيينا (الله) بعد يومين، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه" (هو 6: 3). تعني عبارة "اليوم الثالث" في هذا النص "المدّة القصيرة". فالله لن يبطئ في إحياء شعبه وإقامته من الموت.
وقد فسّر الترجوم آية هوشع بقوله: "سيعيدنا الى الحياة في يوم التعزيات الآتية، وفي اليوم الذي يعيد فيه الأموات الى الحياة سيقيمنا معه". كما فسّر الترجوم أيضاً آية سفر التكوين التالية "وفي اليوم الثالث رفع ابراهيم طرْفه فأبصر الموضع من بعيد" (تك 22: 4)، بقوله: "اليوم الثالث هو اليوم الذي تُرَدّ فيه الحياة الى الأموات، كما ورد في هوشع: في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه".
فعبارة اليوم الثالث لم تكن تعني عند اليهود في أيام المسيح وقتاً زمنياً بل وقتاً لاهوتياً" هو وقت تدخل الله لإعادة الحياة الى الأموات. فعبارة "القيامة في اليوم الثالث" هي اذاً مرادف لعبارة "القيامة العامة"، لأنّ اليهود لم يتصوّروا قط أنّ الله سيقيم انساناً من الموت بمفرده وبمعزل عن الآخرين، بل كانوا يتوقّعون قيامة عامة لجميع الراقدين.
من هنا نستنتج أنّه عندما كان التلاميذ يبشّرون أنّ المسيح قام في اليوم الثالث كانوا يقصدون أولاً التأكيد أنّ القيامة الى حياة الله التي يرجوها جميع الأموات في الأزمنة الأخيرة قد حدثت ليسوع، فبدأت معه الأزمنة الأخيرة.
القِسم الثَاني
أبعاد قيامة المسيح

إنّ الرسل قد آمنوا بقيامة المسيح وشهدوا لها وكرزوا بها. فما هي أبعاد هذا الإيمان وهاتين الشهادة والكرازة؟ واليوم عندما نعلن إيماننا بأنّ المسيح قد قام ونشهد لهذا الحدث ونكرز به، ماذا نعني في الواقع؟ ما هو مضمون إيماننا بقيامة المسيح؟
انّ قيامة المسيح تحمل في جنباتها ثلاثة أبعاد يُلقى من خلالها الضوء على ثلاثة أسرار: سرّ الله وسرّ المسيح وسرّ الانسان. ففي هذا الحدث يعلن الله عن قدرته ويكشف عن ذاته انّه إله الحياة والمحبة؛ وفي هذا الحدث أيضاً يظهر الله صدق رسالة يسوع ويرفعه إلى المجد؛ وفي هذا الحدث أخيراً ينكشف للانسان بعض الشيء من مصيره في هذه الحياة وبعد الموت.

1- قيامة المسيح اعتلان لقدرة الله
"انّ الله بإقامة يسوع من بين الأموات لا يقوم بعمل خارق يناقض نواميس الطبيعة، بل يظهر ذاته إلهاً، ويظهر قدرته، ويكشف المعنى الأخير، الاسكتولوجي، للحياة برّمتها. الايمان بالقيامة ليس أمراً يضاف إلى الإيمان بالله وبيسوع المسيح؛ انّه موجز هذا الايمان وجوهره".
انّ الله، في قيامة يسوع، يكشف بصورة نهائية عن ذاته انّه الاله الذي تشمل قدرته الحياة والموت والكيان والعدم، وانّه قوّة الحياة الجديدة والمحبّةُ الخلاّقة والأمانة الدائمة.
من يؤمن أنّ الله أقام يسوع يؤمن انّ الله جدير بأن يثق به الانسان الثقة التامّة المطلقة. لذلك عندما تنغلق في وجه المؤمن كلُّ الآفاق الزمنية وتزول من أمام عينيه كلّ الآمال والامكانات البشرية، ويشعر أنّه يسير نحو الموت والتلاشي، عندئذ يظهر له الله في أزلية محبته ودوام حضوره.

2- قيامة المسيح تصديق لرسالته من قبل الله
انّ موت يسوع على الصليب كان، في أعين الناس، الدليل على أنّ الله قد أهمله ونبذه، على ما هو مكتوب: "ملعون كلّ من عُلِّق على خشبة" (غلا 3: 13). لذلك "كان المجتازون أمام صليبه يجدّفون عليه، ويقولون، وهو يهزّون رؤوسهم: أنت يا هادم هيكل وبانيه في ثلاثة أيام، أنقذ نفسك! إن كنت ابن الله، فانزل اذاً عن الصليب. وكذلك أيضاً رؤساء الكهنة كانوا يسخرون منه مع الكتبة والشيوخ ويقولون:... لقد توكّل على الله، فلينقذه الآن، إن كان راضياً عنه، فإنه قد قال: أنا ابن الله" (متى 27: 39- 43).
لذلك بعد موت يسوع هرب الرسل ورجعوا إلى الجليل، وتحققت فيهم كلمة يسوع: "كلّكم ستضعفون بسببي، لأنه مكتوب: سأضرب الراعي فتتبدّد الخراف. ولكن متى قمت أسبقكم الى الجليل" (مر 14: 27؛ متى 26: 31).
في الجليل دعا يسوع رسله دعوة أولى ليتبعوه ويبشّروا معه بقرب مجيء الملكوت، وفي الجليل ظهر لهم من بعد قيامته ودعاهم دعوة ثانية ليبشّروا أنّ ملكوت الله قد تحقق في قيامته: بالقيامة ظهر يسوع ابن البشر الذي أنبأ عنه دانيال انه "سيُعطى سلطاناً على ملوك الأرض" (دانيال 7: 14)، وقد أعطي هذا السلطان، كما قال لتلاميذه في ترائيه لهم على جبل في الجليل: "لقد دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى 28: 18).
وبالقيامة ظهر يسوع حقاً "ابن الله". في قيامة يسوع أجاب الله على تساؤلات الناس: ان كان ابن الله فلينزل عن الصليب، إذ قرّب، وهو على الصليب، "تضرعات وابتهالات، في صراخ شديد ودموع، الى القادر أن يخلّصه من الموت، فاستجيب له بسبب ورعه. ومع كونه ابناً، تعلّم ممّا تالّمه أن يكون طائعاً" (عب 5: 7، 8). انّ الله استجاب ابتهالات يسوع ابنه عندما أقامه من الموت.
هذا ما يقوله أيضاً بولس الرسول في خطبته في مجمع اليهود في أنطاكية: "انّ الوعد الذي صار لآبائنا قد حققه الله لنا نحن أولادهم، اذ أقام يسوع، على ما هو مكتوب في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (أعمال 13: 33). وفي رسالته الى الرومانيين يبشّر "بيسوع المسيح ربنا ابن الله، المولود بحسب الجسد من ذرّية داود، المقام بحسب روح القداسة، في قدرة ابن الله، بقيامته من بين الأموات" (روم 1: 3، 4).
انّ كل ما بشَّر به يسوع في حياته عن ملكوت الله قد صدّقه الله بإقامة يسوع. فالملكوت هو حياة الله تدخل عالمنا المائت وتبعث فيه حياة جديدة، وقد انبعثت تلك الحياة الجديدة من قبر المسيح. الملكوت هو محبة الله تشرق على عالمنا المظلم وتزيل عنه عتمة الحقد وظلمة الخطيئة، وقد أشرقت تلك المحبة في قيامة يسوع، كما أشرقت في حياته. لقد أظهر الله، بإقامة يسوع من الموت، انّ كل ما بشّر به يسوع في حياته قد بشّر به باسم الله، كلّ ما فعله في حياته قد فعله باسم الله، وانّ موته على الصليب كان اظهاراً لمحبة الله. لذلك يسوع نفسه هو ملكوت الله: ففي حياته وفي موته وفي قيامته ظهرت حياة الله وظهرت محبة الله وظهرت قدرة الله.

3- القيامة تمجيد يسوع: صعوده الى السماء وجلوسه عن يمين الله الآب
انّ صعود يسوع الى السماء وجلوسه عن يمين الله الآب أمران مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالقيامة، كما يقول بطرس الرسول في خطبته الأولى يوم العنصرة: "فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن جميعاً شهود بذلك. واذ قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب الروح القدس الموعود به، أفاض ما تنظرون وما تسمعون. فإنّ داود لم يصعد قط الى السماوات، ومع ذلك فإنّه يقول: قال الربّ لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك. فليعم اذاً يقيناً جميع بيت اسرائيل أنّ الله قد جعل يسوع الذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحاً" (أعمال 2: 32- 36).

ء) الصعود إلى السماء بعد أربعين يوماً
انّ ارتفاع يسوع ودخوله في مجد الآب يتحدّث عنهما لوقا في موضعين مختلفين: في الفصل الأخير من انجيله وفي الفصل الأوّل من سفر أعمال الرسل. ففي الانجيل يذكر لوقا انّ يسوع ارتفع الى السماء في اليوم نفسه الذي قام فيه. فبعد ترائيه لتلاميذه "خرج بهم نحو بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيمَا هو يباركهم انتحى عنهم، وصعد الى السماء. أما هم فسجدوا له، ورجعوا الى أورشليم بفرح عظيم؛ وكانوا بلا انقطاع في الهيكل يباركون الله" (لو 24: 50- 53).
أمّا في سفر أعمال الرسل فيذكر لوقا أنّ يسوع بقي "يتراءى لتلاميذه مدة أربعين يوماً ويكلّمهم عن شؤون ملكوت الله. وفيمَا هم يأكلون أوصاهم بالبقاء في أورشليم وانتظار موعد الآب... حلول الروح القدس عليهم. ولما قال هذا ارتفع على مرأى منهم، وأخذته سحابة عن عيونهم" (أعمال 1: 3- 10).
انّ عدد الأربعين في الكتاب المقدّس هو عدد رمزي يدل على مدة طويلة تمهّد لحدث عظيم. فاليهود ساروا أربعين سنة في الصحراء قبل الدخول الى أرض الميعاد، ويسوع صام أربعين يوماً قبل البدء برسالته. لم ينتظر يسوع أربعين يوماً للصعود إلى السماء والدخول في مجد الآب، فقيامته "وصعوده الى السماء هما حدث واحد. أما الأربعون يوماً فهي المدة التي كان يسوع يتراءى فيها لتلاميذه ويهيّئهم لنوع جديد من حضوره بينهم؛ انها الفترة الأولى من حياة الكنيسة التي عمّق فيها الرسل إيمانهم بقيامة المسيح وادراكهم للرسالة التي أوكلها اليهم.
أمّا السحابة التي أخذت يسوع عن عيون التلاميذ فهي رمز لحضور الله. فالله لا يمكن أن يُرى بأعين الجسد، لذلك يُرمَز اليه دوماً في الكتاب المقدس بالسحابة (في التجلي يقول لنا الانجيل: "واذا سحابة قد ظلَلتهم، وصوت من السحابة يقول: هذا ابني الحبيب، فاسمعوا له" مر 9: 7). فدخول المسيح في السحابة يعني دخوله في مجد الله.
كذلك القول عن "السماء" و"الصعود الى السماء". فالسماء ليست الفضاء الخارجي الذي يحيط بالأرض، وليست مكاناً يمكن الصعود إليه، انها لفظة رمزية تشير الى الله. فالصعود إلى السماء يعني اذاً الدخول في مجد الله.
يقول أحد مفسّري الكتاب المقدس: "عندما نقول ونؤمن مع الكنيسة انّ المسيح الممجّد صعد الى السماء حيث يقيم مع أبيه، نعني بذلك أنه دخل الى الأبد في عالم روحي، جديد، نهائي، هو أول خليّة فيه، عالم لا تدركه حواسّنا ومخيلتنا، ولكنه عالم حقيقي ثابت أكثر حقيقة وثباتاً من عالمنا الحالي. ونعتقد، مع معظم الشهادات المسيحية القديمة، أنه دشّن هذا العالمَ الجديدَ منذ يوم قيامته، عندما انتُزع من القبر بالروح القدس ليمجَّد مع الآب".

ب) الجلوس عن يمين الآب
عندما سأل رئيس الكهنة يسوع في أثناء محاكمته: "استحلفك بالله الحيّ أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله" قال له يسوع: "أنت قلت. وأيضاً أقول لكما: انكم منذ الآن تبصرون ابن البشر جالساً عن يمين القدرة، وآتياً على سحاب السماء" (متى 26: 64).
انّ الجلوس عن يمين القدرة، أي عن يمين الله، يعني اشتراك يسوع في سلطة الآب. فالقيامة والارتفاع الى عند الله والجلوس عن يمينه هي نواحٍ مختلفة من سرّ واحد هو سرّ تمجيد يسوع، وكذلك إعلانه ربًّا ومسيحاً. وهذا السرّ يعبّر عنه انجيل يوحنا في صلاة يسوع قبيل وفاته: "فالآن، أيها الآب، مجّدني أنت عندك بالمجد الذي كان لي من قبل كون العالم" (يو 17: 5). ويعبّر عنه بولس الرسول في النشيد الذي نجده في رسالته الى الفيليبيين: "هو القائم في صورة الله... صار طائعاً حتى الموت، بل موت الصليب. لذلك رفعه الله رفعة فائقة، وأنعم عليه بالاسم الذي يفوق كلّ اسم، لكي تجثو لاسم يسوع كلّ ركبة... ويعترف كل لسان بأنّ يسوع هو ربّ لمجد الله الآب" (فيل 2: 6- 11). فيسوع قد رفعه الله اليه وأنعم عليه بالاسم الالهي، اسم "الربّ".
وفي رسالته الى الأفسسيّين يقول إنّ الله قد أظهر قدرته في المسيح "إذ أنهضه من بين الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماوات، فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة، وفوق كل اسم يُسمّى، ليس في هذا الدهر فقط، بل في الآتي أيضاً" (أف 1: 20، 21)
فالارتفاع والجلوس الى يمين الله ليسا اختطافاً من الأرض الى سماء بعيدة عن عالمنا؛ إنهما دخول المسيح في مجد الله واشتراكه في قدرته وسيادته.

4- قيامة المسيح عربون قيامتنا:
يسوع القائم "البكر من بين الأموات"
ينظر بولس الرسول الى قيامة المسيح في إطار رجائه بقيامة الأموات: "إن لم تكن قيامة أموات، فالمسيح اذاً لم يقم... ولكن لا، فإنّ المسيح قد قام من بين الأموات، باكورة للراقدين. لأنه، بما أنّ الموت كان بإنسان، فبإنسان أيضاً قيامة الأموات. فكما أنّه في آدم يموت الجميع، كذلك أيضاً في المسيح سيحيا الجميع" (1 كور 15: 13، 20- 22). يسوع القائم هو "البكر من بين الأموات" (كولسي 1: 18؛ رؤيا 1: 5).
انّ الرجاء اليهودي لم يكن ينتظر قيامة شخص واحد قبل القيامة العامة. فالكرازة بقيامة المسيح هي اذاً أمر خاص بالمسيحية: انسان واحد، يسوع المسيح، قام من بين الأموات ودخل في مجد الله. وهذا الانسان هو مستقبل العالم. ما حدث له سيحدث أيضاً لجميع الذين يؤمنون به.
يسوع هو الإنسان الجديد. الإنسان الأول كان بدء الحياة المائتة، أما يسوع، الإنسان الجديد، فهو بدء الحياة الخالدة. لذلك "من يؤمن به فله الحياة الأبدية" (يو 3: 36).
انّ قيامة المسيح هي حدث منفتح على المستقبل، انها تحقيق مسبّق لما تئنّ لأجله الخليقة كلّها (روم 8: 19- 23).
"ولكن، قد يقول قائل: كيف يقوم الأموات؟ وبأي جسد يرجعون؟" هذا السؤال الذي طرحه المسيحيون الأولون على بولس، لا نزال نطرحه اليوم أيضاً. يجيب بولس بتشبيه فيقول: "يا جاهل! انّ ما تزرعه، أنت، لا يحيا إلاّ إذا مات. وما نزرعه ليس الجسم الذي سيكون، بل مجرّد حبّة من الحنطة، مثلاً، أو غيرها من البذور. إلاّ أنّ الله يؤتيها جسماً على ما يريد. لكلّ من البذور جسمه المختصّ به... فهكذا قيامة الأموات: يُزرع الجسد بفساد ويقوم بلا فساد، يُزرع بهوان ويقوم بمجد، يُزرع بضعف ويقوم بقوة، يُزرع جسد حيواني ويقوم جسد روحاني" (1 كور 15: 39- 44).
الجسد، في كلام بولس كما في العقليّة الكتابيّة الساميّة، لا يعني فقط العنصر المادي في الكائن البشري؛ الجسد هو الانسان بكامله، في جسده وروحه، ولكن من حيث ظهوره في العالم وعلاقته بالآخرين؛ الجسد هو في الإنسان ما يمكّنه من الاتصال بالكون وبالآخرين؛ الجسد هو ما تستطيع به الروح أن تنشئ علائق مع الغير. هذا الجسد خاضع للفساد والانحلال، ولكن بالقيامة يتحول الجسد الفاسد الى جسد روحاني لا يسيطر عليه الفساد والانحلال. يقول بولس الرسول: "انّ اللحم والدم لا يستطيعان أن يرثا ملكوت الله، ولا الفساد أن يرث عدم الفساد". لذلك لا بدّ للإنسان أن يتحوّل، "ولا بدَّ لهذا الجسد الفاسد أن يلبس عدم الفساد، ولهذا الجسد المائت أن يلبس عدم الموت" (1 كور 15: 50- 53).
الجسد الذي سيتحوّل ليس" الجثّة المائتة"، بل الإنسان بكامله، في ذاته وفي علاقته بالآخرين، العنصر الشخصي الذي يجعل من الإنسان فرداً متميزاً عن غيره من الأفراد. هذا "الأنا" الروحي والجسدي سيصبح بالقيامة على صورة المسيح القائم من بين الأموات.

5- قيامة المسيح حدث الخلاص وبدء الحياة الجديدة
بالقيامة دخل يسوع في مجد الله. وبما أنّ يسوع هو الانسان الجديد ورأس البشرية، يمكننا القول انّ البشرية كلّها قد دخلت في رأسها الى مجد الله. يقول بولس الرسول: "انّ الله... قد أحيانا مع المسيح... ومعه أقامنا، ومعه أجلسنا في السماوات في المسيح يسوع" (أف 2: 5، 6)؛ "موطننا نحن هو في السماوات" (في 3: 20).
والليتورجيا تؤكد بقوة تلك الحقيقة، كما نقرأ في صلوات عيد الصعود في الطقس البيزنطي:
"يا يسوع الحلو، غير المنفصل من الأحضان الأبوية، يا من عاش انساناً على الأرض، لقد صعدت اليوم من جبل الزيتون، وأصعدت بمحبتك طبيعتنا الهابطة وأجلستها مع الآب..." (الغروب).
"أيها الاله، لقد جدّدت في ذاتك طبيعة آدم (أي الانسان) الهابطة الى أسافل الأرض، وأصعدتها اليوم فوق كل رئاسة وسلطة. لأنّك، لحبّك إياها، أجلستها معك، ولتحننك عليها وحّدتها بك، ولاتحادك بها تألمت فيها، ولتألمك بها أنت العادم التألم مجّدتها معك..." (الليتي).
إيماننا بقيامة المسيح وبقيامتنا نحن مع المسيح يخلع على حياتنا الحاضرة معنى جديداً، كما يقول بولس الرسول: "عندما نعم أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضاً معه... عندئذ لا نفشل، بل ولئن كان انساننا الظاهر ينهدم، فإنساننا الباطن يتجدّد يوماً فيوماً" (2 كور 4: 14- 16).
قيامة المسيح تجدّد نظرتنا الى الكون: "وعليه، فمنذ الآن لا نعرف أحداً بحسب الجسد، وان كنّا قد عرفنا المسيح بحسب الجسد، فالآن لا نعرفه كذلك. اذاً، ان كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة، فالقديم قد اضمحلّ، وكل شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 16، 17).
قيامة المسيح تدفعنا الى السلوك سلوكاً جديداً: "لقد قتم مع المسيح. فاطلبوا اذاً ما هو فوق حيث يقيم المسيح جالساً عن يمين الله... لأنّكم قد متّم للعالم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا، فحينئذٍ تظهرون أنتم معه في المجد" (كولسي 3: 1- 4).
من يؤمن بقيامة يسوع لا يمكن أن يتسرّب اليأس الى قلبه: "نحن مضايَقون من كل جانب، ولكنّا لا ننحصر؛ حائرون، ولكن على غير يأس؛ مضطهَدون، ولكن على غير انخذال؛ مطروحون، ولكن على غير تلاشٍ؛ نحمل في الجسد كلّ حين موت يسوع، لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. لأنّا، نحن الأحياء، نسلم دائماً الى الموت من أجل يسوع، لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت" (2 كور 4: 8- 11).
من يؤمن بقيامة المسيح يؤمن انّ محبة الله التي سيطرت على الموت وتغلّبت على الخطيئة في قيامة المسيح هي التي سوف تسيطر في النهاية، وأنّ الله "سيكون كلاًّ في الكلّ" (1 كور 15: 28).
ولكنّ هذا لن يتمّ دون مشاركة كل الذين يؤمنون بالمحبة. فقيامة المسيح هي النور الذي يضيء حياة المسيحي والقوة التي تدفعه الى الاسهام في إحلال ملكوت الله على الأرض. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني:
"اننا نجهل الزمان الذي تبلغ فيه الأرض والبشرية نهايتهما، كما أننا نجهل طريقة تحويل هذا الكون. انه يزول حقًّا شكل هذا العالم الذي شوّهته الخطيئة، ولكنّا نعلم أن الله يعدّ لنا مسكنًا جديدًا وأرضًا جديدة... غير أن انتظار الأرض الجديدة، بدلاً من أن يضعف فينا الاهتمام باستثمار هذه الأرض، يجب بالأحرى أن يوقظه فينا. ففي هذه الأرض ينمو جسد العائلة البشرية الجديدة، راسمًا الخطوط الأولى للعالم الآتي... ان الملكوت حاضر الآن بشكل سرّي على الأرض، وسيبلغ كماله عند عودة الرب" (الكنيسة في عالم اليوم، 39).
القِسم الثَالث
المجيء الثاني

"وأيضاً يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياءَ والأموات، الذي لا فناء لملكه".

نعلن في قانون الإيمان أنّ يسوع الذي مات وقام وصعد الى السماوات سوف يأتي من جديد ليدين الأحياء والأموات. هذا ما يدعوه التقليد الكنسي "المجيء الثاني"، بالنسبة إلى المجيء الأوّل أي إلى الزمن الذي قضاه يسوع على الأرض. ماذا يعني هذا الإيمان بالمجيء الثاني؟
لا بدّ لنا أوّلاً من التذكير بما قلناه مراراً في الفصول السابقة انّ الإيمان ليس علماً يكشف لنا بالتدقيق غوامض الماضي فيعلمنا كيف نشأ الكون ووجد الانسان، ولا غوامض المستقبل فينبئنا كيف ستكون نهاية العالم وحياة الانسان بعد الموت. فإنّمَا الإيمان علاقة حياة بين الانسان والله. فالمؤمن يرى أنّ الله مبدأ وجوده ومصير حياته؛ والمسيحي يؤمن أنّ الله قد ظهر في العالم ظهوراً نهائياً (أو، حسب التعبير اللاهوتي اليوناني، ظهوراً إسختولوجياً) في شخص يسوع المسيح. فالمسيح هو "الألف والياء، الأوّل والآخر، المبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13). لذلك تبدأ الإسختولوجيا، أي الأزمنة الأخيرة والنهائية، بمجيء المسيح الأوّل. فلِمَ اذاً المجيء الثاني؟ ماذا نعني بهذه العبارة؟ ماذا نعني بقولنا انّ يسوع سيأتي ليدين الأحياء والأموات؟ وكيف يصوّر الكتاب المقدس هذا المجيء؟

1- المجيء الثاني هو تأكيد الانتصار النهائي للمحبة
لفهم معنى المجيء الثاني لا بدّ من تذكار تلك الحقيقة الاساسية في إيماننا: انّ يسوع قد جاء أوّلاً مرسلاً من قبل الله، مخلِّصاً ومنقذاً العالم: "فلقد أحبّ الله العالم حتى انّه بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو 3: 16). وبولس يؤكّد: "ان الله قد برهن على محبته لنا بأنّ المسيح قد مات عنّا ونحن بعد خطأة. فكم بالأحرى، وقد بُرّرنا الآن بدمه، نخلص به من الغضب" (روم 5: 8).
انّ حياة يسوع وموته هما الدليل الثابت على محبة الله وأمانته. قد يبدو القول ان الله محبة قولاً نظرياً، إلاّ أنّ يسوع الذي عاش بين البشر وأحبّ، وتعذّب واحتمل الظلم، وبقي محباً للجميع، ليس كائناً نظرياً، بل هو الحقيقة الحيّة والمحسوسة لمحبة الله لنا. عندما ننظر اليه تستنير النواحي القاتمة من الحياة البشرية. وحتى العذاب الذي لا معنى له، والشرّ الذي كثيراً ما يهدم إرادة الخير، يأخذان معنى على ضوء صليب المسيح. فالله قد أقام المصلوب ورفعه اليه وجعله راعي الحياة والبكر الأوّل من بين اخوة كثيرين. لذلك نشهد أنّ يسوع المسيح، المصلوب والقائم من بين الأموات، هو رجاء العالم ورجاء التاريخ ورجاء كلّ مؤمن.

ء) المسيح رجاء العالم والتاريخ
المجيء الثاني هو ترقّب ما سيصنعه الله للعالم في المستقبل على ضوء ما صنعه لأجله في الماضي. في مجيء يسوع الأوّل وفي كل أحداث حياته وموته أظهر لنا الله محبته ظهوراً خفياً وجزئياً في بقعة من الأرض وفي قلوب عدد يسير من المؤمنين. إيماننا بالمجيء الثاني هو الإيمان بأنّ تلك المحبة ستظهر ظهوراً علانياً نهائياً شاملاً: "يشبه ملكوت السماوات حبّة خردل أخذها انسان وزرعها في حقله. انّها أصغر البذور جميعاً؛ بيد أنّها اذا نمت تصير أكبر البقول جميعاً؛ ثم تصبح شجرة حتى انّ طيور السماء تأني وتعشّش في أغصانها" (متى 13: 31، 32).
إيماننا بالمجيء الثاني هو الإيمان بأنّ تاريخ العالم القاتم سيصل الى نهايته حيث ستشرق عليه محبة الله. ايماننا بالمجيء الثاني هو تفسير للتاريخ انطلاقاً من الإيمان، ولكن هذا التفسير ليس تفسيراً اعتباطياً، بل يستند الى التاريخ: الى حياة يسوع التي أظهرت قوة الخير، والى موته الذي أعلن قوة المحبة الفدائية. بموت يسوع وقيامته دمّرت سلطة الشر، وبدا أنّ المحبّة أقوى من الموت وأقوى من الحقد. تلك هي العقيدة التي خطّها المسيح بدمه على أخاديد التاريخ. الغلبة هي في النهاية للحياة على الموت وللمحبة على الحقد والشر. ذلك هو اليقين الذي يرسخ في كياننا من بعد قيامة المسيح. وهذا اليقين هوما يؤكّده الايمان بالمجيء الثاني.

ب) المسيح رجاء كل مؤمن
يسوع هو اذاً رجاء العالم ومستقبل التاريخ. وهو أيضاً رجاء كل واحد منا، في حياته وموته نجد معنى حياتنا وموتنا، وفي قيامته نضع رجاء قيامتنا. لقد أظهر لنا الله في مصير يسوع المسيح مصير كلّ منا. انّه أخونا البكر الذي فتح لنا طريق الحياة التي لا نهاية لها: "منيتي اذاً، يقول بولس الرسول، هي أن أعرفه هو، وأعرف قدرة قيامته، والشركة في آلامه، فأصير على صورته في الموت، على رجاء البلوغ الى القيامة من بين الأموات" (في 3: 10، 11).
مجيء يسوع الثاني يعني لكل من يؤمن بيسوع الانتصارعلى مصيرالموت، ورجاء حياة تكتمل فيها الحياة التي نقضيها على الأرض.

2- المجيء الثاني والدينونة
ولكنّ المجيء الثاني هو أيضاً دينونة. من سيدين العالم؟ ماذا سيكون مضمون الدينونة؟ وكيف يصوّر العهد الجديد الدينونة؟

ء) من سيدين العالم؟
الله الآب
يصف العهد الجديد الدينونة كأنّها أوّلاً عمل الله؛ فالله هو الذي سيدين جميع الناس. يقول بولس الرسول:
"أوَ تظنّ أيها الإنسان الذي يدين من يعمل مثل هذه الأعمال، وهو يفعلها، أنك تنجو من دينونة الله؟... إنّك بنصلّبك وقساوة قلبك الغير التائب تدّخر لنفسك غضباً ليوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كلّ واحد بحسب أعماله: بالحياة الأبدية للذين، بالصبر على العمل الصالح، يطلبون المجد والكرامة والخلود، وبالغضب والسخط على الذين هم من أهل المخاصمة، الذين لا ينقادون للحق بل ينقادون للشرّ... فكل الذين خطئوا بمعزل عن الناموس، فبمعزل عن الناموس أيضاً يهلكون؛ وكلّ الذين خطئوا وهم تحت الناموس، فبمقتضى الناموس يُدانون؛ لأنّه ليس السامعون للناموس هم أبراراً عند الله، إنما العاملون بالناموس يبرَّرون" (روم 2: 3- 13).
ويسوع في حديثه عن الصدقة والصلاة والصوم يطلب أن يقوم الانسان بهذه الأعمال في الخفية، ثم يضيف: "وأبوك الذي يرى في الخفية هو الذي يجازيك"، أي يوم الدينونة (متى 6: 4، 6، 15، 18).

يسوع المسيح
في مقاطع أخرى يُسنَد عمل الدينونة الى المسيح. فالمسيح هو ابن البشر الذي سيدين جميع الأمم في الدينونة العامة، كما يقول انجيل متى: "متى جاء ابن البشر بمجده، وجميع الملائكة معه، حينئذٍ يجلس على عرش مجده، وتحشر لديه جميع الأمم، فيفصل بعضهم عن بعض، كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء، ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره" (متى 25: 31- 33).
وكذلك في تفسير مَثَل الزؤان يقول يسوع: "كما أنّ الزؤان يُجمَع ويُحرَق بالنار، كذلك يكون في منتهى الدهر، يرسل ابن البشر ملائكته، فيجمعون من مملكته كل المعاثر وفاعلي الإثم، ويلقونهم في أتون النار" (متى 13: 40- 42). وفي حديثه عن ضرورة العمل بارادة الآب يقول: "ليس كل من يقول: يا رب، يا رب! يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي دنن ذلك اليوم: يا رب، يا رب! ألم نكن باسمك قد تنبّأنا؟ وباسمك قد أخرجنا الشياطين؟ وباسمك صنعنا عجائب كثيرة؟ فحينئذٍ اعلن لهم: اني ما عرفتكم قط؛ أبعدوا عني، يا فاعلي الإثم!" (متى 7: 21- 23).
وبولس الرسول يذكّر مراراً انّ الذي سيدين العالم هو الرب. وبتلك اللفظة يعني يسوع المسيح: "لا تحكموا بشيء قبل الأوان، الى أن يأتي الرب. فانه هو الذي سينير خفايا الظلام، ويوضح أفكار القلوب، وحينئذٍ يكون لكل واحد مدحه من الله" (1 كور 4: 5)، "إذ لا بدّ أن نظهر جميعاً أمام منبر المسيح، لينال كل واحد على حسب ما صنع بالجسد، خيراً كان أم شراً" (2 كور 5: 10).

الرسل والقديسون
يُسنَد أيضاً عمل الدينونة في بعض مقاطع من العهد الجديد الى الرسل، كما جاء مثلاً في قول يسوع لرسله الاثني عشر: "الحق أقول لكم: إنكم، أنتم الذين تبعوني، متى جلس ابن البشر، في عهد التجديد، على عرش مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً، لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر" (متى 19: 28).
وبولس الرسول يضيف انّ جميع القدّيسين، ويعني بالقديسين جميع المسيحيين، سيدينون العالم والملائكة: "أيجترئ أحدكم، وله دعوى على آخر، أن يحاكمه لدى الخطأة، لا لدى القديسين؟ أوَ ما تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ وإن كان العالم بكم يُدان، أفتكونون غير أهل لأن تقضوا في الدعاوى الصغرى؟ أوَ ما تعلمون أنّا سندين الملائكة؟ فكم بالأحرى نقضي في شؤون هذه الحياة" (1 كور 6: 1- 3).

الانسان يدين نفسه
في انجيل يوحنا تأخذ الدينونة طابعاً ذاتياً. فالانسان هو الذي يدين نفسه برفضه كلمة المسيح: "ان الله لم يرسل ابنه الى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم. فمن آمن به فلا يُدان، ومن لا يؤمن به فقد دِيْنَ، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد". ثم يتابع انجيل يوحنا معرّفاً بمضمون الدينونة: "وعلى هذا تقوم الدينونة: انّ النور قد جاء الى العالم، والناس آثروا الظلمة على النور، لأن أعمالهم كانت شريرة. لأنّ كل من يفعل الشر يبغض النور، ولا يقبل البتة الى النور لئلا تفضح أعاله. وأمّا من يعمل الحق فانه يُقبِل الى النور، لكي يثبت أنّ أعماله مصنوعة في الله" (يو 3: 17- 21).
وفي موضع آخر يقول يسوع: "لقد جئت الى العالم، أنا النور، لكي لا يمكث في الظلام كلّ من يؤمن بي. إن كان أحد يسمع أقوالي ولا يحفظها، فلست أنا أدينه، لأني لم آتِ لأدين العالم، بل لأخلّص العالم. فمن نبذني ولم يقبل أقوالي، فله ديّانه: الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الأخير، لأنّي لم أتكلّم من نفسي، بل الآب الذي أرسلني هو حدّد لي ما أقول وما أُبشّر به" (يو 12: 46- 49).
انّ المسيح لم يأتِ للدينونة بل للخلاص. فمن يقبل كلامه ويؤمن به يخلص: انه منذ الآن في النور. وأمّا الذي يرفض كلامه ولا يؤمن به "فَقَدْ دِينَ". انّ صيغة الماضي التي يستعملها يوحنا تعني انّ الدينونة تبدأ منذ هذه الحياة بمجرّد رفض الإيمان بالمسيح. فالانسان اذاً هو الذي يدين نفسه بانفصاله عن المسيح وعن. كلامه. وبانفصاله عن المسيح ينفصل معاً عن الله، لأنّ المسيح لم يتكلم من نفسه، بل هو كلمة الله: "مَن آمن بي فليس بي يؤمن، بل بالذي أرسلني. ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني" (يو 12: 44).
هكذا يتضح لنا ان لا تناقض بين اسناد عمل الدينونة الى الله أو الى المسيح أو الرسل أو جميع المسيحيين، لأنّ الحقيقة هي التي في الواقع ستدين العالم. والحقيقة واحدة: انها حقيقة الله التي يحملها يسوع، كلمة الله، في كيانه وفي تعاليمه، والتي آمن بها الرسل والقديسون وجميع المسيحيّين، وعاشوا بموجبها.

ب) ما هي الدينونة؟
الدينونة في هذه الحياة
نستطيع الآن تحديد الدينونة. من خلال تعابير مختلفة نصل إلى فكرة أساسية واحدة، وهي انّ الانسان، في كل لحظة من لحظات حياته أوّلاً، ثم لدى موته أخيراً، يواجه الحقيقة التي تدعوه الى التزام الخير. ودينونته تبدأ على هذه الأرض في موقفه تجاه الحقيقة. ولكن ما هي الحقيقة؟
قد يبدو للبعض أنّ الحقيقة أمر مهبهم غامض، ولكنّ الايمان المسيحي يرى أنّ الحقيقة ليست لفظة مبهمة؛ انها الله نفسه، والله ليس كائناً مبهماً، فلقد ظهر في واقع الزمن والتاريخ في شخص يسوع المسيح الذي نؤمن به ابن الله وكلمة الله وصورة الله. بهذا تتميّز المسيحية عن سائر الديانات التي تؤمن أيضاً بالدينونة الأخيرة. ففي المسيحية، الحقيقة التي ستدين العالم في نهاية الأزمنة قد أتت في الزمن لتخلّص العالم، وقد أعطت ذاتها حتى الموت في سبيل هذا الخلاص. لذلك فانّ الدينونة، في نظر المسيحية، هي أولاً محبة وخلاص.
لذلك لا نستطيع الفصل بين مجيء يسوع الأوّل وموته وقيامته ومجيئه الثاني؛ انها مراحل متعددة من سر واحد هو سر محبة الله التي تنسكب على الانسان لتمنحه الحياة والفداء والخلاص. والدينونة ترافق كسل مراحل هذا السرّ. فمن يؤمن بأنّ يسوع هو المسيح كلمة الله، لا يُدان، ومن لا يؤمن فقد دِيْنَ.
لذلك أيضاً لا تقتصر الدينونة على نهاية العالم، ولا حتى على موت الانسان، لأنّ الموت الحقيقي ليس موت الجسد بل رفض الايمان بالمسيح. ومن يؤمن بيسوع لا يموت. قال يسوع: "أنا القيامة والحياة. من آمن بي، وان مات، فسيحيا؛ وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت أبداً" (يو 11: 25، 26). كلّ من يؤمن بيسوع في حياته لن يعرف الموت، لأنّ إيمانه بيسوع يمنحه الحياة، ولن يكون موته الا انتقالاً من الحياة الحاضرة الى الحياة الأبدية.

الدينونة بعد الموت
انّ الدينونة بعد الموت ستقتصر على "الذين عملوا السيّئات". امّا المؤمنون بالمسيح "فلن يخضعوا للدينونة"، حسب قول يسوع في انجيل يوحنا: "الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني له الحياة الأبدية، ولا يخضع لدينونة، لكنّه قد انتقل من الموت الى الحياة. الحق الحق أقول لكم: انها تأتي الساعة -وها هي ذي حاضرة- التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، والذين يسمعون يحيون. فكما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته، وآتاه سلطاناً أن يدين لأنّه ابن البشر. فلا تدهشوا من هذا، لأنها تأتي الساعة التي يسمع فيها جميع من في القبور صوته، فيخرجون منها. فالذين عملوا الصالحات ينهضون للحياة، والذين عملوا السيّئات ينهضون للدينونة" (يو 5: 24- 29).
على أيّ شيء ستقوم دينونة الذين عملوا السيّئات؟ ان الانسان، لدى موته، يواجه الحقيقة مواجهة صريحة لا مواربة فيها. عندئذٍ تنزع عن عينيه الغشاوة التي كانت تفسد أمامه الرؤية، ويسقط من أمام وجهه القناع الذي كان مستتراً وراءه، فينكشف كما هو أمام الحقيقة. وتلك ستكون دينونته. هذا ما يصفه أحد اللاهوتيين المعاصرين بلغة وجودية، فيقول:
"ان مجرّد انتصار الخير على الشر يكوّن الحكم الساحق على الذين يمارسون الشر. انهم قد أخطأوا هدفهم، وحياتهم، التي فقدت معناها، قد آلت الى العدم. انّ عبث حياة قُضيت في الشر لهو أردأ عقاب. حياة كهذه تنتهي وفق ما جاء في المزمور: "كحلم عند الاستيقاظ، أيها السيّد، تحتقر خيالهم في المدينة" (مز 72: 20). ان إدراك الانسان ذاته قد سقط في أقصى العبث وغرق في العدم والتلاشي. ذاك هو مصير الذين يرفضون محبة الله ويرفضون دعوته الى الحياة".
ثم يضيف الكاتب: "ولكن ما العلاقة بين هذا كلّه ومجيء المسيح الذي يترقبّه المؤمنون؟ ربمّا تتضح لنا تلك العلاقة، اذا تأمّلنا قول بولس الرسول: لا تحكموا بشيء قبل الأوان، الى أن يأتي الرب. فإنه هو الذي سينير خفايا الظلام، ويوضح أفكار القلوب، وحينئذٍ يكون لكل واحد مدحه من الله (1 كور 4: 5). بقولنا انّ المسيح سيأتي ليدين الأحياء والأموات نؤكد يقيننا ان كل ما هو خفي سيظهر كل ما هو مكتوم سيعلن (متى 10: 26) بواسطة المسيح الذي هو نور الله وحقيقة الله".

إمكانية جهنم
في لحظة الحقيقة هذه، هل من مجال بعد للتوبة والاختيار؟ يرى بعض اللاهوتيين المعاصرين انّ الموقف الذي يقفه الانسان من الحقيقة في هذه الحياة موقف معرّض للخطأ. والحرّية التي بها يختار الشرَّ حرّية ناقصة مجزّأة مشوّهة. "الموت وحده يتيح للانسان امكان أوّل عمل له يقوم به بملء حرّيته واختياره. فهو اذاً الوقت المناسب الذي يستطيع فيه الانسان ملاقاة الله وتقرير مصيره الأبدي". انّ الانسان، بموجب تلك النظرية، لا يمكنه، في أثناء حياته على الأرض، أن يرى الحقيقة رؤية واضحة. لذلك فانّ اختياره الشرّ اختيار غير حرّ وغير واعٍ، ولا يمكنه من ثمّ تقرير مصيره الأبدي استناداً الى هذا الاختيار.
تعليقاً على هذا الافتراض اللاهوتي، نكتفي بالعودة الى قول بولس الرسول الذي ذكرناه سابقاً: "لا تحكموا بشيء قبل الأوان..." (1 كور 4: 5). فلنترك لله أن يحكم على سلوك الانسان وعلى مدى حريته. ان امكان رفض الله رفضاً مطلقاً، ومن ثمّ امكان اختيار طريق الهلاك والعدم في ما يدعوه التقليد "جهنّم"، يجب أن يبقى امكاناً مفتوحاً أمام الانسان، كما يقول اللاهوتي الألماني المعاصر كارل راهنر، وذلك لضمان اختياره الله اختيارا حرّاً. ولكنّه يبقى امكاناً نظرياً. أمّا الخلاص بالمسيح، الخلاص الشخصي للانسان، والخلاص للبشرية بمجملها، فهو يقين ثابت. وهذا هو موضوع إيماننا بالمجيء الثاني. انّ تاريخ البشرية والعالم صائر الى الحياة مع الله.

ج) تصوّرات المجيء الثاني
تلك الحقيقة الايمانية يصوّرها الكتاب المقدّس بتصاوير مختلفة، لا يهدف منها إلى وصف نهاية الأزمنة وصفاً علمياً دقيقاً، بقدر ما يقصد إظهار رهبة هذا الحدث الأخير وخطورته بالنسبة إلى مصير الانسان.
يتكلم العهد القديم عن "يوم الرب" ويعني بذلك يوم الدينونة الذي فيه سيكافئ الله شعبه وأبراره. انّه "يوم ظلمة" (عاموس 5: 20)، "يوم غمام" (حزقيال 30: 2)، "يوم نار تأكل جميع الأرض" (صفنيا 1: 18)، "يوم قاسٍ ذو سخط واضطرام غضب، ليجعل الأرض خراباً ويبيد خطأتها منها" (اشعيا 13: 9). "فمن يحتمل يوم مجيئه ومن يقوم عند ظهوره، فانّه مثل النار الممحّص" (ملاخي 3: 2).
هذا اليوم أصبح في العهد الجديد "يوم المسيح". انه يوم فدائنا الأبدي: "ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا، فحينئذٍ تظهرون أنتم أيضاً معه في المجد" (كو 3: 4). ومجيء المسيح يصفه العهد الجديد بطرق مختلفة. فهو تارة "يأتي على سحب السماء في كثير من القدرة والمجد"، وفي ذلك اشارة الى تحقيق نبوءة دانيال في شخص المسيح ابن البشر: "ورأيت في رؤى الليل فاذا بمثل ابن البشر آتياً على سحاب السماء، فبلغ الى القديم الأيام وقُرّب الى أمامه، وأوتي سلطاناً ومجداً وملكاً، فجميع الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه سلطان أبدي لا يزول، وملكه لا ينقرض" (دانيال 7: 13، 14). "ويرسل ملائكته بالبوق العظيم، فيجمعون مختاريه من مهاب الريح الأربعة، من أقصى السماوات الى أقصاها" (متى 24: 30، 31).
وفي بعض الأمثال، كظهر يسوع كالعريس الذي يأتي الى العرس (مثل وليمة العرس: متى 22: 1- 14، مثل العذارى العشر: متى 25: 1- 13)؛ أو "كإنسان كريم العنصر قصد الى بلد بعيد ليتولّى ملكاً ثم يعود" (لو 19: 12)؛ أو "كرجل مسافر ترك بيته وصرّف عبيده كل واحد في عمله، وأوصى البوّاب بالسهر..." وسوف يعود بغتة دون أن يعرف أحد زمن عودته: "في المساء أم في منتصف الليل، أم عند صياح الديك أم في الصباح" (مر 3: 34- 36).
وتارة يصوّر لنا المسيح الدينونة كمحكمة يجلس فيها الملك على عرشه ويعلن حكمه على الصدّيقين والأشرار (متى 25: 31- 45). وفي سفر الرؤيا تأخذ الدينونة صورة قتال ينشب في السماء ينتصر فيه المسيح على أعداء الله (رؤيا 12).
تهدف كل من هذه التصاوير الى تأكيد وجه من حقيقة المسيح، إلاّ أنها تبقى صوراً رمزية يجب ألاّ يُساء فهمها، فتفسّر تفسيراً حرفياً، أو يُفصَل أحدُ عناصرها وتحاك حوله قصة تدّعي وصف نهاية العالم وصفاً علمياً دقيقاً.
كذلك القول عن زمن مجيء المسيح وزمن نهاية العالم. انّ هذين الأمرين لا يزالان يثيران فضولية الانسان، وقد أثارا فضولية الرسل أنفسهم، فسألوا يسوع: "قل لنا متى بكون هذا، وما تكون علامة مجيئك ومنتهى الدهر؟" (متى 3:24). يجيبهم يسوع بإلقاء بعض الأضواء على ما ينتظرهم من حروب ومجاعات وزلازل. وينهي بقوله: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يعلمهما أحد، ولا ملائكة السماوات، ولا الابن، إلا الآب وحده" (متى 24: 36)، ثم يخلص الى القول، وهذا هو المهمّ بالنسبة الينا: "فاسهروا اذاً، لأنكم لا تعلمون في أي وقت يأتي سيّدكم. وتيقّنوا أنه، لو علم رب البيت في أي هزيع يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته يُنقَب. فكونوا اذاً، أنتم أيضاً، مستعدّين، لأنّ ابن البشر يأتي في ساعة لا تظنونها" (متى 24: 42- 44).
يرى معظم اللاهوتيين اليوم انّ المجيء الثاني سيتحقق لكل انسان في ساعة موته، لأنّه إذّاك يلاقي المسيح. هذه النظرية ممكنة، ولكن شرط ألا ننسى أنّ المجيء الثاني لا يحقّق فقط مصير كل انسان، بل يعني أيضاً اكتمال تاريخ البشر في المسيح. فالمسيح لم يتلاشَ في غياهب الموت. وقصة ارتفاعه يوم الصعود الى السماء تعني أنه دخل في مجد الآب وأنه لا يزال حياً وانّ تاريخ البشر سيكتمل فيه. هذا معنى قول الملائكة للرسل في رواية الصعود: "أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء؟ ان يسوع هذا، الذي ارتفع عنكم الى السماء، سيأتي هكذا، كما عاينتموه منطلقاً الى السماء" (أعمال 1: 11- 12). "ان يسوع هو هو أمس واليوم والى الدهور" (عب 13: 8)، ومجيئه الثاني يعني ان الله سيكمل فيه عمل الفداء والخلاص الذي بدأه فيه.

3- خلاصة
المجيء الثاني هو العمل الأخير الذي سيقوم به الله خاتماً به سلسلة أعمال محبة بدأت بخلق العالم وتتالت عبر التاريخ وبلغت ذروتها في حياة يسوع المسيح وموته وقيامته. الله محبة، وقد ظهرت تلك المحبة في العالم والتاريخ، وستظهر ظهوراً نهائياً في كمال العالم والتاريخ. إيمانا بالمجيء الثاني هو يقيننا أنّ العالم لن يجد ملئه بقوّته الذاتية، والتاريخ لن يجد اكتماله بتطوّر شرائعه ونواميسه. فالعالم والتاريخ بحاجة إلى قوّة تفوقها وتمنحها الملء والكمال. انّ تلك القوّة قد دخلت العالم والتاريخ؛ انها ضمن العالم والتاريخ، ولكنها تسمو العالم والتاريخ. الله ليس عنصراً من عناصر العالم، انه خالق العالم. والله ليس شريعة من شرائع التاريخ، انه مستقبل التاريخ وانفتاحه الى اللانهاية.
انّ لهذه العقيدة نتائج خطيرة بالنسبة الى علاقات البشر بعضهم ببعض والى علاقاتهم بالعالم. والنتيجة الكبرى هي اقتناعنا انّ خلاص العالم والبشرية لن يتحقّق بمجرّد اتّباع شرائع التاريخ. فخلاص العالم لن يتحقق إلاّ اذا تجاوز العالم ذاته، وخلاص البشرية لن يتحقق إلاّ اذا نسمت فيها روح الله.
لذلك بعد أن قام المسيح وارتفع الى مجد الآب أرسل للعالم من عند الآب الروح القدس. وهذا الروح هو الذي يستقرّ في داخل الانسان وفي داخل البشرية وفي داخل العالم ليبلغ بكل تلك العناصر البشرية والدنيوية الى التألّه، الى حياة الله.
لقد جاء المسيح ليبني لذاته جسداً، ويصل هذا الجسد الى ملئه وكماله. جسده هو جميع الذين يؤمنون به؛ جسده هو العالم الجديد الممتلئ من الله، جسده هو الكنيسة، شعب الله الجديد.
كيف يعمل الروح في العالم؟ وكيف تتكوّن الكنيسة، جسد المسيح وشعب الله؟ هذا ما سيكون موضوع مقالاتنا القادمة.