البدايات أو مسيرة الانسان إلى الله

تقْديم

كتاب البدايات ينقلنا إلى العبارة الأولى في سفر التكوين: في البدء خلق الله السماء والأرض. وتابع الله عمل الخلق بفعل محبّة لا محدودة فكوّن الانسان في النهاية على صورته ومثاله. بعد أن هيّأ له كل شيء، كما يهيّىء الملك قصراً لابنه، دعاه إلى النور، إلى الحياة، إلى السعادة. هذا هو مخطّط الله منذ البدء الذي لا يراه الانسان كاملاً إلاّ في شخص يسوع المسيح الذي هو حقاً صورة الله الذي لا يُرى. أما الواقع الذي اكتشفه المؤمن منذ القديم فهو واقع الخطيئة: خطيئة الانسان ضد الله ورفض لوصاياه. خطيئته في الحياة العائليّة والاجتماعية والسياسيّة والاقتصاديّة. يعتبر أنه سيّد نفسه وينسى أن شريعة الله تفرض نفسها عليه مهما كان عمره أو ثقافته أو وضعه الاجتماعيّ. فمنذ البدايات قالت الوصيّة: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، أكرم أباك وأمك. وسوف تقولها لنا حتى نهاية العالم. أجل، هو نداء الرب في قلب الانسان ولا يزال يدّوي حتى يعود الانسان بكلّيته إلى الله.
لهذا كان العنوان الثاني: مسيرة الانسان إلى الله. لا شكّ في أن ما نراه هو عالم الخطيئة والشرّ منذ بدأ قايين وقتل أخاه وتبعه لامك وأكثر زوجاته، وسيطر العنف في زمن نوح، والكبرياء مع بناء برج بابل. ولكن في العمق، الانسان هو ذلك العائد إلى الله، التائب دوماً، المتطلّع إلى حياة من الصداقة معه. يحسّ بالضعف من جهة وقلبه يميل إلى الشرّ. ويحسّ بالقوّة من جهة أخرى، والله منذ البداية وعد المرأة ونسلها بالغلبة على الحيّة الجهنميّة مهما ضاعفت حربها.
هذا ما أردنا أن نقدّمه في هذا الكتاب. بعد كلام عام حول الكتاب المقدّس، نتوقّف عند البنتاتوكس، عند أسفار موسى الخمسة. نبدأ بقراءة روحيّة للنصوص نكتشف فيها بركة الله ومخافة الله. عهد الله وكلمة الله. كان الشرّاح منذ بعض الوقت يشدّدون على تقاليد كتابيّة مثل اليهوهيّ (نسبة إلى يهوه، أي الرب، الذي يرد في النصوص) والالوهيمي (نسبة إلى الوهيم أي اللهم) والاشتراعي (نسبة إلى تثنية الاشتراع) والكهنوتي (نسبة إلى الكهنة). ولكن هذه النظريّة قد صارت موضوع تساؤل من قبل العلماء البيبليّين. فأكثرهم يعتبر أن التقليد الالوهيمي الذي هو ابن الشمال بعاصمته السامرة، ظلّ أخباراً شفهيّة ولم يتكوّن دوماً في شكل تخيّله الشرّاح منذ نهاية القرن الثامن. والتقليد اليهوهي في وجهه الأخير ليس ابن القرن العاشر أو الحادي عشر. بل ابن المنفى أو ما بعد المنفى أي في نهاية السادس وبداية الخامس. فالخبرة الروحيّة التي نجدها مثلاً في دعوة ابراهيم أو في تقدمة ابنه ذبيحة، هي أعمق من أن تكون وليدة ذلك العصر.
وكانوا قد حصروا التقليد الاشتراعيّ في سفر تثنية الاشتراع. ولكن تبيّن أن هذا التقليد الذي يشدّد على عهد الله مع شعبه كعهد الملك العظيم مع ملك صغير، أو كعهد عريس مع عروسه، هو أوسع من كتاب واحد. فنحن نجد آثاره في سفر الخروج مثلاً، خلال الاحتفال بالفصح وفي مواضع أخرى. قد تكون نواته مملكة الشمال، ولكن أعيد "تكوينه" على ثلاث مراحل على الاقل: واحدة قبل المنفى إلى بابل سنة 587، وأخرى خلال المنفى، وثالثة بعد المنفى أي حوالي سنة 520 ق. م.
والتقليد الكهنوتي جاء في النهاية. قدّم نظرته من زاوية الحياة في الهيكل، وحاول أن يجمع شتات الأمّة فاهتّم بلائحة الانساب، ولا سيّما الكهنوتيّة منها، وشدّد على الختانة التي تربط الانسان بشعب الله، وعلى شريعة السبت التي تجمع المؤمنين في يوم محدّد من الاسبوع بعد أن تشتّتوا في كل مكان. ووضع "الكهنة" بقيادة عزرا اللمسات الأخيرة على ما سميّ البنتاتوكس أو الشرعة التي تجعل لشعب اسرائيل مكانته القانونيّة داخل العالم الفارسيّ، شأنه شأن سائر شعوب تلك الامبراطورية الواسعة التي امتدّت من جنوب مصر حتى الهند.
أما نحن، فقد أشرنا إلى هذه التقاليد الكتابيّة في خطّ الابحاث، ولكننا انطلقنا منذ بضع سنوات من نظرة لا تفتّت النص الكتابيّ كما دأب عدد من الشرّاح على فعله، بل تقرأه قراءة إجماليّة لكي تكتشف الخطوط الروحيّة التي تعطي الكتاب نفحته. لا شكّ في أننا نستطيع القول إن تك 1: 1- 2: 4 أ هو من التقليد الكهنوتيّ. ثم 2: 4 ب- 4: 26 من التقليد اليهوهي. وتبدو القسمة تعجيزاً في ف 7: آ 1- 5: اليهوهي. آ 6: كهنوتيّ... آ 16 ب: يهوهي. آ 17 أ: كهنوتي. آ 17 ب: يهوهي. آ 18- 21: كهنوتي. مثل هذا العمل أتعب الشرّاح وجعل المؤمنين يضيعون. لا شكّ في أن الذين حاولوا أن يقرأوا النصوص الكتابيّة كانوا عديدين، وكذلك الذين دوّنوها. ولكن لا ننسى أن الكاتب الذي يوحّد جميع النصوص هو الروح القدس وهو يريد أن يقدّم لنا تعليماً. ثم إن الانسان الذي أعطى الكتاب صيغته النهائيّة ما أراد أن يكون بكلامه تجميعاً لأمور أخذها من هنا وهناك ولصقها بعضها ببعض فكان ما كان. لقد أراد أن يقدّم خبرة روحيّة عاشها مع شعبه لتكون نقطة انطلاق للأجيال الآتية فتكتشف كلمة الله من خلال كلام البشر مهما كان ناقصاً وضعيفاً.
لا شكّ في أن شرائح عديدة من شرقنا لم تصل بعد إلى الدراسة العلميّة والتحليليّة للنصوص الكتابيّة. فهي تقرأها كما هي على حرفيّتها وكأنها أنزلت. نقول أولاً إن الكتاب المقدّس الذي بين أيدينا لم يُكتب في العربيّة بل في العبريّة والارامية واليونانيّة. وأن ما بين أيدينا هو ترجمة. ولا تستطيع ترجمة أن تكون كاملة. بل قال الناس: المترجم هو خائن. إذن، لا "نقدّس" ترجمة من الترجمات مهما سمت لغتها. لا "نقدّس" ترجمة لأننا تعلّمنا نصَّها غيباً. لكل ترجمة حسناتها وسيّثاتها. ثم، ليس المهمّ هذه اللفظة ولا تلك، لا هذه العبارة ولا تلك. المهمّ أن يساعدنا هذا النصّ المترجم على اكتشاف الفكرة التي أراد الكاتب الملهم أن يوصلها إلينا. هذا مع العلم أن النصّ المترجم يتحسّن يوماً بعد يوم بسبب الابحاث التي تتمّ في العالم، واكتشافات النصوص القديمة التي تساعدنا على فهم كلمة قد لا ترد سوى مرة واحدة في الكتاب المقدّس. فلا نبقَ على القديم لأنه قديم. فهذا علامة موت. ولا نأخذ الجديد لأنه جديد. فهذا يدلّ على أن لا جذور لنا. ولكننا نعرف أن ننطلق من جذورنا كالشجرة، ونرتفع، بل ننزل إلى الأعماق على ما طلب يسوع من بطرس وسائر التلاميذ: انتزحوا إلى العمق. لماذا تخافون يا قليلي الايمان.
لماذا نخاف على كلمة الله ونقيّدها في حرف يقتل. فالله لم يكتب بيده. فلا يد له مثل أيدينا. ولم يتكلّم بفمه. فلا فم له مثل أفواهنا. هو كلّم أنبياءه ورسله بوحي. وهم كتبوا وأعادوا كتابة ما كتبوا. وتأمّلت الجماعة وزادت أموراً عديدة هي نتيجة تأمّلها. وهكذا كان الكتاب المقدّس في كل سفر من أسفاره وليد وحي جاء إلى أحد الناس. فحمله إلى الجماعة التي تأمّلت فيه. وفي النهاية، دوّن أحد الكتّاب نتيجة هذا التأمّل مستنداً إلى عبقريّة أعطاه الله إياها. وكل هذه المسيرة قادها الروح القدس حتى وصل إلينا النصّ في الصيغة التي نقرأها اليوم. وما زال الروح يرافق الكنيسة والمؤمنين لكي "يكتبوا" من جديد هذه الكلمة الالهيّة درساً وشرحاً ووعظاً وتعليماً، بحيث يتجسّد كلام الله في الأفراد والجماعات.
أجل، الكتاب المقدّس ليس وليد عبقرية شخص واحد مهما كان هذا الشخص. هو نتيجة عمل الجماعة. لهذا لا نعرف من كتبَ سفرَ التكوين ولا سفر الخروج... وإن ربط الأقدمون الأسفار الخمسة بموسى، فهذا لا يعني أن موسى كتبها وأنهاها حين تحدّث "مسبقاً" عن موته. إن تدوين البنتاتوكس امتّد على سبعة أو ثمانية قرون من الزمن. إذا كانت دوّنت الوصايا وبعض الأمور الشعريّة في زمن موسى الذي يحدّد العلماء عصرَه بالقرن الثالث عشر ق. م، فالأسفار الخمسة لم تصل إلى صورتها النهائية إلا في القرن الخامس، وربّما في بداية الرابع ق. م. وسوف تأتي السبعينيّة وتعطي النصّ العبري الاساسيّ معنى روحياً آخر. لقد حاول التقليد اليهوديّ وبعده التقليد المسيحيّ أن يعتبر موسى صاحب الأسفار الخمسة، وداود صاحب المزامير حتى لو تحدّثت عن بناء أسوار أورشليم في القرن الخامس ق. م، أي بعد داود بستّة قرون. واعتبروا سلمان صاحب الأسفار الحكميّة، بل صاحب سفر الحكمة الذي دوّن في اليونانيّة في القرن الأول ق. م، أي تسعة قرون بعد موت سليمان. كل هذا يمنعنا من تأليه الأفراد وتقديس اللفظة والحرف، لنصل إلى عمق خبرة الايمان.
لا شكّ في أننا نقرأ النصّ الالهيّ كما كتبته أيدي البشر. ويا ليتنا نقرأه في لغته الاصليّة. نقرأه حرفياً لكي نفهم معنى الكلمات. نقرأه في الاطار الذي كُتب فيه. نحاول أن نكتشف السؤال الذي يحاول أن يردّ عليه. مثلاً، دوِّن تك 22 ليقول لنا إن الله لا يريد الذبائح البشرية... ودوّن تك 2 ليعلّمنا كرامة المرأة في محيط لا يترك للمرأة مكانة سوى أن تكون خادمة الرجل ومربّية أولاده. ودوّن سفر راعوت رداً على تصرّف عزرا ونحميا حين طردا النساء الغريبات مع أولادهّن. ودوّن سفر يونان ضدّ حركة الانغلاق داخل الشعب العبراني: فالله يرسل أنبياءه إلى شعبه كما إلى سائر الشعوب. وكتب تك 20 ليدلّ القارئ على أن مخافة الله موجودة لدى الوثنيين بشكل لم يوجد حتى عند أبي الآباء ابراهيم.
نقرأ النصّ الالهي، ولا نفرض عليه مفاهيمنا المسبقة. ولا نفرض عليه ما نكون قد سمعنا هنا وهناك ولا نريد أن نتزحزح عنه، بحيث صار تعليم "استاذنا" كتاباً مقدّساً. لا شكّ في أننا نحتاج إلى المعلّمين وإلى شروح الكتاب المقدّس، لكي ندخل في عالم بعيد عنا في الزمن، في لغة وصور ورموز ما عاد يفهمها عالمنا الحديث. ولكن كل هذا يجب أن يقودنا إلى عمق كلام الله نتأمل فيه فنخرج منه كلَّ قديم وجديد. كل هذا يجب أن يقودنا إلى قراءة الكتاب بحيث يصبح كلمة تتوجّه إلينا اليوم وفي الظرف الذي نعيش فيه. عند ذاك يصبح كل واحد منا "كتاباً مقدّساً" يراه الناس ويقرأونه. أما هكذا كان الانبياء والرسل؟ أما هكذا نستطيع أن نرى حولنا من يجسّد المحبّة والتواضع والعطاء وكل المواهب التي يوزّعها الله على كنيسته وعلى الأفراد العاملين في كنيسته.
تعوّدنا أن نحفظ الكتاب غيباً ونكرّره. لا بأس، ولكن هل ننسى أن التكرار يخلق فينا بعض المرات الجمود القريب من التخدير؟ تعوّدنا على شرح قرأناه أو سمعناه؟ ولكن هل نسينا أن الكتاب المقدّس ليس كتاباً خرج من الماضي ويبقى في الماضي حتى ولو كان الشرّاح الذين نأخذ بهم هم آباء الكنيسة. عمل الروحُ فيهم فأعطونا روائع. هنا نذكر اوريجانس ويوحنا فم الذهب وتيودوريتس القورشيّ... أما زال الروح يعمل فينا لكي نقدّم كلمة الله إلى عصرنا؟
من أجل هذا كان الكتاب الذي بين أيدينا: في البدايات أو مسيرة الانسان إلى الله. منذ العيلة الاولى بدأت المسيرة. وهي تتتابع في كل عيالنا، في حياة كل واحد منا. هناك الخطيئة وهناك النعمة. هناك الضعف البشري وهناك قوّة الله التي عملت في نوح وابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف وموسى. التي عملت في "بعض الأوباش" الهاربين من العدالة أو دفع الضرائب والسخرة، فجعلت منه شعباً منظّماً يسير إلى أرض الرب كما في تطواف مقدّس. لا ننظر إلى هذه الأخبار من الخارج لنحكم عليها من منظارنا البشري. بل نقرأها من الداخل لتصبح كلاماً يتوجّه إلينا ويدعونا إلى تبديل حياتنا. فأنا ابراهيم الذي يدعوه الله رغم ضعفه وما يمكن أن يقوم به من أعمال مشينة. أنا يعقوب الذي يراوغ ويكذب، وقد يأتي يوم يتواجه فيه مع الله فتنقلب حياته على مثال ما حدث لأوغسطينس وغيره. أنا يوسف الذي يستطيع أن يتغلّب على الشرّ بالخير. إن لم نقرأ الكتاب المقدّس بهذه الطريقة، لن تتبدّل حياتنا أبداً، بل نعيش على مستوى الكلام الفارغ والبحث المغرض الذي يُفرغ كلام الله من محتواه.
إلى هذه المسيرة أدعو نفسي وأدعو القارئ. لا أحكم على الآخر، على الآخرين، كما يفعل الفريسي. بل أحكم على نفسي انطلاقاً مما أقرأ. لا أكتفي بالكلام والنظريات الفارغة التي تهدم ولا تبني، التي تستعبد الجهّال الذين حولنا ولا تحرّرهم، التي تجعل كلام البشر مسيطراً على كلام الله. مثل هؤلاء الناس يقولون ولا يعملون. أما أنا فأنطلق من ذاتي لأقرأ الكتاب، وأنطلق من الكتاب لأحيا على النور الذي يقدّمه كلام الله. فهنيئاً لنا إن كنا قد دخلنا في هذه المسيرة. وإلاّ، نبدأ منذ الآن، فنعود إلى البدايات. فحياة كل انسان قد تبدأ في يوم من الأيام مع الرب، ولا تنتهي إلا في قلب الربّ.
القسمُ الأول
الكتَابُ المُقَدّس

نقرأ في هذا القسم العام حول الكتاب المقدّس الفصول التالية:
1- الكتاب الذي فيه يكلّمنا الله
2- الكتاب المقدّس وطرق دراسته
3- الكتاب المقدّس والحضارات الشرقية
4- الكتاب المقدّس غذاء لحياتنا وصلاتنا
5- الكتاب المقدّس في عالم اليوم.
الفصل الأول
الكتاب الذي فيه يكلّمنا الله

حين نفتح الكتاب المقدّس ونبدأ بالعهد القديم، نطرح السؤال على نفوسنا: ما هي البيبليا، ما هو الكتاب المقدّس؟ هو كتاب جوهريّ في حياة المؤمن. هو كتاب ليس كسائر الكتب. فالديانة اليهوديّة ولدت منه. والديانة المسيحيّة تجذّرت فيه. والعالم الاسلامي استقى الكثير من نصوصه. ولا ننسى الأدب والفنّ. وهكذا حين نقرأ الكتاب المقدّس نعود إلى جذورنا، نعود إلى أساس حضارة هي جزء من حضارتنا.
والكتاب المقدّس ليس فقط الموضع الذي فيه نجد أصولنا. ليس فقط موضع تاريخنا، إنه تاريخ مقدّس يبدأ مع ابراهيم واسحاق ويعقوب، بل يبدأ مع بداية الكون وأوّل عيلة بشريّة ليصل بنا إلى المسيح، وإلى امتداد المسيح في الكنيسة. والكتاب يساعدنا حتى نفهم إيماننا المسيحي. لأنه كتاب وحي حمّله الله لأحبّائه، وهم دوّنوا خبرتهم مع الله فوصلت إلينا.
نحن نؤمن أن الله كلّم البشر في زمن محدّد وفي مكان محدّد. كلّم البشر في قلب تاريخهم، في قلب دنياهم. ونحن حين نقرأ ما حملوا إلينا من كلمات، نحاول أن نسير المسيرة التي ساروها، ولكن معكوسة. هم انطلقوا من وحي وصل إليهم فعبّروا عنه بوسائلهم البشريّة. ونحن ننطلق من هذه الكلمة المكتوبة في زمن بعيد، ونسعى إلى لقاء بالربّ من خلال هذه الكلمة التي كتبها كلَّها البشر، وكتبها كلها الله.
الكتاب يحمل إلينا حدثاً فريداً لم يحدث مثله في الكون. ولن يحدث مثله إلاّ في نهاية الكون. هذا الحدث هو مجيء يسوع في الجسد. مجيء يسوع في التاريخ. لقد جاء ابن الله بالذات وأقام بين البشر. أخذ جسداً وسكن بيننا فكان حضور الله المتجسّد في العالم. ولهذا رأينا الله على الأرض حين رأينا يسوع. رأينا مجد الله على الأرض من خلال حياة يسوع وأعماله وأقواله. هذا ما يقدّمه لنا الكتاب المقدّس. يا ليتنا نبحث عن هذه الحقيقة ولا نتوقّف عند صور جانبيّة وأفكار مسبقة. فمجيء يسوع على الأرض سبقته أجيال تلو أجيال من الاستعداد. وكما كان مجيء المسيح فريداً، كان التاريخ الذي سبقه وأعدّ له الطريق فريداً. هو تاريخ اكتشاف الله الواحد، الاله الحاضر في الكون وفي التاريخ. هذا الاله الذي ليس كالاصنام: لها عيون ولا ترى، لها آذان ولا تسمع، لها أفواه ولا تتكلّم. هذا الإله هو الحنون الرحوم. وهو الربّ العادل الذي يجازي كل واحد بحسب أعماله. هذا الاله الذي أرسل وصاياه وربطها بشخصه بحيث إن من أساء إلى القريب أساء إلى الله، ومن أحبّ القريب أحبّ الله.
ولكن يُطرح السؤال: اذا توقّفنا عند العهد القديم، أما نحصر نفوسنا في لغة من اللغات، في حضارة من الحضارات، في شعب من الشعوب؟ وبماذا تفترق هذه اللغة وهذه الحضارة وهذا الشعب عمّا لدى سائر الناس؟ وهل وصلت يوماً الحضارة اليهوديّة إلى ما وصلت إليه حضارة مصر وبلاد الرافدين، حضارة اليونان ورومة؟ فلماذا نتوقّف عند التوراة كمقدّمة لما يأتي بعدها كالموضوع الذي يتجذّر فيه العهد الجديد؟
لاشكّ في أن الشعب العبراني الذي حمل التوراة كوديعة من عند الله ومن عند البشر في هذا الشرق القديم، هو شعب كسائر الشعوب. لغته هي لغة العصر الذي عاش فيه. وكذلك عاداته ونظمه. وكل هذا بعيد جداً عن لغاتنا وعاداتنا ونظمنا. ولكن داخل هذه الخاصيّة، هناك واقع شامل يتوجّه إلى كل واحد منا في هذا الموضع وفي هذا الآن. فالله الذي أراد أن يكلّم البشر، أجبر على أن يستعمل كلام البشر. استعان بأفواه البشر وبلغة بشريّة. لماذا هذه اللغة لا تلك؟ هذا سرّ الله. لماذا هذا الشعب لا ذاك؟ فإن كان ذاك الشعب طرحنا السؤال ذاته. ذاك هو مشروع الله فينا. وهو حرّ في ما يفعل وسط البشر. يبقي علينا أن نعتبر نفوسنا معنيّين بهذه الكلمة. كل شعب هو الشعب العبرانيّ الذي يبحث عن حضور الربّ. والخبرة القاسية التي عاشها العبرانيّون في العبوديّة، قد استعادها شعب أميركا اللاتينية وحاولوا أن يتحرّروا بقدرة الله. وذاك المتألم الذي يدعو الله لكي يرحمه قد يكون أنا، أنت... ونحن نستطيع أن نقول له اليوم الكلمات التي قيلت منذ 2500 سنة أو 3000. فالله هو الله. والانسان هو الانسان، وعواطفه هي هي ولم تتبدّل سواء سار مشياً على الاقدام أو ركب السيارة أو الطيّارة. فالخوف من الموت هو هو. والمرض والألم ما زالا يعملان عملهما في البشريّة. وهذا ما ينقله الكتاب المقدّس إلينا ويدعونا إلى أن نصلّي مع أولئك المصلّين في التوراة، وأن نتأمّل في النصوص التي كتبوها، ولاسيّما سفر أيوب الذي ما عاد يعرف أن يكلّم الله بعد أن حلّت به كل هذه المصائب.
لقد عبّر الله عن نفسه عبر لغة البشر كما نقرأها في العهد القديم. وكما نقرأها في العهد الجديد في فم يسوع ورسله. يبقى علينا اليوم أن نكتشف عمق هذه الكلمة الالهيّة بعد أن ننزع عنها القشرة البشريّة التي قد تفصلنا عن الغذاء الذي فيها. ويبقى علينا أيضاً أن لا نتوقّف عند ما هو خاص، عند ما يحمل أثر الحقبات المتتالية التي فيها دوّن الكتاب المقدّس. حدّث الله البشر في ذلك الزمان مستعملاً الصور التي استعملوها، واللغة التي يعرفونها. وهو اليوم يريد أن يقول لنا كلمته عبر كلماتنا. وأن يوصل إلينا مشيئته عبر لغتنا. كل كلام ينطلق من فرد واحد، من جماعة معيّنة. ولكنّه يتوجّه إلى البشر كلهم، ولاسيّما إذا كان كلام الله. ونحن ننطلق من هذه الكلمة التي وصلت إلى الكون في 2000 لغة ونيّف، لنفهمها ونتأمّل فيها ونجعلها كلمة فاعلة فينا. فكلمة الله سيف ذو حدّين تدخل إلى مفرق النفس والجسد.
الله تكلّم في الماضي. والله يتكلّم اليوم. قال لنا صاحب الرسالة إلى العبرانيين: "بعد أن كلّمنا الله منذ القديم بواسطة الآباء والانبياء، كلّمنا في النهاية بواسطة ابنه". وهذه الكلمة قد دوّنت في ما سمّي الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، منذ سفر التكوين حتى سفر الرؤيا. تكلّم الربّ بواسطة ابراهيم وموسى وداود وأشعيا وإرميا... وفي النهاية تكلّم في يسوع. وفي ذلك الوقت ما عاد لله كلمة يعطينا إياها بعد أن أعطانا ابنه الذي هو كلمته. لهذا، لن ننتظر كلمة بعد يسوع الكلمة. كل ما علينا هو أن نرافق هذه الكلمة، أن نجعلها حيّة فمنا. أن لا نقبل بأن تكون فينا كلمة ميتة.
ونتساءل: هل لله فم به يتكلّم؟ كلا. ولكن كيف نقرأ مراراً في الكتاب: وقال الله لموسى... وقال الله ليشوع... وقال الله لصموئيل... هذا عدا عن كلمات توجّهت إلى الأنبياء، فوجّهوها بدورهم إلى الشعب. لاشكّ في أن الله يتكلّم في أعماق قلوبنا. في الماضي واليوم وفي كل يوم. يكفينا أن نصغي إليه لكي نسمعه. ونحن نقرأ كلماته عبر الاحداث والظروف، عبر الأشخاص الذين يحدّثوننا، عبر الأعمال التي نقوم بها والرسالة التي توجّه حياتنا. ولكن هؤلاء الاشخاص المميّزين مثل موسى وغيره قد نالوا وحياً، وحاولوا أن يعبرّوا عن هذا الوحي بكلام البشر. ولقد رافقهم الروح بنعمته لكي لا يُخطئوا. لكي يكون كلامهم بعيداً عن كل ضلال أو غلط.
ولكننا لا نعتبر أن كل مرّة يقال: "قال الله"، أن الله تكلّم. فموسى الذي كان له لقاء مع الربّ، يعتبره الناس "كليم الله". ويعتبر الآخرون ما يقرّره وكأن الله قال له أن ينفّذه. وكانوا يعتبرون أن قرار الجماعة هو قرار الله. وصوت الشعب هو صوت الله. وإلاّ فكيف نفهم قولاً "إلهياً" يأمر يشوع أو صموئيل بأن يقتل الناس مع أن الوصيّة واضحة وهي تقول: "لا تقتل". لقد عبّر البشر بطريقة ناقصة عن وصايا الله. ونحن لا نتوقّف عند هذه الطريقة الناقصة. بل ننطلق منها لأنها في الواقع جزء من حياتنا، ونصل بها إلى الكلمة الكاملة، إلى انجيل ربنا يسوع المسيح.
إن خبرتنا تنيرنا في هذا المجال. نربح مالاً فنقول: الله أعطانا. يموت شخص عزيز علينا، فنقول: الله أخذه. وهكذا نقول عن الكتاب المقدّس: يردّ كل شيء إلى الله الذي هو السبب الأول في الكون. وينسى السبب الثاني. ربح الشعب الحرب؟ هذا يعني: الله جعله يربح. خسر الحرب. هذا يعني: الله أسلم شعبه إلى العدوّ. هي طرق بشريّة خاصة لم تكن تتوقّف عند الظروف الاجتماعيّة والتاريخيّة والعائليّة، بل تردّ كل شيء إلى الله.
لاشكّ في أن الله هو سيّد التاريخ. ولكنه يتدخّل بواسطة البشر. تدخّل بواسطة موسى وداود. كما تدخّل بواسطة نبوخذ نصر البابلي ونكو المصري وكورش الفارسيّ. من خلال البشر يجعل كل شيء يؤول لخير الذين يحبّونه. لذلك، حين نقرأ نصوص التوراة، يجب أن نفهم الفنّ الأدبيّ الذي يشدّد على حضور الله وعمله في الكون، دون أن ننسى دور الانسان.
الله كلّمنا منذ القديم. وجاءنا كلامه في كتاب هو الكتاب المقدّس أو البيبليا، بعهديه القديم والجديد. وبعد أن تجسّد يسوع، صار لله فم يكلّم به البشر. صار لله جسم به يقيم وسط البشر. بعد أن تجسّد يسوع وصار انساناً مثلنا، دعانا إلى أن نكون مثله فنحمل كلام الله إلى أقاصي الأرض. ولكن قبل ذلك، نبدأ فنقرأ كلمة الله في كتاب الله. ونصلّي إلى الله بكلمات الله. وندخل في تاريخ الله، التاريخ المقدّس الذي بدأ مع ابراهيم وكانت قمته في يسوع. هذا التاريخ بدأ ولم ينته بعد. نحن نقرأه، ندرسه، نصلّيه، ندخل فيه... بل نواصل مسيرتنا معه حتى مجيء المسيح الذي سيجمع في شخصه كل ما في السماء وما على الأرض.
الفصل الثاني
الكتاب المقدس وطرق دراسته

كان وزير ملكة الحبشة يسير في الطريق من أورشليم إلى غزة، وكان يقرأ في أشعيا النبي "كحمل سيق إلى الذبح". اقترب منه فيلبّس المبشّر وسأله: "هل تفهم ما تقرأ"؟ فأجاب: "كيف أستطيع إن لم يرشدني أحد"؟ هذا ما رواه لوقا في سفر الأعمال فذكّرنا بأهميّة الحاجة إلى تعليم لكي نفهم الكتاب المقدّس، وإلى طرق بها ندرس الكتاب فيصبح حاضراً في حياتنا وفي صلاتنا.

1- نقرأ الكتاب
اعتاد المؤمنون في قداس الأحد وفي سائر الطقوس أن يسمعوا بعض نصوص الكتاب المقدّس، سواء من العهد القديم أم من العهد الجديد. فالإطار الذي يوضح فيه هذا النصّ، والشرح الذي قد يحمله إليهم المحتفل، يجعلانهم يفهمون بعض الشيء من نصّ كُتب منذ ألفي سنة ونيّف. وإذ يعود المؤمن إلى البيت يُعيد قراءة ما سمع. وأفضل ما يستطيع أن يبدأ بقراءته هو العهد الجديد، ولاسيما الانجيل. ولكنّه في تلك الحالة، كما في قراءة العهد القديم، يحتاج إلى مرشد يقوده في معارج نصوص قديمة، ما عاد يفهمها قارئ اليوم.
هنا نشير إلى أهمية المقدّمات في الكتاب المقدّس، وإلى أهمية الشروح التي تدخلنا في الإطار الذي كُتبتْ فيه هذه الأسفار المقدّسة. والتفاسير التي بدأت تظهر، تقدّم لنا مساعدة جلّى في هذا المضمار. وهكذا يصبح النصّ الكتابيّ قريباً منا.
عمليّاً، كيف نقرأ الكتاب؟ بعد أن نستحضر الله، أو ندعو الروح القدس لكي يرسل إلينا أنواره، نقرأ مقطعاً من المقاطع. إما يكون ذاك الذي تختاره الليتورجيا لهذا اليوم من السنة. وإما يكون في سفر من الأسفار نقرأه مقطعاً بعد آخر. هذه الطريقة الثانيّة مهمّة جدّاً، لأنها تساعدنا على التعرّف إلى فكرٍ واحد يرافقنا عدداً من الأيام. فالكتاب المقدّس ليس كتاباً واحداً، بل هو عدّة كتب. هو مكتبة مؤلّفة من 73 كتاباً. لهذا نقرأها واحداً واحداً، وهكذا نستطيع أن نلّم بعض الالمام بمجمل كلمة الله كما ترد في العهد القديم وفي العهد الجديد. على ما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: القديم يستنير بالجديد، والجديد يغرز جذوره في القديم.
بعد هذه القراءة الأولى نتوقّف عند الكلمات المهمّة، التي تتكرّر أو هي في بداية المقطع ونهايته. ثم نعود إلى القراءة مرّة أخرى مستعينين بالشروح التي نجدها هنا أو هناك. ونتعرّف إلى الفن الأدبي الذي دوّن فيه هذا المقطع. قد نكون في الانجيل تجاه مثل من الأمثال، أو معجزة يرويها الانجيليّ لا ليدّل على قدرة يسوع وحسب، بل ليقدّم لنا فيها تعليماً لاهوتيّاً. مثلاً، إن قدّم لنا معجزة شفاء كفرناحوم كما في مت 9: 1- 8 فهو ينهيها: "ومجدّوا الله لأنه أعطى البشر مثل هذا السلطان". ما أراد الانجيلي أن يقوله لنا هو أن الكنيسة كانت تمارس حوالي سنة 85 (زمن كتابة الانجيل الأول) سرّ التوبة والاعتراف بالخطايا مع الحلّ منها بواسطة "الكهنة" أو من تنتدبهم الكنيسة. وإن حدّثنا مرقس (5: 1- 20) عن شفاء الرجل الوثني، فلكي ينهي كلامه بأنه انطلق يذيع في المدن العشر جميع ما صنع إليه يسوع. وهكذا كان أول المبشّرين بيسوع في العالم الوثني. طلب الناس في تلك المنطقة من يسوع أن يتحوّل عن تخومهم، ولكن يسوع جعل مكانه ذلك الذي شفاه فبدا جالساً عند قدمي المعلّم يستمع إليه.

2- نفهم الكتاب
هناك قراءة شبه حرفية للكتاب المقدّس، وهي لا تصل بنا بعيداً. نكرّر الكلمات غيباً. نستعملها في الدفاع عن عقيدة من عقائدنا لكي نفحم بها الآخرين. أو نحن نعتبر أن كلمة الله منحدر خطر، فلا يجب أن نخاطر. وهكذا ننسى ما قاله يسوع للرسل: "انتزحوا إلى العمق وارموا الشبكة للصيد". أجل، يجب أن ننزل إلى أعماق كلمة الله. فلا نتوقّف عند المعنى الأول والمباشر، بل نصل إلى المعنى العميق. مثلاً، حين نقرأ خبر تسكين العاصفة في متى (8: 23- 27)، لا نتوقّف فقط عند قدرة يسوع التي تهدئ البحر والرياح. بل نتذكّر أن الله وحده له السلطان على البحر والعاصفة. وحين يزجر يسوع البحر والرياح فيحصل هدوء عظيم، هذا يعني أنه ربّ البحر والريح، أنه الله بالذات. لهذا هتف له التلاميذ: "يا رب نجنّا".
أما فهمُ الكتاب فيبدأ بالإحاطة بالإطار الذي فيه دوّنت نصوصه. مثلاً، نأخذ عظة الجبل في مت 5- 7: هي تتوجّه بالدرجة الأولى إلى مسيحيّين جاؤوا من أصل يهودي، فعرفوا التوراة وسبل تفسيرها. وها هو متى ينطلق منها في إنجيله لكي يصل بأقوال العهد القديم إلى كمالها. قيل لكم: لا تقتل. أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه. قيل لكم: لا تزن. أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة... أما لوقا الذي يتحدّث إلى العالم الوثني، فوجّه كلامه بشكل مطلق دون العودة إلى أسفار العهد القديم. "وأما أنتم أيها السامعون، فإني أقول لكم: أحبّوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم" (6: 27).
وما نقوله عن العهد الجديد نقوله بأولى حجة عن العهد القديم. مثلاً، طلب الرب من ابراهيم أن يذبح له ابنه اسحاق. حين نعرف أن بعض الشعوب الكنعانيّة كانت تقدّم أولادها ذبيحة لله طلباً لبركة، نفهم هذا النص الذي يدلّ بالأحرى أن الله لا يريد مثل هذه الذبائح. قال ملاك الرب (الذي يمثّل الرب): "لا تمدّ يدك إلى الفتى. الآن علمت أنك تخاف الله". وإن قرأنا سفر راعوت، نتذكّر أن الكاهن عزرا اعتبر كل امرأة أجنبيّة سيّئة ويجب أن تُطرد من شعب الله هي وأولادها، مع ما في هذا القرار من ظلم على امرأة مستفردة وأولادها العزّل.
وبعد أن ندخل في جوّ الكتاب، نحاول أن نفهم معناه الروحي: بناء برج بابل حيث الانسان يحاول أن يرتفع على مستوى الله، هو عكس ما فعله ابراهيم الذي ترك الله يدخل إلى حياته، الذي سلّم إلى الله مسيرة حياته. آمن فكان له إيمانه براً. وكذا نقول عن سفر يونان الذي هو خبر تقويّ يبيّن لنا أن الله يرأف بالأمم الوثنيّة كما يرأف بشعبه الخاص. كل الشعوب شعبه، وكلّ الأمم هي أمّته. فلو آمنت نينوى وتابت لما كانت دُمرّت كما دمرّت على يد البابليين سنة 612. ولو تابت أختها أورشليم لما هُدمت سنة 587.

خاتمة
وهكذا وبعد أن نحيط بمعنى الكتاب بشكل عام، بالإطار الذي فيه كُتبت كلّ مقطوعة، ندخل إلى المعنى الروحي ونحاول أن نطبّقه على حياتنا. عند ذاك تصبح الكلمة قريبة منا. هي في فمنا وفي قلبنا لنعمل بها. لا هي في السماء فنقول من يصعد إلى السماء فيتناولها ويُسمعنا إياها. ولا هي في عبر هذه البحار (في الجهة الثانية من البحر) فنقول من يقطع لنا هذا البحر فيتناولها (وكأنها شيء) ويُسمعنا إياها فنعمل بها. كلا، فهي وصايا تعلّمناها. وهي حضور يملأ حياتنا. وكما عاشها آباؤنا نعيشها نحن بعد أن صارت لنا في يسوع نوراً وحياة.
الفصل الثالث
الكتاب المقدّس والحضارات الشرقيّة

حين نقرأ بعض النصوص الكتابيّة، يلفت انتباهَنا أسماء وأخبار من عالم بلاد الرافدين، كما نلاحظ فلفسة واسعة غرفَ منها كلّ هذا العالم الشرقيّ ولاسيّما الكتاب المقدّس في عهده القديم.

1- أسماء من التاريخ
نقرأ خبر ابراهيم فنعرف أنه انطلق في ترحاله من أور (المقير) الواقعة في الجنوب العراقي والتي ارتبطت بعبادة الاله سين، إله القمر. قد تكون المياه قد شحّت والعشب نقص، فأجبر على الرحيل. ومن خلال هذا الظرف الخارجي، اكتشف نداء الرب له: اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك (تك 12). وتقدّم ابراهيم إلى الشمال بمحاذاة الأرض المزروعة حتى وصل إلى حرّان. ومن هناك توجّه شطر سورية ولبنان وفلسطين وقد يكون نزل مصر على أثر مجاعة حلّت بالبلاد.
لا ننسى هنا أن الشعب العبراني الذي يرتبط بإبراهيم عبر أجداده وقبائله، ويرتبط به عبر إيمانه بالله الواحد، جاء إلى بلاد الرافدين على دفعتين. دفعة أولى سنة 721 واحتلال سرجون الثاني الأشوري بلاد السامرة ومملكة الشمال. ودفعة ثانية سنة 587 واحتلال نبوخذ نصّر البابلي أورشليم ومملكة الجنوب المسمّاة يهوذا والتي منها أخذ اسم اليهود. أقاموا في أرض العراق، فتحضّروا بحضارته وعرفوا نظرته إلى الحياة من خلال أخباره وأساطيره. وهكذا عبّر الشعب العبراني في توراته عن إيمانه بكلمات وصور وتعابير من عندنا. ولا عجب في ذلك. فالحضارة الرافدينيّة سبقت سائر حضارات الشرق بأجيال وأجيال فأثّرت في عدد منها، ولا سيّما تلك التي ارتبطت بنصوص العهد القديم.

2- أخبار وأساطير
يوري سفر التكوين في الفصل الثاني، خبر خلق الانسان من تراب الأرض. أخذ الله هذا التراب وجبله ونفخ فيه نسمة حيّة فكان الانسان. لا نستطيع إلا أن نتذكّر ما قاله نشيد انوما اليش، لما في العلاء. هنا تُذبح سبعة آلهة، ويُمزج دمها بالتراب فيتكوّن سبعة رجال وسبع نساء هم بداية البشرية على الأرض.
ويورد سفر التكوين خبر الطوفان، فيعود كتابه إلى ما سمعه من ملحمة غلغامش والأبطال الذين سيخلّدون بعد أن يتغلّبوا على الموت المهدّد. لا ننسى أن العراق عرف الفيضانات الكبيرة بنهريه دجلة والفرات. فاختبر الانسان في ذلك السهل الوسيع الذي تحيط به الجبال، الدمارَ والموت اللذين تحملهما المياه.
وهكذا صار الماء رمزاً إلى الشرّ، رمزاً إلى الموت. وستنتقل هذه الصورة حتى في العهد الجديد، فنعرف أن شياطين لجيون التي تنتمي إلى عالم الشرّ قد عادت إلى "البحر"، وهناك غرقت. فلم يعد العالم الوثني حكراً على الشيطان يسيطر عليه ويمنع يسوع من الولوج إليه: "ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي" (مر 5: 7). وفي سفر الرؤيا (21: 1)، حين يقول الكاتب: "لم يبق من وجود للبحر"، فهو يدلّ على أن الشرّ قد زال من العالم، فيمسح الله كلّ دمعة من عيون أحبّائه. لا يكون بعدُ موت ولا نوح ولا نحيب ولا وجع لأن الأشياء الأولى (أي العالم القديم) قد مضت".

3- فلسفة من بلاد الرافدين
لا شك في أن الكتاب الملهم فعل، مثله مثل سائر مؤلفّي الكتب المقدّسة في هذا الشرق الواسع. فقد نقّى الأفكار السابقة مما يشوب نظرته إلى الله وإلى العالم. فأزال كل حديث عن الآلهة المتعدّدة. فالله واحد هو. وقد خلق الانسان رجلاً وامرأة. والانسان أمام الله في فردوس يشبه إلى حدّ بعيد أرض العراق أن أرض مصر التي ترويها القنوات. أما أرض فلسطين فيرويها ماء المطر الذي يرسله "بعل" (أو بال في عالم العراق). ولهذا يقال حتى الآن في بلاد الشام "أرض بعل" فيدلّون على أرض لا تصل إليها ماء الريّ.
وحين نقرأ عن الطوفان، نجد أن الله واحد، وهو يتحاور مع الانسان، مع نوح البار، ويرسله في مهمّة تنبيه إلى الشعب الغارق في حياته اليوميّة، في دوّامة العنف والشرّ. يبدو نوح ذلك النبي الذي يسمع كلمة الله، ويفهم نداءه، وينفّذه في الواقع. الله هو الله، والانسان يبقى الانسان. لهذا سيبقى نوح مائتاً ولا يدخل إلى عالم الخلود مثل بطل الطوفان في غلغامش. وهذا الاله يتقبّل عطر بخور نوح كما في جميع الذبائح، ولا يهجم على "اللحوم" كـ "الذباب"، على ما فعلت الآلهة. إله نوح هو الإله المتسامي الذي يهتمّ بالأرض والزرع، ولا يتعب من البشر فيحاول إفناءهم. "ما دامت الأرض، يدوم الزرع والحصاد، والبرد والحرّ، والصيف والشتاء، والنهار والليل" (تك 8: 22). لا شيء يبطل من كل هذا فتدوم الحياة على الأرض، لأن الله لا يريد موت الخاطئ بل عودته عن ضلاله ليحيا.

4- عالم البشر
يقول العلماء: الانسان ابن بيئته. فإن كانت بيئته قاسية، كانت طباعه قاسية. وإذا عدنا إلى بلاد الرافدين التي عرفت الفياضانات المتكرّرة التي لا تبقي على الزرع ولا الضرع. وإذا تذكّرنا ان الغزوات كانت تأتيها من الجبال، فتُهلك ما نجا من الطوفان، نفهم أن تكون طبيعة سكان تلك المناطق متشائمة. هنا نستطيع أن نقابلها مع طبيعة مصر المتفائلة حيث النيل يفيض فيحمل معه الخصب والبركة، وحيث الحدود ممنوعة على الغزوات من الشمال بسبب سور بناه الفراعنة، ومن الجنوب بسبب الصحراء التي تشكّل سوراً طبيعياً.
ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نظرة بلاد الرافدين إلى الآلهة وإلى عالم البشر. كان الآلهة قد خلقوا البشر لكي يعملوا عنهم. ولكنهم تعبوا من ضجيجهم فأرادوا افناءهم. وكان الطوفان آخر محاولة في هذا المجال. بل إذا أصاب الانسانَ شرّ أو مكروه، فالإله يعاقبه بسبب زلّة ارتكبها هو أو آباؤه أو أبناؤه. وهذه الفكرة انتقلت إلى التوراة، وما زالت حاضرة في حياتنا. يمرض انسان فيقول: ماذا أخطأت إلى الله؟ يموت الشاب فتتساءل والدته: ما الذي فعلت للرب من الشر ليأخذ لي ابني؟ وسوف يسأل التلاميذ يسوع عن الأعمى منذ مولده: "من أخطأ هو أم والداه ليولد أعمى" (يوحنا 9: 22)؟
لا شك في أن العهد الجديد سيحوّل هذه النظرة، فيجعلنا نرى تحويل الشرّ والألم والعذاب إلى عنصر من عناصر تكوين الانسان: بالنجاح أصلُ إلى الله. وكذلك بالفشل. بالصحة أصِل إلى الله وبالمرض أيضاً. لأن كلّ شيء يؤَول لخير الذين يحبّون الله، كما يقول القديس بولس.

خاتمة
ماذا نقول في كل هذا؟ في البدء كان روح الله يرفّ على الكون فيخرج منه كل حياة. ويرفّ على الكاتب الملهم فيعطيه تعليماً دينياً حول خلق الانسان على صورة الله ومثاله. حول خلق الرجل والمرأة متساويين متحابين. فالمرأة هي ضلع من أضلاع الرجل. هي قسم من قلبه، لا عظم من رجله (خادمة له). حول وجود الشرّ في الكون، وهو تمرّد على الله. وإذ أراد الكاتب أن يعبّر عن هذه الحقائق الالهيّة السامية، لجأ إلى حضارات الشرق ولا سيّما ما وجده في بلاد الرافدين. غير أنه احتاج إلى أن ينقّي الصور من كلّ شرك وتعدّد الآلهة. والتوراة بدورها ستحتاج أيضاً إلى تنقية في الانجيل. فهي ناقصة وقد جاء المسيخ يكمّلها ويصل بها إلى ذروة التعليم. وهكذا نستطيع القول إن التوراة هي خلاصة حضارة الشرق القديم كما أخذتها كلمة الله. وهي تجد كمالها في العهد الجديد مع المسيح الذي جاء يجمع في شخصه كل ما في السماوات وما على الأرض.
الفصل الرابع
الكتاب المقدّس غذاء لحياتنا وصلاتنا

شبّه أحد آباء الكنيسة كلمة الله كما تصلنا في الكتاب المقدّس، بجسد الله ودمه كما نتناولهما في الخبز والخمر. فكما نعتني كل العناية لئلا يضيع شيء من جسد الربّ فيسقط على الأرض، كذلك نهتّم كما فعل صموئيل النبي الذي لم يترك كلمة من كلمات الله تسقط على الأرض، بل عمل بها كلّها. لهذا ائتمنه الله على شعبه.
إذا كان ذاك وضع كلمة الله، فهذا يعني أن دورها كبير في حياتنا وفي صلاتنا، بحيث لا نستغني عنها في حياة روحيّة حقيقيّة.

1- كلمة الله في صلاتنا
تعوّدنا نحن في هذا الشرق أن نتحدّث عن صلاة القلب. فهل نعرف أن جذورها في الكتاب المقدّس. نأخذ عبارة صلاة ردّدها آباؤنا في الإيمان، وردّدوها حتى صمتت منهم الشفاه وتكلّم القلب. هذا ما حدث لحنّة أم صموئيل. ذهبت إلى المعبد وقلبها حزين، فأفاضت نفسها أمام الله. ظنّها الكاهن عالي سكرى، فقال لها: "أفيقي من سكرك". فأجابت: "كلا يا سيدي، ولكني امرأة مكروبة النفس... أسكب نفسي أمام الرب". لماذا قال الكاهن ما قال؟ لأنه رأى حنّة "تتكلّم في قلبها، وشفتاها تختلجان فقط ولكن لا يُسمع صوتها". أجل تلك هي صلاة القلب التي تصل بنا إلى اختبار مع الله. وإذا كانت حنّة "سكرى"، فسكرها هو من نوع آخر: سكر الحبيبة بحبيبها، والنفس بربّها. على مثال سكر الرسل يوم العنصرة.
الكتاب المقدّس هو كتاب الصلاة. صلّت حنّة وقالت: تهلّل قلبي بالرب. وصلّى صموئيل وهو حارس المعبد، فناداه الرب، فأجابه: "تكلّم يا رب فإن عبدك يسمع". وصلّى داود في ضيقه، فكان من بعض صلواته هذه المزامير، هذه الأناشيد التي تتلى في كلّ حاجات الحياة، في ساعات الألم والضيق، كما في ساعة الفرح والراحة، حين يعود الملك منتصراً على أعدائه وقد أعاد السلام إلى البلاد، وحين تنكسر الجيوش فيحسّ المؤمن أن الله تخلّى عنه.
نقرأ مثلاً في مز 13 أربع مرّات "إلى متى" وفيها ما فيها من عتاب لله. "إلى متى يا ربّ تستمرّ على نسياني (تريد أن تنساني دائماً)؟ إلى متى تواري وجهك عني (وكأنك لا تريد أن تراني)؟ إلى متى سأبقى مهموماً والحسرة تملأ قلبي نهاراً وليلاً؟ إلى متى سيبقى عدوّي متغلّباً عليّ؟ أنظر واستجب لي أيّها الربّ إلهي وأنر عيني فلا تنغلقا فأنام نومة الموت".
ونقرأ الوصايا في شكل صلاة في مز 15: "يا ربّ، من يحقّ له أن يحلّ (تستقبله) في مسكنك (في هيكلك)؟ من يحقّ له أن يقيم على جبلك المقدّس (في أورشليم مدينتك)؟ السالك بلا عيب (لا لوم في تصرّفه)، فاعل البر (حسب مشيئتك)، والمتكلّم بالحق في قلبه (لا كذب في قلبه ولا على لسانه). الذي لا يغتاب بلسانه، ولا يصنع بقريبه شرّاً، ولا يعيّر جاره".
ونقرأ نشيد الشكر والمباركة في مز 34: "أبارك (أحمد) الرب في كلّ حين، وفمي يسبّحه على الدوام. بالربّ تفتخر نفسي، فيسمع البائسون ويفرحون. عظموا الرب معي (تعالوا لننشد عظائم الرب) ولنرفع اسمه جميعاً. التمست الرب فاستجابني. ومن جميع شدائدي نجّاني... ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب، طوبى للذين يتَّكلون عليه".
أجل، في هذه الصلوات وفي غيرها ننشد الله بكلام الله، فنعلن إيماننا بحضوره وعمله في العالم، ونسأله أن يبارك حياتنا، فتكون أعمالنا امتداداً لصلاتنا، وإلاّ صحّ فينا ما قاله يسوع عن الفريسيّين: "يقولون ولا يفعلون".

2- كلمة الله في حياتنا
عرف الشرق القديم الأخطاء المرتبطة بالطقوس. إن أنت لمستَ ميتاً نجساً، فلا يحلّ لك أن تصلّي في الهيكل بدون أن تتنقّى. وكيف تكون التنقية؟ نغتسل في الماء، نقدّم ذبيحة... ولكن هل هذا هو تبديل الحياة؟ هل إذ مزّقنا ثيابنا دللنا على الحزن، دللنا على التوبة؟ كلا ثم كلا. لهذا قال يوئيل النبي: "مزقوا قلوبكم لا ثيابكم" (2: 13). المهم هو أن تبدّلوا قلوبكم وتعودوا إلى الرب، فهو رحيم وحنون.
ويحدّثنا أشعيا (58: 1- 8) عن الصوم الذي يرضي الله: "الصوم الذي أريده هو أن تحرّر البشر المقيّدين ظلماً، أن تخلّصهم من النير الذي يثقل رقابهم، أن تعيد الحرية إلى المظلومين، وتزيل كل ما يستعبدهم. الصوم هو أن تكسر للجائع خبزك، وتدخل البائسين والمطرودين بيتك، وتكسو العريان الذي تلتقي به، ولا تميل بوجهك عن أخيك. حينئذ ينبلج كالصبح نورك... تدعو الرب فيستجيب لك، تستغيث به فيقول هآنذا".
ويشدّد عاموس النبي بشكل عام على العدالة الاجتماعيّة بين الدول والأفراد: داس الاراميون بني جلعاد بنوارج من حديد. فسوف يعاقبون. هجّر أهلُ صور أهل فلسطين إلى ادوم ولم يراعوا عهد الاخوّة، فسوف يعاقبون. وبنو عمون بقروا الحوامل في جلعاد، فسيكون عقابهم مريعاً.
وزعق عاموس ضد النساء الغنيات اللواتي سمّاهن بقرات باشان: "اسمعوا هذه الكلمة، يا بقرات باشان، اللواتي ترعين على جبل السامرة. تظلمن الفقير وتضايقن البائس، وتقلن لأسيادكن: هاتوا لنشرب". قال أهل السامرة: حملنا الذبائح إلى الله، صلّينا إليه، فماذا يريد بعد ذلك؟ ويأتي جواب النبي باسم الرب صاعقاً: "كرهت أعيادكم واحتقرتها. ولا أجد مسرّة في احتفالاتكم. إذا أصعدتم لي المحرقات والتقادم، لا أرتضي بها... أبعدوا عني زجلَ أغانيكم، فأنا لا أستطيع أن أسمع نغم عيدانكم، بل ليجر الانصاف كالمياه، والعدل كنهر لا ينقطع". هذا يعني أن الظلم يسيطر على الغريب والفقير، على اليتيم والأرملة.
وترد وصايا على مستوى الحياة اليوميّة، فيدعونا الكتاب قائلاً: كونوا قديسين لأني أنا قدوس. ليكرّم كل انسان أمّه وأباه، ويحافظ على يوم الراحة في الأسبوع... حين تحصد أرضك، لا تذهب إلى أطراف حقلك، ولا تعد إلى خصاصة كرمك. بل أترك ذلك للمسكين والغريب. هذا ما آمرك به أنا الرب إلهك. لا تسرق، لا تكذب، لا تغشّ قريبك... لا تظلم صاحبك ولا تسرقه، ولا تحتفظ عندك بأجرة الأجير إلى الغدّ. لا تشتم الأصم (فهو لا يسمع)، ولا تجعل معثرة أمام الأعمى (فهو يصطدم بها لأنه لا يركما). هكذا تخاف الرب إلهك. لا تسع بالنميمة ولا تتهم شخصاً فتسفك دمه. لا تحتفظ بالبغض ضد أخيك بل عاتبه عتاباً. هكذا تحبّ قريبك مثل نفسك.

خاتمة
هذه بعض "الوصايا" حول محبّة القريب، قدّمناها بعد بعض الأمور حول حضور كلمة الله في صلاتنا. هكذا ندلّ على محبّة الله والقريب، ونتذكّر كلام يسوع الذي سأله معلّم في الناموس عن أعظم الوصايا. فقال: الأولى أن تحبّ الرب إلهك بكل قلبك... والثانية أن تحب قريبك كنفسك. هذه هي الشريعة وتعاليم الأنبياء. فلا يبقى لنا إلاّ أن نتعرّف إليها فنكون في خط المسيح الذي ما جاء لينقض العهد القديم بل ليكمّله. جاء يرفع محبّة الله إلى ذروتها. وجاء يوسّع قلوبنا فلا تكون محبّتنا محصورة في إطار ضيّق، بل تصل إلى جميع البشر وتكتشف فيهم وجه المسيح على ما جاء في إنجيل متى: "كلّ ما فعلتم لأحد أخوتي هؤلاء الصغار فلي فعلتموه".
الفصل الخامس
الكتاب المقدّس في عالم اليوم

قراءة الكتاب المقدّس هي حوار بين كلمة كُتبت منذ زمن بعيد وقارئ يحاول أن يلج إلى هذه الكلمة في الإطار الذي يعيش فيه، في ظروف الحياة، في صعوباتها وأفراحها وأحزانها. كيف يتمّ هذا الحوار؟ بعد قراءة النص، نحاول أن نستخرج المعنى الروحي ونطبّقه في حياتنا وعالمنا. لأنه إن كان الكتاب لا يحمل إلينا تعليماً اليوم فهو يبقى حرفًا ميتًا لا روحًا محييًا.

1- قراءة النص
قراءة النصّ أمر مهمّ جداً لأنه السلّم الأول في طريقنا إلى الحياة مع الله. فالرب هو الذي يكلّمنا أيضاً في هذه الكلمة المكتوبة ونحن نقرأها كما وصلت إلينا. قد تكون في خبر قريب من الأسطورة، أو السطرة التي هي فكرة في صورة. هذا ما نقول عن خلق الرجل والمرأة. الانسان قد جبله الرب من تراب الأرض ونفخ فيه نسمة حياة. أراد الكاتب أن يبيّن لنا أن الله هو الذي خلق الانسان وأنه جعله يرتبط بالأرض بالنسبة إلى الحياة الماديّة، ويرتبط بالسماء، بالنسبة إلى الحياة الروحيّة. فهو يستطيع أن يكون كالحيوان، كالفرس والبغل، كما يقول مز 32: 9. أو أن يكون على صورة الله في عقله الحكيم وإرادته الخيّرة.
وقد تكون هذه الكلمة قد وصلت في نبوءة، في كلمة حملها نبيّ هو رجل الله، وهو يقرأ إرادة الله في الأحداث والأشخاص. هذا ما فعله أشعيا حين أخبرنا عن لقائه بالله في الهيكل بشكل ملك يملأ الهيكلَ بحضوره، لأنه يملأ الكون الوسيع الذي هو هيكل كبير بقبته الزرقاء والشمس والقمر اللذين يشبهان السراجَين الموضوعين في هيكل اورشليم. وقد تكون هذه الكلمة في مثَل قصير يربطنا بعالم الحكمة، أو بمثَل كبير مثل سفر أيوب الذي يخبرنا عن تعامل الانسان مع الله في ساعات الألم والضيق. وبالتالي يخبرنا عن وضع الشعب العبراني العائش في النفي والتهجير عن بلاده.
كل هذه النصوص نقرأها في إطارها الأول كما كُتبت فيه. ويا ليتنا نستطيع أن نقرأها في لغتها الأصلية. نفهمها، نفهم المعنى الأدبي الذي كتبت فيه، فلا نتحدّث مثلاً عن "التفاحة" التي لا وجود لها في النص الكتابي (تك 3). ولا نتحدّث عن الحيّة كأنها حيّة. إنها بالأحرى تدلّ على الشيطان الذي ينتزع منا الحياة، على ما فعلت الحيّة مع غلغامش حين أخذت منه شجرة الحياة. أما الشجرة فليست بشجرة بقدر ما هي صورة حسيّة تحمل معنى روحيًا: حين يريد الانسان أن يصير "إلهاً" بقدرته، يصبح ضعيفاً "عرياناً". حين يريد أن يكون سيّد الخير والشر، فيعمل إرادته لا ارادة الله ويتجاوز وصايا الله، يخسر الحياة. يموت موتاً. موت الجسد. وهذا نصيب كلّ إنسان. وموت النفس، وهذا هو نصيب الخاطئ الذي يتهدّده الهلاكُ الأبدي.

2- الكتاب في حياتنا
هذا التعليم الذي نجده في الكتاب المقدّس، ينطبق اليوم على حياتنا وفي عصرنا. فنحن نفهم مساواة الرجل والمرأة، نفهم كيف تكون العلاقة داخل العائلة. وإذا كان الله هو الذي يبارك الزوجين قائلاً: يترك الرجل أباه وأمه ويتّحد بامرأته فيصير الاثنان جسداً واحداً، فهذا يعني أن بركته تدوم. وهي تمنع الطلاق. لأن الطلاق هو قتل للعائلة وللأولاد، كما أن السيف يقطع الرأس عن الجسم، ويجعل القلب يدمى وينزف. وإذا كان الرجل والمرأة يكوّنان جسداً واحداً، فلا يمكن أن يكون هناك ثلاثة أو أربعة أشخاص. رجل ونساء عديدات. بل رجل واحد وامرأة واحدة. وفي هذا المجال نسمع كلام الله في النبي ملاخي: "أنا أكره الطلاق". وإذ يخبرنا سفر التكوين عن امرأتين أختين ليعقوب، يبيّن لنا أن الحسد يدخل حتى في قلب الاختين حين تكونان زوجتين لرجل واحد. كان صراع الكتاب المقدس طويلاً ضدّ هذه العادات التي تبيح الطلاق لطبخة أحرقتها امرأة، والتي تسمح بتعدّد الزوجات، لأنها تحسب المرأة ملبيّة شهوات الرجل وخادمة أولاده، لا شريكة حياته.
هذا التعليم الذي نجده في الكتاب المقدّس، نحن نستخرجه في التأمل والصلاة. نستخرجه في المطالعة والدرس. فالربّ يريدنا أن نسير معه مسيرة الحياة. إنه كالوالد يمشي مشية طفله. لا يسوع أمامه. يقبل بسقطاته وتمهّله لكي يجعله ينمو. هذه العلاقة بين الله والبشر بدت بشكل سيّد يسيطر على عبيده. ولكنها شيئاً فشيئاً ستظهر كعلاقة العريس بعروسه. هي على مستوى المحبّة المتبادلة، على مستوى الاحترام المتبادل. ستظهر كعلاقة الأب مع ابنه. فالأب يؤدّب ابنه لا ليقتله، لا ليستغلّه. بل لينميه. وهذا التأديب يكون صعباً حين نتقبّله. ولكن عندما نرى النتائج نقبّل اليد التي قامت بهذا العمل.
هذا التعليم الذي نجده في الكتاب المقدّس هو وليد هذه الحضارة الشرقيّة التي تجسّد فيها. وهو يطلب اليوم أن يتجسّد روحاً جديداً في هذا العالم العربي الذي نعيش فيه. روحاً من المحبّة للقريب، أكان ابن بلدتي وقبيلتي وعائلتي، أم كان من دين آخر وموقع آخر. فكل شخص التقي به هو أخي وأختي وأمي، كما يقول يسوع. روحاً من التعاون على مستوى المساواة والعدالة. حين لا يأكل القوي الضعيف، والغني الفقير، وابن الأكثرية ابن الأقليّة. حين رأى النبي عاموس مثل هذا الوضع في السامرة، كانت له الكلمات القاسية في نساء الأغنياء، فسمّاهنّ "بقرات باشان". أما أشعيا فهدّد الأغنياء والمستبدّين والمستغلّين الذين يأخذون بيت الفقير ورزقه وطعامه اليومي: "ويل للذين يصلون بيتاً ببيت (أي يجمعون البيوت بعضها إلى بعض)، ويقرنوا حقلاً بحقل (وهكذا تكثر حقولهم كما في بعض المناطق البرازيليّة)، حتى لم يَدعوا (لم يتركوا) مكاناً لأحد. إذن أنتم (أيها الأغنياء)، تسكنون في الأرض وحدكم"، وتهجّرون الناس من بيوتهم وحقولهم.

خاتمة
كم نحن بحاجة اليوم إلى قراءة الكتاب المقدّس، فنسمع فيه تعليماً على مستوى الحياة العائليّة والزوجية، على مستوى علاقتنا مع الله الذي يؤدّبنا كما يؤدّب الأب ابنه، وينمينا في القامة والحكمة كما كان الأمر بالنسبة إلى يسوع. وعلى مستوى الحياة الاجتماعية مع احترام حقوق الانسان، كل انسان، لأن كل إنسان هو مخلوق على صورة الله ومثاله. وأنهي هذا المقال بخبر سمعته في مؤتمر هونغ كونغ: امرأة اعتادت أن تتلقّى الضرب من زوجها كل ليلة. وفي يوم من الأيام فهمت في صميم قلبها أنها "على صورة الله". ولما جاء زوجها، تحدّته قائلة: "الويل لك إن ضربتني". فقال لها: "وممن أخاف"؟ قالت: "من الله. فأنا على صورة الله، والويل لك من الله لأنك تشوّه صورته". تراجع الرجل وكانت كلمة الله مناسبة له ليعود إلى ربّه في حياة مشمولة ببركة الله. فالكلمة التي نعيشها حقا تعطينا حياة جديدة ونظرة جديدة، كما أعطت هذه المرأة. وتبدّل تصرّفاتنا وعقليتنا كما فعلت مع هذا الرجل الذي رأى امرأته اليوم بعينين جديدتين، رأى فيها صورة الله التي تعاقب من يشوّهها.
القسمُ الثّاني
البنتَاتوكس أو أسْفَارُ الشريعَة الخَمْسَة

نتوقّف في هذا القسم عند البنتاتوكس أو أسفار موسى الخمسة في قراءة إجمالية. لا قراءة علميّة تتوقّف عند كل من التقليد اليهوهي (لا اليهوي) والاوهيمي (لا الالوهي) والاشتراعي والكهنوتي. بل قراءة روحيّة تصلح من أجل صلاتنا وتأملنا. ويتوزّع هذا القسم على الفصول التالية:
1- قراءة اولى: بركة الله
2- قراءة ثانية: مخافة الله
3- مخافة الله في حياة الآباء
4- قراءة ثالثة: مفهوم العهد
5- قراءة رابعة: كلمة الله.
الفصل السادس
قراءة أولى: بركة الله

نصوص عديدة نقرأها من بداية سفر التكوين إلى نهاية سفر التثنية. لسنا هنا أمام تجميع نصوص أخذت من هنا وهناك. بل أمام نظرة روحيّة تهتمّ بالحديث عن بركة الله وتنتقل إلى نسله انطلاقةً تصل بنا إلى المسيح الذي فيه باركنا الله كل بركة روحيّة في السماوات (أف 1: 3).

1- نقطة الانطلاق
وننطلق في هذه المسيرة الروحيّة حول البركة من تك 12: 1- 3. هي كلمة الله إلى ابراهيم. أمرٌ ووعد. وقد هيّأ لها الطريق السياق السابق. ففي تك 11: 28- 30، عرفنا موطن ابرام (أو ابراهيم) وعرفنا عائلته، كما عرفنا أن امرأته سارة عاقر. مع ف 12، تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الخلاص حيث تقف كلمة الله بكل قوّتها أمام وضح ابرام الانسان مع ضعفه وعجزه.
"أترك أرضك وقرابتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أدلّك عليها. وأنا أجعلك أمّة كبيرة، وأباركك، وأعظّم اسمك وتكون بركة. أبارك من يباركك. ومن يحتقرك ألعنه (أي أمنع عنه البركة). وبك تنال البركة جميعُ عشائر الأرض".
كيف تبدو بنية هذا المقطع؟ يبدأ بفعل في صيغة الأمر (آ 1). ثم خمسة أفعال في صيغة المضارع تدلّ على ما سيفعله الربّ الذي قال هذا القول. وينتهي كل شيء بالنتيجة: "بك تتبارك جميع عشائر الأرض".
أمر الربّ ابراهيم بالانطلاق. ثم جاءت المواعيد. غير أن الأمر لا يضع شرطاً للوعد، بمعنى أن هذا الوعد يرتبط بطاعة ابراهيم. هذا الأمر هو نداء ودعوة، وقد دخل فيه الوعد كجزء لا يتجزّأ. طلب الربّ من ابراهيم، فنفّذ ابراهيم ما طلبه الرب: لم يطرح سؤالاً. لم يقل: إذا أطعتك فماذا يكون لي؟ لم يقل: ولكن عندي بيتي... من وضع يده على المحرات ونظر إلى الوراء ليس أهلاً... ذهب أبرام كما أمره الربّ. هذا ما سيفعله يوسف خطيب مريم حين أمره الربّ أن يأخذ امرأته ولا يعرفها. فقام من نومه وفعل ما أمره به ملاك الربّ (مت 1: 24). قد نطرح سؤالاً حول نفسيّة ابراهيم ونفسيّة يوسف. ولكن لا موضع هنا للسيكولوجيا. فوعد الله يملأ قلب الانسان فلا يعود يترك مجالاً لشيء آخر. حين يصل الانسان إلى مستوى الحوار العميق مع الله، لا يعود من موضع لحوار يتمّ على مستوى الأرض ومشاريع البشر. مشروع الله يملأ حياة الانسان ويأخذه كما أخذ معه إيليا في العاصفة.
"من يحتقرك". من يشتمك (آ 3 أ). هو واحد. ولهذا، لن يكون لله أن "يلعن" أو يعاقب العدد الكثير من الناس. أما البركة فستمتدّ إلى الكثيرين. البركة التي يرسلها الله هي ما يحصل عادة.
وردت كلمة "البركة" أو "بارك" خمس مرات: أباركك، تكون بركة. أبارك. من يباركك. تنال البركة. يرى الشرّاح هنا في هذا القول أن الله يريد أن يلغي اللعنات الخمس التي سبقت دعوة ابراهيم. لعنة الحيّة (أو الشيطان وعالم الشرّ) التي ستصيب المرأة بشكل غير مباشر فتتألّم في الولادة وتنقاد لزوجها الذي يسود عليها، بعد أن كانت المساواة تامة بين الاثنين (تك 3: 12). ثم لعنة الأرض (تك 3: 17) التي تصل إلى الانسان: سيأكل خبزه بعرق جبينه. سيعود إلى التراب الذي أخذ منه. تلك هي الخبرة التي اختبرها الكاتب الملهم حين كتب هذا النصّ في القرن السادس أو الخامس ق. م. تلقّى وحياً من الله. فرأى في وضعه وضعَ كل انسان منذ بداية الكون حتى نهايته. هو يولد ويموت ويتعب ويتألّم.
واللعنة الثالثة رافقت قايين لما قتل أخاه هابيل: "ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دماء أخيك من يدك" (تك 4: 11). أصابت اللعنة الأرض، فانعكست من الأرض على قايين. واللعنة الرابعة هي عكس البركة التي سينالها نوح الذي يحمل العزاء إلى البشر، فتكون معه بداية خلاص (تك 5: 29). واللعنة الخامسة نالها حام في شخص ابنه كنعان بسبب الزنى الذي مارسه. لم يخف من أن ينظر إلى عورة أبيه، فاستحقّ اللعنة لهذا الفعل الشنيع الذي يقابل القتل الذي مارسه قايين مع أخيه (تك 9: 25).
وجاءت بركات خمس تمحو لعنات خمساً. وهكذا بواسطة ابراهيم تتبارك جميع عشائر الأرض. أراد أهل بابل أن يرتفعوا إلى الله ويبنوا برجاً ليصلوا إليه بقواهم البشريّة. ولكنهم تشتّتوا في كل الأرض. أما ابراهيم فسلّم أمره إلى الرب فنال من الرب كل بركة.
بك تتبارك شعوب الأرض. في المعنى الأول، الأرض المقدّسة، أرض فلسطين. وفي المعنى الثاني: الأرض المسكونة كلها. كل المؤمنين يتعرّفون إلى البركة التي تعرَّف إليها ابراهيم. نجح ابراهيم حين أطاع الله، فتمنّت كل عشائر الأرض أن تطيع طاعته فتنال البركة التي نالها. ولكن قد يكون ابراهيم وسيط بركة تُمنح للشعوب كما فعل مثلاً حين صلّى من أجل ملك جرار (تك 20: 7)، أو حين تشفّع من أجل مدينة سدوم معتبراً أنه قد يجد فيها عشرة أبرار (تك 18: 20- 33). وفي معنى ثالث قد نفهم فعل "تتبارك" الذي يشير إلى صيغة المجهول "تُبارك". إن جميع عشائر الأرض تنال لنفسها البركة من الله، ومصيرُ الشعوب يرتبط بموقفها من حامل البركة الذي هو ابراهيم، ثم داود وأخيراً ذاك الذي هو ابن ابراهيم وابن داود (مت 1: 1)، يسوع المسيح.
إذن، كلمة الله حاسمة. وموضوع البركة هو الخطّ الأول الذي يساعدنا لكي نقرأ البنتاتوكس أو أسفار موسى الخمسة. ونبدأ مع دورة البدايات.

2- دورة البدايات (تك 1- 11)
إن دورة البدايات تفهمنا أن جميع الشعوب تحتاج إلى البركة بعد أن أصابتها اللعنة المخمّسة. كانت نتيجةَ أولى خطيئة فيها أراد الانسان أن يحلّ محلّ الله فيقرّر ما هو خير وما هو شرّ. خطيئة ستلقي بظلّها على كل خطيئة على الأرض. وخطيئة القتل مع قايين. والعنف الذي سيطر على العالم فحمل إليه الموت بواسطة قوّة الموت التي هي المياه. وانتهت دورة البدايات بحدث برج بابل فطُرح السؤال: هل انقطعت كل علاقة بين الله والانسان؟ ما الذي ينقص البشريّة؟
هذا الذي ينقص البشريّة، هذا الذي لا تستطيع البشريّة أن تعطيه لنفسها، سوف يعطيه الله عبر شخص ابراهيم. وصلت البشريّة وحدها إلى حافة اليأس. ولكن كلمة الله التي نادت ابراهيم، فتحت باب الرجاء. فالله لم يقل بعدُ الكلمة الأخيرة. أراد البشر أن يكون لهم اسم (تك 11: 4). هي رغبة في أعماق قلبهم. لهذا يلدون أولاداً يذكرونهم بعد موتهم. ويشيّدون الابنية التي تدلّ على ما عملوا. ويقومون بالحروب ليطبعوا الأرض بوقع خطواتهم. رغبة حقيقيّة لا تجد ما يملأها إلا الله الذي قال لأبرام: "أنا أعظّم اسمك" (آ 2). وسيقول لداود: "أعطيك اسماً عظيماً" (2 صم 7: 9). أما يسوع "فيعطى اسماً فوق كل اسم لتنحني أمام اسم يسوع كل ركبة في السماء، وفي الأرض وتحت الأرض، ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيداً لله الآب" (فل 2: 9- 11).
تشتّتت الشعوب على وجه الأرض (تك 11: 4: 6). تلك هي نتيجة عمل الانسان. فما كان جواب الله؟ وعد ابراهيم بأن يجعله أب أمّة تجمع في بركة واحدة جميع شعوب الأرض. ما أراد البشر أن يحصلوا عليه بقواهم الشخصيّة، قد منحه الله لابراهيم بنعمة مجانيّة، وبواسطة ابراهيم منحه لجميع الشعوب. وهكذا، فخبر برج بابل الذي ينهي دورة البدايات، ودعوة ابراهيم التي تفتح دورة الآباء، تتقابلان مقابلة ستجد صداها في حك 10: 5: "حين اتّفق البشر على صنع الشرّ، وحُكم عليهم بأن لا يتفاهموا، لقيت الحكمة الصدّيق وصانته بلا عيب أمام الله. ومنحته القوّة ليطيع الله رغم حبّه لابنه".

3- دورة الآباء (تك 12- 50)
عبر الأخبار المخصّصة لابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف، نجد أهميّة تك 12: 1- 3 الذي سيعود مرتين أيضاً. مرة أولى في 18: 18: "ابراهيم سيكون أمّة كبيرة مقتدرة، ويتبارك به جميع أمم الأرض". ومرة ثانية في 28: 14: "ويكون نسلك كتراب الأرض وتنمو غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، ويتبارك بك جميع قبائل الأرض وبنسلك". بعد أن قيل الكلام مرّة أخرى لابراهيم، قيل في النصّ الثاني ليعقوب.

أ- دورة ابراهيم
يعود تك 18 إلى هذه البركة التي نالها ابراهيم من الله. فبعد أن استقبل أبو الآباء ضيوفه الثلاثة في ممرا، ترك الله ابراهيم وهو يتساءل إن كان يُخفي عن ابراهيم العقاب الذي تستحقّه سدوم (18: 17). فإذا كان الله قد اتّخذ قراره بأن لا يخفي شيئاً عن ابراهيم، فلأن ابراهيم سيكون أمّة عظيمة. ومن خلال تشفّع ابراهيم من أجل سدوم، نفهم أن هذه البركة قد وصلت إلى هؤلاء الذين يهدّدهم الموت. كان بإمكان البركة أن تصل إلى سدوم. ولكن لوطاً وابنتاه نجوا، فكانوا البقية الباقية لأدوم وعمّون.
وحين اقتسم ابراهيم ولوط الأرض، أخذ لوط الحصّة الفضلى، ولكن البركة وصلت رغم ذلك إلى ابراهيم. أما حين أخذ الفرعون سارة، فقد حلّت عليه اللعنة لا البركة. يقول النصّ: "ضربه الله" (تك 12: 17) كمقدّمة لتلك الضربات العشر التي سوف تحلّ بمصر مع موسى. لا شكّ في أن ابراهيم خطئ حين قال إن سارة اخته. ولكن البركة التي يمنحها الله لا ترتبط بالانسان. فقد يخون الانسان عطيّة الله، ولكن الله أمين في مواعيده، صادق في عطاياه، وهو لا يندم يوماً عمّا يعطيه للانسان.

ب- دورة اسحاق
وسوف نشاهد البركة أيضاً في حياة اسحاق. واجه ابيمالك في زمن المجاعة (تك 21: 1). ولكن الرب قال له: "أنا أكون معك وأباركك" (آ 3). ويحصل لاسحاق ما حصل لابراهيم. أخذ "الملك" منه امرأته، فحلّت عليه اللعنة وخسر كل بركة. ويعود النص في آ 12 فيقول لنا: "زرع اسحاق في تلك الأرض، فأصاب في تلك السنة (هي سنة جوع لأنها سنة جفاف) مئة ضعف". والسبب: "الله باركه" وبسبب هذه البركة صار "شخصاً عظيماً". وما زال ينمو. فالعظمة والنموّ هما ثمرة تلك البركة التي جعلت شعب أبيمالك يدبّ فيهم الحسد. لاحظوا البركة التي نالها اسحاق، ولكنهم لم يعرفوا أصل هذه البركة، فحسدوا اسحاق، كما حسد قايينُ هابيل، وأرادوا مخاصمته.
قالوا له: "أخرج من عندنا، لأنك قد أصبحت أقوى منّا جداً" (تك 26: 16). نتذكّر هنا أن النصّ يتحدّث عن ملك الفلسطيين وهم شعب عاشوا في المدن الخمس (غزّة، جت) على شاطئ البحر وعلى حدود مصر. ويرى من خلال اسحاق، شخصَ داود وتعامله مع الفلسطيين على عتبة الألف الأول ق. م. هكذا تمّ الوعد الذي أعطي لابراهيم. وفهم الملك وضباطه فقالوا لاسحاق: "رأينا أن الرب معك" (آ 28). ثم قالوا له: "أنت مبارك الرب" (آ 29). يعني: باركك الرب. ولما قطع "الفلسطيون" عهداً مع اسحاق، كانت لهم البركة من خلال السلام الذي لا يعني فقط غياب الحرب بل مجمل العطايا التي يتوق إليها الانسان من أجل سعادته.

ج- دورة يعقوب
بدأت حياة يعقوب حين نال البركة من أبيه. لا شكّ في أن في الأمور حيلة. ولكن الله يكتب الخطوط المستقيمة عبر خطوطنا المعوّجة. ثم إن النصّ لا يقدّم لنا تقريراً صحافياً. ولكنه يرى في الواقع أن يعقوب هو الذي حمل الوعد، فاعتبر أن الله هيّأ كل شيء له. بارك اسحاق يعقوب وقال: "ابني كحقل باركه الربّ. يعطيك الله من ندى الممماء (المطر المهمّ)، ومن دسم الأرض يُكثر لك الحنطة والخمر" (تك 27: 26- 28).
وفي حلم يعقوب يعود موضوع البركة كما قيل لابراهيم. "لاعنك ملعون ومباركك مبارك" (27: 29). هنا نرى مزيجاً بين نظرة وطنيّة ضيّقة وبين نظرة شاملة تحاول أن تصل إلى أقاصي الأرض. ذاك هو الصراع الدائم في تاريخ بني اسرائيل. هم يحملون كلمة الله ولكن يجب أن لا تبقى كلمة الله محصورة في أرض، ومواعيدُ الله متوقّفة في شعبه. فهي لجميع البشر. وشعب اسرائيل إنما هو خادم لهذه الكلمة وهذه المواعيد.
وحين اشتغل يعقوب لدى لابان، قال له لابان: "باركني الربُّ بسببك" (تك 3: 27). وأكّد يعقوب نظرة لابان، فقال: "كانت مواشيك قليلة قبل مجيئي، وقد نمت كثيراً، وباركك الرب بعد مجيئي" (آ 30). لقد وصلت البركة إلى الآراميين بواسطة يعقوب. وهكذا بعد الموآبيين والعمونيين والفلسطيين، وصلت البركة إلى الآراميين أيضاً. وهذه البركة ستصل إلى مصر مع يوسف بن يعقوب.

د- دورة يوسف
خبر يوسف خبر يطرح عدداً من الاسئلة. هو أولاً يتميّز عن سائر أخبار الآباء. ثم، ما هو الاساس التاريخيّ؟ وما هي التقاليد؟ وكيف دخلت الامور المصريّة في هذا الخبر؟ وتوقّف الشرّاح عند الطابع الحكميّ لهذا الخبر. أما نحن فنتأمّل في موضوع البركة.
بحكمة أحد الآباء، وصلت البركة إلى الفرعون وشعبه. غير أن هذه البركة لن تدوم، لأن الفرعون الذي لم يكن يعرف يوسف، جلب اللعنات على نفسه وعلى بلاده. وهكذا تقابل الضرباتُ إقامةَ يوسف في مصر. وسفر التكوين سبق وبيّن مسيرة يوسف. فمنذ إقامة يوسف في بيت فوطيفار "بارك الرب بيت المصري". ثم زاد النصّ: "كانت بركة الله على جميع ما هو له (= فوطيفار) في البيت والحقل. فترك جميع ما كان له في يد يوسف" (تك 39: 5- 6).
هذا المشهد يدلّ على نشاط يوسف المقبل، وهو نشاط بركة لا ينحصر في بيت من البيوت، بل يصل إلى مصر كلها (رج تك 41: 57). وهذه البركة ارتبطت بحكمة يوسف وهي حكمة آتية من عند الرب. هل نرى في حكمة يوسف مرآة لحكمة سليمان وموظفيه؟ ربما. ولكن في أي حال، هكذا وصلت بركة ابراهيم إلى مصر بواسطة يوسف.

4- الخروج من مصر والمسيرة في البرية
أ- الخروج من مصر (خر 1- 17)
مع سفر الخروج ندخل في حقبه جديدة من تاريخ اسرائيل. نلاحظ أوّل ما نلاحظ كلام الفرعون الذي يشبه كلام ابيمالك: "ها إن شعب اسرائيل صار أكثر وأعظم منا" (خر 1: 9؛ رج تك 26: 16). أما تكاثرُ بني اسرائيل فهو ثمرة بركة الله وتحقيق للوعد الذي أعطي لابراهيم. غير أن المصريين يرفضون أن يعترفوا بهذه المباركة، ويحاولون أن يتصدّوا لها.
مع خر، يبدو وجه موسى الذي أحبّ العدالة وحاول أن يمنع الظلم، فأجبر على الهرب إلى مديان. وتأتي الضربات في تقليد البركات هذا سبعاً: موت السمك، الضفادع، البعوض، موت البهائم، البرد، الجراد. وفي النهاية، مع الرقم السابع، مات بكر الفرعون فطفح الكيل، ماتت كل بركة في مصر، لأن المصريّين ظلّوا متعلّقين بآلهتهم ورفضوا أن يتعرّفوا إلى الله ينبوع كل بركة.
هنا نسمع كلام فرعون إلى موسى وهارون: "قوما واخرجا من بين شعبي. أنتما وبنو اسرائيل... وامضوا وباركوني أيضاً" (خر 12: 20- 22). أغنى بلد في الشرق وأوسع قوّة، جاء يطلب بركة. وكان قد سبق هذا الطلب كلام لفرعون فيه يطلب من موسى أن يصلّي لأجله ويتشفّع. هذا ما فعله ابراهيم بالنسبة إلى أهل سدوم وابيمالك.
في هذا المجال نقرأ أش 19: 23- 25 كلاماً يقول فيه النبيّ إن الله يشفي مصر من ضرباتها. وستحلّ البركة على بني اسرائيل كما تحلّ على المصريّين وعلى الأشورّيين: "مبارك مصر شعبي، وأشورية عمل يديّ، واسرائيل ميراثي".

ب- المسيرة في البرّية
نترك جانباً حدث سيناء الذي يرتبط أكثر ما يرتبط بمخافة الله وتعليم الأنبياء. ونسمع قول بلعام يقوله في شعب اسرائيل، فيدلّ على أنهم يحملون البركة وأنهم. مسؤولون عن هذه البركة. "ما أجمل خيامك يا يعقوب وأخبيتك يا اسرائيل! منبسطة كأودية (فيها الماء)، كجنّات على نهر، وكأغراس غرسها الرب، وكأرز على المياه... مباركوك يبارَكون، ولاعنوك يُلعنون" (عد 24: 5- 6، 9). نلاحظ البركة من كثرة المياه وجَمال الاشجار وعظمتها. كما نلاحظ ارتباط هذا الخبر بداود. لم يعرف الموآبيون أن يستفيدوا من البركة التي حملها بنو اسرائيل. بل إن اسرائيل نفسه خسر هذه البركة لما تعلّق ببعل فغور (عد 25: 1- 4). وهكذا نفهم أن البركة ليست عملاً سحرياً. فهي تتضمّن مسؤوليّة تجاه الله الذي هو ينبوعها. أما هذا الكوكب الخارج من يعقوب فهو يسوع المسيح (عد 24: 17). والصولجان الذي يحمله هو صولجان الملك الذي به يحطّم أعداء كنيسته. وهم الشرّ والموت والخطيئة.

خاتمة
ذاك هو تقليد البركة الذي انطلقنا فيه من خبرة ابراهيم مع الله حين دعاه. نصّ دوّن في نهاية خبرة طويلة مع الله وطبّق على ابراهيم الذي هو مثال كل مؤمن. وهو يطبّق علينا. يكفي أن نستسلم لله، وننتظر كل شيء من عنايته ومحبته. قال الرب لابراهيم: أسلك أمامي وكن كاملاً. وهذا ما يقوله الكتاب. بهذه الطريقة وبها وحدها ننال البركة الحقّة التي حملها إلينا يسوع المسيح بحياته وموته وقيامته.
الفصل السابع
قراءة ثانية: مخافة الله

هذه المسيرة التي ننطلق فيها الآن، تجد جذورها في الحركة النبويّة، مع اهتمام عميق بالطاعة لله، بإقامة شعائر العبادة له، بالتشديد على أن الله يختلف كل الاختلاف عن الانسان. لهذا لا نستطيع أن نكون قريبين منه. بل هو يحدّثنا في الحلم وخلال الليل، أو بواسطة الملاك لئلا يتّصل الانسان الخاطئ مباشرة بالله القدوس. هذا الملاك يدلّ على حضور الله، على حضوره الآتي. وسوف يختفي ليترك الانسان في لقاء حميم مع الربّ. ربّما بعد أن تكون الجمرة المحرقة عملت عملها كما في دعوة أشعيا (6: 1 ي). صار نقياً فاستطاع أن يقدّم نفسه للانطلاق في رسالة يرسلها فيها الرب.
نبدأ مسيرتنا مع الآباء، فتوقّف عند موسى وخبرة سيناء، وفي النهاية نصل إلى المجموعات التشريعيّة. ولكن قبل كل ذلك نتوقف عند مقطع هام يبرز مخافة الله لا في شعب الله وحسب، بل لدى سائر الشعوب ولاسيّما الفلسطيين، جيران بني اسرائيل، وأعدائهم في أيام شاول وداود.
ننطلق من ف 20 الذي يحدّثنا عن إبراهيم في حوار مع ابيمالك الذي يسمّيه النصّ الذي كُتب بعد الاحداث بزمن طويل "ملك الفلسطيين". بعد المقدّمة (آ 1) يبدأ الخبر في آ 2، ثم الحوار بين الله وابيمالك في الحلم (آ 3- 7). ويدعو الملك عبيده (آ 8)، ثم ابراهيم (آ 9- 13). وكانت أولاً ردّة فعل الملك على الاحداث (آ 14- 16): أخذ غنماً وبقراً وعبيداً وأعطاها لابراهيم... ثم كانت ردّة فعل ابراهيم الذي دعا إلى الله من أجل ابيمالك (آ 17).

1- حفظ الوصيّة بين اليهودي واللايهودي
نلاحظ على مستوي الاشخاص أن ابيمالك ملك، وأن ابراهيم نبيّ. كان الأوّل من الأمم الوثنيّة، والثاني من شعب الله. وكان خلاف بين الاثنين سببه خوفُ ابراهيم على نفسه وقولُه بأن سارة اخته لا زوجته. هناك نقف أمام مسألة أخلاقية هي مسألة الخطيئة. وهنا نقف أمام خطيئة ابراهيم. كما نقف حول الاقرار بشريعة يتّفق عليها أناس يختلفون على مستوى الايمان وعلى مستوى الدين.
لا يتلفّظ النصّ بكلمة "شريعة" (ناموس)، مع أن الله يقول لأبيمالك: "لا يحقّ لك أن تأخذ امرأة متزوّجة. فإن فعلت تهلك". هذه الشريعة موجودة في التوراة، ونحن نجدها في تث 22: 22 (إن زنى رجل مع امرأة متزوّجة، يقتل الاثنان؛ لا 20: 10؛ ولا ننسى الوصيّة: لا تزن في خر 20: 14؛ تث 5: 18 دون ذكرٍ للعقاب). ولكن بما أن أبيمالك غريباً عن ديانة اسرائيل، فكيف له أن يعرف تلك الشريعة؟ ولكن شرائع الشرق القديم تقول الشيء عينه. نقرأ في قانون حمورابي (رقم 129): "إن وُجدت زوجةُ رجل مضطجعة مع رجل آخر يُربط الاثنان ويطرحان في الماء. فإن عفا الرجل عن زوجته، عندئذ يعفو الملك عن عبده". هذا في القرن الثامن عشر. وفي القرن الثاني عشر قالت النصوص الاشوريّة التي جُمعت من مصادر متعدّدة: "إن خرجت امرأة متزوّجة من بيتها وذهبت إلى بيت رجل آخر. ونامت معه وهو يعرفها متزوّجة، يُقتل الرجل والمرأة". فالخبر الذي نقرأه هنا يفترض هذه الخلفيّة التشريعيّة.
هنا نلاحظ الموضوع عينه الذي يبدو فيه اللايهوديّ أرفع أخلاقيّة من اليهوديّ. ففي خبر شفاء نعمان على يد النبيّ أليشاع (2 مل 5)، نعمان هو أرامي من دمشق. حدّثوه عن شفاء قد يتمّ له بعد أن أصيب بالبرص. ذهب إلى الملك فتحدّث الملك عن ضعفه. فذهب إلى النبيّ (2 مل 5: 6- 8)، فكان له الشفاء. قدّم نعمان مالاً إلى أليشاع فرفض. فاحتال جيحزي، خادم أليشاع، وأخذ بعض المال من نعمان. ولكن النبيّ كان قاسياً مع خادمه.

2- مسائل ترتبط بهذا الحدثين
أ- فعل الشكر
نتوقّف أولاً عند فعل الشكر يتلوه شخص من خارج أرض اسرائيل. فنعمان، رئيس جيش ملك أرام (إذن عدو اسرائيل، 2 مل 5: 2)، جاء يطلب الشفاء في مملكة السامرة. وانتهى به الامر بإعلان ايمانيّ رائع بالله. "ليس في الأرض كلها إله إلاّ في أرض اسرائيل" (2 مل 5: 15)، أي الاله الواحد. أما جيحزي خادم أليشاع، فسينال عقاباً على طمعه وجشعه. انتقل البرص من نعمان إلى جيحزي (2 مل 5: 20- 27). وفي تك 20، نرى وجه أبيمالك المشرق الذي احترم سارة أكثر ممّا احترمها زوجُها. الذي عرف أن يسمع لصوت الرب ويفعل ما يأمره به الرب مع أنه لا يعرفه. أما وضع ابراهيم فبدا وضعَ ذلّ: عليه أن يعتذر لأنه كذب على أبيمالك، وأراد أن يغلّف كذبه. وهو قد أخطأ خصوصاً لأنه شكّ بوجود مخافة الله في هذا المكان.

ب- المسائل الاخلاقية
ونتوقّف ثانياً عند المسائل الاخلاقيّة. حمل نعمان معه تراباً من أرض اسرائيل ليذبح هناك ليهوه. وهكذا دلّ على إحساس داخليّ تجاه الرب الذي شفاه. فبصفته قائد جيش الملك، فهو مجبر على أن يرافق ملكه إلى هيكل الاله رمّون ويسجد معه (2 مل 5: 18). مثل هذا العمل الخارجيّ والعلنيّ، قد يفرغ الايمان من محتواه، كما يعارض رغبة نعمان في تقديم عبادة ليهوه وحده. سأل هذا المرتدّ الجديد أليشاع. فطمأنه النبيّ: "إمضِ بسلام" (2 مل 5: 19).
وفي خبر تك 20 تبدو النظرة متشابهة. فالسؤال المطروح هو: هل يستطيع الله أن يفرض عقاباً على أناس أبرياء بسبب ذنب اقترفوه وما عرفوا أنه خطيئة؟ من جهة، أخطأ أبيمالك على مستوى الوضع الخارجيّ لأنه أخذ أمرأة متزوّجة. ولكنه في داخله لم يخطأ. والله نفسه يُقرّ له ببراءته (آ 6). لقد كان ابيمالك ضحيّة كذب ابراهيم الذي لم يخبره أن سارة امرأته. بالاضافة إلى ذلك، لم يقترب الملك من سارة (آ 4، 6). فالله حفظه من كل خطيئة. أجل، الرب يفعل بنعمته لدى اليهوديّ كما لدى الوثنيّ.
أما من جهة ابراهيم، فعملُه خطيئة مهما كانت الظروف. وكل شيء يدور حول تلك الخطيئة. أخفى الوضعَ الحقيقي لسارة فكاد يوقع ابيمالك وعبيده في خطر. كما جعل سارة في مأزق وهي حاملة الوعد. ستكون أم اسحاق. أما خطأه الكبير فلأنه اعتبر أن شريعة الله هي فقط لبني اسرائيل. ولأنه ظنّ أن مخافة الله غير موجودة خارج أرض اسرائيل. إذن، ليست موجودة لدى أبيمالك. ولكن الكاتب دلّ على أن ابراهيم، مع أنه نبيّ، مع أنه سيتشفّع من أجل ابيمالك ليُشفى من مرضه، لم يعش مخافة الله على المستوى الذي عاشه ابيمالك الذي جعله التقليد ملك الفلسطيين. فالفلسطيّون الذين هدّدوا المملكة في أيام داود فاحتقرهم بنو اسرائيل لأنهم ليسوا مختونين، بدوا أنهم في الواقع مختونون لا بختانة اللحم (مثل بني اسرائيل)، بل بختانة القلب حين سمعوا صوت الله وعاشوا مخافته.
ونتوقّف ثالثاً عند الملك والنبيّ. في خبر نعمان، النبيّ هو الذي يستطيع أن يشفي المرضى في اسرائيل، لا الملكُ (2 مل 5: 3، 8). ولما جاء نعمان إلى ملك اسرائيل، اعترف الملك بضعفه وقال: "العلّي أنا إله أميت وأحيي" (آ 7)؟ غير أنه لم يعرف أو هو لم يُرد أن يرسله إلى النبيّ. كأني به ما أراد أن يقرّ بأن هناك من هو أقوى منه. ولكن قوّة النبيّ هي من قوّة الله.
أما ابيمالك فهو الملك الذي يعرف مخافة الله. ومع ذلك، فعليه أن يعرف أنه يحتاج إلى النبيّ، إلى من يحمل كلمة الله رغم ضعفه وخيانته. وحده النبيّ يستطيع أن يتشفّع (تك 20: 17). وهكذا نحسّ من خلال هذا الخبر بعلاقة الملك والنبيّ. وعندما يتخاذل الملك يحلّ محلّه النبيّ وإن بشكل موقت. هذا ما حدث خلال الحرب الآراميّة الافرائيميّة على أورشليم. حلّ أشعيا موقتا محلّ أحاز. ولكنه أفسح المجال حالاً مع مجيء الملك حزقيا.

3- مخافة الله
ونصل إلى عبارة "مخافة الله" (آ 11) التي هي الموضوع الاساسيّ الذي نودّ التأمّل فيه. كان استعداد أول مع فعل "خاف" في آ 8. هو خوف لدى عبيد ابيمالك. ولكنهم هم لا يعرفون سبب هذا الخوف. "خافوا جداً". يقول النصّ هذا الكلام، فيدلّ على أن هذه العاطفة الدينيّة موجودة عند اليهود وعند اللايهود.
إن مخافة عبيد أبيمالك تشبه مخافة أناس وجدوا نفوسهم أمام إله يرعبُ الناس. قد نكون أمام مخافة دينيّة تشبه مخافة العبد من العصا. ولكن مجمل الخبر يتيح لنا أن نفهم أنهم مستعدون لأن يعيشوا مخافة أخرى تصفها آ 11. فمضمون مخافة الله في هذه الآية واضح: هي الطاعة لقواعد أخلاقيّة يحافظ عليها الاله. اذن، لسنا فقط أمام عاطفة سيكولوجيّة، بل أمام طاعة لشريعة الله، وجب على بني اسرائيل أن يعيشوها ولكنهم لم يفعلوا. فصاروا مثل يونان الذي لم يعرف أن يصلّي ساعة هاج البحر، بل استغرق في نوم عميق وكأنه لا يريد أن يسمع صوت الله. وصاروا مثل أورشليم التي ما أرادت أن تتوب كما فعل أهل نينوى. ذاك سيكون الوضع في الكنيسة الفتيّة. احتشد أهل مدينة أنطاكية بسيدية ليسمعوا كلام الله. فلما رأى اليهود الجموع، امتلأوا غيرة وأخذوا يعارضون كلام بولس بالكفر والشتيمة. فقال بولس وبرنابا بجرأة: "كان يجب أن نبشّركم أنتم أولاً بكلمة الله، ولكنكم رفضتموها، فحكمتم أنكم لا ترون أنفسكم أهلاً للحياة الابديّة. ولذلك نتوجّه الآن إلى غير اليهود، إلى الوثنيين" (أع 13: 44- 46).
ما جهل أبيمالك الشريعة التي تمنع الرجل أن يأخذ أمرأة جاره. ولكنه جهل أن سارة امرأة متزوجّة. وهكذا، حين علم بالخبر دلّ حالاً على أنه عائش في مخافة الله. وهكذا بدت حياته الاخلاقية أسمى من المؤمن بالله. وهذا ما يجب أن يطرح علينا سؤالاً. هل تتوافق حياتنا مع إيماننا؟ فقد يجدّف الناس على الله بسببنا، لأننا نقول لا تسرق ونسرق... وشي خبر نعمان، لا نجد موضوع مخافة الله مع أننا في وسط نبويّ. هذا يعني أن خبر ابراهيم في جرار هو خبر متأخّر. هو يرتبط بأسفار الحكمة التي قالت: "رأس الحكمة مخافة الله". وهكذا بدا أبيمالك حكيماً مثل هؤلاء الحكماء الذي عرفهم الشرق من مصر إلى بلاد الرافدين وذكر بعضَهم سفرُ أيوب.
تلك كانت قراءة ثانية للبنتاتوكس أو أسفار موسى الخمسة حيث اكتشفنا مع دور الملك والنبيّ، مخافة الله التي يجب أن يعيشها المؤمن، كل مؤمن. سواء آمن بالاله الواحد أو آمن بإله الأرض التي يعيش فيها. فإن كان من تسلّم الوحي قد نال من الله شريعة ووصايا، فالذي لم يتسلّم وحياً يعرف من خلال ضميره، من خلال صوت الله فيه، ما يجب أن يعمل ليرضي الله الذي يجازي كل انسان حسب أعماله. ففي النهاية، ما يطلبه الله من الانسان هو السعادة له ولمجتمعه. وحفظ الوصايا أفضل طريق في هذا السبيل، ومن تحلّى بمخافة الرب حفظ وصاياه.
الفصل الثامن
مخافة الله في حياة الآباء

في فصل سابق تحدّثنا عن مخافة الله التي هي في النهاية حفظ وصاياه. درسنا بشكل خاص مقطعاً من سفر التكوين نرى فيه مخافة الله لدى الشعوب الوثنية، وقد عرفناها في محيط الحكماء في أرض اسرائيل كما في خارجها. وها نحن نرافق هذه المخافة في حياة الآباء، في حياة ابراهيم وحياة يعقوب، عند يوسف وعند موسى. بعد ذلك، نعود إلى النصوص التشريعيّة التي تساعدنا على أن نضع موضع العمل هذه المخافة التي يجب أن تنير سلوكنا والتي هي أعظم مديح نقدّمه لانسان من الناس. نقول: هو يخاف الله. مثل هذه المخافة ليست عاطفة العبد الذي يرتعد أمام سيّده، بل عاطفة المحبّ مع حبيبه فيعمل ما في وسعه ليمنع كل ما يعكّر هذه العلاقة الحميمة التي تبقى سريعة العطب.

1- مخافة الله في حياة الآباء
أ- دورة ابراهيم
بعد أن قرأنا تك 20 وعرفنا أن ابراهيم نبيّ رغم كل شيء، كما عرفنا أن أبيمالك عاش مخافة الله، نقرأ بسرعة معاملة أبي الآباء لهاجر في تك 21: 9- 21. ليس وجهُه هنا الوجهَ المشرق، وسوف يتصرّف مع جاريته ومع ابنها انطلاقاً من عواطف بشريّة أو إطاعة لأمر سارة زوجته. قالت له: "أطرد الأمة وابنها" (تك 21: 10). وهكذا فعل. أعطاها بعض الخبز وقربة ماء، فراحت تهيم في الصحراء. ولكن الرب عوّض عن قساوة قلب البشر. صرخت هاجر فسمع الرب صراخها وأرسل لها من يدلّها على عين ماء. قال لها الرب: "لا تخافي" (آ 17). ويتابع النصّ: "وكان الله مع الغلام" (آ 20) أي مع اسماعيل حتى كبر. فمخافة الله التي غمرت هاجر، لم تملأ قلب ابراهيم حين فعل ما فعل. ولكنها ستظهر في تقدمة ابنه ذبيحة للربّ (تك 22).
اعتاد الناس في المنطقة أن يقدّموا أبناءهم ذبيحة بها يعبرّون عن تعبّدهم لإلههم. وأراد ابراهيم أن يفعل كما يفعلون. ومع أن الذبيحة التي سيقدّمها هي: الابن، الابن الوحيد، اسحاق، الولد المحبوب، مع ذلك عزم على أن يقدّمه فلا يكون أقلّ سخاء من الناس الذين يحيطون به. ولكن الرب لا يريد مثل هذه الذبائح. فكلّم ابراهيم في أعماق قلبه. وأرسل له من يفهمه أن الله الذي قال لنا: لا تقتل، لا يريد أن نقتل أولادنا. هي عادة وثنيّة وإن دلّت على سخاء من قبل مقدّمها. لهذا يستعيض اليهودي عن هذه الذبيحة بكبش أو غيره من الحيوانات. وهذا ما فعل ابراهيم: "عمد إلى الكبش وأخذه وأصعده محرقة بدل ابنه" (آ 13). وهكذا كُتب تك 22 ليمنع الانسان من أن يقدّم ابنه ذبيحة كما فعل حيئيل فيّ أيام آخاب ملك السامرة. قتل بكره وجعله في أساس مدينة أريحا التي بناها. وقتل أصغر بنيه وجعله في أساس باب المدينة (1 مل 16: 34). وكما فعل أحاز، ملك يهوذا، لما أحسّ بالخطر: "أجاز ابنه في النار على حسب عادات الأمم الرجسة" (2 مل 16: 3؛ رج 21: 6 وما فعله منسى). أجل، ليس كذلك يقدّم الانسان ابنه لله. فالله هو إله الحياة لا إله الموت. إذن، نفعل كما فعلت حنة أم صموئيل حين كرّست ابنها للربّ ليخدمه كل حياته. قالت للكاهن: "أنا أقدّمه للربّ كل أيام حياته، فيكون تقدمة للرب" (1 صم 1:28). وكما سجد ابراهيم على الجبل بعد أن قدّم الكبش، سجدت حنة وزوجها للرب قبل أن يعودا من الحجّ إلى البيت.
ولكن الكاتب الملهم انطلق من خذا الخبر القديم الذي تناقلته الاجيال عن أبي الآباء، فقرأه قراءة روحيّة. وضعَنا في إطار حوار بين الله والانسان. فالله يريد أن يعرف إن كان ابراهيم يحبّه حقاً. هل هو مستعدّ أن يقدّم له أعزّ ما لديه؟ هل يقبل أن يكون "الوثنيون" أسخياء مع آلهتهم أكثر من ابراهيم مع الرب الذي هو الاله الواحد؟ لهذا قال النصّ: "امتحن الله ابراهيم" (تك 22: 1). كما سوف يمتحن أيوب بعد أن أكّد الشيطان أن أيوب سيجدّف على الرب إن أصابته محنة. دلّ أيوب على أمانته لله. وكذلك فعل ابراهيم. بكّر في الغد. لم ينتظر يومًا ولا يومين، بل انطلق حالاً. وطالت المحنة. ثلاثة أيام من السير. ابراهيم واسحاق وحدهما. ومع ذلك تابع ابراهيم الطريق حتى وصل إلى الجبل الذي أراه الله أياه، جبل موريا، الذي سيصبح موضع هيكل أورشليم، وحيث سيُذبح ابن وحيد آخر، هو يسوع المسيح ابن الله الوحيد.
وهكذا دلّ الكاتب أخيراً على أن ابراهيم تحلّى بمخافة الله حتى النهاية. قال ملاك الرب، أو بالأحرى قال الرب نفسه (والملاك يدلّ على حضور الله): "لا تمدد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً. فإني الآن عرفت أنك تخاف الله". والعلامة: "لم ترفض لي ابنك ووحيدك" (آ 12). نحن هنا في ذروة الخبر. ولم نعد فقط أمام مجرّد طاعة لقواعد أخلاقيّة يقرّ بها الجميع كما في ف 20، بل أمام طاعة غير مشروطة لله. فابراهيم هو الذي يخضع كلياً لله. يستسلم بكليّته. هو مستعدّ لأن يضحيّ حتى بمستقبل الوعد تاركاً الله يفعل ما يشاء، لكي يتمّ هذا الوعد. نحن هنا في مجال خبرات الايمان الرفيعة التي فيها يبدو الله عدواً لعمله، ناقضًا لمشاريعه. هذا في الخارج. ولكن في الحقيقة هو يختفي عنّا لكي نطلبه بحرارة ما بعدها حرارة. وهو يقول لنا إن ما يطلبه منا لا تستطيع أيّة سلطة على الأرض أن تطلبه. وهو يريد أمانتنا حتى النهاية لأنه هو الأمين الذي يظلّ أميناً حتى لو خنّاه. لأنه لا يستطيع أن ينكر نفسه (2 تم 2: 13).

ب- دورة يعقوب ويوسف
كان ليعقوب لقاء أول مع الله: في حلم بيت إيل (تك 28: 1- 22). فأحسّ بمخافة مقدّسة أمام الله القدوس. لاشكّ في أنه تخيّل نفسه أمام إحدى الزقورات وهي هياكل عالية في بلاد الرافدين تؤمّن لله الجبلَ (لا جبال في بلاد الرافدين) الذي يطأه لكي ينزل على الأرض. ولكنه ترك صورة الزقّورة واكتفى بصورة السلّم التي عليها يصل الله إلى الانسان. عرف يعقوب أنه هنا في بيت الله. فخاف. ولم يكتف بعاطفة خارجيّة. بل اتّخذ قراره. "إن كان الله معي وحفظني في هذا الطريق... يكَون الرب لي إلهاً" (آ 20- 21). أي أكرّس حياتي لله.
وهذا الخوف الذي أحسّ به يعقوب في بداية حياته، والذي جعله يعرف أن الله معه (تك 31: 42)، قد أحسّ به لابان أيضاً. قال يعقوب: "أنا أقدر أن أسيء لك، ولربّما نويت. إلاّ أن إله أبيك قد كلّمني البارحة قائلاً: إياك أن تكلّم يعقوب بخير أو شر" (تك 31: 29).
هذه المخافة رافقت يعقوب أيضًا في عودته حيث رأى الله في فنوئيل (أي وجه الله) وظلّ على قيد الحياة (تك 32: 30). رافقته، فأزال الآلهة الغريبة ولاسيّما تلك التي جاءت بها راحيل معها (تك 31: 19)، وبنى مذبحاً للرب "الذي أجابني في شدّتي وكان رفيقي في الطريق الذي سلكته" (تك 35: 2- 3). هذه المخافة رافقت يوسف فما أراد أن يتعدّى وصايا الله ولاسيّما وصيّة الزنى. تعلّقت به امرأة فوطيفار وقالت له: "ضاجعني". أجاب: "كيف أصنع هذه السيّئة العظيمة وأخطأ إلى الله" (تك 39: 9)؟ وسيكلّفه رفضُه المعاملةَ السيّئة والسجن. ولكنّه فضّل مخافة الله على مخافة الناس. كيف استطاع ذلك؟ لأن الرب كان معه (تك 39: 20).
وحدثت المجاعة في مصر، وكان يوسف الوزير الاول فيها. فجاءه اخوته يطلبون طعاماً: هو عرفهم. أما هم فما عرفوه. باعوه، وها هم يأتون إليه يطلبون الخلاص من الجوع. كان باستطاعته أن ينتقم بعد كل هذا العذاب الذي ذاقه. ولكنه لم يفعل. قال: "أنا أخاف الله" (تك 42: 18). وقد قيل في عالمنا الشرقيّ: "لا تخف ممّن يخاف الله". ومع ذلك ظلّ اخوته يخافون انتقامه. ولما مات والدهم جاؤوا إليه متوسّلين. قال لهم: "لا تخافوا" (تك 50: 19). أتريدون أن أحلّ محلّ الله. نويتم عليّ شراً، والله نوى خيراً. وقال لهم مرة ثانية: "لا تخافوا. أنا أعولكم وأطفالكم" (تك 50: 21). هو لا يريد لهم الموت كما ظنّوا، بل يقدّم لهم الحياة، يقدّمها لأولادهم.

ج- موسى
مع سفر الخروج ندخل في خبر يحدّثنا عن تكوين الشعب. وهذا ما سيفعله موسى في قلب الضيق الذي يعرفه العبرانيون بعد أن مات الملك الذي كان يعرف يوسف. وأول نصّ نكتشفه عن هذه المخافة يرينا امرأتين. هما شاهدتان لقدرة الله في الضعف. ملك مصر يأمرهما بأن يقتلا كلَّ ذكر ساعةَ يولد (تك 1: 16). هما قابلتان تعتاشان من عملهما. إنهما أمام حادث ضمير. ماذا تفعلان: هل تطيعان أوامر الملك أم ضميرهما؟ هما مصرّيتان والوالدات هن عبرانيات. لا بأس إن مات هؤلاء الاطفال الذين قد يتنامون ويهدّدون البلاد.
لا، لم تسمع القابلتان للملك. قال النصّ: "كانتا تخافان الله. إذن، لم تصنعا كما قال لهما ملك مصر" (خر 1: 17)، ذاك الذي كان في القديم من أقوى ملوك العالم. إن الطاعة لله تعارضت مع الطاعة للسلطة السياسيّة التي تأمر بالموت ساعة يريد الله الحياة. وعاد النصّ مرّة ثانية وحدّثنا عن مخافة الله لدى القابلتين (آ 21). كما كلّمنا عن بركة نالتاها. صنع الله لهما بيوتاً. صارت كل امرأة "رئيسة عشيرة".
كل هذا يهيّئ خبرَ مولد موسى الذي نجا من الماء، بواسطة ابنة فرعون (خر 2: 1- 10). أجل، كما رافقت مخافة الله القابلتين اللتين مثلّتا جميع القوابل، هكذا رافقت ابنة فرعون. تركت هذا الطفل يعيش مع أنها علمت أنه "من أولاد العبرانيين" (آ 6). عصت أمر الملك وتركت الطفل يعيش ولا يموت، فيكون سبب حياة وخلاص لشعب يعيش في العبوديّة.
ويظهر الرب لموسى. ويطلب منه أن يخلّص الشعب. خاف موسى لا من الله، بل خاف على نفسه. تسرّع في المدافعة عن اخوته، فهُدّد. حينئذ هرب من وجه فرعون ومضى إلى أرض مديان (خر 2: 15). وسيخاف أن يعود، فيقدّم الاعذار الواهية لله. العذر الاول: لا يصدقونني. لا يسمعون لقولي. فأعطاه الرب أن يصنع أمامهم آيتين وهكذا يعرفون أن الله تجلّى له (خر 4: 1). العذر الثاني: لا أحسن الكلام. أنا "بطيء النطق ثقيل الكلام" (آ 10). ردّ الرب: "أنا أكون معك، أكون مع فمك وأعلّمك ما تتكلّم به" (آ 12). والعذر الثالث: "أرسل يا رب من تريد ولا ترسلني". لم نعد هنا أمام عذر، بل أمام رفض. فيقول النصّ: "غضب الربّ على موسى" كما يغضب الملك على أحد عبيده. هنا نتذكّر كلام يسوع لتلاميذه حين كانوا في السفينة وعصفت الريح: "لماذا اذا أنتم خائفون. أما عندكم إيمان" (مر 4: 40). لو كان عند موسى ايمان لما خاف. والمخافة المطلوبة ليست خوفاً من الناس، بل خوفاً من الله واهتماماً بأن نسمع له ونعمل مشيئته ونحفظ وصاياه.
هذه المخافة هي في أساس الوصايا التي أعطيت على جبل حوريب. وسوف يدعو إليها الوثنيّ يترو، حمّو موسى، القضاةَ في أرض اسرائيل. "أنظر (تميّز) في كل الشعب أناساً قديرين يخافون الله، أهلاً للثقة (مستقيمين)، يكرهون الطمع" (لا يأخذون رشوة كما اعتاد القضاة أن يفعلوا زمن كتب الكاتب) (خر 18: 21). أربع صفات هامّة من أجل إقامة العدالة وأهمّها مخافة الله التي تؤسّس سائر المزايا المطلوبة من هؤلاء القضاة.
ونصل إلى حدث حوريب وظهور الله على الجبل. يقول خر 20: 18- 20: "وكان جميع الشعب يشاهدون الرعود والبروق... فلما رأى الشعب ذلك، خافوا ووقفوا على بعد. وقالوا لموسى: كلّمنا أنت فنسمع، ولا يكلّمنا الله لئلا نموت. فقال موسى للشعب: لا تخافوا. فالله جاء لكي يمتحنكم، ولتكون مخافته فيكم فلا تخطأون". هذا الخوف سبق عطيّة الوصايا وتبعه. ففي 19: 16 ب نقرأ: "خاف الشعب كله". وفي آ 18 يتحدّث النصّ عن ارتجاف الجبل كله.
مجيء الرب محنة. كما حدث لابراهيم، كذلك يحدث للشعب. فالله يتفحّص أمانة شعبه قبل أن يسلّمهم كلامه. من جهة الانسان، تولّد خبرةُ الله المخافة، أي موقفَ تقبّلٍ لكلمة يكشفها الله لشعبه، وانفتاحاً على مشيئته وما تطلبه من كل واحد منا. وهذه المخافة تتضمن موقف إيمان وطاعة تجاه كلمة الله. كل هذا يترافق مع الاقرار بالطابع الرهيب لحضور الله. أما إن غابت هذه المخافة، كان الشعب في الخطيئة ونسي الامانة لله ولكلمته.
ما هو دور موسى في هذا الظهور؟ طلب الشعب منه أن يكون وسيطه لينقل إليه كلمة الله. تلك هي وظيفة النبيّ الذي لا يحلّ محلّ الله، بل يحمل إلى الشعب كلمة الله، ويضعه أمام مسؤوليته. أجل، ليس من انسان (حتى لو كان موسى) يستطيع أن يمثّل الشعب ويلزمه بموقف أمانة تجاه الله. فعلى الشعب أن يقول كلمته لله بعد أن اختبر حضور الله وسمع كلمته. هكذا يدلّ على أنه يعيش حقاً مخافة الله.

2- مخافة الله في النصوص التشريعيّة
دخلت في سفر الخروج بشكل خاص نصوصٌ تشريعيّة. نذكر منها الدكالوغ أو الوصايا العشر (الكلمات العشر) وشرعة العهد.

أ- الوصايا العشر
نقرأ هذا النصّ مرتين في البنتاتوكس. في خر 20: 2- 7 وفي تث 5: 6- 18. وهو يرد في كلا الحالين داخل الظهور الالهيّ على جبل حوريب. نصّ سفر الخروج نصّ قديم، وقد عرفه هوشع (4: 2) وإرميا (7: 9). وإذا قابلناه مع خر 34: 1- 26 نستطيع أن نستنتج أنه يعود إلى القرن العاشر. يوم اتّصل الشعب العبراني في زمن داود وسليمان بالشعوب المجاورة. وربطه الكاتب بموسى وبجبل حوريب ليعطيه ثقلاً في حياة المؤمنين. أما موضع تدوينه فشعائر العبادة. وقد يكون في البدء سلسلة من الممنوعات على مثال ما نقرأ في مز 15: 1- 5؛ 24: 4: من أراد الدخول إلى المعبد، من أراد أن يقيم على الجبل المقدّس عليه أن يكون سلوكُه بلا عيب. وأن تكون كلمته صادقة وعمله باراً. فمن يغتاب قريبه، ويصنع بصاحبه شراً، ويشتم أخاه، لا يحقّ له الدخول إلى الهيكل (مز 15: 1- 5). ويقول مز 24: يكون نقيّ الكفيّن (لم يظلم أحداً، لم يصنع شراً بصاحبه). طاهر القلب (لا نوايا سيّئة عنده...).
وُصفت الوصايا العشر بأنها "أخلاقيّة". فهي تتوجّه إلى الانسان، في علاقته مع الله ومع القريب، مع العلم أننا لا نستطيع أن نفصل الواحد عن الآخر، لا نستطيع أن نحبّ الله دون أن نحبّ القريب. جاءت الوصايا الأولى حول العبادة الواجبة لله وحده، وحول استحالة جعل الله صنماً في خدمتنا. أما سائر المحرّمات (لا تقتل، لا تسرق) فقد توخّت تأمين الحقوق الاساسيّة في الجماعة. ليست هذه الوصايا فقط دليلاً على علاقة طيبّة بين الانسان وقريبه. إنها العلامة الملموسة لعلاقة حقيقيّة مع الله. لهذا ردّدها يسوع في إنجيله. ولخّصها القديس بولس في وصيّة المحبّة.

ب- شرعة العهد (خر 20: 22- 23: 19)
اختلفت الشرعة عن الدكالوغ (الوصايا العشر)، فاستطعنا أن نقابلها بمجموعات الشرائع في التاريخ القديم مثل مجموعة حمورابي. أما الاسم فيعود إلى خر 24: 3- 5 حيث يقرأ موسى "كتاب العهد". ولكن الشرّاح يتّفقون على القول بأن هذه الشرعة ارتبطت فيما بعد بأحداث سيناء. في الواقع، ما قرأه موسى للشعب هي الكلمات (24: 4، 8). وزيدت فيما بعد لفظة "فرائض" (مشفطيم، 24: 3). إذن شرعة العهد وُضعت في موضعها الحالي في حقبة متأخّرة. لأن تث الذي يعرف التقليد المذكور في خر 19- 20 لا يشير إلاّ إلى الدكالوغ أي الوصايا الاخلاقيّة. ومع ذلك، فهذه الشرعة وُجدت قبل تث لأن تث قد استلهمها.
كيف تبدو هذه الشرعة بفرائضها المختلفة؟ هناك شريعة حول المذبح الذي بُني لكي يتجلّى الله عليه (20: 24: 26؟). ثم عدّة أقوال تبدأ بالاداة "إذا". هي فتاوى على مثال ما نجد في شرائع بلاد الرافدين على مستوى المعنى والمبنى. وأخيراً، تأتي الفرائض الليتورجيّة (13: 14- 19). أمور تتعلّق بكل مجالات الحياة التي يجب أن يعيشها الانسان تحت نظر الله.
تلك هي مخافة الله كما عاشها الآباء، كما طُلبت من الشعب في ظهور سيناء. كما حاولت الوصايا العشر وشرعة العهد أن تتوسّع في مضمونها. مخافة الله لا تكون عاطفة وحسب. إنها عمل يوميّ من خلال ممارستنا المحسوسة تحت نظر الله والبحث الدائم عن مشيئته. لهذا ظلّ المعلّمون يحاولون "تفسير" هذه الشرائع بحيث صارت عبئاً على الناس. فجاء يسوع وقدّمها في وصيتين متلازمتين: محبّة الله ومحبّة القريب.
الفصل التاسع
قراءة ثالثة: مفهوم العهد

خلال مسيرتنا في البحث عن إيمان شعب اسرائيل كما نجد عنه تفسيراً في البنتاتوكس أو أسفار الخمسة، نتوقّف هنا عند مفهوم العهد. هناك عهد بين ملك كبير وملك صغير. الكبير يحمي الصغير ويدافع عنه. والصغير يطيع الكبير ويخضع له. وهناك أيضاً عهد الحبّ بين العريس وعروسه، وهو يفرض الأمانة في الحياة اليوميّة. مثل هذا العهد لا تكون لغته شريعة ناشفة، بل كلمة تصدر من القلب فتصل إلى القلب.
كان عهد الله مع آدم في بداية الخليقة. وعهد الله مع نوح بعد الطوفان. وعهد الله مع ابراهيم وتأسيس الختان الذي يدخل الانسان في شعب الله. وعهد الله مع موسى وتأسيس شعب جديد ينطلق من العبوديّة ليصل إلى الحرّية. هذا ما تعبّر عنه الشرعة الاشتراعيّة التي هي جزء من سفر التثنية.

1- الشرعة الاشتراعيّة (تث 12- 26)
تبدأ الشرعة الاشتراعيّة (نسبة إلى تثنية الاشتراع)، شأنها شأن شرعة العهد، بفرائض عباديّة (12: 1- 16- 17) وتنتهي كذلك (26: 1- 5): هناك موضع لعبادة الله. هو الموضع الذي اختاره الله (12: 5). لاشكّ في أن المدوّن الأخير يفكّر بهيكل أورشليم. وإزاء هذا تُحرّم كلُّ الطقوس الوثنيّة (12: 1- 31).
في هذه الشرعة، نجد الوجهة القانونيّة ومنها الاعفاء مرّة كل سبع سنوات (15: 1). الذهاب إلى الحج في الاعياد الكبرى (16: 11، 14). شرائع الحرب (ف 20). أمور يصعب العمل بها، ولاسيّما تلك التي تتعلّق بالحرب. عاد الكاتب إلى أمور قديمة جداً ليكتشف ما كان يجب أن يفعله الشعب ليدلّ على أمانته لله. كانت نهاية تاريخ الشعب ذهاباً إلى المنفى وضياعاً. تركوا الربّ وتعبّدوا للأصنام. وانقسمت الجماعة فقراء وأغنياء، فضاع المثال الاعلى لحياة أخوّية. ذاك المثال أطلقه اللاويون الذين ظلّوا "قريبين" في قلوبهم من الحياة في البرّية حيث كانت المساواة. وتأثّر المدوّن الأخير بالعالم الحكميّ حيث المعلّم يكلّم التلميذ لغة القلب. أما المحيط فهو الليتورجيا حيث تُعلن كلمة يعتبر المؤمنُ أنها تتوجّه إليه كفرد في الجماعة. ولهذا كان الكلام في صيغة المخاطب المفرد. "إذا رأيت (انت) ثور أخيك أو شاته ضالاً، فلا تتغاضَ عنه، بل ردّه على أخيك" (22: 1).
ومع الوجهة القانونيّة، هناك الوجهة الاجتماعيّة. لقد حاولت الشرعة أن تكيّف فرائض "الصحراء" على مجتمع حضري يعرف الزراعة والتجارة، يعرف قرض المال والربى، يميّز بين الأخ الذي من الشعب والغريب. هنا نشير إلى الطابع الوطنيّ الضيّق الذي يميّز الشرعة الاشتراعيّة. فكأني بالمؤمن يخاف من المجتمع الذي يعيش فيه بسبب عباداته. يخاف من الناس المحيطين به ويتمنّى لو أنهم ماتوا، لو أنه قتلهم. فلو فعل لما كانوا جرّوه إلى عبادة الأصنام التي قادت أورشليم إلى الكارثة. ويخاف من الغريب فيعامله كأنه عدوّ يجب أن يُطرد، أو عامل يجب أن يُستغلّ.

2- بنية سفر التثنية
كانت الشرعة الاشتراعيّة نواة سفر التثنية، وقد وُجدت كما يقول 2 مل 22- 23 في الهيكل فسمّي "كتاب الشريعة" (22: 8، 11)، أو "كتاب العهد" (23: 2). هنا نتذكّر أن سفر التثنية هو الشريعة الثانية. ولكننا نتوقّف بالاحرى عند "العهد" (بريت) الذي نقرأ لفظته 27 مرّة في سفر التثنية، وهي تدلّ على العلاقة بين الله وشعبه. إن تث يتحدّث عن حدث حوريب وكأنه "عهد". نقرأ في 5: 2: "الرب إلهك عقد معنا عهداً في حوريب" (هو موسى يكلّم الشعب. هكذا تخيّله الكاتب). وتشدّد آ 3 على الجديد في هذا الكلام: "ما عقد الرب هذا العهد مع آبائنا، بل معنا". هذا العهد الذي يعود إلى حوريب، يُعقد الآن في أرض موآب (28: 69). نحن أمام قراءة جديدة وتأوين لعهد حوريب. عقده موسى في موآب قبل الدخول إلى الأرض المقدّسة.
الله هو الذي يحفظ العهد والرحمة للذين يحبّونه (7: 9، 12). إنه الاله الأمين الذي يخبر بعهده (4: 13)، يقيم عهده (8: 18). وجّاه هذا الاله الأمين، نجد الانسان بضعفه: فقد يتعدّى على العهد (17: 2). قد ينقض العهد (13: 16، 20). قد يتخلّى عن العهد (29: 24). قد ينسى العهد (5: 21). وهكذا يُبرز تث حرّية الشعب تجاه الله كما يُبرز التزامَه السريع العطب. لهذا كان هذا السفر تحريضاً متواصلاً يدعو فيه المؤمن، رغم ضعفه، أن يخضع للشريعة رغم جميع الظروف التي تأتي من داخل الفرد والجماعة، أو من الخارج. ورغم ضعف الشعب وعصيان الأفراد لشريعة الله التي هي التعبير عن عهده، فالله يريد أن يحافظ على هذه العلاقة بينه وبين شعبه. الله الذي اتّخذ المبادرة تجاه قبائل ستؤلّف شعبه. الله الذي انطلق مع موسى في البرية في "جماعة من الاوباش" فجمعهم عند سفح جبل سيناء. وهذه العلاقة تفترض اثنين: هناك الله. وهناك الشعب. فالشعب اختبر الله كذاك الذي يقوده ويوجّهه، قبل أن يعترف به إلهاً وحيداً دون سائر الآلهة. والتزم بأن يكون شعبه. وبأن يجعل كلمات الله كلمات تتوجّه إليه، فتكون نتيجة وعلامة لهذا القبول. وهكذا فالعهد المقطوع مع الله يفرض على الشعب واجبات وفرائض.
فما هو هذا العهد؟ لسنا أمام اتفاقية بين اثنين متساويين: فالمسافة بعيدة بين الله والانسان. وهذا ما عرفه شعب اسرائيل في العمق، بحيث خاف في نهاية مسيرته بأن يتلفّظ حتى باسم بهوه، فاستعمل عبارات مثل السيد والسماء. أو لجأ إلى صيغة المجهول الالهي لئلا يذكر اسم الرب بفمه. إذن، العهد هو عمل كانت فيه المبادرة كلها من الله. لهذا فهو حين يتكلم يقول "عهدي" أنا.
في هذا العهد، الله يتّخذ المبادرة. هو يتنازل. بل يخضع لحرّية الشعب ولحرّية كل انسان. هو يطلب منا أن نختار، أن نقبل بالعلاقة التي نلتزم بها ويُلزم هو نفسه بها. وليس الالتزام أمراً موقتاً. بل نحن نكرّره لنعيشه يوماً بعد يوم. فالشعب (وكل فرد) يقف أمام طريقين: طريق الحياة والموت، طريق الخير والشر، طريق السعادة والشقاء (30: 15- 20). في النهاية، وصل شعب اسرائيل إلى مأساة دراماتيكيّة، ففهم أنه اختار لنفسه طريق الشرّ والموت. وسيفهم بعد الرجوع من المنفى أهميّة الأمانة والثبات على العهد. ولكن هل يستطيع الانسان ذلك؟ هل يستطيع أن يعطي جواباً لله؟ هنا نفهم ضعفنا أمام نداء الله. ونفهم قول بولس الرسول الذي اعتبر أن الشريعة تضع أمامنا الوصيّة دون أن تعطينا القوّة لكي نمارسها. أما المسيح فجاء وبدّل قلوبنا، وهكذا نستطيع أن نعيش كأبناء الله مع الابن. أجل، قمّة العهد الذي عقده الله مع البشريّة هي يسوع المسيح. فيه ومعه نستطيع أن نقف بثقة أمام الله الآب.

2- اعتبارات لاهوتيّة
إذا أردنا أن نفهم غنى تث، لا يكفي أن نرى فيه كتاب العهد. بل يجب أن نفهم ما يجعل الخطب والشرائع التي فيه بهذه القوّة. فأمام قوى التفكّك التي تهدّد الشعب بأن يخسر هوّيته، حاول الكتّاب أن يضعوا شعب اسرائيل أمام الجوهر: إله واحد. أرض، شعب، شريعة، هيكل.
في البداية هناك خبرة الله وكلمته كما نقلها موسى. فإله حوريب هو إله اسرائيل، وعبر كل الكتاب تتردّد عبارة "الرب الهك" أو "الهكم". هي عبارة تدلّ على روح وطنيّة متطرّفة. ولكنها تقدّم للشعب رسالة يقوم بها. فالله اختار شعبه وسط الأمم (7: 6- 8؛ 32: 8- 9). وهذا الشعب المختار هو جماعة لها بنيتها وهي تعيش على أرض. فعلى كل جيل أن يعترف أن هذه الأرض التي يقيم عليها ويأكل من ثمارها، هي عطيّة من الله، وعلامة حسّية عن حبّه لشعبه (7: 13- 15).
وهذه الجماعة هي مجموعة من الناس يدعوهم الرب كل يوم إلى حوريب (5: 22؛ 9: 10؛ 10: 4) ليحقّقوا الأخوّة مع بُنى يعمل فيها القاضي والملك والكاهن اللاوي والنبيّ (16: 18- 18: 22). ومبدأ حياة هذه الجماعة هو الشريعة التي يخضع لها الجميع بمن فيهم الملك. وهذا المبدأ الحياتي يجب أن ينتقل من جيل إلى جيل (6: 20- 35). هذه الشريعة هي تعليم يوجّه إيمانَ المؤمن ويقوده في سلوكه. ونحن نعيشها من الداخل لا بشكل خارجي وسطحيّ. هي قريبة منا، هي في قلبنا وفمنا، فلماذا لا تكون في حياتنا وأعمالنا (30: 11- 14)؟
وإذ أراد صاحب تث أن يلامس قلب سامعيه، دعاهم إلى التأمّل في عمل الله ساعة ولادة الشعب. هنا تأتي وظيفة "التذكّر" (15 مرة). لا شك في أنّ الله يذكر "عبيده ابراهيم واسحاق ويعقوب" (9: 27). ولكن الشعب هو الذي يتذكّر ولا ينسى أفضال الله. يتذكّر ما فعله الله لفرعون ولكل مصر (7: 8). يتذكّر الخروج من مصر (5: 15؛ 15: 15؛ 16: 3، 12)، يتذكّر عمل الله في البرّية (8: 2؛ 9: 7) وساعة الدخول إلى الأرض (8: 18). وما يجب على الشعب أن يتذكّره هو تدخّل الله، لا في الماضي فقط، بل في الحاضر. أن يتذكّر أنه كان في العبودية، وأنه يستطيع أن يعود إلى العبوديّة. في هذا الاطار قرأ المؤمنون سفر التثنية في زمن المنفى فقابلوا عبوديّة بابل مع عبوديّة مصر.
في ستّة نصوص تعود إلى الشرعة الاشتراعيّة (15: 15؛ 16: 3، 12؛ 24: 9، 18، 22)، وفي نصّ سابع يتحدّث عن السبت في الوصايا العشر (5: 15)، يرتبط التذكّر بوصيّة من الوصايا ويُعتبر باعثاً على ممارسة هذه الوصيّة. ونلاحظ بشكل خاص أن التذكّر يرتبط بالليتورجيا، ولاسيّما ليتورجيّة الفصح (16: 3) وعيد الاسابيع (16: 12). ففي الليتورجيا يتذكّر الشعب، أي يصبح حاضراً الآن لدى عمل الله، وهذا ما يجعله يلتزم في حياته الحاضرة، كما يفتح أمامه بابَ الرجاء. فالتذكّر هنا ليس عاطفة خارجيّة، بل اعترافاً بأن ما فعله الله يبقى حاضراً (ليس من الماضي)، ويفتح المؤمن على المستقبل. ليس التذكّر عودة إلى الماضي كماضٍ، بل إلى ماضي يبقى حاضراً لأنه مؤسَّس على قدرة الله. إذن، التذكّر هو فعل إيمان ورجاء. وإن كان في قلب الليتورجيا فهو في قلب الحياة الأخلاقيّة، في قلب الوصايا. نتذكّر أعمال الله تذكّرًا يطلب عمل الانسان لكي يكمّل اليوم ما بدأه الله.
ونجد كلمة "اليوم". اليوم الحاضر. الذي نعيشه. ترد هذه اللفظة 70 مرة في تث، فتدلّ على إدراك حيّ بأن عمل الله يتحدّد موقعُه في وجود الشعب الملموس. وهكذا نكون أمام نظرة جديدة إلى الزمن. في اسرائيل، كل جيل اسرائيل مدعوّ ليكون شاهداً لعمل الله وكلمته: "إسمع الشرائع والاحكام التي أتلوها اليوم على مسامعكم" (5: 1). وهكذا صار كل جيل مشاركاً في عمل الله، فأقام في اليوم الحاضر الذي يرتبط كله بالله. وحين يقف كل واحد أمام كلمة الله، يسمع دعوة إلى الطاعة وممارسة الوصيّة وحفظ الكلمة في قلبه (6: 6) لكي توجّهه إلى السعادة.
والنسيان هو ما يقابل التذكّر وعمل الله الحاضر اليوم والفاعل اليوم: "إحذر أن تنسى الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من بيت العبوديّة" (6: 12؛ رج 8: 19). فمن نسي الله الذي عمل كل هذه الأعمال من أجل شعبه، أخطأ ضدّ الايمان والرجاء.
وهكذا ساعدنا سفرُ التثنية أن نفهم عهد الله مع شعبه ومع كل فرد من أفراد هذا الشعب. الله عريس لعروسه وأب لأبنائه. ليتذكّروا أعماله ولا ينسوها. والويل لهم إن نسوها. وهذا التذكّر يتمّ في الليتورجيا، في احتفال يجعل المؤمن وكأنه شاهد لأعمال الله الأولى حين أخرج شعبه من أرض مصر. في الليتورجيا، يتعلّم المؤمن أهمية الجماعة التي تسنده فيشارك في حياتها الأخويّة وفي أعمالها. في الليتورجيا يسمع المؤمن صوت الله يتوجّه إليه بشكل خاص. يبقى عليه أن يفتح اذنه وقلبه. يبقى عليه أن لا يقسّي قلبه كما فعل آباؤه في البرّية.
الفصل العاشر
قراءة رابعة: كلمة الله

بعد موضوع البركة ومخافة الله، يأتي موضوع كلمة الله. وبعد هذا التيّار الذي حمل لواءه اللاويّون فشدّدوا على العهد بين الله وشعبه، جاء تيّار الكهنة يشدّد على قداسة الله ويجعلنا في إطار عهود كثيرة وصلت بنا إلى سيناء.
أساس هذه القراءة تك 1 الذي يذكّرنا أن الله خلق الكون والانسان. خلق بعشر كلمات فرأى جميع ما خلقه فإذا هو حسن جداً. وبعشر كلمات سوف يخلق شعبه، هي الوصايا العشر. وقف "الكاهن" في الهيكل بسراجيه المضاءين في الليل وفي النهار، فتطلّع إلى هيكل آخر هو الكون وأخذ يُنشد جمالات الله المجملة في هذه العبارة: في البدء خلق الله السماء والأرض. أي خلق كل شيء. خلق بكلمته وخلق بيده. قال: ليكن نور، فكان نور. وقال الكتاب عن الله: صنع وحوش الأرض...
في هذا الاطار الذي يُعتبر مقدّمة للتوارة كلها، بل للكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، نتوقّف عند ثلاثة أمور: شريعة القداسة. التاريخ الكهنوتي. مواعيد الله وعهوده التي هي في الواقع وعد واحد وعهد واحد، ولكنه يتجدّد بالنسبة إلى الانسان الذي يخون الله.

1- شريعة القداسة (لا 17- 26)
إن بنية شريعة القداسة قريبة جداً من بنية الشرعة الاشتراعيّة. فهي تبدأ وتنتهي مثلها بفرائض عباديّة (لا 17: 1- 6؛ 26: 1- 2). ومثلها تبدو خطبة يلقيها موسى في الشعب (17: 1- 2). ويلي هذه الخطبة سيل من البركات واللعنات (26: 3- 45). أخيراً هذه الشريعة هي تجميع لفرائض متنوعة على مثال ما في الشرعة الاشتراعيّة.
حين نتوقّف عند مضمون شريعة القداسة، يلفت نظرنا المكانة التي تمثّلها العبادة وممارستها. كما يلفت انتباهَنا عبارةٌ تتكرّر في النصوص التشريعيّة فتدل على كافل كل فريضة من هذه الفرائض: "أنا الرب". "أنا الرب إلهك". "أنا الرب الذي أخرجك من أرض مصر". أما المحيط الذي وُلدت فيه هذه الفرائض فمعبد اورشليم مع شعائر العبادة والمؤسّسة الكهنوتيّة. شدّد سفر التثنية على الاختيار. أما شريعة القداسة فتشدّد على قداسة الله وتساميه. بما أن الله قدّوس، يجب على الشعب أن يتحلّى بالقداسة. "كونوا قديسين لأني أنا قدوس" (19: 20). تلك هي العبارة المفتاح في كل هذه المجموعة. ونجد عن قداسة الله في معبد أورشليم، شهادةً هامة في رؤية أشعيا حيث سمع النبيّ النشيد الليتورجيّ: "قدوس، قدوس، قدوس" (أش 6: 3).
ولكن إن نظرت الشريعةُ أولاً إلى الشعب كجماعة ليتورجيّة تعرف التراتبيّة، فالهمّ الطقسيّ ليس الهمَّ كله. فالعبادة تفرض ممارسة الوصايا العشر كما نقرأها في لا 19: "لا تسرقوا، لا تكذبوا... لا تحلف باسمي كذباً... لا تبغض أخاك في قلبك" (آ 11- 17). فقداسة الله هي قداسة أخلاقيّة، وهي تفرض نفسها على الشعب الذي يوصف بالقداسة. الذي هو مدعو إلى قداسة السيرة.

2- التاريخ الكهنوتي
لا نستطيع أن نفهم تدوين التاريخ الكهنوتي إلا في إطار سقوط أورشليم والعيش في المنفى بعيداً عن الهيكل. أترى مردوك، إله البابليين، أقوى من يهوه؟ كيف نفهم صمت الله في هذه الظروف المأساويّة؟ يئسَ بعضُ المنفيين، وراحوا مع الغالبين، مع الأكثريّة الحاكمة. ولكن حاول آخرون أن يستقوا من ماضي اسرائيل ما به يسندون إيمانهم ورجاءهم لكي يواجهوا الوضع الجديد. لا شكّ في أن أهل الجلاء صاروا كالموتى، صاروا عظاماً يابسة كما قال حز 37. ولكن الله الذي خلق الكون من الشواش والفراغ، يستطيع أن يعيد خلق شعبه حين يرسل إليه روحه.
هناك سؤال وجيه يحتاج إلى جواب: إلى ماذا يستندون لكي يعيشوا وسط الامم؟ هم ينتمون إلى شعب واحد. وهناك تواصل على مستوى القرابة والدم. لهذا عاد الكاتب إلى الانساب: فلا بدّ من المحافظة على هويّة الشعب لكي نتيح للرب أن يحقّق مواعيده. ثم لا يستطيع الناس بعد أن يذهبوا إلى الهيكل: لقد صار بعيداً. وفي أي حال، أحرق وخرب سنة 587. لهذا، شدّد المؤمنون على السبت كزمن مكرّس لله: فيه يكونون معاً، يصلّون معاً، يقرأون الكتب المقدّسة. والختان يدلّ على الانتماء إلى هذا الشعب الذي كرّسه الله لنفسه ليشهد له وسط الأمم. اذن، ما زالت الحياة الدينيّة ممكنة: نخلق جماعة يوجّهها الكهنة. وتتخّذ كلمةُ الله المكانة التي احتلّها الهيكل: هي رمز إلى حضور الله وسط شعبه.
والشعب يعيش في أرض غريبة رغم المواعيد التي أعطيت للآباء. لهذا حاول الكهنة أن يفهموا قصد الله، فأدخلوا تاريخ اسرائيل في تاريخ البشريّة. فالله ليس حاضراً فقط في شعب من الشعوب. بل في جميع الشعوب. وليس حاضراً في أرض محدّدة هي أرض فلسطين، بل إن مجده يملأ الأرض كلها. وأعادوا قراءة التاريخ الماضي للشعب، فرأوا أن الله لا يسود بعدُ الأرض كلها. فلا بدّ من احتلالها. وهكذا لم تدمر كارثة 587 الوعد، بل هي فتحته ليتّسع وسع العالم. وعادوا إلى قراءة خبر الآباء. كانت البدايات بسيطة، ولكن وعد الله تحقّق. فما الذي يمنعه من أن يحقّق للمنفيّين ما حقّقه في الماضي. كان الشعب في عبوديّة مصر فحرّره الله. وهو الآن في عبوديّة بابل. أما يستطيع الربّ أن يفعل ويسيّر شعبه في خروج ثانٍ شبيه بالخروج الأول.
وهكذا امتلأ التاريخ الكهنوتي بالايمان والرجاء. تشتّت بنو اسرائيل وسط الأمم، ولكن عليهم أن يظلّوا شعب الله، أن يبقوا أمناء لدعوتهم. هكذا يستطيع الله أن يعمل العظائم لدى شعب استعدّ لتقبّل عطاياه والإجابة إلى ندائه. فسيأتي يوم يعيد الرب شعبه إلى الأرض المقدّسة ويقيمه حول الهيكل الذي أعيد بناؤه. عند ذاك يحتفل بنو اسرائيل بليتورجيا مهيبة كما في أيام سليمان. وبانتظار ساعة العودة، حاول المنفيون أن يحفظوا في قلوبهم الايمان بالله وبشريعته.

3- عهود الرب في التاريخ الكهنوتي
رأى الشرّاح منذ عهد بعيد أن التاريخ الكهنوتي يتوزّعه عدد من العهود. ونحن نتوقّف هنا عند ثلاثة عهود رئيسية: العهد مع نوح وكانت علامته الحسيّة قوس قزح. العهد مع ابراهيم وعلامته الحسيّة الختان. والعهد مع موسى، وعلامته المعبد ونظام الكهنة هي الأساس.

أ- العهد مع نوح (تك 9)
ارتبط عهد الله مع نوح بحدث الطوفان، فقدّم للانسان وعدَ الله بعد هذه الضربة التي قضت على البشريّة. وتعود لفظة "عهد" ثماني مرات في الخبر (تك 6: 18؛ 9: 9، 11- 12، 13، 15، 16، 17)، فتدلّ على وعد الله. الله هو الذي يقيم العهد مع نوح (6: 8)، كما مع نسله (9: 10). بل مع الأرض كلها (9: 13). وهكذا نكون أمام تدرج صاعد يدلّ على الطابع المسكونيّ لهذا العهد. وما يشدّد عليه هو العلامة التي اختيرت للحديث عن هذا العهد الذي هو وعد: قوس قزح، ظاهرة كونيّة تعلن نهاية العاصفة والمطر، فتصبح ذكرانة العهد الأبدي (9: 15- 16).
وماذا يطلب الله من نوح وسائر سكّان الأرض الذين لم تصل إليهم بعد شرائع موسى؟ احترام الحياة والدم. احترام الدم حين ينحر الحيوان للطعام لا للذبيحة (9: 4). الامتناع عن سفك دم الانسان، لأن الانسان أيّاً كان قد صُنع على صورة الله (9: 6). وهكذا نكون أمام عهد خلاص يتوجّه إلى جميع أجيال البشر. في سفر التثنية كان العهد مع شعب من الشعوب. أما هنا فشعب الله شعب وسط الشعوب. والخلاص الذي يناله يصل إلى جميع شعوب الأرض.

ب- العهد مع ابراهيم (تك 17)
نقرأ في هذا النصّ خبراً يتضمّن نظاماً دينياً أسّسه الرب. هو الختان الذي سيكون العلامة الخارجيّة لعهد الله مع ابراهيم. وهذا الخبر يبدو بشكل ظهور إلهيّ (آ 1) لابراهيم الذي قارب عمره "المئة" سنة. بعد مقدّمة (آ 1)، يذكر الله اسمه (الاله القدير) ويعلن ما سوف يفعله (آ 2). أما ردّة فعل ابراهيم فهي السجود إلى الأرض (آ 3). وتفوّه الله بكلمة ثانية (آ 4- 8) بدت بشكل خطبة توسّعت في الوعد: وعدَ الله ابراهيم بنسل كبير، ووعده بأرض. وفي النهاية بدّل له اسمه ليدلّ على أن أبا الآباء صار مُلكاً له. كان اسمه ابرام فصار ابراهيم أي أب شعوب كثيرة.
وتكلّم الله ثالثة (آ 9- 14) فبدا كلامه خطبة قصيرة طلب فيها الله طلباً بالنسبة إلى العهد: يُختن كل ذكر فيكم (آ 10). لقد صار الختان العلامة التي تميّز بني اسرائيل في المنفى. وسيُختن أيضاً العبد والغريب اللذين يعيشان مع بني اسرائيل. وفي خطبة رابعة (آ 15- 22) كلّم الله ابراهيم بالنسبة إلى سارة، فبدلّ لها اسمها هي أيضاً وأعلن لها أنها ستلد ابناً. سيكون اسحاق. وفي آ 23- 27 نفّذ ابراهيم ما أمره به الربّ. ختن كل ذكر من أهل بيته. وهكذا صار الختان الذي يُمارس بناء على أمر الله، علامة لهذا العهد الثاني.
في قلب عهد نوح الذي يشمل البشر، هناك عهد خاص مع نسل ابراهيم. وهذا العهد يؤمّن لهم مستقبل حياة في أرض الموعد إن هم حفظوا السبت والختان. هذان العهدان يعنيان أن الأمم وشعب اسرائيل فئتان تتميّزان. فئة تقيم بجانب الأخرى. هناك البعيدون أي الشعوب الوثنية. وهناك القريبون أي شعب اسرائيل. هل سوف تجتمع الفئتان؟ كلا على مستوى العهد القديم. ولكن في العهد الجديد، صار الوثنيون قريبين بعد أن كانوا بعيدين، والحاجز الذي كان يفصل الشعب عن الشعوب قد هدمه يسوع، فما عاد من مكان للعداوة. أحلّ يسوع السلام بين الجماعتين، فصارت جماعة واحدة، صارت جسد المسيح (أف 2: 13- 17).

ج- العهد مع موسى
التقى موسى الله على الجبل فأعطاه فرائض لا تتوخّى أن تشكّل للشعب تشريعًا جديداً، بل تطلب بناء المعبد (خر 25: 8) وتسليم هارون الكهنوت (خر 28: 1- 29: 35). وروى خر 35- 40 كيف نفّذ موسى أوامر الربّ. ما هي علامة هذا العهد؟ هل هو السبت (خر 31: 16- 17)؟ يبدو أن الجواب هو كلاّ. فالسبت أعطي منذ البدء (تك 2: 3) والكلام عنه الآن هو تذكير بوصيّة قديمة. أما العلامة فقد تكون الهيكل نفسه الذي يملأه مجد الله (40: 34- 35) والكهنوت. نشير إلى أن النصّ لا يقول شيئاً واضحاً في هذا الاطار. ومهما يكن من أمر، فموسى يبدو بالنسبة إلى ابراهيم، وسيط النظم العباديّة.
هنا نقرأ خر 19: 6: إذا حفظتم عهدي "تكونون لي مملكة كهنة وشعباً مقدّسًا". هم كلهم مُلك الله. والملك بينهم يكون "الكاهن". وهكذا نرى نفوسنا في إطار تيوقراطيّة حيث يحكم الله بواسطة الكهنة. وهذا ما حدث في حقبة ما بعد المنفى حيث زالت الملكيّة من اسرائيل.
كيف تمّ هذا الانتقال من عهد موسى إلى النظام العباديّ؟ بواسطة الختان. فمع عهد موسى أشرفت الشريعة على حياة الشعب. غير أن سقوط أورشليم سنة 587 دلّ على إفلاس عمل موسى. دلّ على أن العهد الموسويّ لم يكن ناجحاً، لأن اسرائيل لم يتجاوب مع متطلّبات الله، فكانت نتيجة عصيانه للشريعة عقاباً مريعاً لم يترك في البلاد شيئاً قائماً.
فبعد سنة 587، اعتبرت الأوساط الكهنوتيّة أن العهد الموسويّ لا يستطيع بعدُ أن يؤمّن مستقبل الجماعة العائشة في المنفى. عند ذاك صار العهد مع ابراهيم الأساس الوحيد الذي عليه يستطيع اسرائيل أن يبني حياة عاديّة. فالعهد مع ابراهيم قد تأسّس على قرار حرّ اتخذه الله تجاه أبي الآباء. وإن تك 17 (المرتكز على تك 15) يجد أساس خبرة اسرائيل في وعد بالحياة وعد الله به ابراهيم. ذاك كان جواب الكهنة الأول تجاه الظروف التاريخيّة الحاضرة.
ولكن هذا لا يكفي. فالمشكلة التي يعانيها اسرائيل، هي خطيئته وتمرّده على الله. فما عاد ينفع سوى كهنوت هارون الذي وحده يستطيع أن يكفّر عن خطايا الشعب. وهكذا تصبح علامة العهد مع موسى "عصا هارون" (عد 17: 25) التي أورقت. وهكذا اعتُبر اختيار الكهنة عهداً يؤمّن لهارون كهنوتاً دائماً (عد 25: 13).
غير أن هذا العهد يفرض أمانة الكهنة. إلاّ أننا نعرف أنهم هم أيضاً قد خانوا، كما قال ملا 2: 8. فما العمل في هذه الظروف، وكيف نتطلّع إلى علاقة الله بالانسان؟ الجواب لا نجده في العهد القديم، بل في الرسالة إلى العبرانيين حيث يسوع هو الكاهن الأوحد الذي ما احتاج إلى ذبائح عن نفسه ثم عن الشعب. بل قدّم ذاته مرّة واحدة فكانت ذبيحتُه فداء عن الكثيرين، فداء عن البشريّة.
في الختام نعود إلى تك 1، وإلى نشيد الخلق من داخل الهيكل الذي هو عالم مصغّر يملأه الله بمجده. فإطار الخلق يحمل وعداً ويعلن بركة تتجدّد يوماً بعد يوم. ولهذا، فالشرائع أعطيت من أجل خلق جديد على مثال الأول حين قال الله: "انموا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها". أما الأنساب فهي الرباط بين زمن الوعد وزمن تتمّة هذا الوعد. والتاريخ الكهنوتي يدلُّ على التواصل بين الآباء الذيم عاشوا في البرّية مع موسى ودخلوا إلى أرض الميعاد، والجيل الحاضر الذي يعيش في المنفى. وهكذا يبدو التاريخ الكهنوتي المؤسّس على كلمة الله، انشداداً بين تقليد سابق ووضع حاضر. إنه يحاول أن يقدّم جواباً على حاجات معاصريه: لهذا عاد إلى فعل إيمان أوّل بذلك الذي خلق السماوات والأرض فوجد القوّة لمواصلة العيش كشعب الله، وارتبط برجاء يعتبر أن بركة الله تكتمل في اختبار يعيشه البشر في التاريخ.
القسمُ الثالِث
دراسَات في سِفْر التكْوين

نبدأ دراسات مطوّلة في سفر التكوين، ولاسيّما في فصوله الأحد عشر الأولى، لأنها تتعدّى إطار الآباء والعهد العبراني، فتصل إلى كل إنسان. هي خبرة المؤمن، كل مؤمن، ننطلق منها لنختبر نحن ما اختبره هو. وبعد ذلك نعود إلى الآباء ابراهيم وبعقوب ويوسف.
1- سفر التكوين كما قرأه الحكماء والأنبياء والكهنة
2- خلق الكون والانسان
3- تاريخ الانسان تاريخ الخطيئة
4- مسيرة البشريّة
5- الطوفان بين بلاد الرافدين وعالم التوراة
6- كبرياء الانسان من آدم إلى برج بابل
7- ابراهيم أبو المؤمنين وخليل الله
8- يعقوب المغامر مع الناس ومع الله
9- يوسف بن يعقوب مخلّص إخوته.
الفصل الحادي عشر
سفر التكوين كما قرأه العلماء والأنبياء والكهنة

1- ثلاثة كتبوا سفر التكوين
تعوّدنا أن نقرأ سفر التكوين كما نقرأ قصة من القصص تتوالى أحداثها وتتتابع، فلا نجد فيها ما يلفت انتباهنا وما يغذّي إيماننا. ولكن اذا حاولنا أن نقرأ نصوص هذا السفر متمهّلين، وسعينا على خطى الشرّاح الذين تأمّلوا فيه وغاصوا على معانيه، لاكتشفنا كنوزاً قديمة وجديدة ما كنا لنحلم بها. هذا لا يعني ان الكتاب المقدّس لا يُفهم من دون عون الشرَّاح، ولكن فهم النصوص من الوجهة الادبيّة والتاريخيّة والجغرافيّة يساعدنا على الولوج في أعماق كلام الله بطريقة أفضل.
قرأ الشرَّاح سفر التكوين فوجدوا أنه تأليف يستند إلى ثلاثة مصادر، إلى تقاليد ثلاثة، تضمّها بعضها إلى بعض وحدةٌ محكمة لا تطمس معالم كلٍّ من هذه التقاليد. فهناك تقليد مدينة أورشليم الذي كتبه الحكماء في ظلّ الملك سليمان، فشدّدوا فيه على أن الوعد المعطى لابراهيم قد تحقّق في بيت داود ومملكته. اسمه التقليد اليهوهي، لأنه يدعو الرب باسم يهوه، أي الكائن الذي هو. وهناك تقليد مدينة السامرة، عاصمة قبائل الشمال. دوّنه كتّاب في ظل الانبياء فشدّدوا على دور ابراهيم النبي الداعي المؤمنين إلى العيش بمخافة الله والطاعة لوصاياه. اسمه التقليد الالوهيمي، لانه يدعو الربّ باسم الوهيم، أي إله الآلهة، أي الإله القوي والقدير (في العربيّة: اللهمّ). وهناك تقليد ثالث دوَّنه الكهنة في ظل هيكل اورشليم، فشدّدوا فيه على عهد الله القدوس مع شعبه. اسمه التقليد الكهنوتي، لأنه نتاج تأمل الكهنة في كلام الله وحصيلة ارشاداتهم للشعب. إلى هذه التقاليد أو المصادر الثلاثة يضاف تقليد رابع هو التقليد الاشتراعي الذي نكتشفه في سفر تثنية الاشتراع وهو ملتقى ما دوّنه الكهنة والحكماء وتلاميذ الانبياء.
ولكن يسأل سائل: لماذا التطرّق إلى هذه التقاليد وأيّة فائدة من تجزئة الكتب المقدّسة وتفتيت نصوصها؟ للجواب عن هذا السؤال نأخذ مثلاً من الأناجيل. نحن نعرف ان الانجيليين الاربعة دوّنوا لنا ما فعله يسوع من أعمال وقاله من كلام، ولكننا نعرف أيضاً أن كل انجيلي شدّد على ناحية خاصة من حياة يسوع، فأبان متى مثلاً أن الكتب تمت في شخص المسيح، وأظهر مرقس أن يسوع هو ابن الله... وحصل في تاريخ الكنيسة أن حاول بعض الكتّاب (وما زالوا) أن يجمعوا الاناجيل الاربعة في انجيل واحد، ويكمّلوا ما قاله الاول بما أهمله الآخر. فلو نجح سعي طاطيانوس، ذلك الكاتب السوري العائش في القرن الثاني ب. م، فجعل انجيله الواحد المسمّى دياطسارون يحل محل الاناجيل الاربعة، لوجب علينا اليوم أن نميّز تقليد كل من متى ومرقس ولوقا ويوحنا، مع ما في هذا العمل من مغامرة، لنكتشف غنى كل انجيلي، وإلاّ كانت لنا صورة مشوّهة عن يسوع. ولكن ما لم يتمّ بالنسبة إلى الاناجيل الاربعة تمَّ بالنسبة إلى التقاليد الكتابيّة التي ذكرنا. فكل من التقليد اليهوهي والالوهيمي والكهنوتي يحدّثنا عن بداية الكون، عن علاقة الله بالانسان، عن عهد الرب مع شعب اختاره ليحمِّله رسالة اعلان عظائمه. ولكن كل تقليد ينظر إلى هذه الأمور من منحاه الخاص. وهذا ما سنحاول أن نكتشفه على خطى الحكماء في أورشليم، والأنبياء في السامرة، والكهنة في الهيكل.

2- تقليد الحكماء أو المصدر اليهوهي
وقال الرب لابرام: "إرحل من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمّة كبيرة وأباركك وأعزّز اسمك، وتكون بركة، وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك، ويتبارك بك جميع عشائر الأرض" (تك 12: 1- 3).
هذا المقطع من التقليد اليهوهي يُلقي ضوءاً على ما أراد الحكماء أن يقولوه في أورشليم، وهو أن البركة ترافق شعب الله منذ دعوة ابراهيم حتى أيام داود ونسله. فالربّ الذي قال لابراهيم: "أجعلك أمّة كبيرة، وأباركك، وأعزز اسمك"، هو ذاته الذي قال لداود: "أقمت لم اسماً كاسماء العظماء الذين في الأرض" (2 صم 7: 9).
هذه البركة ضرورية بعد أن حلّت اللعنة في تاريخ البشريّة. بعد الخطيئة الاولى حلّت اللعنة بالحيّة (تك 3: 14) ثم بالأرض (تك 3: 17). وبعد مقتل هابيل حلّت اللعنة بقايين قاتله (تك 4: 11)، وبعد أعمال لامك الانتقاميّة (تك 4: 22- 23) حلّت اللعنة بالقبائل التي ستتناحر وتتقاتل إلى أن تفنى، وبعد خطيئة حام بن نوح (تك 9: 5) حلّت اللعنة بنسله بني كنعان. خمس لعنات في الماضي تقابلها خمس بركات أعطاها الله لابراهيم ونسله، ومن خلاله إلى جميع عشائر الأرض وشعوبها.
هذه البركة سترافق ابراهيم (تك 18: 17- 18) وتصل إلى ابن أخيه لوط، وعبر لوط إلى بني عمون وبني موآب سكان شرقي الاردن اليوم (تك 19). ولكنها تنقلب لعنة على فرعون (تك 12: 7) لأن أب الآباء تخلّف عن القيام برسالته ونسي موعد الله له. وينعم اسحاق بن ابراهيم ببركة الله له، فتكثر غلاله وتنمو مواشيه فيصير عظيماً جداً، وذلك لأن الرب معه (تك 26: 13، 28). ويقيم يعقوب بن اسحاق عند خاله فيتبارك خاله بسببه (تك 30: 27)، كما يتبارك فوطيفار المصري بسبب يوسف بن يعقوب (تك 39: 5)، بل تتبارك مصر كلها وتنجو من الفناء جوعاً بفضل من ارتبط اسمه بالحياة (تك 41: 45).
وعد الرب ابراهيم ببركة تصل إلى كل الشعوب، فتجعل تاريخ الكون مشمولاً برحمة الله رغم الخطيئة، وحياة الناس مغمورة ببركة تمرّ عبر شعبه إن هو حافظ على العهد، والتي تنقلب لعنة إن هو خان عهد الرب. ولكننا نعرف نحن المسيحيين أن نسل ابراهيم الحقيقي هو المسيح (غل 3: 5) الذي لنا فيه عهد أبدي مع الله (1 كور 11: 25).
هذا هو المعنى الرئيسي الذي نستنتجه من قراءتنا للفصول الراجعة إلى التقليد اليهوهي وهي 2: 4- 4: 26؛ 6: 1- 8؛ 11: 1- 9؛ 12: 1- 20؛ 16: 1- 14؛ 18: 1- 19؛ 24: 1 – 67؛ 26: 1- 27؛ 29: 1- 35؛ 33: 1- 31.

3- تقليد الانبياء أو المصدر الالوهيمي
بعد هذه الامور كانت كلمة الله إلى ابرام في الرؤيا. قال له: "لا تخف يا ابراهيم. أنا ترس لك واجرك عندي عظيم جداً" (تك 15: 1).
يدعو الله ابراهيم كما يدعو إرميا (34: 1- 8) أو حزقيال أو أحد الانبياء، ويرسل إليه وحياً، ويقبل تشفّعه ودعاءه كما قبل دعاء موسى (عد 11: 2؛ 12: 6) وإرميا وعبد يهوه (أش 53: 11- 12). قال الرب لابيمالك في الحلم: "ردّ إلى ابراهيم امرأته فهو نبيّ وهو يدعو لك" (تك 20: 7). هذا النبيّ يعيش في مخافة الله وينشر هذه المخافة حيث حلَّ. هذه المخافة تملأ قلب ابيمالك الوثني الذي صار مثالاً للرجل المتقي الله، المستقيم في تصرفاته، البار في أعماله، السليم في قلبه (تك 20: 6). هذه المخافة تمنع القوي من الاستبداد بالضعيف، تمنع ابيمالك من الاساءة إلى ابراهيم، ولابان من الاساءة إلى ابن أخيه (تك 31: 24)، ويوسف من أن يصنع شراً باخوته (تك 42: 17) الذين صنعوا به ما صنعوا.
في هذا الاطار يهتمّ الله بالضعيف ويمنع الضرر عنه، يدافع عنه وينميه. طرد ابراهيم هاجر واسماعيل. ولكن الله سمع صوت الغلام ووعد الوالدة بأن يكون ابنُها أمّة كبيرة (تك 21: 17- 18). استبد ابيمالك باسحاق فانمى الرب اسحاق، فخافه أبيمالك وطلب أن يقيم معه عهداً (تك 26: 28). ظلم ابراهيم ابيمالك حين كذب عليه، فحفظه الله من الخطيئة وأرسل الشفاء له ولشعبه (تك 20: 6، 17).
ومخافة الله هذه ترتبط بالايمان. يعد الرب ابراهيم بنسل كثير كالكواكب، ولكن ابراهيم لم يُرزق بعد ولد. ومع ذلك آمن ابراهيم بالرب فحسب له إيمانه برًا (تك 15: 6). فعُدَّ إيمانه ذبيحة مقبولة لدى الرب. آمن ابراهيم بما خطّطه الله له، فألزم نفسه العمل بحسب هذا المخطّط، فرضي الله بطاعته. ويبدو إيمان ابراهيم خاصة عندما يعقد العزم على تقدمة ابنه اسحق ذبيحة لله على عادة أهل كنعان من أجل إلههم. أحسّ وكأن الله يطلب منه ذلك، ولكن الله قال له: "لا تمدّ يدك إلى الصبي ولا تفعل به شيئاً. فالآن عرفت أنك تخاف الله، فما بخلت بابنك وحيدك" (تك 22: 12). طاعة ابراهيم دلّت على مخافته وصدق ايمانه، فلم تعد الذبيحة ضرورية، لان الطاعة الكاملة أفضل منها (1 صم 15: 22؛ مي 6: 6- 8)، فكان بذلك صورة بعيدة للمسيح الذي قال: "لا بالمحرقات سررت ولا بالذبائح، فقلت: ها أنا آت لأعمل بمشيئتك يا الله" (عب 10: 6- 7).
إذا كان التقليد اليهوهي يتأمل في بركة الله ورحمته، فالتقليد الالوهيمي يحدّثنا عن خلاص الله وفدائه. نقرأ التقليد الالوهيمي في تك 20: 1- 8؛ 21: 9- 14؛ 22: 19. هذا عدا عن مقاطع عديدة ضمّت إلى التقليد اليهوهي فشكلت مصدراً أدبياً جديداً جاء مزيجاً من حكمة الحكماء وأقوال الانبياء.

4- تقليد الكهنة في الهيكل
دوّن الكهنة ما دوّنوه من سفر التكوين في زمن المنفى (587- 538) وبعد دمار أورشليم وحرق هيكلها. دوّنوا ما دوّنوه واستندوا إلى معارف ومعلومات قديمة، فبدأوا كتابهم بنشيد ليتورجي (تك 1: 1- 2: 3) يعتبر الكون هيكل الله بعد دمار هيكل أورشليم، ويعتبر الكواكب والحيوان والنبات عبّاد الله بعد أن فرغت المدينة المقدّسة من عبادها الذين سباهم الكلدانيون إلى بابل.
زال هيكل الحجر، فبقي هيكل آخر هو جماعة شعب الله المرتبطين برباط العرق الواحد والدم الواحد. تشتّت بنو اسرائيل في كل بلاد الأرض، فاحتاجوا إلى علامة خارجيّة تدلّ على انتمائهم إلى شعب واحد، فكان الختان، وإلى رمز يجمعهم في وحدة متكاتفة، فكان السبت، وإلى صوت يدعوهم من أعماق شقائهم، فكانت كلمة الله يحفرونها في قلوبهم، يردّدونها في آذان أولادهم، يكتبونها على قوائم الابواب ومداخل المدن (تث 6: 6- 9).
كل هذا يضعنا في إطار العهد الذي قطعه الله مع ابراهيم. قال له: "أقيم عهداً أبدياً بيني وبينك وبين نسلك من بعدك" (تك 17: 7). كان عهد أول مع الانسان الأول علامته شريعة السبت (تك 2: 2- 3)، وكان عهد ثان مع نوح أقرَّ شرائع تمنع القتل وإراقة الدماء (تك 9: 4- 9)، وكان عهد ثالث مع ابراهيم علامته شريعة الختان. وعندما يقيم الله عهدا مع موسى، فلن يزيد على عهده مع ابراهيم إلاّ بعض الاحكام والفرائض التي تنظّم شعائر العبادة.
وكيف السبيل للتعرّف إلى من هو شعب الله لولا لائحة الانساب التي تربط آدم بنوح (تك 5: 28)، ونوح عبر سام، بابراهيم واسحاق ويعقوب (تك 10: 32؛ 11: 10- 32)، ويعقوب عبر الاسباط الاثني عشر، بشعب اسرائيل المشتّت في كل الأرض؟ وما الذي يضمن للعائشين في المنفى أنهم ما زالوا شعب الله؟ الوعد الذي أعطي لابراهيم بطريقة مجانيّة ما زال يُعطى لأبنائه. يقولون: "الرب يرجع ويرحمنا ويستر لنا ذنوبنا، وفي أعماق البحر يطرح جميع خطايانا. أظهر ليعقوب أمانتك، ورحمتك لابراهيم، يا رب، كما أقسمت لآبائنا منذ أيام القدم" (مي 7: 19- 20).
يربط التقليد الكهنوتي العهد بالوعد والشريعة بالخبر، فيدعو الشعب إلى الثقة بالرب مهما قست الظروف، وإلى التعلّق بوصاياه وأحكامه رغم بعدهم عن الهيكل وتشتّتهم في بلدان العالم. إن هي إلاّ عبرة لنا نحن المؤمنين المشتتين في كل مكان طلباً للعمل والرزق، أن لا ننسى أن الله الآب اختارنا وقدّسنا بروحه (1 بط 1: 11- 12)، ودعانا لنعيش غربتنا في مخافته (1 بط 1: 17)، وان نستعد للردّ على كل من يطلب منا دليلاً على الرجاء الذي فينا (1 بط 3: 15).
هذا ما نتعلمه من التقليد الكهنوتي الذي نقرأه في تك 1: 1- 2: 3؛ 5: 1- 32؛ 9: 1- 17؛ 17: 1- 27 وفي مقاطع مشتركة مع التقليد اليهوهي وخاصة في خبر الطوفان. فنفهم أن الكون مقدّس وهو يدلنا إلى يد الله التي تطلب منا أن نكون قديسين على مثال القدوس الذي دعانا إلى ملكوته ومجده (1 تس 2: 12).
كلمة الله الواحدة وصلت إلينا عبر قنوات ثلاث، نداء الله الواحد يتوجّه إلينا عبر رحمته التي تحمل البركة، ومخافته التي تدعونا إلى الايمان، وعبادته التي تساعدنا على أن نمجّد الله الواحد ونجعل الكون كله هيكلاً يتقدّس فيه الرب على الأرض كما في السماء. لو قرأنا الكتاب المقدّس بهذه الروح لاكتشفنا غناه، وما تعلّقنا بالقشور دون اللب. لو تتبّعنا أثر الاختبار الديني الذي عاشه كل من التقليد اليهوهي والالوهيمي والكهنوتي لانفتحت أمامنا مجالات من التأمّل تدفعنا إلى الدهشة والقول: ما أعظم أعمالك يا رب، صنعتها كلها بالحكمة!
الفصل الثاني عشر
خلق الكون والانسان

نبدأ في بداية الكتاب المقدّس، ولاسيّما في العهد القديم. وأول ما نقرأه في سفر التكوين قد كُتب في الأخير. بعد أن تأمّل الكاتب في تاريخ شعبه وفي تاريخ الشعوب التي تحيط بفلسطين، عاد إلى الأصل الذي هو الله، عاد إلى سيّد الكون الذي هو الانسان شريك الله على الأرض. وهكذا قدّم لنا لوحتين عن خلق الانسان. في الأولى قال لنا إن الرب خلق الانسان على صورته ومثاله. خلقه رجلاً وامرأة يعطيان معاً أجمل صورة عن الله. وفي اللوحة الثاني نتعرّف إلى عناية الله الفائقة حين خلق الرجل من تراب الأرض، وحين خلق المرأة من قلب الرجل. وهذا كله فعله الله لأنه محبّة ويريد أن يشترك الانسان في هذه المحبة. يريد أن يعلّمه الحبّ الذي هو تضحية وعطاء.

1- نشيد الخلق (1: 1- 2: 4 أ)
أ- تحت قبّة الهيكل
أولاً: نشيد ليتورجي
الفصل الأول من سفر التكوين هو نشيد ليتورجيّ. يقف المؤمنون صفّين والكاهن بينهما. يعلن الكاهن: وقال الله: ليكن نور، فكان نور. فتجيب الجوقة الاولى: ورأى الله أن النور حسن. وجّيب الجوقة الثانية: وكان مساء وكان صباح: يوم أول.
يجتمع المؤمنون في الهيكل، والهيكل مبنيّ على صورة الكون. الهيكل يقوم على أربعة عواميد تعلوها قبّة، والكون ثابت على أربعة عواميد تنغرز في المياه، وفوقها القبة الزرقاء. الله حاضر في الكون كما هو حاضر في الهيكل، والمؤمن يمجّد الله في الهيكل مركز حضوره كما يمجّده في الكون على ما يقول المزمور 19: 2: "السماوات تحدّث بمجد الله والافلاك تخبر بعمل يديه".
ولكن الخلائق من جماد ونبات وحيوان لا فم لها يتكلّم ولا صوت لها يُفهم، لهذا سيكون لها فم الانسان وصوته: ورأى الله ذلك أنه حسن. وتتردّد العبارة سبع مرات (اذا اتبعنا النسخة اليونانية في آ 8) لتعبّر عن نظرة الله إلى الكون بل نظرة الانسان من خلال نظرة الله. وفي المرة السابعة يقول الكتاب: اذا هو حسن جداً. أكمل الكونُ يوم خُلق الانسان، ولولا الانسان لظل ناقصاً، لأنه وحده يرفع الكون إلى الله في صلاته وبالاخص يوم السبت، يوم عيد الرب وراحته. يتوقّف الانسان عن العمل وينفلت من عبوديّة الارض ليتطلّع إلى الله في فعل عبادة وشكر ومديح: المجد لك يا الله، المجد لك.
ثانياً: في ستة أيام (خر 20: 9)
نظّم الشاعر نشيده في ستّة مقاطع وجعل الخاتمة في المقطع السابع، فقسم الخلائق على ستة أيام. جعل الانسان يعمل أعماله في ستة أيام ويرتاح في السابع، ثم يعود إلى العمل من جديد.
في اليوم الاول خلق الله النور، وفي اليوم الثاني خلق الجلد أو الفلك، وفي اليوم الثالث خلق النبات، وفي اليوم الرابع جعل نيّرات في السماء. وفي اليوم الخامس خلق الطير والسمك، وفي اليوم السادس البهائم والناس. في الايام الثلاثة الأولى فصل بين عالمين، فصل بين النور والظلمة. بين المياه الفوقيّة والمياه التحتيّة، بين اليابسة والبحر. وفي الايام الثلاثة اللاحقة زيّن الفلك بالشمس والقمر والنجوم، وجعل السمك في المياه، والطير في الجو، والحيوان على الأرض. في اليوم الثالث يقوم الله بعملين وكذا يفعل في اليوم السادس، فالعمل يسبق الانسان، ولكن على الانسان أن ينظّم حياته ولا يقوم بعمل يوم السبت حتى في أيام الزراعة والحصاد. فالله يبارك أيام الاسبوع ويعطينا في اليوم السادس طعام يومين فلماذا لا نرتاح في اليوم السابع (خر 16: 29- 30)؟
ثالثاً: الانسان على صورة الله
خلق الله الكون وجعله هيكلاً يحكي عن مجده وعظمته. وحين هيّأ كل شيء، جعل في هذا "الهيكل" الانسان المخلوق على صورة الله ومثاله. لا يحقّ للمؤمن أن يصنع لنفسه صورة أو تمثالاً عن الله، لا يحقّ له أن يعبد أو يرهب أي شيء في السماء من فوق، في الأرض وتحت الأرض من أسفل (خر 20: 3- 5). المؤمن لا يسجد إلاّ لله الواحد. أما صورة الله الوحيدة على الأرض فهي صورة الانسان. الانسان قريب من الإله بعد أن كلّله الله بالمجد والكرامة وسلّطه على المخلوقات وجعل كل شيء تحت قدميه (مز 8: 6- 7). هذه الكلمات هي ترجيع لما نقرأه هنا: أخضعوا الأرض، تسلّطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدبّ على الأرض (تك 1: 28).
الانسان على صورة الله، وهو يعطي الله وجها بشرياً ليكون قريباً منه. الله كائن حيّ يتكلّم كما يتكلّم الانسان. قال الله، فتكونت الكائنات. والله يفعل: صنع الفلك والنيرين العظيمين ووحوش الأرض. ولكن وإن ارتفع الانسان إلى مستوى الالوهة، إلاّ أنه يبقى خليقة كسائر الخلائق وكل عظمته تقوم في أن ينظر إلى الخالق ومنه يأخذ ملامحه.
رابعاً: فعل إيمان بالله
هذا النشيد هو أولاً وآخراً فعل إيمان بالله.
لا الله الا الاله الواحد، الله ابراهيم واسحاق ويعقوب. وهذا الاله أزلي، وهو موجود قبل العالم وهو الذي خلق العالم بكلمة من فمه، بحركة من يده.
هذا الإله الازلي هو كلي القدرة. خلق السماء والأرض وكل ما فيهما، خلق الكائنات المنظورة والخفيّة، الكبيرة والصغيرة، حتى تلك التي يخاف منها الانسان كالتنانين العظام.
الخليقة صالحة وحسنة ولا سوء فيها، لأنها خرجت من يد الله الصالح. ولهذا الاله ننشد: إحمدوا الله لانه صالح، وإن إلى الأبد رحمته.
الخليقة حسنة وأحسن ما فيها الانسان. الكون عظيم والأرض هي في وسط الكون. الأرض واسعة ولكن سيّدها هو الانسان. المخلوقات متنوّعة ولكن الانسان المصنوع مثلها يتسلّط عليها لا باسمه بل باسم الله. أجل أعطى الله الانسان كل شيء فأعطاه الفرح والسعادة وأراد أن يشركه في عمل الخلق. سينمو الانسان ويكثر فيملأ الأرض، ولكنه سيعمل مع الله ليرفع الخليقة معه في تمجيد الله وتسبيحه.

ب- إيمان بالله الواحد
أولاً: لا للآلهة الكاذبة
فعل إيمان الانسان هذا له وجهة إيجابية تحدّثنا عنها فقلنا: لا الله الا الاله الواحد. وله وجهة سلبية، فيها يرفض الانسان كل ما يتعلّق من بعيد أو قريب بعبادة أي شيء ليس الله. الرب الله غيور (خر 2: 5) لا يرضى أن نعبد الاّه. ولا يرضى عنا حين نسجد أمام الخشب والحجر. أصنام الامم لا آذان لها لتسمع، لا عيون لها لترى، لا أنوف لها لتشّم.
في هذا النشيد يرى المؤمن نفسه محاطاً بثلاثة أنواع من الحيوانات يراها في السماوات والأرض. إن تطلّع إلى مصر رأى الناس يهابون الحيوانات الضخمة، رهب والتنين (أش 51: 9) لاويتان والحوت (أي 40: 21 ي). وإن تطلّع إلى بلاد الرافدين رأى الناس يعبدون الشمس والقمر والكواكب. وإن تطلّع إلى بلاد فينيقية أحسّ كم يهتم الناس لآلهة الخصب وللأشجار المقدّسة وليس آخرها الارز. اذًا لا بدّ من نزع الهالة "المقدّسة" عن هذه الخلائق المؤلّهة. لا بدّ من عملية تزيل جو السطرة والخرافة عن هذه المخلوقات التي يهابها الانسان ويحسبها تتحكّم في مصيره.
الحيوانات الداجنة والوحوش المفترسة هي خليقة الله وهي تأتمر بأمره، والحوت العظيم لا يفرق عن الحرذون في نظر الله، وبهيموت يأكل العشب مثل البقر (أي 40: 10)، ولاويتان يربطه الله بحبل أو يصطاده كما بشصّ. لهذا لا يهابها العبراني كما لا يهاب ما يشعّ في السماوات من نيّرات. الشمس المعبودة والقمر المعبود يسمّيهما الكاتب هنا النيرين اللذين خلقهما الله كما خلق غيرهما وحدّد لهما دورهما: يضيئان على الأرض، يفصلان بين الليل والنهار، يدلاّن على الأعياد والأيام والسنين. والكواكب ليست آلهة يعبدها الانسان، بل خلائق في خدمة الانسان. ليست هي ما يقرّر مصير الانسان كما في العلوم الاسترولوجية والتنجيميّة. بل الله هو الذي يوجّه كل شيء لخير الذين يحبّونه. أما النبات فلا يذكر مع الحيوان، إن هو إلاّ طعام للانسان والحيوان، فكيف نهاب "شجرة مقدّسة" ونحسب أن لها عيوناً تراقب حياتنا كما لا يزال يفعل الكثيرون اليوم في بعض مناطق أفريقيا؟
سجد الانسان للسماء، وعبد الأرض، واتحادُهما يخصب الأرض، خاف من المياه وحسب القمر إلهًا: تيامات عند البابليين وتهوم عند العبرانيين، ولكن الله خلق السماء والأرض والقمر فلا يمكن أن تكون هذه الخلائق آلهة. فالذين لم يعرفوا الله هم حمقى لأنهم لم يميّزوا بين "يهوه" الكائن والخيرات المنظورة، ولانهم لم يتأملوا ما صنعه الله فيتعرفوا اليه، لكنهم حسبوا النار والريح أو الهواء اللطيف أو مدار النجوم أو لجّة المياه (الغمر) أو نيّري السماء (الشمس والقمر) آلهة تسود العالم. هي كائنات جميلة، ولكن خالقها أجمل منها وهو مبدأ كل جمال. كائنات قوية، ولكن خالقها هو مبدأ قوة (حك 13: 1 ي).
ثانياً: فعل إيمان لا نظرية علمية
يُنشد الكاتب الخلق فيقول: الماء مصدر كل شيء. في البداية كان الغمر، كانت المياه الغزيرة، فبنى الرب قبّة فصل بها المياه الفوقيّة عن المياه التحتيّة. وثبّت الأرض وسط المياه على عواميد أربعة.
وينقل إلينا الكاتب أن الانسان كان يقتات من عشب الأرض، لا من لحم الحيوان، ولن يحق له ذلك إلاّ بعد الطوفان (9: 1 ي).
ويفهمنا الكاتب أن السنة تبدأ يوم الأربعاء، يوم خلق الله الشمس والقمر لتفصلا بين الليل والنهار.
وقسم الحيوانات والوحوش بحسب علم ذلك الزمان.
واستفاد من خرافات عالم بابل كما قرأها في مكتبات بابل في القرن 6 ق. م: يوم لم يكن ذكر للآلهة في العلاء، يوم لم يكن للأرض اسم (نشيد إنوما إليش).
غير أن كل هذه المعطيات جعلها الكاتب في خدمة إيمانه واستفاد منها ليرفع صلاته إلى الرب في إطار عمل ليتورجي. ولكن جاء من يقرأ هذه النصوص ليجد فيها تأكيداً لنظريات علميّة حديثة باسم نظرية توفيقية تحاول أن توفق بين ما يقدّمه لنا العلم وما يقدّمه لنا الكتاب المقدّس. قالوا إن الكون خُلق في ستة أيام، إذًا هذا يتوافق ومراحل تكوين الكون الست. ولكن هناك علماء يعتبرون أن مراحل تكوين الكون هي أربع. وقالوا بتطوّر الكون من المياه وقد أرادوا أن يجدوا سنداً لأرائهم. لا، ليست كلمة الله وسيلة بين يدي العلماء، بل هي تفرض نفسها على المؤمن وتطلب منه أن يسمع لها ويدخلها حياته. ولا ترتبط كلمة الله بنظريات علمية تبرز اليوم وتزول غداً، فكلمة الله ثابتة لا تتبدّل بتبدّل الظروف، وهي تدعونا إلى اعلان ايماننا بالله الذي خلق السماء والأرض. وهي تحثّنا على تقبل مخلوقاته الحسنة كعطية نتسلط عليها باسم الله ولخدمة الانسان. وتطلب منا أن نعمل يداً بيد مع الله ستة أيام. وأن نتوقف عن العمل، فيكون يوم السبت أو عيد السبت مناسبة نرفع فيها قلوبنا إلى الله ونرفع معنا الكون في صلاة شكر ونشيد لمن خلق منذ البدء السماء والأرض. قال فكان كل شيء، وأمر فكان كل موجود.

2- الانسان في الفردوس (2: 4 ب- 25)
بدأ الكتاب كلامه بفعل إيمان بالله الواحد. وها هو يعلن هذا الايمان حين يقول إن الانسان خُلق للسعادة، خُلق للنعيم، رغم كل الظواهر التي حولنا. بعد أن طرح السؤال وقدّم الجواب، حدّثنا عن الفردوس الذي ينتظره الانسان في النهاية، مع أنه وُضع في قلبنا منذ البداية. فالفردوس هو الله. وسيظلّ قلبنا قلقاً حتى نرتاح في الله. أما هذا الذي حدث للصّ اليمين ساعة قال له يسوع: "اليوم تكون معي في الفردوس"؟

أ- سؤال وجواب
أولاً: سؤال يعذّب المؤمن
تساءل المؤمن: كيف يملك الالم والشقاء والمرض والموت في عالم هو صنع الله الصالح؟ هل يمكن أن يكون الله الرحيم والقدير قد خلق كوناً ناقصاً يحمل في طيّاته الخلل والفساد؟ إذًا ما يقوله الملحدون عن إله قاس لا يشفق على البشر هو قول صدق! وإلاّ فكيف ندافع عن فكرة الله الحقيقية في قلوب البشر؟ من أجل كل هذا دوّن الكاتب الملهم مَثل جنة عدن واستعان بالصور القديمة التي ترسم أمام الانسان سعادة تامة هي عطية الرب لصديقه وخليله، للانسان الذي خلقه بعناية ومحبة.
أما الجواب فاكتشفه الكاتب انطلاقاً من تاريخ شعبه وكلام أنبيائه. قال الله بواسطة موسى (تث 30: 15): "جعلت اليوم أمامك الحياة والخير والموت والشر، جعلت أمامك السعادة والشقاء وأنت تختار بينهما". اذًا بركة الله نتيجة اختيارنا لوصاياه، والشقاء الذي حلّ بنا هو نتيجة عصياننا لأوامره. كوّن الله شعبه في مصر وجعله في أرض كنعان وأعطاه وصايا وفرائض. فإن حفظها عاش في أرضه بأمان وعرف السعادة، وإن تعدّاها سيحلّ به الشقاء ويُطرد من أرضه. تلك هي قصة الفردوس. خلق الله الانسان الاول في "صحراء"، وجعله في جنّة وأعطاه وصيّة. ولكن الانسان خالف الوصيّة فطُرد من الجنة وعاد إلى الصحراء حيث ينبت الشوك والقطرب.
تلك هي قصة شعب الله، ذاك هو تفكير المؤمن في عهد سليمان وملوك بني اسرائيل. وتلك هي قصتنا نحن وقصة الفردوس ليست بعيدة عنا نحن الذين نحلم بعالم يخيّم عليه السلام وتسود فيه المحبة فلا يقتل الاخ أخاه ولا يتعدّى القويّ على الضعيف.
كلنا نتساءل منذ بداية الكون إلى نهاية التاريخ: أين السعادة؟ جعلتها الميتولوجيات السومرية في مكان بعيد (دلمون) في بلد الاحياء او "بلد الحياة" الواقع إلى الشرق حيث الغراب لا ينعق والاسد لا يقتل والذئب لا يفترس الحمل، حيث لا يحسّ المريض بمرض، ولا الشيخ بعجز، حيث لا بكاء ولا تأوّه. وقال أشعيا في هذا المعنى: "يسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي... الاسد يأكل التبن كالثور، ويلعب المرضع على جحر الافعى"... لا سوء ولا فساد في كل جبل الله المقدّس (أش 11: 6 ي). تلك تكون البداية بحسب سفر التكوين. أما سفر الرؤيا فيقول: "تزول من عيون المخلّصين كل دمعة"، ولا يكون نوح ولا صراخ ولا وجع بعد (رؤ 21: 4). هل هذا عالم الاحلام؟ كلا، بل هو عالم الحقيقية كما يراه الايمان.
ثانياً: الفردوس الارضي
انطلق الكاتب الملهم من اختباره الايماني وتوسّل الصور والتشابيه وحدّثنا عن الفردوس الارضي. هناك صورتان مركّبتان وُضعت الواحدة فوق الاخرى، الصورة الاولى غامضة بمعنى أنها لا تقدّم لنا أيَّ تفصيل جغرافي. غرس الرب الاله جنة وجعل فيها الانسان الذي جبله. أما الصورة الثانية فتحدّد الموقع: في عدن شرقاً. وتعدّد الانهار التي تجري في هذا المكان. الصورة الاولى أعطتنا فكرة عن السعادة التي نحصل عليها برفقة الله، وهذا ما تعبّر عنه الجنة (والواحة في الصحراء) بالنسبة إلى البدو الذين يهمّهم أكثر ما يهمهم الماء والكلأ. اذا كان القفر علامة الموت لأن لا ماء فيه ولا كلأ، ففي الجنّة الحياة والسرور والفرح (أش 51: 3). والصورة الثانية تربط بين "الجنة الاولى" وسائر الأرض حيث يسير التاريخ مسيرته. هناك نهران معروفان دجلة والفرات، ونهران غير معروفان. وهكذا نكون على الحدود بين الواقع وما هو وراء الواقع. هل أراد الكاتب أن يبيّن لنا أن الشوق إلى "جنة عدن" ليس حلماً وسراباً بل هاجس وصوت خفيّ في أعماق قلوبنا يدعونا إلى سعادة خلقنا الله لها.
في هذا الفردوس نرى "كل شجرة حسنة المنظر وطيّبة المأكل" ولكننا نرى أيضاً "شجرة الحياة" التي تعطي الانسان الخلود وتمنع عنه الموت. إلى هذه الحياة سعى البطل الاسطوري غلغامش، وحسب أنها موجودة في عشبة خاصة موجودة في قعر البحار. وصل إليها، ولكن ما إن حصل عليها حتى سلبتها منه حية هناك، هي رمز إلى قوى الموت. ونرى أيضاً شجرة معرفة الخير والشر أو الشجرة التي تعطي السعادة والشقاء، وهي ترتبط بشجرة الحياة. ومعنى هذا أن الانسان إن ارتبط بالخير والسعادة عاملاً بوصايا الله حصل على الخلود ولم يصل إليه الموت (رج شخص أخنوخ في تك 5: 24). أما اذا أراد أن يعرف الشر ويتعلّق به رافضاً طريق الرب فهو يسير إلى الموت. أما هذا الذيَ حصل لشعب اسرائيل يوم لم يسمع لكلام الرب فكان له المنفى أي طريق الذل والموت؟ شجرة الحياة تشبه هيكل الله ولا يقترب منها إلاّ من عرف الخير دون الشرّ، والله يُدخله إلى مغناها (تك 3: 22). أما والانسان أخذ طريق الشرّ والشقاء فلن يكون له أن يمدّ يده إلى شجرة الحياة.

ب- الانسان في الفردوس، في النعيم
ينعم الانسان بالحياة في الفردوس لانه يرتبط بالله بعلاقة أين منها علاقة الصديق بصديقه والحبيب بحبيبه. ويصوّر لنا الكاتبُ الله بملامح بشريّة تجعله شبيهاً بالبشر. جبل الانسان من التراب كما يفعل الفخاري بابريقه، ونفخ فيه نسمة من روحه، أعطاه شيئاً منه. لأجله زرع الجنة وكوّن الحيوانات وجعلها في خدمة الانسان. وجاء الله بالانسان إلى الجنة وكان يتمشّى معه عندما يطلع النسيم البارد عند المساء (3: 8).
هذا الانسان مأخوذ من الارض فهل يستطيع أن يتكبّر على جابله. هو (آدم أي الاسمر) من التراب (أدمه: أي ظاهر الارض) والى التراب يعود (3: 19). وهو نفس حية أي كائن حيّ وشخص حرّ يستطيع أن يقيم علاقات بينه وبين الله. وهذا ما يميّزه عن الحيوان. وهو يشارك الله في عمله: يحرس الجنة ويفلحها (2: 15) بعد أن جعلها الله هديّة بين يديه. وهكذا لا يكون العمل قصاصاً من الله وعقاباً بسبب الخطيئة. العمل جزء من رسالة الانسان، وبالعمل تتكوّن شخصية الانسان وتنمو. آدم مسؤول عن الأرض وقد سُلمِّ إليه أمرُ حراستها كما سيكون قايين مسؤولاً عن أخيه. ولكنّه سيرفض أن يكون حارساً لأخيه (4: 9) فيصير له قاتلاً، وآدم سيحمل اللعنة إلى الأرض.
الفردوس مسكن الله وسط الخليقة ورمز حضوره وقدرته وحبّه الملموس للانسان. الفردوس وسط الكون كالهيكل وسط الأرض المقدّسة. في الهيكل يحسّ المؤمن كأنه أمام الله وكذلك في الفردوس. فاذا كان الفردوس مركز حضور الله فحيث يكن الله فهناك الفردوس. وإذا كان الله حاضراً في الكون فالكون كله يصير فردوساً. اذا لن نبحث عن مكان الفردوس لا في "دلمون" الذي يعني أرض الحياة كما تقول النصوص الاشورية ولا في عدن التي تعني الرغد والخصب ولين العيش كما تقول النصوص الكتابية. الفردوس حالة من السعادة يحسّ بها الانسان العائش مع الله الذي قال فيه القديس بولس (أع 17: 28) إن لنا فيه الحياة والحركة والكيان.
بعد هذا لا نطرح على نفوسنا أسئلة عن مكان الفردوس ولا عن ارتباط أنهاره بعضها ببعضها. فالمياه الكثيرة في هذا الشرق رمز للوفر والخير والسعادة. ولن نتساءل: هل كان الاسد يأكل التبن كالثور لكي لا يسيء إلى البقرة؟ وهل تأكل الافعى التراب (أش 65: 25) فلا تضرّ بالطفل الجالس فوق جحرها؟
بعد هذا لا يتساءل الانسان اذا كان الله هو أصل الشر والشقاء في العالم، بل ينطلق قلبه في نشيد شكر وصلاة إلى ذلك الذي اهتمّ بالانسان كل هذا الاهتمام وجعله سيّداً على الكون. ويتلفّظ لسانه بدعاء إلي الذي يستطيع اليوم أن يملأ قلبه سعادة ستكون صورة مسبقة لتلك السعادة التي نالها لص اليمين يوم موته: اليوم تكون معي في الفردوس. تلك كانت كلمات يسوع (لو 23: 43).
بعد هذا لا نتساءل نحن: من أين يأتي الانسان؟ هل هو حيوان تطوّر فصار انساناً، أم أنه جُبل من تراب الأرض؟ لا شكّ في أن الكاتب أخذ اسلوب القدماء (صورة الاله الخالق اشنوم في قصر الاقصر وهو يكّون أجساداً بشرية كما يفعل الفخاريّ) فتصوّر الله فخاريًا، ولكنه جعل النفس (نسمة الحياة) تخرج من الله وتدخل هذا المركّب الترابي الذي هو الانسان. أما اليوم فنتحدّث عن التطوّر. ولكن يجب أن لا ننسى أن الانسان يتمّيز كلياً عن الحيوان بحيث إنه يجب القول بتدخّل خاص من قبل الله حين نتحدّث عن الانسان وعن خلق النفس البشرية. الطريق طبيعية بين النبات والحيوان، ولكن بين الانسان والحيوان هوّة لا يردمها إلاّ الله، وهذا ظاهر من طريقة خلق الله للناس. يقول الكتاب: توقّف الله، تشاور مع نفسه، وقال باحتفال مهيب: لنخلق الانسان.
هذا هو فعل ايمان الكاتب الملهم. الله خلق الانسان وجعله في الفردوس، في النعيم، لتكون له السعادة في العيش مع الله. ولكن هل سيعرف الانسان أن يحافظ على هذه السعادة؟ هل سيختار طريق الخير فيحقّ له أن يتمتع بالحياة (بشجرة الحياة) مع الله؟ بل سيختار طريقُ الشر التي تصل به إلى الموت والرذل الابدي (دا 12: 2).

خاتمة
تلك هي صورة الانسان منذ بداية الكون والتاريخ. هو الذي خُلق على صورة الله، ولا شيء يمحو هذه الصورة التي ستجد كمالها في يسوع المسيح الذي هو صورة الله الذي لا يُرى. وقد جُعل الكون في خدمة الانسان فزرع الأرض وفلحها، وأعطى أسماء الحيوانات، وها هو يتابع عمله في الكون لكي يرفعه إلى المسيح. وفي النهاية يقدّمه المسيح لله. وهكذا، بعد أن انطلقت الخليقة من الله وسارت مسيرتها، تعود في النهاية إلى الله. ذاك هو العمل الذي يبدأه الانسان على الأرض، ويكمّله ابن الانسان الآتي من عند الله على سحاب السماء.
الفصل الثالث عشر
تاريخ الانسان تاريخ الخطيئة

عندما نقرأ العهد القديم نحسّ بصدمة تخلق فينا ارتياباً. إذا كان هذا الكتاب مقدّساً، فأين هي رائحة القداسة؟ بل هي رائحة الخطيئة منذ البدء. قايين قتل أخاه. ولامك عدّد زوجاته وعلّم أبناءه شريعة الانتقام إلى ما لا حدود. وهكذا ملأ العنف العالم فجلبوا الشرّ على نفوسهم بواسطة طوفان لم يبق على الأرض سوى الابرار. لن نتحدّث عن خطيئة ابراهيم حين كذب وباع امرأته. ويَعقوب المراوغ الذي احتال على أبيه وأخيه وخاله... ونستطيع أن نتابع السلسلة ونقول: العهد القديم هو كتاب مسيرة الانسان إلى الله. وبما أن الانسان خاطئ فالكتاب يروي لنا خطيئة الانسان ومحاولاته للتغلّب على التجربة. منذ البداية سقط الانسان، وما زال يسقط في أيامنا، مع أن بولس يسمي المسيحيين "قدّيسين". لهذا نحن ننتظر الفداء بيسوع المسيح للبشرية، كما ننتظر لكل واحد منا التبنّي وافتداء أجسادنا.
وهكذا نتحدّث عن الخطيئة. فنتوقّف في نقطة أولى عند ما يسبق الخطيئة، عند التجربة. ثم نعالج ما بعد الخطيئة أي العقاب الذي ينتظر الانسان الخاطئ. هو عقاب ماديّ ينطلق منه الانسان في عالم التوراة فيعتبره نتيجة خطيئة اقترفها، على ما في عالم مزوبوتاميا أو بلاد ما بين النهرين.

1- ما قبل الخطيئة
أ- ما هي الخطيئة
أولاً: الخطيئة ابتعاد عن الله
وصل العبرانيون إلى أرض كنعان بعد أن تركوا عبادة الاوثان وتعلّقوا بالاله الواحد. عاشوا في أرض هي الفردوس بالنسبة إليهم وفيها ما فيها من الخير تجاه صحراء خالية خاوية لا تعرف من الماء الا قليله والكلأ إلاّ نادره. أحسّوا هنا بالسعادة لأنهم قريبون من الرب والمؤمن لا يطلب إلا أن يقيم في أرض الرب جميع أيام حياته. ولكن الانسان يقدر أن يبتعد عن الرب وإن عاش على أرض الربّ. كيف ذلك؟ باتّباعه العبادات الوثنيّة وأهمّها الكنعانية. فالكنعانيون كانوا يكرمون الحية لانها رمز الحياة والخصب والحكمة. أما المؤمن الذي يكرم الحية فهو يعني بعمله أنه يترك عبادة الله الواحد ويتعبّد للباطل. فهل يتعجّب إن تخلّى الله عنه وتركه عرضة للالم والشقاء والموت؟!
هذا ما اختبره العبراني وعبّر عنه في القرن 10 ق. م. من خلال الصور والتشابيه. حدّثنا عن الفردوس تلك الجنّة التي فيها كل خير وسعادة. وأورد لنا الحوار بين حواء، أم كل هي، والحية حاملة الموت إلى الانسان، ورسم أمامنا الشجرة المحرمة التي لم تكن تفاحة ولا رمّانة ولا زيتونة، والتي اجتذبت اليها آدم وحواء فأكلا منها. وبعد أن أوصلنا إلى أمام عرش الله، أسمعنا كلام الديّان العادل للحيّة التي تمثّل الشر في العالم، للرجل والمرأة اللذين يمثلان البشرية كلها، وأرانا آدم وحواء مطرودين من أرض الرب وفردوسه، حافيين عريانيين في طريق المنفى. من هذا المنفى لن يعود الانسان إلاّ بنعمة يسوع المسيح.
منتهى السعادة أن يكون المؤمن بقرب الله، ومنتهى الشقاء أن يكون بعيداً عن الله. الشقاء هو فعل الخطيئة فينا. ولكن من أين جاءت الخطيئة وكيف دخلت العالم؟ ما الذي تبدّل في الانسان الذي خلقه الله "حسنًا" وصالحاً، لكي يفعل الشر؟
ثانياً: الخطيئة والشرّ في قلب الانسان
الانسان مخلوق على صورة الله، وفيه تنعكس حرّية الله السامي. وهكذا يكون للانسان أن يحيا حياته بحريّة تامّة: يوجّهها نحو الله فيعمل ارادته ويحفظ وصاياه، أو يوجّهها ضد الله فيتمرّد عليه ويعصي أوامره. وقراره هذا يتّخذه الانسانُ في أعماق ضميره الذي يصبح ساحة حرب بيننا وبين نفوسنا.
هذه الحرب حدّثنا عنها القديس بولس (روم 7: 15): لست أدري ماذا أفعل. فالشيء الذي أريده لا أفعله، بل الشيء الذي أكرهه، فإياه أفعل. ثم أوضح: "الخير الذي أريد أن أفعله لا أفعله، بل الشر الذي لا أريد أن أفعله، فإياه أفعل (روم 7: 19). اذًا أنا لست من يفعل الشر، بل الخطيئة الساكنة فيّ".
ما قاله القديس بولس بصريح العبارة قدّمه لنا الكاتب القديم بالصورة فجعل أمامنا شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. ماذا سيفعل آدم؟ هل سيختار طريق الخير ووصايا الله فتكون له الحياة، أم سيختار طريق الشرّ فيفعل ما حرّمه الله عليه، فيسير إلى عالم الموت؟ وتغلّب الشر في قلب الانسان، فنظر إلى الشجرة المحرمة، مركز الشرّ، لا إلى الله مركز الخير. ابتعد عن الله بقلبه ومال عنه فلم يعد يجد فيه كامل سعادته. الشجرة طيبة للاكل، متعة للعيون، ومنية للعقل. فماذا سيعطي اللهُ الانسانَ أكثر مما تعطيه الشجرة القريبة منه؟ بل هي في متناول يده، وسيقطف من ثمارها. وفعل.
هكذا يصوّر الكاتب الخطيئة بشكل عصيان لأمر الله. تحرّر الانسان من سلطة الله فصار وحيداً منغلقاً على ذاته يأكله الخزي والحياء. أراد أن يأكل من شجرة المعرفة، فصارت تلك الشجرة رمزًا أيقظه وأعاده إلى ذاته فأراه نفسه لا صاحب حكمة وحيلة مثل الحية، بل عاريا من عظمة جاءته من الرب.
ثالثاً: الخطيئة والمجرّب
جاء أمر الله إلى الانسان: لا تأكل من شجرة معرفة الخير والشر، فإنك يوم تأكل منها تموت (2: 16- 17). وعرف الانسان الوصيّة وردّدتها حواء على مسامع الحية: لا نأكل من ثمر الشجرة التي في وسط الجنة. ولكن قلب الانسان مال به إلى الشر. ولكن من أين جاء الشر؟ هذا ما لا يقوله الكاتب الذي يكتفي بأخذ العلم بذلك، فيقول إن الله جعل الانسان في الفردوس (2: 8) ولكنه جعل فيه أيضاً الحية (3: 1). ليست الحية إله الشر الواقف تجاه إله الخير، ولكنها خليقة. ولكن كيف تسرّب الشرّ إلى الخليقة التي صنعها الله؟ لا جواب. فالشرّ واقع يصطدم به الانسان ولا يلج سره. الشر موجود في الفردوس بوجهه الجذّاب، ولكن وراء هذا الوجه الجذّاب يختفي وجه مخيف هو وجه الموت وما يسبقه من شقاء وألم.
ونتساءل عن الحية التي تدل على المجرّب والشيطان. ففي الميتولوجيّات الشرقيّة القديمة كانت الحية ترمز إلى قوى خفيّة يرهبها الانسان عند الكنعانيين، وكانت تمثّل النار المرسومة على تاج الآلهة والملوك عند المصريّين، وكانت خليقة تيامات، إله الشر البابلي، والتي انتزعت من يد غلغامش شجرة الحياة فمنعت عنه الخلود. كل هذا يفهمنا كيف أن الحية رمزت إلى قوة الشر والحيلة التي تعادي الانسان وتعارض مخطّط الله. عنها قال سفر الحكمة (2: 24): بحسد ابليس دخل الموت إلى العالم فيذوقه الذين هم من حزيه.
أما سفر الرؤيا فيضع أمامنا صراعاً يبدو فيه مخائيل وملائكته أمام التنين العظيم، الحية القديمة، المدعو المفسد والشيطان (رؤ 12: 9). تلك صور تدلّ على انتصار الله على القوى الأولى (مز 74: 13- 14؛ 89: 11)، وانتصاره الاخير في ذلك اليوم الذي يأتي فيه ليفتقد شعبه بل شعوب الارض كلها (أش 27: 1، 51: 9). ليس الشر قوّة تواجه الله، بل عنصراً من عناصر الكون يعمل في الحدود التي رسمها له الله. وهذا يظهر في سفر أيوب حيث الله يسمح للشيطان مرة أولى أن يهلك اموال أيوب ولكن لا يمد يده إلى أيوب (أي 1: 12). ومرة ثانية يسمح له أن يبتليه بمرض يصل إلى العظم واللحم دون ان يصل به إلى الموت: احتفظ بنفسه (أي 2: 6).
هذا المجرِّب الذي صوّره لنا الكاتب القديم بشكل حية قال عنه يسوع إنه سيّد العالم. وهنا نرفض قول القائلين: الشر فكرة مجردة. والحديث عن الشرّ طريقة للحديث على الانسان المحدود الضعيف. لا فيسوع الذي جعل من حياته قاعدة حياتنا، قد خبر الشرّ وصارع قوّته ليضع هذا لسلطانه على الارض. لاشكّ في أننا نتوسل الصور والتشابيه للتحدّث عن أمر خفي علينا، ولكن واقع الصراع الروحي هو جزء من اختبارنا اليومي. عن هذا الصراع حدّثنا القديس بولس عندما طلب إلينا أن نلبس جميع سلاح الله لنستطيع مقاومة حيل المحال. وقال لنا: صراعكم ليس ضد لحم ودم، أي ضد انسان ترونه، بل ضد الارواح الشريرة التي تحت السماء. لذلك فالبسوا سلاح الله لتستطيعوا مقاومة الشرير (أف 6: 10- 13).

ب- الخطيئة الاصلية والخطيئة الاولى
نتحدث عن الخطيئة الاصلية ونتساءل: ما هي خطيئة آدم وكيف وصلت آثارها الينا؟ عندما نتحدّث عن الخطيئة الاصلية نخلط أمراً بآخر. الامر الاول هو حالة الخطيئة التي يولد فيها الانسان، هذا اذا لم نتحدّث عن نعمة المسيح الخلاصية. الامر الثاني: دخول الخطيئة إلى العالم كما يلمّح إليها سفر التكوين ويتطرّق إليها القديس بولس في رسالته إلى أهل رومة (5: 12 ي). وهذا الخلط يصل بنا إلى القول بأننا نرث بالولادة شيئاً من خطيئة آدم فنتحمّل بعضاً من ذنب صار فيه الانسان على الله متعدّياً. لا ننسَ أن الذنب أمر شخصي يرتبط بعمل قمت به هنا، وهو لا ينتقل إلى أولادي (مز 18: 1 ي). وأن الولادة لا تنقل معها الخطيئة، وأن حرية الاختيار تُعطى للانسان منذ بدء حياته. لا شك في أن الانسان يُمتحن، فيبدو في ضعفه ومحدوديته. ولكن من يحلم بحياة لا مشاكل لها في فردوس يبعده عن الواقع اليومي، هو طفل لم يبلغ بعد مرحلة النضوج!
أما نحن، فعندما نقرأ هذا النصّ الكتابي، سنميّز بين الخطيئة الاصلية والخطيئة الاولى. أما الخطيئة الاصلية فتعني حالة البشرية الخاطئة، تعني أن وضعنا يوم وُلدنا لا يحمل إلينا في طيّاته صداقة مع الله ومشاركة في حياته. وحدها نعمة المسيح تدخلنا في صداقة الله وتشركنا في حياته. قبل ذلك كنا "أبناء الغضب" وأعداء لله. فلما مات المسيح من أجلنا صالحنا مع الله الآب وبرّرنا بدمه (روم 5: 8- 10). أما الخطيئة الاولى فتدلّ على "خطيئة آدم"، على ذلك الحدث الذي دشّن تاريخ البشرية الخاطئ.
لن نتحدّث عن الخطيئة الاصليّة منطلقين من الخطيئة الاولى، بل ننطلق من حالة البشرية الخاطئة فنفهم ما هي الخطيئة الاولى. ننطلق مع القديس بولس من الخطيئة المسلّطة علينا قبل أن يتدخّل يسوع المسيح. هذا يعني أننا إذا ابتعدنا عن الخلاص الآتي إلينا بالمسيح نصل إلى ما وصل اليه آدم. كلنا نخطأ كما خطئ آدم، ولن يكون لنا إلاّ أن نهتف: الويل لي أنا الانسان الشقي! من ينجّيني من جسد الموت هذا؟ ونقول حالاً: الحمد لله بربنا يسوع المسيح (روم 7: 24- 25). أجل المسيح خلّصنا كلنا. إذًا كنا نحتاج كلنا إلى الخلاص الذي حمله يسوع الينا.
في هذا الاطار يمكننا أن نتساءل: لماذا تتسلّط الخطيئة على الانسان؟ لماذا يختبر الانسان الشر بوجهه الذي يجذبنا اليه ووجهه الذي ينفرنا منه؟ والجواب: هذا هو الواقع الذي يعيشه الانسان اليوم والذي عاشه الناس منذ بداية التاريخ. ونستنتج: يوم جاء الانسان حمل معه حريته، فكانت له حريته امتحاناً انتهى بالفشل. هذه هي الخطيئة الاولى كما يصورها لنا الكاتب من خلال خبر رمزي، ولكنه يبقينا خارجاً عن سرّ الشرّ فينا وحولنا.
إذا أردنا أن نتحدّث عن الخطيئة، ننطلق من خطايانا الشخصية، فنصل إلى حالة الخطيئة التي نتخبّط فيها، ثم ننتقل إلى الخطيئة الاولى التي هي أصل كل الخطايا. حينئذ يبدو لنا سر الخطيئة الاصلية عنصراً خاصاً يدخل في اطار مخطط الله الذي يتضمن التاريخ كله والذي يقول لنا: المسيح جاء من أجل الجميع ليخلّص الجميع.

2- ما بعد الخطيئة
دعا الله الانسان لحفظ وصاياه فرفض. فاستحقّ العقاب. وهكذا نظر الكاتب الملهم نظرة بشريّة إلى الله: شبّهه بالبشر وبما يفعلون. لهذا، نتوقّف عند نتيجة الخطيئة في قلب الانسان، بل في العالم كله، بعد أن حملت إلينا الخطيئة الألم والتعب والشوك والعوسج.

أ- كارثة في أربع لوحات
وحلّت الكارثة بالانسان بسبب الخطيئة التي اقترفها. هذا هو تفكير العبرانيين: من عمل الخير كانت له المجازاة الصالحة في هذه الدنيا، ومن عمل الشر كان عقابه الالم والموت. وهذا الذي يحصل للمؤمن اليوم، حصل لأول انسان على الأرض لأنه عصى أمر الربّ واستهان بوصاياه. أمّا كيف وصلت الحالة بالانسان إلى هذه الدرجة من فقدان عطايا الله، فالكاتب يرسم لنا في أربع لوحات الطريق التي قادت الانسان إلى الهلاك والموت.
اللوحة الاولى: التجربة والخطيئة. نحن في الفردوس حيث جعل الله الرجل، ثم جاءه بالمرأة التي تلازمه وتصير وإياه جسداً واحداً. الحية حيوان من حيوانات الأرض، ولكنها تتفوّق على الحيوانات بحيلتها. سنفهم فيما بعد أنها تمثّل ما يقاوم الله ويعادي البشر. المرأة رفيقة الرجل وهي كائن ضعيف. تأثّرت قبله بالتجربة، فسقطت في الخطيئة وسقط معها. ويبدأ الحوار بين الحية التي تعرف سرّ الشجرة المحرّمة وبين المرأة التي لم تصل اليها الوصية مباشرة، بل عبر الرجل (2: 17). اتّهمت الحية الله بأن ما يقوله غير صحيح، بأنه خائف من الانسان. وحاولت هكذا أن تبعد الانسان عن الله فنجحت. أما المرأة فدخلت في حوار وتركت التجربة تتسرّب إلى قلبها. هذا ما يعبّر عنه الكاتب عندما يذكر أن الشجرة طيبة المذاق للفم، متعة للعين.
أكلت المرأة من الشجرة، أي عصت أمر الله، ومثلها فعل زوجُها. قبل الخطيئة يقول الكتاب: كانا عريانين وهما لا يخجلان (2: 25). هذا لا يعني أنهما كانا يجهلان الحالة التي يعيشان فيها، بل ترمز هذه العبارة إلى حالة من السعادة ناتجة عن حياة من البرارة والصداقة مع الله. ولكن بعد الخطيئة يقول الكتاب: انفتحت عيونهما وعرفا أنهما عريانان (3: 7). انفتحت عين الانسان على الواقع المخزي الذي وصل إليه وفهم أنه خُدع بكلام الحيّة. أمّا العري فيرمز إلى خسران حالة البرارة. والاحساس به هو أولى نتائج الخطيئة. وهكذا تشوَّش نظام الكون، وأول تشويش فيه مسّ علاقة الرجل والمرأة.
اللوحة الثانية: وأحضر المتّهمان أمام القاضي. تصور الكاتب الله. رجلاً يقوم بالتحقيقات اللازمة حتى يصل إلى معرفة المذنب الحقيقي ويحدد مسؤولية الفاعلين. ومثُل الرجل بين يدي الله: هو حارس الفردوس (2: 15) والمسؤول عن العيلة. خاف من الرب، والخاطئ يخاف وجه الله القدوس. وأحسّ بنفسه أنه عريان من كل ما يجعله شبيهًا بالله، فاختبأ. سأله الرب: هل أكلت، هل فعلت ما حرّم عليك؟ بدأ فرمى بالمسؤولية على عاتق امرأته ثم أقرّ بخطيئته. وأخيرًا حمّل الربّ بعض الخطأ حين قال: المرأة التي أنت أعطيتني.
ورمت المرأة بالمسؤولية على عاتق الحية، فأعلنت أنها خُدعت. يقول ابن سيراخ (25: 24): من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن اجمعون. وانتهى التحقيق. فلا حاجة إلى طرح السؤال على الحيّة وهي تمثّل قوّة الشر في العالم.
اللوحة الثالثة: حكم الديّان. ويعلن الله حكمه على الحية والمرأة والرجل، فنفهم من خلال هذا الحكم لماذا وصلت البشرية إلى الحالة المزرية التي تتخبّط فيها. إن هذا إنما هو عقاب لخطيئة أول عيلة على الارض، وبالتالي كل عيلة على مثال العيلة الاولى. فنحن نقرأ في روم 5: 12: والخطيئة دخلت في العالم بانسان واحد، وبالخطيئة دخل الموت. وسرى الموت إلى جميع البشر لأنهم كلهم خطئوا.
حلّت اللعنة بالحية، ولم تحلّ بحواء تلك المخلوقة الضعيفة التي وقعت ضحيّة خداع الشر. يقول الكتاب: الخطيئة خدعتني وقتلتني (روم 7: 11). أنا الانسان الضعيف، أغوتني الخطيئة فقسا قلبي (عب 3: 13) فلم يعلم ولم يفهم.
على بطنك تسلكين وتراباً تأكلين. هذه هي حالة الاسير المغلوب على أمره فيعيش في الذل والعبودية. هذه هي حالة الحية فكيف يتعبّد لها الناس (2 مك 18: 4)؟ هذا الحيوان وما يمثّله من شرّ وموت، هو عدو الانسان مدى أجياله. ولكن انساناً، هو يسوع المسيح، سيسحق رأس الحية الجهنمية. قال يسوع: رأيت الشيطان يسقط من السماء مثل البرق. وها أن أعطيكم سلطاناً تدوسون به الافاعي والعقارب وكل قوّة العدوّ (لو 10: 18- 19)، وفي هذا تلميح إلى كل القوى المعادية للانسان.
والخطيئة تشوّه الحالة الحاضرة التي تخضع لها المرأة بصفتها أمًا وزوجة. ستعيش الالم في الامومة، والخضوع في الحياة الزوجية. "أكثر مشقات حَمْلك"، أي تحبلين في التعب والالم. إلى رجلك تنقادين فتخضعين له. تكونين له خادمة، لا شريكة ومساوية له.
وحلّت اللعنة بالارض، ولم تحلّ بالرجل الذي سيعرف الشقاء عندما يفلح الارض. بدل ثمار الاشجار سيكون له عشب الحقول، وفي هذا إشارة إلى انحطاط إلى مستوى الحيوان. وبدل الاشجار الحسنة التي كانت للانسان في الفردوس، سيكون له بعد الخطيئة الشوك والحسك. وبعد حياة الشقاء هذه، سيموت الانسان فيعود إلى التراب الذي أُخذ منه.
اللوحة الرابعة: نهاية هذه القصّة المفجعة. أعطى الرب الانسان أن ينمو ويتكاثر ولم يحرمه من هذه العطية الأولى (1: 26)، لأنه لا يأخذ ما أعطاه. لهذا ستكون حواء أم كل حيّ ورمزاً إلى كل امرأة. واهتمّ الرب بالانسان وما زال يهتمّ به رغم خطيئته. خاط له قميصاً من جلد وألبسه. أما هكذا تعامل الامُّ طفلها؟ ولكن لا يحقّ للانسان الخاطئ أن يبقى في جنة عدن، في موطن القداسة. إذًا سيُطرد من الفردوس. خُلق الانسان للخلود المرموز عنه بشجرة الحياة. ولكن تعدّيه على وصية الله المرموز عنها بالشجرة المحرمة، أفقده هذه العطية. إلاّ أن يسوع الانسان الاله سيُعيد إلينا الحياة ويمنع عنّا سلطان الموت.

ب- معنى هذه اللوحات
يبدو معنى هذه اللوحات واضحاً ونفسيّة الممثلين بيّنة وظاهرة. جاءت وصية الله بمثابة امتحان للرجل والمرأة اللذين وجدا في الحية مجرّبًا يجتذبهما إلى الشرّ. لا شكّ في أن عرض الواقع بالصور، لا يفتح أمامنا الباب الذي به ندخل إلى سر الشر، بل هو يفهمنا كيف نعيش ونجابه الشر الذي هو فينا قبل أن يكون خارجاً عنا. في هذه المشاهد، خُدعت المرأة أولاً لأنها تمثّل وجه الضعف في الكائن البشري. وما كانت لرجلها العون الشبيه به، بل تلك التي أغوته فأعطته من الثمرة المحرّمة. أما الرجل فكان لعمله وجهُ الرجولة في كل كائن بشري الذي يُقرّر ولا يؤخذ بالعاطفة. وبعد أن تعدّى الرجل والمرأة على الوصية، انفتحت عيونهما لكنهما لم يحصلا على المعرفة التي طمحا اليها، بل اكتشفا عريهما وشقاءهما وأحسّا بضميرهما الذي جرحته الخطيئة وأثارته الشهوة.
حين مثُل المتّهمان أمام الديّان، بدا عليهما الخجل الذي يمنعهما من الاقرار بذنبهما واعلان مسؤوليتهما: وبدت نواياهما السيّئة الواحد على الآخر، فالقى آدم المسؤولية على حواء، وحواء على الحية. أما هذا ما يحدث لنا نحن الذين ننكر خطايانا ولا نقرّ بها، ونبحث عن كبش محرقة نبرّر به ضميرنا الخاطئ؟ ولكن الكتاب يقول: إذا اعترفنا بخطايانا فالرب يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كل شر (1 يو 1: 9).
وجاء حكم القاضي يرسم بخطوط عريضة حالة البشر عبر التاريخ، ويبيّن كيف ترتبط هذه الحالة بالخطيئة التي غرقنا فيها. فالبشرية الموجودة في أول عيلة على الأرض تبدو أسيرة الموت والخطيئة. والحرية البشرية اختارت منذ البداية طريق الشقاء والموت. وهكذا سيكون التاريخ البشري تاريخ العداوة بين الانسان والشر. أمّا الله فسيكون بجانب الانسان. ولهذا يصبح تاريخ الخطيئة تاريخ مخطط الله الخلاصي. حيث كثرت الخطيئة فهناك فاضت النعمة.
وحالة البشر جُرحت جرحاً لا يندمل. فالرجل أُصيب في صميمه. لم تعد أرض الرب سبب سعادته وينبوع كل خير له، بل موضع شقائه. والمرأة اصيبت في صميم رسالتها كأمّ وزوجة. لم يعد للعطاء المتبادل من وجود بين شخصين متساويين في المجد والكرامة، بل شهوة تقود وخضوع يُذلّ. أجل، لم تكن تلك إرادة الخالق، بل نتيجة تصرّف الانسان الخاطئ. ولكن ما أتلفه الانسان لا يصلحه إلاّ الله. ونعمتُه الخلاصيّة وحدها تعيد العلاقة بين الله والانسان بعد أن قطعتها الخطيئة، وتحرّر الانسان من عبوديّة فرضها على نفسه. صنع الخطيئة فصار عبداً للخطيئة، ولكن الله يحرّره من الخطيئة.
وتنتهي القصة بصورة فردوس أضاعه الانسان وما عاد يمكنه الوصول إليه. ولكن اليأس يبقى بعيداً وتظلّ أبواب الرجاء مفتوحة. حكم الله على الحية فحكم على الشرّ بأن يسحق: ابن المرأة، يسوع ابن مريم، سيدوس الحيّة الجهنميّة، ويعيد إلى الانسان صداقته بالله وسعادته بالحضور معه.
ما قرأناه في هذا الفصل يدلّ على غنى النصّ بالصور والمعاني. ولكننا لن نبحث عن معلومات لا نجدها في الكتاب المقدّس. فالكاتب لا يتطرّق إلى المعطيات العلميّة، بل إلى معطيات الوحي. وفي هذا النصّ، نجد أول محاولة للتعبير عن مخطط الله. ولكن القديس بولس المستنير بسر المسيح سيكشف لنا السر الذي أُغلق على البشرية منذ دهور وأجيال فيقول: فاذا كان الموت ساد البشر بخطيئة انسان واحد، فبالاولى أن تفيض عليهم نعمة الله والعطية الموهوبة بنعمة انسان واحد هو يسوع المسيح (روم 5: 15).

خاتمة
خرج الانسان جميلاً من يد الله. فجاءت الخطيئة وشوّهته. أو هي جعلته لا يعرف التصرّف مع المخلوقات في الكون. العمل متعب للانسان، ولكنه جميل ولاسيّما حين نقطف ثمر عملنا. والولادة صعبة على المرأة وعسيرة ومؤلمة. ولكن الرب يسوع في الانجيل يحدّثنا عن المرأة التي تلد، وعن فرحها لأنها ولدت انساناً في العالم. كانت الخطيئة وما زالت آثارُها تعمل في العالم بغضاً وحقداً وقتلاً وحروباً. ولكن يسوع غلبها في جسده، في كنيسته، وهو ينتظر منّا أن نشاركه في غلبته. لا شكّ في أننا ما زلنا حتى اليوم نعمل الشرّ الذي لا نريد، ولا نفعل الخير الذي نريد. لا شكّ في أن الله افتدانا، ولكننا ما زلنا أسرى الخطيئة الحالَّة في أجسادنا. ونتمنّى أن ينجّينا الرب من جسد الخطيئة هذا. عند ذاك نصبح صورة الله التي مثالها وجه المسيح، ونشعّ جمالاً. عند ذاك يرى الله حقاً أن كل ما فعله كان حسناً جداً.
الفصل الرابع عشر
مسيرة البشريّة

حين خلق الرب الرجل والمرأة، قال لنا: انموا واكثروا وأخضعوا الأرض. ونمت البشرية منذ أول عيلة على الأرض. إلى هذا توصّل العلماء اليوم فقالوا بالدم الواحد الذي يسري في جميع البشر فيدلّ على أنهم يعودون إلى أب واحد وأم واحدة. واللغة الواحدة التي كان يتكلّم فيها جميع البشر، تدلّ على أنهم من محيط واحد ومجتمع واحد. في البدء الأول (مع آدم) هم واحد مع أول رجل وأول امرأة، مع المأخوذ من التراب الاسمر الذي سمّي آدم، ومع أم الاحياء جميعاً والرامزة إلى كل العيال والقبائل والمدن، التي سميّت حواء. وفي البدء الثاني مع المسيح، سيكونون أيضاً واحداً. فيسوع هو بكر جميع البشر وهو لا يستحي باخوته. فيا لسعادتهم. وهكذا تبدأ البشرية مسيرتها لتصل إلى الذروة، إلى المسيح. ومن المسيح هي تبدأ من جديد مسيرةً تقودها إلى الساعة التي فيها يجمع الرب يسوع في شخصه كل ما في السماء وما على الأرض.

1- مسيرة تسيطر عليها الخطيئة
أ- نظرة إلى تاريخ البشرية
بعد أن طُرد الانسان من الفردوس (3: 24)، بدأت البشرية تكتب بالدموع والدم فصولاً من تاريخها لن تنتهي قبل نهاية الزمن. وحاول الكاتب الملهم أن يقول كلمته في هذا التاريخ الذي عمره نصف مليون سنة. ماذا يستطيع أن ينقل الينا وليس في يده الوسائل التي بين أيدي العلماء اليوم (حفريات، كتابات، نقوش)؟ سينقل الينا نتفًا ممّا وصل إليه من أخبار قديمة. وينقل إلينا بشكل خاص نظرته إلى التاريخ على ضوء كلام الله، وهذا ما يهمّنا بالدرجة الاولى.
يحدّثنا عن قايين وهابيل، عن مدنيّة الفلاحين ومدنيّة الرعاة (4: 2)، عن شعب بنى مدينة واحتفل بالعيد على صوت الكنارة والمزمار (4: 21)، عن الذين سكنوا الخيام أو صنعوا الحديد والنحاس (4: 22). وسيبنون السفن كما فعل نوح، والابراج كما في بابل، فنفهم أننا في العصر الحجري الحديث (في الالف 8 ق. م). عصر بناء مدينة أريحا وغيرها من المدن.
ما يرويه لنا الكاتب من أحداث، جعله بين آدم وابراهيم. ولم يفعل ما فعل لأهداف تاريخيّة، بل لاكتشاف أسباب الشر ونتائجه في تاريخ البشر كما عرفه أهل ذاك الزمان. فعلّمنا بالصورة والمثَل، ورسم أمامنا بعض المشاهد التي توجّه أنظارنا في خطّ الخلاص الذي سيتوضّح في شخص ابراهيم عبر شيت وأنوش وأخنوخ ونوح. كتب لنا لا تاريخ وقائع كما نكتب اليوم، بل تاريخاً نموذجياً، بمعنى أنه اختار لنا نماذج من حياة البشر وطبعها بطابع الايمان: أخ يقتل اخاه، رجل تتعددّ زوجاته، منطقة تخرب بفعل الطوفان، مدينة تدمَّر بسبب الخلاف الذي دبَّ بين أهلها. حسب القول المأثور: كل مملكة تنقسم على ذاتها لا تثبت (مر 3: 24).
انطلق الكاتب منذ العصور القديمة، منذ زمن الصيد والقطاف، فوصل إلى عصور الزراعة ورعاية المواشي وبناء المدن، فجمع كل هذه العصور في بضعة أسماء. أراد أن يبني جسراً بين آدم وابراهيم، فجعل له بعض الركائز وهو عالم ولا شك أن جسره ناقص. ولكن ما همّ، والتاريخ هو هو، وأفعال البشر تجرّهم إلى الخطيئة والموت، فليس من جديد على الأرض. من أجل هذا، لن نتوقّف على القول إن كان هابيل الراعي وقايين المزارع هما ابني آدم وحواء. ولن نتساءل كيف تزوّجا. فبين بداية الخليقة وعصر الزراعة وتربية المواشي مئات الآلاف من السنين. ثم ان كلمة "ولد" لا تربط الأب بالولد على جيل واحد، بل على أجيال وأجيال. هناك رباط بين العيلة الأولى وكل عيلة على الأرض. ولكن الأجيال التي تفصل بين عيلة وعيلة غير معروفة ولا يهتمّ الكاتب بمعرفتها.

ب- تاريخ مقدّس
الكاتب الملهم يدوّن تاريخاً مقدّساً، والمسألة الاساسيّة التي تهمّه هي علاقة البشر بالله بعد أن دخلت الخطيئة العالم. لذلك نراه يذكر بداية عبادة البشرية لله. قايين يقدّم من ثمار الأرض. هابيل يقدّم من مواشيه. تلك كانت تقدمة البواكير في بداية الربيع والتي سيعمل بها العبرانيون بمناسبة عيد الفصح وغيره من الأعياد (خر 34: 19 ي). أنوش (أي الانسان) يدعو باسم الرب في ذبيحة قدّمها له، ويسمّيه قبل موسى بأجيال باسم "بهوه". الاله الذي هو ولا أحد سواه (4: 26). تقدمة الذبائح سيحدّثنا عنها الكاتب بعد الطوفان: بني نوح مذبحاً وأصعد محرقات على المذبح (8: 20)، كما يحدّثنا عن عهد بين الله والانسان (9: 8 ي).
ويحدّثنا الكاتب الملهم عن الخطيئة التي تُفسد الكون. ويورد لنا اسمين اثنين: قايين، أول قاتل، دفعته الخطيئة إلى قتل أخيه لينتقم من ربه. ولامك الذي انتقم وما وضع حداً لانتقامه، وأنشد ما فعل فما هاب الله ولا استحى من الناس. قتل رجلاً بسبب جرح، وولداً بسبب خدش، فلم يعرف أن يناسب بين الجريمة والعقاب. قبله انتقم الناس سبع مرات. أما هو فسينتقم سبعاً وسبعين مرّة. هذه الممارسة سيطوّرها موسى فيقول: عين بعين، سنّ بسنّ، يد بيد، ورجل برجل، وحرق بحرق (خر 21: 23). أما يسوع فسيقلبها رأساً على عقب. يمنع الانتقام فيقول: لا تنتقموا ممن يسيء اليكم (مت 5: 38)، ويفرض على تلاميذه أن يغفروا بلا حدود. أغفر لأخيك سبع مرات، بل سبعين مرّة سبع مرات (مت 18: 21- 22). وأفسد لامك الأرض أيضاً بتعدّد زوجاته: عادة وصلة. أهمل الشريعة القديمة التي تقول: يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيكون الاثنان جسداً واحداً (2: 24) لا الثلاثة أو الاربعة. سيترك الشعب العبراني هذه الوصية، ولا يكادون يذكرونها فيشرّعون في الطلاق. أما يسوع فيفسّر هذا التساهل الموسوي بسبب قساوة قلب الشعب (مت 19: 8) ويرفع الزواج إلى مستوى سرّ يرمز إلى اتحاده بكنيسته اتحاداً دائماً.
الحديث عن عبادة الله والعمل بوصاياه كان هدف الكاتب الملهم في الاخبار بتاريخ البشرية، لأنه يدوّن تاريخاً مقدّساً.

ج- نسل قايين ونسل شيت
أخنوخ ابن قايين الذي باسمه تسمّت أول مدينة. قايينُ بناها ودشّنها (معنى أخنوخ أي التدشين) في زمن بناء المدن في الشرق. ثم كان عيراد، ابن أخنوخ، ومحويائيل (معنى الكلمة: الله يحيي)، ابن عيراد، ومتوشائيل (ومعناه رجل الله في الاشورية) ابن محويائيل. ونصل إلى لامك وأولاده. يابل هو جد الرعاة، ومعنى اسمه من يقود المواشي. ويوبل جد كل عازف على آلة موسيقية ويعود اسمه إلى قرن الكبش الذي يُنفخ فيه فيخرج صوتاً. وتوبل جد الحدّادين. فقايين لفظه تعني الحدّاد (في العربية قان الحديد أي سوّاه، والقونة هي القطعة من الحديد أو النحاس). وتوبال هي منطقة من آسية الصغرى (تركيا حالياً) اشتهرت بتصنيع الحديد.
نلاحظ أولاً أن الأسماء ليست من صنع الخيال، والقينيون قبيلة سوف نتحدّث عنها عندما نتطرّق إلى شخصية قايين. وهذا ما نقوله عن الشيتيين، وشوتو قبيلة عاشت جنوبي شرقي فلسطين، وعن أسماء عديدة أخرى. ونلاحظ ثانياً أن الكاتب الملهم نقلنا إلى الألف 2 ق. م. وبالتحديد إلى سنة الفين يوم عرفت كنعان شغل النحاس وإلى سنة 1200 يوم دخلت إليها صناعة الحديد. ونلاحظ ثالثاً وأخيراً أن نسل قايين ارتبطوا بحياة الحضر من بناء مدن وصناعة وحياة لهو وترف. أما نسل شيت فسيُعرف بتعبّده للاله الواحد. شيت سيكون محل هابيل، وعنه سيرضى الله كما رضي عن هابيل وتقدمته. وأنوش أي الانسان (في العربية الآن تعني البشر) يذكرنا بآدم الانسان الاول. معه بدأ الناس يدعون باسم الرب، ويرفعون إليه الصلوات.

2- قايين القاتل
هذه البشريّة السائرة في عمق الخطيئة، يجسّدها شخص قايين الذي يدلّ على كل قاتل على الأرض. سواء قتل بالعصا أو بسلاح من الأسلحة التي تتطوّر في الفتك. سواء قتل بالبغض والحقد والشتيمة والصياح وتثبيط الهمم. ومع ذلك، لن يكون العالم كله قايين.

أ- أخبار القبائل
قصة قايين الذي يقتل أخاه هابيل قصة قديمة تناقلتها القبائل أجيالاً قبل أن تدخل في تراث الكتاب المقدّس. قصة واقعية مهما يكن اسم الفاعلين، أخذها الكاتب من محيطها الخاص وجعلها في بداية التاريخ. لأنها ميزة بشريّة تركت الخطيئةَ تتسلّط عليها وتجلب عليها الموت. قصة انتظمت في اطارها الذي نعرفه في زمن بناء المدن وتميّز الفلاحين عن الرعاة، وسكّان الحضر عن سكان الوبر وما يتبع ذلك من خلاف وصراع.
قصة قايين هي قصة جد القينيّين. منهم كان حوباب، حمو موسى (قض 4: 11)، وهم يشكّلون قبيلة عبدت الاله الواحد وأقامت في أرض كنعان قبل مجيء بني اسرائيل اليها. قادوا مسيرة العبرانيين في البرية (عد 10: 29 ي)، وسكنوا معهم بعض الوقت (قض 1: 16) ولكن لم يكن لهم حق اللجوء. وهنا نظن أن أحد الاسباب التي دفعت الكاتب الملهم إلى تدوين هذه القصة في التوراة هو الاعلان أن القينيين حُرموا من الاقامة في أرض كنعان بسبب لعنة الله عليهم في جدهم قايين.
ويمتزج الخبر القديم بعناصر حديثة عن تقدمة ثمار الأرض كما كان يفعل الفلاحون، وعن تقدمة الغنم كما كان يفعل الرعاة. هل قدّم هابيل من سمان غنمه تقدمة تدلّ على سخاء أمام ربه، أم أنه احرق الشحم فصعد بخوره محرقة رضي بها الربّ. الأمران معقولان. وهكذا انطلق الكاتب من عادات عرفها، فرجع إلى العصور القديمة، ليبيّن لشعبه أن ما يقومون به عريق في القدم ويجب المحافظة عليه وممارسته بالخوف والرعدة.
هذا الخبر القديم أخذه الكاتب وأعطاه معنى لاهوتياً فشرح لنا مفهوم الخطيئة. حين خطئ آدم وحواء اختبأا بين أشجار الجنة (3: 8)، ولكن حين خطئ قايين، ما عاد يتجاسر أن يرفع عينيه لئلا تقع على عيني الرب. والخطيئة يشبّهها الكاتبُ بحيوان مفترس يربض عند باب قايين ويتحفّز للوثوب عليه. هي تحاول أن تجتذبه كما اجتذبت الشجرة المحرمة حواء، ولكن باستطاعته أن يتغلب عليها. هو حرّ يستطيع أن يتسلّط على الخطيئة أو يتركها تتسلَّط عليه.
وتتسلّط الخطيئة على قايين وتصيّره قاتلاً. وهو لن يكتفي بأن يختبئ من وجه الله كما فعل آدم، بل يهرب من الأرض الخصبة الآهلة بالسكان. هو يترك حضورَ الرب ويذهب إلى أرض لا يقيم فيها أحد، أرض بعيدة عن عين الرب. ولكن إن ابتعد الانسان عن الرب، فالرب لا يترك الانسان وهو لن يزال يحافظ على قايين، لأنه لا يريد موت القاتل بل عودته إلى البيت الوالدي.

ب- هابيل صورة المسيح
أول صورة عن الصراع بين قايين وهابيل نستطيع أن نقرأها في عالم السومريين بالعراق، بين الله الرعاة واله الفلاحين. ولكن الكتاب المقدّس بدّل هذا المفهوم الأول وجعله قتالاً بين أخوين اثنين، أظهر فيه قايين نواياه السيئة. وسيفسّر الترجوم الآرامي هذا المقطع فيقول: وقال قايين لأخيه هابيل: "لنخرج معاً إلى البرية". ولما خرجا معاً إلى البريّة قال قايين لهابيل: "أنا أرى أن الله لم يخلق العالم بمحبّة، وأنه لا يديره بحسب ثمرة الأعمال الصالحة، وأنه حين يدين فهو يحابي الوجوه، وإلاّ فلماذا رضي عن تقدمتك كل الرضى ولم يرضَ عن تقدمتي"؟ أجاب هابيل وقال لقايين: "إن الله خلق العالم بمحبة وهو يديره بحسب ثمرة أعمالنا الصالحة. وبما أن أعمالي أفضل من أعمالك فالله قبل تقدمتي ولم يقبل تقدمتك". أجاب قايين وقال لهابيل: "لا دينونة ولا ديّان ولا عالم آخر، لا مجازاة خير للصالحين ولا عقاب للاشرار". فقال هابيل: "بل هناك مجازاة خير للصالحين وعقاب للاشرار". وأخذا يتجادلان في البريّة. فوقف قايين تجاه أخيه هابيل وضربه بحجر على رأسه فقتله.
حاول الترجوم أن يجد السبب الذي لأجله لم يقبل الله تقدمة قايين، فكان هذا الحوار بين الأخوين. وعارض الفكرُ اليهودي، وبعده الفكر المسيحي هابيل التقي بقايين الشرير، فتكلّم متّى في إنجيله (23: 25) عن دم هابيل الصدّيق. وقالت الرسالة إلى العبرانيين (11: 4): بالإيمان قدّم هابيل لله ذبيحة أفضل من ذبيحة قايين، وبالإيمان شهد الله له أنه من الابرار عندما رضي بقرابينه (رج عب 12: 24). أما القديس يوحنا فيقابل بين أعمال هابيل الصالحة وأعمال قايين الشريرة (1 يو 3: 12). وانطلاقاً من كل هذا يرى التقليد المسيحي في موت هابيل رمزاً إلى موت يسوع على الصليب، فيقول: هابيل هو الراعي الذي قدّم من أبكار غنمه قبل أن يكون حملاً ذبيحاً، حملاً بريئاً، قتله حقدُ أخيه فصرخ دمه يطلب الانتقام. أما يسوع فهو الراعي الصالح وبكر جميع الخلائق، هو حمل الله الذي صُلب مع أنه بريء، فصرخ دمه إلى السماء يطلب لقاتليه نعمة الصفح والغفران.

ج- قايين صورة الانسان الخاطئ
لم يكن قايين ذلك الشرير منذ البداية، وهابيل ذلك البار. ولكن قايين المخلوق هو أيضاً على صورة والده. ترك الخطيئة تدخل قلبه فانقاد لها وصار قاتلاً. لهذا يجب أن نتأمّل شخصية قايين الذي هو صورة عن كل واحد منا فلا نقسّي قلوبنا ونغلق آذاننا عن سماع كلام الله.
في البداية يفضّل قايين على أخيه: هو البكر، هو الاقوى وهو من يعمل في الحقل، أما هابيل فهو الاضعف واليه سلّمت رعاية الماشية، وهو عمل لا يتطلّب الكثير من الجهد. قايين هو من اختاره الله وغمره بنعمه، ولكن عطايا الله صارت له صخرة عثار وسبب دينونة. فتكبّره وقساوة قلبه وتنكّره للرب، كل هذا نخر قلبَه وظهر خلال ذبيحة قدّمها له. كانت تلك الذبيحة عملاً خارجياً وشكلياً لم يضع فيها قلبه ولا روحه. قبل الله تقدمةَ هابيل بسبب استعدادات قلبه فأرسل النار على محرقته، ولم يقبل تقدمة قايين.
نلاحظ هنا كيف أن علاقة قايين بالله سيكون لها أثرها في أخيه. من يحبّ الله يحبّ قريبه أيضاً، ومن لا يحب بقي في الموت. ومن أبغض أخاه فهو قاتل (1 يو 3: 14- 15). رضي الله عن الأخ الاصغر، فحسده الأخ الأكبر وقتله. ونلاحظ أيضاً كيف أن قايين قسّى قلبه وعادى الله بطريقة ظاهرة وأبان أن حياة أخيه لا قيمة لها في عينيه. لهذا كان جوابه لله بعد القتل حالاً: لمست حارساً لأخي. قال هذه الكلمة ولم يبد أية ندامة. لعنه الله كما يلعن الأب ابنه علّه يتوب. ولكن قايين لم يتأسّف أبداً عما فعل، بل اكتفى بالتذمّر من العقاب القاسي الذي حلّ به وابتعد عن الأرض المزروعة كالابن المرذول. وهكذا فضّل أن يكون طريداً شريداً إلى أن تأتي ساعة منيّته.
ولكن مخطّط الله غير مخطّط الانسان، وسرّ نعمته يكمن في أنه لا يزال يحيط الخاطئ بعنايته. حيث تكثر الخطيئة هناك تفيض النعمة، والله يسهر على الخاطئ فلا تمسّ حياتُه ولا كرامته. لهذا جعل له علامة يدلّ بها على حمايته له فلا يقتله كل من يجده.
تلك هي قصتنا مع الله. يفيض الله عطاياه فيقابلها الانسان بالرفض. يدعونا الله فنقسّي قلوبنا ولا نسمع له، ولكن الله لا يرذل الخاطئ رذلاً نهائياً ولا يترك القاتل يسير في طريق اليأس، بل يعطيه علامة عن رحمته وحنانه وعنايته. مثل هذا الموقف الالهي واضح في الكتاب المقدّس. يقول الربّ في سفر حزقيال: سأهتّم بغنمي واعتني بها. انقذها من جمع المواضع التي شُتّتت فيها (حز 34: 11 ي). فالربّ هو الراعي الصالح الذي يضحّي بحياته في سبيل الخراف، وكل همّه أن يقود إلى الحظيرة جميع الخراف (يو 10: 11 ي). والربّ هو الأب الرحوم الذي ينتظر بشوق رجوع الابن الذي ترك البيت الوالدي (لو 15: 11).
أجل، قايين هو رمز الانسان الخاطئ. مع آدم قُطعت علاقة الصداقة بين الانسان والله. أما مع قايين فالخطيئة جعلت العداوة بين الانسان والله تتحوّل إلى تدمير العلاقة بين الانسان والانسان. فالخطيئة لا تشوّه فقط حالة النعمة، ولا تضع فقط حاجزاً بيننا وبين الله، بل هي تصيب الانسان في الصميم وتجعل السم القاتل داخل الجماعة البشرية. لا يعيش الانسان وحده، ولا يخطأ وحده، ولا يتقدّس وحده. وإذا قرأنا حياة قايين نجد أن ابتعادنا عن الله يجعلنا نبتعد عن اخوتنا، ومحاولة قتل الله في العالم تصل بنا إلى قتل القريب المخلوق على صورة الله.

خاتمة
تلك هي مسيرة البشريّة. فيها الصالح وفيها الخاطئ، فيها البار وفيها الشرّير. فيها القويّ مثل قايين الذي يملك الوسائل المتطوّرة، وفيها الضعيف مثل هابيل الذي لا يستطيع أن يدافع عن حياته. في الخارج، البشريّة تسير مسيرة الخطيئة. ولكن الله يعمل في الداخل. هو منذ الآن يبني سلالة الابرار، بانتظار أن يبني له شعباً خاصاً. ومع المسيح سينطلق لكي يبني الكنيسة التي هي جماعة المؤمنين الشاهدة لحضور الله في العالم رغم كل المآسي التي نشاهدها. أجل، هكذا بدأت البشرية. ولكنها مع يسوع بدأت بداية جديدة تطلب منا الالتزام لكي نجعل من تاريخ الكون تاريخ النعمة والخلاص لا مسيرة إلى الخطيئة والموت.
الفصل الخامس عشر
الطوفان بين بلاد الرافدين وعالم التوراة

عندما نقرأ تك 1- 11، لا نعتبر نفوسنا أننا أمام مؤرّخين شهدوا أحداثاً حصلت في بداية العالم، بل أمام مؤمنين يتأملون في سرّ الله. لا ينطلق الكاتب الملهم من الماضي ووثائقه ليصل بنا إلى الحاضر. فلا وثائق بين يديه ولا معلومات دقيقة. بل هو ينطلق من الحاضر ويقرأه على ضوء كلمة الله ويُسقطه على الماضي. هكذا فعل حين حدّثنا عن خلق الانسان. انطلق من عائلته فحدّثنا عن أول عائلة على الأرض، كما عن آخر عائلة على الأرض. وحين حدّثنا عن الخطيئة، لم يشر إلى خطيئة محدّدة حصلت في هذا الوقت أو ذاك. ولم يقل لنا إن كانت الخطيئة التي حدّثنا عنها تعارض هذه الوصيّة أو تلك. انطلق من واقع الانسان الخاطئ الذي يريد أن يصير إلهاً. الذي يرفض وصايا الله. الذي يعتبر أن لا سلطة فوق سلطته. لهذا يستعبد الرجل المرأة، ويقتل الأخ أخاه... انطلق الكاتب من واقعه فوصل إلى قلب البشريّة، إلى جذور البشريّة وأصلها. وهكذا نقول عن الطوفان، اعتبر الكاتب أن جميع البشر خطأة ولهذا فهم يستحقّون الموت. فأخذ خبراً من عالم بلاد الرافدين، كما أخذ غيره حين تحدّث عن الخلق، وصفّاه بمصفاة الوحي والايمان بالاله الواحد ليعطينا لوحة هي مزيج من لوحتين على الأقل، تصل بنا مع نوح البار إلى بشريّة جديدة.
ويتوزّع حديثنا في ثلاث محطات: خبر الطوفان وكأنه خبر تاريخيّ يحدّثنا عن شرّ البشر والعقاب الذي استحقّوه. الطوفان على ضوء العلم مع المعنى الروحي للسفينة. وأخيراً، الطوفان يعرّفنا إلى وجه الله وعلاقته مع الانسان.

1- خبر الطوفان
هنا نقرأ النصّ في التقليدين اليهوهي والالوهيميّ، بعد إشارة سريعة إلى ملحمة غلغامش.

أ- الاساطير القديمة والكتاب المقدّس
خبر الطوفان في ملحمة غلغامش خبر بطل ذهب يبحث عن الحياة، عن شجرة الحياة. فقادته الطريق إلى جده المؤلّه "اوتا نافستيم" فأخبره بالكارثة التي حلّت بالبشريّة والتي نجا منها. هذا الخبر الذي يرويه أوتا نافستيم يرجع إلى خبر قديم بقيت لنا منه مقاطع في اللغة السومرية (قصة زيوسودرا) وأخرى في اللغة الاكادية (اتراحسيس، لقب اوتا نافستيم في ملحمة غلغامش).
بدأ الاله "ايا" فكشف بطريقة غير مباشرة عن مخطط الآلهة بالطوفان الآتي. بنى اوتا نافستيم السفينة (الفلك) في سبعة أيام، وجعلها سبع طوابق على مثال هياكل العراق (زقورات) وجعل فيها عياله وماله ونماذج من كل حيوان على الأرض. ولما حان الوقت المحدّد الذي أعلنه الإله شمش (أي الشمس)، دخل البطل السفينة وأغلق الباب وراءه... ويدوم الطوفان سبعة أيام، ثم يأتي الاله "انليل" على السفينة فيأخذ أوتا نافستيم (كما حدث لاخنوخ) وينقله إلى الفردوس مع امرأته.
عرف الكاتب الملهم قصة الطوفان كما روتها بلاد الرافدين وتناقلها البابليون والاشوريون والحثيون والحوريون، ودوّنها في نسختين تتّفقان في المعنى العام وتختلفان في التفاصيل. أما المعنى العام فهو أن الطوفان ليس وليد تصرّف الآلهة الذين تعبوا من ضجيج البشر الذي يمنعهم من الراحة، كما قالت الاساطير. سببُ الطوفان هو خطيئة البشر. فالكاتب يردّد هذه الحقيقة المرّة بعد المرة: رأى الربّ أن شر البشر قد كثر (6: 5). فسدت الأرض أمام الله (6: 11). امتلأت الأرض جوراً من أيدي البشر (6: 13). وها نحن نعود إلى التفاصيل.

ب- المقدمة: سبب الطوفان والقرار الالهي (6: 5- 13)
نبدأ فنقول إن الكاتب الاخير الذي جمع النصوص في ما نسميه اليوم التوراة قد جمع ما قاله التقليد اليهوهي (يسمّي الله يهوه أي الرب) وما قاله التقليد الكهنوتي الذي دوّنه الكهنة في القرن 6 ق. م. وهذا ما نكتشفه عندما نقابل بين النصوص ونرى ما فيها من ترداد.
في اليهوهي يبدو نوح رجلاً رضي الله عنه. "وجد حظوة" لدى الله الذي ملأه بنعمه (6: 8). في الكهنوتي نوح رجل كامل بار. سلك مع الله أي سار بحسب وصاياه. في الأول رأى يهوه شرّ البشر ولفت نظره نوح. في الثاني بدا أن الجميع يستحقّون العقاب وأن نوح البار لن يستطيع أن ينقذ الا عياله وبعض الحيوان لئلا تزول الحياة عن الأرض.

ج- بناء السفينة (7: 1- 5؛ 6: 14- 22)
يهمل اليهوهي (7: 1- 5) الحديثَ عن بناء السفينة وتهيئة المؤن والطعام. عدد الحيوانات في الكهنوتي (6: 14- 22) اثنان، وهو كاف لتتكاثر. أما اليهوهي فيجعلها سبعة أزواج: فالانسان سيأكل منها ويقدّم بعضها لله بعد الخروج من السفينة. لا يميّز الكهنوتي بين الحيوانات الطاهرة بحسب الشريعة والغير الطاهرة، فالتمييز سيتم في شريعة موسى. أما اليهوهي فيعتبر أن عبادة الرب وتقديم الذبائح حدثٌ قديم قدمَ البشريّة.
بنى نوح السفينة وجعلها ثلاثة طوابق. هكذا سيكون هيكل سليمان (1 مل 7: 1 ي). أما الملحمة "اتراحسيس" فستجعلها سبعة طوابق على مثال هياكل بلاد الرافدين. نلاحظ أولاً كيف أن الخلاص لا يتم بسفينة سحرية، بل بفضل بركة الله الآتية من هيكله. وهنا نفهم أن الخطيئة تقابلها الذبيحة التي بها نكفّر عن الخطيئة. أما القديس بولس فينظر إلى التكفير والخلاص قبل أن ينظر إلى الخطيئة، ينظر إلى المسيح المخلّص قبل أن ينظر إلى آدم الخاطئ. فلو نظر إلى آدم لأخذ به اليأس كل مأخذ. أما وقد نظر إلى المسيح، فقد فهم أن الخطيئة تزول وكذلك الموت، وأن نعمة الله تفيض على البشر خاصاً وحياة.
ونلاحظ ثانياً كيف أن الكتاب المقدّس نقل ما قالته الاساطير من إطار هياكل العراق إلى اطار الهيكل الواحد المبني في أورشليم. وترك كل ما يشتم منه رائحة الآلهة المتعدّدة. فالعبراني كما قلنا لا يعرف الا الله الواحد ولا يعبد سواه الهًا رغم امتزاجه بالامم الوثنية.

د- الدخول إلى السفينة (7: 6- 17)
هنا يمتزج التقليد اليهوهيّ مع التقليد الكهنوتي. جعل الكهنوتي الطوفان يمتدّ سنة كاملة. ينقلب عالم خاطئ ويبدأ عالم جديد في بداية سنة جديدة. أما اليهوهي فاتّبع التقاليد الاكادية وجعل الله ينتظر سبعة أيام قبل أن يبدأ الطوفان، فأعطى الانسان الوقت الكامل ليعود إليه بتوبة صادقة، ثم جعل الطوفان يمتد أربعين يوماً، وهو عدد سيرمز في بني اسرائيل إلى زمن المحنة التي تسبق زمن التوبة واللقاء بالرب.

هـ- الكارثة (7: 17- 24)
جعلت الاساطير الطوفان يمتدّ سبعة أيام وسبع ليال، وهو عدد الكمال، فدلّت على عظمة غضب الآلهة الذين نووا إفناء البشريّة. أما اليهوهي فجعله يدوم أربعين يوماً على مثال الاربعين السنة التي أقام فيها شعب الله في البرّية عقاباً لهم على كفرهم. والكهنوتي جعل الطوفان يمتدّ خمسة أشهر أي 150 يوماً، وحدّثنا عن الجبال كما في النصوص القديمة ليدل على أن لا أحد يفلت من غضب الله، ان صعد إلى الجبل أو نزل إلى أعماق المياه (مز 139: 1 ي).
في الاساطير القديمة نقرأ أن الآلهة أنفسهم هربوا من شرّ الطوفان لأنهم ارتاعوا من غضبة المياه الغامرة، أمّا في الكتاب المقدّس، فالخبر بسيط جداً، وهو مجرد من كل الصور الملحمية: هلك كل من في أنفه نسمة حياة. والفاعل الاكبر هو الله. قال فكان كل شيء، قال فزال كل شيء. بيده كتب مصيرَ البشر، وبيده محا كل حيوان وانسان عن وجه الأرض. قدرته لا حدود لها. هو يحيي وهو يميت، هو يرفع إلى أعلى السماوات وهو يحدر إلى أعماق الجحيم.

و- نهاية الطوفان (8: 1- 13)
ويحدّثنا الكهنوتي بطريقته "العلمية"، فيجعل السفينة تستقرّ على جبل اراراط (اوراراتو كما يقول الاشوريون) وهو أعلى جبل عرفه العبرانيون. دام الطوفان 150 يوماً، ولم تظهر قمم الجبال الا بعد سبعين يوماً. توقّف الطوفان ليلة السبت في الاسبوع الذي يلي عيد المظال، في الخريف (لا 23: 34). وجفّت الأرض في بداية السنة الجديدة. نلاحظ هنا المعنى الديني لاسطورة قديمة أخذ الكتاب الملهم بأسلوبها المصوّر وطعّمه بروح الله وكلمته.
واتّبع اليهوهي النصوص القديمة التي جعلت السفينة تتوقّف على جبل نزير أو نصير. أرسل اوتا نافستيم الحمامة ثم السنونو ثم الغراب ليتأكّد أن الأرض قد جفّت. وهكذا فعل نوح الذي أرسل الغراب مرّة فما عاد. إنه رمز الموت والفناء. وأرسل الحمامة مرّة ومرتين وثلاثة، وانتظر بين المرّة والمرّة سبعة أيام. وكأني به قضى هذه الأيام السبعة في الصلاة. أو كأن الله أراد أن يكوّن الأرض من جديد، لا في أسبوع واحد بل في ثلاثة أسابيع. ومهما يكن من أمر، فالحمامة عادت في المرة الثانية وفي فمها ورقة زيتون وهذا التفصيل خاص بالكتاب المقدّس، وأرض كنعان أرض الزيتون. أجل، عادت الحياة إلى الأرض والبركة إلى الانسان، فلا خوف من الموت بعد.

ز- الخروج من السفينة (8: 13- 9: 7).
وانتهى الطوفان، وانتهى زمن الكارثة. الله يعاقب ساعة، ولكنه يرحم إلى الأبد.
في اليهوهي، بعد أن خرج نوح من السفينة، بنى مذبحاً وقدّم عليه محرقة للربّ. في الاساطير القديمة اقتربت الآلهة من رائحة اللحم. أما في الكتاب المقدّس فبقيت الصورة رفيعة، وعبّرت عن رضى الله. اذا كان الانف مركز الغضب، فالرائحة التي تدخل الانف تزيل الغضب. ولهذا يقول الكتاب: تنسّم الرب رائحة الرضى (8: 21).
غضب الربّ فكاد الكون يزول من الوجود. رضي الرب فعاد كل شيء إلى ما كان عليه في الماضي. عامل الله البشر بالرحمة، وهو العالم بأن أعماق قلوبهم شريرة. أقسم أنه لن يعود يلعن الأرض التي ستعرف تعاقب الفصول. ماذا تكون حالة الفلاح العائش في أرض كنعان اذا انقلب الصيف شتاء والشتاء صيفاً؟ بدأ الطوفان في الشهر الثاني أي في نيسان (7: 11)، وهذا لن يكون بعد اليوم.
في الكهنوتي نقرأ أن نوحاً خرج من السفينة يوم الاربعاء، وهو اليوم الذي فيه خلق الله النيّرين (1: 16)، أي الشمس والقمر، ونظّم تعاقب الليل والنهار. أجل لقد بدأ نظام جديد في الكون على مثال النظام الاول. قال الله للناس: انموا واكثروا (1: 28). وها هو يردّد القول ذاته (9: 1). زاد الرب بضع شرائع. الاولى: سمح للانسان أن يأكل لحم الحيوان (9: 3) بعد أن كان أعطاه في الماضي عشب الأرض وثمار الشجر (1: 29). وستأتي شريعة موسى فتحدّد الحيوان الذي يمكن المؤمن أن يأكله (حيوان طاهر) والحيوان الذي لا يمكن أن يأكله (حيوان نجس). سيقول الربّ بلسان موسى: هذه هي الحيوانات التي تأكلون لحمها (لا 11: 2).
الشريعة الثانية: لا تأكل لحماً بدمه (9: 4). فالدم مركز الحياة، والحياة مُلك الله. وسينظَّم سفك دم الذبيحة فيما بعد: يراق الدمُّ على المذبح مركز حضور الله. كما أن التراب (والحيوان هو من التراب) يعود إلى التراب، كذلك نفس الحيوان ونسمة الحياة التي وضعها الله تعود إلى الله بشكل سكيب على مذبح الله. الشريعة الثالثة: من سفك دم الانسان فدمه يُسفك (9: 5- 6). دم الحيوان يطالب به الرب، فكم بالاحرى دم الانسان. الانسان مصنوع على صورة الله فكيف يلغي الانسانُ صورة الله حين يقتل أخاه قتلاً؟ وهكذا يستعيد الكاتب الملهم "شريعة الانتقام" التي نادى بها لامك (4: 23 ي) بانتظار أن ينظّمها موسى فيحفظ حق الانتقام بوليّ الدم. لن نعجب من هذا التشريع، والبشرية لم تتقدّم بعد كثيراً في هذا المضمار، رغم قصور العدل وتكاثر القضاة وأساليب الردع. سنحتاج نحن اليوم إلى بعض الوقت لنجعل شريعة المسيح في مجتمعنا، فكم بالاحرى أبناء الاجيال العابرة.

ح- العهد بين الله ونوح (9: 8- 17)
نقرأ هنا نصّ الكهنوتي الذي يقول شيئاً ويردّده ليُدخله في آذان سامعيه وقلوبهم. هو يعد الانسان بنظام كوني لا يتبدل فيعود بالبشرية إلى الموت، بل يذكرنا أن العالم هو صالح أصلاً لأنه خليقة الله، وأن الخطيئة وضعت فيه ما فيه من فساد. ولكن بعد الطوفان، سيدشّن الله تاريخاً يبدو فيه لطفه من خلال عهد يقيمه مع الانسان. العهد عطيّة من قبل الله، وهو عطيّة مجانيّة، لأن الانسان الخاطئ لا يقدر أن يعطي الله شيئاً. كل ما يطلب الله من الانسان هو أن يسمع لوصاياه ويعمل بها. وعهد الله وعدٌ، علامته مكتوبة في السماء والانسان يراها. قوس القزح هي علامة عهد الله مع الانسان وهي تدل على بسمة رضى من الرب بعد العاصفة التي كانت علامة غضبه.
وعهد الله مع نوح لن يكون آخر عهد بين الله والانسان. فهناك عهده مع ابراهيم (17: 1 ي) وكانت علامته الختان. ثم عهده مع موسى في سيناء حيث يحضر الله في شعبه عبر مسكن يبنونه له، وكهنة يقومون بشعائر العبادة.
هنا نترك الاساطير القديمة التي تجعل الانسان بعيدًا عن الله، ونتعرّف إلى تاريخ مقدّس هو تاريخ علاقة الله بالناس الذي ستكون قمته "عمانوئيل". حينذاك يكون الله معنا في شخص يسوع. أجل، في آخر الزمان، صار الكلمة بشراً وسكن بيننا فأبصرنا مجده (يو 1: 14). في آخر الزمان كلّمنا الله بابنه الذي هو بهاء مجد الله وصورة جوهره (عب 1: 2- 3).

2- بين العلم والايمان
هنا يتوجّه كلامنا في خطّين. نحاول في الخطّ الأول أن نتعرّف إلى الطوفان من الناحية العلميّة. وفي الخطّ الثاني نكتشف معنى "السفينة" (أو: الفلك) التي هي خشبة خلاص لنوح ونسله، وبداية حياة للبشريّة كلها.

أ- من قايين إلى الطوفان
بين أول خطيئة يقتل فيها الأخ أخاه، وبين أمواج الشرّ والعنف، مرَّت سنوات وأجيال. بين عقاب قاساه قايين فنبذته الأرض، وبين عقاب جماعي أصاب البشريّة كلها لأن جميع البشر خطئوا، الطريق طويلة وهي تقودنا إلى الهاوية. لأن الطريق المؤدي إلى الهلاك رحب، والسالكون فيه كثيرون (مت 7: 13).
قال آدم، "كلاّ" للرب، لكنه خاف واختبأ بين أشجار الفردوس لئلا يقع نظره على نظر الرب (3: 8). وقال قايين "كلاّ" للرب وظل معانداً مكابراً: لست حارساً لأخي (4: 9). أما في زمن الطوفان فانتشرت الخطيئة وملأ الشرّ قلبَ الانسان. كان هناك ابناء الله، كان هناك جيل الذين يهمّهم الدعاء باسم الربّ والعمل بوصاياه. ولكن جاء وقت امتزج ابناء الله العاملين بأمر الله، بأبناء البشر الذين يسيرون بحسب شرائع البشر التي عبّر عنها لامك عندما تزوّج فتعدّدت زوجاته، وانتقم فما جعل حداً لانتقامه. وهكذا زال شعب الداعين باسم الرب ما عدا نوحًا وبنيه.
بانسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، فمات الانسان وعاد إلى التراب. ولكن حين خطئ جميعُ الناس عمَّ الموت جميعَ الناس (روم 5: 12- 13). خطئ الانسان الأول فطُرد من الفردوس وما عاد يحقّ له أن يقترب من شجرة الحياة وينعم بالخلود. ولكن حين خطئت البشرية كلها، وامتلأت الأرضَ جوراً وفساداً، سيطرد الربّ كل البشر من الأرض ويحدرهم إلى الجحيم، مثوى الاموات. هذا ما فعل بشعبه في البرية. تمردوا عليه كلهم فقال: لن يدخل أحد منهم أرض الميعاد. فظلّوا يتيهون أربعين سنة في البرية حتى مات جميع العصاة. وهذا ما فعل بجيل الطوفان. لم يكن باراً الا نوح وعياله، فما نجا من الموت الا نوح وعياله. تلك كانت شريعة المجازاة يوم لم يكن المؤمن يعرف أن المجازاة الحقيقية تتمّ بعد الموت، وإن تكن بعض مجازاة في هذه الحياة يعرف الله أن يعطيها غير عامل بحسب حسابات البشر.

ب- حدث الطوفان
ماذا يقول العلماء في حدث الطوفان؟ قالوا: في زمن من الازمنة، مرّت على الأرض موجة من الحرّ، فأذابت الثلوج وأحدثت الفياضانات العديدة، وهذا ما يفسّر أن يكون حدث الطوفان قد دوّن حتى في بلاد الهند وأميركا الجنوبيّة. وهذا الذي حدث في زمن من الازمنة والذي لم يتّفق العلماء بعد على تاريخه، ظل عالقاً في أذهان الناس، وكانوا كل ما فكروا فيه تذكروا عذابات البشرية ومخاوفها. ونحن اليوم لا نزال نخاف من طوفان من نوعٍ آخر هو حرب نووية لا تبقي على شيء، وكل هذا بفعل الانسان الخاطئ.
ولكن ما نقرأه في الكتاب المقدّس يبقى مرتبطاً بما حدث في بلاد الرافدين. فالحفريات التي قام بها علماء الآثار دلّت على أن فيضاناً حصل حوالي سنة 3500 ق. م، فغمر أرضاً سهليّة تمتد على ستة مئة كلم طولاً ومئة وخمسين عرضاً، وتركت وراءها طبقة من الاتربة التي خلّفها الفرات والدجلة. هذا هو الواقع. أما الكاتب الملهم فضخّم الخبر، وجعل المياه تغمر جبل اراراط الذي يرتفع إلى 4355 متراً عند اشميازين، وإلى 5157 متراً في أعلى قممه.
إذًا نحن أمام كارثة محليّة تمَّت في وقت من الاوقات، إلاّ أن الكاتب الملهم جعلها في بداية الكون وعمّمها على البشرية كلها. لم يُغمر جزءٌ واحد من الأرض، بل غُمرت الأرضُ بكل أجزائها. لم تهلك قبيلة من قبائل الأرض، بل هلكت كل قبائل الأرض. كأنّي به يقول لنا ما قاله الانجيل: إن لم تتوبوا، فكلُّكم هكذا تهلكون (لو 13: 3). خطئت سدوم وعمورة فأُحرقتا (19: 24)، وخطئت البشرية كلها فكان مصيرها الهلاك. ذاك هو اختبار شعب الله بعد دمار السامرة سنة 722 ق. م. ودمار اورشليم سنة 587 ق. م. ما حدث لبني اسرائيل لأنهم خطئوا سيحدث لبني موآب وعمون وصيدا وصور، بل سيحدث لجميع البشرية، لأن الله القدوس لا يطيق رؤية الخطيئة. فلا يبقى أمامنا إلاّ التوبة والعودة إلى الرب. وهو الرحيم يستعدّ ليرجع عن غضبه، فيرأف بنا ويستر لنا ذنوبنا وآثامنا، ويطرح في أعماق البحر جميع خطايانا (مي 7: 19).

ج- سفينة نوح
وأمر الربّ نوحاً أن يصنع سفينة طولها 300 ذراع أي 150 متراً، وعرضها 50 ذراعاً أي 25 متراً، وعلوها 30 ذراعاً أي 15 متراً. هذا يعني أن مساحتها تساوي سبعين الف متر مربّع تقريباً، وهو رقم خيالي. أما ذكر جيل اراراط فهدفه أن يُدخل الخبر في حيّز الواقع. نحن لن نبحث عن بقايا نوح وسفينته لا في "ارجيده" أي جبل الفلك كما يقول الاتراك، ولا في "كوك اي نوح"، أي جبل نوح كما يقول الايرانيون فيدلّون بذلك على منطقة أرمينيا. أما الذين حاولوا أن يصعدوا إلى جبل اراراط فما كتب عنهم الصحافيون بقي للاستهلاك المحلي.
لا شك أنه كان فيضان، ولا شك في أن رئيس قبيلة نجا مع أهله من الهلاك وعاد يبني قرية ويزرع أرضاً، ولكن هل نجا بواسطة سفينة أم لا؟ هذا أمر ثانوي. كم كانت قياسات السفينة؟ هذا ما لا يعرفه أحد. ولكن ما نستطيع أن نؤكّده هو أن السفينة لم تكن بهذا الاتساع، وانها لم تحو هذه الحيوانات المتنوّعة مهما حاولت الصور السينمائية أن تصوّرها لنا.
ونحن لن نبحث في خبر الطوفان عن معلومات تاريخية، أكان ذلك في أساطير الشرق أو الكتاب المقدّس. ما سنبحث عنه هو الفوارق بين النصوص الشرقية ونصوص الكتاب المقدّس. أراد الآلهة أن يستريحوا من ضجّة البشر. أما الله الواحد فيريد أن يكون بقرب البشر الذين خلقهم على مثاله وما يزعجه هو أنهم شوّهوا الصورة التي رسمها فيهم. في الرواية الاشورية غضب الإله إنليل لأن السفينة حملت البطل ونجَّته من الطوفان بفضل تدخل الاله أيا الذي أفشى سرّ الآلهة. أما الاله الواحد فافتخر بنوح كما سيفتخر بابراهيم وغيرهم لانهم أبرار وسلكوا في طريق وصاياه. بنوح ستكون بشرية جديدة، وبابراهيم شعب جديد.
في الكتاب المقدّس ستبدو كارثة الطوفان نموذجاً لعقاب الله الذي يصيب البشرية الخاطئة ويدلّنا على أن الانسان كائن مسؤول عن أعماله. إن أطاع شملته بركة الله، وإن لم يطع كلام الله ويحفظ أوامره ويعمل بها، يكون ملعوناً في المدينة وفي الصحراء. ويكون ملعوناً معجنة وثمر بطنه ونتاج بقره (تث 28: 15 ي). الله هو من يحكم على التاريخ البشري، لا الانسان، وحكمُه يرتبط بخطيئة الانسان. هذا ما يوضحه النص (6: 5- 11): كثُر شرّ الناس، فندم الرب أنه عمل الناس وتأسّف فقال: أمحو الانسان الذي خلقت. وستدلّ الرسالة إلى الرومانيين على أن غضب الله معلن من السماء على جميع إثم البشر ونفاقهم (روم 1: 18). ولكن هذا التشاؤم يقابله وعد الله بتعاقب الفصول بنظام (8: 22)، وعهده بأن يسير التاريخ نحو الخلاص (9: 1 ي). هذا ما نقرأه أيضاً في روم 3: 21- 26: الجميع خطئوا فحُرموا مجد الله ولكنهم يتبرّرون بالنعمة مجاناً، وبالخلاص الذي بيسوع المسيح. إذًا لم يترك الرب البشرية بين يدي أقدار عمياء رغم الخطيئة المسيطرة. والتاريخ هو موقع يكشف فيه الله عن خلاصه للبشر. والمحن التي تصيب البشر والتي ترتبط بدينونة الله ليست الكلمة الاخيرة التي يقولها الله، ان هي الا محطة مؤقتة وعابرة. ففي صليب المسح سنكتشف معنى ما يحلّ بنا من مصائب، وسنفهم أن آلام هذا الدهر لا تقاس بما ينتظرنا من مجد في يسوع المسيح.
في هذا الاطار تأخذ سفينة نوح معنى جديداً على ضوء ما قالته نصوص العهد الجديد وشروح الآباء. فرسالة بطرس الأولى (3: 18- 21) تقابل بين الطوفان والمعمودية: فالمسيح أيضاً مات مرة واحدة عن خطايانا... وبشّر الانفس التي كانت في حوزة سجن الجحيم، اولئك الذين لم يطيعوا قديماً على أيام نوح، حين أطال الله روحه، وأمر بصنع السفينة، على أمل أن يتوبوا. فما صعد اليها سوى ثمانية أنفار، فنجوا من الماء. وانتم أيضاً، على مثال ذلك، في المعمودية نجيتم لا بفساد الجسد من الدرن، ولكن باعترافكم بالله... أجل، الطوفان صورة عن المعمودية. كما أن البشرية الخاطئة امّحت بحكم الله بواسطة الماء. وكما أن باراً واحداً نجا فكان باكورة بشرية جديدة، كذلك الانسان القديم يفنى في سرّ الماء، والذي يصعد من جرن العماد هو خليقة جديدة.
ونتعرّف عند الآباء إلى رمز آخر: سفينة نوح تمثّل الكنيسة. يقول ترتليانس، خطيب قرطاجة: من ليس في السفينة لا يمكن أن يكون في الكنيسة. وقال القديس قبريانس أسقف قرطاجة: ابان القديس بطرس أن الكنيسة واحدة وأن الذين هم فيها ينجون. نجا من الموت الثمانية الذين كانوا في السفينة وهذا ما تفعله المعمودية لكم أيها المؤمنون.

3- وجه الله وعلاقته بالانسان
حين نقرأ خبر الطوفان نؤخذ بالخبر ونفرح بخلاص "البطل". أو نعتبُ على الله الذي أفنى البشريّة إذا قرأنا النصّ قراءة حرفيّة، فننسى أن الحرب العالميّة الثانية خلّفت وراءها ستين مليوناً ونيّف من الموتى. في الواقع، ما يريد الكاتب أن يبيّنه هو وجه الله الذي يعاقب ويرحم. الله الذي يعرف أن ينطلق انطلاقة جديدة مع البشرية، بل مع كل واحد منا.

أ- الطوفان صورة عن عالم نعيشه
الطوفان سطرة جاءتنا من بلاد الرافدين وأعاد صياغتها الكاتبُ الملهم. حملت الينا اختبارات محلية عديدة أجملها كاتب قديم في خبر نموذجي دُوِّن في الالف 3 ق. م. وهذا الذي نقوله يجد أساسه في حفريات اثرية تمت في أور وكيش وفي غيرهما من أماكن في بلاد الرافدين السفلى. فقد وجد العلماء في هذه الامكنة طبقة ترابية طمرت مدنًا متطوّرة. وهنا نفهم أن مثل هذه الكوارث قد ضخّمتها المخيلة الشعبية فوصلت إلينا بشكل اسطورة عن طوفان عمَّ الكون كله ولم يقتصر على فيضان محلي لنهر دجلة أو الفرات. وانطلقت الاسطورة من سومر وأكاد في بلاد الرافدين، فوصلت إلى بلاد اليونان (يحدّثنا أوفيد الشاعر عن الطوفان في كتابه عن تبدل الاشكال) والهند (في البرهمانا، مانو الرجل الاول هو بطل الطوفان). ومن الهند انتقلت الاسطورة إلى أندونيسيا وجزر الباسيفيك. وفي إطار تعدّد الآلهة، تلوّنت الاسطورة بالميتولوجيا، وتدخّل الآلهةُ في مصير البشر، فمنهم من ضرب ومنهم من حاول رد الضربة. منهم من لجأ إلى الغضب، ومنهم إلى الرحمة أقله لأخّصائه، وهنا امتزجت الخرافة بالاسطورة.
والطوفان قصة تنقل اختبار البشرية كلها، وتلوّن مخيّلتها بقلق على مصيرها. هل يسير الكون إلى الحياة أو إلى الموت؟ وهل الكوارث الكونية أمر لا بدّ منها أكانت فيضانات تحمل خطر الماء، أو براكين تحمل النار، أو هزات أرضية تجعل الأرض تفتح فاها لتيتلع الساكنين عليها فتعيد البشرية إلى العدم؟ مثل هذه الاختبارات تولِّد خرافات تنطلق من الخطر الجاثم على صدر البشرية. ومن المعقول أن يكون وراء اسطورة الطوفان المحلية، خرافة عرفتها مجموعات بشرية، وأخذ بها الكاتب الملهم فأعادها إلى الماضي السحيق وأبرز فيها صراع الله مع قوى المياه الغامرة، قوى الخلق بوجه الفوضى الاولى، وكلنا يعرف مدى الدمار الذي تلحقه المياه بالأحياء.
أسطورة وخرافة. فالطوفان خبر أخذ به الكاتب الملهم فأعطاه بُعدًا شاملاً وعبَّر به عن اختبار البشرية في كل زمان ومكان: الانسان يصارع قوى الكون التي تبدو أقوى منه لولا قدرة الله. ولكن هناك من يتّهم الله بحسده للانسان كما كانوا يقولون في الماضي. أو يتّهم ضعف الله وعدم اهتمامه أو غيابه كما يقول بعض "الفلاسفة". لن نناقش هذا الموضوع، ولكننا نكتفي بالقول إن الكتاب تطرّق إلى أسطورة الطوفان باسلوب ميتولوجي وأبعد عنها كل ما يشتم منه تعدّد الآلهة، كما أنه فسَّر تاريخ الكون على أنه تاريخ الخطيئة فرأى في الطوفان كما قلنا نموذجاً عن عقاب الله. ولكن رغم الخطيئة، فالله يريد من التاريخ أن يتابع مسيرته، ومن الخلاص أن يعمّ البشرية كلها. فالكون الذي يعيش ألم المخاض ينتظر أن يُعتق مع الانسان من الشرّ والخطيئة والموت.

ب- وجه الله
نظرة أولى ترينا وجه الله كوجه الانسان. فكما رأيناه يتمشّى مع آدم، ويتحدّث إلى قايين، ويقول ويصنع، ها نحن نتعرّف إلى عواطفه: أسف وندم حين رأى شرّ البشر يتزايد يوماً بعد يوم، عزم على معاقبة الخاطئين وانقاذ الابرار. نقرأ هذا فننسى أننا أمام الله الذي يعرف كل شيء. أتراه أُخذ على حين غفلة لما رأى شرّ البشر، فندم لأنه صنعهم. تلك هي طريقة البشر في الحديث عن الله القريب من البشر. وسيأتي يوم نتعرّف فيه إلى الله من خلال طفل بين أطفالنا وشاب بين شبابنا، يوم صار الكلمة جسداً وحلَّ فينا وسكن بيننا (يو 1: 14).
مثلُ هذه الصور تحطّ من قدر الله وقيمته، والكاتب الملهم عارف بعظمة الله التي لا تحدّها السماء ولا سماء السماوات. مثل هذه الصور مبنيّة على القول بأن الله أزلي وهو عارف بكل شيء، ولكنه يضع نفسه على مستوى الانسان، أو هو الانسان يريد أن يعبّر على أن الخطيئة تغيظ الله، فيتصوّر الله أباً لا يرضى عمّا يفعله ابنه فيعاقبه. مثل هذه الصور تدلّ على أن كلماتنا لا تستطيع الإحاطة بسرّ الله، ولهذا نتحدّث عنه بلغتنا فندل على أنه الاله الحي الفاعل الذي نشعر بالسعادة معه إن عملنا مشيئته وبالتعاسة إن ابتعدنا عنه وأدرنا وجوهنا عن وصاياه.
وجه الله وجه قدوس ولهذا لا يريد أن يرى الخطيئة. وجهه وجه نور فكيف تُراه يرضى بالظلمة؟ وجهه وجه الحق فكيف يقبل أن نكون من حزب الشيطان أبي الكذب؟ فإذا أردنا أن "نعرف" الخطيئة ونعيش في الظلمة ونستسلم لسلطان الكذب، كانت لنا الظلمة البرانية والبكاء وصريف الاسنان. كيف نستطيع نحن المخلوقون عنى صورة الله ومثاله أن نتمثّل بالشيطان عدو الله (6: 11) ونعدّ أنفسنا أبناء الله؟ هذا مستحيل.
البشرية خاطئة وهي تستحق الهلاك، ولكن نوحاً رجل بار، وقبله هابيل وشيت، وأنوش وأخنوخ. وسط عالم خاطئ هناك وجوه بارة. وسط سدوم هناك لوط، وأمام شرّ عمورة يرتفع وجه ابراهيم المتشفّع باسمه وباسم "عشرة أبرار" من أجل خلاص مدينة بكاملها. ونجا نوح ونجت معه عائلته، لأن الله، وإن كان إله الرحمة، فهو أيضاً الاله العادل الذي يجازي كلاً بحسب أعماله. ونجا لوط وعائلته، أو بالاحرى ابنتاه، لأن صهرَيه فضّلا العيش في سدوم الخاطئة والموت في النار والكبريت على الحياة في مدينة صغيرة لا تحمل شيئاً من مباهج الحياة. ومعاصرو نوح رفضوا السماع لكلام الرب، فظلّوا يفعلون كما في الماضي. يأكلون ويشربون، يزوّجون ويتزوجون إلى يوم دخل نوح السفينة وما كانوا ينتظرون شيئاً حتى جاء الطوفان فأغرقهم كلهم. وهكذا يحدث عند مجيء الانسان (مت 2: 38- 39). فهل سنكون مستعدّين لمجيئه لأن الطوفان يمكن أن يأخذنا على حين غفلة؟
كان عقاب الله يوم الطوفان مريعاً: كل من في أنفه نسمة حياة هلك... وكان ذاك أول حكم لله على العالم فجاء مرعبًا، ورمز إلى واقع ننتظره في آخر الازمنة: إن شدّة العقاب الالهي الذي رأيناه في الطوفان، هي صورة مسبّقة عن العقاب الابدي الذي ينتظر الخطأة الذين يقسّون قلوبهم ولا يرجعون إلى ربهم. قال يسوع: الآن بدأت دينونة هذا العالم. والآن هو كل وقت، فهل نكون مستعدين لهذه الدينونة؟
لا، لن نستطيع أن نستهين بمحبة الله الذي قال: لي الانتقام وأنا أجازي. لا لن نستطيع أن نستهين بمحبة الله دون أن نجعل نفوسنا بعيدين عنه. وإذا رفضنا الله بقساوة قلوبنا، فهو سيرفضنا بعد أن تكون نعمته فعلت المستحيل وما وصلت إلى نتيجة. حرّيةُ الانسان وحدها تقف بوجه قدرة الله، فلا نقسّي قلوبنا. لأن الله سيجبَر على معاقبتنا لانه لن يقبل أن تبقى الخطيئة بلا عقاب. إذا أردنا أن نتخلّص من خطايانا خلّصنا الله، أما إذا تعلّقنا بخطايانا فستجرّنا خطايانا إلى العذاب الابدي.

ج- عهد الله مع نوح
كانت كلمات الرب لنوح صدى لتلك التي قالها لآدم: انموا وأكثروا واملأوا الأرض. كان آدم أبا البشرية الاولى إلى زمن الطوفان. وسيكون نوح أبا البشرية الثانية بعد زمن الطوفان. بآدم حل شقاء روحي على البشر، وبنوح بزغ فجر علاقات جديدة من الصداقة بين الله الامين الذي لا يمكنه أن ينكر نفسه وبين البشرية الخاطئة كلها. إن آدم يتضمّن في شخصه كل البشر، كذلك لا يمثّل نوح نفسه فقط، بل يمثّل البشرية كلها في لقاء جديد مع الله على طريق الخلاص... وهكذا وصلت صداقة الله إلى ابراهيم ابي جميع المؤمنين، بل إلى المسيح ابن داود ابن ابراهيم الذي سيجمع البشرية كلها ويقدّمها لله الآب في جسده السري.
دور نوح عظيم في تدبير الله الخلاصي، وسيشبّه الآباء القديسين نوحاً بيسوع المسيح. هذا هو المعنى الديني الذي أراده الكاتب الملهم عبر الصور والتشابيه، ومن خلال الاسطورة والخرافة التي استقى منهما. ولكننا لن نقول إن نوحا وأولاده هما "بالفعل الزواجي" آباء جميع شعوب الأرض. فنوح هو من هذا الشرق أو هو من منطقة صغيرة من هذا الشرق، لاسيّما وأن الطوفان كما قلنا، كان كارثة حلّت في منطقة من بلاد الرافدين ولم تصب الكون كله. لهذا لن نحاول أن نستخلص نتائج علمية من نصوص كُتبت في زمن معيّن لتقدّم تعليماً دينياً يصلح لكل زمان. انتشر ابناء نوح في هذا الشرق، وقبلهم انتشر الناس في أصقاع الأرض، وهذا ما يفسّر أن أهل الصين واليابان وبعض القبائل الافريقية لم يحدثونا عن الطوفان. لان انتشارهم في الكون سابق لحدث الطوفان، أقله كما يذكره الكاتب الملهم نقلاً عن أساطير بلاد الرافدين.
يبقى أن نقول إن نوحًا هو رمز الخليقة الواعية لشقائها وخطيئتها، وهو أيضاً رمز إلى الرجاء الذي يدفعنا إلى الثقة بالله. نوح هو كل واحد منا حين نتقبّل بالشكر عطايا الله وندخل في مخططه فيغمرنا بنعمه. وخاتمة القول: إن الله يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق (1 تم 2: 4). إن الله لا يريد هلاك الخاطئ.

خاتمة
ذاك هو خبر الطوفان ومعناه في إطار الشرق ومدلوله اللاهوتيّ. سيذكره يسوع في إنجيله فيحثّ سامعيه على السهر. وسيذكره القديس بطرس في رسالته الأولى بمناسبة الحديث عن المعمودية (3: 20)، وفي رسالته الثانية في كلام حول نوح ذاك البار الذي نجا مع عياله من الموت (2: 8).
موضوع الماء معروف كعالم الشرّ والموت. وموضوع السفينة يدلّ على النجاة. انطلق الكاتب الملهم من هذين الموضوعين فوصل إلى تعليم حول الخطأة الذين يستحقّون العقاب، وإلى تعليم حول الأبرار الذين يستطيعون أن يتشفّعوا بإخوتهم على ما فعل ابراهيم بالنسبة إلى سدوم وعمورة. ولكن في النهاية، يسوع هو المخلّص الوحيد وهو يفتدينا بخشبة الصليب من الهلاك الآتي.
الفصل السادس عشر
كبرياء الانسان، من آدم إلى برج بابل

حين نقرأ سفر الجامعة وتتكرّر أمامنا عبارة "باطل الأباطيل، وكل شيء باطل"، نضع نظرتنا في نظرة هذا الباحث عمّا وراء الموت، عمّا يحدث غداً وبعد غد. نتأمّل في الانسان الذي لا يريد أن يضع لرغبته حدوداً. هو في الواقع يطلب أن يصير الله على مثال آدم، على مثال بُناة برج بابل. لقد اعتبر الكاتب الملهم أن الملوك الاغنياء والاقوياء، مثل ملك صور، ملك أشور، ملك بابل وغيرهم، قد أخذوا بروح العظمة فألّهوا نفوسهم واعتبروا أنهم خالدون. ولكن الانبياء سيُفهمونهم أنهم بشر. وسيُفهم سفر الجامعة المؤمن كيف يكون واقعياً. كيف لا يتعدّى حدوده. كيف يعيش في مخافة الله. عند ذاك يصل إلى سعادة في يومه الحاضر بانتظار سعادة أخرى أكثر عمقًا وديمومة.
نعالج في هذا الفصل لوحة تاريخيّة في درفتين. الأولى تنطلق من آدم وتصل إلى نوح. والثانية تنطلق من نوح فتصل إلى ابراهيم. ونتوقّف عند بناة مدينة بابل وبرجها الذي هو تلك "الزقورة" أي البرج المرتفع الذي يحاول أن يصل إلى الله ويتحدّاه على ما فعل نمرود (الذي هو تشويه لاسم الاله مردوك) الذي ظنّ أنه يستطيع أن ينتصر على يهوه، حين شدّ قوسه ووجّه سهمه إلى الله. لقد أراد الانسان أن يقتل الله بانتظار أن يقتل أخاه.

1- لوحة تاريخيّة
أ- التاريخ البشري يواصل مسيرته
حدّثتنا الفصول الثلاثة الاولى من سفر التكوين عن بداية البشرية المتمثّلة بعيلة، وستحدّثنا الفصول الثمانية التالية عن البشرية منذ البداية إلى الطوفان، ومن الطوفان إلى ابراهيم بسلسلة من الانساب تُعدّد الآباء وتعطي بعضاً منهم عمراً يقارب الالف سنة.
كان الناس في بلاد الرافدين يقسمون تاريخ العالم القديم قسمين. قسم أول سابق للطوفان، وقسم ثان بعد الطوفان. أما القسم الأول فتنغرز جذوره في عالم الميتولوجيا والاساطير. إلاّ أن اللوائح السومرية تورد أسماء خمس مدن بملوكها في بلاد الرافدين الواطئة. فمدينة باد تيبيرا (دور قرقرى في الاكاديّة) بجدارها الحديدي (وهذا هو معنى اسمها) تعيدنا إلى زمن عصر النحاس، وملكها "دوموزي" الراعي المؤلّه سيقاتل الفلاّح انكيدو بسبب "انانه" الاهة الحب. وتروي النصوص بناء الهياكل المكرّسة لآلهة البلاد، وجّعل أعمار ملوك (كانوا سبعة أو ثمانية أو عشرة) ما قبل الطوفان تتراوح بين 241200 سنة وبين 456000 سنة، وتذكر أسماء سبعة حكماء لقّنوا الناس الصناعات والفنون.
هذه العناصر الآتية من بلاد الرافدين ستكون نموذجاً يأخذ به الكاتب الملهم ليحدّثنا عن التاريخ البشري السابق للطوفان.
وبعد الطوفان ينطلق التاريخ بحسب التقاليد السومرية حول مدن تشكّل ممالك على مصب الفرات ودجلة، وكان لكل مدينة الله محلي ينتدب ملكاً من قبله ويعطيه سلطته. وفي الالف 3 نتعرف إلى الاكاديين وهم شعب سامي لغته قريبة من لغة العبرانيين. وبما أن الآباء كانوا يعتبرون أن آباءهم جاؤوا من بلاد الرافدين، فلا عجب إن هم جعلوا البشرية تنمو في بلاد الرافدين ومن هناك تنتشر لتصل إلى أقاصي الأرض.

ب- من آدم إلى نوح أو آباء ما قبل الطوفان
نقرأ هذه السلسلة الاولى فنجد فيها عشرة أسماء (عدد الكمال، عدد أصابع اليد). يورد النص لكل أب: اسمه، عمره حين ولد بكره، سنوات حياته، موته. وننتقل هكذا من اسم إلى اسم حتى نصل إلى نوح.
أعمار هؤلاء الآباء طويلة وهي لا تعطينا أيّة معلومات عن أعمار الناس في ذلك الزمان، بل تحاول أن تملأ الفترة التي تفصل البدايات عن الازمنة التاريخية. كان البابليون يجعلون ملوكهم يملكون آلاف السنين. أما الكتاب المقدّس فجعل أعمار آباء ما قبل الطوفان تراوح بين ألف وستماية سنة، وآباء ما بعد الطوفان بين ستماية ومائتي سنة. (11: 10- 26)، والآباء منذ ابراهيم إلى يشوع بن مائتي سنة ومئة سنة. ومع داود في القرن 11 تصبح أعمار الناس كما هي معروفة الآن.
في لائحة ما قبل الطوفان هذه، نلاحظ أولاً أن الاسماء التي فهـ د هنا تشبه إلى حدّ بعيد ما قرأناه في 4: 17 ي ولكننا نتحاشى أن نمزج بين تقليدين مختلفين. فأخنوخ الرجل البار الذي سار حسب وصايا الله في اللائحة التي كتبها الكهنة في القرن 6 ق. م. (5: 21- 22)، هو غير أخنوخ ابن قايين الخاطئ الذي أورد اسمه الكاتب اليهوهي في القرن 10 ق. م. (4: 17- 18).
ونلاحظ ثانياً أن الانسان ينقل إلى أبنائه صورة الله. وصُنع هو على مثال الله، وسيكون أولاده على صورته. أجل، عطايا الله لا ندامة فيها (روم 11: 29) رغم وجود الخطيئة وابتعاد الانسان عن الله.
ونلاحظ ثالثاً أن عمر الآباء لم يصل مرة إلى ألف، وألف علامة الكمال والخلود. جعلت النصوص الشرقية بعض الملوك والابطال في مصاف الآلهة الخالدين (غلغامش مثلاً). أما الكتاب المقدّس فيعلن: الانسان كالعشب أيامه وكزهر الحقل يزهر (مز 103: 15)، وما يعتّم أن ييبس، أما الله فهو منذ الازل إلى الأبد. ويحدّد المزمور عمر الانسان بسبعين سنة، واذا كان قوياً بثمانين سنة (مز 90: 10).
الاسم الاخير في اللائحة السومرية هو بطل الطوفان وسيكون له الخلود في نهاية المطاف. أما الكتاب المقدّس فيجعل نوحا بطل الطوفان يموت ولن يمنحه الخلود. ثم يتوقف على شخص أخنوخ الذي هو السابع بين العشرة، والسبعة عدد الكمال، والذي تطول حياته دورة شمسية كاملة، أي 365 يوماً، فيرمز إلى عبّاد الله في كل وقت وزمان. سار أخنوخ مع الله، أي سار بحسب وصاياه (5: 24)، وكذا سيفعل نوح (6: 9). هذه الامانة لله كانت نتيجتُها خلاصاً من الموت المحتّم بالنسبة إلى نوح، وانتقالاً إلى حضن الله بالنسبة إلى أخنوخ. أخذه الله كما سيأخذ إيليا فيما بعد (2 مل 2: 11) فاختفى وما رأى أحد جثته. فالله يبالغ في اكرام أحبّائه فيقوم بنفسه بمراسم دفنتهم وكأنّي به لا يريد أن يتخلّى عنهم في الحياة ولا في الممات. عن أخنوخ سيقول يشوع بن سيراخ (44: 16) إنه أرضى الربّ فنقله إليه. وقالت الرسالة إلى العبرانيين (1: 4) إن الربّ رفعه إليه من غير أن يرى الموت.

ج- من نوح إلى ابراهيم أو آباء ما بعد الطوفان (10: 1- 22)
نكتشف هنا أصل الامم المنتشرة على سطح الأرض بعد البركة التي منحها الله لنوح وأبنائه: أنموا وأكثروا (9: 1). كل شعوب الأرض تتفّرع من يافت (10: 2- 5) وحام (10: 6- 20) وسام (10: 21- 31) أبناء نوح. وهكذا يشدّد الكاتب الملهم على وحدة كل الشعوب التي قسمها إلى مجموعات ثلاث بحسب علاقتها التاريخية والجغرافية. ذكرَ الشعوبَ المعروفة في الشرق القديم بين القرنين 8 و6 وأغفل ذكر كل من العرق الأسود والاصفر والاحمر. ولكي يدلّ على التقارب بين الشعوب والقبائل والمدن، جعل الاسماء في علاقة تشبه علاقة الأب بابنه. فكوش يبدو أخاً لمصرائيم، لأن أرض كوش تدلّ على الحبشة القريبة من مصر على صعيد الجغرافيا. وصيدون هو ابن كنعان، بمعنى أن شعب صيدون يرتبط بأهل كنعان بحكم الجوار.
أبناء يافث هم الشعوب المقيمون في الشمال والشمال الشرقي، وإلى الغرب من أرض الساميين التي يعتبرها الكاتب محور الأرض. وأبناء حام يقيمون إلى الجنوب من أرض الساميين. أما أبناء سام الذين ذكرهم الكاتب في الأخير، فهم موضوع اهتمامه. فمنهم عابر جد العبرانيين، ومن عابر سيولد ابراهيم ابن تارح ابن ناحور.

د- المعنى اللاهوتي للائحة الشعوب
عندما نقرأ لائحة الشعوب والقبائل، نتعرّف إلى الصورة المقدّسة التي يكوّنها الكهنةُ عن العالم في القرن 6 ق. م. ويتناقلونها أبًا عن جدّ. كما نكتشف مرجعاً يجمع في طيّاته العلاقات بين الشعوب والشعب المختار من أجل رسالة محدّدة وهي استقبال يسوع المسيح.
ما نقرأه في هذه اللائحة تنمّ عن إلمام بالجغرافيا المعروفة في ذلك الزمان، ولكن الكاتب أغفل ذكر المدن والبلدان العظيمة، لأنه لا ينظر إلى الأمور من خلال سياسة البلاطات الملكية. ما يكتبه هو تاريخ مقدّس، والمعلومات التي استقاها من الشعوب المجاورة، ولاسيّما من الفينيقيّين، يضعها في إطار لاهوتي يتوافق ونظرته إلى مخطّط الله في الكون.
عدّد الكاتب القبائل والشعوب، فبيّن أن وعد الله بالبركة قد تحقّق. عدّد الكاتب هذه الأمم، فأظهر إعجابه بالله الخلاّق الذي وهب الحياة للبشر. وهذا ما عبَّر عنه القديس بولس في خطبته في ساحة أثينة (أع 17: 26) عندما قال: خلق البشر كلهم من أصل واحد، وأسكنهم على وجه الأرض كلها، ووقّت لهم الازمنة وصوّر لسكناهم الاماكن. اذا كان الفصل الاول من سفر التكوين قد روى لنا كيف خلق الله عالم الطبيعة، فالفصل العاشر يروي لنا كيف خلق الله عالم التاريخ البشري.
كل هذه الشعوب لا تعرف سر الخلاص، ولكنها ستشارك شعب اسرائيل في الخلاص. هذا ما نكتشفه لدى قراءة نبوءة ميخا (4: 1- 3): في آخر الايام تجري الشعوب إلى جبل بيت الربّ، وتنطلق أمم كثيرة ويقولون: هلّموا نصعد إلى جبل الربّ (رج أش 2: 2- 4). ونتأكّد من هذا الخلاص لدى قراءتنا الفصل الثاني من سفر أعمال الرسل الذي يحدّثنا عن الشعوب الذين تأثّروا بفعل الروح القدس ونعمته يوم العنصرة. قال لهم القديس بطرس: أيّها اليهود... الوعد هو لكم ولبنيكم، وللبعيدين جميعاً، أي الوثنيين الذين سيدعوهم الله (أع 2: 39).

2- برج بابل وتشتت البشر (11: 1- 9)
أ- وحدة شعوب الأرض
في البدء خلق الله الانسان رجلاً وامرأة، وكلاهما يمثّلان صورته ومثاله. في البدء خلق الله الرجل والمرأة واحداً. يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً. هذه هي وحدة العائلة منذ بداية الخليقة التي ظلّت على حالها رغم الخطيئة. عرف آدم امرأته فولدت قايين ثم أخاه هابيل. وتسلسلت الشعوب والقبائل في وحدة مرجعها آدم.
ثم بعد الطوفان انطلقت البشرية في وحدة سياسيّة واجتماعيّة: كل البشر يعودون إلى نوح عبر أولاده الثلاثة سام وحام ويافت ولكن الواقع قد تبدّل اليوم. أين وحدة البشريّة، ولِمَ تميّزت لغات البشر فما عاد شعب يفهم شعبًا آخر. الجواب نجده في حدث برج بابل كما رواه التقليد اليهوهي.
الخبر خبران. خبر يروي أولاً أن الناس أرادوا أن يتخلّوا عن حياة البداوة فبدأوا ببناء المدن. ولكن الكاتب المتشرّب بروح الصحراء، يعتبر أن بناء المدن يعارض عمل الله الذي كوّن الطبيعة وخلق الاشجار والحيوانات. الطبيعة عمل الله، والمدينة عمل الانسان، لهذا عندما يبني الانسان المدينة فهو يتحدّى الله، كما أن المدينة تصبح رمزاً إلى الشرّ وموضع كل العبادات الوثنية. وهكذا سيعتبر الكاتب "بابل" المدينة صورة عن ارتباط الانسان بالانسان بمعزل عن الله، ورمزاً عن تضامن بشرية أرادت أن تبني الكون دون الرجوع إلى الله.
والخبر الثاني يروي كيف أن الناس أرادوا أن يبنوا برجاً يصل إلى السماء فيتحدّون به الله وينجون من غضبته في طوفان يحلّ بهم مرة أخرى. أرادوا أن يرتفعوا فوق كوى السماء (7: 11) فلا تغمرهم المياه. ويروي أيضاً أن الناس أرادوا أن يقيموا لهم اسماً أي أن يخلدوا على مثال الله. وحسبوا أن أعمالهم ستخلّدهم. ولكن دمار المدن سيفهمهم أن الله وحده دائم أزلي وما عداه عابر زائل. أرادوا أن يبنوا بابل أي باب إيل، باب الله، فصارت المدينة لا مدخلاً إلى الالوهة التي توحّد بين البشر بل بداية بلبلة شتّتت البشر في كل مكان. أرادوا أن يبنوا برجاً على مثال الابراج المعروفة في بلاد الرافدين العليا في أرض شنعار، ليقيموا شعائر عبادتهم لالهتهم، ولكن البرج هُدم والهياكل الوثنية قوِّضت، ولن يبقى الا هيكل اورشليم الذي اليه ستأتي جميع عشائر الأرض.

ب- ما يقوله الكتاب عن بابل
يقول إن الناس جاؤوا من المشرق إلى الأرض الواقعة بين دجلة والفرات. والتاريخ يذكر أن الاكاديين والسومريين جاؤوا من شرقي بلاد الرافدين في الالف 5 ق. م. وأقاموا في تلك الأرض الغنية بالمياه. والنصوص المسمارية تعلمنا أنهم جاؤوا من الجبل الواقع إلى الشرق وإلى الشمال الشرقي لما نسميه العراق اليوم.
ويقول الكتاب إن الناس أقاموا في أرض شنعار، حيث سبقهم أبناء حام ونمرود ذلك الصياد الماهر (10: 10). أما شنعار فهي الاسم القديم للقسم الشمالي من بلاد الرافدين (14: 1؛ دا 1: 2؛ زك 5: 11). وصنعوا اللبن واستعملوا التراب الاحمر... هكذا وُلدت المدنيّة البابلية. لا حجارة ولا أخشاب في هذا السهل الواسع. لهذا عمد السومريون والاكاديون إلى التراب يطبخونه فيكوّنون منه حجارة ذات أربع زوايا، يجفّفونها في الشمس قبل أن يبنوا بها بيوتهم ومدنهم. ولقد أبانت الحفريات الاثرية أن الحجر كان مربعاً وضلعه يتراوح بين 31 و34 سنتم، وسماكته بين 8 و10 سنتم. وتعوّد العمال أن يحفروا على الحجر اسم الملك الذي أمرهم بصنعه ولهذا يسمى الالف 4 والالف 3 ق. م. عصر "اللبن" والحجر المصنوع من اللبن.
نبني مدينة وبرجا. نتوقّف هنا على البرج الذي تميّزت به المدن البابلية والذي سُمّي "زقورة" أي "برج بمراقٍ" لأنه كان مؤلّفاً من طبقات يرتقي بها المؤمنون ويصعدون إلى أعلاها الذي كان فارغًا والذي كان مخصّصاً لسكن الاله مردوك. اسم الهيكل "إيساجيل" أو "إيساجيلا" (يعني في السومريّة البيت الرفيع الرأس) واسم البرج "إي تيمين أن كي" أي هيكل أساس السماء والأرض.
هذه الابراج أو الزقورات كانت بناء ضخماً مربعاً ضلعه 90 متراً وكان يرتفع إلى 90 متراً. أما طبقاته السبع فكانت مكرسّة لكواكب الابراج السبعة، وكان لونُ كل طبقة يسحر الحجاجّ الآتين إلى الصلاة.
أما لماذا بنى الاكاديون والسومريون هذه الابراج؟ جاؤوا من الجبال وعلى رؤوسها كانوا يعبدون آلهتهم. ولما أقاموا في أرض شنعار (لا جبال فيها) بنوا أبراجاً تشرف على السهل (وكأنه جبل)، وعليها كانوا يقيمون شعائر العبادة لآلهتهم. ولكن في عيون اليهود الاتقياء الذين عاشوا ذلّ الاسر في بابل، فهذه الابراج هي رمز إلى الوثنية وتعبير عن عبادة آلهة غير الاله الواحد. فهل يعقل أن يترك الرب الاله مثل هذه الابراج التي هي رمز إلى الوثنية وتعبير عن عبادة آلهة غير الاله الواحد؟ فهل يترك الرب الاله مثل هذه الزقورات ولا يهدمها؟ بل هو يهدم المدن التي تأويها.

ج- لغة واحدة ولسان واحد
وهنا نزيد ملاحظة على ما سماه الكتاب "بلبلة الالسنة واللغات".
كان الأقدمون يعتبرون أن الناس تحدثوا في لغة واحدة حتى حدث بابل، فجاءت هذه البلبلة نتيجة عقاب الله لهم. مثل هذا القول خاطئ. لأن تنوّع اللغات هو نتيجة تطوّر بطيء ومعقّد جرّ وراءه اختلافات ستزداد يوماً بعد يوم. وهنا نقول إنه لا يجب أن نبحث عن نظريات في الفقه ولا في علم الفيزياء أو البيولوجيا عندما نقرأ نصوص الكتاب المقدّس، بل عن تعليم ديني يحمله الينا الكاتب الملهم الذي يريد أن يدخلنا أولاً وأخيراً في مخطط الخلاص.
كان اسم بابل باب الله، فجعله الكاتب الملهم "بلبلة وفوضى" راجعاً لا إلى الاصل السومري بل العبري خاصة والسامي عامة. ولكن وحدة الالسنة لم تعنِ في النصوص القديمة "لغة واحدة" كما نقول إن المصريين يتكلمون لغة واحدة أو الفرنسيون. فالملك المنتصر كان يحتفل بانتصاره فيرسل أمراً ملكياً يفرض فيه أن تعمل دواوين الملكة كلّها في لغة الحاكم. وهكذا يوم انتصر الاشوريون على مناطق الشرق، لم يجبروا الشعوب الخاضعة لهم على التخلّي عن لغاتها ولهجاتها (واللهجة هي لغة الانسان التي جُبل عليها واعتادها) الاصليّة ليأخذوا بلغة الحاكم، ولكنهم جمعوا هذه الشعوب في وحدة سياسية واقتصادية ودينيّة دون المساس بلغة الأمّ لكل من هذه الشعوب.
وهكذا عندما يقول الكتاب: كانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاماً واحداً (11: 1)، فهو يعني وحدة سياسية واقتصادية خضعت لها الشعوب المغلوبة على أمرها. وعندما يقول إن الله بلبل لغة هؤلاء الشعوب وشتّتهم (11: 9)، فهو يعني أن هذه الوحدة تفكّكت كالسبحة التي انقطع خيطها. اجتمعت هذه الشعوب بطريقة سطحية، ولكنهم ما عتموا أن طلبوا استقلالاً بعضهم عن بعض، فعاش كل شعب منعزلاً عن الآخر وتكلّم لغة لا يفهمها الآخر.
فإذا كان الشعوب لم يعودوا يتفاهمون في تاريخهم، فلأنهم رفضوا أن يتفاهموا. ربما كانت لغة الشعب الواحد مماثلة للغة الشعب الآخر. واعن حديثهم كان يشبه ما يسمّى "حوار الطرشان". فالاختلاف بينهم والتحاسد والتباغض، كلّ هذا كان السبب العميق الذي فصل الشعوب بعضها عن بعض وشتّتها في أربعة أصقاع الأرض.

د- المعنى الديني لبرج بابل
لماذا دوّن الكاتب الملهم حدث برج بابل؟ هناك هدفان اثنان بحسب الشرح.
الهدف الاول: أراد أن يربط بين أزمنة ما قبل التاريخ والازمنة التاريخية التي تُبرزها لنا الحفريات بما فيها من نصوص مكتوبة أو أقوال شفهيّة تتناقلها الاجيال. نحن لا نجد في النصوص الشرقية ما يقابل خبر بابل، ولكن نجد في هذا الخبر نموذجاً عن بناء المدن والمعابد.
الهدف الثاني: أراد الكاتب أن يربط بين الازمنة القديمة وزمن ابراهيم، أن يترك بلاد الله الواسعة ويضيّق آفاقه فلا تتعدّى بلاد الرافدين موطن أجداد ابراهيم (11: 31 ي). أراد أن يترك قصة البشرية ككل، ويحصر حديثه في عائلة واحدة هي عائلة ابراهيم، وفي شعب واحد هو شعب اسرائيل.
ولكن هناك الهدف الديني وهو الهدف الاساسي للكاتب الملهم: التشديد على تنوّع الالسن واختلاف اللغات. يعود كل هذا إلى عجز الجماعات الاتنية عن تكوين عائلة واحدة لا عيب فيها ولا خلل. لو تفاهم الناس وتحابّوا! ولكنهم يتقاتلون ويتحاربون ويتباغضون حتى الموت. أجل، قصة الخطيئة لم تنته فصولها بعد ولن تنتهي قبل نهاية العالم.
عاش شعب اسرائيل بين شعبين قويين، الشعب المصري والشعب الرافديني، وتحمّل العذاب من هذا وذاك ولكنه تأكّد أن هذين الشعبين سيعاقَبان عاجلاً أم آجلاً. هما لم يوحّدا الجماعات المختلفة، بل زرعا الشقاق على مثال ما تفعله اليوم القوى العظمى. ثم إن كل وحدة لا ترتكز على الله تبقى واهية وهي لا تدوم، وكل وحدة ترتكز على المصلحة تدوم ما دامت المصلحة وتزول ساعة تزول المصلحة.
إن الخطيئة ما زالت تفعل فعلها في البشرية حتى بعد الطوفان. فالشرّ يقسم الناس، والبغض يباعد بينهم. وحيث يرفض الناس أن يتعبّدوا لله، فعلاقاتهم بعضهم ببعض ستفسد. اتّحدوا في رفض وصايا الله. عارضوا الله. وها يأتي وقت سيعارضون فيه بعضهم بعضاً. تجمعوا في وحدة كاذبة ليقفوا بوجه الله ويتحدّوا قدرته، ولكن أنانيّاتهم المختلفة ستفسخ هذه الوحدة، فيخاف كل واحد على مصالحه، ويحاول أن يسيطر على الآخر ويستثمره.
أجل، لا نستطيع أن نبني جماعة تدوم إذا عارضنا الله وأوامره المتعلّقة بحياة البشر. أما إذا اعترفنا بالاله الواحد الحق وعبدناه وحده دون سواه، وضعنا الاساسَ لحريّة حقّة ولازدهار الشعوب. يمكن لبعض الاقوياء أن يستعبدونا موقتاً. بل يطردوننا من بيوتنا وأرضنا. ولكن يد الله القديرة تدافع عن شعبه المؤمن، وتنجّيه من كل شر، وتخزي جميع أعدائه.
مثل هذا الفكر اللاهوتي أعاد الرجاء إلى شعب أحسّ باليأس في أوقات صعبة، والامل بأن تاريخ الخلاص لا تتوقّف مسيرتُه مهما قويت يد البشر. برج بابل هو رمز القوة المعادية لله، وبابل الخاطئة هي صورة عن العالم الخاطئ الذي يتمرّد على الله. في هذا السبيل يقول إرميا (50: 2 ي): "قد أخذت بابل وأخزيت أصنامها. فإن أمة طلعت عليها من الشمال فتجعل أرضها مستوحشة". ويقول أشعيا (13: 19- 20): "فبابل فخر الممالك تصير كسدوم وعمورة. فلا تُسكن أبداً ولا تعمّر إلى جيل فجيل". أما سفر الرؤيا فيهتف: "سقطت، سقطت بابل العظيمة" (رؤ 14: 8) لأنها تمثّل عالماً أنكر وجود الله وصار مسكناً للشياطين ومأوى لجميع الارواح النجسة (رؤ 18: 2). وسيحلّ محل بابل مدينةٌ أخرى هي أورشليم السماوية، رمز الجماعة البشرية التي يوحّد الله بين أفرادها.
لا، ليس الانسان سيّد التاريخ، بل الله هو سيّد التاريخ. ومهما ارتفعت المدن فستُحطّ، ومهما تعاظمت الشعوب فالرب يتسلّط عليهم. أمام عظمته تبوء محاولات البشر بالفشل. أرادوا برجاً يصل إلى السماء، إلى عرش الله، ولكنه مشروع سخيف، والمسافة التي تفصل قدرة الله عن ضعف البشر تبقى بلا حدود. فكيف يستطيع الانسان أن يتجاوزها؟
إن زقورة بابل لا يمكنها أن تكون موضع تجمّع البشر، بل علامة تشتّتهم المبنيّ على الكبرياء. وإن تجمّع الشعوب والأمم والالسن واللغات، لن يتمّ الا حول الله الحي: نبحث عنه فنجده، نذهب إليه فنتعرّف عليه. ننطلق اليه ونصعد إلى جبله المقدّس، وننتظر منه أن يعلّمنا طرقه ويدلنا إلى سبله فنسلك فيها (أش 2: 2- 4).
نتعرّف إلى الربّ في عمليّة حج إلى أورشليم حيث يجمع الرب كلَّ الشعوب فيأتون ليروا مجده (أش 66: 88). أما ما تاقت إليه البشريّة منذ البداية من بحث عن الوحدة فسيتم يوم العنصرة، يوم ولادة الكنيسة (أع 2: 1- 11). وستكون هذه الولادة بداية تهيّئ العالم الآتي فيجتمع حول الحمل المذبوح جمهور كبير لا يحصى من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان (رؤ 7: 9- 12).
ستخرب بابل لأنها مدينة الخطيئة ولانها قادت شعب الله إلى المنفى. لذلك سيعاقبها الله بشريعة المثل: خربت الممالك فستُخرب. هذا هو تقليدٌ في الكتاب المقدّس. ولكن هناك تقليداً آخر يرى أن الله يهتمّ ببابل كما يهتمّ بأورشليم فيرسل إليها أنبياء يدعونها إلى التوبة كما أرسل إلى أورشليم والسامرة أنبياء يحدّثون الشعب باسم الله. أجل أرسل الله إلى نينوى الوثنيّة والظالمة يونان، فدعاها إلى التوبة، وكان الجواب لكلام النبي أن المدينة التي هي عظيمة مثل بابل، فيها الكثير من الناس الذين لم يعرفوا شريعة الرب بعد (يون 4: 11) وهم لما عرفوها لبسوا المسوح، وتاب كل واحد عن طريقه الشرير.
على كل حال تبقى اللوحة سوداء وقاتمة في مشهد برج بابل. فبعد خطيئة آدم، وعد الله بمن يسحق رأس الحيّة. وبعد خطيئة قايين حافظ الرب على القاتل ومنع عنه شريعة الانتقام. وبعد الطوفان كانت قوس قزح (وكأنّ الله يرمي سلاحه علامة التسامح والرضى) رمزاً لعهد الله مع شعبه. أما بعد برج بابل فنرى البشرية تتشتّت وتعيش حالة من الضياع واليأس. لو بقيت الحالة هكذا لكان مخطّط الله فشل. ولكن الله سيدعو ابراهيم وفيه ستجد الشعوب البركة وباسمه تتوحّد شعوب الأرض في الايمان بالله الواحد.

خاتمة
بدأت مسيرة الشعوب مع أول عيلة على الأرض، مع الانسان الأول الذي سمّي آدم، وهو الذي صُنع من التراب ويعود إلى التراب. وتوالت البشريّة لا بشكل دقيق، بل عبر محطّات متباعدة. أعمار بعضهم جاءت كبيرة لأنهم عاشوا في نسلهم الذي امتدّ مئات الأجيال. ولكن هذه الأعمار لم تصل إلى الرقم ألف كما في بلاد الرافدين، لأن هذا الرقم هو رقم الخلود. فالله وحده خالد في عالم التوراة. أما الانسان فمائت حتى لو كان نوح نفسه. فهو سيخطأ ويموت عكس بطل الطوفان في غلغامش الذي سيعرف الخلود. أما نهاية مسيرة البشريّة وتكبّرها، فسوف تتجسّد في تلك المحاولة اليائسة التي عاشها بناة برج بابل. وكانت النتيجة أنهم تشتّتوا. فالانسان وحده لا يستطيع أن يحافظ على وحدة الكون والتفاهم بين الشعوب. فهذه الوحدة وهذا التفاهم هما عطيّة من الله إلى البشر وقد وهبها لابرإهيم فتمنّت جميع الشعوب أن ترتبط بنسله وتتبارك بإيمانه.
الفصل السابع عشر
ابراهيم أبو المؤمنين وخليل الله

يحدّثنا التقليد اليهوهي (أي تعليم الحكماء العائشين في ظل الملك في أورشليم) عن ابراهيم فيبرزه رجلاً مباركاً تصل بركته إلى أبناء شعبه وإلى كل قبائل الأرض. والتقليد الالوهيمي (أي تعليم الأنبياء في السامرة) يبرزه نبياً يعيشه في خوف الله ويسمع كلمته ويعمل بها. ويصوّر لنا التقليد الكهنوتي (أي التقليد الذي ردّده بنو لاوي وهارون في أروقة الهيكل) ابراهيم رجلاً قطع مع الرب عهداً علامته الختان ونتيجته الارتباط بالرب ارتباطاً خارجياً والعيش في إطار جماعة الرب التي هي شعبه وغنم مرعاه.
ولكن قبل التوقّف عند هذه الصور المبسّطة والمزخرفة التي ترسم لنا وجه ابراهيم، الرجل الكامل والسالك أمام الله بغير عيب (تك 17: 1)، نتطلّع إلى ابراهيم الرجل الطيب وشيخ القبيلة وذي الخصال الحميدة، وإلى ابراهيم الخاطئ الذي ينتزعه الرب يومياً من خطيئته ويرسله إلى حيث يشاء (تك 12: 1؛ 22: 2)، إلى أرض مورية، الأرض التي يريها الرب لابراهيم ليذبح عليها ابنه اسحاق.

1- ابراهيم شيخ قبيلة
يورد لنا الكتاب نسب ابراهيم: "هو ابن تارح، بن ناحور... بن سام" (11: 25- 27). مولده في أور جنوبي بلاد الكلدانيين (جنوب العراق اليوم). انتقل مع أهله إلى حاران (الواقعة في تركيا اليوم) شمالي بلاد الرافدين، وهناك استقلّ عن أبيه واخوته وربعه. بعد ذلك توجّه بقبيلته إلى الجنوب، إلى أرض كنعان ومصر بحثاً عن الماء والكلأ، وقاد رجاله في طول البلاد وعرضها (13: 17) ومعه امرأته سارة وابن أخيه لوط.
في هذا الشيخ خصال انسانية حميدة. أولها: السرعة في إغاثة الأهل والترفّع عن المكاسب ساعة اقتسام المغانم (14: 14 ي). ثانيها: التسامح مع الضعيف واليتيم: أعطى لابن أخيه لوط أفضل الأرض المروية التي بدت كجنّة الرب (13: 10- 12). ثالثها: الكرم والضيافة التي ظهرت بشكل خاص عندما استقبل الرجال الثلاثة وأسرع في تهيئة الطعام لهم (18: 1 ي)، فقال فيه صاحب الرسالة إلى العبرانيين (13: 1- 2): أضاف الملائكة وهو لا يدري.
ويبدو ابراهيم رجل العهد مع امرأته الأميرة رغم كبر سنها. يأخذ برأيها مهما كانت الظروف (16: 2؛ 21: 10- 14)، ورجل التدين الذي يبني لربه مذبحاً أينما حلّ (12: 7- 8)، ويدعو باسمه، ويدفع العشور للكاهن ملكيصادق (14: 18). ويبدو ابراهيم أخيراً رجلاً مسالماً يتحاشى الخصومة مع ابن أخيه (13: 8) بشأن أرض يقيمون فيها، ومع امرأته بشأن اسماعيل (21: 10- 11)، ومع ابيمالك، ملك جرار (في فلسطين) بسبب آبار المياه (21: 22 ي).

2- ابراهيم الانسان الخاطئ
في العهد الجديد، ابراهيم هو رجل الايمان الذي دعاه الرب فلبّى الدعوة وسار وهو لا يدري إلى أين (عب 11: 8). ولكن نكتشف في سفر التكوين أن ابراهيم لم يكن باراً منذ البداية، بل صار كذلك بعد أن أدّبه الرب في طريق البر والصدق والطاعة، كما يؤدّب الأب ابنه، وعلّمه كما يعلّم الحكيم تلميذه.
يذكر لنا الكتاب أولاً أن ابراهيم كان مشركاً يعبد آلهة أخرى (يش 24: 2- 3) غير يهوه (الاله الذي هو) الذي تراءى له ودعاه إلى خدمته. ويلمّح ثانياً إلى أنه خان العهد مع الرب وحاول التملّص من أرض كنعان الجافة القاحلة، والتوجّه إلى أرض مصر الغنيّة بالماء (13: 10)، ناسياً أن الرب وعده بهذه الأرض هو ونسله (12: 7).
تزوّج ابراهيم مرة أولى بسارة (11: 29) فولدت له اسحق، ثم بهاجر (16: 1 ي) فولدت له اسماعيل، وأخيراً بقطورة (25: 1- 2) فولدت له أولاداً بعد اسحاق، ابن العهد. وهكذا تشبّه بلامك الذي اتخذ له امرأتين (4: 22 ي) متناسياً وصية الله منذ البدء (2: 24). أجل، خاف ابراهيم مرة أولى أن يرثه قيّم بيته، اليعازر الدمشقي (15: 2)، فاتخذ هاجر زوجة فولدت له اسماعيل (17: 18؛ 21: 11). وخاف مرة ثانية أن يموت اسحاق (22: 1 ي)، وارث الموعد، فاتّخذ له قطورة، وهكذا يأمن نوائب الدهر ويبقى له من يرث اسمه. ولكن أين هو هذا "المؤمن" من الايمان بوعد الله؟
بدا ابراهيم مع امرأته سارة رجل الدهاء الذي يحتال على فرعون (12: 11 ي) وعلى ابيمالك (20: 2 ي) لينجو بحياته، ولكن كذبه سينكشف أولاً وثانياً. غير أنه سيُفيد إفادة لا بأس بها، فيقول فيه الكتاب بمسحة من السخرية: صار له غنم وبقر وحمير وعبيد وجوار واتن وجمال (12: 16): باع امرأته لفرعون فأحسن فرعون اليه بسببها، وكذا فعل لأبيملك فأكسبه الغنم والبقر... وردّ عليه سارة امرأته (20: 14- 15).
وبدا مع أولاده منحازاً إلى اسحاق على حساب اخوته. ففي يوم فطام اسحاق صرف هاجر وابنها، فمضت وتاهت في البرية وكاد الصبي يموت لو لم يكشف الله لأمه بئر ماء فسقت ابنها (21: 8 ي). أجل، صرف ابراهيم اسماعيل فأقام بالبرية (21: 20)، وأبعد أبناء قطورة إلى الشرق (25: 6) لئلا يرثوا مع اسحاق (21: 10).

3- ابراهيم رجل الوعد
كان ابراهيم أرامياً تائهاً، ضالاً (تث 26: 5)، فسيّره الرب إلى أرض كنعان، وعلّمه طريق وصاياه. وهنا بدأت المغامرة التي سيُبرزها كل من التقليد اليهوهي والالوهيمي والكهنوتي.
يشكّل الوعد نصراً هاماً في التعليم الذي قدّمه التقليد اليهوهي، ولكن تحقيق الوعد تردّد فبدا وكأنه يتعثّر. ابراهيم هو وسيط بركة للشعوب، ولكنه يواجه إلهاً يتأخّر في تحقيق مواعيده، فصارع نفسه ليحيا إيماناً لا غبار عليه.
وعد الرب ابراهيم بأرض، ولكنه سلخه عن أرضه وأبعده عن قبيلة آبائه (12: 1). وعده بنسل كبير، ولكن امرأته عاقر لا ولد لها (11: 30). وجدّد الرب عهده مع ابراهيم الواصل إلى كنعان، ولكن ما زال الكنعانيون مقيمين في أرض الموعد (12: 6- 7). ضيّق الجوع على ابراهيم، فتخلّى عن أرض الموعد وانطلق إلى مصر معتبراً أن المجاعة أقوى من وعد الله (12: 10). وذهب إلى فرعون فأحسّ بالخطر يهدّد حياته، إلاّ أن الله أنقذه وباركه وحمى وارث الوعد بطريقة عجيبة. تهرّب ابراهيم، حامل الوعد، ولكن الله لم يتهرّب وواصل عمل الخلاص.
دبّ الخلاف بين رعاة ابراهيم ورعاة لوط، فترك ابن أخيه يختار ما يشاء من الأرض وهو العارف بالإيمان أن الأرض أرضه (13: 7 ي). حينئذ جدد الله له وعده وسار معه في طول البلاد وعرضها وكأنه يقيسها له. حاولت سارة أن تعمل بوسائل بشرية لكي يتحقّق وعد الله، ولكن ابن هاجر سيهرب إلى البريّة ويكون غريباً عن الموعد (16: 2- 14). أجل، سيكون للعجوزين ابن لأنه لا شيء مستحيل عند الله (18: 1- 16). ويتشفّع ابراهيم بمدينة سدوم فيدلّ على أن القسم الثاني من الوعد (أي تتبارك الشعوب بابراهيم) قد تمّ (18: 20- 33). ويحقّق الله ما وعد به فيولد اسحاق (21: 1) الذي سيزوّجه والده بابنة من قبيلته القديمة ولا يرضى له البتة أن يعود إلى أرام (أي شمالي سورية اليوم) فيتخلّى عن الأرض الموعود بها (34: 3- 6). وهكذا ظلّ ابرايهم أميناً لنداء الرب رغم كل شيء، فجعل نسله يبقى في أرض الموعد. وأتمّ حياته بفعل ايمان بالربّ الذي يحقّق مخطّطه: "الرب الله السماء الذي أخذني من بيت أبي ومن مسقط رأسي، والذي كلّمني وأقسم لي قال: لنسلك أعطي هذه الأرض، هو يرسل ملاكه أمامك (يكلّم ابراهيم وكيل أملاكه اليعازر) فتأخذ زوجة لابني من هناك" (24: 7).
لا شكّ أننا واجدون في هذه الأخبار اهتماماً في إظهار عظمة ابراهيم وقداسته. فابراهيم هو مثال المؤمنين في طاعته لنداء الرب الذي انتزعه من الأمم وحرمه من كل ما يشكّل الحماية والاطمئنان في عالم الشرق القديم. ونحن نقرأ من خلال اختبار أبي الآباء وتردّده وشكّه في وعد الله ما اختبرته الأجيال اللاحقة التي طُلب منها أن تبني إيمانها على الخيرات الآتية لا الزمنية. وأن تثق باختيار الله لبها في مخطّطه السري الذي يوجّه الأحداث. هذا هو اختبار الشعب القديم وهذا هو اختبار الكنيسة في مسيرتها إلى المدينة الثابتة (عب 13: 14) واختبار كل واحد منا: نؤمن بالربّ رغم كل شيء، ونحن متيقّنون أن الغلبة لنا بسبب إيماننا (1 يو 4: 4).

4- ابراهيم الرجل المؤمن
إن التقليد الالوهيمي يزيد على التقليد اليهوهي فيجعل ابراهيم المثال الكامل للمؤمن في شعب الله. إن قال ابراهيم إن سارة أخته فهو لم يكذب لأنها أخته من أبيه (20: 12). أما الملك ابيمالك فهو أفضل من فرعون: كان رجلاً باراً يخاف الله ولهذا لم يمسّ سارة (20: 4).
طلبت سارة من ابراهيم أن يطرد هاجر وابنه اسماعيل، ولكن هذا الأمر لا يروق في عيني ابراهيم وهو لم يجبها إلى طلبها إلاّ بناء على أمر الربّ له (21: 10- 12). وعندما يرسل ابنه وهاجر إلى البريّة يهيّئ لهما بيديه ما يحتاجان اليه (21: 14- 18).
قال الكتاب عن ابراهيم: "آمن بالربّ فحسب له ذلك براً" (15: 6). آمن بمخطّط الله وسلك معه بالاستقامة والصدق فحسب له الرب ايمانه ذبيحة رضي عنها. ويخبر الكتاب أن الله امتحنه. امتحن إيمانه عندما طلب منه ابنه ووحيده. أطاع ابراهيم أمر الله فدلّت طاعته على مخافة الرب في قلبه وعلى صفاء ايمانه. بعد هذه الطاعة الكاملة لم تعد الذبيحة ضرورية، ولذلك قال له الرب: "لا تمدد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً. فالآن عرفت أنك تخاف الله" (22: 11).
هنا نكتشف ابراهيم لا مثالاً للأنبياء وحسب (20: 7)، بل ولجميع المؤمنين بطاعته الكاملة لله. يروي الكتاب أنه قام باكراً وأكَّف حماره وشقّق الحطب وأخذ اثنين من خدمه واسحاق ابنه، وقام ومضى. مشى ثلاثة أيام لم يتلفّظ خلالها إلاّ بكلمة واحدة: "هنني" أي ها أنذا، نعم، لبيك" (22: 1). وحين سأله ابنه: "أين الحمل للمحرقة"؟ أجابه: "الله يرى الحمل للمحرقة يا بني" (22: 8). هذه الطاعة المثاليّة تكشف عن عمق تقوى ابراهيم وهي تجعل الربّ يباركه مباركة عجيبة. "بنفسي أقسمت. بما أنك فعلت هذا وما بخلت بابنك وحيدك، فأنا أباركك" (22: 16- 17).
أجل، لقد تجاوز ابراهيم محنة الايمان. أعطاه الله ابناً وأراد أن يسترده منه، فردّ إبراهيم للرب "ذاك الذي جُعلت له المواعد"، واعتقد أن الله قادر حتى على إقامة الأموات (عب 11: 17- 19). إن وعد الله عطاء دائم، وكما جعل اسحاق يعيش معطياً له حياة جديدة، سيجعل شعبه يعيش مهما كانت أبعاد المحنة التي يمرّ بها.

5- ابراهيم رجل العهد
يحدّثنا التقليد الكهنوتي عن عهد الله المجاني مع ابراهيم، وقد قال لمختاره: "سأعطيك عهدي" (17: 2)، "أقيم معك عهدي" (17: 7، 19، 20)، وهو عهد يجعل ابراهيم أباً لأمم كثيرة (17: 4) فيكثر نسله جداً وينمو كثيراً، ويتبدّل اسمه من ابرام إلى ابراهيم (17: 2- 6) وتصبح امرأته ساراي سارة، وهي من يكون منها أمم وشعوب وملوك (17: 16- 16). بهذا يصبح عهد الرب مع ابراهيم عهداً لا حدود له في الزمان والمكان، بل عهداً مؤبّداً (17: 13، 19) على مثال العهد مع نوح (9: 16) ومع موسى (خر 24: 7- 8) بانتظار العهد الجديد بدم يسوع الذي يراق من أجلنا نحن البشر (لو 22: 20).
بهذا العهد وعدَ الله ابراهيم بأرض كنعان له ولنسله. هذه الأرض الغريبة التي ظل فيها ابراهيم غريباً (17: 8؛ رج 28: 4؛ 36: 7) ستكون ملكاً مؤبّداً لشعب الله. وهذا العهد الذي به يملِّك الرب شعبه أرضاً، يخلق بين الله وشعبه علاقة جديدة بها يصبح الرب الله شعبه، الاله القريب، الاله الرحيم القائم وسط من اختارهم. وهذا الاختيار نعمة من الله مجانيّة، لا يصدُّها شيء ولا توقفها خطايا البشر مهما تكاثرت.
العهد مع ابراهيم يكفل اختيار الله لشعبه لأن الله لا ينسى مواعيده. قال موسى للرب يوم ضرب الشعب بعد حادثة العجل الذهبي: "اذكر ابراهيم واسحاق ويعقوب عبيدك الذين أقسمت لهم بذاتك وقلت لهم: اني أكثر نسلكم كنجوم السماء" (خر 32: 13- 14). واعتبر الكهنة أن الرب، رغم خطايا الشعب وما يحل بهم من عقاب، "يذكر عهده مع يعقوب واسحاق وابراهيم، فلا يخذل شعبه ولا يكرههم ولا يفنيهم ولا يفسخ عهده معهم" (لا 26: 42- 44).
لقد نقض الشعب عهداً قطعه الله مع موسى باسمهم، فاستحقّوا السبي والمنفى، ولكن عهد الله مع ابراهيم ظلَّ أبدياً لأن أب الآباء كان كاملاً في طاعته فجاءت هذه المواعيد نتيجة لطاعته. برّره الله بأعماله حين قدّم ابنه اسحق على المذبح، فصار إيمانه كاملاً بالأعمال فتمّ قول الكتاب: "آمن ابراهيم بالله فبرّره الله لايمانه ودعي خليل الله" (يع 2: 21- 23).

خاتمة
قالت التقاليد اليهودية عن ابراهيم: إنه خليل الله وصديقه (2 أخ 20: 7؛ أش 41: 8). وإنه عند الامتحان وُجد أميناً (سي 44: 20؛ 1 مك 2: 52). أما العهد الجديد فجعله أباً لجميع المؤمنين (روم 4: 11 ي). قال لنا نحن المسيحيين: "فاذا كنتم للمسيح، فأنتم نسل ابراهيم ولكم الميراث حسب الموعد" (غل 3: 29).
الفصل الثامن عشر
يعقوب المغامر مع الناس ومع الله

اختلفت "سيرة" يعقوب عن سيرة ابراهيم واسحاق، فجاءت بشكل خبر دنيويّ، ودلّت عليه كشخص مغامر يخلق نفسه بنفسه في البيت الوالدي أو عند خاله، بانتظار أن يلتقي بالله في مجاز يبّوق فتنطلق حياته في مغامرة من نوع آخر. في مغامرة صراع مع الله. وهنيئاً له مثل هذا اللقاء الذي أعطى حياته وجهة جديدة.
إن أحداث حياة ابراهيم جرت في مناخ دينيّ. من نداء من عند الرب إلى بناء المذابح، إلى استقبال "الله" في شكل بشر. وكذا نقول عن اسحاق الذي بدأت حياته بزواج هيّأ ظروفَه الربّ نفسه. ونذكر تلك الذبيحة التي تشدّد فيها التقاليد اللاحقة على مشاركة اسحاق لأبيه في الذبيحة. لم يكن اسحاق فقط ذلك الطفل الذي لا يعرف ما يُعمل به. سأل أباه: أين الذبيحة؟ أجابه ابراهيم: إن لم يعدّ الرب لنفسه الذبيحة فأنت تكون الذبيحة. وسوف تقول التقاليد إن اسحاق طلب من أبيه أن يقيّده لئلاّ يرفسه فلا تعود تُقبَل الذبيحة.
كان عمل العناية واضحاً في حياة ابراهيم واسحاق. أما هنا فبدا خفراً خفياً صامتاً. بل يتحيّر القارئ من هذا "التاريخ المقدّس" الذي يلعب فيه الكذب والاحتيال لعبهما. ومع ذلك، الله هو الذي يوجّه أحداث التاريخ. له مخطّطه وهو ينفّذه بواسطة أناس عاديين، وربّما خطأة. هل نسينا أن ابراهيم باع امرأته لكي ينجو بنفسه؟ وهذه المرأة هي أهمّ من سائر النساء لأنها تحمل صاحب الوعد. ومع ذلك، لم يتراجع الله مع ابراهيم، إذ لا ندامة في عطاياه. وهكذا ما أراد الله أن يتراجع مع يعقوب. بل هو كلّمه بشكل "مباشر" كما كلّم ابراهيم واسحاق، وتوجّه يعقوب إلى الله وهو يرجو منه كل عون ساعة وصل إلى عمق اليأس والخطيئة. كانت صلاته بعد أن رأى السلّم: "إن كان الله معي، وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سالكه، ورزقني خبزاً آكله وثوباً ألبسه، ورجعت سالماً إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلهاً" (تك 28: 20).
حين نقرأ سيرة الآباء، نجد أن سيرة يعقوب تلعب دور حلقة هامة في سلسلة تعود إلى الماضي فتصل إلى اسحاق، وتمضي في المستقبل فتصل إلى يوسف. في هذه النصوص بدا تاريخ الآباء تاريخاً جميلاً. بدا الآباء وكأنهم "أبطال الأيام الغابرة". وحاول الكاتب أن يقدّم أعمالهم الحسنة في أصفى وجه. وأن يعذرهم ساعة تبدو أعمالهم مشكّكة لقارئي الكتاب. "باع" ابراهيم امرأته لملك جرار. كذب على الملك. ولكن الكاتب سيحتفظ لابراهيم بصفة النبيّ الذي يصلّي من أجل ابيمالك. ويبرّر كذبه مظهراً قرابة بين سارة وابراهيم. مهما كان من أمر هذه القرابة، فقد قال ابراهيم نصف الحقيقة، وأخفى النصف الأهمّ. وكذا فعل يعقوب الذي "باركه" الله رغم كل شيء بالبنين العديدين وبالخيرات الوافرة.
أما خبر يعقوب، فنستطيع أن نقسمه إلى ثلاث حقبات: يعقوب مع أخيه عيسو. يعقوب مع خاله لابان. يعقوب مع ابنه يوسف. وروى الكاتب هذه الحقبات بشكل شيّق بعد أن جعلها تتداخل فلا نستطيع أن نتوقّف عن القراءة قبل الوصول إلى نهاية سفر التكوين. نتساءل مثلاً: كيف ستتمّ المقابلة بين يعقوب وعيسو؟ والسؤال يُطرح في خبر يوسف: ماذا سيفعل يوسف بإخوته بعد موت أبيهم؟ أيغفر لهم أم ينتقم؟ في النهاية سوف نعرف حين يجعل يوسف حياته في مخطّط الله الذي استخرج من الشرّ خيراً، فأرسل يوسف أمام اخوته لكي ينجّيهم من الجوع والموت.
بدأت انطلاقة يعقوب مع ظهور الله له في بيت إيل (تك 28: 10 ي). وتدخّل الله مرة أخرى عند العودة إلى كنعان حين دعاه وبدّل له اسمه (تك 32: 23). فكأنه يخلقه من جديد. وهكذا يشرف هذان "الظهوران" الالهيان على كل حياة يعقوب بكل ما فيها من أمور مقبولة وغير مقبولة.
قال يعقوب في صلاته قبل عبور مجاز يبّوق: "أنا لا استحقّ جميع ما صنعت لي، أنا عبدك، من المراحم والوفاء، لأني بعصاي عبرت هذا الأردن، والآن قد صار لي الأمهّات مع البنين... وأنت قد قلت لي: إني أحسن إليك وأجعل نسلك كرمل البحر الذي لا يُحصى لكثرته" (32: 10- 12).
هذه الصلاة هي لحمة التاريخ التي تربط الحاضر بالماضي والمستقبل. وعبرها سيفهم بنو اسرائيل أنهم أمام تكوين رمزيّ لتاريخ الشعب. وهي رمزيّة تعلن في الوقت عينه تداخل التاريخ الدنيويّ لهذا الشعب مع عمل الله الخلاصي. هي رمزيّة تترجم بشكل ملموس تعليمَ الخلاص: تعاطى الله مع يعقوب. كلّمه. أعطاه اسماً جديداً بعد أن صارعه. هذا هو أبو الشعب العبرانيّ، لا على المستوى الجسديّ، بل على المستوى الروحيّ، بعد أن انضمت كل القبائل العبريّة حول قبيلة يعقوب التي منها خرج يوسف وبنيامين.
ماذا يقول التاريخ عن تلك الحقبة التي اعتبرها الكاتب المناخ الذي فيه عاش ابراهيم؟ كنعان التي تمتدّ على شاطئ البحر من عريش مصر حتى أوغاريت وجبل الأقرع في تركيا الحاليّة، قد أقام فيها جماعة ابراهيم حول حبرون. وجماعة اسحاق حول بئر سبع. بل إن ابراهيم اشترى له مدفناً في مغارة المكفيلة.
ومع ذلك، ظلّ ابراهيم واسحاق ويعقوب مرتبطين بحاران موطن الجدّ. وهكذا رمز الكاتب إلى علاقات فلسطين ببلاد الرافدين. من هناك جاء ابراهيم وإلى هناك ذهب اسحاق يطلب امرأة. فكانت له رفقة. وكذلك فعل يعقوب. هذا ما اكتشفه بنو اسرائيل حين ذهبوا إلى المنفى بعد سنة 587 ق. م، ودمار أورشليم وإحراق الهيكل. ولم يعرفوا أور إلاّ في تلك الحقبة، لأن تاريخ الشعوب (تك 10) الذي دوّن في القرن 6- 5، لا يذكر أور مع أنه يذكر أوروك (في الكتاب: إرك) وحرّان.
وماذا عن العلاقة مع مصر؟ كان ابراهيم قد ذهب إلى هناك بسبب المجاعة. ولكن يوسف هو الذي يجتذب يعقوب وأبناءه إلى هناك. بدأ يوسف حياته عبداً ثم ارتفع واجتذب إخوته الذين أقاموا في أرض جاسان. كانوا أحراراً في صحرائهم ومع مواشيهم. فصاروا عبيداً يعملون في المشاريع الزراعيّة والابنية التي يشيّدها رعمسيس الثاني أو غيره. فالامور الماديّة مهمّة جداً. والعبرانيون وجدوا في مصر كل خير من السمك الذي يصطادونه في النيل إلى اللحم وكل الخضر. لهذا كانوا يحنّون من قلب الصحراء إلى العودة إلى مصر. وهذا ما سيحدث في تاريخ بني اسرائيل. سوف تجتذبهم مصر بسياستها. وسوف يدفعهم هذا الاجتذاب إلى السقوط في فخّ البابلييّن: جاء نبوخذ نصّر واحتلّ المدينة مرة أولى وثانية وثالثة، وفي كلّ مرّة أخذ قسماً من السكان إلى بلاد الرافدين. من الملك إلى الأعيان وقوّاد الجيش والصنّاع.
كيف تبدو صورة الله في خبر حياة يعقوب؟ هنا نتذكّر أن التدوين النهائي لسفر التكوين جاء متأخّراً في تاريخ بني اسرائيل. دوّن بعد المنفى. هذا يعني أن أسفار الشريعة الخمسة عُرفت في صيغتها النهائيّة بعد مواعظ الانبياء. بل كتبهم. ومع ذلك، فنحن نكتشف تنوّعاً في نظرة الانبياء إلى الله. فالملاحظة الأولى التي تفرض نفسها ترتبط بإيحاءات نالها يعقوب في أرض كنعان. وهذه الايحاءات ارتبطت بأماكن عبادة معروفة. وهكذا بدا الله بشكل إله محليّ، كأنه "إيل" الذي عبده العالم السامي. هو إيل بيت إيل في تك 31: 13. هو إيل فنوئيل كما في تك 32: 25- 33. هو إيل شكيم كما في تك 33: 20.
هذا الواقع يقدّم لنا معلومتين. الأولى، لا يتعارض تاريخ الآباء مع كنعان والعبادات الكنعانيّة في فلسطين القديمة. فأماكن العبادة الاسرائيلية هذه قد تكرّست بظهور "إيل" فيها. ففي الأيام الأولى من الديانة الاسرائيلية، لم تكن بعد قد توحّدت العبادة كما ستصير بشكل خاص مع الملك يوشيا الذي توفيّ سنة 609 ق. م. والمعلومة الثانية، هناك تشابه بين ظهور الله في بيت إيل والابراج ذات الطوابق، التي تسمّى زقورات، والتي في أعلاها كان يتّصل "عظيم الكهنة" بالله في بلاد الرافدين (لا جبال فيها. فالله ينزل من السماء إلى الأرض. فتطأ رجله أول ما تطأ الجبال). فما رآه يعقوب في الحلم (تك 28: 12) لم يكن "سلّماً تربط الأرض بالسماء" وعليها ينزل الملائكة ويصعدون، بل تمثّلاً لدرج عظيم يصعدون بواسطته إلى قمّة الزقّورة.
وصراع يعقوب مع الله قرب وادي يبّوق، ساعة العودة إلى أرض كنعان، كان حدثاً حاسماً في حياة يعقوب، تذكّره هو وتذكّره نسلُه على مدّ تاريخهم. ما الذي حدث بالضبط؟ هذا ما لا نعرفه. ولكن النصّ يحمل تفسيرين اثنين. في هذا "الصراع مع الله" نحن أمام صراع ديني وروحيّ. نحن أمام رؤية لله يدلّ عليها اسم المكان "فنوئيل" أي وجه الله. قال يعقوب: "رأيت الله وجهاً لوجه وبقيت سالماً" (تك 32: 31). هذا الكلام يربطنا بقول طالما تردّد في أرض اسرائيل: لا يستطيع الانسان أن يرى وجه الله ويبقى على قيد الحياة (خر 32: 30؛ قض 6: 22 ي). والتفسير الثاني يشير إلى "مبارزة" مع "تشخيص" لله. "وبقي يعقوب وحده، فصارعه رجل إلى مطلع الفجر. وإذ رأى أنه لا يقدر عليه لمس حقّ وركه فانخلع" (تك 32: 25- 26).
"فنوئيل" التي تعني وجه الله حدثٌ يشكّل ذروة في ديانة العهد القديم، لأنه يدشّن حقبة جديدة في تصوّر الله نفسه. فنظرة يعقوب إلى الله بعد الحدث، هي أوسع من تلك التي اكتشفها عند أهله في حرّان. وهي أكثر روحانيّة. فحين الانطلاق من حرّان، أخذت راحيل، زوجة يعقوب، أصنام بيت أبيها. وهكذا تبقى المرأة في حماية الآلهة البيتيّة العاديّة خلال تلك السفرة الطويلة. ولكن بعد ظهور الله في مجاز يبّوق مضى يعقوب إلى بيت إيل وهناك أعطى أوامره: "أزيلوا الآلهة الغريبة، وتطّهروا، وبدّلوا ثيابكم" (تك 35: 2). وهكذا انقطعت كل علاقة مع الآلهة القديمة التي كانوا يخطبون ودّها بواسطة تعاويذ يجعلونها في رقابهم. بعد ذلك، تابع يعقوب: "والآن هلموا نصعد إلى بيت إيل، وأصنع هناك مذبحاً لله الذي أجابني في يوم شدّتي، وكان معي في الطريق الذي سلكته" (تك 35: 3).
هذا هو وجه يعقوب الذي بدأ حياته بوسائل بشريّة لا تخلو من الكذب والمراوغة والاحتيال. وأنهاها في اعتقاد يقيني بأن الله معه، بأن عليه أن يتّكل عليه دون سائر الآلهة. اختبر في ذهابه إلى حرّان وعودته إلى كنعان حضور الرب معه "في الطريق الذي سلكه". وها هو يعبّر عن خبرته في تقدمة ذبيحة الشكر. لا شكّ في أننا هنا أمام نظرة إلى الله سيعرفها الشعب العبرانيّ بعد المنفى. ولكن بذارها بدأ مع يعقوب. وسوف تتفتّح حتى تصل بنا إلى الاله الذي حدّثنا عنه يسوع المسيح. ليس هو فقط الإله الواحد، بل الثالوث الذي هو آب وابن وروح قدس.
الفصل التاسع عشر
يوسف بن يعقوب مخلّص اخوته

قصة يوسف بن يعقوب حلقة دينية من حلقات تاريخ الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب، وفصل من فصول عمل الله من أجل شعبه. فيها أراد الكاتب أن يعطينا لا خبرًا شيّقًا وحسب، بل حديثاً عن بركة الله التي ترافق أتقياءه، وعن إيمان محبّي الله الذي يتأرجح بين الطاعة والشك. يتوقّف الراوي على التفاصيل العديدة والامر يهمه، والتاريخ تاريخ شعبه بل تاريخ قبيلته. فيوسف هو ابن قبيلة افرائيم المقيمة في شمالي البلاد، وفيها دوِّن التقليد الالوهيمي الذي روى مطوَّلاً قصة يوسف. ولكن سيأتي كاتب لاحق فيمزج عناصر من تقليد الجنوب (التقليد اليهوهي) بتقليد الشمال فيساعدنا على استخلاص المضمون التعليمي لهذا الخبر. ولكن هدف الكاتب هو أبعد من الرواية وهو أقرب ما يكون إلى القصص الديني الذي نكتشفه في أجواء الكتبة والحكماء، وهمّه أن يفهمنا ثلاثة أمور. أولاً: تنقية الله للانسان بواسطة الالم ليصير اداة لقصد الله الخلاصيّ. ثانياً: ثقة بالله لا يُزعزعها ما يتعّرض له الانسان على هذه الأرض من تجارب ومحن. ثالثاً: عطف الله على البشر، وعنايته في تحقيق مقاصده، وقوّته التي تخرج الخير من الشرّ.
ولكن، قبل التوقّف على المضمون الدينيّ لقصّة يعقوب بن يوسف، سنروي الخبر بصورة مقتضبة مشدّدين على دور التقاليد الكتابية في ابراز شخصية يوسف التي تشكّل نهاية لقصة الآباء وبداية لقصة موسى، وتقدّم لنا تفسيراً لاقامة قبائل بني اسرائيل في مصر. فنحن نقرأ في سفر التثنية (26: 5) على لسان الآتي إلى الهيكل يصلي: "كان أبي آراميا تائهاً، فهبط إلى مصر ونزل هناك"؟

1- قصة يوسف
أ- الخبر
يوسف هو ابن راحيل، المرأة المحبّبة إلى قلب يعقوب (تك 29: 30). انتظرت أمه طويلاً قبل أن تحبل به (30: 1)، ولما ولدته طلبت من الرب المزيد (30: 24). وأحبّه والده وفضّله على اخوته، فأبغضه اخوته حسداً وباعوه إلى تجّار حملوه إلى مصر (37: 27). وكان يوسف عند فوطيفار، رئيس شرطة فرعون. وما إن أخذت حاله تتحسّن حتى وشت به امرأة فوطيفار فالقي في السجن. وهناك فسّر حلم أحد سقاة الملك وخبازيه، ثم فسّر حلم ملك مصر وأنبأه بسنوات من الخصب تصيب البلاد تتبعها سنوات قحط. توسّم الفرعون الحكمة في وجه هذا الشاب العبراني، فرفعه إلى المرتبة الأولى في مملكته، وسلّم اليه قضايا التموين والزراعة. ولما حلَّت سنوات الجوع، جاءه اخوته فاستقبلهم ببعض جفاء وقساوة وأعطاهم ما يحتاجون اليه من طعام. ولمّا اقرّوا بذنبهم وفهموا شناعة فعلتهم، عرَّفهم بنفسه وطلب إليهم أن يدعوا والدهم. ولما نزل يعقوب أرض مصر أقام مع أولاده في منطقة جاسان حتى وفاته. ولكن ما زال بنو يعقوب خائفين على مصيرهم: لعل يوسف يضطهدنا ويكافئنا على الشر الذي فعلناه به. ولكن يوسف غفر لهم، قال: "أنتم نويتم بي شرًّا، ولكن الله نوى بي خيرًا لكي يصنع ما ترونه اليوم ويُحيي شعبًا كثيرًا" (50: 20).

ب- التقليد اليهوهي
هذه القصة كتبها التقليد اليهوهي فأبرز موضوع البركة التي ترافق الذين اختارهم الرب. يقيم يوسف في بيت المصري فتحلّ معه البركة في بيت المصري وفي حقله (39: 5). يصبح يوسف الوزير الاكبر في مصر فتحل البركة على أرض مصر كلها، وهذه البركة ترتبط بحكمة يوسف الآتية من عند الرب. ولكن سيأتي وقت يرفض الفرعون أن يتعرف إلى يوسف وما يمثّله من بركة (خر 1: 8)، فتنقلب البركة لعنة وتحل ببلاده الضربات والآفات.

ج- التقليد الالوهيمي
وكتب التقليد الالوهيمي قصة يوسف فشدّد على القول بأن الله يسوس أمور الأرض دون أن يتدخّل بطريقة ظاهرة، وهو يحوّل سوء نوايا البشر. سهرت عنايتُه على يوسف فجعلته أداة خلاص لاخوته. وأفهمنا أن روح الرب حلّ على يوسف (41: 38) فاستطاع تفسير الاحلام (40: 8، 41: 16) وتدبير الامور بحكمة (45: 5)، والصفح عن الزلات (50: 19 ي). وأعلمنا أن حكمة اللهّ فوق حكمة البشر. حين أراد يوسف أن يفضّل منسى على إفرائيم، لم يسمع له والده (48: 1 ي). مثل هذه الحكمة البشرية المحضة تعدّ الطريق لحياة العبودية التي سيعيشها شعب الله (خر 1: 10) قبل أن يخرج من مصر ويعود إلى الأرض الموعود بها. أجل، أخذ الآباء بالحكمة البشرية وتخلّوا، ولو موقتاً، عن مخطّط الله، ونسوا وعده لهم. ولكن مع موسى ستتغلّب حكمة الله على حكمة الناس، وقدرته على قدرتهم، فيستطيع شعب الله أن يعود من جديد إلى الصحراء وهناك يسمعون كلام الله في قلوبهم (هو 2: 16).

2- المعاني الدينية في قصة يوسف
اذا قابلنا قصة يوسف بقصة سائر الآباء نلاحظ أهمية الرواية فيها. غير أن الاحداث الواردة هنا تهدف إلى تصوير عمل الله وعنايته في حياة البشر، في حياة يعقوب ويوسف واخوته.
لن نتوقّف على شخص يعقوب الذي ترك للعناية أن تقود خطاه فلا يموت أولاده جوعاً. سمع صوت الرب يقول له: "لا تخف أن تهبط مصر فإني اجعلك هناك أمَّة عظيمة. أنا أهبط معك إلى مصر وأنا أصعدك منها" (46: 3- 4). لن نتوقّف على نفسيّة اخوة يوسف بما فيها من عواطف الحسد والقتل والخوف والمرارة. غير أن يوسف تركهم يعانون الالم والضيق قبل أن يغفر لهم مساءَتهم.

أ- يوسف رجل لا عيب فيه
بدا يوسف شاباً سليم القلب، لا عيب فيه. لذلك ابتسمت له الاحوال. هو المحبوب وابن المرأة المحبوبة. هو الولد النقيّ الذي حسب نفسه أفضل من إخوته فأخبر أباه بما يشاع عن مساوئهم (27: 3). وهو الولد الذكي الذي حسب نفسه أحكم من اخوته، فأخبرهم بأحلامه: سيكون عليهم سيداً وله سيسجدون. فحسده اخوته على أحلامه وعلى كلامه واضمروا له الشر. أين الفطنة التي تجعل الانسان يدرك الامور، والرصانة التي تعلم الانسان أن يتصرّف بدراية وحنكة؟ ولكن يوسف لم يزل صبياً، غير أن الله سيعلمه ويدّربه من أجل الرسالة التي هيّأها له.

ب- يوسف رجل ابتلي بالمحن
حسده اخوته وأرادوا قتله، ثم عدلوا فباعوه عبداً بعشرين من الفضة (37: 25- 28). يروي الكتاب كيف أن اخوته نزعوا عنه قميصه، قميصه الموشى الذي عليه، وأخذوه وطرحوه في البئر، وكانت البئر فارغة. ثم جلسوا يأكلون (37: 33- 35). لا نستطيع أن نتخيّل الالم الذي حزَّ في قلب يوسف، ولكن الكتاب يتجاوز هذا الوضع. هنا يبدو يوسف رمزاً بعيداً إلى يسوع، ونتذكّر مثل الكرّامين القتلة (مت 21: 33- 46) الذي رواه يسوع عن نفسه فأفهم سامعيه أن موته صار قريباً. ولكن موته سيكون بداية حياة ليس لشعبه فقط، بل لكل شعوب الأرض. كذلك هيّأت المحنة يوسف ليكون مخلّص اخوته من الموت المحتم وينجّي أرض مصر من الجوع.
وعاش يوسف في بيت فوطيفار، فتعلقت به امرأة فوطيفار فأبى ورفض طلبها: كيف أصنع هذه السيّئة العظيمة وأخطأ إلى الله (39: 9)؟ حينئذ وشت به أمام زوجها وأشهدت الخدم عليه بعد أن امسكت بيدها رداءه كعلامة صارخة ضده فانقلبت محبتها له بغضاً ورضاها عنه حقداً. لو ساير امرأة سيده لما كانت وصلت به الامور إلى هذه الحال! ولكنها حكمة البشر التي تنظر إلى ما يرى، لا إلى ما لا يرى. أما يوسف فتعلق بوصاياه الله ورفض الخطيئة، فكانت فضيلته سبب شقائه: أُودع في السجن وقيِّد مع سجناء الملك. لم يقل يوسف شيئاً، لم يدافع عن نفسه. وكيف له أن يدافع؟ فسلم أمره إلى ربه، وكان الربّ معه فأمدّه برحمته وأناله رضى رئيس السجن (39: 21).

ج- يوسف رجل الثقة الوطيدة بالله
بلغ يوسف قمّة الالم وانحطّ إلى أسفل درجات الذل والاحتقار، لكنه وطّد ثقته بالربّ وجعل كل رجائه في عنايته الالهية. عرف أن لا خطأ في قلبه، وأنه بلا عيب أمام الله. فما خاف ولا جزع، بل أحسّ بيد الله القديرة تقوده وتوجّه خطاه. توكّل على الرب، توكل عليه في كل حين (مز 4: 6؛ 62: 9). أترى الله يخيّب المتكلين عليه، المنتظرين رحمته (مز 33: 8)؟
قاده روح الله (تك 48: 38) فما حسب حساباً لحكمة البشر وفطنة الانسان، بل سار على هدي الروح واستسلم ليد الله. حدّثه رفيقاه في السجن، قالا: رأينا حلماً وليس لنا من يفسّره (40: 8) إلاّ أنت. أجابهما: لله وحده كل تفسير. وقال له فرعون: رأيت حلمًا وما من أحد يفسره. وسمعت عنك أنك اذا سمعت حلماً تفسّره. أجاب يوسف: لا أنا، بل الله هو الذي يجيبك خيراً (41: 16). لا بعلمي. بل هو الله يتكلم بفمي. كم تبدلّ يوسف بعد أن مرّ عبر المحنة والالم! لم يعد ذلك الواثق بنفسه المتعالي على الآخرين بجمال وجهه وذكاء بصيرته وسرعة فطنته، بل صار ذلك الواثق بنفسه المفتخر بالرب، العالم أن كل خير فينا هو من الرب. وفهم أن الله قوة الضعفاء وحكمة البسطاء وغنى المساكين. خسر حياته في سبيل الله فوجدها (مت 10: 39).
قاده الروح في طريق الالم فقاد اخوته فيه، وعلّمه الروح أهمية الصفح والغفران لمن أساء اليه، وأفهمه أن كل شيء -حتى خطيئة البشر- يؤول إلى خير الذين يحبّون الله. لأجل هذا، ما أراد أن يطالب اخوته بما فعلوا به، بل اكتفى بأن ينظر إلى النتيجة الاخيرة وهي خلاص أبناء يعقوب من موت محتّم. إنه مخطط الله في شعبه وفي المؤمنين يمُّر عبر الالم والصليب قبل أن يصل إلى المجد والقيامة.

خاتمة
عندما نقرأ قصة يوسف بن يعقوب نستشف فيها مشكلة دينية هامة: لماذا وجود الشر في العالم وهل له من معنى؟ لماذا يسمح الله بالمحنة أن تدخل في حياة الذين يؤمنون به؟ إلى هذا السؤال يقدّم الكاتب جوابين اثنين.
- الأول: إن الالم هو للانسان عنصر تنقية وتطهير، وعاملٌ يساعده على جعل ارادته تنقاد لارادة الله. الالم يمكننا من التكفير عن خطايانا، ومن تقديم البرهان على حبّنا لله. ثم إن الالم يعمل على تكوين الشخصية والبلوغ بها إلى درجة النضوج. لولا الالم لما تبدّل تصرّف يوسف، ولما تحوّل قلبُ اخوته.
- الثاني: يستنبط البشر أعمالاً فظيعة ليقفوا بوجه مخطّط الله. ولكن كل ما يستنبطونه يبوء بالفشل. فالله يستخدم حتى مكايد البشر واجرامهم فيخرج من الشر خيراً. ان قدرة الله أفعل من شرّ البشر، ورحمته اللامحدودة أقوى من البغض والحسد. إن الله طويل الاناة صبور، ولكنه في النهاية يوجّه الاحداث نحو الخير، وينجّي أحبّاءه من الظلم الذي يحيق بهم. فينبغي للمؤمن أن يعي حضور الله في حياته ويثق بأن لا قوى الأرض ولا قوى السماء ولا شيء في الخليقة كلها يقدّر أن يفصله عن محبة المسيح (روم 8: 39)، إن أراد ذلك.
إن قصة يوسف بن يعقوب تشكّل خبراً من أجل المؤمن العادي، ومن أجل الشعب البائس المسكين الذي عرف ذل الجلاء ومرارة الغربة. كُتب هذا الخبر لكي يعيد الشجاعة والامل إلى قلوب المؤمنين، ويُفهمهم أن الرب الذي خلّص يوسف من السجن ورفع مقامه، سيُظهر قدرته فيعطي شعبه الخلاص.
ونحن أيضاً، نتعلّق بحبال الله وننتظر خلاصه ولا نيأس، متأكّدين أن الذي بدأ فينا عمله سيتمّه، بلا محالة يوم ظهور ربنا.
القسم الرابع
سِفْرُ الخُرُوج وَسِفْرُ العَدَد

في هذا القسم نقوم بجولة في سفر الخروج نستخرج معانيه من أجل حياتنا. وننهي بثلاث محطات في سفر العدد.
1- من العبودية إلى العبادة (سفر الخروج)
2- موسى الناجي من الماء ومخلّص شعبه
3- الضربات العشر
4- سر الفصح
5- عبور بحر القصب
6- على جبل سيناء والوصايا العشر
7- المسيرة في البريّة ببركات الله.
8- شعب مقدّس شعب من الخطأة (سفر العدد)
9- الشعب ورؤساؤه
10- المسيرة الطويلة في البريّة.
الفصل العشرون
من العبودية إلى الحرية

سفر الخروج هو السفر الثاني من أسفار موسى الخمسة. يبدأ في العبرية بإيراد "أسماء بني اسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب" (1: 1). أما الترجمة اليونانية فتشدّد على موضوعه الاساسي: خروج الشعب العبراني من مصر، من أرض العبودية. هو عبور البحر الاحمر إلى البرّية، عبور من عالم العبودية في أرض فرعون، إلى عالم الحرّية وموضع اللقاء بالرب. هو انطلاق ومسيرة نحو أرض الموعد.
سفر الخروج هو نشيد شكر يعلن عظمة الله وقدرته. ينطلق من أحداث مأخوذة من تاريخ الشعب ويجعلها في إطار تاريخ الخلاص، بل يجعلها في أساس تاريخ الخلاص هذا. كان الشعب يردّدون رواية هذه الاحداث خلال اعيادهم فيتذكرون ما فعله الله لأجل آبائهم وما يستعد لأن يفعله من أجلهم. وهكذا لا يكون الخروج حدثًا من الماضي وحسب، بل يصبح واقعاً حياً لنا اليوم.
سفر الخروج كتاب بدأ وما انتهى. يروي تدخّل الله في تاريخ البشر. وفي هذا الاطار قرأه الشعب العبراني. ونحن المسيحيين سنقرأه فنكتشف من خلاله أحداث الخلاص النهائي الذي تمّ في يسوع المسيح.

1- كيف يبدو سفر الخروج
يبدو سفر الخروج بمجمله بشكل رواية تتوالى أحداثها وتنتظم حول حدثين رئيسيين: خروج العبرانيين من أرض مصر حيث أقاموا، والعهد الذي عقده الله معهم حين كشف لهم عن ذاته على جبل سيناء.
مصر هي إطار الاحداث الواردة في القسم الاول (ف 1- 15). يصوّر لنا الكاتب حالة الضيق التي يعيشها بنو يعقوب ويعرّفنا ببداية ذلك الذي سيملأ الكتاب بشخصه وعمله، عنيت به موسى: ولادته، هربه إلى البرية، لقاؤه بالرب الذي سيرسله ليخلّص شعبه من عبودية مصر. سيجاهد موسى عبر ما يسمى "ضربات مصر" فيتوصل بقدرة الله إلى أن يخرج مع شعبه من أرض مصر ويعبر بحر القصب، فيصل إلى البرية، إلى أرض الحرية.
وننتقل في القسم الثاني (ف 16- 40) إلى شبه جزيرة سيناء. يتوجّه العبرانيون نحو الجنوب بمحاذاة البحر الاحمر فيصلون بعون الله إلى جبل سيناء حيث سيظهر الله لهم بطريقة ساطعة ويبدأ معهم عهداً تتوضّح بنوده في الوصايا العشر (ف 20) ودستور العهد (ف 21- 23)، ويُختتم بذبيحة تربط بين المتعاقدين.
ويصوّر لنا الكاتب بالتفصيل المعبد الذي سيكون موضع حضور الله وسط شعبه. ولكن العهد سيُنقض يوم يعبد الشعب العجل الذهبي، فيتشفّع موسى من أجل شعبه الذي سينال المصالحة والغفران من الله.

2- مواضيع سفر الخروج
الموضوع الاساسي لسفر الخروج، هو ولادة وتكوين شعب الله. لا شك في أن البداية كانت مع الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب. ولكن وُلد الشعبُ العبراني حقًا يوم خرج من مصر ويوم عقد عهداً مع الله. وهكذا لن يكون يهوه فقط "اله ابراهيم واسحاق ويعقوب" بل ذلك الذي أخرج شعبه من أرض العبودية. وسيعود شعب اسرائيل إلى أحداث الخروج وسيناء عندما يفكّر في هويته الخاصة التي تميزه عن سائر الشعوب، عندما يتوجّه إلى الله بالصلاة خلال احتفالاته وأعياده. مسيرته في التاريخ ومصيره، أساس نظمه والتزاماته، شريعة حياته العميقة، كل هذا يرتبط بتلك الاحداث. نحن إذًا في ينبوع التاريخ المقدّس، بل في قلب التوراة كلها. لهذا يبدو سفر الخروج مهمًا جدًا، لأنه يساعدنا على فهم سائر الاسفار المقدّسة.
أما المواضيع التي نكتشفها في سفر الخروج، فاليك أهمها: اسم يهوه، هذا الاسم المخصّص لعلاقة الله بشعبه والذي يُدخل هذا الشعبَ في سرّ الخلاص. التحرّر الذي هو بداية واعلان مسبق لنداء الله. الفصح الذي هو خلاص لشعب الله واحتفال سري بهذا الخلاص. العبور العجائبي للبحر الذي يمنح الشعب نعمة شبيهة بنعمة العماد ويدخل المؤمن في حياة جديدة. المن الذي هو زاد المسافرين في طريقهم إلى الربّ البريّة التي هي أرض الامتحان والامانة والمجابهة مع الربّ. هل يصدّقون (4: 1)؟ هل يسمعون (6: 9)؟ هل يخافون الرب ويؤمنون به (14: 31)؟ ويتساءلون: هل الرب بيننا أم لا (17: 7)؟ ما هو اسمه (3: 13) وهل نستطيع أن نراه (33: 20)؟
السحاب هو علامة حضور الله الفاعل، وهو رفيق شعبه في الصحراء. خطيئة الشرك تعيد الامور إلى نقطة الصفر، وكأنه لم يكن عهد والتزام. عبادة الله القدوس هي جوهر الخدمة التي يقوم بها شعب مقدّس. بالشريعة والفرائض والوصايا العشر يتوجّه الله إلى شعبه ويقدّم لهم برنامج حياة مطبوعًا بروح العهد. والعهد نفسه الذي هو قلب سفر الخروج هو نعمة حبّ الله لشعبه، وإشراك حياة الشعب في حياة الله عبر أمانة تصنع ثمراً. وموسى هو رجل الله والنبيّ وقائد الشعب في طرق الحرّية والخدمة الحقّة.
هذه المواضيع لا تنحصر في سفر الخروج، بل تتوسّع في سائر الاسفار الخمسة. هي تنتقل من كتاب إلى كتاب فتحيا من جديد إلى أن تجد كمالها في ملء المسيح والكنيسة، وهي تصل إلينا نحن الذين نختبر ما هو التحرّر، ما هو العهد، وماذا يعني الفصح بالنسبة إلى حياتنا اليومية وتطلعاتنا السياسية وانطلاقتنا الروحية.

3- تقاليد سفر الخروج
في أساس سفر الخروج هناك الوقائع: جماعة من أصل آرامي أقامت في دلتا مصر طويلاً. ولما أحسّت بالمضايقات، تركت البلاد في ظروف خارقة اعتُبرت عجائبية. هذه الجماعة المبعثرة أقامت في شبه جزيرة سيناء، فارتبطت بيهوه الاله الواحد، وتجمّعت حول موسى الذي لعب الدور الاساسي في قصة الخلاص هذه.
هذه الوقائع دوّنت في أرض اسرائيل أو هي تجسّدت بطريقة شفهيّة في مراكز ثلاثة قبل أن تصل إلينا بصيغتها النهائية كما نقرأها في الكتاب اليوم.
دوّنت أولاً في مملكة يهوذا وفي عاصمة أورشليم، في القرن العاشر، على يد حكماء داود وسليمان، فسمِّي تدوينهم التقليد اليهوهي لأنه يسمي الله يهوه أي الكائن الذي هو. لا يذكر هذا التقليد شيئاً عن طفولة موسى وعن اقامة بني اسرائيل في أرض مصر والضيق الذي حلّ بهذا، ولكنه يشدّد على دور موسى الواقف بوجه فرعون من أجل شعبه. ويورد بطريقة ملحمية سبع ضربات حلّت بمصر، ويصوّرها وكأنه شخص عاش في مصر. بالنسبة إلى التقليد اليهوهي، خرج العبرانيون من مصر وتوجّهوا نحو الشرق إلى منطقة قادش التي ستكون مركز النشاط الديني لموسى وسط شعبه.
إن كتاب الطقوس الذي ينقله التقليد اليهوهي يصوّر لنا حالة معاصيه: فالعهد مع يهوه يفترض موقفاً متصلّباً من العبادات الوثنية ورفضاً قاطعاً لاقامة علاقات مع شعوب ظلّت ممارستها الدينية خطراً للمؤمنين بيهوه. عيد الفصح هو أعظم عيد وهو يعطي معنى تاريخياً لعادة قبليّة. وهناك أعياد أخرى وتقدمة الابكار والبواكير وتنظيم الحج إلى المعبد. كل هذا ينظّم ديانة في طبيعة ريفية لا تفترق كثيراً عمّا نجده في العادات الكنعانية.
ودوّنت هذه الوقائع ثانياً في شمالي البلاد (القرن 9- 8) فتأثّرت بالانبياء مثل عاموس وهوشع. كانت افرائيم أعظم قبيلة في الشمال فعادت إلى أصلها وهي التي عاشت في مصر بشخص يوسف (تك 41: 5- 52؛ 48: 8- 22)، رافقت موسى في الطريق إلى سيناء، وهذه النعمة لم تحصل عليها كل قبائل اسرائيل، فقبلت الوحي على الجبل. يسمَّى ما دونته قبائلُ الشمال التقليد الالوهيمي لأنه يسمى الله الوهيم أي الاله العظيم.
يحدّثنا هذا التقليد عن طفولة موسى ودعوته، وعن خمس ضربات حلّت بمصر، وعن الاقامة في البريّة. ما احتفظ لنا به التقليد الالوهيمي هو وصايا الله ودستور العهد وهي تشدّد على المتطلّبات الاخلاقيّة التي يفرضها الله على شعبه. يروي لنا كتَّاب الشمال الذبيحة التي توَّجت العهد الذي عُقد بين الله وشعبه، ويتوسَّعون في حادثة العجل الذهبي وهي صورة مسبقة عما سيفعله يربعام حين يعمل عجلين من الذهب ليمنع شعبه من التوجّه إلى أورشليم (1 مل 12: 26- 30).
ودوّن الكهنة وقائع سفر الخروج في التقليد المسمّى الكهنوتي في نهاية القرن السادس ق. م، أي بعد الجلاء، فشدّدوا على قداسة الله وسط شعبه. ولهذا أطالوا الحديث عن المعبد وعن الكهنوت (ف 25- 31، 35- 40) واعتبروا عهد سيناء كمجيء الله في المسكن. هذا المسكن الذي أمر الله بصنعه والذي يخدمه هارون وأبناؤه، هو المركز الذي تدور حوله كل حياة جماعة بني اسرائيل.
يورد التقليد الكهنوتي الكثير من الاشارات الزمنية والاحصاءات وسلاسل النسب ويقدّم لنا خبراً خاصاً عن دعوة موسى ويذكر من الضربات خمساً.
يوم دوّن التقليد الكهنوتي ما دوّنه، كان الهيكل الذي صنعه زربابل حقيراً بالنسبة إلى ما رآه المنفيون في بابل من عظمة. ولهذا تصوّر مسكنَ الله في البريّة جميلاً جدًا، فكان تصوّرُه مصدر أمل وعربوناً لمصير ربما سيعرفه هيكل أورشليم فيما بعد.
اجتمعت عناصر التقليد اليهوهي بالتقليد الالوهيمي بعد سقوط السامرة سنة 722 ق. م، وتأثرت هذه النسخة الجديدة بالتقليد الكهنوتي، فتمّ تدوينُ سفر الخروج في القرن الخامس على يد جماعة حمّلته غنى قديمًا ونسبته إلى موسى لأن شخصية موسى مسيطرة في هذا السفر.
إلى أحداث سفر الخروج سيعود كاتب سفر التثنية وأنبياء الجلاء. فحياة بني اسرائيل في منفى بابل تشبه حياتهم في عبودية مصر، وستكون نجاتهم عجائبية من بابل كما كانت من مصر. رأى أشعيا العودة من بابل إلى أورشليم بشكل خروج جديد وعجيب (أش 40: 3- 5؛ 43: 16- 21). وبنى حزقيال نبوءته كلها على موضوع الخروج مع انطلاق يهوه في السحاب (حز 10: 18 ي) وعودته إلى مسكنه (حز 43: 1 ي). أحداث سفر الخروج ستكون موضوع صلاة شعب الله (مز 78: 12 ي؛ 105: 23- 45؛ 106: 7- 23)، وتأمّل الحكماء من ابن سيراخ (سي 45: 1- 5) وغيره. وستنتقل إلى العهد الجديد فيرى الرسل والانجيليون أن تاريخ التحرّر والعهد تمَّ كله في يسوع والكنيسة.

خاتمة
قالوا: سفر الخروج هو إنجيل العهد القديم، وهو كإنجيل يقدّم بشرى صالحة عن تدخّل الله في وجود جماعة من البشر. تدخّل ليجرّهم إلى عالم من الحرية ويجمعهم ليكونوا له مملكة كهنة وشعباً مقدّساً (19: 6).
قالوا: سفر الخروج هو سفر معجزات الله وعجائبه. ولكن سنرى أن كثيراً من هذه المعجزات تفسّرها الظواهر الطبيعية. المهم ليس المعجزة، ليس العمل الذي يعجز الانسان عن فعله، المهم هو أن العبرانيين رأوا في كل حدث من حياتهم يد الله تعمل من أجل شعبه. ونحن كأفراد وشعوب سنتعلّم أن نقرأ كلمات الله من خلال أعماله.
سفر الخروج هو العبور من عالم العبودية إلى عالم الحرية. عاشه شعب من الشعوب، ولكن كل شعب مدعو إلى أن يخرج من حالة العبودية السياسيّة والاقتصاديّة التي يعيش فيها، أن يخرج من الضيق الذي يتخبّط فيه. كل عبودية خارجية رمز إلى عبوديّة داخليّة جاء يسوع يحررنا منها. لاشكّ أن أعداء المسيح هم الموت والشر والخطيئة، ومنهم أراد أن يفتدينا الربّ. ولكن إذا أردنا أن نهيّئ الطريق لملكوت الله، للأرض الجديدة والسماء الجديد، لا بدّ من أن نقوم بتحرير الضعيف والمسكين والفقير والمظلوم من هذا الوحش المتعدّد الرؤوس الذي اسمه المال والسياسة والقوة والعنف...
إلى هذا التحرير يدعونا الكتاب، ولكن التحرير لن يتم إلاّ في النهاية وعنه يخبرنا سفر الرؤيا عندما يحدّثنا عن زوال البحر (رؤ 21: 1) مركز الشر: يسكن الله بيننا ونكون له شعبًا. يكفكف الله كل دمعة، لا يبقى للموت وجود، ولا للبكاء ولا للصراخ، ولا للألم، لأن العالم القديم زال (رؤ 21: 3- 4).
ولكن بانتظار هذه النهاية نجابه الضيق ونرفض الظلم ونسير مع الرب وقلبنا عامر بالرجاء. الرب يدعونا إلى الحرية فهل نبقى عبيداً؟ الرب يدعونا إلى خدمته والتعبّد له. فهل نرفض دعوته ونتابع مسيرتنا وراء أصنام البشر؟ بل نحن نقول لله: أنت الله الوحيد ولا الله لنا غيرك.
الفصل الحادي والعشرون
موسى الناجي من الماء ومخلّص شعبه

موسى هو الناجي من الماء، سمته كذلك ابنة فرعون لأنها انتشلته من الماء (2: 10). نجا من الموت فكان خلاصه رمزاً إلى خلاص شعبه. واختاره الله وحمّله رسالة الخلاص: أخرج شعبي من مصر (3: 10). حياته بحسب التقاليد ثلاث حقبات وكل حقبة تمتد إلى أربعين سنة (رج أع 7: 1 ي)، وهي الزمن اللازم للقيام بمهمّة.
في الاربعين سنة الأولى عرف موسى النجاح البشري: نجا من الماء، ربّته أمه ثم ابنة فرعون التي تبنّته، وتثقّف كالكتّاب في مصر وصار موظفاً كبيراً ومتسلّطاً على اخوته. ولكن هذه الحقبة انتهت بالفشل: هرب موسى من وجه فرعون (2: 15).
وقضى موسى الاربعين سنة التالية في مديان وسط بدو ارتبط بهم بالزواج. صار راعي غنم وما عاد يهتمّ بمصير اخوته. ولكن تدخّل الله ليخرجه من الحياة الهادئة، بل انتزعه من الموت، وعمر الثمانين نهاية الانسان كما يقول الكتاب (مز 90: 10).
في الحقبة الثالثة تنتظره مهمّة: أن يحرّر شعب الله من العبودية. يعترض موسى، ولكنه يرجع إلى مصر وهو متأكّد أن الله حاضر في حياته. كشف الله له عن ذاته ومنحه قدرة على المعجزات، فهيّأه لرسالة مليئة بالاحداث، خصبة بتدخّل الله في شعبه.

1- موسى الناجي من الماء
أقام بنو اسرائيل في مصر، في جاسان، في دلتا النيل الشرقي. جاؤوا من عبر النهر (يش 24: 2) ومنهم من عبد ايل ابراهيم أو ايل اسحاق أو ايل يعقوب. أما الذين ذهبوا إلى مصر فعبدوا يهوه (6: 3)، وهم أبناء أسباط يهوذا وشمعون وافرائيم ومنسى (بيت يوسف) وبنيامين.
وقام ملك جديد لا يعرف يوسف (1: 8)، فأخضع بني اسرائيل للعبودية وأعمال السخرة. أجل، يتذكّر بنو اسرائيل أنهم كانوا عبيداً قبل أن يصيروا أحراراً، أنهم عاشوا في أرض العبودية مع ما رافق هذه الحياة من وفرة في الخيرات سوف يتمنّون الحصول عليها في الصحراء (16: 3؛ عد 15: 15).
يرد هنا فعل "عنا" بمعنى خضع وذل. من هذا الفعل تشتق كلمة "عنويم" التي تعني المساكين. أجل، سيرى المؤمن في هذا الخضوع والذلّ إرادة الله في شعبه. يتخلّى الشعب عن ذاته ويستسلم كلياً لله فيصبح شعب المساكين المستعدّ لأن يتقبّل خلاص الله.
واتّخذ الملك إجراء آخر: طلب من القابلتين قتل كل ذكر يولد. هذا يفهمنا أن بني اسرائيل لم يكونوا جيشاً كبيراً كما ستقول التقاليد اللاحقة التي ضخّمت الاحداث. ويهيّئنا لأن نتعرّف إلى أول خلاص يقوم به الله من أجل من اختاره، عنيت به موسى.
ولكن مخافة الله كانت في قلب القابلتين (1: 17) فتغلّبتا على أمر الملك. هذه المخافة تعني احتراماً دينياً عميقاً واهتماماً بالعمل بإرادة الله، بمحبة هذه الارادة، بالبحث عن الخير وخدمة الآخرين.
ووسّع الملك الاجراء فطلب من شعبه: إطرحوا في النهر كل ذكر يولد (1: 22). لا نتخيّل ما حدث، بل نتطلّع إلى نتيجة القصة ومعناها. على كل حال، إن خلاص شعب الله يتم في الألم والعبودية، وفي هذا المناخ وُلد الانسان الذي يكون أداة بيد الله من أجل خلاص شعبه.
وحدّثنا النص (2: 1- 10) عن نجاة موسى الذي وُلد في الشعب العبراني فتضامن مع شعبه وتربّى في قصر الملك فاستعدّ لمهمّة فريدة.
موسى هو من قبيلة لُعنت في البداية (تك 34: 25- 29؛ 49: 5- 7)، ولكنها تكرست لله فصارت ملكه الخاص (32: 26- 29؛ عد 3: 6- 13). كانت منحطّة فارتفعت. هذا ما يفعل الله في ما هو ضعيف وحقير فيختاره (1 كور 1: 27- 28).
وننتقل إلى مشهد النهر حيث وُضع الطفلُ في سلة من البردي... وسيلة ضعيفة. ولكن الله يسهر فيخلّص من اختاره من المياه القاتلة. لا نجد هنا إلاّ النساء، أم الصبي واخته، ابنة الملك وجواريها. ما نقرأ في هذا النص يشبه ما نقرأ عن سرجون القديم ملك بلاد الرافدين الذي ولدته أمه خفية وجعلته في سلة مطلية بالغار ورمته على نهر الفرات ولكنه نجا. وهكذا نجا موسى على يد ابنة الملك فرعون فسمي المنتشل من الماء. أما اسمه المصري فهو ابن النيل أو ابن رع (رج رعمسيس).
في هذا الخلاص قال كيرلس الاورشليمي (315- 386): الأمم التي جعلت الصبي في سلة القصب هي المجمع الذي رذل المسيح الربّ الذي وُلد منه. أما ابنة فرعون، أي الكنيسة الخارجة من الأمم، فقبلته في مياه المعمودية.
وكبر الصبي (2: 11) وخرج إلى اخوته، فكان ذلك أول خروج لموسى. نظر أحمالهم الثقيلة فرأى الظلم والضيق يحل بالناس. ورأى واقعاً مؤلماً: مصري يضرب عبرانياً، وواقعاً مؤلماً آخر: عبراني يضرب عبرانياً. تدخل موسى، لكن اخوته لم يفهموه ولن يفهموه فيما بعد.
وهرب موسى (2: 15)، وكان هربه انفصالاً عن الماضي. هذه حالة من يدعوهم الرب: يبتعدون عن الناس وينطلقون إلى العزلة. هذا ما حدث لبولس فاكتشف الكنيسة من خلال المسيح الممجد، وهذا ما حدث لموسى الذي اكتشف القريب المتضايق والمتألم وفهم أن شقاء شعبه يعود إلى عبوديتهم: ليسوا أحراراً.
وذهب موسى إلى أرض مديان وهناك أنجد بنات يترو (2: 17)، وخلّصهن (2: 19) من ظلم الرعاة. فكان ذلك أول اختبار تخليص له. أما مهمّة موسى من أجل شعبه فستبدأ بعد موت الفرعون الذي أذاق الشعب كثيراً من الآلام (4: 19).
وتنهّد بنو اسرائيل وصرخوا بسبب عبوديتهم، فصعد صراخهم إلى الرب. العبوديّة تصرخ مثل دم الاخ المقتول (تك 4: 10)، مثل مصير البائسين والمظلومين (22: 22) والاسرى (مز 79: 11)، وهذا الصراخ هو بمثابة صلاة. فسمع الله وذكر، أي أعلن أنه سيفعل (6: 5؛ 28: 12)، بل بدأ يتدخّل (1 صم 25: 31). ونظر الله فعنى بنظره أنه لن يبقى مكتوف اليدين، وعرف شعبه أي اتصل به وأعلن أنه يلتزم قضاياه. أنه سيقيم معه عهداً كعهد الرجل مع امرأته.

2- الله يدعو موسى
يرد خبر دعوة موسى في التقليد الالوهيمي المطعّم باليهوهي (ف 3- 5) وفي التقليد الكهنوتي (ف 6- 7). وفي كلا التقليدين يتعرّف موسى إلى يهوه، إلى الاله الذي هو (3: 14؛ 6: 3). موسى هو الراعي (3: 1) وسوف يسلمه الله رعاية شعبه، فتكون عصا موسى هي نفسها عصا الله لأنه يقود شعبه باسم الله.
جبل حوريب (أو جبل سيناء) هو جبل الله لأن الله ظهر عليه لموسى ولشعبه.
والتقى موسى الله في العليقة المتوقّدة. هل نزلت صاعقة على العليقة فارتعد موسى وخاف على نفسه. أجل، حضر الله من خلال النار، ومن يستطيع أن يرى النار ويبقى على قيد الحياة. ولكن بعد هذا الخوف يكتشف موسى أن النار لم تحرق شيئًا، لا العليقة ولا المعبد... وأحسّ موسى بحضور الله (أو ملاك الله) في هذا المكان.
أراد الله أن يكشف عن ذاته فاستعمل ظاهرة طبيعية. ولكن هذه الظاهرة لا تفسّر الاختبار الديني الذي أحسّ به موسى. الحدث الخارجي وسيلة ومناسبة. أما الواقع الجوهري فهو لقاء حقيقي بالرب أحسّ به موسى في أعماق كيانه. كشف الله عن نفسه لموسى وكلّمه. أحسّ موسى بحقارته وضعفه، فهمَ أنه سريع العطب أمام عظمة الله، غير مستحق أن يقف أمام قداسته. ولكنه أدرك أية نعمة حصل عليها واي لقاء تمَّ له فانطبعت حياته كلها بهذا اللقاء.
ودعاه الله إلى مهمة من خلال حوار معه. نظر الله مذلة شعبه. سمع صراخهم، علم بكربهم فنزل (السماء هي موطن الله) لينقذهم (3: 7- 8). وعد الله الآباء (تك 12: 7؛ 28: 13- 15؛ 48: 4)، وها هو يحقّق وعده فيرسل موسى كما سوف يرسل الكثيرين من الانبياء (أش 6: 9؛ إر 1: 7). تردّد موسى وخاف. فقال له الرب: أنا أكون معك. والعلامة: إذا أخرجت الشعب من مصر فاعبدوا الله على هذا الجبل. إذًا يخرج الشعب من تحت عبودية البشر ليعبدوا الله الواحد.
ويقدّم الله لموسى برنامجه (3: 16- 22) وهو ترداد لما قرأناه في 3: 7- 8. سيفتقد شعبه، أي سيزوره ليعاقبه أو ليخلّصه (كما هو الامر هنا). اتّخذ الله المبادرة وذهب إلى شعبه. لا، لا يبادر الانسان فيذهب إلى الله ويدركه، بل يكتفي بتقبّل نعمة الله ومجيئه.
ماذا يطلب الله من موسى والشيوخ؟ أن يذهبوا إلى قادش جنوبي كنعان فيحتفلون بعيدهم السنوي بعد مسيرة ثلاثة أيام. اعتاد العبرانيون أن يقوموا بهذا الحج كل سنة، ولكنهم مُنعوا من ذلك في سنة معيّنة حدّدها الله لخلاص شعبه. لذلك سيتدخّل بذراعه القديرة ويده الممدودة التي تصل إلى البعيد فلا يفلت منها أحد. وسيُخرج الله شعبه من مصر فيعتبر الشعب هذا الخروج أعظم أفعال الله وأكبر شهادة على قدرته. ولكن هل سينجح موسى في المهمة وهل سيصل اليه بعض هذه القدرة الالهية؟ أجل، وها هو الرب يعطي موسى أن يفعل معجزات تكون علامة على أن الله معه وأن قدرته ترافقه (4: 1- 17). القى العصا فصارت حية، وضع يده في جيبه فصارت برصاء، أخذ شيئاً من ماء النهر ورماه على الأرض فصار دما. هل نحن أمام أعمال سحرية؟ هذا هو ظاهر الامور. ولكن الواقع هو أن قدرة الله فوق كل قدرة.
واعترض موسى: لست أحسن الكلام (3: 10- 16 تقليد يهوهي). في التقليد الالوهيمي (3: 11- 13) قال: من أنا حتى أمضي إلى فرعون؟ وفي التقليد الكهنوتي (6: 10- 12؛ 28: 30) قال: أنا اغلف الشفتين لا أحسن التكلّم فكيف يسمع لي فرعون؟ اذاً كان موسى نبياً ومحرّراً غصباً عنه. هو ما اختار نفسه لهذه المهمّة، بل الله بادر فاختاره ومنحه السلطة ليقوم بعمله.
ورجع موسى إلى مصر (4: 18- 31) بعد أن زال عنه الخطر. ولكن الله ينبّه موسى أنه سيقسّي قلب فرعون (4: 21؛ 7: 3)، أو أن فرعون سيقسّي قلبه (7: 13؛ 14: 22؛ 8: 11). إن الاحداث التي هي بيد الله تبدو بشكل تنبيه وتحذير وظروف مؤاتية ومهلة معطاة لفرعون لكي يتوب. كل هذا لم يعبأ به فرعون فكشف عن نواياه العميقة ورفضه وقساوة قلبه. إنه مسؤول عمّا جرى لمصر ككل مسؤول في بلاده. لا شك في أن الكتاب يستبق الاحداث (4: 21- 23) فيعتبر أن الله دان فرعون وحكم عليه: سيأخذ الله ابن فرعون البكر (لا كل أبكار مصر) لأن فرعون يحتفظ باسرائيل ابن الله البكر وأول من اختاره في مخطّط الخلاص. وفي طريق العودة سيختبر موسى حضور الله (4: 24- 26) كما اختبره يعقوب عندما عبر نهر يبوق (تك 32: 23- 33). صار موسى قريباً من الموت فعرف أن القوّة التي في داخله لا تأتي منه بل من الله. مرّ موسى (كما مرّ يعقوب) في الموت فكان أول المخلّصين في هذا الشعب الجديد.
ذهب موسى إلى فرعون فانفجرت الازمة (5: 1- 23). رفض فرعون أن يسمع صوت الله، بل زاد أشغال العبرانيين: لن يعطي لهم التبن بل يجمعونه بأنفسهم ويطلب منهم عدداً مماثلاً من اللبنات. وحمَّل المسؤوليّة الكتبة، مديري الشعب. فتذمّر الجميع من موسى: جعلتَ فرعون وعبيده يبغضوننا ووضعت في أيديهم سيفا ليقتلونا. أحسّ موسى بالضيق، فصرخ إلى الربّ: لماذا يا رب، لماذا أرسلت البلاء إلى هذا الشعب؟ لماذا بعثتني؟ إذًا، أنت ما خلصت شعبك! لماذا تدخلت وبعثت رسلاً مزعجين؟ لماذا تقلق عالماً راضياً بهمومه وحالته التعيسة؟ وأنّ رجل الله على مصير اخوته، وتشكّى أمام الله. أجابه الله: سوف ترى ما أفعل. طلب منه فعل إيمان ورجاء.

3- موسى مخلّص شعبه
اذا عدنا إلى التقليد اليهوهي نرى أن موسى هو أساساً محرّر الشعب والذي يعطيه الطعام والشراب ويقوده نحو ربه إلى سيناء. هناك ينقل اليهم متطلّبات الله التي تعينهم على الاتصال به. إذًا يبدو موسى في هذا التقليد بوجه ملوكي يضيء جمالاً منذ طفولته. وعلى ملوك يهوذا أن يتعرّفوا إلى هذا الوجه اذا أرادوا أن يبقوا أمناء لعهد سيناء. ويبدو موسى في التقليد الالوهيمي النبي ووسيط العهد الذي ينقل إلى الشعب الوصايا العشر التي هي شرط أساسي لعبادة الله. وفي التقليد الاشتراعي (نجده خاصة في سفر تثنية الاشتراع) وحده موسى يرتفع بكل قامته فوق تاريخ بني اسرائيل. ينسب كاتب هذا التقليد اليه الخطب التي تحيط بالدستور الاشتراعي، فيقدّم البرهان على تأثير موسى في بناء شعبه الديني والاخلاقي. وموسى هو في نظر التقليد الكهنوتي المشترع الاول الذي أعطى شعبه نظم الخلاص فعاش منها في الفترة التابعة للجلاء، وهذه النظم هي ثلاثة: الشريعة، العبا لله، الكهنوت.
موسى هو المحرّر. نقل الشعب من الكفر إلى الايمان. تغلّب على عناد فرعون وسائر الحواجز الطبيعية، فاحتاج إلى مقدرة نادرة وثقة بطوليّة بقدرة الله. هاتان الصفتان ستبرزان في خبر ضربات مصر وعبور البحر الاحمر حين يتمجّد الرب بواسطة عبده موسى. ولكن الحرية لا تعطى مرة واحدة، بل هي تصان من كل العبوديات التي تهاجمها. لهذا على موسى أن يفعل ويصلي ويغضب ويعاقب ليحفظ الشعب في الامانة لدعوته.
وموسى هو وسيط العهد. عهد سيناء هو الهدف الاول للخروج من مصر. ويتلخّص هذا العهد في الوصايا العشر التي يشكّل حفظُها عربون الحرية. عجز الشعب عن سماع كلمة الله، فنقل اليهم موسى كلمات الله (تث 5: 23- 31). وسيلعب موسى دوراً هاماً حين ابرام العهد: يرش دم الذبائح على المذبح، يردّد متطلّبات الله. وإذ يعلن الشعب قبوله لمتطلّبات الله يرشّه موسى بالدم فيدل على المشاركة بين الله وشعبه (24: 1 ي).
وموسى هو المشترع. ورسالته لا تقتصر على النقل، بل تتعدّاها إلى تعليم الفرائض والرسوم وإلى ممارستها في أرض الميعاد (تث 4: 14). أجل، موسى عرَّف الشعب على فرائض الله وشرائعه (18: 16)، وإليه سيُنسب كل تشريع شفهي أو خطي في أرض اسرائيل.
وموسى هو المتشفّع لأنه وسيط العهد. عرف الشعب ارادة الله، ولهذا وقف أمامه يدافع عن شعبه. أما شفاعته فتشكّل نسيج الفصول 32- 34. نكتشف هنا تعلّق موسى البطولي بشعب الله، هذا الشعب الذي انفصل عنه بسبب خطيئة العجل الذهبي. عرض الرب على موسى أن يصير أب شعب جديد، ففضّل موسى أن يموت مع شعبه أو أن يغفر الله. وصلّى موسى وثابر على صلاته، فغفر الله وحقّق مخططه بأن يسكن وسط شعبه. رغم خطيئته وجحوده ونقضه للعهد، سينال الشعب المغفرة ويحصل على الحضور الالهي في وسطه. وكل هذا كان بفضل شفاعة موسى.
وموسى هو صديق الله. "يكلّم الرب وجهاً إلى وجه كما يكلّم المرء صاحبه" (33: 11). صعد مع الشيوخ إلى قمة الجبل وقت إبرام العهد فرأى الله هناك (24: 9- 11) وأشّع وجهه من مخاطبة الرب له (34: 29- 35).
هذا هو موسى في شعبه. نجّاه الله فصارت نجاته مقدّمة لنجاة الشعب كله من العبودية والموت. هذا الوجه المنير ستتوقّف عنده التقاليد اليهودية اللاحقة وتصوّر على مثاله صموئيل وإيليا وأليشاع وعبد الله المتألم. والعهد الجديد رأى في يسوع النبي الجديد على مثال موسى، بل موسى الجديد. أما الرسالة إلى العبرانيين فتقابل عظمة مجد موسى بعظمة مجد المسيح (عب 3: 1- 6) وتعلن أنه شارك مسبقاً في عار المسيح (عب 11: 25). ثم إن الملائكة في السماء ينشدون بصوت واحد "نشيد عبد الله موسى ونشيد الحمل" كما يقول سفر الرؤيا (15: 3) فيعلنون أن الخلاص الذي حمله موسى إلى شعبه هو صورة مصغّرة عن الخلاص الذي حمله يسوع إلى كنيسته بل إلى العالم كله.
الفصل الثاني والعشرون
الضربات العشر

وبدأ الصراع بين الله الحي والآلهة الكاذبة. موسى يعمل باسم الله وفرعون باسم الاصنام. أما ساحة الصراع فالشعب العبراني. نظر الله اليهم في ضيقهم فأراد أن يخلّصهم، لأنه يهتمّ بالضعفاء والمساكين، يحطّ المقتدرين عن الكراسي ويرفع المتواضعين. وعلى مثال العبرانيين يستطيع كل شعب ضعيف أن ينتظر العون من الله في صراعه ضد القوى الخارجية أو القوى الداخلية المتمثّلة بالاقطاع والاستغلال والظلم.
ولكن كيف سيحارب الله فرعون؟ بواسطة ما نسمّيها الضربات العشر. سيضرب الله مصر عشر ضربات، رمز الكمال. فالرقم عشرة جمع الاعداد الاربعة الاولى، والضربة العاشرة تكون الضربة القاضية ويخلي الفرعون سبيل العبرانيين. لا يذكر الكتاب اسم فرعون. فكل ملك في مصر يدافع عن الاوثان ويفرض عبادتها على شعبه والشعوب المجاورة (كما فعل سليمان يوم زوجه ابنته)، هو فرعون ولهذا يحاربه الله. ولا يحدّد العصر الذي حدثت فيه هذه الضربات التي هي بشكل آيات تدلّ على الله الحاضر هنا والعامل في تاريخ الخلاص. كل عصر يتلقّى التأديب من الله وكل شعب يصيبه العقاب من الرب إن هو حاد عن وصاياه.

1- الضربات العشر
أين دُوِّن خبر الضربات العشر الذي نقرأه في ف 7- 11 من سفر الخروج؟ دوّن في ظل المعابد وبمناسبة الاعياد. فالخروج من أرض مصر هو الحدث المؤسّس للشعب العبراني الذي آمن بالله مخلصاً. ولكن هذا الخلاص لم يتمّ بسهولة، بل رافقه صراع كانت نتيجته غير أكيدة في كل مرحلة. عاد العبرانيون إلى تقاليدهم يقرأونها، ينشدونها ويردّدونها، فيزيدون عليها ويبرزون يد الله القديرة التي تحدَّت أقوى دولة في ذلك الزمان لتخلّص حفنة من الناس وضعوا آمالهم في الرب.
الضربات عشر على عدد اصابع اليد، بعضها يرد في بضعة آيات (الثالثة) وبعضها يمتد إلى اثنتين وعشرين آية (السابعة). واليك لائحة بها:
1- المياه تتحول إلى دم (7: 14- 25)
2- الضفادع (7: 26- 8: 11)
3- البعوض (8: 12- 15)
4- الذباب السام (8: 1- 28)
5- الوباء الذي يضرب المواشي (9: 1- 7)
6- القروح التي تصيب البشر (9: 8- 12)
7- البَرد (9: 13- 35)
8- الجراد (10: 1- 20)
9- الظلمة التي تدوم ثلاثة أيام (10: 21- 29)
10- الاعلان عن موت أبكار المصريّين (11: 1- 10).
روى التقليد اليهوهي سبع ضربات هي: الاولى والثانية والرابعة والخامسة والسابعة والثامنة والعاشرة. وأورد التقليد الالوهيمي خمس ضربات: الاولى والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة. والتقليد الكهنوتي خمس ضربات أيضاً هي الاولى والثانية والثالثة والسادسة والعاشرة. أما المزمور 78: 43- 51 فيورد سبع ضربات: الماء المحول دماً والبعوض والضفادع والجراد والبَرد والوباء وموت الابكار، والمزمور 105: 28- 36 يذكر ثماني ضربات: الظلمة، الماء المحوّل دماً، الضفادع، الذباب، البعوض، البَرد، الجراد، موت الابكار.
انطلق كاتب التوراة النهائي من هذه التقاليد المتعدّدة، وقدّم لنا عشر ضربات، فبيّن قدرة الله الحقيقية في صراع موسى وهارون وسط عالم السحر، بل في صراع الله مع فرعون الذي يحتفظ بالشعب العبراني ولا يتركه يقدّم عبادته للرب في الصحراء.
تحوّل الماء إلى دم. هكذا يتحوّل النيل كل سنة بفضل الوحول المتراكمة. انطلق الكاتب من هذا الواقع وجعل منه معجزة أمام فرعون الذاهب إلى النهر ليقوم بعبادته هناك (7: 15). فاض النهر فامتلأت أرض مصر بالضفادع. أمر الله فجاءت الضفادع، أمر الله (بناء لطلب موسى) فزالت الضفادع. اذاً أقر فرعون حين طلب من موسى وهارون أن الضربة جاءت من الله وأنه وحده يبطلها. ويأتي البعوض فيقرّ السحرة أن أصبح الله هنا. ولكن قلب الفرعون ظل قاسياً. ثم جاء الذباب المسمّم الذي يصيب المصريّين ولا يصيب العبرانيين. فالمصريون أشرار لأنهم يعبدون الاصنام، أما العبرانيون فأبرار لأنهم يعبدون الله الواحد. بعد هذه الضربة تبدأ المساومة والتراجع من قبل فرعون. وحلّ الوباء ببهائم المصريّين ولم يصب بهائم العبرانيين، وجاءت القروح فضربت الناس مباشرة في أجسادهم. ونزل البرد وهو مع البرق والرعد علامة حضور الله. يجب على فرعون أن يعرف أن لا إله مثل الله في جميع الأرض. عندما يضرب الله، فهو لا يريد أن يمحق الانسان بل أن يظهر مجده وقدرته. وخلال هذه الضربة نجد دعوة إلى عبيد فرعون ليخافوا الرب ويهربوا بماشيتهم. بعضهم سيخاف كلام الرب والبعض الآخر لا يوجّه قلبه إلى كلام الرب (9: 20- 21). وبدأ التبدل في موقف فرعون: أقرّ بخطيئته (9: 27) واعترف بعدالة الله وبره. وصلّى موسى فكفّت الضربة ليعرف الناس إن الأرض كلها للرب (9: 29).
وجاء الجراد وما زال قلب فرعون قاسياً. فليتعلّم العبرانيون عند رؤيتهم هذه المعجزات، ولا يقسّوا قلوبهم ويعلموا أن الله هو الرب الحقيقي (10: 1- 2). وحلّت الظلمة بسبب رياح الخمسين، بل بالاحرى لأن موسى مدّ يده بأمر من الرب. كانت الظلمة في أرض المصريّين والنور في أرض العبرانيين لأن الرب حاضر فيها.
ويعلن موسى الضربة العاشرة. هو لن يضرب، بل الرب بيده سيضرب، لأنه وحده يميت ويحيي. أما الصراخ الذي سيرتفع في أرض مصر (11: 6) فيشير إلى أحداث نهاية الازمنة، إلى دينونة الله.

2- نظرة تاريخية ولاهوتية إلى الضربات العشر
تتوالى الضربات بطريقة مرتّبة وكل واحدة تقابل رفيقتها. الاولى والثانية ترتبطان بمياه النيل، الثالثة والرابعة تنقلاننا إلى عالم الحشرات، الخامسة والسادسة تصيبان الانسان والحيوان. السابعة والثامنة تعودان بنا إلى عالم النبات، التاسعة والعاشرة تنقلاننا إلى عالم الظلمة والموت، والابكار ماتوا في نصف الليل. أجل، استعمل الله كل الوسائل ليتمّ عمله الخلاصي من أجل شعبه.
ونلاحظ تدرّجًا في الضربات. تبدأ صغيرة وتقوى إلى أن تصيب الفرعون نفسه في بكره. يبدأ موسى فيعلن عنها ببضع كلمات وينتهي بإعلان طويل يدل على يد الله وعلى متطلّباته من فرعون: اترك شعبي ليعبدوني في البرية. ويتدرّج موقف فرعون. في البداية لا يبالي بما يحدث، ثم يستدعي موسى وهارون ليطلبا إلى الرب أن تكفّ الضربة. وحين تكف يعود إلى تصلّب قلبه وعناده. بعدها يقدّم تنازلات ويضع شروطاً محدّدة: ليقدّم العبرانيون ذبائحهم في مصر دون أن يخرجوا إلى الصحراء. ليذهب الرجال وحدهم ولا يبتعدوا. ليذهب الشعب كله ويترك مواشيه في مصر. صمد موسى باسم الرب وتراجع فرعون أمام الضربة الاخيرة.
ونتساءل أية قيمة تاريخيّة لهذه الاخبار؟ أما اخترعها العبرانيون ورووها للاجيال اللاحقة؟ ثم ان المعجزات المروية هنا ليست عجائب تتنافى ونواميس الطبيعة. كل ما حدث في مصر يستند إلى ظواهر طبيعية: النيل يحمر، الضفادع والبعوض والذباب والجراد يهجم، الوباء والقروح والبرد والظلام الذي يحمله هواء الصحراء... كل هذا يحدث في مصر فيخلّف وراءه ذكريات مؤلمة. ونستطيع أيضاً أن نبيّن تسلسل هذه الضربات على أشهر السنة ونقدر الوقت الذي طالت فيه فاحلّت التعاسة والشقاء بأهل مصر. ولكن عندما نصنع هكذا نضيّع المعنى الحقيقي للتقليد الكتابي.
لاشكّ أننا نريد أن نفهم الامور من زاوية عقلية، ولكن لا بدّ من أن نعرف كيف يبدو النص الكتابي واضحاً أمامنا. فهو يحدّثنا عن معجزات اجترحها الله ليتمّ قصده الخلاصي لشعب اختاره له. والمعجزات لا تكمن في ما حدث، لأن ما حدث معروف وهو لايدهش فرعون ولا المصريّين. العمل العجائبي يكمن في حدوث هذه الظواهر في الوقت الذي يريده الله ليتغلّب على معارضات المضطهد. أجل إن الاحداث أقل أهمية من المضمون الذي ترتديه داخل تاريخ شعب الله. نحن أمام نصوص اخبارية، بل أمام تاريخ نبوي، تاريخ نقرأه على ضوء كلمة الله. نعود إلى الماضي ونكتشف فيه مكانة الاحداث في مخطط الله الذي ينفّذه من أجل شعبه ومن أجل جميع الشعوب. نعود إلى قراءة التاريخ ونترك الاسباب الطبيعية أو البشرية، فنتوقّف عند السبب الاول، عند الله الذي هو سيّد الأرض كلها والذي لا تقف قوة أمامه.
عندما يروي الكاتب الاخبار فهو لا يرويها لمجرّد روايتها، بل ليشهد شهادة إيمان بالرب، الاله القدير والطويل البال الذي يتمّم مواعيده ويقدّم في ما يعمله عربوناً لشعبه: يبقى هو هو في الماضي وفي الحاضر، يبقى الاله الذي يخلّص، الذي يقاتل ويضرب بقساوة، الذي يغفر وينقذ. بهذه الطريقة نقرأ خبر الضربات ولا نتوقّف عند الواقع المادي للاحداث. لا شك أن الخروج من مصر رافقته أحداث مأساوية اصابت المصريّين، فبقي ذكرها مطبوعاً في تقليد العبرانيين كصراع بين يهوه وفرعون، بين يهوه وآلهة مصر التي قهرها الاله الواحد بواسطة رسوليه موسى وهارون.
يوم أقام العبرانيون في أرض كنعان وعادوا إلى تاريخهم تذكّروا ما حدث لأجدادهم يوم خرجوا من مصر. كانت الصعوبات صغيرة ولكن الله تدخل بيد قديرة وذراع ممدودة، تدخّل بواسطة الطبيعة خادمته، فحمل شعبه إلى أرضه. وعاد الكتاب الملهم إلى هذه التقاليد وتوسّع فيها فصارت قراءة ليتورجية يردّدها بنو اسرائيل في أعيادهم. "أطلق شعبي ليخدمني" (7: 16، 26؛ 8: 16؛ 9: 1، 13). "وتقسّى قلب فرعون فلم يطلق الشعب" (7: 14؛ 8: 28). "وتصلّب قلب فرعون ولم يسمع لهما كما قال الرب" (7: 13، 22؛ 8: 11، 15؛ 9: 12). "وتعرف أني أنا الرب" (7: 17؛ 8: 6، 18؛ 9: 14؛ 10: 2). تتكرّر هذه العبارات فتعلق في ذاكرة السامعين. هكذا كان الشعب يستعدّ لعيد الفصح، هكذا كان الاولاد يتعلمون كيف خلّص الله شعبه، كيف خلّصهم هم، لأن الليتورجيا تجعل أحداث التاريخ وكأنها حاضرة لكل المشتركين فيها.

خاتمة
التاريخ في التوراة هو تعليم، والتوراة لا تروي الذكريات التاريخيّة الا من أجل مضمونها الديني الذي شدّد عليه الانبياء والكتّاب الملهمون. هذا التاريخ دوّنه الكاتب اليهوهي فاكتشف كلمة الله في الاحداث. أما الكاتب الكهنوتي فاهتمّ بتفسير الحدث ولاهوته على ضوء كلمة الله.
قبل ذهاب العبرانيين، حلّت في مصر بعض النكبات فاعتبرها العبرانيون كلمة الله متجسدة في عمله، وسبباً لقساوة قلب فرعون. أما حدث مثلها في أرض كنعان ليفهم بنو اسرائيل كلمات الله في أحداث هي آيات وتحذيرات وعبر؟ ويقول النص: ومع ذلك لم ترجعوا إليَّ (عا 4: 6). وكذا نقول عن النكبات الواردة في ف 7- 11 من سفر الخروج. أرادها الكاتب كلاماً من قبل الرب، ودعوةً لتبديل موقف، ونداءً إلى التوبة. فإن لم يسمع الانسان كلمة الله ستكون الضربة التالية أقسى ويكون العقاب أمر ولا بد من الوقوف أمام الرب الديان (عا 4: 12). هكذا يتعرف الشعب إلى الرب (7: 17) الذي لا مثيل له (8: 6، 9: 14) بقدرة يده التي لا تُقهر (7: 5؛ 9: 3).
أظهر الرب نفسه أمام المصريّين، فدخل بطريقة رسمية في التاريخ وفي العالم. قبل ذلك كشف عن نفسه للاباء، والان يتعرّف العالم إلى حضوره وقدرته. حضور الرب يكون خلاصاً للذين هم من الله وهلاكاً للذين يعارضون الله. هذا هو معنى خبر ضربات مصر، وهي لهذا تحمل بعدًا إسكاتولوجيًا فتعلن بداية دينونة العالم.
كانت ضربات مصر معجزات أرسلها الله ليحطّم عناد شعب وثني ومضطهد. وبما أن المملكة الرومانية المضطهدة كانت تلعب بالنسبة إلى الكنيسة الاولى دور مصر الوثنية، فإن سفر الرؤيا يعتبر أن الضربات ستصيب المملكة الرومانية. الله هو سيّد التاريخ ولا شيء يمنعه من العمل لمختاريه. غير أن الله في الضربة الاخيرة لن يقتل بكر ملك من الملوك، بل يسمح بموت بكره فيرتبط عيد الفصح بالحمل القائم كأنه ذبيح (رؤ 5: 6) ويغسل المؤمنون حللهم ويبيّضوها بدم الحمل (رؤ 7: 14) الذي يحمل خطايا العالم، الذي ما جاء ليهلك بل ليمنح الحياة الابدية لمن يؤمن به (يو 3: 16).

الفصل الثالث والعشرون
سر الفصح

ونصل إلى قمة الكتاب، إلى سر نرى علاماته وهي ستتحقّق قريبًا، إلى سر الفصح الذي يدل مسبقاً على الخروج بيد الله القديرة. الاحتفال بالعيد هو الباكورة والباقي سيتم في أوانه. وكما ان الاحتفال بيوم الخميس المقدّس في الليتورجيا يهيّئ المسيحي لفهم ما حدث يوم الجمعة العظيمة، هكذا الاحتفال بسر الفصح يهيّئ الشعب العبراني ليفهم أن خلاصه متضمَّن في هذا الاحتفال كما الثمرة في البذرة وكما الانسان في الجنين.
يقول النص: تذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من دار العبودية. الرب أخرجكم من هناك بيد قديرة. والتذكر أعظم من تصوّر عقلّي لأحداث مضت. يتذكّر العبراني الحدث ويُدخل ذاته فيه. فكأنه كان حاضراً يوم أخرج الله شعبه. وهذا ما يقوله رب البيت لأصغر أبنائه ليستوضح ما تفعله الجماعة: ضرب الشعب المضطهد وخلّص بيوتنا.

1- عيد الفصح
عيد الفصح عادة قديمة عند البدو أكانوا من العبرانيين أم من العرب. كانوا يجتمعون في الربيع ويذبحون حيواناً صغيراً من القطيع ليعربوا عن شكرهم للاله الذي أنمى القطيع، وليطلبوا حمايته من الشياطين والشرور التي يمكنها أن تضرّ بالقطيع. وكانوا يمسحون بدم الحيوان الابوابَ وفتحة الخيمة ليُبعدوا الشياطين ويؤمّنوا الحماية للبشر والمواشي. أما المشاركة في العشاء الفصحي وأكل الأعشاب المرَّة والاستعداد للانطلاق، فهي ترتبط بعادات البدو الذين يتهيّأون للرحيل وقيادة قطعانهم إلى المراعي.
بموازاة هذا العيد، كان عيد الخبز الفطير الذي لا خميرة فيه. يعيّده الحضرُ المقيمون في المدن والقرى في بداية الربيع، ساعة حصاد الشعير. كانوا يأكلون خبزاً من الشعير لا خمير فيه ليشيروا إلى بداية سنة جديدة ستعطيهم غلال الأرض. وكانوا يقربون تقدمة من الحبوب لا عتيق فيها، بينما كان البدو يقدمون في عيد الفصح ذبيحة حيوان.
واجتمع العيدان في عيد واحد يوم ترك العبرانيون حياة البدو وأخذوا بحياة الحضر. صاروا يقدّمون في بداية الربيع خروفاً من قطيعهم وبعضاً من حبوبهم، ثم ربطوا العيد الجديد بحدث تاريخي هو الخروج من مصر بعد الضربة القاضية التي أصابت فرعون وشعبه. كان عليهم أن يرحلوا بغتة فما بقي لهم متّسع من الوقت ليتركوا عجينهم يختمر. ودم الذبيحة كان إشارة إلى حماية الله لشعبه خلال الضربة العاشرة. والوليمة العائلية في ليلة الفصح ذكّرتهم بالساعة الخطيرة التي انتظر فيها الشعب وقت الرحيل. وهكذا صار الاحتفال بالفصح وبالخبز الفطرِ مناسبة مهمة في حياة المؤمن، تذكّره كيف خلّص الله شعبه، وتعقمه أن يعتبر هذا الحدث حاضرًا اليوم في حياته (12: 26- 27).
خسر العيد طابعه الرعائي والزراعي، وارتبط بالتاريخ، لأن هذا التاريخ صار أساس الايمان بالله الذي خلّص شعبه من مصر. وإن أخذ العيد معنى تاريخياً فلأنه تضمّن أيضاً معنى دينياً ولاهوتياً. وارتبط المعنى التاريخي والمعنى اللاهوتي بهذه الطقوس نفسها فوجب علينا أن نعود اليها كما تبرز في ف 12- 13 من سفر الخروج.

2- تأسيس الفصح اليهودي (12: 1- 14)
قدّم لنا التقليد الكهنوتي المقطع الرئيسي الذي يحدّثنا عن أصل الفصح ويعطينا الفرائض التي يجب على العبرانيين أن يمارسوها. كلّم الرب موسى وهارون عن الفصح في أرض مصر (12: 1). ولكن لا يُعقل أن ينتظر الشعب سبعة أيام والوقت يدهمه. هذا يعني أن التقليد الكهنوتي يقدّم لنا تشريعاً لاحقاً نمَله إلى يوم الخروج من مصر ليربطه بهذا الحدث.
كانت السنة عند العبرانيين تبدأ في الخريف، ولكن في زمن البابليين (القرن 8 أو 7 ق. م) صارت بدايتها في الربيع في شهر أبيب أو نيسان كما يقول البابليون. إذاً نقل التقليد الكهنوتي إلى زمن الخروج ما تأسّس فيما بعد في الروزنامة السنوية.
وتوجَّه موسى وهارون إلى جماعة بني اسرائيل. الكلمة العبرية (عده راجع في السريانية عدتو التي تعني البيعة) تشير إلى أن الشعب جماعة منظّمة بترتيب في شعائر عبادتها. فهل كان العبرانيون كذلك يوم خرجوا من مصر؟ أما كانوا مجموعة من الفارين لا شيء يربطهم إلاّ شخص موسى؟
أين يحتفلون بالعيد؟ كل واحد في بيته. فإذا كان عدد أهل البيت قليلاً يدعون جيرانهم ليكون العدد كافياً. نحن إذاً أمام وليمة عائليّة يلعب فيه الأب دور الكاهن. وستتطوّر شعائر العبادة فيما بعد، وينتقل العيد إلى الهيكل ولكن يبقى الدور الأهم للأب حتى اليوم.
يكون الحيوان ذكراً ابن سنة من الخراف أو المعز. يشوونه في النار ولا يسلقونه. حين كان العبرانيون بدواً لا ماء عندهم، هكذا كانوا يفعلون. ولكن حين تحضّروا أخذوا يسلقونه في الماء (تث 16: 7). لا يأكلونه نيئاً، لا يأكلونه بدمه، ويجب أن تنتهي الوليمة خلال الليلة، قبل طلوع النهار، وإن بقي شيء من الذبيحة يُحرق.
وهناك طقس يشدّدون عليه: يمسحون قائمتي الباب وعتبته العليا بالدم. العادة قديمة وهدفها تأمين الحماية الالهية ضد الارواح الشريرة التي يمكنها أن تسيء إلى السكان. فمدخل البيت وبابه مكانان مقدّسان (تث 6: 9؛ 11: 20؛ عز 57: 8) لهذا يُمسحان بالدم علامة العهد بين الجماعة والاله، وبين أفراد الجماعة. وأخذ التقليد الكهنوتي هذه العادة القديمة وأعطاها مدلولاً جديداً: لم يُسفك الدم على المذبح ليكون مكرساً للرب، بل على الباب ليكون علامة للرب. بهذه العلامة تتأمّن حماية العبرانيين فلا تصيبهم الضربة. هذا هو معنى الفصح. سيقفز الرب فوق بيوت العبرانيين ولا يضربها. في ذلك اليوم مّيز الله بين شعبه وبين مضايقي شعبه، فأتمّ وعد الخلاص لأبناء ابراهيم.
ويقدّم لنا التقليد اليهوهي المطعّم بالتقليد الاشتراعي تعليمات للاحتفال بالعيد (12: 21- 28). دعا موسى شيوخ بني اسرائيل، لا الجماعة، ودعا كل عشيرة، لا كل بيت، وطلب من كل فرد أن لا يخرج من البيت قبل الصباح لئلا يضربه الملاك المدمّر. ويشدّد النص فيقول: احفظوا هذه التعليمات أنتم وابناؤكم مدى الدهر. وحين تدخلون الأرض التي يعطيكم الرب تتمّون شعائر هذه العبادة. واذا قال لكم بنوكم: ما هذه العبادة؟ قولوا لهم: هي ذبيحة فصح الرب.
ويعود التقليد الكهنوتي (12: 43- 51) فيقدّم لنا تحديدات عن طقوس الاحتفال بالفصح للذين سيعيشون في أرض كنعان. من هو من شعب الله؟ من ارتبط بالختانة بشعب الله تحقّ له المشاركة في الفصح.

3- الخبز الفطير
ترتبط طقوس الفصح (12: 1- 14) بطقوس الخبز الفطير (12: 15- 20) التي تفرض أن ينزع الخمير من كل بيت، والخمير علامة الفساد، وأن يأكل الناس خبزاً فطيراً على سبعة أيام. ومن تعدّى هذه الشريعة أكان من الشعب أو غريباً يحرم من العيش مع الجماعة، وهذا الانقطاع عن الجماعة يوازي في الزمن القديم الحكم بالاعدام.
الخمير نجاسة لا بدّ من نزعها من البيوت، والغلّة القديمة لن تفسد الغلّة الجديدة. هذا ما عرفه العبرانيون قبل أن يعطوا لعيد الخبز الفطير معنى تاريخياً ويربطوه بالخروج من مصر. ولما فعلوا ذلك عيّدوا عيد الفصح وعيد الخبز الفطير في الوقت ذاته. تذكّروا خلاصهم، وعبّروا عن هذا الخلاص في ليتورجيتهم.
قدّم لنا التقليد الكهنوتي تعليمات عن عيد الخبز الفطير (12: 15- 20)، وأعطانا التقليد اليهوهي المطعم بالتقليد الاشتراعي (13: 3- 10) تعليمات أخرى عن هذا العيد. يحتفل العبرانيون بهذا العيد في أرض كنعان. يدوم الاحتفال سبعة أيام وينتهي بالحج في معبد الرب (13: 6). سيتذكّر الشعب عيد الخبز الفطير (13: 3) كما سيتذكّرون يوم السبت ليقدّسوه (20: 8)، والتذكّر يجعل العيد حاضراً فيجد المؤمن نفسه كل سنة وكأنه يعايش الحدث يوم حصل. حين يسأل الابن عن معنى العيد يجيبه الاب: لأجل ما صنع الرب لي حين أخرجني من مصر (13: 8) فيحسب نفسه أنه هو أيضاً خرج من مصر مع موسى.
ويكون هذا الخلاص علامة لك على يدك وذكراً بين عينيك (13: 9). أي إن الخلاص مطبوع في التذكار كما لو أنه ترك آثاراً على اليدين وعلى الجبهة بين العينين. أجل إن ممارسة العيد تذكار حيّ وحاضر لشريعة الله وكلمته الفاعلة ويده القديرة التي خلّصت شعبه من العبودية لهذا يحتفل بنو اسرائيل بهذا العيد مرة كل سنة.
وترتبط بعيد الفصح وعيد الخبز الفطير، تعليماتٌ بشأن تقدمه الابكار (13: 1- 2، 11- 16). كانت الشعوب القديمة تعتبر أن بواكير الغلال ملك الاله وكذلك الابكار، فيجب أن تكرَّس له لتستجلب بركته. هذا التشريع موجود في العهد القديم ولكنه يرتبط هنا بالخروج من مصر والضربة العاشرة التي سبّبت موت الابكار فيها. حين يسألك ابنك: لماذا تقوم بهذه الممارسة؟ تجيب: لأن الرب أخرجنا بيد قديرة من مصر، من دار العبودية. ولما تصلّب فرعون ورفض أن يطلقنا، قتل الرب كل بكر في أرض مصر. ولذلك أنا أذبح أبكار البهائم وأفدي كل بكر من بنيّ (13: 14- 15). كانت هناك عادة قديمة عند البدو والحضر على السواء، فربطها العبرانيون بالتاريخ وأعطوها معنى لاهوتياً.

4- الضربة العاشرة والخروج من مصر (12: 29- 42)
وسط التعليمات بشعائر العبادة نعود إلى الخبر الذي تركناه في ف 11 والذي سنتابعه في 13: 17- 22. هذا المقطع (12: 29- 42) يروي ما حدث في ليلة الضربة العاشرة، وكيف رحل العبرانيون. هذا الحدث الذي هو قمة الخبر تحيط به التعليمات الطقسية التي تساعد على الاحتفال بذكرى الخلاص مدى الاجيال. الاستعدادات وتفاصيل الحدث ستبقى علامات تنطبع في عبادة العبرانيين وليتورجيتهم. حلّت الضربة بمصر فدبَّ الذعر في السكان وطلب فرعون من موسى وهارون أن يتركا البلاد مع كل الشعب والبهائم كما طلبا.
أي طريق أخذ بنو اسرائيل؟ تركوا رعمسيس وذهبوا إلى سكوت أو أقاموا في الخيام، وسكوت تعني أيضاً الخيام. كم كان عددهم؟ قال النص: ست مئة الف مقاتل. هذا رقم رمزيّ أكثر منه حقيقي، ومصر في كل عظمتها كانت تجنّد فقط خمسة وعشرين الف مقاتل. قالوا: أراد الكاتب أن يبين عظمة الخلاص الذي لم يتم لبعض القبائل، بل لشعب كبير جداً. وقالو: كلمة ألف تعني عشيرة. وهكذا يكون عدد الخارجين خمسة آلاف وخمسمئة شخص. ولكن يبقى المعنى الرمزي حاضرًا إذ ينظر الكاتب إلى المستقبل حين يأتي المسيح في نهاية الازمنة ويكون معه شعبه كله، والخارجون من مصر مهما قلّ عددهم هم علامة خلاص لشعب كبير بل لشعوب الارض كلها. هل نستطيع أن نحسب كل قبيلة جماعة كاملة؟ فالرقم 50000 (الذي هو ضرب 10 × 5 × 10) نضربه بالرقم 12 فيكون العدد ستمئة ألف مقاتل.

خاتمة
هذا هو معنى عيد الفصح. هو عيد الربيع وعيد تجديد الخليقة. وهو يحتفل بتحرير قوى الحياة في الكون بعد أن عاشت سباتاً عميقاً طوال فصل الشتاء. ولكن مع الشعب العبراني تحوّل العيد فما عاد يرتبط بتعاقب الفصول كما عند الكنعانيين، بل بحدث تاريخي هو تدخّل الله من أجل خلاص شعبه.
الفصح هو عبور الله الذي خلّص والذي يخلّص دوماً دون تمييز. هو يخلّص الضعيف والفقير والمظلوم، يخلّصنا من كل ضيق وعبودية وكل قوى الشر، يخلّصنا من كل ما يستعبد حريتنا، يخلّصنا من الموت والخطيئة وكل سوء. هذا هو المعنى الاساسي والعميق لعيد الفصح.
هذا الفصح عاشه يسوع مع تلاميذه فاحتفل به عهداً جديداً في دمه (لو 22: 20؛ 1 كور 11: 25). حلَّ يسوع محل الحمل الفصحي وصار فصحَنا (1 كور 5: 7). ونحن حين نجتمع للاحتفال بسر الافخارستيا نتذكّر موت يسوع (لو 22: 19؛ 1 كور 11: 25)، ولكن تذكّرنا يدخلنا في سر موت المسيح وقيامته، في سر فصحه وعبوره من هذا العالم إلى الآب، وفصحه تتمة لذلك الفصح الذي عاشه العبرانيون يوم خرجوا من مصر.
الفصل الرابع والعشرون
عبور بحر القصب

سر الفصح كان الرمزَ والعبورُ هو الحقيقة. في يوم الفصح بدأ العبرانيون خروجهم من مصر، ويومُ العبور كانت النهاية. مرّ العبرانيون في البحر فانقطعت الطريق وراءهم لئلا يعودوا يفكّرون بمصر وأصنامها. لا شك أنهم سيتذكّرون مصر وخيراتها، يتذكرون قدور اللحم (16: 3) وبصلَ مصر وتومَها وبطيخَها، سيتذكرون أصنامها ويعملون لنفوسهم عجلاً ذهبياً يكون صورة مصغرة عن أبيس، الاله المصري المرسوم بشكل ثور. سيتذكّرون، ولكنهم سيبتعدون شيئاً فشيئاً مع حنين لا يزال دفينًا في قلوبهم للتقرب إلى مصر.
مرّ العبرانيون في البحر، فكأني بهم مروا في الموت قبل الرجوع إلى حياة جديدة. مرّ العبرانيون في البحر فانقلبت حياتهم، وتحوّلت من العبودية إلى الحرية. وها هم يستعدّون لان يجعلوا أنفسهم عبّاداً لله، لا عبيداً لملك مصر. خلال عبور البحر سيبدأ العبرانيون مسيرة مجيدة يرافقهم فيها الله بحضوره عبر الغمام، وقدرته عبر يده الفاعلة، وذراعه الممدودة عبر أعماله. عبور البحر صورة عن عبورنا نحن من عالم الانسان القديم وشهواته إلى عالم الانسان الجديد في البرّ وقداسة الحق.

1- رواية عبور البحر
نحن هنا أمام رواية ملحمية ضخَّم الكاتب فيها الاحداث ليدُلّ على قدرة الله. بحر القصب صار البحر الاحمر المعروف بعمق مياهه. والبحيرات المرة، حيث تكثر المستنقعات، وحيث يستطيع الانسان أن يمرّ، صارت عمق البحر، والمياه سور عن اليمين وعن الشمال (14: 22، 29). وقبائلُ الفارين صارت جيشاً منظماً يُعد ستمئة الف رجل ما عدا النساء والاطفال، أي ما يوازي المليونين أو الثلاثة ملايين. والحامية المصرية المركّزة في أحد حصون الحدود تحوّلت إلى كل جيش فرعون. وغرقُ بعض الجنود صار غرق كل جنود فرعون الذين لم يبق منهم أحد (14: 28). وميّز الرب بين شعبه الضعيف اللائذ به وشعب فرعون القوي المتجبّر، لأنه الاله الذي يحط المقتدرين عن الكراسي.
بفضل الله صار الغمام المظلم نوراً (14: 20) ينير الليل، فسار العبرانيون ولم يتوقفوا عن السير في العتمة. وصارت المياه القاتلة طريقاً على اليبس (14: 29) يقود العبرانيين إلى حياة جديدة. من أجلهم شقت الريحُ الماءَ وفتحت لهم سبيلاً وسط الاخطار، وبسبب مضطهديهم أعادت الريح المياه إلى ما كانت عليه.
بقوة الله التي عملت بواسطة عبده موسى صارت عناصر الكون في خدمة شعب الله: النار والغمام والريح والمياه. هذه القوّة أرسلت الضربات على شعب مصر لكي يطلق شعب الله. وهي ما تزال تعمل لتتم العمل الذي اوكلها الله به وهو تخليص شعبه من العبودية.

2- كيف قرأت التقاليد هذا الحدث
نسارع إلى القول: هناك حدث تمّ وشعبٌ عبر المياه ونجا من شرّ جيش فرعون. هناك خلاص عجيب أتمه الله من أجل شعبه. هذه هي الحقيقة الاساسيّة التي ستَبني عليها التقاليدُ أخبارَها. وإيمان الشعب يرتكز على تذكّر حقيقي لخلاص كان في بداية تاريخه.
ونسارع إلى القول: إن هناك عملية تضخيم تُظهر قدرةَ الله. البحر العظيم صار أرضاً يابسة: يعبره الشعب، بل يدوسه بقدمه وهو موطَنُ الشَر. جيش فرعون المعروف ببطشه تخلّعت دواليب مركباته وتجمّدت فما عادت تستطَيع أن تتحرّك إلى أن جاء البحر فأغرقها وأغرق كل جيش فرعون. وهكذا زالت قوّة عبَّاد الاصنام من الوجود فلن يخاف شعب الله منها.
الله هو الذي يقود الشعب، ولا يسيِّرهم في الطريق القصيرة التي توصل إلى ما سيسمّى أرض الفلسطيّين (13: 17). الله يقود شعبه نحو الجنوب، عبر طريق البرية ونحو بحر القصب، يقوده إلى جبل سيناء. أما المراحل فهي ثانوية والكاتب يذكر بعضها ويهمل البعض الآخر.
الله يقود شعبه وهو حاضر معه، وعمود الغمام والنار علامة لحضوره (13: 21- 22). وهذا الحضور هو علامة لحماية شعبه فيفصل بينهم وبين المصريّين لئلا تكون المعركة في أرض مصر والفرص غير متكافئة.
والله يتدخل ليخلّص شعبه، وتدخّله ماثل في كل دقيقة: يقسّي قلب فرعون (14: 4، 8، 17)، وكأني به يجره إلى قلب المعركة لينتصر عليه. يُلقي نظره إلى مخيَّم المصريّين فيضع فيه الخوف والبلبلة (14: 24- 25). يرسل ريحا شرقية جديدة فيرد المياه إلى الوراء (14: 21). يغرق المصريّين في الامواج (14: 27- 28). اذاً، الرب هو الذي يخلّص شعبه بيده القديرة، فيبقى على الشعب أن يخافه ويؤمن به وبموسى عبده (14: 30- 31).

3- عناصر مختلفة
توسعت التقاليد في خبر عبور البحر الاحمر فحملت تفاصيل وتفسيرات عديدة يكاد بعضها يضارب بعضاً. اذا كان الفرعون هو من أطلق الشعب (14: 5)، فكيف يتحدّث النصّ وكأن الفرعون يجهل ما فعل فيأتي من يخبره برحيل العبرانيين؟ هل تبدَّل قلب فرعون وعبيده تجاه العبرانيين، أم قسَّى الله قلوبَهم (14: 8)؟ ومعجزة البحر: هل ردَّ الرب المياه بفضل ريح شرقية عنيفة (14: 21)؟ أو هل أمر الله موسى فمدّ يده أو عصاه فقسم البحر (14: 16) ثم أعاده إلى حالته الطبيعية (14: 26- 27)؟ هل تدخَّل ملاك الرب ليحمي شعبه (14: 19)؟ ومياه البحر، هل ارتدّت إلى الوراء وظهرت الأرض (14: 21)؟ أم هل شُقَّت فكوّنت سورًا عن يمين الشعب وعن شماله (14: 22)؟ إن ذكر هذا الحدث العجائبي رافقته عناصر تصويرية فقادتنا إلى عالم فائق الطبيعة يظهر بالاخص في المدراش (درس وتفسير من أجل عبرة دينية): تنازعت القبائل الاثنتا عشرة لتعرف من يكون أول من يعبر في وسط المياه التي فتحها الرب. ولكنها لم تتفق، ففتح الرب اثنتي عشرة طريقاً وسط البحر ومرت كل قبيلة في طريقها. ولما وصلت القبائل إلى الشاطئ المقابل استقبلها ابراهيم واسحاق ويعقوب الذين بسطوا ايديهم ليباركوا الشعب ويمجّدوا الله الذي أتمّ مواعيده.
وهنا يبرز عنصر آخر سيكون له دوره فيما بعد، عنيت به تذمّر العبرانيين ضد الله وضد موسى (14: 10- 14). حين يُطل الخطر يتراخى الشعب ويخاف ويلوم موسى لأنه أخرجه من مصر. فلكم تمنّى أن يعيش عبداً في مصر ولا يموت في البرية. إن موضوع هذا التذمر يدلّ على طول بال الله ورأفته من أجل شعبه، ويدلّ على ثقة موسى وايمانه بربه رغم فترات من الضيق والشك. يحس أنه وحده فيصرخ إلى الرب. أما في هذه الحالة فهو متأكّد من خلاص الرب. قال: الرب يحارب عنكم، فكونوا هادئين (14: 14).
وهكذا نصل إلى خاتمة هذا الخبر الذي يقودنا إلى فعل إيمان بالله المخلّص: سيتمجد الله بفرعون وجيشه، ويعرف المصريون أن الرب فعل هذا وأنه وحده الاله الذي يُعبَد. أما بنو اسرائيل فخافوا الرب وآمنوا به (14: 31).

4- نشيد الظفر (15: 1- 21)
"أنشدُ للرب فإنه أظهرَ عظمَته. الرب عزي وتسبيحي. صار لي خلاصاً. هو الهي وإياه أمجَد، هو أبي وإياه أعظم... من مثلك في الآلهة يا رب؟ من مثلك جليل قدوس ومهيب وأهل للتسبيح؟ من مثلك يصنع المعجزات. هديت برحمتك الشعب الذين فديتهم. أرشدتهم بعزتك إلى أرضك المقدّسة". هكذا أنشد العبرانيون الله يومَ خلاصهم.
نقطة انطلاق هذا النشيد هي العبارات التي ردّدتها مريم والنساء: سبّحوا الرب لأنه ربح معركة مجيدة فطرح الفرس وراكبه في البحر (15: 21). أما مواضيع هذا النشيد فهي التي نجدها في سائر القصائد القديمة. يسبح الشعب الله بسبب قوته وعظمته وسلطانه وخلاصه (15: 1- 2، 11). ويبدو الرب بشكل مقاتل ورجل حرب (15: 3) يتدخل بطريقة ملموسة. ونتحدّث عن يده (15: 6) وذراعه (15: 16) وغضبه (15: 7) ونسمة أنفه (15: 7- 8). يهوه الله لا كالآلهة. هو وحده الاله الرهيب والقوي الذي يصنع العجائب. إنه إله أبي واسمه يهوه الرب. وعندما يشير النص إلى الشعب، يتكلّم عن رحمة الرب وعنايته عندما قاد شعبه في الصحراء، وعن قدرته ليتمم مواعيده، وعن اهتمامه ليهيّئ لهم مكاناً في أرض الميعاد. فليقدّسوه ويمجدوه في مدائحهم (15: 13- 17)!
نحن اذًا أمام علاقة خاصة بين الله وشعبه يعتر عنها لا بالكلمات بل بالوقائع: الخروج من مصر، المسيرة في البرية، الدخول في كنعان، والاقامة هناك. هذه العناصر تشكّل أساس فعل إيمان الشعب بربه.
هذا النشيد هو نص ليتورجي أنشدته الجماعة العبرانية على مدى تاريخها. وهو يورد حدثاً من الماضي لا من أجل ذاته بل من أجل الحاضر والمستقبل. فالتاريخ يشهد لما عمله الله في الماضي. ولما يعمله الآن ولما سيعمله حتى نهاية العالم. والخلاص واقع تاريخي من الماضي يتجدّد اليوم وسيتجدّد في نهاية الازمنة.
ويشدّد النشيد على أمواج البحر. إنها رمز إلى دينونة الله كما كانت عناصر مُعادية في قصة الخلق. والامواج التي تبتلع جيش فرعون هي دينونة الله التي تتم في نهاية الازمنة فتصيب كل اعدائه وتُدخلهُم في عالم الموت. ولكن عبر هذه الدينونة يبرز خلاص الله للذين ينتمون منذ الآن إلى شعبه. العبرانيون هم شعبه اليوم ولكن سيأتي وقت يعبد فيه المصريون والاشوريون الرب قبل بني اسرائيل الذي سيكون في المركز الثالث. يقول الرب: مبارك شعب مصر، مبارك أشور عمل يدي، مبارك اسرائيل ميراثي (أش 19: 23- 25).

5- المعنى الروحي لعبور البحر الاحمر
ان معجزة الله من أجل شعبه عنصر أساسي في إيمان بني اسرائيل (عد 33: 8؛ تث 26: 8؛ يش 24: 6- 7؛ أش 11: 15- 16...). وسيرى فيها العبرانيون عمل الله القدير من أجل شعبه كما يرون فيها الطريقة التي بها يربّي الله شعبه. لا ننسى أن على بني اسرائيل أن يتعلموا هذه الثقة التي لا تزعزعها الصعوبات والعوائق. غير أنّ عمل الله لا يستغني عن عمل الانسان، والبحر لا ينشقّ الا ساعة يضع المؤمن رجله في الامواج فيسير ضد تردده وارتيابه.
أما التقليد المسيحي فيرى في عبور البحر صورة عن العماد وعلامة لخلاص الله في يسوع المسيح. فالعماد عمل فدائي يحمل نتيجتين: فهو تحرير من عبودية وتأسيس حياة جديدة. وفي هذا كتب القديس بولس: لا أريد أن تجهلوا أيها الاخوة أن آباءنا كانوا كلهم تحت الغمام، وكلهم جازوا البحر، وكلهم قبلوا المعمودية في الغمام وفي البحر فصاروا من أتباع موسى وكلهم أكلوا طعاماً روحانياً واحداً... حدث ذلك كله ليكون لنا مثلاً، وكُتب تنبيها لنا نحن الذين بلغوا إلى منتهى الازمنة (1 كور 10: 1- 2، 11). معمودية في الغمام وفي البحر، هذا ما حدث لبني اسرائيل في خروجهم. إن عبور البحر الاحمر سيكون بواسطة عمل الله الحاضر في الغمام وعبور المياه القاتلة، نموذجاً للولادة بالماء والروح. كما كان العبرانيون في موسى الذي يجسّد الخلاص الذي صنعه الله، كذلك سيكون المسيحيون كلهم جسداً واحداً في المسيح بسر الولادة الجديدة: اعتمدوا جميعاً في المسيح فلبسوا المسيح (غل 3: 27).
المسيح نفسه مرَّ عبر الموت قبل القيامة. وهكذا نحن الذين غطسنا (اعتمدنا في يسوع المسيح)، إنما غطسنا في موته فدُفِنّا معه بالمعمودية لنموت ونحيا حياة جديدة (روم 6: 3- 4). هنا نفهم أن سر المعمودية يرتبط بعيد الفصح وما فيه من عبور من الموت إلى الحياة، من الخطيئة إلى النعمة، ومن عبودية البشر وقوى الشر إلى حرّية أبناء الله.
أنشد العبرانيون نشيد موسى، ونحن المسيحيين ننشد أيضاً نشيد عَبْد الله موسى والحمل ونقول مع صاحب الرؤيا: "عظيمة، عجيبة أعمالك أيها الرب القدير" (رؤ 15: 3). أنشد العبرانيون لخلاص تمَّ لهم، والمسيحي يمتدح عظمة الله الذي نجَّى كنيسته ولا يزال ينجّيها حتى النهاية فلا تقوى عليها أبواب الجحيم (مت 16: 18).
الفصل الخامس والعشرون
على جبل سيناء والوصايا العشر

وصلنا إلى هدف مسيرتنا. فتحرير اسرائيل وخروجهم من مصر، ما صنعه الله لهم، والطريق التي أخذوها، كل هذا تمّ ليقودهم إلى سيناء، كل هذا حدث من أجل اللقاء بين الله وشعبه، من أجل إقامة عهد بينه وبينهم. هذا ما نتحدّث عنه بعد أن وصلنا إلى قلب الكتاب.
هذه الفصول التي سنقرأها (ف 19- 24) ترتبط كلها بالعهد في سيناء، ونحن سنميّز فيها أربعة أقسام. الاعلان عن العهد وتهيئته (19: 1- 25، مع 20: 18- 21)، الوصايا العشر (20: 1- 17)، شرعة العهد (20: 22- 23: 33)، الاحتفال بالعهد ولقاء موسى بالله على الجبل (24: 1- 18).

1- الاعلان عن العهد وتهيئته (19: 1- 25)
وصعد موسى للقاء الله فناداه الربُ من الجبل وقال: كذا تقول لآل يعقوب: رأيتم كيف عاملت المصريّين، وحملتُكم كما تحمل النسور صغارها، وأتيتُ بكم إليّ. والآن إن سمعتم حقاً ما أقوله لكم وحفظتم عهدي، تكونون لي شعباً خاصاً بين الشعوب. جميع الأرض لي أما أنتم فتكونون لي مملكة كهنة وشعباً مقدّساً، أي مكرّساً لخدمتي (19: 3- 6).
ودعا الرب شعبه وقدّم لهم مواعيده في ذلك اليوم أي في عيد الاسابيع الذي يحتفلون فيه بعطية الشريعة على جبل سيناء يوم العنصرة. وذكَّرهم بأحداث الخلاص من مصر: ما الذي صنع لهم وكيف حملهم ورفعهم فوق كل خطر كما يحمل النسر صغاره (رج تث 32: 11). فإن حفظ الشعب عهد الرب جعلهم خاصته وككنز ثمين له، جعلهم مملكة كهنة، فقربّهم إليه، وجعلهم في خدمته وأرسلهم يعلّمون الشريعة. فالدور الذي يلعبه الكهنة في شعب اسرائيل هو الدور الذي سيلعبه شعب اسرائيل في سائر الشعوب. وهو الدور الذي ستلعبه الكنيسة مع شعب الله الجديد. وفي هذا يقول بطرس الرسول: أما أنتم فنسل مختار وكهنوت ملوكي وأمة مقدّسة وشعب اقتناه الله لاعلان خصائله (1 بط 2: 9).
ولكن إذا أراد الشعب أن يتقرب إلى الله فعليه أن يتهيّأ. هو مدعوّ إلى القداسة فعليه أن ينفصل عن كل ما هو عالمي ويتكرس للرب في تقبّل كلمته واتمام مشيئته. أما التهيئة فتمتد على ثلاثة أيام (19: 15) ليكون الشعب مستعداً للقاء الرب حين يأتي في ظلمة الغمام (19: 9). ويتحدّث النص عن استعداد خارجي يرتبط بنظافة الجسد التي هي جزء من نقاوة الانسان. وهذه النقاوة لن تكون تامة إلا بعد عبور الرب. فالشعب لا يحق له أن يصعد الجبل. فان صعد مات بسبب ناره المحرقة أو قُتل بسهم أو رُجم بالحجارة رجماً. ولكن اذا نفخ البوق يصعد موسى مع الكهنة ثم الشعب (19: 13).
ويصوّر الكاتبُ ظهورَ الله (19: 16- 25) بصور متنوعة. من جهة نجد الجبل مدخِّناً لأن الرب نزل وسط النار والزلزال (آ 20) ويكون جبل سيناء موضوع ظهور الرب. من جهة ثانية يتكلّم النص عن الرعود والبروق والغمام الكثيف (آ 16) أي عن عاصفة قوية. فتقدّم موسى وشعب الله إلى لقاء الرب في أسفل الجل (آ 17) الذي يبدو بشكل معبد يقيم فيه الله. أكنّا أمام بركان أو أمام عاصفة، أمام مكان ظهور الله أم محل إقامته، فالتقاليد تحتفظ بذكرى مريعة رافقت موسى حين صعد الجبل ليتقبّل شريعة الله. وظلّ الاعتقاد سائدًا بأن الله يقيم على جبل سيناء. إلى هناك سيذهب إيليا للقاء الرب بعد أن يئس من الحياة (1 مل 19: 8 ي).
وهكذا يقدّم ف 19 من سفر الخروج مقدمة مهيبة لعهد سيناء. هو يجعلنا في إطار عبادي: يقف الشعب عند أسفل الجبل كما على مدخل معبد يلتقي فيه الله بموسى. هناك حدود لا يتجاوزها أحد. وعلى الشعب رغم بعده أن يستعد للقاء موسى بالله الذي يتم في ظهور مريع سيملأ قلب الشعب خوفاً. أما هدف اللقاء فكلمة يوجّهها الله إلى موسى وينقلها موسى إلى الشعب. هذا ما قاله سفر الخروج. أما سفر التثنية فيشير إلى أن ظهور سيناء كان سماع كلمة وسط النار والدخان لا رؤية وجه (تث 4: 10- 18). وستعود الرسالة إلى العبرانيين إلى هذا المشهد لتقابل بين وحي سيناء والصور الهائلة بواسطة موسى، ووحي جبل صهيون وأورشليم السماوية بواسطة يسوع المسيح وسيط العهد الجديد، فتقول: اقتربتم من جبل صهيون، من مدينة الله الحيّ، من أورشليم السماوية، من الله ديّان البشر جميعاً، من يسوع وسيط العهد الجديد. فاحرصوا أن لا ترفضوا الذي يتكلّم. فإذا كان الذين رفضوا المتكلم بكلام وحي في الأرض (أي موسى) ما نجوا من العقاب، فكيف ننجو نحن إذا رفضنا المتكلم من السماء (عب 12: 22 ي) أي يسوع المسيح.

2- الوصايا العشر (20: 1- 17)
وتبدأ الوصايا بمقدمة: أنا الرب الهك الذي أخرجك من أرض مصر، من دار العبودية. نحن في إطار المعبد، في عيد من الاعياد. يتذكّر الشعبُ إلهَه الذي هو الاله المخلّص الذي لا يزال حاضراً وفاعلاً اليوم في تاريخ شعبه كما كان في الماضي. هذا الاله التزم بقضايا شعبه. وطلب من شعبه ان يلتزم بوصاياه. وهكذا يرتبط خلاص الشعب بالشريعة لأن الذي أعطى فرائض للشعب هو الذي خلّصه من العبودية.
الوصية الأولى (آ- 3): لا يكن لك الهة أخرى تجاهي، أي لا تعبد آلهة أخرى، لأن يهوه يُعبد وحدَه في شعب اسرائيل. لا تفضِّل آلهة أخرى عليّ ولا تجعل هذه الآلهة التي تتعبد لها تتحدَّاني في عقر داري ووسط شعبي.
حين يحتفل الشعب بشعائر العبادة فهو يحضر أمام الله، والله حاضر في معبده، فلا يقبل أن يكون معه الله آخر أو أن تُصنع تماثيل قرب تابوت العهد رمز حضور الله. هذا التشديد على وحدانية الله ستحتفظ به الديانات التوحيدية التي ترفض الشرك وعبادة الاوثان.
الوصية الثانية: لا تصنع لك وثناً منحوتاً ولا صورة شيء00. (آ 4- 6). هذه الوصية امتداد للوصية الاولى: مُنعت صُوَر الآلهة الغريبة، بل أيَّة صورة لله الواحد. ستكون بعض الصور في الشعب كالحية النحاسية والعجل الذهبي، وسوف يتأخّر الشعب الاسرائيلي ليعرف أن الله روح وأن الذين يعبدونه يعبدونه بالروح الحق (يو 4: 24). ولكن اللهّ لا يريد أن يتشبّه بآلهة مصر وكنعان وفينيقية. ثم إن هناك علاقة بين الصورة والشخص، فمن امتلك الصورة كانت له سلطة على الشخص. فهل يعقل أن يتسلّط الانسان (كما بقوة سحرية) على الله من خلال تمثال يصنعه له؟
حين تكلّم الله لم يرَ الشعب أية صورة (تث 4: 15- 19). اذاً يجب عليه أن لا يعبد أية صورة، لأن الله اله غيور يعاقب المؤمنين حين يعبدون آلهة أخرى.
الوصية الثالثة (آ 7): لا تحلف باسم الهك باطلاً وبدون فائدة وبالتالي كذباً. الاسم يرتبط بالشخص الذي يحمله ويمتلك قسماً من قدرة الشخص وحضوره. فمن تلفّظ باسم الله وجد نفسه بحضرة الله واستعمل قدرته. هذا ما يحدث في أمور السحر والعرافة: يلفظون اسم الاله من أجل عمل يصل شره إلى البشر. من عمل مثلَ هذا يُقتَل. لا يُلفَظ اسم الله إلاّ في الصلاة والعبادة والمديح. ثم إن الشعب العبراني خاف أن يتلفّظ باسم الله فتكلّم عن الحضور والمجد والسماء. واذا التقى بكلمة يهوه قال ادوناي أو السيد. أما نحن المسيحيين فنقول للرب: ليتقدس اسمك (مت 6: 9). ونتذكر كلام الرب يسوع: لا تحلفوا مطلقاً لا بالسماء ولا بالأرض ولا بأورشليم. فليكن كلامكم نعم أو لا (مت 5: 33- 37).
الوصية الرابعة (آ 8- 11): لا تنسَ أن تكرّسَ (تقدس) لي يوم السبت، أن تكرّسه لخدمة الرب. الله خلق الكون في ستة أيام واستراح، وهكذا يفعل المؤمن. هذه العادة فُرضت في شعب الله في القرن السادس أو الخامس أو في زمن المنفى والرجوع من السبي. ولكن سيأتي زمن تصبح فيه وصيّة السبت ثقيلة جداً: لم يعد السبت في خدمة الانسان، بل صار الانسان في خدمة السبت وهذا لا يرضاه يسوع (مر 2: 25- 28). وسيأتي يوم يحل الاحد محل السبت لأنه تذكار قيامة المسيح. وهكذا فالاحد ليس امتداداً للسبت، بل نظاماً جديداً أخذت به الجماعة الجديدة على ضوء الروح القدس.
الوصية الخامسة (آ 12): أكرم أباك وأمك لكي يطول عمرك وتكون سعيداً في الأرض التي يعطيك الرب الهك. هذه الوصية تتوجّه إلى الجميع، لا إلى الصغار فقط. وهي تعني أيضاً العناية بالوالدين في زمن الشيخوخة. هذه الوصية شدّد عليها يسوع (مت 15: 4- 6؛ مر 7: 10- 13)، وقال فيها بولس الرسول: أيها الابناء أطيعوا والديكم (أف 6: 1؛ كو 3: 20).
الوصية السادسة (آ 13): لا تقتل، لا تمسّ حياة القريب، فمن مسّ حياة القريب مسّ حياة الجماعة. وتوسعت الوصية فلم تقتصر على القريب بل وصلت إلى كل انسان لأن كل انسان مخلوق على صورة الله. فمن مسّ حياة القريب مسّ الله الذي هو وحده سيد الحياة والموت. هذه الوصية سيعمّقها يسوع فيقول: سمعتم أنه قيل لابائكم لا تقتل أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه أو من قال له يا أحمق يستوجب نار جهنم (مت 5: 21- 22).
الوصية السابعة (آ 14): لا تزن، لا تُخن الحياة الزوجية، وإلا كان جزاؤك الموت (لا 20: 10؛ تث 22: 22- 27). في الماضي كانت المرأة تُعتبر ملك الرجل. ولكن فيما بعد، تطلّع الانبياء إلى الخيانة الزوجية وربطوها بعهد الشعب مع ربِّه. أما المسيح فيقول لنا: "من نظر إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (مت 5: 28).
الوصية الثامنة (آ 15): لا تسرق، إي لا تمس ملك الغير. وهناك معنى أقرب إلى التقليد اليهودي حيث السرقة تدل على خطف الاشخاص وبيعهم عبيداً (رج 21: 16؛ تث 24: 7؛ 1 تم 1: 10)، وهذا أمر تعرفه حتى المجتمعات الحديثة. ونزيد: إن الاحتفاظ باجرة العامل سرقة، والدين بالربى سرقة، وسحق المساكين سرقة. مقابل السرقة وامتلاك حق الغير هناك روح الفقر الانجيلي الذي يوصلنا إلى حرية القلب والمحبة.
الوصية التاسعة (آ 16): لا تشهد على قريبك شهادة زور. إذا شهد أحد وكذب فهو يستحق العقاب الذي أراده للمتهم (تث 19: 16- 19). كان للكلمة أهميتها يوم لم تكن الكتابة معمّمة، لهذا طلب القاضي شهادة شاهدين أو ثلاثة في قضية. ثم إن الوصية توسّعت فشملت كل غش ونميمة وافتراء وكذب (رج مت 5: 37؛ 1 يو 2: 21- 22).
الوصية العاشرة (آ 17): لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته. كانت المرأة ملكاً للرجل وهي أقل أهمية من بيته. أما في سفر التثنية ففصل المشترع المرأة عن سائر ملك الرجل فقال: لا تشته امرأة قريبك، ولا تتوق إلى امتلاك بيت قريبك. نحن هنا أمام عواطف الانسان العميقة ونواياه. ولكن الوصية يمكنها أن تعني أيضاً: لا تظلم أحداً (رج مر 10: 19).
سمع الشعب هذه الوصايا فخافوا. رؤية الله لا تخلو من الخطر، وكذلك سماع كلمته، لهذا يحتاج الشعب إلى وسيط يحمل إلى المؤمن كلمة الله. وموسى هو الوسيط الذي يتقبّل كلمات الله وينقلها إلى الشعب، وهو الذي يبيّن أن هذه الاحداث هي امتحان للشعب لتبقى مخافة الله في قلبه فيبتعد عن الخطيئة.

3- شرعة العهد (20: 22- 23: 33)
وتمتد الوصايا في شرعة العهد التي تتضمّن فرائض قديمة. شرَّعت على العبيد، وعلى الحكم بالاعدام، وعلى الضرب والجراح، وعلى الحوادث التي يسبّبها حيوان، ثم على أنواع مختلفة من الاضرار (السرقة بوجه عام والتخريب)، عن الحياة الاخلاقية والدينية، عن السنوات المقدّسة والأعياد.
وبعد كل هذه الفرائض تأتي الوعود والتهديدات: اذا سمعت ما يقولُ لك (ملاكي) وعملت بجميع ما اتكلّم به أعادي أعداءَك، وأُخاصم مخاصميك (23: 22). إذا عبدتم الربّ بارككم في خبزكم ومائكم (23: 25).
وقبل أن ننتقل إلى القسم الأخير نورد بعضاً من فرائض شرعة العهد.
من خطف أحداً فباعه أو احتفظ به يُقتل قتلاً. من لعن أباه أو أمه يُقتل قتلاً.
لا تترك ساحرة على قيد الحياة.
لا تظلم الغريب ولا تضايقه، فأنتم كنتم غرباء في أرض مصر.
لا تسئ إلى أرملة ولا إلى يتيم، فإن اسأت إليهما وصرخا إليَّ فإني أسمع صراخهما.
إذا أقرضت مالاً لفقير من شعبي فلا تكن له كالمرابي.
إذا استرهنت ثوب صاحبك فعند مغيب الشمس ردّه إليه لأنه غطاؤه الوحيد وكساء جلده الذي ينام فيه. إن هو صرخ إليّ سمعت لأني رحوم.
كونوا أناساً مقدّسين.
لا تقبل خبرًا كاذبًا ولا تمدّ يدك إلى الشرّير فتجعل نفسك شاهد زور.
لا تتبع الأكثريّة في فعل الشرّ، ولا تحرك العدالة إرضاءً للأكثريّة.
اذا رأيتَ حمارَ عدوِّك ساقطاً تحت حمله فلا تتجاوزه، بل ساعد عدوّك ليقيمه.
لا تحرِّف حق المسكين في دعواه. إبتعد عن الكلام الكاذب.

4- الاحتفال بالعهد (24: 1- 18)
هذا الفصل يشكّل خاتمة القسم عن عهد سيناء (ف 19: 24) ومقدمة للفصول المتكلمة عن تنظيم شعائر العبادة في البرية (ف 25- 31، 35- 40).
هذا الفصل يتضمن قسمين: العهد في سيناء (24: 1- 11) وموسى على الجبل (24: 21، 12- 18).
في القسم الأول نجد خبرين. ماذا نتهرأ في الخبر الاول (آ 1- 2، 9، 11)؟ موسى وهارون وابناه ناداب وأبيهو وسبعون شيخاً يمثلون الشعب. رأوا الله في مجده ولم يموتوا. وأختُتم العهدُ بوليمة اتحاد وسلام. الخبر الثاني (آ 3- 8) هو امتدادٌ للشرائع والفرائض التي قرأناها في شرعة العهد. حوار بين موسى والشعب عند أسفل الجبل. ردّد موسى الشرائع فالتزم بها الشعب. وبنى موسى مذبحاً من اثني عشر نصباً على عدد الاسباط الاثني عشر وقام بطقوس، ثم رشّ من الدم وقال: هوذا دم العهد الذي عقده الرب معكم بحسب هذه الأقوال (24: 8). هذ الكلام سيردّده يسوع ليلة العشاء السرّي (مت 26: 28؛ مر 14: 24؛ لو 22: 20). أما الرسالة إلى العبرانيين فتذكر العهد الاول وتقابله مع العهد الجديد في المسيح (عب 9: 20).
في القسم الثاني (24: 12- 18) يدعو الله موسى إلى الجبل ليعطيه الوصايا من أجل تعليم الشعب (آ 12- 15). وسيطيل موسى إقامته هناك ولن ينزل إلاَّ ليرى الشعب يخون الرب ويعبد العجل الذهبي (ف 32- 34). أما الآيات 15- 18 فتبدو بشكل مقدّمة للفصول التي تتحدّث عن المعبد وآنية العبادة. دخل موسى في وسط الغمام وأقام في الجبل أربعين يومًا وأربعين ليلة.
الفصل السادس والعشرون
المسيرة في البرية ببركات الله

ترك العبرانيون وراءهم خصب الأرض وغزارة المياه، وتوغّلوا في البرية حيث الصعوبات عديدة: لا ماء، لا طعام، لا مأوى، لا مأمن. ترك العبرانيون أعظم مدنيَّة وألمعها، وعادوا إلى مدنيّة البدو في صحراء سيناء. واندفعوا نحو عالم الحرية في هذه المسافات الشاسعة، وحسبوا أن حياتهم ستكون عيداً متواصلاً. لا شكّ في أن الرب سيشملهم بعنايته ويعطيهم الطعام والشراب ولكنه يطلب منهم ثقة ثابتة. يطلب منهم أن يتعلّقوا به وحده دون سائر الآلهة، أن يحفظوا وصاياه، وأن يعتبروا نفوسهم بأمان ما دام في قلبهم إيمان.
وبدأت المسيرة في الصحراء، تلك المسيرة التي تقود الشعب إلى جبل سيناء، إلى موضع اللقاء بالرب. ويقدّم لنا سفرُ الخروج لمحة عن هذه المسيرة وأخطارها فيورد لنا خمسة أحداث ظلّت عالقة في ذكريات العبرانيين وبرهنت لهم أن الله الذي خلّصهم لا يتركهم بل يهتمّ بحاجاتهم اليومية. وهذه الاحداث هي: مياه مارة (15: 22- 27)، المن والسلوى (ف 12)، المياه المتفجّرة من الصخر (17: 1- 7)، النصر على بني عماليق (17: 8- 16) واللقاء بيترو، حمي موسى (ف 18).

1- مياه مارة (15: 22- 27)
وصل الشعب إلى الصحراء، فكاد لا يجد ماء، والذي وجده كان مراً لا يُشرب. فامتلأ الشعب مرارة وتذمّر على موسى. حرّر موسى شعبه ولكن مهمّته لم تنته بعد، فعليه أن يصبر على هذا الشعب، أن يكون الوسيط بين الله وشعبه، أن يتشفّع. طلب من الله فأشار الله عليه أن يلقي عود شجرة في الماء فتصبح صالحة للشرب. وهكذا صار.
مارة موضع وصل إليه الشعب بعد مسيرة ثلاثة أيام. هل كان هناك معبدٌ اجتمع حوله العبرانيون قبل متابعة الطريق إلى سيناء؟ مهما يكن من أمر فالرب استقبل فيه شعبه وأعطاه بعض الفرائض والوصايا وقال له: إذا أطعت أمر الرب إلهك وكنت مستقيماً أمامه وأصغيت إلى وصاياه وحفظت جميع فرائضه، لا أحلّ بكم جميع الامراض التي أحللتها بالمصريين لأني أنا الرب الله العافية. الله يعافي شعبه من أمراض الجسد كما من أمراض النفس فيغفر له خطاياه.
ووصل الشعب إلى إيليم فوجدوا اثنتي عشرة عين ماء وسبعين نخلة تكفي الاسباط الاثني عشر والسبعين عشيرة برؤسائها السبعين (24: 1؛ عد 11: 16). أما التقليد المسيحي فرأى في هذه الاعداد تلميحاً إلى الرسل الاثني عشر وإلى التلاميذ السبعين (لو 10: 1). وسيقابل الآباء مياه مارة بمرارة الشريعة المفسَّرة تفسيراً حرفياً والتي تصبح حلوة بفضل عود صليب المسيح.
ونعود إلى الخبر فنفهم أن الله الذي خلص شعبه، ما زال يهتمّ به في مسيرته الطويلة والقاسية في الصحراء، ويعطي موسى السلطان ليساعد الشعب على إيجاد الطعام والشراب. والله هو الاله الذي يحوّل الخير شراً (تك 50: 20)، والمرارة حلاوة، وخطر الموت وعدَ حياة.
تذمّر الشعب وسيتمرّد، والهموم اليومية تلاحقه في محنته عبر الصحراء. إنها تتعدّى قوى أناس مساكين خرجوا حديثاً من العبودية، قوى حجّاج يبحثون عن إله سريّ لا تراه العين. ولكن قوى شعب الله حاضرة شرط أن لا يتنكّر لنفسه وينسى أن الله معه. فبإيمانه بربِّه يقدر على كل شيء، يقدر أن يعبر الصحراء ويتغلّب على التجارب والمحن. مثل هذا الايمان يجعلنا فوق المستوى العادي من الشجاعة ويدخلنا في مصير يتعدّى طرق البشر. في هذا الاطار نسمع القديس بولس: ما اصابتكم تجربة الا وهي على مقدار وسعكم البشري. إن الله أمين فلا يكلّفكم من التجارب غير ما في وسعكم، بل يؤتيكم مع التجربة وسيلة النجاة منها والصبر عليها (1 كور 10: 13).

2- المن والسلوى (ف 16)
وتذمّر الشعب مرة أخرى على موسى وهارون اللذين أخرجا الشعب من مصر ليقتلاه في البرية. قالوا: كنا سعداء في مصر نجلس عند قدور اللحم ونأكل من الطعام شبعنا. سمع موسى وهارون هذا التذمّر وحسباه موجّهًا نحو الله لا ضد شخصيهما.
وأعلن الرب أنه سيرسل خبزاً من السماء (16: 4- 5)، فيأكل الشعب خبزاً في الصباح ولحماً في المساء (16: 11- 12). فالطعام الذي يعطيه الله سيكون امتحاناً للشعب: هل يسيرون بحسب شريعة الرب أم لا؟ ثم إن الطعام سيجعل الشعب يعرفون أن يهوه هو الله (16: 12) ذلك الذي أخرجهم من أرض مصر (16: 6). وهكذا ترتبط عطية الطعام بحدث الخلاص من مصر، وهو حدث تاريخي، كما يرتبط بهذا الحدث تنظيم الشرائع التي يعطيها الله لشعبه. فالاله المخلّص والمشترع هو أيضاً الاله الذي يقود شعبه ويقوته يوماً بعد يوم بعنايته ورحمته. ولكن هذا الاله لا يمكن أن يكون الهاً نفعياً في خدمة الشعب، بل هو الاله الذي يتجلّى مجده وسط الغمام بطريقة تفوق الطبيعة (16: 7، 10).
ويورد النص ظاهرتين (16: 13- 21): طيور السلوى تغطي أرض المخيم، والمن حول المخيم. ظاهرتان طبيعيتان لاحظهما علماء التاريخ والجغرافيا. تأتي الطيور تعبة بعد سفر طويل فتقع على الأرض منهكة القوى فيلتقطها الانسان بسهولة. والمن معروف في البرية إلى اليوم. حصل العبرانيون على طعام ما كانوا لينتظروه، وحصلوا عليه بطريقة مدهشة فبدا لهم معجزة من السماء. هذا المن لم يعرفه قرّاء العهد القديم ونحن لا نعرفه، ولكن الكاتب الملهم حسبه طعامًا سماوياً يعطيه الرب وأكلاً مشبعاً. كان هذا الطعام مناسبة ليمتحن الله شعبه ويجعله يعي حالته: إنه مسكين أمام الله ينتظر كل شيء منه. إنه مؤمن يعرف أن الانسان لا يحيا بالخبز فقط بل بكل ما يخرج من فم الله (تث 8: 3). وما يخرج من فم الله هو كلمته. وهكذا يصبح خبز السماء كلمة الله.
أجل، صرخ الشعب فتدخّل الله من أجل شعبه، وأجرى لهم عجائبه كل أيام حياتهم في البرية حتى اليوم الذي دخلوا فيه أرض الميعاد. رافقهم عطاء المن أربعين سنة (16: 35- 36) إلى ذلك الفصح الذي عيّدوه في كنعان وأكلوا للمرة الأولى من غلّة الأرض (يش 5: 11- 12).
وأعطاهم الرب تعليماته: يجمع كل واحد ما يحتاج اليه هو وعياله كل يوم بيومه. وهنا حصلت المعجزة: الذي جمع كثيراً لم يفضل عنه والذي جمع قليلاً لم ينقصه (16: 18). هذا الكلام سيردّده بولس الرسول حين يتحدّث عن جمع الصدقة من أجل فقراء أورشليم (2 كور 8: 15). وأمرهم الرب: لا يبق من المن شيء إلى الغداة وإلاّ دبَّ فيه الدود. ولكن الشعب لم يسمع فاحتفظ ببعض المنّ إلى الغد. فوبّخ موسى الشعب وأفهمهم أن المن صورة عن عناية الله بشعبه كل يوم بيومه: هو خبز السماء، هو طعام يتساوى فيه الجميع، هو طعام يومي يمنحه الله المؤمن في مسيرته إلى أرض الميعاد. سيعلمنا يسوع أن نقول: أعطنا خبزنا كفاف يومنا (مت 6: 11)، وينبّهنا ألاّ نهتمّ بما نحتاج اليه من طعام أو لباس (مت 6: 25- 26). بل نكون مثل طير الحقل وزنبق الأرض. أما التقليد اليهودي فيقول إن المن كان له طعم الخبز، وطعم اللحم والزيت، وطعم العسل. وفي هذا قال سفر الحكمة: أعطيت شعبك طعام الملائكة وقدّمت لهم من السماء خبزاً معدًّا لم يتعبوا فيه، خبزاً يوفر كل لذة ويلائم كل ذوق (حك 16: 19- 20).
ويتحدّث العهد الجديد عن المن، ذلك الطعام الروحي، طعام الذين يعيشون بحسب روح الله كما قال بولس الرسول (1 كور 10: 3). ويستفيض القديس يوحنا في الكلام على خبز الحياة، الذي لا يخيّب أمل من يغتذي منه، على الخبز النازل من السماء الذي يُشبع جوعنا ويعطينا الحياة. يعود يوحنا إلى إطار سفر الخروج، ويلمّح إلى المن الذي أعطاه موسى، فيصل بنا إلى جسد يسوع الذي يُعطَى لحياة العالم، للحياة الابدية (يو 6: 31- 35، 48- 58).
هذه الخطبة عن الخبز النازل من السماء، عن المسيح الاله الذي صار جسداً لخلاص الكثيرين وطعاماً لحياة الكنيسة في مسيرتها. هذه الخطبة هي كمال تأمّل كنسي قاده الروح القدس انطلاقاً من الصحراء. وفي النهاية تلفّظ يسوع بكلمات سرّ الاسرار (مت 26: 26- 28؛ مر 14: 22- 24؛ لو 22: 19- 20؛ 1 كور 11: 23- 25) في إطار ليتورجي يرتبط بفصح اليهود فيذكّرنا بالفداء الخلاصي وبالعهد، ويساعد الكنيسة على أن تحتفل على مدى التاريخ بسرّ الخلاص الفاعل.

3- في رفيديم (ف 17)
ونقرأ في ف 17 حدثين منفصلين: الماء يتفجّر من صخر حوريب، والنصر على بني عماليق. الرب يعطي شعبه كل خير، وينقذه من كل خطر، وذلك بواسطة عصا موسى التي اسمها عصا الله.
ما وجد الشعب ماء فتذمّر على موسى، فتوجّه موسى إلى الرب الذي أمره أن يضرب الصخر بعصاه. تفجّرت المياه فارتوى الشعب.
سمِّي المكان مسة ومريبة أي موضع المحنة وموضع الخصومة. امتحن الشعب ربه (17: 2، 7): هل يقدر أن يخرج ماء من الصخر؟ وخاصم موسى، ومن خلاله خاصم الله يوم أحسّ بالعطش. ولكن في الواقع هو الله يمتحن شعبه المرتاب به وبقدرته (15: 25). ونتساءل هنا: هل تذمّر الشعب مراراً طالباً الماء، أم أن الكاتب الملهم انطلق من حدث واحد وجعل الرب يتدخّل حالاً بعد الخروج من مصر في مارة (15: 22- 26)، ثم قبل الوصول إلى سيناء (17: 1- 7) في مسة ومربية قرب رفيديم، وأخيراً في مريبة القريبة من قادش (عد 20: 1- 13)؟ الامر معقول. ولقد انطلق المعلّمون اليهود من مربية رفيديم ومريبة قادش التي تفصل بينهما مسافة أربعين سنة من الاقامة في البرية، فاعتبروا ان صخرًا واحدًا رافق الشعب وأمّن له الماء خلال ترحاله. عرف بولس الرسول هذا التقليد فتمال في 1 كور 10: 4: "كان آباؤنا يشربون من صخرة روحيّة ترافقهم وهذه الصخرة هي المسيح".
هذا الحدث، أكان واحداً أم متعدّداً، يدلّ على أن الله لا يترك شعبه في البرية أمام محنة الجوع والعطش والأعداء. هذه المحنة تدفع الشعب إلى التذمّر على موسى وبالتالي على الله ولكنها مناسبة ليدلّ الله على أنه لا يتخلّى عن شعبه. إنه يؤمّن له كل ما يحتاج إليه كل يوم بواسطة معجزة دائمة. إن صخر حوريب الذي أخرج منه موسى الماء، يبقى علامة عناية الله الذي يعطي الحياة لشعبه والذي لم ينقذ شعبه من العبودية ليقتله في الصحراء. وتقليد الصخر المتنقّل في الصحراء، هو امتداد لتفسير لاهوتي يرى في هذا الخبر معجزة من الله تتكرر يوماً بعد يوم بعنايته الدائمة. فما دام الشعب في الصحراء فليعرف أن عليه أن يعتمد على الله من أجل طعامه وحياته. ونحن المسيحيين السائرين وسط صحراء هذا العالم نعرف أن حضور المسيح في سر الافخارستيا حقيقة دائمة منذ بداية الكون وحتى نهايته.
لن نتوقّف على حدث المعركة مع بني عماليق إلاّ لنقول إن هذا النصر كان علامة لحماية الله لشعبه أمام أخطار البرّية. الله وحده يعطي النصر وعلى رئيس شعبه أن يرفع يده لصلاة ثابتة ومواظبة، إذا أراد أن يحصل على بركة الله.
هذه المعركة بين بني اسرائيل وبين بني عماليق رمز إلى حرب دائمة بين شعب الله وقوى الشر التي يرمز إليها عماليق حفيد عيسو. ولن تنتهي هذه الحرب إلا في الزمن المسيحاني حين يسحق شعب الله قوى الشر بصورة نهائية.

4- لقاء موسى ويترو (ف 18)
لقاء موسى ويترو هو صورة مصغّرة عن لقاء العبرانيين والمديانيين. يبدو أن العبرانيين أخذوا عن المديانيين طرق عبادتهم وعوائدهم في تقدمة الذبائح. عن المديانيين أخذوا فكرة تابوت العهد (عد 10: 29- 36) والتنظيم الاجتماعي للقبائل والعشائر. إن موسى عاش عند المديانيين بعد هربه من مصر (2: 15- 22) وتزوّج ابنة كاهنهم. عند المديانيين تقبّل رؤية العليقة الملتهبة (3: 13- 14) ووحي اسم يهوه. كان يترو كاهناً، فقرّب محرقات وذبائح لله (18: 12) وشاركه هارون وجميع شيوخ اسرائيل. وكان يترو منظماً اجتماعياً فعلّم موسى فعيّن رؤساء مئة وخمسين وعشرة (18: 21- 25).
كيف يكون هؤلاء الرؤساء؟ يكونون أقوياء فلا يخافون من أحد، ويتّقون الله. يكونون مستقيمن فيحبّون الحق، وأعفّاء النفس فلا يأخذون رشوة (18: 21).
ممارسة العدالة تعود إلى الله، والله سلّمها إلى موسى الذي يحكم باسم الله في قضايا الشعب. وموسى سلّم بعضاً من سلطاته إلى الرؤساء الذين عيَّنهم. ولكن يبقى هو المشترع الذي يدرّج الرؤساء في التعرّف إلى الشريعة. اختاره الله وأرسله فكان الوسيط بين الله والبشر، والنبي الذي يعرّف الناس بكلمة الله، والمعلّم الذي يلقّن شعب الله شريعة الله.
الحياة الجماعية لشعب الله وجهة مهمة، وقوامها الحق والعدل المتجذّرين في ضمير الناس وعاداتهم. ولكننا لن نبقى على مستوى العادات ولن نحصر الحياة بعدالة البشر. ففي شعب الله، الله هو الذي يقود شعبه ويقضي له. والعلاقات بين أعضاء الجماعة ليست علاقات متبادلة فحسب، بل هي علاقات مع الله أيضاً. فكلمات البشر وأعمالهم تدلّ على علاقتهم بعضهم ببعض وتكون هذه العلامة موافقة لمشيئة الله. ولكن إن أردنا أن نعرف فكرة الله ومشيئته وحكمه، لا بد لنا أن نسأله ونسمع كلمته. الله يتكلم بواسطة أناس اختارهم وأجهزة أقامهم.
أجل الله لا يتبرّأ من قضايا هذا العالم. هو قريب من الجميع وبالاخص من صغار القوم، وهو يطلب من الكبير أن يهتمَّ بالجميع ولا سيّما بالضعيف والغريب واليتيم والارملة. ثم إن شريعة الرب توجِّه الافراد فلا يتكبّر عليها انسان مهما علا مقامه. الشريعة الواحدة تعبير عن الايمان الواحد، والايمان يذكّرنا دوماً بروح الشريعة ويعلّمنا أن نكون أخوة نعيش بقلب واحد ونفس واحدة.

خاتمة
هكذا تكون مسيرة شعب الله في البرية. الرب يدافع عن شعبه ويعتني به. يسخّر الطبيعة فتعطيه الطعام والشراب، ويرسل الناس فيعلّمونه تنظيم أموره بطريقة ستجد كمالها مع النظام الملكي. ولكن يبقى على الفرد أن يعرف أنه يرتبط بالله، وعلى ضوء كلمة الله يرتبط بإخوته ليؤلّف معهم عائلة واحدة. ويبقى على الشعب أن يكون أميناً لربه واثقاً بعنايته، فيتابع المسيرة التي توصله إلى جبل اللقاء بالله، إلى سيناء مكان حضور الله والمنبر الذي منه يرسل صوته ويعلن وصاياه.
الفصل السابع والعشرون
شعب مقدّس شعب من الخطأة

حين نقرأ سفر العدد نكتشف شعباً يسير في البرّية، في الصحراء. كيف فهم هذا الشعبُ نفسه، وما هي الصورة التي كوّنها؟ هذا ما نكتشفه من خلال النصوص التشريعية، كما من خلال الأخبار. سوف نكتشف شعباً مقدّساً وشعباً من الخطأة. 

1- شعب مكرّس لله
لا نجد عبارة "شعب مقدّس"، "شعب مكرّس للرب" في سفر العدد، ولكن الفكرة حاضرة من خلال هذا الكتاب الذي دوّن في ظلّ الكهنة. نقرأ في 16: 3: "كل أعضاء الجماعة مقدّسون". هم قدّيسون لأن الله قدّسهم. وهذه العلاقة المميّزة بين الله وشعبه تتوسّع في أربعة اتجاهات.

أ- حضور الله
قال الكتاب: "كل أعضاء الجماعة قدّيسون والرب هو في وسطهم" (16: 3). وقال أيضاً: "أنت أيها الرب في وسط هذا الشعب ظهرت لهم وجهاً لوجه. وغمامك مقيم فوقهم" (14: 14). حرفياً: عين بعين. هذا لا يعني أن الشعب يرى بعينيه الله الذي لا يُرى. بل يدلّ على أن الرب قريب، وعلاقاته حميمة مع شعبه. وهكذا تحدّث هذان النصان وغيرهما عن حضور في معنى مكانيّ، وربطا هذا الحضور بـ "شيء" يحمله الشعب معه.
أما النظرة المسيطرة فتتحدّث عن المسكن: هو معبد مهمّ، ولكنهم يستطيعون أن ينقلوه من موضع إلى آخر. وساعة يتوقّف، يُوضع في قلب المخيّم. نجد وصفاً لهذا المعبد في خر 25- 30. ويروي لنا خر 35- 40 كيف صنعوه. أما الحدث الأخير فنجده في عد 17، ساعة جاءت كل قبيلة تحمل تقدمتها من أجل تدشين المعبد. نشير هنا إلى أن هذا المسكن يضمّ شكلين من المعابد ذُكرا في سفر الخروج، ونكن في سفر العدد أيضاً. الاول. خيمة اللقاء، خيمة الاجتماع، خباء المحضر (حيث يحضر الله فيلتقي بموسى، يجتمع به) (لا 11: 24: 25). هي تُوضع خارج المخيّم (أو: خارج المحلة). والثاني هو تابوت العهد أو الصندوق الذهبي الذي يحتوي لوحي الوصايا وجرّة المن وعصا هارون (10: 35). فهذا التابوت يسبق الجيش في مسيرته وكأنه راية من الرايات.
أما العلامة المباشرة لحضور الله فهي الغمامة (السحابة) وإن لم تظهر بشكل متواصل فوق خيمة الاجتماع (11: 25)، إلاّ أن حضورها مستمر فوق المعبد. "كان الغمام يغطّيه، وكان شكله ناراً خلال الليل" (9: 16؛ رج خر 40: 34- 38).

ب- خضوع لكلام الله
اسرائيل مقدّس لأنه خاضع لكلام الله. فالشعب قد نال في البرية من قبل الرب فرائض عديدة. وقد وصلت إليه بفم موسى أو بفم هارون. وبعض المرات قد وصلت إليه علامات ماديّة. لسنا هنا أمام وصايا توجّه سلوك الاشخاص والجماعات على مرّ العصور، بل أمام تعليمات تُعطى للشعب يوماً بعد يوم.
في عدد من الأخبار التي تنتمي إلى التقليد الكهنوتيّ، نرى أن موسى لا يعرف أن يحلّ المسائل التي تُطرح عليه. لهذا يسأل الربّ فيُعطى له الجواب الذي سيصبح اجتهاداً يُعمل به فيما بعد. مثلاً، في 9: 6 طرحوا على موسى سؤالاً: هناك بعض الرجال الذين ما استطاعوا الاحتفال بالفصح لأنهم لم يكونوا في حالة الطهارة الطقسيّة. ما استطاع موسى أن يقول شيئاً. "قفوا" (انتظروا) حتى (أسمع) أعرف ما يأمر الرب به فيكم". وجاء الجواب، فاتّخذ شكل شريعة دائمة: "في الشهر الثاني، في اليوم الرابع عشر منه، بين الغروبين، يحتفل هؤلاء الرجال بالفصح... بحسب كل رسوم الفصح يصنعونه" (9: 11- 12).
والارتباط بأوامر الربّ يذهب إلى أبعد حدود الارتباط، لاسيّما حين يُعطى الأمر بالانطلاق. "كل مرة يرتفع الغمام فوق الخيمة، كان يرتحل بنو اسرائيل. وحين يحلّ الغمام، هناك كانوا ينزلون (يخيّمون). في بعض المرات كان الغمام يمكث من المساء إلى الصباح. إذا ارتفع في الصباح كانوا يرتحلون. وإذا طال مكثوا ولا يبرحون... وكانوا يؤمّنون خدمة الرب" (9: 15- 23). وهكذا نرى شعباً مستعدّاً دوماً للرحيل أو البقاء، شعباً ينتظر أوامر لا يتوقّعها. فنحن هنا بالاحرى أمام تحديد لاهوتيّ لهذا الشعب، لا أمام وصفٍ للحياة التي عاشها الشعب في البرية.
وتزيد الأخبار الكهنوتيّة بشكل عادي فتقول إن الأمور نُفّذت بدقّة: "عمل موسى ما أمره الرب". "صنع بنو اسرائيل ما أمرهم الرب". قرار (ردّة) تكرّر، فدلّ على طاعة موسى والشعب للرب. ولكن هذا لم يمنع التقليد الكهنوتي من أن يروي رفض الطاعة لدى الشعب.

ج- في خدمة الربّ
نقرأ في 9: 23: "يؤمّنون خدمة الرب". الخدمة هنا هي شعائر العبادة. حين نقرأ النصوص نستنتج أن هذا هو العمل الاساسيّ للشعب، تلك هي دعوته. فما إن انتهوا من "بناء" المعبد حتى بدأت الليتورجيا بحسب كتاب الطقوس الذي نجده في الخروج واللاويين وسفر العدد، وبالأخصّ المحرقة اليوميّة (خر 29: 38- 46؛ عد 28: 3- 4).
حين نقرأ عد 16 وسائر النصوص، نرى أن شعائر العبادة تطرح عدّة أسئلة. لا على مستوى كتاب الطقوس، بل على مستوى الخدّام الذين يحقّ لهم أن يقوموا بهذه الشعائر. وكانت أزمة عنيفة انتهت بالموت، فجاءت النتيجة: هارون وأبناؤه وحدهم يقدّمون الذبائح والبخور. وحدهم يقتربون من المذبح. "كل من هو غريب وتقدّمَ من المذبح يُقتل" أي غريب عن هارون وبنيه.

د- شعب مكرّس
قال النبي بلعام: "أرى شعبا يقيم وحده (على حدة)، ولا يُعدّ بين الأمم" (23: 9). تُفهم هذه العزلة بأنواع مختلفة. في معنى أول، لا يتّصل بنو اسرائيل بشعب من الشعوب. ذاك كان وضعهم في البرية، لم يجدوا أصدقاء لهم سوى المديانيين الذين ارتبط موسى بهم (10: 29- 32؛ خر 18). ولكنهم بعد بعل فغور سيصيرون هم أيضاً أعداء لهم (25: 17- 18)، وقد عاداهم سائر الشعوب: الادوميون (20: 20)، الموآبيون (22: 24)، الاموريون (21: 31)، الكنعانيون (14: 45)، وهذه العزلة التي أُكره بنو اسرائيل عليها في البرية، سوف تتواصل في كنعان بعزلة أرادوها هم: "تطردون من أمامكم جميع أهل الأرض... وإن لم تطردوا أهل الأرض من أمامكم، كان من تبقونه منهم كإبرة في عيونكم وكحربة في جنوبكم" (جمع جنب أي خصر) (33: 52- 56). مثل هذا الموقنة الجذري يُفهم على ضوء زمن المنفى: فالنهاية المأساويّة التي عرفتها المملكتان، جعلت الكاتب يحكم حكماً صارماً على اتجاه يدعو إلى الحياة مع سائر الشعوب والعيش مثلهم.
وفي معنى ثان، شعب اسرائيل هو شعب على حدة (منفرد)، لأنه لا يعيش مثل سائر الشعوب. فهناك عدّة فرائض مفصّلة تشير إلى هذا الطابع الخاص، ونحن نجدها في لا 11- 25 وتث 12- 25. ونجد بعضَها أيضاً في سفر العدد. "قال الله لموسى: كلّم بني اسرائيل وقل لهم ليصنعوا لهم أهداباً على أذيال ثيابهم لدى أجيالهم، ويجعلوا على أهداب الثوب سلك سمنجونيّ... ترونه فتتذكّرون جميع وصايا الرب وتعملون بها ولا تتركون قلوبكم وعيونكم تجتذبكم إلى خيانة الله. هكذا تكونون قدّيسين لالهكم" (15: 37- 40). ونحن نعرف نظامين يدلاّن في التقليد الكهنوتيّ على تكريس الشعب لإلهه: اللاويون والمنذورون. فئتان يُفرض عليهما الانفصال عن سائر البشر.

2- مسافة بيننا وبين الله
يتحدّث النص عادة عن شعائر العبادة بواسطة فعل "تقدم". والعلامة التي تقول إن شخصاً من الاشخاص يحقّ له ممارسة الوظائف الكهنوتيّة، هي أنه يستطيع أن يقترب من المعبد أو من المذبح. وستأتي سلسلة من الاختبارات الدراماتيكيّة تبيّن أن بني هارون وحدهم يستطيعون الاقتراب. هنا نقرأ خاتمة الأزمة الكبرى كما رواها 16: 17: "قال بنو اسرائيل لموسى: انظر لقد هلكنا جميعنا... كل من يقترب من معبد الرب يُقتل. فهل يا ترى نهلك جميعاً" (17: 27- 28)؟ وإذ أرادوا أن يتجنّبوا هذه المآسي، طلبوا من الشعب أن يبقى بعيداً عن المعبد. وهذا يتحقّق بشكل ملموس بترتيب الشعب وتنظيمه.
حين يكونون في المخيّم (في المحلّة)، تتوزّع القبائل في مربّعين متداخلين. في المربّع الخارجي القبائل، على كل ضلع ثلاث قبائل. وفي المربّع الداخليّ، موسى وهارون على ضلع، وجرشون وقهات ومراري (بنو هارون) على الأضلاع الثلاثة الباقية. وحين يرتحلون، تسير يهوذا ويساكر وزبولون في المقدمة. يأتي بعدهم جرشون ومراري يحملون المسكن. ثم رأوبين وشمعون وجاد، وبعدهم قهات يحمل المعبد. ثم افرائيم ومنسّى وبنيامين. وفي الأخير دان وأشير ونفتالي. قبل أن يصل تابوت العهد تكون الخيمة قد نُصبت. نحن هنا أمام احتفال وتطواف إلى معبد من معابد النقب، أو أمام الاحتفالات بتابوت العهد في أورشليم كما يقول مز 24: 7؛ 47: 6؛ 68: 25- 28.
لسنا فقط أمام طريقة بها نبرز الاختلاف بين وظائف الكهنة واللاويين والعوام (أي الشعب). بل هي قضيّة موت أو حياة. نقرأ في 1: 35: "يقيم بنو اسرائيل كل في محلّته... أما اللاويون فينزلون حوالي مسكن الشهادة (أو: الشرعة)، وهذا ما يجنّب جماعة اسرائيل سخط الربّ". وفي 16: 53، ظهر هذا السخط بنار التهمت المعارضين. وفي أماكن أخرى، برز هذا الغضب بأوبئة قاتلة.
اختير اللاويون بشكل خاصّ من أجل وظيفة الحماية هذه، مع ما في هذه الوظيفة من مخاطر. "قال الربّ: احتفظت لنفسي باللاويين بدل جميع أبكار بني اسرائيل... أعطيهم لهارون ولبنيه ليؤمّنوا خدمة بني اسرائيل في خيمة الاجتماع، وليكفّروا عنهم. هكذا لا تحلّ ضربة بني اسرائيل إن هم اقتربوا من الموضع المقدّس" (8: 16- 19). طلب اللاويون من الشعب أن يظلّوا بعيدين. وعليهم هم أيضاً أن يفعلوا مثلهم (مثلاً أولئك الذين يحملون الامتعة والاواني). "يدخل بنو قهات ليحملوا (الامتعة)، ولكن لا يمسَّون المعبد لئلا يهلكوا... هارون وبنوه يأتون ويولّون كلَّ واحد منهم خدمته وحمله (ماذا يجب أن يحمل). وهكذا لا يدخلون لينظروا المعبد ولو لحظة، لئلا يهلكوا" (4: 15، 19- 20).
لماذا كل هذه الاحتياطات؟ لأن الشعب هو عادة في حال الخطيئة، وهذا ما لا يتحمّله الله القدّوس. وردّة الفعل الطبيعيّة عنده هي الغضب الذي يبدو كقوّة جامحة لا يوقفها شيء (11: 1، 10؛ 16: 21، 35؛ 17: 11). عبارات تدهشنا، بل تصدمنا، ولاسيّما إذا قرأناها في العهد الجديد. هي جزء من التشابيه الانتروبومورفيّة (تشبّه الله بالانسان) التي بها يرينا الكاتب التشديد على المسافة التي تفصل الخليقة عن الخالق. لهذا، إن التقت الخليقة بالله هلكت: فالانسان لا يستطيع أن يرى الله ويبقى على قيد الحياة (خر 33: 20). هذا ما أحسّ به الصوفيون: لقاؤنا مع الله يقتلنا إن لم يدعُنا هو إلى اللقاء. ولكن اللقاء بالله يصبح ممكناً لمن يقدّم الله له صداقته، بل يصبح منبع سعادة. أما الذي يرفض هذه الصداقة ومتطلّباتها، فاللقاء يصبح موتاً.

3- شعب من الخاطئين
هناك أنبياء أعطوا صورة مثاليّة عن زمن الحياة في البريّة. أما البنتاتوكس فقد بدا متشائماً. إن كان ذاك الزمن زمن اهتمامات الرب ومعجزاته، فهو في الوقت عينه زمن الرفض من قبل الشعب. ففي خر 14- 19، وفي سفر العدد بشكل خاص، نرى شعباً دائم التمرّد على رؤسائه وعلى الله. فبنو اسرائيل يرفضون الأرض التي وُعد بها آباؤهم، إذا كان ثمنها هذه المسيرة التي لا تنتهي. وهم يتندّمون في كل مناسبة لأنهم تركوا مصر. وقد نووا العودة إليها (14: 3- 4). هم يعارضون الله الذي اختار مثل هذه السلطات، كمال يعارضون تنظيم العبادة وأوامر موسى. وفي النهاية، توجّهوا إلى آلهة أخرى (ف 25).
وكانت النتيجة المباشرة هجمة الغضب: النار (11: 1؛ 16: 35)، الزلزال (16: 31- 33)، الوباء (11: 33؛ 27: 11)، الموت المفاجئ (14: 33)، هجوم الحيّات (21: 6)، الحرب (14: 45). ولكننا في حالات عديدة نشهد محاكمة قانونية (ف 14، 16). يُتلى الحكم قبل أن يُنفَّذ وينقله موسى (11: 20؛ 14: 12، 23، 29- 35؛ 16: 21؛ 25: 4). فالشعب الذي يصوّره سفر العدد هو شعب خاطئ ولا دواء ناجعًا له. إذن، يهدّده الموت دوماً. وإن هو بقي على قيد الحياة، فلأن الربّ نفسه أعطى الوسائل التي تهدئ "غضبه" المهدّد.
وأود وسيلة هي صلاة موسى. تُذكر ستّ مرّات. اشتعلت النار، فصرخ الشعب إلى موسى، فدعا موسى إلى الرب فخمدت النار (11: 2). أصيبت مريم بالبرص. فطلب موسى الشفاء لها (13:12). حلّ الوباء، فكان جدال بين موسى والله. عيب. ماذا سوف يقول المصريون (14: 13- 19)؟ وفي ثورة قورح وداتان وأبيرام (16: 22). وحين أورقت عصا هارون (17: 11). وأخيراً عند مجيء الحيّات الناريّة. أقبل الشعب على موسى وقال: خطئنا. فتضرّع موسى لأجل الشعب (21: 7- 8). وصلاة موسى هذه تنال رفع العقوبة أو تخفيفها. في 14: 11- 20 نجد مضمون صلاته بالتفصيل. رج خر 32: 10- 13؛ تث 9: 26- 29 وقصّة العجل الذهبيّ. وتعود البراهين ذاتها: ماذا تقول الأمم إن أفنيت شعبك؟ سيضحكون! وفي هذا النصّ، عاد موسى إلى التحديد الذي قدّمه الربّ عن نفسه في خر 34: 6- 7: بما أنك قلت: "أنا الرب الطويل الأناة الكثير الرحمة الغافر الذنب... إصفح عن ذنب هؤلاء الشعب بحسب كثرة رحمتك كما غفرت لهؤلاء الشعب من مصر إلى هنا" (14: 17- 19). وفي 17: 11 قام تدخّل موسى بأن أمر هارون بأن يقوم بطقس ليتورجيّ يوقف الوباء المهلك.
والوسيلة الثانية التي بها يقف غضب الله هي مجمل الطقوس التي تؤمّن غفران الخطايا. والطقس الذي يذكر مراراً هو "طقس الحلّ" (ك ف ر، كفّر في العربيّة). وهو يترافق مع "الذبيحة عن الخطيئة" التي يصوّرها لا 4 ويتحدّث عن مسح المذبح بدم الذبيحة. وفي عد 17: 11 تُذكر تقدمة البخور التي تحمل التكفير أيضاً.

خاتمة
إن الكهنة الذين جعلوا في البنتاتوكس برنامجاً من أجل إعادة بناء الشعب بعد المنفى، وعوا وجود الخطيئة في شعبهم، فأكثروا من طقوس التكفير. والذبيحة عن الخطيئة قد فُرضت تقريباً في جميع الأعمال الليتورجيّة، حتى في تلك الموجّهة إلى فعل الشكر (ف 28- 29). وبما أن هذه الطقوس قد حُفظت بشكل حصري للكهنة الذين من نسل هارون، فحياة الشعب ترتبط بهم، ساعة لم يعد موسى هنا ليخلصوا بشفاعته. وبعد سنة 587 وزوال المؤسّسات في أرض اسرائيل، سيلعب الكهنة دورًا كبيرًا فيذكّرون الشعب بالقداسة التي دُعي إليها، ويكفّرون عن خطيئته. وتكاثرت الذبائح وتكاثرت فسيطرت على الحياة اليوميّة. ولكن سيأتي يوم يلغي يسوع كل هذه الذبائح عندما قدّم نفسه للآب ذبيحة لا عيب فيها. فقال عند دخوله إلى العالم: "ذبائح ومحرقات لم تشأ، فقلت ها أنا آت لأصنع مشيئتك يا الله".

الفصل الثامن والعشرون
الشعب ورؤساؤه

شعب البرّية شعب يحتاج إلى رؤساء. أعطي له موسى وهارون وغيرهما. هل سمع دوماً منهم؟ بل هو عارضهم وتمرّد عليهم مراراً وتطلّع إلى وقت يعود فيه إلى مصر. نقرأ في 21: 5 ما يلي: "وتكلّم الشعب على الله وعلى موسى وقالوا: لماذا أصعدتنا من مصر؟ ألنموت في البرّية؟! فلا خبز لنا ولا ماء، وقد سئمت نفوسنا خبز الشقاء هذا"، هذا الخبز الخفيف الذي لا يقوت الانسان. ونبدأ مع موسى.

1- موسى
حين نجمع معطيات سفر العدد ونقابلها مع سفر الخروج، نستطيع أن نرسم وجه موسى الذي كان لشخصيته مركز لم يصل إليه نبيّ في كل أرض اسرائيل.
موسى هو أولاً كليم الله. حامل كلمة الله. فجميع الشرائع تبدأ: "قال الرب لموسى: كلّم بني اسرائيل وقل لهم". وفي الأخبار، كل ما يريد الربّ أن يقوله للشعب يمرّ بواسطة موسى. وهناك مقاطع تحدّد الإطار الذي فيه تلقّى موسى ما يجب عليه أن يوصله إلى الشعب. "حين كان موسى يدخل إلى خيمة الاجتماع ليكلّم الربّ، كان يسمع الصوت يكلّمه من فوق الغشاء الذي على تابوت العهد" (7: 89). ونقرأ في 11: 24- 25: "خرج موسى من الخيمة ودعا سبعين شيخاً وجعلهم حوالي الخيمة. فنزل الرب في الغمام وكلّمه". وفي 12: 6- 7 يقول النصّ: "إن يكن فيكم نبيّ، فأنا الرب بالرؤيا أتعرّف له (أجعله يعرفني)... وأما عبدي موسى فليس كذلك. فماً إلى فم أخاطبه... وشبه الرب يعاين". هو يرى "ظلَّ" الربّ شكلاً مبهماً غامضاً. لم يصل بعد إلى وجه الربّ ولا إلى مجده (خر 33: 18- 20). ولكنها مع ذلك خبرة صوفيّة تجعل موسى فوق جميع الأنبياء.
بما أن موسى كلّف بأن ينقل إلى الشعب أوامر الربّ، فقد اعترفوا به كرئيس وقائد. وعندما تطلّ صعوبة ما، ينتقدونه، يتكلّمون عليه. وإن اتخذت قبيلة من القبائل مبادرة فهو الذي يوافق أو يرفض (ف 21، 32). هو الذي يقرّر العمليّات الحربيّة (31: 3) والمساعي الدبلوماسيّة (20: 14) ومعاقبة المذنبين (16: 28؛ 25: 5). وهو يتصرّف في أغلب الأحيان بأمر من الرب لا بمبادرة خاصة من عنده. وهناك عدد من النصوص تدلّ على أنه يتعلّق كلياً بما يقرّره الله. وقد يحصل له بعض المرّات أن ينتظر هذا القرار الالهي لكي يعرف ما عليه أن يفعل (9: 8؛ 15: 34). وإن عارض أحد سلطته، اشتكى إلى الربّ. في خر 16: 8؛ 17: 2، ينقل موسى إلى الربّ التشكّيات التي تصيبه. إن تذمّر الشعب على موسى فهو في الواقع يتذمّر على الربّ. فليتدبّر الربُّ أمره. غير أن مثل هذا الوضع لا نجده في سفر العدد.
موسى رجل تكرّس بكليته لمشروع الرب، نذر نفسه لخدمة الشعب: "إحمل هذا الشعب... إلى الأرض التي وعدتُ بها آباءهم" (17: 2). فالذين يرفضون سلطته هم يرفضون أيضاً هذا المشروع، فيتحسّرون على مصر ويودّون الرجوع إليها. ويريد موسى باسم أمانته لرسالته أن يتضامن كل التضامن مع الشعب الذي يقوده. هو يفعل كما فعل في قادش (رج خر 32: 10- 14، 32): يرفض العرض الذي قدّم له بأن يبدأ مسيرة جديدة مع شعب جديد (عد 14: 12- 19). وفي النهاية يقاسم مصير جيله الذي حكم عليه بأن يموت قبل أن يدخل إلى أرض كنعان.
في بعض الأخبار نرى شخص موسى كأنما بعيوننا، نلمسه كما بأيدينا. ولكن المفارقات كثيرة. هذا يعني أن التقاليد حول موسى جاءت مختلفة جداً. من جهة، نراه رجل العنف والغضب (16: 15، 30؛ 20: 10)، ومن جهة ثانية "ذاك الرجل المتواضع أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (12: 3). من جهة، نراه يتّخذ قرارات جذريّة بل "وحشيّة"، ومن جهة أخرى لا يدافع عن نفسه أمام المعترضين عليه ويعلن أنه مستعّد لأن يقاسم الآخرين الروح الذي عليه والذي هو أساس سلطته (11: 29). من جهة يسير لا يلوي على وجهه مهما تراكمت الصعوبات والعوائق، ومن جهة أخرى يمرّ في أوقات من الخيبة والضياع واليأس. "قال للربّ: لم ابتليت عبدك؟ لماذا خسرت كل حظوة لديك بحيث وضعت عليّ أثقال هذا الشعب كله؟ إذا كنت تعاملني هكذا، فاقتلني" (11: 11- 15. أي أودّ أن أموت وأرتاح). وهذا القنوط قاد موسى حتى الشكّ والارتياب بالله (11: 21- 23؛ 20: 10).
مع أن موسى كان أميناً لرسالته، ومع أن الرب سانده، إلاّ أنه عرف الفشل مراراً: في قادش ما استطاع أن يقنع الشعب (ف 14). بعد ذلك، منعه الادوميون من المرور (20: 14- 21). وفي النهاية، رأى أن الناس الذين قادهم إلى موآب ليسوا أولئك الذين أخرجهم من مصر (26: 64). ومع ذلك فقد نجح في أن يحوّل "الفارين من مصر" إلى شعب يستعدّ أن يشارك سائر الشعوب في صنع التاريخ، إلى جماعة ستقطع عهداً مع الرب.

2- هارون
يُذكر هارون مع موسى في عدد كبجر من النصوص. كأني به ممثّل بديل له. فلا وظيفة خاصة له. وإن عارضه أحد معارضة شخصيّة، دافع عنه موسى. أما هو فلا يقول شيئاً (ف 16- 17). ولكن إن دافع موسى عن هارون، فهارون لا يقابله بالمثل. بل سيأتي وقت يقاوم فيه هارون موسى مع أخته مريم، ويعترض على موقعه كوسيط مميّز. "قالا (أي هارون ومريم): ترى أموسى وحده كلّمه الرب؟ أم يكلّمنا نحن أيضًا" (12: 2)؟ هي المرة الوحيدة يتكلّم فيها هارون في سفر العدد، وهي لا تشرّفه كثيرًا. نحن هنا في وضع يشبه ما حصل بمناسبة العجل الذهبيّ (خر 32): كان الصراع بين الأخوين خطيراً جداً.
لا أهميّة لهارون إلا في وظيفته العباديّة. فيها يؤمّن الحياة لشعبه، يمنع عنه الموت حين يغفر له خطاياه فيُبعد عنه غضب الله. كان التقليد ينسب إلى الملك وظيفة "حفظ الشعب في الحياة". هو "نسمة أنوفنا" كما قالت مرا 4: 20. غير أن هذا اللقب صار خاصاً بالكهنة في النظام الكهنوتيّ. وهذه الاهميّة من أجل حياة الشعب، تبرّر الامتيازات الهائلة التي يمنحها له سفر العدد (ف 18؛ 31: 35- 47). أما لباسه الذي يصوّره لا 8: 7- 9 وخر 28، فهو لباس الملوك. وهو يُمسح كما يُمسح الملوك بالزيت المقدّس. ففي الجماعة العائدة من المنفى، سيكون للكاهن التأثير الأول وإن لم يعترف الفرس ولا اليونان بسلطته السياسيّة. إذن، لا ندهش إذا رأينا الرجاء المسيحانيّ يتّخذ في بعض الأحيان ألواناً كهنوتيّة. فجماعة قمران مثلاً، انتظرت "مسيح هارون" الذي تكون له الاولويّة بالنسبة إلى "مسيح اسرائيل".
ولكن كل هذا يعني خلفاء هارون، لا هارون نفسه. كل ما أفاد منه هو هالة نالها بسبب اختيار الربّ له (ف 17). لم يكن أكثر حظاً من موسى، فمات دون أن يرى حتى من بعيد (كما حصل لموسى) أرض الموعد (20: 24).

3- خلفاء موسى وهارون
بما أن موسى وهارون لا يرافقان الشعب إلى كنعان (20: 12؛ 27: 12- 14)، يجب أن يتأمّن من يخلفهما في هذه المهمّة. ففي نظر موسى، يشوع هو الخلف. "قال موسى للربّ: ليعيّن (ليوكل) الربّ، إله روح كل بشر، رجلاً على الجماعة، يخرج ويدخل (إلى المدينة) أمامهم. هكذا لا تكون جماعة الربّ كخراف لا راعي لها. فقال الرب لموسى: خذ يشوع بن نون. فإنه رجل فيه روح الرب. ضع يدك عليه، وقدّمه إلى ألعازر الكاهن والجماعة كلها، وأقمه في مهمّته أمام عيونهم. اجعل عليه من مهابتك لكي تسمع له جماعة بني اسرائيل كلّها" (27: 15- 20).
أما خلافة هارون فتصّت بصورة آليّة. أخذ موسى هارون وابنه ألعازر إلى جبل هور على مرأى الجماعة كلها. وأخذ موسى ثياب هارون (الكهنوتيّة) وألبسها العازر ابنه. ومات هارون هناك في رأس الجبل (20: 25- 28).
ولكن في هذه المرّة انقلبت الأدوار. فيشوع ما ورث سوى الوظائف السياسيّة التي بها "يخرج ويدخل أمام الشعب". ولكنه لن يكون حامل كلمة الله. فمشيئة الرب تصل إلى الجماعة بواسطة الاوريم والتوميم، بواسطة إلقاء القرعة بشكل "شبه سحريّ"، ولا يلقي القرعة إلاّ أبناء هارون ولا أحد غيرهم (خر 28: 30). وإن اقترف الشعب خطيئة عظيمة فهو لن يحصل على الغفران إلاّ بالذبائح وتقادم البخور المحفوظة لأبناء هارون. بل إن على يشوع أن يسأل الكاهن في كل القرارات الهامّة. "يقف بين يدي ألعازر الكاهن حتى يطلب له قرار الاوريم. وبحسب هذا القرار يخرج ويدخل هو وجميع بني اسرائيل" (27: 21). ثم إن الكتاب لا يتحدّث عن خلف يشوع. أما العازر فخلفه ابنه فنحاس الذي دلّ على غيرته في بعل فغور (25: 7). هو أيضاً ينعم بـ "عهد" خاص يؤمّن الكهنوت لنسله (25: 10- 13)، مثل جده هارون (18: 19). والعهد هنا يعني "عطيّة" توهب لانسان لقاء خدمة قام بها.
وهناك مسؤولون آخرون: رؤساء القبائل، الشيوخ أو رؤساء العشائر، رؤساء البيوت أو رؤساء العائلات. فالنظام كلّه مؤسّس على علاقات القرابة (1: 16؛ 13: 2) أو "بيوت الآباء" (2: 1). هذه البنية التي تعود إلى أصول اسرائيل، ستتواصل أقلّه في زمن الملكيّة، وتتّخذ أهميّة خاصة خلال المنفى وبعده. وسيكون فيما بعد رؤساء محليون، أو رئيس يحكم بين القبائل. كل هذا بانتظار المؤسّسة الملكيّة التي بدأت يوم مسح صموئيل شاول ملكاً.

خاتمة
ذكرنا موسى ويشوع. ذكرنا هارون والعازر وفنحاس. ثم سائر الرؤساء أو المسؤولين. وتجاههم يقف الشعب: مرّة يسمعون ومرّة يتمرّدون ويخاصمون. ولكن بعد كل خصومة كانت سلطة موسى تتقوّى وبالتالي سلطة هارون. فالهدف هو أرض الموعد. وكل من عارض هذا الهدف كان قصاصه الموت. وهكذا لن يصل أحد من الذين خرجوا من مصر، إلى موآب. كلهم وُلدوا في البرّية. هم شعب جديد. لهذا ختنهم يشوع حالاً بعد عبورهم الاردن (يش 5: 2- 3).
الفصل التاسع والعشرون
المسيرة الطويلة في البريّة

في سفر العدد، نرى شعب اسرائيل يسير في البرّية. هو يتنقّل في جزيرة سيناء، حيث صار "شعباً"، ويتوجَّه إلى سهول موآب. ومن هناك سينطلق إلى أرض كنعان. وقد روى التقليد الكهنوتيّ باحتفال، الانطلاقَ من سيناء. فقال: "في السنة الثانية (منذ الخروج من مصر)، في العشرين من الشهر الثاني، ارتفعت الغمامة فوق تابوت العهد، فانطلق بنو اسرائيل من برّية سيناء، كل بدوره"، أي يهوذا في المقدّمة مع يساكر وزبولون ثم سائر القبائل (10: 11- 12).
نتكلّم عن الهدف من هذا التحرك، عن مراحل المسيرة، عن المعنى اللاهوتي للمسيرة.

1- الهدف
هدف هذا الارتحال معروف منذ البداية: الأرض التي وعد بها الله الآباء، أرض كنعان. هذا ما يذكّرنا به الكتاب مراراً، وذلك حسب التقاليد. "قال موسى لحوباب (حميّة): "نحن ننطلق إلى الأرض التي قال الرب إنه يعطينا إياها" (10: 29). "قال موسى للرب: لماذا تقول لي إحمل هذا الشعب كطفل على صدرك إلى الأرض التي وعدت بها آباءه" (11: 12)؟ "وكلّم الرب موسى: "أرسل رجالاً يجسّوا أرض كنعان التي أعطيها لبني اسرائيل" (13: 1- 2).
وبعد 26: 52- 56، يتكلّم النصّ بشكل دقيق عن هدف المسيرة، كما يتطلّع إلى الطريقة التي بها يقسم الأرض المحتلّة بين القبائل. وفي 34: 1- 6 نتعرّف إلى حدود هذه الأرض بالتفصيل.
ولكن منذ ف 14 حتى ف 25، لم يعد الهدف هو الذي يحرّك الشعب. إنه يُذكر ليقال للشعب وموسى أنهم لن يدخلوا إلى تلك الأرض (14: 30؛ 20: 12). رفض الشعب أن يدخل إلى الأرض ساعة طلب الربّ منه ذلك. أولاً، لأنه خاف: "لماذا يقودنا الرب إلى أرض سنموت فيها بالسيف" (14: 3)؟ ثانياً، لأنه احتقر عطيّة الرب واعتبرها كلا شيء. "هي أرض تأكل ساكنيها. فالأفضل أن نعود إلى مصر" (13: 32؛ 14: 3). وهكذا تبدو المسيرة في كل هذا القسم (ف 14- 25) وكأن ليس لها هدف واضح. صارت مسيرة تحمل في ذاتها العقاب، فلا تردّ أحداً إلى مصر، ولا توصل إلى كنعان أحداً من جيل الخروج. ويتحدّث النصّ أيضاً عن أهداف ثانويّة قد تميل بالشعب عن الهدف الرئيسيّ. هناك أهداف رُفضت قطعاً. وأخرى قُبلت بعد جدال.
رُفض كل موضع أراد الشعب أن يقيم فيه بشكل نهائيّ لا عابر. هذا هو وضع قادش في ف 20. فبدلاً من عبارة اعتدنا عليها: "نصبوا الخيام"، نقرأ: "أقام الشعب في قادش" (20: 1). ووعى الشعب نفسُه الخطأ الذي وقع فيه. فلام موسى: "لماذا جئتما بجماعة الربّ إلى هذه البرّية... إلى هذا الموضع الخبيث؟ هو موضع لا زرع فيه ولا تين ولا رمّان. بل لا ماء فيه للشرب" (20: 5). وحلّ موسى مشكلة المياه، ومع ذلك عليهم أن يرتحلوا (20: 22). غير أن هناك إشارات تجعلنا نحسّ بأن الاقامة في قادش كانت طويلة جداً. أما عد 34: 4 فيجعل هذه الواحة في حدود اسرائيل الجنوبيّة.
وكان جدال حول شرقيّ الاردن حيث تريد قبائل جاد ورأوبين وماكير أن تقيم. روى عد 21 مع بعض التفاصيل احتلال مملكتَي سيحون وجوج الاراميتين، اللتين يذكرهما مز 135: 11- 12؛ 136: 19- 21. قاد موسى الحملة العسكريّة ونُسبت إلى بني اسرائيل. تلك طريقة بها يقرّ الكاتب بشرعيّة احتلال هذه المنطقة بيد رأوبين وجاد وماكير. إلاّ أن حقوق هذه القبائل ستكون موضوع جدال طويل في عد 32، لأن الإقامة في هذه المنطقة تميل بقسم من اسرائيل عن الهدف الأساسيّ لمسيرته. وساوموا. وفي النهاية وصلوا إلى اتفاق: "قال لهم موسى: إذا عبر كل رجال الحرب عندكم الأردن أمام الرب إلى أن يطرد أمامه جميع أعدائه، وإذا كنتم لا تعودون قبل أن تخضع الأرضُ للرب، تحسنون أبرياء عند الرب وعند اسرائيل، وهذه الأرض (شرقيّ الاردن) تكون لكم ميراثاً (32: 21- 22). فأجاب أبناء جاد ورأوبين: نساؤنا وأولادنا ومواشينا عبيدك يصنعون بما يأمرهم سيدنا. وسائر بهائمنا يقيمون هنا في مدن جلعاد. وعبيدك المجرّدون للحرب يعبرون أمام الرب من أجل القتال كما قال سيّدنا" (32: 25- 27). كل هذا يؤكّد أن الهدف الحقيقيّ للمسيرة هو كنعان، أي غربيّ الاردن.

2- مراحل المسيرة
نجد في عد 33 لائحة بالمراحل التي اجتازها بنو اسرائيل. وتذكر 42 محطة. هذا يعني أنه كانت 41 مرحلة: 11 من رعمسيس إلى سيناء. 21 من سيناء إلى قادش. 9 من قادش إلى سهول موآب. تستعيد هذه اللائحة بشكل موجز الاشارة التي نقرأها في خر 13- 19 وعد 10- 21، مع بعض التفاصيل حول الإقامة في هذه المحطّة أو تلك. وهناك أمور أصيلة لم تُذكر قبل. هي: أسماء بعض المحطات زمن موت هارون (رج 20: 22- 29).
إذا أردنا أن نحدّد على خريطة أسماء المحطّات، نجد نفوسنا أمام مسيرة معقّدة لا تماسك فيها. قد نفسّر هذا الوضع بتاريخ النصوص، والأخبار واللوائح. ومع ذلك، فهدف هذا المزج هو أن يبيّن أن هذه القبائل المختلفة هي اسرائيل، وتاريخ كل قبيلة ينتمي إلى تاريخ الشعب كله.
وسينطلق التأويل الاستعاريّ في خط آخر فيفسّر أسماء المراحل على أنها مراحل متعاقبة في مسيرة روحيّة. بدأ أوريجانس وتبعه ايرونيموس. مثلاً "الجلجال" (33: 32) ويعني: "التجربة" أو "التضييق". فالتجربة هي قوّة النفس وسور منيع، وهي تمتزج بالفضائل بحيث إن سائر الفضائل تبقى بدونها ناقصة وغير جميلة. ووصلوا إلى "بيطابات" (آ 33) أي الخيرات. هكذا نصل إلى الخيرات بعد المحنة والتجربة. ثمّ خيّموا في "عبرونة" أي العبور...
ولكننا لن نتوقّف عند هذه الأسماء. بل نتساءل لماذا كانت المسيرة، ولماذا اختيرت هذه المراحل ولم يُختر غيرُها. إن الاخبار التي تتوسّع فيها النصوص تشرح بعض التبدّلات في الارتحال: "غداً تدورون نصف دورة وتمضون في البريّة نحو بحر القصب" (14: 25). "رفض أدوم أن يترك بني اسرائيل يعبرون في أرضه، فابتعدوا عنه" (20: 21). وإذ أراد أن يحدّد المسيرة التي يسيرون فيها، دلّ 10: 29- 32 على الحلّ الطبيعيّ: "قال موسى لحوباب إبن رعوئيل المدياني حميّه: نمضي إلى الأرض التي قال لنا الرب: لكم أعطيها. فتعال معنا ولا تتركنا. بما أنك تعرف المواضع التي فيها نستطيع أن نخيِّم. تكون أنت عيوننا".
اذن، نرى شعب اسرائيل قد استنار في طريقه بأنصاف البدو الذين يقيمون في جزيرة سيناء. وهناك محطات عرفتها التنقيبات وهي تعود إلى الألف الثاني ق. م. ولكن حالاً بعد ذلك، نجد تقديمًا آخر لهذه المسيرة: "انطلق تابوت العهد أمامهم في مرحلة ثلاثة أيام لكي يتعرّفوا إلى الموضع الذي فيه يخيّمون" (10: 33). وفي الحديث عن المسكن، أعطيت الوظيفة عينها للغمامة. "حين ترتفع الغمامة فوق الخيمة كان بنو اسرائيل يرتحلون. وحيث تحطّ الغمامة كان بنو اسرائيل ينزلون" (9: 17). من خلال هذه الصور المختلفة، يعبّر الكاتب عن العقيدة الواحدة: الرب هو الذي يقود شعبه بشكل مباشر. وهذا ما يقودنا إلى طرح السؤال حول معنى هذه المسيرة.

3- المعنى اللاهوتي للمسيرة
إن وصف الانطلاقة من سيناء (10: 11- 28) والتذكيرات بالهدف المنشود، قد تجعلنا ننتظر مسيرة سريعة تنتهي بنصر حاسم. ولكننا سوف ننتظر 21: 31- 35 لكي يبدأ بنو اسرائيل باحتلال الممالك الاموريّة الواقعة شرقيّ الاردن.
أما في قلب الكتاب، فنجد صورة التيهان عبر البريّة. وإن ذُكر الهدف فليقال بأن الوصول إليه مستحيل، وبأن الشعب لا يعرفون لماذا يجب أن يمشوا بعد. هذا ما تعبّر عنه الأزمة القبل الأخيرة.: ضجرت (قنطت) نفوس الشعب في الطريق. وأخذوا ينتقدون الله وموسى: لماذا أصعدتنا من مصر؟ ألنموت في البريّة (21: 4- 5)؟! والحديث هو حديث موت في البريّة. فالتيهان في البرية هو عقاب: "تسقط جثثكم في هذه البرّية. ويتيه أبناؤكم في الصحراء أربعين سنة، ويحملون خياناتكم إلى أن تفنى أجسادكم في هذه الصحراء. تجسّستم على الأرض أربعين يوماً، فتحملون أوزاركم أربعين سنة، كل يوم بسنة" (14: 32- 34).
إن العدد القليل من المراحل المذكورة لتَملأ الاربعين سنة التي أعلنها الرب في قادش، تجعلنا نفترض إقامات طويلة فهـب هذا الموضع أو ذاك. ثم إن لفظة صحراء (مدبر، برية) لا تعني موضعًا جافاً كل الجفاف. بل فيافي يرعى فيها الغنم في بعض الفصول من السنة. هذا ما يفسّر القول في 14: 33: "يكون أبناؤكم رعاة في البرية مدة أربعين سنة". فالاربعون سنة تكون للجيل الثاني تدريبًا على حياة شبه بدويّة على مثال آبائهم. ونلاحظ أن هؤلاء الآباء لن يُذكروا في سفر العدد إلاّ في 11: 12؟ 20: 15. ويبقى أن جزيرة سيناء ليست الإطار المثاليّ لحياة الرعاة.
وفي النهاية، ما الذي أخذه اسرائيل من هذه الأربعين سنة؟ تجدّد الناس تجدّدًا تاماً على ما يُقال في الاحصاء الثاني: "لم يكن فيهم أحد ممّن أحصاه موسى وهارون الكاهن حين أحصيا بني اسرائيل في برّية سيناء" (26: 64). وهكذا سيدخل إلى كنعان شعبٌ جديد وُلد في البرّية وتربّى فيها. ولكن هل هو شعب بقلب جديد؟ إن التحذيرات التي توجّه إليه المرة بعد المرة لا تتيح لنا أن نؤكّد ذلك. وأخذ الشعب أيضًا تثبيتًا لبُناه ونظُمه التي تحقّقت بشكل خاص خلال إقامته في المحطات المختلفة.
والدرس الذي نستنتجه من المسيرة في حدّ ذاتها، هو أن اسرائيل شعب يسير في الطريق ولا يتوقّف في محطّة من المحطّات. عليه، شأنه شأن آبائه، أن يمضي، أن يترك أرض الطمأنينات. لا شك في أنه وُعد بأرض يقيم فيها، وأنه تلقّى تشريعاً من أجل تلك الاقامة فيّ نهاية الكتاب. غير أن عطيّة الأرض هذه مشروطة: "تطردون أمامكم جميع سكّان الأرض... وإن لم تطردوهم فالباقون يكونون لكم أعداء في الأرض التي ستقيمون فيها. وأصنع لكم ما فكّرت أن أصنعه لكم" (33: 52- 56)، أي أطردكم من الأرض. وهذا ما حدث سنة 587 ق. م.
والمعبد أيضاً لا يمكن أن يتوقّف في مكان يقيم فيه ولا يتركه. فالذي يصوّره خر 25- 28 وعد 3: 25- 4: 32؛ 10: 17، 21، يُفكّ ويُنقل. وهو يرافق الشعب طوال الطريق. ولا شيء يدلّ على أنه سيكون مثبّتاً حين يقيم الشعبُ في كنعان (2 صم 7: 6- 7).
وكما لا يصوّر النصّ المسيرة من أجل المسيرة (كل ما يحدث من أمور يحدث في المحطات التي ينزلون فيها)، فهو لا يقول شيئاً عن البرّية التي تتمّ فيها هذه المسيرة. تحدّث سفر التثنية عن صحارٍ عبرها بنو اسرائيل وعن أخطار ما زالوا يتذكّرونها (تث 1: 19؛ 8: 15). لا نجد شيئًا من ذلك في عد. بل يهتمّ الكاتب فقط بالشعب لا بالاطار الذي فيه عاش الشعب خبرة فريدة. لم تعد الصحراء ذاك المكان الفارغ الذي لا يُوجد فيه انسان، ولا الموضع الذي نعبره فنبقى سجناء فيه مدّة أربعين سنة. إذن، لن نبحث هنا عن لاهوت البرّية وروحانيتها فإذا أردنا ذلك، يجب أن نعود إلى الأنبياء، ولاسيّما إلى هوشع وإرميا.

خاتمة
المسيرة في البريّة هي حقبة في تاريخ طويل، نرى فيها كيف يبني الشعب نفسه ويكتشف هويّته وبنيته، ويبحث عن موقعه تجاه الله. في كل هذا نجد مستقبلاً يُبنى يوماً بعد يوم. وهذا التوجّه حاضر في المسيرة التي تصل في النهاية إلى أبواب الأرض المرجوّة. كما هو حاضر في النظم ولاسيّما تلك التي تشير إلى الاقامة في كنعان.
فسفر العدد تحدّث عن هذا الماضي وعن المستقبل المباشر. ولكن نجد ذكرًا لتاريخ أوسع تبدو الاربعون سنة في البرية، حقبة قصيرة فيه. فباتجاه الماضي، يعود النصّ إلى الأحداث التي أسّست الشعب، وأعطت معنى لوجوده. في 33: 3- 8 يُذكر الخروج من مصر كما هو موجز في خر 12- 15. وفي 20: 14- 16 نجد أيضًا خلاصة صغيرة عن أحداث الخروج تُقدّم للأدوميّين (رج تث 26: 5- 10). وبالنسبة إلى المستقبل، يتحدّث النصّ عن القريب المباشر، عن الدخول إلى كنعان، ولكنه يشير أيضًا إلى المنفى في بابل، الذي يجب أن نعود منه. وكما ندّد عد بالذين يريدون العودة إلى مصر، كذلك لمحّ المدوّن الأخير إلى الذين رفضوا العودة من المنفى إلى اليهوديّة، بعد أن طابت لهم الإقامة في أرض بابل. هذا ما يدفعنا إلى القول بأن قسماً كبيراً من سفر العدد قد دوّن خلال المنفى أو بعد المنفى ليقدّم جواباً على تساؤلات معاصريه.
القسمُ الخَامِس
وَصَايَا الله مِنْ أجْلِ الحَيَاة

وينتهي كتابنا بالقسم الخامس الذي عنوانه: وصايا الله من أجل الحياة. تَرافقنا مع الجماعة التي عاشت في مخافة الله وتلقّت بركة الله. سمعت كلام الله وعقدت عهداً معه. ترافقنا مع الآباء، آباء الشعب العبراني وآباء المؤمنين في الكنيسة. وها قد وصلنا إلى الشرعة التي نأخذ بها لنسير في خطاهم. سمّيت هذه الشرعة دكالوغ أو الكلمات العشر أو الوصايا العشر. وقد أعطيت من أجل حياة الانسان، من أجل حياة الجماعة. نعمل بها فنحيا كما قال يسوع للشاب الغنيّ.
1- أنا هو الرب الهك
2- للرب إلهك تسجد
3- لا تصنع لك تمثالاً ولا صورة
4- لا تحلفوا أبداً
5- يوم الرب، يوم الراحة
6- من السبت إلى الأحد
7- أكرم أباك وأمك فيطول عمرك
8- لا تقتل
9- لا تزن
10- لا تسرق
11- لا تشهد بالزور
12- أحبّ الرب الهك
13- أحبب قريبك كنفسك.
الفصل الثلاثون
أنا هو الرب الهك

حين نقرأ الكتاب المقدّس، لا نجد مقالاً لاهوتياً عن الله. فالكاتب الملهم لا يعود إلى الوراء ليتطلّع إلى مدينة تركناها وراءنا أو إلى جبل ابتعد عنا. والكتاب المقدّس لا يدعونا إلى أن نتكلّم عن الله، بل أن نستمع إليه يُحدّثنا. ونحن نجيب إلى كلامه حين نمجّده ونخدمه ونتعبّد له.
الله تكلّم منذ القديم بواسطة الآباء. قال لابراهيم: أترك أرضك وعشيرتك وتعال إلى الأرض التي أدلّك عليها. وقال له: أنا ترس لك. أحميك. أنا أعطيك أجمل أجر. فوثق ابراهيم بالله كل الثقة. وكلّم يعقوب ويوسف وموسى. وتكلّم الله أيضاً بواسطة الأنبياء. حدّث أشعيا: إذهب وقل لهذا الشعب. وقال لارميا: انطلق إلى من أرسلك اليهم وكل ما آمرك به تقوله لأني في فمك أضع كلامي. وقال لموسى: انطلق وتنبّأ لشعبي.
كلّم الله الأنبياء فسمعوا صوته وعملوا إرادته. قال أمام أشعيا: من أرسل ومن ينطلق باسمنا؟ فأجاب أشعيا: هاءنذا فأرسلني. وأطاع إرميا نداء الرب. وهكذا فعل موسى وسائر الأنبياء. أرسل الربُّ ناتان إلى داود ليوبّخه على خطيئته. فذهب ناتان وهو عالم بالخطر الذي يهدّده.
وفي النهاية كلّمنا الله بابنه الوحيد الذي هو شعاع مَجده وصورة جوهره (عب 1: 3) وقال يوحنا: الله لم يره أحد قط. ولكن الابن الذي في حضن الآب عرّفنا اليه (يو 1: 18).
فإذا بقينا في حدود الطاعة لصوت الله، وفي فعل الشكر الدائم، نستطيع أن نتحدّث عن الله من دون خوف. نعرف أن كلماتنا ضعيفة، ولكنه هو يأتي ويُسند ضعفنا. ومن خلال تأملنا في كلمات نقرأها، نصل إلى شخص حيّ هو حياة حياتنا. هو فينا أكثر ممّا نحن في ذواتنا. إيماننا ضعيف ولكن الرب يُعين ضعف إيماننا. نحن نحبّه ونحبّ أموراً عديدة معه. لهذا لا يبدو حبّنا طاهراً. نحن كالابن الضال. يهمّنا أن نكون مع أبينا، ويهمّنا أيضاً أن نؤمّن الطعام لنا: كم من الخدم لديهم الخبز وأنا ههنا أموت جوعاً. في حبنا بعض البحث عن ذاتنا وعن مصالحنا الشخصية وأمورنا المادية. قال لنا الكتاب: أحبّ الرب إلهك بكل قلبك وبكل نفسك بكل قدرتك. ولكن حبّنا يحتاج إلى نار الله تشعله، إلى نار ذاك الذي اسمه المحبة والذي أحبّنا أولاً قبل أن نحبّه، أحبّنا يوم كنا خطأة بعد.
حدّث الرب موسى: أنا هو الرب إلهك. وقال لشعبه بعد أن عاد عن خطيئته. قال بلسان هوشع: حينئذ تدعونني الهي وأنا أدعوكم شعبي. وقال بلسان إرميا: أجعل شريعتي في ضمائرهم، وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعباً.
الرب هو هنا حاضر في حياة شعبه. منذ أيام الخروج من مصر سمع صراخ شعبه وجاء يخلّصهم. الله هو هنا في الخلق. منذ البداية. فهو الوجود منذ الازل. وهو الذي "في البدء" خلق السماء والأرض. لم يكن هناك أي شيء. وبكلمة الله وُجد كل شيء. قال المزمور: قال فكان كل شيء وأمر فخُلق كلُ موجود.
إنه حاضر، ووجوده يفرض نفسه. هو لا يحتاج إلى شرح وتفسير. إنه كالمحبّ يفرض نفسه علينا. ساعة لم نكن ننتظره. نجده في أعماق قلوبنا. يئس جدعون من الحالة التي يتخبّط فيها شعبه فقال: إن كان الله معنا فلماذا أصابنا هذا كله؟ ولكن الله كان في تلك الساعة هنا. فقال لجدعون: سأكون معك. والرسل بعد القيامة. ظنّوا أن يسوع غاب، فما بقي لهم إلاّ أن يعودوا إلى عملهم السابق. ولكن الله كان على الشاطئ وكان ينتظرهم ليشاركوه في طعام الغداء.
الله هو الأول. وهو لا يحتاج أن يقدّم نفسه، كما يقدّم الغريب نفسه لشخص آخر. الله هو هنا وهو يفرض ذاته على ذهن الانسان وعقله بمجرَّد وجوده. هو الله وهذا يكفي. ونحن لا نستطيع أن نقول إن الانسان يسير في طريق توصله إلى الله. وكأن الاله هو ذلك البعيد المتنائي. لا نبحث عن الله في البعيد. إنه فينا. ملكوت الله أي حضور الله هو في داخلنا. نحسب أننا عرفنا الله وهو الذي عرفنا أولاً (عا 3: 2). نحسب أننا أحببنا الله، ولكنه هو أحبّنا أولاً وبذل نفسه كفّارة عنا. وفي هذا يقول المزمور 139: أنت يا رب تنظر في أعماق قلبي وتعرف كل شيء عني. تعرفني حين أجلس وأقوم، تعرف أفكاري من بعيد. تلاحظني حين أقيم في داري أو أخرج منها، وتطّلع على جميع طرقي، على كل ما أعمل، على سلوكي. قبل أن يكون كلامي على لساني أنت يا رب عالم به كله. أنت ورائي، أنت أمامي. تحيط بي. تضع يدك عليّ.
حضور الله ظاهر في كل مكان وان كان الانسان لا يدركه. إن صعدنا إلى السماء فالله هو هناك. وان كان الانسان مع الموتى في القبور، فالله حاضر معه. إن حسبنا نفوسنا في الظلمة والله لا يرانا، فنوره يحوّل الظلمة إلى نور، ويجعل الليل يضيء كالنّهار. يده تهدينا، وعينه تمسكنا كما الأم تمسك طفلها. هو الذي جبل الانسان، جبل عواطفه، ونسج الطفل في حشا أمه. لهذا نعترف له.
الله حاضر، الله يتكلّم. إنه إله حيّ. هذا ما يردّده الكتاب: حيّ الله! يهوه هو الحيّ. ويفترق عن آلهة الامم الجامدة التي لها عيون ولا ترى وآذان ولا تسمع وأفواه ولا تتكلّم. أما الله فهو لا يتعب ولا يُحسّ بالعياء (أش 40: 28). هو الذي لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4). ذلّ شعبه فرآه. صرخ شعبه فسمعه. تألّم شعبه فعرف بألمه واتّخذ قراره: سوف يرسل من يخلص شعبه.
والله قدوس. قال لشعبه: كونوا قديسين لاني أنا قدوس. والقداسة تجعل الله يسمو على البشر بلا حدود. هذه القداسة تجعل هوّة بينه وبين البشر. ولولا حبه لنا، ولولا اتكالنا عليه، لما تجاسرنا على القرب منه. الله اله وليس بإنسان (هو 11: 9) هو يختلف كل الاختلاف عن الانسان. هو روح، والانسان جسد وبشر، لحم ودم. الانسان سريع العطب كالعشب. أما الله فباقٍ إلى الأبد.
الله بعيد عن الانسان، ولكنه صار قريباً في يسوع المسيح. الله هو السامي والرفيع، ولكنه تنازل في يسوع ليرفع ضعفنا. الله هو روح، ولكنّه صار لنا في يسوع المسيح جسداً وسكن بيننا.
أنا هو الرب الهك. هذا كلام ارب. فنجيب: لا نريد الهاً غيرك.
الفصل الحادي والثلاثون
للرب إلهك تسجد

السجود والعبادة حركة واحدة نعبّر فيها عن احترامنا لله، عن صغرنا أمام عظمته، عن خطيئتنا أمام قداسته. هذا ما حدث لحزقيال حين رأى مجد الله. هذا ما حدث لبطرس بعد الصيد العجيب. هذا ما حدث لبولس على طريق الشام: أحسّ بنفسه مرتمياً على الأرض. فقداسة الله وعظمته تسحقان الانسان، فتصلان به إلى العدم لولا رحمة الله ومحبته.
من النادر أن يلتقي الانسان الله في خبرة فريدة. خبرة مباشرة. ولكن ما هو عادي هو حضور الله وعمله في الكون، مجده وقداسته في الخليقة. فعلى الانسان في هذه الحالة أن يتعرّف إلى هذا الحضور. والعبادة هي التعبير عن ردة الفعل لدى الانسان حين يدركه القرب من الله. الله هو في هذا المكان وأنا لا أعرف. ويأتي شعور يصل بنا إلى العمق وإلى إكرام مليء بالخوف. "بما أن رحمتك عظيمة فأنا أدخل بيتك وأسجد باحترام عميق وخشية في هيكلك المقدّس" (مز 5: 8). ويهتف المزمور (95: 1- 6): "هلموا نسجد ونركع له، نجثو أمام الرب الذي صنعنا. فهو الهنا ونحن شعب يرعاه وغنم يقوده بيده. هلموا نعترف بالرب وننشد له، فإنه الله عظيم وملك عظيم".
عاطفة من أعماق القلب، شعور في خفايا الايمان. ونحن نعبّر عن كل هذا بحركات خارجيّة. هذا هو السجود، الذي لا يكون فقط سجود القلب بل سجود الجسم كلّه. سجودنا يكون سجود النفس والجسد فيكون صادقاً. فإن بقينا على مستوى العواطف، كنا أمام سراب وخيال. كان بقينا على مستوى الجسد، صحّ فينا كلامُ الكتاب: هذا الشعب يكرمني بشفتيه، وأما قلبه فبعيد مني.
كل هذا عبّر عنه الله بلسان موسى من خلال الوصايا: للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد. هكذا نعبّر في حياتنا عن فضيلة الديانة. فنحن ندين لله حين نخضع له ونطيعه ونخدمه. نحن ندين لله حين نقرّ بملكه وسلطانه. نعبّر عن ديانتنا بأعمال البرّ والرحمة، ونعبّر عنها بأفعال العبادة. هذا ما فعل موسى أمام العليقة الملتهبة. وهذا ما فعله الشعبُ كله عند جبل سيناء يوم هبط الرب عليه بالنار والدخان، يوم كانت أصوات وبروق ورعود وغمام كثيف على الجبل المقدّس.
هذا الكلام قد استعمله يسوع تجاه الشيطان الذي يجرئه. قال له ابليس: أعطيك ممالك الأرض شرط أن تسجد لي. يعني أن تربط حياتك بحياتي، أن تدين لي وتعدني بالطاعة. تكون بكليّتك لي. ولكن يسوع قال في شبابه: يجب أن أكون لما هو لأبي. أن أكون في ما يريده أبي. وكان جوابه هنا لابليس: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. حينئذ تركه ابليس مع ما في حضوره من شرّ ونكران لعظمة الله. وجاء الملائكة، وهم يمثّلون حضور الله، فاقتربوا منه.
جُرِّب الشعب العبراني فسجد لعجل الذهب. حاد عن الطريق الذي أمره الرب بسلوكه. صنع لنفسه عجلاً مسبوكاً على مثال المصريّين أو الكنعانيّين. سجدوا له وقالوا: هذا الهك يا اسرائيل الذي أخرجك من أرض مصر. ترك الشعب الرب الواحد والتحقوا بالآلهة الوثنية. وسيكون لهم في أيام هوشع أن يسجدوا للاله الذي يعطيهم المطر وخصب الأرض. ومارسوا مع هذه العبادة الوثنية البغاء المكرّس والزنى في ظلّ المعابد الكنعانيّة.
لا ثمّ لا. لله وحده تسجد واياه وحده تعبد. والعبادة نوع من التكريس لله. حين نكرّس قوانا كلّها لنبحث عن عظمة ما، فنحن نعبد هذه العظمة. وحين نكرّس كل امكاناتنا لنبحث عن المال، فنحن نعبد هذا المال. إنه "مامون" أي ما هو ثابت وأكيد ونستند إليه. لا، ليس بكثرة المال حياة. لا ليس مامون هو الاله. وعلى المؤمن أن يختار: من يعبد؟ الله أم المال؟
إلهنا الذي نعبده نحن المسيحيين، هو الاله المثلّث الأقانيم. هو الاله الذي هو روح يحوّل عبادتنا ويوصلها إلى كمالها. إلهنا نعبده بالروح والحق.
وهذا الاله تجلّى لمنا بصورة منظورة. لمسناه بأيدينا، رأيناه بعيوننا، سمعناه بآذاننا. هذا الاله تجلّى في شخص يسوع المسيح. وبعد اليوم، بدأ تعرُّفنا إلى الله بواسطة يسوع المسيح. وبدأت عبادتنا وسجودنا لله مع يسوع المسيح. فيسوع المسيح هو الرب لمجد الله الآب. لاسمه تجثو كل ركبة في السماء وعلى الأرض وفي الجحيم، أي سكان السماء والأرض والموتى أنفسهم. وكل شفة تعلن المسيح.
هذا ما شكّك اليهود. فالعبادة محفوظة لله -يهوه- لله الواحد. ولكن المسيح القائم من الموت هو موضوع العبادة والسجود. بعد القيامة، يروي القديس متّى (28: 17) ظهوراً للتلاميذ: حدّد يسوع لرسله موعداً. فلما رأوه سجدوا له. ولكن الايمان يساعدنا على التعرّف إلى ابن الله. بعد أن سكنت الريح "سجد له الذين كانوا في السفينة وقالوا: أنت ابن الله حقاً" (مت 24: 33)! وهذا ما فعله أيضاً الأعمى منذ مولده. رأى بعين الجسد ورأى بعين الايمان. قال له يسوع: "أتؤمن بابن الانسان"؟ أجاب: "ومن هو، سيدي، فأؤمن به"؟ فقال له يسوع: "قد رأيته، وهو الذي يكلّمك". قال: "لقد آمنت يا سيدي". وسجد له (يو 9: 35- 37).
عبادة تتوجّه إلى الثالوث، سجود أمام الابن الكلمة. موقف داخلي نعبّر عنه بكل كياننا، روحاً ونفساً وجسداً. عبادة لا تنحصر في مكان، لا في أورشليم ولا على جبل جرزيم. عبادة تقوم في الهيكل الوحيد الذي يرضى به الله، في جسد المسيح القائم من الموت. فالذين وُلدوا من الروح يضمّون سجودهم وعبادتهم إلى ما يسرّ به الآب. عبادة الأبناء التي بها نعلن: أبًّا، أيها الآب. فيقول لنا الله كما قال لحبيبه في مشهد المعموديّة: أنت ابني الحبيب بك رضيت، بك سررت. أنت موضع فرحي وسروري.
الفصل الثاني والثلاثون
لا تصنع لك تمثالاً ولا صورة

عاش العالم العبراني في جو يعبق بالوثنية وتعدّد الآلهة. فكان لمدينة صور الهها، وكذلك لصيدون. وكان لقبائل عمون الاله "ملكوم" الذي بنى له سليمان معبداً. ولقبائل موآب كموش. كان للكنعانيين إجمالاً إيل وبعل، وللأراميين هدد. وكانت القبيلة تتحالف مع القبيلة الأخرى فتتبنّى آلهتها وتتعبّد لها. وتُحالف المدينةُ المدينة والمملكةُ المملكة. وهكذا كثرت الأصنام في العالم القديم، وامتلأت المدن من المعابد. فالصنم يمثّل الهاً نقدّم له ذبائح لئلا يغضب علينا ويضربنا. نقدّم له ذبائح فنتّقي شره. والصنم يمثّل الملك صاحب هذه العبادة. فالبلاد التي تخضع لملك تخضع للاله الذي يتعبد له هذا الملك. هذا ما فعل أحاز، ملك يهوذا. رأى مذبح ملك أشور في دمشق، فبعث إلى أوريا الكاهن رسمة المذبح وتصميمه (2 مل 16: 10 ي).
في هذا الاطار، سمع الشعب من فم موسى المتكلّم باسم الرب وصيتين. الأولى: لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي. أي لا تعبد آلهة أخرى معي. فأنا وحدي الرب الهك. ومن تعبَّد لغير الاله الواحد استحق القتل. والثانية: لا تصنع لك تمثالاً ولا صورة. فقد اعتاد الأقدمون أن يصوّروا الهتهم مستعينين بما في السماء وعلى الأرض. الاله القمر والشمس والكواكب. النار والنهر والبحر والجبل. جبل حرمون هو جبل مقدّس ويحرّم الصعود إليه. ونهر النيل هو الله يعطي الخصب لأرض مصر. هذا عدا عن صور الحيوانات من ثور وحمار ونسر وكلب وحيّة. كل هذا يُمنع منعاً باتاً.
خُلق الانسانُ وحده على صورة الله. ومع ذلك لم يعرف العبرانيون اين دفن موسى، ولا أين مات إيليا. لا عبادة للبشر إطلاقاً. والملك نفسه الذي يُعبد في بعض البلدان، هو في أرض اسرائيل وكيل الله وخادمه والمتعبّد له. وبالأحرى لا يصور المؤمن الله بصورة حيوان. مثلاً، صوّر العبرانيون الثور ليدلّوا على قدرة الله. ولكن هذا العمل جرَّ عليهم غضب الله وعقابه. قال هوشع (8: 5): يا أهل السامرة، عجلكم سمج وقبيح، أبعدوه عنكم، اضطرم غضبي عليكم، فماذا تنتظرون لتعودوا إلى النقاوة؟ وقال أيضاً عن أهل السامرة: يتشبّثون بخطاياهم ويصنعون لهم تمثالاً من فضة. صانعٌ ماهر صنعه، ومع هذا يقولون: تعالوا نقدّم له الذبائح. ويأتون يقبّلون العجول. فالعبادة يعبّر عنها بالسجود وأيضاً بالقبلة على التمثال أو الصورة.
ما من أحد رأى الله على الأرض، ولا يستطيع أحد أن يراه. لهذا، لا يحقّ للعبراني أن يعمل له صورة ولا تمثالاً. حين ظهر الرب لموسى في العليقة، خاف وستر وجهه لئلا يرى "وجه الله". وظهر الرب لمنوح، والد شمشون، ولزوجته. قالا سوف نموت لأنّا عاينّا الله. وظهر الرب لأشعيا وهو في الهيكل فقال: ويل لي قد هلكت. رأت عيناي الملك رب الأكوان.
لا يحقّ لأحد أن يرى وجه الله. ومع ذلك يتمنّى كل مؤمن أن يعيش من حضوره. متى آتي وأحضر أمام الله. حضور خفيّ ولكنه فاعل وخاصة بواسطة روحه. يهتف صاحب المزامير: أنا معك كل حين. أمسكت بيدك اليمنى ووجّهتني حسب قصدك. ثمّ تأخذني إلى مجدك. من لي في السماء إلاّك؟ وعلى الأرض لا أبغي أحداً سواك.
هتف الانسان: ليتك تشق السماء وتنزل. فشق الله السماء. انفتحت السماء، ونزل الله، وحلَّ في أحشاء مريم البتول. أعلن يوحنا: الله لم يره أحد قط. ولكن الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر عنه. وأخبر عنه لا بالرؤية والكلمات، لا في البروق والرعود والنار. أخبر عنه حين اتّخذ جسداً وسكن بيننا. وحين صار الكلمة بشراً رأينا مجده، رأينا مجد الله يحلّ في أرض البشر. حينئذ رأيناه بعيوننا، سمعناه بآذاننا، لمسته أيدينا.
أجل صار الله منظوراً في يسوع المسيح. فلماذا لا نصوّره، لماذا لا نرسم ملامحه في صورة أو تمثال. ذاك كان الصراع المرير في تاريخ الكنيسة مع بدعة تحطيم الأيقونات خلال القرن الثامن والتاسع. قام أباطرة بيزنطية بحملة قاسية ضد استعمال الصور المقدسة واكرامها. وامتد الصراع طويلاً بين المدافعين عن الايقونات والرافضين لها متذرّعين بما قاله العهد القديم.
ولكن الوضع تغيّر في العهد الجديد، بعد أن رأينا يسوع بعيوننا. وتبدّل ونحن العالمون أن المؤمن لا يعبد القديسين ولا صورهم، بل يعبد الله الذي كرّمهم وعظّمهم. قالت مريم العذراء في نشيد التعظيم: إن القدير صنع بي عظائم. لهذا تطوّبني جميع الأجيال، تقول لي: هنيئاً لك بالاله المخلّص الذي حملته في أحشائك.
وأعلن مجمع نيقية الثاني (13 ف 1، 787): إن تمثّل الصليب والصور المقدسة أكانت مرسومة أم منحوتة، ومصنوعة من أية مادة كانت، نستطيع أن نضعها على إناء أو ثياب أو حائط أو بيت أو على طريق. نعني بهذه الصور، صور يسوع المسيح وأمه والملائكة القديسين وكل الأشخاص القديسين. وحين ننظر إلى هذه الصور نتذكّر ذلك الذي تمثّله الصورة. فنسعى إلى الاقتداء به، وتحرّكنا نحوه عاطفةُ احترام واكرام، لا عبادة بالمعنى الحصري. فهذه العبادة لا تليق إلاّ بالله وحده. وقد نعبّر عن اكرامنا لهذه الصور بالبخور والأنوار، كما نفعل للصليب والأناجيل المقدسة والأواني المقدسة (كالكأس والصينية). تلك هي عادة الأقدمين. فالإكرام الذي نقدّمه إلى صورة يعود إلى صاحب الصورة. وكل من يكرّم صورة يكرّم الشخص الذي تمثّله هذه الصورة.
هذا هو كلام الكنيسة في مجمع نيقية الثاني. لا نخاف بأن نحافظ على اكرامنا للصور ولكن نتحاشى كل ما يُشتمّ منه عبادة أوثان أو ممارسات سحرية. ولا ننسى أن الله وحده يُعبَد. وأنه الأوّل في كنائسنا. فلا نكرمه بعد أن نكون قد زرنا كل الصور في الكنيسة. الله هو الأوّل، والقديسون أناس خدموه بمحبة. ونحن نتعلّم منهم كيف نخدم الله ونكرمه ونحبّه بكل قلبنا، بكل نفسنا، بكل حياتنا.
الفصل الثالث والثلاثون
لا تحلفوا أبداً

الكلام البشري ليس صوتاً نطلقه ونحسبه كتلة هوائية خرجت من فمنا وذهبت من دون رجعة. الكلام البشري ليس فقط وسيلة اتصال بين البشر. فالكلمة تعبّر عن الشخص، وتشارك في زخمه وديناميّته. قوّة الكلمة من قوّة الشخص، وغناها من غناه. والكلمة تحمل فاعليّة. إنها تفعل. لهذا فهي تبدو مهمّة جداً في حياتنا وفي سلوكنا. قال عنها سفر الأمثال (18: 21): الموت والحياة في يدها. وابن سيراخ (5: 13) نبّهنا: "ان كان لك رأي فجاوب من يكلمك. والا فاجعل يدك على فمك. في الكلام كرامة أو هوان، وما يقوله انسان قد يقوده إلى الهلاك".
ومن الكلام الذي يحمل الخطر هو القسَم والحلف. قالت شريعة موسى (خر 20: 7): "لا تحلف باسم الرب الهك باطلاً، لأن الرب لا يزكي من يحلف باسمه باطلاً". هذا يعني: لا تتلفظ باسم الرب في غير وقته. فالله قدوس. فلا تضعه في مكان دنيوي. فإن من يفعل مثل هذا يعتبره الله خاطئًا مُجرماً في حقه.
أعلن الرب في سفر اللاويين (19: 2): "كونوا قديسين، لأني أنا الرب الهكم قدوس" وزاد: "لا تحلفوا باسمي كذباً ولا تدنّس اسم الرب الهك" (لا 19: 12). أي لا تتذرع باسمي، لا تختبئ وراء اسمي من أجل الكذب. اسمي قدوس، وأنت تدنّسه بهذه الطريقة.
ونقرأ في سنعر العدد (30: 3): "حين ينذر الانسان نذراً للرب أو يحلف حلفاً بأن يلتزم بعمل شيء فهو لا يخلف قوله ولا يخلّ بوعده والتزامه. بل يعمل بالتمام حسب الوعد الذي خرج من فمه". حرفياً: ربط نفسه بالتزام. هذا يعني أنه أجبر نفسه. تكلم فمه ويده تُنفّذ.
وتأتي النصيحة إلى المؤمن (تث 23: 24): "ما خرج من شفتيك فاحفظه، واعمل حسب نذرك الطوعي للرب الهك، نذرك الذي تلفظت به شفتاك". اذن، ما وعدتَ به أوفِه. ان كان على مستوى الله أو على مستوى القريب.
وأعطانا يشوع بن سيراخ (23: 7- 11) تعليمات فيما يتعلّق بالقسم: "اسمعوا يا بني كيف تؤدّبون الفم. فالذي يحفظ هذا التعليم لا يؤخذ (لا يخطأ). فالخاطئ يُصطاد بشفتيه، وبهما يعثر المستهزئ والمتكبّر. لا يتعوّد فمك على الحلف ولا تألف تسمية القدوس (القسم باسمه القدوس). فكما أنّ الخادم لا ينجو من ضرب سيّد متطّلب، هكذا لا ينجو من العقاب من يحلف أو يتلفّظ باسم الله في كل مناسبة. الرجل الذي يحلف كثيراً يكدّس الخطايا، ولا يبرح السوط من بيته. إن حلف سهواً، تعودُ خطيئته عليه. وإن حلف استخفافاً، فهو يخطأ مرّتين. وان حلفت باطلاً، لا يتبرّر ويمتلئ بيته بالمصائب".
ونقرأ في الانجيل كلاماً هاماً في الحلف. "سمعتم أيضاً أنه قيل للاوليين: لا تحنث، لا تخالف اليمين التي أقسمتها، بل أوف للرب ما وعدت به. أما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة" (مت 5: 33).
كلام يسوع صريح واضح. لا تحلفوا البتة. لا تحلفوا أبداً. ولكن الناس اعتادوا أن يتهرّبوا من التلفظ باسم الله، فيقولوا كلمة أخرى. هم يحلفون بالسماء. "حق السماء". أو يحلفون بالأرض. "لتبتلعني الأرض". اعتاد الرب أن يُشهد السماء والأرض، أن يدعوهما إلى حضور محاكمة الانسان. نقرأ في تث 4: 26: "أشهد عليكم اليوم السماء والأرض". وقال يسوع في انجيل متى (5: 18): "تزول السماء والأرض وكلامي لا يزول".
ولكن يسوع يمنعنا من الحلف بالسماء. ما هذه المراءاة وهذا الخبث؟ لا يحق لنا أن نحلف بالسماء، فهي عرش الله. لا يحق لنا أن نحلف بالأرض، فهي موطئ قدميه.
واعتاد الناس أن يحلفوا بأورشليم المدينة المقدّسة والتي يباركها حضور الهيكل فيها. فكأن صاحب الحلف يرتبط بالقدسية التي تتمتّع بها أورشليم فيشهد الله على "صدق" أقواله. وهناك من يحلف برأسه. وحياة رأسك! وحياة عينيك! ولكن لا يحق لنا أن نحلف برأسنا. فهو لا يخصّنا. إنه عطية من الله. ويزيد يسوع: أنت لا تقدر أن تزيد عليه شعرة واحدة، أن تجعل شعرة منه بيضاء أو سوداء. ولا يحقّ لنا أن نحلف بأورشليم، إنها مدينة الملك العظيم، أي الله بالذات. انها تمثّل حضور الله بالذات.
كل امكانيات الحلف ممنوعة. لا نحلف بالله. لا نحلف بالسماء ولا بالأرض. لا نحلف بحياة أولادنا. فهم لا يخصوننا، بل هم وديعة وضعها الله بين أيدينا: يا ليتني أقبر أولادي! ليتني أعمى أي أصير أعمى! ولكن عينيك لا تخصّانك. انهما عطية من الله لك.
ويتابع القديس متّى: "فليكن كلامكم: نعم، نعم أو لا، لا". إذا كان الجواب نعم نقول نعم من دون حيلة وكذب ورياء. وإن كان لا نقول لا. ولا حاجة إلى الحلف. فمن أكثر من الحلف، نقصت ثقته بنفسه وبكلامه. يقول وهو خائف مما يقول. يقول وهو خائف على نفسه. اذا، لا سمح الله، إذا كان لا يغطّي كلامه بالكذب.
نعم ولكن... لا ولكن... لماذا هذه الزيادة؟ إنها من الشرير. هنا يحدّثنا القديس بولس عن يسوع. لم يكن كلامه نعم ولا. وانما كان فيه نعم. يسوع هو ابن الله، وكلامه يوافق كل الموافقة كلام الله. فكيف لا يكون كله نعم. يسوع هو الله الذي ألزم نفسه بملء حريته. وعد ويبقى أميناً لمواعيده. إنه الله الحقيقة، الإله الأمين. هكذا يلّقبه أش 65: 16: من يتبارك بهذا الاسم على الأرض، يتبارك بالإله "الأمين"، الإله الحق. إله الثبات والقوة. الاله الذي نستطيع أن نثق به ونستند اليه.
كل مواعيد الله كانت "أمين" في يسوع (2 كور 1: 19- 20). آمين الله هو يسوع. به يحقّق الله ملء مواعيده. اعتاد يسوع أن يقول في خُطَبه: آمين، آمين، الحق الحق أقول لكم... إنه يعني بهذه العبارة أنه مرسل الله الحق، وأن كلامه حق وصدق. ولكن يسوع ليس فقط ذلك الذي يقول كلمات الله، إنه حقاً كلمة الله. إنه الشاهد الأمين لله.
وحين يتّحد المسيحي بالمسيح، يقدّم جوابًا يدلّ على أمانته. جوابه هو آمين لله. هذا هو الجواب الوحيد والفاعل، وهو الذي يتلفّظ به المسيح لمجد الله. والكنيسة تعلن هذا الآمين مع المختارين في السماء (رؤيا 7: 12) ولا أحد يستطيع أن يتلفظ به، ان لم تكن نعمة الرب يسوع معه.
انتقلنا من لا تحلفوا أبداً، إلى الامتناع عن الحلف كذباً، فوصلنا إلى جواب يوافق كل الموافقة إرادة الله فينا. نحن لا نحلف. بل نحن نجعل كل حياتنا آمين مع المسيح وكنيسته. ولهذا نطلب مع الكنيسة: فلتكن نعمة ربنا يسوع المسيح معنا أجمعين. آمين (رؤ 22: 21).
الفصل الرابع والثلاثون
يوم الرب، يوم الراحة

حين نعود إلى النصوص القديمة نرى أن كلمة سبت تعني الانقطاع عن العمل من أجل هدف ديني، تعني الراحة من المتاعب اليومية لنتكرّس لعمل سام. وممارسة يوم الراحة قديمة جداً في الشريعة. نقرأ في الوصايا التي أعلنت على جبل سيناء: أذكر يوم السبت، يوم الراحة، لتقدّسه. إنه مكرّس للرب، فلا تكرّسه، فلا تخصّصه لشيء آخر. ويتابع النص: في ستة أيّام تعمل وتصنع (تنهي) جميع أعمالك، ما عليك أن تفعله في هذه الأيام الستة. أما اليوم السابع فهو سبت، فهو راحة للرب، وراحة تقدّمها للرب الهك. في هذا اليوم، لا تصنع عملاً لك. أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك والمهاجر الذي في مدينتك. لا تعمل عملاً لك، عملاً يدرّ لك ربحاً. فيوم السبت ليس لك، بل هو للرب، فلا تستعمله لك. وقد يمكنك أيضاً أن تستعمله للقريب.
وتفصّل الوصية: من يرتاح؟ الجميع، حتى البهيمة أكانت ثوراً أو حماراً، والخادم في البيت والخادمة، يحقّ لهما الراحة في يوم الراحة، أكان ذلك السبت بالنسبة إلى اليهود، أو الأحد بالنسبة إلينا. والمهاجر، والعامل الغريب! ألا يحقّ له أن يرتاح كغيره ليرفع عقله وقلبه إلى الله. الحيوان يلتصق بالأرض ولا يرفع رأسه. أمّا الانسان فيرفع رأسه ويتوجّه بصلاته إلى الذي خلقه. ما قيمة ستة أيام نعمل فيها إن لم يتوجّها اللهُ باليوم السابع ويباركها. فإن عملنا سبعة أيام شابهنا البهائم، بل كنا أقل من البهائم، والرب يدعوها إلى الراحة معنا.
والعبد والامة. لم يكن لهما حق بالراحة في العالم القديم. هما خُلقا للعمل كالآلة. لا، هذا، لن يكون، يقول الرب. راحة الرب هي للجميع. لا أرتاح أنا إلاّ إذا ارتاح أخي وجاري وقريبي والغريب الذي يقيم في دياري.
ويقدّم لنا الكتاب المقدّس المثال الذي نقتدي به. هو الله بالذات. خَلق الكونَ في ستة أيام. ولكنّه استراح في اليوم السابع. لا شكّ في أن الله لا يحتاج إلى ستة أيّام، ولا إلى ستّ ساعات ليخلق الكون. هو يخلقه بلحظة. قال للأرض: كوني فكانت. ولكن الكاتب الملهم أراد أن يعطينا أمثولة ودرساً. إذا كان الله استراح في اليوم السابع، فماذا تفعل أنت؟
قال الكتاب: وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدّسه (كرّسه، خصّصه) لأنه فيه استراح من جميع عمله.
كان السبت عند الساميين الأقدمين يوماً خاصاً يحرَّم فيه كل عمل. وكل عمل فيه يحمل الشؤم والنحس. وستشدّد الشرائع القديمة على هذا التحريم فتعاقب بقساوة من يعمل عملاً يوم السبت. قال موسى: "في ستة أيام تعمل أعمالك، واليوم السابع يكون لكم مقدّساً (سبت عطلة وراحة) للرب. كل من يعمل فيه عملاً يُقتل" (خر 35: 3). ولقد طُبقت هذه الشريعة على رجل يجمع حطباً يوم السبت: رُجم بالحجارة (عد 15: 32). يحرَّم على الانسان أن يشعل ناراً في بيته، أن يهيّئ طعاماً. هو يوم راحة تامة. يوم نعطّل فيه، نبقى بلا عمل، نضيّعه علينا وعلى أشغالنا. ولكنّنا نربحه من جهة أخرى، نربحه لنا ولنفوسنا، نربحه للرب، نخلي قلوبنا من كل هم، فيملأها الله بحضوره.
استراح الله يوم السبت، فكملت الخليقة في يوم الراحة هذا. جاء اليوم السابع يضع حجر الغلق في بناء الكون. كان الكون ناقصاً فكمل في اليوم السابع. وسيشدّد الأنبياء على أن هذه الراحة تحقّق مواعيد الله في النهاية. قال إرميا: احتفظوا لأنفسكم أن تحملوا حملاً في يوم السبت وتدخلوا به من أبواب أورشليم. في هذا اليوم لا تحملوا حملاً ولا تعملوا عملاً بل خصِّصوا هذا اليوم لي. فإن حفظتم السبت جلس الملوك والرؤساء على عروشهم. وتُسكن أورشليم إلى الأبد ولا تُهدم. وقال أشعيا (58: 13 ي): "إن امتنعت عن العمل في هذا اليوم المقدّس، تجد النعيم في الرب، أحملك في مركبة إلى أعالي الأرض، أطعمك ميراث يعقوب أبيك".
كان يوم السبت يوم نحس يجب أن نكفّ فيه عن العمل، نعطله، ولكن الوحي الكتابي أعطاه مضموناً لاهوتياً. أوّلاً، هناك بُعد الرحمة بالناس والرأفة بهم. يقول النص الكتابي: لا تظلم الغريب. فأنتم كنتم غرباء وتعرفون حال الغريب. ثم يتابع في ستة أيام تعمل وفي اليوم السابع ترتاح لكي يستريح ثورك وحمارك، لكي يتروّح ابن أمتك (أي العبد الذي في بيتك) والغريب. لكي ينتعش، ليستعيد أنفاسه. فالانسان الذي لا يرتاح ليس بانسان، ليس على صورة الله. أجل، أراد الله أن تتأمّن الراحة الأسبوعية للانسان. لهذا نقرأ في سفر التثنية (5: 12- 15): أذكر أنك كنت عبداً في أرض مصر فحرّرك الله. فعليك أنت أن تحرر الانسان من عبودية العمل يوم السبت. أخرجك الرب من هناك بيد قديرة وذراع ممدودة. لهذا أمرك أن تحفظ يوم السبت.
والهدف الثاني تحدّثنا عنه: في يوم السبت تمَّ عملُ الله. صار كاملاً. ونحن لا تكون أعمالنا كاملة أن لم يقدّسها يوم الراحة الذي هو الأحد بالنسبة إلينا. والهدف اللاهوتي الأخير: السبت هو علامة العهد بين الله وشعبه. هنا نتذكّر أن كلمة قدّس تعني أيضاً في العبرية: خطب، تزوج. وهكذا صار السبت في التقليد اليهودي عروس الله وخطيبته. يستقبل المؤمن هذا اليوم بفرح منذ مساء الجمعة فيقول: تعال، يا صاحبي، أمام العروس ولنستقبل وجه السبت.
هنا نتذكّر كلام الرب لموسى (خر 31: 12- 17): احفظوا سبوتي أي أيّام راحتي، لأنّها علامة بيني وبينكم مدى أجيالكم، وهكذا تعلمون أني أنا الذي يقدّسكم، وهكذا نفهم التهديد: من دنَّس السبت فعمل فيه عملاً، يكون وكأنه خان العهد، خان الله. لهذا يقول النص: من عمل عملاً يوم السبت يُقتل قتلاً. إحفظوا السبت لأنّه مقدّس. من خرقه يُقتل قتلاً. كل من يعمل فيه عملاً يخرج من الجماعة ويقتل. لا شك في أننا أمام شريعة قاسية. ولكن قساوتها تدل على أهمية حفظ يوم الرب الذي هو يوم الراحة من هموم الأرض، وتكرُّس لله وللقريب. نكرّسه لنجلس مع أفراد العائلة، نصلي معًا، نفرح معاً، نقيم معاً.
وهذه الراحة التي يدعونا اليها الرب في يوم من أيام الأسبوع، هي السبت عند اليهود والأحد عند المسيحيين. هذه الراحة هي مشاركة الانسان في راحة الله. قال الرسول: نحن المؤمنين ندخل في راحة الله. إنّ لشعب الله راحة مثل راحة الله في اليوم السابع، لأن من دخل في راحة الله يستريح من أعماله كما استراح الله. من أعماله. فلنبذل جهدنا من أجل الدخول إلى تلك الراحة (عب 4: 1- 11).
من راحة مادية إلى راحة روحية. من يوم نحس إلى يوم بركة. من عبء ثقيل إلى نير ليّن وحمل خفيف. من يوم السبت إلى يوم الأحدً، هذا هو معنى الوصية: قدّس يوم الرب.
الفصل الخامس والثلاثون
من السبت إلى الأحد

اعتاد الشعب اليهودي أن يقدّس السبت، أن يكرّسه للراحة والصلاة. يجتمعون في الهيكل في احتفال مقدّس، يجتمعون اجتماع العيد. هناك دعوة مقدّسة (لا 23: 3) ونداء إلى الصلاة المشتركة في المجمع، إلى قراءة الأسفار كعلامة لتجديد الشعب. وكانت الأمانة للسبت قوية إلى حدّ أن جماعة الاتقياء تركوا الناس يقتلونهم ولم يرفعوا سلاحاً لئلا ينجّسوا السبت (1 مك 2: 32- 39).
ومارس يسوع شريعة السبت. فهو في ذلك اليوم يذهب إلى المجمع ويستفيد من المناسبة لكي يعلن الانجيل. يروي القديس لوقا ما حدث ليسوع في الناصرة يوم السبت: دخل المجمع على عادته وقام يقرأ... وبعد أن أغلق الكتاب قال: اليوم تمّت هذه الكلمات... وشفى يسوع أناساً يوم السبت. فهذا اليوم خُلق لتمجيد الله. ولهذا استفاد يسوع منه ليمجّد أباه. شفى الأعمى منذ مولده، والمخلّع الذي أمضى في فراشه 38 سنة، وصاحب اليد اليابسة.
ولكن يسوع سيبيّن للفريسيين المتشدّدين أن السبت ليس غاية بل هدف. أن السبت هو للانسان، لا الانسان للسبت. وأن واجب الرحمة والمحبة يتفوّق على ممارسة السبت بصورة حرفية ومادية. شفى يسوع المرأة المحدودبة، فغضب رئيس المجمع وقال للحاضرين: عندكم ستة أيام يجب العمل فيها. فتعالوا واستشفوا، لا في يوم السبت. فأجابه الرب: يا مراؤون! أما يحلّ كلُّ واحد منكم رباط ثوره أو حماره من المعلف ويأخذه ليسقيه؟ وهذه امرأة من بنات ابراهيم، أما كان يجب أن تُحل من رباطها يوم السبت؟
اعتبر يسوع أنه عندما يَعمل الخير يوم السبت فهو يقتدي بالآب السماوي. دخل الآب في راحته بعد أن أنهى عمل الخلق. ولكنه ما زال يوجّه الكون ويدّبره، ويمنح البشر الحياة. وهكذا يفعل يسوع أيضاً فيقول: أبي يعمل في كل حين وأنا أعمل مثله (يو 5: 17).
وسار تلاميذ يسوع على خطى معلّمهم. فحافظوا على السبت. تحاشوا الذهاب إلى قبر يسوع قبل طلوع فجر الأحد. واستفادوا من اجتماعات السبت ليعلنوا البشارة. هذا ما فعل بولس مع رفيقه في انطاكية بسيدية: دخلا المجمع يوم السبت وجلسا، وطلب إليهما رئيس المجمع أن يتكلّما، فقال بولس: يا بني اسرائيل (أع 13: 14 ي).
ولكن لم يمضِ وقت طويل إلا ويصبح يوم العبادة المسيحية اليوم الأوّل من الأسبوع، لا اليوم السابع. يوم الرب لدى المسيحيين صار الأحد لا السبت، لأنّه يوم القيامة. لم يجتمع بولس مع أهل ترواس مساء الجمعة، بل مساء السبت. وفي اليوم الأوّل من الأسبوع، اجتمعوا لكسر الخبز (أع 20: 7). ويحّدثنا عنه يوحنا في رؤياه. هو يوم الرب أو اليوم الرباني.
وما كان اليهود يعملونه يوم السبت، نقله المسيحيون إلى يوم الأحد. ففي اليوم الأوّل من الأسبوع، أي يوم الأحد، تُجمع الصدقات للمحتاجين (1 كور 16: 2). وفي يوم الأحد تتمّ الليتورجيا الالهية. لا ننسى أن لقاء الرب بتلميذَي عمّاوس كان يوم الأحد: حدّثهما في الطريق ثم كسر معهما الخبز، أي احتفلا بسر الافخارستيا. ولقاء الرب مع التلاميذ في انجيل يوحنا تم في أحد أول، ولم يكن توما معهم. وفي أحد ثان أظهر جراحاته لتوما. اليوم الأوّل من الأسبوع هو يوم اجتماع الرب مع تلاميذه. يوم اجتماع الكنيسة. ففي اليوم الأوّل من الأسبوع ظهر القائم من الموت. وفي اليوم الأوّل من الأسبوع، حلَّ الروح القدس على التلاميذ في عيد العنصرة.
وهكذا حلّ الأحد تدريجياً محلّ السبت في ممارسة الكنيسة. في هذا الاطار صار السبت رمزاً وصورة. كما أن الفصح اليهودي ترك المكان فحل محلّه الفصحُ المسيحي، وكما أن عيد العنصرة المسيحي حلّ محل عيد الحصاد والأسابيع السبعة، هكذا حلّ يوم الأحد محل يوم السبت. كان البشر يرتاحون فيدلون على راحة الرب في اليوم السابع. ولكن يسوع قد دخل في هذه الراحة الالهية بقيامته، ووعدنا بالدخول معه إلى راحته. حينئذ يكون السبتُ الحقيقي، تكون الراحةُ الحقيقية التي فيها يرتاح الناس من تعبهم على مثال الله الذي ارتاح من أعماله. نبدو وكأننا نعيش سبتاً طويلاً وراحة طويلة ستجد كمالها في الأحد الأخير، في يوم الرب الأخير ساعة تنادي الكنيسة عروسها: تعال أيّها الرب يسوع.
سمّى المسيحيون يوم الأحد في البداية: أوّل الأسبوع، ليلة السبت. وفي القرن الثاني سينتشر الاسم الذي قرأناه في سفر الرؤيا (1: 10): يوم الرب، اليوم الرباني. وذلك بالنسبة إلى يسوع الرب القائم من الموت.
وتحدّث الشرق عن "يوم الشمس". وقال المسيحيون: نعطي هذا اليوم اسم الشمس لسبب غير سببكم. ففي اليوم الذي يسمَّى يوم الشمس يجتمعون كلّهم من المدن والقرى في مكان واحد. هذا ما يقوله يوستينوس ابن نابلس في فلسطين، وسيُسمّى هذا اليومُ أيضاً يوم القيامة.
وهكذا بدا يوم الأحد كنظام مسيحي أصيل ومستقل. فيسوع قد قام من بين الأموات في ذلك اليوم وظهر لتلاميذه المجتمعين (لو 24: 36 ي). وهكذا صار يوم الأحد يوم الجماعة، يوم يتوافد فيه الاخوة المسيحيون فيتقاسمون خيراتهم. وفي سفر الرؤيا، نعيش ليتورجيا سماوية هي تجلٍّ لليتورجيا احتفل بها المؤمنون الذين يقاسون الاضطهاد.
وطلب تعليم الرسل من المسيحيين أن يكرّسوا الخبز ويقدّموا ذبيحة الشكر في يوم الرب. ويحدّثنا يوستينوس في دفاعه عما كان يُفعل في ذلك اليوم: يقرأون الأناجيل وكتب الأنبياء. وبعد القراءة تتلى عظة لتنبيه المؤمنين وتحريضهم على العمل بهذه التعاليم الجميلة.
لا، لم يولد الأحد من صراع بين العالم اليهودي والعالم المسيحي. وليس الأحد نتيجة تنظيم الجماعة المسيحية على غرار الجماعة اليهودية التي لها سبتها. وليس الأحد امتداداً للسبت الذي بدأ يوم الجمعة مساء. الأحد يوم أصيل. هو يوم الرب. واذا كان شعب العهد القديم يعيّد يوم الرب من خلال انتصارات موقتة. فيوم الرب لنا هو يوم الانتصار الأعظم والوحيد، يوم القيامة.
منذ بداية القرن الثاني بدأت الكنيسة في انطاكية تتخلى عن يوم السبت باسم حرية أبناء الله (كو 2: 17). ولكن يوم السبت ظل حاضراً حتى القرن الخامس. مع الامبراطور قسطنطين جُعل يوم العطلة الأسبوعية يوم الأحد. ولهذا منع مجمع اللاذقية المؤمنين من حفظ يوم السبت في القرن الخامس.
حل العهد الجديد محل العهد القديم، والخلاص النهائي محل الخلاص الموقت. وحل السبت محل الأحد، لأنّ قيامة يسوع التي نحتفل بها يوم الأحد تجعلنا ننتظر مجيئه الثاني.
الفصل السادس والثلاثون
أكرم أباك وأمك فيطول عمرك

تشكّل وصية اكرام الوالدين حلقة تربط أفعال العبادة لله بطرق معاملة القريب. وهي تبدو بشكل ايجابي، لا بشكل سلبي. سبق الوصية الرابعة، اكرم أباك وأمك، نداءٌ أوّل يدعونا إلى الايمان بالله والاتكال عليه ومحبته. ونداء ثانٍ يقول: لا تحلف باسم الله باطلاً. ونداء ثالث: قدّس يوم الرب. يوم الرب مكرّس للرب، فلا تستعمله لأي شيء آخر. وبعد الوصية الرابعة، ترد تلك التي تمنعنا من القتل والسرقة والزنى: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن. أما وصية اكرام الوالدين فتقول بصورة ايجابية: أكرم أباك وأمك. وحين تتحدّث عن هذا الاكرام فهي لا تضع له حدوداً. ثم إن هذا الاكرام يرتبط بذلك الذي نقدّمه إلى الله. فالوالدان هما أساس حياتنا بعد الله. هما المعلّمان لنا والمرافقان لنا والمهتّمان بنا. علاقتنا بهما علاقة اللحم والدم، وعلاقة الأبوّة والأمومة، وعلاقة الفكر والعقل والايمان. معهما نتعلّم أوّل كلمة نرفعها إلى الله. معهما نتعرّف كيف نتعامل مع الناس. منهما نأخذ التقاليد والعادات التي تدخلنا في المجتمع. نحتاج إلى مال فأمنا وأبونا هما هنا. نحتاج إلى نصيحة هما هنا. نحتاج إلى عناية خاصة، إلى تضحية. هما هنا.
أكرم أباك وأمك... تتوجّه هذه الوصية إلى الصغار والكبار. لا شكّ في أن الصغير يحاول أن يتبع والديه، أن يسمع لهما، أن يتبع مشورتهما. والكبير يكرم والديه خاصة عندما يكبران في السن ويحتاجان إلى عناية. هنا تأتي الوصية بشكل سلبي أو هي تحمل تحذيراً وتهدّد بالعقاب.
قال سفر الأمثال: من لعن أباه وأمه انطفأ سراجه وسط الظلمات. وعن اللعنة يقول سفر المزامير: أحبّ اللعنة فأدركته. ما أراد أن يبارك فابتعدت عنه البركة. أهلُنا هم الذين يحملون الينا البركة. فإن حملنا اليهم اللعنة استحققنا كل عقاب.
ويبرز أيضاً سفر الأمثال موقف الانسان الذي يزدري بوالديه ويحتقرهما. "الانسان الذي يستهزئ بالأب ويرفض الطاعة الواجبة للأم تفقأ غربان الوادي عينه وتأكله النسور". ويتابع كلامه: "اسمع لأبيك الذي ولدك، ولا تستهن بأمك اذا شاخت".
وستكون أسفار الشريعة قاسية بالنسبة إلى الأبناء الذي يعاملون والديهم معاملة سيّئة. من ضرب أباه وأمه فليُقتل قتلاً. من لعن، سب، شتم أباه وأمه فليُقتل قتلاً. العقاب قاس وهو على قدر الاكرام الواجب للوالدين. كيف يتجاسر الواحد أن يشتم والديه ويضربهما؟ من يفعل مثل هذا يكون مريض الجسم أو مريض العقل. وربما مريض النفس وشريك الخطأة واللصوص. هذا ما يقول الكتاب.
وهناك حالة يحدثنا عنها الكتاب المقدّس: الوالد المتمرّد الذي يرفض أن يسمع لوالديه ويطيعهما. يحاولان أن يعيدانه إلى طريق الصواب، وإلاّ يقدمانه أمام محكمة الشيوخ الذين يحكمون عليه بالاعدام. نجد في حياة الاقديسين ما قالته ملكة فرنسا لابنها: أفضِّل يا ابني أن أراك ميتاً على أن ترتكب خطيئة واحدة مميتة.
فالأهل مسؤولون عن أولادهم. يحاولون أن يردّوهم إلى الطريق المستقيم. وهم الذين ينقلون الشريعة وكلام الله من جيل إلى جيل. أخذوه من والديهم ويقدّمونه إلى أولادهم. قال موسى: اجعلوا كلماتي هذه في قلوبكم. علّموها لبنيكم. تقولونها لهم إذا جلستم في بيوتكم أو مشيتم في الطريق، وإذا نمتم واذا قمتم، أي قبل نيامكم وبعد نهوضكم من النوم. وهكذا تكثر أيامكم، (تطول حياتكم) وأيام بنيكم على الأرض.
أجل، إذا حمل الوالدون كلام الله طالت أيامهم. واذا سمع الأبناء لوالديهم طالت أيامهم. هنا نلتقي بالوصية الرابعة: أكرم أباك وأمك لكي يطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب الهك. هذا ما قاله الرب لموسى على الجبل. فالمجازاة هي في البداية مادّية. يكون عمرك طويلاً. ترافقك البركة. تزداد خيراتك في أرض تقيم فيها ولا يطردك منها أحد. ولكن أبعد من الأرض المادية، هناك عطية أخرى هي رضى الله علينا. فاذا كانت الأرض فردوس جنة بسبب حضور الله فيها، فالأرض التي يعطيها الرب لا تكون مادّية فقط. فالسعادة أبعد من طعام وشراب، وحياة الانسان لا تقوم فقط بخبز نأكله، بل بحفظ كلام يخرج من فم الله.
أكرم أباك وأمك. والنص الأصلي يقول: مجّد أباك وأمك. أي بيّن أهميّتهما. لهما وزن في عين الله. فليكن لهما وزن في عينيك. هما أداة في يد الله. هما شريكان لله في إعطاء الحياة. اذن، هما عظيمان في نظر الرب. فليكونا عظيمين في عينيك وخاصة يوم لا تحتاج اليهما، بل يحتاجان هما اليك. الفريسيون والكتبة اخترعوا ذريعة لئلا يساعد الابن والديه: يقدمان الأموال الضرورية لحياتهما إلى الهيكل، وهكذا يعيقهم القانون من إعانة والديهما. وذرائعنا اليوم كثيرة لكي ننسى والدينا، لكي نهملهما، أو لا سمح الله لكي نعاملهما معاملة سيّئة وننسى البركة التي يحملانها لنا ولو كانا شيخين، وحتى بعد موتهما. فهما حاضران معنا، والأب لا يترك ابنه والأم لا تتخلى عن ابنتها. كل هذا يدعونا إلى اكرام والدينا، إلى محبتهم، إلى احترامهم، إلى الاهتمام بهم، إلى اعتبارهم بركة لنا حتى على المستوى المادي.
هنا يدعونا يشوع بن سيراخ لنفهم الوصية المتعلّقة بالوالدين.
يا بَني، اسمعوا لنصائح أبيكم، واعملوا بها لكي تخلصوا
فالرب يكرم الأب في أولاده، ويثبت حق الأمم على بنيها
من أكرم أباه كفّر عن خطاياه، ومن عظّم أمه كان كمن يجمع الكنوز
من أكرم أباه سُرَّ بأولاده، وفي يوم صلاته يستجاب له.
من عظّم أباه طالت أيامه، ومن أطاع الرب أراح أمّه.
هذه الوصية نداء من الله إلى الأبناء. وردت في العهد القديم ورددها العهد الجديد. شدّد يسوع على أهمية إعانة الوالدين خاصة في حاجتهما. وقال القديس بولس في خط سفر التثنية: أكرم أباك وأمك. تلك أول وصية يرتبط بها وعد وهو: لتنال خيراً وتطول أيامك على الأرض.
وهذه الوصية هي أيضاً نداء من الله إلى الوالدين. قال مار بولس أيضاً: وأنتم أيّها الآباء، لا تثيروا غضب أبنائكم، بل ربّوهم حسب وصايا الرب وتأديبه.
الفصل السابع والثلاثون
لا تقتل

وصيّة قديمة قدم البشريّة، ولم يخطئ الكاتب الملهم حين حدّثنا عن أول خطيئة على الأرض فقال: كانت خطيئة قتل. فخبر الفصل الثالث من سفر التكوين يعود بنا إلى أصول كل خطيئة، إلى جذور الشرّ فينا. هو تكبّر على الله ورفض الطاعة له ولوصاياه. أصل كل خطيئة هو في أن نريد أن نكون آلهة. نحن نقرّر الخير الذي نفعله. وهذا الخير يكون بالنسبة إلينا، إلى منفعتنا، إلى مصالحنا. اعتبر قايين أن مصلحته تقتضي بأن يقتل أخاه ففعل. دعاه إلى البرّية حيث يكونان معاً. ولما ابتعدا عن الناس، "وثب قايين على هابيل أخيه وقتله" (تك 4: 8). وهكذا دلّت الخطيئة الأول على صراع الانسان مع أخيه، والقبيلة مع القبيلة المجاورة، والبدو مع الحضر، والعظماء مع صغار القوم. أما هكذا فعل الملك أخاب ساعة أراد أن يوسّع ساحة قصره؟ قتل نابوت اليزرعيلي واستولى على أرضه. فكان إليه كلام الربّ بلسان إيليا: "قتلتَ وجئتَ تأخذ الميراث" (1 مل 21: 19). وأتبع إيليا كلامه حالاً بأن الله يعامل القاتل بشريعة المثل. الملك قتل قريبه. وهو سيُقتل.
هكذا بدت الشريعة لدى الشعوب القديمة. لا تقتل لئلاّ تُقتل. وراح العالم اليهوديّ يتوسّع في التهديد بضرر مماثل يحدثه الانسان إلى قريبه: أخذتَ سنَّه يؤخذ سنّك. أخذت حياته تؤخذ حياتك (خر 21: 24): "عين بعين، سن بسن، رجل برجل، يد بيد". لا شكّ في أن هذا التنظيم الذي جعل الانتقام يتناسب مع الخطأ ولا يتعدّاه، يبعدنا عن الانتقام الذي لا حدود له. تقتلون واحداً نقتل سبعة. هكذا كان على مستوى قايين. وسوف تزداد النسبة مع لامك: تقتلون واحداً فنقتل 77. أي نذهب في القتل إلا ما لا حدود له (تك 4: 24). وهكذا نقول عن القتل لأي سبب: جرحني فقتلته مهما كان الجرح. شدخني فسحقته مع أنه فتى لا يستحقُ كل هذه القساوة. ولكن تلك حالة الانسان حين لا يعرف أن يضبط الحسد الذي يعتمل فيه أو البغض. فالتقاليد تتحدّث عن حسد قايين من هابيل. والرسول يوحنا يقول في رسالته الاولى (3: 15): "من أبغض أخاه فهو قاتل. وأنتم تعرفون أن القاتل لا تثبت فيه الحياة الابديّة". أجل، القتل يبدأ مع البغض ويمتدّ إلى درجة تجعلني اعتبر الآخر عدواً يهدّد حياتي أو سمعتي أو مالي أو أي شيء لي. فلا يبقى إلاّ القتل.
حتى الآن، ظللنا على مستوى الانسان. الانسان لا يقتل لئلاّ يُقتل. ولكن حين دخل هذا "المنع" في الكتاب المقدّس، ودخل الوصايا العشر، صار الله كافله. فالوصايا تبدأ "أنا هو الرب إلهك". أنا الذي أفرض هذه الوصايا. وأنا الذي يطالب، يحاسب كل انسان حسب أعماله. قتل قايين وترك أخاه. بل اعتبر نفسه أنه ليس حارساً لأخيه. هنا نلاحظ هذه السخرية! لو هاجمه وحش في البرّية وقتله ربّما. وحتى في ذلك الوقت تفرض الشريعة على الانسان أن يساعد أخاه، بل أن يساعد الحمار الذي سقط تحت الحمل. وقتل أخاب نابوت وقد ظنّ أن الله لا يرى. وإن هو رأى فلا يفعل. ولكن صوت الرب لاحقه كما لاحق قايين: "إن صوت دماء أخيك صارخ إليّ من الأرض" (تك 4: 10).
وظنّ داود أنه يستطيع أن يقتل أوريا، أحد ضبّاط جيشه، ليأخذ له امرأته بتشابع. فلا من يرى ولا من يراقب. ولكن الرب أرسل إليه ناتان: "قتلت أوريا الحثي بالسيف، وأخذت زوجته زوجة لك. أجل، قتلته بسيف بني عمّون" (2 صم 12: 9). وأراد أن يخفي جريمته وكأنه ليس بمسؤول عنها: "السيف يأكل هذا وذاك" (صم 11: 25). ويا ليت يوآب لم يسمع لملكه فيشارك في قتل أحد ضبّاطه، لم يسمع له حين قال: "وجّهوا أوريا حيث يكون القتال شديداً، وارجعوا من ورائه فيُضرب (بيد العدو) ويموت" (2 صم 11: 15). ولكن أيستطيع داود، ولو كان ملكاً، أن يغسل يديه كما سيفعل ببلاط بعده بألف سنة؟
لا تقتل حتى ولو أصابك ضرر. حتى ولو قتل لك شخصٌ آخر أخاك. فمع أن عمل قايين كان شنيعاً جداً، ما أراد الله أن يقتله أحد. وضع على رأسه علامة، وكأنه يريد أن يحميه. أجل، الله يحمي القاتل من القتل، لأنه لا يريد موت الخاطئ، بل أن يتوب عن خطأه. فكيف نقبل نحن بقتل البريء ولا يرفّ لنا جفن؟ وكان التشريع اليهودي قد نظمّ ما سميّ القتل عن غير تعمّد. فالانسان الذي يكون في هذا الوضع يهرب إلى مدن الملجأ. فإن لم يتعمّد القتل حين فعل ما فعل، يُعطى حق اللجوء، وإلاّ يسلّم. وقد صار تشريع لاحق يُعفى فيه عن مثل هؤلاء القتلة يوم يموت عظيم الكهنة. ومع ذلك، فما زلنا نستعمل وسائل التعذيب، ونحكم بالاعدام وكأنه إذا مات القاتل قام القتيل من تحت التراب وعاش. متى سنعرف أن وصيّة "لا تقتل" أمر قاطع من عند الربّ. كانت في الشعوب القديمة وفي التوراة وفي الانجيل وفي صوت الكنيسة، ولا شيء يبرّر التعدّي على هذه الوصيّة عمداً.
وما اكتفى يسوع بأن يردّد الوصيّة، بل أعطاها معنى جديداً، معنى عميقاً. قيل لكم. أما أنا فأقول لكم. إن يسوع يقدّم هنا نظرة ثوريّة على مناخ فريسيّ يعتبر أنه إذا مارس الوصيّة ممارسة حرفيّة كان على وفاق مع الله. يقدّم نظرة جذريّة تجعل الغضب والكلام النابي والشتائم خطيئة تشبه خطيئة القتل. قال النصّ الانجيلي: "من يقتل يستوجب الحكم القضائي". ثم قال: "من غضب على أخيه باطلاً استوجب الحكم القضائي". الخطيئة هي هي إن قتلنا القريب في جسده، أو في شخصه وفي كرامته وفي الاحترام الواجب له. والبغض للقريب هو أيضاً قتل له كما سبق وقلنا. والاحتقار وتثبيط الهمم وتيئيس الناس. أجل، لا يتوقّف يسوع عند الوصيّة كوصيّة وكأنها كل شيء. فالوصيّة تعبّر عن وجهة من وجهات المحبّة. ومن يعرف أين تقف حدود المحبّة؟ لا حدود لها. إذا كان الانسان لا يعرف أن يضع حداً للقتل والانتقام واذلال الآخر واستعباده، فالله لا يريد حداً للمغفرة والصفح واحترام الآخر واستبعاد العنف. عندئذ تكون الوصيّة الايجابية المقابلة: "طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض". لا بالعنف بل بالوداعة والتواضع. "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون". كم نحن بعيدون عن عالم يعدّ طريق السلام بواسطة آلات الحرب، ويدعو إلى عالم من العدالة بالقتل والتعذيب وتحقير الانسان وإذلاله واستعباده وقتل كل رأي وحريّة فيه. مثل هذا العالم ذاهب إلى الموت. بل هو بدأ يموت موتاً بطيئاً ولا نعرف متى تكون ساعته الاخيرة.
الفصل الثامن والثلاثون
لا تزن

بين خلق الانسان على صورة الله ومثاله، بين خلق الانسان في الاصل واحداً قبل أن يصير اثنين، وبين كلام القديس بولس في الرسالة إلى أفسس حول المقابلة بين الرجل والمرأة من جهة والمسيح والكنيسة من جهة ثانية، تقف الوصيّة القائلة: "لا تزن". فالزنى في الكتاب المقدّس يعني السلوك الاخلاقي السيّئ الذي تعيشه المرأة، سواء كانت متزوّجة أو ما زالت مخطوبة. كما يعني علاقات خارج الزواج بين رجل وامرأة متزوّجة. أما اذا لم تكن المرأة متزوّجة، وإذا كانت أرملة أو مطلّقة، فلا يحسب عمل الرجل معها زنى. وكذلك لا يزني الرجل إن هو تجامع مع سريّة أو عبدة. وفي عبارة أخرى، لا تتعدّى المرأة إلا على زواجها. إذا كانت متزوّجة تخطأ. والرجل لا يخطأ إلاّ إذا تعدّى على زوجة قريبه. وهكذا صارت الوصيّة ترتبط بحقّ القريب. بما أن المرأة المتزوّجة هي ملك رجل ما، فالزاني يتعدّى على هذا الملك. أما إذا لم تكن المرأة "ملك" أحد، فلا ضير على هذا الرجل.
هذا هو الوجه الاجتماعي الذي عرفه العالم العبرانيّ خاصة، والعالم الشرقيّ عامة. وربّما ما زال الرجل حتى اليوم يتعامل مع المرأة على هذا الأساس. ولكن البعد الدينيّ يذهب بنا أبعد من ذلك. فالزنى خطيئة يعاقب عليها الانسان. هكذا هدّد "الله" الملك ابيمالك بالعقاب (تك 20: 3). وهذا ما فهمه يوسف لما طلبت منه امرأة فوطيفار أن يلبّي لها رغبتها. هو لم يكتف بالحديث عن رجل يمتلك امرأة. بل قال: "كيف أصنع هذا الشرّ العظيم وأخطأ إلى الله" (تك 39: 9)؟ هنا نتذكّر أن مصر واوغاريت وبلاد الرافدين اعتبرت الزنى "خطيئة عظيمة" يُعاقب صاحبها بالموت المبكر.
وكانت الخطوة الأولى مع نشيد الخلق الأول، والمرأة هي على صورة الله، شأنها شأن الرجل، فلماذا تعامل وكأنها أدنى منه. كما يُحترم الرجل، يجب أن تحترم هي. وفي خبر الخلق في تك 2، نفهم أن المرأة هي بإزاء الرجل. حقوقها حقوقه. وواجباتها واجباته. وعندما يزني الرجلُ، يخرج من إطار العيلة، لا يعود هو وامرأته جسداً واحداً. ولكن الخطوة الأبرز في العهد القديم نجدها في سفر هوشع الذي شبّه حبّ الله لشعبه جمع حبّ الرجل لامرأته. الله هو الواحد. وكذلك الانسان. الله هو الاله الأمين. وهكذا يكون الانسان أميناً فيّ زواجه. الرجل يكون أميناً لامرأته. والمرأة تكون أمينة لزوجها. في هذا الإطار صار الزنى يشبه عبادة الأوثان. من عبد الاوثان خان الرب. ومن زنى خان شريك حياته.
وسار العهد الجديد في خطّ العهد القديم، ولكنه بدا متشدّداً جداً على مستوى الزنى. أورد يسوع الوصيّة في مت 5: 27. "قيل لآبائكم: لا تزن". وزاد عليها متطلّبة قاسية: "من نظر إلى امرأة فاشتهاها، زنى بها في قلبه". ففي الشهوة يبدو الرجل وكأنه يريد أن يأخذ المرأة التي اشتهاها بحيث تصبح له. وفي موضع آخر ذكر يسوع الوصايا التي تتعلّق بالمجتمع فقال: "لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك، أحبب قريبك كنفسك" (مت 19: 18؛ رج مر 10: 19، لو 18: 20).
ومضى بولس في خطّ الكنيسة الأولى فأورد الوصايا كما فعل يسوع (روم 13: 9). وسيكون قاسياً في تهديداته بحيث إنه هدّد الزناة بأنهم لن يدخلوا إلى ملكوت الله. في هذا المجال نقرأ 1 كور 6: 9: "لا الزناة ولا عبّاد الأوثان... يرثون ملكوت الله". ويتابع بولس: كنتم كذلك في ما مضى. كنتم في الانسان العتيق. أما اليوم فأنتم في الانسان الجديد. فيجب أن تتركوا كل ذلك: اغتسلتم بالمعمودية. تقدّستم بالروح الذي جاء إليكم. تبرّرتم باسم الرب يسوع المسيح الذي افتداكم. اشتراكم. فما عدتم تملكون أنفسكم. صرتم لآخر، للرب. لا تقدرون بعد اليوم أن تتصرّفوا بحسب حياتكم الماضية. ما عاد يحقّ لكم أن تسلكوا بحسب الجسد، اذن، أسلكوا في سبيل الروح.
ويُبرز بولس فكرة الانسان الذي هو هيكل الله. الانسان مقدّس، مكرّس، مخصّص. صار كنيسة. لا يحقّ لي أن أتصرّف بالكنيسة وكأنها بيت عاديّ. وليس لي حقّ أن أتصرّف بجسدي كما أشاء. أن أحسب أن الحاجة الجنسيّة حاجة طبيعية كالطعام والشراب. وهكذا أبرّر حياتي وأعمالي. ومن المؤسف هو أننا نعيش حياة من الزنى، ثم نفكّر كما نعمل. لا، ليس العالم هو الذي يملي عليّ سلوكي، بل شريعة الرب ومشيئته. ولا نؤخذ بأقاويل العالم وما فيها من كذب. من أجل هذا يقول لنا الرسول: "أهربوا من الزنى. فكل خطيئة غير هذه يرتكبها الانسان، هي خارجة عن جسده. ولكن الزاني يذنب إلى جسده. ألا تعرفون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم والذي هو هبة من الله لكم؟ فما أنتم لأنفسكم بل لله. هو اشتراكم ودفع الثمن. فمجّدوا الله إذن في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي هبة الله" (1 كور 6: 18- 20). مثلُ هذا الكلام يعطينا قوّة جديدة كل مرّة نضعف أمام التجربة.
شريعة صعبة منذ العهد القديم. وقد كانت نتائجها قاسية: تُرجم الزانية والزاني. وتساهلت هذه الشريعة بعض الشيء مع الرجل أو هو حوّر الشريعة. فما عاد يقول في الزواج: يصير الاثنان جسداً واحداً. طارت كلمة "الاثنين"، وهكذا يستطيع أن "يتّحد" بغير امرأته من أجل المتعة، من أجل الزنى، ويبرّر عمله. هذا ما يدلّ على قساوة قلب الانسان، قساوة قلب الرجل بشكل خاصّ الذي يستعمل المرأة كما يستعمل آنية من الأواني ثم يرميها.
شريعة صعبة في العهد الجديد حيث يقول لنا يسوع: من يستطيع أن يفهم فليفهم. وما اكتفى يسوع بأن يشجب العمل الجنسيّ، بل شجب النظرة الشهوانيّة التي يتبعها الفكر والتخيّل. هو طلب طلباً صعباً ولكنه يعطي القوّة لكي نتجاوب وطلبه. لقد بدّل قلوبنا بصلبه وموته وقيامته، وما زال يعمل في حياتنا. لقد بذل نظرتنا، نظرة المرأة إلى الرجل، ونظرة الرجل إلى المرأة. هما على صورة الله، فكيف أشوّه هذه الصورة. كيف أسمح لنفسي أن "أتعدّى" على فتاة، على قاصر، كيف أخدع السذّج من أجل أنانيتي. إن الوقوع في يدي الله رهيب.
وجاءت شريعة يسوع تعلّمنا حتى العفّة في الزواج. حيث الرجل يحترم شعور المرأة. حيث تعرف المرأة أن تحترم نفسها وتفرض الاحترام حولها. كما دعا يسوع بعضاً منا إلى أن لا يتزوّجوا فيتكرّسوا للرب. وهم يفعلون ما يفعلون بملء إرادتهم، من أجل ملكوت الله.
وهكذا انطلقت هذه الوصيّة من منع يحذّر الانسان من التعدّي على ملك للقريب، فصارت وصية من قبل الربّ يُعاقب عليها الانسان. ولما رفع يسوع الزواج إلى مستوى حبّه للكنيسة، صارت العلاقات الجنسية في مستوى سرّ الزواج. وكان هذا المنع القاسي من بولس الرسول حيث يقول إن الزناة لا يرثون ملكوت الله. فلا يبقى علينا إلاّ أن نتذكّر أننا هيكل الله. فلنكن ذاك الهيكل الذي يمجّد الله.
الفصل التاسع والثلاثون
لا تسرق

بعد الوصيّة الخامسة التي تمنعنا النيل من حياة القريب فتقول لنما: لا تقتل. وبعد الوصيّة السادسة التي تمنعنا المسّ بحياته العائلية فتقول لنا: لا تزن. بل: لا تنظر إلى امرأة لكي تشتهيها، فكأنك زنيت بها في قلبك. ها هي الوصيّة السابعة التي تمنعنا من أن نضع يدنا على ما لا يخصّنا سواء أكان شيئاً أم انساناً. أجل، سرقة البشر ما زالت حاضرة اليوم كما في الماضي. يُسرق عدد من العبيد في أفريقيا ويباعون. أو يُسرق أولاد ويجعلون من أجل الدعارة. سرقة الأشخاص أخطر بكثير من سرقة الأشياء. لهذا قال الكتاب: "من سرق انساناً من إخوته فجعله عنده أو باعه فليُقتل. وهكذا تقتلع الشرّ من وسطك" (تث 24: 7).
ونبدأ بالحديث عن سرقة الأشياء. فالخيرات العائليّة ملك مقدّس نحافظ عليه. فالجماعة هي المؤتمنة على الخيرات التي يملكها أفرادها. والله نفسه يمنع مثل هذا التعدّي على خيرات القريب. جاءت الوصيّة في إطار تعليم الانبياء والتشديد على مخافة الله: "لا تسرق" (خر 20: 15). وتكرّرت في التقليد الاشتراعيّ (تث 5: 19) مع سائر الوصايا التي تنهي عن الزنى والقتل، كما في التقاليد الشرقيّة القديمة منذ أيام حمورابي في بلاد الرافدين حتّى أيام الفراعنة وكتب الموتى.
هذه الوصيّة وغيرها، سنسمعها في فم يسوع. سأله شاب عمّا يعمل لتكون له الحياة الأبديّة. فقال له يسوع: إحفظ الوصايا. وما هي؟ فعدّدها يسوع: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق (مت 19: 16- 18). وهذا ما نقرأه أيضًا في مر 10: 19؛ لو 18: 20. واعتبر القديس بولس أن الوصايا تتلخَّص كلّها في هذه الكلمة: "أحبب قريبك كنفسك". فالمحبّة لا تعمل سوءاً للقريب (روم 13: 8- 10). وهي إتمام للشريعة. تتوسّع الشريعة الموسويّة حول السرقة في حالات متنوّعة: "إذاً سرق أحد ثوراً أو شاة، فذبحه أو باعه فليعوّض بدل الثور خمسة أضعاف، وبدل الشاة أربعة" (خر 22: 1). هذا ما نجده مطبّقاً في الخبر الذي حمله ناتان إلى داود. أعطى ناتان مثلاً لداود ليدلّه على خطيئته، فحدّثه عن "رجل غنيّ سطا على نعجة الفقير" فذبحها وهيّأها طعاماً لضيفه مع أن عنده مئة نعجة (2 صم 12: 4). أجاب داود: "عليه أن يردّ للرجل الفقير أربعة أضعاف، لأنه ارتكب هذا الذنب ولم يشفق" (2 صم 12: 6). وبما أن المظلوم هو فقير، زاد داود على هذا العقاب قائلاً: "إن الجاني يستوجب الموت".
وأعطى سفر اللاويين وصاياه ساعة كلَّم الشعب عن القداسة بفم الرب: "كونوا قدّيسين لأني أنا قدوس". وكيف تكون القداسة؟ "لا تسرق، ولا تكذب، ولا تغدر بصاحبك. لا تحلف باسمي كاذباً فتدنّس اسم إلهك" (9: 11). وتابع كلامه في آ 12: "لا تظلم قريبك ولا تسلبه، ولا تؤخّر دفع أجرة أجيرك إلى الغد". وهكذا نكون أمام وجه آخر من وجوه السرقة: حين يأكل الانسان حقّ أخيه الذي عمل عنده. في هذا المجال نقرأ تث 24: 14- 15: "لا تهضم أجرة مسكين ولا فقير من أخوتك أو من الغرباء الذين يقيمون في أرضك وفي مدنك. بل ادفع إليه أجرته في يومه، ولا تغيب عليها الشمس، لأنه فقير وبها يعول نفسه، لئلا يصرخ عليك إلى الرب فيكون عليك خطيئة".
الشريعة تدافع عن الفقير بوجه الغني، وعن المسكين بوجه المقتدر. وهي هي بالنسبة إلى القريب وإلى الغريب. فالقريب وابن البلد قد يجد ان من يدافع عنهما. أما الغريب فهو أعزل لا سلاح له. لهذا يستغلّه صاحب العمل. والله هو الذي يدافع عنه. إذا صرخ عليك، فالويل لك. في هذا الاطار نقرأ كلام رسالة يعقوب القاسي ضدّ الذين لا يعطون الأجير حقّه. "الأجور المستحقّة للعمّال الذين حصدوا حقولكم التي سلبتموها يرتفع صياحها. وصراخ الحصّادين وصل إلى مسامع الربّ القدير" (5: 4). أجك، أجرة العامل لها صوت وهو يصل إلى الله. وهذه الأجرة تُدفع للعامل في آخر النهار، وبعد الشغل حالاً. وإلاّ نكون قد سرقناه. قد تكون الامور تبدّلت اليوم، ولكن كم من الناس لا يدفعون للآخرين حقّهم ليستفيدوا هم من "فائدة" مالهم ولو جاع الآخرون. "صراخ الحصّادين قد وصل إلى مسامع الربّ القدير".
وكانت الوصيّة قاسية بحيث تبرّر ذاك المدافع عن ماله من السارق، حتى ولو قتله. نقرأ في خر 22: 2: "إن وُجد السارق وهو يسرق فضُرب (بعصا) وقُتل، فدمه مهدور". أي لا يحقّ للوليّ أن ينتقم له. هذه الشريعة تسري في الليل لا في النهار. أما في النهار، فلا يُهدر دم السارق، بل يُطلب منه أن يعوّض. وإن لم يكن له مال، يجب أن يباع ليدفع سرقته. وتتتابع الشريعة على مستوى الوديعة والائتمان. حين يطلب رجل من قريبه أن يحتفظ له عنده بذهب أو فضّة، فإن سُرق (هذا الذهب) من بيت المؤتمن على الوديعة، وعُرف السارق يعوّض ضعفين. وإن لم يوجد السارق يحلف صاحب المنزل أنه لم يمدد يده إلى ملك صاحبه (خر 22: 807).
وسار الأنبياء في خط الشريعة الموسويّة، ولاسيّما تجاه الذين يختبئون وراء تقواهم ليظلموا القريب وليسلبوه ماله. في هذا المجال نسمع إرميا النبيّ يوبّخ شعبه الذين اعتبروا أنهم إن لجأوا إلى الهيكل نجوا من العقاب الذي ينتظرهم. يكفي أن يقولوا "هيكل الرب، هيكل الرب" لكي تُغفر خطاياهم. فجاء كلام النبيّ قاطعاً كالسيف: "تسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون بالكذب... ثم تأتون وتقفون بين يديّ (أو" أمامي) في هذا البيت (أو: الهيكل) الذي دُعي باسمي وتقولون: قد أُنقذنا (أي الله يخلّصنا). ثم تقترفون مثل هذه الارجاس" (7: 9- 10). صيّرتم "هذا البيت الذي دُعي باسمي مغارة للصوص" (آ 11). فماذا يبقى عليهم أن يعملوا؟ أن يصلحوا طرقهم وأعمالهم، ويقيموا العدل بين الرجل وقريبه (لقاء رشوة هي في الواقع سرقة). وتابع النبيّ كلامه: "لا تظلموا الغريب واليتيم والأرملة" (آ 6)، فليس لهم من يدافع عنهم إلاّ الله وهو يعرف كيف يدافع.
في هذا الخطّ يأتي كلام النبيّ عاموس قاسياً جداً، ولا سيّما على مستوى التجارة. نسمع كلامه في توبيخ العظماء: "إسمعوا هذا أيّها الظامئون إلى دم المسكين، وإفناء البائسين في الأرض! تقولون: متى يمضي رأس الشهر (أي: ينتهي العيد ويبدأ العمل) فنبيع الحبوب؟ ومتى يمضي السبت (العمل بعد الراحة) لنعرض الحنطة للبيع؟ نصغّر الإيفة (أو المكيال الذي به يكيلون الحنطة) ونكبّر المثقال (أي نجعل الناس يدفعون الكثير لقاء القليل). تستعملون موازين الغشّ، فتشترون المسكين بالفضّة (أي يبيع نفسه لكم لكي يأكل)، والفقير بنعلين (بثمن بخس جداً). وتقولون: نبيع حتى نفاية الحنطة" (8: 6). قال الرب: "لا أنسى عملاً من أعمالكم" (آ 7). وكما ندّد بالرجال، ها هو يندّد بالنساء الغنيّات ويشبهّهن ببقرات باشان، لأنهن "يظلمن الفقراء ويستغللن المساكين، ويسحقن الصغار" (عا 4: 1). وعقاب الرب: "سيأخذكن العدوّ بالكلاليب" (آ 2).
تلك هي الوصيّة السابعة: "لا تسرق". قد نسلب الانسان خلسة. قد نسلب الفقير بقوّة السلاح. قد نكدّس المواد ونبيعها بالثمن الغالي. هذا ما يحدث بشكل خاصّ في أيام الحروب. قد نستغل الجاهل والضعيف والغريب. نكذب، نخدع في قيمة الأشياء، لا ندفع الأجر العادل. نتعامل بالرشوة ونكدّس المال فلا يبقى في الأرض سوى الأغنياء. عندئذ يرنّ في ختام هذا الكلام صراخ أشعيا النبيّ مهدّداً: "ويل للذين يصلون بيتاً ببيت، ويضمّون حقلاً إلى حقل (فتصبح جميع البيوت والحقول لهم)، حتى لم يتركوا لأحد مكاناً" (5: 8). بيوتهم ستخرب ومنازلهم ستكون بلا ساكن. أما هذا الذي حصل لعدد كبير من الاغنياء منذ الحرب الكونيّة الأولى حتى اليوم؟
الفصل الاربعون
لا تشهد بالزور

الشهادة هي التأكيد على واقع رأيناه بعيوننا، سمعناه بآذاننا. نحن شاهدنا ولهذا نشهد. ندلي بشهادتنا في المحكمة. بمناسبة خلاف أو تشاجر بين اثنين. فالمحكمة لا تحكم بدون شاهدين، ولا يفضّ القاضي مشكلة إلا على أساس شهادة. فيا ليت الشهادة التي نحملها إلى المحكمة تحمل الصدق، فلا تبرّئ الخاطئ وتؤثّم البريء. فيصبح الحقّ بجانب ذاك الذي ظلم قريبه. هذا على مستوى الحياة في المجتمع. أما على مستوى الضمير، فالله هو الشاهد الوحيد. هو الشاهد بين الرجل والمرأة (ملا 2: 14). فلماذا الكذب والتراجع؟ وهو الكفيل لالتزام وقَّعنا عليه (تك 31: 53- 54)، فلا نستطيع أن نتهرّب. هذا إذا كان ضميرنا حياً. وإلاّ نعود إلى محكمة البشر ونحتاج إلى شهادة البشر.
ولكن شهادات البشر تحمل الخطأ. تحمل الكذب. لهذا نسمع صاحب المزامير يتشكّى إلى الرب من شهود الزور فيقول: "تقدّم عليّ الاشرار ليأكلوا لحمي" (27: 2)، ليمزّقوني كما يمزّق الوحش فريسته بواسطة الافتراء والنميمة. ونقرأ في مز 35: 11: "قام شهود زور وسألوني عمّا لا أعلم. ردّوا لي الشرّ بدل الخير، فأحسست بنفسي مخذولاً لا معين لي". وجاءت الوصيّة قاطعة: "لا تشهد على صاحبك شهادة زور" (خر 20: 16). وقال سفر التثنية الكلام عينه (5: 20). كما شدّدت الشريعة على مسؤوليّة الشاهد. فإن كان من عقاب، ولا سيما الرجم، فالشاهد هو الذي يرمي المتّهم بأول حجر. قال تث 17: 6- 7: "بقول شاهدين أو ثلاثة شهود يُقتل من يجب أن يقتل... وتكون أيدي الشهود هي الأولى في قتله. وبعد ذلك أيدي سائر الشعب". هذا ما حدث لاسطفانس حين رجمه اليهود: "خلع الشهود ثيابهم... وأخذوا يرجمونه" (أع 7: 58- 59).
تحدّثنا عن شهود الزور الذين "قتلوا" اسطفانس. وهناك حالات أخرى عديدة. نذكر منها نابوت اليزرعيليّ الذي اشتهى أخابُ كرمه المحاذي لساحة القصر. فأقامت الملكة شاهدَي زور. يسميّهما الكاتب "بني بليعال"، رجلين سافلين يتعاملان مع الموت والجحيم. دفعت لهما المال، أمرتهما، فقالا: جدّف نابوتُ على الله والملك. "فأخرجوه خارج المدينة، ورجموه بالحجارة فمات" (1 مل 21: 13). ولكن عقاب الله كان قاسياً بشكل خاصّ ضد الملكة: "ستأكل الكلاب ايزابيل (الملكة) في أرض يزرعيل" (آ 23). أجل، كان حكم الله على شهادة الزور قاسياً. فالشرّ الذي نواه الشاهد يصيبه هو. "إن قام على أحد شاهدُ زور، فشهد عليه أنه جحد إيمانه... ليستقصِ القضاة جيّداً. فإن كان الشاهدُ شاهدَ زور، وقد شهد كذباً على أخيه، فاصنعوا به كما نوى أن يصنع بأخيه" (تث 19: 16- 19). هذا ما نجده في خبر سوسنّة (دا 13: 58- 62). هي شريعة المثل تطبّق على شاهد الزور: عين بعين، سنّ بسنّ. وهكذا يعرف الشاهد الكاذب ما ينتظره من عقاب. وإن أفلت من عقاب البشر، فكيف يُفلت من عقاب الله؟
في هذا الاطار جاء كلام الحكماء يندّد بالشهادة بالزور. هي أمر يكرهه الله، يمجّه، يعتبره رجساً. "ستة يبغضها الرب والسابع رجس عنده: العينان المترفّعتان، واللسان الكاذب، واليدان السافكتان الدمّ الزكي، والقلب الذي ينوي نوايا السوء، والرجلان المسرعتان إلى عمل الشرّ، وشاهد الزور الذي ينفث الاكاذيب، وملقي الشقاق بين الإخوة" (أم 5: 16- 19). نحن أمام الرقم سبعة الذي يدلّ على الملء والتمام. لم يعد هناك بعد من خطايا بعد هذه الخطايا التي تهدم البيوت وتدمّر المجتمعات. ولولا الشقاق بين الاخوة، لكان كلام الزور هو قمّة هذه الخطايا بسبب الشرّ الذي يتركه وراءه. وفي أي حال يرافقه اللسان الكاذب ونافث الاكاذيب. نحن في "عائلة" واحدة من الشرّ متعدّدة الوجوه.
وسيعود سفر الامثال مراراً إلى هذه الرذيلة: "الشاهد الأمين لا يكذب، وشاهد الزور ينفث الكذب" (14: 5). "شاهد الحقّ ينقذ النفوس، ورجل المكر ينفث الكذب" (آ 25). إن عمله هو عمل الحيّة بسمّها الذي لا يمكن إلاّ أن يكون قاتلاً. ويتابع الحكيم قائلاً: "شاهد الزور لا يزكّى، ونافث الاكاذيب لا يفلت)، (أم 19: 5). وفي آ 9 يقول إنه يهلك. وأخيراً نقرأ في 21: 28: "شاهد الزور يهلك، والانسان المستقيم يتكلّم كلام المنتصر" (رج 24: 28؛ 25: 18).
في هذا الإطار، ردّد العهد الجديد ما قاله العهد القديم. في إطار التذكير بالوصايا أمام الشاب الغني، جاءت الوصيّة عن شهادة الزور مع القتل والسرقة والزنى (مت 19: 18 مر 10: 19؛ لو 18: 20). وكذلك حين أراد بولس أن يُجمل الوصايا في وصيّة المحبّة، قال: "لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور..." (روم 13: 9).
قاسى يسوع شهادة الزور ساعة محاكمته (مت 26: 60). ومثله اسطفان الذي رجم. ولم يسلم بولس وغيره من شهود الزور. هم ساروا على خطى معلّمهم على ما قال أشعيا النبيّ: "كشاة سيق إلى الذبح، وكحمل صامت أمام الذين يجزونه لم يفتح فاه" (53: 7).
لا نجد كلاماً عن شهادة الزور في إطار عظة الجبل كما هو الأمر بالنسبة إلى القتل وإلى الزنى، غير أننا نجد امتداداً لهذه الرذيلة في الحديث عن الحلف، وما يرافقه من كذب على الناس واحتيال على الله. فالفريسيون تعلّموا أن يحتالوا على الشريعة إرضاء للناس. ولكن الرب يعلم ما في قلوبهم. لا يحلنك الانسان بالله، بل بالسماء، بعرش الله، بموطئ قدميه، بمدينة أورشليم. بل راحوا أبعد من ذلك فميّزوا بين الهيكل وذهب الهيكل. لهذا سمّاهم يسوع "مرائين"، كاذبين، خادعين. قالوا: "من حلف بالهيكل لا يلتزم بيمينه. ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم بيمينه". وجاء كلام يسوع قاسياً قاطعاً: "أيها الجهّال العميان. أيهما أعظم الذهب أم الهيكل الذي قدّس الذهب؟" وقالوا أيضاً: "من حلف بالمذبح لا يلتزم بيمينه. ولكن من حلف بالقربان الذي على المذبح يلتزم بيمينه". وقال لهم يسوع أيضاً: "أيها الجهّال العميان" (مت 23: 16- 19). لماذا اللفّ والدوران؟
وبعد أن كشف يسوع مثل هذا الخبث الذي يتلاعب بالحقيقة ويغرّر بعقول السذّج، أطلق الوصيّة في صيغة إيجابيّة لا تتحمّل أفي تأويل: "ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا، وما زاد على ذلك كان من الشرّير" (مت 5: 37). هذا يعني كجواب أول: يجب أن يكون كلامك صادقاً جداً بحيث لا تحتاج إلى حلف. ويعني أيضاً البعد عن كل كذب. فنحن أبناء النور، فلماذا نحبّ العيش في الظلمة؟ قال يسوع: من كانت أعماله حسنة أقبل إلى النور. أما إن كانت أعماله شريرة فهو يفضّل الظلمة لئلاّ تنفضح أعماله (يو 3: 20). وفي خط متّى نقرأ كلام القديس يعقوب: "وقبل كل شيء يا إخوتي، لا تحلفوا بالسماء ولا بالأرض ولا بشيء آخر. لتكن نعمكم نعماً ولاؤكم لا، لئلاً ينالكم العقاب" (5: 12).
هذا ما حاول بولس أن يعيشه ولا سيّما في حياته الرسوليّة: "إن كلامنا معكم ما كان نعم ولا" (2 كور 1: 19). ومثاله كان يسوعَ المسيح الذي" ما كان نعم ولا بل نعم كله" (آ 20). ولهذا استطاع أن يقول لأهل كولسيّ: "لا يكذب بعضكم على بعض، لأنكم خلعتم الانسان العتيق وكل أعماله ولبستم الانسان الجديد" (3: 9- 10). كما قال لأهل أفسس: "امتنعوا عن الكذب، وليتكلّم كلُّ واحد منكم كلام الصدق مع قريبه لأننا كلنا أعضاء بعضنا لبعض" (4: 25). إذا كان الشيطان هو أبو الكذب، فكيف ندخله في جماعتنا، في كنيستنا، في عيالنا، في مجتمعنا؟ في هذا الإطار نفهم التفسير الروحي الذي أعطاه لوقا لموت حنانيا وسفّيرة في سفر الأعمال (5: 1- 11): كذبا على الروح القدس (آ 3، 9). استسلما للشيطان (آ 3). كيف تقوم كنيسة مبنية على الكذب؟ إذا كانت كذلك راحت إلى الدمار. فاقتلع "بطرس" الشرّ سريعًا، على ما يقول الكتاب مراراً أمام كل خطيئة تشكّل ضرراً لشعب الله (تث 21: 21).
من القتل والسرقة، إلى الزنى وشهادة الزور. خطايا تحرم الذين يقترفونها من ملكوت الله. أما الموقف المطلوب فهو المحبّة التي تلخّص جميع الوصايا، بل تلخّص الشريعة والأنبياء. يبقى علينا أن نحبّ والرب يفعل الباقي فينا وبواسطتنا.
الفصل الحادي والاربعون
أحبّ الربّ إلهك

قالوا ليسوع: ما هي الوصيّة العظمى والأولى؟ أجاب: أن تحبّ الرب إلهك من كل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك. فالله محبّة. وهو لا يريد أن نتعامل معه إلاّ على مستوى المحبّة. فهل نستطيع أن نرتفع إلى هذا المستوى ونحن مجبولون بالأنانيّة وحبّ الذات؟ يبقى علينا أن نطهّر كل نظرة بشريّة فينا لكي نتقبّل سرّ حبّ الله لنا مع العلم أن هذا الحبّ يمرّ في الصليب، أن هذا الحبّ لا حدود له، على ما قال لنا يسوع في بداية مسيرته إلى ساعة الألم والموت والمجد: "لما علم يسوع أن ساعته قد أتت لينطلق من هذا العالم إلى الآب، أحبّ خاصته، أحبّهم حتى الغاية" (يو 13: 1).
يجب أن نحبّ الله لأنه هو أحبّنا أولاً وأرسل ابنه كفّارة عنا. منذ البداية بدأت هذه المحبّة. منذ أول لفظة في عمل الخلق. فإن كان الله قد خلقنا فلأنه أحبّنا. وقد قال مثلاً لإرميا: قبل أن تصور في الحشا عرفتك وأحببتك. هذا ما يستطيع أن يقوله لكل واحد منا. إذا كان الكتاب تحدّث عن حبّ ابراهيم لابنه بهذه التعابير المليئة بالعاطفة "ابنك، وحيدك، اسحاق الذي تحبّه"، فكم يكون حبّ الله الذي يقول لنا الكتاب فيه: إن أحشاءه أحشاء أمّ.
ونحن نكتشف حبّ الله في أشخاص دعاهم فلبّوا الدعوة. دعا ابراهيم فسمّي خليل الله. صديقه وحبيبه (أش 41: 8). دعا موسى، فعاش موسى في حياة حميمة معه. كان يكلّمه وجهاً لوجه كما يكلّم الانسان صاحبه. وهناك عبارة في بداية سفر التكوين تتحدّث عن الله الذي يتمشّى في الجنّة (جنّة قصره وفردوسه) عند برودة المساء (3: 8). أتراه كان يمشي وحده؟ ربّما. ولكن أظنّ أنه كان يمشي مع آدم، ويخطّط معه من أجل عالم من الجمال والسعادة. هكذا سيفعل يسوع مع تلميذي عماوس اللذين يئسا من كل شيء وسارا في ذاك الليل لا يعرفان أين تنتهي بهما الطريق. في الواقع انتهت في عماوس. بل من هناك ابتدأت في عودة إلى أورشليم، إلى الاخوة. تلك هي سيرة الرب مع كل واحد منا.
وعرف الأنبياء محبّة الله، فاعتبر عاموس أنه نجيّ الله (3: 7) وقد أحبّه حباً شخصياً جعله يختاره ويرسله من الجنوب إلى الشمال (7: 15). حبّ يمزّق قلب إرميا، ولكنه يملأه في الوقت عينه بفرح عميق أين منه أفراح هذه الدنيا (20: 7- 13). شهد هوشع وإرميا وحزقيال مأساة حبّ الله الذي ينقلب "غضباً" ورفضاً لما يحدث بينه وبين شعبه، بل بين كل واحد من أفراد هذا الشعب. هو العريس الذي يرى عروسه تخونه. حبّه حبّ الغيرة وهو لا يريد أن يشاركه أحد في هذا الحبّ. ومع ذلك، فلا يجد إلاّ الخيانة ونكران الجميل. هل يعاقب؟
ولكن الحبّ في الله أقوى من كل خطيئة (هو 11: 8). ولهذا فهو يغفر، ويخلق في شعبه قلباً جديداً يعرف كيف يحبّ. لم تكن "عروسه" مرحومة، لم تكن محبوبة. أما اليوم فقد صارت "حبيبتي"، يقول الربّ في هوشع (2: 21- 22). وقال في إرميا (31: 4) "أحببتك حبّاً أبدياً، لهذا اجتذبتك بالحبّ وأنا سأبنيك فتبنين" (يا أورشليم). ويتحدّث الرب عن شعبه كابن عزيز له، كولد يسرّه. وحين يتذكّره تتحرّك له أحشاؤه (إر 31: 20). ويحدّث الرب شعبه كما يحدّث الزوج زوجته: "أنا أذكر عهدي معك في أيام صبائك... وأقيم عهدي معك فتعلمين أني أنا الرب وتتذكّرين فتستحين من نفسك ولا تعودين تفتحين فمك بعد أن غفرت لك كل ما فعلت" (حز 16: 60- 63).
ولكن الشعب ما زال يتعلّق بالاصنام. يستطيع أن يراها، أن يلمسها. هي بين يديه. وكأن الله الذي يمثّلها هو بين يديه، فلا يعود يخاف. اعتبر الشعب أن بعل هو الذي يعطيه المطر والخصب، فترك معبد الربّ وذهب إلى معابد البعل. وهكذا نقول عن سائر الآلهة. أجل، أضاع الشعب إلهه بين الآلهة المتعدّدة واعتبر أن مصالحه تنمو مع الدول المجاورة وآلهتها. فكان يعرج بين الجنبين كما قال له إيليا: تارة يعبد الله، وطوراً البعل.
لم يعرف هذا الشعب أن حبّه الله له حبّ مجانيّ. هو ما كان يستحق كل ما فعله لأجله. ومع ذلك فقد فعل له ما فعل. يبقى على الشعب أن يحبّ الرب بكل قلبه (تث 6: 5) ويعبّر عن هذا الحبّ بأفعال العبادة والطاعة التي تفرض اختيارًا جذريًا التي تطلب تمزّق القلب المتعلّق بأمور وأمور. قال له موسى على جبل موآب: "احذر أن تنسى الامور التي رأتها عيناك" (تث 4: 9). لا تصنع لك تمثالاً أو صورة انسان ذكر أو أنثى، ولا صورة حيوان... لا ترفع طرفك إلى السماء فتعبد الشمس والقمر والكواكب وتنتظر منها أن تقرّر مصيرك (تث 4: 10- 26). ولكن كل هذا يبقى صعباً إن لم يحوّل الرب قلب شعبه. فيقول المرتل: "قلباً نقياً أخلق فيّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدّد في أحشائي" (مز 51: 12). أجل، يجب أن ينزع الله من صدرنا قلب الحجر ويجعل مكانه قلباً من لحم، عند ذاك نعرف رسوم الله وشرائعه.
وهذه المحبّة التي ربطت بين الله والبشر في العهد القديم عبر عدد من الوقائع، سيفهمها أبناء العهد الجديد: أحبّ الله تقيّه، فردّ التقيّ معلناً حبّه لربّه. "من لي في السماء سواك؟ وعلى الأرض لا أبغي أحداً غيرك" (مز 73: 25). هذه المحبّة قد ظهرت في مجيء الابن على الأرض. هكذا أحبّ الله العالم حتى إنه أرسل ابنه الوحيد بحيث لا يهلك من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابديّة (يو 3: 16). وحث يسوع هذا للآب قاده إلى حبّ اخوته، قاده إلى الصلب والموت. وهو مثال لنا يعلّمنا كيف نقابل الحبّ بالحبّ. "من يحبّني يحفظ وصاياي وأبي يحبّه وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً". وما هي وصيّته؟ "أحبّوا بعضكم بعضاً مثلما أنا أحبكم (يو 15: 12). ونحن نقتدي بيسوع ونكون تلاميذه حين نحبّ بعضنا بعضاً.
أجل، الله لم يره أحد قط. ولكن إذا عشنا المحبّة كان الله حاضراً فينا. كان معنا. فحيث يجتمع اثنان أو ثلاثة، يكون الرب معهم. ومحبّتنا لاخوتنا هي المعيار الحقيقيّ لمحبتنا لله. فلا نغشّ أنفسنا. قال يوحنا في رسالته الأولى: "من قال أنا أحبّ الله وهو لا يحبّ أخاه فهو كاذب. فكيف يستطيع أن يحبّ الله الذي لا يراه ولا يحبّ أخاه الذي يراه" (4: 20)، واستخلص الرسول النتيجة: "وصية المسيح لنا هي: من أحبّ الله أحبّ أخاه أيضاً" (آ 21).
اعتاد الناس مراراً أن "يعوّضوا" بطريقة من الطرق في أعمال العبادة والصلاة، لكي ينسوا ما به ظلموا إخوتهم، لكي لا تحنّ أحشاؤهم على الذين حولهم. لهذا نسمع الرب بلسان الانبياء يرفض الذبائح والعشور من أيد مملوءة بالدماء، فيقول مثلاً بلسان أشعيا: حين تبسطون أيديكم للصلاة أحجب عيني عنكم لئلاّ أراكم. وحين تكثرون من الصلاة أصمّ أذنيّ لئلاّ أستمع لكم. لماذا؟ لأن أيديكم مملوءة بالدماء. فما العمل؟ اغتسلوا، تطّهروا. وكيف ذلك؟ بشكل سلبيّ، أزيلوا أعمالكم الشريرة من أمام عينيّ ولا تعودوا تسيئون إلى اخوتكم. وبشكل إيجابي: تعلّموا الاحسان والصدقة للمحتاج. كونوا عادلين في معاملتكم للغير. أغيثوا المظلوم، أنصفوا اليتيم، حاموا عن الأرملة. عند ذاك، لو كانت خطاياكم كالقرمز تبيضّ كالثلج. ولو كانت حمراء كصبغ الدود تصير بيضاء كالصوف (أش 1: 15- 18).
هكذا نحبّ الرب من كل قلبنا ومن كل نفسنا ومن كل قدرتنا. هكذا نعيش معه عيش الصديق مع صديقه والحبيب مع حبيبه. تكون محبّتنا علاقة حميمة نعيشها في الصلاة والتأمّل والشكر والمديح. ونعيشها في محبّة للقريب. فإذا كانت الوصيّة الأولى تدعونا إلى أن نحبّ الله، فالوصيّة الثانية تشبهها وتكمّلها وهي تدعونا إلى أن نحبّ القريب. هكذا تكون محبتنا كاملة، هكذا تكون صادقة لا غشّ فيها ولا رياء، وإلاّ قال لنا الرب: لا أعرفكم من أين أنتم.
الفصل الثاني والاربعون
أحبب قريبك كنفسك

سأل أحد معلّمي الشريعة يسوع: "ما هي أعظم وصيّة في الشريعة"؟ أجابه يسوع: "أحبّ الرب إلهك بكل قلبك، وبكل نفسك، وبكل عقلك. هذه هي الوصيّة الأولى والعظمى. والوصيّة الثانية مثلها: أحبّ قريبك مثلما تحب نفسك. على هاتين الوصيّتين تقوم الشريعة كلها وتعاليم الأنبياء" (مت 22: 35- 40). وسيقول بولس في رسالته إلى رومة: "لا يكن عليكم لأحد دين سوى محبّة بعضكم لبعض. فمن أحبّ غيره أتمّ العمل بالشريعة. فالوصايا التي تقول: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور... تتلخّص في هذه الوصيّة: أحبّ قريبك مثلما تحبّ نفسك" (13: 8- 9).
أجل، محبّة الله تجد امتدادها وكمالها في محبّة القريب. وكل الكتاب المقدّس نلخّصه في وصيّة المحبّة. فمنذ العهد القديم، قال الرب لأبناء شعبه: "تحبّ قريبك كنفسك" (لا 19: 18). لا شكّ في أن القريب كان ابن العائلة، ابن القبيلة، إبن الطائفة. ولم يكن يوماً كلَّ شخص التقي به في الطريق حتى ولو كان عدويّ. ولكن لماذا لا نبدأ ونحبّ القريب، لماذا لا نُلغي القول الشيطانيّ الذي يردّده البعض: الأقارب عقارب. أي لا نستطيع أن نأمن شرّهم.
من كان لامبالياً لقريبه أغاظ الله، من عادى أخاه عادى الله أيضاً. هكذا تصرّف قايين: قال: لست حارساً لأخي. بل هو عادى أخاه وقتله. وتتكرّر الفرائض في أسفار الشريعة تطلب من المؤمن أن يهتمّ بالفقير وصغار القوم، بالقريب واليتيم والأرملة. قال الرب: "لا تظلم الغريب ولا تضيّق عليه، فإنّكم كنتم غرباء في أرض مصر" (خر 22: 21). هذا يعني أنكم تألّمتم وتعرفون معنى الألم. فلماذا لا تراعون ذاك الذي يقيم بينكم؟ ثم إنكم صرختم إليّ فسمعت لكم. لهذا إن صرخ إليّ الغريب لأنكم تسيئون معاملته سمعت له.
وقال الربّ أيضاً بلسان موسى: "لا تسئ إلى أرملة ولا يتيم". ليس لهما من يدافع عنهما. فالرب يتولّى أمرهما. لهذا يتابع النصّ: "إن أسأت إليهما وصرخا إليّ، فإني أسمع صراخهما فيشتدّ غضبي" وأعاقب (خر 22: 22- 24). ويتابع النصّ: "إذا أقرضت مالاً لفقير من شعبي، فلا تكن له كالمرابي... وإذا رهنت ثوب قريبك، عند مغيب الشمس تردّه إليه، لأنه هو ستره الوحيد وكساء جلده. ففيه ينام (هذا كل ماله). فإن هو صرخ إليّ استجبت له لأني حنون" (خر 22: 25- 27).
وتذهب المحبّة إلى الأعداء ولا تبقى لدى الاصدقاء. في هذا تقول الشريعة: "إذا لقيت ثور عدوّك أو حماره ضالاً فاردده إليه. وإذا رأيت حمار مبغضك ساقطًا على الأرض، فلا تمرّ بقربه دون أن تساعده" (خر 23: 4- 5). وسوف يقول سفر الامثال في هذا المعنى: إذا جاع عدوّك فاطعمه، وإذا عطش فاسقه (25: 21). وهكذا صرنا في خطّ قريب من الانجيل الذي يطلب منا أن نحبّ أعداءنا، ونحسن إلى مبغضينا ونبارك من يلعننا ونصلّي لأجل من يسيء إلينا. هكذا نكون مثل الآب السماوي (لو 6: 27- 28).
ويتابع يسوع كلامه: "من طلب منك شيئًا فأعطه، ومن أخذ ما هو لك فلا تطالبه به" (لو 6: 30). هكذا نكون رحماء كما أن الله أبانا رحيم. "لا تدينوا، لا تحكموا على أحد، اغفروا، أعطوا كيلاً ملآنًا مكبوسًا مهزوزًا فائضًا" (لو 6: 36- 38). كل هذه الطريق كان الأنبياء قد فتحوها أمام العهد الجديد. فشدّد عاموس على العدالة الاجتماعيّة في معاملاتنا وندّد بالاغنياء الذين يستغلّون الفقراء، ولاسيّما على مستوى البيع والشراء.
وكان إرميا قاسياً على التعامل بين الاخوة في إطار من الكذب والمكر: هم جماعة الغادرين. لسانهم كقوس مشدودة من أجل الكذب. ويقول النصّ اليونانيّ: الكذب لا الحقّ تجده في الأرض. كل واحد يحذر أخاه ولا يستطيع أن يثق به (9: 2- 5). وأعطانا حزقيال صورة عن الرجل الصدّيق، الصادق مع الله: "يمارس الحقّ والعدل. لا يسيء إلى امرأة قريبه. لا يستغلّ العامل الذي عنده. لا يسرق أخاه. بل هو يعطي خبزه للجائع ويكسو العريان ثوباً، وإن أقرض مالاً لا يأخذ ربى. يُبعد يده عن كل ظلم، ويجعل الصلح والسلام بين الاخوة" (18: 5- 9).
هنا نلتقي بكلام يسوع الذي لا يديننا على أمور نظرية. لا يديننا حتّى على عبادتنا وصلواتنا. فمن منا لا يصلّي أقلّه في وقت الضيق؟ إن لم يكن إكراماً لله، فأقلّه من أجل حاجة في نفوسنا؟ إنما سيديننا الله على أعمال بسيطة جداً: كنت جائعاً فأطعمتموني. كونوا مباركين. كنت عطشاناً فسقيتموني. تعالوا يا مباركي أبي. ثم يقول: كنت غريباً فما آويتموني، ومحبوساً فما زرتموني... أنا لا أعرفكم. اذهبوا عني يا ملاعين إلى نار الأبد (مت 25: 31- 46). على هذا ستكون دينونتنا. إذا تعرّفنا إلى "الصغار" في هذا العالم، تعرت إلينا الربّ في يوم الدينونة. "كل ما فعلتموه مع أحد إخوتي هؤلاء الصغار فمعي فعلتموه". "وكل ما لم تفعلوه مع أحد إخوتي هؤلاء الصغار فمعي لم تفعلوه". فلماذا نغشى أنفسنا؟
في هذا الاطار يقول يوحنا في رسالته الأولى طالباً منّا أن نضحّي بنفوسنا لأجل إخوتنا. "من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجاً فأغلق قلبه عنه، فكيف تثبت محبّة الله فيه" (3: 16- 17)؟ ويتابع الرسول كلامه: "يا أبنائي، لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحقّ" (آ 18). كم نبتسم حين نسمع أشخاصاً يقولون: أنا أحبّ البشريّة... وأخوك الذي بقربك... أنا أحبّ الاحسان... هل أحسنت إلى أحد؟ هل عرفت أن تكتشف حاجة عند أخيك؟ إذا كان جوابك نعم فهنيئاً لك. وإلاّ فأنت كاذب مثل الفريسيين الذين يقولون ولا يفعلون.
وهكذا يلتقي المسيحيّ مع كل انسان على الأرض. بل إن كل انسان يصبح للمسيح، يصبح "تلميذ" المسيح إن هو مارس تلك المحبّة الاخويّة البسيطة. في هذا المجال يحذّرنا القديس يعقوب من إيمان بغير أعمال فنكون شجرة بدون ثمرة. هذا يعني أن لا إيمان لنا. وإن كان لنا من إيمان فهو ميت عقيم. وكيف نعرف إن كان عندنا إيمان أم لا؟ عند ذاك يقول لنا يعقوب: "فلو كان فيكم أخ عريان أو أخت عريانة ولا قوت لهما، فماذا ينفع قولكم لهما: اذهبا بسلام! استدفئاً واشبعا، إذا كنتما لا تعطونهما شيئًا ممّا يحتاج إليه الجسد" (3: 14- 16).
توقّفنا طويلاً عند المحبّة العملية التي تعلّمنا الاحسان والصدقة، ومساعدة القريب في حاجاته الماديّة. ولكن المحبّة الاخويّة، ومحبتنا بعضنا لبعض واسعة وسع الكون: على المستوى المادي والروحي، على مستوى علاقاتنا مع إخوتنا في الأمور العاديّة اليومية. هنا نتذكّر الارشادات العديدة التي جعلها بولس الرسول بشكل خاص في نهاية رسائله. نقرأ مثلاً في الرسالة إلى أهل أفسس: "امتنعوا عن الكذب، وليتكلّم كل واحد كلام الصدق مع قريبه... إذا غضبتم لا تخطئوا ولا تغرب الشمس على غضبكم... تخلّصوا من كل حقد ونقمة وغضب وصياح وشتيمة وما إلى ذلك من الشرور، وليكن بعظم لبعض ملاطفاً رحيماً غافراً كما غفر الله لكم في المسيح" (4: 25- 32).
فالرحمة والحنان أفضل تعبير عن المحبّة العمليّة. ولما حدّثنا يسوع عن السامري الصالح، قال عنه: تحنّن على الجريح. تحرّكت أحشاؤه (لو 10: 33). فقساوة القلب والقساوة في الكلام، والقساوة في التصرّف، كل هذا يدلّ على ابتعادنا عن الاله الذي يشرق شمسه على الاشرار والأخيار، ويسكب غيثه على الابرار والفخار (مت 5: 45). والمغفرة هي المحبّة العظمى التي تدلّ على أن محبّة الله في قلوبنا. فإن كنا لا نعرف أن نغفر، فهذا يعني أن قلوبنا لا تستطيع أن تتقبّل غفران الله. لهذا قال لنا الرب: "إن كنتم لا تغفرون للناس زلاتهم، فأبوكم السماوي لا يغفر لكن زلاتكم" (مت 6: 15). أما إذا غفرتم فهو يغفر لكم. عند ذاك يحقّ لكم أن تصلّوا قائلين: "أبانا الذي في السماوات... اغفر لنا كما نحن غفرنا" (مت 6: 12).
تلك هي المحبّة الاخويّة التي هي امتداد لمحبّة الله. تبدأ بين الأخ وأخيه والاخت وأختها والكنة وحماتها، بين الأقارب والاهل وأبناء المحلّة والقرية، وتتوسّع فتمتدّ إلى الكون كله. هذه المحبّة لا تعرف قريباً ولا غريباً، كبيراً ولا صغيراً، غنياً ولا فقيراً. ففي وقت من الأوقات كل واحد منا يحتاج إلى محبّة أخيه. فيا ليتنا أولئك الرسل الذين يأخذ الرب قلبهم فيحبّ به الناس. يأخذ يدهم ليعطي بها، يأخذ فمهم ليقول به كلام البنيان. يا ليت الربّ يأخذنا كلنا لنكون عطيّة منه إلى كل جائع وعطشان، إلى كل يائس وحزين. حينئذ يقول لنا: أنا أعرفكم من أين أنتم. تعالوا يا مباركي أبي.