تعرف إلى العهد القديم مع الآباء والانبياء

 

تقديم
نحن نقرأ الكتاب المقدس. نقرأه في خلوة بيتنا، نقرأه جماعات صغيرة أو كبيرة. نقرأه ونعيد قراءته ونتأمل فيه ونكتشف فيه نصوصاً نحسّ وكأننا نقرأها للمرّة الأولى.
أجل، الكتاب القدس جزء من حياتنا. إنّه ضروري للمؤمن الذي يربط حياته كالمسيح بالأسفار المقدسة. ولكن قراءته ليست بالسهلة. فإذا أردنا أن نفهم ما نقرأه، علينا أن نتقبلّ الكتاب ككلّ. ونرفض أن نبقى عند القشور دون أن نلج إلى الجوهر. من أجل هذا، نحن نحتاج إلى ثقافة تكوّن نظرتنا إلى الكتب المقدسة.
دوّنت هذه الأسفار منذ أجيال وأجيال، فصارت بعيدة عنا وما عدنا نفهمها. فإذا أردنا أن يكون لنا إيمان متين وثابت، نحتاج إلى دراسة الكتاب المقدّس. ولا نستطيع أن نكتفي في إجتماعاتنا بموازاة بسيطة بين حياتنا ووضع يعرضه الكتاب المقدس. كما لا نستطيع أن نتهرّب من مسؤولياتنا فنقول: الكتاب المقدس هو للإختصاصيين. لا، فالكتاب هو للجميع، وكم نودّ أن يكون غنى الكتاب بعهديه في متناول الجميع.
لهذا السبب نقدّم لك، أيها القارىء، هذا الكتاب عن العهد القديم. وقد سبقه كتاب آخر عن العهد الجديد.
هذا الكتاب هو وسيلة. وهو يحاول مساعدتنا على فتح الكتاب والولوج في صفحاته. وعندما نكون جماعة صلاة أو غيرها، نستطيع مع بعضنا أن نصل إلى الأعماق.
ولا نخف، فلسنا وحدنا. ولسنا نحن البادئين في الطريق. فقبلنا عاد شعب بكامله يقرأ نصوصاً كتبها آباؤه وأجداده قبل أن يكوّن نصوصأ جديدة. ويسوع الناصري نفسه عاد إلى الأسفار المقدسة ليعبرّ عن إيمانه وليدفع تلاميذه إلى الإنفتاح على الله. ثم جاء الرسل والجماعات المسيحية الأولى فقرأوا حدث موت وقيامة يسوع على ضوء العهد القديم. وشهد العهد الجديد على هذا التعبير الجديد عن الإيمان، وعلى الإنقلاب الذي فجرّه هذا الحدث في حياة هؤلاء الناس. ولقاء الله هذا في يسوع المسيح هو ما أعلنه الرسل للعالم. وعادت الكنيسة على مرّ تاريخها إلى الكتاب المقدس ونقلته من جيل إلى جيل ولن تزال حتى نهاية العالم.
ونتساءل: ماذا نطلب حين نقرأ الكتاب المقدس؟
إذا كنا نقرأ الكتاب المقدس، فنحن لا نهتمّ بالماضي لإنه ماضٍ. ونحن لا نبحث عن مثال يساعدنا على حلّ مشاكلنا اليومية، وكأن الكتاب يتضمّن سلسلة من الوصفات نستعملها في الشدّة والسهولة، في الحزن والفرح، في النجاح والفشل... نفتح الكتاب فنجد فيه الجواب السريع الشافي! لا ثم لا.
نحن نبحث عن شيء آخر حين نقرأ الكتاب المقدس. فهو شهادة آلاف المؤمنين الذين سبقونا. وقد قرأوا حياتهم وتاريخهم على ضوئه، وعبرّوا عن لقاءاتهم بالله بأشكال مختلفة. إذن، ما يهمّنا في مسيرتنا هو فعل إيمان بالله الحي عاشه شعب من الشعوب فوصل إلى جميع الشعوب.
نحن نتجذّر في حياة العالم اليوم، فنختبر لقاءنا بالقائم من الموت. نبحث في إجتماعاتنا عن الرموز والكلمات لكي نعبرّ عن هذا اللقاء، فنجدها في الكتاب المقدس. فلا تكون كلمة إيماننا محجّرة، بل تسير وراء الواقع المعاش وحسب طريق كل واحد منا. بل إن التعبير عن جماعتنا كمؤمنين يتبدّل.
نعود إلى الكتاب المقدس لعدة أسباب أساسيّة.
فالكتاب المقدس يعيننا على التعرف إلى تاريخ مؤمنين ننتمي إليهم. تاريخ هذه المسيرة بدأت من زمان طويل وهي تهمّنا.
والكتاب المقدس يعيننا على إكتشاف حياة يسوع الناصري، على ما فعله في تاريخ محدّد وأرض محددة.
والكتاب المقدس يعيننا على ربط مسيرتنا والتعبير عن إيماننا بما عند المؤمنين الذين يعبرّون عن ذاتهم في الكتاب المقدس. ونتوقفّ بصورة خاصة عند خبرة عاشها الرسل وعبرّوا عنها. فهم قد عرفوا يسوع قبل آلامه. عرفوه وأكلوا معه بعد موته وقيامته. هذه هي البشرى التي أعلنوها ونحن اليوم نقابل تعبير إيماننا بتعبير الكتب المقدسة. ونتساءل: هل هذا هو حقاً الإيمان المسيحي؟ فإذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال نحتاج العودة إلى يسوع المسيح الذي يشهد له الرسل في العهد الجديد، والذي إليه يعود كل المسيحيين في تاريخهم. هل هذا هو ذلك الذي نتقبلّه اليوم أم نحن شوّهناه بطريقة ترضي أذواقنا؟
هذا ما يدفعنا أساساً إلى قراءة الكتاب المقدس. إنها مسيرة مسيحيين داخل الكنيسة. وحياة الكنيسة وقراءتنا الجماعية للكتاب المقدس والحياة، كل هذا ينمينا في إيماننا. بل يجذّر التعبير عن إيماننا ويحرّك فينا كلمة إيمان جديد في عالمنا وفي حياتنا.

 

 

القِسم الأول
فصُول عَامّة

نتوقّف في هذا القسم الأول عند ثلاث محطات. في الأولى نعرف أن الكتاب المقدس هو مجموعة كتب ينيرها الوحي والإلهام فتسمّى أسفاراً قانونية، وتقدّم للمؤمنين قاعدة الإيمان والأخلاق. في المحطة الثانية، نتعرّف إلى البيئتين الجغرافية والتاريخية. وفي المحطة الثانية، نرافق الشعب العبراني في بداياته، في أرض مصر والعراق، قبل أن يصل إلى أرض كنعان.
وهكذا يتوزّع هذا القسم سبعة فصول هي:
1- الكتاب القدس مجموعة كتب.
2- الوحي والإلهام.
3- الأسفار القانونية.
4- البيئة الجغرافية.
5- البيئة التاريخية.
6- الرعاة في الشرق ولا سيّما في كنعان.
7- الشعب العبراني من مصر إلى كنعان.

 

 

الفصل الأول 
الكتاب المقدس مجموعة كتب

نعرض هنا في مقاطع صغيرة ما نعرفه عن هذا الكتاب الكبير، عمّا نسمّيه الكتاب المقدس أو حسب ما يقول العالم الغربي: البيبليا.
أ- الكتاب المقدس
1- الكتاب المقدس مجموعة من الكتب يُعلن اليهود والمسيحيون طابعها الإلهي. سمّي الكتاب والكتب الإلهية وأسفار العهدين، والكتب المقدسة. واستعمل الناس كلمة توراة للدلالة على أسفار العهد القديم.
2- قُسمت أسفار (أو كتب- جمع سفر) الكتاب المقدس إلى مجموعتين كبيرتين: العهد القديم وهو مجموعة الكتب التي تخبرنا عن العهد الذي قطعه الله مع شعب إسرائيل بواسطة موسى. العهد الجديد وهو مجموعة الكتب التي تخبرنا عن العهد الذي أتمّه الله في يسوع المسيح.
3- المجموعة الأولى من الكتاب المقدس، أي العهد القديم، مشتركة بين اليهود والمسيحيين. غير أن اليهود لا يعترفون إلا بالكتب التي وُضعت في العبرية وهي 39 كتاباً. وقد تبعهم في ذلك البروتستانت. أما الكاثوليك فيعترفون ببعض كتب حُفظت لنا في اليونانية. فيكون مجموع الأسفار التي تأخذ بها الكنيسة الكاثوليكية 46 كتاباً.
4- المجموعة الثانية من الكتاب المقدس، أي العهد الجديد، تضم 27 كتاباً وهي مشتركة بين جميع المسيحيين. وهكذا يتألف الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد من 73 كتاباً، ندلّ عليها عادة بالمختصرات.

ب- العهد القديم
يقسم العهد القديم ثلاثة أقسام: الشريعة أو التوراة بالمعنى الحصري، وتضم أسفار التكوين والخروج واللاويين (أو الأحبار) والعدد والتثنية. ومجموعة الأنبياء. وتضمّ أسفار الأنبياء الأولين (يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك) وأسفار الأنبياء اللاحقين (أشعيا، أرميا، حزقيال والإثنا عشر وهم هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجاي، زكريا، ملاخي). ومجموعة الكتب الباقية وهي المزامير، أيوب، الأمثال، راعوت، نشيد الأناشيد، الجامعة، المراثي، أستير، دانيال، عزرا، نحميا، الأخبار. هذا ما نجده في التوراة العبرية وهو ما يسمى الأسفار القانونية الأولى. أما الأسفار القانونية الثانية فهي: يهوديت، طوبيا، السفر الأوّل للمكابيين، السفر الثاني للمكابيين، باروك، إبن سيراخ، الحكمة. 
ج- العهد الجديد
ويقسم العهد الجديد أربعة أقسام: الأناجيل (متى، مرقس، لوقا، يوحنا). أعمال الرسل، الرسائل وهي رسائل بولسية (إلى رومة، إلى كورنتوس، إلى غلاطية، إلى أفسس، إلى فيلبي، إلى كولسي، إلى تسالونيكي، إلى تيموتاوس، إلى تيطس، إلى فيلمون، إلى العبرانيين) ورسائل عامة أو كاثوليكية (ريسائل مار يوحنا الثلاث، رسالتان لمار بطرس، رسالة ليعقوب، رسالة يهوذا)، والرؤيا. 

د- نصوص الكتاب المقدس
1- دونت أسفار العهد القديم في العبرية، ما عدا بعض المقاطع في الأرامية. إبتداء من القرن السابع ب. م. بدأ العلماء اليهود التقليديون أو الماسوريون يضعون الحركات على الحروف، ولهذا يسمّى النص العبري الماسوري. بدأت ترجمة العهد القديم إلى اليونانية منذ القرن الثالث ق. م. في مدينة الإسكندرية. وتقول الأسطورة إن سبعين عالماً عملوا في هذه الترجمة، ولهذا سميّت الترجمة السبعينية. وهناك ترجمات يونانية أخرى: ترجمة إكيلا، ترجمة سيماك، ترجمة تيودوسيون. وترجمات سريانية أهمها الترجمة البسيطة. وهناك ترجمة لاتينية تسمى الشعبية. 
2- أما العهد الجديد فدوّن كله في اليونانية في تلك اللغة الشائعة في ذلك الزمان والتي تختلف عن الفصحى التي إزدهرت في القرن الخامس ق. م. 
3- قُسمت أسفار الكتاب المقدس إلى فصول وآيات (أو فقرات). في سنة 1226 قسم إتيان لانغتون الكتاب المقدس إلى فصول. وفي سنة 1551 وضع روبير إستيان رقماً لكل جملة من هذه الفصول. وهكذا ترد نصوص الكتاب المقدس حسب الفصول والآيات. فحين نقول مثلاً: 1 تس 4: 5 فهذا يعني أننا أمام رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي الفصل 4 الآية 5. وإذا قلنا تك 3:2- 7 فهذا يعني أننا أمام سفر التكوين الفصل 2 من الآية 3 إلى الآية 7 ضمناً. أما إذا وضعنا خر 12: 1 ي، فهذا يعني أننا أمام سفر الخروج الفصل 12 الآية الأولى وما يليها من آيات. 
4- كل هذا يدلّ على أننا أمام غنى كبير جداً. فلا نحاول أن نوجزه ونشوّهه في بضعة أفكار إلتقطناها هنا أو هناك. في هذا الكتاب سنجد أموراً قديمة جداً تعود إلى بدايات التاريخ، كما سنجد أخباراً قريبة منّا ترتبط بالعالم الأشوري في القرن الثامن أو الكلدائي فيما بعد، ترتبط بمصر وعالم اليونان، بل برومة التي دخلت الشرق سنة 63 ق. م. مع بومبيوس الروماني. أفكار قديمة تعود بنا إلى شريعة الغاب كما نسمع من لامك (تك 4: 23- 24: إنتقام من دون حدود). وأفكار تجعلنا على عتبة الإنجيل، فتدعونا إلى إطعام عدونا إن جاع وإعطائه ماء إن عطش (أم 25: 21). نُظُم قديمة لم يعد يعمل بها أحد، مثل تقدمة الذبائح التي يحدّثنا عنها سفر اللاويين، ونُظُم تطوّرت وأخذت معنى روحياً مثل عيد الفصح الذي كان عيد الرعاة (يذبح حمل) وعيد الفلاّحين (يقدّم الخبز الفطير) قبل أن يدلّ على خلاص من عبودية مادية. ولكنه سيجد كماله في فصح العهد الجديد الذي يدل على خلاص البشرية من الشر والخطيئة والموت.

 

 

الفصل الثاني 

الوحي والإلهام

يتميّز الكتاب المقدّس عن سائر كتب العالم بأنه يرتبط بالله. إنه يحمل كلام الله. لهذا نقول إن الوحي والإلهام يعطيانه هذه القيمة الإلهية الفريدة. 
أ- الوحي
الوحي هو معرفة يعطيها الله للإنسان فيكشف فيها طبيعته ونشاطه. والوحي يتمّ عبر تعليم يحمله الله إلى أحد مرسليه، ويطلب منه أن ينقله إلى الناس. يتوجّه الوحي إلى إنسان من الناس أو إلى جماعة صغيرة. وهو يبدو بشكل نور يتغلغل في قلب الإنسان. وسيحاول الذي تقبّل هذا النور أن يعبرّ عنه بلغة البشر فيلجأ إلى الصور والتشابيه.
لقد أرسل الله وحيه إلى موسى والأنبياء، وفي النهاية بواسطة يسوع المسيح الذي كان وحي الله الكامل للبشر.
الله يكشف عن ذاته، لا كما هو بل من خلال الرموز، من خلال الرعد والغمام والنار، من خلال صوت بشري. ويكشف أيضاً عن مقاصده من خلال التاريخ. 

ب- الإلهام
1- الإلهام هو دفع عُلوي به يثير الروح القدس الكتّاب الملهمين فيدفعهم ليكتبوا كلمات الله. ويسندهم حين يكتبون بحيث إنهم يتصوّرون بدقة ويرغبون أن ينقلوا بأمانة ويعبرّون بدون خطأ عمّا يأمرهم الله أن يكتبوه. 
وهذا الدفع يؤثّر على العقل وعلى الإرادة. سيبحث الكاتب الملهم عن الوثائق، ويسأل الشهود، ويقوم بالمجهود الضروري لأجل تأليف كتابه. وفي كل هذا يدفعه الله ويسنده إلى أن يتمّ كتابه. وعملُ الله يحرّك فكر الكاتب الملهم فيجعله يدرك الأفكار والوقائع. ويقود إرادته ليحكم إن كان عليه أن ينقل هذا الفكر وهذا الواقع أم لا.
2- نقرأ في 2 تم 16:3: "الكتاب كله من وحي الله يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ، ليكون رجل الله كاملاً معدّاً لكلّ عمل صالح".
ونقرأ في 2 بط 1: 20- 21: "ما من نبوءة في الكتاب تقبل تفسيراً يأتي به أحد من عنده، إذ لم تأتِ نبوءة بإرادة بشر، ولكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلموا من قِبَل الله". 
3- يمتد الوحي إلى كل أسفار الكتاب المقدس وإلى كل أجزاء هذه الكتب، أكانت مقاطع تتعلّق بالإيمان أم بالأخلاق. وما هو ملهم هو النص الأصلي كما دوّنه الكاتب الملهم في العبرية أو الأرامية أو اليونانية. 
4- الكاتب الرئيسي للكتاب المقدس هو الله. ينتج عن ذلك أن الكاتب الملهم لا يقدر أن يقول أي خطأ في ما يخصّ العقيدة والإيمان. هذا ما يسمّى مبدأ العصمة من الخطأ. وعلى أساسه لا يمكن أن يكون تضارب في التعليم، بل تكامل. ما قاله هذا النصّ يكمّله النص الآخر، وما قاله العهد القديم يتممّه العهد الجديد ويصل به إلى كماله. 

ج- شرح الكتاب
1- هذا يفرض على شّراح الكتاب المقدس أن ينطلقوا من النص الأصلي ويضعوه في إطاره ويفهموه حسب الفن الأدبي الذي كُتب فيه. ثم يجب أن لا ننسى أن الكتاب المقدس كتاب ديني. فهو والحال هذه ينطلق من معطيات علمية أو تاريخية تناقلتها الناس في ذلك الزمان، ولكنه لا يأخذها على عاتقه. مثلاً: كانت مقابلات بين أيام الخلق الستة وبين مراحل تكوين الأرض، بين خلق الإنسان من التراب وما تقوله نظرية التطور. نحن نحاول بهذا أن نكيّف نظرة علمية على نظرة دينية فنقع في الخطأ. إن الكتاب المقدس يقول لنا إن الله خلق الكون والإنسان، ويحاول العلم أن يعرف متى خُلق وكيف خُلق.
2- ونستطيع أن نُجمل كلامنا فنقول: الوحي نور سماوي يرسله الله مجّاناً إلى قلب الإنسان فيغمر حياته وأفكاره ونظرته إلى الأمور. الوحي علم إلهي يتعدّى العين والأذن والفم والقلب. يحسّ به من حصل عليه. ولكنه يحتاج إلى صُوَر البشر وكلمات البشر لكي يعبرِّ عنه. ماذا يفعل؟ يعود إلى تعابير وصُوَر إستعملها الذين سبقوه ويحملّها معنى جديداً. عاد العهد القديم إلى صور أخذها من عالم الأشوريين والبابليين والمصريين. وعاد العهد الجديد إلى عالم العهد القديم يستلهم أخباره وأقواله. ولكنه فجرَّها ليحمّلها واقعاً جديداً، فرضه عليه تجسّد الإبن الوحيد في العالم. 
3- وحين نتحدّث عن الإلهام في الكتاب المقدّس، نميّز بين ما هو من الله وما هو من الإنسان. ما هو من الله لا خطأ فيه ولا ضلال. إنه يرتبط بالعقيدة والأخلاق. وما هو من الإنسان قابل للدرس. حين يستند الكاتب إلى أمور علمية أو تاريخية أو تقليدية، تبقى هذه الأمور موضوع درس بين العلماء، وهي تساعدنا على فهم النص فهماً أفضل. ولكنها لا تؤثر على صفة الإلهام التي يتمتّع بها الكتاب المقدس. 

د- شعب يقرأ تاريخه
قبل أن ندخل في رحاب هذه المكتبة التي هي الكتاب المقدس، نودّ أن نعطي ملاحظات أربع.
الأولى: نحن أمام كتاب شعب بكامله. الكتّاب عديدون جداً، فلا نستطيع أن نحصيهم، كما أننا لا نعرفهم. فبواسطتهم دوّن شعب من الشعوب بصورة جماعية، ما عاشه وما تأمله في التاريخ. هو تقليد شفهي طويل سيصبح تأملاً في الماضي. إنتقلت التقاليد من الآباء إلى البنين داخل العشيرة أو القبيلة، إنتقلت بطريقة شفهية قبل أن تدوّن مرة أولى، على ما يبدو في أيام سليمان.
الثانية: نحن أمام كتاب يرتبط بالتاريخ. هبر لم يُكتب دفعة واحدة. ولكن تدوينه إمتدّ على تسعة قرون من الزمن. كان الناس في كل عصر يعودون إلى النص السابق ويزيدون عليه ملاحظاتهم على ضوء حياتهم. وهكذا أورد الكتاب المقدس أهمّ مراحل الشعب، أنتصاره وفشله، شقاءه وفرحه.
الثالثة: نحن أمام كتاب يتأمّل في تاريخ الشعب وفي حياته. توقّف الشعب في الأوقات الحاسمة، وأعاد قراءة تاريخه الماضي. إكتشف الغنى الذي تسلمَّه من الآباء، وواجه إيمانه ومعتقداته مع ظروف الحياة الجديدة وثقافات الشعوب الأخرى. إستعاد الإرث القديم يقرأه ويتأمل فيه، فاستطاع أن يأخذ الحاضر على عاتقه، وأن يتحملّ مسؤولية المستقبل. 
الرابعة: نحن أمام كتاب يقرأ أحداث الحياة على ضوء الإيمان. فشعب الكتاب المقدس أعتبر أن الله حاضر دومأ في تاريخه وفاعل، وهو يكشف عن نفسه للبشر من خلال أفعاله. لقد اكتشف العبرانيون في أحداث حياتهم علامات عن حضور الله وعمله من أجل تحرير شعبه وخلاصه. وهكذا فهموا أن مخطط الله بالنسبة إلى البشر هو مخطّط فداء وعهد صداقة. وهكذا تكوّن إيمان شعب الله. إيمان تقبّلوه كعطية وسط خبرة حياة جماعية وفردية مع إله يسيطر على الكون والتاريخ. 
ونحن شعب اللُّه اليوم، تدعونا قراءة الكتاب المقدس إلى اكتشاف عمل الله في عالمنا، وإلى مواصلة كتابة تاريخ هذا العمل، فلا نتوقّف عن بناء عالم يوافق مخطّط الله تجاه البشر.

 

 

الفصل الثالث 

الأسفار القانونية 

أ- مقدمة 
القانون هو كلمة يونانية مشتقّة من اللغات السامية وتعني قصبة القياس. أما معناها في اليونانية فهو القاعدة والمقياس.
أول من إستعمل كلمة "قانون" هو أوريجانس، فدلّ على الكتب التي هي قاعدة الإيمان والتي تشكّل مجموعة تحدّدها السلطة. لا يصير الكتاب قانونيأ عندما تُدخله الكنيسة في المجموعة الكتابية. فالكتاب يكون قانونياً بفضل الإلهام الإلهي الذي يعطيه صفة "القاعدة المعصومة من الخطأ".
ولكي نقدر أن نسمي أحد الكتب "قانونياً"، يجب أن تعترف الكنيسة رسمياً بطابعه الملهم. هذا لا يعني أن التعليم الكنسي يزيد شيئاً على قيمة الكتاب الذي تعلن الكنيسة قانونيته، بل يضفي على هذا الكتاب سلطة من جهة الإيمان ويكون علامة الإلهام. 
ميّز سكستوس السياناوي سنة 1566 الأسفار القانونية الأولى والأسفار القانونية الثانية. هذه كانت موضع جدال في الكنيسة، وتلك لم تكن يوماً موضع جدال. الأسفار القانونية الثانية هي في العهد القديم: طوبيا، يهوديت، باروك، إبن سيراخ، الحكمة، السفر الأول للمكابيين والسفر الثاني للمكابيين. أما الأسفار القانونية الثانية في العهد الجديد فهي الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، رسالة بطرس الثانية، رسالتا مار يوحنا الثانية والثالثة، رسالة يهوذا، سفر الرؤيا. 

ب- قانون العهد القديم
إمتلك اليهود في القرن الأول ب. م. مجموعة من الكتب المقدسة إعتبروها ملهمة من الروح القدس ووجدوا فيها التعبير عن إرادة الله. وجدوا فيها قاعدة تحدّد ما يجب الإيمان به وما يجب ممارسته. هذا ما يؤكّده المؤرخ بوسيفوس وسفر عزرا الرابع وكتاب التلمود.
متى حدّدت الكتب التي تشكّل لائحة الأسفار المقدسة؟
فبل نهاية القرن الخامس ق. م. كان العبرانيون يقرأون شريعة موسى في مجامع فلسطين والشتات، وكانوا يفسّرونها، فحلت في المقام الأول في قلب اليهود الأتقياء ولا سيما الكتبة. وحين فُصل السامريون عن الجماعة اليهودية وأبعدوا عن المشاركة في عبادة الهيكل سنة 408، إحتفظوا بهذه الأسفار الخمسة دون سواها.
أما أسفار الأنبياء (أكانوا سابقين أم لاحقين) فقد قُبلت منذ منتصف القرن الثالث ق. م. وأعطيت سلطة شبيهة بسلطة أسفار موسى الخمسة. إعتبر اليهود أن الأنبياء كتبوها، وأنها كانت مشبعة بالروح التيوقراطية فدخلت بين الأسفار المقدسة. ولقد قال 2 مك 13:2 عن نحميا إنه أنشأ مكتبة جمع فيها أخبار الملوك والأنبياء.
وتبقى سائر الكتب. أفرد للمزامير مكانة فريدة. أما المجلّدات الخمسة، فقد كانت تُقرأ خلاله الإحتفالات: قرأوا نشيد الأناشيد في عيد الفصح، وقصة راعوت في عيد العنصرة، والمراثي في تذكار خراب أورشليم (587)، والجامعة في عيد المظال، وأستير في عيد الفوريم (أو البوريم). ولكن متى أخذوا بهذه العادة؟ لا نعرف. وسيُدخل الكتبة سائر الأسفار تدريجياً حتى القرن الثاني ق. م.
وقامت خلافات بين فلسطين والشتات حسمها مجمع يمنية الذي انعقد حوالي السنة 90 ب. م. بقيادة يوحنا بن زكاي. فأخذ بقانون العهد القديم الفلسطيني نهائياً ورفض الترجمة السبعينية للعهد القديم ليتميّز عن الكنيسة الأولى.
أما الكنيسة الأولى، فتسلّمت العهد القديم في ترجمته اليونانية. أخذت قانون الإسكندرية الذي هو أطول من القانون الفلسطيني، وانطلقت منه وأوردت نصوصه في تعليمها وكتاباتها فارتبط مصيرها بمصيره.
أقرّت الكنيسة الكاثوليكية نهائياً القانون الإسكندراني الذي يضّم الأسفار القانونية الأولى (كتبت في العبرية) والأسفار القانونية الثانية (التي وصلتنا في اليونانية) والذي يشكل 46 سفراً ملهماً. وكان ذلك خاصة في المجمع التريدنتيني سنة 1546. أما الأرثوذكس فتبنّوا القانون الإسكندراني في مجمع القسطنطينية سنة 692. وعاد البروتستانت إلى القانون الفلسطيني فأعتبروا الأسفار القانونية الثانية كتباً منحولة متتّبعين في ذلك خطى اليهود. 

ج- قانون العهد الجديد
في بدايات الكنيسة كانت قاعدة الإيمان محصورة في التعليم الذي يعطيه أولئك الذين تسلّموا مهمّة نشر الإنجيل من المسيح. ولكن حين تضاعفت الجماعات وتكاثر المرسلون، وابتعد أو مات الذين كانوا شهوداً عاينوا الكلمة وخدموها، وخفت حدة إنتظار المجيء وتنظمت شعائر العبادة الجديدة، برزت الحاجة إلى إنجيل مكتوب ودوّنت كتب عديدة. 
خلال القرن الثاني، أخذت تروج مؤلفات عديدة، كانت في ظاهرها شبيهة بأسفار العهد الجديد بينما كان محتواها بعيداً عنها. لهذا بدأت الكنيسة، رعاة وشعباً، تميّز الغث من السمين، وما هو ملهم ممّا هو من تأليف البدع المتكاثرة.
إنطلق المؤمنون من محتوى هذه الأسفار التعليمي واستعمال الكنائس لها. فإذا ارتقت إلى الرسل أو أشخاص إتصلوا بالرسل، أحسّت الكنيسة أنها تستطيع أن تثق بهذه الكتب التي يمكن أن تكون قاعدة الحق أو قاعدة الإيمان كما يقول القديس إيريناوس أسقف ليون في فرنسا.
قال القديس يوستينوس (+ 165) إن المسيحيين يُولون ذكريات الرسل أي الأناجيل الأربعة منزلة كمنزلة الكتاب المقدس، وإنهم كانوا يقرأونها في إجتماعات الأحد كما كانوا يقرأون أسفار الشريعة والأنبياء. 
وهكذا عدّت الأناجيل الأربعة كتباً قانونية، وأحتلّت المنزلة الأولى في قانون العهد الجديد. ومنذ بداية القرن الثاني، أقرّت كنائس عديدة بقانونية مجموعة القديس بولس وأعمال الرسل، ثم رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى. 
يورد قانون موراتوري أسماء الأسفار التي كانت تعترف بها كنيسة رومة سنة 180- 190. يعود المخطوط إلى القرن الثامن، وقد اكتشف سنة 1740 في ميلانو بأيطاليا. يذكر الأناجيل ثم أعمال الرسل ورسائل مار بولس ويهوذا ويوحنا وسفر الرؤيا. ويمكننا أن نذكر أيريناوس وهيبوليتوس وترتليانوس (+ 225 في أفريقيا الشمالية) وإكليمنضوس الإسكندراني. ينتج عن كل هذا أن مجموعة العهد الجديد كانت قد تنظمّت قبل نهاية القرن الثاني في كنائس الشرق والغرب. تميّزت الأناجيل القانونية عن الأناجيل المنحولة حوالي السنة 150- 160. وكذلك إعتُبرت رسائل القديس بولس وبطرس الأولى ويوحنا ويهوذا وسفر الأعمال وسفر الرؤيا كتباً قانونية على غرار أسفار العهد القديم. وقبلت بعض الكنائس الرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب ورسالة بطرس الثانية، ورفضتها كنائس أخرى. ولقد اكتشفنا برديات من بداية القرن الثالث تحتوي أسفار العهد الجديد.
تحدَّد عدد الأسفار القانونية في العهد الجديد كما نعرفه اليوم في أعمال المجمع الروماني (382 مع البابا داماسيوس) ومجمع قرطاجة الثالث (397) وفي مجمع فلورنسا (1442) وفي المجمع التريدنتيني في الجلسة الرابعة، في 8 نيسان 1546.

 

 

الفصل الرابع 

البيئة الجغرافية 

الكتاب المقدّس يرتبط بأرض هي في الأساس فنسطين، بل يرتبط بكل الشرق الأوسط من مصر إلى العراق مروراً بسورية ولبنان والأردن وصولاً إلى إيران. ويمتدّ إلى الغرب حتى يصل إلى رومة مركز الأمبراطورية التي وُلد في أيامها المسيح. هذا ما نسمّيه البيئة الجغرافية.
والكتاب المقدس يرتبط ببشر هم أولئك الذين عاشوا في أرض فلسطين، ولكنه يرتبط أيضاً بالمصريين وما حملوه من حضارة، وبالسومريين والأشوريين والفينيقيين والحثيين. مرحلة تمتدّ على ألفي سنة تلاقت فيها الشعوب للسلام أو للحرب قبل أن تُدعى كلها لعبادة الله الواحد. هذا ما نسميّه البيئة التاريخية: فيها تدخّل الله عبر أشخاص إختارهم بانتظار أن يدخله في شخص ابنه يسوع المسيح.

أ- أرض كنعان أو فلسطين
تقسم أرض كنعان أربعة أقسام:
على الساحل: سهل عكا، سهل الشارون، السهل الساحلي، سهل يزرعيل (وهو مرج إبن عامر) الذي يقع بين الكرمل وبيسان ويسقيه نهر فيشون (اليوم: النهر المقطّع).
المنطقة الجبلية: تلال الجليل حول الناصرة، وعند حيفا تبدأ سلسلة الكرمل، وسلسلة البلاد الجبلية الوسطى مع جرزيم وعيبال، ثم أعالي أورشليم وجبل الزيتون والخليل.
غور الأردن: يخترق المنطقة من الشمال إلى الجنوب، ويجري فيه نهر الأردن الذي يمر ببحيرة طبرية ويصب في البحر الميت.
شرقي الأردن الذي يمتد إلى الشرق من نهر الأردن.

ب- بلاد كنعان 
سكن الكنعانيون الجليل منذ قديم الأيام. وكانت مدينتهم الرئيسية حاصور في الشمال. وإلى الشرق من يزرعيل قامت بيت شان وكانت مركزاً مصرياً قوياً. وقد حصن سليمان مدينة مجدو (تل المتسلّم) التي قُربَها سيسقط يوشيا الملك إذ كان يصدّ الزحف المصري باتجاه الفرات.
وفي الجزء الأوسط من كنعان، قام جبل إفرائيم بعاصمته السامرة التي حلّت محل ترصة. وظهرت مدينة شكيم على ملتقى الطرق، وكان يحيط بها جبل عيبال وجبل جزريم.
تألّفت اليهودية من الجبل، من شمالي بيت لحم حتى جنوبي حبرون (أو الخليل). كانت أورشليم أعظم مدينة في هذه المنطقة والمركز الديني الرسمي منذ أيام داود.
ويقع النقب جنوبي اليهودية ويتصّل بسيناء. أشهر مدنه بئر سبع وقد سكن هذه المنطقة بنو عماليق.
وسكنت جماعة أدوم (جدّهم عيسو) في شرقي البحر الميت ووادي العربة. كانت بصرة عاصمة أدوم واشتهرت تيمان بالحكمة. وبطرا كمدينة للأنباط، بدأت تزدهر منذ القرن السادس ق. م.
وفي شرقي الأردن. سكنت قبائل المديانيين جنوبي الأدوميين. أما شماليهم، فكان موآب بوديانه: أرنون (أي: الموجب) وزارد (أي: الحسا). وكان مركز موآب قبر حارسة (أي الكرك). وأهم أماكنه: عروعير، ذيبان، قلعة مكاور، مادبا، نبو. وكان عمون إلى جانب موآب من الناحية الشمالية الشرقية، وقد وصلت حدوده إلى جنوبي اليبوق (أي: سيل الزرقاء). وأهم مدنه: ربة عمون (أي: عمّان الحالية). أما مدن جلعاد فكانت جرش، جادارا (أم قيس) بلاّ (خربة فحل).

ج- البلدان التي حول كنعان
مصر هي بلاد النيل. وتقسم إلى قسمين: مصر السفلى تقع في منطقة الدلتا، ومصر العليا (جنوبي القاهرة)، وهو ما يسمى اليوم الصعيد. كانت مدينة ممفيس عاصمة مصر القديمة. وطيبة عاصمة المملكة الجديدة. وكانت اخناتون (أي تل العمارنة) مدينة ملكيّة ومركزاً دينياً هاماً.
بدأت مصر في وادي النيل في الألف الثالث ق. م. وصارت شعباً قوياً حكمه ملوك سمّوا فراعنة، وكانت سلالات عديدة. وقد حدث الخروج في أيام السلالة التاسعة عشرة أي حوالي سنة 1250 ق. م.
بلاد الرافدين (أو بلاد ما بين النهرين اللذين هما دجلة والفرات) وتسمّى أيضاً منطقة الهلال الخصيب. كانت مهد الحضارة وقد امتدت حتى جبال فارس (منطقة عيلام أي البلاد العالية).
سكن السومريون الجزء الجنوبي من بلاد الرافدين واشتهرت من مدنهم مدينة أور (أي تل المقير). وإلى شمالهم، إمتدت بلاد الأكاديين وعاصمتها كيش القريبة من بابل. وقد عُرفت هذه المنطقة ببلاد بابل القديمة. وأقام في الشمال الأشوريون وأهم مدنهم نينوى (تجاه الموصل).
وأحتل المادايون بلاد عيلام وكانت عاصمتهم أكباتان (همدان اليوم). وجاء بعدهم الفرس بعاصمتهم شوش.
وأقام الأراميون في سورية (دمشق، حماة)، والأموريون في حلب وكركميش (جرابلس اليوم). وكانت ماري (تل الحريري) على ضفاف الفرات. وإلى جنوبي دمشق كانت باشان (حوران والجولان) المشهورة بأحراجها ومراعيها.
أما آسية الصغرى (تركيا) فعرفت الحثيين بعاصمتهم حتوسة (بغازكوي). إمتدوا إلى سورية الشمالية، وهناك أقاموا دويلات منها كركميش. 
وامتدت فينيقية من مصب نهر العاصي شمالي أوغاريت (راس شمرا) إلى جبل الكرمل. وأهم مدنها: أوغاريت، أرواد، طرابلس، بيبلوس (جبيل)، بيروت، صيدون (صيدا) وصور وعكا. تنظّم الفينيقيون دويلات تطلّعت إلى البحر فسيطرت عليه من سنة 1500 إلى سنة 700 ق. م، وأنشأت المستعمرات العديدة وأهمّها قرطاجة على الشاطىء الإفريقي.
نشير إلى أنه في القرن الثاني عشر أقامت القبائل العبرانية في أرض كنعان. وخلال القرن الثاني عشر، أقام الفلسطيون على شاطىء أرض كنعان، وكانت مدنهم غزة، أشدود، جت، عسقلان، عقرون.
سيطرت مصر على كنعان قبل أن يقيم فيها بنو إسرائيل. وبعد أن وصلت إلى القمة مع السلالة التاسعة عشرة (رعمسيس)، إنحطت تدريجياً، ولكنّها ما زالت تضايق أرض كنعان. ويأتي اللاجيون (أو البطالسة) بعد الإسكندر، فيحكمون مصر حتى سنة 63 ق. م. ويسيطرون على فلسطين من سنة 320 إلى سنة 198.
وامتدّ سلطان أشور خلال القرن التاسع ق. م. فوصل إلى البحر المتوسط. إحتل السامرة (سنة 721) وغيرها من المدن، ولكنه فشل في مصر (سنة 660) فعرف انحطاطاً سريعاً كانت خاتمته سقوط نينوى بيد البابليين سنة 612 ق. م.
وإزدهر البابليون في القرن الثامن عشر وبالأخص مع حمورابي، ثمّ خضعوا للأشوريين. ولكن عادت إليهم قوتهم بعد سنة 625. إحتلوا أورشليم سنة 597 ودمّروها سنة 587. سيدمّر الفرس بابل سنة 538.
وتقوّت بلاد فارس إبتداءً من ملك كورش (550- 529). إحتلت الشرق الأوسط ووصلت إلى الهند. ولكن تغلّب عليها الإسكندر الكبير سنة 330. 
واحتل الإسكندر فلسطين سنة 333. وبعده سيسيطر عليها قواده: اللاجيون (من مصر) من سنة 320 إلى سنة 198، والسلوقيون (من أنطاكية) من سنة 198 إلى سنة 63 ق. م.
وجاءت رومة إلى الشرق فقهر بومبيوس السلوقيين سنة 63، فخضعت فلسطين لسلطة رومة. وحين ثارت أورشليم سيطر عليها تيطس ودمّرها سنة 70 ب. م.

د- ذهنية هذه الشعوب
كل شعب يتأثّر بأرضه.
فالمصري يعيش في طبيعة يسيطر عليها النور. وإن غابت الشمس في المساء فهي ستطلع في الصباح وتنتصر على قوى الليل (الشمس أول الآلهة). وللنيل فيضاناته ولكنّها تحدث في أوقات معيّنة فتُخصب الأرض بالتراب وترويها بالماء. كل هذا جعل المصري متفائلاً. آلهته آلهة خير، وهم يسهرون على البشر. وبعد الموت، ينتظر المؤمنون حياة جديدة تشعّ بهاء. 
ويعيش أهل بلاد الرافدين في وادٍ تفيض مياهه فتحدث طوفاناً لا ينتظره الناس. وتجتاجه قبائل غريبة، فتلحق به الدمار والخراب. لهذا سيطر التشاؤم على ذهنية هؤلاء السكان. فالآلهة أصحاب نزوات، وهم متبدّلون ومتقلّبون. يصارعون بعضهم بعضاً فيتلقّى الإنسان نتيجة صراعهم وضربات غضبهم. أعطوا الإنسان الموت وجبلوه بالكذب. مملكة الموت مملكة الحزن يعيش فيها الأموات ولا يعرفون الفرح.
هذا ما نكتشفه في ملحمة اتراحسيس (نشيد من 1645 بيتاً يعود إلى القرن السادس عشر ق. م. ويبين أن الإنسان خُلق للعمل والتعب) ونشيد أنوما اليش (1100 ق. م.. يتكلّم عن خلق الإنسان) وملحمة جلجامش (إكتشف ثقل الموت فراح يبحث عن الخلود).
ولقد اتّصلنا بالفكر الكنعاني بعد اكتشافات مدينة أوغاريت التي عرفت حضارة رفيعة حوالي السنة 1500. إلههم الأول هو إيل. وهم يعبدون قوى الطبيعة المؤلّهة: بعل، إله العاصفة والمطر، وعناة شقيقته (ستسمّى عشتاروت) وإلاهة الحرب والحب والخصب. تأثرّت مملكة السامرة تأثراً عميقاً بالعبادة الكنعانية، فأقامت شعائر العبادة للآلاهة العارية طالبةً منها خصباً لأراضيها ونمواً لمواشيها.
أما العقلية العبرانية فمبنيّة على عبادة الله الواحد الذي أحب شعبه حباً مجانياً. ولهذا لا تكون الطقوس عند المؤمن عملاً سحرياً يسيطر به الإنسان على الله، بل جواب الإنسان على نداء الله. 
إرتبطت فلسطين بما حولها من بلدان، وارتبط الكتاب المقدس بما يحمل من غنى بهذا التاريخ الذي صار قريباً منا بفضل النصوص القديمة التي وصلت إلينا، والحفريات التي تمتّ في هذا الشرق من تركيا إلى مصر، مروراً بلبنان وسورية والعراق وفلسطين والأردن.

 

 

الفصل الخامس 

البيئة التاريخية 

تحدّثنا في فصل سابق عن البيئة الجغرافية، وأشرنا إلى تأثير الأرض على الإنسان. ونتعرّف الآن إلى البيئة التاريخية منطلقين من عالم الحفريات والسكّان، حتى نصل إلى تاريخ الشعب الذي وُلدت التوراة معه.
أ- عالم الحفريات
منذ القرن التاسع عشر بدأت أعمال التنقيب في الشرق.
في فلسطين: جازر، تعناك، مجدو، بيسان، السامرة، بيت شمس، تل دوير، أريحا، قمران، حاصور، أورشليم... إكتشفوا السلاح والأعمال الفنية والكتابات ولا سيّما نصب الفرعون سيتي الأول في بيسان أو نصب الملك ميشع في ذيبان.
خارج فلسطين: عُثر في نينوى على مكتبة أشور بانيبال، وفي ماري على مكتبة مؤلّفة من 20000 لوحة آجر مكتوبة بخط أكادي وتشتمل على مكاتبات رسمية ووثائق تجارية، وفي أوغاريت على الواح مكتوبة بلغة أوغاريتية، وفي إبله (تل مرديخ، جنوب حلب)، إكتشفوا 17000 لوحة دوّنت في المسمارية وتعود إلى أواسط الألف الثالث.
واكتشف المنقّبون آثار الحثيين في بغازكوي وكركميش، وآثار الفينيقيين في جبيل (قبر حيرام). وعثروا في مصر على الكثير من البرديات والكتابات، وعلى نصب منفتاح ورسائل تل العمارنة، ومخطوطات نجع حمادي وكتاب الموتى وأناشيد على جدران الهياكل.

ب- السكان
كانت فلسطين مركزاً سكنياً يعود إلى ما قبل التاريخ. وقد قامت مدينة أريحا منذ الألف الثامن ق. م. بأبراجها وأسوارها.
حلّ الكنعانيون في فلسطين منذ الألف الثالث، وأقاموا مدناً مثل حاصور ومجدو وبيسان. ومن لغتهم إشتقت العبرانية.
ولحق بالكنعانيين الأموريون الذين نزحوا من البقاع اللبناني في الألف الثاني ق. م. وأقاموا في المرتفعات.
أما في بلاد الرافدين، فأقام السومريون (وهم شعب غير سام). إشتهروا بسلالة أور وسلالة لارسا (من القرن الحادي والعشرين إلى القرن الثامن عشر). توغّلوا في عالم الحضارة والفكر، واخترعوا الكتابة المسمارية. 
وسكن الاكاديون الساميون شمالي السومريين، واتّخذوا حضارتهم وكتبهم. من أشهر ملوكهم سرجون، ومن أشهر مدنهم أكاد.
عرفت البلاد الأموريين بمدينتهم ماري. ومن الأموريين نشأت سلالة بابل الأولى وأعظم رجالها حمورابي (1792- 1750) الذي اشتهر بمجموعة شرائعه. وعرفت الحوريين الذين أقاموا في نوزو (قرب كركوك اليوم. وجد فيها الواح تعود إلى القرن الخامس عشر)، وألّفوا نصف سكّان أوغاريت.
أما في مصر، فقد بدأت السلالات الأولى سنة 2900. تألّفت المملكة القديمة من السلالات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة. كانت مدينتها ممفيس، وعهدها عهد الأهرام، وكتابتها الكتابة الهيروغليفية (كتابة في شكل صورة).
وامتدت المملكة الوسطى من سنة 2030 إلى سنة 1720. ولكن الهكسوس (الملوك الرعاة) إجتاحوا البلاد وظلّوا فيها حتى سنة 1552 حين طردهم أحموسيس الأول مؤسس السلالة الثامنة عشرة ومؤسس المملكة الحديثة التي دامت إلى سنة 1070. وقد عُرف من هذه السلالة تحوتموس الثالث الذي مدّ سلطانه إلى الفرات، وأميحوتف المعروف باخناتون والذي حاول أن ينظّم ديانة توحيدية حول أتون القرص الشمسي. وسيتي الأول الذي ترك نصباً في بيسان، ورعمسيس الثاني (1290- 1224) الذي أرهق الأسيويين، ومنهم العبرانيون، بالأشغال الشاقة، ومنفتاح الذي خلف رعمسيس وترك كتابة في طيبة (1220) تشير إلى انتصاره على بني إسرائيل. 

ج- العبرانيون في أول عهدهم
في هذا الجو التاريخي عاش إبراهيم. توجّه من أور إلى حاران، قبل أن ينتقل إلى أرض كنعان. وتنقّل الآباء بين بلاد الرافدين وكنعان، ونزح قسم منهم (جماعة يوسف) إلى مصر.
هنا تتحدّث النصوص عن قبائل عبيرو، هؤلاء الغزاة في زمن السلم، والمرتزقة في زمن الحرب. أيكون هؤلاء أجداد العبرانيين؟ الأمر ممكن. حينئذ لا يكون بنو إسرائيل إلا قسماً من العبرانيين. هذا في التاريخ. أما في الكتاب المقدس، فالعبرانيون هم بنو إسرائيل أنفسهم والعكس بالعكس.
وبعد أن ذاقت جماعة يوسف (وغيرهم) الأمرّين في أيام رعمسيس الثاني، خرجوا من مصر حوالي السنة 1250 على يد موسى. فكان هذا الخروج إيذاناً بولادة شعب جديد وبدءاً بالتاريخ المقدس.
ودخل الشعب أرض كنعان بين سنة 1220 و1200، وعاشوا في أيام القضاة الذين كان آخرهم صموئيل والذي ارتبط اسمه باسم معبد شيلو. أقام العبرانيون في المناطق غير المأهولة، وكانوا على حرب مع سكان البلاد الأصليين (أي الكنعانيين) ومع الآتين من البحر (أي الفلسطيّين). 
وتكاثرت الأخطار على بني إسرائيل الذين تجمّعوا في نظام أثنيعشري (تخدم كل من القبائل الإثنتي عشرة المعبد شهراً في السنة)، فطلبوا إلى صموئيل ملكاً يوحّد كلمتهم. إختار لهم شاول البناميني (1030- 1010) الذي انتصر على بني عمون والفلسطيين، ولكنّه مات على جبال جلبوع. 

د- ألف سنة من التاريخ 
وخلف داود (1010- 970) شاول، وافتتح أورشليم حوالي السنة 1000 (سكنها اليبوسيون وهم قبائل كنعانية)، وجعلها عاصمة مملكته. ثم انتصر على الفلسطيين والموآبيين والعمونيين والأدوميين. وخلفه سليمان (970- 933) إبنه، فنظّم البلاد، وبنى الهيكل، واتصل بفرعون ملك مصر وحيرام ملك صور، واعتنى بالتجارة متعاوناً مع الفينيقيين، فازدهرت البلاد في أيامه، لا سيما وأن أيامه كانت أيام سلام.
لقد وصل الشعب إلى قمّة إنتظاره. صار له أرض وملك وهيكل، فماذا ينتظر بعد؟ لهذا عاد إلى تقاليده القديمة يتذكّرها ويجسّدها أخباراً شيّقة. تذكّر الإختبار الأساسي، وهو إختبار التحرّر من مصر. واكتشف اللّه ذاك المخلّص والفادي. وجمع أخبار الآباء (إبراهيم، إسحق)، فبيّن أن وعد الله لإبراهيم تحقّق مع داود. الله هو إله البركة.
وحين مات سليمان سنة 933، إنقسمت مملكته قسمين: مملكة الجنوب أو مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم، ومملكة الشمال أو مملكة إسرائيل وعاصمتها السامرة. ظلّت مملكة يهوذا أمينة لسلالة داود. وكان الملك موحّد الأمة وممثّلها أمام الله الذي يقيم وسط شعبه في الهيكل. 
وتنظّمت التقاليد في تاريخ مقدّس محوره يهوذا. وبرز في هذا الوقت أشعيا وميخا.
أما مملكة إسرائيل، فقطعت علاقاتها مع سلالة داود، فلم يعد للملك من أهمية دينية. من أجل هذا لعب النبيّ دور الملك فجمع الشعب وحافظ على الإيمان الذي هدّدته الديانة الكنعانية (بعل وعشتاروت). وتنظّمت التقاليد في تاريخ مقدّس محوره الشمال (شكيم، بيت أيل). وبرز الأنبياء إيليا، أليشاع، عاموس، هوشع. وجُمعت الشرائع في مملكة الشمال. وحين سقطت السامرة سنة 721 حمل الكتبة هذه الشرائع فأصبحت نواة سفر تثنية الإشتراع.
سقطت السامرة على يد الأشوريين. وستسقط أورشليم على يد البابليين سنة 587. وأجلى المحتلّ السكان. وهكذا عاش بنو يهوذا في المنفى مدة خمسين سنة. لقد خسروا كل شيء: خسروا ملكهم، خسروا أرضهم. فهل سيخسرون إيمانهم؟ قبل الكارثة، كان النبي إرميا قد نبّههم، ولكنهم رفضوا أن يسمعوا له. وبعد الكارثة، حاول كل من حزقيال وأشعيا الثاني أن ينعش فيهم الرجاء. وعاد الكهنة إلى التقاليد، فبحثوا عن معنى لآلام شعبهم. وهكذا دوّنوا ما يسمّى التقليد الكهنوتي. 
في سنة 538، سمح الملك الفارسي كورش لليهود بالعودة إلى بلادهم. فعادوا وأقاموا في فلسطين. لقد تنقّت الجماعة بالألم الذي احتملته في المنفى، وها هي تعيش في فقر يفتح قلبها على نداء الله.
في هذه الفترة، صارت التقاليد كتباً. جُمعت أقوال الأنبياء، وتنظّمت إعتبارات الحكماء في كتب (الأمثال، طوبيا، أيوب، الجامعة). وحوالي السنة 400 جمع الكاتب عزرا التقاليد المختلفة فألفّ البنتاتوكس أو أسفار الشريعة الخمسة.
في سنة 333، إحتل الإسكندر الكبير الشرق الأوسط، ونشر فيه الحضارة اليونانية ولغتها. وفي سنة 167، حاول ملك أنطاكية أن يفرض على اليهود أن يتخلّوا عن إيمانهم. ومن رفض الخضوع كان عقابه الموت. وبدأ الإضطهاد وامتد ثلاث سنوات إلى أن عاد الشعب إلى حرّيته الدينية سنة 164. في هذه الفترة، برز كتاب أسفار الرؤى: إنتظروا تدخّل الله في نهاية العالم. وفي هذا الوقت أيضاً وُلدت ثلاث مجموعات: الصادوقيون، الفريسيون، الاسيانيون. 
وفي سنة 63، سيطرت رومة على الشرق. وكان هيرودس ملك فلسطين قد حكمها منذ السنة 40 إلى السنة 4 ق. م. وفي أيامه وُلد يسوع المسيح.

خاتمة
نظرة جغرافية سريعة، ونظرة تاريخية سريعة. ولنا عودة إلى الجغرافيا والتاريخ فيما يلي. فقراءتنا للكتاب المقدس لا تنطلق من الكتب، بل من التاريخ الذي أحاط بولادة هذه الكتب، فتُبرز أكبر منعطفات التاريخ لدى شعب الكتاب المقدس. فالتحؤلات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية التي طرأت عليه، أحدثت أزمات في المجتمع ونظمه، كما في العلاقات بين الأفراد. فوجب على المؤمنين أن يعيدوا نظرتهم إلى طريقة حياتهم وتفكيرهم، كما إلى طريقة التعبير عن إيمانهم: كيف يفهمون الله وعلاقته بالكون والإنسان؟ وهكذا تشهد أسفار الكتاب على مجهود المؤمنين ليدركوا في كل أزمة ما هي المشكلة المطروحة وما هو الجواب الذي يقدّمه الله.
وهكذا سنتوقف عند المراحل المهمة في التاريخ البيبلي. نقدّم أولاً الأحداث التاريخية الحاسمة. ثم نتحدّث عن الأسفار التي دوّنت في كل مرحلة، فنبيّن كيف أن كل كاتب إجتهد أن يأخذ الحاضر في قلبه، فعبرَّ مرة أخرى عن إيمانه بلغة جديدة.

 

 

الفصل السادس 

الرعاة في الشرق ولا سيّما في كنعان

وننطلق في حديثنا من بدايات الشعب العبراني حوالي سنة 1800، ونتوقف عند سنة 1200. تتوّزع هذه الحقبة بين بلاد الرافدين ومصر وأرض كنعان. كيف نستطيع أن نتعرّف إلى هذه الحقبة؟ هل نمتلك وثائق قديمة وقريبة من الأحداث؟ نحن لا نملك وثائق من التاريخ الدينوي تتكلّم عن إبراهيم أو موسى وهارون. ولكننا نملك في التوراة صفحات تروي لنا أحداثاً حصلت في هذه الحقبة: هجرة إبراهيم وعشيرته من أور وحاران إلى أرض كنعان، الإقامة في أرض مصر بسبب الجوع الذي حلّ بالبلاد... ولكن هذه النصوص دوّنت بعد الأحداث بزمن طويل. وهي تقول لنا كيف تذكّر الشعب تاريخه، وكيف فسَّر الماضى على ضوء أحداث عصره. من هذا القبيل، تبدو هذه الصفحات مهمّة. ولكن يجب أن لا ننسى أننا لسنا أمام تقارير مفصلة، أو أمام لوحة تاريخية كما اعتاد العالم الحديث أن يقدّم لنا.
فهل نقول، والوضع هكذا، إننا لا نستطيع أن نعرف ما حصل قبل القرن العاشر، أي حين بدأ رجال سليمان يدّونون تقاليد القبائل؟ الجواب هو كلا. إلا أنّ بحثنا يفترض عملاً نقدياً يدرس عدداً من المعطيات ويتأكّد من صحّتها. ما هي المعطيات التاريخية في هذه التقاليد الشفهية التي سبقت تدوين هذه الوثائق، وكيف نربطها بالتاريخ العام الذي كتبته القوى الكبرى؟ هنا نستفيد من عمل المنقبين عن الآثار الذين بدأوا عملهم منذ أكثر من قرن، فساعدونا على اكتشاف طريقة عيش الشعوب القديمة: كيف كانوا يبنون المدن وينظّمون المجتمع وعالم العمل. ثم إن دراسة إجمالية لبعض المجتمعات القديمة، مثل مجتمع البدو، يساعدنا على التعرف إلى شعب التوراة كما عاش بين سنة 1800 وسنة 1200.
وهكذا يتطرّق هذا الفصل إلى موضوعين. في الأول نتساءل: كيف عاش الرعاة في الشرق الأوسط في تلك الحقبة وبمَ كانوا يؤمنون؟ في الثاني، نتوقف عند الوضع في كنعان، وعلائق الرعاة المتنقّلين مع سكان هذه البلاد. 

أ- حياة الرعاة في الشرق الأوسط
تتميّز حياة الرعاة عن حياة السكان المقيمين في ممالك وادي النيل (مصر) ووادي الفرات ودجلة (بابل). هم يتنقّلون من مكان إلى مكان، وهكذا تتوسّع دائرة تحرّكهم. يصلون إلى منطقة، فيشكّلون خطراً عليها. بل هم شكلّوا خطراً على الممالك الكبرى. "فجدار الأمير" الذي كان طوله 275 كلم لم ينجح في إيقاف المدّ الأموري الذي سيقيم شيئاً فشيئاً في بلاد الرافدين.
وما إن ضعفت مصر، حتى توجّهت إليها موجات من البدو، فأقاموا في الدلتا وكثر عددهم. وجاء وقت شكلّوا عنصر قلقٍ واضطراب في البلاد. 

1- كيف كانوا يعيشون
إن حياة الرعاة البدو لم تتطوّر كثيراً منذ آلاف السنين. هم يعيشون في أراضٍ فقيرة، في الصحراء أو على حدود الصحراء. يتألّف غناهم من قطيع المعز والغنم. وقد يكون لهم بعض البقر. وهذا القطيع ليس مُلك فرد من الأفراد، بل ملك العشيرة كلها. يهتمّ الرجال بحياة القطيع والنساء بالحياة في الخيمة. سلطة رئيس العشيرة لا تناقش، لا سيّما بالنسبة إلى النساء والأولاد والعبيد.
ومرّت الأيام فتعلّم الرعاة مهنتهم: عرفوا مواقع المياه والكلأ. حفروا الآبار وسدوها عند الحاجة ليرجعوا إليها فيما بعد. بحثوا عن مراعٍ جديدة كما بحثوا عن رعاة في عشيرة أخرى. وقد تجتمع العشائر بعضها مع بعض فتشكّل قوة لها اعتبارها.
لا يعيش الرعاة في عزلة تامة. فهم يقيمون علاقات مع أهل المدن والحضارات الكبرى: يبيعونهم محاصيلهم ويشترون منهم مصنوعاتهم. 
وكانت لدى هؤلاء البدو بعض قواعد من أجل الحفاظ على الحياة الجماعية: لا تقتل، لا تسرق، كرم أباك وأمك. حافظ على حق اللجوء، على حق الضيافة. 

2- إيمان هؤلاء وطريقة تفكيرهم
لهؤلاء البدو طريقة تفكيرهم، طريقة نظرتهم إلى العالم. إنها نظرة في أساسها دينية. ففي هذه الحياة البسيطة والشظفة في الصحراء، يتمحور إيمانهم حول عدد من الحقائق التي تهمّ حياة الجماعة. مثلاً، تماسك العشيرة حول جدّ مشترك يتذكرّونه. الأمل بمراعي أفضل وبنسل أكبر، عيد الإنطلاق الكبير في الربيع بحثاً عن الكلأ (عيد الفصح). كل هذا يرتبط بالإله (أو الآلهة) الذي به يؤمنون.

أولاً: الجد المشترك
إحتفظت لنا التوراة ببعض هؤلاء الجدود: يعقوب، إسرائيل، إسحق، إبراهيم، عيسو. هذه بعض أسماء، وهناك أسماء أخرى ضاعت. كان هذا الجدّ يعتبر أب القبيلة. إلتقى بالإله لقاءً تاريخياً. وهكذا صار إله الجدّ، إله العشيرة. فعشيرة إسحق عبدت إله إسحق. وعشيرة إبراهيم عبدت إله إبراهيم. كان ليعقوب إختبار مع إلهه عند وادي يبوق، فوجب على عشيرته (ولا سيما نساؤه) أن تتخلّى عن آلهتها لتعبد إله الجد (تك 32: 22- 32؛ 35: 1- 7).
ثانياً: آمال العشيرة
كانت العشيرة تأمل أقله أملين: أن تكتشف أرضاً طيبّة فيها الماء والكلأ. أن يكون لها نسل كبير ولا سيّما من الذكور. فهذا مهمّ من أجل حاجات العشيرة لئلا تسير إلى الزوال. وارتبط هذان الأملان بوعد ناله الجد من إله العشيرة. قال الرب لإبراهيم: "أنظر إلى السماء وأحصِ الكواكب إن استطعت. هكذا يكون نسلك" (تك 15: 5). وقال ليعقوب: "يكون نسلك (كثيراً) كتراب الأرض، وتنمو غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً" (تك 28: 14).

ثالثاً: الإنطلاق الكبير
يعيّد البدو كل سنة الإنطلاق الكبير. بعد أن أقاموا في أماكن محدّدة خلال فصل الشتاء، ها هم ينطلقون إلى المراعي خلال الصيف. وتحدّد الروزنامة القمرية وقت الإنطلاق: بدر الربيع (ليلة الرابع عشر من القمر). وكان هذا الإنطلاق مناسبة عيد ديني. يأخذون حملاً من القطيع، يذبحونه ويأكلونه مع خبز فطير (لا خمير فيه)، ويرشّون (ويدهنون) عمود الخيمة بالدم ليبعدوا الأرواح الشريرة التي يمكنها أن تضّر بالقطيع. هذا هو عيد الفصح الذي يرجع تنظيمه إلى أزمنة سحيقة. تبنّاه الشعب العبراني وربطه بخبرة خلاص من العبودية إلى العبادة. وكذا فعلت الكنيسة، فسمّت الفصح إنتقال يسوع من هذا العالم إلى الآب، بانتظار انتقالنا من الموت إلى الحياة. 
ما قلناه هنا لا ينحصر في الشعب العبراني. فكل قبائل البدو في ذاك الزمان كانت تعيش بهذه الطريقة وتؤمن هذا الإيمان. فإيمان عشائر إسحق ويعقوب وإبراهيم وعيسو لا يختلف عن إيمان سائر عشائر البدو. فبداية تاريخ الشعب الذي تتحدّث عنه التوراة هو جزء من تاريخ أوسع، من تاريخ هذا الشرف القديم الممتدّ من الفرات إلى النيل.

ب- أرض كنعان وعالم البدو 
1- أرض كنعان 
كنعان هي فلسطين الحالية تقريباً. أقام فيها الناس منذ القديم. حوالي سنة 3000 ق. م. جاءها شعب جديد، فطبع بطابعه معتقدات السكان السابقين. كانت الأرض بوراً لا تُفلح ولا تُزرع، يقُيم فيها وحش البر فلا تصلح للسكن. فجعلها هذا الشعب الجديد أرضاً مفلوحة وآهلة بالسكان. قد يكون الفينيقيون جاؤوا أيضاً إلى أرض لبنان في ذلك الوقت، على ما يقول بعض المؤرّخين.
كانت الأساطير القديمة عن الخلق تتحدّث عن الشواش (الفوضى) الذي يعم الكون. فحاربت الآلهة في البدايات هذا الشواش الأول، وصارعت وحوش الغمر والمياه العميقة، فانتزعت منها الخليقة. ولقد رأت هذه الشعوب القديمة في تأهيل كنعان وزراعتها سنة بعد سنة، رأت تحقيقاً آنياً لخلق تمّ منذ سنين وسنين.
ويجب على الشعب أن يتذكّر هذا العمل العظيم. لهذا زرع المذابح في كل مكان. زرعها على الجبال، لأن الجبل قريب من السماء حيث يقيم الإله. الأرض تربط هذه المذابح بالسماء، والبشر بالآلهة، والخليقة الحالية بالخليقة الأولى. وكيف يتم هذا الربط؟ بواسطة ذبائح مأخوذة من محاصيل الأرض. وكانوا يتذكّرون سُطُراً (وهذا ما نسميه عالم الميتولوجيا، حيث الخبر الشعبي يحمل فكرة دينية) إرتبطت بهذا الموضع المقدّس (المقام)، وروت كيف تجلى الإله المحليّ للناس في يوم من الأيام.
تجلىّ الرب لإبراهيم في شكيم "فبنى هناك مذبحاً للرب الذي تجلىّ له (تك 7:12). ثم في بيت إيل، "فبنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب" (تك 8:12). هذا يعني أنه جعل إلهه ربَّ هذا الموضع وسيّده. وهكذا فعل يعقوب بعد أن رأى حلماً دلّه على حضور الله في هذا المكان: "أخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه، وأقامه نصباً (بشكل مسلة تدل على حماية الله)، وصبّ على رأسه زيتاً" (تك 18:28).
في ذلك الوقت، عرف الكنعانيون عدداً من الآلهة الذكور والإناث، بعضها قديم وبعضها جديد. ولكنهم توجّهوا مع سائر الشعوب السامية إلى الإله الأعلى إلى "إيل"، خالق الخلائق) و"ثور أبي" (هذا يدلّ على القوة وعلى الخصب). غير أن عبادة هذا الاله الأعلى إنتشرت قي أمكنة محدّدة. ففي بيت إيل، عبد الكنعانيون "إيل بيت إيل" أي الذي مذبحه في بيت إيل (تك 13:31). وفي شكيم، عبدوا "إيل بريت"، إله العهد (قض 9: 4). وكانت أورشليم مقام "إيل عليون"، الإله العلي والرفيع (تك 14: 18، كاهنه ملكيصادق). وفي بئر سبع، عبد الكنعانيون "إيل عولم" أي الإله الأزلي وربما إله العوالم (تك 21: 33). بعد هذا، إحتلّ بعل، إله الخصب، مكانة مميّزة. فقد ارتبط بزراعة الأرض وبالطبيعة التي تموت وتقوم كل سنة. ولكن لا ننسى أننا ندرس ديانة الرعاة لا ديانة الفلاحين. لهذا لن يكون لبعل أي تأثير عليهم.

2- إتصال كنعان بالبدو
بين السنة 1800 وسنة 1200 ق. م. جاء أنصاف البدو (جمعوا بين حياة الرعاة وحياة الفلاحين) من الشرق والشمال. وجاء إبراهيم مثلهم. إجتازوا أرض كنعان وأقاموا فيها زمناً طويلاً أو قصيراً. وقد احتفظت التوراة بتذكّر لهذه الهجرات (رحيل وتنقّل) في نصوص قديمة إرتبطت بمعابد العبرانيين. حين يأتي المؤمن فيقدّم بواكير الأرض يقول: "كان أبي أرامياً تائهاً" (تث 26: 5)، شأنه شأن البدو والرحل. واحتفظ لنا سفر يشوع (24: 2- 3) بصلاة الجماعة في معبد شكيم: "سكن آباؤكم منذ القديم في عبر (الجهة الأخرى) النهر (الفرات). وعبدوا آلهة أخرى. فأخذت إبراهيم أباكم من عبر النهر وقُدته (جعلته يسير) في جميع أرض كنعان".
عرفت كنعان "المدينة المملكة". كل مدينة تشكّل مملكة. أو شبه دولة. يقيم الشعب داخل الأسوار، ويذهب إلى زراعة أرضه. وكان لكل مدينة وسائل الدفاع. لها "ملك" يمسك بمقاليد السلطة، ولها إله يحميها من الغرباء والأعداء.
ولكن وُجدت بين هذه المدن أمكنة غير مسكونة يتنقل فيها الرعاة. وهكذا اتصل البدو بشعب الأرض، بهذه المدن الممالك. ظلّوا يعيشون أولاً حياة البداوة ثم اكتشفوا ديانة الشعوب القديمة في البلاد. رأوا المذابح على الجبال (هذا ما تسميّه التوراة المشارف). سمعوا الأساطير التي تُروى هنا وهناك، واكتشفوا إيمان الكنعانيين بإلههم العظيم "إيل".
وتمّت هذه الإتصالات في أماكن محدّدة. توقّفت عشيرة يعقوب في منطقة بيت إيل، فاكتشفت إله الموضع. وأقامت عشيرة إسرائيل في منطقة شكيم، وعشيرة إسحق في بئر سبع.
إهتمّ الآباء بالمعتقدات الدينية لدى الكنعانيين، فلم يرذلوها. ولكنهم أحسوا بالفرق بين ديانة الكنعانيين وديانتهم. فإله الكنعانيين يرتبط بمكان، بمذبح، بمعبد. أما إله البدو فيرتبط بمجموعة من الناس، يرتبط بالعشيرة. وفسّرت الأساطيرُ الكنعانية بداية هذا المعبد أو ذاك بتدخّل سرّي للإله. أما البدو فجعلوا في أساس إيمانهم خبرة دينية عاشها جدُّهم. عبدَ الكنعانيون إله بيت إيل، إله بئر سبع، إله شكيم. عبدوا الإله في مكان من الامكنة. أما العبرانيون فعبدوا إله إبراهيم، إله إسحق، إله يعقوب. عبدوا الإله في مكان من الأمكنة.
ولكن مع الوقت، ماثل شعبُ التوراة "إيل" إله الكنعانيين العظيم مع إله جدّ القبيلة. وحين اتّحدت القبائل فيما بعد، صار إله الآباء "إله إبراهيم وإسحق ويعقوب". وهكذا أخذ شعب التوراة ببعض السطر أي ببعض الأخبار التي تحاول أن تقدّم تفسيراً بالصورة والتعبير عن الحياة والتاريخ والعالم. أخذوا سطر كنعان، ولكنهم فسروّها بالنظر إلى تاريخهم وإلى إيمانهم الخاص.
ونتخيّل الطريقة التي بها تمّ هذا التحول. بيت إيل هي موضع عبادة كنعانية. وبيت إيل تعني "بيت الإله إيل". لقد روت أسطورة كنعانية قديمة أن إيل الإله العظيم نزل في ماضٍ سحيق، نزل على الأرض في بيت إيل، كما ينزل الكهنة على درجات الهياكل العظيمة صاحبة الطوابق السبعة في بلاد الرافدين. وفي يوم من الأيام، عبرت عشيرة يعقوب البدوية الأردن، وأقامت في منطقة بيت إيل. كان أهل العشيرة يؤمنون باله يعقوب، إله العشيرة. سمّوه "إله يعقوب الذي لا يُقهر". هو "دبير" وقد يعني الملك، أو المرتبط بأهل الوبر (أي البدو) (تك 29: 24). إن بني يعقوب مقتنعون بأن إلههم أعطاهم القدرة لكي يأتوا إلى هذا المكان. واكتشفوا مذبح بيت إيل. وعرفوا الأسطورة الكنعانية التي تفسّر بدايات هذا المعبد: في يوم من الأيام نزل إيل الإله العظيم على الأرض في هذا الموضع. وارتبطت عشيرة يعقوب بهذه المنطقة. وما عتمّ أن اجتمع إسم يعقوب مع اسم بيت إيل. واسطورة الإله الذي نزل على الأرض في بيت إيل صارت حكاية يرويها أناس يؤمنون بإله يعقوب. وحوّلوها وحددّوا معناها، فصارت في التوراة كما يلي: "رأى يعقوب حلماً: إنتصب على الأرض سلّم يلامس رأسه السماء. وكان ملائكة الله يصعدون وينزلون عليه. فوقف الرب بقربه وقال له: أنا الرب، إله إبراهيم وأبيك وإله إسحق. الأرض التي أنت نائم عليها، لك أعطيها ولنسلك" (تك 28: 12- 13).
ما الذي حدث؟ تبنّى العبرانيون الأسطورة الكنعانية. أجل، نزل الله من السماء إلى بيت إيل. وظهر لأبينا يعقوب. وهكذا صار "إيل بيت إيل"، الإله الكنعاني، صار إله اللآباء. أجل، إله البدو صار إله يعقوب وعشيرته. فإله سطرة إرتبطت بمعبد، صار إله شعب يتذكر تاريخه.
ففي نظر شعب التوراة، تجذّر الإتحاد بين إله الآباء وإله معابد الكنعانيين في إختبار بشري عميق جداً، وهو اتحاد تمّ حين اتّصل هؤلاء البدو (بتاريخهم) مع سكان "المدن الممالك" مع تاريخهم. وهذا الإكتشاف دلّ على أن إله الآباء الشخصي هو الإله الذي يعطي أيضاً الخصب في بيت إيل، فأثر على شعب التوراة في المستقبل. وهكذا سيضيّعون يوماً من الأيام بين الإله الحقيقي وبعل الذي يحرك العاصفة ويعطي المطر.

 

 

الفصل السابع

الشعب العبراني من مصر إلى كنعان 

توقفّنا في فصل سابق عند الشعب العبراني الذي جاء من الشرق، من بلاد الرافدين (تقابل العراق تقريباً)، فوصل إلى أرض كنعان وتخلّق بأخلاق أهلها. وها نحن نرافقه إلى أرض مصر في مجموعة صغيرة قبل أن يعود إلى أرض كنعان.
ننتقل أولاً إلى مصر، فنتعرّف إلى علاقات هذا البلد الكبير بالبدو الآتين من آسيا: كيف دخلوا إلى أرض مصر، وكيف أُخرجوا منها. ونرافق ثانياً هؤلاء العبرانيين ساعة خروجهم من أرض مصر. خرجوا على دفعات وكان الخروج مع موسى هو الأخير.

أ- مصر وآباء شعب التوراة
كانت مصر قوّة سياسية بين سنة 1800 وسنة 1200. وبعد أن كانت في الذروة، نزلت إلى الأعماق، ثم بدأت صعودها شيئاً فشيئاً. كل هذا سيؤثّر على مصير البدو الذين إتصلوا بمصر في هذه الحقبة الطويلة من الزمن. 

1- إنحطاط في مصر
حوالي سنة 1800، بدت مصر بلداً ناحجاً مزدهراً، بدت أرضاً موحّدة. قامت المملكة بأعمال ذات طابع عام منها تجفيف أراضي واسعة في جنوبي غربي مدينة ممفيس. وامتلكت "الدولة" جيشاً مؤلّفاً من المصريين، لا من المرتزقة الغرباء، فأمنّوا حماية الحدود. ونمت الزراعة بعد أن تطوّرت أساليب الريّ، وكبرت المدن وتكاثرت، وتنظّمت الصناعة والتجارة كما صار الذهب "العملة المتداولة".
غير أن جميع السكان ما كانوا ينعمون بهذا الإزدهار. فالعلائق الإجتماعية هي في خطر. فالعبيد الذين أسرتهم الحرب كثروا جداً. وافتقر الفلاحون بعد أن أرهقتهم الضرائب وأعمال السخرة. وبدأت القلاقل منذ سنة 1800، فدخلت البلاد في فترة من الصراعات الداخلية والثورات دامت قرابة ثمانين سنة.
في تلك الفترة كانت السلطة المركزية شبه غائبة، والحدود مفتوحة على مصراعيها. فاستفاد البدو الأسيويون من هذا الوضع، وتوغلّوا بأعداد كبيرة في المراعي الخصبة حول دلتا النيل. وكان بينهم عدد من العشائر العبرانية. وجاء ملوك غرباء. جاؤوا من الشرق، وربّما من منطقة كنعان، وتسلّموا مقاليد الحكم. سمّوا الهكسوس أو الملوك الرعاة ودام حكمهم قرابة قرن ونصف قرن من الزمن. 

2- طرد الأسيويين (1550)
وبدأت حرب التحرير ضد الهكسوس إنطلاقاً من جنوبي البلاد. وكان على رأس هذه الحركة ملك طيبة، كاموسي. وبعد صراع طرد الهكسوس. ولكن لم يخرج هؤلاء الملوك الغرباء وحدهم، بل خرج معهم البدو الأسيويون الذين أقاموا في مصر مع تسلّط الهكسوس عليها. وكان بين هؤلاء البدو عدد من العشائر العبرانية. وهكذا نستطيع أن نتحدّث عن خروج أول من مصر، هو خروج بشكل طرد وترحيل، وقد حدث حوالي سنة 1550. وقد أشارت إليه التوراة في خر 6: 1 ب: "سيطردهم من أرضه". وفي 11: 1: "يطردكم (فرعون) من هنا طرداً". وفي 12: 39 يكلّمنا النص عن العبرانيين "الذين طُردوا من مصر، فأجبروا على الرحيل".
في تلك الحقبة، تجاور سكان عديدون في كنعان. فانضم إلى الكنعانيين القدماء قبائلُ هندو أوروبية جاءت من جبال أرمينيا، فكانت جزءاً من هجرة دامت سحابة ألف سنة. عبدوا الشمس والنار وعرفوا الفرَس. فرضوا نفوسهم على سكّان المنطقة بصورة مسالمة، فكانوا أرستوقراطية غريبة، ودعموا النظام الإقطاعي في المدن الممالك، وسيطروا على بعض منها. وفي ذلك الوقت، لبثت قبائل البدو تتحرّك قبل أن تقيم في المنطقة. غير أنها ظلّت تعيش على هامش المجتمع. 

3- مصر وكنعان
بعد أن طَرَدت مصر الهكسوس، دخلت في مرحلة المملكة الحديثة. توحدّت البلاد من جديد ونمت الزراعة، وتوسّعت وسائل الإنتاج. وتقوّى الجيش وتخصّص، وتنظمّت نخبة من قوّاد المركبات، تألفت من الأغنياء والنبلاء. وهكذا تكوّنت مملكة حربيّة قوية. قام الفرعون تحوتمس الثالث (1501- 1447) بسبع عشرة حملة في كنعان، فسيطر عملياً على البلاد كلها. وظلّت هذه السيطرة حتى أمينوفيس الرابع (الفرعون الهرطوقي) الذي حاول أن يدخل التوحيد من خلال عبادة الإله الشمس معارضاً الكهنة المصريين. وقد اكتُشفت رسائل دوّنت على 350 لويحة، أرسلت من كنعان إلى مصر. اكتشفت في تل العمارنة فأعطتنا عدداً من المعلومات عن هذه الحقبة.
ما هو الوضع في كنعان بعد الحملات المصرية؟ إتّبع الفراعنة خطّين سياسيين. من جهة، تركوا المدن الممالك مستقلة. ومن جهة ثانية، فرضوا على الأمير أو الملك قسَم الولاء والخضوع، مراقبة طريق الحنطة، الضرائب، أعمال السخرة. وتوزعت في عرض البلاد وطولها، مدن محصّنة عرفت بأمانتها لمصر. لا شك في أن مثل هذا الوضع كان له تأثيره أيضاً على البدو المقيمين في كنعان.

4- العبرانيون ومصر
أقامت بعض عشائر البدو في مناطق تحميها قلاع محصنة. فالذين استقرّوا قرب سهل يزرعيل الخصب، كانوا عمّالاً في مزارع فرعون التي اشتهرت بحنطتها. وهذا هو أصل إسم قبيلة يساكر: عبد السخرة، ذلك الذي ينال أجره على عمله (تك 49: 14- 15). وأقامت عشائر أخرى في منطقة جبلية وحرجية، تسهّل لها عمل السلب والنهب. فتجنّد الرجال لدى أمراء يقاومون تسلّط مصر على البلاد. هذا هو وضع عشيرة ماكير. فهذا الإسم يعني "المؤجرّ" أو "المباع". فيوسف الذي نعرف قصة حياته (تك 37- 50) يعود إلى هذه المنطقة. ويشير عدد من الوثائق المصرية إلى هؤلاء العائشين على هامش المجتمع (عبيرو) الذين صاروا أسرى حرب في مصر. وأخيراً، ما زال البدو الأسيويون في تلك الفترة يمرّون قرب دلتا النيل أو يقيمون فيه.
ونستطيع القول إن إرتباط أجداد العبرانيين بمصر كان على ثلاثة أنواع: أعمال السخرة في شمالي كنعان، حرب العصابات في الوسط والإنتقال إلى مصر كأسرى حرب يباعون عبيداً، عبور بعض عشائر البدو في المناطق الحدودية.

5- الهرب من مصر
وفشل الإصلاح الديني الذي قام به أمينوفيس الرابع (1424- 1388). فسيطرت سلالة جديدة من الفراعنة في مصر. جاءت من دلتا النيل، فعرفت تلك المنطقة ازدهاراً كبيراً. فبُنيت في عهد رعمسيس الثاني المدن والهياكل والقصور ومراكز المؤن. وأستعملت مصرُ لهذه الأعمال أسرى الحرب الذين بيعوا عبيداً، وكان بينهم العبرانيون. ولكن هذا لا يكفي. لهذا أخضعت مصر لأعمال السخرة الأسيويين الذين أقاموا في المناطق الحدودية. مثل هذا التبدّل في ظروف الحياة لم يكن يُطاق لهؤلاء البدو الذين إعتادوا على عمل يعود بالربح على عشيرتهم ويبقيهم أحراراً في تنقلاّتهم.
فثاروا حوالي سنة 1250. ورحلوا من مصر بقيادة موسى وباسم إلههم. لاحقهم جيش فرعون فأفلتوا منه. كوّن الهاربون مجموعة متنوّعة. فكان منهم العبيد الذين عملوا في ورشات البناء وأسرى الحرب وأنصاف بدو أقاموا في تلك المنطقة. هذا ما سمّي الخروج الهرب.
شكّل هربُ هذا الخليط من الناس خبرةَ تحرّر لا مثيل لها. وقد تكون بعض مركبات الجيش الفرعوني المرابطة على الحدود قد غرقت في مستنقعات تقع شمالي البحر الأحمر. فرأى الهاربون في هذا الوضع، إنتصاراً لإلههم الذي حارب لأجلهم. ونقلت إلينا التوراة ردّة قد تكون قريبة من الأحداث أنشدها الهاربون: "أسبحّ الرب فقد قام بعمل رائع. الفرس وراكبه طرحهما في البحر" (خر 15: 1). 

6- من هو يهوه
تحدّثنا حتى الآن عن "إله الآباء"، وعن الإله العظيم "إيل". فماذا نقول عن يهوه، الإله الذي هو، الإله الكائن؟ إنه يدلّ على الإله الشخصي الذي حرر العبرانيين من مصر. وفيما بعد ستماثله التوراة مع إله الآباء الذي تماثل مع الإله إيل. ولقد لعب موسى دوراً كبيراً في هذا الاكتشاف. غير أن للإله يهوه ميزة محدّدة، وقد جاءته من حدث الخروج. إنه إله الحرب، وهو وبهذا يختلف عن إله الآباء والإله إيل. هو إله حارب من أجل شعبه ضد فرعون. وهو إله سيحارب من أجل شعبه على مدّ تاريخه. 
توّقفنا بعض الشيء عند حدث "الخروج الهرب". والسبب في ذلك هو أن شعب التوراة سيعود إليه دوماً على أنه الحدث المؤسّس للشعب. ولكتنا لا ننسى أن وثائق ذلك العصر لا تعطينا أية معلومة عن هذا الموضوع. نحن أمام مجموعة صغيرة من أنصاف البدو تركوا أرض مصر وتحرّروا من أعمال السخرة. مثل هذا الحدث لا يستحقّ أن يدخل في التاريخ، لا سيما وأنه لا يشّرف المهتمين بأمور الكتابة (الملك أو الأمير). 
أول مرّة نقرأ إسم إسرائيل (لا ننسى أنها كانت مجّرد عشيرة) على وثيقة قديمة كانت سنة 1220. دوّن منفتاح، خلَف رعمسيس الثاني، على مسلة انتصاراته الحقيقية والخيالية. ونقرأ في لائحة الشعوب المهزومة: "دمّر إسرائيل فلم يعد له نسل ولا زرع". 

ب- العبرانيون والتقلّبات الكبرى حوالى سنة 1200
عرفت قوى الشرق الأوسط العظمى حالة من الضياع. فمصر تسيطر عليها الصعوبات والمتاعب. ومملكة الحثيين الواسعة (في آسية الصغرى، أي تركيا الحالية) قد دمرّت تدميراً نهائياً. وماتت المعاهدة الأبدية التي حدّدت سنة 1280 مناطق نفوذ المصريين والحثيين، كما تحطّم التوازن السياسي. 
وظهرت شعوب جديدة. فجاء من الغرب بحّارة شجعان لا يهابون الموت. إجتاحوا بأسلحتهم شواطىء مصر ثم شواطىء كنعان. وكان منهم الفلسطيون. وفي الشرق، تواصل ضغط القبائل على المدن الممالك. وعلى حدود الصحراء، تنظمت بعض الشعوب في ممالك، فكان المديانيون والإسماعيليون. وفي فلسطين، إختبأ ملوك كنعان في مدنهم المحصّنة. وإن هجرة هذا الخليط من البشر الذين خرجوا من مصر مع موسى، تجد موقعها في هذا الوضع الدولي. وتتوّزع هذه الهجرة على مرحلتين: الطريق في البرية أو في الصحراء، والدخول إلى كنعان. 

1- الطريق في البرية
أفلت العبرانيون من جيش فرعون المرابط على الحدود، فعرفوا الحرية التي طالما تاقوا إليها. ولكن كيف العمل ليقوموا بأود حياتهم؟ فأمامهم صحراء سيناء الجبلية، ووسائل العيش فيها هزيلة.
وفرضت صعوبات الحياة في الصحراء على هذا الحشد أن يصير شعباً. عليه أن يمشي يوماً بعد يوم، ويبحث عن مواضع مياه. هم يخيّمون في مكان واحد، يسيرون في الطريق معاً، يقبلون بطعام بسيط، يقتصدون في أكلهم، يحاربون أصحاب السلب والنهب. ولا بدّ من المحافظة على تماسك المجموعة التي منها تبرز حركات تمرّد ضد موسى. نحن هنا أمام مسائل جماعية تتطلّب حلولاً جماعية.
ويجب على هذه المجموعة أيضاً أن تفضّ الخلافات وتؤمّن العدالة. وموسى لم يَعُد يكفي لهذه المهمة. فأحسّوا بالحاجة إلى تنظيم، إلى تعلّم طرق ممارسة العدالة. أحسّوا بالحاجة إلى شرائع وقوانين. فنظمّ موسى الشعب وأقام مسؤولين، كما رتّب أساس شريعة وُلدت من الخبرة وأنطبعت بالإيمان بالله. هذا الإله الذي حرّر شعبه، قد رافقه في تجواله، وعبرّ له عن إرادته بهذه الشريعة. فالوصايا العشر (20: 1- 21) كانت نواة هذا التشريع في أول تعبير له: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور.
إنتقال من حال من الفوضى إلى شعب منظّم، وقد كان خبرة بشرية من الطراز الأول. وكان أيضاً خبرة دينية فريدة. وتلاحمَ الشعب، كما تقوّى إيمانه بالرب. وساعد الإطار المهيب الذي تتمتع به صحراء سيناء على إعطاء هذه الخبرة طابعاً عجيباً.

2- الدخول إلى كنعان
خرج الشعب من مصر، ولكنّه لم يبقَ في الصحراء. فسنجده في كنعان بعد عشرات السنين. فما الذي حدث؟ وكيف دخل العبرانيون إلى كنعان؟ 
لم يتمّ الدخول إلى كنعان دفعة واحدة، ولا بشكل واحد، ولا عبر طريق واحدة، ولا بقيادة رئيس واحد. هناك عشائر تغلغلت من الجنوب. وأخرى دارت إلى الشرق ودخلت من هناك. بعض القبائل أقام في شرقي الأردن. وبعض العبرانيين عبروا الأردن بقيادة يشوع، خليفة موسى، واجتاحوا وسط كنعان. ولا ننسى أن عدداً من العشائر كانت تقيم في كنعان، ولا سيما في الشمال، وأنها لم تنزل يوماً إلى مصر.
لقد تحدّثنا عن خروجين، عن خروج طرد تمَّ حوالي سنة 1550، وخروج هرب تمَّ حوالي سنة 1250. وهناك تقليد بيبلي يتحدّث عن خروج إحتلال، وكأن الواصلين الجدد إحتلوا كنعان في حرب خاطفة. غير أن الواقع هو أكثر تشعباً وتعقيداً. فقد كانت تغلغلات مسالمة وتدريجية إرتبطت بالبحث عن المراعي. وفي بعض المواضع، عُقدت إتفاقات مع أهل البلاد. ولكن لا بدّ من الوقوف أمام المدن المحصّنة، ولهذا بدت الحرب ضرورة ملحّة. وكانت انتصارات نسبها العبرانيون إلى الله المحارب. وكانت هزائم. ويبدو أنه حين وصل يشوع ورجاله إلى أرض كنعان، ثارت قبائل الشمال ضد الأمراء الكنعانيين، وهكذا انفتحت الطريق أمام العبرانيين. 
وما إن وصل العبرانيون إلى البلاد حتى طُرحت عليهم مشاكل عديدة. وإحداها وحدة العشائر العبرانية المبعثرة في مناطق واسعة والممزوجة بالشعوب الكنعانية. فلا بدّ من ترسيخ هذه الوحدة. فاختار يشوع مدينة في وسط البلاد هي شكيم. فدعا كل الذين عادوا من مصر والذين ظلّوا في البلاد ليلتئموا في جماعة كبيرة. وهناك عرَضَ عليهم أن يختاروا يهوه كفله لهم. قال لهم يشوع: "أنتم شهود على أنفسكم أنكم اخترتم الرب لتعبدوه". فقالوا: "نحن شهود". فقال لهم: "إنزعوا الألهة الغريبة التي فيما بينكم، ووجّهوا قلوبكم إلى الرب إله إسرائيل". فقال الشعب ليشوع: "الربَّ إلهنا نعبد ولصوته نسمع" (يش 24: 22- 24). 
وكان عهد ديني قام على وحدة الدم في القبائل، على امتلاك أرض يقيمون عليها، على إيمان بيهوه الرب. وهكذا وُلدت رابطة القبائل الإثنتي عشرة. وهذا ما نسميه النظام الإثني عشري. بمعنى أن كل قبيلة تخدم المعبد المركزي شهراً واحداً من أشهر السنة.

3- التذكّر والواقع
عاشت هذه القبائل مفردة أو مجتمعة أحوالاً مختلفة. فما الذي بقي منها في حياة إسرائيل وتفكيره في القرون اللاحقة؟ هناك أولاً تذكّر الماضي، وثانياً الواقع الحالي.

أولاً: التذكّر
إنّ عدداً من الأحداث قد طبع بطابع عميق هذه العشيرة أو تلك، فانتقلت إلى ذاكرة العشائر الجماعية. مثلاً: هجرة الآباء القديمة وإيمانهم، العبودية في مصر، التحرّر والإيمان بيهوه الإله المحرّر، طريق الصحراء وصعوباتها، شخصيّة موسى وعمله، إنتصارات يهوه حين الدخول إلى أرض كنعان.
لا شك في أن كل قبيلة لم تعِش كل هذه الأحداث. وكلها لم تنزل إلى مصر. وكلها لم تتبع موسى. وكلها لم تشارك في الدخول إلى كنعان. وكلها لم يكن لها الإختبار الديني الواحد. ولكن ما تذكّرته عشيرة واحدة على مدّ التاريخ، صار شيئاً فشيئاً تذكّراً للشعب كله. وفي المستقبل، سوف يتحدّث الكتّاب عن هذا التاريخ، وكأن كل الشعب وُلد من إبراهيم، كما لو أن كل الشعب كان عبداً يعملِ في مشاريع البناء في مصر، كما لو أن كلّ الشعب عبر البحر الأحمر. فَعرْضُ الأمور على هذا الشكل ليس بخدعة. ولكن حين يُذكر التاريخ الماضي يعي الشعب وحدته. فليس من تاريخ حيادي. كل تاريخ يُكتب من أجل هدف. والتاريخ المقدّس يهدف إلى إعطاء الشعب تعليما دينياً وضمّه في بوتقة واحدة. 

ثانياً: الواقع
حوالي السنة 1200 كان عدد من الوقائع مشتركاً بين مختلف العشائر العبرانية. هناك احتلال بلد معّين، حاجة إلى التضامن والقتال المشترك من أجل البقاء. وهناك عدد من العادات وأساس تشريعي يعود إلى موسى أو ينتسب إليه. وهناك الإرتباط بيهوه، الإله الذي حرّرهم من مصر، والذي يقدّمون له شعائر العبادة في مكان محدّد.
تجذّر إيمان شعب التوراة في التاريخ الماضي، فعبرّوا عنه وجدّدوه خلال اختبارات جديدة، كما ربطوه بحياتهم. ولكن هذا. الإيمان إمتزج بمعتقدات وممارسات دينية، فما كان فقط عبارة مجرّدة ومحجرّة. إنه إيمان شعب يسير مسيرته باتجاه الله، ولهذا فهو سينمو نمواً عجيباً وفريداً في تاريخ البشرية. وهذا ما تشهد له أسفار التوراة.
وهكذا وعت العشائر العبرانية شيئاً فشيئاً أنها شعب، وذلك بفضل التاريخ الذي تذكّروه، والأرض التي أقاموا فيها، والشريعة التي مارسوها، والإيمان بيهوه الإله المحرّر. 

ج- نظرة شاملة 
1- التوراة قبل التوراة
في الفصول اللاحقة سنقدّم الأسفار البيبلية التي دوّنت في الحقبة التي ندرس. أما في هذا الفصل فلا كتب نعرضها. فساعة انتهت المرحلة التي تجولنا فيها، حوالي سنة 1200، لم يكن بعد كُتب أي سفر من أسفار التوراة. فتدوين التوراة سيبدأ فيما بعد.
ولكن هل نقول بفراغ مطلق بين الأحداث التي قدمناها في هذا الفصل (وقعت بين 1800 و1200) وتدوينها في أول الأسفار البيبلية (حوالي سنة 950)؟ كلا. فالشعب استعمل وسائل أخرى، غير الكتابة، لحفظ التذكّرات ونقلها، لحفظ الشرائع والفرائض ولنقل الإيمان. كل هذا تم بالطريقة الشفهية، من الوالد إلى الأولاد، من المعلّم إلى التلاميذ، من الشيوخ إلى الشبّان. وكان هذا النقل يتمّ بصورة طبيعية، لا بشكل درس مجرّد. فبعض المواضع تذكّر المؤمنين بما حدث قربها. ها هنا بئر. إلى هنا جاء أبونا يعقوب مع قطيعه. ها هو قمر الربيع الأول. في ذاك الوقت حرّر الرب الشعب من مصر. وهكذا عيّدوا الفصح. وقع خلاف بين الرعاة: تذكر الشيوخ شريعة موسى. حدثت عاصفة قوية ومطر متدفّق فعادت إلى أذهانهم صور عن الله الذي ترمز إليه البروق والرعود.
وهكذا دُوّنت التوراة على الشفاه قبل أن تدوّن على "الورق". لقد دوّن قسم منها في تقليد العشائر الحي. فالعبراني يرى الوحدة في الحياة اليومية، في التفسير الديني لهذه الحياة بحاضرها وماضيها. ولكن لا ننسى أنه لم يكن هناك تقليد واحد، بل تقاليد شفهية عديدة، إحتفظت بها هذه العشيرة أو تلك. وحين بدأت العشائر تنضمّ بعضها إلى بعض، دمجت هذه التقاليد. ولكن كما أن وحدة العشائر لم تكن يوماً كاملة، فلم تكن يوماً تقاليد إسرائيل واحدة بل ظلّت متنوّعة. 

2- بعض النصوص القديمة
لا نستطيع أن نقدّم نصوصاً دوّنت بين سنة 1800 وسنة 1200. لهذا نشير إلى تقاليد معاصرة لتلك الحقبة القديمة التي تجوّلنا فيها. إن هذه التقاليد ستدخل في مجموعات متحرّكة، وسيفسرّها الكتّاب الملهمون بالنظر إلى هدفهم حين دوّنوا كتبهم.

أولاً: نشيد الإنتقام
إنه يذكّرنا بممارسة الإنتقام بين القبائل في الماضي السحيق وقبل تشريع موسى الذي يضع حداً للأخذ بثأر الدم. "أجل، قتلت رجلاً لأنه جرحني، وولداً لأنه خدشني. أجل، يُنتقم لقايين سبع مرات، ولكن للامك سبعاً وسبعين مرة" (تك 23:4- 23).
لا حدود للانتقام في شريعة الغاب. أما في الإنجيل فلا حدود للمغفرة. سأل بطرس يسوع: حكم مرة يخطأ إليَّ أخي وأغفر له: أسبع مرات"؟ فأجاب يسوع: "لا سبع مرات بل سبعين مرة سبع مرات" (مت 18: 21- 22).

ثانياً: شريعة المعاملة بالمثل
نحن هنا أمام تطوّر بالنسبة إلى النص السابق. الهدف هو المساواة. تتساوى الجريمة مع العقاب لدى الصغار والكبار. "حياة (نفس) بحياة، عين بعين، سنّ بسنّ، يد بيد، رجل برجل" (تث 19: 21). من أخذ عين أحد تُؤخذ له عينه. لا يؤخذ له رأسه. إذن، وضعَ المشترع حدوداً للعقاب والإنتقام.
ولكن قال يسوع: "سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. أما أنا فأقول لكم: لا تنتقموا مّمن يسيء إليكم. من لطمك على خدك الأيمن، فحوّل له الآخر" (مت 38:5- 39).

ثالثاً: الوصايا العشر
نجد هنا بعض عناصر الوصايا العشر، ويمكن أن تعود إلى موسى. إنها أساس ما سيسمّى فيما بعد شرعة حقوق الإنسان: "أكرم أباك وأمك. لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور" (خر 12:20- 16).
سيعمّق يسوع متطلبّات هذه "الوصايا". "قيل لآبائكم: لا تقتل. أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه باطلاً إستوجب الدينونة... وسمعتم إنه قيل لآبائكم: لا تزنِ. أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى إمرأة فاشتهاها، زنى بها في قلبه" (مت 5: 21- 22، 27- 28). 

رابعاً: الختانة
نحن هنا أمام تقليد قديم لختانة إبن موسى وصفورة. يرجع ولا شك إلى قبيلة مديان التي استقبلت موسى الهارب من مصر. "ولما كان في الطريق، توقّف بعض الشيء. فاقترب منه الرب وحاول أن يقتله. فأخذت صفورة صوّانة وقطعت قلفة ابنها ومسّت رجليه (رجلي موسى، إرتباط بالولادة) وقالت: أنت لي عروس دم. فتركه (الرب) حين قالت: عروس الدم، من أجل الختان" (خر 4: 24- 26).
أجل، هناك قيمة تكفيرية للختان، الذي يرتبط بالزواج. ولكن القديس بولس سيبيّن أنّ الختان ليس بشيء في الشريعة الجديدة، ولا الغرلة (أي عدم الختان). المهم هو الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6).

3- على عتبة الألف الأول
والآن نترك الماضي ونتطلّع إلى المستقبل. فحوالي سنة 1200 بدأ إستعمال الحديد ينتشر في العالم، لا في صنع السلاح وحسب، بل في الأدوات المنزلية.
وعرفت ممالك الشرق الأوسط محطّات كبرى في توسّعها. تجمدّت الممالك القديمة وسارت إلى الإنحطاط. وبدأت شعوب شابة إنطلاقتها في طول الأرض وعرضها. الألف الأول هو العصر الذي وُلدت فيه الديانات العالمية. وهو الزمان الذي فيه دون شعب التوراة تاريخه وعبرّ عن إيمانه.

 

 

القِسم الثاني
مِنَ الإقامَة في كنعَان إلى المَنفى


وندخل في القسم الثاني مع مواضيع عديدة: الإقامة في أرض كنعان وزمن القضاة (1200- 1030). تأسيس الملكية وإقامة نظمها الجديدة (1030- 933). إنفصال قبائل الشمال عن سليمان سنة 933، مملكة إسرائيل في الشمال حول السامرة، ومملكة يهوذا في الجنوب حول أورشليم. ذهاب قبائل الشمال إلى المنفى سنة 721 ثم قبائل الجنوب سنة 587. مسيرة طويلة فيها المجد والرفعة مع داود وسليمان، فيها الهبوط والإنحطاط الذي كاد يصل بالشعب إلى الزوال مع المنفى إلى بابل.
نتوقّف في هذا القسم عند الفصول التالية:
1- التاريخ في زمن القضاة.
2- الحياة الإقتصادية والإجتماعية والدينية في زمن القضاة. 
3- تقاليد سفر القضاة. 
4- نشيد دبورة. 
5- الإطار التاريخي للملكية. 
6- التاريخ اليهوهي. 
7- تاريخ ومزامير وأمثال. 
8- مملكة الشمال: لمحة تاريخية. 
9- نصوص ملكية ونبويّة. 
10- من تقاليد الشمال. 
11- مملكة الجنوب: لمحة تاريخية. 
12- التقليد الإشتراعي وسفر التثنية.
13- أحب الرب إلهك.
14- أشعيا النبي: القسم الأول.
15- أشعيا النبي: القسم الثاني.
16- أشعيا النبي: القسم الثالث.
17- أنبياء في أورشليم: ميخا، ناحوم، صفنيا، حبقوق. 
18- إرميا النبي.

 

 

الفصل الثامن. 

التاريخ في زمن القضاة 

ونبدأ مسيرتنا في هذا الفصل مع الإقامة في أرض كنعان حتى نصل إلى زمن القضاة، وهي حقبة تمتدّ من سنة 1200 تقريباً، إلى سنة 1030، ساعة أعلن شاول ملكاً.
حوالي سنة 1200 ق. م. إجتمعت في أرض كنعان الفئات التي ستشكّل الشعب العبراني. تنوّعت الطرق التي قادتهم إلى هنا، وتنوّع التاريخ. وانشدَّت الروابط التي توحّد القبائل خلال القرنين الثاني عشر والحادي عشر. غير أن الوحدة السياسية لن تتحقق إلا مع تأسيس الملكية حوالي سنة 1030 ق. م. فهذه الحقبة التي عرفت تكوين الشعب العبراني تسمّى "زمن القضاة". حقبة من التاريخ لم تزل غامضة، ولكنها كانت حاسمة بالنسبة إلى المستقبل.
ندرس في هذا الفصل التاريخ العبراني في زمن القضاة، على أن نتوقف عند الحياة الإقتصادية والإجتماعية والدينية في فصل لاحق. وسيلي هذا فصل ثالث حول تقاليد سفر القضاة: ننطلق من الأحداث البارزة، فنصل إلى ما تبقّى من "أدب" ديني في تلك الحقبة.
نتعرّف في قسم أول إلى الوضع السياسي، ونرافق في قسم ثانٍ كل قبيلة من قبائل العبرانيين، سواء عاشت في فلسطين أو في شرقي الأردن، في شمال البلاد أو في وسطها وجنوبها.

أ- الوضع السياسي في الشرق الأوسط
في القرنين 12- 11 ق. م.
إرتبط التاريخ العبراني خلال زمن القضاة، بتاريخ البلدان المجاورة. وفي الوقت عينه، إنطبع بماضي القبائل. فالإقامة في كنعان، أي الإنتقال من حالة البداوة (رعاية الغنم والماعز) إلى حالة الحضارة (بناء البيت، أعمال الزراعة في القرية)، كانت السبب في تحوّلات عميقة في المجال الإقتصادي والإجتماعي السياسي لدى الشعب. وهذا ما قاد العبرانيين إلى خلق أشكال جديدة للتعبير عن إيمانهم بالإله المحرّر الذي عرفوه في الخروج. وأخيراً، ظهرت أحداث طبعت البلاد بطابعها، ومنافسة أدّت إلى الخصومة بين القبائل، فأشرفت على تاريخ العبرانيين اللاحق إلى أجيال طويلة. هذا على المستوى الداخلي. وإذا انتقلنا إلى المستوى الخارجي، نجد أن ما ساعد على إقامة العبرانيين في فلسطين هو ضعف القوى العظمى التي كانت مسيطرة على المسرح السياسي: مصر وأشورية. لهذا توصلّت شعوب صغيرة إلى بعض الإستقرار السياسي. هم: العمونيون، الموآبيون، الأدوميون، الأراميون، الفينيقيون، الفلسطيون.

1- مصر 
خلال القرنين 12- 11، ضعفت مصر بسبب المنافسات السياسية بين كهنة الإله أمون في طيبة، الذين يمارسون سلطانهم في مصر العليا، وبين أمراء تانيس (صوعن) الذين لا تتعدّى سلطتهم مصر السفلى. ثم إن مصر لم تعد تسيطر على أرض كنعان، على مناجم النحاس في العربة، ومقالع الفيروز (حجر كريم أزرق) في سيناء. غير أنها سوف تستعيد قوتها في القرن العاشر. 

2- أشورية 
إهتم الملوك الأشوريون في هذه الحقبة بحماية بلادهم ضد غزوات الأراميين الآتين من الصحراء. دفعهم القحط أو المجاعة، فحاولوا أن يحتلّوا أراضي الحضر. وهكذا لا تستطيع أشورية أن تتدخّل الآن في فلسطين. ولكنها ستفعل فيما بعد.

3- العمونيون 
جاء العمونيون من الصحرائين السورية والعربية. أقاموا عند مجرى اليبوق (نهر الزرقاء) الأعلى، في شرقي الأردن. وسيطروا على تجارة القوافل الآتية من الصحراء. سيصبحون مملكة منظّمة في أيام شاول، في نهاية القرن الحادي عشر. نقرأ في 1 صم 11: 1: "صعد ناحاش العموني". ونقرأ في 2 صم 10: 1: "وبعد أن توفّي ملك العمونيين، ملك حنون إبنه مكانه". 

4- الموآبيون 
من أين جاء الموآبيون؟ إن التوراة تربطهم رباطاً وثيقاً بالعمونيين (تك 19: 35- 38). كانت حدود بلادهم كما يلي: إلى الغرب البحر الميت، وإلى الشرق الصحراء، وإلى الجنوب وادي زارد (أي الحسا)، وإلى الشمال أرنون (وادي الموجب). إشتهرت أرض موآب بغناها من الخراف والماعز. حين دخل العبرانيون مع يشوع إلى فلسطين، كان المواَبيون قد تنظّموا في مملكة (عد 21: 26: ملك موآب) وعرفوا نواة إدارية. 

5- الأدوميون
وكانت حدود أرض أدوم كما يلي: إلى الشمال وادي زارد، إلى الغرب العربة، إلى الشمال والشرق الصحراء. وهكذا إتصل الأدوميون بالبدو المقيمين في الصحراء. نتج غناهم عن مناجم النحاس في العربة، بعد أن سيطروا عليها. إحتفظوا في القرن 12- 11 بنظام العشائر التي يقودها رئيس (تك 36: 15- 20؛ خر 15: 15: زعماء أدوم). ولن يؤلّفوا مملكة موحدّة إلا في القرن العاشر.

6- الأراميون
ما زال الأراميون في هذه الفترة مجموعات من البدو تجوب شمال صحراء عرابية. إنهم يشكلون تهديداً متواصلاً لأشورية خلال القرنين 12 و11 ولن يشكّلوا مملكة إلا في زمان داود فيقيمون فيما بين سلسلتي جبل لبنان (2 صم 3:8) وحول دمشق (2 صم 8: 5).

7- الفينيقيون
أقام الفينيقيون على شاطئ البحر المتوسط الذي تشرف عليه جبال لبنان. ما كان لهم أرض في الداخل، فتطلّعوا إلى البحر ومارسوا التجارة. وهكذا كانت المدن الفينيقية الهامة مرافئ: بيبلوس (جبيل)، بيروت، صيدون، صور. في القرن 13، توسّعت تجارة الفينيقيين مع المصريين، ولكن هجوم شعوب البحر أضعف مصر فصار التبادل ضعيفاً في القرنين 12 و11، ولن يعود إلى سابق عهده إلاّ بعد القرن العاشر. 

8- الفلسطيون
الفلسطيون هم أحد "شعوب البحر" الذين حاولوا أن يجتاحوا مصر حوالي سنة 1190 ق. م. ردّهم الفرعون رعمسيس الثالث على أعقابهم فأقاموا على شاطئ فلسطين. تقول التوراة إنهم جاؤوا من كفتور أي من جزيرة كريت (97: 7؛ ار 47: 4). ولكن لم تكن هذه الجزيرة إلاّ مرحلة في هجرتهم. فقد جاؤوا أبعد من هناك: ربّما من القفقاس أو البلقان. أقاموا أولاً في السهل الساحلي بين غزة ويافا، ثم امتدوا إلى الهضاب الداخلية (تث 2: 23). تتوّزع أرضهم خمس مدن: غزة، أشقلون، أشدود، جت، عقرون، وهي مدن أسّسها الكنعانيون قبل مجيء الفلسطيين إليها.
ليس الفلسطيون شعباً سامياً، وهم لا يمارسون شريعة الختان. لهذا تكتفي التوراة بأن تسميّهم مراراً "غير المختونين" (أو: القُلف) (قض 3:14؛ 18:15). حملوا معهم من جزر البحر المتوسط (قبرص، كريت، رودس) تقنية خاصة من أجل صنع الخزفيات وزخرفتها. تتألف الخزفيات (سيراميك) من الجرار، والصحون، والأواني والأوعية المصنوعة من مزيج ترابي. وجلب الفلسطيون خصوصاً معرفة عدانة (إستخراج المعادن وصناعتها) الحديد. فالتنقيبات في مدينة أشدود دلّت على أحياء صناعية، وكشفت عن كمية كبيرة. من بقايا الحديد، خلال إقامة الفلسطيين فيها.
وكان للفلسطيين تنظيم سياسي خاص بهم: حلقة حكم تتألّف من خمسة أمراء يتخّذون معاً القرارات المتعلّقة بالأمور المدنية والدينية والعسكرية (قض 16: 5، 23؛ 1 صم 5: 8؛ 7: 7). 

ب- تاريخ قبائل العبرانيين
يقدّم لنا سفر يشوع خبر الدخول إلى فلسطين وكأن العبرانيين شعب موحَّد يتألف من 12 قبيلة (يش 2:4: خذوا اثني عشر رجلاً، من كل سبط رجلاً). هذه نظرة جاءت فيما بعد، وهي تعود إلى زمن الملوك، يوم توحَّد الشعب كله لإمرة داود. وهذا الوضع المصوّر هنا يعارضه سفر القضاة. فإن تاريخ القبائل يدل على أن العبرانيين لم يتألّفوا من 12 قبيلة متّحدة إتحاداً سياسياً لا حين الدخول إلى أرض كنعان، ولا في زمن القضاة. فقد كوّن المؤرخون ماضي القبائل إنطلاقاً من نصوص بيبلية متفرّقة؟ أقوال عن القبائل تلفّظ بها يعقوب (تك 49) أو موسى (تث 33)، توزيع أراضي كنعان ومدنها بين القبائل (يش 13: 15- 19: 48. نصحّح هذا التقسيم فنقرأ قض 1: 1- 36، نشيد دبورة (قض 5)، سلسلة أنساب القبائل المرتبطة بيعقوب، أبى الآباء (تك 21:29- 24:30). 
بهذا النظام الذي يعتبر الأسباط الإثني عشر كأبناء أب واحد، هو يعقوب، أعلن العبرانيون أنهم شعب واحد، مهما كان أصلَ هذه القبائل وتاريخها السابق. ولكن ترتيب ولادة الأبناء الإثني عشر (رأوبين، شمعون)، ووضع أمّهم الإجتماعي (أمرأة حرة أو جارية: ليئة وراحيل بلهة وزلفة)، يدلان على أهمية كل قبيلة وعلى أصالتها.
هذه النصوص الواردة في التوراة قد دوّنت في أزمنة مختلفة (بعد القرن 10 والزمن الملكي)، فعبرّت عن نظرات مختلفة. ولكن التقاليد التي نقلتها هي سابقة للزمن الذي دوِّنت فيه.

1- قبائل شمال فلسطين
أولاً: أشير
ترتبط هذه القبيلة بيعقوب عبر زلفة، جارية ليئة (تك 30: 12- 13). أقامت على المرتفعات التي تمتد شمالي عكا (يش 19: 24- 31. نقرأ قض 1: 31- 32 ونصحّح). إذا عدنا إلى قض 17:5 نرى أن أفراد هذه القبيلة عملوا كمفرغي بضائع في المرافئ أو بحارين في السفن. عُرف إسم أشير في هذه المنطقة منذ القرن الرابع عشر في النصوص المصرية. هذا يعني إذن أن قبيلة أشير لم تُقم في مصر ولم تشارك في مسيرة الخروج والعبور. 

ثانياً: نفتالي
ترتبط هذه القبيلة بيعقوب عبر بلهة، جارية راحيل (تك 7:30- 8). أقامت في المرتفعات التي تشرف على بحيرة طبرية ومجرى الأردن الأعلى، أقامت في جبل نفتالي واتخذت إسمه (قض 19: 32- 39). إرتبطت بقبيلة زبولون، فانتصرت على جيش يابين، ملك حاصور، في مرتفعات ميروم (يش 11: 5- 9؛ قض 18:5)، واحتلت حاصور، تلك القلعة الكنعانية الحصينة والمشهورة. حصلت المعركة ساعة دخول العبرانيين إلى فلسطين مع يشوع. في ذلك الوقت، كانت نفتالي تقيم حيث هي، وهذا يعني أنها لم تذهب إلى مصر.

ثالثاً: يساكر
ترتبط هذه القبيلة بيعقوب عبر ليئة، ولكن مولد يساكر لاحقٌ لمولد الأبناء الأربعة الأولين. وهذا يعني أن هذه القبيلة إرتبطت بالعبرانيين في زمن متأخر (تك 30: 14- 18). ثم إن يش 17:19- 23 منحها أرضاً محصورة. وإن قض 1: 30 لا يعرف إلاّ زبولون كقبيلة مقيمة في هذه المنطقة: يساكر كانت في ذلك الوقت قسماً من زبولون. معنى يساكر: إنسان الرهن والأجرة. كان بنو يساكر أناساً يسخرّهم ملك مجدو في أراضٍ تخصّ فراعنة مصر. هذا ما تقوله مراسلات تل العمارنة. وهناك قول نقرأه في تك 49: 14- 15 وهو يصوّر هذا الوضع: "يساكر حمار ضخم... أحنى كتفه للحمل، فأختصّ بالسخرة المحفوظة للعبيد". ولكن هؤلاء العبيد تمرّدوا على سيّدهم وتحرّروا بمناسبة وصول مجموعة يشوع إلى فلسطين أو إنتصار نفتالي وزبولون في ميروم. 

رابعاً: زبولون
ترتبط قبيلة زبولون، شأنها شأن قبيلة يساكر، بيعقوب عبر ليئة، وتأتي بعد سائر القبائل (وبالتالي بعد سائر الأبناء). أقامت على الهضاب، جنوبي شرقي أرض أشير (يش 19: 10- 16). ولكنها لم تحتلّ المدن الهامة (قض 1: 30). عمل أفرادها في أعمال السخرة، أو كمفرّغي بضائع في المرافئ أو بحّارة (تك 13:49؛ تث 18:33- 19).
ماذا نستطيع أن نقوله عن قبائل أقامت في شمال فلسطين؟ إن هذه القبائل الأربع لم تُقم في مصر، ولم تشارك في مسيرة الخروج مع موسى ويشوع. فكيف ارتبطت مع القبائل التي خرجت من مصر؟ دخلت معها في رابطة وشركة. وقد تمّ هذا الإرتباط في اجتماع شكيم (يش 24): عرض يشوعِ على مجموعات الشمال هذه أن يعلنوا الرب (يهوه) إلههم، وأن يتركوا آلهة قبائلهم وآلهة الكنعانيين. نقرأ في آ14- 15: "فاتّقوا الرب (يهوه) واعبدوه بكمال وإخلاص، وانزعوا الآلهة التي عبدها آباؤكم... إختاروا لكم اليوم من تعبدون: الآلهة التي عبدها آباؤكم... آلهة الأموريين الذين أنتم مقيمون بأرضهم... أما أنا وبيتي فنعبد الرب". "فالآن، إنزعوا الآلهة الغربية التي فيما بينكم، ووجهّوا قلوبكم إلى يهوه" (آ 23).
قدّم يشوع عرضه، فقبله أهل الشمال. وقد يكون فرضه بالقوة. ونحن نفهم في هذا السياق ثورة قبائل الشمال التي أنتهت بمعركة ميروم. فهذه القبائل إختبرت في تاريخها أن الرب هو إله يحرّر. وهكذا تتجذّر وحدة العبرانيين في خبرة الإيمان هذه.

2- قبائل فلسطين الوسطى
إن القبائل التي احتلت وسط فلسطين قد سمّتها التوراة "بيت يوسف" (قض 1: 22- 23؛ 2 صم 19: 21؛ 1 مل 11: 28). تعود هذه التسمية إلى بداية الملكية. وفي هذا الوقت عينه، تحدّثت التوراة أيضاً عن "بيت يهوذا" فدلّت على تجمّع قبائل الجنوب (2 صم 7: 10- 11). 

أولاً: ماكير ومنسى
في الأصل، كانت ماكير قبيلة حقيقية، أقامت في منطقة شكيم حيث ستُقيم قبيلة منسّى (قض 5: 14). ماكير تعني "المباع". فهي تدلّ على قبيلة من المرتزقة تبيع خدماتها لسكان شكيم الكنعانيين. هذا ما تؤكّده مراسلات تل العمارنة في القرنين 14- 13. ونقرأ في يش 17: 1: "ماكير هو رجل حرب". هجرت هذه القبيلة أرضها بعد أن طردتها قبيلة منسى خلال زمن القضاة، وانتقلت إلى شرقي الأردن (عد 32: 29- 42). وهناك اتخذت إسم "نصف قبيلة منسى" (تث 13:3- 15؛ يش 13: 29- 31). وإذا رجعنا إلى نظام الأنساب، رأينا أن منسّى صار أباً لماكير. تبنّى يوسف منسى، فأمّن له مكاناً شرعياً بين القبائل العبرانية (تك 23:50). وهذه القبيلة لم تشارك في مسيرة الخروج.
لا تظهر قبيلة منسى في النصوص إلا في زمن متأخر (قض 15:6- 35)، وهي ستحل محل ماكير في منطقة شكيم الجبلية (يش 7:17- 13). لم تهتمّ بأحتلال هذه المدينة، ممّا يدل على أنها عاشت بتفاهم تام مع الشعب الكنعاني. توقّف امتدادها إلى الشمال بسبب القلاع الكنعانية المقامة في سهل يزرعيل: مجدو، تعناك، بيت شان.

ثانيا: إفرائيم
حملت هذه القبيلة إسم المنطقة التي أقاموا فيها، وهي جبل إفرائيم. ضمت أرضها (يش 16: 5- 10) بيت إيل (قض 1: 22- 26 يروي إحتلالها) لا جازر (يش 16: 10). هي أرض ضيّقة. وإذ أرادت هذه القبيلة أن تتوسّع، قطعت أشجار التلال المحيطة بالسامرة (يش 17: 14- 18). كانت إفرائيم أم قبيلة في "بيت يوسف". منها خرج يشوع (عد 1628:13)، وستعطي لمملكة الشمال العتيدة ملكها الأول يربعام 11 مل 11: 26). أزاحت قبيلة منسى (يش 9:16؛ 8:17- 10)، وهذا ما يدل عليه نظام الأنساب الذي يجعل الإبن الثاني يمر قبل الأكبر (تك 13:48- 20). 

ثالثاً: بنيامين
إن إسم هذه القبيلة يعني "إبن اليمين"، أي إبن الجنوب. فإذا أراد العبرانيون أن يعرفوا وجهة سيرهم، تطلعوا إلى الشمس المشرقة، في الشرق، لا إلى الشمال. وهكذا يكون الجنوب عن يمينهم.
إحتلّ بينامين أرضاً جنوب إفرائيم، ولم يتخذ إسمه هذا إلا حين أقام في فلسطين. فهو الإبن الذي يقال عنه وحده إنه ولد في كنعان (تك 16:35- 18). إنحصرت أرضه (يش 18: 11- 20) بين بيت إيل التي تخصّ إفرائيم وأورشليم التي ظلّت في يد الكنعانيين. ولكن، كان على أرضه مركز ديني مهمّ هو الجلجال الذي يقع، على ما يبدو، شمالي أريحا (يش 4: 19- 20).
ما الذي نستطيع أن نقوله عن قبائل فلسطين الوسطى؟ إرتبطت قبيلتا منسى وإفرائيم بيعقوب عبر يوسف الذي وُلد لراحيل (تك 20: 22- 24). تبنّاهما يعقوب (تك 48: 5- 12) وأعتبرهم مثل رأوبين وشمعون. ولقد كوّنتا مع بنيامين، المولود هو أيضاً من راحيل، مجموعة تحدّرت من يعقوب عبر راحيل لا عبر ليئة. ثم نلاحظ أن يعقوب يحمل أيضاً إسم إسرائيل المرتبط إرتباطاً وثيقاً بفلسطين الوسطى ولا سيما شكيم (تك 33: 20) حيث بدأ خبر يوسف (تك 37: 12- 14). وفي هذه المنطقة أيضاً، وبالتحديد قرب بيت إيل، وُلد بنيامين (تك 35: 16- 18)، كما دُفنت راحيل في الرامة (1 صم 10: 2: ار 31: 15). إذن، وُجدت في الأصل مجموعتان من القبائل: مجموعة يعقوب ليئة ومجموعة إسرائيل راحيل. وستندمج هاتان المجموعتان فيما بعد، فينتج عن هذا الدمج إسمان لأبي الآباء: يعقوب وإسرائيل. وفي تجمّع شكيم، إنتسب يشوع الذي هو من قبيلة إفرائيم، إلى "إله إسرائيل" (يش 24: 2). وقد تكون مجموعة إسرائيل راحيل، "وبيت يوسف" النواة الأهم في القبائل التي شاركت في مسيرة الخروج من مصر والدخول إلى أرض كنعان بقيادة يشوع. 

3- قبائل جنوب فلسطين 
أولا: يهوذا
تحمل هذه القبيلة إسم المنطقة التي أقامت فيها، أي جبل يهوذا الذي يمتدّ من أورشليم إلى الجنوب. نجد في أساس القبيلة عشيرة من عشائر إفرائيم إسمها أفراته. جاءت منطقة واقعة بين بيت إيل والرامة (تك 19:35)، وأقامت في بيت لحم. وتكوّنت حول هذه العشيرة قبيلة يهوذا التي تضمّ عدداً من المجموعات التي ما زالت أنصاف بدو: الكالبيون الذين تجذّروا في منطقة حبرون (يش 14: 6- 14). القنازيون الذين أقاموا حول دبير (يش 15: 15- 17؛ قض 1: 11- 15). القينيون (إرتبطوا بقايين) الذين أقاموا جنوبي البحر الميت (قض 1: 16). اليرحمئيليون الذين ثبتّوا أقدامهم في النقب (1 صم 27: 10؛ 29:30). دخلت هذه المجموعات المختلفة إلى الجنوب بطريقة مسالمة، ودون المرور بمصر. وبسبب حياتهم المطبوعة بالبداوة، فقد تأخرت وحدة قبيلة يهوذا التي امتدت أرضها إلى الجنوب، حتى واحة قادش برنيع (يش 15: 1- 12). أما إلى الشمال فقد كانت حدودها قلاع كنعانية شكلّت حاجزاً بين يهوذا وقبائل فلسطين الوسطى. وهذه القلاع هي: جازر، أيالون، بيت شمس، أورشليم.

ثانياً: شمعون
حفظ لنا التقليد ذكرى إقامة قبيلة شمعون في الجنوب وحول بئر سبع (يش 19: 1- 9: قض 1: 3- 17). ولكن قبيلة يهوذا إمتصّت تدريجياً هذه القبيلة. لهذا لم يذكرها تث 33. كما أن المدن التي أعطيت لها قد امتلكتها قبيلة يهوذا (ق يش 15: 21- 32 مع يش 19: 1- 9). قد تكون قبيلة شمعون قد أقامت في مصر ثم دخلت إلى فلسطين عبر الجنوب مع مجموعات من قبيلة لاوي. 

ثالثاً: لاوي
في الأصل، كانت لاوي قبيلة مثل سائر القبائل. كانت متأصلة في أرض يهوذا، إلى الجنوب من حبرون. هذا ما نفهمه حين نقرأ لائحة العشائر في عد 26: 1- 10. وفيما بعد تخصّصت لاوي في خدمة المعابد وانتشرت في كل أرض فلسطين فلم يعد لها أرض خاصة بها. كل هذا حدَثَ خلال حقبة القضاة: فاللاويون المتجوّلون (قض 17: 7؛ 19: 1) يحتفظون برباطات وثيقة مع قبيلة يهوذا. هناك قول في تك 49: 5- 7 يعتبر لاوي قبيلة محاربة، ولكن تث 8:33- 11 لا يعرف إلا وظيفتها الكهنوتية.
ماذا نقول في قبائل جنوبي فلسطين؟ لا حديث في زمن القضاة عن قبيلة شمعون التي إمتصتها قبيلة يهوذا، ولا عن قبيلة يهوذا التي تأخرّت في توحيد عشائرها، وانعزلت عن سائر القبائل بحاجز المدن الكنعانية، وظلّت خارج فلسطين الوسطى التي تحدّث عنها سفر القضاة. وهذا التاريخ الخاص بقبيلة يهوذا يفسّر الصعوبات التي واجهها داود حين أراد أن يحقق الوحدة السياسية في شعبه، وتلك التي ستواجهها المملكة فيما بعد قبل أن تنقسم سنة 933.

4- قبيلتان في شرقي الأردن
أولاً: جاد 
إرتبطت هذه القبيلة بيعقوب عبر زلفة، جارية ليئة (تك 9:35- 10). وهذا يدلّ على أن هذه القبيلة لم تكن عريقة، شـأنها شأن سائر القبائل. إحتلت أرض يعزير وجلعاد بين أرنون ويبوق (يش 13: 21- 28؛ عد 32: 34- 36)، وهي أرض مراعي (عد 32: 1- 36). كانت هذه القبيلة مقيمة في هذا الموضع قبل وصول المجموعات الآتية مع موسى ويشوع. إذن، لم تشارك في مسيرة الخروج من مصر. في وقت من الأوقات، سُمّيَت هذه القبيلة جلعاد (قض 17:5) باسم المنطقة التي أقامت فيها. 

ثانياً: رأوبين 
إذا رجعنا إلى سلسلة الأنساب، نجد أن رأوبين هو بكر يعقوب من ليئة (تك 32:29). لأجل هذا يرد إسم قبيلته قبل سائر القبائل الإثنتي عشرة. إذن، نحن في الأصل أمام قبيلة قوية، سوف تضعف شيئاً فشيئاً كما يقول تث 6:33: "يا ليت رأوبين يحيا ولا يموت، ويبقى له رجاله القليلو العدد". إحتل منطقة واقعة بين أرنون ومنطقة جاد التي ما عتّمت أن امتصته (عد 32: 34- 38). يمكن أن تكون قبيلة رأوبين قد شاركت في مسيرة الخروج مع موسى ويشوع.

5- قبيلة متنقلة: دان 
حاولت هذه القبيلة أن تقيم على هضاب تقع غربي بينامين وإفرائيم. ولكنها لم تستطع أن تتمركز إلا في بعض القرى في وادي سوريق وصرعة وإشتاؤول (قض 1: 34- 35؛ 18: 11). ظلّت هذه المجموعات نشيطة في زمن شمشون قبل أن تمتصها قبيلتا بنيامين وإفرائيم. ولكن هجرت عشيرة من عشائرها إلى الشمال فاحتلت مدينة لائيش (أو: لاشم) وسمتها دان (يش 19: 40- 48؛ قض 18). تمت هذه الهجرة حوالي سنة 1100 ق. م. نشير إلى أن دان إرتبط بيعقوب عبر بلهة، جارية راحيل (تك 30: 1- 6).

ماذا نقول عن تاريخ القبائل العبرانية؟
إن خبر القبائل وتوزيعها في أرض كنعان يقودنا إلى بعض الإستنتاجات الهامة. 
الإستنتاج الأول. أقامت القبائل في المناطق الجبلية التي تكثر فيها الإحراج. فالتغلغل فيها سهل لأن لا حصون كنعانية مهمّة. لم يتوصّل العبرانيون إلى إحتلال هذه الحصون (قض 1: 27- 36)، ما عدا بيت إيل (قض 1: 22- 26) وحاصور. أما مدينتا جبعون (يش 9: 1- 10: 27) وشكيم فاستعملتا العبرانيين كجماعات مسلّحة تدافع عنهما، وذلك على إثر اتفاقية ومعاهدة. أما دخول مجموعة يشوع إلى فلسطين، فقد رافقه ولا شك بعض المعارك، ولكنه لم يكن حرب إحتلال وإفناء السكان كما يصوّرها سفر يشوع (ف 2- 12)، بل عملية تغلغل بطيء وتدريجي. 
الإستنتاج الثاني. كوّنت القبائل ثلاث كتل. فهناك سهل يزرعيل في الشمال مع مدنه المحصّنة، وحاجز القلاع الكنعانية في الجنوب. وهذا ما جعل الإتصال بين القبائل صعباً. ولن يكون هناك وحدة سياسية قبل أن تسقط هذه الحواجز.
الإستنتاج الثالث. ظل العبرانيون ممتزجين مع شعب الأرض حتى في المناطق التي احتلوها (قض 1: 27- 33). فتعلّموا منهم أساليب الزراعة والصناعة. تبعوا طريقة حياة الكنعانيين ولكنهم لم يتعبدّوا لإلهتهم. هذا يعود إلى الخبرة التاريخية التي عاشوها مع الرب محرّرهم من عبودية مصر. وهذا الإيمان بالله الذي يعمل في التاريخ، قد حملته مجموعة يشوع وتقاسمته سائر القبائل وعاشته كخميرة تحرّر. وهذا الإيمان ساعد على تماسك الشعب وهيّأ فيما بعد الطريق إلى الوحدة السياسية، رغم العوائق الجغرافية، واجتذاب الديانة الكنعانية، وإتجاه القبائل إلى التفرّد والعزلة.

 

 

الفصل التاسع 

الحياة الإقتصادية والإجتماعية والدينية في زمن القضاة 

كيف بدت الحياة الإقتصادية والإجتماعية في زمن القضاة؟ كيف بدت النظم المدنية والعسكرية والدينية؟ 
نجد في سفر القضاة عدداً من المعلومات عن طريقة حياة العبرانيين، ولوحة مفيدة عن الحياة الإقتصادية والإجتماعية في ذلك الوقت. ونستطيع أن نكملّ هذه المعطيات بمعلومات نجدها في كتاب صموئيل وفي مجموعة الشرائع القديمة (خر 20: 24- 23: 19).

أ- الحياة الإقتصادية والإجتماعية
1- الزراعة 
لم يُقم العبرانيون في سهول فلسطين الخصبة، بل في التلال والجبال. ولهذا وجب عليهم أن يزرعوا أراضي تكثر فيها الصخور. كانت الغلال قليلة وهي تتبع كمية المطر. تُفلح الأرض بمحراث من خشب جُعل فيه سكة من حديد لا بد من تحديدها (1 صم 13: 20). يجرّ هذا المحراث بقر يدفعها الفلاح بمنساسه (قض 3: 31). زرع العبرانيون الشعير (قض 7: 13) والحنطة (قض 6: 11) والكتان (يش 2: 6)، وحصدوها بالمنجل. وعرفوا أيضاً الفول والعدس (2 صم 17: 28).
إشتهرت منطقة حبرون (في أرض يهوذا) بكرومها وتينها ورمّانها (عد 23:13؛ تك 49: 11- 12). ولكن هذه الاشجار غُرست أيضاً في أماكن أخرى، كما غُرس الزيتون (قض 9: 8- 13، 27). وفي الواحات، كما في أريحا (قض 3: 13) وتامار (قض 1: 16)، زُرع النخل وأعطى أطيب الثمار. 

2- تربية المواشي 
يبدو أن تربية المواشي كانت النشاط الأهم لدى قبائل شرقي الأردن (عد 32: 1). كانت تُجمع قطعان الغنم والماعز عند المساء، في حظائر مصوّنة ببعض الأحجار المبنية (عد 36:32؛ قض 5: 16) لحمايتها من الوحوش واللصوص. كان الرعاة يصفرون للقطيع فيجمعونه (قض 5: 16). وكان جنوبي أرض يهوذا قاحلاً، فما كان ينفتح للزراعة، لهذا استُعمل لتربية المواشي بصورة مكثّفة (1 صم 25: 2). كان الأغنياء يسلّمون قطعانهم لرعاة يستأجرونهم (1 صم 25: 7- 8، 14- 17). ولكن العبرانيين مارسوا تربية المواشي في كل البلاد، ولو بأعداد قليلة. فوجب على الشرائع أن تحمي الزراعة من تخريب القطعان (خر 22: 4: إذا رعى احد بهيمته في حقل أو كرم...).
إستُعمل البقر فقط من أجل لحمه أو من أجل جرّ المحراث. والغنم والماعز من أجل لحمه وجلده وصوفه وشعره وحليبه. من هذا الحليب إستخرجوا الزبدة والقشطة كما صنعوا اللبن وجعلوه في القدور ليكون شراباً مبرّداً في زمن الحرّ (قض 19:4: هكذا سقت ياعيل سيسرا العطشان من زقّ اللبن؛ 5: 25)، وصنعوا منه الجبن بأشكاله (1 صم 17: 18). أما جزّ الغنم فكان مناسبة لإحتفالات يجري فيها النبيذ أنهاراً (1 صم 25: 4- 18).
إستُعمل الحمار لنقل الأثقال أو حلّ محلّ الثور لجرّ المحراث. أما الحصان فكان فقط للمركبات الحربية (يش 11: 4- 9؛ قض 3:4، 13؛ 5: 22- 28). ويبدو أن العبرانيين لم يكونوا يملكون خيلاً.
لم يعرف العبرانيون تربية الدواجن، ما عدا الحمام المستعمل في الذبائح. ولكنهم عرفوا تربية النحل واستخرجوا منه العسل (قض 14: 8- 9؛ 1 صم 27:14). 

3- الصناعات العائلية 
في البداية، كانت الصناعات كلها عائلية. ولم يعرف العبرانيون مهنة الصناعة إلا في زمن الملوك، وبعد أن أخذوا عن الغرباء التقنياث المختلفة. 
كانوا ينسجون الصوف والكتان (قض 16: 13- 14). وكانوا يصبغون الأقمشة (قض 5: 30). كان الرداء لباسهم العادي ولكنهم لبسوا أيضاً القمصان المزركشة والجبب والعباءات (يش 7: 21). 
وصنعوا أيضاً الصحون والجرار، ولكن تقنيتهم لم تكن متطوّرة، كما عند جيرانهم. ثم إن الفلسطيين حصروا في قبائلهم صناعات الآلات المعدنية وتحديدها (1 صم 19:13- 21): لم يكن يوجد في كل أرض إسرائيل حدّاد، لأن الفلسطيين منعوا العبرانيين أن يصنعوا سيفاً أو رمحاً. فكانوا ينزلون إلى الفلسطيين ليسنّوا السكة والمعول والفأس والمنجل.

4- السكن 
علّمتنا الحفريات والتنقيبات أن البيوت القروّية بُنيت بأحجار من تراب أو ربما من قرميد. أما السطح فبالتراب. لا أثاث يُذكر في البيت. هناك موضع للحبوب، وجرة الماء ومدفأة، ومطحنة من حجرين. وهناك المعول والمقلاة (2 صم 13: 9)، والفرش والأسرّة.
أمام البيت رواق يعيش فيه الناس خلال الصيف. مثل هذه البيوت تتجمّع لتؤلّف القرية. 

5- التجارة 
التجارة محصورة في يد الكنعانيين الذين يحمون القوافل بفضل القلاع التي تتوزّع طرقات السهل والجبل (قض 9: 25). أما التبادل التجاري بين القبائل فلم يكن بالأمر السهل، ولهذا كان نادراً. تتحدّث النصوص عن الفضة (قض 9: 4؛ 16: 5؛ 17: 2). هذا يعني أن التجارة لم تقتصر على المقايضة (أي تبادل بضاعة ببضاعة). وكانت الشريعة قد بدأت تنظّم الإقتراض بالفائدة (خر 22: 24): "إذا أقرضت فضة لأحد من شعبي، لفقير عندك، فلا تكن له كالمرابي، ولا تفرضوا عليه ربي".

6- الجماعات المسلّحة من المرتزقة
قبل أن تصل مجموعة يشوع إلى كنعان، كانت العشائر العبرانية أجراء لدى الكنعانيين بشكل جنود مرتزقة. هذا هو وضع عشيرة ماكير. واستمرَّ هذا الوضع زمناً طويلاً. هذا ما فعله أبيمالك الذي استأجر رجالاً يتبعونه (قض 9: 4)، ويفتاح (قف 11: 1- 3)، وداود (1 صم 22: 1- 2؛ 27: 1- 2). رذل المجتمع هؤلاء الشبان، فكان لهم مثل هذا "الإرتزاق" المخرج الوحيد لما في وضعهم من خطر ومغامرة. 

7- العبيد العبرانيون
كان العمل الزراعي يتطلّب عدداً كبيراً من العمّال، ولا سيما العبيد. تحدّثت نصوص التوراة ورسائل العمارنة عن هؤلاء العبيد (1 صم 13: 3، 7؛ 14: 11). كانوا يخدمون أسيادهم ست سنوات ويستعيدون حريتهم، إذا شاؤوا، في السنة السابعة (خر 21: 2- 7). نحن هنا أمام عادة إتخذها العبرانيون من السكان العائشين في كنعان، فشكّلت عقداً بين العبد وسيده.
وسوف ننتظر الزمن الملكي لنرى أشخاصاً مستعبدين بسبب دين عجزوا عن وفائه (عا 2: 6- 7). 

8- خاتمة
خلال حقبة القضاة، إنتقلت القبائل الإسرائيلية من حياة البدو إلى حياة الحضر. بدأ هذا الإنتقال أولاً في قبائل الشمال، ثم كان دور قبائل وسط فلسطين. وسيتأخرّ فيما يخصّ قبائل الجنوب. حياة الحضر تعني الإقامة في موضع محدَّد. والأرض التي نزرعها أو نجعلها للمواشي تصبح مهمّة جداً. ففلسطين في نظر العبراني هي أرض الموعد. إنها أكثر من أرض تؤمّن له الطعام. هي البرهان الملموس على أمانة الله: دعا شعبه من عبودية مصر فأقتاده إلى أرض الحرية. فمن امتلك الأرض كان حراً، ومن خسر الأرض صار عبداً. هذا ما حصل للعبرانيين بعد الذهاب إلى المنفى في بابل. وهذا ما يحدث حين يضع الغني يده على أرض الفقير. 
حياة الحضر تعني ترك الخيام والإقامة في البيوت والقرى، بانتظار السكن في المدينة. لا موضع للبدو يسمى باسمه (لا يقال هو من القرية الفلانية). لهذا يسمّى بأسم أبيه أو عشيرته أو قبيلته. أما الحضر فيسمّون بأسم بلدتهم الأصلية. نحن نكتشف هذا التطور في سفر القضاة. مثلاً، عتنيئيل هو إبن قناز أخو كالب الأصغر (قض 3: 9). وتولع هو إبن فوأة بن دودو، من قبيلة يساكر، وكان مقيماً بشامير في جبل إفرائيم (قض 10: 1. نحن هنا في انتقال من القبيلة إلى المكان). ونقرأ في قض 10: 3: "وقام يائير الجلعادي" (نسبة إلى موضع هو جلعاد، لا إلى أب). ونقرأ في قض 11: 1 عن يفتاح الجلعادي الذي كان محارباً باسلاً. إبصان هو من بيت لحم (قض 12: 8)، وعبدون هو من فرعتون (قض 12: 13).
في هذه الفترة كانت المدن في يد الكنعانيين. أما العبرانيون فأقاموا في الأرياف ولن يعرفوا حقاً حياة المدن إلا في الزمن الملكي. 

ب- النظم المدنيّة والعسكرية والدينية
إن تحضّر (الانتقال الى حياة الحضر) العبرانيين كان السبب. في تحوّلات عميقة داخل النظم التي ورثوها من زمن البداوة. كما أنهم أخذوا بنظم جديدة وجدوها لدى آهل كنعان، فكيّفوها على وضعهم. 

1- النظم المدنية
أولاً: الشيوخ
تجمعّت العائلات (أو البيوت) في قرية أو في جوار مدينة، فشكلّت عشيرة داخل القبيلة. وكان الشيوخ يوجّهون الحياة الإجتماعية في العشيرة. إنهم رؤساء العائلات الذين يشكّلون مجلساً (1 صم 26:30- 31): يتخذون قرارات على المستوى العسكري (يش 8: 10؛ قض 11: 5 - 11) والديني (يش 7: 6؛ قض 21: 16)، ويتحملون مسؤولية هذه القرارات (قض 8: 14- 16). وهم يحلّون المشاكل ويحكمون في النزاعات (يش 20: 4). وقد أعطيت لهم نصائح في خر 23: 1- 3، 6- 8: "لا تنقل خبراً كاذباً، ولا تضع يدك مع الشرير لشهادة زور. لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر، ولا تحرف في الدعاوى حين تشهد، ولا تمل جهة الكثيرين. ولا تحابِ المسكين في دعواه... لا تحرّف حق المسكين في دعواه. إبتعد عن القضية الكاذبة. لا تأخذ الرشوة، فإن الرشوة تعمي البصيرة وتفسد أقوال الأبرار". وسنجد فيما بعد مجموعة الشرائع التي تنظم القضاء في خر 24:20- 19:23، وهذا ما نسمّيه "دستور العهد". 
نحن بعيدون هنا عن نظام المدن الكنعانية التي يحكمها ملك (يش 11: 1- 5). أو تلك التي يوجّهها مجلس يتألّف من ملاّكي الأرض الكبار، مثل شكيم (قض 9: 2)، وجبعون (يش 9: 3) وأريحا (يش 11:24). 
وسيظلّ نظام الشيوخ حياً حتى في زمن الملوك، بل بعد الملوك، في زمن المنفى.

ثانياً: رابطة القبائل
أشار سفر القضاة مراراً إلى ما فعلته القبائل حين اجتمعت لتواجه خطراً مشتركاً: في قض 5: 14- 15، إجتمع إفرائيم وبنيامين وماكير وزبولون ويساكر ونفتالي، خلال معركة تعناك. ومع جدعون، سار منسى وأشير وزبولون ونفتالى، ليصدّوا غزوات بني مديان (قض 6: 35؛ 7: 23- 24). وسنجد هذه القبائل عينها في لوائح أخرى: نجد منسى وإفرائيم وزبولون وأشير ونفتالي وبنيامين، في مناسبة الحديث عن المدن الكنعانية التي لم يحتلّها العبرانيون (قض 1: 27- 33؛ رج 1: 21). ونجد أيضاً إفرائيم (يش 16: 5- 8) ومنسى (يش 17: 7- 10) وبنيامين (يش 18: 11- 20) وزبولون (يش 19: 10- 16) وأشير (يش 19: 24- 31) ونفتالي (يش 19: 23- 39)، في مناسبة وضع الحدود بين القبائل في يش 13: 19. أما سائر القبائل، فنجدها مرتبطة بالمدن المحتلّة.
تذكر النصوص دوماً قبائل الوسط والشمال (وهي ستة). ويبدو أنها شكلّت رابطة تجسّدت في اجتماع شكيم. واستمر هذا التجمّع الذي سيكون نواة مملكة شاول وابنه (2 صم 2: 9). ولن تضمّ هذه الرابطة الإثنتي عشرة قبيلة إلا مع مملكة داود. 

2- النظم العسكرية: الحرب المقدسة 
الحرب المقدسة في سفرَيْ يشوع والقضاة ليست حرباً دينية، هدفها أن تفرض بالسلاح الإيمان بالرب. نحن أمام حرب تسعى إلى المحافظة على وجود شعب وامتلاك أرض. والحرب هي ككل واقع الحياة في ذلك الزمان، ذا طابع مقدّس وهي تتبع شعائر دينية محدّدة.
الله هو الذي يحارب عن شعبه (يش 10: 14، 42)، ويمشي في مقدّمة الجيش (قض 4: 14). والعلامة المنظورة لحضوره هي تابوت العهد (أو صندوق العهد الذي يتضمّن لوحي الوصايا، وهي التعبير عن العهد) (عد 10: 33- 36؛ يش 3: 6؛ 1 صم 4: 3). حروب العبرانيين هي حروب الرب (عع 21: 14)، وأعداؤهم هم أعداء الرب (قض 5: 31). الرب هو الذي يُعلن الحرب (قض 1: 1- 2)، ويسلّم الأعداء إلى يدي شعبه (قض 1: 4؛ 4: 6- 7). أما المقاتلون، فهم متطوّعون يؤخذون من بين القادرين على حمل السلاح. فعليهم قبل كل شيء أن يؤمنوا بتدخّل الرب، عليهم أن لا يخافوا (يش 8: 1: قال الرب ليشوع: لا تخف ولا تفزع؛ 10: 8؛ قض 7: 2- 3). وأخيراً، يجندّ الرب لهذه الحرب قوى الطبيعة (البرَد في يش 10: 11؛ البحر في يش 24: 8؛ الكواكب في قض 5: 20- 21). ويجعل البلبلة في صفوف الأعداء (قض 7: 22؛ 1 صم 7: 10؛ 14: 15- 20).
تُكرَّس الأسلاب عادة للرب: يُقتل الرجال، تدمَّر الأموال والمواشي. هذا ما يسمّى شريعة التحريم (يش 6: 17- 22، 24؛ 8: 2، 24، 28؛ 11: 14). نحن لا نعلم إن كانت هذه الشريعة قد طُبّقت بحذافيرها. فالنصوص التي تشير إليها تعود إلى زمن حلّت فيه الحرب الدنيوية محلّ الحرب المقدسة. دوّنت هذه النصوص في زمن الملكية بجنودها المحترفين، بل في زمن الجلاء والمنفى (أي بعد سنة 587 ق. م). 
إن هذه النظرة إلى الربّ على أنه إله محارب تصدمنا اليوم. لا ننسى أفكار ذاك العصر: الله هو الذي يمنح الأرض للبشر، وهو يلزم نفسه بالصراع الذي ينتج عن عمله. فمن خلال الإله المحارب الذي يعطي أرضاً للبدو، نجد خبرة العبرانيين لربّ يعمل من أجل شعبه وفي تاريخ هذا الشعب. الرب هو حاضر، إنه مع شعبه (خر 3: 6- 8، 12؛ يش 1: 5، 9؛ قض 6: 12- 16؛ 2 صم 7: 9). هو تعبير ناقص يجعل العبرانيين على مستوى سائر الشعوب، حيث لكل شعب إله يدافع عنه. ولكن سيأتي وقت نعرف فيه أن الحرب الحقيقية ليست حرب السلاح، بل الحرب على الشرّ في قلوبنا وفي مجتمعنا. وسيعرف العبرانيون أيضاً أن الله ليس إلههم وحدهم، بل هو إله الكون الذي سيرسل أنبياءه حتى إلى العالم الوثني، كما فعل مع يونان.

3- النظم الدينية
أولاً: المعابد 
عُرفت بعض الأماكن في زمن القضاة، على أنها مواضع عبادة (مقامات) للقبائل العبرانية. هي معابد تقوم في الأرض العراء ولا تتضمّن هيكلاً (بل كومة من الحجارة). وكان الناس يحجّون إليها في أعيادهم. 
في هذه المعابد، حُفظت تقاليد وتذكّرات عن الدخول إلى كنعان والإقامة فيها. 
* الجلجال أي: الحلقة والدائرة. يَقع في جوار أريحا وتحدّه حجارة منتصبة وموضوعة بشكل دائري (يش 4: 19- 20). إحتفلت فيه مجموعة يشوع بدخولها إلى أرض كنعان (يش 5: 2- 8، 10- 15). في هذا المعبد تعاهد يشوع مع أهل جبعون وحلَف لهم (يش 9: 6- 15). وفيه قضى صموئيل لبني إسرائيل (1 صم 7: 16)، ونصِّب شاول ملكاً (1 صم 11: 15). في هذا المعبد، إحتفظ "اللاويون" بالتقاليد القديمة التي نجدها في يش 2- 10. 
* شكيم أي: الكتف. تقع بين جبل عيبال وجبل جرزيم. وهي معبد تشير إليه أشجار كبيرة وصخرة منتصبة (يش 24: 26؛ قض 9: 6). فيه قُطع الميثاق بين قبائل الشمال ومجموعة يشوع (يش 24: 1- 28). وتجدّد هذا الميثاق مرة كل سنة في عيد العهد الذي احتفظ يش 8: 30- 35 ببعض آثاره. وقد ربط بشكيم مجموعة الشرائع القديمة التي نقرأها في خر 20: 24- 33: 19 والتي هي أساس "الشرائع والعادات" المعمول بها في رابطة القبائل الست (يش 24: 25). في هذا المعبد جُمعت التقاليد القديمة التي نقرأها في سفر القضاة. 
* شيلو هو معبد صار مركز تجمّع للقبائل (يش 18: 1؛ 21: 21: 9، 12). بُني فيه هيكل، ووُضع تابوت العهد في هذا الهيكل (1 صم 1: 3- 7، 24؛ قض 18: 31).

ثانياً: تابوت العهد 
نجد في خر 25: 10- 22 و37: 1- 9 رسماً عن تابوت العهد. إنه صندوق خشبي، طوله متر وربع المتر، عرضه وعلوه ثلاثة أرباع المتر. وُضعت فيه حلقات يدخل فيها قضبان تسمح برفعه على الأكتاف. تابوت العهد هو علامة حضور الله وسط شعبه 1عد 10: 35؛ 1 صم 4: 7، 22)، لهذا فهو مقدس (1 صم 5: 1- 12؛ 6: 12). تابوت العهد هو عرش الرب (1 صم 4: 4؛ 2 صم 6: 2) وهو يتضمّن نص الوصايا العشر (تث 10: 1- 5؛ 1 مل 8: 9). وهو أيضاً دستور العهد بين اللّه وشعبه، وكان يرافقهم في الحرب المقدسة.

ثالثاً: شعائر العبادة 
هناك مذبح بُني حسب قواعد محدّدة (خر 20: 24- 25؛ يش 8: 31). وعليه تُقدّم الذبائح. لا يتحدّث سفر القضاة عن وظيفة محصورة بالكهنة. فربّ البيت أو القائد الحربي يقوم بها. ماذا يقدّمون من ذبائح؟ أفضل نتاج الحقل أو القطيع، وهكذا يدلّون على أنهم يريدون أن يتكرّسوا للّه بكليتهم وأن يطيعوه. تسمّى الذبيحة محرقة حين تُحرق الضحية كلها (قض 6: 18- 22، 25- 28). أو ذبيحة سلامة (أو إتحاد ومشاركة) حين يتقاسم اللّه (يُحرَق جزء من الضحية فقط) والمؤمن الذبيحة التي تؤكل في وليمة عائلية يدعى إليها الأقرباء والأصدقاء (يش 22: 26- 30). وهناك الذبائح النباتية: خبز فطير (بدون خمير، خر 23: 18؛ قض 6: 19- 21). والزيت والطحين (قض 13: 19). أُخذت شعائر العبادة هذه من الديانة الكنعانية، فمارسها العبرانيون ليحتفلوا بتدخلات الرب في تاريخهم. ولنا مثل في هذا تقدمة البواكير في
تث 26: 1- 11. حين يأتي المؤمن ليقدّمها، فهو يتذكّر خلاصه من العبودية: صرخنا إلى الرب فاستجاب لنا. 

رابعاً: الأعياد والأزمنة المقدسة 
طلبت الشريعة من العبراني بأن يذهب ثلاث مرات إلى الحج في السنة، فيؤمّ أحد معابد القبائل (خر 23: 14- 17). كان لهذا العيد طابع زراعي. يحتفلون بعيد الفطير في شهر السنابل، حين يُحصد الشعير. يأكلون خبزاً مصنوعاً من الحبّ الجديد فيدلّون على بداية الحياة الجديدة. وسيربُط هذا العيد فيما بعد بعيد الفصح. وسمّي عيد الحصاد عيد الأسابيع، لأنهم يحتفلون به بعد عيد الفطير بسبعة أسابيع (أي في اليوم الخمسين، لهذا سمّي في اليونانية: بنتيكستي أي العنصرة، 2 مك 12: 31 - 32). يرافق هذا العيد حصاد القمح، وكانوا يقدّمون فيه بواكير الغلال فيعبرّون عن فرحهم: إفرح أمام الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك واللاوي الذي في مدنك والغريب واليتيم والأرملة (تث 16: 10- 12). ويأتي عيد القطاف في الخريف: يجمعون الثمار الناضجة ويقطفون العنب. كانوا يصنعون في الكروم خياماً أو أكواخاً أو مظالّ. لهذا سمي العيد عيد المظال أو عيد الأكواخ. هو أكثر الأعياد فرحاً لدى العبرانيين. كانت هذه الأعياد أعياد الكنعانيين فأخذ بها العبرانيون وربطوها بتاريخهم. هذا ما نعرفه عن العيد السنوي الذي أقيم في شيلو وجاء إليه بنو بنيامين (قض 21: 19- 21). 
واحتفظ العبرانيون في الوقت نفسه بأعياد وأزمنة مقدسة، تعود إلى زمن البداوة. كانوا يحتفلون بعيد الفصح في العائلة وحسب الشعائر القديمة (خر 12: 21- 24). ولن يصبح هذا العيد عيد حجّ إلا مع إصلاح يوشيا (2 مل 23: 21- 23)، سنة 622 ق. م. وهناك راحة السبت (خر 23: 12) وجعل الأرض بوراً سنة من سبع سنوات (خر 23: 10- 11).

د- خاتمة 
أخذ العبرانيون الشيء الكثير من الكنعانيين في المجال الزراعي والتقني، كما أخذوا نظمهم الدينية مع ما في هذا الأخذ من خطر على نقاوة الإيمان. تبنّوا عاداتهم فتبنّوا أيضاً آلهتهم الذين يؤمّنون خصب الأرض والنجاح في أعمال الزراعة. تسلّموا معابدهم وشعائرهم العبادية وأعيادهم، فخلطوا الرب مع الآلهة الكنعانية. كان الخطر حقيقياً، وهذا ما تبرهن عنه شرائع تمنع المؤمن من ذكر إسم الآلهة الأخرى (غير يهوه، خر 23: 13)، وتلميحات نشيد دبورة (قض 5: 8: تعبدوا لآلهة حديثة فأضمحلّت قوتهم)، وخبر جدعون (قض 6: 25- 32)، وملاحظات سفر القضاة المتأخرّة التي تحتفظ بتذكّرات عن إنجذاب العبرانيين إلى الآلهة الأخرى: نشأ جيل لا يعرف الرب، تبعوا آلهة أخر (قض 2: 10- 13). أقام العبرانيون بين الكنعانيين... وعبدوا آلهتهم (قض 3: 5- 7؛ رج 6: 10؛ 8: 33؛ 9: 4؛ 10: 6- 10). إن أحداث الخروج ودخول أرض كنعان صارت للأجيال الجديدة أموراً من الماضي لا ترتبط بحياتهم اليوم (قض 2: 10).
وما ساعد على الإحتفاظ بالإيمان بالرب حياً هو الإحتفالات الليتورجية وتدخّلات رؤساء القبائل الذين عملوا باسم الرب فحرّكوا همة المؤمنين وأعادوهم إلى عبادة اللّه الواحد.
عبادات ليتورجية في إطار عائلي. وعبادات ليتورجية في المعابد وخلال أعياد الحج. كل هذا كان مناسبة يتذكّر فيها المؤمنون تدخّلات الرب ليحرّر شعبه ويقوده إلى أرض كنعان. وهكذا تحقّقت بشكل شفهي القراءات الأولى للأحداث التي أسّست الشعب. ويمكننا أن نكوّن فكرة عنها في اتفاقية شكيم (يش 24) التي كانت تتجدّد سنة بعد سنة، أو في فعل الإعتراف الإيماني (في الشهادة) الذي يرافق تقدمة ثمار الأرض (تث 26: 1- 11) أو في شعائر عيد الفصح كما تحتفل به العائلة (خر 12: 25- 27).
وخلال هذه الإحتفالات، تجسّدت التقاليد حول الدخول إلى أرض كنعان (فلسطين)، عن المجهودات التي قاموا بها ليحتفظوا بأرض أقاموا فيها. فالرب نفسه هو الذي يعمل اليوم لكي يخلّص شعبه. وكانت ممارسة "الحرب المقدسة" مناسبة تجعلهم يدركون أن الخلاص ليس خبراً من الماضي بل واقعاً حالياً. ولقد ساعدت أناشيد النصر (نشيد دبورة، قض 5) على الإحتفال (في المعابد) بهذا الخلاص الحاضر الذي يؤوِّن (يحتفل بها وكأنها حصلت الآن) أعمالاً خلاصية من التاريخ الماضي.
ففي الأزمات، وساعة عرفت القبائل الضيق من أعداء جاؤوا من الخارج، قام قوّاد حربيون وحرّكوا الهمم. كانت مآثرهم الحربية هي الأحداث الوحيدة المعروفة في هذه الحقبة، وقد رواها لنا سفر القضاة.

 

 

الفصل العاشر 

تقاليد سفر القضاة 

نتوقف في هذا الفصل عند محطتين اثنتين. الأولى: أحداث بارزة في زمن القضاة. الثانية: التقاليد الأدبية في زمن القضاة.

أ- الاحداث البارزة في زمن القضاة
تدلّ كلمة "قاضٍ" على وظيفة من يعمل في المحاكم. ولكن الفعل العربي يعني أيضاً: حَكَم الشعب، قاد الجيش. وفي العربية عبارة قضى في الناس تعني اهتم بأمورهم.
لا نعرف من أعمال القضاة إلاّ مآثرهم الحربية. سمّوا في الاصل "قوادا" يرعون الشعب (2 صم 7: 7). أما تسمية زمن القضاة بهذا الاسم، فقد جاءت متأخرة (را 1: 1؛ 2 صم 23: 22). واستعمل الكاتب ليتحدّث عن هؤلاء القضاة فعل "خلّص" (قض 2: 9؛ 6: 15؛ 10: 1) أو لقب "مخلّص" (قض 3: 9؛ 15) الذي اعتاد سفر القضاة أن يحتفظ به لله. إذن هم محرّرون يقيمهم الله في الأوقات المتأزمة. هذا ما تدل عليه عبارة "كان روح الرب عليه"، أمسك روح الرب عتنيئيل (قض 3: 10) وجدعون (قض 6: 34) ويفتاح (قض 11: 29)... و بعد أن يتم هؤلاء عمل الخلاص، يتابع بعضهم رعاية الشعب. ويتوقّف البعض الآخر كما فعل أهود (قض 3: 12- 20) وشمجر (قض 3: 31) ودبّورة (قض 4- 5).
في هذه الحقبة التي ما زالت غامضة بالنسبة إلينا، تبرز بعضُ الأحداث الهامة. 

1- النصر على سيسرا (قض 4- 5).
تحالف بعض الأمراء الكنعانيّين على العبرانيين وساروا عليهم بقيادة سيسرا. كانت المعركة في سهل يزرعيل، قرب تعناك، على مقربة من وادي قيشون. سقط مطر غزير فمنع مركبات الحرب من التحرّك. إنتصر العبرانيون فأمنّوا الاتصال بين قبائل الشمال وقبائل الوسط. حدّد زمن المعركة: حوالي سنة 1150. وانشدت دبّورة خلاصاً تمّ لشعبها (قض 5). 

2- انتصار جدعون على المديانيين (قض 6- 8)
المديانيون شعب من البدو يتنقّل في برية عرابية شمالاً وغرباً. إستفادوا من ضعف الامراء الكنعانيين (ربما بعد معركة تعناك) وبُعد مصر التي لم تعد تسيطر على سهل يزرعيل، فقاموا بعمليّات السلب والنهب في مواشي العبرانيين ومزارعهم (قض 6: 1- 6). إنتصر جدعون، وهو من قبيلة منسّى على هؤلاء الغزاة بمساعدة قبائل الشمال (قف 6: 35؛ 7: 23). نلاحظ هنا أن قبيلة منسّى حلّت محل قبيلة ماكير. كما نلاحظ التزاحم بين القبائل: لم ترضَ قبيلة افرائيم أن تتمّ هذه العملية العسكرية من دون معرفتها (قض 8: 1- 3).
طلبت القبائل من جدعون أن يتسلّط عليهم (قض 8: 22- 3. لم يتلفّظوا بعد باسم الملك). ها قد بدأت فكرة الملكية تسير مسيرتها وسط القبائل.

3- سلطان أبيملك في شكيم (قض 9)
كان أسياد شكيم التي ظلت مدينة كنعانية يجنّدون المرتزقة ليؤمّنوا الدفاع عن المدينة. وكانوا يدفعون لهم أجرهم من حقّ المرور الذي تدفعه القوافل. فشكيم تشرف على الوادي الذي يمرّ في فلسطين من الشرق الى الغرب. وإذ كان ابيملك قائد المرتزقة، أعلن نفسه "ملكاً" على شكيم. ولكن "مملكته" لم تدم طويلاً. متى حصل هذا الحدث؟ لا نعرف. غير أن هذه المحاولة ولّدت مثلاً معادياً لمملكته. قال يوتام: ذهبت الاشجار ليمسحن عليهنّ ملكاً... (قض 9: 7- 10). وعبّر هذا المثل عن معارضة قوية في قبيلة منسّى ضد النظام الملكي الذي اعتُبر عديم الجدوى. 

4- يفتاح وحربه ضد العمونيين (قض 10: 6- 12: 7)
كان يفتاح من قبيلة جلعاد، فقاد زمرة من المرتزقة. دعاه شيوخ القبيلة ليقف بوجه العمونيين وتهديداتهم (قض 11: 5- 11). نحن أمام قضية خاصة بجلعاد. ولكن غارت قبيلة إفرائيم على سلطتها، فحاولت أن تستفيد من هذه العملية، ولكن عبثاً (قض 12: 1- 6).
في هذه المناسبة، تُروى قصّة بنت يفتاح التي نذر أبوها بأن يقدّمها ذبيحة. وقبل أن تُذبح، ذهبت مع رفيقاتها إلى جبل جلعاد لكي تبكي صباها (قض 11: 29- 40).

5- شمشون والفلسطيون (قض 13- 16)
شمشون هو بطل منعزل (لا جيش له). إحتال على الفلسطيين الذين يسيطرون على البلاد، فضايقهم بأعمال اقلقت الناس. لا تعني هذه الأخبار إلا وادي سوريق حيث أقامت بعض عشائر دان (قض 13: 2- 25؛ 16: 3- 31). لا نعرف متى حصلت هذه الاحداث التي يبدو فيها الفلسطيون أعداء يحاولون أن يمدّوا سيطرتهم على أرض كنعان. 

6- صموئيل آخر القضاة
أشرف صموئيل على ولادة الملكية، فأنهى حقبة القضاة. جعله التقليد كاهناً (ام 7: 8- 10؛ 9: 12- 13) ونبياً أو رائياً (1 صم 3: 1 – 21؛ 9: 9- 11) وقاضياً (1 صم 7؛ 5- 15) يخلّص شعبه في الحرب.
إنحصر نشاط صموئيل في أرض بنيامين (بيت ايل، الجلجال، المصفاة، الرامة) وهي قبيلة لا يذكرها سفر القضاة. ولكن فيها سيتم اختيار أوّل ملك لبني اسرائيل. وهذا يعني أن بنيامين لعبت دوراً هاماً مع إفرائيم التي ارتبطت بها في آخر زمن القضاة. وهذا ما يشير إليه قض 21. 
حاول الفلسطيون منذ بداية القرن الحادي عشر التغلغل في المنطقة الجبلية التي يقيم فيها العبرانيون. وكانت المعركة الأولى في أفيق (سهل شارون) حوالي سنة 1050. إنتهت هذه المعركة بهزيمة بني إسرائيل 1 صم 4: 1- 11). أخذ الفلسطيون تابوت العهد، فنتج عن ذلك أزمة دينية في القلوب: قُهر (يهوه) رب الحرب المقدسة وغُلب على أمره. 
وبدأ الفلسطيون يحاوطون القبائل العبرانية ويسيطرون على الوديان والسهول. فلم يبقَ امام العبرانيين إلا أن يتّحدوا. وهذا ما فعلوا حين جعلوا على رأسهم ملكاً هو شاول. 

ب- التقاليد الأدبية في زمن القضاة 
كانت الكتابة في زمن القضاة اختراعاً قديماً. والنظام الابجدي الذي رتبه الفينيقيون في القرن الرابع عشر، جعل الكتابة امراً سهلاً. ومع هذا، إنتقلت التقاليد العبرية في هذه المرحلة بطريقةٍ شفهية. غير أن الكتابة ستتعمّم تدريجياً (قض 8: 14: غلام من أهل سكوت كتب لجدعون). فيمكن أن تكون دُوِّنت نصوص في نهاية زمن القضاة وأودعت في المعابد كما كان يفعل الفينيقيون مثلاً. 
ماذا وصل إلينا من هذه الحقبة؟ تقاليد تاريخية نجدها في سفريّ يشوع والقضاة. أقوال مأثورة وأمثال مزروعة في سفر القضاة. مجموعة من الشرائع القديمة احتفظ بها خر 20: 24- 23: 19. أناشيد حرب وهتافات تُتلى خلال الاحتفالات الليتورجية. 

1- التقاليد التاريخية 
تمّ تدوين سفريْ يشوع والقضاة في إطار التاريخ الاشتراعي. اما هنا فنتحدّث عن التقاليد التي تعود إلى زمن القضاة.
ففي سفر يشوع، تقدّم ف 2- 9 عناصر قديمة وسابقة لزمن الملكية. إنها تعني المجموعة التي دخلت إلى كنعان مع يشوع، وقد حُفظت في معبد الجلجال. ويعود ف 10 الى تذكّرات قديمة من قبيلة يهوذا. وجُمع في معبد شكيم (نصّ 11: 1- 9) عن معركة ميروم عناصر سنقرأها في يش 24. 
إذن إنطبعت هذه التقاليد بالطابع المحلي. فاهتمت كل قبيلة او مجموعة قبائل بتذكرات صراعها لتقيم في أرض "سُجِّلت" حدودها.
وفي سفر القضاة، إحتفظت ف 4- 12 بأقدم التقاليد، فعنت فقط قبائل نفتالي وزبولون (4- 5؛ 12: 13- 15) ومنسّى (6- 9) ويساكر (0 1: 1- 2) وجلعاد (10: 3- 12: 7) وأشير (7: 23). وهي القبائل التي شاركت في رابطة القبائل. جمعت قبيلة منسّى هذه التقاليد وجعلتها في معبد شكيم. وهي تقاليد معادية لقبيلة إفرائيم (8: 1- 3؛ 12: 1- 6). تدلّ هذه المجموعة على اتحاد بين بعض القبائل ومزاحمة بين البعض الآخر، وذلك قبل إقامة الملكية. 
وجمعت قبيلة يهوذا، في جنوب فلسطين، تعاليق على عتنيئيل (3: 7- 11) الذي انتمى إلى زمن يشوع ولم يكن قاضياً (يش 15: 16- 19؛ قض 1: 12- 15)، وعلى أهود (من قبيلة بنيامين، قضى 2: 12- 30)، كما جمعت مآثر شمشون (قض 12- 16). 
إن التقاليد القديمة في قض 4- 12 لا تبدو معادية لقوّاد بني اسرائيل، لهؤلاء القضاة الذين اختارهم الرب لكي يخلّصوا شعبه. ولكنها قاسية بالنسبة إلى الملكية الناهجة النهج الكنعاني: إنها تضايق الناس ولا تفيدهم (قض 9: 7- 15)، وسنجد هذه المعارضة في كتاب صموئيل وساعة اختيار شاول. بعد هذا، سيعود هوشع، وهو المرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقاليد شكيم، فينتقد الملكية انتقاداً لاذعاً. إذن نحن هنا أمام تيّار عميق سيمتدّ طويلاً في تاريخ بني أسرائيل. 

2- أمثال وأقوال مأثورة 
تتوزّع سفر القضاة أحاجٍ صغيرة، إشارات هازئة، كما تتضمن مثلاً معادياً للنظام الملكي. 
رجل يقصّ على صاحبه حلماً. قال: حلمت كأني برغيف خبز من شعير يتقلّب في معسكر مديان. فانقلب حتى صار إلى الخيمة وصدمها فسقطت، وقلبها إلى فوق وسقطت الخيمة. فأجاب صاحبه: هذا سيف جدعون بن يوآش (7: 13- 14).
قالت شمشون: إني مُلقٍ عليكم لغزاً... خرج من الآكل أكل ومن الشديد حلاوة... أجاب رجال المدينة: أي شيء أحلى من العسل؟ أي شيء اشدّ من الاسد (14: 12- 18)؟
قال جدعون متهكّماً: إن خصاصة (أي ما بقي بعد القطاف) إفرائيم أفضل من قطاف ابيعازر (عشيرة جدعون) (قض 8: 3). 
قالت شمشون: بذقن حمار ضربتهم، وبفكّ حمار قتلت ألف رجل (قض 15: 16). 
أما المثل الذي قاله يوتام ضد الملكية (9: 8- 15) فهو يبيّن أن الاشجار المفيدة لا ترضى أن تكون ملكة. كيف تتخلّى الزيتونة عن زيتها، والتينة عن حلاوتها وثمرتها الطيبة، والكرمة عن نبيذها؟ أما العوسجة التي لا تنفع شيئاً فستصير ملكة. 
نستطيع أن نقابل هذه النصوص بأقوال عن القبائل نقرأها في تك 49 وتث 33. كل هذا يجد جذوره في حياة القبائل ويرتبط بعالم الزراعة. قال شمشون: "لو لم تفلحوا مع عجلتي (أي المرأة التي أحببت والتي إليها بُحت بسرّي)، لما وجدتم لغزي". فقبل ولادة مدارس الكتبة في زمن الملكية، وقبل مجموعة سفر الامثال، وُجد تقليد من الحكمة الشعبية في أرض كنعان وصلت الينا بعض آثاره في سفر القضاة.

3- شرائع خر 20: 24- 23: 19 
تعود مجموعة الشرائع المسمّاة "دستور العهد" (بسبب موقعها الحالي في سفر الخروج، رج 24: 7: أخذ كتاب العهد) إلى بداية انتقال العبرانيين من عالم البدو إلى عالم الحضر. نجد فيها أقوالاً ترتدي أشكالاً منوّعة. 
هناك أقوال ترد في صيغة الإيجاب. مثلاً: تصنع لي مذبحاً من تراب وتذبح عليه محرقاتك (خر 20: 24). وهناك أقوال ترد في صيغة الشرط: إذا اشتريت عبداً عبرانياً، إن جاء وحده فلينصرف وحده، وإن جاء مع زوجته فلتنصرف امرأته معه (خر 21: 2 5). وأخيراً هناك أقوال تبدأ (في العبرية) في صيغة اسم الفاعل: ضارب (من يضرب) إنسان حتى الموت يُقتل قتلاً (خر 21: 12). تدل هذه التعابير على ان هذه الشرائع تتجذّر في محيطات مختلفة. 
تُذكّر العبارات الايجابية (خر 20: 24- 26؛ 22: 20- 23: 19) بالوصايا العشر. انها تتوسّع فيها وتطبّقها على وضع جديد يعرفه شعب انتقل إلى عالم الحضر. وهي تعني العلاقات مع اللّه: المذبح، 20: 24- 26؛ العبادة، 22: 28- 30؛ الأعياد والأزمنة المقدّسة، 23: 10- 19)؛ ومع القريب، لاسيما الفقير والمهاجر، الارملة، اليتيم، 22: 20- 26؛ كما تعنى موقف القاضي في المحاكم، 23: 1- 8.
إعتُبرت هذه الشرائع كوصايا الله. وسعت في شقّها الاجتماعي إلى تنظيم الأخوّة وسط الشعب (21: 4- 5: إذ لقيت ثور عدوّك أو حماره ضالاً، فردّه اليه) وإلى حماية الضعفاء. قد تكون أُعلنت في فترات محدّدة في المعابد ومن خلال احتفالات الجماعة بشعائرها الدينية. نستطيع أن نقرّبها من التعابير التي تبدأ باسم الفاعل (21: 12- 17: 22: 17- 19) وتنتهي بالحكم بالاعدام (فليُقتل قتلاً)، إنها قريبة من الملاعنة (ملعون من يصنع تمثالاً ... من يحتقر أباه وأمه) التي أعلنت في شكيم خلال عيد تجديد العهد (تث 27).
وتدل التقارير الشَرطية أنها تحاول أن تنظّم أموراً ملموسة في الحياة اليومية. لقد اتخذت قرارات الشيوخ القانونية شكل شريعة، فكوّنت مجموعة الفتاوى. ونحن نجد هذه التعابير الشرطية في مجموعات شرائع الشرق القديم مثل مجموعة حمورابي. إنها تنظم في سفر الخروج وضع العبد "العبراني" (21: 1- 11) والخلافات والمنازعات (21: 18- 22: 3) خاصة بين المزارعين وأصحاب المواشي (22: 4- 14) وفي حالات اغتصاب فتاة (22: 15- 16). وهكذا نكتشف مسائل جديدة طُرحت على شعب انتقل من حياة البدو الى حياة الحضر. 

4- اناشيد دينية
إحتفظ سفرُ القضاة بقصيدة أنشدتها دبّورة بعد النصر على سيسرا (قض 5). وقد رافقت اناشيد دينية اخرى تجمّعات القبائل في المعابد، فضمّها متاب المستقيم (يش 10: 13؛ 2 صم 1: 18) بين دفّتيه، كما جُمعت في "سفر حروب يهوه" (عد 21: 14): 
"واهب في سوفة مع سيوله
ارنون ومصبّ أوديته 
تنحدر إلى مساكن عار 
وتستند إلى تخوم موآب".
ويتضمن مز 28 بعض الصور القديمة والاساليب الشعرية التي تبدو قريبة من نشيد دبّورة:
الله يقوم فيتشتّت أعداؤه...
رجفت الأرض، قطرت السماء
أمام الله، إله سيناء
أمام الله، إله اسرائيل (رج قض 5: 5)
أعطى الرب أوامره
فكان رسله جيشاً كبيراً
الملوك يهربون والجيوش يهربون
وأنت تقسم تحف البيوت اسلاباً.
فلم تضّجعون في الحظائر (رج قض 5: 16)؟

 

 

 

الفصل الحادي عشر 

نشيد دبورة قض 5 

من الأناشيد الدينية التي احتفظ بها سفر القضاة، نتوقّف عند نشيد دبورة (قض 5: 2- 31). 

أ- موقع النص وترتيبه
1- النص في الكتاب 
إن قض 5 هو جواب على ما حدث في قض 4. "باع" الرب شعبه ليابين ملك حاصور مع رئيس جيشه سيسرا. وحين صرخ بنو إسرائيل، خلّصهم الرب رغم تفاوت القوى بين شعبه وبين الكنعانيين: هُزم الجيش، قُتل رئيسه، فأنشدت دبورة نصر الرب. 
غير أننا نجد إختلافات بين الخبر (قض 4) وبين النشيد (قض 5). لا يتحدّث قض 4 إلاّ عن قبيلتَيْ نفتالي وزبولون (آ 6، 10) اللتين حاربتا يابين ملك حاصور في ميروم، في الأعالي (أو: المشارف) (5: 18). أمّا 5: 14- 15 فيذكر عدداً أكبر من القبائل، ويجعل المعركة تندلع في السهل لا على الجبال. والخصم هو سيسرا وحده. إذن، دمج قض 4 معركتي ميروم وتعناك.
يقول 5: 15 إن دبورة ارتبطت بقبائل الشمال. أما 4: 4- 5 فيجعلها مع إفرائيم. وهكذا تبدو قبيلة إفرائيم وكأنها تحاول أن تكسب لنفسها معركة تعناك. وهذا يدلّ على أن قض 4 دوّن بعد نشيد دبورة في قص5. 

2- ترتيب النص 
دوّن النص في صيغة المتكلّم المفرد: "إني للرب أرنّم (أنا)، أشيد للرب إله إسرائيل" (آ 3). قالت آ 1: أنشد دبورة وباراق. فيبدو أنه لا دبورة ولا باراق أنشده. فهما مذكوران في آ 15: "رؤساء يساكر يسيرون مع دبورة، ويساكر يزحف إلى السهل مثل باراق". كما أن النشيد يوجّه كلامه إلى دبورة فيقول لها: "فرغت القرى من سكانها فرغت، حتى قمتِ، يا دبورة، قمتِ أُماً في إسرائيل" (آ 7). ونقرأ في آ 12 كلاماً يتوجّه إلى دبورة وباراق: "إنهضي، إنهضي يا دبوّرة. إنهضي، إنهضي وإهتفي بنشيد. إنهض يا باراق، وإستعد للسبي يا ابن أبينوعم".
هذا يعني أن الكاتب شخص مجهول، ألّف قصيدته قرب أحد المعابد، ولكن جاء من زاد عليها ى آ 1- 5 وآ 31، وجعلها في فم دبورة وباراق بن أبينوعم. 
ب- تفسير النص 
1- حرب مقدسة (آ 2- 5) 
إلمحاربون هم متطوّعون، قدّموا نفوسهم بحرية (آ 2). قبل الذهاب إلى الحرب، حلّوا شعورهم المجدولة وأطلقوها في الهواء فدلّوا على تكريسهم الكامل للرب (آ 2؛ رج مز 68: 22؛ تث 32: 42). ولكن المحارب الرئيسي هو الرب، إله البدو الآتين من الصحراء (آ 4- 5؛ رج تث 33: 2). صحراء أدوم هي هضبة تمتد إلى سيناء. ولهذا جاء شرحٌ زاده أحد الكتبة فقال: أمام الرب "إله سيناء" (آ 5؛ من مز 68: 9). جاء الرب فحمل معه العاصفة والمطر التي جعلت وادي قيشون يفيض بالمياه (آ 4؛ ق مز 68: 9- 10).

2- خطر يهدّد القبائل (آ 6- 8)
إنقطعت الإتصالات بين قبائل الشمال وقبائل الوسط (آ 6). فصار الوضع حرجاً. وعلى المستوى الديني تبنّى العبرانيون آلهة الكنعانيينِ. وكانت ضائقة إقتصادية، ونقصَ خبزُ الشعير كما يقول النص اليوناني في آ 8. كما نقص السلاح الضروري للمدافعة عن البلاد (ق 1 صم 13: 19- 22).

3- تذكّر الانتصارات السابقة (آ 9- 11)
إن تذكّر انتصارات حصل الشعب عليها من الرب، يُشعل حماس القبائل (آ 11). وتنتقل هذه التذكّرات عبر أقوال الرؤساء، خلال السفر، أو حين يوزع الرعاة مواشيهم بين حياض الماء (آ 10- 11). حينئذ حمل الشعب سلاحه واجتمع عند أبواب المدن (آ 11).

4- تجنيد القبائل (آ 12- 15 أ)
وأرسلت دبورة نداءها مع باراق، فجاءت ست قبائل كانت تؤلّف في ذلك الوقت رابطة وإتحاداً: إفرائيم، ماكير (أي: منسّى)، زبولون، بنيامين، يساكر، نفتالي.

5- نداء إلى قبائل لهم تتحرك (آ 15 ب- 7)
أريع قبائل: رأوبين، جلعاد، دان، أشير. لم تلعن كما لعن سكان ميروز (آ 23). إعتبرت هذه القبائل غير معنيّة بما يحصل لحلف القبائل الست. 

6- تصوير المعركة (آ 19- 22)
لا يقول النص شيئاً عن الأعمال الحربية التي قامت بها القبائل. فالشيء الوحيد الذي يحسب له حساب هو تدخّل الرب وقوى الطبيعة التي يحرّكها: هذا ما نسميّه الحرب المقدّسة.

7- مباركة ياعيل (آ 23- 28)
وإحدى ميزات الحرب المقدسة هي أن النسوة (رغم ضعفهنّ) يحصلن على النصر. فدبورة وياعيل اللتان لم تُحسبا بين المقاتلين (رج قض 9: 35- 54 وردّة فعل أبيملك) فعلتا ما لم يفعله المقاتلون. إن عمل الله يتعظَّم حين يستعمل وسائل لا نتوقعها (قض 7: 2- 7).

8- إنتظار أم سيسرا (آ 29- 30)
كانت دبورة وياعيل في خدمة عمل الرب، أما أم سيسرا فهي قلقة ومربوطة اليدين. إنتظرت السلب؛ ولكن سيخيب إنتظارها (ق 2 صم 1: 24). تكلّمت أحكم الحكيمات بين الأميرات، ولكن كلامها بدا جهلاً وحماقة (آ 30). 

ج- الشعر في نشيد دبورة
يتحلّى نشيد دبورة بنفحة ملحمية وإيقاع موزون. لقد إستعمل الشاعر عدداً من الأساليب الأدبية. أكثرها تأثيراً تكرار الكلمات والعبارات: "أمام الرب، أمام الرب، إله إسرائيل" (آ 5). "من جري، من جري الخيول" (آ 32). "لم يزحفوا لنصرة الرب، لنصرة الرب مع الأبطال" (آ 23). ونكتشف هذا التكرار أيضاً في آ 7، 11، 12.
ونجد هذا التكرار أيضاً بشكل "كياسما" أي تشابك وتصالب (أ، ب، ب، أ): "مباركة بين النساء ياعيل، بين النساء الساكنات في الأخبية هي مباركة" (آ 24). ونقرأ في آ 21: "نهر قيشون جرفهم، نهر القدم، نهر قيشون"! ويتوسّع الشاعر في التكرار في آ 27 فيدلّ على سحق سيسرا كما تسحق قطعة من قماش بالٍ : "خرّ لدى قدمها، سقط، إنطرح. لدى قدميها خرّ وسقط. وحيث خرّ سقط صريعاً". وتخيّل الشاعر حلم الأميرات يتصوّرون الغنيمة المنتظرة: "سبتة، سبياتان لكل بطل. لسيسرا رياش مزخرفة، رياش موّشاة، حلّة، حلّتان لعنقه" (آ 30).
هي بداية شعرية ستنمو شيئاً فشيئاً فتصل بنا إلى ما نقرأه لدى الأنبياء أو في المزامير.

د- أهمية هذا النص 
لنشيد دبورة أهمية تاريخية كبيرة: نظرته إلى الحرب المقدسة، كيفية عمل حلف القبائل، العلاقات بين هذه القبائل والكنعانيين في سهل يزرعيل. 
ولكن أهميته الكبرى تكمن في الطريقة التي بها يدلّ على أن الإيمان بإله الخروج يُلهب مشاعر الرجال لكي يفكّوا عنهم حصار المدن الكنعانية. والذين دعوا القبائل إلى الحرب لم يكونوا فقط "القضاة" (أو: المخلصين)، بل نساء أيضاً: لقد نالت دبورة لقب "أم إسرائيل". وسيسمّى فيما بعد الملك ووزيره الأول "أباً" للشعب (1 صم 24: 12؛ أش 9: 5؛ 22: 21). وياعيل هي مباركة بين النساء، وهذا مديح ستناله مريم، أم يسوع (لو 1: 42).

 

 

الفصل الثاني عشر 

الإطار التاريخي للملكية 

نترك زمن القضاة، وندخل في الحقبة الملكية التي ستمتدّ في مرحلة أولى من سنة 1050 إلى سنة 933 ق. م. 
دخل بنو إسرائيل إلى أرض كنعان وتحضرّوا بحضارتها، فوصلت بهم الأمور إلى تأسيس الملكية وتطويرها على يد داود وسليمان. لقد جاءت الساعة لكي يخلق هؤلاء البدو القدماء دولة تتجاوب وحاجتهم إلى الإستقرار والطمأنينة. سوف نتعرّف إلى الظروف التي فيها وُلدت الملكية، وإلى التبدّلات التي تمّت على مستوى النظم. ولقد وُلدت في هذه الحقبة أيضاً أولى الآثار الأدبية في التوراة. نبدأ بالإطار التاريخي، ونترك إلى فصل لاحق الآثار الأدبية التي وُلدت في هذا الإطار.

أ- أزمة خانقة 
نحن حوالي سنة 1050 ق. م. شكّل الفلسطيون قوة متنامية. أقاموا على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، فتغلغلوا شيئاً فشيئاً في عمق الجبال الفلسطينية الوسطى، وقد يصيرون أسياد الأرض الحقيقيين. حاول بنو إسرائيل أن يقاوموهم ولكن عبثاً. فقُهروا في معركة أفيق، وسقط تابوت العهد في أيدي الأعداء. هذا التابوت الذي حملوه إلى المعركة ليتأكدوا أن الله معهم، صار مع الفلسطيين (1 صم 4).
ومنذ ذاك الوقت، بدت سيطرة الفلسطيّين على قبائل الوسط أمراً واقعاً. وجعل الفلسطيون في هذه المناطق الجديدة وُلاة كما في جبع (1 صم 15: 5؛ نقرأ مع الترجمة الأرامية: "تصل إلى جبعة الله حيث يقيم الولاة الفلسطيون). ومنعوا على بني إسرائيل مهنة الحدادة لئلا يصنعوا أسلحة (1 صم 13: 19- 22). واستفاد العمونيون، المقيمون في الشرق، من الوضع ليوسّعوا تخومهم.
في هذا الإطار الدراماتيكي، عاد مشروع الملكية على بساط البحث، بعد أن لامسه زمن جدعون وخسر اعتباره بعد مغامرة أبيملك (قض 9). فوجد أرضاً مؤاتية في وعي وطني وديني تبع هزيمة أفيق، وتجسّد في صموئيل رجل الإنتقال في هذا الوضع المتأزم. هناك كتابان يحملان إسم صموئيل، وهو يحتل فيهما مكانة كبرى مع أنه لم يكتبهما. إنهما يشكلان مع سفرَيْ الملوك الينبوع الأول لمعلوماتنا عن هذه الحقبة. 
وأحسّ الناس أن النظم القبلية القديمة صارت مهلهلة وقريبة من السقوط. وبدا لهم سقوط شيلو كعقاب من اللّه ضدّ رؤساء دينيين أكلهم الضعف والفساد (1 صم 2: 27- 32). إذن، لا بدّ من سلطة ثابتة يعترف بها الجميع، وتستطيع أن تضع حداً للضيق الآتي من الخارج وللتجاوزات الذي يسبّبها أهل الداخل.
وكان تبني الملكية الجواب الوحيد الوافي. فقابل رسمة تطوّر المجتمعات التي انتقلت من حياة البدو إلى حياة الحضر وتكوّنت ممالك، مثل العمونيين والموآبيين أو الأدوميين. سيسير أبناء عمِّهم (بنو إسرائيل) على خطاهم فيتبعون التطوّر العادي. والوضع الأولي الذي تميّز في تلك الحقبة كما في سابقتها بضعف الممالك الكبرى، لم يقف حاجزاً بوجه هذا التطوّر.

ب- مع النظام الجديد أو ضده 
لم يتمّ هذا التطوّر من دون صعوبات داخلية. وتدلّ النصوص البيبلية على أن وجهات النظر اختلفت، بل تعارضت. فهناك أخبار تساند الملكية بوضوح، مثل خبر "أتن شاول" (1 صم 9: 1- 15: 16). إنه يروي كيف أن صموئيل عيّن إبن مزارع في قبيلة بنيامين (إسمه شاول) ليخلّص الشعب الذي يضايقه الفلسطيون. وفي 1 صم 11 سنرى شاول ينطلق إلى الحرب على العمونيين وينتصر عليهم إنتصاراً باهراً. حينئذ أعلنه الشعب ملكاً في الجلجال. وهكذا شدّد هذان الخبران على مبادرة الله في اختيار شاول. ولكن الخبر الثاني أقرب إلى التاريخ والواقع. 
وهناك نصوص أخرى خصوصاً 1 صم 8 و 12 حيث تُنسب هذه المبادرة إلى الرب. فالناس أرادوا لهم ملكاً. لم يوافقهم صموئيل الرأي، ولم يقبل الرب إلا على مضض. من الواضح أن هذه النصوص التي ترفض الملكية ترتبط بأوساط أخرى وتيارات فكرية مختلفة. ويظنّ الشراح أن تدوينها يعكس تفكيراً يعود إلى حقبة متأخرة إختبر فيها الشعب تجاوزات النظام الملكي. قد يكون هناك انتقادات قديمة للنظام الملكي، والأخبار الموافقة للملكية ستسمّي هؤلاء المعارضين "بني بليعال" (أدنياء، لا يساوون شيئاً) (1 صم 10: 27؛ 11: 12- 13). 
لماذا هذه المعارضة؟ بسبب المنازعات والحسد بين القبائل. فبنيامين، قبيلة شاول، وجبعة مدينته، كانتا قد نالتا درساً قاسياً من الجيران (قض 19- 21). ثم إن الملكية بدت للأوساط الدينية التقليدية تجديداً خطيراً يقف حاجزاً بوجه الرب ملك شعبه ومخلّصه الوحيد. وأخيراً، أقلقت الملكيهّ مزارعين يغارون على حرّيتهم وحقوقهم، وستصطدم مصالحهم مع "حق الملك" على الشعب (1 صم 8: 11- 17): "يأخذ بنيكم... وبناتكم... وحقولكم وكرومكم وأفضل زيتونكم...". 
وإذا كان النظام الجديد قد فرض نفسه رغم كل شيء، فهذا عائد إلى الخطر الذي يشكلّه الفلسطيون على القبائل. فبنو إسرائيل إنتظروا من ملكهم، أول ما انتظروا، أن "يخلّصهم" من أعدائهم. 

ج- محاولة أولى مع شاول (1030- 1010 تقريباً)
بشرّت بدايات شاول بالخير. جمعَ حوله فرقة من المحاربين الأشدّاء لمواجهة الفلسطيين. وبفضل أعمال فردية ومعارك انتصر فيها، حرّر الجبل في وسط البلاد وأعاد الأعداء إلى أرضهم (1 صم 13- 14). ويبدو أنه حارب أيضاً الموآبيين والعمونيين والأدوميين وملوك أرام وانتصر عليهم (1 صم 14- 17).
كان شاول بأسلوب حياته وطريقة عمله شبيهاً "بالقضاة" مثل جدعون ويفتاح وشمشون. ومع هذا، ظهر شيء جديد: أعلن الشعبُ شاول ملكاً، فاستعمل للمرة الأولى طقس المسح بالزيت الذي جعل من شخص عادي رجلاً مكرساً. لم تعد سلطته مؤقتة ومرتبطة بعمل محدّد. نشير هنا إلى أن المصريين والكنعانيين عرفوا الدهن بالزيت المقدس، الذي يدلّ على القبول والإكرام، ويعد بالخير والبركة. المسح بالزيت يدل على اختيار الله للملك وتعلّق بالله. وبهذا يصبح "مسيحاً" وممسوحاً. 
وهكذا شهدنا تطوراً تمّ على مراحل خلال أيام شاول: كانت مهمّة القوّاد محدّدة في زمن القضاة، فصار للملوك سلطان منظمّ ومتواصل. وإرتسم هذا التطوّر في مجالات عديدة. ففي زمن القضاة، كان الناس يلجأون في وقت الحاجة إلى رجال "الحرب". وحين يزول الخطر، يعود كل واحد إلى بيته. أما الآن، فتكون بجانب "الجيش الشعبي" نواة جيش محترف يجندّه الملك (1 صم 14: 52). وسنجد في 1 صم 20: 25 لوحة عن "حاشية" شاول: هناك "هيئة أركان" مؤلّفة من يوناتان إبن شاول، وأبنير إبن عم الملك وقائد الجيش، وداود حامل سلاحه. وهناك مقطع آخر يصوّر لنا الملك في جبع جالساً تحت البطمة التي على التلّة (لا: في الرامة). بيده رمحه، وعبيده يقفون حوله (1 صم 22: 6). وإذ أراد شاول أن يربح ولاء عبيده (أي قؤاد الجيش)، وزّع لهم الحقول والكروم. غير أن النص لا يقول على حساب من تمّ هذا السخاء الملكي. 
لا عاصمة بعدُ لهذا الملك الذي يقيم في مسقط رأسه، في جبع. وقد وُجدت هناك بقايا قلعة تعود إلى هذه الحقبة. ومن جبع، كان يحكم "أرضاً" تشتمل على جلعاد في شرقي الأردن وأشير (؟) ويزرعيل في الشمال، وإفرائيم وبنيامين في الوسط (2 صم 2: 9). وقد نزيد على هذا جبال يهوذا في الجنوب. لا وصول له إلى البحر المتوسط. كما أنه كانت مدن كنعانية لم يستطع شاول أن يسيطر عليها، مثل أورشليم التي تبعد 6 كلم إلى الجنوب من جبع. 
رغم هذا النجاح الأول، إصطدم حكم شاول سريعاً بمعارضة قوية. ففي المعركة ضد العماليقيين، سنرى صموئيل يقف بصورة واضحة في وجه الملك. ويعلن أن الله رذله (1 صم 15: 22- 23). لماذا؟ السبب الظاهر هو أن شاول لم يأخذ بشريعة الحرب المقدّسة (إحتفظ بالغنائم). وفي الواقع، النظرة إلى عمل الله في تاريخ شعبه تبلبلت. ثم إن طبع شاول بما فيه من قلق وحسد كدّس الصعوبات. فنتج عن ذلك سلطة ضعيفة إنتهت به إلى المأساة. ولكن بانتظار ذلك، خرج رجل من الظلّ واستعد ليلعب الدور الأول: كان اسمه داود.

د- صعود داود 
كان داود إبن يسّى من قرية بيت لحم في يهوذا. وبفضله دخلت قبيلة يهوذا في التاريخ. 
عاش داود مع شاول فحمل له سلاحه. كان أحد المحاربين المشهورين الذين جمعهم شاول حوله (وأحاطت به أخبار أسطورية مثل مقتل جليات، 1 صم 17). وكان في الوقت عينه شاعراً وموسيقاراً موهوباً (1 صم 16: 23) نُسب إليه تأليف عدد من المزامير.
أقام مع شاول، فكانت إقامته تهيئة بعيدة لحياته المقبلة. تزوّج ميكال، إبنة الملك، وصار صديق يوناتان ابنه. وتميّز بحروبه ضد الفلسطيين، فنمت شعبيته إلى درجة أثارت حسد شاول الذي اعتبره مزاحماً خطراً له. وحين شعر داود أن حياته مهدّدة، هرب إلى موطنه في الجنوب (1 صم 20- 21).
فانضم إليه في منطقة حبرون بضع مئات من الرجال تضايقوا من الوضع أو من الحياة، فصار رئيسهم (1 صم 22: 2). كيف يقوت هذه المجموعة؟ يفرض الخوة على الناس ولا سيّما على الأغنياء. لاحقه شاول، فاتخذ قراراً خطيراً: إلتجأ إلى الفلسطيين، وقدّم خدماته لملك جت (1 صم 27). ولكنه حافظ على صداقة مواطنيه، فخلّصهم من غزوات بدو الجنوب، ووزّع عليهم الأسلاب، وتعلّم لدى الفلسطيين مهنة الحرب واستعمال السلاح.
وحين أراد الفلسطيون أن يثأروا لنفوسهم من شاول، هاجموه في جبل الجلبوع. وكاد داود يُجبر على محاربة شعبه. وقُهر شعب إسرائيل. فحين شهد شاول هزيمة شعبه وموت أولاده الثلاثة، إرتمى على سيفه فمات (1 صم 31). عمل يائس ختم به فشل حكمه. واستعاد الفلسطيون سيطرتهم على البلاد.
وإذ أراد أبنير أن يوقف الخطر المتزايد، جعل إشبوشت إبن شاول خلفاً لأبيه، وجعله يقيم في محنائيم، في عبر الأردن، ليكون بعيداً عن الفلسطيين (2 صم 2: 8- 9). ولكن رجال يهوذا لم ينضموّا إلى الملك الجديد، فأعلنوا داود ملكاً ومسحوه بالزيت المقدس. كان ذلك في حبرون (2 صم 2: 4). وهكذا صار داود ملكاً على يهوذا، وظل تابعاً للفلسطيين. 
وبدأت العداوة بين سلطتين متزاحمتين، بين إسرائيل (الشمال) ويهوذا (الجنوب). بدت قبائل الشمال مضعضعة، وما استطاع إشبوشت أن يسيطر على الوضع. والحل؟ إنضم أبنير إلى داود، ثم جاءه شيوخ إسرائيل إلى حبرون وعرضوا عليه أن يكون ملكاً عليهم. وتمّ هذا المشروع بعد أن قُتل إشبوشت. وهكذا انضمت جميع القبائل إلى داود، ولكنها ظلّت مجموعتين منفصلتين: مجموعة إسرائيل ومجموعة يهوذا. وهكذا استندت وحدة المملكة إلى شخص داود.

هـ- ملكية موحّدة في أيام داود (1010- 970 تقريباً)
إن تجمّع القبائل حول داود بلبل الوضع السياسي في المنطقة. وكانت ردّة الفعل الأولى لدى الفلسطيين. ولكن داود وضع حداً لتسلّطهم في معركتين حاسمتين (2 صم 5: 17- 25).
ونقصت المملكة عاصمةٌ حقيقية. كانت حبرون بعيدة عن قلب البلاد، ومرتبطة إرتباطاً وثيقاً بقبائل الجنوب. تطلّع داود إلى مدينة اليبوسيين التي تفصل بين يهوذا وإسرائيل، فاستولى بالحيلة على أورشليم التي تحميها قلعة إسمها صهيون (2 صم 5: 6- 10). وجعل من هذه المدينة الكنعانية القديمة موضع إقامته. وكمّل هذا العمل بمبادرة دينئة سيكون لها بعدها: نقل تابوت العهد من شيلو إلى العاصمة الجديدة (2 صم 6). 
واستفاد داود من ضعف مصر وأشورية، فأنطلق في سياسة توسعية، جعلته سيد "أمبراطورية" واسعة. ضمّ إليه المدن الكنعانية في سهل مجدو. وفرض الجزية على ملك موآب فصار تابعاً له (2 صم 8: 2). واحتل كل مملكة أدوم وجعل عليها حاكماً من قبله. وعاقب العمونيين عقاباً قاسياً، لأنهم أساؤوا معاملة موفديه (2 صم 10: 1- 14؛ 12: 26- 31). وقهر حلفاءهم الأراميين، فوصلت جيوشه إلى الفرات (2 صم 8: 3). وأقام داود علاقات صداقة مع ملك حماة الأرامي (2 صم 8: 9- 10) ومع ملك صور في فينيقية (2 صم 5: 11).
وظهرت في الداخل إدارة مركزية حسب النموذج المصري. ولنا فكرة عن هذه الإدارة في لائحة الموظّفين (2 صم 8: 15- 18؛ 20: 23- 26). قائد الجيش هو الأول. وهناك حرس ملكي مؤلف من غرباء مرتزقة أصلهم من فلسطية. المسجِّل يعلن الأوامر الملكية. وكان الكاهنان صادوق وأحميلك من رجال الحاشية. الكاتب يهتم بالمراسلات الملكية. ونلاحظ وجود المسؤول عن أعمال السخرة: لقد رافق مجيء الملكية بداية تشييد الأبنية العظمى مثل قصر داود (2 صم 5: 9- 12).
كانت السلطة القضائية في يد الملك (2 صم 8: 15). فمنه كانوا ينتظرون "العدل والحق". وتظهر النصوص أن الناس كانوا يلجأون إليه في صعوباتهم (2 صم 14: 4- 11؛ 1 مل 3: 16- 28). والسلطة التشريعية هي أيضاً في يده. فهو يخلق سنّة وحكماً لإسرائيل (1 صم 30: 25) لتكون بجانب الشرائع التقليدية التي يحتفظ بها الكهنة. 
واجتاز القسم الثاني من حكم داود أزمة خطيرة سبّبها صراع أبنائه من أجل خلافته. وأصعب ما كان ثورة ابنه أبشالوم الذي أجبر الملك الشيخ على مغادرة أورشليم والإلتجاء إلى عبر الأردن (2 صم 15). قُمعت الثورة، ولكنها كشفت نقطة الضعف في المملكة وهي المواجهة بين الشمال (إسرائيل) والجنوب (يهوذا). فأبشالوم لم يفرض نفسه بعض الوقت إلا بفضل مساندة الشمال.
وكانت نهاية الحرب من أجل الخلافة لصالح سليمان الذي لم يكن البكر: عملت لأجله أمه بتشابع، وساندها النبي ناتان والكاهن صادوق والحرس الملكي (1 مل 1).

و- مملكة سليمان (970- 930 تقريباً)
وصل سليمان إلى الملك في ظروف صعبة لم تنقصها تصفية الحسابات، ففرض نفسه كخلَف لداود. إستطاع أن يحتفظ بإرث أبيه السياسي. ولكنه لم يستطع أن يمنع هدد الأمير الأدومي من العودة من منفاه الجبري في مصر، ولا رزون القائد الأرامي من إعلان نفسه ملكاً في دمشق (1 مل 11: 14- 25). لقد كرّس سليمان كل قواه من أجل نشاط سلمي. الأبنية، الإدارة، الصناعة، التجارة، الثقافة. 
قام بأعمال ضخمة. عقد صفقة تجارية مع ملك صور الذي أرسل إليه خشب البناء والصنّاع من نجّارين وبّنائين وحدّادين (1 مل 5: 15- 32). وسّع الملك أورشليم إلى الشمال، وشيدّ جملة أبنية منها قصره الخاص وقصوراً أخرى، كما شيّد معبداً يظلّل تابوت العهد (1 مل 6- 8). كان الهيكل أو بيت الرب بناء طوله 30 متراً، عرضه 10 أمتار، علّوه 15 متراً. وكان مقسوماً ثلاثة أقسام: الرواق، القاعة الكبرى، قدس الأقداس وفيه تابوت العهد. تزّين المعبد بالذهب، وأحاطت به ساحة كبيرة يجتمع فيها الشعب من أجل أعياده واحتفالاته. وشيّد في وسط الساحة وأمام الرواق في الهواء الطلق مذبحاً كبيراً من البرونز لتقدمة الذبائح. ويحدّثنا 1 مل 9: 15- 19 عن أبنية أخرى لا سيما في المدن المحتلّة: أسوار، قصور، مخازن ملكية. ويظن علماء الآثار أنهم اكتشفوا آثار "إصطبلات الملك سليمان". من قام بهذه الأعمال؟ أسرى الحرب، الكنعانيون، قبائل الشمال.
وتابع سليمان عمل التنظيم الذي قام به أبوه، وأنمى الإدارة المركزية. ونلاحظ في لائحة الموظفين الكبار (1 مل 4: 1- 6) مهمات جديدة مثل رئيس المدراء. خلق سليمان المدراء مقتفياً خطى الممالك الكبرى، وكلّفهم بجمع الموظفين والجنود والعمّال والخيرات من أجل حاجات القصر. يذكر النص 12 مديراً لإسرائيل (أي مملكة الشمال). ويبدو أن يهوذا (أي مملكة الجنوب) كانت معفاة (1 مل 4: 19) من أعمال السخرة والضرائب.
وظهر التجديد في الصناعة والتجارة. ففي عصيون جابر، قرب إيلات، عمل رجال سليمان في صناعة الحديد والنحاس المستخرجين من العربة جنوبي البحر الميت. وتكوّن أسطول ينطلق من البحر الأحمر ليجلب الذهب من أفريقيا أو عرابية (1 مل 9: 26- 28). ونظّم رجال الملك تجارة الخيول والعربات بين مصر وآسية الصغرى وسورية (1 مل 10: 26- 29).
فرض سليمان نفسه على الساحة الدولية، فتزوّج ابنة فرعون (1 مل 3: 1). وعقد سلسلة من الزواجات السياسية فكبر عدد حريمه وتوسّعت علاقاته مع الشعوب المجاورة (1 مل 11: 1). ودلّت زيارة ملكة سبأ على علاقات سليمان بجنوب عرابية (1 مل 10: 1- 13). ورغم استياء الشعب من أعمال الظلم هذه، سيتذكّر التقليد سليمان بأنه كان ملكاً مجيداً وحكيماً.

ز- نظرة إجمالية إلى هذه الحقبة (1030- 930 تقريباً)
مرّت مئة سنة تقريباً بين بداية الملكية وموت سليمان. ولكن هذه الحقبة كانت حافلة بالتغيّرات على جميع الصعد.

1- على مستوى السياسة
الإنقطاع واضح. إنتقلنا في بضعة عقود من السنين من تنظيم قبلي مع رابطة القبائل والحرب المقدسة مع "قضاة" (يقضون في الناس) مخلّصين، إلى تكوين "دولة" بمؤسساتها: جيش محترف، هيئة من المرتزقة، إدارة مركزية تحلّ محلّ إطار القبائل القديم، عاصمة واحدة، عدالة ملكية، الضرائب... هذا على المستوى الداخلي. وعلى المستوى الخارجي، تكاثر التبادل مع الشعوب المجاورة وامتد إلى البعيد. وكان اتصال عميق مع الكنعانيين الذين بدأوا يندمجون في المملكة. 

2- الإقتصاد
ظلّت الزراعة وتربية المواشي أساس الإقتصاد. ولكن برزت نشاطات جديدة لا سيّما في عهد سليمان. كانوا يستوردون المعادن الثمينة لتحل كنقود في التجارة محلّ المقايضة. ولكن، بدأت "الدولة" تنظمّ التبادل، وجاء "مثقال الملك" ففرض نفسه (2 صم 14: 26). ثم إن الأعمال الضخمة التي قام بها أخصائيون غرباء (خاصة من فينيقية)، رافقت نشاطاً صناعياً في أعمال البناء وشغل المعادن وإنتاج الحلى. 

3- المجال الاجتماعي
كان لهذه التحوّلات تأثيرها في المجال الإجتماعي. إن ظل معظم السكان فلاّحين، إلا أنه كان تنوّع في الصناعة أبعد بعضَ الناس عن إطار رتيب عرفه المجتمع القبلي القديم. ونلاحظ خاصة ظاهرة بناء المدن الذي دفع الإسرائيليين واليهوذاويين إلى نمط حياة يبتعد عمّا في الريف. 
وتبدّل المناخ الإجتماعي. توحدّت الملكية، فأمنت للبلاد الأمان، كما جلبت إليها الغنى والتقدّم. مقابل هذا، نبتت طبقة "عبيد الملك" (أي الموظفون الكبار، قوّاد الجيش، الكهنة والأنبياء المرتبطون بالقصر) الذين أقاموا في أورشليم وفي المدن الرئيسية. فتبلبلت العلاقات بين الناس. ضاعت المساواة، وبرزت السلطة بل التسلّط. وإدخالُ أعمال السخرة وفرضُ ضريبة على المحاصيل، خلقا مناخاً من الضيق يصعب تحملّه. واتسع التفاوت الإجتماعي بين الناس. وفي زمن داود نفسه، كانت ردة الفعل عنيفة تجاه بعض وجهات السياسة الملكية، ولا سيّما في قضية الإحصاء الذي اعتبر مساً بالحرية والعدالة (2 صم 24). وبعد موت سليمان، كانت الثورة على الظلم السبب الحاسم للإنفصال. كل هذا يدل على أن الإنتقادات الحي أوردها التيار المعارض للملكية كان لها أساسها في الواقع. 

4- العقليّات والثقافة
وفي مجال العقليّات والثقافة، أنبأت أيام داود وسليمان بتبدّلات عميقة في العقول. تمّ الإنتقال من عقلية تقليدية يسيطر عليها العالم القدسي مع طقوسه وأخباره وأساطيره، إلى عقلية منفتحة، وأكثر عقلانية وأكثر "حداثة". 
وكان اتصال بالمدن، فانتشر استعمال الكتابة من أجل "دولة" يعمل فيها الكتبة. وساعد التبادل على انفتاح العقول، كما عند سليمان (1 مل 5: 9). في هذه الحقبة وُلدت أولى التمتمات الأدبية في التوراة. 

ح- موقع الإيمان وسط هذه التقلبّات 
ونتحدّث أيضاً عن أزمة في مجال الإيمان، ولكنها أزمة تجاوزها الشعب. 
1- إنتقال من عالم إلى عالم 
أخذ الشعب بنظام سياسي غريب على تقاليده، فصار التوحيد في خطر. ففي الشرق القديم، إرتبطت الملكية وأصول ممارستها بعالم من التمثّلات الميتولوجية المرتبطة بتعدّد الآلهة. فالملك هو تجسيد الإله على الأرض، مع كل ما يرافق هذا التجسيد من تسلّط وإستبداد. ثم إن فاعلية هذا الشكل الجديد من الحكم، إجتذب وراءه نسيان التقاليد الدينية القديمة واحتقارها. فحين طلب العبرانيون ملكاً، كانوا كأنهم يرفضون مُلك الرب (1 صم 8: 7). وخافوا أن يكون الإله الذي صنع مآثر من أجل شعبه، قد "تجاوزته" الأحداث فلم يعد يسيطر عليها. وإذا أراد إسرائيل أن يكون مثل سائر الأمم (1 صم 8: 20)، فكيف سيكون في المستقبل شعب اللّه الخاص؟ 
وبرز موقف أول أمام هذه المسألة: المحافظة على النظرة القديمة إلى الإيمان كما كانت في الماضىِ. ففي قضية الإحصاء (2 صم 24)، إتخذت المعارضة للملك طابعاً دينياً، لأن المعارضين وجدوا في أساليب الحكم، "الحديثة" مسّاً بحقوق الله. ونجد شيئاً مشابهاً في جواب ناتان إلى داود الذي أراد أن يبني هيكلاً للرب (2 صم 7: 5): لا تبنِ بيتاً للرب، لإله سار دوماً مع شعبه وأقام في خيمة على مثال البدو! هذا يعني أن اللّه يرفض عالم الحضر ولا يريد أن يعيش في المدينة، كما لا يريد أن يُحسب إلهاً كنعانياً. مقابل هذا، كان موقف انفتاح على كل أشكال الحياة الجديدة وأفكارها، من أي جهة أتت. لم تكن هذه الظاهرة جديدة، ولكن عالم المدينة والدولة حمل معه التأثير الخارجي مع خطر ديانة تلفيقية (أي مزج إيمان بأفكار وعبارات خاصة بديانات أخرى). وقد ندّدت التوراة بسليمان، لأنه سقط في مثل هذه الديانة: تأثّر بنسائه الغريبات، فمال عن الرب، وبنى في أورشليم معابد لآلهة أخرى (1 مل 11). وهكذا تعرّض الإيمان للذوبان في العالم الذي يحيط به. 
وتجاوز الشعب الأزمة، لأن الإيمان تجسّد في مؤسستين جديدتين: الملكية الداودية والهيكل.

2- الملكية 
فرضت الملكية نفسها في إطار تاريخي وسياسي محدَّد. لم تنزل من السماء منذ الأزل، كما قال البابليون. ولا يُعتبر الملك إلهاً كما في مصر حيث يلقّب فرعون "بأبن رع". غير أن المؤمنين إكتشفوا في نجاح داود الباهر عمل إله إسرائيل الذي يريد أن يجمع شعبه ويخلّصه من الخطر. وحين اختار داود لهذه المهمة، أبان طريقة جديدة في العمل في التاريخ. 
فالتاريخ يمرّ الآن كما في الماضي عبر الإنسان (الملك) وعبر مؤسسة هي الملكية. وقالت النصوص إن الله عقد عهداً مع داود (2 صم 33: 5؛ مز 132: 12). واعتُبرت ملكية داود كأنها ملكية الله نفسه على الأرض (1 أخ 28: 5). وكفلت نبوءة ناتان (2 صم 7) إختيار الله النهائي. وأكدّ حلم سليمان في جبعون (1 مل 3) عوناً وعد به اللّه من أجل السلالة. ونلاحظ أن إيمان إسرائيل إرتبط بالإيديولوجية الملكية في عصره دون أن يتبدّل. فالملك لا يؤلّه أبداً في التوراة، رغم ما عنده من كرامة ومسؤولية خارقة. إنه على اتصال خاصّ باللّه. إنه يُسمَّى إبن اللّه (2 صم 7: 14؛ مز 2: 7). ففي يوم تنصيبه يتبنّاه الله. وعلى كل حال، يجب على الملك أن يبقى خاضعاً لمتطلّبات إله الخروج (رج 2 صم 12 وما قاله ناتان لداود). 

3- الهيكل
الهيكل هو المؤسسّة الأخرى الجديدة. مُنع داود من بنائه لأسباب دينية، فحققه خلفه الذي قال: "قال الرب إنه يسكن في الدجن (الظلمة)! وإني قد بنيتُ لك بيتاً ملوكياً، مكاناَ تسكن فيه إلى الأبد" (1 مل 8: 12- 13). 
"بدّل" اللُّه رأيه، فدلّ على حضوره في الهيكل بواسطة غمامة ملأت المعبد يوم التدشين (1 مل 8: 10- 11). وصار الآن باستطاعة المؤمنين أن يلتقوا بالله في أورشليم، على جبل صهيون، حيث أراد أن يسكن مع البشر مثل البشر. 
لا شكّ في أن هيكله يشبه هياكل الآلهة المجاورة، ولكن حضور تابوت العهد ربطه بأصرح التقاليد في الخروج. كانت أورشليم منذ زمن قريب مدينة وثنية. وقد يكون الهيكل بُني حيث كان معبد اليبوسيين، وكان صادوق كاهناً لذاك المعبد. غير أن هذا لم يمنع الإيمان من أن يجد نفسه في هذه المؤسّسة الجديدة. واعتاد المؤمنون أن "يصعدوا" إلى الهيكل ليقدّموا ذبائحهم، ليعبدوا الله، ليطلبوا بركة الرب وخلاصه. وكانوا مقتنعين أن خطر الرب في الهيكل يجعل هذا المكان منيعاً. 
وسيأتي وقت يقود فيه الرب التاريخ فيعلّم الشعب على تجاوز هذه المؤسسات وعلى تقبّل الخلاص بشكل آخر. يكفي أننا بينّنا في حقبة بدأت بأزمة هددت نظم المرحلة السابقة، أن جواباً أعطي للمؤمنين الباحثين عن الله في التاريخ. ظلّ الإيمان حياً رغم هذه الأزمة الحضارية، بل اغتنى بمواد جديدة ساعدته على صياغة تعبير جديد وشامل لذاك الإيمان الذي وُلد في زمن الخروج.

 

 

 

الفصل الثالث عشر 

التاريخ اليهودي 

نتوقّف الآن عند الكتابات التي عرفتها الملكية الناشئة. ونبدأ أولاً بالتاريخ اليهوهي، على أن نترك لفصل لاحق تاريخ داود وسلالته مع ما رافق هذا التاريخ من مزامير ملوكية وأمثال قديمة نسبت إلى سليمان.

أ- قراءة أولى لأحداث التأسيس 
نحن هنا أمام خبر يبدأ ببدايات البشرية، ويصل بنا إلى زمن الخروج، بل أبعد منه. سُمّي التاريخ اليهوهي لأنه يسمّي الله يهوه أي الإله الذي هو. هو يشدّد على موضوع البركة منذ البداية، ويتطلّع إلى زمن داود الذي باركه الرب وبارك نسله فصار كالنجوم في السماء وكالرمل على شاطئ البحر.
نطرح هنا ثلاثة أسئلة. من كتب هذا الخبر؟ متى كتبه، ولماذا كتبه؟ هو كاتب من أرض يهوذا ومن حكمائها. خطّ التمتمات الأولى في القسم الثاني من عهد سليمان. ولكن النص النهائي هو ثمرة تدوينات متعاقبة وكتّاب مختلفين. وقد لعب التقليد الشفهي في هذا التدوين دوراً كبيراً جداً. ونستطيع القول إن اللمسات الأخيرة وُضعت في زمن ما بعد المنفى.
عاش الكاتب في الزمن الملكي، فحاول أن يقرأ الماضي على ضوء الأحداث المعاصرة. إستقى من أخبار تتردّد في الأفواه والآذان منذ أجيال وأجيال، وضمّ إلى "مؤلَّفه" نصوصاً يمكن أن تكون دوّنت في الماضي. فبرز هذا المؤلف في ثلاثة أقسام: خبر البدايات، إبراهيم والآباء، موسى والخروج.

ب- خبر البدايات 
يبدأ التاريخ اليهوهي بخبر خلق الرجل والمرأة اللذين جعلهما اللُّه في الفردوس الأرضي. لن نبحث هنا عن تصوير علمي لبدايات البشرية. فعلوم ذاك العصر كانت في المهد. ولم يكن الكاتب البيبلي يعرف أكثر من معاصريه في بلاد الرافدين، أو مصر، أو كنعان. إستعمل سُطُر هذه البلدان ورموزها، فذكر الإله الفخاري والجنة العجيبة والشجرة التي تمنح الخلود، والحيّة التي تتكلّم. 
تعود أصالته وجرأته إلى الإيمان. فقد أكدّ مع مؤمني شعبه أن الله الذي هو في أصل البشرية كلها هو الرب نفسه الذي أخرج شعبه من مصر. هذا الإله "صنع" الانسان لا عن نزوة او تسرّع، أو من أجل فائدته كما تقول الأساطير الوثنية. بل خلقه ليحيا ويتفتحّ ويغتذي ويشارك سائر البشر في العمل والعيش. وقد نال هذا الإنسان إمكانية النمّو، وتنظيم نفسه في عائلة وجماعة وشعب، واختراع التقنيات والمهن (تك 4: 17- 22).
ولكن الكاتب لا يخفي علينا الأمور الدراماتيكية الواقعية التي تطبع البشرية بطابعها منذ القدم. تساءل: من أين جاء الشر؟ من أين جاء الموت؟ قال إن الحية هي السبب فدلّ على أنه لا يعرف. ومهما يكن من أمر، فمسؤولية الإنسان ظاهرة بوضوح. فحين يخون مشروع الله، تتفجرّ في هذا العالم كل أنواع الشرور: تسلّط الرجل على المرأة (تك 3: 16)، العمل المضني (تك 3: 19)، العمل العدائي والقتل (تك 4: 8)، العنف (تك 4: 24)، إحتقار الآخرين وفساد الأخلاق (تك 9: 22)، عدم التفاهم بين الأفراد والشعوب (تك 11: 9). 
غير أن الرجاء حاضر منذ البداية. ونحن نستشفّه في هذا الصراع بين نسل المرأة ونسل الحية (تك 3: 15). ويدلّنا خبر نوح والطوفان على إله قريب من الإنسان البار، فيخلّصه ويعطيه نسلاً كبيراً. وعبر سلسلة الأنساب (طريقة قديمة لكي نروي التاريخ)، يوجّه الكاتب خبر اللعنات التي تلقي بثقلها على الوضع البشري نحو نداء إبراهيم، ذلك الرجل الذي به ستمتدّ البركة إلى كل عشائر الأرض.
حين روى الكاتب خبر البدايات، لم ينطلق من الماضي (الذي لا يعرفه) لكي يصل إلى الحاضر. بل إنطلق من الحاضر وحاول أن يقدّم له جواب الإيمان. ما يعيشه هو اليوم قد عاشه أول إنسان على الأرض. هو يموت وكذلك مات أول إنسان على الأرض. بقي عليه أن يبرّر الله الذي خلق الكون جميلاً، الذي لم يخلق الشر. إنطلق الكاتب من واقع يوميّ أو خبر قديم، وجعله في سطرة عاد بها إلى بداية الكون. إستعمل ما في الحضارات المجاورة من أساطير وأدخلها في نظرته التوحيدية. وهكذا قدّم لنا تعليماً عن العائلة التي يباركها الله، حيث الرجل والمرأة متساويان، حيث الرجل والمرأة واحد. وأعاد قراءة خبر الطوفان فربطه بخطيئة البشر وشرورهم.
تاريخ البدايات هو نظرة إيمان إلى الكون، لا نظرة علم إلى أمور جهلها الكاتب. وهي ستكون نظرتنا نحن الذين نعرف اليوم أيضاً الشر والألم والموت. 

ج- إبراهيم والآباء 
مع دعوة إبراهيم يبدأ تاريخ آباء الشعب العبراني. جمع "الكاتب" اليهوهي أخباراً قديمة تدلّ على أن الرب إتخذ البادرة فجاء بابراهيم وعشيرته من بلاد الرافدين. طريق طويلة من إبراهيم إلى داود وسليمان. وعد اللّه منذ القديم، وها هو يفي بوعده فيجعل من شعبه "أمة عظيمة" (تك 12: 2). 
تدلّ عدة سمات في تاريخ الآباء على أن الكاتب هو إنسان من عصره. إبراهيم رجل غني بالفضة والذهب مثل سليمان. ومسألة النسل تذكّرنا بصراعات نهاية حكم داود. يروي لنا تك 26 ما قاساه إسحق مع الفلسطيين. ولكن الفلسطيين جاؤوا فيما بعد. وكان ليعقوب صعوباته مع الأراميين كما حدث لداود. إن هذا الكاتب يرى في خبر الآباء صورة مسبقة عن تاريخ أبنائهم وتنقلاّتهم وصعوباتهم المادية ومشاكلهم السياسية، وصراعهم وحيلهم لكي ينالوا البركة. 
البركة هي الكلمة الأساسية في هذا الخبر، وهي تدل على عطايا اللّه، من قوة الحياة إلى النجاح والسعادة. وستمتدّ هذه البركة إلى الآخرين (تك 12: 3)، فتدلّ على أن للشعب دعوة بالنسبة إلى العالم الذي يعرفه. 
وفي ف 37 يبدأ خبر يوسف، أحد أبناء يعقوب، الذي باعه أخوته فاقتيد بالقوة إلى مصر حيث صار في النهاية وزير فرعون. وبفضله نجت عائلته من المجاعة فأقامت في مصر. عُرف هذا الخبر في الشمال حيث اعتُبر يوسف جدّ قبيلتي إفرائيم ومنسىّ. ولكن حين انضمت كل القبائل تحت لواء داود، صارت الأخبار المحليّة أخباراً "وطنية". نجد أن الكاتب اليهوهي الذي هو إبن الجنوب، سيبرز دور إبن آخر ليعقوب هو يهوذا. فيهوذا هو الذي يخلّص يوسف (تك 37: 26- 27) وإخوته (تك 44: 18- 44)، وفي هذا تلميح إلى دور الملكية الموحدة. وقبل أن يموت يعقوب سيسلم الصولجان وعصا الحكم إلى يهوذا (تك 49: 10). وهكذا قرأ الكاتب اليهوهي الماضي على ضوء الحاضر.

د- موسى والخروج 
1- ضيق وتحرّر 
وبعد حقبة الآباء، يحدّثنا الكاتب عن مولد الشعب المؤلم عبر تاريخ من الضيق والتحرّر. وذلك ليبيّن أن الرب سيحرّر شعبه ويجمعه ويقوده إلى أرض الآباء بفضل رجل إسمه موسى. وعملُ موسى هذا هو صورة مسبقة لما سيعمله الملوك. موسى هو القائد والقاضي (خر 2: 14) الذي سلّمه الله مسؤولية من أجل خلاص شعبه. وقُربَ موسى نجد هارون الذي سيرى فيه الكاتب صورة عن الكهنة العائشين في أيامه. فعلى بني إسرائيل أن يؤمنوا بموسى ويسمعوا كلامه (4: 1.). فهو الذي يواجه الفرعون عبر محادثات طويلة تتوزّعها سلسلة من "الضربات" التي يرسلها الله ليتغلّب على مقاومة العدو. وحين تأتي ضربة موت الأبكار، ينتهي الضيق: وارتبطت بنهاية هذه الأحداث الدراماتيكية عادةُ أكل الحمل الفصحي والخبز الفطير (من دون خمير). وبعد انتصار عظيم أُحرز على المصريين في بحر القصب، توجّه الشعب إلى جبل سيناء. ولن تصل هذه السفرة الخطرة عبر الصحراء إلى غايتها إلا بفضل عمل موسى وشفاعته. إنه وسيط حقيقي بين الله والشعب، وموُفَد الشعب إلى اللّه.
2- الوصول إلى سيناء 
مع الوصول إلى سيناء يتوسّع الكاتب في موضوع عزيز على قلبه هو "خدمة" الله أي إقامة الإحتفالات وشعائر العبادة. وقد نستطيع أن نسمّي خبره: من العبودية إلى العبادة، من عبودية فرعون إلى عبادة الله الواحد. فالعبادة التي يؤديها الشعب في هيكل أورشليم، قد بدأت على جبل سيناء. هناك ظهر الله في الغمامة وفي النار (خر 19). هناك كان اتحاد سرّي بين اللُّه وشعبه خلال مأدبة شارك فيها موسى وبعض المميّزين في حضرة الله (خر 24: 9- 11).
في التقليد اليهوهي تتعلّق وصايا سيناء بصورة رئيسية بشعائر العبادة والإحتفال بالأعياد (خر 34). هذه هي إهتمامات الكهنة. وهناك خبر آخر يحدّثنا عن أصل الكهنة اللاويين (خر 32: 25- 29). في كل هذا يبرز دور موسى الفريد. فهو وحده يقترب من الله (خر 24: 2)، ومعه يعقد عهد سيناء (خر 34: 10).

3- نحو أرض الميعاد
وينطلق الشعب إلى أرض الميعاد برفقة الرب نفسه (خر 33: 12- 17). وسيدلّ على هذا الحضور دلالةً ملموسة تابوتُ العهد الذي هو عربون الإنتصار في الحروب (عد 10: 35- 36).
إهتم الخبر اليهوهي بعالم الجنوب، برجاله وأحداثه المعروفة: حوباب القيني (من قبيلة قايين)، وإمرأة موسى الكوشية (من كوشان في مديان) (عد 12: 1)، وكالب وتجسّسه في منطقة حبرون (عد 13: 17- 30)، وقبائل الجنوب وانتصارها في حرمة (عد 21: 1- 3). ونجد آخر المقاطع اليهوهية في خبر بلعام، ذاك الرائي المشهور الذي جاء به ملك موآب ليلعن إسرائيل فباركه. أجل، لقد استعمل الله أتاناً لكي يصل إلى هدفه. فتجاه الحية التي كانت سبب لعنة في البداية، شاركت أتان في حمل البركة إلى بني إسرائيل. ونحن نجد في قولات بلعام مواضيع اليهوهي المفضّلة: إعلان ملك في أرض إسرائيل: يسعى كوكب من يعقوب، يقوم صولجان من إسرائيل (عد 24: 17). 

خاتمة 
نحن هنا أمام نظرة شاملة إلى أحداث التأسيس. ونجد فيها إهتمامين. الأول، نقل التقاليد القديمة بأمانة و"تدوينها". الثاني، تأوين (أي قراءتها الآن، في حاضر الكاتب) هذه التقاليد لكي تقدّم معنى يفهمه معاصرو الكاتب الذي بدأ عملاً في زمن الملوك سيجد نهايته بعد المنفى. وما وجّه هذا العمل هو اليقين بأن الله يكشف عن نفسه في تاريخ البشر عامة، وفي تاريخ شعبه خاصة. ففي قلب بشرية ممزّقة بسبب اللعنة التي حملتها الخطيئة، بدأ الله عمل مباركة، فنادى الآباء، وحرّر شعبه من العبودية، وعقد عهداً في سيناء، وسار مع شعبه إلى أرض الموعد بأنتظار مملكة داود...
نقرأ هذه الأخبار، بل نسمعها لأنها رُويت في ظل المعابد قبل أن تدوّن على "الورق". نجد فيها نفحة شعبية ونظرة إلى مختلف أوضاع الحياة. هناك الرجال. وهناك نساء لعبن دوراً هاماً مثل سارة ورفقة... في هذا التقليد نجد الله قريباً جداً من البشرية وهو لا يزال حاضراً في حياتها، حاضراً في حياتنا اليوم.

 

 

الفصل الرابع عشر 

تاريخ ومزامير وأمثال 

كان زمن داود وسليمان خاصة حقبة "إنتاج" أدبي، أو بالأحرى بداية الأدب التوراتي الذي سيجد كماله في التدوين النهائي للنصوص البيبلية بعد الذهاب إلى المنفى. سنكتشف هنا التاريخ والمزامير والأمثال قبل أن نتوقف عند نبوءة ناتان التي تعلن لداود أن الله يبني لملكه بيتاً، يعطيه نسلاً. ونحن نعرف أن هذا النسل وصل إلى المسيح إبن داود.

أ- كتابة التاريخ
نجد هنا رواية لمرحلتين في حياة داود. الأولى، صعوده ووصوله إلى سدّة الملك. الثانية، تاريخ خلافته وما رافق هذه الخلافة من مؤامرات ودسائس وصلت بسليمان إلى الملك.

1- تاريخ صعود داود (1 صم 16- 2 صم 5)
إن وجه داود بنجاحاته وصعوده المتواصل، أثَّر على الشعب تأثيراً عميقاً. وسيزداد هذا التأثير وهذا السحر مع تباعد الأحداث. وهكذا تكوّنت أخبار وأساطير وتفاسير لاهوتية إنطلاقاً من تذكّرات حقيقية في شباب هذا "البطل". وروى النص الخبر الواحد مرتين بشكلين مختلفين أو في مكانين مختلفين.
خبر طويل ومشتّت مع التكرارات المرتبطة بالأسلوب الشفهي أو بتعدّد مواضع تكوين هذه الأخبار. خبر شيّق نخاف فيه على حياة داود حين يلاحقه شاول، ونتعجّب من حظّه الذي يقوده عبر الأحداث، ونتأمّل في احترام داود لعدّوه شاول لأنه "مسيح الرب" (إختاره الرب ومسحه بالزيت بواسطة صموئيل) (1 صم 24: 11).
في البداية، هناك خبر مسح داود بيد صموئيل (1 صم 16: 1- 13). مسحة سرية. وقد تكون تاريخية أولاً. ولكن ما يهمّ الكاتب هو الهدف اللاهوتي: لقد اختار الرب أصغر أبناء يسّى منذ طفولته. وبعد هذا ترد أخبار مختلفة عن دخول داود إلى بلاط شاول (1 صم 16: 14- 18: 5). ونصل إلى موضوع حسد شاول (1 صم 18: 16- 21: 1) وهَرَبِ داود مع ما في هذا الهرب من مغامرات (1 صم 21: 2- 2 صم 1)، إلى تسلّمه الحكم بعد موت شاول (2 صم 2- 5).
أراد هذا الخبر أن يبين أن داود هو الملك الحقيقي الذي أراده الله ليحل محل شاول. لا ننسى أننا أمام تأملّ في أحداث جرت في الماضي. يقرأها الكاتب الملهم، ويحاول أن يكتشف فيها مخطّط الله من أجل شعبه. هذا هو الوجه العميق "لتاريخ" صعود داود. أما الوجه الخارجي فهو سلسلة من القتل والهرب والملاحقة، ومغامرات وأخطار من أنواع مختلفة. كان باستطاعتها أن تبعد داود عن الحكم، فأذا بها تهيّئه لدوره المقبل بشكل لم نكن نتوّقعه. 
ما يلفت إنتباهنا في هذه النصوص هو غياب العجائب والتدخّلات العلوية. "فالكاتب" يعرض الأمور بشكل موضوعي، ويدلّ على تسلسل الأسباب والنتائج. ولكن هذا لا يعني أن الكتاب أُفرغ من عمل الله. فالراوي يدعونا بشكل خفي لكي نكتشف هذا العمل بواسطة عبارة تعود بشكل ردّة: "وكان الرب مع داود" (1 صم 18: 28). لا شكّ أننا هنا أمام إعادة لقراءة الأحداث، لا أمام تقرير مفصّل كما يفعل الصحافي اليوم. فالمؤمنون لم يفهموا حالاً ما حدث، ولكنهم أدركوا شيئاً فشيئاً أن لخبر هذا الرجل (داود) علاقة مع مشروع الله من أجل شعبه (2 صم 5: 12).

2- تاريخ خلافة داود (2 صم 9- 20؛ 1 مل 1- 2)
يضمّ هذا "التاريخ" مجموعة أخبار يربط بينها سؤال بسيط: من سيخلف داود على عرش الملك؟ واستعرض الكاتب "المرشحين" الواحد بعد الآخر: مفيبوشت هو من نسل شاول ولكنه يعرج... وكان داود يراقبه (2 صم 9). وتروي الفصول التالية (2 صم 10- 12) خبر الحملات العسكرية على العمونيين. ولكن تلك الحرب كانت الإطار الذي فيه وُلد سليمان إبن بتشابع التي أزال داود زوجها. لا يُقال لنا بعد ذلك ماذا سيكون هذا الولد الذي جاء بعد إخوته، ولكنه يسمّى "يديديا" أي "محبوب الرب" (2 صم 12: 25).
وبعد أن نتأمل شجاعة: ناتان الذي "وبخّ" داود على فعلته الشنعية، ونتأثر بتوبة داود العميقة، نتطلّع إلى أمون البكر. كل فُرَص النجاح هي بجانبه، ولكنه يفسدها: تعدّى على تامار، أخته من أبيه، فحقد عليه أخوها أبشالوم وقتله خلال مأدبة (2 صم 13). وبعد أن أقام أبشالوم في منفاه، حصل على عفو أبيه فبدا المرشح الأوفر حظاً (2 صم 14). ولكنه قرّر أن يتمرّد على أبيه ويعلن نفسه ملكاً في حبرون. هرب داود من أورشليم والتجأ إلى عبر الأردن (2 صم 15- 17). وكانت معركة تواجَهَ فيها الطرفان: قُتل أبشالوم (2 صم 18)، وعاد داود إلى عاصمته (2 صم 19- 20).
على أثر هذه المأساة برز أدونيا كخلف لأبيه. ولكن الحزب الذي يساند أخاه تفوّق على حزبه (1 مل 1). وبعد أن تردّد الملك الشيخ طويلاً، أعلن أن ابن بتشابع سيكون خليفته. وينتهي هذا "التاريخ" بنصائح الملك الأخيرة إلى إبنه عن الطريقة التي بها يزيل المعارضين (2 صم 2).
تاريخ طويل وقد تكون دوّنته أكثر من يد. هناك من وافق داود وسليمان. وهناك من انتقد داود وسليمان. أما القسم الأقدم فهو خبر ثورة أبشالوم. دوّنه شخص من يهوذا متّهماً الشمال بأنه ساند أبشالوم. ثم جاء "متشيّع" لأدونيا، فكان قاسياً على داود وسليمان وأخيراً أعيدت قراءة هذه الأحداث في شكل يوافق داود وسليمان، فشدّد القارىء على توبة داود (2 صم 12: 13)، على حب سليمان للرب (2 صم 12: 24- 25)، على فشل أبشالوم (2 صم 17: 14).
ماذا نجد في هذا الخبر؟ نظرة بشرية إلى الملكية التي قَبِل بها الجميع. ولكن تبقى نظرة الإيمان مسيطرة. فهي تحكم حتى على الملك باسم شريعة سيناء.

ب- مزامير وأمثال 
نتوقّف هنا عند مزامير ملوكية إرتبطت بداود، وأمثال حكمية نُسبت إلى سليمان. 

أ- مزامير ملوكية
نعني بهذه التسمية أناشيد تخبر بالأحداث الهامة في حياة الملك: تنصيبه (مز 2: 21؛ 110)، زواجه (مز 45)، إنطلاقه إلى الحرب (مز 20) وعودته المظفرّة (مز 18) أو ساعات الضيق في حياته وفي حياة شعبه (مز 89؛ 132). مع أننا نجد اسم داود في بداية المزمور، إلا أن الكاتب يبقى مجهولاً. لهذا نسمّيه "المرنم" أو "المرتل". نحن أمام مغنين في البلاط الملكي أو أنبياء يعلنون قولاتهم النبوية. نحن لا نعرف متى ألّفت هذه المزامير، ولكن نواة بعضها قد تعود إلى زمن الملكية.
تهدف هذه المزامير عادة إلى نمجيد الملك: تضخمّ الأمور وتقدّمها بعبارات مقولبة على مثال الإيديولوجيا الملكية في الشرق. ولكن بما أن لا وجود للملك في إسرائيل من دون الله، فهذه المدائح تتوجّه إلى الرب أيضاً. فالملك هو مسيحه الذي اختاره (مز 2: 2)، هو ابنه (مز 2: 7) الجالس من عن يمينه منذ اعتلى العرش (مز 110: 1). الرب يؤمّن خلاص شعبه وهو كامل العدالة والسلام (مز 72). ويذكّرنا المرنمّ أن كل ملك نصّب في أورشليم نَعِم بمواعيد الإستقرار والأمانة التي أعطيت لداود ولنسله (مز 132).

2- أمثال حكمية
إعتُبر سليمان أحكم عصره وقيل عنه إنه ألّف عدداً من الأمثال (1 مل 5: 9- 14). وقد يكون سفر الأمثال احتفظ في أحد أقسامه (أم 10: 1- 22: 16) بأمثال جمُعت ودوّنت في بلاط هذا الملك. يجب أن نقرأها بتمهّل، فنتذوّقها مثلاً مثلاً. إنها تتوالى من دون ترتيب وضع مسبقاً، كما ترد في الحياة. فهي تحدّثنا عن الحياة اليومية: التربية، العمل، العلاقات، الزواج، الطبائع، الحكمة والحماقة... ونجد فيها الذوق السليم عند الناس في ذلك الوقت وثقافتهم المؤسّسة على الخبرة.
هذه الملاحظات وهذه النصائح تعود إلى كل زمن وإلى كل بلد. ولهذا نهتمّ بها اليوم. وسيأتي الكتبة فيزيدون على هذه الحكم الشعبية إعتباراتهم الخاصة عن الملك وعن الموقف الذي نتخذه تجاهه. 
ما يميّز سفر الأمثال هو البحث عن السعادة. فإذا أردنا أن نبلغها، نحتاج إلى العقل والخبرة والنباهة. ونحتاج أيضاً إلى "مخافة الرب". هناك خوف من عقابه. وهناك احترام له ومحبة.

ج- نبوءة ناتان (2 صم 7: 1- 17).
1- بنية النص 
نحن هنا أمام نص مركزي. إذا نظرنا إلى ما يسبقه ويليه، وجدنا أن هذا النص يقع بين خبر صعود داود وبين خبر خلافته. وصل "راعي بيت لحم" إلى قمة المجد، وأزاح أعداءه، وأقام في قصره في أورشليم (آ 1). ويُطرح السؤال: ما هو مستقبل داود وسلالته؟ هذه هي الذروة في كتاب صموئيل: بعد ماضٍ مضطرب نجد الإنفتاح على المستقبل. 
كيف تبدو بنية النص؟ يبدأ الملك فيكلّم ناتان النبي ليشركه في اهتماماته (آ 2). وبعد جواب ناتان للملك (آ 3)، يكلّم الربّ ناتان في الليل (آ 4). أخيراً ينقل ناتان أقوال الرب إلى الملك (آ 17). وهكذا يكون لنا التصميم التالي:
- حوار أول حول مشروع الملك (آ 1- 3).
- النبوءة بحصر المعنى (آ 4- 16).
- مهمة النبي (آ 17).
إن كلمة الله المنقولة إلى النبي تحتلّ قلب النص. فالنبي هو وسيط بين الرب وداود، بل يلعب دور الرسول. في الشرق القديم، كان الرسول ينقل الأقوال شفهياً قبل أن يقدم النسخة الخطية. فيبدأ كلامه: هذا ما يقول الملك. ويورد حرفياً ما قيل له. هذا ما فعله ناتان رسول الرب. قال لداود: "هكذا تكلّم الرب". 

2- قراءة النص
أولاً: مشروع داود (آ 1- 3)
تعلمنا بداية النص بمشروع داود. لا يريد لتابوت العهد خيمة من القماش، بل بيتاً حقيقياً من الأرز وهيكلاً. نلاحظ الكلمات التي تدلّ على المتانة والديمومة: بيت، بنى، أقام، راحة، إلى الأبد... كل هذا يعبرّ عن رغبته بأن يعمل شيئاً ثابتاً يتحدّى الزمن.
هذا ما أراد داود أن يفعله. فهل هو في الخط الصحيح؟ هذا ما ظنّه ناتان في البداية. ولكن كلام الرب جعله يبذل رأيه. 
ثانياً: كلام الرب (آ 4- 16).
* عارض كلام الرب مشروع داود. لسنا أمام رفض مبدأي أو حنين إلى الماضي. المهمّ هو مبادرة الله وحريته. لا نستطيع أن نفرض على الله أن يقيم هنا أو هناك. فالله ليس بجامد في مكان، بل هو يسير مع شعبه (آ 6).
* أعلن كلام الرب علاقة خاصة بين الله وداود. تركنا بيت الارز ووجّهنا أنظارنا إلى مشروع الله. فمع آ 8 تتّخذ مبادرة الله شكل إعلان من أجل داود: سيتحرّر من قوى هذا العالم (الاعداء)، سيكون خادماً للرب. وإختيار داود هذا يعني أيضاً كل الذين يخلفونه من نسله، ولا سيّما أولّهم الذي إختاره الله فعامله معاملة الأب لابنه.
* وعد كلام الرب داود بأن يقيم له بيتاً (عائلة، نسلاً). في البداية أراد داود أن يبني بيتاً لله. والآن، ها هو الله يريد أن يبني بيتاً لداود. هناك تكامل بين معنَيَيْ كلمة "بيت". في آ 5: هو الهيكل: "أأنت تبني لي بيتاً وهيكلاً"؟ في آ 11: هو العائلة الملكية وتواصل في السلالة: "الرب يقيم لك بيتاً". هذا يعني أن سلالة داود لن تزول كما زالت سلالة شاول، أنها تستمرّ في الحكم. وهكذا انتقلنا من مشروع لداود، إلى وعد عجيب من قِبَل الله. 

ثالثاً: مهمة ناتان (آ 17) 
لم يبقَ للنبي ورسول الله إلا أن ينقل بدقة "كل هذه الأقوال وكل هذه الرؤية" إلى من أرسلت إليه. ونستطيع أن نقرأ نهاية الفصل مع جواب داود. إنها صلاة شكر على الوعد الذي حصل عليه. وهو يسمّي نفسه دائماً عبد (خادم) الرب والمستعدّ دوماً لأن يعمل مشيئته.

3- تفسير تاريخي 
إذا توقفنا عند المستوى التاريخي، رأينا أن هذا النص يشهد لقلق داود: هل سيدوم العمل الذي يقوم به الآن؟ هل سيحيا مؤسّس هذه السلالة الجديدة في نسله؟ كان ملوك ذاك العصر يبنون المعابد أو يجملّونها فيؤمّنون على ملك يدوم. هذه عقلية قريبة من السحر حيث نعطي الإله فيعطينا. وهناك أيضاً أسباب سياسية: فهيكل الإله الوطني هو هيكل المملكة، والملك هو الذي يراقب الإحتفالات التي تتمّ فيه. في هذا المعنى نستطيع أن نفهم مشروع داود.
من هو ناتان؟ أحد المستشارين السياسيين والدينيين الذين يُحيطون بالملك. إن ناتان مقتنع بدور داود الذي أرسلته العناية. ولهذا نراه يعمل ليؤمّن له خلفاً (1 مل 1: 11). ولكنه عرف أيضاً أن يعارض سلوك الملوك باسم إله إسرائيل (2 صم 12). وفي هذا النص نراه ينتقد مشروع داود، ويُتبع إنتقاده بوعد عظيم.
تساءل الشّراح: هل ينسبون إلى ناتان كل نص النبوءة؟ الجواب هو كلاّ. فهناك تعابير واهتمامات تتوافق مع عصور أخرى. أما النواة الأولى فتضمنّت مواعيد اللّه لداود نفسه (آ 5، 11 ب، 16) حيث نجد وزناً وإيقاعاً:
أأنت تبني لي بيتاً؟
يعلن لك الرب أن الرب يقيم لك بيتاً
يكون بيتك وملكك ثابتين إلى الدهر
وعرشك يكون راسخاً إلى الأبد.
بعد هذا زيدت آ 12- 15 التي تؤوّن كلمات ناتان وتكيّفها مع الوضع الجديد: فمع حكم سليمان، بدأت النبوءة تتحقّق، وكان الهيكل قد بُني. وبعد كارثة سنة 587 التي أنهت حكم السلالة (رغم الوعد)، زيدت آ 10- 11 أ فعبرّت عن أمل لإعادة بناء الوطن. وهكذا نرى أن نبوءة ناتان قُرئت المرة بعد الأخرى وأوّنت على مرّ العصور. وكان تأثيرها بلا شك كبيراً، لأنها ساعدت على الحفاظ على سلالة داود التي حكمت أورشليم مدة 400 سنة. 

4- إيمان الذي كتبوا هذا النص
آمنوا بإله يعمل في تاريخ شعبه. تذكّروا أحداث الماضي: الخروج، مرحلة البداوة، زمن القضاة (آ 6- 7). وآمنوا أن الله اختار داود ليوصل هذه المسيرة إلى كمالها.
غير أن المؤمنين تجاوزوا رؤية الماضي والحاضر وتطلّعوا إلى المستقبل: كيف نضع حداً لعمل الله ونحصره في حقبة تاريخية تمتدّ من الخروج إلى داود؟ وكان خطر آخر: أن يتكّل داود على إمكانياته الخاصة أو على السحر لكي يؤمّن المستقبل. هنا تدخّل ناتان ليذكره أن المبادرة هي في يد الله، وأن عمله لم ينتهِ بعد. إن إيمانه يشبه الرجاء شبهاً كبيراً.
وستأتي قراءات متوالية وهي تحمل تساؤلاً مليئاً بالقلق: تكلّم الله في الماضي بواسطة ناتان النبي، ولكن الأحداث جعلتنا نرتاب في هذه الكلمة. فالهيكل قد بُني. وخلفاء داود إختلفوا عنه، والسلالة غرقت وزالت. لهذا أعيد تفسير الكلمات حول رفضت الهيكل (آ 13)، وشدّد النص على المسؤولية الشخصية لكل من خلفاء داود (141)، وانتظر الشعب إعادة بناء الوطن بعد كارثة 587. وهكذا نرى أن هؤلاء الكتّاب تجاوزوا التعارضات الظاهرة في النبوءة واستمروا يعيشون الإيمان والرجاء اللذين كانا في أساسها.
وهناك نقطة أخيرة. كم من الملوك خيبّوا الآمال، فكانوا جائرين في معاملتهم لشعبهم، متمسكين بالآلهة الكاذبة. فتولّد من خيبة الأمل هذه إنتظارُ ملكٍ مثالي... فبعد سنة 587، إنتظر المؤمنون عودة عجائبية للسلالة الداودية. ولكن هذا لم يحصل. فكوّنت هذه الخيبة الجديدة إنتظار ملك مسيح في نهاية الأزمنة، فيقيم بشكل حاسم مملكة الله على الأرض. لا نجد في 2 صم 7 هذا الإنتظار في كلام واضح، ولكننا نفهم أن يكون مؤمنون من العهد القديم والعهد الجديد قد اكتشفوا في وعد باستمرارية نسل داود، الرجاء المسيحاني الذي إنتظروه.
ولقد أعاد العهد الجديد قراءة نبوءة ناتان. هنا نقابل بين 2 صم 1 ولو 1: 26- 38 حيث نجد عبارات مماثلة: عائلة داود، الرب معك، عظيم، إبن، عرش داود... فالقديس لوقا (والمسيحيون الأولون) يرى أن الوعد الذي تضمّنته نبوءة ناتان، قد تحقّق في ابن مريم. بل إن النص الإنجيلي تجاوز النص النبوّي، لأن يسوع هو ابن الله بشكل لم يكن يتوقّعه المؤمنون في العهد القديم. ونستطيع القول إن كل العهد الجديد دوّن ليشهد على أن الرجاء الذي حمل شعبَ إسرائيل أجيالاً وأجيالاً، قد وجد كماله وذروته في شخص يسوع المسيح وعمله.

 

 

الفصل الخامس عشر 

مملكة الشمال: لمحة تاريخية 

نجح داود وسليمان في بناء مملكة موحدّة مع مجموعتين من القبائل: فبائل إسرائيل في الشمال، قبائل يهوذا في الجنوب. في الواقع، ظلّ الإنقسام حاضراً، ولقد تبرّم إسرائيل من معاملة هؤلاء الملوك الآتين من يهوذا. وحين مات سليمان سنة 923، إعترفت يهوذا بابنه رحبعام ملكاً، أما إسرائيل فوضع شروطه وهي تخفيف الضرائب وأعمال السخرة. رفض الملك الجديد أن يحادثهم في هذا الأمر، ورفض طلبهم رفضاً قاطعاً. وجاء الردّ قاسياً: عاد إسرائيل "إلى خيامه". وتحطّمت الوحدة بين المجموعتين إلى الأبد (1 مل 12). وصار لنا بعد ذلك مملكتان: ديانة واحدة ولكن وحدتان سياسيتان وعقليّتان مختلفتان. لهذا سندرس وضع كل مملكة على انفراد منذ سنة 933. واحدة (إسرائيل) إمتدت حتى سنة 721 مع هجوم الأشوريين. والأخرى (يهوذا) إنتهت سنة 587 ودخول البابليين إلى أورشليم.
ونبدأ بمملكة الشمال. نقدّم في فصل أول لمحة عن الإطار التاريخي. ونعود بعد هذا في فصل آخر إلى ما تركته لنا هذه المملكة من أثر أدبي سيدخل في التوراة.

أ- إقامة الملكية 
كانت مملكة الشمال أوسع من مملكة الجنوب وأكثر غنى وسكاناً. واعتبرت نفسها الوارثة الكاملة للتقاليد الوطنية والدينية. ولهذا فأهميتها تضاهي أهمية مملكة الجنوب بالنسبة إلى التاريخ البيبلي. ولكن وجب عليها منذ البداية أن تحلّ بعض المسائل الشائكة. 

1- من يكون الحاكم 
إتخذ إسرائيل ملكاً له قائداً مشهوراً عاش في المنفى. إسمه يربعام. كان قد حاول القيام بانقلاب ضدّ سليمان. ولما فشل لجأ إلى مصر (1 مل 11: 26- 40). وقيل أن النبي أحيّا وعده بسلالة ثابتة مثل سلالة داود (1 مل 11: 38). في الواقع خلفه ابنه، ولكن مؤامرة أطاحت به بعد سنة من الحكم. فخلال مئتي سنة تقريباً، عرفت مملكة الشمال 140 سنة من الإستقرار السياسي: بين 886 و747، تسلّمت أسرتان الحكم: أسرة عمري وأسرة ياهو. وفصل السلالتين إنقلاب دموي مخيف. ولكن حدث ثلاثة إنقلابات قبل سنة 886 وأربعة بعد سنة 747. ومهما يكن من أمر، لم يكن يوماً لملوك الشمال الطابع القدسي الذي كان لملوك الجنوب المتحدّرين من داود وحاملي الهالة المرتبطة بوعد ناتان لداود. 
وهكذا حكم مملكة إسرائيل تسعة عشر ملكاً. أشهرهم عمري (886- 875)، أحاب ابنه (875- 853)، يربعام الثاني (787- 747).
حافظت الملكية الجديدة بشكل إجمالي على البنى السياسية والإدارية التي وضعها سليمان. ولكنها احتاجت إلى عاصمة. فبعد تبديلات عديدة، إشترى عمري هضبة وبنى عليها مدينة محصّنة وسماها السامرة. وقعت في قلب المملكة على ملتقى الطرق، فأشرفت على ما يحيط بها. ونمت نمواً سريعاً، فظلّت مركزاً هاماً حتى بعد زوال مملكة إسرائيل سنة 721.

2- البنية الدينية
إن البنية السياسية تستند إلى البنية الدينية. وإذ أراد يربعام الأول أن يزاحم هيكل أورشليم الذي بناه سليمان، إختار معبدين مشهوين: دان في الشمال وبيت أيل في الجنوب، وجعل فيهما "عجلين ذهبيين" (1 مل 12: 26- 33). لسنا هنا أمام "آلهة أخرى" كما قال خصومه: فهذان التمثالان اللذان يرمزان إلى القوة والخصب، يكوّنان موطئاً للإله الخفي الذي يتصوّرونه واقفاً على حيوان. ولكن وُجدت حيوانات مشابهة في هياكل الكنعانيين الكثيرة في مملكة الشمال. وكانت الديانات الوثنية تجتذب السكّان الذين اعتبروا أنهم يحتاجون إلى هؤلاء الآلهة: فآلهة الطبيعة والزراعة يؤمّنون النجاح للمحصولات والصحة والخصب للقطعان. هؤلاء الآلهة يؤمّنون الحياة اليومية للناس.
إذن خاطر يربعام حين أدخل الصور الكنعانية إلى شعائر عبادة الرب، فخلط الناس بين الرب والآلهة، وجعلوا إله إسرائيل على مستوى الآلهة الوثنية. وبعد خمسين سنة تطوّر الوضع بصورة أخطر حين تزوّج الملك أحاب إيزابيل. كانت إبنة ملك صور الوثني، فشجّعت ديانة بعل الشبيهة بما في الديانات الكنعانية.

ب- الوضع الإقتصادي والإجتماعي
لم تكن هذه الحقبة أفضل ما يكون بالنسبة إلى صغار القوم في المملكة. لا إستقرار سياسياً. والحروب والجفاف خلقت وضعاً من الضيق العظيم (1 مل 17: 12؛ 2 مل 6: 25- 29). ولكن حتى القرن التاسع، لم تظهر الفوارق الإجتماعية إلا قليلاً. فإحاب يبدو كملك مزارع لا يستطيع إلا بصعوبة أن يضع يده على كرم نابوت جاره (1 مل 21). وخلال حصار السامرة، لم يكن الملك يورام أيسر من سائر الناس (2 مل 6: 27)، رغم ما تؤمّنه التجارة غير المشروعة من طعام للطبقات الميسورة.
في القرن الثامن، تطوّر الوضع تطوراً سريعاً. فكانت في أيام يربعام الثاني حقبة من الإزدهار والتوسّع. ولكن لم يستفد من هذه الحالة إلا فئة قليلة بفضل التجارة الدولية التي كانت في يد الملك وحاشيته. وهكذا وُلدت طبقة غنية عاشت في ترف يشكّك الناس. أما الآخرون فعرفوا الفقر. إستقرضوا من الأغنياء، ولما لم يستطيعوا أن يردوا المال باعوا نفوسهم عبيداً. والقضاة الذين أقيموا لينصفوا المساكين، باعوا نفوسهم إلى الأغنياء الذين استمروا يستغلّون الناس بكل طمأنينة.

ج- السياسة الخارجية
بعد موت سليمان، توقفّت سياسة التوسّع والإمتداد التي قام بها داود. واستعادت الشعوب استقلالها شيئاً فشيئاً. فلم نعد أمام دولة موحدّة بين مصر وبلاد الرافدين، بل سلسلة من "الدول" الصغيرة التي تتحدّ يوماً وتتحارب يوماً آخر. فأراميو دمشق حالفوا بعض الوقت إسرائيل ضد يهوذا (أش 7). ولكنهم خاصموهم مراراً: حاصروا السامرة مرتين (1 مل 20: 1؛ 2 مل 6: 24). وقُتل أحاب وهو يحاربهم (1 مل 22: 34- 35). وخسر يوآحاز كل جيشه بعد أن أباده ملك أرام (2 مل 13: 7). 
ولكن أحسّ الجميع أن الخطر الاكبر يأتي من بلاد الرافدين حيث بنت أشورية أمبراطورية عظيمة: تنظيم حربي قويّ جداً، سلطة قمع تقتل بعض الناس وتهجّر الآخرين. ففضّلت الشعوب أن تخضع وتدفع جزية كبيرة لتنجو من الكارثة. 
حاول إسرائيل في البداية أن يقاوم. فأرسل أحاب 2000 مركبة و 10000 جندي إلى الحرب، وتحالف مع ملوك آخرين. فقُهروا جميعاً. ونجا بنفسه حين دفع الجزية كما سيفعل بعده ياهو (سنة 841) ويوآش (سنة 803) ومناحيم (سنة 737). كيف نعرف هذه الأخبار؟ من الوثائق الأشورية.
كانت أوقات راحة خفّف فيها الأشوريون من قبضتهم، فاستفاد يربعام الثاني من الوضع ليستعيد دمشق. ولكن الخطر الأشوري بدا من جديد في الأفق مع تجلت فلاسر الثالث (747- 727). ففي سنة 732 تغلّب على حلف أرامي إسرائيلي وضمّ مملكة دمشق وثلاث مقاطعات إسرائيلية. وأراد هوشع (لا نخلطه مع النبي هوشع) آخر ملك في إسرائيل أن يستعين بدمشق، فأسره الأشوريون. وقاومت السامرة ثلاث سنين من دون ملك، إلى أن سقطت سنة 722. وفي سنة 721، عاد الملك سرجون الثاني إلى البلاد، فأجلى السكان ليمنع كل تمرّد في البلاد (2 مل 17: 1- 6). وهكذا أزيلت مملكة أسرائيل عن الخارطة. وحل غرباء محلّ السكان الذين هجّروا من أرضهم (2 مل 17: 24- 41). هذا هو أصل السامريين الذين سنجدهم في الإنجيل. 

د- الحركة النبوية 
ووُجد في هذا العالم المبلبل أناس وعوا الظلم والجور: ساعدوا الناس على التطلّع إلى الوضع، وطلبوا منهم أن يتحرّكوا. من لعب هذا الدور في مملكة الشمال؟ لا الملوك ولا الكهنة، بل الأنبياء. فلولاهم، لأضاعت مملكة الشمال هوّيتها وخسرت إيمانها. ولكن، من هم هؤلاء الأنبياء؟ 
وُجد في البلدان المجاورة، ولا سيما في بلاد الرافدين، رجاله إهتموا بأن يعطوا رأي اللُّه في الأحداث. إرتبطوا عادة بالمعابد (أنبياء المعابد) فعاشوا مجموعات، وعرفوا حالات من "الإنخطاف" يحرّكها الرقص والموسيقى. إنتمى بعضهم إلى محيط الكهنة، وكان لآخرين وظيفة رسمية لدى الملوك (أنبياء القصر). وتجاه أنبياء المعابد وأنبياء القصر، خرج أنبياء من الشعب لم تكن لهم مهنة خاصة. 
ونجد في إسرائيل منذ البداية مجموعات من المتحمّسين سموا مراراً "بني الأنبياء" (أو: الأخوة الأنبياء، 1 صم 10: 25؛ 10- 11). قابلهم الناس بالجماعات "الروحية" في المملكة، وجعلوهم مع الكهنة والحكماء (إر 18: 18؛ 26: 7). ولكن الأنبياء الكبار يعيشون مراراً خارج الإطار الرسمي. دعاهم الرب يوماً، وما كانوا ينتظرون دعوته (أش 6؛ إر 1). يبدو أن اليشاع وحده ارتبط بمجموعة "بني الأنبياء" (2 مل 9). وكان لسائر الأنبياء تلاميذ تذكّروا كلماتهم فكتبوها إملاءً (إر 36) أو بعد موت النبي. 
النبي هو في الوقت عينه رجل الله ورجل من عصره. دُعي من وسط الشعب، فكان متنبهاً لحياة الناس، للظلم والضيق الذي يحلّ بهم، لأنانية الأغنياء وتجاوزات الملوك والقضاة، للمسائل الدولية والمعاهدات والحروب. حدّث النبي العظماء والملك نفسه، دالاً على رفضه للوضع، فكلّفه هذا الرفض الطرد من البلاد، والسجن، والموت... 
غير أن هذا العمل لا ينبت من تعليم سياسي أو إيديولوجي. بل يتم باسم الله: كان الأنبياء يعلنون: "هكذا قال الرب". هذا لا يعني أن الله أملى عليهم كلامه إملاءً. ولكنهم أحسّوا في يوم من الأيام بنداء ملحّ يروونه بشكل رؤية رأوها (أش 6). ويقولون إن "روح الرب" أمسك بهم، حرّكهم كما تحرّك الريح الأشجار. ودفعهم هذا النداء لأن ينظروا إلى الحياة كلها بعينَيْ الرب. فما ينير أقوالهم وأعمالهم هو تذكّر تدخّلات الرب في تاريخ شعبه، ولا سيما في وقت الخروج. يشدّدون على الشرائع التقليدية (ولا سيما الوصايا العشر) التي تفرض علينا إكرام الله والقريب. ويبرزون دعوة إسرائيل بأن يكون الشاهد الحقيقي لله وسط الأمم. حكموا على الماضي والحاضر وتطلّعوا إلى المستقبل. قالوا: سيأتي الله ليدين البشر والشعوب. سيعاقب على الخطيئة والشر، ولكنه يخلّص أحبّاءه. فالإله الأمين يهيّئ لشعبه مستقبلاً من السعادة، يهيّئ لهم عالماً جديداً. فالأنبياء هم أهل الأمل والرجاء. ولكنهم يعرفون أن الله وحده يستطيع أن يضع السعادة في العالم. فإذا أردنا أن نبلغ إلى مستقبل من السعادة، نكون له أمناء فنرفض كل خيانة وكل مساومة مع الآلهة الكاذبة.
ونلاحظ أخيراً أن النبي ليس شخصاً منعزلاً، بل يرتبط بالآخرين. فأنبياء الشمال مثلاً يرتبطون بموسى أول الأنبياء، وينتظمون في حلقة حيث الواحد يأخذ المشعل من الآخر: اليشاع وإيليا، أشعيا وعاموس، إرميا وهوشع، حزقيال وإرميا. وسيستعيد تلاميذهم أقوالهم فيرتّبونها ويكملّونها ويؤوّنونها لتكوّن لا مجموعة نصوص ميتة بل تياراً حياً سيصل بالشعب العبراني إلى من هو النبي الحقيقي وكلمة الله، إلى يسوع المسيح.

 

 

الفصل السادس عشر 

نصوص ملكية ونبوية 

هناك جزء كبير من التوراة وُلد في مملكة الشمال: كتب كاملة مثل سفر عاموس وسفر هوشع. ونصوص جُمعت في إطار البنتاتوكس (هذا ما نسميه المرجع الالوهيمي) أو في إطار التاريخ الإشتراعي.
سنقدّم هنا على التوالي بعض الوثائق الملكية الرسمية، بعض النصوص عن الأنبياء، وقراءة الأحداث المؤسّسة لدى المؤمنين في الشمال.

أ- وثائق ملكية
وُجد في البلاط الملكي كتبة يدوّنون النصوص المختلفة ويحفظونها. نذكر بصورة خاصة كتاب حوليات ملوك إسرائيل الذي يذكره كتاب الملوك مراراً (1 مل 14: 19؛ 16: 20 أخبار ملوك إسرائيل). لم يصل إلينا هذا الكتاب، ولكن كتاب الملوك إستقى منه عدداً من معلوماته. 
ووُجدت شرائع. فأهل الشمال هم الذين احتفظوا لنا بنص الوصايا العشر، بدستور العهد الذي يتضمّن شرائع تعود إلى ما قبل الوصول إلى أرض كنعان. ستكمل هذه النصوص فيما بعد في تث 12- 26. إنها شرائع دينية حفظها اللاويون (موظّفون في المعابد) الذين عارضوا مراراً
الحكم الملكي. نجد فيها أحكاماً قديمة كتلك التي تساعد على اكتشاف قاتل مجهول (تث 21: 1- 9)، وشرائع تحدّ من سلطة الملك (تث 17: 14- 20)، أو تحدّد مكانة الأنبياء وصدق أقوالهم (تث 13: 18)، أو تدافع عن الفقراء (تث 24: 14- 22). كل هذا يهدف إلى المحافظة على مجتمع تسيطر فيه الأخوّة والمساواة ويُحترم المساكين والضعفاء. ولكن أين الوسائل لوضع هذه الشرائع موضع العمل؟

ب- نصوص نبوية
عاش أقدم أنبياء الشمال في فترة لم يتعوّد الناس فيها أن يدوّنوا أقوالهم كتابة. لهذا لم تدوّن مثلاً أقوال إيليا وأليشاع وغيرهما كما ستدوّن أقوال هوشع وعاموس. لا نعرف ماذا قالوا للناس خلال حياة الشعب اليومية، ولكننا نملك أخباراً تشدّد على أحداث إنطبعت في ذاكرة الناس (وخصوصاً المعجزات). نقرأ أخبار إيليا وأليشاع في كتاب الملوك، وقد جُمعت مرة أولى حوالي سنة 800، أي بعد موت أليشاع. وستُعاد قراءتها قبل أن تدخل في التاريخ الإشتراعي الذي يبدأ مع سفر يشوع وينتهي مع سفر الملوك الثاني. 

1- إيليا 
إسمه إيلي ياهو أي الرب هو إلهي. عاش إيليا وحيداً وبدت أعماله غريبة. لم يظهر إلا في الأوقات الحاسمة وكان هدف ظهوره تعريف الناس بالإله الحقيقي. لهذا قام بحرب لا هوادة فيها ضد بعل، إله فينيقية، الذي بنت له الملكة إيزابيل معبداً في السامرة.
هناك مشهدان من حياته يحدّثاننا عن جوهر رسالته: الأول على جبل الكرمل حيث قدّم ذبيحة (1 مل 18). هناك واجه إيليا وحده 450 من أنبياء البعل وخاطر بحياته. ولكنه جعل شعبه يعرف الإله الواحد الحق. الثاني على جبل حوريب (1 مل 19): بدا إيليا يائساً، فهرب إلى الصحراء وطلب الموت لنفسه، ولكنه تسلّم طعاماً إلهياً أتاح له أن يحجَّ إلى حوريب (سيناء) على خطى موسى. هناك التقى الرب لا في العاصفة ولا في الزلزال ولا في النار، كما في الماضي، بل في صوت نسيم خفي. وأُمر بأن يستعيد عمله مؤمناً بمستقبل شعبه. 
وكان إيليا أيضاً المحامي عن الفقراء (1 مل 17: 8- 24) والمدافع عن الذين يسحقهم الحكم بتسلّطه (1 مل 21: نابوت اليزرعيلي). رُويت نهايته في نص غريب طبع بطابعه شعبه (2 مل 2): مرّت مركبة نارية، جاء الله وأخذه إليه (كما يؤخذ الأبرار الأعزاء على قلبه)، فظنوا أنه سيعود في نهاية الأزمنة (ملا 3: 23- 24؛ رج مر 9: 11- 12).

2- اليشاع 
تبدو النصوص المتحدّثة عن أليشاع بشكل أخبار شعبية. دعاه إيليا يوماً (1 مل 19: 19- 21)، فعاش مع "بني الأنبياء" الذين كوّنوا جماعة من المؤمنين العائشين على هامش مجتمع فاسد يعبد الأوثان.
إجترح اليشاع، رجل الله، معجزات مختلفة ليساعد الناس في حياتهم اليومية: كسّر الأرغفة (2 مل 4: 42- 44)، أصلح المياه (2 مل 2: 19 - 22) والحساء (2 مل 4: 38- 41). شفى المرضى وأقام صبياً من الموت (2 مل 4: 32- 37)، بل أزال صبياناً هزئوا به (2 مل 2: 23- 24). 
ولعب اليشاع دوراً سياسياً: كان معروفاً لدى الملك الإسرائيلي، شفى وزير ملك أرام في دمشق من البرص، فقاده إلى الإيمان (2 مل 5). بل ذهب إلى دمشق يعلن تبدلاً في الحكم (2 مل 8: 7- 15). وفي بلاده حرّك انقلاباً على الملك. دفع ياهو، فأزال أسرة أحاب التي خانت الرب، واستلم الحكم بعد أن أعاد الإيمان الحقيقي إلى ما كان عليه. ولكن ياهو هذا سيقوم بمذبحة شنيعة سيندّد بها هوشع. 
كان اليشاع شخصاً غريباً، ومع ذلك كان شاهداً للإيمان في عالم يختلف عن عالمنا.

3- عاموس 
وننتقل مع عاموس إلى أنبياء دوّنت أقوالهم. فعندما نقرأ نبوءة عاموس بفصولها التسعة نتأثّر بها: نرى أمامنا عالماً حياً يواجهه المؤمن بقوّة إيمانه وبقدرة كلمة الله.

أولاً: عالم يعيش الفوضى 
عرف بعض الناس في أيام يربعام الثاني حياة الرفاهية: البيت الشتوي والبيت الصيفي، وزينة المنازل بالعاج (عا 3: 15) والفرش والطنافس المريحة، والولائم الفخمة ترافقها الأغاني والخمور المعتقة (6: 4- 6). لا شيء ينقصهم وهم المترّبعون في السامرة على زوايا الأسرّة الفاخرة (3: 12). بل يقيمون الإحتفالات الدينية الفخمة ويقدّمون الذبائح السخية مع مزيج الأغاني ونغم العيدان (5: 21- 22).
ولكن هذا جزء صغير من الواقع، لأن أعمالهم تشكّك النبي وتجعله يثور عليهم: يدوسون الفقير، يأخذون منه ضريبة القمح، يظلمون المزارعين الصغار ويحرمونهم من أملاكهم (2: 6). المحكمة لا تنصف (5: 12)، والغش يسود في التجارة، يبيع المحتكرون الفقراء سلعاً فاسدة ويقبضون عليها أغلى الأسعار (8: 4- 6). وهكذا كانت الحياة قاسية للعدد الأكبر من الشعب (4: 1؛ 7:5، 10- 11؛ 6: 12). 
وإذا تجاوزنا حدود المملكة لم تكن الأمور أفضل: فالشعوب لا تشفق على بعضها بعضاً: هناك الدمار والمذابح وإجلاء السكان بلا شفقة. هذا ما رآه عاموس عند كل شعوب المنطقة (1: 3- 2: 3).

ثانياً: مؤمن يرفض الوضع الراهن
هذا الواقع صدم عاموس صدمة عميقة. فالناس في نظره يجب أن يعيشوا أحراراً كل واحد على قطعة أرض تخصّه. هذا هو مثال المساواة القديم في عشائر إسرائيل. وإذ شهد النبي تطورّاً يهدّد هذا المثال، أحسّ أن الله يدعوه لكي يتدّخل.
لا يقول لنا عاموس عن هذه الدعوة إلا بضع كلمات تساعدنا على تحديد موقعه. أصله من مملكة الجنوب، من تقوع القريبة من بيت لحم. كان مالك قطعان أو بالأحرى مسؤولاً عن قطعان الملك وأراضيه. ويوماً من الأيام دُعي الريفي القاسي الذي لا يعرف المواربة، دُعي ليكون نبياً في الشمال (7: 14- 15): "تكلّم الله، فمن لا يتئبأ" (3: 8)؟
توجّه إلى الشعب كما إلى العظماء. وندّد بالطمأنينات الكاذبة والعواطف الدينية السطحية. هناك أناس ينتظرون "يوم الرب" كيوم سعادة سهلة، كيوم يزيل بعملية سحر كل الهموم وكل الأعداء. أجابهم عاموس بأن ذاك اليوم سيكون يوم العقاب القاسي (5: 18- 20؛ رج 2: 13- 16؛ 3: 2). بل تجرّأ فأعلن دمار معبد بيت إيل (5: 5- 6)، ذلك المعبد الذي أسّسه يعقوب (تك 28)، واختاره يربعام الأول كأحد المقامين المقدّسين في مملكة الشمال. لهذا، حين جاء عاموس إلى بيت إيل، إستقبله الكاهن المسؤول هناك إستقبالاً سيّئاً، ووشى به إلى الملك، وأمره بأن يعود إلى بلاده. 
لم يخف عاموس، ولم يتأثر بمثل هذا الكلام، بل هدّد الكاهن نفسه بالعقاب (7: 10- 17)، غير أنه طرد، فعاد إلى بلاده. ولكن النبي لم يكن خصماً لأحد، بل رجلاً مسؤولاً أراد أن يحذّر إخوته من الكارثة. عرف أن يصلّي لكي يعفو الرب عن شعبه (7: 1- 6). ووعد أن من يطلب (يبحث عن) الرب، من يطلب الخير لا الشر، يجد الحياة (5: 4، 14).

ثالثاً: سفرعاموس 
لم يكتب عاموس أقواله. بل كان يتلفّظ بها فتأتي قصيرة قاطعة وتؤثر في الشعب: "أيتها السيدات المترفات، يرفعكن العدوّ بالكلاليب، ويأخذ وصيفاتكن أخذاً بالصنانير" (4- 2).
"كما ينقذ الراعي من فم الأسد ساقين أو طرفاً من أذن الفريسة" (3: 12). 
"أهزّ بيت إسرائيل هزّ الحنطة في الغربال" (9: 9).
دوّنت هذه الأقوال بيد بعض تلاميذ النبي في الشمال، وتردّدت في الجنوب، فنُسخت وجُمعت. وهكذا كان لنا أول كتاب نبوي في التوراة. وقد حاول الذي الّفه أن يرتب النصوص: أقوال ضد الأمم الوثنية (ف 1 - 2)، أقوال ضد (مملكة) إسرائيل (ف 3- 6)، رؤى (ف 7: 9 خمسة أخبار قد تكون أمثالاً) وبعض أقوال أخرى، ثم خبر المواجهة في معبد بيت إيل. وفي النهاية قول رجاء يتوجّه إلى المملكتين (مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا). فعاموس يتحدّث عن "خيمة داود" أي مملكة يهوذا.

4- هوشع 
عاش هوشع أيضاً في مملكة الشمال، بعد عاموس ببضع سنوات. أصله من إسرائيل لا من يهوذا. وجد نفسه أمام الوضع عينه، فكانت ردة الفعل لديه قاسية وإن مختلفة. إرتبطت حياته الشخصية إرتباطاً وثيقاً بتعليمه. ففي حياته اكتشف أن الرب هو إله محبّة.

أولاً: حب بشري وحب إلهي
يلعب عالم الجنس دوراً كبيراً في الديانات الكنعانية، ديانات الطبيعة حيث الإله الذكر يخصب الأرض الأنثى. وهكذا تتم أعمال مجامعة في شعائر العبادة لتدّل على علاقة الإله بالأرض. لم يكن شيء من هذا في عبادة يهوه. لا وجود لإلاهة أنثى، لا تدخّل لعالم الجنس في شعائر العبادة. ولكن مع هوشع، سيقوم رباط مختلف بين الحب البشري وإيمان إسرائيل.
نقرأ خبر هوشع الشخصي في ف 1- 3. كان هوشع نبياً تزوّج جومر التي شاركت في شعائر العبادة الكنعانية مع الممارسة الجنسية. فكان له منها ثلاث أولاد، صبيّان وبنت أعطاهم أسماء رمزية: "الرب يزرع. لا مرحومة، لا شعبي". هذا ما سيفعله أشعيا (7: 3؛ 8: 3) فيربط حياته العائلية بحياة شعبه. 
وفي يوم من الأيام، تركت جومر البيت وعادت إلى الهيكل الكنعاني تمارس الزنى المكرّس. رفض هوشع أن يرضخ للواقع ويتقبّل شقاءه. ذهب في طلب امرأته التي ما زال يحبّها واستعاد الحياة معها بعد أن امتحنها فترة من الزمن.
قصة دراماتيكية مع أنها تحصل مراراً. ولكنها كانت بالنسبة إلى هوشع نقطة انطلاق من أجل تفكّر ينبع من إيمان عميق. أحسّ أن الله هو مع شعبه مثل هوشع مع امرأته: إله محب، يخيب أمله، ولكنه يستعد دوماً لبداية جديدة. واستعاد هوشع أسماء أولاده فأعلن أن شعبه سيُزرع من جديد في أرضه. واللامرحومة ستصير مرحومة (محبوبة) والذي لم يكن شعبي سيصبح شعب الله.
نحن هنا أمام ثورة في معرفة الله. لم يعد الله ذاك السيد صاحب النزوات، بل ذاك المحبّ. لم نعد أمام طاعة مليئة بالرعدة، بل أمام جواب على الحب. وإذا كان الله "غاضباً" كما تقول التوراة مراراً، فهذا الغضب ليس قساوة وإحتقاراً من قبل سيد يريد الإنتقام، بل ردة فعل لحب خاب أمله، وإنذاراً للناس حتى يعودوا إليه. وهكذا نرى أن الله عريس إسرائيل هو أبعد ما يكون عن الآلهة الذكور لدى الكنعانيين. ما قالته الديانة الوثنية لعب دوراً في تفكير هوشع. ولكن النبي حوّل كل شيء وعمّقه في خط إيمانه، حيث الله هو إله التاريخ أكثر منه إله الطبيعة. 
ولا يستعمل هوشع فقط صورة القران الزواجي. فنحن نجد في ف 11 صورة المحبّة الأبوية، والمحبة الأمومية لدى إله يحنّ على ابنه ولا يستطيع أن يسيء إليه أو يريد له شراً.
ويجب أن نقرأ أيضاً 6: 1- 6 الذي يتكلّم عن الحب ومتطلّباته. لا يكفي أن نتلفّظ ببعض الكلمات الحلوة لندلّ على أننا نودّ أن نعود إلى الرب. نحن بحاجة إلى أمانة حقة لا تتبخّر سريعاً مثل ندى الصباح.

ثانياً: لغة العهد 
إذا أراد رجل أن يعلن رسمياً أنه يتّخذ إحدى النساء زوجة، كان يقول لها: "أنت امرأتي وأنا زوجك". وإذا أراد أن يطلّقها يقول: "ما هي إمرأتي ولا أنا زوجها".
إنطلق هوشع من هذه اللغة الرسمية في العلاقات بين الزوجين، وخلق لغة العهد (الميثاق) بين الله وشعبه. كان أول من جعل في فم الرب هذا الكلام: "أقول: أنت شعبي. ويقول إسرائيل: أنت إلهي" (2: 25). وستصبح هذه العبارة "عبارة إنتماء". وستُستعمل مراراً فيما بعد: "تكونون شعبي وأكون إلهكم" (إر 7: 23؛ حز 36: 28؛ لا 26: 12). 
وستتوسّع في الشمال خاصة فكرةُ رباط قوي (رباط زواجي) بين الله وشعبه ككلّ. أما في الجنوب، فهناك بالأحرى تشديد على رباط شخصي بين الله والملك: "أكون له أباً ويكون لي إبناً" (2 صم 7: 14). 

ثالثاً: السياسة والإيمان 
جاءت كلمات عاموس في المجالس الإجتماعي. أما هوشع فتوقّف عند السياسة. فإذا قرأنا مثلاً ف 7- 10 نجد تنديداً بفوضى عامة: إختاروا ملوكاً ولم يعودوا إلى الرب. قاموا بطقوس عبادة ظلت عند الشكليات دون القلب. ردّدوا شرائع لم يطبّقوها يوماً. توجّه الحكّام تارة نحو مصر وطوراً نحو أشورية. وفي النهاية، ستلتهمهم مصر ثم أشورية. لا يرى النبي المستقبلَ مسبقاً، ولكنه واعٍ لأخطار كبيرة تهدّد مملكة لا تعرف أين هي ذاهبة. 

رابعاً: سفر هوشع 
يبدو أن هوشع توفي سنة 722، ساعة سقطت مملكة الشمال. فلجأ بعض الناس إلى الجنوب، فحملوا معهم ما حفظوه في الذاكرة وفي "الكتب". دوّنوا سفر هوشع ولم يرتّبوا أقواله: جعلوا في البداية ما يتعلّق بزواج هوشع، وفي النهاية أقوال الرجاء. وزادوا في ذلك الوقت تلميحات إلى يهوذا (1: 7؛ 4: 15؛ 6: 11؛ 8: 14). وهكذا أوّنوا النص لأهل الجنوب فاستطاعوا أن يقرأوا النص وكأنه كلمة تتوجّه إليهم. وسينطبع إرميا، إبن الجنوب، في العمق بأقوال هوشع ولا سيما حين يتحدّث عن حب الله لشعبه.

 

 

الفصل السابع عشر 

من تقاليد الشمال 

نتوقّف في هذا الفصل عند التقليد الالوهيمي الذي وُلد في مملكة الشمال، كما وُلد التقليد اليهوهي في الجنوب. بعد هذا نقرأ خر 3 ولقاء موسى مع الرب.

أ- التقليد الإلوهيمي
نحن هنا أمام قراءة ثانية لأحداث التأسيس. سيشدّد فيها أهل الشمال على مخافة الله، على حفظ وصاياه.
كانت الأحداث التي ارتبطت بأصول الشعب العبراني مهمّة جداً، فاستعادها كل عصر على طريقته، وكل منطقة بحسب روحانيتها. في الجنوب، ربط اليهوهي هذه الأصول بزمن سليمان، وبيّن كيف أن الله بارك شعبه. في الشمال، جاء الالوهيمي (يسمى الله الوهيم أي الله في صيغة الجمع كعلامة للجلالة. يسميه اليهوهي: يهوه، فيدل على أنه الكائن). فربط هذه الأصول بتعاليم الإنبياء. إنطلق من إبراهيم، أبي شعب إسرائيل، فوصل بنا إلى سيناء والمسيرة في البرية.

1- نظرة إجمالية 
عاد الالوهيمي إلى إبراهيم مع الإقامة في فلسطين (إبراهيم في جرار، تك 20: 11: خوف الله في هذا المكان) وذبيحة إسحق (تك 22: 12: عرفت أنك تخاف اللّه). ثم يأتي خبر يعقوب الذي لعب دوراً مهماً في بيت إيل، المعبد الملكي في الشمال (تك 28: 11- 12، 17- 18، 20: 22؛ 35: 1- 4، 6- 8). ثم يتكلّم هذا التقليد عن يوسف أبي قبائل الشمال. وبعد هذا يقدّم خبر موسى ولقاءه بالله ومواجهته مع الفرعون، والفصح وعبور الأحمر والعهد في سيناء والمسيرة في البرية وتذمّرات الشعب المتواصلة. وينتهي الخبر الالوهيمي بمباركة موسى للأسباط الإثني عشر (تث 33)، وهي مباركة تشدّد على شخص يوسف (جدّ قبائل الشمال) لا على يهوذا (جدّ قبائل الجنوب).

2- روح التقليد الالوهيمي
إنطبع التقليد الالوهيمي بمحيطه واهتماماته والتيارات الفكرية التي فيه. 
* دوّن هذا النص في الشمال، فأعطى مكانة هامة لقبائل الشمال ولجدّيها يوسف ورأوبين ولمعابدها ولا سيما بيت إيل. 
* دوّن هذا النص في وسط لم يقدّر الملكية كل قدرها ولم يمنحها طابعاً قدسياً، كما فعل أهل الجنوب بالنسبة إلى ملكية داود. فالالوهيمي يرى أن المجموعة أهمّ من رئيسها. فالشعب هو الذي يسمّى بكر الله (خر 4: 22، لا الملك كما في الجنوب)؛ فالله يقيم عهداً مع الشعب كله، لا مع الملك وحده (خر 24: 3- 8). وموسى مُحاط بمشاركين له يقاسمونه مسؤوليته (خر 18؛ عد 11). وهو رجل صلاة يتحلى بالتواضع أكثر منه قائداً مقتدراً (خر 17: 8- 16؛ 32: 30- 34؛ عد 12: 1- 3). 
* دوّن هذا النص في عالم لعب فيه الأنبياء دوراً رئيسياً. فيقدّم لنا الآباء الأولين كأنهم أنبياء؛ إبراهيم هو نبي سيتشفّع من أجل أبيملك (تك 20: 7). وموسى هو أيضاً نبي بل أعظم من نبي (عد 12: 6- 8): يحدّث اللّه بأسم البشر (خر 33: 7- 11، 18- 23)، ووجهه يشع نوراً (خر 34: 29- 35). حوله معاونوه يتنبّأون (عد 11: 25). ويتمنّى لو كان الشعب كلّه أنبياء (عد 11: 29).
* نجد في هذا النص ما يدلّ على تعميق الإيمان. لا نعود نرى الله يظهر للبشر بشكل إنتروبومورفي تشبيهي (كأنه إنسان من الناس). عرفنا مع الأنبياء أن نلتقيه في أحداث الحياة اليومية. إنه الخفي وهو يُرسل مرسالاً، يرسل ملاكه (تك 21: 17؛ 31: 11؛ خر 14: 19). ويشدّد هذا التقليد على نوعيّة الإيمان المطلوب من المؤمنين والذي يسمّى "مخافة الله". لسنا أمام ارتعاد العبد من سيّده، بل أمام رغبة عميقة بأن نعمل إرادة الله، ونتجاوب مع نداءاته مهما كانت محيّرة (ذبيحة إسحق، تك 22: 12)، ونحترم البشر (تك 42: 18؛ خر 1: 17) ولا نسيء إليهم.
* وأخيراً نجد في هذه النصوص، إنفتاحاً على الأمم الغربية وتقبلاً للوثنيين. فابيملك الوثني هو صدّيق وبار تجاه إبراهيم (تك 20). هاجر وابنها إسماعيل هما موضوع احترام (تك 21: 19- 21). إنفتحت مملكة الشمال سياسياً على سائر الشعوب، فعرفت الإنفتاح الديني.
وهكذا يتقدّم الفكر البيبلي: من عصر إلى آخر، من منطقة إلى أخرى. يستعيد المؤمن الذكريات عينها ويتأمّل فيها على، سوء حياته، فيجد فيها غنى جديداً.

ب- لقاء موسى مع الرب (خر 3) 
1- النص 
حدّثنا التقليد الألوهيمي عن محاولات الفرعون لإفناء الشعب العبراني. ولكنه فشل بسبب "مخافة الله" التي تحلّت بها قابلتان مصريتان. ثم حدّثنا عن ولادة موسى (خر 2: 1- 10). لا نعرف إلا النذر القليل عن شبابه.
نجده هنا في البرية مع قطيعه، حيث يمتزج التقليد اليهوهي (العليقة الملتهبة. النار علامة قدرة الله) بالتقليد الالوهيمي.
"ساق موسى الغنم إلى ما وراء البرية (الصحراء) حتى وصل إلى جبل الله، إلى حوريب. ناداه الله: موسى، موسى. فأجاب: هاءنذا (نعم). قال: أنا إله أبيك، إله إبراهيم، إله إسحق، إله بعقوب. فستر موسى وجهه وخاف من أن ينظر إلى اللّه. قال اللّه: ها صراخ بني إسرائيل وصل إليّ، ورأيت كيف يجور المصريون عليهم. فتعال أرسلك إلى فرعون لتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر. فقال موسى لله: من أنا حتى أذهب إلى فرعون وأخرج بني أسرائيل من مصر؟ قال الرب: أنا أكون معك. وهذه علامة لك على إني أنا أرسلتك: إذا أخرجت الشعب من مصر، فأعبدوا الله على هذا الجبل فقال موسى لله: حسناً. سأذهب إلى بني إسرائيل وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم. فإن قالوا: ما اسمه؟ فماذا أجيبهم؟ فقال اللّه لموسى: أنا هو الذي هو. وقال: هكذا تكلّم بني إسرائيل: هذا الذي هو أرسلني إليكم. وقالى الله لموسى أيضاً: هكذا تكلّم بني إسرائيل: الرب إله آبائكم، إله إبراهيم، إله إسحق، إله يعقوب أرسلني إليكم. هذا هو إسمي إلى الأبد. هكذا يدعونني من جيل إلى جيل" (خر 3: 1- 5). 

2- عمل الله
يقول لنا هذا النص أفضل من أي نص آخر من هو الله في التقليد الالوهيمي. ويقول لنا ما يقول بشكل غني جدأ.
هذا الإله قد التقاه موسى على الجبل، بعيداً عن الأماكن المأهولة. قد تكون هذه الشعوب الجبلية عرفت الله باكراً. وسيعود إيليا إلى حوريب "ليبحث" عن الله على خطى موسى.
غير أن هذا الإله يهتمّ بما يحدث لدى البشر. يقول إنه تعلّق بشعبه منذ زمن بعيد، منذ إبراهيم وإسحق ويعقوب. قد يكون الآباء عرفوه باسم آخر، ولكنه الإله ذاته. إعتبر الالوهيمي أن موسى اكتشف الله، ولكنه لم يكتشف إلهاً جديداً.
وعمّ يتكلّم الله؟ عن الضيق الذي يصيب شعبه: سمع، رأى، ولن يرضى بهذا الشقاء. هو إله يعرف ضيق البشر ويشاركهم في اهتمامهم بتحرير أنفسهم. غير أنه لا يتدّخل بشكل مباشر. إنه لا يعمل بيده، بل يعمل بواسطة البشر. في الخبر اليهوهي (خر 3: 8) قال الله: "نزلت لأخلّص شعبي" (هذه وجهة من تدخّل الله). هنا طلب من موسى أن يُجرج شعبه، ووعده بأنه يكون معه (3: 12): هو لا يتخلىّ عن الناس الذين يُرسلهم إلى "الحرب" ضد قوى الشر.

3- إسم الله
وحين تجندّ الله من أجل شعبه، كشف عن اسمه. فمن عرف اسم شخص، إقترب منه ودخل في صداقته. وهذا لم يكن ممكناً إلا بعد أجيال عديدة، منذ زمن إبراهيم. وقال الله اسمه فاكتشف الإنسان من هو هذا الإله. إسمه يهوه (الإله الذي هو). وهو إسم مقدس لا يتجرّأ اليهود أن يتلفظوا به فيقولون: السيد (أدوناي).
من الصعب أن نفهم إسم يهوه هذا. في البداية هو الإسم الذي أعطته القبائل الجبليّة لإلهها. قابله التقليد الالوهيمي باسم آخر (خر 3: 12): "أنا هو" (يسوع سيسمّي نفسه بهذا الإسم في يو 8: 24، 28؛ 13: 19؛ تؤمنون بأني أنا هو). يرتبط يهوه بفعل كان، وُجد. الرب هو الكائن، هو الموجود، هو الذي يعطي الوجود لكل شيء.
وتوسّع الكاتب أخيراً في اسم الله فقال: أنا هو الذي هو. وهذا يعني:
- الله موجود دائماً. هو دوماً حاضر هنا. وهو هو لا يتبدّل.
- الله هو كما يشاء. لا حساب يقدّمه لأحد. لا نستطيع أن نحدّده.
- اللُّه حاضر في حياة البشر، في مستقبلهم. يجب أن نحيا معه لنفهم أننا نتعرّف إليه من خلال أعماله.
تفاسير عديدة وكلها صحيحة. ولكنها كلها لا تستطيع أن تعطينا التعبير الكامل عن الله. لقد رفض الكتاب المقدس أن يقدّم جواباً واحداً على كل تساؤلاتنا، ولكنه فتح لنا الطريق، وطلب منّا أن نتابع بحثنا عن الله، لأن من يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له.

 

 

الفصل الثامن عشر 

مملكة الجنوب: لمحة تاريخية 

بعد مملكة الشمال نتعرّف إلى مملكة الجنوب التي امتدت من سنة 933 (موت سليمان وانفصال المملكتين) إلى سنة 587 (سقوط أورشليم بيد البابليين). نتوقّف أولاً عند الإطار التاريخي، ثم ندرس في فصول لاحقة الأدب الذي تركته لنا هذه الحقبة التاريخية.
بعد موت سليمان، ما استطاع ابنه رحبعام أن يحافظ على وحدة المملكة التي شيّدها داود. فاكتفى هو وخلفاؤه بمملكة يهوذا بعد أن خسروا مملكة إسرائيل. قاموا ببعض المحاولات ليستعيدوا مملكة الشمال، ولكنهم لم يردّوا إلى مملكة الجنوب إلا جزءاً من أرض بنيامين، يقع شمالي أورشليم.

أ- مملكة يهوذا 
كانت مملكة يهوذا أصغر وأفقر من مملكة إسرائيل. عدّت 300000 نسمة ساعة عدّت مملكة الشمال 800000 نسمة. أما تعداد أورشليم العاصمة فكان 30000 نسمة. كانت "المدن" قرى. وكان قلب البلاد جبال يهوذا. في الشرق وباتجاه البحر الميت تمتدّ برية يهوذا، وفي الجنوب برية النقب. أما المناطق الخصبة فهي التلال المنحدرة إلى الغررب.
ولكن مملكة يهوذا كانت تتمتع "بخيرات" هامة. كانت أكثر انعزالاً من الشمال وبالتالي بمنأى من التهديدات الخارجية التي جاءت من الشمال خلال تلك الحقبة. ثم إن مملكة يهوذا ورثت إدارة وتنظيماً جاءاها من أيام داود وسليمان فأستفادت منهما وحسّنتهما. وبُنيت قلاع جديدة للدفاع عن شمال البلاد وجنوبه. 
وانقسمت أرض يهوذا إثنتي عشرة مقاطعة إدارية. وكان لكل مقاطعة مركزٌ يقيم فيه حاكم. وصلت إلينا هذه المعلومات من يش 15 الذي دوّن في أيام يوشافاط. فهذا الملك حسّن ممارسة العدالة، فخلق ثلاثة أنواع من المحاكم: محكمة في كل مدينة من أجل الأمور العادية. ومحكمتان في أورشليم من أجل الأمور الخطيرة، محكمة مدنيّة ومحكمة دينية.
لن تعرف مملكة يهوذا منازعات على الحكم مثل مملكة إسرائيل. فإذا جعلنا جانباً حادثة المملكة عثلياً زوجة الملك يورام، وابنة إيزابيل الفينيقية، التي فرضت نفسها بالقوة ملكة من سنة 841 إلى سنة 835، نلاحظ أن أبناء داود حافظوا على العرش حتى سنة 587. لا شك في أن نبوءة ناتان لعبت دوراً كبيراً في هذا الإستقرار السياسي.
ولكن جاء الخطر من الخارج. فخلال أزمة سنة 734 تلقّى الملك أحاز تهديداً بعزله وإحلال غريب محلّه. وكان الشعب متعلّقاً بالسلالة الداودية تعلّقاً قوياً. وسيتدخّل مراراً ليطرد مغتصباً مثل عثليا، أو ليفرض مرشحاً إختاره هو بنفسه.
ولم يكن خلاف حول العاصمة. فهي أورشليم وستبقى أورشليم. ثم إن الهيكل الذي بناه سليمان صار المعبد الأهم، لأنه يحفظ في داخله تابوت العهد. ولقد ظلّ أهل الشمال يؤموّن الهيكل عندما تسمح لهم الظروف بذلك. 
دامت مملكة يهوذا أكثر من مملكة إسرائيل. ولكنها سقطت سنة 587. سقطت أختها سنة 721، فعرفت هي الضعف شيئاً فشيئاً إلى أن اضمحلت وذهبت نخبتها إلى المنفى.

ب- الوضع الإقتصادي والسياسي
لا نملك معلومات كثيرة عن الوضع الداخلي في يهوذا قبل الأنبياء الكبار في القرن الثامن. فقد حاول الملك يوشافاط (870- 848) أن يعود إلى ما عمله سليمان على مستوى التجارة، ولكن عبثاً (1 مل 22: 49). نظنّ أن المعاهدة الفينيقية التي صارت أمراً ملموساً بزواج ابنه يورام من عثليا، ساعد على نمّو التجارة مع صور وصيدون. ولكن نتج عن هذا تجاوزات إجتماعية كتلك التي ندّد بها إيليا النبي في الشمال خلال الحقبة عينها. وقد كانت الثورة على عثليا (2 مل 11: 4- 20) نتيجة تململ الفلاّحين في يهوذا.
نعرف بعض الشيء عن حكم عزريا (سمي أيضاً: عزيا) في منتصف القرن الثامن (781- 780). كان عهده عهد سلام وازدهار (ملك في إسرائيل في ذلك الوقت يربعام الثاني الذي عرف عهده الإزدهار أيضاً). وقيل أن عزّيا إهتم شخصيا بالزراعة (2 أخ 26- 20). فاستخدم في أراضيه عدداً كبيرأ من الفلاّحين والكرّامين والرعاة. وقد كان عاموس أحد رعاته. قال عن نفسه إن الله أخذه "من وراء القطيع" (عا 7: 15).
في تلك الحقبة عاش أشعيا في أورشليم. ونحن بفضله وبفضل سائر الأنبياء، نعرف حياة الشعب معرفة أعمق. فحين نقرأ أشعيا، نكتشف أن عدداً قليلاً من الناس نَعِم بالإزدهار في أيام عزيا، وأن هذه القلة إغتنت على حساب الشعب بشكل فاضح. وهاجم معاصره ميخا مسؤولي الأمة. وبعد قرن من الزمن، في نهاية المملكة، سنسمع من فم إرميا تنديداً بشرور المجتمع. وتدخّلُه من أجل تحرير العبيد يذكرّنا أنه كانت هناك فئة من الناس أفلسوا فباعوا نفوسهم علّهم يفوا ما عليهم من ديون.
واشتهر بعض الملوك بالإستبداد والتسلّط. فقد قيل عن منسّى (687- 642) أنه أراق الدم الزكي حتى ملأ أورشليم كلها (2 مل 21: 16). لقد حكم بالموت على عدد كبير من الأبرياء. واتهم الملك يوياقيم (عاش قبل دمار الدولة بقليل) الإتهام عينه (2 مل 24: 4). وسيقول عليه إرميا هذا القول القاسي: "ويل لمن يبني بيته بالظلم ويعليّ غرفه بغير حق! يستخدم الآخرين بغير أجرة ولا يوفي أحداً عن عمله" (إر 22: 13).
ولكن الكتاب سيمتدح ملوكاً آخرين لاهتمامهم بالعدالة ولقيامهم بالإصلاح. فيوشيا مثلاً (640- 690) قام سنة 622 بإصلاح كبير (2 مل 22- 23). جاء برنامجه الديني والإجتماعي موافقاً لفرائض سفر التثنية. غير أن هذه المحاولة الأخيرة لم تستطع أن تخلّص المملكة من الدمار، لأن الصعوبات لم تكن مادية فحسب. فالعدوّ الخارجي بدأ يطلّ من الشمال. 

ج- سياسة يهوذا الخارجية
إحدى معطيات سياسة يهوذا الخارجية حتى سقوط السامرة سنة 721، كانت عداوة شبه مستمرة بين المملكتين. فإذ أراد آسا الملك (912- 871) أن يحمي نفسه من إسرائيل، تحالف مع الأراميين ولم يتردّد (1 مل 15: 18- 19). توقفت الحروب بين الإخوة بعض الوقت، وذلك على أثر إعتلاء عمري عرش إسرائيل وبفضل وساطة فينيقية. حينئذ جمعت المملكتان قواهما ضد الأراميين. وبعد سقوط عثليا، ستحتدّ الأمور من جديد بين إسرائيل ويهوذا، فنرى ملك إسرائيل يقود أمصيا ملك يهوذا أسيراً إلى السامرة بعد أن تغلّب عليه في بيت شمس ونهب أورشليم (2 مل 14). 
بعد سنة 745، صار تجلت فلاسر الثالث ملكَ أشورية، فسيطرت "الامبريالية" الأشورية على سياسة الممالك الصغيرة. فوجد كل ملك نفسه أمام حلّين لا ثالث لهما: إما الخضوع لأشورية ودفع جزية ثقيلة، وإما التمرّد مع كل المخاطر الذي قد ينتج عن ذلك. تردّدت مملكة إسرائيل. وفي النهاية إختارت سياسة التمرد، فزالت من الوجود. أما ملك يهوذا فاختار الخضوع مهما كان أليماً. ففي سنة 734، رفض أحاز أن يدخل في تحالف معارض للأشوريين. بل هو دعا تجلت فلاسر ليفكّ الحصار عنه. شارك حزقيا (خلف أحاز) في حلف تسنده مصر. فاجتاح الملك الأشوري سنحاريب بلاده سنة 701. أفلت بصعوبة من الكارثة ودفع الجزية من جديد.
في منتصف القرن السابع عرفت الامبراطورية الأشورية إنحطاطاً سريعاً. فأجبرت أشورية على التحالف مع عدوها التقليدي مصر لكي تواجه الخطر. غير أن البابليين وحلفاءهم إحتلوا سنة 612 نينوى عاصمة الأشوريين. واستفاد الملك يوشيا (640- 609) من انحطاط الأشوريين ودمار إمبراطوريتهم، فاستعاد استقلاله، بل احتل جزءاً من مملكة إسرائيل القديمة. غير أن عمل البناء الوطني والديني الذي بدأ به، توقّف فجأة سنة 609. أراد أن يعارض التحام الجيوش المصرية مع الجيوش الأشورية فقُتل في مجدو. 
وبعد الأمبراطورية الأشمورية جاءت الأمبراطورية البابلية (أو الكلدائية). فبعد سنة 605 واعتلاء نبوكد نصر عرش بابل، وجدت مملكة يهوذا نفسها أمام الخيار عينه: إمّا الخضوع وإمّا التمرّد. ظنّ ملوك يهوذا، رغم تنبيهات إرميا، أنهم يستطيعون أن يقاوموا عدوّاً يتفوّق عليهم عدّة وعدداً. دخلوا في تحالف معارض للبابليين واستندوا إلى مصر.
وجاء الرد من نبوكد نصر على دفعتين. سنة 597، إحتل أورشليم. لماذ أراد الملك يوياكين أن يجنّب المدينة الدمار، سلّم نفسه أسيراً فاقتيد إلى بابل مع كل عائلته. وذهب معه في هذا الإجلاء الأول الموظفون الكبار، قواد الجيش، الأخصّائيون في صناعة الأسلحة (2 مل 24: 8- 17). وحلّ محلّ يوياكين عمُّه صدقيا الذي فرضه نبوكد نصر ملكاً.
تردّد الملك الجديد، وفي النهاية اختار التمرّد. فاجتاح الكلدانيون البلاد مرة ثانية ليحطمّوا كل مقاومة. حاصروا أورشليم سنة ونصف سنة، فسقطت سنة 587 وأُسلمت إلى النهب والنار. وكانت تلك المعركة نهاية يهوذا (2 مل 25).
نحتفظ في خضمّ هذه الأحداث المؤلمة بحدثين. الأول، سقوط السلالة الداودية. والثاني، دمار الهيكل. وطرح الحدثان سؤالاً إيمانياً خطيراً: هل هُزم الرب أمام آلهة أقوى منه؟ هل من مستقبل للشعب بعد هذه الكارثة؟

د- الحياة الدينية في مملكة يهوذا
دوّنت النصوص التي تصوّر الحياة الدينية في تلك الحقبة بعد سنة 587، فتأثّرت تأثراً عميقاً بذكرى الكارثة، ورأت فيها دينونة الله لمملكته الخائنة. 
ظلّ الإيمان بإله الآباء موجوداً في يهوذا كما في السامرة. وحين يكلّم الأنبياء الشعب أو المسؤولين، فهم يعودون إلى هذه المعطية التي لا خلاف عليها. في يهوذا، إرتبط هذا الإيمان بسلالة داود والهيكل. أما في إسرائيل فعاش من تذكّر أحداث الخروج. ولكن أصالة هذا الإيمان تشوّهت بما دخل إليه من المحيط الذي عاش فيه.
إمتد تأثير الديانة الكنعانية في كل تلك الحقبة. ففي زمن المعاهدة مع فينيقية، وُجد في أورشليم هيكل لبعل يخدمه كاهن إسمه متان (2 مل 11: 8). وظلّ المؤمنون يؤمّون المشارف أي المذابح على تلال البلاد. كانت في الأساس معابد وثنية، فصارت أمكنة يطلب فيها اليهوذاويون الرب وكأنه بعل. كانوا يتجامعون مع بغايا هذه المعابد فيؤمّنون لنفوسهم بصورة سحرية الخصب والإزدهار. ومارسوا في بعض الأحوال ذبائح الأطفال، وكانت تلك عادة ذميمة شجبها الأنبياء (إر 7: 31).
وقد أشار الأنبياء إلى تجاوزات تهدّد العبادة والديانة بشكل عام: الطقوس عديدة والأعياد كثيرة، والمؤمنون يذهبون إلى الحج، ولكن كم من الشكليات، كم من الرياء، وغياب البحث الحقيقي عن الله!
ويتوّزع تاريخ مملكة يهوذا عددٌ من الإصلاحات أو محاولات الإصلاح التي استلهمت أول ما استلهمت شعائر العبادة. ففي أيام حزقيا (716- 687) كانت يقظة وطنية ودينية شجّعها أشعيا وميخا. قرّر الملك إلغاء المعابد المشرفة والواقعة خارج أورشليم، لكي تتركز كل شعائر العبادة في الهيكل (2 مل 18: 4). ولكنَّ خلفَه منسىّ (687- 642) أعادها. أما أشهر إصلاح فهو إصلاح يوشيا (640- 609). إستند إلى الفرائض الدينية في سفر التثنية فأزال المعابد المحلية وجمع الكهنة كلهم حول الهيكل. وصار الإحتفال بالفصح يتمّ في أورشليم (2 مل 22- 23) بعد أن كان عيداً عائلياً قديماً. غير أن موت يوشيا سنة 609 وضع حداً لهذا الإختبار الذي ظلت آثاره عميقة في الشعب.
في تلك الحقبة، وجد شعب الله نفسه للمرة الأولى أمام إمبراطوريات تحاول أن تسيطر على الكون كله. في الماضي تعامل يهوذا (أو: إسرائيل) مع أمم "عادية" (صغيرة) ومع آلهتها، فلم تكن سيادة الرب موضع جدال. ولكن حين أزالت أشورية وبابلونية السامرة وأورشليم، برهنتا على أن أشور وعشتار ومردوك هم أقوى من الرب الإله. وبدا انهزام يهوذا في هذه العقلية وكأنه انهزام لإله صار ضعيفاً فما استطاع أن يخلّص شعبه. إذن، لماذا لا يطلب يهوذا حماية هذه الآلهة؟! وهكذا تكاثر في وقت من الأوقات عبّاد "جيش السماء" (2 مل 21: 5).
ولكن الأنبياء هم هنا. فقد حفظوا الإيمان من الضياع زمن الملوك. وساعة استسلم المسؤولون من ملوك وكهنة وحكماء إلى عدد من المساومات التي تشوّه الإيمان، تجزأ رجال مثل أشعيا وميخا وأرميا فشهدوا لله الحي في عالم يعيش أخطر أزماته.

 

 

 

الفصل التاسع عشر 

التقليد الإشتراعي وسفر التثنية 

نسمّي التقليد الإشتراعي ذاك المستند بصورة خاصة إلى سفر التثنية بما فيه من حرارة في تقديم الشرائع وفي التحريض على حياة أخلاقية ترضي اللُّه. 
هناك كتابات في زمن الملوك لم تُحفظ لنا. مثلاً، حوليات (أخبار) ملوك يهوذا التي كانت المرجع الأول لتدوين كتاب الملوك. وفي تلك الحقبة الملكية، ولا سيما بعد سقوط السامرة، دُمج التاريخ اليهوهي مع التاريخ الالوهيمي في كتاب واحد. كما ظهر سفر تثنية الإشتراع الذي هو قراءة ثالثة لأصول الشعب العبراني. شدّد التقليد اليهوهي على البركة، والتقليد الالوهيمي على المخافة. وسيشدّد التقليد الإشتراعي على العهد. هناك ميثاق واتفاق بين الله وشعبه. وظهرت أولى أقسام التقليد الكهنوتي مع ما يسمّى شريعة القداسة. شدّد هذا التقليد على كلمة الله الفاعلة في التاريخ وفي الكون.
أما أهم الكتابات، فهي التي تحدّثنا عن أعمال الأنبياء وحياتهم، وتورد لنا أقوالهم: من أشعيا إلى ميخا وناحوم، من إرميا إلى صفنيا وحبقوق. غير أن هذه الكتابات لن تأخذ شكلها النهائي إلا في زمن المنفى (587- 538)، بل بعد ذلك الزمن.

أ- دمج اليهوهي والالوهيمي
كان التاريخ اليهوهي أول شميلة لأصول الشعب العبراني، وقد بدأ يتكوّن في زمن سليمان. ثم تكوّنت في مملكة الشمال قراءة ثانية للأحداث المؤسِّسة للشعب. فحين دمرّت مملكة إسرائيل، هرب بعض الناس الذين أفلتوا من القتل والسبي، إلى يهوذا، إلى أورشليم، وحملوا معهم "الوثيقة" الالوهيمية. في ذلك الوقت، قام الملك حزقيا بإصلاح وطني وديني، واهتمّ بكل ما يذكّر الشعب بوحدة الشمال والجنوب حول أورشليم، حول سلالة داود والهيكل. وبدأ الكتبة بدمج المرجعَين اليهوهي والالوهيمي، ليدلّوا على الوحدة المرتجاة. نحن هنا أمام فرضية معقولة (هناك فرضية حديثة تلغي وجود التفليد الالوهيمي كلياً).
كانت عملية الدمج دقيقة. حافظ "المدوِّن" قدر المستطاع على وثائقه وميزاتها. وقد حصل له أن أورد نسختين للخبر الواحد. مثلاً، حين أخذت ساره وأعطيت لملك مصر (تك 12: 10- 20، تقليد يهوهي)، أو أعطيت لملك جرار (تك 20، تقليد الوهيمي). كما حصل له أن دمج نصين في خبر واحد. مثلأ خبر دعوة موسى (خر 3) الذي درسناه في فصل سابق. وكان تنافر وتناقض بين النصوص. قام بالدمج كاتب من أورشليم، فجعل اليهوهي يسيطر على الالوهيمي، بل جعله بعض المرات يذوب فيه. 
قدّم هذا النص الجديد للمؤمنين شميلة تألّفت من التقاليد الأساسية في الشمال والجنوب. فكوّن قاعدة الإيمان لجماعة تألّفت من اليهوذاويين واللاجئين إلى أورشليم من مملكة إسرائيل.

ب- سفر التثنية أو تثنية الإشتراع
هذه قراءة ثالثة لأحداث تأسيس الشعب العبراني.
ظل التاريخ الماضي، ولا سيما أحداث الخروج، ينبوع إلهام لشعب الله. فجعل منها غذاءه في كل مراحل وجوده، وأوّنها وكيّفها حسب حاجاته. هذا ما نجده في سفر التثنية الذي سيدخل التاريخ فجأة فيكون له تأثير كبير في الشعب.

1- "وجدت كتاب الشريعة" (2 مل 22: 8)
حين كان العمال يقومون ببعض الإصلاحات في الهيكل، إكتشف الكاهن العظيم كتاباً سمّي "كتاب الشريعة" أو "كتاب العهد". قرأه على يوشيا فتأثر به. وأكدت النبيّة حلده قيمة هذه الوثيقة. هذا ما يرويه 2 مل 22. وفي الفصل التالي نقرأ خبر إصلاح يوشيا الذي أزال كل المعابد على حساب هيكل أورشليم. حصل هذا في السنة الثامنة عشرة لملكه أي سنة 622 ق. م. 
بما أن التشابهات كبيرة بين الإصلاح الذي يصوّره 2 مل 23 والفرائض الموجودة في سفر التثنية، إعتبر الشرّاح أن الكتاب الذي اكتُشف سنة 622 هو سفر التثنية بشكله القديم (تضمّن فقط ف 5- 26 و28). أما سفر التثنية كله، كما ندرسه الآن، فهو يعود إلى ما بعد المنفى، وقد أعيدت قراءته على مراحل عديدة.

2- وجه الكتاب
يبدو تث كأنه كلمات موسى الأخيرة قبل موته. خرج الشعب من مصر ووصل إلى عتبة أرض الميعاد، إلى بلاد موآب، تجاه أريحا (تث 1: 5). فلم يبقَ له إلاّ أن يعبر الأردن. أما موسى فلن يدخل إلى أرض الميعاد، بل سيموت في بلاد موآب (تث 34) ولكنه سيُعطي، قبل موته، تعليماته الأخيرة. يخطب في الشعب فيذكّره بأحداث الخارج، بواجب الأمانة للّه، ويقدّم فرائض تساعد الشعب على الحياة حين يدخل إلى أرض كنعان.
يرى تث أن هذه القواعد أو "الشرائع" قد أعطاها الله لموسى حين توقّف الشعب في سيناء. حصل العبرانيون فقط على الوصايا العشر (تث 24:5- 27). أما موسى فحصل على وحي إضافي. وها قد جاء الوقت ليعرّفهم مجمل إرادة الله فيهم. نحن هنا أمام "شريعة ثانية". من هنا إسم الكتاب: تثنية الإشتراع.
ما يلفت نظرنا في هذه النصوص هو أسلوب كله حرارة، يَرِد بشكل إحتفالي. نحسّ كأن الكاتب يريد أن يقنع، يفسّر، يقدّم البواعث. إنه يذهب إلى جوهر الأمور لا إلى قشورها. هناك عبارات تعود دوماً: إسمع، يا إسرائيل... إحفظ الوصايا والشرائع والأحكام... الرب الهك... الأرض التي أقسم اللّه أن يعطيها لآبائك.. الموضع الذي اختاره الله ليجعل فيه اسمه... أحب الربّ إلهك واعبده بكل قلبك وكل نفسك... 

3- قصة الكتاب
قصة تث قصة متشعبّة. إليك كيف يمكن أن نعيد بناءها. أصول الكتاب هي في الشمال. فأفكاره وعباراته قريبة مما نجد في التقليد الالوهيمي وعند النبي هوشع: تشديد واحد على سفر الخروج، على العهد، إهتمامات إجتماعية وأخلاقية واحدة. وقد يكون هناك تلميح إلى أعياد تُقام في شكيم (تث 27: 1- 13). وُلد هذا الكتاب في محيط اللاويين، أي في محيط الأشخاص العاملين لدى المعابد، والذين كانوا يمارسون التعليم خلال اجتماعات الشعب المحتفل بأعياده.
بعد سنة 721، لجأ عدد كبير من اللاويين إلى يهوذا، وساندوا إصلاح حزقيا. ولكنهم إنتقلوا إلى المعارضة في أيام خلفه منسّى. وصمتوا ليدلّوا على رفضهم، وأخفوا مجموعة تعاليمهم في الهيكل، قرب تابوت العهد، حسابا عادة ذلك الزمان. في سنة 622، كشف الكاهن العظيم عن هذا الكتاب الذي صار فى دستور إصلاح يوشيا. وبعد سنة 622، جُعلت زيادة على النص الأولاني ليتكيّف والظروف والحاجات الراهنة. كفل بعد المنفى، ثم أدخل في البنتاتوكس فصار الكتاب الخامس في أسفار شريعة موسى.
نرى في سفر التثنية موسى يخطب في الشعب. هذا يدلّ على أن اللاويين عادوا بتعليمهم إلى موسى، واعتبروا نفوسهم إمتداداً له. وحين جعلوا كل كلمات الكتاب في فم موسى، توخهوا إلى معاصريهم فأعطوا هذه الكلمات الوزن الذي تستحقّه. 

4- بنية عهد وميثاق
حين كان فريقان في الشرق القديم يعقدان عهداً، كانا يقومان باحتفال. يشدّد على خطورة الإلتزامات المأخوذة على عاتق الإثنين. تُشطر الحيوانات شطرين وتُتلى لعنات ضد من يتجاوز بنود الأتفاق، ويُقام حجر يكون شاهداً؛ ويشارك الفريقان في وليمة واحدة، وتُتلى البركة على من يحفظ الإتفاق، والويل على من لا يحافظ بنوده.
كان الإتفاق بين متساويين، أو بين تابع ومتبوع. فالقوّي يتعهدّ يحماية الضعيف، والضعيف يلتزم بخدمة القويّ. هكذا تصوّر "كاتب" تث العلاقات بين إسرائيل والرب.
كان التقليدان اليهوهي والالوهيمي قد استعملا هذه الخبرة السياسية للعهد، ليتكلّما عن أحداث سيناء. ولكن تث وسّع هذه الخبرة، فجعل فكرة العهد تجتاز الكتاب كله، بشكل نُجمله بما يلي: الرب إله إسرائيل، وإسرائيل هو شعب الرب. قُطع العهد في سيناء (سماه تث: حوريب)، ولكنه تجدّد وتوضّح في أرض الموعد. هذا هو "العهد في أرض موآب" (تث 28: 29).
دؤن الكتاب كله بشكل وثيقة عهد مع بنية نميّز فيها الأمور التالية:
* تذكير تاريخي (ف 1- 11). إستعاد موسى الأحداث التي فيها كشف الله عن نفسه أنه الإله الواحد الوحيد لإسرائيل. ودعا الشعب إلى الأمانة. 
* شرائع الرب (12: 1- 26: 15). هذه هي بنود العهد. الرب يمنح العون والحماية شرط أن يحافظ الشعب على هذه الشرائع.
* التزام متبادل (26: 16- 19). يلتزم كل من الفريقين بالنسبة إلى الآخر. 
* الإحتفال بالعهد (27: 1- 30: 18). يُذكر هنا عيد العهد كما كانوا يحتفلون به في شكيم. وتفضّل البركات إن كان الشعب أميناً، واللعنات إن كان الشعب خائناً. نلاحظ أن اللعنات موسّعة أكثر من البركات، لأن الإطار التاريخي الذي دوّنت فيه هو كارثة أورشليم سنة 587. 
* دعوة الشهود (30: 19- 20). كل ميثاق هو عمل علني وخطير. فهو يتمّ أمام الشهود. كان الآلهة هم الشهود لدى الوثنيين. أما شهود العهد بين الرب وشعبه فهم "السماء والأرض". 
* تبدو ف 31- 34 بشكل ملحق (وداع موسى وموته).

5- لماذا هذه القراءة الجديدة 
كان اليهوهي والالوهيمي قد "دوّن"، الأخبار والشرائع التي تؤسّس دعوة شعب الله. لماذا احتاج أصحاب تث العودة إلى هذه الأخبار؟ الجواب: لأنهم عاشوا في وقت تعرّض الشعب لخسارة دعوته، بل لخسارة وجوده كشعب. 
فقد اعتبر اللاويون الذين شهدوا دمار السامرة سنة 721، كما اعتبر تلاميذهم العائشون في القرن السابع في يهوذا، إعتبروا أن لا سبب للشقاء الذي حلّ بالبلاد إلا التخليّ عن العهد مع الله، على حساب عهود أخرى وسند آخر. ويوضحون تحليلهم فيؤكّدون أن تعدّد أماكن العبادة مع طقوسها الوثنية هو السبب المباشر لهذا التخلّي. فاقترحوا حلاً يقوم بأن تُزال كل معابد الريف، وتتركّز شعائر العبادة كلها في هيكل أورشليم. بما أن الخطب وُضعت في فم موسى، لم يُذكر إسم أورشليم، بل تحدّث الكاتب عن "الموضع الذي اختاره الرب ليجعل فيه اسمه". بما أن إله الخروج هو وحده حليف الشعب، فليس هناك إلا موضع واحد فيه يُعبد وطريقة واحدة بها يكرّسهم. إذن، لا بدّ من رفض الشرك وعبادة الأوثان. 
والتخليّ عن الرب كان السبب أيضاً في الجور وإستغلال الآخرين والإمتناع عن التعاون. فاقترح تث سلسلة من الإجراءات الإجتماعية ليعيد بناء الأخوّة والعدالة واحترام المساكين وحمايتهم. تستند هذه الإجراءات إلى شرائع قديمة نجدها خصوصا في "دستور العهد" (خر 20: 24- 23: 19)، وقد كيّفها الكاتب حسب الوضع المعاصر.
مثلاً، نجد رغبة في الحدّ من سلطة الملك الذي يجب أن يكون أخاً للجميع (تث 17: 14- 20). والمديون الذي لا يستطيع أن يفي والذي يُباع عبداً، يجب أن يحرَّر في السنة السابعة وتوفى كل ديونه (ف 15). والعريس لا ينفصل عن عروسه ليذهب إلى الحرب (24: 5). والفئات الضعيفة في المجتمع، أي اللاوي والغريب واليتيم والأرملة، تحقّ لهم حماية خاصة. وصارت العدالة شخصية، وكل إنسان مسؤولاً عن أعماله. فلا عقوبات جماعية تُفرض على البنين الأبرياء بسبب خطايا آبائهم (ق تث 7: 9- 10 مع خر 20: 5- 6).

6- محبة الله
ما اكتفى تث بأن يقول ما يجب أن نفعل أو لا نفعل. بل قال: إن القضية هي قضية محبة. سفر التثنية هو كتاب حب الله، وهو يشبه إنجيل يوحنا. أحبّ الله شعبه، فعلى الشعب أن يحبّ ربه. 
دلّ الله في التاريخ أنه يحبّ شعبه. وقد بدأ هذا الحب بالوعد للآباء. واختيار الشعب كان فعل حب، كان مجانياً. ما اختار الله الآباء لأنهم كانوا شعباً كبيراً ومهماً، بل لأنهم كانوا صغاراً ومضطهدين (7: 7- 8؛ 9: 6). البرهان اكبر لحب الله هو التحرير من العبودية والأحداث التي تلت هذا التحرير. 
وحين كشف الله عن عهده ووصاياه في حوريب، إلتزم شخصياً تجاه هذا الشعب. أخرجه من عالم الديانات الوثنية، وعلّمه ما يجب أن يعمل بحيث صار "شعباً حكيماً عاقلاً" (4: 6). وخلال العبور في البريّة، دلّ اللّه على أنه قريب من شعبه، فاهتمّ بلباس السائرين في الطريق وبنعالهم (8: 4). وحين امتحنهم كان يؤدّبهم كما يؤدّب الأب أبناءه (8: 5). وفي ساعات الأزمة والخطيئة أعطاهم متشفعاً في شخص موسى (10: 10). أخيراً، شكلّت عطية أرض المعياد التحقيق الكامل للمواعيد القديمة. 
والجواب الذي يقابل هذا الحبّ، هو حبّ الشعب لربّه: "إسمع يا إسرائيل! الرب إلهنا هو الرب الواحد. فأحبّ الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك" (6: 5). وعلى الشعب أن يتعرّف إلى الرب وإلى عمله في تاريخه لكي يستطيع أن يحبّه بهذا المقدار (7: 9). وهنا يلعب موضوع التذكّر دوراً كبيراً، لأن المحبة لله تتغذّى من تذكار الأحداث المؤسِّسة التي لا تخسر من قيمتها على مرّ العصور (4: 9).
كل سنة، في عيد القطاف، يتذكّر الشعب أعمال اللّه العظيمة فيتلو فعل إيمان يبدأ بهذه الكلمات: "كان أبي أرامياً تائهاً..." (تث 26: 5- 9). ويدلّ الشعب على حبّه بصورة ملموسة، فيجعل متطلّبات العهد فاعلة في حياته. هنا يشدّد تث على ضرورة سماع وحفظ وممارسة "الفرئض والشرائع وأحكام الرب والعمل بها". فممارسة الوصايا هي ينبوع سعادة وبركة، وهي قبل كل شيء جواب المؤمن إلى من أحبّه أولاً.
هنا نستطيع أن نقرأ النص الأساسي عن محبة الله (ف 6)، وما قيل عن تربية الرب لشعبه في البرية، وعن فخاخ أرض الموعد (ف 8). هناك شريعة تركّز أعمال العبادة قي هيكل أورشليم (ف 12)، وأخرى تتحدّث عن العفو عن الديون وتحرير العبيد (ف 15)، وثالثة عن العدالة والرفق في معاملة القريب (ف 24). وأخيراً نقرأ "النؤمن التاريخي" (ف 26) الذي يروي قصة الشعب مع ربّه منذ البداية.

ج- شريعة القداسة (لا 17- 26)
تبدو شريعة القداسة بشكل خطبة يوجّهها موسى بأمر الله إلى شعب إسرائيل. في الواقع، قد ألّفها كهنة أورشليم الذين جمعوا فرائض وعادات تتعلّق بصورة خاصة بالعبادة والكهنوت. ألّف هذا الكتيب، على ما يبدو، في أيام آخر ملوك يهوذا، ولكن جاءته زيادات بعد المنفى (هناك تلميحات في ف 26).
بين شريعة القداسة وسفر التثنية نقاط مشتركة. فهي تبدأ مثل الدستور الإشتراعي، مع شريعة تركيز العبادة في أورشليم. كل حيوان يذبح عند مدخل خيمة الإجتماع (خباء المحضر أو اللقاء)، أي في هيكل أورشليم (لا 17: 4)، وتنتهي شريعة القداسة باللعنات والبركات (لا 26)، كما في تث فتدلّ على عناصر قطع العهد. ولكن العهد يُعاش هنا أولاً في شعائر العبادة.
حين نتجوّل في هذه الفصول المختلفة، نجد قواعد حول احترام الدم "لأنه حياة" (17: 15- 16)، وحول إحترام الإتحاد الزواجي (ف 18 و20). يتجاوز ف 19 الوجهة العبادية ويهتمّ بالأمور الإجتماعية. فنجد وصايا تفرض علينا إحترام القريب ولا سيما الغريب والعامل والمعاق، بل تفرض محبّة القريب (19: 18). 
ويحدّد ف 21- 22 واجبات الكهنة، وف 23 طريقة الإحتفال بالأعياد. ويتضمن ف 25 تشريعاً أصيلاً حول "الروزنامة السبتية" وسنة "اليوبيل". السنة السابعة هي سنة مقدّسة. لا يشتغل الإنسان الأرض فيدلّ على أنها تخصّ الله (25: 1- 7). وكل خمسين سنة هي سنة يوبيلية فيها يحُرّر العبيد وتُعاد الأراضي إلى أصحابها الذين أجبروا أن يتخلّوا عنها (25: 8- 54). وهذه الشريعة الأخيرة التي تدل على روح التضامن والمساواة وسط الشعب ظلّت حبراً على ورق، فلم تطبّق أبداً.
والفكرة التي تشرف على عمل كل هذه الشرائع هي فكرة القداسة: "كونوا قديسين لأني أنا الرب الهكم قدوس" (19: 2). الله هو قدوس، يعني أنه يختلف عن كل ما يستطيع الإنسان أن يعرفه أو يتصوّره. حرّيته تامّة. وفي الوقت عينه، إن إله العهد يريد أن ينقل قداسته إلى شعبه. إنه "يقدّس" شعبه (20: 8). وعلى الشعب من جهته أن "يتقدّس" (7:25) فيهاب الله دمارادته في شعائر العبادة، بل في كل حياته.

 

 

الفصل العشرون 

أحب الرب الهك (تث 6) 

إكتشفنا أهمية سفر التثنية قي قلب الحقبة الممتدّة من إنفصال المملكتين (933) إلى المنفى (587). إنه كتاب يربط الشمال الذي خرج منه، بالجنوب الذي تقبلّه فاستلهمه إصلاح يوشيا. من جهة ثانية، تغلغل تث في فكر الأنبياء.
سنتوقّف عند ف 6 حيث نجد وصية المحبة التي استعادها يسوع المسيح.

أ- وضع تث 6 
يقع ف 6 في قلب القسم الأول من تث (1- 11) المكرّس للتذكرات التاريخية وللنداءات إلى الأمانة. كانت خطبة موسى الأولى (1- 4) في معظمها تاريخية (تذكير بأحداث الخروج). أما الخطبة الثانية التي تبدأ في 4: 25 فتشرف عليها مسألة الوصايا: الوصايا العشر في ف 5 وسائر شرائع الرب بعدف 12. وبين الإثنين يُعرض بصورة مطوّلة معنى هذه الوصايا. هنا يقع الفصل الذي ندرس.
إذا نظرنا من إلخارج، لن نجد مخططاً محدداً في هاتين الخطبتين. غير أننا نلاحظ عودة الأفكار والعبارات عينها، ونلاحظ بصورة خاصة في ف 6 أنه يبدأ بهذه العبارة: "هذه هي الوصية التي تحفظها". وينتهي بالعبارة عينها: "تحفظ هذه الوصية كلها". إذن، يشكّل ف 6 مجموعة محدّدة، لأن النهاية توافق البداية. سنحاول فيما بعد أن نجد الرباطات بين أفكار وعبارات تتقابل في هذا النص.

ب- بنية تث 6
نستطيع أن نجد في ف 6 نظاماً من العلائق نكتشفه في عدد من النصوص البيبلية. والترتيب التالي يساعدنا على التعرف إليه.
أ- الوصية التي أمرك الله أن تمارسها (آ 1- 3).
ب- إسمع، الرب واحد. تحبّ الرب (آ 4- 5).
ج- كلمات الوصايا تردّدها لإبنائك وتقول لهم (آ 6- 9).
د- حين يدخلك الرب في الأرض... يعطيك مدناً وخيرات، إحذر أن تنساه (آ 10- 12).
هـ- لأن الرب الهك هو إله غيور في وسطك (آ 13- 16).
د د- تفعل ما هو مستقيم وصالح لتكون سعيداً وتمتلك الأرض (اَ 17- 19).
ج ج- حين يسألك أبناؤك: لماذا هذه الأحكام والشرائع (آ 20- 21 أ)؟ 
ب ب- الرب أخرجنا من مصر (آ 21 ب- 23).
أ أ- تمارس كل هذه الوصية أمام الرب كما أمرك (آ 24- 25).
نلاحظ حالاً أن في قلب البناء هناك "الله الغيور الذي في وسطك". الله الغيور هو في وسط الشعب وفي وسط النصّ. وهو أيضاً في وسط الأرض (د، دد). وتحيط الوصية (أ، أ أ) بمجمل البناء. ونرى مقابلة بين ب وب ب، لأن حبّنا لله (ب) هو جواب على حب الله لنا كما ظهر في أعمال الخروج العظيمة (ب ب). وتعالج ج وج ج نقل الوصايا إلى الأجيال الجديدة. ونلاحظ إطاراً صغيراً: وضعت ب وب ب بين ممارسة الوصايا (أ، أأ) ونقل الوصايا (ج، ج ج). وهكذا نستنتج أن الأمرين هما قضية حبّ.
يدلّ هذا البناء على حركتين. حركة تنطلق من الخارج إلى الوسط، وحركة تنطلق من الوسط إلى الخارج. أو بالأحرى: حركة تنطلق من العمل فتصل إلى الله، وحركة تنطلق من الله فتصل إلى العمل. في الفرضية الأولى، يأتي الإنسان من الخارج فيلتقي أولاً شعباً يمارس نمطاً من الحياة (الوصايا). ثم يتعرّف إلى سبب ومعنى هذا النمط من الحياة (محبة الله)، وكيف انتقل هذا النمط في الأرض حتى الآن. وفي النهاية يتعرّف إلى ذلك الذي هو حيّ وسط شعبه. أما الحركة المعاكسة فتنطلق من الله الذي هو ينبوع كل ما يظهر في حياة هذا الشعب. سنتبع هنا الحركة الأولى.

ج- المواضيع
1- ممارسة الوصايا
من حسنات الأسلوب الذي استعملناه، هو أنه يساعدنا على إدراك الرباط بين الوصايا ومجمل مشروع الله. فالثه قد رتّب الوصايا؛ وهو حين حرّر إسرائيل من العبودية جعل منه شعبه. وممارسة الوصايا هي جواب الشعب لإلهه. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لا معنى للوصايا في حدّ ذاتها. إنها من أجل سعادة الشعب على الأرض التي سيعطيها الرب له (آ 2، 3، 18، 24). فالممارسة هنا هي شرط السعادة التي أعِدّ الشعب لها. والنهاية التي تحدّد تصّرف الذين يتجّندون في هذه المسيرة هي كلمة بر (آ 25، أي سلوك مطابق لمشيئة الله).
إلى أي وصايا يشير هذا النص؟ إلى الوصايا العشر (تث 5)، وإلى وصايا "الدستور الإشتراعي" (تث 12- 26). وهدفها تحديد العلاقات مع الله ومع القريب.

2- المحبة لله
وإذ أراد النص أن يحدّثنا عن موقف الشعب تجاه اللّه، إستعمل مراراً الأفعال التالية: خاف، سمع، ما نسي، خدم وعبد... وقال مرة واحدة: أحب. ولكن لهذا الإعلان ثقلاً ووزناً: "أحب الرب الهك من كل قلبك، من كل نفسك، من كل قدرتك" (آ 5). يجنَّد الإنسانُ كله، يجنَّد الشعبُ كله من أجل هذا الحب. فالقلب هو مركز العقل والحرية البشرية. والنفس هي كل ما يجعل من شخص أو شعب كائناً حياً. والقدرة هي مجمل الإمكانيات المادية والروحية. أشارت آ 4 إلى الإذن التي تسمع. وستتحدّث الآيات اللاحقة عن اليد والعينيين (آ 8).
هذا الكلام يتوجّه إلى كل ظروف الحياة: إن كنت في البيت أو على الطريق، إن كنت نائماً أو قائماً. في الحياة العائلية وفي السياسة (آ 9: البيت، المدينة).
محبّة الرب تعني أن لا نتبع آلهة أخرى (آ 14). فإله إسرائيل هو رب واحد لأنه وحده سبب وجود شعبه. نحن هنا أمام تأكيد على التوحيد، لا بشكل نظري، بل بشكل عملي.
وتشكل آ 4 بداية الصلاة لدى اليهود: شماع، إسمع. لقد أورد يسمع آ 5 في مت 22: 37- 38 وقال: هذه هي "الوصية الكبرى". 

3- تربية الإيمان
ننظر إلى محبة اللّه ووصاياه في التواصل، في تاريخ يتألف من أجيال متعاقبة وإن لم تكن متشابهة. لهذا يشدّد النص على انتقال (تقليد) خبرة إسرائيل. هذه هي سلسلة التقليد التي نكتشفها في النص ونحن متذكّرون أننا أمام "خطبة" موسى.
- قال الله لموسى...
- أعلم موسى إسرائيل...
- سمع إسرائيل لموسى...
- ردّد إسرائيل لأبنائه...
- ردّد الأبناء للأحفاد... 
وهكذا نرى أن كلام اللّه يصل إلى إسرائيل عبر موسى الذي يتمتّع بمكانة فريدة. فهو مربيّ شعبه الاكبر. ويبدو أن هذه الترجمة كانت في جوهرها عائلية وتقليدية: يردّد الأب التعليم أمام ابنه وهكذا دواليك. وقد يكون هناك تلميح إلى المعلّمين الحكماء الذين يعتبرون تلامذتهم أبناءهم. نلاحظ في آ 20 أن الإبن (أو التلميذ) يطرح السؤال، لا الأب (أو المعلّم). ثم إن السؤال ينطلق من واقع حياتي. ويشير الجواب إلى معنى الوصايا التي لا تُفهم إلا بفضل تذكّر تاريخي لأحداث الخروج (آ 21- 23). 
وهدف هذه التربية جَعْل كل جيل يقول: "اليوم يكلّمنا الرب". نلاحظ هذا التشديد على لفظة "اليوم" (آ 6، 24). فهذه اللفظة لا تدلّ فقط على اليوم الذي فيه توجّه موسى إلى الشعب مرة أخيرة، بل يعني وقت كل الذين يتقبّلون هذه الكلمة على مرّ العصور. 
د- الأرض الطيبة 
وتعود كلمة "الأرض" مراراً في هذا النص. نحن أمام أرض كنعان حيث سيصل الشعب الخارج من مصر (آ 1). إنها الأرض التي وعد بها الآباء في الماضي. هي عطية الله، ولكننا نذهب لنمتلكها. هي أرض "صالحة" (طيّبة) "تدر لبناً وعسلاً" (آ 3) أي نأكل فيها ونشبع. حين كان الشعب في مصر أجبر على بناء بيوت ومدن للآخرين. وها هو الآن ينعم بما بناه الآخرون (آ 10- 11).
وأرض الموعد هي المكان المميَّز الذي فيه يُدعى الشعب لكي يعمل مشيئة الله. وحين يقيم فيها، فليحذر من أن ينسى الرب الذي. قاده إليها (اَ 12). فسعادته في كل المجالات مرتبطة بهذا. وتتضمن آ 15 تهديداً فهمه الناس ساعة دوّن تث. وذكر مسّة في آ 16 يدل على أننا لا نستطيع أن نجرّب الله، أن نفرض عليه أن يتدخّل ونعتبر طلبنا حقاً عليه. فالذي أعطى هذه الأرض لشعبه يستطيع أن يستعيدها منه.

هـ- الإله الغيور
إن آ 15 هي قلب النص وذروته. وهي تعطي السبب العميق لكل ما قيل. إنها تدلّ على حضور الله وسط شعبه. وهذا الحضور واضح في ف 6 حيث يُذكر إسم الرب 22 مرة. غير أننا قد لا ننتبه إلى هذا الحضور، لأنه مخفي في أعماق شعبه. ففي مسّه تساءل بنو إسرائيل: "هل الرب معنا أم لا" (خر 17: 7)؟
وتؤكدّ الآية أيضاً أن الرب إله غيور. فالغيرة تتضمّن وجهة إيجابية، لأنها تدلّ على محبّة الله الجنونية، على ولع إله العهد بشعبه. وهناك وجهة سلبية. فالغيرة تتضمن تهديداً حين يخون الشعب هذا الحب. فحبّ الله لشعبه هو حبّ متطلّب، ولا يرضى أن يقاسمه إياه الأصنام والآلهة الكاذبة. 
إن التاكيد الأساسي على غيرة اللّه دفع الكاتب والمؤمن إلى التساؤل عن السبب العميق لما حدث سنة 587. خان الشعب ربه، فسلّم الرب شعبه وتخلىّ عنه. وبما أنه ضعيف وصلت به الأمور إلى ما وصلت.

 

 

 

الفصل الحادي والعشرون 

أشعيا النبي
القسم الأول 

أشعيا هو أعظم أنبياء العهد القديم. وُلد حوالي سنة 765، فبدأ رسالته في السنة التي توفي فيها الملك عزيا (740)، وتابعها خلال أربعين سنة ونيّف. كان له تلاميذ عديدون جعلوا من كتابه أطول أسفار التورا ة (66 فصلاً).
ميّز الشرّاح في هذا الكتاب ثلاثة أقسام تنتمي إلى أزمنة مختلفة.
الأول (ف 1- 39) يحدّثنا عن شخص أشعيا ورسالته في القرن الثامن.
الثاني (ف 40- 55) ألّفه تلميذ عاش في زمن المنفى، في القرن السادس. سمّي أشعيا الثاني.
الثالث (ف 56- 66) هو عمل كاتب (أو كتّاب) عاش بعد العودة من المنفى، في زمن الفرس. وقد سمّي أشعيا الثالث.
ولكن أخذ عدد من العلماء يتحدّثون عن كتاب واحد أعيدت قراءته على ضوء الأحداث لا سيّما الحياة في المنفى والعودة من المنفى مع سيطرة الفرس (وكورش) على بلاد الشرق. ومهما يكن من أمر، فسفر أشعيا كتاب متشعبّ يفرض علينا أن ندرس كل نص بمفرده ونحاول أن نكتشف الإطار الذي دوّن فيه، فنؤوّنه بالنسبة إلى حياتنا اليوم.
أما نحن، ومن أجل سهولة العرض، فسنتحدّث في هذا الفصل عن أشعيا الأولى، ونترك إلى فصلين لاحقين الحديث عن أشعيا الثاني، وأشعيا الثالث.
يمتد أشعيا الأول على 39 فصلاً ويتركّز على الحرب الأرامية الإفرائيمية في إطار حكم عزيا ويوتام وأحاز وحزقيا، ملوك يهوذا.

أ- دعوة أشعيا
قصة أشعيا هي قصة رجل أرستوقراطي هزّه نداء الرب. هذا النداء سمعه أشعيا في السنة التي توفّي فيها الملك عزيا، سنة 740 ق. م. (6: 1). نقرأ الخبر الذي دوّن فيما بعد، فنكتشف من خلاله كلمات وصور خاصّة بالعصر، يقينَ النبي بأن الله أرسله في مهمّة لدى شعبه (ف 6).
كانت المملكة آنذاك في فترة من الحيرة والضياع. حلّ يوتام محل عزيا على عرش يهوذا. وفي ذلك الوقت، جعل تجلت فلاسر الثالث من أشورية أعظم قوّة في العالم. ماذا سيحصل لمملكة يهوذا الصغيرة أمام هذا التحدي التاريخي الرهيب؟ 
إكتشف أشعيا في رؤياه أن ملك العالم الوحيد هو الرب الذي "يملأ مجده الأرض كلها". إذن، هو يستطيع أن يفرض نفسه على سلطة أشورية الواسعة، بل يستعمل هذه السلطة ليحقّق مشاريعه. أمام الرب، لا طابع قدسياً لأحد. فهو وحده القدوس الذي ترتعد أمامه السرافيم فتخفي وجوهها. 
إلتقى أشعيا بالله، فجعل منه هذا اللقاء إنساناً واعياً لخطيئته وخطيئة شعبه. ومع ذلك، فقد أرسله الله: "إذهب وقل لهذا الشعب" (6: 9). حين يُرسل الله شخصاً من الأشخاص، فهو يفعل من أجل ارتداد الشعب وخلاصه. أما في وضع أشعيا، فنحسّ وكأننّا أمام مهمة مستحيلة ولا فائدة منها، أقلّه في وقت قريب (6: 9- 13).

ب- بدايات رسالته 
جعل نداء الله من أشعيا إنساناً جديداً. ما رآه، هو الأرستوقراطي، جعله يثور: وقاحة العظماء، سحق الضعفاء، تكديس الأموال لدى عدد قليل من الناس. فتكلّم مثل عاموس، إبن الريف، قال: "سينخفض تشامخ الانسان وينحطّ ترفّع البشر" (2: 17). "ما بالكم تسحقون شعبي وتطحنون وجوه (تدوسون بأرجلكم كرامة) البائسين" (3: 15)؟ "ويل للذين يضمّون بيتاً إلى بيت ويَصِلون حقلاً بحقل، حتى لا يبقى مكان لأحد، فيسكنون في الأرض وحدهم، (5: 8).
وتجرأ فسدّد سهامه أيضاً على الأعياد والصلوات والذبائح. لأن كل هذا يرافقه الجور والظلم والضيق. "إذا بسطتم أيديكم للصلاة أحجب عينيّ عنكم، دمان أكثرتم من الدعاء لا أسمع لكم، لأن أيديكم مملوءة من الدماء" (1: 15). وما يجب أن نفعله، وما ينتظره اللّه منا هو تبدّل في القلوب، تحوّل في المحجتمع. "كفّوا عن الإساءة. تعلّموا الأحسان (عمل الخير) واطلبوا العدل. أغيثوا المظلوم (أو: أوقفو الظالم عند حدّه)، وأنصفوا اليتيم، وحاموا عن الأرملة" (1: 16- 17).
عرف أشعيا محيط الحكماء والكتبة وسائر المستشارين الملكيين الذين يوجّهون سياسة يهوذا. فانتقدهم حين رأى أن مشاريعهم تحيد عن "مشروع" الله (5: 19؛ 30: 1). وفي يوم من الأيام، تخلّى أشعيا عن كرامته، فسار في شوارع أورشليم حافياً عرياناً ليقوم برسالته (20: 2). 
رغم الظواهر، لم يكن أشعيا وحده. فعائلته تشاركه في عمله. سمى امرأته "نبيّة" (8: 3) وأعطى أولاده أسماء رمزية، وعنهم قال: "أنا والأبناء الذين وهبهم لي الرب، آيات ومعجزات في أرض إسرائيل" (8: 18، أي ندلّ على الرب في أرض إسرائيل). وكان لأشعيا تلاميذ طلب منهم أن يؤدّوا الشهادة ويحفظوا التعليم (8: 16). 

ج- أشعيا وأزمة سنة 734 
ترتبط تدخلاّت أشعيا الرئيسية بالواقع اليومي الذي تعيشه المملكة، بالإطار الدولي الذي عرفه عصره.
أول تدخّل له كان سنة 734. سار ملك دمشق وملك السامرة على رأس حلف يقف سراً في وجه أشورية. وإذ أرادا تقوية الإمكانيات الحربية وتأمين الجبهة الجنوبية، حاولا أن يفرضا على ملك يهوذا بأن ينضمّ إليهما. رفض أحاز مخطّطاً يسعى لإزالة سلالة يهوذا: يحل محل أحاز ملك يختاره الحلف: إبن طابئيل (6:7، من دمشق أو من صيدا). وجُهّزت على أورشليم حملة ألقت الرعب في القلوب. هل ستخسر عائلة داود السلطة؟ هل نستطيع أن نثق بعدُ بمواعيد الله؟
تدخلّ النبي ساعة صار الخطر قريباً. كان الملك مهتماً بمراقبة تأمين المياه للمدينة خلال الحصار. فجاءه كلام النبي نداء إلى الثقة بالرب: ما يخافه الجميع "لا يكون ولا يقوم" (7: 7). هكذا تكلّم إنسان لم يخسر شيئاً من ثقته بمواعيد أعطيت في الماضي لداود ونسله (2 صم 7). ولكن النبي عاد فقال: "إن لم تؤمنوا (إن لم يكن عندكم إيمان) لن تأمنوا" (لن تكونوا في أمان) (7: 9). هذا يعني أن التزام الرب تجاه شعبه والسلالة الملكية ليس موقفاً آلياً أو سحرياً. إنه يتطلّب إيمان الناس. فأشعيا يرى أن خلاص أحاز وبيته يرتكز على أمانة الله لمواعيده، كما يرتكز على جواب إيمانه.
ولكن الملك خيّب أمل النبي. دعاه لكي يطلب من اللّه آية تدلّ على حضوره وعلى عمله في هذه المحنة، فتراجع. فهو لا يتكّل على الرب (7: 10- 12). ويعلمنا التاريخ أن أحاز دعا ملك أشورية ليعينه على تفادي الكارثة. أدار ظهره لمعاهدة مع الرب وحده، وفضّل التبعية لملك أرضي (2 مل 16: 7).
في هذه الظروف، ماذا ينتظر أشعيا من أحاز؟! غير أنه عرف أن الله أمين لمواعيده، فتطلّع إلى شخص آخر من سلالة داود يضع فيه آماله. إسمه الرمزي عمانوئيل (أي اللُّه معنا) عو علامة أمانة الله هذه (7: 14). إن ولادة حزقيا، خلف أحاز، ألهمت النبي إعلاناً عن السعادة سيعبّر فيما بعد عن انتظار الشعب للمسيح، والإنجيل ليسوع المسيح.
بعد أن فشل أشعيا في مهمته لدي أحاز، إعتزل المسرح السياسي وعاش مع أصدقائه وأفراد عائلته (8: 16- 18). صار يهوذا محمية أشورية. غير أنه حصلت أحداث دولية خطيرة منعت النبي من اللامبالاة. سقطت دمشق في يد تجلت فلاسر سنة 732 (17: 1- 6). ودمّرت السامرة سنة 721 (28: 1- 4).

د- أشعيا والملك حزقيا
كان حزقيا، خلف أحاز، أفضل من أبيه. حاول أن يتخلّص من قبضة الأشوريين ويبدأ إصلاحاً دينياً (2 مل 18: 1- 7). لا نعرف الدور الذي لعبه أشعيا في هذا الإتجاه الجديد، ولكنه وافق عليه وقد يكون ألهمه. 
فالخلاص يكمن في نظر النبي في الوعد الذي يرافق سلالة داود المالكة في أورشليم، وفي الإيمان بهذا الوعد. هذا اليقين عبرّ عنه النبي مستعيناً بصورة الحجر (حجر الغلق) الذي يسند البناء فلا يقع: "ها أنا أضع في صهيون حجراً، حجر زاوية (أو حجر غلق) كريماً، أساساً راسخاً، فمن آمن به لا ينهزم (28: 16).
إن بداية عهد حزقيا ألهمت أشعيا رجاء متجدّداً: الله سيحمي أورشليم (31: 5). فيها يملك الحق والعدل (32: 1)، فيها سيسمعون للأنبياء (32: 3).
ولكن ما زالت الأخطار تهدّد المملكة. أراد رجال السياسة أن يواجهوا أشورية، فبحثوا عن حلف مع مصر التي ما زالت تحرّك الممالك الصغيرة ضد العدو الآتي من الشمال. وكانت ردّة الفعل عنيفة من قبل أشعيا: المعاهدة مع مصر هي "معاهدة مع الموت" (28: 18). لا بد من سياسة "حياد" واستقلال. هكذا ينجو الشعب من غضبة الأشوريين، بل يكون أميناً لمتطلّبات الإيمان بالله وحده: "ويل للنازلين إلى مصر طلباً للمعونة، المعتمدين على الخيل، المتوكّلين على كثرة المركبات، وجبروت الفرسان. الويل لهم! لا يلتفتون إلى قدوس إسرائيل ولا يلتمسون الرب" (3: 1).
وسيدلّ وَلْي الأحداث أن هذه التنبيهات كانت مبنيّة على الواقع.

هـ- أشعيا والهجمة الأشورية سنة 701
وفي النهاية، سقط حزقيا في التجربة وسلّم أمره إلى مصر. فكانت النتيجة إجتياحاً مريعاً قام به سنحاريب الأشوري سنة 701. إحتل 46 قلعة قبل أن يضع الحصار أمام العاصمة. حصّن حزقيا أورشليم، وحفر في الصخر قناة تحت الأرض لتصل إلى داخل الأسوار مياه نبع جيحون (وجدت مدوّنة تتحدث عن حفر "قناة حزقيال"). هل ستسقط أورشليم كما سقطت أختها السامرة منذ عشرين سنة؟
وعبرّ أشعيا مرة أخيرة عن وجهة نظره. فأشورية هي (قضيب يستعمله الرب ليؤدّب شعبه الخائن (10: 5). ولكن هل نعتبر أن محاولات الامبريالية الأشورية الحمقاء ولا سيما الهجوم على أورشليم، توافق مخطط الله؟ هذا مستحيل. وأعلن أشعيا بجرأة لا تصدّق، أن سنحاريب سيفشل وأن أورشليم ستنجو من الكارثة (ف 37).
لا نعرف بالضبط كيف توالت الأحداث سنة 701. تتحدّث التوراة عن تدخل علوي "لملاك الرب". وأشار المؤرخ اليوناني هيرودوتس عن هجمة من الجرذان (أي: الوباء) أجبرت الملك الأشوري على العودة إلى بلاده: مهما يكن من أمر، نجت أورشليم من الكارثة، وحافظ حزقيا على عرشه بعد أن دفع الجزية للأشوريين. كان النبي على حق فيما قال، ولهذا عظمت مكانته لدى الشعب.
ماذا حصل لأشعيا بعد سنة 701؟ يقول تقليد يهودي إنه نشر بالمنشار في أيام منسّى، الملك المضطهد (عب 11: 37).

و- أشعيا رجل الإيمان
تحدّث أشعيا مراراً عن الإيمان. فالإيمان هو عكس الخوف والرعدة. الإيمان هو الشرط الضروري لكي نتابع الجهاد والعمل بشكل فردي وجماعي: "إن لم تؤمنوا لن تأمنوا" (7: 9).
لقد جاء إيمان أشعيا وهدوءه وجرأته من وعيه بأن له في الرب السند المتين الذي لا يتزعزع. فاللّه هو في نظره العظيم والمهيب والذي لا نفهم أعماله في بعض الأوقات. هو القدوس. ولكنه أيضاً ملتزم في التاريخ ولا سيما في تاريخ شعبه. هو قدوس إسرائيل. فالسياسة التي يتطلّع إليها أشعيا هي سياسة مؤسّسة على الإتكال على الله، وهذا ما جعل البعض يقولون: هي سياسة لا واقعية. إستشفّ للشعب مستقبلاً بقدر ما يشكّل هذا الشعب جماعة من المؤمنين. هذا من جهة. ومن جهة ثانية أفهمت خبرته الشخصية أن الأقلية، أن "البقية" وحدها، ستقبل بأن تحيا هذا الإيمان (8: 11- 15)، بقية الوضعاء وصغار القوم (29: 19). 
وأخيراً تكوّن إيمان أشعيا بما سمّي الإيديولوجيا الداودية. لقد اعتقد كل الإعتقاد أن المواعيد التي أعطيت لداود ونسله هي كلمة الله. قد يكون الملك الحالي مخيّباً للآمال، كما كان أحاز وحزقيا. ولكن أشعيا يترجّى ملكاً مثالياً ومملكة مثالية، وعالماً جديداً تتحوّل فيه الأسلحة إلى أدوات من أجل السلام والإزدهار (2: 2- 5). سيعود الشعب إلى هذا الرجاء ويتعمّق فيه حتى مجيء يسوع المسيح.

ز- كتاب أشعيا الأول 
لم يُولد هذا الكتاب دفعة واحدة. ثم إن فصوله لا تتبع الترتيب الزمني. 
نعرف أن أشعيا كتب أو أملى كلماته حين تدخلّ للمرة الأولى في سياسة شعبه سنة 734 (8: 16). فنكون أمام 6: 1- 9: 6. ونعرف أيضاً أنه كان لأشعيا تلاميذ، فجمعوا مجمل أقواله. إلا أن ف 1- 39 ليست كلها من نبي القرن الثامن. ففي القرون اللاحقة ظلّ المؤمنون يتأملون في تعليمه، يؤوّنونه، يكيّفونه، يفسّرونه. وكان اهتمام خاص بنبوءة عمانوئيل (7: 14). وسيتوسّع نصّان (8: 23- 9: 6؛ 11: 1- 9) في هذا الوعد ويطبّقانه على الملك يوشيا الذي أعتبر داود الجديد. وستزاد نصوص أخرى فيما بعد ولا سيما ف 24- 27 و34- 35. 
وأما الآن، فيبدو أشعيا الأول على الشكل التالي:
- ف 1- 12: أقوال في إسرائيل ويهوذا.
- ف 13- 23: أقوال في الأمم الغريبة.
- ف 24- 27: نظرة إلى المستقبل بشكل رؤيا.
- ف 28- 33: أقوال مختلفة.
- ف 34- 35: الرؤيا الصغيرة.
- ف 36- 39: أشعيا في زمن الملك حزقيا.
نستطيع أن نقرأ نشيد الكرمة (5: 1- 7) وكتاب عمانوئيل (ف 6- 8). نتعرّف إلى داود الجديد (11: 1- 9) والنبي الذي هو آية (ف 20). نتعرف إلى حجر الزاوية (ف 28) وإلى حزقيا في مرضه (ف 38).

 

 

الفصل الثاني والعشرون 

أشعيا النبي
القسم الثاني

تحدّثنا في فصل سابق عن أشعيا الأول، أو القسم الأول من سفر أشعيا الذي يتضمّن ف 1- 39. وها نحن نتحدّث في هذا الفصل عن أشعيا الثاني، نبي العودة (ف 40- 55).
كان حزقيال نبي بداية العودة والتكيّف مع الوضع الذي خلقه "التهجير". أما أشعيا الثاني فهو نبي نهاية المنفى مع التكيّف وفكرة العودة. 
ولكن من هو هذا النبي؟ إنّه شخص مجهول لا نعرف عنه شيئاً. كل ما نعرفه هو أن أش 40- 55 تكوّن مجموعة متماسكة تعود إلى نهاية المنفى. حين نقرأ هذه النصوص، نفهم ان كاتبها قام بنشاط "نبوي" بين سنة 550 وسنة 540. تلفّظ بأقواله على مرّ السنين في ظروف مختلفة وجمعت فيما بعد فكوّنت ما نسمّيه اليوم "أشعيا الثاني".

أ- مناخ الكتاب 
حين نقرأ ف 40- 55، لا نرى نبياً يتحرّك (مثل أشعيا، إرميا، حزقيال)، وأناساً يسألونه ويهاجمونه. لا نجد أحداث حياة نبي من الأنبياء أو ما يتعلّق باسرته. نحن نجد في أشعيا الثاني شخص كورش (44: 28: 45: 1) المحتلّ الفارسي. كما نجد شخصاً آخر هو "عبدالله" (عابد يهوه وخادمه). قد يدلّ على شخص فرد، كما يدلّ على جماعة. لا يتحدّث النبي في صيغة المتكلّم المفرد (أنا) إلا في 48: 16 و50: 4- 8. ونجد حوله مجموعات: هناك الشعب اليهودي الذي يبدو تارة شخصاً مذكراً (إسمه "إسرائيل"، "يعقوب"، 43: 1...)، وطوراً شخصاً مؤنثاً (إسمه "صهيون"، "أورشليم" (52: 1...) هو عروس الرب (ف 54). والعدو هو بابل التي هي شخص مؤنث (ف 47). وهناك "الامم"، "الجزر"، "أقاصي الأرض".
يتحدّث النص عن أماكن محدّدة أو غامضة: بابل، أورشليم. البرية التي بينهما. الآفاق البعيدة في سائر بلدان الأرض.
وهو لا يصوّر الأحداث بصورة دقيقة. هناك شقاء إسرائيل الذي سُحق وذلَّ، والذي لا يزال كما كان (51: 17- 20). فإن عدنا إلى الماضي وجدنا تلميحات إلى ابراهيم (41: 8) وداود (55: 3). ويتذكّر "النبي" الخروج وعبور البحر الأحمر (43: 16- 21). ويتطلّع إلى المستقبل، إلى العودة من المنفى. هو لا يتكلّم عن الشمس المحرقة مع الجوع والعطش، ولا عن مشاكل إعادة بناء مدينة مهجورة. بل عن مسيرة مظفّرة في صحراء مملوءة بالزهور وعيون الماء (41: 18- 19)، وعن مدينة عجيبة تغطّيها الحجارة الكريمة (54: 12).
في هذا الإطار الغريب نسمع شخصاً يتكلّم. إنّه الرب الذي يرى كل شيء، يفعل كل شيء، يحوّل كل شيء. أما النبي فيلعب دور الرسول. يقول: هذا ما يقوله الرب. ويحاول أن ينقل بدقة كلام الرب. هو النبي. هولا يقوم بعمل، بل يحمل كلمة. ما يهمّ لا شخصه، بل تعليمه.
ما الذي يستوقفنا في هذا الكتاب المحيرّ؟

ب- ماذا نقول في كورش
يبدو أشعيا الثاني جواباً على سؤال جوهري يطرحه الشعب: ها إن كورش صار سيّد الشرق الأوسط، فما هو موقفنا من هذا الحدث؟ هل هناك علامة من الله؟ منذ سبعين سنة، حلّ البابليّون محل الأشوريّين، فحيّا الناس هذا الحدث بحماس كبير. ولكن لم يتغيرّ شيء، وكان المحتلّ الثاني أكثر خطراً على البلاد من المحتلّ الأول. فماذا نفعل مع المحتلّ الثالث؟ هل نترك الأحداث تتجاوزنا دون أن نبالي بها؟ أم نستقبل كورش ونأخذ جانبه؟
أما أشعيا الثاني فقد أخذ جانب كورش، واعتبره مرسل الرب من أجل تحرير شعبه. "هذا ما قال الرب لمسيحه (المرة الوحيدة يُعطى هذا اللقب لشخص وثني)، لكورش الذي أمسكه بيده اليمنى: "من أجل عبدي يعقوب، من أجل اسرائيل مختاري، دعوتك باسمك وكنيتك دون أن تعرفني" (45: 1، 4).
تأكّد النبي مسبقاً من أن انتصار كورش سيؤمّن تحرير المنفيّين وإعادة الأرض. كيف يعرف ذلك؟ أبوَحي مباشر من الله؟ ربما. وقد يكون عرف الشيء الكثير عن سياسة كورش، عن احترامه للمغلوبين، عن همه بأن يملك بالتسامح لا بالرعب. فإيمانه وتحليله للواقع ساعداه على الثقة بالمحتلّ الجديد الذي سمّاه مراراً مرسل الرب (44: 1- 5؛ 41: 25- 42: 9؛ 44: 24- 45: 4). لهذا، فهو يجنّد شعبه من أجل الحدث الآتي، ويدعوه ليستعدّ للعودة، كما سبق له وفعل في بداية كتابه. "عزّوا (شجّعوا)، عزّوا شعبي، يقول إلهكم. كلّموا أورشليم في قلبها وأعلنوا نهاية أيام تأديبها وعقابها" (40: 1- 2؛ رج 48: 20؛ 51: 3؛ 52: 11). 
وقد يكون كورش قام بدعاية تدلّ على أنه المحسن للشعوب المقهورة. وبفضل هذه الدعاية، إستطاع أن يدخل إلى بابل دون حرب. وقد يكون أشعيا الثاني قد شارك في إظهار شعبيّة كورش، لأن الدعاية للملك الفارسي تلتقي وإيمانه.

ب- موقع الحدث في التاريخ
وحدّد النبي هذا النداء إلى الالتزام والثقة في إطار أوسع، وهذا ما يجعل كتابه مهمّاً بالنسبة إلينا. حين نقرأ أقواله نرى أنه لا يتكلّم فقط عن الحاضر والمستقبل المباشر. فهناك في خلفية اللوحة تاريخ اسرائيل والعالم. نحن هنا مرّة أخرى، أمام قراءة جديدة للماضي على مثال ما فعل حزقيال والتقليد الكهنوتي والتقليد الاشتراعي. غير أن أشعيا الثاني لا يقدّم هذا التاريخ بصورة منهجية وبترتيب زمني، بل يعطينا تلميحات تساعدنا على اكتشاف بعضاً من أفكاره الكبرى كما برزت في مسيرة التاريخ.

أ- المرحلة الأولى: الخلق
المرحلة الأولى في هذا التاريخ هي خلق الكون والبشرية. فالرب هو "خالق السماوات، وجابل الأرض وصانعها الذي ثبّتها وأوجدها لا للفراغ، بل للعمران" (45: 18). قال الرب: "أنا صنعت الأرض كلها، وخلقت البشر عليها" (45: 12). ولكن الخلق لم يتمّ فقط في البداية، بل هو يمتدّ في الزمن. والأحداث غير المتوقّعة التي تبدّل وضع العالم، هي أيضاً من خلق الله: "أسمعك اليوم بما سيحدث... أسمعك أشياء جديدة وقد خُلقت الآن" (48: 6- 7). ففي حياتنا اليوم، نلتقي بالله الذي هو الخالق منذ البدء.

2- المرحلة الثانية: حدث الخروج
خلق الله البشرية كلها. والشعوب الوثنية مهما كانت قديرة، ليست إلا "نقطة ماء في دلو، وغباراً في ميزان" (40: 51). ولكن الله اختار شعبه من بين هذه الشعوب. وكان حدث حاسم بالنسبة إلى هذا الشعب هو الخروج. فهناك صار اسرائيل حقاً شعب الله. فهذا الاله "فتح في البحر طريقاً وفي المياه العاتية مسلكاً... جّمد مركبات العدو وخيوله... سقطوا جميعاً ولا قيام" (43: 16- 17). هذا الاله "جفّف مياه البحر، جعل أعماقه طريقاً ليعبر فيه المفتدون" (51: 10).
غير أن الخروج ليس واقعاً من الماضي وحسب. وقد نستطيع أن ننساه (43: 18). فالمهمّ هو أن الرب يهيّىء خروجاً جديداً أجمل من القديم. قال الرب: "في الصحراء أشقّ طريقاً، وفي القفر أجري الأنهار" (43: 19)، ويسير الشعب في الهدوء والفرح، لا كما في الماضي كالهاربين القلقين على مصيرهم (52: 12).
سمّي بنو اسرائيل "المفديّين" (51: 10). كيف يُفتدى الانسان؟ تتدخّل عائلته فتُعيد إليه الحرية إذا كان عبداً. وتتولىّ أمر امرأته اذا مات من دون عقب. وتستعيد له أرضه إذا خسرها. وتنتقم لدمه إذا قُتل. وحين نقول إن الله "افتدى" شعبه، فنحن نعني أن شعبه كان في مأزق فأخرجه الله (هو قريب منه، هو من عائلته) ليحيا حياة عادية. هذا ما حصل في أيام الخروج والعبودية في مصر. وهذا ما سيحدث مرّة ثانية في زمن المنفى. لهذا تحدّث أشعيا الثاني مراراً عن "الفداء". قال الرب: "أنا نصيرك وفاديك" (41: 14). وأنشد النبي: "إندفعي بالترنيم أيتها الجبال: الرب افتدى شعبه" (44: 22).
ستستعمل هذه اللفظة حين نتحدّث عن يسوع المسيح الذي قاسم البشر حياتهم ليخلّصهم من الخطيئة والموت ويردّ لهم الحرية الحقيقية.

3- المرحلة الثالثة: الحياة في فلسطين وزمن الخطيئة.
بعد الخروج، هي الحياة في فلسطين على ايام القضاة والملوك. هو زمن الخطيئة. هذا ما شدّد عليه أشعيا الثاني كما فعل الأنبياء السابقون والتاريخ الاشتراعي. "هو الرب الذي خطئنا إليه، رفضنا طرقه وسماع شريعته" (42: 24). والنتيجة هي الكارثة تصوّر بكلمات تذكّرنا بسفر المراثي: "بنوكِ (يا أورشليم) خاروا وانبطحوا في رأس كل شارع... قالوا لك: انحني حتى نعبر، فخفضت كالأرض ظهرك وكالطريق يدوسها العابرون" (51: 20، 23). في هذه الظروف ظنّ الشعب أن الرب تركهم... "قالت صهيون: تركني الرب، تركني ونسيني السيد" (49: 14).

4- المرحلة الرابعة: نهاية زمن الضيق
ولكن في قلب المنفى هتف النبي: إنتهى زمن الضيق. نحن أمام "خلق جديد"، خروج جديد"، "فداء" آتٍ. "إصعدي على جبل عالٍ، يا صهيون المبشرة الفرحة. قولي لمدن يهوذا: ها هو إلهكم. هو يأتي بقوة وذراعه تؤمّن له السلطان" (40: 9- 10).
ستُسحق بابل وتُدفر (ف 47). يتركها المنفيون في الفرح ويأخذون طريق العودة (52: 11- 12).

5- المرحلة الخامسة: عودة أورشليم
أورشليم المدينة المقدّسة هي اليوم متروكة خربة. ولكنها ستستعيد حياتها ومجدها. كانت عروس الرب وظنّت نفسها مرذولة إلى الأبد. وها إن عريسها يعود إليها. إنه لم ينسَ شيئاً من حبه. "أنثى هجرت في صباها! هجرتك لحظة، وبرحمة فائقة أضمك" (54: 6- 7). 

6- المرحلة السادسة: بقية الشعوب
ولكن المستقبل الموعود به يعني كل شعوب الأرض. مال النبي في البداية إلى احتقارهم: ليسوا أمام الرب إلا قليلاً من الغبار (40: 15). وتصوّر كيف سيذلّون (45: 16). هذه ردّة فعل انسان مغلوب ينتظر أن يتبدّل وضعه. ولكنه اكتشف فيما بعد ان إلهه، الاله الواحد الحقيقي، سيكون مخلّص جميع البشر. "لا إله غيري، لا إله عادل مخلّص سواي. تعالوا إلي تخلصوا يا جميع شعوب الأرض" (45: 21- 22).
وهكذا يكون الافق النهائي في أشعيا الثاني أوسع من افق حزقيال الذي انحصر في نهضة شعب اسرائيل. ولكن وجب على المنفيين أن يتجاوزوا كل بغض وحقد قبل أن يصلوا إلى هذا المستوى. 

د- عبد الله وعابده
ذكرنا هذا الشخص الذي جعل أشعيا الثاني شهيراً. يدلّ هذا اللقب على شعب اسرائيل (41: 8- 9)، على كورش (44: 26). ولكن هناك أربعة مقاطع تتحدّث عن شخص سّري، وضيع وقوي، معذب ومضطهد، قُتل ولكنه هُيّىء للمجد عبر الموت لأنه قدّم حياته ذبيحة (42: 1- 7؛ 49: 1- 9؛ 50: 4- 11؛ 52: 13- 53: 12). منذ زمان بعيد، رأى فيه المسيحيون يسوع المسيح. فيسوع نفسه عبرّ بواسطة هذه النصوص عن آلامه وموته.
ولكن، بمن فكّر أشعيا الثاني حين تحدّث عن هذا العابد؟ هل أراد أن يرسم وجه كائن سّري سيظهر في يوم من الأيام؟ هل فكّر في شخص عرفه؟ يوياكين، ملك يهوذا والمسجون في بابل؟ هل فكّر في أرميا النبي؟ هل نجد الشخص الواحد في المقاطع الاربعة، أم هل نحن أمام أشخاص (عابدين) كثيرين؟ كورش في النشيد الأول، النبي نفسه في الثالث، نواة اسرائيل المؤمن في الثاني والرابع؟ أسئلة يجادل فيها الشّراح ولا يتفقون. أما نحن فنصل في المعنى النهائي إلى يسوع المسيح الذي أخذ اوجاعنا وحمل عاهاتنا، وبجراحه شفينا.

هـ- خاتمة 
وسط شعب يعيش الضيق وينتظر التحرير، شعب يتساءل عن الوضع السياسي الذي يعيش فيه، جاء نبي يحمل نور الايمان. قرأ علامات الله في صراعات البشر وآمالهم. وجعل هذه الأحداث في مشروع الله العظيم من أجل البشرية. وتحدّث في قلب كل هذا عن شخص يعطي حياته لخلاص البشر... أما هذا الذي ننتظره نحن اليوم أيضاً؟

 

 

الفصل الثالث والعشرون 

أشعيا النبي 
القسم الثالث

وننهي حديثنا عن أشعيا النبي في فصل ثالث ينقسم ثلاثة أقسام. الأول، أشعيا الثالث الذي يمتد من ف 56 الى ف 066 الثاني، رؤيا أشعيا الكبيرة والصغيرة. الثالث، نقرأ النشيد الرابع من أناشيد عبد الله (52: 13- 53: 12): "ها عبدي ينتصر، يتعالى ويرتفع ويتسامى جداً".

أ- أشعيا الثالث
تشمل هذه الفصول الأحد عشر مجموعهة خاصة في أشعيا دوّنها كاتب (أو كتّاب) نجهل اسمه فنكتفي بأن نسميه أشعيا الثالث. دوّنت الفصول بعد المنفى وخلال الحقبة الفارسية. فالهيكل قد أعيد بناؤه (56: 5 – 7؛ 60: 7- 13؛ 62: 9؛ 66: 6). ولكن الدمار ما زال هنا، وأسوار أورشليم لم تُبنَ بعد (58: 12؛ 60: 10؛ 61: 4).
إذن، يبدو أن هذه المجموعة دوّنت بين سنة 515، يوم أعيد بناء الهيكل، وسنة 445، يوم أكمل نحميا بناء أسوار أورشليم. لقد خاب أمل الجماعة اليهودية: فالهيكل الجديد بدا حقيراً، ومواعيد السعادة لم تتحقّق (61: 7)، وعاد الجور واستغلال المساكين إلى ما كان عليه في السابق (58: 1- 12؛ 59: ؛- 15). المسؤولون يعيشون في البذخ ولا يهتمّون بالشعب (56: 9- 12)، والناس الطيّبون يعرفون القلق والعنف (57: 1).

1- وضع مقلق
وقف نبيّ في هذا الوضع المقلق، فتكلّم بأسلوب وتعليم خاص به (57: 14- 21؛ 60- 62؛ 65: 61- 25؛ 66: 6- 14). أعلن خبراً سعيداً، بشرى وإنجيلاً: سينقلب الوضع. إقترب الوقت الذي فيه تستعيد أورشليم بهاءها السابق، وتصير من جديد مركز تجمّع من أجل الأمم (60: 1- 11؛ 62: 1- 7). ها إن شعباً جديداً يُولد. وهو لا يعرف الألم والموت القاسي (65: 17- 18، 25).
يريد النبي أن يشرك المؤمنين في حماسه وابتهاجه (60: 15؛ 61: 10؛ 62: 5؛ 65: 18- 19؛ 66: 10- 14). هو يدعو المسحوقين والمذلولين (57: 15)، الذين يعيشون في الحداد (57: 18؛ 60: 20؛ 61: 2- 3؛ 66: 10). هو يدعو الوضعاء الذين تحطّمت قلوبهم (61: 1). يدعوهم إلى تحرير (61: 1- 3) يقوم بأن نعيد الأمل إلى شعب كامل. 
2- النصوص 
وحول هذه النواة المركزية في أشعيا الثالث، إنضمت نصوص أخرى جاءت من أماكن متعددة:

أولاً: البعد عن الله
هناك مقاطع تعبرّ عن البعد عن الله كما تحسّ به الجماعة. وهذه المسافة بين الله والبشر هي نتيجة الخطيئة ولا سيما الجور (عدم العدالة) الاجتماعي الذي يفصل البشر بعضهم عن بعض فيبعدهم عن الله (58: 1- 14؛ 59: 1- 20). ويرتبط بهذه المقاطع ليتورجية توبة (63: 7- 64: 11) قد تعود إلى الأيام الأولى من العودة من المنفى، وقبل إعادة بناء الهيكل (63: 18- 19؛ 64: 9- 10). أقرّت الجماعة بخطاياها، ولكنها ترجّت بثقة تدخّل الله من أجلها كما في الخروج (63: 11- 14). ويكون الله أباً لشعبه (63: 16؛ 64: 7) إن هو "مزّق السماوات" وجاء إلى لقاء الذين يطلبونه (63: 19). إستعمل مرقس هذا النص الجميل ليفهمنا معنى عماد يسوع وموته على الصليب (مر 1: 10؛ 15: 38).

ثانياً: المسؤولون
هناك سلسلة أخرى من النصوص تندّد بالمسؤولين في الجماعة. هم عميان، لأنهم يتركون الديانات الوثنية تتغلّب على معرفة الله ومحبّته (آ 5: 9- 57: 13؛ 65: 1- 16؛ 66: 1- 5). ولكن وسط هذا الضياع العام، وُجدت مجموعة من الأبرار (57: 1- 2) الذين يطلبون الرب (65: 8- 10، 13- 16) فحافظت على كلمة الرب الحية (66: 2- 5). سمّاهم الله عباده. منهم سيخرج "الحسيديم"، أي جماعة أصدقاء الله والأمناء لعهده. 

ثالثاً: هيكل للجميع
تهتم بعض النصوص بفتح الهيكل أمام الذين مُنعوا من الدخول إليه، وخصوصاً الغرباء (66: 18- 21؛ 56: 1- 8. نص يورده يسوع حين يطرد الباعة من الهيكل، مر 11: 17). وتشير غيرها إلى الانتقام الذي يحل بالأمم الوثنية التي ضايقت شعب الله (63: 1- 6؛ 66: 15- 16، 22- 24).

ب- رؤيا أشعيا الكبيرة والصغيرة
1- الرؤيا الكبيرة (ف 24- 27)
سمّيت هذه الفصول الأربعة "الرؤيا الكبيرة". هناك جلاء وكشف لمسيرة التاريخ حتى كمالها. دوّنت في زمن اليأس والاضطهاد، فحاولت أن تنعش الأمل لدى الشعب وتوجّهه نحو مستقبل مخطّط الله.
دوّنت هذه الفصول ساعة دمّر ارتحششتا الأول بابل سنة 485، فرأى المؤمنون في دمار هذه المدينة (24: 10؛ 25: 6؛ 26: 5؛ 27: 10) علامة تهيّىء دينونة الله. فالله يأتي ليخلّص مساكين شعبه (25: 1- 5؛ 26: 1- 6)، ويحطم قوى الشر التي يرمز إليها وحوش الخواء مثل لاويتان والتنين (28: 1)، ويجمع على صوت البوق أفراد شعبه المشتتين (27: 13)، ويدعو كل الشعوب إلى الوليمة العظمى التي فيها يزيل الموت والدموع (25: 6- 9).
كل هذه الصور ستُستعمل لتصوّر نهاية الأزمنة. سنجدها في العهد الجديد. سنجد صورة البوق في 1 تس 4: 16؛ 1 كور 15: 52. وزوال الموت والدموع في رؤ 21: 4. وصورة الوحوش التي ترمز إلى الشرّ في رؤ 13: 1- 18. وإن رؤ 18: 1- 24 ستسمّي بابل مملكة رومة المضطهدة.

2- الرؤيا الصغيرة (ف 34- 35)
سمّي هذان الفصلان "الرؤيا الصغيرة". دوّنا، على ما يبدو، في الوقت الذي فيه دوّنت الرؤيا الكبيرة. فدمار بلاد آدوم على يد النباطيين (أو: الأنباط) هو علامة دينونة الله على الأرض (34: 1- 15). فأهل أدوم الذين هم أخوة يهوذا، قد استفادوا من سقوط أورشليم سنة 587 ليجتاحوا اليهودية. طعنوا أخوتهم في الظهر، فلم يغفر لهم أخوتهم ما فعلوا: صارت آدوم نموذج أعداء الله وشعبه (63: 1- 6؛ يوء 4: 19؛ عو 1ي؛ ملا 1: 3- 5).
وبعد دمار الأعداء، يأتي تحرير شعب الله الذي يصوَّر بشكل خروج عبر البرّية (35: 1- 2)، ويتميّز بشفاء المرضى (35: 5- 6. سيورد يسوع هذا النص ليدلّ على عمله المحرّر، مت 11: 4- 5؛ مر 7: 37) وبفرح لا نهاية له: "يتبعهم السرور والفرح، ويهرب الحزن والنحيب" (35: 10). 

ج- عبد الله المتألم (52: 13- 53: 12).
1- تصميم النص
نجد فيه أربعة أقسام:
أولا: الرب يتكلّم عن عابده (52: 13- 15). بعد أن تشوّه العابد بحيث لم يعد له وجه إنسان، يعلن الله مستقبلاً عجيباً. لهذا اندهش الغرباء (الأمم، الملوك): إن مصير هذا الشخص يتجاوز أفق الشعب المحليّ الضيّق.
ثانياً: مجموعة تتكلّم (53: 1- 6). من هي؟ الملوك الذين تحدّثنا عنهم أم اليهود؟ هؤلاء الناس يصوّرون العابد مسحوقاً، ولكنهم يتعرّفون إلى معنى آلامه لأنهم يستفيدون منها: هو لم يتألم بسبب خطاياه، بل بسبب خطاياهم. تألم لكي يخلّصهم.
ثالثاً: النبي يتكلّم (53: 7- 15). لن نجد هنا المتكلم الجمع "نحن" كما في المقطع السابق. حُكم على العابد البريء، قُتل، دُفن. ولكن الرب أحبّه في ألمه هذا. قُدّمت حياته ذبيحة، فصار له مستقبل أمامه بعد الموت، وستمتدّ ذريته بعده.
رابعاً: الرب يتكلّم مرّة ثانية (53: 11- 12). ثبّت مجد العابد الذي يبزر الكثيرين (يجعلهم أبراراً، يصالحهم مع الله) وينتصر بعد أن تجرّد من كل شيء حتى من حياته، من أجل جماعة البشر.

2- أسئلة ثلاثة
الخط العام واضح. ولكن تطرح ثلاثة أسئلة. الأول، من هو هذا العابد؟ الثاني، من هم المتكلمون في القسم الثاني؟ الثالث، من هي هذه الذبيحة؟ 

أولاً: من هو عبد الله، من هو العابد
عمّن أراد الكاتب أن يتكلّم؟ هناك جوابان رئيسيان:
* الجواب الأول: العابد هو شخص من المستقبل، بار فوق العادة يبذل حياته من أجل جميع البشر لكي يخلّصهم. عاش أشعيا إيمانه في العمق، فكان كلامه مهيئاً لما سيعرفه يسوع الذاهب إلى الألم والموت من أجد فداء البشر. 
* الجواب الثاني: العابد هو مجموعة من الناس، نواة الشعب المؤمن.

ثانياً: المتكلّمون في القسم الثاني.
هل هم الوثنيون أم اليهود؟ من أجلهم تألم عبد الله. فهل أراد أن يخلّص شعب إسرائيل أم العالم كله؟ بما أننا تحدّثنا عن الملوك وعن الوثنيين في القسم الأول، نستطيع القول إن أشعيا يوجّه أنظارنا إلى خلاص الوثنيين (45: 22). 

ثالثاً: ما هي هذه الذبيحة
ما هو هذا الألم الذي يقدَّم عن الآخرين؟ هنا نعود إلى آ 10 في ترجمة أولى: "رضي الرب أن يسحقه بالألم، فليكن مرضياً أمامك، يا رب". وهكذا، لن يكون الرب هو الذي يفرض عليه الأوجاع بشكل اعتباطي. ولكن البريء الذي سحقه أعداؤه قد عاش هذه الأوجاع بحيث فهم الآخرون وتابوا. وإذ رأى الرب شجاعة الآخرين ومحبّتهم، تقبّل هذه الحياة المبذولة كتقدمة يرضى عنها. حينئذ يقول له النبي: "إجعل من شخصه ذبيحة تكفير، ليرَ نسلاً ولتمتدّ أيامه". إن الله يجازي البار خيراً فلا يسمح أن تنتهي حياته بالموت: هناك مخرج له وللآخرين. هذا ما يسمّيه العهد الجديد: القيامة. 

3- تضامن مع الآخرين
ينطبع هذا النص بالتضامن. فالذي يتألم ظلماً، لا يكون فقط ضحية، بلٍ مثالاً للآخرين وطريقاً من أجل تحريرهم. والإيمان يُعطي هذا التأكيد بُعداً واسعاً جداً. وهو البعد الذي حمله المسيح حين بذل حياته على الصليب لخلاص العالم. وقد رأى العهد الجديد أن هذا النصّ يتحقّق كاملاً في المسيح الذي مات من أجل خطايانا" (أع 8: 26- 40؛ 1 بط 2: 20- 25؛ رج مر 10: 45؛ 1 كور 15: 3).

 

 

الفصل الرابع والعشرون 

أنبياء في أورشليم
ميخا، ناحوم، صفنيا، حبقوق

نذكر في هذا الفصل أربعة أنبياء عاشوا في أورشليم أو في جوارها، في تلك الحقبة الملكية الممتدّة من انفصال المملكتين سنة 933، حتى نهاية مملكة يهوذا سنة 587.

أ- ميخا 
عاش ميخا في أيام أشعيا. كان رجلاً من الشعب يعود أصله إلى مورشت وهي مدينة تبعد 40 كلم إلى الجنوب الغربي من أورشليم. أقام على الحدود، فعرف العدوّ الذي اجتاح البلاد وزرع الحرب والدمار. جاء ميخا إلى أورشليم بمناسبة الأعياد، كما يمكن أن يكون لجأ إليها خلال الاضطرابات، وفيها أعلن كلامه. 

1- مهمة النبي
رأى ميخا الوضع المتردّي، فثار، وعبرّ عن ثورته بكلام صريح. "إمتلأتُ قوّة وحقاً واقتداراً، كشف ليعقوب معصيته، ولبيت اسرائيل خطيئته" (3: 8).
كان ميخا شبيهاً بعاموس. فندّد في لغة قاسية باستغلال الملاّكين الكبار للفلاّحين الصغار (2: 1- 5)، بالغش الذي يمارسه التجّار (6: 10 - 11). حرم الانسان من ملكية أرضه، ويُطرد من بيته، فلا يبقى له إلا أن يبيع نفسه (2: 8- 9).
هاجم ميخا العظماء والاغنياء (الذين يأكلون لحم شعبي، 3: 3)؛ هاجم القضاة والكهنة والأنبياء الرسميّين الذين أفسدتهم الفضة (3: 11). في هذه الظروف، لن تبدّل الاحتفالات الدينية أي شيء. حتى وان كثرت الأضاحي وارتفعت قيمتها (6: 6- 7). فما يطلبه إله ميخا هو "أن تصنع العدل وتحب الرحمة وتسهر على سلوكك أمام الله" (6: 8).
جعل ميخا، شأنه شأن سائر الأنبياء، رباطاً دقيقاً بين الشرّ الذي نقترف والعقاب الذي يصيبنا. فدمار السامرة هو نتيجة خطاياها (1: 5). والاجتياح الاشوري الذي لم يوفّر مورشت (1: 14) هو مصيبة كبيرة وهو عقاب أيضاً. كان ميخا أول من أعلن دمار أورشليم والهيكل (3: 12). ما كان يتجاسر أحد في أيامه (وبالأخص أشعيا) أن يتطلّع إلى هذه الامكانية التي تضع على المحك مواعيد الله، التي تجعل الناس يرتابون بالله نفسه. وهذا الاعلان سيشكّك الناس أيضاً حين يردّده أرميا بعد ميخا بقرن من الزمن (ار 26: 18). 
الله يحاكم شعبه ويعاقبه. ولكن النبي يرى أن الله لا يريد هذا العقاب. فهناك خيبة أمل وحزن في تأؤه الرب: "ماذا صنعت لك، يا شعبي؟ بماذا أتعبتك؟ أجبني" (6: 3). ورغم هذا، ظلّ ميخا متعلّقاً بالرجاء (7: 7). هذه الوجهة سيتوسع فيها اولئك الذين تابعوا عمل النبي. 

2- سفر ميخا
نواة سفر ميخا هي: ف 1- 3؛ 6: 1- 7: 7. بعد هذا، زيدت مواعيد بالسعادة. وفي 4: 1- 4، نقرأ إنباءً بصعود الشعوب المرتدة إلى أورشليم للقاء الرب (رج أش 2: 2- 5). وهناك وعد بإعادة البناء في 4: 6- 7. ويعبرّ ف 5 عن الرجاء بداود جديد (مسيح) بعد زوال السلالة الحاضرة. طبّق متى هذا النص على مولد يسوع، مت 2: 6). أما الخاتمة (7: 8- 20) فتنهي الكتاب بصلاة: "إرعَ شعبك بعصاك، شعبك غنم ميراثك... أرنا عجائبك يا رب".
وإذا توقّفنا عند الكتاب في صورته الحالية نجد الترتيب التالي:
- ميخا يندّد بالشّر (ف 1- 3).
- مواعيد (ف 4- 5).
- تنديد آخر بالشرّ (6: 1- 7: 7).
- مواعيد أخيرة (7: 8- 20).
نستطيع أن نقرأ ف 2- 3 (ضد الظّلم)؛ 4: 1- 10 (صعود الشعوب إلى أورشليم)؛ 5، 1- 5 (مولد المسيح في بيت لحم لا في أورشليم). 

ب- ناحوم
لا نعرف عن ناحوم شيئاً سوى أنه كان من قرية ألقوش (1: 1). أما الفصول الثلاثة التي تؤلّف كتابه فهي نبوءة ضدّ نينوى، العاصمة الشهيرة للملكة الاشورية.
يبدو أن ناحوم عاش في القرن السابع، يوم وصلت أشورية إلى أكبر امتداد لها. في سنة 663، وصلت جيوش أشور بانيبال إلى صعيد مصر وسلبت مدينة طيبة (3: 8). ولكن النبي لا يتأثّر بامتداد هذه القوة الضاربة. فهو مقتنع أن الكلمة الاخيرة هي للرب، سيّد التاريخ، الذي يعرف أن يضع حداً للضيق. وهذا اليقين جعل النبي "يرى" مسبقاً دمار نينوى. 
إختلف ناحوم عن أشعيا وميخا، فلم ينظر إلا إلى خطيئة الأشوريين ومدينتهم "مدينة الدماء" (3: 1) وملكهم "بليعال" المهلك (2: 1). لا يلمّح ناحوم إلى خطيئة شعبه الذي يكفيه ما قاساه في أيام الملك منسّى. فهو يريد قبل كل شيء أن يسند إيمان المؤمنين ورجاءهم، يريد أن يكون لهم "رسول سلام" (2: 1).
يتألف سفر ناحوم من ثلاثة أقسام:
* نشيد لله المنتقم (1: 2- 8). سينتقم الله من الخطايا ضدّ البشرية، وهو يعتبر أولئك الذين اقترفوها أعداء له (1: 2).
* كلام يوجّه الى يهوذا ونينوى: ليهوذا بشرى تحرير وسلام. لنينوى كلام الحرب والسحق (1: 9- 2: 3).
* تصوير لسقوط نينوى (2: 4- 3: 19). النبي يرجو، ينتظر، ينظر إلى هجوم المهاجمين. يرى الأبواب محطّمة، يرى السلب والنار والقتلى الكثيرين والدمار.
دمّرت نينوى سنة 612 على يد البابليين والمادايين، بعد مقاومة دامت ثلاثة أشهر. وقد اكتشفت آثار هذه المدينة القديمة في القرن التاسع عشر. 

ج- صفنيا 
لا نعرف عن صفنيا إلا أسماء أجداده (1: 1) الذين قد يعودون إلى الملك حزقيا. صوّره الرسّامون وهو حامل مشعلاً في يده بسبب 1: 12 (أفتش أورشليم بالمشاعل). لا شكّ في أنه مارس نشاطه في السنوات الأولى من عهد الملك يوشيا، أي 640- 630. نستطيع أن نرى فيه شخصاً سبق الاصلاح الذي قام به هذا الملك.
خيّم الصمت خلال حكم منسّى الطويل (687- 642)، فجاء صفنيا يقطع هذا الصمت ويندّد بالعبادات الكنعانية (بعل، 1: 4) والأشورية (جيش السماء، 1: 5)، بالأزياء الغريبة (1: 8)، وبأكاذيب التجّار (1: 11).
هاجم صفنيا المسؤولين بقساوة، كما فعل الأنبياء في القرن السابق. "أعيانها في وسطها أسود مزمجرة. قضاتها ذئاب جائعة في المساء... أنبياؤها فاجرون غادرون، كهنتها يحلّلون كل حرام ويخالفون الشريعة" (3: 3- 4). 
ورأى "يوم الرب" الرحيب يقترب، يوم الغضب حيث لا تفيد الفضة ولا الذهب (1: 18). وهكذا يظهر كذب الذين يزعمون "أن اللّه لا يصنع خيراً ولا شّراً" (1: 12). سيتدخّل في ذلك اليوم ضدّ شعبه الخائن الذي لم يكن أميناً ولا مؤمناً، كما يتدخّل ضد الفلسطينيّين والموآبيين والعمونيّين الذين استفادوا من ضيق يهوذا ليتوسّعوا على حسابه. ويتدخّل ضد الكوشيّين، بل ضدّ أشورية نفسها التي ظنّت انها لا تُقهر. وإذا أراد صفنيا أن يصوّر ذاك اليوم، إستعمل كلمات قاسية: "تهال دماؤهم كالتراب ولحومهم كالبعر" (1: 17).
ولكن ليست هذه الكلمة الأخيرة. فالايمان يفتح الطريق دوماً أمام المستقبل. ولصفنيا رأيه في هذا المجال. ففي المستقبل لن يتابع اللّه مشروعه مع العظماء والأغنياء المتكبرين، بل مع "وضعاء الارض"، مع الذين يطلبون البرّ (2: 3). ويتبع صفنيا أشعيا (29: 9) فيتطلّع إلى بقية بني إسرائيل، إلى شعب وديع متواضع (3: 12- 13). انه يرجو ان يعفو الله عنهم حين يتدخّل (2: 3)، وأن يُولد من هذه البقية شعبٌ جديد.
قد لا يكون صفنيا عاش كثيراً ليشهد دمار الأمل الذي حرّكه في وقت من الأوقات اصلاح يوشيا. فبعد سنة 587 فهم المؤمنون تعليمه عن يوم الرب وعن بقية اسرائيل. فعبر المحنة تَنقّى الرجاء. فأمل جامع الكتاب بعد نهاية المنفى بارتداد الشعوب إلى الرب (3: 9- 10). وأنشد الرب الحاضر وسط أورشليم التي أعيد بناؤها (3: 14- 20).
وترتّب سفر صفنيا كما ترتّبت سائر أسفار الانبياء.
* تهديد ضدّ يهوذا واورشليم (1: 2- 2: 3). يوم الرب.
* تهديد ضدّ الأمم (2: 4- 3: 8). عودة إلى أورشليم التي كان يجب عليها ان تتعلّم حين رأت دينونة الرب ضدّ الأمم.
* مواعيد المستقبل (3: 9- 20).
نقرأ خصوصاً نصاً حول يوم الرب (1: 14- 18)، ونشيداً لابنة صهيون التي تُدعى للفرح لأن الرب يفرح فيها ويرقص من أجلها (3: 14- 20). 

د- حبقوق 
سيطر على نبوءة حبقوق "زلزال" هزّ الشرق، هو انتصار البابليّين على الأشوريين في نهاية القرن السابع. لا نعرف شيئاً عن حياة النبي. ربما كان من موظفي الهيكل، مثل ناحوم، لأنه يأخذ في كتابته باسلوب الصلاة الليتورجية (ف 1، 3).
حبقوق مؤمن تجرّأ فقال لله: "لا أفهم". وعبرّ عن حالته النفسية باسم شعب كامل. لقد شهد أموراً شكّكته في العمق.
أولاً: صرخ حبقوق إلى الرب لكي يتدخّل. ومع ذلك، فالضيق والظلم يسيطران اليوم أكثر من أي وقت كان (1: 2- 4). فجاء جواب الرب: إنتظر كن هادئاً، فالكلدائيون آتون (1: 5- 11).
ثانياً: عاقب الكلدائي يهوذا ولكنه اكثر شراً وخطيئة منه. شعب متكبرّ وعابد أوثان (1: 12- 17). تشكى حبقوق فطلب إليه الرب أن يحفر جوابه على لوحة يستطيع الجميع قراءتها. سيعلن الرب شيئاً يتحقّق في أوانه وهو أن المضايق سوف يسقط ويزول (2: 2- 6).
وتصل التويلات (قال: الويل) الخمسة ضد المستبدّ إلى هدفها (2: 6- 20). ويفرح النبي مسبقاً بتدخل الرب الجديد (3: 18- 19).
إنطبع تعليم النبي حبقوق انطباعاً عميقاً بتساؤلات مؤمن قلق في عصره: لماذا الشرّ في العالم؟ لماذا لا يتدخل الله؟ ويتشكّك المؤمن، ويودّ أن يتخلىّ عن كل شيء. ولكن حبقوق يعلن رغم كل شيء ان البر (والعدالة) سوف ينتصر في النهاية. هذا هو اليقين الذي يساعد المؤمن على الثبات في الأوقات الحالكة.
ويستند يقين حبقوق إلى الرب. ففي وسط الكتابة ستتردّد مراراً كلمات ويردّدها خاصة بولس الرسول، لأنها تعبرّ عن يقين أساسي: "البار يحيا بأمانته" (2: 4). ونستطيع ان نقول: "البار يحيا بالايمان". عنت هذه العبارة لحبقوق أن حياة الفرد والشعب ترتبط بالأمانة لله، بالايمان بالله. هذا ما قاله أشعيا (7: 9) في اطار تاريخي آخر: إن آمنتم بالله كان لكم الأمان والسلام.
نقرأ خاصة الحوار بين الله ونبيّه في ف 1. ونقرأ المزمور الاخير (ف 3). يبدأ بنداء إلى الربّ ليتدخل (آ 1- 2). ويتواصل بتصوير رهيب لمجيء إله الخروج (آ 3- 15). وينتهي بانتظار هذا التدخل (آ 16- 19). 
تحقق انتظار حبقوق سنة 539: سقطت الامبراطورية الكلدائية بيد كورش، ملك فارس.

 

 

الفصل الخامس والعشرون 

إرميا النبي

عاصر إرميا صفنيا وحبقوق، وعاش السنوات الأخيرة في مملكة يهوذا. تحرّك قلبه أكثر من أي إنسان آخر لكل ما يمسّ شعبه: منذ إصلاح يوشيا حتى المأساة الأخيرة التي شاهدت دمار كل طمأنينة مادية وأخلاقية. إرميا هو النبي الذي نعرف حياته وردّات الفعل عنده. فقد دخلت في جسمه مأساةُ شعبه، فحاول أن يعطيها معنى من أجل المستقبل. لهذا كان تأثيره كبيراً جداً.

أ- بدايات إرميا في أيام يوشيا (626- 609)
في السنة الثالثة عشرة للملك يوشيا (1: 2) أي سنة 626، أدرك إرميا نداءُ الرب له بأن يكون نبياً. في ذلك الوقت، زال آخر ملك أشوري كبير (أشور بانيبال) وتسارع انحطاط المملكة. في سنة 626، إستقلت بابل عن أشورية بقيادة والد نبوكد نصر.
في عناتوت وهي قرية صغيرة تبعد 5 كلم إلى الشمال من أورشليم حيث كان الوالد يمارس الكهنوت، هناك طلب الله من إرميا أن يكون "نبياً للأمم" (1: 5). في الواقع قضى النبي حياته يتفهمّ معنى الأحداث الدولية التي تحيط بشعبه، ويوصل فهمه إلى أبناء وطنه. لن تكون مهمته مريحة، وسيحسّ أنه لا يقدر عليها (1: 6). عليه أن "يقلع ويهدم ويخرّب ويدمّر ويبني ويزرع" (1: 10). وسيُجبر مراراً على قول أشياء لا ترضيه ولا يريدها الشعب ورؤساؤه. ولكنه كان متيقناً أن الكلمة التي يعلنها ليست كلمته، بل كلمة الرب التي تساعده على تخطي الصعوبات والحواجز. 
كانت أول أيام نشاطه تبشّر بالخير. في ذلك الوقت، إستفاد الملك يوشيا من انحطاط أشورية ليحتلّ أرض مملكة إسرائيل القديمة ويعيد تكوين مملكة داود. إمتدّ الإصلاح الإشتراعي في الشمال كما في الجنوب. ووُلد رجاء عظيم رغم معارضة داخلية قوية.
لم يستطع إرميا أن يبقى لا مبالياً. فتوجّه إلى الشيوخ المقيمين في مملكة الشمال ودعاهم للعودة إلى صهيون، للرجوع إلى الرب. فهذا شرط لمستقبل من السعادة (ف 2- 3؛ 30- 31). وتوجّه أيضاً إلى شعب يهوذا فوّبخهم بقوة على تجاوز شريعة العهد (11: 3). واللوحة التي يرسمها عن المجتمع تفهم الشعب بأنه تخلىّ عن الرب وتعبّد للآلهة الكاذبة (5: 7). وهناك الغنى الفاحش (5: 26- 31) وخطيئة الكهنة والأنبياء (6: 13). 
فالذين يظنون أن الشر لا يطالهم يخطئون. فقد أحسّ إرميا منذ ذلك الوقت بالخطر الذي تسببّه بابلونية "العدّو الآتي من الشمال" (1: 13). 
ب- إرميا في المعارضة على أيام يوياقيم (609- 598)
في شهر أذار سنة 609، قُتل يوشيا في مجدو، ساعة أراد أن يمنع الجيوش المصرية (مع الفرعون نكو) من مدّ يد العون لما تبقى من القوى الأشورية. فقام أهل الأرض حالاً واختاروا يوآحاز خلفاً للملك الراحل. ولكن جاء الفرعون بعد ثلاثة أشهر، فأخذه "أسيراً" إلى مصر، وفرض مكانه أخاه يوياقيم (2 مل 23: 28- 37). وهكذا ستعرف مملكة يهوذا حقبة عابرة من التبعية لمصر ستمتدّ حتى سنة 605. 
منذ بداية عهد يوياقيم، قام إرميا بمبادرة ستكلّفه غالياً. أحسّ أن الإصلاح صار في خطر مع الملك الجديد، فوقف عند مدخل هيكل أورشليم وأعلن علانية، كما فعل ميخا قبله بمئة سنة: إن لم تبدّلوا سلوككم، فهذا الهيكل الذي يعتبره الجميع مقدساً، سيدمّر كله (ف 7 و26). وأفلت إرميا من الموت بصعوبة.
لا، لم يعد الوقت مؤاتياً للإصلاح. فانتقل إرميا إلى المعارضة. هو لا ينتظر الشيء الكثير من "بيت داود" الذي يخون دعوته (12: 11- 14). والحكماء والسياسيون سيضيعون في الأحداث التي تتهيَّأ (8: 8- 9). طلبوا حماية مصر، ساعة أطلّ التهديد من الشمال (8: 16).
كانت سنة 605 منعطفاً هاماً: إنتصر نبوكد نصر على مصر في كركميش على العراق. سيطرت بابل، فصار مصير الشعوب بين يدي سيّد جديد. 
وجاءت الأحداث فأثبتت أقوال إرميا. دبّ الخوف في يهوذا والشعوب المجاورة. قدّم يوياقيم خضوعه فظنّ أنه في أمان. ولكن إرميا هاجمه فقطع عليه لامبالاته. وأعلن علانية أن الله يستطيع أن يحطّم أورشليم كما تحطّم جرة. تشكّك الناس. فجعل رئيس الشرطة إرميا في السجن طوال الليل (19: 1- 20: 6). ومُنع النبي من دخول الهيكل. فأخذ بخطة جديدة. أملى على أحد أصدقائه (واسمه باروك) الأقوال التي تلفّظ بها منذ البداية. فيقرأها في الهيكل ويسمعها الجميع. واشتكى الناس على باروك أمام الملك. أخذت اللفيفة (أوراق ملفوفة على قصبة) وأحرقت في النار بيد يوياقيم نفسه (ف 36).
منذ ذلك الوقت، عاش الصديقان (ارميا وباروك) متخفّيين. كانت تلك أتعس حقبة في حياة إرميا. إضطُهد، إتُّهم، إحتُقر وعاش وحده، فاجتاز أزمة عميقة. كم كان يودّ أن يتخلى عن دعوته التى تؤلمه! ولكنه لا يستطيع. فالنداء أقوى منه. نتعرّف إلى هذا الصراع الداخلي لدى النبي حين نقرأ الاخبار السيرويّة التي تسمّى أيضاً "إعترافات ارميا" (11: 18- 12؛ 6؛ 15: 10- 21؛ 20: 17- 18).

ج- ارميا ونهاية يهوذا (598- 587)
تجرّأ أشعيا فأعلن فشل أشورية أمام أورشليم سنة 701، فدلّ على أن الايمان يحل محل السياسة. أما إرميا فكان أكثر واقعية. أعلن أنه لا نفع من مقاومة ملك بابل. من جهة، قوته ساحقة. ومن جهة ثانية، هو "خادم الرب" (25: 9) الذي أوكله بتنفيذ إرادته ضد الأمم الخاطئة، ولا سيما يهوذا. 
وأثبتت الأحداث أنه كان على حق في حكمه. ثار الملك يوياقيم بتشجيع من مصر، فأدّت الثورة إلى احتلال أورشليم سنة 598. وأخذ خلفه يوياكين إلى المنفى في السنة التالية، وحلّ محلّه عمه صدقيا. حينئذ كتب إرميا رسالة إلى "المهجرين" يدعوهم فيها لكي يقيموا في أرضهم الجديدة ويثقوا بالمستقبل (ف 29).
وانطبعت آخر سنوات مملكة يهوذا بصراع داخلي بين أهل التمرّد على ملك بابل وأهل الخضوع، أو بين موال لمصر وموال لبابل. وتأرجح صدقيا بين الفريقين.
أما بالنسبة إلى إرميا فالخيار واضح. فخلال إجتماع دولي تمّ في أورشليم من أجل تكوين حلف يعارض بابل، رأى الناس إرميا يسير في الشارع والحبال والنير على عنقه. وجعلها على "السفراء" الغرباء ليدلّهم على ما ينتظرهم (ف 27). فإذا أرادوا أن يتجنّبوا الكارثة، عليهم أن يخضعوا. وفي الوقت ذاته، واجه إرميا الأنبياء "الوطنيين" الذين "تنبأوا" بنجاح الحلف المعارض لبابل (ف 28). فكلمة الله التي تقول له دوماً إن الدينونة آتية، تجعله قوياً لا يتزعزع. هذا لا يعني أن إرميا يوافق على التسلّط البابلي. فهو يقول: ستسقط بابل وتضمحل "كحجر في وسط الفرات" (51: 63- 64).
سنة 589، كانت محاولة تمرّد جديدة فتدخل الكلدائيون. وخلال حصار دام سنة ونصف السنة، تخلّله توقف سببته عملية للجيش المصري، لم يتبدّل إرميا. ففضل السجن وخاطر بحياته في مقر بئر موحلة (ف 37- 39). 
ولكن ساعة أخذ كل شيء يسقط حوله، قام إرميا بفعلة لا معنى لها في الظاهر: فخلال حصار أورشليم اشترى حقلاً من ابن عمه حنانئيل (32: 6- 12). فهذه الفعلة الرمزية دلّت على معنى الصراع الذي عاشه في حياته: لا صراع ضد شعبه، لا خضوع يبحث عن المنفعة لدى الكلدائيين، بل صراع لكي يعيش شعبه من جديد ويستعيد معنى دعوته.
بعد سنة 587، إنضم إرميا إلى صديقه جدليا. ولكن بعد موت هذا الصديق على يد "وطني"، أجبر إرميا على الذهاب إلى مصر مع قافلة من اللاجئين (ف 40- 42). وبما أن لا معلومات لدنيا، نفترض أنه مات هناك. 

د- إرميا رجل الكلمة
نستعمل مراراً عبارة "كلمة الله". لا بدّ من العودة إلى إرميا لنفهم وزن هذه العبارة.
فمنذ دعوته سنة 626، سيطر على حياته كلّها سماعُ الكلمة ونقلُ هذه الكلمة. ونحن نقع في أخباره السيروية على هذه الجملة: "توجّهت إليّ كلمة الرب". يستحيل علينا أن نكتشف الخبرة الشخصية التي هي وراء هذه الجملة. ولكننا نعرف تأثير هذه الكلمة على النبي. مرّة تملأه فرحاً (15: 16) ومرّات تخيفه. يحسّ أنه لا يستطيع أن يحملها فيرجف أمامها كالسكران (23: 9). وتشبه النار والمطرقة التي تحطّم الصخر (23: 29)، فتهاجم النظم المتينة و"العقائد" المقدّسة التي تجعل الشعب يعيش في سراب. والنبي هو الذي يدفع ثمن كل هذا: "بسبب كلمة الرب أنا عرضة للاحتقار والتعيير النهار كله" (20: 8). أمسكت به هذه الكلمة فصار معارضاً غصباً عنه. وطُلب منه أن يقتلع ويهدم كل الطمأنينات الكاذبة في عصره.
وهكذا هاجم الهيكل الذي اعتبره الشعب كفالة آلية ضد الشر. فامتلاك الهيكل لا ينفع إن لم نكن أمناء للعهد، إن جعلنا هذا البيت "مغارة لصوص" (7: 1). يستطيع الله أن يدمّر هيكل إورشليم كما سبق له ودمّر معبد شيلو (7: 12).
في أيام الأزمة، يُكثر الناس من أعمال العبادة والنذورات والذبائح. ولكن هل تبعد النذورات واللحوم المقدسة الشّر عنا (11: 15)؟ البخور والمحرقات ليست الشيء من دون البر والعدالة، من دون الأمانة لكلام الله (6: 19-20).
هناك من ظنّ أنه حكيم وفي أمان لأنه يمتلك شريعة الرب. ولكن الكتبة شوّهوا الشريعة وجعلوها تعارض كلمة الرب (8: 8- 9). في المستقبل، سيأتي الرب نفسه ويكتب شريعته في قلب الناس (31: 33). 
وكان الختان تمييزاً وكفالة. غير أن كلمة الله التي قالها النبي شدّدت على أن الختان الحقيقي هو ختان القلب (4: 4، لا يكون مغلقاً) والاذنين (6: 10). مثل هذا الختان يجعل الانسان يتقبّل مشيئة الله ويعمل بها.
وتكاثر في زمن إرميا الأنبياء الذين اعتبروا كلهم بأنهم يحملون كلام الله. أعلن معظمهم أنه لا حاجة إلى القلق: "كل شيء على ما يرام. لن يأتي شر عليكم" (23: 17). تلك كانت منية إرميا العميقة، كما نستشفّها من جدال مع النبي حنانيا (28: 6). ولكن إذا أراد الأنبياء أن يعرفوا على أن الله أرسلهم حقاً، يجب أن تتحقّق "تنبوءاتهم" (28: 9). ويجب خاصة أن يتجرّأوا ويندّدوا بالشر دون خوف من الاضطهاد على مثال الأنبياء الذين سبقوهم (32: 22). كيف نستطيع أن نقول للذين يحتقرون كلام الله: كل شيء على ما يرام؟ هؤلاء الأنبياء لا يستحقون إسم النبي. هم لا ينفعون الشعب (23: 32)، وعلاقة أحلامهم بكلمة الرب كعلاقة القش بالحنطة (23: 28).
وكان معاصرو إرميا يجدون أفضل ما يجدون من أمان لنفوسهم، حين يظنون أنهم شعب الله. وكان الكهنة والأنبياء يشجّعونهم في موقفهم هذا. ولكن كيف نفتخر بهذا اللقب ونحن لا نزال نعمل الشر؟ لا توافق بين الإثنين، فالله ليس صنماً لشعبه ولا أداة بين يديه. لهذا سيتصّرف معه كما لو كان خصماً له (9: 10). في هذا اليوم لن يقال أن دمار أورشليم وضياع المؤسسات التي تعطي الشعب طمأنينة كاذبة، يعنيان هزيمة الله.
غير أن إرميا لم يُرسل فقط لكي يدمّر ويقلع. فالكلمة التي توجّهت إليه هي أيضاً نداء ليبني ويغرس. فكل ما عمله من أجل تبدل في الشعب وارتداده، عمله لكي يجنّبه الكارثة. وسيأتي وقت يعرف إرميا أن هذا لم يعد ممكناً: سيُحرم الشعب من أرضه ومدينته وملكه وهيكله. حينئذ يكون أمام الموت.
ولكن كلمة الله في فم إرميا، تدل على طريق حياة جديدة. فالفقر سيجبر المؤمنين على تركيز حياتهم كلّها على ما هو جوهري: الجواب الفردي والجماعي للرب. والرب يدلّ من جهته على أمانته وغفرانه بـ "عهد جديد" (13: 13- 34). يولّد هذا العهد علاقات جديدة مع الله، لأن معرفة مشيئته ستتسجّل في قلوب المؤمنين. كان إرميا أولا من عاش بقوة هذه العلاقات الجديدة مع الرب. فحياته وعمله ينبئان بالعهد الجديد فى يسوع المسيح (لو 22: 20). 

هـ- سفر إرميا 
إن سفر إرميا بفصوله الاثنين والخمسين هو ثمر عمل طويل. فالنواة القديمة تعود بلا شك إلى إرميا نفسه. نحن أمام اللفيفة التي أملاها على باروك والتي تضمّنت أقواله على إسرائيل ويهوذا والأمم: ف 2- 6؛ 46- 49؛ 25: 15- 29. وبعد بضع سنوات زاد إرميا مقاطع أخرى ترد في صيغة المتكلم المفرد (يتكلّم فيها عن نفسه): خبر الدعوة، "إعترافات"، السيرة، هجوم على الملوك والأنبياء. وقد ترك لنا صديقه باروك الأخبار التي نقرأها في ف 36- 45.
في زمن المنفى، إستعاد المؤمنون بعض أقوال إرميا وتوسّعوا فيها باسلوب اشتراعي: النصوص الاشتراعية. ثم كانت مقاطع تحتفل بسقوط بابل سنة 539.
أما ترتيب الكتاب الحالي، فيبدو كما يلي:
* أقوال ضد يهوذا (ف 1- 25).
* أقوال تشير إلى السعادة وتقدم أخبار النبي (ف 26- 45).
* كل أقوال ضد الأمم (ف 46- 51).
ويأتي ف 52 فيدلّ على أن نبوءات إرميا قد تمت.

 

 

 

القِسم الثالِث
مِنَ المنفى في بابل إلى زمَن المسيح


ثلاث حقبات تاريخية تتوزع هذا القسم: زمن المنفى الذي امتد منذ سنة 587 وانتهى سنة 587. الحقبة الفارسية التي فيها وصل كورلش وداريوس وارتحششتا إلى مصر وبلاد اليونان، فدامت مملكتهم حتى سنة 332. ومع الاسكندر الكبير بدأت الحقبة الثالثة. وتابع خلفاؤه البطالسة (في مصر) والسلوقيون (في أنطاكية) السيطرة على بلاد فلسطين إلى أن جاء بومبيوس سنة 63 فسيطر على فلسطين بما فيها أرض يهوذا. وفي أيام أغوسطس قيصر، الأمبراطور الروماني، وُلد يسوع في بيت لحم اليهودية.
وإليك فصول هذا القسم الثالث:
1- زمن المنفى: الاطار التاريخي.
2- حزقيال النبي.
3- التاريخ الكهنوتي.
4- التاريخ الاشتراعي.
5- الحكم الفارسي.
6- الأدب النبوي.
7- الأدب الحكمي.
8- سفر المزامير.
9- الحقبة الهلنستية.
15- الحكماء والعالم اليوناني.
11- نظرات إلى الثورة المكابية.
12- من عالم النبوءة إلى عالم الرؤى.
13- كتابات أخرى.
14- الحياة الدينية في فلسطين على عتبة المسيحية.
15- من العهد القديم إلى العهد الجديد.

 

 

الفصل السادس والعشرون 

زمن المنفى: الاطار التاريخي

يمتدّ زمن المنفى بالنسبة إلى مملكة يهوذا من سنة 587 إلى سنة 538. كيف بدا الشرق الاوسط في تلك الحقبة، وما كانت عليه حالة أهل يهوذا في أورشليم، والذين ذهبوا الى منفى بابل؟

أ- الشرق الاوسط بعد سنة 587
زالت مملكة يهوذا وزالت معها الممالك الصغيرة من الشرق الأوسط، ما عدا مدينة صور الفينيقية التي قاومت من على جزيرتها الصخرية الهجمات البابلية. وتوزعت ثلاث دولات السلطة في توازن سيدوم ثلاثين سنة تقريباً، أي حتى صعود كورش الفارسي.

1- ليدية في الشمال الغربي
سيطرت ليدية على الشمال الغربي، أي آسية الصغرى (تركيا الحالية)، وفرضت الجزية على مدن أسّسها اليونانيون على الشاطىء منذ زمن بعيد. لم يكن الليدياويون من اليونان. فانطبعت حضارتهم بالطابع اليوناني والطابع الشرقي. كانت أرضهم غنية بالزراعة ومناجم الذهب. 
وهاجمهم القماريون الآتون من شواطىء البحر الاسود، فردّوهم على أعقابهم، وعرفوا ازدهاراً كبيراً. قويت سلتطهم الاقتصادية حين اخترعوا النقد: فلا حاجة الى وزن الفضة والذهب لدفع ثمن البضائع.
فهناك قطع نقود تكفلها الدولة لتسهّل عمليات التبادل. عُرف من ملوك ليدية عليات (600- 561) وابنه كريسوس (561- 546) اللذان اشتهرا بثورتهما وغناهما.

2- المادايون والفرس في الشمال والشرق
أقام الفرس والمادايون (الذين كانوا خاضعين للفرس) على هضاب ايران في الشمال والشرق. كانوا قبائل جاءت من آسيا الوسطى وتنظّموا في دولة واحدة. كانوا شعباً من المحاربين. وتأثرت ديانتهم بمصلح كبير هو زردشت. فهذا الشخص السرّي الذي عاش، على ما يبدو، في القرن السادس، أعلن إلهاً واحداً وصالحاً يحارب قوة الشر. وآمن زردشست أيضاً بعالم خفي من الملائكة.
كان المادايون قد لمعبوا دوراً كبيراً في إزالة الامبراطورية الاشورية. وضمّوا إليهم القسم الجبلي من هذه الامبراطورية تاركين السهل للبابليين. ولكن هذه السهول ما زالت تثير شهيتهم بسبب غناها الكبير. 

3- البابليون
أقام البابليون أو الكلدائيون في الوسط وعلى الشاطىء الممتد حتى حدود مصر. كانت بابل في الماضي قوية جداً. منذ سنة 1800 إلى سنة 1500 (كان منها المشترع الشهير: حمورابي). ثم تراجعت أمام أشورية. منذ سنة 612، إستعادت السلطة في بلاد الرافدين. حينئذ أعاد نبوكد نصر بناء بابل مع سور طوله 16 كلم، مع قصر واسع وهياكل عديدة، وجسراً على النهر، ومعبداً بطوابق (زيقورات) علوّه مئة متر، وطريقاً واسعاً (تتم فيه الاحتفالات) تحيط به جدران مزيّنة بصور قرميدية اللون. لا بد أن يكون يهود المنفى قد دهشوا أمام هذه العظمة.
وكانت الحياة الاقتصادية نشيطة في بابلونية. فالزراعة مزدهرة بفضل نظام متطوّر للري. والتجارة نمت واتسعت. كان هناك الملك وطبقة الاغنياء المؤلّفة من الملاّكين الكبار، وطبقة العمال الموسميين (يُستأجرون فقط لأعمال الزراعة الكبيرة)، وأولئك المجتدين في تشييد الابنية الكبيرة. وهناك العبيد وكانوا عديدين. هم في غالبيتهم أسرى الحرب. لم تكن حياة هؤلاء العبيد قاسية: فهم يستطيعون ان يمتلكوا أرضاً، أن يتعاطوا التجارة وأن يكون لهم عبيد. ولكن كل هذا يتعلّق بشخصية سيّدهم الذي يستطيع أيضاً أن يعاملهم بقساوة كبيرة. نشير أنه كان للملك وحده عدد كبير جداً من العبيد. كما نشير إلى وجود وثيقة تتحدّث عن إضراب قام به العبيد.
تعبّدت بابلونية لعدد كبير من الآلهة ولاسيما آلهة قوى الطبيعة. والاله الأول هو مردوك الذي قد يكسف سائر الآلهة فيصبح الاله الواحد. والعيد الكبير هو عيد رأس السنة: يحتفلون فيه بموت سنة وولادة سنة جديدة بشكل موت مردوك وولادته من جديد.

ب- مملكة يهوذا بعد الهزيمة
سقطت مدينة أورشليم سنة 587، سُلِبت، دُمِّرت، أُحرِق الهيكل. مصيبة هائلة. لقد زال كل أساس لحياة الشعب، بعد أن خسروا كل شيء. 

1- المستوى الاقتصادي
صارت البلاد مثل كل بلاد عرفت الحرب والاجتياح: مات عدد كبير من الناس. دمّرت البيوت، عاث الفساد في الحقول، ودبّت الفوضى في الحياة اليومية. والجوع والوباء يتربّصان بالسكان. أما ابمنفيون فصاروا كلا شيء: قطيع من العبيد يسير إلى البعيد.
2- المستوى السياسي
بعد أن رأى الملك صدقيا أبناءه يذبحون أمامه، فُقئت عيناه. ثم أُخذ إلى المنفى مع مستشاريه السياسيين. لم يعد للمملكة رئيس معترَف به. وعيّن الملك حاكماً اسمه جدليا. كان عضواً من أعيان يهوذا ولكنه قُتل بعد ان حكم البلاد بضعة أسابيع (2 مل 25: 22- 25). 

3- المستوى الديني.
هنا كان الدمار الخطير. دمّر العدوّ الهيكل، موضع تجمّع الشعب من أجل احتفالاته، والمكان الوحيد الذي فيه تُقدّم الذبائح بعد اصلاح يوشيا، ومركز الديانة الحيوي. وزال عن المسرح الملك الذي هو شخص مقدّس، وارث داود، وحامل مواعيد الله، رغم الضعف الذي يرافق اعماله. وداس المجتاح الأرض المقدسة التي حسبها الناس محمية من محميات الله. وفي النهاية، ماذا بقي من العهد الذي أعطاه الله لشعبه؟ هل سيطرت الآلهة الوثنية على إلاله الواحد؟ قد يكونون أقوى منه! أو: ربّما تخلّى الله عن شعبه!
منذ زمان بعيد وبّخ الانبياء الشعب على خياناته، ولكنهم لم ينالوا نتيجة. حينئذ اعتبر الله أن لا فائدة تُرجى من هذا الشعب، فسلّمهم إلى اعدائهم عقاباً لهم. كل هذا لا يمكن إلاّ أن يقود إلى اليأس. لا شك في أن ارميا أعلن كلام الرجاء، ولكن لم يسمعه أحد في ذلك الوقت. غير أنهم سيقرأون كلماته فيما بعد فيتأثّرون بها من أجل بناء المدينة وغرس الارض. 

ج- شعب يهوذا بعد الهزيمة
توزّع شعب يهوذا ثلاث فئات: فئة بقيت في فلسطين، واخرى هربت إلى مصر. أما المنفيون فمضوا إلى بابل. 

1- الباقون في فلسطين 
اولاً: وضع السكان
لا شك في أن العدد الاكبر من السكان بقي في البلاد، وأن عدد الذاهبين إلى المنفى كان محدوداً. ثم إنه لم تكن مستوطنات لشعوب غريبة ووثنية كما كان الأمر بالنسبة إلى مملكة الشمال بعد سنة 721 (2 مل 17: 24- 41). وحافظ المؤمنون على تقديم الذبائح وإقامة الصلوات في خرائب الهيكل. ولكن لم يعد لهذا الشعب رئيس، بعد أن راح المسؤولون كلّهم في طريق المنفى. حياة مهدّدة من كل جانب. حياة مغمورة لا نكاد نعرف عنها شيئاً.
بقي لنا من هذه الفترة نص واحد ألّف في فلسطين هو سفر المراثي الذي يعبّر عن ضياع هذا الشعب المسحوق مع بارقة أمل ضعيفة. 
ثانياً: كتاب المراثي
كتاب وُلد في أرض فلسطين. كان أهل يهوذا مضعضعين، محرومين من الرؤساء والصنّاع. فجاء سفر المراثي يقدّم لنا شهادة عن حياتهم، في مجموعة من القصائد دُوّنت على أثر الكارثة التي أغرقت البلاد في ضيق ما بعده ضيق.
كتاب يسيل منه الألم، ولكنه مطبوع بالايمان. هو يتألف من خمس قصائد. القصائد الأربع الأولى هي أبجدية (مثل بعضر المزامير). بمعنى أن كل قطعة من القطع الاثنتين والعشرين (نجد في العبرية 22 حرفاً، لا 28 حرفاً كما في العربية) تبدأ بحرف من حروف الابجدية (أ، ب، ج، د...). ماذا نجد في هذه القصائد؟ ثلاثة أمور مهمة:
* لوحة عن الوضع المأساوي الذي تعرفه خرائب أورشليم
إنطرح الصبي والشيخ على الأرض في الشوارع،
فتياني وفتياتي جميعاً سقطوا بحدّ السيف (2: 21).
الأطفال يطلبون خبزاً ولا من يعطيهم كسرة (4: 4).
حتى النساء الحنونات طبخن اولادهن
فكانوا لهن طعاماً في نكبة بنت (مدينة) شعبي (4: 10).
* الاهتمام بالحديث مع الرب حول هذه المصيبة. لم يفهم المؤمنون: هل الرب هو سبب هذا الشر؟ ولكنه سيد كل شيء وخالقه. ويبقى المؤمن مؤمناً، إلاّ أنه يعاتب الرب بقساوة:
صار الرب كعدو وسحق اسرائيل سحقاً (2: 5).
قصد الرب أن يدمّر اسوار بنت (مدينة) صهيون (2: 8).
إرفعي إليه كفّيك وتضرّعي لحياة أطفالك...
أنظر يا رب وتأمل! هل فعلت بأحد هكذا (2: 19- 20)؟
* وتولد بارقة أمل خافت في قلب هذا الشقاء: لا يمكن أن يكون الرب نسي ولم بعد يتذكّر. وهكذا تبدو كلمة الرجاء قوية حين نجعلها في قلب هذا الوضع المأساوي.
رأفة الرب لا تنقطع ومراحمه أبداً لا تزول...
الرب صالح لمن ينتظره للنفس التي تشتاقه.
خير أن ينتظر الانسان في الصمت خلاص الرب (3: 22- 26).
هذا الكتيّب هو شهادة مهمة عن ضيق المؤمنين الذين ظلوا في أورشليم، وعن ايمانهم على أثر الكارثة. بعد هذا لم يدؤن شيء في أورشليم في زمن المنفى. ستصبح جماعة المنفى المركز الحي الذي فيه سيتواصل التأمل في نصوص التوراة وإعادة كتابتها. 

2- الهاربون إلى مصر
يعلمنا سفر الملوك الثاني (25: 26) وسفر إرميا (41: 16- 44: 30) أن عدداً كبيراً من بني يهوذا (يضخّم الأمور فيقول: "كل الشعب") لجأوا إلى مصر. حاول إرميا بكل قواه أن يقاوم هذه المحاولة اليائسة. لم يسمعوا له، بل جرّوه معهم. فاستمرّ هناك يقوم بدوره النبوي ويحارب عبادة الاوثان السائدة لدى هؤلاء الهاربين.
مات إرميا في مصر. وكان قد تنبّأ بأن اللاجئين إلى مصر سوف ينفون. غير أن نبوءة إرميا لم تتحقق. وسوف نرى جماعات يهودية في مختلف أنحاء مصر ولاسيما في الجنوب، في جزيرة الفيلة (الفنتين) حيث وجد المنقبون وثائق تعود إلى جنود يهود اقيموا هنا قبل سنة 525. هل كانوا من رفاق إرميا، أو من أبنائهم؟ لا جواب أكيداً على ذلك.

3- المنفيون في بابل
ستلعب مجموعة المنفيين دوراً بارزاً في مستقبل شعب الله، وسينطلق كل شيء من بابل. كم كان عدد المنفيين؟ لا تتوافق الأرقام المذكورة في 2 مل 24: 14، 16، وفي إر 52: 28- 30. نظن انهم كانوا بين 15000 و20000: أولئك الذين هجّروا سنة 587 (احتلال أول أورشليم)، وسنة 578 (يوم دُمّرت)، ثم فيما بعد (582). مات بعض منهم في الطريق. ولكن تزوّج آخرون وأنجبوا أولاداً. أما عن العودة سنة 538، فالتوراة تتحدّث عن 42360 شخصاً (مز 2: 64- 67). هل نثق بهذا الرقم؟ يبدو أنه معقول.

أولاً: الوضع الاجتماعي والاقتصادي
كان السفَر متعباً. مسيرة على الأقدام أو في عربات. 1200 او1300 كلم تفصل أورشليم عن بابل. طعام غير كافٍ. جوع وعطش، معاملة قاسية من قبل الجنود. وحين وصل المنفيون، أقاموا أولاً في مخيّمات مع حرّاس يناصبونهم العداء. هذا ما يشير اليه مز 137: على أنهار بابل هناك جلسنا، فبكينا... هناك طلب منا الذين سبونا أن ننشد لهم، والذين عذّبونا أن نفرّحهم. قالوا: "أنشدوا لنا أناشيد صهيون" (آ 1- 3). 
بعد هذا، سيتحسّن الوضع بشكل ملموس. عمل أسرى الحرب في أعمال مختلفة واعتُبروا عبيداً. ولكن نظام العبودية لم يكن قاسياً. فاستطاع البعض أن يقوموا بأعمال زراعية أو تجارية. وبعد التهجير الاول سنة 597، سوف نرى حول حزقيال يهوداً يجتمعون بحرّية، يناقشون النبي ويسمعون له. إنتظموا حول شيوخهم الذيم لعبوا بالنسبة لهم دور المسؤولين. وفي الوقت عينه نصح إرميا منفيي سنة 597 بأن يؤسسوا أسراً، ويبنوا بيوتاً، ويزرعوا حقولا (ف 69). هذا يعني أن لديهم بعض الامكانيات. وساعة العودة، أحصي 7000 خادم وخادمة رافقوا العائدين الاثنين وأربعين الفاً. هذا يفترض ان حالة عدد منهم تحسّنت بشكل بارز (عز 2: 65). ونعرف بفضل الأرشيف الذي وُجد في التنقيبات أن عائلة موراشو اليهودية امتلكت بعد مئة سنة من المنفى، مصرفاً هاماَ وكانت تتعامل مع عدد كبير من اليهود الميسورين.
ما نلاحظه هو أن جماعة المنفيين تحافظ على وحدتها. لم تترك الشقاء يسحقها، ولم تذب في شعب بابل مثل منفيي مملكة الشمال الذين ضاع أثرهم في أشورية بعد سبي سنة 721. أما بالنسبة إلى اليهوذاويين، فالمنفى شدّ الرباط بينهم وقوّى الأمانة للتقاليد. عادوا إلى الماضي يتأقلون فيه. واتصلوا في الوقت عينه بعالم مختلف فأثّر فيهم. وأمام آلهة بابل المتعدّدين، تأمّلوا في دور إلههم، فقوي ايمانهم بالله الواحد. وتكلّموا عنه في الوقت عينه بصور مأخوذة من العبادة البابلية. وتمثّلوا عودة إلههم إلى أورشليم على مثال التطواف الذي يقام اكرماً لمردوك في رأس السنة (أش 52: 7- 10). ورووا خلق العالم ليقفوا بوجه بعض الأفكار البابلية. مع العلم أنهم استعملوا صوراً بابلية. وفي عالم اعتبر فيه العرّافون أنهم ينبئون بالمستقبل، أكدوا كذب هذه الاقوال وأعلنوا أن الله وحده يعرف المستقبل وينبىء به (أش 44: 7؛ 45: 21).

ثانياً: الوضع الديني
كيف كانت الحياة الدينية في هذه الجماعة؟ لم يعد هناك من هيكل، اذن لا تقدّم ذبائح. ولكن كانت اجتماعات صلاة. اخذ المؤمنون منذ ذلك الوقت يقرأون معاً أسفار الشريعة ويفسّرونها في ما سيسمّى فيما بعد "المجامع". وفي ذلك الوقت بدأ اليهود يعطون أهمية جوهرية لاثنتين من ممارساتهم الدينية: السبت والختان.
* السبت. 
كان السبت منذ زمن بعيد اليوم الذي فيه يتوقّفون عن العمل ليكرّسوا وقتهم للرب. واتخذت هذه الممارسة أهمية أكبر فى المنفى حيث أراد اليهود أن يدلّوا على أصالتهم ويتميزوا عن الآخرين. في ذلك الوقت رووا ان السبت يعود إلى خلق العالم: حين خلق الله العالم، إستراح في اليوم السابع (تك 2: 1- 3- في إطار التقليد الكهنوتي).
* الختان.
كان الختان طقساً قديماً مارسه أهل الشرق وغيرهم كطقس دخول في عالم الزواج. فصار في زمن المنفى علامة الدخول في العهد. فبدأوا يمارسونه لا في عمر المراهقة بل بعد ولادة الولد بثمانية أيام. وهكذا صار الختان علامة مميّزة تطبع كل ذكر في شعب الله، سمةً في جسده لا تمحى. 
ما يميّز السبت والختان هو انهما ممارستان شخصيتان. يعيشهما اليهودي العائش وحده في أسرته في كل مكان في العالم.

د- صعود كورش ونهاية المنفى
كان هذا الوضع الذي صوّرناه سيدوم طويلاً لو لم يتبلبل التوازن السياسي في الشرق الأوسط بأحداث غير متوقّعة جاءت من هضاب ايران. 
تبدّل الوضع حين دخل على مسرح الاحداث قائد فارسي شاب اسمه كورش. من كان هذا الرجل؟ لعبت الأساطير دورها بالنسبة إليه كما بالنسبة إلى عظام العهد القديم (وموسى منهم). ورث ملوك مملكة انشان (من ماداي) في فارس. وحين تسلّم السلطة سنة 555، رفض أن يبقى خاضعاً للمادايين. فانقلب على استياج، ملك ماداي، واحتل عاصمته احمتا (اكتبان أي همذان) وصار سيد منطقة الهضاب. وهكذا صار واحداً من العظماء الثلاثة في الشرق الاوسط.
ولكن هذا لم يكفِه. فلن تمضي بضع سنوات حتى يزيل "العظيمين الآخرين". قادته حملة أولى إلى الغرب فسحق الليديائيين ولم يوقفه فرسانهم الأقوياء. وهكذا ضمّ الى مملكته كل آسية الصغرى مع مدن الساحل اليونانية. واستفاد من كنوز كريسوس فانفتحت أمامه إمكانات واسعة (سنة 546). وقادته حملة ثانية باتجاه افغانستان الحالي وحدود الهند. وإذ أمّن ظهره، تحوّل إلى بابلونية يحاصرها.
كان الوضع في بابلونية مؤاتياً لكورش. فالملك نبونيد شخص غريب. أراد أن يحتفل في بابل بعبادة كل الآلهة. فجمع تماثيل أخذها من كل مناطق امبراطوريته فأغضب سكاناً عديدين. وفي النهاية نفى نفسه في عرابية وترك الحكم لابنه بلشصّر. كل هذا أضعف الملكية في بابل. 
ثم إن سكان بابل وثقوا بكورش الذي قدّم نفسه كمحتلّ من نوع آخر. فالأشوريون والبابليون عاملوا المقهورين معاملة قاسية، بالسلب والنهب والتهجير وأسر القوّاد المغلوبين. بلد مغلوب هو بلد مدمّر. تلك كانت سياستهم العاديّة. أما كورش فجعل نفسه محرّر الآلهة والشعوب. أعاد الشعوب المهجّرة إلى بلدانها، وتماثيل الآلهة إلى هياكلها. عامل الملوك المغلوبين بالرأفة، وقدّم لهم وظائف رفيعة في بلاطه. أراد أن يحرّك في القلوب عرفان الجميل لا الرعب، وهذا ما ساعده على الإمساك بمقاليد امبراطورية واسعة. لم يكن له جيش كبير، بل إدارة صالحة. ولعبت الدعاية دورها، فهيّأت الشعوب لاستقبال محرّر يعمل لخير الناس. 
وحين وصل كورش إلى بابل، إنتظروه كمرسل الآلهة لدى الشعوب الذين سيحرّرهم من النير البابلي. جعله أشحعيا الثاني "مسيح" إله اسرائيل ومختاره. وكهنة مردوك، اله بابل، استقبلوه بالترحاب، بعد ان استاؤوا من نبونيد الذي جعل جميع الآلهة متساوين وألغى المركز الأول الذي يتمتع به مردوك. 
أحاط الجيش الفارسي بالمدينة في يوم عيد. فلم يكن من مقاومة. وتمّ احتلال بابل من دون حرب (سنة 539). فأعاد كورش الآلهة إلى معابدها والشعوب إلى بلدانها، ونظم الامبراطورية الجديدة التي كانت تمتدّ من اليونان إلى الهند، ومن بحر قزوين إلى مصر، وكرّس نفسه لهذا العمل خلال العشر سنوات الأخيرة من حياته (539- 529). وسيتابع خلفاؤه عمله من بعده، وسيحاولون أن يحتلّوا مصر واليونان. وهكذا ستدوم الامبراطورية الفارسية قرنين من الزمن جتى احتلال الاسكندر الكبير للشرق.
واما اليهود المنفيون فاستعدّوا لاستقبال كورش كالمحرّر والمرسل من قِبَل الرب. ومنذ سنة 538 أُعلن قرار كورش الذي ينظم العودة ويموّلَها. نقرأ هذا النص في نهاية كتاب الاخبار (2 أخ 26: 23) وفي بداية سفر عزرا (6: 3- 5، قد يكون هذا النص الرسمي الذي حفظ في الارشيف الاداري الفارسي).
وانتهى زمن المنفى وحلّت محلّه مغامرة العودة.

 

 

الفصل السابع والعشرون 

حزقيال النبي

لم تكن سنوات المنفى سنوات صمت، بل سنوات نشاط أدبيّ هام جداً. ضاع الهيكل، ولكن بقيت الكتب المقدسة. فقرأها المؤمنون، وتأمّلوها وكمّلوها وكتبوا غيرها. تحدّثنا عن سفر المراثي. وسنتعرّف في فصل أول الى حزقيال وفي فصلين لاحقين إلى كل من التاريخ الكهنوتي والتاريخ الاشتراعي.
ونبدأ مع حزقيال.

أ- حزقيال وسفره 
سفر حزقيال كتاب طويل يمتد على 48 فصلاً. قراءة صعبة ومملّة بسبب التكرارات والصور المعقدة التي لا نعرف كيف تنتهي. إلا أن هناك الشيء الاخير الذي نحتفظ به من حياة وأقوال هذا الرجل الذي التزم التزاماً تاماً بقضايا شعبه.
كان حزقيال واحداً من هؤلاء الكهنة الذين يؤمّنون شعائر العبادة في اورشليم. نُفي إلى بابلونية مع عدد من الأعيان والصنّاع خلال السبي الاول سنة 597. وخلال عشر سنوات، ظلّ يتتبّع باهتمام كل ما يحدث في أورشليم. ثم جاءت الكارثة الاخيرة والسبي الثاني سنة 587. عاش وسط المنفيين، فحاول أن يفكر معهم في الوضع (عملية فحص ضمير مع نظرة إلى المستقبل) ليساعدهم على المحافظة على تضامنهم، على استعادة الأمل، على الاستعداد للعودة إلى البلاد. وهكذا قدّم لشعبه صورة عن المستقبل حرّكت فيه الحمية والاندفاع.
حزقيال هو نبي الأزمنة الصعبة. منع المؤمنين من الاستسلام لليأس.

ب- في قلب الشعب
حزقيال رجل يقاسم الشعب حياته كلها، ويؤسّس عمله على هذه الحياة. إنه هنا وسط المنفيّين الذين يأتون إليه، يجلسون بقربه ليسمعوا كلامه (8: 1: 14: 1). هو يستعيد أقوالاً مأثورة يردّدها الشعب، تارة ليعارضها وطوراً ليستفيد منها.
الاباء أكلوا الحصرم وأبناء البنين ضرست (18: 2).
مرّت أيام، وما تحققت الرؤيا (12: 22).
يبست عظامنا وخاب رجاؤنا وانقطعنا (37: 11).
واذا أراد حزقيال أن ينقل فكرة جديدة أو أن يجنّد الناس، لا يتردّد في "تقديم مشهد": ظلّ راقداً أياماً عديدة يأكل طعاماً رديئاً لينبىء بالشرّ الآتي (4: 4- 17). تزيّا بزي رجل مهجّر وقلّد الذاهبين إلى المنفى بعد أن نقب الحائط (12: 1- 20). لصق قطعة خشب باختها ليدلّ على توحيد الشعب المقسّم (37: 15- 28).
يتخيّل رؤى مع سيناريو مهيب مثل رؤية العظام اليابسة في السهل، والتي صارت جيشاً كبيراً (37: 1- 14)، ويروي أمثالاً متنوّعة: مثل الإبنة المتروكة التي استقبلها السيد، تزوّجها فزنت عليه (ف 16). مثل الارز (ف 17). مثل اللبوءة وصغارها (ف 19). مثل القطيع (ف 34). وهكذا نكون أمام كتاب تتزاحم فيه الصور من كل نوع، تفيض فيه الحياة من كل جانب، فلا نعرف أين نبدأ. وهكذا نفهم أن مثل هذا الانسان حرّك شعبه تحريكاً عميقاً ودفعه إلى العمل.

ج- في قلب الله
حزقيال هو أيضاً بصورة خاصة انسان أمسكه الله، قبض عليه. طُبع في يوم من الأيام بلقاء مع الله، شأنه شأن الانبياء. هذا اللقاء نجده في بداية الكتاب (ف 1- 3) وفيه تمتزج أخبار عديدة دمجها التلاميذ ووضعوا بعض اللمسات فيها. 

1- رؤية مجد الرب
هناك أولاً الرؤية العظيمة، رؤية "مجد الرب" (ف 1): تتألف من سلسلة من الصور تجعل القارىء يضيع: حيوانات أسطورية، دواليب، بروق، ضجة، حركة... لا يستطيع مصوّر أن يرسم ما كُتب هنا. ولكن ما همّ التفاصيل وقد تأثرت بما في هياكل بابل. فحزقيال يريد أن يصوّر الله الذي هو كبر من كل شيء، الاله الذي يفيض حياة وحركة، الذي هو دوماً جديد. 
تعبرّ هـذه الصور قدر المستطاع عن لقاء بدّل كل شيء لدى حزقيال. فهم يوماً من الأيام مَن هو الله. أو بالأحرى نظر إلى أعماق حياته، ففهم أن الله يتجاوز كل ما نقدر أن نقوله أو نتخيّله. هذا الاكتشاف هو ينبوع كل دينامية عند النبي الذي عمل ما في وسعه ليجعل الشعب يكتشف حضور الله ومتطلّبات هذا الحضور.

2- رؤية الكتاب
بعد هذا، ترد رؤية كتاب كلام الله (2: 1- 3: 11). هذا الكتاب يبتلعه النبي فيجده حلواً كالعسل. معنى الرؤية واضح: فرحُ النبي وهدفُ حياته هو أن يغتذي من كلام الله وينقله إلى البشر.

3- صورة الرقيب
وأخيراً تأقي صورة الرقيب (3: 16- 21): يقف الرقيب على سور المدينة، يرى الخطر آتياً فيحذّر الشعب. إن نَقْل كلمة الله هو مسؤولية. إن كان النبي لا يتكلّم فسيُحاسَب بسبب الشرور التي تحلّ بالذين وجب عليه أن ينبّههم. إذن عليه أن يقضي حياته سامعاً لكلمة الرب لكي يستطيع أن يُنذر الشعب وينبّهه. 

د- فحص ضمير
زمن حزقيال هو زمن شقاء. فلا يستطيع المؤمن أن يتخلّص منه دون. أن يتأمّل في ما جرى. وقد قرّر حزقيال أن يفعل كل شيء ليجعل الشعب يقوم بفحص الضمير هذا. 

1- المستوى الجماعي
بدأت عمليّة فحص الضمير على المستوى الجماعي. توقّف حزقيال عند حقبة من التاريخ وعالجها من زوايا مختلفة: مثلا إبنة أورشليم (ف 16)، مثل النسر والكرمة (ف 17)، مثل الاختين الزانيتين (ف 23)، مثل الراعي (ف 34).
يحدّثنا ف آ 1 عن أورشليم (هي صورة عن شعب الله كله) بصورة فتاة متروكة. لم تكن تساوي شيئاً. لم يكن أحد يهتمّ بها. مرّ الرب، فبسط طرف ثوبه عليها ليدلّ على حمايته لها. أحبّها، تزوّجها، ولكنها خانته وعادت الى الزنى. ما معنى هذا المثل؟ إن الشقاء هو عقاب خيانة الشعب الذي تقبّل كل شيء من الله، ولكنه عصاه ورفض كلمته وسار وراء الآلهة الغريبة (هذا هو معنى الزنى في الكتاب المقدّس).
أما ف 34 فيميّز بين أشخاص وأشخاص. فهو يهاجم أولا "الرعاة" أي المسؤولين عن الشعب. هم لم يعرفوا أن يقودوه ويحافظوا عليه كما يجب. ثم يندّد ببعض "الخراف"، بعض أعضاء الشعب الذين سحقوا الآخرين ولم يكونوا لهم إخوة.
الشر هو هنا. هناك مسؤولون عنه وكلنا ضحيّته. 

2- المسؤولية الشخصية 
هنا تطرح المسؤولية الشخصية. كان الشعب يفكّر بطريقة جماعية: خطىء الشعب فعُوقب الشعب. وهذا يعني في الواقع أن الأبرياء يدفعون الثمن عن المجرمين، أن جيلاً يدفع عن الجيل الذي سبقه. هكذا كان الناس يقولون: "الآباء أكلوا الحصرم وأسنان البنين ضرست". وفي النهاية، يقودنا هذا الفكر إلى اعتزال تام واستقالة من واجباتنا: لا فائدة من العمل بعد أن ضاع كل شيء! 
كانت ردّة الفعل قوية عند حزقيال، فقدّم فكرة جديدة لم يعبرّ أحد قبله عنها: الرب يحسب حساب كل انسان. كل واحد يمسك مصيره بيده والرب ينجّيه من الشقاء. "أيكون سروري بموت الشرير؟ كلا، بل بتوبته عن شره فيحيا" (23:18). نجعل من الشعب أناساً مسؤولين، لا غنماً يسيرون في قطيع ولا يفكّرون أين يسيرون. هذا ما يتوسّع فيه حز 18 (رج 14: 12- 23). 

هـ- من الكارثة إلى السعادة المستعادة 
إن رؤية "مجد الرب" التي طبعت حزقيال بطابعها، ستتجدّد مرات عديدة لتصوّر له عظمة الله وجماله، وتدلّه على طريقة حضور الله في تاريخ شعبه. فهو يرى المجد ينتقل من مكانه: يخرج من الهيكل (10: 18- 19) ثم من مدينة أورشليم (11: 22- 24)، ويعيش بين المنفيّين في بابل (11: 24). وفي النهاية، يعود المجد إلى الهيكل الذي أعيد بناؤه (43: 1- 7). هذا يعني أن الله لا يرتبط ببلد (أو مكان) محدّد، بل بشعب من المؤمنين. فإن هاجر هذا الشعب، "هاجر" الله معه. إذن، لم يترك الله شعبه رغم كل خياناته. بل ظلّ معه يساعده على عيش حياته القاسية في المنفى، بانتظار أن يردّه يوماً إلى بلاده.
فحزقيال ليس فقط نبياً يتأمل في الماضي ويدعو إلى التوبة. إنه أيضا نبي الرجاء والمستقبل. فالنصوص التي أشرنا اليها تنتهي بانفتاح على المستقبل: فالعريس يستعيد العروس الزانية، لأنه ما زال يحبّها (16: 60- 63). والرب سيستعيد شعبه المشتّت ويكون هو نفسه راعيه (34: 10- 16). أو هو يعطيه راعياً جديداً يسمّيه "داود" أي المسيح (إختاره الله ومسحه بالزيت فصار ممسوحاً ومسيحاً) المتحدّر من داود (34: 23- 24). 
وفي النهاية، ستنتصر الحياة على الموت. هذا ما تقوله رؤية العظام اليابسة (37: 1- 14). لسنا هنا أمام قيامة الموتى كما في الايمان المسيحي (هذا ما لم يصل إليه زمن حزقيال)، بل أمام شعب "مات" في المنفى، وها هو "يستعيد الحياة". وتبقى الذروة في ف 36 الذي يقول بوضوح: سيُنقّي الشعب من كل ما يُنجّسه، وينال "قلباً جديداً"، "قلباً من لحم" يحل محلّ "قلب الحجر". يكون فيه روح الرب فيجعل منه شعبا واحداً أميناً وسعيداً. ويكون عهد أبدي بين الله وشعبه (37: 26). 
وينتهي سفر حزقيال بلوحة واسعة عن اسرائيل الجديد (ف 45- 48). نجد في هذا القسم صوراً وأرقاماً، ونكتشف هيكلاً بُنيَ مع غرفه ومطابخه وأثاثه وأروقته... ثم مخطط تقسيم فلسطين إثنتي عشرة. قطعة متوازية توزّع على الاثني عشر سبطاً. وفي الوسط، تكون منطقة مقدسة، منطقة أورشليم والهيكل، موضع الكهنة واللاويين والرئيس (لم يعد هناك ملك). 
تصوير مملّ، ما عدا بعض المقاطع. مثلاً، عودة مجد الرب (43: 1- 7)، صورة النهر الذي يخرج من الهيكل ويولّد الحياة بغزارة (47: 1- 12). والعبارة الاخرى: "واسم المدينة من ذلك اليوم: الرب هناك"(عمانوئيل الهنا هنا، أش 7: 14).
ولكن كان لهذه الصور معناها لحزقيال ومعاصريه. فهي تعلن للمنفيّين عالماً جديداً حسب مشيئة الله. وتكون العبادة في قلب المدينة، ويكون للكهنة (وحزقيال كان منهم) دور رئيسي، تاركين للرئيس السلطة السياسية (45: 7- 9). ينظّم الايمان الحياة كلها. فيمنح الله الناس السعادة. هي رؤية أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع. رؤية لم تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الاجتماعية والسياسية. ولكنها كانت مفيدة للمنفيّين، فأعادت إليهم الأمل والحياة.

خاتمة 
لعب حزقيال دوراً رئيسياً في حياة شعبه. أخذ المشعل من إرميا، فأتاح لشعبه أن يبني لنفسه إيماناً متجدّداً يتكيّف مع التبدّل القاسي الذي حصل سنة 587. وساعده على ان يحيا من جديد، فجعله يفكّر في ماضيه، وفتح أمامه نافذة على المستقبل. كما أدخل عدداً من الأفكار والصور سيأخذ بها العهد الجديد: القلب الجديد، الراعي الصالح، المياه التي تعطي الحياة...

 

 

الفصل الثامن والعشرون 

التاريخ الكهنوتي

ويعود الشعب إلى أصوله يقرأها ويتأمّل فيها. فبعد اليهوهي وحديثه عن بركة الله، والالوهيمي وتشديده على مخافة الله، جعلنا الاشتراعي في اطار عهد وميثاق مع الرب. وها نحن نصل إلى التقليد الرابع، الذي وُلد في محيط الكهنة. فشدّد على كلمة الله التي تفعل في العالم فتجعله جميلاً. وتعمل في الانسان فتجعله على صورة الله. تجعله قديساً على صورة القدوس الذي خلقه. 

أ- جذور التقليد الكهنوتي
قرأ "الكاتب" الاحداث بالنظر إلى معطية محدّدة، هي معطية المنفى كما تعرّف إليها كهنة أُرسلوا بعيداً عن الهيكل.
رجال من قبيلة لاوي كانوا يؤمّنون شعائر العبادة في هيكل أورشليم. وتوقّف كل شيء خلال المنفى. إلا أن الكهنة أملوا أن يعودوا إلى هذه الشعائر حالما ينتهي زمن المنفى. ثم إنه كانت لهم وظيفة أخرى، هي حماية الشريعة (تت 33: 10): فهم الذين ينقلون إلى الشعب الوصايا والأحكام التي تعينه في حياته اليومية (هذا لم يكن مكتوباً. وما كتب لم يكن بتصرف الجميع). وبصورة عامة، كانوا المحامين عن التقاليد القديمة وعن تذكّرات الماضي الكبرى.
ففي المنفى، وبعد زوال الأطر السياسية في البلاد، كان الكهنة المجموعة الوحيدة المبنيّة بناء محكماً. وهذا ما أعطاهم تأثيراً كبيراً سيحتفظون به حتى زمن المسيح (عظيم الكهنة هو السلطة العليا لدى اليهود).
ودور الكهنة هذا يفسرّ لنا موضوع "التاريخ الكهنوتي".
* هو خبر الاحداث الماضية. تُقرأ بالنظر إلى حياة المنفيين. فتجعلهم يفتخرون بالماضي، ويتكلون على الله؛ ويجعلون رجاءهم في المستقبل؛ وكل هذا يعطيهم قواعد تساعدهم في حياتهم كجماعة.
* هو تبرير سلطة الكهنة وشعائر العبادة في الهيكل. هذا ما يضعونه موضع العمل حين يعودون إلى أرض الآباء.
* هو مجموعة شرائع تتعلّق بمختلف مجالات الحياة. وسيزيد عليها الكهنة شرائع اخرى قبل المنفى أو بعده، فتؤلّف بصورة خاصة سفر اللاويين.
* انطبع هذا "التاريخ" بعقلية أناس عاشوا في عالم العبادة، فشدّد على التفاصيل وابتعد بعض الشيء عن الحياة. لهذا جاءت الأخبار مملّة ولا تعجّ بالحياة كما في التقليد اليهوهى. وامتلأت بالأرقام والاعمار والسنين. إحتلّ الله المكان كله، فلم يبق للبشر إلا أن يتأملوا بما يفعله الله، أن يسمعوا ما يقوله. ولكن هل يبني الله الكون من دون الانسان؟
ونبدأ تجوالنا في التاريخ الكهنوتي، منذ البدايات وابراهيم، إلى موسى والخروج. 

ب- خبر البدايات
1- الكون والانسان
كان الناس يعلنون في بابل كل سنة خبر بداية العالم اكراماً للإله مردوك. فينظرون إلى المواجهة بين الآلهة الصالحين والآلهة الاشرار. وبدا الانسان في تلك الحالة عبداً للآلهة بعد أن خُلق من دم إله شرير.
فكّر الكاتب الكهنوتي بكل هذا حين دوّن نشيد الخلق في سبعة ايام (تك 1: 1- 2: 4). ولكن الله يتدخّل وحده هنا (لا وجود لآلهة متعدّدة). إنه صالح وكل ما صنعه هو صالح. ليست الشمس والقمر آلهة، بل منارتان ثبّتهما الله قي قبة السماء. والانسان هو على صورة الله، فهو إذن صالح في الأساس. اختاره الله لا ليكون له عبداً، بل ليسود على الخلائق. كل هذا يعطي شعب الله ثقة بهذا الاله القدير والصالح. حتى لو كنا في المنفى، نستطيع أن ننظر إلى المستقبل بدون خوف.
تمّ الخلق في ستة أيام. واستراح الله في السابع. هذا هو أساس شريعة السبت التي كانت جد مهمة للعائشين في أرض المنفى. 

2- الأنساب 
نقرأ في ف 5 سلسلة الانساب من آدم إلى نوح. وسنجد على مدّ التاريخ الكهنوتي أنساباً أخرى. ولائحة عائلات وبيوت. وقبائل وشعوباً. لقد أراد الكاتب الملهم أن يبيّن الوحدة والتواصل في البشرية: فكل الشعوب تكوّن عبر الأجيال عائلة واحدة تخرج من الله ويقودها الله. وحين يورد أنساب بني إسرائيل، فهمّه أن يبيّن ان كل قبيلة وكل عشيرة تعود إلى ابراهيم، ابي الشعب المختار، واننا ما زلنا في خط البداية كما قرّره الله. 

3- الطوفان 
نجد في تك 6- 9 نصوصاً كهنوتية ممزوجة مع نصوص يهوهية. كلّها تصوّر كارثة مريعة (7: 11، 18- 21): عاد كل شيء إلى الفوضى الأولى. فالله يستطيع أن يدمّر هذا العالم الذي خلقه، كما يمكنه أن يعيد كل شيء إلى النظام السابق. ولقد وعد نوح بأن العالم سيسير مسيرته بطريقة منتظمة.
أقام الله عهداً مع نوح الذي نجا من الطوفان، وبالتالي مع البشريّة المتحدّرة منه. وفرض لقاء هذا أن يحترم الانسان الدم، دم الحيوان ودم الانسان. وقوس قزح الموضوعة على الغيوم كقوس محارب رمى سلاحه، هي علامة هذا العهد، علامة ارادة الله بأن يحلّ السلام على الأرض (9: 1- 17).
إذن، الله يسيرّ العالم كله. وهو لن يدمّره بل يريد أن يجعله في أمان. وهو يفرض على جميع البشر متطلّبات أساسية: فويل للناس الدمويين (مثل البابليين) الذين لا يحترمون هذه المتطلّبات.

ج- ابراهيم والآباء 
هنا ندخل في تاريخ الشعب الذي اختاره الله من وسط البشرية. حدّثنا التقليدان اليهوهي والالوهيمي عن مسيرة ابراهيم الطويلة، عن إيمانه الشجاع. وقدّم لنا التقليد الكهنوتي مشهدين: مشهد العهد ومشهد مغارة المكفيلة. 

1- العهد 
يبدو العهد (تك 17) موهبة مجانية من الله القدير إلى ابراهيم. تكلّم الرب، فسجد ابراهيم إلى الأرض وما عاد يتكلّم. فوعده الله بالخصب وبنسل كبير، كما سبق له ووعد آدم. وأعطاه الختان كعلامة لهذا العهد. ووعده بأن نسله يمتلك أرض كنعان. كل هذا مهمّ بالنسبة إلى المنفيين: لا يستطيع الشعب أن يموت، لأن الله وعده بأن يكثّره. ولا يستطيع ابراهيم أن يبقى في المنفى، لأن الله أعطاه أرض كنعان. وسيكون الختان علامة رباطه بالله. 

2- مغارة المكفيلة
ومشهد شراء مغارة المكفيلة (ف 23) مهم على طوله بالنسبة إلى المنفيين: فعائلة ابراهيم تملك قطعة أرض في كنعان. ففي كنعان نجد قبر الآباء؛ اذن سيعودون إلى هناك. 

3- يعقوب ويوسف
لم يتحدّث التقليد الكهنوتي كثيراً عن يعقوب ويوسف. غير ان الوعد بالخصب وبامتلاك الارض يتكرّر مراراً (تك 28: 1- 4؛ 35: 11- 12؛ 47: 27؛ 48: 3- 4). ثم إن يعقوب أبا الاسباط الاثني عشر قد دُفن في مغارة المكفيلة (تك 49: 29- 32؛ 50: 12- 13). وقبل هذا هاجرت عائلته إلى مصر في ظروف لا يفسّرها التقليد الكهنوتي. 
د- موسى والخروج
نحن أمام خبر طويل جداً. سنكتفي بتقديم بعض الخطوط الهامة:

1- عبودية وتحرّر
إن خبر العبودية في مصر والتحرّر مهمّ جداً بالنسبة إلى المنفيين. فهو يدلّ أنها ليست المرة الأولى التي فيها يعرف الشعب الضيق بعيداً غن أرضه. خلّص الله شعبه من مصر، وهو يقدر أن يخلّصه من بابلونية. ويشدّد الخبر الكهنوتي على قدرة الرب التي تسحق الأعداء مهما كان عددهم. وعيد الفصح يذكّر المؤمنين كل سنة بانتصار عظيم في الماضي ومليء بالمواعيد من أجل المستقبل. 

2- المنّ
يذكّر المنّ (خر 16) الشعب أن الله لا يترك شعبه يموت جوعاً. وتُعلن مرة ثانية شريعة اليوم السابع (خر 16: 22- 26): نستطيع أن نتوقّف عن العمل اكراماً للرب ولا نخاف ان ينقصنا ما هو ضروري لحياتنا. 

3- في سيناء
لا يحدّثنا التقليد الكهنوتي عن احتفال بالعهد في سيناء. فالرباط بين الله وشعبه قد تمّ مع ابراهيم، فلا حاجة إلى إعادته. ولكن الرب يتلفّظ هنا بأقوال مهمّة (خر 19: 5- 6): "تكونون شعبي الخاص بين جميع الشعوب، فالأرض كلها لي. تكونون لي مملكة كهنة وأمّة مقدسة".
الله هو سيّد الكون كله. ولكنه اختار شعباً صغيراً من بين الشعوب:
هذا يذكّر المنفيين أن الله يهتم به أكثر من أي شعب آخر. وقد جعل منهم أمة "مقدسة" ومملكة كهنة. في شعب اسرائيل الكهنة هم ملوك. وهذا ما يوافق الوضع الذي عاشه العبرانيون وقت المنفى وبعده. فلا نتحسّر على وقت كان لنا فيه ملك كما لسائر الشعوب. فالله يريد لشعبه نظاماً خاصاً تكون السلطة بموجبه في يد الكهنة.
دوّن الكهنة هذه النصوص ليسندوا سلطانهم. وسيتحدّثون أيضاً عن شعائر العبادة التي تلعب دوراً أساسياً في حياة الجماعة. فما أوحاه الله أولاً لموسى على سيناء ليس الوصايا العشر أو دستور الشرائع، بل مشروع بناء معبد (خر 25- 31) سيقوم الشعب كله بتحقيقه (خر 35- 40). وبعد هذا نشهد رسامة الكهنة الأولين (هارون وابناؤه) واحتفالاتهم الأولى في المعبد (لا 8- 10). ولكن لا معبد للشعب في المنفى. غير أن النص يدلّ على أنهم سيعودون إلى البلاد ويبنون هيكلاً آخر يكون في قلب حياتهم. نحن هنا في خطّ سفر حزقيال. 
4- التجارب في البرية 
ليست تجارب البرية تجارب شرك وعبادة أوثان كما في التقليديين اليهوهي والالوهيمي حول العجل الذهبي: فجماعة المنفيين لا تحسّ بانجاذبات إلى آلهة الوثنيين. أنهّا أقوى من أن تسحرها هذه الآلهة. فالتجربة الكبرى هي رفض السير نحو الارض التي أعطاها الله: فإن أعطى الرب لشعبه فرصة العودة، فالويل لمن يثبّط عزيمة الشعب من الانطلاق في هذه المغامرة! وهناك تجربة أخرى، تقوم بأن يحتفل كل واحد على طريقته بشعائر العبادة (عد 16- 17: يدافع الكهنة عن حقهم في تنظيم كل شيء). 
وينتهي التاريخ الكهنوتي بموت موسى (تت 34: 7- 9). توفيّ الرئيس العظيم، ولكن خَلفَه يشوع. فالرب لا يتخلىّ عن شعبه. والتاريخ يتابع مسيرته. 

خاتمة 
إنطبع التاريخ الكهنوتي بالظروف التي فيها دوّن. إنه عمل سياسي: فهو يثبّت سلطة الكهنة. وهو ايضاً عمل من أجل الشعب: يسند عزيمة المنفيين وثقتهم بالمستقبل، ويدعوهم إلى تركيز كل قواهم على نداء الرب يجيبون إليه حين تدقّ ساعة العودة. فالله يهمّه شعبه وهو سيردّ له الارض التي أخذت منه. وهو اخيراً عمل لاهوتي دوّن لمجد الله الواحد. يؤكد هذا التاريخ أن الله يقود الكون كله، وأنه اختار بصورة مجانية شعباً يمثّله في هذا الكون.

 

 

الفصل التاسع والعشرون 

التاريخ الاشتراعي

وتكوّن في زمن المنفى كتاب تاريخ كبير يسمّى "التاريخ الاشتراعي" (نسبة الى تثنية الاشتراع)، وهو يتضمّن أسفار يشوع والقضاة وصموئيل والملوك. كيف ظهرت هذه المجموعة وبأي روح كُتبت؟ 

أ- تأثير تثنية الاشتراع
ما إن اكتُشف سفر التثنية على أيام يوشيا سنة 622، حتى كان تأثيره حاسماً. فقد تحوّلت حياة الشعب الدينية تحوّلاً عميقاً: ألغِيت المعابد المحلّية وتركزت كل شعائر العبادة في هيكل أورشليم. وحاول سفر التثنية أيضاً أن ينظر إلى حياة الشعب وإلى علاقته مع الله. يجب أن لا ننسى كل ما فعله الله لشعبه، وأن ندلّ على عرفاننا بالجميل، وعلى ثقتنا بالله متتبعين بالتفصيل كل وصاياه. وهكذا ينال الشعب السعادة والسلام. 
وجاءت الكارثة. فظنّ الذين انطبعوا بسفر التثنية أنه لا بدّ من فحص ضمير للشعب. لهذا عادوا إلى حياة الجماعة، وما اكتفوا بالأحداث القريبة. تأمّلوا في كل ما حصل منذ الخروج والإقامة في فلسطين. وألقى سفر التثنية ضوءه على هذه العودة إلى الذات.
إذن، ألّفوا خبراً كبيراً إنطلق من وصية موسى وامتد حتى المنفى (تسعمائة سنة ونيّف). جمعوا عدداً كبيراً من الوثائق (بعضها كان قد دوّن، والبعض الآخر كان شفهياً) وزادوا عليها عدداً من اللمسات والاعتبارات ليوجّهوا القارىء في استعادة الأحداث التي قادت الشعب إلى كارثة المنفى.
وهكذا تكوّنت مجموعة واسعة توزعت على أسفار يشوع والقضاة وصموئيل والملوك. كيف تبدو هذه الأسفار، وما الذي وجّه اعتبارات أولئك الذين دوّنوها؟

ب- من وثائق منعزلة إلى كتاب نهائي
كيف عمل الكاتب الاشتراعي؟ إستعمل ذكريات وأخباراً تتردّد في الشعب، كما استعمل وثائق مكتوبة حملها الناس معهم خوفاً عليها من الضياع. وتختلف هذه الوثائق بعضها عن بعض حسب الفترة التي تُعنى بها: مثلاً، لا نجد أرشيفاً رسمياً إلا في زمن الملوك وساعة بدأت الادارة تنتظم. ثم إن هناك رجالاً عظاماً مثل داود وايليا وأليشاع الذين وُجد من يكتب عنهم، إن لم يكن في حياتهم فحالاً بعد موتهم، أقلّه ذكريات متقطّعة. وكانت ذكريات محدودة حول بعض الملوك مثل عمري أو يربعام الثاني رغم شهرتهم السياسية. وأخيراً كانت أخبار شعبية حية في سفر القضاة (شمشون مثلاً). وقد يكون الكاتب وجد عدّة أخبار ووثائق عن الشخص الواحد. فما اختار، بل وضع الخبر بإزاء الآخر، أو دمج الخبرين فانتفى التماسك، أو ظهر التناقض في المعلومات. هذا ما يزعجنا. أما صاحب التوراة فاهتم بأن لا يضيع شيء من إرث الشعب. 
وهكذا بنى المؤلف الاشتراعي عملاً يتوزّع على مراحل سوف نتجوّل فيها. 

1- وصية موسى 
بدأ الكاتب مع وصية موسى أي سفر التثنية. تضمّن الكتاب في البداية ف 5- 26، 28. زاد عليه الكاتب مقدمة (ف 1- 3) تروي المحطات الأخيرة في عبور الصحراء، كما زاد ف 4، 27، 29، 30. وتحدّث في البداية عن وصايا الرب وحدّث الشعب عن معنى مصيره.

2- إحتلال أرض كنعان
بعد هذا، إنتقل الكاتب إلى احتلال أرض كنعان حول يشوع: ضمّ هنا أخباراً عن عمل الله العجيب من أجل احتلال الأرض (يش 1- 12)، وصورة عن اقتسام الأرض بين الاسباط الاثني عشر (يش 13- 21). ونصوصاً تدل على وحدة الشعب وإيمانه المشترك بالله المخلّص (يش 22- 24). 

3- حقبة القضاة 
وبدأت حقبة القضاة، فقرأ المؤمنون أخباراً قديمة عن أبطال ذاك الزمان المضطرب؟ وزاد الكاتب النظرة اللاهوتية والاعتبار الايماني. هذا ما يمثّل سفر القضاة وخبر صموئيل آخر "القضاة" (1 صم 1- 7).

4- تأسيس الملكية
وكفف صموئيل بتأسيس الملكية مع شاول. إستعاد الكاتب هنا تقاليد عديدة رافقتها تفاسير مختلفة للأحداث (1 صم 8- 15). 

5- داود
هنا دخل على المسرح داود، ذاك الملك المهيب والبطل الوطني، ورافقته أخبار مختلفة عن بداية حياته وصراعه مع شاول ووصوله إلى الحكم ووعد الله له. ثم سياسته الداخلية والخارجية، أو مغامراته الشخصية والعائلية، وإيرادته الاخيرة بأن يكون سليمان خلفاً له. هذه المجموعة الغنية والمتنوّعة تحتل 1 صم 16- 31؛ 2 صم كله؛ 1 مل 1: 1- 2: 11.

6- سليمان
وجاء سليمان فأنشد الشعب مجده وعظمته. لم تكن الوثائق كثيرة ولا مفصّلة، اللّهمّ فيما يتعلّق بالعمل الديني الذي هو بناء الهيكل، وهذا فعل مهم في خط سفر التثنية (معبد واحد). نقرأ خبر سليمان في 1 مل 2: 12- 11: 43.

7- حقبة الملوك
تغطّي حقبة الملوك ثلاثة قرون ونصف قرن من الزمن، مع خبر المملكتين المنفصلتين حتى سنة 721 (يرد خبر مملكة بموازاة خبر مملكة أخرى)، ثم مع خبر مملكة يهوذا وحدها. استعان الكاتب بالأرشيف الرسمي وبعدد من الوثائق الأخرى، فأعطى عن كل ملك لمحة موسعة أو مقتضبة مع التوسّع في بعض الأحداث.
وأدخل في هذه المجموعة (1 مل 12- 2 مل 24) ثلاث وثائق عن ثلاثة أنبياء تداخل عملهم مع عمل الملوك: إيليا (1 مل 18، 19، 21)، أليشاع (2 مل 1- 8. بداية أليشاع هي في الوقت نهاية ايليا)، أشعيا (2 مل 18- 20). 

8- الهزيمة والمنفى
ويروي الفصل الاخير (2 مل 25) خبر الهزيمة والمنفى، ويُنهي كلامه بحدث قصير هو في الوقت عينه علامة رجاء. بعد 37 سنة من المنفى (إذن سنة 561)، خرج الملك يوياكين من السجن ونال بعض الاكرام لدى ملك بابل (2 مل 25: 27- 30). هنا ينتهي التاريخ الاشتراعي. فالكاتب دوّن ما دوّن قبل صعود كورش والعودة من المنفى. غير أنه ترك الباب مفتوحاً أمام تدخّلات الله من أجل شعبه.

ج- الأفكار التي وجّهت الكاتب الاشتراعي
إجتمعت هذه الوثائق، فقدّمت للمنفيين لوحة شبه كاملة من تاريخهم. فمن الاهمية بمكان أن لا ينسوا الحاضر، ويتذكّروا كل الذين بنوا الجماعة الوطنية والدينية على مرّ العصور. غير أننا نعلم أن الكاتب الاشتراعي طمح إلى شيء آخر: إنطلق من تذكر الماضي ليصل الى فحص ضمير جماعي يقوم به في شعبه: نظرة إلى الوراء، حُكم على الماضي، موقف من أجل المستقبل. ولكي يدرك الكاتب هذا الهدف، زاد على وثائقه الاساسية سلسلة من المقاطع ألّفها (أو استعادها من الذين سبقوه في هذا الخط). مرة هي ملاحظة قصيرة تُقحم في مسيرة النص (مثلا، 1 مل 14: 22- 24). ومرة اخرى نجد تفسيراً طويلاً لمحطة مهمة في التاريخ (2 مل 17: 7- 23). ومرة ثالثة نقرأ خطبة وضعت في فم شخص من الاشخاص (1 مل 2: 2- 4).
إذن، ننطلق من هذه المقاطع التي "دوّنها" الكاتب الاشتراعي، فنستعيد الخطوط الكبرى لفكر لاهوتي يقدّمه لشعبه. 

1- موسى وداود
نلاحظ أولاً شخصين أساسيين هما موسى وداود.

أولاً: موسى
يحتل موسى بداية التاريخ الاشتراعي لأنه هو الذي يتكلّم في سفر التثنية. هو المشترع الذي ينقل إلى الشعب من قبل الله وصايا يجب أن يتبعوها لكي يحصلوا على السعادة. وفي ولْي التاريخ، ستُذكر "شريعة موسى" هذه عدداً من المرات. مثلاً، حين يعطي داود سليمان برنامج حكم (وهو برنامج يسري على الملوك اللاحقين) فهو يقول له: "إعمل بشرائع الرب إلهك، واسلك طريقه، تملك بفرائضه ووصاياه وأحكامه وإرشاداته، على ما هو مكتوب في شريعة موسى، لتنجح في كل ما تعمل وحيثما تتوجّه" (1 مل 2: 3؛ رج 2 مل 23: 25).
وهناك شريعة مهمّه بين هذه الشرائع: شريعة تث 12 التي تمنع وجود أي معبد محلي، وتركّز شعائر العبادة في موضع واحد (هيكل اورشليم). ويلوم التاريخ الاشتراعي الملوك العديدين الذين لم يحفظوا هذه الشريعة. في الواقع، كانت هذه المعابد أمراً عادياً حتى يوشيا، الذي اكتشف سفر التثنية وقرّر تطبيقه فدمّر المشارف (معابد مشرفة على المدينة، 2 مل 23: 1- 10). ولكن الكاتب الاشتراعي يعتبر أن هذه الفريضة تعود إلى موسى، ولهذا فهو يخطّىء كل الذين عبدوا الرب في هذه المعابد منذ زمن موسى. كانت هذه المعابد في نظره موضع عبادة الأوثان وسبباً للكارثة التي حلّت بالشعب: لقد عوقب اسرائيل لأنه لم يعبد الرب كما طلب منه الرب بلسان موسى.

ثانياً: داود 
داود هو مثال الملوك. إليك أجمل مديح يقال في ملك: "عمل ما هو قويم في عيني الرب كما فعل داود أبوه" (2 مل 18: 3؛ رج 1 مل 15: 11). ومقابل هذا، إذا أراد الكاتب ان يحكم على ملك قال فيه: "لم يصنع ما هو قويم أمام الرب مثل داود ابيه" (2 مل 16: 2؛ رج 1 مل 15: 12). بالاضافة إلى ذلك، إن أمانة داود جعلت المملكة تثبت في بيته رغم الملوك الاردياء. "إرتكب أبيام خطايا أبيه (رحبعام) جميعها ولم يكن قلبه للرب مخلصاً كقلب داود جده. إلا أن الرب رزقه إبناً إكراما لداود يخلفه في اورشليم ويوطّد سلامها، لأن داود عمل ما هو قويم في نظر الرب" (1 مل 15: 3- 5).
ويتوقّف الكاتب عند مشهد مهمّ، قد لا يعود إلى التقاليد القديمة؛ إن داود الذي اختاره الرب منذ صغره وكرّسه بيد صموئيل، قد نال بواسطة ناتان النبي مواعيد له ولنسله (1 صم 7). ولكن هل تدوم هذه المواعديد إلى ما لا نهاية له حين تتكاثر خيانات الملوك والشعب؟

2- تاريخ اسرائيل تاريخ خطيئة
في النهاية، كل تاريخ اسرائيل هو تاريخ خطيئة تجلب غضب الله. هذا ما يشدّد عليه الكاتب الاشتراعي بصورة خاصة في مقطعين مهمّين:

أولاً: مقدمة سفر القضاة
قبل أن يروي الكاتب خبر القضاة الاثني عشر، يعطي في مقدّمة تعليميّة (قض 2: 11- 17) الأفكار العامة التي ستتكرّر مع كل "قاضٍ" اهتم بشأن قبيلته. يبدو التاريخ بشكل حلقة تبدأ دوماً من جديد: ترك بنو اسرائيل الرب، جاءهم العقاب شقاء وهزيمة (نسبوها إلى الرب الذي منه كل شيء). وجدوا نفوسهم في طريق مسدود "فصرخوا إلى الرب" (3: 9؛ 10: 10...). حينئذ أرسل اليهم مخلصاً ينجّيهم. ولكنهم لا يعتّمون أن يسقطوا في الخطيئة من جديد، فتعود الأحوال إلى البداية. 

ثانياً: دمار مملكة الشمال 
يقدّم الكاتب اعتباراته حول دمار ملكة الشمال (2 مل 17: 7- 23). كان الشعب عبداً في مصر فنجّاه الرب. ولكن هذا الشعب لم يحافظ على الأمانة، بل ترك الرب وعبد الآلهة الكاذبة رغم نداءات الأنبياء المتكرّرة. لهذا غضب الرب فترك مملكة اسرائيل تُسحق بيد العدو. ولكن مملكة يهوذا لم تختلف عن اختها، وسيصيبها عقاب مماثل (2 مل 21: 10- 15). 

3- إلى الزوال
وقاد كل هذا إلى نتائج خطيرة: تكرّرت الخطيئة وتكرّرت فوصلت بمملكة يهوذا الى الزوال. كان يوشياً ملكاً أميناً، ولكنه لم يستطع الن يهدىء غضب الله الذي أثاره بصورة خاصة جدّه منسّى الذي تجاوز كل الحدود في عمل الشر (2 مل 23: 25- 27). 
ومع هذا، لا يجب أن نيأس. ففي التاريخ الاشتراعي سلسلة من النصوص تؤكد أن المنفى ليس نهاية كل شيء. قال موسى منذ البداية: "فإذا نزلت بكم كل هذه... وكنتم فيما بين الامم حيث رماكم الرب الهكم وعدتم إلى نفوسكم وتبتم إلى الرب إلهكم وسمعتم كلامه... يردّكم الرب من سبيكم (يحوّل الرب مصيركم) ويرحمكم ويعود فيجمع شملكم من بين جميع الأمم حيث شتّتكم، ولو كان الرب إلهكم شرّدكم إلى أطراف السماء" (تث 30، 1- 14).
والصلاة التي وُضعت على شفتي سليمان ساعة تدشين الهيكل، تستعيد المواضيع عينها: "إذا غضبتَ عليهم وهزمتهم أمام أعدائهم فسبوهم إلى بلاد بعيدة أو قريبة... إن صلّوا إليك، فاسمع من السماء صلاتهم واستجب لهم... فأنت اخترتهم لك شعباً حين أخرجت آباءنا من مصر" (1 مل 8: 46- 53). لا شكّ في أن الوضع خطير، ولكن هناك وسيلة لعودة الأمور إلى ما كانت عليه: صلاة إلى الرب وعزم على تبديل الحياة في المستقبل. وفي النهاية، خرج الملك المنفي من سجنه. فخروجه هو علامة خير لشعبه (2 مل 25: 27- 30). 

خاتمة 
هذا هو فحص الضمير الذي قام به الكاتب الاشتراعي لشعب اسرائيل. فالشقاء جاء من البعيد ولم يأتِ بالصدفة. إنه نتيجة خيانات متكرّرة على مرّ العصور. ومع هذا، فالإله الذي عاقب يستعدّ ليغفر ويعيد السعادة إلى لشعبه. فالعهد باقٍ كما هو، ويستطيع الشعب أن ينعم به إن هو شاء. هذا ما قاله ارميا النبي.
قد يبدو لنا هذا الكلام بسيطاً حتى الغباوة. فهل نقول إن الله يقود الأحداث السياسية فيعاقب ويجازي؟ نودّ أن نعبّر عن الامور بشكل آخر. سبب دمار اسرائيل ويهوذا عناصر موضوعوية: نصت امبراطورية اشورية ثم بابلونية، برزت قوة اقتصادية وعسكرية فسحقت الشعوب الصغيرة في فلسطين، وفي البلدان المجاورة. ولكن قد تقف شعوب صغيرة بوجه جيران أقوياء. وذلك بتضامن قوي وبعزم على الدفاع عن حضارتهم وبقوّاد يلتقون مع رغبات الشعب وآماله. هذا ما نقص لشعوب الشرق الاوسط. وضعف ايمان شعب الله، فما عادت له قوّة للمقاومة. أما المنفى فجعله يستعيد هذا الايمان.
ودلّ التاريخ الاشتراعي أن هذا المجهود قد بدأ. وانتشرت أفكار هذا الكتاب، فساندت مجهود الأفراد، وأنمت الوعي لدى الجماعة، وهيّأت المنفتين لتقبّل الأحداث التي تعلن نهاية منفاهم. هذه الأحداث تقبّلها أشعيا الثاني وفكرها، فكانت نوراً للعائدين في طريق يشبه إلى حدّ بعيد طريق الخروج من مصر والانتقال من عبودية البشر إلى الحرية مع الله.

 

 

الفصل الثلاثون

الحكم الفارسي

أتاحت انتصارات كورش لليهود المنفيّين في بابلونية أن يعودوا إلى بلادهم. فالذين استفادوا من القرار المحرّر الذي أعلن سنة 538، سيحاولون أن يخلقوا جماعة "وطنية" في فلسطين. ولكن الأمور لم تعد كما في السابق. فالاستقلال ضاع. وفلسطين صارت كلها مقاطعة صغيرة في امبراطورية واسعة، وعلى الجماعة اليهوذاوية أن تعيش في هذا الاطار السياسي الجديد: تحافظ على حقوقها المدنية والدينية، تحمي إيمانها وتقاليدها، وتتعامل مع إدارة نظمها الفرس شيئاً فشيئاً حتى سيطرت على كل مقاطعات الامبراطورية. 
سمّي هذا المنعطف في تاريخ شعب الله: الحقبة الفارسية، وهو سيمتد من سنة 538 إلى سنة 332 (أي: 200 سنة ونيّف). شكّلت فلسطين بموقعها الجغرافي منطقة حدودية بين مصر والامبراطورية الفارسية. حاول الفرس مراراً أن يحتلّوا مصر، وهذا ما ساعد شعوب فلسطين الصغيرة أن تلعب دوراً لا يتناسب وصغر حجمها. 

أ- حكم كورش (551- 530) والعودة من المنفى
بعد أن انتصر كورش على بابل (سنة 539)، ورث من دون حرب مناطق سيطر عليها البابليون في غربي الفرات، أي سورية وفلسطين، حتى حدود مصر التي أقاموا معها علاقات ودية. أما في الشرق فوصلت جيوش الفرس إلى البنجاب على نهر الهندوس. 
إستفاد اليهود من قرار كورش سنة 538، فانطلقت قافلة أولى إلى اليهودية بقيادة ششبصّر المتحدّر من سلالة داود، وتبعتها قوافل أخرى. ممّن تألّفت هذه المجموعات؟ إذا عدنا إلى اللوائح المحفوظة في سفرَيْ عزرا ونحميا، لاحظنا أن عدد الكهنة الذين عادوا الى البلاد كان كبيراً جداً (عز 2: 36- 39؛ نح 7: 39- 42)، فاهتموا بإعادة بناء الهيكل وتنظيم الخدمة الليتورجية التي توقّفت بسبب المنفى. أما اللاويون الذين جعلهم إصلاح حزقيال (44: 10- 14) في الدرجة الثانية بالنسبة إلى الكهنة، فلم يهتموا بالعودة (عز 2: 40؛ نح 7: 43). ورجع عدد كبير من العبيد والخدم او النتينيم (يعملون في تنظيم الهيكل، عز 8: 20). فلا خسارة لهم في مغامرة العودة (عز 2: 43- 58؛ نح 7: 46- 60). إذن، لعبت المنافع الاقتصادية دوراً في العودة لم يلعبه المثال الديني. فكم من عائلة غنيّة ظلّت في أرض المنفى واكتفت بأن ترسل إلى فلسطين العون المالي. 
إصطدم اليهود العائدون بصعوبات عديدة. فاليهودية تابعة للسامرة من الناحية الادارية. والناس الذين ظلوا في البلاد خافوا أن يطردهم الواصلون من أرض وضعوا أيديهم عليها. لهذا، سعوا بكل الوسائل أن يمنعوا محاولات إعادة بناء الهيكل وتنظيم الجماعة. تألّف السكان المحلّيون ("أهل الارض") من اسرائيليّين قدماء إمتزجوا بمستوطنين جاء بهم في الماضي الملوك الاشوريون. حافظ هؤلاء المستوطنون على عباداتهم القديمة وتبنّوا التعبّد للرب. لهذا أرادوا أن يشاركوا في إعادة بناء الهيكل. ولكن أحس العائدون أن ديانتهم هي مزيج وخليط، وهي بالتالي تشكّل خطراً على الشعب، فرفضوا عونهم. ثم إن أهل البلاد عارضوا مشاريع إعادة بناء اورشليم (عز 4: 1- 5).
تلك كانت الصعوبات السياسية. أما الصعوبات الاقتصادية التي واجهها العائدون، فقد كانت هي أيضاً عديدة جداً: لا مال، لا امكانيات مادية، جفاف ونقص في المواد الغذائية. أعاد المؤمنون بناء المذبح ومهّدوا موضع الهيكل، ولكنهم توقفوا عن العمل حتى سنة 520 (عز 4: 5- 24). وهكذا تبدّل حماس العودة إلى يأس وخيبة أمل.

ب- كمبيز وداريوس الأول
ترك كورش لابنه كمبيز (530- 522) مجموعة من الشعوب والأعراق والألسن. وحاول كمبيز أن يوسّع الامبراطورية باحتلاله مصر. إنتصر سنة 525. ولما أراد أن يضمّ الحبشة وواحات ليبيا، فشل. حينذاك إندلعت ثورة في ايران. دماذا كان كمبيز عائداً إلى بلاده، مات في سورية. 
وعلى أثر موت كمبيز، اندلعت حرب أهلية قمعها داريوس الأول (522- 486) خلال سنتين. ثم اهتم بتنظيم الإدارة، فقسم الامبراطورية إلى 20 مقاطعة، يحكم كل واحدة مرزبان يعاونه سكرتير للأمور الادارية وضابط للأمور العسكرية. إستقلّ هؤلاء الاشخاص الثلاثة الواحد عن الآخر، وتسلّموا أوامرهم مباشرة من القصر، فوجب عليهم أن يراقب الواحد الآخر. وكلّف موظفون آخرون بالتحقّق في فترات معيّنة من أعماله الارادة وولاء المرزابة. يهمنا في هذا التقسيم المقاطعة الخامسة التي شملت سورية وفينيقية وفلسطين بما فيها اليهودية.
وشرع داريوس الأول في بناء طرق تؤمّن الاتصالات السريعة في امبراطوريته الواسعة وتساعد على نموّ التجارة بتخفيض مصاريف النقل. فالطريق الملكية التي كان طولها 2700 كلم والتي كان قسم منها مبلّطاً، ربطت العاصمة شوش بسرديس ثم بأفسس على المتوسط. كانت القوافل تقطع هذه المسافة في 90 يوماً، والبريد الملكي في تسعة أيام. وزّعت المحطات على طول الطريق، والحاميات العسكرية في المواضع الستراتيجية، وبنيت الجسور العديدة. وأمّنت نقاط المياه على الطريق التي تربط بابل بمصر عبر شمال الامبراطورية. وتنظّمت الملاحة على الأنهر: أرسل سيلاخ ليتعرّف إلى منابع الهندوس. ونمت التجارة البحرية بين مصر والخليج الفارسي والهند. وبدأ داريوس بحفر قنال يربط المتوسط بخليج السويس، ولكن الأعمال توقّفت. 
فُرضت جزية منتظمة على كل مقاطعة، من أجل تمويل هذه المشاريع، من أجل مصاريف الجيش والقصر الملكي، من أجل بناء قصر في شوش. كانت تدفع هذه الجزية مالاً ومواد فتصل مثلاً بالنسبة إلى فينيقية وفلسطين وقبرص إلى ما يقابل 50 مليون دولاراً. ولكن هذه الضرائب الفاحشة أفقرت المقاطعات وخلقت تضخّماً مالياً في كل مكان: من كورش إلى داريوس الأول زاد سعر الأراضي المزروعة خمسين في المئة، وأجار البيوت 25 في المئة. ولن يتوقّف التضخّم عند هذا الحدّ. وهكذا تكوّنت بورجوازية اغتنت وزاد غناها بفضل التسهيلات التي تحدّثنا عنها، وعرف الشعب فقراً وصل إلى العوز والفاقة. وهذا ما تشهد عليه صفحات بيبلية: نح 5: 1- 5؛ أش 58: 1- 12؛ أي 24: 1- 11. 
ووسّع داريوس الأول امبراطوريته، فضمّ اليها تراقية ومملكة مكدونية. ولكن الحملة على اليونان فشلت في مراتون سنة 490.
في أيام داريوس أعيد بناء هيكل اورشليم. فقاد زربابل (من نسل داود) ويشوع (الكاهن الأعظم) قافلة جديدة من العائدين. وساندهما نبيان هما حجاي وزكريا. ورغم مقاومة حاكم السامرة، ثبّت داريوس قرار كورش. وبدأ العمل في الهيكل سنة 520 وانتهى سنة 515 (عز 5- 6). سمّي الهيكل الثاني. بدا حقيراً بالنسبة إلى الهيكل الذي بناه سليمان (حج 2: 3). سيكبّره هيرودس الكبير منذ سنة 19 ق. م. ولن تنتهي الاعمال إلا سنة 64 ب. م. (يو 2: 20).
خلال قلاقل اندلعت على اثر موت كمبيز، حلمت مجموعة من اليهود المتشيّعة لسلالة داود، بتكوين وطن مستقل (حج 2: 20- 23). ولكن تبخّر هذا الأمل مع انتصارات داريوس. وأخذ الكهنة يديرون الجماعة وعلى رأسهم عظيم كهنة (زك 3: 1- 10؛ 6: 9- 13).

ج- أحشويرش وأرتحششتا الأول
مات داريوس الأول فاندلعت قلاقل جديدة في الامبراطورية ولا سيما في مصر وفي بابل. وثارت بعض المقاطعات في أيام أحشويرش (486- 465)، فدلّت انها لم تعد تتحمّل أعباء المملكة. تغلّب أحشويرش على كل هذه الثورات، ولكنه لم ينجح في احتلال اليونان. هزم في سلامين وبلاتيس سنة 479 وعلى نهر اوريميدون سنة 469.
وبعد أن اعتلى ارتحششتا الأول (464- 424) العرش، ثارت مصر سنة 460 بمساندة أسطول أثينة. أعاد الملك الهدوء الى مصر ولكن بعد حرب دامت ست سنين.
حاول اليهود أن يعيدوا بناء أسوار أورشليم. إشتكت عليهم سلطات السامرة وأظهرت هذا العمل وكأنه محاولة تمرّد واستقلال، فأمر أرتحششتا بتوقيف الأعمال (عز 4: 7- 23؛ نح 1: 1- 3).
وأراد البلاط الفارسي أن يتأكد من ولاء هذه المنطقة المحاذية لمصر. فكلّف الملك سنة 445، أحد موظفيه (نحميا اليهودي) بمهمة رسمية. عليه أولاً أن يعيد تنظيم اليهودية وجعلها ولاية يحكمها والٍ مستقل عن إدارة السامرة. وثانياً أن يعيد بناء أسوار أورشليم (نح 2: 1- 8). سارت الأعمال على أحسن ما يرام رغم معارضة السلطات في المناطق المجاوة (نح 1: 11- 4: 17). واستفاد نحميا من إقامته في اليهودية فمنع القروض بالفائدة، لأنها كانت تجعل المديونين الذين لا يدفعون عبيداً للكبار (نح 5: 1- 13). أين العدالة الاجتماعية بعد روح الاخوة لدى العائدين من المنفى!
وأوكل نحميا سنة 433 بمهمة ثانية في اليهودية. فاصطدم من جديد بسلطات المناطق المجاورة كما اصطدم برئيس الكهنة في أورشليم الذي ارتبط بهذه السلطات بمنافع مادية وزواجات (نح 6: 17- 19؛ 13: 4- 30). بدأ نحميا بعدد من الاصلاحات فطرد الغرباء، ومنهم طوبيا، حاكم السامرة وضيف عظيم الكهنة (نح 13: 1- 9). وأمّن دخلاً للاويين الخادمين في الهيكل (نح 13: 10- 17)، وفرض احترام السبت (نح 13: 15- 22)، وسعى لإيقاف الزواج من الغرباء (نح 13: 23- 28). 
كان نحميا مؤمناً لا يعرف المساومة. كان من العوام (غير كاهن) فلم يخف من توبيخ الكهنة مستنداً إلى شرائع سفر التثنية. فالتقى في هذا المجال مع ملاخي الذي لاحظ في الوقت عينه حالة الانحطاط. لدى الكهنة (ملا 2: 1- 9). وهكذا نفهم معارضة الكهنة لنحميا (تهمهم سلطتهم بعد أن تلوّثت سمعتهم في التعامل مع طوبيا) الذي أعلن أنه لم ينتفع من وظيفته كحاكم ليغتني على حساب الشعب (نح 5: 14- 18). 

د- داريوس الثاني، أرتحششتا الثاني وآخر ملوك الفرس
وتمرّدت مصر من جديد. حاول داريوس الثاني (424- 404) أن يقمع التمرّد، ولكن محاولته باءت بالفشل. وهكذا تحرّرت هذه المقاطعة تدريجيّاً من سلطة الامبراطورية. وكانت مستوطنة عسكرية مؤلفة من مرتزقة يهود أقاموا على النيل في الفنتين (جزيرة الفيلة)، فدمّر الشعب هيكلها لأنها أرادت أن تبقى على ولائها للملك الفارسي. وقد اكتشفت في هذا المكان وثائق تعطينا معلومات عن هذه الحقبة المضطربة.
ما استطاع ارتحششتا الثاني (404- 359) أن يمنع مصر من إستعادة استقلالها حوالي سنة 400. لهذا، حاول أن يعيد تنظيم فلسطين. ففي السنة السابعة لملكه (أي سنة 398) أرسل سكرتيره الرسمي (عزرا الكاهن اليهودي) وأوكله بمهمة توحيد السامرة واليهودية على أساس وحدة دينيّة. فاليهود والسامريون يعبدون الرب الذي يسمّيه الفرس "إله السماء". ومنحهم أرتحششتا وضعاً خاصّاً شرط أن يتّحدوا حول معبد أورشليم وعظيم الكهنة فيه. هذا الوضع الجديد الذي سمّي "شريعة إله السماء" (عز 7: 21) يهدف إلى إعادة تنظيم شعائر العبادة (عز 7: 15- 23) تحت امرة الكهنة وخدّام الهيكل المعفَين من الضرائب (عز 7: 24). 
وشريعة الدولة هذه جاءت تكفل نصوصاً قديمة وتزيد شرائع عبادية عُمل بها في الهيكل الثاني. فهي تؤمّن الحقوق عينها للمواطنين والغرباء المقيمين في فلسطين (لا 22:24) عكس شرائع تث 23: 3- 8 التي اتّبعها نحميا. 
كان باستطاعة عزرا أن يصالح اليهود والسامرين برئاسة كهنوت اورشليم. قبل الكهنة بهذا الاصلاح لانه يعود لصالحهم. ولكن جاءت المعارضة من اللاويين والعوام (عز 10: 5). فاللاويون صاروا خدّام الكهنة لا مساوين لهم. لهذا لم يرافق عزرا أحد من بني لاوي (عز 8: 15- 20). ومع ذلك، سيطر عظماء الكهنة على الحياة الدينيّة في الجماعة اليهودية. والسامريون الذين تصالحوا فترة وجيزة مع اليهود أخذوا بتشريع عزرا وأسفار موسى الخمسة كما "نشُرت". 
ووجب على أرتحششتا الثالث (359- 337) أن يقمع ثورات مقاطعتي سورية وآسية الصغرى. واستعاد مصر سنة 343. وقامت المنازعات على السلطة بعد موته. وما ان اعتلى داريوس الثالث (335- 331) العرش، حتى سقط أمام الاسكندر الكبير الذي اجتاح الامبراطورية الفارسية. 

هـ- تحوّلات في العالم اليهودي
إن هذا التاريخ القلق الذي عاشه الشعب اليهودي خلال الحقبة الفارسية يتيح لنا أن نفهم التحوّلات السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية في الجماعة اليهودية، وهي تحوّلات أثّرت على كتابات بيبلية ظهرت في تلك الحقبة.

1- انتظار ملك مسيح
أعلن أشعيا الثاني أن كورش، الملك الوثني، هو "مسيح مخلّص" (إختاره الله ليخلّص شعبه)، فلمِ يعد الناس يثقون بانتظار ملك مسيح يتحدّر من داود. وُضعت بعض الامال في ششبصر ثم زربابل اللذين هما من نسل داود، ولكن هذه الامال انطفأت بسبب التسلّط الفارسي الذي لم يترك للشعب اليهودي أي حظ ياستعادة الاستقلال الوطني. فكل محاولة في هذا الخط كانت موضع شك حتى عند شخص من العوام هو نحميا (نح 6: 5- 7). غير أن غياب السلطة المدنية جعلت المجال مفتوحاً أمام كل المحاولات. 
2- سلطة الكهنة
فشهدنا حينئذ صعوداً بطيئاً لسلطة الكهنة. كانوا كثيرين في قوافل العائدين، فاستفادوا من القوى التي عملت في بناء الهيكل ليدعموا سلطتهم بشكل متصاعد. حلّوا محل السلطة المدنية الغائبة، فأتاحوا للشعب أن يحافظ على استقلال ذاتي في ظل سلطة أجنبية، وأن يمارس إيماناً لا تسنده بُنى دولة مستقلّة.
فلولا الكهنة والهيكل والتقاليد الدينية، لكانت الجماعة ضاعت وذابت. فسلطة الكهنة مع رئيسهم لم تكن فقط سلطة روحية. فمعاهداتهم مع سلطات السامرة والمناطق المجاورة دلّت على تأثيرهم في الحياة الاقتصادية والسياسية. وسيندّد الانبياء بانغمالس الكهنة في مثل هذه لا السياسة" (أش 56: 9- 12؛ ملا 1: 6- 2: 9)، كما ندّد سابقوهم بأعمال الملوك والعظماء قبل المنفى.

3- وضع الشعب
لم يكن وضع صغار القوم في ظلّ هذه السلطة الجديدة أفضل مما كان عليه في السابق. فالضرائب القاسية التي فرضها ملوك الفرس، والبحث عن الغنى السريع لدى البورجوازية منذ أيام داريوس الأول، والتضخم المتصاعد، كل هذا جعل الشعب في حالة سيّئة جداً. فالآلة الادارية الضخمة التي نظّمتها السلطة الفارسية لم تكن تتسامح مع أحد. ولهذا سنرى اناساً يدافعون عن المساكين مثل نحميا (نح 5: 1- 13) واشعيا الثالث (أش 57: 1؛ 58: 1- 12؛ 61: 1- 2)، وحكيم مثل صاحب سفر أيوب (أي 24: 1- 11).

4- تأثير الايمان
وتبع هذا الوضع خيبة أمل ولّدت الشكّ بفاعلية الايمان وبأهمية الثقة بالله. هذه التساؤلات نجدها عند الانبياء (ملا 2: 17؛ 3: 13- 15؛ أش 59: 1؛ 66: 5)، في مزامير ألّفت في تلك الحقبة فأشارت إلى قلق وطني (مز 86: 5- 8؛ 94: 1- 7) أو إلى ضياع لدى الأفراد (مز 10: 1- 13؛ 14: 1- 4؛ 72: 2- 13).
عاش الشعب وضعاً من الفقر والذلّ، فتساءل عن سرّ الامل. وحاول ان يفهم نتيجة خيانات الشعب: حينئذ توسّعت صلوات وليتورجيات التوبة (عز 9: 1- 15؛ نح 1: 4- 11؛ 9: 1- 37؛ أش 59: 1- 20؛ 63: 7- 64: 11؛ يوء 2: 15- 17).
ووُلدت مجموعات من الأتقياء سمّت نفسها "مساكين الرب". قبلوا الألم والفقر لقاء حياة حميمة مع الله لا يحطّمها حتى الموت (مز 37؛ 49؛ 73). وسيرفع أيوب صوته أمام الله حين يرى آلام الأبرياء. 
5- الشمولية 
ضاع اليهود في هذه الامبراطورية الفارسية، إلا أنه كان لهذا الوضع حسنات: فتحهم على الشمولية ومنعهم من الانغلاق على ذواتهم. فأهلهم يقيمون في بابلونية أو في مصر. وتمّ بين هذين القطبين تبادل، فارتسمت الوحدة في قلب الشتات لا على مستوى الأرض، بل على مستوى الايمان الواحد والتقاليد والعادات الواحدة، بانتظار الاسفار البيبلية الواحدة. غير أن أرض الآباء والهيكل ظلاّ حتى لليهود البعيدين عن فلسطين نقطة يعودون إليها ليحيوا إيمانهم. واعتاد المؤمنون فيما بعد أن يحجّوا إلى الارض المقدسة وأن ينهوا حياتهم في أورشليم (أع 2: 5- 11).
هذه الشمولية هي أساس بعض مؤلفات تلك الحقبة: يونان، راعوت، أيوب، بعض مجموعات سفر الامثال. وسيظهر تأثير الديانة الفارسية في الدور الذي أعطي للملائكة والشياطين في الأدب البيبلي في ذاك الوقت. والأرامية التي كانت لغة الامبراطورية الرسمية، صارت شيئاً فشيئاً اللغة المحكية في فلسطين. بل سيطرت على عبرية بعض الاسفار البيبلية، وهذا ما يساعدنا على تحديد الزمن الذي كتبت فيه. ولا ننسى أن يسوع نفسه حدّث الناس بالارامية.

6- الكتابات البيبلية
وأحسّ الشعب بضرورة تماسكه بتعلّقه بالإيمان، بأمانته للتقاليد الدينية بعد أن غاب كل سند سياسي أو وطني. لهذا برزت الكتابات البيبلية. فقام نشاط أدبي كبير فجمع أسفار الشريعة في البنتاتوكس، ثم أسفار الانبياء والمزامير. أعيدت قراءة هذه الكتب وأوّنت بالنظر إلى المسائل المستجدّة التي طرحت على الجماعة. ويبدو أن عزرا الكاهن والكاتب لعب دوراً كبيراً في هذا المجهود لجمع ما سيُسمّى فيما بعد: بيبليا أي الكتب (المقدسة) والكتاب المقدس.
وقراءة التوراة مع الشروح والصلوات والمباركات ستصبح نواة الليتورجيا في المجامع. فالمجمع هو في الوقت عينه جماعة الصلاة والمكان الذي فيه تلتئم هذه الجماعة. ولنا مثال عن هذا الاجتماع للصلاة في نح 8: 1- 8. وستنتشر "بيوت" الصلاة في أيام الفرس، وتصبح ضرورية ليهود الشتات البعيدين عن الهيكل، بل لليهود العائشين في فلسطين نفسها. فكلمة الله التي يقرأها الشعب ويتأمل فيها صارت قلب التقوى اليهودية التي يعبّر الشعب عنها في مزامير تنشد في ذاك الزمان جمال شريعة الله (مز 1؛ 19: 8- 15؛ 111؛ 112؛ 119).

 

 

الفصل الحادي والثلاثون 

الأدب النبوي

عرف النتاج الأدبي خلال الحكم الفارسي اتجاهين إثنين. من جهة، برزت مؤلفات صغيرة هي مجموعات من وثائق تاريخيّة، هي كتب أنبياء، هي أسفار حكمة. ومن جهة ثانية، عرفت هذه الحقبة عمل "نشر" ما دوّن سابقاً، وجمعاً لتقاليد الماضي. وهكذا تكوّنت مجموعة الامثال والنسخة النهائية لسفر ارميا، وربما اشعيا، واسفار موسى الخمسة والمزامير. 
نتحدّث في هذا الفصل عن الأدب النبوي مع حجاي وزكريا وعوبديا وملاخي ويوئيل. ونترك الى فصلين لاحقين الكلام على الأدب الحكمي وسفر المزامير. 

أ- حجاي 
يفهمنا سفر حجاي أن النبي تدخّل في حياة الشعب بين شهر آب وشهر كانون الاول سنة 520. فموت كمبيز سنة 522 ولّد عدم استقرار في السياسة، وحرّك. الأمل باستقلال وطني في يهوذا (حج 2: 6، 20- 22). وصل زربابل، وهو من أصل ملكي، ومعه قافلة من العائدين. أيكون هو داود الجديد؟ فأثار حجاي الحماس في الناس ليعيدوا بناء الهيكل بانتظار عودة ملكية داود (حج 2: 23). ولكن ذاك كان حلماً. 

ب- زكريا
يبدو أن سفر زكريا مؤلّف من كتيبّين مستقلين جُمعا معاً فيما بعد.

1- زكريا الاول (ف 1- 8)
أخذ زكريا المشعل من حجاي في تشرين الاول سنة 520 (1: 1)، وامتد نشاطه حتى تشرين الثاني سنة 518 (7: 1). وجب عليه أن يواجه وضعاً سياسياً آخر: عاد الهدوء إلى البلاد بعد انتصارات داريوس (1: 11) فضاعت الآمال بالاستقلال، وحلّ محلّها اليأس وخيبة الأمل. فنتج عن ذلك في داخل الجماعة عودة إلى الظلم الاجتماعي والرشوة في المحاكم (5: 3-5؛ 8: 10- 17).
نُشر الكتاب بعد أن وضعت فيه اللمسات الاخيرة في الحقبة الهلينية، وزيدت عليه المقدمة (1- 2- 6). وهكذا اشتمل الكتاب على رؤى (1: 7- 6: 15) وخطب (ف 7- 8).

أولاً: الرؤى 
تعود الرؤى إلى شهر شباط سنة 519 (1: 7)، وقد كانت في الاصل سبع رؤى. دوّنت الأولى (1: 7- 17؛ 2: 1- 4؛ 2: 5- 9) والأخيرة (5: 1- 4؛ 5: 5- 11؛ 6: 1- 8) لتشجّع الجماعة التي خاب أملها أمام الوضع الجديد. وهي تحيط برؤية 4: 1- 4 التي تتحدّث عن المسؤولين عن الشعب في زمن النبي: زربابل المتحدّر من نسل داود. ويشوع عظيم الكهنة. دُعي الاول لينال التكريس الملكي والثاني التكريس الكهنوتي. وهكذا تطلّع زكريا إلى حكم يشارك فيه الأمير والكاهن.
ولكن حين تبخّر حلم إعادة الملكية، صار رئيس الكهنة الرئيس الحقيقي للجماعة. حينئذ زيدت رؤية ثامنة (3: 1- 10) تدل على المكانة المتزايدة التي احتلها كهنة أوكلوا أولاً بادارة أمور الهيكل. ثم إن فعلة التتويج عنت أولاً زربابل، ثم انتقلت إلى يشوع، عظيم الكهنة (6: 9- 15). تدلّ هذه اللمسات على أن القول النبوي أوّن ليعطي صورة حقيقية عن الوضع الجديد.

ثانياً: الخطب 
تبدو الخطب بشكل جواب يقدّمه النبي على سؤال طرح عليه: هل نحافظ على أيام الصوم التي تتذكر سقوط أورشليم ودمار الهيكل الاول سنة 587؟ أجاب زكريا: يجب ان تكون هذه الايام أيام عيد (8: 19). غير أن العيد لن يكون حقيقياً إلا إذا عمل كل واحد على بناء ظروف حياة إجتماعية عادلة في البلاد (8: 1- 17).

2- زكريا الثاني (ف 9- 14)
يبدو زكريا الثاني مرتبطاً بدخول الاسكندر الكبير على مسرح الشرق الأوسط.

أولاً: لو تدخّل الله
أثار وصول اليونانيّين وسقوط الفرس نفحة أمل لدى الشعب اليهودي: فقد رأوا في هذا التحوّل علامة على تدخل الله. وأمل زكريا هو أيضاً. إلا أن خبرة الأجيال القديمة علّمته أن لا ينتظر اصلاحاً يقوم به البشر. لهذا تطلّع إلى تبدّل كامل ونهائي تكون المبادرة فيه لله وحده. 
إذن، أراد زكريا بكتابه أن يوجّه أمل شعبه، وهذه الامل اسمه "المسيحانية". فالله يفعل بواسطة شخص يختاره ويمسحه بالزيت فيكون مسيحه ومرسله. 

ثانياً: أمل جديد
أنشد زكريا الثاني الأمل الجديد الذي يدغدخ الشعب اليهودي، بطريقة شعرية لا بشكل منطقي. ونحن نكتشف في كتابه قسمين: 

* الأول، ف 9- 11 
إن إعادة بناء يهوذا تمرّ بتنقية الشعوب المجاوة (9: 1- 8) وتحرير الأسرى (9: 11- 17؛ 15: 3- 12). وهذا البناء هو عمل يقوم به الله بواسطة مسيح ملك (9: 9- 10). ولكن رعاة أردياء جعلوا هذا "المسيح" يفشل، فلا يصل عمله إلى هدفه. لقد خاب الأمل (ف 11).

* الثاني، ف 12- 14
ساعة بدا كأن كل شيء ضاع، أعلن الرب تجديد العهد مع شعبه (3: 17- 9) بفضل مرسله الذي طعنه البشر (12: 1- 13: 1). حينئذ يُقام مُلكه (ف 14)، ملك عدالة وسلام، ملك يجمع كل الشعوب حول أورشليم. لقد تمّ الأمل.

ثالثاً: صرخة زكريا الثاني
أثار زكريا الثاني رجاء عظيماً: سيُولَد عالم جديد، ويكون عمل الله لا عمل البشر. يبدو وجه مرسل الله غامضاً. فيعطينا الكتاب عنه صوراً متعدّدة: صورة الملك المتواضع والمسالم (9: 9- 210). صورة الراعي الصالح (11: 4- 17؛ 13: 7- 9). صورة كائن يكون موته ينبوع حياة (12: 9- 14) على مثال عبد الله المتألم (أش 52: 13- 53: 12).
سيرى تلاميذ يسوع في هذه اللوحات المختلفة وجه معلّمهم وعمله. لهذا كان زكريا الثاني مهماً رغم ما فيه من روح وطنية ضيّقة لا ترى الخلاص إلا حول أورشليم. 

ج- عوبديا
يهاجم النبي ادوم الذي خان أخاه يعقوب ساعة أخذت أورشليم سنة 587. قد يكون هذا السفر دوّن في زمن المنفى، أو بعد ذلك الوقت بقليل. ساعة بدا وكأن كل شيء ضاع، رأى النبي رؤية: الله يعلن مجيء يومه، إنه سيد التاريخ وهو يتدخّل ليقيم ملكه.

د- ملاخي
يبدو هذا الكتاب بشكل سلسلة من الجدالات بين النبي ومختلف أفراد الجماعة الذين يوبّخهم على تجاوزاتهم وبُعدهم عن العدالة.
بدأ ملاخي فندّد بإهمال الكهنة لواجباتهم خلال الاحتفالات، وتخاذلهم في تعليم الشعب (1: 6- 2: 9). ثم شجب الزواجات مع "غريبات"، لأنها ينبوع فتور في الايمان (2: 10- 12). كما شجب طلاقات تتم بخفّة وسرعة (2: 13- 16). ولام النبي المتأخرين عن دفع العشور الضرورية من أجل الهيكل (3: 6- 12). وقدّم النبي جواباً للذين يتّهمون الرب بأنه يترك الاشرار ينجحون، فأكّد أن يوم الرب قريب وهو سوف يجازي (2: 17- 3: 5؛ 3: 13- 21).
أما مرسل ذاك اليوم، فسيكون إيليا النبي الذي سيعود إلى الأرض (3: 22- 23). نجد صدى لهذا الرجاء في الأناجيل: فيوحنا المعمدان هو إيليا الجديد، وهو مرسل الرب (مر 1: 2؛ 9: 11- 13).
متى تدخّل ملاخي في حياة شعبه؟ قبل مجيء نحميا بزمن قليل (حوالي سنة 460). فردّة فعل نحميا ستكون قاسية ضدّ التجاوزات عينها التي ندّد بها النبي ملاخي. 

هـ- يوئيل 
عُرف النبي يوئيل خاصة بالفصل الثالث الذي يرد في خطبة العنصرة في أع 2: 17- 21.
يصوّر الكتاب أولاً هجمة جراد على البلاد (ف 1- 2). فهذه النكبة هي في نظر النبي علامة تسبّق على مجيء يوم الرب (1: 15، 2: 1- 11؛ 4: 14). وأمام الكارثة الاقتصادية، دُعيت الجماعة إلى ليتورجية توبة (1: 13- 14؛ 2: 15- 17). لا يلوم يوئيل الشعب على خطيئة محدّدة أو تجاوز معيّن، بل على اكتفائه بذاته، على اطمئنان مفرط أمام الوضع: أقام كل واحد في طمأنينة ترفة بعد العودة من المنفى، ورضي بشعائر عبادة تجدّدت على اثر اصلاحات نحميا وعزرا. ونسوا أن الله لم يقل بعد كلمته الاخيرة، وأن تدخّله قد يقلب التاريخ رأساً على عقب.
لهذا أعلن يوئيل أنه سيأتي يوم فيه يفيض الرب روحه على كل أعضاء شعبه فيصبحون أنبياء (3: 1- 5). في ذاك اليوم تتبدّل الأوضاع: فالأمم التي اضطهدت شعب الله سوف تُعاقب، وشعب الله يعرف ربّه ويعيش في الخير ووفرة الغلال (4: 1- 21).
متى دوّن سفر يوئيل؟ بعد اصلاحات نحميا وعزرا، أي بين سنة 400 وسنة 350. ما يدلّ على ذلك هو لغّة يوئيل وما أخذه من الانبياء سابقيه، وذكرُ طقوس دينيّة لم يُعمل بها قبل المنفى، ووضعُ جماعة يحكمها الكهنة والشيوخ.

 

 

الفصل الثاني والثلاثون 

الادب الحكمي

وبرز أدب جديد هو الأدب الحكمي. نتعرّف إلى بعضه في حقبة الحكم الفارسي، ونعود إلى القسم الآخر في الحقبة الهلنستية التي عرفت حضارة يونانية حاولت أن تتفاعل مع أسفار التوراة المطبوعة بالطابع الشرقي.

أ- سفر الامثال
يضمّ سفر الامثال مجموعة من الأقوال المأثورة والعبادات المختلفة عمّا يمارسه البشر في عملهم، في حياتهم العائلية والاجتماعية، في بحثهم الديني. وقد تكوّن بصورة نهائية خلال الحقبة الفارسيّة. فانزادت على مجموعات ما قبل المنفى: "اقوال آجور" (30: 1- 14)، وأقوال لموئيل (31: 1- 9) التي أُخذت من كتب حكمة أجنبية رأى فيها شعب الله اهتماماً بالعدالة من أجل صغار القوم (30: 14؛ 31: 4- 9). وأقحمت بين هاتين المجموعتين "أمثال عددّية" (30: 15- 33). سمّيت كذلك لأنها بُنيت على تدرّج عددي (3، 4) عُرف مع عا 1: 3- 2: 6.
أما الرفد الأهم الذي حصل عليه الكتاب فهو البداية (ف 1- 9) والنهاية (31: 10- 31). نجد فيهما تعليماً يوجّهه معلّم لتلميذه الذي يسمّيه ابنه (1: 8). يحذّره من حياة المجون ويدعوه لكي يبقى أميناً للتربية التي نالها، ويحب القريب (2: 27- 35). ويلحّ عليه مرات عديدة بمقاومة تجربة الزنى محذراً إياه من "المرأة الغريبة" أي امرأة غيره (2: 16- 19؛ 5: 1- 23؛ 6: 20- 35؛ 7: 5- 27). وهذا التشديد يكشف مناخاً اخلاقياً جديداً يردّ عليه ايضاً النبي ملاخي (2: 14- 16). وعن حرية بل تحرّر تعيشه المرأة في المجتمع، أقله في الطبقات الاجتماعية العليا. فالبيت الغني الذي يصوّره 7: 16- 21 هو بيت تاجر كبير، وسيدة البيت في 31: 10- 31 تعيش حياة بورجوازية. ويستفيد الكاتب من المناسبة لينشد جمال الحب بين الرجل وامرأته (5: 15- 19) بلهجة تذكّرنا بنشيد الاناشيد.
وتمتزج بهذه التعاليم مقاطع تبدو فيها الحكمة كأنها شخص يتوجّه إلى البشر (1: 20- 33؛ 8: 1- 36؛ 9: 1- 6). من هي هذه الحكمة المشخصنة؟ لاحظ الناس منذ بداية تفكيرهم أن الشرائع تشرق على الكون، على سلوك البشر، على تقنيات العمل. واستنتجوا تدريجياً ان هناك نظاماً يسود الكون، أن الكون ليس شواشاً غامضاً. فالكون معناه فيه. فاكتشاف هذا النظام ومعنى الاشياء وقيمة الانسان، وجعل سلوكنا مطابقاً للنظام، يعني أننا نعطي نفوسنا أفضل الوسائل لننجح في عملنا، في بيتنا او في إدارة البلاد. هكذا يكون الانسان حكيماً هكذا يمتلك الحكمة. 
قاسَم شعب التوراة هذه الحكمة مع سائر الشعوب التي أحاطت به. وحين طرح السؤال: من أين جاءت الحكمة؟ ما الذي يعطي معنى للكون ولحياة البشر؟ أجاب الكاتب الملهم: جاءت من الرب. فقبل أن يبدأ الرب عمل الخلق "ولد" الحكمة، وهذا ما أعطى الكون المخلوف معناه، وأمّن له جماله وتناسقه (8: 22- 31). إذن، هذه الحكمة هي لغة مسكونية يستطيع كل إنسان أن يفهم تعليمها حين يبحث عن معنى لحياته وللعالم (1: 20- 22؛ 8: 1- 21؛ 9: 1- 6).
وسيتواصل هذا التفكير حتى يصل إلى زمن العهد الجديد. وسيساعد الكنيسة على فهم دور المسيح في الخلق والتاريخ (يو 1: 1- 5؛ أف 1: 3- 10؛ كو 1: 12- 20). 

ب- سفر يونان
سفر يونان هو اعتراض ضد الخاصية اليهودية التي نمت في الحقبة الفارسية. فعلى أثر اصلاحات عزرا ونحميا، إهتمت الجماعة إجمالاً بشدّ الرباطات التي تؤمّن تماسكها: إعادة تنظيم العبادة في الهيكل، رفض الزواج مع الغرباء، تجميع الكتب المقدسة. ولكن هذه الاعمال عرّضت الجماعة للانغلاق على نفسها.
أما كاتب سفر يونان فوجّه نظره إلى العالم. قدّم في خبر شعبي نبياً يهودياً أعطاه اسم يونان (أي: الحمامة) ملمحاً بدعابة الى نبي آخر اسمه يونان قد ساند سياسة يربعام الثاني الوطنية (2 مل 14: 25).
رمز يونان إلى هذه الجماعة التي نسيت دعوتها الشاملة: كلّف بمهمّة لدى الوثنيين، فلم يؤمن بأن تعليمه قد يُسمع. لهذا حاول أن يتهرّب من كلمة الله. أما الوثنيون الذين التقاهم فاكتشفوا الرب وعادوا إليه (1: 5- 14؛ 3: 4- 10). غير أن يونان بدا مغضباً حتى الموت حين لاحظ أن حب الله يتغلّب دائماً على قراره بأن يعاقب، ولا سيما اذا كان الخاطئون غرباء عن شعبه (4: 1- 2).
ويسوع لم يفهمه معاصروه لأنه استقبل الخطأة والوثنيين. فأحالهم إلى شهادة سفر يونان (مت 12: 38- 41؛ لو 11: 29- 2).
دوّن سفر يونان بين سنة 400 و سنة 350 اما المزمور (ف 2) فقد أقحم فيما بعد. كتاب يونان قريب من كتب أخرى تعترض على العقلية العامة التي تسيطر على اليهود في أيام الفرس. إنه يشبه سفر راعوت وسفر أيوب.

ج- سفر راعوت
كتيّب شيّق يصوّر عادات وأعمال ذاك الزمان، في أيام القضاة (1: 1؛ 3: 1 ي). إنه يروي كيف وُلد جد داود الملك من امرأة غريبة هي راعوت الموآبية. إمتُدحت هذه المرأة لأنها تضامنت مع الرب ومع شعبه. 
ولكن من خلاك هذه القصّة التقوية التي تحتفظ بلا شك بذكريات تاريخية (حسب 1صم 22: 3- 4، كان لداود أقارب في أرض موآب)، نجد اعتراضاً على قساوة نحميا وعزرا اللذين منعا الزواج بنساء غريبات. فدلّ راعوت أن مثل هذه الزواجات لا تقود حتماً إلى التخلّي عن الايمان. وصاحب الكتاب الذي يلتقي والتيار المعارض لعزرا (عز 10: 5) سينضم إلى مجهود من أجل الانفتاح نجده في سفر يونان وسفر أيوب. وحين يجعل متى راعوت في نسب يسوع (مت 1: 5) فهو يسير في الخطّ عينه فيجعل الغرباء والخاطئين في سلالة يسوع. فجميع. الناس هم إخوته.

د- سفر ايوب
ينطلق سفر أيوب من خبر نثري قديم (ف 1- 2؛ 42: 7- 17) أصله من خارج فلسطين وقد يعود إلى القرن العاشر أو التاسع. بعد المنفى أدخل اليه شخص الشيطان الذي بدأت صورته تتوضّح في ذلك الزمان (زك 3: 1- 2).
يروي هذا الكتاب كيف أن أيوب امتحن لتُعرف امانته: هل هي متجرّدة، هل تطلب منفعتها؟ حُرم أيوب من كل خيراته، من أولاده؛ ضربه المرضى ومع ذلك ظل ثابتاً في ايمانه متكلاً على الله رغم نصائح امرأته. مقابل هذا غمره الله بخيراته من جديد.
في القرن الخامس ق. م أدخل كاتب نجهل اسمه داخل الخبر القديم حواراً شعرياً طويلاً بين أيوب وثلاثة من اصدقائه (ف 4- 27). وسبق هذا الحوار مونولوج (ف 3) وتبعه مونولوج آخر (ف 29- 31). تكلّم الأصدقاء على التوالي في ثلاث سلاسل من الخطب (ف 3- 14؛ 15- 21؛ 22- 27) قطعتها أجوبة أيوب. وتبع هذه الحوارات جواب الله (38: 1- 32: 6). هذا هو أهمّ قسم في الكتاب.
وجاء كاتب في القرن الرابع فاقحم خطبة شخص رابع هو اليهو، صديق ايوب (ف 23- 27). كما أقحم ف 28 الذي يبيّن أن الحكمة بعيدة عن الانسان المتروك على أمره.
في الخبر كان أيوب صامتاً امام ألم لم يستحقة. في الحوار الشعري نجده عاتاباً على الله الذي يترك البريء يتألم ساعة ينجح الأشرار والخطأة. حاول اصدقاؤه مراراً بأن يقنعوه أن محن البار لا تدوم طويلاً، وأنه سيجازى خيراً على أعماله، وأن الاشرار يعاقبون دائماً (5: 18- 27؛ 8: 2- 22؛ 15: 17- 35؛ 18: 5- 21؛ 20: 4- 29). أما أيوب فيعرف بالاختبار أن الامور ليسست دائماً هكذا (9: 22- 24؛ 21: 3- 34). أن العمال المياومين يُستغلون دون أن يبدي الله اهتماماً بهم (24: 1- 11). هل يقرّ أيوب بخطيئته ليجعل الله واصدقاءه على حق (4: 17- 21؛ 15: 14- 16؛ 25: 4- 6)؟ لا فأيوب متمسّك بكرامته. وهو باسم براءته يقيم دعوى على الله (13: 1- 27؛ 31: 25 - 37). 
واتهم أيوب الله لأحكامه الاعتباطية: إنه دوماً على حق لأنه الأقوى (9: 1- 10: 22). يجعل الانسان البريء هدفاً لسهامه (16: 6- 17) ويقتلع له رجاءه (19: 7- 21). وهاجم أيوب صلاح الله الذي خلق الانسان للسخرة والموت (7: 1- 8؛ 14: 1- 22؛ 30: 18- 23). فالله يتجسّس على الانسان ليجد ذنباً قليلاً يعاقبه عليه (7: 12- 21؛ 13: 20- 27). ويلوم أيوب الله خاصة على صمته، على ابتعاده عن الانسان الذي يطلب جواباً على أسئلته (9: 3 23: 1- 17: 30: 20). ومع هذا، فعنف اتهام أيوب لله يبقى كلام مؤمن. هو لا يهاجم الله إلا ليحصل على علامة تساعده على إقامة الحوار معه.
وأعطى الله الجواب في 38: 1- 41: 26. ولكنه جواب مدهش. حطّم أيوب بالاسئلة ليجعله يلمس لمسة اليد حدود معرفته (ف 38- 39). بسط الله أمام أيوب مشهد الخلق: من دلّ على كل هذه القدرة (38: 4- 13). من دلّ على كل هذا الاهتمام بالتفاصيل (39: 1- 4)، من دلّ على كل هذا التعلّق بأشياء قد تبدو بدون فائدة (38: 26؛ 39: 13- 17؛ 40: 15- 41: 26)؟ إذا كان الله يعتني كل هذه العناية بخليقته، فكيف لا يعتني بالانسان (ق مت 6: 25- 34). انتقد أيوب الله انتقاداً جائراً، انتقاداً لا معنى له، فأبان أنه جهل مخطّط الله في العالم وفي التاريخ، أنه أراد أن يبرّر نفسه بأي ثمن ولو على حساب الله (40: 8). 
وهكذا أعاد الله أيوب الى مكانه. لم يعامله باحتقار، بل باحترام، معاملة الندّ للندّ. عامله كما يعامل الانسان: "شدّ حقويك كرجل" (38: 3؛ 40: 7). بل هو سيأخذ جانب أيوب ضد اصدقائه (32: 7). بعد هذا سكت أيوب لانه عرف الله في خبرة لا في درس تعلّمه وحفظه: "كنت اعرفك بالسماع، أما الآن فرأتك عيناي" (42: 5). 
حين نقرأ الحوارات الشعرية، نكتشف الشيء الكثير عن الكتاب وعن عصره. إنه فكر منفتح على أمور الطبيعة (ف 38- 39)، على ظروف حياة البشر (24: 1- 11؛ 30: 1- 8). لقد أحسّ بالالم الفردي والجماعي. حين استعاد في ف 19 عبارات مأخوذة من سفر المراثي، بيّن أنه يرى من خلال أيوب شعباً سحقه المنفى. رفض الحلول السهلة التي تظنّ انها تفسّر هذا الألم. وشارك معاصريه شعورهم بأن الله بعيد. ولكنه اعتبر أن تناسق الكون يدل على الله، هذا التناسق هو كلام الله (رج أم 8؛ مز 136، 147، 148، وهي تعود إلى تلك الحقبة). وكان صاحب سفر ايوب بصورة خاصة ذلك المؤمن الذي يعرف أن كل الشروح على الله تبقى كلمات فارغة لدى شخص لم يختبر حضور الله بشكل او بآخر.

 

 

الفصل الثالث والثلاثون 

سفر المزامير

تنظّمت مجموعة المزامير كما نعرفها اليوم في نهاية الحقبة الفارسية أو ربّما خلال القرن الثالث ق. م. وقُدّم سفر المزامير في خمسة كتب، شأن البنتاتوكس أو الأسفار الخمسة (مز 1- 41؛ 42-72؛ 73- 89؛ 90- 106؛ 107- 150). ولكن هذه القسمة هي مصطنعة. نجد فيها كتلاً قديمة تبيّن أن هناك مزامير استعملت في الهيكل قبل المنفى. ولكن يبقى من الصعب أن نتصوّر كيف تكوّن هذا السفر الكبير. فهناك مزامير قديمة أعيد تفسيرها، ولامستها أيدٍ عديدة. أما الكتاب الحالي فهو كتاب الترنيم في الهيكل الثاني.
لن نتوقّف عند الكتب الخمسة التي تؤلف المزامير، بل عند الفنون (أو: الأنواع) الأدبية: مزامير المديح، مزامير الملك، مزامير التوسّل، مزامير الشكر، مزامير ملوكية، مزامير الحجاج، مزامير تعليميّة.

أ- الفنون الأدبية 
1- المدائح
أناشيد للرب تمدحه بسبب جمال الكون الذي خلقه (8؛ 19؛ 29؛ 104)، من أجل صلاحه للبشر (8؛ 103؛ 113). أنشدت في الهيكل خلال الاحتفالات الليتورجية. واستُعملت للاعياد الكبرى ولعشاء الفصح (مت 26: 30). هنا نذكر مزامير الهلل (113- 118). لا ننسى ما نقوله في الليتورجيا: هللويا، أي هللوا للرب وسبّحوه.

2- مزامير الملك
تنشد الرب ملكاً على شعبه وعلى العالم (47؛ 93؛ 96- 99). طابع الشمولية الذي يميّزها يجعلها قريبة من أشعيا الثاني (أش 52: 7). 

3- التوسّلات 
هي نداء فردي أو جماعي وطلب لمعونة. قد يكون المتوسّل مريضاً، أو باراً مضطهداً، أو متّهماً يحاكم فيعلن براءته، أو تائباً (22؛ 31؛ 35؛ 51؛ 55؛ 69؛ 71؛ 88؛ 109؛ 142). حين يكون المتوسّل جماعة، نكون أمام شعب يصلّي إلى الله بعد هزيمة حربية، أو اجتياح العدو للبلاد، أو تدنيس الهيكل، أو المنفى والسبي، أو سحق الضعفاء والمساكين بيد الأقوياء والأغنياء (12؛ 44؛ 60؛ 74؛ 79؛ 80؛ 83؛ 85؛ 94؛ 137). وهناك توسّلات فردية ردّدها الملك أو الكاهن أو النبي، فصارت جماعية، لأن المصلّي لا يمثّل نفسه وحسب، بل الجماعة كلها.
أنشدت التوسلات في الهيكل (رج يوء 1: 13؛ 2: 17؛ زك 7: 5) لا سيّما في عيد التكفير (كيبور) العظيم (لا 16) الذي اتسع الاحتفال به بعد المنفى ومع عزرا.

4- أفعال الشكر 
يمتزج في هذه المزامير المديح والتوسل. بعد أن يذكر المرنّم شقاءه، يرفع شكره لله الذي استجابه. قد تكون أفعال الشكر هذه فردية (9؛ 30؛ 34؛ 40: 1- 12؛ 116) أو جماعية (66؛ 68؛ 124).

5- مزامير ملوكية
هي تحتفل بالملك خلال مسحه بالزيت وتتويجه (2؛ 72؛ 89؛ 101؛ 110؛ 132)، خلال زواجه (45)، ساعة انطلاقه إلى الحرب أو عودته منها (18؛ 20؛ 21؛ 144).
بعد المنفى وزوال الملكية، استُعملت هذه المزامير لتحافظ على شعلة الرجاء المسيحاني في شخص يتحدّر من داود.

6- مزامير الحجاج
هناك مزامير عديدة أنشدها الحجّاج الصاعدون إلى أورشليم من أجل الأعياد: هناك مزامير "المراقي" (120- 134)؛ ومزامير الدخول إلى المعبد تحدّد الشروط المطلوبة للاقتراب من الله (15؛ 24). ومزامير صهيون تشكر الرب لأنه اختار تلة صهيون في أورشليم، ليقيم هناك وسط شعبه (46؛ 48؛ 76؛ 87؛ 132) 

7- مزامير تعليمية
تأثرت هذه المزامير أكثر من غيرها بالأدب الحكمي. نضع في هذه المجموعة مزامير تركّز على الشريعة التي هي نور المؤمنين (1؛ 119). مزامير تواجه سر ألم البار (16؛ 37؛ 49؛ 73). مزامير تحاول ان تكتشف العبر من أحداث التاريخ (78؛ 105؛ 106).
كان للمزامير أهمية كبرى للكنيسة الناشئة. فمزامير الأبرار المتألمين صوّرت آلام يسوع وساعدت المؤمنين على فهمها: ورد مز 22 في مت 27: 35، 43، 46؛ ومز 69 في مت 27: 34؛ ومز 109 في مت 27: 39؛ ومز 31 في لو 23: 46.
وقرئت المزامير الملوكية كمزامير مسيحانية (تنشد يسوع المسيح). واستعملت المزامير التي تعبّر عن الرجاء بحياة بعد الموت، لتعلن لليهود قيامة يسوع. نقرأ مز 2 في أع 4: 25- 26؛ أع 13: 33؛ ومز 110 في أع 2: 24- 35؛ ومز 16 في أع 2: 25- 28؛ لو 24: 44.

ب- نصوص للتفسير
1- المدائح
هناك دعوة إلى المديح، توسيع (يبدأ بكلمة "الآن") يُعلن عظائم لله، وخاتمة تستعيد كلمات الدعوة وتنتهي بهتاف (هللويا).

أولاً: مز 114: إله الخروج
- الدعوة: هللويا، سبّحوا الرب.
- التوسيع آ 1- 2: هدف الخروج الاول، أن يجعل الله من شعبه معبداً يقيم فيه.
اَ 3- 4: معجزات الخروج الاول.
آ 5- 6: يتكلم المرتل ويتساءل عن هذه المعجزات.
آ 7- 8: معجزات الخروج الثاني. 
ردّد يسوع هذا المزمور في ليتورجية الفصح، فاحتفل بخروجه الذي يتمّه في أورشليم (لو 9: 31). ويمكننا نحن أن نصلّي هذا المزمور على خطى يسوع معتبرين حياتنا خروجاً من الضيق والظلم إلى عالم الحرية، من هذا العالم الى الآب.

ثانياً: مز 113: إله المظلومين
- الدعوة: سبحوا يا عبيد الرب (آ 1- 3).
- التوسيع: آ 4- 6: صفات الله التي نمتدحها.
- آ 7- 9: أفعال الله. 
صلّى يسوع هذا المزمور ليلة العشاء السري. ونحن نصلّي هذا المزمور ونعمل لئلا تكون صلاتنا كلاماً وحسب بل أفعالاً.

ثالثاً: مز 8: مجد الله حياة الانسان
- الدعوة: ايها الرب ربنا (آ 2). تعاد في الخاتمة (آ 10).
- التوسيع: 31- 5: ننشد عظمة الله. 
الأولاد هم الكواكب التي تنشد الله في صباح العالم، والانسان ينشد أفضل منها. حصن الله هو السماء، والخلق انتصار الله على الفوضى. 
آ 6- 9: ماذا يفعل الله للانسان؟
إذ نعلن عظمة الانسان نعلن عظمة الله.
ترد آيات هذا المزمور في نصوص عديدة من العهد الجديد: مت 21: 16؛ 11: 25؛- يو 10: 21؛ عب 2: 6- 9؛ 1 كور 15: 27؛ أف 1: 22. 

رابعاً: مز 104: الخليقة تمجّد الله
- الدعوة: آ 1: باركي يا نفسي الرب.
- التوسيع: آ 2- 30: الخلق والخلاص.
- الخاتمة: آ 31- 35: ليكن مجد الرب إلى الأبد.
الصلاة المسيحية: لقد خلق الله كل شيء بالمسيح (كو 1: 15- 18)، وبروحه أعطانا الحياة. والخبز والخمر هما رمز عالم يُصنع من جديد في الروح.
الله هو الاله البعيد الذي يختلف عنّا كل الاختلاف، انه الخالق وسيد التاريخ. ولكنّه أيضاً الإله القريب الذي يقيم وسط شعبه: في أورشليم، في الهيكل، بواسطة شريعته. هناك مزامير تنشد سعادة الانسان الذي يكون ضيفاً على الله (مز 139). هناك مزامير تنشد الله الحاضر في هيكله. كانوا يذهبون إليه ثلاث مرات في السنة، خلال أعياد الحج. نشير إلى ان حضور الله صار لنا نحن المسيحيّين أمراً واقعاً في يسوع المسيح هيكلنا الحقيقي. ثم إن الكنيسة هي جسده الذي ينعشه روحه. لهذا تذكّرنا هذه المزامير بأن الكنيسة هي شعب يسير نحو أورشليم السماوية، المدينة النهائية، التي زال منها الشرّ لأن الله يكون كلاً في الكل. وهناك مزامير تتحدّث عن الشريعة التي نسمعها ونستعدّ بكل قلوبنا لان نتقبّلها (مز 119). وشريعتنا نحن المسيحيّين صارت يسوع المسيح، كلمة الله، وقد جعلت في قلوبنا بواسطة الروح القدس. 

خامساً: مز 139: يا رب عرفتني
آ 1- 18: نحن قريبون من الله ومن حياته الحميمة.
آ 19- 22: سؤال يطرح: لمَ الشرّ؟
آ 23- 24: صلاة ختامية: اللهم، أنظر إلى أعماق قلبي، واعلم كلّ ما فيّ.
الصلاة المسيحية: لقد غمرنا الله بكل نعمه في ابنه الحبيب (أف 1: 6). فيه نستطيع أن نصير أبناء ونعرف شيئاً من حياته الحميمة بواسطة الروح الذي يساعدنا لأن نقول: أبّا، أيها الآب.

سادساً: مز 84: كل ما فيّ يصرخ من الفرح
هذا نشيد أحد الحجّاج. وصل إلى الهيكل، فعبّر عن عمق حبّه لله. نكتشف فيه السير، الاقامة (المسكن، البيت، العش)، السعادة (الفرح، سور، ترس).
الهيكل الحقيقي هو جسد يسوع القائم من بين الأموات.

سابعاً: مز 42- 43: عطشان إلى الله
مزموران في مزمور واحد وردّة واحدة: لماذا تكتئبين يا نفسي؟
أرسل المرتل إلى المنفى فصرخ من ألمه. أما عذابه فيقوم فقط في أنه بعيد عن الله، بعيد عن هيكله.
42: 2- 6: ما هي رغبته؟ أن يحضر أمام الرب (خر 34: 23).
ما هو ألمه؟ ما الذي يعزيه؟ 
42: 7- 12: يستطيع ان يصلي إلى الله من منفاه. 
43: 1- 5: هذه هي صلاته. 

2- ملك الله 
هناك خمسة مزامير (93؛ 96؛ 97؛ 98؛ 99) تنشد ملك الله. يشعّ الفرح على الوجوه، فنحسّ وكأننا في حفلة تنصيب يشارك فيها شعب اسرائيل والشعوب البعيدة (الجزر) وكل عناصر الكون. في ذلك الوقت، سيزيل الله كل شقاء وكل بؤس وكل شرّ.
لقد أعلن يسوع أن ملكوت الله قد جاء في شخصه، فأعلن التطويبات، وصنع المعجزات من أجل المساكين. بدأ مُلك الله، وعلى التلاميذ أن يحققوه.
وهناك سبعة مزامير (2؛ 21؛ 45؛ 72؛ 89؛ 101؛ 110) تنشد ملك اسرائيل. يوم يُنصّب الملك يتبنّاه الله، يوم يُولد الملك للملكة يعلنه الله ابنه.
أما ملكنا فهو يسوع المسيح، ونحن ننتظر أن يعمّ سلطانه على كل البشر. 

أولاً: مز 96: الله ملك
آ 1- 3: نداء إلى كل الأرض لتنشد نشيداً جديداً (أش 42: 10): حين خلّص الله شعبه من المنفى، أظهر خلاصه وبرّه ومجده على عيون الأمم (أش 45: 14- 25 25؛ 52: 10).
آ 4- 6: وهذا يبيّن أن الله هو الله وأن سائر الآلهة ليست بشيء (أش 41: 21- 29؛ 43: 9-13).
آ 7- 9: يدعو المرتل كل الشعوب ليمدحوا الله.
آ 10- 13: بما أن الله خالق، فهو يقدر أن يملك كملك عادل 

ثانياً: مز 2: أنت إبني
آ 1- 3: الاشرار يتآمرون علي الله وعلى مسيحه.
آ 4- 6: هزىء الله. له مخططه، ولا يقدر الثائرون أن يفعلوا شيئاً.
آ 7- 9: يذكر الملك هذا المخطط: يوم صعد على العرش، أعلنه الله ابنه. ولكن هذا المُلك يتعدّى شعب اسرائيل ليصل إلى كل شعوب الارض. إذاً لم نعد فقط أمام ملك أرضي.
آ 10- 12: تنبيه إلى الثائرين: تعقّلوا.
دخل هذا المزمور في العهد الجديد.
* قيامة المسيح هي الوقت الذي فيه يولد كابن الله وملك مسيح ورب الكون (أع 13: 32؛ روم 1: 3؛ عب 1: 5؛ 5: 5؛ رؤ 12: 25). لسنا إذاً أمام ولادته في بيت لحم، بل تنصيبه كملك وسيد الكون.
* موت المسيح: قد رذله رؤساء الشعب. إنهم هؤلاء الاشرار الذين يتمرّدون على الله وعلى مسيحه (أع 4: 23- 31).
* مجيئه في نهاية العالم، سينضّب يوماً كربّ الكون (رؤ 19: 15؛ 21: 1- 5) هذا هو أساس رجائنا، والقديم يوحنا يعدنا بأننا سنشاركه في مجده (رؤ 21: 7). 

ثالثاً: مز 110: إجلس عن يميني
* إجلس عن يميني. يقع القصر عن يمين الهيكل. وإذ يمنح الله الملك أن يجلس عن يمينه، يمنحه حالة تكاد تكون إلهية.
* أنت كاهن. الملك هو في الوقت نفسه كاهن.
* في العهد الجديد طبّق يسوع هذا المزمور على نفسه أمام مجمع اليهود.
إن يسوع جالس من عن يمين الله. هذه العبارة التي نعلنها في "النؤمن" قد قالها بطرس يوم العنصرة، فعبّر عن حدث الفصح (أع 2: 34). وستتكرّر في العهد الجديد (أع 5: 31؛ 7: 55؛ روم 8: 34؛ كو 3: 1؛ أف 1: 20؛ 1 كور 12: 25؛ 1 بط 3: 22؛ عب 5: 6).

رابعاً: مز 89: إيمان بالله رغم كل شيء
سنة 587 زالت الملكية من أرض إسرائيل. ولكن الله كان قد وعد داود ونسله بملك يدوم. أترى الله خان عهده؟
آ 2- 3: رحمة الله وأمانته. هذا هو فعل إيمان المرتل رغم كل الظواهر.
آ 4- 5: يذكر المرتلُ الله بوعده لداود.
آ 6- 19: الله هو خالق وملك قدير، كيف لم يفِ بوعده؟ 
آ 20- 38: تذكير بوعد الله لداود ونسله.
آ 39- 46: يعلن المرتّل بجرأة: لم يكن الله أمينا!
آ 47- 52: نداء الى الله لكي يفعل.
آ 53: وتنتهي الصلاة بالشكر بعد أن بدأت في الايمان. يمكننا أن نتلو هذا المزمور مع المسيح في الجسمانية. 

3- صلوات الطلب والشكر
تمثّل هذه الصلوات اكثر من ثلث المزامير.
وتقسم أربعة أقسام:
- نداء الى الله وصراخ.
- عرض الحالة.
- السبب الذي لأجله يستجاب المرتّل (حمبّ الله، أمانته، مجده، ثقة المرتل).
- الخاتمة وهي صلاة اتكال وشكر لأن المرتل متأكد ان الله يستجيبه.
ما هي الحالات التي تدفع المرتل الى الصلاة؟ المرض، الفقر، المنفى، الحرب، الأعداء، الخطايا.

أولاً: مز 22: إلهي إلهي لماذا تركتني
آ 2- 3: نداء إلى الله وصراخ.
آ 4- 12: الأسباب التي تجعل صلاته قابلة للاستجابة: الله قريب، قد خلّص آباءه، وحمى شعبه منذ ولادته.
آ 13- 22: عرض للحالة التي يتخبّط فيها المؤمن.
آ 23- 27: فعل شكر بعد أن أستجيب المرنّم في الواقع أو في الرجاء. يدعو الشعب لكي ينضمّ إليه، والمساكين لكي يشاركوه في ذبيحة السلامة.
آ 28- 32: إعلان ارتداد الشعوب ومُلك الله.
تلا يسوع هذا المزمور على صليبه، ونحن نتلوه معه وفيه. 

ثانياً: مز 51: إرحمني يا الله
آ 3- 4: نداء إلى الرب لكي يغفر.
آ 5- 8: إليك وحدك خطئت.
آ 9- 14: من خطيئتي طهّرني.
آ 15- 19: وعد بالشكر. أما الذبيحة فهي المرتل نفسه مع قلبه المنكسر.
آ 20- 21: صلاة من أجل أورشليم.
شعر المؤمن أنه ينتمي إلى شعب خاطىء، وعرف أن الله يقدر وحده أن يعيد إليه قلباً نقيّاً. وهذا سيكون عمل الروح القدس.

 

 

الفصل الرابع والثلاثون 

الحقبة الهلنستية

تمتدّ هذه الحقبة من سنة 332 حتى المسيح. وتسمى هلنستية نسبة الى لفظة تعني اليونان، وتدل على الحضارة اليونانية (ثقافة، نظم) كما تبنّاها الشرق من تركيا إلى مصر وليبيا، ماراً بسورية ولبنان وفلسطين والاردن. 
جاء حكم جديد هو أعظم حكم عرفه الشرق، هو حكم الاسكندر الكبير. به تحوّل الاقتصاد والحياة الاجتماعية، وانزاحت الحدود بين الممالك. فما هي هذه الاحداث التي سبّبت مثل هذه "الثورة الثقافية"؟ 
نذكر بين المؤرخين: فلافيوس يوسيفوس، ذاك الارستقراطي الذي حكم الجليل سنة 66 ب. م. دوّن "كتاب القديميات اليهودية"، فرسم تاريخ شعبه حتى سنة 66- 70. ودوّن "حرب اليهود ضدّ الرومان"، فاستعاد تاريخ شعبه منذ ثورة المكابيين.

أ- الشرق الاوسط سنة 334
منذ نهاية القرن السادس، كانت بلدان الشرق الأوسط خاضعة لسلطان الفرس. فالامبراطورية التي أسسها كورش هي واسعة جداً: تمتدّ على 127 مقاطعة، من الهند إلى الحبشة (أس 1: 1).
كانت مؤامرات البلاط وضعف الادارة المركزية تترك بعض الحرية لحكّام المقاطعات: فهم أغنياء، يصكّون العملة، ينظّمون السياسة الخارجية، ويتمرّدون مراراً على الملك. مثلاً في مصر سنة 405، في الأناضول سنة 364. وهكذا سُميت الامبراطورية الفارسية عملاق برجلين من الطين.

ب- اليونان في القرن الرابع
1- حواضر مستقلّة
توزع اليونانيون خلال القرن الرابع في بلدان عديدة، من مناطق أيونية (شاطىء تركيا الحالية) إلى صقلية في ايطاليا، وفي جنوب فرنسا الحالية (مرسيلية)، هذا عدا عن اليونان وجزر بحر ايجه.
كان يونانيو أيونية تحت حكم الفرس. أما أهل اليونان بالمعنى الحصري، فعاشوا في عدد من المدن: أثينة، تيبة، كورنتوس، اسبرطة، مسينا، دلفيس... لا سلطة سياسية مركزية توحّد هذه الحواضر التي عاشت كل منها حسب شرائعها الخاصة. فنجد مثلاً في أثينة حكومة "ديموقراطية"، لأن قسماً من الحكم كان في يد الشعب. أما إسبرطة فعرفت نظاماً ارستقراطياً، حيث يتقاسم الحكم ملكان واربعة وعشرون من الأعيان لا تقل أعمارهم عن الستين سنة.
وكانت كل حاضرة تزاحم اختها، بل تحاربها وتعقد معاهدات وأحلافاً تُنقض بالسرعة التي بها قُطعت. 

2- وضع اقنصادي صعب
وكانت الصراعات والحروب المتواصلة بين الحواضر سبباً في وضع اقتصادي صعب. فعلى أثر الحرب الكبرى بين حلف حول اثينة وحلف حول اسبرطة (431- 404، دامت 30 سنة)، زاد عدد سكان المدن زيادة كبيرة. وتكوّنت مجموعة من الشبّان لا عمل لهم. فأرسلوا يستوطنون الجزر أو مناطق أخرى. سموا المستوطنين، فأقاموا في بلدان جديدة وظلّوا مواطني الوطن الأم. ولكن هذا لم يكفِ. فأجبرت أثينة بأن تستورد قمحها من تراقية، على شاطىء البحر الاحمر، من مصر أو من آسية الصغرى. والفضّة التي جاءت بكمية كبيرة من بلاد فارس، خسرت الكثير من قيمتها الشرائية. وتدنّى مستوى التبادل التجاري، لأن منتوجات المدن اليونانية (كالفخاريات) تكدّست ولم تجد من يشتريها. حينئذ أخذت المسائل الاقتصادية تثير القلق لدى اليونانيين، فأجبرتهم على الخروج من عزلتهم ومن سياسة الأنانية، وعلى التطلّع إلى العالم الواسع. 

3- صعود مكدونية
وسيأتي التحوّل السياسي من شمال اليونان. ففي مكدونية، إعتلى فيلبس الثاني العرش سنة 360. في تلك البلاد، الملك هو الذي يحكم، والتقليد يفرض أن تكون السلطة قويّة ويكون النظام ملكياً.
كان فيلبس الثاني قائداً عسكرياً كبيراً. نظّم جيشاً محترفاً وفاعلاً سُمّي "الكتيبة المكدونية" (كان مرصوصاً مثا اصابع اليد). وأراد لهذا الجيش أن يخلق جبهة تجمع اليونانيين ضد الفرس. وتوصّل إلى ذلك بالدبلوماسية والحيلة، بل بالحرب، ضد أثينة بصورة خاصة. وفي سنة 338، وبعد انتصاره في خيرونيس، فرض نظرته على الحواضر اليونانية التي يمكنها أن تبقى على استقلالها شرط أن تدخل في حلف يكون سيده ملك مكدونية. 
وقرّر الحلف سنة 337، وبناءً على طلب فيلبس، قرّر اعلان الحرب على الفرس. لماذا؟ اولا: لأن هذه الحرب تبرّر وحدة اليونانيين. ثانياً: إنها تتيح لملك مكدونية بأن ينهي مسألة البوسفور والدردنيل اللذين فيهما يمرّ القمح من البحر الأسود إلى البحر المتوسط. ولكن الساحل الجنوبي لهذين المضيقين كان بيد الفرس، وبالتالي لم تكن الطريق آمنة، بل مهدّدة دوماً. ثالثاً: إن هذه الحرب ستجعل الحواضر اليونانية في آسية الصغرى تعود الى العالم اليوناني بعد أن سيطر عليها الحاكم الفارسي مدة قرنين من الزمن. 
ولكن فيلبس لم يستطع أن يحقق حلمه. فقد قُتل في صيف سنة 336.

ج- حكم الاسكندر الكبير
1- شاب عبقري
كان الاسكندر ابن عشرين سنة حين خلف أباه. "تعبّد" له الجنود الذين قادهم بعبقريته الفذة وبشجاعة خارقة في معركة خيرونيس المشهورة. كان أبيّ الطبع ومرهف الحس في قضايا العدالة، فاختلف يوماً مع أبيه وترك القصر فترة من الزمن. تعلّم مهنة الملك وهو الشاب الجميل الساحر، في مدرسة أرسطو، أكبر فلاسفة عصره. إعتقد أنه مولود الآلهة، غير أنه جمع بين الفطنة والمخاطرة.
ظنّت الحواضر الملكيه، يوم اعتلائه العرش، انها تستطيع أن تستعيد حريتها. ولكنهـه اغرق ثورتهم في الدم، ثم استعاد في ربيع سنة 334 مشروع أبيه فاجتاز مضيق البوسفور بجيش مؤلف مني 25000 جندي. وجد أمامه جيوشاً عديدة، ولكنها لم تكن مهيأة ولا منظمة. لم يشك الاسكندر يوماً بالنجاح بعد أن علّمه أرسطو أن "البرابرة" في الشرق هم شعوب من الدرجة الثانية. 

2- حملة صاعقة
في سنة 333، صار الاسكندر سيد آسية الصغرى. في سنة 332، سيد سورية وفينيقية وفلسطبن ومصر. وفي سنة 331، سيد بابل. لاحق الملك الفارسي داريوس الثالث وادركه في الشرق سنة 330. ولكنه وجده مقتولاً بيد أحد الأمراء. وتابع الإسكنر مسيرته حتى وصل إلى حدود الهند سنة 327. وما أراد أن يتوقّف لولا التعب الذي حلّ بجنود أخذ تذمّرهم يزداد يوماً بعد يوم. ولكن طريق العودة جعلته يدفع عدداً من القتلى لم تعرفه طريق الهجوم.
وحين عاد الاسكندر إلى بابل، كان قد خلق أكبر امبراطررية حقّقها شخص حتى الآن. وذلك في سبع سنوات. بنى المدن حيث وصل. بنى أكثر من سبعين مدينة، وتسمّى معظمها باسمه (الاسكندرية). وسكنها المستوطنون والمرتزقة، وبنوا فيها معابد يونانية ومسارح، فصارت مراكز للحضارة اليونانية.
الامبراطورية هي أول مثال، "لملكية مطلقة"، ولكنها ترتبط كلّ الارتباط بمؤسسها، لانه الرباط الوحيد بين اليونانيين والشرقيين. وإذ أراد أن يصالح الغالبين والمغلوبين، أعطى المثال في نفسه فتزوّج روكسانة، إبنة أحد الاعيان العظام في إيران واحتفل في يوم واحد بزواج عشرة آلاف من جنوده في بابل.
وراح الاسكندر أبعد من هذا. فطلب أن يسجد الناس له كما كانوا يسجدون للملوك في الشرق. وأعلن نفسه ابن زوش إله الالهة في اليونان. لم يفهم اليونانيون والمكدونيون هذه الاجراءات (ولاسيّما تأليه الاسكندر) ولم يقبلوا بها، فكان الاسكندر قاسياً ضد أعزّ أصدقائه. فقتل بعضهم وأعاد الآخرين إلى مكدونية.
ولم يكن حظ الاسكندر أفضل من حظ ابيه فيلبس الثاني، فما استطاع أن يكمل بناء الامبراطورية. مات من التعب بعد عشرة أيام من المرض، في 13 حزيران سنة 323. وكان عمره آنذاك 33 سنة.

د- خلفاء الاسكندر والممالك الهلنسية
1- تفكّك الامبراطورية
ماتت امبراطورية الاسكندر بموت مؤسّسها. ولم يكن قد وُلد إبنه بعد. فخلفه رفاق سلاحه وهم انتيباترس، انطيغونيس، بطليموس، سلوقس. أراد كل منهم وحدة الامبراطورية ولكن من أجل نفسه. وبعد 45 سنة من الصراعات القاسية والحروب الغامضة، كان توازن ثابت بين عائلات ثلاثة قوّاد، سنة 277. فانقسمت الامبراطورية ثلاث ممالك. سميت هلنسية بسبب اصلها الهليني أو اليوناني، وارتباطها بحضارة خاصة هي مزيج من الشرق واليونان. إمتدت حياة هذه الممالك قرنين من الزمن. حتى مجيء الرومان الى الشرق. ولكن الحضارة الهلنسية ظلّت تطبع بطابعها حوض البحر المتوسط.

2- ممالك ثلاث
أولاً: مكدونية واليونان
ألّفت مكدونية واليونان المملكة الأولى. تحدّر ملوكها من انطيغونيس الأعور. خلّصوا اليونان من هجمة شعوب الشمال. ولكن سقطت مملكتهم بصورة نهائية في يد رومة سنة 146.

ثانياً: مملكة البطالسة
ضمت مملكة البطالسة مصر وفلسطين وعدداً من المناطق الافريقية. ظلّت المملكة قوية على عهد بطليموس الأول والثاني، ولكن بدأ الانحطاط يعمل فيها منذ شنة 205. فتخلّت عن فلسطين (أورشليم) للسلوقيين سنة 198. وسيجعل الرومان من مصر مقاطعة ذات وضع خاص سنة 30 ق. م. 

ثالثاً: مملكة السلوقيين
إتخذت المملكة اسمها من القائد سلوقس، وكانت في الأصل أوسع الممالك الثلاث، بعد أن امتدت من البحر المتوسط حتى الهند. ولكن تاريخها هو تاريخ تفتت متواصل. فاستقلت المقاطعات الشرقية، لان الملك أخطأ حين جعل عاصمته على شاطىء البحر (انطاكية على العاصي) لا في وسط المملكة. زد على ذلك ان الملوك لم يكونوا على مستوى يؤهّلهم للحكم. ما عدا انطيوخس الكبير.
فأنطيوخس هذا حكم من سنة 332 حتى سنة 187. إستعاد فلسطين من أيدي البطالسة المصريين. ولكن حرمه الرومان من ممتلكاته في آسية الصغرى قبل سنة 189. وسيكدّس ابنه انطيوخس الرابع أعمال الجنون وحبّ العظمة (سمى نفسه ايبفانيوس، أي ظهور الله). وفي أيّامه كانت الثورة اليهودية بقيادة المكابيين سنة 165.
في سنة 63، ضم بومبيوس المملكة السلوقية إلى رومة، فصار الشرق الاوسط كله بيد الرومان.

هـ- العالم اليهودي قبل سنة 170
1- بعد دخول الاسكندر
عاش اليهود تحت سيطرة الفرس، ولكنهم استعادوا استقلالاً نسبياً تحت إمرة كهنتهم. قَبِل شعب يهودا بهذا النظام، اما السامريون فتأرجحوا بين التحفّظ والرفض.
لم يتأخّر الاسكندر في فلسطين، ولم يلقَ مقاومة من أحد الأ في السامرة. غير أنه لم يدمّر استقلالية اليهود الدينية. وتحرّك الأمل من جديد بعد هذا الذي حل في الشرق: سيفعل الله بشكل حاسم من أجل شعبه. هذا ما يدلّ عليه زك 9- 14.
في ذلك الوقت، تم الانفصال بين اليهود والسامريين. وحصل السامريون من السلطة الجديدة على اذن ببناء هيكل في جرزيم يزاحم هيكل اورشليم. وهكذا بدأ الانشقاق. شجب أهل يهودا هذا العمل، ودوّن كتبتُهم التاريخ من جديد وجعلوا حياتهم الدينية كلها مركّزة على اورشليم. وكان كتاب الاخبار ثمرة هذا العمل التاريخي. 

2- بعد موت الاسكندر
بعد فترة الاضطراب التي تلت موت الاسكندر، وجدت الجماعة اليهودية في أورشليم نفسها تحت سلطة بطالسة مصر من سنة 312 إلى سنة 198. تعلّق شعب أورشليم بالهيكل، حول كهنة عديدين بدأوا يتملّكون اليونانية ويعيشون بحسب العادات الهلنستية. وبنوا ملاعب للرياضة وشيّدوا مدافن ومباني حسب الفن اليوناني. وأخذوا بالنقد اليوناني، وبدّلوا اسماءهم فصارت يونانية. غير أن تغلغل هذه الحضارة الجديدة أثار حذراً ومقاومة متصاعدة. فإن جماعة "حسيديم" (عرفوا بتقواهم وأمانتهم للشريعة) تحفظت من كل ما ليس بيهودي، من كل ما لا يتوافق والشريعة. 
وسيبيّن سفر الجامعة ثم يشوع بن سيراخ مقاومة حكماء العالم اليهودي لما تحمل الهلينية من خطر على ايمان شعب الله.

3- يهود الشتات
عاش عدد كبير من اليهود خارج فلسطين. بعضهم ظلَّ في بابل ورفض العودة من المنفى. وأقام آخرون في سورية وآسية الصغرى. وقد تمتّعوا بوضع ثابت وبرضى السلطات المحلية. لهم دوّن طوبيا. وانجذب بعض الوثنيين إلى الايمان وأخذوا يرفعون صلواتهم إلى الإله الحقيقي. 
ووُجدت في مصر أهم الجاليات اليهودية المشتّتة. إنضم يهود جدد إلى اولئك الذيم سبقوهم في زمن إرميا، فجذبهم غنى العاصمة الجديدة (الاسكندرية) وجاؤوا إليها يطلبون الثروة. تألفت المدينة من أحياء فاقام اليهود في حيّين. تركوا لغتهم واخذوا باليونانية، وجذبوا إليهم وثنيين ارتدّوا إلى شريعة الله. هم المرتدون أو "الآتون الجدد". وبما انهم لا يعرفون العبرية، ترجمت لهم أولاً اسفار الشريعة ثم الانبياء واخيراً سائر الكتب.
تمت الترجمات حسب الحاجة. ثم تنظّمت فوصلت الى توراة يونانية كاملة هي "السبعينية". جاء اسمها من اسطورة أوردتها "رسالة ارستيس" التي دوّنت سنة 80 ق. م: جاء سبعون شيخاً من أورشليم وترجموا جميع النصوص في وقت قصير (70 يوماً) في جزيرة فاروس (حيث المنارة) تجاه مرفأ الاسكندرية. أما هدف هذه الاسطورة فجعل السبعينية الترجمة الرسمية الوحيدة بعد أن ترجمها أناس جاؤوا من المدينة المقدسة.
كانت ترجمة التوراة إلى اليونانية منعطفاً هاماً. فيها انفتح النص الملهم على تأثير حضارة أخرى ستكون تعبيراً متجدّداً للايمان. هي ترجمة بل تفسير تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والحضارية والاقتصادية والسياسية. إنها تؤوّن نص التوراة، تعيد قراءته. لهذا السبب رفض الفريسيون السبعينية، وفرضوا قراءة النص العبري في كلى المجامع. فالاتجاهات المسيحانية في السبعينية بدت لهم خطراً على الايمان. وحين استعمل المسيحيون السبعينية وأوردوا نصوصها، صار اليهود اكثر حذراً منها.

و- الأزمة المكابية
1- الأسباب
إستعاد أنطيوخس الثاك الكبير فلسطين سنة 198 بعد انتصاره على البطالسة المصريين. غير أن حكمه المجيد انتهى بشكل رديء، وجعل الناس ينتظرون أياماً قاسية. فرومة طردته من آسية الصغرى سنة 189 وفرضت عليه جزية باهظة. فأين يجد المال اللازم؟ في المعابد المحلية التي يحرسها الكهنة باهتمام. ومات انطوخس مقتولاً ساعة كان يسرق معبد بابل في شوش.
كان قد منح اليهود ذات الاستقلالية التي منحهم إياها البطالسة. ولكن خلفاءه لم يعرفوا تسامحه. فاشتعلت الثورة عند اليهود. ما هي أسباب هذا الصراع؟ من جهة انحطاط الدولة السلوقية وصعوباتها المادية دفعتها للتطلّع إلى غنى الشعوب الخاضعة لها ومضايقتها. ومن جهة ثانية الانقسامات الداخلية في أورشليم. فقد أدخلت عائلات عظماء الكهنة عوائد يونانية تزلّفاً للحاكم وطلباً للربح (2 مك 4: 7- 20). تنازعت على السلطة، فأعطت انطيوخس الرابع ابيفانيوس فرصة للتدخل (2 مك 4: 21) وتسمية عظيم الكهنة.

2- الثورة
إندلعت سنة 166. في السنة السابقة، ألغى انطيوخس الرابع امتيازات اليهود، ومنع ممارسة السبت والختان، وأمر اليهود بأن يأكلوا لحم الخنزير ويضحّوا للإلهة اليونانية. واخيراً نجّس الهيكل حين جعل فيه تمثال زوش، الاله اليوناني.
طفح الكيل فثار اليهود الأتقياء (حسيديم). قادهم يهوذا المكابي، فهزموا جيوش الملك، واستعادوا أورشليم في شهر كانون الاول سنة 164، وطهّروا الهيكل وجعلوا فيه كهنة أمناء للشريعة. ودوّن كتاب يعلن تدخّل الله وحكمه بصورة نهائية. هو سفر دانيال.
ونجحت الثورة بسبب طابعها الديني والحماس الجماعي الذي حركته، كما استفادت من ضعف الدولة السلوقية المنشغلة على حدود أخرى. وقاد هذا النجاح الرؤساء ليمارسوا السياسة بحيث استغلت طبقة من السكان نتيجة النصر. وهكذا، وبعد عودة الحرب الدينية (1 مك 6: 55- 60) بدأ يهوذا ومحازبوه يحلمون باستقلال سياسي. قاموا بحملات عسكرية فتوسّعت الرقعة المحيطة بأورشليم. واعتبروا أن عظماء الكهنة السابقين دمرّوا سلطة الكهنة، فصار يوناتان وسمعان (شقيقا يهوذا) رئيسَْي الكهنة (عيّنهما الملك السلوقي).
لقد انقلبت الامور! لقد طلب المكابيون حمى الذين قاوموهم بشراسة. وبعد هذا سيعلن ارسطوبولس، حفيد سمعان، نفسه ملكاً سنة 104 ق. م ويؤسس سلالة الحشمونيين، باسم حشمون، جد يهوذا المكابي. وستبقى المملكة مستقلة حتى وصول الرومان.

3- نتائج الثورة
إن الثورة ضد أنطيوخس الرابع أبيفانيوس نجّت الشريعة اليهودية من الضياع، وبنت للمرة الأولى بعد المنفى دولة مستقلّة على بقايا الدولة السلوقية. ولكن سياسة المكابيين وصراعات خلفائهم قسّمت الشعب فرقاً وشيعاً. 

أولاً: الاسيانيون
هم مجموعة متشدّدة. لم يرضوا أن يتخذ الحشمونيون لقب عظيم الكهنة. إنطلقوا من المدينة المقدسة في بداية الثورة، ولم يعودوا إليها حتى بعد تطهير الهيكل. إنتظروا "عهداً جديداً" مع الله وكوّنوا جماعة عاشت على هامش الحياة الرسمية.
واكتشفت مكتبة الاسيانيين سنة 1947 في مغاور قرب البحر الميت، في قمران. واعطتنا كتبهم معلومات عن انتظارهم المسّيحاني العظيم: ينتظرون من الله وحده النصر النهائي على الأشرار، على "أبناء الظلمة". 

ثانياً: الفريسيون
الفريسيون هم "المنفصلون" عن سائر الناس. يتحدّرون من "الحسيديم" (كالاسيانيين) الذين انفصلوا عن المكابيين ساعة احسّوا أن المحاولة التي يقومون بها اتخذت منحى سياسياً. حذروا الكهنة من الخطر وتعلّقوا تعلقاً خاصاً بالشريعة التي جعلوها دستور حياتهم الدينية والاخلاقية.
سيطر الاضطراب على علاقتهم مع الحشمونيين. إضطهدهم الملك الحشموني الاسكندر يناي اضطهاداً قاسياً حوالي سنة 90، ولكن تأثيرهم زاد وسط الشعب. إنهم جماعة دينية وحزب سياسي في آن واحد. كانوا من العوام الذين نسّق عملهم اشخاص متعلّمون هم الكتبة. أما وجهة نظرهم إلى الثورة ضد أنطيوخس ابيفانيوس فنجدها في 2 مك.

ثالثاً: الصادوقيون
تعترف هذه المجموعة الثالثة بكهنوت سمعان، شقيق يهوذا المكابي. وقد صارت حزب العائلات الكهنوتية الكبرى، حزب الارستوقراطيين المهتمين بامتيازاتهم المحافظين على مستوى الدين، الانتهازيين على مستوى السياسة. حين وصل الرومان إلى البلاد انضموا اليهم. وإن 1 مك الذي هو أقرب إلى الحشمونيين منه الى الصادوقيين، يعكسه مع ذلك حكم الصادوقيين على الثورة واقامة نظام جديد.

ز- رومة 
1- الامتداد الروماني
اولاً: الوضع في الداخل
تقول التقاليد إن الجمهورية الرومانية تأسست سنة 509 ق. م.، ووصلت إلى أسية الصغرى منذ سنة 196.
ولكن الجمهورية دخلت في الوقت عينه في أزمة اجتماعية خطيرة، والسبب هو الهوة المتزايدة التي حفرتها الحروب بين أصحاب الامتيازات وطبقة المستغَّلين من فلاحين صغار وعبيد. دخل الملاّكون الصغار في الجيش الروماني فخسروا أراضيهم وصاروا بدورهم فريسة الملاّكين الكبار الذين كوّنوا ضياعاً يعمل فيها مئات العبيد.
واندلعت حرب أهلية بين سنة 88 وسنة 86 ق. م.، ثم قاد ثورةَ العبيد سبارتكوس سنة 74- 73. وكانت ردّة فعل النبلاء إصلاحات وصلت بالبلاد بعد سيلا إلى خلق الامبراطورية. فالسلطة القوية وحدها تستطيع أن تلجم الطبقات المستغلة وتحافظ على امتيازات النبلاء والتجّار العظام، مع الحدّ من بعض تجاوزاتهم.

ثانياً: الوضع في الخارج
إن أزمات رومة الداخلية أتاحت للشعوب الخاضعة لها بأن ترفع رأسها. فشعوب مكدونية وأسية الصغرى تعبوا من الوجود الروماني. فالحكام يتصرفون كطغاة ويحقّقون أرباحاً هائلة، ويفرضون سلطتهم بالارهاب. يلزمون الناس بالأشغال الشاقة أو يجعلونهم جمبيداً لهم. إنتمى هؤلاء الحكام إلى طبقة جديدة هي طبقة "الخيّالة" (كانوا يحاربون على الخيل لا كمشاة)، فصاروا رجال أعمال يمسكون بيدهم التجارة ويوسّعون ممتلكات رومة. 
بدأ متريداتس، ملك البنطس في آسية الصغرى (على شاطىء البحر الأسود) ثورته سنة 88. فقتل الرومان وحلفاءهم. ولكن سيلا القائد الروماني هزمه مرة أولى سنة 86. ثم هزمه مرة ثانية بومبيوس سنة 67، بعد أن أعاد الهدوء إلى رومة. وفي سنة 64، أخضع بومبيوس لسلطة رومة آخر ملوك السلوقيين، وخلق مقاطعة سورية الرومانية.

2- اليهودية والحكم الروماني
أولأ: بومبيوس في أورشليم
كيف وصل بومبيوس إلى اورشليم؟ إستفاد من الخلاف المستفحل بين اليهود، بين أرسطوبولس وهركانس الثاني. فأرسطوبولس الذي يسنده الصادوقيون يعارض اخاه البكر هركانس الثاني صديق الفريسيين. تحالف هركانس مع انتيباترس حاكم أدومية، (منطقة تقع بين يهودا والصحراء). وطلب الخصمان من بومبيوس أن يتدخّل بعد أن أرسلا إليه الهدايا العظيمة. ولكن أخذت رومة بحيلة انتيباترس فوقفت مع هركانس وحاصرت أرسطوبولس في اورشليم.
بعد ثلاثة أشهر من الحصار، دخل بومبيوس إلى المدينة، فقتل الكهنة واستباح الهيكل، وتعجّب أن يكون قدس الأقداس فارغاً. كان ذلك يوم عيد الغفران العظيم، سنة 63 ق. م.

ثانياً: هيرودوس الاكبر
لقد تبدّله كل شيء. ألغت رومة الملكية، ولكنها جعلت هركانس رئيس كهنة واتنارخساً (أي: رئيس الشعب). وطالت الحرب الاهلية. فاستولى هيرودس الاكبر، ابن انتيباترس، على السلطة سنة 37 برعاية الدولة المحتلّة.
كان هيرودس رجل بناء. فأعاد بناء الهيكل، وشيّد قلاعاً مثل مصعدة (او: هيروديوم) ومدناً لمجد الرومان: سبسطة (حيث كانت السامرة)، قيصرية الساحلية... كانت هذه المدن مراكز للحضارة الهلنستية.
عُرف هيرودس برغباته الجامحة وقساوته في معاملة الآخرين. ربح ودّ رومة، فأعلنه مجلس الشيوخ ملكاً ساعة كان الفراتيون يهابون مملكته. إستعاد من الفراتيين ما أخذوه، وقتل آخر الحشمونيين. أما الفريسيون فعارضوه ورفضوا دوماً أن يقسموا له الولاء كما سيرفضون فيما بعد أن يقسموا الولاء للامبراطور نفسه.

ثالثاً: رجاء مسيحاني
في هذا الاطار من الاحتلال الاجنبي، وفي عهد رجل غير يهودي (هيرودس هو من أدومية. في الاردن الحالي)، ووسط شيع واحزاب تتصارع، إلى أي جهة يتطّلع الشعب اليهودي؟ لجأ عدد كبير إلى انتظار محموم لتدّخل الله. فهو وحده يستطيع أن يخلّصهم. إنه "الرجاء المسيحاني" الذي تغذّيه كتب (تصدر في أماكن مختلفة) تعلن. بالرموز والصور مستقبلاً بضيئه انتصار الله ومؤمنوه في النهاية. سمّي هذا الادب "الادب الجلياني"، لانه يجلو الأمور ويكشفها.
في هذا الاطار ولد يسوع الذي من الناصرة.

 

 

الفصل الخامس والثلاثون 

الحكماء والعالم اليوناني

هناك كتب توراتية دوّنت خلال الحقبة الهلنستية. وصل الينا بعضها في اليونانية فلم يقبل بها المعلّمون اليهود في قانونهم (أو: لائحة كتبهم). 
إنطبعت هذه الكتب بالحضارة اليونانية، ولكنّها ظلّت أمينة للتقاليد التوراتية. كتب جديدة وليست بجديدة. هي لم تخلق جديداً كاملاً، بل كانت ثمرة تأمل وتأوين. عادت إلى التقاليد القديمة وأعادت كتابتها. لم نعد أمام التقليد الشفهي ولا أمام الخلق النبوي، بل أمام إعادة قراءة الأسفار المقدّسة. وستصل بنا هذه الحقبة الى المدراش أو درس وبحث في النصوص القديمة طلباً للنور في حياتنا اليوم.
سندرس هذه الكتابات في ثلاثة فصول: الحكماء والعالم اليوناني، نظرات إلى الثورة المكابية، كتابات اخرى.
ونبدأ بعالم الحكمة.

أ- سفر الجامعة
حمل اليونانيون معهم حبّاً للسهولة والرخاء والبذخ، وتأثّر عدد كبير من اليهود بهم، وبدأوا يعيشون على الطريقة اليونانية.
فقام مسؤول في جماعة أورشليم (من هنا اسم الكتاب: سفر الجامعة. قهلت من قهل= الجماعة) ضدّ هذه النظرة إلى الأمور. لم يُذكر اسمه، بل نُسب كتابه إلى الملك سليمان (1: 1) ليعطيه سلطة أكبر. وهكذا دلّ على شهرة سليمان كحكيم. لا ننسى ان الحكمة ونشيد الاناشيد نسبا إلى سليمان، والمزامير إلى داود، وأسفار الشريعة إلى موسى.
قدّم الكاتب اعتبارات مأخوذة من الخبرة اليومية أو قابلها بتعليم خاطىء يقدّمه أهل عصره. قال فيما قال:
* ليس من سعادة كاملة. فلكل سعادة حدودها. واستعرض كل أوجه حياة الانسان وردّد مراراً هذا القول: "باطل الاباطيل. كل شيء باطل" (1: 2).
* ولكنه ظلّ صديق الحياة محبّاً لها (7:9- 9). فالحياة هي عطية من الله (3: 13). غير أنه لا يرى كيف يستطيع الله ان يقيم العدالة، لأن الكاتب لا يعرف بوجود حياة في الآخرة. ومع ذلك، فأمام محدودية السعادة على الأرض، آمن دون أن يرى "أن الابرار والحكماء وأعمالهم بين يدي الله" (9: 1).
سفر الجامعة هو محطة في طريق طويل. عرف حكمة اليونان دون أن يسحر بها. وعدم الرضى الذي يشعر به يكشف فراغاً سيملأه الوحي بالقيامة، سيملأه حضور يسوع المسيح.

ب- يشوع بن سيراخ
1- حضارة جديدة
وصل السلوقيون إلى اليهودية، فتواجد العالم اليهودي والعالم الهليني وتعايشا مدّة قصيرة بسلام. أحسّ بعض المؤمنين أن الحرب قريبة (2: 1؛ 11: 33- 34). فالهليني (متحضر بالحضارة اليوناتية) يعتبر أن الانسان هو مواطن الكون. فالأعراق والديانات والآلهة تتساوى. وهو يمجّد الطبيعة، ويتعبّد للانسان، لجسده ولعقله. مع الزمن شكّلت هذه الحضارة خطراً قاتلاً للعالم اليهودي الذي هُدّد في ايمانه وحياته الاخلاقية. ومال عدد من اليهود إلى الحضارة الجديدة.

2- سلوك حسب شريعة الله
من أجل هؤلاء كتب يشوع بن سيراخ. هو كاتب وواحد من أعيان أورشليم. تأمّل شريعة الله كل حياته، وعلّمها في مدرسة أسّسها في المدينة المقدسة (51: 23). دوّن كتابه حوالي سنة 180، أي قبل الاضطهاد الكبير الذي أحسّ به قريباً. أراد أن يعطي شعبه وتلاميذه في هذا العالم الذي تبدّل، كتاب سلوك حسب شريعة الله. إنه انسان محافظ. ولكنه واعٍ للأمور. وقد اهتمّ بأن يعطي سامعيه وقارئيه الحلول الناسبة للمسائل الجديدة.

3- مضمون الكتاب
يشمل كتابه كل وجهات الحياة:
ف 1- 24: كتاب تلميذ الحكمة بشكل مقالة في الحكمة مليئة بالأقوال المأثورة. وهو يجمع عدداً من النصائح التقليدية.
* 25: 1- 33: 18: ملحق أول يبرز موقف البار الأساسي: العيش نص مخافة الله.
* 33: 19- 42: 14: ملحق ثانٍ هو "وصية" المعلّم.
* 42: 15- 50: 29: يمتدح ابن سيراخ حكمة الله في الخلق (42: 15- 43: 33) وفي التاريخ (44: 1- 50: 29).
* زيادتان اخيرتان: صلاة (51: 1- 12) ومزمور حكمي (51: 13- 30). 

4- موقف ابن سيراخ
ظلّ ابن سيراخ متمسّكاً بالتقاليد أكثر من حكيم سفر الجامعة الذي دوّن مقالته قبله. ونحن نفهم موقفه: لم نعد في وضع يسمح لنا بأن نجادل في آراء لا يشاركنا فيها الآخرون، ساعة تهدّدنا الحضارة الهلينية بالابتلاع. أراد ابن سيراخ أن يدافع عن ميراث شعبه الديني فلم يقدر ان يتجنّب انغلاقاً على التراث وتعلّقاً صلباً بخصائصه. في هذا الكتاب، ليست المحبة هي هي للجميع (12: 1- 7)، لأن الشعب المختار لا يعطي شيئاً للخصوم، والبار لا يتعامل مع الأشرار (11: 34).
واجه الكاتب مسألة الموت، فبدا حاضراً كأنه القدر (18: 24). وبعد الموت لا حياة ولا سعادة (41: 1- 4). أما المجازاة التي يمنحها الله للبار فهي الصحة والنسل الكبير، والراحة مع الخير الوفير، والسمعة الحسنة. لا تزال المشكلة مكانها، لا سيما حين نرى الأبرار بتألّمون. 

5- حفيد ابن سيراخ
ولكن سفر ابن سيراخ الذي نجده في التوراة ليس النسخة الاصلية التي دوّنت سنة 180. فنحن نقرأ الترجمة اليونانية التي قام بها حفيده سنة 132 (راجع المقدمة. نشير أننا وجدنا في التنقيبات ثلثي الكتاب في العبرية). فقد حدثت إضطرابات في اليهودية بسبب اضطهادات انطيوخس ابيفانيوس وثورة المكابيّين. ففي هذه الثورة، أثار استشهاد المؤمنين المتعلّقين بالشريعة، تفكيراً عميقاً في الايمان. فأكّد بعض اليهود أن الاله يجازي الأبرار بعد موتهم ويعاقب الاشرار. تقبّل حفيد ابن سيراخ هذا التجديد في الايمان فأدخل بعض التغييرات في ترجمة الكتاب: ليس الموت نهاية كل شيء (1: 13؛ 7: 17 48: 11). نحن هنا أمام مثال يدلّنا كيف أن الجماعات الحية أعادت كتابة أسفار التوراة كل مرة فرضت خبراتٌ تاريخية على المؤمنين أن يجدّدوا إيمانهم.

6- الأبرار والأشرار
قُسم الناس في هذا الكتاب قسمين. من جهة، الأبرار والحكماء. ومن جهة ثانية الأشرار والحمقى. يعيش الحكماء في مخافة الله (32: 14- 33: 6) التي هي التعبير الأول لحب يهاب الله الكليّ العظمة (18: 1- 14). ولكن كيف نحب الله؟ نترك حكمته تقودنا (6: 18- 34). فالحكمة الآتية من البشر هي مصدر خطأ (3: 24: تلميح إلى حكمة اليونان). أما الحكمة الحقيقية فهي موهبة من مواهب الله (24: 1- 22). وقد أعطاها الله لموسى في سيناء (24: 23).
ويشدّد ابن سيراخ على الشريعة التي كوّنت العالم اليهودي الذي عرفه يسوع. هناك شريعانية ستتحجّر شيئاً فشيئاً، وهناك تقوى حقيقية لبرزها صلوات عديدة (36: 1- 22؛ 51: 1- 12).

7- مصير ابن سيراخ
إهتم ابن سيراخ، شأنه شأن سائر الكتابات الحكمية، بمشاكل الأشخاص كأفراد أكثر منه بمشاكل الجماعة. ولهذا لا نجد عنده رجاء مسيحانيا في معرض حديثه عن خلاص شعبه. أظهر إكراماً كبيراً للكهنة، وأبرز قدرية أمام الموت، فكان معلّم فئة الصادوقيين. لهذا السبب، لم يحتفظ العالم اليهودي بهذا السفر في لائحته بعد دمار الهيكل (سنة 70 ب. م.) وسيطرة الحركة الفريسية على العالم اليهودي.
غير أن تأثير هذا السفر كان كبيراً. فقد جعل الشباب يفتخرون لإيمانهم تجاه العالم الهليني (4: 20)، كما أتاخ لتلاميذه أن يففوا بوجه انطيوخس وينتصروا عليه. وظلىّ الكتبة يتدارسون هذا الكتاب، أما العهد الجديد فقد استقى منه الشيء الكثير.

ج- سفر طوبيا 
1- أخبار سفر طوبيا
ساعة ظهر ابن سيراخ في اليهودية، أسند سفر طوبيا ايمان عدد كبير من اليهود تشتّتوا خارج أرض الموعد. فبنية جماعة أورشليم حول الهيكل ومع الذبائح والكهنة والكتبة، لا تقدّم عوناً كبيراً ليهود الشتات. فهم اقليّة حيث يقيمون، ويعيشون وسط حضارة غريبة لها آلهتها وشرائعها وعاداتها. وقد يتكيف هؤلاء اليهود بحيث يخون الواحد منهم شرائع آبائه.

2- ملّخص الكتاب
قصة شيّقة، تلذّ قراءتها. تروي خبر طوبيا (ابن طوبيط) الذي ذهب ليسترجع مال أبيه الأعمى. فرجع بعد أن تزوّج، وحمل معه علاجاً لعيني أبيه. واكتشف في النهاية أن الله قاده في مسيرته وأنجحه في كل أعماله حين أعطاه الملاك رفائيل رفيقاً في الدرب.
قصة في خدمة تعليم ديني: الله حاضر دائماً في حياة وأعمال الذين يتمّمون شريعة الأنبياء، وهو لا يتخلى عنهم أبداً. بمَ تقوم هذه الأمانة؟ في الصلاة (3: 2- 6، 11- 15؛ 8؛ 5- 8). في الصدقة مع اخوتنا أبناء جنسنا (1: 16؛ 4: 7- 8). في دفن الموتى (1: 17- 18). في زواج مع أناس من نسلنا لنتقبّل بركة الله في الأولاد، ونحفظ مستقبل شعب الله (ف 6- 8).

3- ظروف سفر طوبيا
أين دوّن سفر طوبيا؟ لا نعلم. فالكاتب استقى من الآداب الغريبة عن شعبه، من قصة بابلية هي "حكمة أحيقار"، ومن مقالة مصرية. وحضور ملائكة (الملاك هو المرسل. راجع لأك في العربية) الله يدل على تأثير فارسي. فالملاك رفائيل يرفع إلى الله صلاة طوبيط وسارة (12: 12) ويقود خطى طوبيا. نحن مثل طوبيا لا نتعرّف إلى حضور الله في حياتنا إلا فيما بعد.
يجعل طو أشخاصه يعيشون في أيام النبي أشعيا، وفي أشورية. هذا هو الفن القصصي بتفاصيل تاريخية غامضة استنبطها الكاتب. المهم ليس هنا. بل إن الخبر هو في خدمة الايمان، في خدمة مثال من التقوى والأمانة لله. 

د- نشيد الاناشيد
هو نشيد حب. نقرأه ونترك الصداقة والحنان والحياة تتغلغل فينا. 
قصائد حب، يشتعل فيها هو وهي. الواحد ليس أكبر من الآخر. الواحد يعيش مع الآخر وللآخر في المساواة والمشاركة. ليس حبهما في البداية خصباً ولا عقداً: هو حياة اتحاد: "حبيبي لي وأنا له" (2: 16). كل هذا يتمّ في حرية شكّكت عدداً كبيراً من الناس. فالمرأة هي الرفيقة، الخليلة، المساوية للرجل، وهي تجد في هذه القصائد أفضل تعبير عن كرامتها. في عالم يجعل المرأة قريبة من الخادمة والعبدة، نحسّ بنغمة تحرّر حين نقرأ هذا الكتاب.
من أين جاءت هذه القصائد؟ أغانٍ دنيويّة صوّرت حب الله؟ ترانيم طقسية في المعابد الكنعانية؟ هي بالأحرى قريبة من تأملات الانبياء (هو 2: 16- 25؛ حز 16؛ 23؛ أش 62: 1- 5). أعيدت قراءتها فحدثتنا عن محبة الله. نحن هنا أمام أسمى تعبير عن حب الله لشعبه. 
واقعية قوية جعلت الشّراح يقولون: هي لغة أعطاها الله للمحبين. هذه هي لغة الله مع البشر. فالحرارة التي بها يحبّنا الله يعطي حبنا البشري ملئه وكماله.

هـ- باروك، رسالة ارميا
مع هذين الكتيبّين ندخل في جماعات الشتات اليهودي. تجمّع اليهود قرب بيوت الصلاة، قرب المجامع. وما زالت عيونهم وقلوبهم تتوجّه إلى أورشليم، بانتظار اليوم الذي فيه يعودون إليها. "فالذي أنزل بكم هذه الويلات يقدر أن ينقذكم من أيدي أعدائكم" (با 4: 18). لقد وعوا وعياً عميقاً انهم نالوا عقاب المنفى بسبب خيانة ابائهم. فأخذوا يعيشون بحسب الشريعة التي هي الحكمة الحقيقية.

1- سفر باروك
يضمّ سفر باروك نصوصاً ألّفت في أوقات مختلفة وبأيدٍ متعدّدة. وإذا نظرنا إلى هذا السفر في وضعه الحالي، نكوّن فكرة عماّ كانت عليه صلوات التوبة والمصالحة لدى المنفيّين.
1: 1- 14: مقدمة تاريخية.
1: 15- 3: 8: صلاة يقر الشعب فيها بخطاياه ويعبرّ عن رجائه.
3: 9- 4: 4: نشيد الحكمة التي هي شريعة الله.
4: 5- 5: 9: نص ليتورجي يحمل التعزية إلى أورشليم.
تعود بنا المقدمة التاريخية إلى زمن تدمير أورشليم سنة 587. ولكنها في الواقع تلمّح إلى اضطهاد أنطيوخس ابيفانيوس. نُسب الكتاب الى باروك، سكرتير ارميا. ولكن الكاتب الحقيقي الذي دوّن كتابه في القرن الثاني (ووصل إلينا في اليونانية) تخفّى وراء شخص باروك ليكون لكتابه وقع بين معاصريه.

2- رسالة ارميا
قد نقرأ رسالة ارميا بشكل مقالة مستقلة، أو تكون ملحقة بسفر باروك (ف آ). نجهل من دوّن هذه الرسالة الموجّهة ضدّ الأصنام والعبادات الوثنية. تتردّد فيها عبارة: "انتم تعرفون أنها ليست آلهة، فلا تخافوها" (آ 4، 14، 22...).
كثرت الطقوس الوثنية حول الخصب والحب، وقد ينجذب إليها يهود بابلونية أو سورية. لهذا جاءت هذه الرسالة بشكل عظة، فاستعادت براهين نبوية معروفة وجعلتها في خدمة العقيدة الايمانية: وحده إله اسرائيل هو الإله الحي.

و- سفر الحكمة 
1- الجماعة اليهودية في الاسكندرية
كانت الجماعة اليهودية في الاسكندرية (في مصر) كبيرة جداً، ومتمتّعة ببعض امتيازات. لا شك في أنها عرفت بعض الاضطهاد. كما طرح عليها اندماجها بالبلاد مشاكل أخرى. إستقت الكثير من المحيط الثقافي الهليني: أخذت اللغة مع أول ترجمة للتوراة، أخذت المسائل الفلسفية المتعققة بالحياة والموت، أخذت البحث عن الحكمة. وجذبها أيضاً سحر الديانات الشعبية والاصنام والعلوم والتنجيم. ويُطرح السؤال: ما الذي تأخذ من كل هذا؟ ما هي الأمور التي تتجنّبها لئلا تخون ايمانها؟ 

2- صاحب الكتاب 
صاحب سفر الحكمة يهودي أمين لتقليد شعبه، ولكنه مطبوع في العمق بالثقافة اليونانية. أراد أن يساعد اخوته ليحيوا إيمانهم في عالم يهودي، عالم مخيف وأخّاذ معاً. وتمنّى أيضاً (لم يكن هذا هدفه الأول) ان يعرض الايمان على أصدقائه اليونانيّين في لغة قريبة منهم. فدوّن كتابه سنة 50، ساعة كان الرومان قد اجتاحوا منذ بعض الوقت أرض فلسطين.
حك كتاب مبنيّ بناء محكماً. وهو يستعمل أسلوب الفن اليوناني في الكتابة. إنه يضم ثلاثة أقسام:
ف 1- 5: مصير الحكماء والأشرار.
ف 6- 9: مديح لحكمة الله.
ف 10- 19: أعمال الحكمة في التاريخ.

3- مواضيع سفر الحكمة
أولأ: مصير الاشرار والحكماء (ت 1- 5)
يقابل الكاتب بين مصير البشر في عين الناس، ومصيرهم الذي يحقّقه الله. إستفاد من الفلسفة اليونانية حول نفس الانسان وخلوده، فأعطى جواباً جديداً لتساؤلات شعبه حول مجازاة الأبرار. فالحياة في نظره تتواصل بعد الموت، بحيث إن الموت لا يصيب الأبرار: "فنفوسهم في يد الله" (3: 1). أما الأشرار فينالون العقاب المهيّأ لهم. هذا الكلام يلتقي بما قاله دا 12: 1- 2 و2 مك 7 حول قيامة الموتى.

ثانياً: مديح الحكمة (ف 6- 9)
أمام مجتمع لم يعرف العدالة والمساواة، لجأ عدد من اليونانيّين إلى "الجماعات الدينية". بما أنهم لا يستطيعون أن يبدّلوا هذا المجتمع، خلقوا جماعات أخوية تستقبل كل طالب مهما كان عمره أو وضعه الاجتماعي. وعاشوا هذه الأخوّة في احتفالات سّرانية تحمل "الخلاص" إلى طالبيه. وانطلق يونانيون آخرون في طلب المعرفة والحكمة ليتخلّصوا "من المادة" بما فيها من حقارة ودناءة.
توقّف صاحب حك أمام هاتين التجربتين، فاستعاد أفضل تقاليد شعبه، وقدّم الحكمة الحقة التي هي عطية من الله، ونعمة نطلبها بإيمان (8: 21- 9: 12). هذه الحكمة هي انعكاس الله (7: 22- 29) الذي يكشف عن نفسه للذي يطلبه (6: 12- 21). والملوك يحتاجون إلى هذه الحكمة حاجة خاصة ليمارسوا الحق والعدل (6: 1- 11).

ثالثاً: الحكمة في التاريخ (ف 10- 19)
في القسم الاخير، أعاد الكاتب قراءة التاريخ الذي هو عمل الله.
ف 10: التاريخ من آدم إلى الخروج.
ف 11- 19: تأمل في الخروج. نحن امام مدراش (درس ووعظ) يستنبط بعض الوجهات التاريخية أو يضخمها. لا يذكر أبدا المصريين (لاننسى أننا في الاسكندرية).
يقدّم لنا الكاتب في سبع لوحات متعارضة ما عاشه شعب اسرائيل وما قاساه الآخرون. مثلاً، المياه قتلت الوثنيّين وخلّصت المؤمنين. ووسط هذه الفصول نجد معترضتين تخففان من قساوة الله في معاملته للوثنيّين. يعالج 11: 25- 12: 27 عبادة الحيوانات. وف 13- 15 عبادة الأوثان. عوقب الوثنيون بسبب خطاياهم (11: 16؛ 13: 8- 9). غير أن الله الذي يحبّ جميع الخلائق سيرحمهم هم أيضاً (11: 21- 12: 27).
حين قرأ المؤمن العائش في الاسكندرية تأملاته عن الخروج، عرف الطريق الواجب اتباعه. حك هي آخر سفر من أسفار العهد القديم، وهي أقرب الأسفار إلى العهد الجديد. وسيفهم المسيحيّون أن "حكمة الله" و "انعكاس النور الازلي" (7: 25) هو المسيح يسوع صورة الآب وحامل وحيه إلى البشر (يو 1: 1؛ 1 كور 1: 24- 30).

 

 

الفصل السادس والثلاثون 

نظرات الى الثورة المكابيّة

سنوات الثورة المكابية هي سنوات حاسمة لإيمان الشعب اليهودي وحياته. وتعدّدت الجهود لفهم ما يريده الله من مؤمنيه. وقد وصلت إلينا عن هذه التأملات خمسة تعابير، خمسة كتب، تدلّ على مختلف تيارات العالم اليهودي، وعلى تنوّع الظروف الإجتماعية والسياسية والدينية. تكشف لنا هذه الكتب كيف فهم أناس اختلف موقعهم الحدث عينه. وتساعدنا على أن نفهم أن التوراة هي في الوقت عينه عمل الله الذي يحدّث الإنسان في قلبه، وعمل البشر الذين لا يستطيعون أن يفهموا كل شيء دفعة واحدة، فيعودون إلى معرفة الله وعمله ليتعمّقوا فيهما. وتفرض علينا هذه الكتب أن نعرف أن البحث عن الله لا يتمّ فقط بصورة فردية، بل داخل جماعة، بل في مقابلة مع ما يقوله شعوب آخرون.
إذن، نتوقّف عند هذه "القراءات" الخمس لحدث واحد هو الثورة المكابية.

أ- دانيال 
1- فلسطين سنة 164 ق. م.
بدأ شعب يهوذا يرفع رأسه رغم مواجهته مع جيوش أنطيوخس الرابع أبيفانيوس. فقد دخل يهوذا المكابي إلى أورشليم على رأس المتشيّعين له. وقد يكون طهّر الهيكل من كل نجاسة وثنيّة (1 مك 4: 36- 59). ربح معركة، ولكنه لم يربح الحرب. فجيوش الاعداء تحتل قسماً كبيراً من الأرض. لهذا جاء سفر دانيال يشجّع الشعب في هذه الأيام العصيبة.

2- تصميم الكتاب
اولاً: أقسام الكتاب
* 1: 1- 6: 29: أخبار ستة تروي مغامرات دانيال ورفاقه في مقر نبوكد نصر.
* 7: 1- 12: 13: أربع رؤى مُنحت لدانيال وحده. إنها تعلن دمار الممالك الشريرة.
* 13: 1- 14: 42: أخبار ثلاثة تعني دانيال صفيّ الله.

ثانياً: ثلاث لغات في سفر دانيال
* ف 2- 7: دوّنت في الأرامية لغة الشرق الأوسط الدولية في ذاك الزمان.
* ف 1؛ 7- 12: دونت في العبرية، اللغة الأدبية لدى اليهود.
* ف 13- 14 والصلاة في ف 3: دوّنت في اليونانية. غابت عن توراة اليهود، ولكنها وجدت مكانها في التوراة اليونانية، في السبعينية. 

ثالثاً: عناصر الكتاب
* ف 2- 7: دوّنت قبل الحقبة المكابية. إستعاد الكاتب أخباراً تقليدية تدلّ على تفوّق إله إسرائيل على سائر الالهة. تعود هذه الأخبار إلى أوساط يهودية بابلونية.
* ف 8- 12: خلال الثورة المكابية، أعاد مؤمن من أورشليم قراءة هذه الفصول (2- 7). ووضع عليها بعض اللمسات. ثم زاد في العبرية ف 8- 12. كما ألّف ف 4 وجعله مقدّمة الكتاب.
* حوالي سنة 100، زاد مترجم يوناني ف 13- 14، عائداً إلى تقاليد أخرى تعود إلى أوساط هلينية تأملت في سفر دانيال.

3- أخبار تقوية
ينتمي القسم الأول (ف 1- 6) والقسم الثالث (ف 13- 14) إلى فن الأخبار التقوية. تفهمنا هذه الأخبار أننا لا نستطيع أن نخلط ديانة إله إسرائيل مع ممارسات الأمم الوثنية. ففي المحن والاضطهادات يخلّص الله أولئك الذين يحفظون الشريعة ويرضون بأن يموتوا لئلاّ ينكروا الإله الواحد (ف 3، 6). إنه سيّد الكون وهو يعرف أسراره كلّها (2: 20- 23)، كما يعرف مصير الملوك (4: 16- 24؛ 5: 18- 30) بحيث يفرض على الملوك الوثنيين أن يعترفوا به (2: 47؛ 3: 95- 96).
تبدو الأخبار وكأنها تجري في بابلونية، خلال الحقبة الكلدائية والفارسية. قد يكون هذا هو المحيط الذي وُلدت فيه. ولكن الكاتب جعلها في إطار مختلف، ساعة أرادت الحضارة الهلنستية أن تخنق الإيمان اليهودي (1: 8- 21؛ 3: 8- 12؛ 6: 6- 10). فهناك تفاصيل تلمح إلى الوضع الجديد وإلى العالم اليوناني: تصوير الممالك الهلنستية (2: 40- 44). الشريعة التي تفرض تقديم الذبائح للاصنام (3: 1- 7؛ رج 1 مك 1: 62- 63). كان الفرس متسامحين فلم يفرضوا مثل هذه الشريعة على أحد.
الاسلوب الذي استعمل لتأوين هذه الأخبار القديمة هو "مدراش. بهذه الطريقة ندرس نصّ العهد القديم. ونحاول أن نكتشف فيه كلمة تعليم لنا اليوم. في هذا المعنى تعتبر الكتب المدوّنة بعد المنفى "مدارش".

4- فن جلياني 
يعود القسم الثاني من الكتاب (ف 7- 12) إلى الفن الجلياني. الجليان أو الرؤيا هو كشف للمعنى. لم نعد أمام أخبار، بل أمام سلسلة من رؤى رآها دانيال وحده. وقد لمّح الكاتب إلى موضوعها منذ ف 2.

أولاً: موضوع هذه الفصول
* ف 7: رؤية الحيوانات الأربعة. نجد هنا خبر سقوط ممالك بابل وماداي وفارس ويونان.
* ف 8: رؤية الكبش والتيس. نجد تفسيرها في آ 19- 26.
* ف 9: ينتقل الكاتب إلى أسلوب آخر يجد فيه تفسيراً لنبوءة إرميا (25: 11- 14). وهكذا يفهم التاريخ الحالي (نحن هنا أمام مدراش).
* ف 10- 12. هذه هي الرؤية العظيمة والأخيرة، وأوضح الرؤى. وهي تقودنا إلى موت انطيوخس ابيفانيوس وانتصار الأبرار الذين ينجون حتى من الموت.
إن هذه الرؤى الأربع تستعيد الأحداث التاريخية منذ زمن المنفى. ولكن أسلوبها ملغز كما في أيام الحرب. لهذا يفهمها بنو يهودا ولا يفهمها مضطهدوهم. ونجد حلّ اللغز في 8: 20- 21 مع أسماء الممالك المعادية. 

ثانياً: عناصر كتب الرؤيا
* تستند الرؤيا إلى أحداث حالية خطيرة (إضطهاد، ثورة)، أحداث حاسمة بالنسبة إلى الشعب.
* تروي الرؤيا هذه الأحداث وكأن الله أوحى بها منذ زمن بعيد لأحد أصفيائه، أحد رجال الله.
* تروي الرؤيا هذه الأحداث فتلجأ إلى الصور العديدة: ترمز الحيوانات إلى الشر، والقرن إلى القوة، والنار إلى حكم الله ودينونته. والأرقام الرمزية لها معناها: يدل 7 على الكمال و5 و3 (نصف 7) على الفشل.
* تصوّر الرؤيا تاريخ الكون الذي يوجّهه الله.
* تصوّر الرؤيا التاريخ على أنه نبوءة تفهم القارىء أن ما يراه اليوم (سقوط الممالك) قد أعدّه الله مسبقاً. فالتاريخ ليس سراً بالنسبة إلى الله الذي يستطيع أن يكشف هذا السر لمن يشاء. في هذا المعنى، أعلن الله لدانيال ما سيحدث في المستقبل.
* تشرح الرؤيا أن ما يحصل اليوم هو صورة لما سيفعله الله: كل شيء ينتهي بدينونة ينتصر فيها الأبرار ويزول الأشرار (12: 1- 13).
* تدوّن الرؤيا لتشجّع المؤمنين الذين يعيشون اليوم أيام الضيق.

5- كاتب سفر دانيال
يتقابل سفر دانيال مع أسفار أخرى ليعطي تفسيراً مختلفاً لثورة المكابيين. ليس هو محارباً. إنه عضو في جماعة "حسيديم" (الأتقياء). تحملّ معهم ضيق الاضطهاد ولم يحارب اليونانيين. هو لا يعتقد أن البشر يستطيعون بسلاحهم أن يجذدوا الأرض. مثل هذا الاعتقاد يدلّ على عدم ثقة بالله القدير (2: 45)، سيد التاريخ والأمم (4: 31- 32). في هذه الظروف، يفضّل المؤمن أن ينتظر (12: 12)، أن يكون مستعداً للحدث من أن يتجاوز الشريعة وهو عارف أنه سينال الجزاء الأبدي حين قيامة الأبرار (12: 1- 13).
إختلف كتّاب الرؤى عن الأنبياء، فشجّعوا الناس دون أن يدعوهم الى التوبة. هم يتوجّهون فقط إلى الذين هم أبرار.
ماذا نجد في سفر دانيال؟ تعليم رجاء بإله هو إله جميع البشر، وهو يوجّه كل شيء لخلاص أحبائه حتى عبر الموت. فدانيال هو شاهد لتقدّم حاسم في الإيمان اليهودي: إنه يؤكّد أن الله يقيم الأبرار، وأن الذين تألموا على هذه الأرض يجدون فيما بعد المكافأة الصالحة (12: 2- 3).
فسّر دانيال تفسيراً دينياً تاريخ الكون معتبراً إياه موضوع صراع بين الله والشر، وأكّد على إنتصار الخير، فأعطى المسيحانية انطلاقة جديدة. وسيأتي بعده أناس تغذّوا من كتابه، فيرَون في يسوع "ابن الانسان" (ف 7) الذي يتم مواعيد الله. نحن هنا على ملتقى بين إنتظار حركة الأنبياء ومجيء المسيح مخلّص العالم.

ب- استير
سفر أستير هو قصة. في الوسط نجد فتاة يهودية اسمها أستير. إختارها الملك الفارسي أحشويرش لتكون ملكة. ولكنها ظلّت متضامنة مع شعبها. وبفضل شجاعتها وحظوتها لدى الملك، فشّلت مشروع إفناء اليهود كما نواه الوزير الأول هامان (3: 6). ومقابل هذا، سيحصل اليهود على إذن من الملك بالإنتقام من أعدائهم. واتخذ مردخاي، عم أستير، مكان هامان (8: 1- 2) ونظّم لليهود عيد الفوريم (أو: القرعة، المصائر) ليتذكروا يوم الانتقام.
دوّن الكتاب في العبرية، في شوش، عاصمة ملوك الفرس. دوّن ولا شك في نهاية ثورة المكابيين. فجوّ الانتصار والانتقام الذي يخلقه يوافق الزمن الذي تبع إنتصار المكابي (9: 2). وطبع هامان وما يتهم به اليهود، يذكّرنا بتصرف أنطيوخس ابيفانيوس لا بتصرف ملوك الفرس (3: 8- 9). إذن سفر استير هو مدراش يستعيد أخباراً قديمة ليقدّم تعليماً لقرّاء عصره. 
أول تعليم في أس هو تعلم عن الرجاء: رأى الشعب المضايق نهاية ضيقه، وها هو إنتصار البر والأبرار. والتعليم الثاني هو تعليم عن التضامن. ظلّت استير متضامنة مع شعبها رغم صعودها الاجتماعي المدهش. هذا ما ذكّرها به عمّها مردخاي: "لا تظني أنك تنجين من بين جميع اليهود لأنك في بيت الملك" (4: 13).
لا يذكر أس أبداً اسم إله إسرائيل. ربّما هو يلمّح إليه في 4: 14. كتاب يكاد يكون دينياً، قد تردّد كثيرون في إدخاله بين أسفار التوراة. ولم نجد له أثراً في مكتبة الاسيانيين في قمران.
وجاء المترجم اليوناني بعد سنوات فزاد بعض الملحقات (ترد في الترجمة العربية بترقيم أبجدي: أ، ب، ج) جُعلت داخل النص أو مع الأسفار القانونية الثانية (التي وصلتنا في اللغة اليونانية). بعض هذه المقاطع يوافق الحضارة الهلنستية مثل حلم مردخاي (أ: 1- 17) والوثائق "الرسمية" (ب؛ ه). وهناك زيادات أخرى كالصلوات (ج) تعطي الخبر طابعاً دينياً لم يكن له في النص العبري. وهكذا تعرّف ارتحششتا الملك إلى إله اليهود. ان سفر أستير اليوناني يبدو متكاملاً، ويعرف شمولية لم يعرفها النص العبري. لقد كانت هذه الترجمة من أجل خدمة اليهود العائشين في العالم الهلنستي فاعطت الكتاب وجهه الديني الذي يجعله جديراً بأن يأخذ مكانه بين الأسفار المقدّسة. 

ج- يهوديت
كانت اليهودية واحدة من الدويلات العديدة التي تمرّدت على الملك "الأشوري" نبوكد نصر. فأرسل اليفانا قائده في حملة انتقامية ضد هذه الدول، وحاصر مدينة بيت فلوى، آخر حصن قبل أورشليم. وجد بنو إسرائيل نفوسهم أمام وضع يائس، ووضعوا شروطاً على الله. أما يهوديت فدخلت بالحيلة إلى المخيّم الأشوري. وسحرت بجمالها اليفانا ثم قطعت رأسه. حينئذ خرج الشعب من المدينة وسحق العدو. ثم أنشدوا الرب القدير الذي هزم كل هذه الجيوش "بيد امرأة" (16: 5) ضعيفة، بيد أرملة. 
هذا هو الخبر وهو مليء بالأمور عير المعقولة. أين تقع مدينة "بيت فلوى"؟ ومتى كان نبوكد نصّر ملكاً أشورياً؟ لا واقع تاريخياً نعرفه وراء الخبر. إذن، نحن أمام مدراش. إستعاد الكاتب أخباراً قديمة وأوّنها. ولمّح (مثل دانيال واستير) إلى الملك انطيوخس الرابع (3: 7- 8؛ 9: 8). دوّن الكتاب في العبرية أو الارامية حوالي سنة 145. ضاع الأصل وبقيت لنا الترجمة اليونانية التي لم تدخل في القانون (لائحة الكتب الملهمة) اليهودي. 
أراد الكاتب أن يؤكّد أن الله يحمي شعبه من أعدائه. ويهوديت (اليهودية. كما نقول: مسيحية) تمثّل الشعب كله الذي هو صغير بين الأمم ولكنّه ينتصر بقدرة الله. 
يختلفط يه عن سائر الكتب. فالله لا يتدخّل بشكل عجائبي. يده تعمل بقوّة امرأة تؤمن وتثق به. تمّ العمل في السامرة، مع أن أهل يهوذا انفصلوا عنها. ونال الخلاص شخص وثني هو أحيور الضابط العموني في جيش اليفانا (6: 20- 21). كل هذا يدلّ على أننا لسنا في إطار وطني ضيق كما في سفر استير. فإله يهوديت هو أكبر من أن يعرفه الانسان (8: 14) أو يقدّم له تقدمة (16: 16). فالصورة التي نجدها في يه عن شخصه وعمله تبدو جدّ قريبة منا. 

د- سفرا المكابيين
احتفظت لنا التوراة بكتابين تاريخيين عن الثورة ضد الملك انطيوخس الرابع ابيفانيوس، وعن ولادة حكم "مستقل" في اليهودية.

1- سفر المكابيين الثاني
ليس 2 مك امتداداً لسفر المكابيين الاول الذي كُتب قبله (سنة 124 ق. م.) وغطى حقبة تمتد من 180 إلى 160، أي قبل موت يهوذا المكابي بقليل. 
يبدو الكتاب ملخصاً في اللغة اليونانية لكتاب يوناني آخر ألّفه في خمسة أجزاء ياسون القيريني.

أولاً: تصميم الكتاب
* 1: 1- 2: 18: أرسلت رسالتان إلى يهود مصر تدعوانهم للاحتفال بعيد تطهير الهيكل أو عيد التدشين (في العبرية: حنوكه).
* 2: 19- 32: مقدّمة الكتاب.
* 3: 8- 40: نحن في أيام سلوقس الرابع ملك انطاكية. حاول مبعوثه هليودورس ان يضع يده على كنوز الهيكل فعاقبه الله.
* 4: 1- 10: 8: نحن في أيام انطيوخس الرابع ابيفانيوس الذي فرض الحضارة الهلينية: اضطهاد، شهداء، ثورة، وتطهير الهيكل.
* 10: 9- 13: 26: نحن في أيام انطوخس الخامس. تأرجح بين الحرب والسلام.
* 14: 1- 15: 36: نحن في أيام ديمتريوس الأول. إنتصار يهوذا الأخير ضد "الجماعات الهلينية" المتحلّقة حول ألكيمس الكاهن الأعظم ونكانور القائد الانطاكي.
* 15: 37- 39: خاتمة الكتاب. 

ثانيا: هدف الكاتب
أشار الكاتب في المقدمة أنه ما أراد أن يروي كل شيء. ففضّل أن يبرز بعض العناصر ويشدّد على أهميتها. لهذا أخذ بطريقة الكتابة لدى اليونانيين، فأعطى خبره طابع العاطفة (التقوى) وجعل الخطب تأخذ مكاناً لم تأخذه أحداث الحرب (ف 15). جاءت الظهورات من السماء بشكل أحلام ورؤى (3: 24- 26؛ 10: 29- 31؛ 11: 8) فكانت شبيهة بما ترويه الكتب اليونانية والرومانية عن قدرة الإله العاملة من أجل حياة البشر. 

ثالثاً: تعليم ديني
ترك الكاتب لغيره (1 مك) أن يبرّر سياسة المكابيين، فأراد أن يقدّم لنا تاريخاً دينياً، إليك بعض عناصره.
* الهيكل
الهيكل هو محور اهتمام الكاتب. وهو يدعو يهود مصر ليحتفلوا بعيد التطهير (1: 1- 2: 18). ولقد تعلّم هليودورس ثم انطيوخس أن من يدنّس الهيكل يدفع لقاء فعله "ثمناً غالياً" (ف 3؛ 9: 3- 29).
* الصلاة
تحتل الصلاة مكانة هامة في 2 مك (3: 15، 22؛ 8: 2- 4؛ 10: 26...). فالابطال يصلّون قبل أت يقوموا بأي عمل. فالرب هو الذي يمنح خيراته لشعبه، ويعطيه النصر (10: 38). ومقابل هذا، على الأشرار أن يتعرّفوا إلى قدرة الله الحق (3: 35- 40؛ 9: 12)، كما في سفر دانيال.
* الموت والاستشهاد
ويُلقي الكاتب ضوءاً جديداً على مسألة الموت والاستشهاد. فتضحية الذين بذلوا حياتهم (العازر، 6: 8- 13؛ الأخوة السبعة، ف 7) هدّأت غضب الله وحوّلته إلى رحمة (8: 5). حينئذ بدأ بين اليهود تفكير إيماني: إذا كان الله عادلاً، فهو لا يستطيع أن يترك في قبضة الموت أولئك الذين ضحّوا بحياتهم محبةً بشريعته. يجب أن يعطيهم في حياة أخرى المجازاة التي استحقها برّهم (7: 9، 11، 14؛ 12: 38- 45). أجل، سيقيمهم ليحيوا معه. إن الإيمان بالقيامة، كما أكّده دا 12: 2- 3، هو الجواب النهائي لمسألة مجازاة الأبرار (طُرحت في أيوب)، وهو جواب تجذّر بطريقة ملموسة في خبرة الشهداء. وهذا الجواب ساعد الرسل على تقبّل قيامة يسوع وقيامتنا بقدرة الله (مت 22: 23- 32).
إنتمى كاتب 2 مك إلى محيط الفريسيين الذين تفرّعوا من "حسيديم" زمن الثورة. عادَوا الحشمونيين لارتباطهم بالسياسة والحركة الهلينية، وانفصلوا عن الشعب في تقوى تهيّئهم لاستقبال ملكوت السماوات.

2- سفر المكابيين الأول
أولاً: تصميم الكتاب
يتبع التصميح ترتيب الأحداث، منذ توليّ انطيوخس ابيفانيوس السلطة حتى موت آخر قوّاد الثورة المكابية.
* ف 1- 2: الأسباب العميقة للثورة. أحسّ الشعب بالخطر يتهدّد إيمانه ووجوده. إنها المرّة الأولى يحاول فيها الأعداء أن يزيلوا ديانة موسى. 
* 3: 1- 9: 22: عمل يهوذا المكابي: الانتصارات، تطهير الهيكل (4: 36- 61)، التحوّل السياسي.
* 9: 23- 12: 53. يوناتان أخو يهوذا. عيّنه السلوقيون كاهناً أعظم سنة 153 (10: 15- 21). ولكن لم تتوقف المؤامرات. 
* 13: 1- 16: 23: سمعان آخر أخوة يهوذا. كان كاهناً أعظم وسلّم السلطة إلى ابنه يوحنا هركانس الذي أسّس سلالة الحشمونيين.

ثانياً: هدف الكاتب 
عرف كاتب 1 مك فلسطين والأحداث التي يتكلّم عنها. إنطلق من مراجع مكتوبة فدوّن كتابه حول سنة 100، وذلك بعد موت يوحنا هركانس بزمن قليل. فما كان هدفه؟
* أراد ان يرسم أيضاً لوحات تاريخية كبيرة عن العصور السابقة، ليدلّ على أن الله ما زال يوجّه شعبه. فالنصر يأتي من السماء (3: 8- 22) من أجل المؤمنين المحافظين على الشريعة. وتدلّ وصية متتيا على الرؤية الدينية التي وجّهت الكاتب حين دوّن كتابه (2: 49- 68). 
* أراد أن يدافع دفاعاً خفياً ولكن فاعلاً، عن الذين ساندوا الثورة: فهو يمتدح المكابيين ولا سيما يهوذا (3: 1- 9) وسمعان (14: 4- 15)، ساعة كانت السلاله الحشمونية موضع انتقاد. فقد اتهمها الفريسيون بسبب المعاهدات السياسية والتسلّط على الكهنوت. لم يدخل الكاتب في المنازعات بين الأحزاب، ولكنه اكتفى بأن يذكّر بالمثال السامي الذي قدّمه المكابيون. دافع بصدق عن الحشمونيين في زمانه، فبرّر الثورة وتسلّم المكابيين للحكم. غير أن نظرته الدينية ظلّت خفرة، فما وجدنا تطلّعاً إلى المستقبل. لا نجد أية نفحة نبوية في 1 مك مع أنه يذكر مرتين انتظار النبي (4: 46: 14: 41).
شدّد 2 مك على عمل الله في خلاص الشعب. أما 1 مك فأبرز عمل الانسان الذي يتكل على نفسه وعلى الله.

 

 

الفصل السابع والثلاثون 

من عالم النبوءة إلى عالم الرؤى

نتوقّف في هذا الفصل عند نصّين يدلاّن على. تيارين عرفتهما التوراة: نص نبوي نقرأه في اشعيا الثالث، وهو يشدّد على روح الله الذي ينزل على النبي، بانتظار أن يطبّقه المسيح على نفسه. ونصّ جلياني (يرتبط بعالم الرؤى) نقرأه في دانيال. إنه يحدّثنا عن ابن الانسان الآتي لخلاص الشعب. سيكون هذا اللقب هو الذي يفضّله يسوع ويجعله خاتمة حياته في الاناجيل الازائية: "سترون ابن الانسان جالساً عن يمين الله القدير، واتياً مع سحاب السماء" (مر 14: 62).

أ- روح الرب عليّ (أش 61: 1- 11)
1- موقع النصّ
نحن هنا في مجموعة "أشعيا الثالث". ينتمي النص إلى نواة المجموعة المكوّنة من 57: 14- 21؛ 60- 62؛ 65: 16- 25؛ 66: 6- 14. يشكّل ف 60 و62 المحور الذي يحيط بالفصل الذي ندرس. إنه الأهم في هذه النصوص.
يصوّر ف 60 و62 الاشعاع الجديد الذي تكوّنه أورشليم وصهيون (التلة التي بني عليها الهيكل الثاني) على الشعوب الذين جاؤوا يحجّون ويحملون تقادمهم. لمذا انقلبت الأوضاع؟ من الذي سيجعل هذا "الانقلاب" ممكناً؟ نجد الجواب في ف 61.

2- تصميم النصّ
نجد هنا ثلاثة أقسام:
أولاً: آ 1- 4
يتكلّم شخص عن نفسه فيصوّر المهمة التي نالها من الرب (في الماضي، آ 1) من أجل اناس يعيشون (اليوم) في الشقاء والضيق (آ 1- 3 أ). ويأمل لهم بوضع جديد (آ 3 ب- 4).
ثانياً: آ 5- 9
يتوجّه هذا الشخص إلى سامعيه فيقدّم لهم المستقبل الذي يهيّأ لهم (آ 5- 7، 9). هذا هو عمل الله الامين دوماً على عهده (81).
ثالثاً: آ 10- 11
نعود إلى صيغة المتكلم. من يتكلم؟ الشخص أو السامعون الذين يعبّرون عن فرحهم أمام البرنامج الذي عُرض عليهم. 

3- تفسير النصّ
هناك عدد من الصور والتلميحات لا بدّ من تحديد معناها وبُعدها.

أولاً: المهمة (آ 1- 4)
يصف المتكلّم مهمته بألفاظ مأخوذة من "أشعيا الثاني": "روح الرب عليّ" (41: 1) هو رسول "خبر مفرح" (40: 9؛ 41: 27؛ 52: 7). "يعلن التحرير للأسرى" (42: 17؛ 49: 9)، وهو يريد أن "يعزّي" (40: 1). 
إذن، يبدو أنه يتابع عمل سابقه الذي حاول في نهاية المنفى أن يعيد الأمل إلى المنفيّين الذين رأوا انتصارات كورش. تألّف سامعوه من أشخاص "بائسين" (49: 13). ولكنه يسمّيهم "المحزونين" (57: 18؛ 66: 10) وأناساً "انسحقت قلوبهم وتواضعت أرواحهم" (أش 57: 15). رغم العودة من المنفى ورغم إعادة بناء الهيكل، فالناس ما عادوا يصدّقون شيئاً. فمواعيد أشعيا الثاني لم تتحقّق، وأورشليم والهيكل لم يستعيدا مجدهما السابق.
فلا بدّ من تحرير هؤلاء الناس مرة ثانية. لا من المنفى بل من اليأس والقنوط. حقّق كورش "كمسيح الرب" (45: 1) التحرير الأول. وقد كلّف كاتب ف 61 بأن يقوم بالتحرير الثاني: "جعل الرب منّي مسيحه" (آ 1). عليه أن "يعلن سنة رضى الرب" أي السنة التي فيها يستعيد العبيد حريتهم بحسب شرائع اسرائيل (لا 25: 10؛ حز 17: 46؛ إر 34: 8- 16).
وبعد صورة التحرير تأتي صورة الّلباس. فالمحزونون يتركون لباس الحداد ويلبسون ثياب العيد: هذه علامة تحوّل داخلي وحماس يتجدّد من أجل مشروع يقومون به (آ 3 أ).
وهنا كصورة أخيرة: صورة الغرس. دلّ القلع (اقتلاع الأشجار) في التوراة على الكارثة، على المنفى. ويدلّ الغرس على العودة من المنفى والتشبّت في أرض وُلدنا فيها (ع 91: 13- 15؛ إر 24: 6). 
وأخيراً يتوضّح ما يُنتظر من سامعين نالوا العزاء: أن يعيدوا بناء البلاد، أن يرفعوا الانقاض (آ 4). هذا الوعد الذي تحدّث عنه أشعيا الثاني (44: 26- 28) لم يتحقّق بعد كله. فعلى هؤلاء الناس الذين تحرّروا من يأسهم أن يحقّقوه.

ثانياً: نظرة إلى المستقبل (آ 5- 9)
تتوقف النظرة الى المستقبل أولا عند الامكانيات الاقتصادية التي كانت ناقصة في ذلك الوقت (62: 8- 9؛ 65: 21- 22؛ حج 1: 6- 11؛ 2: 15- 19)، ولكنها ستتأمّن بفضل هبات الأمم وعملهم (آ 5- 6؛ 60: 5- 6؛ 10، 16). وبعد أن يتحرّر السامعون من ضغط الأمور
المادّية، يستطيعون أن يتكرّسوا كلياً لخدمة الرب الليتورجية في الهيكل (آ 6 أ). 
رأى أشعيا الثاني اسرائيل يعبر وسط الأمم شعباً يشهد لحضور الرب الفاعل في التاريخ (43: 10، 12: 44؛ 8). أما هنا فيقوم بوظيفة الشهادة بواسطة الهيكل وبتشّتت اليهود وسط الشعوب الأخرى (آ 9). والعار المضاعف الذي كان عقاب المنفى (40: 2) لن يهدّد العائدين الذين خافوا منه (آ 7). فهم سينالون (آ 8 أ؛ 62: 11) الجزاء الذي وعد به أشعيا الثاني (40: 10؛ 49: 4): تأكدوا أن الرب لم يتركهم، بل ظلّ دوماً أميناً لعهده (آ 8 ب؛ 55: 3). 

ثالثاً: جواب السامعين (آ 10- 11)
نفهم هاتين الآيتين كجواب السامعين للبرنامج المستقبلي الذي عُرض عليهم. إستعادوا بعض الصور (لباس الفرح، الغرس) ليصوّروا الحماس الذي يثيره "خبر مفرح" (بشرى) سمعوه من قِبل الرب. 

4- الوضع التاريخي
من هو الذي يتكلّم؟ شخص يقدّم نفسه على أنه النبي. لقد نال روح النبوءة. غير أننا نلاحظ أن تعليمه يرتبط بالهيكل والليتورجيا، وأن وظيفته الكهنوتية مهمّة في نظره (آ 6، 10 ب). قد نسميه "نبي العبادة" على مثال حجاي. إذا كان حقاً قد "كرّس" (في آ 1: "جعل الرب مني مسيحه" حيث كلمة "مسيح" تعني الممسوح والمكرّس بمسحة الزيت)، فيكون هذا النبي عظيم الكهنة (قبل المنفى، كان الملك وحده يُمسح. بعد المنفى غاب الملك، فحلّ محلّه الكاهن الأعظم ومُنح المسحة. رج زك 4: 14 ويشوع الكاهن الأعظم).
فإذا كان رئيس الجماعة، نفهم أنه يستطيع ان يعلن سنة تحرير العبيد، كما نفهم أهمية الوظيفة الكهنوتية في تعليمه. ولكن، في فصل تكثر فيه العبارات المصوّرة، نكون أكثر فطنة إن احتفظنا بمدلوله رمزي للفظة "مسيح" وعبارة "سنة رضى الرب" (إن شريعة تحرير العبيد كل خمسين سنة، حسب لا 25: 10، تعود إلى ما بعد المنفى ولم تطبّق أبداً).
صوّر ف 60 و62 الاشعاع الجديد الذي ستعرفه أورشليم وصهيون، وكان هدف هذه الرؤية تشجيع جماعة العائدين الذين خابت آمالهم أمام الهيكل الصغير، وقلقوا من المستقبل الاقتصادي، وحُرموا من أملهم باستقلال وطني. فمن يؤمّن لصهيون هذا الاشعاع الجديد؟ لن ننتظر هذا التبدّل من عمل تاريخي يرتبط بكورش "المسيح" أو بعطف السلطات الفارسية. فعلى الجماعة نفسها أن تأخذ مصيرها بيدها، وتتجاوز وضاعتها ويأسها، فتبدأ العمل بإعادة بناء البلاد (آ 4). حين يعمل الانسان من اجل ازدهار صهيون فهو يعيد إليها إشعاعها، ويساعدها على التجاوب مع دعوتها كشعب كهنوتي (خر 19: 6) وكشاهد للرب وسط الأمم. 
هذا هو البرنامج الذي وافق عليه السامعون وتحمّسوا له.
لقد طبّق يسوع على نفسه (لو 4: 16- 21) نصق أش 61: 1- 2. فالبشرى (أو: الانجيل) التي يحملها يسوع تقوم بأن يدعو البشر (حتى الذين يعيشون على هامش المجتمع) ليأخذوا مصيرهم بيدهم ليعملوا في بناء ملكوت الله. غير أن جواب سامعيه كان الغضب والرفض: "جاؤوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه منها".

ب- إبن الانسان (دا 7) 
يدخلنا دا 7 في القسم الثاني من الكتاب. هو نصّ جلياني يكشف آخر انتصار لله ولمؤمنيه في نهاية التاريخ. أما إطار دا 7 فهو اضطهاد انطيوخس الرابع ابيفانيوس. 

1- تصميم النصّ ومضمونه
نقرأ النصّ قراءة أولى. يروي لنا دانيال رؤية رآها في أيام الملك بلشصّر (آ 1).
* في آ 2 تبدأ الرؤية. رأى دانيال أربعة حيوانات طالعة من البحر. الأول هو أسد بجناحي نسر. والثاني هو دبّ. والثالث هو نمر. أما الحيوان الرابع فسرّي ورهيب بقرونه العشرة ثم بقرن حادي عشر كله صلف وكبرياء.
* في آ 9 ظهر شيخ تحيط به آلاف الكائنات وتخدمه. جلس على كرسي القضاء فباد الحيوان الرابع وصار وقوداً للنار. وزال سلطان الحيوانات الثلاثة.
* في آ 13 وصل كائن مثل ابن انسان. نال الملك الدائم على كل الشعوب. 
* في آ 15 إستعلم دانيال عما رآه فقيل الله: الحيوانات الأربعة هي أربعة ملوك. وقديسو العلاء سيأخذون الملك منهم. أراد دانيال أن يعرف شيئاً آخر عن الحيوان الرابع. فرأى في رؤية جديدة، القرن الحادي عشر (في الحيوان الرابع) يحارب "القديسين"، إلى ان يحكم لهم الشيخ الطاعن في السن (آ 15- 18).
* وعرف دانيال أن القرن يمثل ملكاً يتفوّق بشرّه على سائر الملوك. سيجدّف على الله، ويتسلّط على "القديسين" ثلاث سنوات ونصف السنة، ثم يدمر ويباد (آ 19- 27).
فبعد مقدمة (آ 1)، نجد رؤية دانيال (آ 2- 14) وتفسير الرؤية (آ 15- 27) تفسيراً أول (آ 16- 18). ثم نقرأ رواية لاحقة (آ 19- 22) وتفسيراً لاحقاً (آ 23- 27). واخيراً الخاتمة (آ 28)..
نفهم من خلال الصور أن سلطانا يحلّ محل سلطان آخر. كانت الممالك في أيدي ملوك سافكي دماء، فأعطيت (بعد دينونة الله) إلى جماعة "القديسين" (آ 18) بعد أن تحمّلوا محنة الاضطهاد. 

2- التعليم الذي نستخلصه
نقرأ النصّ قراءة ثانية ونقابله مع ف 8- 12 وحلم ف 2. فالحيوانات تمثّل ممالك متعاقبة: بابل، ماداي، فارس، يونان، والقرن الحادي عشر هو أنطيوخس ابيفانيوس. أما المحنة فهي اضطهاد سنة 169- 164. كان التفسير في آ 15- 27. ولكن دخلت فيه رؤية ثانية (آ 16- 18) مع تفسيرها (191- 22). دوّن النص قبل اضطهاد انطيوخس، وكمّل سنة 164 ساعة تدوين السفر بصورة نهائية. فزاد الكاتب في ذاك الوقت ما يتعلّق بأنطيوخس والاضطهاد الديني.
يمثّل الشيخُ الله نفسه. فهو بدينونته يعيد السلطان إلى شعبه، إلى "القدّيسين". ستنتهي ممالك هذا العالم وستحلّ محلّها خليقة متجدّدة حيث يكون القديسون "هيكل الرب".
وتبقى صورة "ابن الانسان" غامضة. نراه في الرؤية كأنه شخص فرد (آ 13). ولكن المُلك يُعطى في التفسير (آ 18، 22، 27) إلى "قديسي العلي". يجب أن نعرف أن الرؤية تقدّم تمثلاً رمزياً "في السماء" (أي: في عالم الله) لأحداث تحصل على الارض. فالملائكة الذين هم في خدمة الله في العلى، يمثلّون الشعوب التي على الأرض. كما أن الحيوانات التي في العلى تمثّل الممالك التي على الأرض. وصورة ابن الانسان قد تدلّ على الملاك ميخائيل (10: 21؛ 12: 1) ممثّل القديسين. 
من أين جاءت كل هذه الصور؟ جاءت صور الملائكة من عالم بابل وفارس. صور البحر والحيوانات هي جزء من الأخبار البابلية على أصول العالم. إستفاد دانيال من كل هذا وأدخله في نظرته. غير أنه جعله في خدمة الله الواحد، سيّد التاريخ والشعوب.

3- مصير دا 7 في الجماعات التي تقبّلته
سنة 164 ق. م.، فهم القرّاء التعليم الذي قدّمه دانيال: واستقبلوا نجاح الثورة المكابية كعلامة مسبقة لتدخّل الله الحاسم.
وظل المؤمنون يقرأون الكتاب ويؤوّنونه بالنظر إلى الظروف التاريخية الجديدة. في زمن يسوع المسيح، رمَزَ الحيوان الرابع إلى الامبراطورية الرومانية. هذا ما نجده عند فلافيوس يوسيفوس، في أسفار الرؤيا المنحولة، وعند المسيحيين في رؤ 13: 1 ي.
وحملت صورة "ابن الانسان" تفاسير عديدة بسبب الوجهة السرية التي فيها. صارت بين اليهود إحدى الصور عن المسيح المنتظر. ووجد يسوع في آ 13- 14 الألفاظ التي تعبّر عن رجائه في ساعة الآلام (مر 13: 26؛ 14: 62). وسيكتشف المسيحيون في يسوع "ابن الانسان" الذي يتمّم عمل الآب ويدشن في مجده ملكوت الله.
أجل، كان دا 7 مهماً جداً للمسيحيين. فقد وجدوا فيه اللغة التي بها عبّروا عن إيمانهم بالمسيح مرسل الله، وعن رجائهم بعمله الخلاصي.

 

 

الفصل الثامن والثلاثون 

كتابات أخرى

نتوقّف في هذا الفصل عند قسمين كبيرين: النسخة الأخيرة للبنتاتوكس أو أسفار موسى الخمسِّة. ثم التاريخ الكهنوتي الذي جمع في أيام الفرس وثائق عديدة قبل أن يقدّم لنا لوحة واسعة تبدأ ببداية الكون وتصل بنا إلى نهاية الزمن الفارسي.

أ- البنتاتوكس
نحن هنا أمام قراءة أخيرة للأحداث التي أسّست شعب الله. وُضعت في كتاب واحد، ثم قسمت خمسة كتب ليسهل استعمالها في الليتورجيا. لهذا سُميّت البنتاتوكس (بنتا: خمسة، توكس: درج أو لفيفة) أو أسفار موسى الخمسة (أسفار الشريعة الخمسة). 

1- وضع التقاليد في إضمامة واحدة
إمتلك شعب إسرائيل قبل المنفى مجموعات من التقاليد التاريخية والدينية. فالتقليدان اليهوهي والالوهيمي جُمعا بعد سقوط السامرة سنة 721. وفي أيام الملك يوشيا 622، أعلن تث في نشرته الأولى شريعة الدولة، ثم زاد عليه كاتب التاريخ الإشتراعي أموراً عديدة. وخلال المنفى، تكوّن وتوّضح التقليد الكهنوتي الذي انطلق من خبر البدايات إلى وصول الشعب على عتبة أرض الميعاد، فجمع شرائع قديمة حافظ عليها كهنة أورشليم. وحين كلّف عزرا سنة 398 بترتيب شريعة الدولة، زاد على ما وجده شريعة القداسة وشرائع عبادية أخرى عمل بها كهنة الهيكل الثاني، منها: شريعة الذبائح (لا 1- 7)، شريعة الطهارة (لا 11- 16)، شريعة الأعياد (عد 28- 29). وجعل إصلاحات وزيادات في هذه الشرائع لكي تكون المساواة تامة بين العائدين من المنفى وأولئك الذين ظلّوا في البلاد.
وضُمّت هذه المجموعات المختلفة بتأثير عزرا وتمّ إندماجها في وحدة متكاملة سماها اليهود "توره" أي شريعة. وقسموها خمسة كتب. لهذا سمّاها اليونانيون: بنتاتوكس، وأعطوا كل سفر إسماً يتوافق ومعناه: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية.
إن نشر البنتاتوكس أو الأسفار الخمسة في الحقبة الفارسية هو حدث كبير جداً. إنه "دستور" الشعب اليهودي. هو يميّزه كشعب الله أي شعب مختار منذ العهد بين الله وإبراهيم، شعب محرّر ومنظمّ مع موسى ليكون في العالم شاهداً على وحي الله الحي، شعب حرّكه موسى والأنبياء والكهنة بعده ليسمع كلمة الله الحاضرة دائما في تاريخه. 
إلى هذا "الدستور" سيعود الشعب اليهودي باستمرار ليحافظ على وحدته وعلى إيمانه رغم تشتّته وضياع إستقلاله. مكانة البنتاتوكس غير مكانة سائر اللفائف البيبلية. وسيُقرأ دوماً ويفسَّر ويؤوَّن في المجامع حسب ما فعله عزرا (نح 8: 1- 8) يوم قرأ التوراة بشكل علني. تجمّد نصه فما عاد يحمل التغيير. ولكن التفاسير ستعطينا ما يسمى الترجوم أو ترجمة النص ترجمة حرة في اللغة الأرامية. 

2- الوجوه الكبرى في البنتاتوكس
حين ضم البنتاتوكس التقاليد المختلفة في كتاب واحد، أبرز بشكل خاص وجه إبراهيم وموسى.

أولاً: إبراهيم
يبدو إبراهيم "أب المؤمنين". صارت حياته كلها مسيرة الإيمان. دعاه الرب فترك بيته دون أن يعرف هدف طريقه (تك 12: 1)، وصل إلى كنعان فآمن بمواعيد الله: أن يكون أباً لشعب كثير كرمل البحر، مع أن لا ولد له (تك 15: 1- 6). أن يمتلك أرض كنعان هو ونسله، حين يقيم فيها كبدوي غريب (تك 15: 7- 18). ومع أنه وامرأته إجتازا عمراً لا يستطيعان فيها أن ينجبا أولاداً، إلأ أنّه ما زال يؤمن بميلاد قريب لإبن له (تك 18: 1- 15).
وحين يُولد إسحق، إبن الموعد، يستعد إبراهيم لكي يقدّمه ذبيحة بناء لأمر الله. ولكن الله يمسك له يده، ويؤسّس مواعيده من جديد على طاعة إيراهيم غير المشروطة (تك 22: 1- 19). وهكذا جُعل "أبو المؤمنين" في أصل الشعب العبراني. ولن يستطيع أبناؤه أن ينتموا إليه إلا إذا قاسموه إيمانه.

ثانياً: موسى 
موسى هو وسيط بين الله والشعب. وتظهر هذه الوساطة أولاً في المهمة التي تلقاها من الرب بأن يكون أداة خلاص لشعبه فينتزعه من عبودية مصر (خر 3)، وينجيّه من الجوع والعطش في البرية (خر 15: 24- 17: 6) ليقوده إلى حدود كنعان.
وتظهر هذه الوساطة أيضاً في وظيفته كمشترع: فهو ينقل إلى الشعب شرائع الرب ووصاياه التي هي أساس العهد (الميثاق) (خر 20: 1- 17؛ 20: 22- 24: 9). ولكن موسى هو وسيط بشكل خاص حين يمثّل الشعب أمام الله (خر 19؛ 20: 18- 21؛ 24؛ عد 12: 1- 16؛ تث 23- 31)، أو حين يتشفع إلى الله من أجل الشعب (عد 14: 10- 25؛ خر 32: 7- 14؛ تث 9: 18- 29).
ووظيفة موسى كوسيط أو متشفع دخلت في قلوب المؤمنين على عتبة المسيحية. فقد قال إبن سيراخ إنه كان محبوب الله (سي 45: 1). وقالت الترجمة السبعينية: "إن الرب كلّم موسى وجهاً لوجه كما يكلّم الإنسان صاحبه" (خر 33: 1).

3- الأسفار الخمسة
لكل سفر من الأسفار الخمسة وجهه الخاص. وهو يبرز بطريقته الأحداث التي أسّست شعب الله.

أولا: سفر التكوين
إسمه في العبرية "براشيت" (هي أول كلمة) أي: في الرأس. في البدء. 
هو كتاب البدايات. يحدّثنا بتعابير مصوّرة عن ولادة العالم والبشرية (ف 1- 11). ثم من بعد نداء إبراهيم، يقدّم لنا ولادة شعب الله المقبل عبر آبائه (ف 12- 50). وينتهي في مصر حيث وجدت القبائل العبرانية لها ملجأ. ما يشرف على هذا الكتاب هو وجه إبراهيم.

ثانياً: سفر الخروج
إسمه في العبرية "شموت": هذه أسماء بني إسرائيل.
يبدأ بأعلان السخرة التي فرضها المصريون على العبرانيين، ثم تأتي ولادة موسى وتحرير الشعب الذي يحتفل بعيد الفصح (ف 1- 15). وتبدأ مسيرة طويلة بقيادة موسى الذي يوجّه شعبه إلى لقاء الرب في سيناء، وينقل إليه شرائع الرب ووصاياه (ف 16- 40). هذا السفر هو قبل كل شيء الموضع الذي فيه يكتشف الشعب خلاص الرب.

ثالثاً: سفر اللاويين
واسمه أيضاً سفر الأحبار. في العبرية: "يقرا": ودعا الله موسى وكلّمه.
يعود إسم الكتاب إلى قبيلة لاوي التي إليها انتمى الكهنة. وهو مجموعة شرائع دينية توضح شعائر تقديم الذبائح (ف 1- 10)، تؤمّن الطهارة (ف 11- 16) والقداسة (ف 17- 27) في شعب مدعو لكي يلاقي الله القدوس على مذبحه وفي حياته الدنيوية.

رابعاً: سفر العدد
إسمه في العبرية "بمدبر": في البرية كلم الرب موسى.
يبدأ سفر العدد بإحصاء الشعب وتعداده (ف 1- 9). وهو يورد الأحداث المختلفة التي توزّعت مسيرة الشعب في البرية (ف 10- 25). وحين وصل موسى إلى حدود أرض موآب، أعطى تعليماته من أجل إحتلال الأرض واقتسامها (ف 26- 36). 

خامساً: سفر التثنية 
واسمه أيضاً: تثنية الإشتراع. في العبرية: "إله هدبريم": إليك الكلمات التي قالها موسى.
يتضمّن سلسلة من خطب موسى. قبل الدخول إلى أرض كنعان، حذّر شعبه من نسيان الرب (ف 1- 11، 27- 35). هذه الخطب هي الإطار لمجموعة الوصايا (ف 12- 26) التي تبدو بشكل تكملة يعطيها موسى لشرائع البرية. إن تث هو "الشريعة الثانية". وهو ينتهي بوصية موسى وموته تجاه أرض الموعد (ف 31- 34).
إذن، يتوقّف البنتاتوكس قبل أرض الميعاد. لماذا؟ هناك أسباب: لكي يقنع السلطات الفارسية بأن لا هدف له بأن يحتلّ كنعان مرة ثانية. كان لموسى إسم كبير في زمن عزرا، فتوّقفت الأحداث المؤسّسة عند موته. دلّ المنفى والشتات أن الشعب يستطيع أن يعيش خبرة إيمان إبراهيم وموسى دون وجوده على أرض له.
لم يكتمل البنتاتوكس، بل ظل كتاباً مفتوحاً، من يتمّه؟ المؤمنون في العهد الجديد على خطى يسوع. 

ب- التاريخ الكهنوتي
دوّن اللاويون التاريخ الإشتراعي على ضوء سفر التثنية التشديد على أهمية الأرض التي يحتفظ بها الشعب إن كان أميناً لربه، موحَّداً في وجوده. وأراد الكهنة أيضاً أن يدوّنوا تاريخهم، فربطوه ببداية الكون وأوصلوه إلى ما بعد الزمن الفارسي. بدأوا بالنهاية، فقدموا آخر الوثائق، وعادوا إلى الوراء يبرزون وجه أورشليم بهيكلها، وجه داود وسائر الملوك الذين اعتنوا عناية خاصة بالإصلاح الديني. 

1- مجموعة الوثائق التاريخية
إن سفري عزرا ونحميا اللذين سيعطيهما المؤرخ الكهنوتي شكلهما النهائي، هما مجموعة وثائق تعود إلى الحقبة الفارسية. نجد فيهما تقارير عن مهمة أوكلت بها السلطات الفارسية نحميا وعزرا. دُوّنت هذه التقارير بصيغة المتكلم المفرد (كنت أنا في قصر شوش، نح 1: 1؛ رج عز 7: 27- 9: 15؛ نح 1- 7؛ 10؛ 12: 27- 13: 31). أو بصيغة الغائب المفرد (إجتمع الشعب وقال لعزرا، نح 8: 1؛ رج عز 7: 1- 10؛ 10؟ نح 8- 9). وزيدت وثائق رسمية مختلفة: لائحة العائدين (عز 2؛ نح 7: 7- 72؛ 12: 1- 26)، إحصاء لسكّان أورشليم والأرياف (نح 11: 3- 36)، مراسلة دبلوماسية (عز 4: 26- 6: 12)، قرارات ملكية (عز 1: 2- 4؛ 7: 11- 26). كل هذه الوثائق الرسمية تتيح لنا أن نتعرّف إلى تشعّب الإدارة الفارسية وإلى تعامل الجماعة اليهودية تجاهها من أجل المحافظة على حقوقها.
رافق هذه الوثائق المختلفة عددٌ من الصلوات (عز 9: 6- 15؛ نح 1: 5- 11) وليتورجيات التوبة (نح 9) واحتفالات الفرح التي تتوزّع عودة الحياة إلى البلاد، وأعمال الشعب ومجهوداته (عز 3؛ 6: 16- 22؛ 12: 27- 43). وهذا المزيج بين الصلوات والوثائق التاريخية يبيّن أن الجماعة وعت أهمية المبادرة فيها لكي تتجاوب ومخطّط الله في شعبه. هيكل أعيد بناؤه، شعائر عبادة كما في الماضي، كتاب شريعة حاضر في المجامع. تلك هي علامات حضور الرب الفاعل في شعبه. 

2- عمل "المؤرخ"
نعني بالمؤرخ ذلك الذي دوّن "التاريخ الكهنوتي". بعد أن نتحدّث عن إطار التأليف، نتعرف، إلى آثاره وهي أسفار الأخبار وعزرا ونحميا. 

أولاً: إطار التاريخ الكهنوتي
بعد وصول الإسكندر بقليل، إنفصل السامريون إنفصالاً تاماً عن الجماعة اليهودية في أورشليم، وبنوا لهم هيكلاً (يزاحم هيكل أورشليم) على جبل جرزيم. أخذ الخصمان مواقعهما وقدّما البراهين التي تسند موقفهما. تعلّق السامريون بكتب موسى الخمسة (بنتاتوكس أو توره) كما "دوّنها" عزرا الكاتب. في ذلك الوقت، قام رجل من أورشليم وأعاد كتابة كل تاريخ شعبه. أراد أن يبيّن أن هيكل أورشليم هو الهيكل الشرعي الوحيد، لأنه بُني كما أراده داود.
ووزّع عمله في كتابين (هما اليوم أربعة أسفار) هما ثمرة هذه القراءة الدينية الجديدة للتاريخ: كتاب الأخبار (1 أخ، 2 أخ) وكتاب عزرا نحميا (عز، نح). من هو الكاتب؟ نجهل إسمه ولهذا نسميه "المؤرخ". إنه ينتمي إلى أعيان أورشليم، إلى الكهنة الذين يهمّهم بهاء ليتورجية الهيكل.
إستعمل أكثر من عشرين مرجعاً دوّنت قبله. بعضها معروف لأنها جزء من التوراة (كتاب صموئيل، كتاب الملوك). وبعضها الآخر ضاع. حين نقابل بين مراجعه وما تركه لنا، نرى أنه أعاد كتابة المعلومات التي أخذها. بدأ فألغى صفحات كاملة (مثلاً، تاريخ مملكة إسرائيل بعد الإنفصال سنة 933، خطايا داود). وكيّف أخباراً أخرى فجعل داود خالق ليتورجية الهيكل كما تُمارس بعد المنفى. وزاد تفاصيل ملموسة تدلّ على ما يميّز عصره من اتجاهات (1 أخ 22: 2، 19).

ثانياً: مضمون التاريخ الكهنوتي
* سفرا الأخبار
- 1 أخ 1- 9: خبر داود بشكل أنساب، أي أسماء تعود إلى آدم. تبرز قبيلة يهوذا التي خرج منها داود، وقبيلة بنيامين التي في أرضها بُني الهيكل، وقبيلة لاوي الكهنوتية.
- 1 أخ 10- 29: حياة الملك داود وأعماله.
2 أخ 1- 9: حكم سليمان وبناء الهيكل.
2 أخ 1- 36: حياة ملوك يهوذا حتى المنفى سنة 587.
وهكذا قدّم المؤرخ أوسع تاريخ في التوراة كلها، فأتاح للجماعة أن تكتشف جذورها. رأى في الملك داود صورة عن ملك الله، وجعل من هيكل أورشليم علامة حضور الله وحبّه لشعبه. كما أعتبر أن الجماعة الحالية ما زالت تعيش ذات التاريخ المقدّس الذي عاشه الشعب قبل المنفى. ولكنه إذ يستعيد التاريخ السابق، يدعو الشعب إلى الأمانة لشريعة أعطاها الله في الماضي لنعيشها اليوم.
* سفرا عزرا ونحميا
- عز 1- 6: العودة من المنفى وإعادة بناء الهيكل مع زربابل.
- عز 7- 10: عزرا يطهرّ الشعب من النجاسات الخارجية (طرد النساء الغريبات).
- نح 1- 6: إعادة بناء أسوار أورشليم بإدارة نحميا.
- نح 7- 13: أحداث مختلفة حدثت في تلك الحقبة.
يبقى كتاب عزرا ونحميا المرجع الوحيد لكي نتعرّف إلى تاريخ ومشاكل جماعة يهودا بعد العودة من المنفى. إنّه يلقي ضوءاً على الصعوبات الداخلية (نح 3: 33- 4: 17)، على وضع اليهود في بداية التسلّط اليوناني.
وتمسّكت الجماعة الصغيرة الأمينة بما يساعدها على الحياة، ساعة لم يعُد لها إستقلال سياسي: الهيكل، رمز حضور الله (عز 5- 6)، كتاب الشريعة (نح 8- 9). قد تكون الشريعة قاسية مثلاً في منع الزواج من نساء غريبات، ولكنها ينبوع أمانة وفرح. كانت أساس العالم اليهودي ولا تزال، قبل أن ينفحها يسوع بروح جديدة فتتوحّد كلها حول وصية المحبّة.

 

 

الفصل التاسع والثلاثون 

الحياة الدينية في فلسطين
على عتبة المسيحية 

أ- مسيرة طويلة
عبر هذه المسيرة الطويلة تعرّفنا إلى ولادة شعب العهد ونموّه. فقبل أن تتوضّح بنيته بقيادة موسى، إنطبع بشخصية الآباء وإيمانهم، تأثّر بإبراهيم واسحق ويعقوب. وحوالى سنة 1200، وبعد التخلّص من العبودية، تكوّن في مجموعة أقامت في أرض كنعان مع يشوع والقضاة. 
عرفت القبائل والعشائر تدريجياً خبرة التوحيد من أجل حياتها، وفرضت نفسها على المدن الكنعانية. في تلك الحقبة أخذت تتداول تقاليد شفهية تسلّمها العبرانيون من الآباء.
نظّم داود حوالي سنة 1000 مملكة اسرائيل ويهوذا. جعل من عشائر متحالفة أمّة قوية في عصرها، مع أورشليم كعاصمة سياسية ودينية، وبدأت التقاليد الشفهية تتكون و "تتدوّن". روى التقليد اليهوهي خبر الأيام الماضية ليلقي بضوئه على الأيام الحاضرة.
ولم تطل أيام المملكة التي بناها داود. فقد انشقّت بعد موت خلفه سليمان. ثم زالت مملكة اسرائيل سنة 721 ومملكة يهوذا سنة 587. في ذلك الوقت قام الانبياء، فحكموا على أعمال الملوك والشعب وتصرّفاتهم باسم إله العهد. 
وتكوّن في منفى بابل بحثٌ ديني عميق، وطريق جديدة وواضحة تفهم الشعب أن الله يريد ديانة القلب، لا الشفاه واللسان. لقد ساعدت العودة إلى يهوذا بعد سنة 538. ساعدت الكهنة والحكماء ومعلّمي الشريعة على تنقية حياة الشعب وآماله، وعلى المحافظة على وحدته. بعد سنة 330، إجتاحت الحضارة اليونانية البلاد فدفعت المؤمنين الى التأكيد على الطابع الفريد لإلههم، لإيمانهم، لشريعتهم وسط الأمم الوثنية، حتى لو كلّفهم ذلك بذل دمائهم.

ب- الحياة الدينية
1- قلب الإيمان
"اسمع يا اسرائيل، الرب إلهنا هو الرب الواحد. فأحبّ الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا آمرك بها اليوم في قلبك. إفرضها على بنيك وكلّمهم بها إذا جلست في بيتك، وإذا مشيت في الطريق، وإذا نمت وإذا قمت..." (تث 6: 4- 7). 
فالمؤمن يردد هذا النص كل يوم. هذه هي صلاته وقلب ايمانه. إنه يؤمن أن الله هو وحده خالق السماء والارض. يؤمن أن الله هو سيّد تاريخ الكون. وإذ أراد أن يخلّص البشر اختار له شعباً. عقد عهداً مع هذا الشعب لتتبارك به كل أمم الأرض. وأعطاه شريعة "كلمة الوصايا". وسكن وسط شعبه في الهيكل، وهو المكان الذي اختاره ليقيم فيه اسمه (تث 12: 5). 

2- الرجاء المسيحاني
إن الإيمان بإله يسود على التاريخ، ولّد لدى المؤمنين رجاء بيوم يزول فيه الشر والشقاء. فالانتظار المسيحاني يتخفّى وراء "رجاءات" مختلفة ومطبوعة بظروف اجتماعية متنوّعة. بعضهم انتظر قائداً يطرد الرومان ويعيد مملكة داود. وآخرون رغبوا في كاهن يطهر الهيكل، أو في نبي مثل موسى، ورأت فئة اخرى أن الله سيتدخل بنفسه ولا يحتاج إلى وساطة. ورأت إحدى الجماعات أن المسيح يدل على جماعة الأبرار، على بقية اسرائيل.
نحن هنا أمام انتظار شعبي. لهذا، لما أعلنت كرازةُ يوحنا المعمدان تدخّلَ الله الحاسم، حرّكت الجموع. سيلتقي يسوع بهذا الرجاء، سيعيش منه، سيكشف عنه: "لقد اقترب ملكوت الله" (مر 1: 15). ولكن الطريقة التي بها حدّد موقعه في هذا الانتظار، قد جدّد معناه وقسم السامعين.

3- المؤسسات الدينية
بانتظار تحقيق هذا الرجاء في يسوع المسيح، ستعبّر نظم اسرائيل عن ايمان الشعب في حياته اليومية. ونتوقف عند اثنين: الهيكل والشريعة. 

أولاً: الهيكل
بعد العودة من المنفى، إتخذ الهيكل (وبالتالي الكهنة) أهمية كبرى. ليس الكهنة اناساً اختاروا الخدمة الدينية في الجماعة لانهم سمعوا نداء. لقد وُلدوا كهنة، والوظيفة تنتقل من الآب إلى الابن. تقوم مهمتهم بأن ينظموا العبادة والذبائح في الهيكل. هم يعيشون من هذا العمل بفضل التقادم والعشور. ستزول المؤسّسة الكهنوتية مع زوال الهيكل سنة 70 ب. م.، وستزول معها الذبائح.
إعتاد اليهود أن يأتوا من كل مكان ليحجّوا إلى الهيكل في الأعياد. ففي عيد الفصح تستقبل اورشليم 120000 من الحجّاج، ساعة كان سكانها 55000، وحفلات الحج هي مناسبة لذبائح عديدة تقدّم مديحاً لله، أو تكفيراً عن خطايا الشعب. وعلى كل يهودي، سواء أقام في فلسطين أم لا، أن يدفع ضريبة الدرهمين (تساوي أجرة عمل يوم واحد) مرة كل سنة. كما عليه أن يدفع العشور عن مداخيله. فإذا جعلنا كل هذا مع ما يدخل من الذبائح، نرى أن الهيكل يمتلك مالاً كثيره يديره الكهنة. 

ثانياً: الشريعة
إسرائيل هو شعب الشريعة. والشريعة المكتوبة هي التوراة بالمعنى الحصري أو أسفار موسى الخمسة. وهناك الشريعة الشفهية وهي موضوع شروح وتفاسير متواصلة في حلقات الاتقياء من فريسيّين وكتبة، حول المجمع وفي بيوت التعليم. تُعرض الشريعة على الشعب كمثال حَياة سامِ ومؤات للحياة المشتركة والتضامن والعدالة. وهي تدفعه إلى حبّ القريب، وإلى الاحسان للفقراء. ولهذا اجتذبت عدداً كبيراً من الوثنيّين الذين اشمأزّوا من عالم لا أخلاقي يحيط بهم، فطلبوا حياة أفضل. صاروا من المتّقين (خائفي الله) أو من المرتدّين.
ولكن قد تصبح الشريعة شكليات فارغة أو شريعانية متزمّتة لا تقيم للانسان وزناً. فتجعل جماعة "الأبرار" تنغلق على ذاتها وترفض الآخرين. هذا ما نراه لدى الفريسيّين والاسيانيّين. وقد التقى يسوع خلال حياته بهؤلاء الذين "تعبّدوا" للشريعة وكانوا قاسين على إخوتهم. أما يسوع فعلّم ان السبت (الفريضة الثالثة في الشريعة) هو للانسان وأنه يريد الرحمة قبل كل شيء.

 

 

الفصل الأربعون 

من العهد القديم إلى العهد الجديد

نتوقّف في هذا الفصل الأخير أمام قسمين. الأول: تكوين التوراة: الثاني: القراءة المسيحية للتوراة.

أ- تكوين التوراة
1- التوراة لدى اليهود
لم تتثبّت لائحة أسفار العهد القديم مرة واحدة لدى اليهود الذين لم يجعلوا منزلة واحدة لكل أقسامها.

أولاً: البنتاتوكس
سنة 398 تقريباً، حدّد عزرا "التوراة" بالمعنى الحصري للشريعة. وهي تتضمن الكتب الخمسة الأولى في العهد القديم. هي البنتاتوكس. الشريعة هي دستور اليهود، وقانون تقرّ به الدولة. أسفار الشريعة هي أقدس الكتب. دوّنت بيد موسى فكانت قاعدة الايمان والحياة. أما السامريون فلا يأخذون من العهد القديم إلا أسفار الشريعة التي هي وحدها مقدّسة في نظرهم.

ثانياً: الأنبياء
وفي ذلك الوقت أو بعده، جُمعت نصوص الانبيأء وتلاميذهم. فكان لنا الانبياء السابقون أو الأولون: يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك. نجد في هذه الأسفار أخباراً دوّنت بروح الانبياء. وهي التي سمّيت التاريخ الاشتراعي لأنها كتبت بروح تثنية الاشتراع. وكان لنا الانبياء اللاحقون أو الآخرون: أشعيا، إرميا، حزقيال، الأنبياء الإثنا عشر (هوشع، يوئيل، عاموس...). هذه المجموعة كانت ثابتة أقلّه سنة 180 ق. م. على ما يقول ابن سيراخ (ف 48- 49).

ثالثاً: الكتب 
وتضمّ المجموعة الثالثة "الكتابات الاخرى" أو الكتب التي لم تدخل في أسفار الشريعة ولا مع الأنبياء. هي آخر الواصلين إلى الكتاب المقدس. يحدّثنا حفيد ابن سيراخ عن هذه المجموعة في مقدمة ابن سيراخ. لا سلطة واحدة لهذه الاسفار، والتيارات اليهودية المختلفة تعترف بقسم وتترك الآخر. وسوف ننتظر سنة 90 ب. م. واجتماع يمنية لتتحدّد اللائحة اليهودية الرسمية في 39 كتاباً.

2- قانون (لائحة كتب) العهد القديم لدى المسيحيّين
هناك لائحتان لأسفار العهد القديم لدى المسيحيّين

أولاً: اللائحة الأولى
تقابل هذه اللائحة التوراة التي يقرأها اليهود اليوم. هذا ما يسمّى "القانون اليهودي". فكلمة قانون يونانية وتعني: قاعدة، لائحة. من هنا تسمية الأسفار القانونية أي التي تقدّم لنا القاعدة (قاعدة الحياة والايمان). ثبّتت هذه اللائحة بصورة نهائية سنة 90 ب. م. فدمار الهيكل فرض على اليهود أن يعيدوا تنظيم نفوسهم ويحدّدوا هويّتهم. ساروا حسب الخط الفريسي بما فيه من نقاوة وقداسة، بعد أن زال الصادوقيون والاسيانيون في دمار اورشليم وحُرق الهيكل على يد الرومان. لمِ يعد لليهود هيكل، فلم يعد لهم ذبائح ولا وظائف كهنوتية. فلم يبقَ لهم إلا النصوص المقدّسة. فحدّدوها حسب قواعد دقيقة جدا. إحتفظوا بما هو قديم، ورذلوا الجديد الذي انتشر في الجماعات اليونانية ولدى المسيحيين.
يقابل هذا القانون اليهودي ما يسمّى "الأسفار القانونية الأولى" وهي التي وصلت الينا في العبرية مع مقاطع قليلة في الارامية. هذا القانون هو الذي أخذ بهد البروتستانت يوم أعلنوا اصلاحهم في القرن السادس عشر. 

ثانياً: اللائحة الثانية
واللائحة الثانية تضمّ الكتب المتأخرة التي رذلها الفريسيون. دوّن معظمها في العبرية أو الارامية. ولكن بما ان العالم اليهودي الفلسطيني لم يستعملها، ضاعت النصوص الأصلية وبقيت الترجمة اليونانية. وضع المسيحيون لائحتهم بصورة نهائية منذ القرن الرابع. فضمّت هذه اللائحة الأسفار الفانونية الاولى (ما وصل إلينا في العبرية) والأسفار القانونية الثانية (وصل في اليونانية). أما البروتستانت فسموا الأسفار القانونية الثانية "كتباً منحولة" لا يشملها الالهام. 
3- كتب ترافق التوراة
هناك كتب عديدة دوّنت في الحقبة البيبلية. تم اختيار 39 كتاباً (لدى اليهود) وزاد عليها الكاثوليك والارثوذكس 7 كتب. أما ما تبقى فسمّي آداب منحولة أو "أسفار بين العهدين" (القديم والجديد). 
أولاً: التقليد الخطي
* الترجوم: ترجمة التوراة إلى الارامية مع كثير من التصرّف. ساعة لم يعد يفهم الشعب العبرية، إنتقلت هذه الكتب إلى لغته المحكية. ولم يكتفِ الناقل بالترجمة الحرفية بل أؤن النص ليتجاوب وحاجات معاصريه. التراجيم مهمة لانها تفهمنا كيف فهم اليهود توراتهم في زمن المسيح.
* أسفار الرؤى: كتاب أخنوخ، عزرا الرابع، وصية موسى... إنها تعبّر عن انتظار ورجاء شعبي.
* جماعة قمران: تركت لنا كتباً تتحدّث عن قواعد الجماعة ومثالها ورجائها.
* كتب حكمة: موشحات سليمان. تفاسير فيلون الاسكندراني الذي عاش في زمن المسيح.
* كتب تاريخ: القديميات اليهودية لفلافيوس يوسيفوس (حرب اليهود ضدّ الرومان، سنة 66- 70).

ثانياً: التقليد الشفهي
وتوسّع بجانب هذا الكتب التقليد الشفهي. فما زال الكتبة والمعلّمون (رابي، رابانيون) يفسّرون النصوص ويؤوّنوها ليحدثوا الشرائع الواجب ممارستها، أو ليساعدوا المؤمنين في حياتهم الروحية. تعود هذه الشريعة إلى موسى، كما يقولون، وستدوّن فيما بعد في التلمود (الذي هو الدرس. راجع كلمة تلميذ) والمدراش (أو الدرس والبحث).

ب- القراءة المسيحية للتوراة
1- العهد القديم والميثاق القديم
لم يتحدّث أحد قبل يسوع المسيح عن العهد القديم. لقد أعطى المسيحيون هذا الاسم لكتب العالم اليهودي التي دوّنت قبل كتابات الرسل. وقد سمّى المسيحيون الاولون العهد القديم: الكتب (المقدسة) أو الكتابات (2 تم 3: 15؛ 2 بط 1: 20؛ لو 24: 27).
العهد يدلّ على بادرة الله الذي جاء يعاهد البشر، يقيم معهم ميثاق صداقة. ولقد رأى المسيحيون في يسوع المسيح ذاك الذي يتمّم مواعيد العهد: "كل مواعيد الله وجدت "نعمها" في شخصه" (2 كور 1: 20). وسيفهم تلاميذ المسيح أن بمجيء يسوع تمّ وعد إرميا: "ستأتي أيام أقيم مع جماعة اسرائيل وجماعة يهوذا عهداً جديداً. هو يختلف عن العهد الذي قطعته مع آبائهم حين أخذت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر. أمّا هم فنقضوا عهدي" (إر 31: 31- 32). والعهد الجديد الأبدي هو ذبيحة المسيح على الصليب (1 كور 11: 25؛ لو 22: 25)..
وهكذا تحدّثنا عن العهد القديم أو التوراة والميثاق القديم (2 كور 3: 14).
2- قراءة جديدة على ضوء المسيح
قرأ اليهود أسفار العهد القديم وما زالوا يقرأونها ويؤوّنونها. ولكن المسيحيين لا يقرأون هذه الكتب كما يقرأها اليهود. فهم يعودون إلى حدث جديد، الى حدث مؤسِّس هو حياة يسوع وأعماله وأقواله، هو موته وقيامته بقدرة الله.
وهكذا يفهمون أن العهد القديم هيّأ الطريق لمجيء يسوع المسيح. ويرون في تاريخ إسرائيل ونظمه صوراً ورموزاً عن يسوع المحسيح (1 كور 10: 1- 6). فيسوع هو الهيكل الحقيقي (يو 2: 21)، وملء الشريعة (غل 6: 2)، والعهد الجديد (لو 22: 20)، والمسيح الموعود به وابن داود (مت 21: 9).
وبفضل عمل يسوع يكتشف المسيحيون المدلول الكامل لخبرة شعب التوراة كما يرويها العهد القديم. المسيح هو جواب رجائهم وهو المفتاح الذي يدخلهم إلى معنى التاريخ الذي سبقه.
وهكذا يرى المسيحيون أن العهد الجديد يتخفى في العهد القديم، وأن العهد القديم ينكشف (يستنير) بالعهد الجديد. فالعهد القديم أعطى المسيحيين الأولين كلماته ليعبّروا بها عن خبرتهم مع يسوع المسيح (لو 24: 13- 35)، غير ان العهد الجديد أعطى هذه الكلمة معنى جديداً، فجّرها لتحمل المضمون الجديد الذي حملته إلى العالم قيامة المسيح. 

3- الكتاب بعد 2000 سنة
أغلق الكتاب المقدس فلا يُزاد عليه شيء. وظل المسيحيون يقرأونه ويؤوّنونه لينيروا به حياتهم. فتاريخ جماعات المؤمنين منذ 2000 سنة يدلي على أن كل حقبة جديدة حاولت أن تكتشف ما في الكتاب من جديد. فإذا كان الكتاب يعطي معنى لحياة البشر، فحياة البشر تجعل الكتاب يتجسد في العالم، تجعله كلمة حية في عالمنا اليوم.
مثلاً، فهم المسيحيون بعد بضعة أجيال أن الأخوّة التي يريدها المسيح تفرض عليهم إلغاء العبودية. وفهموا اليوم الطابع الجماعي في حياة البشر بفضل المنظمات العالمية، فهموا أن سيكون للمحبة بُعد جماعي وسياسي في الصراع من أجل العدالة والغاء الظلم في المجتمع. 
لا، لم ينتهِ المؤمنون بعد من قراءة الكتاب المقدّس، ولن ينتهوا حتى يصبح يسوع الذي هو كلمة الله، كلاً في الكل، حتى يتجسّد يسوع الكلمة في حياة البشر فيصبحوا الملكوت الذي يقدّمه لله الآب.

 

 

الفهرس
تقديم 
القسم الاول: فصول عامة
الفصل الاول: الكتاب المقدّس مجموعة كتب
أ- الكتاب المقدس
ب- العهد القديم
ج- العهد الجديد
د- نصوص الكتاب المقدس
الفصل الثاني: الوحي والالهام
أ- الوحي
ب- الالهام
ج- شرح الكتاب
د- شعب يقرأ تاريخه
الفصل الثالث: الأسفار القانونية
أ- مقدّمة
ب- قانون العهد القديم
ج- قانون العهد الجديد
الفصل الرابع: البيئة الجغرافية
أ- أرض كنعان أو فلسطين
ب- بلاد كنعان
ج- البلدان التي حول كنعان
د- ذهنيّة هذه الشعوب
الفصل الخامس: البيئة التاريخية
أ- عالم الحفريات
ب- السكان
ج- العبرانيون في أوّل عهدهم
د- ألف سنة من التاريخ
الفصل السادس: الرعاة في الشرق ولاسيما في كنعان 
أ- حياة الرعاة في الشرق الأوسط
1- كيف كانوا يعيشون
2- إيمان هؤلاء البدو وطريقة تفكيرهم
اولاً: الجد المشترك
ثانياً: آمال العشيرة
ثالثاً: الانطلاق الكبير
ب- أرض كنعان وعالم البدو
1- أرض كنعان
2- اتصال كنعان بالبدو
الفصل السابع: الشعب العبراني من مصر إلى كنعان
أ- مصر وآباء شعب التوراة
1- انحطاط في مصر
2- طرد الاسيوبيين
3- مصر وكنعان
4- العبرانيون في مصر
5- الهرب من مصر
6- من هو يهوه
ب- العبرانيون والتقلّبات الكبرى حوالي سنة 1200
1- الطريق في البرية
2- الدخول إلى كنعان
3- التذكر والواقع
اولاً: التذكرّ
ثانياً: الواقع
ج- نظرة شاملة
1- التوراة قبل التوراة
2- بعض النصوص القديمة
اولاً: نشيد الانتقام، المعاملة بالمثل، الوصايا العشر
ثانياً: شريعة المعاملة بالمثل
ثالثاً: الوصايا العشر
رابعاً: الختانة
3- على عتبة الألف الأول
القسم الثاني: من الاقامة في كنعان إلى المنفى
الفصل الثامن: التاريخ في زمن القضاة
أ- الوضع السياسي في الشرق الاوسط في القرنين 12- 11
1- مصر
2- اشورية
3- العمونيون
4- الموآبيون
5- الادوميون
6- الاراميون
7- الفينيقيون
8- الفلسطيون
ب- تاريخ قبائل العبرانيين
1- قبائل شمال فلسطين
اولاً: أشير
ثانياً: نفتالي
ثالثاً: يساكر
رابعاً: زبولون
2- قبائل فلسطين الوسطى
اولاً: ماكير ومنسّى
ثانياً: افرائيم
ثالثاً: بنيامين
3- قبائل جنوب فلسطين
اولاً: يهوذا
ثانياً: شمعون
ثالثاً: لاوي
4- قبيلتان في شرقى الاردن
اولاً: جاد
ثانياً: رأوبين
5- قبيلة متنقلة: دان 
الفصل التاسع: الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية في زمن القضاة
أ- الحياة الاقتصادية والاجتماعية
1- الزراعة
2- تربيه المواشي
3- الصناعات العائلية
4- السكن
5- التجارة
6- الجماعات المسلحة المرتزقة 
7- العبيد العبرانيون
8- خاتمة
ب- النظم المدنية والعسكرية والدينية
1- النظم المدنية
اولاً: مجلس الشيوخ
ثانياً: رابطة القبائل 
2- النظم العسكرية: الحرب المقدسة
3- النظم الدينية
اولاً: المعابد: الجلجال، شكيم، شيلو
ثانياً: تابوت العهد
ثالثاً: شعائر العبادة
رابعاً: الاعياد والازمنة المقدسة: الفصح والفطير، الاسابيع، المظال أو الاكواخ
د- خاتمة 
الفصل العاشر: تقاليد سفر القضاة
أ- الاحداث البارزة في سفر القضاة
1- النصر على سيسرا (قض 4- 5)
2- انتصار جدعون على المديانيين (قض 6- 8)
3- سلطان ابيملك في شكيم (قض 9)
4- يفتاح وحربه ضد العمونيين(قض 10: 6-12: 7)
5- شمشون والفلسطيون (قض 13- 16)
6- صموئيل آخر القضاة
ب- التقاليد الادبية في زمن القضاة
1- التقاليد التاريخية
2- أمثال وأقوال مأثورة
3- شرائع خر 20: 24- 23: 19
4- اناشيد دينية
الفصل الحادي عشر: نشيد دبّورة (قض 5)
أ- موقع النص وترتيبهد
1- النص في الكتاب 
2- ترتيب النص 
ب- تفسير النص
1- حرب مقدسة (آ 2- 5)
2- خطر يهدد القبائل (آ 6- 8) 
3- تذكّر الانتصارات السابقة (آ 9- 11)
4- تجنيد القبائل (11- 15 أ) 
5- نداء إلى قبائل لم تتحرّك (آ 15 ب- 18) 
6- تصوير المعركة (آ 19- 22) 
7- مباركة ياعيل (آ 23- 28) 
8- انتظار أم سيسرا (آ 29- 38) 
ج- الشعر في نشيد دبّورة 
د- أهمية هذا النص 
الفصل الثاني عشر: الاطار التاريخي للملكية 
أ- أزمة خانقة
ب- مع النظام الجديد أو ضده 
ج- محاولة أولى مع شاول (1030- 1010) 
د- صعود داود 
هـ- ملكية موحّدة في أيام داود (1010- 970) 
و- مملكة سليمان (970-920) 
ز- نظرة إجمالية إلى هذه الحقبة (1030- 930) 
1- على مستوى السياسة 
2- الاقتصاد 
3- المجال الاجتماعي 
4- العقليات والثقافة 
ح- موضع الايمان وسط هذ التقلبات 
1- انتقال من عالم إلى عالم 
2- الملكية 
3- الهيكل 
الفصل الثالث عشر: التاريخ اليهوهي 
أ- قراءة أولى لأحداث التأسيس 
ب- خبر البدايات 
ج- ابراهيم والآباء 
د- موسى والخروج 
1- ضيق وتحرّر 
2- الوصول إلى سيناء 
3- نحو أرض الميعاد 
الفصل الرابع عشر: تاريخ ومزامير وأمثال
أ- كتابة التاريخ 
1- تاريخ صعود داود (1 صم 16- 2 صم 5) 
2- تاريخ خلافة داود (2 صم 9- 20؛ 1 مل 1- 2) 
ب- مزامير وأمثال 
1- مزامير ملوكية 
2- أمثال حكمية 
ج- نبوءة ناتان (2 صم 7: 1- 17) 
1- بنية النص 
2- قراءة النص 
اولاً: مشروع داود (آ 1-2 ) 
ثانياً: كلام الرب (41- 16) 
ثالثاً: مهمة ناتان (آ 17) 
3- تفسير تاريخي 
4- إيمان الذين كتبوا هذا النص 
الفصل الخامس عشر: مملكة الشمال: لمحة تاربخية
أ- إقامة الملكية 
1- من يكون الحاكم 
2- البنية الدينية 
ب- الوضع الاقتصادي والاجتماعي 
ج- السياسة الخارجية 
د- الحركة النبوية 
الفصل السادس عشر: نصوص ملكية ونبوية 
أ- وثائق ملكية 
ب- نصوص نبوية 
1- إيليا 
2- أليشاع 
3- عاموس 
اولاً: عالم يعيش الفوضى 
ثانياً: مؤمن يرفض الوضع الراهن 
ثالثاً: سفر عاموس 
4- هوشع 
اولاً: حبّ بشري وحبّ إلهي 
ثانياً: لغة العهد 
ثالثاً: السياسة والايمان
رابعاً: سفر هوشع 
الفصل السابع عشر: من تقاليد الشمال 
أ- التقليد الالوهيمي 
1- نظرة إجمالية 
2- روح التقليد الالوهيمي 
ب- لقاء موس مع الرب (خر 3) 
1- النص 
2- عمل الله 
3- اسم الله 
الفصل الثامن عشر: مملكة الجنوب: لمحة تاريخية 
أ- مملكة يهوذا 
ب- الوضع الاقتصادي والسياسي 
ج- سياسة يهوذا الخارجية 
د- الحياة الدينية في مملكة يهوذا 
الفصل التاسع عشر: التقليد الاشتراعي وسفر التثنية 
أ- دمج اليهوهي والالوهيمي 
ب- سفر التثنية أو تثنية الاشتراع 
1- وجدت كتاب الشريعة (2 مل 22: 8) 
2- وجه الكتاب 
3- قصة الكتاب 
4- بنية عهد وميثاق 
5- لماذا هذه القراءة الجديدة 
6- محبّة الله 
ج- شريعة القداسة (لا 17- 26) 
الفصل العشرون: أحبّ الرب إلهك (تث 6) 
أ- وضع تث 6 
ب- بنية تث 6 
ج- المواضيع 
1- ممارسة الوصايا 
2- المحبّة لله 
3- تربية الايمان 
د- الارض الطيبة 
هـ- الاله الغيور 
الفصل الحادي والعشرون: أشعيا النبي، القسم الأول 
أ- دعوة أشعيا 
ب- بدايات رسالته 
ج- أشعيا وازمة سنة 734 
د- أشعيا والملك حزقيا 
هـ- أشعيا والهجمة الاشورية سنة 751 
و- أشعيا رجل الايمان 
ز- كتاب أشعيا الأول 
الفصل الثاني والعشرون: أشعيا النبي، القسم الثاني 
أ- مناخ الكتاب 
ب- ماذا نقول في كورش 
ج- موقع الحدث في التاريخ 
1- المرحلة الاولى: الخلق 
2- المرحلة الثالثة: حدث الخروج 
3- المرحلة الثالثة: الحياة في فلسطين وزمن الخطيئة. 
4- المرحلة الرابعة: نهاية زمن الضيق 
6- المرحلة الخامسة: عودة أورشليم 
6- المرحلة السادسة: بقية الشعوب 
د- عبد الله وعابده 
هـ- خاتمة 
الفصل الثالث والعشرون: أشعيا النبي، القسم الثالث 
أ- أشعيا الثالث 
1- وضع مقلق 
2- النصوص 
اولاً: البُعد عن الله 
ثانياً: المسؤولون 
ثالثاً: هيكل للجميع 
ب- رؤيا أشعيا الكبيرة والصغيرة 
1- الرؤيا الكبيرة (ف 24- 27) 
2- الرؤيا الصغيرة (ف 34- 35) 
ج- عبد الله المتألم (52: 13- 53: 12) 
1- تصميم النص 
2- أسئلة ثلاثة 
3- تضامن مع الآخرين 
الفصل الرابع والعشرون: انبياء في اورشليم: ميخا، نا حوم، صفنيا، حبقوق 
أ- ميخا 
1- مهمة النبي
2- سفر ميخا 
ب- ناحوم 
ج- صفنيا 
د- حبقوق 
الفصل الخامس والعشرون: ارميا النبي 
أ- بدايات إرميا في أيام يوشيا (626- 609)
ب- إرميا في المعارضة على أيام يوياقيم (609- 599) 
ج- إرميا ونهاية يهوذا (598- 587) 
د- إرميا رجل الكلمة 
هـ- سفر إرميا 
القسم الثالث: من المنفى لى بابل إلى زمن المسيح 
الفصل السادس والعشرون: زمن المنفى: الاطار التاريخي 
أ- الشرق الأوسط بعد سنة 587 
1- ليدية في الشمال الغربي 
2- المادايون والفرس في الشمال والشرق 
3- البابليون 
ب- مملكة يهوذا بعد الهزيمة 
1- المستوى الاقتصادي 
2- المستوى السياسي 
3- المستوى الديني 
ج- شعب يهوذا بعد الهزيمة 
1- الباقون في فلسطين 
أولاً: وضع السكان 
ثانياً: كتاب المراثي 
2- الهاربون إلى مصر 
3- المنفيون في بابل 
اولاً: الوضع الاجتماعي والاقتصادي 
ثانيا: الوضع الديني: السبت، الختان 
د- صعود كورش ونهاية المنفى 
الفصل السابع والعشرون: حزقيال النبي
أ- حزقيال وسفره 
ب- في قلب الشعب 
ج- في قلب الله 
1- رؤية مجد الرب 
2- رؤية الكتاب 
3- صورة الرقيب 
د- فحص ضمير 
1- المستوى الجماعي 
2- المسؤولية الشخصية 
هـ- من الكارثة إلى السعادة المستعادة 
الفصل الثامن والعشرون: التاريخ الكهنوتي 
أ- جذور التقليد الكهنوتي 
ب- خبر البدايات 
1- الكون والانسان 
2- الانساب 
3- الطوفان 
ج- ابراهيم والاباء 
1- العهد 
2- مغارة المكفيلة 
3- يعقوب ويوسف 
د- موس والخروج 
1- عبودية وتحرر 
2- المن 
3- حب سينا
4- التجارب حب البرّية 
الفصل التاسع والعشرون: التاريخ الاشتراعي 
أ- تأثير تثنية الاشتراع 
ب- من وثائق منعزلة إلى كتاب نهائي 
1- وصية موسى 
2- احتلال أرض كنعان 
3- حقبة القضاة 
4- تأسيس الملكية
5- داود
6- سليمان 
7- حقبة الملوك 
8- الهزيمة والمنفى 
ج- الافكار التي وجّهت الكاتب الاشتراعي 
1- موسى وداود 
اولاً: موسى 
ثانياً: داود 
2- تاريخ اسرائيل تاريخ خطيئة 
اولاً: مقدمة سفر القضاة 
ثانيا: دمار مملكة الشمال 
3- إلى الزوال 
الفصل الثلائون: الحكم الفارسي 
أ- حكم كورش (551- 530) والعودة من المنفى 
ب- كمبيز ودارلوس الأول 
ج- احشويرش وارتحششتا الأول 
د- داريوس الثاني وارتحششتا الثاني آخر ملوك الفرس 
هـ- تحوّلات في العالم اليهودي 
1- انتظار ملك مسيح 
2- سلطة الكهنة 
3- وضع الشعب 
4- تأثير الايمان
5- الشمولية
6- الكتابات البيبلية 
الفصل الحادي والثلاثون: الادب النبوي 
أ- حجاي 
ب- زكريا 
1- زكريا الاول (ق 1- 8) 
اولاً: الرؤى 
ثانياً: الخطب 
2- زكريا الثاني (ف 9- 14) 
اولاً: لو تدخل الله 
ثانياً: أمل جديد 
ثالثاً: صرخة زكريا الثاني 
خ- عوبديا
د- ملاخي 
هـ- يوئيل 
الفصلى الثاني والثلاثون: الادب الحكمي 
أ- سفر الامثال 
ب- سفر يونان 
ج- سفر راعوت 
د- سفر أيوب 
الفصل الثالث والثلاثون: سفر المزامير 
أ- الفنون الادبية 
1- المدائح 
2- مزامير الملك 
3- التوسّلات 
4- أفعال الشكر 
5- مزامير ملوكية 
6- مزامير الحجّاج 
7- مزامير تعليمية 
ب- نصوص للتفسير 
1- المدائح 
أولا: مز 114: إله الخروج 
ثانياً: مز 113: إله المظلومين 
ثالثاً: مز 8: مجد الله حياة الانسان 
رابعاً: مز 104: الخليقة تمجّد الله 
خامساً: مز 139: يا ربّ عرفتني 
سادساً: مز 84: كل ما في يصرخ من الفرح 
سابعاً: مز 42- 43: عطشان إلى الله 
2- ملك الله 
أولاً: مز 96: الله ملك 
ثانياً: مز 2: أنت ابني 
ثالثاً: مز 110: إجلس عن يميني 
رابعاً: مز 89: إيمان بالله رغم كل شيء 
3- صلوات الطلب والشكر 
أولاً: مز 22: إلهي، إلهي لماذا تركتني 
ثانياً: مز 51: إرحمني يا الله 
الفصل الرابع والثلاثون: الحقبة الهلنستية 
أ- الشرق الأوسط سنة 334 
ب- اليونان في القرن الرابع 
1- حواضر مستقلة 
2- وضع اقتصادي صعب 
3- صعود مكدونية
ج- حكم الاسكندر الكبير 
1- شاب عبقري 
2- حملة صاعقة 
د- خلفاء الاسكندر والممالك الهلنستية 
1- تفكك الامبراطورية 
2- ممالك ثلاث 
أولاً: مكدونية واليونان
ثانياً: مملكة البطالسة 
ثالثاً: مملكة السلوقيين 
هـ- العالم اليهودي قبل سنة 170 
1- بعد دخول الاسكندر 
2- بعد موت الاسكندر 
3- يهود الشتات 
و- الأزمة المكابية 
1- الأسباب 
2- الثورة 
3- نتائج الثورة 
أولاً: الاسيانيون 
ثانياً: الفريسيون 
ثالثاً: الصادقيون 
ز- رومة 
1- الامتداد الروماني 
أولاً: الوضع حب الداخل 
ثانياً: الوضع في الخارج 
2- اليهودية والحكم الروماني 
أولاً: بومبيوس في أورشليم 
ثانياً: هيرودس الاكبر
ثالثاً: رجاء مسيحاني 
الفصل الخامس والثلاثون: الحكماء والعالم اليوناني 
أ- سفر الجامعة 
ب- يشوع بن سيراخ 
1- حضارة جديدة 
2- سلوك حسب شريعة الله 
3- مضمون الكتاب 
4- موقف ابن سيراخ 
5- حفيد ابن سيراخ 
6- الأبرار والأشرار 
7- مصير ابن سيراخ 
ج- سفر طوبيا 
1- إطار سفر طوبيا 
2- ملخص الكتاب 
3- ظروف سفر طوبيا 
د- نشيد الاناشيد 
هـ- باروك، رسالة ارميا 
1- سفر باروك 
2- رسالة ارميا 
و- سفرالحكمة 
1- الجماعة اليهودية في الاسكندرية 
2- صاحب الكتاب 
3- مواضيع سفر الحكمة 
أولاً: مصير الاشرار والحكماء (ف 1- 5) 
ثانياً: مديح الحكمة (ف 6- 9) 
ثالثاً: الحكمة في التاريخ (ف 10- 19) 
الفصل السادس والثلاثون: نظرات إلى الثورة المكابية 
أ- دانيال 
1- فلسطين سنة 164 ق. م 
2- تصميم الكتاب 
أولاً: أقسام الكتاب
ثانياً: ثلاث لغات في سفر دانيال 
3- أخبار تقوية 
4- فن جلياني 
أولاً: موضوع هذه الفصول 
ثانياً: عناصر كتب الرؤيا 
5- كاتب سفر دانيال 
ب- استير 
ج- يهوديت 
د- سفرا المكابيين 
1- سفر المكابيين الثاني 
أولاً: تصميم الكتاب 
ثانياً: هدف الكاتب 
ثالثاً: تعليم ديني: الهيكل، الصلاة، الموت والاستشهاد 
2- سفر المكابيين الأول 
أولاً: تصميم الكتاب 
ثانياً: هدف الكاتب 
الفصل السابع والثلاثون: من عالم النبوءة إلى عالم الرؤى 
أ- روح الرب عليّ (أش 61: 1- 11) 
1- موقع النص 
2- تصميم النص 
3- تفسيرالنص 
أولاً: المهمة (11- 5) 
ثانياً: نظرة إلى المستقبل (آ 5- 9) 
ثالثاً: جواب السامعين (آ 10- 11) 
4- الوضع التاريخي 
ب- إبن الانسان (دا 7) 
1- تصميم النصر ومضمونه 
2- التعليم الذي نستخلصه 
3- مصير دا 7 في الجماعات التي تقبّلته 
الفصل الثامن والثلاثون: كتابات اخرى 
أ- البنتاتوكس 
1- وضع التقاليد في اضمامة واحدة
2- الوجوه الكبرى في البنتاتوكس 
أولاً: ابراهيم 
ثانياً: موسى 
3- الاسفار الخمسة 
أولاً: سفر التكوين 
ثانياً: سفر الخروج 
ثالثاً: سفر اللاويين 
رابعاً: سفر العدد 
خامساً: سفر التثنية
ب- التاريخ الكهنوتي 
1- مجموعة الوثائق التاريخية 
2- عمل المؤرّخ 
أولاً: إطار التاريخ الكهنوتي 
ثانياً: مضمون التاريخ الكهنوتي: أسفار الأخبار وعزرا ونحميا 
الفصل التاسع والثلاثون: الحياة الدينية في فلسطبن على عتبة المسيحية 
أ- مسيرة طويلة 
ب- الحياة الدينية 
1- قلب الايمان 
2- الرجاء المسيحاني 
3- المؤسّسات الدينية 
أولاً: الهيكل 
ثانياً: الشريعة 
الفصل الأربعون: من العهد القديم إلى العهد الجديد 
أ- تكوين التوراة 
1- التوراة لدى اليهود 
أولاً: البنتاتوكس 
ثانياً: الانبياء 
ثالثاً: الكتب 
2- قانون العهد القديم لدى المسيحيين 
أولاً: اللائحة الاولى
ثانياً: اللائحة الثانية 
3- كتب ترافق التوراة 
أولاً: التقليد الخطي: الترجوم، أسفار الرؤى، جماعة قمران 
ثانياً: التقليد الشفهى: التلمود 
ب- القراءة المسيحية للتوراة 
1- العهد القديم والميثاق القديم 
2- قراءة جديدة على ضوء المسيح 
3- الكتاب بعد 2000 سنة