لاهوت مسيحي ج 3 الأسرار-الحياة الأبدية

أوّلاً- يسوع المسيح الكلمة المتجسّد هو سرّ الله

1- سرّ الكائنات
تعني لفظة سرّ بالمعنى العام ما خفي على الإنسان. وسرّ الأشياء هو حقيقتها العميقة التي تخفى على الأنظار. كل ما في الكون يحمل بُعدَين: بُعداً ظاهراً للعيان، وبُعْداً خفيًّا لا يمكن بلوغه إلاّ بالتأمّل فيه طويلاً لسَبر أغواره الدفينة.
والله، الذي ليس هو الكائن الأعظم وحسب، بل الكيان بالذات، هو السرّ الأكبر، إذ ليس فيه شيء ظاهر، إنّما هو نفسه عمق الأشياء وعمق الكون بأسره.
في هذا المعنى نقرأ في العهد الجديد قول يسوع لتلاميذه: "أنتم أُعطيتم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله. أمّا الذين من الخارج فيسمعون كل شيء بالأمثال" (مر 4: 11). إنّ سرّ ملكوت الله هو حقيقته العميقة المخفيّة على الناس الذين من الخارج. أمّا التلاميذ الذين آمنوا بالمسيح فقد كشف لهم حقيقة ملكوت الله الخفيّة، وأعلن أمامهم سرّ الله.
وبسبب ارتباط لفظة سرّ بعمق الأشياء، استعملت الأديان القديمة تلك اللفظة للإشارة إلى الطقوس والممارسات التي توصل الإنسان إلى الاتحاد بعمق الكائنات. وفي هذا المعنى نفسه يرى أفلاطون في السرّ "العقيدة التي نبلغ بالإنسان إلى التأمّل في كيان الله".

2- في يسوع المسيح اعتلن سرّ الله
لقد آمن الرسل والكنيسة الأولى أنّ سرّ الله، أي حقيقته المخفيّة التي لا يمكن أيّ عقل بشري إدراكها، قد اعتلن لنا في شخص يسوع المسيح. وهذا ما يؤكّده العهد الجديد في تعابير مختلفة. فيسوع المسيح هو سرّ الله، وصورة الله، وكلمة الله، وقد عمل هو نفسه عمل الله.

أ) يسوع المسيح هو سرّ الله
نقرأ في مقاطع متعددة من رسائل بولس أنّ يسوع المسيح هو نفسه "سرّ الله"، فيقول في رسالته إلى الكولسيين إنّ الله قد انتدبه ليبشّر "بكلمة الله كاملة، بالسرّ الذي كان مكتوماً منذ الدهور والأجيال، وأُعلن الآن لقدّيسيه الذين شاء أن يعلمهم ما هو، في الأمم، غنى مجد هذا السرّ، الذي هو المسيح فيكم، رجاء المجد" (كو 1: 25- 27). ثمّ يضيف: "أريد أن تعرفوا أيّ جهاد عنيف أُعاني لأجلكم، ولأجل الذين في اللاذقية، ولأجل كثيرين آخرين لم يروا قطّ وجهي في الجسد، لتتشدّد قلوبهم، حتى إذا ما التأموا في المحبة، يبلغون إلى الفهم الكامل بكلّ غناه، والى معرفة سرّ الله، أي المسيح، المكنونة فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 1- 3).
إنّ السرّ الذي كان مكتوماً منذ الدهور، وأُعلن الآن للقدّيسين هو المسيح نفسه. فمن يعرف المسيح يعرف سرّ الله، لأنّ جميع كنوز الحكمة والعلم مكنونة في المسيح.
كذلك يدعو بولس المسيح "سرّ التقوى": "إنّه لعظيم، ولا مراء، سرّ التقوى، الذي تجلّى في الجسد، وشهد له الروح، وشاهدته الملائكة، وبُشِّر به في الأمم، وآمن به العالم، وارتفع في مجد" (1 تي 3: 16)
وفي رسالته إلى الأفسسيّين يفسّر سرّ المسيح: "إنّكم قد سمعتم، ولا شك، كيف قسّم لي الله النعمة التي أُعطيتُها لأجلكم. فإني بوحي أُوتيتُ معرفة سرّه، على حدّ ما كتبت قبلاً بالإيجاز، فيمكنكم، إذا ما قرأتموني، أن تدركوا ما هو فهمي لسرّ المسيح. فهذا السرّ لم يُعلَن لبني البشر، في الأجيال السابقة، كما أعلنه الآن الروح لرسله القدّيسين وأنبيائه: أي إنّ الأمم هم من أهل الميراث الواحد، وأعضاء في الجسد الواحد، وشركاء في الموعد الواحد، في المسيح يسوع بالإنجيل..." ثمّ يضيف: "أجل، لي، أصغر أصاغر القدّيسين جميعاً، قد أُعطيت هذه النعمة: أن أُبشّرَ في الأمم بغنى المسيح الذي لا يُستقصى، وأوضحَ للجميع ما تدبير هذا السرّ، المكتومِ منذ الدهور في الله الخالق كل شيء، لكي تتجلّى الآن للرئاسات والسلاطين في السماوات، بواسطة الكنيسة، حكمةُ الله بوجوهها العديدة" (أف 3: 2- 10).
من هذا النص نستنتج أنّ القول بأنّ المسيح هو سرّ الله يعني أنّه في المسيح تجلّى سرّ الله وقصد الله وحكمة الله، وفي المسيح يتحقّق هذا السرّ وهذا القصد وهذه الحكمة: أي "إنّ الأمم هم من أهل الميراث الواحد". وهذا ما يؤكّده بولس في الفصل الأوّل من الرسالة عينها: إنّ الله قد أعلن لنا "سرّ مشيئته الذي سبق فقصده في نفسه، ليحقّقه عند تمام الأزمنة: أي أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كلّ شيء، ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 9- 10).
إنّ سرّ الله قد كشفه لنا المسيح نفسه. والرسل قد ائتُمنوا ليوضحوا هذا السرّ ويحقّقوه في الكنيسة (راجع أيضاً رو 16: 25- 27).

ب) يسوع المسيح هو "صورة الله"
هناك تعبير آخر استعمله العهد الجديد للدلالة على أنّ سرّ الله قد اعتلن للعالم في يسوع المسيح، وهو تعبير صورة الله. تقول الرسالة إلى العبرانيين
"إنّ الله، بعد إذ كلّم الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتّى الطرُق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره" (عب 1: 1- 3). هناك فرق جذريّ بين كلام الله للبشر في العهد القديم بواسطة الأنبياء، وكلامه لنا في العهد الجديد بالابن الذي هو ضياء مجد الله وصورة جوهره.
مجد الله هو كيان الله. وهذا الكيان لا يمكن أيّ إنسان أن يراه، لكنّه في شخص يسوع المسيح قد تجلّى لنا ضياء مجد الله أي ضياء كيانه وصورة جوهره.
ففي يسوع المسيح لم يعد سرّ الله حقيقة مخفيّة على الإنسان، بل أضحى اعتلانَ الحقيقة المخفيّة، أي الصورة الظاهرة التي من خلالها نستطيع البلوغ إلى الحقيقة غير الظاهرة.

ج) يسوع المسيح هو كلمة الله
لقد عبّر الكتاب المقدّس أيضاً عن "سرّ الله" بلفظة لُوْغُسْ اليونانية التي تعني "العقل والفكر والكلمة". فالله كلَّمنا قديماً بالأنبياء، ثم كلَّمنا الكلام الأخير والنهائيّ في ابنه يسوع المسيح. هذا ما تعنيه العبارة التي ترد مراراً في العهد الجديد أنّ يسوع هو كلمة الله.
يقول القدّيس مكسيموس المعترف إنّ سرّ الله يعتلن للبشر في ثلاث درجات
فهو يعتلن أوّلاً في الكون والمخلوقات. وهذا ما أدركته الديانات القديمة كلّها التي استطاعت أن تكتشف بعضاً من سرّ الله من خلال مخلوقاته:
"إنّ الله، محبةً بنا، يختبئ بشكل سرّيّ في الجوهر الروحي الذي ينعم به كل كائن مخلوق. في الكائنات المتعدّدة يختبئ مَن هو واحد لا يتغيّر منذ الأزل، في الأمور المركّبة مَن هو بسيط وغير متجزّئ، في الكائنات التي بدأت يوماً مَن لا بدء له، في الكائنات المنظورة مَن هو غير منظور، وفي الكائنات المحسوسة مَن هو غير محسوس".
ثمّ يعتلن أيضاً سرّ الله في الوحي الكتابيّ في العهد القديم:
"ومحبة بنا نحن البطيئي الإدراك، ارتضى أن يعبّر عن ذاته في أحرف الكتاب المقدّس وألفاظه ونغماته، ليشدّنا إليه ويوحّدنا بالروح".
وأخيراً يعتلن لنا الله في تجسّد الكلمة: "لقد ارتضى، بمجيئه في الجسد، أن يأخذ جسداً ليعلّمنا في لغتنا البشريّة وفي الأمثال، تلك المعرفة التي تفوق كل لغة، معرفة الأمور المقدّسة والخفيّة".

د) بيسوع المسيح اعتلن لنا عمل الله
إنّ يسوع المسيح قد عمل في حياته أعمال الله. والإنجيل المقدّس هو سلسلة مترابطة من شهادات أُناس اختبروا في حياتهم عمل الله من خلال شخص يسوع المسيح. فيسوع قد شفى المرضى وأقام الموتى وبشَّرَ المساكين، حسب قوله لموفَدي يوحنا المعمدان: "إنطلقوا وأعلموا يوحنا بما تسمعون وترون: العمي يبصرون والعُرج يمشون، والبُرص يطهّرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون، وطوبى لمن لا يشكّ فيَّ" (متى 11: 4- 6). كما أنّه غفر الخطايا: "ومَن يقدر أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده؟" (مر 2: 7)؛ "فإنّ ابن البشر له، على الأرض، سلطان مغفرة الخطايا" (مر 2: 10). ونقض شريعة السبت الإلهيّة: "فإنّ ابن البشر هو ربّ السبت أيضاً" (مر 2: 28).
هذا ما أكّده أيضاً يوحنا الإنجيليّ في عرضه نقاش يسوع مع الفرّيسيّين: "أجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم، إنّ الابن لا يستطيع من نفسه أن يعمل شيئاً، إلاّ ما يرى الآب يعمله. فما يفعله الآب، يفعله الابن كذلك... إنّ الأعمال التي خوّلني الآب أن أُتمِّمها- هذه الأعمال عينها التي أنا أعملها- هي تشهد لي بأنّ الآب قد أرسلني" (يو 5: 19، 36). "صدّقوا هذه الأعمال، لكي تعلموا وتعترفوا أنّ الآب فيّ وأنّي أنا في الآب" (10: 38)، "أنا والآب واحد" (10: 30)، "مَن رآني فقد رأى الآب" (14: 9).

3- تعريف السرّ في اللاهوت المسيحي
يقول اللاهوتي المعاصر إدوار سْخِلّيِبكْس: "إنّ يسوع المسيح هو تجسّد الله. ومحبته هي التجسيد البشري لمحبة الله الخلاصيّة، ومجيء الله إلينا بصورة منظورة. ولأنّ هذه الأعمال الإنسانيّة هي في الوقت عينه أعمال الله، أي أعمال الله في صورة تجلٍّ بشري، فهي تملك في جوهرها قدرة إلهيّة للخلاص. إنّها أعمال خلاصيّة، أي إنّها تمنح الخلاص. وبما أنّ هذه القدرة الإلهيّة قد ظهرت لنا في صورة أرضيّة منظورة، فأعمال المسيح الخلاصيّة هي أعمال من نوع "السرّ". والسرّ هنا يعني عطيّة خلاصيّة يمنحنا إيّاها الله بشكل خارجي يمكن إدراكه وتيقُّنه، وبه تصير تلك العطيّة واقعاً وحقيقة. السرّ هو عطيّة خلاص تأتي لينا بشكل منظور في قلب التاريخ".
إنطلاقاً من تجلّي الله في أعمال المسيح البشريّة المنظورة، يمكننا تحديد السرّ في اللاهوت المسيحي بقولنا إنّه عمل مقدّس تُمنَح فيه للمؤمن، من خلال علامة منظورة، نعمة الله غير المنظورة. فغير المنظور وغير المدرَك يستطيع الإنسان المؤمن الوصول إليه والاتحاد به من خلال علامة منظورة.
وهنا نحيل القارئ إلى ما قلناه في الجزء الثاني من مجموعتنا اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر عن مفهوم تجلّي الكائن في الفلسفة المعاصرة وتجلّي الله في موضوع النعمة. ففي تجلّي الكائن وتجلّي الله دوماً عنصران: عنصر الحضور وعنصر الغياب. أي إنّ الكائن يظهر لنا هو نفسه، ولكن من خلال تجلّيه في الكائنات. فهناك إذاً مسافة لا يمكن إزالتها بين الكائن في ذاته وظهوره في الكائنات. وفي هذه المسافة عينها يندرج فعل الإيمان ووجود الأسرار. لأنّه لو ظهر الكائن، أي الله، في كمال كيانه، لكنّا شاهدناه منذ الآن وجهاً لوجه، ولما احتجنا إلى الإيمان ولا إلى الأسرار. لكنّ هذه المشاهدة وجهاً لوجه لن تتحقّق لنا إلاّ في السماء. وهذا ما يعنيه بولس الرسول: "الآن ننظر في مرآة، في إبهام، أمّا حينئذٍ فوجهاً لوجه. الآن أعلم عِلماً ناقصاً، أمّا حينئذٍ فسأَعلم كما عُلمت. الآن ويثبت الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة. لكنّ أعظمهنّ المحبة" (1 كو 13: 12- 13).
نشير أخيراً إلى أنّ عمل الأسرار يهدف إلى خلاص الإنسان، أي إلى إشراكه في حياة الله. فليس القصد إذاً من الأسرار إرواء فضوليّة الإنسان وإنماء معرفته العقليّة، بل إدخاله عمق كيان الله. وهذا يعبّر عنه سْخِيْلّيبكِسْ في النصّ الذي أتينا على ذكره أعلاه، بقوله: "إنّ السرّ هو عطيّة خلاص تأتي إلينا بشكل منظور في قلب التاريخ".
فالسرّ هو إذاً عمل خارجي منظور ومحسوس، فيه يعتلن لخلاص الإنسان عمل الله غيرِ المنظور وغيرِ المحسوس.
- الكنيسة سرّ المسيح
لقد رأى الرسل في كلام يسوع المسيح وفي الأعمال التي صنعها في حياته على الأرض كلام الله وعمل الله نفسه. لقد اختبروا في يسوع المسيح ذاك الذي يقود الإنسان إلى الإيمان بالآب؛ الذي تتحقّق دينونة كلّ إنسان وفقًا للموقف الذي يقفه من شخصه ومن رسالته، فيكون هذا الموقف سبب حياة أو علّة موت؛ الذي، لأجل ذلك، أزال من قلوب الناس الخوف من الدينونة، وفتح أمام كل إنسان طريق المستقبل؛ الذي دعا إلى مائدته ومشاركة حياته العشّارين والخطأة؛ الذي به صار الغرباء أقرباء؛ الذي به أصبح الإله البعيد قريباً من كل إنسان؛ الذي فيه تجلّى وحضر الإله الذي طالما انتظر العهد القديم مجيئه.
لقد أرسل الله ابنه إلى العالم ليخلّص به العالم ويمنحه الحياة. هكذا ظهر الخلاص للعالم في أقوال المسيح وأعماله، وظهرت الحياة. والكنيسة هي استمرار لحضور المسيح الخلاصيّ في أقوالها وأعمالها، وحياتها وأسرارها:
يروي إنجيل متى أنّ يسوع، في آخر ظهور له لتلاميذه، أوصاهم قائلاً:
"لقد دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أناذا معكم كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 18- 20).
فالكنيسة هي جماعة المؤمنين الذين يستمرّ فيهم حضور المسيح حتى انقضاء الدهر، وذلك من خلال الكرازة بالإنجيل والمعموديّة وسائر الأسرار. لقد منح الله المسيح كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض، فكان المسيح في حياته سرّ الله وتجلّي حضوره. وها هوذا قبل مغادرته تلاميذه يمنحهم هذا السلطان الإلهي لتكون الكنيسة، في مسيرتها عبر الزمن، شرّ المسيح وتجلّي حضوره، كما كان المسيح في حياته على الأرض سرّ الله وتجلّي حضوره.
إنّ الكنيسة لم تنشأ من إرادة جماعة من البشر قرّروا متابعة رسالة مَن تتلمذوا له في حياته، بل نشأت من إرادة المسيح نفسه الذي جمع حوله تلاميذ ليعيشوا في شركة حياة معه ويعملوا أعماله. وتلك الحياة والأعمال أراد أن تستمرّ من بعده في جميع الأمم، فيصير له النّاس على مرّ الزمن تلاميذ كما كان الرّسل، فيحيوا هم أيضاً من حياته ويعملوا أعماله.
الكنيسة هي إذاً سرّ المسيح، أي استمرار حضوره على مدى الزمن. وهذا معنى الأقوال التالية التي حفظها التلاميذ من المسيح:
"مَن سمع منكم، فقد سمع مّني. ومَن نبذكم فقد نبذَني. ومَن نبذَني فقد نبَذَ الذي أرسلني" (لو 10: 16). "مَن أبى أن يسمع للكنيسة، فليكن عندك كالوثنيّ والعشّار" (متى 18: 17). ومن بعد قيامته: "كما أرسلني الآب، كذلك أنا أُرسلكم. ولمّا قال هذا نفخ فيهم وقال لهم: خذوا الروح القدس، فمَن غفرتم خطاياهم غُفرت لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكت" (يو 20: 21- 23).
لذلك لا يمكن القول إنّي أومن بالمسيح، ولكنّي لا أومن بالكنيسة. فالكنيسة، في حياتها وأسرارها، تتابع العمل الذي أتمّه يسوع في حياته على الأرض. إنّ الله، إله الحياة والخلاص الذي أتى إلينا واقترب منّا في شخص يسوع المسيح، يتابع مجيئه إلينا واقترابه من كلّ إنسان على مدى الزمن بواسطة الكنيسة وأسرارها. لقد أدركت الجماعة المؤمنة الأولى أنّ المسيح الحيّ لا يزال حاضراً فيها. فباسم المسيح راحت تغفر الخطايا وتمسكها، وباسم المسيح راحت تدعو جميع المؤمنين به إلى تناول طعام الحياة الأبدية على مائدة الله، وما هدفها سوى العمل على أن يختبر الناس على مدى العصور ما اختبره الرّسل في شخص يسوع في أثناء حياته على الأرض، أي الخلاص ودخول حياة الله. وهذا العمل ليس عملاً إنسانيًّا تستطيع الكنيسة القيام به بجهودها البشرية، بل هو عمل المسيح نفسه الذي تؤمن بأنّه قد قام من بين الأموات، وهو الآن حيّ فيها، وهو الذي بروحه القدّوس يحييها من الداخل ويكمّل عمله فيها.

2- الأسرار استمرار التجسّد
إنّ وجود الأسرار في الديانة المسيحيّة ينتج أولاً من كون الإنسان روحاً وجسداً، ومن كون الله لم يتّصل بالبشر إلاّ من خلاله الجسد والمادة.
فالإنسان ليس ملاكاً ولا روحاً محضاً، بل هو روح يعبّر عن ذاته في جسد والروح والجسد فيه لا يتناقضان بل يتكاملان. وكلاهما ضروري لوجوده والتعبير عن ذاته تعبيراً ملائماً في عالم لا وجود فيه للروح منفصلاً عن المادة.
نحن البشر لا نختبر ذواتنا ولا نختبر بعضنا بعضاً إلاّ من خلال الجسد والمادة. إنّنا لا ندخل في علاقة بعضنا مع بعض إلاّ من خلال وساطة الجسد والمادة، بع كل ما تتضمّنه تلك الوساطة من أقوال وأعمال. إنّ حبّ شخص لآخر لا يمكن إدراكه وإبلاغه الآخر إن هو بقي في طيّات الفكر وثنايا القلب، بل يجب التعبير عنه من خلال الأقوال والأعمال.
هكذا أيضاً اتّصل بنا الله وعبّر لنا عن محبّته، أولاً بأقوال الأنبياء وأخيراً بتجسّد ابنه وكلمته في شخص يسوع المسيح الذي تكلّم كلام الله وعمل أعمال الله. وإذا كان الله لم يتّصل بنا نحن البشر ولم يمنحنا الخلاص إلاّ من خلال الجسد والمادة، فلا بدّ من القول إنّ متابعة هذا العمل الخلاصيّ على مدى الزمن لا يمكن أن يتمّ إلاّ من خلال الجسد والمادة. وهذا ما تهدف إليه الأسرار التي تحتفل بها الكنيسة. فكلٌّ منها، على طريقته الخاصة، يشرك المؤمنين في حياة الله التي تجلّت لنا في حياة المسيح على الأرض، ثمّ يطلقهم إلى العالم ليجسّدوا فيه حياة المسيح الكلمة المتجسّد.
لذلك، إلى كل الذين يسألون لِمَ الأسرار؟ ما الهدف منها؟ ما فائدتها؟ وهل هي ضرورية؟ نجيب دون تردّد: الأسرار تهدف إلى متابعة تجسّد كلمة الله في العالم من حياة المؤمنين. فهي، في صميم طبيعتها، استمرار للحياة التي عاشها السيّد المسيح على الأرض. وهذا ما يمكن تبيينه في الأسرار التالية:

أ) المعموديّة
المعموديّة أوّلاً مرتبكة بمجيء يسوع المسيح في التاريخ. فيسوع المسيح هو عطيّة الله للبشر. إنّ الآب قد أرسله إلينا ليقودنا إليه ويجعلنا به له أبناء. هذا هو هدف حياة يسوع المسيح على الأرض.
واليوم بالمعموديّة يأتي المسيح إلى حياتنا ويجعلنا أعضاء في جسده، لنحيا على مثاله حياة أبناء الله. لذلك نعتمد "باسم الآب والابن والروح القدس"، فنصير أبناء الآب وإخوة الابن وهياكل الروح القدس. وهكذا بالمعمودية التي تمنحها الكنيسة اليوم، يتابع المسيح العمل الذي بدأه في حياته على الأرض، إذ أراد أن يجعل من كل إنسان ابناً لله.

ب) الميرون أو التثبيت
سرّ الميرون هو سرّ "ختم الروح القدس" والتثبيت في الإيمان والشهادة على هذا الإيمان. فيسوع المسيح، في حياته على الأرض، كان ممتلئاً من الروح القدس. وبقُدرة الروح كان يتكلّم كلام الله ويعمل أعمال الله.
واليوم، عندما ننال سرّ الميرون والتثبيت، ننال، على مثال المسيح وعلى مثال الرسل يوم العنصرة، قدرة الروح القدس، لكي تتجدّد به حياتنا ونصير شهوداً للمسيح "حتى أقاصي الأرض"، فيتحقّق فينا أيضاً قول يسوع لتلاميذه: "إنكم ستنالون قوّة بحلول الروح القدس عليكم، فتكونون لي شهوداً في أورشليم، وفي جميع اليهودية والسامرة، وإلى أقاصي الأرض" (أع 1: 8).
بالميرون الذي تمنحه الكنيسة اليوم، يتابع المسيح العمل الذي عمله من بعد قيامته اذ أرسل إلى تلاميذه روحه القدّوس، روح القدرة والشهادة.

ج) الإفخارستيّا
لقد كانت حياة يسوع كلّها حياة محبة فيها ظهرت محبة الله للبشر ولا سيّما للفقراء والضعفاء والمنبوذين. وقد بقي يسوع أميناً لعطائه وشهادته حتى الموت. فكان موته على الصليب قمّة حياة كلّها محبة وعطاء، إذ "ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل الحياة عن أحبّائه" (يو 15: 13).
وقبل موته، في أثناء العشاء الفصحي، قدّم في سرّ الخبز والخمر جسده ودمه، أي حياته وموته، لأجل حياة العالم: "هذا هو جسدي الذي يُبذَل لأجلكم... هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي، الذي يُهرَاق من أجلكم" (لو 22: 20).
وهذه التقدمة عينها تبرز من جديد في سرّ الإفخارستيّا الذي تقيمه الكنيسة اليوم، ليُتاح للمسيحيين الاشتراك في هذه التقدمة والإسهام في فداء العالم.

د) التوبة
لقد تميّزت حياة يسوع بما أظهره تجاه الخطأة من محبة وعطف وحنان. فيقول للفرّيسيّين الذين كانوا يتذمّرون من موقفه من الخطأة: "إني لم آتِ لأدعو الصدّيقين، بل الخطأة إلى التوبة" (لو 5: 31- 32)؟ "هكذا في السماء، يكون فرح بخاطئ يتوب، أكثر ممّا يكون بتسعة وتسعين صدّيقاً لا يحتاجون إلى توبة" (لو 15: 7).
وفي سرّ التوبة الذي تمنحه الكنيسة اليوم، لا يزال السيّد المسيح يقبل توبة الخطأة، ساكباً في قلوبهم مغفرة الله ومعيداً إيّاهم إلى البيت الأبويّ ليحيوا من حياة الله الآب، على مثال الابن الشاطر "الذي كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجِد" (لو 15: 24).

هـ) مسحة المرضى
إنّ حياة يسوع المسيح قد تميّزت أيضاً باهتمامه بالمرضى، وفي ذلك تجلّت محبّة الله الآب للمرضى والمعذّبين. وما الأشفية الكثيرة التي أجراها سوى الدليل على هذا الاهتمام. فهو الذي أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا" (متى 8: 17؛ أش 53: 4).
والسيّد المسيح نفسه، في سرّ مسّحة المرضى الذي تمنحه الكنيسة اليوم، لا يزال ينحني على المرضى ليسبغ عليهم محبة الله وقربه من الإنسان المربض المعذّب.

و) الزواج
إن المحبة التي أحبّنا بها الله ظهرت في يسوع المسيح الذي أحبّنا حتى بذل ذاته لأجلنا. تلك المحبة عينها يسكبها المسيح أيضاً في قلبَي اللذين يرتبطان بسرّ الزواج، ليصير حبّهما أحدهما للآخر على مثال حبّ المسيح للكنيسة. وهذا ما يبيّنه بولس الرسول بقوله: "أيّها الرجال، أحبّوا نساءكم كما أحبّ المسيح الكنيسة، إذ بذل نفسه لأجلها ليقدّسها ويطهّرها بغسل الماء والكلمة". ثم يدعو الزواج سرًّا بقوله: "إنّ هذا السرّ لعظيم، أقول هذا بالنسبة إلى المسيح والكنيسة" (أف 5: 25، 30).
الزواج سرّ بمعنى أنّ الزوجين بارتباطهما يصيران جسدًا واحداً على ما هو من أمر المسيح والكنيسة التي هي جّسده وهو رأسها.

ز) الخدمة الكهنوتيّة
لقد كان يسوع في حياته خادم البشارة. فالروح القدس مسحه للتبشير، على مما جاء في أشعيا النبي: "روح الربّ عليّ، لأنه مسحني لأُبشِّر المساكين، وأرسلَني لأُنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأطلق المرهقين أحراراً، وأُعلن سنة نعمة للرب" (أش 61: 1- 2).
إنّ نبوءة أشعياء هذه قد رآها السيّد المسيح تتحقّق في شخصه. فإنّ لوقا يروي أنّ السيّد دخل يوم السبت مجمع الناصرة، وبعد أن قرأ هذا النص من سفر أشعيا قال لمستمعيه: "اليوم تمّت هذه الكتابة التي تُليت على مسامعكم" (لو 4: 16- 21). وفي موضع آخر قال لتلاميذه: "لا بدّ لي أن أُبشّر المدن الأخرى أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أُرسلت". ويضيف لوقا: "وكان يطوف مبشِّراً في مجامع اليهوديّة" (لوقا 4: 43).
لقد كانت حياة المسيح بمجملها حياة تبشير بملكوت الله، ملكوت المحبة والسلام والعدالة. فقد جاء ليحقّق ملكوت أبيه، ويدعو الناس إلى التوبة والإيمان بهذا الإنجيل، بهذه البشرى الصالحة: "بعدما أُلقي يوحنا في السجن، أتى يسوع إلى الجليل، وهو يكرز بإنجيل الله، ويقول: لقد تمَّ الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 14- 15).
وإنّ رسالة المسيح هذه سلَّمها بدوره إلى تلاميذ اختارهم ليوصلوا الناس إلى الملكوت. فنراه يدعو بطرس وأندراوس، الأخوين الصيّادين، قائلاً لهما: "إتبعاني، فأجعلكما صيّادي بشر" (مر 1: 17). ثمّ يقيم الاثني عشر "ليكونوا معه ويرسلهم للكرازة" (مر 3: 14). وفي العشاء الأخير يوصيهم بمتابعة عمل التقديس الذي قام به في سرّ الخبز والخمر: "إصنعوا هذا لذكري" (لو 22: 19).
واليوم، في سرّ الخدمة الكهنوتيّة، لا يزال المسيح يتابع عمل الكرازة والتقديس، الذي سلَّمه إلى الرسل والكنيسة، لنشر ملكوت الله بين البشر.

3- ِ الأسرار تسهم في تحقيق "المسيح الكونيّ"
استناداً إلى ما قاله بولس الرسول عن الكنيسة جسَد المسيح (1 كو 12: 12- 30) تحدّث آباء الكنيسة عن "المسيح الكونيّ"، أي المسيح الذي يوحّد في جسده البشرية. فإنّ قصد الله هو "أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كلّ شيء، ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 10). لذلك "يمنح نعمته لكلّ واحد منّا على مقدار موهبة المسيح... فيعطي بعضاً أن يكونوا رسلاً وبعضاً أنبياء، وبعضاً مبشرّين وبعضاً معلّمين، منظّماً هكذا القدّيسين لأجل عمل الخدمة في سبيل بنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى الوحدة في الإيمان وفي معرفة ابن الله، إلى حالة الإنسان البالغ، إلى ملء اكتمال المسيح" (أف 4: 7- 13).
إنّ كل ما تقوم به الكنيسة من خِدَم وأسرار يسهم في تحقيق "المسيح الكوني". فالأسرار لا معنى لها إلاّ من خلال ارتباطها بشخص المسيح ولا هدف لها إلاّ تحقيق المسيح الكونيّ. لا بدّ لنا من العودة إلى شخص المسيح، فنرى فيه ينبوع وحدة البشرية ومصدر تضامن البشر كلّهم بعضهم مع بعض.
ما من أحد سوى الله المتسامي غير المحدود يستطيع أن يحرّر البشر من انكماشهم على ذواتهم وأنانيّتهم، وأن يوحّدهم. وهذا الإله قد ظهر لنا في شخص يسوع المسيح. لذلك فالمسيح هو عنصر تحرير البشر وينبوع وحدة البشرية. وهذا ما يعنيه "شخص المسيح"، وهذا أحد أبعاد أُلوهيّته: دخول المطلق والمتسامي العنصرَ البشري لتأليهه وتوحيد البشر. وهذا ما تسعى إلى تحقيقه الأسرار التي يستمرّ من خلالها تجسّد الإله الكلمة.
ثالثًا- تأسيس الأسرار وعددها
إنطلاقاً من كون الكنيسة تكمّل في ذاتها وفي أسرارها حضور المسيح، يمكننا الكلام على نشأة الأسرار وعددها. كل الكنائس المسيحية تعتقد أنّ نشأة الأسرار يجب أن تعود إلى إرادة المسيح نفسه. ولكنّ السؤال الذي طرحه اللاهوتيّون عبر القرون هو التالي: كيف أنشأ المسيح الأسرار؟ وما هي الأسرار التي أنشأها المسيح؟

أ) اللاهوت الكاثوليكي
في القرون الوسطى، كان اللاهوتيّون الكاثوليكيّون يميّزون، في تأسيس الأسرار عن يد المسيح، بين التأسيس المباشر أو الصريح، والتأسيس غير المباشر.
فهناك أسرار أنشأها المسيح مباشرة، أو بشكل مريح، بحيث يمكن الاستناد إلى أقوال المسيح نفسه لتحديد عناصرها. فهكذا أنشأ المعموديّة بقوله لتلاميذه بعد قيامته: "إذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متى 28: 19)؛ وأيضاً أنشأ الإفخارستيا في أثناء العشاء الفصحي الأخير مع تلاميذه: "هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم... إصنعوا هذا لذكري" (لو 22: 19)، وكذلك أنشا الكهنوت بقوله لتلاميذه من بعد قيامته: "كما أنّ الآب أرسلني، كذلك أنا أُرسلكم. ولمّا قال هذا، نفخ فيهم وقال لهم: خذوا الروح القدس. فمَن غفرتم خطاياهم غُفرت لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَت" (يو 20: 21- 23).
وهناك أسرار أنشأها المسيح بشكل غير مباشر في ما قام به من أعمال، تاركاً للرّسل تحديد عناصر هذه الأسرار. فسرّ الميرون، أو التثبيت، قد أنشأه المسيح على مرحلتين: في حياته، عندما وعد تلاميذه بأن يرسل إليهم الروح القدس (يو 7: 16)، وبعد قيامته عندما أرسله إليهم بالفعل يوم العنصرة (أع 2: 1- 18). وسرّ مسحة المرضى أنشأه بعمله عندما كان يشفي المرضى ويرسل تلاميذه ليمسحوا المرضى بالزيت: "فمضوا، وكرزوا بالتوبة، وأخرجوا شياطين كثيرين، ومسحوا بالزيت مرضى كثيرين وشفوهم" (مر 6: 12- 13). ولنا شاهد على ممارسة هذا السرّ في الكنيسة الأولى ما يقوله القدّيس يعقوب في رسالته الجامعة (5: 13- 15). أمّا الزواج والتوبة اللذان وُجِدا قبل يسوع كحالة في الحياة ودعوة إلى الارتداد إلى الله، فقد ثبّتهما المسيح عندما دعا قداسة الزواج (مر 10: 1- 12)، وغفر هو نفسه الخطايا (مر 2: 5- 12؛ لو 7: 47- 50) ثمّ منح تلاميذه سلطان مغفرة الخطايا من بعده (يو 20: 21- 23).
استناداً إلى هذا كلّه، حدّد اللاهوت الكاثوليكي الغربيّ عدد الأسرار بسبعة. وقد تمَّ هذا التحديد في القرن الثاني عشر مع اللاهوتي بيير لومبار الذي توفي سنة 1160. وأُعلنت اللائحة الحالية للأسرار إعلانا رسميًّا سنة 1274 في مجمع ليون الذي حاول إعادة الوحدة بين الشرق والغرب، ثمّ في مجمع فلورنسا سنة 1439 في "القرار الموجَّه إلى الأرمن"، وأخيراً في المجمع التريدنتيني الذي أكّد في جلسته السابعة سنة 1547 أنّ الأسرار السبعة قد أسّسها يسوع المسيح نفسه، دون الدخول في طريقة هذا التأسيس الذي تمَّ على يد المسيح.
في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين طبّق بعض اللاهوتيّين على تأسيس الأسرار نظرية الكردينال نيومن في تطوّر العقائد. فالوحي كلّه، حسب هذه النظرية موجود ضمناً في الكنيسة، ولكنّه لا يتّضح لها ولا تعيه وعياً كاملاً إلاّ تدريجياً وبعمل من الروح القدس فيها. وهكذا أنشأ المسيح الأسرار، أي إنّه أرادها كلّها، غير أنّ بعضاً منها، كالمعموديّة والإفخارستيّا، يرتكز إلى أقوال صريحة له، فيمَا البعض الآخر لا يستند إلاّ إلى رغبته التي تستشفّها الكنيسة مع الزمن من خلال تأملّها لأعماله ولسرّ موته وقيامته.
ويؤكّد اللاهوتيّون المعاصرون أنّ تأسيس الأسرار متضمَّن في تأسيس الكنيسة في هذا يقول سْخيلّيبكِسْ: "إنّ تأسيس الكنيسة كسرّ أوّلي وأساسي يتضمّن في جوهره تأسيس الأسرار السبعة". ويقول كارل راهنر: "ليس من الضروري أن يستند وجود أسرار حقيقيّة، بالمعنى الدقيق والتقليدي لهذه اللفظة، وفي جميع الحالات، إلى قول محدّد (يمكن تيقّنه أو مُفترَض) فاه به يسوع التاريخي مشيراً إشارة صريحة إلى سرّ معيّن. فإنّ كل عمل أساسيّ في الكنيسة، أي كلّ عمل يرتبط ارتباطاً حقيقياً بجوهر الكنيسة، من حيث هي الحضور التاريخي والاسختولوجي للخلاص، هو، بالنسبة إلى أوضاع الشخص الحاسمة، بالفعل نفسه سرّ، وهذا يبقى صحيحاً، حتى ولو تطلّب إدراك هذا الارتباط السرّي بجوهر الكنيسة وقتاً طويلاً. إنّ تأسيس سرّ يمكن (وهذا طبعاً لا يعني: يجب دوماً) أن ينتج فقط من كون المسيح قد أسسّ الكنيسة، ووسمها بسِمَة السرّ الأوّلي والأساسي".

ب) اللاهوت الأرثوذكسي
يقول اللاهوتي الأرثوذكسي جان مايندورف في كتابه مدخل إلى اللاهوت البيزنطي: "إنّ اللاهوت البيزنطي يجهل التمييز الغربي بين "الأسرار" و"أشباه الأسرار". لذلك لم يقتصر قط على عدد محدّد من الأسرار معلناً إعلاناً رسميًّا. ففي زمن الآباء، لم تكن هناك لفظة للدلالة على "الأسرار" كنوع معيّن من الأعمال الكنسيّة. فلفظة سرّ كانت تُستعمل في درجة أولى بالمعنى الواسع والعام، أي بمعنى "سرّ الخلاص"، ثمّ في درجة ثانية فقط كانت نشير إلى الأعمال الخاصة التي تَمنَح الخلاص. وللدلالة على هذا المعنى الأخير، كانت نُستعمل أيضاً لفظتا "طقوس" و"مقدَّسات". وإننا نجد لدى ثيوذوروس الأستودي في القرن التاسع لائحة بستة أسرار: الاستنارة المقدّسة (أي المعمودية)، والاجتماع الإفخارستي، والميرون، والرسامة الكهنوتيّة، والتكريس الرهباني، ورتبة الجنّاز. أمّا عقيدة "الأسرار السبعة" فقد ظهرت للمرة الأولى، في شكل مميّز، في الاعتراف بالإيمان الذي طلبه البابا اكليمنضوس الرابع من الامبراطور ميخائيل باليولوغوس سنة 1267 بمناسبة انعقاد مجمع ليون. وبالطبع فقد كان هذا الاعتراف بالإيمان من إعداد لاهوتيّين لاتينيّين".
ثمّ يضيف مايندورف أنّ تحديد هذا العدد من الأسرار قد وجد شبه إجماع لدى اللاهوتيين الأرثوذكسيين، حتى لدى الذين كانوا يعارضون بشدّة الاتحاد مع رومة. وقد وجدوا فيه عدداً رمزياً يشير إلى مواهب الروح القدس السبع التي يأتي على ذكرها أشعيا النبي (11: 2- 4).
غير أنّنا نجد بعض الاختلاف عند اللاهوتيين الأرثوذكسيين في تحديد هذه الأسرار السبعة فالراهب أيوب (في القرن الثالث عشر)، في بحث له في الأسرار، يحدّد عدد الأسرار بسبعة، ولكنّه يعتبر التكريس الرهباني سرًّا، ويجمع التوبة ومسحة المرضى في سرّ واحد. كذلك سمعان التسالونيكي (في القرن الخامس عشر) يعتبر التكريس الرهباني سرًّا، لكنّه يضمّه إلى سرّ التوبة. أما جوازاف، ميتروبوليت أفسس، ومعاصر سمعان التسالونيكي، فيقول: "أعتقد أنّ أسرار الكنيسة ليست سبعة وحسب، بل أكثر من ذلك". ويقدّم لائحة بعشرة أسرار تتضمّن التكريس الرهباني، ورتبة الجنّاز وتكريس الكنائس.
إنّ الكنائس الأرثوذكسيّة، لم تحدّد بشكل رسمي لائحة الأسرار. لذلك نرى اختلافاً في تحديد هذه اللائحة. ففي حين يقبل معظم اللاهوتيين اللائحة الغربية، يعطي البعض لائحة مختلفة، ويركّز البعض الآخر على سرَّي المعمودية والإفخارستيّا. فيؤكّد غريغوريوس بالاماس أنّ خلاصنا كلّه يستند إلى هذين السرّين، لأنّ فيهما كمال التدبير الخلاصي الذي أتمّه الكلمة المتجسّد. ويركّز نيقولاوس كاباسيلاس، في كتابه الشهير الحياة في المسيح، الحياة المسيحية كلّها على أسرار التنشئة الثلاثة: المعمودية والميرون والإفخارستيا.
ونجد لدى اللاهوتي الأرثوذكسي الروسي المعاصر نيقولا أفاناسييف توضيحاً هاماً لتمييز الأسرار السبعة عن غيرها من المقدّسات أو أشباه الأسرار، كتكريس الهيكل، وإكرام الإيقونات، وتقديس المياه، وبركة الثمار، والجنّاز، والنذورات الرهبانيّة، وإشارة الصليب، والصلاة. فكل هذه الممارسات الدينية تمنح نعمة الروح القدس، إلاّ أنّ الأسرار السبعة تتميّز عنها بارتباطها العضوي بالكنيسة. فكل سرّ هو حدث يتمّ داخل الكنيسة، وبواسطة الكنيسة، ولأجل الكنيسة.
فبالمعمودية والميرون يولد الإنسان ولادة جديدة ويصير عضواً في الكنيسة. وبالإفخارستيا تتكوّن الكنيسة جسد المسيح ويتّحد أعضاؤها بعضهم ببعض، كما نقول في ليتورجيّا القدّيس باسيليوس: "نحن الذين يشتركون في الخبز الواحد والكأس الواحدة، إجعلنا متّحدين بعضنا ببعض في شركة الروح القدس الواحد". وبالتوبة ومسحة الرضى يعود الخاطئ والمريض إلى الكنيسة وإلى شركة القدّيسين. والكهنوت يمنح الكنيسة أساقفة وكهنة ليكمّلوا فيها حضور المسيح في الكلمة والإفخارستيّا، ويحافظوا على وحدة الكنيسة. وأخيراً بواسطة سرّ الزواج يدخل الرجل والمرأة الكنيسة، ليس كفردَين بل كاسرة، ويشتركان معاً في حالتهما الجديدة في الاجتماع الإفخارستيّ.

ج) اللاهوت البروتستنتي
لقد أكّد لوثر والبروتستنتيّون أنّه لا يمكن أن يدعى سرًّا إلاّ ما أنشأه المسيح بشكل صريح, واستناداً إلى هذا المبدأ لم يحفظوا من الأسرار سوى المعمودية والافخارستيّا، مع بعض الاختلاف بين الكاثوليكيين والبروتستنتيين من جهة، وبين الكنائس البروتستنتيّة نفسها من جهة أخرى، حول مفهوم حضور المسيح في سرّ الإفخارستيّا. فاللوثرّيون يؤكّدون أنّ حضور المسيح في هذا السرّ يجب أن يعتبر حضوراً "حقيقيَّا"، إلاّ أنّهم يرفضون النظرية الكاثوليكية القائلة بتحوّل جوهر الخبز والخمر. أمّا سائر الكنائس البروتستنتيّة فتركّز على حضور المسيح بواسطة الروح القدس أو في "ذكرى" الرتبة الإفخارستية في مجملها.
أمّا سرّ الميرون فلا تقرّ به الكنائس البروتستنتية كسرّ متميّز عن المعموديّة نظراً إلى كون المسيح لم يأتِ على ذكره صراحة. وقد أنشأت عِوَضاً عنه في القرن السابع عشر رتبة احتفالية تتضمّن وضع اليد والصلاة، يدخل فيها الفتى والفتاة لدى بلوغهما السن الرابعة عشرة دخولاً رسمياً كأعضاء فاعلة في الرعية، ويتاح لهما الاشتراك في الاحتفال الإفخارستيّ. ولكنّ هذه الرتبة لا تُعتبَر سرًّا، مخافة التقليص من أهمية سرّ المعمودية.
كذلك تؤكّد الكنائس البروتستنتية ضرورة التوبة الدائمة وضرورة إعلانها في رتب كنسيّة، وقد حافظ لوثر على الحلّة من الخطايا. ولكنّ هذه الكنائس لا تعتبر هذه التوبة سرًّا خاصاً، بل عودة إلى المغفرة إلتي نالها المسيحي لدى قبوله المعمودية. فالمعمودية هي السرّ المختصّ بمغفرة الخطايا، واعتبار التوبة سرًّا آخر يغفر الخطايا بشكل منفصل عن المعمودية يقود، في نظر الكنائس البروتستنتية، إلى تقليص أهمية المعمودية.
أمّا بالنسبة إلى الكهنوت، فالكنائس البروتستنتية تحتفل في رتبة خاصة بسيامة الرعاة المسؤولين عن الكنائس من أساقفة وقسّيسين، غير أنّها لا تعتبر هذه السيامة سرًّا يمنح الرعاة درجة خاصة في جماعة المؤمنين. فالمسيح يبقى "الكاهن الأوحد"، وجميع المسيحيين، من جرّاء معموديتهم، يشتركون على حدّ سواء في كهنوت المسيح. لذلك لا يمكن أن يدعى الرعاة المسؤولون عن الكنائس "كهنة" بحيث يتميّز كهنوتهم عن كهنوت سائر المسيحيين، كما في اللاهوت الكاثوليكي والأرثوذكسي. وتجدر الإشارة إلى أن الأنكليكانيّة تشاطر الكنيسة الكاثوليكيّة نظرتها إلى سرّ الكهنوت.
وأخيراً ترى الكنائس البروتستنتية في الزواج عملاً مدنياً لا علاقة للكنيسة به من حيث التشريع وسنّ القوانين ومنع الطلاق. لكنّه، على غرار جميع الأعمال المدنية، بحاجة إلى أن يتقدّس بكلمة الله. لذلك تُقام في الكنائس البروتستنتية حفلة دينية يعبّر من خلالها المتزوّجون عن رغبتهم في أن يبدأوا حياة جديدة وفق إرادة المسيح المعلنة في الكتاب المقدّس. ولكنّ هذه الحفلة لا يمكن اعتبارها، في نظر تلك الكنائس، سرًّا على غرار المعمودية والإفخارستيّا.

د) اللاهوت المعاصر
يحاول اللاهوتيّون اليوم، في مختلف الكنائس، تخطّي المعضلة التي نشأت بين الكنائس البروتستنتية والكنيسة الكاثوليكية حول ضرورة وجود نصوص في العهد الجديد يعلن فيها المسيح بصراحة إرادته في إنشاء هذا السرّ أو ذاك.
نقرأ في كتاب مشترك نشره لاهوتيون كاثوليكيون وبروتستنتيون: "السؤال الحقيقي ليس السؤال التالي: هل يمكننا أن نبرهن، بالاستناد إلى الكتاب المقدّس، أن المسيح قد أسّس هو نفسه الأسرار؟ بل السؤال هو بالحريّ: هل عمل الفداء الذي أتمّه المسيح يستمرّ بفاعلية، من خلال الأعمال الكنسيّة التي دُعيت منذ عدة قرون "أسراراً"، في الذين يقبلونها؟ وهل تشبه فاعليّة هذه الأسرار مثلاً فاعلية التبشير بالكلمة؟ ولكن هذه الطريقة في عرض المشكلة، ولو طُرح السؤال على هذا النحو، تبقى غير كافية. فالسؤال عامّ جدًّا، لذلك لا يمكن الإجابة عليه. ويكفي لإظهار ذلك إلقاء نظرة سريعة على السرَّين الأساسيّين، المعمودية والإفخارستيّا. فهـما على قدر كبير من الاختلاف، بحيث يصعب جمعهما في منهجيّة واحدة. كما أنّ هذه الطريقة في معالجة المسألة تقود إلى التقليص من ملء العمل الذي يريد المسيح أن يسبغ علينا مفاعيله من خلال الأسرار. فيبدو من ثمّ كم هو صعب، في موضوع الأسرار، تقديم براهين مستقاة من الكتاب المقدّس. وتتضاعف الصعوبة أيضاً عندما ننظر إلى تنوّع الأشكال التي أخذتها الأسرار المختلفة عبر التاريخ، والطرق المتعددة التي تمَّ فيها فهم طبيعتها. فما هو المقصود إذن تبيانه من خلال الكتاب المقدّس؟
"وإن جاز لنا الإدلاء برأي في الموضوع، يكون له بعض الفائدة ويتيح بعض التقدّم، نقول إنّه من الأفضل ألاّ نوجّه أنظارنا إلى عدد الأسرار بقدر ما نوجّهها إلى كل سرّ في ذاته، فنحاول إدراك طبيعته. فالعلم الكتابيّ والتاريخ يعلِّماننا أنّ البحث عن براهين في الكتاب المقدّس لا يقود إلى شيء حاسم بالنسبة إلى عدد الأسرار.
"والكنيسة الكاثوليكية مدركة تمام الإدراك هذه المشكلات، عندما تحافظ، بالرغم من كل شيء، على الأسرار التي ترفضها كنائس الإصلاح. إذ تعتبر أن هذه الأسرار، رغم تشابهها، يختلف بعضها عن بعض إلى حدّ بعيد، بحيث لا يمكن تذويها في السرَّين أو الثلاثة أسراراً التي حفظتها الكنائس البروتستنتية. وعلاوة على ذلك، ترى الكنيسة الكاثوليكية أنّ هذه الأسرار لا تلزم الجيمع إلزاماً مطلقاً بدرجة مماثلة، ومن جهة أخرى هناك كنائس بروتستنتية كثيرة تجلّ الأسرار التي تحتفل بها الكنيسة الكاثوليكية وتقدر شأنها، دون أن يحملها هذا التقدير على أن تدعوها أسراراً".
نستخلص من هذا النص ثلاث أفكار هامّة من شأنها مساعدتنا في كل بحث لاهوتي في موضوع الأسرار:
أوّلاً: إنّ الاستناد إلى الكتاب المقدّس لتحديد عدد الأسرار لا يمكن أن يقود إلى شيء جازم.
ثانيا: من الأفضل البحث في كل سرّ على حدة بعرفة كيفيّة استمرار عمل فداء المسيح فيه.
ثالثاً: إنّ وجهات النظر بين اللاهوت الكاثوليكي واللاهوت البروتستني في موضوع الأسرار بدأت تتقارب، وإن بقيت بينهما فروقات هامة. فالكاثوليكيّون يقرّون ضرورة التمييز بين الأسرار من حيث أهميّتها، والبروتستنتيون يحترمون كل الأسرار الكاثوليكيّة، وإن أصرّوا على ألاّ يدعوا أسراراً إلاّ بعضاً منها، رغبة منهم في إبراز أوّلية المعمودية والإفخارستيّا.
نودّ أخيراً لفت الانتباه إلى أنّ التقارب الحاصل بين اللاهوت الكاثوليكي واللاهوت البروتستنتي ينسجم وفكرة آباء الكنيسة التي استمرّت في قسم من التقليد الأرثوذكسي الرافض تحديد عدد الأسرار تحديداً رسميًّا، والتي تقول إنّ نعمة الله وعمل فداء المسيح لا يمكن حصرهما في أسرار سبعة، بل يأتيان إلى الإنسان بطرق متنوّعة في رموز وطقوس متعدّدة. فالمهمّ إذاً ليس تحديد عدد الأسرار بقدر ما هو تحديد عمل كلّ من هذه الأسرار.
 

رابعًا- فاعليّة الأسرار وكيفية عملها

قد يعترض البعض على وجود الأسرار في الديانة المسيحية، معتبرينها من مخلّفات العصور السالفة وبقايا أعمال السحر الوثنية. فهل الأسرار مجرد أعمال خارجية يقوم بها الإنسان ليتيح لله التدخّل في حياة البشر؟ وكيف يتمّ عمل الله في الأسرار؟ وما هو دور الإنسان في هذا العمل؟
لا بدّ من الإجابة عن هذه الاعتراضات والأسئلة وتفسير فاعليّة الأسرار في المسيحية وكيفيّة عملها. ولكن قبل ذلك يجب توضيح الموضوع الذي نحن بصدده. فالأسرار ليست أعمالاً اعتيادية، بل هي من نوع العلامات والرموز والطقوس.

1- العلامات والرموز والطقوس
أ) العلامات،
العلامة شيء يحيل الى شيء آخر، بحيث إنَّ من يدركها أو يتصوّرها يدرك أو يتصوّر في الوقت عينه الشيء الذي تشير إليه. فالعلامة لا معنى لها لأجل ذاتها، بل تعني دوماً شيئًا آخر. فإشارات السير هي من نوع العلامة: فالضوء الأحمر يشير الى ضرورة التوقف، إلخ... والكلمات هي أيضاً من نوع العلامة: فلدى قراءة كلمة أو سماعها، يتبادر الى الذهن الشيء الذي تعنيه.

ب) الرموز
الرمز علامة تشير الى ما يتخطّى الظواهر الحسّية والمادّية. فإهداء باقة من الزهور هو رمز الصداقة والمحبة، والعلم الذي نرفعه ونحيّيه هو رمز الوطن.
وفي كل رمز وجهان، وجه مُعطى في صلب الطبيعة، ووجه يضيفه الإنسان على الأشياء التي يكتشفها في الطبيعة. فالرمز ليس علامة اعتباطية يخلقها الإنسان من لا شيء، بل هو يستند الى قدرة كامنة في الطبيعة نفسها. فهناك أشياء تحمل في ذاتها إمكان استعمالها كرمز. فالماء يمكن استعماله رمزًا للتنقية لأنّه بطبيعته يغسل ويطهّر، واليد يمكن أن تستعمل رمزًا لمنح السلطة لأنّها بطبيعتها تُستعمل لأعمال القدرة.
بيد أنّ الرمز لا يكتمل معناه إلاّ بتدخّل الإنسان الذي يختار من بين المعاني الممكنة التي تتضمّنها الأشياء المعنى الذي يراه مناسباً للتعبير عن الفكرة التي يقصدها. إذّاك يصير معنى الرمز مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأشياء
ثمّ إنّ اختيار معاني الرموز ليس عمل إنسان فرد بل عمل جماعة معيّنة. وفي هذا الموضوع قد يجد الفرد تقييداً لحرّيته في ضرورة قبوله رموز الجماعة التي يعيش فيها، ولكن عليه أن يدرك أنّ ضرورة الرموز تأتي من ضرورة مؤسّسات المجتمع البشري. فالزواج مثلاً هو مؤسّسة رئيسة في المجتمع، والخاتم الذي يلبسه الزوجان يرمز إلى ارتباط أحدهما بالآخر في الزواج.
لا يمكن، في نظرنا، الاستغناء عن الرموز، لأنّ الإنسان روح وجسد معًا، ولا بدّ له من التعبيرعن أفكاره الروحيّة بأمور حسّية، كما أنّه يشعر بحاجة الى إضفاء معانٍ روحيّة على ما يختبره اختبارًا مباشرًا في أمور المادة.
لا شكّ أنّ معاني الرموز تتطوّر مع تطوّر الثقافات والحضارات. والرمز الذي يفقد معناه ولا يعود يعني أيّ شيء للجماعة البشرية لا يعود رمزًا، فيُستبدل به رمز آخر. فالعقد في القديم كان يتمّ بأن يقسم المتعاقدان حلقة أو صدفة الى جزئين مماثلين، فيحتفظ كلّ من المتعاقدين بأحدهما. أمّا اليوم فيتمّ العقد بتوقيع الطرفين لدى شاهد رسمي. وهذا التوقيع قد حلّ محلّ الرمز القديم. أمّا في عقد الزواج فقد صارت الخواتم رمز الرباط الزوجي.
وهنا لا بدّ من الإشارة الى أنّ الرموز الدينية هي أيضًا من وضع المجتمعات البشرية. فلكلّ ديانة رموزها الخاصة. والمسيحية التي نشأت في ثقافة يهودية ويونانية قد استقت معظم رموزها من تلك الثقافة.
قد تتطوّر الرموز، حتى في المسيحية. بيد أنّ هناك رموزاً تُعتَبر تأسيسية. لأنّها مرتبطة بنشأة المسيحية، لأنّ المسيح والرسل استخدموها، كالمعمودية بالماء، والاحتفال بالعهد الجديد مع الله بواسطة الخبز والخمر، ومنح السلطة بوضع اليد، ومسحة المرضى بالزيت، فهذه الرموز لا يمكن أن تكون عرضة لاعتباطيّ التغيير والتبديل.
أمّا الرموز الأخرى، كالبخور والشمع والثياب الليتورجية والتطوافات الدينية، فليست مرتبطة بتأسيس الكنيسة. لذلك لا تضاهي بأهميتها الرموز التأسيسيّة. إلاّ أنّ استخدامها ينتج من رغبة الإنسان في إضفاء جوّ خاصّ على الطقوس الدينية للدلالة على وجود أبعاد متسامية في الأعمال المقدّسة التي يقوم بها.

ج) الطقوس
إنّ لفظة طقس مأخوذة عن اللفظة اليونانية "تاكْسِيْسْ" التي تعني "النظام" و"الترتيب"، وهي مرادفة بالعربية للفظة "رُتْبة" (جمعها رُتَب). فالطقس هو تنظيم السلوك البشري بالنسبة الى حقائق لا يستطيع الإنسان أن يدكها إدراكًا مباشرًا ولا تخضع لعمله. فالطقس هو عمل جماعي رمزي. وبسبب ارتباطه بمَا يتخطّى إدراك الإنسان المباشر، فهو يتّسم دومًا بسمة الفخامة والأبّهة، التي تظهر حتى في العبارات المستعملة في الطقوس. فيقال "التطواف" بدل "السير"، و"الإعلان"، بدل "الكلام". وكذلك الحركات في الطقوس تتمّ ببطء وأبّهة.
إنّ ظاهرة الطقوس في المجتمع البشري ليست مرتبطة بأمور الدين وحسب، بل تشمل مختلف ميادين الوجود البشري في المجتمع. ففي الحياة اليومية نمارس طقوسًا أكثر ممّا نظنّ: فعبارات التحيّة وطرق المصافحة والمراسة، ومراسيم الأعياد والاستقبالات والاحتفالات والمهرجانات، كل هذه الأمور هي من نوع الطقس، وتتّسم حتمًا بسمة التقليدية، لأنّها تستمرّ في المجتمع وتتكرّر.
إنّ هدف الطقوس هو تأمين إطار خارجي مستقرّ يشعر فيه الإنسان براحة نفسية، فلا يوجّه طاقاته الى ابتكار إطار يتجدّد باستمرار، بل الى تعميق خبرته الشخصية وتكثيف علاقاته مع ذاته ومع الآخرين. فالطقوس هي ممارسات خارجية تريح الإنسان وتتيح له القيام في داخله باختبارات شخصيّة عميقة.
إنّ الطقوس الأساسية في المجتمع البشري هي التي ترتبط بالأحداث الهامة التي يمرّ بها الإنسان في حياته ولا سيّمَا تلك التي ينتقل فيها من مرحلة الى أخرى، كالولادة، والمراهقة، والزواج، والوفاة. ففي هذه الأحداث يختبر الإنسان أمورًا جديدة تفوق قواه، لذلك يميل الى رفض هذا الانتقال. وبمَا أنّ الطقوس هي أعمال ثابتة ومعهودة، فإنّها تساعد الإنسان على التكيّف مع المجهول وقبول الانتقال.
غير أنّ الطقوس ليست مجرّد إطار خارجي يتمّ من خلاله العمل ويتحقّق معناه، بل هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعمل الذي يقوم به الإنسان وبمعناه، وتسهم إسهامًا فعّالاً، وإن على طريقتها الخاصّة، في تتميم هذا العمل وتحقيق معناه. إنّ بين الإطار الخارجي والخبرة الداخلية علاقة كيانية، بحيث إنّ من يقتصر على القيام بمَا تقتضيه الطقوس من حركات خارجية دون أيّ اقتناع داخليّ بمعناها يقع في الرئاء الذي شجبه المسيح في ديانة الفرّيسيين (راجع متى 23: 24- 28).
الطقوس الدينية هي أعمال تساعد الإنسان على الوصول الى الاتّحاد بالله. لذلك لا بدّ من أن تحمل في جنباتها البعد الروحي الذي تهدف الى إبرازه، أي الخلاص الشخصي. ويجب ألاّ يغيب عن بالنا الرباط الوثيق بين العمل الطقسي والخبرة الروحية الذاتية، وإلاّ تحوّلت الطقوس أعمالاً سحرية آلية. إنّ الطقوس تتطلّب الالتزام، ويجب ألاّ تكون مدعاة لرفض التجدّد وخنق روح الابتكار لدى من يمارسها. إنّ التعلّق الحرفي بالطقوس حتى إهمال الروح يقود الى تفريغ الطقوس من معناها. وإنّه لفي خطإ فادح من يعتقد أنّ تتميم الطقوس بحذافيرها يكفي للحصول على نعمة الله.

2- كيف يتمّ عمل الأسرار؟
الأسرار طقوس دينية تعبّر من خلالها الكنيسة عن خبرتها الروحية العميقة. وقوام هذه الخبرة هو التقاء الإنسان بالله من خلال شخص يسوع المسيح الذي يستمرّ حضوره في الكنيسة على مدى الزمن.
كيف يتمّ في الأسرار التقاء الإنسان بالله، وكيف يستمرّ فيها حضور المسيح؟
للإجابة عن هذين السؤالين، لا بدّ لنا قبلاً من إجراء مقارنة بين النظرة الوثنية والنظرة المسيحية لعلاقة الإنسان بالله من خلال الصلوات والأسرار.

أ) النظرة الوثنيّة: مبادرة إنسانية للتأثير في القدرة الإلهيّة
كان الوثنيون يرون في الأسرار وما يرافقها من صلوات وابتهالات وطقوس مجرّدَ أعمال خارجية يقوم بها الإنسان ليستمطر عليه نعمة الله. ففي هذه النظرة يغدو المعنى الذي تحمله الأسرار خارجًا عنها وآتيًا الى الإنسان بواسطتها من كائن غريب عن البشر. فالطقوس الوثنية تهدف الى التأثير في القدرة الإلهية لحملها على التدخّل لمصلحة الإنسان وإنقاذه من المضايق التي تنتابه والمشكلات التي يتخبّط فيها.
وهنا يجب التمييز، حتى في الديانات الوثنية، بين الطقوس الدينية والسحر. فالسحر هو القيام بأعمال يحاول من خلالها البشر امتلاك القوى الفائقة التي يتمتّع بها الآلهة في سبيل تسخيرها لتحقيق مآربهم الخاصة. لذلك، تحاشيًا للانزلاق في الأعمال السحرية، أكّد الكتّاب اليونانيّون أنّ الطقوس الدينية لا تهدف الى إرغام الآلهة على التدخّل لمصلحة الإنسان. لكنّ الآلهة أنفسهم قد قرّروا بملء اختيارهم الاستجابة لصلوات البشر والعمل لأجلهم من خلال طقوس معيّنة.
لقد تأثّر اللاهوت المسيحي التقليدي والدين الشعبي بهذه النظرة الوثنية وعبّرا في كثير من الأحيان عن مفعول الأسرار بأسلوب مماثل يضحي فيه إيمان الإنسان كلّ ما يقوم به من أسرار وطقوس وصلوات مجرّد شروط خارجية لتدخّل الله. كلّنا نسعى وراء السعادة والخلاص والشفاء، وإذ لا نجد هذه الأمور بسبب ضعفنا وحدود طبيعتنا البشرية، نطلب الى الله أن ينزل من علياء سمائه ويتدخّل ليقوم بها عوضاً عنّا. وعندما لا يستجيب الله، نكرّر الطلب ونقدّم الذبائح والصلوات والأصوام، ولكن سرعان ما ندرك أنّنا لا نزال على ما نحن عليه، وكأنّ الله غافٍ أو ساهٍ عنّا، أو، كمَا كان يقول اليونانيون القدماء، منهمك بتنظيم الكون.
إنّ الرسم التالي يظهر هذه النظرة الوثنية لعلاقة الله بالإنسان:

الله 
الصلاة
والأسرار 2 

1 أنا السعادة 3

أنا أريد السعادة (1)، وإذ أعجز عن الوصول إليها بقواي الشخصية، ألتجئ إلى الله (2)، فيمنحني ايّاها (3). والصلاة والأسرار تدخل إطار توجّهي إلى الله.
كثير من المسيحيين لا يزالون يعتنقون هذه النظرة في علاقتهم بالله في الصلاة والأسرار. إنّ لديهم رغبة صادقة في دخول علاقة مع الله، وهذا أمر إيجابيّ. لكنّ هذه الرغبة لا تزال صبيانية، وهي بحاجة الى أن تصير رغبة بالغة. فالله يريد أن يكون الإنسان بالغًا: إنّه يحبّه ويحترمه. حتى إنّه يريده أن يأخذ هو نفسه مسؤولية حياته.

ب) النظرة المسيحية: المبادرة من الله، وهي تعيد الإنسان الى ذاته
إنّ السعادة التي أرغب فيها وأسعى إليها يريدها الله أيضا لي، ولكنّه يريد أن أبنيها أنا نفسي. فأنا المسؤول عنها. وفي هذه المسؤولية تكمن عظمتي وكرامتي ومغامرة حياتي. وفي اعتناقي هذه المسؤولية أؤمن أنَّ الله لا يغيب عنّي.
تلك النظرة المسيحية البالغة، يمكننا تصويرها في الرسم التالي:

الله 
الصلاة
والأسرار 1 
2 أنا السعادة 3

الحياة الملتزمة 

يبدو في هذا الرسم أنّ الصلاة والأسرار ليست في اتجاه واحد، أي من الإنسان الى الله، بل هي علاقة تبادل بين الله والإنسان. والمبادرة، في الصلاة كمَا في الأسرار، تأتي من الله. فهو الذي يوحي إلينا بأن نصلّي، حسب قول بولس الرسول: "إنّا لا نعرف كيف نصلّي كمَا ينبغي، لكنّ الروح نفسه يشفع فينا بأنّات تفوق الوصف" (رو 8: 26)؛ و"ما من أحد يستطيع أن يقول: يسوع ربّ، إلاّ بالروح القدس" (1 كو 2: 3). ومبادرة الأسرار تأتي أيضاً من الله، بواسطة عمل المسيح. فالأسرار ليست أعمالاً إنسانيّة تهدف إلى استعطاف الله واسترضائه. تلك كانت حال الذبائح في العهد القديم. أمّا في العهد الجديد، فالذبيحة الوحيدة هي ذبيحة يسوع على الصليب، والتقدمة الوحيدة الجديرة بالله ليست تقدمة بشرية وحسب، بل هي أوّلاً تقدمة الله ذاته لنا في شخص ابنه يسوع. وكل أسرار العهد الجديد هي استمرار لهذه التقدمة.

ج) الأسرار: احتفال بالتقائنا المسيح القائم من بين الأموات
لتوضيح عمل الأسرار في حياة المسيحي، ننطلق من ثلاثة مشاهد نقرأها في العهد الجديد عن حياة المسيحيين الأوّلين.

* ترائي المسيح لتلميذي عمّاوص (لو 24: 13- 35)
في هذا المشهد نرى تلميذين يغادران، بعد موت يسوع، أورشليم، مدينة الخلاص ومدينة الفداء، ليعودا إلى قريتهما، أي الى وضعهما الأوّل قبل مجيء المسيح، وقد فقدا كل أمل بالخلاص والفداء (راجع 24: 21).
"وفيمَا هما يتحادثان ويتباحثان، دنا إليهما يسوع نفسه، وأخذ يسير معهما. إلاّ أنّ أعينهما قد أُمسكت عن معرفته... وراح يفسّر لها ما يختصّ به في الأسفار كلّها، ذاهبًا من موسى الى جميع الأنبياء. واقتربوا من القرية التي كانا يقصدانها، فتظاهر بأنّه قاصد الى مكان أبعد. فألحّا عليه، قائلين: أقم معنا، فإنّ المساء مقبل، والنهار قد مال. فدخل ليمكث معهما. ولمّا اتّكأ معهما، أخذ الخبز، وبارك وكسر وناولهما. فانفتحت أعينهما وعرفاه. ولكنّه غاب عنهما. فقال أحدهما للآخر: أوَ لم تكن قلوبنا مضطرمة فينا، إذ كان يخاطبنا في الطريق، ويفسّر لنا الكتب؟ وقاما على الفور، ورجعا الى أورشليم، فوجدا الأحد عشر ومن معهم، مجتمعين، وهم يقولون: لقد قام الرب حقاً، وتراءى لسمعان فأخذا هما يخبران بمَا جرى في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز" (24: 15- 35).
إنّ عمل الأحرار يمكن تصوّره على مثال عمل المسيح مع هذين التلميذين. ومن هذه الرواية نستطيع أن نستخلص العناصر الهامّة التي تتضمّنها الأسرار: 
1- الأسرار ليست هروبًا من الحاضر، ففيها يلتقي المسيح الإنسان في وسط اهتماماته، ليفسّر له أحداث حياته، ويساعده على أن يعيشها من جديد على ضوء حياة المسيح وموته وقيامته.
2- المبادرة في الأسرار تأتي من الله، فالمسيح، في هذا المشهد، هو الشخص الرئيس الذي يدنو من التلميذين ويسألهما، ويفسّر لهما الكتب ويكسر لهما الخبز ويناولهما.
3- الأسرار تقود الى الإيمان، ولكن بعد مسيرة طويلة. فالتعرّف الى المسيح يتطلب وقتًا. ففي بدء الرواية يشير لوقا الى أنّ التلميذين لم يعرفا يسوع عندما تراءى لهما، وفي آخر الرواية يؤكّد التلميذان أنّهما عرفاه عند كسر الخبز. ودور الإنسان للوصول الى الإيمان هو في الإصغاء الى كلام الله والانفتاح على عمله والتماس حضوره: "فألحّا عليه قائلين: أقم معنا...".
4- في كل سرّ عنصران أساسيّان متكاملان: الكلمة والمادة: فبعد تفسير الكتب المقدّسة، يأخذ يسوع الخبز ويباركه ويكسره ويناولهما.
5- وأخيرًا يعود التلميذان الى جماعة الرسل ليتبادلوا كلّهم معًا خبرتهم بالتقاء المسيح. فدور الجماعة أساسي في الأسرار. فهي التي تقرأ كلام الله وتفسّره على ضوء اختبارها التقاء المسيح في حياتها.

* اعتماد قيّم ملكة الحبشة على يد فيلبّس (أع 8: 26- 39)
المشهد الثاني يقصّه لوقا في سفر أعمال الرسل، ويروي فيه اعتماد قيّم ملكة الحبشة على يد فيلبّس أحد الشمامسة السبعة. ففي هذه الرواية نجد أيضًا عناصر السرّ الأساسية:
1- فالسرّ يلتقي الإنسان في اهتمامات حياته: كان الرجل الحبشي قد جاء الى أورشليم ليقيم فيها شعائر العبادة (8: 27). هكذا تبدأ الرواية، وتنتهي بالمعمودية باسم المسيح، مع كل ما تتضمّنه من معانٍ جديدة لحياة هذا الرجل.
2- المباشرة تأتي من الله: "فكلّم ملاك الرب فيلبّس: قم، فامض..." (8: 26)، "فقال الروح لفيلبّس: "اقترب، والزم هذه المركبة" (8: 29).
3- الأسرار تقود الى الإيمان: "إنّي أؤمن بأنّ يسوع المسيح هو ابن الله" (8: 37). والرجل هو الذي يطلب المعمودية: "هوذا ماء، فما المانع من أن اعتمد" (8: 36).
4- الكلمة والمادة. بعد تفسير الكتاب المقدّس (سفر أشعيا)، والإيمان بكلام الله، تعبّر المعمودية بالماء عن الالتزام بهذا الإيمان الجديد.
5- دور الجماعة في هذا المشهد يقوم به فيلبس الذي انتدبته الكنيسة لهذا العمل. فهو الذي يبشّر وهو الذي يعمّد.

* اهتداء بولس على طريق دمشق واعتماده على يد حنانيّا (أع 9: 1- 19)
في هذا المشهد أيضاً نجد عناصر السرّ الأساسية:
فالمسيح يلتقي بولس في وسط اهتماماته: لقد كان ذاهبًا الى دمشق لإلقاء القبض على المسيحيين، فظهر له المسيح ذاته: "أنا يسوع الذي تضطهده"، وقاده الى الإيمان به والى المعمودية التي منحه إيّاها حنانيا ممثّل الجماعة المسيحية. وتجدر الإشارة الى أنّ المسيح يكتفي بأن يظهر ذاته لبولس ثمّ يرسله الى الجماعة: "إنهض، وأدخل المدينة، فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل" (9: 6).
وبعد التقاء المسيح تغيّرت حياة بولس كما تغيّرت حياة تلميذي عمّاوص: "ومكث أيّامًا مع التلاميذ الذين بدمشق، وأخذ للحال يكرز في المجامع بأنّ يسوع المسيح هو ابن الله" (أع 9: 19- 20).

د) الأسرار تعبير عن تلاقي عمل الله وحرّية الإنسان
ليست الأسرار مجرّد أعمال خارجية يقوم بها الإنسان ليسترضي الله ويحصل على نعمته، بل هي التعبير عن تلاقي عمل الله وحرّية الإنسان.
"إنّ الله لا يحلّ محلّ البشر، ولا يدخل حياتهم دخول متسلّط. فإنّه أرسل إلينا ابنه يسوع المسيح الذي عاش في ما بيننا ومات وقام. وقبل أن بغادر هذه الحياة، أنشأ بعض الأعمال التي تتيح لنا من الآن فصاعدًا أن نلتقيه، ونسير على خطاه، ونجعل حياتنا على صورة حياته، ونكتشف السعادة الحقيقية ونحقّقها حسب نهجه.
من النادر ألاّ نصادف، ولو مرّة في حياتنا، صديقًا كان لقاؤه لنا لقاء هامًا، فنقول عن هذا اللقاء: إنّه غيّر حياتنا.
على هذا النحو يكون مفعول الأسرار. إن التقينا المسيح القائم من بين الأموات، وقرأنا حياتنا قراءة جديدة على ضوء حياته، وقمنا باختياراتنا على ضع اختياراته، تغيّر توجيه حياتنا تغييرًا جذريًّا، ليس من الخارج، لأنّه أقوى منّا، بل باحترام كلّي لشخصيتنا. إنّ المسيح يعمل فينا من الداخل، فيغيّر نظرتنا، ويميل بطرق تفكيرنا، ويساعدنا على اكتشاف ما لم ندركه بعد. إنّ فاعلية الأسرار تكمن في لقاء شخص أحبّنا، وبسبب هذه المحبة، يؤثّر فينا، ليس فقط لأنّه هو الذي يريد ذلك، بل أوّلاً لأنّنا نحن نريده".
في هذا التفسير لعمل الأسرار يتجنّب اللاهوت المعاصر الكلام على "العلّة والنتيجة"، فلا يرى في الاحتفال بالأسرار علّة لمنح النعمة، وكأنّ العلّة عمل منفصل عن النتيجة.
ومن جهة أخرى، حين يؤكّد اللاهوت المعاصر ضرورة حصول لقاء بين الله والإنسان في الأسرار، فإنّه يرفض نظرة الملحدين الذين يقولون بأنّ الطقوس والأسرار ليست سوى تعبير عمّا يخالج قلب الإنسان من مشاعر. ففي هذه النظرة تغدو الأسرار مجرّد تعبير عن الذات الإنسانية.
لا شك أنّ اللاهوت المعاصر يعتبر أن الأسرار هي من نوع فاعلية التعبير، ولكنّه لا يرى في التعبير مجرّد نقل الى الخارج لأفكار وصلت الى كمالها في داخل الإنسان. التعبير عمل ديناميكي، به تأخذ الأفكار التي لا تزال أوّلية في داخل الإنسان شكلها الكامل. إنّ الفكرة تنمو في الوجود عندما تنتقل من داخل الإنسان الى خارجه. وهكذا الحب ينمو في التعبير عنه وتجسيده في أعماله خارجية، وهكذا الصداقة تنمو في التعبير عنها وتجسيدها في الخارج.
ومع ذلك يجب القول إنّ التعبير لا يفي بالفكرة كلّها. فهناك فارق دائم لا يمكن إزالته بين الفكرة والتعبير عنها، ناتج من كون الإنسان على هذه الأرض روحًا يعبّر عن ذاته من خلال جسد ماديّ. فكثافة الجسد تحول دون شفافية الروح.
الفكرة في الأسرار هي حركة يشعر من خلالها الإنسان بدعوة الله إليه، فيدرك تلك الدعوة ويلتزمها ويعبّر عنها في الأسرار، فتتحوّل إذّاك من عمل يُفرَض الى عمل حرّ يعبّر من خلاله عن التقائه الله، ويصير ما هو عليه: إنسانًا متّحدًا بالله.
خلاصة القول أنّ الأسرار ليست عمل الله وحده ولا عمل الإنسان وحده، ففيها يتمّ تلاقي عمل الله الذي يدعو الإنسان، وحرّية الإنسان الذي يقبل دعوة الله، ويعبّر في الأسرار في عمل واحد عن وحي الله وعن إيمَانه بهذا الوحي. يقول أنطوان فيركوت، الأخصائي في علم الفلسفة الدينية:
"في التبادل بين كائنات، ليس من السهل دومًا تحديد نقطة تلاقي طريقيهما. هذه حالنا عندما نريد تحديد اللحظة الدقيقة لعبور الإنسان في الله وعبور الله في الإنسان. هناك نظرة تستند الى العلّة والنتيجة، فتوزّع أوقات التبادل على زمنية متقطّعة: فترى في مرحلة أولى عملاً إلهيًّا مسبّقًا يحمل الإنسان على الإيمان، وفي مرحلة ثانية الإيمان الذي يخضع لترتيبات الطقوس والأسرار، فينال في مرحلة ثالثة النعم الفائقة الطبيعة.
إنّ زمن التبادل ومكانه يكمنان، في نظرنا، في إيجابية الرمز الذي ينشئ في الإنسان معنى يفوق المعنى الذي يضعه فيه الإنسان. فالرمز الطقسي هو الحقيقة غير المقسومة حيث يتقاطع إيمان الإنسان وتجلّي الله. إن الرمز في الأسرار، وإن كان من عالم الإنسان، فهو بالقدر نفسه سمة إلهيّة تستمرّ نتائجها في المؤمن. إنّه الكلمة التي تنشر الكلمة الأصلية، والصورة التي تمثّل الإله الذيَ أخذ صورة إنسان، والعمل السيّد الذي يعيد الحركة التي سادت الحياة. بالطقوس يخرج الإنسان من ذاتيّته ويشترك في حقيقة متوسّطة يتجلّى فيها الله ويعمل.
إنّ التعبير الطقسي الكامل هو تفجّر الله في الإنسان، وفي الوقت نفسه دخول الإنسانِ اللهَ. إنّ عمل الإيمان والعمل الإلهي هما وجهان لعمل رمزي واحد يصير في الرموز الفاعلة".

3- ضرورة الأسرار بالمقارنة مع الصلاة والعمل
هل الأسرار تعبير ضروري عن تلاقي الله والإنسان؟ ألا يمكن المسيحي الاقتصار على الصلاة والعمل للتعبير عن لقائه بالله؟ وماذا تضيف الأسرار الى الصلاة والعمل؟
لنبدأ بتحديد الصلاة والعمل في حياة المسيحي.
أ) الصلاة هي اتصال بين الكيان الإنساني بمجمله والكيان الإلهي. إنّها تعبير عمّا يدركه الإنسان في ذاته من تفاعل بين النداءات التي يوجّهها الله اليه وخبراته الذاتية التي يشعر بضرورة تعميقها والبحث في أبعادها على ضوء الحضور الإلهي.
ب) العمل الخلقي هو تحقيق دعوة الله الى الإنسان لينمو في الكيان ويصير على مثال الله، إذ "ليس كل من يقول لي: يا رب، يا رب! يدخل ملكوت السمَاوات، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السمَاوات" (متى 7: 21).
بالصلاة والعمل تتأكّد صحة الإيمَان وملاءمته العمق الوجودي الذي يدركه المؤمن في ذاته.
ج) الأسرار هي التعبير الحسّي من خلال عناصر الكون والمادة عن العلاقة الكيانية التي تربط الله بالإنسان والإنسان بالله. إنّها التعبير الذي تحقّق من خلاله كل إمكانات الإيمَان الصامتة. لذلك تجمع في طيّاتها رموز الجسد واللغة البشرية والجماعة الإنسانية والأرض كلها (بواسطة الماء والزيت والخبز والخمر والشموع والبخور وما الى ذلك) للاحتفال بحدث الله الذي يأتي الينا حقًّا من خلال العمل الإنساني.
والأسرار هي كذلك التعبير عن تحقيق تلك العلاقة بين الله والإنسان في تاريخ الخلاص في تجسّد كلمة الله في شخص يسوع المسيح، وعن ضرورة استمرار التجسّد والتألّه حتى يصير الله "كلاًّ في الكلّ".
ففي المعمودية مثلاً تأتلف في عمل رمزي كل معاني الوجود ومعاني التاريخ المسيحي، ويتحقق في المعتمد الخلاص الآتي من الله في شخص المسيح:
- فبالتغطيس يدخل الإنسان الرمز الكوني للأشياء المبهمة التي تمثّلها الماء التي لا صورة لها.
- وإذا بكلمة المسيح تنشى، بعمل خلق جديد، حياة جديدة في هذا الإنسان المرتبط بالكون.
- وعبور الماء يوجز بشكل منظور تاريخ البشرية الديني بمجمله. فالإنسان ينتقل بن الكيان الذي لا صورة له الى الشخصية المسيحية المبنيّة على صورة المسيح الكائن الجديد. وبشكل رمزي ومسبّق يقبل الموت كمرحلة حاسمة لا بدّ منها، ويؤكّد إيمَانه بأنّ جسده سيعبر مع المسيح معبر الموت الخطير.
إنّ التراث المسيحي، في الأسرار، يعتنق المعاني التي أنشأها المسيح في بعض علامات جوهرية تتميّز بمَا فيها من تقارب مع أسس الوجود البشري. وهكذا على الوجود الطبيعي تضفي الأسرار المسيحية سمة دخول الله تاريخ البشرية.
4- حضور المسيح في الأسرار
إنطلاقًا من اللقاء بين الله والإنسان في الأسرار، يمكننا فهم "حضور المسيح" فيها. ماذا نعني بلفظة حضور، وكيف يكون المسيح حاضرًا في الأسرار؟

أ) الحضور علاقة ديناميكية بين أشخاص
الحضور يعني دومًا علاقة تبادل بين أشخاص. فالأشياء لا يمكن أن تكون حاضرة بعضها لبعض. الأشخاص وحدهم يمكنهم أن يكونوا حاضرين أحدهم للآخر. فالحضور يتطلّب انفتاحًا على الآخر وعطاء حرًّا له.
في كل حضور انفتاح ضروري على الآخر لنتقبّله في حياتنا. الحضور ليس واقعًا جامدًا بل هو علاقة ديناميكية تخرج الإنسان من ذاته وتفتح أمامه آفاقًا وإمكانات جديدة. فالآخر يحذبني إليه لأحقّق معه عملاً مشتركاً أو أعيش معه في حياة مّشتركة.
في الحضور درجات متنوّعة من الكثافة. ولكنّ الحضور الحقيقي للآخر في حياتي وفي كياني لا بدّ له أن يغيّر حياتي وكياني. وقد يكون هذا التغيير جذريًّا.

ب) حضور المسيح
إنّ حضور المسيح لا يسعه أن يكون مجرّد حضور في أشياء، كالماء والخبز والخمر والزيت. فلا حضور للمسيح إلاّ في علاقة مع شخص إنساني يؤمن به. وتلك العلاقة تتحقّق بشكل سرّي، أي بواسطة أشياء مادّية منظورة تدعى "مادة السرّ"، كالماء، والخبز والخمر، والزيت، ووضع اليد، تعبّر عن حقيقة غير منظورة. إن عطاء المسيح ذاته لنا في الأسرار يكون دوماً من خلال مادة معيّنة. ولكنّ الهدف الأخير من هذا العطاء هو إنشاء علاقة شخصية مع المؤمن.
وعندما تنشأ علاقة بين أشخاص، لمكن القول إنّ حضورهم بعضهم لبعض هو حضور حقيقي يتّخذ أشكالاً متنوّعة. فانطلاقاً من خبرتنا البشرية، نستطيع القول إنّنا حاضرون بعضنا لبعض في الكلام، والوجود الصامت جنبًا الى جنب، والهدايا، وأعمال المحبة.
في كل هذه الأنواع حضورنا هو حضور حقيقي. ولكن ما هو الحضور الأكثر حقيقة والأشدّ كثافة؟ إنّه يصعب الجواب عن هذا السؤال إجابة جازمة. فقد يكون أحد هذه الأنواع أكثر حقيقة وفق الظروف والأحوال. فهناك ظروف أشعر فيها بأنّ وجود أحد أصدقائي الى جانبي وجودًا صامتًا هو حضور أصدق وأعمق من كلّ ما يستطيع أن يخاطبني به أو يهديه إليّ.
كذلك حضور المسيح حضوراً حيًّا وحقيقيًّا في الكنيسة هو حضور متنوّع. فحضوره في الإنجيل متميّز عن حضوره في سر الإفخارستيا وفي الأيقونة وفي الجماعة المؤمنة.
إنّ التقليد اللاهوتي الغربيّ منذ القرون الوسطى قد خصّ حضور المسيح في سرّ الافخارستيّا بعبارة حضور حقيقي. إنّ هذه العبارة قد تضلّل المؤمنين، إذ توهمهم أنّ حضور المسيح في سائر الأسرار هو حضور رمزي، أمّا في الإفخارستيا فهو حقيقي.
يجب التأكيد أنّ حضور المسيح في جميع الأسرار هو حضور حقيقي ورمزي معًا. فالمسيح قد قام من بين الأموات، وهو الآن حيّ في مجد الآب، ويحضر حضورًا حقيقيًّا في جميع الأسرار، كما يحضر حضوراً حقيقيًّا في الإنجيل وفي الجماعة المؤمنة. وهنا نعني بصفة "حقيقي" ما يكمن في الأشخاص والأشياء من معانٍ وأبعاد تتخطّى كيانها الظاهر. فحقيقة الشخص أو الشيء هي ما يشدّ كيانه الظاهر الى ما يمكن أن يحمله من معانٍ وأبعاد. فالفرق بين الأسرار لا يكمن في حقيقة حضور المسيح فيها، بل في ما تحمله من معانٍ.
لذلك لا تأتي أهمية سرّ الإفخارستيا بالنسبة إلى سائر الأسرار من أنّ المسيح حاضر فيها حضورًا أكثر حقيقة، بل من أنّ هذا السرّ يعيد الى ما بيننا حضور شخص المسيح في قمّة عطائه، أي في بذل ذاته حتى الموت في سبيلنا، وفي قيامته بقدرة الروح الى مجد الآب. فالفرق بين هذا السرّ وسائر الأسرار هو في ما يحمله من معانٍ. إن محور سرّ الإفخارستيّا هو عبور يسوع من الموت الى الحياة، وانتقاله الى مجد الله، "ذاك المجد الذي كان له من قبل كون العالم" (يو 17: 5). في هذا المعنى يمكن الكلام على حضور المسيح في سرّ الإفخارستيا حضورًا حقيقيًّا "أكثر سموًّا وأشدّ كثافة" من حضوره في سائر الأسرار.
وهذا الحضور الحقيقي هو في الوقت نفسه حضور رمزي سرّي، أي من خلال سرّ، أو علامة خارجية منظورة. وتلك العلامة المنظورة تختلف أيضاً من سرّ الى آخر، حاملة في ثناياها المعاني المختلفة التي تتضمنّها الأسرار.

5- الوسم السرّي: أوّلية مبادرة الله وثبات اختياره 
هناك ثلاثة أسرار، المعمودية والميرون والكهنوت، لا تعطى للمؤمن إلاّ مرّة واحدة في حياته. وهذا تقليد جرت عليه الكنيسة منذ نشأتها. لا شك أنّ هناك نقاشًا قد حصل في القرن الثالث حول إعادة تعميد المهتدين من البدع إلى الكنيسة الكاثوليكية. ولكنّ هذا النقاش لم يدم طويلاً، وأعلنت الكنيسة أنّ من اعتمد في إحدى البدع معمودية صحيحة، أي "باسم الآب والابن والروح القدس" في كنيسة تؤمن إيمَانًا صحيحاً بالثالوث الأقدس، لا تعاد معموديته متى عاد الى حضن الكنيسة الجامعة.
هذا التقليد القديم عبّر عنه اللاهوت المسيحي بقوله إنّ هذه الأسرار الثلاثة تمنح من يقبلها وسمًا لا يمحى. فما هو قوام هذا الوسم؟
لقد كان الوسم في المجتمعات القديمة علامة تعارف تشير إلى دخول شخص جماعة معيّنة. فالجندي كان يوسَم بالنار بالأحرف الأولى من الأمم الإمبراطور الذي كان في خدمته، وهذه العلامة كانت تميّزه عن غيره من الناس وتكرّسه لخدمة الإمبراطور وخدمة الدولة.
إنّ الوسم الذي تمنحه الأسرار الثلاثة هو علامة اختيار للمسيح بالنسبة الى الشخص الذي يقبل هذه الأسرار اختيارًا لا عودة عنه. فالله هو الذي يبادر البشر بالمحبة والنعمة ويقطع معهم عهدًا أبديًا. ولو ابتعدوا عنه فإنّه يبقى أمينًا للعهد الذي قطعه معهم.
هكذا بالمعمودية والميرون يتبنّى الله الإنسان ويشركه في موت المسيح وقيامته ويمنحه روحه القدّوس. وإن خطى الإنسان وجحد إيمَانه وغادر البيت الأبوي كما فعل الابن الشاطر، فالله يظلّ يعتبره ابنًا له، ولا حاجة لإعادة معموديته لدى عودته.
وكذلك في سرّ الكهنوت يختار الله شخصاً ويشركه في كهنوت المسيح. ويظلّ هذا الاختيار ثابتًا من تقلّب الكاهن في الخطيئة وأهمل واجبات خدمته الكهنوتية. وحتى إعادة الكاهن الى الحالة العلمانية فإنّها، في تقليد الكنيسة، لا تزيل عن الكاهن الوسم الكهنوتي، بل توقفه عن ممارسة المهامّ المتعلّقة بسر الخدمة الكهنوتية. وإذا ما عاد الى الحياة الكهنوتيّة، فلا تمنح له من جديد السيامة الكهنوتية.
 

خامسًا- الأسرار والإيمان والحياة

عندما يتكلّم آباء الكنيسة عن الأسرار يستعملون عبارة أسرار الإيمان، مظهرين بذلك العلاقة الدائمة بين الأسرار والإيمان.
في ردّة فعل على مؤسسّات الكنيسة الكاثوليكية، ركّز لوثر على الإيمَان الفردي بقوله: "الأسرار لا تمنح شيئًا، الإيمَان وحده هو الذي يصنع كلّ شيء". ومع ذلك لم يرفض أهمية الأسرار. وبالمقابل نرى بعض الكاثوليك يعتبرون الأسرار وسائل تمنح النعمة بشكل آلي، فيعترفون دون توبة صادقة، وفي ظنّهم أن الحلّة تغفر الخطايا دون أيّ اشتراك منهم، ويتناولون دون التزام شخصي بما يفعلون.
إنّ الفكر اللاهوتي يركّز، في كل عصر من تاريخ الكنيسة، على إحدى النواحي التي يراها أكثر ملاءمة والثقافة المعاصرة. وهو اليوم يؤكّد البعد الشخصي للأسرار، والذاتية والشخصانية هما من مميّزات الفكر المعاصر.

1- الأسرار والإيمان في العهد الجديد
لا يمكن فصل الإيمان عن الأسرار. فلا أسرار من دون أيمان، ولا إيمان من دون أسرار. والإيمان الذي نعنيه هنا هو في الوقت عينه إيمَان الكنيسة وإيمَان الشخص الذي يتقبّل الأسرار.

هذا ما نقرأه في مقاطع متعدّدة من العهد الجديد. ففي مرقس 16: 15- 16، يقول يسوع لتلاميذه: "اذهبوا في العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها. فمن آمن واعتمد يخلص". فالإيمان والمعمودية متلازمان. وهذا ما صنعه الرسل إذ راحوا يكرزون بالإنجيل، وكان كلّ الذين يقبلون كرازتهم ويؤمنون بالإنجيل يعبّرون عن إيمانهم بالمعمودية.
فهوذا بطرس يقول للشعب في خطبته الأولى بعد العنصرة: "توبوا، وليعتمد كلّ واحد منكم باسم يسوع لمغفرة خطاياكم... فاعتمد الذين قبلوا كلامه، وانضمّ إلى الكنيسة في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (أع 2: 38، 41).
وكذلك أهالي السامرة "لمّا آمنوا بمَا كان يبشرّ به فيلبّس عن ملكوت الله واسم يسوع المسيح.، أخذوا يعتمدون رجالاً ونساءً" (أع 8: 12).
وهذا ما فعله أيضاً بولس وسيلا مع سجّان فيلبي، فبعد أن "بشّراه وجميع من في بيته بكلمة الربّ، أخذهما في تلك الساعة، وغسل جراحهما، واعتمد من فوره هو وذووه أجمعون" (أع 16: 33).
وكذلك بعد أن بشّر بولس في كورنثس، يقول سفر أعمال الرسل: "كثيرون من الكورنثيين الذين سمعوا الكلمة آمنوا واعتمدوا" (أع 18: 8).
من هذه النصوص يمكننا أن نخلص إلي أنّ المعمودية هي التعبير الخارجي عن إيمَان الإنسان ورغبته في أن يعتنق تعاليم المسيح ويشترك في الخلاص الذي جاءنا به.

2- الأسرار تعبير عن الإيمان
إنّنا لا نعتبر الأسرار والإيمان عملين مختلفين، بل عملاً واحدًا في وجهين متميّزين، فالإيمان لا يكتمل إلاّ بالتعبير عنه، والأسرار هي أحد السبل الأساسية للتعبير عن الإيمان.

أ) الأسرار تعبّر عن إيمان الكنيسة الجماعي
إنّ النعمة التي تمنحها الأسرار مرتبطة بالإيمان. لكن لا بدّ من التمييز في هذا الموضوع بين النعمة المقدَّمة والنعمة المقبولة. فالنعمة المقدَّمة هي التي يمنحها الله من خلال الكنيسة التي تحتفل بالأسرار، وهي مرتبطة بإيمَان الكنيسة لا بإيمَان الشخص الذي يحتفل بها ولا بإيمَان الشخص الذي يقبلها. لذلك تُمنح هذه النعمة حتى وإن كان الكاهن الذي يحتفل بها في حال الخطيئة. وهذا ما أكّدته الكنيسة منذ القديم، معلنة أنّ نعمة الله المقدَّمة تتخطّى كلّ ما يمكن الشخص أن يضع أمامها من عقبات وحواجز. وفي هذا يقول القديس أوغسطينوس: "أبطرس عمّد أم يهوذا، فالمسيح هو الذي يعمّد".
ليس البشر أفرادًا عائشين كل في جزيرته يحاول الوصول بمفرده الى الله، بل هم أشخاص مرتبطون بعضهم ببعض في علاقات دائمة. لذلك تتّسم أقوالهم وأعمالهم كلّها ببعد جماعي. والإيمَان الذي هو علاقة الإنسان بالله ليس مجرّد عمل فردي. إنّه يعبّر عن علاقة الجماعة البشرية بالله خالقها ومخلّصها. لا شكّ في أنّ الإيمَان هو التزام شخصي بالله، ولكن، حسب قول بولس الرسول، "كيف يؤمنون بالله إن لم يسمعوا به؟" (رو 10: 14). إنّ ما نؤمن به اليوم هو حصيلة خبرة أجيال من المؤمنين قبلنا.
هذا البعد الجماعي للإيمَان تعبّر عنه الأسرار أعمق تعبير، إذ تظهر أنّ الخلاص الذي يحصل عليه الإنسان هو خلاص جماعي. فالإنسان الذي ينال سرّ المعمودية يحصل شخصيًا على الخلاص. إنّمَا بالمعمودية يدخل أيضاً في كنيسة، ويصير عضوًا في جماعة قد حصلت هي أيضاً على الخلاص. إنّه يتّحد بالمسيح رأس الكنيسة وبجميع المسيحيين أعضاء جسده معًا. وسرّ المعمودية الذي يعبّر عن الخلاص الجماعي يحقّق أيضاً هذا الخلاص، إذ يسهم في بناء جسد المسيح على مدى الزمن. والقول نفسه يصحّ في سائر الأسرار التي يعمل كلٌّ منها على خلاص الشخص وبناء الكنيسة.
وانطلاقًا من هذا المبدأ درجت الكنيسة منذ القرون الأولى على منح أسرار التنشئة، أي المعمودية والميرون والإفخارستيا، حتى للأطفال، معبّرة بذلك عن أوّلية المبادرة الإلهية بالنسبة الى الاختيار الإنساني.

ب) الأسرار تنمي الإيمان الشخصي
إلاّ أنّ الإيمان ليس شيئًا جامدًا يحصل عليه الإنسان ويثبت فيه دونما تغيير، بل هو علاقة حيّة مع الله في جماعة معيّنة. والعلاقات الحيّة تتغذّى وتنمو. إنّ الأسرار مرتبطة بالإيمَان ارتباطًا جدليًا، فهي تفترض الإيمَان في الشخص الذي يقبلها، أو على الأقلّ في الجماعة التي ينتمي إليها، ولكنّها كذلك تغذّي هذا الإيمَان وتنمّيه. لذلك، وإن كان إيمان الشخص الذي يتقبّل الأسرار إيمانًا بدائيًا، فهو ينمو بممارسة الأسرار، لا سيّما إذا تمّت في جماعة مؤمنة تمارس الأسرار ليس في الاحتفال الطقسي وحسب، بل في مجمل حياتها أيضاً. يقول المجمع الفاتيكان الثاني:
"إنّ غاية الأسرار هي تقديس البشر وبنيان جسد المسيح، وأخيرًا تأدية العبادة لله. ولكن، بصفة
كونها علامات، فإنّ لها أيضاً دورًا تعليميًّا. فهي لا تفترض الإيمَان وحسب، بل تغذّيه أيضاً، بمَا تتضمّنه من أقوال وأفعال، وتقوّيه وتعبّر عنه. لذلك دعيت أسرار الإيمَان. لا شكّ أنّها تمنح النعمة، ولكن، علاوة على ذلك، فإنّ الاحتفال بها يهيّئ المؤمنين تهيئة فضلى لقبول هذه النعمة وتأدية العبادة لله كما يجب، وممارسة المحبة" (دستور في الليتورجيا، 59).
3- الأسرار والحياة والتألّه
أ) الأسرار في الحياة اليومية
في كل سرّ زمنان، زمن أوّل لا يدوم إلاّ لحظات، إبّان الرتبة الطقسية عينها، وزمنٌ ثانٍ يدوم الحياة كلّها. ففي الزمن الأوّل يعيش المؤمن بكثافة معنى السرّ بكامله، ولكن يلزمه وقت طويل لاكتشاف مختلف أبعاده ومعانيه. فكلّ سرّ من أسرار الكنيسة يدخل المسيحي سرّ شخص المسيح وسرّ الكيان الإلهيّ. ولكنّ إدراك أبعاد المسيح والله لا يمكن أن يتمّ في بضع لحظات. لذلك لا يدرك المؤمن أبعاد التزامه بالله من خلال الأسرار إلاّ بشكل تدريجي وبالاحتكاك بالحياة نفسها.
فالأسرار إذًا لا تخرج المسيحي من واقع حياته اليومية، بل تعيده إليه. إنّها تذكّره بأنّه لن يجد الله إلاّ من خلال أحداث حياته اليومية، وبأنّ البحث عن الله خارج أطر حياته اليوّمية وأحداثها البسيطة هو وهم وسراب.
إنّ المسيحي لا يدرك أبعاد معموديته، أي اتّحاده بموت المسيح وقيامته، إلاّ على مدى الحياة كلّها التي تتطلّب منه موتًا مستمرًّا عن الخطيئة وقيامةً دائمة الى حياة المسيح. وهو لا يجد المسيح الذي اعتمد له إلاّ في أحداث حياته اليومية.
فالمسيحي الذي يشترك في سرّ الإفخارستيا في جسد المسيح ودمه لا يمكنه اكتشاف أبعاد هذا الاشتراك إلاّ في حياته اليومية التي تتطلّب منه عطاء دائمًا في سبيل الله والآخرين.
والزوجان اللذان يقترنان أحدهما بالآخر في سرّ الزواج لا يدركان أبعاد حضور المسيح في حياتهما الزوجية إلاّ بالاحتكاك بالحياة في مختلف أفراحها ومصاعبها. إنّ الاحتفال بالزواج كسرّ من أسرار الكنيسة يُدخل الزوجات سرّ محبة المسيح للكنيسة، وبقبولهما هذا السرّ يعلنان رغبتهما في الالتزام بتجسيد تلك المحبة في أطر حياتهم الزوجية اليومية.
والكاهن لا يكتشف أبعاد التزامه الكهنوتي إلاّ ضمن حياته اليومية في الكهنوت: في صلاته وفي الأسرار التي يقيمها للجماعة المؤمنة، وفي علاقاته مع الناس حيث يكتشف معنى العطاء والتضحية وأبعاد اشتراكه في كهنوت المسيح.
والتائب الذي ينال مغفرة خطاياه يلتزم أن يغفر للآخرين كما غفر له الله.
والمريض الذي يحضر المسيح إلى جانبه في سرّ مسحة المرضى يدرك أنّه لا يجد الله في الصحة والعافية فقط، بل أيضاً في المرض وعلى فراش الموت. وندرك جميعنا أنّنا، "إن متنا أو حيينا، فلّله نحن".
هكذا تعيدنا الأسرار إلى واقع حياتنا اليومية، وتحوّل الزمن الذي نعيش فيه من مجرّد تتابع دقائق وساعات وأيّام إلى زمن مقدّس ممتلئ بحضور المسيح. فبواسطة الأسرار تتجدّد حياتنا، إذ يملؤها حضور الرب وحضور روحه المحيي.
قد لا يكون لحياة الإنسان في ذاتها أيّ معنى، إنّما الإنسان هو الذي يعطيها المعنى. والأسرار التي تعيد حضور دخول الله التاريخ في شخص المسيح، تسهم في إضفاء هذا المعنى على حياة الإنسان. وعندما تتّخذ الحياة معنى في أعيننا، إذّاك تصير ذات معنى للآخرين، إذ تغدو الموضع الذي يحضر المسيح فيه ويتجلّى الله. فإن عشنا نحن في الله ومعه وبه، يتجلّى الله للعالم فينا ومعنا وبنا.
الأسرار عنصر جوهري في حياة المسيحي، شرط ألاّ تُفصَل عن الحياة. إنّ أهمّ ما في الحياة هو المحبة، محبة الله لنا أوّلاً ثمّ محبتنا نحن لله ولإخوتنا. ففي الأسرار نحتفل أوّلاً بمحبة الله لنا، تلك المحبة التي ظهرت لنا في تجسّد المسيح وموته وقيامته، فندخل هذا الجوّ الإلهي، ونمتلئ من تلك المحبة الإلهيّة، ليتاح لكلمة الله متابعة تجسّده في الكون من خلالنا.
وهكذا تمسي الأسرار أحد عناصر تألّه الكون.

ب) البعد الإسختولوجي للأسرار: الأسرار والتألّه
"الإسختولوجيا" لفظة يونانية تعني "التحقيق الأخير والأقصى والنهائي لملك الله في العالم"، أي تحقيق تألّه الكون، وقد بدأ هذا التألّه في تجسّد كلمة الله في العالم في شخص يسوع المسيح. 
والأسرار ليست مجرّد وسائل يستخدمها الإنسان للحصول على نعمة الله ومساعدته على عمل الخير. إنّ نظرة فردية للأسرار تشوّه الدين المسيحي وتجعله بحجم الإنسان.
فالأسرار هي أوّلاً الاحتفال بهذا الحدث العظيم والفريد في تاريخ البشرية، حدث التجسّد، حدث دخول كلمة الله عالمنا البشري لتأليهه. لذلك تحضر في الأسرار عناصر الكون كلّها من بشر ومادّة. فالبشر يحضرون، ليس كأفراد بل كجماعة، للاحتفال بدخول الله عالمنا. لذلك يُحتفَل بالأسرار في الكنيسة وبحضور الجماعة المسيحية المخلَّصة كلّها. والمادّة تحضر في مختلف عناصرها، من ماء وخبز وخمر وزيت. وبقدرة الروح القدس الذي حضر على المسيح وحلّ على التلاميذ، ولا يزال يحضر ويحلّ على الجماعة المؤمنة بالمسيح، تتقدّس الجماعة البشرية والمادّة وتتألّهان معًا.
"أذكر أعمال الله منذ القديم". في الأسرار نحتفل بالماضي، ولكن ليس لمجرّد الذكرى، بل ليصير الماضي حاضرًا وتصير الذكرى فاعلة في عالم اليوم. إنّ اليوم لفظة تردّدها الكنيسة في كل طقوسها وأسرارها، معلنة أنّها ليست جماعة الماضي بل الحاضر. إنّ الكنيسة لا تلتئم لتبكي الماضي، بل لتحيي الحاضر بحياة الله وتدفع المسيحيين إلى بناء مستقبل ممتلئ بحضور الله.
عندما تحتفل الجماعة المسيحية بتحوّل بعض الخبز والخمر إلى جسد الإله تعلن إيمانه بأنّ الكون كلّه مدعوّ الى التألّه، والتزامَها العمل على تحقيق هذا التألّه.
لذلك لا يمكن فصل الأسرار عن حياة البشرية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. فالتألّه الذي يحتفل به المسيحيون في الأسرار، جاعلين الماضي حاضرًا، يعملون على تحقيقه في مستقبل يكون على صورة الله.
إنّ التئام الجماعة المسيحية في الأسرار هو علامة مسبّقة لالتئام الجماعة البشرية في الملكوت، الذي ليس حقيقة لحياة ما بعد الموت وحسب، بل يجب أن يحضر في حياة هذا العالم. لذلك تظلّ العلامات المسبّقة التي تتضمّنها الأسرار علامات فارغة إن لم يتحقّق منها شيء في الحياة. فالجماعة المسيحية تحتفل في الأسرار بدخول الله عالمنا، وتسبّحه وتمجّده وتباركه وتشكر له ما أفاضه علينا من محبة ومغفرة وعطاء، فتمتلئ من حياة الله هذه لتفيض بها على العالم محبة ومغفرة وعطاء.
في الأسرار تتألّه الجماعة المسيحية لتعمل بدورها على تأليه الكون.
خلاصة
"الأسرار: تلك هي الطريق التي خطّها لنا المسيح، وهذا هو الباب الذي فتحه...
وها هو اليوم يعود إلى البشر من خلال هذه الطريق وهذا الباب". بهذه الكلمات يوجز اللاهوتي نيقولاوس كباسيلاس معنى الأسرار في تفسيره لليتورجيا المقدّسة. الأسرار هي إحدى الوسائل الأساسية في الديانة المسيحية، يعود من خلالها السيد المسيح إلينا. في الأسرار لا يوجّه الإنسان أنظاره إلى ذاته بل إلى بهاء الله الذي يأتي إلينا اليوم كما أتى إلينا منذ ألفي سنة في شخص سيّدنا يسوع المسيح.
الأسرار هي أعياد نحتفل فيها بلقاء العرش، ونعيش معه بضع لحظات، فيشّع على وجهنا نور وجهه، ونمتلئ من حضوره، ونتحوّل إلى كيانه.
الأسرار هي طرق متنوّعة نحيا فيها مختلف أبعاد السرّ الفصحي، سرّ عبور المسيح منالموت إلى الحياة. فنلج إلى أعماقه لنعبر نحن أيضاً مع المسيح من الموت إلى الحياة.
الفَصل الأول
نشْأة المَعْمُودَّية المقَدَّسَة

"وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا"

في قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني أعلن الآباء إيمان الكنيسة بمعمودية تُمنَح مرّة واحدة لمغفرة الخطايا. وقد ختم هذا الإعلان الرسمي تقليداً في الكنيسة يعود إلى الزمن الرسولي. فالرسل كانوا يعمّدون، بأمر من السيّد المسيح نفسه، في أثناء حياته ومن بعد قيامته.
يذكر إنجيل متى أنّ السيّد المسيح، من بعد قيامته، تراءى لرسله وأوصاهم أن يتابعوا رسالته بتعليم جميع الأمم وتعميدهم:
"لقد دُفع إليّ كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وهاأناذا معكم كلّ الأيّام، إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 18- 20).
وهذا ما فعله الرسل منذ حلول الروح القدس عليهم يوم العنصرة، كما جاء في سفر أعمال الرسل. فبعد أن خطب بطرس والأحد عشر في الشعب مبشرين بقيامة المسيح وشاهدين لها، "انصدعت قلوب الشعب، وقالوا لبطرس وسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع أيّها الرجال الإخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس. فاعتمد الذين قبلوا كلامه، وانضمّ الى الكنيسة في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (أع 2: 37- 41).
تستند المعمودية المسيحية إلى وصية السيّد المسيح والى ممارسة الرسل في بشارتهم بالمسيح. ولكنّ السؤال الذي لا بدّ من طرحه في مستهلّ بحثنا هو التالي: هل اختلق المسيح من لا شيء عملاً طقسياً جديداً، أم أنّه اتّخذ من عمل طقسي مألوف سبيلاً لمن أراد الالتزام بتعاليمه الجديدة؟
إنّ دراسة الديانات القديمة التي سبقت المسيحية تحملنا على القول إنّ السيّد المسيح لم يبتكر العماد بالماء، بل أضفى على هذا العمل الديني المعهود معاني جديدة سنتوسّع فيها في الفصول اللاحقة من هذا البحث. أمّا في هذا الفصل الأوّل فنستعرض أوّلاً الديانات القديمة التي كانت تستخدم الماء لغرض ديني، ثم نبحث في ما جاء في العهد الجديد عن معمودية يوحنا المعمدان وعن نشأة المعمودية المسيحية.

أوّلاً- الوضوءات والاستحمامات المقدّسة في الديانات الوثنية وفي العهد القديم
1- الاستحمامات المقدّسة في الديانات الوثنية
نقرأ عند ترتوليانوس في القرن الثالث وصفاً للاستحمامات والوضوءات التي كانت معهودة في الديانات الوثنية ذات الأسرار، في معرض المقارنة بينها وبين العماد المسيحي. يقول:
"... وعلى هذا النحو يدخلون الوثنيين بالاستحمام إلى بعض الأسرار، كأسرار إيزيس وميترا. بل يحملون آلهتهم على الاستحمام، وينضحون بالماء النقي منازلهم وهياكلهم، بل مدناً بكاملها، لتطهيرها. وفي أثناء الألعاب الأبولونية والبيلوزية، يغتسلون بكثرة ظانين أنّهم، إذّاك، يتجدّدون وتغفر ذنوبهم".
لقد ذهب بعض مؤرّخي الأديان إلى أنّ المعمودية المسيحية ليست سوى استمرار للعماد الذي نجده في الديانات الوثنية ذات الأسرار. إلاّ أنّ هذا التحليل ينطلق من وجود شبه خارجي إلى استنتاج صلة استمرار بين الوثنية والمسيحية. وهذا الاستنتاج يتعدّى حد المنطق والواقع.
فالوضوءات الوثنية ليست ذات طابع تاريخي، أي إنها لا تعود إلى حدث تاريخي ينبع منه وجودها وجوهرها. بل هي مجرد استعمال عفوي ينبع من جهة من وعي الإنسان الفطري لقداسة الله وضرورة التنقية للتقرّب إليه، وتوحي به من جهة أخرى طبيعة الماء وعلاقتها المباشرة بالنظافة والنقاوة.
أمّا العماد المسيحي فتاريخي، أي إنّه مرتبط كيانياً بحدث تاريخي إلهي وخلاصي. وهذا الحدث هو ظهور يسوع المسيح ابن الله في الجسد وعماده ورسالته وموته وقيامته.
إنّ الإنسان كائن مخلوق على صورة الله، يعمل روح الله فيه منذ بدء البشرية. لذلك يمكننا القول إنّ إدراك الديانات الوثنية ضرورة التنقية للتقرّب من آلهتها هو من عمل الروح الإلهي الذي هيَّأ البشرية عبر مراحل متعددة للوصول إلى كمال الوحي بمجيء يسوع المسيح ابن الله.
لذلك، فيما الاستحمامات والوضوءات الوثنية كانت تتكرّر بلا انقطاع، تُعطى المعمودية المسيحية مرّة واحدة، لأنّها اتّحاد تام ونهائي بالسيّد المسيح كمال الوحي.
وخلاصة القول أنّ بين الوضوءات الوثنية والعماد المسيحي بعض الشبه في استخدامِ الماء كعنصر تنقية وتكريس. فالماء الذي من طبيعته ينقّي الجسد من أقذاره يصير رمزاً لتنقية النفس من أدران الخطيئة إذا تمّ استخدامه في طقوس دينية ورافقته صلوات وابتهالات، كما يصير أيضاً عنصراً أساسياً في تكريس الأشياء التي تُستعمل لخدمة الله وفي تكريس الأشخاص الذين يقومون بتلك الخدمة. ولكن إلى جانب هذا الشبه، هناك اختلاف جذري في المعنى والجوهر بين الوضوءات والاستحمامات الوثنية والمعمودية المسيحية.

2- الوضوءات في الديانة اليهودية
كذلك القول عن الوضوءات المختلفة التي كانت مألوفة في الديانة اليهودية ومفروضة في شرائعها.
إنّ معظم الوضوءات في التشريع اليهودي هي من باب الطهارة الطقسية الخارجية التي تقوم على غسل الجسد والأشياء المخصّصة للخدمة الدينية قبل الاحتفال بأي طقس أو الإقدام على أي عمل ديني.
والتشريع اليهودي في هذا الموضوع دقيق غاية الدقة: فقد صنّف الحيوانات طاهرة ونجسة. فمن أكل من الحيوانات النجسة أو مسّها بعد موتها "يكون نجساً إلى المغيب" (أح 11: 34). "وكل ما وقع عليه شيء بعد موتها يكون نجساً، من آنية الخشب والثياب والجلد والمسح وكلّ آنية يُعمَل بها عمل يجاز في الماء ويكون نجساً إلى المغيب، ثم يطهر" (أح 11: 32؛ راجع أيضاً عد 19: 14- 19).
وهناك أيضاً شرائع للطهارة الجنسية (راجع أح 15: 1- 33). وقد زاد الشيوخ ومعلّمو الناموس هذه الشرائع تشريعات أخرى نجد أثراً لها في ما دار حولها من نقاش بين السيّد المسيح والفرّيسيين "كغسل الأيدي قبل نناول الطعام وغسل الجرار والكؤوس" (مر 7: 1- 8).
إنّ النجاسة التي يتعرّض لها أفراد شعب الله في العهد القديم عندما يقومون ببعض الأعمال أو يلمسون بعض الأشياء هي "نجاسة طقسية" أي إنّها تخرجهم من الجماعة المقدّسة التي قدّسها الرب الإله لخدمته في الطقوس الدينية. وللعودة الى كنف تلك الجماعة، عليهم أن يخضعوا ذواتهم، ويخضعوا أيضاً كلّ ما مسّهم من ثياب وأدوات، لوضوءات طقسية ترافقها في بعض الأحيان ذبائح تكفير عن الخطيئة (راجع عد 19: 20).
فهذه الوضوءات ما كانت إلاّ وسائل تعيد لأفراد الشعب "الطهارة الخارجية" التي يقتضيها العهد الذي قطعه الله مع شعبه. إلاّ أنّها كانت رمزاً لطهارة القلب، وإن لم تكن قادرة على تحقيق تلك الطهارة وتجديد الإنسان من الداخل. فهذا التجديد الداخلي لن يتحقق إلاّ في الزمن الماسيوي الذي سيكون فيه النضح بالماء الطاهر، حسب نبوءة حزقيال، سبيلاً للحصول على قلب جديد وروح جديد ممتلئ من روح الله نفسه:
"وأنضح عليكم ماء طاهراً، فتطهرون من جميع نجاستكم، وأطهّركم من جميع أصنامكم، وأعطيكم قلباً جديداً، وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً، وأنزع من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلباً من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم، وأجعلكم تسلكون في رسومي، وتحفظون أحكامي وتعملون بها" (حز 36: 25- 27).
وفي هذه النظرة تندرج كرازة يوحنا المعمدان ومعموديته التي كان يعتبرها تهيئة لمجيء المسيح الذي سيعمّد "بالروح القدس والنار" (متى 2: 11).

3- وضوءات الأسينيين
من بين الفرق اليهودية التي كانت تلجأ باستمرار الى الوضوءات والاغتسالات الطقسية، لا بدّ من ذكر جماعة الأسينيين الذين كانوا عائشين في قمران في جوار البحر الميت في إطار حياة مشتركة، ينتظرون مجيء المسيح. فكل من كان يريد الانضمام إلى هذه الجماعة، كان يتهيَّأ مدّة سنة لغسل طقسي يرافقه خلع ملابس وارتداء أخرى.
لقد رأى البعض في هذه الرتبة الطقسية أصل العماد المسيحي. لا شكّ أنّ "عماد" الأسينيين كان يرافقه أعمال توبة. لكنّ هناك أمرين أساسيين يميّزان العماد المسيحي عن "عماد" الأسينيين. فالعماد المسيحي واحد لا يتكرّر، أما "عماد" الأسينيين فكان يتكرّر مراراً للشخص الواحد. ثمّ إنّ العماد المسيحي يحمل معنى لا وجود له في عمادات الأسنيين المتكرّرة، وهو المعنى الإسختولوجي، أي إنّه يدخل الإنسان ملكوت الله الأخير والنهائي الذي أتى في شخص يسوع المسيح. لذلك وإن كان "عماد" الأسينيين عماد توبة فليس له في حياة أفراد الجماعة الدور الحاسم الذي نجده في المعمودية المسيحية الواحدة. ولذلك يعتبر المؤرخون اليوم أنّ "عمادات" الأسنيين تندرج في مراسيم التطهير والوضوء التي مارسها اليهود أجمعون.

ثانياً- المعمودية في الإنجيل المقدّس

1- معمودية يوحنا المعمدان
إنّ المعمودية التي مهّدت مباشرة للمعمودية المسيحية هي دون شك معمودية يوحنا المعروف "بالمعمدان"، بسبب المعمودية التي كان يبشّر بها ويمنحها، وقد "كان الجميع يعتبرونه نبيًّا في الحقيقة" (مر 11: 32)، وهو الذي قال عنه السيّد المسيح: "الحق أقول لكم: إنّه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان"، (متى 11: 11) قبل مجيء الملكوت.
لذلك تحتلّ معمودية يوحنا محلاً مرموقاً في الكرازة الرسولية. فالإزائيون يبدأون إنجيلهم بها (متى 3: 1- 12؛ مر 1: 1- 8؛ لو 3: 1- 18)، وإنجيل يوحنا يتكلّم عنها بشكل خاص (يو 1: 19- 28).
تتّسم معمودية يوحنا بالسمات التالية:
أ- إنّها معمودية اسختولوجية أي معمودية الأزمنة الأخيرة والنهائية فيوحنا هو سابق المسيح والكارز بمجيئه، على حسب ما هو مكتوب في أشعيا النبي: "ها أناذا أرسل ملاكي أمام وجهك، ليهيّىء لك الطريق. صوت صارخ في البرّية: أعدوا طريق الرب، مهّدوا سبله" (مر 1: 2- 3). ولقد شهد يوحنا ليسوع أنّه هو المسيح، "حمل الله"، و"ابن الله" (يو 1: 29- 34)، و"العريس" (يو 3: 26- 30). ويستند يسوع الى شهادة يوحنا هذه في نقاشه مع الفرّيسيين: "لقد أرسلتم الى يوحنا، فشهد للحق" (يو 5: 31- 35).
ويوحنا، في كرازته ومعموديته، يعلن قرب حلول زمان تدخّل الله تدخّلاً نهائياً في تاريخ البشر: "توبوا، فإنّ ملكوت السماوات قريب" (متى 3: 2). والمعمودية التي يمنحها هي الرابط بين العهد القديم والعهد الجديد. لذلك لا تتكرّر بل تمنح مرّة واحدة، إذ بعدها تبدأ مرحلة جديدة، هي مرحلة المعمودية بالروح القدس.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المعمودية تمنح في البرّية على ضفاف نهر الأردن، الذي هو، حسب التقليد اليهودي، النهر الذي يجب اجتيازه لدخول أرض الميعاد. وقد شعر اليهود، لدى رؤيتهم يوحنا يعمّد في الأردن، أن مرحلة جديدة بدأت في تاريخ الخلاص، وراحوا يتساءلون عن يوحنا "لعلّه هو المسيح" (يو 1: 19- 21). وانطلاقاً من هذا الشعور تكوّنت بعض الفرق تدعوها أسفار العهد الجديد "تلاميذ يوحنا" (متى 14: 12؛ لو 7: 18؛ 11: 1؛ يو 1: 35)، وتروي بعضاً من مناظراتها مع "تلاميذ يسوع" وغيرهم من اليهود، لا سيما بشأن الصوم (متى 9: 14؛ مر 2: 18) والمعمودية (أع 18: 25؛ 19: 3)، والتطهير (يو 3: 25- 30).
وفي هذا النص الأخير يوضح يوحنا لتلاميذه أنّ يسوع هو المسيح:
"أنتم أنفسكم تشهدون لي بأنّي قلت: إنّي لست المسيح، بل أنا مرسل أمامه. من له العروس فهو العريس، وأمّا صديق العريس، القائم بقربه ويسمعه، فإنّه يهتزّ فرحاً لصوت العريس؛ فذلك هو فرحي، وقد اكتمل. فله ينبغي أن ينمو ولي أن أنقص" (يو 3: 27- 30).
ب- إنّها "معمودية توبة لمغفرة الخطايا"، كما جاء في مرقس 1: 4. وفي هذا أيضاً يقول متى: "حينئذ كانت أورشليم وكل اليهودية، وكل بقعة الأردن يأتون إليه، ويعتمدون على يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم" (متى 3: 5- 6). إنّ الاعتراف بالخطايا، حسب التقليد اليهودي، لا يعني تعداد كلّ الخطايا المقترفة، بل إقراراً من قبل الإنسان بأنّه خاطئ.
أمّا المعمودية فتعني تغطيس الإنسان كلّه في الماء. ويرمز هذا التغطيس الى أمرين: أمر مرتبط بالإنسان، وآخر بالله.
- فالإنسان، بنزوله في الماء، يُعبّر عن إرادته بأن يزيل عنه آثار الخطيئة ويتوب- أي يعود- إلى الله، ويبدأ حياة جديدة.
- ولكنّ الإنسان، في معمودية يوحنا، على خلاف "معموديات" الأقدمين، لا يعمّد نفسه. فالمعمودية هي على يد "مرسَل من قبل الله". وفي ذلك إشارة إلى أنّ هذه الحياة الجديدة ليست أوّلاً عمل الإنسان، بل هي قبل ذلك عمل الله الذي "وحده يستطيع أن يغفر الخطايا" (مر 2: 7) ويجدّد الإنسان. فيوحنا، بكرازته بمعمودية توبة لمغفرة الخطايا، يعلن بدء الزمن الذي سيتحقّق فيه ما وعد به الله الشعب على لسان أنبيائه في العهد القديم (مز 36: 35- 36؛ إر 31: 34؛ أش 33: 24).
ج- إنّها عمل جماعي. فيوحنا لا يوجّه دعوته إلى بعض الأفراد بل إلى الشعب كله. لذلك "كان جميع اليهودية وجميع سكّان أورشليم يخرجون إليه ويعتمدون على يده" (مر 1: 5). ويشير لوقا الى أن معمودية يوحنا لا تستثني أحداً لا من اليهود ولا من الوثنيين. فالرجال والنساء والأطفال، والعشارون والجنود (لو 3: 12- 14) كلّهم مدعوون إلى معمودية التوبة، "ليعاين كل إنسان خلاص الله" (لو 3: 6). فالانتساب إلى إبراهيم بالجسد والختان لا يكفي للخلاص: "لا يخطرنّ لكم أن تقولوا: إن أبانا إبراهيم. فإنّي أقول لكم: إنّ الله يقدر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم" (لو 3: 8).
معمودية يوحنا هي عمل جماعي يعدّ الشعب كلّه لتقبل المسيح.
د- إنّها معمودية مؤقتة ونبوية، إذ تهدف إلى تهيئة مجيء المسيح. فدور يوحنا المعمدان هو أن "يهيّء للرب شعباً مستعداً" (لو 1: 17).
ويميز يوحنا بين المعمودية المؤقتة التي يمنحها والمعمودية المقبلة التي سيمنحها المسيح "بالروح القدس والنار" (لو 3: 16). فحلول الروح القدس على الشعب هو إحدى علامات الأزمنة الماسيوية، حسب أقوال الأنبياء:
"إنّي أفيض المياه على الظمآن والسيول على اليبس، وأفيض روحي على ذرّيتك وبركتي على أعقابك" (أش 44: 3)؛ "وسيكون بعد هذه الأيّام أنّي أفيض روحي على كل بشر" (يو 2: 28)؛ "أعطيكم قلباً جديداً وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً... وأجعل روحي في أحشائكم" (حز 36: 26- 27).
إنّ الروح القدس هو روح الله الذي سيرسله المسيح ليملأ فيه قلوب الشعب الماسيوي ويغيّرها من الداخل: "إنّه يقيم معكم ويكون فيكم" (يو 14: 17).
أمّا النار فهي نار التنقية ونار الذبيحة والفداء، حسب قول السيّد المسيح: "لقد جئت لألقي على الأرض ناراً، وكم أودّ لو تكون قد اضطرمت". ثمّ يضيف: "وإن لي معمودية أعتمد بها، وما أشدّ تضايقي حتى تتمّ" (لو 12: 49- 50). إنّ معمودية يسوع هي معمودية موته على الصليب الذي به سيفتدي العالم وينقّيه من كل ما هو مناقض لروح الله. ومن تلك المعمودية سينشأ شعب جديد منقّى وممتلئ من روح الله، ممحّص كما يمحّص الذهب في النار. "فإنّ الذهب يمحّص بالنار، والمرضيّين من الناس يُمحَّصون في أتون الاتضاع" (سير 2: 5؛ راجع أيضاً في العهد القديم أش 1: 25؛ زك 13: 9؛ ملا 3: 2- 3).

2- اعتماد يسوع
إنّ اعتماد يسوع على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن هو حدث هام في حياة يسوع المسيح وفي كرازة الكنيسة الأولى. فالإنجيليون الأربعة يأتون على ذكره في مستهلّ حياة يسوع العلانية (متى 3: 13- 17؛ مر 1: 9- 11؛ لو 3: 21- 22؛ يو 1: 32- 34).
في هذا الحدث تنتهي رسالة يوحنا وتبدأ رسالة السيّد المسيح. فيوحنا كان "الصوت الصارخ في البرّية أعدّوا طريق الرب" (متى 3: 2)؛ أمّا يسوع فهو "ابن الله الحبيب" (متى 3: 17؛ يو 1: 34).
في اعتماد يسوع "يكتمل البر"، ويحلّ عليه الروح القدس، ويعتلن للعالم أنّه هو المسيح ابن الله.

أ- اكتمال البر
يقول متى: "حينئذ ظهر يسوع، فأقبل من الجليل إلى الأردن، إلى يوحنا ليعتمد منه. فأخذ يوحنا يمانعه قائلاً: أنا المحتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ. فأجابه يسوع وقال: دعني الآن أفعل، إذ هكذا يليق بنا أن نكمّل كل برّ" (متى 3: 13- 15)
البرّ هو الأمانة التامة والجذرية لقصد الله وإرادته (راجع متى 5: 6، 10، 20). ويسوع، باعتماده، أظهر الاتضاع طريقاً لتحقيق برّ الله، مناقضاً بذلك انتظار اليهود المسيح زمني منتصر (راجع متى 4: 1- 11؛ 16: 21- 23). ثمّ إنّ يسوع "البار" ليس بحاجة الى أن يعتمد، لكنّه أراد أن يعتمد مع الشعب الخاطئ الذي جاء ليخلّصه. "إنّه حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (يو 1: 29). ومعموديته مع الخطأة في ماء الأردن في بدء حياته العلانية هي إنباء بعموديته في دمه على الصليب في نهاية حياته بين الخطأة ولأجلهم. إنّ يسوع لا ينفصل عن الخطأة الذين جاء ليخلّصهم، بل يصير واحداً منهم. إنّه يندمج في الجماعة التي تلتئم حول يوحنا المعمدان لينتقل بها الى العهد الجديد، عهد كمال البرّ، ويكوّن منها الشعب الماسيوي الجديد.

ب- حلول الروح القدس
يتابع نص متى: "فلمّا اعتمد يسوع، خرج على الفور من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، ورأى روح الله ينزل بشكل حمامة ويحلّ عليه" (متى 3: 16). الروح القدس ينزل على يسوع "ويستقرّ عليه" (يو 1: 33).
يشير حلول الروح القدس على يسوع الى تحقيق الأزمنة الماسيوية التي تتميّز، بحسب نبوءات العهد القديم، بالروح يستقرّ على المسيح، كما جاء في سفر أشعيا:
"ويخرج قضيب من جذر يسّى، وينمي فرع من أصوله، ويستقرّ عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح العلم وتقوى الرب" (أش 11: 1- 2).
"هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سرّت به نفسي، عليه أحلّ روحي، فيبشّر الأمم بالعدل..." (أش 42: 1؛ راجع متى 12: 15- 21).
عندما خلق الله السماوات والأرض، كان "روح الله يرفّ على وجه المياه" (تك 1: 2). فحلول الروح القدس على يسوع هو إشارة إلى الخليقة الجديدة التي ستبعث من رسالة يسوع. ويدلّ أيضاً على الخليقة الجديدة حلول الروح "بشكل حمامة". وفي ذلك إشارة إلى الحمامة التي أطلقها نوح بعد الطوفان، و"رجعت حاملة في فمها ورقة زيتون خضراء. فعلم نوح أنّ المياه قد جفّت عن الأرض" (تك 8: 11). فمع المسيح تبدأ أزمنة جديدة يعمّ فيها السلام والمصالحة الأرض كلّها.


ج- إعلان يسوع "ابن الله"
"وإذا صوت من السماوات يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (متى 3: 17). وفي نصّ مرقس يتوجّه الصوت إلى يسوع نفسه: "أنت ابني الحبيب، بك سررت" (مر 1: 11).
معظم الأنبياء، في بدء رسالتهم، رأوا رؤيا، وسمعوا صوت الله يرسلهم إلى الكرازة. فهم مرسَلون من قبل الله (راجع أش 6: 8؛ إر 1: 1- 10؛ حز 2: 2- 3).
إنّ يسوع يتميّز عن سائر الأنبياء بأنّه "ابن الله الحبيب"، وليس مجرّد مرسَل من قبل الله. لذلك في الرؤيا التي يراها، يرى روح الله يحلّ عليه ويسمع صوت الله الآب يعلن: "أنت ابني الحبيب، بك سررت"، وفي نص لوقا، كما جاء في بعض المخطوطات: "أنت ابني الحبيب، أنا اليوم ولدتك" (لو 3: 22).
كان هذا القول "أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك" يقال لدى تنصيب ملوك إسرائيل قبل المباشرة بممارسة ملكهم. كذلك يسوع، قبل البدء برسالته، ينصَّب ملكاً ومسيحاً وابن الله، ولكنّ تنصيبه لا يتمّ في الأبّهة ليصير ملكاً متسلطاً على غرار سائر الملوك، بل في اتضاع المعمودية بين الخطأة، ليصير مسيحاً خادماً يقدّم ذاته لأجل حياة العالم. وهذا هو النهج الذي سيرافقه كلّ حياته. "فابن البشر لم يأت ليُخدم، بل ليَخدم ويبذل ذاته فداء عن الكثيرين" (مر 10: 45).
لذلك يروي الإزائيون حالاً بعد اعتماد يسوع قصة تجاربه الثلاث التي توضح كيف فهم رسالته كمسيح و"كابن الله" (متى 4: 1- 11). وقبل تلك الرواية يقدّم لوقا "نسب يسوع"، الذي يعود الى داود وإبراهيم، فإلى آدم فإلى الله (لو 3: 23- 38). فيسوع هو ابن داود، ولكنه، على غرار آدم، خرج مباشرة من يدي الله. لذلك سيكون لرسالته الماسيوية سمة الخلق الجديد.

3- المعمودية في أثناء حياة يسوع
انجيل يوحنا وحده يذكر أنّ يسوع كان "يعمّد، والجميع يقبلون إليه" (يو 3: 22، 26). ثمّ يستدرك في الفصل التالي، فيقول "إنّ يسوع لم يكن يعمّد هو نفسه، بل تلاميذه" (4: 1- 2).
إنّ هذه المعمودية هي شبيهة بمعمودية يوحنا ولا تحمل من المعاني التي ستحويها المعمودية بعد قيامة المسيح وإرسال الروح القدس (راجع يو 7: 39)، سوى أنّها تجعل من الإنسان تلميذاً ليسوع. ولا يبدو أنّ هذه المعمودية كانت شرطاً للتتلمذ ليسوع في أثناء حياته.
إنّ الرابط بين المعمودية والتتلمذ ليسوع لن يصير ملزِماً إلاّ بعد قيامة المسيح، كما يبدو من وصية يسوع لتلاميذه في ترائيه لهم بعد قيامته.

4- وصية يسوع بعد قيامته بتعميد الأمم
يروي إنجيل متى أنّ يسوع، من بعد قيامته، ظهر لتلاميذه وأوصاهم قائلاً:
"لقد دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أناذا معكم كلّ الأيّام الى انقضاء الدهر" (متى 28: 18- 20).
وهذه الوصية نجدها أيضاً في ختام إنجيل مرقس: "اذهبوا في العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها، فمن آمن واعتمد يخلص" (مر 16: 15- 16).
هناك صلة وثيقة بين الكرازة والإيمان من جهة والمعمودية من جهة أخرى. فالتتلمذ ليسوع هو عمل إيمان والتزام حرّ، ولا يُفرَض بالقوّة. والمعمودية هي تعبير عن قبول الكرازة والتتلمذ للمسيح. ويؤكّد متى شمولية سلطان المسيح: "كلّ سلطان"، وشمولية الكرازة: "جميع الأمم"، وشمولية الرسالة: "جميع ما أوصيتكم به"، وشمولية الزمن والتاريخ: "كل الأيّام الى انقضاء الدهر". فالمعمودية هي حقًّا دخول البشرية كلّها ملكوت الله الذي حضر الى العالم بشكل نهائي في شخص يسوع المسيح.
لا معمودية إلاّ انطلاقاً من الإيمان بشخص يسوع المسيح و"بالسلطان الذي دُفِع إليه في السماء وعلى الأرض". تشير هذه العبارة إلى رؤيا "ابن البشر" في نبوءة دانيال. فبعد زوال سلطان "الحيوانات الأربعة" التي ترمز إلى جميع ملوك الأرض، يرى دانيال "ابن البشر"، أي إنساناً حقيقياً يجسّد في ذاته كل صفات الإنسانية، ويؤتيه الله "سلطاناً ومجداً وملكاً، فجميع الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه سلطان لا يزول، وملكه لا ينقرض" (دا 7: 14).
هناك نهج ينهجه ملوك الأرض هو نهج التسلّط الذي ينتج منه التنافر والتباغض والتقاتل بين الناس. وهذا النهج يناقض إرادة الله. لذلك سيرسل في ملء الأزمنة "ابن بشر" يحقّق في حياته إرادة الله. وابن البشر هو السيّد المسيح. وسلطانه سلطان جديد فيه تسود الخدمة بدل التسلّط، والمحبة بدل البغض. وهذا السلطان هو سلطان إلهي وإنساني معاً. فبتحقيقه تتحقّق إرادة الله ويسود ملك الله، وتتحقّق إنسانية الإنسان.
لذلك لا معنى للمعمودية إلاّ انطلاقاً من الإيمان بسلطان المسيح وبنهجه الجديد. والتبشير بالمسيح وتلمذة جميع الأمم هما نتيجة للإيمان بهذا السلطان الجديد: "قد دفع اليّ كل سلطان.. فاذهبوا وتلمذوا..." إنّ الحرف الأوّل من كلمة" فاذهبوا" يشير إلى تلك العلاقة الوثيقة بين الإيمان بالمسيح والتتلمذ له. فمن يؤمن بسلطان المسيح وبالنهج الذي جاء به يصير له تلميذاً، و"يعتمد باسم الآب والابن والروح القدس".
إنّ العماد، أي التغطيس بالماء، هو تعبير حسّي عن إيمان الإنسان بشخص المسيح ،وعن قصده التتلمذ له واتّباع تعاليمه. باعتماده باسم الآب والابن والروح القدس، يصير ابناً لله على مثال ابن الله، ويمتلئ من روح الله ليحقق في العالم مع المسيح الابن ملكوت الله.
إنّ السيّد المسيح، بوصيته هذه لتلاميذه، أراد أن يستمرّ شخصه و"سلطانه" أي نهجه الجديد على مدى الزمن والى انقضاء الدهر.

ثالثاً- المعمودية في "أعمال الرسل"
هناك ثلاثة أمور تميّز المعمودية في أعمال الرسل، نجدها في قول بطرس الرسول لمستمعيه يوم العنصرة: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس" (اع 2: 38).

1- التوبة والمعمودية بالماء لمغفرة الخطايا
يبقى التغطيس بالماء الطريقة المتبعة للعماد، تلازمه التوبة دلالة على أنّ العماد ليس مجرّد عمل خارجي ينضمّ به إنسان إلى جماعة معيّنة، بل هو ارتداد داخلي يفرض تغييراً جذرياً في الحياة. وهذا العماد بالماء يمنح مغفرة الخطايا.

2- المعمودية باسم يسوع المسيح
تعود هذه العبارة "باسم يسوع المسيح" مراراً في سفر أعمال الرسل (10: 48؛ 19: 5؛ 22: 16)، وتعني أنّ من يعتمد يعبّر عن إيمانه بأنّ يسوع هو المسيح والرب والمخلص، وأن "ما من خلاص بأحد غيره، إذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلص" (أع 4: 12).
فالكرازة التي تسبق المعمودية لا تهدف إلاّ إلى الوصول بالمستمعين إلى إعلان هذا الإيمان بأنّ يسوع هو وحده المخلّص، وأنّه باسمه يجب أن يعتمدوا. ولنا مثال على ذلك كرازة فيليبّس في السامرة:
"فلمّا آمنوا بمَا كان يبّشر به فيليبّس عن ملكوت الله واسم يسوع المسيح، أخذوا يعتمدون رجالاً ونساء" (اع 8: 12).
وكذلك عماد قيمّ ملكة الحبشة على يد فيليبّس:
"ففتح فيليبّس فاه، وابتدأ من تلك الكتابة، وبشّره بيسوع". وبعد أن تيقَّن من إيمانه، عمّده (أع 8: 35- 38).
وكذلك أيضاً خطبة بطرس الرسول أمام كرنيليوس ورفاقه، إذ بدأ بتبشيرهم بيسوع المسيح: بأعماله وعجائبه وقيامته. وبعد أن رأى أنّ الروح القدس حلّ على جميع الذين سمعوا الكلمة وآمنوا بالمسيح المخلّص "أمر أن يعمَّدوا باسم يسوع المسيح" (أع 10: 34- 48).
بالمعمودية باسم يسوع المسيح يعترف الإنسان أنّ يسوع هو المسيح، ويصير عضواً في الشعب الماسيوي. والمسيحية ليست ديانة جديدة بقدر ما هي اتحاد بشخص يسوع المسيح الذي نؤمن أنّه الرب والخلّص.

3- المعمودية بالروح القدس
إنّ يسوع، يوم عماده، رأى روحِ الله ينزل عليه. وقد وعد تلاميذه، قبل صعوده الى السماء، بأنّهم سيعمَّدون هم أيضاً بالروح القدس:
"لا تبرحوا أورشليم، بل انتظروا موعد الآب الذي سمعتموه منّي. فإنّ يوحنا قد عمّد بالماء، أمّا أنتم فستعمّدون بالروح القدس بعد أيّام قليلة" (أع 1: 4- 5).
وهذا ما يعلن بطرس الرسول تحقيقه يوم العنصرة مستشهداً بنبوءة يوئيل النبي، ثمّ يضيف:
"فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن جميعاً شهود بذلك، وإذ قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب الروح القدس الموعود به، أفاض ما تنظرون وتسمعون" (أع 2: 16- 33).
إنّ عمل الروح القدس في المؤمن ليس عمل تنقية وتطهير من الخطيئة بقدر ما هو عمل تقديس وإشراك في شخص المسيح ورسالته النبويّة.
وهذا ما يوضحه لقاء بولس الرسول مع بعض التلاميذ في أفسس:
"فقال لهم: هل نلتم الروح القدس لمّا آمنتم؟ فقالوا له: بل ما سمعنا أنّه يوجد روح قدس. فقال: بأيّ معمودية إذن اعتمدتم؟ قالوا: بمعمودية يوحنا. حينئذ قال بولس: إنّ يوحنّا قد عمّد بمعمودية توبة. وكان يقول للشعب ليؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بيسوع. فلمّا سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع. وإذ وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم، فطفقوا ينطقون بلغات ويتنبّأون" (أع 19: 1- 6).
إنّ حلول الروح القدس ملازم للمعمودية باسم يسوع المسيح. فالمعمودية اتحاد بيسوع المسيح الذي قام من بين الأموات وأرسل روحه القدّوس على تلاميذه. فكل من يؤمن بيسوع المسيح ويعتمد باسمه ينال الروح القدس كما ناله الرسل يوم العنصرة.

4- صيغة المعمودية في الكنيسة الأولى
يشير سفر أعمال الرسل إلى أنّ المعمودية كانت تتمّ "باسم يسوع المسيح"، في حين يورد إنجيل متى وصية يسوع لتلاميذه بأن يعمّدوا "باسم الآب والابن والروح القدس". يبدو أنّ العبارة الواردة في إنجيل متى هي الصيغة التي كانت تستعملها الكنيسة الأولى في منح المعمودية. وتلك الصيغة هي توضيح عقائدي للمعمودية باسم يسوع المسيح، إذ تعلن أنّ يسوع المسيح الذي تُمنَح المعمودية باسمه هو الابن المرسَل من قبل الآب، والذي يمنح الروح القدس للذين يعتمدون باسمه. وتعلن كذلك أنّ من يعتمد باسم يسوع المسيح يصير على مثاله ابناً لله الآب وهيكلاً للروح القدس، كما سنبيّن ذلك في حديثنا عن مفاعيل المعمودية.
الفَصل الثَّاني
مَعَاني المَعْمُوديّة وَأبعَادُهَا

ما هي "نعمة المعمودية"؟ ما هي "مفاعيلها" في كيان المسيحي وحياته؟
استناداً إلى العهد الجديد، ولا سيّمَا إلى ما جاء في إنجيل يوحنا ورسائل بولس، يمكننا اختصار مفاعيل المعمودية ومعانيها وأبعادها في الأمور الثلاثة التالية:
1- بالمعمودية يولد الإنسان ولادة جديدة ويشترك في حياة الله.
2- يشترك في موت المسيح وقيامته.
3- يصير عضواً في الكنيسة جسد المسيح وشعب الله الجديد.

أوّلاً- المعمودية ولادة جديدة واشتراك في حياة الله

1- الولادة الجديدة "من فوق"
يؤكّد السيّد المسيح في حديثه مع نيقوديموس أنّ المعمودية هي "ولادة جديدة". يبدأ بتأكيد ضرورة الولادة الجديدة لدخول ملكوت الله: "الحق الحق أقول لك: ليس أحد يقدر أن يعاين ملكوت الله ما لم يولَد من فوق". فيسأله نيقوديموس عن كيفيّة تلك الولادة: "كيف يستطيع إنسان أن يولد، إذا ما كان شيخاً؟ أوَ يقدر أن يلج بطن أُمّه ثانية ويولد"؟ فيجيبه يسوع عن الولادة بالماء والروح: "الحق الحق أقول لك: ليس أحد يقدر أن يدخل ملكوت السماوات، ما لم يولد من الماء والروح". مشيراً إلى المعمودية. ثمَّ يضيف السبب الذي لأجله يجب أن يولد الإنسان ولادة جديدة بالماء والروح: "المولود من الجسد إنّمَا هو جسد، والمولود من الروح إنّمَا هو روح". ثمّ يردف: "لم يصعد أحد إلى السماء إلاَّ الذي نزل من السماء، ابن البشر الكائن في السماء" (يو 3: 3- 6، 13).
إنّ مجيء السيّد المسيح من السماء، أي من عند الله، قد أحدث تغييراً جذرياً في العالم، إذ أدخل فيه مبدأ حياة جديدة هي حياة "ملكوت الله" أعني حياة الله نفسه. وتلك الحياة يستحيل على الإنسان "المولود من الجسد" الحصول عليها، فوجب عليه، ليتاح له أن "يعاين ملكوت الله" ويحيا حياة الله، أن يولد من جديد.

2- التألّه
إنّ الولادة الجديدة "بالروح" تؤله الإنسان إذ تملأه من روح الله: إنّه "مولود من الله، وزرع الله حالّ فيه" (1 يو 3: 9). وزرع الله هو الروح القدس، روح الله نفسه الذي يقيم فيه عندما "يولد من جديد بالماء والروح" (راجع أيضاً يو 1: 13).
هذا هو التألّه الذي فيه رأى آباء الكنيسة الشرقية المفعول الأساسي للمعمودية. "فالله يثبت فينا بالروح الذي أعطانا" (1 يو 3: 24). وعندما يثبت فينا الله يصير هو مبدأ أعمالنا. وقد شبّه آباء الكنيسة حالة الإنسان المعتمد، المؤلَّه بالحديد في النار، يبقى على طبيعته، حديداً، ولكنّه يأخذ من طبيعة النار احمرارها ومفعولها، فيصير بدوره ناراً محرقة. وهذا ما يعنيه بطرس الرسول بقوله إنّنا "نصير شركاء في الطبيعة الإلهيّة" (2 بط 1: 4).
في هذا القول يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي:
"نزل الروح القدس ليُلبِس الرسل القوّة ويعمّدهم، لأنّ الرب قال: أمّا أنتم فستعمَّدون في الروح القدس بعد أيّام قليلة (أع 1: 5). ليست هذه نعمة جزئية بل هي القدرة بأكملها، لأنّه، كما أنّ الذي يغطس في الماء ويُعمَّد يغمره الماء من كل جانب، كذلك هم تعمَّدوا في الروح القدس كاملاً. ومن فيمَا الماء يغمر الجم من الخارج، الروح القدس يعمّد النفس من الداخل دون أن يترك فراغاً. ولماذا نستغرب؟ خُذ مثلاً مادياً متواضعاً، مفيداً للناس البسطاء: إذا اخترقت النار صفاقة الحديد حتى باطنه حوَّلت الكلّ إلى نار. فما كان بارداً يصير محرقاً، وما كان قاتماً يصير لامعاً. فإذا كانت النار، وهي جسم، باختراقها جسم الحديد، قامت بهذا العمل من دون عائق، فلماذا تستغرب قدرة الروح القدس على الدخول إلى باطن النفس؟".
وعن هذه الولادة الجديدة بالماء والروح يقول ثيودوروس المصيصي:
"حينئذٍ تنزل إلى المياه المقدّسة ببركة الكاهن، لأنّك لا تعتمد في مياه عاديّة بل في مياه الولادة الجديدة التي لا تستطيع أن تصير هكذا إلاَّ بمجيء الروح القدس. فيجب على الكاهن أن يطلب إلى الله أن يرسل نعمة الروح القدس على المياه لتصير قادرة على أن تلد تلك الولادة المذهلة، وتكون حشاً للميلاد السرّي... في المعمودية تصير المياه حشاً للذي يولد. لأن نعمة الروح القدس تجبُل المعتمد لميلاد ثانٍ، وتجعل منه شخصاً آخر... فعندما يعتمد وينال النعمة الإلهيّة الروحانيّة، يتحوّل كليًّا إلى شخص آخر: من طبع مائت إلى غير مائت، من فاسد إلى غير فاسد، من متبدّل إلى ثابت، فيصبح كلّه إنساناً آخر، بحسب سلطان من يجبله هكذا... كل من ينزل في المياه التي حلّت عليها نعمة الروح القدس تجبله نعمة الروح القدس جبلة جديدة فيولد ثانية في طبيعة بشرية أخرى سامية".

3- الخلق الجديد
إنّ مياه المعمودية صورة للمياه الأولى التي مخها خرجت الخليقة. والروح القدس الذي يحلّ فيها ويقدّسها يجعلها حشاً للخليقة الجديدة. ينزل الإنسان في تلك المياه المطهِّرة، فيذوب كلّ ما تكدّس في نفسه من أقذار، وقلبه المتحجّر يصير على ما يقول حزقيال النبيّ، "قلباً من لحم" (مز 36: 26) طيّعاً لعمل الله. وكلّ ما فيه من ظلمة يزول بدخول النور السماوي الذي يملأ كيانه كلّه: قلبه، وعقله، وقواه النفسية، وحتى حواسّه:
"لقد كنتم أمواتاً بزلاّتكم وخطاياكم... غير أنّ الله أحيانا مع المسيح" (أف 2: 1- 6)؛ "لقد كنتم من قبل ظلمة، أمّا الآن فأنتم نور في الرب" (أف 5: 8)، "إنكم جميعاً أبناء النور، وأبناء النهار" (1 تسا 5: 4).

4- التبنّي
بهذه الولادة الجديدة بصير الإنسان ابن الله ووارثاً مع المسيح، ويستطيع أن يدعو الله كما كان يدعوه المسيح: "أبّا! أيّها الآب" (رو 8: 15، راجع أيضاً غلا 4: 5؛ أف 1: 5).
بهذه الولادة الجديدة لا يعود الإنسان غريباً عن الله وعن أبناء الله: "لستم بعد غرباء، ولا نزلاء، بل أنتم مواطنو القدّيسين، وأهل بيت الله" (أف 2: 19)، بل يدخل في عائلة الله، ويقدر أن يقول مع جميع أبناء الله: "أبانا". الولادة الجديدة تعطي المعمّدين أباً يخلِّصهم ويبرّرهم ويقدّسهم وإخوة وأخوات قدّيسين. لذلك درج التقليد الليتورجي في الكنيسة الأولى على أن تكون الصلاة الأولى التي يتلوها المعتمد بعد معموديته الصلاة الربية: "أبانا الذي في السماوات".

الاسم والختم
من يصير ابن الله يحمل اسمه ويُختَم أو يوسَم بختمه. لذلك، فيما كان الختان في العهد القديم يتمّ عند اليهود "باسم العهد" وعند السامريّين "باسم جبل جريزيم"، تُمنَح المعمودية في سفر أعمال الرسل "باسم يسوع المسيح"، وبحسب إنجيل متّى "باسم الآب والابن والروح القدس" (متّى 28: 19).
الاسم يعني حضور الشخص والتكرّس له. فالعماد "باسم يسوع المسيح" يعني الانضمام إلى شخص المسيح والتكرّس له والدخول في عهد معه. وكذلك العماد "باسم الآب والابن والروح القدس" هو في خول في حياة الإله الثالوث والتكرّس له: "فالمعموديّة التي تتمّ بالمسيح وتمنحنا الروح تدخلنا في بيت الآب. وبها نحصل على حال وجود ثالوثية".
في هذا الإطار دعا الآباء المعمودية "الختم"، تارة "ختم الإيمان" وتارة "ختم الروح". يقول القدّيس باسيليوس الكبير:
"يقول الرب: إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. فالمعمودية هي ختم الإيمان، والإيمان هو اعتناق الألوهة. فيجب إذن أن يؤمن المرء أوّلاً، ثم يوسَم بالمعمودية".
وغريغوريوس النزينزي يرى في المعمودية "ختم الروح". ويوضح "أنّ هذا الختم يحمي ويعني ملكية الله المطلقة". إنّه علامة تشير إلى أنّ المعتمد أصبح خاصة الله.
والختم هو أيضاً ختم صورة المسيح أو صورة الروح أو صورة الثالوث في نفس المعتمد. ففي صلاة تقديس المياه في إفخولوجيون سيرابيون الذي كُتب في مصر في القرن الرابع، نقرأ العبارة التالية: "هب لجميع الذين سيولدون من جديد أن يكونوا على صورة جمالك الإلهي الفائق الوصف، وأن يخلصوا ويصيروا أهلاً لملكوتك".
ويوحنا الدمشقي في تعليق له على أفسس 1: 13 يقول:
"أنتم أيضاً، بحسب قول الرسول، من عِداد أولئك الذين سبق الله فاصطفاهم، أنتم الذين اتحدوا بالمسيح بالطاعة، بالإيمان برسالته، وبالختم الذي يختم الإيمان، والذي هو مشابهة المسيح بالاشتراك في الروح القدس".
فالختم هو تعبير رمزي للإشارة إلى الصورة الجديدة التي يلتزم المسيحي أن يحملها طول حياته في كيانه وفي أعماله، ويرص على ألاّ يشوِّهها بالخطيئة.
وعلى غرار الجنود الذين كانوا في القديم يوسَمون على ذراعهم باسم قائدهم، جرت العادة قديماً لدى المسيحيين الشرقيين أن يوسَموا على ذراعهم بوسم لا يمحى يمثِّل شكل الصليب. وهذه العلامة هي علامة الانضمام إلى شعب الله الجديد المسمّى باسم الله الثالوث والذي نذكر اسمه كلّ مرّة نرسم على وجوهنا وصدورنا إشارة الصليب.
وهذا الختم هو علامة قبول الله لنا قبولاً نهائياً لا عودة عنه. لذلك كل معمودية تتمّ بشكل صحيح، أي بالماء و"باسم الآب والابن والروح القدس"، لا يجوز أن تُعاد.

ثانياً- المعمودية اشتراك في موت المسيح وقيامته

1- آدم القديم وآدم الجديد
المعمودية ولادة جديدة واشتراك في حياة الله من خلال اعتماد المعتمد بشخص يسوع المسيح "آدم الجديد" واشتراكه في موته وقيامته.
هذا ما يتوسّع فيه بولس الرسول في مواضع مختلفة من رسائله.
ففي رسالته الثانية إلى الكورنثيين يبيّن أنّ من يتّحد بالمسيح يصير خليقة جديدة لأنّ الله قد صالحنا مع نفسه بالمسيح:
"إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة؛ فالقديم قد اضمحلّ، وكلّ شيء قد تجدّد. والكلّ من الله، الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح، وائتمننا على خدمة المصالحة... إنّ الذي لم يعرف الخطيئة، جعله خطيئة من أجلنا، لكي نصير نحن به برَّ الله" (2 كو 5: 17- 21).
وهذه المصالحة قد تمّت "بالصليب الذي به قتل العداوة" (راجع أف 2: 13- 18). وفي الرسالة إلى الرومانيين يرى في المعمودية اشتراكاً في موت المسيح وقيامته.
ففي الفصل الخامس يقيم مقارنة بين آدم الذي به دخلت الخطيئة إلى العالم، والمسيح الذي به دخل البرّ إلى العالم (رو 15: 12- 21). ثمّ يتابع في الفصل السادس، فيصف كيف يشترك الإنسان في برّ المسيح. فكما أنّ المسيح مات وقام، هكذا بالمعمودية يموت الإنسان عن الخطيئة ليحيا في الله حياة جديدة:
"نحن، جميع من اعتمدوا للمسيح، قد اعتمدنا لموته. فلقد دُفنّا معه بالمعمودية للموت، حتى إنّا، كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب، كذلك نسلك، نحن أيضاً، في جدّة الحياة. لأنّا إذا كنّا قد صرنا متّحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بشبه قيامته، عالمين أنّ إنساننا العتيق قد صُلب معه، لكي يتلاشى جسد الخطيئة، بحيث لا نستعبد بعد للخطيئة، لأنّ الذي مات قد تحرّر من الخطيئة" (رو 6: 3- 7).
المعمودية تعني الموت والقيامة مع المسيح وفيه. "إنّ المعتمد يموت عمّا في كيانه من جذور موت تتشابك مع ما فيه من جذور حياة. مع المسيح ينزل إلى أعماق الموت ليلاقي في الجحيم الإله المصلوب الذي لا يدين أحدا بل يخلّص من يؤمن به، فيقومَ معه":
"قدّس يا رب هذا الماء، حتى إنّ المعتمدين فيه يُصلَبون مع المسيح، ويموتون معه، ويُدفَنون معه، ويقومون للتبنّي" (القوانين الرسولية 7: 43).
هذا ما يوضحه القدّيس باسيليوس الكبير:
"إليك في منتهى الوضوح موضوع بحثنا: لماذا يُضَمّ الماء إلى الروح القدس؟ لأنّ للمعمودية غاية مزدوجة: محو جسد الخطيئة فلا يعود يثمر للموت، والحياة بالروح القدس ليثمر فينا ثمارَ القداسة. إنّ الماء، بقبوله الجسد، يمثّل صورة الموت، كما لو كان الجسد في قبر. والروح القدس ينفخ في النفس قوّة محيية فيجدّدها وينقلها من حالة الموت في الخطيئة إلى الحالة الأصليّة، أي صداقة الله الحميمة. فهي الولادة من فوق، أي من الماء والروح: نموت في الماء، ولكنّ الروح ينشئ فينا الحياة، بثلاث غطسات وثلاث تسميات يتمّ سرّ المعمودية العظيم، لكي تُمثَّل صورة الموت ويستنير المعتمدون بحصولهم على معرفة الله".
وفي الموضوع عينه يقول ثيودوروس المصيصي:
"بدعوة الآب والابن والروح القدس، تتّشح بنعمة التبنّي، وتخرج من مياه المعمودية وقد نلت ولادة جديدة، وأتممت بعمادك في المياه شريعة الدفن، وقبلت بخروجك منها علامة القيامة، وولدت وتحوّلت إلى شخص آخر. لم تعد مذّاك خاصة آدم المتبدّل والرازح الشقي تحت الخطيئة بل خاصة المسيح الذي صار بالقيامة غير خاضع للخطيئة، وهو منذ البدء لم يقترف خطيئة. بالقيامة حصل على طبيعة غير متبدّلة. فأثبت لنا القيامة من بين الأموات والشركة في عدم الفساد".

2- العماد بالتغطيس
إنّ طريقة العماد بالتغطيس هي الطريقة التقليديّة في الكنيسة القديمة، ولا تزال جارية في الكنيسة الشرقية، وهي العلامة الخارجية الحسيّة لما تعنيه المعمودية:
"فالماء يزيل نوع حياة ويكشف نوعاً آخر، يُغرق الإنسانَ القديم ويرفع الإنسان الجديد" (كاباسيلاس، الحياة في يسوع المسيح، 9).
إنّ تغطيس المعتمد في الماء هو علامة دفنه مع المسيح وصورة تشير إلى أنّ ما فيه من إنسان قديم وخطايا سابقة قد أغرق في الماء وأزيل عنه، كما يفسّر ذلك القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو:
"لقد سُئِلتَ: أتؤمن بالله الآب الضابط الكل؟ فأجبتَ: أؤمن. إذّاك غُطِّسْتَ في الماء، أي دُفِنْتَ. ثم سُئِلتَ مرّة ثانية: أتؤمن بربنا يسوع المسيح وبصليبه! فأجبتَ: أؤمن. وغُطِّسْتَ في الماء، وبذلك دُفِنْتَ مع المسيح. وسُئِلْتَ مرّة ثالثة: أتؤمن أيضاً بالروح القدس؟ فأجبت: أؤمن. وغُطِّسْتَ مرّة ثالثة، حتى إنّ الاعتراف الثلاثي يزيل سقطات الماضي المتكرّرة".
التغطيس في الماء رمزُ الموت، موتِ الإنسان القديم، والانتشال منه رمز الحياة والقيامة، وولادة الإنسان الجديد المكوّن على صورة المسيح الكائن الجديد. في هذا يقول اللاهوتي الأرثوذكسي بول إفدوكيموف:
"العماد هو "حميم الأزليّة"، وبذلك هو "إعادة الولادة". إنّه تكوين جديد للكائن البشري، فيه يأخذ الإنسان المخلوق شكله على صورة الله. إنّه إعادة بناء طبيعتنا الآدمية التي أعاد المسيح خلقها في عمله الخلاصي. سرّ موتِ المسيح ودفنِه، وحياتِه وقيامتِه، ينتقل بالرمز إلى المعمودية. فلفظة عمَّد باليونانية تعني غطّس، والتقليد القديم يؤكّد الأسلوب الوحيد للعماد وهو العماد بالتغطيس. وهرماس يتكلّم عن "النزول إلى الماء". فهناك علاقة وثيقة بين المعمودية والنزول إلى الجحيم، وهذه العلاقة تختفي كليًّا إذا اقتصر العماد على سكب بعض الماء على الرأس، أو على الرش. إنّ السرّ يصوّر عمل الخلاص: فالتغطيس الثلاثي صورة الدفن الثلاثي والنزول إلى الجحيم. والانتشال من الماء هو العودة إلى اليوم الذي لا يغرب. إن ماء المعمودية يأخذ قيمة سرية هي دم المسيح المطهّر، والصليب يقوم هكذا على عتبة الأبدية".
في هذا السرّ، سرّ موت الإنسان القديم وولادة الإنسان الجديد على صورة المسيح يقوم الخلاص والفداء للإنسان وللطبيعة البشريّة برمّتها.

3- المعمودية عودة الإنسان إلى طبيعته الأصلية
لقد درج في اللاهوت الغربي القول التالي: "المعمودية تخلِّصنا من الخطيئة الأصليّة". ويُفهَم بالخطيئة الأصلية خطيئة آدم وحوّاء التي يرثها جميع الناس بالولادة، فيولدون خطأة. فالمعمودية في تلك النظرة تزيل عنهم تلك الخطيئة التي ورثوها من الأبوين الأولين.
استناداً إلى الكتاب المقدّس وإلى تفسيرات آباء الكنيسة الشرقية، وإلى المفهوم المعاصر للخطيئة الأصلية في "اللاهوت الغربي يمكننا تفسير هذا القول على النحو الآتي:
الخطيئة الأصلية هي قوّة الموت والخطيئة، التي تسود الإنسان منذ بدء البشريّة وتسوده في أعماق كيانه، ولا يمكنه السيطرة عليها والتخلّص من سيادتها إلاّ بدخوله حياة المسيح الذي مات بسبب خطيئة الإنسان، ولكنّه قام، وبقيامته ساد على الموت والخطيئة، "وأعتق أولئك الذين كانوا، الحياة كلَّها، خاضعين للعبودية، خوفاً من الموت" (عب 2: 15).
إنّ ما ورثته البشرية من آدم وحوّاء، بحسب الآباء الشرقيين، ليس حالة خطيئة وذنب، بل حالة موت. وحالة الموت هذه هي التي تعرّضهم للخطيئة فهي عمل الإرادة الحرّة. 
يقول تيودوروس القورشي:
"لمّا صار آم وحوّاء معرّضين للموت، حَبِلا بأولاد معرّضين للموت. والكائنات المعرّضة للموت هي حتماً خاضعة للأهواء والخوف، للملذّات والأحزان، للغضب والبغض".
يقول اللاهوتي الأرثوذكسي جان مايندورف:
"إنّ عقيدة الآباء في الخلاص لا ترتكز على فكرة ذنب يرثه الإنسان من آدم ويخلّصه منه المسيح، بل بالحريّ على مفهوم وجودي للبشرية الساقطة والمفتداة. فالإنسان، بولادته الطبيعية، يرث من "آدم القديم" نوع حياة ناقصة، مستعبدة للموت، خاطئة لا محالة، مستعبدة "لرئيس هذا العالم". إنّ هذه الحالة "الساقطة" تقابلها "الحياة في المسيح" التي هي الحياة الإنسانية الحقيقية و"الطبيعية"، وهي عطية الله يمنحها في سرّ الكنيسة. وفي هذا يقول نيقولاوس كاباسيلاس: المعمودية ليست سوى الولادة بحسب المسيح، والحصول على كياننا وطبيعتنا الحقيقيين (الحياة في يسوع المسيح 2: 3)".
إنّ طقوس المعمودية وتفسيرات الآباء الشرقيين تركّز على الناحية الإيجابيّة للمعمودية. يقول كاباسيلاس:
"إنّ يوم المعمودية الخلاصي يصير للمسيحيين "يوم الاسم"، لأنّهم إذّاك يُخلَقون ويُكوَّنون. في هذا اليوم حياتنا التي لا صورة لها ولا شكل تنتصب للوجود في شكلها الحقيقي" (الحياة في يسوع المسيح، 4).
وكل تسميات المعمودية في الكتاب المقدّس وعند الآباء تركّز على نواحيها الإيجابيّة. يقول أيضاً كاباسيلاس:
"ندعو المعمودية ولادةً وتجديداً وخلقاً جديداً، وأيضاً حميماً وثوباً، ومسحة، وعطية، واستنارة، وغسلاً. كل هذه الألفاظ تعني أمراً واحداً للذين يكونون ويعيشون بحسب الله: إنّ هذا الطقس هو بداية الوجود" (الحياة في يسوع المسيح، 4).
ونقرأ أيضاً في كتاب "المربّي" للقدّيس أكليمنضوس الإسكندري:
"عندما نعتمد نستنير، وعندما نستنير نصير أبناء، وعندما نصير أبناء نصير كاملين، وعندما نصير كاملين نأخذ عدم الموت: "قد قلت إنّكم آلهة وبنو العليّ كلّكم" (مز 6:81).
إلى هذا العماد تنسب أسماء مختلفة: العماد نعمة، استنارة، غُسْل، إكمال: "غُسْل" لأنّنا به نتنقّى من آثامنا؛ و"نعمة" لأنّ القصاص المترتّب على خطايانا قد أُبطل؛ و"استنارة" لأنّنا نتأمّل نور خلاصنا المقدّس ونَنفُذ بالبصيرة إلى الأمور الإلهيّة؛ و"إكمال" لأنّه لا ينقصنا معه شيء.
والإنسان فور اعتماده يدعى "مستنيراً": لقد تحرّر فعلاً من الظلمات ونَعِمَ بالنور. فحين ننفض عنّا الرقاد ندخل توًّا حالة اليقظة، وحين نمسح الضباب عن عيوننا نكتشف البصر؛ والنظر لا يأتي من الخارج، بل قد أزلنا ما كان يحجب العين، فحرّرنا حدقة العين. فالأمر عينه يحدث في العماد: لقد تحرّرنا من خطايانا التي كانت سحابة تحجب عنّا الروح الإلهي. فإذا بعين روحنا قد تحرّرت هي أيضاً. فانقشع ضبابها واستنارت. وهذه العين وحدها تجعلنا نتأمّل الأمور الإلهيّة. وهكذا يتغلغل فينا الروح القدس النازل من السماء. إنّه شذا الضياء السرمدي، وهو يمكِّننا من تأمّل النور الأبدي".


ثالثًا- المعمودية انضمام الى الكنيسة جسد المسيح

إنّ المعتمد، بولادته الجديدة واشتراكه في موت المسيح وقيامته، يصير عضوًا في الكنيسة شعبِ الله الجديد وجسدِ المسيح. إنّ تقليد كلّ الكنائس يعتبر المعمودية السرّ الذي به ينضمّ الإنسان الى الكنيسة.

1- المعمودية والختان
المعمودية هي بالنسبة إلى شعب الله الجديد ما كان الختان بالنسبة إلى شعب العهد القديم. فبالختان كان اليهودي ينضمّ إلى شعب الله ويدخل العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم (راجع تك 17: 1- 14). كان الختان "علامة العهد" القديم. لذلك كان علامة مؤقتة، عليه أن يزول ويفقد معناه "كعلامة عهد" بمجيء المسيح، لا سيّما أنّه كان محصورًا بشعب معيّن، في حين جاء المسيح ليجمع كلّ الأمم في شعب واحد وجسد واحد.
هذا ما يبيّنه بولس الرسول، بنوع خاص في رسالته إلى الغلاطيين، حيث يؤكّد أنّ المعمودية هي علامة العهد الجديد، وأنّ غير اليهود ليسوا بملتزمين بالخضوع للختان قبل اعتمادهم. فالناموس الذي يأمر بالختان لم يكن سوى مؤدّب يرشد إلى المسيح:
"فبعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب. لأنّكم جميعًا أبناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع. لأنّكم، أنتم جميع الذين اعتمدوا للمسيح، قد لبستم المسيح. فليس بعد يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى، لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع" (غلا 3: 25- 28؛ راجع أيضاً 5: 1- 6؛ في 3: 3).
ويذكر سفر أعمال الرسل حدثين هامّين لهما علاقة بهذا الموضوع: الأوّل ارتداد كرنيليوس قائد المئة الروماني واعتماده على يد بطرس الرسول (فصل 10)، والثاني مجمع أورشليم (15: 1- 33). فالحدث الأوّل فتح لغير اليهود باب الكنيسة، والحدث الثاني تمّ فيه تحرّر الكنيسة من الناموس اليهودي إذ أَقرّ عدم إلزام الآتين من الوثنية إلى المسيحية بالختان وسائر شرائع الناموس الموسوي، ولم يطلب منهم سوى "الامتناع عمّا ذُبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق والفحشاء" (15: 29).
في هذين الحدثين أُزيلت الحواجز التي كانت تفصل "شعب الله" عن سائر الشعوب، والمزيّات الخاصة بكل شعب صارت ثانوية بالنسبة إلى المسيح الواحد والروح الواحد اللذين يكوّنان الجسد الواحد:
"فإنّا جميعًا قد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحد، يهودًا كنّا أم يونانيين، عبيدًا أم أحرارًا، وسقينا جميعًا من روح واحد" (1 كور 12: 13).

2- المعمودية والكنائس المتعدّدة
المعمودية تدخل المسيحيَ الكنيسةَ جسد المسيح. والكنيسة "واحدة، جامعة، مقدّسة، رسولية"، كما نعترف في قانون الإيمان، ولكنّها في الواقع منقسمة إلى كنائس متعدّدة، كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستنتية على أنواعها، تعتبر كل منها ذاتها "الكنيسة الحقيقية"، حافظة "الإيمان القويم". فالمعمودية في الواقع هي انضمام إلى إحدى تلك الكنائس. فإذا انتقل مسيحي إلى كنيسة أخرى غير التي اعتمد فيها، فهل تعاد معموديته؟

أ) إعادة المعمودية في القرون الأولى
طُرح هذا الموضوع في القرون الأولى للمسيحية، أوّلاً في رومة، ثمّ في شمالي أفريقيا بين كبريانوس أسقف قرطاجة واسطفانوس أسقف رومة.
فالاضطهادات التي كانت تصيب المسيحيين جعلت الكثيرين منهم يجحدون إيمانهم خوفًا من التعذيب والموت، ويقدّمون ذبائح لآلهة الوثنيين أو يشترون شهادات تفيد بأنّهم قدّموا ذبائح؛ ولدى انقطاع الاضطهادات كانوا يطلبون قبولهم من جديد في حضن الكنيسة.
كان أساقفة رومة يقفون من هؤلاء المسيحيين موقفًا متسامحًا، فيفرضون عليهم التوبة ووقت امتحان ثمّ يقبلونهم لسرّ الإفخارستيا. هكذا فعل البابا كالستوس (217- 222) ومن بعده البابا كرنيليوس (251- 253). وقد قاوم هذا الموقفَ بعض المتشدِّدين من أمثال الكاهن هيبوليتوس الذي حمل حملة عنيفة على البابا كالستوس، والكاهن نوفاسيانوس الذي قاوم الباباكرنيليوس في الموضوع عينه. ومن تعاليم نوفاسيانوس نشأت بدعة "الأطهار" الذين كانوا يرفضون أن يُقبَل من جديد في الكنيسة مسيحي جحد إيمانه أو اقترف خطيئة ثقيلة، وينكرون صحة الأسرار التي يمنحها كاهن غير "طاهر".
أمّا موقف الكنيسة الكاثوليكية فكان التسامح اقتداء بالسيّد المسيح الذي أن روبل توبة الخطأة وطلب ألاّ يُقلعَ الزؤان من حقل القمح (متى 13: 24- 30).
وفي شمالي أفريقيا وقف كبريانوس أسقف قرطاجة الموقف عينه الذي وقفه أساقفة رومة، فقاومه دوناتوس وأنشأ كنيسة مستقلّة عُرفت في ما بعد ببدعة "الدوناتيين". ومن ممارسات هؤلاء المبتدعين إعادة معمودية الكاثوليكيين الذين كانوا ينتقلون إليهم، لاعتقادهم أنّ المعمودية غير صحيحة في كنيسة تتساهل مع الخطأة وجاحدي الإيمان. وفي مقابل ذلك راح كبريانوس والكاثوليكيون يعيدون هم أيضاً معمودية الدوناتيين الذين كانوا يأتون إليهم.
وفي هذا الموضوع الأخير حصل جدال عنيف بين كبريانوس والبابا اسطفانوس أسقف رومة الذي أكّد بشدّة صحّة معمودية الدوناتيين، وطلب من كبريانوس العدول عن إعادة معموديتهم. إلاّ أنّ كنيسة شمالي أفريقيا بقيت على موقفها، ولم يحسم الخلاف بين الموقفين إلاّ سنة 314 في مجمع "أرل" وبعد وفاة أهم المتخاصمين. وقد قرّر المجمع ما يلي:
"بالنسبة الى الأفريقيين الذين يتبعون شريعتهم الخاصّة بإعادة المعمودية، رأى المجمع أنّه إن قدم أحد من الهرطقة إلى الكنيسة، يُسأَل عن قانون الإيمان الذي تعمّد فيه، فإن بدا واضحًا أنّه تعمّد في الآب والابن والروح القدس، يُكتفى بأن توضع عليه الأيدي لينال الروح القدس. أمّا إذا لم يستطع الإجابة عن الثالوث، فتُعاد معموديّتُه".
احتدم النقاش من جديد بين الدوناتيين والقديس أغوسطينوس، الذي أظهر أنّ صحّة العماد غير مرتبطة بقداسة الكاهن الذي يمنح السرّ، بل بالسلطة التي منحيا المسيح لكنيسته. فالكاهن لا يعمّد باسمه الخاص، بل باسم الكنيسة، والكنيسة تعمّد باسم المسيح: "أبطرس عمّد أم بولس أم يهوذا، فالمسيح هو الذي يعمّد". والأمر الوحيد المطلوب من خادم السرّ هو احترام قوانين الكنيسة في منح السرّ.
وسنة 325 أقرّ المجمع المسكونيّ الأوّل في القانون 8 صحّة عماد النوفاتيين وكهنوتهم، وهم "الذين يسمّون أنفسهم أطهارًا، إذا عادوا الى الكنيسة الجامعة الرسولية"؛ ولكنّه في القانون 19 طلب إعادة معمودية "أتباع بولس السميساطي اللاجئين الى الكنيسة الجامعة". إنّ القدّيس أثناسيوس الاسكندري الذي كان له دور هام في المجمع، وكان بعد شماسًا إنجيليًا، يفسّر هذا القرار بقوله إنّ أتباع بولس السميساطي كانوا يمنحون المعمودية حسب الصيغة الكنسية الصحيحة، إلاّ أنّ إيمانهم بالثالوث الأقدس كان خاطئًا:
"فهم لا يعترفون بالآب الحقيقي، إذ ينكرون الذي وُلد منه وله جوهر مماثل؟ وينكرون أيضاً الابن الحقيقي؛ إذ يسمّون ابنًا آخر مؤكّدين أنّه مخلوق من العدم. فكيف إذن لا تكون المعمودية التي يمنحونها فارغة وباطلة؟ وكذلك القول عن أتباع آريوس. فإنّهم وإن حافظوا على قول الكتاب المقدّس ولفظوا أسماء (الآب والابن والروح القدس)، إلاّ أنّهم يخدعون من ينال منهم المعمودية... لأن من ينال المعمودية باسم من ليس بشيء لا ينال شيئًا، بل يتّحد بالخليقة ولا ينال منها أيّ عون".
وسنة 381 أقرّ المجمع المسكوني الثاني أن تعاد معمودية الآتين من بعض البدع كأتباع بولس السميساطي، و"أتباع افنوميوس الّذين يعمّدون بغطسة واحدة، والصابيليين الذين يعلّمون أنّ الآب هو نفسه الابن". أمّا سائر المبتدعين من "آريوسيين وتبّاع مكدونيوس... والذين يدعون أنفسهم أطهارًا والأَبوليناريين، فيُقبَلون بعد أن يعطوا صكًا برفضهم ضلالاتهم ولعنهم كلّ بدعة لا تتّفق مع تعليم كنيسة الله الجامعة المقدّسة الرسولية، ومن ثمّ يُختَمون ويُمسَحون بالزيت المقدّس".
وكذلك المجمع المنعقد في القسطنطينية سنة 691 والمدعوّ "مجمع القبّة" (أو ترولّو)، أعاد هذا التمييز بين البدع التي تُعتبَر المعمودية فيها صحيحة وتلك التي تعتبر المعمودية فيها باطلة. وأضاف أنّ "النساطرة وأتباع افتيخيوس وأتباع ديوسقوروس وساويروس... يجب على كل منهم أن يقدّم صكًا مكتوبًا يرفض فيه بدعته، وبذلك يصيرون أهلاً لتناول سرّ الشركة المقدّس".
من هذا نستخلص أنّ المعمودية باطلة في كنيسة لا تعتقد الاعتقاد الصحيح في الثالوث الأقدس، ويجب إعادة معمودية الذين ينتقلون منها إلى الكنيسة الكاثوليكية. أمّا الكنائس التي تعترف بالثالوث الأقدس، فمهما اختلفت في سائر المواضيع، تبقى المعمودية فيها صحيحة، ولا تعاد معمودية من ينتقل من إحدى هذه الكنائس إلى كنيسة أخرى.

ب- المعمودية أساس الحركة المسكونية
وهذا القانون هو الذي تسير عليه معظم الكنائس المسيحية اليوم إذ تعترف بالمعمودية التي تُمنَح في الكنائس الأخرى التي تعمّد "باسم الآب والابن والروح القدس" وتؤمن الإيمان الصحيح بالثالوث الأقدس.
لقد أوضحت الكنيسة الكاثوليكية معتقدها في هذا الموضوع في المجمع الفاتيكاني الثاني في المرسوم "في الحركة المسكونية" (1964). يقول المرسوم في الرقم 3:
"في كنيسة الله هذه الواحدة الوحيدة ظهر منذ البدء بعض انقسامات (1 كور 12: 18- 19؛ غلا 1: 6- 9؛ 1 يو 2: 18- 19) استنكرها الرسول بشدّة كأمر يستوجب الشجب (كو 1: 11 وما بعده؛ 11: 12)، وفي غضون القرون اللاحقة وقعت انشقاقات أشدّ خطورة، وانفصلت كنائس ذات بال عن شركة الكنيسة الكاثوليكية التامَّة بذنب أفراد أحيانًا من هذا الفريق أو ذاك. بيد أنّ الذين يولدون اليوم في حضن تلك الكنائس ويحيون من الإيمان بالمسيح لا يمكن أن يطالبوا بخطيئة انفصال، لذلك تشملهم الكنيسة الكاثوليكية بالاحترام الأخوي والمحبّة، إذ إنّ الذين يؤمنون بالمسيح وقبلوا المعمودية قبولاً صحيحًا هم على الشركة وإن غير كاملة، مع الكنيسة الكاثوليكية. ولا جرم أنّ ما بينهم وبين الكنيسة الكاثوليكية من اختلافات متنوعة في قضايا عقائدية، وأحيانًا نظاميّة، أو في شأن بنية الكنيسة، يكوّن عددًا من العقبات هي أحيانًا خطيرة جدًّا في طريق الشركة الكنسيّة الكاملة، بيد أنّ الحركة المسكونيّة ترمي الى تذليلها. ولكنّهم لما كانوا قد بُرّروا بالإيمان الذي نالوه في المعمودية، وصاروا به أعضاء لجسد المسيح، فإنهم بحقّ يحملون الاسم المسيحي، وبحقّ يرى فيم أبناء الكنيسة الكاثوليكية إخوة في الرب".
إنّ ما يجعل المسيحي مسيحيًّا إنّما هو رباطه بالمسيح وبالثالوث الأقدس، أي بالمسيح الذي هو الابن الذي أظهر لنا الآب ومنحنا الروح القدس، وذلك بواسطة اعتماده "باسم الآب والابن والروح القدس". فما يجمع المسيحيين إذن أهمّ بكثير ممّا يفرّقهم. إنّهم حقًّا، رغم انقساماتهم وخلافاتهم، أعضاء في جسد واحد وإخوة في كنيسة واحدة. يقول هانس كونج في تعليقه على هذا النصّ:
"إذا كانت هذه الكنائس تعمّد عمادًا صحيحًا باسم المسيح، إلى أيّ كنيسة ينضمّ هؤلاء المعتمدون إلاّ إلى كنيسته، الكنيسة الواحدة، والى أي جسد، إلاّ إلى جسده، جسد المسيح الواحد".
وكذلك نقرأ التعليق التالي للأب "بوتلر":
"عندما نلتقي إنسانًا معمّدًا غير كاثوليكي لا نلتقي فقط أخانا، ولا نلتقي فقط ابنًا للكنيسة، بل نلتقي، على نحوٍ ما، الكنيسة الحاضرة والناشطة التي تتجاوز الحدود المرئية للشركة الكاملة".
ويرى المجمع الفاتيكاني في المعمودية بعدين متكاملين: الولادة الجديدة للاشتراك في حياة الله، والرباط السرّي للوحدة القائمة بين المسيحيين:
"إنّ سر المعموديّة، إذا ما أُعطي بوجه صحيح وقُبل بالاستعدادات الباطنة اللازمة، يضمّ الإنسان حقًّا الى جسد المسيح المصلوب والممجّد، ويلده ميلادًا ثانيًا للاشتراك في الحياة الإلهيّة كما يقول الرسول: "لقد دُفنتم معه بالمعمودية وأُقمتم معه لأنّكم آمنتم بقدرة الله الذي أقامه من بين الأموات" (كو 2: 12؛ رو 6: 4). فالمعمودية هي الرباط السرّي للوحدة القائمة بين الذين وُلدوا بها ثانية. غير أنَّ المعمودية ليست من ذاتها إلاّ البداية ونقطة الانطلاق، لأنّها تهدف بكليّتها الى بلوغ ملء الحياة في المسيح. فغايتها الاعتراف الكامل بالإيمان، والولوج الكامل في تدبير الخلاص كما أراده المسيح، والانتظام الكامل أخيرًا في الشركة الافخارستيّة" (في الحركة المسكونية، 22).

رابعًا- "نعمة" المعمودية و"مفاعيلها" و"حريّة" الإنسان

إنَّ "نعمة" المعمودية "ومفاعيلها" التي توسّعنا فيها ليست "نعمة" و"مفاعيل" آلية تعمل في الإنسان دون مشاركة حرّيته. فالمبادرة دون شك تأتي من الله، فهو الذي يختار الإنسان ويصيّره ابنًا له، ولكنّ هذا الاختيار وهذا التبنّي لا يصيران ما هما عليه إلاّ بقبول الإنسان ودخوله دخولاً حرًّا في حياة الله. يقول القدّيس كيرلس الأورشليمي: "إنّنا لا نصل بضرورة حتميّة إلى البنوّة المقدسة، بل بإرادتنا الحرّة". لذلك لا معمودية دون إيمان وحرّية. هذا ما سنبيّنه في فقرة أولى. ومن ثمّ نتساءل في فقرة ثانية: إذا كان الإيمان ضروريًا للمعمودية، فلماذا نعمّد الأطفال؟ ونستخلص أخيرًا النتائج العملية لحياة الإنسان وحياة الكنيسة من ديناميكية المعمودية، أي من كون الإيمان والحرية أمرين ينطويان من طبيعتهما على قوّة نموّ تحرّك الإنسان والكنيسة ليتوقا الى ملء اكتمالهما في المسيح.

1- المعمودية والإيمان
"من آمن واعتمد يخلص" (مر 16: 16)، "عمّدوهم... وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (متى 28: 19- 20).
المعمودية هي سرّ الإيمان، أي العلامة الحسّية التي بها يعبّر الإنسان عن إيمانه بالمسيح وبتعاليمه. والإيمان هو الخروج من الذات لقبول الله الذي ظهر لنا في يسوع المسيح. إنّه جواب محبة مجانيّة حرّة على المبادرة التي بادرنا بها الله بمحبته المجّانية الحرّة.
الإنسان مدعو إلى تحقيق ذاته على صورة الله. وتلك الصورة ظهرت لنا في شخص يسوع المسيح. فعندما يعتمد إنسان في المسيح يلتزم أن يحيا حسب كيان المسيح وتعاليمه. وانطلاقًا من هذا الالتزام تتّخذ المعمودية كلّ معانيها وأبعادها: إنّها ولادة جديدة، وموت عن الإنسان القديم وقيامة إلى الإنسان الجديد المخلوق على صورة الله التي ظهرت لنا في المسيح.
بالولادة الطبيعية ينال الإنسان كل ما فيه من كيان ووجود وطبيعة. وكل ما يناله بالولادة الطبيعية، يناله من جديد بالمعمودية. وهذه المرّة يناله كمؤمن: أي إنّه ينظر إليه نظرة جديدة من خلال شخص يسوع المسيح الذي أظهر له محبة الله.
ليس سواء لدى امرأة أن تحصل على أي قطعة من ذهب أو على قطعة من ذهب بشكل "مَحْبَس" يضعه في إصبعها في حفلة زواج شخص تحبّه وترتبط به مدى الحياة. الذهب هو ذاته في القطعتين. ولكن عندما يكون في شكل مَحْبَس يتّخذ معنى جديدًا وبعدًا جديدًا: إنّه رباط حب وأمانة بين شخصين.
حياتنا هي كقطعة من ذهب نحصل عليها مرّة أولى بالولادة، ونحصل عليها مرّة ثانية بالمعمودية حيث نولد من جديد فتتّخذ حياتنا معنى جديدًا هو معنى ارتباطنا بأب يحبّنا وبابن يخلّصنا وبروح قدس يحيينا.
لقد جاء يسوع المسيح وأظهر لنا في حياته وتعايى وموته وقيامته وجه الآب المحب الرحيم، وبعد قيامته أرسل إلينا روحه القدّوس: روح المحبة والفرح والعطاء والسلام.
فبالمعمودية نلبس المسيح معلنين إيماننا بالآب والابن والروح القدس، وهذا الإيمان هو الذي يجعل نعمة المعمودية ومفاعيلها تعمل فينا. يقول القدّيس غريغوريوس النيصي في موضوع علاقة المعمودية بالإيمان.
"اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. إنّ الذين وُلدوا من جديد وانتقلوا من الموت إلى الحياة الأبدية يحصلون على هذه القدرة المحيية بفضل موهبة الثالوث الأقدس، وقد صاروا قادرين على هذه النعمة بالإيمان. نحن الذين افتدوا من الموت، تُمنح لنا نعمة الخلود في المعمودية المقدّسة، بواسطة الإيمان بالآب والابن والروح القدس. لهذا السبب يجب ألاّ نؤمن بما هو أدنى وبما هو مخلوق وبما هو غير جدير بالثالوث الأقدس... ليس لنا إلاّ حياة واحدة نستطيع أن نحصل عليها بالإيمان بالثالوث الأقدس".
ويوحنا الذهبي الفم يظهر قدرة الإيمان في تفسيره لرسالة بولس إلى الكولسيين:
"لقد دفنتم معه في المعمودية، وأقمتم أيضاً معه، لأنّكم آمنتم بقدرة الله الذي أقامه من بين الأموات" (كو 2: 12). ما أروع هذا القول: كل شيء هو من الإيمان: آمنتم أنّ الله يقدر أن يقيمه، وهكذا أُقمتم معه... لقد غفر لكم خطاياكم كلّها، وكيف ذلك؟ بالإيمان. فالإيمان إذن يكفي".
ويؤكّد يوحنا الذهبي الفم ضرورة الإيمان كعنصر أساسي في الأسرار:
"في الأسرار يعود لله أن يمنح النعمة، ويعود للإنسان أن يقدّم إيمانه".
وغريغوريوس النيصي يظهر أنّ الماء في المعمودية لا مفعول لها إن لم يرافقها الإيمان بالروح القدس الذي يقدّس النفس. فالنفس التي ترفض ألوهية الروح القدس، عوض أن تولَد الى الحياة في مياه المعمودية، تختنق فيها "على غرار الأطفال الذين يختنقون في أوجاع المخاض. فالموت يضربهم في لحظة ولادتهم".
والإيمان يكون حقيقيًا إن رافقته توبة صادقة، وإلاّ فلا مفعول للمعمودية:
"إنّ موهبة الروح القدس لا تُمنَح للنفس التي تبقى متمسّكة بأدناس الأهواء والشهوات".
سيميّز اللاهوت اللاحق بين صحّة المعمودية وثمارها في النفس. فالإيمان القويّ الناضج غير ضرورة لصحّة المعمودية. بل تكفي النيّة الصادقة المستقيمة، والحريّة، والوعي للعمل الذي يقدم عليه المعتمد. إلاّ أنّ هذه المعمودية "الصحيحة" لن تكون "مثمرة" إلاّ بقدر إيمان المعتمد واستعداداته للتخلّق بأخلاق المسيح والانفتاح لعمل الروح القدس فيه.

2- معمودية الأطفال
كل ما نقرأه في الكتاب المقدّس ولدى آباء الكنيسة عن ضرورة الإيمان للمعمودية ينطبق بشكل مباشر على البالغين الذين لا يجوز لهم الإقدام على هذا العمل المقدّس إلاّ بكامل حرّيتهم وكامل وعيهم للالتزامات الناتجة منه.
فنلاحظ من جهة تشديدًا على الإيمان والحرّية والوعي، ومن جهة أخرى لا نرى لدى آباء الكنيسة أي تردّد في تعميد الأطفال.

أ) التقليد الكنسي
إنّ تعميد الأطفال هو تقليد درجت عليه الكنيسة منذ أيام الرسل. فبولس الرسول يقول إنّه عمّد اسطفانا وكل" أهل بيته" (1 كو 1: 16). وكذلك يروي سفر أعمال الرسل عن ليدية بيّاعة الأرجوان أنّها "اعتمدت هي وأهل بيتها" (أع 16: 15)، وعن سجّان مدينة فيليبّي أنّه بعد أن بشرّه بولس وسيلا "بكدمة الرب هو وجميع من في بيته، أخذهما في تلك الساعة من الليل، وغسل جراحهـا، واعتمد من فوره هو وذووه أجمعون" (أع 16: 32- 33)..
ولدينا شهادات قديمة تؤكّد هذا التقليد. فالقدّيس بوليكربوس، لدى استشهاده سنة 155 أو 156 قال إنّه يخدم المسيح منذ أرج وثمانين سنة، وهذا يعني أنّه تعمّد طفلاً. والقدّيس يوستينوس يتكلّم عن الذين، حسب وصية السيّد المسيح في متى 28: 19، صاروا مسيحيين "منذ طفولتهم". والقدّيس إيريناوس، في كتابه "ضدّ الهراطقة" يؤكّد "أنّ يسوع جاء ليخلّص بنفسه كلّ الناس: كلّ الذين به ولدوا من حديد: أطفالاً وأولادًا صغارًا وشبّانًا وأناسًا بالغين".
وفي القرن الثالث تكثر الشهادات في الإسكندرية وقرطاجة ورومة. فأوريجانيس يؤكّد أنّ تعميد الأطفال هو تقليد يعود إلى الرسل. وكبريانوس ينتقد الذين ينتظرون اليوم الثامن لتعميد أطفالهم اقتداء بختانة اليهود.
و"التقليد الرسولي" الذي يعود إلى حوالى سنة 215، وقد كتبه الكاهن هيوليتوس في رومة، يقول في منح العماد:
"عند صياح الديك يقترب طالبو العماد من المياه التي يجب أن تكون مياهًا جارية ونقية، ثمّ يخلعون ملابسهم. ويعمّد الأطفال أوّلاً. وإذا استطاع هؤلاء أن يجيبوا عن أنفسهم، فليجيبوا، وإلاّ فليجب عنهم ذووهم أو أحد من أفراد أسرتهم".
في القرن الرابع ينطلق أوغسطينوس من تعميد الأطفال الذي كان تقليدًا لا جدال فيه في الكنيسة ليؤكّد شمولية الخطيئة الأصلية.
في الشرق لم يسند الآباء عماد الأطفال إلى "وراثة الخطيئة الأصلية" كما فعل أوغسطينوس، بل إلى ضرورة تجديد الإنسان منذ طفولته، ليبدأ حياة جديدة في المسيح. في هذا يقول تيودوروس القورشي:
"إن كانت مفاعيل المعمودية تقتصر فقط على مغفرة الخطايا، فلماذا نعمّد الأطفال الذين لم يعرفوا بعد الخطيئة؟ لكنّ هذا السرّ هو موعد مواهب أعظم وأكمل: إنّه يمنح باكورة الخيرات المستقبلة، إنّه مثال القيامة الآتية، واشتراك في آلام المسيح وقيامته. إنّه رداء خلاص وفرح، وثوب نور، بل هو النور عينه".
وكذلك نقرأ في عظة ليوحنا الذهبي الفم يعدّد فيها مفاعيل المعمودية:
"الّذين كانوا بالأمس أسرى هم اليوم أحرار ومواطنو الكنيسة؛ الّذين كانوا قبلاً في عار الخطايا هم الآن في الجرأة والبرّ، لأنّهم ليسوا أحرارًا وحسب، بل قدّيسون أيضاً؛ ليسوا قدّيسين وحسب، بل أبرار أيضاً؛ ليسوا أبرارًا وحسب، بل أبناء أيضاً؛ لبسوا أبناء وحسب، بل ورثة أيضاً؟ ليسوا ورثة وحسب، بل إخوة المسيح أيضاً؛ ليسوا إخوة المسيح وحسب، بل وارثون معه أيضاً؛ لبسوا وارثين معه وحسب، بل أعضاؤه أيضاً؛ ليسوا أعضاءه وحسب، بل هياكل أيضاً، ليسوا هياكل وحسب، بل أدوات الروح أيضاً. أرأيت كم يبلغ عدد مواهب المعمودية؟ ففي حين يعتقد الكثيرون أنّ المعمودية لا تهب إلاّ مغفرة الخطايا، عدّدنا نحن لها عشرة أمجاد. لهذا السبب نعمّد حتى الأطفال الصغار، وإن كانوا بلا خطايا، وذلك لتُمنح لهم القداسة، والبرّ، والبنوّة، والميراث، والأخوّة، ويصيروا أعضاء للمسيح، ومسكنًا للروح القدس".

ب- التفسير اللاهوتي
إنّ تمسّك الكنيسة بتقليد عماد الأطفال يستند إلى الأسباب التالية:
1) الكتاب المقدّس يؤكّد على الدوام أوّلية مبادرة الله بالنسبة إلى الإيمان الذي هو جواب الإنسان على تلك المبادرة. ومبادرة الله قد ظهرت لنا في العهد الجديد مبادرة نعمة وخلاص في شخص يسوع المسيح. لذلك عندما يولد الطفل المخلوق على صورة الله ومثاله، يُدخَل منذ ولادته في العهد الجديد، عهد النعمة والخلاص، وكما يُمنَح نعمة الحياة والوجود بمبادرة من الله ومن أهله، كذلك يُمنَح أيضاً بمبادرة من الله ومن الكنيسة نعمة الحياة الجديدة في المسيح. في هذا يقول كاباسيلاس:
"كما هي الحال في الولادة الطبيعية؟ ليس لنا أن نسهم بأي رغبة للحصول على الخيرات الآتية من المعمودية" (الحياة في يسوع المسيح، 5).
2) لا شكّ أنّ الكتاب المقدّس يؤكّد ضرورة الإيمان للتقدّم الى المعمودية، ولكنّه من جهة أخرى يؤكّد الرباط العميق بين الأجيال:
"لذلك، يقول بول إفدوكيموف، لا يمكن اعتبار الأطفال منفصلين عن المجموعة الروحية من والدين وأجداد حتى البعيدين منهم (إن كان الوالدان غير مؤمنين). وفي أي حال فالعرّاب والعرّابة وأسرة الكنيسة الروحية يعترفون بالإيمان الذي يقتضيه السر".
3) إنّ عماد الأطفال يؤكّد للبالغين أنّهم، مهما حاولوا التعمّق في فهم علاقة الله بالإنسان، فسيظلّون أطفالاً إزاء هذا السرّ الذي لا تُدرَك أبعاده. كما يذكّرهم أنّ الموضوع، في المعمودية كما في سائر الأسرار التي تمنحها الكنيسة باسم المسيح، ليس موضوع فهم عقلي، بل هو موضوع انفتاح الإنسان، أطفلاً كان أم إنسانًا بالغًا، ليقبّل محبّة الله التي تجلّت لنا في يسوع المسيح، ولا تزال تتجلّى لا في الكون الذي افتداه المسيح. ولهذا السبب عينه، في التقليد الشرقي، يُمنَح سرّ الإفخارستيا أيضاً للأطفال حالاً بعد معموديتهم.
4) إنّ المعمودية ليست سوى بداية طريق تقود المعتمد إلى ملء قامة المسيح. وهذه الطريق يسلكها الطفل مع أهله ومع الجماعة الكنسية "حافظة الإيمان". فالإيمان ليس عمل فرد، بل هو عمل شخص عائش في جماعة كنسية يشاركها حياتها ونموّها. لذلك لا يبرَّر عماد الأطفال إلاّ ضمن جماعة مسيحية يعيشون فيها. فيجب من ثمّ، قبل الإقدام على عماد الأطفال، أن توفَّر لهم جماعة مسيحية يعيشون فيها نموّ إيمانهم.

جـ- الأطفال الذين يموتون دون معمودية
إنّ الأطفال الذين يولدون من والدين مسيحيين هم "قدّيسون" بقداسة والديهم، حسب قول بولس الرسول:
"إنّ الرجل غير المؤمن يقدّس بالمرأة المؤمنة، والمرأة غير المؤمنة تقدّس بالأخ المؤمن. وإلاّ فيكون أولادكم نجسين، والحال أنّهم قدّيسون" (1 كو 7: 14- 15).
يؤكّد هذا النصّ أنّ الأطفال الذين يولدون في أسرة يكون فيها أحد الوالدين مسيحيًّا، هم شرعًا أعضاء في شعب الله، وذلك دون ذكر المعمودية. وهذا التفسير الذي يقبله كثيرون من المفسّرين المعاصرين، نجده لدى العديد من آباء الكنيسة في الشرق والغرب.
لذلك يمكننا القول دون تردّد إنّه، إن مات أحد هؤلاء الأطفال دون معمودية، فإنّ خلاص المسيح يشمله. ونضيف على الفور أنّه لا يجوز الاستناد إلى هذا التحليل للقول إنّ المعمودية غير ضرورية. فإنّ معمودية الأطفال، حسب ما رأينا بنوع خاص لدى الآباء الشرقيين، لا تهدف إلى نقلهم من حال الخطيئة إلى حال النعمة، بل من حياة طبيعية معرّضة للموت والخطيئة إلى حياة جديدة في المسيح.
وكذلك القول عن الأطفال الذين يولدون من والدين غير مسيحيين ويموتون دون معمودية. فهؤلاء أيضاً يشملهم خلاص المسيح، لأنّ المسيح مات لأجل الجميع، ولا يُحرَم من خلاصه إلاّ من يرفضه بملء حريته. يقول اللاهوتي المعاصر هامّان:
"إنّ التدبير المسيحي- بفضل التضامن الذي يربط المسيح بالبشرية في كلّ واقعها، ويربط البشرية التاريخية برمّتها بالمسيح- يُشرك كل إنسان بنعمة الخلاص. والإقصاء لا يمكن أن ينتج إلاّ من عمل حرّ ومتعمّد يقوم به الإنسان".

3- ضرورة المعمودية وخلاص غير المعمّدين
ومع ذلك لا نزال نؤكّد أنّ المعمودية ضرورية للخلاص. وفي هذا الشأن يميّز التقليد اللاهوتي "ضرورة الوصية" و"ضرورة الواسطة". فالمعمودية ضرورية بضرورة وصية المسيح الذي أوصى رسله بأن "يعمّدوا جميع الأمم". فالمعمودية ضرورية على مستوانا الإنساني في كرازة الكنيسة وممارساتها وقوانينها وأنظمتها. ولكنّه لا يجوز لنا أن نقيّد حريّة الله في إطار هذا النظام الإنساني. يقول اللاهوتي البروتستنتي شلينك:
"إنّ فكرة ضرورة المعمودية للخلاص تصير خاطئة إذا انطلقنا منها لنستبق الحكم الأخير الذي سيصدره الله على غير المعمّدين".
ويضيف فون ألمن اللاهوتي البروتستنتي الذي يورد هذا القول: 
"وهذا هو رأي التقليد المسيحي كلّه. لا ريب في أنّ الخلاص يقتضي أن يكون الإنسان عضوًا في شعب الله الإسختولوجي، ويمرّ بالختان الجديد، ويصير عضوًا في جماعة مسيحية معيّنة، ويشترك في الكهنوت الملوكي، ويعبرُ هذا الحدث الوحيد والنهائي الذي لا يتكرر، أعني الاشتراك في موت المسيح وقيامته".
ثمّ يضيف:
"ولكن يجب الحفاظ على حرية نعمة الله التي تقدر أن تخلّص أيضاً من لم يمرّ بالمعمودية. نقول: حرية الله، وليس حرية الكنيسة. فالكنيسة يجب أن تلتزم وصية المسيح القائم من بين الأموات. الكنيسة ليست شركة إضافية يمكن الذين يؤمنون بالمسيح الدخول فيها أو لا. إنّها شعب الله، وهيكل الروح القدس، وتجمّع المختارين، وأمّة مقدّسة. ولا يمكنها أن تعالج وتحلّ موضوع ضرورة المعمودية إلاّ انطلاقا من هذا الوعي لذاتها".
وهذا هو أخيرًا رأي المجمع الفاتيكاني الثاني الذي نستطيع أن نستخلصه من التصريح التالي:
"يعلّم المجمع المقدّس، استنادًا إلى الكتاب المقدّس والتقليد، أنّ هذه الكنيسة، التي هي في حال سفر على الأرض، ضرورية للخلاص، لأنّ المسيح هو وحده وسيط الخلاص وصراطه، هو الذي يصير حاضرًا لأجلنا في جسده الذي هو الكنيسة. وهو نفسه، إذ يعلّم بصريح العبارة ضرورة الإيمان والمعمودية (مر 16: 16؛ يو 3: 5)، يؤكّد في الوقت عينه، ضرورة الكنيسة التي يلج فيها الناس بالمعمودية كما من باب. ومن ثمَّ فالناس الذين لا يستطيعون أن يخلصوا هم الذين لا يجهلون أنّ الله قد أنشأ بيسوع المسيح الكنيسة الكاثوليكية أداة ضرورية، ومع ذلك يرفضون الدخول إليها أو الثبات فيها" (دستور عقائدي في الكنيسة، 14).
إنّ المسيح قد افتدى جميع الناس. ولا يمكن من الوجهة اللاهوتية أن نتصوّر إقصاء عن هذا الفداء إلاّ لمن عرف المسيح ورفضه. وهذه المعرفة يجب أن تكون معرفة واضحة وكاملة. فلا يكفي القول إنّ الإنجيل قد بُشّر به في العالم كلّه. فهناك بلدان لا تزال الأكثرية فيها تدين بالإسلام والبوذية والهندوسية. وكم من المسيحيين، أفرادًا وجماعات، يؤدّون شهادة معاكسة لبشارة الإنجيل، بتصرّفاتهم وانقساماتهم.
وفي فقرة لاحقة، يتابع المجمع الفاتيكاني الثاني تعليمه بشأن غير المسيحيين، فيقول: 
"أمّا الذين لم يقبلوا الإنجيل بعدُ فهم أيضاً مدعوون بطرق مختلفة إلى شعب الله. وأوّلهم ذلك الشعب الذي أوتي العهود والمواعيد، والذي منه خرج المسيح بحسب الجسد (رو 9: 4- 5)؛ ذلك الشعب الذي هو، من حيث الاختيار، محبوب من أجل الآباء، لأنّ الله لا يندم على ما وهب أو دعا اليه (رو 11: 28- 29). بيد أنّ تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأوّلهم المسلمون الذين يعلنون أنّهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمان الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر. ثم إنّ الله نفسه ليس ببعيد عن الذين يتلمّسون، من خلال الظلال والصور، إلهًا مجهولاً، بما أنّه هو الذي يعطي الجميع الحياة والنفَس وكلَّ شيء (أع 17: 25- 28)، ولأنّه المخلّص فيريد أنّ جميع الناس يخلصون (1 تي 2: 4). لأنّ الذين، على غير ذنب منهم، يجهلون إنجيل المسيح وكنيسته، ويطلبون مه ذلك الله بقلب صادق، ويجتهدون، بنعمته، أن يتمموا في أعمالهم إرادته كما يُمليها عليهم ضميرهم، فهؤلاء يمكنهم أن ينالوا الخلاص الأبدي. وكذلك الذين، على غير ذنب منهم، لم يبلغوا بعدُ معرفة الله معرفة صريحة، وإنّما يجتهدون، لا بمعزل عن مؤازرة النعمة، أن يسلكوا مسلكًا مستقيمًا، فإنّ العناية الإلهية لا تحبس عنهم المساعدات الضرورية لخلاصهم. لأنّ كل ما فيهم من صلاح وحق هو في نظر الكنيسة تمهيد للإنجيل، وموهبة من ذاك الذي ينير كلّ إنسان لكي تكون له الحياة أخيرًا" (دستور في الكنيسة 16).

4- ديناميكيّة المعمودية
أ) المعمودية مبدأ التحرّر والخلاص
المعمودية ضرورية للخلاص، ولكنّها لا تكفي للخلاص. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني، بعد تأكيده ضرورة المعمودية:
"بيد أنّه لا يخلص، على كونه منتميًا إلى الكنيسة، ذاك الذي لا يثبت في المحبة، فيقيم في حضن الكنيسة "بالجسم" لا "بالقلب". وليتذكّر جميع أبناء الكنيسة أنّهم بنعمة خاصة من المسيح لا باستحقاقاتهم الذاتية هم ما هم عليه من فائق الوضع؛ وأنّهم إن لم يتجاوبوا معها بالفكر والقول والأعمال فلن يخلصوا، بل ستكون دينونتهم أشد" (دستور في الكنيسة 14).
المعمودية ليست نهاية الطريق، بل بداية الطريق إلى الخلاص. فهي تزرع في قلب الإنسان مبدأ حياة جديدة. وهذا المبدأ هو أشبه "بحبة خردل" (متى 13: 31- 32)، ببزرة تملك في ذاتها قوّة نموّ وصورة النبتة الكاملة، شرط أن تُهيَّأ لها "الأرض الجيّدة" (راجع مثل الزارع: لو 8: 5- 15). وفي تهيئة الأرض الجيّدة، أي في "سماع الكلمة بقلب نبيل صالح وحفظها بصبر وثبات" (لو 8: 15)، يقوم دور الإنسان.
ومن ثمّ فالحياة المسيحية هي عمل مشترك بين نعمة الله وحريّة الإنسان. يقول جان مايندورف:
"المعمودية، لكونها بدء الحياة الجديدة وضمانها، تتضمّن التقرير الذاتي والنموّ. فهي لا تزيل الحرية الإنسانيّة، بل تعيدها إلى صورتها الأصلية الطبيعية".
فالإنسان، من أصله ومن طبيعته، كائن منفتح على الله، لأنّه خُلق على صورة الله ومثاله. وهذا ما يصفه سفر التكوين في رواية آدم وحوّاء. والخطيئة تقوم على قطع كل رباط مع الله. فبالمعمودية يعود الإنسان، بملء حريّته، الى هذا الانفتاح على الله، ويجعل من الله "محور حياته".
وصيغة المعمودية في التقليد البيزنطي تحتوي على تلك الدعوة إلى الحرّية. فلا تقال عبارة العماد باسم خادم السرّ كما في الغرب، "أنا أعمّدك"، بل هي تصريح علاني باسم المعتمد: "يُعمَّد عبد الله (فلان) باسم الآب والابن والروح القدس". و"هذا يعني حريّة المعتمد"، حسب قول سمعان التسالونيكي.
"إنّ الطريق إلى الله بعد المعمودية هي عمل مشترك بين قدرة الله وجهد الإنسان الحر".
وتُظهر طقوس المعمودية أيضاً تلك الدعوة إلى حرية المعتمد عندما تطلب منه أن "يرفض الشيطان وأعماله وعباداته وأباطيله كلّها"، وأن "يوافق المسيح"، ويعلن موافقته هذه الحرّة بتلاوة "قانون الإيمان".
إنّ تاريخ الخلاص برمّته يبدو كتاريخ تحرير من قوى الشرّ. فالشيطان هو تجسيد لكلّ ما يناقض عمل الله. بالمعمودية يقف المعتمد إلى جانب المسيح في هذا الصراع ضدّ الشر. إنّ المسيح قد غلب الشرّ بموته وقيامته، وكل من يعتمد، باشتراكه في موت المسيح وقيامته، يشترك في انتصاره على الشر. ولكنّ هذا الانتصار من جهة المسيحي مهدّد على الدوام. لذلك يتوجّب عليه السهر والصلاة والعمل بإيمان:
"إسهروا وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة: إنّ الروح نشيط، أمّا الجسد فضعيف" (متى 26: 41). "أصحوا، واسهروا! فإنّ إبليس خصمكم، كأسد زائر، يجول حولكم، ملتمسًا من يبتلعه. فقاوموه، راسخين في الإيمان" (1 بط 5: 8- 9).

ب) المعمودية مبدأ وحدة الكنيسة ووحدة العالم
إنّ ديناميكية المعمودية تعمل على الصعيد الشخصي وعلى الصعيد الجماعي. فهي تشدّ المسيحي الذي لبس المسيح إلى أن يصير على مثاله. وتدع بالكنائس المختلفة المتفرّقة إلى وعي تفرّقها وانقسامها والسعي الدائب نحو الوحدة، حسب وصية بولس الرسول:
"اسلكوا مسلكًا يليق بالدعوة التي نُدبتم إليها... اجتهدوا في حفظ وحدة الروح برباط السلام. فإنّ الجسد واحد، والروح واحد، كما أنّكم، بدعوتكم، قد دُعيتم إلى الرجاء الواحد. وإنّ الربّ واحد، والإيمان واحد، والمعمودية واحدة، والإله واحد، والآب واحد للجميع، وهو فوق الجميع وخلال الجميع وفي الجميع" (أف 4: 1- 6).
إنّ هذه الوحدة ليست سوى وحدة مبدئية. أي إنّ الكنيسة واحدة في مبدإها ورأسها، ولكن عليها أن تصير واحدة في واقعها. وهذا يتطلّب جهدًا مستمرًا لإزالة الخصومات والبغض والحسد والأنانية وكل ما يعوق تحقيق تلك الوحدة.
إنّ اعتراف المسيحيين بصحّة معمودية إخوتهم من الكنائس الأخرى، وإبقاءهم رغم ذلك على انقسام الكنائس، هما إقرار ضمني بانّ المعمودية لا تفعل فيهم ما يجب أن تفعله. فالمعمودية تجعلهم أعضاء في جسد واحد، غير أنّهم منقسمون بعضهم على بعض. الأعضاء في الجسد الواحد "يهتمّ بعضها ببعض اهتمامًا واحدًا" (1 كو 12: 25). أمّا هم فيسعون لمنفعتهم الخاصة.
هناك ثلاثة أنواع من الوحدة: وحدة تُفرَض بالقوة والضغط والإكراه، وهذا النوع من الوحدة تجده في الدول الدكتاتورية، ووحدة هي نتيجة اتفاق الإرادات للقيام بعمل مشترك، كالوحدة التي تسود الفرق الموسيقية التي تعزف كل آلة فيها اللحن الذي يعود إليها حسب الأنظمة الموسيقية وحسب التوزيع الذي أقرَّه مؤلّف المعزوفة؛ ووحدة هي نتيجة تناغم عفوي وانسجام بديهي لا يخضع لأي نظام سوى نظام الحب المتبادل بين الأشخاص. تلك هي وحدة الأقانيم في الثالوث الأقدس.
والى تلك الوحدة يسعى المسيحيون الذين اعتمدوا باسم الآب والابن والروح القدس: تمييز في الأقانيم، ووحدة في الجوهر؛ تنوّع في الكنائس، واتحاد في المحبة.
إنّ المعمودية هي مبدأ وحدة الكنيسة، وهي في الوقت عينه مبدأ وحدة العالم، كما جاء في صلاة السيّد المسيح لأجل الوحدة:
"لست لأجلهم فقط أصلّي، بل لأجل الذين يؤمنون بي عن كلامهم أيضاً، لكي يكونوا بأجمعهم واحدًا. فكما أنّك أنت، أيها الآب، فيّ وأنا فيك، فليكونوا، هم أيضاً، فينا، حتى يؤمن العالم أنّك أنت أرسلتني" (يو 17: 20- 21).

خامسًا- معمودية الدم ومعمودية الشوق
المعمودية بالماء هي التعبير الاعتيادي عن الإيمان بالمسيح "وبالسلطان الذي أعطي له". ولكنّها ليست التعبير الوحيد. فقد تكلّم الآباء منذ القرون الأولى عن نوعين آخرين من المعمودية، هما معمودية الدم ومعمودية الشوق.

1- معمودية الدم
لقد دعا السيّد المسيح موته "معمودية" بقوله: "إنّ لي معمودية أعتمد بها، وما أشدّ تضايقي حتى تتمّ" (لو 12: 50). لذلك كل من يؤمن بالمسيح ويموت شهيد إيمانه هذا، وإن لم يكن قد اعتمد قبلاً بمعمودية الماء، يُعدّ استشهاده "معمودية دم". وهذه المعمودية يعتبرها الآباء أعظم من معمودية الماء، لأنّها إعلان الإيمان بالمسيح، ليس فقط بالكلام والقصد، بل بالعمل، ولأنّها اتحاد بموت المسيح وقيامته ليس فقط بالرمز والصورة بل بتقدمة الحياة وعطاء الذات الكامل.
ثم إنّ الشهيد لا يتألّم ويموت فقط في سبيل المسيح، بل كعضو في جسد المسيح. فهو بآلامه وموته يكمّل حضور آلام المسيح وذبيحته الفدائية. ويحقق في ذاته سرّ الخلاص الذي تعبّر عنه المعمودية بالماء.

2- معمودية الشوق
تدعى "معمودية الشوق" حالةُ التوبة والمحبة التي يموت فيها إنسان كان يؤمن بالمسيح ويرغب في تقبّل المعمودية، ومات قبل أن يتاح له تحقيق رغبته.
لقد أجمع الآباء على اعتبار هذه الحالة كافية للخلاص، لأنّها تتضمّن الإيمان بالمسيح والرغبة في الاتحاد به والاشتراك في موته وقيامته.
فالقدّيس يوحنا الذهبي الفم يعتبر المحبة أعظم من الاستشهاد. وقوانين هيبوليتوس تطلب عدم تعميد عبد إذا لم يوافق سيّده على ذلك.
والقدّيس أمبروسيوس، في تأبين الإمبراطور فالنتنيانوس، يشير إلى رغبته في تقبّل المعمودية ويعدّه بين المختارين. ويرى بعض الآباء مثالاً على معمودية الشوق في توبة اللص الذي قال ليسوع وهو على الصليب: "يا يسوع، اذكرني منى جئت في ملكوتك"، فأجابه السيّد المسيح: "الحق أقول لك: إنّك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 42- 43).
الفصل الثالِث
رتبَةُ المعْمُوديّة وَطقوُسهَا

إنّ ما تؤمن به الكنيسة من معانٍ وأبعاد في المعمودية تعبّر عنه في رتبة المعمودية ومختلف طقوسها، وهي تشمل خمسة أقسام: إعلان الإيمان، تقديس الماء، المسح بالزيت، العماد، لبس الثوب الجديد.

أوّلاً: إعلان الإيمان
المعمودية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإيمان. فهي التعبير الحسّي عنه وهو في الوقت عينه نعمة من الله والتزام من قبل الإنسان. وهذا ما تعبّر عنه أفضل تعبير رتبة المعمودية نفسها.

1- الصلاة لأجل الإيمان
يوجّه الكاهن المزمع أن يعتمد إلى الشرق، رمز النور الذي هو المسيح، ويختم جبهته وصدره على شكل صليب، بعد أن ينفخ في وجهه ثلاثاً، رامزاً إلى الخلق الجديد. ففي الخلق الأوّل، حسب سفر التكوين، نفخ الله في الإنسان فصار كائناً حيًّا (تك 2: 7). وهنا تمنح الحياة الجديدة للمزمع أن يعتمد على اسم الآب والابن والروح القدس.
ثمّ يضع الكاهن يده على رأس المزمع أن يعتمد ويتلو الصلاة التالية:
"باسمك يا رب إله الحق، وباسم ابنك الوحيد وروحك القدّوس، أضع يدي على عبدك فلان (أو على أمتك فلانة) الذي قد أُهّل لأن يلتجئ إلى اسمك القدّوس ويُحفظ تحت ستر جناحك. فانزع عنه الضلالة القديمة، واملأه من الإيمان بك، ومن الرجاء والمحبة، لكي يعلم أنّك أنت الإله الحقيقي وحدك، أنت وابنك الوحيد ربّنا يسوع المسيح وروحك القدّوس. أعطه أن يحفظ جميع وصاياك ويصنع ما هو مرضيّ لديك، لأنّ الإنسان الذي يعمل بها يحيا بها. أكتبه في سِفْر حياتك، وضمّه إلى قطيع ميراثك، ليمجَّدَ به اسمك القدّوس واسم ابنك الحبيب ربنا يسوع المسيح وروحك المحيي. لتكن على الدوام عيناك ناظرتين إليه بالرحمة، وأُذناك سامعتين لتضرّعه. أبهجه في أعمال يديه، وفي كلّ نسله، لكي يعترف لك ساجداً وممجّداً اسمك العظيم المتعالي، ويسبّحك على الدوام جميع أيّام حياته".
هذه الصلاة الرائعة الغنيّة بالعمق اللاهوتي توضح نعمة العماد الأساسيّة، وهي الدخول في حياة الثالوث الأقدس. وهذا ما يعنيه وضح اليد على الرأس مع ذكر اسم الثالوث: "باسمك يا رب إله الحق، وباسم ابنك الوحيد وروحك القدّوس". فالمعمودية هي إعلان أنّ الله قد قبل المعتمد وأهّله "لأن يلتجئ إلى اسمه القدّوس ويُحفَظ تحت ستر جناحيه". ثمّ تطلب الصلاة إلى الله أن يملأ المعتمد من الإيمان به والرجاء والمحبة. فبالإيمان يعرف الثالوث الأقدس: "لكي يعلم أنّك أنت الإله الحقيقي وحدك، أنت وابنك الوحيد ربّنا يسوع المسيح وروحك القدّوس"؛ وبالمحبة يحفظ وصايا الله: "أعطه أن يحفظ جميع وصاياك ويصنع ما هو مرضيّ لديك"؛ وبالرجاء "يُكتب اسمه في سفر الحياة" (راجع في 4: 3؛ رؤ 3: 5).
ثمّ تلي هذه الصلاة صلاة أخرى تتبحّر بمفاعيل المعمودية:
"أيّها السيّد الربّ الكائن، يا من خلق الإنسان على صورته ومثاله، وخوّله الحق على الحياة الأبديّة، ولم يُعرض عنه بعد سقوطه في الخطيئة، بل دبّر بتأنّس مسيحه خلاص العالم،
- أنت أنقذ من عبودية العدوّ هذا الولد الذي خلقته،
- إفتح عيني ذهنه ليشرق فيه نور إنجيلك،
- واقرن حياته بملاك منير يخلّصه من كل وسواس العدو ومن صدمة الشرير.
- أبعد عنه كل روح شرّير: روح الضلالة، روح الخبث، روح عبادة الأصنام وكلّ طمع، روح النفاق وكلّ نجاسة تُرتكب حسب تعليم إبليس.

- إجعله خروفاً ناطقاً في قطيع مسيحك المقدّس وعضواً كريماً لكنيستك، وإناءً مقدّساً، وابناً للنور، ووارثاً لملكوتك".
بنعمة الإيمان والمعمودية ينقل الله الإنسان من الضلالة إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور، ومن الاستعباد للخطيئة على أنواعها إلى حريّة أبناء الله، فيصير خروفاً ناطقاً في قطيع المسيح، وعضواً في كنيسة الله، ووارثاً لملكوته.

2- إعلان الإيمان من قبل المعتمد
يوجّه الكاهن المزمع أن يعتمد إلى الغرب، رمز الظلمة والخطيئة، ويسأله:
- "هل ترفض الشيطان وأعماله وملائكته وعباداته وأباطيله كلّها؟
فيجيب المعتمد، أو عرّابه، إذا كان طفلاً:
- "نعم أرفض الشيطان وأعماله وملائكته وعباداته وأباطيله كلّها".
ثمّ يوجّهه نحو الشرق، رمز المسيح ويسأله:
- "هل توافق المسيح؟
- نعم أوافق المسيح.
- هل وافقتَ المسيح؟
- نعم وافقتُ المسيح.
- هل تؤمن به؟
- نعم أومن به إنّه ملك وإله".
ثمّ يتلو قانون الإيمان. وبعد ذلك يسأله الكاهن من جديد:
- هل وافقتَ المسيح؟
- نعم قد وافقتُ المسيح.
- فاسجد له أيضاً.
إذّاك يحني المعتمد أو عرّابه رأسه ساجداً ويعلن إيمانه بالثالوث الأقدس الذي سيعتمد على اسمه:
"أسجد للآب والابن والروح القدس، الثالوث الواحد في الجوهر وغير المنفصل".
حينئذٍ يعلن الكاهن مؤكداً إرادة الله أن يبلغ الناس إلى معرفة الحق وإلى الخلاص:
"تبارك الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يبلغون، كل حين الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين".
ثمّ يتلو الكاهن الصلاة التالية التي تبيّن أنّ المعمودية ولادة جديدة:
"أيّها السيّد الرب إلهنا، أدع عبدك هذا (أو أمتك هذه) إلى استنارتك المقدّسة. وأهّله لهذه النعمة العظيمة، نعمة معموديّتك المقدّسة. إنزع عنه الإنسان القديم وجدّده للحياة الأبديّة. واملأه من قوّة روحك القدّوس للاتحاد بمسيحك، حتى لا يبقى ابن الجسد، بل يصبح ابن ملكوتك".
نقرأ في عظة للقدّيس كيرلّس الأورشليمي تفسير هذه الرتبة:
"والآن، أنت تسمع الأمر الصادر إليك ببسط يدك نحو الشيطان كما لو كان حاضراً، وبالقول: "أنا أكفر بك، أيّها الشيطان". ومن الضروري أن أقول لكم أيضاً لماذا كنتم واقفين، متّجهين نحو الغرب. فالغرب هو منطقة الظلمات المرئيّة، والشيطان الذي هو ظلام يبسط سلطانه على الظلمات... "أنا أكفر بك، أيّها الشيطان الشرّير القاسي المستبدّ"، أي: أنا لم أعد أخشى قوّتك، لأنّ المسيح سحقها، إذ اشترك معي في الدم واللحم ليبطل الموت بالموت (عب 2: 14- 15)... "وبكل أعمالك". وأعمال الشيطان هي كل خطيئة، ويجب التخلّي عنها، كما يُلقى سلاح الظالم عندما تُترَك خدمته. فكل خطيئة، على مختلف أنواعها، تدخل في أعمال الشيطان... فأنت إذن عندما تكفر بالشيطان تدوس بقدميك كل ميثاق معه (أش 28: 15) وتسحق الأحلاف المعقودة مع الجحيم. وعندئذٍ ينفتح أمامك فردوس الله الذي "غرسه في عدن شرقاً" (تك 2: 8)، وطُرد منه أبونا الأوّل لعصيانه (تك 3: 23). ورمزاً لذلك اتجهتَ من الغرب صوب الشرق الذي هو منطقة النور. وعندئذ طُلب منك أن تقول: أومن بالآب والابن والروح القدس... وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا".
بالإشارة إلى خطيئة آدم في الحديث عن إعلان إيمان المعتمد يبيّن القدّيس كيرلّس أنّ الإيمان هو قبول كياني لله وعودة إلى الحياة معه. وهذا ما يعبّر عنه بشكل سلبي رفض الشيطان وأعماله وبشكل إيجابي موافقة المسيح والإيمان به "بأنّه ملك وإله"، وبأنّه "واحد في الجوهر مع الآب والروح".

ثانياً- تقديس الماء والزيت

1- تقديس الماء
إنّ مادّة المعمودية هي الماء. وفي حال خطر الموت يحقّ لأيّ إنسان أن يأخذ بعضاً من الماء العادي ويسكب منه على رأس طالب العماد وهو يقول العبارة التالية: "يُعمَّد عبد الله فلان باسم الآب والابن والروح القدس. آمين".
ولكن في الرتبة الطقسيّة التي يحتفل بها الكاهن في الظروف الاعتيادية، يجب تقديس الماء قبل استعماله للمعمودية. وفي ذلك إشارة إلى أنّ الولادة الجديدة تتمّ "بالماء والروح" (يو 3: 5). وحضور الروح في الماء يتحقق بواسطة تقديسها. إنّ هذا التقديس، الذي يتمّ في رتبة احتفالية يوم عيد الظهور الإلهي دلالةً على أنّه بالروح القدس تتقدّس المادة وتتجدّد الخليقة كلّها، يعاد لدى كل معمودية. يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي:
"إنّ العماد حقًّا لأمر مهمّ، أيّها الإخوة، فتقدَّموا إليه بحرص... بجب على الروح القدس أن يختم نفوسكم... لا تقربوا هذا الغسل كما لو كان يتمّ بماء عادي. لأنّ نعمة الروح القدس هي التي توهَب مع الماء. فكما أنّ التقادم التي تُرفَع في معابد الأوثان، تدنَّس باستدعاء الأصنام، كذلك يتلقّى الماء العادي قوّة مقدّسة باستدعاء الروح القدس والمسيح والآب... فالذي ينزل في الماء لا يقتربنَّ منه كمن يقترب من ماء عاديّ، بل من ماء سيمنحه الخلاص بنعمة الروح القدس".
إنّ رتبة تقديس الماء، كما في سائر الأسرار، تعيد من جديد حضور ما حدث لدى اعتماد السيّد المسيح في الأردن. فالمسيح، باعتماده في الأردن، قدّس المياه وملأها من حضور الروح القدس الذي ينقّي الخليقة كلّها ويجدّدها، كما قال القدّيس أغناطيوس الانطاكي:
"إنّ ربّنا يسوع المسيح قد حمل في أحشاء البتول بتدبير إلهي من زرع داود ومن الروح القدس، ووُلد واعتمد لينقّي بالماء أهواءنا".
لذلك، في الطلبة التي تسبق صلاة تقديس الماء، يطلب الكاهن "أن يُقدَّس هذا الماء بقدرة الروح القدس وفعله وحلوله... أن تنحدر عليه نعمة الفداء وبركة الأردن... أن يحلَّ في هذه المياه فعل الثالوث الفائق الجوهر المنقّي...
"أن يصير للمزمع أن يعتمد فيه حميم الولادة الجديدة لغفران الخطايا وارتداء عدم الفساد.
ثمّ تلي صلاة التقديس التي تحتوي على ثلاثة أقسام:
يبدأ القسم الأوّل على غرار جميع الصلوات في الطقس البيزنطي، فيذكر عمل السيّد المسيح الخلاصي. فالصلوات والأسرار التي نحتفل بها اليوم ليست سوى امتداد على مدى الزمن لما صنعه المسيح في حياته الزمنيّة على الأرض. وهنا تبدأ الصلاة بذكر تجسّد كلمة الله وتقديسه المياه:
"عظيم أنت يا رب وعجيبة أعمالك، وما من قول يكفي للإشادة بعجائبك. فإنّك أنت الإله الأزلي غير المحصور والفائق كلّ وصف، أتيت على الأرض آخذاً صورة عبد صائراً بشراً. لأنّك بحنانك أيّها السيّد لم تحتمل أن ترى جنس البشر تحت استبداد الشيطان، بل أتيت وخلَّصتنا... لأنّك يا إلهنا على الأرض ظهرت وبين الناس تردّدت، أنت قدّست مجاري الأردن، إذ أرسلت من السماء روحك القدّوس".
ويطلب القسم الثاني إلى السيّد المسيح أن يحضر بحلول روحه القدّوس لتقديس المياه:
"فأنت إذن، أيّها الملك المحب البشر، احضر الآن أيضاً بحلول روح قدسك، وقدّس هذا الماء. أعطه نعمة الفداء، بَركة الأردن، اجعله ينبوعاً لعدم الفساد، موهبة للتقديس، غافراً للخطايا..." ويضع القسم الثالث علاقة بين تقديس الماء وتجديد المعتمد فيه. فتقديس المادة في اللاهوت المسيحي لا يتمّ في حدّ ذاته بشكل مجرّد عن الإنسان، بل يتمّ دوماً في علاقة مع إنسان يستخدم تلك المادة ليصل من خلالها إلى الاتحاد بالله وتجديد إنسانيته على صورة السيّد المسيح الإنسان الجديد. هكذا في الأسرار يضفي الإيمان على المادة بُعداً جديداً لا يمكن أن يراه غير المؤمن:
"إظهر يا رب على هذا الماء، وامنح المعتمد فيه أن يتبدّل فيخلع الإنسان العتيق الذي أفسدته شهوات الغرور، ويلبس الإنسان الجديد الذي جدَّدتَه على مثالك أنت خالقه، حتى يُغرَس معك في شبه موتك بالمعمودية، فيصير شريك قيامتك أيضاً. وبعد أن يحفظ موهبة روحك القدّوس وينمي وديعة النعمة، يأخذ جائزة الدعوة العلوية، ويحصى مع الأبكار المكتوبين في السماء".
نلاحظ في هذا القسم ذكراً لبعض مفاعيل المعمودية: الولادة الجديدة بلبس الإنسان الجديد، والاشتراك في مات المسيح وقيامته، والحصول على موهبة الروح القدس ووديعة النعمة، والإحصاء مع الذين كُتبت أسماؤهم في سِفْر الحياة.

2- تقديس الزيت ومسح المعتمد به
بعد تقديس الماء، يقدّس الكاهن الزيت:
"... بارك يا رب هذا الزيت بقوّة روحك القدّوس وفعله وحلوله، ليصبح للممسوحين به أو المتناولين منه بإيمان مسحة لعدم الفساد، سلاحاً للبرّ، تجديداً للنفس والجسد، صيانة من كل الشرور".
ثمّ يسكب الزيت فوق الماء معلناً:
"تبارك الله الذي ينير ويقدّس كلّ إنسان آتٍ إلى العالم، كل حين الآن كل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين".
ثمّ يمسح الكاهن بالزيت جبهة المعتمد على شكل صليب قائلاً:
"يمسح عبد الله (فلان) بزيت الابتهاج، باسم الآب والابن والروح القدس"
ثمّ صدر المعتمد وظهره قائلاً: "لشفاء النفس والجسد"
ثمّ أُذنيه قائلاً: "لسماع الإيمان"
ثمّ رجليه قائلاً: "ليسلك سبلك يا رب"
ثمّ يديه قائلاً: "بداك صنعتاني وجبلتاني، فهّمني فأتعلّم وصاياك"
إنّ المسحة بالزيت قبل المعمودية تعود إلى القرون الأولى، ونجدها في معظم الطقوس وفي مختلف الكنائس. ويفسّر آباء الكنيسة معناها في عظاتهم. نقرأ في عظة للقدّيس يوحنا الذهبي الفم:
"وعلى الأثر بعد هذا العهد: الكفر بالشيطان والالتزام بالمسيح، بما أنّك اعترفت بسيادة المسيح وبأقوال فمك انضويت تحت لوائه، يمسحك الكاهن على جبهتك بالزيت الروحي كجنديّ ينزل إلى الحَلَبة الروحية، واضعاً عليها ختم الصليب وقائلاً: يمسح عبد الله باسم الآب والابن والروح القدس. فهو يعلم أنّ العدوّ من الآن فصاعداً غاضب يُصرّ بأسنانه ويجول كأسد زائر، لرؤيته الذين كانوا في الأمس خاضعين لاستبداده قد ثاروا عليه فجأة وارتدّوا عنه والتحقوا بالمسيح وانضووا تحت لوائه. لأجل ذلك يمسحكم الكاهن على جبهتكم واسماً إيّاكم بختم الصليب لكي يحجب ذاك نظره عنكم. فهو لا يجسر على التحديق بكم مواجهة، حين يرى البريق المنبعث من هذه المسحة يشّع ويعمي بصره. فمنذ تلك اللحظة تبدأ المعركة ضدّه ومقاومته. لذلك، كأبطال للمسيح، يدخلكم الكاهن بواسطة هذه المسحة الحَلَبة الروحية".
إنّ هذه المسحة هي وسم الإيمان والالتزام بالمسيح، وهي أيضاً علامة التنقية والتقديس، كما تشير إلى ذلك الصلوات التي ترافقها: "مسحة لعدم الفساد، سلاحاً للبر، تجديداً للنفس والجسد، صيانة من كل الشرور... لسماع الإيمان ليسلك سبلك يا رب...". وهذه المفاعيل تبدو أيضاً عمل الروح القدس: "بارك هذا الزيت بقوّة روحك القدّوس وفعله وحلوله".
وكذلك في الطقس الماروني يقول الكاهن الصلاة التالية:
"ليأتِ أيها السيّد روحك الحيّ القدّوس، ويحلّ على رؤوس عبيدك، ويستقرّ فيهم؛ وليتقبّلوا وسم الآب الحي، والابن الوحيد والروح القدس المعزّي وغافر الذنوب. فلتتقدّس أجساد ونفوس عبيدك الموسومين بك، ولتتثبّت ضمائرهم بمعرفتك، ولتمتلئ أذهانهم من الإيمان بك، ليرفعوا لك التسبحة ولمسيحك ولروحك الحيّ القدّوس، الآن وإلى الأبد".
يظهر أيضاً في هذه الصلاة مفاعيل المسحة: تقديس المعتمد وتنقيته، وتثبيته في معرفة الله كي لا يرجع إلى ظلمات الجهل والضلال، وامتلاؤه من الإيمان بالثالوث الأقدس الذي اعترف به وسيعتمد باسمه.
ونجد كذلك ذكراً لهذه المسحة بالزيت قبل العماد في "القوانين الرسولية" التي كتبت حوالي سنة 380 في سورية:
"تَمسَح أوّلاً بالزيت المقدّس، ثمّ تُعمِّد بالماء، ثمّ تنهي خاتماً بالميرون، كي تكون المسحة اشتراكاً في الروح القدس، والماء علامة الموت، والميرون ختم الالتزام".

ثالثاً- التغطيس بالماء
بعد المسحة بالزيت، يمسك الكاهن طالب العماد موجّهاً إيّاه نحو الشرق، ويعمّده قائلاً:
"يُعمَّد عبد الله فلان (أو تُعمَّد أمة الله فلانة) باسم الآب والابن والروح القدس. آمين".
وعلى كل اسم من الأقانيم الإلهية الثلاثة يغطّسه في الماء وينتشله. ولا تُقال آمين يعد كل اسم من أسماء الثالوث، بل في الآخر فقط، للتأكيد على وحدة الجوهر في الأقانيم الثلاثة.
1- طريقة العماد
إنّ العماد بالتغطيس هو تقليد قديم في الكنيسة. ففي القرون الأولى كان العماد يجري قرب الأنهر. والمعتمدون ينزلون إلى النهر ويعمّدون فيه. ولكن هذه الطريقة لم تكن إلزامية، حتى في القرون الأولى. ففي كتاب "الذيذاخية" أي "تعليم الرسل الاثني عشر"، الذي كُتب في أنطاكية في النصف الأوّل من القرن الثاني، نقرأ التوصية التالية:
"إمنحوا سرّ العماد وفقاً للتعاليم التالية: بعد الإرشادات السابقة، عمّدوا باسم الآب والابن والروح القدس. وإن لم يكن هناك ماء جارٍ، فليُعمَّد بخلافه، وإن لم يكن هناك ماء بارد، فليُعمَّد بالماء الساخن. وإن لم يكن ماء كافٍ من هذا وذاك، فاسكب على الرأس قليلاً من الماء ثلاث مرّات باسم الآب والابن والروح القدس".
إنّ سرّ العماد يمنح اليوم في "جرن" خاص بالمعمودية يوضع على مدخل الكنيسة. أمّا في القرون الأولى فبسبب كثرة معمودية البالغين كانت تُقام إلى جانب كل كنيسة "بِرْكة" صغيرة ينزل إليها المعتمد بدرج ثمّ يصعد منها بدرج آخر من الجهة المقابلة، كما نرى ذلك في كنيسة مار سمعان العمودي بالقرب من حلب. في هذا الموضوع يقول القديس كيرلّس الأورشليمي:
"واقتُدْتم بعد ذلك إلى البركة المقدّسة للعماد الإلهي، كما حُمل المسيح من الصليب حتى القبر الذي كان قريباً (يو 19: 42)، وهو أمامكم. وسُئِل كل منكم هل يؤمن باسم الآب والابن والروح القدس، فأدليتم بهذا الاعتراف الخلاصي. ثم غطّستم في الماء ثلاث مرّات وخرجتم منه، ممثّلين بذلك دفن المسيح الذي استغرق ثلاثة أيّام".

2- صيغة العماد
في التقليد البيزنطي تستعمل في العماد صيغة المجهول: "يُعمَّد عبد الله فلان...". وفي ذلك إشارة إلى أنّ الأسرار ليست عمل الكاهن الذي يمنح السرّ، بل عمل الله نفسه بالاشتراك مع حرية المعتمد كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. في النصّ التالي يؤكّد يوحنا الذهبي الفم عمل الله في العماد:
"لكي ندرك أنّ للآب والابن والروح القدس جوهراً واحداً، أنظر كيف تمنح المعمودية: فعندما يعلن الكاهن "يعمّد عبد الله فلان باسم الآب والابن والروح القدس"، يغطس رأس المعتمد ثلاث مرّات في الماء، ثم يرفعه، مؤهّلاً إيّاه بواسطة هذه الرتبة السريّة لتقبّل سكنى الروح القدس. إذ إنّ من يلمس رأسك ليس الكاهن وحسب، بل يمين المسيح أيضاً. وهذا ما يتّضح من كلام المحتفل. فهو لا يقول: "أنا اعمّد فلاناً"، بل "يعمّد فلان"، مبيّناً بذلك أنّه ليس سوى خادم النعمة، وأنّه يعير يده وقد انتدبه الروح لهذه الخدمة. أمّا الذي يكمّل كل شيء فهو الثالوث غير المنقسم، الآب والابن والروح القدس. فالإيمان بالثالوث هو الذي يمنحنا مغفرة الخطايا، والاعتراف به ينعم علينا بالتبنّي".
"ليس الكاهن هو الذي يعمّد، بل الله الذي يمسك رأس المعتمد بقدرته غير المنظورة".

رابعاً- إرتداء الثوب الجديد
بعد العماد يلقي الكاهن على جسم المعتمد ثوبه الجديد قائلاً:
"يُلبَس عبد الله فلان ثوبَ البر+ باسم الآب والابن والروح القدس".
ويرتّل الحاضرون بالنشيد التالي:
"إمنحني ثوباً منيراً يا لابس النور مثل الثوب، أيّها المسيح الجزيل الرحمة إلهنا".
قبل العماد يخلع المعتمد ثيابه العتيقة رمزاً للتخلّي عن الإنسان العتيق، وبعد العماد يلبسه ثياباً جديدة رمزاً لولادته الجديدة وحياته الجديدة في المسيح. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:
"إنّ الذين بالإيمان بالمسيح قد تحرروا من ثقل خطاياهم وخلعوها عنهم كما تُخلَع الثياب العتيقة، يرتدون ثياباً جديدة برّاقة، ثياباً ملكية. فإنّهم قد انعتقوا من الضلال واستناروا بشمس البرّ. لهذا يقول بولس: إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة، فالقديم قد اضمحلّ، وكلّ شيء قد تجدّد (2 كو 5: 17).
لذلك يرتّل بعد العماد النشيد التالي المستقى من الرسالة إلى الغلاطيين:
"أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم. هللويا" (غلا 3: 27).
توطئة

"أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم" (غلا 3: 27).
إنّ الذين يعتمدون بالمسيح يصيرون على مثاله مسحاء. ولكنّ المسيح كان ممتلئاً من الروح القدس منذ الحبل به. إنّ بشريّته قد مُسحت بروح الألوهة منذ تكوينها في أحشاء مريم العذراء. وما حلول الروح القدس عليه بعد معموديته إلاَّ اعتلان لما هو في عمق كيانه. أمّا الذين يعتمدون بالمسيح فهم بحاجة إلى سرّ آخر يكمّل المعمودية، أي يوصلها إلى كمال معناها، ويمنح المعتمدين "ختم موهبة الروح القدس". وهذا السرّ يدعوه التقليد الشرقي سرّ "مسحة الميرون" والتقليد الغربي سرّ "التثبيت".
لا شك أنّ المعمودية تتمّ بقدرة الروح القدس، وفقاً لما جاء في كلام المسيح عن الولادة "من الماء والروح" (يو 3: 5). والأسرار كلّها تتمّ بقدرة الروح القدس، لأنّها أعمال إنسانية وإلهية في آنٍ واحد. والعنصر الإلهي فيها هو روح الله الذي يعمل فيها. ولكنّ سرّ "مسحة الميرون" هو السرّ الذي يمنح الروح القدس بنوع خاص للمعتمدين، لتكتمل فيهم صورة المسيح الممتلئ من الروح القدس والشاهد للحق في حياته وقوته. 
أوّلاً- سرّ الميرون في الكتاب المقدّس
لقد رأى آباء الكنيسة رموز هذا السرّ في العهد القديم، وكمال تحقيق تلك الرموز في السيّد المسيح الذي مسحه الروح القدس بعد معموديته، وفي الرسل الذين مسحهم الروح القدس يوم العنصرة، والذين كانوا يضعون أيديهم على مَن ينالون المعمودية ليمنحوهم الروح القدس.

1- رموز الميرون في العهد القديم
يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي:
"يجب أن تعلموا أنّ هذه المسحة لها مثالها في العهد القديم. إذ عندما أبلغ موسى أخاه أمْرَ الله، ونصَّبه رئيس كهنة، غسله بالماء أوّلاً ثمّ مسحه (أح 8: 1- 12). ودُعي هرون "مسيحاً" بسبب هذه المسحة التي كانت رمزاً. وكذلك عندما نادى رئيس الكهنة بسليمان ملكاً، مسحه في جيحون بعد أن جعله يستحمّ (3 مل 1: 33- 39). وكلّ هذه الأمور أُجريت لهم على سبيل الرمز. أمّا لكم فلم تكن رمزاً بل حقيقة واقعية. إذ إنّ مبدأ خلاصكم يرجع إلى ذاك الذي مسحه الروح القدس. هو الباكورة حقًّا، وأنتم العجين. "وإن كانت الباكورة مقدّسة، فالعجين كلّه مقدّس" (رو 11: 16).
2- مثال السيّد المسيح
كذلك يرى القدّيس كيرلّس الأورشليمي مثال مسحة الميرون في شخص السيّد المسيح:
"إنّكم أصبحتم مُسَحاء بنيلكم ختم الروح القدس. كلّ شيء تمّ فيكم بالامتثال، بما أنّكم صورة المسيح. فعندما تعمّد المسيح في نهر الأردنّ، ومنح المياهَ ملامسة ألوهيّته، صعد منها، فحلَّ الروح القدس بذاته عليه، واستقرّ المشابه على المشابه له. وأنتم كذلك، عندما خرجتم من بِرْكة المياه المقدّسة، قبلتم مسحة الميرون، وهي الصورة الحقيقية لمسحة المسيح، وأعني بها الروح القدس الذي تحدّث عنه الطوباوي أشعيا إذ تنبّأ عنه وتكلّم على لسان الرب قائلاً: "إنّ روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني وأرسلني لأُبشّر المساكين" (أش 61: 1؛ لو 4: 18).

3- مثال الرسل
إنّ الرسل اعتمدوا بموت المسيح وقيامته باشتراكهم الحيّ في آلام المسيح وموته وبمشاهدتهم وجهاً لوجه المسيح القائم من بين الأموات، الذي تراءى لهم وثبّت إيمانهم به، وبواسطة هذا الإيمان نقلهم من الموت إلى الحياة. تلك كانت معموديتهم. وفي هذه المعمودية مُنحوا أيضاً الروح القدس، على ما جاء في إنجيل يوحنا: "خذوا الروح القدس. فمَن غفرتم خطاياهم غُفِرَت لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَت " (يو 20: 22).
إنّ الروح الذي ناله الرسل في معموديتهم يوم قيامة المسيح هو روح الإيمان والولادة الجديدة: فقد وُلدوا من جديد عندما تراءى لهم المسيح حيًّا، وكان هذا الترائي فصحهم، أي عبورهم من الشكّ إلى الإيمان، ومن اليأس إلى الرجاء، ومن الموت إلى الحياة. وتوما الرسول الذي لم يكن مع التلاميذ في الترائي الأوّل، تعمّد بدوره، عندما تراءى المسيح للتلاميذ من جديد بعد ثمانية أيام، وثبّت إيمان توما (يو 20: 26- 29).
إنّ معمودية الرسل هذه التي ملأتهم بروح الإيمان ومنحتهم حياة جديدة قد اكتملت يوم العنصرة عندما حلّ عليهم روح الشهادة، ليكرزوا بالحياة الجديدة التي اختبروها في قيامة المسيح وفي إيمانهم بهذه القيامة. وهذا معنى قول السيّد المسيح لتلاميذه قبل صعوده إلى السماء:
"لا تبرحوا أورشليم، بل انتظروا موعد الآب الذي سمعتموه منّي. فإنّ يوحنّا قد عمّد بالماء، أمّا أنتم فستعمَّدون بالروح القدس بعد أيام قليلة... إنّكم ستنالون قوّة بحلول الروح القدس عليكم، فتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي جميع اليهودية والسامرة وإلى أقاصي الأرض" (أع 1: 4- 8).
ولمّا حلّ عليهم الروح القدس يوم العنصرة "امتلأوا كلّهم من الروح القدس، وطفقوا يتكلّمون بلغات أخرى كما آتاهم الروح أن ينطقوا" (أع 2: 1- 4)، وراحوا يبشّرون بقيامة المسيح، ويكرزون بأنّ الله، إذ أقام يسوع، أعلن أنّه هو المسيح والرب والمخلّص (أع 2: 36، 38).
ويروي سفر أعمال الرسل حدثين يظهر من خلالهما وجود سرّ آخر يكمّل المعمودية ويمنح الروح القدس للشهادة بالمسيح.

أ) منح الروح القدس للّذين اعتمدوا في السامرة
الحدث الأوّل هو ذهاب الرسل إلى السامرة لوضع الأيدي على الذين عمّدهم فيلبّس الشمّاس:
لمّا آمنوا بما كان يبشّر به فيلبّس عن ملكوت الله واسم يسوع المسيح، أخذوا يعتمدون رجالاً ونساء... ولمّا سمع الرسل الذين في أورشليم أنّ السامرة قد قبلت كلمة الله، أرسلوا إليهم بطرس ويوحنّا، فانحدرا وصلَّيا لأجلهم لكي ينالوا الروح القدس، إذ لم يكن بعد قد حلَّ على أحد منهم، بل كانوا قد اعتمدوا فقط باسم الرب يسوع، عندئذٍ وضعا أيديهما عليهم فنالوا الروح القدس" (أع 8: 12- 17).
إنّ منح الروح القدس بواسطة وضع أيدي الرسل بعد معمودية قام بها شمّاس يبيّن الأهمية الكبرى التي كانت الكنيسة الأولى تعلّقها من جهة على دور الروح القدس لإكمال المعمودية، ومن جهة أخرى على دور الرسل في المحافظة على وحدة الكنيسة بمنحهم هم أنفسهم الروح القدس الواحد لجميع المعتمدين.

ب) بولس الرسول وتلاميذ أفسس
الحدث الثاني هو لقاء بولس مع بعض التلاميذ في أفسس:
"فقال لهم: هل نلغ الروح القدس لمّا آمنتم؟ فقالوا له: بل ما سمعنا بأنّه يوجد روح قدس. فقال: بأيّ معمودية إذن اعتمدتم؟ قالوا: بمعمودية يوحنا. حينئذٍ قال بولس: إنّ يوحنا قد عمّد بمعمودية توبة، وكان يقول للشعب ليؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بيسوع. فلمّا سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع. وإذ وضع بولس يديه عليهم حلَّ الروح القدس عليهم فطفقوا ينطقون بلغات ويتنبّأون" (أع 19: 2- 6).
هنا أيضاً يبدو بوضوح أنّ "المعمودية باسم الرب يسوع" يعقبها "وضع اليد" و"حلول الروح القدس" على المعتمدين. وهذا الروح القدس يمنح المعتمدين نعمة خاصّة هي "النطق بلغات التنبّؤ"، أي الشهادة للمسيح.
ثانياً- سرّ الميرون في تاريخ الكنيسة وتعليم الآباء
نرى منذ القرون الأولى وفي مختلف الكنائس في الشرق والغرب وجود رتبة خاصة تلي العماد بالماء وتقوم تارة على وضع اليد وتارة على المسح بزيت خاص ممزوج بعطور (يدعى باليونانيّة ميروناً)، وفي معظم الأحيان على الاثنين معاً.

1- في الشرق
فالقدّيس كيرلّس الأورشليمي يكرّس إحدى عظاته التي تعود إلى حوالى سنة 348 لتفسير سرّ مسحة الميرون، ولكنّه لا يذكر وضع اليد.
والقوانين الرسولية التي كتبت في سورية حوالى سنة 380 تتكلّم عن "مسحة بالميرون وقوم بها الأسقف على الذين اعتمدوا" (الكتاب الثالث، 16). وفي الكتاب السابع، نقرأ:
"تَمسح أوّلاً بالزيت المقدّس، تمّ تُعمِّد بالماء، وتُنهي بختم الميرون، لتكون المسحة اشتراكاً في الروح القدس، والماء رمز الموت، والميرون ختم الالتزام".
وينقل إلينا كتاب عهد الرب تقليد كنيسة أنطاكية في القرن الخامس. فيتكلّم عن مسحتين بعد العماد: مسحة أولى يقوم بها الكاهن، ومسحة ثانية يقوم بها الأسقف بعد صلاة يتلوها على المعتمدين وهو واضع يده عليهم:
"بعد ذلك، عندما يصعد (المعتمد) من المياه، يمسحه الكاهن بالزيت الذي تلي عليه الشكران، قائلاً عليه: أمسحك بالزيت، باسم يسوع المسيح. أمّا النساء، فتمسحهنّ الأرامل اللواتي لهنّ حق الصدارة، بينما يتلو الكاهن عليهنّ الصلاة...
حينئذٍ يجتمعون معاً في الكنيسة، ويضع الأسقف اليد عليهم، بعد العماد، قائلاً داعياً عليهم هكذا: أيها الرب الإله، يا مَن ملأ رسله القدّيسين من الروح القدس، بواسطة ابنه الحبيب يسوع المسيح، وأمر أنبياءه المغبوطين أن ينطقوا بواسطة الروح؛ يا من، بواسطة مسيحه، أهَّل عبيده هؤلاء لغفران الخطايا بغسل الميلاد الثاني، ونقّاهم من كل ضباب وظلمة الكفر، أهِّلهم، بمحبتك للبشر، أن يمتلئوا من روحك القدّوس، فتمنحهم نعمتك ليخدموك حقاً حسب مشيئتك، يا ألله، ويعملوا بوصاياك بنقاوة...
كذلك عندما يسكب الأسقف الزيت وهو واضع اليد على رأس المعمَّد، يقول: أمسحك مسحاً في الله الضابط الكلّ وفي المسيح يسوع وفي الروح القدس، لتكون له جنديًّا ذا إيمان كامل، وإناء يَحسُن له. وعندما يختمه بين عينيه، يعطيه السلام قائلاً: الرب إله المتواضعين يكون معك. والمختوم يجيب قائلاً: ومع روحك. وهكذا يفعل كلّ بمفرده".
إنّ العبارة التي تستعمل اليوم في الطقس البيزنطي "ختم موهبة الروح القدس"، والتي ترافق مسحة الميرون نجد ذكرهـا في أواسط القرن الخامس في رسالة من القسطنطينيّة إلى مرتيريوس بطريرك أنطاكية.
في مصر، يميّز أيضاً خولاجي القديس سيرابيون، أسقف تاميس (+ 350)، بين المسحة بالزيت التي تسبق المعموديّة، ومسحة الميرون التي تلي المعموديّة. وتطلب صلاة الميرون الى الله أن يُتمّ عمله الالهيّ في الميرون "حتّى يصبح المعمّدون الذين يُمسَحون به مطبوعين بعلامة الصليب الخلاصيّ... ويشتركون في موهبة الروح القدس، ويظلّوا، بعد تثبيتهم بهذا الختم، ثابتين غير متزعزعين، بلا خطيئة ولا لوم".
لقد أكّد الشرق على الدوام وحدة سرّي المعموديّة والميرون ومنحه في رتبة واحدة، وإن كان هناك تردّد في القرون الأولى لتحديد طريقة منح سرّ الميرون. ففي بعض المخطوطات السريانيّة التي تعود إلى ما قبل القرن الرابع لا نجد ذكرًا لمسحة بالميرون تلي المعموديّة، بل يُكتفى بذكر وضع اليد وختم الصليب على جبهة المعمَّد. ويبدو أنّ الكنيسة السريانيّة الشرقيّة (أي الأشورية) لم تُدخل المسح بالميرون إلاّ في القرن السابع.
وتظهر هذه المسحة في المخطوطات المارونيّة والسريانيّة، وهي مرفقة بالصيغة التالية: "بالميرون المقدّس، رائحة المسيح الإله الذكيّة، وختم ورسم الإيمان الحق وكمال مواهب الروح القدس، يوسم (فلان) باسم الآب والابن والروح القدس للحياة الأبدية".

2- في الغرب
يتكلّم ترتليانوس عن مسحة تلي العماد وتشير إلى التماثل بين المعتمد والمسيح الذي مسحه الآب. ثمّ تنتهي الرتبة بصلاة يتلوها الأسقف وهو واضع يده على رأس المعتمد ثمّ ببركة المعتمد مع رسم الصليب على بهته. وهذه الرتبة التي تلي المسحة تهدف، حسب ترتليانوس، إلى منح الروح القدس للمعتمد ليستقرّ فيه. فكأنّ المسحة مرتبطة بالعماد، وصلاة استدعاء الروح القدس مع وضع اليد والوسم بالصليب هي رتبة سرّ التثبيت.
نجد أيضاً ذكراً واضحاً لسرّ التثبيت في كتاب التقليد الرسولي الذي وضعه الكاهن الروماني هيبوليتوس حوالي سنة 215 باليونانيّة. يعكس هذا الكتاب تقليد كنيسة رومة وربما أيضاً تقليد كنيسة الاسكندرية.
فبعد العماد يذكر الكتاب مسحة يقوم بها الكاهن، ومسحة أخرى يقوم بها الأسقف بعد صلاة وضع اليد:
"عندما يصعد (المعتمد) من الماء، فليمسحه الكاهن بزيت الشكر قائلاً: إنّي أمسحك بالزيت المقدّس باسم يسوع المسيح. وبعد ذلك يلبسون ثيابهم، ثمّ يدخلون الكنيسة. ويجعل الأسقف يده عليهم ويصلّي قائلاً: أيّها الربّ الإله، الذي جعل هؤلاء مستحقين غفران الخطايا بغسل الولادة الثانية، إجعلهم مستحقين أن يمتلئوا من الروح القدس. وأرسل عليهم نعمتك ليخدموك حسب إرادتك. لأنّ لك المجد أيها الآب والابن والروح القدس في الكنيسة المقدّسة، الآن وإلى دهر الداهرين. آمين.
وبعد ذلك، فليسكب في يده من زيت الشكر، ويسكب على رأس كل واحد منهم قائلاً: إنّني أمسحك بالزيت المقدّس باسم الله الآب الضابط الكلّ، والمسيح يسوع (الابن الوحيد)، والروح القدس".
لقد كان سرّ التثبيت في الكنيسة الغربيّة مندمجاً في رتبة واحدة مع المعمودية، كما في الكنيسة الشرقيّة. ولم يتمّ فصله إلاَّ تدريجياً ابتداء من القرن الرابع. أمّا سبب هذا الفصل فهو امتداد الكنيسة وكثرة الارتدادات والعمادات، ولا سيّما عمادات الأطفال، وتكوّن الرعايا المتعدّدة في الأبرشيّة الواحدة. ففي الشرق حافظت الكنيسة على وحدة السرَّين، إلاَّ أنّها أعطت الكهنة سلطة منح الميرون حالاً بعد المعمودية، على أن يستعملوا الميرون الذي يكرّسه البطريرك أو الأسقف. ولا تزال اليوم كنائس الشرق تسير على هذا التقليد. ففي خطر الموت، يمكن منح المعمودية منفصلة عن الميرون، وحتى عن يد علماني، إذا تعذّر وجود كاهن. ولكن، إذا عاد هذا الشخص المعمّد إلى الحياة، لا يُمنَح سرَّ الميرون منفصلاً، بل بمناسبة معمودية شخص آخر.
أمّا في الغرب ففصلت الكنيسة بين السرَّين: فسرّ المعمودية يمنحه الكاهن، وسرّ التثبيت يمنحه الأسقف، على قدر ما يتيسّر له زيارة رعاياه، في رتبة خاصة منفصلة عن المعمودية؛ سرّ المعمودية يُمنَح للأطفال، فيما سرّ التثبيت يُمنَح للأولاد متى بلغوا سنّ الرشد.
في المجمع الفاتيكاني الثاني، يقول الدستور العقائدي في الكنيسة "إنّ الأساقفة هم خَدَمَة سرّ التثبيت الأصيلون" (رقم 26).
وفي المرسوم "في الكنائس الشرقيّة" يقول:
"إن المجمع المسكوني يثبّت ويقرّر نظام الأسرار القديم الساري في الكنائس الشرقيّة، والطريقة المتّبعة في القيام بها ومَنْحها. ويتمنّى الرجوع إلى هذه الطريقة حيث تقضي الحال بذلك.
ثمّ ينبغي الرجوع كليًّا إلى النظام الذي سار عليه الشرقيّون، منذ الأزمنة القديمة جدًّا، في ما يتعلّق بخادم سرّ الميرون المقدّس. فيحق إذاً للكهنة أن يمنحوا هذا السرّ مستعملين فيه الميرون الذي يباركه البطريرك أو الأسقف" (رقم 12- 13).
ثالثاً- رتبة سرّ الميرون

1- في الطقس البيزنطي
تشمل رتبة هذا السرّ في الطقس البيزنطي قسمين: صلاة يتلوها الكاهن وهو واضع يده على رأس المعتمد، ثمّ مسح المعتمد بالميرون المقدّس.
أ) صلاة استدعاء الروح القدس
"مبارك أنت أيّها الرب القدير، ينبوع الخيرات وشمس العدل؛ يا من أظهر للذين في الظلمة نور الخلاص بظهور ابنه الوحيد إلهنا، ومنحنا نحن غير المستحقّين التنقية السعيدة بالماء المقدّس، والتقدير الإلهي بالمسحة المحيية؛ يا مَن سُرَّ الآن أيضاً بأن يُجدَّد ميلادُ عبده المستنير حديثاً بالماء والروح، ومنحه غفران الخطايا الاختياريّة وغير الاختياريّة.
أنت أيّها السيّد ملك الكل الجزيل التحنّن، هب له أيضاً ختم موهبة روحك القدّوس القدير والمسجود له، وتناول جسد مسيحك المقدّس ودمه الكريم. واحفظه في قداستك، ثبِّته في الإيمان القويم، ونجِّه من الشرير ومن جميع أخلاقه. أحرس نفسه بمخافتك الخلاصية في الطهارة والبرّ، حتى يرضيك في كل عمل وقول، فيصير ابناً ووارثاً لملكوتك السماوي.
لأنّك أنت يا إلهنا إله الرحمة والخلاص، وإليك نرفع المجد، أيّها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين"

ب) المسح بالميرون المقدّس
ثمّ يمسح الكاهن المعتمد بالميرون المقدّس بشكل صليب على جبهته، وعينيه، ومنخريه، وفمه، وأُذُنيه، وصدره، ويديه، ورجليه، قائلاً على كل مسحة: ختم موهبة الروح القدس. آمين.

2- في الطقس الماروني
أمّا في الطقس الماروني، فيتلو أوّلاً الكاهن الصلاة التالية وهو واضع يده على رأس المعتمدين:
"أللهمّ، يا من أعطى الأرضيين الكهنوت ليتنقّوا به، وأقام البشر على الأرض بدرجة أرفع من درجة الملائكة، أنت أيها الإله الرحيم، المملوء كنزك كلّ خير ولذّة لمن يدعوك، أبسط يمين تحنّنك مع يميني أنا الخاطئ، وبارك هؤلاء الساجدين لك، الذين يُمسَحون بهذا الميرون المقدّس. ضع فيه ينابيع المعونة لأجسادهم، وليكن غافراً وحافظاً ومقدّساً ومقوّياً لنفوسهم، لأجل اسمك الحيّ الذي دُعي عليهم، أيّها الآب والابن والروح القدس، لك المجد إلى الأبد. آمين".
ثمّ يسم الكاهن المعتمد على جبهته بالميرون المقدّس بشكل صليب ثلاث مرّات وهو يقول:
"بميرون المسيح الإله، رائحة الإيمان الحق العذبة، طابع دمك نعمة الروح القدس، يُطبَع عبد الله... باسم الآب والابن والروح القدس. آمين".
ثمّ يقول لجميع المتثبّتين:
"ها قد لبستم الآب الحيّ، وأخذتم الابن المسيح، واتّشحتم بالروح القدس، وقبلتم حلّة المجد التي خلعها آدم".
ثمّ يَسِم المثبّتين بالصليب قائلاً:
"ثبِّت يا رب عبيدك هؤلاء في قداسة النفس والجسد. كمّلهم بموهبة الروح القدس. وطِّد نفوسهم في سبُل وصاياك المحيية، لكي يؤَهَّلوا للتنعّم بلذّة التبنّي ولميراث الملكوت السماوي، أيّها الآب والابن والروح القدس، لك المجد إلى الأبد. آمين".

3- مادة سرّ مسحة الميرون
إنّ مادّة هذا السرّ هي الميرون، أي زيت الزيتون الممزوج بعطورات متنوّعة (يصل عددها حسب التقليد البيزنطي إلى 57). وهذا الميرون يباركه البطريرك يوم خميس الأسرار في رتبة خاصة، ثمَّ يوزّعه على جميع أساقفة بطريركيّته وكهنتها، وفي ذلك إشارة إلى وحدة الكنيسة ووحدة الإيمان ووحدة الشهادة.
أمّا "وضع اليد" الذي هو العلامة التقليديّة لمنح الروح القدس، فيرافق الصلاة، وهو أيضاً متضمّن في المسحة نفسها على شكل صليب.
رابعاً- أبعاد سرّ الميرون ومعانيه
يدعى هذا السرّ في التقليد الشرقي "مسحة الميرون"، وفي التقليد الغربي "التثبيت". وفي كل من هذين الاسمين نجد بُعداً أساسياً من أبعاد هذا السرّ ومعانيه. فالميرون يمنح "ختم موهبة الروح القدس"، ويهدف إلى "التثبيت في الإيمان"، ويجعل من المسيحي "مسيحاً" آخر، ويُشركه في كيان السيّد المسيح ووظائفه.

1- ختم موهبة الروح القدس
إنّ المعنى الأوّل لسرّ الميرون هو أنّه يمنح الروح القدس للمعتمد، على مثال السيّد المسيح الذي حلَّ عليه الروح القدس فور صعوده من مياه الأردن.
ومنح الروح القدس يتمّ بواسطة الميرون الذي يصير بعد تقديسه حاملاً الروح.
وهذا ما تشير إليه صلاة تقديس الميرون التي تشبه استدعاء الروح القدس على الخبز والخمر ليصيرا جسد المسيح ودمه:
"يا ربّ الرحمة وأبا الأنوار... أرسل روحك الكليّ قدسه على هذا الميرون، واجعله مسحة ملوكية، مسحة روحية، حفظاً للحياة، تقديساً للنفوس والأجساد، زيت الابتهاج... اجعله بحلول روح قدسك المسجود له رداء عدم الفساد، وختماً كاملاً راسماً في المتقبّلين حميمك الإلهي تسميتك المكرّمة واسم ابنك الوحيد وروح قدسك المحيي،... لكي يصيروا بختم هذا الميرون الطاهر شعباً خاصاً، كهنوتاً ملوكياً، أمَّة مقدّسة، ويكونوا حاملين مسيحك في قلوبهم لسكناك أيّها الآب بالروح القدس إلى الدهور".
يقول إفدوكيموف:
"إنّ ما يحلّ على المعتمد في هذه المسحة ليس فقط قدرة صادرة عن الروح القدس، كما في الصلاة اللاتينيّة، بل هو المسيح في الروح، إنّه مجيئه ليمنح لنا ذاته".
هذا ما يقوله القدّيس كيرلّس الأورشليمي:
"حذارِ أن تظنّ أنّ الزيت المقدّس ليس إلاَّ زيتاً. لأنّه كما أنّ خبز الإفخارستيّا بعد استدعاء الروح القدس أ يعد خبزاً عادياً، إنّمَا صار جسد المسيِح، كذلك هذا الزيت المقدّس لم يعد، بعد الاستدعاء، زيتاً بسيطاً عادياً، ولا زيتاً مشتركاً، بل هو عطاء المسيح وقد صار بحضور الروح القدس، مانحاً لاهوته. بهذا أريت مُسحت سرّيًّا علما جبينك وسائر حواسّك. وفي الوقت الذي يُمسَح فيه جسدك بالزيت المنظور، تُقدَّس نفسك بالروح القدس المحيي".
إنّ ما يحلّ في قلب المسيحي من خلال مسحة الميرون هو، حسب الآباء الشرقيين، الروح القدس نفسه، أي الحياة الإلهيّة غير المخلوقة. فعبارة "موهبة الروح القدس" لا تعني الموهبة التي تأتي من الروح القدس، بل "الوهبة التي هي الروح القدس". إنّ هبة الله المبشّر، أو نعمة الله، حسب الآباء الشرقيين، هي الروح القدس نفسه. فالواهب هو نفسه الموهبة، والمعطي هو نفسه العطيّة. وهذه النظرة إلى الإنسان هي في أساس عقيدة "التألّه" التي بنى عليها الآباء الشرقيون كل نظرتهم اللاهوتيّة والروحيّة.

2- التثبيت في الإيمان والقداسة
"إحفظه في قداستك، ثبِّته في الإيمان القويم، نجِّه من الشرير ومن جميع أخلاقه، أحرس نفسه بمخافتك الخلاصيّة في الطهارة والبرّ، حتى يرضيك في كل عمل وقول".
هذا ما تقوله صلاة وضع اليد قبل المسحة بالميرون. بالميرون ينتقل الإنسان من حالة الخطيئة إلى حالة القداسة وحالة الإيمان. وبالميرون يُحفَظ في القداسة ويثبَّت في الإيمان. نعمة المعمودية تشمل كيان الإنسان، ونعمة الميرون تشمل عمله. إنّ صورة المسيح التي ينالها المعتمد بالمعمودية تصير فاعلة بقدرة الروح القدس الذي يناله في مسحة الميرون.
يقول كاباسيلاس عن التكامل بين المعمودية والميرون:
"هذه الولادة الروحية وهذا التجديد بالمعمودية يستدعيان أفعالاً ونشاطات تتناسب معهـا. فالمسحة هي التي تعطي هذه الأفعال، وتجعل القوى الروحيّة كلّ القول، في حركة وفقاً لقابليّة الفاعل، وتعطي المعتمدين النتيجة التي كانت تُعطى بواسطة وضع الأيدي على المستنيرين حديثاً من قِبَل الرسل: "بوضع أيدي الرسل يُعطى الروح القدس" (أع 8: 18). وهكذا ينزل المعزّي في أيامنا على المثبَّتين"
لذلك يمكننا القول إنّ مسحة الميرون هي "عنصرة" المعتمدين. فكما أنّ الرسل بعد أن آمنوا بقيامة المسيح حلَّ عليهم الروح القدس يوم العنصرة وثبَّتهم في الإيمان، وراحوا يبشّرون بالمسيح القائم من بين الأموات وبكلّ تعاليمه، هكذا المسيحي، بالمعمودية يشترك في قيامة المسيح، وبمسحة الميرون يُختَم بموهبة الروح القدس، فتصير أعماله كلّها شهادة لإيمانه.
لذلك لا تُمنَح مسحة الميرون فقط على جبين المعتمد بل على كل أعضاء جسده، ليصير الإنسان مختوماً بختم الروح القدس في كلّ كيانه وكلّ أعماله. في هذا يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي:
"لقد مُسحتم أوّلاً على الجبين، لكي تتحرّروا من وصمة العار التي كان يحملها في كل مكان الإنسان الأوّل العاصي، ولكي تعكسوا بوجهكم المكشوف كما في مرآة مجدَ الرب" (2 كو 2: 15).
ثمّ على الأُذُنين، لكي تحصلوا على آذان تسمع الأسرار الإلهيّة، وهي التي قال عنها أشعيا: "أعطاني الرب أُذُناً للسمع" (أش 50: 4)، والرب يسوع في الإنجيل: "مَن كان له أُذُنان للسماع فليسمع" (متى 11: 15).
ثمّ على المنخرين، حتى إذا تنشّقتم العطر الإلهي، تستطيعون أن تقولوا مع بولس الرسول: "إنّا، لله، نفحة المسيح الطيّب" (2 كو 2: 15).
ثمّ على الصدر، لكي تتمكّنوا، وقد لبستم درع البرّ، من محاربة حِيَل إبليس. فكما أنّ المخلّص، بعد عماده وحلول الروح القدس عليه، حارب رئيس الظلام وانتصر عليه، كذلك أنتم، بعد العماد المقدّس والمسحة السرّية، وبعد أن تسلّحتم بسلاح الروح القدس، قاوموا قوّة الشرّ وحاربوها قائلين: "إنّي أستطيع كلّ شيء في الذي يقوّيني" (في 4: 13).

3- الاشتراك في كهنوت المسيح الملوكي
في العهد القديم كانت مسحة الروح القدس محصورة في الملوك والكهنة والأنبياء. أمّا في العهد الجديد، فالمسحة تشمل جميع المسيحيين، لأنّهم باعتمادهم يصيرون واحداً مع المسيح الذي جمع في ذاته رسالة الملوك والكهنة والأنبياء. فالمسيحي الذي يعتمد ويُمسَح بالميرون المقدّس يشترك في رسالة المسيح الثلاثيّة هذه ويصير معه ملكاً وكاهناً ونبيًّا، على ما تشير إليه صلاة تقديس الميرون:
"أيّها المخلّص الذي أعطى نعمته للأنبياء والملوك والكهنة، امنحها أيضاً بواسطة هذا الميرون للذين سيُمسَحون به".
أ) الاشتراك في الخدمة الملوكية
لمَ يقول القدّيس غريغوريوس النيصي: "النفس تظهر كرامتها الملوكية في السيطرة الحرّة على رغائبها. إنّ السيادة على كل شيء هي أن خصائص الطبيعة الملكية".
بنعمة مسحة الميرون، يستطيع الإنسان أن يتحرّر من استعباد الشهوة والخطيئة، ويصير إنساناً روحيًّا، أي خاضعاً لإلهامات الروح القدس، ويعمل على أن يتشرّب العالمُ روح المسيح، على ما علّم المجمع الفاتيكاني الثاني:
"إنّ المسيح... قد آتى تلاميذه هذا السلطان لكي يكونوا هم أيضاً مُقامين في الحرية الملكية، فينتزعوا، بإنكار أنفسهم وقداسة حياتهم، سلطان الخطيئة فيهم... وعلى المؤمنين، من خلال أعمالهم الزمنيّة أيضاً، أن يتعاونوا في سبيل حياة أقدس، لكي يتشرّب العالم روح المسيح، ويدرك، بفعالية أوفر، غايته في البرّ والمحبة والسلام"

ب) الاشتراك في الخدمة الكهنوتية
يقول بولس الرسول في رسالته إلى الرومانيين:
"أُحرّضكم أيّها الإخوة، بمراحم الله، أن تقرّبوا أجسادكم ذبيحة حيّة، مقدّسة، مرضية لله. تلك هي العبادة النبيّ يقتضيها العقل منكم. ولا تتشبّهوا بهذا العالم، بل تحوّلوا إلى صورة أخرى بتجديد عقلكم، لكي يتهيّأ لكم أن تميِّزوا ما مشيئة الله، وما هو صالح، وما يرضيه، وما هو كامل" (12: 2).
المسيحي يمارس كهنوته بتقديم ذاته ذبيحة حيّة. وأوريجانوس يربط نعمة مسحة الميرون بهذه التقدمة الكهنوتيّة، فيقول:
"كلّ الذين تشرّبوا مسحة الميرون المقدّس صاروا كهنة... كلّ منهم يحمل في ذاته ذبيحته. وهو نفسه يضع النار على الهيكل... لكي يذوب على الدوام. عندما أتخلّى عن كلّ ما أملك، وأحمل صليبي وأتبع المسيح، فإنّي بذلك أُقدّم ذبيحة لهيكل الله؛ عندما أبذل جسدي... وأحبّ إخوتي حتى إني أعطي ذاتي لأجلهم، عندما أحارب حتى الموت في سبيل العدالة والحقّ، عندما أُميت ذاتي... عندما يُصلَب العالم لي وأنا أُصلَب للعالم، فإني بذلك أُقدّم ذبيحة هيكل الله، وأصير أنا كاهن ذبيحتي الخاصة". 
والقدّيس غريغوريوس النزينزي يصف الموقف الليتورجي الصحيح بقوله: "لا أحد يستطيع أن يشترك في الذبيحة ما لم يقدّم أوّلاً ذاته ذبيحة".
ثمّ إنّ حياة المسيحي تصير كلّها تقدمة كهنوتية عندما يعمل على "أن يرضي الله في كل عمل وقول"، كما تقول صلاة وضع اليد قبل مسحة الميرون.
وهذا ما يبيّنه المجمع الفاتيكاني الثاني في النصّ التالي: 
"إنّ المسيح الرب، الحبر المأخوذ من بين الناس (عب 5: 1- 5)، قد جعل من الشعب الجديد "ملكوتاً وكهنة لأبيه" (رؤ 1: 6؛ 5: 9- 10). ذلك بأنّ المعمَّدين قد تكرّسوا بالميلاد الثاني وسمحة الروح القدس لكي يكونوا مسكناً روحياً وكهنوتاً مقدّساً، ويقرّبوا بعملهم المسيحي كلّه قرابين روحية، ويعلنوا قدرة ذاك الذي دعاهم من الظلمة إلى نوره العجيب (1 بط 2: 4- 10). فليقرّب إذن جميع تلاميذ المسيح أنفسهم، مواظبين على الصلاة وحمد الله، قرابين حيّة، مقدّسة، مرضيّة لله، ويشهدوا للمسيح في كل مكان، ويقيموا الدليل، في كل مطلب، على الرجاء الذي فيهم للحياة الأبدية...
إنّ المؤمنين... بسرّ التثبيت يتوثّق ارتباطهم بالكنيسة على وجه أكمل، ويؤتيهم الروح القدس قوّة خاصة، فيلتزمون من ثمّ التزاماً أشدّ بنشر الإيمان، والذود عنه بالقول والعمل، فِعْلَ شهود للمسيح حقيقيين. وباشتراكهم في ذبيحة الإفخارستيّا، منبع الحياة المسيحيّة كلّها وقمّتها، يقرّبون لله الذبيحة الإلهيّة، ويقرّبون معها أنفسهم أيضاً. وهكذا بالتقدمة والتناول يقومون جميعهم، لا في غير تمييز بل كلٌّ حسب طريقته، بقسطهم الخاص في العمل الليتورجي. وإذ يتغذّون بجسد المسيح في الجماعة المقدّسة يظهرون، بوجه حسّيّ، وحدة شعب الله التي يعبِّر عنها هذا السرّ العظيم أكمل تعبير. ويحقِّقها أروع تحقيق".

ج) الاشتراك في الخدمة النبويّة
النبيّ ليس من يتنبّأ عن أحداث المستقبل، بل من يدرك تصميم الله في العالم، ويعرف أن يقرأ إرادته من خلال الأحداث
في مملكة قيصر يرى النبيّ ما يجب فعله لإحلال ملكوت الله. إنّ وجه هذا العالم يجب أن يتجدّد ويتغيّر ليمتلئ من روح المسيح. وعلى كلّ مسيحي أن يسهم في هذا التجديد، ليس فقط بكرازته بل أوّلاً بعمله، على مثال السيّد المسيح، كما جاء في المجمع الفاتيكاني الثاني:
"إن المسيح، النبيّ الأعظم، الذي أعلن ملكوت الآب بشهادة حياته وقوّة كلمته، يتابع عمله النبوي إلى أن يتمّ ملء تجلّي المجد، وذلك ليس فقط بواسطة السلطة الكنسيّة التي تعلّم باسمه وبسلطانه، بل أيضاً بواسطة العمانيّين الذين يجعلهم من أجل ذلك عينه شهوداً بما يوليهم من حاسّة الإيمان ونعمة الكلمة (أع 2: 17- 18؛ رؤ 19: 10)، لكي تشّع قوّة الإنجيل في الحياة اليومية، العيليّة والمجتمعيّة. ويظهرون أنفسهم أبناءً للموعد عندما يستثمرون، وهم راسخون في الإيمان والرجاء، الوقت الحاضر (أف 5: 16؛ كو 4: 5)، وينتظرون في ثباتٍ المجدَ الآتي. وهذا الرجاء لا يجوز لهم أن يواروه في سرّ قلوبهم بل أن يظهروه أيضاً من خلال بُنَى الحياة العالميّة بارتداد مستمرّ، و"بمصارعتهم سلطات هذا العالم، عالم الظلمة، وأرواح الشرّ" (أف 6: 12)...
إن بعض العلمانيّين، بما لهم من وسائل، يسدّون، في بعض الخِدَم المقدّسة، مسدّ الخدّام المكرَّسين إذا فُقد هؤلاء أو ضُربوا بالعجز من جرّاء نظام مضطهد، وغيرُهم، أكثر عدداً، يبذلون أنفسهم بكل قواهم في العمل الرسولي، وإنّما على الجميع واجب الإسهام في امتداد ملكوت المسيح ونموّه في العالم".
خلاصة
المعمودية تلد الإنسان لحياة جديدة، والميرون يمنحه قوّة الروح القدس لتنمو فيه هذه الحياة وتصل إلى ملئها في واقع وجوده الشخصي والجماعي. المعموديّة تصيِّر الإنسان كائناً جديداً والميرون يتيح لهذا الكائن الجديد أن يحقّق ذاته في كل أبعاده.
إنّ الروح القدس الذي ينسكب بالميرون في قلب المسيحي المعتمد، ويملأ ثنايا جسده وروحه، يضع فيه بذور الحريّة وبذور النضج الروحي. فالمسيحي مدعو إلى أن يتمّم أعماله كلّها في الانقياد الحرّ لروح الله، حتى يبلغ بقدرة هذا الروح عينه "إلى حمالة الإنسان البالغ إلى ملء اكتمال المسيح" (أف 4: 13).
إنّ الأسرار المقدّسة هي سلسلة متّصلة تشمل مختلف مراحل حياة المسيحي. وتبدأ بسرَّين متكاملين: بالمعمودية التي تجعل الإنسان ابناً لله، وبالميرون الذي به "يرسل الله إلى قلوبنا روح ابنه ليصرخ فيها: أبّا! أيّها الآب"، مؤكّداً لنا "أنّنا لسنا بعد عبيداً بل أبناء، وورثة لله" (غلا 4: 6- 7).
إنّ الروح القدس الذي بالميرون يملأ كيان المسيحي لا يني يهمس له في أعماق قلبه ما أنعم به عليه الله ويقوده إلى سائر الأسرار. لذلك انطلاقاً من سرّ الميرون يتاح للمسيحي التقرّب إلى سائر الأسرار بحرية ومسؤولية ووعي للالتزامات الناتجة عن هذا التقرّب: فيقدّم ذاته مع السيّد المسيح في سرّ الإفخارستيّا، ويتحمّل مسؤولية ذنوبه ويتوب عن خطاياه في سرّ التوبة، ويقوى على العذاب في سرّ مسحة المرضى، ويلتزم الحب في سرّ الزواج على مثال محبة المسيح للكنيسة، ويتكرّس لخدمة شعب الله في سرّ الخدمة الكهنوتيّة.
مُقَدّمَة

في قانون الإيمان الذي يتضمّن موجز الإيمان المسيحي لا يرد ذكر لسرّ الافخارستيّا. فبعد إعلان الإيمان "بكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسولية"، يتابع قانون الإيمان: "ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا". فمن الأسرار السبعة لا يرد ذكر إلاَّ لسرّ المعمودية، دون أيّ إشارة إلى الافخارستيّا ولا إلى سائر الأسرار. وذلك لسبب تاريخي بسيط، هو أنّه عندما أعلن آباء الكنيسة قانون الإيمان في القرن الرابع في مجمعي نيقية سنة 325 والقسطنطينيّة سنة 381، لم يكن سرّ الافخارستيّا موضوع خلاف بين المسيحيين، بل كانت الكنائس كلّها تحتفل به "بفم واحد وقلب واحد". ففيما كان المسيحيون مختلفين حول عقائد الثالوث الأقدس وتجسّد الكلمة وألوهية الروح القدس، وطريقة التعبير عنها بألفاظ ترضي العقل، كانوا متّحدين في الاحتفال بسرّ الافخارستيّا، معتبرينه محور صَلاتهم الجماعية وعباداتهم الطقسية. فالعقائد كانت تفرّق المسيحيين، أمّا سرّ الافخارستيا فكان يجمعهم.
ثم إنّ سرّ الافخارستيّا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسرّ الكنيسة الواحدة. فلا وجود لكنيسة دون افخارستيّا، ولا وجود لإفخارستيّا دون كنيسة. لذلك بإعلان الإيمان بالكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية، أعلن الآباء ضمناً إيمانهم بالإفخارستيّا.
إنّ سرّ الافخارستيّا هو التعبير الليترجي عن قانون الإيمان. وهذا القول الذي يبدو لنا أساسياً لفهم كِلا قانون الإيمان وسرّ الافخارستيّا هو الذي وجّه تصميم بحثنا في سرّ الافخارستيّا:
ففي قانون الإيمان نعلن إيماننا من خلال الشهادة، وفي سرّ الافخارستيّا نعلن الإيمان عينه من خلال الاحتفال الليترجي. وهذا الإيمان يتضمّن خمس نقاط:
1- الله الآب الخالق
2- الابن المتجسّد والخلّص
3- الروح القدس الرب المحيي
4- الكنيسة الواحدة
5- قيامه الموتى والحياة في الدهر الآتي
تلك الحقائق الخمس التي نعلنها في قانون الإيمان هي نفسها التي نحتفل بها في سرّ الافخارستيّا. وهذا ما سنبيّنه في مختلف فصول هذا البحث:
1- فالافخارستيّا هي أولاً سرّ الشكر لله الآب الذي خلقنا وأدخلنا في عهد جديد معه بواسطة ابنه يسوع المسيح (الفصل الأول).
2- والافخارستيّا هي أيضاً سرّ حضور المسيح المخلّص في تجسّده وحياته وعشائه الأخير مع تلاميذه، وموته وقيامته ومجيئه الثاني (الفصل الثاني).
3- 5 والافخارستيّا هي أخيراً سرّ حضور الروح القدس الربّ المحيي، الذي يحوّل القرابين المقدَّمة إلى جسد المسيح ودمه، ويكوّن الكنيسة، على رجاء الاحتفال بالوليمة السرّية في ملكوت السماوات.
قانون الإيمان والاحتفال الافخارستيّ سبيلان نعبّر من خلالها عن إيماننا بالله الحيّ: بالآب مبدإ وجودنا، والابن مصدر خلاصنا، والروح القدس ينبوع حياتنا.
بإعلان إيماننا في قانون الإيمان وفي سرّ الافخارستيّا نشترك في حياة الله الثالوث، فنتألّه نعمل على تأليه الكون. 
الفصل الأول
الإفخارستيّا سِرُّ الشُكر لله الآب
الذَبائح وَالقرابين في الأديان عَامّة وَفي العَهد القديم

"الافخارستيّا" لفظة يونانيّة تعني "الشكر". قبل التوسّع في معاني سرّ الافخارستيّا في اللاهوت المسيحي، لا بدّ لنا من التوقّف لحظة على معنى الشكر في حياة الإنسان، وذلك على الصعيد الإنساني المحض، وعلى الصعيد الديني.
الشكر هو إحدى العواطف الإنسانيّة التي تُخرج الإنسان من ذاته وتحمله على الاعتراف بوجود الآخر وبما يقوم به من أعمال حسنة. وهذا الاعتراف هو بوجود الآخر كشخص حرّ مستقلّ وغير مستعبَد لأحد، لا يقوم بصنائعه وأعماله الحسنة تحت الضغط والإكراه، بل بملء حريته وبدافع من سخائه ومحبته.
ويتضمّن هذا الاعتراف التزاماً من قِبَل من يؤدّي الشكر بالارتفاع الى مستوى الصنائع والأعمال الحسنة التي يؤدّي الشكر لأجلها، وبالعيش بموجبها. فالشكر عاطفة إيجابية فعّالة تُدخل الإنسان في علاقة بنّاءة مع الآخر، وتنشى بين البشر صِلات احترام وتقدير ومحبة، فتسهم في بناء الذات وبناء العالم.
تلك العاطفة الإنسانية تصير عاطفة دينية عندما تتّجه نحو الله عزّ وجلّ، فتعترف بوجوده وبصنائعه. تعترف بوجوده كشخص حرّ يفيض على العالم محبته ورحمته وسخاءه، وتعترف بصنائعه معلنة أنه وحده مبدع كل المخلوقات والمانح الحياة والخلاص لكل إنسان.
ففي هذا الفصل سنتوسّع في التعبير عن عاطفة الشكر والاعتراف هذه في الأديان عامة وفي العهد القديم.
إنّ جوهر كل دين وكل صلاة يقوم على أن يرفع الإنسان قلبه إلى الله ليدخل معه في علاقة محبة وصلة شكر واعتراف. وهذا ما يظهر لنا في مختلف الأديان وفي العهد القديم.

أولاً- الذبائح والقرابين في الأديان عامة
منذ أن وعى الإنسان وجوده على الأرض، رأى في الكون قوة تفوق الكون، وفي المادة روحاً تحيي المادة. وهذا الوعي هو في أساس الفكر الديني. فالإيمان بالله، منذ أقدم العصور وفي مختلف الديانات والحضارات، هو رفض الاكتفاء بما تراه الحواسّ، ونظرة واسعة تتطلّع إلى ما يتخطّى الكون والطبيعة وتنفذ إلى أعماق الوجود الإنساني.
ولقد تنوّعت تلك النظرة إلى الله بتنوّع الأديان والحضارات، من عبادة الأصنام إلى عبادة الآلهة المتعدّدة إلى الإيمان بالإله الواحد. غير أنّ أمراً أساسياً يجمع بين تلك النظرات المختلفة. وهو الاعتراف بأن الكون والإنسان ليسا عمل صدفة في تطوّر المادة، بل أن وجودهما مرتبط بوجود إله هو خالقه وغايتهما القصوى.
وهذا الاعتراف بالإله الخالق عبّر عنه الفكر الديني بوسائل مختلفة، منها تقديم القرابين والذبائح. وهي عبادة نشهدها في مختلف الأديان ولدى معظم الشعوب، فما هو مضمون هذا التعبير الديني من الناحية الأنتروبولوجية ومن الناحية الدينية؟ أي ماذا يقصد الإنسان الذي يلجأ إلى القرابين والذبائح للتعبير عن عبادته لإلهه أو لآلهته.
هناك مراحل ثلاث تتّسم بها القرابين والذبائح بنوع عام: التقدمة، الذبيحة الدموية، الشركة في الطعام من الذبيحة الواحدة.

1- التقدمة
قد نجد في بعض الكتب التي تتكلّم على سرّ الافخارستيّا وعلى الذبائح بنوع عام تركيزاً على فكرة "الذبيحة" وعلى ما توحي به من سفك دم وإتلاف، وكأنها تعبير عن موقفا تنكّر للحياة وتخلٍّ عن مباهج هذا العالم وتضحية بملذّاته. قد يكون هذا التركيز على النواحي السلبيّة للذبيحة مرتبطاً باعتراف الإنسان بخطيئته وبضرورة التكفير عنها بسفك الدم.
لا شك أن الخطيئة تطبع كل علاقاتنا بالله. ولكن الأمر الأوّل والأساسي الذي يميّز الفكر الديني هو" التقدمة" لله، وليس الذبيحة. والذبيحة عينها، قبل أن تُذبَح وتُتلَف، قدَّم إلى هيكل الله. إنّها "قُربان" قبل أن تكون "ذبيحة". وهذا القربان هو عمل رمزي به يعبّر الإنسان عن اعترافه بسيادة الله، ويشكر له انعاماته، ويدخل في علاقة ألفة معه. فالمزارعون يقدّمون باكورة غلالهم، والرعيان يقدّمون أبكار قطعانهم، اعترافاً منهم بأنّ كلّ ما يملكون هو من الله. وهذا ما يذكره الكتاب المقدّس عن الإنسان المتديّن منذ فجر التاريخ: "فقايين كان يقدِّم من ثمر الأرض تقدمة للرب، وهابيل من أبكار غنمه ومن سمانها" (تك 4: 3- 4).
هناك خطر الانحراف من هذا الفكر الديني الصافي إلى الفكر الأسطوري الذي يعتقد أن الآلهة بحاجة إلى الأكل والشرب. فالتقدمة التي هي رمز لتقدمة الذات تصير في الفكر الأسطوري تقدمة حقيقية لتلبية حاجات الآلهة. كما أنّ هناك خطراً آخر يشوّه معنى القرابين والذبائح، ويقوم على تقديم القرابين والذبائح استرضاءً لله أو طلباً لعطيّة خاصة من الآلهة. إذّاك يصير الدِين متاجرة: يقدّم الإنسان من ممتلكاته تقادم للآلهة لكي يُسكِّن غضبهم، فيرضوا عنه ويُنعموا عليه بما هو بحاجة إليه.
وقد كان أنبياء العهد القديم يحذّرون من خطر هذا الانحراف المزدوج لمعنى القرابين والذبائح. فالدِين الحقيقي هو "الاعتراف" أي الشكر والتمجيد، و"تقويم الطريق" أي العمل الصالح. نقرأ في المزمور 49:
"اسمع يا شعي، فأُكلِّمك... إنّي أنا الله إلهك.
لا أُوبِّخك على ذبائحك، فإنّ محرقاتك أمامي في كل حين.
لا آخذ من بيتك عجلاً، ولا من حظائرك تيساً.
فإنّ لي جميع وحوش الغاب، وألوف البهائم التي في الجبال...
إن جعتُ فلا أخبرك، فإنّ لي المسكونة وملأها.
أم لعلّي آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس.
إذبحْ لله الاعتراف، وأوفِ العليّ نذورك.
إنّ الذي يجعل ذبيحته الاعتراف هو يمجّدني،
والذي يقوّم طريقه إيّاه أُري خلاص الله".
(مز 49: 7- 23)
ونجد المعنى الروحي عينه في المزمور 50:
"يا رب افتح شفتيَّ، فيذيع فمي تسبيحك،
لأنك لو شئتَ ذبيحة لقدّمت. لكنّك لا ترتضي بمحرقات
إنّمَا الذبيحة لله روح منسحق. لا يرذل الله قلباً منسحقاً ومتواضعاً".
(مز 50: 17- 19)
وهذا المعنى الروحي للقرابين والذبائح، الذي نجد بعض إشارات إليه في العهد القديم، سيبلغ كماله في شخص يسوع المسيح الذي سيقرّب ذاته ذبيحة على الصليب، حسب قول الرسالة إلى العبرانيين:
"من المحال أنّ دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا. فلذلك يقول المسيح عد دخوله العالم: ذبيحةً وقرباناً لم تشأ، غير أنّك هيّأت لي جسداً. لم ترتضِ محرقات ولا ذبائح خطيئة. حينئذٍ قلتُ: ها أناذا آتي -إذ عنّي قد كُتب في دَرْج الكتاب- لأعمل، يا ألله، بمشيئتك" (عب 10: 4- 7).
بالتقدمة يتخلّى الإنسان عن بعض ما يملك تعبيراً عن إيمانه بأن الله مصدر وجوده وينبوع ممتلكاته. وبالتقدمة تصير الأرض كلها والحياة البشرية رمزاً لله، مصدر كل وجود وكل حياة.
ان الكلمات التي تعبّر من خلالها ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم في الطقس البيزنطي عن التقدمة: "ما لك ممّا هو لك، نقرّبه لك عن كلّ شيء ومن أجل كلّ شيء"، هي العبارة الأساسية لكلّ تقدمة وكلّ ذبيحة. فالمؤمن يعتبر أنّ كل ما يملك هو لله، لذلك لا يسعه إلاَّ أن يقدّم لله "ممّا هو لله". وبهذه التقدمة وهذا التلاقي بين ما هو إلهي وما هو إنساني يتجدّد العهد بين الله والإنسان.
إنّ هدف التقدمة الأوّل هو إذاً جعل الله حافراً في العالم المرئي والدخول في عهد معه. إلى هذا الهدف الأول تنضمّ أهداف أخرى تبدو أكثر نفعاً للإنسان: كالطلب والتكفير عن الخطايا. ولكنّ هذه الأهداف تبقى ثانوية بالنسبة إلى الهدف الأساسي. وإن كانت في بعض الأحيان تحجبه، إلاَّ أنّها تفترض دوماً وجوده.

2- الذبيحة
في الذّبيحة يدخل على التقدمة عنصر جديد. هو عنصر إتلاف التقدمة أو ذبحها أو إحراقها. إنّ هذا الإتلاف غير ضروري للتعبير عن معنى التقدمة، ولكنّه يؤكّد العطاء الكامل: فالأشياء التي تُتلَف، والحيوانات التي تُذبَح أو تُحرَق تحرَّم عن الاستعمال العام وعن العلاقات الدنيوية.
أن إتلاف الذبيحة هو تقدمة ثانية تجعل من المعاهدة الدينية التي تتمّ من خلال العمل الرمزي معاهدة نهائية. ولتوضيح هذا الأمر نشير إلى أحد الطقوس الغريبة التي يمارسها الهنود في شمالي غربي أميركا: عندما تلتقي قبيلتان، يقدّم رئيسا القبيلتين أحدهما الآخر أثمن ما لديه من الأشياء، ثم يُتلف كلّ منهما ما قُدِّم له، للتعبير عن أنّ ما هو أساسيّ ليس الشيء المقدَّم بل ما يرمز إليه، أي علاقة التضامن والتبادل والعهد بين القبيلتين.
إنّ الفائدة الحقيقيّة التي يجنيها الإنسان من تقدمة الذبيحة هي الدخول في علاقة مع الله، وليس الحصول على موهبة خاصة مقابل تقدمته. يكفي الإنسان أنه يتّصل، من خلال هذا العمل الرمزي، بمن هو مصدر وجوده والأساس الثابت لحياته. وهذا الاتصال يمنحه السكينة والاستقرار. وبهذا يُظهر العهد مع الله فعاليّته، قبل أيّ التفاتة أخرى أو أيّ تدخُّل خاص من قِبَل الله لصالح الإنسان.
أمّا الطابع الدموي للذبائح فيدلّ على أمرين: فالإنسان أولاً بسفك دم ذبيحة حيوانيّة يرمز إلى سفك دمه الخاص، أي إلى عطاء ذاته عطاءً تامًّا لله. ثم أن الدم هو وسيلة مميّزة للاتصال بالله: وذلك إمّا برشّ دم الذبيحة على الهيكل، الذي يمثّل الله، وعلى الشعب، وإمّا بشرب دم الذبيحة المكرّسة لله. فرباط الدم هو أقوى رباط بشري. والله والإنسان، بدخولهما في هذا الرباط بواسطة دم الذبيحة، يتّحدان في معاهدة قرابة.
وهذا يقودنا إلى الناحية الثالثة، التي هي التناول من الذبيحة.

3- التناول من الذبيحة لتحقيق الشركة مع الله
في معظم الديانات، تنتهي الذبيحة بتناول جزء من الضحية المقدَّمة. فالأكل والشرب هما العلامتان الأساسيتان اللتان يتم بهما التعبير عن تحوّل شيء خارجي منفصل عن الإنسان ليصير جزءاً من الإنسان. ويرى التحليل النفسي في القبلة والمعانقة شكلاً متفرّعاً من هذه الظاهرة الإنسانيّة.
والتناول يحقّق الشركة على صعيدين: على الصعيد العمودي، بالشركة مع الله، وعلى الصعيد الأفقي، بالشركة مع جميع الذين يتناولون من الذبيحة الواحدة. فبتناول جزء من الذبيحة المكرّسة لله، يعبّر الإنسان عن اتحاده بالله. ثم ان تحقيق الشركة مع الله بواسطة شيء من أشياء هذا العالم هو في الوقت عينه تقدير لخلائق الله واعتراف بما لها من قدرة على إدخال الإنسان في علاقة مع الله.
وكذلك على الصعيد الأفقي، فالمتناولون، باشتراكهم في الذبيحة الواحدة، يعبِّرون عن اتحادهم بعضهم ببعض. كما أن تناول الخبز معاً هو علامة الصداقة والمصالحة حسب ما جاء في سفر المزامير: "صاحب سلامي الذي اتكلتُ عليه وأكل خبزي قد رفع عليَّ عَقِبه" (مز 41: 10؛ راجع يو 13: 18). ان هذا البُعد الأفقي للذبيحة مهمّ جدًّا للتأكيد على أنّ العمل الديني ليس هروباً من هذا العالم. فلا وجود لدين حقيقي ولا لذبيحة حقيقية إلاَّ ضمن هذا العالم وضمن جماعة من الناس مترابطين بعضهم ببعض في حياة أخوية. فالذبيحة الواحدة توطّد اتحادنا بالله، وتوطّد اتحادنا بعضنا ببعض. ويجب التنبّه إلى عدم الفصل بين هذين البعدين والاكتفاء بالواحد دون الآخر. فالاتحاد بالله يجب أن يقودنا إلى الاتحاد بإخوتنا. ومن جهة أخرى الاتحاد بين الإخوة يصير اتحاداً دنيوياً وتجمّعاً بشريًّا معرّضاً للانحلال لدى أدنى صعوبة، إن لم تتأضل جذوره في الاتحاد بالله. فالإخوة في الجماعة الواحدة، بارتباطهم بعضهم ببعض في الدم المكرّس لله الذي يشتركون فيه، يدخلون في أُسرة الله. ولأنهم أبناء الله، هم إخوة بعضهم لبعض.

ثانياً- الذبائح والقرابين في العهد القديم

1- الذبائح والقرابين عامة
لقد عبّر العهد القديم عن علاقته بالله بثلاثة أنواع من الذبائح: المحرَقات، وذبائح السلام، والذبائح عن الخطايا. ولقد ذكر سفر الأحبار قواعد وشرائع تقديمها بكل دقة (اح فصل 1- 7).

أ) المحرقات
المحرقات هي الذبائح التي تُحرَق بكاملها على مذبح الله. ولا يعود شيء منها لا للكاهن ولا لمقدّم الذبيحة. انها "مُحرَقة بالنار، رائحة رضى للرب" (أح 1: 13، 17). والذي يقدّم الذبيحة "يضع يده على رأس المحرقة، فيُرضى عنها تكفيراً عنه" (أح 1: 4). إنّ حرق الذبيحة بكاملها يعبّر عن العطاء الكامل لله.
ب) الذبائح السلامية
تُدعى هذه الذبائح "ذبائح سلامية" لأنها تعيد السلام والمصالحة بين الإنسان والله. انها ذبائح العهد. لذلك تُقسَم إلى ثلاث حصص: حصة الله، وحصة الكاهن، وحصة لمقدّم الذبيحة. فحصة الله تُحرَق بكاملها، والحصتان الأخريان يتناولهما الكاهن ومقدّم الذبيحة، ويرمز اشتراك المؤمن مع الله والكاهن في تناول الذبيحة الواحدة إلى الدخول في شركة مع الله، إلى عقد عهد سلامي معه.
وفي هذا يقول بولس الرسول: "تأمّلوا اسرائيل بحسب الجسد: أليس الذين يأكلون المذبح هم شركاء المذبح؟" (1 كو 10: 18).
بسبب العهد مع الله، كانت هذه الذبائح تتَّسم بسمة الفرح والعيد.

ج) ذبائح الخطايا وذبائح الآثام
هي الذبائح التي تُقدَّم للتكفير عن خطايا الشعب (أح 4- 7). والذي يقدّم الذبيحة تكفيراً عن خطاياه لا يعود له أي جزء منها (اح 7: 6- 10). في هذا النوع من الذبائح يأخذ الكاهن من دم الذبيحة ويرشّ به المذبح (اح 4: 16- 18).
ويفسّر سفر الأحبار معنى الدم فيقول: "إنّ نَفْس الجسد هي في الدم، وأنا جعلنه لكم على المذبح ليكفَّر به عن نفوسكم. لأنّ الدم يكفّر عن النفس" (اح 17: 11).

د) قرابين من غلال الأرض
هناك أيضاً قرابين من ثمار الأرض كانت تُقدَّم إلى جانب ذبائح الحيوانات أو عِوَضاً عنها، حسب ما يصفه سفر الأحبار.
فهناك أولاً قرابين التقدمة، أي قرابين الشكر:
"إن قرّب أحد قربان تقدمة للرب، فليكن قربانه سميذاً يصبّ عليه زيتاً ويجعل عليه بخوراً... وان قرّبتَ تقدمة بواكير للرب، فسنبلاً مشويًّا بالنار، جَرِيشاً من الحبوب الطريئة تُقدِّم قربان بواكيرك، وتجعل عليها زيتاً وتضع عليها بخوراً: إنّها تقدمة" (أح 2: 1- 16).
ثم هناك قرابين تُقدَّم للتكفير عن الخطايا:
"إذا خطئ أحد... ولم يكن في يده أن يقدّم شاة، فليأتِ للرب بذبيحة إثمه الذي خطئ به، زوجَي يمام أو فرخَي حمام، أحدهما ذبيحة خطيئة والآخر محرقة... وإن لم يكن في يده أن يقدّم زوجَي يمام أو فرخَي حمام، فليقرِّب عن خطيئته التي خطئها عُشْر إيفَة سميذاً، قربان خطيئة، لا يصبّ عليه زيتاً ولا يجعل عليه بخوراً، لأنه قربان خطيئة (أح 5: 5- 12).

2- ذبيحة العهد على يد موسى
هناك ذبيحة هامة في تاريخ شعب العهد القديم قدّمها موسى على جبل سيناء ورافقت إقامة العهد مع الله، وتكتسي بالنسبة إلينا أهمية خاصة بسبب المقارنة التي سيجريها العهد الجديد بينها وبين ذبيحة السيد المسيح.
وصل العبرانيون، بعد خروجهم من مصر، إلى برية سيناء، فنزلوا فيها مقابل الجبل. فصعد موسى إلى الله، وأوحى له الله بالوصايا العشر وبسائر أحكامه وأوامره، دُعيت في ما بعد "كتاب العهد" (خر 24: 7).
"فجاء موسى وقصّ على الشعب جميع أقوال الرب وجميع الأحكام. فأجابه الشعب كلّه بصوت واحد وقال: كلّ ما تكلّم به الرب نعمل به. فكتب موسى جميع كلام الرب، وبكَّر في الصباح وبنى مذبحاً في أسفل الجبل، واثني عشر نُصُباً لأسباط إسراثيل الاثني عشر. وأرسل شبّان بني اسرائيل، فأصعدوا محرقات، وذبحوا ذبائح سلامية من العجول للرب. فأخذ موسى نصف الدّم، وجعله في طسوت، ورشّ النصف الآخر على المذبح. وأخذ كتاب العهد، فتلا على مسامع الشعب، فقال: "كلّ ما تكلّم الرب به نفعله ونسمعه". فأخذ موسى الدم ورشَّه على الشعب وقال: "هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال". ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل. فرأوا إله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنع بلاط سفير أشبه بالسماء نفسها نقاء. وعلى أعيان اسرائيل هؤلاء لم يمدّ يده. فرأوا الله وأكلوا وشربوا" (خر 24: 3- 11).
انطلاقاً من هذا النصّ يمكننا القول إنّ العهد بين الله وشعبه يحوي ثلاثة أمور متماسكة ومؤتلفة: العهد بالكلمة، العهد بدم الذبائح، والطعام على مائدة الله.

أ) العهد بالكلمة
العهد هو اتفاق بين الله وشعبه وفقاً لأحكام واضحة يعلنها الله نفسه ويلتزم الشعب باتّباعها. وهذه الأحكام هي قبل كل شيء وصايا الله العشر المنصوص عليها في الفصل العشرين من سفر الخروج: "أنا الرب إلهك... لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي... لا تحلف باسم الرب إلهك بالباطل... أذكر يوم السبت لتقدّسه... أكرم أباك وأمّك لكي يطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك. لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور. لا تشتهِ بيت قريبك، لا تشتهِ امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً ممّا لقريبك" (خر 20: 2- 17). ويعود سفر الخروج فيدعو تلك الوصايا "كلام العهد، الكلمات العشر" (خر 34: 28)، فالله يكون مع شعبه وينصرهم على أعدائهم ويُسكنهم أرض الميعاد، شرط أن يتبعوا وصايا الله ولا يخونوا العهد الذي أبرموه مع الله.
ب) العهد بدم الذبائح
إنّ العهد الذي عُقد بين الله وشعبه على الأحكام والوصايا قد تثبَّت بدم الذبائح. فإنّ موسى، بعد أن عاهد الله بالكلمة، رشّ على المذبح وعلى الشعب من دم الذبائح قائلاً: "هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال". إلى هذا العهد يشير يسوع في قوله لرسله أثناء العشاء الفصحي: "اشربوا من هذا كلكم، هذا هو دمي، دم العهد، الذي يُهراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا" (متى 26: 27- 28).

ج) الطعام المشترك
رأينا أن الذبائح السلامية تكتمل بالاشتراك في الطعام الواحد. فالعهد الذي يُبرَم بالكلمة ويُثبَّت بالدم تُوطَّد عراه في طعام الشركة: "رأوا الله وأكلوا وشربوا". إنّ الشركة في الطعام الواحد بعد عقد العهد هي في آن واحد تعبير لفرح المتعاقدين وعلامة لاتحادهم وصداقتهم ومحبتهم بعضهم لبعض. لذلك تُعتبَر خيانة العهد الذي توَطَّد في شركة المائدة خيانة بغيضة. وهذا ما شعر به يسوع إزاء خيانة يهوذا له: "إنّ من يأكل خبزي رفع عليَّ عَقِبه" (يو 13: 18؛ مز 41: 10).

ثالثاً- الفصح في العهد القديم

هناك ذبيحة أخرى كان لها عند اليهود أهمية كبرى لكونها تذكّرهم بأعظم حدث في تاريخهم، حدث خروجهم من مصر على يد موسى، وهي ذبيحة الحمل الفصحي الذي كانت كل أسرة يهودية تأكله ليلة عيد الفصح مع خبز فطير وأعشاب مُرَّة، تذكاراً للحمل الذي أكله العبرانيون ليلة خروجهم من مصر، وبدمه أُنقِذ أبكارهم من الموت.

1- تاريخ عيد الفصح
أ) عبد الفصح قبل الخروج من مصر
يرى معظم مؤرخي الكتاب المقدس أنّ عيد الفصح لم يبدأ مع موسى. بل له تاريخ قديم يعود إلى زمن القبائل الرحّالة. فبدء الربيع هو، عند الرُحَّل، زمن الانتقال بالمواشي إلى أماكن أخرى طلباً للكلأ والماء والمناخ المعتدل. وقبل الرحيل كانوا يقدّمون ذبيحة لآلهتهم طلباً للخصب وحماية لقطعانهم من "ملاك الموت" الذي كانوا يعتقدون أنّه هو الذي يفتك بمواشيهم. وبما أنّ صغار المواشي كانت معرَّضة أكثر من غيرها لخطر الهلاك في هذا الرحيل، درجت العادة بتقديم حمل من مواليد السنة ذبيحة للآلهة. ثم يؤخَذ من دمه ويُجعَل علامة على مدخل خيمهم لإبعاد الشرّ عنهم. وقد تكون هذه العادة أصل لفظة "الفصح" المشتقّة من فعل "فسح" الذي يعني بالعبريّة "عبر". وهذا المعنى سيحفظه سفر الخروج:
"فيكون الدم لكم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم، وأعبر عنكم، ولا تحلّ بكم ضربة مهلكة، إذا ضربت أرض مصر" (خر 12: 13؛ راجع أيضاً 12: 23، 27).
وكانت هذه الذبيحة تُقدَّم عند المساء، في اكتمال البدر، عند الاعتدال الربيعي، في الرابع عشر من شهر أبيب، أي السنابل (وقد أطلق عليه اسم نيسان بعد الرجوع من السبي)، وذلك في عشاء عائلي يلائم أوضاع حياة البدو في الصحراء، مكوَّن من لحم مشوي هو لحم الذبيحة المقدّمة، وبعض الأعشاب البرية (التي ستصير في احتفال الفصح بعد الخروج من مصر أعشاباً مرّة ذكراً لما قاساه اليهود لدى خروجهم من مصر)، وخبز فطير. وهذا الخبز هو تقليدي في البلدان الحارّة ولدى الارتحالات إلى مناطق أخرى، لأنه يمكن حفظه لفترة طويلة دون أن تصيبه العفونة.
فكلّ سنة في أوّل الربيع، كان العبرانيون يحتفلون بهذا العيد الذي ورثوه عن أجدادهم. وقد حافظوا على هذا الاحتفال حتى في أثناء وجودهم في مصر. وهذا ما تشير إليه بعض النصوص في سفر الخروج، تخبر أنّ موسى وهارون دخلا على فرعون، وطلبا منه من قِبَل الرب أن يسمح للعبرانيين بأن ينطلقوا من ممرا ويذهبوا "مسيرة ثلاثة أيام في البرية ليعبدوا الرب هناك ويعيّدوا له ويقدّموا له ذبيحة" (خر 3: 18؛ 5: 1- 3؛ 7: 16؛ 8: 21- 27). فهذا العيد "يرجع إلى ما قبل موسى وقبل الارتحال من مصر. لكن الخروج هو الذي أعطاه مغزاه النهائي".

ب) عند الفطير
هناك أيضاً عيد آخر يعود إلى ما قبل الخروج من مصر، وقد دُمج في ما بعد بعيد الفصح، وهو عيد الفطير. ففيما عيد الفصح مرتبط بحياة البداوة وتربية المواشي، عيد الفطير مرتبط بحياة الحضر والزراعة. ويعود أصل هذا العيد إلى الكنعانيين، وقد تبنّاه العبرانيون بعد استقرارهم في أرض كنعان. وهذا العيد يُحتفَل به أيضاً في بدء الربيع لدى حصاد الشعير، وفيه تُقدَّم لله بواكير الحصاد. "فكانت خبزات من الفطير تصحب باكورة الحصاد (اح 23: 5- 14؛ تث 26: 1). وكان التخلّص من الخمير القديم رتبة طقسية للطهارة والتجديد السنوي".
وبعد دمج هذا العيد بعيد الفصح، سيربط التقليد الاسرائيلي بين هذه المراسيم الطقسية وبين الارتحال من مصر (خر 23: 15؛ 34: 11)، فيرى في الفطير علامة العجلة في الارتحال من مصر، حتى ان العبرانيين حملوا معهم عجينهم قبل أن يختمر (خر 12: 34- 35).

ج) الخروج من مصر
لقد حفظ العبرانيون ذكراً خاصاً لحدث هام في تاريخهم، وهو حدث خروجهم منِ مصر على يد موسى. وهذا الحدث التاريخي فسّروه تفسيراً إيمانياً، فرأوا فيه تدخُّلاً خلاصيًّا من قِبَل الله لإنقاذ شعبه وإعادته إلى أرض الميعاد التي أقسم لابراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم (تك 26: 3؛ تث 1: 35).
ان هذه الأعياد والتذكارات الثلاثة: عيد الفصح، وعيد الفطير، وذكرى الخروج من مصر تجمّعت على مرِّ الزمن، وصارت بعد استقرار العبرانيين في أرض كنعان، عيداً واحداً له مراسيم خاصة حدّدتها الشرائع في أدقّ تفاصيلها.
فما نقرأه في سفر الخروج (12: 1- 20) وفي سفر تثنية الاشتراع (16: 1- 9) عن قصة الخروج من مصر وعن طريقة الاحتفال بعيد الفصح وأكل الحمل الفصحي ليس رواية تاريخية لما جرى على زمن موسى، بل رواية ليترجية تصف ما كان يجري في عيد الفصح في زمن الاستقرار، ولاسيما ابتداءً من الاصلاح الذي قام به الملك يوشيّا في القرن السابع قبل المسيح (2 مل 23: 21- 23؛ 2 أخ 35).

2- معاني عيد الفصح
إذا كان تاريخ الفصح في العهد القديم يشوبه بعض الغموض، إلاَّ أنّ معانيه الروحية في نظر الشعب المؤمن واضحة كلّ الوضوح.
فهناك نشيد حفظه لنا الترجوم، وهو نشيد "الليالي الأربع"، يوضح معاني العيد. والترجوم هو تفسير باللغة الآرامية كان يعطى في مجامع فلسطين عدّة قرون قبل المسيح، ابتداءً من الزمن الذي لم يعد فيه معظم الشعب يفهم نصّ الكتاب المقدّس العبري. وهذا النشيد هو تفسير للآية التالية من سفر الخروج: "كانت ليلة سَهَر للرب لإخراجهم من أرض مصر. فليلة السَهَر هذه يحفظها للرب بنو إسرائيل جميعهم مدى أجيالهم" (خر 12: 42). يقول نص الترجوم:
"إنّها ليلة سَهَر أعدّها الله للتحرير باسمه، عندما حرر بني اسرائيل وأخرجهم من أرض مصر. وهناك ليالٍ أربع محفوظة في سِفْر الذكريات:
فالليلة الأولى هي التي ظهر فيها الله على العالم ليخلقه. فالعالم كان خاوياً خالياً، وعلى وجه الغمر ظلام. وكانت كلمة الله نوراً يشعّ. ودعاها الليلة الأولى.
الليلة الثانية هي التي ظهر فيها الله لابراهيم، وقد كان له من العمر مئة سنة، ولسارة امرأته ولها من العمر تسعون سنة. فهل سيلد ابراهيم، وله من العمر مئة سنة؟ وهل ستضع سارة طفلاً، ولها من العمر تسعون سنة؟ وكان لإسحق سبع وثلاثون سنة عندما قُدِّم إلى المذبح. فانحنت السماوات ونزلت، واسحق رأى كمالاتها، وأظلمت عيونه بسبب كمالاتها. ودعاها الليلة الثانية.
الليلة الثالثة هي التي ظهر فيها الله للمصريين في وسط الليل: يده تقتل أبكار المصريين، ويمينه مضي أبكار اسرائيل، ليتمّ ما قال الكتاب: اسرائيل هو ابني البكر. ودعاها الليلة الثالثة.
الليلة الرابعة هي التي سيصل فيها العالم إلى نهايته ليوم الفداء: إذّاك يتحطّم نير العبودية، وتضمحلّ الأجيال الفاسدة. من وسط الصحراء يصعد موسى، ومن العلاء يأتي المسيح الملك. أحدهما يمشي على رأس القطيع، وكلمته تسير بين الاثنين، وهم يسيرون معاً. انها ليلة الفصح لاسم الله، ليلة محفوظة ومحددة لتحرير إسرائيل كلّه على مدى أجيالهم".
ان عيد الفصح هو ذكرى تحرير العبرانيين من عبودية المصريين، وقد صار ذكرى شاملة لكل أْعمال محبة الله وخلاصه منذ خلق العالم حتى نهاية التاريخ. لذلك صار عيد الفصح عند اليهود "العيد الكبير" أو "العيد" (متى 26: 5) كما لا نزال نقول اليوم في شرقنا المسيحي عندما نذكر عيد الفصح. وفي تعليق على معاني هذا العيد عند اليهود نقرأ في الميشنا: "ان الله قد أجازنا من العبودية إلى الحرية، ومن الحزن إلى الفرح، ومن الحِداد إلى يوم العيد، ومن الظلمة إلى النور الساطع، ومن العبودية إلى الفداء" (فصحيات 5: 5).

3- مراسيم عيد الفصح
تلك هي معاني عيد الفصح عند اليهود. أما المراسيم التي كانوا يتبعونها في أثناء العشاء الفصحي فتستند إلى ما جاء في وصف الفصح الذي احتفل به العبرانيون لدى خروجهم من مصر. ثم انتظمت مع الزمن حتى صارت رتبة ليترجية لها قوانينها وشرائعها وصلواتها.

أ) الفصح ليلة الخروج من مصر
يروي سفر الخروج في الفصل الثاني عشر كيف تناول اليهود الفصح ليلة خروجهم من مصر على يد موسى:
"وكلَّمَ الرب موسى وهارون في أرض مصر قائلاً: هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور، وهو لكم أول شهور السنة. كلّمَا جماعة اسرائيل كلّها، ومُراهم أن يتخذوا لهم في العاشر من هذا الشهر، كلّ واحد حَمَلاً بحسب بيوت الآباء، لكل بيت حَمَلاً، فإن كان أهل البيت أقلّ من أن يأكلوا حَمَلاً، فليأخذوه هم وجارهم القريب من منزلهم بحسب عدد النفوس، فيكون الحَمَل بحسب ما يأكل كل واحد. حَمَل تام ذَكَر حوليّ بكون لكم، من الضَّأن أو المَعِز تأخذونه. ويبقى محفوظاً عندكم إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر، فيطبخه كل جمهور جماعة اسرائيل بين الغروبين. ويأخذون من دمه ويجعلونه على قائمتي الباب وعارضته على البيوت التي يأكلونها فيها. ويأكلون لحمه في تلك الليلة مشويًّا على النار، بأرغفة فطير مع أعشاب مرة يأكلونه. لا تأكلوا شيئاً منه نِيْئاً ولا مسلوقاً بالماء، بل مشويًّا على نار مع رأسه واكارعه وجوفه. ولا تبقوا شيئاً منه إلى الصباح، فإن بقي شيء منه إلى الصباح، فأحرقوه بالنار. هكذا تأكلونه: تكون أحقاؤكم مشدودة، ونعالكم في أرجلكم وعصيّكم في أيديكم، وتأكلونه على عجل فإنه فصح للرب. وأنا أجتاز في أرض مصر في تلك الليلة، وأضرب كلّ بكر في أرض مصر، من الناس إلى البهائم، وبجميع آلهة المصريين أنفّذ أحكاماً أنا الرب. فيكون الدم لكم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر من فوقكم، ولا تحلّ بكم ضربة مهلكة، إذا ضربتُ أرض مصر. ويكون هذا اليوم لكم ذكرى، فتعيّدونه مدى أجيالكم فريضة أبدية" (خر 12: 1- 14).

ب) مراسيم الفصح التقليدي
تطوّرت الاحتفالات بالفصح وبالعشاء الفصحي، حتى صارت على زمن السيد المسيح تُقام على الترتيب التالي، الذي نورده استناداً إلى ما توصّل إليه معظم مؤرخي الكتاب المقدس، ونورد في المقارنة ما فعله السيد المسيح في عشائه الأخير مع تلاميذه، وفقاً لما جاء في الأناجيل المقدسة وفي رسالة بولس الأولى إلى الكورنثيين:

الفصح اليهودي

1- مراسيم افتتاحية
أ) الكأس الاولى: بعد أن يتّكئ الجميع، يقوم ربّ البيت ويتناول كأساً من الخمر الممزوج بالماء، ويرفعها ويباركها قائلاً: "مبارك أنت أيها الرب الهنا، الملك الأزلي، يا من خلق ثمر الكرمة". ويشرب منها. ثم يتناولها منه الحضور، ويشربون منها كلّ بدوره.


ب) غسل الأيدي: يؤتى بوعاء مملوء ماء. فيغسل كل من الحضور اليد التي سيأكل فيها، ثم يمسحها بالمنديل.

ج) أكل الأعشاب المرّة: في الولائم الاعتيادية بعد غسل الايدي، كان يؤتى بمقبّلات يأكلها الحضور قبل الطعام. في العشاء الفصحي يستعاض عن المقبّلات بأعشاب مرّة، وذلك تذكيراً للحياة المرّة التي عاشها الحدود في مصر قبل خلاصهم بواسطة الحمل الفصحي.

2- تفسير معنى العبد وصلوات
أ) يفسّر رب البيت معنى عيد الفصح: الله أنقذنا من أيدي المصريين.
- الفصح يعني العبور (خر 12: 17)
- الخبز الفطير يرمز الى العجلة التي أكل فيها اليهود فصحهم الأول.
- الحمل الفصحي برمز الى الحمل الفصحي الأول الذي ثم بدمه إنقاذ أولاد العبرانيين.
ب) الصلوات: يجيب الحضور على هذا التفسير بصلوات يسبّح فيها الله (مز 113: "في خروج اسرائيل من مصر...").
ج) الكأس الثانية.

3- أكل الخبز الفطير والحمل
أ) غسل الأيدي: يغسل كلّ من الحضور يديه الاثنتين.
ب) الأب يبارك الخبز الفطير.




ج) أكل الحمل
د) الكأس الثالثة، وتدعى "كأس البركة"





4- نهاية العشاء
أ) القسم الثاني من مزامير التسبيح (مز 114- 118).

ب) كأس رابعة ختامية. عشاء المسيح الأخير


أ) الكأس الاولى: "لما أتت الساعة اتكأ (يسوع) مع الرسل وقال لهم: "لقد اشتهيت جدّاً ان آكل هذا الفصح معكم، قبل أن أتالّم. فإنّي أقول لكم: إنّي لن آكله بعد الى أن يتمّ بكماله في ملكوت الله". ثم تناول كأساً وشكر وقال: "خذوا هذا واقتسموا في ما بينكم، فإنّي أقول لكم: إنّي لن أشرب بعد من ثمرة الكرمة إلى أن يأتي ملكوت الله" (لو 22: 14- 18).
ب) غسل الأرجل: قام يسوع بنفسه بهذا العمل، عوضاً عن كسل الأيدي، فغسل أرجل تلاميذه (يو 13: 1- 17) وأوصاهم بالاقتداء به في الخدمة المتواضعة.
ج) إعلان خيانة يهوذا: لربّما في هذه اللحظة يعلن يسوع خيانة يهوذا، كما جاء في متى (26: 20- 25) ومر (14: 17- 21) ويو (13: 18- 30). لوقا يترك إعلان الخيانة الى ما بعد العشاء (22: 21- 23).


2- خطاب يسوع (يو 14- 17)

















ب) "ثم أخذ خبزاً وشكر وكسر وأعطاهم قائلا: هذا هو جسدي الذي يُبذَل لأجلكم. إصنعوا هذا لذكري" (لوقا 22: 19؛ راجع أيضا متى 26؛ مر 14: 22؛ 1 كو 11: 23- 24).
ج) لا ذكر للحمل في العشاء السري.
د) الكأس الثالثة: "وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُهَراق من أجلكم" (لو 22: 20؛ راجع أيضاً متى 26؛ 27- 29، مر 14: 23- 25؛ 1 كو 11: 25).


أ) "ثم سبّحوا (أي تلوا مزامير التسبيح)، "وخرجوا الى جبل الزيتون" (متى 26: 30؛ مر 14: 26).


خاتمة
"بماذا أُكافئ الربّ عن كل ما أحسن به إليّ؟
كأسَ الخلاص أقبل، واسمَ الرب أدعو" (مز 115).
"اعترفوا للرب، فإنه صالح، لأن إلى الأبد رحمته.
الرب عزّي وتسبيحي، لقد كان لي خلاصاً.
أنت إلهي فأعترف لك، اللهمّ اني أرفعك" (مز 117).
تلك الآيات من مزامير التسبيح التي تقال في العشاء الفصحي، نودّ أن نختم بها هذا الفصل الأول من بحثنا في سرّ الافخارستيا. فالفكرة الأساسية التي ينطلق منها هذا السرّ هي فكرة الشكر والاعتراف لله على كل ما صنعه تجاه الإنسان. أن القرابين والذبائح التي كانت الأديان القديمة تقدّمها لآلهتها وكان الشعب اليهودي في العهد القديم يقدّمها لله صانع السماء والأرض، هي وسائل استخدمها الفكر الديني للتعبير عن شكره لله واعترافه بصنائعه:
"أَذكرُ أعمال الرب، فإني أتذكّر معجزاتك من القديم،
وأهذّ بجميع أفعالك، وفي أعمالك أتأمّل" (مز 77: 12).
إنّ ذكرى أعمال الرب تعود بنوع خاص في العشاء الفصحي الذي جمع فيه إيمان شعب العهد القديم كل معجزات الله منذ الخلق حتى ظهوره لابراهيم وتحرير شعبه على يد موسى إلى يوم نهاية العالم القديم وبدء عهد جديد بظهور المسيح الملك.
واليومْ أيضاً عندما نحتفل بسرّ الافخارستيا، أول ما نبدأ به قسم الأنافور، أي قسم تقدمة القرابين وتكريسها، هو الشكر لله الآب على كل ما صنعه تجاهنا منذ الخلق.
ونقدّم مثالاً على ذلك أنافور القديس يوحنا الذهبي الفم في الطقس البيزنطي:
"واجبٌ وحقٌّ أن نسبِّحَك ونباركَك، ونُشيدَ لك ونشكرَك، ونسجدَ لك في كلِّ مواضع سيادتِك. فإنك أنت الإلهُ الذي لا يَفي به وصفٌ ولا يحدُّه عقل، ولا يُرى ولا يُدرَك، الدائمُ الوجود، والكائنُ هو هو. أنت وابنُك الوحيدُ وروحُك القدوس. أنت أخرجتَنا من العدَمِ إلى الوجود، وبعد أن سقَطنا عُدتَ فأَقمتنَا. وما زلتَ تصنعُ كلَّ شيء حتى أصعدتَنا إلى السماء، وأنعمتَ علينا بمُلكِك الآتي. فمن إجلِ هذه كلِّها نشكرُك، ونشكر ابنَك الوحيد وروحَك القدوس، كما نشكرُ لك كلَّ ما نِلنا من إحساناتِك، المعروفة والمجهولة، الظاهرة والخفيَّة. ونشكرُ لك أيضاً هذه الخدمة، التي ارتضيتَ أن تقبلَها من أيدينا، مع أنَّ أُلوفاً من رؤساء الملائكة، وربواتٍ من الملائكة، ماثلون لديك، الشروبيم والسرافيم ذوي الأجنحة الستة والعيون الكثيرة، محلِّقين وطائرين... "
الفصل الثّاني
الإفخارستيَّا سِرُّ حُضُور يَسوُع المَسيح

مقدّمة
سرّ الافخارستيا هو سرّ الشكر. فيه نرفع قلوبنا إلى الله لنشكر له كلّ ما أنعم به علينا من إحسانات منذ الخلق. ونقدّم له من مخلوقاته ومن صنع أيدينا قرابين هي رمز عطاياه ورمز عطيّة ذواتنا له. هذا ما بينّاه في الفصل الأول من خلال جولة في معنى الذبائح والقرابين في الأديان عامة وفي العهد القديم. نتابع في هذا الفصل الفكرة عينها، فنؤكّد بيقين الإيمان أنّ أعظم عطيّة منحنا إيّاها الله، وتشكّل هي نفسها قرباننا ومحور اجتماعنا الافخارستي، هي ابنه الحبيب يسوع المسيح. في العهد القديم كان الناس يقدّمون قرابينهم لله من مخلوقاته ومن صنع أيديهم. أمّا في العهد الجديد فما نقدّمه لله هو ابنه يسوع المسيح. فهو نفسه قرباننا الذي نقدّمه بشكل سرّي من خلال مخلوقات لا تزال في آنٍ معاً عطية الله لنا وصنع أيدينا: بعض الخبز وبعض الخمر. في الافخارستيا، نشكر لله محبته لنا التي ظهرت في ما أنعم به علينا من مخلوقات وما صنعه تجاهنا من أعمال ومعجزات. ونشكر له بنوع خاص محبته لنا التي ظهرت في أقصى حدودها في إرسال ابنه يسوع المسيح إلينا مخلصاً وفادياً.
في ليتورجيا التقليد الرسولي التي تعود إلى أوائل القرن الثالث (215)، يبدأ الأنافور على النحو التالي:
1- الشكر: "نشكرك، أللهمّ، لأجل ابنك الحبيب يسوع، الذي أرسلته إلينا في الأزمنة الأخيرة مخلصاً وفادياً ورسول إرادتك. فهو كلمتك الذي لا ينفصل عنك، الذي به خلقت كل شيء، وبه سُرِرت.
لقد أرسلته من السماء في أحشاء بتول. فحُبِل به وتجسّد، وظهر لك ابناً مولوداً من الروح القدس ومن مريم العذراء.
لقد أتمَّ إرادتك، ولكي يقتني لك شعباً مقدّساً، مدّ يديه وهو في العذاب لينجّي من العذاب كلّ الذين وضعوا فيك رجاءهم.
2- العشاء الأخير: "وفيما هو يُسْلِم ذاته للآلام الاختيارية، ليدمّر الموت، ويكسر قيود الشيطان، ويدوس الجحيم تحت قدميه، وينشر نوره على الصدّيقين، وينشئ العهد، ويظهر قيامته، أخذ خبزاً، وشكر وقال: "خذوا فكلوا، هذا هو جسدي الذي يُكْسَر لأجلكم". وكذلك الكأس، وقال: "هذا هو دمي الذي يُهَرَاق لأجلكم. عندما تصنعون هذا، إصنعوه لذكري".
3- الذكر والتقدمة: "فنحن إذ نذكر موته وقيامته، نقدّم لك هذا الخبز وهذه الكأس، ونشكر لك أنّك أهّلتنا لأن نقف أمامك ونخدمك.
4- استدعاء الروح القدس: "نسألك أن ترسل روحك القدوس على قربان كنيستك المقدسة، ليجمع في الوحدة الذين يشتركون في أسرارك المقدّسة. فليمتلئوا من الروح القدس، وليثبّت إيمانهم في الحق، ونستطيع هكذا أن نسبّحك ونمجّدك بابنك يسوع المسيح.
5- تمجيد الثالوث: به، المجد والاكرام لك، مع الروح القدس، في كنيستك المقدسة، الآن وإلى دهر الداهرين. آمين".
على مثال هذه الصلاة الافخارستية القديمة، تكوّنت معظم الصلوات الافخارستية التي لا تزال الكنائس المسيحية تتلوها في مختلف الطقوس. فتشكر لله محبته التي ظهرت في ابنه يسوع المسيح، ثم يلي الشكر ذكر العشاء الأخير وكلمات التقديس، ثم ذكر موت المسيح وقيامته وتقدمة القرابين، ثم استدعاء الروح القدس على القرابين ليجمع في الوحدة كلّ الذين يشتركون في هذه الأسرار المقدسة، وأخيراً تمجيد الثالوث.
في الفصل الثالث، سنعالج موضوع استدعاء الروح القدس على القرابين، وعمله في توحيد جميع الذين يشتركون في الأسرار المقدسة داخل الكنيسة الواحدة. أما في هذا الفصل فسيقتصر بحثنا على سرّ حضور يسوع المسيح في التقدمة الافخارستية. فالافخارستيا هي ذكرى محبة الله لنا التي ظهرت في شخص يسوع المسيح: في تجسّده وحياته (1)، وفي عشائه الأخير مع تلاميذه (2)، وفي موته على الصليب (3)، وأخيراً في قيامته (4).

أولاً- الافخارستيّا سرّ حضور كلمة الله

1- الافخارستيّا والكلمة
في كلّ الطقوس الكنسيّة، يبدأ الاحتفال بسرّ الافخارستيّا، الذي يدعى أيضاً "الليتورجيا الإلهيّة"، أو "القداس الإلهي"، "بقسم الكلمة". وفيه تُقرأ مقاطع من الكتاب المقدس، ولاسيما من العهد الجديد: من الرسائل ومن الانجيل المقدس بنصوصه الأربعة.
يعيد إلينا هذا القسم الأول من سرّ الافخارستيا حضور يسوع المسيح في حياته التبشيرية. فإنّ ذكرنا للسيد المسيح في سرّ الافخارستيّا لا يقتصر على "ذبيحة الصليب"، كما يبدو في بعض الكتب اللاهوتية، فوت المسيح على الصليب لا يمكن فهمه إلاَّ كخاتمة لحياة بشَّرَ فيها بمحبة الله للبشر. فقد حقّق السيد المسيح بسفك دمه على الصليب ما كرز به في أثناء حياته. وتلك الكرازة التي حفظتها لنا أسفار العهد الجديد هي التي نسمع إعلانها في القسم الأول من القداس الإلهي. من هنا يبدو لنا مناقضاً للتقليد الكنسي وللفكر اللاهوتي الأصيل ما يقوم به بعض هواة "عصرنة" الليتورجيا، إذ يستبدلون قراءات الكتاب المقدس بنصوص أخرى دينية أو أدبية عصرية تظهر، رغم عمق أفكارها وروعة انشائها، هزيلة بالمقارنة مع التدبير الخلاصي الذي تجلّى لنا في شخص يسوع المسيح، الكلمة المتجسّد.
أن محبة الله قد ظهرت لنا في شخص يسوع المسيح وأعماله وأقواله. وتلك المحبة هي التي يبدأ القداس الإلهي بإعلانها والتغنّي بها بعاطفة الشكر والاعتراف لله الآب الذي أرسل إلينا كلمته، وكشف لنا عن سرّ محبته، وأدخلنا في حياته الثالوثيّة.
وهذا ما نعلنه في ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم بإنشاد الترنيمة التالية للكلمة، وهي من أقدم النصوص الكنسيّة:
"يا كلمة الله الابن الوحيد الذي لا يموت،
لقد رضيت من أجل خلاصنا
أن تتجسّد من والدة الإله مريم الدائمة البتولية.
فتأنّست بغير استحالة،
وصُلبت أيها المسيح الإله، وبالموت وطئتَ الموت،
أنت أحد الثالوث القدوس، الممجَّد مع الآب والروح القدس،
خلِّصنا!"
إنّ سرّ الافخارستيّا لا يمكن فهمه إلاَّ ضمن تدبير خلاصي، يبدأ بتجسّد كلمة الله "أحد الثالوث القدوس"، فما نحتفل به في سرّ الافخارستيا هو وحي الله ذاته لنا في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح. وما قراءات الكتاب المقدس في القداس الإلهي إلاَّ إعلان لهذا الوحي الخلاصي. لذلك في الطقس البيزنطي لا تُقرَأ في القداس الإلهي إلاَّ قراءات من أسفار العهد الجديد، فالقداس الإلهي هو سرّ العهد الجديد. أما أسفار العهد القديم الذي يهيّئ لمجيء المسيح، فتُقرأ في سائر الصلوات والساعات، ولاسيما في صلاة المساء (المعروفة بصلاة الغروب). أما الطقوس التي تُدخل في القداس الإلهي قراءات من العهد القديم، فتُدخلها في إطار تهيئة لإعلان كلمة الله الأخيرة والنهائية في الانجيل المقدس.
الانجيل المقدّس هو "البشرى الصالحة"، بشرى الخلاص، التي جاءنا بها السيد المسيح. هو الكلمة الأخيرة التي نطق بها الله على لسان كلمته وابنه يسوع المسيح وفي كل أعماله، وهو الذي يفسّر معاني سرّ الافخارستيّا، حسب قول المجمع الفاتيكاني الثاني:
"يحتلّ الكتاب المقدس مكانة مرموقة في الاحتفال بالطقوس. أنه النصوص التي تُقرَأ، والتي تشرحها العظة، ومنه أيضاً المزامير التي ترنَّم. وبوحي منه انبثقت الصلوات والابتهالات والتراتيل الطقسية، ومنه تأخذ الأول والرموز معناها" (دستور في الليترجيا المقدّسة، 24). 
"احترمت الكنيسة دوماً الكتب الإلهية كما احترت جسد الرب نفسه، فإنها لا تنثني تأخذ خبز الحياة، خاصة في الليترجيا المقدسة، سواء عن مائدة كلمة الله أو عن مائدة جسد المسيح لتقدّمه للمؤمنين" (المرجع السابق، 21).
2- الافخارستيا والملكوت
أن محور البشارة الانجيلية هو الملكوت، على حسب ما جاء في مستهلّ إنجيل مرقس: "بعدما ألقي يوحنا في السجن، أتى يسوع إلى الجليل، وهو يكرز بإنجيل الله، ويقول: لقد تمّ الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 14- 15).
فمحتوى الإنجيل هو مجيء الملكوت في شخص يسوع المسيح. وما الأشفية والمعجزات التي أجراها السيد المسيح في حياته إلاَّ علامات لهذا الحدث الإلهي. فالملكوت يعني حضور الله حضوراً شخصياً بمحبته في قلوب البشر:
"وسأل الفريسيون يسوع: متى يأتي ملكوت الله؟ فأجابهم، وقال: إنّ ملكوت الله لا يجيء بوجه منظور، ولن يُقال: هو هنا، أو: هناك! فها إنّ ملكوت الله في داخلكم" (لو 17: 20- 21).
من يؤمن بمحبة الله التي ظهرت في شخص يسوع المسيح، يمتلئ في داخله من ملكوت الله. وكل فصل من بشرى الانجيل يُقرأ في القداس الإلهي يُظهر لنا شكلاً خاصاً من الأشكال الكثيرة التي ظهرت فيها تلك المحبة في حياة السيد المسيح وأقواله وأعماله ومعجزاته. فسماع تلك البشرى يدخلنا شيئاً فشيئاً في نور الملكوت.
سرّ الافخارستيا هو سرّ الدخول في ملكوت الله. وملكوت الله هو شخص يسوع المسيح بالذات، الذي نتّحد به في سماع كلمته في الإنجيل المقدس، ثم بتناول جسده ودمه. وهذا ما توضحه ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم. فتبدأ بتمجيد "ملكوت الآب والابن والروح القدس". وفي دورة القرابين، يعلن الكاهن: "يذكر الرب الإله جميعنا في ملكوته كل حين، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين". وتبل المناولة، يصلي الكاهن مع الشعب: "أذكرني يا رب في ملكوتك". يقول افدوكيموف:
"في الليتورجيا، يجد الانسان ملكوت الله. فلقد اقترب، انه في ما بين البشر، في وسطهم وفي داخلهم. والباقي يُعطى له في الوقت المناسب، ويزاد له. أن الإنسان، بسعيه وراء الملكوت، يطيع ربّه، ويصير ابنه؛ وعندما يجده، يفرح "كمن وجد لؤلؤة"، و"كمن وجد كنزاً"، وفرحُه كامل".

3- العهد بالكلمة
لقد رأينا أن العهد القديم على يد موسى كان يشمل قسمين: العهد بالكلمة والعهد بالذبيحة. فالعهد بالذبيحة كان تصديقاً وختماً للعهد بالكلمة: "هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال" (خر 24: 8). وهنا أيضاً في الافخارستيا، سرّ العهد الجديد، يسبق العهدَ بالذبيحة العهدُ بالكلمة. ولكن، فيما الكلمة في العهد القديم كانت وصايا وشرائع، الكلمة في العهد الجديد هي شخص يسوع المسيح. وفيما الكلمة في العهد القديم كانت وعداً وتهيئة، الكلمة في العهد الجديد هي تحقيق وكمال. فإعلان كلمة الله في الإنجيل المقدس هو إعلان لتحقيق الوعد الذي وعد به الله الإنسان منذ القديم. فوعد الله "ان يكون مع شعبه" ويرافقهم على الدوام يتحقق الآن في شخص يسوع المسيح، فيأتي "عمانوئيل" (أي الله معنا) إلى وسطنا ويكون معنا وفي داخلنا، فنسمعه يكلّمنا كلام الله، ونراه يعمل أعمال الله.
اننا بحاجة إلى نور المسيح لكي "يفتح أذهاننا فنفهم الكتب" (لو 24: 45)، كما فعل لدى ترائيه للرسل ولتلميذي عماوص (لو 24: 25- 27). وهذا ما تطلبه الصلاة التالية، التي تقال قبل قراءة الإنجيل المقدس في ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم:
"أيها السيد المحب البشر، أضئ قلوبنا بصافي نور معرفتك الإلهية، وافتح عيون أذهاننا لنفهم تعاليمك الانجيلية. ضع فينا خشية وصاياك المغبوطة، حتى إذا دُسْنا جميع الشهوات الجسدية، نسير سيرة روحية، مفكّرين بكل ما يرضيك وعاملين به. لأنك أنت استنارة نفوسنا وأجسادنا، أيها المسيح الإله".
يتطلّب العهد من الإنسان أن يتبع كلمة الله، وبما أن كلمة الله في العهد الجديد هي شخص يسوع المسيح بالذات، فما يُطلب منا لدى سماعنا الانجيل المقدس، هو النظر بفرح إلى شخص يسوع المسيح والتأمل بدهش وإعجاب في كل ما قاله وفعله، وليس التركيز على ما يجب أن نفعله نحن. فهو الذي يجب أن يكون محور انتباهنا. لا يحسن أن يلتفت الانسان دوماً إلى شقائه ويتشنّج لرؤية خطاياه. يقول افدوكيموف:
"في الليترجيا لا يوجّه الإنسان نظره إلى ذاته، بل إلى الله وإلى بهائه. في اللحظات الليترجية، ليس القصد أن يجتهد الإنسان في البلوغ إلى الكمال، بقدر ما هو أن يوجد أمام نور الله. وهذا الفرح هو الذي ينعكس، في ما بعد وبشكل متجرّد، على طبيعة الإنسان ويغيّرها. لا نَزِدْ شيئاً على بهاء الله وعلى حضوره. فهما يعملان في الانسان تلقائياً".
"هل يستطيع أصدقاء العريس أن يحزنوا ما دام العريس معهم؟" (متى 9: 15). "أمّا صديق العريس القائم بقربه ويسمعه، فإنّه يهتزّ فرحاً لصوت العريس" (يو 3: 29).
إنّ أصدقاء العريس يفرحون لسماعه يتكلم كلام الله ويعمل أعمال الله: فيغفر الخطايا، ويشفي المرضى، ويصنع المعجزات. انهم يفرحون لمشاهدتهم تحقيق العهد الجديد الذي تنبّأ عنه الأنبياء (راجع ار 31: 31- 34).
"وأمَا أنتم فطوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولأذانكم لأنها تسمع. الحق أقول لكم: إنّ كثيرين من الأنبياء والصدّيقين قد اشتهوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم سامعون ولم يسمعوا" (متى 13: 16- 17).
وأخيراً يفرح أصدقاء العريس ويتعجّبون لدى مشاهدتهم "الأسرار الرهيبة" التي يُحتفل بها أمامهم في القسم الثاني من القداس الإلهي، الذي يعيد ذكرى وحضور العشاء الأخير الذي تناوله السيد المسيح مع تلاميذه.

ثانياً- الافخارستيّا سرّ حضور العشاء الأخير

1- رواية في أربعة نصوص
كلّ مرة نحتفل بالافخارستيا نعيد ما صنع السيد المسيح ونكرّر الأقوال التي نطق بها في عشائه الأخير مع تلاميذه. وقد وصلت إلينا رواية هذا العشاء في أربعة نصوص من العهد الجديد: متّى ومرقس ولوقا وبولس في رسالته الأولى إلى الكورنثيين. لدى مقارنة هذه النصوص يتبيّن أنّ متّى ومرقس يستقيان من مصدر واحد، ولوقا وبولس من مصدر آخر.
في مستهلّ حديث يسوع مع تلاميذه، يضيف لوقا على سائر النصوص:
22: 14 "لما أتت الساعة اتكأ يسوع مع الرسل، 15 وقال الم: لقد اشتهيت جداً أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألّم . 16 فإني أقول لكم: إني لن آكله بعد إلى أن يتمّ بكماله في ملكوت الله. 17 ثم تناول كأساً وشكر، وقال: خذوا هذا واقتسموا في ما بينكم. 18 فإنّي أقول لكم: إنّي لن أشرب بعد من ثمرة الكرمة، إلى أن يأتي ملكوت الله".
بعد هذه الكأس الأولى التي لا تذكرها سائر النصوص، نبدأ المقارنة بين النصوص الأربعة:

متّى 26
26 وفيما هم يأكلون 
أخذ يسوع خبزاً 
وبارك
وكسر
وأعطى التلاميذ
قائلاً:
خذوا كلوا
هذا هو جسدي





27 ثم أخذ كأساً 

وشكر
وأعطاهم

قائلاً:
اشربوا منها كلكم. 
28 فإنّ هذا هو دمي 
دم العهد،


الذي يُهرَاق
عن كثيرين
لمغفرة الخطايا.



29 وأقول لكم:
اني لن أشرب
من ثمرة الكرمة

من الآن
إلى اليوم الذي
فيه أشربه
جديداً
في ملكوت أبي. مرقس 14
22 وفيما هم يأكلون 
أخذ يسوع خبزاً
وبارك
وكسر
وأعطاهم
قائلاً:
خذوا
هذا هو جسدي





23 ثم أخذ كأساً 

وشكر
وأعطاهم 
فشرلوا منها جميعاً 
24 وقال لهم:

هذا هو دمي
دم العهد،


الذي يُهَراق
عن كثيرين




25 الحق أقول لكم: إني لن أشرب بعد
من ثمرة الكرمة


إلى اليوم الذي
فيه أشربه
جديداً
في ملكوت الله. لوقا 22

19 ثم أخذ خبزاً وشكر
وكسر
وأعطاهم
قائلاً:

هذا هو جسدي
الذي يُبذل
لأجلكم
إصنعوا هذا
لذكري

20 وكذلك الكأس 
بعد العشاء



قائلاً:

هذه الكأس هي
العهد الجديد
بدمي،

الذي يُهَراق
من أجلكم.



[راجع آية 18:
فإني أقول لكم:
إني لن أشرب بعد
من ثمرة الكرمة

من الآن
إلى أن
يأتي

ملكوت الله.] 1 كو 11

23 أخذ خبزاً
24 وشكر
وكسر

وقال

هذا هو جسدي
الذي هو لأجلكم 

إصنعوا هذا
لذكري

25 وكذلك الكأس
بعد العشاء



قائلاً:

هذه الكأس هي

العهد الجديد
بدمي.



إصنعوا هذا
كلما شربتم
لذكري.
26 فإنكم كلّما
أكلتم هذا الخبز 
وشربتم هذه
الكأس
تخبرون بموت الرب
إلى أن
يأتي.


تعليقاً على هذه المقارنة نقول مع معجم اللاهوت الكتابي:
"إن صياغة نص مرقس ذات الطابع الآرامي البارز قد تنقل إلينا التقليد الفلسطيني، بينما صياغة نصّ بولس -وهي ذات طابع أكثر هِلّينِسْتية- قد تعكس لنا تقليد كنائس انطاكية أو آسية الصغرى، فيما صياغة نص متّى تمثّل لنا على الأرجح تقليد مرقس نفسه مع بعض الاختلافات البسيطة أو الإضافات التي قد ترجع أيضاً إلى أصل ليزجي. أمّا بالنسبة إلى لوقا، فإنه يثير مشكلات دقيقة، عُرضت لها حلول متنوعة متضاربة. فآياته من 15- 18 قد تمثّل تقليداً قديماً، مختلفاً عن الآخرين، أو على الأرجح إسهاباً استمدّه لوقا نفسه من مرقس 14: 25. وأمّا في ما يتعلّق بالآيتين 19- 20 اللتين ينبغي اعتبارهما أصليّتين، بخلاف الشهود التي تهمل الآيتين 19 ب و20، فإنهما تُعتبران تارة بمثابة توفيق بين نص مرقس ونص كورنثس الأولى، جاء به لوقا نفسه، وتارة كصورة أخرى لتقليد الكنائس الهلِّينستية يقوم به شاهد ليترجي ثالث، إلى جانب شاهد مرقس/متى، وشاهد كورنثس الأولى. على أن الاختلافات البسيطة بين هذه النصوص المتنوعة ضئيلة الأهمية، ما عدا أمر يسوع بالتكرار (اصنعوا هذا لذكري) الذي أُغفِل في مرقس/متى، فهو يحملنا على اعتباره منذ البداية الشاهد القائم في كورنثس الأولى/لوقا، مرجحاً بذلك الاحتمال الباطني على أنه عريق في القِدَم".
يقول بولس قبل بدء روايته: "إني تسلّمت من الرب ما سلّمته أيضاً إليكم أنّ الرب يسوع في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً...". لا تعني هذه الجملة وحياً خاصاً لبولس، بل تقليداً تسلّمه من الله بواسطة الكنائس. تعود الرسالة الأولى إلى الكورنثيين إلى سنة 55. ولكن بولس قد "سَلَّم" هذا التعليم لدى مروره في كورنثس حوالى سنة 49. وربّما "تسلَّم" هو نفسه هذا التعليم في سفرته الأولى إلى أورشليم سنة 36- 37 أو لدى وصوله إلى أنطاكية سنة 40. فهذا التعليم يعود إذاً إلى بضع سنوات فقط بعد موت المخلّص.
لدى قراءة هذه النصوص الأربعة، يتَّضح أنّ كاتبيها لم يقصدوا أن ينقلوا إلينا بالتدقيق رواية كلّ ما قاله السيد المسيح وصنعه في عشائه الأخير. أن هذه النصوص هي بالحريّ انعكاس لِما كان يصنعه المسيحيون الأولون في أورشليم وانطاكية لدى احتفالهم بعشاء الرب.

2- معنى العشاء الأخير
أ) هل كان العشاء الأخير عشاءً فصحياً؟
ان العشاء الأخير هو بالنسبة إلى الأناجيل الازائية عشاء فصحي. فنقرأ في مرقس: "في اليوم الأول من الفطير، الذي فيه يُذبَح الفصح، قال التلاميذ ليسوع: أين تريد أن نمضي فنعدّ لك الفصح؟" (مر 14: 12؛ راجع أيضاً متى 26: 17؛ لو 22: 7). أمّا بحسب يوحنا، فالفصح لم يجرِ الاحتفال به في تلك السنة إلاَّ مساء الجمعة: "وجاؤوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية، وكان الصبح. بيد أنهم لم يدخلوا دار الولاية، خشية أن يتنجّسوا، فيمتنعوا عن أكل الفصح" (يو 18: 28)؛ "وكانت تهيئة الفصح، وكان نحو الساعة السادسة" (يو 19: 14)؛ "وإذ كان يوم التهيئة، فلئلاّ تبقى الأجساد على الصليب في السبت- لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً- سأل اليهود بيلاطس أن تُكسَر سوقُهم ويُذهَب بهم" (يو 19: 31).
حاول المفسّرون تفسير هذا الاختلاف. فقال بعضهم إنّ تأخير يوحنا لموعد الفصح اليهودي إلى مساء الجمعة يهدف إلى تحقيق المقارنة التامة بين المسيح والحمل الفصحي. فموت المسيح قد حدث في الساعة الثالثة من بعد ظهر الجمعة، وهي الساعة التي تُذبَح فيها الحملان الفصحية في الهيكل. فيسوع هو الحمل الفصحي الحقيقي. لذلك فقد جاء الجند وكسروا ساقي اللصين اللذين صُلِبا معه؛ "وأمّا يسوع فلمّا انتهوا إليه ورأوه قد مات، لم يكسروا ساقيه... ولقد جرى ذلك ليتمّ الكتاب: إنه لا يُكسَر له عظم" (يو 19: 33- 35). والحمل الفصحي، حسب الناموس اليهودي، "لا يُكسَر له عظم" (خر 12: 46).
وقال غيرهم إنّ الفصح قد أُقيم في تلك السنة يومي الخميس والجمعة في جماعات مختلفة من اليهود. كما قال أيضاً آخرون إن يسوع قد أقام الفصح مساء الثلاثاء طبقاً لتقويم الإسّينيين. "ولكن الأفضل أن نتصوّر بدون شك أن يسوع، وهو يعلم بأنه سيموت في وقت الفصح بالذات، قد بادر فأقامه في اليوم السابق له، مستحضراً في عشائه الأخير طقس الفصح بصورة يمكنه معها أن يدمج فيه طقسه الجديد، الذي سيصير طقس الفصح في العهد الجديد. وهذا الحلّ يحترم ترتيب يوحنا الزمني للأحداث، ويقيم اعتباراً كافياً لأسلوب العرض في الأناجيل الازائية".
استناداً إلى هذا الحل، نقول إن يسوع قد قُبض عليه في الليلة التي سبقت ليلة الفصح اليهودي، وصُلب في الساعات التي تسبق البدء باحتفالات الفصح. أمّا العشاء الأخير الذي تناوله مع تلاميذه فلم يكن عشاءً فصحياً حسب تقليد الفصح اليهودي، بل كان عشاء وداع في جوّ عيد الفصح، ترك فيه السيد المسيح لتلاميذه وصيته الأخيرة، حسب ما جاء في إنجيل يوحنا (فصل 13- 17)، ورسم السرّ الذي يوضح معنى موته، وطلب من تلاميذه أن "يصنعوا هذا لذكره".

ب) عمل نبوي يوضح معنى موت يسوع على الصليب
إنّ ما صنعه السيد المسيح في أثناء العشاء الأخير كان استباقاً وتوضيحاً لما تمَّ في اليوم التالي على الصليب.
"خذوا كلوا، هذا هو جسدي... اشربوا من هذا كلكم، هذا هو دمي دم العهد، الذي يهراق عن كثيرين لمغفرة الخطايا". في هذا الكلام الذي قاله السيد المسيح على الخبز والخمر، أوضح معاني موته على الصليب. فالخبز هو جسده الذي يُبذَل لأجلنا، والخمر هي دمه الذي يُهَراق عن خطايانا. فكما أن الخبز يُكسَر ويوزَّع على الأصدقاء علامة لصداقتهم ومحبتهم المتبادلة، هكذا سيُكسَر جسد يسوع على الصليب علامة لمحبته لنا، إذ "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل الحياة عن أصدقائه" (يو 15: 13)، وعلامة لمحبة الآب للعالم: "فلقد أحبّ الله العالم حتى إنّه بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16). وكما أنّ دم الذبائح يُسكَب على الهيكل تكفيراً عن الخطايا، هكذا سيَسكب يسوع دمه على الصليب تكفيراً عن خطايا العالم أجمع.
إنّ عمل يسوع أثناء العشاء الفصحي هو عمل نبوي، به ينبئ يسوع بموته القريب ويحدّد معانيه وأبعاده الشاملة. ولقد اعتاد الحدود على أمثال هذه الأعمال النبوية. فأشعيا مشى في أورشليم عارياً حافياً لينبئ بما سيفعله ملك أشور "إذ يسوق الصبيان والشيوخ عراة حفاة" (أش 20: 1- 6). وإرميا يكسر جرّة على مرأى من الشعب قائلاً: "هكذا قال ربّ الجنود: كذلك أكسر هذا الشعب وهذه المدينة، كما يُكسَر إناء الخزّاف الذي لا يمكن أن يُجبَر بعد" (إر 19: 11). وحزقيال يمثّل أمام الشعب رواية السبي إلى بابل (حز 12: 1- 10). كل هذه الأعمال النبويّة، في التقليد الاسرائيلي، تشير إلى أن الله هو شيّد التاريخ، لذلك يستطيع أن ينبئ عن المستقبل.
كذلك يسوع، بإنبائه عن موته القريب، يعلن لتلاميذه أنّه يختار الموت بملء حريّته: "إنّ أبي يحبّني لأني أبذل حياتي لكي أسترجعها أيضاً. لا ينتزعها أحد مني، إنّما أنا أبذلها باختياري. فلي سلطان أن أبذلها، ولي سلطان أن أسترجعها أيضاً" (يو 10: 17- 18).

ج) العهد الجديد بدم المسيح
أن قول السيد المسيح: "هذا هو دمي دم العهد" (متى ومرقس) يذكّرنا بما قاله موسى لدى عقد العهد مع الله على جبل سيناء: "هوذا دم العهد الذي قطعه الله معكم..." (خر 24: 8). وما جاء في رواية لوقا وبولس: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي" يذكّرنا بما قاله ارميا النبيّ عن "العهد الجديد":
"ها إنها تأتي أيام يقول الرب أقطع فيها مع آل اسرائيل وآل يهوذا عهداً جديداً، لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أخذت بأيديهم لأخرجهم من مصر، لأنّهم نقضوا عهدي، فأهملتهم أنا، يقول الرب. ولكنّ هذا العهد الذي أقطعه مع آل اسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، هو أنّي أجعل شريعتي في ضمائرهم، وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً. ولا يعلّم بعد كلّ واحد قريبه وكلّ واحد أخاه قائلاً: اعرف الرب، لأن جميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأنّي سأغفر آثامهم، ولن أذكر خطاياهم من بعد" (ار 31: 31- 34).
كذلك يتنبّأ أشعيا عن المسيح الذي يفيض عليه الله روحه، ويجعله "عهداً للشعب ونوراً للأمم" (أش 42: 6). وفي فصل آخر يصف أشعيا آلام المسيح التي بها سيحمل خطايا الكثيرين:
"لقد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا... قُدّم وهو خاضع، ولم يفتح فاه. كشاة سيق إلى الذبح، وكحمل صامت أمام الذين يجزّونه... لأجل عناء نفسه... يبرّر الصديق عبدي كثيرين، وهو يحمل آثامهم. فلذلك أجعل الكثيرين نصيباً له والأعزّاء غنيمته، لأنّه أفاض نفسه للموت، وأحصي مع الأثمة، وهو حمل خطايا الكثيرين، وشفع في العصاة" (أش 53: 4- 13).
إن ذبيحة المسيح هي ذبيحة عن خطايا" الكثيرين". ولفظة" الكثيرين" لفظة آرامية تعني "الجماعة الكثيرة"، أي الجميع. فيسوع المسيح هو "حمل الله الراء خطيئة العالم" (يو 1: 29). وفي نصوص العشاء الأخير الأربعة إشارة إلى هذا الفداء: "فدم العهد يُهَراق عن الكثيرين" (متى ومرقس)، "لمغفرة الخطايا" (متى)، "يُهَراق من أجلكم" (لوقا). وكذلك يقول عن الخبز: "هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم"؛ وبولس: "هذا هو جسدي الذي هو لأجلكم".
لقد رأى المسيحيون الأولون في موت يسوع المسيح على الصليب تحقيق كل النبوءات القديمة، وعبوراً من العهد القديم الذي تمّ بدم الذبائح إلى العهد الجديد الذي تمَّ بتقدمة جسد ودم يسوع نفسه. وهذا ما تفسّره الرسالة إلى العبرانيين التي تقارن بين "العهد الأول" (8: 7، 13؛ 9: 1) و"العهد الثاني" (8: 7) أو "العهد الجديد" (8: 8، 13). فوحي الله النهائي لم يتمّ على جبل سيناء، بل في يسوع المسيح الذي هو "وسيط عهد جديد. فإنّه بموته لفداء المعاصي المقترفة في العهد الأول، ينال المدعوون تمام الموعد، الميراث الأبدي" (9: 15).
إنّ العهد الجديد قد بدأ في تجسّد كلمة الله. فيسوع، الإله والإنسان، قد وحّد في شخصه بين الله والبشر. لذلك هو الوسيط الوحيد الذي تستطيع به البشرية الوصول إلى الآب. وبلغ هذا العهد كماله في ذبيحة الصليب التي بها افتدى يسوع البشر من الخطيئة وصالحهم مع الآب. "إنّ الله، كما يقول أيضاً بولس الرسول، هو الذي صالح، في المسيح، العالم مع نفسه، ولم يحسب عليهم زلاّتهم، وأودعنا كلمة المصالحة" (2 كو 5: 19). وفي المسيح ارتضى الله "ان يحلّ الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كلّ ما على الأرض وفي السموات، بإقراره السلام بدم صليبه" (كو 1: 19- 20).

ثالثاً- الافخارستيّا سرّ الاشتراك في ذبيحة يسوع المسيح على الصليب

يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إنّ مخلّصنا، في الليلة التي أُسلم فيها، ليلة العشاء الأخير، قد وضع ذبيحة جسده ودمه الافخارستية كي تستمرّ ذبيحة الصليب عبر الأجيال حتى مجيئه، وعلاوة على ذلك لكي يَكِلَ إلى كنيسته، عروسته المحبوبة، ذكرى موته وقيامته: سرّ التقوى، علامة الوحدة، رباط المحبة، وليمة فصحية فيها يؤكَل المسيح، فتمتلئ النفس نعمة وتُعطَى عربون المجد الآتي" (دستور في الليتورجيا المقدسة، 47).
إنّ المعاني التي أعطاها يسوع لموته على الصليب أراد أن تبقى لنا على مدى الأجيال. فقال لرسله من بعد كلامه على الخبز والخمر: "إصنعوا هذا لذكري". وتقابل هذه الوصية كلام الرب لموسى عن يوم الفصح: "هذا اليوم يكون لكم ذكراً، فتعيّدونه عيداً للرب، تعيّدون مدى أجيالكم فريضة أبدية" (خر 12: 14). لم يكن العهد مع موسى عهداً بين الله وإنسان بل بين الله وشعب، لذلك كان لا بدّ من إعادة هذا العهد على مدى تاريخ هذا الشعب. وكذلك عهد الله الجديد بيسوع المسيح لم يكن عهداً مع جماعة من التلاميذ، بل عهداً مع البشرية بأسرها. لذلك يطلب يسوع من رسله أن يصنعوا لذكره ما صنعه ليتجدّد العهد مع كل إنسان على مدى الزمن.

أ) ذبيحة الصليب كانت كافية للتكفير عن خطايا العالم
عندما نقول إنّ الافخارستيا هي تجديد لذبيحة الصليب، لا نعني أن يسوع يُذبَح كل مرة على الهيكل تكفيراً عن خطايا البشر. فقد فعل ذلك مرة واحدة في ذبيحة الصليب التي كانت كافية للتكفير عن خطايا العالم أجمع. هذا ما تبيّنه رسالة القديس بولس إلى العبرانيين في مقارنة تقوم بها بين ذبائح الكهنة في العهد القديم وذبيحة يسوع المسيح على الصليب:
"إنّ كل كاهن يقف، كل يوم، خادماً ومقرّباً مراراً تلك الذبائح بعينها، التي لا قِبَل لها البتة بأن تزيل الخطايا، أمّا هو فإذ قرّب عن الخطايا ذبيحة واحدة، جلس عن يمين الله إلى الأبد، منتظراً، من بعد، أن يوضَع أعداؤه موطئاً لقدميه، لأنه بتقدمة وحيدة جعل مقدَّسيه كاملين على الدوام" (عب 10: 11- 14).
فيسوع المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والبشر، لأنه إله وإنسان. وهو الذهن الوحيد، لأنه الابن الوحيد. وذبيحته على الصليب هي الذبيحة الوحيدة الكاملة. وكمال هذه الذبيحة يظهر في قيامة المسيح التي تلت الصليب: "فالمسيح، إذ قد جاء حبراً للخيرات الآتية، اجتاز المسكن الأعظم والأكمل، الذي لم تصنعه يد، أي ليس من هذا العالم، وبدمه الخاص لا بدم تيوس وعجول، دخل المقادس مرة لا غير، بعد أن أحرز لنا فداءً أبدياً (عب 9: 11- 13). يقارن هذا النص بين "يوم التكفير" عند اليهود، الذي كان الكاهن الأعظم يدخل فيه مرّة في السنة إلى قدس الأقداس بدم الذبيحة الذي كان يقدّمه لأجل خطايا الشعب (أح 16)، وذبيحة المسيح على الصليب. فصليب المسيح كان "يوم التكفير" لأجل خطايا العالم كله. ففيه اجتاز المسيح السماوات إلى قدس الأقداس، أي إلى حضرة الله، حاملاً استحقاقات دمه الخاص. وهكذا لا يمكن فصل ذبيحة الصليب عن القيامة وعن المجد الذي دخل فيه المسيح بالقيامة. فالمسيح، بدخوله في المقدس السماوي، جعل ذبيحة موته الفدائية حاضرة إلى الأبد وآنيّة لجميع البشر. وهذا الحضور هو الذي يحقّقه سر الافخارستيا.

ب) الافخارستيا امتداد لذبيحة الصليب الواحدة
الافخارستيا هي سرّ، أي "علامة حسّية" تقوم بها الكنيسة لتجعل ذبيحة المسيح الأبدية حاضرة الآن في وسط المؤمنين بالمسيح. فليس القصد من الافخارستيا تكرار ذبيحة الصليب، ولا إكمالها بمعنى أنّنا نقدّم لله عملاً جديداً لنشكره ونطلب مغفرة خطايانا. إنّما الافخارستيا امتداد في الزمان والمكان، لصالح كل الجماعات المسيحية، لذبيحة المسيح الواحدة الكاملة التي تسمو الزمان والمكان، والتي، بالقيامة، دخلت في أبدية الله.
ان الله، في صليب يسوع، قد أظهر للعالم عمق محبته، وقتل العداوة التي هي أصل كل شر في العالم بين الشعوب وبين الأفراد (أف 2: 13- 18)، و"صالح العالم مع نفسه" (2 كو 5: 19)، وأقام عهداً جديداً بينه وبين البشر. ويسوع، بعد أن مات، قام وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الله الآب، "حيث هو الآن حيّ على الدوام يشفع في الذين يتقرّبون إلى الله" (عب 7: 25). ففي الافخارستيا، لا يحدث شيء جديد بالنسبة إلى المسيح، فكل مما يحدث من جديد يحدث بالنسبة إلى الجماعات المسيحية التي تشترك كل مرة في ذبيحة المسيح الواحدة، أي في عمل محبة الله القصوى تجاه البشر، وتغتذي بثمار تلك الذبيحة. فما يتغيّر إنما هي الأيدي الجديدة التي ترتفع نحو الصليب لتؤدّي الشكر وتنال الغفران وتدخل في تيار محبة الله القصوى التي تجلّت لنا في موت يسوع على الصليب.
الافخارستيا التي تقيمها الكنيسة على الأرض هي انعكاس للافخارستيا الواحدة الأبديّة التي يقيمها المسيح في السماء. يقول يوحنا الذهبي الفم: "هل هناك مسحاء كثيرون، لأن الافخارستيا تقام في أماكن كثيرة؟ كلا... فكما أن الذي يقدّم في أماكن عديدة هو جسد واحد، وليس أجساد متعدّدة، كذلك ليس إلاَّ ذبيحة واحدة". وكذلك يقول تيودوروس المصيصي: "بما أنّ هذه الذبيحة تُتمّ بشكل رمزي ما هو حقيقي في السماء، فهي أيضاً تُظهِره. ما يصنعه الكاهن إنّما هو على نحو ما صورة لليتورجيا التي تقام في السماء".
من الخطأ القول "إنّ المسيح يُذبَح كلّ يوم على مذابحنا". فالذبيحة قد تمّت مرّة واحدة على الصليب. يقول كاباسيلاس: "ان الذبيحة لا تتمّ بتضحية الحمل الآن، بل بتحوّل الخبز إلى هذا الحمل الذي تمّت تضحيته على الصليب. فالتحوّل يتكرّر، أمّا ما يتحوّل إليه الخبز فيبقى واحداً ويبقى هو هو".
لذلك الافخارستيا هي في آن معاً ذكرى الصليب وذكرى القيامة.

رابعاً- الافخارستيا سرّ الاشتراك في قيامة المسيح

بعد ذكر كلمات السيد المسيح في العشاء السري، تذكر مختلف الليتورجيات قيامة المسيح:
"اصنعوا هذا لذكري، فإنكم كل مرة تأكلون هذا الخبز، وتشربون هذه الكأس، تخبرون بموتي وتعترفون بقيامتي" (ليتورجيا القديس باسيليوس في الطقس البيزنطي).
"اصنعوا هذا لذكري، فإنكم كل مرة تأكلون هذا الخبز وتشربون هذه الكأس، تخبرون بموتي، وتعترفون بقيامتي، وتذكروني إلى أن آتي" (ليتورجيا القديس باسيليوس في الطقس القبطي).
"اصنعوا هذا لذكري، فإنكم كل مرة تأكلون هذا الخبز، وتشربون هذه الكأس، تذكرون موتي، وتعزفون بقيامتي حتى مجيئي" (ليتورجيا القديس يعقوب في الطقس السرياني).
"اصنعوا هذا لذكري، فكلّما اشتركتم في هذا الجسد، وفي مزيج هذه الكأس، تذكرون موتي وتعترفون بقيامتي حتى مجيئي" (القداس الماروني).
في الافخارستيا نذكر كلّ ما صنعه الله لأجلنا في يسوع المسيح. فبعد ذكر موت المسيح على الصليب، نذكر قيامته من بين الأموات. إننا لا نشكر لله فقط أنّه أظهر لنا محبته بموت يسوع على الصليب، بل أيضا أنّه أظهر لنا محبته في قيامة المسيح. لذلك المسيح الذي نحتفل بسرّ حضوره في الافخارستيا هو المسيح القائم من بين الأموات. أن ذكرى قيامة المسيح تصير، من خلال الافخارستيا، حاضرة الآن في ما بيننا في كل معانيها وأبعادها، بحيث اننا بإقامتنا هذا السرّ، نؤمن أن المسيح نفسه القائم من بين الأموات يدعونا إلى مشاركة كلمته ومائدته وحياته.

1- الافخارستيا سر الإيمان بقيامة المسيح
يدعو بولس الرسول الافخارستيا "عشاء الرب" (1 كو 11: 20) والوليمة التي فيها نشترك في "مائدة الرب" (1 كو 10: 21). ولفظة "الرب" تعني في العهد الجديد المسيح القائم من بين الأموات. فبالقيامة "جعل الله يسوع المصلوب ربًّا ومسيحاً" (اع 2: 36).
الافخارستيا هي الوليمة التي نؤمن أن المسيح القائم من بين الأموات يدعونا فيها إلى تناول عشائه، فنجلس إلى مائدته، ونشترك معه في ما يصنعه لأجلنا، إذ يبارك الله ويشكر ويكسر لنا الخبز ويناولنا الخمر، كما فعل مع تلميذَي عماوص.
عندما نقرأ في انجيل لوقا قصة ترائي المسيح القائم من بين الأموات لتلميذَي عماوص، نصل إلى قمة الرواية في اللحظة التي تنعكس فيها الأدوار: فبعد أن دعا التلميذان يسوع، وهما لم يعرفاه، إلى تناول العشاء معهما: "أَقِمْ معنا، فإن المساء مقبل، والنهار قد مال، دخل ليمكث معهما. ولما اتكأ معهما، أخذ هو الخبز، وبارك وكسر وناولهما. إذاك انفتحت أعينهما وعرفاه" (لو 24: 30- 31). في كسر الخبز والبركة والشكر، كان التلاميذ يختبرون حضور المسيح القائم في ما بينهم.
أن العلاقة بين الافخارستيا والإيمان بقيامة المسيح تبدو من خلال اختبار التلاميذ ومن خلال تبشيرهم بالقيامة. وهذا ما يوضحه بطرس الرسول في خطبته التالية: "إنّ يسوع هذا قد أنهضه الله في اليوم الثالث، وآتاه أن يظهر لا للشعب كله، بل لشهود قد اصطفاهم من قبل، لنا نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد نهوضه من بين الأموات" (أع 10: 40- 41).
سرّ الافخارستيا هو تعبير عن إيمان المسيحيين بقيامة المسيح. وهو أيضاً سبيل للاشتراك في حياة المسيح القائم من بين الأموات.

2- الافخارستيا سرّ الاشتراك في حياة المسيح القائم من بين الأموات
في مقارنة يقيمها بولس الرسول بين الاشتراك في ذبائح اليهود والوثنيين والاشتراك في جسد المسيح ودمه، يؤكّد أنّ الافخارستيا هي "شركة في جسد المسيح ودمه" (1 كو 10: 14- 21).
أن الخبز والخمر، علامات جسد المسيح ودمه، نقدّمهـا في الافخارستيا منفصلين أحدهما عن الآخر، إشارة إلى موت المسيح. أمّا الآن فالمسيح قد قام، "وبعدما أُقيم من بين الأموات، لا يموت أبداً، فالموت لا يسود عليه من بعد" (رو 6: 9). والجسد والدم يدلاّن على الشخص كلّه. فالاشتراك في جسد المسيح ودمه يعني الاشتراك في شخص المسيح الحيّ، وبواسطته في حياة الله نفسه. فالمسيح يصير غذاءً وشراباً ليُشرك المتناولين بحياته التي تصير بالمناولة حياتهم: "فليست أنا حيًّا بعد، بل هو المسيح يحيا فيَّ" (غلا 2: 2). ان قول بولس هذا لا ينطبق على أيّ موضوع آخر بقدر ما ينطبق على المناولة الافخارستية.
وتلك الحقيقة عينها نقرأها مفصّلة في خطبة يسوع في خبز الحياة في الفصل السادس من إنجيل يوحنا. في هذه الخطبة يؤكّد السيد المسيح أمرين متكاملين: علاقة الافخارستيا بالإيمان وبالتجسّد.

أ) الافخارستيا والإيمان
يحوي هذا الفصل ما قاله السيد المسيح لليهود بعد معجزة تكثير الخبزات. وهذه المعجزة كان لها رمز في العهد القديم، وهو المنّ الذي نزل من السماء، وهي نفسها رمز للخبز الحقيقي النازل من السماء، الذي هو السيد المسيح نفسه:
"ان موسى لم يُعطِكم الخبز من السماء، ولكن أبي يعطيكم خبز السماء الحقيقي، لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويهب الحياة للعالم... أنا خبز الحياة، من يقبل إليّ فلن يجوع أبداً، ومن يؤمن بي فلن يعطش أبداً" (يو 6: 32- 35). فتناول الخبز النازل من السماء يعني الإيمان برسالة المسيح الحامل الحياة الأبدية: "إنّي قد نزلت من السماء، لا لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني... ومشيئة أبي أن تكون، لكل من يرى الابن ويؤمن به، الحياة الأبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير" (يو 6: 38- 40).
وما سرّ الافخارستيا إلاَّ تعبير عن هذا الإيمان بيسوع المسيح وبالحياة الأبدية التي يمنحها لكل من يؤمن به. لذلك ينتقل السيد المسيح في القسم الثاني من الخطبة إلى الخبز الذي هو جسده:
"أنا الخبز الحيّ الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي سأعطيه أنا هو جسدي لأجل حياة العالم" (6: 51). في هذه الآية إشارة واضحة إلى كلمات رسم الافخارستيا التي لا نجد لها ذكراً في إنجيل يوحنا في العشاء الأخير. إنّ إغفال هذا الموضوع في العشاء الأخير الذي يخصّص له يوحنا خمسة فصول من إنجيله (13- 17)، يعود إلى أن يوحنا كتب إنجيله حوالى سنة 95، أي بعد حوالى ستين سنة من ممارسة الافخارستيا في الجماعات المسيحية. فلم يجد داعياً لذكر رسم هذا السر، بل ذكر عوضاً عنه غسل الأرجل في شبه سرّ لتواضع المسيح وعطاء ذاته عطاءً كاملاً لأجل أحبائه ولأجل العالم. وقد طلب من تلاميذه "ان يصنعوا هم أيضاً ما صنع هو بهم" (يو 13: 15؛ راجع لو 22: 19 "إصنعوا هذا لذكري").
أمّا المضمون الافخارستي لكلام المسيح في الفصل السادس، فيتضح لنا لدى مقارنة الآية 51 بما نقرأه في لوقا 22: 19.
لوقا 22: 19 يوحنا 6: 51
هذا (أي الخبز) الخبز الذي سأعطيه
هو جسدي هو جسدي
الذي يعطى لأجلكم لأجل حياة العالم
لقد اعتاد اللاهوت الغربي منذ القديسة أنسيلم تفسير موت المسيح كعمل يعوّض فيه المسيح عن موت البشر الذي كان يجب عليهم أن يقاسوه من جرّاء خطاياهم. في هذه النظرة تبدو الافخارستيا استمراراً لهذا العمل "التعويضي". أن عبارة لوقا "يعطى لأجلكم" أو بترجمة أخرى بالعربية "يُبذَل لأجلكم"، يوضحها يوحنا بقوله: "لأجل حياة العالم". وهذا ما تفسّره الآيات التالية: "فجادل اليهود بعضهم بعضاً، قائلين: كيف يستطيع هذا أن يعطينا جسده لنأكله؟ فقال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن البشر، وتشربوا دمه، فلا حياة لكم في ذواتكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة، وأنا أقيمه في اليوم الأخير. فإنّ جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق. فمن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه. وكما أنّ الآب الحيّ قد أرسلني، وأنا أحيا بالآب، فمن يأكلني يحيَ هو أيضاً بي" (6: 52- 57).

ب) الافخارستيا والتجسّد
فيما الازائيون وبولس الرسول يربطون الافخارستيا بموت المسيح، يؤكّد يوحنا علاقة الافخارستيا بالتجسّد. فقول المسيح: "كما أن الآب الحيّ قد أرسلني وأنا أحيا بالآب" يشير إلى التجسّد، وإلى حياة الابن التي هي حياة الآب. وتلك الحياة نفسها التي ينالها الابن من الآب، يمنحها في الافخارستيا للّذين يؤمنون به ويأكلون جسده: فمن يأكلني يحيَ هو أيضاً بي". وهذه الحياة هي التي تدفع المؤمن إلى الرسالة: "كما أن الآب أرسلني، كذلك أنا أرسلكم" (يو 20: 21). فالافخارستيا ليست مجرّد لقاء ألفة شخصيّة بين السيد المسيح والمؤمن، بل انها ترمي بالمؤمن في تيار التجسّد المتدفّق ليهب الحياة للعالم.
ان الحياة الإلهية التي أتت إلى العالم في شخص يسوع المسيح تنسكب على مدى الزمان على الذين يؤمنون بالمسيح ويتناولون جسده ودمه في سرّ الافخارستيا، الذي هو سرّ حضوره الحقيقي في ما بين البشر إلى أن يأتي من جديد في "مجيئه الثاني" المقدّس في آخر الأزمنة.

خامساً- "حضور المسيح الحقيقي" في سرّ الافخارستيا

سرّ الافخارستيا هو سرّ حضور يسوع المسيح القائم من بين الأموات من خلال الخبز الخمر المكرّسين. فكيف نفهم هذا الحضور؟ هل هو حضور "رمزي" أم حضور "حقيقي"؟ وإذا كان حضوراً حقيقياً، فكيف السبيل إلى التوفيق بين وجود المسيح إلى يمين الآب بعد قيامته وصعوده إلى السماء وحضوره في مادة الخبز والخمر في الافخارستيا؟

1- اللاهوت الكاثوليكي التقليدي
لقد شغل هذا الموضوع اللاهوت الكاثوليكي في الغرب منذ القرن التاسع. فأكّد بعض اللاهوتيين "الحضور الحقيقي"، وقالوا أن ما يصير حاضراً في الافخارستيا هو جسد المسيح نفسه الذي وُلِد من مريم العذراء، فيما أكّد غيرهم الحضور الرمزي والروحي، وقالوا ان ما يحضر في الخبز والخمر هو قوّة وفاعلية جسد المسيح ودمه. وأشهر الذين قالوا بالحضور الرمزي هو بيرنجيه لاهوتي مدرسة تور في فرنسة. فقال أن ما نتناوله هو "صورة المسيح". فحُكِم عليه في عدّة مجامع محلية، وفي مجمع اللاتران سنة 1059. أُرغم على الاعتراف بأن "الخبز والخمر على الهيكل، بعد التكريس، ليسا فقط سر ربنا يسوع المسيح، بل جسده ودمه الحقيقيان اللذان، بشكل حسّي، يمسّها ويكسرهما أيدي الكهنة ويأكلهـا المؤمنون". لكنه ما عتّم أن أنكر اعترافه هذا، ثم عاد عن إنكاره، وقبل تحديد مجمع رومة (11 شباط 1079) الذي ميّز بين الجوهر والأشكال. فالمسيح حاضر في حقيقة الجوهر. أما الأشكال فهي أشكال الخبز والخمر.
ان اللاهوت الكاثوليكي منذ القرون الوسطى يفسّر حضور المسيح في الافخارستيا استناداً إلى هذا التمييز الذي أخذه عن فلسفة أرسطوطاليس بين الجوهر والأعراض. وهذا ما سيتوسّع فيه بشكل خاص القديس توما الأكويني. فحضور المسيح في الافخارستيا هو حضور حقيقي، أي بجسده ودمه، ولكن ليس بشكل مادي وحسّي. فما نأكله ونمضغه هو حقاً جسد الرب ودمه ولكن تحت أشكال أو أعراض الخبز والخمر. ان ما يتحوّل هو جوهر الخبز والخمر، أما الأعراض فتبقى على ما هي عليه. وبهذا "التحوّل الجوهري"، لا يعود على الهيكل جوهر الخبز والخمر، بل جوهر السيد المسيح الذي يستطيع الإيمان وحده أن يعرفه ويتّصل به. ان السيد المسيح حاضر في الافخارستيا بجسده ودمه، ولكن ليس على غرار حضور أجسادنا في الزمان والمكان. وللردّ على الذين كانوا يطلبون أن يروا بأعين الجسد المسيح في القربان، أو يشيّعون حدوث عجائب كظهور طفل في القربانة أو خروج دم منها، خصّص توما الأكويني مقالة كاملة في "خلاصته اللاهوتيّة" للتأكيد أن الخبز يتحوّل إلى جسد المسيح الممجَّد، الذي لا يمكن أن يُرى بأعين الجسد، وأنه من المستحيل أن يخرج دم من القربانة المكرّسة.

2- لاهوت الكنائس البروتستية
لم يرفض لوثر "الحضور الحقيقي" لجسد المسيح في سرّ الافخارستيا، ولكنه رفض اللاهوت الكاثوليكي ومفهوم "التحوّل الجوهري". ففي نظر لوثر، لا بدّ من القول، استناداً إلى الكتاب المقدس، إنّ جسد المسيح ودمه حاضران في سرّ الافخارستيا. فعبارة "هذا هو جسدي... هذا هو دمي" يجب فهمها بالمعنى الحقيقي، وليس بالمعنى الرمزي. ولكن جوهر الخبز والخمر لا يتحوّلان، بل يضاف إليهما جوهر جسد المسيح ودمه. ويفسّر وجود جوهرين معاً من خلال مثل الحديد الذي يوضع في النار، فيبقى جوهره على ما هو عليه، ولكن يضاف إليه جوهر النار. كما يشبّه وجود جوهرين في الافخارستيا بوجود طبيعتين في شخص المسيح: الطبيعة الإلهية والطبيعة الانسانية.
ان تعليم لوثر هذا قد حرمته الكنيسة الكاثوليكية في المجمع التريدنتيني (1545- 1563) الذي تبنّى "التحوّل الجوهري" كتعبير أوحد عن سرّ حضور المسيح الحقيقي في الافخارستيا. أما الكنائس اللوثرية فأعلنت إيمانها بحضور المسيح في "صيغة الاتفاق" سنة 1577 في العبارة التالية: "ان جسد المسيح يقدّم للمؤمنين في القرابين الافخارستية، معها وتحتها".
انطلاقاً من هذا التحديد، انتشرت في اللوثرية النظرية القائلة إن المسيح حاضر في القرابين فقط في أثناء الاحتفال الافخارستي والمناولة، غير أن تلك النظرية لا وجود لها كما هي عند لوثر.
هناك كنائس بروتستنتية أخرى تؤثر التكلم على نوع من الحضور الروحي غير محدود في جسد المسيح ودمه من خلال الخبز والخمر. فالافخارستيا ذكرى موت المسيح وقيامته. ومن خلال هذه الذكرى، وبواسطة الروح القدس، وإيمان الجماعة المسيحية، يصير المسيح حاضراً في الاحتفال الافخارستي بمجمله، الذي تدعوه تلك الكنائس "عشاء الرب".

3- اللاهوت الأرثوذكسي
يرفض اللاهوت الارثوذكسي اللاهوت الكاثوليكي الذي يقول أن ما يتحوّل في الافخارستيا هو فقط جوهر الخبز والخمر فيما أشكال الخبز والخمر تبقى على ما هي عليه، كما يرفض اللاهوت اللوثري الذي يقول بوجود جوهرين معاً. فالمسيح، في نظر اللاهوت الارثوذكسي، لا ينزل من السماء ليحتجب تحت أشكال الخبز والخمر، كما يقول الكاثوليك، ولا إلى جانب جوهر الخبز والخمر، كما يقول اللوثريون. يوضح افدوكيموف في كتابه "الأرثوذكسية" المفهوم الأرثوذكسي لحضور المسيح ولتحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، فيقول:
"إنّ جسد المسيح لم يعد من هذا العالم، إنّه جسد سماوي. إنّه ليس "في أي مكان"، لأنه خارج المكان ويسمو كل حيّز مكاني. ولكنه يستطيع متى شاء أن يوجد في أيّ موضع مكاني ويتجلّى فيه. إنّ هذا الحصر في موضعٍ ما ضروري لنا، وبدونه لا نستطيع أن ندخل في شركة غير المنظور. ولكنّ الجسد السماوي ليس تحت الخبز ولا معه ولا فيه، كما يقول لوثر، ولا مكان الخبز، كما يقول الكاثوليك، بل هو هذا الخبز: "هذا بعينه هو جسدي". حسب القديس ايريناوس، أن الخبز الافخارستي، باستدعاء الروح القدس، لا يحجب حضوراً آخر، بل يوحّد الطعام السماوي وطعام الأرض، إذ يجعلهما الشيء نفسه، وتلك هي المعجزة. يغطس الكاهن الحملَ في دمه، وإذا هو الجسد الحيّ، وليس علامة أو خداع الأعراض. وليس هو تجسّد ثانٍ للمسيح في الأشكال، بل التحوّل الكامل، تحوّل الجوهر والأعراض إلى جسد سماوي. ليست أعراض الخبز هي التي تبقى، بل حالة أعيننا التي لا تقوى على تأمل الجسد السماوي المحافظ على خداع الأشكال. إن خطأ العقيدة يقوم على الاهتمام بالموضوع وليس بالشخص، بالخبز وليس بالإنسان. يجب ألاّ نحلِّل المعجزة، على غرار التحليل الكيميائي، تبعاً لحواسّنا. بل يجب بالحريّ أن نتّهم حواسّنا بأنها لا ترى المعجزة الحقيقية، الحقيقة السماوية. هناك شبه مع معجزة تجلّي المخلّص على جبل ثابور. فليس المسيح هو الذي يتغيّر، بل أعين الرسل التي تنفتح زهاء لحظة. يقول يوحنا الدمشقي: "ان استدعاء الروح القدس يحقّق ما لا يمكن أن يقبله إلاَّ الإيمان وحده". فمن غير المجدي أن نفلسف في هذا الموضوع. ان الغربيين، في عقائدهم، يحاولون الولوج إلى قلب المعجزة وتفسير ما تعنيه. أما الشرقيون فينظرون بأعين الإيمان ويرون لأوّل وهلة الجسد والدم، ولا شيء سوى ذلك".


4- لاهوت الآباء
لقد حافظ اللاهوت الأرثوذكسيّ على تعليم الآباء الذين يؤكّدون الحضور الحقيقي والتحوّل إلى جسد المسيح ودمه، دون محاولة تفسير هذا التحوّل بلغة الفلسفة. لأن السرّ يفوق كل ادراك بشري. وهذه بعض أقوال الآباء:
"عندما نضع القرابين أمام الله نصلّي بإلحاح لكي تتحوَل لنا إلى "بركة روحية"، حتى إنّنا إذا تناولنا منها نتقدّس في أجسادنا وأرواحنا. ثم يقول الكاهن مشيراً إلى القرابين: "هذا هو جسدي... هذا هو دمي"، لكي لا تظنّ أن ما يظهر أمامك هو مجرّد رمز، بل لكي تعرف جيداً أنه بفعل قدرة الله الضابط الكل الفائقة كل وصف، قد تحوّلت القرابين بالحقيقة إلى جسد المسيح ودمه" (القديس كيرلس الاسكندري).
"لم يقل الرب: "هذا رمز جسدي، وهذا رمز دمي"، بل: "هذا هو جسدي، هذا هو دمي"؛ وبذلك أعلمنا أنه يجب علينا ألاّ ننظر إلى طبيعة ما يقدَّم، بل إلى أنه بواسطة الافخارستيا يصير تحوّل إلى الجسد والدم" (تيودوروس المصيصي).
"بما أن يسوع صرّح بذلك وقال عن الخبز: "هذا هو جسدي"، فمن يتجاسر ويشكّ بعد ذلك؟ وعندما يؤكد هو نفسه بكلام جازم: "هذا هو دمي"، فمن الذي يعارض ويقول إنه ليس دمه؟ لقد سبق له في قانا الجليل أن حوّل الماء إلى خمر بفعل إرادته (يو 2: 1- 11)، أفلا يكون جديراً بالتصديق عندما يحوّل الخمر إلى دمه؟ لقد قام بهذه الآية العجيبة عندما دُعي إلى عرس دنيوي، وعندما يهب لأصدقاء العريس (متى 9: 15) أن يتنعّموا بجسده ودمه، أفلا نعترف به بالأكثر؟ فبكلّ ثقة إذن نتناول جسد المسيح ودمه. فجسده يُعطى لك في صورة الخبز، ودمه يُعطى لك في صورة الخمر، حتى إنك، إذ تشترك في جسد المسيح ودمه، تصير مع المسيح جسداً واحداً ودماً واحداً. وهكذا نصير حاملي المسيح، بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا؛ وهكذا نصير، حسب قول الطوباوي بطرس، "شركاء في الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4)... فلا تنظر إلى الخبز والخمر كأنّهما عنصران طبيعيان، إذ إنّهمَا جسد ودم، حسب قول المعلّم. إن كانت الحواس توحي إليك ذلك، فليثبّتك الإيمان. لا تحكم في هذا الأمر بحسب الذوق، ولكن امتلئ ثقة بحسب الإيمان، وقد وُجدتَ أهلاً لجسد المسيح ودمه" (القديس كيرلس الأورشليمي).
أن قول القديس كيرلس الأورشليمي: "جسد المسيح يعطى لنا في صورة الخبز، ودم المسيح يعطى لنا في صورة الخمر"، يوضح لنا كيف حاول الآباء أن يتخطّوا مشكلة الاختيار بين الحقيقة والرمز في سرّ الافخارستيا. أن المسيح حاضر حضوراً حقيقياً بجسده ودمه، لكنّ هذا الحضور ليست حضوراً مادياً بل حضور سرّيّ في الصورة والرسم.
لفهم تعبير الآباء، لا بدّ من وضعه في إطار الفلسفة الأفلاطونية التي تأثّروا بها. فالحقيقة في نظر أفلاطون لا تكمن في العالم الحسّي، بل في عالم المُثُل أو العالم الإلهي. فكأن البشر في مغارة، والأشياء الحقيقية خارج المغارة، ولا يدرك البشر من الحقائق إلاَّ ظلّها وصورتها. إنّ تشبيه المغارة لا يعني أنّ ما ندركه هو وهم وخيال، بل انه الحقيقة عينها، ولكن في صورتها.
هذا التصوّر الأفلاطوني لإدراك الإنسان للحقيقة، طبّقه الآباء، ابتداء من اوريجانوس، على علاقة العهد القديم بالعهد الجديد. فالعهد القديم، في طقوسه ونبوءاته، هو صورة للحقيقة التي تجلّت لنا في ملء الأزمنة في شخص يسوع المسيح كلمة الله المتجسّد. ولكنّنا الآن أيضاً، في العهد الجديد، لا نزال بحاجة إلى البلوغ إلى التجلّي الحقيقي دون حجاب. وسبيلنا إلى ذلك هو الكنيسة والمعمودية والافخارستيا. ففيها يتجلّى لنا المسيح بحقيقة جسده ودمه، ولكن من خلال الخبز والخمر اللذين هما صورة ورسم للجسد والدم. في هذه النظرة، يتّضح تشبيه افدوكيموف للمعجزة الافخارستية بتجلّي المسيح على جبل ثابور: فالمسيح حاضر هنا كما كان حاضراً على جبل ثابور، في حقيقة جسده ودمه، ولكنّ أعيننا البشرية لا تستطيع رؤيته رؤية مباشرة، بل نراه بأعين الإيمان.
قد نجد في مقاطع لبعض الآباء تركيزاً على حقيقة حضور المسيح في جسده ودمه ونوعاً من الإغفال عن الصورة والرسم. وما ذلك إلاَّ بهدف التأكيد أن لا خلاصِ للإنسان إلاَّ باتحاده بالله. فالجسد الذي نتناوله في الافخارستيا لا يخلّصنا إلاَّ إذا كان حقاً جسد المسيح نفسه. يقول القديس غريغوريوس النيصي:
"ما هو إذن هذا الدواء (لسمّ الخطيئة المميت العامل في جسدنا)؟ انه بالذات هذا الجسد الممجّد الذي ظهر أقوى من الموت وصار لنا ينبوع الحياة. كما أنّ بعض الخمير، حسب قول الرسول، يخمّر العجين كلّه، هكذا الجسد الذي رفعه الله إلى الخلود، متى أُدخل في جسدنا، يغيّره ويحوّله كلّه إلى جوهره الخاص".
وكذلك يقول القديس كيرلس الاسكندري:
"فلنبحث بكلّ طاقتنا في سرّ الافخارستيا: لقد خلق الله كلّ شيء للخلود... ولكنّ الموت دخل إلى العالم بجسد إبليس... فكيف يمكن للإنسان الذي صار تحت سلطان الموت أن يستعيد الخلود؟ كان لا بدّ من أن يدخل جسده الميت في شركة قوة الله المحيية. أمّا قوّة الله المحيية فهي الكلمة. لذلك صار الكلمة جسداً، واتّحد بجسد قابل للموت، وأعطاه مناعة ضد الفساد، وجعله جسداً محيياً. لكن ينبغي أن يحلّ فينا إلهياً بواسطة الروح القدس، وان يمتزج بطريقة ما بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الكريم. وهذا هو ما نناله في الافخارستيا المحيية كما بخبز وخمر".
وهذا ما يؤكّده أيضاً بكل شدّة القديس يوحنا الدمشقي في كتابه "المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي".
5- محاولات اللاهوتيين المعاصرين
يحاول اللاهوتيون المعاصرون التعبير عن عقيدة حضور المسيح الحقيقي في سرّ الافخارستيا بشكل جديد يتلاءم وطريقة التفكير المعاصرة. أن الفكر المعاصر لا يهتمّ بالأشياء في تركيبها الكياني بقدر ما يهتمّ بمعناها. ومعنى الأشياء هو ما تعنيه للانسان ولعلاقات البشر بالله وبعضهم ببعض. فمن خلال الأشياء يتجلّى الوجود الإنساني وتظهر العلاقات البشرية.
أن لاهوت الأسرار مبنيّ على تجلّي الله من خلال المادة والجسد. والانسان المعاصر هو على قدر كبير من الواقعية بحيث يدرك أن العلامة التي هي خارجية ومادية تحمل في طيّاتها عالماً داخلياً يصير حاضراً وظاهراً من خلالها. بحيث ان داخل الانسان، هذا العالم السري والمحجوب عن الأبصار والذي يصعب التعبير عنه، يصير حاضراً ويمكن تناقله من خلال علامة حسيّة: كحركة أو كلمة أو قبضة يد.
لذلك يؤكّد اللاهوتيون المعاصرون أن حضور السيد المسيح في سر الافخارستيا هو حضور شخص، وليس حضور شيء. فبقولنا إن الخبز والخمر يصيران جسد المسيِح ودمه، نؤكّد أنّ ما نتّحد به هو حقيقة شخص المسيح الحيّ، الكلمة الذي صار جسداً، ومات على الصليب، وقام من بين الأموات مخلّصاً العالم. في هذه النظرة، للدلالة على التحوّل الافخارستي، يستعمل اليوم بعض اللاهوتيين في الغرب لفظة "تحوّل المعنى" أو "تحوّل الغاية" بدل اللفظة التقليدية في اللاهوت الغربي. وما يريدون تأكيده هو أن الخبز والخمر المكرّسان يُعطَيان معنى آخر يفوق معناهما الأول، وغاية أخرى تسمو غايتهما الأولى. فالخبز الاعتيادي يعني ويحقّق فينا غذاء الجسد. أما الخبز المكرّس الذي يصير جسد الرب فيعني ويحقق فينا الاتحاد بشخص السيد المسيح. أما تحاشي لفظة "تحوّل الجوهر" فيعود إلى أن لفظة "الجوهر" لا تعني الشيء الكثير للانسان المعاصر، وكذلك لفظة "الأعراض". ان هاتين اللفظتين قد استقاهما اللاهوت الغربي من فلسفة أرسطوطاليس، وعبّر بواسطتهما عن العقيدة المسيحية. فاللاهوتيون المعاصرون يهدفون إلى التعبير عن العقيدة المسيحية عينها، وذلك بألفاظ أخرى.
ونقطة انطلاقهم هي أن كيان الأشياء العميق وحقيقة الأشياء الأخيرة ليسا في ما تحمل هذه الأشياء من قيمة حسيّة في ذاتها، بل في ما تحمله من معنى بالنسبة إلينا. فالخاتم يمكن أن يعني أموراً كثيرة: فيمكن أن يكون حلية يتزيّن بها الإنسان أو "مَحْبَساً" يعبّر عن الزواج وعن الأمانة الزوجية. فجوهر الشيء هو، بالنسبة إلى الفكر المعاصر، ما يعنيه بالنسبة إلى الإنسان. وهذا المعنى هو المهم في الشيء فتحوّل الجوهر هو في الواقع تحوّل المعنى وتحوّل الغاية. ففي عقد الزواج يبقى الخاتم على ما هو عليه، ولكن معناه يتغيّر كليًّا. وكذلك عندما تختار دولة قطعة قماش ملوّنة لتجعل منها عَلَماً لها، لا يتغير شيء في مادة القماش، لكن معناها يتغيّر كليًّا، بحيث أن مَن يُهين العَلَم يُهين الوطن كلّه ويجرم إليه.
كذلك الخبز والخمر، بعد كلام التقديس واستدعاء الروح القدس، يتحوّلان كلّياً، دون أن تتحوّل مادتهما، إذ يصيران حقيقةً جسد المسيح ودمه، بحيث إنه، كما يقول بولس الرسول، "أيّ إنسان يأكل خبز الرب أو يشرب كأسه بلا استحقاق، يكون مجرماً إلى جسد الرب ودمه" (1 كو 11: 27).
هنا لا بدّ من ملاحظتين، لئلا يُساء فهم التعبير المعاصر: الملاحظة الأولى تتعلّق بالشخص الذي يعطي المعنى الجديد للخبز والخمر. ففي موضوع العَلَم، الحكومة هي التي تختار الألوان، والعُرْف العالمي هو الذي يعطي العَلَم قيمته ومعناه. وفي موضوع خاتم الزواج، الشاب والفتاة والعُرْف الحضاري العام. كذلك، في موضوع الافخارستيا، لا يحق لأيّ إنسان أن يعطي الخبز والخمر معنى جديداً، بل كلمة المسيح الخلاّقة وقدرة الروح القدس المحيية هما اللذان يضفيان على الخبز والخمر معنى جديداً. في هذا الموضوع، يقول القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو:
"ربّما تقول: إنّ هذا هو خبز اعتيادي. لا شكّ أن هذا الخبز هو خبز قبل الكلمات السرية. ولكن ما ان يحدث التقديس، حتى يتحوّل الخبز إلى جسد المسيح. فلنُثبت إذن هذا الأمر: كيف ما هو خبز يمكن أن يكون جسد المسيح؟ بأيّ كلمات يصير التقديس؟ وكلمات مَن هي هذه الكلمات؟ انها كلمات الرب يسوع... ما هي كلمة المسيح هذه؟ انها الكلمة التي بها صُنِع كلّ شيء. أَمَرَ الرب ة فكانت السماء؛ أَمَرَ الرب، فكانت الأرض؛ أَمَرَ الرب، فتكوّنت كلّ المخلوقات. ترى إذاً كم هي فعّالة كلمة المسيح. فإذا كانت كلمة الرب لها تلك القدرة العظيمة، بحيث إنّ ما لم يكن يبدأ بالوجود، فكم هي أيضاً فعّالة لتجعل ممّا كان يصير شيئاً آخر".
في الافخارستيا، لسنا أمام عمل إنسان وأمام إرادة إنسان، بل أمام عمل المسيح، وأمام إرادة المسيح الخلاّقة. أن كلمة الله التي خلقت الكائنات وأعطتها كيانها وثبّتت معناها العميق هي نفسها التي تعطي الخبز والخمر المقدّمين على مائدة الرب كيانهما الجديد ومعناهما الجديد. فليس الانسان هو الذي يعتبر أنّ الخبز والخمر بعد التكريس هما جسد المسيح ودمه، بل كلمة الرب نفسه. إنّ حضور المسيح في الافخارستيا ليس عمل إيمان الانسان، بل إنّه يسبق الانسان ويسبق إيمانه. يقول الأب هوسيو:
"ان موضوع الايمان كموضوع العقل. فالعقل البشري يعطي معنى للأشياء التي يحوّلها، ولكنّه يكتشف أيضاً المعنى الموجود في نظام العالم. فالعالم كان عقليًّا قبل أن نعقله. الإيمان يعطي معنى جديداً لحركات وأشياء الوجود البشري، ولكنه يكتشف أيضاً الاشياء الحقيقية التي يخلقها الله من جديد بكلمته، أو يظهرها على نحو محجوب تحت أشياء خليقته. الإيمان يسمع كلمة الله الذي يجدّد العالم، وبالروح الساكن فينا يشارك الله نظرته. ان الفكر المسيحي، بقوله أن الافخارستيا هي سر الإيمان، يعتبر الإيمان نظرة موضوعية تكتشف من خلال علامة الخبز والكأس المحجوبة الحضور الفعّال للرب القائم من بين الأموات".
الملاحظة الثانية تتعلّق بأبعاد حضور المسيح في الافخارستيا. فهو حضور كلّ سرّ المسيح، أي المسيح الذي يعطي ذاته في الموت والقيامة لأجل حياة العالم. لسنا هنا بصدد تحوّل مادة إلى مادة أخرى، بل بصدد حضور حدث خلاصي. ان ذكرى موت المسيح وقيامته تصير في الافخارستيا حضورّ سرّ الخلاص. يقول الأب تيّار:
"ان الحضور الافخارستي لا يمكن فهمه خارج إطار الذكرى، وتلك الذكرى هي ذكرى الحدث الفصحي... الذكرى الافخارستية تهدف أولاً إلى أن تنقل إلى الجماعة الملتئمة العطية التي بها يعطي المسيح يسوع ذاته، والتي قام بها "مرة لا غير" والتي هي الخلاص. إنّ حدث "يسوع معطياً ذاته" هو الذي، في الذكرى الافخارستية، يجب أن يصل الآن إلى الكنيسة. إنّ فهم المعنى العميق للحدث الفصحي هو الذي، في رأينا، أكثر من حرف روايات رسم الافخارستيا في الأناجيل الازائية، قد حمل الكنيسة على التأكيد انه في عشاء الرب ليس هناك فقط ادراك لنتيجة الفصح الخلاصية، بل أيضاً حضور سرّي وحقيقي في آن معاً، هو حضور المسيح الذي يعطي ذاته على الصليب والذي أقامه الآب. ونعود فنكرّر: إنّه في هذا يقوم الخلاص. ان كثافة الجسد والدم السرّيين الخلاصية ليست شيئاَّ قائماً بذاته، وليس لها في ذاتها ما يبرّر وجودها. بل هي مشدودة نحو ثمرة الحدث الفصحي في الجماعة وفي كل مؤمن. فبواسطتها يجب أن يتمكن المؤمن من الدخول حقيقةً في فعل يسوع معطياً ذاته، هذا الفعل الذي هو الخلاص. فنحن أمام حقيقة وسط تقع ضمن الدينامية -دينامية الروح- التي تذهب من الحدث الفصحي "مرة لا غير" إلى "كيان النعمة"، كيان الذين، بتناولهم الخبز وشربهم الخمر المكرّسين، يتّصلون حقيقةً بفعل يسمع معطياً ذاته".
في هذه النظرة نفهم دور "استدعاء الروح القدس" على القرابين ليحوّلها إلى جسد المسيح ودمه، ويحوّل الذين يتناولون منها إلى كنيسة هي استمرار حضور المسيح في العالم. وهكذا ننتقل إلى الفصل الثالث، وهو متعلّق بدور الروح القدس في الافخارستيا.
الفصل الثالث
الإفخارستيَّا سِرُّ حُضُور الرُّوحِ القدُس
لِتكوين جَسَدِ المَسيح

لقد ركّز الآباء الشرقيون على المقارنة بين الافخارستيا والتجسّد. يقول القديس يوحنا الدمشقي:
"إنّ كلّ ما صنعه الله، إنّما صنعه بفعل الروح القدس، وهو الآن يعمل كذلك بفعل الروح القدس ما هو فوق الطبيعة، وما لا يمكن أن يقبله إلاَّ الإيمان وحده. تقول العذراء القديسة: كيف يكون لي هذا، وأنا لا أعرف رجلاً؟ فيجيبها جبرائيل رئيس الملائكة: الروح القدس يحلّ عليك، وقوّة العليّ تظلّلك. وتتساءل أنت الآن: كيف يصير الخبز جسد المسيح، ويصير الخمر والماء دم المسيح؟ وأنا أقول لك: يحلّ الروح القدس ويصنع ما يفوق النطق والعقل".
ان الروح القدير الذي، في سرّ التجسّد، كوّن جسد المسيح في أحشاء مريم العذراء، هو الذي في سرّ الافخارستيا يحلّ على القرابين ليجعل منها جسد المسيح ودمه. وهو أيضاً الذي يحلّ على المؤمنين الذين يتناولون جسد الخلص ودمه ليجعل منهم الكنيسة جسد المسيح.

أولاً- عمل الروح القدس في تحويل القرابين

1- استدعاء الروح القدس في الليتورجيا
في معظم الليتورجيات، بعد ذكر كلمات التأسيس: "هذا هو جسدي... هذا هو دمي..."، يطلب الكاهن إلى الله أن يرسل روحه القدوس ليحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه.
نقرأ في ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم في الطقس البيزنطي:
"نقرّب لك أيضاً هذه العبادة الروحية غير الدموية، ونبتهل ونطلب ونتضرّع. فأرسل روحك القدوس علينا، وعلى هذه القرابين الحاضرة، (+) واجعل هذا الخبز جسد مسيحك الكريم، (+) وما في هذه الكأس دم مسيحك الكريم، (+) محوّلاً إيّاهما بروحك القدوس، لكي يكونا للمتناولين منهما لعفاف النفس، لشركة الروح القدس، لكمال ملكوت السماوات، للدالّة لديك، لا للدينونة أو للقضاء".
وكذلك في ليتورجيا القديس باسيليوس في الطقس البيزنطي:
"لذلك أيها السيد القدوس... إذ قرّبنا رسومَ جسدِ مسيحك ودمِه المقدَّسين، نطلب إليك وندعوك، يا قدوس القديسين، ونسألك أن يحلّ، برضى صلاحك، روحُك القدوس علينا، وعلى هذه القرابين الموضوعة، ويباركها، ويقدّسها، ويظهر: (+) هذا الخبزَ جسدَ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح الكريمَ نفسَه، (+) وهذه الكأسَ دمَ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح الكريم نفسه، (+) المهراقَ لأجل حياة العالم. أمّا نحن جميع المشتركين في الخبز الواحد والكأس الواحدة، فاجعلنا متّحدين بعضنا ببعض في شركة الروح القدس الواحد".
وكذلك في القداس الماروني:
"ارحمنا، أيها الرب، ارحمنا، وأرسل من السماء روحك المحيي، وليحلّ على هذا القربان ويجعله جسداً محيياً، وينقّينا ويطهّرنا ويقدّسنا. استجبني يا رب، استجبني يا رب، استجبني يا رب، وليأتِ روحك الحيّ القدوس ويحلّ عليّ وعلى هذا القربان، (+) وليجعل هذا السرّ جسد المسيح إلهنا لخلاصنا، (+) ويجعل هذه الكأس دم المسيح إلهنا لخلاصنا، لتكون هذه الأسرار المقدسة المحيية، لمسامحة الذنوب وغفران الخطايا، ولشفاء النفس والجسد، ولتوطيد الضمير، فلا يهلك أحد من شعبك المؤمن، بل نحيا بروحك ونسير سيرة نقية، ونصعد لك المجد الآن وكل آنٍ إلى الأبد. آمين".
ونشاهد الرتبة عينها في سائر الليتورجيات الشرقية: السريانية والأرمنية والقبطية. أما في الليتورجيا الرومانية، فاستدعاء الروح القدس يسبق كلام التقديس، إلاَّ أنه لا يحتلّ المكانة التي يحتلّها في الليتورجيات الشرقية. "فالتقليد الرسولي" للقديس هيبوليتوس الروماني، الذي يعود إلى أوائل القرن الثالث، يحوي استدعاءً موجزاً:
"نطلب إليك أن ترسل روحك القدوس على تقدمة الكنيسة المقدسة، وأن تجمع في الوحدة كل الذين يتناولون، وأن تملأ بالروح القدس النفوس لتوطيد الإيمان في الحق".
ان موضوع استدعاء الروح القدس في تاريخ الليتورجيا الرومانية يبقى موضوع نقاش بين المؤرّخين. إلاَّ أنّه بعد المجمع الفاتيكاني، أُعيدت إلى الليتورجيا الرومانية بكل وضوح صلاة استدعاء الروح القدس، وذلك قبل كلمات التأسيس:
"أنت حقًّا قدوس، أنت ينبوع القداسة. فنطلب إليك، يا رب: قدّس هذه القرابين بحلول روحك القدوس عليها، لتصير لنا جسد ودم يسوع المسيح ربّنا" (الصلاة الافخارستية الثانية).
يعتبر التقليد الغربي كلمات التأسيس صيغة الافخارستيا، أي الكلمات التي تحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. فيما التقليد الشرقي يعتبر الصلوات الثلاث الموجّهة إلى الآب والابن والروح القدس وحدة متكاملة، بحيث إن تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه لا يتمّ إلاّ في نهاية الصلاة الافخارستية، أي بعد استدعاء الروح القدس.

2- تعليم الآباء
أ) آباء الكنيسة الشرقية
يؤكّد الآباء أنّ التحويل يتمّ بقدرة كلمات التأسيس وفعل الروح القدس في آنٍ معاً. فلنقرأ بعض أقوالهم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
"ليس الإنسان هو الذي يجعل القرابين تصير جسد المسيح ودمه، بل المسيح نفسه الذي صُلِب لأجلنا. فالكاهن هو هنا يمثّله وينطق بالكلمات ولكن القدرة والنعمة هما من الله. يقول: هذا هو جسدي. وهذا القول يغيّر طبيعة القرابين. هكذا، أن كلمة المخلّص، إذ يُنطَق بها، تكفي لتُتمّ أكمل ذبيحة على مائدة كل الكنائس، منذ الفصح الأخير الذي أقامه يسوع المسيح حتى يومنا وحتى مجيئه الثاني". ثم يضيف: "الخبز يصير خبز السماء، لأن الروح القدس يأتي ليحلّ عليه. ما هو أمامنا ليس عمل القدرة البشرية. أن الذي فعل ذلك في العشاء الأخير يفعله الآن أيضاً. نحن نقوم بدور الخدمة، ولكنّه هو الذي يقدّس ويحوّل".
"أنتقل الآن إلى الاحتفال بأسرارنا المقدّسة. معجزة أخرى، وذهول آخر. هنا أيضاً الكاهن واقف، ولكن ما سيُنزله ليس نار السماء بل الروح القدس نفسه. يصلّي بإلحاح لا لكي تنزل نار السماء على الضحية وتحرقها، بل لكي تحلّ النعمة الإلهية على القرابين، وبواسطتها تمتلك نفوس الحاضرين، وتضرمها وتجعلها أكثر لمعاناً من الفضة المنقَاة بالنار".
والقديس كيرلس الأورشليمي:
"ان الخبز والخمر في الافخارستيا، قبل الاستدعاء المقدس للثالوث المسجود له، هما خبز وخمر اعتياديان. أما بعد الاستدعاء، فيصير الخبز جسد المسيح، والخمر دم المسيح".
"بعد أن نتقدّس بهذه الترانيم، نبتهل إلى الله المحب البشر أن يرسل الروح القدس على القرابين الموضوعة، لكي يجعل من الخبز جسد المسيح، ومن الخمر دم المسيح. فكل ما يلمسه الروح القدس، يتقدّس ويتحوّل".
وتيودوروس المصيصي يرى في الروح القدس ينبوعاً لعدم الفساد:
"ان جسد المسيح ربّنا الذي هو من طبيعتنا كان أولاً مائتاً بالطبيعة، ولكن بواسطة القيامة انتقل إلى طبيعة خالدة وغير منحوّلة. فعندما يقول الكاهن أن هذا الخبز وهذا الخمر هما جسد المسيح ودمه، يكشف بوضوح أنهما صارا كذلك بحلول الروح القدس، وبه قد صارا خالدين، لأنه هكذا أيضاً ظهر جسد ربنا عندما مُسِح ونال الروح. والآن أيضاً، وعلى النحو عينه، عندما يأتي الروح القدس، نعتقد أن الخبز والخمر المقدّمان ينالان نوعاً من المسحة بالنعمة النبيّ تحلّ فيهما. لذلك نؤمن أنهما جسد المسيح ودمه، الخالدان، غير الفاسدين، غير المتألمين وغير المتحولين بالطبيعة، كما حدث لجسد ربنا بالقيامة".
والقديس يوحنا الدمشقي، في تفسيره للفظة "رسوم" التي يستعملها القديس باسيليوس في الليتورجيا، بعد كلمات التأسيس، إذ يقول: "قرّبنا رسوم جسد مسيحك ودمه المقدّسين"، يؤكّد أن هذه اللفظة تُستعمل قبل التقديس، ويعني بالتقديس استدعاء الروح القدس:
"القربان إنّما هو جسد بالحقيقة متّحد باللاهوت، وهو الجسد المأخوذ من العذراء القديسة، ليس على أنّه الجسد الذي كان قد ارتفع إلى السماء ينحدر منها، بل إنّ الخبز نفسه والخمر يتحوّلان إلى جسد الرب ودمه. وإذا تساءلتَ عن الطريقة كيف حدث ذلك، فيكفيك أن تسمع بأنّ ذلك يتمّ بالروح القدس. فكما أنّ الربّ قد شخّص لذاته وبذاته جسداً بواسطة الروح القدس من والدة الإله القديسة، ولسنا نعرف أكثر من ذلك سوى أنّ كلام الله صادق ونافذ وقدير ولا يمكن تفسير كيفيّته، غير أنّه ليس مستهجناً أيضاً هذا القول بأنه، كما يتحوّل تحوّلاً طبيعياً الخبز بالأكل والخمر والماء بالشرب إلى جسد ودم الآكل والشارب، ولا يتحوّلان إلى جسم آخر غير جسمه الأوّل، كذلك قُلْ عن خبز التقدمة والخمر والماء باستدعاء الروح القدس وحلوله. فإنّهما يتحوّلان تحويلاً يفوق الطبيعة إلى جسد المسيح ودمه. ولا يكونان اثنين، بل هما واحد وهو هو نفسه...
وإذا كان بعضهم يسمّي أبضاً الخبز والخمر رسماً أو بديلاً لجسد الرب ودمه- كما يفعل ذلك باسيليوس اللابس الله-، فلا يكون ذلك بعد التقديس، بل هم يسمّون التقدمة نفسها هكذا قبل تقديسها"

ب) آباء الكنيسة الغربية
نجد أيضاً لدى آباء الكنيسة الغربية بعض النصوص التي تؤكّد دور الروح القدس في تحويل القرابين. يقول القديس اوغسطينوس:
"إنّ ما ندعوه جسد المسيح ودمه ليس كلامه، ولا الرقّ، ولا الحبر، ولا نغمات الكلمات المعبِّرة، ولا العلامات المكتوبة على الأوراق. ما نفكّر به فقط هو ما تقدّمه لنا ثمار الأرض، والذي بعد أن يتقدّس بالصلاة السرية نتناوله حسب الطقوس في سبيل خلاصنا الروحي وتذكاراً لآلام الرب لأجلنا. إن يد البشر هي التي تصنع هذه الأشكال المنظورة، أمّا التقديس الذي يجعل متنها هذا السرّ العظيم، فلا يأتيها إلاَّ من العمل غير المنظور، عمل روح الله".
وكذلك يقول باسكاز رادبير وهو رئيس دير كوربيا في فرنسة (790- 865) اشتهر في تأكيد حقيقة حضور جسد المسيح ودمه في سرّ الافخارستيا، وعلاقة الافخارستيا بالتجسّد:
"ليس من العجب أن الروح القدس الذي، دون زرع بشري، صنع بشرية المسيح في أحشاء مريم، يصنع كل يوم، بتقديس السرّ بقدرته غير المنظورة، من جوهر الخبز والخمر جسد المسيح ودمه".
"لقد أراد المسيح أن يصير هذا الخبز وهذا الخمر حقاً جسده ودمه، في السرّ، بتقديس الروح القدس، في عمل قدرة خلاَّقة، لكي يضحّي بذاته كل يوم سرّياً لأجل حياة العالم، وكما ان الروح القدس خلق جسده من العذراء دون علاقة جسدية، هذا الروح عينه هو الذي يقدّس سرّيًّا جسدَ المسيح عينَه ودمَ المسيح عينَه من جوهر الخبز والخمر".
والقديس توما الأكويني الذي يركّز في لاهوته على فعّالية "كلمات الرب" في تقديس القرابين، لا يغفل ذكر عمل الروح القدس، إذ يقول:
"ان جسد المسيح هو في هذا السرّ على نحو روحي، أي بشكل غير منظور، وبقدرة الروح القدس".
وصيغة الإيمان التي فرضها البابا اينوشنسيوس الثالث سنة 1208 على القوديين توضح ان الافخارستيا تتمّ "بكلمة الخالق وقدرة الروح القدس".
نستنتج من كل هذه النصوص أن التقاليد اللاهوتية في الشرق والغرب تُجمع على القول إن تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه لا يمكن أن يتمّ إلاَّ بحلول قدرة الروح القدس. أمّا مسألة تحديد اللحظة التي تمّ فيها هذا التحويل- ذكر "كلمات الرب" في التقليد الغربي، أو "استدعاء الروح القدس" في التقليد الشرقي- فهي مسألة ثانوية. المهمّ هو الاعتقاد العميق أنّ الروح القدس هو الذي يعمل في هذا التقديس.

3- وثيقة ميونيخ
وهذا ما توصّلت إليه لجنة الحوار اللاهوتي الدولية المختلطة بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الارثوذكسية في وثيقة ميونيخ (30 حزيران- 6 تموز 1982). ففي الكلام على عمل الروح القدس، تؤكّد الوثيقة الاتحاد الوثيق بين رسالة الروح القدس ورسالة الابن:
"ان رسالة الروح القدس تبقى متّصلة برسالة الابن. والاحتفال بالافخارستيا يكشف عن القوى الالهيّة النبيّ يظهرها الروح القدس العامل في جسد المسيح:
"فالروح القدس يهيّئ مجيء المسيح بإعلانه بالأنبياء، وتوجيه تاريخ الشعب المختار نحوه، وجعل العذراء مريم تحبل به، وفتح القلوب لكلمته.
"والروح القدس يظهر المسيح في عمله كمخلّص، في الانجيل الذي هو المسيح بعينه. أن الاحتفال الافخارستي هو الذكرى: فما حدث مرة يحدث الآن حدوثاً حقيقياً، ولكن سرّيًّا. الاحتفال بالافخارستيا هو الزمن المقدّس بالذات لحدوث السرّ.
"والروح القدس يحوّل القرابين المقدّسة إلى جسد المسيح ودمه، ليتمّ نموّ الجسد الذي هو الكنيسة. وبهذا المعنى، الاحتفال كله هو استدعاء للروح القدس يزداد بياناً في بعض الأوقات. فالكنيسة هي في حالة استدعاء دائمة.
"والروح القدس يُشرك بجسد المسيح الذين يشتركون في الخبز الواحد والكأس الواحدة. وانطلاقاً من هذا الواقع، تظهر الكنيسة ما هي عليه، سرّ الشركة الثالوثية، "مسكن الله مع البشر" (رؤ 21: 3).
"ان الروح القدس، بجعله حالياً ما فعله المسيح مرة لا غير -أي حدث السرّ- يتمّمه فينا جميعاً. إنّ هذه العلاقة بالسرّ، التي تظهر بوضوح أكثر في الافخارستيا، موجودة أيضاً في سائر الأسرار، التي هي كلّها أعمال الروح القدس. لذا فإن الافخارستيا هي محور الحياة الأسرارية".
ان هذا النص يضع استدعاء الروح القدس في الافخارستيا ضمن التدبير الخلاصي بمجمله. وهذا ما يتفق عليه الشرق والغرب. فكل ما له علاقة بالعمل الإلهي الذي يسمو قدرة الاسنان يُعزَى إلى الروح القدس: من الخلق إلى تجسّد الكلمة في أحشاء مريم العذراء إلى قيامة المسيح (رو 8: 11؛ 1 بط 3: 18). كذلك يُعزى أيضاً إلى الروح القدس تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه.
نضيف أن الهدف الأخير لهذا التحوّل الافخارستي هو اتحاد البشر بالمسيح لتقديس نفوسهم وأجسادهم. وهذا الاتحاد لا يمكن أن يتمّ إلاَّ "بالروح". يقول المسيح عن الروح القدس: "إنّه سيمجّدني، لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم" (يو 16: 14). ينطبق أيضاً هذا القول على الافخارستيّا. فالروح القدس هو الذي يجعل المؤمن يضطلع بسرّ المسيح الخلاصي، ويجعل الذي يتناول جسد المسيح ودمه يتّحد بكيان المسيح اتحاداً عضوياً. إن عمل المسيح وعمل الروح القدس ليسا عملين متوازيين. بل هما عمل واحد: عمل الله الذي يقدّس الإنسان بكلمته وروحه.

ثانياً- الافخارستيا سرّ حضور الكنيسة

لا بدّ أن القارئ قد لاحظ، لدى مطالعته صلوات الليتورجيا وتفسيرات الآباء، أن عمل الروح القدس لا يقتصر على تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، بل يهدف إلى تقديس المؤمنين الذين يتناولون منهما، وإلى تحقيق كمال وحدة الكنيسة جسد المسيح. فالكنيسة جسد المسيح ومسكن الروح القدس هي التي تقيم الافخارستيا، ولكن الافخارستيا بدورها تحقق كمال الكنيسة.

1- الكنيسة تقيم الافخارستيا
الافخارستيا ليست عمل فرد، أكاهناً كان أم أسقفاً، بل عمل الكنيسة بمجملها. والكنيسة، عندما تقيم الافخارستيا، تعلم أنها إنّما تقيمها باسم المسيح الحاضر فيها وبقدرة الروح القدس الذي يملأها.
"حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فأنا أكون هناك في وسطهم" (متى 18: 20). يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "ان كل احتفال ليترجي هو عمل المسيح الكاهن وعمل جسده الذي هو الكنيسة" (دستور في الليتورجيا، 7). وفي ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم، يقول الكاهن في صلاة الشيروبيكون مخاطباً السيد المسيح: "ارتضِ بأن أقدّم لك هذه القرابين أنا عبدك الخاطئ غير المستحق، فإنّك أنت المقرِّب والمقرَّب، والقابِل والموزَّع، أيها المسيح إلهنا". إنّ المسيح حاضر في كنيسته بالإيمان والمحبة، وحاضر في الذين اعتمدوا باسمه واشتركوا في كهنوته الملوكي، وحاضر في شخص الأساقفة والكهنة الذين بالرسالة اشتركوا في كهنوت الخدمة وصاروا قادرين على جعل المسيح حاضراً في سرّ الافخارستيا لتقديس المؤمنين. فالمسيح هو الكاهن الأوحد، والمسيحيون يشتركون في كهنوته كلٌّ حسب وظيفته العضوية في جسد المسيح، حسب ما يؤتيه الروح في الكنيسة (راجع 1 كو 12: 4- 11، 27- 30).
لذلك لا يحقّ لأيّ مسيحي أن يقيم الافخارستيا، بل الذي حصل بالرسامة الكهنوتية على تلك السلطة. لأن الافخارستيا ليست عمل فرد بل عمل الكنيسة كلّها. يقول أوليقييه كليمان:
"الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية تظهر في ملئها في الجماعة الافخارستيّة التي يرئسها الأسقف الذي يفوّض كهنته مهمّة تمثيله في مختلف الرعايا، والذي، لكونه صورة المسيح، يجعل شعب كنيسته المحلية يأتلف في جسد إفخارستي. فالكنيسة إذاً هي في الأسقف، ولكن الأسقف من جهته هو في الكنيسة، كخادم لشركتها. ومجلس الكهنة هو مجموع الكهنة الملتئمين حول أسقفهم".
وهذا هو تقليد الكنيسة منذ الآباء الرسوليين. يقول القديس اغناطيوس الانطاكي، الذي هو ثاني أسقف لأنطاكية، وقد عاش في أواخر القرن الأوّل وبداية القرن الثاني:
"اتبعوا جميعكم الأسقف كاتباع يسوع للآب، والكهنة كاتباعكم للرسل، أمّا الشمامسة فاحترموهم كناموس الرب. لا يفعلنّ أحد منكم شيئاً يتعلّق بالكنيسة بدون إرادة الأسقف. وسرّ الافخارستيّا هو السرّ الذي يتمّمه الأسقف أو من أوكل إليه ذلك. حيث يكون الأسقف، هناك يجب أن تكون الرعية، كما أنّه حيث يكون المسيح، هناك تكون الكنيسة الجامعة. بدون الأسقف لا يجوز العماد ولا ولائم المحبة. ما يوافق عليه الأسقف هو المقبول عند الله. وكلّ ما يفعله يكون شرعيًّا".
والأسقف والكهنة يعلمون أن الافخارستيا التي يقيمونها وفقاً لإيمان الكنيسة وإرادتها، تكون صحيحة، مهما كانوا هم خاطئين وغير مستحقين. وكل أسقف أو كاهن لا يقيم الافخارستيّا وفقاً لإيمان الكنيسة وإرادتها، لا يمكنه أن يُتمّ السرّ ويحقّق حضور المسيح. فالكاهن الذي ينطق بكلمات التقديس على الخبز والخمر خارج إطار الليتورجيا الالهية، للهزء والسخرية، لا يكرّس شيئاً، لأنّه لا يصنع ما تريد الكنيسة صنعه.
فالكنيسة هي سرّ حضور المسيح، والافخارستيا هي سرّ حضور الكنيسة.


2- الافخارستيّا تكوِّن الكنيسة
"بما أنّ الخبز واحد، فنحن الكثيرين جسد واحد، لأنّا جميعاً نشترك في الخبز الواحد" (1 كو 10: 17).
لقد توسّع آباء الكنيسة في هذا القول، وأظهروا كيف أن الافخارستيا تكوّن الكنيسة جسد المسيح الواحد من عناصر متنوّعة، وكيف تصير الكنيسة، بتناولها جسد المسيح ودمه المقرَّبين لأجل حياة العالم، قرباناً على مثال المسيح رأسها.

أ) الافخارستيّا تتمّ وحدة الكنيسة
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
"كما أنّ الرأس والجسد يكونان إنساناً واحداً، كذلك المسيح والكنيسة هما كائن واحد. وتلك الوحدة تتحقّق بالطعام الذي أعطانا إيّاه، وهو بريد أن يظهر محبته لنا. لذلك اتّحد فينا اتّحاداً وثيقاً، وكالخميرة دمج جسده بجسدنا، لكي نصير كائناً واحداً كما أنّ الجسد مرتبط بالرأس... وهكذا نصير جسداً واحداً، أعضاء من جسده، وعظاماً من عظامه، كما يقول الكتاب".
الافخارستيّا تجدّد وحدة البشر الكيانية وتثبّتها وتعمّقها. بالتناول من جسد المسيح الواحد، يصير الجميع كائناً واحداً ومسيحاً واحداً، وحياة واحدة عبر الزمان والمكان. وهكذا فإنّ الافخارستيا هي في أساس "جامعية" الكنيسة. فإذ يشترك الجميع في الحقيقة الواحدة التي هي حياة محبة، يصيرون واحداً، رغم وجودهم كأشخاص متميّزين الواحد عن الآخر:
"نحن منقسمون إلى أشخاص متميّزين، فلكلّ من بطرس ويوحنا وتوما ومتى كيانه الشخصي الخاص؛ ولكنّنا جميعاً نُسبَك في جسد واحد في المسيح عندما نتغذّى من جسده الموحِّد" (القديس كيرلس الاسكندري).
وهذا ما تطلبه الصلاة الافخارستية في ليتورجيا "الديداكيه" التي تعود إلى النصف الأول من القرن الثاني:
"كما أن هذا الخبز الذي كان مبعثراً على الجبال قد جُمع ليصير خبزاً واحداً، هكذا إجمع كنيستك من أقاصي الأرض في ملكوتك".
وكذلك ليتورجيا القديس باسيليوس:
"أما نحن جميعَ المشتركين في الخبز الواحد والكأس الواحدة، فاجعلنا متّحدين بعضنا ببعض في شركة الروح القدس الواحد".
والقديس اوغسطينوس يوضح العلاقة بين الكنيسة جسد المسيح وجسد المسيح الافخارستي:
"إن كنتم جسد المسيح، فهوذا سِرُّكم موضوع على مائدة الرب، انكم تنالون سرَّكم. تجيبون "آمين" (انه كذلك) على ما تنالونه، وتصدّقون عليه. تسمع هذه الكلمة: "جسد المسيح"، وتجيب: آمين. كن إذاً عضواً في جسد المسيح، لكي تكون "الآمين" التي تقولها صادقة... كونوا ما ترون، ونالوا ما أنتم عليه".
الافخارستيّا تكوّن الكنيسة جسد المسيح. وبما أن هذا الجسد هو، في بشرية المخلّص الشخصية، مصالحة والتئام، فإنه يحقّق المصالحة والشركة بين أعضاء الكنيسة، كما يحقّق المصالحة والشركة مع الآب. الافخارستيا هي سر العهد الجديد بين البشر والله، وبين البشر أنفسهم، وذلك بواسطة الروح القدس الذي يجعل من الخبز جسد المخلص الحامل البشرية المصالحة مع الله، ومن الكأس دم العهد الجديد الذي يغفر الخطايا ويختم الشركة.
من هنا يبدو لنا واضحاً الرباط بين المعمودية والميرون والافخارستيا، تلك الأسرار الثلاثة التي تُعطَى معاً في الشرق، حتى للأطفال. فهذه الأسرار الثلاثة تندرج ضمن دينامية واحدة تهدف إلى لقاء حقيقي بين المؤمن والرب في الشركة الافخارستية. بالمعمودية يصير الإنسان ابن الله بالتبنّي. ولكن هذا التبنّي لا يصل إلى كماله إلاَّ متى تناول المؤمن في جسده جسد ودم الابن القائم من بين الأموات. إذّاك يدخل حقًّا في عالم القيامة، ويجلس مع الكنيسة كلها على مائدة الوليمة السماوية التي يشترك فيها منذ الآن. المعمودية هي سر الدخول في الكنيسة، والافخارستيا هي سرّ الكنيسة في كمال حقيقتها.

ب) الافخارستيا تحوّل الكنيسة إلى قربان محبة مع المسيح
"هذا هو جسدي الذي يُبذَل لأجلكم... هذا هو دمي الذي يُهَراق عنكم..." الافخارستيا هي سرّ المسيح الذي يعطي ذاته حتى الموت في سبيل أحبّائه. ولكن هذا السرّ الذي يعيد حضور حقيقة المسيح الذي أعطى ذاته، لن يصل إلى مثل حقيقته اليوم إلاَّ من خلال المسيحيين الذين يتناولون جسد ودم المسيح في سرّ عطائه ليصيروا به وعلى مثاله جسداً مبذولاً ودماً مهراقاً لأجل حياة العالم.
الافخارستيا هي سرّ، أي علامة حسّية تشير إلى حقيقة المسيح. ولكنّ الافخارستيا بحاجة إلى أن تتخطّى عالم العلامات لتُظهر في عالم البشر حقيقة المسيح، وقصد الله الخلاصي، الافخارستيا تُذكّر الكنيسة برسالتها: الكنيسة تتغذّى بجسد ودم المسيح المخلّص، لتعمل مع المخلّص على خلاص العالم. انها تتحوّل إلى جسد المحبة لتنشر المحبة في عالم الكراهية والبغض والحقد والأنانية، وتنشر العدل في عالم الظلم والذلّ والقهر والدموع.
لقد عبّرت الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الارثوذكسية بكلمات رائعة في "وثيقة ميونيخ" عن العلاقة بين الافخارستيا والكنيسة:
"ان الاحتفال الافخارستي بمجمله يحقّق حضور سر الكنيسة الثالوثي. ففيه ننتقل من سماع الكلمة، الذي يصل إلى قمته في إعلان الإنجيل- ذاك الإعلان الرسولي للكلمة الذي صار جسداً- إلى الشكر للآب، ثم إلى ذكر ذبيحة المسيح، فإلى الشركة فيه بفضل صلاة الاستدعاء إلى الروح القدس التي تقام في الإيمان. فاستدعاء الروح القدس في الافخارستيا ليس ابتهالاً لأجل تحويل الخبز والكأس تحوّلاً سرّيًّا وحسب. بل هو صلاة لأجل تحقيق شركة الجميع الكاملة في السرّ الذي أوحى به الابن.
"بهذه الطريقة يمتدّ حضور الروح القدس نفسه إلى جسد الكنيسة كلّه بواسطة مشاركة سرّ الكلمة المتجسّد... أن الروح القدس الذي ينبثق من الآب (يو 15: 26) كمن مصدر واحد في الثالوث، والذي صار روح تبنّينا (رو 8: 15)، لأنّه أيضاً روح الابن (غلا 4: 6)، يعطيه لنا بصورة خاصة في الافخارستيا ذاك الابن الذي علبه يستقرّ في الزمن وفي الأبد (يو 1: 32).
"لذلك يتمّ السرّ الافخارستي في الصلاة التي تجمع بين الكلمات التي بها أسسّ الكلمة المتجسّد السرّ، واستدعاء الروح القدس الذي به تبتهل الكنيسة، يحرّكها الإيمان، وتطلب إلى الآب بالابن أن يرسل الروح القدس، ليكتمل كلّ شيء في الوحدة، في تقدمة الابن المتجسّد الواحدة. بالافخارستيا، يتّحد المؤمنون بالمسيح، الذي يقدّم ذاته معهم إلى الآب، وينالون القدرة على أن يقدّموا ذواتهم بروح التضحية بعضهم لأجل بعض، كما أنّ المسيح قدّم ذاته للآب لأجل الكثيرين، معطياً هكذا ذاته للبشر.
"إنّ هذا الاكتمال في الوحدة، الذي يتمّمه معاً الابن والروح، وهما يعملان بالعودة إلى الآب وإلى قصده، هو الكنيسة في ملئها".
لذلك بعد استدعاء الروح القدس على القرابين وعلى الذين سيتناولون منها، تتوسع الذكرى لتشمل الكنيسة كلّها في جميع أعضاء جسد المسيح: القديسين منهم، والراقدين، والأحياء:
القديسين: "نقرّب لك أيضاً هذه العبادة الروحية لأجل الذين توفّوا على الإيمان: الأجداد، والآباء، ورؤساء الآباء، والأنبياء، والرسل، والكارزين، والمبشّرين، والشهداء، والمعترفين، والنسّاك، وروح كل صدّيق توفي على الإيمان، خصوصاً سيدتنا الكاملة القداسة، الطاهرة، الفائقة البركات، المجيدة، والدة الإله الدائمة البتولية مريم. ولأجل القديس النبي السابق يوحنا المعمدان، والقديسين المجيدين الرسل الجديرين بكل مديح. والقديس (فلان) الذي نقيم تذكاره، وجميع قديسيك. فافتقدنا اللهم بتضرّعاتهم 
الراقدين: "واذكر جميع الذين سبقوا فرقدوا على رجاء القيامة للحياة الأبدية. وأرحهم حيث يشرف نور وجهك
الأحياء: "اذكر يا رب جميع الأساقفة... والكهنة والشمامسة وجميع الاكليروس. "نقرّب لك أيضاً هذه العبادة الروحية لأجل المسكونة، ولأجل الكنيسة المقدسة الجامعة الرسولية، ولأجل العائشين في النقاوة والسيرة الحميدة، ولأجل حكامنا... وجميع مساعديهم وجنودهم...
"اذكر يا رب البلدة التي نحن قاطنون فيها... وكل مدينة وقرية والمؤمنين القاطنين فيها. اذكر يا رب المسافرين... والمرضى والتعبين والمسبيين وهَب لهم الخلاص. اذكر يا رب مقدِّمي الثمار، والمحسنين إلى كنائسك المقدسة، وذاكري البائسين، واسبغ مراحمك علينا أجمعين".
وينتهي ذكر الكنيسة بالطلب إلى الله أن يتوحّد الجميع لمجّدوا بفم واحد وقلب واحد اسم الثالوث القدوس:
"وأعطنا أن نمجّد ونسبّح بفم واحد وقلب واحد اسمك الجدير بكل كرامة والعظيم الجلال، أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين".
هذا ما يهدف إليه سر الافخارستيا: جمع أبناء الله المشتّتين في أنحاء المسكونة كلها، ليصيروا جسداً واحداً، فتتكوّن "كنيسة معترفة"، تعترف وتمجّد وتسبّح بفم واحد وقلب واحد اسم الاله الواحد، الآب والابن والروح القدس.
من هنا تتّضح لنا أهمية المناولة في القداس الإلهي. فالمناولة هي جزء أساسيّ في سرّ الافخارستيّا الذي لا يكتمل بدونها. لذلك تطلب الكنيسة من الكاهن أن يتناول في كل قداس يحتفل به، حتى ولو أقام عدّة قداديس في اليوم الواحد. كذلك تدعو المؤمنين إلى التناول في القداس الذي يشتركون فيه. فاشتراكهم في القداس الإلهي لا يكون كاملاً إلاَّ بالمناولة التي بها يصيرون واحداً مع المسيح وبالمسيح.
قد نتساءل: لماذا أنشأ المسيح سرّ الافخارستيا، ولماذا طلب من رسله أن يصنعوا ما صنع هو في العشاء السري: "اصنعوا هذا لذكري"؟ الجواب هو أنه على مائدة الهيكل، كما في العشاء السرّي، كما على الصليب، وكما في عماوص، المسيح يسوع كلمة الله وابن الله يقدّم لنا ذاته قرباناً ومثالاً. في جسده الذي يُبذَل وفي دمه الذي يُهَراق نكتشف أن الله محبة. الله المحبة يقدِّم لنا أمثولة واقعية في هذا الخبز الذي يُكسَر، ويقرَّب بصمت. ونحن المؤمنين، إذ نتناول قربان المحبة هذا، نلتزم أن نصير على مثاله قربان محبة على هيكل العالم.

ثالثاً- الافخارستيا والملكوت الاسختولوجي

في نشيد الليالي الأربع الذي يفسّر فيه "الترجوم" معنى عيد الفصح، تذكّر الليلة الرابعة من الليالي المحفوظة في تذكارات الله "بيوم الفداء الأخير، الذي فيه يتحطّم نير العبودية وتضمحلّ الأجيال الفاسدة... ويأتي المسيح من العلاء ويتحقق الفداء الشامل لجميع الأجيال".
كل فصح هو نبوءة عن اليوم الاسختولوجي والماسيوي. وفيه كان اليهود يقولون: "في هذه الليلة خُلّصوا، وفي هذه الليلة سيُخلَّصون". وفي منتصف الليل، كانت تُفتَح أبواب الهيكل لاستقبال الله، أو موفَده، الذي سوف يدخل منتصراً. ألم يقل ملاخي: "ها أناذا مرسل ملاكي، فيهيّئ الطريق أمامي، وفجأة يأتي إلى هيكله السيد الذي تلتمسونه، وملاك العهد الذي ترتضون به، ها إنّه آتٍ" (ملا 3: 1).
وفي العشاء الفصحي كانت تُقرأ المزامير 113- 118 التي تدعى "مزامير التسبيح"؛ والآية 24 من المزمور 118 "هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ولنتهلّل به"، كانت تُطبَّق على هذا اليوم الاسختولوجي الذي سيملأ فيه الله العالم بالفرح في آخر الأزمنة. ولما دخل يسوع إلى اورشليم للاحتفال بالفصح الحقيقي، استقبله الشعب، وهم يهتفون بما جاء في الآية 26 من المزمور عينه: "مبارك الآتي باسم الرب" (متى 21: 9). فبالمسيح تحقّق انتظار العهد القديم لليوم الاسختولوجي.

1- الاسختولوجيا في العشاء السري
لقد صرّح المسيح أنّه لن يأكل بعد من هذا الفصح "حتى يتمّ بكماله في ملكوت الله... ولن يشرب بعد من ثمرة الكرمة إلى أن يأتي ملكوت الله"، كما جاء في إنجيل لوقا. ويقول في إنجيل متى: "اني لن أشرب من ثمرة الكرمة من الآن إلى اليوم الذي فيه أشربه جديداً في ملكوت أبي" (26: 29).
يتضمّن هذا القول إنباء المسيح عن موته: فهو لن يحتفل بفصح آخر مع الرسل، ولكنّه يتضمّن أيضاً إنباء آخر، مفعماً رجاء، بأنّ الفصح سيتمّ يوماً بكماله في ملكوت الآب. وهذا هو الخمر الجديد، أي يوم الفرح والابتهاج، ويوم الفداء للخليقة كلّها.

2- انتظار الفصح الأبدي في الكنيسة الأولى
استناداً إلى قول السيد هذا، عاشت الجماعة المسيحية الأولى تشدّها رغبة الاشتراك معه في الوليمة السماوية في ملكوت الآب. لقد شربت معه خمر فصحه الأخير. والآن بعد أن غادرها، وجدت نفسها وحيدة في معترك الحياة، بعيدة عن وجه سيّدها. فكانت كل مرّة تجتمع لتناول "عشاء الرب"، تذكر عشاءه الأخير، وتذكر قيامته، وتنتظر مجيئه الثاني، كما تقول معظم الليتورجيات بعد كلام التأسيس:
"اصنعوا هذا لذكري. فإنّكم كلّمَا اشتركتم في هذا الجسد، وفي مزيج هذه الكأس، تذكرون موتي، وتعترفون بقيامتي حتى مجيئي.
"اننا نتذكر موتك، يا رب، ونعترف بقيامتك، وننتظر مجيئك. فلتشمل مراحمك كلّنا" (القداس الماروني).
وانتظار مجيء الرب يذكره أيضاً بولس الرسول في حديثه عن عشاء الرب:
"فإنّكم كلّمَا أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الربّ، إلى أن يجيء" (1 كو 11: 26).
كما حفظ أيضاً بولس باللغة الآرامية هتاف الكنيسة الأولى لمجيء الرب: "ماراناتا"، ويعني: "أيّها الرب، تعالَ" (1 كو 16: 22).
إنّ ملكوت الله قد أتى في شخص يسوع المسيح: في حياته، وفي موته وقيامته. ولكنه سوف يأتي في آخر الأزمنة، "وسيصنع الرب لكل الشعوب مأدبة... ويبيد الموت على الدوام، ويمسح السيد الربّ الدموع عن جميع الوجوه" (أش 25: 6- 7). وهذا ما نطلبه في كل احتفال إفخارستي نصلي فيه مع المسيح ابن الله: "أبانا الذي في السماوات... ليأتِ ملكوتك".

3- الملكوت وعربون الروح
إنّ ملكوت الله الذي ننتظر تحقيق كماله في آخر الأزمنة، قد حصلنا عليه منذ الآن: "ان ملكوت الله في داخلكم" (لو 17: 30). وفي سرّ الافخارستيا يستجيب الله الدعاء الذي نرفعه إليه في الصلاة الربيّة قائلين: "ليأتِ ملكوتك"، فيرسل إلينا المسيح الافخارستي الذي حلّ عليه الروح القدس، الذي هو، حسب قول بولس الرسول، "عربون ميراثنا" (اف 1: 14). وهذا الميراث هو "المسكن السماوي الذي من الله، البيت الأبدي الذي لم تصنعه الأيدي"، كما يقول أيضاً بولس الرسول، الذي يضيف: "والذي أعدّنا لذلك، هو الله، الذي أعطانا عربون الروح" (2 كو 5: 1، 5).
إن ما نتناوله في سرّ الافخارستيا هو المسيح الحي والذي يُحيي بالروح القدس. يقول القديس امبروسيوس:
"إنّه خبز الحياة. من يأكل الحياة لا يمكنه أن يموت. تعالوا إليه واشبعوا، فإنه خبز الحياة، تعالوا إليه واشربوا، فانه الينبوع. تعالوا إليه واستنيروا، فإنه النور. تعالوا إليه وصيروا أحراراً، لأنه حيث يكون روح الرب فهناك الحرية".

4- بالافخارستيا تدخل الكنيسة في الاسختولوجيا
"كما أن الآب الحيّ قد أرسلني وأنا أحيا بالآب، فمن يأكلني يحيَ هو أيضاً بي" (يو 6: 57).
ان الحياة الإلهية التي أتتنا بالمسيح هي عينها تنسكب في الذي يتناول المسيح. الافخارستيا هي دخول عالم السماء في عالم الأرض لكي تدخل الكنيسة التي على الأرض في عالم السماء. وهكذا بالافخارستيا تدخل الكنيسة في الاسختولوجيا. فالاسختولوجيا ليست فقط ما ننتظر تحقيقه في نهاية الأزمنة. بل هي البعد الآخر، البعد السماوي والالهي الذي بالمسيح دخل عالمنا. عندما أخذ كلمة الله جسداً بشر اتحدت الأرض بالسماء. والكنيسة جسد المسيح تكمّل في أسراراها هذا التجسّد. ان الصلة بين الله والإنسان بعد التجسّد هي، حسب قول افدوكيموف، على شكل صليب. والكنيسة هي نقطة التلاقي بين الخط العمودي الذي هو البعد الالهي، والخط الأفقي الذي هو البعد الانساني. لذلك هي حقيقة إلهية وإنسانية معاً. وهذا ما يفسّره بوضوح اللاهوتي المعاصر دورويل في نص رائع، إذ يقول:
"الافخارستيا هي العالم الآخر الذي يدخل في الكنيسة حتى تدخل الكنيسة فيه. ذلك ان الافخارستيا هي سر المسيح، والمسيح هو في شخصه الاسختولوجيا كلّها. إنّ قيامته لها سمة المجيء الثاني. وليس من مجيء آخر خارجاً عن تلك القيامة التي فيها يُنهض الله مسيحه لملاقاة الناس، والتي ستشّع يوماً بملء ضيائها على أنظار الجميع. المسيح هو نفسه ملكوت السماوات. لذلك كل من هو في المسيح ومعه هو في السماوات (راجع أف 2: 6). ان قيامة البشر أجمعين قد تمّت فيه، هو "المُقام بحسب روح القداسة في قدرة ابن الله، بقيامته من بين الأموات" (رو 1: 4). ليس من قيامة للأموات خارجاً عن تلك القيامة، التي فيها يلد الله ابنه، والتي ستؤتي يوماً مل ثمارها في أعضاء جسد المسيح...
الاسختولوجيا ندخل في العالم عن طريق الأسرار كلها. ولكن الافخارستيا هي السر الذي يجعل الكنيسة متّصلة مع نهاية الزمن، بحيث أن يوم الاحتفال بها يحمل الاسم عينه الذي يُطلق على المجيء الثاني: "يوم الرب"...
يدعو المسيحيون الافخارستيا "مائدة الرب"، مائدة مَن هو ربّ اليوم الأخير، انها سرّ مجيئه الموعود به: "لن أدعكم يتامى، إني آتي إليكم... أنا ذاهب، ثم أرجع إليكم" (يو 14: 18، 28). ما هو هذا المجيء المقصود به؟ انه المجيء الوحيد، المجيء الأخير. الافخارستيا هي سرّ الرؤية الموعود بها: "عمّا قليل ترونني" (يو 16: 16). ما هي تلك الرؤية التي يتكلّم عليها؟ انها الرؤية الوحيدة، الرؤية الفصحية والأخيرة التي ستجعلنا "أمثاله" (1 يو 3: 2)، عندما ستتمزّق كل الحجب؛ لكن هذه الرؤية حاضرة منذ الآن في الافخارستيا التي تحوّلنا منذ الآن إلى جسد المسيح.
بقيامة المسيح تمّت الدينونة الأخيرة: "الآن دينونة هذا العالم، الآن رئيس هذا العالم يُلقى خارجاً، وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبت إليّ الجميع" (يو 12: 31). بالافخارستيا يترجّع صدى تلك الدينونة في الجماعة المسيحية:
- فالافخارستيا تغفر الخطايا (متى 26: 28)، وتبرّر الإنسان الذي يفتح قلبه ليقبل المسيح وهو يؤمن أن المسيح "أُقيم لأجل تبريرنا" (رو 4: 25)، وتدين الذي، وهو يشترك في هذا الطعام، يرفض عطية المسيح الافخارستية، "ويأكل هكذا دينونة لنفسه" (1 كو 11: 29- 34).
- الافخارستيا تجمع المؤمنين أبناء الله وتُدخلهم فصح المسيح في لحظة قيامته، لتجعلهم أبناء القيامة، وتغذّيهم بخبز الحياة: "من يأكل من هذا الخبز لا يموت" (يو 6: 50). في اليوم الفصحي يقول الله للمسيح: "أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك" (أع 13: 33)، وتلك الولادة هي دخول المسيح إلى مجد الله الأبدي. في الافخارستيا يتحقق هذا السر الفصحي في الذين يتناولون جسد المسيح ابن الله الحيّ.
"ان المؤمنين، باتحادهم بجسد المسيح في لحظة بنوّته، يجسرون بدالة على أن يقولوا: أبانا الذي في السماوات. انهم يفهمون قول المسيح: من يأكل من هذا الخبز لا يموت (يو 6: 50). انهم يؤمنون بالحياة الأبدية، لأنهم من الآن يعبرون دائرة الموت، ويحيون في ملاقاة المستقبل الذي دعاهم إليه الله في شركة الابن (1 كو 1: 7- 9)".
- الافخارستيا هي الليتورجيا السماوية التي تدخل عالمنا، فتملأ الزمن دون أن تفجّره بعد. إنّها تملأه بذكرى قيامة المسيح: "اذكر يسوع المسيح الذي أُقيم من بين الأموات" (2 تي 2: 8). وهذه الذكرى هي ذكرى أحداث ماضية ولكنها أيضاً ذكرى المستقبل. فكما قام المسيح، هكذا سنقوم نحن أيضاً. أن مستقبلنا هو المسيح الذي نحمل صورته والذي في الافخارستيا يأتي لملاقاتنا لكي نتّصل به.
"في الافخارستيا، تسم الاسختولوجيا بطابعها الخاص كلاًّ من الخبز والخمر والكلمات التي يُنطَق بها، والمائدة والجماعة كلها. كلمات بشرية: هذا هو جسدي...، قد تكون في ذاتها مجرّد ألفاظ، تصير حاملة قدرة يوم الرب. فبواسطتها نأكل على طريقة السماء، حيث الطعام هو تبادل شركة بين الأشخاص. الجماعة كلها تحمل سمة الاسختولوجيا، إذ تصير جسد الرب. في الافخارستيا، أُناس عاديون يرتفعون برأسهم نحو المستقبل، برأسهم الذي هو المسيح".
- لكن الافخارستيا لا تُفرغ الزمن من ذاته، ولا الناس ولا الأشياء من واقع الحياة اليومية. غير أنّها تفتح حقائق هذا العالم على عالم آخر، بحيث إنّ عالم الموت لا يعود يدور على ذاته يائساً خاضعاً لحتمية العدم. ان "ارتفاع المسيح إلى السماء" لم يبعده عن عالم البشر، بل على العكس من ذلك جعله أكثر قرباً من العالم ومن البشر.
"ان ارتفاع المسيح على السماء قد صيّره داخل العالم وداخل الزمن، وجعل منه عمق العالم، إذ أدخل الأبدية في السنين التي تمضي، وأحيا إلى الأبد الناس المعرّضين للموت. ان الافخارستيا، حيث الاسختولوجيا تسكن في جماعة، في أعمال وأشياء من هذه الأرض، وحيث اليوم الأخير والوحيد هو داخل أسبوع البشر، تعلن أن يسوع قد قام وأوصل تجسده إلى ملئه، وأنه يحيا كليّ القدرة في الموت الذي فيه يصل الوجود البشري ذروته... الافخارستيا هي الاحتفال برجاء كوني".
- لذلك يمكن القول ان الافخارستيا هي "سر تجلّي الكون في المسيح". مّن يأتي إلى الافخارستيا لا يأتي هرباً من العالم ليعيش بضع لحظات مع سيّده وحبيبه، بل يأتي حاملاً معه في الخبز والخمر العالم كلّه ليحوّله إلى عالم ممتلئ من المسيح. في ترنيمة الشيروبيكون في الطقس البيزنطي، نقول: "لنطرح عنّا كلّ اهتمام دنيوي، لنستقبل ملك الكلّ". في هذا إشارة إلى قول السيد المسيح: "لا تهتّوا لأنفسكم بما تأكلون، ولا لأجسادكم بما تلبسون... بل اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّه يُزاد لكم" (متى 6: 25، 33). ان الاهتمام الدنيوي الذي يجب أن نطرحه عنا في الليتورجيا الافخارستية هو الاهتمام الذي يجعلنا نتوقف عند خارج الأشياء، بحيث تنحجب عنّا رؤية داخلها وعمقها. وعمق الأشياء هو المسيح، هو الملكوت الذي نحتفل بسرّه في الافخارستيا، حتى نمتلئ من حضوره. إذّاك من عمق كياننا المتجلّي في المسيح نعمل على تجلّي المسيح في الكون، "وهذا كلّه يزاد لنا" عندما يصير العالم كله جسد المسيح.

خلاصة
"اصنعوا هذا لذكري!"
يتكلم الكتاب المقدّس مراراً "على تذكّر الله للإنسان وتذكّر الإنسان لله. فكل تذكّر متبادَل يفترض بعض الأحداث الماضية التي كنّا خلالها على علاقة الواحد منّا بالآخر. وهو يرمي، باسترجاع تلك الأحداث، إلى تجديد تلك العلاقة. تلك هي بالضبط الحال القائمة فعلاً بين الله وشعبه. إنّ الذاكرة في الكتاب المقدّس ترجع إلى لقاءات قد حدثت في الماضي، أقيم خلالها العهد. إنّها باسترجاعها لتلك الأحداث الأوّلية، تقوّي العهد، وتقودنا إلى أن نحيا "اليوم الحاضر" بكثافة الحضور النابع من العهد. فالتذكار هنا مناسب للغاية، بحيث إنّه يتعلّق بأحداث ذات طابع ممتاز، كانت تقرّر للمستقبل وكانت تتضمّنه مسبقاً. والتذكار الأمين للماضي هو وحده يستطيع أن يكفل توجيه المستقبل توجيهاً صحيحاً".
هذا هو المعنى الكتابي للذِّكر. فذاكرة الله هي التفاتته نحو العالم ليحفظه ويحييه، وذاكرة الإنسان المؤمن هي نظره إلى الله ليشيد بعظائمه ويحيا من محبته. ان خطيئة الإنسان الكبرى هي "أن ينسى الله" ويتخلّى عنه مكتفياً بذاته.
ولكن، إذا كان بإمكان الإنسان أن ينسى الله، فالله لا يمكنه أن ينسى الإنسان:
"قالت صهيون: قد خذلني الرب ونسيني السيد. أتنسى المرأة مُرضَعها، فلا ترحم ابن بطنها؟ لكن، ولو أنّ هؤلاء نسين، لا أنساكِ أنا. ها أناذا على كفَّيَّ رَسَمتُكِ" (أش 49: 15- 16).
سرّ الافخارستيا هو سرّ الذّكر لكل ما صنعه الله تجاه الإنسان منذ الخلق حتى الخلاص في يسوع المسيح: في حياته وموته وقيامته ومجيئه الثاني المجيد. إن أعمال محبة الرب كلّها من الألف حتى الياء تتجمّع في هذا الذّكر، فيتحوّل الزمن المتقلّب المعرّض للموت والانحلال إلى زمن ممتلئ من كثافة حضور الله. فالذّكر ليس مجرّد عودة إلى الماضي، بل هو تجاوز لانقسام الزمن إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، ودخول في الحياة التي تحيي، في ذاكرة الله المحيية حيث كل شيء هو لنا "العالم، والحياة، والموت، الحاضر والمستقبل"، لأننا "نحن للمسيح، والمسيح لله" (1 كو 3: 22- 23).
في سرّ الافخارستيا يتذكّر المسيحيون "عمل المسيح الخلاصي، أو بالأحرى يستعيدونه ليتذكّره الرب (راجع أح 24: 7؛ عد 10: 9- 10؛ سير 50: 10؛ أع 10: 4، 31)، كتقدمة متجدّدة باستمرار تستدعي نعمته"
"الليتورجيا هي دخول الكنيسة في الزمن الجديد، زمن الخليقة الجديدة، التي أعادت ذاكرة المسيح خلقها، إذ حوّلها إلى حياة وينبوع حياة، وأنقذها من تفكك "الماضي" و"الحاضر" و"المستقبل". في ليتورجيا الكنيسة، جسد المسيح، الذي يحيا من حياته ومن ذاكرته، علينا "أيضاً وتكراراً" أن نتذكّر، وهذا يعني أن ندرك ونعترف بما "تمَّ" لأجلنا، وفينا ومعنا، أن نتذكّر معطياتنا: خلق العالم، وخلاصه بالمسيح، وملكوت الله الآتي في المجد، الذي أوحي لنا وأعطي لنا في المسيح، وبتعبير آخر، فالمقصود هو أن نذكر الماضي والمستقبل كأمور حيّة فينا، كأمور أُعطيت لنا وتحوّلت إلى حياتنا لتصيّرها حياة في الله".
هذا ما يعنيه سرّ الافخارستيا في اللاهوت المسيحي، وهذا ما تعنيه المناولة الافخارستية التي لا بدّ منها ليكتمل اشتراك المؤمن في هذا السرّ. فبالمناولة يتمّ اتحاد المؤمن اتحاداً كيانياً عميقاً بشخص السيد المسيح الذي هو الملكوت في ذاته. ويتاح له أن يقول مع بولس الرسول: "لست أنا حيًّا بعد، بل هو المسيح يحيا فيّ" (غلا 2: 20). العهد القديم، بدم الذبائح، كان يقود الانسان إلى المصالحة مع الله. أما العهد الجديد بدم يسوع المسيح فيقودنا إلى أن نحيا حياة الله: "من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة" (يو 6: 54). والحياة الإلهية هي أسمى ما يتوق إليه الإنسان. ففي سرّ الافخارستيا نحصل على تلك الحياة وندخل في الملكوت السماوي دخولاً سريًّا على رجاء الدخول الكامل في مجد الله في الدهر الآتي، حيث نشاهد الله وجهاً لوجه، ونكون مع الرب إلى الأبد.
ونختم بالصلاة التالية التي تُتلى في نهاية ليتورجيا القديس باسيليوس في الطقس البيزنطي، وتوجز معاني سرّ الافخارستيا:
"لقد تمّ وانتهى، على قدر طاقتنا، سرّ تدبيرك، أيها المسيح إلهنا،
فقد حصلنا على تذكار موتك، ونظرنا رسم قيامتك،
وامتلأنا من حياتك التي لا نهاية لها، وتمتّعنا بنعيمك الذي لا ينفد.
فارتضِ أن نكون كلّنا أهلاً له في الدهر الآتي أيضاً،
بنعمة أبيك الأزلي وروحك القدوس الصالح والمحيي،
الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين"
مُقدّمَة

سرّ التوبة هو من بين أسرار الكنيسة السبعة السرّ الذي يطرح حوله الانسان المعاصر أكثر الأسئلة. فالخطيئة، التي هي موضوع سر التوبة، أصبحت لديه في ذاتها موضوع تساؤل. فالكلام على وصايا يفرضها إله موجود في عالم آخر ويقع من يخالفها في الخطيئة ويتعرّض للعقاب الأبدي يبدو للبعض كلاماً أسطورياً. فالوصايا في نظرهم هي من صنع البشر وهم المسؤولون عن تطويرها مع الزمن. فيما يؤكّد البعض الآخر أنّ العلوم الانسانية، ولاسيّما علم النفس التحليلي وعلم الاجتماع، قد كشفت أن لا وجود للخطيئة الشخصية. فجُلّ ما هنالك هو تعرّض الانسان لعقد نفسية يمكن التحرّر منها بواسطة العلاج النفسي، أو وجوده في أوضاع تاريخية متخلّفة سوف تتمكّن البشرية يوماً من تغييرها فيزول الشرّ من العالم ويعمّ الخير والصلاح وتنتشر القيم الأخلاقية في المسكونة كلها.
والذين يؤمنون بالله ويعتقدون بضرورة التوبة يتساءلون: لماذا لا يكتفي الخاطئ بالتوبة إلى الله؟ لماذا ترغم الكنيسة المؤمنين على الإقرار بخطاياهم أمام كاهن هو أيضاً مثلهم معرّض للخطيئة؟ ويضيف البعض منهم: ما هو مفعول سر التوبة؟ أليست الخطايا هي عينها التي يقترفها الانسان؟ فما الفائدة من أن يعترف بها وهو على يقين من أنه سيعود إليها بعد الاعتراف؟
سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة انطلاقاً من نظرة شاملة للانسان الذي يعمل على بناء ذاته وبناء العالم في التضامن مع إخوته البشر في انفتاح على الله القدوس الذي ظهر لنا في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح. إنّ رسالة السيّد المسيح التي دُوّنت في الإنجيل المقدس منذ ألفي سنة هي رسالة لكل الأجيال والعصور. فماذا تتضمّن تلك الرسالة بالنسبة إلى الخطيئة في حياة الانسان؟ وكيف تستطيع الكنيسة اليوم أن تعلن تلك الرسالة في احتفالها سرّ التوبة؟
ففي قسم أوّل نبحث في وضع الإنسان الخاطئ إزاء ذاته وإزاء الآخرين وإزاء القه، للوصول إلى تعريف بالخطيئة يلائم في آنٍ معاً تطلّبات الإنسان المعاصر والوحي الإلهي الذي ظهر لنا في شخص السيد المسيح.
وفي قسمٍ ثانٍ نبحث في التوبة ومغفرة الخطايا في رسالة الأنبياء وفي حياة السيد المسيح. ثم نوضح معنى التوبة في الأخلاقية المسيحية، بالمقارنة مع مضمون التوبة في الأخلاقية الطبيعية. ثم ننتقل إلى دراسة سر التوبة في تاريخ الكنيسة وفي اللاهوت المسيحي. فنوضح العناصر التي يتضمّنها وما تنطوي عليه تلك العناصر من أبعاد لاهوتية، ونبيِّن كيف يعيد هذا السرّ الانسان التائب إلى حياة الثالوث الأقدس وإلى كنف الكنيسة المعترفة أبداً بمحبة الله وبالمغفرة التي لا يزال يسبغها على أبنائه.
الفصل الأول
مِن الشعُور بالذنْب إلىَ وَعي الخطيئَة

"أريد أن أفعل الخير، وإذا الشرّ حاضر لديّ" (رو 7: 21). هكذا يعبِّر الرسول عن اختبار يقوم به كلّ إنسان في حياته، وهو اختبار التناقض بين ما يريده من الخير وما يصطدم به من الشرّ. وهذا التناقض بين الخير والشرّ في حياة الإنسان وأعماله يكوّن ما تدعوه مختلف الفلسفات والأديان "الأخلاق". فما الذي يميّز نظرة الأخلاقية المسيحية إلى الخير والشرّ؟ وكيف يمكننا التعريف بالخطيئة في اللاهوت المسيحي؟

1- الشعور بالذنب
إنّ التناقض بين الخير الذي يتوجّب على الإنسان فعله والشرّ الذي يُقدم على صنعه في الواقع يولّد في نفسه "الشعور بالذنب". هذا الشعور بالذنب يعود، حسب علماء النفس، إلى الطفولة الأولى، حيث ينشأ بين الطفل ووالديه رباط عاطفي. فالعناية التي يتلقّاها الطفل من والديه تجعله يشعر بمحبتهما له ويثق بهما، ويحاول التمثّل بهما والانصياع لكلّ الأوامر والنواهي التي تصدر عنهما بشأن مسلكه. وهذه الإرشادات والأوامر والنواهي تشكّل في نفسه طبقة من الواجبات دعاها علماء النفس "الأنا الفوقي". فالشعور بالذنب ينشأ من خوف الطفل ألاّ تكون أعماله كما يجب أن تكون في نظر والدَيه، فيفقد رضاهما ومحبتهما االذين بدونهما لا يستطيع القيام بأيّ عمل.
وهذا الاختبار الذي يبدأ به الطفل علاقته مع الآخرين عن طريق والديه يستمرّ في ما يفرضه عليه المجتمع عامة من "واجبات"، و"قواعد أخلاقية" يشعر بضرورة الانصياع لها، وإن لم يكن في قرارة نفسه مقتنعاً منها. فينقاد لها خوفاً من أن يفقد احترام الآخرين وتقديرهم له، ويفقد في آن معاً الاحترام والتقدير اللذين يكنّهما لنفسه. فإنّه منذ طفولته قد تعلّم أن يتمثّل بالآخرين ويقبل قيمهم وإرشاداتهم.
فالذنب يقوم إذّاك في مجرّد التعدّي على هذه القيم والإخلال بهذه "الواجبات"، بصرف النظر عمّا يرافق هذا التعدّي "المادّي" على الواجب من نيّة صالحة أو سيئة، وبصرف النظر عمّا إذا كان الشخص الذي قام بهذا العمل "المخالف للواجب" قد قام به عن تصميم وإرادة أم عن ضعف، بملء حريته أم مكرهاً.
وفي هذه الحالة يشعر الانسان بأنّه مذنب، لا لأنّه سلك مسلكاً يناقض هدفه واعتقاداته، بل لأنّه قام بعمل يناقض "الواجب" المفروض عليه في المجتمع الذي يعيش فيه. فكأنّ القلق ينتابه من أنّه تجاوز بعمله المناقض "للواجب" حدوداً رسمتها قوى سرّية غير مرئيّة، وتعرّض بالفعل عينه للعقاب الذي سوف تنزله به تلك القوى السرّية.
إنّ الشعور بالذنب يظهر في مجالات متعدّدة حيث يسم سلوك الانسان بالاضطراب والقلق، نذكر منها الوسواس ووخز الضمير والتبرير الذاتي وطقوس التطهير الجماعية. وتجدر الاشارة إلى أنّ هذه المجالات التي يبرز فيها الشعور بالذنب تبقى جانبية بالنسبة إلى ما كان السبب الحقيقي لنشأته والذي يجب البحث فيه ومعالجته. لذلك عِوَض أن تزيل القلق الذي يعيش فيه الإنسان المذنب، تزيده رسوخاً وامتداداً.
فالوسواس هو التركيز على أمور طفيفة يحمّلها المذنب قيمة ذنب باهظ، ويستعيض بها عن شعور بالذنب لا يقوى على تحمّله.
أما وخز الضمير فهو شعور بالذنب يحمل الانسان على العودة دوماً إلى ماضيه لاتّهام ذاته والحكم على أعماله. ويختلف هذا الشعور عن الندامة والتوبة اللتين يقبل بهما الانسان مسؤولية ماضيه ويعترف بالذنب الذي سقط فيه، وينطلق في مسيرة إيجابية لبناء مستقبل جديد. فالمصاب بوخز الضمير لا يستطيع أن ينتصب ليبدأ مسيرة جديدة، بل يبقى رازحاً تحت ثقل الذنوب التي اقترفها، وهو يردّد علِى الدوام: كيف توصّلت إلى اقتراف مثل هذه الذنوب؟ إنّ ذنوبه تشكِّل أمامه حاجزاً لا يستطيع تجاوزه وسجنا لا يمكنه الخروج عنه.
على نقيض وخز الضمير، قد يلجأ المذنب إلى التمادي في الذنب عينه الذي اقترفه، وذلك في سبيل تبرير ذاته من شعور بالذنب لم يستطع تحمّله. وهذا ما يفسّر بعض مظاهر السلوك الجنسي "المتحرّر" الذي تزول فيه كل القيود الأخلاقية التي يضعها المجتمع.
ويظهر أخيراً الشعور بالذنب في طقوس التطهير الجماعية التي لا تهدف إلى الندامة واصلاح السيرة بقدر ما تهدف إلى اجتناب عواقب الذنوب المقترفة، التي أخلّت بالشرائع وأغاظت القوى الالهية حارسة الشرائع. فلإعادة الاحترام إلى الشرائع واسترضاءً للقوى الالهية المغتاظة، يلجأ الانسان إلى طقوس تكفيرية متنوعة، نجدها في مختلف الحضارات والديانات، منذ الغسل بالماء حتى إحراق الذبائح. ويدخل في هذا الإطار إعدام المجرمين، ولاسيما عندما يتمّ على مرأى من الجماهير المحتشدة، بالرجم أو الشنق أو الخرق. فبقتل المذنب، يرتاح الشعب من ثقل الشعور الجماعي بالذنب.

2- وعي مسؤولية الذنب أمام الذات
إنّ الشعور بالذنب يعمل في لاوعي الانسان ويحمله على اللجوء إلى وسائل جانبية يستعيض بها عن عجزه عن الانسجام مع الشرائع والواجبات التي يشعر بأنها تُفرَض عليه.
أمّا الوعي الأخلاقي أو الضمير فيبرز في حياة الإنسان عندما يكتشف مسؤوليته في الاضطلاع بمصيره في إطار علاقته بالآخرين وضمن شرائع وواجبات يرى فيها وسيلة لبناء ذاته وتحقيق هدف حياته.
إنّ الثقافة المعاصرة تتميّز بوعي متزايد لمسؤولية الانسان في بتاء العالم وتطوّر البشرية. وإنسان اليوم هو على يقين من أنّ النواميس والشرائع التي تنظّم علاقات البشر بعضهم ببعض في المجتمعات والدول هي من وضع البشر أنفسهم، ويمكن بالتالي أن تتغيّر وتتطوّر. فالشرائع الموروثة والنظم القائمة ليست المرجع الأخير والقياس الثابت للسلوك البشري. أن قياس العمل الأخلاقي هو المستقبل، الذي يستطيع الانسان أن يحقّق فيه نموّه الشخصي بالانسجام مع الآخرين.
في هذه النظرة يدرك الانسان أنّه أذنب كلّ مرة يسلك بحرية وبملء إرادته سلوكاً يناقض حكم ضميره. فالذنب لم يعد تجاوزاً لشريعة ثابتة ولا تعدّياً على نظام قائم، بل رفض للتقدّم والنمو. ولم يعد الانسان بحاجة إلى لوائح من الشرائع تحدّد سلوكه تحديداً مفصّلاً. لذلك عندما يأتي إنسان اليوم إلى محاسبة ذاته وفحص ضميره، لا يسأل نفسه: "ما هي الشرائع التي تجاوزتها والنظم التي تعدّيت عليها؟". بل: "ما هو هدفي في هذه الحياة؟ ما هي القيم التي توجّه أعمالي؟ ما هو المستقبل الذي أريد أن أبنيه لذاتي وللمجتمع؟ وهل كنت أميناً لهذا الهدف وهذه القيم وهذا المستقبل؟".
إذّاك تغدو التوبة اعترافاً أمام الذات بالانحراف عن القيم التي تبني الذات وتبني الآخرين. إلاَّ أنّ هذا الاعتراف لا يدلي به المذنب بشعور بالذلّ وخنوع أمام الإخفاق، بل بقصد ثابت للعودة إلى حياة أكثر انسجاماً مع متطلبات هدفه.
لا شك أنّ جميع الناس ليسوا على القدر عينه من الوعي في هذا الموضوع. فإذا سألت بعض المؤمنين عن الخطيئة ردّدوا على مسمعك لائحة تعلّموها منذ صغرهم بالخطايا التي يجب اجتنابها، ولكنّهم لا يعرفون ما يجيبون على سؤال متعلّق بالهدف الذي يوجّه أعمالهم، وبالقيم التي يريدون أن يحقّقوها في حياتهم. إنّ الشرائع والواجبات التي لا بدّ لكل إنسان من أن يتعلمها يجب أن تكون تعبيراً عن قيم إنسانيّة. وهذه القيم هي التي يتمّ التركيز عليها في التربية المعاصرة.
ثم إنّ حكم الضمير الشخصي ليس معصوماً عن الخطأ، لأنه يستند إلى تربية معيّنة تلقّاها الإنسان من المحيط الذي عاش فيه، ولأن الواقع معقّد ويتضمّن عناصر كثيرة يصعب تقويمها بدقّة. لذلك مع التركيز على ضرورة الحكم الشخصي في الوعي الأخلاقي، لا بدّ من الإشارة إلى ضرورة الانفتاح على حكم الآخرين في علاقة متبادلة للضمائر.

3- وعي الخطيئة
أ) الأخلاق والإيمان
عندما نتكلّم على الخطيئة في اللاهوت ننتقل من الصعيد الأخلاقي إلى الصعيد الديني. فعلى صعيد الأخلاق يبقى الإنسان إزاء نفسه، ويسعى إلى تحقيق ذاته. أما الدين فيدعو الانسان إلى تجاوز ذاته للدخول في علاقة محبة مع الله. لكن يجب التنبّه إلى أنّ الصعيد الديني ليس واقعاً جديداً مختلفاً عن الواقع الأخلاقي ومنفصلاً عنه. إنّما هو بعد جديد للواقع عينه. فالعمل السيّئ عينه الذي ندعوه ذنباً لأنّنا نرى فيه تشويهاً للذات الانسانية ندعوه خطيئة عندما نرى فيه تشويهاً لعلاقة الانسان بالله.
إنّ الحديث عن الخطيئة مبنيّ على الإيمان بأنّ الله قد أحبّنا أولاً، إذ خلقنا ودعانا إلى حياة اتحاد معه. والايمان المسيحي يضيف أنّ الله أحبّنا إلى حدّ أنّه صار واحداً منا بالتجسّد في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح، في حياته وموته وقيامته. فالخطيئة هي رفض محبة الله التي ظهرت لنا في الخلق ثم في الخلاص.
إنّ التركيز على الانسان في الفكر المعاصر قد يحمل بعض المسيحيين على القول إنّ علاقة المحبة مع الله تعني في الواقع علاقة المحبة مع الآخرين. لذلك ليس من الضروري في نظرهم إدخال البعد الإلهي في تقويم أعمال الانسان، بل يمكن الاكتفاء بما تتضمّنه تلك الأعمال من بُعد إنساني وقيمة انسانيّة.
جوابنا على هذا التفكير هو أوّلاً أنّ الأخلاق الانسانية مهما سمت واتّسعت تبقى محدودة في الزمن وتظلّ عرضة للإخفاق والفشل. فالإيمان بالله يفتح لها آفاقاً جديدة ويُدخل كلّ عمل إنساني في أبدية الله. فعمل الخير الذي هو في نظر الأخلاق بناء للذات وبناء للآخرين هو في نظر الإيمان جواب على محبة الله للإنسان. لذلك من يصنع الخير لمجرّد محبة الانسان قد يتعرّض لليأس إزاء وضاعة ما يستطيع القيام به وإزاء الرفض الذي قد يلاقيه من قِبَل من يحبّهم ويخدمهم. أمّا من يُدخل البعد الإلهي في محبته للانسان وفي ما يقوم به من خدمة وتضحية تجاه البشر، تتّسم أعماله مهما كانت وضيعة وصغيرة بسمة الألوهة، ويجد في الله قوّة تمكّنه من تجاوز ما يتعرّض له من الرفض والإخفاق. هكذا علّمنا السيد المسيح. فقد أحبّ البشر حتى أقصى حدود المحبة، حتى الموت. لكن محبته للبشر لم تنفصل لحظة عن محبته للآب. لذلك عندما رفضه البشر وعلّقوه على خشبة، استقى من إيمانه بالآب القوة ليغفر لهم: "يا أبتاه، اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ما يفعلون" (لو 23: 34).
ثمّ إنّ الإيمان بالله وبأنّه أوحى لنا الوحي الأخير في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح، في أقواله كما في مثل حياته وموته، يرشد تفكيرنا البشري إلى ما يجب أن تتحلّى به الأخلاق الانسانية. إنّه يصعب على البشر رسم المثال الأعلى الذي يحقّق كمال الانسان. والسيد المسيح لم يرسم لنا طريق الكمال الانساني في مجموعة من قوانين ووصايا تنطبق على كلّ ظرف من ظروف حياة البشر. وعلى كلّ حال فإنّ القوانين التي تركها مؤسسو الأديان صارت الآن بحاجة إلى تعديل لتنسجم وتطلبات العصور المتغيّرة. ولكن المسيح ترك لنا مثالاً نستوحي منه اختياراتنا المتعددة، ونستنير به للوصول إلى تحقيق انسانيتنا: في أقواله وأعماله، في طريقة حياته وطريقة موته، يستطيع البشر اليوم كما في كل العصور أن يجدوا الوجه الحقيقي للإنسان والوجه الحقيقي لابن الله.
وأخيراً إنّ الإيمان بالله يساعد على إدراك نسبيّة الأجوبة البشرية على تساؤلات الإنسان. فالإنسان لا يمكنه أن يجد الجواب الأخير على تساؤلاته في مجرّد العودة إلى ذاته والتفكير ضمن حدود عقله، بل في الله: "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّه يُزاد لكم" (متى 6: 33). والملكوت هو ظهور الله ظهوراً شخصياً في شخص يسوع المسيح: في حياته وموته وقيامته.

ب) الخطيئة رفض المحبة
الخطيئة، في الفكر المسيحي، ليست تعدّياً على شريعة يعتبرها الإنسان غريبة عنه، بل هي تنكُّر لمحبة الله، ذاك الإله الذي يرى فيه المسيحي عمق كيانه ومصدر وجوده وغاية حياته. انها رفض للدخول في حوار محبة معه ومع الناعم الذين خُلقوا على صورته ومثاله.
وهذا ما نقرأه في الكتاب المقدس منذ رواية الخطيئة الأولى في الفردوس. فالله خلق الإنسان على صورته ومثاله، وأراد أن تكون علاقته معه علاقة محبة وثقة، تلك العلاقة التي هي وحدها كفيلة بأن توجد كائناً حرًّا خلاّقاً. إلاَّ أنّ الإنسان رفض الله وقطع العلاقة معه. فالخطيئة الأساسية هي رفضُ الإنسان الدخول في علاقة محبة مع الله.
وبقطع الإنسان علاقته مع الله، تشوّهت بالفعل عينه علاقته مع ذاته ومع الآخرين. فالإنسان الذي كان قبل الخطيئة عائشاً في نعيم من السلام والانسجام مع الله ومع ذاته ومع الآخرين، صار بعد الخطيئة عرضة لشتى أنواع الاضطراب. فنراه يخاف ويختبئ من وجه الله، ويخجل من عُريه، ويفقد براءته وينشأ فيه القلق. وكذلك تشوّهت العلاقة بين الزوجين: آدم يتّهم حواء بأنها هي سبب الخطيئة، يرفض تحمّل مسؤولية ذنبه، والزوجان يرفضان مواجهة الواقع معاً في المحبة. وقُطعت أيضاً العلاقة ضمن العائلة: قايين يقتل أخاه هابيل. وقطعت العلاقة بين البشر. وترمز إِلى ذلك قصة برج بابل وبلبلة الألسن: إذ صار الناس عاجزين عن فهم بعضهم بعضاً وعن التفاهم بعضهم مع بعض. وأخيراً قُطعت علاقة الإنسان بالكون: فالأرض لم تعد جنّة نعيم، بل موضع العناء والتمزُّق، ويشير إلى ذلك الشوك، والعمل المضنيّ، والولادة بالأوجاع.
الخطيئة ليست مجرّد نقض لشريعة مبهمة مجرّدة. بل هي خيانة لعهد شخص، قطع لعلاقة مع صديق، عدم أمانة تجاه المحبة ومتطلباتها. وهذا ما يشير إليه الأنبياء في صورة الأمانة الزوجية بين الله وشعبه.
إنّ موضوع الخطيئة هو دوماً جرح في قلب الله وفي قلب الشخص البشري الذي خلق على صورة الله. وهذا يعنيه السيد المسيح بقوله أن أعظم الوصايا هي محبة الله، والوصية التي تشبهها هي محبة القريب (راجع متى 22: 36- 40). وهذا ما ردّده بولس الرسول بقوله: "إنّ الناموس كلّه يُتمَّم في هذه الوصية الواحدة: أحبب قريبك كنفسك (غلا 5: 14). ويوحنا الانجيلي بربط محبة الله بمحبة القريب: "إن قال أحد: إني أحبّ الله، وهو يبغض أخاه، فهو كاذب. فمن لا يحبّ أخاه وهو يراه، لا يستطيع أن يحبّ الله وهو لا يراه" (1 يو 4: 20- 21).
إنّ حوار المحبة الذي يكوّن علاقتنا بالله يظهر في حوار المحبة الذي يدعونا إليه كلّ الذين نلتقيهم في حياتنا والذين ينتظرون أن يشاهدوا من خلال وجهنا وجه الله، ومن خلال محبتنا محبة الله. في الأفراح والأحزان، في الصداقات والصراعات، وفي كل تطلّبات العدالة والأخوّة، لا نزال نسمع نداء السيد المسيح: "كل ما تفعلونه نحو إخوتي هؤلاء الصغار فبي تفعلونه" (متى 25: 40).
في هذه النظرة المسيحية لم يعد السؤال الأساسي سؤال معلم الناموس: "مَن هو قريبي؟" (لو 10: 29)، بل: كيف أحب كل إنسان "وأصير له قريباً" (لو 10: 36). إذّاك يتغير معنى التوبة. فالمسيحي لا يتوب خوفاً من عقاب الله الذي أغاظه تعدّي الشريعة. إنما توبته هي قبول الله الذي أحبّه وغفر له خطيئته، ويدعوه إلى أن يقوم من جديد لحياة محبة ومغفرة دليلاً على صدق توبته وعمق محبته.
لا شك أن المحبة هي دوماً حوار شخصي. ولكن بما أن الإنسان كائن بشري لا يحقّق إنسانيته إلاَّ ضمن علاقة بالمجتمع وضمن أُطر اجتماعية ونظُم سياسية واقتصادية، فلا يمكن للمسيحي إهمال هذا البُعد الجماعي في ممارسته المحبة. فالنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيش فيها قد تكون ظالمة، والمحبة تطلب منه أن يعمل على تغييرها، بالتعاون مع جميع الناس من مسيحيين وغير مسيحيين "من ذوي الإرادة الصالحة".
إنّ هذه النظرة تحمل المسيحي في بحثه عن الخطيئة في حياته على ألاّ يسأل نفسه فقط عن أعماله الفردية بل عن المجتمع الذي يسعى إلى تحقيقه وعن القوى التي هو متضامن معها.
في المحبة تلتقي الأخلاقية المسيحية بالأخلاقية الطبيعية التي يسعى كلّ إنسان إلى تحقيقها. فالمحبة هي التي تتوّج التوق الإنساني الطبيعي إلى العدالة والتآخي. ثم أن تطبيق التوق الطبيعي إلى العدالة في تفاصيل الشرائع والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يتطوّر مع تطوّر الثقافة والحضارة. وللمسيحيين دور رئيس في هذا التطور. فالسيد المسيح، الذي يستنيرون بتعاليمه وأعماله، يرشدهم إلى معرفة المثال الذي يحقّق كمال الإنسانية، ويدعوهم إلى أن يكونوا كالخمير اليسير الذي يخمّر العجين كلّه بالمحبة التي تنبع من قلب الله.

ج) الخطايا العرفية والخطايا المميتة
إذا كانت الخطيئة هي دوماً إهانة للمحبة، وجرح نسبّبه للآخرين، فهذه الاهانة قد تكون إهانة عرضية أي طفيفة، أو ثقيلة. وهذا الجرح قد يكون جرحاً عرضياً أي بسيطاً أو مميتاً أي طعنة في الصميم. من هنا درج التقليد اللاهوتي على التمييز بين الخطايا العرضية والخطايا المميتة.
إنّ هذا التمييز له جذوره في الكتاب المقدس، فنقرأ في رسالة يوحنا الأولى:
"إن رأى أحد أخاه يقترف خطيئة لا تقود إلى الموت، فليصلِّ، فيعطيه الله الحياة -ذلك للّذين يرتكبون خطيئة ليست للموت- لأنّ من الخطايا ما يقود إلى الموت؛ ولست لأجلها أطلب أن يُصلَّى" (1 يو 5: 16).
إنّ التعبير الكتابي "الخطايا التي تقود إلى الموت" يعني في العهد القديم الخطايا التي تستوجب حكم الموت (قارن بين عد 15: 22- 29 و30- 36). أما في لغة يوحنا فتعني الخطايا التي تقود إلى الموت الروحي الأبدي، كما أنّ الحياة تعني في كتاباته الحياة الروحية الأبدية. فهذه الخطايا لا يطلب أن نصلي لأجلها، بل نتركها، كما يقول أيضاً بولس الرسول، لحكم الله وحده الذي يعود إليه أن يدينها أو أن يعفو عنها (راجع 1 كو 5: 5).
لا يحدّد العهد الجديد ما هي تلك الخطايا التي تقود إلى الموت. إلاَّ أنّ التقليد اللاهوتي سيوضح أنّ الخطايا المميتة هي التي يميت بها الإنسان في قلبه محبة الله كالجحود أو محبة القريب كالقتل والزنى. وستقتصر الكنيسة طوال قرون طويلة على هذه الخطايا الثلاث وتعتبرها خطايا تحرم من يقترفها من شركة الكنيسة.
لكن هذا التمييز بين الخطايا المميتة والخطايا العرضية يجب ألا يحمل المسيحي على التساهل واعتبار الخطايا العرضية أموراً ثانوية يمكنه اقترافها دون تردد. فالخطيئة، أمميتة كانت أم عرضية، تبقى خطيئة أي إهانة لصديق وجرحاً في قلب حبيب. والذي يحبّ شخصاً يتحاشى القيام بأيّ عمل، مهما كان طفيفاً، يمكن أن يهين أو يجرح الشخص الذي يحبه. وبقدر ما تزيد المحبة يزيد التنبّه للآخر. لذلك بقدر ما ينمو الإنسان في القداسة يشعر بأنه خاطئ، أي بأنه لا يقوم بالقدر الكافي ممّا تطلبه منه محبته لله وللقريب. في هذا يقول باسكال: "هناك فئتان من الناس: الأبرار الذين يعتبرون ذواتهم خطأة، والخطأة الذين يعتبرون ذواتهم أبراراً".
يقول اللاهوتي الارثوذكسي افدوكيموف معبّراً عن تقليد اللاهوتي الشرقي:
"ان كان هناك تمييز، حسب القديس يوحنا الانجيلي (1 يو 5: 16- 18) بين الخطايا التي تقود إلى الموت وسائر الخطايا، فلا وجود للوائح محدّدة للخطايا العرضيّة والخطايا المميتة. إن صلاة سر التوبة تطلب مغفرة الخطايا "الاختيارية وغير الاختيارية، الخطايا المقترفة بالقول أو بالفعل، عن معرفة أم عن جهل، في النهار أو في الليل، بالعقل أو بالفكر". الخطايا كلّها يتضمّنها عمل القلب الواحد عينه دون اللجوء إلى تحليل أو تصنيف. لقد أهان الإنسان الله ورحمته. ويستحيل على التائب الارثوذكسي أن يسأل نفسه عمّا إذا كان في حالة النعمة أم لا. انه يأتي كفقير يلتمس خلاصه. وحتى بعد الاعتراف، لدى تقدّمه إلى التناول يعترف بأنه "أول الخطأة". وعندما يعلن الكاهن المحتفل: "الأقداس للقديسين"، لا يسعه إلاّ أن يجيب: "قدوس واحد، رب واحد".
إلى جانب "مادة الخطيئة" ينظر اللاهوت، لتحديد مسؤولية الخاطئ، إلى ثلاثة أمور: المعرفة، والارادة، والحرية.
إنّ أيّ عمل شرير لا يُعتبَر خطيئة ما لم يعرف من يقوم به أنه خطيئة. ولكن المعرفة المطلوبة هنا ليست مجرّد الاطّلاع بل الاقتناع. وهنا تكمن صعوبة تقويم الأعمال التي يعتبرها التعليم التقليدي خطايا، والتي يجيزها الناس لأنفسهم لأنهم لا يرون فيها أيّ ضرر، وذلك في شتى الميادين: كالعلاقات الجنسيّة خارج الزواج، أو الإجهاض، أو اللجوء إلى بعض وسائل منع الحمَل، أو القتل في ظروف خاصة. إنّ إنسان اليوم لا يكتفي بمعرفة لوائح الخطايا، بل هو بحاجة إلى أن يعرف السبب الذي لأجله تُعتبَر هذه الأعمال خطايا وأن يقتنع مما يُقال له. لذلك يجب تربية الضمائر للوصول إلى قناعات شخصية تتيح لكل إنسان القيام بأعماله بوجه مسؤول مع الاحترام التام للقيم الانسانية ولعلاقات المحبة بين البشر.
وكذلك يصعب تقويم إرادة الشخص ومدى حريته في قيامه بأعماله. فلقد أظهرت العلوم الانسانية، ولا سيّما علم الاجتماع وعلم النفس، أنّ الحرية الانسانية، التي هي عنصر أساسي للتعريف بالخطيئة، تخضع لعوامل كثيرة وراثية واجتماعية، بحيث يصعب تأكيد وجود حرية كاملة في معظم الأعمال التي يقوم بها الناس. فعلى سبيل المثال من يقتل أو يسرق قد لا يكون مجرماً بقدر ما يكون ضحيّة مجتمع ظالم لم يقدّم له ما يجب له من العناية والكرامة. من هنا يصل البعض إلى إنكار وجود الخطيئة بسبب انعدام الحرية. ويذهب آخرون إلى القول إن الإنسان صالح في عمق طبيعته، غير أن المجتمع والتربية يحملانه على القيام بأعمال شريرة. فعليهما تقع كل مسؤولية الشرور التي يقترفها الناس.
لا ريب في أنه لا وجود للخطيئة إذا لم تكن هناك حرية ومسؤولية. ولكن هذا لا يعني أن الإنسان غير مسؤول عن أي عمل يقوم به. يجب الإفادة من العلوم الإنسانية، لا لإنكار مسؤولية الإنسان في أعماله، بل لتحديد مدى تلك المسؤولية. فالمجتمع هو صنع الناس، والتاريخ هو صنع الناس. والناس هم الذين يطوّرون المجتمع ويطوّرون التاريخ. لا شكّ أنهم في عملهم يتعرّضون لضغوطات كثيرة من ذواتهم ومن الآخرين، لكنهم يبقون أحراراً ومسؤولين. أن تحديد مسؤولية كل إنسان في مختلف الميادين يتطلب من اللاهوتيين والباحثين جهداً خاصاً يتهرّب منه من يكتفي بالقول إنّ الإنسان يتمتّع بملء الحرية في القيام بكل أعماله، وكذلك من ينكر على الإنسان أيّ حرية وأيّ مسؤولية.
وعلى كل حال، فالمهمّ في موضوع الخطيئة ليس البحث في مسؤولية الشخص في ما قام به من أعمال في الماضي، بقدر ما هو النظر إلى المستقبل لتوعية المؤمنين على تطلّبات دعوتهم الإنسانية والمسيحية، والبحث في كيفيّة التحرّر من العِقَد النفسية ومن الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تهدف إلى إبقاء الأوضاع القائمة على ما هي عليه من ظلم وقساوة. فالكنيسة بأجمعها، على صعيد السلطات الكنسيّة وعلى صعيد جماعات المؤمنين، مدعوّة إلى أن تكون المكان الملائم للبحث والتفكير، على ضوء اختبارات العلوم الانسانية، في ما يجب القيام به لخلق أوضاع تساعد على النمو في المعرفة والحرية والمحبة.
الفصل الثَاني
التَوبَة وَمَغفِرَة الخَطَايا

"إنّ الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يعود إليه ويحيا". إنّ محور كلّ دين هو نظرته إلى الله، ومحور النظرة المسيحية هو أنّ الله ليس الإله الديّان الذي يُنزل العقاب بالخاطئ، بل الإله المحبة الذي يدعو الخاطئ إلى الحياة والخلاص. والتوبة المسيحية هي قبول محبة الله. تلك هي الرسالة الكبرى التي نادى بها أنبياء العهد القديم، وحقّقها بملئها السيد المسيح في العهد الجديد، وحفظها لنا الإنجيل المقدس الذي هو "إنجيل" أي "بشرى صالحة"، لأنه "بشرى خلاص". إنّ وحي الخطيئة في الكتاب المقدس هو عمل خلاص من قبل الله، لأنه لا يهدف إلى الحكم على الخاطئ بل إلى مساعدته للإقلاع عن خطيئته واختبار محبة الله الذي يغفر للخاطئ ما اقترفه من الخطايا ويدعوه إلى إعادة علاقات المحبة معه.

أولاً- التوبة ومغفرة الخطايا
في رسالة الأنبياء ورسالة السيد المسيح

لقد كانت رسالة الأنبياء في معظمها توعية للشعب لإدراك خطاياه الكثيرة أمام الله، ودعوة له إلى التوبة، أي إلى أن يعود إلى الله ويعمل بأحكامه ووصاياه. كل المصائب والويلات التي كانت تحلّ بالشعب، كان الأنبياء يعتبرونها نتيجة حتمية لابتعاد الشعب عن طرُق الله. وهذا ما يمكن التحقق منه في دراسة مختلف أسفار العهد القديم.
إنّ ما هو جديد في رسالة السيد المسيح هو أنّه لم يقتصر على الدعوة إلى التوبة كما فعل الأنبياء. بل راح يغفر الخطايا معلناً تحقيق الزمان الذي وعد به الأنبياء. فقد بدأ رسالته بالكرازة بتحقيق الملكوت في شخصه: "لقد تمَّ الزمان، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). والملكوت هو حضور محبة الله الغافرة بين البشر. وهذا ما أظهره السيد المسيح في ما قام به من أعمال محبة: من شفاء للمرضى وإخراج للشياطين ومغفرة للخطايا. أن محبة الله تسبق كل عمل يقوم به الإنسان، والتوبة التي هو مدعو إليها هي نتيجة، وليست شرطاً، لتلك المحبة. لذلك كانت دعوة السيد المسيح أولاً إلى الإيمان بمجيء الملكوت ثم إلى التوبة.
فعندما يدرك الإنسان محبة الله، يدرك في آنٍ معاً كم هو بعيد عن تلك المحبة في مختلف الأعمال التي يقوم بها، ويدرك إذّاك معنى الخطيئة ومعنى التوبة. وهذا ما نقرأه في مشهد المرأة الزانية الذي هو أروع ما كتب في هذا الموضوع (يو 8: 3- 11).
جاء يوماً علماء الناموس والفريسيين إلى يسوع بامرأة أُخِذت في فعل الزّنى. وقالوا له أن الناموس يقضي برجم أمثال تلك المرأة. تلك هي النظرة الأولى إلى الخطيئة: الخطيئة تعدٍّ على الناموس. ومن ينظر إلى الخطيئة في هذه النظرة لا يبقى له للتكفير عن الخطيئة وإعادة الاحترام للناموس إلاَّ تنفيذ الحكم الذي يأمر به الناموس.
لكنّ السيد المسيح ينظر إلى موضوع الخطيئة نظرة مختلفة. فيجيب علماء الناموس والفريسيين: "مَنْ فيكم بلا خطيئة فليبدأ ويرمها بحجر". إنّه يتوجه إلى ضمير كلّ واحد منهم. وعلى هذا المستوى لا يستطيع أحد أن يدّعي أنّه "بلا خطيئة". لذلك، يقول الإنجيل المقدس، "طفقوا يخرجون واحداً فواحداً، ابتداءً من الشيوخ" (فالخطايا، على مرّ الأيام، تتكدّس). خرجوا، وبقي كل منهم وحده مع خطاياه.
إلاَّ أن السيد المسيح لم يقف عند هذا الحدّ. وهنا نصل حقاً إلى إدراك معنى الخطيئة ومعنى المغفرة. إنّ ما لم تستطع العدالة أن تحقّقه، ستحقّقه المحبة التي تتجاوز الخطيئة. فالمحبة ستعطي تلك المرأة القدرة على الخروج من السجن الذي قادتها إليه أعمالها ومواقف الناس من حولها. فيخاطبها السيد المسيح أولاً بلغة الواقع: "أين هم؟ أَلَمْ يحكم عليكِ أحد؟" يدعوها إلى أن تنظر إلى حقيقة ذاتها وإلى حقيقة مَن حولها. "لا أحد!" إنّها خاطئة، ولكن جميع الناس خطأة. ثم يخاطبها بلغة المحبة والمغفرة: "ولا أنا أحكم عليكِ!". ولكنّه يضيف: "إذهبي، ولا تعودي إلى الخطيئة من بعد". إنّ المغفرة التي يمنحها إيّاها يرفقها بدعوة إلى تغيير حياتها. وهذه الدعوة هي علامة ثقة بأنّها تستطيع عمل الخير، لأنّ ما يحدّد مصيرها ومصير حياتها ليست الخطيئة التي عاشت فيها حتى الآن، بل محبة الله التي يدعوها السيد المسيح إلى أن تحيا فيها.
هكذا يعرّفنا السيد المسيح ما هي الخطيئة وما هي التوبة. فالخطيئة ليست تعدّياً على شريعة، بل قطع لعلاقة محبة، وتلك هي مأساة هذه المرأة: لقد خانت المحبة التي تربطها بزوجها. لذلك لا تعاد إلى المحبة برجمها بحسب الشريعة، بل بمساعدتها على ملاقاة محبة تمنحها الثقة لتجاوز الخطيئة التي اقترفها. وهذا ما فعله السيد المسيح نحوها.
ان طريقنا إلى التوبة في نظر السيد المسيح يقوم على أن نكتشف في آن معاً عمق محبة الله نحونا وحقيقة خطيئتنا: "تعرفون الحق، والحق يحرّركم" (يو 8: 32). في معظم الأحيان يظنّ الخاطئ أنّ مغفرة خطاياه تقوم على اعلان براءته إمّا من قبل الآخرين وإمّا من قبل ضميره، وذلك بإيجاد أعذار لخطيئته. لكن المغفرة التي يمنحها السيد المسيح ليست إعلان براءة ولا القبول بما نقدّمه من أعذار. بل هي بالحريّ قبول في الحق للخاطئ مع كلّ ما هو عليه، بما في ذلك الخطيئة التي اقترفها. هذا القبول هو وحده كفيل بأن يفتح أبواب السجن الذي يقود الخاطئ إلى الشعور بالذنب، إذ يكشف له أن الذنب الذي اقترفه يُبعده عن محبة الله. أمّا الله فيبقى أميناً على عهد محبته مهـما ابتعد الانسان عن هذا العهد. وانطلاقاً من اكتشاف محبة الله الأمينة الثابتة ومن اعترافه بذنبه، تنفتح له آفاق مستقبل جديد.
أن الله خالقنا للمحبة، وكل مرة نخون المحبة نخون الله ونخون ذواتنا في آنٍ معاً. في هذا المعنى يمكن القول أن الخطيئة هي التغرّب والضياع الأعظم. وللخروج من هذا التغرّب، لا طريق آخر سوى المغفرة، أي تلك النظرة المحبة التي يلقيها علينا الله.

ثانياً- التوبة المسيحية

1- التوبة المسيحية دخول في ديناميكية محبة الله
التوبة المسيحية ليست ارتداداً إلى أحكام الشريعة لتتميمها، ولا ارتداداً إلى أصالة الذات، بل هي في أساسها ارتداد إلى الله الحيّ.

أ) الارتداد إلى الشريعة
هناك بعض المسيحيين لا يزالون ينظرون إلى الله وكأنّه قبل أي أمر آخر الإله الواضع الناموس والحارس الشريعة، الذي يُنزل العقاب بكل من يخالف أحكامه ووصاياه.
فالشرائع والوصايا تعبّر، في نظرهم، بوضوح عن إرادة الله، ويمكن الاكتفاء بها. فليس لهم إذاً إلاَّ تطبيق هذه الوصايا تطبيقاً حرفياً. في هذه النظرة تغدو التوبة إصلاحاً للذات في موضوع معيّن يشعر المرء أنّه خالَفَ فيه الوصية، دون النظر إلى مجمل حياته.
والمقاصد التي توجّه عمله تقتصر على بعض واجبات ومبادئ أخلاقية تلقّاها في تربيته.

ب) الارتداد إلى الذات
هناك نظرة أخرى ترى في الله تجسيد "القيم" الإنسانية، وفي المسيح المثال الأعلى للإنسان.
في هذه النظرة تغدو التوبة عودة إلى الذات لتحقيق القيم الإنجيلية والعمل على إزالة المظالم الاجتماعية التي تشوّه الإنسان.
لا بدّ من التنبيه إلى حدود تلك النظرة التي لا تتخطّى المستوى الأخلاقي، الذي يحمل المسيحي على أن يعيش على مثال المسيح. فيما الأخلاقية المسيحية تطلب منه أن يعيش مع المسيح.

ج) الارتداد إلى الله الحي
أن التأثّر بالثقافة المعاصرة قد يحمل بعض المسيحيين إلى أن يروا أنّ التطوّر الحاصل في الأخلاق المسيحية يقتصر على توسيع الشرائع. فما كان محرَّماً في القديم صار الآن محلَّلاً. إنّ مَن لا ينظر إلى الأخلاق المسيحية إلاَّ في إطار المحرَّم والمحلَّل لم يفهم ما جاء به السيد المسيح من جديد في إطار الأخلاق. انه لا يزال يفكِّر ضمن إطار حدود الشريعة، لذلك يرغب في توسيع تلك الحدود. إنّه في الواقع يرغب في تبرير أعماله، ويطلب من الشريعة هذا التبرير.
فيما السيد المسيح لم يأتنا بشرائع نتمّمها فنحصل على التبرير، وهذا ما لم يفهمه الفريسيون وعلماء الناموس، بل أدخلنا في عهد جديد، لا عهد الحرف بل عهد الروح، عهد محبة وصداقة مع من يدعوه المسيح "أبي وأبيكم". لا شك في أنّ هذا العهد يقتضي متطلّبات لا يمكن إهمالها وشرائع يجب احترامها. ولكن لا يكفي أن يحترم الإنسان الشرائع ليريح ضميره بأنه تمّم إرادة الله. فليست الشريعة هي الكلمة الأخيرة في الأخلاقية المسيحية، بل العلاقة مع الله التي هي علاقة محبة. إنّ الله أحبّنا أولاً، وحياتنا الأخلاقية هي جوابنا على تلك المحبة. وإذا كانت هناك حدود للشريعة، فلا حدود للمحبة. فمَن قال إنّه يحب صديقه محبة كافية، فَقَدَ المحبة، وتلك هي مأساة الكثيرين من المسيحيين: يظنّون أنّهم يستطيعون إراحة ضمائرهم أمام الله. ولكن مَن هو هذا الإله الذي يعبدون؟ انه إله الشريعة.
إن الإله الذي يدعونا السيد المسيح إلى أن نتوب إليه هو الإله الحي الذي لا يمكننا أن نشعر إزاءه بأننا قمنا "بواجبنا" لأننا تمّمنا شرائعه. هذا الإله يدعونا على الدوام إلى أن نخرج من ذواتنا، أن نموت عن ذواتنا على نحوٍ ما وننفتح عليه. وفي هذا الموت عن الذات والانفتاح على الله يكشف لنا الله ذاتنا الحقيقية. فكأنّ الله يخلقنا من جديد. في تلك النظرة التي يلقيها علينا، في علاقة المحبة والصداقة التي تنشأ بينه وبيننا، يخلقنا من جديد على صورته ومثاله. إنّ العودة إلى الذات يجب أن تقودنا إلى أن نجد الله في عمق ذاتنا.
أن التوبة المسيحية هي ارتداد قلب الإنسان الذي يعترف بمحبة الله تجاهه، والانطلاق في مسيرة تتضمّن مراحل طويلة يدرك فيها الإنسان أكثر فأكثر تلك المحبة، ويعمل على تغيير منهج حياته في محبة اخوته، مع كل ما تتضمّنه تلك المحبة من تطلّبات لتحقيق العدالة واحترام الشخص البشري.

2- التوبة المسيحية اشتراك في فصح المسيح الخلاصي
"إنّ الله هو الذي صالح، في المسيح، العالم مع نفسه" (2 كو 5: 19). إنّ مصالحة البشر مع الله لم تتحقّق من خلال الناموس، بل بواسطة المسيح، الذي به انتقلنا من عبودية الناموس إلى حرية الإيمان. "فالناموس كان مؤدّبنا يرشدنا إلى المسيح لننال البرّ بالإيمان" (غلا 3: 24). إنّ الانتقال إلى البرّ والحرية لم يتمّ نتيجة لتطور ضمني داخل الناموس، بل نتيجة لحدث جديد هو فصح المسيح. لقد كان الناموس سبباً لتكاثر الخطيئة. ولكن "حيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة" (رو 5: 20؛ 11: 32). والنعمة قد طفحت في صليب المسيح وقيامته.
إنّ يسوع المسيح ابن الله وكلمته قد قضى على الأرض حياة كلّها عطاء لله ولتتميم إرادته: "إنّي لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يو 5: 30)، وفي آنٍ معاً عطاء للبشر: "إنّ ابن البشر لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين" (مر 10: 45). ولم يكن موته على الصليب سوى تكليل لتلك الحياة "لأجل الله ولأجل الآخرين": "ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل الحياة عن أحبائه" (يو 15: 13). لقد علّمنا المسيح بمثله أن المحبة أعظم من الحياة عندما قادته محبته إلى بذل حياته، وعلّمنا أن المحبة أقوى من الموت عندما قام من الموت إلى حياة جديدة غير مائتة. هذا هو فصح المسيح الخلاصي: إنّه قد انتقل إلى حياة الأبد، التي هي ثمرة المحبة. ومعه انتقلت البشريّة كلّها إلى تلك الحياة الجديدة.
إنّ التوبة المسيحية هي اشتراك في فصح المسيح الخلاصي، وارتداد إلى المحبة التي أحبّنا بها المسيح والتي بها انتقل من الموت إلى الحياة. لذلك يمكن القول مع التقليد اللاهوتي القديم أن التوبة هي تجديد للمعمودية. والتوبة، على غرار المعمودية، لا تعني انعتاق الطبيعة البشرية من الضعف الذي جُبلت عليه، ولا تعني أن المسيحي لا يتعرّض للخطيئة. ولكنها تعني تحرّراً ونموًّا في الحرية.
المسيحيون يدركون أنهم خطأة، وأنهم على الدوام ينالون المغفرة من الله، ويحيون من محبته. وهذا الادراك يُبعد عنهم في آنٍ معاً القلق النفسي ووخز الضمير اللذين ينتجان من الشعور بالذنب، والكبرياء الفريسي الذي ينتج من التبرير الذاتي والتقيّد الحرفي بفرائض الشريعة. وهذا التحرّر من الذنب يفتح أمامهم طريق الحرية الحقيقية.
ان الحرية البشرية، في نظر اللاهوت المسيحي، تقوم على مشاركة حرية الله الذي دخل تاريخ البشر وتحمّل نتائج خطاياهم حتى الموت، وانتصر على الخطيئة بالمحبة وعلى الموت بالقيامة.
ان الإيمان المسيحي بمحبة الله التي ظهرت لنا في صليب المسيح وقيامته، يرافقه الرجاء بانتصار المحبة على الخطيئة والحياة على الموت، رغم كل اختبارات الخطيئة والموت التي يخضع لها الإنسان، تلك هي المفارقة التي فيها يحيا المسيحي وفيها يحقّق حريته. إذ إنّه ضمن كل ما يحمل على الخطيئة، وبالرغم من كل مما يقود إلى الموت، يعرف أن يقرأ ملامح الرجاء بانتصار المحبة والحياة.
أن المسيحي يحيا على هذه الأرض في مفارقة دائمة: انه في جسد مائت، ولكن حياة الأبد تعمل فيه، حسب قول بولس الرسول: "ولئِن كان إنساننا الظاهر ينهدم، فإنساننا الباطن يتجدّد يوماً فيوماً" (2 كو 4: 16). وحياة الأبد التي تملأ كلّ جوارح كيانه والتي يتنشّقها في كل خليّة من خلايا جسده، تلك الحياة التي هي ثمرة المحبة، والتي لا تثبت إلا بالمحبة، هي التي يعمل على نشرها في العالم في حياة كل إنسان وفي نظم المجتمع وشرائعه.
إنّ حرية المسيحي تقوم إذّاك على إدراك دعوته الشخصية إلى اكتشاف بذور الحياة، بالرغم ممّا يختبره من إخفاق وخطيئة وموت، وذلك في كل مرافق حياته الشخصية والجماعية. أن الحياة الجديدة التي يصل إليها المسيحي في اشتراكه في فصح المسيح، والتي يعلنها مع الكنيسة جمعاء بالكرازة، لا يمكن إيجادها إلاَّ ضمن جماعة البشر. فالمسيح الذي قام من بين الأموات ودخل في مجد الآب، نجده على هذه الأرض في "إخوته هؤلاء الصغار"، في أفراح هذه الحياة وأحزانها، في مضايقها ومسؤولياتها.
ان الحياة الجديدة، حياة الخلاص وحياة الأبد، لن تُعطى لنا إلاَّ إذا قبلنا أن نضطلع مع السيد المسيح بواقع هذه الحياة المائتة، إلاَّ إذا قبلنا أن يكون التاريخ البشري موضع العمل لأجل الخلاص. هذا ما تدعونا إليه التوبة المسيحية. وتلك هي المسؤولية التي يشارك فيها المسيحيون جميع البشر. فإلى جانب غير المؤمنين يعملون على تحرير الإنسان من كل أنواع العبودية في تاريخ هو دوماً عرضة للتقلّبات والاضطرابات، إذ يمتزج فيه على الدوام الشك واليقين، الإخفاق والنجاح. ولكن عملهم هذا يتمِّمونه، على خلاف غير المؤمنين، بقلوب عامرة بالإيمان بقيامة المسيح، وبانتصار الحياة الجديدة، وبرفقة المسيح وشركة المحبّة التي جسّدها في حياته، والتي تجعلها الكنيسة حاضرة على الدوام في أسرارها وفي حياة الأشخاص والجماعات، فتجعل الأزمنة كلّها معاصرة لزمن المسيح ولفصحه الخلاصي.
وهذا ما تدعو إليه الكنيسة في سرّ التوبة.

ثالثاً- سرّ التوبة

1- سرّ التوبة في تاريخ الكنيسة
أ) من الزمن الرسولي حتى القرن السادس
"وسيُكرَز بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم، انطلاقاً من أورشليم، وأنتم شهود لذلك" (لو 24: 47- 48).
"خذوا الروح القدس. من غفرتم خطاياهم تُغفَر لهم، ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسِكت" (يو 20: 23).
استناداً إلى وصية السيد المسيح، راح الرسل يبشّرون بالتوبة ويمنحون مغفرة الخطايا، وذلك من خلال المعمودية. فنسمع بطرس الرسول يعلن لمستمعيه في نهاية خطبته يوم العنصرة: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس" (اع 2: 38).
بقي الأمر كذلك حتى أواسط القرن الثاني، حيث نقرأ في كتاب "الراعي" لهرماس أن الذين خطئوا بعد المعمودية يمكنهم أن يجدوا سبيلاً للخلاص في التوبة التي، على غرار المعمودية، لا تُمنَح إلاَّ مرة واحدة. استمرّت الكنيسة على هذا التقليد الذي لا يمنح مغفرة الخطايا في سرّ التوبة إلاَّ مرة واحدة بعد المعمودية حتى القرن السادس. غير أنّ الخطايا المشار إليها هي الخطايا التي تفصل المسيحي عن الكنيسة. وكانت لائحة هذه الخطايا تختلف من كنيسة إلى أخرى، إلاَّ أنّ معظم الكنائس كانت تحصرها في ثلاث خطايا: الجحود، والقتل، والخيانة الزوجية بالزنى. وفي بدء هذه الفترة كان الأسقف وحده يمنح مغفرة الخطايا، ولكن مع تكاثر عدد الجماعات المسيحية أوكل الأسقف هذه المهمّة لأحد الكهنة. ففي القرن الرابع نجد في القسطنطينية كاهناً واحداً مختصاً بمنح سرّ التوبة.
عُرفت هذه التوبة في تاريخ الكنيسة "بالتوبة القانونية"، لأن ممارستها كانت تخضع لقوانين محدّدة تضعها المجامع الكنسيّة. أما طريقة ممارستها فكانت تتضمّن ثلاث مراحل:
- الدخول في صف التائبين: يعترف التائب بخطيئته سرّياً للأسقف أو للكاهن المعرِّف. ويدخل في صفّ التائبين في رتبة ليتورجية يرئسها الأسقف، وفي نهايتها يُطرَد التائبون من الكنيسة.
- زمن التكفير: يمتدّ هذا الزمن عدّة سنوات حسب ما يحدّده الأسقف أو الكاهن المعرِّف، يلتزم التائبون خلالها بحياة تقشُّف قاسية، فيمتنعون عن العلاقات الجنسيّة، ويمتنعون عن أكل اللحم، ويُحرَمون من الوظائف العامة. أمّا الليتورجيا الإلهية فيمكنهم الاشتراك فيها، ولكنهم يقفون على مدخل الكنيسة ويحظّر عليهم التقرّب إلى المناولة.
- المصالحة والقبول إلى المناولة: تتمّ بواسطة الأسقف بوضع اليد، وبحضور الجماعة المسيحية في الكنيسة، وفي معظم الأحيان يوم خميس الأسرار، ليتاح للتائبين التقرّب من المناولة الافخارستية يوم عيد الفصح. ولكن الخاطئ، حتى بعد قبول توبته وإعادته إلى الكنيسة، كان يبقى خاضعاً لقوانين صارمة: فلا يحق له الدخول في الجيش ولا في سلك الاكليروس ولا في أي وظيفة عامّة، ولا أن يتعاطى التجارة، وعليه الامتناع عن العلاقات الجنسيّة.
إزاء قوانين صارمة كهذه، كان معظم الناس يؤخّرون قدر المستطاع الاعتراف بخطاياهم والدخول في صف التائبين، حتى صار الاعتراف في القرن السادس يقتصر في الواقع على العجزة والمرضى والذين على فراش الموت.

ب) من القرن السادس حتى القرن الثالث عشر
عرفت الكنيسة في هذه الفترة طريقة جديدة لممارسة سرّ التوبة، بدأت في الأديار الرهبانية. فالحياة الرهبانية هي اتحاد مستمرّ بالله في الصلاة والتجرّد عن العالم. ولبلوغ هذا الهدف كان لا بدّ للمبتدئين في الحياة الرهبانية من التتلمذ لراهب قديس يقتدون بسيرته الفاضلة، ويرشدهم إلى الطريق الفضلى لتحقيق هدفهم الرهباني. وفي هذا الإطار كانوا يكشفون له اختباراتهم وصعوباتهم في الحياة الرهبانية، وفي الوقت عينه يعترفون له بخطاياهم، وينالون منه الحلّة، و"قانوناً" من الصلوات وأعمال التقشّف يتمّمونها تكفيراً عن خطاياهم وتعبيراً عن توبتهم ورغبتهم في التقدّم في الحياة الروحية. وهذا المرشد والمعرِّف لم يكن بالضرورة كاهناً، فسرّ الكهنوت لم يكن يُمنَح في الأديار إلاَّ لبعض الرهبان حسب حاجة الدير إلى الخدمات الليتورجية المخصّصة للكهنة. ولم يكن الإرشاد الروحي مخصّصاً للكهنة. وعلى غرار الرهبان، كان العلمانيون الذين يِردون الأديار الرهبانية يطلبون الإرشاد الروحي، ويعترفون بخطاياهم، وينالون الحلّة والقانون.
لقد عرف الشرق، منذ أوائل انتشار الحياة الرهبانية هذا الاعتراف لدى راهب دُعي "الأب الروحي". ونجد هذا التقليد في الغرب في القرن السادس في أديار ايرلندة، حيث بدأ ثم انتشر منها إلى كل كنائس الغرب على يد رهبان انتقلوا من ايرلندة وبريطانية إلى سائر البلدان الأوروبية.
ولمساعدة المعرِّفين في أداء خدمتهم، وُضع لهم في الغرب كُتيِّب خاص يتضمَّن لوائح الخطايا والقانون الذي يجب أن يُفرَض على كل خطيئة. ومعظم هذه القوانين يقوم على صلوات وأصوام.
إلى جانب هذا "الاعتراف الرهباني"، حافظت الكنيسة على "الاعتراف القانوني" القديم الذي يخصّ الأسقف أو أحد الكهنة بسلطة الحل من الخطايا التي يحدّدها القانون الكنسي.

ج) من القرن الثالث عشر حتى القرن العشرين
سنة 1215 أقرّ المجمع اللاتراني الرابع في القانون 21 الاعتراف السنوي الالزامي لجميع المؤمنين رجالاً ونساءً وأطفالاً منذ سنّ الرشد. ويوضح القانون أن هذا الاعتراف يجب أن يتمّ لدى كاهن الرعية الذي ينتمي إليها كل مؤمن. ويرى المؤرّخون أن المجمع ألزم الاعتراف السنوي للتحقق من صحة إيمان المسيحيين في عصر كثرت فيه البدع. لذلك يضيف المجمع أنّ من لا يتقدّم من هذا الاعتراف السنوي يُحرَم من الكنيسة.
إلى جانب هذا الاعتراف السنوي الإلزامي، نشأت في الأديار ولاسيمَا أديار الرهبان الفرنسيسكانيين والدومينيكيين عادة الاعتراف المتواتر مرة أو مرتين في الأسبوع (وكان البعض يعترفون كل يوم)، وذلك كوسيلة للتنقية والتقدّم في الحياة الروحية. وانتقلت هذه العادة إلى العلمانيين، الذين وجدوا فيها وسيلة للاشتراك في آلام المسيح، لاسيّمَا أن المناولة الافخارستية كانت أمراً نادراً: مرة في السنة على الأقل، وعلى الأكثر من ثلاث إلى ست مرات.
لدى نشأة الحركة البروتستنتية في الغرب، قاومت الكنيسة الكاثوليكية نظرة لوثر وكلفين إلى سر التوبة. ففي نظر لوثر يمكن اعتبار سرّ التوبة "سرًّا"، ولكن ليس كسرّ خاص، بل كسرّ مكمِّل لسرّ المعمودية، كسرّ "ارتداد إلى المعمودية"، حسب تعبيره. فالمسيح قد منح كنيسته سلطة حلّ الخطايا وربطها، ولكنه لم يؤسّس الاعتراف المفصّل الخطايا. أما كلفين فينكر على التوبة صفة السرّ، ويدعوها "ذكرى المعمودية"، أي ذكرى لمغفرة الخطايا التي نالها المؤمن في المعمودية. وبما أن لوثر وكلفين لا يقرّان بسرّ الكهنوت بالمعنى الكاثوليكي والارثوذكسي، لذلك يعتبران أن الحلّ من الخطايا يمكن أن يكون على يد العلمانيين.
ضدّ هذه الأفكار أقرّ المجمع التريدنتيني الأمور الثلاثة التالية التي لا يمكن فهمها إلاَّ كردّة فعل على التطرّف البروتستنتي:
1- واجب الاعتراف بالخطايا المميتة على الأقلّ مرّة في السنة.
2- واجب الإقرار بالخطايا أمام حكم الكاهن الذي يستطيع أن يمنح الحلّة أو يرفضها.
3- التأكيد على أن هذه القوانين ليست من وضع كنسي بل من وضع إلهي.
استناداً إلى دراسة تاريخ ممارسة التوبة في الكنيسة على مدى العصور، يمكننا اليوم أكثر من المجمع التريدنتيني التمييز بين ما هو من وضع إلهي وما هو من وضع كنسي.
إنّ ما أراده السيد المسيح ومنحه لكنيسته هو سلطان مغفرة الخطايا، ليستمرّ على مدى الزمن موقف الرحمة الذي وقفه من الخطأة في أثناء حياته على الأرض، ويشترك المسيحيون على الدوام بسرّه الفصحي. إلاَّ أنه يعود للكنيسة أن تحدّد، كما فعلت عبر الأجيال، طريقة ممارسة هذا السلطان. وتجدر الإشارة إلى التطور الذي عرفته ممارسة هذا السر على مدى الأجيال وعلى تأثير الأديار الرهبانية في تحديد طريقة تلك الممارسة في القرن السادس والقرن الثالث عشر.
أن "الاعتراف الفردي" للكاهن مع طلب النصح والإرشاد كان لأجيال من المسيحيين الوسيلة الفضلى للتنقية من الخطيئة والتقدّم في الحياة المسيحية. ان عصرنا الحاضر يشهد اهمالاً لهذا الاعتراف الفردي وإقبالاً متواتراً على المناولة الافخارستية. ممّا يجعل رعاة الكنيسة في حيرة إزاء الموقف الذي يجب أن يقفوه من هذا التطوّر. ولكن من جهة أخرى تكثر الاحتفالات الجماعية بسرّ التوبة، مع المحافظة في معظم الأحيان على الاقرار الفردي بالخطايا. ان رتبة التوبة الجماعية هي عنصر إيجابي في الكنيسة المعاصرة يجب التنويه به وتشجيعه.
ان إعادة الاعتبار لسرّ التوبة في ممارسة المؤمنين لا تأتي، في نظرنا، من التمسّك بإحدى صيغ الماضي، بل تأتي أولاً بخلق جماعات كنسيّة حيّة. وهذه الجماعات هي التي ستجد، بالتعاون مع السلطة الكنسيّة، الصيغ الملائمة لتجديد ممارسة هذا السرّ بحيث يكون احتفالاً حقيقيًّا بمحبة الله التي تشفي المرضى وتحيي الأموات، وتجدّد الإنسان الخاطئ ليعود خليّة حيّة في جسد المسيح. وفي هذا التجديد يجب المحافظة على بعدين متكاملين لسرّ التوبة: البعد الشخصي والبعد الجماعي. فالتوبة هي لقاء شخصي بين الإنسان التائب والسيد المسيح، وهي أيضاً لقاء جماعة المسيحيين الذين يدركون تضامنهم في الخطيئة وتضامنهم في الخلاص.

2- عناصر سرّ التوبة وأبعاده اللاهوتية.
ان سرّ التوبة في المسيحية لا يقتصر على الإقرار بالخطايا من جهة التائب ومنح الحلّة من جهة الكاهن. فقد نرى بعض المسيحيين يحصرون اهتمامهم في التساؤل عن الخطايا التي يتوجّب عليهم الإقرار بها لينالوا حلّة الكاهن. ان الاكتفاء بهذين العنصرين قد يكون السبب في الحالة التي وصلت إليها ممارسة هذا السرّ في كثير من الرعايا المسيحية. إذ نسمع الكثيرين من المسيحيين يقولون: اني لم أقترف خطايا مميتة، فماذا الاعتراف؟ فهناك عناصر أخرى هامة يجب التنبّه لها، ليُعاد إلى سرّ التوبة اعتباره في تفكير المسيحيين ويؤتي ملء ثماره في حياتهم. أن الإقرار بالخطايا أمام الكاهن لنيل الحلّة يجب ألاّ يُفصَل عن الإصغاء إلى كلام الله وعن التوبة العميقة وعن الصلاة المشتركة وعن حضور الكنيسة.

أ) فحص الضمير: الإصغاء إلى كلام الله
إنّ ما يقود إلى سرّ التوبة هو كلام الله الذي يتوجّه به إلى ضمير كلّ إنسان: "آدم، أين أنت؟"، "قايين، أين أخوك؟". وهذا الكلام الإلهي ليس كلاماً نظرياً يقتصر على المبادئ والقيم العامة، بل هو كلام واقعي يوجّهه الله إلى الإنسان في واقع حياته، تلك الحياة التي يعيشها بالتضامن مع اخوته المسيحيين الملتزمين نشر رسالة السيد المسيح في عالم يتعرّض على الدوام لتقلّبات التاريخ وصراع الأجيال.
أن الله يكلّمنا أوّلاً في ما أوصى به إلينا في الكتاب المقدس في كلا العهدين، ثم يكلّمنا من خلال صوت الضمير الذي يخاطب به كلّ إنسان في عمق ذاته. ويكلّمنا أخيراً من خلال لقاءاتنا مع اخوتنا ومن خلال أحداث العالم والتاريخ. لذلك ما يقود المسيحي إلى سرّ التوبة لا يقتصر على ما يدركه في "فحص ضمير" فردي لما يقوم به من أعمال بل أيضاً في تفكير مشترك مع اخوته حول الموقف الذي يقفونه معاً من تطلّبات الإله الحيّ في مختلف الظروف والأوضاع التي يعيشون فيها.
ان الجماعات المسيحية تدرك أكثر فأكثر أن الخطيئة لا تقتصر على العمل الفردي، بل تشمل أيضاً الموقف الذي تقفه الجماعة في هذا الظرف أو ذاك، والذي قد يكون موقفاً خاطئاً، كما تشمل الأنظمة والقوانين التي تنشئها الجماعات أو التي تعمل على إبقائها، والتي قد تكون أنظمة وقوانين جائرة.

ب) الندامة: ارتداد القلب والعودة إلى كنف الثالوث
العنصر الثاني الذي يتضمّنه سرّ التوبة هو الندامة. وهذه الندامة ليست مجرّد شعور سطحي بالأسف ممّا حدث، بل هي ارتداد القلب، أي قرار عميق يتّخذه التائب في عمق كيانه بالعودة إلى كنف الثالوث الأقدس، للانطلاق في مرحلة جديدة من حياته يوجّه فيها كل طاقات كيانه إلى محبة الله ومحبة القريب.
ان سرّ التوبة هو ارتداد إلى المعمودية وأبعادها. انه عودة الابن الشاطر إلى أبيه بعد أن انفصل عنه بالخطيئة، ليحيا من جديد معه حياة البنوّة الحقيقية: "أقوم، وأمضي إلى أبي" (لو 15: 18). في هذا السرّ يقبل الآب ابنه التائب ويُلبسه الحلّة الجديدة، وهي حياة البنوّة.
ان سرّ التوبة هو أيضاً لقاء مع المسيح الخلِّص الذي غفر للخطأة في حياته. ففي سرّ التوبة نسمع السيد المسيح يقول لنا كما قال للخطأة في حياته: "مغفورة لك خطاياك" (مر 2: 5؛ لو 7: 48)؛ "اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت" (لو 19: 9)؛ ونشترك في سرّ موته وقيامته، فيتحقق فينا من جديد فصح المسيح، إذ معه ننتقل من موت الخطيئة إلى قيامة الحياة.
وسرّ التوبة هو أخيراً تجديد في الروح القدس. أن الروح القدس يعمل في كل الأسرار. ويعمل أيضاً في سرّ التوبة الذي لا يقتصر مفعوله على التنقية من أدران الخطايا، بل على تجديد القلب من الداخل، هذا القلب "الذي منه تنبعث الأفكار الرديئة: الفجور والسرقة والقتل، والزنى والطمع والخبث، والمكر والعهارة والحسد، والاغتياب والكبرياء والحماقة" (مر 7: 21- 22). وهذا ما يبيّنه السيد المسيح للفريسيين الذين كانوا يكثرون الغسل والوضوء ليصيروا أنقياء إزاء الشريعة. أن سرّ التوبة لا يجعلنا أنقياء إزاء الشريعة التي نتعدّى عليها بقدر ما يجدّد قلبنا من الداخل. وهذا التجديد هو عمل الروح القدس فينا.

ج) الاعتراف والصلاة
ان سرّ التوبة هو أيضاً صلاة. وهذا ما يغيب عن بال كثيرين من المؤمنين الذين لا يرون في هذا السرّ إلاَّ التخلّص من عواقب خطاياهم.
ان اللفظة المتداولة لسرّ التوبة هي "الاعتراف". ولكن من دواعي الأسف أن مدلول تلك اللفظة قد اقتصر في أذهان الكثيرين على "الاعتراف بالخطايا". فيما الاعتراف هو أولاً الاعتراف برحمة الله ومحبته. وهذا ما يجب النظر إليه أوّلاً والتركيز عليه في سرّ التوبة: ان الله برحمته ومحبته الغافرة قد نظر إليّ أنا الخاطئ، فأشيد له واعترف برحمته ومحبته.
قد يقول البعض: لماذا اعترف بخطاياي، وأنا عالم بأنّي سأعود إلى الخطيئة في المستقبل؟ جوابنا على هذا الاعتراض هو أنه ينطلق من نظرة خاطئة إلى سرّ التوبة تعتبر هذا السرّ مجرّد "غسل من الخطايا". وحتى في هذه النظرة إن التكهّن بأني سأتلوّث من جديد في المستقبل لا يعفيني من أن أكون نظيفاً الآن، ورفض الغسل يزيدني تلوّثاً. ولكن هناك أعمق من ذلك. فالتوبة ليست مجرّد غسل من الخطايا، بل هي عودة إلى محبة الله التي ابتعدت عنها. انها اعلان لمحبة الله الدائمة التي ترافقني في كل أعمالي، الصالحة والشريرة، في الماضي والحاضر والمستقبل. أتقرّب من سرّ التوبة لامتلئ من محبة المسيح التي تدفعني إلى الأمام لتكون حياتي في المستقبل جواب محبة على محبة الله الدائمة. لا أعرف الشيء الكثير عن مستقبل حياتي، ولكني أومن أن محبة الله سترافقني على الدوام. لذلك أقول مع بولس الرسول: "لا أعني أنّي قد أصبت الهدف، أو بلغت إلى الكمال. إنّمَا أُواصل السعي لعلّي أدرك المسيح يسوع، لأنه هو قد أدركني" (تي 3: 12- 13). ان المسيح قد أدركني بمحبته، وأسعى أن أدركه بمحبتي.
ان سرّ التوبة هو صلاة. وموضوع تلك الصلاة الاعتراف بمحبة الله والإشادة بالمغفرة التي يسكبها علينا على الدوام برحمته الغافرة التي لا حدّ لها. ومن هذا الاعتراف بمحبة الله ورحمته نستقي القوة لنتابع طريقنا في الحياة مع المسيح.

د) الحلّة: المغفرة والمصالحة مع الله
ان ملاقاة السيد المسيح في سرّ التوبة ليست عملاً فردياً يقوم به التائب وحده، بل هي عمل الكنيسة. فكما أن المسيح هو سرّ الآب، أي علامة حضوره بين البشر، هكذا الكنيسة هي سرّ المسيح وامتداد حضوره على مدى الزمن. وفي هذا السرّ، كما في سائر الأسرار، لا بدّ من حضور الكنيسة. وهذا الحضور يتم من خلال الكاهن الذي يمثل الكنيسة. ثم ان الخطيئة تبعد الإنسان عن الله وعن المسيح وتبعده في آنٍ معاً عن الكنيسة جسد المسيح. والتوبة تعيده إلى الله وتعيده في الوقت عينه إلى الكنيسة جسد المسيح. لذلك لا بدّ من حضور الكنيسة بواسطة الكاهن للاحتفال بسرّ التوبة.
إلاَّ أنّ من يغفر الخطايا ليس الكاهن ولا الكنيسة، بل الله نفسه، والمسيح نفسه. "فالكاهن ليس سوى شاهد لحضور المسيح"، حسب تعبير افدوكيموف. انه ينقل للتائب محبة السيد المسيح والمغفرة التي يسكبها على التائبين. وذلك مهما تكن الصيغة التي يستعملها في الحلّة: صيغة الصلاة التي نجدها في التقليد الشرقي القديم والتي تعبّر بوضوح عن أنّ الله هو الذي يغفر الخطايا: "الله يغفر لك خطاياك..."، "ربنا يسوع المسيح يغفر لك خطاياك"، أو صيغة الاعلان من قبل الكاهن: "أحلّك من جميع خطاياك التي اعترفت بها أمام الله باسم الآب والابن والروح القدس".
في هذه النظرة يجد الإقرار بالخطايا معناه الحقيقي. فالتائب لا يقرّ بخطاياه أمام إنسان، بل أمام المسيح وأمام الله. ان الإقرار بالخطايا قد يبدو لأول وهلة صعباً على الطبيعة البشرية ومناقضاً للكرامة الانسانية. فالإنسان يخجل من كشف نفسه أمام الآخرين، ويخاف من أن يحكموا عليه ويفقدوا ثقتهم به. أن هذا قد يصحّ إذا اعتبرنا الاعتراف مثولاً أمام قاضٍ في محكمة. لكن الاعتراف هو مثول المريض أمام الطبيب والابن أمام أبيه. وهذا ما يدركه جيداً علم النفس التحليلي المعاصر المبني على كشف الإنسان غوامض ماضيه أمام الطبيب النفسي. ذلك أن الإقرار بالذنوب هو الوسيلة الوحيدة للتحرّر منها. فإخفاء الذنوب يقود المذنب إلى العزلة داخل ذاته برفقة ذنوبه. لكن الذنوب الخفيّة لا تزال تعمل داخل الإنسان، والكبت يزيدها قوةً وتأثيراً، فتنخر النفس وتحمل الإنسان على الكذب والمواربة، فيحاول إيجاد أعذار لتبرئة ذاته أمام نفسه وأمام الآخرين، ويتهرّب من تحمّل مسؤولية أعماله.
"تعرفون الحق والحق يحرّركم" (يو 8: 32). الاقرار بالحقيقة هو وحده طريق التحرّر. فعندما يقرّ الإنسان بذنبه، يأخذ على عاتقه مسؤولية ذنبه، فيؤكّد مسؤوليته ويؤكّد حريته في آنٍ معاً، ويعيد الحقيقة إلى ذاته وإلى علاقاته مع الله ومع الآخرين. ان الإنسان، بإقراره بخطاياه أمام الآخر وأمام نفسه، يودع ذاته بين يدي الآخر وهو واثق برحمته ومحبته، كما يودع ذاته بين يدي نفسه وهو واثق من مسؤوليته وحريته. إذّاك يخرج من عزلته ويتحرّر من ذنبه، وينفتح له مجال واسع يمكن أن ينشأ فيه قصد جديد وعمل جديد. ان الإقرار بالخطايا هو في آنٍ معاً توبة وولادة جديدة.

هـ) ثمار التوبة: المغفرة والمصالحة مع الآخرين
"واغفر لنا خطايانا كما نغفر نحن لمن أساء إلينا". ان سرّ التوبة والمصالحة لا ينتهي في الحلّة التي ينالها التائب من الله والمسيح بواسطة الكاهن. فمصالحته مع الله يجب أن تظهر في مصالحته مع الآخرين، كما أنّ محبته لله لا تظهر إلاَّ من خلال محبته للآخرين.
كلّنا إزاء الله نشبه ذلك العبد الذي لم يكن له ما يوفي سيّده ديونه الباهظة، فرحمه سيّده وترك له الدَين كلّه. هذا ما يعلّمنا إيّاه السيد المسيح في مثَل المداين المديون الذي يقدّمه جواباً على سؤال بطرس: "كم مرّة يخطأ إليّ أخي وأغفر له" (متى 18: 21- 35). فالمغفرة التي ننالها من الله لا تعمل فينا عمل السِّحر، بل تعمل بقدر تجاوبنا معها. ومقياس تجاوبنا هو استعدادنا لأن نغفر لمن أخطأ إلينا.
من خلال هذه المغفرة للآخرين، يظهر لنا أنّ سرّ التوبة، على غرار سائر الأسرار، ليس عملاً منفصلاً عن الحياة يتمّ في عتمة كرسي اعتراف بين مذنب يقرّ بخطاياه وكاهن يغفر له باسم المسيح. ان هذه المغفرة التي ينالها المسيحي من الله ترمي به في معترك الحياة حيث الصراعات والأحقاد والانشقاقات والخصومات، لينشر بين الناس ما اختبره في ذاته من محبة الله ورحمته، ويكون هكذا خميرة مغفرة ومصالحة وسلام في العالم أجمع.

خلاصة

ان موقف التساؤل والتردّد إزاء سرّ التوبة الذي نشهده اليوم لدى كثيرين من المسيحيين هو، في رأينا، نتيجة سوء فهم لمضمون هذا السرّ، كما أنّ رفض الله هو نتيجة تصوّر خاطئ لله. فالناس الذين يرفضون الله يعكسون فيه ما اختبروه في علاقاتهم بالبشر من تسلّط وتبعيّة، ويرون في رفضهم هذا تحرّراً واستقلالاً. ولكن من يرفض الارتباط بالبشر خوفاً من تسلّطهم ويرفض الارتباط بالله الذي يتصوّره على مثال البشر، لا يبقى له سوى الانكماش على ذاته في عزلة تولّد القلق. ان سرّ التوبة، بالمغفرة التي يمنحها الله فيه للإنسان، يساعد الإنسان على الوصول إلى صورة صحيحة لله، وإلى التحرّر الحقيقي من الذنب والقلق.
والقدرة على المغفرة ليست من شأن الناموس، لأن الناموس لا يجيز إخلاء سبيل المذنب إلاَّ بعد أن يؤدّي ما يتوجّب عليه من الدَّين، ويكفّر بالعقاب عمّا اقترفه من الذنوب، وهناك أخطاء لا يرى الناموس إلاَّ الموت سبيلاً للتكفير عنها.
والمغفرة ليست من شأن الضمير، ضمير الإنسان المنعزل مع ذاته. فالضمير وحده يلجأ للتحرّر من الذنب إمّا إلى إخفائه وكبته وإغراقه في عمق نفسه، وإمّا إلى تبرئة ذاته منه وإلى اتهام الآخرين.
المغفرة تأتينا من الله، من ذاك القلب المحب الذي يعلن لمن يحبّهم حقيقة ما هم عليه وحقيقة ما هو عليهم. لقد خطئوا، ولكن الخطيئة لا تعبّر عن عمق كيانهم. فهم على صورة الله، ولا تزال تلك الصورة محفورة في نفوسهم، مهما عظمت خطاياهم. إنهم أبناء الله، ولا تزال أسماؤهم محفورة على راحة كفَّيه، مهما ابتعدوا عنه. وهو إله المحبة والمغفرة الذي يقبل الخطأة كما هم، ويدعوهم إلى قبول ذواتهم بصدق وتواضع، وإلى الانفتاح على محبة الله، والعمل بقدرة تلك المحبة على تجديد حياتهم.
وعندما يتوب الخاطئ إلى الله، يفرح الله، لأن الله محبة، وهو يفرح بكل ما يعيد علاقة المحبة بينه وبين الإنسان.
وهذا ما يجب أن يظهر في رتبة سرّ التوبة في الطقوس الكنسيّة. فهذه الرتبة ليست محكمة بل احتفال وعيد بعودة الابن إلى أبيه:
"هاتوا العجل المسمَّن، واذبحوه، فنأكل ونفرح بالعيد، لأنّ ابني هذا كان ميّتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجد" (لو 23:15- 24).
مُقدّمَة

إنّ سرّ مسحة المرضى، في عُرف الشعب المسيحي، من الواجبات الدينية الأخيرة التي لا بدّ للعائلات المسيحية من تأمينها لجميع أفرادها قبل موتهم. إلاَّ أنّ معظم المسيحيين لا يدعون الكاهن لمنح هذا السرّ لمرضاهم إلاَّ متى يئسوا من شفائهم. لذلك دُعي هذا السرّ "سرّ المسحة الأخيرة"، واقترن ذكره بالموت، وأصبحت دعوة الكاهن إلى جانب أحد المرضى مدعاة للتشاؤم والخوف وترقّب الموت.
إن الحالة المؤسفة التي وصل إليها الشعب المسيحي اليوم في هذا الموضوع لبعيدة كلّ البعد عن حالة الناس الذين عاشوا مع المسيح. فإذا تصفّحنا الانجيل المقدس نعجب من كثرة الأشفية التي صنعها يسوع ومن تدفّق المرضى الذين كانوا يتوافدون إليه من جميع أنحاء فلسطين وسورية وفينيقية طالبين إليه أن يشفيهم (راجع مثلاً متّى 4: 24 "وذاع خبره في سورية كلها، فأتوا إليه بكلّ من كان به سوء: المعذَّبين بشتّى الأمراض والأوجاع، والمجانين، والمصروعين، والمخلَّعين، فشفاهم").
إنّ سرّ مسحة المرضى ليس من اختراع الكنيسة بل هو استمرار للعمل الذي قام به يسوع طوال حياته تجاه المرضى وللعمل الذي قام به الرسل في حياة يسوع ومن بعد قيامته. فيسوع لم يكتفِ بشفاء المرضى بنفسه بل كان يرسل تلاميذه اثنين اثنين بعد أن "يعطيهم سلطاناً على الأرواح النجسة" (مر 1: 7). وكان التلاميذ "يمضون ويكرزون بالتوبة ويُخرجون الشياطين، ويدهنون بالزيت مرضى كثيرين ويشفونهم" (مر 1: 12- 13).
ومن بعد قيامة يسوع تابع الرسل مسح المرضى بالزيت، حتى أصبح ذلك تقليداً في الكنيسة منذ القرن الأول، كما نقرأ في رسالة القديس يعقوب: "هل فيكم مريض؟ فليدْعُ كهنة الكنيسة وليصلّوا عليه، ويمسحوه بالزيت باسم الرب. فإن صلاة الإيمان تخلّص المريض، والرب يُنهضه، وإن كان قد اقترف خطايا تُغفر له" (5: 14- 15).
ليست الكنيسة سوى استمرار لشخص يسوع ورسالته، وإذا كان الكهنة اليوم أيضاً يذهبون إلى المرضى "ليمسحوهم بالزيت باسم الرب" فما ذلك إلاَّ تكملة لعمل يسوع ورسله.
فما هو دور سرّ مسحة المرضى في تاريخ الخلاص وما هي النعمة التي يمنحها، مَن هو خادمه ومن يحقّ له أن يتقبّله؟
أوّلاً- سرّ مسحة المرضى في تاريخ الخلاص

الإنسان في نظر المسيحية، كائن خُلق لأجل الله، ولا يجد كمال كيانه وملء سعادته إلاَّ في الاتحاد بالله. تلك هي الغاية الأخيرة من وجوده على هذه الأرض ومن حياته بعد الموت. وتؤمن المسيحية أنّ الله نفسه قد أتى لملاقاة الإنسان في شخص يسوع المسيح الذي هو إله وإنسان معاً. فكلمة الله أخذ في التاريخ جسداً ليملأ كلّ جسّد على مدى التاريخ من حضور الله، وابن الله صار إنساناً في الزمن ليجعل من كل إنسان على مدى الزمن ابناً لله. وبدخول الله في التاريخ والزمن تغيّر معنى التاريخ والزمن، إذ أصبحنا ممتلئين من حضور الله، فيهما يلاقي الإنسان الله ويحيا حياته ويصير ابنه، حسب قول بولس الرسول: "لما بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذي تحت الناموس وننال التبنّي" (غلا 4: 4). وبلوغ ملء الزمان هو أيضاً ما أعلنه يسوع في بدء كرازته "لقد تمَّ الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15).
إنّ الله قد التقى الإنسان في شخص يسوع الذي عاش حياتنا البشرية ولم يدخل بقيامته في المجد إلاَّ بعد أن خضع مثل جميع الناس للعذاب والموت. فالله لم يلتقِ الإنسان كسيّد مطلق، بل كأخ يشارك إخوته الألم والموت: "بما أن الأولاد مشتركون في الدّم واللحم، اشترك هو كذلك فيهما لكي يُبيد بالموت من كان له سلطان الموت، أعني إبليس... وإذ انه هو نفسه تألّم وابتُلي، صار في طاقته أن يُغيث المبتَلين" (عب 2: 14- 18).
لقد شارك يسوع الناس آلامهم وأوجاعهم، وتحنّن على المعذّبين وشفى المرضى. ويعتبر الإنجيليون شفاء يسوع للمرضى العلامة المميّزة لمجيء الملكوت. فعندما أرسل يوحنا المعمدان اثنين من تلاميذه إلى يسوع يسألانه: "أأنت مَن يأتي أم ننتظر آخر؟" أجابهما يسوع: "إذهبا وأعلما يوحنا بما سمعتما ورأيتما: ان العمي يبصرون والعرج يمشون، والبرص يطهرون والصمّ يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشّرون... وطوبى لمن لا يشكّ فيّ" (لو 7: 18- 23).
إلاَّ أن يسوع لم يهدف، في شفائه المرضى، إلى تغيير طبيعة الإنسان ليجعل منه إنساناً غير قابل للمرض والموت، بل أراد أن يُظهر للناس محبة الله لهم. فهو إذاً سرّ الله، تلك العلامة الحسيّة التي بها أُتيح للإنسان التقاء الله والامتلاء من محبته.
وأسرار الكنيسة هي بدورها امتداد على مدى الزمن لشخص يسوع ورسالته. فإن يسوع، بقيامته من بين الأموات، قد دخل في مجد الله، وهو الآن حيّ في الكنيسة يتابع فيها ولاسيّما في أسرارها السبعة، العمل الذي ابتدأه في حياته على الأرض.
في هذه النظرة، يمكننا القول إنّ سرّ مسحة المرضى هو استمرار لحضور يسوع إلى جانب المريض حضوراً حياً يتجلّى فيه بشكل حيّ حنان الله ومحبته للمتألِّمين والمعذَّبين.
فعندما ندعو كاهناً لمنح سرّ مسحة المرضى لأحد المرضى، إنما ندعو يسوع نفسه ليسكب في نفس هذا المريض قوّته ونعمته.
ثانياً- نعمة سرّ مسحة المرضى

1- الاتحاد بسرّ المسيح
الأسرار هي نقطة التقاء بين الله والإنسان. فإنّها تتيح للإنسان أن يلتقي الله في مختلف مراحل حياته منذ ولادته حتى مرضه وموته. وتساعده في جميع تلك المراحل على أن يحقّق في ذاته صورة المسيح ليحيا حياة ابن الله. فالمسيحي الذي يصير بالمعمودية ابن الله، عليه أن يقتدي بالمسيح يسوع ابن الله في كل لحظة من لحظات حياته، في ساعات الفرح والحزن، في حالات العافية والمرض، في سني الطفولة والشيخوخة.
في هذا الإطار يمنح سرّ مسحة المرضى الإنسان المريض نعمة خاصة ليقتدي في عذابات مرضه بيسوع الذي تحمّل العذاب محبة للبشر وتكفيراً عن خطاياهم، كما يثبّت إيمانه بأن مرضه سيكون له طريقاً إلى الحياة، على مثال يسوع الذي لم يصل إلى القيامة والمجد إلاَّ بعد عذاب الصليب ومرارة الموت.
فالمسيحي، في ساعة مرضه، لا بدّ له من أن يسأل نفسه: إذا كان الله محبة، فلِمَ العذاب؟ يقول أحد الكهنة الذين قضوا حياتهم في خدمة المرضى: "كثيرون من المرضى الذين نلتقيهم يختبرون الاختبار نفسه: انهم يعتقدون ان وجه الآب السماوي قد غاب عنهم في موقف لا مبالاة. وإذا كانت تلك اللامبالاة لا تهمّ الفاترين، إلاّ أنها يستحيل احتمالها على المسيحيين الورعين الأتقياء الذين ضحّوا بكل شيء في سبيل الله، وأصبح الله كل فيء في حياتهم. تلك هي خبرة المسيحي في أوقات مرضه. ان الذي يحبه يتوارى عنه. وتلك هي أقسى محنة يمكن أن يختبرها الإنسان. أن الإله الحي لم يعد في وسط مصيره وحياته".
الإنسان كائن مرتبط بالله ومرتبط بالآخرين في علاقات محبة. إلاَّ أنّه في حال مرض ثقيل يشعر بانقطاع تلك العلاقات. فكأنّ الله قد أهمله وتخلّى عنه، وكأنه قد أصبح "حملاً ثقيلاً على الآخرين. فيتسرّب اليأس إلى نفسه ويشعر بالفراغ في حياته: فلا رجاء له بعدُ في هذه الحياة ولا معنى لوجوده على هذه الأرض.
إزاء تلك الخبرة القاسية، يقترب المسيح في سرّ مسحة المرضى من المريض ليقول له إنّ مرضه ليس علامة تخلّي الله عنه، وتقترب الكنيسة منه لتعيد إليه ثقته بمحبة الآخرين له في وسط مرضه.
2- مفعول السرّ: شفاء الجسد أم خلاص النفس؟
لقد تساءل اللاهوتيون في تاريخ المسيحية عن "مفعول" سرّ مسحة المرضى: هل هو شفاء الجسد أم خلاص النفس؟
فحتى القرن العاشر كان التركيز العام على شفاء الجسد. ومن القرن العاشر حتى القرن العشرين تحوّل الانتباه تدريجياً من شفاء الجسد إلى خلاص النفس ومغفرة الخطايا. في هذا يقول المجمع التريدنتيني: "إنّ مفعول السرّ هو نعمة الروح القدس الذي بمسحته ينقّي من الذنوب، إنْ بقي ما يجب التكفير عنه، ومن عواقب الخطيئة. وهذا السرّ يريح نفس المريض ويقوّيها، ويحثّ المريض على الثقة الكبيرة برحمة الله. وهكذا يتمكّن المربض من احتمال أوجاع المرض ويقوى على تجارب الشيطان الذي لا يزال "يرصد العَقِب". وفي بعض الأحيان يحصل على الصحة الجسدية، إن كانت مفيدة لخلاص النفس".
إنّ التركيز على ناحية واحدة في الكلام عن مفعول سرّ مسحة المرضى لم يعد مقبولاً اليوم. فالفكر اللاهوتي المعاصر يؤكّد وحدة الكائن البشري. فالإنسان ليس جسداً أو نفساً منفصلين بل وحدة جسدية وروحية في آنٍ واحد. ويسوع المسيح في رسالته يتوجّه إلى الإنسان الحيِّ بكامل كيانه لمجنحه الخلاص الشامل.
فنعمة سرّ مسحة المرضى هي إذاً محبة الله في يسوع المسيح التي تملأ المريض لكي يحيا ملء حياته الروحية والجسدية، على الرغم من الضيق الناتج عن المرض. إنّ حضور يسوع إلى جانب المريض يمنحه الخلاص الشامل في روحه وجسده. والخلاص يعني علائق الإيمان والرجاء والمحبة بين المريض والله وبين المريض والآخرين. فلا تعود أوقات المرض والنزاع أوقات يأس وفراغ، بل أوقات إيمان ومحبة فيها يستسلم المريض بين يدي الله على رجاء الدخول في حياته الأبدية. والخلاص يعني أيضاً التخفيف من أوجاع الجسد لئلا يعوق اندفاع الروح نحو الله.
أمّا شفاء الجسد شفاءً تاماً من جرّاء تقبّل المريض سرّ مسحة المرضى فقد يبدو للبعض من نسج الخيال أو من مخلَّفات العقليّات القديمة المتعلّقة بالسحر والشعوذات. لكني أرى أن الروح والجسد في الإنسان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً أحدهما بالآخر بحيث يمكننا تحديد الإنسان أنه روح يعبّر عن ذاته في جسد. لذلك يجب ألاّ نستبعد إمكانية الشفاء الجسدي لمن يتقبّل سرّ مسحة المرضى ويمتلئ كيانه من نعمة الله ومحبته.
غير أنه، احتراماً لسرّ الله وسرّ الإنسان، لا يليق بنا أن نربط شفاء الإنسان أو موته بإرادة الله وحدها. كأنّ الله يميّز بين أبنائه: فيشفي الواحد لأنّه يرى في شفائه فائدة لخلاصه الأبدي، ويميت الآخر لأنه يعرف بعلمه السابق أنّ الموت أفضل له من الحياة. فشفاء الإنسان من المرض أو موته متعلّقان بعوامل كثيرة يستحيل حصرها. فمنها أولاً الجسديّ ومنها أيضاً النفسيّ ومنها الروحيّ. لذلك لا بدّ من اللجوء إلى مختلف الوسائل الطبية والنفسية والروحية للإحاطة بالمريض والعمل على خلاصه. ولكن أسواء شفي المريض أم لا، فإنّ سرّ مسحة المرضى يجعل المسيح حاضراً إلى جانبه ويثبّت إيمانه بأنّه لا يزال ابناً لله وموضوع محبته، ويحمله على القول مع بولس الرسول: "إنّي لواثق بأنّه لا موت ولا حياة، لا ملائكة ولا رئاسات، لا حاضر ولا مستقبل ولا قوات، لا علوّ ولا عمق، ولا خليقة أخرى أية كانت، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربّنا" (رو 8: 38- 39).
الأسرار هي السبل المتنوّعة التي يسلكها السيّد المسيح ليتّصل بالإنسان على مدى الزمن، ويُبلغه محبة الله، ويُدخله في ملكوته، كما فعل في أثناء حياته على الأرض. المسيح يؤمن أنّه حصل منذ الآن على ملكوت الله، وذلك على الرغم ممّا يتعرّض له في حياته من مرض وألم وموت. فإنّه قد امتلأ من محبّة الله، ومن تلك المحيّة يحيا، سواء أكان في حال المرض أم في حال الصحة والعافية. لذلك يمكنه أن يقول أيضاً مع بولس الرسول:
"إنّنا نحمل في الجسد كلّ حين موت يسوع، لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. لأنّا، نحن الأحياء، نُسلَم دائماً إلى الموت من أجل يسوع، لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت" (2 كو 4: 10- 11).
إنّ تقرّب المسيحي من سرّ مسحة المرضى هو إعلان لإيمانه بأنّ المرض والموت ليسا نهاية كلّ شيء بالنسبة إلى حياته. بل إنّه، حتى من خلالهما، يستطيع، على مثال المسيح، أن يصل إلى القيامة:
"إنّ مُنيتي أن أعرفه هو، وأعرف قدرة قيامته والشركة في آلامه، فأصير على صورته في الموت، على رجاء البلوغ إلى القيامة من بين الأموات" (في 3: 10- 11).
ثالثاً- خادم السرّ

إن خادم السرّ هو، في العُرف الكنسيّ، الشخص الذي يحقّ له أن يمنح السرّ، فاستناداً إلى قول القديس يعقوب: "هل فيكم مريض؟ فليدْعُ كهنة الكنيسة وليصلّوا عليه ويمسحوه بالزيت باسم الرب"، درجت العادة في الكنيسة أن يُعهَد بمهمّة منح سرّ مسحة المرضى إلى الأساقفة والكهنة.
إلاَّ أنّه في القرون الأولى والقرون الوسطى كان يُسمَح للعلمانيين منح هذا السرّ لنفسهم أو لذويهم. وتشهد على ذلك رسالة وجّهها سنة 416 البابا إينوشنتيوس الأول إلى ديشنتيوس أسقف غوبليو، يقول فيها: "إنّ المرضى يمكن مسحهم بالزيت المقدّس. وهذا الزيت يباركه الأسقف، ويُسمح باستخدامه ليس فقط للكهنة، بل أيضاً لجميع المسيحيين، فيقوموا بالمسحة وقت الضرورة لأنفسهم أو لذويهم".
أما اليوم فيُحفظ منح هذا السرّ للأساقفة والكهنة.
رابعاً- لمن يمكن منح سرّ مسحة المرضى؟

1- المرضى
يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إنّ المسحة الأخيرة، التي يمكن ويُفضَّل أن تسمّى مسحة المرضى، ليست فقط سرّ الذين يكونون في خطر الموت الشديد. وبالتالي فإنّ الوقت المناسب لقبولها هو حقاً عندما يبدأ المؤمن بالدخول في خطر الموت نتيجة ضعف جسدي أو بسبب الشيخوخة" (دستور في الليتورجيا، 73).
إنّ سرّ مسحة المرضى ليس سرّ مسحة المنازعين الذين أصبحوا في خطر الموت الشديد. والتقليد الكنسي القديم ولاسيّمَا في الكنائس الشرقية يفرض أن يأتي المريض نفسه إلى الكنيسة ليتقبّل فيها سرّ مسحة المرضى. وهذا يعني أنه ليس في خطر الموت القريب.

2- التائبون
إلاَّ أن المجمع الفاتيكاني يتكلّم عن "البدء بالدخول في خطر الموت". فيجب من ثمّ أن يكون المريض في خطر الموت البعيد أو القريب ليحقّ له تقبّل هذا السرّ. وفي هذا الأمر يختلق التقليد الشرقي عن التقليد الغربي. فالكنائس البيزنطية تمنح هذا السرّ ليس فقط للمرضى، بل أيضاً لجميع التائبين، معتبرة سرّ مسحة المرضى تكملة لسرّ التوبة، وتدعوه "زيت التائبين" أو "زيت الصلاة". يقول إفدوكيموف اللاهوتي الارثوذكسي الروسي "كلّ إنسان معرّض للمرض والموت. لذلك في اليونان يعطى هذا السرّ مراراً للمتناولين. وفي روسيا يُمنَح لجميع المؤمنين يوم الخميس العظيم المقدّس".
إنّ بعض كنائس الروم الكاثوليك في الشرق قد حافظت هي أيضاً على هذه العادة أن تمنح هذا السر لجميع المؤمنين يوم خميس الأسرار. قد يبدو هذا التقليد انحرافاً عن نصّ رسالة القديس يعقوب الذي لا يتكلم إلاّ عن المرض "مَن فيكم مريض فليدْعُ كهنة الكنيسة..." إلاَّ أن الأسرار ليست تأسيساً جامداً أُنشئ منذ البدء على قواعد ثابتة لا يمكن تعديلها. بل هي علامات حسيّة فيها تستمرّ حياة يسوع في المؤمنين. ويحقّ للكنيسة أن تعدّل فيها كلّ ما تراه مناسبا لتبقى مصدر حياة للمؤمنين، دون أن تمسّ جوهر السرّ ومعناه الأساسي. والمعنى العميق لسرّ مسحة المرضى هو انحناء الله على الإنسان المعذّب الضعيف المعرّض لشتى الأمراض والآلام.
وبما أن الإنسان لا يخلو من المرض والضعف الجسدي، فإعطاء هذا السرّ مرة في السنة لجميع المؤمنين يساعدهم على إدراك محبة الله لهم، وعلى احتمال العذابات والآلام اشتراكاً مع آلام المسيح، ويقوّي إيمانهم بالقيامة مع المسيح.
ثم إنّ هذا السرّ، وفقاً لما جاء في رسالة القديس يعقوب، يغفر الخطايا: "وإن كان قد اقترف خطايا تُغفر له" (5: 15). إنّ التقليد المتَّبع في الكنائس الشرقية والغربية على السواء يقضي بأن يتقبّل المريض سرّ مسحة المرضى بعد سرّ التوبة.
أمّا إنْ كان في حالة مرض شديد بحيث يستحيل عليه التقدّم من سرّ التوبة، فيجوز منحه سرّ مسحة المرضى مباشرة. وفي كلتا الحالتين إنّ مغفرة الخطايا التي يمنحها سرّ مسحة المرضى لا تعني أن سرّ التوبة غير ضروري أو غير مفيد للمريض. فالأسرصار ليست مجرّد أدوية تمنحها الكنيسة لمرضاها، بحيث إنّ أن تناول أحد الأدوية يستطيع أن يستغني عن الآخر. إنّ أسرار الكنيسة هي طرق مختلفة بها يتمّ لقاء المحبة بين الله والإنسان. وتتنوّع هذه الطرق بتنوّع الحالات التي يوجد فيها الإنسان. فحالة الخاطئ الذي يعود في سرّ التوبة إلى حياة البنوّة الإلهية تختلف عن حالة المريض الذي يتقبّل في سرّ المسحة نعمة الله وغفران خطاياه علىِ رجاء القيامة مع المسيح في المجد الأبديّ. إنّها محبة الله اللامتناهية التي تنسكب بلسماً على جراح الإنسان في مختلف الحالات التي يوجد فيها.

3- الأطفال والمجانين
استناداً إلى هذا المفهوم لمحبة الله اللامتناهية ترى الكنسية الشرقية أنه يجب منح سرّ مسحة المرضى لجميع المسيحيين دون استثناء. بينما تحظّر الكنيسة الغربية منح هذا السرّ للأطفال الذين لم يعترفوا ويتناولوا بعد، وللمجانين والفاقدي الصواب.
خامساً- رتبة مسحة المرضى

1- مادة مسحة المرضى هي زيت الزيتون، الذي هو دهن بهجة وشفاء. وقد شاع استعماله منذ العهد القديم لمعالجة الجروح والأمراض الجلدية وتليين عظام المفاصل. فهو من طبيعته يرمز إلى مفعول السرّ، أي إلى شفاء النفس والجسد.
2- صلوات السرّ
ان صلوات السرّ في مختلف الطقوس تشير إلى شفاء النفس والجسد.
أ) ففي الطقس البيزنطي، يقدّس الكاهن الزيت في بدء كل رتبة. فيتلو عليه الصلاة التالية:
"أيها الربّ الشافي برأفته ومراحمه نفوسَنا وأجسادَنا المنسحقة، أنت أيها السيِّد قدِّس+ هذا الزيت، لكي يُصبح للممسوحين به واسطةً للعافية والشفاء من كل الآلام والأمراض الجسدية، ومن كل أدناس الجسد والروح، ومن كلّ الأسواء.
لكي يُمجَّدَ في ذلك اسمك القدّوس، أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين. آمين".
وبعد قراءة رسالة القديس يعقوب (5: 10- 20)، وإنجيل السامري الصالح (لو 10: 25- 37)، يستدعي الكاهن الروح القدس ليحلّ على الزيت:
"أيها الأزلي الذي لا مصدرَ له، الأبديّ، يا قدُّوسَ القديسين، يا مَن أرسل ابنه الوحيد شافياً كل مرض وكل ضعفٍ في نفوسنا وأجسادنا، أرسل روحَك القدّوس وقدِّس+ هذا الزيت، واجعله لعبدك هذا (أو لأمتكَ كره) المدهونِ به وسيلةً لتمام الخلاص من خطاياه ولوراثة ملكوتِ السماوات.
لأن لك أن ترحمَنا وتخلِّصَنا يا إلهنا، وإليكَ نرفع المجد، أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين".
ثم يتلو الكاهن الصلاة التالية. وعند قوله: "وأحيه بنعمة مسيحك..." يأخذ من الزيت المقدس ويدهن به المريض، راسماً شكل صليب على جبهته ومنخريه وخدّيه وفمه وصدره ويديه من الداخل ومن الخارج، مكرّراً عند كل مسحة: "وأحيه...":
"أيها الآب القدُّوس، يا طبيبَ النفوس والأجساد، يا مَن أرسلَ ابنه الوحيد ربَنا يسوع المسيح شافياً كل مرض ومنقذاً من الموت، إشفِ عبدك هذا (فلاناً) [أو أمتك هذه (فلانة)] من الأمراض النفسيّة والجسديّة، المستحوذة عليهِ وأحيه + بنعمة مسيحك بحسب ما يرضيك، ليقدّم لك الشكر الواجب بأعماله الصالحة. بشفاعة سيدتنا والدة الإله الفائقة القداسة الدائمة البتولية مريم، وبقدرة الصليب الكريم المحيي، وبتفرعات القوات السماوية المكرَّمة التي لا جسدَ لها، والنبي الكريم السابق المجيد يوحنا المعمدان، والقديسين المجيدين الرسل الجديرين بكلّ مديح، والقديسين المجيدين الشهداء الظافرين، وآبائنا الأبرار اللاّبسي الله والقديسين الأطباء الزاهدين في المال والصدّيقَين جدَّي الإله يواكيم وحنة، وجميع القديسين.
لأنك أنت ينبوعُ الأشفية يا إلهنا، وإليك نرفعُ المجد، أيها الآب والابن والروح القدس، الآنَ وكلَّ أوانٍ وإلى دهر الداهرين. آمين".
ثم يمنح المريض الحلّة من خطاياه، قائلاً الصلاة التالية، وهو واضع على رأس المريض الإنجيل المقدّس مفتوحاً:
"أيها الملكُ القدّوس، الربُّ الرؤوفُ الكثيرُ الرحمة يسوعُ المسيحُ ابن الله الحيّ كلمته؛ يا مَن لا يريد موت الخاطئ بل أن يرجع ويحيا، ليست يدي الخاطيّة هي التي أضعها على رأس المتقدّم إليك بآثامه والملتمس منك بواسطتي غفرانَ زلاَّته، بل يدُكَ العزيزة المقتدِرة التي في هذا الإنجيل المقدس. فيا أيها الإله مخلِّصُنا، يا مَن وهب بواسطة ناتانَ النبيّ المغفرةَ لداود النادمِ على خطاياه الشخصية، وقَبِل صلاةَ منسَّى التائب، أتوسَّل إلى محبتك الوافرة الحنان والمتغاضية عن الشرور، أنتَ اقبَل أيضاً، بعطفك المألوف، عبدَك هذا (أو أمتَك هذه) النادمَ على ما فرط منه من الذنوب، متغاضياً عن جميع زلاّته. لأنك أنت إلهنا الذي أمر أن يُغفَر للساقطين في الخطايا سبعين مرة سبع مرات.
لأن رحمتك على قدر عظمتك، ولكَ ينبغي كل مجدٍ واكرام وسجود، أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين. آمين".

ب) في الطقس الماروني
أن الصلوات التي تُتلى في رتبه السرّ تذكر ما فعله يسوع في حياته على الأرض، إذ شفى المرضى وأخرج الشياطين، ومنح رسله سلطان متابعة عمله الخلاصي:
"يا شافي جميع الأمراض، وضامد كل الجراح، يا من شفى المخلّع من سقمه، والنازفة من ضيقتها؛ أيها الرب الذي أعطى رسله القدّيسين السلطان وقال لهم: باسمي تخرجون الشياطين، وتشفون المرضى، وتفتقدون المتضايقين، أنت يا رب، بنعمتك وبمراحمك الغزيرة، أرسل الصحة والشفاء والفرج والعزاء والنشاط لعبدك هذا...، وعافِ جسمه من الأسقام ونفسه من الخطايا، واطرد عنه كل قوة العدو، وإذ يصبح معافى بنفسه وجسمه، وثابتاً بروحه، ومحتفظاً بإيمانه، يُصعد لك المجد ولأبيك ولروحك الحيّ القدوس، الآن وكل آنٍ إلى الأبد. آمين".
وكذلك يقدّس الزيت بصلاة استدعاء الروح القدس عليه، ليصبح "مسكناً لقوّة الله":
"وليأتِ يا رب روحك الحيّ والقدوس، ويقدّس هذا الزيت، ولتتمّ فيه قوّتك، وليحلّ لاهوتك في داخله، ليكون هذا الزيت زيت الفرح بالروح القدس، زيتاً مقدّساً، درعاً ملائكياً ضدّ قوّة العدو..."
أما الصلاة التي ترافق مسح المريض بالزيت شكل صليب على وجهه من جبهته إلى منخريه فشفتيه فذقنه، ومن أذنه اليمنى إلى عينه إلى أُذنه اليسرى، فهي الصلاة التالية التي تطلب شفاء النفس والجسد:
"أيها الآب القدوس، الطبيب السماوي للنفوس والأجساد، يا من أرسلت ابنك ربنا يسوع المسيح ليشفي كل مرض ويولي النجاة من الموت، آشفِ بهذه المسحة المقدسة عبدك هذا...+ من كل مرض في النفس والجسد، بنعمة مسيحك الذي يليق لك المجد معه ومع الروح القدس، الآن وكل آن وإلى الأبد. آمين".


3- الاحتفال بهذا السر بطريقة جماعية
هناك نزعة اليوم في الكنيسة الغربية إلى الاحتفال بهذا السرّ بطريقة جماعية في الكنيسة وبحضور جميع أفراد الرعية. وذلك يساعد المرضى على الشعور بأنهم، على الرغم من مرضهم، لا يزالون أعضاء حيّة في جسد الكنيسة، ويحمل الأصحّاء على إدراك مسؤوليتهم تجاه إخوتهم المتألّمين. وهكذا يتأمّل الجميع معاً في سرّ المرض والعذاب، ويجدّدون إيمانهم بان المحبة أقوى من الخطيئة والحياة أقوى من الموت.
استناداً إلى تقليد الكنسية الشرقية البيزنطية والى النزعة المعاصرة في الاحتفال بهذا السرّ بشكل جماعي، نؤكّد رغبتنا في تعميم التقليد الشرقي على جميع الكنائس، فيتمّ فيها الاحتفال بسرّ مسحة المرضى يوم خميس الأسرار ويتقبّله جميع المؤمنين من مرضى وأصحّاء مجدّدين إيمانهم بمحبة الله لهم في وسط ضعفهم، ومستمدّين من المسيح يسوع الذي تألّم ومات وقام من بين الأموات، قوّة لاحتمال الآلام والشدائد والأمراض التي تنتابهم في حياتهم. ثم يُعاد منح هذا السرّ لكلّ من يمرض مرضاً ثقيلاً أو يشرف على الموت. ويمكن للمسيحي تقبّل هذا السرّ مرّات متعدّدة لدى كل مرض ثقيل. ومما لا شكّ فيه أنّ من يتقبّل هذا السرّ مرة كل سنة لا يعود يخاف من تقبّله في ساعة مرضه أو لدى دنو أجَلِه، ولا يعود الناس يتشاءمون لدى رؤيتهم كاهنا يدنو من مريض ليمنحه سراً يتقبّلونه هم أنفسهم مرة كل سنة. بل يرون في حضور الكاهن تجسيداً في لحظة من الزمن لشخص يسوع الحاضر أبد الدهر في ما بيننا.
خلاصة
هناك أمر هام لا بدّ من الإشارة إليه أخيراً، وهو أنّ السرّ الذي يتقبّله المؤمن ليس عملاً منفصلاً عن سائر أعماله. بل هو تعبير في لحظة حاسمة من حياته عن كامل علائقه بالله وبالآخرين. لذلك لا يقتصر سرّ مسحة المرضى على الرتبة الدينية التي لا تدوم سوى بضع دقائق بل يشمل كل ما يتقبّله المربض من عناية وسهر ومحبة وحنان من قِبَل ذويه وأقاربه وكذلك من قِبَل الأطبّاء والممرّضين والممرّضات. إنّ الله محبة وجميع أبناء الله مدعوون إلى تجسيد تلك المحبة في علاقاتهم بعضهم ببعض على مدى التاريخ.
مُقدّمَة
الزواج كمؤسسة هو أمر نشهده في مختلف الحضارات والمجتمعات البشرية على مدى العصور. وقد صار في معظم الدول الغربيّة المعاصرة أمراً خاضعاً لقوانين الدولة ومحاكمها. فلماذا تتمسّك الكنيسة، حتى في هذه الدول، بالاحتفاظ به كسرّ من أسرارها المقدّسة، وتحتفل به في رتبة دينية خاصة؟ ما هو قصد الله من الزواج؟ وما هي علاقته بالسيد المسيح وبالكنيسة جسد المسيح؟
هذا ما سنحاول دراسته في هذا الباب.
فنعالج أولاً النظرة المسيحية إلى الزواج بنوع عام،
ثم نوضح نعمة سرّ الزواج ومفاعيله في الذين يرتبطون به أمام الله والكنيسة؛
ثم نتطرّق إلى التشريع المسيحي في الزواج، ولاسيّما في ثلاثة مواضيع رئيسة: تعدّد الزوجات، الطلاق، الزواج الثاني بعد الترمّل.
ونفسّر أخيراً رتبة سرّ الزواج والمعاني اللاهوتية لما تتضمّنه من طقوس وصلوات.
أولاً- النظرة المسيحية إلى الزواج

1- إنشاء الزواج في الفردوس
إنّ الله عزّ وجلّ، بعد أن خلق الكون وكلّ ما فيه من جماد ونبات وحيوان، قال "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا... فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم" (تك 1: 26- 27). وفي رواية أخرى، يصف سفر التكوين كيف تمّ خلق الرجل والمرأة:
"وقال الربّ الإله: لا يحسن أن يكون الإنسان وحده، فأصنع له عوناً بإزائه... فأوقع الربّ الإله سباتاً على آدم فنام، فاستلّ إحدى أضلاعه، وسدّ مكانها بلحم وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، فأتى بها آدم، فقال آدم: ها هذه المرّة عظم من عظامي، ولحم من لحمي. هذه تسمّى امرأة، لأنها من امرئ أُخذت. ولذلك يترك الرجل أباه وأُمّه ويلزم امرأته، فيصيران جسداً واحداً" (تك 2: 18- 23).
هكذا عبّر الكتاب المقدّس عن مفهومه للطبيعة الإنسانية حسب قصد الله منذ الأزل. "فالرجل" هو الإنسان دون أحد أضلاعه، و"المرأة" هي هذا الضلع الذي خرج من أضلاع الإنسان. والرجل والمرأة هما عنصران متكاملان يكوّنان معاً "الإنسان" المخلوق على صورة الله كمثاله. ولأن الرجل والمرأة متكاملان، ولأنّ كليهما على صورة الله كمثاله، فلا متساويان في الكرامة الإنسانية.
والزواج هو السبيل الذي يسلكه معظم الناس للبلوغ إلى تحقيق إنسانيتهم. فبالزواج يصير الرجل والمرأة "جسداً واحداً"، إذ يعود الضلع إلى المكان الذي خرج منه، ويكتمل "الإنسان" باتّحاد الذَّكَر والأُنثى. ولكن هذا الاكتمال لا يمكن أن يكون اكتمالاً إنسانياً إلاَّ إذا كان نتيجة الحب. فالكائنات الحية الأخرى يتّحد فيها الذَّكر والأُنثى عن طريق الغريزة. أمّا الإنسان فقد خُلق على صورة الله، أي إنّه يتمتّع بالحب المبني على الحرية والعقل. لذلك لا يكون فيه الاتحاد بين الرجل والمرأة على صورة الله إلاَّ إذا تمَّ عن طريق الحب والحرية والعقل.
يؤكّد آباء الكنيسة أنّ سرّ الزواج قد أنشأه الله نفسه في الفردوس. فالسيد المسيح، في حديثه عن الزواج، يعود إلى ما صنعه الله في بدء الخليقة:
"أما قرأتم أنّ الخالق، من البدء، خلقه ذكَراً وأُنثى، وأنّه قال: لذلك يترك الرّجل أباه وأُمّه ويلزم امرأته، ويصيران كلاهما جسداً واحداً، ومن ثمّ، فليسا هما اثنين بعد، بل جسد واحد. وإذن، فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان" (متى 19: 4- 6؛ راجع مر 10: 6- 9).
في هذا يقول القديس اكليمنضوس الاسكندري: "إنّ الابن قد ثبَّت ما أنشأه الآب". وكذلك القديس أوغسطينوس: "إنّ المسيح قد ثبّت في قانا ما أنشأه في الفردوس".
وبولس الرسول أيضاً، في حديثه عن الزواج، يعود إلى قوله تعالى في الفردوس: "لذلك يترك الرجل أباه وأُمّه، ويلزم امرأته، فيصيران كلاهما جسداً واحداً". ثم يضيف: "إنّ هذا السرّ لعظيم، أقول هذا بالنسبة إلى المسيح والكنيسة" (اف 5: 31- 32).
إنّ لفظة "سرّ" تعني هنا أمراً يربط الزمن الحاضر بما يتخطّى الزمن، ويسكب فيه غنًى لا ينضب يستطيع الإنسان أن يجد فيه متعة دائمة ومثالاً أبدياً. أن محبة المسيح للكنيسة تعود إلى بدء الزمن، إلى ما قبل سقطة الإنسان. والقديس اكليمنضوسِ الاسكندري، في تعليق له على هذا النصّ، يقول: "إنّ الله قد خلق الإنسان رجلاً وامرأة. فالرجل يعني المسيح، والمرأة تعني الكنيسة". ان محبة المسيح للكنيسة هي المثال الأول والأساسي للزواج، ووجودها يسبق وجود الزوجين. بحيث يمكن القول إنّ آدم قد خُلق على صورة المسيح وحواء على صورة الكنيسة. ان الزواج، في النظرة المسيحية، يعيد الحب الزوجي إلى صفائه الأول الذي يسبق سقطة الإنسان. وحب المسيح للكنيسة هو الصورة الأساسية التي يعود إليها الزوجان الأولان وكل الأزواج الأخرى على مدى الزمن.

2- الزواج صورة الله
ان خلق الإنسان وإنشاء الزواج وتأسيس الكنيسة في الفردوس هي أحداث ثلاثة يراها الكتاب المقدس واللاهوت المسيحي مرتبطة بعضها ببعض في عمل خلق واحد قام به الله. لذلك يلجأ الكتاب المقدّس إلى صورة الرباط الزوجي ليصف علاقة الله بالإنسان وبالكنيسة. فشعب الله هو عروس الله وزوجته، والكنيسة هي عروس المسيح، والملكوت هو عرس الحمل.
لقد رأى آباء الكنيسة في الحب الذي يجمع بين الرجل والمرأة في جسد واحد صورة للثالوث الأقدس. يقول يوحنا الذهبي الفم:
"عندما يتّحد الرجل والمرأة في الزواج، لا يبدوان بعد كشيء أرضي بل هما صورة الله نفسه. ان للحب ميزة خاصة، بحيث لا يعود الحبيبان كائنين اثنين، بل يصيران كائناً واحداً... انهما ليسا فقط متّحدين بل هما واحد... الحب يغيّر جوهر الأشياء".
وكذلك يقول ثيوفيلوس الانطاكي: "لقد خلق الله آدم وحواء ليكون بينهما أعظم قدر من الحب، فيعكسا سر الوحدة الإلهية". إنّ إلهاً بأقنوم واحد لا يمكن أن يكون محبة. "الله محبة"، في نظر المسيحية، لأنه في آن معاً واحد في ثلاثة أقاليم. فالوحدة والمحبة فيه لا تزيلان الأقانيم التي تفرضانها. كذلك الوحدة الزوجية، في نظر اللاهوت المسيحي، هي وحدة شخصين هما اثنان وواحد في آنٍ معاً، ووحدتهما متأصّلة في وحدة الثالوث الأقدس.
يقول السيد المسيح في صلاته الكهنوتية: "لقد أعطيتُهم المجد الذي أعطيتَني لكي يكونوا واحداً كما نحن واحد" (يو 17: 22). وفي رتبة الإكليل تعلن الكنيسة أن الزوجين "مكلّلان بالمجد". فالمجد هو حضور الروح القدس، روح الوحدة. ان موهبة الوحدة التي يمنحها الروح القدس لا يمكن البلوغ إليها إلاَّ في كنيسة "المسيح، الذي منه ينال الجسد كلّه التنسيق والوحدة، وبتعاون جميع المفاصل، على حسب العمل المناسب لكلّ عضو، ينشى لنفسه نموًّا، ويُبنى في المحبة" (اف 4: 15- 16).
ان الكنيسة جسد المسيح، تلك الجماعة الحيّة، تنمو "بتعاون جميع المفاصل" أي بروابط المحبة بين الأعضاء، وهذه المحبة هي نعمة يمنحها الروح القدس الذي أرسله السيد المسيح على تلاميذه يوم العنصرة. وإلى جانب وحدة الجماعة الكنسيّة، هناك أيضاً وحدة الزوجين التي هي أيضاً عمل الروح القدس. مما يجعل من الزواج "إيقونة حيّة لله". "ظهور الله".

3- غاية الزواج
من هنا يتّضح لنا أنّ غاية الزواج الأولى والأساسية هي الحب الزوجي نفسه الذي "يستطيع وحده، حسب قول القديس يوحنا الذهبي الفم، أن يجعل من كائنين كائناً واحداً". ان خطيئة الإنسان الكبرى هي الأنانية التي تقوده إلى أن ينفصل عن الآخرين وينزوي على نفسه. وأحد سبل النعمة لتجاوز هذا الوضع الخاطئ هو الحب الزوجي الذي يحمل كلاًّ من الزوجين على الخروج من ذاته ليجد في الآخر اكتماله. إن هذا الحب هو صورة للحب الذي يربط الله بالإنسان والإنسان بالله.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في مقالته في الزواج:
"لقد أُنشئ الزواج لهدفين: الأول حمل الإنسان على الاكتفاء بامرأة واحدة، والثاني إنجاب الأولاد. ولكن الهدف الأول هو الأساسي. أمّا إنجاب الأولاد فليس نتيجة حتمية للزواج. وبرهان ذلك الزواجات الكثيرة التي لا يمكن أن ينتج منها أولاد. لذلك فإن هدف الزواج الرئيسي هو تنظيم الحياة الجنسية. لاسيّما أن الجنس البشري قد ملأ الآن الأرض كلها".
يجد الزواج غايته في اكتمال الحب الزوجي عينه. ولكن هذا لا يعني أنه يمكن للزوجين أن يقصيا عن هذه الغاية بشكل متعمّد ودائم إنجاب الأولاد. والكنيسة لا تعتبر زواجاً صحيحاً الزواج الذي يعقده شاب وفتاة، وفي نية كليهما أو نية أحدهما رفض صريح ودائم لإنجاب الأولاد. ذلك انه، إذا كان الحب البشري على صورة حب الله الخالق، فهو يعمل ما بوسعه "ليوجد" كائنات أخرى يسكب عليها من فيض جوده. يقول إفدوكيموف:
"ان وجود العالم لا يزيد شيئاً على مل الله في ذاته. ومع ذلك فهو الذي يمنحه صفة الله. إنه إله، ليس لذاته، بل لأجل خليقته. كذلك الاتحاد الزوجي هو ملء في ذاته. لكنه يستطيع أيضاً أن يَسِم فيضه الذاتي بسِمَة جديدة: الأبوّة والأمومة. فالولد الذي ينشأ من الجماعة الزوجية هو امتداد لها وتأكيد آخر لوحدتها الكاملة المكوّنة. فالحب يفيض على ما يعكسه في العالم وينجب الولد".
كما أن الله يجد ملئه في ذاته، لكنه يخلق العالم بفيض من ملئه وبكامل حريته، كذلك يجد الزواج اكتماله في حب الزوجين أحدهما للآخر. لذلك ترفض الكنيسة أن تعتبر عجز الزوجين عن إنجاب الأولاد سبباً للطلاق أو لإعلان بطلان الزواج. لكن هذا الحب يعمل ما بوسعه ليكتسب صفة جديدة هي صفة الأبوّة والأمومة. إنّ من طبيعة الحب الزوجي أن يفيض بحرية على ما يعكس صورته في العالم، فيتكوّن بواسطته وجه جديد مدعو إلى أن يصير بدوره إيقونة حيّة لله.
إنّ إنجاب البنين يجب أن يتمّ بحرية، مع احترام طبيعة العلاقات الجنسية، التي هي تعبير عن حب الزوجين أحدهما للآخر. والكنيسة اليوم، مع تشديدها على عدم إقصاء الأولاد من قصد الزوجين، تترك لهما حرية تحديد عددهم، حسب ما يستطيعان أن يوفّرا لهم من سبل الحب الأبوي والتربية الصالحة. الولد هو ثمرة الحب، ولا يستطيع أن ينمو ويصل إلى كمال كيانه الإنساني إلاَّ في جوّ عائلي من الحق بين والدَيه وبين إخوته.
الزواج، كرباط يجمع بين رجل وامرأة في أُسرة واحدة، وينتج منه عادة أولادٌ هم بحاجة إلى النمو في جوّ من الحب، هو أمر تعتبره الكنيسة أساسياً في الطبيعة البشرية كما أرادها الله الخالق. الزواج ليس من صنع المجتمع بل من إرادة الله. لذلك تؤكّد الكنيسة واجب المجتمع في المحافظة على هذه المؤسسة الطبيعية وإنمائها. وبالمحافظة على الزواج وعلى الأُسرة، يحافظ المجتمع على ذاته، لأنه يحافظ على العنصر الأساسي الذي يتكوّن منه الزواج ويتكوّن منه أيضاً المجتمع، وهو عنصر الحب.
لا شك أن الزواج والأسرة يتّخذان أشكالاً متنوّعة حسب الحضارات والمجتمعات وحسب العصور. لذلك هما عرضة للتغيّر والتطوّر. ولكن لا يمكن إزالتهما وتحويل المجتمع البشري إلى تجمّع من الزواجات الحرة تتكوّن وتتبدّل حسب تقلّبات الشهوة ونزواتها. وأيّ تطوّر يخطر ببال المجتمعات إدخاله على ما في الزواج والأُسرة من نواحٍ اجتماعية يجب أن يكون القصد منه إنماة الحب في الأُسرة، وإنماء حرية ومجد وكرامة كل من أفرادها.
ثانياً- نعمة سرّ الزواج

استناداً إلى أنّ الزواج أمر مرتبط بإرادة الله الخالق، تعتبر الكنيسة زواجاً صحيحاً أيّ زواج يتمّ في الأديان الأخرى. لذلك عندما تطلب أسرة غير مسيحية اعتناق الدين المسيحي، لا تفرض الكنيسة على الزوجين أن يتكلّلا فيها من جديد، بل تقبلهما متزوّجين في كنفها، وتمنحهما وأولادهما المعمودية وسائر الأسرار. وعندما يتعمّدان يكتسب الزواج الذي عقداه خارج الكنيسة صفة خاصة. فيصير زواج مسيحيين، أي زواج شخصين متّحدين بسرّ المسيح الفصحي، يعملان على تحقيق أبعاد هذا السرّ الفصحى في حياتهما الزوجية.
تلك هي النعمة الخاصة التي يمنحها سرّ الزواج في الكنيسة. إذ يُدخل الزوجين سرّ المسيح الفصحي، أي سرّ محبته للكنيسة، ويجعل بالفعل عينه من الأُسرة المسيحية أُسرة على مثال الكنيسة، كنيسة صغرى مكلّلة بالمجد والكرامة، وعلامة لحضور ملكوت الله واستباقاً لاكتماله في الدهر الآتي.

1- الدخول في سرّ محبة المسيح للكنيسة
"أيّها الرجال أحبّوا نساءكما كما أحبَّ المسيح الكنيسة: فلقد بذل نفسه لأجلها، ليقدّسها ويطهّرها بغسل الماء والكلمة. إذ كان يريد أن يزفّها إلى نفسه كنيسة مجيدة، لا كلَف فيها ولا غضَن ولا شيء مثل ذلك، بل مقدّسة ولا عيب فيها. فكذلك على الرجال أن يحبّوا نساءهم كأجسادهم الخاصة. مَن أحبّ امرأته، أحبَّ نفسه. فإنّه ما من أحد أبغَضَ قطّ جسده الخاص، بل إنّما يغذّيه، ويعتني به كما يفعل المسيح بالكنيسة. أوَلسنا أعضاء جسده؟ لذلك يترك الرجل أباه وأُمّه، ويلزم امرأته، فيصيران كلاهما جسداً واحداً. إنّ هذا السرّ لعظيم؛ أقول هذا بالنسبة إلى المسيح والكنيسة..." (أف 5: 25- 32).
الحياة المسيحية بمجملها هي اشتراك في حياة السيد المسيح، التي هي حياة إلهية وإنسانية معاً. فالسيد المسيح هو الإله الذي ظهر في الجسد ليدعو الناس إلى طريق التألّه. وبموته وقيامته أوضح للإنسان معنى حياته. أن أسرار الكنيسة هي السبل المتنوّعة، كما أوضحنا سابقاً، التي يعود فيها إلى البشر ليدخلهم سرَّه الفصحي، سرّ موته وقيامته. واشتراك الإنسان بسرّ المسيح الفصحي يتمّ أوّلاً في سرّ المعمودية. والأسرار الأخرى هي امتداد للمعمودية. لذلك عندما تحتفل الكنيسة بالزواج كسرّ من أسرارها المقدسة، إنّما تعلن تطبيق معنى سرّ المعمودية على المرحلة الجديدة التي يدخلها المسيحي بالزواج. فالمسيحي الذي يرتبط برباط الزواج في الكنيسة، لا يعود زواجه مجرّد عقد بشري، بل دخول حياته الزوجية الجديدة في مختلف أبعادها سر المسيح الفصحي، سرّ موته وقيامته.
الأسرار هي أولاً عمل الله وعمل روحه القدوس الحاضر في كل منها. ان العالم يتخبّط في الظلمات، لكن النور أتى إلى العالم ولا يزال في العالم. "أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة" لأنّ روح الله حاضر فيها: في صلاتها وأسرارها وإيمان أعضائها.
يتقرّب المسيحي من سرّ الزواج لينال بواسطة بركة الكاهن الذي يمثّل الكنيسة نعمة الروح القدس ليمتلئ حبه الزوجي، الذي هو في ذاته طاهر ونقي، من نفحة طيب المسيح ونعمة سرّه الفصحي. ان مادّة سرّ الزواج هي حب العروسين أحدهما للآخر. وهذه المادة، بواسطة بركة الكاهن ونعمة السرّ، تتّسم بسِمَة خاصة، سِمَة الاشتراك في موت المسيح وقيامته. وهذا يعني أنّ قدرة الروح القدس التي أقامت المسيح من الموت تكتنف الحب الزوجي ليحيا في قيامة دائمة، ويصمد أمام الزواج والأعاصير الكثيرة التي ترافق مسيرته الطويلة.
إنّ للحبّ، لدى نشأته في القلب، طعم الأزل. فعندما يمتلك الحب قلب شخصين، يمتلكهما في الوقت عينه شعور بأنّ أحدهما خُلق للآخر، وبأن الله قد حدّد لهما منذ الأزل هذا اللقاء. كلّ إنسان يحمل في ذاته توقاً إلى الضلع الذي خرج منه. وهذا ما يختبره كلّ شاب وفتاة في فترة المراهقة، حيث تملأ العاطفة واقع الحياة بالأحلام. ان الله ليس بغريب عن هذا الشعور. ولكن الحب، ككلّ ما هو جميل في الكون، يتعرّض لخطر الزوال. وأكبر عدو للحبّ هو الشهوة. ففيما الحب هو اكتمال بالآخر، الشهوة هي انحراف نحو الأنانية. ونعمة سرّ الزواج تقوم على مساعدة الحب للمحافظة على صفائه وطهارته. وذلك لا يتمّ دون السخاء والبذل والعطاء. وهذا ما يعنيه بولس الرسول بقوله إن الحب الزوجي يجب أن يصير على مثال حب المسيح الذي "بذل نفسه لأجل الكنيسة".

2- الأسرة كنيسة بيتيّة
ان الحبّ الزوجي الذي يتّسم بسرّ الزواج بسِمَة جديدة، هي مشابهة حبّ المسيح للكنيسة، يحوّل كلّ أسرة مسيحية إلى "كنيسة بيتيّة"، حسب تعبير بولس الرسول (رو 16: 5)، أو إلى "كنيسة صغرى"، حسب تعبير القديس يوحنا الذهبي الفم.
ان هذه التعابير ليست مجرّد تشابيه أدبية، بل إعلان لحقيقة حضور الله في العالم، وحقيقة امتداد حضور المسيح، الكلمة المتجسّد، على مدى الزمن، وذلك بأنواع متنوعة وعلى مختلف الأصعدة. ففي الكنيسة الجامعة، وفي الكنيسة البيتية، يحضر المسيح ليملأ كلّ شيء بروحه الإلهي، ويحوّل الكون وكل ما فيه إلى إيقونة لله.
في قانا الجليل، في حفلة عرس، حوَّل السيد المسيح الماء خمراً، "وأظهر مجده فآمن به تلاميذه" (يو 2: 11). إنّ لحضور المسيح في هذا العرس الذي صنع فيه "آيته الأولى"، حسب قول يوحنا (2: 11) معنًى خاصاً، تؤكّده الكنيسة باختياره هذا الحدث الإنجيلي ليقرأ في رتبة الإكليل. ان حضور المسيح يحوّل الماء خمراً، "وخمراً جيّدة" (يو 2: 10). وهذا يعني أن الحب الزوجي يتحوّل في سرّ الزواج، بواسطة حضور المسيح، إلى "حب جديد" يفوح عطراً خاصاً، هو "نفحة المسيح الطيّبة" (2 كو 2: 15). الأسرة المسيحية هي كنيسة صغرى بسبب حضور المسيح وحضور روحه القدوس فيها.


3- الزواج سرّ الملكوت
إذا كان للحب لدى نشأته في القلب طعم الأزل، فهو أيضاً من طبيعته يتطلب الديمومة، أي أن يبقى إلى الأبد. لقد أشاد الشعراء في جميع لغات العالم وبجمال الحب ودوامه. إلاَّ أنّ دوام الحب لا يتحقّق إلاَّ بتنقيته الدائمة على نار البذل والعطاء. ان عيد الحب لا يدوم طويلاً. والصورة المثالية لا تظهر إلاَّ لتختفي من جديد. ذلك أن الحب يُعطَى مرّة، ولكنّه لا يدوم إلاَّ إذا عمل الزوجان على خلقه كل يوم جديداً.
إنّ أقدس الأمور تفقد قدسيتها برتابة الحياة اليومية وتكرار الزمن. والحب يفقد مع الموت عذوبة اللقاء الأوّل، وكثيراً ما يسقط في السأم. ان نعمة حضور المسيح في سرّ الزواج تحوّل الحبّ الزوجي إلى حبّ ناضج يحمل للزوجين سعادة الأبد ضمن تقلّبات الزمن.
بمجيء السيد المسيح وموته وقيامته تحقّق الملكوت، وتحوّل الزمن الحاضر إلى زمن ممتلئ من حضور الله. ان الزمن، بعد التجسّد، لم يعد مجرّد تسلسل للأحداث بين الماضي والحاضر والمستقبل. بل صار ممتلئاً من حضور الله الأبدي. بحيث إن كل لحظة من لحظات حياة المسيحي العائش في حضرة المسيح الحيّ هي لحظة أبدية، أي ممتلئة من حضور محبة يسوع المسيح "الذي هو هو أمسِ واليوم وإلى الدهور" (عب 8: 13). ان هذا الدخول في الملكوت الأبدي يتحقّق للمسيحي في كلّ الأسرار التي يشترك فيها. وسرّ الزواج يحقّق دخول الملكوت بواسطة الصبغة الجديدة الأبدية التي يصطبغ بها الحب الزوجي باشتراكه في سرّ موت المسيح وقيامته.
إنّ القديس اكليمنضوس أسقف رومة، في رسالته الثانية إلى الكورنثيين (12، 2)، ينقل حديثاً للسيد المسيح حول مجيء الملكوت، فيقول:
"يقال أن الرب، إذ سُئل يوماً عن زمن مجيء الملكوت، أجاب: عندما يصير الاثنان واحداً، ويصير الخارج كالداخل، ويتّحد الذَّكر والأُنثى بحيث يصيران لا ذكَراً ولا أُنثى".
سرّ الزواج المسيحي هو صورة الملكوت، إذ به يصير الاثنان واحداً في المسيح. والذَّكَر والأُنثى باتحادهما السرّي يعودان بالطبيعة البشرية إلى كمالها الأول. أما التناقض بين الخارج والداخل فيزول بواسطة العفّة الزوجية التي تطلبها صلاة السرّ للعروسين.
ان العفّة في الزواج لا تعني الانقطاع عن العلاقات الجنسيّة، بل صفاء تلك العلاقات، بحيث تكون تعبيراً عن الحب الكامل الذي يحمله كلّ من الزوجين للآخر، والذي يجعله يرى في الآخر وحده كلّ ما ينقصه من اكتمال عاطفي وإنساني. بحيث لا يعود يبحث عن اكتماله في شخص آخر. وهذا هو الأساس للتشريع المسيحي في تعدّد الزوجات والطلاق والزواج الثاني بعد الترمُّل.
ثالثاً- التشريع المسيحي في الزواج

في هذه النظرة السامية لسرّ الزواج المقدّس في المسيحية، يسهل فهم التشريعات التي سنّتها الكنيسة في الزواج، مستندة إلي أقوال السيد المسيح في الإنجيل المقدس، وإلى ما أوضحه بولس الرسول في رسائله، ولاسيما في تعدّد الزوجات، والطلاق، والزواج الثاني بعد الترمُّل.

1- تعدّد الزوجات
نعني بتعدّد الزوجات أن يكون لرجل واحد عدّة زوجات في آنٍ معاً. وقد كان هذا الأمر مباحاً في معظم الشعوب القديمة، ولكن ليس في جميعها. فقد أثبت المؤرّخون وجود شعوب قديمة كثيرة تحظّر تعدّد الزوجات. كما أثبتوا أنّه، حتى لدى الشعوب التي كانت تسمح بتعدّد الزوجات، كان هذا الأمر في كثير من الأحوال محصوراً على قلّة من الرجال الأثرياء.
ففي مصر القديمة كان تعدّد الزوجات مباحاً، إلاَّ أنّه كان نادراً ويقتصر على الملوك والأمراء. وفي بابل، كانت شريعة حمورابي تنصّ على الزوجة الواحدة، ما عدا في بعض الحالات كمرض الزوجة أو عجزها عن الإنجاب. إذّاك يمكن للرجل أن يأخذ له زوجة أخرى، أو سُرّية من بين إمائه.
عند الكنعانيين والعبرانيين كان تعدّد الزوجات مباحاً. ولكنّه في الواقع كان محصوراً في الملوك والأعيان والأثرياء، وذلك بسبب ارتفاع قيمة المَهْر الذي كان يتوجّب على الرجل دفعه لوالد الفتاة التي ينوي الزواج بها (راجع تك 34: 12؛ 1 مل 18: 25)، وبسبب ما يكلّفه الاعتناء بعدّة زوجات. ففي زمن القضاة كان لجدعون "سبعون ابناً خرجوا من صُلبه لأنه تزوّج نساء كثيرة" (قض 8: 30)، ولإبصان "ثلاثون ابناً وثلاثون ابنة" (قض 12: 9)؛ ولعبدون "أربعون ابناً" (قض 12: 14). أمّا داود فكان له تسع نساء تذكر أسفار الملوك أسماءهنّ (2 مل 3: 2- 5، 13؛ 11: 26- 27؛ 3 مل 1: 3)؛ ورحبعام ابن سليمان الملك "ثماني عشرة زوجة وستين سُرّية" (2 أخ 11: 21)؛ وأبيّا ابن رحبعام "أربع عشرة امرأة" (2 أخ 13: 21). أمّا سليمان الملك فيذكر سفر الملوك أنّه "كان له سبع مئة زوجة وثلاث مئة سُرّية، فأزاغت نساؤه قلبه" (3 مل 11: 3). لذلك يطلب سفر تثنية الاشتراع من الملك "ألاّ يستكثر من النساء، لئلا يزيع قلبه" (تث 17: 17). وينصّ التلمود على "أنّ الحكماء قد تركوا لنا نصيحة جيّدة، وهي ألاّ يتزوّج الرجل أكثر من أربع نساء".
وتذكر أسفار العهد القديم بعضاً من مشاهير الرجال الذين كان لهم زوجتان. فيعقوب تزوّج ليئة ثم راجل (تك 29: 15- 28)؛ وألقانة كان له امرأتان: فَنِنَّة وحنّة أم صموئيل النبيّ (1 مل 1: 2)؛ وكذلك الملك يوآش (2 أخ 24: 3). وقد كانت عادة اتخاذ زوجتين معروفة، إذ نجد في سفر تثنية الاشتراع قانوناً يطلب من الرجل الذي له زوجتان يفضّل إحداهما على الأخرى، أن يبقي حقّ البكريّة لابنه البكر، حتى وإن لم يكن ابن الزوجة التي يفضّلها على الأخرى. وهذا يعني أيضاً المساواة بين الزوجات وبين أولادهنّ (تث 21: 15- 17). وكذلك يحظّر سفر الأحبار على الرجل أن يتخذ له زوجة ثانية أخت امرأته (1 ح 18: 18).
وكذلك أباح العهد القديم أن يتّخذ الرجل له، إلى جانب زوجته، سُرّية، يعاملها كالإماء، وذلك لتُنجب له أولاداً، ولاسيّما إذا كانت امرأته عاقراً. وهذا ما فعله ابراهيم، إذ كانت سارة امرأته عاقراً، فأخذت سارة نفسها هاجر، الأمة المصرية، وأعطتها له زوجة، فولدت له اسماعيل (تك 16: 1- 16). وكذلك يعقوب كانت له سُرِّيَّتان (تك 3: 1- 10)؛ وشاول كانت له امرأة وسُرِّيّة (1 مل 14: 50؛ 2 مل 21: 11).
ولكن، ابتداء من سبي بابل، أخذت عادة تعدّد الزوجات تتقلّص. حتى صار تعدّد الزوجات في زمن السيّد المسيح أمراً نادراً.
أمّا المسيحية فمنذ نشأتها منعت تعدّد الزوجات، استناداً إلى قول السيّد المسيح في الطلاق، الذي ينطبق أيضاً على تعدّد الزوجات
"أما قرأتم أنّ الخالق من البدء خلقهما ذَكَراً وأُنثى، وأنّه قال: لذلك يترك الرجل أباه وأُمّه ويلزم امرأته، ويصيران كلاهما جسداً واحداً. ومن ثمّ فليسا هما اثنين بعد، بل جسد واحد. وإذن، فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان" (متى 19: 4- 6).
يقول قداسة البابا شنودة الثالث، بطريرك الأقباط الأرثوذكس، في كتابه "شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية":
"إن فكرة الجسد الواحد تجعل تعدّد الزوجات أمراً متعذّراً. فليم بالإمكان عقلياً أن يكون رجل في جسد واحد مع أكثر من امرأة، إذ يستحيل اجتماع ثلاثة أو أربعة في جسد واحد.
إنّ تعدّد الزوجات في العهد القديم ولدى بعض الشعوب القديمة هو ظاهرة اجتماعية يرى علماء الاجتماع أنّ لها أسباباً عديدة أهمها: ازدياد عدد النساء بالنسبة إلى عدد الرجال ولا سيّما من جرّاء الحروب؛ منع الرجل في بعض الحضارات من ممارسة الجنس مع زوجته في فترة حملها، ويستمرّ الحظر عند بعض الشعوب حتى يُفطَم الطفل؛ الشهوة التي تدفع الرجل إلى أن تكون له امرأة شابة وجميلة، عندما تفقد امرأته الأولى جمالها بسبب التقدّم في السنّ والعمل المضني الذي كانت تقوم به قديماً؛ رغبة الرجل في أن يكون له أولاد، إذا كانت امرأته عاقراً؛ وأخيراً رغبة الأثرياء والنبلاء في أن يكون لهم أولاد كثيرون للاعتناء بأراضيهم ومواشيهم وفي تعزيز مكانتهم الاجتماعية. فكثرة النساء وكثرة الأولاد هما علامة فخر واعتزاز.
أمّا مساوئ تعدّد الزوجات فأهمّها الغيرة التي تنشأ بين الزوجات. إذ إنّه أن الصعب على الرجل ألاّ يميل إلى إحدى زوجاته فيفضّلها على الأخريات، ممّا يثير الحسد بين الزوجات، والشقاق بين الأولاد. وتُمتَهَن كرامة المرأة، إذ تقتصر قيمتها على جمالها الجسدي وقدرتها على الإنجاب.
إنّ تعدّد الزوجات هو تقليد كانت له أسبابه في العصور القديمة، إلاَّ أنّه لا يمكن أن يكون شريعة المستقبل للبشرية. والمحافظة عليه دليل تخلّف حضاري. والقرآن نفسه، لمّا أباح تعدّد الزوجات عند المسلمين، وضع له حدًّا. ففيمَا كان عدد الزوجات قبل الاسلام يصل إلى ثمانٍ وعشر، أوصى القرآن قائلاً: "فانكِحوا ما طاب لكم من النساء مَثْنى وثُلَث ورُبَع؛ فإن خفتم ألاّ تعدِلوا فواحدة" (سورة النساء، 3). ثم يعود في السورة عينها فيحذّر الرجال قائلاً: "ولن تستطيعوا أن تعدِلوا بين النّساء، ولو حَرَصتم". وهذا التطوّر الحضاري لمفهوم الزواج وللعدالة والمساواة بين النساء هو الذي حدا معظم دول العالم في العصر الحاضر إلى منع تعدّد الزوجات في قانونها المدني.

2- الطلاق
مع أن بعض الشعوب تسمح في بعض الأحيان بزواج يُعقَد لفترة محدّدة من الزمن، إلاَّ أنّ الزواج في معظم الحضارات ولدى معظم الشعوب يُعقَد مبدئياً لمدى الحياة كلها. أما الطلاق، أي فسخ عقد الزواج وانفصال الزوجين أحدهما عن الآخر والسماح لهما بعقد زواج آخر، فنجده لدى معظم الشعوب القديمة، مع أنّ بعضاً منها يمنعه منعاً باتاً وصريحاً.
الشعوب السامية القديمة كانت تجيزه. وقد سمحت به شريعة موسى، وفق ما جاء في سفر تثنية الاشتراع:
"إذا اتّخذ رجل امرأة، وتزوّجها، تمّ لم تنل حظوة في عينيه لأمر غير لائق وجده فيها، فليكتب لها كتاب طلاق ويسلّمها إيّاه، ويصرفها من بيته" (تث 24: 1).
لقد كان تفسير هذا النصّ، ولاسيّما عبارة "أمر غير لائق وجده فيها"، موضوع خلاف بين علماء الناموس عند اليهود. وفي أيّام السيّد المسيح، كان هناك موقفان من تفسير هذه الآية. فأتباع المعلّم هِلِّل كانوا يجيزون الطلاق لأيّ علّة: فإذا رأى الرجل أنّ امرأته لا تجيد الطبخ، أو إذا وجد أجمل منها، حقّ له أن يطلّقها. أمّا أتباع المعلّم شِمعي فكانوا يحصرون سبب الطلاق في حالة الزنى.
في إطار هذا الاختلاف في التفسير، نفهم سؤال الفريسيين للسيد المسيح: "هل يحل للرجل أن يطلّق زوجته؟"، كما جاء في مرقس (10: 2). أو: "هل يحلّ للرجل أن يطلّق زوجته لكلّ علّة؟"، كما جاء في متّى (19: 3).
ان جواب السيد المسيح في إنجيل مرقس يشجب الطلاق دون أيّ استثناء: "فأجاب وقال لهم: بِمَ أوصاكم موسى؟ قالوا: لقد أمر موسى بأن يُكتَب صكّ طلاق، وأن تُخَلَى. فقال لهم يسوع: إنّه لقساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية. ولكن، في بدء الخليقة، ذكراً وأُنثى خلقها الله، فلذلك يترك الرجل أباه وأمه... وكلاهما يصيران جسداً واحداً. ومن ثمَّ فليسا هما اثنين بعد، بل هما جسد واحد. فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان. وفي البيت سأله التلاميذ عن ذلك أيضاً. فقال لهم: مَن طلق امرأته وتزوّج أخرى، فقد زنى عليها. وإن طلّقت امرأة رجلها وتزوّجت آخر فقد زنت" (مر 10: 2- 12).
وكذلك نجد في إنجيل لوقا شجباً للطلاق دون أيّ استثناء: "فكلّ مَن طفق امرأته وتزوّج أخرى فقد زنى؛ ومَن تزوّج امرأة طلّقها رجلها فقد زنى" (لو 16: 18).
الاستثناء الوحيد الذي يبدو أنه يجيز الطلاق في العهد الجديد نجده في إنجيل متى في نصَّين:
"لقد قيل: مَن طلَّق امرأته فليدفع إليها كتاب طلاق. أمّا أنا فأقول لكم: إنّ مَن طلَّق امرأته -إلاَّ في حالة الزّنى- فقد عرَّضها للزّنى؛ ومَن تزوّج مطلّقة فقد زنى" (متى 5: 31- 32).
"وإنّي أقول لكم: مَن طلَّق امرأته -إلاَّ في حالة الزّنى- وتزوّج أخرى، فقد زنى" (متى 19: 9). 
يرى بعض المفسّرين المعاصرين أنّ الاستثناء الذي يرد في إنجيل متى "إلاَّ في حالة الزّنى" لا يشير إلى الخيانة الزوجية في زواج شرعي قائم، بل إلى حالة زواج غير شرعي كالتسرّي أو احدى الحالات المناقضة للناموس التي يرد ذكرها في سفر الأحبار (18: 6- 18). فيكون معنى قول السيّد المسيح أنه لا يحقّ للرجل أن يطلِّق زوجته، إلاَّ إذا كان زواجه بها غير شرعي.
أمّا في القرون الأولى، فقد فسّر معظم آباء الكنيسة هذه الجملة بقولهم إنّه يحق للرجل أن يطلّق زوجته الزانية، ولكن من غير أن يباح لأيّ منهما بعقد زواج آخر، بل يسعيان إلى المصالحة حسب قول بولس الرسول، الذي يذكر وصيّة من السيد المسيح نفسه:
"أمّا المتزوّجون فأُوصيهم، لا أنا بل الرب: أن لا تفارق المرأة رجلها. وإن فارقته، فلتلبث غير متزوّجة، أو فلتصالح رجلها؛ وأن لا يترك الرجل امرأته" (1 كو 7: 10- 11).
إنّ التفسير المتشدّد للاستثناء الذي يرد في إنجيل متى هو أكثر انسجاماً مع ما جاء به السيّد المسيح من جديد بالنسبة إلى تفسيرات المعلّمين اليهود الذين كانوا يجيزون الطلاق "في حال الزّنى"، ومع تأكيده إعادة الزواج إلى ما أراده الله في بدء الخليقة، إذ إنّ موسى لم يسمح بالطلاق إلاَّ لقساوة قلوب الأقدمين.
إن معظم الآباء الشرقيين، من أمثال كيرلس الاسكندري وباسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي ويوحنا الذهبي الفم، قد اتخذوا موقفاً متسامحاً في معالجتهم الأمور الرعائية الطارئة، ولكن دون إباحة الطلاق بشكل شرعي أو قانوني. يقول المطران بطرس الراعي:
"من المعروف أن القديس باسيليوس الكبير (330- 379) اتخذ في بعض أجوبته لأسئلة طُرحت عليه حول حالات رعائية خاصة، موقف المتساهل والعاذر، بشرط أن يخضع أصحابها لممارسات التوبة التي تفرضها القوانين المقدسة، قبل أن يُقبَلوا للاشتراك مع سائر المؤمنين في الليتورجيا الإلهية. فعذَرَ مثلاً رجلاً هجرته امرأته فتزوّج أخرى، ولم يعتبر هذه الأخيرة امرأة زانية. إنّمَا فرض عليهما ممارسات توبة شديدة، تخفيفاً لوضعهما الشاذّ قانوناً، والمستعصى تنظيمه وحلّه اجتماعياً ورعوياً. وكذلك غضّ النظر عن رجل هجر زوجته وتزوّج أخرى. وفي كل الأحوال لم يكن يعني هذا التسامح رضى عن الواقع أو اعتبار هذا الزواج الثاني بمثابة سرّ مقدّس كما هو عليه الزواج الأول. فكان هذا التسامح أشبه بغضّ النظر منه بقبول وضع شرعي أو قانوني... ثمّ إنّ المسؤولين الكنسيّين في الشرق ما لبثوا أن وسّعوا غضّ النظر حول حالات أخرى للطلاق نصَّ عليها تشريع الامبراطور يوستنيانوس. وما عتّم التشريع الكنسي الشرقي أن تأثّر شيئاً فشيئاً بهذا الوضع... أمّا الكنيسة الغربية، فبعد أن جرى الرعاة فيها على طريقة إباحة الزواج الثاني لأسباب يعود معظمها إلى الخيانة الزوجية، عادت، ابتداءً من القرن الثاني عشر، ففرضت رسمياً في قوانينها لا انحلالية الزواج في حالة الزنى. وفسّرت الجملة الاعتراضية الواردة في إنجيل الرسول متّى تفسيراً لا يتعدّى حقّ الانفصال، أي من غير مسّ بلا إنحلالية الوثاق الزوجي".
ان اللاهوتيين الأرثوذكس يفسّرون السماح بالطلاق في حال الزنى بقولهم أن مادة سرّ الزواج هي الحب. والزّنى يعني أن الحب لم يعد قائماً بين الزوجين. لذلك فالطلاق الذي تعلنه الكنيسة ليس من شأنه فسخ الزواج ولا إزالة الحب. إنّمَا هو مجرّد إعلان بأن الحب بين الزوجين قد تلاشى، وبأن الزواج بالتالي لم يعد قائماً. ويعتبرون موت الحب شبيهاً بالموت الجسدي وبموت الإيمان في حال الجحود.
ان الكنيسة الشرقية، بقبولها الطلاق كحالة استثنائية، تؤكّد الاحترام للشخص البشري ولسرّ الحب. فالحب لا يمكن أن يُفرَض على الإنسان. والأمانة الزوجية، كالإيمان والاستشهاد، يجب أن تبقى عمل الحرية، وإلاّ فلا قيمة لها.
هناك حالة سمح فيها بولس الرسول نفسه بالطلاق، دعيت "الامتياز البولسي". ففي بدء المسيحية كان بحدث أن يهتدي إلى المسيحية أحد زوجين كانا قد عقدا زواجهما في اليهودية أو الوثنية. فكان السؤال: هل يتوجّب على من صار مسيحياً أن يبقى على زواجه، أم يستطيع أن يفسخه ويتزوّج من جديد مع شخص مسيحي؟ على هذا السؤال أجاب بولس الرسول:
"أمّا الباقون فأقول لهم، أنا لا الرب: إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة، وهي ترتضي أن تقيم معه، فلا يتركها؛ والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهو يرتضي أن يساكنها، فلا تترك رجلها. لأن الرجل غير المؤمن يقدّس بمالمرأة المؤمنة، والمرأة غير المؤمنة تقدّس بالأخ المؤمن. وإلاّ فيكون أولادكم نجسين، والحال أنّهم قدّيسون. ولكن، إن فارق غير المؤمن، فليفارق؛ فليس الأخ أو الأخت مستعبداً في مثل هذه الأحوال، فإنّ الله قد دعاكم لتعيشوا في سلام. فما أدراكِ، أيتها المرأة، أنّك تخلّصين رجلكِ؟ وما أدراكَ، أيها الرجل، أنّك تخلّص امرأتك؟" (1 كو 7: 12- 16).
ان القديس يوحنا الذهبي الفم، في تعليقه على هذا النصّ، يقول: "إنّ فسخ الزواج أفضل من الهلاك".
فهناك حالات خاصة تفرغ فيها الحياة الزوجية من جوهرها، ولا بدّ للكنيسة من أن تأخذ منها موقفاً خاصاً لخلاص الإنسان.

3- الزواج الثاني بعد الترمُّل
إذا مات أحد الزوجين، حقَّ للآخر أن يعقد زواجاً ثانياً. هذا ما يوضحه بولس الرسول في عدّة مقاطع من رسائله:
"إنّ المرأة مرتبطة برجلها ما دام حيًّا. فإن رقد الرجل، فهي حرّة أن تتزوّج بمن تشاء، ولكن في الربّ فقط. غير أنّها تكون أكثر غبطة ط على ما أرى، ان بقيت على ما هي عليه" (1 كو 7: 39- 40؛ راجع أيضاً رو 7: 2- 3).
يسمح إذاً بولس الرسول بالزواج الثاني بعد الترمُّل، ولكن في الربّ، أي مع أحد المسيحيين. إلاَّ أنّه لا يحبّذ هذا الزواج القاني، ما عدا في حال الأرامل الفتيّات: 
"وأقول للعزّاب والأرامل إنّه حسن لهم أن يلبثوا كما أنا. ولكن، إن لم يكن في وسعهم أن يضبطوا أنفسهم، فليتزوّجوا. لأنّ التزوّج خير من التحرّق" (1 كو 7: 8).
"أريد أن الأرامل الفتيّات يتزوّجن من جديد، ويلدن البنين، ويدبّرن البيوت، ولا يعطين المقادم سبباً للطعن" (1 تي 5: 14).
في هذا الموضوع، يوصي بولس الرسول بألاّ يُقبَل كأسقف أو كاهن أو شماس (إنجيلي) الرجل الذي عقد زواجاً ثانياً بعد موت امرأته، هكذا فسّر التقليد العبارات التالية:
"يجب أن يكون الأسقف بغير مشتكى، رجل امرأة واحدة... وليكن كلّ من الشمامسة رجل امرأة واحدة" (1 تي 3: 2، 12؛ راجع أيضاً تي 1: 5- 6).
إلاَّ أنّ بعض المفسّرين المعاصرين يرون أن ما يرفضه بولس الرسول في عبارتي "رجل امرأة واحدة"، و"امرأة رجل واحد" (1 تي 5: 9)، هو أن يكون الرجل أو المرأة قد تزوّجا بعد طلاق. وهذا كان يحدث كثيراً في الكنيسة الأولى لدى المهتدين من الوثنية أو اليهودية إلى المسيحية. ولا يعني بذلك الزواج الثاني بعد الترمُّل. ويرى مفسّرون آخرون في هذا التعبير إشارة إلى الأخلاق الحميدة أي إلى الأمانة في الزواج أو الحب الزوجي الشديد بين الزوجين.
استناداً إلى هذه النصوص، شجب آباء الكنيسة في القرون الأولى الزواج الثاني بعد الترمُّل ولم يعتبروه سرًّا، وفرضوا على من ينوي عقد زواج ثانٍ أو ثالث عقوبات توبة شديدة. في هذا يقول القديس باسيليوس الكبير:
"الذين تزوّجوا للمرّة الثانية يوضَعون تحت عقوبة كنسيّة لمدة سنة أو سنتين. والذين تزوَّجوا للمرَّة الثالثة لمدة ثلاث سنين أو أربع. ولكن لنا عادة أنّ الذي يتزوّج للمرّة الثالثة يوضع تحت عقوبة لمدة خمس سنوات، ليس بقانون وإنّمَا بالتقاليد".
أمّا سبب هذه العقوبات فهو أنّ الكنيسة كانت ترى في الزواجات المتعدّدة علاج ميل جانح نحو شهوة الجسد لا يتلاءم والأخلاق المسيحية. في هذا يقول القديس غريغوريوس النزينزي: "الزواج الأوّل شريعة، والثاني تسامح، والثالث تعدِّ... أمّا الرابع فأشبه بسلوك الخنازير".
رابعاً- رتبة سرّ الزواج

1- الزواج أمام الكنيسة
إنّ ما جاء في العهد الجديد على لسان السيد المسيح وعلى لسان بولس الرسول من أقوال ووصايا متعلّقة بقداسة الزواج وسموّه قد حمل الكنيسة منذ أواخر القرن الأوّل على دعوة المؤمنين إلى عقده أمام الأسقف أو الكاهن لينالوا منه بركة الله ونعمته. فالشهادة الأولى لعقد الزواج أمام الكنيسة نجدها في إحدى رسائل القديس اغناطيوس الانطاكي، يقول فيها:
"على الرجال والنساء الذين يتزوّجون أن يكون اتحادهم على يد الأسقف، حتى يكون الزواج حسب الربّ لا حسب الشهوة. ليصر كل شيء لمجد الله".
وترتوليانوس يتحدّث عن الزواج أمام الكنيسة كأمر أصبح شائعاً لدى المسيحيين. فيعتبر أنّ ما يميّز الزواج الذي يباركه الله هو أنه يُعقَد أمام الكنيسة. فبركة الكاهن تختمه على الأرض والآب يثبِّته في السماء.
في القرن الرابع لنا شهادات عن أهمّ طقوس الزواج نجدها في مؤلّفات الآباء القديسين: تسليم الخواتم، جَمع اليدين بواسطة الكاهن، بركة الكاهن، الأكاليل، الكأس المشتركة. فالقديس غريغوريوس النزينزي مثلاً، إذ لم يستطع أن يحضر زواج فتاة تدعى أوليمبياس، يكتب لبروكوبيوس الذي كان وصيًّا عليها:
"أنا حاضر معكم بالقلب، أحتفل معكم بالعيد، وأضمّ يدي العروسين الواحدة إلى الأخرى وكلتيهما إلى يد الله".


2- خادم سرّ الزواج
هناك فرق بين اللاهوت الشرقي واللاهوت الغربي في تحديد خادم سرّ الزواج. ففي نظر اللاهوت الغربي، خادما السرّ هما العروسان، والسرّ يتمّ بتبادل الرضى بينهما، وما الكاهن إلاَّ شاهد على هذا التبادل للرضى، تنتدبه السلطة الكنسيّة لذلك. أما في نظر اللاهوت الشرقي، فالكاهن هو خادم السرّ، وهو الذي بالبركة التي يمنحها للعروسين يسبغ عليهما نعمة السرّ.

3- رموز رتبة الزواج
تدعى رتبة الزواج في الطقوس الشرقية "رتبة الاكليل"، وذلك من باب تسمية الكل باسم الجزء. إذ تصل هذه الرتبة إلى قمّتها لدى وضع الأكاليل على رأس المريض والعروس (والاشبينين في الكنيسة المارونية)، إشارة إلى أنّ الإنسان، بالزواج، يشارك الله الملك في الخلق والسيادة على الكون. ويسود الرتبة كلّها جوّ من الفرح والغبطة يعود بنا إلى أجواء الفردوس الأول قبل الخطيئة، ويُنبئنا بسعادة الملكوت الأبدي. فالكنيسة، عندما تكلّل المسيحي في رتبة زواجه، تذكِّره بأنّه مدعو في حياته الزوجيّة إلى أن يحوّل الأرض إلى ملكوت يملك فيه الله المحبة.
في هذا الإطار يمكن فهم الرموز المتنوعة التي تحفل بها رتبة الاكليل:
1ً) دخول العروسين: يدخل العروسان في تطواف احتفالي، فيما الكاهن يبخّر، والإشبينان حاملان الشموع. فالبخور علامة التنقية والقداسة، والشموع إشارة إلى النور الذي أظهره الله في بدء الخليقة، عندما قال "ليكن نور! فكان نور"؛ فيمَا الجوقة ترنّم نشيداً لمريم العذراء، "الملكة فخر العذارى والأمّهات"، التي "يحار العقل في تأمّل ولادتها"، إذ ولدت المسيح ابن الله، الإنسان الجديد، ولبثت بتولاً.
ثم يقف العريس على اليمين أمام إيقونة السيد المسيح، والعروس على اليسار أمام إيقونة مريم العذراء والدة الإله، التي هي مثال وصورة الكنيسة. فاتحاد العروسين هو على مثال اتحاد المسيح والكنيسة.
2ً) لبس الخواتم: يرمز لبس الخواتم إلى الاتحاد الدائم بين الزوجين: "فالرجل مرتبط بامرأته، والمرأة مرتبطة برجلها" (1 كو 10: 7). كما يرمز أيضاً إلى حريتهما والسيادة التي يتمتعان بها. فلبس الخاتم خاص بكل من له سلطان وبالأحرار لا بالعبيد. وزواج المسيحيين هو زواج أبناء الله، الذين أعتقوا من العبودية وصاروا ينعمون بحرية أبناء الله.
3ً) طلب الرضى: يطلب الكاهن من العروسين أن يعلنا أنّهما، بملء رضاهما واختيارهما، يتّخذان أحدهما الآخر. وهما، بقولهما "نعم"، يعلنان قبولهما أحدهما للآخر بكل حرية، والتزامهما العيش معاً مدى الحياة كلها، حاملين معاً أفراح الحياة ومصاعبها.
4ً) صلوات البركة: يتلو الكاهن على العروسين صلوات البركة، طالباً لهما "العفّة وثمر الحشى وجمال النّسل، والتمتّع بكثرة الأولاد، وعيشة لا عيب فيها... واتفاق النفس والجسد... والغِلال الوافرة لينموا في كل عمل صالح ومرضي لدى الله".
5ً) جَمعْ اليدين: يجمع الكاهن يدي العروسين، إشارة إلى اقترانهما بالاتفاق والمحبة، وهو يتلو عليهما الصلاة التالية، في الطقس البيزنطي:
"أيّها الاله القدوس، يا مَن جبل الإنسان من تراب وبنى من جنبه امرأة على شابهه لتكون له عوناً وزوَّجه بها، لأنه هكذا حسن لدى عظمتك أن لا يكون الإنسان وحده على الأرض، فأنت الآن أيها السيد، أرسل يدك من مسكنك المقدّس، واقرن عبدك (فلاناً) وأمتك (فلانة). لأنّ منك اقتران الرجل والمرأة. إجمعهما بالاتفاق، كلِّلهما بالمحبة، وحِّدهما ليصيرا جسداً واحداً. أنعم عليهما بثمرة الحشى، والتمتُّع بأولاد أصحّاء، وبسيرة غير ملومة...".
6ً) التكليل: يضع الكاهن إكليلين على رأس العريس والعروس، قائلاً: "يكلِّل عبد الله (فلان) على أمة الله (فلانة) + باسم الآب والابن والروح القدس"، "تكلَّل أمة الله (فلانة) على عبد الله (فلان) باسم الآب والابن والروح القدس". فالرجل هو رأس المرأة، والمرأة هي إكليل الرجل.
ثم ينشد في الطقس البيزنطي نشيد الاكليل طالباً إلى الله أن يكلّل العروسين بالمجد والكرامة، ويسلّطهما على أعمال يديه:
"أيّها الربّ إلهنا، بالمجد والكرامة كلِّلهما، وعلى أعمال يديك سلّطهما".
المجد، في الإنجيل المقدس، هو حضور الروح القدس الذي يتمّ أعمال المسيح. فعندما يطلب الكاهن للعروسين المجد والكرامة، يطلب أن يحلّ عليهما الروح القدس ليجعل منهما خليقة جديدة ويملأ أعمالهما بنعمة الله.
في الطقس الماروني، يقول الكاهن لدى وضع الإكليل على رأسيهما:
"الرب الإله الذي كلَّل الآباء القدّيسين بإكليل البرّ وكلَّل الملوك وعظمهم، هو يرفق بك، ويمينه المملوءة مراحم تكلّلك مثل ابراهيم واسحق ويعقوب. وبما أنّك قصدتَ البيعة المقدسة، تطلب منها المغفرة والمعونة، فليعطكَ الربّ مراحم نعمته، ويغفر جميع ذنوبك وخطاياك، ويحفظك وينصرك، الآن وكلّ آنٍ إلى الأبد".
ثم يقول للعروس لدى وضع الإكليل على رأسها:
"الله الذي كلّل جميع النساء القدّيسات، وبارك سارة ورفقا وراحيل، هو يبارككِ بيمينه الإلهيّة، ويفيض عليك المراحم، ويبجّلك بإكليل المجد، فتكونت كجفنة مباركة في البيعة المقدّسة، تثمر ثماراً روحانية، وليعطكِ الرب الإله أن تظلّي بفرح مع زوجك، فيسود الأمان والحب بينكما، وأن تلدي البنين المباركين الدين يرضونه بصلوات والدة الإله وجميع القدَيسين".
7ً) الرّسالة والإنجيل
تقرأ رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس (5: 20- 33)، التي يقارن فيها الرسول بين حب المسيح للكنيسة وحب الزوجين أحدهما للآخر. أما الإنجيل فيقرأ منه في الطقس البيزنطي رواية عرس قانا الجليل (يو 2: 1- 11)، وفي الطقس الماروني نص متى (19: 3- 6) الذي يتكلّم فيه السيّد المسيح عن عدم الطلاق. أن حضور المسيح الذي حوّل الماء خمراً هو الذي يحوّل حياة الزوجين إلى حياة محبة واتفاق بحيث يصيران جسداً واحداً لا يستطيع أيّ إنسان أن يفرّقهما.
8ً) الكأس المشتركة
الافخارستيا هي قمّة الأسرار، لأن بها يتحقّق عطاء المسيح نفسه للعالم عطاءً كاملاً في جسده ودمه، وبها تتحقق قيامته ودخوله مجد الآب. لذلك كلّ الأسرار تتجه نحو الافخارستيا حيث تجد كمال حقيقتها في الاشتراك في سرّ المسيح الكامل. كذلك سرّ الزواج، الذي يهدف إلى أن يجعل الحب الزوجي على صورة حب المسيح للكنيسة، يتجه أيضاً نحو الافخارستيا. لهذا السبب في بعض الكنائس، كالكنيسة الأرمنية والحبشية والرومانية، يحتفل برتبة الزواج في أثناء القداس الإلهي. وهذا ما يشير إليه ترتوليانوس منذ القرن الثالث.
في الطقس البيزنطي كانت رتبة الزواج تنتهي قديماً، حسب شهادة سمعان التسالونيكي في القرن الخامس عشر، بتناول جسد المسيح ودمه المكرّسين في ليتورجيا سابقة. ثم تعطى للعروسين "الكأس المشتركة"، التي هي رمز الحياة المشتركة التي تجع بينهما من الآن فصاعداً.
إنّ العادة الدارجة اليوم في معظم كنائس الشرق تقضي بالاكتفاء في رتبة الاكليل بتلك "الكأس المشتركة"، على أن يتناول العروسان القربان المقدس في قداس الصباح، أو لدى أوّل قداس يشتركان فيه من بعد إكليلهما في ما يدعى "إدخال العروسين الكنيسة". إنّ سرّ الزواج لا يمكن أن يحقّق هدفه، أي الوصول بالحب الزوجي إلى التشبّه بحب المسيح للكنيسة إلاَّ عن طريق الاشتراك في سرّ الافخارستيا الذي هو سرّ حب المسيح لكنيسته، على أن يكون هذا الاشتراك مجرّد حفلة اجتماعية، بل اشتراك عميق في كل معاني سرّ المسيح الفصحي وأبعاده ونتائجه بالنسبة إلى حياة الزوجين اليومية. إذّاك تتحوّل حياتهما وتصير إيقونة يظهر فيها الله للبشر.
خلاصة
تنتهي رتبة الاكليل بتطواف يقوم به العروسان والإشبينان حول الصمدة وهم ممسكون بعضهم بأيدي بعض، ويتقدّمهم الكاهن وهو يبخّر. إنّ هذا التطواف الذي يُقام ثلاث مرات بشكل دائرة هو في آنٍ معاً رقصة فرح ودخول في قدسيّة الهيكل وأبديّة الزمن الجديد. فالشكل الدائري هو رمز الأبد، وتعبير عن الدخول في حماية السماء. والأناشيد الثلاثة التي يرنَّم بها في هذا التطواف هي عينها التي يرنَّم بها في أثناء السيامات الكهنوتية:
"يا أشعيا اطرب فرحاً. فإنّ البتول قد حملت وولدت ابناً هو عمّانوئيل، إلهاً وإنساناً معاً، واسمه المشرق. فإيّاه نعظّم، مطوّبين العذراء".
"أيّها الشهداء القديسون، الذين جاهدوا حسناً وتكلَّلوا، تشفّعوا إلى الربّ أن يرحم نفوسنا".
"المجد لك أيّها المسيح الإله، فخر الرّسل وبهجة الشهداء، الذين كرزوا بالثالوث الواحد في الجوهر".
لقد تمَّت نبوءة أشعيا، لما وُلد من البتول المسيح الذي هو إله وإنساناً معاً، وظهرت بالتجسّد محبّة الله الخلاصية للبشر.
والشهداء والرّسل القديسون أظهروا أيضاً للعالم تلك المحبة الخلاصية عينها، بجهادهما الحسن وكرازتهم بالثالوث الواحد في الجوهر.
هذا هو المثال الذي تضعه الكنيسة أمام أعين الذين يكرّسون ذواتهم لإظهار محبة الله ومتابعة عمل التجسّد الإلهي إمّا في الكهنوت وإمّا في الزواج: أن يجسّدوا في العالم محبّة الله، ويكون السيد المسيح فخرهم وبهجتهم.
مُقدّمَة

إنّ الكنيسة، في أسرارها، تكمّل حضور المسيح على الأرض. كيف يتمّ ذلك في سرّ الخدمة الكهنوتية؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي نبدأ بطرحه عند معالجتنا لاهوت سرّ الخدمة الكهنوتية.
في عالم يميل اليوم إلى العلمنة في مؤسَّساته وفي طرق تفكيره، لا بدّ من التساؤل حول دور الكاهن في المجتمع المعاصر، وحول ما يميّزه عن سائر المسيحيين الذين يشتركون هم أيضاً في كهنوت المسيح.
إنَّ النظرة الكاثوليكية للكهنوت هي إحدى الأمور الهامّة التي ثار عليها لوثر في إصلاحه. يمكننا إيجاز تعليمه في الكهنوت في النقاط التالية:
1- في العهد الجديد لم يعد سوى كاهن واحد، هو يسوع المسيح. لأننا إذا حدّدنا الكاهن بقولنا "إنه الوسيط بين الله والناس"، فمن الواضح أنّ يسوع المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس، وبتقدمه ذاته على الصليب أزال كل الذبائح والقرابين التي كان من شأن الكهنة في العهد القديم تقدمتها إلى الله.
2- جميع المسيحيين، بالمعمودية، يصبحون أعضاء للمسيح، ويشتركون في كهنوته دون تمييز بين كاهن وعلماني. فالاتحاد بالمسيح والدخول في علاقة خلاص مع الله يتمّ مباشرة بالمعمودية، ولا يحتاج إنسان لإنسان آخر للحصول على هذا الاتحاد بالمسيح وعلى هذا الخلاص.
3- إنّ سرّ الكهنوت لم ينشئه المسيح بل أنشأته مطامع البشر ورغبتهم في السيطرة والتسلُّط على إخوتهم.
4- إنّ الخدمة الدينية، في العهد الجديد، تقوم على تغذية الإيمان ودعمه بالكلمة الإلهية وأسرار الكلمة. فلفظة الكاهن لفظة يهودية أو وثنية، وسبب الاستعاضة عنها بلفظة "الخادم". والخدمة هذه لا تعطى الكاهن أيّ سلطان إضافي علاوة على ما يعطيه سرّ المعمودية. إنّها ناتجة فقط من حاجة الكنيسة لتنظيم ذاتها في سبيل خدمة الله. لذلك إذا افتقرت إحدى الكنائس إلى أساقفة وكهنة، يستطيع الشعب المسيحي أن يوكل تلك الخدمة إلى أحد أعضائه، لأنّ جميع المسيحيين يشتركون على السواء في كهنوت المسيح.
جواباً على تساؤل الكهنة عن هويتهم، وجواباً على اعتراضات لوثر، سنحاول التعريف بسرّ الخدمة الكهنوتية، إنطلاقاً أوّلاً من إرادة المسيح والطريقة التي طبّق بها الرسل إرادة المسيح هذه، وذلك من خلال نصوص العهد الجديد، ثم ببحث في تاريخ الكنيسة الذي يُظهر لنا كيف مارست الكنيسة مدى الأجيال سرّ الخدمة الكهنوتية. وننهي بتعريف واضح لسرّ الخدمة الكهنوتية كما تراه اليوم الكنيسة الكاثوليكية، ولاسيّمَا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.

الفصل الأول
الخِدمَة الكهنُوتية في العَهْدِ الجَديد

أولاً- الخِدَم في العهد الجديد

1- لمحة تاريخية
أ) رسالة يسوع العلنيّة
تجد الخدمة الكهنوتية جذورها في رسالة يسوع الذي كان يجول المدن والقرى مبشِّراً بملكوت الله وبالتوبة الضرورية للدخول فيه.
ففي أثناء رسالته اختار من بين تلاميذه اثني عشر رسولاً وثقَّفهم تثقيفاً خاصاً وأرسلهم للتبشير بالملكوت وشفاء المرضى (مر 3: 14؛ 6: 7). وتقوم دعوة الرسل على أنهم مُرسَلون من قِبَل المسيح، كما أنّه هو مُرسَل من قِبَل الآب بقوّة الروح القدس (يو 20: 21- 23؛ 16: 7- 15؛ 17: 17- 19). فمَن يقبلهم يقبل المسيح، ومَن يقبل المسيح يقبل الآب الذي أرسله (متى 10: 14؛ 4- 42؛ مر 9: 35- 36). ويقومون بالأعمال نفسها التي يقوم بها المسيح (مر 16: 14- 20). والمسيح سيكون معهم، وحضوره سيتمّ بواسطة الروح القدس (يو 20: 22؛ لو 24: 48- 49؛ اع 1: 6- 8).


ب) الجماعة الرسولية الأولى في أورشليم (سنة 30- 43)
في هذه الفترة قام الرسل بعملين في ما يخصّ الخدم في الكنيسة:
فقد اختاروا أولاً الرسول الثاني عشر متّيا عِوَض يهوذا. والطريقة التي لجأوا إليها، أي الاختيار بالقرعة، تشير إلى أنّ اختياره هو من الله نفسه (اع 1: 15- 26). ثم عيَّنوا سبعة شمامسة للاعتناء بالفقراء ولاسيّما من بين اليونانيين. وهذا التعيين تمَّ بالصلاة ووضع أيدي الرسل عليهم. "وأقاموهم أمام الرسل فصلّوا ووضعوا عليهم الأيدي" (اع 1: 1- 6). ونرى هؤلاء الشمامسة يكرزون ويعمّدون ويجرون الآيات والمعجزات، كاستفانوس (اع 6: 8) وفيلبّس الذي يبشّر ويعمّد في السامرة (اع 8: 5- 13)، ثم يبشّر قيّم ملكة الحبشة ويعمّده (اع 8: 26- 40).

ج) الفترة الرسولية (43- 95)
نجد في الكنيسة في تلك الفترة، حسب شهادة بولس الرسول، "أولاً رسلاً، وثانياً أنبياء، وثالثاً معلّمين" (1 كو 12: 27).
الرسل: ترسلهم الكنيسة للتبشير بالإنجيل في المناطق التي لم تصلها البشارة بالإنجيل. فيبشّرون ويؤسّسون الكنائس، ويرسمون كهنة في كل كنيسة، ثم يتابعون سيرهم للتبشير في مناطق أخرى. وبعد فترة يعودون إلى الكنيسة التي أرسلتهم يخبرون بكل ما صنع الله معهم. هكذا أرسلت كنيسة انطاكية شاول وبرنابا (اع 13: 1- 3)، فذهبا يبشّران في جميع كنائس مدن آسيا الصغرى (اع 13- 14) "ورسما لهم كهنة في كل كنيسة" (14: 23)، ثم عادا "إلى انطاكية حيث كانا قد استُودِعا نعمة الله للعمل الذي أكملوه. ولما قَدِما وجمعا الكنيسة، أخبرا بكلّ ما صنع الله معهما، وأنّه فتح للأمم باب الإيمان. وأقاما زماناً غير يسير مع التلاميذ" (14: 26- 28)، ثم "عادا من جديد يفتقدان الاخوة في المدن التي بشّرا فيها بكلمة الرب" (15: 36- 41).
وكان من نتائج مجمع أورشليم المنعقد سنة 49 للبحث في أمر إلزام المهتدين إلى المسيحية من الوثنية باتباع ناموس موسى، أن توزّع العمل بين الرسل: فبولس وبرنابا توجّها إلى الوثنيين (غلا 2: 9)، وبطرس إلى اليهود المتنصّرين في الشتات (1 بط 1: 1).
- الأنبياء: يتكلّمون في اجتماعات الصلاة بكلام بنيان وموعظة (1 كو 14: 29- 33). وقد يتّخذ كلامهم شكل كشف النقاب عن وجه المستقبل كما فعل "واحد منهم، اسمه أغابيوس، فأنبأ بالروح أنّها ستكون مجاعة شديدة في المسكونة كلها" (اع 11: 28)، كما أنبأ أيضاً عن سجن بولس على يد اليهود (اع 21: 10- 14). والأنبياء هم الذين يتلون في عشاء الرب الصلاة الافخاريستية، كما نقرأ في كتاب "الذيذاخي": "ليشكر الأنبياء ما طاب لهم الشكر" (10: 7).
- المعلّمون: نجد ذكرهم غالباً جنباً إلى جنب مع الأنبياء (اع 13: 1، راجع أيضاً الذيذاخي 15، 1 "انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة رجالاً مختبَرين جديرين بالرب ودعاء، سالكين في نزاهة واستقامة، لأنهم يؤدّون لكم خدمة الأنبياء والمعلّمين"). يقوم دور المعلّمين على تفسير الكتاب المقدس وعلى تعليم الشعب تعليماً منهجياً في كل ما يختصّ بالإيمان المسيحي والآداب المسيحية.
- الكهنة (أو الشيوخ): في أورشليم وفي الجماعات المتحدّرة من أصل يهودي، يرئس الكنائس جماعة من" الشيوخ" أو" القدامى"، على غرار الجماعات اليهودية في العهد القديم. هؤلاء الشيوخ يديرون شؤون الكنيسة المادية والروحية (اع 11: 29- 30). في الترجمات العربية تترجم لفظة "الشيخ" إمّا بلفظة "قسيس" المشتقّة من السريانية والتي تعني الشيخ، وإمّا بلفظة "كاهن"، لأن الشيوخ كانوا في الكنيسة الأولى يقومون بالدور الذي يقوم به الكهنة اليوم (راجع ذكر الكهنة أو الشيوخ في أعمال الرسل 14: 21- 23؛ 15: 2 و4 و6 و22- 23؛ 20: 17؛ 21: 18).
هكذا نجد في كل مدينة مجلساً من الكهنة يقيمهم الرسل بأنفسهم أو بواسطة ممثليهم. فبولس يكتب إلى تيطس: "لقد تركتك في كريت لتكمّل تنظيم كل شيء، وتقيم كهنة في كل مدينة، على حسب ما رسمتُ لك" (تي 1: 5). ويذكر صفات الكهنة (تي 1: 6؛ ا تي 5: 17- 22). وهؤلاء الكهنة يُرسَمون بوضع اليد (1 تي 22:5). مما يدلّ على أنّ خدمة الكهنوت ليست مجرّد وظيفة إدارية، إنما تتطلّب موهبة خاصة من الروح القدس.
ونرى الكهنة في رسالة يعقوب يُصلُّون على المرضى ويمسحونهم بالزيت (5: 14). وعندما يتكلّم بولس عن "الذين يرئسون الكنائس" فربّما يشير إلى الكهنة (راجع 1 تسا 5: 12).
- الأساقفة: في كنيسة فيلبي، لا يذكر بولس الكهنة بل الأساقفة والشمامسة (في 1: 1). يبدو أنّ الأساقفة في العهد الرسولي هم أنفسهم الكهنة. وقد دُعوا أساقفة في الكنائس المنحدرة من أصل يوناني (كلمة أسقف مشتقّة من اللفظة اليونانية التي تعني "المراقب، الساهر"). أمّا دور الأساقفة فهو على غرار دور الكهنة، إدارة الكنائس. يذكر بولس الأساقفة في رسالته الأولى إلى تيموثاوس (3: 1- 7) ورسالته إلى تيطس، حيث يبدو أنّ الأسقف هو نفسه الكاهن (1: 5 الكهنة؛ ثم 1: 7 الأسقف). وفي أعمال الرسل تظهر لفظة الأساقفة صفة للكهنة (20، 17 كهنة الكنيسة، ثم 20: 27 أقامكم فيه الروح القدس أساقفة).
- الشمامسة: منذ إنشائهم على يد الرسل (اع 6: 1- 6) نجد ذكرهم مراراً ولا سيّما في 1 تي 3: 8- 13 حيث يصف بولس الرسول الصفات التي يجب أن يتحلّوا بها. أما لفظة الشماس فهي مشتقّة من السريانية وهي ترجمة اللفظة اليونانية وتعني الخادم.

2- مبادئ العهد الجديد في الخدمة الكهنوتية
نستنتج مما سبق بعض المبادئ التي سار عليها الرسل في الكنيسة الأولى في ما يختصّ بالخدمة الكهنوتية:
الوظائف المختلفة في الكنيسة هي لخدمة الكنيسة وتأمين حاجات شعب الله. وهي وظائف عضوية من صميم بنية الكنيسة. "ففي الكنيسة يجب أن يجري كل شيء، كما يقول بولس الرسول، على وجه لائق وفي نظام" (1 كو 14: 40)، "لأنّ الله ليس إله تشويش بل إله سلام" (1 كو 14: 33).
الخدم المختلفة هي مواهب يمنحها الروح القدس الواحد للمنفعة العامة (1 كو 12: 4- 11).
الخدّام يمارسون سلطة المسيح، وهذا ما يردّده بولس مراراً (رو 1: 5؛ 2 كو 10، 8؛ 13: 10؛ 1 تسا 4: 1- 2؛ 2 تسا 3: 14؛ 1 كو 5: 3- 5).
سلطة هؤلاء الخدّام هي سلطة خدمة وليس سلطة تسلُّط (مر 10: 42- 45؛ يو 13: 12- 16؛ 1 كو 9: 19؛ 3: 5؛ 4: 1؛ 1 بط 5: 2- 3؛ 3 يو 9).
مهمّة هؤلاء الخدّام هي التبشير بالكلمة وترؤس الصلوات. في سفر أعمال الرسل يروي لوقا إحدى اجتماعات المسيحيين الأوّلين بحضور بولس ورئاسته: فهو الذي يعلّم وهو الذي يكسر الخبز أي يحتفل بسرّ الافخارستيا (اع 20: 7- 11). ويؤكّد بولس أنّ مهمة الخدّام الأولى هي الكرازة (1 تي 4: 13؛ 2 تي 4: 2؛ 1 كو 1: 17).
لكنّ الكرازة يجب ألاَّ تُفصَل عن الصلوات والأسرار. فالمسيح أوصى رسله بأن يتلمذوا ويعمّدوا (متى 28: 19)، ومنحهم السلطة على مغفرة الخطايا (متى 16: 19؛ 18: 18؛ يو 20: 20- 23؛ لو 24: 47) وإقامة الافخاريستيا (1 كو 11: 24- 25؛ لو 22: 19) ومسح المرضى (مر 6: 12).

ثانياً- ناحية العبادة في الخدمة الكهنوتية

لا شكّ أنّ العهد الجديد يشدّد في دور الخدمة الكهنوتية على ناحية الكرازة. وهذا ما أبرزه لوثر. ولكنّ البروتستنتية أهملت ناحية أخرى في الخدمة الكهنوتية هي ناحية العبادة. لذلك يرفض البروتستنت أن يسمّوا مترئّسي الكنائس "كهنة"، لأن لفظة "الكاهن" تذكِّر بكهنوت العهد القديم الذي كان مرتكزاً على ناحية العبادة ولاسيّما على تقديم الذبائح. فمنذ أن أبطل المسيح الذبائح بتقدمة ذاته على الصليب، لم يعد سوى كاهن واحد هو المسيح. أمّا مترئّسو الكنائس فيجب أن يُدعَوا فقط "خدّام" الكلمة و"خدام" الأسرار.
ولكن الكنيسة الكاثوليكية، باستعمالها الألفاظ المتعلقة "بالكهنوت"، لا تعني أنّ كهنوت المسيح هو تكملة لكهنوت العهد القديم. فالمسيح لم يكن كاهناً حسب مفهوم العهد القديم للفظة. فالكاهن هو الوسيط بين الله والناس. إنّ كهنة العهد القديم كانوا وسطاء بواسطة دم الذبائح، أمّا يسوع فكان وسيطاً بتقدمة دمه الخاص. وكهنة العهد الجديد يمكن تسميتهم كهنة، لا لأنهم وسطاء بين الله والناس بتقدمة ذبائح، بل لأنهم، باحتفالهم بسر الافخاريستيا، يجعلون ذبيحة المسيح حاضرة اليوم. وذبيحة المسيح هي ذبيحته على الصليب وذبيحته في حياته كلها.
لقد أنشأ المسيح بحياته وموته كهنوت العهد الجديد المبني على تقدمة الذات وعلى الشهادة بالحياة والكرازة. والكهنة، من صميم رسالتهم، متابعة كهنوت المسيح بتقدمة حياتهم والكرازة بالمسيح. إنّ كهنوتهم هو اشتراك في كهنوت المسيح.
نقرأ في سفر الخروج قول الله لموسى: "هذا ما تصنع لبني هرون لكي تقدّسهم فيصبحوا لي كهنة" (29: 1). مقابل هذا التكريس الكهنوتي، طلب يسوع في صلاته الكهنوتية تقديس الرسل: "أيها الآب، قدِّسهم في الحق، إنّ كلمتك هي حق" (يو 17: 17). إنّ تقديس الرسل هو التقديس في الحق، التقديس الحقيقي، الذي لم يكن تقديس أبناء هرون سوى ظل إزاءه.
لقد فسّرت الرسالة إلى العبرانيين تفسيراً مسهباً الفرق بين كهنوت العهد القديم وكهنوت العهد الجديد. فالمسيح هو وسيط بين الله والناس في عمق كيانه، لكونه إنساناً شاركنا في كل شيء ما عدا الخطيئة (2: 10- 18؛ 4: 15؛ 5: 7) وفي آنٍ معاً ابن الله وأعلى من الملائكة (1: 1- 13). فهو الكاهن الوحيد والأزلي. وقد قرّب نفسه مرة لا غير وكفّر عن خطايا الكثيرين (7: 27؛ 9: 12، 25- 28). لذلك فهو "حيّ على الدوام يشفع فينا" (7: 25).
ان لجوء الكنيسة إلى الألفاظ الكهنوتية قد تمَّ منذ القرن الرابع، ولاسيّما عندما أصبح الكهنة بحاجة إلى أنظمة وقوانين تنظّم حياتهم وتحفظهم في القداسة وفي الطاعة لرؤسائهم. فوجدوا في قوانين العهد القديم وأنظمته الكهنوتية ركيزة وإطاراً جاهزاً لحالتهم الكهنوتية.

الفصل الثَاني
الخِدمَة الكهنوتيَّة في تاريخ الكنِيسَة

1- الآباء الرسوليون (95- 150 بعد المسيح)
في هذه الفترة نشهد تثبيت الخدمة الكهنوتية في درجاتها الثلاث: الأسقف، الكاهن، الشمّاس. ففي كل كنيسة نرى أسقفاً واحداً وحوله مجلساً من الكهنة وشمامسة. في هذا يقول القديس اغناطيوس أسقف انطاكية:
"لا يصنع أحد منكم شيئاً خارجاً عن الأسقف في كل ما يتعلّق بشؤون الكنيسة. فلتُعتبَر وحدها شرعية الافخارستيا التي تُقام برئاسة الأسقف أو من يوكله... كونوا مع الأسقف وأطيعوه كما أطاع يسوع الآب. ومجلس الكهنة كالرسل، وأما الشمامسة فاحترموهم كما تحترمون شريعة الله" (رسالة إلى السميرنيين 8: 1).
هذا التنظيم للكنيسة في ثلاث درجات سيمتدّ من انطاكية إلى آسية الصغرى ثم إلى الكنيسة جمعاء.

2- الكنيسة في القرنين الثاني والثالث
تتوطّد في هذه الفترة سلطة الأسقف وتمتدّ إلى جميع أمور الكنيسة الدينية والمادية، فيصير المسؤول عن صندوق الكنيسة وأموالها وعن إعانة الفقراء ودفع مرتّبات الكهنة والشمامسة. فيصير هؤلاء أكثر ارتباطاً به.
في كتاب "تعليم الرسل"، الذي يعود إلى 230- 250، نرى أنّ الكهنة لا تنتخبهم الجماعة، بل يعيّنهم الأسقف نفسه، ومهمّتهم تقوم على تقديم الاستشارة للأسقف. أمّا الشمامسة فكانوا أقلّ عدداً من الكهنة (عادة سبعة)، ولكن أكثر تأثيراً، لكونهم مرافقي الأسقف المباشرين. فكل من يريد أمراً من الأسقف يطلبه بواسطة الشمامسة.
ومنذ تلك الفترة شعرت الكنائس بضرورة إنشاء القراء والايبوذياكون (أو ما ندعوه الشماس الرسائلي أو الشدياق).

3- الكنيسة بعد قسطنطين
على أثر مرسوم ميلانو (313) الذي يعترف بحرية العبادة، ومرلسوم تسالونيكي (381) الذي يفرض فيه الامبراطور ثيودوسيوس على "جميع شعوب الامبراطورية ديانة الرسول بطرس"، اتّبعت الكنيسة في تنظيمها الادارة المدنية. فالكنائس المحلية تبعت تنظيم الأقاليم والولايات المدنية: أسقف على مدينة، رئيس أساقفة على عاصمة إقليم، متروبوليت على عاصمة ولاية ثم بطريرك على ولاية.
ودرجت العادة في رسامات الأساقفة أن يُرسَم كلّ أسقف على كنيسة واحدة، ومنعت المجامع انتقال الأساقفة من كرسي إلى آخر. ولكن أهميّة بعض الكنائس فرضت عكس ذلك، وأصبح الانتقال من كنيسة إلى أخرى أمراً متواتراً. بحيث أصبح الكاهن أو الأسقف كموظف ينتقل من درجة إلى درجة أعلى بتغيير مركزه. ولكن السعي وراء المراكز والمناصب أفقد الخدمة الكهنوتية أصالتها الإنجيلية.

4- الكنيسة في القرون الوسطى
بقيت الدرجات الثلاث على مدى تاريخ الكنيسة في الشرق والغرب. ولكن ارتباط الأساقفة والكهنة بالسلطة المدنية ازداد ولاسيّما في فترة الاقطاعية، حيث كان كل سيّد مقاطعة يبني كنيسة خاصة له ويوكل اهتمامها لكاهن مرتبط به إدارياً وماديًّا. أمّا رعايا القرى فكان الكاهن فيها يعيش من حسنات المؤمنين، إلى أن تكوّنت الأوقاف المخصّصة لكل رعية. وأصبح الكاهن مديراً لمنظّمة مالية أو لملك يعطي ريعاً معيّناً. وسادت في الغرب عادة شراء المراكز الدينية التي تعطي ريعاً أوفر. كما ساد أيضاً الفساد الخلقي بين رجال الاكليروس. مما حمل البابا غريغوريوس السابع في القرن الحادي عشر على إصلاح الكنيسة في هذين المجالين. ولكنّ الأمور لم تتحسّن كثيراً، وكان انحطاط الاكليروس من الدوافع التي حملت لوثر على إعلان ثورته ضد رجال الاكليروس ورفضه سرّ الكهنوت، وعدم قبوله كهنوتاً آخر غير كهنوت العلمانيين شعب الله.
المجمع التريدنتيني (1563) حدّد لاهوت الكهنوت لدى الأساقفة والكهنة من جهة وعمل على إصلاح الكنيسة بإعداد الاكليروس إعداداً كافياً، فأنشأ الاكليريكيات التي تركّز على التثقيف الروحي لكهنة الغد، ولكن انطلاقاً من نظرة كهنوتية محورها خدمة الطقوس الدينية وتوزيع الأسرار والتثقيف النظري الفلسفي واللاهوتي.

5- الكنيسة المعاصرة: المجمع الفاتيكاني الأول والمجمع الفاتيكاني الثاني
المجمع الفاتيكاني الأول (1870) ركّز في لاهوت الكهنوت على دور الأساقفة في الكنيسة، ولاسيّما على دور البابا، فأعلن عقيدة أوّليته على سائر الأساقفة وعصمته في أمور العقيدة. وتوقّفه بسبب الحرب حالَ دون متابعة التوسع في دور سائر الخدمات الكهنوتية، ولا سيّما الأساقفة.
المجمع الفاتيكاني الثاني، في دستوره العقائدي في الكنيسة، وفي قرارين حوله مهمة الأساقفة وخدمة الكهنة، تابع عمل ما أهمله المجمع الفاتيكاني الأول.
أ) في دستوره العقائدي في الكنيسة
تبدو الخدم الكهنوتية ليس فوق شعب الله، بل كخدم عضوية داخل الشعب. وقبل إعلان الخدم الكهنوتية، يؤكد المجمع كهنوت جميع المؤمنين (رقم 10).

ب) في قراره في مهمّة الأساقفة
يؤكّد المجمع الأمور التالية:
- المسؤولية الجماعية للأساقفة: "كلّ منهم مسؤول عن الكنيسة مع سائر الأساقفة" (رقم 6).
- "الكنيسة المحلّية" هي النواة الأولى للكنيسة (رقم 11).
- استقلال الأساقفة بالنسبة إلى السلطات المدنية (رقم 19) التي يجب أن تتخلّى عن امتيازاتها في "اختيار وتعيين، وتقديم وتسمية الأشخاص للمهمّة الأسقفيّة" (رقم 20).
- ضرورة تقديم استقالتهم عندما يصيرون، "لتقدّمهم في السنّ أو لسبب آخر خطير، أقلّ كفاءة للقيام بمهمّتهم" (رقم 21).
- كما أعاد المجمع إنشاء "المجامع الأسقفية" (رقم 37- 38).

ج) في قراره المجمعي "في خدمة الكهنة الرعائية وحياتهم"
يؤكّد هذا القرار المجمعي الناحية الرعائية لخدمة الكهنة وحياتهم. ولكنه في الوقت نفسه يحدّد مهام الكهنة.
- العنوان يعود بنا إلى اللفظة التي كانت الكنيسة تطلقها على الكهنة (الشيوخ أو القدامى).
- الفصل الأوّل: "واقع الكهنة في رسالة الكنيسة": يبدأ بكهنوت جميع المسيحيين، ثم يؤكّد أنّ جسد المسيح "ليست فيه لجميع الأعضاء الوظيفة عينها" حسب قول بولس الرسول (رو 12: 4). فالكهنة يشتركون في كهنوت الأساقفة خلفاء الرسل (2). والكهنة ليسوا خارج الشعب، بل "أُخذوا من الناس، لأجل الناس في علاقاتهم مع الله، لكي يقرّبوا تقادم وذبائح من أجل الخطايا. لذلك يعيشون مع سائر الناس كما يعيش الاخوة" (3).
- الفصل الثاني: "في خدمة الكهنة الراعوية"، يوضح مهمّة الكهنة في الكنيسة (4- 6)، ثم يتكلّم عن علاقات الكهنة بعضهم مع بعض ومع الأساقفة ومع العلمانيين (7- 9)، وعن مسؤولية الكهنة الرسولية "فعلى الكهنة أن يتذكّروا أنّ من واجبهم أن يحملوا همَّ جميع الكنائس. وهكذا فليكن كهنة الأبرشيا الغنيّة بالدعوات على أهبة الذهاب بطيّب القلب، بإذن أسقفهم أو بدعوة منه، لمزاولة خدمتهم في بلدان، أو رسالات، أو نشاطات تعافي نقصاً في عدد الكهنة" (10).
- الفصل الثالث "حياة الكهنة": يؤكّد المجمع في هذا الفصل على: 1- دعوة الكهنة إلى القداسة، 2- المقتضيات الروحية الخاصة في حياة الكهنة ولا سيّما التواضع والطاعة (15)، والعفّة والعزوبة (16)، المتاع المادي والفقر (17). 3- وسائل مختلفة في خدمة حياة الكهنة، ولا سيّما الحياة الروحية، والحياة الثقافية والحياة المادية. ويختم بتحريض على تخطّي الصعوبات الملازمة للحياة الكهنوتية ولاسيّما في العصر الحاضر، واثقين بوعد المسيح وبقيادة روح الرب.
الفصل الثالِث
النَظَرةُ اللاّهُوتيَّة إلى الخِدمَةِ الكَهنُوتيّة

أولاً- كهنوت المؤمنين وكهنوت الخدمة

ان الله يدعو بعض المسيحيين إلى الخدمة الكهنوتية. ولكن المسيحيين جميعاً يشتركون في كهنوت المسيح، لأنهم، بالمعمودية، يصيرون أعضاء في جسد المسيح. فما الذي يميّز هذين النوعين من الكهنوت؟

1- كهنوت المؤمنين المشترَك
الكنيسة كلّها متّسمة بطابع الخدمة الكهنوتية. وجميع أعضاء شعب الله هم كهنة. فانهم، بالمعمودية يصيرون أعضاء للمسيح، ويشتركون بالتالي في رسالته كمعلم وكاهن وملك. هذا ما تدعوه الكنيسة "كهنوت المؤمنين المشترك"، لأنه مشترك بين جميع المسيحيين، علمانيين وكهنة. وفكرة الكهنوت المشترك هذه تعود إلى العهد الجديد. فيقول بطرس في رسالته الأولى:
"ابنوا من أنفسكم، كمِن حجارة حية، بيتاً روحياً، كهنوتاً مقدّساً، لإصعاد ذبائح روحية، مقبولة لدى الله بيسوع المسيح... أنتم جيل مختار، كهنوت ملوكي، أمّة مقدسة، وشعب مُقتَنى لتشيدوا بحمد الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب، أنتم الذين لم يكونوا من قبل شعباً، وأمّا الآن فشعب الله، ولم يكونوا مرحومين، وأمّا الآن فمرحومون" (2: 5- 10).
وقد أكّد المجمع الفاتيكاني الثاني كهنوت المؤمنين المشترك في دستوره العقائدي في الكنيسة:
"إنّ المسيح الرب، الحبر المأخوذ من بين الناس، قد جعل من الشعب الجديد "ملكوتاً وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6؛ 5: 9- 10). ذلك بأنّ المعمّدين قد تكرّسوا بالميلاد الثاني ومسحة الروح القدس لكي يكونوا مسكناً روحيًّا وكهنوتاً مقدّساً، ويقرّبوا بعملهم المسيحي كلّه قرابين روحية، ويعلنوا قدرة ذاك الذي دعاهم من الظلمة إلى نوره العجيب. فليقرّب إذن جميع تلاميذ المسيح أنفسهم، مواظبين على الصلاة وحمد الله (أع 2: 42- 47)، قرابين حيّة، مقدسة، مرضيّة لله (رو 12: 1)، ويشهدوا للمسيح في كل مكان، ويقيموا الدليل، في كل مطلب، على الرجاء الذي فيهم للحياة الأبدية (1 بط 3: 15).
"إنّ كهنوت المؤمنين المشترَك وكهنوت الخدمة الراعوية أو الرئاسة مترابطان كلاهما بالآخر وإن اختلفا في الجوهر لا في الدرجة فقط. ذلك بأنّ كلا هذا وذاك يشتركان، كلٌّ على نحوٍ خاص، في كهنوت المسيح الواحد. فكهنوت الخدمة يُنشئ، بما له من سلطان مقدّس، الشعب الكهنوتي، ويقوده، ويقيم، في وظيفة المسيح، الذبيحة الافخارستية، ويقرّبها إلى الله باسم الشعب كله. وأمّا المؤمنون فيشتركون بكهنوتهم الملوكي في تقديم الافخارستيا، ويمارسون هذا الكهنوت بقبولهم الأسرار، ثم بالصلاة والحمد وشهادة السيرة المقدسة، ثم بالكفر بالذات والمحبة الفعّالة".
من هذا النص نستنتج الأمور التالية:
- المسيحيون هم جميعاً كهنة، بالمعمودية والتثبيت. إنّ المسحة التي يُمسَحون بها تمنحهم الروح القدس، فيكرَّسون كهنة. تذكّر تلك المسحة بالمسحة التي كان الكهنة في العهد القديم يُمسَحون بها. إلاَّ أنّ مسحة العهد الجديد، مسحة الروح القدس التي مُسح بها يسوع للتبشير والكرازة (راجع لو 4: 18 "روح الرب عليّ، وقد مسحني لأُبشِّر المساكين")، ثم مُسح بها التلاميذ بحلول الروح القدس عليهم يوم العنصرة، تشمل كل إنسان، حسب قول يوئيل النبي: "سيكون في الأيّام الأخيرة أنّي أفيض من روحي على كلّ بشر فيتنبّأ بنوكم وبناتكم" (يؤ 2: 28؛ أع 2: 17).
- يمارس المسيحيون كهنوتهم بتقدمة حياتهم وأعمالهم ذبائح روحية، وبالشهادة للمسيح في كل مكان، وبالاشتراك في الصلوات والأسرار، ولاسيّما الافخارستيا.

2- كهنوت الخدمة الراعوية
جميع المسيحيين هم إذاً كهنة بمسحة الروح القدس. وكيانهم البشري يتكرّس باشتراكهم في تكريس المسيح. جميع المسيحيين يشتركون على حدّ سواء في السمة الكهنوتية التي تتّسم بها الكنيسة جسد المسيح. إلاَّ أنّ بعضاً منهم توكَل إليهم مهمّة خاصة في هذا الجسد. فالفرق بين النوعين من الكهنوت ليس على صعيد كيان المسيحي والكاهن، بل على صعيد المهمة في الجسد.
هذا الفرق توضحه جيّداً طقوس الأسرار. فكهنوت المؤمنين المشترَك يُمنَح بالتغطيس بالماء في المعمودية ومسحة الميرون في التثبيت. فبالمعمودية يشترك المسيحي في موت المسيح وقيامته ويصبح عضواً فيه، وبالتثبيت يُمنَح "ختم موهبة الروح القدس"، وكلا السرّين يتعلّقان بكيان المسيحي فيجدّدانه ويجعلانه كائناً جديداً على صورة المسيح، إنساناً ممتلئاً من روح الله، مسكناً وهيكلاً للروح. فإذا حدّدنا الكهنوت الوساطة بين الله والناس، يتّضح لنا أنّ تلك الوساطة قد تحقّقت في شخص المسيح الذي هو إله وإنسان معاً، وتتحقّق في كل إنسان يصير عضواً للمسيح. كهنوت المؤمنين هو إذاً على صعيد الكيان.
أمّا كهنوت الخدمة فيُمنَح "بوضع اليد". ووضع اليد يعني إعطاء سلطة ومهمّة خاصة. فكهنوت الخدمة يمنح الكاهن مهمّة خاصة. ما هو قوام تلك المهمّة ومضمونها؟
أ) كهنوت الخدمة هو وظيفة عضوية في جسد المسيح
من الخطأ اعتبار كهنوت الخدمة سرًّا يُمنَح لقداسة الكاهن الشخصية. فالمسيحي لا يصير كاهناً" ليخلّص نفسه". نذكر هنا قول القديس اوغسطينوس لأبناء أبرشيته: "لَئِن هالني ما أنا لكم، فما أنا معكم يعزّيني: فلكم أنا أسقف، ومعكم أنا مسيحي. ذاك اسم مهمّة، وهذا اسم نعمة، ذاك عنوان خطر وهذا عنوان خلاص". الكهنوت خدمة في الكنيسة، وظيفة عضوية في جسد المسيح. وعندما يتكلم بولس الرسول عن الخِدَم المختلفة يعتبرها مواهب لخدمة الكنيسة:
"أنتم جسد المسيح، وأعضاء كلّ بمقدار: فلقد وضع الله البعض في الكنيسة أولاً رسلاً وثانياً أنبياء وثالثاً معلّمين، ثم من أوتوا موهبة العجائب، فواهب الشفاء، فالإعانة، فالتدبير، فأنواع الألسنة" (1 كو 12: 27- 28).
لا يمكننا التعريف بكهنوت الخدمة في ذاته بل في دوره في الكنيسة، والخدمة التي يؤدّيها فيها. كما لا يمكننا اعتبار كهنوت الخدمة فوق الجماعة المسيحية أو مستقلاًّ عنها. كهنوت الخدمة وظيفة، ولكن ليس وظيفة اجتماعية، بل وظيفة عفوية لا معنى لها خارج الجسد. فالقلب والرئة واليد والرِّجل والأُذُن والعين لا يمكن التعريف بها في ذاتها أو مستقلّة عن الجسد، بل من خلال دورها في الجسد. كذلك كهنوت الخدمة يؤدّي مهمة في الجسد لا يستطيع العلمانيون القيام بها عوضاً عنه. وكما أنّ "العين لا تستطيع أن تقول لليد: لا حاجة لي إليك، ولا الرأس للرجلين: لا حاجة لي إليكما" (1 كو 12: 21)، كذلك لا يستطيع الكاهن أن يقول للعلمانيين لا حاجة لي إليكم، ولا العلمانيون للكاهن: لا حاجة لنا إليك.
إنّ سير الأعضاء المختلفة الحسن يضمن صحة الجسد كلّه ونموّه المنسجم. هكذا في الكنيسة. فالمسيح، حسب قول بولس الرسول، "هو الذي أعطى بعضاً أن يكونوا رسلاً، وبعضاً أنبياء، وبعضاً مبشّرين، وبعضاً رعاة ومعلّمين، منظّماً هكذا القدّيسين لأجل عمل الخدمة في سبيل بنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى الوحدة في الإيمان وفي معرفة ابن الله، إلى حالة الإنسان البالغ، إلى مثل اكتمال المسيح" (أف 4: 11- 13).

ب) كهنوت الخدمة هو استمرار لدور المسيح رأس الكنيسة
لقد افتدى المسيح البشريّة وكوَّن بدمه الشعب الجديد وأرسل روحه القدّوس ليحيي هذا الشعب. وهو لا يزال حيًّا يقود الكنيسة إلى مل الحياة الإلهية. انه رأس الجسد. كهنوت الخدمة لا يحلّ محلّ المسيح، والكاهن ليس مسيحاً آخر بقدر ما هو "سرّ المسيح"، أي العلامة المنظورة للمسيح غير المنظور. في اف 4: 5- 16، يتكلّم بولس الرسول عن "المفاصل" التي تتعاون لينمو الجسد ويرتقي "إلى من هو الرأس، أي المسيح، الذي منه ينال الجسد كله التنسيق والوحدة". فالدور الذي تقوم به المفاصل في الجسد يقوم به كهنوت الخدمة في الكنيسة.
فالرأس يضمن التنسيق والوحدة بين أعضاء الجسد. لا شك أن المسيحيين كأفراد يستطيعون أن يتّصلوا بالمسيح وبالله. وهذا ما أكّده لوثر. ولكن الكنيسة ليست مجموعة أفراد، بل جسد منسَّق ومنسجم. فدور الكهنوت في نظر الكنيسة الكاثوليكية والارثوذكسية هو العمل على "حفظ رباط الروح" بين أعضاء الجسد الواحد. لقد شدّد لوثر على عمل الروح داخل كل مسيحي، وشدّد على دور كل مسيحي في العمل على وحدة الجسد. ولكنه أهمل أمراً هامًّا في الكنيسة، وهو دور الكهنوت في التعبير عن وحدة الجسد وربط جميع الأعضاء بعضهم ببعض وبالأسقف، ومن خلال الأسقف بجماعة الأساقفة في العالم أجمع ومن خلال الأساقفة بالرسل وبالحدث التأسيسي للكنيسة، أي بحياة المسيح وموته وقيامته.

ج) الخدم الكهنوتية هي مواهب من الروح القدس
كل خدمة هي "موهبة" يمنحها الروح القدس لمنفعة الكنيسة كلّها:
"إن الخِدَم على أنواع، إلاَّ أنّ الربّ واحد. إنّ الأعمال على أنواع، إلاَّ أنّ الله واحد، هو يعمل كل شيء في الجميع. وكلّ واحد إنّمَا يُعطى إظهار الروح للمنفعة العامّة" (1 كو 12: 5- 7).
الجماعة المسيحية لا تختار هي نفسها كهنتها ولا تمنحها هي سلطتهم ومهمّتهم. إنّمَا تميّز من بين أعضائها من وهبهم الروح تلك الموهبة. لذلك في صلوات رسامة الكهنة، ينادى على المرتسم: "هذا هو العبد المختار من الله ومن الروح الكليّ قدسه... المزمع أن يرتسم شمّاساً أو كاهناً أو أسقفاً". وكذلك يقال في صلوات وضع اليد: "النعمة الإلهية التي في كل حين تشفي المرضى وتكمّل الناقصين هي تنتدب فلاناً..."؛ "أيّها الربّ إلهنا، يا من بسابق معرفته، يرسل موهبة روحه القدوس على المنتدَبين من قوّته التي لا يُستَقصى أثرها لأن يكونوا خدّاماً كهنوتيين لخدمة أسراره الطاهرة...".

ثانياً- أبعاد الخدمة الكهنوتية

الخدمة الكهنوتية تضمن استمرار شعب الله وتعمل على بناء جسد المسيح. وتلك الخدمة تتمّ في ثلاثة ميادين: الكلمة، والأسرار، والرعاية.

1- خدمة الكلمة
لقد أنشأ المسيح الكنيسة أوّلاً بالكرازة بالكلمة. وأرسل تلاميذه للغرض نفسه. وفي هذا يقول بطرس الرسول: "لقد وُلِدتم ثانية، لا من زرع فاسد بل من زرع غير فاسد، بكلمة الله الحيّة الخالدة" (1 بط 1: 23). إنّ الإيمان بحاجة إلى التبشير بالكلمة: "كيف يؤمنون به ولم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون به بلا مبشِّر؟ وكيف يبشِّرون إن لم يُرسَلوا؟... فالإيمان إذاً من البشارة، والبشارة بأمر من المسيح" (رو 10: 14- 18).
يقول المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي لي الكنيسة:
"إنّ أولى مهامّ الأسقفيّة الرئيسة هي الدعوة بالإنجيل. ذلك بأن الأساقفة هم روّاد الإيمان فيجلبون للمسيح أتباعاً جدداً، وهم المعلّمون الأصيلون الذين قُلِّدوا سلطة المسيح، فيعلنون للشعب الذي ائتُمِنوا عليه بالإيمان الذي يجب أن ينظّم تفكيره ومسلكه، ويشيعون هذا الإيمان بهدي الروح القدس، ويستخرجون من كنوز الوحي جُدُداً وعُتُقاً (متى 13: 52)، ويجعلون الإيمان يؤتي ثماره، ويعملون بيقظة على إقصاء جميع الأضاليل التي تهدّد رعاياهم".
وفي قراره في خدمة الكهنة الرعائية وحياتهم، يتوسّع المجمع في "وظائف الكهنة"، فيبدأ بخدمة الكلمة:
"يجتمع شعب الله أولاً بكلمة الله الحي التي يخلق أن تُرتَقَب من فم الكاهن خصوصاً. وإذ لا قِبَل لأحد بالخلاص ما لم يكن قد آمن أولاً، فوظيفة الكهنة الأولى بحكم كونهم معاوني الأساقفة، أن يبشّروا بإنجيل الله في جميع الناس. وبهذا يلبّون أمر الرب. "إذهبوا في العالم كله، وبشّروا بالإنجيل الخليقة كلّها" (مر 16: 15). وهكذا يلدون شعب الله ويزيدونه نماء: فكلمة الخلاص هي التي توقظ الإيمان في قلوب غير المسيحيين، وتغذّيه في قلوب المسيحيين، وهي التي تلد وتنمي جماعة المسيحيين. فالرسول يقول: "فالإيمان من البشارة، والبشارة بأمر من المسيح". فالكهنة إذاً هم لجميع الناس. وعليهم أن يشركوهم في حقيقة الإنجيل التي آتاهم الربّ إيّاها، ومن ثم فسواء سلكوا بين الأمم السلوك الحسن لاستمالتهم إلى تمجيد الله، أو بشَّروا جهاراً لإعلان سرّ المسيح لغير المؤمنين، أو فصّلوا التعليم المسيحي وبسطوا معتقد الكنيسة، أو درسوا على نور المسيح معضلات عصرهم، فعليهم في جميع هذه الأحوال، ألاّ يعلّموا حكمتهم الخاصة بل كلمة الله، وأن يدعوا جميع الناس بإلحاح إلى الهداية والقداسة. ولا جرم أنّ تلك الكرازة الكهنوتية، في وضع العالم الراهن، صعبة جدًّا في غالب الأحيان، لأنّها، إن أرادوا البلوغ بها حقًّا ذهن المستمعين، يجب ألاّ تقتصر على عرض كلمة الله بصورة عامة ونظرية، بل أن تطبّق أيضاً حقيقة الإنجيل الخالدة على أحوال الحياة الظاهرة.
"فهناك إذاً طرُق عديدة لممارسة خدمة الكلمة وفقاً لحاجات السّامعين المختلفة ومواهب المبشِّرين الخاصة: ففي البلدان أو الأوساط غير المسيحية يجلب الناس بالدعوة بالإنجيل إلى الإيمان وأسرار الخلاص. وأمّا في الجماعات المسيحية، ولاسيّما الذين ينقصهم الإيمان أو الفهم لما يمارسونه عمليًّا، فلا بدّ من إعلان الكلمة في خدمة الأسرار، التي هي أسرار الإيمان، والإيمان تعوزه الكلمة ليولد ويتغذّى. وهذا يصحّ خصوصاً في ليتورجيّا الكلمة في القدّاس، حيث يتّحد اتحاداً لا ينفصل إعلان موت الرب وقيامته وجواب الشعب الذي يصغي إليه وتقدمة المسيح نفسها التي بها ختم بدمه العهد الجديد، واشتراك المسيحيين في هذه التقدمة بالصلاة واقتبال السرّ" (رقم 4).

2- خدمة الأسرار 
خدمة الكلمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بخدمة الأسرار. والكلمة التي يكرز بها الكهنة يجب أن تقود الشعب إلى الاتحاد بالمسيح بالأسرار، وإلى تكوين جماعة مسيحية تحيا من الحياة الإلهية الواحدة. فالكاهن هو خادم المسيح وخادم الجماعة التي يقودها لتصير جسداً واحداً في المسيح. لذلك يعلن المجمع الفاتيكاني الثاني أنّ "الاجتماع الافخارستي هو النقطة المركزية في الجماعة المسيحية التي يرئسها الكاهن" (رقم 5 من القرار في خدمة الكهنة الرعائية وحياتهم).
إنّ هذين البعدين للخدمة الكهنوتية تعبّر عنهما بوضوح صلوات الرسامة. ففي رسامة الكاهن في الطقس البيزنطي، يقول الأسقف في صلاة وضع اليد الثالثة:
"أيّها الإله العظيمة قدرته والغير المستقصى فهمه والعجيبة آراؤه فوق بني البشر، أنت يا رب املأ عبدك هذا، الذي ارتضيت أن يدخل في الدرجة الكهنوتية، موهبة روحك القدوس، لكي يصير أهلاً لأن يقف بلا عيب أمام مذبحك، ويكرز بإنجيل ملكوتك، ويخدم كلمة حقك، ويقدّم لك قرابين وذبائح روحية، ويجدّد شعبك بحميم إعادة الولادة".
وفي رسامة الأسقف تُتلى الصلاة التالية: "... أنت أيها المسيح اجعل هذا، المقام مدبّراً لنعمة رئاسة الكهنوت، مقتدياً بك أيّها الراعي الحقيقي، واضعاً نفسه عن خرافك، مرشداً للعميان، نوراً للّذين في الظلام، مؤدّباً للجهّال، معلّماً للأطفال، مصباحاً في العالم، حتى يثقّف النفوس المؤتمن عليها في الحياة الحاضرة..."

3- قيادة شعب الله- خدمة الرعاية
إنّ تصميم الله هو "أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كلّ شيء، ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 10). فالبعد الثالث للخدمة الكهنوتية يقوم على تجسيد عمل المسيح الراعي الذي يجمع كلّ المسيحيين في جماعة عضوية، في شعب واحد لله، بحيث تصغي الرعية كلها لصوت المسيح "لتصير رعية واحدة لراعٍ واحد" (يو 10: 16).
يقول المجمع الفاتيكاني الثاني في قراره "في مهمة الأساقفة الراعوية": "ليكن الأساقفة في وسط شعوبهم كالذين يخدمون وهم يمارسون مهمّة الأب والراعي. وليكونوا رعاة صالحين يعرفون نعاجهم ونعاجهم تعرفهم، وآباء حقيقيين ينسامون بروحهم المُحِبَّة والمخلصة نحو الجميع... عليهم أن يجمعوا كل رعيتهم، تلك العائلة الكبيرة، وينعشوها، بحيث يدرك الكلّ واجباتهم ويعيشون في شركة من المحبة ويعملون فيها" (رقم 16).
أمّا عن دور الكهنة من هذا القبيل فيقول المجمع: "يمارس الكهنة، على مستوى سلطتهم، وظيفة المسيح الرأس والراعي. فباسم الأسقف، يجمعون أسرة الله، جماعة الاخوة التي تسكن فيها دينامية الوحدة، ويقودونها بالمسيح، في الروح القدس، نحو الله الآب... وعلى الكهنة، بحكم كونهم مؤدّبين في الإيمان، أن يهتمّوا، بأنفسهم أو بسواهم، بأن يبلغ كلّ مسيحي، في الروح القدس، تفتّح دعوته الشخصية بحسب الإنجيل، والمحبة الصادقة الفاعلة، والحرية التي حرّرنا المسيح بها... وينشّئون أيضاً المسيحيين على أن لا يحيوا لأنفسهم فقط، بل أن يجعلوا في خدمة الآخرين، على ما تقتضيه شريعة المحبة الجديدة، ما ناله كلّ منهم من موهبة لكي يؤدّي الجميع، كمسيحيين، الدور المنوط بهم في مجتمع الناس.
"لا جرم أنّ الكهنة للجميع، وإنّما عليهم أن يعتبروا أنّ الفقراء والصغار بعهدتهم على وجه خاص. ذلك بأنّ الرب نفسه قد أظهر نحوهم أنّهم موضع همّه، ولا سيّما في تقدّمهم الروحي من أجل منفعة الكنيسة كلّها. وأخيراً يهتمّون اهتماماً كبيراً بالمرضى والمحتضرين فيعودونهم ويشدّدونهم في الرب.
"ثم إنّ وظيفة الراعي لا ننحصر في مساندة المسيحيين فرديًّا، وإنّما من مهامّها الخاصة أيضاً أن تربّي جماعة مسيحية صحيحة. ولكنّ الروح الجماعي لا ينمو حقًّا إلاَّ إذا تعدّى حدود الكنيسة المحليّة ليشمل الكنيسة الجامعة. فيجب على الجماعة المحلّية ألاّ تقصر اهتمامها على مؤمنيها وحدهم فقط، وإنّما عليها أن تتحلّى بالروح الرسولي، وتشقّ لجميع الناس طريقاً إلى المسيح...
"والكهنة إذ يبنون الجماعة المسيحية لا يكونون أبداً في خدمة عقائدية أو حزب بشري، وإنما يقفون قواهم، بصفة كونهم روّاد الإنجيل ورعاة الكنيسة، على إنماء جسد المسيح روحيًّا" قرار في خدمة الكهنة الرعائية وحياتهم، 6).
إنّ رسالة كهذه تتطلّب تهيئة مناسبة. لذلك أصدر المجمع الفاتيكاني الثاني قراراً "في تنشيّة الكهنة" يؤكّد فيه ضرورة إعداد الكهنة إعداداً كاملاً فيُهيَّأُوا لخدمة الكلمة وخدمة الصلاة والأسرار وخدمة الراعي (رقم 4- 21).. ثم لفت المجمع الانتباه إلى أهميّة "متابعة التثقيف الكهنوتي حتى بعد الانتهاء من مرحلة الدراسة في المعاهد الاكليريكية"، بسبب التطوّر السريع الذي يعيش فيه المجتمع المعاصر (رقم 22).

ثالثاً- كهنوت الخدمة سرّ من أسرار الكنيسة

لقد عاشت الكنيسة الخدمة الكهنوتية منذ أيّام الرسل كموهبة من الروح القدس وكوظيفة عضوية في جسد المسيح. أمّا اعتبار الخدمة الكهنوتية سراً من أسرار الكنيسة السبعة فلم يتّضح إلاَّ مع اتّضاح الفكرة اللاهوتية للأسرار وتحديد عددها. وقد ظهر ذلك في الكنيسة الغربية التي حدّدت عدد الأسرار في القرن الثاني عشر. وقد قبلت الكنيسة الأرثوذكسية هذا التحديد في اعتراف الإيمان الذي أعلنه الامبراطور ميخائيل باليولوغوس بمناسبة مجمع الاتحاد الذي انعقد في ليون سنة 1274.

1- لماذا تعتبر الكنيسة الخدمة الكهنوتية سرّاً؟
أمّا الأسباب التي دعت الكنيسة إلى اعتبار الخدمة الكهنوتية سراً من الأسرار السبعة فهي التالية:
- أولاً لأنّه يرقى إلى إرادة المسيح نفسه الذي اختار بعض رسله، وأقامهم خدّام الكرازة: "لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم" (يو 15: 16)، "كما أنّ الآب أرسلني كذلك أنا أُرسلكم... خذوا الروح القدس. فمَن غفرتم خطاياهم غُفِرت لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَت" (يو 20: 21- 23).
- ثانياً لأنّ الخدمة الكهنوتية تمنح من يقبلها نعمة خاصة، كما جاء في قول بولس لتيموثاوس: "أذكّرك أن تذكي فيك الموهبة التي آتاكها الله بوضع يدي" (2 تي 1: 6، راجع أيضاً 1 تي 4: 14).
- ثالثاً لأنّ النعمة التي يمنحها هي لخدمة الكنيسة. يقول أحد اللاهوتيين الارثوذكسيين: "كلّ سرّ يجب أن يُعطَى في الكنيسة وبواسطة الكنيسة ولأجل الكنيسة" ثم يضيف: "لا وجود في السرّ لأيّ فردية تعزل العمل والذي يقبله. كلّ سرّ إنّمَا يترجّع صداه في جسد كلّ المؤمنين. كلّ معمودية وتثبيت ولادة في الكنيسة التي تغتني بعضو فيها. كلّ مغفرة وحلّة تردّ التائب إلى الكنيسة، إلى "شركة القديسين". في كل إفخارستيا "نحن الذين اشتركنا في الخبز الواحد والكأس الواحدة نصير متّحدين بعضنا ببعض في شركة الروح القدس الواحد" (ليتورجيا القديس باسيليوس). رسامة أسقف تؤمّن الافخارستيا التي هي ظهور الكنيسة. وسرّ الزواج يُدخِل شاباً وفتاة إلى الجماعة الافخارستية في حياتهم الزوجية الجديدة. فالكهنوت يعطى في الكنيسة بواسطة الأسقف الذي يمثّل الكنيسة واشتراك الشعب الذي يؤكّد عمل الأسقف بهتاف آكسيوس (مستحق). والكهنوت يعطى لخدمة الكنيسة والافخارستيا التي فيها يظهر كيان الكنيسة بأجلى بيان.

2- رتبة سرّ الخدمة الكهنوتية
تتكوّن رتبة سرّ الخدمة الكهنوتية من أمرين أساسيين: وضع اليد والصلاة الابتهالية لمنح الروح القدس. ووضع اليد أمر تقليدي في الكنيسة منذ الرسل، وقد اتخذته الكنيسة الأولى عن التراث الشرقي القديم، وهو مرتبط بمنح البركة والسلطة.

3- درجات سرّ الخدمة الكهنوتية
ابتداءً من اغناطيوس الانطاكي، كما سبق ورأينا، يشمل سرّ الخدمة الكهنوتية ثلاث درجات: الشمّاس والكاهن والأسقف. إنّ المسيح لم ينشئ مباشرة إلاَّ خدمة الرسل الاثني عشر. منذ الرسل والكنيسة الرسولية الأولى نُظِّمت الخدمة الكهنوتية بهذا الشكل الثلاثي. ولكن من الناحية اللاهوتية لا شيء يمنع الكنيسة من تطوير هذا التنظيم وفقاً للأمكنة والأزمنة، مع احترام إرادة المسيح في إنشاء كنيسة تأتلف فيها خدم متنوعة لبنيان جسد المسيح.

4- وسم السرّ الكهنوتي
هناك ثلاثة أسرار تمنح من يتقبّلها "وسماً" خاصًّا. إنّ تلك الفكرة قد أدخلها اللاهوت الغربي، انطلاقاً من أنّ تلك الأسرار لا تعطى إلاَّ مرة واحدة. وهي المعمودية والتثبيت والخدمة الكهنوتية.
لكن يجب التنبيه بأنّ وسم المعمودية والتثبيت يتعلق بكيان المسيحي. أمّا وسم الكهنوت فيتعلّق بمهمّة الكاهن، لا بكيانه. فالسؤال الذي يُطرَح اليوم هو التالي: إذا أُعفي كاهن من مهامّه الكهنوتية، فهل يبقى كاهناً؟ الجواب التقليدي في الكنيسة الكاثوليكية هو دون شك: نعم، يبقى كاهناً، حتى ولو أُعفي أو مُنعِ من ممارسة كهنوته. وهذا الجواب ناتج عن تمييز وُضِع في القرون الوسطى بين "الوسم" الذي يمنح سلطة للكاهن، "والنعمة" الكهنوتية. يبدو هذا التمييز للبعض اعتباطيًّا، لأنّ النعمة الكهنوتية هي نعمة للخدمة، وهي نفسها "الموهبة" التي يتكلّم عنها بولس الرسول في رسالته إلى تيموثاوس (1 تي 4: 14؛ 2 تي 1: 6). إلاَّ أنّ التمييز بين السلطة والنعمة هو ضروري للتأكيد على أنّ الكاهن، وإن فقد بسلوكه غير اللائق النعمة الكهنوتية، لا يزال يتمتع بالسلطة الكهنوتية. بحيث إنّه يمنح الأسرار منحاً صحيحاً، ولو منحها وهو في حالة الخطيئة المميتة. هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلنا نميّز بين "النعمة الكهنوتية" و"الوسم الكهنوتي". فاذا أُعفي كاهن من ممارسة كهنوته وأُعيد إلى الحياة العلمانية، فهل يبقى فيه الوسم الكهنوتي وما يتضمّنه من سلطة؟ تؤكّد الكنيسة الكاثوليكية بقاء هذا الوسم والسلطة، ولكنّها تمنعه من ممارسة سلطته، إلاَّ في ظروف استثنائية أو على طلب منها.

رابعاً- كهنوت الخدمة والزواج

هناك موضوع طُرِح في الكنيسة منذ بولس الرسول، ولا يزال يُطرَح اليوم، وهو مدى ارتباط الخدمة الكهنوتية بالبتولية. لهذا الموضوع جوانب متعددة، يمكن الاحاطة بها من خلال السؤالين التاليين:
1- هل يجوز قبول رجال متزوجين في كهنوت الخدمة في مختلف درجاته، ولا سيّما في الشموسية والكهنوت والأسقفيّة؟
وإذا جاز ذلك فكيف يجب أن تكون حياة هؤلاء الزوجية؟ هل يسمح لهم دون قيد أو شرط ممارسة العلاقات الزوجية، بما في ذلك العلاقات الجنسيّة وإنجاب البنين؟
2- هل يجوز للشمامسة والكهنة والأساقفة أن يتزوّجوا بعد رسامتهم؟

1- لمحة تاريخية
أ) قبول رجال متزوّجين في كهنوت الخدمة
إنّ أقدم قانون في هذا الموضوع يعود إلى "قوانين الرسل القديسين"، وهي مجموعة من القوانين ترجع إلى حوالى السنة 300. يقول القانون الخامس:
"لا يجوز لأسقف أو شماس أن يصرف عنه امرأته بحجّة الورع. فإن أبعدها فليُقطعَ من الشركة، وإنْ أصرّ على ضلاله فليسقط".
* في مجمع القبّة "ترولّو" الذي انعقد في القسطنطينيّة سنة 692، يقول القانون 12: "إنّه، وإن كان قد حُدّد سابقاً أنّ الزوجة يجب ألاّ تفصَل، فنحن، إذ ننصح باتّباع ما هو أفضل، نأمر بأنّه لا يجوز لأسقف بعد الآن أن تسكن معه زوجته". فإن دُعي أحد إلى الأسقفيّة وكان متزوّجاً، وجب عليه الانفصال عن امرأته، على أن يتمّ ذلك برضى الطرفين، وعندئذٍ تدخل امرأته أحد الديورة، حسب قول المجمع نفسه في القانون 48: "يجب على المرأة التي تنفصل عن الذي سيُنصَّب أسقفاً أن تدخل من بعد سيامته إلى دير في مكان بعيد عن مركز كرسيّه. وعلى الأسقف أن يقدّم لها كلّ ما تحتاج إليه".
يبدو أنّه ابتداءً من أواخر القرن السابع منعت الكنيسة الشرقية أن يبقي الأسقف المتزوّج امرأته إلى جانبه. وكان الامبراطور يوستنيانوس قد أصدر في القرن السادس أمراً يمنع المتزوّجين الذين لهم أولاد أن يصيروا أساقفة، وذلك لئلاّ تتوزّع أملاك الكنيسة على أولاد الأسقف. كما طلب من الأساقفة المتزوّجين أن تكون علاقتهم الزوجية مع نسائهم كعلاقة أن مع أخيه.
* أمّا عن الشمامسة والكهنة، فيقول المجمع نفسه: "على الرغم من أنّ الرومانيين فرضوا أنّ كلّ من يُسام شماساً أو كاهناً يجب أن يفصل عنه امرأته. فنحن نأمر بأن يبقى زواج الشمامسة والكهنة ثابتاً، فلا يُحَلّ الاتحاد الزوجي، ولا يُفرَض المنع من المساكنة الزوجية في الأوقات الملائمة" (قانون 13).
نجد في هذا القانون أمرين يجب التمييز بينهما:
1- يبقى زواج المتقدّمين إلى الشموسيّة والكهنوت ثابتاً، "فلا يحلّ الاتحاد الزوجي"، أي إنّ الرجل المتزوّج لا يفصل عنه امرأته بعد رسامته شماساً أو كاهناً.
2- "لا يُفرَض المنع من المساكنة الزوجية في الأوقات الملائمة". أي أن الشماس والكاهن المتزوّجين يمكنهما متابعة العلاقات الزوجية وإنجاب البنين، ما عدا في الأيام التي سيقيمون فيها الخدم المقدسة ولاسيّما سرّ الافخارستيا. نقرأ في كتاب "مجموعة الشرع الكندي": "أما بشأن امتناع الاكليريكي عن مضاجعة زوجته الشرعية مدة إقامته الخدمة، فقد أجاب البطريرك لوقا على هذا السؤال قائلاً: يجب أن تكون المدة ثلاثة أيام حسب الشريعة القديمة (خر 19: 15)".
إنّ الامتناع عن العلاقات الجنسيّة في الفترة التي تسبق إقامة الخدم الكنسية عادة قديمة أخذتها المسيحية عن اليهودية وعن القوانين الوثنية. إذ نقرأ في قوانين موجّهة إلى الكهنة الوثنيين. "من يصعد إلى الهيكل لا يستطيع في الليلة التي تسبق ذلك أن يكون قد تمتّع بأفراد الالهة فينوس (إلهة الحب)".
وقد أثّرت تلك العادة على موقف الكنيسة الشرقية، فامتنع المتزوجون عن إقامة الافخارستيا كلّ يوم. أمّا الكنيسة الغربية فقد فرضت القداس اليومي، وألزمت الكهنة والشمامسة والأساقفة بممارسة العِفّة حتى عن نسائهم. فقد أعلن مجمع قرطاجة سنة 419 في القانون 70 ما يلي:
"بما أنّ بعض الاكليريكيين قد اتّهموا بعدم العفّة عن نسائهم، فقد استُحسِن أنّ الأساقفة والكهنة والشمامسة يجب، بحسب القوانين التي سُنَّت سابقاً، أن يمارسوا العفّة عن نسائهم. وإن لم يتقيّدوا بهذا يُفصَلون من رتبهم الاكليريكيّة. أمّا باقي الاكليريكيين فلا يُرغمون على ذلك. ولتُحفَظ في كلّ كنيسة. خطّتها المعتادة".
* إنّ الموقف الشديد الذي اتّخذته الكنيسة الغربية ابتداءً من أواخر القرن الرابع، أي السماح للرجال المتزوّجين بقبول الخدمة الكهنوتية مع الاحتفاظ بنسائهم ولكن في العفّة التامة، قد حافظت عليه حتى القرن الثاني عشر. ولكنّ هذا القانون بقي حبراً على ورق. ولم يطع الكهنة أوامر أساقفتهم وإرشاداتهم. بل كان معظمهم يعيش إمّا في مساكنة نسائهم وإمّا في التسرّي، كما كان كثيرون يعقدون زواجاً بعد رسامتهم الكهنوتية. حتى إنّ أحد أساقفة مدينة لييج، في القرن الحادي عشر، قال: "لو أردت تطبيق كلّ قوانين الكنيسة لأُرغمت على فصل جميع كهنتي".
يعود للبابا غريغوريوس السابع (1073- 1085) الفضل في وضع حدّ لهذه الفوضى. فاعتبر كلّ زواج يعقده احد رجال الاكليروس باطلاً. كما أمر كلّ من يرغب في الخدمة الكهنوتية أن ينفصل عن زوجته، إذا كان متزوجاً. وهذا ما أعلنه قانوناً شاملاً مجمع لاتران الثاني سنة 1139.
إلاَّ أنّ ذلك لم يحلّ المشكلة في الكنيسة الغربية وبقيت أخلاق رجال الاكليروس في الكنيسة الغربية مخالفة لكل ما سنَّته الكنيسة من قوانين. مما حدا بعض الأساقفة في المجامع التي عُقدت بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر إلى طلب إدخال إمكانية الكهنوت المتزوج على غرار الكنيسة الشرقية. وأُعيد الطلب في المجمع التريدنتيني. إلاَّ أنّ الكنيسة الغربية بقيت على قرار مجمع لاتران. وكان من نتائج تأسيس الاكليريكيات في القرن السابع عشر ربط الكهنوت بالبتولية.
وقد أعلن المجمع الفاتيكاني الثاني أهميّة "ممارسة العفّة الكاملة والدائمة من أجل ملكوت السماوات، ولا سيّمَا في الحياة الكهنوتية. ذلك بأنّها علامة المحبة الرعائية وحافزها معاً، وهي خصوصاً ينبوع خصب روحي في العالم". ثم يضيف المجمع: "لا شكّ في أنّ طبيعة الكهنوت لا تستلزمها، بدليل ما جرت عليه الكنيسة الأولى، وتقليد الكنائس الشرقية. ففي هذه الكنائس كهنة يختارون، بموهبة النعمة، أن يحافظوا على العزوبة، وهو ما يفعله جميع الأساقفة، وإنّما فيها أيضاً كهنة متزوّجون أجرهم كبير. وإذ يوصي هذا المجمع المقدس بالعزوبة الاكليريكية، فانه لا ينوي البتة تعديل النظام المخالف القائم شرعاً في الكنائس الشرقية. وإنما يحرّض بكل عاطفة الرجال المتزوجين الذين سيموا كهنة على الثبات في دعوتهم المقدسة، وفي تكريس حياتهم تكريساً كاملاً سخيًّا للقطيع الذي اثتُمنوا عليه" (قرار في خدمة الكهنة الرعائية وحياتهم، 16).

ب) الزواج بعد السيامة
أن الزواج بعد السيامة الكهنوتية أمر محظَّر في كلتا الكنيستين الشرقية والغربية منذ القرن الرابع. وأقدم القوانين في هذا الموضوع هو القانون 26 من القوانين الرسولية الذي يقول: "لا يجوز لأحد من الأكليريكيين، ما عدا القرّاء والمرتّلين، أن يتزوج بعد سيامته".
وقد ثبّت هذا القانون المجمعُ المنعقد في القبّة (692) في قانونه السادس: "بما أنّه قد ورد في القوانين الرسولية أنّ الذين انخرطوا في الاكليروس وهم غير متزوّجين لا يسمح إلاَّ للقرّاء والمرتّلين منهم أن يتزوّجوا، فنحن أيضاً نثبّت هذا القانون ونأمر أنّه من الآن فصاعداً لا يجوز على الاطلاق للايبوذياكون ولا للشماس (الانجيلي) ولا للكاهن أن يتزوّج من بعد سيامته. ومن تجاسر على ذلك فليسقط. وإذا أراد أحد المنخرطين في الاكليروس أن يعقد له على زوجة شرعية قبل أن يُسامَ إيبرذياكوناً أو شماساً أو كاهناً، فليُسمَح له بذلك".
سنة 314 في مجمع أنقيرة المحلّي في آسية الصغرى، عُرضت قضية زواج الشمامسة، فأجاب المجمع: "إنّ من أعلن، عند سيامته شمّاساً، أنه ينوي الزواج إذ إنّه لا يحتمل العزوبة، ثم تزوّج بعد السيامة، فينبغي أن يسمح له بالبقاء في الخدمة، لأنّ الأسقف اطّلع على رغبته وأباح له ما نوى. وأمّا من لزم الصمت وقت السيامة، أو أعلن رضاه بأن يبقى عازباً ثم تزوّج بعد ذلك، فيجب إسقاطه من الرتبة".
وكذلك يقول مجمع قيصرية الجديدة في الكباذوك سنة 351: "إذا تزوّج كاهن فليُقطعَ من الكهنوت".

2- النظرة اللاهوتية للموضوع
إذا عدنا إلى العهد الجديد نرى أنّ يسوع اختار رسله دون تمييز بين متزوّج وأعزب، على الرغم من أنّه دعا إلى البتولية بقوله: "إنّ من الخصية مَن وُلدوا هكذا من بطون أمّهاتهم، ومنهم من خصاهم الناس، ومنهم مَن صانوا أنفسهم من أجل ملكوت السماوات" (متى 19: 12). فتلك الدعوة إلى التكرّس لأجل الملكوت هي دعوة حرّة، وليست على الاطلاق شرطاً مسبَقاً للرسل والمبشّرين.
وبولس الرسول، في الشروط التي يضعها لاختيار الشمامسة والكهنة والأساقفة، لا يطلب إلاَّ أن يكون كل منهم "رجل امرأة واحدة" (1 تي 3: 2، 12). وتلك العبارة لا تعني، كما فهمها التقليد، منع الزواج الثاني لمن ترمَّل. إنما قد تعني، حسب التفسير الكتابي المعاصر، "الأمانة الزوجية". فيجب اختيار الشمامسة والكهنة والأساقفة من ذوي الأخلاق الحسنة في جميع المجالات: في حياته الزوجية يجب أن يكون المرشّح لتلك الخدمة "أميناً لامرأته"، وفي الحياة الاجتماعية يجب أن يكون صاحياً رزيناً مهذّباً مضيفاً للغرباء... ومن الناحية الثقافية، يجب أن يكون قادراً على التعليم.
يجب التمييز بين الدعوة إلى الحياة الرهبانية والدعوة إلى الخدمة الكهنوتية. فالحياة الرهبانية تتطلّب البتولية، كما تتطلّب الفقر والطاعة. تلك النذورات الثلاث هي سبيل الراهب إلى الكمال المسيحي والقداسة المسيحية. أمّا الكهنوت فخدمة في الكنيسة. وتلك الخدمة يمكن أن يؤدّيها الكاهن المتزوّج والكاهن الأعزب. لذلك فالإنسان لا يصير كاهناً ليصل إلى الكمال ويقدّس نفسه، بل ليقوم بخدمة في الكنيسة.
إنّ أفضليّة البتوليّة على الزواج في الكهنوت أمر لم يستطع اللاهوت، في نظرنا، أن يعطي عنه براهين واضحة ومقنعة. لذا المهمّ في الأمر ليس النظر إلى أفضلية البتولية في ذاتها، بل بالنسبة إلى كلّ شخص. فعلى كلّ من يريد تكريس ذاته للخدمة الكهنوتية أن يسأل نفسه لا عمّا هو الأفضل نظريًّا، بل عمّا هو الأفضل له، استناداً إلى طبيعته ونفسيّته وإمكانات اكتماله الذاتي. فإذا كانت العزوبة إطاراً صالحاً للبعض يستطيعون فيه تكريس حياتهم لخدمة الكنيسة بفرح وانتعاش، فقد تكون لغيرهم حاجزاً وعائقاً للخدمة الكاملة وبذل الذات السخي.
لا شيء يمنع من الناحية اللاهوتية الزواج بعد السيامة. إنّه تقليد قديم مبنيّ على روحانية رهبانية ترى في الزواج طريقاً أقل كمالاً من البتولية، وترى في التكريس لله عطاءً كاملاً لا يجوز التنقيص منه بالزواج. إلاَّ انه يحقّ للكنيسة تغيير هذا التقليد.

خلاصة
إنّ موضوع سرّ الخدمة الكهنوتية لا يزال موضوع نقاش ولا سيّما بين التقليدين الكاثوليكي والأرثوذكسي من جهة والتقليد البروتستنتي من جهة أخرى. ولكن مجلس الكنائس العالمي يعمل على تقريب وجهات النظر. وقد أصدرت لجنة "الإيمان والنظام" التابعة له وثيقة في "المعمودية والافخارستيا والخدمة الكهنوتية"، عُرفت بوثيقة ليما، لأنها نتيجة مؤتمر عُقد في ليما عاصمة البيرو في كانون الثاني 1982، التقى فيه أكن من مئة لاهوتي من الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستنتية. وقد أُرسلت هذه الوثيقة إلى مختلف الكنائس لإبداء رأيها فيها. ويبدو من خلال هذه الوثيقة "أنه على الرغم من الاختلاف الكبير بين الكنائس في التعبير اللاهوتي، تبقى هناك أمور كثيرة مشتركة في مفهومها للإيمان"، كما تقول مقدّمة الوثيقة.
يقول النص في الفقرة الأخيرة المتعلقة بالخدمة الكهنوتية:
"لا بدّ من تحقيق جهود ملموسة من أجل التقدّم نحو اعتراف متبادل بالخدمة الكهنوتية. فكلّ الكنائس يجب أن تفحص أشكال الخدمة المكرَّسة ودرجة وفاء الكنائس للغايات الأصيلة وأن تكون مستعدّة لتجديد مفهومها للخدمة المكرسة وممارساتها لها.
من بين المسائل التي يجب دراستها أثناء تقدّم الكنائس نحو اعتراف متبادل بالخدمة الكهنوتية، مسألة التعاقب الرسولي التي لها أهمية خاصة. فالكنائس المشتركة في الحوار المسكوني تقدر أن تعترف بالتبادل بخدمتها المكرّسة، إذا كانت واثقة من قصد كل كنيسة في نقل الكلمة والسرّ استمراراً لزمن الرسل. إنّ فعل نقل الخدمة يجب أن يتمّ وفق التقليد الرسولي الذي يتضمّن استدعاء الروح ووضيع الأيدي.
من أجل تحقيق الاعتراف المتبادَل تحتاج الكنائس إلى خطوات متعدّدة، مثلاً:
أ) يُطلَب من الكنائس التي حفظت التعاقب الرسولي أن تعترف بمحتوى الخدمة المكرَّسة في الكنائس التي لم تبقَ على تعاقب كهذا، وأن تعترف أبضاً بوجود خدمة الأسقفية في هذه الكنائس في أشكال أخرى.
ب) إنّ الكنائس التي ليس فيها تعاقب أسقفي، بل تعيش استمرارية الإيمان الرسولي والمهمة الرسولية، تملك خدمة الكلمة والسرّ، كما يتَّضح من إيمان تلك الكنائس وممارستها وحياتها. هذه الكنائس مدعوّة إلى أن تعي أنّ الاتصال بكنيسة الرسل يجد تعبيره الأساسي في تعاقب "وضع يد" الأساقفة، وإلى أن تعي أنّ هذه العلامة تقوّي هذه الاستمرارية وتعمّقها، على الرغم من عدم افتقارها إلى استمرارية التقليد الرسولي. ولعلّها تحتاج إلى أن تكتشف من جديد علامة التعاقب الرسولي" (رقم 51- 53).
وتتكلّم الوثيقة أيضاً على الخلاف القائم بين الكنائس في موضوع تكرّس النساء للخدمة الكهنوتية. فتقول "ان الاختلاف يخلق عقبات تحول دون الاعتراف المتبادل بالخدمة الكهنوتية". ولكنها تضيف: "يجب ألاّ يُنظَر إلى هذه العقبات كعوائق أساسية أمام جهود أخرى للاعتراف المتبادل. فالانفتاح المتبادل يُبقي إمكانية تكلّم الروح في كنيسة من الكنائس عبر إيضاحات (أو تبصّر) الكنيسة الأخرى. إذاً، يجب على الاعتبارات المسكونية أن تشجّع مواجهة هذه المسألة، لا أن تقيّدها" (رقم 54).
على هذا الانفتاح المتبادل بين المسيحيين الذي يبقي إمكانيّة تكلّم الروح، نودّ أن نختم هذه الدراسة في الخدمة الكهنوتية. ونحن على يقين من أنّ ما يجمع بين الكنائس، حتى في هذا السرّ الذي تبدو فيه الخلافات عميقة، هو أكثر ممّا يفرّق بينهه.
والأمر الأساسي الذي يتّفق عليه المسيحيون اليوم، والذي لا بدّ من تأكيده، هو أنّ الخدمة الكهنوتية ليست منفصلة عن عمل المسيح "الكاهن الأوحد"، وليست نعمة تُمنَح لمنفعة الشخص الذي يحصل عليها. إنّما هي موهبة يمنحها الروح القدس في سبيل بناء الكنيسة جسد المسيح.
مُقدّمَة

بتلك العبارة الوجيزة نختم قانون الإيمان معبِّرين عن رجائنا بالمرحلة الأخيرة التي تتوّج تاريخ الخلاص، الذي بدأ بالخلق واكتمل بمجيء يسوع المسيح وحلول الروح القدس، ويستمرّ بعمل المسيح والروح على مدى الزمن في الكنيسة والعالم، وينتهي بقيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي
ما هو مضمون رجائنا في الحياة بعد الموت، وإلى أيّ أساس يستند؟ هذا ما سنحاول توضيحه، انطلاقاً ممّا أوحى به الله إلينا في الكتاب المقدّس، في كلا العهدين، القديم والجديد.
إنّ وحي الله لم يبلغنا دفعة واحدة. فالكتاب المقدّس هو مجموعة أسفار تمتدّ أحداثها على خمسة عشر قرناً. ووحي الله قد رافق تاريخ البشريّة على مدى تلك الأجيال. لذلك يجب ألاّ نتوقّع تصوّراً واحداً "للحياة في الدهر الآتي" التي هي موضوع رجائنا. إنّ وحي الله قد أزال لنا القناع عن سرّ الدهر الآتي بشكل تدريجي وعلى مراحل متعدّدة. فلا بدّ لنا إذاً من تتبعُّ تلك المراحل، لندرك تمام الإدراك ما أوحاه لنا الله أخيراً "لمّا بلغ مل الزمان" (غلا 4: 4) في كلمته وابنه يسوع المسيح.
لذلك سنتبع تطوّر هذا الوحي على ثلاث مراحل:
1- في العهد القديم
2- في رسالة يسوع وخبرة حياته مع الله
3- في كرازة الرسل.
ان الانطلاق من العهد القديم أمر ضروري لسببين: أولاً لأنّ يسوع نفسه انطلق في تبشيره من رجاء شعبه المشبعَ من رجاء العهد القديم ليقوده إلى الكمال. ثمّ لأنّ الرجاء المسيحي قد استخدم الألفاظ والتعابير التي وردت في العهد القديم، بحيث يستحيل علينا فهم مضمونه إن لم نفهم أولاً الاطار الثقافي والروحي الذي نشأ فيه.
الفَصل الأول
تَعْليم الكِتَاب المقدَّس

أولاً- العهد القديم ورجاء شعب الوعد

يرى العهد القديم أنّ الله يحقّق قصده في التاريخ. وبما أنّ التاريخ هو ماض وحاضر ومستقبل، فلا بدّ لعمل الله من أن يكون له أيضاً ماضٍ وحاضر ومستقبل، لذلك لم تقتصر رسالة الأنبياء والذين ألهمهم الله تدوين الأسفارَ المقدسة على تقصّي الأحداث الماضية لإظهار الطرُق التي قاد بها الله شعبه من الماضي إلى الزمن الحاضر. بل عملوا على كشف معنى التاريخ بإعلان النهاية التي سيصل إليها.
إلاَّ أنّ سرّ التاريخ هذا قد عبّر عنه العهد القديم في نظرتين مختلفتين:
- حتى الأنبياء الكبار في القرن الثامن قبل المسيح، رأى العهد القديم أنّ المستقبل سيكون تتويجاً لعمل الله الدائم، وأنّ الله سيمنح شعبه خلاصاً ثابتًا ومستمرًّا دون أي انقطاع ولا توقّف.
- ولكن ابتداءً من القرن الثامن، بعد أن اختبر الشعب المحن والمصائب تحلّ به، راح الأنبياء يعلنون أنّ الله لن يحقّق مواعيده تجاه شعبه إلاَّ بعد أن يُنزِل به القضاء والدينونة عقاباً له على خطاياه.
لنتوسّع قليلاً في هاتين النظرتين إلى "نهاية" التاريخ التي فيها سيحقّق الله قصده. 

1- شعب الوعد والمستقبل المفتوح أمامه
أ) عهد الله ووعوده
قبل الأنبياء لا نرى في العهد القديم أيّ أثر لرجاء حياة سعادة بعد الموت.
إنّ فكرة السعادة بعد الموت نجدها في الميثولوجيا المصرية. وقد كانت تلك السعادة أولاً من امتيازات الفرعون الذي كان المصريون يعتقدون أنّ الإله- الشمس يتجسّد فيه. ثم صارت رجاء جميع أفراد بلاطه، وبعد ذلك امتدّت إلى كلّ الذين يمارسون عبادة الإله اوزيريس، إله الخصب الذي أصبح في ما بعد إله الأموات. أمّا تصوّر تلك الحياة بعد الموت فلم يكن واضحاً. فقد اعتبرها البعض عودة النفوس إلى الحياة الشاملة، ورأى فيها البعض الآخر دخولاً في عالم الكواكب الذي تسوده الشمس. أمّا شروط الدخول في عالم الآلهة فلم تحدَّد انطلاقاً من السلوك والأخلاق، بل كان الدخول إلى هذا العالم يتمّ عن طريق الممارسات والطقوس السحرية.
تلك كانت النظرة المصرية إلى الحياة بعد الموت. أمّا الشعب الاسرائيلي فقد تأثّر بالنظرة السائدة في بلاد ما بين النهرين القريبة من نظرة الميثولوجيا اليونانية. وبحسب تلك النظرة، لدى موت الإنسان، تنفصل نفسه عن جسده وتنزل إلى عالم الأموات، إلى "الجحيم"، وهي مقرّ واحد يذهب إليه جميع الأموات دون تمييز بين أشرار وصالحين، وهناك يحيون حياة بدائية تاعسة، لا هناء فيها ولا سعادة. فالله، حسب قول المزامير، "لا يصنع المعجزات للأموات، ولا يحدَّث برحمته في القبر، ولا بحقّه في الجحيم، حيث الظلمة وأرض النسيان" (راجع مز 87: 11- 13). في هذا التصوّر لا رجاء لأيّ سعادة ولا انتظار لأيّ مكافأة بعد الموت. بل خوف وحزن ورهبة.
لذلك كان رجاء العهد القديم يقتصر على السعادة على هذه الأرض. فلهذه الحياة اختار لله له شعباً، وقطع معه عهداً، وأغدق عليه وعوده. وتستفيض أسفار العهد القديم في وصف الخيرات التي يعد بها الله شعبه، إن حفظ وصاياه:
"إحفظوا جميع الوصايا التي آمركم بها اليوم، واعملوا بها لكي تحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي أقسم الرب عليها لآبائكم... فإنّ الرب إلهك مُدخِلك أرضاً صالحة، أرضاً ذات أنهار ماء وعيون وغمار تتفجّر في غورها ونَجْدها؟ أرض حنطة وشعير وكرم وتين ورمّان، أرض زيت وعسل، أرضاً لا تأكل فيها خبزك بتقتير، ولا يعوزك فيها شيء، أرضاً من حجارتها الحديد، ومن جبالها تقطع النحاس، فتأكل وتشبع وتبارك الرب إلهك لأجل الأرض الصالحة التي أعطاكها" (تث 8: 1، 7- 10).
وتنعكس وعود الله للمستقبل على الماضي في صورة "الفردوس الأرضي"، كما وردت في الفصلين الثاني والثالث من سفر التكوين. تلك الصورة، التي تعبّر عن رغبات الإنسان الخفيّة منذ بدء التاريخ، تعني أنّ البلوغ إلى السعادة المادية والتمتّع بالخيرات الأرضية ليست أموراً غريبة عن قصد الله تجاه البشر.

ب) وعود الله مشروطة بحفظ وصاياه
إلاَّ أنّ "الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلّ ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان"، كما يقول سفر تثنية الاشتراع في حديثه عن امتحان الرب لشعبه في البرّية: "أذكر جميع الطريق التي سيّرك فيها الرب إلهك في البريّة هذه الأربعين سنة، ليُعَيِّنك ويمتحنك ويُظهر للناس ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا. فعنّاك وأجاعك وأطعمك المنّ الذي لا تعرفه أنتَ ولا عرفته آباؤك، لكي يعلّمك أنّه لا بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ ما يخرج من فم الله يحيا الإنسان" (تث 8: 2- 3). ثم يضيف النص: "فاعلم في نفسك أنّه كما يؤدّب المرء ولده قد أدّبك الربّ إلهك، فاحفظ وصايا الرب إلهك وسِرْ في طريقه واخشه (8: 5- 6).
إنّ نجاح الشعب وازدهاره مرتبطان بأمانته لوصايا الله. وقصة خطيئة الإنسان الأول في الفردوس وفقدانه السعادة بسبب عصيانه أمر لله تعبير على صعيد الإنسان الأول لما يطلبه الله من شعبه على مدى تاريخه. فالله هو الذي يحدّد للإنسان وللشعب شروط خيره وشرّه وشروط سعادته وهلاكه. وما يقوله الله في سفر التكوين للإنسان الفرد يقوله من جديد في سفر تثنية الاشتراع للشعب كله: "إنّ هذه الوصية التي آمرك بها ليست فوق طاقتك ولا بعيدة منك... بل الكلمة قريبة منك جداً في لك وفي قلبك لتعمل بها. أنظر، إنّي قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير، والموت والشرّ، بما أني آمرك اليوم أن تحبّ الرب إلهك وتسير في طرقه، وتحفظ وصاياه ورسومه وأحكامه لتحيا وتكثر ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت صائر إليها لتملكها" (تث 30: 11- 16). ثم يضيف منذراً الشعب بالهلاك إن لم يسمع أمر الربّ ولم يحفظ وصاياه: "وان زاغ قلبك ولم تسمع ومِلْتَ وسجدت لآلهة أخرى وعبدتَها، فقد أنبأتُكم اليوم أنّكم تهلكون هلاكاً، ولا تطول مدّتكم في الأرض التي أنتم عابرون الأردن لتدخلوها وتمتلكوها. وقد أشهدت عليكم اليوم السماء والأرض بأني قد جعلت بين أيديكم الحياة والموت، البركة واللعنة. فاختر الحياة لكي تحيا أنت وذرّيّتك، بأن تحبّ الرب إلهك وتطيع أمره، وتتشبّث به، لأنّ به حياتك وطول أيامك، فتقيم في الأرض التي أقسم الرب لآبائك ابرهيم واسحق ويعقوب أن يعطيها لهم" (30: 17- 20).
بما أن ازدهار الشعب رهن بأمانته لوصايا الله، فسيعتبر الأنبياء انقسام المملكة بعد سليمان قصاصاً من الله لخطايا الشعب. وسيرجو الشعب بعد داود وسليمان مجيء ملك ينشر العدل والإنصاف: "أللهمَّ اجعل أحكامك للملك وعدلك لابن الملك، فيحكم لشعبك بالعدل ولبائسيك بالإنصاف. تثمر الجبال سلاماً والتلال برًّا. يقضي لبائسي الشعب ويخلّص بني المساكين ويحطّم الجائر... ينبت في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحلّ القمر... يُنقذ المسكين المستغيث والبائس الذي لا ناصر له. يرثي للكسير والمسكين، ويخلّص نفوس المساكين. من الظلم والغضب يفتدي نفوسهم، ويكون دمهم في عينيه ثميناً، فيحيون ويؤدّون له من ذهب سبأ، ويدعون له كل حين، النهار كلّه يباركونه. يكون للقمح توافر في الأرض، غلّته في رؤوس الجبال تتموّج كلبنان، ويزهر أهل المدن مثل عشب الأرض" (مز 71: 1- 6).

ج) الرجاء الجماعي والرجاء الفردي
جميع الوعود التي تحدّثنا عنها حتى الآن هي على صعيد الخيرات المادية وموجّهة للشعب بمجمله على صعيد وجوده التاريخي. لذلك تتّسم بسمة الأرض، أرض الميعاد، والوطن. إنّ هذا التأكيد على البُعد الأرضي للرجاء سيتطوّر في ما بعد. ولكنه ضروري للدلالة على أنّ الرجاء النهائي الذي يتجاوز الأرض والزمن ليس هروباً بل اكتمالاً، ويتضمّن كل نواحي الحياة الواقعية.
هنالك أيضاً في تلك الفترة تأكيد على تضامن الشعب في الخير كما في الشرّ: "أنا الرب إلهك إله غيور، افتقد ذنوب الآباء في البنين إلى الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ، وأصنع رحمة إلى ألوف من محبّيّ وحافظي وصاياي" (خر 20: 5- 6). هذا التضامن ناتج من طبيعة الإنسان الاجتماعية. لذلك لا يمكن الإنسان أن يرجو خلاصاً فردياً بمعزل عن الجماعة وهذا سيطرح مشكلات كثيرة ستضّح تدريجياً في ما بعد.

2- النظرة إلى المستقبل في تعليم الأنبياء
قبل الأنبياء كانت نظرة العهد القديم إلى عمل الله في المستقبل نظرة عمل خلاص مستمرّ دون أي انقطاع. أمّا الأنبياء فيرون المستقبل منقسماً انقساماً جذريًّا إلى زمنين: زمن الدينونة وزمن الخلاص. فزمن الدينونة بوقف تقدّم التاريخ المطّرد والمنسجم نحو نهايته السعيدة، وزمن الخلاص يعود فيشهد تحقيق وعود الله بكلّ قوّتها.
لا يحدّد الأنبياء أي تاريخ لهذين الزمنين. لأنّه ليس من مهمّة النبي التنبّؤ عن أحداث المستقبل يوماً بعد يوم، بل إعلان قرب دينونة الله على من يعمل الشرّ ويقين مجيء خلاصه بعد الدينونة. وهكذا يحثّ الأنبياء على السير في الحق وممارسة العدل، لأنّ دينونة الله آتية، ويغذّون الرجاء بتحقيق وعود الله حتى كمالها النهائي. ونجد وصف تحقيق تلك الوعود لدى أنبياء القرن الثامن وفي نبوءة دانيال في القرن الثاني. وبين القرنين نلاحظ تطوّراً لا بدّ من وصف مختلف مراحله.

أ) إعلان دينونة الله
يعلن الأنبياء أنّ الله سيدين العالم. وتلك الدينونة تظهر بما يرسله الله من آفات ومصائب على شعبه والعالم بأسره جزاء لخطايا. ويؤكّد الأنبياء أنّه لا مفرّ من دينونة الله، لأنّ الله قد قصد إزالة جميع الخطأة. ولا شفاعة بعد، حسب قول إرميا النبي: "قال لي الرب. ولو أنّ موسى وصموئيل وقفا أمامي، لما توجّهت نفسي إلى هذا الشعب، فاطرحهم عن وجهي وليخرجوا. وإذا قالوا لك إلى أين نخرج، فقل لهم: هكذا قال الرب: الذين للموت فإلى الموت، والذين للسيف فإلى السيف، والذين للجوع فإلى الجوع، والذين للجلاء فإلى الجلاء" (ار 15: 1- 2).
ويدعو الأنبياء يوم الدينونة "يوم الرب"، الذي سيكون يوم غضب وظلمة، حسب قول عاموس النبي: "إنّ عيون البشر المتشامخة ستُخفَض، وترفّع الإنسان سيوضع، ويتعالى الرب وحده في ذلك اليوم... وتزول الأصنام بتمامها، ويدخل كلّ أحد في مغاور الصخر وأخاديد التراب من أمام رعب الرب ومن بهاء عظمته حين يقوم ليزلزل الأرض" (اش 2: 11- 19). وفي "يوم الرب" يقول أيضاً النبي صفنيا: "قريب يوم الرب العظيم، قريب وسريع جدًّا. صوت الربّ مرّ. هناك يصرخ الجبار. يوم حنق ذلك اليوم، يوم ضرر وضيق، يوم إبادة وإتلاف، يوم ظلمة وديجور، يوم غمام وضباب، يوم بوق وهتاف على المدن الحصينة وعلى البروج الشامخة. وأضايق البشر فيمشون كالعمي، لأنهم خطئوا إلى الرب" (صف 1: 14- 18).
ولإظهار رهبة تلك الدينونة يشير الأنبياء إلى بلبلة شاملة في الكون، في الأرض والسماء: "نظرت إلى الأرض، فإذا هي خاوية خالية، وإلى السماوات، فلم يكن فيها من نور. نظرت إلى الجبال فإذا هي ترتجف وجميع التلال تتقلقل. نظرت فم يكن إنسان، وكلّ طيور السماء قد انهزمت. نظرت فإذا بالكرمل قد صار برّية، وجميع مدنه هدمت من وجه الرب، من وجه شدّة غضبه" (ار 4: 23- 26). "هوذا يوم الرب قد حضر، يوم قاسٍ ذو سخط واضطرام غضب، ليجعلَ الأرض خراباً ويبيد خطأتها منها. إنّ كواكب السماء ونجومها لا تبعث نورها، والشمس تظلم في خروجها، والقمر لا يضيء بنوره" (أش 13: 9- 10). والخراب سيشمل الأرض كلها، لأن الناس جميعاً قد خطئوا: "ها إنّ الربّ يخرّب الأرض ويخليها، ويقلب وجهها ويبدّد سكانها... قد تدنّست الأرض تحت سكانها، لأنهم تعدّوا الشرائع ونقضوا الحقّ ونكثوا عهد الأبد. فلذلك أكلت اللعنة الأرض، وعوقب الساكنون فيها، واحترق سكان الأرض، فبقي نفر قليل" (اش 24: 1- 6).
تلك الصور ستنتقل عبر الأجيال من الأنبياء إلى يسوع وإلى سفر الرؤيا، حاملة المعنى نفسه، وهو أنّ دينونة الله آتية، وأنّه من ثمّ يجب على الإنسان الرجوع عن خطاياه والتوبة إلى الله والمحافظة على عهده ووصاياه.

ب) الوعد بالخلاص
ولكن بعد الدينونة، يذكّر الأنبياء بقصد الله الأخير وهو خلاص البشر. ويقوم هذا الخلاص على عهد جديد يقطعه الله مع شعبه، "فيجعل شريعته في ضمائرهم، ويكتبها على قلوبهم، ويغفر آثامهم، فيعرفونه من صغيرهم إلى كبيرهم" (راجع ار 31: 33- 34، وحز 36: 24- 28). حينئذٍ "تُبنَى الأخربة وتصير الأرض المستوحيّة كجنّة عدن" (حز 36: 33- 35).
هذا الخلاص يصفه الأنبياء بلوحات رمزية تعود بالشعب إلى أيّام العهود الأولى. فأشعيا يراه كأنه رجوع إلى زمن سليمان وداود، وينتظر مجيء الملك الموعود به من سلالة داود، "فيزول الادلهمام عن التي كانت في الضيق... الشعب السالك في الظلمة يبصر نوراً عظيماً، والجالسون في بقعة الموت وظلاله يشرق عليهم نور... لأنّه قد وُلد لنا ولد وأُعطي لنا ابن، فصارت الرئاسة على كتفه، ودُعي اسمه مشيراً عجيباً، إلهاً جبّاراً، أبا الأبد رئيس السلام، لنموّ الرئاسة والسلام لا انقضاء له على عرش داود ومملكته، ليقرّها ويوطّدها بالإنصاف والعدل من الآن وإلى الأبد" (أش 9: 1- 7).
وهوشع يعود إلى أيّام الصحراء التي فيها خلّص الله شعبه من عبودية مصر، وأدخله أرض الميعاد: "ها أنا ذا أتملّقها وآتي بها إلى البريّة، وأخاطب قلبها، وأعطيها كرومها من هناك، وأجعل من وادي عكور باباً للرجاء، فتغنّي هناك كما في أيام صباها وفي يوم صعودها من أرض مصر. وفي ذلك اليوم، يقول الرب، تدعينني رجلي ولا تدعينني بعد بعلي... وأكسر القوس والسيف والحرب من الأرض وأريحهم في الأمان. وأتزوّجكِ إلى الأبد، أتزوّجكِ بالعدل والحكم والرأفة والمراحم، وأتزوّجكِ بالأمانة، فتعرفين الرب" (هو 2: 14- 20).
ويذهب الأنبياء إلى أبعد من ذلك، إلى الفردوس الأرضي، حيث كان السلام الشامل سائداً جميع الخلائق: "ويخرج قضيب من جذر يسّى وينمي فرع من أصوله، ويستقرّ عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح العلم وتقوى الرب. ويتنعّم بمخافة الرب، ولا يقضي بحسب رؤية عينيه، ولا يحكم بحسب سماع أُذنيه. بل يقضي للمساكين بعدل ويحكم لبائسي الأرض بإنصاف... ويكون العدل منطقة حقويه، والحقّ حزام كشحيه". بعد هذا الوصف للمسيح المنتظر، يضيف أشعيا: "فيسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، ويكون العجل والشبل والمعلوف معاً، وصبيّ صغير يسوقها. ترعى البقرة والدب معاً، ويربض أولادهما معاً، والأسد يأكل التبن كالثور، ويلعب المرضَع على حجر الأفعى، ويضع الطفل يده في نفق الحيّة. لا يسيئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي، لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغمر المياه البحر" (أش 11: 1- 9).
والكون كله يستنير، "ويصير نور القمر كنور الشمس، ونور الشمس يصير سبعة أضعاف كنور سبعة أيّام، يوم يجبر الرب كسر شعبه، ويشفي جرح ضربته" (أش 30: 26). "ويخلق الله سماوات جديدة وأرضاً جديدة... ويخلق أورشليم ابتهاجاً وشعبها سروراً، ويبتهج بأورشليم ويسرّ بشعبه، ولا يُسمعَ فيها من بعد صوت بكاء ولا صوت صراخ..." (أش 65: 17- 25). "ويبيد الرب الموت على الدوام، ويمسح الدموع عن جميع الوجوه، ويزيل تعيير شعبه عن كل الأرض" (أش 25: 8).
تتميّز تلك الأوصاف بأمرين: أولهما أنّ الخلاص هو لهذه الحياة وهذه الأرض. فالسلام والحق والعدل ستسود الشعوب على أرض جديدة. ولا يبدو أنّ الأنبياء يشيرون إلى حياة سعادة بعد الموت. والأمر الثاني هو أنّ الخلاص خلاص جماعي للشعب كلّه، ويشمل مختلف النواحي: الروحية، إذ إنّ الشعب سيعرف الرب ويحفظ وصاياه، والماديّة من سلام وازدهار ووفرة في الخيرات.

ج) من الرجاء الجماعي إلى الرجاء الفردي بعد الموت
بقي الأنبياء فترة طويلة يعتبرون الجزاء أمراً جماعياً. ولكن ابتداء من سقوط أورشليم بدأ تصوّرهم يتغيّر. فنقرأ في حزقيال مبدأ الجزاء الفردي: "النفس التي تخطأ هي تموت" (حز 18: 4). ولكنّ الخلاص بقي مقتصراً على الحياة على هذه الأرض. ومن ثم راح الصدّيقون، مع أيوب، يطرحون السؤال التالي: إذا كان الله عادلاً، وإذا كانت مكافأة الصديقين تقتصر على هذه الحياة، فماذا ينجح المنافقون والأشرار، ويشقى الصدّيقون والأبرار؟ وهل سيتمتّع الصدّيقون بالخلاص المرتقَب في اليوم الاخير؟ نرى الجواب على هذا السؤال في المزامير وفي الأسفار الحكمية وفي سفر دانيال.
فهناك بعض المزامير التي تعبّر، من خلال خبرة روحية، عن الرجاء بحياة سعادة مع الله بعد الموت. فالبار الذي يحيا متّحداً بالله في هذه الحياة، وإن لم يعرف على الأرض الرفاهية المادية، يؤمن بأنّ الله سيقوده إلى المجد بعد موته، حسب قول المزمور 73: 23- 24: "قد صرت عندك كالبهائم، وأنا معك في كل حين. أخذتَ بيدي اليمنى، بمشورتك تهديني، ومن بعدُ إلى المجد تأخذني". والمزمور 48: 15- 16 يقارن بين مصير الخطأة الذين "جُعلوا في الجحيم كالغنم فيرعاهم الموت ويمحو الجحيم ذكرهم" ومصير الصدّيق الذي "يفتدي الله نفسه من الجحيم حين يأخذه".
والرجاء بالحياة مع الله بعد الموت يبدو واضحاً في المزمور 15: 8- 11، الذي يقول: "جعلتُ الربّ أمامي في كل حين، فإنه عن يميني لكي لا أتزعزع. لذلك فرح قلبي وابتهج مجدي، وجسدي أيضاً سيسكن على الرجاء. لأنّك لن تترك نفسي في الجحيم، ولن تدع قدّوسك يرى فساداً. قد عرّفتني سبل الحياة، وستملأني فرحاً برؤية وجهك، ولي من يمينك لذات على الدوام".
في سفر دانيال نجد الجواب عن مصير الذين ماتوا في سبيل إيمانهم أيام الاحتلال اليوناني واضطهاد اليهود على يد ملك سوريا انطيوخس أبيفانوس (167- 164 ق. م.). فبعد التنبّؤ عن سقوط هذا الملك ومجيء ابن البشر الذي سيحقّق "ملك الله وملك قدّيسي العليّ" (دا 7: 27)، يتحدّث عن الصدّيقين الذين ماتوا في سبيل إيمانهم. فيقول إنّهم نزلوا إلى الجحيم كسائر الأموات. ولكنّ الله سيقيمهم من هناك للحياة الأبدية: "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون بعضهم للحياة الأبدية، وأهم للعار والرّذل الأبدي. ويضيء العقلاء كضياء الجلَد، والذين جَعلوا كثيرين أبراراً كالكواكب إلى الدهر والأبد" (دا 12: 2- ).
إن الإيمان بالحياة مع الله بعد الموت قد نشأ من خبرة روحية اختبرها الصدّيقون في هذه الحياة. وتلك الخبرة هي خبرة الإيمان بالله. فالله، في تلك الخبرة، يبدو إله الحياة الدائمة التي لا يمكن للموت أن يزيلها، وإله الأمانة لمواعيده بمكافأة الصدّيقين، وإله العدل الذي لا يمكن أن يترك الشرّ يسيطر إلى الأبد. وهكذا تدريجيًّا نشأت في المزامير والأسفار الحكمية فكرة الحياة في الدهر الآتي، التي هي حياة سعادة ومجد مع الله للصدّيقين، وحياة شقاء وعار للهالكين. وصارت لفظة "الجحيم" تعني فقط مقرّ الهالكين. أمّا الحياة في الدهر الآتي للصدّيقين فتقوم أساساً على الحياة مع الله. وما سوى ذلك تصوّرات بشريّة لا بدّ منها للتعبير عما يعجز العقل البشري عن إدراكه إدراكاً تامًّا ووصفه وصفاً دقيقاً موضوعيًّا.
إنطلاقاً من هذا التصوّر العام، نشأ أدب لم تحتفظ به الأسفار المقدسة فاعتُبر منحولاً، يصف العالم الآخر وصفاً حسيًّا ومريعاً. وقد حفظ بعض ذلك الوصف في سفر أخنوخ، وهو كتاب منحول يجمع كتباً مختلفة يعود أقدمها إلى ما قبل تدوين سفر دانيال (سنة 164). فنرى في هذا الكتاب وصفاً دقيقاً للأماكن المختلفة التي ينزل إليها الأموات وفق المصير الذي تُعِدّه لهم دينونة الله. فهناك "هاوية من نار" حُدِّد مكانُها على أطراف "الكرة الأرضية" التي كانت تعتبر "مسطَّحة"، وهي مقرّ عذاب الشياطين. وهناك "جهنّم النار"، حيث يتعذّب الناس الهالكون. وهناك أخيراً "جنّة النعيم" التي وُضعت على الأرض في بدء الكون، ثم نُقلت إلى جزيرة في شمالي غربي الأرض، حيث الآباء والأبرار ينتظرون يوم قيامة الأموات، الذي يُعاد فيه الفردوس الأرضي على أرض جديدة.
إنّ تحديد تلك الأمكنة الخيالية يجب ألاَّ يُعتبر تحديداً موضوعياً وألاَّ يُفسَّر تفسيراً حرفيًّا. إنّما القصد منه التأكيد على أنّ مصير الإنسان بعد الموت يتحدّد وفقاص لما عمله في حياته. سيلجأ يسوع إلى تلك التصوّرات المعهودة لدى مستمعيه، فيتكلّم عن قيامة الأموات وهلاك الخطأة في جهنم النار، وانتقال الصدّيقين إلى جنّة النعيم في أحضان ابراهيم.
إنّ وصف الحياة بعد الموت للخطأة والصدّيقين نجده أخيراً في سفر الحكمة الذي كُتِب باليونانية في الاسكندرية في القرن الأول قبل المسيح. يقول هذا السفر:
"إنّ نفوس الصدّيقين هي بيد الله، فلا يمسّها العذاب. وفي ظنّ الجهّال أنهم ماتوا، وقد حُسِب خروجُهم شقاء وذهابهم عنّا عَطَباً. أمّا هم ففي السلام. ومع أنّهم قد عوقبوا في عيون الناس، فرجاؤهم مملوء خلوداً. وبعد تأديب يسير لهم ثواب عظيم، لأنّ الله امتحنهم فوجدهم أهلاً له" (حك 3: 1- 5).
وعندما يرى الأثمة مصير الصدّيقين، "يضطربون من شدّة الجزع، وينذهلون من خلاص لم يكونوا يظنّونه. ويقولون في أنفسهم نادمين، وهم ينوحون من ضيق صدورهم: هذا الذي كنّا حيناً نتّخذه سُخْرة ومثلاً للعار، وكنّا نحن الجهّال نحسب حياته جنوناً وموته هواناً، فكيف أصبح معدوداً في بني الله وحظّه بين القديسين. لقد ضللنا عن طريق الحقّ ولم يضئ لنا نور البرّ، ولم تشرق علينا الشمس" (5: 2- 6).
ثم يشبّه سفر الحكمة الخطأة "بالظل وبالخبر السائر، وبالسفينة الجارية على الماء المتموّج، التي بعد مرورها لا تجد أثرها، وبالطائر الذي يطير في الجوّ فلا يبقى دليل على مسيره، وبالسّهم الذي يرمى إلى الهدف فيُخرَق به الهواء ولدقّته يعود إلى حاله حتى لا يُعرَف ممرّ السّهم" (5: 9- 12). ثم يضع على لسان الخطأة: "كذلك نحن أيضاً وُلدنا ثم اضمحللنا، ولم يكن لنا أن نبدي علامة فضيلة، بل فنينا في رذيلتنا. كذا قال الخطأة في الجحيم. لأن رجاء المنافق كبار تذهب به للريح، وكزَبَد رقيق تطارده الزوبعة، وكدخان تبدّده الريح، وكذكر ضيف نزل يوماً ثم ارتحل" (5: 13- 15).
أمّا الصدّيقون فيقول عنهم إنّهم "سيحيون إلى الأبد، وعند الرب ثوابهم، ولهم عناية من لدن العلي. فلذلك سينالون ملك الكرامة وتاج الجمال من يد الرب، لأنه يسترهم بيمينه وبذراعه يقيم" (5: 16- 17).
في سفر الحكمة نجد اعتدالاً ورصانة في وصف حياة بعد الموت لا نجدهما في سفر أخنوخ وسائر الأسفار اليهودية التي تتحدّث عن الأزمنة الأخيرة. إنّ تعليم سفر الحكمة يرسم في خطوط بسيطة صورة المرحلة الأخيرة والنهائية من حياة البشر، حياة ما بعد الموت أو حياة الدهر الآتي. وتلك الصورة هي نفسها التي سيحتفظ بها اللاهوت المسيحي. ولكن قبل التوسّع في مفهوم اللاهوت لتلك الحياة، سنرى تعليم يسوع في هذا الموضوع كما يعرضه لنا الإنجيل المقدس ثم تعليم الكنيسة الأولى كما يبدو من مختلف أسفار العهد الجديد.

ثانياً- الحياة في الدهر الآتي
من خلال تعليم يسوع وخبرة حياته

إنّ يسوع، في تعليمه وخبرة حياته، يكشف الحقيقة العميقة التي يتضمّنها العهد القديم، ويوصلها إلى الكمال. ماذا علّم يسوع بشأن الحياة في الدهر الآتي ورجاء تلك الحياة؟ كيف اختبر ذلك الرجاء في حياته الخاصة؟

1- تعليم يسوع في رجاء حياة الدهر الآتي
أ) تحقيق رجاء العهد القديم بمجيء ملكوت الله
لقد تنبّأ الأنبياء في العهد القديم عن مجيء زمن جديد يملك فيه الله على البشر ويصنع معهم عهداً جديداً ويغفر خطاياهم ويفيض في قلوبهم روحه القدوس. وهذا هو موضوع رجائهم بالأزمنة الأخيرة (الاسختولوجيا). هذا الزمن الجديد والأخير قد تمَّ بمجيء يسوع وتبشيره بالملكوت، وتمَّ أيضاً بإقامته عهداً جديداً بدمه، وتمَّ أخيراً بإرساله الروح القدس على تلاميذه بعد قيامته.
"بعدما أُلقي يوحنا في السجن، أتى يسوع إلى الجليل وهو يكرز بإنجيل الله ويقول: لقد تمَّ الزمان، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 14- 15). منذ بدء رسالته يعلن يسوع أنّ رجاء العهد القديم قد تحقق بمجيئه، وأنّ ملكوت الله صار على متناول أيدي الجميع. وعندما سأل الناس يسوع: متى يأتي ملكوت الله؟، أجابهم: "إنّ ملكوت الله هو في داخلكم"، أو بترجمة أخرى "إنّ ملكوت الله هو في ما بينكم" (لو 17: 20- 21). وكلتا الترجمتين تؤدّيان معنى ينسجم وتعليم يسوع بشأن ملكوت الله. فالملكوت لا يظهر بعلامات خارجية باهرة على الصعيد الكوني في الشمس والقمر والكواكب، بل في داخل الناس عندما يملك الله في قلوبهم. ثم إنّ ملكوت الله لا يمكن أن يُنظَر إليه كحدث من أحداث الحياة الاعتيادية ويشاهَد بأعين الجسد، فيقال هو هنا أو هو هناك. إنه يظهر ظهوراً خفيًّا في شخص يسوع نفسه. فيسوع هو "الملكوت بالذات"، كما يقول أوريجانوس. وبالإيمان وحده يستطيع الإنسان أن يشاهد هذا الملكوت. لا شكّ أنّ هناك علامات خارجيّة تشير إلى مجيئه في شخص يسوع، لكنّ تلك العلامات لا يمكن فهمها إلاَّ بالإيمان. وتلك العلامات هي الأعمال والآيات التي يقوم بها يسوع لخلاص الناس وتحريرهم من المرض وعبودية الشر. وهذا ما يؤكّده المسيح للفريسيين: "إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين، فذلك أنّ ملكوت الله قد انتهى إليكم" (متى 12: 28).
لقد حقّق يسوع الملكوت بعمله وحقّقه بموته وقيامته، التي بهما أظهر سيادة الله على الخطيئة والموت، ومنح العالم الروح القدس. إنّ يسوع القائم من بين الأموات هو مصدر الروح للعالم. وموت يسوع وقيامته وإرساله الروح القدس وإنشاؤه الكنيسة شعب الله الجديد، هي الأحداث التي يشير إليها يسوع بقوله: "الحقّ أقول لكم: إنّ في القائمين ههنا مَن لا يذوقون الموت حتى يعاينوا ملكوت الله آتياً في قدرة" (مر 9: 1).

ب) الدهر الحاضر والدهر الآتي كلاهما موضوع الرجاء
إنّ الرجاء الذي يكرز به المسيح يشمل الدهر الحاضر والدهر الآتي. وهو في آن معاً رجاء جماعي ورجاء فردي. فانطلاقاً من تحقيق الملكوت بمجيء المسيح وموته وقيامته وإنشائه الكنيسة، يمكننا القول إنّ الكنيسة هي في ذاتها تحقيق الرجاء الجماعي لشعب العهد القديم. فقد أنشأها المسيح على الرسل الاثني عشر الذين يمثّلون أسباط اسرائيل الاثني عشر. وهي الشكل الحاضر لملكوت الله. فمن يؤمن بالمسيح ويصير عضواً في الكنيسة جسده يدخل بالفعل نفسه في ملكوت الله، ويبدأ منذ الآن حياة القيامة مع الله.
أما للدهر الآتي فينبئ يسوع بسعادة الصدّيقين وهلاك الأشرار. ففي مثَل الزؤان (متى 13: 40- 43)، يشبّه مصير الصدّيقين ومصير الأشرار بالحنطة التي تُجمعَ في الاهراء، والزؤان الذي يُربَط حِزَماً ويُحرَق. وفي وصف الدينونة العامة يمنح للصدّيقين ميراث "المُلْك المُعدّ لهم منذ إنشاء العالم"، وللأشرار "النار الأبدية التي أُعدّت لإبليس وملائكته". ثم يختم بقوله: "فيذهب هؤلاء إلى عذاب أبدي، والصدّيقون إلى حياة أبدية" (متى 25: 31- 46) وهكذا يؤكّد الجزاء الفردي الذي سيحصل عليه كل إنسان في الدينونة العامة.
هل يعتبر يسوع إمكانية هذا الجزاء لكلّ إنسان حالاً بعد موته؟ إنّ مثَل لعازر والغني (لو 16: 19- 31) يُلمح إلى ذلك: "ومات المسكين فنقلته الملائكة إلى أحضان إبراهيم. ومات الغني أيضاً ودُفن، فرفع عينيه وهو في العذاب في الجحيم، فرأى ابراهيم من بعيد ولعازر في أحضانه". إنّ تحديد الأمكنة التي يذهب إليها الموتى تعبير شعبي مطابق لما جاء في سفر أخنوخ. فالغني ينزل إلى "جهنم النار" حيث يتعذّب الناس الهالكون، أمّا لعازر فينتقل إلى جنة النعيم حيث يمكث الصدّيقون منتظرين يوم القيامة. وهكذا يلجأ يسوع إلى التصاوير المألوفة لدى مستمعيه ليبلغهم رسالته ويحثّهم على الأعمال الصالحة في هذه الحياة. ونجد أيضاً فكرة الجزاء المباشر بعد الموت في قول يسوع للّصّ التائب المعلّق إلى يمينه على الصليب: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 34).

ج) الأزمنة الأخيرة ونهاية العالم في تعليم يسوع
إنّ نبوءات الأنبياء قد تحقّقت إذاً بمجيء يسوع المسيح ابن الإنسان الذي أُعطي السلطان على كلّ بشر لإنشاء ملكوت الله. وبدأت مع المسيح الأزمنة الأخيرة. ولكن متى تكون نهاية العالم؟ نجد عند الازائيين بعض تعاليم يسوع في هذا الموضوع في إطار تنبّؤه عن خراب أورشليم.
* يميّز لوقا في تعليم يسوع بشأن المستقبل بين ثلاث مراحل:
1) خراب أورشليم: "إذا رأيتم أورشليم قد أحاطت بها الجنود، فاعلموا عندئذٍ أنّ خرابها قد اقترب" (21: 20- 24).
2) أزمة الأمم: "وتدوس الأمم أورشليم إلى أن تتمّ أزمنة الأمم" (21: 24). ويعني بأزمنة الأمم الرَّدح من الزمان الذي تقوم فيه الأمم مقام إسرائيل العادم الأمانة، وهو الزمن الذي يبدأ بإنشاء الكنيسة وينتهي بنهاية العالم. وهو غير محدود المدة.
3) نهاية العالم ومجيء ابن البشر: "عندئذٍ يُشاهَد ابن البشر آتياً في السحاب في كثير من القدرة والمجد" (21: 25- 28). ويضع أيضاً على لسان يسوع وصفاً آخر لنهاية العالم في 17: 22- 33.
* في متى ومرقس نجد وصفاً لخراب أورشليم ونهاية العالم في ثلاث مراحل:
1- تدنيس الهيكل: "رجاسة الخراب قائمة في المكان المقدّس" (متى 24: 51، مر 13: 14، راجع أيضاً دا 9: 27 و11: 31).
2- ضيق الشعب: "سيكون ضيق شديد لم يكن مثله منذ بدء العالم حتى الآن ولن يكون" (متى 24: 21، مر 13: 19، دا 12: 1).
3- ظهور ابن البشر: "بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس ويحبس القمر ضوءه وتتساقط الكواكب من السماء وتتزعزع قوات السماوات، وعندئذٍ تظهر علامة ابن البشر في السماء... ويشاهدون ابن البشر آتياً على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد" (متى 24: 30؛ مر 13: 26، دا 7: 13- 14).
أمّا زمن تحقيق تلك النبوءة فيقول عنه يسوع: "إنّ هذا الجيل لا يزول إلى أن يتمّ هذا كله". ثم يضيف: "أمّا ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يعلمها أحد ولا ملائكة السماء، ولا الابن إلاَّ الآب" (متى 24: 34- 36؛ مر 13: 30- 32). ماذا يقصد مرقس ومتى بقولهما إنّ هذا الجيل لا يزول إلى أن يتمّ هذا كله؟ هل يقصدان فقط خراب أورشليم أم أيضاً نهاية العالم؟ إذا انطلقنا من السؤال الذي يطرحه التلاميذ على يسوع نجد فرقاً بين نص مرقس ونص متى. فالسؤال في إنجيل مرقس يتعلّق فقط بخراب أورشليم (مر 13: 4). أمّا في إنجيل متى فيتعلّق بخراب أورشليم ونهاية العالم: "قل لنا متى يكون هذا، وما تكون علامة مجيئك ومنتهى العالم" (متى 24: 3). وبما أنّ إنجيل مرقس أقدم من إنجيل متى، فيبدو أنّ متى قد أضاف بعض الأمور المتعلّقة بنهاية العالم، بتأثير من بعض التيارات الفكرية اليهودية التي كانت تعتقد بقرب نهاية العالم.
يبدو إذاً أنّ ما يقصده يسوع بشكل مباشر هو أولاً خراب أورشليم ونهاية العالم القديم المرتكز على هيكل أورشليم. وهذا ما تمَّ لدى احتلال الرومان لأورشليم وتدميرها سنة 70 بعد المسيح. ولكن نهاية أورشليم هي صورة مصغّرة لنهاية العالم التي ستتمّ في نهاية الأزمان. ولكن لا يمكننا الاستناد إلى أقوال يسوع لتحديد نهاية العالم.
ذلك أنّ أقوال يسوع بشأن الأزمنة الأخيرة ونهاية العالم ليست وصفاً دقيقاً لما سيجري في الواقع في آخر الأزمان، ولا يمكن أن تكون على هذا النحو. إنّما يجب فهمها على سبيل التلميح والتحذير النبوي. إنّها ترسم خطوطاً عريضة إنطلاقاً من نبوءات العهد القديم وأحداث الزّمن الذي عاش فيه المسيح. وتؤكّد ضرورة السّهر: "إحذروا واسهروا لأنكم لا تعلمون متى يحين الوقت" (مر 13: 33).
ثم إنّ هناك علاقة جدلية بين أقوال يسوع النبوية والأحداث التاريخية التي تعقبها. يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: "إنّ نص الإنجيل مشدود إلى التاريخ الذي يليه. وهذا التاريخ لا يكتفي بالتعليق على أقوال يسوع. بل إن تلك الأقوال، ببروز الواقع المنتظر، تجد في هذا الواقع كلّ أبعادها. لذلك يحتمل النص من طبيعته تفسيرات لا نهاية لها، ولذلك أيضاً يستطيع يوحنا الانجيلي أن يسبر أعماق أقوال يسوع ويفهم معانيها أكثر من سابقيه. وتفسيره ليس تطبيقاً لاحقاً على أوضاع قد تغيّرت، إنّما هو سير داخلي مع الكلمة نفسها".
لذلك نرى داخل النص الإنجيلي نفسه اختلافات في تفسير أقوال يسوع ناتجة عن تلك العلاقة الجدلية بين أقوال يسوع من جهة والأحداث والأوساط المختلفة التي عاشت فيها الكنيسة الأولى من جهة أخرى. فمرقس يكتب في زمن ومحيط مختلفين عن الزمن والمحيط الذي بكتب فيه متى. وكذلك القول عن يوحنا الذي كتب إنجيله في نهاية القرن الأول، بعد أن اتَّضح للمسيحيين الأوّلين أنّ نهاية العالم ليست قريبة كما كان يظنّ البعض.
لذلك يمكننا القول اليوم إنّ قرب مجيء المسيح ونهاية العالم يجب ألاَّ يُفهَم على صعيد القرب الزمني بقدر ما يجب النظر إليه على صعيد القرب النفسي أي على صعيد الاستعداد الدائم لملاقاة المسيح، وذلك بالتوبة والإيمان بالإنجيل (متى 24: 37- 51؛ مر 13: 33- 37). وكل ما سوى ذلك من أوصاف متعلّقة بمجيئه، فيسوع لا يأتي على ذكره إلاَّ في تعابير معهودة لدى معاصريه، ولا يزيل الغطاء عن السرّ الذي سيبقى على ما هو عليه.

2- رجاء يسوع الشخص
إنّ يسوع يحيا الرسالة التي يكرز بها. فمن جهة يشترك اشتراكاً كاملاً في ملكوت الله بقبوله الصليب، ومن جهة أخرى يقود في شخصه رجاء العهد القديم إلى كماله، هذا الرجاء الذي يلجأ إلى تعابيره التقليدية للتعبير عن رجائه الشخصي.

أ) الصليب
لقد رفض يسوع الماسيوية السياسية وقَبِلَ الموت "ليبذل حياته فداء عن كثيرين" (مر 10: 45)، ويختم بدمه "العهد الجديد" الذي أنبأ عن مجيئه ارميا النبي.

ب) رجاء القيامة وتحقيقها في شخص المسيح
يؤمن يسوع بالقيامة ويرجوها. فنراه يبيّن للصَّدّوقيين الذين لا يؤمنون بعدم القيامة أنّهم على ضلال عظيم، وأنّ "الله هو إله أحياء وليس إله أموات". فالأموات سيقومون، ولكن لحياة روحية. "فعندما يقومون من الأموات لا يزوّجون ولا يتزوّجون، بل يكونون كالملائكة في السماء" (مر 12: 18- 27).
ويسوع أيضاً يرجو القيامة لنفسه. فكل مرّة ينبئ تلاميذه بموته لا يفصل أبداً موته عن قيامته: "أخذ يعلّمهم أنّه ينبغي لابن البشر أن يتألّم كثيراً، وأن ينتبذه الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأن يُقتَل ويقوم بعد ثلاثة أيّام" (مر 8: 31). وهذا اليوم الثالث هو، في التقليد اليهودي، "يوم تعزية الأموات" أي يوم القيامة.
وعندما سأله رئيس الكهنة في أثناء المحاكمة: "أأنت المسيح ابن المبارك؟"، أجابه: "أنا هو"، ثم أضاف: "وسترون ابن البشر جالساً عن يمين القدرة، وآتياً على سحاب السماء" (مر 14: 62). إنّ يسوع يرجو بعد موته الدخول في مجد الله. فالدهر الآتي هو له حالة مجد وحياة إلى يمين الله الآب.
والساعة التي يتكلّم عنها إنجيل يوحنا هي في آنٍ معاً ساعة موت يسوع وقيامته، وساعة دينونة العالم وخلاصه. وعندما يرتفع على الصليب يجذب إليه الجيمع ليخلّصهم، والذين يرفضون الإيمان بيسوع يُدانون. لذلك يعلن وهو على الصليب أنّ كل شيء "قد تمَّ" بموته (يو 19: 30)، وأنّه بدأ للعالم زمن الدينونة وزمن الخلاص. وتلك هي "الأزمنة الأخيرة" التي تكلّم عنها الأنبياء.
مع يسوع نجد في الكتاب المقدس تفسيراً جديداً للأزمنة الأخيرة. فالدينونة والخلاص يبقيان، ولكن رجاء الشعب يرتكز على يسوع للبلوغ إلى كماله وتحقيق كل تطلّعاته المتعلّقة بالزمن الجديد والدهر الآتي.

3- الرجاء المسيحي في الكرازة الرسولية
يستند الرجاء المسيحي إلى بلوغ رجاء العهد القديم كماله في المسيح. ولكن هذا الرجاء يبقى مشدوداً إلى كماله النهائي. إنّ موت يسوع قد اعتبره الرسل ذبيحة تكفيرية. فالإنسان، وقد افتداه المسيح، يمرّ من الوجود الخاضع لشريعة الخطيئة إلى الوجود الجديد المتّحد بالله والعائش في ملكوته. فمن يؤمن بالمسيح لا يعود خاضعاً للدينونة التي تبقى مسلّطة على العالم الخاطئ، بل يشترك في الخلاص الذي يمنحه الله للذين يؤمنون.
ذاك هو أساس الرجاء المسيحي. ولكن هذا الرجاء يتضمّن مرحلتين: مرحلة أولى تتعلّق بالزمن الحاضر، ومرحلة أخرى تتعلّق بالدهر الآتي بعد الموت.

أ) الرجاء في الزمن الحاضر
1) العالم أمام دينونة الله: يرى البعض تناقضاً بين إله العهد القديم الذي يعتبرونه إلهاً قاضياً وإلهاً ديّاناً وإله العهد الجديد الذي ظهر لنا في شخص يسوع وتعليمه إلهاً أباً وإلهاً محبة. إنّ في تلك النظرة كثيراً من المغالاة. ففي العهد الجديد ظهر الله حقًّا إلهاً أباً وإلهاً محبة. إلاَّ أنَّ تلك المحبة هي في آنٍ معاً "نار آكلة" (عب 12: 29) للخاطئ الذي يجابه تلك المحبة فينغلق على نفسه ويرفض نعمة الله التي من شأنها أن تصالحه مع الله وتجعل منه إنساناً جديداً. إنّ مجيء يسوع لم يجعل من فكرة الله الديّان فكرة غابرة يجب تخطّيها، بل على العكس من ذلك يعلن دينونة الله أمراً ثابتاً في تاريخ العالم. هذا ما يظهر بوضوح في النص الإنجيلي التالي الذي يجمع فيه يوحنا بين محبة الله وخلاصه من جهة والدينونة من جهة أخرى: "فلقد أحبَّ الله العالم حتى إنّه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. فإنّ الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم". ثم يضيف: "فمَن آمن به فلا يُدان، ومَن لا يؤمن به فقد دين، لأنّه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وعلى هذا تقوم الدينونة: إنّ النور قد جاء إلى العالم، والناس آثروا الظلمة على النور، لأنّ أعمالهم كانت شريرة" (بو 3: 16- 19).
إنّ الله لا يقيم محكمة ليدين العالم ويدين الخطأة. بل عمل الله هو عمل محبة وعمل خلاص. أمّا الدينونة فهي رفض الإنسان لتلك المحبة وذاك الخلاص. لذلك يستعمل يوحنا صيغة الماضي المجهول بقوله: "مَن لا يؤمن به فقد دِيْنَ". رفض الإيمان هو الدينونة في ذاتها.
على هذا النحو يجب أن نفهم ما يقوله بولس الرسول عن "غضب الله الذي يعتلن من السماء على كل كفر وظلم للناس الذين يعوقون الحق بالدم" (رو 1: 18). وفي تلك النظرة تبدو الحروب والخصومات وما يتبعها من مجاعات وبلايا نتيجة حتمية لخطايا البشر. فالقول إنّ الله يدين العالم هو تعبير ديني للعلاقة الحتمية التي تربط خطايا البشر بما ينتج عنها من شرور، وتأكيد على مسؤولية الإنسان في حصول تلك الشرور.
لذلك يدعو بولس يوم الدينونة الأخيرة "يوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله..." (رو 2: 6).
تلك أيضاً هي نظرة سفر الرؤيا في تعداد المصائب والكوارث التي يتعرّض لها البشر. إنطلاقاً من الاضطهادات التي عاناها المسيحيون في الامبراطورية الرومانية، يفسّر يوحنا التاريخ كلّه. فعندما يفضّ الحمل المذبوح، وهو يسوع المسيح الذي ممات وقام، الختوم السبعة من سفر التاريخ، تظهر في الختوم الستة الاولى الكوارث التي يتعرّض لها البشر على مدى التاريخ كلّه، وهي على التتالي الاجتياحات والحروب الاهلية والمجاعات والطاعون والاضطهادات والزلازل والكوارث الطبيعية (6: 1- 17). وعندما يفضّ الختم السابع ينفخ الملائكة بسبعة أبواق وتبلغ كوارث التاريخ ذروتها، ثم يعلن مُلْك الله على العالم: "إنّ مُلْك العالم قد صار لربّنا ولمسيحه، فهو يملك إلى دهر الدهور" (11: 15).
هذه الآفات هي ما تشهده البشرية منذ وجوده. ويسوع أنبأ تلاميذه بكلّ الاضطهادات التي سيتعرّضون لها: "فإن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أيضاً" (يو 15: 20) ولا خلاص للإنسان إلاَّ بالالتفات إلى الحمل المذبوح والقائم من بين الأموات. هذا الخلاص لا ينقذ الناس من العذاب والموت، بل يعطي عذابهم وموتهم معنى جديداً، وهو الاشتراك في عذاب المسيح وموته والدخول معه إلى ملكوت الله ومجده.
2) الخلاف على صعيدي الشخصي والجماعة: من يؤمن بالمسيح وسيط العهد الجديد ينجو من الدينونة ويشترك في الخلاص. ويتضمّن هذا الخلاص بُعداً شخصيًّا وبُعداً جماعيًّا.
فالخلاص على صعيد الشخص هو الدخول في علاقة حميمة مع الله: "ان محبة الله قد أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه" (رو 5: 5)، لذلك "انتقلنا من الموت إلى الحياة" (1 يو 3: 14). "احسبوا أنفسكم أمواتاً للخطيئة، أحياء لله في المسيح يسوع" (رو 6: 11). إنّ جوهر الخلاص قد أعطي لنا، وهو الحياة مع الله في المسيح يسوع.
إلاَّ أنَّ المسيحيين مدعوون إلى تخطّي خلاصهم الفردي لإنشاء شعب واحد في المسيح. وهذا هو العبد الجماعي للخلاص. فالمسيح قد مات "ليجمع في الوحدة أبناء الله المتفرّقين" (يو 11: 52). "فليس بعد يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكرو وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غلا 3: 28). إنّ حلم الوحدة البشرية هو ما تريد الكنيسة تحقيقه. وهذا ما صلّى يسوع لأجله: "ليكونوا بأجمعهم واحداً" (يو 17: 21).
إنّ الخلاص على صعيد الفرد كما على صعيد الجماعة لن يتحقّق بشكل سحري. فالإنسان مدعو على الدوام ليصارع "شهوة الجسد" (غلا 5: 16- 21، أف 6: 11) ويخلق "الإنسان الجديد" في ذاته (أف 4: 20- 32). والكنيسة مدعوّة إلى العمل في سبيل وحدة البشر على هذه الأرض، لكي لا يكون "بعدُ يوناني ولا يهودي، لا ختان ولا قلف، لا أعجمي ولا اسكوتي، لا عبد ولا حرّ، بل المسيح الذي هو كل شيء وفي كل شيء" (كو 3: 11).
لذلك لا يقتصر الرجاء المسيحي على انتظار عالم آخر يتحقّق بعد الموت وحسب، بل على تغيير وجه هذا العالم، ليصير هذا العالم عالماً آخر. وهكذا فالدهر الآتي الذي نرجوه، نرجو أن يأتي ونعمل ليأتي، وإن على وجه غير كامل، في مستقبل هذه الحياة وعلى هذه الأرض.
3) انعكاس الخلاص على الأمور المادية: لذلك أيضاً لا بدّ للخلاص من أن ينعكس على مختلف نواحي حياة الإنسان المادية، وفقاً لما بشّر به الأنبياء أنّ الأزمنة الأخيرة ستكون عهد سلام وعدالة وأُخوّة شاملة. هذا ما يجب على الكنيسة السعي لتحقيقه بالعمل على إزالة كل ظلم واستغلال يعانيه الإنسان من أخيه الإنسان.
ليس من شأن الكنيسة إقامة مثال واحد للمجتمعات تبنيه على أنظمة اقتصادية وسياسية معيّنة (رأسمالية أو اشتراكية أو غير ذلك). ولكن يعود إليها النظر في كل المجتمعات القائمة لانتقاد ما فيها من مظالم، واقتراح سبُل تطويرها وفقاً للقيم الإنجيلية والأخلاق المسيحية التي تكرز بها. 
4) بدعة الالفية: يشير سفر الرؤيا في الفصل 20 إلى مدة ألف سنة يُقيَّد فيها الشيطان، ويتاح فيها للمؤمنين أن يملكوا مع المسيح. ثم يُحلُّ زماناً يسيراً قبل الدينونة العامة.
إنطلاقاً من هذا النصّ ومن نصوص بعض نبوءات العهد القديم التي تعتبر تحقيق ملك الله النهائي وسعادة البشر في إطار هذا العالم، رأى بعض المسيحيين ابتداءً من القرن الثاني أنّه سيأتي يوم ينتصر فيه الله في هذا العالم على جميع قوى الشرّ وتتحوّل الأرض إلى جنة نعيم وفردوس أرضي.
تستند تلك النظرة الخيالية إلى تفسير حرفي يناقض قواعد الفن الأدبي الذي كُتب فيه سفر الرؤيا. فاللوحات التي تتعاقب في هذا السفر تمثّل عدة مرات الواقع نفسه، ولكن من زوايا مختلفة. وهنا الألف سنة تشير إلى زمن الكنيسة، وعدد الألف يرمز إلى الزمن الطويل الذي يستحيل تحديده. وفي هذلزمن سيحيا المؤمنون، ولاسيمالذين "قُتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله" (20: 4)، ويملكون مع المسيح. "تلك هي القيامة الأولى" (20: 5)، دلالة انتصار المسيح على الموت ودخول المؤمنين معه في هذا الانتصار.
واستناداً إلى تفسير حرفي للنص، اعتبر أيضاً البعض في القرون الأولى أنّ نهاية العالم ستكون سنة الألف بعد المسيح. وبعد مرور تلك السنة، اعتبر البعض الآخر انها ستكون تبل السنة الألفين. ونسمع في أيامنا البعض يقولون محرّفين نص سفر الرؤيا "تؤلّف ولا تؤلِّفان". كل هذه التفسيرات خاطئة، لأن الأعداد في سفر الرؤيا هي أعداد رمزية، ولا يمكن الاستناد إليها لتحديد زمن نهاية العالم الذي يستحيل التنبّؤ به. وسفر الرؤيا بكامله لا يمكن تفسيره تفسيراً زمنيًّا وماديًّا، بل يجب تفسيره تفسيراً روحيًّا.
ثم إنّ ترقّب زمن تزول فيه على هذه الأرض الصراعات داخل كل إنسان، ويعيش الناس في جنّة نعيم وفردوس أرضي ليس من الرجاء المسيحي بشيء. لأنّ الإنسان على الصعيد الفردي يمرّ بمراحل مختلفة ويقوم باختبارات متنوعة، وصراعه فيها ضدّ ذاته صراع حتمي إلى أن يلاقي الله وجهاً إلى وجه بالموت.
وكذلك على صعيد الجماعات والشعوب، فإنّ صراع البشريّة ضد قوى الشرّ والموت التي تنخر فيها وتقوّض اساسها سيدوم حتى نهاية التاريخ. والمشكلات والصعوبات ذاتها تعترض سبيلها، وإن في أشكال مختلفة وبنى جديدة. ذلك هو الإطار الذي يجب أن يثبت فيه الرجاء المسيحي بجرأة مستنداً لا إلى أحلام وتطلّعات خيالية، بل إلى الإيمان بالمسيح ودعوته إلى العمل الدائب والسهر الدائم لتحقيق هذا الرجاء.

ب) رجاء الدهر الآتي
بمجيء يسوع وتبشيره بالملكوت بدأت الأزمنة الأخيرة، وبقيامته بدأ الدهر الآتي. والذين يؤمنون بالمسيح ويعتمدون باسمه يشتركون في الخلاص الذي اقتناه لنا. فالدهر الآتي يصير حاضراً في أسرار الكنيسة وحياتها. هذا هو زمن الكنيسة. ولكنّ هذا الزمن يبقى مشدوداً إلى نهايته، حسب قول بولس الرسول: "إنّا بالرجاء خُلِّصنا، على أنّ رجاء ما يشاهَد ليس برجاء، لأنّ ما يشاهده المرء كيف يرجوه أيضاً؟ ولكن، إن كنّا نرجو ما لا نشاهد، فبالصبر ننتظره" (رو 8: 24- 25). لتحديد تلك النهاية، يلجأ العهد الجديد إلى الألفاظ والتعابير التي خلّفها الأنبياء، ويعبّر عنها بتصاوير يمكن حصرها في المواضيع الثلاثة التالية:
1) دينونة الله: هذا الموضوع هو الحدّ الأخير لتاريخ البشر في تعليم يسوع. والرسل يعودون إليه مراراً في كرازتهم. فيعلنون أولاً أنّ تلك الدينونة قد تحقّقت بموت يسوع. فساعة موت يسوع هي في آنٍ معاً ساعة دينونة العالم: "الآن دينونة هذا العالم. الآن رئيس هذا العالم يُلقى خارجاً. وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبتُ إليّ الجميع. قال يسوع هذا ليدلَّ على أيّة ميتة كان مزمعاً أن يموتها" (يو 12: 31- 33).
لذلك يروي متى أحداث موت يسوع في إطار أدبي يجمع كل ملامح اليوم الأخير: الظلمة، الزلزلة، تدنيس الهيكل، قيامة الأموات (متى 27: 45، 51- 52).
ولكنّ تلك الدينونة تمتدّ أيضاً على الزمن الذي يلي موت يسوع، إلى أن تبلغ ذروتها في اليوم الذي تزول فيه هيئة هذا العالم: "لأنّ هيئة هذا العالم في زوال" (1 كو 7: 31). وهذا اليوم يصفه كاتبو العهد الجديد في تصاوير يستقونها من العهد القديم، ولكنهمِ يضيفون إليها إيمانهم بأنّ المسيح هو ابن البشر الذي تنبّأ عنه دانيال والذي "أقامت الله ديّاناً للأحياء والأموات" (أع 10: 42).
فبطرس الرسول يحثّ المؤمنين على أن "ينتظروا ويستعجلوا مجيء يوم الله، الذي من أجله ستنحلّ السماوات ملتهبة، وتذوب الغناصر متّقدة" (2 بط 3: 11- 12). وهذا اليوم هو، في رسائل بولس "يوم الرب" (1 كور 1: 8؛ 5: 5؛ 2 كو 1: 14)، و"يوم المسيح" (في 1: 6، 10؛ 2: 16). "فالآب لا يدين أحداً، بل فوّض إلى الابن كل دينونة" (يو 5: 22).
في سفر الرؤيا يظهر المسيح من جديد في نهاية الزمن في هيئة فارس يدعى "كلمة الله"، و"ملك الملوك وربّ الأرباب"، وينتقم لله فيبيد جميع أعدائه ويطرحهم في "بحيرة النار المتّقدة بالكبريت"، أي في الموت الأبدي (19: 11- 21).
إنّ اعتلان مجد يسوع في مجيئه الثاني المجيد سيكون علامة نهاية الأزمنة: "ها هوذا يأتي في السحاب. ستراه كل عين، حتى أولئك الذين طعنوه. وستنوح بسببه جميع قبائل الأرض" (رؤ 1: 7، راجع زخ 12: 10). عندئذٍ تفتح الكتب ويُدان الأموات على مقتضى أعمالهم المدوّنة في تلك الكتب (رؤ 20: 12). فالمسيح هو الديّان الذي سيدين كل إنسان. إلاّ أنّ الدينونة يجب فهمها حسب الكلمة التي أتينا على ذكرها "مَن لا يؤمن به فقد دِينَ". فانقسام الناس إلى فئتين: فئة الصالحين المباركين وفئة الأشرار الهالكين، سيتمّ تلقائيًّا طبقاً للاختيار الذي قاموا به إزاء النعمة التي قدّمها لهم المسيح. على هذا النحو يجب تفسير القول إنّ البعض يرثون الحياة الأبدية. أمّا الآخرون فيُطرَحون في "بحيرة النار" التي يدعوها سفر الرؤيا" الموت الثاني" (20: 14). وهناك يكونون مع أعداء الجنس البشري القدامى: "الوحش الشيطاني" والموت والجحيم (20: 14).
2) قيامة الأموات: في الرسالة الأولى إلى التسالونيكيين والرسالة الأولى إلى الكورنثيين، يصوّر بولس تجمّع المختارين النهائي في هيئة تجمّع ليتورجي على صوت البوق، كما جاء في العهد القديم (عد 10: 2- 10، يؤ 2: 15). وعندئذٍ يلاقي الجميع الرب من حيث هم: فالأموات أولاً من الجحيم مقرّهم التقليدي حيث ينتظرون يوم القيامة، والأحياء من الأرض التي لا يزالون عليها:
"إنّا نعلن لكم، بناء على قول الرب: إنّا نحن الأحياء، الباقين إلى مجيء الرب، لن نسبق الأموات الراقدين. لأنّ الرب نفسه، عند إصدار الأمر، وعند صوت رئيس الملائكة، وهتاف بوق الله، سينزل من السماء، فينهض الراقدون في المسيح أوّلاً. ثمّ نحن الأحياء الباقين نُختَطَف معهم جميعاً إلى السحب، لنلاقي الربّ في الفضاء. وهكذا نكون مع الربّ على الدوام" (1 تسا 4: 15- 17).
وأجساد الأموات والأحياء تتحوّل إلى أجساد غير فاسد، "ها إنّي أكشف لكم سرًّا: لن نرقد كلّنا، ولكن سنتحوّل كلّنا. في لحظة، في طرفة عين، عند البواق الأخير، لأنه سيُهتَف بالبوق، فينهض الأموات بغير فساد، ونحن نتحوّل. إذ لا بدّ لهذا لجسد الفاسد أن يلبس عدم الفساد، ولهذا الجسد المائت أن يلبس عدم الموت" (1 كو 15: 51- 53).
أمّا موضع اللقاء فهو السماء، حسب قول بولس في رسالته إلى الفيليبيين: "أمّا نحن فموطننا في السماوات التي منها ننتظر مخلّصنا، الربّ يسوع المسيح، الذي سيحوّل جسد هواننا إلى جسد على صورة جسد مجده، بتلك القدرة التي تمكّنه من أن يخضع لنفسه كل شيء" (في 3: 20- 21).
كيف يكون هذا التحوّل؟ هذا أمر يتعلّق بالعالم غير المحسوس الذي يتخطّى المادة والزمن، والذي لا يمكن لعقلنا المقيّد بالمادة والزمن أن يدركه ادراكاً واضحاً. لذلك يلجأ بولس إلى تشابيه وتصاوير يستقيها من عالم المادة والحواس، فيشبّه تحوّل الجسد بتحوّل حيّة الحنطة:
"ولكن، قد يقول قائل: كيف يقوم الأموات؟ وبأيّ جسد يرجعون؟ يا جاهل، إنّ ما تزرعه أنت لا يحيا إلاَّ إذا مات. وما تزرعه ليس هو الجسم الذي سيكون، بل مجرّد حيّة من الحنطة، مثلاً، أو غيرها من البذور. إلاَّ أنّ الله يؤتيها جسماً على ما يريد، لكل من البذور جسمه المختصّ به... فهكذا قيامة الأموات: يُزرَع الجسد بفساد ويقوم بلا فساد، يُزرَع بهوان ويقوم بمجد، يُزرَع بضعف ويقوم بقوة. يُزرَع جسد حيواني ويقوم جسد روحاني" (1 كو 15: 35- 38، 42- 44).
ويشبّه أيضاً جسد الإنسان بمسكن أرضي معرّض للموت والانحلال أثناء حياته على الأرض، وبمسكن سماوي أبدي بعد موته: "إنّا نعلم أنّه، إذا نُقِض هذا الخباء، مسكننا الأرضي، فلنا في السماوات مسكن من الله، بيت لم تصنعه الأيدي، أبدي". ثم يشير إلى رغبته في التحوّل إلى هذا المسكن السماوي: "فلذلك نَحِنُّ في وضعنا هذا، متشوّقين أن نلبس بيتنا السماوي فوق الآخر، إن نحن وُجِدنا لابسين لا عراة (أي إن كنّا بعد أحياء لدى مجيء الرب للدينونة). فإنّا، ما دمنا في هذا الخباء، نَحِنّ مثقلين، لأنا لا نريد أن نخلعه، بل أن نلبس فوقه، حتى تبتلع الحياة ما هو مائت فينا. والذي أعدّنا لذلك هو الله، الذي أعطانا عربون الروح" (2 كو 5: 1- 5).
إنّ الروح الذي أعطانا إيّاه يسوع هو العربون الذي نستند إليه لنؤكّد إيماننا بأننا بعد الموت سنشترك في قيامة المسيح:
"إنّا نحن الأحياء نُسلَم دائماً إلى الموت من أجل يسوع، لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت... فإذ فينا روح الإيمان الواحد، المكتوب عنه: إنّي آمنت، ولذلك تكلّمت، فنحن أيضاً نؤمن، ولذلك نتكلّم، لعلمنا بأنّ الذي أقام الربّ يسوع سيقيمنا نحن أيضاً مع يسوع، ويظهرنا معكم أمامه" (2 كو 4: 11- 14).
ويتمّ اشتراكنا في قيامة المسيح على مرحلتين:
- على هذه الأرض، إذ نعبر من الموت إلى الحياة، أي من موت الخطيئة إلى الحياة مع الله في المسيح.
- وبعد الموت، وفي اليوم الأخير، فتشمل تلك الحياة جسدَنا نفسه. 
نجد أيضاً في إنجيل يوحنا تمييزاً مماثلاً بين هاتين المرحلتين. يقول يسوع:
"الحق الحق أقول لكم: إنّها تأتي الساعة، وها هي ذي حاضرة (تلك هي المرحلة الأولى، على هذه الأرض)، التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، والذين يسمعون يحيون". ويعني بالأموات هنا بالخطيئة على هذه الأرض. ثم يضيف مشيراً إلى المرحلة الثانية بقوله: "إنّها تأتي الساعة التي يسمع فيها جميع من في القبور صوته، فيخرجون منها: فالذين عملوا الصالحات ينهضون للحياة، والذين عملوا السيّئات ينهضون للدينونة" (يو 5: 25- 29).

3) الحياة الأبدية مع الله: ما هو قوام تلك الحياة الأبدية مع الله؟
منذ العهد القديم كان موضوع وعود الله وموضوع رجاء المؤمنين كما عبّرت عنها أقوال الأنبياء والمزامير، حياة الشركة مع الله. وقد ثبّت يسوع تلك النظرة أولاً في تأكيده المفهوم الروحي للملكوت، إذ يظهر من خلال كرازته أنّ الملكوت هو الحياة مع الله. ثم في حياته الشخصية، إذ عاش هو نفسه مع الآب في شركة عميقة واتّحاد وثيق. على هذا يقوم الرجاء المسيحي في العهد الجديد: لقد جاء المسيح ليصالح البشرية الخاطئة مع الله (2 كو 5: 19). ومن يتّحد بالمسيح القائم، يصير معه كائناً جديداً (رو 6: 5، 2 كو 5: 17، غلا 6: 15).
الحياة الأبدية التي نبدأها في هذا الدهر، ونرتقبها ونرجوها للدهر الآتي، هي الحياة مع المسيح، ومن خلال المسيح مع الله: "مشيئة أبي أن يكون لكل من يرى الابن ويؤمن به، الحياة الأبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير" (يو 6: 40).
تلك أهمّ تعاليم العهد الجديد في موضوع "قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي". كيف نفهمها؟ وأيّ عقيدة إيمانية نستخلص منها؟

ثالثاً- مبادئ لتفسير لغة الكتاب المقدس:
أساليب التعبير الدينية

1- اللغة الدينية
اللغة وسيلة يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن أفكاره. وتختلف اللغة باختلاف الميادين التي يتكلّم فيها الإنسان. فهنالك اللغة المحكية التي نستعملها في الحياة اليومية، وهنالك اللغة العلمية التي تستخدمها مختلف العلوم، وهناك لغة الفلاسفة المجرّدة، وهناك لغة المؤرّخين وعلماء الاجتماع. وجميع تلك اللغات هي أساليب نشأت في الزمن والتاريخ للتعبير عن اختبارات البشر وعلاقاتهم بعضهم ببعض في إطار العالم الذي يعيشون فيه.
ولكن هناك اختبار ديني يعيشه الإنسان، يتخطّى العالم، وهناك علاقة دينية ينشئها بينه وبين الله، تتجاوز حدود الزمن والتاريخ. وللتعبير عن ذاك الاختبار وتلك العلاقة يلجأ الإنسان إلى ما لديه من أساليب بشرية للتعبير. ولكنه يجب أن يعي الوعي التام أنّ تلك الأساليب، لكونها مرتبطة بعالم المادة وعالم الإنسان، لا يمكن أن تعبّر تعبيراً واقعياً كاملاً عن عالم الروح وعالم الله. يرى بعض الفلاسفة أنّ البشرية لم تتوصّل بعد إلى خلق لغة تعبّر تعبيراً وافياً عن سرّ الإنسان وسرّ الكون. في هذا الموضوع يقول الفيلسوف الألماني المعاصر هايدغر: "إنّمَا نحن سائرون نحو اللغة". فكم بالحري يمكننا القول إنّ الإنسان لم يتوصّل بعد إلى خلق لغة تعبّر تعبيراً وافياً عن سرّ الله.
لذلك كلّ لغة دينية إنّما هي حتماً لغة رمزية، تلجأ إلى أساليب التعبير البشري للكلام عن الأمور الإلهية التي تؤمن بها. والكتاب المقدس، للإدلاء بوحي الله وإيمان الإنسان بهذا الوحي يستعمل أساليب للتعبير يمكن جمعها في إطار الأساليب الأربعة التالية:

أ) أسلوب المماثلة أو التشبيه أو الاستعارة
هذا الأسلوب يتصوّر الله على مثال البشر، وعلاقة الله بالبشر على مثال علاقة البشر بعضهم ببعض. فالله هو الأب والملك والقاضي والراعي. والعهد مع الله يتصوّره الكتاب المقدس على غرار الميثاق بين البشر. في هذا الأسلوب يلجأ الكتاب المقدّس إلى التشبيه والاستعارة. فيشبّه الله بالبشر، أو يستعير من البشر أجمل صفاتهم ليصف بها الله.

ب) أسلوب الرمز أو الصورة
يعتبر هذا الأسلوب أحداث العهد القديم رموزاً وصوَراً للحقائق النهائية التي أوحى بها إلينا المسيح في العهد الجديد. فالدخول في أرض الميعاد بعد عبور الصحراء يرى فيه الكتاب المقدس صورة لدخولنا السماء في نهاية حياتنا على هذه الأرض (عب 4: 1- 11). كما يرى في الاحتفالات الدينية التي كانت تتمّ في أورشليم في العهد القديم صورة لكنيسة العهد الجديد المدعوّة إلى أن تجمع فيها جميع الشعوب لعبادة الله. فالكنيسة هي "أورشليم الجديدة"، وهي في آن معاً صورة "لأورشليم السماوية"، حيث سنحيا مع الله حياة الأبد (اش 54، غلا 4: 25- 27؛ عب 12: 22- 24؛ رؤ 21: 9- 27)- 

ج) الأسلوب الميثولوجي
ويلجأ أيضاً الكتاب المقدس إلى الأسلوب الميثولوجي، الذي يقوم في ثلاثة أوجه:
- فتارة ينقل الإنسان إلى العالم الخارجي خبرة يختبرها في عالمه الداخلي، ويحدّد لها مكاناً معيَّناً. فللتعبير عن الموت يتكلم عن النزول إلى الجحيم، وللتعبير عن القيامة يتكلّم عن الصعود من الجحيم. وكذلك للتعبير عن دخول المسيح في مجد الله يروي في أسلوب أسطوري قصة "صعوده إلى السماء". فالحقيقة هي دخوله يسوع في مجد الله، وأسلوب التعبير هو "الصعود إلى السماء".
- وتارة يجسّد أحلامه في لوحات خياليّة يصفها وكأنّها لوحات لأحداث واقعية تحقّقت في بدء الزمن، أو ستتحقّق في نهايته. وهكذا فإن لوحة الفردوس الأرضي الذي عاش فيه آدم وحواء هي لوحة أسطورية في أسلوبها، يريد من خلالها الكتاب المقدس التأكيد على أنّ سعادة الإنسان هي من صميم قصد الله للإنسان.
- وتارة يصف النواحي الصعبة لوجودنا على الأرض أو لصراعنا الداخلي مع ذاتنا في معارك يقوم فيها وجهاً إلى وجه أشخاص حقيقيون مع أشخاص رمزيين. فعندما يقوم المسيح بمعركة ضد الشيطان وقوى الشرّ، ويغلب الخطيئة والموت، ويفتدي البشرية ويعيد كل شيء إلى الآب، يظهر الشيطان كالوحش البحري الذي يحاول أن يفترس المؤمنين.
كلّ تلك التصوّرات لا وجود لها كما هي. لكنها تصوّر واقعاً ثابتاً لا يمكن إنكاره. وهذا الواقع مرتبط بكيان الإنسان منذ نشأته وفي أعماق وجوده، إنّمَا يستحيل وصفه وصفاً مباشراً وموضوعياً لكونه يتخطّى عالم الحواسّ وعالم الأفكار الجليّة الواضحة.

د) الاسلوب الوجودي
يعبّر هذا الأسلوب عن خبرة الإنسان الداخلية في تعابير الحضور والعلاقة. فنقول إنّ الله حاضر فينا وإلى جانبنا. ونقول إنّه شخص نرتبط به بعلاقة حميمة. وبقدر ما تكون علاقتنا بالله وطيدة، بقدر ذلك نعبّر عنها بتعابير الحضور المتبادل، فنقول إنّ الله فينا ونحن في الله.
تلك الأساليب الأربعة غالباً ما تتشابك في نصّ واحد للتعبير عن خبرة دينية واحدة. والأسلوب الرابع هو الذي يعطي الأحداث المرويّة في الأساليب الثلاثة الأولى عمق معناها وحقيقة جوهرها. وهو الذي يمنعها من الهروب إلى عالم الخيال المحض، ويعيدها إلى حقيقة الواقع الديني الذي يختبره الإنسان. ولكن يجب على من يقرأ الكتاب المقدس أن يميّز بين تلك الأساليب ليتمكّن من تفسير عناصرها تفسيراً ملائماً، ليتوصّل من خلال هذا التفسير إلى إدراك جوهرها إدراكاً صحيحاً غير مشوّه. وهذا هو موضوع النقد الأدبي للغة الكتاب المقدس.

2- النقد الأدبي وتفسير النصوص
يجب إذاً في تفسير نصوص الكتاب المقدس التنبّه إلى أساليب التعبير التي كُتبت فيها تلك النصوص لاكتشاف ما تحمله من تعليم.

أ) مثال على تفسير النصوص الكتابية
مثالاً على ذلك، فان الرسائل إلى الكنائس السبع في سفر الرؤيا (فصل 2 و3) تَعِدُ المؤمن "بالشركة مع الله في المسيح". إلاَّ أن هذا الوعد تعبّر عنه في رموز وأساليب للتعبير مختلفة:
فتلجأ تارة إلى الأسلوب الميثولوجي: "من غلب أوتيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في فردوس الله" (2: 7).
وتارة يستخدم الأسلوب الرمزي، فيعبّر عن الرجاء المسيحي برموز العهد القديم: "من غلب فإني أوتيه أن يأكل من المنّ الخفيّ" (2: 17). "الغالب الذي يحفظ أعمالي حتى المنتهى، أوتيه سلطاناً على الأم، إنّه بعصا من حديد يرعاهم، كم تُحطَّم آنية من خزف، مثلمَا أُوتيتُ أنا من عند أبي. وأعطيه كوكب الصبح" (2: 27- 28). "من غلب فإنّي أجعله عموداً في هيكل إلهي، فلا يعود يخرج من بعد. وأكتب عليه اسم إلهي، واسم مدينة إلهي، أورشليم الجديدة، النازلة من السماء عند إلهي، واسمي الجديد" (3: 12).
كما تلجأ إلى أسلوب المماثلة والتشبيه: "ها أنا ذا واقف على الباب أقرع. فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه، فأتعشى معه وهو معي" (3: 2). في هذا التشبيه يصوّر الألفة بين المسيح والمؤمن على مثال الألفة القائمة بين صديقين يتعشّيان معاً.
في تلك الأساليب الثلاثة يمكننا بسهولة أن نكتشف غاية الكاتب والمعنى الوجودي الذي يقصده، وهو الاشتراك في حياة الله نفسه.
وهكذا يساعدنا النقد الأدبي الصحيح على تخطّي أسلوب التعبير للوصول إلى عمق معنى النص، واكتشاف الحقيقة التي يريد الله أن يوحي بها إلينا.

ب) جوهر تعليم العهد الجديد بشأن الحياة مع الله
في هذا الدهر وفي الدهر الآتي
إستناداً إلى كلّ ما سبق يمكننا القول إنّ جوهر تعليم العهد الجديد بشأن الحياة مع الله في هذا الدهر وفي الدهر الآتي يقوم على تلك العلاقة الحميمة التي يريد الله إنشاءها مع الإنسان.
تلك العلاقة يعبّر عنها العهد الجديد بطرق مختلفة: فهي "شركة مع المسيح" و"شركة مع الآب" (1 يو 1: 1- 2). وهي أيضاً معرفة المسيح الذي لأجلها يخسر بولس كلّ شيء: "أعدّ كلّ شيء خسراناً إزاء هذا الربح الفائق: معرفة المسيح يسوع ربي، الذي لأجله خسرت كل شيء، وفي كلّ شيء لا أرى سوى أقذار حتى أربح المسيح... فمُنيتي إذاً أن أعرفه هو، وأعرف قدرة قيامته، والشركة في آلامه، فأصير على صورته في الموت، على أمل البلوغ إلى القيامة من بين الأموات" (في 3: 8- 11).
وهي كذلك "معرفه الله": "أيها الأحباء، لنحبّ بعضنا بعضاً، فإنّ المحبة من الله. وكلّ من يحبّ فهو مولود من الله ويعرف الله" (1 يو 4: 7). وهي أيضاً محبة المسيح التي تقود إلى محبة الله: "من اعترف بأنّ يسوع هو ابن الله، فالله يقيم فيه، وهو يثبت في الله. ونحن عرفنا المحبة التي لله فينا، وآمنّا بها. إنّ الله محبة، فمن ثبت في المحبّة ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 15- 16).
تلك العلاقة مع الله يحياها المسيحي في الكنيسة مع كلّ ما فيها من أسرار مقدّسة وطقوس ليتورجية. وكلّها طرق تفضي بنا إلى الله. إنّ معرفتنا لله هي معرفة حقيقية وعلاقتنا به هي علاقة واقعية. إنّنا لا نعيش في الحلم ولا في الخيال. ولكن لا يمكننا التعبير عن تلك الحقيقة وذاك الواقع إلاَّ من خلال رموز دينية يجب قبولها كوسائل لا بدّ منها للوصول إلى الله الذي يقول عنه بولس: "إنّه السيّد الأوحد، ملك الملوك ورب الأرباب، الذي له وحده الخلود، ومسكنه نور لا يُدنَى منه، الذي لم يره إنسان ولا يقدر أن يراه" (1 تي 6: 16).
على هذا النحو يعبّر العهد الجديد عن علاقتنا بالله في هذا الدهر. وعلى النحو نفسه يصوّر لنا علاقتنا بالله في حياة الدهر الآتي. فبولس مثلاً بعد وصف "يوم الرب" بأسلوب رمزي، بقوله "إنّ الرب نفسه، عند إصدار الأمر، وعند صوت رئيس الملائكة وبوق الله، سينزل من السماء، فينهض الراقدون في المسيح أولاً. ثمّ نحن الأحياء الباقين نُختطَف معهم جميعاً في السحب لنلاقي الربّ في الفضاء"، يختم معلناً: "وهكذا نكون مع الرب على الدوام" (1 تسا 4: 16- 17).
إنّ الحقائق الثابتة يؤكّدها لنا الكتاب المقدّس من خلال تصاوير بشرية ورمزية يجب ألاَّ تُفسَّر حرفيًّا، وإلاَّ سلكنا طريقاً مسدودة وجعلنا من الله إلهاً على قياسنا وحياة الدهر الآتي على مثال حياة هذا الدهر المادية.
كما يجب ألاَّ تُرفَض رفضاً تامًّا بحجّة أنّ الإنسان لا يمكنه معرفة أيّ شيء عن عالم الله وعالم الدهر الآتي المغاير كل المغايرة لعالمنا. إنّ التفسير الصحيح هو "طريق قمة" بين هاويتين: هاوية التفسير الحرفي وهاوية الجهل ورفض كل معرفة.
الفَصل الثَاني
رَجَاؤنَا المَسيحيّ اليَوْم

إنطلاقاً من تعليم الكتاب المقدس، كيف يمكننا اليوم التعبير عن رجائنا بالحياة مع الله في هذا الدهر الآتي؟

أوّلاً- السماء

إنّ رجاءنا المسيحي يشمل مصيرنا ومصير البشريّة كلّها على هذه الأرض وبعد الموت. 

1- الرجاء المسيحي على هذه الأرض
أ) حياة الكنيسة
إنّ ما يرجوه المسيحي قد تحقّق على هذه الأرض على صعيده الشخصي. فالإيمان بالمسيح قد أدخله في حياة جديدة، إذ أشركه في حياة المسيح الذي قام من بين الأموات وتغلّب على الخطيئة والموت.
وتلك الحياة يستقيها المسيحي من الكنيسة جسد المسيح: من إيمانها بكلمة الله التي تبشّر بها، ومن الأسرار المقدسة التي تقيمها. ففي الكنيسة يختبر المسيحي تحقيق وعد المسيح بأن يكون مع تلاميذه "كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 20). وفي الكنيسة ينال روح التبّني الذي يجعله ابناً لله ووارثاً لحياته الإلهية.
إنّ كلّ مؤمن يمتلئ من "نعمة الرب يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس" (2 كو 13: 13). ودور الكنيسة يقوم على التعبير بشكل جماعي عن تلك الحياة الجديدة التي يمتلئ منها كل مسيحي في أعماق كيانه، وعلى العمل لتمتدّ تلك الحياة وتشمل جميع الشعوب، "لأنّ الموعد هو لكم ولبنيكم، ولجميع الذين على بُعد، بمقدار ما يدعو الربّ إلهنا" (أع 2: 39)، كما قال بطرس ليهود في خطبته الأولى يوم العنصرة.

ب) مستقبل البشرية
هكذا يظهر اعتناق الوجود المسيحي الطريق الفضلى لتجسيد الرجاء في هذا العالم. والناس جميعاً مدعوون إلى سلوك تلك الطريق، لأن المسيح مات "ليجمع في الوحدة جميع أبناء الله المتفرقين" (يو 11: 52).
إنّ حياة المسيحيين في العالم تشهد للخلاص الذي منحه المسيح للعالم. فالبشريّة التاريخيّة يتصارع فيها، كما في كل فرد، تيّاران متناقضان: تيار يحملها على الوحدة وتيّار يميل بها إلى التفكّك؛ تيّار يتوق إلى السلام، وآخر تدفعه الأهواء إلى الصراعات الدائمة؛ تيّار يرغب في العدالة وآخر تبعده عن تلك العدالة مختلف الشهوات. فالخير والشرّ اللذان يتصارعان في العالم ليسا من الأمور المجرّدة. إنّهما يكوّنان أُسس المدينتين المتصارعتين على هذه الأرض، حسب الصورة التي استخدمها القديس اوغسطينوس في كتابه "مدينة الله".
ولكن لنحذر أن نرى الخير فقط في المسيحية والشرّ كلّه خارجها. إنّ جذور الشرّ متأصّلة أيضاً داخل قلوب المسيحيين وداخل مجتمعاتنا وحضاراتنا المسيحية. والمسيح يدعونا إلى اقتلاع تلك الجذور من الداخل ومن الخارج على حدّ سواء.
ومستقبل البشرية لا يمكن أن يبيّنه البشر بقواهم الخاصة، بعيداً عن الله الذي "به نحيا ونتحرّك ونوجَد" (أع 17: 28). ودعوة بعض الايديولوجيات كالماركسية الملحدة إلى بناء مستقبل خارجاً عن الله يجدّد قول الشيطان لآدم وحواء: "إن أكلتما من شجرة معرفة الخير والشرّ، تصيران كآلهة عارفي الخير والشرّ"، أي إنّكما تقرّران ما هو خير وما هو شرّ. ولكن آدم وحواء، عندما أكلا من تلك الشجرة انفتحت أعينهما وعرفا أنّ عريانان. إنّ تصميم الالحاد لن يصل إلاَّ إلى كشف عري الإنسان، أي عجزه عن بلوغ المعرفة والسعادة خارجاً عن الله.

إنّ رسالة الكنيسة تفرض عليها أن تُظهِر للبشر ماذا صنع الله لخلاص هذا الإنسان العريان، شرط أن يعترف الإنسان بضعفه، ويلجأ إلى صليب المسيح وقيامته منبع الخلاص. الرجاء المسيحي هو الجواب الوحيد على اليأس الذي يملأ قلوب البشر على صعيد الأفراد والمجتمعات. وهذا الرجاء يستند إلى وعد المسيح الذي "جاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه" (لو 19: 10).

2- الرجاء المسيحي في "الدهر الآتي"
بماذا ينبئنا الرجاء المسيحي للدهر الآتي بعد الموت؟

أ) القيامة الفردية
كلّ الذين كانت حياتهم جواب محبة على محبة الله سيتّحدون بالله ويحيون من حياته. إنّهم بعد موتهم سيقومون إلى حياة الله. هذا هو موضوع رجائنا لما بعد الموت. وهذا الرجاء نعبّر عنه بتعابير وتصاوير متنوعة مستخدمين مختلف أساليب التعبير:
1) الحياة مع الله: في هذا التعبير نلجأ إلى الأسلوب الوجودي. "وهكذا نكون مع الرب على الدوام" (1 تسا 4: 17). "هوذا مسكن الله مع الناس، سيسكن معهم، ويكونون له شعباً، وهو الله معهم يكون إلههم" (رؤ 21: 3). أن يكون إنسان مع شخص آخر ويحيا معه، هذا هو فرح الحضور واللقاء. وأن يكون الإنسان مع الله، مبدأ كيانه وغاية وجوده، هذا هو أقصى سعادته في هذا الدهر وفي الدهر الآتي. إيماننا هو أنّ الموت لن يكون لنا تلاشياً وعودة إلى العدم، بل لقاء الله وحياة أبدية معه.
تلك العلاقة نعبّر عنها أيضاً مستخدمين أسلوب المماثلة، فنشبّه حياتنا مع الله بالألفة البشرية التي تجمع بين الأب وأبنائه. فنصير على مثال الله، ونعرفه كما يعرفنا، ونتّحد به الوحدة الكاملة:
"أيها الأحباء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبيّن بعد ماذا سنكون. غير أنّا نعلم أنّا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأنّا سنعاينه كما هو" (1 يو 3: 2). تلك العلاقة مع الله ستحوّلنا إليه، لأننا سنشاهده "وجهاً إلى وجه" (1 كو 13: 12).
على هذه الأرض المسيح وحده يعرف الآب معرفة كاملة: "لقد دفع إليّ أبي كلّ شيء، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يرف الآب إلا الابن، ومن يريد الابن أن يكشف له" (متى 11: 27). ولكن في الدهر الآتي شرف الله كما يعرفنا: "سأَعلم كما عُلِمت" (1 كو 13: 12).
وإذّاك تتمّ الوحدة الكاملة مع الله التي وعدنا بما المسيح: "ليكونوا بأجمعهم واحداً. فكما أنّك أنت، أيها الآب، فيَّ وأنا فيك، فليكونوا، هم أيضاً، فينا" (يو 17: 21).
2) الاشتراك في مجد الله: وهكذا نعبر من النعمة إلى المجد. هذا العبور قد قام به المسيح قبلنا: "أيها الآب، لقد أتت الساعة. فمجِّد ابنك لكي يمجِّدك ابنك... مجِّدني بالمجد الذي كان لي لديك من قبل كون العالم" (يو 17: 1- 5).
الحياة الأبدية هي حياة الله. ومجد الله هو مل كيانه الذي هو أسمى من كيان كلّ الكائنات، والذي يعرّف به يوحنا بقوله إنّه "الحياة والنور والمحبة" (1 يو 1: 2، 5؛ 5: 16). إنّ تمجيد يسوع بعد موته هو تحوّل كيانه الإنساني ليصير واحداً مع تلك الحياة الإلهية وذاك النور الإلهي، بعد أن كان على هذه الأرض الظهور المجسّد لمحبة الله.
وعلى مثال يسوع، كلّ من يظهر في حياته على الأرض محبة الله يشترك في هذا المجد: "أيها الآب، إنّ الذين أعطيتني، أريد أن يكونوا هم أيضاً، حيث أكون أنا، لكي يشاهدوا مجدي الذي أعطيتني، لأنّك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يو 17: 24).
يستحيل علينا إدراك هذه الحقيقة إدراكاً واضحاً بحواسّنا وحتى بعقلنا. هذا ما اختبره الصوفيون المسيحيون عبر الأجيال، إذ أكّدوا أن معرفة الله هي معرفة بالإيمان، وهي أشبه بتلمّس وبحث في ظلمة الليل.
3) السماء والفردوس: للتعبير عن تلك الحقيقة السرّية التي تعجز عن إدراكها كلّ مفاهيمنا البشرية، ولتقريبها إلى أذهاننا وحواسّنا، نلجأ بالمخيّلة إلى رموز نستقيها من الأسلوب الميثولوجي. فنتكلّم عن "السماء" التي هي مكان نراه فوق رؤوسنا، وعن "الفردوس" الذي هو مكان نتصوّره في بدء التاريخ وفي نهايته، وفيه سيزول كلّ شقاء عرفناه على هذه الأرض: هناك يجد الحزانى التعزية، ويشبع الجياع (متى 5: 5- 6، لو 6: 21). هناك يرى أنقياء القلوب الله. هناك "يمسح الله كلّ دمعة من عيون الناس، ولا يكون بعد موت ولا نوح ولا نحيب ولا وجع، لأن الأوضاع الأولى قد مضت" (رؤ 21: 4).
4) الاشتراك في سعادة القديسين: في هذا التعبير نستخدم الأسلوب الرمزي المستند إلى ما اختبره شعب العهد القديم في تاريخه ومؤسّساته وعباداته. في سفر الرؤيا، المختارون الذين "افتداهم الحمل بدمه يصيرون لله ملكوتاً وكهنة" (5: 9- 10). وهم "جمع كثير لا يستطيع أحد أن يحصيه، من كلّ أمّة وكل قبيلة وكل شعب وكل لسان، واقفون أمام العرش وأمام الحمل، لابسين حللاً بيضاً، وبأيديهم سعف النخل" (7: 9). تلك البشريّة المجدّدة والمصالحة مع الله هي شعب الله الملتئم في "المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، النازلة من السماء من عند الله المهيّأة كعروس مزيّنة لعريسها" (21: 2)، والتي يتمّ في السماء الاحتفال بعرسها مع الحمل: "فلنفرح ونبتهج، ولنُشِدْ بمجد الله، لأنّ عرس الحمل قد حضر، وعروسه قد هيّأت نفسها، وأوتيت أن تلبس بَزًّا نقيًّا. والبَزّ هو مبرّات القديسين" (19: 7).
هناك تضامن بين جميع أعضاء جسد المسيح. فالحياة الواحدة التي تسيل فيهم تنشئ بينهم، أسواء كانوا بعد على الأرض أم رقدوا في الرب، وحدة سرّية دعتها الكنيسة منذ القرون الأولى "شركة القدّيسين"، أي شركة الذين قدّسهم المسيح بنعمته. في هذا الإطار يجب أن نفهم علاقتنا بالأموات. فالمسيح هو الذي يجمعنا على هذه الأرض ويربطنا بمن سبقنا إلى حياة الدهر الآتي.

ب) القيامة العامة وقيامة الأجساد
في إطار "شركة القديسين" هذه يمكننا أن نتكلّم عن "القيامة العامة". فالصدّيقون، منذ موتهم، يتحرّرون من سلطان الموت ويقومون مع المسيح. ولكن فرحهم لن يكون كاملاً إلاَّ متى قام جميع الصدّيقين مع المسيح، أي في نهاية التاريخ. تلك هي القيامة العامة، التي ستكون في آنٍ معاً "قيامة الأجساد". ماذا نعني بهذا التعبير؟
الإنسان روح وجسد، روح يعبّر عن ذاته في جسد. فالجسد فيه أمر ضروري إذ به يعبّر الروح عن ذاته وبه يدخل الإنسان في علاقة مع الآخرين ومع العالم المادي. وبما أنه في آخر الأزمان "ستكون أرض جديدة وسماء جديدة" يملأها مجد الله، ستكون أيضاً علاقتنا بهما علاقة جديدة ممتلئة من مجد الله. هذا ما نعنيه بقولنا اننا سنقوم في أجساد ممجّدة.
وعندما نقول إنّ يسوع قام بجسده، نعلن إيماننا بأن يسوع قد وصل إلى تلك الأرض الجديدة والسماء الجديدة، ودخل في علاقة جديدة ممجّدة مع العالم. وإلى قيامته يستند إيماننا بقيامتنا: "إن المسيح قد قام من بين الأموات، باكورة للراقدين" (1 كو 15: 20).
هل نستطيع إضافة تفاصيل أكثر دقة على ما قلناه؟ قد نرغب في ذلك. إلاَّ أنّ بولس ينبئنا بأنه "ما لم تره عين، ولا سمعت به أُذن، ولا خطر على قلب بشر، ما أعدّه الله للذين يحبّونه" (1 كو 2: 9). فلنجتنب إذاً أن نطرح على ذواتنا أسئلة تفوق امكانات عقلنا، وأن نخترع أجوبة هي أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. ولنكتفِ بالتعابير الرمزية التي نجدها في الكتاب المقدّس ويقين إيماننا بأنّنا في الدهر الآتي سنحيا من حياة الله نفسه، وأنّ ما ينتظرنا يفوق كلّ ما يمكننا أن نتصوّره.

ثانياً- المطهر

عندما يتكلم سفر الرؤيا عن مصير الشهداء، يقول عنهم إنّهم دخلوا الحياة الأبديّة "بعد أن غسلوا حللهم وبيّضوها بدم الحمل" (7: 14). فالمقصود هنا هو تطهير كيانهم قبل الاشتراك في حياة الله.
إنّ الحديث عن المطهر لا يصحّ إلاَّ في هذا المنظار، أي كتهيئة للدخول في فرح الحب الأبدي. ونار المطهر التي يأتي البعض على ذكرها، استناداً إلى قول بولس إنّ "من احترق عمله فسيخسر، أما هو فسيخلص، ولكن، كمن يمرّ في النار" (1 كو 3: 15) يجب أن تفهم كرمز لتلك التنقية. مع أنّ المقصود في قول بولس ليس نار المطهر، بل مجرّد تشبيه يريد منه الإشارة إلى صعوبة الخلاص.
إنّ اللاهوت الشرقي يرفض فكرة اللاهوت الغربي التي ترى في نار المطهر قصاصاً أو جزاء لمَا اقترفه الإنسان من خطايا. كما يرفض اللاهوت الشرقي فكرة الاستحقاقات التي نجدها في اللاهوت الغربي في تفسير شركة القديسين، والقائلة بأنّ الأعمال الصالحة التي يقوم بها بعض الأحياء تستحق للأموات مغفرة خطاياهم. ان شركة القديسين في اللاهوت الشرقي هي امتداد للشركة الافخارستية، حيث الروح القدس هو الذي يحقّق وحدة جميع أعضاء الجسد. نحن شركاء القديسين لأنّنا في شركة مع الثالوث الأقدس. فالمسيح هو الوسيط الوحيد، والقديسون هم شفعاؤنا مع المسيح باشتراكهم في حياة الثالوث. وجميع المؤمنين يشاركون أيضاً في تلك الشفاعة. وفي السماء تشارك أرواح القديسين في الجماعات الليتورجية، وعلى هذا النحو يشارك القديسون في السماء في خلاص الأحياء.
إنّ التقديس، في العرف الشرقي، ليس تكفيراً بل تأليه. والفترة الممتدة بين الموت والدينونة هي فترة تنقية وتحرير وشفاء من الخطيئة. وصلوات الأحياء والقرابين التي يقدّمونها لأجل الراقدين وأسرار الكنيسة تشارك المسيح في عمله الخلاصي. لا تكفير عن الخطايا، بل تجديد الطبيعة الإنسانية. لا نيران للجزاء، ولا عذابات للانتقام، بل نضوج للتنقية من كل الشوائب التي تلوّث صفاء الروح.

ثالثاً- جهنم

1- ما هي جهنّم؟
ان المسيح في الإنجيل يتكلّم، كما سبق ورأينا، عن جهنّم وعن العذاب الذي يلاقيه فيها الأشرار. لا شكّ أنّ التصاوير التي يلجأ إليها هي من نوع الأسلوب الميثولوجي، الذي يحدّد في مكان خارجي ما يختبره الإنسان في عالمه الداخلي. إلاّ أنّنا من خلال تلك التصاوير يمكننا التعريف بجهنّم بأنها مصير الذين يرفضون الله وينكرون تعاليمه ووصاياه، ويعيشون في مختلف أنواع الشرّ والإثم والخطيئة. فإذا اعتبرنا إذاً أنّ تصوّر جهنّم كمكان ينزل إليه الأشرار هو تعبير ميثولوجي، نبقى الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وهي أن جهنّم حالة الإنسان الذي يرفض رفضاً جذريًّا الله وكل عمل خير.
وجود جهنّم هو الجواب على تساؤل الإنسان حول الخير والشرّ، وحول مصير كل من يختار الشرّ في حياته على الأرض. فالمسيح، بتأكيده عذاب جهنّم، يبيّن أنّ هناك تناقضاً بين الخير والشرّ وأن ليس لهمَا القيمة نفسها والنتائج ذاتها لا على هذه الأرض ولا بعد الموت. فالخير يقود الإنسان إلى السعادة لأنه بالخير يكتمل كيانه، والشرّ يقوده إلى الهلاك والعذاب، بالشرّ ينهدم كيانه. وعلى هذا يقوم عذاب جهنّم: إنّ السعادة التي خُلق لأجلها الإنسان، لم يستطع أن يبلغها بسبب رفضه كل ما يقود إليها، ورفضه السير بحسب تعاليم المسيح ووصايا الله، أو على الأقلّ بحسب إرشادات ضميره، إن لم تصله بشارة المسيح ولا وصايا الله، كما يقول بولس الرسول: "كلّ الذين خطئوا بمعزل عن الناموس، فبمعزل عن الناموس أيضاً يهلكون. وكلّ الذين خطئوا وهم تحت الناموس فبمقتضى الناموس يُدانون... إنّ الذين ليس عندهم الناموس، هم ناموس لأنفسهم، إذ يُظهرون أنّ ما يفرضه الناموس مكتوب في قلوبهم، وضميرهم يشهد، وأفكارهم تشكو مرة، وتحتجّ أخرى" (رو 2: 12- 15).
الله هو المحبة والله هو الخير. والخطيئة تقوم على رفض الله، أي على رفض المحبة ورفض الخير. ومن يسلك طريقاً لا بدّ له من أن يصل إلى حيث تقود تلك الطريق. فمن يختار الخير يصل إلى الله، ومن يختار الشرّ يصل إلى الهلاك. وكما رأينا أن السماء هي الحياة مع الله وأنّها تبدأ على هذه الأرض، كذلك يمكننا القول إنّ جهنّم هي رفض الله ورفض المحبة وعمل الخير، وإنها تبدأ على هذه الأرض، ووجود الإنسان بعد الموت سيكون تتويجاً للنهج الذي يكون قد تبعه على الأرض، وخاتمة لسلسلة من القرارات والأعمال التي يكون قد اتّخذها وقام بها. وتلك الخاتمة ستكون إمّا خاتمة خير وخلاص، وإمّا خاتمة شرّ وهلاك.

2- أبدية جهنّم 
يتكلّم يسوع في وصفه الدينونة العامة عن النار الأبديّة والعذاب الأبدي (متى 24: 41، 46). إنّ اللفظة اليونانية المستعملة هنا والتي نترجمها بالعربية بلفظة "أبديّ" و"أبديّة" تعني في الواقع. "ما هو متعلّق بالدهر الآتي"، أي بوجود ما بعد الموت، دون الإشارة إلى دوام تلك النار ودوام ذاك العذاب دون نهاية. إنّ دوام عذاب جهنّم دون نهاية مقابل دوام ملكوت الله هو، في نظر كثير من آباء الكنيسة واللاهوتيين، "إخفاق لتصميم الله وانتصار، ولو جزئي، للشرّ".
لذلك رأى بعض آباء الكنيسة من أمثال باسيليوس وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصي وأفرام وإيرونيموس، أنّ جهنّم في نهاية الأزمنة ستتلاشى والشرّ يزول، ويخلص الناس كلّهم، إذ يعودون إلى حالة النعمة التي سبقت الخطيئة. والنص الجوهري الذي يستندون إليه لدعم تلك النظرية هو قول بولس إنّه في آخر الأزمان "سيُخضع الله للابن كل شيء، وحينئذٍ يخضع الابن نفسه للذي أخضع له كل شيء، ليكون الله كلاًّ في الكل" (1 كو 15: 27- 28).
إنّ أوّل من نادى بتلك النظرية هو أوريجانوس (183- 254) إلاَّ أنّه، علاوة على فكرة "إعادة كل شيء إلى الله في نهاية الأزمنة"، كان يعتقد بأمور أخرى حرمتها المجامع المسكونية، كالوجود السابق للأنفس. فأنفس البشر، في رأيه، كانت أرواحاً محضة. وإذ خطئت، قاصصها الله وأدخلها في أجساد بشرية. هذا الوجود السابق للأنفس قد حرمه المجمع المسكوني الخامس المنعقد في القسطنطينيّة سنة 553. إلاَّ أنّ هذا المجمع لم يبحث في موضوع "أبدية عذاب جهنّم"، رغم المنشور الذي بعث به الامبراطور يوستنيانوس إلى البطريرك ميناس ضد أوريجانوس، وفيه يقول: "كلّ من يقول أو يظنّ بأنّ عذاب الأبالسة والخطأة هو عذاب وقتي له نهاية، وأنّ الشياطين والخطأة سيعادون إلى حالتهم السابقة، فليكن مبسلاً". هذا رأي الامبراطور والبطريرك، إلاَّ أنّه ليس رأي المجمع المسكوني الخامس.

خلاصة
النقاش إذاً يبقى مفتوحاً أمام اللاهوتيين. إنّ خلاص الخطأة في نهاية الأزمنة وتلاشي جهنّم هما من الأمور التي يمكن أن نرجوها من محبة الله اللامتناهية. "الخلاص الشامل في نهاية الأزمنة" ليس عقيدة. إنّمَا هو، حسب قول اللاهوتي المعاصر أوليقييه كليمَان، أمر "يجب أن يكون موضوع صلاتنا، ومحبتنا العاملة، ورجائنا". أبديّة جهنم ليست موضوع إيماننا. ما هو موضوع إيماننا هو أن محبّة الله أقوى من كلّ شرّ وحياة الله أقوى من كلّ موت.
إن محبة الله هي الكلمة الأولى والأخيرة في بدء الأزمنة كما في نهايتها، في هذا الدهر وفي الدهر الآتي. وفي هذا الدهر كما في الدهر الآتي، نحن مدعوون إلى أن نحيا حياة الله في أعماق نفوسنا، ونعلن محبة الله لنا، ونؤكّد ثبات رجائنا المرتكز على الإيمان بمحبة الله.
الخَاتمَة

في ختام هذا الجزء الثالث من مجموعتنا اللاهوتية: "اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر"، التي أردناها تفسيراً لقانون إيماننا المسيحي، ليس لنا كلمة أخرى نقولها إلاَّ الإشادة والترنيم والتعظيم لمحبة الله التي ظهرت لنا في المسيح يسوع ربّنا. فنقول مع بولس الرسول:
"وماذا نزيد على ذلك؟
إذا كان الله معنا، فمَن علينا؟
هو الذي لم يَذْخَر ابنه الخاص،
بل أسلمه عنّا جميعاً،
كيف لا يهبنا أيضاً معه كلّ شيء!

من يشكو مختاري الله؟
الله الذي يبرّرهم!
من يقضي عليهم؟
المسيح الذي مات، بل بالحريّ قام،
وهو عن يمين الله، وهو يشفع فينا!

فمن يفصلنا عن محبة المسيح؟
الشدّة؟ أم الضيق؟ أم الاضطهاد؟
أم الجوع؟ أم العري؟ أم الخطر؟ أم السيف؟
على ما هو مكتوب: "إنا من أجلك نمات النهار كلّه؛
قد حُسِبنا مثل غنم للذّبح".
غير أنّا في هذه كله نغلب بالذي أحبّنا.

فإني لواثق بأنّه لا موت ولا حياة،
لا ملائكة ولا رئاسات،
لا حاضر ولا مستقبل ولا قوّات،
لا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى أيّة كانت،
تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربّنا"
(رو 8: 31- 39)