قراءة مسيحية للعهد القديم

تقديم

وها نحن نقدِّم حصيلةَ ابحاث دارسي الكتاب المقدس في ميدان العهد القديم، بانتظار ان نفتح نافذة على العهد الجديد فيكون في يد القارئ العربي وسيلة تساعدُه على الولوج في عالم الكتاب المقدس والتعرف الى كلام الله.
القسم الأوّل 
أسفار الشريعة الخمسة

تَروي هذه الاسفارُ تاريخَ الشعب العبراني من ابراهيم الى موسى. تَبدا؟ بلوحةٍ عن بدايات الكون، وتُعرِّفنا بآباء الشعب ابراهيم واسحق ويعقوب، وترافقُ العبرانيين في عبودية مصر قبل ان تُخرجهَم الى برية سيناء وتوصلَهم الى فيافي موآب. وهكذا بعد ان اوصل موسى كلام الله الى الشعب هيأه للدخول الى ارض الميعاد.
سُمِّيت هذه الكتب اسفار الشريعة لأنها تتضمن الوصايا والفرائض والاحكام التي تنظم حياةَ الشعب الدينية والسياسية والاجتماعية.
وسميت ايضا التوراة بالمعنى الحصري، والاسم مأخوذ عن العبرية. اما التوراة بالمعنى العام فتدل على كل اسفار العهد القديم. وسميت بنتاتوكس أو الادراج الخمسة لأنَّ كلَ سفر وُضع في درج. وسميت اخيراً اسفار موسى لأنها نُسبت الى موسى كليم الله. وهذه اسماؤها:
- سفر التكوين.
- سفر الخروج.
- سفر اللاويين أو الاحبار.
- سفر العدد.
- سفر التثنية او تثنية الاشتراع.
سفر التكوين
مقدمة:
سفر التكوين هو السفر الاول من اسفار الشريعة الخمسة وهو يسبق الخروج واللاويين والعدد والتثنية، وهو أول كتب التوراة لأنه يشكّل لكل العهدِ القديم عنواناً ومقدمة. اسمُه في العبرية، في الرأس، او في البدء. اما اسمه في اللغات الحديثة فراجع الى اليونانية التي اعتبرت ان هذا السفر يتحدَّث عن تكوين العالم والانسان، وعن تكوين شعب الله.

مضمون الكتاب:
إن سفرَ التكوين يفتتح تاريخَ بني اسرائيل الديني كا ترويه اسفارُ موسى الخمسة. فالله الذي خلق الكون عرّف عن نفسه لآباء الشعب ووعدهم، بعد ان عقد معهم عهداً بواسطة ابراهيم، أن يمتلكوا ارضاً خاصةً بهم هي أرض كنعان. وبمُقتضى هذا العهد تجلَّى فيما بعد لموسى وخلَّص من عبودية مصر الشعب الذي تكاثر، واعطاه شريعة على سيناء وقاده عبر البرية الى عتبة الارض التي وعد بها، عَنيتُ أرضَ كنعان.
يصؤر لنا سفرُ التكوين بدايةَ الكون والبشرية فيوجِّهُنا الى معرفةِ القصد الذي هيَّأه اللهُ من أجل خلائقه. ولكن فسُد البشر ومالوا عن الله، فاختار اللهُ له من بين عشائر الارض رجلاً هو ابراهيم ودعاه ليكونَ اباً لأمّة عظيمة فتتبارك به كل عشائر الارض. قاده الى كنعان، واعلن له بطريقة احتفالية انه سيعطي هذه الارض لنسله. وورث اسحق ويعقوب هذه المواعيد التي لا يستطيع شيء ان ينسخها، لا المغامرات المزعجة التي عرفتها هذه العائلة، ولا التنقلات في ارض كنعان او خارجها. فاللهُ هو الربُ الامين لمواعيده. وعندما يحدِّثنا سفر التكوين عن أبناء يعقوب الاثني عشر تتوضح لنا صورةُ القبائل التي ستكوِّن شعب الله. ولكن الكتابَ يتوقف بصورة خاصة عند شخص يوسف الذي قاد عيالَ يعقوب الى مصر. وهنا ينتهي سفر التكوين. ولكن القصة العجيبة التي يعيشُها شعب الله لا تنتهي هنا، بل تتوالى في سائر اسفار الشريعة. وهذا ما نَفهمه من اقوال يوسف الاخيرة لاخوته: "انا سأموت، ولكن الله سيفتقدكم ويصعدكم من هذه الأرض، أرض مصر، الى الأرض التي اقسم أنه يعطيها لابراهيم واسحق ويعقوب" (50: 24).

المعاني الكتابية:
حين نقرأ سفر التكوين نتوقف فيه على قسمين مهمّين: تاريخ البدايات (ف 1- 11) وتاريخُ الاباء (ف 12- 50).
أ- تاريخ البدايات
نحن هنا أمام لوحة واسعة تضمّ قروناً عديدة، منذ الخلق الى دعوة ابراهيم، وتكشف لنا عن تفكير لاهوتي عميق. فقصة الكون والانسان تَجد جذورَها في إرادة الله الواحد والخالق. ومسيرتها باحداثها المتنوعة تجد تفسيرَها على ضوءِ التأمل في عمل الله، وهذا التفسير يتمتع بقيمة ازلية.
كل شيء يبدأ بخَلق الكون والاعلان انه صالح لانه خرج من يد الله، وبخَلق الانسان المصنوع على صورة الله ومثاله ليسود على هذا الكون. والرجلُ والمرأة اَللذان هما موضوع عناية الله واهتمامه وُضِعا في جنّة الله ليعيشا في السعادة ويتمتعا مع الله بحياة حميمة يُمكن ان تدوم إلى ما لا نهاية. ولكنَّ هذه الرؤية المثالية لا تطابقُ الواقعَ الذي يعيشه الانسان اليوم. فلقد حصل ما حصل، فبدأت مأساة لا نزالُ نعيشن آثارها الى الآن.
فالرجلُ والمرأة هما من مخلوقات الله، فوجب عليهما، والحالة هذه، الطاعة الكاملة للاله الذي خلقهما. ولكن قوة معادية جربتها، فتكبرا وارادا ان يكونا مُساويين لله. اعتبرا انهما يعرفان الخير والشر، ورغبا في ان يتحررا من الخضوع لأمر أُعطي لهما. فكانت الخطيئةُ الأولى التي تكمُن في العصيان لله والتمرّد على اوامره. حينئذ زالت الحياة الحميمة مع الخالق وضاعت حالةُ السعادة والبراءة. اختبر الانسان الأول الشرَّ فجرحه وطبعه بطابعه وجاء العقاب. فكان على الانسان أن يتحمَّلَ عاقبةَ عمله ويتعرَّف الى طبيعته السريعة العطب. في الماضي كان محمياً، اما الان فلا شيء يحميه من الألم والتعب والعذاب والموت. هذا هو مصيرُ البشرية. ولكن بقي بصيص أمل: سيخرج من نسل المرأة من يتغلّب على قوى الشرّ في العالم. ولقد رأى التقليدُ المسيحي في هذا القول إنباءً عن مجيء يسوع المسيح الذي سيتغلب على الخطيئة والشر والموت. قال القديس بولس في هذا الصدد: "ان الخطيئة دخلت في العالم على يد انسان واحد، وبالخطيئة دخل الوت... اذا كانت جاعة كثيرة قد ماتت بزلة إنسان واحد، فبالاولى ان تفيض على جاعة كثيرة نعمةُ الله الموهوبةُ بإنسان واحد، ألا وهو يسوع المسيح" (روم 5: 13- 15).
وتكاثرت البشريةُ على الارض، وتكاثرت معها الخطيئة، وأولها القتلُ عمداً والعنف بكل أشكاله. غير ان الانسان يقدر، إن اراد، أن يسودَ على التجربة، وأن لا يترك الشر يعشِّش فيه. ولكن سيقتل قايين اخاه، ويُمارس لامك شريعةَ الانتقام الى أبعد الحدود، ويَفسد كُل بثور على الارض. فتتدخل عدالة الله لتُعاقِب الخاطئين، والخطيئة تحمل عقابها في داخلها. ولكن افلت بارٌ من هذا العقاب، هو نوح، ونجا معه اولاده لانه سلك في شريعة الله. إلا ان الاختبارَ سيبيِّن ان نوايا الانسان شريرةٌ منذ صباه. فبعد الطوفان ستتكاثر البشرية، وتتكاثر الخطيئة معها فيكتفي الله بان يترك الخلاف يدب بين الافراد فيتشتتون على وجه الارض.
ولكن الله سيحقِّق قصدَه على العالم بواسطة الابرار الذين يتمّون ارادته فيرتبط معهم بتعهد يُلزِمُ به نفسَه ويُلزِم به الآخرين. هذا ما قال الله لنوح: "ها أنا مقيمٌ عهدي معكم ومع نسلكم من بعدآ" (9: 9). سارت البشرية من آدم الى نوح، ومن نوح الى ابراهيم فمرت عبر السلالات العديدة التي لخَّصها الكاتب الملهم بعشرة اسماء قبل الطوفان، وبعشرة اسماء بعد الطوفان، مشدا على أن العمر الطويل علامة بركة الله وعلى أن العمر القصير نتيجة تكاثر الخطيئة في العالم. تلك كانت نظرتهم الى الامور، وهم لم يتعرَّفوا بعدُ الى الحياة الثانية فحصروا سعادةَ الانسان وشقاءه في إطار هذا الكون. أجل إن الله يربي البشرية شيئاً فشيئاً فيفهمها أهمية الخطيئة التي تقتل الجسد، بانتظار ان يفهمنا أن الخطيئة تقتل بالحري النفس. قال الرب يسوع: "لا تخافوا الذين يقتلون الجسد، ولا يستطيعون قتل النفس، بل خافوا الذي يقدر على ان يهلك النفس والجسد جميعا في جهنم" (مت 10: 28).
نشير ونحن نقرأ (ف 1- 11) من سفر التكوين إلى محاولات علمية حديثة تريد ان تكتشف في هذا الكتاب معلومات تاريخية أو جيولوجية. هدف الكتاب المقدس هو هدف ديني بحت. هو ينطلق من تقاليد عرفها الشرق القديم من مصر إلى العراق وإيران، فيُلقي عليها ضوءَ ايمانه. اما التعليمُ الاساسي الذي يريد ان يُعلنَه فهو أن الله الواحد هو أصل كل شيء، وأنه خلق الكون والانسان في بداية الزمن. سقطت البشرية وتحملت نتيجة سقطتها، وجرَّت وراءها خطيئة تعود الى البدايات. ولكنَّ الله لا يتخلَّى عن خليقته وهو يعملُ المستحيلَ من أجل خلاصها. لهذا ذهب الى سام ابن نوح المبارك وجد تارح فاختار له ابراهيم. وهكذا ننتقل الى تاريخ الاباء.

ب- تاريخ الاباء
القسم الثاني من سفر التكوين (ف 12- 50) يشكِّل قصةَ عائلة. عاد الرواةُ الى ذكريات تتناقلها القبائل والعشائرُ عن آبائهم فدوَّنوها: ابراهيم ابو المؤمنين وخليل الله (ف 13- 23)، اسحق مبارك الرب (ف 24- 38)، يعقوب ابو شعب اسرائيل (ف 29- 36)، يوسف بن يعقوب الوزير المصري (ف 37- 50). وتقدم لنا هذه الاخبار سيرة هؤلاء الاشخاص: اسفارٌ ومغامرات، مرورٌ في اماكن مشهورة، توقف في معابدَ مقدسة، ولادة وزواج، مؤامرات ونزاعات وخلافات، اموات ودفن ومقابر... ولكن نبقى داخل اطار العائلة بحيث إنَّ الكاتبَ الملهم يُحدّثنا عن فرعون ولا يذكر لنا اسمه. 
ولكن ما نقرأه هنا خاصة هو قصة دينية نكتشفها من خلال احداث حياة الاباء. فما زال الكاتب الملهم يكشف لنا عن تدخلات الله المباشرة ليحقق مقاصده في البشرية. رسمت لنا الفصولُ الاولى الخطوطَ الكبرى والملامحَ العامة. ولقد جاء الوقت، بعد أن اختار الله ابراهيم، لأن يَدخل في علاقة مع البشر بطريقة جديدة ومن أجل هدف معيّن.
كانت البداية في دعوة الله لابراهيم: "إنْطلقْ من ارضِكَ وعشيرتك وبيت ابيك الى الارض التي ادلُّك عليها. وأنا أجعلك أمَّة كبيرة. اباركك وأجعل اسمك عظيماً فتكون بركة. أبارك الذين يباركونك وألعن الذي يلعنك. وبك تتبارك جيع عشائر الارض" (12: 1- 3).
وخرج من ابراهيم شعبٌ سيمتلك ارضاً، وعطايا الله لا ندامة فيها. والله سيسهر بعنايته لكي تتم مواعيده. وستتجاوز قدرتُه كلَّ الحواجز على مرِّ الزمن. ذهب ابراهيم الى مصر، فأعاده الله من هناك الى ارض كنعان. اخذ له فرعون زوجته فاستردها الله له. كانت سارة عاقرا ففتح الله رحمها. كاد اسحق حامل الوعد ان يموت على جبل مورية، فنجَّاه الله بواسطة كبش حلَّ محلَّه.
وتتوزع العائلاتُ حولَ ابراهيم واسحق ويعقوب تاركةً لابنٍ واحد أن يحمل البركات إلى الذين بعده. فالموآبيون والعمونيون، بنو لوط، أبعدوا الى الشرق. وبنو اسماعيل، ابن الامة هاجر، كانوا آباء عرب البرية. وابناء ابراهيم من قطورة ذهبوا الى الشرق. واقام الأدوميون بنو عيسو على جبل سعير. وهكذا انتقلت البركة من ابراهيم الى اسحق وابعد اسماعيل، ومن اسحق الى يعقوب وأُبعد عيسو، ومن يعقوب الى ابنائه الاثني عشر. ولكن لا ننسَى ان البركة لم تتوقَّف عند شعب واحد، بل وصلت إلى جميع الشعوب على ما قال الكتاب. وإنَّ بركة ابراهيم ستصل الى البشرية كاملة بواسطة يسوع المسيح. قال القديس بولس: "على ان المواعيد قد وُجِّهت الى ابراهيم والى نسله ولم يقل إلى انساله بصيغة الجمع، بل الى نسله بصيغة المفرد، اي المسيح" (غل 3: 16).
إرتبط اللهُ بعلاقات شخصية مع ابراهيم واسحق ويعقوب، وتعامل معهم بطريقة جديدة. إن السرَّ الذي يخفي اللاهوت بدأ ينفتح شيئاً فشيئاً من اجل الذين اختارهم. اما الكلمات التي سمعوها فصارت نوراً للأجيال المقبلة.
الله يختار وهو حر في اختياره، ولكنه يحوِّل حياةَ الذين يضع يدَه عليهم ويختارهم. ويبدأ الاباءُ مغامرةً دينية تقودهم إلى اختبار الله والحياة الحميمة معه. فابراهيم يبدو دوماً في مواقف مثالية من الايمان والطاعة. واسحق ظل امينا لارادة الله فباركه الله. أما يعقوب فقد حفظت لنا منه التقاليد ملامح تدلّ على مجانية الاختيار الالهي، "وهذا امر لا يعود الى الأعمال بل إلى. الذي يدعو" (روم 9: 12). اختبر ابراهيم الله يوم دعاه وسيتجدد هذا الاختبار في حياته. وعرف اسحق الله يوم قدَّمه ابوه ذبيحةً على الجبل. اما يعقوب فالتقى الرب عند مجاز يبوق (32: 23- 33) وكان لقاء سريا بدَّل له حياتَه وأفهمه ان نجاحَه لا يعود الى حِيَله أو قُواه، بل إلى عون الله.
لا تخفي التوراةُ بُعدَ نداء الله الى الاباء. اترك ارضك وعشيرتك وتعال الى أرض كنعان. وحين ترك ابراهيم ارضه أعلن أنه لازم ملازمة الايمان الاله الوحيد والحقيقي الذي تجلّى له. لقد ترك ابراهيمُ آلهةَ آبائه وتعلَّق بالله الواحد. وسترافق الاصنامُ عائلةَ يعقوب (31: 19) قبل ان يدفنها نهائيا تحت البطمة التي عند شكيم (35: 4) فيدل على انطلاقة جديدة له ولعياله.
خلال هذه المغامرة الروحية التي يعيشها الآباء، يلعب ابراهيم دوراً هاماً يَلفتُ انتباهنا. فحين طلب منه نداءُ الله ان يقطَع كلَّ صلة بمحيطه الحياتي وان يقبل بغموض مستقبلاً مجهولاً منه كلياً، تقدَّم أبو الاباء وحده في هذا العالم وسار في ظلمة الايمان للقاء الاله الحقيقي. فخضوعُه وطاعته الثابتة نالا جزاءهما، فعقد الله مع هذا الانسان عهداً يُثبت المواعيد السابقة. ولكنه أراد أن يعرف إلى أي حد يستطيع أن يتّكل كل طاعة عبده وايمانه. ولكن ابراهيم ظل أميناً مع ان وعد الله تأخر وما تحقق. وحين أعطي له اسحقُ ابنُ الوعد، طلب منه الله ان يضحّي به. لم يتردّد ابراهيمُ، وعزم على التضحية بابنه إكراماً لربه. ولكن الربَّ نفسَه اوقف يدَ ابراهيم. قال: "لا تمدُدْ يدك الى الغلام ولا تفعلْ به شيئاً، فإني الآن عرفت أنَّك تخافُ الله فلم تدَّخر ابنك وحيدك عني" (22: 12). ثم حلف الرب قال: "أُقسم بنفسي. بما أنك فعلت هذا الأمر ولم تدّخر ابنَك وحيدَك، فإني أباركك واكثِّر نسلَك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر... ويتبارك في نسلك جميعُ أمم الارض من اجل أنك سمعت لقولي" (22: 16- 18).
عن ايمان ابراهيم هذا سوف تتكلَّم الرسالةُ الى العبرانيين (11: 8- 9، 17- 19): "بالايمان لبَّى ابراهيمُ دعوةَ الله فخرج إلى بلد قُدِّر له أن ينالَه ميراثاً، وخرج وهو لا يدري الى أين يتوجّه. بالإيمان نزل في أرض الميعاد كأنه في أرض غريبة وأقام في الخيام مع اسحق ويعقوب شريكيه في الميراث عينه... بالايمان امتُحن ابراهيمُ فقرَّب اسحق وحيده... واعتقد ان الله قادر حتى على إقامة الأموات".

المعاني الروحية:
عندما نقرأ سفرَ التكوين نكتشف اختباراً عميقاً عاشه الكاتب الملهم وجعله في بداية البشرية، في أصل الكون والانسان. وهذا الاختبارُ لا نزال نُحِسّ به اليوم نحن أبناء العهد الجديد. فالله الخالق والصالح هو هو، والإنسان الضعيف والخاطئ هو هو. لا شك في أن يسوعَ جاءنا بالخلاص يومَ مات من أجلنا وقام، ولكن اختبار الخطيئة لا يَزال عالقاً في حياتنا. ولن نتخلَّص منه إلاَّ في النهاية حين يَنتصر يسوع مع جسده السري على اعدائه، وأولُّهم الموت والخطيئة. ويصوِّر لنا الكاتبُ الملهَم كيف أن الانسان الذي يرفض الله لا يعتِّم أن يرفض أخاه. تمرَّد الانسانُ الأول على الله، أما الانسان الثاني فقتل اخاه في شخص هابيل وامتد الشر وما زال الى اليوم. وعلَّمنا سفر التكوين أيضاً أن الشر كامن في قلب الانسان ونواياه، وأنه يثور فيما يَثور بفعل ذلك الكائن الشرير الذي هو الشيطان والذي أبرزه الكاتب الملهم بشكل حيةٍ تتكلّم. لن نتوقف عندَ الصور، وقد لجأ اليها الكتاب مستعينا بالاساطير القديمة، ليفهمنا حقائقَ ازلية لا نزال نحتاج إلى معرفتها اليوم من أجل خلاصنا.
ونكتشفُ في سفر التكوين وجوهاً نستفيدُ إن نحنُ تطلَّعنا فيها لأنها تبين عمل الله في الانسان رغم وجود الخطيئة التي تغمر الكون كالطوفان. هناك وجهُ هابيل البار الذي قبِل الربُ تقدمَته، وأحنوخ الذي سلك مع الله أي سار على وصايا الله فلم يَمِل عنها يميناً ولا شمالاً، فكافأه الله وأخذه اليه (5: 24) كما سيأخذ ايليا. وهناك نوح الذي سيعزِّي قلب ابيه (5: 29) ويريح روح الله فيعمل كل ما يأمره به الرب ويعيش بالبرارة فينجو من الطوفان.
ونتعرّف خاصة إلى ابراهيم رجل الايمان وسارة امرأته، الى اسحق ورفقة، الى يعقوب وعياله. كلُ واحد من هؤلاء حاول أن يسير مع الله رغم ضعفه وخطيئته وتهرّبه من نداء الله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فابراهيم سيبيع امرأته مرةً بل مرتين وينسى أنها ستحمل ابن العهد، وسيذهب الى مصر تاركاً الأرض التي وعده بها الله. ولكنَّ الله سيعود به من مصر وسيخلِّص حاملةَ الوعد. وسيكون يعقوب إبن الحيلة فيحسب أنه يقدر بقوته أن يوجِّه أموره، ولكنَّه سيفهم دورَ الله في حياته. كما يقتنع أن النجاح الحقيقي ليست النجاح البشري نحصل عليه بالكذب والاحتيال والسرقة، بل نجاح مخطط الله. حينذاك لم يلتحق بابنه يوسف إلى مصر إلاّ بناءً على طلب الرب وطاعة لأمره. وإخوة يوسف حاولوا أن يتخلصوا من أخيهم فباعوه وكذبوا على أبيهم. ولكن الله وجَّه الامور على غير ما كانوا يرغبون. وسوف يستخلص يوسف نفسُه العبرةَ من كل هذه المغامرة التي عاشها والتي كادت تقودة الى العبودية إن لم يكن الى الموت. قال: انتم بعتموني إلى هنا، ولكن في الواقع الله بعثني امامَكم لئلاَّ تموتوا من الجوع... الله بعثني قدامكم الى هذه الأرض ليكون لكم فيها نسلٌ وتحيون. انظروا أية نجاة عظيمة هيَّأها لكم (45: 4- 8). وقال: لا تخافوا. من أنا لأجعلَ نفسي مكان الله؟ فأنا أسير حسب مشيئة الله. أنتم نويتم علي شراً والله نوى بي خيراً ليصنع ما ترونه اليوم، وينجي شعباً كثيراًَ من الموت (50: 19- 20).
ومن خلال القِصص التي تُؤلِّف سفرَ التكوين نتأمَّل في مواضيعَ ثلاثة شدّدت عليها التقاليد التي كانت في أساس هذا الكتاب. فهناك تقليد أول وُلد عند حكماء أورشليم فتطرَّق إلى موضوع بركة الله لابراهيم: أنا أجعلك أُمة كبيرة وأباركك... وتكون بركة وأبارك مباركيك... ويتبارك بك جميعُ عشائر الارض (12: 2- 3). هذه البركة المخمسة تقابلها خمسُ لعنات عرفتها البشرية على مدى تاريخها قبل دعوة ابراهيم. فبعد خطيئة آدم وحواء، صارت الارضُ ملعونة (3: 17)، وبعد أن إقترف قايين جريمة القتل لعنته الأرض حين فتحت فاها لتقبلَ دماءَ هابيل (4: 11). وستُرافِق اللعنةُ الأرضَ (5: 29) بعد أفعال لامك وبسبب تصوّر قلب الانسان الشرير (8: 21). أما اللعنةُ الخامسة فهي التي أصابت كنعان إبن حام الذي كشف عورةَ أبيه. قال نوح: ملعون كنعان، ليكن عبداً لعبيد اخوته (9: 25). ولكن مع ابراهيم ستبدأ البركة وتدوم وتكون احدى قممها حين يملك داودُ باسم الله على ارض كنعان بانتظار أن يأتي المسيح. فلقد قال القديس بولس في رسالته الى أهل افسس (1: 3- 4): "باركنا الله الاب في المسيح بكل بركة روحية في السماوات، ذلك أنه اختارنا قبل إنشاء العالم لنكون عنده قديسين بلا عيب في المحبة". لم تَعُد البركة تَقتصر على هذه الدنيا، بل تعدَّتها إلى الآخرة. وما عدنا ننتظر فقط عمراً طويلاً وخيوراً كثيرة وأولادا عديدين، بل خيرات السماء. وما عادت هذه البركة تصل إلى شعب من الشعوب، بل الى كل شعوب الارض. أجل، صار المسيح لعنةً لاجلنا كما تصير الى الأمم بركةُ ابراهيم في المسيح يسوع (غل 3: 13- 14).
والتقليد الثاني وُلد في معابد الشمال وبتأثير الانبياء فحدَّثنا عن مخافة الله. هذه المخافة، حسِبَ ابراهيم أنها غير موجودة عند اهل جرار فتصرف كما تصرّف: سلم امرأته لابيملك لينجو هو بنفسه. ولما سأله الملك لماذا فعل هذا قال: قلت ليس في هذا الموضع خوف الله فيقتلونني (20: 11). ولكن تبين ان عند هذه الشعوب مخافة الله والعمل بوصاياه. وسيتعلَّم ابراهيم هذه المخافة حين يقتدي بأبناء تلك البلاد فيقدّم لله أثمن ما عنده، ألا وهو ابنه ووحيده. وسيعطيه الرب نفسُه شهادةً في ذلك فيقول له: الآن عرفت أنك تخاف الله (22: 12). هذه المخافة سيحاول موسى ان يطبعَها في قلب بني اسرائيل (خر 20: 20) وهي لا تزال ضرورية لنا رغم اننا ابناء المحبة (ايو 4: 18). فنحن لا نخاف من الله كما يخاف العبيد من اسيادهم، بل كما يخاف الابن من ابيه خوفاً مليئاً بالاحترام وبالحذَر من ضعفنا.
والتقليد الثالث اورده الكهنة فشدّدوا على عهود الله مع البشرية. كان عهد اول مع آدم. يقيم الانسان في الفردوس ويخضع لارادة الله: لا تأكل من شجرة معرفة افي والشر، أي لا تعتبر نفسك مقرِّرا ما هو خير وما هو شر، فهناك ارادة فوق ارادتك وعليك ان تخضع لها. ويوم تأكل من شجرة معرفة الخير والشر (2: 17) معتبراً نفسك مساويا لله (3: 5)، فإنك سوف تموت موتاً. ونقض آدم عهده مع الرب وأخرج من جنة عدن. وكان عهد ثان مع نوح: ها أنا مقيم عهدي معكم (9: 9)، وهذه علامة العهد الذي أنا جاعله بيني وبينكم: قوسُ الغمام. يراها الرب فيتذكّر عهده ولا يسمح من بعدُ بطوفان على الارض (9: 12- 15). وسقط هذا العهدُ في برج بابل وتشتت البشر على كل وجه الأرض (11: 9). وكان عهد ثالث مع ابراهيم، علامته الختان. قال الرب لابراهيم: اسلك أمامي، سر بحسب وصاياي، وكُن كاملاً لا عيب فيك. فأجعل عهدي بيني وبينك واعطيك نسلاً كبيراً جداً (17: 2). ونفّذ ابراهيم بنودَ هذا العهد وختنَ كلَّ ذكر بحسب ما أمره الله بهِ (17: 23). ولكن ذهب نسلُ ابراهيم إلى مصر وعاشوا عبيداً، ولما خرجوا من هناك قطَع الله معهم عهداً بواسطة موسى: يصبح أبناء ابراهيم شعب الله الحافظين وصاياه ورسومه وأحكامه. ويصبحُ الربُّ الهَ هذا الشعب فيدافع عنه ويحميه ويُباركه ويَقوده إلى أرض الميعاد.
ولكنَّ الشعبَ نقضَ هذا العهد وتمنَّى ارميا وحزقيال عهداً جديداً يحفره الله لا في لوح من حجر كما فعل بالوصايا، بل في قلوب لحمية. وبقي التمنّي تمنياً إلى أن جاء يسوع المسيح فأسس بدمه العهدَ الجديد (مت 26: 28) وصار هو علامة حضور الله في العالم. ولما سكن بيننا رأينا مجدَ الإبن الوحيد الذي أتى من لدن الآب (يو 1: 14).

المعاني المسيحية:
لاحظنا ونحن نُرافق فصولَ سفر التكوين كيف أن العهد القديم يصبُّ في العهد الجديد، كما يصب النهر في البحر. فالعهدُ الجديد هو غايةُ العهد القديم وكمالُه، ولقد قرأ المسيحيون العهدَ القديم على ضوء العهد الجديد فاكتشفوا فيه معاني جديدةً مستندين إلى حياةِ يسوع المسيح وموته وقيامته. هذا ما سنحاول ان نتطرق إليه من خلال نصوص سفر التكوين.
فموقف آدم في جنَّة عدن يُقابل موقفَ المسيح آدم الثاني: رأى القديس بولسُ في المسيح آدمَ الجديد الذي كان الأولُ صورتَه (روم 5: 14). فآدمُ القديم كان أرضياً ونفسانياً وآدم الجديد كان سماوياً ورحانياً (1 كور 15: 45- 49). وقابل القديس بولس عملَ كل من آدم الأوّل وآدم الثاني، أي آدم والمسيح: نقل آدمُ إلى البشرية الخطيئةَ والموت وأعطى المسيحُ جميعَ البشر نعمةَ الله. من جهة جاءنا العقاب، ومن جهة ثانية جاءنا التبرير. عُصيانُ آدم أغرق البشرية في حالة من الخطيئة، وطاعةُ المسيح رفعتنا الى حالة من البر (روم 5: 12- 19). والفردوسُ بأشجاره ومياهه سيمرّ في اسفار العهد القديم (حز 36: 35؛ اش 51: 3) قبل أن يتّخذ صورةً روحية في سفر الرؤيا. قال المسيح لكنيسة افسس: "إني اجعل الغالبَ يأكل من شجرة الحياة". ولقد قال يوحنا: "ثم أراني الملاك نهرَ الحياة صافيا كالبلور يخرج من عرش الله والحمل وشجر الحياة في وسط الساحة وعلى ضفتي النهر يثمر اثنتي عشرة مرة، كل شهر مرة" (رؤ 22: 1- 2)، اجل لقد صار الفردوس العدني صورة عن الفردوس الثاني الذي فيه ينتصر الرب الاله نوره على المؤمنين.
وهابيل هو صورة عن المسيح كما قال الآباء والليتورجيا. كان الراعي كما كان المسيح الراعي الصالح. قدم بواكيره لله على مثال ذلك الذي كان باكورة كل الخلائق. كان الحمل المذبوح بانتظار ذلك الآخر الذي صار حمل الله الحامل خطايا العالم. كان هابيل بريئاً فقتله بغضُ اخيه فصرخ دمُه إلى السماء طالباً النقمة، وكان يسوع بريئاً ومع ذلك صلبه اليهود فصرخ دمُه الى السماء للنعمة والمصالحة.
أمَّا حدثُ الطوفان فيبدو صورةً مسبقة لما سيحدُث في نهاية الأزمنة ونموذجاً لأحكام الله الخلاصية. كان قد قال اشعيا (54: 7- 8): "بحب ابوي أرحمك. فذلك يكون لدي كأيام نوح إذ اقسمتُ أن لا تغمُرَ مياهُ نوح الارضَ مرة ثانية". أمّا المسيح فقال: "وكما حدث في عهد نوح، فكذلك يحدث يومَ مجيء ابن الانسان. كان الناس، في الايام التي تقدمت الطوفان، يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون بناتهم، إلى يوم دخل نوحُ الفُلْكَ، وما كانوا يتوقَّعون شيئاً حتى جاء الطوفانُ فجرفهم أجمعين، كذلك يحدث عند مجيء ابن الانسان" (مت 24: 37- 39). والطوفان هو ايضا صورة عن المعمودية. فالمسيح نزل مثلَ نوح في مياه الموت العظيمة وخرج منها منتصراً مع المخلَّصين. والذين يغطسون في ماء العماد يخرجون أحياء على مثال المسيح القائم من الموت. "فالمعمودية التي يرمز اليها الفُلك تنجّيكم أنتم ايضاً" (1 بط 3: 21).
ومصير ابراهيم يبدأ بوعد سيثبِّته الله مرارا فيما بعد. وهذا الوعدُ الذي يحدِّد مصيرَ ابنائه القريبين والبعيدين قد انتظر تحقيقَه الاباءُ والملوك. أما القديس بولس فرأى أنه تحقق في المسيح. قال: "اعتمدتم جميعاً في المسيح فلبستم المسيح: فلم يبق من بعد يهودي أو يوناني، عبد أو حر، ذكر أو انثى، لأنَّكم جميعاً واحد في المسيح يسوع. فإذا كنتم للمسيح فأنتم اذاً نسلُ ابراهيم وانتم الورثة على ما قضى الوعد" (غل 3: 28- 29).
أما وجة اسحق فصورة عن وجه المسيح. قالت الليتورجيا: كما أن اسحق اقتِيد إلى الذّبح بيد ابيه، كذلك صعد يسوع إلى الجلجلة ليحقق الدعوة التي حدَّدها الآب له. وقال الآباء: حمل اسحقُ الحطب على كتفه كما حمل يسوعُ صليبَه، ورُبط كالمسيح الذي حلَّنا من قيود الخطيئة. لم يمُت اسحق بل حَلّ محلَه حملُ. أما يسوع فمات ليخلّصنا وكان الحملَ الحقيقي على مثال الحمل الذي افتدى اسحق. وقالوا ايضا: اسحق هو رمزُ العالم وقد جاء المسيح ليحلَّه من قيده ويخلِّصه بصليبه. هو ابن الله حفظ اسحقَ بن ابراهيم لما صار حملا وحل محله في الذبيحة. المائتُ نجا من الموت وماتَ الذي لا يموت.
ويوسف بن يعقوب هو ايضاً صورة عن يسوع الذي بِيع كعبد على يد اخوته. أما ساره وهاجر فهما صورة لعهدين. الأولى من طور سيناء تلد للعبودية. هي وبنوها في العبودية، وهي تمثِّل أورشليم هذا الدهر. والثانية تمثِّل أورشليم العليا، هي حرة وهي أمنا ونحن بواسطتها ننال الخيرات التي أَتانا بها المسيح (غل 4: 21 ي).
خاتمة:
هذا بعضُ الغنى الذي يجده المؤمنُ اليوم لدى قراءة سفر التكوين: على المستوى الكتابي، على المستوى الروحي، على المستوى المسيحي: يبقى علينا ان نغوص في قراءته يصحبنا قائدٌ عارف بالصعوبات فنتجاوز القشورَ العديدة لنصل الى لبِّ كلمة الله التي تمنح الغذاء لحياتنا.
الخوري بولس الفغالي
سفر الخروج
أ- المقدمة:
سفرُ الخروج هو السفرُ الثاني من أسفار الشريعة الخمسة. سمِّي كذلك لأنه يروي في قسمِه الأوّل خروجَ العبرانيين من مصر علِى يد موسى. يرتبطُ بسفر التكوين الذي سبقه وبسفري اللاويين والعدد اللّذين يتبعانه. وصل يعقوب مع عياله إلى مصر: هكذا ينتهي سفر التكوين، وكثروا في زمن موسى فخافت منهم مصر. ويروي سفر الخروج كيف أقام العبرانيون في البرية. وسيَذكر سفرُ اللاويين الشرائَع العبادية، ويحدّثنا سفر العدد عن حياة الشعب العبراني قبل وصوله الى أرض موآب ودخوله أرض كنعان.
دخل العبرانيون إلى مصر مع الهكسوس، أو الملوك الرعاة، في القرن الثامن عشر. ومضت مئة وخمسون سنة قبل ان يطرد المصريون هؤلاء الفاريّن. ولكن بقي العبرانيون من قبائل إفرام ومنسى وبنيامين ولاوي ويهوذا في مصر. ولمّا كان القرن الثالث عشر، قام الحكم المصري بنهضة عمرانية فبنى المدن وحوَّطها باسوار، واستفاد من وجود الغرباء الساميين من برانيين وغيرهم، فأرسلهم إلى هذه الأعمال الشاقة. أما موسى الذي تربى تربية عالية من أجل خدمة الملك وسياسته، فقد توصَّل إلى جر اخوته بني قومه الى البرية، وهناك نظَّم لهم حياتهم الدينية بانتظار أن يدخلوا، بقيادة يشوع، ارض كنعان.
هذا هو الإطار البشري الذي تدخَّل فيه الله من أجل شعبه، هذا هو الإطار الذي دوّن فيه سفر الخروج.

ب- تحليل الكتاب وبنيته:
يتضمن سفر الخروج تكملة الخبر الذي بدأ في سفر التكوين. إنطلق من بعد موت يوسف في مصر (تك 50: 26) ووصل بنا الى إقامة خيمة الاجتماع على يد موسى في برية سيناء. وكان ذلك في اليوم الأوّل من الشهر الأوّل من السنة الثانية بعد خروجهم من مصر (40: 2، 17).
ولكن منذ الصفحة الأولى من سفر الخروج تبدو الحالة مختلفة عمّا كانت عليه في سفر التكوين. فأيام يوسف صارت بعيدةً: وقام في مصر ملك لا يعرف يوسف (1: 8). وبيت يعقوب تكاثروا جداً، فخاف منهم الفرعون وجعلهم عبيداً له. هذا الشعب سيحرره الربُ، ويُخرجه من أرض مصر (ف 1- 15)، ويقوده عبر البرية الى جبل سيناء (ف 16- 19)، ويقطع معه عهداً ويعطيه الوصايا العشر (ف 20) وجموعةً من الشرائع الدينية والاخلاقية والاجتماعية والعبادية (ف 21- 40).
وإليك تصميماً مفصلاً لسفر الخروج الذي يُقسَم ثلاثةَ اقسام. الأحداث التي تسبق الخروج من مصر، الخروج من مصر والمسيرة إلى سيناء، الشعب في سيناء.
القسم الأول: الأحداث السابقة للخروج (1: 1- 11: 10)
1- نما بيتُ يعقوب بصورة عجيبة في مصر، فقلق الفرعون من وجود هذا الشعب الذي صار قوياً. فاستعبده وأرسله إلى الأشغال الشاقة وأمر ان يُقتل كل مولود ذَكر فيهم (1: 1-23). في هذه الظُروف ولد موسى ولكنَّه نجا من الموت بواسطة إبنة الفرعون التي تبّنته (2: 1- 10). ولما صار رجلاً ورأى ما يحتمله بنو قومه قتل مصرياً وهرب إلى أرض مديان وتزوج إبنة كاهنها (3: 11- 22)
2- وصرخ بنو اسرائيل إلى الله فسمع الله صراخَهم وتذكَّر عهده مع ابراهيم واسحق ويعقوب وقرَّر أن يتدخل من أجلهم (2: 23- 25). فدعا موس الذي كان يرعى غنَم حمّيه قرب حوريب، وكلَّمه من وسط العليقة الملتهبة، وأمره أن يُخرج شعبَه من مصر (3: 1- 12). تردّد موسى واحتار، ولكن الله أعطاه تعلمات تخصّ رسالتَه ومنحه سلطةَ اجتراح المعجزات (3: 13- 4: 9). أراد موسى أن يتهرب، ولكن الربَّ فرض عليه أن يعمل مع أخيه هارون الذي جاء إليه. فترك موسى أرض مديان وذهب إلى الشعب وأعلن لهم كلمة التحرير فتقبّلوها بفرح (4: 10- 31). ولكن أول لقاء مع فرعون انتهى بفشل ذريع وزاد حالة الشعب العبراني تعاسة (5: 1- 23).
3- فلم يبق لموسى إلاّ أن يضرب مصر وسكانها ليتغلَّب على عناد فرعون. وكانت كل زيارة للملك تتبعها ضربةٌ تَنزل بأرض مصر: تحوَّل الماء دماً، جاءت الضفادع والبعوض... والوباء... والبرَد والجراد والظلمة (7: 14- 10: 29). أقرَّ سحَرةُ مصر بَعجْزهم وفشلهم واستعدَّ فرعون لأن يُطلق الشعب منذ الضربة الثانية ولكنه تراجع المرة بعد المرة إلى أن اعلن موسى الضربةَ العاشرة التي تصيب ابكار مصر (11: 1- 10).
القسم الثاني: الخروج من مصر والمسيرة الى سيناء (12: 1- 18: 27)
1- احتفل بنو إسرائيل بعيد الفصح. ويورد الكتاب الفرائضَ المتعلقة بهذا العيد الذي يذكرّهم بخروجهم من أرض مصر ونجاتهم من العبودية. ثم يَروي سفر الخروج الليلة الدراماتيكية التي فيها تمَّت الضربة العاشرة. مات الأبكار في مصر فأُجبر فرعون على أن يطلقَ العبرانيين فانطلقوا من رعمسيس في مرحلة أولى إلى سكّوت (13: 29- 42). وكانت فرائض اخرى عن الاحتفال بالفصح وعن تكريس الابكار وعن الفطير (12: 43- 13: 16). 
2- ويعودُ بنا الراوي إلى مسيرة العبرانيين الذين قادهم الربُ بعمود من الغمام والنار. مشوا في البرية من سكوت إلى إيتام وتوجهّوا نحو بحر سوف أو بحر القصب، فلحق بهم المصريون (13: 17- 14: 14). ففتح الله البحر أمام بني اسرائيل الذين ساروا عليه كما على أرض يابسة، ثم أعاد المياه فأغرقت المصريين. حينئذ انطلق نشيد الشكر وقد بدأته مريم اخت هارون بهذه الردة: "سبحوا الرب، لأنه قد تعظم بالمجد. الفرس وراكبه طرحهما في البحر".
3- وانطلق بنو اسرائيل نحو برية شور. وحلَّى موسى المياه في مارة. وانطلق الشعب من إيليم إلى برية صين وهناك جاعوا فأعطاهم الرب المنَّ والسلوى. وفي رفيديم أخرج لهم موسى من الصخرة الماء، وصلّى لأجلهم فانتصروا بقيادة يشوع على بني عماليق.
القسم الثالث: الشعب في سيناء (19: 1- 40: 38).
1- يشكل العهد بين الرب والشعب قمة في سفر الخروج بل في اسفار الشريعة الخمسة. إنطلق بنو اسرائيل من رفيديم فوصلوا إلى برية سيناء في الشهر الثالث بعد الخروج من مصر، وخيَّموا تجاه الجبل (19: 1- 2). فعرض الرب على موسى ان يقطع عهداً مع الشعب يكرِّس اختيارَه لهم: يكون الرب الههم ويحميهم إن قبلوا ان يبقوا أمناء للشريعة التي سئعطيهم (19: 3- 9). واستعدَّ الشعب ثلاثة أيام لظهور الرب المهيب على سيناء. أعطيت الوصايا العشر (20: 1- 17) وفرائضُ مدنيّة ودينيّة سُمِّيت دستور العهد. وقدِّمت ذبيحة ختمت العهد بين الله وبني اسرائيل الذين وعدوا بأن يفعلوا بكل ما امرهم به الرب. وصعد موسى أيضاً إلى الجبل للقاء الرب (24: 1- 18).
2- واملى الله على موسى فرائض طويلة تتعلَّق ببناء المعبد وبخدامه (ف 25- 31). فعلى هذا الشعب المختار أن يكون مملكة كهنة وأمَّة مقدّسة (19: 6). ويرسم النص أمامنا ادوات العبادة (تابوت العهد، المنارة، المذبح) ومسكنَ الرب (ف 25- 27) والملابسَ الليتورجية الخاصة بهارون والكهنة (ف 28) وطقوم التكريس وتعيينَ العمال والمحافظةَ على السبت (ف 29- 31). ويختم الله كلامَه فيسلِّم إلى موسى لوحي الوصايا (31: 18).
3- هنا يرد حدثٌ إخباري عن العجل الذهبي، وتَشفعُ موسى من اجل الشعب، قبل الاعلان عن الوصايا المتعلِّقة بشعائر العبادة (ف 32- 34). أقام موسى على جبل سيناء وطالت إقامته، فتَعِب الشعب من الانتظار وصنع لنفسه عجلاً ذهبياً وعَبدَه. أخبر الربُ موسى بالأمر، فتشفع موسى من أجل الشعب ثم نزل من الجبل. حطَّم لوحي الشريعة ودمَّر العجل الذهي ووبَّخ هارون على فعلته ودعا اللاويين لمعاقبة الشعب.
4- وينفذ موسى أوامر الله المتعلقة ببناء المعبد وصنع ملابس الكهنة. وهكذا تستعيد ف 35- 40 ما ورد في ف 25- 31. يذكِّر موسى الشعب بوصية السبت (35: 1- 3) ثم يطلب منهم تقدمات مادية ويبحَث بينهم عن صنَّاع ماهرين... وينتهي العمل في اليوم الأول من الشهر الأول من السنة الثانية بعد الخروج من مصر. أقام الرب في المسكن المقدس بواسطة الغلام الذي يغطِّي خيمة الاجماع ويقود بني اسرائيل في مراحل تنقلهم نحو أرض الميعاد.

ج- أصل الكتاب وتأليفه:
يتألف سفر الخروج من عناصر متعددة ترتبط بالتقاليد الثلاثة الواردة في أسفار الشريعة الخمسة. فالتقليد اليهوهي يقدم لنا الاخبار في ف 1- 19 مع بعض زيادات من التقليدين الآخرين. يُطيل الحديث على دعوة موسى ودوره أمام فرعون. ويذكر سبع ضربات محافظاً على طابع البلاد المصرية ويروي بطريقة دراماتيكية ليلةَ موت الابكار والخروج من مصر.
أما التقليد الالوهيمي فاقل توسعاً من التقليد اليهوهي. يورد خمس ضربات حلَّ بمصر ويشدِّد على علاقات موسى بالمديانيين وما حملوه الى بني اسرائيل من نُظُم (ف 18). ولقد إحتفظ لنا التقليدُ الالوهيمي خاصة بالوصايا العشر وبالدستور الاشتراعي الذي يشدّد على متطلبات الرب الأخلاقية. وينتهي هذا التقليد في خبر العجل الذهي.
ونتعرف إلى التقليد الكهنوتي في الاشارات التاريخية والأعداد ولوائح الأنساب. يقتصد في رواية الاحداث ولكنّه يشدّد على العنصر العجيب في المعجزات. يُورد خمسَ ضربات ويطيلُ الحديث على التشريع المتعلق بالمعبد والكهنة. يبدو عهد سيناء في نظر هذا التقليد كمجيء الله في مسكنه حيث تتمحور حياةُ بني اسرائيل كجماعة منظمة.
امتزجت هذه التقاليد وتنقحت على يد مؤلِّفين عملوا في عصور مختلفة وتأثروا بمحيطهم واهتماماتهم الدينية. وسوف ننتظر القرن الخامس ق م لتتثبَّت الأسفار الخمسة في النصّ الذي نعرفه اليوم.
د- احداث الخروج والتاريخ المقدس.
وصف الشراح سفر الخروج بأنه "إنجيل العهد القديم" بمعنى انه يورد خبراً ساراً، هو تدخّل الله في وجود جاعة من البشر ليَلِدهم الى الحريّة ويجمعهم في شعب مقدس. أجل، يبدو سفر الخروج تاريخاً مقدَّساً لفترةٍ حاسمة بالنسبة إلى وجود العبرانيين ومصيرهم. فخلاص بني اسرائيل من عبودية مصر، والعهدُ في سيناء، وعطيةُ الشريعة، كلّ هذا يشكّل احداثاً ستظل عالقةً في ذاكرة الشعب لأنها تفسِّر اختيار الله لهم، والايمانَ التوحيدي الذي يعيشونه، والباعثَ الذي يدفعهم ليكونوا امناء لله.
لقد إعتبر بنو إسرائيل أن الخروج من مصر هو حدث خَلَق شعبَ اسرائيل فارتبطت به حياتُهم، وعادت إليه نُظُمهم وطقوسُهم وعقائدُهم. لقد كان حدث الخروج أهم من الدخول إلى أرض كنعان بقيادة يشوع، وتنظيم الملكية، والمنفى وتحويل شعب اسرائيل إلى جماعة روحية.
لماذا يعيّد بنو اسرائيل الفصحَ والفطيرَ، ولماذا يقدِّمون تقدمة عن ابكارهم؟ لا يكون الجواب: لأن تلك هي عادة أهل البلاد الذين نعيش معهم، بل لأن ذلك ما فعلناه يوم خرَجنا من أرض مصر. ولماذا نحترم الغريب ونقدّم له العون؟ لأن اختبار الحياة حين كنا غرباء في مصر علَّمنا قساوة الحياة عند الغريب.
وسفر الخروج هو الزمن المميَّز للقاء الشعب بالله. نحن لن نتوقف على المعجزات أكانت عبور البحر الأحمر أم الضربات العشر. ولكن إن قرأنا الكتاب بتمعن لأكتشفنا أسئلة جوهرية مثل هذه: هل يؤمنون؟ هل الله في وسطنا أم لا؟ ما هو اسمه؟ هل نقدر أن نراه؟ إلى اين تقودنا هذه المغامرة التي تحمل الخطر والموت؟ إلى هذه التساؤلات يجيب سفر الخروج منطلقاً من إيمان عميق بالله. فالله الذي أقام مع شعبه وقاد مسيرته هو الاله الأمين، هو إله الرجاء، هو الإله الذي يَسمع صراخَ أناس، يتألمون في العبودية، وهو القادر أن يتغلَّب على كل المقاومات ليقود اخصاءه إلى الحرية. هذا الإله اراد أن يجمع اناساً في شعب واحد ويقدم لهم عهده ويطلب منهم أن يعملوا بموجب هذا العهد. هذا الاله هو الذي كشف طول باله ورحمته لشعب خاطئ، وهو الحاضر وسط المؤمنين بواسطة موسى نبيّه والليتورجيا التي يحتفل بها الكاهن هارون في معبده.
والخروبخ من مصر ليس حدثاً من الماضي فحسب، بل هو واقع حاضر الآن وهو في قلب الشعب. وهذا ما يشعرُ به الؤمنون خلال احتفالاتهم الليتورجية. فالأعياد مناسبة للمشاركة في الخلاص الفصحي وللدخول دوماً في العهد الذى دُشَّن في سيناء. والليتورجيا تُتيح لكل واحد أن يعيش من جديد أحداث الخروج. وفي الازمات الكبيرة كان الشعب ينظر إلى هذا الماضي وتعود إليه ليستقي منه روحاً جديدة. فخلال الأزمة الكنعانية التي كادت تقود مملكة الشمال إلى جحد إيمانها والتعبد لبعل، ذهب إيليا إلى جبل حوريب، إلى منابع الايمان في بني اسرائيل، ومن هناك أخذ قوّة جديدة ليتابع حربَه من أجل الله. وبعد أزمة المنفى في بابل وضياع الشعب، أنبأ إرميا وحزقيال بعهد جديد، وأعلن اشعيا الثاني أن الوقت حان من أجل خروج جديد. فالتحرّر العجيب من أرض الاسر يرافقه تحرر من الخطايا ونداء من كل الأمم لتوجِّه قلبها إلى القادر على ان يخلّص البشر كلَّهم.
هـ- سفر الخروج والعهد الجديد
فسَّرَ العهد الجديد احداثَ الخروج على أنها صورة عن الشريعة الجديدة. وقد شدَّد القديس بولس على هذا الأمر فقال. "إن آباءنا كانوا كلُهم تحت حماية الغمام، وكلُهم عبروا البحر، وكلُّهم تعمدوا لموسى في الغمام وفي البحر، وكلُهم كانو يشربون شرباً روحياً واحداً من صخرة روحية ترافقهم، وهذه الصخرة هو المسيح" (1 كور 10: 1- 4). وهكذا يرى القديس بولس في عبور البحر الأحمر ما يقابل العماد المسيحي، وفي المن ومياه حوريب صورةً مسقبة عن الافخارستيا. وفي مكان آخر يسمَّى المسيحُ المذبوح "فصحنا" (1 كور 5: 7).
وفي انجيل يوحنا يبدو المسيح كموسى الجديد. قال الانجيل (يو 1: 17): "لأن الله بموسى أعطانا الشريعة، وأمَّا بيسوع المسيح فوهبنا النعمة والحق". وقال أيضاً (يو 3: 14): "وكما رفع موسى الحيَّة في البرية، فكذلك يجب أن يرفع ابن الانسان". أما يسوع فيقابل بين المن الذي أكله العبرانيون في البرية، والخبز الحي الذي يعطيه الآب السماوي. قال اليهود: "آباؤنا أكلوا المن في البرية"... فأجابهم يسوع: "الحق الحق أقول لكم: ما أعطاكم موسى الخبز من السماء، أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء" (يو 6: 30- 32).
ويمكننا أن نقابل بين مواضيع سفر الخروج ومواضيع الفصول الأولى من انجيل يوحنا، كما ان الرؤيا تقابل بين انتصار المختارين على الموت وعبور البحر الأحمر. أما الرسالة الأولى للقديس بطرس فتستقي صورها من شعائر الفصح لتقدِّم لنا تعليماً عن الحياة المسيحية.
عشاء يسوع الأخير وموته وتمجيده هي بمثابة فصحه. والمسيح نفسه كما تقول الرؤيا هو الحمل الفصحي، والذين يشاركونه في انتصاره على الوحش يُنشدون نشيد موسى. أما الضربات التي تصيب عباد الوحش فهي هي التي أصابت المصريين، وهكذا يبدو سفر الرؤيا قراءةً جديدةً لسفر الخروج. 
وستعود الرسالة إلى العبرانيين فتبين سمو المسيح على موسى، وتقول (3: 2- 6): "فالمسيح أمين للذي اختاره كما كان موسى أميناً لبيت الله أجمع. ولكن يسوع كان اهلاً لمجد يفوق مجد موسى بمقدار ما لباني البيت من كرامة تفوق كرامة البيت... وكان موسى أميناً لبيت الله أجمع لكونه خادماً... أما المسيح، فهو أمين لبيت الله لكونه ابن الله". وتبيِّن في موضع آخر الطابع السامي لكهنوت المسيح وذبيحته بالنسبة إلى كهنوت سيناء وذبائحه. وكما أنَّ العهدَ القديم قُطع في دم ذبيحةٍ كذلك خُتم العهدُ الجديد النهائي بدم المسيح. "فموسى... أخذ دم العجول... وقال: "هذا هو دم العهد الذي أمركم الله به... فكذلك المسيح قدم نفسه مرة واحدة ليزيل خطايا الكثير من الناس" (عب 9: 19- 28).
سفر الأخبار أو اللاويين
مقدّمة:
قد نظنُّ أن سفر الأحبار (اللاويين) بما يحتويه من تشريع في أمر الذبائح والكهنوت والطقوس هو أبعد ما يكون عن ذهنية العهد الجديد، وبالتالي يصعب علينا أن نقرأه قراءة مسيحية كما نحاول في ندوتنا هذه. قد يكون ذلك صحيحاً لولا ان كاتب الرسالة إلى العبرانيين لم يحاول أن يظهر من خلال عظة تحليليّة رائعة كيف أن كهنوت العهد القديم وذبائحه قد لاقت إتمامها في ذبيحة الكاهن الأوحد يسوع المسيح. فلذلك وجدنا أن أفضل سبيل للحديث عن قراءة مسيحية لسفر الأحبار (اللاويين) هو في التفكير في يأصل كهنوت المسيح في الكهنوت القديم وتجاوزه إيّاه في ضوء الرسالة إلى العبرانيين.
يتحدّث دارسو الكتاب المقدّس عن شروط ثلاثة في شأن إتمام الكتب المقدّسة وهو أمر يهم تفكيرنا اليوم في العلاقة القائمة بين العهدين عامة وبين كهنوت العهد القديم وكهنوت المسيح. وهذه الشروط هي التالية:
1) التشابه أو الاتصال بين العهدين
2) الفرق أو الانفصال
3) التفوّق أو التجاوز.
1) إن أردنا أن نرى في العهد الجديد إتماماً للعهد القديم، كان لا بدَّ لنا من شرط أساسي وهو وجود وجه شبه واتصال بين العهدين. فإن كانت الحقيقة الجديدة التي تخلف الحقيقة القديمة ليس لها أي صلة، لم نستطع أن نقول أن هناك إتماماً، اذ إن هناك، بالعكس، مجرد ابتكار. فمن المستحيل أن نضع هذا الابتكار في داخل التدبير الالهي المقدّس والمعلَن عنه منذ زمن طويل. فالحديث إذاً عن كهنوت المسيح ليس بالأمر الغريب، لأن الكهنوت هو بُعد هام من أبعاد العهد القديم. 
2) الشرط الثاني: الفرق أو الانفصال، ويشترط ألا تكون الحقيقةُ الجديدة مشابهةً تماماً للحقيقة القديمة. وإلا، نبقى على مستوى الاستعدادات، بدل أن نكون قد انتقلنا إلى مستوى الإتمام النهائي. فإذا كان يسوع، على سبيل المثل، قد مارس الكهنوت كما مارس هذه الوظيفة كهنة العهد القديم، أي بتقديم الذبائح الحيوانية وبالنفوذ السياسي، لما استطعنا أن نرى فيه إتمام المواعد المشيحية إتماماً كاملاً. فالاتمام الالهي لا يكون أبداً مجرَّد تكرار لما كان، بل يتضمن دائماً فوارق وانفصالاً، لأنه على مستوى آخر.
3) الشرط الثالث: التفوّق أو التجاوز. هذا المستوى هو ولا شك، مستوى أعلى لاتمام الكتب المقدسة. لا بد أن تزيل الفوارقُ الملحوظة الحدود والنواقص القديمة، وأن تسير في طريق تقدم حاسم وغير منظور، يكشف عن تدخل الله الخلاَّق. وإلا لكنّا أمام مجرَّد تنوعّ يُشَك في قيمته. هذا شأن إعادة بناء الهيكل بعد الجلاء، فهي وإن اختلفت في وجوه كثيرة عن بناء سليمان، لا تشكل اتماماً نهائياً للرغبة الالهية في السكنى مع الشعب، لأن الفوارق كانت ثانوية ولا تسير في طريق التقدّم (راجع حج 2/ 1- 3) فكان لا بدّ من انتظار تدخّل جديد لله (حج 2/6- 9). وهكذا بالنسبة لكهنوت المسيح، إنه من نوع جديد. فالمسيح نفسه قد صار الكاهن والذبيحة في تقدمة حياته، وبالمسيح شق حجاب الهيكل وانفتحت الأرض على السماء.
تلك هي أنواع الصلة الثلاثة التي نجدها دائماً في الاتمام الحقيقي بين الحقيقة الجديدة التي يقيمها الاتمام، والاستعداد القديم الذي جاء ليضع حداً له. في العهد الجديد أمثال لاتحصى، والرسالة إلى العبرانيين تحلل هذه الشروط مظهرة الصلات المختلفة القائمة بين العهدين.
تاريخ الأحبار (اللاويين) وأصله ومفضمونه
لا بد لنا أولاً من أن نتوقف عند تاريخ هذا السفر. لقد أُلف بعد الجلاء جامعاً عناصر مختلفة المصادر، قد يرقى بعضُها إلى أقدم العصور. لقد تميّز عصر ما بعد الجلاء بزوال الملكية. وتصاعد النفوذ الكهنوتي، في المجال الديني والسياسي. فراح الكهنة في أورشليم يضمّون في مجموعات منسّقة مختلف الشرائع والطقوس الدينية وأضافوا إليها ما يلائم حاجات الهيكل الثاني الذي بني ما بين السنة 520 و515.
ويتَّفق دارسو الكتاب المقدس على تقسيم سفر الأحبار إلى أربعة أقسام يليها فصل أخير (الفصل 37) يعتبرونه ملحقاً للكتاب.
القسم الأول (1- 7): يدور الحديث فيه على أصناف الذبائح التي يجب على العبراني أن يقرّبها لله. ويكفينا أن نعود إلى الكتاب نفسه للحصول على لائحة بأسماء هذه الذبائح.
أما القسم الثاني (8- 10): فيتبسّط في أمر تكريس الكهنة ووظيفتهم. فإنهم يظهرون بوضوح في مهمّتهم كوسطاء، وهذه المهمة تقتضي القداسة على وجه خاص، اذ عليهم أن يقوموا بدور الوسطاء بين الشعب والإله القدّوس. 
القسم الثالث: (11-16): يتحدّث عن الطاهر والنجس، كي يعرف الانسان كيف يقترب من الله. ويُعَدّ الفصل 16 قلب الكتاب، فهو يصف خدمة يوم التكفير الرائعة، يوم الغفران العظيم، الذي سمي "الجمعة العظيمة المقدّسة بالنسبة إلى العهد القديم"، وهو اليوم الوحيد الذي كان عظيم الكهنة يدخل فيه إلى الهيكل لنيل غفران الخطايا. وسيستعين صاحب الرسالة إلى العبرانيين بهذه الخدمة الطقسية للتعبير عن ذبيحة المسيح.
القسم الرابع (17-26): وتسمى هذه الفصول "شريعة القداسة". بما أن الرب إله حي وقدّوس، فعلى الشعب الذي اختاره وخصّ به نفسه وقدّسه أن يطلب كلّ ما يساعده على الاتصال بالله.
نستنتج من هذه القراءة السريعة لسفر الأحبار، أهـمية الذبائح وطقوسها أولا. فالذبيحة تخوّل العبراني أن يتقرّب من الله وأن ينال بواسطتها رضى الله وبركاته. والكهنة هم الذين يقرّبون الذبائح. فالكهنوت أمر هام من حيث هو وساطة ما بين الناس والله، كا أن هذه الوساطة تقتضي القداسة على وجه خاص. وتمتاز هذه القداسة بالانفصال عن كل ما هو نجس للتقرب من الله. ولذلك يتوسّع سفر الأحبار في مختلف النجاسات التي تحول دون القيام بالواجبات التي تقع على عاتق الكهنة كوسطاء.
لا ينحصر الحديثُ عن الذبائح والكهنوت في العهد القديم على سفر الأحبار، فهنالك أسفار أخرى من التوراة والتاريخ والحكمة والأنبياء قد تطرّقت لمثل هذا الموضوع، لشدّة أهميته ومكانته في الكتاب المقدس عامة، إلا أن سفر الأحبار وتسميته اليونانية تدل عليه، يبقى السفر الذي تفرّد بالحديث عن الذبائح والكهنوت. فإن عدد المرات الكثيرة التي تُذكر فيها كلمةُ ذبيحة وكاهن في سفر الأحبار لأكبر برهان على أهميّة هذه المواضيع.
الكهنوت في العهد القديم
لو حاولنا أن نفكّر في سبب نشأة المؤسسة الكهنوتية، لوجدنا أن ما ترمي إليه هو العلاقة بين الأشخاص، وتقوم هذه العلاقة بين الأشخاص على علاقة أساسية حتى ولو لم تشعر بها شعوراً واضحاً، هي العلاقة مع الله، فهي تتغلغل في أعاق النفس وتشمل كلَّ مجالات الحياة.
إلا أن الشعوب القديمة عامة، وشعب الله خاصة قد شعروا بصعوبة الدخول في علاقة صحيحة مع الله، فالمسافة التي تفصل بين الإنسان والله هي شاسعة، وكيف تستطيع الخليقةُ الضعيفة أن تكون على صلة بالله القدوس؟ لقد اعترف الإنسان أن العلاقة مع الله هي غير ممكنة من دون تحوّل جذري في كيانه، تحوّل يراه عبوراً، من مستوى الحياة العاديّة إلى مستوى الحياة القدسيّة. فالله قدّوس، ولكي يَدخل الإنسان في علاقة معه، لا بدّ من شرط أساسي، وهو أن يكون هو نفسه أيضاً مقدّساً، ويكون ذلك بواسطة "التكريس".
فما كانت تقترحه طقوسُ العهد القديم هو حلّ طقسي، يقوم على نظام انفصالات طقسية. ليس للشعب ما يلزم من القداسة لكي يقترب من الله. ولو حاول الاقتراب منه لمات (خر 19/12 و23/3). ولذلك فُصل أحد الأسباط وكرّس لخدمة الله. وفي داخل هذا السبط، فصلت عائلة وكُرّست تكريساً خاصاً. ومن هذه العائلة اخذ الكاهن، وكان مكلّفاً بتأمين العلاقات الصالحة ما بين الشعب والله. كان الكاهن يُفصل من العالم الأرضي بواسطة تكريس يُدخله في عالم القدسيات. ورد في سفري الخروج والأحبار (خر وأح 8- 9) وصف دقيق لهذا التكريس: فهناك غسل طقسي للتطهّر من كل ما هو غير مقدس، ومسحة تسم الإنسان بالقداسة، وثياب خاصة تعبّر عن انتماء الإنسان إلى عالم القدسيات، وذبائح تكريس. فعلى الإنسان الذي نال "القداسة" أن يحافظ عليها بدقة. وهناك فرائض صارمة تُرغم الكاهن على تجنّب كل ما من شأنه أن يُرجعَه إلى عالم غير مقدَّس (21/10- 15). فإن خالف تلك الفرائض، لم يعد يستطيع أن يقترب من الله.
ولقاءُ الإنسان بالله مرتبط أيضاً بشروط أخرى، فهو لا يلتقي الله في أي مكان، بل في مكان مقدّس. ففي هذه الحال أيضاً، تبدو المسألة انفصالاً، لأن المكان المقدس هو مجال خاص بالطقوس، ولا يُسمح للشعب أن يقترب منه. وعلى الكاهن، إذا أراد الدخول إلى المكان المقدّس، أن يمارس طقوساً معيّنة، وأهمها "الذبيحة".
وعلينا أن نتعمّق في مفهوم كلمة "ذبيحة". إنها تعني خاصة التحويل، أي جعل الشيء مقدّساً. فالذبيحة هي عمل طقسي يَنقل الإنسانَ من العالم العادي إلى عالم القدسيّات.
لماذا على الكاهن أن يقرّب الذبائح؟ لأنه لا يستطيع على الاطلاق أن يعبر هو بنفسه إلى العالم الإلهي. فبالرغم من تكريسه، لا يزال إنساناً أرضياً. فعليه إذا أن يختار كائناً حيّاً قادراً على مثل هذا العبور. والطقوس تفرض عليه تقريب الحيوانات التي لا عيب فيها. والحيوان يُنتزع ويُفصَل من العالم العادي، لأنه يُذبَح ويقرّب على مذبح الهيكل. ويُحرَق فيَصعد إلى السماء متحوّلاً إلى دخان (1/9 و17 الخ)، أو يُرش دمه نحو عرش الله في السماء (16/14-15).
هذا ما توصّلت إليه الطقوس القديمة في ميدان الوساطة. كانوا يسعون وراء شكل فريد عن التكريس، وكانوا يحصلون على هذا التحقيق عن طريق جموعة من انفصالات طقسية: فيُفصل الكاهنُ عن الشعب لكي يكون في خدمة الطقوس، ويغادر المكان الاعتيادي، لكي يدخل في المكان المقدس، ويَترك أعماله العادية ليقوم باحتفالات قدسيّة، وتنفصل تقادمه الذبائحية عن الحياة الأرضية لتصعد إلى الله.
بعد هذه الحركة التصاعدية، القائمة على انفصالات متعاقبة، يتوقَّع الإنسان حركة تنازلية تحمل معها الرضى الالهي وعطاياه. فإن نالت الذبيحة رضا الله، كانت الضحية مقبولة. فيدخل الكاهن الذي قرَّبها في صلة بالله وتُستجاب صلواته. والشعب الممثَّل بالكاهن هو نفسه في علاقة جيدة مع الله وينال النعم التي ينتظرها.
يسوع المسيح وكهنوت العهد القديم
ما هي العلاقات التي أقامتها جماعة المؤمنين ما بين حياة يسوع البشرية والمؤسسة الكهنوتية القديمة، كما وصفناها سابقاً؟ في الحقيقة ليس هناك من علاقة مباشرة، فإن يسوع لا ينتمي إلى هذه المؤسسة الكهنوتية، ولا يندرج فيها نشاطُه الرسولي. ولكن أليس موت يسوع ذبيحة وتقدمة كهنوتية؟ أو لم يلحق يسوع بالكهنوت في موته؟ هذا هو السؤال الذي طرحه مؤلف الرسالة إلى العبرانيين محاولاً التعمّق في فصح المسيح.
إن الرسالة إلى العبرانيين، بإدخالها موضوع الكهنوت وكهنوت المسيح في الإيمان المسيحي، أدخلت بُعداً جديداً في العهد الجديد قد حمل المسيحيين على التعمّق في إيمانهم وذلك إنطلاقاً من سؤال جديد في حياتهم.
كان عدم التطرّق إلى موضوع الكهنوت أمراً عادياً في المراحل الأولى من الكرازة، إلا أن عدم التطرق إلى موضوع الكهنوت كان أمراً قد يُسيء إلى الإيمان المسيحي. فهل كانت المسيحية ديانة دون كهنوت؟ وهل كان المسيحيّون يؤلّفون جماعةً لا تحتاج إلى كاهن؟ فالإيمان المسيحي يعلن أن المسيح قد حقّق الكتاب المقدس ومخطط الله الخلاصي الذي أعلن عنه في العهد القديم. والكهنوت كما نعلم هو بُعد هام من أبعاد العهد القديم.
أهمية المؤسسة الكهنوتية في العهد القديم
حين نقرأ العهد القديم، تظهر لنا بوضوح أهمية المؤسسة الكهنوتية، فالشريعة الموسوية تولي تنظيم الطقوس والكهنوت شأناً كبيراً (خر 25- 31 و35- 40 وأح 1- 10 و16- 17 و21- 24 وعد 3- 4 و8 و15- 19). أما كتب التاريخ فإننا نلاحظ فيها أن شأن عظيم الكهنة أخذ يزداد شيئاً فشيئاً وأصبح بعد الجلاء رئيس الأمة الوحيدة جامعاً في شخصه بين السلطة الدينية والسلطة السياسية (سي 50/1- 4). وفي القرن الثاني قبل المسيح، كان الثائر على السلوقيين عائلة كهنوتية، وكان السبب القاهر في هذه الثورة سبباً كهنوتياً، وهو الرفض القاطع لتدنيس الهيكل عن يد الوثنيين، فكان لا بد من إعادة تنظيم الطقوس اللائقة بالإله الحق (1 مك 1- 2 و4/36- 59). وكان من نجاح هذه الثورة أن تلك العائلة الكهنوتية قد رُفعت إلى الحكم وتمّ التأكيد مرة أخرى على أهمية الكهنوت. وفي زمن المسيح، كان رئيس الكهنة السلطة العليا في الأمة، يرأس مجلس اليهود الذي كان الرومان يعترفون به سلطة محليّة.
الكهنوت ما بين الرفض والتجديد
إن طموح بعض الكهنة وتصرّفاتهم التعسّفية قد حملت بعض الناس على الوقوف منهم موقفَ الرفض (2 مك 4). لكن ما لم يكن بإمكان الناس أن يشكّوا فيه هو بُعد الكهنوت الإلهي. فكان الكهنوت أمراً أكّدته لا شريعة موسى فقط، بل الأنبياء الذين انتقدوا الكهنة وطقوسهم أيضاً (هو 5/1 و8/13 وعا 5/21- 25 وملا 2/1- 9 وأش 1/10 وإر 2/8). لقد ذهب إرميا إلى أبعد ما يمكن من الشجاعة وذلك بتنبّئه بخراب الهيكل (إر 7/12- 14). إلا أنه تنبّا أيضاً باسم الله بأن اللاويين سيكون لهم من يخلفهم لتقريب الذبائح (إر 33/18- 22). وقد أكد ابن سيراخ أن لكهنوت هارون ضمانات عهد أبدي (سي 45/7 و15 و34- 25).
ونتيجة لذلك، فعندما كان الحديث يدور على تحقق التدبير الإلهي في أيام المشيح، كان يُذكرَ أيضاً تجددُ الكهنوت (ملا 3/3). وهناك عدة كتابات من القرن الأول قبل المسيح تؤكّد على أن الشعب كان ينتظر كاهناً للأزمنة الأخيرة. وقد كشفت مخطوطات قمران، بوجه خاص، عن عدة نصوص تذكر هذا الموضوع. وكان هذا الانتظار أمراً اعتيادياً، لأنه كان لابد لهذا التحقق النهائي أن يشمل العناصر الأساسية في التدبير الالهي الخلاصي. ولا شك ان الوساطة الكهنوتية هي إحدى هذه العناصر الأساسية.
تحقق التدبير الإلهي في المسيح والكهنوت
إن كان المسيح هو التحققُ النهائي للتدبير الالهي في نظر المسيحيين، فلا بد لهم أن يطرحوا السؤال التالي: هل للتحقق الذي قام به المسيح من بُعد كهنوتي؟
إن الإجابة على مثل هذا السؤال هي أمر دقيق وعسير، والوصول إلى إجابة مقنعة تتطلب الولوج إلى الأعماق. هذا ما فعله كاتب الرسالة إلى العبرانيين، انطلاقاً من تجربته الإيمانية.
فبدل أن يتوقف عند ما في الطقوس القديمة من فرائض شكلية، أخضع هذه الطقوس لتحليل دقيق، انطلاقاً من الكتاب المقدس نفسه. يقودنا هذا التحليل إلى التمييز في الطقوس القديمة بين الرؤية الأساسية وتطبيقها على الواقع. لا شك أن الرؤية الأساسية في الكهنوت لا تخلو من قيمة، إلا أن تطبيقها كان ضعيفاً، بسبب عجز الإنسان عنه. والعهد القديم نفسه يشهد على هذا الأمر.
فكاتب العبرانيين حاول أن يفكر في سر المسيح، فسبر غور واقع الأحداث، واكتشف أن المسيح أخذ على عاتقه رؤية الكهنوت الأساسية وبلغ بها إلى غايتها. وهذا الجهد المزدوج في التفكير أي النظر في أسس كهنوت العهد القديم وتحققها في المسيح، هو سبب تغيير في العقلية حول أمور عديدة. فلا بد من ترك صورة الكهنوت القديمة واتخاذ مفهوم جديد لها. ومن جهة أخرى، اكتسب سر المسيح شكلاً فريداً من الوضوح، استناداً إلى هذه الرؤية الجديدة.
تؤكد الرسالة إلى العبرانيين على أن المسيح نقلنا من طقوس خارجية وغير فعّالة وهامشية بالنسبة إلى الحياة، إلى قربان يستوعب حقيقة وجودنا ومجوّلها تحويلاً عميقاً، في انفتاح بنوي أمام الآب وفي تضامن أخوي مع كل إنسان.
خاتمة واستنتاجات
يقول أحد مفتر الكتاب المقدس المعاصرين: باستطاعتنا أن نلخّص سيرة الكتاب المقدس لكامله انطلاقاً من فكرة الذبائح. فالإنسان منذ بدء الخليقة مجاول أن يقدّم الذبائح لإرضاء الألوهة. إنه يتقدَم من الله بربوات الحيوانات من ماشيته وببواكبر محصولاته ويتساءل حتى عن ضرورة بذل وحيده، لكن الله يجيبه مرة تلو المرة محاولاً تربية قلبه على نوع آخر من الذبائح (راجع مي 6/6- 8). إن الرب يرفض الذلائح المادية البحتة، ويرفض محاولة الإنسان وضع يده على الله لإرضائه بهذه الذبائح. وبكلمة يقول له: إجعل من حياتك ذبيحة، ولا تحاول أن ترضيني بحلول كاذبة لا تدخلك في علاقة صادقة معي ومع إخوتك.
إن كاتب الرسالة إلى العبرانيين قد ساعدنا على أن نفهم كيف أن يسوع المسيح ينقلنا من الكهنوت القديم إلى الكهنوت الجديد، ومن ذبائح طقسية وخارجية إلى ذبيحة توحّد حياتنا وتفتحنا بشكل جذري على الله أبينا وعلى البشر إخوتنا.
توحيد حياتنا! أليس هذا ما نصبو إليه. أليس هذا ما تتوقُ إليه جوارحنا؟ أليست هذا ما سعت إليه ذبائح العهد القديم وكهنوته؟ إقامة علاقات صحيحة مع الله ومع الآخرين! ومن يحرر الإنسان من عقدة الذنب والخطيئة؟ ومن يُخرج الإنسان من غزلته ويأسه؟ إن في يسوع المسيح سر هذه الوحدة وفيه سر هذا التحرر، وقد حاول مؤلف العبرانيين أن يساعد المسيحيين على فهم ذلك في أيامهم ويساعدنا اليوم أيضاً على أن نتعمّق أكثر فأكثر في متطلبات ايماننا التي تصهرنا في دينامية توحيدية يوماً بعد يوم.
إن الأسلوب الأدبي الذي إتَّبعه مؤلف الرسالة إلى العبرانيين لهو أولاً منهجية مسيحية إن أمكن القول. فعظته بكاملها تقوم على جدلية التعليم اللاهوتي والتطبيقي الأخلاقي، وكلنا يغلم اليوم النقاشات الدائرة حول النظري والعملي في العلوم الفلسفية والسياسية واللاهوتية. ومنهجية الأسلوب الأدبي في العبرانيين تقول لنا أن كل تعمّق في سر المسيح هو في سبيل التزام واقعي وفعّال في هذا العالم، وكل تأصل في هذا العالم وصراعاته يرجعنا بالضرورة إلى تساؤل حول معاني إيماننا. في إيماننا المسيحي، وفي موت المسيح وقيامته، في تدخل الله بشكل نهائي في الوجود الإنساني، انفتح النظري على العملي، وعلينا كمسيحيين أن نكون المؤتمنين على مثل هذه المسؤولية في عالم اليوم، فلا نقبل التقوقع في رؤى ونظريات ومعتقدات بالية، ونرفض أن يكون التزامنا فارغاً من كل معنى ومن كل ديناميّة خلاصية لنا وللعالم. فلنكن موحّدين. ولنحاول دائماً على مثال الذين نقلوا إلينا الوحي، ألا ننفصل بين المعاني اللاهوتية والمواقف الأخلاقية.
نستنتج من قرائتنا لسفر الأحبار في ضوء الرسالة إلى العبرانيين جدلية ثانية ونلخّصها في كلمتين: انفصال/ تضامن.
كان الكهنوت القديم قائماً كما رأينا على سلسلة من الانفصالات التي كان على الكاهن أن يحققها كي يدخل في مجال القداسة لإرضاء الالوهة (إنفصال السبط، انفصال مجموعة منه، انفصال شخص منه، انفصال المكان، انفصال الحيوان...) أما في العهد الجديد، وفي كهنوت المسيح بصورة خاصة، فلدينا انقلاب في المقاييس ودخول في منطق جديد. فعوضاً عن طقوس الانفصالات التي تحدّثنا عنها بإسهاب، يُدخلنا يسوع في منطق التضامن الجذري، وهذا التضامن هو قوّة توحيدية وتحررية. كان الكاهن في العهد القديم ينفصل عن كل النجاسات ليدخل في مجال القداسة، أمّا يسوع فقد اتخذ طريقاً معاكساً. لقد تضامن معنا حتى الموت الذي يعتبر نجاسة النجاسات في سفر الأحبار. وهل ننسى في هذا المقام كلمة القديس بولس: "ذاك الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا كيما نصير فيه برّ الله" (2 قور 5/21). لقد تضامن يسوع مع أخيه الانسان إلى أقصى درجات التضامن، وهو لا يستحي أن يدعونا اخوة له على حد قول الرسالة الى العبرانيين (2/11). لقد اتحد يسوع بالانسانية وصار جزءاً منها، وعانى كل ما تعانيه من انقسامات ورفض وتمرّد، ولكن يسوع في هذه المعاناة فتح أمامنا دروب الأمانة لله الآب. فالانسان يحاول دائماً أن يغشّ في أمانته لله وفي تضامنه مع إخوته، فهو إما يخدم الالوهة على حساب الأخوة، وإما يلتزم مع الإخوة ناسياً مصدر الحب ومتطلباته. في يسوع المسيح يتحد وجودنا، نحن في تضامن مع إخوتنا، نعيش الرحمة كما عاشها ولكن في الوقت نفسه نقف موقف الأمانة مع يسوع الابن أمام الآب. فكاتب الرسالة الى العبرانيين، يصف يسوع على أنّه المؤتمن على كل البيت، لكونه ابناً (3/6)، فهو الأمين وفي أمانته وبنوّته علمنا نقف بثقة أمام الله أبينا.
إن كهنوتنا، ولكل مسيحي نصيب من كهنوت المسيح، يدعونا إلى أن نعي أن على ذبائحنا أن تتجسد في التضامن الأخوي تحت أشكاله المختلفة، وهذا التضامن هو شرط من شروط الأمانة والبنوة في انفتاح جذري أمام الله أبينا. فلا ننسى، فمع يسوع نحمل في يد الأمانة ونجعل اليد الأخرى تمتد دوماً للتضامن. 
وأخيراً، دعنا نفكّر في ضوء ما قلنا حول كهنوت العهد القديم وذبائحه في جدلية ثالثة وأخيرة.
هل نغيّر الله بذبائحنا أم هو الذي يحوّل قلوبنا في فصح المسيح؟ كم من مرة تعلِّمنا الخبرةُ الرعوية أن المسيحي، وهو انسان مثل باقي البشر، يحاولُ دوماً في صلاة التوسل أو في الاحسان الذي هو نوع من الذبيحة، أن يغيّر الله كي ينال منه العطايا. أليس هذا هـو منطقُ كهنوت العهد القديم وذبائحه؟ ولكن الله منذ القدم، رفض مثلَ هذه الذبائح وحضر قلب الانسان وزرع فيه عطشاً إلى ذبيحة وكهنوت من نوع آخر. ففي يسوع المسيح ينفتح قلبُ الانسان على قلب الله، فيسوع نفسه هو الكاهن والذبيحة، وهو المقرِّب والمقرَّب كما تقول الليتورجيا. في يسوع المسيح ندخل في ذبيحة التسبيح، وفي هذه الذبيحة الفصحية تتحوّل حياتنا الى عبور دائم، من كل أنواع العنف والحقد التي تهدد حياتنا الى مصالحة تدعو جيع الشعوب الى السير في طريق الوحدة والمصالحة.
سفر العدد
مقدمة
ان أول من قرأ العهد القديم قراءة مسيحية، هم كتّاب العهد الجديد الملهَمون، وقد اتضح لهم معناه الكامل، على ضوء سر المسيح يسوع المصلوب والحي القائم من الموت، والواهب تلاميذه روحه القدوس، ذلك الروح عينه، الذي سبق فنطق بالانبياء منذ القديم، على حدّ قول بطرس الرسول، فشهدوا بآلام المسيح، وبما يتلوها من المجد، ثم عاد هو نفسه فنطق بالرسل القديسين، فشهدوا وبشرّوا بانجيل النعمة والخلاص (1 بط 1/10- 12). وما اصدق هذا القول، حين يدور حديثنا على سفر العدد، وقد قرأه واستشهد به كل من كتّاب العهد الجديد، متّى ويوحنا وبولس وبطرس ويهوذا وكاتب الرسالة الى العبرانيين وكاتب سفر الرؤيا، وفسّروه تفسيراً مسيحياً. لذلك نرّكز البحث على نقاط ثلاث:
النقطة الأولى: كلمة في سفر العدد
سفر العدد هو رابع كتب موسى الخمسة، يتبع ويكمّل سفر الخروج. موضوعه اثنان: الأول وصف شعب التوراة، في مراحل مسيرته صوب الارض المقدسة، عبر برية سيناء، من جبل حوريب المقدس الى برية موآب مقابل اريحا؛ والثاني اعطاء هذا الشعب مزيداً من الشرائع والرسوم تكمل الشريعة الأولى المعطاة على جبل حوريب، في سفر الخروج، تهيّئ الشعب للدخول الى الأرض المقدسة. أما تصميمه فيتبع عبور الشعب في الصحراء على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى (1- 8) هي امتداد لسفر الخروج، والشعب في ايامه الاخيرة عند جبل حوريب. يحصيه مويى احصاء شاملاً، بحسب اسباطه كلها، ما عدا سبط اللاويين (1- 4)، ويفرض عليه رسوماً وشرائع في التقديس والنذور والنسك لله (5- 6)، ويقدس المسكن وامتعته والمذبح، ويكرّس اللاويين ليخدموا فيه، ويقدّسوا الشعب، ويقدّم بنو اسرائيل التقادم (7- 8).
والمرحلة الثانية (9- 25) هي عبور الشعي من سيناء إلى قادش فموآب، وتبدأ المسيرة بأكل الفصح الثاني، بهَدْي الله، على هتاف البوق، وراء الغمام، الذي كان يحلّ كمنظر نار على خباء المحضر، ويرتحل الله في طليعة الشعب يهديهم الطريق (9- 10) ويصل الشعب الى قادش، ويقوم بمحاولة فاشلة، للدخول الى الأرض المقدسة من الجنوب (11- 14)، ويُعطَى فرائض ورسوم، لكن قورح وداثان وابيرام يقاومون موسى وهارون، فتحل ضربة قويّة في الشعب حينئذ يشفع اللاويون امام الله لردّ الضربة عن الشعب (15-19). ويتابع الشعب العبور من قادش إلى موآب، وتموت مريم وهارون، ويبارك النبيُ بلعام الشعب، ويفجَر الشعبُ مع بنات موآب في فغور (20- 25). 
والمرحلة الثالثة (26- 36) هي تدابير موسى لتوزيع الارض المقدسة على الشعب، فيحصي الشعب احصاءً جديداً، ويعطيهم شرائع جديدة مختلفة، ويكرّس يشوع بن نون قائداً للشعب من بعده (26- 30) ويكون للشعب حرب قاسية ضدَّ مِدْيَن (31)، ويستقر سبط رأوبين وسبط جاد ويمد كنان في بر الأردن (32). وبعد تلخيص لمراحل العبور من مصر إلى بر الاردن (33)، ينتهي الكتاب بإعطاء بعض شرائع في توزيع الأرض المقدسة على أسباط الشعب الباقية (34- 36).
كلّ هذه الفصول تسطّر مسيرة شعب يخطو في مغامرة مخيفة، يجهل فيها مصيره، فيعثر احياناً، ويتذّمر على الله وعلى من اقامهم الله عليه رعاة، والله يتحمَّل خطايا شعبه، ويغفر له، ليكّمل مسيرته، واعداً اياه في آخر المطاف بأرض مقدَّسة طيّبة، ومعطياً اياه قوَّاداً مخلصين قدّيسين، وكهنة امناء يخدمون الشعب ويقدّسونه، وواهباً لهم طعاماً وشراباً عجيبين، رمزاً إلى عناية الله الفائقة، ليكمّل مسيرته، ويحها في شريعة الله المقدسة.
النقطة الثانية: قرأة كتّاب العهد الجديد لسفر العدد
1) الإحصاء (عد 1؛ 26)
يستهّل الكاتب الملهم كلامه في سفر العدد بإحصاء قام به موسى الكليم، بأمر من الله، في برّيّة سيناء، قبل عبور البريّة، لجماعة بني اسرائيل، بحسب اسباطهم الاثني عشر (عد 1/ 1-54). ثمَّ يعود الكاتب فيتكلّم على احصاء آخر، بعد عبور البرية، وقبل دخول أرض الميعاد، في صحراء موآب على اردنّ اريحا (عد 26/1- 65). وفي كلا الاحصاءين يعطي الكاتب رقماً رمزياً لا حقيقياً، ليدّل على عناية الله الفائقة بشعبه العابر إلى أرض الميعاد، اذ ان ست مئة ألف مقاتل، لو كان رقاً حقيقياً، ليفرض عدد الشعب كلّه فوق المليونين والنصف، وهذا رقم خيالي ضخم جداً وغير ممكن!
كذلك كاتب سفر الرؤيا (7) يحصي عدد المختومين بختم الحمل، من جميع اسباط اسرائيل الاثني عشر، شعب العهد الجديد وهو يشمل جميع شعوب الارض، ويعطي رقماً رمزياً لا حقيقياً، ليدّل على عدد المخلّصين الذي لا يُحصى، في ملكوت الحمل والجالس على العرش، أرض ميعاد العهد الجديد اذ ان عدد مئة واربعة واربعين ألفاً، لو كان حقيقياً، يبقى عدداً ضئيلاً جدّاً لا يُعقَل!
2) شريعة القداسة (عد 5)
بعد إحصاء الشعب، فرض موسى بأمر الله شرائع على الشعب، لكي يظلّوا أطهاراً مقدَّسين، بحيث ان كلّ من يتنجّس لا يحلّ له ان يسكن بين الشعب، بل ينبغي ان يُنفى إلى خارج المحلّة لئلاّ ينّجس الشعب كلّه، لأن الشعب مقدَّس بحضور الله المقيم فيما بينهم ( عد 5/1- 4).
كذلك أمر بولس الرسول المسيحيين في قورنتسى بأن يرفعوا الشرّير من بينهم وألاّ يخالطوه ولا يؤاكلوه (اقور 5/7- 13)، بل ينبغي ان يخرجوه من بينهم، لأنهم جاعة مقدّسة، والله ساكن فيهم وسائر فما بينهم (2 قور 6/16- 18).
3) شريعة الناذر (عد 6)
أمر موسى كل رجل أو امرأة نذَرَ نَذْر نسُكٍ لينسُك للرب ان يعتزل عن الخمر والمسكر، وان لا مصر موسى برأسه طول أيام نسكه، بل يربّي خُصَل شعر رأسه، ليكون مقدّساً للرب، إلى ان تتّم الأيام التي تنسّكها للرب، فيقرّب قربانه للرب ويحلق رأسه عند باب خباء المحضر (عد 6/1- 5، 13- 21).
كذلك ذكر لوقا في شأن يوحنا المعمدان: "سيكون عظيماً في عين الرب، لا يشرب خمراً، ولا مسكراً" (لو 1/15). وكذلك فعل بولس الرسول في اورشليم سنة 58، يوم عاد من جولته الرسولية الثالثة وكان عليه نذر هو وأربعة رجال، فأخذهم الى الهيكل وتطهّر معهم وأنفق عليهم ليحلِقوا رؤوسهم. حمفاظاً على شريعة موسى، وقرّب القربان عن كل منهم (رسل 21/23- 26).
4) صلاة البركة (عد 6)
أمر موسى هارون وبنيه الكهنة واللاويين أن يباركوا الشعب وعلموا اسم الله عليه ويقولوا له: (يباركك الرب ويحفظك.. يرفع الرب وجهه نحوك، ويمنحك السلام" (عد 6/22- 27).
كذلك فعل يسوع ليلة آلامه، في وداعه الأخير لتلاميذه، فمنحهم السلام، أثمن ما منح: "سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم، ولست كالعالم أعطي، فلا تضطرب قلوبكم، أو تخف" (يو 14/27) ثمّ صلّى إلى أبيه من أجلهم، وقد أظهر لهم اسم أبيه، قال: "أيها الآب القدوس، احفظهم في اسمك الذي وهبته لي... لمّا كنت معهم كنت احفظهم في اسمك" (يو 17/11-12).
5) البوق لنداء الجماعة (عد 10)
وصنع موسى، كما أمره الرب في بريّة سيناء، بوقين من فضّة، ليكونا اولاً لنداء الشعب، ليجتمع اليه الرؤساء رؤوس الوف بني اسرائيل، وثانياً لتسيير المحلاّت ليرحل كلّ سبط وراء راية محلّته (فرقته) في البريّة صوب أرض الميعاد (عد 10/2- 3).
كذلك صوّر بولس الرسول مجيء الرب في النُّهيَة، يدعو إليه جميع الراقدين بهتاف بوق الله، ليجتمعوا إليه من كل صوب في لحظة وطَرْفة عين، ويقوموا من مثوى الموت إلى المجد الخالد، إلى أرض الميعاد الجديدة في السماء (اتس 4/16؛ اقور 15/ 52).
وكذلك رأى كاتب سفر الرؤيا ملائكة سبعة واقفين أمام الله وقد اُعطوا سبعة أبواق لينفخوا فيها فتحلّ الضربات على سكّان الأرض ليتوبوا من أعمال أيديهم الشريرة ويسجدوا للجالس على العرش وللحمل ويسبّحوا للرب ومسيحه المالك إلى دهر الدهور (رؤ 8- 11).
6) لحم في البريّة (عد 11)
تذمّر الشعب على موسى وعلى الله في برية سيناء، وسئمت نفسه المّن وقالوا: "من يطعمنا لحاً؟ فقد ذكرنا السمك الذي كنّا نأكله في مصر مّجاناً والقِثاء والبطّيخ والكُرّات والبصل والثوم، والآن نفوسنا يابسة لا شيء أمام عيوننا في المنّ (عد 11/4- 6). حار موسى في أمره وسأل الرب: "أَفيُذبَح لهم غنم وبقر فيكفيَهم أو يجمع لهم سمك البحر فئشبعَهم؟" (عد 11/22) 
كذلك فعل يسوع في البرية يوم رأى جمعاً كثيراً مقبلاً إليه، فقال لفيلبّس، أنّى نشتري لهؤلاء خبزاً لكي يأكلوا؟... قال فيلبّس: لا يكفي خبز بمئتي دينار، ليصيب كلّ منهم كسرة!
وبعد آية تكثير الخبز والسمك، كان ليسوع حديثان، احدهما على خبز تعليمه الجديد بدل المّن القديم (يو 6/35- 47)، والثاني على خبز لحمه ودمه، طعاماً وشراباً حقاً (يو 6/48- 72). فتجادل اليهود وقالوا: كيف يسَعُ هذا ان يعطينا لحمه مأكلاً؟ (6/52). وتلاميذه أنفسهم تذمّروا من كلامه هذا فقال لهم: "آهذا يُزلّكم؟ وان ترَوا الانسان صاعداً إلى حيث قبلاً كان؟... هو الروح يُحي، وما في اللحم ما يجدي، فما قلت من كلمات انّما هو روح وحياة" (يو 6/61- 63).
7) روح الله على موسى وعلى شيوخ الشعب (عد 11)
في اطار إعطاء رفوف من السلوى ليأكل الشعب لحماً، أعطى الله شيوخ اسرائيل السبعين ذلك الروح عينه الذي كان على موسى، ليحملوا مع موسى اثقالَ الشعب في الصحراء، ولا يحملها موسى وحده (عد 11/17، 25). 
كذلك فعل يسوع في إطار تكثير الخبز والسمك، وفي إطار الوعد بإعطاء لحمه ودمه طعاماً حقاً في القربان الاقدس، وعَدَهم أيضاً باعطائهم روحه القدوس بعد صعوده إلى السماء (يو 6/62- 63)، وقد حقّق وعْدَه لهم بعد قيامته، اذ نفخ فيهم وقال لهم: خذوا روحاً قدساً (يو 20/22)، وحقّق أُمنية موسى: ليت جميع أُمَّة الرب انبياء يجعل الرب روحه عليهم (عد 11/29)، لمّا حان يوم العنصرة وكان التلاميذ كلهم مجتمعين معاً... وامتلأوا جميعاً روحاً قدساً وشرعوا يتكلّمون بألسن غريبة على ما كان الروح يؤتيهم ان يتكلّموا (رسل 2/ 1- 4).
8) موسى أمين في بيت الله (عد 12)
ميّز الله موسى عن جميع الانبياء، وقاصص هارون ومريم لأنهما قارنا نفسيَهما بموسى، وخاطبهما في شأن موسى: ان يكن فيكم نبي للرب فبالرؤيا أتعرف إليه وفي حلم أخاطبه. وأمّا عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في جميع بيتي. فما إلى فم أخاطبه وعياناً لا بألغاز وشبه الرب يعاين. فما بالكما لم تهابا ان تتكلّما في عبدي موسى؟ (عد 12/6- 8).
كذلك كاتب الرسالة إلى العبرانيين يشبّه يسوع بموسى الأمين، ثمّ يضيف ان موسى خادم في بيت الله أمَّا يسوع فهو الابن في بيته: "وقد كان موسى أميناً في جميع بيته كخادم شهادة لما سيُقال أمّا المسيح فكالابن على بيته، وانما بيته نحن ان تمسّكنا بثقة الرجاء وفخره حتّى يثبّتنا إلى المنتهى (عب 3/5- 6).
9) قصاص الشعب المتذمّر (عد 14)
شقّ على الله ان يكون شعبه ناكراً لجميله متذمّراً غير راض بركم كل ما رأى من مجد الله وآياته. فلذلك أقسم ان لا يدخل إلى أرض الميعاد احد منهم، حتى موسى نفسه، بل تسقط جثثهم جميعاً في البرّية، ما عدا اثنين هما كالب ويشوع بن نون (عد 14/22- 30). كذلك كاتب الرسالة الى العبرانيين يشير إلى ذلك بوضوح، فيحذّر قارئيه من أن يقسّوا قلوبهم مثل اولئك المتذمّرين الكافرين، لئلاّ ئمسوا متغرّبين عن الله، غير مستحقّين الدخول إلى مجد ملكوته ومقّر راحته الابدية (عب 3/7- 13).
10) قصاص قورح وداثان وابيرام (عد 16)
قاوم قورح وداثان وابيرام موسى وهارون واعترضوا على سلطتهما، واتَّهموهما بالترفع على شعب الله، فدعاهم موسى وتهدّدهم ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم فبادوا من بين الجماعة (عد 16/3، 24، 32- 33).
كذلك يهوذا في رسالته يحذّر من الويل المريع الذي نال من هلكوا في معاندة قورح (يهو 11). وما أقرب جواب يسوع لفيلبس: "ألا تؤمن أني أنا في الآب، وأن الآب فيّ؟ لا أقول من تلقاء نفسي ما أقول، بل الآب المقيم فيّ هو يعمل أعماله... فمن أجل الأعمال نفسها صدّقوا" (يو 14/10- 11)، من جواب موسى على قورح وداثان وابيرام: "بهذا تعلمون ان الرب أرسلني لأعمل جميع هذه الأعمال، وان ذلك ليس من تلقاء نفسي" (عد 16/28).
11) التطهير برماد البقرة (عد 19)
شريعةٌ أمر بها الربُ موسى وهارون: أن يُؤتى ببقرة صهباء صحيحة لا عيب فيها ولم يُرفَع عليها نير، فتُدفَع إلى الكاهن فيُخرجها إلى خارج المحلّة وتُذبَح هناك... ويَجمع رجل طاهر رماد البقرة ويضعه خارج المحلّة في موضع طاهر ويكون محفوظاً لجماعة بني اسرائيل لأجل ماء النَّضح. إنها ذبيحة خطأ (عد 19/1- 9).
كذلك صاحب الرسالة إلى العبرانيين يشير إلى رتبة التطهير هذه، ولكنها لا تقاس بدم المسيح الذي قرَّب نفسه إلى الله لتطهير الضمير في خدمة الله الحي (عب 9/13- 14).
12) ماء في البرية (عد 20) 
نذمّر الشعب على موسى وهارون في البرية، لأنهم لم يكن لهم ماء فأمر الرب موسى بأن يرفع يده ويضرب الصخرة بعصاه، فخرج ماء كثير شرب منه الجماعة وبهائمهم (عد 20/1- 11).
كذلك بولس الرسول ئشير إلى هذا الحدث ويفسّره كما يلي: وكلّهم شربوا شراباً روحياً واحداً فإنهم كانوا يشربون من الصخرة الروحية التي كانت تتبعهم والصخرة كانت المسيح (1 قور 10/3- 4).
وكذلك الانجيلي يوحنا، في خطبة يسوع في آخر أيام عيد المظال وأعظمها: "ان كان فيكم عطشان فليأت إلي! وليشرب المؤمن بي. وقد قالها الكتاب: من جوفه سوف تدفق انهار ماء معين" (يو 7/37- 38)، وفي حديثه على يسوع المصلوب: "بل طعن أحد الجنود جنبه بحربة، فسال على الأثر دم وماء (يو 19/34)، وفي حديث يسوع إلى السامرية على البئر: "ومن يشرب من ماء أنا أعطيه إياه فلن يعطش، بل الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه نبع ماء يتفجّر حياة ابدية (يو 4/14). وقد يكون في حديث يسوع هذا على البئر صدى لنشيد البئر الذي أنشده بنو اسرائيل حين رحلوا إلى البئر التي قال الرب فيها لموسى: "اجمع الشعب حتى اعطيهم ماء" (عد 21/17- 18).
13) الحيات النارية والحية النحاسية (عد 21).
وعاد الشعب يتذمّرون على الله وعلى وموسى في شأن المنّ، فأرسل الرب على الشعب حيّات نارية فلدَغت الشعب ومات قوم كثير من اسرائيل (عد 21/5- 6). فتضرّع موسى إلى الرب ليزيل عنهم الحيات، فقال له الرب: "اصنع لك حية وارفعها على سارية، فكل لديغ ينظر إليها يحيا. فصنع موسى حية من نحاس وجعلها على سارية فكان أي انسان لدغته حيَّة ونظر إلى الحية النحاسية يحيا (عد 21/8- 9).
إلى تلك الحيات النارية أشار القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس: "لا نجرّب المسيح كما جرّبه قوم منهم فأهلكتم الحيّات" (10/9). وإلى تلك الحية النحاسية أشار يوحنا الانجيلي في حوار يسوع مع نيقوديم: "رفع موسى الحية في البريّة، وعلى ابن الانسان ان يُرفَع مثلها، لتكون به لكل مؤمن حياة أبدية" (يو 3/14- 15). بهذا أنبأ يسوع بموته وقيامته وصعوده. فان رفع الحية النحاسية في الصحراء أمام الشعب، كان رمزاً إلى رَفْع يسوع على الصليب أولاً، بالموت، ثم إلى رَفْع يسوع من القبر، ثانياً، بالقيامة، ثم إلى رَفْع يسوع الى السماء ثالثاً، بالصعود والجلوس في المجد عن يمين الله الآب، حياة وخلاصاً أبدياً لكّل من ينظر إليه مرفوعاً.
14) تعليم بلعام (عد 22- 24)
تروي الفصول 22- 24 قصة بلعام، ويرى شارحون في الرواية قصَّتَين منفصلتين في الأصل: في احداهما يظهر بلعام نبياً أمورياً أو آرامياً، عابداً للرب الاله، ولا يلبّي دعوة ملك موآب إلاّ بأمر من الله. أما في الثانية فيظهر عرّافاً مِدْينياً لبّى دعوة ملك موآب بدون أمر من الرب فتصدّى له ملاك الله فعاد إلى موضعه، فأضطرَّ بالاق نفسه أن يذهب إليه ويأتي به.
دمج الكاتب الملهَمُ القصَّتَين في رواية واحدة، فأصبح بلعام في النص الحالي نبيّاً لله العلي يدافع عن شعب الله، ولكنَّه بقي في الوقت نفسه مثال الانسان المتمّرد على الله، والحامل الشعب على العصيان والتمّرد: "قال لهم موسى: هل استبقيتم الإناث كلَّهنّ. إن هؤلاء هن اللواتي حملن بني اسرائيل بمؤامرة بلعام على أن يتمرّدوا على الرب في أمر فَغُور فحلّت الضربة في جماعة الرب (عد 31/15- 16؛ راجع عد 25/1- 18؛ عد 31/7- 8؛ يش 13/ 21- 22). ان تلك الصورة القاتمة عن بلعام المتمرّد والمحرّض على التمرّد بقيت الصورة الطاغية لشخصية بلعام في نصوص العهد الجديد: "وقد تركوا الطريق المستقيم وضلّوا واتبعوا طريق بلعام بن بَعُور الذي أحب أجرة الظم. إلا أنه قد ناله التوبيخ على معصيته اذ ردع حماقة النبي حمارٌ أبكم نطق له بصوت انسان (3 بط 2/15- 16) "ويل لهم فإنّهم سلكوا طريق قاين وانصبّوا إلى ضلال بلعام لأجل أجرة" (يهو 11). "ان عندك هناك قوماً يتمسّكون بتعليم بلعام الذي علّم بالاق ان يُلقي معثرة أمام بنىِ اسرائيل حتى يأكلوا من ذبائح الأوثان ويَزْنوا (رؤ 2/14).
15) كوكب وصولجان (24)
قبل ان يعود بلعام وينصرف راجعاً إلى موضعه تنبّأ أمام بالاق الملك على شعب اسرائيل، قال: "يسعى كوكب من يعقوب، ويقوم صولجان من اسرائيل، فيحطّم طَرَفَي موآب، ويُريح جيع بني شيت، ويكون ادوم ميراثا له" (عد 24/17- 18). الكوكب والصولجان هما رمز إلى ملك عظيم يسطع على العالم أجمع ويملك مدى الدهور، رمز إلى المسيح.
الى الكوكب أشار بطرس الرسول في رسالته الثانية: "وعندنا أثبث من ذلك، وهو كلام الانبياء، الذي تُحسنون اذا أصغيتم إليه كأنّه مصباح يضيء في مكان مظلم إلى أن ينفجر النهار ويشرق كوكب الصبح في قلوبكم" (1/19)، وأشار كاتب سفر الرؤيا: "مثلما أُوتيتُ أنا من عند آبي، وأُعطيه كوكب الصبح (2/28).
أمّا القديس متّى الانجيلي فقد فسّر الكوكب والصولجان في نبوءة بلعام تفسيراً أوضح، في ميلاد الرب يسوع، ملك اليهود، المولود في بيت لحم، ولكنه ملِكُ جميع الشعوب، وقد سجد له المجوس آتين من الشرق، يهديهم الكوكب إلى مكان الطفل الملك المولود (متى 2/1- 13). فهذا النص في متّى هو أشبه بمِدْراش (بحث وتأمل) جديد لكوكب بلعام وصولجانه في سفر العدد، ولعمود النار الذي كان يسير أمام شعب الله يهديهم الطريق في برية سيناء (خر 13/21)، وللغمام الذي كان يحلّ كمنظر نار على خباء المحضر، ويرتحل سائراً في طليعة الشعب يهديهم الطريق (عد 9/15- 23).
النقالة الثالثة: قراءة مسيحية حالية لسفر العدد
في تلك القراءة المسيحية لسفر العدد، وجد معظم كتّاب العهد الجديد امثولات كبرى، طبّقوها على حياة الكنيسة الناشئة. فلا يسع الكنيسة، اليوم، على مرّ العصور، إلا أن تجد فيه أيضاً العبر والأمثولات العديدة الكبرى.
أولاً- الكنيسة هي شعب الله السائر بالايمان والرجاء والمحبة وراء الرب يسوع ومعه، في مغامرة مخيفة، على الأرض، تجهل فيها مصيرها، وتعثر أحياناً، وتتذمر على الله، وعلى من أقامهم عليها رعاة، فتحدث فيها انقسامات وانشقاقات. ويبتعد واقعها الزمني أحياناً كل البعد عن مثالها الروحي السامي، اليوم، تحت إشراف أساقفتها وكهنتها، في أنحاء العالم كله، كما في الأيام الأولى، تحت اشراف بطرس والرسل في أورشليم (رسل 5/1- 11؛ 6/1- 7)، كما في جماعة التوراة، تحت إشراف موسى ورؤساء الشعب في سيناء. غير أن الله المحبة يظل يبعث فيها أنبياء ومعلّمين وقديسين ينيرون طريقها، ويعيدون إليها بهاءها الأول، على مر العصور.
ثانياً- للكنيسة رعاة حقيقيون، يملأهم الروح القدس، خلفاء للرسل القديسين، قادة للشعب ومثاله الحي، في مسيرته ومغامرته الكبرى، عليهم يتوقف مصير شعب الله المؤمن. الكنيسة جماعة أرادها المسيح نفسه منظّمة، مبنيّة على صخرة بطرس والرسل، تجمعها سلطة واحدة، في رباط إيمان ورجاء ومحَّبة واحدة. كنيسة اليوم مثل كنيسة الرسل، في عهدها الأول، ومثل جماعة التوراة، مع موسى والشيوخ السبعين المملوئين من روح الله عينه، كما في سفر العدد.
ثالثاً- الكنيسة جاعة كهنوتية نَبَويَّة مقدسة (1 بط 2/9)، مكرَّسة لعبادة الله الآب والابن والروح القدس، عبادة حقيقية، وهي العلامة بين جميع الشعوب، والدعوة الدائمة لها لكي يؤمنوا، تسعى لتعيش مثالية دعوتها إلى القداسة الكاملة، ولكن يبقى فيها دور للخطيئة كبير! وتبقى خاضعة لجدلية الواقع والمثال، مثالُها مشاركة الله القدوس نفسه في قداسته الكاملة، وواقعها لا يختلف أحياناً عن واقع البشرية الخاطئة المتمرّدة. لكنَّ الله باقٍ، فيها، حاضر، يصونها مقدَّسة ويجدّدها أبداً. لكأنّي بالله يختار له شعباً خاطئاً فيقدّسه مجَّاناً، ليقدس به الشعوب كافة ويباركها. حال الكنيسة اليوم، حالها أيام الرسل الأوَّلين، وحال جاعة التوراة، أيام موسى في صحراء سيناء وموآب، على ما يروي لنا سفر العدد.
رابعاً- للكنيسة مذبحها، وكأنه خباء محضر جديد. فيه تلتقي وجه فاديها الذبيح والممجّد: ولها مائدتها تنال منها طعامها وشرابها الروحي، الدافق من قلب المسيح الحي إلى الأبد، في سر الافخارستيا، وهو المنّ الجديد والسلوى الجديدة، تغتذي بهما في مسيرتها الطويلة الشاقة صوب الملكوت؟ ولها كهنتها المكَّرسون لخدمتها وخدمة اسرارها. وهكذا تبقى الكنيسة اليوم على خطّ الكنيسة الرسولية الأولى، وخطّ جماعة التوراة الأولى في سيناء، حيث قدَّس لهم موسى المسكن وأمتعة المذبح، وكرَّس اللاويين، ليخدموا فيه ويقدّسوا الشعب.
خامساً- الكنيسة جماعة بشرية أرضية مع كونها جماعة سماوية إلهية. فتبقى خاضعة لحاجات مادية زمنية واقعية، ولا بدّ لها من علاقات طيّبة تشدّها إلى العائلات والجماعات البشرية الباقية. فلا يسعها ان تعيش معزولة عن العالم، بعيدة عن التأثر بعوامل بشرية عديدة، من شأنها أن تعكّر أحياناً صفاء وجهها الالهي النقي. وهذا يعطيها وجه ابن الله المتأنس، ابن البشر، الذي صار انساناً ليشابهنا به، وبالله. الكنيسة صورة ابن الله المتأنّس، وامتداد لحضوره على الأرض. فهي بالرغم من وجودها البشري الضعيف الخاطئ، تبقى مميّزة عن الجماعات البشرية كافّة، وتبقى تسعى إلى القداسة التي هي فيها نقطة الدائرة، تشدّها جذريّاً إلى ربّها وفاديها إلى الأبد. وبهذا نرى كنيسة اليوم مثل كنيسة الأمس، في عهدها المثالي الأول، ومثل جاعة التوراة، في عهد حبّها الأوَّل مع الله، في مراحل عبورها من مصر إلى الأرض المقدسة، في سفر العدد.
سفر التثنية
أو 
تثنية الاشتراع
اسم الكتاب:
اسمه التثنية لأنه يُعتبر الكتاب الثاني، وتثنية الاشتراع لأنه الشريعة الثانية بعد الشريعة الأولى التي اعطيت على جبل سيناء. تثنية الأشتراع نسخة ثانية للوصايا والاحكام والفرائض التي أعطاها الرب لموسى كما تكيَّفت حسبَ المكان والزمان وتطبَّقت حسبَ الظروف.
اسمه في العبرية الكلمات، أي كلمات الله التي وصلت إلى شعبه على لسان موسى. ولا ننسى أن الكتاب المقدس بعهده القديم يتضمّن هو أيضاً كلمات الله وهو يهيّئنا لأن نسمع المسيح الكلمة في العهد الجديد.
سفر التثنية هو الكتاب الخامس بين كتب الشريعة، ويأتي بعد سفر التكوين وسفر الخروج وسفر اللاويين أو الأحبار وسفر العدد، وهو قمة الأسفار الخمسة بل هو قمة من قمم العهد القديم. وقد شبهه الشراح بانجيل يوحنا. فكما أن إنجيل يوحنا وحديثه عن الثالوث وعن المحبة هو قمة في العهد الجديد، كذلك سفر التثنية بحديثه عن محبة الله لشعبه ومحبة الشعب لالهه يُعتبر قمةً في العهد القديم ويهيّء الطريق للأنبياء الكبار أمثال أرميا وحزقيال حين يحدثاننا عن العهد بين الله وشعبه.
موضوع الكتاب:
يبدو سفر التثنية بشكل خطبة أو عظة يلقيها موسى على جبل موآب الذي يقع شرقي البحر الميت. ان كاتب سفر التثنية الذي عام مئات السنين بعد موسى قد جعل كلامه في فم موسى ليملأ المؤمنين رهبة أمام كلام الله. أما نحن المؤمنين، فسواء كَتب موسى سفرَ التثنية أم كتبه شخص آخر فلا فرق عندنا، لأنه قسم من الكتاب المقدس وهو بالتالي كلام الله يتوجّه إلينا اليوم كما توجه إلى أبناء العهد القديم. وكما حاول العبرانيون ان يجدِّدوا قراءة كلمة الله التي بلغت إليهم بر موسى، سنُحاول نحن ايضاً أن نقرأ هذه الكلمة على ضوء العهد الجديد ونجد فيها غذاء لحياتنا اليومية.
نقرأ سفر التثنية فنجد فيه أربعة أقسام. قسم أول (ف 1- 11) يتضمن خطبة أو عظة يذكّر فيها موسى الشعب بتاريخه مع الله، ويهيّئه قلباً وروحاً لتقبّل الشرائع والأحكام التي سترد في هذا الكتاب. يتحدث موسى عن حب الله وحفظ الوصايا، ويشدد على الأمانة الواجبة على الشعب حين يدخل أرض الميعاد فلا ينسى الرب الهه، بل يمارس ختانة القلب التي تنزع من الانسان كل ما يمنعه ان يفهم ارادة الله ويحبها.
القسم الثاني (ف 12- 26) يفصِّل الفرائض والأحكام والوصايا في أربعة تشعبات: شرائع العبادة، وحدة المعبد، عقاب المشركين وعبَّاد الاوثان، العشور. هذا التشعب ينتهي بدعوة المؤمن للحجّ إلى المعبد الذي اختاره الله له (في أورشليم) في أعياد الفصح والعنصرة والمظال. التشعب الثاني يتحدث عن السلطات، عن القضاء الذي يحكم في الأمور، عن الملك الذي يحتفظ له بنسخة من هذه الشريعة ليعمل بها. هذه السلطات تحارب السحر والعرافة وتلاحق كلَّ نبي كذاب. التشعب الثالث يقدم لنا شرائع مختلفة تتعلق بالحياة العائلية والحياة الاجماعية: الزواج، دور البكر في العائلة، واجبات العدالة والرأفة والمحبة بالنسبة إلى الضعيف والفقير والأجير واليتيم والأرملة. التشعب الرابع يتضمن فرائض عن بواكير الغلال والعشور والطريقة التي تقدَّم بها التقدمات. يأتي المؤمن فيقول: كان أبي أرامياً تائهاً... فأوصلنا الرب إلى هذا المكان وأعطانا هذه الأرض التي تدرّ لبناً وعسلاً. والآن ها أنا آت ببواكير ثمر الأرض التي اعطيتني إياها يا رب.
القسم الثالث (ف 27- 30). موضوعه فرائض متعلقة بالعهد: لوحا الوصايا، البركات واللعنات، تحرك على حفظ العهد مع الله.
القسم الرابع (ف 31- 34) يشمل آخر أعمال موسى حين بارك الشعب، وموته على جبل موآب.
نشير هنا إلى أن هذه الشرائع والوصايا والفرائض لا تقدَّم إلى المؤمن بشكل ناشف: لا تفعل... بل بشكل كله حرارة وعاطفة. يتحدّث الكاتب بلغة القلب ويريد ان تصل كلماتُه إلى أعماق الانسان فتخلق فيه يقيناً بأهمية ما يأمر به الرب شعبَه. ولهذا فهو يردِّد بعض العبارات فتعلق في الذاكرة وتصل إلى الحياة. من هذه العبارات: اسمع يا شعب اسرائيل، والسماع بداية الطريق إلى العمل، لأن السماع يعني ايضاً الطاعة والامتثال لأوامر الرب. الرب الهك أو الرب الهنا. هناك علاقة حميمة بين المؤمن والرب ولهذا تتردد هذه العبارة أكثر من ثلاث مئة مرة. وإذا كان الربُ الهنا فعلينا أن نحبه من كل قلبنا وكل نفسنا وكل قدرتنا، وأن نخاف الرب وتكون وصاياه في قلوبنا وحياتنا. اذا كان الشعبُ شعبَ الله الخاص، اذا كان الشعب مكرَّساً للرب فيبقى عليه ان يعرف ما يأمره به الرب وان يسير في طريق الرب.
هذا هو مشروع حياة للمؤمن أكان من العهد القديم أو من العهد الجديد، وهكذا سيُدخلنا سفر التثنية في عالم الانجيل لنفهم وصاياه ونعمل بمتطلباته. 
التعليم الديني في سفر التثنية:
يتلخص التعليم الديني في سفر التثنية في هذه الكلمات التي نقرأها في 10: 12- 13: ما الذي يطلبه منك الرب الهك؟ ان تتقيه، أن تسير في جميع طرقه (أي أن تعمل بوصاياه)، أن تحبه، أن تعبده بكل قلبك وكل نفسك، ان تحفظ وصاياه وفرائضه التي يأمرك بها اليوم لتحصل على السعادة.
وتمر سنوات تاريخ الشعب وما تزال هذه الكلمات تزدد في آذان المؤمنين فتدعوهم إلى الأمانة للعهد المعقود بين الله وبينهم. اما تصرف الشعب الديني فيستند إلى التذكر الدائم بما صنعه الله لهم.
في هذا الاطار نتوقف عند موضوعين. الأول: الله وشعبه. الثاني: حياة الشعب مع الله في إطار العهد.
أولاً: الله وشعبه.
عرَّف الله ذاته إلى شعبه. ليس الشعب هو من عرف الرب بعلمه وذكائه، بل الله اتخذ المبادرة وكشف عن ذاته في وحي وصل إلى موسى وإلى غيره. وإذ عرَّف الله نفسه أظهر انه تعلَّق بشعبه تلُّقَ العريس بعروسه والمحب بحبيبه. وهذا يفرض على الشعب أن يعرف الله، أن يتعلق به في فعل عبادة دائم، أن يحبه محبة لا رجوعَ عنها.
+ هنا تبرز فكرة العهد أو المعاهدة أو الاتفاقية. قدَّم الله عهده كما يقدم الرجل كلمته لفتاة يَعِدُها بالزواج. ألزم الله نفسه بأن يحامي عن شعبه ويقوده إلى أرض الموعد. وعلى الشعب أن يُلزم نفسه بالمقابل أن لا يعبد إلاَّ الله الواحد. وهكذا كانت اتفاقية بين الله وشعبه كما بين شخص وآخر.
كانت مواعيد لابراهيم واسحق ويعقوب ألزمت الله ان يُعطيهم ولابنائهم الأرض الطيبة. بدأ الله يُحقِّق مواعيده يوم لم يكن الشعب بعد أمة، خلَّصه من العبودية وسهر عليه كما يسهر الاب على ابنه واهتم به اهتماماً خاصاً خلال مسيرته في البرية حتى أوصله إلى سيناء ثم إلى جبل موآب على أبواب أرض الموعد. فهل يحق للشعب أن ينسى؟ أما يجب عليه أن يتذكَّر دوماً ما فعله الله من إجله؟ وعاطفةُ عرفان الجميل تجعل أمامه دوماً هذا العهد الذي قطعه الله مع الآباء.
هذا العهد لم يقطعه الله فقط مع الآباء، بل ما زال يقطعه اليوم مع الأبناء. هنا تتردد عبارة "اليوم"، لأن كلمة الله ليست من الماضي بل من الحاضر. يقول الكتاب (26: 16- 18): "في هذا اليوم يأمرك الرب إلهك أن تعمل بهذه الفرائض والأحكام، فأحفظها واعمل بها بكل قلبك وكل نفسك. طلبتَ إلى الرب اليوم ان يكون لك إلهاً وأن تسير في سبُله وتحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وتسمع لصوته، وطلب منك الرب اليوم أن تكون له شعباً خاصاً، كما قال لك، لكي تحفظ جميع وصاياه".
ونحن شعب العهد الجديد، بعد أن نِلنا كاملَ مواعيد الله في يسوع المسيح، أما يجدر بنا أن نتذكر ولا ننسى، نتذكر موت الرب وقيامته وننتظر مجيئه. ويشدد النص أيضاً أن الرب اختار شعباً خاصاً، لا لأنه أكثر من سائر الشعوب، لا لأنه بار ومستقيم القلب. فمع أن العبرانيين شعبٌ قليل اختارهم الرب، مع أنهم شعب قاسي الرقاب، جعلهم خاصته. ولماذا؟ اختار الله شعبه لأنه أحبه وأراد أن يفي بالقسم لابراهيم واسحق ويعقوب. هنا نفهم أن اختيار الله فعلٌ مجاني حرّ. يختار شعباً أو فرداً، يختارهم من أجل رسالة سيقومون بها. اختار الشعب العبراني ليهيِّء الطريق لمجيء المسيح. ولكن من المؤسف أن الشعب العبراني رفض استقبال المسيح فرُذل. هنا نفهم ان الاختيار لا يعطي امتيازاً، بل يفرضُ واجبات. فإن كنّا على قدر الدعوة كافأنا الله وإلا رذلنا، وكان نداؤه سببَ دينونة لنا. نحن ابناء الكنيسة المدعوين بدعوة المسيح. نحن اسرائيل الجديد وشعب الله الجديد. نتذكَّر كلام مار بولس حين يقول: لا تستكبر بل خف. حكم الله شديد على الذين سقطوا وليِّن عليك اذا ثبتَّ والا فتُقطع (روم 11: 20- 22).
+ وتبرز فكرة الله الواحد الحقيقي. آمن الشعب العبراني بالله الواحد على مرِّ تاريخه، ففتح طريق وحدانية الله امام المسيحيين والمسلمين. لا شك أنه كانت محاولات لإعلان الله الواحد في مصر وفينيقيا، ولكنَّ هذا التعلق الدائم بالله الواحد كان شأن الشعب العبراني، لأن الله أوحى بنفسه إليهم عبرَ موسى والاباء، عبرَ الملوك والانبياء.
يعبد الشعوب الالهة المتعددة، أما الشعب العبراني فاختاره الله ليكون شعبه الخاص، شعب ميراثه، الشعب المكرَّس لنه والمخصَّص له. هذا التخصيص من قِبَل الله يفرض على شعب اسرائيل مصيراً خاصاً: يتعرف اليه من خلال حياته الخاصة، من خلال الطبيعة، من خلال متطلّبات الله ووصاياه. فاللقاء في حوريب (أو سيناء) علَّم الشعب أن الله لا يُرى وأن لا صورة تعبِّر عنه تعبيراً كاملاً، وأن على الشعب أن يمتنع عن صنع الاصنام والتماثيل للاله غير المنظور. وهذا الاله قدير، وقدرته تصل إلى آخر الكون، فيبقى على الشعب أن يعرف أن يهوه (الرب) هو الله وان لا إله غيره.
هذا ما يشهد به المؤمنُ كلَّ يوم من أيام حياته فيقول: "اسمع يا اسرائيل؟ الرب إلهنا هو رب واحد" (6: 4). الرب هو الاله في السماء من فوق، وفي الارض من تحت ولا اله سواه (4: 39). إن الرب الإله هو إله السماوات وسماوات السماوات والارض وكل ما فيها.. الرب الاله هو إله الآلهة ورب الارباب الاله العظيم الجبار الرهيب، منصف اليتيم والارملة ومحب الغريب. الرب إلهك تتقي، وإياه تعبد، وبه تتعلق، وباسمه تحلف (10: 14- 20).
الله نار آكلة، الله رب غيور لا يرضى العبادة لاله سواه، ويفرض على المؤمنين ان يخضعوا لأوامره. فهو يُعاقب على مدى أربعة أجيال ويُحسن إلى الألوف الذين يحبونه ويحفظون وصاياه (5: 9- 10).
هذه الوحدانية التي يشدّد عليها سفرُ التثنية سيرددّها يسوع في انجيله ولا يزيد عليها الا فكرة التثليث. لا شك في أن العهد الجديد سيعلمنا أن الله ثالوث، آب، وابن وروح قدس، ولكنه لا يتخلَّى عن فكرة التوحيد، فيعلن أن الأقانيم الثلاثة واحد. هنا تصحّ كلمةُ يسوع الذي ما جاء ليَنقض بل ليُكمِّل. هوما جاء لينقض فكرة التوحيد بل ليكمّلها بتعليمه عن التثليث.
+ فإذا كان الله واحداً، فيجب أن نتعبد له وحده دون سواه. وتكون عبادتنا نقية إن امتنعنا أن نصوّر الله كما يصوِّر سائرُ الشعوب آلهتهم، وامتنعنا أيضاً عن الممارسات الوثنية التي كانت معروفة في أرض كنعان: لا يذبح المؤمنُ ابنَه، لا يمارس العرافَة والسحر، لا يتعاطى البغاء المكرَّس قرب المعابد الوثنية. فإن فعل المؤمن مثل هذه الاعمال استحقَّ اللعنة، وإن أدخل العبادات الوثنية في أرضه استحقَّ القتل ليزول الشرُّ من شعب الله.
نشير هنا الى وصية قاسية ظلت وصية ولم تطبق: اذا انتصرتم على الأمم فعليكم أن تفنوهم. لا تقطعوا معهم عهداً ولا ترأفوا بهم. لا تصاهروهم لأنهم يبعدون أبناءكم عن السير ورائي فيعبدون آلهة أخرى (7: 3- 4). كُتب هذا الكلام يوم لم يعد لشعب اسرائيل قوة عسكرية. ولماذا كُتب؟ بسبب شر تلوّث عبادة الله الواحد بعبادات أخرى. ولأن الأقدمين الذين أرادوا ان يزيلوا الشر ما استطاعوا أن يميّزوا بين الشر والأشرار، طلبوا إزالة الشر والاشرار. نحن هنا أمام شريعة ناقصة ولكنّها تعلّمنا أن نقطع كل رباط بين الشر وبيننا من أجل الله. والمسيح عندما يأتي سيفهمنا أن الله يشرق شمسه على الأشرار والأخيار، ويسكب غيثه على الأبرار والفجار، ونحن نكون كاملين إن اقتدينا بأبينا السماوي (مت 5: 45). نرفض الشر ولكنّنا نحب الأشرار.
والتشديد على عبادة الله الواحد أنتج شريعة وحدة المعبد. لا تُقدَّم ذبيحة ولا تُحرَق محرقة إلاَّ في الموضع الذي اختاره الله، أي في أورشليم. وهكذا ركَّز المشترع العبادةَ في هيكل أورشليم ليمنع المؤمنين من التوجّه اذ معابد الكنعانيين. وشدَّد على الحجّ الى المعبد الواحد ثلاثَ مرات في السنة ليلتقي المؤمنون حول الرب، ويشعرون أنهم شعب الله الواحد يجمعهم الايمانُ الواحد وشعائرُ العبادة الواحدة.
ثانياً: حياة الشعب مع الله في إطار العهد.
اختار الله شعب اسرائيل، بحريّة وبفعل محبة، ليكون الشعب الذي يعرفه ويتعبَّد له. نادى الله. شعباً، وهو ينتظر من هذا الشعب أن يلبّي النداء. دعا الله شعباً وهو ينتظر جواباً يعبِّر فيه الشعب عن أمانته بحفظ الوصايا. في هذا الاطار، يشدِّد سفر التثنية على إستعدادات القلب والنفس عند الشعب كله، بل عند كل فرد من أفراد الشعب أمام إرادة الله.
+ نداء الى الحب.
هذا هو نداء الاله الغيور، الاله العظيم والمجيد والمهيب. هذا الاله ينحني على المؤمن ويدعوه إلى أن يحبه. وها نحن نجد ولأول مرة تعبيراً واضحاً ونهائياً عن وصية المحبة هذه التي سيرددها الرب يسوع ويجعلها أولى الوصايا. "أحب الربَّ بكلّ قلبك وكلّ نفسك وكلّ قدرتك" (6: 5). هكذا قال سفر التثنية وهكذا سيقول يسوع عندما يسأله أحد الكتبة: ما هي الوصية الأولى في الوصايا كلها. قال يسوع: احبَّ الله ربَّك بجميع قلبك وجميع نفسك وجميع ذهنك وجميع قدرتك، وزاد عليها الوصية الثانية وهي مأخوذة من سفر اللاويين: أحبب قريبك حبَّك لنفسك. وختم يسوع كلامه: لا وصية أخرى اكبر من هاتين الوصيتين (مر 12: 28- 31).
هذا الحبُ يمسك المؤمن في أعماقه، في نشاطه العاطفي والأخلاقي والذهني، يجتذبه إلى الله حتى يحس بنفسه مرتبطاً به لأن فيه حياته. وعندما يفهم المؤمن أن الله محبة، كما يقول يوحنا في العهد الجديد، لن يعود الله شخصا بعيداً تفصلنا عنه المسافات، بل يصبح الله قريباً إلينا وتصبح العلاقات حميمة بيننا وبينه. يقول الكتاب: "الوصية التي أنا آمرك بها اليوم ليست فوق طاقتك ولا هي بعيدة منك، لا هي في السماء فتقول: من يصل إلى السماء فيتناولها لنا ويسمعنا اياها فنعمل بها، ولا هي عبر البحر فتقول: من يعبر البحر فيتناولها لنا ويسمعنا إياها فنعمل بها؟ فالكلمة قريبة منك جداً، في فمك وفي قلبك لتعمل بها" (30: 11- 14). أجل صار الله قريباً من الانسان، وألغيت المسافةُ بين الله والانسان بعد أن صارت المحبةُ الرباطَ المشترك. ولكن تبقى المخافة التي تملأ المؤمن أمام رهبة الله العظيمة، غير أن المحبة تخفِّف من حدة المخافة فتذّكر المؤمن أن عليه أن يخاف الله ويحبَّه معاً، وان مخافته ليست مخافة العبيد بل مخافة الابناء. أجل، المخافة تقوى دينية عميقة وإحترام بنوي مبني على ما يقول سفر التثنية (14: 1): "أنتم ابناء للرب الهكم".
+ الحب والوصايا
يتردد هذا النداء إلى الحب في سفر التثنية. فيحدِّد سلوك المؤمن ويؤثِّر على ممارسته لأبسط الشرائع والوصايا. ويعبِّر المؤمن عن موقف الحب هذا في تتميم صادق لفرائض العهد. يقول الكتاب: "أحبب الرب إلهك وأحفظ ما يجب حفظه من فرائضه وأحكامه ووصاياه كلَّ أيام حياتك" (11: 1). وحفظُ الوصايا يبقى عملاً خارجياً بعيداً عن الأمانة الملموسة إذا لم يصل إلى الأعماق. لتكن هذه الكلمات التي أنا آمرك بها اليوم في قلبك (6: 6). هنا نلتقي بكلمات يسوع الذي عمَّق ممارسة الشريعة فذهب أبعد من الأعمال ووصل إلى نوايا القلب. قيل: لا تقتل، أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه... قيل: لا تزن، أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى إمرأة فاشتهاها زنى بها في قلبه (مت 5: 21- 22، 27- 28).
ويهيِّء المشترع قلبَ المؤمن للعمل بالوصايا فيدعوه قائلاً: "ردد هذه الكلمات على بنيك وكلِّمهم بها، إذا جلستَ في بيتك، وإذا مشيتَ في الطريق، وإذا نمتَ وإذا قمتَ. اعقدها كعلامة على يدك وعلى جبينك، لئلا تنساها. أكتبها على دعائم بيتك وأبواب مدينتك" (6: 7- 9). أجل لتكن كلمة الله في كل مكان، ولتوجِّه أعمال المؤمن أكان عاملاً في معمل أو طالباً في مدرسة أو تاجراً أو قاضياً أو محامياً. لا فصل بين الحياة الدينية والحياة الاجماعية. ولا نحصر الله داخل جدران العبد وخلال وقت محدد. فالله يريد أن يسيطر على كل جوانب حياتنا. هذا ما يعلمنا سفر التثنية.
ومحبة الله تصل بنا إلى محبة القريب. إن أحببنا الرب واتَّقيناه، عاملْنا بالمحبة الأجير والغريب واليتيم والأرملة. ولكن تجدر الملاحظة أن القريب هو ابن عائلتي وقبيلتي وشعبي. لا، لم يصل سفر التثنية إلى مستوى الانجيل الذي اعتبر كلّ انسان قريباً للانسان، كلَّ انسان اخاً للانسان، لأننا كلَّنا ابناء الاب السماوي. ومع ذلك نجد في سفر التثنية بعض التلميحات. اذكر انك كنت عبداً في مصر، ولهذا أحسِن معاملة العبيد. إحتفل باعيادك بفرح مع الغريب واليتيم والأرملة.
يشدِّد العبراني على محبته للعبراني فيقول: لا تقرض أخاك بفائدة، بل اقرض الغريب بالفائدة (23: 20- 21). ويقول: إذا باعك أخوك العبراني نفسه فليخدمك ست سنين وفي السنة السابعة أطلقه من عندك حراً. وإذا أطلقته حراً من عندك فلا تطلقه فارغ اليدين، بل زوِّده (15: 12- 14). ولكني اتساءل عن سلوكنا نحن ابناء العهد الجديد: هل نعرف ان نرفق باخوتنا، وهل نهتم بالضعفاء منهم، وكم نحن أحرى ان نقرأ سفر التثنية وغيره من أسفار العهد القديم لنتعلم الكثير عن معاملتنا بعضنا لبعض. وإليكم بعض الآيات: إعمل لكي يستريح خادمك وخادمتك مثلك (5: 14). لا تستغلَّ اجيراً مسكيناً أو فقيراً أكان من إخوتك أم من الغرباء، بل ادفع اليه اجرته في يومه (24: 14- 15). لا تحرِّف حق غريب أو يتيم ولا ترتهن ثوب ارملة. واذكر انك كنت عبداً في مصر وفداك الرب الهك من هناك (24: 17). اذا حصدتَ حصادك في حقلك فنسيتَ حزمة في الحقل فلا ترجع لتأخذها. إنها للغريب واليتيم والأرملة. وكذا تفعل اذا خبطتَ زيتونك وقطفت كرمك (24: 19- 22). وعذابات الجسد معتدلة بلا تطرف لئلا يلحق الذلُّ بالقريب (25: 2- 3). وهناك شرائع الحرب بالنسبة إلى الانسان والحيوان وحتى النبات (20: 19- 20؛ 22: 1- 7).
+ حب، طاعة وسعادة
حين يعطي الرب شريعته يُرفقها بوعد لحياة سعيدة وهادئة. فاسمع يا اسرائيل واحرص أن تعمل بهذه الوصايا، فتحصل على السعادة، وتنمو جداً في أرض تدر لبناً وعسلاً، كما قال لك الرب اله آبائك (6: 3). ان امتلاك الارض ودوام السعادة مرتبطان بطاعة الشعب وحبه لربه. فعلى الشعب ان يختار بين البركة واللعنة، بين السعادة والشقاء، بين الحياة والموت. وهو الرب يقول له بلسان موسى: انظر، إني جعلت اليوم أمامك الحياة والخير، والموت والشر. إذا سمعت إلى وصايا الرب إلهك التي أنا آمرك بها اليوم، فأحببتَ الرب الهك وسرت في سبله وحفظتَ وصاياه وفرائضه واحكامه، تحيا وتنمو وتنال بركة الرب الهك في الأرض التي انت داخل اليها لتمتلكها. أما اذا تحوَّل قلبُك ولم تسمع للرب، وانجذبتَ الى آلهة اخرى فركعتَ امامها وعبدتها، فأنا أعلن لكم اليوم أنكم تهكون هلاكاً، ولن تحصلوا على حياة طويلة في الارض التي انتم عابرون الاردن لتدخلوها وتمتلكوها. أشهد عليكم اليوم السماء والارض: جعلت امامكم النجاة والموت، البركة واللعنة. فاختاروا الحياة لتحيوا أنتم وأبناؤكم فتحبون الرب الهكم وتسمعون لصوته وتتعلقون به، لأن به حياتكم وطول أيامكم، فتقيمون في الارض التي أقسم الرب لابائكم ابراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيكم إياها (30: 15- 20).
لا شك في أننا لا نزال في اطار سعادة مادية، من أرض نمتلكها وحياة طويلة نتمتع بها على هذه الارض. فلا نعجب من ذلك والعهد القديم لم يعرف الحياة الأخرى الا على عتبة العهد الجديد. ولكن لا نسارع الى رفض سفر التثنية، بل نفهم ان هذه السعادة ممكنة بسبب حضور الله. إذا كانت أرض الموعد تدرّ لبنا وعسلاً، أي إذا كانت ارضُ الموعد موطنَ السعادة، فلأن الله حاضرٌ فيها كما كان حاضراً في الفردوس يتمشى مع آدم عند نسيم المساء (تك 3: 8). نحن ننظر إلى خيرات الأرض، ونرى فيها رمزاً إلى خيرات اسمى، ونشكر الله على هذه وتلك. وحين وعد يسوع الودعاء بأنهم يرثون الارض فهو إنما وعدهم بأن يكونوا مع الله حيث يقيم الله، وهذا ما يسميه سفر الرؤيا الارض الجديدة والسماء الجديدة.
خاتمة:
حين نقرأ اليوم سفر التثنية، لا نزال نتأثر بالنبرة الحارة أمام كلمات تتوجه إلى قلبنا. والاله الذي يدعونا الكتاب إلى محبته ليس إلهاً بارداً وبعيداً. إنه إلاله الرحوم الذي يأتي نحو شعب تعلق به. واختار هذا الشعب لأنه احبه، واراد ان يقوده إلى السعادة فربطه بممارسة شريعة تجعله قدوساً على مثاله. في سفر التثنية يستشف الناس بعضاً من سر الله الخفي والحي: الأمور الفية للرب إلهنا والأمور المعلنة لنا ولبنينا إلى الأبد لكي نعمل بجميع كلمات هذه الشريعة (29: 28).
وحين نقرأ سفر التثنية نتوجه الى معرفة أعمق لذلك الذي قال عنه يوحنا إنه المحبة (1 يو 4: 8) والذي به يرتبط المؤمن فيحفظ وصاياه. محبة الله في حفظ وصاياه (1 يو 5: 3). ومن حفظ كلام الله اكتملت فيه محبة الله حقاً. ذلك هو الدليل على أننا فيه (1 يو 2: 5). ففي العهد الجديد كما في العهد القديم، يبدو الخلاص قريباً منا في كلمة تتوجَّه إلينا. يكفي لذلك أن نقبلها بالايمان ونمارسها، فتدل على محبتنا لذلك الذى أحبنا أولا وبذل ذاته لأجلنا.
القسم الثاني 
الأسفار التاريخيَّة

تروي هذه الأسفار تاريخ شعب الله منذ دخوله إلى أرض الميعاد بقيادة يشوع بن نون، الى القرن الثاني ق م.
تتكوّن المجموعة الأولى من أسفار يشوح والقضاة وراعوت وصموئيل والملوك، والمجموعة الثانية من أسفار الأخبار وعزرا ونحميا، والمجموعة الثالثة من أسفار طوبيا ويهوديت واستير. ويأتي أخيراً كتاب المكابيين في سفرين متميزين.
الأسفار التاريخية
المجموعة الأولى

تتألف هذه المجموعة من أسفار يشوع والقضاة وراعوت وصموئيل والملوك. يتابع يشوع التاريخ المقدس حيث تركه سفر التثنية، فيُدخل الشعب إلى أرض الميعاد ويقسِّمها بين القبائل. ويروي سفر القضاة قصة هؤلاء القوّاد الذين خلّصوا الشعب من ضيقاته في الفترة السابقة لأيام صموئيل. يحدثنا كتاب صموئيل عن تأسيس الملكية، ويركز حديثَه على ثلاثة أشخاص هم صموئيل وشاول وداود. وينقلنا سفرا الملوك منذ اعتلاء سليمان العرش الى زمن الجلاء في بابل. أما سفر راعوت فقصة تقوية عن اجداد داود.
اذا وضعنا راعوت جانباً نقول ان هذه الاسفار سميت اسفار "الأنبياء الاولين" أو "السابقين" معارضة مع "الأنبياء اللاحقين" الذين هم إشعيا وإرميا وحزقيال والاثنا عشر. سمّيت هذه الاسفار كذلك، لأن التقليد نسب تأليفها إلى "أنبياء" مثل يشوع (لسفر يشوع)، وصموئيل (لأسفار القضاة وصموئيل). وإرميا (لسفري الملوك). ولكن ما يبرر هذه التسمية حقاً هو الطابع الديني الذي تتميز به. فنحن من خلال "التاريخ" نتعرف إلى علاقات الشعب بالله، إلى أمانته أو خيانته بالنسبة الى كلمة الله التي حملها الانبياء. ثم إننا نجد أنبياء يتدخلون في هذه الأسفار، مثل صموئيل وجاد وناتان وايليا واليشاع واشعيا وارميا وغيرهم. أما كتاب الملوك بسفريه فهو الاطار الذي مارس فيه الانبياء الذين عاشوا في المنفى نشاطهم.
وسميت هذه الاسفار الستة (يش، قض، 1 صم، 1 مل، 2 مل) التاريخ الاشتراعي، لأنّها دُوِّنت على ضوء سفر تثنية الاشتراع الذي شدَّد على إختيار الشعب وأهمية الارض ووحدة المعبد الذي هو هيكل اورشليم.
سفر يشوع بن نون

مقدمة:
يفتتح سفر يشوع بن نون ما يُسمَّى بمجموعة أسفار "الأنبياء السابقين أو الأولين"، أي من سفر يشوع وحتى سفرَيّ الملوك. ولأنّ هناك قواسم مشتركة بين يشوع والتوراة (أو الأسفار الخمسة)، وبينه وبين جموعة "الأنبياء السابقين"، فقد حصل تجاذب في الآراء حول إلحاقه بإحدى المجموعتين السابقة واللاحقة له.
بالرغم من الأخبار المتلاحقة التي في السفر، لا يمكن إعتبار سفر يشوع محضراً يسرد فيه كاتبه وقائع تاريخية متسلسلة ومثبتة علمياً. فبين الأحداث المذكورة فيه وبين تدوينها فاصلٌ زمني طويل يبلغ عدة قرون، كما أن أرض كنعان لم يتمّ احتلالها على يد الأسباط مجتمعة، بل على يد داود في القرن العاشر. ثم ان الكنعانيين لم يبادوا عن بكرة أبيهم، بل تعايشوا مع بني اسرائيل (15/63؛ 16/10؛ 17/12 و18). إن محرّر سفر يشوع هو أحد تلامذة المدرسة التي أعطت سفر تثنية الاشتراع الذي عليه يرتكز الكاتب ليتأمل في تاريخ إسرائيل على ضوء الاختبارات الجديدة (أي في القرنين السابع والسادس ق. م.)، وتظهر نتيجة هذا التأمل جليَّة في الخُطَب المطوّلة في ف 1 و23. فعندما يتكلم عن فتح أرض كنعان، يظهرها وكأنها عملية قام بها "كل بني اسرائيل" (10/28- 39)، والتلميح المتكرّر إلى أسباط عبر الأردن يرمي إلى التركيز على وحدة الشعب في وقت كان الجدل قائماً حولها (1/12- 16؛ 13/8- 32؛ 22/1- 6). وخطر إفساد أمانة اسرائيل لإلهه، الذي تسبّبه جيرة الأمم غير اليهودية ومخالطتها دفع الكاتب إلى الكلام عن عملية إبادة جاعية لهذه الأمم وإزالتها من أرض كنعان، ثم إلى تحريم شعوبها (6/17 و21؛ 11/12 و14). جاء هذا الكلام في وقت ظهر فيه خطر الوثنية مجدَّداً على بني إسرائيل.
نتيجة هذا كلِّه، يجد قارئ سفر يشوع أن هناك أموراً مستغربة وغير قابلة للتصديق، ففيه تتجمع العجائب "الضخمة" والمحيّرة، كعبور نهر الأردن كما على اليابسة، وسقوط أسوار أريحا بعد الطواف حولها، وتوقف الشمس بأمر يشوع، وغيرها. وهكذا يغور التاريخ ويضيع في أحاديث أو إحصاءات لا تنتهي. لذلك ليس سفر يشوع هو الأكثر جاذبية للقارئ المسيحي، حتى ولا الأسهل. لكنه بالمقابل يتضمن غنى ليتورجياً ولاهوتياً هاماً؛ فعبور الأردن (3- 4) بحضور تابوت العهد، هو كعبور بني اسرائيل بحر القصب بقيادة موسى، يشكل دخولا طقسياً بتطواف إلى أرض الميعاد كما إلى بيت الرب؟ ويوحي الفصح الذي يحتفل به بنو اسرائيل لأول مرة بتقادم من محصول تلك الأرض، بأننا أمام احتفال ليتورجي؟ ويدخل في هذا الإطار أيضاً الختان (5)، علامة العهد بين الله وبني اسرائيل، والصورة المسبقة للعماد المقدس.
أ- صعوبات وحلول:
مقدمة:
يعترض قارئ سفر يشوع بن نون عددٌ من الصعوبات، تتوزع بين ما هو خُلُقي، وأسطوري، وتاريخي، وغير ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى تجربة وقع في فخاخها العديدون، ألا وهي تجربة الإعراض عن هذا السفر أو نبذه مع غيره من الأسفار التي تتضمن أموراً تبدو لأول وهلة بشرية إلى أقصى حد، وحتى مشككة أو خالية من أي إلهام الهي.
ولكن بما أن "كلّ ما كُتب من قبل إنما كُتب لتعليمنا" (روم 15/4)، وبما أن للعهد القديم دوراً تربوياً واعدادياً لما هو أكمل، وبما أنه بالفعل قد قاد شعب اسرائيل نحو القيمَ الانسانية والدينية السامية التي أصبحت في العهد الجديد شرعة كاملة (متى 5/20) "إن لم يزد بركم على الكتبة الفرّيسيين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات"، "ما جئت لأحلّ بل لأكمل"، فالقارئ المسيحي مدعو لسبر كور الوعود والتشريعات والأحداث المدوّنة في العهد الأول أي القديم، على ضوء سر الخلاص الذي تحقق بالمسيح يسوع، لأن اسرائيل قد استطاع بواسطته أن يحيا حياة إيمان ورجاء ومحبة مماثلة لحياة المسيحي، بالرغم من كونها مقيدة بنقائص متنوّعة.
لا يتكوّن الكتاب المقدس، المنظم لإيمان المسيحيّين وممارستهم، فقط من العهد الجديد، بل أيضاً من جموعة الأسفار التي سبقته فارتبط بها، والتي كانت الكنيسة الأولى تقرأها، كونها، "الكتاب" الملهم بالرغم من العقبات والصعوبات المتنوعة التي تواجه القارئ المسيحي والتي نستعرض في ما يلي قسماً منها في سفر يشوع.
1- النظرة إلى الكنعاني:
عندما استوطن بنو اسرائيل في أرض كنعان، وجدوا مغريات حضارة يربو عمرها على الألف سنة، ومدناً كبيرة وجميلة لم يبنوها، وبيوتاً مليئة بالخيرات لم يتعبوا في جناها، وآباراً لم يحفروها، وكروماً وزيتوناً لم يزرعوها" (تث 6/10؛ 8/7- 8).
بالمقارنة مع الكنعانيين، يبدو بنو اسرائيل غرباء عن المظهر الحضارة الذي كان لهؤلاء؟ مع هذا فإن كاتب سفر يشوع بن نون يعطي أحكاماً لا عدل فيها ولا اعتدال، تجرّد المجتمع الكنعاني من أية قيمة حضارية، كما أنها بالتالي لا تفيه حقه من القدر والكرامة، وكل ذلك انطلاقاً من مرتكزات دينية معيَّنة.
فلقد بدت الديانة الكنعانية التعددية وكأنها المنافس الأكبر والأخطر للديانة اليهودية الموحّدة. لذا عمد الكتّاب الملهمون إلى إظهار ديانة غيرهم بأقصى ما يمكن من السلبية. وهكذا أخذت الرغبة في حماية الذات من الآخر منحى عدائياً متطرفاً، يهدف إلى حث بني اسرائيل على التمسك بإلههم الأحد، وعلى الابتعاد عن الإلهة الغريبة ومحاربتها.
في الواقع تبدو الديانة الكنعانية تعددية، أو بتعبير آخر "مشركة"، كونها تعطي أهمية كبيرة لمصادر الحياة ولمتطلباتها البدائية الأساسية، فتأخذ أشكالاً حسية، سمّاها الأنبياء "الزنى"، بالرغم من أن لها بحد ذاتها نصيباً هاماً من الحقيقة والكرامة، أي أنها بمعنى آخر قادرة على أن تمدّ اسرائيل بالتعليم والإيحاءات والمثُل السامية. لقد فتَّش الكنعانيون عن الإله الذي هو سيد العالم وربّ الحياة، وذلك قبل أن يتجلى لبني اسرائيل بوحدانيته، وكان تفتيشهم بالاتجاه الصحيح. فهم عبر تكريمهم للحياة، حتى بأشكال مادية ومحسوسة، لم يكونوا خارج الطريق المؤدّي إلى الحقيقة المنشودة.
2- النظرة إلى راحاب البغي:
تبدو مساعدة راحاب البغي لجاسوسي يشوع القائد وكأنها خيانة لمدينتها أريحا. نجد حَدَثاً مماثلاً في قض 1/22- 25، حيث إن أحد أفراد مدينة بيت إيل قد عمل دليلاً لجواسيس آل يوسف، الأمر الذي أدى إلى أخذ المدينة وإهلاك سكانها، باستثناء ذاك الذي خان مدينته مع عشيرته، كا حصل لراحاب وأهل بيتها.
ولأن بني اسرائيل قد اعتبروا راحاب كمرتدة إلى إيمانهم، استطاعت هذه أن تقاسمهم بركات وخيرات أرض الميعاد، وتصبح واحدة من الوجوه المثالية في العهد القديم، إلى حد مقارنة إيمانها يايمان ابراهيم بالذات.
يدفعنا هذا الواقع إلى التساؤل عن قصد يسوع عندما قال: (إن العشارين والزناة يسبقونكم إلى ملكوت الله" (متى 21/31). هل كان يسوع يلمح بكلامه هذا إلى الذين تابوا لدى سماع كلمته فقط، أم إلى راحاب البغيّ ومثيلاتها أيضاً؟
قد نجد الجواب في ما سطّره كاتب الرسالة إلى العبرانيين، ويعقوب الرسول عن تلك المرأة. فالأول يمدحها من أجل إيمانها عندما يقول: "بالإيمان راحاب البغي لم تهلك مع الكفرة، لأنها قبلت الجاسوسين بالسلام" (عب 11/31)، والثاني، أي يعقوب، يُركّز على الضيافة التي أحاطت بها الجاسوسين، وبالتالي على تبريرها، فيقول: "وكذلك راحاب البغي، ألم تبرَّر بالأعمال، إذ قبلت المرسلين وصرفتهما من طريق آخر؟" (يع 2/25). ويضيف التقليد اليهودي بأن راحاب قد نالت المغفرة لأنها أنزلت الجواسيس من النافذة بواسطة الحبل، لأن بيتها كان في السور.
ولا ننسى أن راحاب قد اعتنقت إيمان بني اسرائيل، كما جاء في 2/11، حيث تقول: "لأن الرب إلهكم هو إله في السماء من فوق وعلى الأرض من الأسفل.
إضافة إلى كل هذا، نجد اسم راحاب في متى 1/5 بين أولئك الذين يشكلون السلالة التي منها خرج يسوع بالذات؟ فهي جدّة عوبيد والد يسّى الذي أنجب داود الملك.
وأهتم بذكرها أيضاً اكليمنضوس الروماني في رسالته إلى الكورنثيين (12/1).
ربما تساءل انسان كما الرب يسوع: "هل يُجنى من الشوك عنبٌ أو من العوسج تينٌ؟ هكذا كل شجرة صالحة تثمر ثمراً جيداً، والشجرة الفاسدة تثمر ثمراً رديئاً" (متى 7/16- 17). لكن، استنادأ إلى تأكيد الرب على لسان اشعيا بأنه، "حتى ولو كانت خطاياكم كالقرمز، فإني أبيضها كالثلج" (أش 1/18)، واستناداً إلى عملية التوبة والارتداد من قبل الإنسان الخاطئ، يمكننا أن نستخلص عبرة، ألا وهي أن "أفكار الله هي غير أفكار البشر"، وأن الخلاص هو نداء موجَّه إلى الجميع ودون استثناء.
3- أعمال الإبادة:
نقرأ في تث 20/16 ما يلي: "وأما مدن تلك الشعوب...، فلا تستبقِ منها نسمة...".
نستنتج من هذا الكلام أننا أمام عملية إبادة شاملة، يستنكرها ويمجّها الشعور الإنساني، وتُعتبر عملاً منافياً للأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها الشعب المختار. لكن هذا النوع من التصرف لم يكن خاصاً ببني اسرائيل، بل كان يُعتبر حقاً مكتسباً في زمن الحرب، في عصر لم يكن فيه تشريعٌ لصالح الذين يُقهرون في الحروب. على العكس من ذلك، يمكن القول بأن اسرائيل قد حقّق بعض التقدم في اتجاه التخفيف عن هؤلاء. ففي 1 مل 20/31، يتكلم الأموريون عن حلم ملوك اسرائيل فيقولون: "اننا سمعنا أن ملوك بيت اسرائيل هم ملوك رحمة..." وفي عصر كان فيه قتل الأسرى أمراً متبعاً، لم يتردد داود في كسر هذه العادة (2 صم 8/2).
وإذا عدنا إلى سفر تثنية الاشتراع الذي يضفي طابعه الخاص على سفر يشوع بن نون، نلاحظ أن هناك نَفَساً انسانياً في التشريع الحربي بالذات. فبالنسبة للشعوب البعيدة التي لا تشكل خطراً وجودياً أو إيمانياً (أي غير الكنعانيين)، كانت المعاهدة تفضَّل على المعركة. كذلك يدعو تث 20/10- 15 إلى الحفاظ على أرواح النساء والأولاد، حتى ولو اعتبرت غنيمة، فيقول: "إذا تقدّمت إلى مدينةِ لتقاتلها، فادعها إلى السلم...، (وإذا) أسلمها الرب إلى يدك، فاضرب كل ذكَر بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة من غنيمة، فاغتنمها لنفسك". كذلك يدعو تث 21/10 - 14 إلى معاملة الأسيرة الجميلة باللطف والحسنى.
مع هذا، فإن بني اسرائيل يُظهرون بغضاً متوقّداً تجاه سكان ارض كنعان الأصليين يبلغ حدّ التصميم على الإبادة الشاملة. هكذا نقرأ في تث 20/16- 18 ما يلي: "وأما مدن تلك الشعوب التي يعطيك الرب إلهك إياها ميراثاً، فلا تستبقِ منها نسمة، بل حرّمهم تحريماً...، كيلا يعلّموكم أن تصنعوا مثل قبائحهم التي صنعوها لآلهتهم فتخطأوا إلى الرب إلهكم.
فالدافع الأساسي إذاً لعملية الإبادة الشاملة، هو الهمّ الديني، أي أمانة اسرائيل لالهه الواحد، تلك الأمانة التي قد تفسدها معاشرة الأمم الوثنية أو العيش المشترك معها. لكن الواقع التاريخي، على ما يبدو، هو على خلاف ذلك، إذ يُعتقد أن هذا التدبير هو نظري أكثر منه واقعي، استنبطه الكاتب عندما كان خطر تغلغل الوثنية يدهم بني اسرائيل. وإذا تذكرنا أن عملية تحرير الأرض وتوزيعها بين القبائل، قد بقيت مستمرة حتى أيام داود الملك، فإننا ندرك أن الإبادة الشاملة التي يتكلّم عنها سفرُ يشوع بن نون، ليست على الاطلاق حقيقة تاريخية. 
من هنا يمكننا القول بأنّ التاريخ الذي نقرأه في سفر يشوع، هو تعليمي وتوجيهي، وضعه الكاتب بعد تأمل وسابق تصميم لهدفٍ واضح، استناداً إلى أحداث دبّجها بطريقة تتناسب مع مراميه الدينية.
4- التحريم:
تعني كلمة "حرم أساساً "الفصل" أو "وضع شيءٍ ما جانباً" أو "الشيء الممنوع أو المحفوظ".
في المعنى الديني، التحريم هو الشيء الموقوف للإله، أي أنّ كلّ الغنائم التي يحصل عليها المحاربون تخصّص له: يقتل الناس والحيوانات، وأما الأشياء الثمينة فإنها تُوقف للهيكل. هذه القاعدة التي ترتكز على مبدأ ديني، تتّبع أثناء الحرب، ويجب أن تنفَّذ بدقة وإلاّ اتّقدَ غضبُ الله على المخالف.
ففي تث 13/16 (راجع 1 صم 15)، نقرأ أمراً واضحاً بوقف المدن الوثنية لله، مع سكانها وماشيتها. وكذلك في تث 7/1- 20 و 20/13 و1 صم 15/3 ويش 6/17، نرى أن الله هو الذي يأمر بذلك. أما في عد 21/2، فإن التحريم نذرٌ من أجل ضمان الانتصار، إذ يقول: "فنذر اسرائيل نذراً للرب وقال: "إنّ أسلمت هؤلاء القوم إلى يديّ، لأحرَمَنّ مدنهم".
والخطورة الكبيرة في هذا المجال تكمن في مخالفة التحريم، الأمر الذي يسبب "اتقاد غضب الرب" (ف 7؛ راجع أيضاً 1 صم 15/16- 23)، وبالتالي يجلب على الفاعل أشد العقاب.
وبالرغم من هذا، فإن التخفيف من تطبيق هذه القاعدة المطلقة أمرٌ ممكن أحياناً، كما نجد في عد 31/15- 33 (قتل النساء وتطهير الغنائم)، وفي تث 2/34- 35 و3/6- 7 و20/13- 14، وفي يش 8/26- 27 (التحريم والتخريب).
ومع الوقت، ستتبدل فكرة التحريم شيئاً فشيئاً؛ فبدلاً من فكرة السيادة المطلقة لله، ستحِلّ فكرة أبوّة الله الرحيمة. هكذا نقرأ في سفر الحكمة مثلاً أن "الله لم يصنع الموت، ولا يمرّ بهلاك الأحياء" (حك 1/13)، هو الذي "يطلع شمسه على الأشرار والأخيار" (مت 5/44- 45).
5- القصص المضخمة:
قد يبتسم قارئ سفر يشوع بن نون استهزاءً عندما يصادف فيه قصصاً هي إلى الخيال أقربُ منها إلى الواقع، وكأني به أمام مؤلّف ملحمي حيث تلعب الأسطورة دوراً رئيسياً، وتزيّن الخوارق أعمال الأبطال.
هكذا يبدو لنا عبور نهر الأردن وكأنه مسيرة على اليابسة، وإيقاف الشمس والقمر عن الدوران بأمر من إنسان، واسقاط أسوار أريحا بالتطواف حولها والنفخ بالأبواق والصراخ. كل هذه أمور تخلب عقولَ الأطفال، وتدغدغ مخيلتهم، وتثير اعجابهم ودهشتهم، لكنّها تثيرُ استغرابَ ورفض المدركين والعاقلين، لانها، وبكل بساطة، غير قابلة للتصديق.
لكن إذا تنبهنا إلى أن الكثير من أعمال يشوع هو صورة طبق الأصل لعدد من أعمال موسى، وإلى أن الله كان مع يشوع كما كان مع موسى (3/9)، وأن اسرائيل قد كرّم يشوع كما فعل تجاه موسى (4/14)، استطعنا أن نفهم أن المقصود هو القول بأن ما بدأ مع موسى، يكمله يشوع حتى النهاية. ان صورة يشوع في السفر الذي يحمل اسمه، هي صورة موسعة أدبياً وتاريخياً، وذلك من أجل التمكّن من تحميلها معنىً لاهوتياً معيناً، ومن أجل إبراز يشوع كمثال أعلى للقائد الذي بإيمانه بالله وبطاعته له، استطاع أن يحقق رسالته وأهدافه. لذلك مدحه يشوع بن سيراخ من أجل أعماله العظيمة (46/1- 8)، وعدَّد مآثره الجمّة، كما لمّح سفر عزرا الثاني المنحول إلى طاعته للشريعة وإلى شفاعته (3 عزر 71/107)؛ فهو قادر بالتالي على تحقيق ما يعجز عنه البشر من الخوارق، حسب ما يعتقد كاتب السفر.
ب- قراءة مسيحية لبعض المواضيع الرئيسية:
مقدمة:
من خلال ما تقدّم، تنفتح أمام القارئ المسيحي طريق جديدة وآفاق أرحب، ونظرة أكثر روحانية إلى سفر يشوع بن نون. ولا بدّ هنا من لفت الانتباه إلى أن نظرة أخرى إلى السفر مسيّسة، أو موجّهة عقائدياً أو قومياً، ستحرم هذا القارئ من إمكانية الاقتراب إلى مائدة الكلمة وحلّة العريس عليه، وبالتالي لن يجد طريقه إلى دخول جنّة أبناء الملكوت، بل سيبقى خارج السياج حيث لن يحظى سوى بالأشواك.
سنعالج في ما يلي بعضى المواضيع المختارة من سفر يشوع بن نون، ونحاول اكتشاف ما اكتنزته من أبعاد روحية للمؤمن باسم الرب يسوع.
1- عبور الأردن:
تتشابه قصتّا عبور بني اسرائيل البحر الأحمر بقيادة موسى، ونهرَ الأردن بقيادة يشوع بن نون خليفة موسى الذي معه يتحقق الوعد بإعطاء أرض الميعاد للشعب المختار. في كلتيهما هو الله الذي يزيل العوائق من وجه الشعب ويسمح له ببلوغ الهدف المنشود. وإذا كان "البحر رأى وهرب (مع موسى)، والأردن تراجع (مع يشوع) (مز 114/3)، فذلك لأن يد الله كانت تعمل هناك".
عند الخروج من مصر، كان الجوّ يوحي بمعركة قد تكون مأساوية، وكان الشعب يعاني من محنة في الإيمان؛ أما عند عبور الأردن فإن الجوّ يوحي بتطواف ليتورجي يقوم به الشعب بثقة واندفاع، إذ ان المسير في الصحراء جعل إيمانَه أنقى وأمتن.
بالنسبة للمسيحي، يذكّرنا عبور الأردن بدخولنا العالم الذي أعدّه الرب لنا بالعماد المقدس، منقين من كل خطيئة، وراسخين في الإيمان، وأهلاً لقبول نعمة الله. إن المياه التي كانت تهدّد بابتلاع بني اسرائيل عند العبور، قد صارت المكان الذي فيه يجدون الخلاص، كذلك يشترك المسيحي من خلال سرّ المعمودية المقدسة بموت المسيح، ويصبح بالتالي معَدّاً للدخول في قيامته المجيدة (روم 6/3- 5).
2- دخول أرض الميعاد:
كانت مسيرة اسرائيل الطويلة، بدءاً من الانعتاق من العبودية في مصر وحتى بلوغ الحرية في أرض الميعاد، قد بدأت مع العبور في مياه البحر الأحمر، واكتملت بالعبور في مياه نهر الأردن. ومن المفترض أن يكون بنو اسرائيل قد حققوا خلال الفترة الفاصلة بين العبورَيْن تقدّماً جدّياً في التعمّق في الإيمان.
هذا هو الأمر بالنسبة إلى حياة المسيحي التي يستهلّها بالعبور في مياه العماد، والتي تكتمل بالعبور بالموت إلى امتلاك الوعد والحياة مع المسيح. وبين البداية والنهاية يحقق المؤمن بالعناء والصبر والثبات ما شاء الرب يسوع له من إيمان وطيد بشخصه وبما فعله من أجله.
3- النظرة إلى الأرض:
لأرض الميعاد في سفر يشوع النصيب الأكبر، وذلك لأن ما كان في السابق وعداً من الله، قد تحقق الآن بالفعل؟ من هنا الوحدة العضوية التي تربط بين التوراة (الاسفار الخمسة) وسفر يشوع. فالأرض هي إرثٌ من الله، لذا فهي مكان أمانة الله لشعبه، وأمانة الشعب لإلهه، وهي عربون العهد المقطوع بين الله واسرائيل. فالاستيلاء على أرض كنعان وتوزيعها على بني اسرائيل، يشكّلان تحقيقاً للوعد الذي كان للآباء، والذي تجدد مع موسى. هذا هو سبب الفرح الذي يغمر الكاتب عندما يخبر بالتفصيل عن الميراث الذي وهبه الله لأسباط اسرائيل.
يتعلق الشعب الاسرائيلي بطريقة عاطفية ودينية بالأرض التي طبعته في أعماقه، بدءاً من بركة يعقوب (تك 49)، ونشيد دبورة (قض 5)، مروراً بنشيد الأناشيد، وحتى أمثال الانجيل. إنها الأرض المختارة وأرض الوعد، لذلك تغنّى بها الشعراء وأبرزوها بصور متنوّعة ومؤثرة، ولذلك أيضاً يبدو سفر يشوع وكأنه نشيدٌ "للأرض الجيدة التي وهبها الله" (23/13 و16) لشعبه المختار.
إذا كانت الأرض والنسل هما ثمرتا الوعد، فإنهما مع هذا مقيدتان بشرط، ألا وهو الطاعة لشريعة الرب.
لقد استطاع اسرائيل أن يحقق الانتصارات العسكرية بفضل طاعته لشريعة الرب، وبفضل اتضاعه أمامه: "تواضعوا أمام الرب فيرفعكم" (1 بط 5/6). وكل مرة كان اسرائيل يهمل أوامر الرب ووصاياه، كان العقاب الصارم بانتظاره، كما حصل عندما لم يتقيّد بنو اسرائيل بالتحريم الذي كان مفروضاً (راجع يش 7).
بسبب قلّة إيمانهم، هلك العديد من العبرانيين في الصحراء ولم يحظوا بدخول واحة الله، "لأنهم قسّوا قلوبهم" (مز 95/8)، "وامتحنوا الرب" (مز 95/9). يقول الرب على لسان صاحب الزامير: "أربعين سنة مَلَلْتُ من ذلك الجيل، وقلت: إنما هم شعبٌ قلوبهم في ضلال، ولم يعرفوا سبُلي، حتى أقسمتُ في غضي أن لن يدخلوا في راحتي (مز 95/11).
في الرسالة إلى العبرانيين، يوضح الكاتب أمراً هاماً، وهو أن ما وعد به الله شعبه لم يكن أرض فلسطين وحسب، بل المشاركة في راحته، التي هي صورة للعالم الآتي الروحي. وإذا كانوا قد هلكوا في الصحراء أيام موسى ولم يتسنّ لهم الدخول إلى راحة الله، فإن الذين دخلوا أرض كنعان بقيادة يشوع، لم يدخلوا في الراحة الموعودة التي هي أسمى من أرض الميعاد، أي راحة الله، من هنا القارنة والقابلة بين يشوع ويسوع: 
الأول قاد العبرانيين إلى أرض فلسطين وحسب،
أمّا الثاني، فقد قاد أتباعه إلى الراحة السماوية الحقّة.
لذلك فالنداء الموجّه إلى المسيحي المؤمن هو أيضاً على لسان صاحب المزاير الذي لايقول: "اليوم إذا سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم" (مز 95/7- 8).
إن قساوة القلب تُنتج الخطيئة لأنها مخالفة الشريعة التي يشدد عليها الفصلان الأول والأخير، ومن يعمل الخطيئة فهو عبدٌ لها (يو 5/34)، والعبد لا يثبت في البيت إلى الأبد، وإنما الابن يثبت إلى الأبد (يو 8/35). إذا كان بنو اسرائيل هم حقاً أبناء إبراهيم، فعليهم أن يعملوا أعمال ابراهيم البارة (يو 8/38)، وإلاّ فسيُطرحون خارجاً حيث البكاء وصريف الأسنان، لأن ميراث الرب هو للودعاء العاملين مشيئته، الذين وحدهم يحق لهم أن يدخلوا إلى أرض الميعاد، إلى ملكوت السماوات، إلى راحة الرب.
4- احتفال جديد بالفصح:
في الظروف الجديدة، تكتسب الطقوس التقليدية معاني جديدة. ففي مصر كان الفصح عمل رجاء وثقة بالله، أما في أرض الميعاد، فإنه يصبح إقراراً بالجميل وفعل شكران تجاه الله.
بذات المنطق والمنهجية، يجدّد المسيحي عهده مع الله، المتمّم بالرب يسوع المسيح، تبعاً لأوضاعه ولمسؤولياته التي تتعدّل دون مساس بجوهر الحقيقة، وتبعاً أيضاً لاكتشافه التدريجي لقصد الله فيه. لا يمكن إبراز طبيعة الله أو مقاصده والتعرف إليها بطريقة تجريدية، بل عن طريق الأختبار الليتورجي الذي يجدّد سنوياً ودورياً الحدث الذي اختبره الآباء والأجداد عندما تدخّل الله في مسيرة حياتهم؛ وباختبار هذا الحدث الماضي روحياً وليتورجياً، يتصل الشعب ذاته مجدداً بإلهه. وهكذا تأخذ الكلمة في الاحتفال الطقسي مع الأعمال الرمزية مكان الاختبار التاريخي.
5- احتفال جديد بالعهد:
عند نزول بني اسرائيل أرض الميعاد، أقام يشوع احتفالاً ليتورجياً جدّد من خلاله ما حرى في سيناء. نجد في هذا الاحتفال قراءة كلمة الرب، وذبيحة الاشتراك بالوليمة المقدسة. يشكِّل العنصران بالذات الهيكلية المتبعة في كل ليتورجيات شعب الله الحقيقية التي نجدها في الليتورجيا المسيحية.
يتكلم يشوع في شكيم إلى شعب لم يكن له بمعظمه اختبار شخصي لله كالذي كان لآبائهم في الصحراء. قد يكون سكان شكيم الحاضرون، وهم شعب غير اسرائيلي، جزءاً من الجماعة، يدعوهم يشوع لتبنّي كل ما ينص عليه العهد الذي كان للآباء. لذلك على الجيل الجديد، وحتى على غير بني اسرائيل الحاضرين الاجماع، أن يتخذوا قراراً فردياً، على أساس اختبار ما تمّ في سيناء (إقرأ يش 24/2 ب- 13)، ويتلقّنوا الإيمان، ليس فقط بالتعليم، بل بعيش الحدث الخلاصي أيضاً.
هكذا يصبح سيناء مفعّلاً، ومؤوناً، ومعقوداً معنا نحن قارئي سفر يشوع، كوننا أصبحنا مشاركين اليوم بما حدث بالأمس، عن طريق دخولنا في حقيقة عمل التحرير الإلهي.
6- الأمانة لله:
يجد بنو اسرائيل أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الأمانة لشريعة الله، وبالتالي العيش بطمائينة وسلام وسعادة، وإما تعدّي الشريعة وبالتالي الشقاء (تث 30/15). وتلعب اللعنات والبركات في هذا المجال دوراً فعّالاً وحاسماً في حياة الفرد والجماعة. ففي تث 27/14- 26، يُدعى الشعب إلى أن يجيب بعد كل لعنة بكلمة "أمين"، ليعلن بذلك أنه يقبل كلمة الله التي هي كسيف ذي حدّين، ثم يعطي تث 28 سلسلة طويلة من البركات واللعنات التي نجدها أيضاً في يش 8/34- 35.
وفي الكنيسة، كما في زمن اسرائيل (إقرأ يش 24/1- 2، 15- 17، 18 أ)، تتطلب الأمانة لله الإقرار بالإيمان المشترك بين أفراد الشعب المسيحي. ويعني هذا الإيمان في آن معاً إقراراً بما فعله من أجل أن يجسّد حبّه لنا، والتزاماً بخدمته وحده دون سواه. وإذا كان الرب قد اختارنا، فينبغي بالمقابل أن نختاره نحن أيضاً، حتى ولو بدأ لنا كلامه صعباً لا نطيق فهمه أو تحمّل متطلباته. لذلك فالإيمان هو اختبار متجدّد أبداً، والتزام يومي باتّباع الرب الذي يريدنا غير مجزّئين، والذي يوصينا بألا نخدم ربّين (مت 6/24). إن اتباع الرب يعني التصميم على حبّه والثبات فيه (يو 6/60- 69)، وهو الإله المخلص وحده (إقرأ يش 5/10- 12).
7- اجماع شكيم:
إذا أردنا أن نوجز ما جرى في الاجتماع الذي عقده يشوع في شكيم (ف 24) مع القبائل الاثنتي عشرة، نقول ما يلي:
- إنه تذكير بأعمال الرب العظيمة: اختيار الآباء (24/2- 4)، الخروج من مصر (5- 7)، ودخول أرض الميعاد (8- 12).
- إنه إعلان الإيمان (24/14- 24) وتجديد للعهد المبرم في سيناء (25-29).
إن الشعب يكبر وينمو عن طريق الإعلان عن إيمانه، والالتزام بالعهد، والأمانة للرب. وهذا العمل الجاعي الذي يتحقق وفق إرادة الرب، وتحت رعايته، يجعل من الجماعة جسداً واحداً مترابطاً، وبالتالي صورة لكنيسة المسيح العتيدة.
خاتمة:
إن التاريخ الكتابي هو تاريخ خلاص البشرية، الذي دشّن بابراهيم، وبلغ الملء بيسوع المسيح. ولقد تحقق ذلك بطريقة متواصلة ومتتابعة، كما يلي: الوعد مع ابراهيم، والعهد مع موسى، والمُلك مع داود... هذه الاختبارات تشكل مادة التاريخ الكتابي، لا بل عامودَه الفقري، ومن خلال هذه الاختبارات، كان الشعب الاسرائيلي يعيش بقيادة رؤسائه نوعاً من التوجّه نحو المسيح، مدفوعاً بعامل ديني يحثه باستمرار على أن يتخطى ذاته وينتظر المخلص الآتي، بإيمان ورجاء وقداسة.
بهذا المنظار ينبغي أن يُقرَأ سفر يشوع بن نون. قد يتعرض القارئ للاعتقاد بأن لا معنى دينياً مباشراً للتفاصيل الكثيرة، كلوائح المدن، والحدود، والملوك، وغيرها، لكننا لا ندرك معنى السفر على حقيقته إلا إذا فهمنا بأن المقصود هنا هو تحقيق الوعد الذي يشكل تحتية أساسية لكل الكتاب المقدس. إن كل ما يدخل في حياة شعب الله، يستمد معناه من المسيح الذي به كان كل شيء (يو 1/3) "والذي هو الملء الذي يملأ الكل" (أف 1/23).

سفر القضاة

مقدمة
يبدو سفر القضاة، وهو الثاني بعد سفر يشوع بن نون في سلسلة أسفار الأنبياء الأولين أو السابقين، وكأنه تتمة لهذا الأخير. فهو يواصل الإخبار على طريقته عن إحتلال بني اسرائيل لأرض ما زالت تواجههم فيها العقبات المتنوّعة، وعن أعداء كثر ينبغي التصدّي لهم والانتصار عليهم للتمكّن من الاستقرار والعيش بسلام. يتضمن السفر عرضاً عن حياة الأسباط في المرحلة التي تلي دخول أرض الميعاد وموت يشوع خليفة موسى، وحتى ولادة صموئيل وقيام النظام الملكي.
يُبرز سفر القضاة قضية استملاك الأرض على حقيقتها، لا كما سبق ووصفها سفر يشوع، فهو لا يذكر انتصارات عسكرية مفاجئة، وسريعة، وشاملة، يحققها شعب متلاحم ومتراص في كتلة واحدة، ويجمعه إيمان واحد بالإله الأحد. والواقع هو انه، بين القرنَيْن الثالث عشر والحادي عشر، عملت قبائل اسرائيل المشتّتة، وحتى أحياناً كثيرة المتخاصمة، على استعمار أرض إلى حدٍّ ما غير آهلة، وبطريقة تدريجية لا شاملة؛ وكان عليها أن تواجه باستمرار هجمات الجيران الذين كانوا معتادين على النهب والسلب، وبالتالي التنبّه الدائم لعمليات الانقضاض وخطر الاكتساح.
لكن ماذ يفيد المؤمن المسيحي أن يقرأ هذه الأمور التي حدثت قبل حوالي الثلاثة آلاف سنة، وفي بيئة تفصلها بدائيتها عن حضارتنا الحالية وعن تقدم البشرية الهائل؟ سنحاول اكتشاف الجواب شيئاً فشيئاً.
1- مَن هم القضاة؟
يعود اسم السفر إلى الرجال البارزين الذين أقامهم يهوه قادة لشعبه اسرائيل، في الفترة الممتدة بين موت يشوع ونشأة صموئيل (2/16- 19؛ 3/9- 10)، كي يخلّصه على يدهم من الضيقات المتلاحقة. لا يعني لقبهم (شفطيم في العبرية) أنهم كانوا قضاة بالمعنى القانوني للكلمة، كا نتداوله في أيامنا، حتى ولو حدث أن مارسوا هذه المهمّة بالذات، كما فعلت دبورة النبيّة (4/5). لا يرد هذا اللقب في صيغة الجمع إلاّ في قض 2/16- 18، ولكن وصف الحقبة الزمنية الممتدة من موت يشوع وحتى قيام الملكية بأنها "زمن القضاة" وارد في التقليد الكتابي (2 صم 7/11؛ 2 مل 23/22؛ را 1/1.
اقتبس العبريّون كلمة شوفطيم عن الكنعانيين. ويخبرنا عاموس النبي عن وجود قاض عند المؤابيين (عا 2/3). كما يذكر المؤرخ يوسيفوس أنه كان لدى الصوريين ثوفطيم، كما لدى أهل قرطاجة أيضاً. أما في العبرية، فتعني كلمة شفط أساساً "حكم" أي صحّح وضعاً مشبوها، أو أجرى العدل، أي نصر الحقّ المهدور، بمعنى أنه حقّق نوعاً من التحرير. يحكم القاضي بالعدل وفق الحق، أي أنه "يجعل الحق ينتصر، فيتأمّن بذلك نوع من الخلاص؛ لذلك نصادف معاً كلمتي "قاض" (شفط) و"مخلّص" (موشيع) 3/9 و15)، كما يُستعمل فعل "خلّص" بدلاً من "قاضَى" أو "حكم" (3/9 و31؛ 6/15؛ 10/1). استناداً إلى هذه النظرة يسمى عتنيئيل وأهود مثلاً "مخلِّصين" (3/9 و15).
فالقاضي إذاً هو الرجل القوي الذي يصحّح وضع اسرائيل عامة، أو وضع عدّة قبائل أو واحدة منها فقط، عندما يكون هذا الوضع عرضة لهجمات الشعوب المجاورة أو لخلل داخلي عائد إلى عدم أمانة الشعب المختار لله، يقوم بوظيفة الرئيسي الذي يقود الشعب في المعركة وينتشله من الخطر. ويُنتقى القضاة من قِبل الله الذي يساندهم في أعمالهم الحربية ويضمن لهم النصر، لأنه هو الذي يخلص بواسطتهم.
ويُظهر السفرُ القضاة وكأنهم رؤساء مارسوا سلطتهم تباعاً على كل اسرائيل (4/4؛ 10/2- 3؛ 11/27؛ 12/7- 14؛ 15/20؛ 16/31)، لكن هذه الصورة لا تتوافق مع ما توحيه القصص التي تظهرهم مبادرين إلى إنقاذ عشيرة أو قبيلة، واستثنائياً مجموعة قبائل، من وضع ما حرج ودقيق. وعند انتهاء مهمّتهم ينحصر نفوذهم، ولا يعود لهم من سلطان سوى على المنطقة التي يقيمون فيها. فهم إذاً أبطال حرب، يثيرون حيّة مَن كان ضعيفاً أو فاتراً في الأوقات العصيبة، ويوحّدون مَن كانوا متفرّقين ومشتّتين، ويعملون على استرجاع ما اغتصب إلى شعبهم؛ لذلك يُعتبرون مقاومين ومحرّرين، أعطاهم الله قدرة خارجة عن المألوف، عندما غلغل روحه في أعماقهم، أو تملّكهم روحه القدوس، ليردّوا الحق إلى الشعب، وبالتالي إلى الله. وتفسّر المآثر التي تميّز القضاة بدخول روح الله فيهم (6/34؛ 11/29؛ 14/6 و19؛ 15/14). إنّ قصّة كل قاض هي مغامرة، تشكل "حلقة" قائمة بذاتها، تتردّد فيها الصيغ ذاتها التي تذكّر بخطيئة اسرائيل، ثم بعقاب الله له على ذلك، وأخيراً بقراره بتخليصه. هذه السلسلة من الحلقات (3- 16) تقطعها لمحات وجيزة عن هذا أو ذاك من القضاة الذين لم يحفظ عنهم التاريخ إلاّ القليل.
يمثّل القضاة ذهنية عصرهم، وهذا ما تشهد عليه قساوة خلقيتهم؟ فهم أبطال مرتبطون بزمن كانت فيه العادات ما زالت على خشونتها، والمبادئ الأخلاقية على أصولية غير معتدلة. لذلك قد يسوء في عينينا احتيال أهود، ومقتل سيسرا على يد ياعيل، وتقدمة يفتاح ابنته ذبيحة، وغراميات شمشمون، لكن هذه الأمور هي صورة حقيقية ودائمة للإنسان بوجهه البشري وبنقائصه.
ويُعتبر القضاة أعلاماً وضعهم الله على طريق توصل إلى البعيد، إلى الخلاص النهائي. من هذا المنظار، يبدون كأمثلة للأمانة (أنظر سي 46/11- 12)، وكشهود للإيمان الذي يشدّنا نحو التحقيق للوعود (أنظر عب 11/32).
2- هدف سفر القضاة
يبيّن لنا سفر القضاة كم أن نشوء الوحدة بين أسباط إسرائيل كانت صعبة، واحتلال الأرض واستملاكها بطيئين، والخصومات والمنازعات بين القبائل قوية، والإيمان بدائياً، والتهديدات الخارجية جدية ومتواصلة. لكن القصص التي يتضمنّها السفر هدفت أساساً إلى إعطاء تعليم، وهو أن الصعوبات التي واجهها الشعب الاسرائيلي عند دخوله أرض كنعان، لم تكن سوى امتحان شاءه الله في سبيل التهذيب والتقويم، وعلى كل جيل جديد أن يكتشف ما سبق وتعلّمه الآباء والأجداد عند خروجهم من مصر، ومسيرهم في البرية، ودخولهم أرض الميعاد. والعبرة الأهم في هذه القصص، هي أن العقاب يكون نصيب الشعب في كل مرّة ينسى إلهه؛ على عكس ذلك، تشكّل العودة إلى الله والتوبه إليه (3/7- 9، 12- 15) ينبوع خلاص له. هكذا يصبح تأمل الماضي أمثولة للحاضر وللمستقبل.
تهدف النيّة المخبوءة وراء القصص الأقدم التي في سفر القضاة إلى التعليم بأن الله هو السيّد المطلق، والمدافع عن اسرائيل، ومخلّصه عند الضيق والخطر. بالمقابل، على اسرائيل أن يخدم الله وليس سواه من الآلهة. إنّ اللّحاق بآلهة جديدة وغريبة، أي آلهة الكنعانيين، لا يقدّم أيّ عون للشعب المختار. لأن هذه الآلهة لا تخلّص (10/14)، بل يهوه وحده الذي يفعل، وهذا ما يحقّقه على يد القضاة الذين يرسلهم من أجل هذه الغاية.
نشهد في سفر القضاة بروز نوع من القراءة الروحية لتاريخ اسرائيل. فإذا كان هذا الأخير ضحية أعدائه، فذلك بسبب خطاياه، وإذا كان الله يقبل بأن لمجرّره منهم على يد قاض يقيمه لشعبه، فذلك نعمة مجانية يهبها له بعد سماعه صراخه وتأوّهاته واستغاثته.
3- هيكلية سفر القضاة ومضمونه:
تبرز مقدمة السفر التاريخية باقتضاب عملية استيطان القبائل في كنعان (1- 2/5) وتحرّك كل منها على انفراد، وتقدمها ببطء، ثم انهزامها. وترمي إلى تبيان وضع بني اسرائيل المهدّد بالخطر أيام القضاة، بسبب عصيانهم، كما يؤكّد ملاك الرب (2/1- 5).
بعد ذلك تأتي القصص التي تخبر عن القضاة بالذات (3/7- 16/13). لكن سلسلة القصص هذه تفتتح بمقدمة عقائدية (2/6- 3/6) تدلّ القارئ على الأمثولات الرئيسية التي عليه استخلاصها منها، وهي التالية: لقد تعرّض بنو اسرائيل لظلم أعدائهم لأنهم سبقوا فتركوا إلههم وساروا وراء آلهة الكنعانيين. فالخطيئة إذاً هي سبب المأساة أو العقاب، والندم والتوبة يجعلان الله يسامح ويرحم، فيحرّر شعبه مجدداً ويخلّصه. هكذا سمع الله أنين شعبه وصراخه، فأرسل إليه القضاة. ينقذوه، ولكنّ اسرائيل لم يتّعظ ويتعلّم، فسقط مراراً وتكراراً في خطاياه السالفة، وصنع الأسوأ في عيني الرب.
بعد هذه المقدّمة، يتبع الكاتب تاريخ كل من القضاة على حِدَة (3/7- 16/31)، بهدف تبيان الفكرة التىِ في المقدمة الثانية العقائدية. العديد من هؤلاء يمرّ ذكره بسرعة، وهم القضاة "الصغار" التالية أسماؤهم: شمجر، تولع، يائير، إبصان، أيلون، عبدون. أما بالنسبة للقضاة "الكبار"، فهناك قصصٌ موسّعة تهدف خاصة إلى التأكيد على تعليم المقدمة العقائدية، وتشمل: عتنيئيل، أهود، دبوره وباراق، جدعون، أبيملك، يفتاح، شمشون.
وينتهي السفر بملحقين يذكّران بالفوضى التي كانت سائدة في اسرائيل في ذلك العصر. يخبر الأول عن ارتحال قبيلة دان باتجاه الشمال وتأسيس معبد دان هناك (17-18)، والثاني عن الجريمة المشكِّكة التي ارتكبت في جبع، وعن حرب القبائل ضد بنيامين الذي كان يرفض معاقبة المذنبين (19- 21).
4- التاريخ في سفر القضاة
كما في سفر يشوع بن نون، كذلك في سفر القضاة، لن يجد القارئ في هذا أو ذلك تاريخاً علمياً، شاملاً ومتكاملاً، بل سلسلة من وجهات النظر الجزئية، جُمعت ونُسقت من أجل إعطاء تعليم لاهوتي معيّن. بالرغم من هذا، فإن السفر يتضمّن أخباراً ومعلومات صحيحة على ما يبدو، هي المرجع الوحيد للحقبة الزمنية الممتدة من موت يشوع وحتى قيام الملكية، علماً أنها تساعد فقط على تكوين فكرة عامة ولكن غير دقيقة عن زمن القضاة. فقبل إنشاء الملكية، كانت تنقص بني اسرائيل الوحدة المتينة بين الأسباط، إذ إن الصلات بين هذه الأخيرة، باستثناء رباط القُربى، قد تتبدل بين التحالف والعداوة والتخاصم. لذلك كان لكل من هذه الأخيرة تاريخها، وهذا يعني أن الذكريات المتناقلة من جيل إلى جيل، والتي دُوِّنت لاحقاً عن تلك الحقبة، ليست هي ذاتها للجميع. لقد حفظ التقليد الأدبي الشعبي هذه الذكريات عن طريق القصص المختلفة والمتنوعة والمتوارثة، حيث نجد الطريف، والمأساوي، والهزلي، والنادر، والساخر، الخ.
إضافة إلى الاهتمام بالتاريخ، هناك اهتمام آخر مرتبط بالأول، ألا وهو، على سبيل المثال، إبراز دور المرأة الفاعلة كدبورة مثلاً (قض 4)، وشرح رتبة طقسية كنذر يفتاح لابنته وتنفيذ ما وعد به الرب (قض 11/29- 40)، وإعطاء قدوة مجسّدة كدعوة جدعون (6- 8) أو شمشون (13- 16).
إن التاريخ أو معظم التاريخ الذي نجده في السفر، وبالرغم من الإطار اللاهوتي القَشِف والصارم، يحتوي على عنصر الإثارة، إذ تشكّل الوجوه التي تملأه حياة، مثل دبورة، وجدعون، ويفتاح، وشمشون، ما يشبه استعراضاً لشخصيات هامّة من العهد القديم. فطبع هؤلاء، ومغامراتهم، وواقعية معظم أعالهم الخارقة، يسمح باعتبارهم في مصافِّ الأبطال العظام الذين نجدهم في مختلف الثقافات. وما يقرّبهم مثلاً من يشوع أو من داود عن الأبطال المذكورين من جهة ثانية، هو كون الله مرجعيّتهم في حياتهم الشخصية وفي رسالتهم.
يعطي سفر القضاة صورة عن صراعات واضطرابات ذلك العصر، فالاسرائيليون لا يعيشون في وحدة سياسية، إذ كان لكل عشيرة أو قبيلة تاريخها وتقاليدها التي عبر عنها بقصص نموذجية من الأدب الشعبي، ينبغي أن تقيَّم استناداً إلى أصلها والمواضيع التي ألهمت كاتبيها. لقد تم تجميع هذه القصص بنيّة دينية أكثر منها تاريخية، وهذا ما يمكن أن يتبيّنه القارئ المتنبّه؛ فالمقصود هو إبراز يهوه يعمل في تاريخ شعبه، وتعليم هذا الشعب طريقة الدخول في تصميم إلهه من خلال الأمانة للعهد. لذلك فالتواريخ التي نصادفها في السفر تبقى جزئية، لأنّ الكاتب لا يهتم إلاّ قليلاً بهذه الأخيرة، بالمقارنة مع هدفه اللاهوتي والتعليمي. قد يكون مصدر بعض الأرقام المذكورة قديماً، لكن معظمها من وضع الحرّرين الذين يعبّرون عن مرماهم الديني من وراء القصة بنوع من الهيكلية العامة لسردهم. لذلك يصعب الحصول على تتابع الأحداث، منذ دخول العبرانيين أرض كنعان في أواخر القرن الثالث عشر، وحتى قيام الملكية مع شاول حوالي العام 1030، لأنه ليس مستبعداً أن يكون بعض القضاة معاصرين لبعضهم البعض ولكن في أماكن مختلفة.
بالرغم من كل هذا، يبدو سفر القضاة ذا أهمية بالنسبة للمؤرخ. فالمقدمة (1- 2/5) تشكّل مصدراً قيماً من حيث المعلومات حول احتلال كنعان غير المكتمل. كما يعكس نشيد الفصل الخامس الحالة التي كانت عليها القبائل في الواقع. وبشكل عام، يمكن القول بأن القصص المدرجة في السفر تعطي صورة تاريخية مقبولة عن ذاك العصر المضطرب الذي كان فيه الإسرائيليون غير الموحّدين تحت تهديد الكنعانيين وخطرهم المتواصل والمتنوع.
5- قيمة سفر القضاة الدينية
ضمن إطار رؤية للتاريخ تستلهم فكر سفر تثنية الاشتراع الديني، يبرز سفر القضاة الموضوع الأساسي للتاريخ الاشتراعي، أي موضوع المجازاة وخطيئة الإنسان، وحكم الله على الخاطئ، ثم رحمته. لقد قدّم الله للناس عهده بمنّة مجانية منه، فيكونون سعداء إذا قبلوا هذا العهد، وتعساء إذا ما رذلوه. يأخذ الكاتب القصص القديمة التي كانت متداولة، دون أن يشذّبها، ويسبغ عليها طابعاً معيّناً ينسجم مع معتقده اللاهوتي (2/11- 19)، على شكل قراءة دينية مرتكزة على الأحداث التي يطرد. ثم يستعيد بإيجاز الأفكار ذاتها ستّ مرات، في المقدمات اللاهوتية لتاريخ القضاة الكبار، أي أهود، ودبور، مع باراق مساعدها، وجدعون، ويفتاح، وشمشون، وفي كل واحدة من هذه المراحل التي تبرز كلاًّ من القضاة، نجد التتابعية اللاهوتية ذاتها التي تتضمنها النظرة الاشتراعية للتاريخ، وهي أربعة: خطيئة بني اسرائيل، عقاب الله لهم، استغاثتهم بالله، وأخيراً يأتي الجواب الإلهي الذي يسامح شعبه ويرسل إليه محررا.
أ- خطيئة اسرائيل:
فيما كان بنو اسرائيل يحلّون في أرض كنعان، كانوا يخالطون شيئاً فشيئاً شعوب تلك الأرض، فيتأثرون بجاذبية آلهتهم التي كان رائجاً أنها تؤمّن إخصاب الأرض والعواقر، ويقتبسون عادات مخالفة لعاداتهم ولتقاليدهم. لذلك تعرّضت ديانتهم لخطر جدّي كبير، وهي التي تشكّل عامل الوحدة الأكثر فعالية، والتي تحفظ الحسّ المشترك بين أفراد الشعب وبين الأسباط، وتثير الحميّة عند بروز المخاطر الخارجية، وتكسب القادة المحرّرين إقداماً، ومهارة، وقوة جسدية، وهذا كله علامة اختيار إلهي لهؤلاء، وتدخل الله لصالح شعبه.
لم يصمد بنو اسرائيل في وجه الإغراءات الكنعانية، فخطئوا إلى الرب. وتقوم خطيئتهم، على ما يندّد به الكاتب، على ترك الإله الحق وعبادة الأصنام، وهذا ما يوازي القسم الأول من وصايا الله العشر (خر 20/2- 11)، وعلى الظلم الاجتماعي الذي يندّد به الأنبياء عامة، وهذا ما يوازي القسم الثاني من الوصايا عينها (خر 20/12- 17).
ويعبّر الكاتب عن واقع الحال من خلال قوله الذي يتكرّر باستمرار: "فعل بنو اسرائيل الشرّ في عيني الرب" (2/11؛ 3/7 و12؛ 4/1؛ 6/1؛ 10/6؛ 13/1)؛ ويضيف موضحاً: "تركوا الرب وعبدوا البعل والعشتروت" (2/11 و13؛ 3/7؛ 10/6)، وهما من آلهة كنعان. يُعتبر الأول المبدأ الإلهي الذكر أو المخصب، والثانية إلهة الحب والخصب.
ب- غضب الرب:
يأخذ غضب الرب شكل هزيمة عسكرية تلحق ببني اسرائيل نتيجة خيانتهم التي تبدو بسبب تكرارها وكأنها قدرية؟ ويعبّر الكاتب عن هذا الغضب بقوله: "أسلمهم الرب إلى أعدائهم" (3/14؛ 3/8؛ 4/2؛ 6/1؛ 10/7). لكن لا ينبغي أن يُفْهَم من هذا الكلام أن الأعداء المنتصرين هم مرسلون من الله ليكسروا الشعب؟ إن ما يحدث هو أن الله يسحب من شعبه القوة الضرورية لدفع الأعداء، تلك القوة التي يوحّد وجودها الشعب فيقوى، ويَفْقِده غيابُها الروح المشتركة فيصبح ضعيفاً وعاجزاً عن الدفاع عن نفسه. 
ج- استغاثة الشعب وصلاته:
عند ظهور الخطر أو وقوع الكارثة، يصرخ بنو اسرائيل إلى الرب مستغيثين به كي ينقذهم. يلاحظ القارئ أن الصيغة ذاتها تتردّد مرات عدّة في السفر: "فيصرخ بنو اسرائيل إلى الرب" (3/9 و15؛ 4/3؛ 6/6 و7؛ 10/10). نشير هنا إلى أنّ الاستغاثة تعني مسبقاً أن الشعب قد ندم على فعلته وتاب إلى الرب.
د- الخلاص:
يستجيب الرب لتضرّع شعبه وصلاته، فيقيم له قاضياً (2/16) أو مخلّصاً (3/9 و15)، يكون نشاطه العسكري الناجح علامة مغفرة الرب له ورضاه عليه.
هـ- هل يثبت اسرائيل على أمانته؟
نستنتج ممّا تقدّم أن بني اسرائيل لم يعتادوا الثبات على وصايا الرب، فكانوا يسقطون مجدّداً في الخطيئة، فتحل بهم النكبات باستمرار. ويمكن إيجاز حلقة المصائب والويلات ثم الخلاص منها، بعدم أمانة اسرائيل لإلهه ثم بعودته إليه وبالتالي إلى نعمته. إذا كان الله يتّحد بشعبه، فإنّ ذلك يهدف إلى أن يوحي إليه بمتطلباته التي تختصر بالأمانة له عن طريق حفظ وصاياه (2/17؛ 3/4)، وبعدم تركه واتباع آلهة أخرى (2/11، 13، 19؛ 3/7؛ 6/7 و10؛ 10/6، 10، 13: وهذا ما سمّي بالزنى بالمعنى النبوي للكلمة 2/17؛ 8/27 و33)، وبعدم مخالطة عابدي الآلهة الغريبة (2/2؛ 3/6). خارج الأمانة لله لا عهد يقوم، وتشكّل الخطيئة عقبة أمام عمله الإلهي.
يبيّن سفر القضاة سرعة عطب بني اسرائيل غير الأمناء، لذلك يسلمهم الله إلى أعدائهم عقاباً لهم على خطيئتهم، لكنه يُبرز أيضاً طول أناة الله وصبره عليهم، فهو لا ينتظر سوى الندم ليسبغ عليه نعمته مجدداً، وتوحي انتصارات القضاة بأمانة الله التي لا تني؛ فهو لا يتراجع عن إرادته المنعمة (أنظر هو 11/8- 9؛ إر 31/20). هذه العقيدة ليست حكراً على الإسرائيليين وفي وقت معيّن وحسب، بل هي ملك شعب الله في كل زمان.
6- وجوه وُضعت لتعليمنا:
مواضيع لاهوتية وروحية عديدة يمكن القارئ أن يكتشفها في سفر القضاة من خلال تأصّله في نصوصه ودراستها والتعمّق بها. ولكن أيضاً من خلال التعرّف إلى بعض الوجوه التي نختار ثلاثة منها، لغناها بمدلولاتها الكتابية.
أ- دعوة جدعون:
جدعون هو نموذج القضاة من حيث دعوته التي تتميّز بالتجلّي الالهي وبالبشارة. إنه اختبار لقاء مع الله، يذكّرنا باختبار ابراهيم، وموسى، وإرميا، وخاصة العذراء مريم. وكما يحصل عادة في تجلّي الله لمختاريه، لا يُظهر الله ذاته لجدعون إلاّ ليرسله يتمّم الرسالة التي أوكلها إليه، أي تخليص شعبه: "انطلق... وخلّص اسرائيل... أفَلَمْ أرسلك؟" (6/14). نجد هنا شبهاً مع دعوة موسى (خر 3/1- 15)، وإرميا (1/4- 10) ومريم (لو 1/26- 38). هذا الأمر عينه سيحدث مع بولس، منذ طرحه السؤال "مَن أنتَ يا ربّ؟" (أع 26/15) وحتى الجواب "إني أرسلك" (أع 26/17). إن يسوع "يرسل" أولئك الذين يقبلون أن يكونوا تلامذته (يو 17/18- 21).
من ناحية ثانية، اختيار الله هو غالباً محيّر للمنطق البشري. هكذا هو انتقاؤه داود وهو الأصغر بين أبناء يسّى (1 صم 16/1- 13)، وبيت لحم من بين عشائر يهوذا (مي 5/1؛ مت 2/6)، وهذا ما يقرّ به جدعون عندما يعلن أن "عشيرته هي الأضعف" (6/15). إن الله يفضّل التعريف بذاته من خلال الضعف والجهل، أكثر منه من خلال قوة العالم وحكمته (1 كور 1/18- 31).
كما حلّ بيعقوب سابقاً (تك 32/31)، أو بأشعيا لاحقاً (6/5)، تملَك الخوف والرهبة جدعون عندما تراءى له ملاك الرب، فعبّر عن ذلك بقوله: "آه أيها السيد الرب، إني رأيت ملاك الرب وجهاً لوجه" (6/22). يحلّ على المؤمن دوماً خوف عميق عندما يكتشف شيئاً من عظمة الله، كا حصل مثلاً لحرّاس قبر يسوع (متى 28/4)، أو للتلاميذ الذين رأوا معلّمهم ماشياً على الماء (مر 6/51). حتى مريم اضطربت عندما بشّرها الملاك (لو 1/29).
في كل هذه الحالات، يأتي ردّ الربّ مطمئناً: "لا تخف" (6/23). ترد هذه العبارة مرات عدة في الكتاب المقدس، يشدّد بها الرب عزم أولئك الذين يبوح إليهم بوعده (تك 15/1)، أو يحمّلهم رسالة (إر 1/8). وسيقول الملاك الكلام ذاته للعذراء مريم (لو 1/30). إن المؤمن الذى يهبه حضور الرب الحيّ قوّة، يفقه بوضوح معنى دعوته له. لذلك، ولأن غيرة الله كانت تملأه، "وروح الرب" يتملكه (11/29)، لن يخاف جدعون أن يذهب ليحارب ضد بعل وضدّ المِدْينيّين. ونلاحظ أن الكاتب يشدّد في سفر القضاة على أن "روح الرب" كان على الرجال الذين يريد أن يجعلهم قادة لشعبه (3/9- 10). ففي نصوص عدّة من السفر، يشدّد الكاتب على أن روح الرب كان على هذا أو ذاك من القضاة. لنستعرض أولاً بعض ما ورد بهذا النصوص في السفر:
- "وكان روح الرب على (عتنيئيل)، فتولّى القضاء لاسرائيل، وخرج للحرب، فأسلم الرب إلى يده... ملك أدوم، واشتدّت يده عليه..." (3/10).
- "وحلّ روح الرب على جدعون" (6/34)، فطارد المديّنيين والعمالقة وانتصر عليهم.
- وكان روح الرب على يفتاح (11/29). "وعبر يفتاح إلى بني عمّون ليحاربهم، فأسلمهم الرب إلى يده" (11/32).
- "ويبدأ روح الرب يحرك (شمشون)" (13/25). ونزل شمشون إلى تمنة (الفلسطية)، وكان يطلب علة على الفلسطيين (14/1 و4).
-"فانقضّ روح الرب على شمشون، فشق الشبل كما يُشقّ الجدي، ولم يكن في يده شيء (14/6).
- "وانقض روح الرب على شمشون" فنزل إلى أشقلون، وقتل منهم ثلاثين رجلاً وأخذ أسلابهم (14/19).
- "فانقض عليه (أي شمشون) روح الرب، فإذا الحَبْلان اللذان على ذراعيه كأنما هما كتّان أحرق بالنار، فانحلّت القيود عن يديه" (15/14)...، وقتل بفكّ حمار ألف رجل (15/15).
يظهر "الروح" في الآيات المذكورة آعلاه وكأنه قوّة خارقة، تعطى فجأة لإنسان ما، فيصبح بفضلها قادراً على التحكّم بطريقة غير عادية بواقع أو بوضع ما، لأنها من الله، وتخبرنا النصوص أن عملاً حربياً ناجحاً يتبع عادة نوال هذه القوة، وذلك لأن هناك تدخلاً إلهياً يضمن النصر في المعركة لخاصّته.
هذه القوة التي من الله، توهَب لهذا أو ذاك من بني اسرائيل من أجل تحرير الأرض من أعداء يجب الانتصار عليهم وإبادتهم أو طردهم. ويرمي واضع سفر القضاة بكلامه عن هذا الموضوع إلى أن يبيّن لقارئه أن انتصارات كهذه إنّا هي إنعام من الله، وأن "مخلِّصي" اسرائيل لم يكونوا على ما كانوا عليه من القوة لو لم يتملكهم "روح الرب" 
في هذا العمل العظيم يُشرك الله بعض الناس الذين يعمل بواسطتهم، كما هم، ومن خلال ما هم عليه، من طبع، ومواهب، ومحدودية، وفهمٍ، وقوّة جسدية، الخ. فالله يحقق تصميمه الخلاصي بوسائل بشرية جداً أحيانا، وعلى يد أشخاص يهبهم روحه الذي يحثهم على القيام برسالتهم في الوقت الذي يحدّده هو. لذلك كان هناك القضاة، والملوك، والأنبياء، والحكماء، والرسل، وجميعهم يتملّكون الروح، ويهبهم الحكمة والوة، ويجعلهم يعملون. ولكن عند تمام الزمان المحدود، تجمّع كل هؤلاء في مختار الله، في المسيح يسوع، مخلّص العالم.
ب- مأساة في نذر يفتاح:
كان "روح الرب" على يفتاح كا كان على غيره من القضاة المختارين، (11/29)، فقاد شعبه وخلّصه من الظم، بالرغم من نذره "اللاإنساني" وغير المقبول الذي نذره للرب. فَوَعَدَه بتقديم أول شخص يخرج للقائه، حين عودته بسلام من محاربة بني عمّون، محرقة للرب (11/31)، أي بإصعاد محرقة بشرية، وهذا أمرّ يرفضه كل إنسان، وبالأخص المسيحي. فهل هذه القصّة هي حقيقية وتاريخية، أم أنها أدخلت في سفر القضاة، وهي مقتبسة عن عادات الكنعانيين؟ إن الغاية ولا شك من قصة نذر يفتاح (11/30- 31 و34- 40) هي تفسير لعيد سنوي كان يُحتفل به على الأرجح في جلعاد (11/40).
بالطبع ليست قصة يفتاح ونذره ابنته لتكون محرقة للرب مثالاً يُتَّبَع. فالحياة البشرية مقدّسة، ولا يمكن التصرّف بها، حتى ولو كان ذلك لإصعادها ذبيحة لله. لقد جرّ هذا النذر على يفتاح وعلى ابنته مصيبة لا توصف، لأن موضوع النذر هو كائن بشري، وهذا ما يشجبه الكتاب المقدس: "لا تسلم إبنك إلى مولك" (أح 18/21)، أي أنه يحرّم تقديم الأبناء ذبائح للأصنام. وعندما يخبرنا سفر التكوين عن ذبيحة اسحق (تك 22)، فإنه يرمي إلى التأكيد على عدم رضى الله، لا بل على رفضه أن يضحّي أبٌ بابنه لأي سبب كان، حتى ولو كان هذا السبب دينياً. لقد طرح هذا في بعض الأحيان على بساط البحث (مي 6/7)، كما قام البعض بتنفيذ هذا الأمر الذي تشجبه الشريعة بحزم، كما فعل آحاز الذي "أمرّ ابنه في النار، على حسب عادات الأمم القبيحة" (2 مل 16/3).
تكمن المأساة في قصة ابنة يفتاح في القَسَم الذي أدّاه هذا الأخير، وهو يجد نفسه مرغماً على الالتزام به: "لا أستطيع أن أتراجع" (قض 11/25). إن القَسَم في اسرائيل هو بالطبع شيء مقدس، ولا يمكن أن يُحَلّ صاحبه منه بسهولة (أنظر تث 23/22- 24). لذلك على المؤمن بالله ألاّ يصنع نذراً يتعدّى طاقته البشرية، أو يجرّ عواقب غير مقبولة على الحياة البشرية، لأنه بالتالي يكون متعارضاً مع مشيئة الله.
ج- شمشون نذير الله:
شمشمون هو بطل محلّي، اشتهر بقوّته الجسدية الخارقة، احتال على الفلسطيين ولكنه لم ينجح في تخليص البلاد منهم، لأن الربّ سيحقّق هذا الأمر على يد شاول وداود.
في القصّة الأولى عن شمشون (13/2- 7 و24- 25 أ)، نجد قصة البشارة بهذا الأخير المشابهة لمثيلات لها في الكتاب المقدس، وهي تهدف إلى توضيح مستقبل ومصير شخص ما، حياته مثالية بشكل من الأشكال، وإلى أن تبيّن أن سرّ كائن بشري ما يبدأ حتى قبل الحبل به، في تصميم الله الذى ينظم كل شيء بحكمته.
إن لمشاهد البشارة هذه إطاراً أدبياً ثابتاً وواضحاً: يبشّر الله، وغالباً ملاكه، بولادة ابن، فيعترض الوالدان، أو أحدهما، بسبب التقدّم في السنّ، أو لأن المرأة عاقر، لكن الله يعطي علامة تؤكد ما يقوله، ويكرَّس الولد لخدمة تصميمه تجاه شعبه. وتحسن المقارنة في هذا المجال بين النصّ المتعلّق بشمشون، والنص الذي يقص بشارة العذراء مريم (لو 1/26- 38).
لقد "كانت امرأة منوح عاقراً" (13/2). كما كانت سارة زوجة ابراهيم أيضاً، عاقراً ومتقدمة في السن (تك 17/17؛ 18/11)، وحنة التي ستصبح أم صموئيل النبي (1 صم 1/2)، وأليشبع (اليصابات) والدة يوحنا المعمدان (لو 1/7). في كل هذه القصص، هناك تأكيد على مجانية عطية الله الكاملة والعجيبة.
منذ الحبل بالولد، يُفرَض على الأم نوع من الحياة القَشِفَة، وهذا ما سيتّبعه الإنسان المنذور لله أيضاً، فلا يشرب "خمراً أو مسكراً" (13/4). إن "النذير لله" (13/5) هو إنسان مكرّس لله من بطن أمّه (13/5؛ 16/17). هكذا سيكون صموئيل (ا صم 1/11)، ويوحنا المعمدان (لو 1/15)، نذيرين للرب. والنذر هو شكل من أشكال التكرس لله حتى نهاية الحياة، وقصة شمشون (قض 13- 16) تبقى نموذجية في هذا المجال. فمن العلامات الخارجية التي تدل على تكرّس النذير، الامتناع عن شرب الخمر ليس لأنه قد يسبب السكر، بل لأنه ذو طابع غير طاهر، كونه ناتج عن الاخمار الذي هو نوع من الفساد، وبالتالي يُبعد عن الله، وعدم قصّ الشعر مطلقاً لأن ما هو "طبيعي" هو أقرب إلى الله (أنظر عد 19/2؛ تث 21/3؛ 1 صم 6/7). ولدى الذهاب إلى الحرب المقدسة، كان المحاربون يتركون شعر رأسهم (5/2) لأنهم مكرّسون للرب كالنذراء (13/5؛ 16/17). وإذا كان الإيمان، والعيش في الإيمان، وخدمة الله، والصلاة والعبادة، وحفظ وصايا الله، هي التعبير عن علاقة كل مؤمن بالله وعن انتمائه إليه، فإن هناك درجاتٍ في ذلك، يمثّل النذير إحداها. وقد تكلم سفر العدد (6/1- 21) عن هذا الطقس القديم، الذي يُعتبر عملاً دينياً، وشهادة إيمان يحملها النذير ويعبّر عنها بشخصه بالذات.
أما غاية النذر فليست على الاطلاق شخصية بل هي "خلاص اسرائيل". هذه الرسالة هي التي تجعل في هذا البطل أو ذاك قاضي اسرائيل ومحرّرَه. فغالباً ما يتدخل الله في حياة اسرائيل عندما يبدو كل رجاء ضائعاً، فيختار رجلاً ما قبل ولادته كي يكرّسه لخدمته، وبالتالي لتخليص شعبه. هكذا يشكّل مختارو الله الذين عليهم يستقر روحه القدوس، من اسحق وحتى يوحنا المعمدان، أو حتى يسوع بالذات، ومروراً بشمشون، علامات حبّه المجّاني والثابت لشعبه. وشمشون، ثمرة وعد الله والمدفوع بالروح والمكرّس للخدمة، هو صورة مسبقة ليوحنا المعمدان من حيث البشارة به، ورسالته، وغيرته على ما هو الله. لكن شمشون هذا "المكرّس" ليست ناسكاً؛ إنه يبغض الفلسطيين، ولكن ليس الفلسطيّات ساكنات المدن، والأجمل من بنات قومه اللواتي يعشن حياة قشفة والمتحفظّات بشكل عام، خاصة تجاه شاب مغامر مثله، عاجز عن الصمود أمام النساء. لذلك لن يتمكن منه أحد إلا امرأة اسمها دليلة عرفت بإلحاحها وإغرائها أن تكتشف سر قوّته. ارتبطت قوّته الخارقة بالأمانة لنذره؛ وهذه القوة لم تكن كامنة في شعره، بل في استمراره على الوفاء لنذره بعدم قصّ شره (16/16- 17). ولما حصل عكس ذلك، انسحب الله منه واضمحلّت قوته، فتمكّن منه أعداؤه واستعبدوه. لكن عندما نما شعره مجدداً وهو في الأسر، تمكّن من أن يهدم البناء الفلسطي، ممهداً بذلك لتحرير البلاد على يد داود وبالتالي حلول ملكوت الله معه. وبالرغم من أن شمشون كان خاطئاً ومخطئاً في ظروف عدة، فإن سيرته توحي بأنه كان رجلاً صادقاً، عفوياً، لا يعرف الخبث والرياء. إنه رجل الحرية الذي قطّع كلّ القيود، بفضل أمانته لنذره.
خاتمة
من كل ما تقدّم، نستخلص أن تاريخ القضاة هو مخزن روحي، استودعه الكاتب وجوهاً مختلفة وعبراً متنوعة يستخرجها القارئ النبيه، ويستلهمها، ويعتبر بها، فتكون له مثالاً وتعليماً. لكن كل هذا لا يكتمل إلا بالمسيح يسوع، ولا يُفهم على حقيقته اللاهوتية إلاّ ضمن نور الروح القدس وإلهاماته. إذا كانت قصص القضاة تخلب العقول بحيويتها، وقوّتها، وجاذبيتها، وجمالها، فإنها كلّها تصبّ في صورة واحدة سابقة لملك اسرائيل الذي سينال روح الرب ليسوس الشعب بالحق والعدل؛ لكن هذا الملك لن يكون بدوره سوى صورة مسبقة للمسيح الآتي الذي عليه سيستقر الروح القدس، "ليبشّر المساكين، ويجبر منكسري القلوب، وينادي بعتق للمسبيين، وبتخلية للماسورين...، ويعزي النائحين" (أش 61/1- 2). إن أهمية سفر القضاة اللاهوتية والروحية تكمن في كونه يعدّ الطريق لرسالة الفداء والخلاص التي سيحققها الرب يسوع.
سفر راعوت

كيف تبقى كلمة الله حية تحكينا اليوم وتغيّر حياتنا وتلتقينا في منعطفات ايامنا المليئة تساؤلا؟ هذا مصير هذه الكلمة الأبداً فعالة لأنها مكتوبة بروح الله الخلاّق. كلمةٌ جديدة بروحها رغم مبناها المقرون بصبغة الماضي وطرقه التعبيرية.
قراءتنا لسفر راعوت هذه، قراءة جدّ متواضعة. طموحها متواضع وبسيط ألا وهو أن نستجلي كيف تطالنا اليوم كلمة الله وهي المكتوبة في الماضي. وبالتالي ما الجديد القديم الذي يريد روح الرب ايصاله الينا اليوم ليكون لنا حياة "وتكون الحياة وافرة" فينا؟
تندرج قراءتنا فى لوحتين:
1) سفر راعوت في بعده الكتابي.
2) سفر راعوت ووجه المرأة اليوم.
1) سفر راعوت في بعده الكتابي:
سفر راعوت ينتمي إلى "الكتابات"، وفرادته مزدوجة المعنى: فهو يلقي الضوء على دور الأجنبية من جهة، ويفتح آفاقاً واسعة على قيمة المرأة ودورها في تدبير الله من جهة أخرى. وهو على قصره مليء بالرموز والصور الكتابية التي تربط ما بين عقلية العهد القديم وجدّة العهد الجديد التي تشرِّع الأبواب أمام امرأة ممتلئة نعمة تدعوها السماء لتصير أول بيت قربان لابن الله المتجسد.
سفر راعوت يعتبر بحق نقطة تحول، نقطة تهريب في نموّ البشرية نحو مطلقها.
السفر بحد ذاته مؤلَّف بسيط وقصير، هو قصة امرأة اسمها راعوت أبت أن تترك حماتها بعد موت زوجها، وبقيت أمينة لشعب زوجها وإيمانه. وهذه اللوحة الموزعة في فصول أربعة هي قصة ايمان وتعليم تقرأ في الأعياد اليهودية المهمة كالحصاد، والفصح وعيد الأسابيع أو العنصرة، وعيد المظال والفوريم. 
يستمد سفر راعوت اسمه من بطلة الرواية، وهو يروي قصة أسرة هاجرت من بيت لحم إلى أرض موآب. وسبب الهجرة هو الجوع. ولم يلبث اليملك، زوج نعمي، ان مات هناك، هو وابناه محلون وكليون اللذان كانا قد تزوجا امرأتين وثنيتين من موآب، راعوت وعرفة. وبعد عشر سنين، عادت نعمي إلى بيت لحم ترافقها راعوت، في حين ان عرفة عادت إلى شعبها. ذهبت راعوت تلتقط السنابل في حقل بوعز، فاستقبلها بوعز بعطف. كانت نعمي تعم بأن لبوعز على راعوت حقّ القرابة، فأشارت على راعوت ان تحثّ بوعز على الزواج منها. فلبّى بوعز طلبها، وبعد ان تخلّى عنها قريب أقرب منه، اتخذ راعوت زوجة له. فولدت له ابناً، وهو عوبيد، أبو يسَّى، أبي داود.
سفر راعوت وحدة أدبية تعتبر رائعة من روائع الأدب تنساق الرواية في انسجام كامل: هناك أربعة مشاهد (1/6- 18 و2/1- 17 و3/1- 15 و4/1- 12) يسبقها مدخل (1/1- 5) وتليها خاتمة (4/13- 17).
وهو مليء بالصور الكتابية والتوازي والسجع والمجانسات الصوتية في اسماء العلم: اليملك (الهي ملك)، نعمي (جميلتي) ومحلون (مرض) وكليون (زوال) وعرفة (قفا العنق الذي يديره الإنسان عند الانصراف وترمز إلى الارتداد) وراعوت (المشدّدة وتنبئ بالتعلق والتأييد). اسم بوعز (فيه قوة) يبعث الأمل واسم مرة (يعبر عن الشدة). أما عوبيد فيعني العبد، أي عبد الله.
2) سفر راعوت ووجه المرأة اليوم:
السؤال المطروح علينا يبقى محور قراءتنا لكلمة الله: كيف وبم تطال هذه الكلمة حياتي أنا وكيف تترجم؟ هذا هو المحور في قراءتنا للكتاب، وخاصة في كتب العهد القديم التي يصعب على فكرنا تخطي ظاهرها المليء بالتقاليد القديمة والبعيدة عن عقلية عالمنا اليوم.
سفر راعوت كلمة حياة لحياتي أنا اليوم، هذا ما تصبو إليه هذه اللوحة الثانية من هذه القراءة، وراعوت تقفز حواجز اللغة ومحدودية الشعب والشريعة لتصبح نوزجاً لإنسان المؤمن من خلال شخصية امرأة.
أ- راعوت امرأة أجنبية:
نحن نعلم ان تقليد تثنية الاشتراع (تث 23/2- 9) يحرّم على الشعب اتخاذ امرأة غريبة ويحرم قبول الغرباء وخاصة الموآبيين في شعب الله. ومع سفر راعوت نحن وجهاً لوجه أمام امرأة متزوجة على رجل يهودي، إذن مقبولة مبدئياً ومعترف بها. وليس فقط مقبولة بل في تتابع الأحداث ونهايتها نراها تدخل في سلالة داود الملك وبالتالي سلالة المسيح المنتظر. وهذا شرف عظيم يرفع من قيمة هذه المرأة الغريبة التي تشبَّه "براحيل وليئة اللتين بنتا كلتاهما بيت اسرائيل" (4/11). ولعلّ هذا المحور هو من الأهداف المهمة التي ركز عليها متى الانجيلي عندما أورد ذكر راعوت الغريبة في سلالة المسيح يسوع.
ب- واعوت المرأة المستسلمة لعناية الرب:
الأحداث التي عاشتها راعوت كافية ومبررة لردة فعل يأس وكفر واستسلام لتيار السهولة. امرأة تترك أهلها وشعبها وتلحقْ برجل يموت ويتركها وحيدة بلا نسل وبرفقة حماة أرملة. واقع تعيس يوحي بالافلاس. وأبسط ردة فعل ممكنة تجاه الإله هي نعته بالقساوة واللامبالاة أو على الأقل تجاهله لأنه عقيم وغير قادر.
ومع راعوت نرى صورة أخرى، نرى امرأة مستسلمة ببساطة الاتقياء. والمقربين من الرب لعنايته.
نراها تقبل بواقعها الجديد، تحاوره، تحاول استكشاف أبعاد بعيدة لمعيوش جد بسيط. تبقى مع حماتها وتعيش حياة كل يوم برتابتها لكنها ترى أبعد منها وكأنها تقول بمواقفها: الرب هو إله شعب زوجي. لا بد أنه اله قدير وخالق ومتن بخلقه، فلماذا لا يعتني بي أنا أيضأ؟ فهل جفت رحمته أم شاخت عنايته؟ ونرى من خلال الأحداث كيف أن العناية لم تترك أي تفصيل إلا وصيّرته حلقة من سلسلة أحداث تؤدي "إلى خير الذين يحبونه". 
ج- راعوت المرأة الأمينة والكاشفة لأمانة الرب:
الأمانة نفس الروح القديس. سهل علينا ان نبدأ وكلّنا حماس، لكن من الصعب أن نبقى امينين لما بدأنا به. سرّ الإيمان هو الأمانة لأننا لا نؤمن مرة واحدة ونبرئ ذمتنا، بل ندفع ثمن إيماننا كل يوم باعصابنا وعلاقاتنا، وكا يقول الرسول بولس: "نحن نمات كل يوم".
صفة الأمانة هي ربما الأولى في حياة راعوت، بقيت أمينة يوم تغيرت الحال وتبدلت وكأن كل أحلامها صارت حطاماً. بقيت أمينة وعنيدة، ولا يمكن للأمانة أن تعاش من غير صلابة المبدأ والإيمان. هي المرأة الصلبة رغم التحولات الجذرية التي تعيشها. يبقى في أعماقها يقين ان الأحداث من نوعية "الآن"، والإيمان يتخطى "الآن" ليطال الشمولية.
وأمانة راعوت تكشف ولو بخفر عن أمانة الأمين القدوس وحده، الذي لا ينسى دمعة ولا كأس ماء أعطي لأجل اسمه وكرامة لحبّه. وعنايته تظهر امانته. يبقى على الإنسان أن يرى علاماته ويفهمها ويترجمها وتزهر حياته نشيداً لا ينتهي.
د- راعوت امرأة تبني علاقات:
علاقاتنا تصنعنا وتعطينا وجهاً نجرؤ به ان نواجه الآخر، هذا العالم العميق الأغوار والذي لا ننتهي من اكتشافه. وسر نجاحنا، ولو بشرياً، هو سر قدرتنا على بناء علاقات هي بمثابة جسور تقينا من الغرق أيام الغربة والوحدة وتراخي القوى العلائقية المتبعة. علاقاتنا هي نسيج المحاولات الغالي ثمنها نلبسها أيام العري، وهي خبز سنين الخير لأيام الجوع. راعوت امرأة العلاقات المبنية على أسس ثابتة، لا كمن يغيّر ثوبه بحسب الأيام والمناسبات. علاقتها بحماتها وزوجها الذي رحل علاقة الوفاء والثبات مهما تغيرت الأيام. علاقتها ببوعز علاقة الحب الشريف والكريم. وعلاقتها الأجمل هي علاقة بهذا الإله الذي تتعرف إليه وتتلمس حضوره وعمله من خلال تفاصيل بسيطة ورتيبة. 
راعوت المرأة التي تعرف ان العلاقات تبنى على الصدق والبساطة. وقبول الحب الآتي اليها من الآخر، هي من فقراء يهوه المنتظرين الحب كما الأرض المشققة تنتظر ماء السماء. تقبل ان تحب وهذا سر العلاقة التي تدوم وتتحدى مستجدات الأيام، وتؤمن أن من يحب لا يموت.
هـ- راعوت وقيمة المرأة:
على عكس ما نظن، العهد القديم يقيّم المرأة ويعطيها حقوقاًَ لم يعطها للرجل فهي التي تعطي حق الانتماء للشعب اليهودي. وقبلها الشعب معلمة وقاضية له في صورة دبورة مثلا...
لكن العهد القديم، على تقييمه للمرأة، لم يتخطَّ كونها حواء، أم الأحياء، وعاملها على هذا الأساس. فمرذولةٌ المرأة التي لا تنجب، وقِسمة الأرملة أن تنتقل من أخ زوجها إلى اخوته بغية إقامة نسل للمرحوم، وهي تُشترى تماماً كالحقل أو قل هي تلحق به. وإذا مات زوجها يُطلَق سراحها وتُعتَق، وتترك البيت وكأنها ما كانت. راعوت امرأة آتية من العهد القديم لكنها ترى ظلال عهد مبهم بالنسبة إليها وكأنه صدى لصوت سوف تسمعه مريم ويصير فيها تجسداً. راعوت تتخطى واقع شراء. وتخلق واقعاً آخر هو واقع النوعية يعترف به بوعز حين يقول لها: "باركك الرب يا ابنتي، لأن امانتك الأخيرة خير من الأولى، إذ لم تسعي وراء الشبان، فقراء كانوا أو أغنياء. والآن لا تخافي يا ابنتي ومهما قلت فأنا افعله لك" (را 3: 10- 11).
ومن واقع حواء التي تلد وتقيم النسل تدخل راعوت في جوّ آخر هو الانتماء إلى سلالة المسيح الآتي.
كتاب صموئيل

مقدمة:
كتاب صموئيل جزءان، سفر صموئيل الأول وسفر صموئيل الثاني، ولكن موضوعهما واحد متتابع. وما يرويانه لا يكتمل إلا مع كتاب الملوك بسفريه الأول والثاني. ولهذا كانت بعض النسخات القديمة تسمي سفري صموئيل سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثاني، وسفري الملوك الأول والثاني، سفر الملوك الثالث وسفر الملوك الرابع. أما النسخات الحديثة فميزت بين كتاب صموئيل وكتاب الملوك وكلاهما يحدثاننا عن الملكية في أرض يهوذا واسرائيل منذ أيام شاول إلى الملك يوياكين والجلاء إلى بابل سنة 587 ق. م.
وُضع هذا الكتاب على اسم صموئيل للأن التقاليد القديمة اعتبرت أن صموئيل كتب القيم الأكبر، وما تبقى دوّنه ناتان النبى والرائي جاد. أما النظرة الحديثة فتعتبر أن الكتاب دوّن على مراحل قبل أن يصل إلى صيغته النهائية في زمن الجلاء أو بعد الجلاء على ضوء التعليم الوارد في سفر تثنية الاشتراع: السعادة والشقاء من الله، الموت والحياة من الله، وهو يعطيها مُراعِياً في ذلك أعمال البشر. ان خطئ الإنسان عاقبه، وهذا ما فعل بشاول الملك وعالي الكاهن، وإن احسن جازاه خير المجازاة، وهذا ما حصل لداود الذي استحق أن يبقى أناس من نسله على العرش الملكي حتى المنفى إلى بابل سنة 587 ق. م.
موضوع الكتاب
يروي كتاب صموئيل قصة تنظيم الملكية في أرض يهوذا واسرائيل. ويحدثنا في قدم أول (1 صم 1- 7) عن صموئيل منذ ولادته ودعوته النبوية إلى أن صار قاضياً ومخلصاً لشعبه. المناخ مناخ حرب مع الفلسطيين العائشين على ساحل أرض كنعان في مدن مثل جت واشقلون وعقرون وغيرها. والدور الأكبر يلعبه تابوت العهد، ذلك الصندوق الذهبي الذي يحمله المؤمنون فيمثل حضور الله بينهم.
القسم الثاني (1 صم 8- 15) يحدّثنا عن بداية الملكية مع شاول. شاخ صموئيل فاحس الشعب بالخطر، لهذا طلب من صموئيل أن يقيم عليه ملكاً مثل سائر الشعوب. عارض صموئيل مطلب الشعب لأنه يعتبر أن لا ملك إلاَّ الله. ولكنّه عاد فلبّى ومسح شاول ملكاً بعد أن أبان للشيوخ نتائج الملكية في شعب اسرائيل. ويقود شاول شعبه في حروب مع الفلسطيين ومع بني عماليق هؤلاء البدو المقيمين في النقب وجبال ادوم بين البحر الميت وخليج العقبة. انتصر شاول، ولكّنه أخطأ مرتين ضد إرادة الله فرذله الله.
القسم الثالث (1 صم 16- 31) يتطرق إلى الصراع بين شاول وداود، ويُبرز صعودَ نجم داود وافول نجم شاول. كُرِّس داود ملكاً وهو فتى، فدخل في خدمة شاول. وبرز لقتال بطل من أبطال الفلسطيين، فصار قائداً حربياً وأحبَّه الجميع حتى يوناتان بن شاول. أما شاول فانحسد منه، وحاول أن يقتله. فهرب داود ولجأ إلى أرض الفلسطيين، وظل هناك إلى أن مات شاول ويوناتان في معركة الجلبوع في أرض إفرائيم في الشمال.
القسم الرابع (2 صم 1- 20) يحدثنا عن داود الملك الذي حاول أن يستولي على المُلك بابعاد سلالة شاول (2 صم 1- 5: 5). نادت به قبيلة يهوذا ملكاً ثم تبعتها سائر قبائل اسرائيل. وتبرز أمجاد الملك التي شملت انتصارات داود على جيرانه واحتلال أورشليم ونقل تابوت العهد إليها وتنظيم المملكة تنظما حديثاً على غرار ممالك فينيقيا (2 صم 5: 6- 10: 19). وأطلت ظلالُ الملك التي بدأت بالزنى مع بتشابع إلى مغامرات امنون وثورة ابشالوم وحرب داود ثم رجوعه إلى أورشليم (2 صم 11- 20). كل هذا يشكل مع الفصلين الأولين من سفر الملوك الأول الأحداث التي حملت سليمان وأوصلته إلى عرش يهوذا واسرائيل.
القسم الخامس (2 صم 21- 24) يتضمّن ملحقاً فيه الشعر والأخبار وفيه الحديث عن المعنى الديني لكتاب صموئيل. ضربتان حلّتا بالشعب فارتبطت احداها ببناء الهيكل.
ونتساءل: لماذا نقرأ نحن المسيحيين اليوم كتاب صموئيل؟ ما الحاجة إلى التعرف إلى حروب بين شعب وشعب، كا بين العبرانيين وجيرانهم؟ ما الحاجة إلى تتبع ثورة تقوم على ملك لازاحته من الطريق؟ هذا ما فعله داود ونجح وهذا ما حاوله ابشالوم ففشل. أما وصول سليمان إلى الملك فهو مصبوغ بالقتل وإراقة الدماء. ومع ذلك تعتبر الكنيسة كتاب صموئيل جزءاً من الكتاب المقدس ويشمله الالهام. هذا يعني أن هناك معنى دينياً لا بدَّ من اكتشافه لأن فيه غذاء لحياة المؤمنين في شعب الله.
لاشك في أننا نقرأ أخبار ملكين هما شاول وداود، ولكننا نكتشف من خلال كتاب صموئيل نظرة المؤمن إلى الأحداث. إن البشر يكتبون التاريخ، ولكن المؤمن يعرف أن الفاعل الأول هو الله. الله اختار شاول والله رذله، وهو الذي يحكم على أعماله. الله اختار داود من وراء الغنم ورفعه، وهو الذي يحكم على أعماله. زنى داود مع بتشابع وقتل زوجها، فأرسل الله إليه ناتان النبي يوبّخه على عمله، أجل، هناك شريعة الهية توجِّه أعال الشعب، والملك لا يستطيع أن يتعدّاها مهما عَظُم شأنه. كان سفر التثنية قد طلب من الملك أن يكتب له نسخة من هذه الشريعة لتكون شاهدة على أعماله (تث 17: 18) وذكَّر صموئيل الشعب بالأخطار الناتجة عن وجود ملك في أرض اسرائيل (1 صم 8: 11- 18).
كانت محاولهّ أولى لدى الله فاختار ملكاً، ولكن محاولته فشلت بسبب تصرّف شاول. وكانت محاولة ثانية مع داود الذي كان بحسب قلب الله فنجحت، وستكون صورة داود رمزاً إلى الملك المنتظر، إلى يسوع المسيح الذى يسميه الشعب ابن داود. أجل، استفاد الكتاب المقدس من فشل الملوك بعد داود، فخلق تعطشاً إلى ملك يرسله الرب فيقود الشعب في طرق الرب. وانطلق الأنبياء من هذه الحاجة فتحدث أشعيا مثلاً عن ذلك الذي يمسحه الله ملكاً فيكون المشير العجيب والإله القوي وأمير السلام (اش 9: 5)، الذي يجعل الذئب يسكن مع الحمل والنمر مع الجدي، الذي يمنع الناس من أن يسيئوا ويفسدوا لانهم امتلأوا من معرفة الرب (اش 11: 6- 9) وكل هذا بم بفضل اصل يسّى الذى هو داود وأبناؤه. أجل سيكون يسوع آية لشعوب الارض، ومن مركز اقامته يشع مجد الله (اش 11: 10).
لا يشبه كتاب صموئيل سفر المزامير أو كتب الأنبياء بتعليمها المباشر، ولا يشبه أسفار العهد الجديد بتعليمها الكامل، ولكنه يقدم لنا وجوهاً نكتشف فيها نعمة الله التي تعمل في كل إنسان، وبالأحرى في الذين اختارهم وأرسلهم في مهمة من أجل شعبه.
1ً- نتعرف أولاً إلى وجه صموئيل ابن المعجزة الذي نُذر لله منذ ولادته وتربى في المعبد وكان ينمو في القامة والجمال أمام الله وأمام الناس (1 صم 2: 26). هذا النبي عرف أن يسمع صوت الله ويخضع له يوم كان صبياً (1 صم 3: 10)، وحرص فلم يدع كلمة من كلمات الرب تسقط على الأرض (1 صم 3: 19) دون أن يعمل بموجبها. تكلم مع الرب يوم كانت كلمة الرب عزيزة ونادرة فسمّي الني، ورأى الرب يوم لم تكن الرؤى متواترة (2 صم 3: 1)، فسمي الرائي، وسار على خطى الرب فافترق عن بني عالي الذين سلموا أنفسهم للشر، وقضى للشعب بالعدل وقاده في طريق الخلاص. وهكذا استحق مديح الجميع فما استطاعوا أن يجدوا فيه شيئاً يستحق اللوم (1 صم 12: 3- 5).
ولكن الله اختار صموئيل أولاً ليعلن كلمته ويقوم بالمهمات التي يرسله فيها. كان بعد صبياً يوم طلب منه الرب أن يوصل إلى عالي الكلمات القاسية: سيقضي الرب على بيت عالي بسبب اثم ابنائه. وسيعلن لشاول: رَذلتَ كلام الرب فرذَلك الرب ولن تكون ملك اسرائيل. أترى الرب يُسرُّ بالمحروقات والذبائح كما يُسرّ بالطاعة لكلامه؟ الطاعة خير من الذبيحة، والاصغاء إلى الرب أفضل من أن نقدِّم له الكباش السمينة. فالتمرّد على الله يشبه ممارسة السحر، والعصيان له يُشبه السجودَ للأصنام (1 صم 15: 23- 23).
أرسل الربُ صموئيل ليمسحَ شاولَ ملكاً، فأطاع رغم تخوفه من سلطة الملك واستبداده. وأرسله ليمسح داود ملكاً، فأطاع رغم خوفه من شاول (1 صم 16: 2). وحين رأى صموئيل أن الله بارك شاول، اعتزل بعد أن أقام لهم ملكاً، ووعدهم أنه لن يزال يصلي لأجلهم ويعلّمهم الطرق الصالحة (1 م 12: 23).
نظرة سامية إلى الدين، أمانة في تنفيذ أوامر الرب، مكانةٌ في قلب الشعب كمعلم وقاض وقائد ومخلص ونبي ومتشفع، دور لعبه صموئيل في إقامة النظام الملكي. كلُّ هذا جعل منه أحد الأبطال الروحيين في شعب اسرائيل فارتفع إلى مقام موسى. ولهذا قال فيه ابن سيراخ معبِّراً عن التقليد: كان صموئيل محبوباً من الرب، وكنبي الرب أسس الملك وأقام حكاماً للشعب. بأمانته للرب برهن أنه نبي، وبكلامه تبين أنه صادق الرؤيا. دعا الرب القدير عندما حاصره الأعداء وقدم له حملاً رضيعاً، فأرعد الرب من السماء وأسمع صوته بدوّي عظيم... قبل موته، شهد أمام الرب والملك الذي مسحه الرب، أنه لم يأخذ من أحد من البشر مالاً، بل ولا حذاء، ولم يتّهمه إنسان. وبعد موته، تنبَّأ وأخبر الملك بوفاته، ورفع من القبر صوتَه بالنبوّة ماحياً آثام الشعب (سي 46: 13- 20).
2ً- شاول بطلٌ تعيس، ولكنه أعطي كل شيء. شاب جميل ومميَّز، يعلو فوق الجميع من كتفه فما فوق. شجاع لا يهاب المحن. اختاره الله كأول ملك على شعب اسرائيل، وبرّر اختيار الله له بنجاح في الحرب منقطع النظير. ولكن مرضاً سرياً يعمل في داخله دفعه إلى أن يقوم بأفعال لا تليق به كملك. يخاف من الناس، يغضب عليهم، ينحسد منهم، وكانت أولى ضحايا هذا الحسد داود الذي جاء به وأحبه. لاحقه مراراً واراد أن يقتله. وهكذا أتلف قوى المملكة الحديثة العهد ساعةَ يهدِّد البلادَ خطرُ الفلسطيين. خطئ بالنسبة إلى وظيفته فأضاع وقته في حرب داخلية إستنفدت قوى المملكة، وخطئ تجاه الرب فلم يسمع له، بل فضَّل أن يسمع لنداء الجيش، حينئذ أعلن له صموئيل أن الله حطّه من مقامه الملكي واختار له شخصاً آخر يسمع له. قال له: رذلت كلام الرب فرذلَك الرب. حينئذ عرف شاول انه تعدَّى أمر الرب ولم يسمع لكلام نبيه. خاف من الشعب وسمع لصوتهم (1 صم 15: 24). أجاب صموئيل: ليس الله إنساناً فيندم. وهكذا لم يبق لشاول إلاَّ أن يموت في معركة الجلبوع مع بنيه قبل أن يرى جيشه ينهزم. لماذا عاقب الرب شاول بقساوة مع أنه ندم على خطيئته؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عنه ونحن لا نستطيع أن نطلب من الله حساباً، لكننا نستفيد نحن والحكام المسؤولون عنا من كلمات سفر الحكمة (6: 5- 6): "سينزل عليكم (أيها الملوك) بغتة عقابٌ شديد، لأن الحكم يكون أشد قساوة على الذين يحتلون المناصب الرفيعة. فالرحمة أولى بأن تكون لعامة الناس، لا لأرباب القوة الذين يجب أن يُعاقبوا بقساوة".
رغم كل شيء، يحزننا مصير شاول المأساوي الذي أحبه الله واختاره كأول ملك في أرض اسرائيل كما اختار قايين وجعله بكر اخوته وأعطاه الأرض المزروعة. وهكذا نفهم أن عطايا الله يمكنها أن تكون لدينونتنا إن لم نستثمرها بحسب إرادة الربِّ ورضاه.
3ً- ونصل إلى داود ونتعلَّق به كبطل من أبطال الأساطير. هو أسمر حسن العينين وسيم المنظر (1 صم 16: 12). هو فنَّان يحسن الضرب بالكنارة (1 صم 16: 16، 23). شجاع حتى التهور، لا يكلّ ولا يعرف التعب وبالأخص حين هرب من أمام شاول وعاش حياة تائهة في برية يهوذا وأرض الفلسطيين. قائد يجتذب الرجال بقوة شخصيته، كبير النفس لا يلجأ إلى الوسائل السافلة. عظيم يعرف أن يغفر، عطوف على الجميع، محب لأصدقائه وبالأخص يوناتان بن شاول.
كان ملكاً عظيما، ولكنه لم يكن كاملاً، فعرف الضعف البشري. زنى مع بتشابع زوجة أوريا الحثي، ولكنه لم يقدر ان يخفي خطيئته فعمل على قتل أوريا. ثم أخذ له امرأته وضمَّها إلى بيته فولدت له ابنا (2 صم 11). اعتبر نفسه انه ملك، وأن لا شيء يقيِّد الملك في أعماله. هذا قول خاطئ والكتاب يقول: ورأى الله ما صنعه داود من السوء فلم يرضَ (2 صم 11: 27). فأرسل إليه ناتان الني يوبّخه ويقول له: أنت الرجل الذي فعل هذا الشر. أعطاك الرب ما أعطاك فازدريته وما أخذت بوصاياه. حينئذ قال داود لناتان: خطئت إلى الرب (2 صم 12). ويقول التقليد أنه على أثر خطيئته هذه أنشد المزمور 51: إرحمني يا الله كعظيم رحمتك وكمثل كثرة رأفتك أمحُ مآثمي... نجّني من الدماء يا الله، يا اله خلاصي، فرِنّم لساني ببرّك.
لن نحكم على داود على ضوء الانجيل، وهو الذي تصرف بعض المرات بقساوة زائدة (1 صم 37: 9- 11)، وغفر ليعود فيسلِّم الانتقام لابنه سليمان (1 مل 2: 5- 9). لن نحكم عليه بنظرتنا الخاصة، ولن ننسى أن أساليب اليوم لا تختلف كثيراً عن أساليب ذلك الزمان. ولكن نتأمل بهذه الروح الدينية التي يتحلى بها فتؤثّر فينا وتحركنا. هو يُحس إحساساً عميقاً بعظمة الله وبما أعطاه من مواهب هو وشعبه. قال في صلاته: من أنا أيها الرب الإله، وما بيتي حتّى بلغت بي إلى هنا؟ فأنا لا أستحق كل هذا. وقَلَّ هذا في عينيك، أيها الرب الإله، فقدَّمت المواعيد أيضاً لمستقبل بيتي، وجئت تعلمني بها وأنا لست إلاَّ إنساناً. ماذا أقدر أن أزيد على ما قلته، أيها الرب، وأنت عرفتني، أنا عبدك. أيها الرب الإله كم أنت عظيم، فلا أحد يشبهك ولا إله سواك كما سمعنا بآذاننا (2 صم 7: 18- 22).
ينظر داود إلى الله نظرة خشوع، وينظر إلى الملك الذي اختاره الله ومسحه، نظرة إجلال. لهذا السبب سيرضى داود بأن يُهدَّد ويُضطهد ويُطرَد من بلاده، ولكنه لن يقبل يوماً أن يرفع يده على من مسحه الرب. سنحت له الفرصة مرتين أن يقتل شاول ويستولي على الفلك، وهو الذي مسحه صموئيل كما مسح شاول (1 صم 16: 13)، ولكنه لم يفعل. قال حاشى لي أن أرفع عليه يدي وأقتله لأنه مسيح الرب. وزجر أصحابه ولٍم يَدَعهم يثبون على شاول في المغارة ليقتلوه (1 صم 24: 7- 8). وقال أيضا لأبيشاي أحد أصحابه: لا تقتله، فمن الذي يمد يده على مسيح الرب ويكون بريئاً. الرب هو الذي يُنهي له حياته إما بأن يأتي يومه فيموت أو بأن ينزل إلى حرب فيهلك (1 صم 26: 9- 10).
وداود هو المؤمن الواثق بربه. حين تحل ظروف قاسية يحسب الإنسان ان كل شيء ضاع، يستسلم داود إلى الرب فيقول: فليصنع ما مجون في عينيه (2 صم 15: 26). وحين يلعنه شمعي وهو هارب من وجه ابنه ابشالوم، يجيب ابيشاي: دعوه يلعن لأن الرب أمره بذلك، لعلَّ الرب ينظر إلى مذلتي ويردّ لي السعادة بدل لعنته في هذا اليوم.
وداود هو ذلك المتعبِّد لحضور الرب وسط شعبه. حين احتلَّ أورشليم، جاء بتابوت العهد ورقص أمامه فعبر عن فرحته رغم احتقار امرأته ميكال له. ولما عاتبته قال لها: أنا رقصت أمام الربّ الذي اختارني وأقامني رئيساً على شعبه، وأني سأعبِّر أيضاً عن فرحي أمام الرب. حين أتصاغر وأتذلل في عيني نفسي، بذلك أزداد مجداً (3 صم 6: 21- 22). وحين بنى داود له قصراً، أظهر عن ركبته في أن يبني هيكلاً للرب في أورشليم، ولكن الله لم يسمح له بذلك لأن يده تلطخت بالدماء في الحروب.
هذا هو وجهُ داود الذي ظلَّ في شعب اسرائيل النموذج للملك الثالي، وسيحكم الكاتب الملهم على سائر الملوك بحسب مشابهتهم لداود. قال مثلاً عن الملك يوشيا: وصنع ما هو قويم في نظر الرب وسار في طريق داود أبيه ولم يعدل عنها يمنة ولا يسرة (3 مل 22: 2). وسيقول ابن سيراخ في داود أنه أحب الله الذي خلقه. وسيتعاظم مجد هذا الملك فيجعله كتاب الأخبار وسط نظرته إلى الاحداث ويعتبره الشاعرَ الملهم ومنظم الكهنوت وشعائر العبادة في شعب الله. وفوق هذا ستعلن نبوءة ناتان مصيرَ داود الفريد: يكون بيتك ومُلْكك ثابتين إلى الدهر أمامي، وعرشك يكون راسخاً إلى الأبد (2 صم 7: 16).
فلا نعجب بعد هذا أن يكون داود صورة الملك المسيحاني في نظر الأنبياء. وسيكرمه العهد الجديد فيسمي يسوع ابن داود. فإذا كان العهد الجديد رأى في هذا الملك صورة مسبقة ليسوع، فكم يجدر بنا نحن المسيحيين أن ننظر إلى داود التقي والخاطئ، الكبير والضعيف، فنتعلّم منه فضيلة الثقة بالرب، كما نتعم من صموئيل فن الإسماع إلى كلام الرب.
وهكذا حين نقرأ كتاب صموئيل نرى من خلال الأحداث يد الرب تحرك هذه الأحداث، ونكتشف من خلال الأشخاص اصبع الرب يرسم وجوهاً عديدة ستكون صورة مسبقة لابنه يسوع، ونتأمل من خلال النظم الملكية والعبادية في شخص يسوع الملك وفي كنيسته التي لا تنحصر في شعب واحد، بل تمتد إلى جميع الشعوب لتدعوها إلى عبادة الله بالروح والحق.
كتاب الملوك

مقدمة:
كتاب الملوك جزءان في كتاب واحد، سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثاني، وما يرويانه يرتبط بكتاب صموئيل. في كتاب صموئيل تبدأ قصة داود ولا تنتهي إلاَّ في الفصل الثاني من سفر اللوك الأول. أمَّا كتاب الملوك فهو امتداد لكتاب صموئيل وهو يحدّثنا عن ملوك يهوذا واسرائيل منذ سليمان بن داود حتى يوياكين آخر ملوك يهوذا والجلاء إلى بابل سنة 587 ق. م.
موضوع الكتاب:
يروي كتاب الملوك حقبةً من تاريخ بني اسرائيل تبدأ حوالي السنة 970، سنة موت داود، وتنتهي بعد سنة 587 يوم أفرج الملكُ البابلي عن يوياكين، وكلّمه بكلام طيب، وسمح له أن يأكل معه على مائدته.
أما أقسام الكتاب فثلاثة: القسم الأول (1 مل 1- 11) يحدثنا عن سليمان الذي صار ملكاً رغم الموآمرات التىِ حيكت حوله، وينشد مُلْكه المجيد في لوحات ثلاث: هو الحكيم الذي منحه الله الحكمة، هو العظيم الذي تدل على عظمته روعة الأبنية التي بناها، هو الغني الذي اغتنى بفضل علاقاته التجارية فملأ قلوب الملوك إعجاباً ولا سيما قلب ملكة سبأ. ولكن الظلال بدت في نهاية حكمه: أعداء من الخارج في شخص رزون بن الياداع الذي هرب من عند هدد عازر ملك صوبة قرب دمشق. أعداء من الداخل ولا سيما يربعام الذي سيصير ملك اسرائيل.
القسم الثاني (1 مل 12- 2 مل 17) يسرد خبر المملكتين، مملكة يهوذا في الجنوب التي حكمها أبناء داود، ومملكة اسرائيل في الشمال التي حكمتها سلالات متتالية وكان أعظمها سلالة عمري. في هذا القسم نتعرف إلى إيليا النبي والدور الذي لعبه خاصة مع الملك احاب، زنتعرف إلى أليشاع تلميذ ايليا الذي عمل مع ياهو من اجل تنقية مملكة الشمال من الآثار الوثنية. وينتهي هذا القسم بسقوط السامرة سنة 722- 731 ق. م... دمّرت بسبب شر الملوك الذين تعاقبوا على عرشها.
القسم الثالث والأخير (3 مل 18- 25) عدّثنا عن مملكة يهوذا منذ سقوط السامرة حتى الجلاء إلى بابل سنة 587. يتوقف الخبر عند حزقيا الذي عرف بأمانته لله فقام بإصلاح ديني في المملكة. وبعد أن يشير إلى تقدم الكفر على يد الملكين منسى وآمون، يعود الكتابُ ليخبرنا عن إصلاح قام به يوشيا على أساس كتاب الشريعة الذي اكتُشف في الهيكل سنة 622. ولكن ساعة الدمار دقّت ليهوذا، فاحتلَّ البابليون أورشليم مرّة أولى وسبوا قسماً من سكّانها سنة 597، ثم احتلّوها مرةً أخرى ودمّروها وأحرقوا الهيكل فيها وأخذوا من تبقَّى من النُخبة إلى السبي.
المعنى الديني لكتاب الملوك:
1- لاهوت التاريخ: يقدّم لنا كتابُ الملوك تفسيراً للتاريخ مبنياً على لاهوت يؤكد أن الرب يقود الأحداث ويوجّهها. ويقول لنا إن الله يُمارس سلطانه على تاريخ الشعوب. فهو يَحكم على الملوك ويعاقبهم، وهذا ما حصل لسليمان: حين كان أميناً لربه حصل على أفضل جزاء، ولكن حين ابتعد عن الطريق القويم عرف حكمُه الفشل. وهذا ما سيحصل للمملكتين اللتين ستزولان. والله يُلزم نفسَه بالعهد، يحفظ شعبه ويخلصه، رغم خياناته.
ويقول لنا كتاب الملوك أن الله يتكلم، يتكلم عبر الأحداث، يتكلم عبر أنبيائه، وهو حاضر وسط البشر بواسطة ملكه، بواسطة هيكله. ونزيد أن حضوره لا ينحصر فقط في شعب اسرائيل، بل يشمل سائر الشعوب. وهذه الحقيقة الأخرى نقرأها في صلاة الغرباء في الهيكل. يقول الكتاب بلسان سليمان: وكذلك الغريب الذي يأتي من أرض بعيدة ليصلي لك في هذا الهيكل، فاسمع أنت في السماء، من مكان سكناك، واصنع له بجميع ما يدعوك فيه ليعرف جميع أمم الأرض اسمك ويتقوك مثل شعبك اسرائيل (1 مل 8: 41- 43).
2- تاريخ الملوك: ينطلق كتاب الملوك من الوثائق الموجودة في البلاط الملكي ليحدّثنا عن ملوك يهوذا واسرائيل على ضوء كلام الله وتعليمه. فالملِك الحقيقي هو الذي يحفظ فرائضَ الله. الملِك الحقيقي هو الذي يسير في طرق الله ويَحفظ رسومه ووصاياه وأحكامه وفرائضه على ما هو مكتوب في شريعة موسى (1 مل 2: 3). والوظيفة المَلَكية تفرض على الملك أن يحكم شعبه بالحكمة والعدل، بل أن يخدمهم (1 مل 12: 7) لأن هذا الشعب يخص الله. هنا نقابل بين رحبعام الملك الجاهل الذي ترك حكمة الشيوخ واتبع حكمة الفتيان، فأدَّى تصرفُه إلى انقسام مملكة داود وسليمان إلى مملكتين (1 مل 12)، وبين سليمان الذي صلَّى إلى الرب وطلب منه الحكمة قال: فهبني يا سيدي قلباً فَهِما لأحكام شعبك وأميِّز بين الخير والشر، لأنه من يقدر أن يحكم شعبك هذا الكثير. فأجابه الرب: بما أنك سألت الفَهْم ولم تطلب لك الحياة الطويلة والغنى الكثير، بل طلبت الحكمة لتحكم الشعب بالعدل، فها أنا أعطيك الحكمة والفهم حتى إنه لم يكن قبلك مثلك ولا يقوم بعدك نظيرك (1 مل 3: 9- 12).
أجل سليمان وجه مثالي من وجوه الملوك، وسيبقى كذلك ما دام أميناً للرب، ولكنه سيتزوّج نساء غريبات ويبني لهن معابد لآلهتهن. أبان سليمان بذلك أنه ترك الرب فتركه الرب وقال له: بما أنك تصرفت هكذا، ولم تحفظ العهد بين وبينك، ولم تحفظ فرائضي التي أمرتك بها، فسأنزع قسماً من مُلْكك وأدفعه لأحد رجالك (1 مل 11: 11).
لا يُهم كتاب الملوك ما يفعله الملوك من حروب وما يقومون به من أعمال. فاحاب الملك العظيم شيَّد قصر العاج وبنى المدن (1 مل 22: 39). ولكن ما يهم الكاتب الملهم هو أن هذا الملك صنع الشر في عيني الرب أكثر من جيع من تقدمه. ما اكتفى أن يسير في خطايا يربعام بن ناباط (أول ملك على مملكة اسرائيل) بل زاد على ذلك بأن تزوج ملكة وثنية (ايزابيل) ستحمل معها عبادة البعل إلى مملكة اسرائيل.
كل ملوك اسرائيل كانوا أشراراً، ولم يسلم منهم أحد منذ يربعام، لأنهم فصلوا شعبهم عن أورشليم المعبد الوحيد لشعب الله. أما ملوك يهوذا، وكلُّهم من سلالة داود فبعضهم كان شريراً، والبعض الآخر سار في الطريق القويم، طريق الرب. وسيمتدح الكاتب اثنين: حزقيا ويوشيا. فهذان الملكان لم يمارسا العبادات الوثنية، ولم يبنيا معابد للآلهة الغريبة. أما الآخرون فطلبوا آلهة الوثنيين ومارسوا السحر والعرافة، وضيّقوا على الناس وعاملوهم بالعنف، واضطهدوا أنبياء الرب، وقاموا بحروب لا يريدها الرب. قال الكاتب عن حزقيا: صنع ما هو قويم في نظر الرب كجميع ما صنع داود جدّه. أزال المعابد المشرفة على المدينة وحطّم النّصب والأصنام... وثق بالرب إله اسرائيل أكثر من جميع ملوك يهوذا الذين جاؤوا قبله أو جاؤوا بعده. تعلَّق بالرب وما مال عنه، وحفظ وصاياه التي أمر بها الرب موسى. وكان الرب معه فنجح في كل ما قام به من أعمال (2 مل 18: 3- 7). وقال عن يوشيا الذي قام باصلاح ديني عميق: صنع ما هو قويم في عيني الرب، وسار في طريق داود جده ولم يعدل عنها يمنةً ولا يسرةً.
هذا الحكمُ على ملوك يهوذا واسرائيل باسم الرب، يدل على أهمية كتاب الملوك، وهو يدعو الكنيسة اليوم أن تقوم بعملها الانتقادي تجاه الحكام والرؤساء، أن لا تخاف أن تقول حقيقة الانجيل عندما يُهان الإنسان أو تُداس العدالة أو تمتهَن الحريات العامة. إختبر الكاتبُ الملهم في كتاب الملوك أن لا مملكة كاملة على الأرض، وأن الله وحده يستطيع أن يؤمّن السلام والخير للبشر بواسطة من يختاره من البشر أو بواسطة من يرسله من العلاء. وهذا ما نتحقق منه في شخص يسوع المسيح. إنه من عالم البشر وهو من تجسد من مريم العذراء وصار إنساناً. انه من عالم الله وهو إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق. جمع يسوع المسيح في شخصه الألوهة والناسوت، فكان العهدَ الجديد بين الله والبشر الذى جاء يقيم مملكة الله على أرض البشر.
3- أغمال الأنبياء وأقوالهم: كتاب الملوك كتاب تاريخ لأنه يورد في صفحاته بعض الأمور التاريخية، وهو أيضاً كتاب نبوءة لأنه يقدم حكماً لاهوتياً على مرحلة من تاريخ بني اسرائيل. ولكنه كتاب نبوءة أيضاً، لأنه يُفرد مكانة خاصةً للأنبياء، هؤلاء المتكلمين باسم الرب والعاملين بهشيئته. سيقشل الملوك، وسيقودون الشعب إلى الدمار، ولو سمعوا كلام الأنبياء لما حلّت الكارثة بالشعب.
من هم هؤلاء الأنبياء؟ هناك ناتان الذي وبَّخ داود على فعلته مع بتشابع والذي لعب دوراً ليوصل سليمان إلى العرش (1 مل 1: 32- 27). وهناك أحيا الشيلوني الذي تنبّأ ليربعام بالمُلك على قبائل اسرائيل: شقَّ رداءه وأعطى يربعام عشر قطع وقال له: هكذا قال الرب إله اسرائيل: ها أنا آخذ الملك من سليمان وأعطيك عشرة اسباط... فإن أنت سمعت كل ما آمرك به وسلكت في طرقي وعملت ما هو قويم في عيني، إن حفظت فرائضي ووصاياي مثل داود عبدي، أكون معك وأعدك أنَّ نسلَك سيملك إلى الأبد مثل نسل داود (1 مل 11: 30- 38).
أما شمعيا، رجل الله، فسوف يتدخل ليوقف حرباً أهلية بين يهوذا واسرائيل على أثر إنشقاق مملكة سليمان. كان كلام الله إليه ليوصله إلى شعب يهوذا: كذا قال الرب: لا تصعدوا ولا تقاتلوا اخوتكم بني اسرائيل. ليرجع كل رجل إلى بيته. فأذعنوا لكلام الرب، ورجعوا إلى بيوتهم (1 مل 12: 22- 24) بعد أن كانوا استعدوا لمحاربة اخوتهم الذين انفصلوا عنهم. ويَبرز شخصُ ميخا بن يملة ليساعدنا على التمييز بين المحسوبين أنبياء والمتكلمين باسمهم الخاص، وبين النبي الحقيقي، بين المتزلفين للملك والباحثين عن رضاه، وبين الذي لا يقول إلا ما يأمره به الرب. استعد ملك اسرائيل وملك يهوذا للحرب وأرادا أن يسألا الرب. كل الأنبياء قالوا لملك اسرائيل: إصعد إلى راموت جلعاد فتنجح فإنَّ الرب يدفعها إليك. وذهب الرسول إلى ميخا وقال له: إن الأنبياء تكلموا بفم واحد (اتفقوا) فأنبأوا الملك بالنَصر. فليكن كلامك ككلامهم وأعْلِن للملك النجاح. أجاب ميخا: سأعلن ما يقوله لي الرب... وسيكلفه اعلان الحقيقة غالياً: تقدم صدقيا، أحد الأنبياء، ولطمه على وجهه، وأرسله الملك إلى السجن وأمر باطعامه الخبز والماء (1 مل 32: 13- 27). هكذا كانوا يضطهدون الأنبياء الذين يعلنون كلمة الله ولا يخافون.
ويحدثنا كتاب الملوك عن اشعيا الذي كان بجانب الملك حزقيا (2 مل 19: 1- 7) ولكنه يقدم لنا شخصيتين غنيتين هما ايليا وأليشاع.
إيليا شخص سري يظهر فجأة ويختفي فجأة. له سلطان على عناصر الطبيعة وعلى نار السماء. إجترح المعجزات العديدة، فدلَّ على قدرة الله الفاعلة في عالم يعج بالعبادات الوثنية. كان إيليا متعبّداً ليرب فم يَخفْ الملوك ولا كهنة البعل العديدين، بل تحدَّاهم على جبل الكرمل. ولكن هذا البطل المدافع عن حقوق الله في شعبه سوف يضعف أمام امرأة هي إيزابيل زوجة الملك آحاب. يحكي الكتاب عنه أنه خاف ومضى على وجهه... ثم تقدَّم في البرية والتمس لنفسه الموت وقال: حسبي الآن يا رب، فخذ نفسي، فإني لست خيراً من آبائي. ثم اضطجع ونام ولكن الله أعطاه طعاماً وحضر عليه من خلال صوت نسيم لطيف فعادت إليه قواه (1 مل 19: 3- 13)، وشرع من جديد يعمل عمل الرب في شعبه: مسح حزائيل ملكاً على آرام (وعاصمتها دمشق)، ومسح ياهو ملكاً على إسرائيل، واختار اليشاع نبياً يسير على خطاه (1 مل 19: 15- 16). وسيدافع عن الضعفاء بوجه الملك، كما فعل مع نابوت اليزرعيلي الذي سلبه آحابُ أرضَه وحياته.
أما أليشاع فلم يكن عظيماً مثل إيليا، ولكنه كان أقرب إلى الناس وحاجاتهم من إيليا. صنع معجزات مثل معلمه، وتدخل في السياسة باسم الرب، فوصلت أعماله إلى آرام حين شفى نعمان السرياني من برصه (2 مل 5: 1- 14)، ودفع هذا الرجل الوثني إلى أن يُعلن: الآن علمت أن ليس في الأرض كلها إله إلاَّ في اسرائيل (2 مل 5: 15). كثّر أليشاع خبزات الشعير فأطعم مئة رجل فأكلوا منها وفضل عنهم (2 مل 4: 42- 44) فكانت معجزته مقدِّمة لمعجزة يسوع التي بها أطعم خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين (يو 6: 9- 13). أما إيليا فكان بالنسبة إلى إنجيل لوقا صورة مسبقة عن يسوع. وكما ارتفع إيليا وأعطى تلميذه أليشاع حصة البكر من عطية النبوءة، كذلك ارتفع يسوع إلى السماء ورآه تلاميذه فأعطاهم روحه (اع 1: 9) قبل أن يعطيه بطريقة احتفالية يوم العنصرة.
هؤلاء هم الأنبياء. تكلَّموا باسم الرب، وأعلنوا نداءه، وطلبوا الطاعة لوصاياه، وذكّروا الشعب بمواعيده وحمايته. كان كل همهم أن يدافعوا عن الشريعة والعدالة في أرض اسرائيل. وضعوا نفوسهم في إطار الديانة والأخلاق والسياسة، وأعلنوا أن كل شيء يجب أن يخضع للرب الذي هو وحده ملك في اسرائيل. وهكذا هيأوا الطريق لكلام يسوع الذي يدعونا لأن نضحّي بكل شيء من أجل ملكوت الله. وكما نقول عن الأنبياء نقول عن الملوك الذين حاولوا أن يجسِّدوا عناية الله في شعبه. لم يتمكنوا من ذلك، لأنهم بشر ضعفاء وخطأة. لهذا سيرسل الله ابنه الوحيد فيقود البشرية في طريق من السلام والعدالة إلى ملكوت الاب.
الأسفار التاريخية
المجموعة الثانية

تتألف هذه المجموعةُ من أسفار الأخبار وعزرا ونحميا، وهي ترتبط بكاتب واحد أو أقله بمدرسة واحدة هي المدرسة الكهنوتية التي جعلت إهمامها بالهيكل وباللاويين والكهنة. 
يَعرض كتابُ الأخبار بسفريه التاريخ المقدس منذ البدايات حتى قرار كورش بعودة بني يهوذا المنفيين إلى أرضهم سنة 538. أما كتاب عزرا ونحميا بسفريه فيورد بعض الأحداث المتعلقة لإعادة بناء الشعب والهيكل بعد الرجوع من المنفى.
كتاب الأخبار

مقدمة:
كتاب الأخبار أو كتاب أخبار الايام (والسنين) سفران في كتاب واحد: سفر أخبار الأيام الاول، سفر أخبار الأيام الثاني، وكلاهما يكوّنان تاريخ شعب اسرائيل من آدم إلى قرار كورش والرجوع من سي بابل سنة 538 ق. م.
كتاب الأخبار يستعيد مواد كثيرة من كتاب صموئيل وكتاب الملوك، يقرأها الكاتب من جديد على ضوء التقليد الكهنوتي. ويرتبط كتاب الأخبار بسفري عزرا ونحميا (ونهاية كلماته تتردد في بداية سفر عزرا) اللذين يفتحان لنا نافذة على زمن بناء الهيكل الثاني وحياة شعب اسرائيل في أيام الفرس. 
موضوع الكتاب:
يشكل كتاب الأخبار نظرة تعود بنا إلى زمن الخلق وتمتد بنا إلى القرن الخامس ق. م. وهو يقسم اربعة أقسام.
القسم الاول (1 أخ 1- 9) يقدّم لنا لوائح من الانساب منذ آدم إلى القبائل الاثنتي عشر، ومن القبائل الاثنتي عشرة حتى داود، بل بعد زمن داود في بعض اللوائح. لا خبر يرويه الكاتب، وهمه أن يصل بسرعة إلى داود الذي اختاره الله، ولماذا يروي أخباراً يرفها القارئ؟ لأنه يريد أن يربط داود بأول إنسان على الارض. هذه الفصول التسعة تبدو ناشفةً للقارئ، ولكنّها تعبّر عن فكرة عميقة وهي أن بناء الهيكل وتنظيم العبادة فيه يعودان الى بداية البشرية. وقد لعبت كل من قبيلة كاوذا (قبيلة داود) وقبيلة لاوي (قبيلة الكهنوت) وقبيلة بنيامين (حيث بُني الهيكل) دوراً هاما في تهيئة الحدث الهام ألا وهو بناء الهيكل.
القسم الثاني (1 أخ 10- 29) يحدثنا عن الملك داود. يبدأ خبره مع موت شاول، وينهيه مع موت داود. في هذا القيم يبدو داود غير ما نجده في كتاب صموئيل. هو الملك التقي الذي تهمه مصالحُ الرب والهيكل والكهنوت والاناشيد الدينية والاحتفالات. داود ملك، ولكنه ملك في خدمة الرب يهوه، لأن الرب وحده ملك في اسرائيل، وداود وكيله، وشعب اسرائيل هو بيت الرب ومملكته. عرش داود هو عرش الرب في اسرائيل وتمجيد الرب هو هَمّ داود. لذلك لم يكتَفِ بالتفكير ببناء الهيكل، بل هيَّأ التصاميم ولم ينسَ حتى آنية الخدمة والسرج والمنائر (1 أخ 28: 11- 18). نظَّم كل شيء قبل موته.
القسم الثالث (2 أخ 1- 9) يحدثنا عن الملك سليمان الذي انهى عملاً هيَّأه أبوه. سليمان ملك يتحلَّى بالكمال والتقوى، لهذا يحق له ان يبني بيتاً لاسم الرب (2 أخ 6: 8- 9). ويطيل الكاتب كلامه عن بناء الهيكل، ولا يتوقّف إلاّ قليلا على نشاط سليمان السياسي. وحين أنهى الملك سليمان العمل الذي هيأه له ابوه، رقد بسلام غير خائف على المستقبل واثقاً بكلام الرب: اقيمه (أي سليمان) في بيتي وفي مُلكي إلى الدهر، ويكون عرشه ثابتاً إلى الأبد (1 أخ 17: 14).
القسم الرابع (2 أخ 10- 36) يرافق مملكة يهوذا منذ موت سليمان حتى الجلاء إلى بابل وبداية الرجوع إلى أورشليم. بنى داود وسليمان صرحاً عالياً، ولكن الصرح بدأ ينهار. إنشقت قبائل الشمال وتمرّدت على بيت داود (2 أخ 10: 19)، فما عاد الكاتب يتحدث عنها إلا قليلاً. ثم ان بعض ملوك يهوذا حاد عن طريق داود، فلامهم الكاتب وهدّدهم بالعقاب الاتي: اذا سهرتَ على تنفيذ الأحكام التي أمر بها الرب موسى شعبه تنجح (1 أخ 22: 13). هذا ما قاله داود لابنه. وقال له ايضاً: إن طلبتَ الرب وجدته، وإن تركتَه خذلك الى الابد (1 مل 28: 9). وسيقول عزريا الني للملك آسا وشعبه: الرب معكم ما دمتم معه. إن طلبتموه وجدتموه، وإن تركتموه ترككم (2 أخ 15: 2).
ويتوقف الكاتب على رحبعام وعزريا ويوشيا. نجحوا ما داموا أمينين للرب، وحين تركوا الربَّ عرفوا الشقاء والهزيمة. ويكلّم الرب مَلِكه وشعبه بواسطة انبياء يرسلهم في مهمة. إلى رحبعام ارسل شمعيا فقال لهم: قال الرب: تركتموني وأنا أيضاً تركتكم في يد شيشاق، ملك مصر، فخشعوا وقالوا: عادل الرب (2 أخ 12: 5- 6). وإلى آسا ارسل عزريا بن عوديد (2 أخ 15: 1- 7) وحناني الرائي الذي قال للملك: إتكلتَ على ملك آرام ولم تتكل على الرب إلهك، لذلك افلت من يدك جيش ملك آرام (2 أخ 16: 7)، وإلى يوشافاط أرسل ياهو بن حناني (2 أخ 19: 1- 3) ويحزيئيل (2 أخ 20: 14- 17). وحين حل روح الله على زكريا بن يوياداع وقف امام الشعب وقال لهم: كذا قال الله: "لماذا تتعدّون وصايا الله؟ أنتم لا تنجحون لأنكم تركتم الرب فترككم". فتحالفوا عليه ورجوه بالحجارة بأمر الملك (3 أخ 24: 20- 21). هؤلاء الانبياء وغيرهم ارسلهم الله لأنه اشفق على شعبه وعلى مسكنه، ولكن الشعب لم يفهم والملوك لم يتوبوا فحلَّت الكارثة. 
المعنى الديني لكتاب الاخبار: 
قلنا في المقدمة ان ما نقرأه في كتاب الأخبار نجده أيضاً في كتاب صموئيل وكتاب الملوك. لهذا نستطيع أن نعود إلى ما قلناه عن داود وسلمان وسائر الملوك الذين كانوا أمناء لشريعة الرب. ونشير هنا أيضاً إلى دور الأنبياء الذين حلوا كلمة الله في شعبه، كلمة التحذير والتنبيه، كلمة التعزية والتشجيع. ونفهم أنه لا يزال يوجد في شعب الله اليوم، في الكنيسة، انبياء يحملون كلمة الله ويُوصلونها الى المؤمنين.
لن نعود ونتكلم عن داود، والكاتب يشبِّهه بموسى. فكما كان موسى قائدَ شعب الله في البرية، كذلك كان داود قائدَهم في أرض كنعان، قنظم الشعبَ وشرعّ له القوانين باسم الرب على مثال موسى. ولن نعود الى سليمان الذي بنى الهيكل بحسب التصاميم التي وضعها أبوه، ودشّنه بأبّهة لا مثيل لها. مع داود وسلمان بدأت مملكة داود وتنظمت، وستدوم من القرن العاشر حتى القرن السادس فتحمل آمالا كبيرة للشعب وتنتهي بآلام المنفى وضياع المدينة والهيكل. كانت السلالة الملكية والمدينة والهيكل عواميد يستند إليها المؤمن، ولكن حين زالت هذه العواميد فَقَدَ الشعب رجاءه. وكان لا بد ان تزول، لئلاّ يتعلق الشعب بالبشر، والبشر ضعفاء، بل بالله، ولئلا يُسند حياته الى الحجر الذي لا يدوم. وحين ذهب الشعب إلى المنفى، فهم أن الله لا يرتبط بأرض، وهو سيد الارض كلها. ولا يرتبط بمعبد، والسماء عرشه والأرض موطئ قدميه. فهم الشعب، فاعطى روحانية جديدة لإيمانه. وسزى، فيما بعد، كيف أنه ربط نفسه بالله من خلال طقس صغير هو الختان الذي به يعلن انتماءه الى شعب الله. وتعلَّم أن يكوِّن جاعة حول كلمة الله يقرأها كل سبت وليتأصل فيها. ولكن بانتظار ذلك، سيبقى الهيكل مركز العبادة الوحيد. 
الهيكل والعبادة هما محور كتاب الأخبار، بل الهدف الرئيسي لكتاب يحدثنا عن تاريخ أورشليم المدينة المقدسة، وعن الاحتفالات التي تقام في الهيكل. من أجل هذا، نرى الكاتب يتوسّع في ذكر سلسلة أنساب يهوذا وبنيامين لارتباطهما بالهيكل. وحين يذكر خلفاءَ داود، يتوقف بصورة خاصة عند الملوك الذين كان شغلهم الشاغل بناء الهيكل وتنظيم شعائر العبادة. وهم: آسا، يوشافاط، حزقيا، يوشيا. وهذا الاهتمام سيظهر أيضاً في سفري عزرا ونحميا: رُفع المذبح فوق ركام الهيكل، اعيد تنظيم العبادة في الهيكل.
ويحدثنا كتاب الأخبار عن خدَّام الهيكل، وكلّهم من ابناء لاوي، أكانوا كهنة متحدّرين من هارون، أم لاويين متحدّرين من سائر عشائر لاوي. فوظيفة الكهنة هي: النفخ في الابواق امام تابوت العهد (1 أخ 15: 24؛ 2 أخ 13: 12) ورش دم الضحايا على المذبح (2 أخ 30: 12) اما اللاويون فليسوا عمَّالا من الدرجة الدنيا، انما لهم دورهم في شعائر العبادة. فهم يحملون تابوت العهد، ويفتحون ابواب الهيكل ويحرسون مداخله. هم يعزفون وينشدون، ويشاركون الكهنة في تهيئة الذبائح (لا في تقدمتها، 2 أخ 2: 34؛ 30: 16- 17) كما يشاركونهم في حمل كتاب شريعة الله وتعليم الشعب (2 أخ 17: 7- 9؛ 35: 3). ولقد اهتمَّ كتاب الأخبار بلوائح انساب اللاويين فلم ينسَ عشيرةً من عشائرهم. أثنى على غيرتهم ومهارتهم الفائقة في خدمة الرب فقال فيهم: "كان اللاويون أكثر أمانة من الكهنة في تطهير انفسهم" (3 أخ 39: 34).
نتوقف هنا نحن المسيحيين عند أسس العبادة في كنائسنا، عند دور الكهنة ومساعديهم في ممارسة الطقوس. للاشخاص دورهم الذي لا يُستغنى عنه، ولشعائر العبادة أهميتها اليوم وفي كل يوم. كانت لشعب العهد القديم طرقُعبادته التي تقوم بتقدمة الذبائح في الهيكل ورفع الصلوات إلى الله. وسيكون لشعب العهد الجديد طرق عبادته حول الذبيحة الوحيدة، ذبيحة يسوع المسيح التي نعيشها على مذابحنا في القداس وفي حياتنا في سائر الأسرار والطقوس. جوهر العبادة هو هو، والتقوى ضرورية لتنقلنا من عالم البشر العادي إلى عالم الله المقدس.
ويحدثنا كتاب الاخبار عن الهيكل فيقول: لا هيكل إلا هيكل اورشليم، ولا عبادة شرعية إلا في المكان الذي اختاره الله لسكناه. ولهذا نراه يَرفض كُلَّ المحاولات لتأسيس معبد غير هذا المعبد الواحد، واقامة الطقوس خارجاً عن الهيكل. وسيقوم بهجوم عنيف على السامريين الذين سيبنون لهم هيكلا على جبل جرزيم، بل سيُغفل اخبارَ مملكة السامرة التي قطعت كل علاقة بالهيكل بعد موت سليمان.
بهذا الهيكل الذي أعيد بناؤه بعد الرجوع من الجلاء، سيتعلق الشعب اليهودي. سينجَّس في زمن السلوقيين وانطيوخس ابيفانيوس في القرن الثاني، ولكن هيرودوس سيجمِّله في بداية المسيحية ليصبح قبلة الانظار. هذا الهيكل سيُهدم سنة 70 ب. م. وسيتشتت كهنته وتُلغى ذبائحه فيتأسّف عليه المسيحيون الجدد الآتون من العالم اليهودي. ولكن الرسالة الى العبرانيين ستعلن لهم: لا فائدة من الذبائح ولنا ذبيحة واحدة هي يسوع المسيح. لا فائدة من الكهنة الذين يحتاجون أن يقدموا الذبائح عنهم وعن الشعب، لأن يسوع هو الكاهن الذي قدَّم نفسه مرة واحدة فكان لنا سبب خلاص ابدي. ولا فائدة من هيكل من الحجر، لأن جسد يسوع هو الهيكل الجديد ومركز حضور الله وسط البشر، فلا نحتاج بعده الى وسيط آخر.
إن ما قلناه عن داود وسليمان، عن الهيكل والعبادة، يقودنا إلى نظرة خاصة تجعل الله مَلِكاً على شعبه في أرضه. فالجماعة اليهودية أسسها الله، وجعل داود ملكاً عليها. بل إن الله هو الملك الوحيد، أمّا داود فيجلس على عرش الله باسم الله. وحينئذ يصوِّر كتاب الأخبار مملكة الله كما يتمثلها الانسان: العبادة في موضع واحد هو هيكل اورشليم، الاقامة في مدينة مقدسة بالايمان والفرح والتهليل بفضل وجود الكهنة واللاويين. أما الطاعة لشريعة الله فهي أولى واجبات الشعب في حياته اليومية. والعلاقة بين الله والشعب تترجم بمبدأ المكافأة والمجازاة: عدالة الله تجازي بالبركة امانة الشعب لله، وهي تعاقب كلَّ تخاذل أو عصيان وبالاخص في ما يتعلق بالهيكل والعبادة. مثل هذا التعليم يبدو واضحاً في حياة خلفاء داود. ونعطي مثلين على ذلك: دام مُلك منسى طويلا لأنه تاب إلى ربه (2 أخ 33: 12- 13). اما يوشيا فمات شاباً لأنه عارض مشيئة الله (2 أخ 35: 21- 22).
هذه الحياة على مستوى الأمة كلها، ستحاول فئات صغيرة أن تعيشها. نذكر الفريسيين وجاعة قمران الذين سعوا الى أن يطبعوا الحياة اليومية بطابع قدسي. ولكن الفريسيين تحجروا حول الشريعة وممارسات الاجداد. وجماعة قمران انفصلوا عن الشعب وابتعدوا عن الهيكل فانغلقوا على ذواتهم بانتظار ان يتشتتوا في ثورة اليهود على الرومان في القرن الثاني المسيحي. ولكن الفكرة التي أعلنوها ما زالت حية في جماعاتنا الرهبانية وخاصة تلك التي تكرّس حياتها للعمل والصلاة الليتورجية. لا شك ان هناك فصلاً بين الحياة اليومية والحياة القدسية، ولكن الفصل لا يعني استقلال الحياة اليومية عن شريعة الله التي تنيرها وتوجهها. الله حاضر في الكون وحاضر في حياتنا وعلى المؤمنين أن يعلنوا هذا الحضور بحياتهم واعمالهم واقوالهم. إذا أردنا أن يأتي ملكوت الله، كما نصلي كل يوم، فعلينا أن نهيّء الدرب له بتقديس الكون وكل ما فيه ليصبح هيكل الرب الذي فيه نقدم لله ذبيحة يسوع المسيح الحاضر معنا إلى نهاية العالم. كانت محاولة لتكريس الارض للرب في العهد القديم، وهذه المحاولة ستنجح مع المسيح الذي جمع في شخصه كل ما في السماء وعلى الارض، وستنجح أيضاً في الكنيسة عندما يصبح كل شيء لنا ونكون نحن للمسيح ويكون المسيح لله.
كتاب عزرا ونحميا

مقدمة:
يتألف كتابُ عزرا ونحميا من سفرين هما سفر عزرا وسفر نحميا. كانا يشكِّلان كتاباً واحدا، وقُسما في القرن الخامس عشر ب م فصارا كتابين مستقلين. اما موضوعهما فواحد، وهو حياة شعب الله بعد الرجوع من المنفى، والمحاولات لإعادة بناء الهيكل وترميم أسوار أورشليم. والاطار الذي دُونّا فيه هو هو وكذلك الروح التي نفتحهما. والهدف هو التشديد على دعوة بني اسرائيل التي توجهها الشريعة في الحياة اليومية.
كان عزرا كاهنا من نسل هارون وموظَّفا في بلاط فارس (عز 7: 12). كان مثال الكاتب وصاحب المواقف الثابتة والايمان العميق. جاء في أوائل القرن الرابع يشدِّد عزيمة الراجعين من المنفى، فعاد بهم الى الشريعة يقرأها لهم ويفسّرها (نح 8: 1- 12). وحذَّر المؤمنين من الإختلاط بالأمم الوثنية من خلال الزواج لئلاَّ يخسروا هويتهم.
اما نحميا فوُلد في المنفى وتوظف في بلاط أرتحششتا الملك الفارسي. اخبره اخوه بالضيق والضياع اللذين يعيش فيهما الراجعون من منفى بابل، وبأن اسوار اورشليم مدمَّرة وابوابها محروقة. كان ذلك سنة 445 حين صوَّر له الحالة الدينية في البلاد: صعوبات اقتصادية، نقص في الحياة الدينية، فتور عند الكهنة. عاد نحميا الى البلاد، وقام بعمل مادي فبنى أسوار أورشليم، وبعمل روحي فقرأ الشريعة وجدَّد العهد في وثيقة وقّعها الكهنة واللاويون والشيوخ.
موضوع الكتاب:
يروي سفر عزرا في قسم أول (عز 1- 6) كيف تم رجوع المسبيين الاولين إلى اورشليم بقرار من كورش الملك الفارسي. رمّموا المذبح فوق دمار الهيكل. أما الهيكل فسيُبنى بعد سنوات عديدة في عهد الملك الفارسي داريوس الاول، وفي زمن النبيّين حجاي وزكريا (عز 5: 1- 2).
وفي القسم الثاني (عز 7- 10) ينقلنا الكاتب عشرات السنين، فيعرّفنا إلى عزرا الكاهن والكاتب الذي أرسله ملك الفرس في مهمّة رسمية. وصل إلى أورشليم فرأى الحالة التي يعيش فيها بنو يهوذا فبدأ باصلاح جذري على مستوى العلاقات بين اليهود والوثنيين.
ويبدأ سفر نحميا (نح 1- 7) فيحدثنا عن نحميا ذلك الموظّف في البلاط الفارسي الذي حزن لما سمع بحالة قومه في أورشليم. طَلب فسُمح له أن يعود إلى بلاده يُعيد بناء اسوار أورشليم. هذا ما فعله وأتمه في 52 يوما، رغم مقاومة الأعداء وتخاذل السكّان.
وفي القسم الثاني (نح 8- 9) يحدّثنا الكاتب عن عزرا الذى يعيد تنظيم شعائر العبادة والاحتفال بالأعياد حسب شريعة موسى. أما القسم الثالث (ف 10- 13) فيقدّم لنا الاصلاحات التي قام بها نحميا حين جاء مرة ثانية إلى أورشليم.
كتاب عزرا ونحميا يساعدنا لنتتبع الطريق التي أسَّست الديانة اليهودية في زمن يسوع المسيح. هناك الرجوع من المنفى وقد تم في ثلاث قوافل. وهناك الإقامة في الأرض مع ما في ذلك من صعوبات بسبب الدمار اللاحق بالبيوت، ومن معارضة السكان الجدد الذين وضعوا يدهم على الارض. ما إن عاد المسبيون حتى رمموا المذبح، ثم وضعوا أسس الهيكل وقاموا ببنائه بعد سنوات عديدة بقيادة زربابل ويشوع. وأعاد الشعب بناء أسوار أورشليم، ولما انتهوا منها احتفلوا بتطواف فوق الاسوار.
ولكن لا بد من فصل الشعب المقدس عن الشعوب الوثنية الجاورة. فاهتم المسؤولون بقبول الذين برهنوا عن نسبهم وتركوا الآخرين خارجاً. ولكن العائدين تزوجوا نساء وثنيات، فامتزج الشعب المقدس بشعب الارض، ونسي الاولاد لغةَ الاجداد، وتعلّم السكان ممارسات الامم الوثنية واللا أخلاقية، فتدخلّ نحميا. خاصم الرجال ولعنهم وضربهم ونتف شعر رؤوسهم، واستحلفهم بالله ألاَّ يعطوا بناتهم لابناء الامم ولا يأخذوا بنات الامم لبنيهم. وتدخل عزرا الكاهن بطريقة قاسية، فأبعد النساء الوثنيات حتى لا يتنجس شعب الله بهن.
ويتوقف كتاب عزرا ونحميا على أهمية الشريعة. جاء عزرا وهو الكاهن والكاتب العارف بشريعة الله وفرائضه واحكامه. بعد أن وجَّه قلبه للبحث في شريعة الرب وممارستها وتعليمها لبني اسرائيل، جاء فعلَّم الناس الشريعة. اجتمعت الجماعة في ساحة المدينة، فوقف عزرا بينهم على منبر من خشب مصنوع لذلك. فاحضروا كتاب الشريعة ففتحه عزرا. ولما فتحه وقف الشعب اجمعون ورفعوا ايديهم، ثم خرّوا وسجدوا بوجوههم للرب إلى الأرض، وبدأ عزرا القراءة وكان اللاويون يترجمون النص العبري إلى الآرامية (أم السريانية) وهي لغة كنعان في ذلك الوقت. وطالت القراءة من الصبح إلى نصف النهار وامتدّت على سبعة أيام عيد المظال (نح 8: 1- 18).
وهكذا تنظمت الجماعة اليهودية في زمن الفرس: تجمعت حول الهيكل وداخل اسوار اورشليم، وتنقت من كل عنصر خارجي، وعاشت تحت سلطة كهنتها وكتبتها في المحافظة على شريعة الله.
المعنى الديني لكتاب عزوا ونحميا:
قليلون جدا هم الذين قرأوا كتاب عزرا ونحميا، لأنهم لا يرون فائدة من قراءته اليوم. نحن لا نقابل هذا الكتاب بغيره من الكتب المقدسة، ولكننا نعتبر أن له بعداً دينياً لا بدَّ ان نشدّد عليه، لتكون نظرتنا إلى الكتاب المقدس كاملةً من خلال جميع الاسفار المقدسة التي يشملها الالهام.
لن نجد في كتاب عزرا ونحميا عرضاً لاهوتياً منظماً، ولكننا نستطيع أن نكتشف الأفكار الرئيسية التي دفعت عزرا ونحميا والعائدين من السبي إلى العمل رغم الظروف الصعبة التي رافقتهم. الفكرة الاولى: الهيكل، الفكرة الثانية: مدينة اورشليم، الفكرة الثالثة: جماعة شعب الله. الفكرة الرابعة: الشريعة. 
أول عمل قام به الشعب العائد من السبي هو إعادة بناء الهيكل. أجل، ان هدف الرجوع من السبي كما حدده قرار الملك كورش هو إعادة بناء المعبد. فبيت الله هو العلامة الملموسة والمادية لحضور الرب وسط شعبه. وهو المكان الذي يحتفل به المؤمنون بشعائر العبادة. من هنا تبرز اهمية كل ما يتعلق بالكهنوت واللاويين والاشخاص المرتبطين بالمكان القدس، واهمية آنية العبادة والتقدمات. ويبرز كذلك دورُ المذبح الذي رمِّم أولا قبل بناء الهيكل من اجل تقدمة الذبائح. تأخر بناء الهيكل والسبب في ذلك هُم الاعداء، بل التهامل واللامبالاة والقنوط من قِبَل الشعب اليهودي. وسيقول حجاي في ذلك: قال الشعب: لم يبلغ الوقت بعد لإعادة بناء بيت الرب. فكانت كلمة الرب: حان لكم أن تسكنوا في بيوتكم المسقوفة، ولكن تتركون الهيكل خربا. (حج 1: 3- 4). ولكن حين انتهى الشعب من العمل عبّروا عن فرحتهم ودشّنوا الهيكل الذي هو عمل الله قبل أن يكون عمل الانسان (عز 6: 23).
لا يفترق الهيكل عن المدينة، والاهتمام باورشليم المدينة المقدسة في الحاضر وفي المستقبل هو الذي دفع نحميا لان يطلب من ارتحششتا أن يسمح له أن يذهب الى عاصمة الشعب اليهودي ليعيد بناء أسوارها. هذا الاهمام يفسّر غيرة نحميا الدينية والوطنية لاعادة بناء الأسوار بمشاركة السكان (نح 2- 6). وهذا البناء كان لنحميا بمثابة رسالة أوكله بها الرب فقام بها خير قيام رغم الصعوبات، وهو متأكد أن الله معه وأنه يحارب من أجل شعبه. وما اكتفى نحميا ببناء الاسوار، بل عمل على اجتذاب السكان إلى المدينة وعلى فرض تقديس السبت الذي ينجِّسه التجار الغرباء وسكان اورشليم (نح 13: 15- 22). كل هذا يدل على أن أورشليم يجب أن تبقى المدينة المقدسة، كما كانت في الماضي وقبل دمارها سنة 587 ق م.
ولكن لا قيمة للهيكل والمدينة إلاَّ بالشعب الذي يعيش في هذا المكان، والذي يشكّل جماعة شعب الله. غير أن هذه الجماعة التي هزها المنفى تحتاج إلى إعادة بناء على أساس حقيقي هو الطاعة لشريعة الله. هنا تبدو أهمية عمل عزرا ونحميا. فالشعب اليهودي خسر استقلاله الوطني، ولم يعد من سبب لوجوده إلاَّ لأنه جماعة دينية تربط التقليدَ القديم بمتطلبات الحالة الحاضرة. وإعادة البنا، هذه تبرز في ميادين متنوعة ومنها ميدان شعائر العبادة: قراءة احتفالية لشريعة موسى التي حملها عزرا (نح 8) وشرَحَها للشعب قبل عيد المظال. هذا ما سيصنعه الشعب اليهودي في المجامع، وستكون الشريعة أساس حياته عبر العصور.
والطاعة لشريعة الله تفسّر الاجراءات القاسية التي اتخذها عزرا ونحميا ليجعلا الشعب يحفظ الاعياد والسبت والفرائض المتعلقة بالتقدمات والعشور (نح 10؛ 12؛ 13: 1-22)، وليعاضا الزواجات مع الوثنيين (عز 10؛ نح 13: 33- 29). وان نحميا سيقدم اقواله ومثلَ الشخصي، فينطلق من أمانته للشريعة ليَحل المشكلة الاجتماعية التي قسمت سكان المدينة بين غني وفقير. يقول نح 5: تذمر الشعب رجالا ونساء بسبب اخوانهم اليهود. قال بعضهم: بنونا وبناتنا كثيرون، ونود أن نحصل على الحنطة لنأكل ولا نموت جوعا. وقال آخرون: رهنّا حقولنا وكرومنا وبيوتنا لنحصل على الحنطة في أيام الجوع. وقال آخرون أيضا: اقترضنا المال على حقولنا وكرومنا لندفع الضريبة للمَلك. فلما سمع نحميا صراخهم وتذمرهم غضب جدّا من العظماء الذين يفرضون احمالاً ثقيلة على بني قومهم... وطلب من كل واحد ان يترك الدَين للمساكين وان يرّد لهم حقولهم وكرومهم وزيتونهم. فقال العظماء: نرد لهم كما قلت ولا نطلب منهم شيئاً.
هنا نكتشف روحاً دينية عميقة تسود تصرف المؤمنين في الحالات الصعبة التي تلت التهجير والمنفى والذهاب إلى سبي بابل. ونكتشف دور الشريعة التي هي شريعة الله الحي الذي يتكم ويفعل، والذي نحوه يتوجه الشعب في صلاة صادقة تنبع من القلب. في كل وقت يتوجه الشعب إلى الرب ليسأله سؤالا، ليطلب معونته وحمايته، ليشكره بالفرح على نعمه. حين تأسس الهيكل قال الكتاب: "رنِّموا بالتسبيح والاعتراف للرب لأنه صالح، لأن رحمته إلى الأبد على شعب اسرائيل. وهتف الشعب هتافاً عظيماً وهم يسبّحون الرب" (عز 3: 11). وحين تسلم عزرا الرسالة من ارتحششتا قال: "تبارك الرب، إله آبائنا، الذي ألقى مثل هذه الرغبة في قلب الملك لتكريم هيكل اورشليم" (عز 7: 28).
وهذه صلاة نحميا حين علِم بحالة اورشليم وسكانها. قال: "أيها الرب، إله السماوات، الجبار العظيم الرهيب الحافظ العهد لمحبيه والراحم حافظي وصاياه. لتكن عيناك ناظرتين وأذناك مصغيتين لتسمع صلاتي التي أصليها اليوم أمامك... اغظناك ولم نحفظ وصاياك وفرائضك وأحكامك التي أمرت بها موسى عبدك" (نح 1: 4- 11).
وهناك صلاتان تحملان عواطف التوبة والاعتراف بالخطايا والتماس مغفرة الله، والتذكير بتاريخ شعب الله وخياناته. الصلاة الأولى نقرأها في عز 9: 5 - 15، وفيها: والآن يا إلهنا، ماذا نقول بعد هذا الذي حصل لنا؟ قد أهملنا وصاياك التي أمرت بها على ألسنة عبيدك الأنبياء... أيها الرب الاله، أنت عادل... ها نحن بين يديك نجرجر آثامنا ولا يحق لنا أن نقف أمام حضرتك. والصلاة الثانية نقرأها في نح 9: 5- 37، وفيها: أيها الرب، تبارك اسمك المجيد المتعالي فوق كل بركة وتسبيح. أنت يا رب وحدك صنعت السماوات وسماء السماوات وكل الكواكب والارض وكل ما عليها والبحار وكل ما فيها. أنت محي كل خليقة، وقوات السماء تسجد لك. أنت الرب الاله الذي اصطفيت أبرام وأخرجته من أور الكلدانيين وجعلت اسمه ابراهيم...
هذه الصلوات النابعة من كلام الانبياء قادت الشعب إلى عواطف الايمان والتوبة أمام الاله الذي يغفر. ويمكننا ان نصليها نحن ذاكرين ايضا ما عمله يسوع من أجلنا خلال حياته على الارض وما يزال يفعله اليوم من أجل كنيسته.
نقرأ اليوم كتاب عزرا ونحميا، فنتأمل في حياة هذين البطلين المشبعة بالصلاة والمليئة بالتضحية من أجل هيكل الله وشعبه ومدينته. إن دور عزرا يشبه الى حد بعيد دور موسى، وعنه تقول التقاليد اللاحقة إنه دوَّن الشريعة كلّها. ودور نحميا يشبه دور يشوع القائد قرب الكاهن. اننا في هذا الكتاب أمام انطلاقة جديدة لشعب الله، ولكنها إنطلاقة ضيّقة حول الشريعة التي تفرض على المؤمن ان ينفصل عن غير المؤمن ليحافظ على إيمانه. نحن ولا شك بعيدون عما نقرأه في إشعيا الثاني من نظرة تصل بنا إلى الآخرين وتشملهم في خلاص الرب.
ثم إنه سيأتي وقت العبادة بالروح والحق بمعزل عن أي موضع عبادة مهما كان مقدساً (يو 4: 21- 24). إن عملَ الله يتكيّف مع تصرفات البشر، والديانة اليهودية لها مكانتها في حكمة الله المتنوعة. إن الرسالة إلى العبرانيين تعرف أن الله تكلَّم مرات عديدة كلاماً مختلف الوسائل (عب 1: 1) في العهد القديم كما في العهد الجديد، ولكن كلمته ستصل إلى كمالها في الابن الذي هو شعاع مجده وصورة جوهره (عب 1: 3). ولهذا تبقى كلمة العهد القديم ناقصة، وكتاب عزرا ونحميا الذي يحصرنا في الشريعة ضيقاً. هذا ما نفهمه عندما نقرأ ما قاله القديس بولس في الرسالة إلى أهل كلاطية: قبل أن يأتي الايمان كنا مسجونين بحماية الشريعة إلى أن يتجلى الايمان المنتظر. فالشريعة كانت مؤدِّبا لنا إلى مجيء المسيح لننال البر بالايمان. فلما جاء الايمان، لم نبقَ في حراسة المؤدِّب، لانكم جميعاً ابناء الله بالايمان بالمسيح يسوع (غل 3: 33- 26). تلك هي حدود العالم اليهودي إن وقفنا عندها، وتلك هي عظمة العهد القديم ان عرفنا ان نقرأه في مخطط الله ليصل بنا الى يسوع المسيح.
الاسفار التاريخية
المجموعة الثالثة

تتألف هذه المجموعة من أسفار طوبيا ويهوديت وأستير. 
سفر طوبيا هو قصة تقي من بني اسرائيل نُفي إلى نينوى فظلَّ محافظاً على إيمانه وتقواه وممارسته للأعمال البارة رغم المحن التي مرّ بها.
ويروي سفر يهوديت كيف نجت مدينة بيت فلوى ونجت معها اورشليم بفضل أرملة إسمها يهوديت، اليهودية المثالية، التي تضحي بكلّ شيء لها من أجل شعبها. أما أستير الملكة فخلصت من الفناء شعبها المقيم في أرض فارس.
لسنا هنا امام التاريخ بالمعنى الحصري، بل أمام نوع من القصص الديني ينطلق من التاريخ والجغرافيا ويتعامل معهما مجرية ليقدّم لنا خبراً تقوياً.
سفر طوبيا

المقدمة
سفر طوبيا هو خبر شعبي استقى اموراً عديدة من حكمة العالم الوثني، وهو خبر تقوي تغذّى بالاسفار المقدسة. انه يدل على الحيوية الانسانية والدينية التي كانت للشعب اليهودي بعد الجلاء.
اسمه سفر طوبيا أو سفر طوبيط. فطوبيط هو الاب وطوبيا هو الابن، وهو يقع بين الاسفار التاريخية أو الاسفار الحكمية. نجده في الشعبية اللاتينية والسريانية البسيطة قبل يهوديت واستير. اما النسخة اليونانية فتجعله بعد استير و يهوديت.
كان اليهود يقرأون سفر طوبيا، وإن لم يدخل في لائحتهم القانونية. أما الكنيسة الكاثوليكية فتجعله بين الاسفار القانونية الثانية أي بين الاسفار التي كانت موضوع جدال. ولكن المجمع التريدنتيني وضع حدا لكل جدال سنة 1546 وادخل سفر طوبيا في اللائحة القانونية. اما البروتستانت فيعتبرون سفر طوبيا منحولا.
دُوِّن في العبرية أو في الارامية، ولكن الاصل ضاع. وقد وجدت أجزاء عبرية وارامية في مغاور قمران، ولكننا لا نستطيع ان نحسبها شاهدة على النص الأصلي.
تتمثل الترجمة اليونانية في جموعتين من المخطوطات: الفاتيكاني والاسكندراني يقدمان نصا طويلا. اما السينائي فيقدم نصا قصيرا. ونقل القديس ايرونيموس النص الارامي إلى اللاتينية وقرّب عبارته من عبارات العهد الجديد.
2- مضمون سفر طوبيا:
يبدأ الكتاب بخبر شخصين تعيسين. الاول: طوبيط. فهو رغم تقواه ومحافظته على الشريعة محافظة دقيقة، ضُرب بالعمى. الثانية: سارة. فقدت سبعة ازواج قبل ان تتَّحد بهم. فجاء الرب يعين الاثنين. ارسل الملاك رافائيل إلى طوبيط في ملامح عزريا. سلم طوبيط ابنه إلى الملاك وأرسله إلى ماداي ليسترد مالاً اودعه عند جبائيل. في الطريق دعا الملاك طوبيا ليطلب يد سارة التي هي قريبته. تم الزواج، وطرَد طوبيا، بفضل نصائح الملاك، الشيطان اللعين اسموداوس الذي قتل ازواج سارة السبعة. وبعد ان انتهت الاعراس، عاد الزوجان، مع الملاك والمال الذي كان عند جبائيل. ولما وصلوا البيت، شُفي طوبيط من عماه وعرَّف الملاك نفسه. فبدأ نشيد الشكر. وأنهى الجميع حياتهم في السلام والاكرام.
3- طوبيا والتاريخ:
يبدو سفر طوبيا في إطار تاريخي وجغرافي كذلك الذي نعرفه في سائر الاسفار المقدسة: نجد المنفيين من بني اسرائيل في اشور وماداي (1: 1. 3: 7. 4: 1). ونعرف انطلاقا من 2 مل 15: 29 أنه كان جلاء اول سنة 734 في عهد تغلت فلاس الثالث الذي احتل كل ارض نفتالي وسبى أهلها الى اشور. ونعرف، انطلاقا من 3 مل 17: 6، انه كان جلاء ثان سنة 722 - 721 في عهد سرجون الثاني الذي احتل السامرة واجلى سكانها الى اشور... والى مدن مادام. ونتعرف الى ملوك اشور (شلمنصر، سنحاريب، اسرحدون). وماداي (اشباصر)، والى سقوط نينوى (14: 15) والى نُظُم دينية واجتماعية منها الزواج داخل القبيلة (14: 12 ي؛ 6: 12).
هذه معطيات اكيدة توافق الواقع الذي عاشه شعب اسرائيل. ولكن هناك اموراً تاريخية تخلو من الدقة. فالذي اخذ قبيلة نفتالي إلى السبي ليس شلمنصر الخامس (1: 1 ي) بل تغلت فلاسر (3 مل 15: 29). والذي خلف شلمنصر الخامس لم يكن سنحاريب (1: 15) بل سرجون الثاني. وهناك اخطاء جغرافية... فالمسافة بين احمتا وراجيس لا تقطع في يومين (5: 6)، لان الواحدة تبعد عن الاخرى 300 كم. وراجيس لا تعتبر جبلا تجاه احمتا التي تعلو 2010 م فوق سطح البحر.
ثم ان سفر طوبيا يتضمن عناصر قريبة من عالم المعجزات. فهناك رفائيل الذي يُعتبر حضورُه وعمله كأنه رؤيا (12: 19). وهناك ازواج سارة السبعة والشيطان اسموداوس، وهناك هجوم السمكة الكبيرة على طوبيا وما تحويه مرارتها من دواء.
كل هذا ينبهنا إلى ان كاتب سفر طوبيا لا يقدم لنا تاريخاً بالمعنى الذي نعرفه. بل مدراشا، أي خبرا يبيّن حقيقة اخلاقية أو دينية. ويمكننا ان نجمل سفر طوبيا بهذه الكلمات: عاش اسرائيلي تقي في المنفى. فجازاه الله خيرا بسبب امانته للشريعة وقيامه باعمال الخير.
استقى الكاتب أخباره من الأسفار المقدسة ومن كتب الشرق. فهناك حكمة احيقار المعروفة في العالم القديم. كان احيقار وزير ملوك اشور. واذ لم يكن له ولد تبنى ابن أخيه نادان وادَّبه بآداب الحكمة، بسلسلة من الأقوال المأثورة. ولما شارك نادان أباه بالتبني في الحكم ترك الحكمة التي تعلَّمها وافترى على من أحسن اليه وارسله الى العذاب، بل إلى الموت. ولكن الجلاّد اخفى احيقار ولم يقتله. وإذ عاد أحيقار الى منصبه وبّخ ابن اخيه بسلسلة من الامثال ثم ارسله الى السجن حيث مات. يشبه طوبيط احيقار. مثلا نعِم برضى الملك ثم بغضبه، مثله وجّه الى ابنه مجموعتين من الاقوال المأثورة. ولكن حيث خان نادان، كان طوبيا امينا للحكمة التي نالها، عارفا لجميل والده.
وهكذا يكون سفر طوبيا خبراً شعبياً وكتاباً تعليمياً وحكمياً. دوِّن حوالي السنة 200 ق م فجاءت افكاره قريبة من افكار ابن سيراخ الذي دوّن حوالي السنة 190.
4- التعليم الذي في سفر طوبيا:
كان طوبيط وطوبيا في المنفى وعاشا عيشة مثالية، فكانا نموذجاً لليهود المعزولين وسط الامم الوثنية.
أراد سفر طوبيا أن يبيّن عناية الله: فالله يهتم بأبنائه الذين يعيشون في الضيق (3: 17)، ويستعمل ما نحسبه صدفة من اجل مقصد سابق، من اجل سر لن يكشف عنه إلا في النهاية. لماذا لم تستطع سارة ان تتزوج؟ الجواب: لتحفَظ لطوبيا. لماذا هذه السمكة الكبيرة التي هددت حياة طوبيا؟ لأن منها سيخرج دواء لسارة ولطوبيط، فتشفى هذه من شيطانها وذاك من عماه. أعلن النص في البداية ان الله استجاب صلاة طوبيط وسارة (3: 16- 17)، ولكن القارئ لن يفهم شيئاً قبل ان يكشف رفائيلُ الملاكُ عن نفسه (12: 11- 15).
ولكن الله لا يعمل بيده، بل بواسطة الملائكة الذين ينفّذون مقاصده. فسفر طوبيا هو الشاهد لنمو هذا الاعتقاد بالملائكة في ايام المنفى وبتأثير الفرس. لقد تكاثر الملائكة، واتخذوا أسماء ووظائف خاصة بهم. اما هنا، فاتخذ الملاك صورة الانسان لئلا يفرض الله عمله على حرية الانسان. بل تركه يتوجه حسب طبيعته وكأن ذلك الملاك الذي انتحل صفة عزريا هو واحد من بني اسرائيل.
واعطى طوبيط نصائح لابنه تساعده على سلوك يرضي الله. قال له في المرة الاولى (4: 3- 21): اذكر الرب جميع أيامك، ولا ترضَ بان تخطأ وتتعدى وصاياه... تصدَّق من مالك ولا تحوِّل وجهك عن فقير... لا تَبِت عندك اجرة كل انسان الى الغد.... اعط الجائع من خبزك والعراة من ثوبك... وقال له في الرة الثانية (14: 8- 11): والان، يا ابنائي، إليكم وصاياي: اعبدوا الرب بصدق واعملوا ما يرضيه. علِّموا اولادآ أن يمارسوا ما هو عدل وأن يكونوا اسخياء مع الفقراء. نرى اقوالا مأخوذة من قصة احيقار وقد امتزجت بفرائض شريعة موسى. وهي ستساعد اليهودي العائش في ارض غريبة ان مجافظ على هويته وان يبقى ذلك البار الذي يعينه الرب.
سفر طوبيا هو سفر العائلة. نحن اولاً أمام عائلتين: عائلة طوبيط وعائلة سارة، والعيلة هي الخلية التي فيها ينتقل الارث الروحي من الآباء إلى الأبناء، ومن الشيوخ إلى الشبان. لهذا يشدد الكتاب على الفضائل التي تشد اعضاء العائلة بعضهم إلى بعض، ولا سيما احترام الوالدين: اكرم والدتك ولا تتركها جيع ايام حياتها، واعمل ما يطيب لها ولا تُحزنها في أي أمر كان (4: 3). ويتوقف الكاتب عند الزواج الذي فيه يتم الانتقال من جيل إلى آخر وبه يرتبط المستقبل: فهناك خطر كبير ان يَضيع المسبيون وسط الأمم بفعل الزواجات المختلطة. هنا نفهم أهمية نصائح طوبيط لابنه: اتخذ امرأة من نسل آبائك. لا تتخذ امرأة غريبة لاننا ابناء الانبياء (4: 12). ونتذكر أن الزواج هو محور سفر طوبيا (ف 6- 8) الذي هو خبر زواج بحسب ارادة الله.
وما تنقله العائلة من جيل إلى آخر هو الأمانة له ووصاياه في ممارسة كل عمل صالح. فنحن نعبِّر عن هذه الأمانة بالمحافظة محافظة دقيقة على ما تمليه علينا الشريعة وما ينقله إلينا الآباء من تقاليد شفهية. ثم إن البُعد عن الهيكل وعن شعائر العبادة يدفع المؤمن إلى التنبه إلى الواجبات نحو الله ونحو القريب. ولكننا نرى هنا آفاق طوبيا الضيقة. فالقريب هو ابن العائلة وابن النسل اليهودي (1: 3، 6، 7. 2: 3). ونحن نعامل ابناء جنسنا كما نعامل افراد العائلة: نساعدهم، نعطيهم اجرتهم العادلة اذا عملوا عندنا، ندفنهم اذا ماتوا. اما هكذا فعل طوبيط؟
ولكن الصدقة والصلاة هما من اجلِّ الاعمال في نظر طوبيط. فالصدقة تربط اعضاء الجماعة بعضهم ببعض (1: 16؛ 4: 7- 8؛ 14: 8- 9). وتؤمن لنا رضى الله. من يمارس الصدقة يكوّن لنفسه كنزا. بالصدقة نكفّر عن خطايانا ونقدم للرب ذبيحة مرضية (4: 9- 11؛ 14: 8- 11). اما الصلاة فهي ملجأ البار الذي جعل ثقته في أمانة الله، وهي ليست سلسلة من الممارسات الشكلية، بل استعدادا دائما لتقبل الله وكلمته في حياتنا. والمؤمن يصلي في كل ظروف الحياة: في حالات اليأس (3: 1- 6، 11- 15) والقلق (8: 5- 8) والفرح (8: 15- 17؛ 11: 14). بالصلاة نبارك الله (3: 11) ونرفع اليه آيات الشكر، لانه الاله العادل، لان كل اعماله عادلة ولان طرقه امانة وحق (3: 3).
سفر يهوديت

1) سفر يهوديت في بعده الكتابي:
كتاب يهوديت سفر صغير من العهد القديم غريب ومشوّق. يعيننا على تذوّق جال كلمة الرب وغناها من خلال علاقته التاريخية بشعبه، وردات فعل، وخيارات من كان له الرب سيدا ومعلّما قديرا. من يقرأ الكتاب كرواية وكقصة من القصص، يتفاجأ ربما ويستهجن الأحداث، ويشمئز من فظاعة العمل الذي يتم: إمرأة تقتل قائداً عظيما لتخلّص شعبها. تقطع رأسه وتضعه في جعبتها.
المطلوب إذن أن نضع نفسنا أمام السفر بتجرّد، وأن ندع كلمة الله تنساب حتى اعماق قلبنا دون أن نقاومها ودون أن نفقد صبرنا حتى النهاية.
سفر يهوديت من الأسفار القانونية الثانية ونجده في الترجمات البروتستانتية في الملحق الخاص بالكتب المنحولة (اي غير القانونية). مؤلف الكتاب الأصلي مجهول، ومن المرجَّح انه كتب بلغة سامية قد تكون العبرية. لم يدرج الربانيون اليهود سفر يهوديت في المجموعة الرسمية للاسفار المقدسة، مما أدى الى تردد الكنيسة القديمة في شأنه. لكن استعماله كان شائعاً وقُبل في لائحة الكتب القانونية في المجامع الفلورنسي (1142) والتريدنتيني (1546) والفاتيكاني الاول (1870).
فن سفر يهوديت الادبي غريب: انه رواية كُتبت على طريقة المدراش. نسج الكاتب، حول نواة تاريخية، صوراً أخذها من الأسفار المقدسة وغايتها التعليم. في الرواية مشاكل تاريخية. نبوكد نصر مثلا، وهو ملك بابل بحسب التاريخ، يظهر هنا كأنه ملك نينوى. وبينما هو المنتصر تاريخياً ومدمِّر أورشليم نراه في سفر يهوديت ينهزم ويُقتل. كما يتعذر علينا معرفة الهوية الجغرافية لأسماء بعض المدن. هذه المشاكل تحمل على القول بأن الرواية هي مؤلَّف تصرّف بمعطيات التاريخ وكان غرضه التعليم.
ترد رواية يهوديت في نصوص يهودية تتصل بعيد "حنوكة" الذي يحصي ذكرى تدشين الهيكل. أما العهد الجديد فلم يستشهد بالسفر بطريقة واضحة، لكن تبقى آثار منه في مقاربات في التفكير والتعبير مما يجعلنا نفترض انه كان معروفا في الجيل المسيحي الاول: يه 1/11 ولو 20/11، يه 8/24- 25 و1 كور 10/9- 10، يه 13/18 ولو 1/43، يه 13/19 ومتى 26/13.
اما من ناحية محتوى السفر وابعاده الدينية واللاهوتية فهو قصة درامية رائعة تقسم قسمين:
- في القسم الاول (1- 7) نرى القوة الوثنية تصل الى أوج مجدها: نبوكد نصر أصبح سيد الارض كلِّها ولم يبقَ له سوى أورشليم والأرض التي تتبعها. ومنفذ الوصول إلى أورشليم هو بيت فلوى التي تحميها قلعة متواضعة يسكنها شعب يهوديت.
- في القسم الثاني (8- 16) تظهر امرأة، أرملة متواضعة وتقية تقف لترفع معنويات الشعب وتشدده بشجاعتها وتخلصه يايمانها وإتكالها على الرب. أضف إلى ذلك صورة ارتداد الوثني احيور بعد أن رأى الحدث. "رأى وآمن".
من المشوق أن نرى باختصار كيف تجري الاحداث وما هي المعاني اللاهوتية العميقة للقصة:
في الفصول الأولى (1- 4)نرى القوة الوثنية تحتل الأرض كلها ماعدا أرض اسرائيل التي يسكنها شعب الاله القدير، رب الأكوان. والقائد الوثني يضع نفسه بمصاف الالوهة. وبعد أن انتصر على ارفكشاد قرر الانتقام من الارض التي لم تخضع له، "فخاف الجميع وأرسلوا إليه رسلاً يحملون كلام سلام" (13/1). أما بنو اسرائيل "فخافوا على أورشليم وهيكل الرب، وأعلنت حال الطوارئ وصرخ رجال اسرائيل إلى الرب" (4/9). وكتب يواكيم عظيم الكهنة إلى سكان بيت فلوى... طالباً إليهم أن يضبطوا مسالك الجبل لأنهم اذا فعلوا ذلك صدّوا المتقدمين (4/6- 8). وأخبر اليفانا، رئيس قواد جيش أشور، بأن بني اسرائيل يستعدون للحرب فغضب وتساءل: من هو هذا الشعب وعلى أي شيء تقوم قوته وقدرته؟ ومن هو قائدهم وملكهم؟ فأجابه احيور العمّوني متذكرا قصة الشعب مع الرب (5/5- 31).
قوة هذا الشعب تقوم على ابتعاده عن الخطيئة وامانته لالهه الذي يبغض الاثم. لذلك بدا من الصعب مقاومتهم والا "نكون عرضة لتعيير الارض كلها" (5/21)، لم يخَف اليفانا، بل على العكس قرر مقاتلة الشعب ورمى بأحيور بين ايدي بني اسرائيل وبدأ حصار بيت فلوى.
ومع الوقت خارت عزيمة الشعب فاجتمعوا واتفقوا على تحديد مهلة للرب (5 ايام). فان لم تأتهم الاغاثة يستسلموا.
ينقلنا الكتاب شيئاً فشيئاً من وَساعة مساحة التحدي (شعوب الارض كلها) الى مدينة (أورشليم) إلى قرية صغيرة (بيت فلوى) إلى علِّية منسية حيث تقيم امرأة ارملة تمضي وقتها في الصوم والصلاة.
ويبدأ القسم الثاني من الرواية. في الفصول 8- 14 يحقق الرب خلاص شعبه الضارع إليه، على يد امرأة. يهوديت أي اليهودية، هي مثال الابنة الاسرائيلية: أرملة غنية، تقية، تضع المسح وتصوم وتصلي في علية على سطح بيتها مكرِّسة حياتها لخدمة الرب. بعد أن سمعت بكلام الشعب الذي خارت قواه استدعت شيوخ مدينتها ولامتهم لأنهم جرّبوا الرب وامتحنوه وفرضوا عليه ارادتهم بدل أن يطيعوا تدبيره. ودعتهم إلى الاستسلام بين يديه. فامتحانهم شرف لهم لأنهم يبرهنون من خلاله عن تمسكهم بايمانهم، وهو فرصة لشكره على هذه المحنة التي تسبر قلوبهم. وقررت يهوديت العمل بوسائلها الخاصة للمساهمة في الخلاص. وقبل تنفيذ قرارها، صلّت وصرخت إلى الرب، إله شمعون ابيها (يه 9/1- 2). ومضت إلى معسكر الوثنيين متظاهرة أنها تريد مساعدتهم. وفي اليوم الرابع لوجودها في المعسكر أقام القائد مأدبة ودعاها إليها، فلبّت الدعوة، ومن فرحه بحضورها أكثرَ من الخمر وثَمل ونام. فانسحب الضباط وبقي وحده مع يهوديت. فصلّت يهوديت إلى الرب وقطعت رأس اليفانا وعادت إلى ضيعتها حاملة النصر في جعبتها. ففرح الجميع وتهيأوا للقتال. وقام الوثنيون للرد على القتال فإذا هم بلا "رأس" فتبلبلوا وضاعوا.
وينتهي السفر بصلاة بركة ليهوديت على عملها تسمعنا صدى "المباركة في النساء". وتشكر يهوديت الرب الأمين والقدير والمستجيب للمتواضعين.
2- سفر يهوديت ووجه المرأة اليوم:
سر كلمة الله أننا نقرأها فتقرأنا وبالتالي نقرأ حياتنا على ضوئها. فهي ليست قصة تبوخ كلما طوتها السنين. هي تبقى وعجيبتها دائمة فينا لأنها تفعل فينا وتضعنا ولا ترجع فارغة. سفر يهوديت يحمل الينا رسالة من القدوس، يحمل الينا قوة معنى تطالنا اليوم وكل يوم وتواجهنا فنطرح السؤال في سرية ذاتيتنا: ما معنى هذا الكلام؟ وهدف كلمة الله أن نصل إلى هذه المواجهة، إلى هذا التساؤل، هدفها هو ان تفجّر فينا سؤالا لا يني يَكبر إلى أن يلد فينا موقفا وقرارا.
امام سفر يهوديت نحن وجهاً لوجه مع صورة امرأة تختصر الأمة وتُجسدها وتختصر بالتالي مراد السفر بكامله.
أ- يهوديت امرأة على موجة القدوس:
أيام محنة يعيشها شعب الله، أيام افتقاد وعتمة وامتحان. فهو لم ينسَ بعدُ طعمَ الهوان والتدنيس الذي تعرّض له الهيكل والمذبح، ولم يُنهِ بعد مهمّة التطهير، ولم يكدَ يرجع من الجلاء ويبدأ حياة مستقّرة مسيجّة محمية. وها هو يتعرض من جديد لامتحان في صبره وإيمانه، ويقلق على المصير. ومع هذا الواقع الجديد فهو مجاور بلغة البشر: يخاف، يقلق، يتخذ التدابير ويعود إلى الرب، يصلّي ويصوم ويصرخ صراخاً شديداً بكل قوته طالباً من الرب ان يفتقد بيت اسرائيل. (4/15). وفي هذا الاطار بالذات نجد امرأة تعيش في عليّة بيتها بالصوم والصلاة والتشفع بحياة مكرّسة وموقوفة لله. وهي، على عكس موقف شعبها، لا تخاف ولا تقلق، بل ترى في هذا المعيوش نفسه إمتحاناً للإيمان وحظاً في البرهان للقدوس عن مدى تعلق الشعب به.
وبينما رؤساء الشعب يتراخون أمام ضيق الحصار ويحدّدون موعداً لله، هو الحد الاقصى الذي يمكنه أن يصل إليه في امتحان صبرهم، تقوم يهوديت وتترك عليّتها وتُعلي الصوتَ لتقول: ومن نحن حتى نمتحن الله، ومن نحن لنضع الموعد لعمل القدّوس؟ هو الرب، وله الحق بامتحاننا وافتقادنا، وأما نحن فحصتنا هي أن نصبر ونصمد ونقول له بمواقفنا: إنه السيد، ليفعل ما يشاء. لأن مقاصده بعيدة الغور، ولأن تدبيره رحمة وفداء حتى ولو لم نفهم.
يهوديت ترفع معنويّات شعبها، وتذكّره بكل ما صنع الرب معه في الماضي، وتلومه على قلة إيمانه بأمانة الرب، وتبكّته على عدم أمانته وذعره. مفارقة عظيمة: شعب يذعر ويقلق ويفقد صوابه، وامرأة تعيد التوازن ولا تذعر وتبقى في شلام.
وسر سلامها أنها على موجة القدوس، سر سلامها انها تلقاه وجهاً لوجه في العلية، وتحيا بحضوره المالئ الكل، وبحضوره الذي هو دواء لعدم الموت. وهذا الوجه لوجه يقيها من الخوف والتيه، ويدرّبها لتقرأ سر علاماته الصعبة الفهم، وتكنه مكنونات مقاصده من خلال أحداث الأيام ومواقف البشر.
ب- يهوديت امرأة تشارك في الفداء:
تبارك الرب الذي يُشرك من يشاء في فعل الخلاص، تبارك الذي لا يحتاج إلى شيء ولكنه جعل من نفسه محتاجاً إلى خليقته. هو يحتاج إلى فكرنا وقلبنا وجسدنا، وإلى كل موهبة اعطانا مجانا من سخائه. هو يعطي ويجعل من نفسه محتاجاً إلى عطاياه. تبارك سخاؤه الذي لا يسأل الآخر ماذا يصنع بهذا السخاء ويبقى في انتظار متواضع. يلج بطلبه بقوة روحه القدوس حتى يستفيق قلب إنساننا السريع العطب. تلك قصته معنا منذ جاذف وأوجدنا، وقصة قداستنا هي جواب حرّ لعطاياه.
وجه امرأة بادلت الرب وسخرّت كل عطاياه لمجده ولقضيته. ارملة غنية وجميلة وذات مهابة. لم تسمح لقلبها أن يميل لحظة الى العطية وينسى العاطي، بل اتخذت لها من كل غناها الجسدي والمادي جسراً في علية يَصِلُها بالذي أحبها كل هذا الحب مجاناً، ووهبها ما لم تسأل. نحن نتساءل اليوم، ونحن نرى شعبنا نصفه تحول إلى أرامل، نتساءل كيف لنا أن تكون يهوديت منا وفينا. لأن كلمة، الله ليست مثلاً ولا قصةً بل انموذجاً في الايمان. كيف نكون يهوديت في ظرف كل واحد فينا، في واقعه، فيما يضغط نبوكد نصر اليوم؟
يهوديت شاركت شعبها ضيقه وألمه وخوفه، لكن بطريقتها. وربما هنا يكمن سر هذه المرأة المشاركة في الفداء، عرفت كيف تُترجم المعاناه بلغة اللاهوت. شعبها خاف، وكاد أن ييأس ويفقد شجاعته. هي مرت بالمعاناة نفسها، ولكنّها ترجمتها صلابة في الإيمان ورجاء في القادر أن يغيث ساعة يشاء وبالطريقة التي يشاء وأن يستعمل من يشاء.
وقدمّت نفسها لتكون أداة للفداء، لتكون همزة وصل بين الله وبين شعبه.
جـ- يهوديت، امرأة سلاحها "من نوع آخر" تستعمله لتداوي:
السلاح "من نوع آخر" هو الذي يكون على حسب قلب الرب. فالقضية إذن ليست قضية سلاح، بل هي كيفية استعمال هذا السلاح. لأن الرب لم يخلق خلقاً ناقصاً، بل أعطى لكل حيّ وسيلة للدفاع عن نفسه حتى لأصغر المخلوقات. كل شيء فينا وعندنا، في كياننا أو في ملكيتنا، هو سلاحنا. غريزتنا، جسدنا، فكرنا، علاقتنا، سلاح بيدنا، فكيف نستعمله وكيف نجيّره لئلا ينقلب علينا؟
منطق العالم يعلمنا أن نسخّر كلَّ شيء لخدمتنا، لمصلحتنا، لراحتنا، وان قاوَمَنا نحطِّمه لأننا محور كل شيء. ومنطق القدوس، منذ القدم وحتى مع صفحات العهد القديم، يقلب هذا المنطق ويطرح بديلا يُدفع ثمنه غالياً ولكنه يفعم القلب سلاماً من طعم السماء.
والبديل الذي يطرحه هو منطق الحب الذي لا يقبل بأية وسيلة للبلوغ إلى الهدف. لا يقبل بالجرح الا لأنه يداوى، وان جَرح الحبيبُ واوجع فهو كما يد الطبيب.
يهوديت امرأة جميلة دخلت معسكر نبوكد نصر، وواجهت اليفانا. دخلت المستنقع وغامرت. انها ستتركه نظيفة. وهذا الجمال هو سلاح ذو حدّين، كما كل نعمة. وآية الكتاب انها استعملت سلاحها، نعمتها وجمالها، بفطنة وحكمة مَن تحمله قضية ويعطي من اجلها الغالي.
س تصرّف يهوديت ليس انها قتلت رجلا، وربما هذا التصرف يزعجنا ويشككنا، ويجعلنا نتساءل: كيف حافظ الكتاب المقدس على مثل هذه القصة؟ سر تصرّفها، هو أنها لم تأت أية قباحة لتصل الى هذا النصر على الشر. كان من السهل عليها ان تستعمل جمالها وجسدها واغراءها وتمر بالزنى لتصل الى مأربها، أو على الأقل أن تكذب على أليفانا وتوهمه أنه سيد الارض كلها. ومن خلال تعظيمها له تختلس انتصارها اختلاساً. لكنّها لم تفعل.
جمالُها لم يُرمَ حتى بنظرة، وكلامُها لم يتدنَّس بالمراوغة. سرُّ هذه المرأة الجبارة، أنها عرفت كيف تحاور مع الواقع وتبقى صافية، عرفت كيف تفهم علامات الرب من خلال علامات البشر: اليفانا ثمل، تلك علامة فهمتها يهوديت وجيَّرتها لتحقيق الخلاص بدل أن تلهو بها او تفقد صوابها وتسكر معه.
يهوديت وجه امرأة يحكينا، يدعونا للتساؤل: ونحن اليوم كيف نستعمل سلاحنا أيا كان هذا السلاح؟ وكيف يأتي قرارنا؟ وعلى أية أسس؟
يهوديت صلَّت ورفعت الدعاء، وصامت ولبست المسح قبل أن تنفِّذ قراراها، ونحن نتساءل معها ومن خلال قراءتنا لسفرها: هل علاقتنا بالقدوس هي القيمة الاولى في حياتنا، هل القدوس هو السيد الذي يُستشار قبل كل قرار وفيه وبعده؟
يطيب لنا أن نصلي بكلمات يهوديت للرب الفادي والقوي والمحتاج إلينا وإلى ضعفنا ليكّمل خلاصه:
"أيها الرب، إله شمعون ابي،...
اللهم يا إلهي، إستجبني أنا الأرملة.
فأنت صنعت أحداث الماضى
وقدرت الحاضر والمستقبل
وما قدرته كان، وما أردته كان فقال: "ها انذا"...
... انك إله الوضعاء ومغيث الصغار
ونصير الضعفاء وحامي المهملين
ومخلص اليائسين.
نعم يا إله ابي، رب السماوات والارض وخالق المياه
وملك خليقتك كلها،
استجب لصلاتي وهب لكلامي الخادع
ان يجرح ويؤلم
وهب لكل أمة وكل عشيرة أن تعرف أنك أنت الإله...
سفر أستير

1- سفر استير في البعد الكتابي:
سفر أستير آخر كتاب من الكتب الخمسة التي تُقرأ ايام الاعياد اليهودية وهي: نشيد الاناشيد لعيد الفصح، راعوت لعيد الخمسين، المراثي في ذكره خراب الهيكل، الجامعة لعيد المظال، واستير لعيد فوريم.
السفر مكتوب على لفائف وليس له مكان معيَّن في سلسلة الكتب المقدسة. فهو أحياناً ملحق بالكسَب الحكمية واحياناً أخرى بكتب الانبياء أو الكتب التاريخية. ونجده غالبا ملحقا بسفري طوبيا ويهوديت. ويُعتبر معهما خاتمةَ الكتب التاريخية أو مقدمة للكتب الحكمية.
لسفر أستير صيغة قصيرة وهي النص العبري، وصيغة طويلة هي النص اليوناني. وهناك إضافات كثيرة زيدت على النص اليوناني في مكانها الصحيح من تسلسل الاحداث، وهي ناقصة في النص العبري. اما بالنسبة الى ترجمة القديس ايرونيموس فقد اعتمدت حلاً وسطاً بين النصين. ترجم القديس ايرونيموس النص العبري، وأضاف في ملحق الاضافات الخاصة بالنص اليوناني. في الترجمات العربية المتوفرة لدينا نقرأ في الترجة القديمة للمطبعة الكاثوليكية 1881 السفر كما اعتمده القديس ايرونيموس، أما في الترجمة الحديثة لدار المشرق 1986 فهو مكتوب كما في النص اليوناني. وفي ترجمة وليم واطسن (لندن 1857) التي اعادت طباعتها مكتبة السائح فقد اعتمدت النص العبري. وترجمة دار الكتاب المقدس في الشرق الاوسط (1985) اعتمدت النص العبري أيضاً. هذه الاضافات التي تخلق احياناً مشكلة للقارئ نستطيع ان نقول عنها باختصار انها فقط مقاطع ناقصة من النص العبري نجدها في النص اليوناني. وهذه هي مراجع المقاطع المزيدة وهي مكتوبة حسب رقم الفصل والآية التي تبدأ من بعدها وتستعمل الاحرف بدل الارقام. (حلم مردكاي 1/1 ب- ع، تفسيره 10/3 ب- ز، رسالتان لاحشورش 3/13 ب - د و8/12 ب- و، صلاة مردكاي 4/17 ب- و، صلاة استير 4/17 ز- ن، رواية أخرى لدخول استير على الملك 5/1 ب- ج و5/2 ب- ت، وملحق يشرح فيه الكاتب اصل الترجة اليونانية 10/3 ب- س).
كان النص اليوناني موجوداً في السنة 78 ق. م. أما النص العبري فقد وضع في وقت سابق كما ورد في سفر المكابيين الثاني (2 مك 15/36). إن يهود فلسطين كانوا يحتفلون في سنة 160 ق. م. "بيوم مردكاي". ومن المحتمل ان يكون هذا السفر أكثر حداثة، وقد وُضع في الربع الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد. أما منشأ عيد فوريم فغير واضح، ومن المحتمل أن يكون الكتاب قد رُبط به في وقت لاحق، واستُخدم لتفسير هذا العيد.
يحوي السفر بشكل عام قصة درامية متسلسلة وعرضاً قانونياً خاصاً بعيد فوريم الصاخب بمظاهره. وقد يفسّر طابعُ هذا العيد لماذا لم (كما في التوراة العبرية) يذكر اسم الله: خاف الكاتب ان ترافق هذا الذكر هتافات وتظاهرات غير لائقة أو مُضرّة بالاحزام الواجب لاسم الله.
ما يلفت نظرنا ويستوقفنا ادبيا هو القصة بحد ذاتها. نلاحظ تسلسل تناقضات تدهشنا: من وشتي إلى استير، ومن هامان إلى مردكاي، ومن نشوة هامان إلى نشوة مردكاي، ومن امر ملكي إلى آخر، ومن مجزرة فاشلة إلى مجزرة انتقام. المفردات الادبية جميلة التعابير وواضحة، وهي تُضفي على القصة حيوية. ويبدو لنا أن هدف الكاتب هو الاحتفال بالخلاص الآتي لليهود من الله، وتذكير القارئ بالحوادث التي نشأ بسببها عيد فوريم، وعرض لطقس تقوي خاص بالتوبة والتضرع. ومن خلال النص اليوناني نرى بوضوح هدف الكاتب: التحدث عن الله الخالق والقادر الذي يعرف كل شيء ويتخطى بقدرته كل الالهة ويسيطر على كل سلطة، وعنايته تسود الكون. إنه رب عادل ونحوه نرفع صلاتنا.
أما احداث السفر فهي تتمحور حول عناية الرب التي تخلص شعباً وتمر بالانسان: مردكاي واستير. وهي تبدأ مجم مردكاي وتنتهي بتفسير هذا الحلم: ينبوع صغير يصبح نهرا (استير)، وامم تستعد لمقاتلة شعب الابرار.
احشورش الملك يدعو الملكة وشتي للظهور أمام مدعويه فترفض. فكان هذا الرفض سبباً كافياً لإقالتها واختيار ملكة اخرى مكانها. فقدم مردكاي أستير ابنته بالتبني فحظت برضى الملك. وكان مردكاي قد كشف عن خطة قام بها خصيّا الملك لقتله. واخبر الملك بذلك، فدوَّنها الملك في سفر اخبار الايام. وكان هامان وزيرا مقرَّبا من الملك حتى إنه جعله الرجلَ الأول في المملكة. فانتشى بهذا الاكرام وفرض على الجميع السجود له. لكن مردكاي اليهودي أبى ان يسجد امامه. فبدأ هامان يخطط ليس فقط للانتقام من مردكاي، بل لالغاء شعب باكمله. فوشى للملك أن هذا الشعب خطيبر على المملكة لأنه مخالف لسنن الملك. لهذا يجب ابادته. فوافقه الملك وأعطاه ختمه يتصرف به كما يحلو له. فكتب هامان رسائل إلى كل ولاة أقاليم الملك يطلب إليهم إهلاك واستئصال جيع اليهود في يوم واحد. وعلم مردكاي، فمزَّق ثيابه ولبس المسح وألقى على نفسه الرماد. فعلمت استير بالأمر وأرسلت إليه ثياباً تليق بالجالس في باب الملك. لكنّه رفض وأوضح لها سبب تصرفه. وطلب منها أن تدخل على الملك لتتضرّع إليه وتتوسلّ بين يديه من أجل شعبها (4/8 ب). فخافت استير ورفضت لأنها تعلم انه لا يحق لها بالدخول ما لم تُستدعَ، او ان يمد لها الملكُ صولجانه. فاجابها مردكاي مذكرا بانتمائها إلى الشعب ودورها في الخلاص، فلعلها لمثْلِ هذا الوقت وصلت الى الفلك. عندها قررت استير المخاطرة بحياتها من اجل شعبها والدخول على الملك وطلبت ان ترفَع من اجلها الصلاة والصوم مدة ثلاثة ايام. وصامت هي أيضاً، وخلعت ثياب المجد، ولبست ثياب الشدة والحزن، وغطَّت رأسها بالرماد والاوساخ، وذللّت جسدها... وصلّت. وفي اليوم الثالث لبست ثياب الملك وتبرّجت ودخلت على الملك. وما إن رآها الملك حتى حوَّل الله روحه الى الحلم وسألها: "ما بغيتك يا استير ولو كانت نصف المملكة، فالشريعة على عامة الشعب وليست عليك..."
فطلبت منه أن يدعو هامان الى وليمة، ثم شرحت له في الوليمة كل ما يدبره هامان انتقاما من شعبها، وأعلنت انتماءها إلى هذا الشعب. وهنا، وبتدخل من الرب، يقلق الملك ويطلب سفر الأخبار ويتذكر عمل مردكاي الذي أنقذه. فيستدعي هامان ويسأله: كيف يكرَّم انسان رضي عنه الملك؟ فوصف له طريقة التكريم معتقدا أنه المعني بالأمر. وكوفئ مردكاي بحسب ما طلب هامان. وعادت أستير وحصلت على أمر من الملك يلغي رسائل هامان ويحوّل الانتقام عليه. وجعل اليهود يتذكرون هذه الاحداث ويعيِّدون "في اليومين اللذين استراح فيهما اليهود من اعدائهم والشهر الذي تحوَّل لهم الحزن فيه إلى فرح والنوح الى يوم حبور..." ودعوا هذين اليومين "فوريم" عائدين الى كلمة فور التي تعني "قرعة". (9/22 و26).
2- سفر استير ووجه المرأة اليوم:
أ- استير ابنة شعبها:
أستير التي ليس لها أب ولا أم، كما يذكر الكتاب المقدس، يتبناها شعبها وتقبل به أباً وأماً. ونحن نرى في هذا صدى بعيداً لملكيصادق المجهول الاب والام ولنبوءة الأنبياء عن المسيح الذي لا يُعرف ابواه (يو 7/27). استير تطلّ علينا وكأنها بلا جذور بشرية. لا نعرف شيئا عن ابيها وامها وقصتها؟ تطل علينا كما النبوءة وكما "الريح التي تهب حيث تشاء ونحن لا نعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب" (يو 3/8).
وهذا التشلع في الانتماء البشري يصبح حجر الزاوية لوساعة انتماء تطال شعباً، ويصير الاب والام قضية تعيش من اجلها. هذه ملامح استير التي يوردها السفر ونحن نكتفي، عن غير قصد، ونتخطى هذا الواقع من غير سؤال. تلك فرادة من فرادات السفر ومن فرادات ابداع كلمة الله واحبائه. تماما كما نتخطى تقنيات العزف والف بائه امام فنان مبدع.
امام هذا الوجه، وجه امرأة بلا جذور ولا قصة امام امرأة مفروزة لخلاص آت من آخر تؤمن به وترك نفسها بين يديه اداةً حرة ومتجاوبة، امام وجه استير، نحن نتساءل: كيف نقبل قصتنا المشلّعة؟ كيف يصبح جرحنا مطلاً على قضية شعب، على قضية الرب؟ وكيف نستعمل انماءاتنا في خدمة انتماء يفجّر محدودية العلاقات البشرية والتاريخية والجغرافية؟
ب- استير، ملكة راهنت على سلطتها من أجل الفداء:
تجربة السلطة والتسلط والقدرة تجربة عمرها من عمر الانسان. فالانسان فينا لا يني يبحث عن مساحة يتسلط عليها وقد تكون هذه المساحة انساناً وفي افظع الحالات نتجرأ ونتحدى الله. وأولى صفحات الكتاب المقدس تصوّر لنا هذه المعاناة في حوار يجري بين الحية وحواء إذ تقول الحية: "لن تموتا، انما الله عالم أنكما في يوم تأكلان تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة" (تك 3/4- 5). وتصوّره ايضا في برج بابل يوم يلوح ببال البشر الوصول الى الله وتخليد الذكر (تك 11).
ولعل تجربة التسلط أولى طاقات بشريتنا والسيف ذو الحدين الذي نحمله في آنيتنا الخزفية.
أستير امرأة بيدها السلطة، سلطة لم تركض وراءها ولم تشتهيها ولم تشترِها. سلطتها أتتها من تدبير من أعطاها الجمال لتكون، كما كلمة الله، خشبة خلاص لشعبها. وهذا محور مهم يستوقفنا ونتساءل: كيف نتعامل في سرية ذاتيتنا مع شهوة السلطة الساكنة في اعماقنا؟ منطق العالم يدفعنا الى الوصول ولو على حطام الانسان والقيم، وينعت بالجبانة من يقبل بمنطق غسل الارجل. منطق العالم يسخّر كل شيء ليصل إلى السلطة، ومتى وصل إليها، نصَّب نفسه إلها قديرا يحلِّل ما يشاء ويحرِّم ما يشاء.
أستير ملكة تراهن على السلطة التي وصلت إليها بتدبير الله من أجل قضية. ووجهُ مردكاي عمها، صوت الحق القدوس، يذكرها بمسؤولية موقعها وهدف سلطتها: "لا تخالي نفسك انك تنجين في بيت الملك دون جيع اليهود، لأنه ان لم تزالي على السكوت في هذا الوقت، فسيكون فرج وخلاص لليهود من مكان آخر، وانت وبيت ابيك تهلكون. ومن يدري لعلَّك لمثل هذا الوقت وَصلت إلى الملك". (استير 4/13- 14).
السؤال الاساس في كل قضية وموقف: ما هو الهدف منه وما هي نتائجه؟ وكيف يكون في خدمة القدوس؟ هذا هو مقياس التصرف البشري، وإلا صرنا في ضياع برج بابل وشابهنا منطق الغاب. وسرُّ هذا التصرف بالسلطة على حسب منطق القدوس هو التجرد، وهو برهان على أولوية الله في حياتنا. هل يبقى الله الأول والمهم وصاحب القضية والسلطة يوم نكون في مركز السلطة أم تصعب علينا المنافسة ويصبح الله وكيل اعمالنا وأمين سرنا؟ هل نجرؤ ونخلع ثياب المجد ونلبس ثياب الشدة والحزن ونغطّي رأسنا بالرماد والاوساخ بدل العطور الفاخرة ونذلِّل جسدنا (4/17)، يوم تكون قضية الرب، الذي هو وحده ملكنا وكبيرنا، في خطر؟ هنا تكمن جذرية محبتنا لله: هو وحده الملك، وله وحده السلطة، ومن اجله ترخص التضحيات، وكل سلطتنا من دونه بريق فارغ.
أستير ملكة تصلي، ونحن ربما نرى صورة واقعنا غريبة عن هذه الملكة المصلية. والبعض يقول: الصلاة لا تطعم رغيفاً ولا تحل مشكلة من مشاكل أيامنا. لكم ان تصلوا ولنا ان ندير الامور بسياستنا. فما علاقة السياسة بالصلاة؟ استير تعطي في موقفها جواباً لإنسجام متزن بين السلطة والصلاة. ونحن نحمل في اجسادنا هذا التجزؤ وكل نتائجه، ونرجو أن تسري فينا عدوى الكتاب ويُعطى المجد لله ليحل على الارض السلام. ويومها فقط نحلم في تصالح بين السلطة، أيا كانت، وبين معطي السلطة وحده. ويومها فقط تصير السلطة "وزرة خدمة وانحناء على اقدام من نخدمهم". ونجرؤ على وهب ذاتنا قرباناً وفداءً من أجل من أقامنا الرب عليهم مسؤولين. ومع أستير المصلية نرفع صلاة ملكة تحني رأسها للذي هو تاج رأسها ولا تحنيه لأحد سواه:
" أيها الرب الذي هو وحده ملكنا
أعنِّي انا المنقطعة التي ليس لها سواك معين. 
إنّا قد خطئنا أمامك، فاذكرنا يا رب وأظهر مجدك في وقت شدتنا،
وأعنّي انا المنقطعة التي ليس لها سواك معين. 
ألقِ في فمي كلاماً موزوناً،
وغيِّر قلب من يبغضنا وأنقذنا بيديك
وأعنّي أنا المنقطعة التي ليس لها سواك معين.
فاستجب لأصوات الذين ليس لهم معين سواك
ونجنا وانقذنا من خوفنا
وأعني انا المنقطعة التي ليس لها سواك معين". (4: 17 ي). 
الاسفار التاريخية
المجموعة الرابعة

يحدّثنا سفرا المكابيين عن الصراع بين العالم الهليني وبين العالم اليهودي المتمسك بالشريعة والهيكل. هناك نداء إلى الحرب المقدسة مع المكابيين، وهناك رفض للحضارة الهلينية وما تحمل من خلفيّات وثنية، وهناك قبول بالاضطهاد والموت ورفض لكل ما يعارض الايمان والشريعة. لم يدخل هذان السفران كما لم يدخل سفرا طوبيا ويهوديت في اللائحة القانونية اليهودية ولا في اللائحة القانونية البروتستانتية. اما الكنيسة الكاثوليكية فاعتبرتها كُتُباً ملهمة وسماها البحاثة "الاسفار القانونية الثانية". ونزيد على هذه الاسفار الاربعة التي وصلتنا في اليونانية اسفار الحكمة وابن سيراخ وباروك.

سفرا المكابين

مقدمة:
سفران بالغا الاهمية بالنسبة إلى تاريخ الأمة اليهودية في القرن الثاني قبل المسيح، إذ ان كتب التاريخ اليونانية تكاد تتجاهل هذه الحقبة. والقانون اليهودي الذي حدّد الكتب المقدسة في يمنية في القرن الأول المسيحي لا يذكرهما فىِ عداد الكتب الموحاة. كذلك اعتبرهما القديس ايرونيموس منحولَين وحذا حذوه البروتستانت، بيما اعترفت بها الكنيسة منذ نهاية القرن الرابع وأقرتها في مجمع ترانت (في ايطاليا سنة 1546). وكذلك تعترف بها الكنيسة الارثوذكسية. وكان آباء الكنيسة الاولون قد علقوا عليهما الشروح لما فيهما من تعليم حول الامانة لله، والقيامة، والجزاء في العالم الثاني، وشفاعة القديسين.
محتواها اخبار الحرب التي قادها متتيا واولاده ضد السلوقيين الذين حاولوا أن يخضعوا اليهود للحضارة الهلينية التي كانت قد عمَّت بلدان البحر المتوسط. أما كلمة "مكابي" فقد أطلقت على يهوذا بن متتيا، وقد تعني "مختار الله"، ثم عمت سائر اخوته.
1- تعريف بالسفر الاول:
يتكلم هذا السفر على الخصمين المتناحرين: انطيوخس الرابع الملقب بابيفانيوس ومتتيا وأولاده الثلاثة. يقسم هذا السفر ثلاثة اقسام، وكل قسم منه مكرَّس لاحد ابناء متتيا:
1- يهوذا من سنة 166 إلى 160 ق. م.
2- يوناتان من سنة 160 إلى 142 ق. م.
3- سمعان من سنة 142 إلى 134 ق. م.
تدور احداث هذا الكتاب بين سنة 175 تاريخ تسلّم أنطيوخس الرابع الحكم وسنة 134 سنة موت سمعان. وُضع بالعبرية لكنه لم يُحفظ إلا في ترجمته اليونانية. واضعه يهودي من فلسطين كتبه بعد سنة 134 وقبل سنة 63 ق. م، سنة احتلال القائد الروماني بومبيوس لاورشليم، أي حوالي سنة المئة. هو مرجع تاريخي مهم وان حاول تقليدَ الكتب التاريخية اليهودية المعروفة كسفري اخبار الايام. إنه كتاب سياسي وحرب، ولكنه قبل هذا كله تاريخ ديني يبيّن ان كل انتصار آتٍ من الله وكل فشل قصاص منه لتربيتنا. كاتبه مؤمن يرى الايمان في خطر فيحارب، بضراوة، الحضارة الهلينية التي بدأت تطغى على قلوب معاصريه وتبهر عقولهم. هو معجَب ببطولة المكابيين الذين يؤمِّنون للشعب نوعاً من الاستقلال الديني والوطني. انه يؤرخ لحرب تنتصر فيها أورشليم حاملة الوحي الالهي على حضارة، مهما عظمت، تبقى وثنية.
2- تعريف بالسفر الثاني:
ليس هذا السفر تكملة للأول. انه يبدأ في أواخر ايام سلوقس الرابع وينتهي بموت نكانور القائد السلوقي الذي دحره المكابيون. فهو اذن يؤرخ لخمسة عشر سنة فقط (175- 160 ق. م 0). الفن الأدبي هو غير فن السفر الأول. اسلوبه شعري ملحمي وإن ألقى دروساً في الاخلاق والايمان. انه اسلوب خطابي إرشادي أكثر مما هو تاريخي وعلمي، مع أن معلوماته التاريخية بخصوص المؤسسات اليونانية والاشخاص هي اصحّ من معلومات السفر الاول. هو مختَصر لكتاب مؤلَّف من خمسة اجزاء لياسون القيريني (2/23). وُضع ليهود الاسكندرية ليحسّسهم بقضايا اخوتهم في اورشليم ويحثّهم على الاقتداء بهم في وقفتهم الدفاعية ضد الهلينية. وضع ياسون كتابه بعد موت نكانور سنة 160 ق. م. واختصره 2 مك حوالي سنة 124 ق. م. جديد هذا الكتاب هو تعليمه بصدد قيامة الاموات والمجازاة في الحياة الثانية واستحقاقات الشهداء وشفاعة القديسين والصلاة من أجل الموتى.
3- الاحداث:
سنة 538 ق. م. صدر مرسوم كورش الذي دعى المسبين إلى العودة إلى أورشليم وإلى إعادة بناء الهيكل. وعاش اليهود طيلة قرنين حياة آمنة نتبيَّن صداها في كتابي عزرا ونحميا.
في منتصف القرن الرابع اتحدت المدن اليونانية حول الاسكندر بن فيليبس المكدوني الذي قهر الفرس في معركة ايسوس سنة 333 ق. م. كان هذا الانتصار فاتحة انتصارات حملت هذا الفاتح الشاب على احتلال سائر بلدان البحر المتوسط حيث بنى المدن على اسمه ونشر الحضارة الهلينية التي بلغت ذروتها آنذاك في كل صقع احتله. فراح جميع المثقفين يتكلمون اليونانية ويُبهَرون بسحر هذه الحضارة الانسانية الزاهرة. عند موت الاسكندر سنة 323 ق. م. اقتسم قواده الأمبراطورية بينهم، فكانت مصر من نصيب البطالسة اللاجيين وسوريا من نصيب السلوقيين. وعايش يهود فلسطين تحت حكم اللاجيين طوال القرن الثالث حيث نعموا بمعاملة انسانية منفتحة وبشبه استقلال ذاتي إلى ان قام سنة 198 ق. م. انطيوخس الثالث السلوقي وانتزع فلسطين من اللاجيين وضمها إلى سوريا.
بدأ السلوقيون سياستهم في فلسطين باحترام العقائد والعادات اليهودية. انما حاجة ملوكهم إلى المال، حملت سلوقس الرابع على ان يطلب من وزيره هليودورس وضع يده على أموال هيكل أورشليم. هنا يبدأ سفر المكابيين الثاني. ثم قَتل هليودورسُ سلوقسَ الرابع، فخلفه اخوه انطيوخس الرابع سنة 175 ق. م. هنا يبدأ سفر المكابيين الاول.
كان انطيوخس الرابع ذا ثقافة واسعة وأطماع لا محدودة، فأراد أن يحقق حلم الاسكندر بجعل جيع الناس امة واحدة وذلك بفرض الحضارة الهلينية في جميع اصقاع الامبراطورية. وكانت الهلينية في أوجها آنذاك، وقد سحرت ألباب الكثيرين حتى من اليهود. وكادت أن تمحو كل أثر للاله الحي. هذا اقله ما ادَّعى المكابيون في ثورتهم. فانتفضوا مع عدد من الرجال المؤمنين المتمسكين بتقاليد الاباء، وتصدوا لهذه المحاولة، وراحوا يعلنون امام العالم الاغريقي شهادتهم للاله الحي، الحر، سيّد التاريخ، ويدافعون عن استقلالهم "السياسي والديني. فكُتبت لهم عدة انتصارات نسبوها لاصبع الله مسيِّر التاريخ وسيدهِ.
سنة 168 ق. م. دنّس ابيفانيوس الهيكل اذ اقام فيه هيكلا لزوش. فثار متتيا ثم ولده يهوذا الذي ترأس المقاومة وانتصر في عدة معارك وطهّر الهيكل وأمَّن لليهود حرية العبادة والعيش بحسب تقاليدهم. ثم استعان بمعاهدة صداقة وتضامن مع الرومان الذين كانوا يطمعون بان يحلّوا محلَّ اليونانيين. ومات يهوذا في ساحة الحرب، فخلفه اخوه يوناتان سنة 160 ق. م. كان يوناتان دبلوماسياً يعرف كيف يفيد من الخلافات القائمة بين طلاَّب عرشه السلوقيين فتعين رئيس احبار، وعَمل على كسب ود الرومان والاسبرطيين وامّن فترة سلام لشعبه، إلى ان قُتل على يد تريفون أحد قواد انطيوخس السادس سنة 143 ق. م. فخلفه اخوه سمعان الذي عُيِّن أيضاً رئيسَ احبار بالاضافة إلى الزعامة الزمنية. فأمَّن لشعبه السيادة السياسية وجدّد المعاهدة مع الرومان. لكن انطيوخس السابع انقلب على اليهود وقتله سنة 134 ق. م. فتسلم مكانه ابنه يوحنا هركانس.
حَلم ابيفانيوس بخلق امبراطورية موحدة فحمله حلمه على اضطهاد اليهود الذين كانوا عقبة في سبيل تحقيق هذه الوحدة. منعهم من ممارسة شعائرهم كتقدمة الذبائح في الهيكل والختان وقراءة التوراة... وساعده في هذه العملية رئيس الكهنة آنذاك، ياسون الخائن، الذي حوّل اورشليم إلى حاضرة إغريقية تحت إسم انطاكيا تيمّنا باسم الملك، وأقام فيها حكّاماً علمانيين. عاونه في ذلك بعض من اليهود الذين بهرتهم الحضارة الجديدة. هذا كان في أساس ثورة المكابيين الذين يُعتبَرون شهداء الدين الحقيقي وشهود الاله الواحد.
قصة المكابيين ملحمة تبدأ في جو من الحماس وتنتهي في الدسائس والقتل إلى ان يأتي هيرودس ويتزوج آخر فتاة من العائلة المكابية. اما الكتاب الثاني فيضيف على هذه الملحمة نظرة جديدة إلى الايمان وتعليقا روحيا على الاحداث، فبينما لا يهتم الكتاب الأول الاّ بالسيادة السياسية والانتصارات الزمنية، يشدد الثاني على أهمية الانتصار العقائدي على االوثنية. فهنا لا مساومة ولا اختلاط بالوثنية وحضارتها التي تتنافس والدين اليهودي.
مرحلة هامة من تاريخ الشعب اليهودي تسترعي انتباهنا فيها ظاهرتان. التركيز على التقليد ونشأة لاهوت الاستشهاد.
4- التركيز على التقليد:
يظهر التركيز على التقليد في مواضيع ثلاثة: الشريعة والهيكل والكهنوت.
أ- الشريعة: الامانة للشريعة المدوَّنة في الكتب الخمسة هي أهم ما يبرز في سفري المكابيين فليست التوراة مجموعة قوانين، وإن كانت تحتوي على قوانين. بل هي قبل كل شيء تذكير قسَم بالعهد المقطوع للشعب. بعد العودة من المنفى، تترجمت هذه الامانة باحترام القوانين المتعلقة بالمآكل وبراحة السبت وبالختان. كوَّنت قضية المآكل المحرمة عائقاً أساسياً في سبيل الاختلاط بالمجتمع اليوناني. هناك مآكل طاهرة ومآكل نجسة. ولم يفهم اليونانيون هذا الموقف على حقيقته، ونسبوه إلى التخلف أو إلى التعصب الديني. اما توجه يهوذا إلى القفر وتغذى بالأعشاب كيلا يأكل مآكل محرّمة (2 مك 5/27)؟ وكان احترام التقليد يفرض ايضا صلوات واصواماً طلباً للعون الالهي (2 مك 3/15). اما راحة السبت فكانت تفرض جمودا شبه تام يبدأ يوم الجمعة مساء ويستمر حتى السبت مساء. فالسبت اصبح، بعد السبي، العلامة التي تربط الله بشعبه. ألم يفضِّل بعضُهم الموت في المغاور على الدفاع عن النفس يوم السبت؟ ولكن جاء متتيا وسمح لهم بالدفاع عن انفسهم يوم السبت مخافة أن يفنوا عن بكرة أبيهم (1 مك 2/29- 41). واصبح الختان علامة تكريس اذ هو رمز في الجسد للعهد الابدي مع يهوه. يرافق كل هذا صلاة شخصية وحياة داخلية تعمقت مع انبياء المنفى بعد أن فقدوا الهيكل وسائر العبادات الخارجية.
ب- الهيكل والطقوس: شدّد إرميا وحزقيال وسفر تثنية الاشتراع على الهيكل كمكان وحيد للعبادة. إنّه موضع لقاء بالله ومركز الاعياد الكبرى الذي إليه يحجون أينما وجدوا. هو مكرَّس للطقوس ورمز للتجديد. انه مسكن الله الذي لا يُمس. تدنيسه يعني العبودية، وكل قبول لطقوس غير يهودية في داخله أو تأثير طقسي غريب، هو تجديف يعرّض العبادة للزوال. من هنا ثورة المكابيين وتجديده بعد تدنيسه وتأسيس عيد التجديد.
ج- الكهنوت: تدّعي العائلات الكهنوتية نسبتها إلى صادوق الذي مسح سليمان ملكاً (1 مل 1/33 ي). بينما اللاويون يعاونون الكهنة في هيكل أورشليم. منذ نهاية القرن الثالث تسلّم رئاسة الكهنة اناس من عائلة اونيا. وفي بداية الثورة كان اونيا الثالث رئيسا للكهنة. ثم ما لبث ان تسلمها المكابيون مع يوناتان فسمعان. كانت مهمة رئيس الكهنة ترؤس احتفال يوم كيبّور (أو التكفير) حيث يمثل الشعب كله، كما كانوا يرجعون إليه ليتكلم باسم الشعب لدى السلطات اليونانية. وكان مسؤولا عن كل ما يتعلق بالهيكل. كتاب المكابيين الثاني يشهد على قوته المعنوية وقداسة سيرته. لذا يُنسب خلاص الهيكل إلى اونيا الثالث، ويتّهم ياسون بادخال عادات وثنية إلى أورشليم. وقد أصبح دوره بعد السي دور راع يجمع قطيعه ويديره ويشفع به لدى الله (2 مك 15/12).
5- لاهوت الاستشهاد:
جاء الاضطهاد قاسياً فكان يموت كل من وُجد في حوزته نسخة عن الشريعة، وكل من خَتن ولده، وكل من عاش بحسب تعاليم التوراة (1 مك 1/50، 56- 57، 60- 61). ويفصّل الكتاب الثاني، انواع الميتات التي تعرّض لها الشعب: عذابات العازار الشيخ والاطفال السبعة مع امهم (6/18 – 7/14). لا شك في ان هناك بعض المبالغة في الوصف: لكن المهم هو العبرة التي يستخرجها الكاتب من هذه الاضطهادات. فهو يتكلم على الاضطهاد ومعناه وقيمته. قَبِل الشهداءُ الموت ليظلّوا أمينين لتعاليم آبائهم، بيما رأى الوثنيون في موقفهم تعبيراً عن تعصبهم الاعمى. يرى المؤمن في الاستشهاد برهاناً على القداسة، والعازر يرى أكثر من ذلك. إنه يجيب الذين ينصحونه بقبول الاطعمة المقدمة للأوثان وبالتظاهر بالمشاركة فيها: "لا يليق بنا الرياء لئلا يظنّ كثيرٌ من الشبان أن العازار، وهو ابن تسعين سنة، قد انحاز إلى مذهب الاجانب، ويضلّوا بسببي لاجل ريائي وحي لحياة قصيرة، فانية، فاجلب على شيخوختي الرجس والفضيحة. فاني ولو نجوت الان من نكال البشر لا افرّ من يد القدير، لا في الحياة ولا بعد الممات. ولكن، اذا فارقتُ الحياة ببسالة فقد وفيت بحق شيخوختي، وأبقيت للشبان قدوة شهامة ليتلقوا المنيّة ببسالة وشهامة في سبيل الشريعة الجليلة المقدسة (3 مك 1/2 ي). يجب ان يكون موقفنا في الاضطهاد واضحاً وعلنياً. إنه شهادة امانة لا مساومة فيها. ثم ان للشهيد دور الشفاعة، كما يقول احد الاخوة السبعة للملك: "نحن نعاقَب على خطايانا. وربنا الحي، وإن سخط علينا حينا يسيرا لتوبيخنا وتأديبنا، سيتوب على عبيده فيما بعد" (2 مك 7/32- 33). هذا الولد لم يخطأ، لكنه يُعاقَب بخطيئة جماعته. فلا يعني الاضطهاد أن الله أهمل شعبه بل يعني، على العكس، أنه يحب شعبه. وآلام الابرياء إمتحان موجّه إلى الجماعة التي تستفيد منها.
6- لاهوت الحياة:
نرى في الفصلين السادس والسابع من السفر الثاني تعليما متكاملاً بصدد موضوع القيامة. فهناك بحثٌ مستفاض في قضية المجازاة. ما كان موضوعَ بحثٍ قبل المنفى، أصبح درساً علمياً منظماً. كان الاقدمون يؤمنون دائهـا بحياة ثانية، وبوجود موضع يذهب اليه الاموات هو الجحيم (هاديس عند اليونان، شيول عند اليهود. راجع كتاب الاموات عند المصريين). اما في اسرائيل، فالتطور جاء بطيئاً في هذا الموضوع. كان الموت يُعتَبر انضاماً إلى الآباء في الجحيم، تحت الأرض حيث الظلام والسكوت، وحيث الأموات كالاشباح ينعمون بشيء من الحياة كامضى. لذا، فكلّ ميت لم يُدفن يبقى تائهاً غير ناعم بالسلام. عدم دفن الاموات لعنةٌ من الله، ودفنهم عملٌ تقوي (طوبيا). إنطلاقا من هنا، كان اليهودي يعتبر الحياة على الأرض أسمى ما في الوجود، وطولَ العمر وكثرةَ الأولاد ووفرةَ الغنى جزاءَ حياة صالحة. لكن هذا الشرح لم يشفِ غليل ايوب، الرجل الصالح الذى ضربه الله في خيراته واولاده وجسده.
بعد السي جاء التطورُ سريعاً. ارميا يبشر بنهضة عتيدة ويَعِد بمجازاة شخصية (31/29-30). حزقيال يشدِّد على المسؤولية الفردية (18). كان زمن السبي اعادة نظر في هذه الامور. سفر المكابيين الثاني يشدد على أن ألم ساعةٍ يجدُ مكافأةً عند الله، لذلك يجب ان يكون رجاءُ الشهداء وطيداً. ألم يقل أحد الاولاد السبعة: "إن مَلِك العالمين، إذا متنا لأجل شريعته، فيقيمنا لحياة ابدية"؟ (2 مك 7/9). ويهوذا يطلب ذبيحة للموتى (2 مك 12/43- 45). الجزاء آت بعد الموت الزمني وباستطاعة الاحياء أن يستحقوا كفران خطايا الاموات. والجزاء هو القيامة والمشاركة في حياة الله الخالدة. فالحياة الالهية للصالحين، وللأشرار العقاب هنا، اما هناك فلا يشتركون بحياة الله. أما كيف تكون القيامة؟ فكما خلقهم الله يعود فيقيمهم (2 مك 14/46؛ 7/11، 22) اذ يعيد إلى الجسم نَسمة الحياة (2 مك 7/23). الله خالد ومانح الخلود اذ يرد للانسان نسمة الحياة الالهية. وطاعة الشريعة هي التي تقود الى هذه الحياة مع الله. لأن الله عادل يميّز بين الشهداء ومضطّهديهم، ويجازي كل واحد بحسب اعماله. فالقيامة إذن ضرورية لتحقيق مجازاة عادلة.
7- سفرا المكابيين والاسفار المعاصرة:
ليس موقف كتاب المكابيين من الحضارات الغربية التعبيرَ الوحيد عن النظرة اليهودية إلى الأمور. فهو يختلف مثلا عن موقف سفر دانيال وسفر الحكمة.
1- المكابيون ودانيال: بينما يبدو موقف المكابيين متعصباً وانعزالياً، نرى سفر دانيال منفتحاً على الهلينية. وإذ يدعو الامم إلى اعتناق اليهودية، لا يخاف من الحضارة الجديدة بل يرى في اليهودية إمكانات تجعلها قادرة على المحافظة على التراث وعلى التأثير في المجتمعات الوثنية. فاليهود مدعوون لخلاص المجتمع الذي يعيشون فيه. كما أنه لا يؤمن بجدوى الحرب في مجابهة الوثنية، بل يتكل على الله وشريعته، ولا يستسلم للحقد والبغض وحب الانتقام. وقد جاء فيه:
"حينئذ خرّ نبوكد نصّر على وجهه وسجد لدانيال وأمر ان تقرَّب له تقدمة بخور ورضى، وأجاب الملك دانيال وقال: ان الهكم هو الاله الحقيقي وربّ الملوك" (2/46- 47).
2- سفر الحكمة: امّا سفر الحكمة فيقبل الحضارة الهلينية ويهضمها ويقدّسها. فيهود الاسكندرية تتلمذوا على التوراة كما تتلمذوا على هوميروس وافلاطون. والكاتب يتوجَّه في حديثه إلى اليهود وإلى الوثنيين أيضا ليقنعهم بسموّ الدين اليهودي. هو أمين لتقليده الديني وفي الوقت عينه لا يخاف من تأثير الفكر الهليني مع أنه يشجب الوثنية التي لا يرى فيها سوى فراغ ديني. وعديدون هم المفكّرون اليهود الذين برعوا في فهم الفكر اليوناني كما برعوا في فهم العهد القديم، امثال فيلون الفيلسوف ويوسيفوس المؤرخ.
فالكاتب يستشهد بمعلوماته الأدبية والفلسفية والعلمية المرتكزة على الفكر اليوناني. لا ننسى أنه يكتب ليهود الاسكندرية الذين لم يعودوا يعرفون العبرية والذين تثقفوا في مدارس يونانية واعتنقوا المبادئ العلمية اليونانية. فعلى هذه المبادئ يرتكز ليوصل اليهم التقليد اليهودي الخاص. فهو شاهد أمين للتراث، إنما في قالب جديد يفهمه معاصروه. الحكمة تُخضِع لله الواحد، الهِ الاباء، كلّ غنى الحضارات الوثنية التي تلتقيها.
8- سفرا المكابيين ونحن:
تواجه الكنيسة اليوم تحدّياً شبيهاً بالذي واجهه المكابيون في القرن الثاني قبل المسيح: حضارة انسانية زاهرة، انجازات علمية تبهر الالباب وتغري العقول، انسان يغزو القمر ويكتشف اسراراً كانت تخيفه فما مضى، ويحقق انتصارات جبارة على المادة، ويستخرج من بطن الارض واعماق البحار ثروات طائلة، طب جراحي يتلاعب بشرايين القلب وخلايا الدماغ، تجربة شبيهة بالسحر والشعوذة.. فيتنكر الانسان المعاصر لقيم كانت حتى الامس القريب مسلَّمات بديهية كوجود الله وخلود النفس. إنها تجربة برج بابل ومحاولة لروموتاوس (الذي تحدّى الآلهة).
هل هذا التحقيق العلمي سيضعف الايمان بالله؟ والمؤمنون هل سيرفضون هذه الحضارة كا فعل المكابيون؟ أم إنهم يقبلون بها كما فعل كاتب سفر دانيال وسفر الحكمة؟ إن الكنيسة لم تخَف يوما من المنجزات العلمية. منذ نشأتها راحت تفيد من الفلسفة اليونانية والحق الروماني وقوة البرابرة. والمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني يدعونا إلى الأخذ بالحضارات وهضمها وروحنتها. عندما يقول:
"ان كل ما يوجد من خير مزروعا في قلوب الناس وعقولهم ومن ثقافات الشعوب وطقوسها الخاصة، ليس فقط لا يُباد، بل يُنَقَّى ويُرفع ويَبلغ كماله لمجد الله وخزي ابليس وسعادة الانسان" (نشاط الكنيسة الإرسالي 9). وفي صدد الاضطهاد يقول المجمع ذاته:
"الكنيسة تتقدم في حجَّتها عبر إضطهاد العالم وتعزيات الله، مبشِّرة بصليب السيد وموته حتى مجيئه، متشدّدة بقوّة الرب القائم من الوت، لتتغلب بالصبر والمحبة على الشدائد والضيقات" (دستور في الكنيسة 8).
ليس الشهداء اعداء العالم بل احباؤه وقد احبوه إلى حد أنهم بذلوا نفوسهم فداء عنه على غرار معلمهم.
سفرا المكابيين يجعلانا إذن نتأمل في واقع الكنيسة اليوم. كم من المسيحيين يقاومون قوى الشر في العالم؟ وكم هم الذين يموتون شهوداً للحقيقة وغالباً ما يتجاهلهم الضمير العالمي؟ والظلم الذي يُسامونه في اجسادهم ونفوسهم لا يأتي دائماً من اعداء المسيحية. فمسيحيون كثيرون انضموا إلى صفوف الظالمين. وقد نقبل نحن بالظلم حوالينا عن وعي أو عن غير وعي. كثيرون غير المكابيين اضطُهدوا من أجل إيمانهم. لكن مقاومة المكابيين تحمل شيئاً من رجاء العالم. شهادتهم كلمة حق كانت تُحرق شفاههم: الايمان بوعود الله، إيمان يعود الى بدء تاريخ شعبهم. لكن فكرة جديدة تبلورت في القرن الثاني طالما راودت الشعوب القديمة وهي أن الامانة لله تتحدّى الموت. فالله يعيد نسمة الحياة إلى الذين يحبهم، ويعيد اليهم الأعضاء التي تحطمت في سبيله. فالانسان بكامله سوف يخلص ويعود الى الحياة من جديد فتجد الام اولادها. إنها صورة لتجمّح عام بعد الموت. أمّا كيف تكون القيامة؟ فيجب ان ننتظر بولس الرسول ليحدثنا عن جسد روحاني (روم 8/11). فالذي يحي ويخلّص هو الروح الذي بدأ يعمل في نفوسنا. غاية مسيرة البشرية منذ البدء هي أن تجعل منا ابناء لله. اليوم كما في الامس، الذين يجاهدون ضدّ الشر في طاعة الروح هم أبناء الله وهم رجاء العالم. والروح الساكن فيهم يغيّر اجسادهم المائتة وبهم تخلص الخليقة كلها التي تئنّ من ألم المخاض بانتظار خلاص أبناء الله (روم 8/22). ألسنا نسمع اليوم صراخ من لا صوت لهم وقلقَ العالم المهدَّد؟ اليوم كما في الأمس كلمة الله معروضة على الناس ولن تجد المغامرة البشرية معناها إلاَّ في روح الله.
القسم الثالث
الأسفار الشعريَّة والحكميَّة

تُسمّى اسفار أيوب والأمثال والجامعة وابن سيراخ والحكمة كتباً حكمية، ويُضاف اليها كتابان شعريان هما سفر المزامير وسفر نشيد الاناشيد.
يقدِّم لنا سفرُ أيوب نظرة المؤمن الى الله عبر المحنة التي يعانيها.
ونجد في سفر الأمثال سلسلة من الأقوال المأثورة تعود إلى سليمان وإلى غيره من الملوك أكانوا في شعب اسرائيل أم في خارجه.
ويتمحور سفر الجامعة حول هذه العبارة: "باطل الاباطيل وكل شيء تحت الشمس باطل". لا فائدة من العلم ولا من الغنى... يبقى على المؤمن أن يتَّقي الله ويحفظ وصاياه.
ويحدثنا ابن سيراخ عن حياة المؤمن في أمثال هي امتداد وتوسّع لما نقرأه في سفر الأمثال.
يصوّر لنا سفر الحكمة عقاب الخاطئ ورجاء البار ويطبق هذا المبدأ على شعب اسرائيل في زمن الخروج.
سفر المزامير هو مجموعة صلوات الشكر والتوسل والمديح التي تلاها الشعب اليهودي ولا يزال يتلوها المسيحيون في احتفالاتهم.
وسفر نشيد الاناشيد هو مجموعة قصائد قيلت في الحب البشري وطُبّقت على العلاقات بين الله (الذي هو العريس) وشعبه (الذي هو العروس).
سفر أيوب

أ- المقدمة:
سفر أيوب هو تأمل في الالم يحتمله الإنسان ولا يفهم معنى الشر الذي يضايقه. وهو أكثر من هذا: إنه تأمل في طرق الله في تعامله مع البشر، وتَساؤلٌ عن موقف الانسان أمام الله القدير. سيعيش ايوب الضياع ومن خلال ضيقه سيصل إلى نكران صورة الله وإلى طرح مناقشة حول رجاء البار العائش في الضيق، وحول معنى الحياة التي تنتهي بالموت، والوجود المنقوص في الشيول، في عالم الموتى.
ايوب واصدقاؤه هم من ابناء الشرق. يعيشون على حدود الجزيرة العربية وبلاد ادوم التي هي ارض الحكماء (1 مل 5: 10؛ ار 49: 7؛ عو 8؛ با 3: 22- 23) والباحثين في عالم الخلق. هذه هي الصورة التي ترتسم أمامنا حين نقرأ سفر أيوب وقد جعله الكاتب لا من أرض بني اسرائيل بل من بلاد لا تحمل كل الصداقة لشعب اسرائيل (حز 25: 12- 14، مرا 4: 21- 22؛ مز 137: 7). فما يهمّ الكاتب هو أن يطرح مسألة تتعلق بالانسان، بكل انسان على الارض سواء اكان يهودياً أم وثنياً، أكان من فلسطين ام من خارجها. ولكنه يَطرح ما يَطرح على ضوء ما عرف في أسفار الكتاب المقدس في سفر الامثال والمزامير، في نبوءات ارميا وزكريا وملاخي، دون ان ينسى الآداب الاجنبية التي تحدثت عن البار المتألم الذي لا يعرف كيف يحارب القَدَر، ولا كيف يتعامل مع الالوهة. غير ان سفر أيوب سيرفعنا عالياً في دنيا الايمان فيجعلنا ننسى آداب العالم الوثني لنتعلق بذلك الاله الذي هتف له ايوب من اعاق شقائه: اعرف ان مخلصي حي، اعرف اني سأُعاين الله في جسدي (19: 25- 26).
ب- كيف يبدو سفر ايوب؟
يقدم لنا الكاتب في خبر نثري رجلاً مستقيماً (1: 1) لا عيب فيه واسمه أيوب. يعيش وسط أبنائه وذويه حياة شيخ سعيد وجليل. ضربه الله، بإشارة من الشيطان، فخسر خيراته ثم خسر بنيه وبناته، واخيراً أصابه قرح خبيث. غير انه تحمَّل كل هذا خاضعاً لارادة الله بتواضع: الرب أعطى والرب اخذ، فليكن اسم الرب مباركاً (1: 21). أنَقْبلُ السعادةَ من الله ولا نقبل منه الشقاء (3: 10)؟ وكانت النتيجة: في هذا كله لم يخطأ ايوب بشفتيه (3: 10).
فجاء إلى ايوب ثلاثة اصدقاء يعزونه هم اليفاز التماني، بلدد الشوحي، صوفر النعماتي. أمامهم سكت ايوب سبعة ايام وسبع ليال (2: 13) ثم كشف عن المرارة التي في داخله. بعد هذا بدأ جدال بين أيوب وأصدقائه. أكد ايوب أنه بريء، وظل منذهلا أمام الشرور التي تنصب عليه. أما اصدقاؤه فتصرفوا كممثلين امينين للاهوت التقليدي. ويمتد هذا الجدال على ثلاث دورات من ست خطب. يتكم على التوالي كل من أصدقاء أيوب فيجيبهم ايوب.
بعد هذا يدخل شخص لم نكن ننتظره هو أليهو بن بركئيل البوزي من عشيرة رام (32: 2). أعتبر أن أصدقاء ايوب سكتوا ولم يفوا الموضوع حقه. فانبرى يقدم براهين جديدة تبرِّر تصرف الله في خلائقه.
وأخيراً يظهر الله في العاصفة ووسط إطار مُهيب، ويستعرض أمام أيوب بعض الخلائق العجيبة وبعض ألاغيز الكون. ويسأل أيوب: أين كنت حين أسست الارض؟ هل تعلَمُ من حدَّد أبعادها؟ هل تعلم من مدّ عليها الخط ليقيسها؟ إلى أي شيء تستند العواميد التي تحملها؟ من وضع حجر زاويتها (38: 4- 6)؟ لا يجد أيوب جواباً فيستسلم ويركع في التراب والرماد تائباً نادماً (43: 6).
وينتهي الكتاب بخاتمة قصيرة هي جواب إلى المقدمة. عاد ايوب إلى ما كان له من كرامة، وعادت اليه خيراته، وأعطيت له عائلة كبيرة قبل ان يموت شيخاً شبع من الايام (42: 16).
ج- من كتب سفر ايوب؟
نحن نجهل اسم كاتب سفر ايوب كا نجهل اسماء الذين دوَّنوا اسفار التوراة. ما نعرفه عنه هو أنه احد العبرانيين المُلمّين بآداب بلادهم الحكمية، بمشاكلها وتعاليمها واساليبها الادبية. صاحب سفر ايوب هو ابن أرض محددة، ولكنه تجاوز حدود بلاده فذهب الى مصر (3: 14، 15؛ 8: 11؛ 38: 36) وبرية سيناء (28: 1- 11) وأقام في الصحراء (39: 5- 18). وقد يكون زار فينيقيا وبلاد الرافدين بعد ان عرف أساطير هذه الشعوب ونظرتهم إلى خلق الكون.
كاتب سفر ايوب شاعر عبقري ومفكِّر عميق ولج عالَم الروح بصورة غريبة. إنفتح على سر الله وارتبط بمثال اخلاقي سامٍ، وأحس بشقاء الناس وبالضيق الذي يعيشون فيه. ومن يدري؟ قد يكون ذاق الألم في جسده وفي نفسه ليحدثنا بهذا العمق عن الألم الذي أصاب أيوب فلم يترك له منفذا يخرج منه.
ولكن ينطلق الشراح من اختلاف في الاسلوب والافكار الدينية والخلفية الحضارية فيعلنون ان سفر ايوب لم يكتب بيد واحدة بل بأيد عديدة. هناك المقدمة والخاتمة اللتان كتبتا نثرا، وما تبقى كتب شعرا. بطل المقدمة شيخ يعيش في البرية، أما صاحب القصيدة فهو ابن المدينة. ثم كيف نوفق بين موقف قلق ويائس يقفه صاحب القصيدة، وبين استسلام الشيخ ايوب استسلاماً مطلقاً يتنافى وأيه صرخة تدلُّ على الألم.
من أجل هذا قدَّم الشراح الفرضية التالية: شكلت المقدمة (1: 1- 2: 13) والخاتمة (42: 7- 17) خبرا فولكلوريا يتحدث عن صبر رجل مثالي عاش في أرض عوص (أو في ادوم قرب البحر الميت) فاشتهر في الشرق. وتنقَّل هذا الخبر على السنة الحكماء في الالف الثاني ووصل إلى أرض كنعان في أيام صموئيل وداود وسليمان، أي في القرنين الحادي عشر والعاشر ق. م.
ولما حلَّت الكارثة بأورشليم سنة 587 ق. م، خسر بنو يهوذا كل شيء. فدفعهم الضياع الذي وقعوا فيه إلى التساؤل عن معنى وجودهم وعن قيمة ايمانهم ببر الله وقداسته وعدالته. فعاد أحد شعراء الفوج الثاني من الجلاء إلى خبر أيوب المعروف (حز 14: 14- 20) فألَّف قصيدة (3: 1- 31- 40، 38: 1- 42: 6) وطبعها بالطابع الرعوي والنبوي. قدم لنا بطلا يتألم ولا يرف لماذا يتألم، واصدقاء ثلاثة. تجادلوا في معنى الوجود وفي حقوق الانسان تجاه عدالة البشر وعدالة الله (31: 35- 37). وتنازل الرب واعطى البطل مناسبة ليدافع عن نفسه ويشجب تصرف الله (40: 8- 14). تراجع أيوب أمام التحدّي وتراجع عن اعتداده بنفسه (42: 1- 6). أقرّ ايوب بقداسة الله التي تفوق تصور البشر وما يمكن ان يقولوه عن صلاح الله وعنايته. وبعد هذا جاء تلميذ لكاتب سفر ايوب فزاد خطبة أليهو (32: 1 - 37: 34) ليدافع أيضاً عن الله ويبيّن قيمة الألم الذي يؤدب الانسان. ثم يتوسع اليهو في براهين تقليدية لم يتوسع فيها اصدقاء ايوب بما فيه الكفاية. 
وهكذا برز الكتابُ بشكل حوارٍ، وهو أسلوب عرفه الشرق القديم في مصر وفي بلاد الرافدين. فمنذ الالف الثالث وجدت وثيقة مسمارية سميت "ايوب السومري". وتطرق نص سومري آخر إلى موضوع البار المتألم. وعرفت بلاد الرافدين أيضاً في القرن التاسع ق. م. ابياتا شعرية تبحث عن وجود الله وصفاته وعن العدالة الالهية. وعرفت مصر حوارا بين انسان سَئمَ من الحياة ومن نفسه، فقدَّمت لنا انساناً مريضاً طردته عائلته وحسبته ملعونا فتمنى الموت لنفسه.
عرف كاتب سفر أيوب هذه المواضيع، وهو المنفتح على حكمة الشرق، وقرأ أقوال الانبياء ولا سيما اعترافات ارميا، فأنشد على ضوء الكارثة التي حلّت بشعب يهوذا سنة 587 ق. م. آلام شعبه في أحد الاعياد (عيد المظال أو عيد التكفير). اختار اسلوب المَثَل، فأعلن قولاً نبوياً ينبِّه فيه شعبَه ويدعوه إلى الأمل. كان هناك اناس يُحِسّون بالمرارة (مر 3: 15) والغضب تجاه الهٍ لم يَفِ بمواعيده، فروى لهم خبرَ ايوب الذي تألم كما تألم بنو يهوذا: أمجانا يتقي أيوب الرب (1: 9)؟ أجل، حافظ الشعب على العهد ولم يَنَلْ بالمقابل شيئاً. حافظ على نقاوة العبادة رغم الفساد الذي يحيط بأرض اسرائيل. قابل نفسه مع الشعوب المجاورة فوجد أنه لا يستحق كل هذا العقاب. كان الشعب يعتبر أن له حقوقا على الله. فأعلنَ سفرُ ايوب صوتَه على خطى الانبياء وسفر المزامير وقال: ليس الله بتاجر نعطيه فيعطينا، لأن الايمان الحقيقي يعلِّمنا المجانية. فالله يمنحنا نعمَتَه الرفيعة، ونحن نقابل هذا العطاء بحياة مجانية لا تنتظر خيرات الله وحسب، بل تتطلع إلى الله، ينبوعِ كل خير. هذا ما وصل اليه أيوب في النهاية. لم يعد يطلب شيئاً بعد أن رأت عيناه الله (42: 5). كان قد سمع عن الله اقوالا رَددَّها الناس، أما الآن فقد اختبر حضور الله يملأ كيانه فصمت ليسمع في الصمت لا ما يقوله الناس عن الله، بل ما يقوله الله عن نفسه.
د- الاطار الذي دُوّن فيه سفر ايوب
1- التعليم التقليدي عن المجازاة. في القديم كان لأعمالِ البشر بُعدّ اجتماعي. فوجود الانسان لا ينفصل عن عائلته وعشيرته وشعبه. وعهد الله وأمانته يتعاملان مع الشعب أكثر منه مع الفرد. ولكن جاء ارميا (31: 29- 30) وحزقيال (14: 12- 20؛ 18: 1 ي؛ 33: 10- 20) فتحدثا عن المجازاة (أكانت مكافأة لعمال خيرة أو عقاباً لأعمال سيئة) لا حسب النظرة الجماعية (تث 28: 1 ي؛ لا 26: 1 ي)، بل حسب النظرة الفردية والشخصية. رفضا المثل القائل: الآباء يأكلون الحصرم والابناء يضرسون. وقال حزقيال بلسان الرب: الانسان الذي يخطأ هو الذي يموت (حز 18: 2- 4).
استند هذا التعليم إلى أسس ثابتة، فأعلنَ ان الله العادل (ار 17: 10. مز 36: 7) والقديرَ والعالِمَ بكل شيء (أم 15: 3، 11) يجازي كلَّ واحد حسب أعماله (أم 24: 12). اذن ينالُ الابرارُ والاشرار أجرتهم. ينال البار السعادةَ والخاطئُ الشقاء.
ولكن عدالةَ الله هذه تتم على الارض لأن الشعب العبراني لم يكن يؤمن بعد بقيامة الموتى وخلود النفس، لم يكن يؤمن بحياة ثانية بعد الموت. فبعد ان يترك الاموات هذه الارض يصبحون ظلالا خفيفة ويُحبَسون في سجن تحت الارض هو الشيول، ذلك المكان المظلم والحزين الذي قال فيه سفر ايوب (10: 21- 22): ارضُ ظلمةٍ وظلالُ موتٍ، أرضُ السوادِ والفوضى، أرضٌ يكون نهارها كالديجور.
وتعيش هذه الكائنات في الشيول، فلا تنعُمُ بعناية الله (مز 31: 23؛ 88: 11- 13) التي لا تصل إلى الاشباح. لا احساسَ في هذه الكائنات، ولا نشاطَ تقوم به (14: 22؛ جا 9: 10)، ولا لذة تتمتع بها. وقد قال الزمور 115: 17: ليس الاموات يسبِّحون الرب ولا إلى الهابطون الى عالم السكوت.
إذاً، بما أن عدالة الله لا تصل إلى العالم الآخر، فهي تتم على هذه الارض، والرب يعطي الانسان اجرته في هذه الدنيا. يجعل البار سعيداً والشرير شقياً. ولكن ما هي السعادة وما هو الشقاء؟ عاد الحكماء إلى البركات واللعنات التي نقرأها في تث 28: 1 ي ولا 26: 1 ي فنظموا لائحة بخيرات تُمنح للابرار وتُمنع عن الاشرار: النجاح بكل اشكاله: الصحة، السلامة، العمر الطويل الذي تغمره السعادة، الاولاد العديدون الذين يُفرحون الوالدين، الذكر الطيب العاطر الذي تتناقله عنا الاجيال. كل هذه الخيرات الارضية تُعطى للابرار أما الأشرار فلا ينالون إلاَّ الشقاء. لا يعرف الشرير الطمائينة (أم 28: 1) وتَقْصُر أيامُ حياته (أم 10: 27) ويزول ذكره من بين البشر (أم 10: 7؛ مز 34: 7).
2- الوقائع تكذِّب هذة النظرية. أجل، كانت نظرية السعادة أو الشقاء، كما بناها الحكماء، محاولةً لتمجيد الله، ومناسبة لحث الانسان على اتباعِ طريق الوصايا. ولكنّ الواقع لم يكن هكذا، والاختبار اليومي يكَذِّب هذه النظرية. قال سفر الجامعة (8: 14): هناك صديقون يصيبهم ما يليق بعمل الاشرار، وهناك اشرار يصيبهم ما يليق بعمل الصديقين. اجل، انقلبت الامور رأساً على عقب، فأية حاجة في أن يكونَ الانسان صِدّيقا؟ ولقد زاد سفر الجامعة (9: 2- 3) فقال: كل الناس لهم مصير واحد، البار والشرير، الطاهر وغير الطاهر، الذي يقدم الذبائح والذي لا يقدم الذبائح، الصالح والخاطئ، الذي يحلِف والذي يخافُ أن يحلف. إنه لشرٌّ عظيم أن يكون مصيرٌ واحد لجميع الناس. ونسمع ارميا يتشكى لدى الله حين يرى سعادة الاشرار: لماذا ينجح الاشرار؟ لماذا يعيش في سلام العاملون بالغدر؟ زَرعتهم فتأصلوا ونموا وأثمروا. أنت قريب من أفواههم ولكنك بعيد عن قلوبهم (ار 12: 1- 2؛ رج مز 73: 12؛ ملا 3: 15).
يتشكّك المؤمنون حين يرون الأشرار في أمان، وحين يسمعون المتكبرين يُنشدون نجاتهم ويعلنون: اين هو الله الذي يدين (ملا 2: 17)؟ انه لا يعطي السعادة ولا الشقاء (صف 1: 12). ويقول المزمور 14: 1: قال الجاهل في قلبه: ان الله غير موجود. وضاع المؤمنون أمام هذا التحدي لله فقال المرتل: لماذا حفظتُ قلبي نقياً، لماذا غسلت كفّي لاكون بريئاً (مز 73: 13)؟ ويعلن سفر الجامعة (8: 11): بما أن الحكم على العمل الشرير لا يُنَفّذ بسرعة، امتلأت قلوب البشر جرأة على فعل الشر.
التجربة قوية وهي تستطيع ان تجر الأبرار إلى عمل الشر. لهذا توسل الحكماء إلى الابرار بأن لا يَحسُدوا الاشرار ويسيروا في طرقهم (أم 3: 31؛ 23: 17؛ مز 37: 1). ولكن الوسيلة التي تبعد الأبرار عن طرق الأشرار هي في أن نطمئنهم إلى مصيرهم ونفهمهم أنّ مصير الأخيار مرغوبٌ فيه ومصيرَ الاشرار ممقوت. قال الحكماء: للألم مكانه في مخطط الله، وهو يساعد على التكفير عن خطايانا، فمن يقدر ان يقول: وطّدت قلي وصرت بريئا من كل خطيئة (أم 20: 90)؟ وقالوا: المحنة هي افضل طريق للحصول على البراءة، فليست بعقاب من الله بل نعمة من لدنه وهو يعاقب الابناء الذين يحبهم (أم 3: 11- 12). ثم ان المحنة تعطي القوة والغنى، فتشبه النار التي تنقّي الذهب (سي 2: 5). وَمِحَنُ البار، مهما كانت كثيرة وقاسية، فهي عابرة، والرب ينجِّيه منها (مز 37: 25).
يطمئن البار بأنه سيَخرج من المحنة وتعود اليه السعادة مضاعفة. أما الشرير فسيرى سعادته تنطفئ وذكرَه يزول كالعشب الذي ييبس (مز 37: 1- 2). وقد يفتخر الشرير بأن حياته كانت طويلة وناجحة، ولكن لِيتأكد أنه لن يُفلت من العقاب (مز 11: 21)، وأن نسلَه سيصيبه الشقاء.
نلاحظ هنا كيف حاول الحكماء أن يدافعوا عن عدالة الله ويؤكدوا للمؤمنين انهم الرابحون في النهاية. ولكنهم نسوا الواقع اليومي فجاء سفرُ ايوب يفتحُ عيونهم على ما يصيب الناس في هذا العالم، ويفتح قلوبهم إلى الايمان بإله يريد أن يرفعنا الى مستوى العطاء المجاني إلى مستوى الايمان المطلق الذى يسير على هدي كلمة الله رغم الظلام المحيط به.
هـ- اقسام سفر ايوب
يقسم سفر ايوب خمسة اقسام: الأول (1: 1- 2: 13): مقدمة نثرية نرى فيها أيوب تصيبه الضربات فلا يفهم، ولكنه يبقى متّكلاً على الله. الثاني (3: 1- 31: 40): حوار شعري بين ايوب واصدقائه. الثالث (32: 1- 37: 24) سلسلة من الخطب الشعرية يلقيها صديق رابع هو اليهو. الرابع (38: 1- 43: 6) حوار شعري بين الرب وايوب. الخامس (42: 7- 17): خاتمة نثرية نرى فيها ايوب يستعيدُ صحته وغناء وسمعته واولاده قبل أن يموت وقد شبع من الايام.
اذا كان الاطار النثري وصل إلى أرض اسرائيل في أيام صموئيل والملوك، فالحوار بين ايوب واصحابه، وبكين الله وايوب يعود الى بداية القرن الخامس ق. م. ثم بعد سنوات قليلة دوِّنت اقوال اليهو. أما نشيد الحكمة (ف 28) فيعود إلى القرن الرابع أو القرن الثالث ق. م. هذا افتراض. اما اذا ربطنا نشيد الحكمة بسائر الكتاب وحسبناه حداً فاصلاً بين الحوارات وظهور الله، يكون الكتاب قد برز في صورته النهائية خلال القرن الخامس ق. م.
وها نحن نتوتف على هذه الاقسام الخمسة لسفر ايوب.
1- المقدمة النثرية
بعد مدخل يصوّر سعادةَ أيوب وحياتَه الاخلاقية، تُلخِّص المقدمة شقاء ايوب في لوحتين متوازيتين. في كل لوحة، يبدأ العمل في القصر السماوي حيث تحيط الحاشية بالله، ثم ينفَّذ على الارض بشكل كوارث. وتختم اللوحة بجواب من ايوب.
ايوب هو رجل يتمتع باحترام الناس. له الغنى الوفي والابناء العديدون. لفت نظَر الناس ولفت نظر اللهَ الذي قال: هل انتبهت الى عبدي ايوب. ليس من انسان يشبهه على الارض (1: 8؛ 2: 3).
ويتدخل الشيطان، ذلك العدو المهاجم، ويضرب ايوب. لا شك في أن لا شيء يحدث من دون سماح الله. ولكن الكاتب نسب إلى الشيطان ما حصل لايوب من ضربات فمنع الانسان أن يتهم الله بالقساوة.
إننا نجد في هذه المقدمة عناصر نثرية لا تتوافق وعقلية الشاعر الذي كتب الحوارات. فهذا الشاعر هو تلميذ لارميا وقد تأمل بما يحدث للوضعاء من شقاء وبما ينعم به الاشرار من نجاح. ما كان ليقبل بوجود رهان بين الله والشيطان، لو لم يجد ما وجده في الخبر. لم يهتم بالتفاصيل إلاّ ليطرح السؤال: هل نقدر أن نعبد الله مجاناً؟ هل يوجد ايمان لا يكون مبنياً على الأخد والعطاء؟ والجواب سيكون: نعم.
2- الحوار بين ايوب واصدقائه.
هنا نترك المقدمة التىِ حدَّثَتْنا عن أيوب المستسلم إلى الله، ونسمع ايوب يتكلم فيلعن يوماً وُلدَ فيه (3: 3- 10) ويقابل مصيرَه بمصير الموتى (3: 11- 19). وبعد ان يهاجم الله، يعود إلى الشدة التي تُمّ به (3: 20- 26).
ويبدأ الحوار بين أيوب وأصدقائه. في دورة أولى يتكلم اليفاز (4: 1- 7: 21) وبلدد (8: 1- 22) فيجيبهما ايوب (9: 1- 10: 22). ثم يتكم اليفاز (15: 1- 35) فيجيبه أيوب (16: 1- 17: 16)، ثم بلدد (18: 1- 21) فيجيبه أيوب (19: 1- 29)، واخيراً صوفر (20: 1- 29) فيرد عليه ايوب (21: 1- 34).
وهنا يقدم الشراح دورة ثالثة. يتكلم اليفاز (22: 1- 30) فيرد عليه ايوب (23: 1- 24: 17)، ويتكلم بلدد (25: 1- 6؛ 26: 5- 14) فيرد عليه ايوب (26: 1- 4؛ 27: 1- 12)، ثم يتكم صوفر (27: 13- 23؛ 34: 18- 25) فيجيبه ايوب في 29: 1- 31: 40. هذه النظرية تعتبر ان النص الاصلي يحتاج إلى اعادة بناء، فأخذت من كلام ايوب ووضعت، على شفة بلدد، الحديث عن تسامي الله (26: 5- 14). كما اخذت من كلام ايوب التعليم التقليدي (27: 13- 23) والتشديد على العقيدة (24: 18- 25)، ووضعته في فم صوفر. ولكن هناك من يقدمون نظرية اخرى ويربطون مواد الدورة الثالثة بالدورة الاولى. كما ان شراحا يرفضون المسّ بالنص الاصلي فيقرأونه كما يرد في الكتاب. اما نحن، فنخوقف على المعاني تاركين جانبا مبنى هذه الحوارات.
ما هي البراهين التي قدمها اصدقاء أيوب؟ انها ثلاثة. أولاً: مصير الاشرار، ثانياً: سعادة الابرار، ثالثاً: ما من أحد نقي امام الله. وكل هذا مبني على مبدأين: الله يجازف الانسان قبل موته، الله يوازي بين الاعمال وبين المجازاة.
أما جواب أيوب إلى هذه البراهين فيشدّد من جهة على محدودية الانسان (7: 17؛ 9: 2- 3)، وعلى اختبار الحياة. هناك اختبار الناس الذي يقول: لا همّ للظالمين في بيوتهم، والذين يتحدّون الله يعيشون في أمان. هم لا يعرفون إلها غير قوتهم. وهناك اختبار ايوب نفسه. يقول: هذا عندي سيان، ولهذا أعلن: الله يجازي البار والخاطئ على السواء. حين تأتي الكارثة وتقتل الابرياء، يهزأ الله بالضيقات (9: 22- 23) التي تصيبهم.
ويتشكى ايوب من الله فيتحدث عنه بصفة الغائب. كيف الحوار معه وهو الاقوى؟ كيف الحوار معه وهو لا يسمع ولا يحاور؟ ويتمنَّى أيوب أن يكون وسيطٌ بينه وبين الله يضع يده على الاثنين (9: 33). ولكن الله يُرسل سهامه (6: 4). إنه كالوحش ينقضّ على فريسته (16: 9)، إنه القدير الذي يهشّم الجماجم (16: 13)، إنه المحارب الذي يهجم على الانسان هجوم الجبّار (16: 14).
ويتشكَّى أيوب من الله إلى الله، فيتحدث إليه في صيغة المخاطب. يقول له: اتركني فان ايامي كالنسمة، عرّفني لماذا تخاصمني، قل لي أين هو الإنسان الذي يموت. ويتوجَّه أيوب إلى صلاح الله وقداسته، إلى حكمته وعدله. أين صلاح الله ووجود الانسان زائل يكتنفه الألم واليأس وينتهي في الشيول، مثوى الاموات؟ أين قداسة إله يرضى بالشر ويقيم في مجلس الاشرار (10: 3)؟ أين حكمة اله يتصرف كالبشر؟ اين عدالة الله وصدقه وهو الذي خان حبه كخالق. خلق وها هو يدمِّر (10: 8)، خلق الانسان للرجاء، وها هو يدمر هذا الرجاء (14: 19).
ولكن رغم كل هذا ما زال الرجاء في قلب ايوب. قال منذ البداية: لماذا تهتم بالانسان، لماذا تميل اليه قلبك؟ تراقبه صباحاً بعد صباح وتُخضعه في كل وقت للتجربة (7: 17- 18). وسيقول فما بعد: حقا لي شاهدٌ في السماء. هناك في العلاء من يشهد لي. اذ يسخر بي اصدقائي أنظر الى الله وعيناي دامعتان (16: 19- 20). وقمة صرخة الرجاء عند ايوب هي التي اطلقها في نهاية الدورة الثانية: انا اعرف جيدا ان مخلصي حي وان له الكلمة الاخيرة على هذه الارض. عندما بنزعون جلدي عني، سأعاين في جسدي الله. سأعاينه أنا بنفسي. أنا سأراه بعيني لا غيري ولقد ذاب قلبى في انتظار تلك الساعة (19: 25- 27).
وينتهي هذا القسم بنشيد من الحكمة (التي ليست في متناول الانسان، بل في متناول الله) وبكلام طويل (ف 29- 31) يقوله ايوب فيتذكر السعادة الماضية والشقاء الحاضر ثم يعلن براءته: هل رفضتُ طلباً للفقراء، هل تركتُ الارملة في يأسها؟ هل زلَّت خطواتي؟ هل اتَّبع قلبي ميلَ عيني؟ هل دنَّستْ خطيئةٌ يدي؟
3- خطب اليهو
يظهر اليهو فجأة ويتدخل في جدال كان قد انتهى، ولا يعود يظهر في نهاية الكتاب حين يوجِّه الله حديثه إلى اصدقاء ايوب الثلاثة. لهذا اعتبر الشراح ان ف 32- 37 تشكل نصا اعتراضيا يقطع التواصل بين ف 31 وف 38. ففي ف 31 دعا ايوب الله، والله سيجيبه في ف 38. كان حوار ايوب مع اصدقائه الثلاثة في جو حميم، أما اليهو فيقدم تعليمه امام الحكماء والعلماء الذين يجعلهم شاهدين معه على ايوب.
فبعد مقدمة (33: 1- 7) يدعو أليهو ايوب والحكماء ليسمعوه. قال ايوب إنه على حق أمام تصرف الله الاعتباطي. اجاب اليهو: انت لست على حق والله اكبر من الانسان (33: 12). وتحدث أيوب ثانيا عن صمت الله وغيابه. اجابه اليهو: فما بالك تخاصم الله؟ ألأنه لا يجيب عن افعاله بأسرها؟ وتحدث ايوب ثالثا فقال: لا ينفع الرجل ان يكون مرضيا لدى الله. أجاب اليهو: ان الله يريد للناس ما يستحقون ويعامل كل واحد حسب اعماله (34: 11). ثم يعلن اليهو لايوب الموقف الذي يجب ان يتخذه: ادع الرب فيستقبلك الرب. قل: خطئت وما اتبعت الوصية ولكن الله لم يجازني حسب اعمالي، بل افتدي نفسي من الهبوط إلى الموت فبقيت حياً ابصر النور (33: 26- 38).
ويختم اليهو كلامه: هكذا يفعل الله. فيبقى لأيوب ان يسمع مثل هذا الكلام، ولكن ايوب لا يريد ان يسمع. إنه يتكلم عن موضوع لا يعرفه، وكلامه يدل على عدم كفاءته، اذن فليُبتلَ إلى المنتهى، لاجل اجوبته التي هي اجوبة أهل الآثام (34: 35- 36). وهكذا يحكم اليهو على ايوب لأنه يكثر اقواله على الله (34: 37).
4- حواو بين الرب وايوب
وخرج الله من صمته وأجاب ايوب من وسط العاصفة. قال ايوب لله: انت بعيد، فجاء الله واظهر انه قريب من الانسان. قال أيوب لله: لا يهمّك امر البشر. فادخل الرب ايوب في اختبار دلّه على أن الله حاضر وهو يفعل. جاء الله فأظهر انه ما زال يحب ايوب ويهتم به. أخطأ ايوب فلم يفهم صمت الله ولعله يخطئ فلا يفهم حضور الله. لهذا تكلم الله فاعطى ايوب نعمة حصل عليها الآباء وموسى (خر 19: 16) والانبياء (حز 1: 4). جاء الصوت من العاصفة التي تدل على حضور الله، ولكنه لم يعط جواباً لتساؤلات ايوب بل طرح عليه جملة اسئلة. وما زال الله يلاحق ايوب حتى حصره في آخر معقل له. تكم الله مرتين (38: 1 ي؛ 40: 6 ي) فأجاب ايوب مرتين (40: 3- 5؛ 42: 1- 26).
بدأ الله يتكم فهاجم كل اعتداد عند ايوب: من هذا الذي يلقي الظلمة على مخططي باقوال يسيطر عليها الجهل؟ استعدَّ وكن رجلا. أنا أسألك وأنت تجيبني (38: 2- 3). ويبدأ الله خطبته الاولى (38: 4- 39: 30) فيبين عظمة الخالق ومحدودية الانسان. الانسان محدود في الزمن، محدود في معرفته، محدود في قدرته. ثم تبدأ خطبة ثانية (40: 6- 41: 26) يعود فيها الله إلى تاريخ البشر، ويصوّر له بهيموت (البهيمة العظمى التي تشبه وحيد القرن) ولاويتان (الحيوان الملتوي الذي يشبه التمساح)، فيقتنع ايوب أنه جاوز الحد في ماطلب.
التقى ايوب الله فتعلم التواضع مثل يعقوب (تك 32: 11) وموسى (خر 3: 11) واشعيا (6: 5) وارميا (1: 6). قال: من انا؟ انا انسان ذليل فكيف اجيبك؟ اضع يدي على فمي. تكلمت مرة فلا اعود أتكم، تكلمت مرتين فلا ازيد كلاماً على كلام (40: 3- 5). سأل الله ايوب: ماذا تعلم، ماذا تعرف؟ وها هو ايوب يجيب: أعلم أنك قادر على كل شيء. تكلمتُ بما لا أعلم، تكلمت عن معجزات لا أدركها لأنها تفوتني. كنت قد قلت لك: إسمع، أريد ان اتكلم. أنا أسألك وأنت تجيبني. اخطأت. عرفتك بما سمعت عنك أما الآن فعيني قد رأتك. لقد انتظر ايوب الله كأمير من الامراء وها هو يستقبله متواضعا ويركع على التراب والرماد (42: 6).
وهكذا ذاب قلق أيوب فرأى نفسه مدعواً إلى أن ينحني تحت يد الله القديرة. جعل الله ايوب على حق حين أبان له خطأه. اخطأ ايوب حين طلب هذا الظهور فابان ضعف ايمانه، ولكنه كان على حق حين ظل يترجى وحين انتظر ان يتكم الله. فتكلم الله وجاءت قدرته فأدخلت عجز الانسان في الحكمة الحقيقية. حين كشف الله عن نفسه لايوب، جعل ايوب يكتشف نفسه. تخلى ايوب عن حكمته البشرية فترك صورة الاله المحارب ورجع إلى صورة الاله الصَديق الذي جاء إليه في وسط العاصفة. وصمت الله من جديد بعد ان رآه ايوب. وها ان ايوب يصمت الآن بعد ان صار صمته لغة ايمانه.
5- الخاتمة النثرية
نجد في هذه الخاتمة قسمين. القسم الاول (43: 7- 9) يشير إلى الحوارات ويقدِّم حُكمَ الله على اصدقاء ايوب. القسم الثاني (43: 10- 17) يبين لنا كيف عادت السعادة إلى ايوب.
لقد أخطأ الأصدقاء في كلامهم وأغاظوا الله. أما أيوب فكان عبد الله في كل ما قال ولاسيما بعد حواره مع الله. فعلى الاصدقاء ان يقدموا ذبائح فيصلي ايوب عنهم. لقد اتهم الاصدقاء ايوب بقساوة القلب (22: 6- 9) وها هو يتشفع من اجلهم. اشاروا اليه بان يقدم الصلوات عن نفسه (5: 8، 8: 5)، وها هو يصلي من اجلهم. حسبوا كلامه كالهواء والريح (8: 5) ولكن هذا الكلام سيحصل لهم على الغفران. وهكذا لعب ايوب دور المتشفع مثل ابراهيم (تك 20: 7) وموسى (عد 21: 7؛ تث 9: 20) وصموئيل (1 صم 3: 25؛ 7: 5؛ 12: 19، 23) وارميا (ار 7: 16؛ 11: 14). 
وعرف ايوب السعادة من جديد. فكان أسعد من يوسف (تك 50: 23) ورأى بنيه وبني بنيه إلى اربعة اجيال. وفي النهاية مات شيخا مثل ابراهيم (تك 25: 8) واسحق (تك 35: 29) بعد ان شبع من الايام.
و- الخاتمة
ان سفر ايوب هو احدى تحف الآداب العالمية. فالشاعر الذي دوَّنه تأمل في الخليقة بمحبة وصوَّر عجائبها باسلوب يعج بالحياة. ولكن ابعد من انشاد الخليقة، هناك مسألة بشرية يعرضها علينا سفر ايوب: انسان مسحوق في جسده معذَّب في نفسه وهو لا يفهم معنى وفائدة أهله. وهو يجاهد بعناد باحثاً عن اله يرعبه صمته. ان ايوب أب روحي لكل الذين غطسوا في ليل الروح فاستطاعوا ان يقولوا مثله للرب: لماذا اتخذتني هدفا لسهامك؟ لماذا تعاملتي مثل عدو؟
ولن يخرج ايوب من هذا الجهاد الطويل والقاصي الذكي يعيشه ليجد ربه الا بفعل ايمان يجعله يتعدى عالم البثور ليرتمي في حضن الله.
سفر المزامير

مقدّمة
يجيش قلب المؤمنين بعواطف شتّى وتفيض قريحة بعض الذين حبتهم الطبيعة إحساساً مرهفاً وإلهاما شعريّا. واننا في الكتاب المقدّس نجد الشّر وبشكل خصوصي الشعر الغنائيّ الذي يصل الى ذروته في "مزامير" داود الني وغيرها من المزامير. وقد تسلّمت الكنيسة من العهد القديم ومن السيد المسيح والرسل والتلاميذ كتاب المزامير كوديعة ثمينة تسمو بالنفس في سحر الاناشيد ورونق الانغام ورخامة آلات الطرب، مصحوبة بدعاء المتّقين وبحرارة احبّاء الله، في السّرّاء والضّرّاء. وأحبّ الشعب المؤمن ان يتلو المزامير المئة والخمسين وحفظها عدد منهم عن ظهر قلب، وحملها العريس يوم زفافه والمسافر في ذهابه وايابه ووضعها الوالدون تحت وسادات اطفالهم.
وانّنا سنبحث في هذا المقال في قراءتنا المسيحيّة للمزامير: اي كيف نفهمها وكيف تكون ردّة الفعل عندنا امام أناشيدها وما تحويه من نبوءات وأدعية، أدعية للمترنّمين وأدعية على الآثمين، ومودّة للاحبّاء الصالحين وفتور يبلغ حدّ الغضب على الاعداء الماكرين؟
1- قراءتنا المسيحيّة للمزامير هي اقتداء بقراءة السيد المسيح ورسله لها 
تذكر الاناجيل، ولا سيّا بشارة مرقس (14: 26)، ان السيد المسيح ورسله "سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون"، بعد العشاء السّرّي، وتعني الكلمة "سبّحوا" انهم، وفقاً لطقوس الفصح العبري، تلوا مزامير (الهاليل) أو التسبيح أو الاكبار أي المزامير 113- 118. ويمكننا ان نكون على يقين من انّ السيد المسيح تلا المزامير مناسبات أخرى، إمّا وحده أو برفقة تلاميذه، وقبل ذلك برفقة والدته مريم البتول والقديس يوسف.
يبدو أنّ الامّهات المؤمنات كنّ يعلّمن اولادهنّ، منذ نعومة اظفارهم، ان يتلوا قبل النّوم، الكلمات المؤثرة: "يا رب، بين يديك استودع روحي" (31: 6)، ونعم ان والدات كثيرات في الشرق الاوسط يفعلن ذلك. ونقدر ان نفرض انّ يسوع الطفل والفتى كان يقول هذه الكلمات قبل ايوائه إلى النّوم، حسب ما تعلّم من والدته العذراء. واستشهد المسيح المصلوب بهذا النصّ قبل ان يلفظ الروح (متّى 27: 46).
استشهد السيد المسيح المصلوب بالمزامير، جاعلا من الصراخ الذي انطلق من كاتب المزمور الثاني والعشرين صيحة مدوّية كانت لسان حاله في آلامه المبرّحة على صليب العذاب والفداء: "الهي الهي لماذا تركتني؟" (22: 2).
ومن المهد إلى الجلجلة كان يسوع يصعد الهيكل ويدخل المجتمع، وفي كلا الحالتين كان يتلو المزامير مع الشعب المؤمن.
ويذكر القديس لوقا في نهاية انجيله أن المسيحيين الاولين، بقيادة الرسل والتلاميذ، كانوا كلّ حين في الهيكل "يسبّحون الله ويمجّدونه" (لوقا 24: 53) ولعلّ الانجيليّ يشير بالفعلين "سبّحوا ومجّدوا" إلى تلاوتهم للمزامير. 
ويكتب بولس الرسول: "متى اجتمعتم ولكلّ واحد منكم مزمور أو تعليم أو وحي، فاصنعوا كلّ شيء للبنيان" (1 قورنثس 14: 26). وكتب إلى أهل أفسس: "تحاوروا فما بينكم بمزامير وتسابيح وأغاني روحانية، منشدين ومرتّلين في قلوبكم للربّ" (5: 19). وإلى أهل قولسّي: "انصحوا بعضكم بعضا بكل حكمة وبمزامير وتسابيح واناشيد روحانية" (3: 16). امّا القديس يعقوب فيقول: "هل فيكم محزون، فليصلّ. هل فيكم مسرور، فلينشد" (اي ليسبّح الله بالمزامير وغيرها من الاناشيد التقويّة)، راجع يعقوب 5: 13. ونقرأ في اعمال الرسل (16: 25) انّ بولس وسيلا كانا يصلّيان ويسبّحان الله في منتصف الليل، وقد تكون هذه العبارة اشارة الى تلاوتهما للمزامير. وبشكل عام تعني عبارة "سبّح الله" تلا المزامير أو أنشدها، بما ان المزامير تدعى بالعبرية (تهيليم) جمع (تهيلة) اي تسبحة.
2- كتب العهد الجديد ترشدنا الى القراءة المسيحيّة للمزامير
استشهد السيد المسيح ورسله وتلاميذه بالمزامير: هذا ما تشهد عليه اسفار العهد الجديد. ومن الاكيد انها تستشهد بسفر المزامير اكثر من استشهادها بأيّ كتاب آخر من العهد القديم. لذا نقدر ان نقرأ، نحن معشر المسيحيين، سفر المزامير وأن نفسّر العديد من آياته كنبوءات عن المسيح والكنيسة، ويكون تفسيرنا "شرعيّاً" اذا جاز التعبير، بما انّه يستند الى تفسيرات الرب نفسه التي دوّنت لنا في العهد الجديد. وأكيد أن هناك نصوصاً أخرى من المزامير استشهد بها المسيح ورسله ولكنّها لم تدوّن بتفاصيلها في كتبنا المقدّسة. وان لوقا الانجيلي يعلمنا في بشارته ان يسوع راح يشرح لتلميذي عماوس أنه "كان من الضروري ان يتمّ كلّ ما كُتب في شأنه، "في شريعة موسى والانبياء والمزامير" (24: 44). وهنا نلحظ انّ لوقا البشير يورد التقسيم الثلاثي للكتاب المقدس عند العبرانيين: التوراة والانبياء والكتابات، والمزامير جزء من الكتابات وقد تكون ايضا كناية عنها بأسلوب ايراد الجزء للكلّ. وهكذا يكون معنى العبارة: ان السيد السيح فسّر لتلميذي عمواس كلّ ما ورد في شأنه من نبوءات وتشبيهات وتلميحات في أسفار الشريعة والانبياء والكتابات بأسرها، بما فيها المزامير المئة والخمسين. واننا نلخّص كما يلي هذه الفكرة: انّ المسيح باستشهاده بالكتب المقدسة، ولا سيّما المزامير، يشهد أنّها تشهد له، كما أعلن في انجيل يوحنّا. وانّ لنا فيه وفي الكتب المقدسة الحياة (يوحنّا 5: 19 ي).
أ- المزامير، في العديد من آياتها، تتكلّم عن المسيح والكنيسة
تتنبّأ المزامير عن السيد المسيح في مواضع كثيرة، ولعلّها تفعل ذلك بوضوح يفوق كلّ وصف سابق، كما يقول القديس امبروسيوي: "تنبّأ آخرون عن المسيح بألغاز، أمّا داود فقد وعده الله (في المزامير) بشكل جلي واضح ان المسيح سيولد من نسله بناء على كلمة الرب الاتية: "سأجعل من فلذات كبدك من يستوي على عرشك" (مزمور 132: 11).
ويدلّنا كتّاب العهد الجديد على مواضع المزامير الّتي تتنبّأ عن المسيح واصفة اصله الالهيّ وحياته وتعاليمه ومعجزاته وموته وقيامته وصعوده ورسالة رسله: تخبرنا المزامير مسبقاً انّ يسوع المسيح هو ابن الله، وانه الرب، وانه كانسان سيكون من سلالة داود (المزموران 89 و132)، وانه سيكون مسيحاً منتصراً (المزموران 2 و110) عادلاً قديراً وكاهناً اعظم ابديّاً (مزمور 110) وسيكون فادياً متألّماً (المزمور 22). وقد كتب القديس اغسطينوس: "ان هذا المزمور (أي الثاني والعشرين) يصف آلام المسيح بوضوح الاناجيل". ويقول ترتليانس: ان هذا المزمور يحتوي على آلام المسيح بأكملها". وتتنبّأ المزامير ان المسيح سيكون ملك عدل وسلام (مزمور 72) تخضع له الملوك والشعوب. وقد ذكرت المزامير مسبقاً قيامة المسيح بعد آلامه، وخصوصاً في 16: 9- 10: انتصار الفادي على الموت وفساد القبر. وما فات اصحاب المزامير ان يشيروا، بالهام من الله، أن يسوع الناصريّ حقّق كلمات الكتاب: "الحجر الذي رذله البناؤون هو صار رأساً للزاوية" (118: 22).
وقال أن نتطرّق الى بعض التّفاصيل عن استشهاد العهد الجديد بالمزامير، يمكننا ان نستخدم عبارات آباء الكنيسة وعلمائها في هذا المضمار. قال القديس ايلاريوس: "كل ما كُتب في المزامير وحي يبيّن لنا مجيء المسيح وتجسّده وآلامه وقيامته وملكوته وقيامتنا نحن". ويكتب القديس امبروسيوس: "في المزامير لا يولد لنا المسيح فحسب، بل يتألم أيضاً ويموت ويقوم ويصعد الى السماء ويجلس من عن يمين الآب". أمّا القديس اغسطينوس فقد كان يعظ الشعب بقوله: "انّنا نسمع كلمات المسيح- دائماً أو غالباً- عن طريق المزامير". ويلخّص البابا بيّوس الثاني عشر كتابات الآباء في هذا الشأن كما يلي: "تعرض المزامير، بوضوح عجيب، مجد يسوع، المسيح الآتي، وقدرته الكاملة الخالدة وتجرّده لدى مجيئه إلى هذا المنفى على الأرض، وكرامته الملوكيّة والكهنوتيّة واتعابه ودمه المهراق (على الصليب) لفدائنا". وقد ورد في وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني: "لا يقتصر التفسير المشيحاني والمسيحي للمزامير على المقطوعات المدعوّة (مشيحانية) (مثل المزامير 2 و73 و110 و23) بل يشمل أيضاً مزامير اخرى كثيرة فيها اشارات واضحة يؤيّدها تقليد الكنيسة".
ب- بعض التفاصيل عن تطبيقات لمقاطع من المزامير على المسيح
يطبّق يسوع على نفسه آيات من المزامير، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
- دخل يسوع المدينة المقدّسة وصار الصبيان لدى قدومه يصيحون في الهيكل هاتفين بحياته: "هوشعنا لابن داود". غضب الكتبة ورؤساء الكهنة العبرانيّون وسألوه: "أتسمع ما يقول هؤلاء؟" فردّ عليهم الرب: "نعم، أما قرأتم قطّ انّ من افواه الاطفال والرضّع هيّأت تسبيحا؟- يستشهد يسوع هنا بالمزمور الثّامن، الآية الثّانية. ويلحظ المسيحيّ بهذه الحادثة انّ المسيح ينسب إلى نفسه نصّاً في المزامير قيل في العزّة الالهيّة. وهكذا يقصد يسوع ان الكلمات التي وجّهها صاحب المزمور الثّامن مادحا الاله ذا الجلال كان في الواقع قد كتبه متنبّئاً عنه هو اي يسوع الذي جعل لذاته تسبيحا بأفواه الاطفال. في الوقت نفسه يوافق يسوع بشكل غير مباشر على انّه هو المسيح، فقد كانت هتافات الاطفال اشادة بـ "ابن داود" وهو لقب المسيح المنتظر. وها ان يسوع يقبل اللقب والهتاف ويدافع عن الهاتفين الفتيان (راجع متّى 21: 16).
- في نقاشاته الحادّة مع الكتبة والفرّيسيّين ورؤساء الكهنة والشعب يطبّق يسوع على المسيح أي على نفسه كلمات المزمور 110: 1 أي انّه (ربّ) داود أي سيّده وابنه في آن واحد. (راجع متّى 33: 44 ي).
- يحدّق يسوع في يهوذا الاسخريوطيّ بعد ان كان قد قدّم لذلك التلميذ الخؤون لقمة خبز وناوله ايّاها ويعلن المسيح ذاته انّ يهوذا يُتمّ ما جاء في الكتاب- أي مزمور 41: 10: "ان الذي اكل الخبز معي هو الذي رفع عليّ عقبه" (يوحنّا 13: 18).
ينتحر يهوذا، ويقوم بطرس بعد العنصرة ويقترح ان يُنتخب رجل صالح ليحلّ محلّه بين الرسل. ويقول بطرس: قد كُتب في سفر المزامير: "لتَصر دارُهم خراباً ولا يكن فيها ساكن وليأخذ رئاسته آخر" (109: 8؛ راجع أعمال الرسل 1: 20 و25).
- وقف بطرس يوم الخميس، يوم بدأت الكنيسة بشكل رسمَيّ، وقال للعبرانيّين: "صلبتم (يسوع) وقتلتموه بأيدي الاثمة فأقامه الله ناقضاً آلام الموت اذ لم يكن ممكناً ان يمسكه الموت، لأنّ داود يقول فيه: (اي في يسوع الانسان): "جعلت الرب دوما نصب عيني، لن اتزعزع لأنه من عن يميني، لذا بات قلي فرحاً وصدري منشرحاً وغدا جسدي مطمئنّاً مستريحاً، لأنك لن تترك نفسي في هاوية الردى ولن تدع قدّوسك يرى فساداً، ستبيّن لي سبل الحياة، وفي حضرتك الفرح العميم وعن يمينك النعيم المقيم.
أيها الرجال الاخوة، يمكن ان يقال لكم جهرا عن داود... انه مات ودفن وقبره عندنا إلى اليوم، واذ كان نبيّا وعلم أن الله أقسم له بيمين أن واحداً من صلبه مجلس على عرشه سبق فأبصر وتكلّم عن قيامة المسيح بأنّه لم يُترك في الجحيم ولم ير جسده فساداً... (أعمال الرسل 3: 23- 31)".
كان صاحب المزمور المذكور (16: 8- 11) يأمل ان يستريح في هذه الدنيا أوّلاً وان يؤخّر الله تعالى ساعة وفاته راجياً ان لا يرى (الهوّة) اي القبر. الاّ ان بطرس الرسول، حسب سفر الاعمال، يستشهد بالنص اليوناني السبعينيّ، حيث تعني كلمات المزمور أنّ المتكلّم قد يرى القبر غير انّه لن يختبر فساده أي سينتصر على الموت بعد ان يكون قد مات ودفن. ولذا انشد الطقس البيزنطي: "المسيح قام من بين الاموات وداس الموت بالموت...".
- يطبّق كاتب الرسالة إلى العبرانيّين على يسوع المسيح المفردتين اللتين اطلقهما صاحب المزامير على الله تعالى. ففي 1: 8 ي، يصبح النداء (يا الله) موجّها إلى الابن أي يسوع- وهو النداء الذي نجده في مزمور 45: 6. وفي الفصل الاول الآية العاشرة من الرسالة إلى العبرانيّين لا يتردد الكاتب في ان ينسب الخلق إلى المسيح مطبّقاً عليه ما قاله المزمور 102: 25 ي في الباري عزّ وجلّ: لنقر أنّ نصّ الرسالة: 
"وأمّا الابن (أي يموع) فيقول له: إنّ عرشك يا الله الى دهر الدهور وصولجان ملكك صولجان استقامة احببت البرّ وأبغضت الاثم فلذلك مسحك الهك يا الله (في النص العبري: الله الهك) بدهن البهجة أفضل من شركائك. وأيضاً: أنت أيها الرب اسست الارض في البدء والسماوات هي صنع يديك..." (عبرانيين 1: 8- 11).
- امّا يوحنّا اللاهوتيّ فانّه يطبّق على المسيح في رؤيا 2: 23 آيتين من المزامير قيلتا في العزّة الالهيّة. هذا هو نصّ الرؤيا: "تعلم جميع الكنائس اني انا فاحص الكلى والقلوب (مزمور 7: 9 يصف بهذه العبارة الاله العادل وحده) وسأجزي كلا منكم على حسب اعماله (مزمور 63: 13 يقول: "ان العزّة لله (آية 12) وان من لدنك الافضال وانك تجزي كلّ انسان بما اتى من اعمال".
نكتفي بهذه الامثلة المنيرة الّتي تدعونا الى ان نقرأ المزامير بعيون بصيرة وقلوب نبيهة لنبصر المسيح والكنيسة في داود وغيره من المترنّمين. وقد لخّص القديس اثناسيوس الاسكندريّ هذه الافكار بالشكل التالي: "اوحى الله بكل كتابة مقدّسة وهي مفيدة للتعليم (2 تيموثاوس 3: 16) إلا ان سفر المزامير يستأهل انتباها اكبر. انّه مثل جنّة تحوي كلّ ما تقوله الاسفار الاخرى وامورا تمتاز بها عن غيرها". ويكتب القديس اغسطينوس انّ المزامير "صوت المسيح".
3- المزامير أصبحت صلاة الكنيسة
يفسّر القديس اغسطينوس عبارته (المزامير صوت المسيح) بأنّ هناك طرقاً ثلاث تجعل المزامير صوتاً للمسيح والكنيسة: أولاً يتلو يسوع وحده بعض المزامير أو آيات منها، كما اسلفنا، وثانياً: يتوجّه المسيحيّون بالدعاء إلى المسيح مستخدمين آيات من المزامير، وثالثاً يضمّ يسوع الانسان صوته إلى أصوات المسيحيين ليطلب من الطبيعة الالهيّة ان تقضي على الشّرّ وتؤيّد الخير وتعجّل ملكوته السامي.
اقتدت الكنيسة بالمسيح والرسل والتلاميذ. منذ فجر الدين المسيحي كان الرهبان والنساك يحفظون الاناجيل والمزامير عن ظهر القلب. وتعوّد عدد كبير منهم ان يتلوا المئة والخمسين مزمورا يوميّاً. وكان كلّ من يطلب العماد وكلّ راهب مبتدئ اراد ان يدخل بعض الاديرة (مثل دير مار سابا في فلسطين) انً يعرف غيباً سفر المزامير أو اجزاء منه.
ولا يخفى على أحد شأن المزامير في صلوات الفرض والقداس وعند توزيع الاسرار المقدسة...
4- القراءة المسيحيّة للمزامير تستند إلى عناصر انسانيّة
يقرأ المسيحيّ المزامير ويكتشف سريعاً انّها تعبّر بصدق مؤثّر عن العواطف البشريّة. والواقع ان المزامير هي مرآة تعكس تقلّبات النفس البشريّة وانتقالها من الفرح إلى الحزن، ومن الامل إلى الملل، ومن التفاؤل الى التشاؤم، ومن الدعاء للناس إلى الدعاء عليهم. لذلك يرى الانسان، المسيحي وغيره، نفسه في المزامير. ولقد قسم علماء الكتاب المقديس المزامير إلى عدّة انواع ادبيّة منها مزامير التسبيح أو الاناشيد ومزامير الشكوى ومزامير الشكر ومزامير التوبة... وهذه الانواع المختلفة- التي تجتمع احيانا في مزمور واحد- تدلّ على اختلاف ظروف الحياة التي نشأ فيها والتي تتلاعب بالانسان كالريشة في مهبّ الريح. وهكذا نسمع في المزامير معظم الاصوات التي نسمعها في حياتنا اليومية: الدعاء والصراخ، والضحك والبكاء، والهدوء والغضب والوعد والوعيد والنصائح والحكم... وتأتلف كلّ هذه الاصوات لتؤلّف سيمفونيّة أي صلاة شجيّة يرفعها الانسان المسكين إلى الاله العظيم، العظيم في حنانه وانسانيّته، اذا جاز التعيير...
المزامير "افضل تعبير عن رغبات الانسان وعواطفه" (القديس اثناسيوس). ويقول البابا بيوس الثاني عشر: "ان المزامير تعبّر عن قلوبنا وعن الحزن فينا والرجاء والخوف والاستسلام لله". وكتب الراهب الامريكي ثوماس مرتون: "عندما نقدّم لله آلامنا وأمانينا وآمالنا ومخاوفنا ونمزجها بآلام ذلك الانسان الغامض مرتّل المزامير وآماله... نضع كلّ ما لنا امام المسيح وهو يتكلّم... فتتحوّل هزيمتنا إلى نصر ويصبح موته حياة لنا ابديّة".
يجد المسيحيّ في المزامير وصفاً لحياته وعواطفه وصراعه مع الشر والاشرار ورغبته في الحياة والحماية والسلامة. غير انه يجد في بعض المزامير آيات تصدمه لعنفها أو لنزعة قوميّة قد تبدو عنصريّة أو لرغبة المترنم في الانتقام أو لحصره رجائه برضى الله عليه في هذه الدنيا، وكأن لا وجود للآخرة. وهذا هو القسم الاخير من بحثنا.
5- عقبات أمام القارئ المسيحي للمزامير
ئصدَم المسيحيّ احياناً عند قراءته لبعض المقاطع أو الايات. وعليه ان يتذكر ان المزامير قسم من "العهد القديم" من "الشريعة" (الناموس) التي اتى المسيح ليكملها لا ليطلبها. ان "العهد القديم" مرحلة ناقصة غير كاملة من الوحي. لذلك مع الزمن ومع عون الله والهامه تعالى للانبياء والكتّاب المقدّسين ترتفع تدريجيّاً المستويات الاخلاقيّة وتتسامى الامور العقائديّة وتتضح الغوامض. فتصبح "العين بالعين" لا تردّوا على الشرير ومن لطمك على خدّك الايمن فحوّل له الاخر..." وما إلى ذلك من تحسين. امّا النقص في اخلاقيات العهد القديم وعقائده اي عدم اكتمالها فمردّه ضعف الانسان وبطؤه في الروحانيات والاخلاقيّات وليس مردّه- حاشى وكلاّ- عجزا عند الله تعالى. فلا تناقض بين "العهدين" بل اكتمال.
بعد هذه الفكرة الشاملة، لنفحصنّ بالتفصيل بعض العقبات التي يجدها المسيحي عند قراءته للمزامير أو تلاوته لها، امّا وحده أو مع الكنيسة.
أ- الحقد على الاعداء وتمنّي الشّرور لهم
من الطبيعي للمرء ان يعبّر عن حنقه واستيائه من اعدائه، خصوصاً عندما يعادونه بدون سبب. الاّ ان اصحاب المزامير لا يخشون ان يبيّنوا حقدهم ورغبتهم في الانتقام وفي دمار اضدادهـم وفي موتهم. وهكذا ندرك ان اصحاب المزامير ما وصلوا بعد إلى الكمال الانجيلي المتمثل في الوصيّة السامية العسيرة "احبّوا اعداءكم" (متّى 5: 44).
يمكن ايضا تفسير حدّة الحقد والادعية على الاعداء بالطبع الشرقيّ الذي يميل احيانا إلى المبالغة أو الى اللجوء إلى "الانفجار الكلاميّ" بدون ان يقابله عنف أو ضرر في الواقع من ضرب أو قتل أو أي نوع آخر من الايذاء.
ويجدر بالمسيحي ان ينتبه إلى انّ كثيراً من الاعداء كانوا في الوقت نفسه "آثمين" أي أشراراً وكان أصحاب المزامير يعتقدون ان انتصار الاشرار يعني انتصار الشر على الخير. لذا اعتقدوا بضرورة تدخّل الله ليحطم الشر الذي مجمله الآثمون ويمثّلونه. من جهة اخرى كانوا - أي الصالحون الاتقياء ومنهم كتّاب المزامير- يظنّون ان اعداءهم اعداء الله نفسه.
وكان مؤمنو العهد القديم يعتقدون بأن المجازاة من مكافأة وعقاب كانت تتّم في هذه الدنيا، ولذلك ظنّوا أنّ الشرير يجب أن يعاقب في هذه الحياة وان الصالح سينال مكافأته على هذه الأرض. وذلك قبل أن يذهب كلاهما إلى "الشيول" أي مقرّ الموتى حيث يتشاطران، بغير تمييز بينهما، حياة ظلمة تحت الارض (مزمور 6: 6). لذا يطلب الصالحون- في المزامير- أن يُنصفهم الله وأن يجازي الاشرار (مزمور 94: 1) وهم يستغربون من سلامة الآثمين ومِحَن الصدّيقين (مزامير 37 و49 و73) آملين أن يكون نعيم الاشرار مؤقّتاً وعذاب الابرار قصير المدى (مزمور 37: 15 و17- 22 و29 و35- 39 و مزمور 73: 18- 20 و27).
ب- الطمع في خيرات دنيويّة مع ذكر نادر لخيرات في الآخرة
هذه نتيجة للمعتقد في (العهد القديم) بالمجازاة في هـذه الدنيا. وظنّ الصدّيقون ان المطالبة بخيرات هذا العالم من (حقّهم). وكانت تلك الخيرات تتلخّص ببيت هادئ وكرمة مثمرة وعمر طويل ونسل كثير (خصوصاً من الذكور) واسرة سعيدة وصحّة جيّدة وانتصار على الاعداء.
وكان عند الاتقياء خشية ان لا شيء يستأهل الذكر أو التعب يأتي بعد القبر مع علمهم ان الانسان يهبط إلى (الشيول) الذي يرد في (المزامير) وان سكّانه الظلال والاشباح (الرفائيم) في الظلمة والخمول. وفي وقت لاحق صار عند اصحاب المزامير اقتناع بأنه سيكون فرق بين مصير الاشرار والابرار بعد الموت، واعربوا عن هذه الفكرة بكلمات غامضة: انّ الله سيأخذ الابرار وينتشلهم من الهاوية (عد إلى مزمور 16: 8- 11 ومزمور 17: 13- 16؛ ثم مزمور 49: 14- 20).
ب- الطمع في انتصارات قوميّة
في المزامير مقطوعات تتحدث عن نصر الشعب اليهودي المؤمن واستيلائه على ارض تدر لبنا وعسلا سيَدخلها بعد ان يطأَ اعداءه. وسبب هذه المواقف التي تصدمنا اليوم وتدلّ على أطماع توسعيّة وركبة جامحة ظالمة في السيطرة- هو اعتقاد الشعب المؤمن ان اعداءه اعداء الله نفسه، وان المعركة أو الحرب لا تدور بين شعب العهد القديم والشعوب الأخرى (الجوييم) بل هي حرب تدور رحاها بين الله تعالى الاله الواحد الحقّ وبين الاصنام الوثنيّة. فالمعركة حامية بين التوحيد والصلاح من جهة وبين الوثنية (الشرك) والفساد الاخلاقي من جهة اخرى. لهذا يطلب أصحاب المزامير، أن ينتصر التوحيد على الاشراك بالله، والدين الحق على الأديان الباطلة، والاله الواحد الحقّ القهّار على عبادة الاصنام المضلّلة.
وان كان الله تعالى، كما تذكر المزامير وغيرها من الكتب المقدسة، قد وعد الشعب العبرى بأرض وملك وسيطرة، فان هذه الوعود كانت أولاً وعوداً تربويّة أي ان تلك الخيرات الدنيوية والانتصارات القوميّة لم تكن سوى رمز لمجيء الملكوت. وكانت تلك الوعود شرطيّة: انها تتم فقط في حالة وفاء الشعب لعهد الله تعالى واستقباله للمسيح. ولكن الشعب نقض العهد ورفض المسيح يسوع... راجع مزمور 89: 24- 33 و39- 46 حيث يذكر صاحب المزمور انّ "الله عاقب الشعب العبري وسيعاقبه بانحطاط الدولة اي السلالة الداوديّة واندحارها...
خاتمة
تنظر العيون المسيحيّة إلى المزامير نظرة انسانية ترى فيها النفس البشرية انعكاساً لعواطفها ورغباتها واحلامها، وتمعن النظر في (المزامير) لتشهد فيها، بعد يسوع والرسل والتلاميذ ومع آباء الكنيسة منذ اقدم العصور، صورة المسيح الفادي ولتسمع صوت الكنيسة. وعندما نصطدم بعقبات أي كلمات وآيات تنمّ عن الحقد والاطماع التوسعية الدنيويّة، يساعدنا علم الكتاب المقدس لندرك انّ تلك المشاعر والاعتقادات كانت مرحلة بدائيّة ناقصة ستكمل في العهد الجديد بهدي الانجيل ونوره. لنجعلن من حياتنا نشيد مدح لله وشكر له تعالى، كما قال المترنم بحماس: "يطيب رفع الحمد إلى المولى والتغنّي باسمك أيها الاعلى، واعلان رحمتك صباحاً والجهر بأماننك ليلاً... فقد ابهجتتي يا رب بأعمالك فهتفت سروراً بصنع يديك" (92: 2- 5).
سفر الأمثال

1- يحمل سفر الأمثال عنواناً مبهماً: ليس هو بكتاب، بل هو مجموعة مجموعات. ولا يتضمّن أمثالاً وحسب، بل فيه المثل والحكمة، والرمز، والهجاء، والنقد، والقصيدة، والعِبر. انه بالفعل دائرة معارف: معرفة الكلام، معرفة المسلك، ومعرفة الحياة. وباختصار، انه مجموعة نصوص تربوية تكشف عن سرّ السعادة وتعلّمها.
2- يُنسب سفر الأمثال إلى سليمان، كما نُسب إليه كلّ كتابٍ حِكَمي في التوراة، من قِبَل الشهرة لا أكثر، ويرجّح تدوينه النهائي حوالي السنة المائتين، وان كانت بعض مجموعاته تعود إلى أكثر من مؤلّف وإلى أزمنة مختلفة. والسفر ذاته يثبت ذلك بتنوعّ مواضيعه، وبنياته الأدبية، ويذكر أكثر من مؤلّف: سليمان، (22: 17؛ 24: 23) وحكماء لا كنية لهم: (25: 1) ولموئيل، ملك مسّا (31: 1)، وآجور بن ياقة المسّاوي (30: 1).
3- يقسم سفر الأمثال الى تسعة أجزاء كبيرة:
الجزء الأول: (ف 1- 9): وهو بمثابة مقدِّمة يأخذ فيها الحكيم دورَ أب يوجّه النصائح إلى ابنه، في خطاب مطوّل يتميّز بوحدة بنيته الأدبية والتعليمية. ولتثنية الاشتراع وأشعيا وارميا أثر بليغ في هذا التعليم. كما تتميّز بعض المقاطع برهافة سيكولوجية بارزة (طالع 7: 6- 23 .. المرأة الغاوية). يبلغ هذا الجزء أوجه في لاهوت الحكمة (8: 13 ي). ولقد أثبت بعض العلماء الحديثين قرابةً تسترعي الانتباه بين فصلَي سفر الأمثال (ف 8 و9) ونصوص رأس شمرا - أوغاريت. ولا عجب في ذلك، لأن الأدب الفينيقي زاد انتشاراً، بعد رجوع اليهود من منفى بابل، وأثَّرَ، بدون شك، على الأدب العبري.
الجزء الثاني: (10: 1- 22: 16): هو أول مجموعة منسوبة إلى سليمان تحتوي على 376 حكمة مأثورة، مقتضبة الأسلوب، عامة أي لا طابع شخصيا لها. تتميز ببساطة بنيتها.
الجزء الثالث: (22: 17- 24: 22): هو بمثابة ملحق لمجموعة سليمان هذه. وتُنسب إلى حكماء مجهولي الهوية (مثل 23: 17). يحتوي هذا الجزء على مقطع هام يماثل تماماً حكمة أمون ايموبي المصري، لا بل هو النص المصري بالذات دُوّن بعد أن أجريت عليه بعض التعديلات (22: 17- 23: 11).
الجزء الرابع: (24: 23- 34): يُنسب هذا الجزء أيضا إلى حكماء لا هوية لهم. يتميّز بوصف رائع لحقل الكسلان:
"مررت بحقل الكسلان
وبكرمِ قليلِ الهمّة
فاذا العوسج قد علاه كلّه
وشوك غطّى وجهه
وحجار جدارِه قد انهارت.
فنظرتُ وأمعن قلبي
ورأيتُ وأخذت عبرة
قليل من النوم، قليل من الغفو
قليل من التمدّد، والأيدي متكتّفة
فيأتيك العوز متجوّلا
والفاقة كجندي مرتزق" (24: 30- 34).
الجزء الخامس: (25: 1- 29: 27): هي جموعة ثانية منسوبة إلى سليمان الحكيم، وتتضمّن 128 عِبرة حَكمية. ربما كان لهاتين المجموعتين نواة سليمانية، نظراً لشهرة أقوال هذا الملك الحكمية (راجع 1 مل 5: 9- 14). 
الجزء السادس: (30: 1- 14): يتضمّن كلاما للحكيم آجور، وهو كنعاني فينيقي على الأرجح، وصلاةً رائعة:
"شيئَين سألتُكَ
فلا تمنعني اياها قبل أن أموت:
ابعد عني الباطل وكلام الكذب
لا تعطني الفقر ولا الغنى
بل ارزقني من الطعام ما يكفيني
لئلا أشبع فأجحد وأقول: مَن الرب؟
أو أفتقر وأعتدي على اسم الهي". (مثل 30: 7- 9).
الجزء السابع: (30: 15- 33): يتألف من سلسلة أمثال عددية. أسلوب نجده في الفصل الأول من سفر عاموس النبي، وهو مألوف لدى الكنعانيين، ولذا يرتأي بعفالعلماء أن هذا الجزءَ كنعانيّ المصدر.
الجزء الثامن: (31: 1- 9): وهو جموعة حكمية تخرج عن المألوف في أسلوبها،اذ، عوض أن يتوجه إلى تلميذه وينصحه كأب ابنه، اذا بالحكيم لموئيل، وهو أيضاً كنعاني الهوية، يتذكّر أقوالا أدَّبَته بها أمه. فحِكَمُه تعني المرأة والحكم بالعدل وكأنها نصائح أمٍ ملكة لابنها الملك العتيد.
الجزء التاسع: (31: 10- 31): يختتم سفر الأمثال في قصيدة يمدح المرأة المثالية وهي من أجل القصائد البيبلية:
" أين نجد المرأة النخبة
وقيمتها تعلو على اللآلئ" (31: 10).
ويكوّن هذا الجزءُ الأخير خاتمةً لسفر الأمثال.
وهكذا تتألف بنية هذا السفر من جموعتَين منسوبتَين إلى سليمان الحكيم يدعمهما ملحقان مع مقدّمة وخاتمة.
ما قيمة هذا السفر لاهوتياً وروحياً؟
لقد أسيء سابقاً فهم هذا السفر، اذ اعتبره البعض كتاباً دنيوياً يعبّر عن تفكير ومسلك "عاميّين" ويفتقد إلى عمق روحي بالرغم من اعتباره كتاباً ملهماً. غير أن المعطيات المنهجية المعاصرة أثبتت عمق هذا الكتاب روحياً، لأنه ينطلق من بديهيات الحياة ليرتفع إلى أسمى تعابير الايمان بالله. ويصرّ سفر الأمثال على ترسيخ العلاقات بين الله والحكمة. فهي ليست صديقة البشر وبهجتهم وحسب، بل هي حكمة الله بالذات، انها حبيبته وابنته، لا بل هى أقنومه.
ولأول مرة يقدّم لنا سفر الأمثال عرضاً لاهوتياً نظرياً، دون أن يهمل الناحية العملية وهذه من بديهيات الذهنية السامية التي تفضّل الصور والمحسوس على التنظير. ولذا يتحدّث سفر الأمثال عن مصدر إلهي للحكمة (8: 22- 31). وما ذلك الاّ ليثبت ألقابها كمعلّمة، ومربّية للبشرية (8: 32- 33). فينتقل من اللاهوت النظري إلى اللاهوت العملي. ان المعلّم اللاهوتي الملهم الذي دوّن سفر الأمثال يرتكز في وصفه للحكمة الالهية على الوحي بالذات. ولذا يصفها بأوصاف استقاها من البيبليا. أما ينسب للحكمة ذات الكمالات التي نعتَ بها أشعيا النبي الملكَ المسيح العتيد (أش 11)؟ ألم يصف تنصيبها ملكة (8: 22) على مثال تنصيب الملك المسيح في المزمور الثاني؟ ألا تصف الحكمة اختيارها ورسالتها على مثال اختيار الأنبياء ورسالتهم؟ (راجع إر 1: 5) وعلى مثال عبد الله كما في أشعيا (أش 49)؟ هذا الطابع البيبلي لهوية الحكمة، ولتشخيصها يدحض النظريات القائلة بتأثير التيارات الأجنبية، خارج العهد العتيق على وصف الحكمة. لا تشرح الحكمة البيبلية الاّ على ضوء اللاهوت البيبلي. وقبل أن نقارن الحكمة بمثيلاتها خارج البيليا، يحسن أن نقارنها بما قيل عن الماسيا العتيد في النصوص البيبلية والمقارنة واردة ويثبتها كثير من العلماء المعاصرين.
- الحكمة تضطلع بالمهامّ الماسيانية: على مثال المسيح، تعد من يتبعها بالسعادة والهناء (8: 21، 32- 35)، ومثله تدين الشعوب (1: 26 ي).
- مثل المسيح، دعيت لرسالة كونية (8: 22 وأش 49: 1)...
- مثل المسيح، بن داود، تتقلّد الصلاحيات الملوكية (8: 23 ومز 2: 6).
- تمنَح مواهب الروح ذاتها كما مُنحت للطفل الملكي الذي بشّر أشعيا به (8: 14).
- يتزامن عهدها في ملء الأزمنة مع فيض الروح الالهي (8: 14).
- الحكمة تدعو الناس إلى وليمةٍ (9: 1 ي) تذكّرنا بالولائم الماسيانية في الآدب النبوي (راجع أش 25: 6؛ 55: 1- 5؛ 65: 11- 13). وبما أن زمن الماسيانية تأخر وعهد الملوك انتهى حوّل سفر الأمثال الماسيانية من شخصية انسانية إلى شخصية إلهية، إلى الحكمة التي "تشخصنت" وصارت قائمة بذاتها.
وهذا ما سيوضّحه العهد الجديد اذ يحقّق هوية الحكمة في شخص يسوع المسيح بالذات. وإليك المقابلة بين الحكمة في الأمثال ويسوع الكلمة في انجيل يوحنا:
الأمثال انجيل يوحنا
- قبل الخلق وجدت الحكمة في البدء أي قبل الخلق وجدت الكلمة
(8: 22- 26) (يو1: 1)
- الحكمة تلعب أمام الله في كل حين والكلمة كان لدى الله (يو 1: 1)
(30:8)
- الحكمة تسهم في عمل الله (8: 30) كل شيء بها (بالكلمة) صار (يو1: 3)
- الحكمة تجد كل نعيمها في معاشرة الكلمة صار جسدا وسكن بيننا
البشر (8: 31) (يو 1: 14)
- الحكمة تفيض نعمة وكمالاً الكلمة ملآن نعمة وحقّا (يو1: 14) (8: 12- 14)
- الحكمة تمنح الذين يتبعونها ويحبونها من ملئه نلنا أجعين ونعمة تلو نعمة عطاياها، كالحياة والسعادة بنوع (يو 1: 16).
خاص (8: 21، 33- 35).
أما التقارب بين الأدب الحِكمي والأناجيل الازائية فهو ضعيف الملامح. واليك بعض الاثر:
- على مثال الحكمة يدعو يسوع المؤمنين به، وتلاميذه بنوع خاص، أبناءه (راجع مز 2: 5 متى 9: 22؛ مر 10: 24؛ يو 13: 33).
- يتشبّه يسوع بسليمان، انما يسمو عليه بحكمته (مر 12: 43؛ لو 11: 31).
- كما أن الحكمة تدعو الجميع إلى مدرستها (8: 32- 35)، كذلك يسوع يدعو الناس: "تعالوا إليّ، جيعكم". (متى 23: 1 وما يتبع؛ لو 14: 16 وما يتبع).
أما تأثير الأدب الحكمي على لاهوت يسوع عند بولس فواضح للغاية. أما دعا بولُس يسوعَ حكمة الله؟ (1 كور 1: 24).
الأمثال بولس
- الحكمة سابقة للخلق المسيح سابق للخلق (قول 1: 17)
- الحكمة خُلقت بكر طرق الله المسيح بكر جميع الخلائق
(8: 22) (قول 1: 15)
- الحكمة هي البدء، هي الرأس المسيح هو الرأس، هو بدء الخلائق 
(قول 1: 18)
- الحكمة هي المهندس في كل خلق في المسيح خلق كل شيء مما في
في العلاء وفي الأرض السماوات، ومما في الأرض
(8: 28- 30). (قول 1: 16).
- للحكمة جيع الخيرات الأبدية تهبها في المسيح استكنّت جميع كنوز الحكمة لمن يتبعها (8: 12- 14). والمعرفة (قول 2: 3).

نستخلص مما سبق أن المعنى الحرفي الأول للحكمة كما يصفها الفصل الثامن من سفر الأمثال يتضمّن معنى آخر هو اكمال وامتداد للمعنى الأول ويسمّيه العلماء المعنى الالهي الكامل. انما هذا المعنى لا يدركه الاّ الله ولا تستطيع الوسائل الفيلولوجية، والأدبية، والتاريخية، والنقدية اكتشافه، وحده الوحي الالهي اللاحق، في الزمن، وتعليم الرسل يساعداننا على أن نستشفّه حاضراً، كبرعم، في حرفية النص.
تحتوي البيبليا على هذا المعنى الالهي الكامل، لأن في قدرة الله أن يلهم مدوّن سفر الحكمة ليقول حقيقة لا يفهمها أو يستوعبها. وهذا من صلب الوحي والالهام في البيبليات.
فنحن نعتبر بأن 8: 22 ي، يقصد بالعنى الكامل الالهي، الأقنوم الثاني من الثالوث، الحكمة الشخص الذي ولد قبل خلق العالم، المساهم مع الآب في الخلق، وفي تنظيم الكون، والذي سيجد، في سرّ التجسّد، نعيمه بين أبناء البشر، فيعلّمهم، ويخلّصهم ويفيض عليهم خيراته الالهية.
سفر الجامعة

1- المقدمة
يقع سفر الجامعة بين مجموعة الكتب في التوراة العبرية، وهو أحد المدارج (أو اللفائف) الليتورجية الخمسة. يأتي بعد راعوت والنشيد وقبل المراثي واستير. كان يُقرأ كل سنة في عيد المظال أي في ايلول- تشرين الاول. شك بعض المعلمين في قانونيته (رج 12: 8- 14 والنقاش حول هذا الوضوع)، ولكنه دخل بصورة رسمية في اللائحة القانونية للاسفار المقدسة في مجمع يمنية سنة 90-100 ب. م.
اسمه في العبرية "قهلت" وهي كلمة ترتبط بالجماعة وتذكرنا بحادثين من حياة سليمان. الاول، حين نال الحكمة في جبعون من أجل شعبه العظيم (1 مل 3: 8) والثاني حين بارك الجماعة المصلية يوم دشن الهيكل (1 مل 8: 2، 14). هناك من ترجم كلمة قهلت "الحكيم" في النص واحتفظ بكلمة الجامعة في العنوان.
ونُقل الاسم العبري إلى اليونانية بكلمة تدل على رئيس الجماعة، واعتُبر الكتاب من بين اسفار الحكمة، ووُضع بين سفر الامثال ونشيد الاناشيد. واتبعت اللاتينية الشعبية الترتيب عينه. اما السريانية فاحتفظت بالاسم العبري (قوهلت) وجعلت السفر بين الامثال وراعوت.
2- من كتب سفر الجامعة ومتى كتب؟
يسمي قهلت نفسه ابن داود ملك اورشليم (1: 1). ويشير الفصلان الاولان إلى حياة هذا الملك (1 مل 3 ي). ولكن هذه الخدعة الادبية لم تكن لتغش احداً. فكما نُسبت الاسفار الخمسة إلى موسى، والمزامير إلى داود، كذلك نسبت الأسفار الحكمية إلى سليمان، ذلك الحكيم بين الحكماء (أم 1: 1؛ 10: 1؛ 25: 1؛ حك 9: 7- 8، 12؛ نش 1: 1).
في الواقع قهلت هو معلم اخلاق، هو حكيم (12: 9- 10). علَّم وربّى تلاميذ وسلّم اليهم نتيجة بحثه. انه فكر عميق وفريد، لا يرضى بان يأخذ بالافكار المتداولة، او يردِّد ما قاله الآخرون، او يقبل بمسلَّمات التقليد دون ان يناقشها. يريد ان يرى بعينيه، ان يفكر ثم يستنتج. بحثَ، تأملَ، استخلص ما هو صالح للبشر ليعملوه خلال ايام حياتهم (2: 3). بحث قهلت الأمور بحثاً دقيقاً. قال: رأيت (1: 14؛ 2: 13، 24) ورأيت أيضاً (9: 13)، وكل هذا رأيته (8: 9)، التفت لانظر (2: 12). وضم النظر إلى الاختبار. قلت لقلبي: تعال لاجعلك تختبر الفرح وترى السعادة (2: 1- 3). وتأملَ قهلت في كل هذه المعطيات فقال: كلمتُ قلي، وجهت قلبي (1: 16- 17). لم يتبع احداً في تأمله كما لم يتبع احداً في بحثه، فجاء حكمُه مبنياً على الخبرة وعلى العقل فقال: وجدت (7: 27- 29)، علمت (2: 14)، رأيت أي فهمت (3: 22).
ولكن هذا الكاتب هو من ارض اسرائيل. لا شك في أنه لا يشير الى العهد ولا إلى الانتظار المسيحاني، وهو يتكلم عن الالوهة لا عن الله الحي، إلا انه يقاسم شعبه ايمانه. فإله اسرائيل هو ذلك الذي صنع كل شيء (11: 5). إنه الخالق (12: 1) الذي جعل الكونَ جميلاً (3: 11) والانسانَ مستقيماً (7: 29). يحب ان نخاف الله (3: 14؛ 5: 6؛ 7: 18) ونقدِّم له عبادة روحية (4: 17)، فهو يدين كل واحد حسب اعماله (3: 17؛ 11: 9). وبانتظار تلك الدينونة الحاسمة يقدم اللهُ للبشر سعادةً حقيقيةً وإن محدودة (8: 15؛ 9: 7؛ 11: 9)، فليستفيدوا منها دون أن يتعلقوا بها.
اما متى دوِّن سفر الجامعة؟ إذا عدنا إلى الاسلوب واللغة، نفهم أنه كُتب بعد الجلاء وقبل المكابيين بزمان طويل لان بعض آياته وجدت في مغارة قمران الرابعة وقد نسخت في اواسط القرن الثاني ق. م. كل هذا يدفعنا إلى القول ان سفر الجامعة دوّن في بداية القرن الثالث ق. م. وبعد تدوين سفر ايوب.
3- بنية سفر الجامعة وتصميمه
هذا السفر هو أصغر الاسفار الحكمية. يتألف من مقاطع متنوعة بحيث ان بعض الشراح قالوا ان كاتبه لم يكن شخصاً واحدا بل اشخاصاً كثيرين. اعطوا هذا الرأي بسبب التضارب الظاهر بين اقسامه: هناك افكار جريئة وهناك تعاليم تقليدية، هناك يقين الايمان بمجازاة الله على هذه الارض، وهناك يقين الاختبار الذي ينفي وجود هذه العدالة. ويبقى الصراع الداخلي حاضرا في كل صفحات الكتاب.
أما الفكرة الاساسية فنقرأها في هذا القول المأثور: باطل الاباطيل وكل شيء باطل. فالحياة بمجملها كما في جوانبها المتعددة هي باطلة وفارغة وتشبه نسمة الهواء التي تمر ولا تعود.
ولكن كيف يبدو الكتاب؟ هناك مقدمة وثلاثة اقسام وخاتمة. تتحدث المقدمة (1: 3- 11) عن الرجوع الدوري للاشياء: تذهب الريح إلى الجنوب وتدور الى الشمال ثم تعود إلى مدارها. ويقدم لنا القسم الاول (1: 12- 2: 26) سليمان في عملية نقد ذاتية. غمرَ اللهُ سليمانَ بالعطايا، ولكن سليمان لم يقدر ان يتخلَّص من الوضع البشري الذي يبين ان لا فائدة من مجهود الانسان. التذ سليمان وتمتع، ولكن ماذا بقي من طعم في فمه؟ لم يبق إلاَّ طعم الرماد. باطل الاباطيل، وكل شيء باطل.
في القسم الثاني (3: 1- 6: 12) يبيّن لنا الحكيم كيف أن كلَّ واقع بشري له وجهته السلبية وحدوده. فالزمن اللامحدود يتألف من أويقات عابرات. فعلى الحكيم أن يعي هذه النسبية وأن يدخلها في حياته ويفهم انها عطية من الله. ويقف الانسان امام مصيره فيعبر عن قلقه امام هذا السر لانه من يعرف ما هو خير للانسان خلال وجوده وفي ايام حياته الباطلة التي يقضيها كالظل؟ من يخبر الانسان ما سيكون بعده تحت الشمس (6: 13)؟ ما فائدة الحياة البشرية؟ ايستطيع الانسان ان يفلت من عبث الوجود؟ اما يكون امامه الفشل دائما؟ وهكذا بين تجربة الانتحار والرغبة في التمتع بالحياة، يحاول الحكيم ان يجد التصرف الذي يليق به كانسان.
ويبدأ القسم الثالث (7: 1- 12: 7) بسبع اعتبارات: الصيت خير من الزيت العطر، ويوم الموت خير من يوم الولادة... الحزن خير من الضحك لان القلب يمكنه ان يكون سعيدا من خلال وجه كئيب... ثم يعالج الكاتب الحكمة وعلاقتها بالعدالة والمرأة وممارسة السلطان، وسر مصير الانسان والعلاقات الاجماعية وسط عالم فاسد وظالم. سار الحكيم على خطى ايوب (9: 22؛ 21: 7) والمرتل (مز 37: 1ي؛ 49: 1ي) والانبياء (ار 12: 1؛ ملا 3: 14- 15)، فرفض موقف الحكماء التقليدي وبلاغتهم الفارغة، ودعا الانسان إلى الالتزام. فالذين يتكلمون كثيراً هم اغبياء وهم يجهلون أبسط الاشياء. يرذل الحكيم كل موقف متطرف، لان التطرف يلتقي بالتطرف وكلاهما لا فائدة منه.
الخاتمة (12: 8- 14): كتبها احد تلاميذ الحكيم فاستعاد ما قاله معلمه في المقدمة. انها تعود بنا إلى الشريعة وممارساتها. وهذا التلميح إلى الشريعة دفع اليهود إلى ان يقرأوا سفر الجامعة في عيد المظال. كان اليهود يناقشون أصل هذا السفر وقانونيته، فجاءت الخاتمة وأدخلت هذا السفر في. التيار الكتابي الذي انطلق من موسى رابطاً بكليم الله كل الاسفار المقدسة ليوصلها الى المسيح.
4- التعليم في سفر الجامعة
قلنا ان الفكرة الاساسية هي العبارة التي تتردد في طيات الكتاب: باطل الاباطيل وكل شيء باطل. وها نحن نتوسع في هذه الفكرة الاساسية فنتوقف على الوضع البشري وعلى مصير الحكمة وعلى الموقف النهائي الذي يقفه الانسان.
أ- الوضع البشري
الحياة باطلة، الحياة فارغة وهي لا تفيد شيئا. أن نفع للانسان من كل تعبه الذي يعانيه تحت الشمس (1: 3)؟ والحياة تحمل الينا فوق هذا الالم والشقاء. ولهذا قال الحكيم: كرهت الحياة لاني وجدت ان العمل الذي يعمل تحت الشمس هو سيء (2: 17). وما يفرضه الله على الانسان هو قاس في حد ذاته وسيء (1: 13) ومتعب (2: 10، 21، 24) وباعث على الحزن (2: 23). فالاطار حزين، والحياة البشرية تسير وسط عالم تحمله دورة لا نهاية لها. والاشياء سجينةُ حتميةٍ قاسيةٍ تكرِّر دوماً العملَ ذاته (1: 5- 8)، فنحسبها قد تعبت وملّت (1: 8). يجهل هذا الجيل ذاك الذي سبقه (1: 4، 11) وتحدد شرائع مستبدة أعمال البشر (3: 1- 8). العنف يسيطر في كل مكان والانسان يسود على الانسان ليسيء، اليه (8: 9) والظلم يرتفع منتصراً (3: 16؛ 4: 1). لا جديد ننتظره لأن كل شيء قديم. ما كان هو الذي سيكون، وما صُنع هو الذي سيُصنع، فلا جديد تحت الشمس. هناك شيء قيل فيه انه جديد، ولكنه وُجد في القرون التي سبقتنا (1: 9- 10). فالبشرية تكرّر دوما الحركات التي قامت بها في السابق (2: 12). فلا أمل في ان نفعل افضل من الذين سبقونا او نحسّن وجه العالم. فالملتوي لا يقوَّم والخلل لا يسد (1: 15).
ويزيد الانسان قساوة وضعه قساوة بنشاطه غير المنظم وتململه وبالحمى التي بها يتم عمله. ايامه كلها احزان، واعماله كآبة. حتى في الليل لا يستريح قلبه (3: 23). فلو عرف ما يخبىء له المستقبل لهان الامر. ولكن عليه ان يتحرك وسط دائرة من الجهل. من يعرف ما هو صالح للانسان في حياته (6: 12)؟ فالثروة سريعة العطب (5: 12- 15) وهي تخضع لارادة الله (2: 25- 26) وتقلّبات الاحداث (6: 2). ثروة تهرب منا وتخيّب آمالنا. وبعد أن يكون الانسان تعب وتألم ليقتنيها، يجب عليه أن يتركها لانسان لم يتعب فيها (2: 21)، انسان يمكن ان يكون مجنوناً (2: 19).
إنَّ الانسان يخضع لتقلّبات الحظ ونزوات الصدفة. وما يقرر النجاح ليس قيمة الانسان، لان الحظ يفعل فعله اولاً. رأيت تحت الشمس أن السباق ليس للخفيف الرجلين، وأن القتال ليس للاقوياء، وأن الخبز ليس للحكماء، وأن الغنى ليس للعقلاء، وأن الحظوة ليست للعلماء، لأن الظروف المؤاتية والظروف الطارئة تفاجئهم كلهم (9: 11). العنف والظم ينتصران (3: 16)، فتنسى شرور الشرير، وحين يموت يأخذونه إلى قبره باكرام (8: 10).
ولكن شر الشرور، هو أنه لا مجازاة لأعمال الشر والخير على هذه الارض، رغم. ما يقال عن الله انه يجازي الانسان على اعماله (سي 16: 12). رأينا كيف أن ايوب هاجم الله واعتبره غير عادل. اما سفر الجامعة فظل متعلقا بالتعليم عن المجازاة في هذه الدنيا (8: 11- 13؛ 11: 9) دون أن ينسى الواقع الذي يصدمه كل يوم. قال: هناك بار يموت رغم بره، وهناك شرير تطول ايامه رغم شره (7: 15).
ب- مصير الحكمة
اذاً، لا شيء في الواقع يتوافق والتعليم العادي عن المجازاة. وكل ما بناه الحكماء من بناء قد سقط فصار تلة من الركام. ولكن هل افلتت الحكمة من الكارثة؟ اذا قرأنا بعض الآيات من سفر الجامعة نفهم أن للحكمة قيمة وأهمية، وأن من تعلق بالحكمة وجد فيها فائدة. فالحكمة تجعل الحكيم أقوى من عشرة رؤساء في المدينة (7: 19). والحكمة أفضل من آلات الحرب (9: 18).
ولكن الناس لا يقدِّرون الحكمة قدرها ولا يكرّمونها. وُجد في المدينة رجل فقير حكيم. خلَّص المدينة بحكمته فلم يتذكر أحد هذا الفقير. فقلت: الحكمة أفضل من الشجاعة ولكن حكمة الفقير ممتهنة وأقواله غير مسموعة (9: 15- 16). ولكن ما هو أخطر من هذا هو أن الحكمة سطحية وقصيرة النظر. فلا يفتخرّن الحكيم بأنه يلج سر الاشياء والاحداث! فعمل الله يبقى خفياً.
نلاحظ ان قهلت (الحكيم) يهاجم زملاءه في الحكمة ويسخر من حكمتهم. بل اكثر من ذلك. كان الحكماء يتحدثون عن الفرح الذي يمنحه البحث عن الحكمة وامتلاكها. اما بالنسبة إلى قهلت فالبحث عن الحكمة عمل رديء اعطاه الله للبشر لكي يعتنوا به (1: 13). ان الحكمة لا تحمل الطمائينة والراحة الى من يمتلكها، بل تزيد شقاء الباحث عنها. قال قهلت (1: 18): في كثرة الحكمة كثرة الكآبة، ومن ازداد علماً ازداد أَلماً (1: 18). ولكن مهما يكن من حسنات الحكمة وسيئاتها، فالحكماء والسفهاء ينتهون الى الموت. فقلت في قلبي: ما يحدث للجاهل يحدث لي أنا أيضاً، فلِمَ اقتنيتُ كلَّ هذه الحكمة 3 وقلت في قلبي: إن هذا أيضاً باطل، لأن لا ذِكر يدوم للجاهل ولا للحكيم، لأن كل شيء يُنسى في الايام الآتية. الحكيم يموت والجاهل يموت (2: 15- 16).
إن فكرة الموت حاصرت صاحب سفر الجامعة، لأن الحياة حلوة رغم ما يحمل هذا العالم التعيس من خيبات. فالنور لذيذ، والعين تلتذ برؤية الشمس (11: 6). يتحدث النص عن الشمس مراراً وعن ايام الظلمة التي ستكون كثيرة. فالشيخوخة تسبق هذه الايام مع الحزن والعجز وانتظار ما لا بد من انتظاره. فالموت هنا قريب وإن لم يقدر أحد أن يرف ساعته. وما يجعل الموت مراً، وما يجعله العدو الاكبر، هو أنه يقود الى الشيول، الى مثوى الاموات حيث لا نشاط ولا حياة واعية ولا علاقة مع عالم الاحياء. هناك ينسانا الجميع، والكلب الحي خير من الاسد الميت. ويتابع الحكيم فيقول: يعرف الاحياء انهم سيموتون، اما الاموات فلا يعرفون شيئاً، ولا أجر لهم ولا جزاء وقد نُسي ذكرُهم. كل شيء هلك، حبهم وبغضهم وغيرتهم، وليس لهم شركة مع كل ما يقع تحت الشمس (9: 4- 6).
ج- موقف الانسان النهائي
بعد هذا، ماذا يبقى للانسان أن يفعله إذا كانت حصة الحكيم الحزن والاستسلام؟ هذا الزوال من دون رجعة، بعد حياة فاشلة، لا يدعو المفكِّر الى الفرح. ولهذا يلوم قهلت الانسان الذي يضحك (2: 2) ويدعوه الى ان يذهب الى بيت الحداد فيفهم مصيره خير فهم. الدخول الى بيت المناحة خير من الدخول الى بيت الوليمة... الحزن خير من الضحك... قلب الحكماء في بيت النوح وقلب الجهال في بيت الفرح (7: 2- 4). ويقود الكاتب منطقه الى فيض من التشاؤم فيتوصل مثل ارميا (2: 14- 18) وايوب (3: 1- 6) الى ان يلعن الحياة نفسها وان يعتبر ان الذين لم يعرفوا الحياة هم سعداء. قال: هنأتُ الموتى الذين ماتوا اكثر من الاحياء الذين ما زالوا احياء. وهنأتُ بالاحرى الذين لم يأتوا الى الحياة لانهم لم يروا العمل الشرير الذي يُفعل تحت الشمس (4: 2- 3).
ولكن موقف الحكيم موقف متزن وايجابي، فهو لا يغوص في اليأس. بما انه ينقصنا كل شيء، لماذا لا نكتفي بالقليل؟ ففي عالم من البُطل والسفاهة والظلم والشقاء، هناك افراح صغيرة نستطيع ان نقطفها. بعد ان ترك الحكيم وراءه تلة من الركام بسبب انتقاده القاسي، ها هو يقدم اللانسان ملجأ بسيطا: بعض ترضيات تقدمها الحياة للانسان في العمل (9: 10) الفطن والمتجرئ (11: 1- 6)، في ملذات المائدة وسعادة الحب الزوجي. وهكذا تبرز ردة ثانية تقابل الردة الاولى (باطل الاباطيل) وهي: كُلْ خبزك بفرح واشرَب خمرك بقلب سعيد لان الله يَفرح باعمالك (9: 7- 9). وان عاش الانسان سنوات عديدة فليفرح فيها كلها وليفكر بايام الظلمة التي ستكون كثيرة (11: 8). أجل، ان الحكيم يجعلنا في الزمن الحاضر. يدعونا الى ان نترك الماضي الذي أفلت من ايدينا، وان لا نتعلق بالمستقبل الذي لا سلطة لنا عليه. بل نعيش حاضرنا دون ان ننسى وصايا الله. هذه هي الحكمة الحقيقية. 
ويفكر قهلت بالدينونة (11: 9)، لا الدينونة بعد الموت، بل الدينونة في هذه الحياة. ولكن كيف تتم عدالة الله على هذه الارض؟ هذا ما لا يقوله الكاتب ولا يعرفه. ولكنه يلاحظ ان الحكم ضد الشر لا ينفّذ بسرعة (8: 11) ويعم ان لكل شيء وقتا وقضاء (8: 6). ان نظره لا يذهب الى ابعد من هنا. أتراه وافق ابن سيراخ الذي اعلن بعد قهلت بمئة سنة: انه هيّن عند الرب ان يجازي الانسان مجسب طرقه يوم الموت؟ ساعة من الشقاء تنسي اللذات، وفي وفاة الانسان تنكشف اعماله. لا تحسب احدا سعيدا فعند موته يكشف الانسان عن نفسه (سي 11: 26- 28).
د- خاتمة
مهما يكن من أمر هذا الحكيم فالحياة شقاء وفشل، الحياة باطلة ولا معنى لها ويبقى الانسان جائعا، لان جوعه اقوى مما يحمله العالم من طعام. فطعام الارض يخيِّب الآمال (6: 7) والترضيات الصغيرة التي يقدمها الحكيم هي السبيل الباقي الذي يساعد الانسان على نسيان شقائه.
ولكن مهما تكن قساوة هذا الحكم على الوضع البشري، فالحكيم لايهاجم الله. هو يعرف أن الانسان لا يقدر ان يتخاصم مع من هو أقوى منه (6: 10) وأن الابرار والحكماء هم مع اعمالهم في يد الله (9: 1). ويعرف أيضا أن الله صنع كل شيء في وقته (3: 11) وأن كل ما يصنعه يدوم إلى الابد (3: 14). لهذا وجب علينا الخضوع لله وممارسة شريعته. والتلميذ الذي كتب الخاتمة لم يَخُن فكر معلمه. وختام الكلام: خف الله واحفظ وصاياه، فهذا هو الانسان كله. لان الله سيُحضر كل عمل ليدين على كل خفى، خيراً كان أو شراً (12: 13- 14).
برّر الكاتب موقف الله، فوجب عليه أن يبحث في الانسان عن ينبوع شقائه. صنع الله الانسان مستقيماً، أما هو فطلب مباحث كثيرة (9: 29). أجل، كل شر الانسان يأتي من قلقه وطمعه وطموحه. ان كان الانسان لا يرضى فلأنه يطلب الكثير، لانه يريد ان يرتفع فوق وضعه، لانه يترك الحاضر فينسى واقعه اليومي.
صوَّر الحكيم مشكلة هذا الجوع بطريقة لا تُنسى وابانها في خبرة اسعد ملوك اسرائيل (3: 4- 11). ولكنه لم يذهب ابعد من هذا الحد ولم يتساءل: من اين جاء هذا الشقاء؟ وهل له دواء عند الله؟ هل ظن انه لن يجد وان طلب؟ هل احس ان لا اجنحة له تسمح له بان يطير في الاعالي؟
في الواقع، لم تأت ساعة الله بعد. فالوحي وصل الينا على مراحل. حمل الينا قهلت تعلما هاماً فازال سحر الارض الذي يلصقنا بهذه الدنيا ولا يسمح لنا ان ننظر الى الآخرة. كان عمله عملا سلبيا، ولكن الطريقة السلبية تقود الى طريق امجابية والفراغ الذي احدثه الحكيم في قلبنا سيملأه مجيء المخلص. 
نشيد الاناشيد

تمهيد
ان "نشيد الاناشيد" من الاسفار الشعرية في العهد القديم. امّا صيغته المكوّنة من مضاف ومضاف اليه فهي اسلوب لشرقي ساميّ للدلالة على العظمة والرفعة والامتياز. يعني "النشيد الاعظم" كقولك "ملك الملوك" و"قاضي القضاة" و"ربّ الارباب" وغيرها. ويبدو لأول وهلة انّ "نشيد الاناشيد" لا يمتّ بأيّة صلة إلى الدين أو الله، وهذا العنصر جعل بعضهم يشكّون في قيمته الروحانية من جهة وضرورة ادراجه في قائمة الكتب المقدسة، من جهة اخرى. فقام رابي عقيبا (50- 135 م) على هذه النظريات واستشهد بالتقليد الذي قدسيّة هذا السفر الصغير. أمّا الكنيسة، فقد قبلت هذا الكتاب وشرحته شرحاً انسانياً وروحانياً، وقد عني بهذا الكتاب بشكل خصوصي كلّ من اوريجانيس والقديسين غريغوريوس النيصي وامبروسيوس وغريغوريوس الكبيير. وفي العصور الوسطى اولاه القديس برنردس مكانة كبيرة، بعد ان رأى في محبّة الحبيبين اشارة الى المحبّة الالهيّة التي تأخذ بمجامع القلوب، ولم يتردد القديس المذكور في أن يفسّر "الوصف" لخصال الحبيبة كظلّ لمكارم السيدة العذراء وفضائلها وجمالها.
بعد هذه المقدمة الموجزة، نبحث الآن في "القراءة المسيحيّة" لسفر "نشيد الاناشيد".
القراءة "المسيحيّة" للعهد القديم، بشكل عام
لا بدّ للقراءة "المسيحيّة" ان تتأسسّ على الواقع لا الاساطير والتحليلات الاصطناعيّة المختلقة المناقضة للمنطق أو للمعنى الذي قصده الكتّاب الملهمون. لذا، يجب ان تستند القراءة "المسيحيّة" إلى قراءة علميّة تاريخيّة لغويّة نزيهة، لا تشوّه فيها الحقائق ولا "تُلبس" الايات والمقاطع معانيَ ما كانت لتخطر للكتّاب المقدّسين على بال. والاّ اصبحت قراءة "محوّرة" "محوّلة" "مسخّرة" للمسيح والانجيل والكنيسة، والنصوص الملهمة مكرهة على ذلك. وسنتبع هذا المبدأ بشأن سفر "نشيد الاناشيد"، جاعلين من المعطيات التاريخيّة والعلمية والادبيّة ركناً للقراءة المسيحيّة وعاداً لها وأساساً ثابتاً. نتحلّى، مثل رسالة الانجيل نفسها، بقوّة الواقع ورصانة اليقين العلميّ، كما كان الانجيلي لوقا قد اوضح للمكرّم "تاوفيلوس" في أوّل انجيله وفي اعمال الرسل، "كي يتيقّن (المؤمن) صحّة ما تلقّى من تعليم" (لوقا 1: 1- 4؛ اعمال 1: 3، 2 بطرس 1: 16).
امّا "تطبيق" نصوص كثيرة من العهد القديم على السيد المسيح والكنيسة فقد ورد على لسان السيد نفسه اذ استشهد بعدد كبير من الايات التي كتبت في العهد القديم، مبيّناً انها تتكلم عنه، وهذا ما اثبته بنوع خصوصي لتلميذي عاوس اذ "بدأ (يسوع) من موسى وجميع الانبياء يفسّر لهما ما ورد في شأنه في جميع الكتب" (لوقا 24: 27)، وكان قلبهما متّقدا في صدريهما وهو يشرح لهما الكتب (لوقا 24: 32). واننا، نحن المسيحيّين، نقرأ "الكتب" لتكون لنا عبرة وتعليماً، كما قال بولس الرسول: "انّ كلّ ما كتب قبلاً انّما. كتب لتعليمنا حتّى نحصل على الرجاء، إذا ما حصلنا على ما أتت به الكتب من الصبر والعزاء" (رومية 15: 4).
القراءة المسيحيّة لنشيد الاناشيد
بناء على المباديء التي تقدّم ذكرها، تستند هذه القراءة إلى المعنى الحرفي الاول للكتاب وخلفيّته التاريخيّة وتطبيقه المشيحاني على سليمان وداود والمسيح المنتظر، ثمّ تطبيقه على المسيح يسوع والعذراء مريم والكنيسة.
1- المعنى الحرفيّ الاوّل لسفر "نشيد الاناشيد"
لايخفي على القاريء انّ "نشيد الاناشيد" انشودة حبّ بشريّ يجمع بين رجل وامرأة، يتوفّر فيه "الوصف" وهو عنصر ذو شأن في "الغزل" أو "النسيب". انّ كلاّ من الحبيبين يتغنّى بمحبوبه، وذلك عن طريق عبارات وكلمات قد تصدم الأعين السطحيّة. ولكن اذا امعنّا النظر، وجدنا انّ تفاصيل الوصف لا تحول بحدّ ذاتها حثّا على الشّرّ ولا على الخطيئة وليست سوى اشادة بمحاسن ومفاتن هي ثمرة الخلق الجميل. وكم يحلو للمرء ان يستشهد هنا بالفلاسفة الذين قالوا انّ المفاهيم السامية المتعالية هي الكيان والوحدة والحقّ والجودة والجمال. ومن الناحية الاخلاقيّة، يبقى جسد الانسان من مخلوقاته تعالى التي أكبرَها كاتبُ سفر التكوين إذ اعلن أن الله تعالى بعد أن ابدع الانسان "وجد ما صنع: فاذا هو حسن جدّا" (تكوين 1: 31). وأتى السيد المسيح ليسمو بالطبيعة فأعلن انّ الشّرّ ليس في خليقة الله بل في نوايا البشر: "سراج الجسد هو العين. فان كانت عينك سليمة، كان جسدك كلّه نيّرا..." (متّى 6: 22). وعلّم رسول الامم: "كلّ شيء طاهر للاطهار، وأمّا الانجاس والكفّار فما لهم من شيء طاهر، حتّى ان اذهانهم وضمائرهم نجسة" (طيطس 1: 15؛ راجع ايضا لوقا 11: 41).
نقدر ان ننطلق من "قصّة حبّ" بين شاب وفتاة إلى "الحبّ الاوّل" الذي ملأ قلب والدينا الاولين. وان اوّل "نشيد" في الكتاب المقدس هو ايضا "نشيد حبّ" لخّصه الرّجل الاوّل بقوله عندما رأى شريكته الشبيهة به، أم الاحياء: "ها هذه المرّة عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تكوين 2: 23) وفي الاية الخامسة والعشرين من الفصل نفسه يلحظ الكاتب الملهم انهما "كانا كلاهما عريانين... وههـا لا يخجلان" الى ان اقتحمت الخطيئة حياتهما وفرّقت بينهما، فمالت البشريّة بسبب الانانية والاستكبار والتمرد الى الخجل من الجسد وتدنيسه واستغلاله فاصبح وسيلة للاستعباد والمتعة (تكوين 3: 8- 11، 16).
يذكّرنا "نشيد الاناشيد" منذ آياته الاولى بسفر التكوين اي بجمال الخلق وبقصّة البشريّة، بدأها الحب الاعظم وهو حبّ الله للانسان ثمّ الحب الخالد الذي يربط الرجل بالمرأة. ونجد في نشيد الاناشيد الجنّة اي البستان أو الفردوس، وكأنه يعود بنا الى الجنّة الاولى، جنّة عدن اي فردوس النعيم: "ليأتِ حبيي (وهو "آدم" جديد) الى جنّته وليأكل ثمره النفيس.- قد اتيت الى جنّتي يا اختي الروس (5: 1؛ 6: 1؛ راجع ايضا 4: 15). انّ قصّة "النشيد" اعادة لرواية الحبّ والجاذبية والوئام التي تقرّب "المرء" من "المرأة" التي له "ضلع" في كيانها كما ان لها "ضلعا" في كيانه (تكوين 2: 21). ويورد كاتب النشيد عناصر الطبيعة، من نبات وحيوان، بعد ان ذكر الاودية والتلال والانهار والبحار، ليرسم لوحة خلاّبة، تكون بمثابة اطار لقصّة الحب: وهكذا يستعرض في كتابه الصغير واحدا وعشرين نوعا من النبات وخمسة عشر نوعا من الحيوان.
انّها القصة الالهيّة الانسانية الخالدة، قصّة الحب او المحبّة التي هي "قويّة كالموت" والغيرة التي هي "قاسية كالجحيم، لهيبها لهيب نار ولظى الرب" (8: 6). ولا تخلو هذه "الحرارة" من "حمّى" لا يتوانى صاحب "نشيد الاناشيد" عن أن يصفها بأنّها في القلب علّة ولوعة، وذلك على لسان العروس: "لقد اسقمني الحبّ" (2: 5). ومن المؤثّر ان نستشهد ببعض الابيات والمؤلّفات التي وصفت لوعة الحبّ وحنين المحبّ ونار الفراق، مكتفين بكلمات الشاعر العربيّ الذي يقول: "يعرّض قلب المحبّ فيصاب" واعلان شاعر آخر لسرّ كان يكتمه وهو انه "مشتاق وعنده لوعة".
أراد الله منذ القدم ان يتوّج بعقد او رباط مقدّس محبّة الرجل والمرأة. وهنا في النشيد نجد ان الحبيبة "عروس" ستدخل بيت الزواج بعهد يشهد الله عليه والناس. وانّ هذا العنصر يعيدنا ايضا إلى سفر التكوين حيث نجد اسس الزواج الذي قدّسه الله: "يترك الرجل اباه وأمّه ويلزم امرأته، فيصيران جسدا واحدا" (تكوين 2: 24). من البديهي اذن ان نعدّ "نشيد الاناشيد" اشادة بالحب الزوجيّ. وقد ذهب بعض الكتّاب ومنهم ثيوذوروس المبسويستي (+ 438) الى انّ "النشيد" جموعة من أغاني الزفاف، في الاصل. وهذا الرأي صحيح الا انه غير كامل لانّ هناك عناصر اخرى يحويها "النشيد" ويشير اليها وسنتطرق اليها في الاقسام الاتية.
الحبّ البشريّ غير غريب عن المحبة الالهية، وانه حقيقة سامية ترتبط بها الحياة والنسل. وان الله يقدّس الحبّ الانساني الذي هو انعكاس له.
2- الخلفيّة التاريخيّة لنشيد الاناشيد
أ- العنوان
"نشيد الاناشيد لسليمان": في هذا العنوان نلحظ حرف "اللام" في "لسليمان". واجمع المفسّرون انّ اللام هنا لا تشير الى الؤلّف بل الى الموضوع (قابل مع مزمور 72: لسليمان). ان اسم ذلك الملك الحكيم، ابن داود، يرد سبع مرّات في "النشيد"، كما انّ الكاتب يذكر سبع مرّات كلاّ من "بنات اورشليم" ولبنان والخمر والمرّ والظباء. ويجد القاريء نفسه في جوّ ملكيّ، وسط حاشية العاهل واجواق المنشدات. امّا التقليد القديم فقد نسب "نشيد الاناشيد" الى سليمان. غير انّ علوم النقد واللغة والبيئة التاريخية بيّنت انّ "النشيد" يرتقي الى القرن الرابع قبل الميلاد، وهي فترة " البيت الثاني" اي الهيكل الثاني.
لجأ الكاتب الملهم الى شخصيّة سليمان والى الاطار الملكيّ لغاية محدّدة في نفسه، وسنحاول أن نقف عليها. ومن الثابت أنّ "النشيد" يروي قصّة حبّ زوجيّ انطلقت من واقع تاريخيّ ووُضعت في اطار سليمانيّ ملكيّ لانّ تلك القصّة صورة تمثّل بألفاظ المحبّة العاطفيّة شوق المدينة المقدسة أورشليم الى المسيح الملك المنتظر، سليمان الجديد وداود الجديد.
ب- الحدث التاريخي من وراء النشيد: زواج سلمان الملك بأميرة فرعونيّة
نقرأ في سفر الملوك الاول 3: 1 ان سليمان تزوّج اميرة مصريّة، ولعلّها كانت ابنة سيامون او ابنة ابسوسنيس الثاني، وهما ملكان من السلالة الحادية والعشرين. وقدّم الفرعون، حمو سليمان، مدينة جازر مهراً لابنته (الملوك الاول 9: 16). ويورد الكتاب المقدس ايضاً انّ ابنة فرعون زوجة سليمان كانت تسكن قصراً خاصّا بها (الملوك الاول 7: 8) كان سليمان قد بناه لها، "وحينئذ بنى ملّو" (الملوك الاول 9: 24).
ارتأى الكاتب ثيوذوروس المبسويستيّ انّ سفر "نشيد الاناشيد" هو اشادة بذلك الزّفاف الملكيّ، واستدلّ من الايتين الرابعة والخامسة من الفصل الاول ("انا سوداء لكنّني جميلة يا بنات اورشليم"، "لا تلتفتن الى كوني سوداء...") على انّ النّصّ يتكلّم عن زوجة سليمان الفرعونيّة التي تميل بشرتها الى السواد وقد لفحتها شمس بلادها الحارقة. وعدّ ثيوذوروس المبسويستيّ نشيد الاناشيد ردّاً من سليمان الملك على تهكّم العبرانيّات بزوجته المصريّة ووصفاً منه لمفاتنها.
يمكننا ان نقول بأنّ "نشيد الاناشيد" مليء بالتلميحات والتأثيرات الفرعونيّة ولعلّ اعظمها شأنا العناصر الاتية:
- تلميحات فرعونيّة: فرس في عجلات فرعون (1: 8)، السّموط والخرز معروفة في العالم المصريّ القديم وفي الشعر الغنائي (1: 9- 10 و4: 4) وزينة الشّفاه مأخوذة ايضاً من المصريين (4: 3).
- عناصر من اناشيد الحبّ الفرعونيّة: الانتظار عند الابواب المغلقة والجنّات والعطور. ومن ميّزات هذا "الوصف" الفرعوني للحبيبة الاشارة اليها بلفظة "اخت"، كما نرى في النشيد: "يا اختي العروس" (5: 1 ب). وهناك "أوصاف" فرعونيّة لجسد المحبوب وهي مستوحاة من التماثيل والنصب المصريّة القديمة (راجع 5: 14- 15)، وفي وصف الحبيبة عناصر مأخوذة من الشر الغنائيّ الفرعونيّ (7: 2) ولعلّ في هذا الاصل القديم تعليلا لوجود هذه العبارات التي قد تصدم بعض القرّاء.
- مزايا الادب الفرعونيّ والبيئة المصريّة: يذكر الكاتب ريحي الشّمال والجنوب (4: 16) وهما الغالبتان في الهبوب على وادي النّيل، بخلاف ما يحدث في فلسطين.
- الفاظ عبريّة مصدرها فرعونيّ: "شوشاناة" (سوسنة) (2: 1، 2؛ 6: 1- 2)، يبدو ان الكلمة آتية من اللفظة الفرعونيّة "سششن" أو "سشن" وهو النبات المعروف باسم "عرائس النّيل" أو البشنين او الجلجلان ويدعوه الاعاجم "لوطس". وكانت الكلمةُ تستخدم كاسم علم للاناث عند المصريّين وليس من المستبعد ان زوجة سليمان الفرعونيّة كانت تدعى هكذا...
ولفظة "كيتم" العبرية (التي تعني "الابريز") مصريّة الاصل (5: 11).
وكذلك كلمة "ختم" (بالربية: خاتم) مأخوذة من اللغة الفرعونيّة (8: 6)، وانّ اللفظة العبريّة الاخرى التي تعني خاتم هي "طبعات" (من الثلاثي: طبع) الذي يبدو انّه مستمدّ من الفرعونيّة حيث نجد لفظة "دبعات".
-شبه كبير مع أوصاف مصريّة: "أنفك كبرج لبنان... رأسك عليك مثل الكرمل" (7: 4- 5): يدعى الكرمل "رأسا مقدّسا" (والرأس هو المكان المرتفع أيضاً): كشفت الحفريات هذه العبارة في حوليّات الفرعون توتمسيس الثالث. وفي احدى النقوشات المصريّة نقرأ ان سلسلة الكرمل تشبّه بأنف الغزال.
ج- الحدث الثاني الذي يشير اليه "النشيد" من حياة سليمان: حلم جبعون 
في سفر الملوك الاول، في الفصل الثالث (آية 1)، لا يكاد الكاتب الملهم يسرد ان "سليمان صاهر فرعون مصر... وأتى بابنته إلى مدينة داود..." حتّى يروي ان الرب "تجلّى في جبعون لسليمان في الحلم، ليلا" (آية 5 ى). وكان سفر الملوك المذكور قد أخبرنا ان سليمان "أتمّ بناء بيته وبيت الرب وسور اورشليم المحيط بها" (الملوك الاول 3: 1). ويرى الاب تورنيه، عالِم الكتاب المقدس، من الاباء الدومنكان، انّ هناك صلة بين ما رواه سفر الملوك والمزمور السابع والعشرين بعد المئة: فعنوان هذا المزمور: "نشيد المراقي، لسليمان" (أي انه يتكم عن هذا الملك). ويعتقد الاب تورنيه انّ في الاية الثانية من ذلك المزمور اشارة إلى "حبيب الله" سليمان الذي يرزقه تعالى وهو نائم- اي عندما كان يحم حب جبعون، وان في الاية الاولى من المزمور نفسه تلميحا الى باني الهيكل، الذي يعرفه العبرانيون باسم "البيت". امّا كون سليمان محبوب الله فالفكرة مستمدّة من الاسم الذى اعطيه "يديديا" اي "حبيب الرب" (سفر صموئيل الثاني 12: 25).
يصل الاب تورنيه إلى النتيجة الآتية: ان الحبيب النائم الذي ورد ذكره في نشيد الاناشيد (2: 7؛ 3: 5؛ 8: 4) هو سليمان الملك، حبيب الرب الذي نام في جبعون ورأى حلما اثّر على حياته. وقد يعترض بعضهم على هذا التأويل مستندين إلى الاصل العبريّ حيث يقرأ المرء ما معناه: "لا توقظوا "المحبّة" (بالعبريّة: "اهاباه") حتّى تشاء"، ومنطلقين من صيغة المؤنث اللفظة "اهاباه" ليستنتجوا انّ الكلام هنا عن الحبيبة لا عن الحبيب. الاّ انّ فحصا دقيقا للايات المذكورة (التي تتكرر كلازمة) تبيّن انّ الحبيبة هي المتكلّمة، لذا تبقى صيغة الغائب للحبيب. ومن جهة اخرى، يبدو انّ كلمة "اهاباه" المجرّدة قد تشير إلى أيّ من الطّرفين، ولعلّ في اللفظة الانكليزيّة "لاف" والفرنسيّة "امور" (وما يقابلها في اللغات الرومانيّة الاخرى) امثلة على كلمة مجرّدة اصبحت تستخدم للدلالة على المحبوب والمحبوبة، على حدّ سواء.
اذا قبلنا هذه الخلفيّة وهذا التّفسير السّليمانيّ لنوم المحبوب، فسنكتشف، مع الاب تورنيه، انّ لهذه التّلميحات ابعادا مشيحانيّة سنبحثها في القسم التالي.
3- المعنى المشيحاني لنشيد الاناشيد: الحبيب صورة المسيح المنتظر: سليمان الجديد وداود الجديد
انّ تحليلا عميقا لعبارات "نشيد الاناشيد" وخلفيّتها في الكتاب المقدّس يقود القارئ الى نتيجة قد يستغربها بعضهم لأوّل وهلة، وهي انّ الحبيب العريس في "النشيد" صورة لسليمان الجديد وداود الجديد أي صورة المسيح المنتظر. وهكذا تفسّر نداءات الحبيبة كصرخات حارّة من الشّعب المؤمن الذي ضاق ذرعا وكاد ييأس لتأخر "المسيح" في المجيء. انّ الشعب يبحث عن المحبوب ولا يجده. وليس هذا التفسير غريباً عن التقليد العبريّ القديم في شرح الكتب المقدّسة، فقد ميّز علماؤهم معاني ثلاثة للايات: المعنى البسيط ("بشاط") والمعنى المجتهد ("دراش") والمعنى الخفيّ السّرّيّ ("سود").
أ- الحبيبة وسليمان
اسمه "على جسمه" اي انه يطابق حقيقته: اسمه "سليمان" بالعبريّة "شلومو" وكان بالفعل سلاميّا، ملكا للسلام، وصورة للمسيح الاتي، "امير السلام". ولعلّ الاية الثانية (من الفصل الاول) من النشيد تشير الى انّ الحبيب سليمان "مسيح": "ادهانك طيّبة العرف، واسمك دهن مهراق". ومن المعروف ان اسم "مسيح" من "مسح" (بالعبرية "مشيح" وفعل "مشح") أي مسح بالزيت او الدهن (راجع ايضا مزمور 45: 8- ويعدّ المزمور المذكور موازياً لعدّة مقطوعات من "النشيد"). امّا المزمور 72 الذي عنوانه "لسليمان" فانّه يبيّن "الملك" ملك سلام دائم وشامل، وصورة للمسيح الملك السلاميّ الآتي. نقرأ في الايات 3 و7 و17 عن هذه الفكرة التي كرّرها الانبياء عن استتباب السلام لدى مجيء المسيح (راجع اشعيا 9: 3- 5؛ زكريا 9: 9- 10؛ ابن سيراخ 47: 16 الخ).
لا حاجة ان نعيد ما قيل في شأن سليمان ومكانته في "نشيد الاناشيد". ونزيد على العناصر التي سبق ذكرها تلميحات اخرى الى ذلك الملك الكبير: الموكب الملكيّ المهيب الّذي يرافق الحبيبة: "هوذا سرير سليمان حوله ستّون جبارا... جيعهم قابضون على السّيوف... الملك سليمان صنع لنفسه تختا من خشب لبنان، صنع عمده فضّة ومتكأه ذهبا ومقعده ارجوانا ووسطه مرصّع بالمحبّة لاجل بنات اورشليم" (3: 7- 11) والحبيبة "طالعة من القفر كعمود من بخور معطّرة بالمرّ واللّبان وبجميع أذرّة التّاجر" (الاية 6). ويشير "النشيد" إلى اورشليم ثماني مرّات: انها "مدينة السلام" التي يجب ان يملك عليها سليمان؛ مليك السلام، صورة المسيح امير السلام.
امّا الحبيبة نفسها فانها تحمل اسم سليمان: هو بالعبرية "شلومو" وهي "شولميت" ("الشّولميّة") (7: 1) وتصف ذاتها بأنّها تلك التي "وجدت سلاما في عينيه" أي حظوة وطمائينة (8: 10)، وجدت السّلام بعد بحثها المضني عن المحبوب. فسليمان هو "يديديا"، حبيب الرّبّ وهو محبوب العروس ("دود" في 1: 3).
ب- الحبيبة ترمز إلى "اورشليم" المنتظرة "سليمان"، مسيح السلام والفدء
"شولميت" تمثّل "اورشليم"، المدينة التي تئِنّ شوقا الى مسيحها الحبيب، وهي تجسّد آمال الشّعب الذي عاد من المنفى بفضل الملك الفارسيّ كورش. ويبدو انّ كاتب نشيد الأناشيد يعدّ الحبيبة "شولميت" والمدينة المقدّسة "اورشليم" كيانا واحدا في 8: 9- 10: "ان كانت (اختنا) سورا بنينا عليه صرحا من فضّة وان كانت مصراعا شددناه بألواح من ارز... أنا سور..." ولا عجب في ذلك لانّ التقاليد الشرقيّة القديمة كانت غالباً تتحدّث عن مدينة حديثها عن فتاة او عذراء، وان الكتاب المقدس يشير مرارا الى اورشليم بالعبارات "ابنة صهيون"، "بنت اورشليم"، "العذراء ابنة صهيون" (اشعيا 49: 14؛ 54: 5 والفصلين الخمسين والستين الخ).
ويلحظ الاب تورنيه، انّنا نقدر ان نقابل "نشيد الاناشيد" في المقاطع التي تورد ذكر "اورشليم" والسلام مع الفصل السادس والستين من نبوءة اشعيا الاية العاشرة وتابع:
"افرحوا مع اورشليم وابتهجوا بها يا جميع محبّيها، تهلّلوا معها تهلّلا يا جيع النائحين عليها لكي ترضعوا وتشبعوا من ثدي تعازيها (راجع نشيد 1: 2 و3 في المحبّة؛ 6: 3: "انت حسناء كأورشليم"؛ 4: 5؛ 7: 3 و7)... لانه هكذا قال الرب: هائذا اميل اليها السلام كالنهر ومجد الامم كالوادي (راجع نشيد 2: 1) فترضعون وفي الحضن تحملون وعلى الركبتين تدلّلون (راجع نشيد 8: 1)..."
نستنتج انّ شخصيّة سليمان صورة للمسيح المنتطر، ولكن في عالم المجاز حرّيّة ومرونة، فها انّ النشيد، على ما يبدو، يقدّم "الحبيب" في ملامح داود ثان، هو ايضا رمز للمسيح الاتي...
ج- الحبيب في "النشيد" يمثّل ايضا داود الملك والنبي، صورة المسيح المنتظر
يذكر كاتب "النشيد" مرّة واحدة فقط داود الملك غير انّه قد يشير اليه في مواضع عديدة. نقرأ في 4: 4: "عنقك (في المؤنّث) كبرج داود المبنيّ للسّلاح...". ويعتقد بعض الباحثين انّ النشيد يلمح إلى داود لانّ "الحبيب" في العبريّة هي كلمة "دود" التي تكتب تماما مثل داود ("دود"، كا ترد في المزامير وأسفار صموئيل والملوك، ما خلا الملوك الاول 3: 14؛ 11: 4)، وقد وردت في النشيد لفظة "دود" 33 مرة. واننا نتساءل: هل قصد الكاتب الملهم ان يشير الى السنوات الثلاث والثلاثين اتتي ملك فيها داود؟
ومن الاسباب التي حملت بعض العلماء على ان يروا عبر "الحبيب" وجه داود (الذي هو بدوره رمز للمسيح ملك البرّ وني التقوى) انّ "الحبيب" في النشيد ملك (1: 3 و11): "قد أدخلني الملك أخاديره... اذ كان الملك في متكاه افاح نارديني عرفه". ويبدو انّ الملك المقصود هنا داود، دون سليمان، لانّ المحبوب يوصف كمليك راع، كما كان داود. لنقرأ 1: 6: "أخبرني يا من تحبّه نفسي أين ترعى وأين تربض عند الظهيرة. لماذا أكون كمن يغشى عليه في اثر قطعان اصحابك؟ "وهو الحبيب "الذي يرعى بين السّوسن" (2: 16).
ويظنّ بعض المفسّرين انّ في 5: 16 تلميحا الى داود الملك عن طريق كلمتين في العبريّة: هوذا حبيي ("دودي"- وقد تكون اشارة الى "داود"، كما أسلفنا) وهذا خليلي. اللفظة العبريّة التي عرّبت بكلمة "خليل" هي "رعية" الصادرة عن فعل "رعاه" اي "رعى" وهي لذلك شبيهة بلفظة "روعيه" اي راع. فالمحبوب الراعي هو داود الخليل.
وهكذا ندرك انّ داود وسليمان، على علاتهما، اصبحا رمزين للمسيح الاتي: انهما ابواه، لانه سيكون "ابن داود" عن طريق سليمان، سيكون "حكمة الله" كما كان سليمان حكما وسيكون نبيّا مثل داود، مسيحا اي ممسوحا بالزيت، "بروح القدس والقدرة"، سيكون ملك الوداعة والسلام.
4- نشيد الاناشيد من العهد القديم الى الجديد: اشاوات الى المسيح والعذراء والكنيسة والنفس التّقيّة
انّ السيد المسيح الّذي تكلّمت في شأنه الكتب يفتح عيوننا لنبصر ظلّه في العهد القديم. لذا نتساءل: هل من معنى "مسيحيّ" لنشيد الاناشيد؟ والرّدَ هو التالي: يجوز لنا أن "نفحص الكتب" لنكتشف بعد حين انّها تتحدث عن المخلّص الفادي المليك الحبيب المحبّ، وان كان المعنى الحرفيّ الاوّل يرسم لنا لوحة بشريّة من محبّة عاطفيّة محسوسة بين امرأة ورجل. وهكذا يبقى التفسير المسيحي اجتهادا لا يلزم أحداً من الناحية العلمية ولا التاريخية الاّ انّه غنيّ بالافكار وخصب بالدفء الذي يصبغ علاقاتنا بالسيد المسيح بصبغة المودّة والحنان. وهذه بعض التفاصيل الّتي قد تفيد حياتنا الروحانيّة، انطلاقا من "نشيد الاناشيد":
أ- المسيح يسوع: الحبيب المليك وعريس الكنيسة
لقبه "مسيح". فسح بالزيت (1: 2) لانّه الني والملك والكاهن. وحبّه "أطيب من الخمر" (1: 1 و3). ورد ذكر الخمر سبع مرّات في النشيد، ويمكننا أن نربط السيد المسيح بالخمر التي قدّمها لرسله ذكرا له، وان تلك الخمر هي "العهد الجديد بدمه الذي يهراق عنهم وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا" (متّى 26: 28). انّها خمر الابتهاج لتعزية المحزونين بعد ارتفاعه عنهم، كما انّها اوّل علامة لقدرته العجائبيّة: انّه الريس الروحانيّ الذي "فرّح قلب" العروسين وأهلَهما في قانا الجليل محوّلا الماء الى خمر (يوحنّا 2) بناء على طلب والدته الحبيبة الجميلة عروس الروح.
يسوع المسيح هو العريس المحبّ. في العهد القديم كان الله تعالى يوسف كعريس أي زوج للشعب المؤمن (هوشع 2: 25). ويكتب بولس الرسول ان المسيح عريس الكنيسة التي افتداها بدمه (أفسس 5). ينعت يسوع نفسه بالعريس، امّا المعمدان فهو صديق العريس (يوحنّا 3: 29)، وتلاميذ يسوع هم اهل العرس (متّى 9: 15؛ مرقس3: 19؛ لوقا 5: 34). وفي مثل المدعوّين الى العرس يبيّن يسوع انه هو العريس ابن الملك وانه المسيح (متّى 22: 1 وتابع) وهو نفسه العريس في مثل العذارى العشر (متّى 25: 1ي). راجع أيضاً: الثانية إلى أهل قورنثس 11: 2 حيث يعلن رسول الأمم للمؤمنين أنه "خطبهم لزوج واحد هو المسيح، ليزفّهم إليه زفّة عذراء طاهرة" (ايضا افسس 5: 25- 27) ويكرّر سفر الرّؤيا ان يسوع المسيح هو العريس (19: 7 ثم 21: 2 ي).
قرأنا في النشيد ان "المحبّة قويّة كالموت والغيرة قاسية كالجحيم" (8: 6). ومحبّة المسيح للناس- للكنيسة عروسه- اقوى من الموت. اجتاز اختبار الوت، "الموت على الصليب" (فيليي 2: 8) وهبط الى الجحيم لينقذ المحبوسين (1 بطرس 3: 19). وقد اثبت المسيح يسوع باستشهاده من اجل الاحبّة ان "ليس لاحد حبّ اعظم من أن يبذل نفسه في سبيل احبّائه" (يوحنّا 15: 13). وهكذا يمكننا ان نعدّ اقتران الحبيبين في النشيد اشارة الى اتّحاد المسيح بالكنيسة الذي هو مثال لكلّ الازواج (أفسس 5: 25- 33).
انّ محبّة يسوع للكنيسة جعلته يقطع معها بدمه المهراق على الصليب عهد محبّة جديدا ابديّا، وقد يكون هناك شبه بين عبارة المحبّة: "انا لحبيي وحبيي لي" (3: 16؛ 6: 3؛ 7: 11) وعبارة العهد بين الله وشعبه: "تكونون لي شعباً وأكون لكم الها". وربّما كانت "جبال باتر" (من فعل "بز" او "قطع") تلميحا الى العهد الذي "بتره" اي قطعه الله مع شعبه في العهد القديم والمسيح يسوع مع كنيسته في "العهد الجديد" (3: 17).
ب- السيدة مريم العذراء: الحبيبة الاميرة والعروس الجميلة
ننتقل هنا الى مستوى آخر حيث "تجذبنا الى العلى المرأة الخالدة"، كما كتب الشاعر الالماني "غوته" لنكتشف في وجه الحبيبة في النشيد محيّا سيدتنا مريم العذراء البهيّ. وكما انّ ابنها المليك "اجل بني البشر" (مزمور 45 (44): 3) فهي ابرع السيدات والعذارى جالا، وقد "انسكب على شفتيها الحسن والسحر" مثل ابنها. وهنا يسمح لنا المنطق والايمان بأن نقول ما يلي: انّ "الوصف" الخلاّب الذي وصف به الحبيب في نشيد الاناشيد حبيبته مبالغ فيه، وان الاشادة بمحاسن العروس في اناشيد الزفاف التي نجدها في هذا السفر بلغت من المغالاة مبلغا كبيرا، غير انّ هذه الصفات والمحاسن توجد حقّا وفعلا في السيدة مريم العذراء، "بنت داود"، الاميرة ووالدة المليك. وهذه بعض الاوصاف التي تناسب السيدة العذراء، ولا تناسب في الواقع الاّ اياها:
- مريم امّ المسيح هي "السوسنة بين الشوك" (3: 3)
ومن تستطيع سواها ان تتلقى هذا المديح بحقّ: أليست هي "المباركة في النساء، الممتلئة نعمة؟" (لوقا 1: 28) انّ ما يجعلها زنبقة وسط بنات حوّاء عفاف كامل شامل وبراءة دائمة منذ المهد الى اللحد وسلامة من خطيئة الابوين الاولين.
- مريم العذراء هي "الجنّة المقفلة" (4: 12)
هي حوّاء الجديدة التي لم يتسرّب اليها الشّرّ منذ الحبل بها، وهي السيدة التي "جعل الله عداوة بينها وبين الحيّة وبين نسلها ونسلها" "ويسحق نسل مريم رأس الحيّة وهي ترصد عقبه" (راجع تكوين 3: 15).
- مريم العذراء "وحيدة" فريدة (6: 8 و9)
كثيرات يضاهين "عروس النشيد" أو "الشولمية" جالا، امّا مريم فلا مثيل لها: هي كاملة وحيدة، رأتها البنات فغبطنها" (2: 8). وهذا ما قالته بتواضع في نفسها: "لان القدير عطف على امته الوضيعة، فها منذ الان تطوّبني جميع الاجيال" (لوقا 1: 48). وقد اشارت احدى الانتيفونات في طقوس عيد الميلاد المجيد الى السيدة مريم العذراء بكلمات مؤثّرة: "ولدت الوالدة مليكاً أزليَّ الاسم ابديَّ الوجود، وانشرح صدرها بأفراح الامومة مع احتفاظها بشرف البتوليّة. لا، ما كان لها قطّ من شبيهة ولن يكون".
- مريم العذراء هي السيدة "التي لا عيب فيها، كلّها جيلة" (4: 7)
ومن غير "المباركة بين النساء" تستطيع ان تدّعي الخلوّ من أيّ عيب أو نقص أو ميل إلى الشّرّ؟
- مريم العذراء هي "الجميلة في النّساء" (5: 9 و17)
والجمال ليس جمال المظهر فحسب بل هو أولا جمال الاخلاق. ولا يتردّد المسيحيّون في أن يحوّلوا مديح صاحب "النشيد" الى السيدة العذراء، كما يحوّلون اليها كلمات سفر الامثال: "انّ بنات كثيرات قد انشأن لهنّ فضلا، امّا انت ففقت عليهنّ جميعا. الحسن غرور والجمال باطل والمرأة المتقية للرب هي التي تُمدَح. اعطوها من ثمر يديها ولتمدحها في الابواب اعمالها" (امثال 31: 29- 31). انّ ثمر يدي مريم وتربيتها هو السيد المسيح الملك المخلّص المحبّ المحبوب، ومن اجلّ اعمالها انها كانت "تفكّر في كلّ الامور (التي جرت لابنها) وتحفظها في قلبها" (راجع لوقا 2: 19).
ج- نشيد الاناشيد صورة للمحبّة السامية التي تسمو الى الله بنفوس العابدين
رأى القديس برنردوس في "عروس النشيد" اشارة الى العذراء مريم، من جهة، وإلى النفس التي تهيم بمحبّة الله، من جهة اخرى: تبحث بلا كلل عن المحبوب الالهيّ الذي يظهر احيانا وكأنّه نائم (كما نام المسيح في السفينة التي تقاذفتها الامواج). ويُنعم الله على النفس التقيّة بأن تجده، ولو بعد جهد ودموع، وبعد ان جابهت تحدّيات هذا الدهر وتهكّماته.
الخاتمة: "نشيد الاناشيد" في عيون الايمان
دوّن الكاتبُ قصةَ حبّ ونَقلَ اناشيدَ زفاف. الاّ انّ ابصار الشعب في العهد القديم رأت في كتيّب "نشيد الاناشيد" قمّة الاغنية وتعرّفت من خلال بعض العبارات على آثار الوحي والالهام. ولولا هذه النظرة الروحانية للمحبّة البشرية العاطفية المحسومة التي تجمع قلوب الاحبة وتربط افئدة الازواج لما اضحى ذلك السفر الصغير مقبولاً في لائحة الكتب المقدسة. وراح اهل العلم والتقوى يقلّبون صحيفات الكتتب فذهلوا لما اكتشفوا في طيّاتها من تلميحات تاريخيّة واشارات تعبّر عن الشّوق الى المسيح في صورة داود المليك الني وابنه سليمان الحكيم ملك السلام.
لذا يجدر بالمؤمنين أن يسيروا في هدي هذا الدليل المتواضع العذب الذي اختار اقصر الطرق الى القلوب: وهو كلام المحبّة والمودّة الذي ينبع رأسا من الفؤاد ليبلغ الفؤاد. وكم يحلو للمسيحيّ ان يطالع هذه الصحيفات التي دوّنها صاحب "نشيد الاناشيد" ليرى في المحبّ رمزا ضعيفا وظلاً خافتا للمحبّة التي خصّه الله تعالى بها وتجلّت للنّاس بحنانها وبمودّتها الخلاصيّين (راجع طيطس 3: 4)، وكأنّي بالطبيعة الالهيّة التي ما ضنّت "بالابن الوحيد" بل قدّمته ليحيا بموته العالم (يوحنّا 3: 16؛ رومية 8: 32) تهتف بكلّ واحد منّا: "انّي احببتك حبّا ابديّا، لذلك اجتذبتك برحمة" (ارميا 31: 3)، لان "الله محبّة" (1 يوحنّا 4: 8 و16). ونحيا في ظلّ هذه المحبّة الالهيّة الخالدة وفي امل الخلاص والسلامة والحياة الابديّة، ولسان حالنا كلمات صاحب الرؤيا: "يقول الروح وتقول العروس (أي الكنيسة): تعال، ومن سمع فليقل: تعال" (رؤيا 22: 17).
سفر الحكمة

القسم الأول: سفر الحكمة
1- التسمية
تعود تسمية سفر "الحكمة" بهذا الاسم إلى الترجة اللاتينية للكتاب المقدس: الفولغاتا أو الشعبية، التي تدعوه "سابيانسيا"، وكأنها ترمي بذلك إلى الدلالة على قيمته الاستثنائية في الأدب الحكمي، فهو الأغنى من ناحية الأفكار، والأقرب إلى العهد الجديد، والأفضل تنسيقاً من سائر الأسفار الأخرى الحكمية.
2- من حرّر السفر؟
تدعو الترجمة السبعينية سفر الحكمة "حكمة سليمان" فهل تعني هذه النسبة إلى سليمان أنه بالفعل واضع السفر؟ لقد شكّ في صحة هذه النسبة بعضُ آباء الكنيسة مثل أوريجين، وأوزابيوس، وأغوسطينوس، وإيرونيموس، وغيرهم. فالقول بأن سليمان هو المؤلِّف، هو في الواقع وسيلة أدبية استعملت في الأدب الحكمي في العهد القديم، كما في أسفار الأمثال، ونشيد الأناشيد، والجامعة، يستظل فيها الكاتب الحقيقي اسم الملك الذي ملأت شهرته الحكمية العالم، وذلك من أجل إضفاء أهمية استثنائية على الكتاب، وبالتالي إحداث التأثير الأعمق في نفوس القارئين أو السامعين.
المرجّح ان المؤلّف الحقيقي لسفر الحكمة هو أحد أتقياء اليهود الذي يجيد اليونانية، ويلمّ بالفلسفة والثقافة الهلينيّتين. وما يؤكد هذا الأمر هو أن لغة السفر بعيدة كل البعد عن أن تكون ترجمة عن العبرية، إذ إنها معظم الأحيان عفوية، يلجأ كاتبها إلى الجناس والسجع مرات عدة، وهذا ما لا يبدو سهلاً على مَن يترجم. من ناحية ثانية، هناك تقارب بين لغة السفر ولغة الترجمة السبعينية، وتشابه بين فكر السفر وفكر مؤلفات يهودية اسكندرانية من المرحلة ذاتها.
3- متى حرّر السفر؟
بالرغم من نسبة سفر الحكمة إلى سليمان الملك الحكيم (القرن العاشر ق. م.) فالمؤكد هو أنه حُرّر بعد سليمان بعدّة قرون، وبعد إنجاز الترجمة السبعينية التي يستعمل الكتاب نصوصها، وقبل العهد الجديد الذي ترد فيه استشهادات عدّة من سفر الحكمة، اي في النصف الأول من القرن الأول ق.م. كما يعتقد معظم علماء البيبليا.
4- أين حُرر السفر؟
يركّز القسم الثاني من سفر الحكمة (11-19) على مصر وعلاقتها بشعب اسرائيل من خلال تاريخ الخلاص. لذلك هناك مَيل إلى الاعتقاد بأن الاسكندرية قد تكون المكان الذي فيه أبصر السفر النور. لكن لماذا الاسكندرية؟ كانت هذه المدينة المركز العلمي والفكري الهامّ جداً في محيط البحر المتوسط، وأوسع نقاط تجمع الشتات اليهودي في العالم، وهذا يعنى أن العلاقات والاتصالات بين الشعبين المصري واليهودي كانت قد صارت على عكس ما يخبرنا عنها سفر الخروج. فمنذ الاسكندر الكبير ازدهرت مدينة الاسكندرية، وأضحت مرفأ هاماً لتجارة البحر المتوسط مع الشرق، ومركزاً ثقافياً منقطع النظير، فنافست أثينا بمبانيها الرائعة، وبمدارسها المتنوّعة، وخاصة بمكتبتها الفريدة في العالم. وبعد تفاعلها مع الحضارة المصرية، تفتحت الحضارة اليونانية في تلك المدينة ونمت وازدهرت بلون جديد. في هذه البيئة، كانت تعيش جالية يهودية تعدّ حوالي المئة ألف نسمة، من أصل سكان المدينة البالغ عددهم حوالي المليون نسمة، وتمارس إيمانها التقليدي، دون أن يخلو الأمر من تأثير التيارات الفكرية المنتشرة في الاسكندرية.
5- التأثير الهليني على اليهود
كانت العلاقات، في الاسكندرية خاصة، بين اليهود واليونانيين مختلفة الآن عما كانت عليه في فلسطين قبل مئة سنة، أي زمن شهداء اسرائيل، فقد حلّ التعاون، وتلاقي الذهنيات، والمحاولات المقصودة أحياناً لدمج الثقافات، مكان الأضطهاد، والعداوة، والتناحر. هذا الواقع الجديد أدّى إلى اعتناق قسم من اليهود الاسكندارنيين للثقافة اليونانية أو فلسفتها، وإلى تناسي تقاليد الآباء وتعاليمهم. لكن ما يلفت النظر هو أن تكون هذه الجماعة قد فكرت بترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية، بدءأ من القرن الثالث ق. م.!
6- هدف السفر
لم تخلُ الحياة اليهودية في العالم اليوناني من التساؤل حول أصالتها؛ أفَلَم تبتعد اليهودية، التي كانت تتأثر شيئاً فشيئاً بالهيلينية، عن ديانة الآباء الحقيقية وعن تقاليدها؟ وإذ كانت ما زالت أمينة لها، كيف يمكن تبريرها أمام اليهود الذين أغرتهم الثقافة اليونانية فجذبتهم إليها؟ أفلم يكن بالتالي ضرورياً وإلزامياً ومُلحاً إيجاد لغة جديدة تنقل الإيمان التقليدي إليهم، لغة قادرة على إعادتهم إلى إصالتهم، إلى ما هو جوهري في إيمانهم، دون إرغامهم على التنكّر لما كانوا قد صاروا عليه من تأثير الهلينية؟ كل هذه الهموم ادّت، وبدون شك، بأحد اليهود الغيورين على دين الآباء إلى تحرير سفر الحكمة ذي النزعة الأكثر يونانية لغة وفكراً من سائر أسفار البيبليا.
من السفر نفسه يمكننا أن نستنتج إذاً ان هدف واضعه كان تقوية إيمان اليهود القاطنين في الاسكندرية، في محيط وثني متعارض مع مجتمعهم على أكثر من صعيد. فالعلم كان قد حقق انفتاحاً على سر العالم المحيط بهم وعلى جمالاته (7/17- 20)، ومعنى الحياة الحقيقي اكتسب من تنوع الديانات والتيارات الفلسفية حكمة جديدةً وفهماً مختلفاً، والأفكار التقليدية زعزعها الشك وعدم الاكتفاء بنتاجها العلمي. كل هذا أدّى إلى أزمة دقت أبواب الايمان الذي جحده بعض اليهود، وهذا ما تلمح إليه حك 2/12 بقولها: "لنكمن للبار فإنه... يلومنا على مخالفتنا للشريعة"! كما أحِلت محلَّ هذا الإيمان ديانات وثنية، وفلسفات أممية (راجع حك 2/ 1- 20). كان الخطر الكبير يكمن إذاً في أن يتّبعهم يهود آخرون من الذين ما زالوا راسخين في الإيمان. هذا بالإضافة إلى معضلة قديمة لم تكن بعد قد وجدت حلاً وهي مسألة المجازاة؛ فالسؤال كان حول عدل الله أساساً: كيف يعقل أن يعيش الشرير والذي ينكر الله في البحبوحة، والانسان المتقي الله والبارّ في الآلام والضيقات؟!
من أجل هذا فتّش الكاتب عن حلول للمعضلات المذكورة في أسفار الكتاب أولاً وقبل كل شيء، ساعياً إلى استخراج تعليم لمعاصريه من عصارة مما سبق وخطّه الآباء والأنبياء من قبل، آملاً أن يوقد سراجاً ويضعه على منارة تقود خطى شعبه إلى النور الحق.
7- النوع الأدبي
من حيث مضمونه، ينتمي سفر الحكمة إلى الأدب الحكمي، ومن حيث الشكل، ليس الجزء الأول تعليماً يعطيه معلّم لتلميذه (كما في أم وجا)، أو تأملاً يبثّنا اياه عالم ما (كما في جا)، بل هو موجّه الى العامة أصلاً، أي الى الشعب اليهودي. أما الجزء الثاني فهو من نوع المدراش المصاغ على شكل عظة.
8- الاسلوب الأدبي
يلاحظ قارئ سفر الحكمة ان لكل مقطع حدوداً يمكنه ان يتبيّنها من خلال ترداد ذات الكلمة أو الجملة في البداية والنهاية (التضمين)، كما في 1/16 "يكونوا من حزبه" وفي 2/24 "هم من حزبه". كذلك المقاطع هي مُنَسقَّة وفق التطابق المركزي كما في 1-6 و7-8، أو بالاستطراد كما في 13-15، او بالتطابق المتوازي كما في الفصل 9. هناك مقاطع نُسِّقت بطريقة تسير بالفكرة الى الامام موسِّعةً الموضوع بواسطة التكرار كما في الفصل 10، وكما العظة او المدراش في الفصول 11-19.
9- تصميم السفر
بالأضافة الى الفصل 10 والاستطرادان في الفصول 11/17- 12/22، و13/1-15/17، يمكن اعتبار السفر مكوّناً من جزئين: 1/1- 11/1، و11/2- 19/22، يضم كل منهما 251 بيتاً (باليونانية).
يستهل الكاتب كلامه بمدح الحكمة وتبيان الفائدة من ذلك، حاثاً بإلحاح القارئ (1-2) على محبة البّر، ونبذ الأفكار المعوجّة واصحابها، ويقارَن بين مصير الصدّيقين ومصير الاشرار (3/1-9)، ويبيّن ان موت البارّ المبكّر هو خير له (4/7- 15).
ينطلق المؤلّف من معضلة الانسان الاساسية والدائمة، أي الموت، فيؤكّد ان "البرّ خالد" (1/15) و"أن الله خلق الانسان لوجود لا يضمحل" (2/22). ويختتم الافتتاحية بتحريض جديد للملوك على طلب الحكمة (6/1- 11)، وبتقديم لموضوع المديح، اي الحكمة (6/12 و16).
حين يمتدح هذا السفر الحكمة (6/22-9/18)، فهو يتكلم في الوقت ذاته عن اصلها، وطبيعتها، واعمالها. في ما يتعلّق باصلها، يتّخذ الكاتب لنفسه صفات سليمان الملك الحكيم، فيبيّن كيفية إعطائه الحكمة (7/7- 11)، ويؤكد بان الصلاة هي في أساس عطية الله هذه. وبعد ان يتضرعّ إلى الله كي يتكلم عن الحكمة جيداً (7/15 و16)، يصل الى مديح الحكمة حصراً: يصف طبيعتها (7/22-24)، واصلها في الله (7/25-26)، واعمالها (7/27-8/1)، ثم يعود الى الحكيم الذي اشتهى ان يحصل على الحكمة (8/2-15)، قبل ان يطلبها في صلاة حارة، حيث نبلغ الى ذروة السفر (9/9-18).
وعلى سبيل تثبيت الاقوال بالأمثال، ينتقل المؤلف الى الكلام عن اعمال الحكمة في تاريخ الخلاص (10/1-19/9)، فيذكّر اولاً بما عملته من اجل الآباء (10/12-14)، ثم يتوقّف طويلاً عند قصّة الخروج، ذاكراً الضربات التي حلّت بالمصريين، والانعامات التي وهبت لاسرائيل بالمقابل، ويسبّح الله في وسط كل هذا على محبته وطول اناته، حتى تجاه الخطأة (11/23-12/19). تقود هذه الضربات المذكورة المؤتّف الى التأكيد على ان عبادة الطبيعة هي اقل فداحة من تكريم بعض الحيوانات كما كان يحصل في مصر (13/1-9). ثم يستأنف كلامه عن ضربات مصر، متوقفاً عند ليلة الفصح التي شهدت خلاص البعض وموت ابكار البعض الآخر (18/6-16). وينتهي ذكر ماضي اسرائيل المجيد بالتأمل حول عبور البحر الأحمر (19/6-9). ويختم كلامه برفع نشيد شكران (19/22).
10- تفسير سفر الحكمة
يمكن حصر مواضيع سفر الحكمة بعنوانين رئيسيين، يتضمن كل منهما مواضيع أخرى مرتبطة بهما؟ الأول هو مديح الحكمة، والثاني هو أمانة الله لشعبه.
1- مديح الحكمة (1/1- 11/1)
يتكوّن الجزء الأول من سفر الحكمة من قسمين: الأول يطرح موضوع المجازاة على الخير والشر، وموضوع الخلود الذي تتضمنه الحكمة، وينتهي بالدعوة للسعي في طلب الحكمة (1/1-6/21). الثاني يصف الحكمة ونشاطها في العالم، ويبيّن كيفية إيجادها (6/22-11/1).
أ- الخلود هو مكافأة الحكمة (1/1- 6/21):
خسة نقاط تتمحور حول موضوع المجازاة:
1) الحثّ على البر (1/1-15):
ترد كلمة "برّ" في بداية وفي نهاية النص (1/1 و15) وتشكّل إطاراً له. تعني كلمة برّ هنا فضيلة حكم العباد، وبشكل أعمق، تدلّ على الأمانة تجاه شريعة الله. لكن الأمرين غير منفصلين. يجعل الايمان والثقة بالله، والحياة الفاضلة، الاتحاد بالله وبالحكمة أمراً ممكناً (1-5). التذمّر على العناية الالهية أي "الأفكار المعوجّة" (1/3) الصادرة عن اليهود المدّعين ان الله قد أهملهم ولم يعاقب الشرير، هو أمر مرفوض، ويعاقب الله عليه بعدم إعطائه الخلود (6- 11)، علماً أن الإنسان قد صنع للخلود، وما الموت سوى نتيجة الخطيئة التي اقترفها الانسان الحّر بإرادته، وبالتالي ليس الله مسؤولاً عن هذه المأساة؛ "فالله لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء، فإنّه خلق كل شيء لكي يكون" (1/13-14 أ).
لا بُدَّ من الإشارة هنا إلى ما يقوله النص عن "الحكمة" فهي مشخصنة هنا (1/4)، كما في أم 1/20-33؛ 8/1-36؛ 9/1-6؛ أي 28؛ با 3/9-4/4؛ سي 24/1- 21، لكنها ليست شخصاً منفصلاً عن الله، بل تشخيصاً أدبياً لأحد أوصافه الألهية، وهذا أمر شائع في العهد القديم، كالروح، والكلمة، والبر، الخ. في النص هنا (وفي 7/22-23؛ 9/17)، الحكمة هي واحد مع روح الرب، وتصبح مبدأ كوسمولوجياً، والمبدأ الضمني للحياة الطبيعية والخُلقية.
كذلك هناك تعبير ثنائي هام في النص، وهو "النفس والجسد" (1/4). لم يتصوّر العبرانيون الانسان مكوناً من جسد مادي ونفس روحية؟ لكن تحت تأثير الهلينية، ظهرت هذه النظرة للمرة الأولى بوضوح في العهد القديم في حك 8/19-20؛ 9/15؛ 15/8، دون اعتماد الفكرة الأفلاطونية بأن الجسد شرّير، ولا التقسيم الثلاثي للإنسان إلى جسد، ونفس، وروح. في سفر الحكمة، تستعمل كلمتا "النفس" (8/19؛ الخ) و"الروح" (15/16؛ الخ) وكأنّهما ذات المبدأ الحياتي، وبالتالي يُوضع الواحد بموازاة الأخرى، كما في 15/11 و16/14؛ لذلك فعبارة "الجسد المَدِين للخطيئة" (1/4 ب) هي موازية لعبارة "النفس الساعية إلى الشر" (1/4 أ).
ويرتبط هذا الثنائي بموضوع "الموت" (1/12 أ و13 أ). سيتّضح في 2/24 أن المقصود ليس الموت الجسدي بل الموت الروحي، على اعتبار أن الثاني هو انفصال نهائي عن الله، وهذا ما يقضّ مضجع المؤلّف، وليس مصير الجسد. وفي هذا المجال، يعتبر "العالم التحتي" "مثوى الأموات" (1/14 د)، أو الشيول، هو تجسيد للموت المشخصن. لكن هذا الموت لن يطال البر: "البر خالد" (1/15)، أن أنه يقود الى الخلود. ويوضح الفصل الثالث أن "الخلود" (عدم الموت) هو وجود مع الله لا ينتهي، وليس شهرة وبحبوحة كما في العهد القديم، ولا المفهوم الفلسفي لعدم موت النفس.
2) ارتباط الشرير بالموت (1/16-2/24)
تربط عبارة "من حزبه" أول النص بآخره (1/16 و2/24).
بأعاله الشريرة، يدعو الشرير الموت، مركّزاً تصرّفه على فلسفة مخطئة، ويمثل هنا اليهود الجاحدين لإيمانهم. في نظرتهم إلى الحياة والموت، يعتنق الأشرار جحوداً عملياً، ناسبين أصل الانسان إلى الصدفة. يرتبط مفهومهم للإنسان بهذا العالم، وينكرون الحياة بعد الموت، وبالتالي الوجود في مثوى الأموات (2/1- 5)؛ من هنا كان قرارهم باتباع حياة تعتمد على اللذة من جهة، وعلى القوة ضد الحق من جهة ثانية (2/6- 11). لذلك فهم يسعون إلى "الانتفاع" (2/6 ب) "لأن الضعف لا يجدي نفعاً" (2/11 ب)، ولذلك أيضا قرّروا أن يضطهدوا الصديق لأن حياته وكلماته هي توبيخ لهم (2/12-16)، وأن يمتحنوا أقواله (2/17-20). وفي نهاية النص، يُصدر المؤلّف حكماً على أفكار الأشرار، فيعتبرها ضالّة "لأن شرّهم أعماهم (2/21)، كما يعلن عن موضوع النص التالي (2/23-24).
من الملفت للانتباه التعبير الساخر الذي يضعه المؤلف على فم الأشرار عندما يقول بأنّهم قد "عدّوا الموت صديقاً" (1/16 ب)، وبأنهم قد "عاهدوه" (1/16 ب). المفردات هنا مستوحات من اش: "... أيها... الساخرون المتسلطون على هذا الشعب،... قلتم: "قد قطعنا عهداً مع الموت، وعقدنا حلفاً مع مثوى الأموات" (28/15). كان الرب قال: "عهداً مع الموت يُلغى، وحلفكم مع مثوى الأموات لا يقوم" (28/18). والموت الذي يعنيه الأشرار هنا هو الموت الطبيعي. وانسجاماً مع تفكيرهم الارضي، يرى الاشرار أن وجود الانسان هو "اتفاق" (2/1 أ). وفي هذا تلميح إلى العقيدة الأبيقورية التي تقول بأن الأشياء قد كوّنت اتفاقاً عن طريق امتزاج الذرات. وهذا ما يدفع الأشرار إلى القول أن "النسمة في مناخيرنا دخان، والنطق شرارة، والجسم يعود رماداً" (2/2-3 أ)، أي إن وجود الانسان مؤقت وزائل، وفي هذا تلميح الى النظرية اليونانية التي تعتقد ان النفس مبدأ ناري. لذلك يُنسى الاسم" (2/4 أ)، إذ لا رجاء بالخلود، ونصيب الصدّيق هو كنصيب غيره بعد الموت. ينكر الأشرار الرجاء البيبلي المعروف الذي يقول باستمرار ذكر الانسان من خلال ذريته كمكافأة له على برّه: "ذكر البار بركة، واسم الأشرار يبلى" (أم 10/7)؛ في المعنى ذاته يقول أشعيا: "أعطيهم... أسماً خيراً من البنين والبنات... اسماً أبدياً لا ينقرض" (56/5). لكن الاعتقاد بزوال الاسم يصبح أمراً واقعاً على شفاه الأشرار وبالنسبة إليهم (أنظر حك 4/19).
هكذا يصبح البارّ مزعجاً للأشرار، فيقررون أن يكمنوا له لأنه يضايقهم، ويقاومهم، ويلومهم على مخالفتهم الشريعة (2/12؛ راجع اش 3/10 حسب السبعينية التي تضيف: "إنه يضايقنا". يستوحي المؤلف الكثير من أشعيا 52-66 في ما يخطه في 2/12 حتى 5/23؛ فتعليمه حول المجازاة هو ثمرة تأمله في فصول النبي الكبير، مع إضافة بعض التفاصيل. فصورة الصديق في 2/13 وفي 3/1-9 مبنية على نشيد يهوه الرابع (اش 25/13-53/12)، وعلى اش 42/1، ومز 22/8.
في 2/23، يربط المؤلّف "صورة الله" (تك 1/26) بالخلود الذي إليه مصير الانسان موجّه، والذي قد يفقده بالخطيئة. لا يقول سفر الحكمة بأن الانسان غير مائت بل أنه ينال عدم الموت (أنظر 3/4؛ 4/1؛ 8/13؛ 15/3).
في 2/24، واضح أن "الموت" كما في 1/11-14، لا يعني الموت الجسدي بل الروحي، وهذا ما اختبره الأشرار. وتعني كلمة "عدم الفساد" في 2/23، كما في 6/18 و19، الخلود وليس عدم الموت الجسدي الذي يعتبره المؤلّف كنتيجة لأصل الانسان الأرضي (أنظر 7/1)، لذلك فهو لا يهتم بالموت الجسدي ولا بقيامة الجسد. وتدل عبارة "بحسد إبليس" (2/24 أ) التي هي تلميح إلى السقطة الأولى (تك 3)، على أن الموت هو روحي، ويساوي بين الحية والشيطان (أنظر يو 8/44؛ رؤ 12/9؛ 20/2)
3) مشورات الله الخفية (3/1-4/19).
على ضوء الاعتقاد بأن الخلود هو مكافأة الصديق، يشرح السفر النقاط التقليدية الثلاث المتعلقة بالمجازاة، أي ألم الصديق، والعقم، وموت البار المبكر، ويبرز في كل منها التناقضَ بين مصير البار ومصير الشرير.
- ألم البار (3/1-12)
إن الأبرار، وإن ماتوا، فإنهم يبقون أحياء مع الله، وإن أصابهم الألم فهذا تأديب، وإصلاح، واختبار الله لأمانتهم، وليس قصاصاً كما كان شائعاً في العهد القديم. فالصدّيق ممتلىء رجاء بالخلود، وعند الدينونة سيحظى بملكوت الله، أما الأشرار فلا رجاء لهم، وعقابهم يبدأ في الحياة الأرضية. 
عندما يقول الكاتب إن "نفوس الأبرار هي بيد الله" (3/1)، فإنه يعني أنها تحت حمايته، كما يقول سفر تثنية الاشتراع: "جميع القديسين في يدك" 33/3)، وأشعيا: "وتكونين... في يد الرب" (62/3). والحماية هنا هي من "العذاب" (3/1 ب) بعد الموت (أنظر 4/19: "ويكونون في العذاب") لكن المؤلف ليس واضحاً بشأن نفوس الصديقين بعد الموت مباشرة؛ فهبوطها إلى الشيول غير مقبول لأن هذا الأخير هو مكان مظلم (أنظر 17/14- 21)، ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموت الروحي (1/14)، وفيه يكون الأشرار في الحزن الشديد قبل الدينونة الأخيرة (4/19)؛ من هنا نستنتج أن نفوس الأبرار لا يمكنها أن تجد السلام في الشيول، بل تكون مع الله في البلاط السماوي (5/5)، وبالتالي لن يكون للدينونة دور تجاهها سوى إعطائها مجداً إضافياً (3/7-9؛ 5/16) في حياة "خالدة". وللمرة الأولى في العهد القديم ترد كلمة "خلود" (3/4)، وهذا هو نصيب الأبرار الذين يكونون قد عاشوا "برجاء" (3/4 ب)، "وامتحِنوا" (3/5 و6)؛ راجع (تث 8/2-5؛ أم 3/11-12؛ سي 2/1-6؛ 4/17-19) "كالذبيحة والمحرقة" كما نقرأ في اش 53/7-10. أما "الافتقاد" فيعني تدخلاً إلهياً، خاصة وقت الدينونة الأخيرة (أنظر اش 10/3)، لصالح الأبرار الذين "يتلألأون" (3/7) لأنهم منتصرون (أنظر عو 8؛ دا 12/3)، "فيدينون" (3/8؛ أنظر دا 7/18-27) "الأمم" و"الشعوب" (3/8)، وهنا تلميح إلى ما كان يأمله اليهود بأن يحكم اسرائيل باقي الأمم في العصر المشيحاني، لكن المقصود هنا هو انتصار الأبرار على الأشرار.
- العقم (3/13-4/6)
كان الاعتقاد سائداً بأن الأولاد هم علامة رضى الله وإنعامه، أما العقم فكان بمثابة لعنة وعدم رضى. يستند المؤلف إلى سي 16/1-4 الذي يتكلم عن "كثرة أولاد لا خير فيهم..." وعن "البنين الكافرين" فيشرح نظرته في أربعة مقاطع: إذا كان العقم مرفقاً بالفضيلة، فلا يكون لعنةً، لأن الثمرة الحقة للحياة هي الفضيلة (3/13-15)، في حين أن أولاد الأشرار هم ثمرة لا تدوم (4/3-6). وإن عاشوا طويلاً فبلا كرامة، وإن ماتوا باكراً فبلا رجاء للخلود (3/16-19). الفضيلة هي الخير لأن الناس يكرمّونها، ويكافأ عليها بالخلود (4/1-2).
الكلام عن "العاقر" 3/13 مستوحىً من اش 54/1، فلقد نُقل هذا الكلام من مستوى الوعود المقطوعة لأورشليم إلى المستوى الفردي. والزنى المذكور هنا يُقصد به الخطيئة عامّة، وهو مأخوذ من اش 57/3: "يا نسل الفاسق والزانية". كذلك في 3/14، يبقى إش مصدر الوحي للكتاب في ما يتعلّق "بالخصي" الذي يحفظ السبت ويتمسك بعهد الرب... (اش 56/2-5)، لأن "الذي يعتصم (بالرب) يملك الأرض ويرث جبل قدسه" (اش 57/13)، أما "أولاد (الزانية) فلن يكون لهم أصول، وأغصانها لن تخرخ ثماراً" (سي 23/25؛ أنظر اش 40/24).
- الموت المبكّر (4/7-19)
كانت النظرة التقليدية للمجازاة تقول بأن الأشرار يموتون باكراً، أما الأبرار فيُبارَكون بعمر مديد ومكرّم. للمرّة الأولى يلقي العهد القديم ضوءاً أوضح حول موت الصّديق المبكّر، فلا يعتبره شراً لأن العمر الطويل الحقيقي هو الحياة الفاضلة والبارة؛ فإذا كان الله قد اختطف أحنوخ من العالم قبل الأوان (أنظر تك 5/21-24)، فلكي يحفظه من عدوى الشر. وفي حال عاش الشرير طويلاً، فلن يكون مكرَّماً، لا في حياته ولا في مماته. تصف الآية 19 مصير الأشرار المرعب بعد الموت وقبل الدينونة الأخيرة، بصور مستوحاة من اش 14/16-19؛ 19/10؛ 66/24: "ويرون جثث الناس الذين عصوني، لأن دودهم لا يموت، ونارهم لا تطفأ، ويكونون رُذالة لكل البشر".
" الراحة" (4/7) بالنسبة لبني اسرائيل مرتبطة بالسبت المرتبط بدوره براحة الله في اليوم السابع (راجع عب 3/7 و4/11). يبدو موت الصدّيق هذا وكأنه دخول في السبت الأبدي، في الراحة الأبدية مع الله.
"الشيخوخة مكرمة" (4/8) ليس بسبب عدد السنين، بل بفضل الحكمة التي يساعد العمر الطويل مبدئياً على اقتنائها، وبالتالي يصبح مقتنيها "مرضياً" عند الله و"محبوباً" (4/10)، حتى ولو كانت سنو حياته قليلة. من النادر مصادفة كلمة "محبوب" في العهد القديم من قبل الله تجاه أفراد، لأنها مستعملة عادةً لاسرائيل (راجع تث 7/8؛ هو 11/1)، أو لرؤساء اسرائيل (2 صم 12/24): لأن الله يحبّه ويريد أن يحفظه من الشّر، فإنه "ينقله" من بين الخاطئين، فالمؤلّف يرى بنظرة تشاؤمية أن العالم مليء بالشرور، والمِحَن، والآلام. ما يعطي قيمة للوجود البشري إذاً، ليس طول العمر بل نوعيته وعلاقته بالله.
4) الدينونة الأخيرة (4/ 20- 5/23)
عند الدينونة سيظهر خلاص الصديق (5/1-2). في كلام مواز لما جاء في حك 2، يعترف الأشرار بأن تقديراتهم في شأن الصديق كانت مخطئة، وبأن طريقة حياتهم كانت ملتوية، الأمر الذي أدّى الى فنائهم في رذيلتهم (5/3-13). بعد ذلك، يصف الكاتب هشاشة رجاء الكافر من جهة، ومكافأة الصّديق بحياة أبدية من جهة ثانية، مصوّراً بوصف رؤيوي، عقابَ الله للأشرار (5/14-33). يلفت النظر بدء النص ونهايته (14 و23) بكلمة "زوبعة" المعبرّة عن شدّة العقاب.
يستوحي المؤلّف في 4/ 20-5/7 أشعيا 59/6-14.
من هم "أبناء الله" "القديسون"؟ هل هم الملائكة (إقرأ أي 1/6؛ مز 29/1؛ 82/1؛ 89/7؛ وأيضاً أي 5/1؛ 15/15؛ مز 89/6 و8؛ سي 44/17. دا 4/14؛ زك 14/5)؟ "أبناء الله" و"القديسون" هما تعبيران مترادفان، يُطبقان إمّا على الأبرار الممَجّدين، في جماعة القديسين، وإمّا على الملائكة. "أبناء الله"، في سفر الحكمة؛ هم الأبرار أو أفراد الشعب المقدّس (راجع 2/18؛ 9/7؛ 12/19 و21؛ 16/10 و26؛ 18/4 و13). تدل كلمة "قديسين" على الاسرائيليين، كما في 18/9 (راجع أيضاً 17/2 أ)، ويمكن أن يكون لها ذات المضمون الذي لكلمة "قديسين" في 14/15، إذ نجد هذا التعبير أو ذاك دون فرق في المزامير، مثل مز 15/3؛ 33/10؛ 73/3؛ 82/4؛ ثم مز 29/5؛ 30/24؛ الخ. هناك استعمال أيضاً اسكتولوجي لهذه الكلمة في بعض النصوص البيبلية (أش 4/3؛ دا 8/8 و21-23 و24). يُبرز النص (5/5) البار مُمَجَّداً في العالم الآخر، في الإطار السماوي، في حين أن الأستعمالات الأخرى لعبارة "أبناء الله" في السفر، هي في إطار أرضي أو تاريخي، لكن مع أصداء أسكتولوجية. لقد استطاع المؤلّف إذاً أن يستعيد هنا صيغة بيبلية شائعة للدلالة على الملائكة (راجع تك 6/2 و4؛ أي 1/6، مز 29/1؛ 82/1؛ 89/7؛ امل 22/9). من ناحية ثانية، يُدعى الملائكة "بالقديسين" في أي 5/1؛ 15/15؛ مز 88/6 و8؛ زك 14/5؛ دا 4/10 و14 و20؛ 8/13؛ سي 42/17؛ طو 11/14. من المفَضَّل إذاً اعتبار "أبناء الله" و"القديسين" ملائكة. يُفهم تَعَجّب الأشرار عند ذلك بطريقة أفضل؛ يُعاد إلى الصدّيق اعتباره عندما يأخذ مكانه في جماعة الملائكة القديسين. 
5/6 أ: يكتشف الأشرار ضلالهم عن طريق الحق أي عن مسلك حياتي معيّن. تختصر كلمة "حق" المعنى الحقيقي لتصميم الله تجاه الأنسان، وبالتالي تَعني حقائق أو عقائد تنوّر الانسان حول مصيره فتساعده على بلوغه؛ كما تتضمن الخضوع الثابت والإرادي لإلزامات ووصايا مصدرها الله، والأمانة له. لو اتبع الأشرار "الطريق" لما ضلّوا. ولكان الإيمان والطاعة حلاًّ مكان الفكر الغبي الذي به كانوا يبرّرون مسلكهم الملتوي. 
5/6 ب: تحلّ صورة الظلمة التي تغشي الطريق مكان صورة الضلال بعيداً عن الطريق المستقيم، كما تحلّ كلمتا "النور" و"البرد" مكان كلمة "الحق". تدل كلمة نور في الاستعمال اليوناني على ضوء النهار أو الشمس (أنظر 7/10 و29)، لكنها تستعمل أيضاً بالمعنى المجازي. إنه النور الذي يُدخل الانسان في البر، فيبدّد ظلماته، ويجعل طرقه مضاءة، لكنه لن يضيء للأشرار: ا لم تشرق الشمس علينا" (5/6 ج).
تستعيد صورتا "النور" و"الشمس" رمزية بيبلية نجدها في ملا 3/20 وفي غيره. إقرأ في ما يتعلق ببر الانسان أو بر الله ما يلي: اش 51/4؛ 58/8-10؛ 59/9-14؛ 62/1؛ ام 4/18-19؛ 6/23؛ 13/9؛ مز 118/105؛ سي 50/29. ويبدو أن لأشعيا 49/9-14 تأثيراً خاصاً في هذا المجال؛ فالشعب الآثم يقرّ بأخطائه (بدءاً من آية 9 في النص المسّوري، وآية 10 في السبعينية)، ويعترف بأنه مشى في الظلمات واحتقر "البر" و "الحق" (آية 14). في سفر الحكمة، نقل المؤلّف اعتراف الشعب الخاطئ (في اش) إلى الأشرار المحكوم عليهم، وذلك بإعطائه مضموناً مختلفاً لكلمات "الحق"، و"البر" و"النور". فالذين ستنالهم دينونة قاسية قد ضلّوا كالشعب الخاطئ، وساروا في الظلمة، لأنهم لم يَدَعوا النور الالهي يضيء لهم وينيرهم، وبالتالي لم يستطيعوا أن يتبيّنوا إرادة الله، ولا طريقه المؤدية الى المسلك الديني والخُلُقي السليم. من هنا، يعتَبر "الضلال" خطيئة يُحَاسَب صاحبها عليها، والأشرار هم اليهود غير الأمناء والجاحدون، الذين رفضوا النور، وعاشوا غير مبالين بالمتطلبات الإلهية (إقرأ يوم 3/19 و20؛ 2 كور 4/4 حول الخطيئة التي تُعمي).
5/7 أ: "لقد اعتنقنا سبل الاثم والهلاك" (أنظر 2 بط 2/20)، لذلك يصبح المسير صعباً، كما في "براري لا طرق فيها" (5/7 ب؛ أنظر أر 12/10)، إذ يكون المجهود عندها عميقاً، والوحشة قاسية، عند أولئك الذين لا يقبلون أية قاعدة حياتية، ويتبّعون أهواءهم التي ليست سوى سراب. 
5/7 ج؛ لم يتبّع الأشرار "طريق الرب" علماً أنها بدت لهم رحبة وسهلة، ومع هذا لم يريدوا أن "يعرفوها" وأن يسيروا فيها "طريق الرب" هو تعبير بيبلي (قض 2/22؛ 2 مل 21/22؛ أش 16/8؛ ار 5/4-5؛ حز 23/17؛ أنظر أيضاً بصيغة الجمع تك 18/19؛ 2 صم 22/22؛ هو 14/10) يدل على إظهار إرادة الرب في الناس. المحكوم عليهم إذاً هم اليهود غير الأمناء لعقائد ووصايا أوحاها "الرب" إله اسرائيل (أنظر 1/1 ب؛ 2/13؛ 3/8 و10). كان بإمكانهم، كما كان عليهم، أن يوجّهوا حياتهم بطريقة مغايرة، لكنهم لم يفعلوا، وهذا ما تبيّنوه متأخرين.
حياة الأشرار ليست سوى جملة خيرات خيالية وباطلة، لذلك لا تقرك وراءها أي أثر عميق ودائم: "كل ذلك قد مضى كالظل" (5/9 أ).
في الآية 14، يستخلص الكاتب فكرة نهائية حول الأشرار ودينونتهم، مؤكّداً تأسّفهم العقيم، وذلك من خلال صور عدّة: الأولى تقارن "رجاء الكافر" ب "عُصافة تذهب بها الريح" (5/14 أ؛ أنظر مز 1/4؛ 34/5؛ اش 17/13؛ 29/5)؛ الثانية تشبّهه بزبد الأمواج الرقيق الذى تطارده الزوبعة (5/14 ب)؛ الثالثة تقارنه بالدخان الذي يتبدّد في الهواء (5/14 ج)؛ والرابعة بذِكرٍ لا قوام له، يتركه ضعيفاً حلّ يوماً وعبر (5/14 د). 
الآيات 15-23: مقابل عقاب الأشرار، يُبرز المؤلف ثواب الأبرار الذين يكافأون على رجائهم (15)، بأن يُرَقّوا إلى الكرامة الملوكية: "سينالون إكليل البهاء، وتاج الجمال من يد الرب" (16 أب). بالإضافة إلى ذلك سيَحظوَن بحماية خاصة من الرب (16 ج د) في وجه قساوةِ دينونةٍ تطال الأشرار. يصوَّر الله وكأنه محارب متسلِّح ومُسَلِّح الخليقة أيضاً (17) بسلاح إلهي يعدّد المؤلّف أنواعه مع المضمون الرمزي لكل نوع (18-19). يذكر بعد ذلك الأسلحة الهجومية: سيف الغضب الذي لا ينثني (20 أ)، وقوى الطبيعة الكبيرة (0 2 ب-23 ب). تصبح الأرض عند ذلك قاحلة (23 ج)، وقوى العالم تنقلب (23 د). لكن ليس واضحاً ما إذا كان الأشرار قد أبيدوا بالفعل في النهاية أي في هذه الدينونة الرهيبة أم لا، علماً أن الاعتقاد السائد هو أن العقاب قد نزل بهم.
5) تحريض للسعي في طلب الحكمة (6/1- 21)
يتوجه المؤلف مجدداً إلى الملوك (راجع 1/1)، بعدما تركهم جانباً في الفصول السابقة، ليطلب إليهم أن يستمعوا بانتباه، أن يفكّروا، وأن يُفسِحوا المجال لأن يتعلّموا (1-2، 9، 11). يذكّرهم أن سلطتهم ليست غير مسؤولة، إذ هي تمثيل للسلطة الالهية، وعليهم بالتالي أن يؤدوا حساباً (3-4). أكثر من ذلك، سيطالبهم الله بشدّة لأن أعذارهم أقلّ من أعذار باقي الناس، والديّان الأعظم لا يتراجع أمام أحد (5-8). على عكس ذلك، إذا حكموا وفق البر (4)، وإذا حفظوا بأمانة "الشرائع المقدسة"، وقبلوا أن يتعلّموها، يُعتَرف بهم أنهم "قدّيسون" ودفاعهم يتبعهم (10). هذا التحريض الطويل الذي يبدأ بذكر انقلاب ممالك الأرض (5/23 د)، هو بمثابة انتقال بين 1 و2. في الواقع، يستعيد المؤلف فكرة الدينونة الفردية، موضوع "الفحص" (3 ج و8)، ويذكر المكافأة النهائية "للقداسة" (10 أ)، وضرورة الدفاع عن الذات من خلال الأعال (10 ب). لكن هذا القسم هو أيضاً مقدمة لمديح الحكمة. إذا كانت هذه الأخيرة لم تذكر سوى مرة واحدة (9 ب)، فإن النص يحوّل القارئ إلى عقائدها. من ناحية ثانية، الأسلوب هو أسلوب تحريض حكمي، وشخص سليمان يحتل الآن واجهة المسرح. موضوع القسم الثاني (12-21) هو "الرغبة في الحكمة" (الذى بدأ في الآية 11). يرمي المؤلّف إلى التأكيد بأن انفتاحاً صادقاً على قيم الديانة يضع الوثنيين أيضاً على طريق الخلاص. يذكر أولاً جاذبية الحكمة الساطعة، وسهولةً إيجادها (12). أكثر من ذلك، تسبق فتعَرّف بنفسها إلى طالبيها، وتلّبي رغبات ومبادرات البشر، إذ "في كل خاطر يخطر لهم تأتي لملاقاتهم" (13-16). بعدئذ يبيّن الكاتب كيف أن الركبة الصادقة في الحكمة تقود الانسان، من خلال سلسلة من الجهود المترابطة، إلى عدم الموت. في الوقت ذاته، يصوّر صعوداً روحياً ينتهي بالدخول في جماعة الله، وبالاشتراك في ملكه (17-20). بالنسبة للنقطة الأخيرة، فهي ترتبط بالآية 11، وبالفاتحة في الآية 1: هناك سبب جوهري للانفتاح على الحكمة: (يا ملوك الشعوب، أكرموا الحكمة لكي تملكوا إلى الأبدأ (21).
يُلاحظ أن النص يبدأ وينتهي بكلمة "ملوك" (6/1 و21) الذين إليهم يُوَجّه الحديث. ومن الكلمات الهامّة أيضاً: "المتسلّطون" (2) و"المقتدرون" (8)؛ "سيفحص"و "يستقصي" و"تحقيق" (3 و8)؛ تحريض على سماع "كلماتي" (9 و11)؛ "يلتمسون" الحكمة (12)؛ "الرغبة" (17 و20). 
ب- طبيعة الحكمة (6/22- 11/1)
في هذا القسم يجعل المؤلف نفسه وسليمان واحداً. يمدح الحكمة ويصف كيف سعى في طلبها. بعد مقدمة صغيرة (6/22-25) يصف فيها سليمان الحكمة، يأتي حديث الملك العظيم (7/1-8/21) موزّعاً على سبعة مقاطع منسَّقَة بطريقة مركزية مع وصف الحكمة في المقطع الوسيط (7/22 ب-8/1). في النهاية، وخارج هذه التركيبة، نجد صلاة سليمان (9)، والقسمَ الانتقالي (10/1- 11/1) الذي يقود القارئ إلى الجزء الثاني من السفر.
مقدمة (6/22-25)
يعلن المؤلّف عن مضمون الفصول 7-10 وعن رغبته في مقاسمة الآخرين له أسرار الحكمة.
قد يكون في ذهن الكاتب تساؤل حول "منشأ" الحكمة (7/22؛ راجع أم وأي، حول أصل الحكمة)، لكن انتباهه الآن سيتركّز على مفاعيل الحكمة، خاصة في حياة سليمان. معرفة "أسرار" الحكمة تساوي معرفتها هي بالذات، أي حقيقتها، وطبيعتها، وأصلها، وخصائصها، وعملها (إقرأ دا 2/28 و29 و47؛ سي 4/18). لكن ليسى مستبعداً أن تدل "الأسرار" هنا على الأسرار اليونانية، إذ يلمح المؤلّف إلى السّر المحفوظ بعناية والذي لا "يُباح به إلاّ إلى المتدرجين. هي عقيدة حياة، عقيدة موحاة تذكّر بالمتطلبات الخُلُقية للاله الواحد الذي سيجازي على الخير وعلى الشر، ليس استناداً إلى المعارف المكتسبة، بل استناداً إلى حياة قداسة وبرارة. أخيراً إذا كانت "أسرار" الحكمة مكشوفة "للجميع"، وليس فقط لليهود، فهذا انسجاماً مع التوجّه الشمولي للمؤلفات الحكمية السابقة.
1) حديث سليمان (7/1-8/21)
- سليمان إنسان كسائر الناس (7/1-6):
لم يكن سليمان مُعداً بالولادة لأن يكون حكيماً؛ فهو ذو أصل بشري وطبيعي كسائر الناس. فبقوله "أنا أيضاً" (7/1)، يضع سليمان ذاته في الواجهة ليؤكد وبقوة أنه يشاطر الناس أساساً ما هو بشري. يهدف هذا الموقف المتواضع إلى الأعداد لما سيقوله في الآية 7، بأنه صار حكيماً بفضل الصلاة. وبالمنحى ذاته، تعني عبارة "قابل للموت" (7/ 1) تشديداً إضافياً على ما هو بشرى عند مَن كان يُعتَبر نصف إله أو ظل إله. كذلك عبارة "مساو للجميع" تدلّ أيضاً على المساواة الجوهرية في الطبيعة البشرية مع كل الناس، لأن الملك أيضاً متحدّر من آدم الذي جُبل من التراب (7/1). ويكمل سلمان الكلام عمّا هو مشترك بينه وبين سائر البشر، من الحبل به مدة عشرة أشهر (القمرية)، وتكوينه من زرع رجل في الدم، وتنفسّه الهواء المشترك، وسقوط رأسه إلى الأرض، وصراخه الأول، وتربيته بالقُمُط، الخ (7/2-4). من هنا يمكن الكلام عن "ديمقراطية" أصلية في الوجود البشري الذي يساوى فيه الجميع دون أي تمييز.
- نال سليمان الحكمة بالصلاة وفضّلها على كل شيء (7/7-12)
يبدأ النص بكلمة "لذلك" التي بها يعلّل الكاتب صلاة سليمان، مبيّناً أنه عاجز بالطبيعة أن يكون حكيماً (هناك أسباب أخرى في 8/21 و9/5-9). 
الصلاة التي يجري الحديث عنها (7/7)، هي صلاة سليمان المذكورة في مل 3/5-9 و2 اخ 1/8-10 التي استجابها الله (راجع 1 مل 3/11-12؛ 5/9). في المعنى ذاته يُستعمل الفعل "دعوت" (7/7) دون أن يعني الصلاة بإلحاح أو التضرّع حصراً. لقاء صلاته ودعوته، نال سليمان "الفطنة" و"روح الحكمة".
لقد فضّل سليمان الحكمة على كل شيء: السلطة، والغنى، والصحة، والجمال، والنور، فجاءته وجلبت معها كل الخيرات والغنى الكثير، وهذا ما أمّن له فرحاً عظيماً (7/8-12). يعترف سليمان بأنه كان يجهل (7/12 ب) أن الحكمة هي أم كل الخيرات؛ فعندما طلب الحكمة وتخلّى من أجلها عن كل ما عداها، لم يكن يعرف أنها هي التي تجلب كل الخيرات معها؟ كما أنه كان يجهل، بعد أن حصلت له على كل هذه الخيور، أن الحكمة هي سببها و"أم جيعها".
بما أن سليمان مساو لجميع البشر، وبما أنه نال الحكمة بفضل الصلاة والدعاء، وبما أنه بالتالي يتنازل ليكون مع سائر الناس، فإنه سيُشرك الآخرين في ما تعلّمه. ولن يكتم غنى الحكمة عنهم، أي أنه لن يحتفظ به لنفسه. مرات عدة ترد كلمة "غنى" في النص (8 ب، 11 ب، 13 ب)؛ يريد الكاتب أن يشير إلى غنى الحكمة الداخلي، أي صفاتها وخصائصها، وإلى الخيرات التي تهب، خاصة الخيرات الروحية والعقلية. سيتكلم بولس لاحقاً عن "غنى" المسيح (أنظر أف 3/8 و16؛ و1/7؛ كو 27) والله (روم 2/4، 9/23، فل 4/19).
"صداقة الله" (7/14 ب) هي صداقة قد تحققت بالفعل، كا تقول الآية 27 د، ولكنها ليست من النّد إلى النّد. نجد الكلمة ذاتها في 8/18 أ. أنطلاقاً من امتياز خاص به، يدعو سليمان جيع الناس إلى تحقيق ذات الصداقة مع الله، والحصول بالتالي على ذات الأنوار التي تهبها الحكمة.
يتكلم النص أخيراً عن "خيرات" (14 ج) مصدرها "التأديب" الناتج عن تقبّل تعاليم الحكمة (راجع 6/17-18 أ) التصاعدي، ووضعها موضع التنفيذ، أي ممارسة الفضائل.
- سليمان يطلب العون الالهي كي يتكلم عن الحكمة (7/15-22 أ)
يعود سليمان إلى الكلام عن الحكمة، كما سبق ووعد فى 6/22 وفي 7/13، ويشعر لذلك بالحاجة إلى أن يدعو الله كي يساعده مّن أجل تحقيق غايته، ومن أجل القيام بهذه المهمة حسب رغبة الله (15 أ). إن ذكر ما ناله من مواهب (15 ب) يتوافق مع الإطار الذي يذكر فيه سليمان اختباره الفريد. يتكلم النص عن العطايا السابقة للطلبة، ويختصر كل الخيرات العقلية الموهوبة لسليمان، أي المعارف المذكورة في 7/17-21، والأنوار المتعلّقة بالحكمة بالذات.
- طبيعة الحكمة (7/22-8/1)
يؤكد المؤلف ان في الحكمة "روحاً" (22 أ)، معتبراً إياها كشخص. فككل كائن حيّ، وخاصة على مثال الله بالذات، للحكمة "روح"، هو مبدأ ديناميكي في جوهره، يبرر أكثر فأكثر شخصيتها الحيّة والفاعلة. يستعين المؤلف بعقيدة الروح لإبراز طبيعة الحكمة ونشاطها، فتصبح خصائص الروح هي ذاتها للحكمة.
هناك إحدى وعشرون صفة للروح (22-23)، يسعى الكاتب من خلالها الى إبراز طبيعة الروح السامية، وطريقة عمله العلوية، دون ان يحدد حصراً نشاطه في عالم البشر. لا شك ان للروح اليونانية ولتنظيراتها الفلسفية تأثيراً واضحاً في موضوع "الروح" ونعوته التالية: "فطناً"، "قدوساً"، "وحيداً" و"متشعّباً"، "لطيفاً"، "متحرّكاً"، و"ثاقباً"، "طاهراً"، "واضحاً"، "سليماً"، "محباً للخير"، "حاداً" "حراً"، "محسناً" و"محباً للبشر"، "ثابتاً" "يقدر على كل شيء"، "يراقب كل شيء"، "ينفذ إلى جميع الأرواح"، "الفَهِمَة منها".
- سليمان يسعى في إثر الحكمة مصدر المعرفة (8/2-8)
يعود سليمان إلى موضوع طلب الحكمة، وكأنها عروسته. هي "صديقة الله" ومعاونته، تعطي الغنى، والذكاء، تعلّم الفضائل وتساعد على فهم اقوال الحكماء.
يذكر النص (7 ج د) الفضائل الرئيسية التي تحققها الحكمة، وهذا التعداد فريد من نوعه في البيبليا. تعمل الحكمة (7 ب) داخل الانسان (راجع 7/27 ج و28) من أجل تحريك جهود هذا الأخير ودعمها (راجع 3/15؛ 6/17-18؛ 7/14 ج)، وترسيخ الفضائل "التي لا شيء أنفع منها للناس في الحياة" (7).
- باتحادة بالحكمة، سيحقق سليمان وظيفته كملك على أفضل وجه (8/9-16)
من خلال مشورة الحكمة، سيكون لسليمان مجد في الحياة، وسيذكر في مماته، لأنه سيكون حكيماً، وملكاً حكيماً ونبيلاً، كما أنه سيَنعم بحياة صافية وهانئة.
يريد سليمان أن يتزوّج الحكمة لكي تكون دائماً قربه (8/9 أ)؛ في 3 أ كانت تشاطر الله حياته، أما هنا فإنها تشاطر سليمان حياته. ستعمل في حياة الملك العامة والخاصة، فتكون "مشيرة له للخير" (9 ب؛ راجع 2 اخ 22/3؛ 2 مك 7/25). يُقصد "بالخير" الخيرات الأدبية، والعقلية، والمادية، التي تعدّدها الآيات 10-15، والتي ستكون لصالح سليمان وشعبه. بالإضافة إلى مشورتها ستهب الحكمة التعزية للملك "وستشدده في الهموم والغم" (9 خ).
بفضل الحكمة سيقوم الملك بواحدة من مهامّه المتعددة، وهي "إجراء الحكم" "بفكر ثاقب" (11 أ؛ راجع 7/22)؛ فالملك هو القاضي الأعظم في مملكته، وقد وهب الله لمليكه نعمة 9 التمييز" (1 مل 3/9 و11)، وهذا ما نتأكده من الحكم الذي أصدره (راجع 1 مل 3/16-28).
تؤمّن الحكمة لسليمان أيضاً "السرور والفرح". تعبّر هاتان الكلمتان عن واقع روحي سيملأ نفس سليمان بفضل الحكمة وبفضل سكن الله في نفسه. الله وحده يعرف الفرح الحقيقي، لكن في حياة الصدّيق أيضاً يسيطر هذا الفرح الذي يملأ كل جوانب النفس، كون الصدّيق هو قريب من الله.
- سليمان يلتمس بالصلاة الحكمة التي هي عطية من الله (8/17-21)
تركّز الآية 17 ج على "قربى الحكمة". فعندما تصبح هذه الأخيرة عروساً لسليمان، تهبه القربى منها، وبالتالي تؤمّن له "الخلود" أي دوام الذكر بين الناس كما في الآية 13. كل ذلك هو عطية من الله، تتحقق بالصلاة.
يبدأ سليمان بالبحث عن الحكمة، طالباً كيف يتخذها لنفسه (18؛ راجع 6/16 أ). لقد شغف سليمان بالحكمة إلى حدّ أنه أراد أن يتزوّجها وأن كون مشيرته في كل شيء. لذلك سيتوجّه إلى الله ليطلبها منه (21)، وسيتحقق له ما شاء إذ إن الحكمة ستعطيه كل ما كان يتوق اليه، وستكون ينبوعاً فياضاً للمعرفة، والنور، والفرح.
2) صلاة سليمان لينال الحكمة (9/1-18)
تستلهم الصلاة في حك 9 الصلاة التي في 1 مل 3/6-9 و2 اخ 1/8-10، والوارد ذكرها في حك 7/7-10. تأخذ هنا صيغةً جديدة وفريدة تتناسب مع الوضع الموصوف في حك 8 والموجه نحو طلب الحكمة الإلهية، ومع أفكار وهموم الوسط اليهودي المتأثر بالهلينية. بإدخاله صلاة كهذه في مؤلف حكمي، يتبع الكاتب تطوّر نوع أدبي نجده في أم 8/12-31 القريب من النشيد، وأم 30/7-9 الذي يتضمن صلاة أجور، وابن سيراخ الذي يؤلف صلاة جماعية (36/1-17) وصلاة فردية للشكران (51/1-12)؛ بالإضافة إلى ذلك، قد تكون كل المزامير التي من القرنين الثاني والأول ق. م. من عمل "الحكماء" الذين كانوا يَنشدون هدفاً تعليمياً. ويتبيّن التدقيق في صلاة حك 9 أنها تقسم إلى ثلاثة أجزاء: الأول (1-6) يخضع لترتيب مُتّبع عادة في التقليد اليهودي؛ الثاني (7-12) هو تطبيق شخصي على سليمان؛ الثالث (13-18) يبتعد عن إطار النص، مع اعتبارات عامة حول عجز الانسان الطبيعي وحدود معرفته العملية. يستقطب الاهتمام معنى المهمّة الموكلة الى الانسان من قِبَل الله، وضرورة العون من العُلى من اجل بلوغ الكمال الانساني الحق، ومعرفة الإرادة الالهية.
تقسيم صلاة سليمان هو مركزي، وذلك استناداً إلى ذكر "عطية" او "إرسال" الحكمة ثلاث مرات (4، 10، 17)؛ والنقطة الرئيسية فيها هي الطلب في الآية 10.
في اول جزء (1-6)، يذكّر المؤلّف بعمل الخلق، وبواجب الانسان الذي برأه الله بحكمته بأن يمارس سلطانه على الكون. يوضّح الجزء الثاني (7-12) دور الحكمة في عمل الخلق المذكور، ثم يضع هذا الدور بموازاة الدور الذي على الحكمة ان تلعبه تجاه الملك؟ فهي تعرف ما يرضي الله، وتعلّمه للملك. يؤكد آخر الجزء الثالث (13-18) انه بعون الحكمة هذا وجد الناس الخلاص، لأنهم تعلّموا ما هو مرضي لدى الله.
يطلب سليمان الحكمة في صلاته، ولكن دون ان ينغلق على ذاته، فيوسّع حقل تفكيره، واضعاً ذاته في إطار أوسع. فالمقطع الاول (9/1-6) يضعه بين كل البشر؟ إنه يعرف الدعوة التي يعطيهم الله إياها، ويشاركهم هو المحدودية ذاتها. في المقطع الثالث (13-18)، يمتزج الملك بالبشرية (لاحظ استعمال ضمير المتكلم الجمع في 9/14 و16). المقطع الوسيط (7-12) يحصر الكلام فقط بالملك الذي يصلي، وبالحكمة موضوع صلاته.
لنتوقف عند دور ومكان الحكمة في كل هذه المجموعة. الاستنتاج الاول يأتينا من الموازاة بين 9/2 أ: "بحكمتك خَلَقتَ الانسان" و9/18 ج: و"بالحكمة خُلِّصَ (الناس)".
تتدخّل الحكمة لدى الله، ولدى الانسان. هكذا نرانا امام قطبَي الخلق والخلاص في التفكير اللاهوتي. يتأمل سليمان تاريخ الخلاص ثم يكتب أو يصلّي. إذا كان هذان القطبان، اي الخلق والخلاص، يكمل الواحد الآخر في دائرة الوجود البشري، فإن المؤلف يدعو إلى التأمل أولاً في دور الحكمة لدى الله، في الآيات 1-3 و9. تشارك الحكمة حقيقة في الخلق، وتستحق الانتباه في هذا المجال، الموازاة بين 9/9 ب "كانت حاضرة حين صنعت العالم"، وبين 9/10 ج "حتى إذا ما كانت حاضرة إلى جانبي تجدّ معي". إذ كان على الحكمة ان تجدّ مع الانسان، فهذا يعني ان لها دوراً فعّالاً.
هذه هي الحكمة التي يطلبها سليمان. إنه لا يصلي كي يهبه الله "قلباً" كي يفهم (1 مل 3)، ولا "حكمةً وفهماً" (2 اخ 1)، بل يطلب من الرب "حكمته هو". لا يمكن للانسان ان ينال الحكمة إلا كهبةٍ مجّانية ومشتهاة، بالتالي على الانسان ان يصلّي كي ينال الحكمة، وإذا لم يُستَجَب، فهذا يعني انه مرذول من عداد ابناء الله (9/4 ب). هذا التفكير يتردّد في 9/17 كصدىً لـِ 9/4 و9/10، كما لِـ 9/6 ب ايضاً. الحكمة إذاً بالنسبة للانسان هي في آن معاً ضرورية ولكن صعبة المنال بالقوى البشرية الذاتية، لذلك يبقى له ان يتقبّلها كعطيّة.
ليس الدور الذي على الحكمة ان تلعبه لدى الانسان مستقبلياً، كون موهبة الحكمة قد تحققت للناس. تشكّل الآية 9/18 صدىً لِـ 9/10 ج-11: "كي اعلم ما المرضيّ في عينيك"، "تعلّم النّاس ما يُرضيك". ندرك من هنا كيف ولماذا يرفض المؤلّف ان يعزل سليمان عن باقي البشر. السبب يجد جوابه في رؤية التاريخ المقدس الذي يبقى غير قابل للشرح دون الحكمة، وفي هذا التاريخ تسمح الحكمة للملك بأن يدخل.
تبيّن المقارنة مع 1 مل 3 و2 اخ 1 كل ما للتفكير حول الحكمة من فرادة: ليس لدورها لدى الله ولدورها الذي ستقوم به لدى الملك (9/9 و 9/10 ج-11) أي سابق في النصوص التاريخية التي تلهم المؤلّف. ستتّضح أهمية هذا الدور الذي تلعبه الحكمة بالنسبة للانسان إذا ما حدّدنا مكان الانسان بالذات، حسب حك 9.
في الآيات الأولى من الصلاة، اي في 9/1-3، يذكر المؤلّف الخَلق ويحاول ان يحدد دعوة الانسان. فهذا الاخير يمارس مُلكاً على الكون، كون دعوته مَلَكيّة؛ وهنا يرد ذكر دعوة سليمان الملك (9/7-8). لقد نجح تصميم الله (9/1-3) إذاً، لأن "سُبُل الذين على الارض قوّمت. وتعلّم الناس ما يرضيك، وبالحكمة نالوا الخلاص" (9/18). هكذا يُبرز إطار الصلاة رؤيةً تفاؤليّة لتاريخ البشرية ويبعث على الثقة؛ إن ما يشتهيه سليمان هو الدخول في تيار النفوس العظيمة هذه التي استجابت لدعوتها.
لقد خلق الله الانسان بحكمته (9/2)، وبذات الحكمة خُلّص الانسان (9/18). بدونها يستحيل على الانسان ان يجيب على الدعوة الالهية (9/4 و6؛ 9/17). يعي المؤلّف جيداً ان الانسان ضعيف، ويرى بؤس الانسان من منظارَين مختلفَين: في التاريخ الحقيقي اولاً (9/5): سليمان هو إنسان ضعيف، لا خبرة لديه في الحكم. وتتعمّق وجهة النظر هذه في المقلب الثاني من الصلاة بتفكير فلسفي (9/13-17): من يعرف إرادة الله؟ (9/13 و16 ج-17 أ)، فإن تفكيرنا ضعيف "وأرضي" (9/14 و16 أب)، وهذا ما تفسّره جسدانيتنا (9/15). اخيراً، إن ثقل جسدنا البشري هو الذي يبيّن بؤسنا (وفق التفكير الافلاطوفي). لا يُقال شيء هنا عن مكان الخطيئة. وجهتا النظر هاتان، التاريخية والتأملية، توازيان، ولكن بطريقة متعاكسة، الجزء الأول من السفر (1-8: موضوع الحكمة)، والجزء الثاني منه (10-19: موضوع التاريخ).
لن يتكلّم المقطع الوسيط (9/7-12) بعد الآن عن البشرية، بل سيتكلم فيه سليمان عن ذاته وحده وعن الحكمة التي يطلبها من الله. في مجموعتين من الأبيات التي تتجاوب، يذكّر المؤلف بدعوة الملك (9/7-8)، وبتحقيقها المستقبلي (9/12)، بفضل موهبة الحكمة. ثلاث مهمّات لسليمان تُعدَّد هنا: هو ملك، وقاض، وعليه ان يبني الهيكل والمذبح. قد تشير كلمة "اعمالي" (9/12) إلى الهيكل والمذبح (9/8)؛ لكنها قد تشير ايضاً إلى ما خلقه الله، بالاستناد إلى ذات الكلمة في 9/9 "اعمالك". بهذه الطريقة يجعل المؤلف علاقة بين اعمال الملك وبين اعمال الله، بين تشييد الهيكل وبين الخَلق.
تتعارض هذه الرسالة إذاً مع ضعف الانسان وجهله، وهذا ما يثبته التعارض بين 9/5-6 و7-8؛ وبين 9/12، و13-17. لكن وحدها الحكمة، إذا أدّت الدور الذي لها لدى الله، تساعده على تحقيق رسالته جيداً (9/12). افعال 9/12 هي في صيغة المستقبل، اما افعال 9/18 فهي في صيغة الماضي. تشكّل هاتان الآيتان خاتمة المقطعين الثاني والثالث، وتتكلّمان عن النجاح في تحقيق دعوةٍ ما، دعوة كل إنسان (9/18 9/1-3)، ودعوة الملك (9/12/ /9/7-8)، بفضل موهبة حكمة الله. في هذه الصلاة، يطلب الملك ان يكون في مسار اولئك الذين حققوا تصميم الله، وان يجعله مستقبلُه في امتداد ماضي آبائه (9/1).
3) قسم انتقالي: الحكمة تخلّص خاصتها (10/1- 11/1)
يرتبط الفعل العاشر ارتباطاً وثيقاً بما سبقه؛ فالحكمة تبقى في الواجهة، وتدخلّها الخلاصي في التاريخ، المذكور في 7/27 ج، قد أعِدَّ له باعتباراتٍ وردت في حك 9 حول الوضع البشري، وأُعلن عنه في 9/17-18. ففي حين ان حك 7 كان يشدّد على نشاطها الكوني الشامل ويعتبرها واحدة مع العناية الالهية (راجع 8/1)، وحك 8 يُبرز إشعاعها في كل مجالات الحياة الفردية، فإنها تبدو الآن وهي تعمل في التاريخ القديم. يتتبّع المؤلف "خطواتها" (6/22 ج)، مرتكزاً على قصص سفري التكوين والخروج، مضمّناً التاريخ في الادب الحكمي. وإذا كان ابن سيراخ (44- 50) قد سبقه في هذا المضمار، فإن الفرق بين الاثنين عميق؛ ففي سفر ابن سيراخ، يكتفي المؤلف بالتذكير بأمثلة الماضي الكبيرة، تاركاً الوقائع ذاتها تتكلم، والارتباط بالحكمة غير بارز، وبالتالي فالربط هو خارجي وحسب. أما هنا فالحكمة الالهية هي التي توجّه الاحداث، ويبقى المؤلف على بعدٍ من المعطيات البيبلية ويفسّرها غالباً بطريقة شخصية. 
بسبب طابعه التاريخي، يشكّل الفصل 10 مقدّمة للقسم الثاني من السفر، يذكر فيها المؤلف بالتتابع: آدم وخطيئته (1-2)، مقتل هابيل (3)، الطوفان ونوح (4)، برج بابل واختيار ابراهيم (5 أ)، إيمان هذا الاخير وذبيحة اسحق (5 ب ج)، لوط وعقاب المدن العشرة (6-8)، محن يعقوب واختباراته الروحية (9-12)، بيع يوسف على يد إخوته وإعادة الاعتبار إليه (13-14)، أخيراً موسى والخروج وعبور البحر الاحمر (15-19/ 1).
2- امانة الله لشعبه من خلال الخروج من مصر (11/2-19/22)
في إطار صلاة شكران مرفوعة إلى إله اسرائيل، الاله الحقيقي وحده، من اجل عمله الانقاذي الفصحي الكبير، يتأمل المؤلف بمعنى احداث الخروج: تستخرَج من الاحداث جدلية تتعلّق بطرق العناية الآلهية، وترتبط بالصفات الالهية، ليس فقط من اجل تسليط ضوء على الماضي، ولكن ايضاً من اجل إعطاء صورة مسبقة عن المستقبل. هناك استطرادات طويلة (12/2-22؛ 13-15) في القسم الثاني من السفر، تتخلل النصوص المنسّقة بموازاة متتابعة (راجع 11/6؛ 16/2 و9/10 و20؛ 18/3 و8؛ 19/5) يبلغ عددها سبعة، فتضع، بطريقة متوازية (11/5 و16)، العجائب المحققة لصالح اسرائيل من جهة، وضربات مصر من جهة ثانية. يتجذّر كل هذا في العمق في الفكر اليهودي من خلال شريعة المجازاة (راجع 11/5) من جهة، ومن خلال المنحى المدراشي للتفسير الكتابي والقناعة بأن هناك مصيراً مميّزاً لاسرائيل من جهة ثانية.
موجز عقيدة سفر الحكمة
في الوقت الذي كان فيه سفر الحكمة يرى النور، كانت العقائد التي تعالج موضوع الخلاص تتكاثر، باحثةً عنه في الاسرار، وفى الغنوصية، وغيرهما. في حك 1/1 يدعو سليمان المنتحل الى التفتيش عن الله، وهذا ما يتحقق باتخاذ الحكمة الالهية عروساً (8/2)؛ فبالاتحاد بها يتنشّأ الانسان على الاسرار الالهية (8/4)، ويحظى بالخلود (8/13).
لا يمكن الحصول على الحكمة بواسطة قوى الانسان الذاتية؛ فامتلاكها (8/21) هو نعمة ينبغي ان تطلب من الله (8/19-21). لذلك يجب أن يكون البّر أولاً هبة منه، قبل ان يصبح فضيلة بشرية.
لكن ما هي الحكمة؟ إنها الله بالذات واصلاً ذاته بالخليقة الروحية. إنها نفح من قدرة الله، وفيض من مجد القدير (7/25)، تُفاض في النفوس القديسة، فتجعل اصحابها اصدقاء الله (7/27) إذ تقودهم إلى خدمته وإلى الحياة الأبدية معه (6/9- 21؛ 10).
يشدد المؤلف على الخلود قرب الله، الذي تضمنه الحكمة للأبرار (2/23؛ 3/1 و15؛ 6/19). فكرة الخلود جديدة بتعبيرها الصريح إذ تظهر كلمة الخلود لأول مرة هنا في العهد القديم. لقد استعار الكاتب مصطلحات الفلسفة اليونانية للتعبير عن الاعتقاد بالخلود؛ مع هذا لم ترد فكرة قيامة الاجساد، علماً ان اسرائيل كان قد وعى هذه الحقيقة وآمن بها في ايام المكابيين (دا 12/2-3؛ 3 مك 7)؛ فهل كان واضع سفر الحكمة يرغب في ان يتحاشى من خلال صمته عن هذا الموضوع ان يصدم اليونانيين (راجع اع 17/32)؟
في الجزء الأخير من السفر (10-19) يجد اليهود المؤمنون تاريخ الآباء والخروج من مصر، بلباس جديد يرمي الى جذب العقول التي تغريها الفلسفة اليونانية، وإلى الحثّ على اقتفاء آثار الآباء في الايمان.
القسم الثاني: سفر الحكمة والعهد الجديد
يشكل سفر الحكمة جزءاً من الأسفار المقدسة القانونية، علماً أنه لم يكن كذلك قبل المجمع التريدنتيني في بعض الأوساط الكنسية التي كانت تصّنفه في درجة ثانية، أو تنكر عليه أي طابع مقدس، كما هو الحال بالنسبة لباقي الاسفار القانونية الثانية؛ أما الكنائس البروتستاتنية فإنها تصّنفه بين أسفار العهد القديم المنحولة.
سفر الحكمة في العهد الجديد:
قد يبدو صعباً البرهان على استعمال العهد الجديد لسفر الحكمة، مقابل وجود شيء من التقارب العميق في بعض النقاط بين هذا السفر والوحي الجديد، خاصة في رسائل بولس وانجيل يوحنا.
أ- سفر الحكمة ورسائل بولس:
يرى البحّاثة في مقاطع عدّة من كتابات بولس تأثير التيار الحكمي على طريقة إبرازه للمسيح، مثل 1 كور 1-2، وكو 1/15-20.
اً) 1 كور 1-2
يمدح بولس لغة الصليب التي هي مقابل حكمة اللغة. يقوده تحليله إلى الكلام عن المسيح "حكمتنا" (1/30)؛ لكن بأيّ معنى المسيح هو "حكمة"؟
تشكل 1 كور 1/17 رابطاً بين الآيات 14-16 من جهة، والآيات 18- 31 من جهة ثانية، حيث يمكننا اكتشاف جزءين:
- في الأول (18-25)، المقصود هو لغة الصليب؛
- على الثاني (26- 31) يرتكز وضع المؤمنين المشابه لوضع المسيح.
في 18-20 ذات الطابع السلي يُضرَب الحكماء بالجهل، لأن الله يقلب القِيَم السائدة. أما في 21-25 ذات الطابع الايجابي، فان جهل الله هو أحكم من الناس. الحكماء (حسب العالم) هنا هم اليهود، وهنا التناقض، لأن حكمتهم يجب أن تأتي من الله وليس من العالم. اليونانيون أيضاً، أي الوثنيون، هم جزء من هؤلاء الحكماء. نعم أن اليهود كانوا يميّزون اسرائيل عن باقي العالم الذي يمثّل الوثنيين. يبيّن بولس ان اليهود هم في ذات الوضع كباقي الأمم، أي أنهم ضُربوا بالجهل. جهّال العالم هم المؤمنون، يهوداً ويونانيين، الذين يقبلون لغة الصليب، وبين الاثنين ليس حاجز يفصل.
في 26-29 الطابع سلبي؛ يستعيد المؤمنون المدعوّون التناقض الذي هو تناقض المسيح المصلوب؛ فما هو ضعيف في عيون العالم يبرز قوّة الله، كما يبرز المسيح المصلوب قوة الله. أما طابع 30- 31 فهو ايجابي إذ يُفَسّر وضع المؤمنين من خلال علاقتهم بالمسيح (آية 30).
ما هي علاقة الحكمة بالمسيح؟
يجمع بولس في هذا المقطع (1 كو 1/17- 31) مواضيع مختلفة مثل الحكمة/ الجهل (راجع ام 1-9)، أو عجز الناس عن معرفة حكمة الله (1كو 1/19-21؛ 2/7-8؛ با 3/9-4/4). نجد الشيء ذاته بالنسبة لموضوع الشقاء والموت المشؤوم اللذين لا يمكنهما أن يكونا نصيب البار (راجع المزامير الحكمية: 1؛ 25/12-13؛ 34/2-22؛ 37؛ 49؛ 73؛ 119؛ دا 13؛ الخ).
يتبع كلمة "حكمة" مرات عدة مُضاف: حكمة الله (1/21 و24؛ 2/7)، حكمة الحكماء (1/19)، حكمة العالم 1/20)، حكمة الناس (2/5). هناك الحكمة البشرية (1/21 و22؛ 2/1 و4)، والحكمة المطبّقة على المسيح (1/30) ذات الطابع الخلاصي. صليب المسيح هو اختصار للحكمة الالهية التي تربط بين الله والناس، ولا سيما المؤمنون. تأتي المبادرة من الله في هذه العلاقة (1/30)، وهي بالتالي عطية منه لمن قَبِلَها.
في 1 كور 1/24 و30، يصف بولس المسيح بأنه حكمة الله أو حكمة. فعمل المسيح مشابه لعمل الحكمة: "إننا نكرز بالمسيح مصلوباً، شكاً لليهود، وجهالة للأمم، أما للمدعوّين، اليهود واليونانيين، فالمسيح قوة الله وحكمة ا لله" (23-24).
عبارة "حكمة الله" هي موازية لعبارة "قوة الله"، والاثنتان تتعارضان مع كلمتَي "شك" و"جهالة" في 1 كور 1/23. فالتشديد ليس إذاً على اعتبار المسيح حكمةَ الله الأزلية.
في الآية 30، التوحيد بين الحكمة والمسيح ليس مُطلقاً: "وبالله انتم في المسيح يسوع الذي صار لنا حكمةً من الله، وبرّا، وقداسة، وفداء" (30).
في غل 3/13، "صار المسيح لعنة لنا".
القول أن المسيح قد صار لنا حكمة، يعني الإقرار أن المؤمنين لا يمكنهم أن يتكلموا بعد الآن عن حكمة الله الخلاصية دون الكلام عن المسيح المصلوب الذي فيه تنحصر إرادة الخلاص هذه. ليس المسيح إذاً الحكمة.
لا يدعى الروح في 1 كور 1-2 "حكمة" لكنه على علاقة بها لأن الله أوحاها لنا به (2/10). "الروح" مساوٍ لِـ" قوّة" كما في 1/24، والاثنان متعارضان مع حكمة البشر في 2/4 و13. الروح يفحص حتى الأعماق الالهية (2/10؛ راجع حك 9/9 و11)، ويكشف حكمة الله (راجع سي 4/18؛ حك 6/13؛ 7/21؛ ام 8؛ سي 24).
إذا كان المسيح قد أصبح لنا حكمة الله، وإذا كان الروح هو الذي به تكشف الحكمة الالهية، فإن هذه الحكمة لا تنضب بهذه العلاقات. تبيّن 1 كور 1/25-28 أن وضع المسيحيين يعبّر عمّا جاء في تناقض المصلوب (ما هو جهل الله هو أحكم من الناس)، وعن الحكمة الالهية المرتبطة بصورة المصلوب.
2ً) كو 1/15-20:
يستعمل نشيد الشكران في كولسي كلمات تعود إلى التقليد الحكمي، من أجل وصف دور المسيح في الكون.
هناك علاقة بين المسيح وكل الكائنات في نص كو 1/15-20، تهدف إلى إبراز ارتباط هذه الأخيرة الشامل بالمسيح، وحتى الكائنات السماوية أيضاً. المسيح هو الوسيط الوحيد للخليقة وسابق لكل الكائنات المبروءة. نجد أفكاراً مشابهة تتعلّق بالحكمة المشخّصة في العهد القديم. الحكمة هي سابقة لكل ما هو مخلوق (راجع أم 8/22- 31). هي وسيطة الخليقة (أم 8/30 في السبعينية؛ أم 3/19-20؛ حك 9/1-2). تبرز بعض النصوص كرامة الحكمة وعظمتها (أم 1-9؛ سي 24؛ اي 28؛ حك بكامله). لقد كانت وحدة الوسيط أحد المواضيع الرئيسية في تفكير الحكماء.
ويطرَح السؤال الآن إذا كان نص كو 1/15-20 قد وحّد بين المسيح والحكمة المشخّصة. للإجابة على هذا السؤال، لا بُدّ من إلقاء نظرة على المفردات المستعمَلَة أيضاً:
- "صورة الله غير المنظور" (كو 1/15 أ): نجد كلمة "صورة"، حسب المعنى الذي لها في تك 1/27، في سي 17/3 وحك 2/23. أن كو 1/15 لا تُبرز فكرة الانسان المخلوق على صورة الله، لأن الابن ليس صورة بفضل الميزات التي، كعدم الفساد، تجعله شبيهاً بالله، بل بفضل اشتراكه الفاعل بعمل الخلق، وكونه وسيط الخليقة (آية 16). لذلك تندرج كو 1/15 في خطّ المؤلفات الحكمية حيث "صورة" مرتبطة بالوظيفة الكونية للحكمة (راجع مثلاً حك 7/21-26). المسيح هو صورة كما الحكمة في الاسفار الحكمية، بعمله الخالق وسموّه.
- "مبدأ" (كو 1/18 ب): تُدعى الحكمة "مبدأ" في أم 8/22.
- "بكر خليقة" (كو 1/15): البكر هو الوارث الرئيسي لأبيه، ويتمتع بنوع من السلطة على إخوته (تث 21/15-17؛ 2 اخ 21/3). كذلك يدعى اسرائيل "البكر" (خر 4/22؛ ار 31/9؛ سي 36/11)، ولكن هنا بمعنى تفضيل اسرائيل على باقي الشعوب. واستعمل اللقب ذاته لاحقاً للملك. ممثّل اسرائيل (مز 89/28)، مع طابع مسيحاني، بعد المنفى. هناك إذاً تطوّر في معنى كملة "بكر" نحو "المفَضّل"، ثم "المحبوب". فإذا كان المسيح "بكراً" فذلك لأجل وساطته (كو 1/16-17). ولكن بمعنى أدقّ، قد يقصد بولس أن المسيح هو "سيّد كل الخليقة"، على قدر وساطته في الأساس، دون إغفال فكرتي "الأسبقية" الزمنية والوساطة الخالقة (راجع الآيتَين 16-17). لكن هل من علاقة بين كلمة "بكر" وبين الحكمة؟ الأكيد أن الحكمة لا تُدعى قط "البكر" في التقليد الكتابي واليهودي.
العمق الحكمي في كو 1/15-20 هو إذاً أكيد، وذلك انطلاقاً من تلاقي الأفكار المعبَّر عنها (أسبقية الوسيط، ووساطته الخالقة، ووحدانيته)، ومن الدلائل المستنتجة من المفردات ("صورة"، و"مبدأ"). والتركيز على كرامة وعظمة الوسيط هو أيضاً حكمي تماماً. من هنا نستنتج أن المسيح يوصف بميزات حكمية، لكن هل هناك توحيد بين الحكمة والمسيح؟ بالطبع المسيح هو أسمى من الحكمة لأن كل شيء خُلِق "لأجله". لذلك لا يمكن اعتبار الحكمة مساوية له، كما أن بولس لم يكن يرمي من خلال كتاباته إلى اعتبار المسيح والحكمة بذات المستوى.
3ً) إنا جموعة الأسلحة في حك 5/17-19 هي لذ الذي يقاضي، أما في أف 6/13-17 فهي للمسيحي؛ هناك بعض الفروقات في التفاصيل، علماً أن الاستيحاء من اش 59/17 (و11/5) هو بَيّن في الحالتَين.
4ً) قضية عبادة الأصنام الوثنية: يعالج سفر الحكمة (13/1-9) بطريقة فريدة اللوم الذي يوجَّه إلى "العلماء" لأنهم لم يعلموا كيف يتعرّفون إلى الاله الأحد والخالق انطلاقاً من أعماله، من المرجّح ان بولس قد استوحى في روم 1/19-22 مما تقدّم؛ فالآية 20 هي نوع من الاختصار لِـ حك 13/1، 4، 5؛ ويبدو أن بولس قد أوجز حك 13/1-9 وأعطاه بعداً مختلفاً، إذ يتكلم عن الديانة الطبيعية والبدائية، دون أن يفكّر في عبادة الكواكب والعناصر، منتقلاً مباشرةً إلى عابدي الأصنام المصنوعة، وهؤلاء بنظره "لا عذر لهم" (الآية 20). يأتي تعداد الآفات التي هي عقاب على عبادة الأصنام (روم 1/24 و26؛ حك 14/ 12 ب و22 ت)، في الحالتين، بعد انتقاد هذه العبادة، لكن نقاط التقارب غير ظاهرة؛ فمؤلّف سفر الحكمة يشدّد على الأخطاء الناتجة عن عبادة الأصنام، في حين أن بولس يركّز على الأخطاء ضد الطبيعة، التي تُحْدِر الانسان إلى ما دون الحيوان، مستعملاً بعد ذلك لائحة معروفة من الآفات. باستعادته مقارنة فخار الخزّاف (روم 9/21)، يلتقي بولس مباشرة مع مضمون نصوص مثل اش 29/16؛ 45/9؛ ار 18/6، حيث توحي الصورة بسلطان الله المطلق؛ أما مؤلّف الحكمة، فإنه يبرز سلطان الخزاف ليبيّن بطلان الأصنام (حك 15/7 ت). النقطة الوحيدة المشتركة هي الاستعمالات المختلِفة للأدوات التي يصنعها الخزّاف (روم 9/21؛ حك 15/7).
المهمّ هو أن بولس قد تعرّف جيداً إلى سفر الحكمة، وحفظ منه الأفكار الرئيسية. يكفي تذكر تشخيص الموت وكأنه قوّة كونية سابقة للطبيعة، والعمق الهليّني في بعض النصوص للطباق "حياة/موت"، ودخول الموت إلى العالم بسبب الخطيئة (راجع روم 5/12 وحك 2/24)، وتسمية خطيئة آدم وكأنها "زلّة" (راجع روم 5/15 و17؛ حك 10/1)، ودعوة المؤمنين "لمشاركة القديسين نصيبهم في النور"، (كو 1/12؛ حك 5/5 ب)، بالإضافة إلى عدد من الكلمات والتعابير المشابهة. من ناحية ثانية، إذا كانت بعض النقاط الكريستولوجية عند بولس ترتكز على الحكمة البيبلية، فإننا نفكّر بنوع خاص بالنقاط المتّشحة بهذه الأخيرة بصيغتها الهلينية. ترتبط كريستولوجية بولس بقوة بالأسفار الحكمية، الأمر الذي يثبّت فكرة استعماله لسفر الحكمة. هكذا نجد ترابطاً بين 1 كور 10/1-2 وحك 19/7 و10/17-18، بين 1 كور 10/4 وحك 10/1 ت؛ يبدو أكيداً أن المسيح، الصخرة الروحية التي رافقت العبرانيين في الصحراء، ليس سوى الحكمة التي تدخّلت في تاريخ الخلاص. كذلك مجد الرب، الذي كان موسى قد تأمله وعَكَسَه، "يتأمّله المسيحيون أيضاً كما في مرآة" (2 كور 3/18) ويصبحون أكثر فأكثر شبيهين بهذا المجد من خلال تحوّل تصاعدي تحت عمل الروح القدس؛ هكذا يصبح المسيح بالنسبة إليهم "مرآة". ان الصورة ذاتها مستعملة للكلام عن الحكمة الالهية في حك 7/26 بالإضافة إلى ذلك، نجد في 2 كور 4/4 و6 تعابير أخرى من حك 7/25- 26 ("متلألئ، صورة ومجد"). أخيراً، في 1 كور 6/2 ("أما تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟")، يستوحي بولس حك 3/8 أ.
ب- سفر الحكمة وإنجيل يوحنا
هناك الكثير من النقاط المتشابهة بين انجيل يوحنا وسفر الحكمة، في المدخل، كما في باقي الانجيل.
كل محاولات التقريب هذه بين السفرَين تبقى من باب الاجتهاد، خاصة مقارنة المسيح بالحكمة في مدخل الأنجيل. لكن توجد مواضيع مشتركة بين السفرَين أعمق من التي ذكرت اعلاه، تتلخّص بثلاثة:
- موضوع "الآيات" أو العجائب
- موضوع "الحياة"
- موضوع "الايمان".
يُرَدّ سبب هذا التقارب حول المواضيع الثلاثة هذه، إلى كون الكاتبينْ قد نهلا من تفسير مشترك لعجائب الخروج من مصر، ذات الطابع الحكمي. فلقد اختار يوحنا بعضاً من عجائب يسوع، ونسّقها وفق ترتيب مقصود، هو أقرب إلى تسلسل عجائب سفر الحكمة منه إلى سفر الخروج. فلكي يضع مقابل الإنعامات التي يهبها الله لشعبه، القصاص الذي ينزله بالأعداء، يتبع سفر الحكمة بشكل عام تتابع الضربات في سفر الخروج وليس العجائب. بالإضافة إلى ذلك، لا تتبع عجائب يسوع في يوحنا وعجائب سفر الحكمة ذات الترتيب التصاعد (1ً) إرواء العطش: حك 11/4-14 ويو 2/1- 11؛ (2ً) سدّ الجوع: حك 16/20-26 و16/2 ويو 6/1-13؛ (3ً) الانقاذ من الموت بعلامة خلاص؛ حك 16/5-13 ويو 3/14 و4/43-54 و5/1-9 أ؛ (4ً) عطاء المنّ وتكثير الخبز: حك 16/20-26 ويو 6/1-13؛ (5ً) النور وشفاء المولود أعمى: حك 18/1 ويو 9/1-41؛ (6ً) الكلمة التي تنقذ من الموت؛ حك 18/22 ويو 11/1-44)، بل ئلاحظ أيضاً وبانتظام الانتقال من المستوى التاريخي أو الحسّي إلى مستوى القِيم الروحية والدائمة، ونسبة العجائب دائماً إلى الحكمة الالهية أو إلى الكلمة في سفر الحكمة، وإلى المسيح الكلمة في الانجيل؛ المسيح في يوحنا هو خبز الحياة، والنور، والحياة والقيامة. بالنتيجة، من أجل تفسير نقاط التوافق ونقاط الاختلاف بين يوحنا وحكمة في معالجتهما لموضوع "الآيات"، نحن مدعوون لأن نفترض أن حك 11-19 يستثمر أحداث الخروج، استناداً إلى المرجع الذي استعمله يوحنا كأنموذج، كذلك هو الأمر بالنسبة لموضوع الحياة والموت، حيث المفردات تبقى مختلفة بين الاثنين، علماً أن هناك سلسلة من التشابهات العميقة بينهما.
في الواقع، قد نجد أفكار يوحنا في حك 1/15 أ؛ 15/3؛ 1/11-16؛ 2/23-24؛ 6/18؛ 16/22 و36، شرط القبول أن واضع سفر الحكمة لا يأخذ بعين الاعتبار الموت الجسدي، ويرمي إلى الكلام فقط عن الموت والحياة الروحيين. بالنتيجة، تتكوّن لدينا النقاط المشتركة التالية: الحياة والموت الأسكتولوجيّان هما الآن؛ الحياة الحقّة هي الحياة مع الله، الموت الحقيقي هو رذل الحياة الأبدية؟ تضمَن هذه الأخيرة بواسطة الإيمان بكلام الحكمة أو بكلام يسوع، لقد دخل الوت إلى العالم بواسطة إبليس، مع هذا يبقى الانسان حرّاً في أن يختار بين الحياة والموت، يقف أبناء الله في وجه أولئك الذين ينتمون إلى إبليس، وبالتالي إلى "الموت".
في ما يتعلق بموضوع الإيمان، ينبغي المقارنة بين مفردات المؤلَّفين: يستعمل يوحنا كثيراً فعل "آمن" بالإضافة إلى الأفعال التي تعني "عرف"، وبالمضمون ذاته نجد كلمة "آمن" عدة مرات في سفر الحكمة، لكن موضوع معرفة الله الحقيقية يعود باستمرار أيضاً. المعضلة الأساسية لمؤلّف سفر الحكمة هي مسألة الايمان الحقّ، اي قبولاً لِوحي الله، ومعنىً لسرّ الطرق الالهية التي وراء المظاهر، واستسلام واثق لئه، وخضوعاً حيويّاً لكل متطلّباته. لا يحتاج الايمان إلى "الآيات" أو عليه أن يتخطّى هذه الأخيرة ليسم ذاته للرب (12/2 ج)؛ يُرغَم الأشرار على "معرفة الرب" (12/27)، لكنه إيمان مؤسَّس فقط على الآيات (18/13)، وبالتالي ضعيف الى حدّ أنه يعجز عن تغيير تصرّفهم، وحتى عن تبديل حالهم النفسية. بالاضافة إلى ذلك، "يصعب تفسير" (17/1) طرق الله في التاريخ؛ لهذا يستمّر الأشرار في اتّباع طريقهم الشريرة (12/2؛ 19/3)، ويستقرّ غضب الله عليهم (19/1). أما الصديق، فلأنه يمتلك "معرفة الله" (2/13) فإنه لا يدع ذاته العوبةً بيد الشك الذي تسبّبه الأحداث أو الأضطهادات؛ إيمانه ليس بحاجة إلى أن تثبّته العجائب، ويموت دون أن يأتي الله لتخليصه (2/12-20). لكنه يؤمن بوعود الله، و"رجاؤه مملوء خلوداً" (2/22؛ ¾؛ 15/3). يتكلّم الانجيل الرابع عن فكرة الايمان المشابهة، يطلب يسوع الإيمان بأقواله (4/48 ت)؛ إذا كانت العجائب، في بعض الحالات، تستطيع أن تساعد على الإيمان (يو 2/11 و23؛ 3/2؛ 4/53 ت؛ 20/30 ت)، فليست هي الحاسمة، كون اعتناق الايمان هو أمر حرّ وسرّي (يو 12/39؛ راجع حك 19/4). ويتكلم يوحنا، هو أيضاً، عن إيمان ناشئ، مبنيّ على الآيات، ولكنه لا يصل إلى نتيجة لدى الكثيرين (12/37). ومثل حكمة، يربط يوحنا الايمان "برؤية" أسمى، أو يراه ينبع من نور فائق الطبيعة؟ بالمقابل، لا يبصر المؤمنون أو هم عميان بسبب شرّهم (راجع 12/45 و46؛ 14/9؛ 8/39 الخ). أخيراً يوصل الايمان الحقيقي إلى الخلود (حك 15/3؛ 6/18)، ويملّك منذ الآن الحياة الأبدية (يو 6/47؛ 3/14 ت، 16، 18، 36؛ ألخ). وعلى تلاميذ يسوع، كما "البار" في حكمة، أن يؤسّسوا حياتهم على الإيمان بالكلمة، دون الحاجة إلى ضمانات إضافية (يو 20/29).
من الملفت للنظر أن المسيح في يوحنا يذكر مواضيع من العهد القديم، وقد سبقه إلى ذلك سفر الحكمة، مثل الحيّة النحاسية (حك 16/6-7 و10 و12)، المنّ (16/20- 21 و25-26).
ج- سفر الحكمة وأسفار العهد الجديد الأخرى
في كتابات يوحنا الأخرى، يلاحَظ وجود بعض الشَبَه بين 1 يو 2/11 ("لأن الظلمة قد أعمت عينيه") وحك 2/21 ب ("لأنّ شرّهم أعماهم"). في سفر الرؤيا نجد تقارباً بين حك 6/5 ورؤ 2/16 من حيث وصف الدينونة الالهية، من خلال ثلاث كلمات: "سريعاً"، "قاتل"، "سيف"، ثم بين حك 3/14 ورؤ 3/12 ("في هيكل الرب")، وبين حك 16/9 ورؤ 16/6 ("إنهم مستحقّون")، وبين حك 3/5 ورؤ 3/4 في ما يتعلّق بالمكافأة.
قد تستمد الرسالة إلى العبرانيين بعض الشيء من سفر الحكمة، لكن نقاط الالتقاء بين الاثنين. قليلة: "موضعاً للتوبة" (عب 12/17) أو "مهلة للتوبة" (حك 12/10)؛ "الارتداد عن الله" (عب 3/12؛ حك 3/10)؛ الخ.
في رسالة يعقوب، نجد تقارباً مع سفر الحكمة، لكن المعاني مختلفة؟ هناك في المقابل تقارب أكبر مع سفر ابن سيراخ.
في رسالة بطرس الأولى نجد المثل الأقوى على العلاقة بين سفر الحكمة ومقطع من العهد الجديد، أي بين 1 بط 1/6-7 وحك 3/5-6 حول الامتحان المطهِّر.
هناك نصّان من انجيل متّى ملفتان للانتباه:
- يعود سبب استهزاء أعداء المسيح به وهو على الصليب (مت 27/39-43)، إلى ادّعائه أنه "ابن الله" (27/43)، نجد هذه النقطة في حك 2/13-18 وفي إطار مماثل: "يسمّي نفسه ابن الرب..." (2/13) ويتباهى بأن الله أبوه..." (2/16) "فإن كان البار ابن الله فهو ينصره..." (2/18)
- اعتراف قائد المئة الذي يقول: "كان هذا ابن الله" (مت 27/54 راجع مر 15/39) هو الاعتراف ذاته الذي تبنّته الكنيسة الأولى، وهذا أيضاً قريب من حك 2/18؛ فكون المضطهد في حك 2/12 ت هو في آن معاً "ابن الله" و"البار" فإنّ ما يدوّنه متى ولوقا هو شبيه جداً بهذين اللقبين المستعملين معاً. عندما يدعى يسوع "البار" فقد يكون هذا استيحاءً مما جاء في حك 2/12 ت وفي نشيد عبد يهوه في اش 53/11.
لقد كان لوقا على معرفة بسفر الحكمة، وهذا ما يفسّر صدى هذا الأخير في كتاباته. في سفر أعمال الرسل، تربية إلهية واحدة تعمل في التاريخ، فتنقذ المؤمنين بطريقة عجائبية، او تنشّئهم، في حين ان المضطهِدين والاشرار ينالون عقاباً يناسب جريمتهم؟ فالحملة التي يشنّها بولس في بعض خطبه على عبادة الاصنام، تستوحي الكثير من حك 13- 15 (راجع رسل 14/15-17؛ 17/24-25 و29)، هناك أيضاً مقطع من خطاب بولس في أثينا (رسل 17/26-28) يشكل صدىً لرسالة سفر الحكمة، إذ يؤكد أن ذات المبدأ الالهي، المتسامي والداني في آن معاً، قد عمل في الكون وفي كل التاريخ البشري. بالإضافة إلى هذه المشابهات العامّة، توجد مشابهات خاصة تتعلق بالأفكار وبالاسلوب. من بين الأكثر تعبيراً، هناك ذكر الوثنيين "الذين يبحثون عن الإله وكأنهم يتلمّسونه، ليبلغوا إليه إذا أمكن ويجدوه" (رسل 17/17؛ راجع حك 13/6 ج)، والتوبة المقتَرَحة على الجميع (رسل 17/30، راجع حك 11/23)، والنفس التي "تُطلب" من الذي لم يهتم سوى بالخيرات الدنيوية (لو 12/20؛ راجع حك 15/8 د)، والندم العقيم الذي يبديه الرجل الغني المعذب في النار، في حين أن لعازر الفقير يتنعّم في حضن ابراهيم (لو 16/19-31؛ راجع حك 4/20 ت).د
خاتمة
لا يبدو استعمال العهد الجديد لسفر الحكمة أمراً مثبتاً، كما أن استشهاد الأول بالثاني ليس حَرفياً، بل هناك تلميحات عامة. نجد التقاءً من حيث الدلائل الأدبية، في كتابات بولس، والتقارب الفكري الأعمق في انجيل يوحنا. سفر الحكمة ليس بعيداً عن مفردات العهد الجديد، وأفكاره، ومؤلفاته، وعقيدته.
يشوع بن سيراخ
1- المقدمة
يرتبط سفر يشوع بن سيراخ بأسفار الحكمة، ولكنّه جاء متأخراً عنها فاتخذ طابعاً خاصاً. دوِّن في العبرية ولكن اليهود لم يقبلوه في اللائحة القانونية. أما المسيحية فقبلته وسمته الكتاب الكنسي لأنها تعودت ان تستعمله في تعليم الموعوظين الذين يتهيأون للعماد والدخول إلى الكنيسة. ضاع النص الأصلي أجيالاً عديدة، ثم اكتُشف في نهاية القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين. إنتشر الكتاب في الترجمات السريانية واليونانية واللاتينية، وكان لكل من هذه الترجمات تاريخها.
في الترجمة اليونانية يقع ابن سيراخ في آخر الاسفار الحكمية اي بعد الامثال والجامعة ونشيد الاناشيد وايوب وحكمة سليمان. وتتبع اللاتينية الترتيب عينه الا انها تجعل ايوب قبل المزامير. وفي السريانية يأتي ابن سيراخ بعد الحكمة العظيمة، وقد سقطت منه المقدمة.
اسمه حكمة يشوع بن سيراخ تمييزاً له عن حكمة سليمان. قدَّره الربانيون حق قدره، ولكنهم لم يقبلوه في قانونهم فجعلوه بين الاسفار المنحولة. ترددت الكنيسة في بادئ الأمر ولكنها في النهاية وضعته في لائحتها القانونية في المجمع التريدنتيني. اما البروتستانت فجعلوا سفر يشوع بن سيراخ بين الكتب المنحولة راجعين بذلك إلى الموقف اليهودي الفلسطيني.
2- من كتب ابن سيراخ؟
إذا وضعنا جانباً الاسفار النبوية، يكون ابن سيراخ هو السفر الوحيد الذي نعرف أسم كاتبه بصورة دقيقة. لقد فعل على مثال الهلينيين فوقَّع كتابه بيده (51: 30) واورد اسمه على هذه الصورة: يشوع بن سيراخ بن اليعازر الاورشليمي (50: 27). ثم أن حفيده يذكره في المقدمة (آ 5): جدي يشوع. فمن هو هذا الكاتب؟
ينتمي ابن سيراخ الى طبقة ميسورة، وهذا ما أتاح له ان ينكَّب على درس الحكمة. أقبل إليها في عمر مبكر بالصلاة والتأمل وحياة توافق الشريعة. وقَبِل متطلبات التأديب وأدخل عنقه في عقد الحكمة وأحنى رقبته تحت نيرها (6: 24-25) فقطف ثمارها. وكبر طموحها بنجاحه. تاق إلى أن يكون تلميذاً، فنمت فيه الرغبة بأن يكون بدوره معلماً. لم يطلب إلا ان يَسقي بستانه، فاذا قناته صارت نهراً ونهره صار بحراً. فوضع نصب عينيه ان يجعل تعليمه يضيء في البعيد فيبقى ذخراً للأجيال الآتية (24: 31-33). ولهذا أخذ على عاتقه الواجبات المرتبطة بتربية معلم الحكمة. اجتهد في أن يفكر في شريعة العلي وطلب الحكمة من القدماء وكرَّس اوقات فراغه للنبوءات. حفظ احاديث البشر المعروفين وولج في خفايا اقوالهم. طلب المعنى الخفي للامثال وتبحَّر في الغاز الاحاجي (39: 1-3). تثقف بالكتاب وتثقف أيضاً باتصاله بالبشر ومعاشرة الرؤساء والعظماء ومعرفة البلدان. سافر، طاف ورأى في مطافه اموراً كثيرة وما فهمه يتجاوز ما يقدر أن يعبر عنه (34: 11). ولم تكن أسفاره نُزهة مسلية، بل عرف المضايقات واحتمل التعيير واحس بالموت قريباً منه (51: 3-7). وهذه الاختبارات نشّطت نفسه، وفتحت عقله، واعطت لكلامه سلطة الذين رأوا وغامروا وتألموا.
ولكن هذا الانتقال في البلدان وهذه الاتصالات بمحيطات حياتية وفكرية تختلف عن محيطه لم تبدّل شيئاً من ايمانه. لقد وجد لنفسه في الحكمة راحة (51: 27) وتذوَّق سعادة الحكيم (14: 20- 15: 10). فالعالَم الواسع لم يسلبه يقينه. وفي بيت التعليم (أي المدرسة) الذي افتتحه، قطف تلاميذُه تعليماً أميناً للتقليد. اجل، لقد ظل ابناً لشعب اسرائيل، ظل أميناً وثابتاً على التعليم القويم. فلم تؤثر فيه انتقادات ايوب والجامعة ضد التعليم في المجازاة، ولا شكوك العصر، ولا تسرّبات الهلينية التي ستدفع الكثيرين الى السقوط في مهاويها. بل، إنه اعتبر أن الحكمة محصورة في اسرائيل، هذه الحكمة التي هي الشريعة. فلماذا نذهب إلى البعيد ونطلب العلم، ولماذا اضاعة الوقت في ابحاث لا طائل منها؟ تعمق في كل تاريخ شعبه وآدابه، فامتدح الآباء مديحاً عاطراً. لقد ظل يهودياً بكل كيانه، بل احتفظ بمواقف انعزالية شأنه شأن ابناء عصره تجاه السامريين والفلسطيين (50: 25-26).
ولكن هذا المحافظ في أمور الديانة ليس فكراً متحجراً. رأى وسمع كثيراً، ففتح قلبه على العالم. وهكذا تحدّث عن فوائد السفر، وأعلن بطلان الأحلام، وبرَّر اللجوء إلى الطبيب. واستعاد مسألة المجازاة، وفكَّر في الخطيئة وفي الحرية وفي مصير الانسان. نفسه نفس نقية، ولقد شدّد على ضرورة مخافة الله. انه يحب الصلاة (51: 13) ويعرف قوتها (35: 16- 17؛ 23: 1- 6؛ 36: 1- 17؛ 39: 5- 6؛ 51: 1- 13). انه مملوء اعجاباً بالكون ويعتبر اعمال الله جيلة وصالحة (39: 16، 33). هذا ما نكتشفه في نشيده عن عظمة الله في خلقه (42: 15- 43: 33).
ونكتشف تقواه في شعائر العبادة. حين يمتدح الآباء يكرس خمس آيات (45: 1- 5) لموسى ولكنه يخصص لهارون 17 آية (45: 6- 22) اما داود فيجمع في نفسه مجد المحارب ومجد الشاعر الديني الذي ينظم الاحتفالات. ويعجب بصورة خاصة بسمعان بن اونيا الكاهن الأعظم، فيصوّره في عيد التكفير محاطاً بإخوته (50: 5- 21). من أجل هذا يجب على المؤمن أن يشارك في شعائر العبادة وأن يقوم بواجبه تجاه ما تطلبه منه الشريعة. لهذا قال: لا تحضر أمام الرب فارغ اليدين. مَجِّد الرب بسخاء ولا تكن بخيلاً حين تقدم البواكير (35: 4- 7). لا يرذل ابن سيراخ أياً من العناصر التي يفرضها الدستور الذبائحي، ولكنه يعلن أن الذبائح لا تَفعل بطريقة آلية. الرب لا يقبل إلاَّ التي نقدمها بالاستعدادات اللازمة التي تحدث عنها الانبياء مراراً. ولقد قال ابن سيراخ: من يذبح من مال اقتناه بالظلم يقدم ذبيحة الهزء، وعطايا الأثمة غير مرضية (34: 18). من قدم ذبيحة من مال المساكين فهو كمن يذبح الابن امام ابيه (34: 20). لا تُقبل ذبيحة الا ذبيحة البار (35: 16). ولا يكون الانسان باراً ان لم يمارس تجاه القريب العدالة والمحبة.
وهذا الكاتب يحب الحياة ويريد التمتع بالسعادة التىِ تمنحه اياها. وهو يعطي تلاميذه نصائح تعبر عن شخصيته: لا تحرم نفسك من يوم ضاع، ولا تفلت منك رغبة شهية (14: 14). فنحن نكتشف ما يحب هذا الحكيم: يحب اخضرار الحقول والازهار، والبساتين التي تسيل فيها المياه، والولائم والخمر. الصداقة عزيزة على قلبه وفيها يقول: الصَديق القويم سَند قوي، من وجده وجد كنزاً. الصديق الأمين لا يعادله شيء وصلاحه لا موازٍ له. الصديق الامين دواء الحياة والذين يخافون الله يجدونه (6: 14-16). قالوا عن ابن سيراخ إنه يكره النساء، وهذا صحيح (25: 13- 24؛ 42: 13- 14)، ولكنه انتبه إلى الجمال (36: 22) والنعمة (36: 13، 15) ولقد قال: الشمس الشارقة في عُلى الرب كجمال المرأة الصالحة في عالم بيتها. السراج المضيء على المنارة المقدسة كجمال وجه على قامة رزينة. العواميد من ذهب تقوم على قواعد من فضة، هاتان هما الساقان الجميلتان على اخمصين ثابتين (26: 16- 18).
هذا هو ابن سيراخ، رجل علم وخبرة، يهودي امين يحافظ على وصايا الشريعة، ويعتز بماضي آبائه ويفتخر بامتيازات بني اسرائيل شعب العهد والحكمة.
3- تأليف ابن سيراخ
هناك معلومات تساعدنا على القول ان ابن سيراخ عاش حوالي السنة 200 ق. م. في اورشليم وان كتابه دوِّن حوالي السنة 180. فحفيده المترجم اليوناني يقول لنا في المقدمة انه بدأ عمله بعد السنة الثامنة والثلاثين للملك أوَرَجتيس الذي هو بطليموس السابع (170-116). اذا ترجم كتابه بعد سنة 132 ق. م. فإذا افترضنا ان الجد كبر حفيده بخمسين سنة يكون الكتاب دون حوالي السنة 180.
ثم ان ابن سيراخ يشير الى ذكريات خاصة في النشيد الحماسي الذي يخصصه لسمعان الكاهن الأعظم (50: 1- 24) الذي كان يقوم بوظيفته حين احتل انطيوخس الثالث اورشليم سنة 198. وبما اننا لا نجد في الكتاب اي تلميح الى الوضع المأساوي الذي سيقوم بعد عزل اونيا الثالث ابن سمعان سنة 174، واضطهاد انطيوخس ابيفانيوس (175-164)، فنقدر ان نجعل تأليف ابن سيراخ بين هذا الاحتلال الغريب وثورة المكابيين سنة 167.
ظلت فلسطين سحابة قرن ونيف (بعد سنة 301 ق. م.) تحت حكم بطالسة مصر ثم انتقلت الى سلطان السلوقيين في سوريا سنة 198. رضي انطيوخس الثالث (223-187) وسلوقس الرابع (187-175) عن اليهود، ومنحاهم امتيازات، وساعداهم على اعادة بناء الهيكل وتنظيم شعائر العبادة (2 مك 3: 3). وهكذا، ان ما يصوره سي 50: 1- 4 يجد مكانه في هذا الاطار.
كانت فتوحات الاسكندر قد عرّفت العالم إلى شكل من الحضارة سميت الحضارة الهلينية، فأسرع الكثيرون واخذوا بهذه الحياة الجديدة. ولكن بسبب اللغة اليونانية المفروضة والتلفيق الديني وتمجيد قوى الطبيعة، قامت المجابهة بين الحضارة اليهودية والحضارة الهلينية. وعى ابن سيراخ الخطر الذي تشكله حركة الافكار والاخلاق هذه على الديانة (2: 12- 14). من أجل هذا كتب ليدافع عن ارث اليهودية الديني والحضاري، عن نظرته إلى الله والعالم واختيار الله لشعبه. وحاول ابن سيراخ أن يقنع أبناء دينه أن شعب اسرائيل يمتلك الحكمة الحقيقية الموجودة في الشريعة الموحاة، وأنهم بالتالي لا يحتاجون الى مكتسبات الفكر والحضارة اليونانية التي هي اكيدة ولكنها ملتبسة. وهكذا دوَّن كتابه فجاء يجمع في خبرته المعمَّقة الديانة التقليدية وحكمة الناس، ويقدم دستوراً أخلاقياً عملياً لليهودي الذي يريد أن يبقى اميناً لديانته. وترجم الحفيد ما كتبه الجد، فمد تأثير هذا الكتاب الى الذين يعيشون في الخارج ويريدون أن يتعلموا أو يتأدبوا ويعيشوا بحسب اقوال الشريعة. لقد تبدّل العالم بسبب الضغط الوثني المتمثل بالحضارة اليونانية، فجاء سفر ابن سيراخ يعم اليهودي كيف يقف بوجه الشر والفساد ويبقى أميناً لديانة الآباء.
دوّن ابن سيراخ كتابه في العبرية، ونقله حفيده إلى اليونانية. وأخذت الكنيسة النص اليوناني فقرأته وفسرته للمؤمنين. أما الأصل العبراني الذي عرفه ايرونيموس (مترجم الشعبية اللاتينية) والربانيون اليهود، فقد ضاع منذ القرن الثاني عشر. وفي سنة 1896 اكتشف بول كالي في مخبأ (غنيزه او كنز) القاهرة مقاطع مهمة من الكتاب تعود الى القرنين الحادي عشر والثاني عشر. ثم وجدت مقاطع اخرى سنة 1958 وسنة 1960. وفي سنة 1964 وجد العلماء في السور الشرقي لحصن مصعدة اربعة فصول تعود الى القرن الأول ق. م. وهي 39: 27- 43: 30. وهكذا تيقّن الجميع ان النص الأصلي لسفر يشوع بن سيراخ هو النص العبري. ترجه حفيد الكاتب وهو عالم بالصعوبات التي تجابهه. ومهما يكن من أمر، فالنص المعتمد رسمياً هو النص اليوناني. ولا يرجع المترجون الى النص العبري إلاَّ إذا أشكل عليهم فهم النص اليوناني.
واذا اردنا ان نتوقف عند بنية الكتاب وعناصره نكتشف ان ابن سيراخ دوّن كلامه شعراً شأنه شأن سائر الاسفار الحكمية (ما عدا الجامعة). يتألف كتابه من دستيكات (بيتان متكاملان) تخضع لقاعدة الموازاة. فالبيتان يعبران عن المعنى الواحد (1: 17) او يقدم الواحد فكرة معاكسة للآخر (4: 21) او يفسر البيت الثاني ما قاله البيت الأول (1: 20؛ 2: 3). واذا توقفنا عند المعاني نكتشف الملاحظة العابرة (13: 23) والتنبيه (6: 4؛ 10: 3) والحقيقة الدينية (1: 1، 3: 30).
أما الكتاب فيتألف كله من جموعة اقوال وامثال تتوالى مرة بدون رابط بينها، او تجمع حول موضوع واحد. فهناك مثلاً نصائح متنوعة (7: 1- 22) أو حكم متنوعة (20: 18- 31). وهناك الامثال المجموعة. نشير هنا الى ان النص العبري نص متواصل لا عناوين فيه (ما عدا 44: 1 مديح الآباء). ولكننا نجد في النص اليوناني عناوين تدل على مضمون هذه المجموعة أو تلك. ففي 2: 1 نقرأ: الثبات. وفي 18: 30: ضبط النفس. وفي 20: 27: اقوال حكمية. وفي 23: 7: تأديب الفم.
4- تصميم ابن سيراخ
لا يتفق الشراح على تصميم لسفر يشوع بن سيراخ. جمع ملاحظاته ووضعها في شكل تعليمي، ثم دوَّنها كما وردت مع استطرادات عديدة فلم تحمل بنية محددة. على كل حال نستطيع ان نجد قسمين (ف 1- 23 وف 24- 50) يبدأ كل منهما بمديح للحكمة. وتضمن ف 51 ملحقين: نشيد شكر وقصيدة تعالج طلب الحكمة. وهناك من يميز قسماً اول (1: 1-42: 14) يجمع اقوالاً مختلفة حول مدائح متصلة بالحكمة، وقسماً ثانياً هو تأمل في الخلق وفي التاريخ (43: 15- 50: 29).
وها نحن نقدم تصميماً موسعاً يساعد القارئ على قراءة الكتاب.
القسم الاول (1: 1- 16: 23): الحكمة، الفطنة واقوال متنوعة، طابع الحكمة السري، مخافة الله ينبوع الحكمة، الغضب والصبر، التقوى والتواضع ومخافة الله، الثبات في المحنة والاتكال على الله. الواجبات نحو الأهل، التواضع، تجنب البحث الذي لا طائل تحته. الكبرياء، الصدقة ومساعدة الفقراء، الحكمة المربية والفطنة والبر، طمائينة كاذبة للغني والخاطئ، تجنب اللسانين والكبرياء، الصداقة الصادقة والصداقة الكاذبة، تعلم الحكمة. نصائح متنوعة (7: 1-22). الاباء والبنون، واجبات نحو الكهنة، واجبات نحو الفقراء والمساكين، الفطنة في العلاقات مع النساء ومع الرجال والحكام. ويعود الى الكبرياء، ويتحدث عن اصحاب الكرامة والهوان، عن التواضع والحقيقة فلا نثق بالظواهر. ويكلمنا ابن سيراخ عن الفطنة والرزانة، عن الثقة بالله وحده، وعن الحذر من الشرير. لا تعطِ الا الاخيار وتجنَّب الأعداء ومن هو اغنى واقوى منك. وتأتي اقوال عن سعادة البار، وضد البخل وعن التمتع بالحياة وسعادة الحكيم وحرية الانسان امام الخطيئة، والاولاد الاشرار ومعاقبة الخاطئين.
القسم الثاني (16: 24- 23: 27): الله والخلق واليك مواضيعه: عمل الله في الخلق، خلق الانسان، العهد، عدالة الله ورحمته، النداء الى التوبة، عظمة الله ورحمته. تعلَّم العطاء، تعلم الفطنة، لا تُرضِ رغباتك وتجنَّب الثرثرة ولا تحكم على احد قبل أن تعاتبه. الحكمة الحقيقة والحكمة الكاذبة، تعم ان تتكلم وان تصمت، مناقضات وحكم متنوعة (20: 18- 31). اهرب من الخطيئة، الحكيم والسفيه، الكسلان، الاولاد الاشرار، كيف تقف تجاه الجاهل، رجل المقاصد، الصداقة، السهر، الصلاة، القَسم، السهر على ما نقول وخطايا الزنى. 
القسم الثالث (24: 17- 33: 19): الحكمة والشريعة: الحكمة تمدح نفسها، الدعوة الى الحكمة، الحكمة والشريعة، مقصد الكاتب، ما نحبه وما نكرهه، اكليل الشيوخ، امور بهيجة، المرأة الشريرة، المرأة الفاضلة والمرأة العاهرة، ما يُحزن الحكيم، اخطار التجارة، الكلمة تمتحن الانسان، البحث عن البر، محادثة السفهاء، الحشرية تقتل الصداقة، الخبث يُعاقب الانسان حيث يخطأ، الحقود والخصومات وشر اللسان. الإقراض والكفالة، التهرب من الضيافة المذلة، تربية الأولاد، الصحة، فرح القلب، اخطار الغنى ومنفعته، الولائم، منافع الخمر واخطاره، ترؤس الولائم والتحدث فيها، مخافة الرب الذي هو سيد ايام البشر وظروفهم. قصد الكاتب.
القسم الرابع (33: 20- 42: 14). نصائح متعددة في الحياة: قد تورث خيراتك قبل موتك، كيف تعامل العبيد، بطلان الاحلام وفائدة الاسفار، الرب يحمي خائفيه، العبادة التي يرضى عنها الله، قوة الصلاة (35: 16- 18) عقاب الامم، صلاة من اجل شعب اسرائيل، الفطنة، كيف تختار امرأة، الصديق الصادق والصديق الكاذب، العفة، الالتجاء إلى الطبيب، الحزن، الصناع والكتبة، نشيد الى حكمة الله في تدبيره للكون (39: 12- 35). شقاء الانسان، خيرات حقيقية وخيرات كاذبة، التسول، الموت، عقاب الافرار، السمعة الحسنة، الخجل الحقيقي والخجل الكاذب، همُّ البنت، الحذر من النساء.
القسم الخامس (42: 15- 50: 24): مجد الله في الطبيعة وفي التاريخ. مجد الله في الخليقة، مديح الآباء، نوح، ابراهيم، اسحق، يعقوب، موسى، هارون، فنحاس، يشوع بن نون... ويختتم الكاتب هذا القسم بنشيد شكر وصلاة.
القسم السادس (50: 25- 51: 30): الخاتمة ومقصد الكاتب، نشيد شكر. كيف اقتنى الكاتب الحكمة، وكيف نفعل نحن لنقتنيها؟
5- تعليم ابن سيراخ
يعلمنا المترجم في المقدمة ان جده يشوع كتب عن مواضيع التعليم والحكمة لكي ينكب عليها اصحاب العالم ويتقدموا في حياة توافق الشريعة. اذاً هدف ابن سيراخ ان يعلمنا الحكمة، اي كيف نوجه حياتنا بحسب شريعة الله فننال السعادة في هذه الدنيا.
وها نحن نقدم مواضيع تعليمه: الحكمة، مسألة المجازاة، وجهات من الديانة، وجهات من الحياة، الحياة الاقتصادية والحياة السياسية.
أ‌- الحكمة
الحمة هي الخير الاسمى وهي تمنح الحياة لتلميذها. من أحبها احب الحياة (4: 12) الغنية والمملوءة بكل خير، لأن لا شيء ينقص لخائف الرب (40: 26). أما ثمار الحكمة التي بها تُسكر احباءها (1: 16) فهي البهجة وسحر القلب والفرح والسرور. وتحمل الحكمة أيضاً الكرامة والاحترام والنجاح والطمائينة (34: 14) والقوة (50: 28) والصحة (1: 18) والحياة الطويلة (1: 12، 20) واسماً يدوم من جيل الى جيل (15: 6، 39: 9). والحكمة تمنح طلابها السعادة. الرجل الحكيم يمتلئ بركة ويغبطه كل من يراه (37: 24). وتتردد عبارة: هنيئاً للرجل الذي لم يخطأ بفمه (14: 1)، الذي يأملفي الحكمة (14: 20)، الذي يخاف الرب (34: 15).ويشبه الكاتب الحكمة بحلاوة العسل وثياب المجد وحلية الذهب واكليل البهجة (4: 11- 15: 10).
ولكن كيف نقتني الحكمة التي هي ينبوع كل هذه البركات؟ إنها أولاً عطية من الله يهبها للذين يخافونه أي للذين يحبونه ويتعبّدون له. رأس الحكمة مخافة الله (1: 14) وكذلك تاج الحكمة (1: 18) واصلها (1: 20). فكل حكمة تأتي من الرب (1: 1) ومخافة الرب تكتمل في الحكمة (43: 33). ولكن مخافة الرب التي تمنحنا الحكمة ترافقها ممارسة الشريعة. ويشدد ابن شيراخ على هذه الحقيقة فيقول: هل ترغب في الحكمة؟ اذن احفظ الوصايا فيمنحك الله إياها (1: 26). فالذين يحبون الرب يشبعون من الشريعة (2: 16) لأن ممارسة الشريعة هي في كل حكمة (19: 20). فعلى الحكيم أن يخاف من الخطيئة بكل أشكالها ويتجنّب الكبرياء والزنى لأن الخطأة لا يرون الحكمة ابداً (15: 7).
الله يحب الحكمة، والانسان يكتسبها. هذا ما قاله معلموا الحكمة فتتبع خطاهم ابن سيراخ. يجب أن نسمع الاب والمعلم. وتتردد كلمة "اسمع" 3: 1؛ 6: 23؛ 16: 24، 23: 7، 31: 22). إذا احببت أن تسمع فتعلم (6: 33) وأحبب أن تسمع كل كلام إلهي (6: 35). لهذا يبحث الانسان عن المحادثة مع الحكماء (6: 34) والفهماء (6: 36) والشيوخ (25: 4- 6) الذين تعلموا من ابائهم. منهم نتعم الفطنة (8: 9) ونأخذ عِبَر الاجيال القديمة (3: 10). ثم إننا نضع هذه الأقوال في قلبنا (5: 28) ونتأملها (8: 8) ونعود إليها. 
ثم لا بد من التتلمذ للحكمة. لهذا افتتح ابن سيراخ مدرسة وربَّى تلاميذ عديدين وسلَّم اليهم ثمر تعليمه (4: 17- 19؛ 6: 18- 37؛ 14: 20- 15: 10). ان الحكمة لا تُوجد من دون جهد. فالذي يريد أن يكتسبها يخضع لمتطلباتها، يحمل نيرها، يقبل قيودها. والويل للذي لا يثابر على طلبها، فهي تتخلى عنه. أما التلميذ الأمين الذي يقبل بأن يسير معها فهي تجازيه على ثباته وتفتح له اسرارهـا وتملأه بهجة وسروراً.
من هم اصدقاء الحكمة؟ الحكماء والفهماء واصحاب الفطنة، وبينهم نجد الابرار والاتقياء. أما اعداء الحكمة فهم الجهال والبلهاء والسفهاء، وبينهم نجد الأشرار والكفّار والخطأة وأصحاب السوء والذين لا شريعة لهم.
ونتوقّف أخيراً عند الحكمة التي ينظر اليها ابن سيراخ كأنها شخص حي. انها تدعو تلاميذها: تعالوا الي أيها الراغبون فيّ واشبعوا من ثماري (24: 19)، تدعوهم وتربيهم (4: 11- 19). وهي تفتخر بأنها خُلقت قبل كل شيء (1: 4)، خُلقت قبل الأجيال، منذ البدء (24: 9)، وخَرجت من فم العلي (24: 3). رآها الله وأحصاها وأفاضها على جميع مصنوعاته (1: 9). طلبَتْ عند البشر مكان راحة (24: 7)، فأمرها الرب ان تنصب خيمتها في يعقوب، في اسرائيل (24: 8). وهكذا اقامت في الخيمة المقدسة، في صهيون (24: 10). وهكذا صارت حصة اسرائيل، حصة شعب الوعد والشريعة.
حين يتحدث ابن سيراخ عن الحكمة يعود الى سفر الأمثال، ولكنه يزيد عليه بعض الشيء. فالحكمة متحدة إتحاداً حميماً بالله. فهو لم يخلقها فقط، بل هي خرجت من فمه (24: 3). وهذه العبارة سيستعيدها حك 7: 25 فيقول: هي دفق قدرة الله وفيض مجد القدير. ثم إن الحكمة كانت مُلك جميع البشر فصارت حصة بني اسرائيل. وهكذا ضاق الافق وانحصر في شعب اسرائيل. واخيراً تصبح الحكمة الشريعة.
ب- مسألة المجازاة
قال ابن سيراخ، كما قال اسلافه، إن كل الأعمال البشرية تفرض المجازاة. لا يمكن أن نتجنب المجازاة. نقرأ في 16: 11: لو وجد واحد قاسي الرقبة لكان من العجب ان يُصفح عنه. لأن الرحمة في الرب وفيه ايضاً الغضب. هو رب العفو وهو ساكب الغضب. والمجازاة فردية، والرب يدين كل إنسان حسب اعماله (16: 12، 14). والجازاة تتم على الأرض. فليس من آخرة تُمارس فيها العدالة، والشيول (مثوى الأموات) يجمع ظلالاً لا يهمهم الله ولا يهتم بهم الله. فمن يمدح العلي في الجحيم إن لم يمجده الاحياء؟ فالمديح معدوم لدى الموتى لأنهم لم يعودوا في الوجود. فالذي يملك الحياة والصحة يمجد الرب (17: 27- 28).
وتتم هذه المجازاة بشكل يكاد يكون آلياً: من صنع الشر انقلب عليه الشر ولا يعرف من أين وقع عليه (27: 27). ولكن في الواقع، كل شيء يرتبط بالله الذي يقرر كل شيء كالسيد المطلق: الخير والشر، الحياة والوت، الفقر والغنى من عند الرب (11: 14). فالبار يعيش في مأمن من كل شر وينعم بكل خير، أما الشرير فتضربه الشرور هو وابناؤه. "منذ البدء خلقت الخيور للأخيار والشرور للأشرار" (39: 25). كل هذا، أي الماء والنار والملح والعسل واللبن... يكون خيراً للأخيار ويتحول شراً للخطأة (39: 27).
هذه الأقوال المعروفة في الادب الحكمي هي نشيد الايمان بالله العادل الذي يجازي اعمال البشر. ولكن الحكماء لاحظوا أنها لا تتوافق ومعطيات الاختبار اليومي. ولقد خاف ابن سيراخ من هذه الفوضى التي تهدّد التعليم عن المجازاة فقال: لا تجعل نفسك بين جماعة الخطأة (7: 16)، لا تغَرْ من مجد الخاطئ (9: 11). وحاولَ ان يُهدئ الافكار القلقة، فأعلن بقوة أن المجازاة آتية لامحالة (12: 6، 17: 23). ويتذكر تدخلات الله المفاجئة والحاسمة (5: 7)، ويشدد على اهمية اليوم الاخير فيقول: في يوم السعادة لا تتذكر الشرور، وفي يوم الشقاء تنسى السعادة. فانه من السهل على الرب ان يجازي الانسال حسب اعماله. شرُّ ساعة يُنسي اللذات، وفي وفاة الانسان تنكشف اعماله. لا تغبط احدا قبل موته، لأن الرجل يُعرف في نهايته (11: 25- 28). بما تقوم هذه الساعة التي تنسي الانسان سعادة حياته؟ هذا ما لا يقوله الكاتب لأنه لا يعرفه.
ولكن هناك مقاطع تدعونا الى أن نفكر في المجازاة بعد الموت. يقول إن الموت هو هبوط جديد في التراب والرماد (17: 32؛ 40: 11) وإن الانسان الذي يموت يرث الافاعى والوحوش والدود (10: 11). ونقرأ في اماكن اخرى ان الشيول يكون خيراً للبعض ومعاديا للبعض الآخر. الذي يخاف الرب يطيب نفساً وينال حظوة عند وفاته (1: 13). إتضِعْ إتضاعاً عميقاً لأن عقاب الخاطئ نار ودود (7: 17). حين يقرأ المسيحي هذه العبارات فهو يفكر بعذاب جهنم، ونقدر ان نقول ان في هذا النص بداية التفكير في هذه العقيدة.
وهناك ايضاً سبب قلق وشك لدى النفوس التقية هو الشقاء الذي يصيب الابرار. فهذا ما لا يجهله ابن سيراخ وهو الذي أصابته شرور كثيرة (51: 3، 10). ولكنّه تعلّم من الذين سبقوه ان الله لا يتخلّى ابداً عن احبائه، وإن اخضع للذل والآلام فلكي يمتحنهم ويجعلهم احسن مما كانوا عليه، قال: يا بني ان اقبلت إلى خدمة الرب فهيء نفسك للمحنة. اجعل لنفسك قلباً مستقيماً وثابتاً ولا تقلق في زمن الشقاء. كل ما يحدث لك فاقبله وكن صابراً على صروف اتضاعك، فان الذهب يمحّص في النار والناص المرضيين يُمحصون في اتون الاتضاع (2: 1- 5). وهكذا على المؤمن ان يمارس الصبر ويثبت حتى البطولة. جاهد عن الحق الى الموت، والرب الاله يقاتل عنك (4: 28).
ج- وجهات من الديانة
يتحدث ابن سيراخ عن الله. إنه الواحد والأزلي وخالق كل شيء ولا سيما الانسان الذي جعله على صورته. إنه العناية الشاملة والسيد المطلق للمصائر والممالك والاحداث. يعرف كل شيء ويقدر على كل شيء. إنَّه العادل وحده والحكيم وينبوع كل حكمة والرحوم والرؤوف. هو رب الكون وهو إله العهد الذي منح شعبه المختار شريعة حياة وأسكن الحكمة عنده. وكما ان الله يفيف مجده في مدهشات الكون، كذلك يكشف عن مجده في تاريخ شعب اسرائيل الذي يتذكره الكاتب في مديح الآباء.
ويتكلم ابن سيراخ عن العبادة. فالوجهة الذبائحية تحتل مكانة هامة في فكر ابن سيراخ. وهو يعتبر الكهنوت وينصح المؤمنين بان لا يتخلوا عن خدام الرب (7: 30). يجب ان نخاف الرب ونكرم الكاهن ونعطيه حصته كما هو مفروض (7: 31). يجب ان نقدم بدقة الذبائح والتقادم التي تفرضها الشريعة وان نكون أسخياء في عطائنا (35: 7- 9). ولكن هذه الأعمال العبادية لا تستنفد واجباتنا نحو الله. وإنه لمن الخطأ أن نحسب نفوسنا بريئين من كل دَين إذا تصرفنا هكذا. فالله لا يقبل الذبائح إلا إذا قُدمت باستعدادات توافق الشريعة ولاسيما العدالة والرحمة والمحبة. في هذا المجال يبدو تعليم ابن سيراخ صدى لمتطلبات الانبياء ولاسيما عاموس وهوشع وميخا واشعيا وارميا. والمقطع المعنون "العبادة التي يقبلها العلي" (34: 18-35: 15) هو من اجل ما تركه لنا العهد القديم.
وفكرة الموت تحاصر ابن سيراخ. فالتنبيه "اذكر آخرتك" يعود كردة تتكرر (7: 36؛ 8: 7؛ 14: 12؛ 28: 6؛ 38: 20). نحن لا نستطيع ان نتجنب الموت لأن الانسان ليس خالداً (17: 30). فمنذ حواء وبسببها (25: 24) أعلنت الشريعة الازلية: موتاً تموت (14: 17)، ولا رجوع عن هذا الاعلان. وفكرة الموت القريب والمحتوم تملأ قلب البشر رعباً (40: 2). ولكن لا يجب أن نتمرد على هذا الحكم القاسي. لا تخف حكم الموت، تذكر الذين سبقوك والذين لحقوك. هذا هو الحكم الذي اصدره الله لكل بشر. فلماذا تتهرب من ارادة الله (41: 3- 4). فاولى بالانسان ان يستخلص نتائج وضعه ككائن مائت: احفظ الوصايا ولا تخطأ (7: 36، 8: 7)، لا تسلّم نفسك إلى الحزن واستفد من كل الملذات المسموح بها. أذكر أن الموت لا يبطئ وأنه لم يُكشف لك العهد مع الجحيم. لا تحرم نفسك من يوم صالح ولا يَفُتْك حظُ خير شهي. أعط وخذ وانسَ همومك فلا سبيل الى التماس الفرح في الجحيم (14: 11- 16).
والخطيئة كالموت تحتل مكانة هامة في فكر ابن سيراخ. فنحن كلنا تحت الحكم (8: 5) ومن لا يعذبه حزن الخطايا (14: 1). عاد ابن سيراخ الى خبر السقوط فذكرنا ان الخطيئة بدأت بامرأة (25: 24). ولكن اذا كانت هذه الخطيئة سبب موت للجنس البشري، فهي لا تنتقل بالوراثة. وان الانسان لا يقدر ان يتهم الله كأنه مسؤول عن خطاياه. لا تقل: سقطت بسبب الرب. فما يكرهه الله لا يفعله. ولا تقل: هو اضلني لأن الله لا يحتاج إلى انسان خاطئ (15: 11- 12). هذا الكلام يمنعنا من تفسير بعضى النصوص بمعنى مصير مسبق قرره الله منذ الأزل لفئتين من الناس: الابرار والاشرار، الانقياء والكافرون (39: 24- 27؛ 41: 9- 10). ولا تقل ان الله يفعل ما يشاء ليجازيهم حسب ما يرتئي (33: 13).
والإنسان يبقى حراً أمام الخطيئة: الرب صنع الانسان في البدء وتركه يختار. إذا أردتَ، حفظت الوصايا وأتممت مرضاته بأمانة. وضع أمامك النار والماء فتمد يدك الى ما تشاء. جعل الحياة والموت امام الانسان، فما اعجب الانسانَ يُعطى له... لم يوصّ أحداً ان يكون منافقاً ولا أذِن لأحد أن يخطأ (15: 14- 30) لا شك في ان اللحم والدم يميلان الى الخطيئة، ولكننا نَستطيع ان نتغلب عليهما بمخافة الرب (1: 21)... بتأديب الحكمة (23: 2)، بممارسة الشريعة. من حفظ الشريعة ساد على ميله، ومخافةُ الرب تَكمُل في الحكمة (21: 11).
إذاً، يستطيع الانسان أن يتجنّب الخطيئة. ولكن عليه ان يحذرها (18: 27)، أن يبتعد عنها (8: 5)، ان يهرب منها كما يهرب من امام الحية (21: 2). وإن اخطأ الانسان فلا يكرر (7: 8) فيزيد خطيئة على خطيئة (3: 27؛ 5: 5)، ولا يتمرغ في الخطايا (23: 12). فليترك خطاياه (17: 25) ولا يستح ان يقرَّ بها (4: 26) ويعود الى العلي (17: 25- 26) وينقّي قلبه من كل خطيئة (38: 10). وليتصدق، لأن الصدقة تكفّر عن الخطايا (3: 30)، وليصلّ الى الله (21: 1) وليتوسل إليه من أجل خطاياه (39: 5). فالله رحوم وهو يعرف حالتنا التعيسة، لذلك يَغفر لنا (18: 12) ويصفح عن ذنوبنا (2: 11) شرط أن نصفح عن ذنوب الآخرين (28: 2- 5).
د- وجهات من الحياة
أول وجهة يتوقف عندها الكاتب هي التمتع بالحياة. فمخافة الرب وممارسة الشريعة وطلب الحكمة تؤمن السعادة. ولكن بما أن ابن سيراخ لا يعرف الحياة الأخرى، وبما ان الحياة قصيرة والنهاية قريبة، فيجب ان نتمتع بالخيرات التي تمنحنا اياها الخليقة وتسمح بها الشريعة. قال ابن سيراخ: لا تحرم نفسك من نهار صالح. وهذه السعادة نحفظها ونغنيها ونطيلها ما استطعنا. من هنا ترد النصائح: حافظ على صحتك وهي أثمن الخيرات (30: 14- 17) ولا تضرَّها بالطعام الكثير والشراب الكثير. مارس العفة واعرف ان تشبع. وإذا احتجت فاستشر الطبيب (38: 1- 15).
ولكن فوق كل شيء احفظ قلبك سعيدا (30: 25) وامنع عنه ما يقلقه ويجعله تعيساً. فالحسد والغضب يُقصِّران أيام الانسان، والهموم تجعله يشيخ وهو في شرخ الشباب (30: 24). أما اكبر عدو فهو الحزن. فلا تستسلم الى الحزن ولا تكتئب في افكارك. ففرح القلب هو حياة الانسان وبهجة الانسان تطيل ايامه (30: 21 ي). ولا يجب ان تُطيل ايام الحداد بل ان تقصرها، لأن حزن القلب يضعف القوة (38: 18)، ولانك لا تقدر ان تصنع للميت شيئاً. لا تنس، فانه لا رجوع من هناك، ولست تنفعه ولكنك تضر بنفسك. حين يرتاح الميت أترك ذكره يرتاح وتعزَّ عنه عند خروج روحه (38: 21- 23). ولماذا نلقي الغم على حياتنا فنفكر في شقاء الانسان (40: 1- 11) وحكم الموت الذي يصيبه. خير لك ان تنعم بالسلام والسعادة ولا تحرم نفسك من الملذات التي يمنحها العلي (41: 4).
وندافع عن هذه السعادة ضد اعدائها ونكون ساهرين عليها نحيطها بسلسلة من الاحتياطات. أولاً: نمارس الفطنة في سلوكنا فنعمل كل شيء في وقته. ونمارس الفطنة في اختيار علاقاتنا، أكانوا اصدقاء أو مستشارين، ونمارس الفطنة في تدبير اموالنا. ثانياً: نحذر أعداءنا، نحذر الشرير والغريب والخاطئ، نحذر المرأة، بل نحذر اصدقاءنا واولادنا.
ويحدّثنا ابن سيراخ عن العيلة فيشير إلى فرحة الاب الذي ربى إبنه بالقضبان (30: 1) فيقدر أ، يرقد بسلام لأنه ترك شخصاً يشبهه. ولكن الكاتب لا يذكر بناته إلاّ ليتحدث عن الهم الذي تشكلّه له كل واحدة منهن (42: 9- 10). وهناك قول يتعلق بالأولاد الذين لا فائدة منهم وبالابناء الاشرار (16: 1). حين كان الخصب علامة بركة من الله (مز 113: 9) والعقم عاراً وعقاباً (تك 30: 23، هو 9: 11)، اعتبر ابن سيراخ ان الموت من دون ولد خير من ان يكون لنا اولاد اشرار (16: 3). وستعود حكمة سليمان (حك 4: 1) إلى هذا القول وتتوسع فيه.
وحين نتكم عن العيلة نذكر المرأة. لا شكَّ في ان احكام ابن سيراخ قاسية على المرأة. فهي التي أدخلت الخطيئة الى العالم (25: 24). ويضع أمامنا صورة الزانية والثرثارة والسكيرة والغيورة والفاجرة. ويقول: لا غضب شر من غضب المرأة. مساكنة الاسد والتنين خير عندي من مساكنة المرأة الشريرة (25: 15 ي). وسيقول: شر الرجل خير من صلاح المرأة (42: 14). هذا هو الوجه السلبي ولكن هناك الوجه الايجابي وقد عرف ابن سيراخ المرأة الوديعة والذكية والجميلة والمحتشمة والصامتة والقوية. عرف الزوجات الحكيمات والصالحات وامتدح فيهن الجمال والنعمة والفتنة. وشدَّد على دورهن في حياة الانسان. قال: جمال المرأة يُبهج الوجه ويفوق كل ركبة في الانسان. إن كان في لسانها رحمة ووداعة فليس رجلها كسائر بني البشر. من حاز امرأة فهي له رأس الغنى وعون بازائه وعمود يستريح إليه. حيث لا سياج يُنتهب الملك، وحيث لا امرأة ينوح الانسان ويروح تائهاً. من يأمن اللص الهائم من مدينة الى مدينة؟ هكذا حال الرجل الذي لا وكر له فيأوي إليه حين يأتي المساء (36: 22- 27).
ويكلمنا ابن سيراخ عن الكبرياء والتواضع (2: 17؛ 3: 20؛ 15: 8؛ 16: 8) عن الغضب والغضوبين (10: 18؛ 27: 30؛ 28: 3)، عن الخصومة والخلاف (28: 8؛ 40: 4، 9) وعن شرور اللسان (5: 13؛ 9: 17؛ 19: 7- 13) وأولها الكذب (20: 24- 26)، وعن الكسل (22: 1- 2) وعن الخمر (19: 2، 31: 29- 31).
هـ- الحياة، الاقتصادية والحياة السياسية
ويحدثنا ابن سيراخ عن الغنى والفقر. فالغنى له محاسن. الغنى صالح إذا كان بلا خطيئة (13: 24) وهو يمنح الانسان السلطان والثقة بالنفس (40: 25- 26). ويقابل ابن سيراخ الغني مع الفقير. الغني يظلم ويصخب، والفقير يُظلَم ويتضرع (13: 3). إذا تزعزع الغني ثبَّته اصدقاؤه، وإذا سقط المتواضع طرده اصدقاؤه. يزلّ الغني فيعينه كثيرون، يقول قول الجهل فيبررونه. يزلّ المتواضع فيوبخونه، ينطق بعقل فلا يجعلون لكلامه موضعاً. يتكلم الغني فينصت الجميع ويرفعون مقالته الى السحاب. يتكلم الفقير فيقولون: من هذا؟ وإن عثر يصرعونه (13: 21- 23). وللغنى مخاطره ايضاً لاسيما إذا ربحناه بسرعة وبالظلم، ومن أخطار الغنى انه يفقدنا النوم والصحة. وأكبر خطر هو أننا نجعل ثقتنا فيه وهو سريع العطب. لا تستند الى مال الظم لأنه لا ينفعك في يوم الشقاء (5: 8). مال الظالمين يجف كالسيل وكقصف الرعد وسط الشتاء (40: 13). فكيف نتخلص من نحاطر المال؟ حين نوزعه على الفقراء والمساكين، حين نمارس الصدقة.
وينبهنا ابن سيراخ الى أهمية الزراعة في الحياة الاقتصادية (7: 15، 22)، الى الموازين والمكاييل العادلة (26: 29- 27: 2)، إلى القرض والكفالة (29: 17- 18) وإلى العمل اليدوي فيقابل بين الصنّاع والكتبة (38: 24- 39: 11).
وإذ ينتقل الى الحياة السياسية، يتكلم عن الملك والرؤساء أكانوا عظماء أو قضاة او مستشارين. ونعيش مع الجماعة في المدينة، أكانت جماعة تناقش اموراً اجتماعية او جماعة تصلي في لقائها الاسبوعي في المجمع.
6- أهمية ابن سيراخ
ابن سيراخ هو شاهد على عصر اخذت تتحول فيه الديانة اليهودية بوجهها المتعدد قبل أن تأخذ الوجه الفريسي الذي عرفناه في العهد الجديد وبعد دمار أورشليم سنة 70 ب. م. وواجه ابن سيرأخ الحركة الهلينية فأخذ منها ما أخذ بمقدار، وحذَّر المؤمنين من تأثيرها.
ويشهد ابن سيراخ أيضاً على تنظيم لائحة بالاسفار المقدسة. فالمقدمة تذكار التقسيم المثلث: التوراة، الأنبياء، الكتب (رج 39: 1- 3) ويشير الكتاب الى اسفار البنتاتوكس ويشوع وصموئيل والملوك والأخبار وايوب واشعيا وارميا والأثني عشر (لاسيما ملاخي، وحجاي) ونحميا. وهو ينسب المزامير إلى داود والامثال الى سليمان.
لهذا سيكون ابن سيراخ من الكتَّاب المفضلين لدى اليهود. فالتلمود يورد اقواله، بل يوردها العلمون حتى القرون الوسطى ويقابلون بينه وبين "اقوال الآباء". وقد اثر ابن سيراخ ايضاً على نصوص مهمة في الليتورجيا اليهودية مثل عيد الغفران (كيبور) وصلاة البركات الثماني عشرة.
ولقد حظي ابن سيراخ باعتبار كبير لدى المسيحيين الأولين فسموه الكتاب الكنسي واستلهم يعقوب بعض مقاطعه وادخلوه في لائحة الاسفار القانونية رغم تحفظ اليهود ولاسيما التيار الفريسي الذي اعتبر افكاره لا توافق النظرة الرسمية التي تركزت في العالم اليهودي بعد سنة 70.
القسم الرابع 
الأسفار النّبويَّة

النبي هو من يتكلَّم باسم الله ويقرأ الأحداث على ضوء تعليم الله.
تحدثت التوراة عن الانيياء الكبار وعددهم أربعة: اشعيا، ارميا، حزقيال، دانيال. ويُلحق بارميا سفرُ باروك وسفر المراثي.
وتحدثت عن الانبياء الاثني عشر الذين شكلوا في التوراة العبرية كتاباً واحداً. وسمّوا ايضا الانبياء الصغار، لان ما بقي لنا من آثارهم هو قليل بالنسبة الى ما تركه لنا الانبياء الكبار.
تَجمع التوراة العبرية الانبياء الكبار والانبياء الصغار في مجموعة واحدة سميت "الانبياء اللاحقين". وتجعل سفر دانيال وسفر المراثي بين سائر الكتب. اما سفر باروك فوصل الينا في اليونانية، وحُسب بين الاسفار القانونية الثانية الذي تعتبره ملهما الكنيسة الكاثوليكية وحدها.
الأسفار النبوية
الأنبياء الكبار
يشير سفر اشعيا الى أحداث تاريخية معاصرة للني الذي عاش في القرن الثامن ق. م. اما الفصول 40- 66 فتفترض زمن الجلاء وبعده اي بعد سنة 587 ق م. يحدثنا اشعيا عن إله العهد الذي هو الاله القدوس والذي يطلب من شعبه القداسة. وهذا يفترض ايماناً لا يتزعزع وممارسة العدالة والمحبة.
تنبأ ارميا في مملكة يهوذا في الجنوب (628- 580 ق م)، ونبّه شعبه إلى الشر الذي سيحل به. شدد ارميا على سمو الله، على خيانة الشعب المختار لربه وعلى علاقات الانسان بالهه. اعتُبر سفر باروك ملحقاً لسفر ارميا، ولكنه دوِّن بعد القرن الثالث ق م فقدم لنا مزمور توبة ونشيداً حكمياً وتحريضاً.
سفر المراثي هو جموعة من الاناشيد الحزينة التي دوِّنت على اثر خراب اورشليم على يد البابليين سنة 587 ق م. نُسبت المراثي الى ارميا فصورت دمار اورشليم والهيكل، وعبّرت عن حزن الشعب وثقته المتينة بالله رغم الحالة اليائسة.
انتمى حزقيال الى عائلة كهنوتية أقامت في اورشليم، ولكنه تنبأ في ارض بابل فحدثنا عن المسؤولية الفردية وعن مجانية الخلاص ثم عن رجوع المنفيين إلى الأرض المقدسة ليكونوا شعب الله الجديد.
جعلت السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد العتيق) دانيال بين الانبياء، اما العبرية فجعلته بين سائر الكتب، واعتبره الشراح كتاباً جليانياً (رؤيوياً) يروي تاريخ شعبه بعد دمار اورشليم على طريقة رؤيا يوحنا. دوّن في القرن الثاني ق م ليسند إيمان ورجاء أليهود المضطهدين على أيام انطيوخس ابيفانيوس ملك انطاكية الوثني.
أشعيا النبي
مقدمة:
"نبي ارستقراطي نشره الملك منسى، بحسب التقليد، الى اثنين، وقسمه علماء الكتاب المقدس الى ثلاثة". هكذا عرَّف الأب اتيان شربنتيه باشعيا النبي.
ولد اشعيا في حوالي السنة 765 ق م، وبدأ رسالته في السنة 740 إثر خبرة روحية عميقة، حولت كيانه واجبرته على تكريسه نفسه للعزة الالهية (اشعيا 6).
هو شاعر سياسي ونبي، وعظ ما بين السنة 740 والسنة 700 ق م في ظروف سياسية صعبة، وكان له تأثير كبير جعل بعض تلاميذه الذين جاؤوا بعد قرنين يضيفون اعمالهم الى اعماله. فحسب العلماء المختصين، يؤلف كتاب اشعيا النبي مكتبة تجمع في جزء واحد عدداً من الكتب لمؤلِّفين عدة كتبوا في ازمنة مختلفة وفي ظروف مختلفة. وقد اصبح من المعرّف به ان الكتاب يقسم ثلاثة اقسام بدأت مع اشعيا وانتهت بعد عودة المنفيين من بابل.
1- اشعيا الاول (1- 39): كتبه اشعيا الني. يشدّد فيه على قداسة الله وخطيئة الانسان ويؤكد على أن الخلاص هو بالايمان فقط وبالتجاوب مع حب الله الذي يُظهر الخلاصَ بالايات.
2- اشعيا الثاني (40- 55): كتبه تلميذ عاش ايام الجلاء في بابل (540 ق م) يشدّد فيه على أن الله الخالق يضع صفته وقدرته كخالق في خدمة مخططه الخلاصي فيخلق الشعب الجديد من خلال خروج جديد. إنه الامين العادل الذي يدخل في صداقة حميمة مع شعبه المختار.
3- اشعيا الثالث (56- 66): كتبه تلميذ عاش بعد الجلاء، في اورشليم (520 ق م). يشجب فيه الخطيئة التي تشكل العائق الأساسي أمام الخلاص، ويؤكد من جديد على أمانة الله. يحاول نهيَ الشعب عن عبادة الاوثان فيؤكد بطلانها وسخافة طقوسها، كما يشدّد على اهمية العبادة بالروح دون التقليل من أهمية الطقوس والليتورجيا.

1- تعريف بالكتاب ومعناه :
أ- اشعيا الاول (1- 39)
انه السفر الاكثر انتشارا وشهرة بين اسفار انبياء اسرائيل. على مثال كل الانبياء، لم يكن هدف اشعيا النبي التبشير بأحداث مستقبلية، بل تفسير وقراءة احداث زمانه.
وعظ اشعيا في أوضاع سياسية معقدة جداً وفي مملكة منقسمة الى مملكتين.
- شمالية (اسرائيل). تعيش في قلق دائم خاصة بعد ان أبرم الملك مناحيم معاهدة مع دمشق، عدو اسرائيل التقليدي، ضد اشور للمحافظة على ملكه.
- جنوبية (يهوذا). عاصمتها اورشليم. تعرف ازدهاراً اقتصادياً وخوفاً سياسياً أجبر آحاز الملك سنة 736 على التحالف مع اشور وتقديم ابنه ذبيحة للالهة، معرِّضاً وعد الله لداود للخطر، وضارباً بايمانه عرض الحائط. لكي نستطيع فهم الكتاب، لا يمكننا فصل رسالة النبي عن شخصيته وعن الظروف الحياتية التي عاشها. فهو يتوجه دوما إلى أشخاص معيَّنين في وسط احداث معينة. وربما كان أهم ما يميز حياته وبالتالي سِفرَه، هو معرفته لحقيقة الانسان ومحدوديته. فأمام قداسة الله، تجلت واضحة أمام عينيه كينونة شعبه الهشة، فوعى التزامه بخطيئة هذا الشعب وتأكد أن الجميع يسعى إلى هلاكه بعيدا عن نبع المياه فكانت صرخته الاليمة: للكهنة "المملؤة ايديهم من الدماء، ولأغنياء اورشليم الذين سجدوا لاموالهم، ولأمراء الشعب الذين يضلونه، ولبنات صهيون اللواتي وضعن رجاءهن في زينتهن ونسين الرب، ولسياسيي صهيون الذين لم يتقوا عهد الرب وراحوا يقيمون المعاهدات السياسية مع الشعوب التي لا تعرف "القدوس". أمام كل هذه الامور وغيرها، لم يكن بوسع اشعيا سوى أن يتساءل حول مخطط الله الخلاصي وهو يرى أن الانسان يقف حائلاً دون تتميمه: فاسرائيل يترك ايمانه، وشعوب كثيرة تتدخل دون هوادة في تاريخ شعب الله. فهل الجميع يتصرف عكس ارادة الله؟ أم أن الله هو الذي يدير الجميع لمصلحة مشروعه؟
اقسام الكتاب:
1- 5: اقوال نبوية تتعلق بمملكتي يهوذا والسامرة. انها صرخة الالم، يطلقها اشعيا باسم الرب. اسرائيل هو الكرمة المختارة المحبوبة (5/7) التي لم يترك الرب شيئاً الا وصنعه لها. قد خيبت أمل رب الجنود... ولكن الله يخلص.
6- 12: كتاب عمانوئيل، احس اشعيا بالخطر الداهم الآتي من المعاهدات التي ابرمها اسرائيل مع الشعوب غير المؤمنة وفهم أن عدم الايمان هو سبب كل المآسي، فكان كل همه أن يحث اخوته على العودة الى ايمان الاباء واحترام الشريعة فاذا به امام شعب عنيد... لكن الله لا يتراجع عن اختياره لهذا الشعب ليكون شاهداً له بين الامم وذلك بواسطة "بقية" حافظت على ايمانها وامانتها، وما العلامة سوى عمانوئيل الطفل الذي تنقلب معه الموازين والشرائع ويسود الرجاء. لقد فهم اشعيا خوف آحاز الملك المستعد لأي شيء من أجل البقاء، فبشَّره بولادة طفل يكمل السلالة الداودية فيكون مسيحا يفسح في المجال امام مجيء "المسيح" المنتظر.
13- 33: اقوال نبوية تتعلق خاصة بالشعوب المجاورة لاسرائيل. بعد الاشادة بعظمة الله ودعوة الناس للايمان به (1- 12) يلفت اشعيا الانتباه الى دور الامم في مخطط الله. نجد في هذا القسم تهديداً بويلات كثيرة تصيب هذه الامم، لكن الاكيد هو أن لهؤلاء الأغراب دوراً في الخلاص. فالويلات يجب أن توصلهم الى الرجاء الذي يحمله اسرائيل.
24- 27 و34- 35: رؤيتان لاشعيا الكبرى والصغرى (نصوص اسكاتولوجية). هاتان الرؤيتان ها عمل تلامذة النبي. أضيفتا إلى عمله في القرن الرابع. الهدف الاساسي من هذه الفصول هو احياء الرجاء في النفوس والتأكيد على أمانة الله لعهده مع شعبه. يوم الرب آت لا محالة، ولكن يجب هدم كل ما يعيق وصوله، وما الخراب والكوارث والارض المتزعزعة سوى علامات تظهر ابادة كل ما يتعارض مع يوم الرب. لكن هذا الموت ليس سوى بداية الحياة. وحينئذ تبدأ الوليمة المسيحانية حيث يجتمع الله وشعبه حول مائدة ابدية.
28- 33: مجموعة اقوال ضد اسرائيل ويهوذا:
يحذر اشعيا السامرة قبل 3 سنوات من سقوطها بين أيدي الاشوريين، ثم يعود فيتوجَّه الى يهوذا الغارقة في خضم معاركها السياسية، ليؤكد لها عدم جدوى معاهدتها مع مصر رغم حصار اشور لها لأن الاتكال لا يكون الا على رب الجنود.
36- 39: اخبار عن عمل اشعيا ايام حصار سنحاريب لاورشليم مع قصيدة شكر وضعت على لسان حزقيا (38/9- 20).
وهكذا نرى ان هذا الكتاب مقسوم بين موضوعين مترابطين: غضب الله من خيانة شعبه، وحبه الذي يجعله ينسى غضبه فيعلن، على لسان نبيه، الفرحَ الآتي والخلاصَ الذي سيبدأ تحقيقه مع هذه "البقية" الصغيرة ليعم العالم باكمله.
ب- اشعيا الثاني (40- 55) سفر التعزية:
مع اشعيا الثاني نحن في السنة 540، أي خمسين سنة بعد الكارثة التي حلت باورشليم بدخول نبوكد نصر اليها وابعاد اهلها الى بابل (587). في هذا السفر محاولة للاجابة على اسئلة المنفيين حول مخطط الله الذي نسيهم فنسوه واكتفوا بمردوك، أو بقوا على أمانتهم لله رغم عدم شعورهم بخلاصه. في هذا السفر تأكيد على الدور المهم الذي يضطلع به اسرائيل في تاريخ الخلاص بالرغم من المظاهر المعاكسة، معتمدا على بروز كورش ملك فارس في الساحة السياسية وعلى ارادة الله بتعزية شعبه لعمل الهي سيخلصهم من حزنهم وموتهم. فمن الواضح إذاً أن مشاكل هذا السفر هي غير تلك البارزة في فصول اشعيا الاول كما يختلف اسلوبه عن اسلوب الاول.
اقسام الكتاب:
40- 48: بشرى الخلاص اكيدة ولكن يجب الابتعاد عن الشك بقدرة الله الخالق والتساؤل حول طرقه الخلاصية.
49- 55: بشرى مثلثة تخص "البقية" المختارة من شعب اسرائيل.
+ ستشهد احوالُهم تحولاً جذرياً.
+ اورشليم المهجورة ستستيقظ وتلبس عزها.
+البشرى الثالثة هي ارتداد الامم إلى الاله الحق. 
من خلال هذين القسمين يظهر وجه "عبد يهوه" عبر قصائد اربع تتوزع على اربعة فصول دون ان تتوضح هوية هذا العبد الذليل الممجد، إلاّ في ملء الازمنة مع يسوع المسيح البار والمرذول، رجل الايمان الذي تحوَّل موتُه إلى حياة.
ج- اشعيا الثالث (56- 66):
سنة 538 اصدر كورش مرسوماً سمح بموجبه لليهود بالعودة من بابل الى ارضهم. وكان اشعيا الثاني قد وعد بخروج جديد أروع من الاول، فتشجع العديد من المسبيين. وعادوا يملأهم الفرح والرجاء بغد أفضل، فاذا بهم يواجهون مصاعب كبيرة كان أهمها الشقاق والبغض بين سكان البلاد. ففي حين كان هم العائدين الاساسي- واكثريتهم من الكهنة- البحث عن كيفية اعادة املاكهم وترميم بيوتهم وتهيئة طريق العودة أمام الاخرين، كان اليهود الذين بقوا في البلاد قد استثمروا املاك المسبيين ولم يعد من السهل اعادة هذه الاملاك إلى اصحابها. ثم ان اتباعهم لبعض الطقوس الوثنية جعلتهم لا يتفهّمون الحمية الدينية عند الوافدين، فاذا بشعب الله صار شعبين مختلفين فكراً وهدفاً. زد على ذلك دخول جماعة من الاجانب واستيطانها يهوذا طمعاً بالعمل والكسب فاذا بهؤلاء الاجانب يتكاثرون بسرعة مما زاد من مشاكل العائدين وجعل وضعهم في موقف حرج هدد شجاعتهم وثقتهم بالله والمستقبل. حينئذ قام عدد من تلامذة اشعيا يضرمون الايمان في النفوس والشجاعة في القلوب. هذا هو جو اشعيا الثالث وبيئته.
اقسام الكتاب:
يتألف الكتاب من فصول مختلفة. نسقّها احد الانبياء الكتبة وجمعها في كتاب واحد جاعلاً من الفصل 61 نقطة الوسط في حين تتناغم من حوله الفصول اثنان اثنان في شكل هرمي:
ف 61 دعوة النبي: ممسوح بالروح القدس ليبشر المساكين.
ف 60 و62 نشيدان لاورشليم الجديدة الممجدة بعد خرابها. 
59/15- 20 و63: 1- 6 الله يتدخل على الدوام في تاريخ شعبه فلا يستطيع احد ان يسخر منه لانه سينتقم لغيرته فيجازي الخاطئ ويكافيء المنقادين لمحبته.
59/1- 15 و63/7- 64/11 يعترف الشعب بخطاياه، فينشد مزامير التوبة والتضرع طالباً من الله أن يمزق السماوات ويُنزل حنانَه.
ف 58 و65 ليست الديانة الحقيقية في الممارسات الخارجية، بل في العدالة والمشاركة وغوث المحتاج. فها ان الله يطوّب محبّيه ويلعن كل خاطئ.
56/9- 57/21 و66/1- 16 لا انماء تلقائياً لشعب الله. لكن الله يعطي صهيون القدرة على ولادة الشعب الجديد.
56/1- 8 و66/17- 24 يبتدئ الكتاب وينتهي بالتأكيد على حق الامم بالانتماء الى شعب الله. هذا هو الانفتاح الكوني.
2- اشعيا والعهد الجديد:
أ- اشعيا في الاناجيل:
لقد اخذ سفر اشعيا منذ القدم اسم الانجيل الخامس نظراً لمحتواه الذي تميز بأنه بُشرى سارة أو "إنجيل". فاشعيا الثاني هو أول من استعمل هذا التعبير، وقد أخذه عنه يسوع واستعملته الكنيسة فما بعد لتقدم للمؤمنين كل ما عندها. ولا يقتصر الترابط بين اشعيا والعهد الجديد على كلمة "البشرى"، فقد اخذ الانجيليون معظم استشهاداتهم الكتابية من اشعيا ولم يتوانوا عن الاستعانة بروحانيته وصوره ومواضيعه.
فيسوع بنظر الكنيسة هو "عمانوئيل" اشعيا، المسيح النتظر الذي حقق سلام الله دونما اللجوء الى القوة، وهو "فرع يسّى" حامل كل رجاء الشعب، "والبقية" التي يتكون منها شعب الله الجديد الخ...
ويوحنا المعمدان هو "الصوت الصارخ" الذي يقدم يسوع للجموع على انه "يحمل خطايا العالم".
ونجد يسوع يفتتح رسالته في المجمع بقراءة الفصل 61 من اشعيا وتطبيقه على نفسه. ويعرف عن ذاته بتطبيق نبوءة اشعيا: "العميان يبصرون والكسحان يمشون"؟ ويرى ان سامعيه كسامعي اشعيا هم من اصحاب القلوب الغليظة القاسية، ويأخذ من صورة الكرمة موضوعاً رائعاً لتبشيره فيصبح هو الكرمة بدلاً من تلك الخائنة، وبه يستطيع كل مؤمن، ان يكون غصناً مثمراً في كرمة الرب.
وشدّد يسوع مثل اشعيا على ديانة القلب والبعد عن المظاهر، مبلورا التطويبات واللعنات التي خص اشعيا بها مستمعيه، حتى جعل المحبة مرجعه الوحيد يوم الدينونة مبشراً بالصداقة بين الله والانسان من خلال مثَل المأدبة التي توضحها رؤيا يوحنا الذي يؤكد على مثال اشعيا ان شعب الله هو الذي يهيء الملكوت. ولكن الله هو الوحيد القادر على تحقيقه هادماً كل ما يعترض مخطّطه الخلاصي.
وفي الانجيل تتوضح صورة "عبد يهوه" من خلال صورة يسوع "الفتى المختار" المتألم المكمل للنبؤات في كل مراحل آلامه وموته وقيامته، والذي استحق ان يصبح الحجر الذي رذله البناؤون فوضه حه الله يعد القيامة "رأسا للزاوية" وصخر عثار لكل من لا يؤمن.
واننا لنفهم كل الصور المريعة التي ينبئنا بها الانجيليون مصورين لنا نهاية العالم، ان قرأنا وتأملنا اشعيا باسلوبه الرؤيوي الذي يجعل من الدينونة القاسية مع ما يرافقها من ظروف مخيفة كحلقة ضرورية للوصول إلى تحقيق الرجاء المسيحاني والعالم الجديد حيث يسكن الله فيما بين شعبه "فيصيرون له شعبا ويكون لهم لها".
هذا ما حاول يوحنا التأمل فيه وتوضيحه في كتاب الرؤيا.
ب- اشعيا في الرؤيا:
لقد جعل يوحنا من اشعيا مرجعاً اساسياً للرؤيا، فلا تكاد صفحة من هذا الكتاب تخلو من استشهاد حرفي بآيات اشعيا او من صورة معينة تقتبسها منه لتصل الى أهداف هي ذاتها اهداف اشعيا مع التأكيد أن السيد الوحيد في الرؤيا هو يسوع المسيح.
انه المخلص الذي استطاع فك "اختام الكتاب" وافتداء شعبه وغسل خطاياهم بدمه. وهو الملك ابن داود و"القدوس المثلث التقديسات" الذي يدعو شعبه الى التوبة "وترك عبادة الاوثان". النهاية قريبة مريعة تطال كل الارض"، فيجازي الله كلاً بحسب اعماله". وتسقط مدينة الاثم "بابل العظيمة" التي ظنت نفسها خالدة في خطيئتها فحرمها الله كل معادة وفرح و"انتقم منها لدم عبيده"... هكذا يكابد الخاطئون "عذاب النار"، اما الذين اعترفوا بالرب والتزموا بالامانة له فانه يحفظهم ويعطيهم اسماً جديداً، ويجعل منهم "مملكة كهنة يملأون الارض". يملكون معه "فلا جوع ولا عطش من بعد" ويرتل الجميع المجد والحمد للحمل في اورشليم الجديدة السماوية فيكون "الله معهم". يستنيرون بنوره الدائم فيصبحون بدورهم "نوراً" لكل الامم.
3- اشعيا اليوم:
لقد وَجد كتاب اشعيا مكانة مهمة في دراسات اليوم. ذلك أن هذا الكتاب يبدو معاصراً، يتخطى انسان زمانه ليبحث في مشاكل اليوم الاجتماعية والسياسية والدينية. وهو يتوجه الى انسان عصرنا الغارق في ظلام "اصنامه" وان تغيرت أشكالها وتعددت اسماؤها. يتوجه الى هذا الانسان المكتفي بذاته البعيد عن "القدوس الخالق والمخلص".
ولربما كانت استمرارية صراعات الانسان النفسية والاجتماعية، التي نتلمسها بمقارنتنا كتابات اشعيا مع مشاكل ايامنا الحاضرة، دليل اكيد على أن هوية الانسان لم ولن تتغير عبر التاريخ. إنه صراع الحياة ضد الموت بكافة اشكاله.
يحيا عالم اليوم وانسان اليوم، كما في ايام اشعيا، انتظاراً جدياً وخوفاً عارماً، انتظاراً يشوبه الشك امام عالم يسوده السلام والمحبة والعدل، وخوفاً من كارثة عالمية حقيقية تنهي عالماً تعودناه رغم بغضنا له. وكما بنات اورشليم المزدانات بالحلي والمعطرات بالطيوب، يحاول انسان مجتمعنا الاستهلاكي اقناع ذاته بالسعادة من خلال تكثير علاماتها الخارجية مع علمه الضمني بان "كل بشر كالعشب، وكل مجد له كزهر العشب" (اش 40/6- 8). ان عالم اليوم يحاول ان يقنع ذاته من خلال تمويه الحقيقة وتغطيتها بآلاف المبتكرات، لكن يبقى في داخل الانسان شعور ملحّ بسخافة ما يعيشه وبعدم جدوى ما يسعى اليه.
وكما في ايام اشعيا، يجد انسان اليوم ذاته في حيرة قاتلة وقلق دائم. فالمؤمن يتساءل في خضمّ المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، "اين الهنا"، وكيف يمكن ان تكون كل الكوارث التي نشهدها حلقة في تدبيره الخلاصي، بيما تُنكر الاكثرية وجودَ الاله وتكتفي "بعمل ايديها" وتقتنع بان لا إله إلاَّ الانسان. وكما في ايام اشعيا، يمر المؤمنون اليوم بازمة روحية حقيقية جعلتهم يفقدون الثقة بدورهم الرائد في خلاص العالم، ويجدون أن لا أمل يُرجى من دور روحي يلعبونه وسط عالم قاسي القلب ومعمي البصيرة.
وفي خضم هذه المشاكل، تظهر من هنا وهناك قلة من الناس تحلم بعالم اخوة وسلام حيث تسير الشعوب معا نحو هدف واحد "اورشليم الجديدة". إنها اصوات انبياء اليوم ترجو الجميع عدم انكار الايات التي اعطاها ويعطيها السيد الرب. وتحاول فتح الاعين والاذهان ليرى الجميع أن سبب كل المصائب هو جرائم الانسان وأنانيته وتهافته على كل جديد، ناسياً او متناسياً الاهم... ولكننا لا نجد اليوم كما في الامس الا قلوباً غليظة وآذانا ثقيلة في غالب الاحوال.
لكن فرقاً اساسياً يتجلى واضحاً بين ايام اشعيا وايامنا. فبينما يبدو الله في سفر النبي سيداً دون منازع ويعلن انه "الاول والاخر" نجده قد خسر رهبته عند انسان اليوم ولم يعد بالنسبة إليه قدرةً يخافها أو يشعر بوجودها. فالاكثرية الساحقة تتفاجأ ولا تجد معنى لكل التعابير التي تحفل بها الفصول الاولى من اشعيا، تلك التي تصنف الله شخصاً تتآكل غيرة الحب، شخصاً ما ترك شيئاً الا وصنعه من اجل كرمته. انه قريب من شعبه وقد اراد ان يساكنهم... ويلتزم بهم.
لربما كانت هذه الحقبة من التاريخ هي الاكثر ظلاماً. نسير مع الله ولا نراه، ونرافق الانسان دون أن نشعر بوجوده، نحيا ألم التفتيش عن معنى الحياة والوجود كما نحيا الخوف من المستقبل المجهول... لكن ربما كانت هذه الطريق الصعبة الحالكة هي الطريق الاضمن للوصول الى النور، ولا بد أن يرى السالكون في الظلام نوراً عظيماً يكشف لهم كل غامض خفي فيعرف الجميع بأن الله هو الحب الذى يحقق وحده الخلاص والتحرير. ويبقى رجاؤنا حيث لا رجاء: سيموت الموت ويباد الظلام، لأن اله نصرتنا وفادينا سيحقق نصره بواسطة خدامه الذين يكمّلون في جسدهم ما نقص من آلام المسيح" ويتابعون مسيرتهم عكس التيار في هذا المنفى صارخين دون ملل. "ليتك تشق السماوات وتنزل (اشد64/1) "آمين تعال ايها الرب يسوع" (رؤ 22/20).
أرميا النبي
نبوءة ارميا في اطارها التاريخي:
1- ولد ارميا- واسمه في العبرية: "يرمي يهو" ويعني: الله يعلي ويقيم- حوالي سنة 645 ق م، في قرية عناتوت الواقعة على مسافة خمس كيلومترات من الشمال الى شرقي اورشليم. انه قروى، ولذا سيلّون أدبه النبوي بصور ريفية قروية. وبما أن عناتوت قرية من قرى سبط بنيامين الفاصل بين مملكة يهوذا ومملكة الشمال، ساهم ذلك في ترسيخ حب ارميا لاخوته ابناء الشمال وفي حنينه الملحّ الى الوحدة:
"اذهب وناد بهذه الكلمات جهة الشمال وقل:
ارجعي أيتها المرتدة، اسرائيل، يقول الرب
فلا أحوّل وجهي ضدكم
لأني رحيم، يقول الرب
لا أحقد الى الأبد...
وأنا أعرف إثمك
إنك عصيت الرب الهك
وشقيت طرقك للغرباء
تحت كل شجرة خضراء
ولم تسمعي لصوتي يقول الرب...
في تلك الايام ينطلق بيت يهوذا الى بيت اسرائيل
ويأتون معا من ارض الشمال الى الارض التي ورّثتها لابائكم". (3/12، 13، 18)

يشعر ارميا بجاذبية نحو مملكة الشمال ويبدو أنه تأثر، في العمق بالنبي هوشع اذ يلتقي واياه في رهافة الشعور والعاطفة وفي قرابة فكرية وروحية نافذة. على مثال هوشع حارب الطقوس الكنعانية المتفشية في اسرائيل، وشبَّه علاقة الله بشعبه بالعلاقة الزوجية، وهاجم الكهنة لجشعهم (قابل بين ارميا 2/2 وهوشع 2/17. ار 6/6 وهو. 5/8. ار2/5 وهو 8/10).
2- يتحدر ارميا من عائلة كهنوتية، ومن المرجَّح ان يكون ابوه كاهناً لمعبد عناتوت (ار 1/1) وهي مدينة للاويين قديمة (يشوع 21/18)، وان يكون من عائلة ابياتار، صديق داود وكاهنه، الذي نفاه سليمان (1 مل 2/26). وبالرغم من كونه من سلالة كهنوتية، ما لنا أي دليل على أن ارميا مارس وظيفته الكهنوتية.
3- دعا الله ارميا ليكون نبيَّه في السنة الثالثة عشرة من عهد يوشيا الملك (640- 609). ولا بد من المقابلة بين دعوة اشعيا (اش 6) ودعوة ارميا (ار 1): لم يتردد اشعيا في تلبية الدعوة النبوية بينما يتخذ ارميا ضعفه وعجزه عن الكلام وطراوة عمره ليتهيب الدعوة ويرفضها (1/6). ومع ذلك سيتطوع بملء كيانه لحياة تجرّد وتضحية. سيعدل عن الزواج (16/2) ويعيش في الوحدة (16/5- 8) ويقبل، لأجل الرب، ازدراء الناس له (15/15)، وسيتعرض، بدافع امانته لرسالته، لكثير من الاذلال والسخرية والتهديد: "إن هذا الرجل يستوجب الموت، لأنه تنبّأ على هذه المدينة كما سمعتم بآذانكم". (26/11). أُرغِم، امانة لدعوته، على أن يُنذر بأشد العقوبات، مما ولَّد في أعماقه نفوراً من الحياة وتمنّى لو لم يولَد:
"ملعون اليوم الذي ولدت فيه
لا يكن مباركاً اليوم الذي ولدتني فيه امي...
لماذا خرجت من الرحم
لأرى المشقة والوجع
وتَفنى ايامي في الخزي"؟ (20/14- 18)

4- سيشهد ارميا افول اشور وصعود بابل وترافقه عن كثب الهزات التي تزعزع مملكة يهوذا وتعمل على انهيارها كاملاً. ولذا يمكن توزيع مراحل رسالته على ثلاث حقب:
- الحقبة الاولى: في عهد يوشيا الملك (626- 609)
تقسم هذه الحقبة الى مرحلتين:
- المرحلة الاولى تمتد من دعوة ارميا (626) الى الاصلاح التثنوي (نسبة الى سفر تثنية الاشتراع) 621- 623. ترجىع الفصول 2- 6 من نبوءة ارميا الى هذه الحقبة، حيث يحارب النبي الشر والفساد المتفشيَّين في مملكة يهوذا في عهد الملك منسى (687- 643) والملك آمون (642- 640).
"ان شعبي صنع شرين: تركوني أنا ينبوع الماء الحية وحفروا لأنفسهم آبارا مشققة لا تمسك الماء" (ار 2/13). ويهاجم الطقوس الدخيلة: "انكِ على كل أكمة عالية وتحت كل شجرة خضراء اضجعت زانية،
وأنا غرستك افضلَ كرمة
كلها من زرع أصيل
"فكيف تحوَّلت لي إلى غرس كرم اجنبي؟" (2/23)
اتنسى العذراء حليتها والعروس زنارها
أما شعي فنسيني أياماً لا تحصى" (2/32)

ولذا سيعاقب الرب المذنبين الآثمين، ويجلب الشر من الشمال ليحطِّم كل شيء:
" ارفعوا الراية نحو صهيون
اهربوا ولا تقفوا
فاني جالب شراً من الشمال وتحطيماً شديداً،
ها أنذا أجلب عليكم أمة من بعيد
يا بيت اسرائيل يقول الرب
أمة قوية، أمة قديمة
أمة لستَ تَعرف لسانها
ولا تفهم ما تتكلم به...
فتنهب وتلتهم.... وتدمِّر... (4/6. 5/15- 18)

من سيجتاح اسرائيل من الشمال؟ هل الكلدانيون ام شعوب اخرى؟ لا نحاول معرفة هوية المجتاح، طالما الرؤية النبوية نفسها غامضة مبهمة، انما الأهم هو أن الفساد يعيث في اسرائيل ويفتك واصالة شعب لا يرتدع. ومع ذلك يبقى الأمل في توبة مملكة الشمال مشتعلاً. (3/12).
- وتبدأ المرحلة الثانية من نشاط ارميا باكتشاف تثنية الاشتراع (621 ق م) ايام يوشيا الملك. وحَّد الملك الطقوس وهدم المعابد وقام بحملة تطهير واصلاح حاسمتين. ما موقف ارميا من هذه الحملة؟ هل تحمس لها؟ هل تهاملها؟ هل اكتفى بانتظار النتائج؟ يختلف المفسرون في تحديد موقفه. إنما يظهر أن ارميا ساهم بدوره في إنجاح مشروع الاصلاح هذا، اذ طلب الله منه أن "ينادي قبل هذه الكلمات في مدن يهوذا وفي شوارع اورشليم قائلا: اسمعوا كلمات هذا العهد واعملوا بها، هذا العهد الذي اوصيت به آباءكم يوم أخرجتهم من مصر..." (11/6). فصداقته ليوشيا الملك، وعلاقاته الودية مع عائلة شافان، كاتب الملك (26/24)، وحبه لروحانية تثنية الاشتراع، كل ذلك يثبت موقفه الايجابي والمشجع تجاه حملة التطهير والاصلاح، وان كان مقتنعا بان الاصلاح الحقيقي الفعال لا يُفرَض بقوة الحديد ولا يُنفَّذ بفرض مراسيم وشرائع.
ان ارميا يتوق، في قرارة نفسه، بلهفة الى نهضة قومية ولذا شعر بغبطة وتملّكه الامل، عندما استعاد يوشيا مناطق الشمال، بتدشين مملكة تجمع، في وحدة اخوية، مملكتي يهوذا واسرائيل (راجع ار 30- 31).
"ها انها تأتي ايام، يقول الرب
ازرع فيها بيت اسرائيل وبيت يهوذا
بزرع بشر وزرع بهائم
وكما سهرت عليه لأقلع وأهدم
وأنقض وأهلك وأسيء
كذلك أسهر عليهم لأبني وأغرس، يقول الرب". (31/27- 28)

في هذه الحقبة كان يسكن ارميا في اورشليم.
- الحقبة الثانية: في عهد الملك يوياقيم (609- 597 ق م).
كما رافق ارميا النبي حركة الاصلاح أيام يوشيا، هاكه اليوم يرافق ردة الفعل ضد الاصلاح، وهو الشاهد والضحية، ولذا تتسم اقواله النبوية في هذه الحقبة بطابع اليأس والمرارة.
الملك يرتابه الشك، ورجال بلاطه واهل سياسته تتحكم بهم نزعتهم الى الظلم والعنف وسفك الدماء، والكهنة ينخرهم الفساد، والشعب تائه، ضال، والانبياء الكذبة يلاقون شعبية رحبة، وارميا يراقب كل ذلك ويتوجع. يُجابَه موقفُه بحقد وضغينة، لانه لا يتورع من تلقينهم الحقائق كما هي، ولا يراعي الملك ذاته (22/13- 19)، كما انه يُظهر خطأ مواطنيه في اتكالهم الوهمي على المؤسسات لتنقذهم كالشريعة (8/8- 10)، والهيكل وقد اصبح في حياتهم قوة سحرية لا تقاوم:
"لا تتكلوا على قول الكذب قائلين: هيكل الرب، هيكل الرب،
فسأصنع بهذا البيت الذي دعي باسمي والذي انتم متكلون عليه،
كماصنعت بشيلو" (7/4-14)،

ويهاجم ارميا العبادات الشكلية المتحجرة (11/15) والختانة في الجسد بدون ختانة القلب (9/24) والانبياء الكذبة (23/9..).
وبالحاح مدهش يتنبأ عن اجتياح قريب محتَّم، ويتوسل إلى الملك وإلى حاشيته وإلى مواطنيه بان يكفّوا عن تشجيع التيار المناهض لبابل، وعن الانقياد للتيار المصري. وجاءت هزيمة المصريين في كركميش تثبت صواب موقفه. ولكن كان كل ذلك عبثاً فلم يصغوا للنبي الملهم، لا بل ثار عليه الجميع: كهنة وانبياء واصوليون وهددوه بالموت (26/8). تآمروا عليه وألقوه في السجن وأساؤوا معاملته حتى الاضطهاد 17/18). انها الجلجلة بالنسبة اليه.
ثم غاب ارميا لزمن عن مسرح السياسة وعاش في الخفية مدة بعد ان كلف تلميذه باروخ بابلاغهم اقواله النبوية.
لم يكتف ارميا، في هذه الحقبة الصعبة بالكلام. بل على غرار سلفائه هوشع واشعيا، ابلغ مواطنيه نبوءاته من خلال تصرفات رمزية تنذر بسقوط اورشليم المحتم: الحزام الذي اكله الصدأ واتلف، هو رمز لمملكة يهوذا وقد اتلفتها بابل (13/1- 11)، والاناء غير المكتمل (ف 18) والابريق المكسور (ف 19). ولقد ارغم ارميا على التبتل ليكون علامة شؤم لشعب يهوذا:
"وكانت الي كلمة الرب قائلا: لا تتخذ لك امرأة، ولا يكن لك بنون ولا بنات في هذا الموضع، فانه هكذا يقول الرب على البنين والبنات المولودين في هذا الموضوع وعلى امهاتهم اللواتي ولدنهم وابائهم الذين ولدوهم في هذه الارض: انهم سيموتون بالامراض ولا يُندَبون ولا يدفنون، بل يكونون زبلا على وجه الارض، ويفنون بالسيف والجوع وتكون جثثهم طعاماً لطيور السماء وبهائم الارض". (16/1- 9).
- الحقبة الثالثة: في عهد صدقيا الملك (597- 586 ق م).
في هذه الحقبة يتوجه ارميا بنبوءته تارة الى الاسرائيليين المنفيين إلى بابل وتارة إلى البقية الباقية في أورشليم:
أ- اما المنفيون وهم امل المستقبل (ف 24) فيكتب النبي إليهم رسالة يدعوهم فيها إلى الولاء لبابل والاستقرار فيها:
"ابنوا بيوتا واسكنوا واغرسوا جنات
وكلوا من ثمرها،
واتخذا نساء وَلِدوا بنين وبنات 
وتكاثروا هناك ولا تقلوا
واطلبوا سلام المدينة (اي بابل) التي نفيتكم اليها
وصلوا من اجلها إلى الرب، فانه بسلامها يكون لكم سلام" (29/5- 7)

وسيأتي يوم تنتهي فيه المحنة انما لن يكون ذلك قبل سبعين عاماً أي ما يوازي حياة رجل (ار 29/10).
ب- اما سكان أورشليم، فيطلب إليهم ان يؤدوا الولاء إلى بابل وان يتعهدوا، بقَسم، بالتخلي عن المواطنية المتزمتة (راجع ار 37- 38). ولكن التيار اليهودي الناشيء يعتمد المقاومة الشرسة ويعتبر ارميا النبي انهزامياً وعميلاً، ويلقونه في السجن مجدداً. انما كلمة الله لا تكبَّل بالحديد ولا تسجن. وهاك النبي، في صميم المأساة، يعاكس التيار ويتنبأ باقوال مشجعة منحثة عن اعلان ميثاق جديد بين الله وشعبه (31/31- 34). وهناك النبي ايضاً، بعد استئناف الحصار على أورشليم، يشتري حقلاً في عناتوت قريته ليرمز الى الرجوع الاكيد إلى ارض الاباء (ف 32).
بعد اغتيال جدليا- الذي ولاه ملك بابل على اورشليم- اقتاد المرالون لمصر ارميا معهم إلى مصر قسراً حيث مات النبي في ظروف غامضة. ويقول التقليد بان ارميا مات رجماً بعد ان تعب مواطنوه من تهديداته المتكررة. مات مجهولاً، مخذولاً، بعد ان عاش جلجلة محنته وآلامه حتى الثمالة.
تصميم سفر ارميا:
يتضمن سفر ارميا مواد متنوعة: اقوال نبوية ومقاطع يخبر فيها بنفسه عن حياته، ومقاطع اخرى يخبر فيها باروخ تلميذه وصديقه عن حياة معلمه. دوَّن الجامعون هذه المواد في كتاب واحد انما لم يتقيدوا بتعاقبها المنطقي ولا الزمني. ولذا يشكو سفر ارميا من اختلال واضطراب في انسياق الاقوال والاحداث. واليك ما يرتئيه اغلب المفسرين المعاصرين في تقسيم الكتاب:
القسم الاول: اقوال نبوية ضد يهوذا واورشليم (1/4- 25/13 ب).
القسم الثاني: اقوال نبوية ضد الامم المجاورة (25/13 ب- 38؛ ف 46- 51).
القسم الثالث: اقوال نبوية عن الخلاص (ف 26- 35).
القسم الرابع: آلام ارميا (ف 36- 45).
القسم الخامس: ملحق تاريخي: قصة مملكة يهوذا من سنة 587 الى سنة 561 (ار 52). كيف تم جع هذه الاقسام المبعزة لتؤلف سفر ارميا الحالي؟
أ- يعلمنما الفصل 36 ان باروخ دوّن كتابه سنة 604 وفقاً لما أملاه عليه معلمه، اي الاقوال النبوية التي تلفّظ بها ارميا منذ بدء دعوته اي منذ سنة 626، وهذه الاقوال تتنبأ على اورشليم ويهوذا وجيع الامم (36/2، 29، 32).
على ما يحتوي ملف باروخ هذا؟
يحتوي بدون شك على القنم الاكبر من المجموعة 1- 25 أي 1/4- 6/30: نبوءات في عهد يوشيا. ثم ف 7- 20: نبوءات في عهد يوياقيم.
أضف الى هذه المجموعة جموعة النبوءات ضد الامم أي ف 46- 49.
ب- هذا هو الملف- الاساس. وقد اضاف اليه باروخ نبوءات اخرى قالها ارميا بعد سنة 605. أذكر على سبيل المثل 10/17- 22؛ 12/7- 14؛ 13/12- 19 و 15/5 الخ.
ج- بعد دمار اورشليم سنة 587 ادخل باروخ الى ملفه الاساسي مخطوطتين هامتين: الأولى: أقوال ضد ملوك أورشليم (21/11- 32/8) والثانية: اقوال ضد الانبياء (ف 23- 40).
د- وبعد موت ارميا، ضم باروخ "تأملات" ارميا وهي التي نسميها اليوم: "اعترافات" أو "مزامير" ارميا، اضافة اليها نبذة عن حياة معلمه نجدها متناثرة في سفر ارميا، اهمها: 19/2- 20/6؛ ف 6؛ 26؛ 28- 29؛ 34: 18- 22 الخ.
هـ- لم يتخذ سفر ارميا صيغته النهائية كا هو بين أيدينا اليوم إلاَّ بعد المنفى، إذ كان قبل ذلك، خاصة طيلة المنفى، مجموعة كتيبات أو أوراق متفرقة إتخذها المنفيون موضوع تأمل وتفكير في منفاهم:
- كتيب إلى المنفيين (ف 27- 29)
- كتيب التعزية (ف 30- 33)
- كتيب ضد الملوك (21/11- 23/8)
- كتيب ضد الانبياء (ف 29).
هذه الوحدات الادبية تتميز في صيغة السفر الحالية بطابعها ولاهوتها الخاصين: لا نعلم اسم الذي جمع كل هذه الوحدات وصاغ منها سفرا واحدا هو سفر ارميا، انما القرابة بين لاهوت هذا السفر ولاهوت كتاب تثنية الاشتراع تُثبت وجود مدرسة لاهوتية ترسخّت بعد المنفى وساهمت في تدوين اغلب اسفار العهد القديم على ضوء روحانية الانبياء عامة وارميا خاصة.
ارميا نبي في زمن المحنة:
نبي ولا كالانبياء. سمع نداء الدعوة النبوية وهو لا يزال فتياً في عمر السابعة عشر، والتزم الرسالة النبوية في عصر طغت عليه الاحداث الدامية في اسرائيل مما أدّى إلى خراب أورشليم وهدمها. ولذا مارس نشاطه النبوي طيلة أربعين سنة في أوضاع سياسية واجماعية وامنية مضطربة. عاش خطوة تلو خطوة اجتياح القوات الاشورية ثم الكلدانية لمملكة يهوذا وحصارها الاول لاورشليم ونفي النخبة من شعبها، ثم حصار اورشليم الثاني وهدمها والتنكيل باهلها، واخيرا في البقية الباقية الى بابل سنة 587 ق م. يتميز ارميا بروحانية خاصة تختلف حتى في جذورها عن روحانية اشعيا وتقترب من روحانية النبي هوشع وان تخطّاها غالباً مُتكيفا مع عصره المضطرب والمهدَّد، ومستوحياً مآسي الاحداث المتلاحقة.
علا صراخه في السنين الاولى من رسالته النبوية منذراً بخراب اسرائيل ودمارها، لأن بني اسرائيل تخلّوا عن عبادة الله واستسلموا لعبادة باعال، ولذا يأتي المخرب والمدمر من الشمال ليحوّل الارض رماداً.
أدرك ارميا، في الصميم مسبقاً، خطورة المهمة النبوية وحتمية الكارثة. لقد اهمل اسرائيل نداءاته وانذاراته المتواترة، وهو يعدو نحو الكارثة، التي ستلتهمه وتلتهم معه ارميا. عاش الكارثة خطوة خطوة إلى أن تحوّلت مأساة مدمرة لشخصيته بالذات. اجل لم تلج الكارثة الأحداث وحسب، بل ولجت إلى اعماق ارميا ودمّرته تماما كما دمرت اورشليم ومملكة يهوذا.
ارميا رجل الخصام والفتنة:
كان ارميا نبياً ذا نفسية شفافة، مرهف الشعور، محباً، هادئاً، حنوناً يحن إلى بساطة العيش في قريته عناتوت، بعيداً عن أجواء أورشليم السياسية والحربية والدينية الصاخبة، وهاكه يُرغم على الانذار بالهدم والاقتلاع، بالتدمير والافناء.
"ثم مد الرب يده ولمس فمي وقال لي الرب:
هاءنذا قد جعلت كلامي في فمك
انظر، اني اقمتك اليوم على الامم وعلى الممالك
لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس" (1/9- 10)

كان يتوق إلى الدعوة إلى السلام والفرح والطمائينة، وهاكه يُنذِر بالخراب والدمار ويخاصم طيلة اربعين سنة أقرباءه والملوك والكهنة والانبياء الكذبة وكل الشعب حتى دعي: "رجل الخصام والفتنة في مملكة يهوذا". ولذا حاول التخلي مراراً عن تحمل مسؤولية هذا الرسالة الصعبة والعقوق، ولم يستطع. ففي قلبه ناراً آكلة تنساب في عظامه:
"قد استغويتني يا رب
خضّعتني فغلبت
صرت ضحكة كل النهار
فكل واحد يستهزئ بي
لأني كلما تكلمت فإنما أصيح
وانادي بالشدة والدمار
فصار لي كلامُ الرب عاراً
وسخرية طول النهار.
فقلت: لا أذكره
ولا أعود أتكلم باسمه
لكنه كان في قلي كنار محرقة" (20/7- 9)

مزقته الاحداث ومزقت شعبه، فاندمجت آلام ارميا بآلام شعبه وتعالى صراخهما معا إلى الله:
"لماذا تستمر اوجاعي
وجراحي معضلة تأبى الشفاء" (15/18)

ويجيب الله على سؤال ارميا بسؤال اشد قساوة وعنفاً:
ان كنت جاريت المشاة فأعيوك
فكيف تباري الخيل؟
وان كنت غير مطمئن في ارض سلام
فكيف تفعل في ادغال الاردن (12/5)؟

يتعجب النبي كيف انه يتعثر أمام صعوبات لا تزال طفيفة بالنسبة إلى ما ينتظره من مآس وويلات، وهو لا يزال في أول الطريق. وكلما تردد الحوار بين الله وارميا، زادت الاوضاع سوءا وادخلت الني في ظلمة كثيفة لا بل دخلت الظلمة في قلب النبي واستولى اليأس عليه في ذروته، الى ان "يلعن اليوم الذي ولد فيه" (20/14). وبالرغم من عجزه عن تحقيق رسالته، ومن اخفاق مهمته بين شعبه، وبالرغم من شعوره بان الله تركه، لم يتردد ارميا في متابعة طريقه حتى النهاية مستسلماً إلى الله -وان غاب- في طاعة مدهشة تفوق قواه الطبيعية وتحطّمه في الوقت نفسه، لاقتناعه بأن الآلام التي يعاني لا فائدة منها. إنها آلام عاقرة، ومع ذلك لم يتقاعس عن تأدية مهمته؟ كيف يمكن تفسير ذلك؟ إنه سرٌّ دفين في قلب ارميا، وكيف يمكن تفسير موقف الله الذي أدخل صفيَّه في ليل مرعب لا فجر له، وحطّم حياته حتى الموت، وهذا أيضاً سرٌّ دفين في قلب الله.
روحانية ارميا تمهد لروحانية العهد الجديد:
1- روحانية المساكين:
اخفق ارميا في رسالته النبوية. انما تجذرت شخصيته وروحانيته، بعد مماته، في الاجيال اللاحقة في العهدين القديم والجديد. لان ارميا المتألم فتح الافاق امام روحانية تعتمد، في فقر روحي وحياة باطنية مميزة، على رحمة الله ونعمته. هي روحانية "فقراء الله" او "مساكين الله". سيمتد أثر هذه الروحانية، في العهد القديم، إلى روحانية سفر تثنية الاشتراع والنبي حزقيال وفي العديدة من المزامير، وخاصة في شخصية "عبد يهوه المتألم" في سفر اشعيا (إش 53)، وفي العهد الجديد، الى زمن المسيح، اذ ولد يسوع وعاش في مناخ هذه الروحانية، وما انشودة مريم امه: "تعظم نفسي الرب" (لوقا 1/46- 55)، وما ترنيمة زكريا، والد يوحنا المعمدان: "مبارك الرب لانه افتقد شعبه" (لوقا 1/67- 79)، إلاّ صدى بليغ لهذه الروحانية. وهكذا يمهِّد الني ارميا، في شخصه ولاهوته، لروحانية طبعت شخصية المسيح وانجيله بطابعها الخاص.
2- الميثاق الجديد:
ويبرز عنصر آخر في روحانية ارميا ويُساهم في تكثيف روحانية العهد القديم غنى وعمقا، ويُمهد لروحانية العهد الجديد: انه اعلان ميثاق جديد يقيمه الله مع شعبي. بها إنها تأتي ايام، يقول الرب، أقطع فيها مع آل اسرائيل وآل يهوذا عهداً جديداً لا كالعهد الذي تطعته مع آبائهم يوم أخذت بأيديهم لأخراجهم من أرض مصر لأنهم نقضوا عهدي فأهملتهم أنا، يقول الرب. ولكن هذا العهد الذي اقطعه مع بيت اسرائيل بعد تلك الايام، يقول الرب، هو أني أجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً، ولا يعلِّم بعد كلُ واحد قريبَه وكلُ واحد أخاه قائلاً: "إعرف الرب" لأن جميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب". (31/31- 34).
اخفقت المعاهدة الاولى وفقدت كل فعاليتها، ولذا يعتبر ارميا اهلَ عصره شعباً يعيش غريباً عن اي معاهدة، طالما تخلّى عن الله وتوجّه إلى الآلهة الغريبة. يعيش بدون ميثاق.
وبمبادرة جديدة ينتفض الله ويعلن اقامة عهد جديد مع شعبه، عهد لا يناقض العهد الاول في جوهره، بل يناقضه تماماً في صيغته. إنه جديد بكل معنى الكلمة. إنه يُلغي منهجية الله السابقة في تطبيقه المعاهدة بينه وبين شعبه، أي لن يتكلم الله بعد مع الانسان ولن يصغي الانسان بعد لصوت الله، كما كان سابقاً، بل يتخطى الله هذه الصيغة ليضع ارادته مباشرة في قلب الانسان ويغفر له جميع خطاياه وذلك بمبادرة إلهية مميزة.
لن تأتي ارادة الله من الخارج، كما في السابق، بل تلج مباشرة قلب الانسان وتعمل فيه من الداخل، بفيض من روح الله.
لا يذكر ارميا، في هذه البشرى الجديدة، كلمة روح، ومع ذلك نرى الروح يرّف على هذا النص النبوة، كا يوضح ذلك حزقيال فما بعد (حز 36/25- 28)، واشعيا الثاني (اش 55/3؛ 59/21؛ 61/18) والمزمور الواحد والخمسون. انما ننتظر العهد الجديد، عهد المسيح، لنرى هذه المعاهدة الجديدة تتحقق، بفعل الروح، على أوجها، مع المسيح (متى 26/28)، وسيبشر الرسل بكمال تحقيقها لما تم ملء الزمن (راجع 2 كور 3/6؛ روم 11/27؛ عب 8/6- 13؛ 1 يو 5/20). لم يذكر ارميا المسيح مرة انما تتحدث كل نبوءته عنه وتدفعنا إلى انتظاره بلهفة.
وهكذا تمهد روحانية النبي ارميا، في حقيقة أخرى، لروحانية العهد الجديد وتطبعها بطابعها الخاص.
3- هل اختر ارميا النبي سر الفداء بآلامه؟ 
تألم ارميا حتى الموت. رجل الأوجاع هو تماما كما فهمه اشعيا المكلق لاحقاً في وصفه لشخصية "عبد يهوه المتألم".
تقبل ارميا الهزء والحقد والسجن والتعذيب، بألم مرير إنما بشجاعة وصبر، وتابع طريقه بالصمت غالباً، والصراخ الى الله مراراً، والرفض احياناً، وفي الظلمة دوماً. يسير على نور ايمان لا ضوء له، ويصطدم راسه بأسوار لا تقهر. لاسراج يضيء له ولا باب يفتح أمامه، ولذا يصرخ الى الله ويجادله، يجدد حبه له ويعاتبه، يبتهل اليه ويستصرخه، يطلب النجدة ولا من يخلص. 
رجل الاوجاع هو، وقد دوَّن صراخاته وأنات اوجاعه في "مزامير" سماها البعض "اعترافات ارميا" والبعض الآخر "مذكرات ارميا". إنها بالفعل مزامير لأنها كُتبت في أساليب المزامير وهي التالية: 11/18- 12/6؛ 15/10- 21؛ 17/14- 18؛ 18/18- 23؛ 20/7- 18).
لا يمكننا، ونحن نطالع "مزامير ارميا" لا ان نفكر في الوقت نفسه بشخصية ارميا وشخصية شعب العهد القديم ككل، وبشخصية المسيح، لأن "اعترافاته" انما هي صراخ شعب كامل بقدر ما هي صراخ ارميا، وهي أيضا صراخ يسوع على الصليب: "الهي، الهي، لماذا تركتني؟" (متى 27/46). هل اكتشف ارميا، من خلال جلجلته، دور الألم في افتداء الانسان؟ هل اختبر الفداء في آلامه؟ طبعاً لا، لان يسوع وحده اعطى الآلام معنى، جعلها سرا يحقق الفداء في الانسان. مع المسيح صار الألم نعمة تفتدي ضعف الانسان وخطيئته. لم يُدرِك ارميا ذلك، إنما اتاح لآلامه وآلام شعبه أن تمهِّد الطريق لروحانية فداء، بدأت ملامحها في شخصية "عبد الله المتألم" (اش 53)، واكتملت مع ملء الزمن في آلام يسوع.
مرة اخرى، تمهد روحانية ارميا، في حقيقة ثالثة، لروحانية العهد الجديد وتطبعها بطابعها الخاص.
سفر المراثي
من كتب المراثي الخمس؟ الترجات اليونانية لهذا السفر الصغير تردّه إلى ارميا الني. اما النص الاصلي في العبرية، فلا ينسبه الى أحد ويُبقي المؤلف مجهولا، وإن تبيّن أنه معاصر لارميا ومغاير له في اسلوبه النبوي والادبي. إنما لا شك في ان المراثي- اقله الأربع الاولى- هي تأليف شاهد عيان لخراب اورشليم على يد جنود نبوكد نصر البابلي سنة 587 ق م.
ولِمَ نُسبت إلى ارميا وهو ليس مؤلفها، لا بل هي تناقضُ اسلوبَه وبعض تصوراته ورؤاه؟ ربما لان ارميا كان خير شاهد عيان لدمار اورشليم وهو الشاهد المرهف الشعور والمنسحق بكاء عليها كما سيبكيها يسوع بعده. 
والأرجح ان يكون مؤلفو المراثي من أهل مملكة يهوذا، ومن أهل أورشليم بالذات، الذين أتيح لهم أن يبقوا فيها بعد الدمار والنفي وهي المدينة الأحبّ إليهم.
نُظِّمت القصائد الأربع الأولى على إيقاع مرثاة في مأتم وحسب الترتيب الابجدي، اي ان ابيات كل مرثاة تتعاقب وفق حروف الابجدية العبرية. اما المرثاة الخامسة فمتحرّرة من هذا الترتيب وتتميّز بطابع الصلاة المأساوية. ولذا سمتها الترجمة اللاتينية الشائعة: صلاة ارميا. لا يزال الشعب اليهودي إلى اليوم يقرأ في مجامعه هذه المراثي في تموز- آب من كل سنة، معيدا إلى الذاكرة دمار اورشليم الاول سنة 587 وخرابها النهائي سنة سبعين بعد المسيح. واليك فحوى كل مرثاة:
المرثاة الاولى:
اورشليم مقفرة كأرملة، دموعها على خديها ولا معزي لها. انها في حداد. زال كل بهائها. وهيكلها تدنّس وتهدَّم. لا ألم يعلو على ألمها لأن الرب آلمها. ومن أجل معاصيها أسلمها السيد إلى أيد قاهرة. وها هي تصرخ باكية نائحة تتوسل الرحمة والتوبة.
المرثاة الثانية:
حطَّم الرب في سورة غضبه كلَّ قوة لأورشليم وأضرم فيها ناراً ملتهبة التهمت ما حولها. غُشي على اطفالها ورُضَّعها جوعا في ساحات المدينة وذُلَّ شبابها وشاباتها، شُرِّد ملكها ورؤساؤها بين الامم، وجلس شيوخها على الارض صامتين. ولذا صفّق جيع عابري الطريق عليها بالكفين. صفروا وهزّوا رؤوسهم على بنت أورشليم. اهذه هي المدينة التي يدعونها بارعة الجمال، بهجة الارض كلها؟ لم يبق لها إلاّ أن تقوم وتصرخ إلى السيد وتذرف الدموع كالنهر وترفع اليه كفيها لأجل حياة اطفالها، وتتوسل الرحمة والتوبة.
المرثاة الثالثة:
إنها أجل من مزمور حيث نزاع أمة بكاملها يتجسد في محنة شخص فرد، صار اضحوكة لجميع الشعوب وأغنية لهم طول النهار، جرّعه الله مرارات وارواه العلقم، حتى زالت ثقته وذبل رجاؤه. ولكنه يستعيد الأمل لأن محبة الرب لا نهاية لها، وحنانه لا يزول، بل يتجدد كل صباح.
ولذا يدعو باسم الرب من أعاق الجب ليفتديه وليجعل على قلوب اعدائه غشاوة ويطاردهم بغضبه.
المرثاة الرابعة:
تعود الى هواجس الدمار، دمار اورشليم، وما تركه من كوارث وفواجع. تبدل مجدُ بني صهيون إلى آنية فخّار، والذين كانوا يأكلون الطيبات هلكوا في الشوارع، والذين تنعموا بالقرمز احتضنوا المزابل. كان شبانها أنصع من الثلج وأنقى من اللبن وأجسامهم اشد احمرارا من المرجان، فلصقت جلودهم بعظامهم ويبست كالخشب. أيدي النساء الحنونات طبخت أولادهن فكانوا لهن طعاماً. كل ذلك بسبب خطايا انبيائها وآثام كهنتها الذين سفكوا في وسطها دم الابرياء. بسببهم دمرت اورشليم ورحل ابناؤها الى المنفى. فهللت أدوم انتقاماً، غافلة عمَّا سينتابها من محن أقسى من محن أورشليم.
المرثاة الخامسة:
تسميها الترجة اللاتينية للبيبليا: صلاة ارميا. وهي بالفعل صلاة ومزمور معاً. يشخص فيها صاحب المراثي النكسة المأساوية، بواقعية معبّرة، فيرثي فقدان الحرية: بالنير على اعناقهم طُردوا، تعبوا ولم يُعطوا راحة. عبيد، ويقصد بهم الكلدانيين- تسلطوا على شعبه وما من احد يخلّصه من ايديهم. إغتصبوا النساء في صهيون والعذارى، ولم يكرّموا وجوه الشيوخ. إنقطع الشبان والصبايا عن أغانيهم وانقلب رقصهم مناحة. فصار جبل صهيون موحشاً تتردد إليه بنات آوى. كل ذلك "لأننا خطئنا". ولذا يبتهل الى الله بانسحاق قلب مرير: أنت يا رب ثابت إلى الابد. لماذا تنسانا على الدوام وتخذلنا طول الأيام؟ أرجعنا يا رب اليك فنرجع، جدِّد أيامنا كما كانت في القِدَم.
خلاصة:
ان دمار اورشليم هو، بالنسبة إلى شعب يهوذا، أكثر من خسارة عاصمة منيعة رائعة. إنها مدينة الله، فيها هيكله وفيها يحضر على شعبه ومعه. فلمّا اصبحت اورشليم رمادا والهيكل خرابا وهلك الشعب على طريق المنفى، تيقن المؤمن ان الرب تركه وسلّمه إلى اعدائه. فكانت الصدمة قاسية انما اتاحت له أن يختبر مرارة الابتعاد عن الله وعواقبها المؤلمة. وهذا ما عبر عنه في المراثي باكياً وتائباً ومصلياً، ينخر الوجع عظامه لان غياب الله مأساة ولا اوجع.
سفر باروك
مقدمة:
يُنسب هذا السفر الى باروك بن نيريا (1: 1) والتلميذ الذي دوَّن كلمات ارميا (32: 12- 16؛ 36: 4- 32؛ 45: 1- 5). كتبه باروك في بابل (1: 1) وقرأ كلماته على مسمعي يكنيا بن يوياقيم، ملك يهوذا (1: 3). بعد هذا أرسله إلى الكهنة وإلى شعب أورشليم (1: 6، 14).
في الواقع، لا يمكن أن يكون باروك، سكرتير ارميا النبي، هو الذي دوَّن هذا الكتاب الذي يحمل اسمه. والأسباب عديدة على ذلك. أولها: لم يذهب باروك إلى بابل، بل إلى مصر وبالأخص الى تحفنحيس في منطقة الدلتا برفقة ارميا النبي (رج ار 43: 6- 7). ثانيها: لم يقدر باروك ان يتلو كلام هذا الكتاب على مسمعي يكنيا الذي ظل في سجنه سبعاً وثلاثين سنة. ثالثها: لم تُرَدَّ آنية بيت الرب المسلوبة من الهيكل على يد باروك. سيردها كورش فيما بعد على يد ششبصر (عز 1: 7- 11). رابعها: لم يكن بلطشصر إبن نبوكد نصر (1: 11) بل إبن نابونيد ولم يكن يوما ملكا.
اذاً، نحن أمام إسم مستعار. أما الكاتب فهو يهودي دوَّن كتابه في جوار انطاكية في القرن الثاني ق م لنقرأ في الاحتفالات الليتورجية وبالاخص في أيام الصوم والتوبة. يبدأ الكتاب بانفصال بين الله وشعبه، وينتهي بمصالحة الله مع شعبه. ولكن بين البداية والنهاية، يتأملّ الكاتب في الخطيئة وما جرّت وراءها من عقاب على الشعب، وفي الحكمة الخاصة بشعب اسرائيل والمتمثلة في الشريعة.
أقسام الكتاب:
يقسم الكتاب اربعة اقسام:
1- مقدمة تاريخية (1: 1- 14) تصوّر لنا الظروف التي فيها دوِّن الكتاب والأسباب التي دعت إلى تدوينه. هذه المقدمة تُدخلنا، بطريقة خاصة، في صلاة التوبة فتحدد ظرفها واطارها الليتورجي: صلّوا من اجل حياة نبوكد نصر... فيؤتينا الرب قوةً وينير عيوننا... وصلّوا من أجلنا إلى الرب إلهنا، فإنَّا قد خطئنا إلى الرب إلهنا ولم يرتدَّ سخطُه وغضبه عنا إلى هذا اليوم". أما الاطار الليتورجي فهو عيد المظال. 
2- صلاة التائبين (1: 15- 3: 8) وفيها اعتراف بالخطايا (1: 15- 2: 10) وتوسّل وتضرعّ (2: 11- 3: 8). يتذكَّر المؤمنون الخطايا الماضية ويعترفون بها مرارا مقرِّين أنهم مُذنبون. ويصوِّرون الشقاء الذي كان عقاب هذه الخطايا، ويتضرعون إلى الله ليعود إلى مواعيده: "فاسمع يا رب وارحم، فانك إله رحيم. إرحم فإنا خطئنا إليك. أنت تدوم إلى الابد، وأما نحن فإلى الهلاك إلى الابد... لا تذكر آثام آبائنا، بل اذكر في هذا اليوم قدرتك وكرامتك. فأنت هو الرب إلهنا، ونحن ننشد تسابيحك. جعلت مخافتك في قلوبنا وعلَّمتنا أن ندعو باسمك. ننشد تسبيحك في منفانا، لأننا نبذنا عن قلوبنا كلَّ إثم آبائنا الذين خطئوا امامك". مثل هذه الصلاة نقرأها عند عزرا (9: 6- 15) ونحميا (9: 6- 37) وابن سيراخ (36: 1- 19) ودانيال (9: 4- 19) وغيرهم. متى قيلت هذه الصلاة التي رافقها الصوم والبكاء والذبائح والتي هدفت إلى مصالحة الشعب مع ربّه؟ يبدو أنها قيلت بعد سلب الهيكل على يد أنطيوخس الرابع سنة 169 واعادة تدشينه على يد يهوذا المكابي سنة 164. شدّد سفر المكابيين الاول على أهمية المقاومة المسلحة لطرد الغازي الوثني، أما صاحب سفر باروك فرفض هذا الموقف وهو العائش بعيداً عن اليهودية وفي منطقة قريبة من انطاكية ان لم تكن انطاكية نفسها. 
سكان يهوذا هم الذين نقضوا العهد مع الرب فاصابتهم النكبة، فاعادوا يقدرون أن يتوسَّلوا إلى الله من شدة الضيق والكرب. لهذا سيصلّي المنفيون ويفهمون أن المنفى يهدف إلى جعل الشعب يعود إلى نفسه ويتذكر اسم الله ويحيد عن الخطيئة. هذه هي استعدادات قلب المنفيين، ولهذا فهم ينتظرون بثقة أن يحقق الله مواعيده.
فمن منا نحن المسيحيين لا يقدر ان يتلو هذه الصلاة التائبة فيكيِّف كلماتها على ظروفه الخاصة.
3- تأمل في الحكمة (3: 9- 4: 4) وفيه يتوجه الكاتب إلى بني اسرائيل المشتتين وسط الامم. لماذا ذهب بنو اسرائيل إلى المنفى؟ لانّهم تخلّوا عن ينبوع الحكمة. ويبدأ التأمل في الحكمة التي هي سّرية وخفية ومجهولة لدى كل الشعوب وفي كل الأجيال. الله وحده يعرفها وقد أوحى بها إلى شعبه حين أعطاه الشريعة. فكتاب أوامر الله هو أفضل تعبير عن الحكمة وبالتالي عن الشريعة (رج 4: 1). يبقى على الشعب أن يميل بقلبه إلى الحكمة. من تمسَّك بها فله الحياة، والذين يهملونها آخرتهم الموت. عودوا يا بني يعقوب واتخذوها، وسيروا في الضياء للقاء نورها. لا تعطِ مجدك (اي الحكمة) لآخر، ولا ما يميزك يأمة غريبة.
هذا التأمل في الحكمة نجده على مفترق في تاريخ التعاليم الحكمية عند اليهود. قال سفر الامثال (8: 17- 31) ان الحكمة اعطيت لجميع البشر، وحددّها على انها مخافة الله. قال: "مخافة الرب رأس العلم، والحكمة والتأديب يستهين بهما الحكماء" (أم 1: 7؛ رج 9: 10؛ 15: 33). وقال ايوب (28: 28): "خشية الرب هي الحكمة واجتناب الشر هو الفطنة".
الحكمة هي الشريعة وقد أقامت في ارض يعقوب وفي المدينة المحبوبة التي هي أورشليم (سي 24: 8- 12). إنها تشارك الله في عمل الخلق ولكنَّها تسكن ايضا في وسط البشر. هنا تصبح الحكمة صورة عن يسوع المسيح وتشير الى دوره الوحيد في تاريخ البشرية الديني. يسوع هو الحكمة التي بها يخلص البشر، هو الحكمة الخلاقة في دوره كوسيط في الكون. وتلتقي هذه المفاهيم عن الحكمة مع اقوال القديس بولس. "فالمسيح قدرة الله وحكمة الله" (1 كور 1: 24). وقال القديس بولس ايضا (1 كور 2: 7- 8): "نتكلم على حكمة الله السرية الخفية التي اعدها الله لنا قبل الدهور في سبيل مجدنا. انها حكمة لم يعرفها أحد من رؤساء هذه الدنيا، ولو عرفوها لما صلبوا ربَّ المجد".
هنا، نتوقف على 3: 38: وبعد ذلك تراءت على الارض وعاشت وسط البشر. نفهم هذا القول كتلميح إلى ظهور الرب في سيناء ليوحي بشريعته إلى موسى. ولكننا نقدر أن نقرأ ايضا صيغة المذكر فنقول: وبعد ذلك تراءى على الارض وعاش وسط البشر. قرأ آباء الكنيسة هذه الآية وطبقوها على المسيح في سر التجسد: والكلمة صار بشراً وسكن بيننا (يو 1: 14).
4- كلام تشجيع وتعزية لاورشليم (4: 5- 5: 9) وفيه يتوجه الكاتب أولا الى المنفيين ليحضَّهم ويشجّعهم: ثِقوا يا شعي (4: 5)، ثقوا يا بَني، واستغيثوا بالله (4: 21، 27). ثقي يا اورشليم، فالذي سمَّاك باسمك سيعزّيك (4: 30). وبعد هذا يذكِّرهم بسبب سبيهم. ثم تبدوا اورشليم كشخص يشكو حاله الى جيرانه. وتتوجه الى ابنائها المنفيين فتعزيهم: "ودَّعتكم ببكاء ونوح، لكنَّ الله سيردكم إلي بفرح ومسرة الى الابد. فكما ترى الآن جارات صهيون سبيكم، هكذا عما قليل سيرين خلاصاً يجيئكم من عند الله. يأتيكم بمجد عظيم وببهاء الازلي... الذي جلب عليكم هذه الشرور يجلب لكم المسرة الابدية مع خلاصكم".
اجل سيخلّص الله شعبه ويبدِّل آلامهم فرحاً. هنا يعود "النبي" فيحدِّث اورشليم ويدعوها إاى الثقة بالرب بمواضيع وعبارات قريبة مما نقرأه في سفر اشعيا. يعلن أولاً عقاب الاعداء، ثم يدعو اورشليم الى الفرح فيصوّر لها تجمّع ابنائها وعودتهم مكرمين منتصرين: "إخلعي يا اورشليم حلة النوح، والمذلة، والبَسي بهاء مجد الله إلى الابد. تسربلي ثوب البر الذي من الله واجعلي على رأسك تاج مجد الازلي. فان الله يُظهر سناك لكل ما تحت السماء... إنهضي يا اورشليم، وقفي في الأعالي، وتطلعي من حولك نحو المشرق، وانظري بنيك مجتمعين من مغرب الشمس إلى مشرقها بكلمة القدوس. إنهم يبتهجون لأن الله يتذكرهم.
هذه الاقوال في اورشليم تصحّ لان نطبقها على شعب الله المشتت في كل مكان. لا شك أننا لن نتوقف عند نظرة ضيقة تعتبر أن بني اسرائيل هم وحدهم شعب الله. هم باكورة شعب الله اليَ وجدت كمالها في يسوع المسيح. فبعد المسيح صارت كل الشعوب شعب الله، ودخل كل ذوي الارادة الصالحة في كنيسة الله وقد جاؤوا من كل امة وقبيلة وشعب ولسان (رؤ 7: 9). اجل، سيأتي جيع الامم فيسجدون لك يا رب لان احكامك قد اتضحت (رؤ 15: 4).
الخوري بولس الفغالي
سفر حزقبال
1- المقدمة:
حزقيال هو النبي الذي أراد الله بواسطته أن يُسمع كلامه الى شعبه وهو بعيد عن أرضه الأم، مسي مع المسبيين، مشرَّد مع المشرَّدين، وغريب في أرض غريبة مع نخبة بني اسرائيل الذين سباهم نبوكد نصّر في حملته الاولى على اورشليم (597 ق. م.). أراد الله ان يرّف شعبه ان بينهم نبياً مرسلاً من قبله، فيكون لهم مؤنّبا على خطاياهم وقساوة قلوبهم. وبعد تهديم أورشليم وهيكلها، أراده الله أن يكون حاملاً رسالة خلاص إلى شعبٍ غلبه اليأس وفقد كلَّ أمل بالعودة إلى ارضه.
لذلك حمل حزقيال في صوته كلمة الله إلى ضمير شعبه الخاطئ وحمل في ضميره صوت شعبه المقهور إلى الله ليفتح ثغرة في سمائه المغلقة في وجههم. وانفتاح السماوات المغلقة هو بدء نبوءة حزقيال (1: 1)، كما ان رسالة الخلاص وعودة الله الى ارضه ومدينته هي خاتمة نبوءة هذا الكاهن والنبى العظيم (48: 35).
2- مضمون كتاب حزقيال:
نجد في سفر حزقيال مقدمة وثلاثة مواضيع تبرز في الشكل التالي:
مقدمة: دعوة النبي (1: 1- 3: 15).
أ- نبوءات ضد يهوذا واسرائيل (3: 22- 24: 1).
ب- نبوءات ضد الامم (25: 1- 32: 1).
جـ- نبوءات خلاصية ليهوذا واسرائيل (ف 33- 37 و38- 48).
أ- من خدمة المذبح الى خدمة الكلمة: دعوة حزقيال:
نقرأ في الفصل الاول الآية 3، ان حزقيال هو ابن بوذي الكاهن؛ والمعروف ان الكهنوت في العهد القديم هو لذرية هارون وسبط لاوي. فحزقيال كاهن ابن كاهن، عمله خدمة الطقوس والعبادات في هيكل اورشليم.
ولكن الهيكل هو في اورشليم. أما كاهننا فمسي مع كثيرين من ابناء شعبه الى ارض الكلدنيين (1/3): لا خدمة كهنوتية يستطيع تأديتها، ولا ذبائح يقدمها. غير أن الله اختاره لرسالة جديدة ومختلفة عن تلك التي ورثها عن أبيه وأجداده.
فيمكن القول اذاً أن الله نقل هيكله إلى جسد هذا الكاهن المسي، فوضع يده عليه (1: 3) واحلّ فيه روحه (2: 3) فصار الكلمة الحيّة الناطقة باسمه: تارة للتأنيب والتوبيخ (ف 4- 24) وطورا للتعزية والتشجيع (ف 33- 48).
أماكن تفصيل دعوته فقد تمت من خلال رؤيا إلهية (الفصل الاول) رآها حزقيال وطلب الله منه على اثرها ان يكون نبياً بين شعب اسرائيل في الجلاء (2: 1- 3: 15).
تتميز هذه الرؤيا باسلوب قصص الدعوة الكلاسيكية في العهد القديم (راجع دعوة اشعيا الفصل 6). ووصف الرؤيا يتركز خاصة على عناصر النار والريح والضباب التي تميّز الظهورات الالهية في الكتاب المقدس (راجع سفر الخروج ف 19- 20 وسفر الملوك الاول ف 19). والمعروف ان الله يُظهر نفسه خاصة في أوقات المحنة والشدائد، ليبيّن عظمة الوهيته وحضوره بين شعبه. من هنا فظهور الله لحزقيال في ارض غريبة هو تأكيد على مرافقته لشعبه المنفيّ وقدرته على تخليصه وان كان ذلك في ارض لا تعرفه ولا تعترف به إلهاً. كا أن الغاية الاساسية بالنسبة الى المدعو هي ان يعرف هو بنفسه ويعرف الذين ارسل اليهم ان دعوته حقيقية وان كلمته هي كلمة الله نفسه. فكما أرسل الله موسى إلى مصر (خروج ف 3- 4) واشعيا (ف 6) وأرميا (1: 4- 19) وغيرهم، كذلك يرسل حزقيال:
يا ابن الانسان، إني أرسلك إلى بني اسرائيل... فتقول لهم: هكذا قال السيد الرب ... (3: 3- 4).
ب- نبوءات ضد يهوذا واسرائيل (3: 22- 24: 27)
يتميّز هذا القسم من كتاب حزقيال بتأنيب شديد اللهجة يوجهه النبي إلى شعبه الخاطئ والمستمر في خطاياه، ولسنا هنا في معرض تفصيل تلك النبوءات مضموناً واسلوباً، ولكننا نلاحظ أن النبي بدأ نبوءاته وانهاها بكلام مماثل عن حصار اورشليم (ف 4) وخرابها وسبي شعبها (ف 24).
وقمة المأساة هي ما ورد في 10: 18- 22 و11: 22- 25 عندما أعلن النبي أن مجد الرب ترك مدينته وهيكلها لكثرة الخطايا والاثام التي أرتكبت فيهما.
وتتميّز هذه الفصول بأفعال وأقوال تظهر كلُها غضَب الله على شعبه الخاطئ والمتمرد الذي صار شبيها بالبغي التي تترك زوجها لاتّباع عشاقها. والموضوع الأساسي هو أن شعب اسرائيل قد ترك عبادة الاله الحق (يهوه) وراح يقدم العبادات والقرابين لآلهة الاوثان في كل بقعة من بقاع الارض المقدسة (ف 6) وحتى في الهيكل نفسه (ف 8).
فنتج عن ذلك ان الله تخلى عن ارضه وهيكله، وهذا سيجلب الخراب عليهما: فالفصل السادس الذى يصف فيه النبي فساد الارض يليه الفصل السابع الذي يؤكد على قرب النهاية والخراب في يوم الرب.
والفصل الثامن الذي يصف الرجاسات المرتكبة على يد الكهنة انفسهم في الهيكل المقدس، يليه الفصل العاشر الذي يعلن خروج الله من الهيكل ومن المدينة المقدسة. ويلي كلَّ ذلك اعلانُ السي الكامل والخراب التام لمملكة يهوذا على كرار ما حصل لمملكة اسرائيل (ف 12).
وهكذا، كلما تقدمت الفصول وتتابعت الرؤى والنبوءات، زادت حدّة نبرة الني ضدّ كلّ اولئك المسؤولين عن شعب الله، وخاصة حكامه المغرورين الذين تركوا ضمانة الله لهم واتكلوا على ضمانات وهمية. ولا يوفّر الني احدا من الانبياء الكذبة الذين بشرّوا بالسلام حيث لا مفر من الحرب (ف 13 و14)، ولا من الامراء المتعجرفين الذين جرّوا اسرائيل الى الحروب والخراب...
وفي كل هذا نقرأ مرارة النبي أمام الحقيقة المذهلة: ان شعبه الذي تبنّاه الله في ضعفه وعبوديته وحرّره ليجعله شعبا مقدسا في أرض مقدسة، لم يكن يوما وفياً لعهده مع إلهه. بل زاد دوما تكبراً وكفراً حتى نال، باستحقاق تام، عقاب الله الذي تركه يُسبي وسمح للفاتح البابلي بتهديم مدنه وقتل شبانه وشيوخه... (ف 14).
جـ- نبوءات ضد الامم (ف 25- 32).
ينتقل النبي في هذه المرحلة من تأنيب شعبه واعلان خراب مدنه الى توجيه غضبه على الامم المجاورة التي ساهمت مساهمةً مباشرة بافساد اسرائيل وخرابه. غير ان هذه النبوءات لن تفيدنا كثيرا في قراءاتنا المسيحية لسفر حزقيال، ولهذا لا نتوسع فيها.
د- من الموت الى الحياة: بشرى خلاص الى المسبيين (ف 33- 48). 
تتركز نبوءات حزقيال في هذا القسم على ثلاثة امور رئيسة: عودة شعب الله من الجلاء الى ارضه (ف 33)، حيث يكون الله راعيه الاوحد (ف 34) واعادة توحيد يهوذا واسرائيل في مملكة واحدة تحت إمرة رئيس واحد (ف 37).
والعمل الاساسي هو عمل الله في تجديد شعبه قلباً وروحاً، فيعطيه عهداً جديداً مبنياً بالدرجة الأولى على عطاياه وعمله، لا على جهد اسرائيل في الحفاظ على الوصايا الالهية وغيرها. كما يعطي حزقيال صورة رائعة عن عمل الله الخلاصي هذا في 37/14، في رؤيا العظام اليابسة التي يعيد الله اليها لباسها من العصب واللحم، وينفخ فيها روحه فتعود إليها الحياة. هذه الصورة مع ما ورد في ف 34 عن رعاية الله لشعبه هي اجل ما كتبه حزقيال لانه بيّن من خلالها ان حياة شعب الله هي عطيّة مجانية منه.
كذلك الفصول من 38 الى 48، فهي أيضا رؤيا جميلة جداً، وان بدت مليئة بالتفاصيل عن قياسات الهيكل الجديد. والمهم ليس تفاصيل البناء، لكن المعنى الذي يعطيه حزقيال لهذا الهيكل الجديد في وسط المملكة الجديدة ومدينتها المقدسة اورشليم. فالله سيعطي شعبه هيكلاً جديداً مقدساً وارضاً جديدة مقدسة، فيكتمل بذلك تجديد البشر والارض والبناء، وكل هذا هو من عمل الله وحده.
وفي هذا الاطار، يبدو لنا أن أجمل ما كتبه حزقيال هو ما ورد في ف 47 عن النهر العظيم الذي ينبع في الهيكل ويجري في الصحراء القاحلة فيحوّلها الى جنائن وحين يصب في البحر الميت يحوله الى بحر مليء بالحياة. 
وهكذا فالموضوع الثالث من كتاب حزقيال يتركز على التبشير بعمل الله القادر على تجديد كل شيء وتحويل الموت الى حياة.
3- خصائص ادبية:
خصائص سفر حزقيال الادبية كثيرة ومتنوعة. فهو يستعمل أساليب عديدة لايصال رسالته المكلف بها، فتراه تارة يستعمل التشابيه والامثال: ومنها مثل الكرم في ف 15، ومثل النسر في ف 17، ومثل اللبوءة واشبالها في ف 19، ومثل الاختين العاهرتين في ف 23. وطورا يلجأ الى اعمال رمزية يقصد منها إيصال رسالته بوسيلة حسيّة وليس فقط بالكلمة المجردة: راجع 4: 1- 3، 4- 8، 9- 17؛ 5: 1- 17؛ 12: 1- 16 وغيرها... 
ويلجأ حزقيال حيناً إلى اسلوب المجابهة الكلامية خاصة عندما يريد نقض اقوال وامثال شائعة تبث الشك في قدرة الله وعمله الخلاصي وحضوره مع شعبه (راجع 12: 21- 28؛ 26: 2؛ 28: 2؛ 29: 3؛ 36: 13 وغيرها). وحينا آخر، يستعمل كلّ بلاغته الكهنوتية ومعرفته للشريعة والوصايا ليعلم شعبه الحق ويحثه على سلوك طريق الابرار والابتعاد عن طريق الاشرار (راجع 14؛ 18؛ 33: 1- 20) وكأنه يحقق بذلك ما طلبه الله منه في الفصل الثالث آية 16 وما يلي.
"يا ابن الانسان، اني جعلتك رقيبا لبيت اسرائيل، فاسمع الكلمة من فمي وأنذرهم عني.. فإذا قلت للشرير، انك موتا تموت ولم تنذره أنت ولم تتكلم منذراً الشرير بشر طريقه ليحيا، فذلك الشرير يموت في اثمه، لكني من يدك اطلب دمه....".
غير ان اسلوب حزقيال الادبي هو اسلوب الرؤيا الذي لم يستعمله الانبياء الكلاسيكيون الذين سبقوه، وان فعلوا فبطريقة عابرة. ثم إن ارتباط رسالته وعمله النبوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحلول الروح الذي اقتداه مراراً وحفظه في الرؤيا الى اماكن عديدة.
أ- الرؤى:
لا عجب ان تعتمد نبوءات حزقيال في قسم كبير منها على رؤى رآها النبي، وهذا ليس بغريب على الانبياء والمتنبئين، إن في اسرائيل او في خارجها. والمعروف ان كل نبي كان يدعى رائيا قبل ان يدعى نبيا (راجع 1 صم ف 9). ورؤى حزقيال ليست غاية في حدّ ذاتها بل اطار (للكلمة والرسالة) التي يوجهها النبي إلى بني شعبه. والرؤيا هي قبل كل شيء انفتاح السماوات واتصال النبي بعالم الالوهة. هكذا تكون كلمته التي يستخلصها من رؤياه كلمة مصدرها العالم الالهي نفسه، ولها طابع الرسالة الالهية الى الشعب. والرؤيا هي افضل تعبير عن اختبار النبي الشخصي لحضور الله وفعالية كلمته. ولنا عودة الى ذلك في تفصيلنا لرؤيا العظام اليابسة (ف 37).
ب- دور الروح في سفر حزقيال:
يتميز حزقيال عن غيره من الانبياء بكثرة استعماله لكلمة "روح" (52 مرة) ويهمنا هنا نوعان من النصوص:
فالنصوص الاولى تربط عمل حزقيال النبوي ربطاً وثيقاً بعمل الروح، والمقصود به روح الله (36: 27؛ 37: 14). فكأن هذا النبي مسيَّر في أي فكر يخطر على باله، وفي كل كلمة يقولها او حركة يقوم بها، فالروح هو الذي يدخل فيه فيأخذه هنا وهناك، ويُظهر له هذا او ذاك من الأمور التي يريد الله ان يظهرها له، تاركاً للني ان يحولها بدوره الى رسالة كلامية يوجهها الى شعبه. وللدلالة على ذلك نورد بعض الآيات مشددين على التعابير التي تميز عمل الروح في رسالة حزقيال النبوية:
3: 13= ثم رفعني الروح....
3: 14= ثم رفعني الروح وذهب بي...
3: 24= فدخل فيّ الروح وأقامني على قدمّي....
8: 3 = ورفعني الروح بين الارض والسماء....
9: 1 = ورفعني الروح واتى بي....
11: 24= ورفعني الروح وأتى بي....
37: 1= وكانت علي يد الرب واخرجني بروح الرب...
43: 5= فحملني الروح ودخل بي....
ومن ناحية ثانية يستعمل حزقيال كلمة روح ليدّل على نسمة الحياة التي ينفخها الله في الانسان فيعيد اليه الحياة. ومثل هذا الاستعمال اساسي في كتاب شدد كثيرا على وصف الموت الذي حلّ بشعب اسرائيل من جراء خطاياه، وعلى حاجة اسرائيل المائت قلباً وروحاً وجسداً الى من يفتح قبره (اي السبي) ويعيد اليه حياته (اي يعيده الى ارضه). وهنا ايضاً لا بد من ذكر رؤيا العظام اليابسة (37: 1- 14) التي يعبر فيها حزقيال افضل تعبير عن انتقال شعبه من الموت الى الحياة بواسطة الروح اي نسمة الحياة التي ينفخها الله فيه (37: 8).
4- رسالة حزقيال:
كما رأينا في حديثنا عن مضمون سفر حزقيال، فان رسالة هذا النبي الى شعبه في الجلاء تنقسم إلى قسمين رئيسين: تأنيب وتحذير بالعواقب الوخيمة لخطاياهم كأفراد وكجماعة، تليها نبوءات خلاصية ووعود بالعودة الى ارضهم. 
يبدو لنا بوضوح أن حزقيال شدّد على خطايا اسرائيل وآثامه، لا كالقاضي الذي يُصدر الحكم على المتهم، بل كالذي يعبر عن ركبته الشديدة في اصلاح شعبه مستعملاً كل وسيلة ممكنة، علّهم يعوا ما هم عليه من الأثم والفساد. ولا شك في ان حديث النبي عن السبي والخراب الشامل انما هو من باب الاستنتاج المنطقي والطبيعي، يستوحيه حزقيال من خبرة عمل الله في تاريخ شعبه. وليس حزقيال بمجدِّد في مثل هذا الاستنتاج، فقد سبقه الى ذلك اشعيا وارميا في كلامهما الماثل عن خطايا اسرائيل المتراكمة وعن مسؤولية حكامه الذين نسوا العهود والمواثيق مع يهوه.
اما بعد سقوط اورشليم وتهديم هيكلها وسبي من تبقى من ابنائها، فقد صار لزاماً على النبي ان يعطي الرجاء الى اولئك الذين فقدوا كلّ رجاء. وفي هذا الاطار يمكننا استخلاص ثلاث نقاط هي التالية:
أ- حث على استعادة الرجاء المفقود:
هنا يدعو النبي ابناء شعبه الخاطئ ليتطهروا من خطاياهم افراداً وجماعات، وان كان التطهير الفردي يتحقق بعودة الخاطئ الى نبع الطهارة والقداسة والحياة أي الى الله، فالتطهير الجماعي يتحقق بعمل الله في شعبه كا يقول هو نفسه:
"وارش عليكم ماء طاهراً، فتطهرون من كل نجاستكم، واطهّركم من جيع قذاراتكم" (36: 25). والله لا يكتفي فقط بتطهير شعبه من ادناسهم بل يزيد على ذلك بتجديدهم من الداخل:
"واعطيكم قلباً جديداً واجعل في احشائكم روحاً جديداً وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلباً من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم: وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها" (36: 26- 27).
وهنا لا بد من الاشارة الى العلاقة الوثيقة في سفر حزقيال بين الاثم والموت، والطهارة والحياة، لذلك فدعوته الى التطهير هي دعوة الى الحياة، ووعد الله بتطهير شعبه ما هو إلاّ وعد بانتشالهم من براثن الموت وتجديد نعمة الحياة فيهم.
ب- وعد بالعودة من الجلاء:
وهنا ايضا تتركز رسالة حزقيال على وعد ثابت من الله نفسه بأن يجمع شعبه المشتت في كل بقاع الارض ويعيدهم الى ارضهم حيث يكونون له شعباً ويكون هو لهم إلهاً. فالله سمح بموت شعبه عندما سمح بتشتيته، ولكنّه يريد إعادة الحياة إليهم يوم يعيدهم إلى أرضهم. (36: 24؛ 37: 12- 21؛ 34: 11- 13).
ب- الموت والحياة:
تتلخص رسالة حزقيال اذاً في موضوع الموت والحياة، وإن تعددت وسائل النبي في الكلام عن الواقعَين: فالانسان مسؤول عن اعماله وبها يتعلق امر موته (18: 3، 18، 24؛ 33: 13) وحياته (18: 17، 19، 21، 22، 29؛ 33: 15- 16). والموت هو مكافأة عبادة الاوثان في كلام النبي عن رحيلِ مَجْدِ الله عن أرضه ومدينته وهيكله (ف 8؛ 11) كما انه الصورة التي يعبر بواسطتها النبي عن حالة شعبه في السبي، في رؤية العظام اليابسة (37: 1- 14). والحياة هي الوعد الذي يعده الله لشعبه: فإن كان سبيهم هو موت، فوعده بارجاعهم هو وعد باعادة الحياة إليهم. وكما يقول النبي:
"فالله لا يريد موت الخاطئ (او الخطأة) بل ان يعيش" (33: 11؛ 18: 23- 31). وهكذا يكننا الاستنتاج بأن رسالة حزقيال مزدوجة: فمن جهة، يشدد كثيراً على أن الموت عقاب لا مفرّ منه لمن يترك الله ويأثم، ويدعو بالتالي الخطأة ليتوبوا ويعودوا عن خطاياهم. ومن جهة ثانية، يؤكد بأن الحياة عطية مجانية يهبها الله للبقية الباقية، تلك التي كانت ضحية فساد الحكام وكذب الانبياء المزيفين (9: 4- 8؛ 34: 7- 16).
4- قراءة مسيحية لسفر حزقيال:
نتوقف عند ثلاثة مقاطع اخترناها من القسم الثاني في نبوءة حزقيال لارتباطها الوثيق برسالته الخلاصية ووعده بالحياة للمسبيين وبتجديد كامل لشعبه.
وسنتبع في حديثنا مراحل ثلاث:
1- قراءة سريعة لكل من المقاطع الثلاثة في سفر حزقيال نفسه.
2- قراءة العهد الجديد لهذه المقاطع.
3- قراءتنا المسيحية لهذه المقاطع ولسفر حزقيال بشكل عام.
وهنا لا بدّ من الاشارة إلى أننا لسنا بصدد دراسة أدبية أو تفسيرية شاملة لأي من الآيات والنصوص التي نذكرها، كا أن كلامنا عن قراءة العهد الجديد لن يتعدى المقابلة السريعة والعامة حيث ان المجال لا يسمح بمقارنة أوسع.
أ- قراءة س يعة لكل من المقاطع الثلاثة في سفر حزقيال.
- مثل الرعاة: ف 34
يتناول هذا الفصل باكمله موضوع رعاة اسرائيل أي حكامه الدينيين والمدنيين، ويمكن تقسيمه الى قسمين:- قممم يتناول الرعاة أنفسهم وعلاقتهم بالشعب وعلاقة الرب بهم، وقسم يتناول الخراف (اي الشعب) ويقسمهم الى قسمين: الكباش والتيوس.
القسم الاول:
(34: 2- 16) يتطرق فيه بالدرجة الاولى الى اساءة الرعاة لرعيتهم (36: 2- 6). يتهمهم بأكل الالبان ولبس الصوف وذبح السمين من الخراف دون ان يرعوها. فهم مقصِّرون لأنهم لم يقوّوا الخراف الضعيفة ولم يداووا تلك المريضة أو يجبروا كسورها أو يردوا الشاردة منها أو يبحثوا عن الضالة. النتيجة هي أن الخراف تشتت وتاهت وصارت مأكلا للوحوش. وهنا تلميح واضح الى الجلاء الذي فيه يتهم النبي رعاة اسرائيل بانهم سببوه. وفي الدرجة الثانية (34: 7- 16) يتكلم الرب ويعيد الاتهام الاول بطريقة مختصرة ثم يعلن (وهو الاله الحي) بأنه هو نفسه سيرعى قطيعه وينقذه من براثن الشر ويرعاه في مرعى صالح وفي حظيرة صالحة. وما لم يفعله الرعاة الفاسدون، سيفعله الرب بنفسه: يبحث عن الضالة، ويرد الشاردة، ويجبر المكسورة، ويقوي الضعيفة. ويزيد على ذلك بأنه يهلك السمينة والقوية (وهنا تلميح الى الخراف التي استقوت على غيرها واكلت مأكلها كما سيرد ذلك في القسم الثاني...).
القسم الثاني:
(34: 17- 31). في الدرجة الاولى يتناول الخراف نفسها (34: 17- 23) ويقسمها الى قسمين: الكباش والتيوس. فالكباش تمثل الخراف الضعيفة التي أجبرت على ان ترعى ما داسته ارجل التيوس وان تشرب ما عكرته اقدامهم (آ 19). اما التيوس فهي التي ترعى الرعى الصالح وتدوس بارجلها المراعي، وتشرب الماء الصافي ثم تعّكر ما تبقى (آ 18). وتزيد على ذلك بأن تدفع بجنبها وكتفها وتنطح بقرونها الخراف الضعيفة وتشتتها (آ 20) وهنا تلميح الى ما سبق للنبي ان قاله في 22: 6- 12 وخاصة في 18: 5- 9 و18: 10- 13 النتيجة هي ان الرب يخلّص خرافه فلا تُنهب، ويكون قاضياً عادلاً بين القوي والضعيف منها (آ 22).
ويتناول في الدرجة الثانية عمل الرب الخلاصي بأن يقيم على شعبه راعياً آخر (34: 23- 25) يطلق عليه اسم عبدي داود: ملك صالح مثل داود، فيكون هو رئيس شعب الرب ويكون هو الله إلههم.
وخاتمة الفصل (34: 26- 31) ان الرب يعود فيؤكد إرادته الثانية: يقطع عهد سلام مع شعبه ويخلصّه من جميع اعدائه لأن "خراف مرعى الرب هم بشر وهو الههم". (آ 31).
- رؤية العظام اليابسة: ف 37
هذه الرؤية هىِ من ابرز ما كُتب في العهد القديم من رؤى تمثل عمل الله في إحياء شعبه من الموت (راجع هوشع 6: 2؛ 13: 14؛ اشعيا 26: 19). تشبّه حالة الشعب المسبي بالعظام اليابسة التي تُلبسها اللهُ عصباً ولحماً ثم ينفخ فيها روحه فتحيا. هذه الرؤية تمثل العبور من الموت الى الحياة بعمل الرب وعمله وحده. كما تتحول هذه الرؤية الى رسالة خلاص ورجاء، واقوى مافيها ما يقوله الرب بنفسه: "أفتح قبوركم وأُصعدكم من قبوركم يا شعبي" (آ 12). والهدف الاول ان يعلموا انه هو الرب يفتح قبورهم ويصعدهم منها (آ 13) وتنتهي بتأكيد ثابت بأن الرب لا يتكلم فقط، بل يتكلم ويفعل (آ 14).
- الماء الذي ينبع من الهيكل (47: 1- 12)
في 43/1- 2 يصف النبي عودة الرب بمجده الى هيكله عبر باب المشرق (راجع رؤ 22/1- 4؛ يو 4: 1 و19: 34)، ويقابل صوت مجد الرب عند عودته بصوت المياه الغزيرة. فاقامة الله المتجدّده بين شعبه هي التي يشبهّها نبع ماء يسيل في الهيكل نفسه (آ 2) ويتجه الى العربة أي الصحراء الممتدة (آ 8- 10) من اورشليم إلى البحر الميت. فلا سبيل للحياة في الصحراء القاحلة برمالها ولا في البحر الميت بميااهه المالحة. اذاً هذا النهر المتدفق من الهيكل هو مصدر حياة لكل مافيه موت. غير أن مروره هو مصدر حياة فيحوِّل الصحراء الى جنائن مليئة بالاشجار الكثيرة (آ 7- 12) والبحر المائت إلى بحيرة مليئة بالحياة والاسماك (8- 9).
فالموضوع هنا، هو عبور من الموت الى الحياة، من القفر الى الخصب... وهو تمثيل لعمل الله الخلاصي.
2- قراءة العهد الجديد لكتاب حزقيال
- مثل الرعاة
مثل الرعاة الفاسدين ورعاية الله لشعبه قرأه العهد الجديد بطرق عديدة واهمها ما جاء في الاناجيل: ان كلا من انجيل متى 18/12- 14 ولوقا 15/3- 7 شدد على مثل الخروف الضال الذي لأجله يترك الراعي خرافه كلها حتى يجده فيفرح به. ولقد طبق الانجيليان المذكوران مثل الخروف الضال على الخطأة فلم يتبعا التطبيق نفسه الذي استعمله حزقيال: فالخراف التي تاهت (حز 37) ليست بالضرورة تلك الخاطئة بل الضعيفة. وهنا يرد انجيل القديس يوحنا الفصل 10. فيه يتحدث يسوع عن الراعي الصالح ويطبق هذا التشبيه على نفسه، كما يشبّه حكام اسرائيل بالسارقين والأجراء الذين يتركون الخراف تتشتت او تأكلها الذئاب دون ان يأبهوا بها...
لا يسمح المجال هنا لمقارنة ادبية بين النصين (يوحنا 10 وحز 34) وان كان لا بد من الاشارة الى ترابطهما خاصة في موضوع اعطاء الحياة للخراف الذي يذكوها يسوع (يو 10: 10؛ 11، 15) وحز في كلام الله عن الخلاص الذى يمنحه لخرافه بعد أن يجمعها في شتاتها. المهم في النصيّن ان هنالك اموراً ثلاثة اساسية:
- الخراف معرضة لخطر الموت والتشتت (يوحنا) او انها بالفعل قد ماتت وتشتت (حزقيال)
- سبب تشتتها وموتها هم الرعيان الفاسدون (حزقيال) او السارقون والأجراء (يوحنا).
- الله هو الراعي الصالح الذي يجمع خرافه ويعطيها الحياة (حزقيال) ويبذل نفسه لاجلها (يسوع في انجيل يوحنا).
النتيجة ان هناك حالة موت تتحول الى حالة حياة بفعل عمل الله الخلاصي.
- رؤية العظام اليابسة (في العهد الجديد)
ليس في العهد الجديد من نصوص او آيات قريبة او متصلة مباشرة بهذه الرؤية النبوية إلا رؤ 11: 11 الذي يتكلم عن نفخ روح الله في جسدي الشاهدين المائتين واعادة الحياة إليهما، وكلام مار بولس في الرسالة الى اهل رومة 7: 11 حيث يقول: "اذا كان الروح الذي أقام يسوع من بين الاموات حالا فيكم، فالذي أقام يسوع من بين الأموات يُحي أيضاً أجسادكم الفانية بروحه الحال فيكم".
وفي نصّي العهد الجديد المذكورين ملاحظة اساسية: اعادة الحياة الى اجساد مائتة بعمل روح الله كما ورد في حز 37: 9- 10. وهنا ايضا، فالامر الاساسي هو الانتقال من الموت الى الحياة. ولا بد من التذكير بأن اساس العهد الجديد هو قيامة يسوع المسيح من الاموات.
- الماء الذي ينبع من الهيكل: يو 4: 1؛ يو 19: 34؛ يو 9
نجد في رؤ 22: 1 كلاماً مماثلاً لكلام حز 47: 1- 12 عن نهر الحياة. وفي رؤيا يوحنا، ينبع النهر من عرش الله ومن الحمل في اورشليم الجديدة. واما نهر حزقيال فينبع من الهيكل الجديد للمدينة الجديدة. ويلتقي حزقيال ويوحنا في وصف منافع هذا النهر: فهو يعطي الخصب (حز 47: 7؛ رؤ 22: 2) والحياة (حز 47: 8- 9؛ رؤ 22: 2) والشفاء (حز 47: 12 رؤيا 22: 2).
اما في انجيل يوحنا فمصدر الماء الحي يسوع نفسه وهو يهبه للعطاش وللمؤمنين (يو 7: 37) ويحوله قوة ماء حيّ في ري في جوف من يشرب (يو 7: 38).
وفي نص آخر يردّد يسوع الكلام نفسه للسامرية (يو 4: 13- 14).
والواقع ان العهد الجديد قرأ حز 47 كما قرأ زك 14 وغيره من النصوص التي تتكلم عن عطية الماء الحيّ وتطبقّها على المسيح نفسه. اما الحياة التي تخرج من المسيح- الماء الحي- فهي الحياة الابدية (يو 4: 14) وهبة الروح القدس (يو 7: 38- 39؛ 19: 34؛ 4: 14؛ 3: 5).
ولعلّ النص الذي توقف عنده المفسرون اكثر من غيره هو نص يو 19: 34 الذي رأى فيه الكثيرون من الآباء ولادة الكنيسة من نجا المسيح المائت على الصليب. ويلتقي كل من العهد القديم والعهد الجديد في رؤية الحياة الجديدة التي تخرج من الله مصدر الحياة ومنبعها والقادر أن يحوّل كل عقم إلى خصوبة، وكل موت إلى حياة جديدة.
3- قراءتنا المسيحية لسفر حزقيال:
كل قراءة مسيحية للعهد القديم تنطلق من قراءة العهد الجديد له ومن حدث تجسّد المسيح وموته وقيامته. فالعهد القديم يظل ناقصاً مبتوراً إذا لم يكتمل بالمسيح، ونبوءاته تظل حبراً على ورق وصوتاً بلا صدى إن لم تتحقق حياة واعمال المسيح ابن الله، الذي هو غاية العهد القديم الاولى والاخيرة.
من هنا نقرأ سفر حزقيال على ضوء ايماننا بحدث التجسد. ويلاحظ القارئ أننا في كلامنا عن سفر حزقيال، توقفنا عند شخصية هذا النبي ودعوته، ثم عند مضمون كتابه وخصائصه الادبية ورسالته، وشددنا على قراءة ثلاثة نصوص اعتبرناها مهمة ومفيدة. ويلاحظ القارئ أيضا أن حديثنا، الذي انطلق من ملاحظات عامة وشاملة، تركَّز شيئاً فشيئاً على موضوع واحد اعتبرناه اساسياً في رسالة حزقيال، وهو موضوع الموت والحياة. وقد شددنا على ان حزقيال الذي بدأ رسالته بانذار اسرائيل الخاطئ والمنجس، بالموت والدمار، قد أنهاها بالتبشير بالخلاص والوعد بالحياة للمائتين. كما أننا لاحظنا بأن حزقيال رأى في الموت نتيجة حتمية لخطيئة الانسان الفردية والجماعية، وأكّد على أن البرارة هي ايضا مسؤولية شخصية ناتجة عن صلاح الابرار (القسم الاول). ولكنه شدد في القسم الثاني على ان الحياة هي هبة من الله ومن روحه، واستخلص بأن الحياة الجديدة والارض الجديدة والمدينة الجديدة والهيكل الجديد، كلّها من عمل الله وحده.
واننا لنرى في ذلك استباقاً واضحاً لما اتمّه المسيح في موته وقيامته. فالحقيقة هي ان العهد الجديد بأكمله يتلخّص في بشرى وحيدة وهي أن الموت قد غلب على الصليب. والحياة عطية مجانية لكل من يؤمن بقيامة المسيح من الاموات.
وإذا كانت رسالة حزقيال الأولى قد ركّزت على خطيئة شعبه وبالتالي على موته، فالمسيح لم يتجسَّد إلا لأن البشرية ترزح تحت نير عبودية الخطيئة والموت.
وإذا كان حزقيال قد تنبأ عن عطيّة الحياة التي يهبها الله مجانا لشعبه، ورأى في العودة من السبي تحقيقاً لهذا الوعد الخلاصي، فالعهد الجديد لم يتنبأ او يتوقع عطية الله هذه، بل اختبرها وشاهدها وشهد لها من خلال خبرة موت المسيح وقيامته. فما كان نبوءة صار حقيقة تاريخية، وما كان وعدا صار حدثاً له شهود عيان اخبروا به. والحياة التي وُعد بها شعب واحد نالتها البشرية بأكملها والاموات أنفسهم، من يوم خلق الله الانسان والى نهاية الكون.
وخبرة الموت نعيشها نحن المؤمنون المعمدون، بالرغم من اشتراكنا في المعمودية بموت المسيح وقيامته. فنحن ايضا كثيرا ما نبني لنا اوثاناً نعبدها فنستعبد لها. فمنّا من يعبد اله المال فيصبح عبداً له، ومنا من يعبد اله القوة والتسلط فيصبح عبدا لقوته وتسلطه، ومنا من يعلي جسده الى مرتبة اله، ولا همّ له الا تغذيته والباس فيصبح عبداً لجسده هذا... وكل تلك الآلهة المزَّيفة ليست سوى تعبير عن إله مستبد نخدمه ونخافه هو الموت. فخوفنا من الموت يدفعنا إلى تجميع الثروات بالحق والباطل، علّها تحمينا من ذلك الاله المستبد الذي يهددنا كل يوم. وخوفنا من الموت يدفعنا إلى التسلط على إخوتنا وتبرير أنانيتنا وانعزالنا... والخوف من الموت هو في أساس خلافاتنا وحروبنا، لأن الانسان الجاهل يعتقد أنه إذا ألغى الآخرين أو استغلهم يؤمِّن على حياته. لكن خبرتنا لا تكذب وهي أن الموت واقف هناك ينتظرنا في كل زاوية وعلى مفرق كل طريق! فمن يحررنا من جسد الموت هذا؟ (روم 7: 4 م) ومن يعتقنا من عبودية اوثاننا تلك؟
لا شك اننا اذا قرأنا حزقيال على ضوء العهد الجديد وآمنا بأن عطية الحياة هي من المسيح وحده، ننال تلك العطية المجانية دون تعب او جهد. فالذي غلب الموت يستطيع وحده أن يغلب موتنا، والذي قهر الجحيم يستطيع وحده ان يقهر اوهاننا ويحررنا منها.
وكما يقول المسيح نفسه:
"ان عطش احد فليقبل اليّ ومن آمن بي فليشرب.... فستجري من جوفه انهار من الماء الحيّ" (يو 7/37- 38).
لأن "الماء الذي اعطيه، يصير فيه عين ماء يتفجّر حياة ابدية" (يوحنا 4: 14).
سفر دانيال
ان الحقبة القائمة التي تميزت بها مملكة يهوذا، كان بامكانها أن تجلب اليأس الى القلوب الأكثر اطمئنانا لو لم تكن كلمة رسل الله النبوية مفعمة بالتسبيح والتعزية. ان الله كشف عن قصده الالهي بأنه سيحقق بشعبه مواعيده التي ذكرها في اسفار موسى: سيحققها في اورشليم بواسطة ارميا، وعلى ضفاف نهر خابور على يد حزقيال، وفي بلاط بابل بلسان دانيال. ان ما وعد به للذين يستمرون على امانته سيحققه بكل تأكيد، لان كلمة الله هي حية وباقية الى الابد" (1 بط 1: 23).
انطلاقا من هذه المقولة نحصر كلامنا بموضوع بقراءة مسيحية لسفر دانيال"، بشقيه الاخبارى والنبوي او الرؤيوي، فنتكلم على:
1- الكاتب والكتاب.
2- المواضيع اللاهوتية
3- قراءة مسيحية:
أ) دانيال رجل الله
ب) دانيال رجل دولة.
1- الكاتب والكتاب:
ان اسم دانيال يعني ان الرب يدين. والكتاب الذي نُسب اليه، يعطينا معلومات وافرة عن حياته. ولد في فلسطين من أبوين شريفين وملوكيين كما يقول المؤرخ يوسيفوس. نُقل الى بابل في ربيع عمره، بواسطة الملك نبوكد نصّر في بداية الأسر اليهودي، وهناك تعلّم اللغة والعلوم الكلدانية، مع رفاقه الشبان الثلاثة وبعدها إنصرف إلى خدمة الملك. كان دانيال ذكياً، وبفضل ذكائه، لاقى حظوة في عيني الملك، وبالاخص عندما فَسّر له بعون الهي حلمين كبيرين. فرقاه الملك واصبح من كبار المملكة. وكان من خلال اعماله، يُظهر محبته للرب وتفوقّه على باقي الالهة الكذبة، فشُبه دوره في بلاط الملك الكلداني، بالدور الذي لعبه يوسف في بلاط الفرعون في مصر.
وبالرغم من كل الصعوبات التي رافقته والتحدّيات التي امتحنته، ظل دانيال مؤمناً بربه واميناً لشرائعه، وكان نموذجاً للمسيح الذي قَبل الالام بفرح، حبا بربه.
يقع كتاب دانيال في اربعة عشر فصلا، بعضها كتب في العبرانية، وبعضها الاخر في الارامية او في اليونانية.
يقسم عمله قسمين:
* الاول وهو تاريخي: (1: 1- 6: 28)، وفيه يعرض المؤلف الاحداث الرئيسية لحياة دانيال تحت حكم:
. نبوكد نصر (فصل 1- 4).
. بلطشّصر (الفصل 5).
. داريوس (الفصل 6).
يحتوي هذا القسم التاريخي على ست قصص، وتُعتبر الاولى منها مقدمة مقدمة لكل سفر.
*الثاني وهو نبوي (7: 1- 12: 13)، وفيه يُعلن الكاتب عبر اربع رؤى نبوية، عن مصير الامبراطوريات الوثنية الاربع، بالنسبة الى بعضها البعض، وبالنسبة الى علاقتها مع شعب الله.
أما الفصلان الأخيران 13 و14، فيُعتبران من الأسفار القانونية الثانية.
2- المواضيع اللاهوتية: نلخصها باربعة.
أ) ملكوت الله: الله هو سيد التاريخ وملك الكون، وفلكه ثابت وقوي في الحاضر والمستقبل، بوجه الممالك الوثنية. الله هو، في نظر دانيال، ملك السماء (4: 34) وإله الالهة (2: 47؛ 11: 36) ورب الملوك. له سلطان ان يعزل الملوك ويقيمهم (2: 12)، لأنه اصل ومرجع كل سلطة زمنية على الارض. إنه رئيس الجيش (8: 11)، والرب الوحيد المجيد في المسكونة (3: 45). هذا ما أنشده فتيان يهوذا على خطى عزريا. بعد هذه الصفات التي يعطيها للرب، يعلن دانيال بان ملكوت الله:
* حاضر: في الكون بطريقة دائمة ومستمرة، وبالاخص في قلب المؤمنين الذين يعيشون في اوساط وثنية. كما أنه حاضر في قلب الجماعات الوثنية، وقادر أن يعزل الملوك ويقيمهم ويهب الحكمة للحكماء، والمعرفة للفهماء (2: 12). فعلى نبوكد نصّر أن يُعيد المجد لله، وعلى بلطشّصر ألاَّ يتكبّر على رب السماء، لأن الكلمة الاولى والاخيرة ترجع لله وحده، و "سلطانه إلى جيل فجيل" (4: 33).
* آت: في نهاية الازمنة، ويكون مُلكه نهائياً، فيخدمه جميع السلاطين ويطيعونه (7: 27). لأن جيع المسالك زائلة، وملكوت الله ثابت الى الابد. إنه ملكوت ازلي، لا يزول ولا يتعداه الزمن (7: 14). يأتي فجأة ويزيل المسالك المزيفة.
ب) ابن الانسان: ظهرت فكرة ابن الانسان في الفصل السابع، حيث نشهد رؤية الحيوانات الاربع وابن الانسان. وفكرة ابن الانسان تعني، كما في حزقيال، انتماء إلى الجنس البشري، وتفوقاً على الممالك الأربع، لأن مصدر ابن الانسان، هو علوي، اي من الله، وله السيادة والمجد والعزة. وهذا يعني أن صورة ابن الانسان، هي بمثابة بشارة بمُلْك آت، وامبراطورية يُعترف بها في كل الشعوب والامم.
وردت عبارة "ابن الانسان" في الاناجيل الاربعة، وسفر الاعمال وسفر الرؤيا. وهذا يدل على انها عبارة قديمة، وقد استعملها المسيح لقبا لنفسه: "جاء ابن الانسان يأكل ويشرب فقالوا: هوذا رجل اكول سكير صديق للعشارين والخاطئين" (متى 11: 19). بالنسبة الى يسوع ان عبارة "ابن الانسان" تعني الانسان المنظور الذى عايش الناس واتخذ طريق الفقر والاتضاع، ورضي ان يُقال فيه كلام تجديف (متى 12: 32؛ لو 12: 10) لانه ما جاء ليُهلك العالم بل ليخلّصه. وتعني "ابن الانسان" ايضا الاله "الآتي على سحاب السماء والجالس عن يمين القدرة" (متى 26: 64). اما في انجيل يوحنا، فان وجه ابن الانسان، يأخذ طابعاً ممجَّداً. فالملائكة تدل على حضور الله فيه (يو 1: 51) لانه سيصعد الى حيث كان من قبل (يو 6: 62). لكن قبل صعوده، سيعطي حياته للعالم (يو 6: 5) وئقدم جسده ودمه، لكي تكون فينا الحياة (يو 6: 53).
أما في سفر الرؤيا، فان يوحنا، يلتقي مع دانيال (8: 18) فيصف ابن الانسان "وقد ارتدى ثوباً طويلاً وتنطقّ بزنار من ذهب. وكان شعر رأسه ابيض كالصوف. "فلما رأيته وقعت عند تدميه كالميت" (راجع رؤيا 1: 13- 18).
في هاتين الصورتين لابن الانسان، نرى المسيح في هيئة الملك الديان، المستعد دوما لمارسة القضاء في اليوم الاخير.
جـ) القيامة: يعتبر دانيال في ف 12 ان نهاية التاريخ تتم في توطيد ملكوت الله. وهذا الحكم يأتي من الله عندما يراه مناسباً وفي الفقرتين 2 و3، تظهر للمرة الاولى فكرة قيامة الاجساد حيث يقول "كثيرون من الراقدين في تراب الارض يستيقظون، بعضهم للحياة الابدية، وبعضهم للعار والرذل الابدي" (12: 2). ويُطلب من دانيال ان يطوي السفر لان رسالته يجب ان تبقى سّرية حتى النهاية.
اننا امام قيامة حقيقية للأخيار الأمناء على شريعة الرب، وللأشرار الخائنين لعهده. وتتضمن هذه القيامة دينونة أمام الديان العادل، وتدخل في اطار الشهادة والاستشهاد، فيقيم الرب شهداءه ويقدم لهم الحياة الأبدية، ثم يثأر لهم ويرذل مضطهديهم.
ولئن تطرَّق دانيال إلى فكرة القيامة، التي تبلورت بوضوح في سفر المكابيين الثاني (7: 22- 23) بإعادة الحياة الى الجسد بعد الموت، فإنه لم يتطرّق إلى خلود النفس.
د) الملائكة: عرف اليهود بعد الجلاء خلائق روحية تقف وسطاً بين الله والانسان، هي الملائكة، التي تخضع للاله الواحد السامي. وكانت هذه الصورة قد ظهرت في أسفار موسى والانبياء، وأعطت صورة للإله الجالس على عرشه تحيط به كائنات سماوية هم عبَّاده ورسله (1 مل 22: 19؛ اشعيا 6: 6). أما دانيال فقد قال بهذا المعنى إن الله "تخدمه الوف الوف وتقف بين يديه ربوات ربوات" (7: 10).
3- قراءة مسيحية لسفر دانيال:
ان قراءتنا المسيحية لهذا السفر ترتكز على موضوعين:
أ) دانيال رجل الله
ب) دانيال رجل دولة.
أ) دانيال وجل الله
من بين ابناء اسرائيل المنفيين في بابل، وُجد رجال تحدّوا الأَسْرَ ونتائجه، فتخطّوا المذلات وتعدّوا الصعوبات، باكين على ارضهم وباقين في ايمانهم يكرمون الههم بالأمانة ويكرهون البديل بالاهانة. انهم ابناء يهوذا، دانيال ورفاقه الثلاثة حننيا ميشائيل وعزاريا. فالرب الذي سمح بان تتبدل اجواؤهم، طَلب اليهم ان يظلوا على امانتهم مهما كبرت الصعوبات، وكثرت الاغراءات، لتزهر مقاومتهم ايمانا وثباتا وتظهر بالوقت عينه عناية الرب ورعايته، مدركين انه "بدونه لا يمكنهم ان يصنعوا شيئا" (يو 15: 15). 
فهؤلاء الشبان الذين فُرضت عليهم الاقامة، وعُرضت عليهم المآدب السخيّة، رفضوا التنجس بفذاء الاوثان واكتفوا بكلام الرب، "لان طعامهم ان يعملوا ارادة من ارسلهم" (يو 4: 34). بهذه الوسيلة حفظوا نقاوة وجوههم واحتفظوا بوجه الرب الذي زادهم نضارة وحيوية، وفاقت حكمتهم عشرة اضعاف حكمة السحرة والمجوس الموجودين على أرض المملكة. وفيما كان الرب يفعل في دانيال ورفاقه "الارادة والعمل على حسب مرضاته" (فيليبي 3: 13)، كانوا هم بالمقابل يعملون على نيل خلاصهم. وهكذا يظهر المبدأ الإلهي للمشاركة بين الخالق والخليقة الذي يوصل الى النتيجة المبتغاة. فما يصنعه البشر مجرداً عن الروح الالهية- مهما بدا باهرا في عيون الناس- مصيره الفشل. "عبثا يتعب البناؤون ان لم يبن الرب البيت" (مز 127: 22). اذ لا يمكننا ان نبني، من دون الله، عالماً خلقَه هو.
فهؤلاء الشبان الاربعة ظلوا بقوة الروح القدس صامدين بايمانهم، ثابتين في امانتهم، واثقين من محبتهم، مجاهرين بالههم، محققين نصراً رائعاً في بيئة تطغو عليها روح الوثن والفساد. فعلى كل مسيحي- والشباب منهم بصورة خاصة- يريد المحافظة على هويته المسيحية، ان يكون "دانيالا" جديدا يشهد للحب ويستشهد به ويستشهد من اجله، وبالاخص في مجتمع تستهويه المادة وتستميله الايديولوجيات المعاصرة، وفي كنائس تتحكم بها الانقسامات، وفي قلوب شبيبة رافضة تعتبر اللذة قاعدة والمادة كاية بحد ذاتها، والعدم نهاية ومصيراً، ولا تقيم وزناً لقيم الروح والاخلاق: "الكلام الذي خاطبتكم به هو روح وحياة" (يو 6: 36).
وهكذا فان الرب يرغب في إن تُرسم الحقائق التي اعلن عنها دانيال ورفاقه الشبان على لوحة جميع قلوب المسيحيين في العالم، لأن حياتهم كانت برهاناً ساطعاً لكل من يضع ثقته بالرب ويستودع روحه بين يديه (لو 33: 46). فالامانة التي تحلى بها دانيال واظهرت قدرة الرب وسلطانه، جعلته يدخل في اعماق الملك عبر حلم "ازعجه" (2: 3)، واربك تفسيرات المنجمين الكاذبة. فدخل دانيال في صلاة مع ربه فاستجابه الرب "في رؤية ليل" (2: 19). كل ذلك ليُظهر الربُ عبرَ الناطقين باسمه أنه "واهب الحكمة والعلم وكاشف الاعماق والخفايا وعالم ما في الظلمة" (2: 21- 23)، وان القوة الزمنية الفاعلة على الارض خاضعة للعناية الالهية ومرتهنة لها، والملِك الذي يجهل سلطان الرب ويتجاهل قدرته ينبذه الرب ويقيم ملكا اخر افضل منه، الى ان يأتي وقت يتوطّد فيه الملك الجديد والملك العتيد، ليبني ملكوته المسيحاني على انقاض الامبراطورية الوثنية.
فالرب يعطي قوته لمن يتكل عليه، ويمنح حكمته لمن يستغيث به: "اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم" (متى 7: 7). فالذين يكرمون الرب يكرمهم، والذين يقبلونه يقبلهم. وهكذا فليعلم حكام الارض من زمنيين وروحيين ان سلطتهم "اعطيت من فوق" ومسؤولياتهم مرتبطة بقدرة الله "الذي نطَّقهم وهم لا يعرفونه" (اشعيا 45: 5). فالكلمة الاخيرة هي لله، وما على الملوك الا ان يقولوا مع نبوكد نصر: "ما أعظم معجزات الله العلي، وما أقوى عجائبه، ملكوته ملكوت ابدي، وسلطانه الى جيل فجيل".
والتحذير الذي ناله نبوكدنصر هو امثولة لهم. "لذلك ايها الملك لتحسن مشورتي لديك وافتدِ خطاياك بالصدقة وآثامك بالرحمة للبائسين عسى ان تطول أيامك الهادئة" (4: 24). فمن ادرك هذه الامور وعمل بموجبها واعترف بسيادة الرب على مقدرات الارض وسكانها، يفهم فلسفة التاريخ أو بالأحرى لاهوت التاريخ على طريقة القديسة اغوسطينوس. كلمة الرب وحدها تظهر لنا بأن قوة الامم لا تكمن بالانجازات والانتصارات فحسب، بل بالامانة التي تربط الخليقة بالخالق "ومن كان امينا على القليل يكون امينا على الكثير ويدخل فرح سيده". (متى 25: 21). وبعدما اعترف الملك نبوكدنصر "بإله الآلهة" لم ينقطع قلبه عن التعلق بالأطماع البشرية والدنيوية، فتخلّى عن خوف الاله الحقيقي وأعاد اليه عبادة الاوثان "كحبة الحنطة التي وقعت بين الشوك فنبت الشوك وخنقها" (لو 8: 13)، كحال الكثيرين من مسيحيّي الامس واليوم الذين ما ان يتطلعوا الى مُثُل عليا، حتى نراهم يتدحرجون الى اسفل، نتيجة اهتماماتهم بامور الارض التي تتغلب فيهم على امور السماء. زالت فكرة السجود للاله كاشف الخفايا والاسرار وواهب النور، وحلت مكانها فكرة السجود للاله الدجال الذي لم "تجث له كل ركبة ولم يعترف به كل لسان" (روم 14: 11) في المملكة، بحضور دانيال ورفاقه الذين رفضوا الاعتراف بآلهة المملكة الوثنية، فاستحقوا العقاب في اتون النار. لكن الرب تدخل في حياتهم "فكانوا يتمشون في وسط اللهيب مسبحين الله ومباركين الرب" (3: 24)، "ولم تسقط شعرة واحدة من رؤوسهم" (لو 21: 18).
وبتخليصه عبيده المؤمنين، يُظهر الرب عطفَه نحو المقهورين ويكافئهم، ويجازي المتسلطين ويخزيهم. فالشبان الاربعة بالتزامهم وامانتهم اعلنوا لسكان المملكة حرية معتقدهم وهوية الههم الذي يحق له وحده السجود والتعظيم. "للرب الهك تسجد واياه وحده تعبده" (لو 4: 8). "واذا اجتزت في المياه فاني معك، او في الانهار فلا تغمرك، واذا سلكت في النار فلا تكتوي ولا يلفحك اللهيب" (اشعيا 43: 2).
واليوم، اين نحن من حقوق الانسان وحفظ كرامته وقدسية حريته؟ كم من بلد صغير احتُلت ارضه ووطن ضعيف انتُهكت كرامته، وشعب منقسم سُلبت حقوقه. كم من صحافي قُتل لاجل قلمه، ومقاوم لاجل تحرير ارضه، ومناضل لاجل قضيته، ورجل دين لاجل ايمانه، وسياسي من اجل انتمائه.
لكن كما في ايام دانيال وحننيا وميشائيل وعزاريا، فان الرب سيعمل بقوة في نهاية الازمنة، لصالح الذين يعملون لنشر الحق واحلال العدالة. وكل الذين يساندون قضية هؤلاء الشهود الاربعة، عليهم ان يحذوا حذوهم ويسيروا في طريقهم، لينشروا راية المسيح الدائمة والدامية، ويزرعوها في قلوب المشككين والظالمين، فلا يهتمون لوعد او يخافون من وعيد "فطوبى لكم اذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من اجلي، افرحوا وابتهجوا: ان أجركم في السماوات عظيم، فهكذا اضطهدوا الانبياء من قبلكم" (متى 5: 12).
بعد التحذير الاول الذي كان بمثابة مهلة للتوبة والارتداد، لم يدم تأثير الملك طويلاً بل أراد أن يزيد على عظمة اسمه مجداً وعمراناً حتى عُرف "بملك الملوك". لكن الرب تدخّل مجدداً في حياته وولج إلى أعماقه من باب حلم ثان أشد قسوة ورهبة: انه حلم "الشجرة في وسط الارض" (4: 7). فبعد عجز العارفين الكذبة، التجأ الملك المتكبر نبوكدنصر الى الملك القادر (أي الله) عبر رسوله دانيال الذي نقل إليه تفسير التحذير الثاني، القاضي باقتلاعه عن عرش المملكة وحطه الى مستوى الحيوان، وكأنه حقق ما قاله المعلم: "ايها الجاهل في هذه الليلة تؤخذ منك نفسك، والذي اعددته لمن سيكون" (لو 12: 20)؟ فعاد الملك عن غيّه، وسلم ذاته الى ملك الملوك وسيد السادة، مدركاً ان عظمة الخليقة هي جزء من عظمة الخالق التي تكمن في الصلاح وخوف الله، فاتى اعلان نبوكدنصر كالآتي: "فالآن انا نبوكدنصر أسبِّح وأرفع وأعظِّم ملك السماء الذي جميع اعماله حق وسبله عدل ومن سلك بالكبرياء فهو قادر على خفضه" (4: 34).
وبعد التفسير الثاني يقرأ دانيال لبلطشصر كلمات سرية تعني ان الفُرسَ سيحتلون بابل. وكما أُلقي الفتيان الثلاثة في النار، وكذلك ألقي دانيال في جبّ الاسود ولكنه لم يُصَب بأذى، فالله القوي يتغلَّب على قوى الشر فلا يسمح لها ان تمسّ عبيده. "فاخرج دانيال من الجب ولم يوجد فيه اذى لانه آمن بالهه" (6: 23).
2- دانيال رجل دولة
ان انقاذ دانيال هذا يعلمنا بان على ابناء الله ان يستقروا في إيمانهم ويستمروا في أمانتهم في وقت الشقاء كما لو كانوا عائشين في ايام الرخاء. ان دانيال في جبّ الاسود هو نفسه الذي كان يضطّلع بمهام رئيس الوزراء وبمهام نبيّ العلي في آن. ان الانسان الذي يتكل على الله لا يتبدل في ساعات الشدة كا في أيام النجاح، حيث النور الالهي والعطايا البشرية تُفاض عليه. ان من شأن الايمان أن يرى غير المنظور ويتملك الحقائق الابدية.
ان السماء هي قريبة جداً من الذين يتأملون فيها ويتألمون في سبيلها. فالمسيح يوحد بين مصالحه ومصالح تلاميذه المؤمنين، انه يتألم بشخص قديسيه، ومن يمسهم فقد "مسّ حدقة عينه" (زكريا: 2: 8). ان القدرة الحاضرة لانقاذ الانسان من الخطر الطبيعي، او من الضيق الادبي، حاضرة ايضاً لانقاذه من شرور أكبر. إنها تسمح لخادم الله بأن يحتفظ بكماله في كل الظروف وينتصر بنعمة الله.
ان مسلك دانيال كرجل دولة في مملكتي بابل والفرس يوضح هذا الواقع، وهو أن أي رجل في موقف مشابه، ليس هو بالضرورة متآمرا او وصوليا، بل رجل يتقبل باستمرار ايحاءات الهية. ان دانيال الوزير الاول لاكبر مملكة في العالم هو في الوقت عينه نبي العلي وبالتالي ملهم منه. ورغم ذلك فهو ليس انسانا كاملا، انه رجل من طبيعتنا. ولكن الكاتب الملهم يصفه لنا بانه رجل "بغير لوم"، حتى ان الدّ اعدائه لم يتمكنوا من ان يقولوا عليه شيئا بالنسبة الى المهام الموكلة اليه. ان مثله يبرهن لرجال السياسة كيف يجب عليهم ان يتصرفوا عندما يكونون في موقع المسؤولية، وبالاخص اذا كانوا مسؤولين مسيحيين.
ان الانقياد لما يطلبه الله يفيض على صاحبه بالكثير من البركات المادية والروحية. ان دانيال كان في الوقت عينه اميناً لالهه ومحتفظا بشخصيته كاملة. وَجد "نعمة"، وهو فتى، أمام رئيس الخصيان الذي كان يعتني به، وقد حافظ على هذه الصفات باستمرار. وهكذا ترقى بسرعة الى منصب رئيس الوزراء لمملكة بابل. اثبت الكثير من الحكمة والجدارة في الحكم، فتصرف بفطنة ولباقة. وكانت امانته للمبادئ كبيرة الى حد أن أعداءه اضطروا الى الاعتراف بانهم لم يجدوا فيه ادنى عيب.
ان دانيال الذي كرمه اهل الارض كرجل دولة بيده اسرار ممالك تسيطر على العالم، كرّمه اله السماء ايضاً، فجعله سفيره واوحى اليه ناسرار المستقبل. هذه النبوءات العجيبة التي نراها في ف 7- 12 من سفره، لم يفهمها دانيال كفاية، ولكن قبل أن ينهي مهمته قَبِل الضمانة بأنه "في الزمن الأخير" يعني عندما يصل تاريخ العالم إلى نهايته، سيقف في سبيل ميراثه.
لم يُعطَ لدانيال ان يفهم كل ما أوحاه الله اليه "لأن الأقوال مغلقة ومختومة إلى وقت الانقضاء" (12: 9). ويقول الرب أيضاً "انت اذهب إلى الانقضاء وستستريح وتقوم في قرعتك إلى انقضاء الأيام" (12: 13). وهكذا قيل له. ولذلك بمقدار ما تقترب من نهاية الأشياء، تتطلب منا نبوءات دانيال انتباهاً خاصاً ويقظة مستمرة وتكلِّمنا عن العصر الذي نعيش فيه بالذات. هذه النبوءات يمكننا أن نقرِّبها من نبوءات يوحنا في سفر الرؤيا. ولكن قيل لدانيال: "وفي ذلك الزمان يقوم ميكائيلالرئيس العظيم القائم لبني ضعبك ويكون ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الزمان. وفي ذلك الزمان ينجو شعبك ... وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والرذل الأبدي" (12: 1- 3). ويوحنا أيضاً يقول: "طوبى لمن يقرأ وللذين يسمعون كلمات هذه النبوءة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لان الزمان قريب" (رؤ 1: 3).
ان عظمة الامم وانحطاطها كما يصفها دانيال وصاحب الرؤيا تعلمنا كم هو باطل مجد هذا العالم. ان بابل في اوج عظمتها وسطوتها كان من شأنها ان تستمر الى الابد، ولكن اين هي الان؟ "ليفتخر الاخ المتواضع بعلوه، والغني بتواضعه فانه يزول كزهر العشب" (يعقوب 1: 9- 10). وكذلك جميع الممالك التي تبعتها، لقد زالت كلها وانقرضت. وهكذا يذهب كل ما ليس اساسه الله.
ان دراسة هادئة لتحقيق تصميم الله على تاريخ الامم والنبوءات حول الاحداث المقبلة، تساعدنا على أن نضع الاشياء المنظورة وغير المنظورة في قيمتها الواقعية، وأن نتعلم ما هي الغاية الحقيقية للحياة. وهكذا عندما نتأمل في الاحداث على ضوء الابدية، يصبح باستطاعتنا ان نعيش كدانيال ورفاقه في سبيل ما هو حق وشريف ودائم. وعندما نتعلم هنا على الارض بأن نسير بموجب مبادئ ملكوت الهنا ومخلصنا- الملكوت الذي يدوم الى الابد- حينئذ نكون مستعدين لأن ندخل معه في مجده يوم ظهوره "وتكونون حيث اكون انا" (يو 17: 24).
الأسفار النبوية
الأنبياء الاثنا عشر
هوشع هو نبي محبة الله لشعبه
يوئيل هو الذي حدّثنا عن حلول الروح في الأزمنة الاخيرة.
عاموس هو ذلك الاتي من الجنوب الى الشمال والذي حدَّث أهل السامرة عن العدالة الاجماعية.
يوجه عوبديا كلامه الى أهل أدوم الذين فرحوا بدمار اورشليم سنة 587 ق م وسلبوا أهلها.
سفر يونان هو خبر يروي قصة نبي أرسله الله إلى نينوى الوثنية، فرفض ثم اطاع، ولكنه غضب حين رأى الاشرار يعودون الى الرب فيرضى عنهم الرب.
يدافع ميخا عن طبقة الفلاحين الفقيرة ويتحدث عن الملِك الآتي من بيت لحم، لا من أورشليم ليرعى شعبه.
تحدث ناحوم عن دمار نينوى (612 ق م) واعتبر ان تدميرها يدل على عدالة الله.
ويتساءل حبقوق: لماذا يسمح الرب للاشرار بمعاقبة شعبه؟ ثم يدعو الى الثقة بالله الذي سيتدخل.
صفنيا هو نبي المتواضعين: التمسوا الرب، يا جميع وضعاء الارض، إلتمسوا البر، إلتمسوا التواضع.
يحدثنا سفر حجاي عن إعادة بناء الهيكل بعد الرجوع من المنفى، ويرفع أنظارنا الى المسيح الآتي.
عاش زكريا في أيام حجاي وتنبا في سنة 520- 518 ق م، فأعلن أن بناء الهبكل هو عربون لمستقبل مجيد لاورشليم، ووعد ببركات الله.
ملاخي هو رسول الله الذي يحدثنا عن واجبات الكهنوت وأهمية الامانة الزوجية، وعن الذبيحة الشاملة التي تدلي على زبيحة العهد الجديد.
سفر هوشع
1- المقدمة
سفر هوشع هو حديث عن محبة الله لشعبه من خلال حياة نبيه. نحن لا نعرف عن هوشع الا ما تُعلِمنا به هذه النبوءة: تزوج ورُزق ثلاثة أولاد اعطاهم اسماء تتوافق والحالة الدينية والسياسية التي يعيش فيها.
سفر هوشع هو اول الاسفار الاثني عشر في النص العبراني كما في الترجمات اليونانية واللاتينية والسريانية. ولكننا نشير الى ان البسيطة السريانية جعلت اسفار الانبياء الاثني عشر بعد اشعيا وقبل ارميا. حُسب هوشع أقدم الانبياء الاثني عشر، فجُعل في المركز الأول قبل عاموس الذي يسبقه ببضع سنوات. ولكن يبقى ان هوشع هو من اقدم الانبياء الكتَّاب اي الذين ارتبط اسمهم بكتاب خاص.
2- من هو هوشع؟
معنى اسمه: الله يخلص (عد 13: 16؛ 2 مل 15: 30). كان ابن بئيري فانتمى إلى مملكة الشمال التي عرف أرضَها وتاريخها والوضع السياسي والديني والاخلاقي فيها. كان من محيط اجتماعي ارفع من محيط عاموس. كان من ملاّكي الارض الذين ينعمون ببعض البحبوحة. قال بعضهم: كان كاهنا. وقال البعض الآخر: ارتبط بجماعة الانبياء. ولكننا لا نقدر أن نؤكد هذه الأمور التي لا يشير إليها في كتابه. كل ما نكتشفه هو نفسيّة رقيقة وعميقة تتّسم بالعنف والحنان.
هناك حدث يسيطر في حياته: زواجه. ولكن هذا الزواج كان موضوع جدال. قال بعضهم: نحن امام رؤية رآها النبي في خياله. وقال البعض الآخر: نحن امام طريقة مجازية، لا امام حقيقة عاشها النبي. وقال كثير من الشراح: إن الفصل الثالث هو ترداد للفصل الأول، وهو يروي في صيغة الغائب خبراً رواه الفصل الاول في صيغة المتكلم. واعتبر آخرون ايضأ أن المرأة التي يتحدث عنها ف 3 غير جومر التي يتحدث عنها ف 1.
اما نحن فنقول اولاً: نحن أمام زواج حقيقي عقده هوشع مع امرأة عاشت في ظل المعابد الكنعانية ومارست البغاء المكرس الذي يتحد فيه رجل بامرأة مكرسة للاله بعل فيرمز اتحادهما الى اتحاد السماء بالارض ومَنْح الارض الخصب والحياة. اذا كان عمل هوشع يمثل امام معاصريه طبيعة العلاقات بين الله وشعبه، وجب أن يكون هذا العمل حقيقة ملموسة ومنظورة من اجل اقناع شعبه. هنا يتكلم الشراح عن عمل نبوي. فكما ان اشعيا مشى عاريا حافيا ليدل على ما سيصيب مصر (إش 20: 1- 6) وكما امتنع ارميا (16: 1 ي) عن الزواج ليكون آية لشعبه، كذلك تزوج هوشع هذه المرأة الزانية ليدل على تصرف الله مع بني اسرائيل. اجل، لقد حمل هوشع في حياته، وبطريقة رمزية، علاقات الرب بشعبه الخائن. جعل هوشع نفسه مكان الرب وجعل عواطفه تعبّر عن عواطف الرب، وألمَه رمزاً إلى ألم الرب.
ونقول ثانياً إن ف 3 لا يتكلم عن زواج غير الذي نقرأه في ف 1. لسنا امام زواج جديد، بل امام اختبار هوشع مع امرأته اختباراً يعمّق حبّه لها. اما هذا هو حب الله لشعبه رغم خياناته المتكررة؟ عرف هوشع ان امرأته زانية ولا دواء لها. وعرف ان عمله عمل جهل إن تزوج بها، ومع ذلك فعل فتزوجها. ولما تركته استعادها بعد ان دفع المال للمعبد الذي تكرست فيه ليستردها. عاملها بالحب لا بالغضب، وفرض عليها العزلة علَّها تفكر وتتوب. وهكذا يفعل الله مع شعبه: يجرده من كل الخيرات حتى من العلاقة مع ربه. من يدري؟ قد يعود شعب اسرائيل الى نفسه وبالتالي الى ربه. وتعلق هوشع بجومر في خيانتها لأنها خائنة زانية. وتعلق الرب بشعبه في خطيئته ورغم خطيئته التي لا يستطيع ان يخرج منها وحده. ولكن حب الله يخرج الإنسان من خطيئته.
هذه هي جرأة هوشع. عاش مغامرة فريدة في حياته الزوجية، عاش اختباراً افهم فيه الانسان ما هو قلب الله. وسيعبر القديس بولس عن هذه الحقيقية حين يقول: "ولما كنا ضعفاء أمام الخطيئة، مات المسيح من اجل الخاطئين في الوقت الذي حدَّده الله. وقلّما يموت أحد من أجل إنسان بار، أما من أجل إنسان صالح، فربما جرؤ أحد أن يموت. ولكن الله برهن عن محبته لنا بأن المسيح مات من اجلنا ونحن بعد خاطئون" (روم 5: 6- 8).
3- الاطار الذي عاش فيه هوشع
عاش هوشع وتكلم في الربع الثالث من القرن الثامن، في مملكة الشمال، أي اسرائيل التي يسميها يعقوب (12: 3) وافرائيم (4: 17). مارس رسالته النبوية في السنوات الاخيرة ليربعام الثاني (783-743) وفي ايام زكريا (743) وشلوم (743) ومناحيم (743-738) وفقحيا (738-737) و فاقح (737-732) وهوشع (732-724). هل شاهد هوشع دمار السامرة سنة 721 ق م؟ يبدو أنه مات قبل ذالك الوقت بعد ان مارس نشاطه النبوي بين السنوات 750- 730.
كان ذلك العصرُ عصرَ انحطاط. فبعد سنوات من الازدهار عرفها عهدُ يربعام الثاني، خلفه ابنه زكريا ولكنه مات قتلاً بعد حُكمٍ دام ستة اشهر. ولكن شلّوم الذي اغتصب السلطة حكم شهراً واحداً ثم مات بدوره مقتولاً. وملك مناحيم بضعة سنوات وخلفه ابنه فقحيا الذي قُتل بعد ان حكم سنتين. ولكن فاقح الذي اغتصب السلطة حكم بضعة سنوات ثم قتل بدوره على يد هوشع آخر ملوك مملكة اسرائيل.
لا يذكر سفر هوشع الا يربعام ويغفل ذكر سائر ملوك اسرائيل. فهو لذلك يحكم عليهم باسم الرب. قال: "نصبّوا ملوكاً ولم يستشيروني" (8: 4) هؤلاء الملوك اغتصبوا السلطة فلم يستحقوا ان ينتقل اسمهم إلى الأجيال اللاحقة. ويذكر هوشع اسماء ملوك يهوذا وآخرهم حزقيا الذي عاش بعد دمار السامرة. كا انه يشير الى الاضطرابات التي حدثت بعد موت يربعام الثاني: يخبئون شرهم ومؤامرتهم وهم. يُسلّون الملك والرؤساء. كلهم يمارسون الزنى (اي الخيانة في السياسة). انهم كتنور يحميّه الخباز ولا يبتعد عنه منذ عجن الدقيق الى اخماره. فالذين يديرون المؤامرة يشتعلون كالتنور. ترقد نارهم في الليل وفي الصباح تتأجج كنار ملتهبة. كلهم مشتعلون كالتنور. يزيلون رؤساءهم ويتساقط ملوكهم الواحد بعد الآخر وليس من يصرخ، ليَّ (7: 3- 7).
هذه هي الحالة الداخلية، اما الحالة الخارجية فليست افضل منها. فأشوريا تتهيأ لتصير أكبر قوة في الشرق. ولقد بدأ تغلت فلاس الثالث وشلمنصر الخامس وسرجون الثاني حملاتهم على غرب بلاد الرافدين، على المالك الارامية، على مدن فينيقيا، على مملكة اسرائيل، وعلى مدن الفلسطيين. ولم تسلم مملكة يهوذا من هذا المد الاشوري الذي يحدثنا عنه اشعيا النبي. أما مصر، القوة الاخرى المسيطرة في الشرق، فقد بدأت تضعف وما زالت تثير القلاقل حيث تسيطر أشوريا. ويبين لنا هوشع كيف تنتقل ممكلة افرائيم (او اسرائيل) بين الجبارين (7: 11) قبل أن تصل إلى النهاية المأساوية التي لا تُخفى عن نظر النبي الثاقب. فالمد الاشوري لن يتأخر: سيقمع كل مقاومة ويأخذ إلى الاسر نخبة السكان ليخضع البلاد (8: 8: التهم اسرائيل. صار بين الامم كاناء لا رغبة فيه). اما الذين افلتوا من قبضة اشوريا فالتجأوا الى مصر (9: 6).
لا ينتقد النبي فقط السياسة الخارجية والسياسة الداخلية ويحكم عليهما باسم الرب، بل هو يشجب الفساد الأخلاقي العميق (4: 1- 2؛ 6: 7- 10؛ 7: 1) وغياب كل عدالة اجتماعية وضياع كل مسؤولية لدى الرؤساء. ويتوقف بالاخص على الكفر الديني الذى يعتبره أصل كل فساد وسبب كل شقاء. هناك مساومات في الأمور الدينية، فأين متطلبات الرب المطلقة وأين نقاوة الايمان. فالله الذي أخرج شعبه من مصر لا يرضى أن يكون له شريك في أرضه. تلك كانت الحالة في زمن ايليا النبي، وتلك ستكون في زمن هوشع، وهي حالة من الاغراء المخيف. فآلهة كنعان لا تحل محل الرب، ولكنها تقف بقرب الرب لانها مختصة بحياة الزراعة. يهوه هو اله الصحراء، أما بعل فهو إله قوى الطبيعة يعطي المطر والخصب للارض. لم يترك بنو اسرائيل الرب ولكنهم طلبوا رضى آلهة كنعان. هذا ما سماه ايليا: تعرجون بين الجانبين (1 مل 18: 21) اي تميلون مرة الى الرب ومرة إلى بعل. اما هوشع فسماه الزنى، وشبهه بخيانة المرأة لزوجها. كما خانت جومر زوجها وعادت الى ممارساتها القديمة قرب معابد الكنعانيين، هكذا فعل بنو اسرائيل فعادوا الى آلهة تركوها في زمن يشوع (يش 24: 23) وراحوا يطلبون البركة من صنم من الخشب ويشاركون في الولائم المكرسة على رؤوس الجبال (4: 12- 13).
4- تصميم سفر هوشع
نجد ان سفر هوشع مؤلف بطريقة ينتهي فيها بوعد عجيب، فيعود أحبّاء الله ويسكنون في ظله ويزرعون الحنطة ويزهرون كالكرمة ويشتهرون كأعظم خمور لبنان (14: 8). ولكنه ليس من السهل أن نجد تصميماً لمجموعة من الأقوال تلفَّظ بها النبي في أوقات مختلفة نستطيع ان نحدد بعضها. فالفصول الثلاثة الاولى تشير إلى اواخر ايام يربعام الثاني (1: 4 تشير الى ياهو مؤسس السلالة). والفصول 4-14 تشير الى احداث متنوعة. فالقسم الثاني من ف 5 يلمّح إلى الحرب الارامية الافرائمية التي تدخلت فيها اشور من أجل يهوذا، فاستفاد يهوذا ليتوسع على حساب مملكة اسرائيل (5: 10: رؤساء يهوذا يغيّرون الحدود). ونهاية الكتاب (13: 9- 14- 1) تبيّن لنا ان دمار السامرة صار قريباً.
ومع ذلك نقدم تصميماً موزعاً على ثلاثة اقسام. فبعد العنوان (1: 1) نتعرف الى زواج هويثع ومعناه الرمزي (ف 1- 3). تزوج هوشع وأنجب اولاداً أعطاهم إسماً رمزياً، ولكّنه ما عتّم ان تطلّع الى المستقبل الزاهر (3: 1- 3)، وكما خانت جومر رجلها، هكذا خان الشعبُ ربه، ولكن الرب لم يتخلَّ عن شعبه. وعاد هوشع إلى امرأته ففرض عليها وقتاً من الاختبار قبل أن يعود اليها.
القسم الثاني (4: 1-14: 1) يحدّثنا عن جرائم مملكة اسرائيل وعن العقاب الذي نالته. هنا تتوالى أقوال عن الفساد العام، عن الكهنة، عن عبادات مملكة اسرائيل التي صارت كبقرة جموحة. فالكهنة والعظماء والملِك يقودون الشعب إلى هلاكه: حرب بين الاخوة، تحالف مع الغرباء، لهذا ترك الرب شعبه (5: 15). وإن عاد الشعب، فعودته عابرة وجرائمه الماضية والحاضرة كثيرة. فسيعاقب المؤامرات في الداخل، والخراب من الخارج. ويشجب النبي العبادة الخارجية (8: 11- 13) والبزخ في البناء، ويُهدِّد بالمنفى. حينئذ حَسب الشعبُ النبي مجنوناً، ورجلاً قد أضاع عقله (9: 7) فاضطهدوه. ويذكرهم النبي بعقاب بعل فغور، وعقاب الجلجال، ويهدّد ويدعو الى التوبة. سينتقم الرب ولكن الحب سيتغلب ويعود الشعب من النفى (11: 10- 11). إلا ان فساد مملكة اسرائيل يتعدّى كل قياس لذلك يعود الرب ويهدد: سيعاقِب عبَّاد الاوثان وناكري جميله وسينهي الملكية ويهيء الخراب الذي لا مفر منه.
وفي القسم الثالث (14: 2- 10) نقرأ عن توبة مملكة اسرائيل فيعفو الله عنها. ستكون التوبة صادقة ولهذا يقول الرب: سأشفي اسرائيل من خيانته وأحِبُه بسخاء. أكون له كالندى فيزهر كالسوسن ويمد عروقه كاشجار لبنان (14: 5- 6).
5- تعليم سفر هوشع
الموضوع الاساسي في تعليم هوشع هو حب الرب الذي يجهله شعبه. لقد اختار الرب له مملكة اسرائيل زوجة كما يفعل الرجل الغني والسخي، وغمَرها بهداياه. أما هي، فبعد أن عاشت فترة في الامانة الزوجية، أنكرت حبه لها. ويصور هوشع زمن الامانة كنشيد الحب، فيشير بذلك إلى حياة بني اسرائيل مع الرب في البرية. ولكن شعب اسرائيل ترك ربه منذ بعل فغور (9: 10) وقَبْل الدخول الى أرض الميعاد. حقاً، ان تاريخ شعب اسرائيل هو تاريخ خياناته.
وما زالت هذه الخيانات ماثلة امام ناظري النبي. فالملكية خاطئة من اساسها، لأنها وُلدت يوم اراد الشعبُ ان يكون له ملكُ غير الله، وهي خاطئة في انتقالها من شخص إلى آخر، وعاجزة عن أن تقوم برسالتها التي هي إقامة النظام والعدالة. لجأ المك الى الدبلوماسية وتحالف مع الامم الغريبة ونظَّم جيشاً، فصار شعب اسرائيل كسائر الشعوب: استند إلى الوسائل البشرية ولم يعتمد على الرب المخلص الوحيد.
وسيكون النبي قاسياً على الكهنة فيوبخهم على جشعهم الذي يجعلهم يتمنون أن تكثر الخطايا لتكثر الذبائح (4: 8)، وعلى نصائحهم التي تدعو ممثليه ليمارسوا السلب والنهب على الطرقات. انهم جهّال، انهم يشاركون قي عبادة البعل، انهم ينسون واجبهم الاساسي الذي هو تعليم الشعب. وهكذا يُبقون الشعبَ في جهله ويُعطونه مثالاً سيئاً فلا يخرجونه من ضلاله.
ويظهر هذا الضلال في العالم الأخلاقي حيث العصيان للشريعة يجرّ إلى الشواذات والشرور: الكذب، الغش في الاعمال، مضايقة الضعفاء، السلب والنهب والقتل وسائر اعمال العنف. ويظهر هذا الضلال ايضاً في الاطار الديني الذي يشدّد عليه هوشع بصورة خاصة. فالرب هو موضوع عبادة وثنية ولا سيما في بيت ايل حيث يعبدونه بشكل ثور صبَّه يربعام الثاني وسماه النبي ساخراً عجل السامرة" (8: 5). وعلى التلال تُرى المعابد المشرفة حيث يُعبد بعل وعشتاروت مع الرب في ممارسات إباحية. تُبنى الانصابُ والمذابح، وتُصنع الاصنام من المعدن أو من الخشب.
ولكن ما هو أخطر من كل هذا هو التلفيق الذي لا يتوافق ومتطلبات ديانة يهوه. وهذا يدل على الاستعدادات الداخلية لشعب اسرائيل. نفسه مريضة في عمق اعماقها. هو يظن أنه يعرف الله ويخدمه لأنه يلاحقه بالاعياد والذبائح. وهو يظن أنه يقدر ان يحمع في عبادة واحدة إله التقليد الموسوي وآلهة الحقول التي جاءته من ارض كنعان. وهو يعتقد أنه يقدر ان يسمي نفسه شعب الله وفي الوقت نفسه يعصي الله ويتعدى شرائعه. ولكن يهوه إله غيور لا يقبل ان يقاسمه احد مكانته في قلوب المؤمنين، ولا يرضى بعبادة خارجية مهما بذخ فيها الانسان. ما يريده الرب هو قلب الانسان كله، وما يطلبه هو أمانة قلبية ومحبة لعهد قطعه الرب مع شعبه، وبالتالي محبة نحو القريب. فخارجاً عن هذا الموقف الذي يسميه هوشع "معرفة الله" او "البر"، (10: 12) فليس من ديانة حقيقية. قال: أريد رحمة لا ذبيحة، وأفضِّل معرفة الله على الذبائح المتعددة (6: 6).
ولكن شعب اسرائيل رفض أن يعطي قلبه، فما عاد إلى ربه وما أراد ان يعود. فحين تحل به المصيبة ويلتفت الى الذي يقدر وحده أن يعيد اليه الحياة (6: 2)، تكون عودته سطحية ونفعية. هو يبكي على خيرات خسرها، لا على خطاياه وخياناته. وان عاد عن ضلاله، فلا صدق في عودته وقلبه مقسَّم (10: 2). ومع انه يعلن انه صادق فقد نقض العهد. لقد خان وزنى.
بعد هذا كيف يتجنب شعب اسرائيل العقاب؟ عليه أن يحمل وزر خطاياه. ونُحِسُّ من خلال اقوال النبي غضبَ الربُ يرعد ويدَه تثقل على الشعب المتمرد. وبما أن كل هذه التنبيهات وهذه التهديدات لم تنفع، فسيحل بالشعب عقاب يكون عبرة لمن اعتبر، غير أن الله لا ينوي ان يدمّر شعبه. لا شك في أنه الاله العادل، ولكنه ايضاً الزوج الذي يحب زوجته الخائنة والذي لا يقدر أن يتخذ قراراً ضدها. وهو حين يعاقب يتوخّى خلاصة من يعاقب. وما نقرأه في ف 2 يفهمنا عمق قلب الله. سأغويها وأقودها إلى الصحراء وأخاطب قلبها... فتدعوني في ذلك الوقت زوجي. ما اضاع عقل شعب اسرائيل هو كثرة خيرات الأرض، هو الازدهار المادي والنجاح السياسي. فإذا أراد الرب أن يعيد شعبه من ضياعه، جرَّده من كل هذا وأذله وجعله في دنيا الشقاء. حينئذ يتذكر الوقت الذي كان فيه اميناً لربه وسعيداً، فيطلب الرب من جديد ويعود إليه.
هذا ما ترمز اليه صورة الرجوع إلى البرية. حسب بعض الشراح أن هوشع كان نبياً من البدو، لهذا عاد الى الصور الصحراوية. ولكن الأمر هو غير ذلك. فهوشع يحب أرض اسرائيل التي يعيش فيها ومنها يستلهم افكاره. وما يشجبه ليس مدنية الحضر واقتصادَهم، بل التأثير السيّء الذي تتركه المدنية على بني اسرائيل. فبعد أن يزول هذا التأثير لا يعود غنى الارض مُضرّاً. وحين يصالح الرب شعبَه يعطيه من جديد محاصيلَ الارض. اذاً، ليست الصحراء مكاناً، انها حالة نفسية بها يحرم الله شعبه من كل خيرات الارض ليرده اليه.
فهدف الشقاء أن يرد الزوجة الخائنة الى الزوج الذي ما زال يجبها. ويتطلع هوشع إلى أيام المستقبل الحلوة التي فيها يتقبل الرب شعبه التائب بالحب ذاته الذي به قَبِله يوم اختاره. ويبدأ كل شيء من جديد وكأن شيئاً لم يحدث، فتكون خطبة جديدة "في البر والحق والأمانة والرحمة والصدق" (2: 21 ي). ويجيب الشعب الى نداء الرب كما في ايام صباه (2: 17) فينعم بكل الخيرات في عالم تسوده السعادة والسلام.
6- تأثير نبوءة هوشع
ترك تعليم هوشع آثاراً عميقة في العهد القديم. وعلى خطاه شدد الانبياء على ضرورة الديانة الباطنية، على ديانة القلب لا ديانة الشفاه وحسب، على الديانة التي تلزم الانسان كله وتعبر عن نفسها بمحبة الله والقريب. وابتكر هوشع فكرة الزواج ليدل على علاقات الرب بشعبه، فردد الانبياء هذه الفكرة وتوسعوا فيها. فكلم ارميا اورشليم بلسان الرب وقال لها: تذكرت مودتك لما كنت صبية ومحبتك لما كنت خطيبة: سر تِ ورائي في البرية، في ارضٍ لا زرع بها (ار 2: 2؛ رخ 3: 6- 13؛ 31: 22). وتويع حزقيال في هذه الصورة الزواجية في فصلين كاملين. في الاول (حز 16: 1 ي) روى قصة شعب الله بلسان رجل أشفق على فتاة صغيرة فربّاها وزيّنها وتزوّجها، ولكنها أخذت أدوات زينتها فزنت بها وخانت ولي نعمتها. وفي الثاني (حز 23: 1 ي) قابل السامرة واورشليم بامرأتين خانتا عهدها مع الرب. ووجّه اشعيا كلامه الى مدينة اورشليم كأنها شخص حي (اش 54: 8).
ويورد العهد الجديد مقاطع هوشع، فيذكرنا يسوع بأجل اقواله: اريد رحمة لا ذبيحة (مت 9: 13؛ لو 12: 7). ويفسر القديس متى (2: 15) تفسيراً رمزيا ما ورد في هوشع (11: 1: من مصر دعوت ابني) فيطبقه على يسوع الذي سيترك مصر ليعود الى الناصرة. وجعل القديس لوقا (23: 30) على شفتي يسوع التهديد الذي نقرأه في هو 10: 8: يقال للجبال، اسقطي علينا، وللتلال ادفنينا. كان الني قد قال قولاً غيرَ واضح (13: 14)، فاستعاده القديس بولس (1 كور 15: 55) واعطاه بعداً جديداً مطبّقاً اياه على المسيح الذى به منحنا الله النصر على اعدائنا وأولهم الموت. ويطبق القديس بولس (2 كور 11: 2؛ أف 5: 25- 33) والقديس يوحنا (رؤ 19: 7؛ 21: 2؛ 22: 17) رمز زواج الله بشعبه على علاقات المسيح مع الكنيسة. وستتقبل الكنيسة هذا الرمز، فيعلن تقليذ الاباء أن يسوع هو عريس الكنيسة وان الكنيسة هي عروس المسيح. اما الروحانية المسيحية فاعتبرت ان علاقة المسيح بكل نفس مؤمنة هي كعلاقة المسيح بالكنيسة.
النبي يوئيل
- النبي:
شخص النبي يوئيل ابن فتوئيل (1/1) مجهول. وقد يشير كتابه، بسبب لهجته الليتورجية، انه كان نبياً مرتبطاً بخدمة الترتيل في هيكل اورشليم (راجع 1- 3).
من اي عصر هو؟ يبدو للكثيرين أنه من حقبة ما بعد السبي وذلك بسبب عدم ذكر ملك اورشليم في نبوءاته وبسبب الطابع الرؤيوي الذي يلاحظ خاصة في 3- 4. انما الاشياء ليست واضحة لهذه الدرجة لان هنالك تشابهاً عميقاً على الصعيد الفكري ومن حيث صيغة الكلام بين النبي يوئيل وبين انبياء القرن السابع وبدء القرن السادس ق م. مثل ارميا وصفنيا ومؤلفي تثنية الاشتراع غير المعروفين.
- ترتيب السفر:
واذا تفحصنا ترتيب السفر لرأينا توضيحه صعباً أيضاً. لقد كان المفسرون يميزون إلى الان جزءا اولَ (1- 2) يحتوي على صلاة طقسية حزينة كتبت بمناسبة مصيبة ضربت ارض يهوذا، ألا وهي اجتياح الجراد، وجزءا ثانياً يحتوي على سلسلة نبوءات ذات طابع رؤيوي موضوعها العام حكم الله وفوزه على الامم. وموضوع "يوم يهوه"، بنظر هؤلاء المفسرين، هو الموحِّد بين الجزئين إذ إنه بالضبط موضوع الجزء الثاني ويبرز ايضاً في الجزء الاول في 1/15؛ 2/1- 2، 10- 11.
وانما ليس بأكيد، بنظر المفسرين الحاليين، ان النبي يصف في الجزء الاول حادثاً عاشه شخصياً كشاهد عيان، ورأيهم ان يوئيل يقصد، في كل ما يتنبأ عنه، التصدي لموضوع فاجعة كبيرة او محنة مهمة نستطيع ان نسميها فاجعة الفاجعات او محنة المحن، ألا وهي قدوم "يوم يهوه"، يوم ظم وديجور، يوم غام وضباب يضطرب منه جميع سكان الارض (2/1- 2). وفي هذا "اليوم" يُمتحن الناس امتحاناً ولا يخلص فيه الا الذين يتجردون مطلقاً من ذواتهم. ويتصدّى الني لهذا الموضوع مستعملاً كل ما عنده من امكانية وقوة في التعبير ليبلغ وصفُه قمتَه في الفصل الثالث والفصل الرابع. ويُلاحَظ بعد الانتباه اولا، وفي ما كان يسمى الجزء الاول والجزء الثاني، ان الفرق من حيث الاسلوب في التعبير شبه ظاهري ويتلاشى اكثر فاكثر، وثانياً، ان النبي يتحلى بدينامية مدهشة تسمح له بقوته في الكلام، تخريب العالم وتكوينه من جديد.
- رسالة النبي:
على كل حال، ومهما كان الرأي بما يخص ترتيب السفر الادبي، إن رسالة يوئيل واضحة تماما وتتسع في موضوعيين مهمين مترابطين. اولاً: التجرد المطلق هو شرط خلاص الانسان. وثانياً: موضوع "يوم يهوه". والموضوع الاول يشتبك دوما بالثاني والثاني بالاول ليؤلفا جموعة متماسكة تماسكاً شديداً.
"يوم يهوه" مذكور في كل من الفصول الاربعة (1/15؛ 2/1- 2؛ 3/4؛ 4/14). وما هو بيوم عادي، لأن له ابعاداً زمنية ومكانية متجسدة نوعاً ما. فيتراءى لنا كشيء مخيف للغاية يشبه تكاثف قوة غير قابلة للقياس، او طاقة لا تُضاهَى ولا توصف ولا يعبَّر عنها إلاَّ برموز ملائمة. إنه يشبه فاجعة من الفاجعات الطبيعية الكبيرة. فهو تارة حرب مخرّبة، وطوراً طاقة معتمة كلها ظلام بالنسبة لنورنا الارضي. انه يفوز، فيقتل كل حياة ويطفئ كل كواكب السماء، ويحكم بالعدم على كل من يطمح الى مجابهة الله سيد العالم. 
وهذا اليوم هو للانسان مرادف تعرّ او تجرد مطلق يحاول النبي وصفه باستعمال صيغة يقتبسها من جموعة تعابير مجازية لا تنفد. فهو يُشبه في الفصل الاول جراداً كثيفاً ينتشر ولا يستطيع احد مقاومته (1/4) وبسببه ينقطع كل طعام شهي عن الافواه وحتى كل قوت لا بد منه للعيش. فلا خمر ولا عصير ولا قمح ولا زيت (1/5، 10). الكرم جف واصبح خراباً، والتين ذبل وصارت شجرته حطاماً، والرمان والنخيل والتفاح وجميع الاشجار قد ذوت، فذوى السرور عن بني البشر (1/7، 12). ونسمع العذراء تنوح على بعل صباها لأنه توفي، والكهنة خدام الرب ينتحبون لأن التقدمة والسكيب قد انقطع عن بيت الله (1/8-9).
وفي الفصل الثاني يظهر "يوم يهوه" وكأنه جيش غريب بعدده وقدرته، إنه كنار مخربة، يملأ المدن والبيوت ولا ينجو منه احد ولا شيء. والرب بذاته "يجهر بصوته لان عسكره كثير جدا وهو ينفذ كلمته. ان يوم الرب عظيم وهائل جداً، ومن يطيقه" (2/11).
وفي الفصل الثالث يأخذ التجرد ملامح الاضطراب الشامل. فروح الرب يحل محل القوى الطبيعية، ونرى الناس وكأنهم طائشون، ويصبخ الكون وكأنه مسرح لمعجزات غريبة تضعه في حالة الفوضى: فالبنات والبنون يتنبأون، والشبان يرون رؤى، وتحلم الشيوخ احلاماً، وتظهر عجائب في السماء ودم ونار على الارض، واعمدة دخان... قبل ان يأتي يوم الرب (3/1- 4).
وفي الفصل الاخير يدين الله الحاكمُ الاممَ في وادٍ خيالي ورؤيوي يدعى "يوشفاط" اي "اله يقوم بالحكم" (4/12).
والاكيد ان هذا التجرد المطلق هو بحسب فكرة النبي يوئيل الشرط الاساسي للرجوع الكامل إلى الله. وهو يؤدي عملياً إلى تحويل جذري عند الانسان. وهذا التحويل هو في توجيه جديد للحياة اكثر مما هو في طاعة لطقوس تعبِّر خارجياً عن صيرورة باطنية. انه التوبة إلى الله في تمزق القلوب أو تغييرها وفي "الدعاء باسم الرب" (2/12- 14؛ راجع 1/13- 14؛ 3/15- 17). ويوضح النبي في 3/5، ان توبة الانسان مرتبطة بالاختيار الالهي لأن الذين "دعاهم الرب" هم وحدهم الذين (يبقون" او يخلصون بعد الامتحان الكبير. فعلى الانسان اذاً، بعد أن يتجرد عن كل شيء وخاصة عن ذاته، أن يتكل على الله ويرتكز بكل تواضع على نعمته الخلاصية، "لعل الرب يرجع ويندم لانه رؤوف ورحيم" (2/14).
ويبشر النبي يوئيل، في ثلاث نبوءات خلاصية موزعة في كتابه، بكينونة جديدة يتمتع بها كل من تجرّد وتاب بالمعنى المذكور (2/18- 27؛ 3/5، 4/18- 21). وتتميز هذه الكينونة بالبحبوحة العجيبة التي يعطيها الله لمؤمنيه (2/21 ونتابع). انما هذه البحبوحة ليست يالذات غاية الحياة وهدفها، لان المهم هو أن "يعرف" المؤمن الله بمعنى المعرفة الاختبارية، وان يسكن الله الأحد في وسط مؤمنيه فيوحدهم ولا يخذلهم إلى الابد (2/27؛ 4/17).
- سفر يوئيل في العهد الجديد:
في كرازته يوم العنصرة، وقد كانت اول اعلان رسولي للبشارة المسيحية، استعمل بطرس الرسول صيغة كتابية استعارها خاصة من نبوءة يوئيل (3/1- 5؛ راجع اعمال 2/7- 24). وتظهر لنا هذه النبوءة كفاتحة يذكرنا فيها الرسول بما وعد الله بلسان النبي "ان يفيض روحه على كل بشر" (اعمال 2/16). والاكيد بنظر بطرس الذي يتكلم باسم الكنيسة (اعمال 2/14)، ان نزول الروح يوم العنصرة يحقق هذا الوعد، وان الايام الاخيرة قد تمت (اعمال 2/17؛ قارن يوئيل 3/4 "يوم الرب") وهي تخص مجيء المسيح "يسوع الناصري" الذي "صلبه اليهود الكافرون، واقامه الله ورفعه واعطاه ان يفيض الروح القدس الموعود" (اعمال 2/24، 32- 33). وقد اعلن يسوع بعد قيامته هذه المواعد عندما بشر رسله (بانهم يعمَّدون في الروح القدس بعد أيام قليلة" (أعمال 1/5).
واذا تساءلنا بأي معنى فهم بطرس والكنيسة نبوءة يوئيل فالجواب متشعِّب وغني. لقد اكتشفنا في يوئيل ان الروح النازل على الانسان يجرده من قواه الطبيعية ليهيئه للرجوع الكامل الى الله (يوئيل 3- 4). فالاكيد ان الرسل، واولهم بطرس، قد "امتلأوا جميعاً من الروح القدس" (اعمال 2/4)، فاضاعوا قواهم البشرية الطبيعية التي كانت تدفعهم إلى "غلق ابواب الدار التي يقيمون فيها خوفا من اليهود" (يو 20/19)، واخذوا بدافع من الروح يحملون كلمة الله بجرأة الى الناس فكانوا "شهوداً" ليسوع المسيح في "اورشليم واليهودية كلها والسامرة، حتى أقاصي الأرض" (اعمال 1/8).
والأكيد أيضاً أن الناس الذين شاهدوا الرسل وسمعوا بطرس "أحسوا ان قلوبهم تتفطّر فأخذوا يتوبون ويندمون على ماضيهم" واعتمد كل منهم باسم يسوع وانعم عليهم بالروح القدس" (اعمال 2/37- 41).
ولقد اكتشفنا من جهة ثانية في نبوءات يوئيل الخلاصية ان شعب الله الجديد يتميز، وبعد أن تجرد وتاب بدافع من الروح، بمعرفة الله الاختبارية وبالوحدة العميقة الناتجة من تواجد الله في وسطه. فالعنصرة حققت جمع الشعب المسيحاني في الوحدة الروحية بين كافة اليهود والمهتدين من الشعوب "الذين اتوا إلى أورشليم القدس من كل امة تحت السماء" (اعمال 2/5، 11). ولنا توضيح كامل لهذا كله في العنصرة الخاصة بالوثنيين والتي يتكلم عليها سفر الاعمال (10/44- 46).
وكما ان المظهر الخارجي لفيضان الروح أمر عابر ولكن الوحدة الحاصلة للشعب هي دائمة، كذلك الهبة الحاصلة للكنيسة هي دائمة رُغماً عمَّا يوجد من عابر في المظهر الخارجي للعنصرة (ألسنة من نار والتكلم باللغات). ونرى الجماعة المسيحية تتابع في بدء نشأتها تعليم الرسل وتمارس الحياة المشتركة وكسر الخبز والصلاة وتزداد كل يوم عدداً (اعمال 2/42- 47؛ 4/32- 36؛ 5/12- 14).
فالكنيسة في مسيرتها على الارض تتلقى من الرب الروحَ الذي يجمعها في الايمان والمحبة ويقدسها.
واذا تأملنا في تعليم بولس الرسول اكتشفنا اننا نشارك الله في كيانه بواسطة الروح القدس المعطى لنا. فهو قد جدّدنا جذرياً بسر المعمودية ساكباً في قلوبنا المحبة، جوهر الله، فحوّلنا إلى أبناء ومتّعنا بالنور والقوة اللازمة لنسلك بكل حرية سبيل الروح لا سبيل الجسد (روم 5/5؛ 8/4؛ غل 5/16، 22؛ قارن يو 4/8). حتى ان الروح هو بنفسه حال فينا (رو 8/9- 11) وساكن في اجسادنا بنوع أننا لسنا لأنفسنا (1 قور 6/19) لكننا هيكله، وهذا الهيكل "مقدس في الرب" (أف 2/21). فالروح يقودنا اذاً من الداخل مانحاً ايّانا نوره وقواه، كباراً كنا أم صغاراً. ونكتشف بفضله دعوتنا الشخصية في خدمة الكنيسة ونقوم بها لأن كل منا "يتلقى من تجليات الروح لأجل الخير العام" (1 قور 12/7 وتابع؛ اعمال 15/28).
- المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني:
التأم هذا المجمع المقدس بالروح القدس. وكانت رغبته الحارة في "ان ينشر على كل البشر ضياء المسيح نور الامم المتلألئ على وجه الكنيسة" (دستور عقائدي في الكنيسة). ونسمعه يشدد باستمرار على الروح، ذاكراً اياه على ما يبدو مئتين وثمان وخمسين مرة لكثرة اهمية دوره في الفكر المسيحي والحياة المسيحية. فنحن نؤلف الكنيسة وهي "هيكل الروح" و"مسكن الله في الروح". إنها في "خدمة الروح" لأنها "عروسه". والقاب الروح متنوعة ومنها خاصة: "روح الرب"، "روح المسيح"، "روح الحق"، "روح الحرية"، "روح الحياة".
إن الروح يحوّلنا، بصفتنا اعضاء الكنيسة، إلى شركة اخوية، ويعمل فينا على صعيد شامل. هو يحفظ رؤساءَنا ويقويهم ويعضدهم لتقديسنا نحن شعب الله (دستور عقائدي في الكنيسة 27). فبعون منه يعبّر المجمع رسمياً وبصورة معصومة عن تعليم المسيح المتعلق بالايمان وبالاخلاق. هو الروح يحل على الاساقفة فيصبحون معلمي الايمان ورعاة اصيلين. وهو يدعو الكهنة فيقبلون طابعه ويعيشون له، فيدفعهم الى خدمة المسيح. هو ينفح الازواج المسيحيين بروح المسيح "الذي ينعش كل حياتهما بالايمان والحب والرجاء فيبلغان اكثر فاكثر كمالهما الشخصي وقداستهما المتبادلة فيساهمان هكذا سوية في تمجيد الله" (دستور راعوي 48). وهو مصدر الحياة الرهبانية لان "بالهام منه يعتنق كثيرون الحياة الكنسية لمارسوا المشورات الانجيلية ويتبعوا المسيح بحرية اكبر ويتشبهوا به بامانة اعمق (قرار مجمعي في تجديد الحياة الرهبانية 1).
وعلى هذا المستوى الشامل يدفع الروح القدس ويدعو الكل إلى رسالة الكنيسة في العالم ويساهم فيها. فهو "يضع في قلوب المؤمنين ذلك الروح الرسولي عينه الذي كان يدفع المسيح بالذات، وهو يستبق احياناً العمل الرسولي ويرافقه دائماً باشكال متنوعة ويوجهه دون انقطاعاً (قرار في نشاط الكنيسة الارسالي 4).
وينتشر عمل الروح حتى "خارج النطاق المنظور للكنيسة الكاثوليكية". فلا ننسينَّ أن كل ما تعمله نعمة الروح القدس في الاخوة المنفصلين بامكانه ان يسهم في بنياننا. ولذلك "يرغب المجمع بالحاح ان تنمو مبادرات ابناء الكنيسة الكاثوليكية متحدة مع مبادرات الاخوة المنفصلين دون وضع اي عقبة في سبل العناية الالهية، دون ان يستبقوا باحكامهم دوافع الروح القدس المستقبلة" (قرار مجمعي في الحركة المسكونية 3، 4، 24).
واخيرا وبمثابة خاتمة لكل قولنا، ان الروح القدس حاضر لدى غير المسيحيين لتنفتح قلوبهم بمعونته فيؤمنون "ويرتدون إلى الرب بحرية ويتعلقون به باخلاص" (قرار في نشاط الكنيسة الارسالي 13).
عاموس نبي العدالة
1- عاموس نبي من بين الرعاة والفلاحين
كان عاموس يرعى الغنم في البرية ويعمل في الحقل أيام الموسم في مملكة الجنوب في منطقة تقوع، قرب بيت لحم، فاختاره الله سنة 750 ق. م ليكون رسوله في مملكة الشمال.
"اني لست نبياً ولا ابن نبي، انما أنا راعي بقر وجاني جمَّيز، فأخذني الرب من وراء الغنم وقال لي الرب انطلق وتنبأ لشعبي اسرائيل" (7/14- 15).
كان عاموس من صفوة الانبياء لأنه لم ينتم إلى جماعة الانبياء العرّافين ولا إلى كهنة الهيكل، ولا إلى مستشاري البلاط، وقد كثرت في الكتاب المقدس المقاطع التي تشير إلى وجود جماعات للانبياء. إنه حرّ من كل طبقة. هو النبي في دعوته الخام، لمع شهابه في وقت وجيز، وكان كالبرق قصير المدى، ركالرعد قوي الصدى، ينذر بالعاصفة، فإذا أتت غاب وانتهى.
ولم تدم رسالته بضعة أشهر حتى منعه الكاهن اماصيا من التنبؤ في بيت ايل، لانه أنبأ بموت الملك وبجلاء اسرائيل عن أرضه. "فالارض لم تعد تطيق احتمال جميع كلامه". (7/10- 13).
وما يميز عاموس عن سائر الانبياء الذين ظهروا قبله هو انه كان اول من بدأ بتدوين كلامه، فلم يأت كلامه مسموعاً فحسب بل مقروءاً أيضاً. وقد تمت الكتابة بقلمه او بقلم أتباعه لتبقى كلماته محفوظة بين الناس بعد رحيله عن الديار شهادة عليهم.
يقسم الكتاب ثلاثة أقسام: القسم الأول (الفصل 1 و2) فيه سبعة أقوال على الأمم الوثنية القريبة من اسرائيل. أما القسم الثاني (الفصل 3- 6) فهو نبوءات على اسرائيل والسامرة وعظمائها. والقسم الثالث (الفصل 7 و9) يضم خمس رؤى وأقوالاً على الدينونة والخلاص. وأخيراً نبلغ الخاتمة التي تنبئ بآفاق جديدة.
لم يخرج عاموس عن خط الانبياء. فهو مرسل من الله مثلهم ليذكّر الناس بالعهد ويدعو الى تجديد روحي سريع.
وإذا أردنا أن نلخص تعاليم عاموس التي يتميز بها عن سائر الانبياء لا نجد كلمة أخرى سوى كلمة العدالة ببعديها العامودي والافقي: العدالة الالهية والعدالة الاجماعية.
فهو يدافع عن العدالة الالهية واضعاً اسرائيل في قفص الاتهام فيكشف جرائمه ويفضح أساليبه ويؤكد أن من حق الله الامين لوعوده أن يتخذ كل الاجراءات الزجرية تجاه من خان العهد ونكر الجميل: "اياكم وحدكم عرفت من بين جميع عشائر الارض. فلذلك سأعاقبكم على جيع آثامكم" (3/2). 
ويدافع أيضاً عن العدالة الاجتماعية مطالباً بالنزاهة والصدق ومحبة القريب والعدل: "الويل لكم، انكم تحوِّلون القضاء علقما، وتهملون العدل على الأرض" (5/7 و6/13).
2- عاموس ينادي بعدالة الله
لما بدأ عاموس رسالته في مملكة الشمال كانت الضمائر مخدرة: يعيش الناس وكأن الله لم يكن.
وكان ياربعام الملك وحاشيته في تنعّم واستقرار والشعب في رخاء وسلام، فلا خوف على البلاد من الآشوريين المنهمكين بالحروب مع جيرانهم، ولا خوف من الفراعنة حيث النزاع على الحكم قائم على أشدّه. وتوجهت الانظار نحو الملك الزاهي في مجده حتى لم يبق مكان لله تعالى في قلوب الناس، وتركوه وشأنه ولم يحسبوا له حساباً إلا ببعض طقوس وثنية.
ولكن الله ليس إله المتاحف والمقابر، وليس إله الهياكل والمعابد، بل هو إله حي، واذا أغمض جفنه فلا يعني أنه ينام، واذا أغلق شفتيه فلا يعني أنه فقد الكلام.
ويأتي النبي عاموس ليُخرج الله من صمته ويؤكد ان الله لا ينام أبداً، ويشهد على يقظة الله الدائمة وحضوره المستمر في كل الأحداث وكل الأزمنة: "الله يزأر من صهيون، ويطلق صوته من أورشليم، فتنتحب مراعي الرعاة وييبس رأس الكرمل" (1/2).
أ- يوم الرب
واليك مجموعة من الألفاظ استخدمها عاموس معبِّراً عن غضب الله بلغة من حديد ونار: "أُرسل نارا، أكسر المزلاج، أستأصل الساكن، أهلك البقية، السيف والغضب والحنق والدمار، أضرب البيت الشتوي وأبيد بيوت العاج..."
هي كلمات جديرة بملحمة نضال وثأر وغضب، والله سينتقم فالويل من نقمة الله وحذار من لقاء الرب.
"اني لذلك اصنع بك هكذا يا اسرائيل، وبما اني اصنع بك هذا فاستعد للقاء الهك يا اسرائيل" (4/12).
واذا بالنبي عاموس ولاول مرة في الكتاب المقدس يتحدث عن "يوم الرب": "ويل للمتمنين يوم الرب. ان يوم الرب هو لكم ظلمة لا نور. كما إذا هرب انسان من وجه اسد فلقيه الدب او دخل البيت وأسند يده إلى الحائط فلسعته حية. يوم الرب ظلمة لا نور بل هو ديجور لا ضياء له" (5/18-20).
وهذا التعبير استخدمه الانبياء فما بعد، ولا يزال يستخدم في العربية في ضروب الوعيد "لك يوم يا ظالم "سيأتي يوم".
ب- الاختيار ليس ضماناً بل مسؤولية
إله عاموس واحد ولكنه ذو صفتين متكاملتين: المحبة والعدالة. فالله محبّ في عدله وعادل في محبته.
وما كان الله ليرضى أن تذهب الواحدة ضحية الاخرى وأن يستغل الانسانُ محبته متناسياً عدالته كما فعل الشعب أيام عاموس لما اعتقد انه ضَمَن اختيار الله فغدا بعيداً عن سخط الله، ونسي أن الاختيار يتطلب المسؤولية وتأدية الحساب كما يقول عاموس: "بالسيف يموت جميع خطأة شعبي. القائلون ان الشر لا يدانينا ولا يدركنا" (9/10).
يُظهر لنا عاموسُ وجهَ الله الديّان دون أن ينسى وجهه الحنون الصفوح كما يقول: "فندم الرب على ذلك، وذلك ايضاً لا يكون، قال السيد الرب" (7/6).
ج- الله يرفض العبادات الخارجية
جاء عاموس ليحارب على جبهتين: يحارب الوثنية مؤكداً وحدانية الله، ويحارب الطقوس العقيمة معلناً أنها مرذولة من لدن الله.
اليكم هذه الاناشيد الجميلة عن الله وهي تشير إلى مدى تأثّره بالطبيعة وليالي الشرق التي تدعو إلى مناجاة الخالق:
"فانه صانع الجبال، خالق الريح، المبيّن للبشر ما فكره، الجاعل الظلمة فجراً، الواطئ مشارف الأرض، واسمه الرب اله الجنود" (4/13).
"وانه خالق الثريا والجوزاء ومحوِّل الظلمات صباحاً ومعتِّم النهار بالليل الذي يدعو مياه البحر فيفيضها على وجه الارض واسمه الرب" (5/8). 
أرأيت شفافية هذا النشيد. انه نشيد الكون كما فهمته المزامير ورسائل بولس ومن بعدهم فرنسيس الاسيزي وتيار دي شاردان. فالله هو خالق الكل وفوق الكل وفي الكل.
ولكن إله عاموس ليس إلهاً قبلياً، وإذا لقّبه بإله الجنود فما ذلك الا ليشير إلى جبروته وقدرته. والله هو للجميع، يهتم بالوثنيين كا يهتم بالشعب المختار. اقرأ معنا هذه الاسطر لتتأكد صحة هذه الشمولية في التفكير النبوي:
" ألستم كبني الكوشيين يا بني اسرائيل يقول الرب: الم أخرج اسرائيل من أرض مصر والفلسطين من كفتور وآرام من قير" (9/7).
ويدوّي صوت الله بلسان النبي ليرفض العبادات الكاذبة بقوله "لقد أبغضتُ أعيادكم ورذلتها ولم تَطِب لي احتفالاتكم. اذا أصعدتم لي محرقاتكم وتقادمكم لا أرتضي بها، ولا ألتفت إلى ذبائح السلامة من مسمناتكم. أقصِ عني زجل أغانيك فاني لا أسمع نغم عيدانك. بل ليجرِ القضاء كالمياه والعدلَ كنهر لا ينقطع". (5/21- 27).
د- الله يرأف بالبقية
إن النبي لا يتكلم فقط باسم الله، بل يرى الأحداث بعين الله فهو صوت الله وعين الله. انه يقرأ المستقبل على ضوء الماضي واشارات الحاضر، ويهبّ لتدارك الخطر، فهو يصحو حيث الآخرون ينامون، ويلتهب نارا حيث الآخرون يلهون.
ولمّا كان كل شيء في المملكة أيام عاموس يشير إلى الهدوء: السياسة في أمان، والدين في ركود. والشعب في اكتفاء، كان النبي يعلّم بأن الخطر وشيك وأن الغاصفة على الابواب. فالسامرة ستقع في أيدي الاشوريين القادمين من الشمال الذين سيسلبونها ويَجلُون أهلها. وهذا ما تحقق بعد بضع سنوات، لأن الله عندما يتكلم ينفّذ كلامه.
"ها أنذا أقيم عليكم يا آل اسرائيل، يقول الرب اله الجنود، أمّة فيضايقونكم من مدخل حماة إلى وادي العربة". (6/15)
ولكن الله في سخطه وعدله يبقى رحيماً ولا ينسى وعده، فكيف يبيد الشعب بكامله اذا كان منه سيأتي الخلاص؟ والجواب يأتينا من عاموس بفكرة جديدة تبعث الأمل والرجاء: ستظل بقية باقية تتحقق فيها المواعيد المسيانية:
"فعسى الرب اله الجنود أن يرأف ببقية يوسف" (5/15).
فالشعب سيمر في المحنة كما تمر الحنطة في الغربال، فالضعيف سيقع وأما الصالح فيبقى، والخاطئ سيموت وأما البار فسيحيا، والشرير سيضمحل وأما الامين فسيعود من السبي ليبني الارض من جديد: "وأهزّ آل اسرائيل في جميع الامم هز الحنطة في الغربال فلا تسقط حصاة على الارض... وأردّ سبي اسرائيل فيبنون المدن المخرّبة ويسكنونها، ويغرسون كروماً ويشربون من خمرها، وينشئون جنات ويأكلون من ثمارها (9/8- 15).
3- عاموس ينادي بالعدالة الاجتماعية
كانت الصدمة قوية والدهشة عنيفة لما وصل عاموس إلى السامرة ووجد -فيها الترف والبزخ والفجور، فمن أين للشعب المصطفى بحبوحة العيش هذه- بعد حياة البداوة؟!
وكانت الصدمة أعنف لمّا رأى عاموس ذلك البون الشاسع بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء. ومَثَله كمثل من يزور العواصم الكبيرة ويكتشف بلوعة اكواخ الفقراء بجوار ناطحات السحاب.
- عاموس يثور ضد الواقع
وراح عاموس يرفض الواقع وينقد المجتمع ويسير ضد التيار. وكيف لا يسعى إلى قلب العادات السائدة والمتعفنة بعد أن اصطدم بالمكاسب الخاصة وجشع الأغنياء وظلم الحكام. فلم يرسله الله للسياحة بل ليكون صفارة انذار وصرخة خطر تدخل الآذان دون استئذان.
"اسمعي هذه يا بقرات باشان التي في جبل السامرة التي تظلم الفقراء وتضغط المساكين وتقول لسادتها: هاتوا فنشرب. بقداسته أقسم السيد الرب أن ستأتي عليكم أيام يأخذكن العدو فيها بالكلاليب ويأخذ أعقابكن بشصوص السمك. فتخرجن من الثلم كل واحدة على وجهها وتطردن إلى حرمون، يقول الرب" (4/1- 3).
عاموس لا يمضغ الكلمات ولا يحسب للناس حساباً ولا يعرف الحلول الوسطى. فكل شيء بالنسبة إليه معدن صاف ونور باهر. انه يرفض المداهنة والمجاملة والتملق، ومتى كان الله يرف التملق؟
"هكذا قال الرب: إني لأجل معاصي اسرائيل الثلاث والاربع لا أعود عن قراري، لأنهم باعوا الصدّيق بالفضة والمسكين بنعلين. وهم انما يبتغون أن يغطي تراب الأرض رأس الفقراء ويصدون طريق البائسين" (2/4- 11) 
عاموس بشر بين البشر، يعيش آلام الناس ويدافع عن المظلوم بأسلوب واقعي وصريح ومباشر، ويتكلم باسم من لا يستطيع الكلام.
"فاني عالم بمعاصيكم الكثيرة وخطاياكم العظيمة، تضايقون الصديق، وتأخذون الرشوة، وتحرمون حق المساكين في الباب (أمام القضاء)، لذلك يسكت العاقل في ذلك الزمان لانه زمان السوء (5/10- 13).
4- العهد الجديد يتابع رسالة عاموس
لم يخرج العهد الجديد عن هذا الخط فكان فيه لعاموس مكانة خاصة. لقد ذُكرت كلماته في سفر الرؤيا (10/7) وفي أعمال الرسل 15/16 و7/42 بشكل صريح ولكن أفكاره ورسالته كانت جزءا من الديانة المسيحية التي وجدت في محبة القريب تتمة لمحبة الله، وفي العدالة البشرية طريقاً للسلام مع الناس والله (1 يو 4/19- 21).
وعلى غرار عاموس لم يكن المسيح رجل هيكل أو خادم بلاط، بل رجل الترحال والتجوال يتكلم باسم الرب، وينبئ بفجر جديد، ويرى في عمق الزمان ليصبح الافق البعيد قريباً من كل انسان يريد الخلاص. وحاك حول الرعاة والفلاحين أجمل أمثاله فهو من بسطاء القوم واليهم تحدّث وبشّر بالعدل والمحبة تجاه الله والقريب.
آ- المسيح يتحدث على محبة الله
ألم يتحدث المسيح عن يوم الحساب عن يوم الرب وهو يوم الدينونة العظمى حيث ستظهر عدالة الله في أسمى ضيائها (متى 24/26؛ 25/31)؟ 
الم يأت المسيح ليتابع رسالة الانبياء الأسبقين داعياً إلى العبادة الباطنية؟ "هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فبعيد عني... ليس ما يدخل جوف الانسان ينجسه... ليس من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. "الانسان سيد السبت."
الم يأت المسيح ليحرر وحدانية الله من الشوائب والشرك؟ لأن الانسان لا يستطيع ان يعبد ربّين الله والمال، فاما ان يعبد الواحد أو الآخر. "اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
الم يأت المسيح ليؤكد شمولية الله الذى "يشرق شمسه على الابرار والاشرار" ويعلمنا ان ندعوه "أبانا الذي في السماوات"؟
ألم تكن رسالة المسيح دعوة إلى التوبة والتجديد الروحي والرجاء برحمة الله لنيل الخلاص؟ "توبوا قد اقترب ملكوت السماوات".
وجاءنا الانجيل بكامله بشرى رجاء وأمل كما فهمه الرسل وآباء الكنيسة، ودعوة الى الثبات والصبر "لان من يصبر إلى النهاية يخلص".
وأفضل ما في هذا الرجاء أن الكنيسة أصبحت البقية الباقية كما يقول بولس الرسول: "وكذلك في الزمن الحاضر لا تزال بقية مختارة بالنعمة". (روم 11/1- 7) وهذه الكنيسة التي تحققت فيها المواعيد ستعاني أيضاً المحن وسيهزها الغربال كما جاء في سفر الرؤيا إلى أن تصل إلى كمالها وتصبح البقية أهلا للملكوت الابدي. "أنا البدء والنهاية. من كان عطشان أرويته أنا من ينبوع الحياة مجاناً. سأكون له الها ويكون لي ابناً" (رؤ 21/1- 7).
ب- المسيح يبشر بمحبة القريب والعدالة الاجماعية
وأرى من الضروري الاشارة في هذه العجالة إلى موقف المسيح من الغنى ومن الفقراء وإلى المواقف التي اتخذها ضد كل مظاهر القهر والظلم والترف. أنّى لنا أن ننسى التطويبات ومثل لعازر والفقير، والغني الجاهل. فلم يكن تعليم المسيح كلاماً بل كان عملاً نبوياً. عمل أولاً ثم علّم، فكان مثال الفقير قبل أن يكون إلى جانب الفقير، وسار على خطاه سائر الرسل (يعقوب 4/13). 
وهكذا فهمت الكنيسة الأولى هذه الناحية في اختيار التجرد والتقشف والمساواة والعدالة الاجماعية ولنا في كتاب أعمال الرسل خير دليل على حياة المسيحيين المشتركة: "لا يقول أحد منهم أنه يملك شيئاً من أمواله بل كان كل شيء مشتركاً بينها... فلم يكن فيهم محتاج، لأن كل من يملك الحقول أو البيوت كان يبيعها ويأتي بثمن المبيع، فيلقيه عند أقدام الرسل، فيُعطى كل منهم على قدر احتياجه" (4/32- 35).
5- رسالة عاموس دعوة معاصرة
لم ينته زمن الانبياء، فلكل عصر أنبياؤه يحملون المشعل من أسلافهم ويتابعون السير كي ينيروا طريق الانسانية مبشرين بكلام الرب. وهذه البشارة تستحيل إلى صراخ يتمخض عنه عالم الغد.
فرسالة عاموس لم يطوها الزمان وهي لا تزال تدعونا اليوم بلسان جديد ولغة عصرية لنحقق كلام الله في حياتنا اليومية.
ان المسيحي يجد عن حق في الله تعالى أباً محباً وربً، ولكن لا ينسى أنه سيَمثل أمام هذا الاله الديان العادل، فتصبح التوبة المبنية على الثقة والرجاء طريقاً ضرورياً للسير قدماً في الحياة الروحية. "لأن كل شجرة لا تثمر ثمراً طيباً تقطع وتلقى في النار" (متى 3/8).
ويخطئ المسيحي إذا علل النفس بالقول: ان الله اختارني، ونلت المعمودية فضمنت ملكوت السماوات. فليس للمسيحي أي فضل، ولا تكفيه الهوية المسيحية إن لم يتحمل مسؤولية خلاصه بحفظ الوصايا وإتمام مشيئة الله، لان من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي" (متى 12/50).
إن الكنيسة، أم ومعلمة، لا تستطيع اهمال العدالة الاجتماعية لأنها ضرورة ملحة في عالم تخلّفت فيه شعوب لتستفيد شعوب أخرى، وفي مجتمعات مبنية على التفاوت الطبقي حيث يتنعم الغني على حساب الفقير، وفي مؤسسات تفشت فيها الرشوة والربح الحرام وروح الاستغلال والاحتكار... فأنَّى للمسيحي ان يقف مكتوف الأيدي وملجوم اللسان أمام الظلم والجشع واللامساواة وكل أنواع القهر والحرمان التي تمارَس على الأفراد والشعوب.
إن العدالة والرحمة هما من صميم الحياة الانجيلية. فعبثاً يدّعي المسيحي بالمسيحية إن لم يسعَ إلى تحقيق العدالة الاجماعية التي هي طريق السلام.
الخاتمة
لقد ساهم الانبياء في صنع التاريخ لأنه تاريخ الله، وسعوا إلى تطوير الأحداث وقلب المفاهيم لأن الشعب هو شعب الله، فهم من المجتمع واليه. ولم يكن بوسع عاموس ان يتكلم عن الله وباسم الله دون الكلام عن الناس ومشاكلهم لأن الله في قلب كل انسان وكل انسان في قلب الله.
في مجتمعنا المعاصر حيث تخدّرت الضمائر وفسدت الأخلاق ونُودي بموت الله، تأتينا كلمات النبي عاموس من عمق التاريخ بكل قوتها الآنية وقيمتها الثابتة ونضارتها الخالدة لتقول لنا: "اطلبوا الله فتحيوا...
"اطلبوا الخير لا الشر لتحيوا" (5/13).
ان نبوءة عاموس لم تفقد قوتها ومغزاها، بل تدعونا إلى قراءة الازمنة بعين جديدة، بعين الله، لان التاريخ يشيب والزمان يشيخ، وأما كلام الله فلا يشيب ابداً.
النبي عوبديا
مقدمة
كان من الممكن أن يُفقِد السبيُ البابلي سنة 587 ق. م. المسبيين اليهودَ إيمانَ آبائهم وأجدادهم، فيتحوّلون إلى ديانة مستعمريهم، وأن يقضي بالتالي على مؤسساتهم الدينية. ولكن ما حصل هو العكس تماماً. إذ بعد عودتهم من السبي، راح اليهود يتأملون في تراثهم القديم وطقوسهم السابقة، وبمقارنتهم اياها مع وضعهم التاريخي الحاضر، هبَّت فيهم روح دينية عارمة جعلت ايمانهم ينضج بنوع نهائي. هذه "الثورة الروحية" جعلتهم يُعيدون قراءة نصوصهم التوراتية القديمة ويكتبون، مضيفين عناصر جديدة، تاريخ هذه المؤسسات الدينية التي سوف تشكّل، بعد ذلك التاريخ، محورَ ديانة شعب اسرائيل (انه زمن تأسيس الطقوس- إذا جاز التعبير- كالسبت والاعياد... وبكلمة اخرى ولادة اليهودية كديانة). في هذه الحقبة، تأثر روح العبادة اليهودية كثيراً بنشوء هيكليات دينية جديدة وبغنى عقائدي ناجم عن قراءة جديدة للتراثات الكتابية القديمة بوحي من الوضع التاريخي الراهن، وبات المؤمنون معه مقتنعين، بأن عقاب الله الذي انذر به الأنبياء سابقاً قد تحقق (بالسبي)، وبقيت لهم المواعيد التي ينتظرون تحقيقها.
1- رسالة عوبديا
كتب عوبديا في زمن الجلاء. إنه يكتب على طريقته ويفسر تحقيق مواعيد الله، مدفوعاً بشعور وطني. وتتلخص رسالته بالكلام عن "يوم الرب" وولادة اسرائيل الجديد، انطلاقاً من حالة تاريخية خاصة في زمانه: ففي سنة 587 ق. م. استفاد الأدرميون، وهم قبيلة سامية مستقرة قي الجبال، جنوب البحر الميت، من سقوط اليهودية ليستولوا على أراضيها في الجنوب خصوصاً في حبرون (الخليل). فهب عوبديا ضدهم. ظنوا انهم بمأمن من الاجتياح (الآية 3) ولكنهم سيهبطون مهما ارتفعوا (الآية 4). قريباً يأتي "يوم الرب" (الآية 15) وستنال هذه القبيلة عقابها، فيقاصص الله المذنبين بالجرائم ويمنح الخلاص لأتقيائه (الآيات 16- 21).
ليست المواعيد هنا للفرد وإنما للأمة كلها التي تستعبر من ويلاتها الماضية لتبني مجدها الحاضر. رغم شقائها، هي مقتنعة بأنها وحدها تعبد الله الحقيقي، سيد الكون، الساكن في صهيون (آية 21)، الذي به يرتفع قرن (رأس) شعبه وتنحط الأمم الأخرى، أما إذا أرادت هذه الأمم الخلاص، فعليها هي الأخرى أن تمر بالعقاب والموت.
ليس يوم الرب مع عوبديا يوم قصاص الله لاسرائيل، كما مع صفنيا، ولكن يوم ثأر من باقي الأمم. مع عوبديا، أصبحت كلمة "نبوءة" مرادفة لكلمة "الموعد".
2- عوبديا والعهد الجديد
عاش النبي عوبديا في زمن اشتد فيه عند الشعب شعور بقرب انتهاء الأزمنة، في وقت بان له ان تدخل الله النهائي لخلاص شعبه أمر قريب وواقع لا محالة. في مثل هذه الأجواء عينها اطلق يسوع صرخته: "لقد تمت الأزمنة واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالانجيل" (مر 1/15) (انه موضوع تعليم يسوع الاساسي ويرد أكثر من ثمانين مرة على لسانه في الأناجيل الازائية). أما الجديد في تعليم يسوع فهو انه يبشر ببدء الأزمنة الاسكاتولوجية وبظهور ملكوت الله في التاريخ الحاضر لاسرائيل ولسائر الأمم. أجل تنال الأمم حصة في الخلاص الحاصل في أورشليم والمنتشر منها. وجميل ان نلاحظ كيف ان لوقا الذي يبدأ انجيله في هيكل اورشليم (لو 1/5- 25) ينهي أعمال الرسل في رومة، عاصمة الأمم والعالم الوثني (اع 28/23- 28). فلا حدود إذاً لكلام الله ولإعلان بشارة الملكوت.
3- قراءة مسيحية وحالية لنبوءة عوبديا
إن نبوءة عوبديا، هي من أقصر أسفار العهد القديم. انها تعبر عن حقائق يعيشها الإنسان في أي زمان ومكان، ولذا فهي تنطبق في جوهر تعاليمها على واقع أيامنا الحاضرة. ومع أنها تتوجه إلى شعب تكبّر وتجبّر، فهي تعني الفرد أيضاً مع ما فيه من مقومات طبيعية، وما الشعب إلا جموع الأفراد، وقد يقود فرد أحياناً شعباً بكامله. لقد أثار آدوم غضب الله بتعجرفه (الآية 3) وأصبح الشعب المتكبر مذنباً وقاتلاً لأخيه عندما أنكره في شدته (آيات 10 - 14). ونحن اليوم، ألا نشهد مثلما شهد عوبديا في زمانه؟ ألا يقوم شعب على شعب ودولة على دولة؟ وليست الدولة الغازية غريبة، فأحياناً تكون دولة صديقة، جارة، شقيقة! وما نقوله على مستوى الشعوب نقوله على مستوى الأفراد. أما يقوم الإنسان على أخيه الإنسان؟ لا بل الأخ على أخيه في بيت واحد؟ ويأكل الصديق مال صديقه، والجار جاره، والشريك شريكه؟ ويبلغ بهم الصلف والتعجرف حداً لا يعودون يعرفون معه الشفقة والرحمة؟!...
لكن الله "حط المقتدرين عن عروشهم ورفع المتواضعين" (لوقا 1/52). لا يدع المتكبر يسترسل في هواه والظالم يظلم إلى ما لا نهاية. في عوبديا يطبق الله على آدوم شريعة "عين بعين وسن بسن" ويعاقبه بالمثل. "فكما فعلت يُفعل بك" (آية 15) "وكما تدينون تدانون ويكال لكم بما تكيلون" يقول يسوع إلهنا له المجد (متى 7/2). "لك يوم يا ظالم" يقول المثل العامي. ذلك أن يوم الرب قريب (آية 15) وحكمه عادل على جميع البشر. لن يتأخر حتى يأتي ليدين كل واحد حسب أعماله وكل أمة حسب سياستها!. 
فالباطل إذاً لا يدوم. ومهما طالت محنة شعب هُضمت حقوقه، وسلبت ثرواته، وتشرّد بسبب ما حلَّ به من ويلات الغريب والقريب، فلا بد من أن يشرق عليه نور الحق فينتصر به، لأن الحق هو السلاح الأمضى، وقد شهد له المسيح نفسه (يوحنا 18/37). وتعود صهيون مكان الهيكل المقدس، المسكن المقدس، بيت العبادة وعاصمة مملكة الله القادمة على الارض (آيات 19- 21). ذلك يعني أن ما كان سيبقى، "وما بيصح إلا الصحيح" كما يقول المثل العامي الآخر "الصبر- مفتاح الفرج"، "وبثباتكم تنقذون أنفسكم" (لوقا 21/19). انه وعد الله ينطبق على حياتنا اليوم وكل يوم. وكم من أناس نالوا المواعيد وحصلوا على خلاص الههم لأنهم صبروا في المحن والضيقات...
"لأن الملك للرب" (آية 21)، نغمة اسكاتولوجية، شمولية ينهي بها النبي عوبديا رسالته. الله يملك على السماوات والأرض "ولا يكون لملكه انقضاء" (لوقا 1/23). "الملك لله" نكتبها على واجهات بيوتنا ومداخلها، وبحق نفعل ذلك. يترادف "يوم الرب" وصوت الله هذا. "ليأت موتك". انها صلاة ورسالة: صلاة علمنا اياها يسوع ورسالة لتحقيق ملك الله على الارض تقع مسؤوليتها على عاتق كل مؤمن وكل من ينتظر حقا مجيء ربنا يسوع المسيح وتجلّيه في آخر الأزمنة. "تعال أما الرب يسوع" (رؤيا 22/20) "واقضِ في الأرض" واملك عليها، "لأن لك الملك والقدرة والمجد إلى أبد الدهور".
سفر يونان
مقدمة:
لا تحتفظ المخيلة الشعبية من سفر يونان إلاّ بصورة النبي وقد ابتلعه الحوت في جوفه وبعد ثلاثة أيام أعاده إلى الأرض اليابسة بأمر من الله. انه لأمر هام بقدر ما ترمز هذه الصورة إلى موت المسيح وقيامته. ولكن ما علاقة هذه الصورة بباقي الأحداث التي يسردها علينا هذا السفر، وكيف باستطاعتنا أن نقرأه اليوم قراءة مسيحية؟
لقد كان لهذا السؤال أجوبة عدة عبر التاريخ: ولا عجب في ذلك، فإن سفر يونان هو تحفة أدبيه ولاهوتية تصعب قراءتها من وجهة نظر واحدة. فلذلك لسفر يونان تفسيرات مختلفة وإليك بعضها. فالبعض يرى ان سفر يونان يعالج قضية النبوءات. فهو يطرح مشكلة عدم تحقق هذه النبوءات التي يعلنها الله. فالقسم الأول من سفر يونان يعرض لنا براهين على ذلك: يرسل الله النبي محمِّلا اياه رسالة، ويخلّصه في آخر الأمر، ولما تتحقق الرسالة التي لأجلها قد ارسل. أما القسم الثاني من السفر فيرض علينا مباشرة عدم تحقق هذه النبوءات والسبب في ذلك هي رحمة الله للبشر. فلا يسلم الله اهل نينوى إلى الموت والدمار.
أما الترجمة المسكونية الفرنسية للكتاب المقدس فقد لخصت معاني سفر يونان بهاتين الفكرتين: انه يهدف إلى أن يظهر تجربة الني الباطنية ويعلّم عطف الله الشمولي. لقد توقف مفسرون آخرون عند فكرة التوبة: يهب الله الغفران لكل إنسان يتوب عن خطيئته. ولكن أغلب التفاسير اليوم تجد في سفر يونان تفكيراً لاهوتياً في محبة الرب اله اسرائيل للوثنيين.
ما معنى سفر يونان؟ سوف نجيب على هذا السؤال انطلاقاً من أسئلة ثلاثة: من هو يونان؟ من هو الله؟ وكيف باستطاعتنا ان نقرأ هذا السفر قراءة مسيحية؟
1- من هو يونان:
ورد اسم يونان في 2 مل 14/25. لقد استعار مؤلف سفرنا اسم يونان النبي من القرن الثامن قبل الميلاد، وهو نبي مغمور قد عُرف بروحه القومية المتطرفة، إن يونان هو أكثر من فرد، هو شخصية نموذجية تمثل جموعة من الناس. فدراسة الكتاب تؤكد على هذا الرأي: فنينوى والبحارة يمثلون العالم الوثني وترشيش هي المدينة التي لا تسمع كلمة الله، والبحر هو مقر قوى الموت. فالسفر قائم على الرموز ولا يُفهم فهماً صحيحاً دون ان نفك معانيها. في وجه يونان نكتشف قايين قاتل اخيه، وفيه نرى الشعب الذي عبد العجل الذهبي في سيناء ورفض السماع لصوت الأنبياء. ان يونان يرمز إلى بيئة، فهو اسم مستعار للتعبير عن جماعة تعاني من سؤال تحمله في أعماق قلبها مثل أيوب المتألم ودانيال الذي يتأمل في قوى الظلم في العالم الذي يحيط به.
سفر يونان صورة عن بيئته:
ما هي البيئة التي يتحدث عنها سفر يونان؟ لا نقع في سفر يونان على تواريخ تساعدنا على صرفة زمن تدوينه، إلا ان أسلوب الكتاب ومفرداته هي التي تخولنا على أن نحدد البيئة التي فيها نشأ. ففيه نقع على تعابير ومفردات لا نجدها قبل القرن السادس. ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك. إن استعمال اسم الموصول، "ش" هو تأثير واضح من الارامية المنتشرة بعد القرن السادس انتشاراً واسعاً. وكذلك كلمة "سفينة" (1/5 وهي الحالة الوحيدة في الكتاب المقدس) هي آرامية أيضاً. ان العبارة "اله السماوات" نجدها تسع عشرة مرة في الكتاب المقدس ومنها سبع عشرة مرة في الأسفار اللاحقة للجلاء (عزرا، نحميا، دانيال). فالعبارة تعود إلى الزمن الواقع بعد العودة من الجلاء، أعني العصر الفارسي والعصر الهليني. أما نينوى فم تعد المدينة المخيفة كما ورد في نبوءة نحوم وغيره من الأنبياء. فلو لم تكن ذكريات العنف التي ترافق تاريخ نينوى قد ابتعدت عن مخيلة المؤلف، لما كان استطاع ان يتحدث بهذه الطريقة عن توبة أهل نينوى إلى الرب. وأخيراً في سفر يونان تضمين لتعاليم الأنبياء، من يوئيل وارميا بصورة خاصة، لأن لاهوتي بعد الجلاء قد حاولوا تأوين تعليم الأنبياء السابقين، دون ذكر اسمائهم مباشرة. وان تقدمنا في التاريخ فإننا نجد اننا لا نقع في سفر يونان على تأثير هليني في الأسلوب والمفردات والمضمون. تحمل هذه الحجج دارسي سفر يونان على التأكيد على أن مصدر سفر يونان هو أواسط القرن الخامس قبل الميلاد. فهو يصنف جماعة اورشليم في ذلك الزمان. يونان هو صورة كاريكاتورية عن بيئة يريد المؤلف انتقادها بطريقة لبقة وحذقة.
عصبية قومية:
غابت مملكة يهوذا عن الوجود في القرن الخامس وناب منابها اقليم صغير له تشريعه القائم على التوراة، وخاضع للأمبراطورية الفارسية. لقد بُني الهيكل بعد خراب دام عشرات السنين، والجماعة اليهودية التي تعيش حوله في أورشليم هي جماعة قومية كهنوتية متعصبة. باستطاعتنا القول أيضاً أن الجماعة قد انطوت على نفسها وراحت تحافظ على اصالة الانتساب اليهودي تحت تأثير سلطة الكهنة والكتبة. في هذه الجماعة، خوف من الخطيئة وحقد على الوثنيين. فالخطيئة قد سببت، بحسب تعليم الأنبياء، سقوط الهيكل ونهاية الملكية الداودية، وعقاب الجلاء. أما الحقد على الوثنيين، وهم سبب فساد الشعب، فقد حمل الجماعة على التقوقع في روح قومية دينية صلبة. إن إله الآباء هو إله يهوذا بصورة خاصة، والاختيار لم يعد خدمة بل حقاً متطلباً وامتيازاً فردياً: لقد طُردت النساء الغريبات، وابعد السامريون، والأمم الوثنية كتب لها الدمار. لا قداسة إلاّ في أورشليم، فالله الذي عرَّفنا عنه الأنبياء قد تحوَّل إلى إله الجماعة المنطوية على ذاتها وفي حدودها الاقليمية.
انفتاح مؤلف سفر يونان:
تجعلنا هذه الخلفية التاريخية نكتشف رفض سفر يونان لهذه القومية الضيقة. ان وضعنا سفر يونان في إطاره القومي هذا، سهلت علينا قراءته. فإننا نفهم رفض يونان وتمرده أمام دعوة الله له. فإن الله يطلب منه ان يعمل ما يعاكس تماماً اللاهوت الرسمي الذي كان يحيط به. ولا يذكر سفر يونان أورشليم ويهوذا، ولا يذكر الهيكل إلا في المزمور. إن سفر يونان يتجاهل امتيازات سكان أورشليم. فإن خلاص أهل نينوى وخلاص اسرائيل ها رسالة واحدة في نظر إله اليونان. وهذا أمر لا يطاق.
يحاول يونان أن يهرب من وجه الله، لأن خلاص أهل نينوى لا يعني له شيئاً، ولأنه عالم أن الله يريد خلاصهم (4/2). فالوثنيون في نظره هم نجسون، ولكن كاتبنا يصفهم على أنهم أشد تديناً من يونان وأشد إنسانية منه. فالبحارة يتوسلون إلى الله ويكتشفون عمله في الأحداث وينتقدون عدم طاعة يونان ويحترمون في الوقت نفسه حياته. انهم يتوبون إلى الديانة اليهودية ويقدمون الذبائح وينذرون النذور (1/16)، بيما يونان ينام والعاصفة تهدد بالهلاك. وعندما يستيقظ من نومه فإنه لا يشارك حتى في صلاة الوثنيين. ولو لم يُزَد المزمور على هذا السفر لما شكر يونان الله الذي خلصه من الموت. فالبحر والموت والخروعة، عناعر الطبيعة كلها تطيع الله. أما يونان فيعصي أمره وهو اليهودي الذي يشهد بشكل صحيح على حقيقة الله.
تناقضات يونان ومأساته:
أراد صاحب سفر يونان أن يعرض على قرائه تناقضات بيئته. انه لا ينتقد قوميتهم الضيقة فحسب بل ديانتهم الخاطئة. إن مأساة يونان هي مأساة إنسان مؤمن في صراع مع نفسه ومع العالم.
يقول يونان على ظهر السفينة: "أنا عبراني، وإني أتقي الرب". يشدد يونان على المسافة التي تفصل اليهود عن الوثنيين المثركين. ان كلمات يونان تحمل إلى ذهننا كلمات القديس بولس في الرسالة إلى أهل رومة: "فإذا كنت انت تدعى يهودياً، وتعتمد على الشريعة، وتفخر بالله، وتعرف مشيئته، وتميّز ما هو الأفضل بفضل تلقنك الشريعة، وتوقن انك قائد للعميان ونور للذين في الظلام ومؤدب للجهال ومعم للسذج، لأن لك في الشريعة أصول المعرفة... افتعلِّم غيرك ولا تعلم نفسك؟" (روم 2/17- 21). يعيش يونان هذا التناقض، فهو بيما يعترف بإيمانه ويشهد لربه، ينسى انه يتمرد على الله ويهرب من وجهه. إن هذه التناقضات في يونان تحمله على تمني الموت والاستسلام له.
رأفة الله:
لا يقوم الصراع الأساسي بين ايمان يونان ومواقفه الخارجية كما استنتجنا منذ قليل، بل في صلب معرفته لله. فإن معرفة الله هي أمر مقبول ومرفوض في الوقت نفسه. إن يونان يعترف أمام الرب شاهداً: فإني علمت أنك إله رؤوف رجم طويل الأناة وكثير الرحمة ونادم على الشر" (4/2). إن يونان يصيب جوهر الله وعمله. إنه يعترف ان القوة والعدل والقداسة لا تشكل كلمة الفصل في الله، بل الرأفة والرحمة. ولكن يونان يقع في التناقض، فإن كان الله هو إله الرأفة والرحمة، فكيف لا يكون رؤوفاً رحيما متجاوزاً حدود اسرائيل وواصلاً حتى إلى أعداء اسرائيل؟ إنه السؤال الذي يضعه في حيرة من أمره وتناقض مع نفسه.
خط التقوقع:
لماذا يرفض يونان ويهرب ويتمرد؟ لأن يونان يمثل بيئة وديانة، يمثِّل شعباً يتقوقع على نفسه مستسلماً إلى نوع من الوثنية. فالمؤمن الحقيقي هو الإنسان الذي يدع الله ينسج خيوط حياته طارداً من قلبه أشكال الأوثان المختلفة. يتطلب الاعتراف بالله والخضوع لعمل الله وإرادته حتى ولو تجاوز الله رؤانا البشرية المحدودة: علينا أن نفكر بذبيحة إبراهيم وبصراع أيوب كي نفهم صراع يونان الرافض. يمثل يونان جاعة أورشليم التقية والدؤوبة الواعية لمسؤوليتها في التاريخ والمحامية عن هويتها ضد كل غريب. لكن هذا الموقف الشرعي قد يغلقها ويغلق الله في برج عاجي. إن سفر يونان هو انتقاد لمثل هذه الانطوائية ولمثل هذا التقوقع.
الايمان: الانفتاح على رأفة الله:
إن يونان هو إنسان يهودي، ومشكلة اليهودي هي واحدة: مشكلة الله. ولا نعني بذلك مشكلة الله في معناها الفلسفي. إن يونان لا يشك في وجود الله ومشكلته هي على العكس من ذلك: إن وجود الله هو سؤال مطروح على طريقة عيش يونان. يطرح سفر يونان هذا السؤال الوحيد: هل يقبل يونان أن يوجَد الله كما هو وكما عرَّف عن نفسه؟ هنا تكمن مأساة يونان الحقيقية مع الله. وإن قبلنا بالخلفيات الكتابية لسفر يونان، بدا نقده لاذعاً إلى أقصى الدرجات. يتسم يونان بسمات قايين الحسود والقاتل، وبسمات شعب عاص وكافر، وبسمات شعب متمرد لا ينصت إلى نداء الأنبياء. وبكلمة، إن يونان هو إنسان أعمى لا يرى ان مواقفه لا تختلف عن مواقف الوثنيين: يونان، وهو رمز اسرائيل، هو الخطيئة. واختياره يتأصل في حب الله المجاني له ويفترض خلاص الأمم. وقد يكون اسرائيل اسوأ من الوثنيين، لأن يونان الرافض خلاص الوثنيين هو مثل قايين الذي يقتل أخاه. ومن لا يريد خلاص أخيه يقتله. إن كان هذا التحليل صحيحاً، فإن سفر يونان هو انتقاد لعصبية يهود بعد الجلاء الذين رفضوا إله الخروج وإله سيناء. فسفر يونان هو إذا تأوين لرؤية في سيناء: إن إله اسرائيل هو إله الرأفة والرحمة لكل الناس على الاطلاق.
2- إله يونان:
يهوه (الرب) ايلوهيم (الله)
"أنا عبراني، وإني اتقي الرب، إله السماوات، الذي صنع البحر واليبس" (1/9)، إنها شهادة يونان أمام البحارة الوثنيين. نقع في هذه الشهادة على اسمين الهيين: الرب والله (يهوه وايلوهيم)، ونرف من سفر التكوين ان ايلوهيم هو الله، خالق السماوات والأرض. أما يهوه فهو الرب إله موسى واسرائيل، هو إله الاختيار وإله العهد. فيهوه هو الله بصفته إله الوحي الاسرائيلي. ومما لا شكّ فيه هو أن ايلوهيم ويهوه هما إله واحد ولذلك يتحدث سفر التكوين عن يهوه وايلوهيم في الفصل الثاني منه. ومن الأمور الدقيقة في سفر يونان هو احترامه لهذه الفوارق المرتبطة باسمي الله. فعندما يدور الحديث على الوحي، نرى أن اسم يهوه هو الذي يتردد. ولكن عندما يدور الحديث على الخلق، يستعمل المؤلفة اسم ايلوهيم. ولهذا يستعمل المؤلف التعبير: "كانت كلمة الرب إلى يونان" (1/1 و3/1)، ويقاوم يونان الرب "فالآن، أيها الرب، خذ نفسي مني" (4/3)، ويهرب من وجه الرب (1/3- 10) ويدعو الرب (4/2 و3). إن يهوه، كما نعم، هو إله ابناء إبراهيم وهو في قلب تاريخ اسرائيل.
اما الوثنيون فلا يعرفون يهوه بل ايلوهيم، الاله الخالق والكائن في خليقته. فهم يُجبِرون يونان على الصلاة لالهه (1/6) كما هم انفسهم قد توسلوا اليه (1/5). ينتصب وراء هذه الالهة ايلوهيم، الله خالق الكون وسيده. ولكن يونان يحمل البحارة من حيث لا يدري ولا يشاء على الاعتراف بيهوه اله اسرائيل. ولذلك لا يتحدث النص عن ايلوهيم بل عن يهوه بشكل متعمد (1/14 و16). ويناسب البحارة ليهوه السيادة الكونية التي لايلوهيم. ففي العاصفة، وفي رسالة النبي ومصيره، يكتشف البحارة ارادة يهوه المطلقة: "فانك انت ايها الرب، قد صنعت كما شئت" (1/15).
ان كلمة الرب تقود يونان ثانية إلى نينوى (3/1 و3). اهل نينوى هم أيضاً وثنيون ولا يعرفون سوى ايلوهيم (3/5 و8 و9 و10). ولا يتوبون إلى يهوه مثل البحارة، ولكن يونان يعلن كلمة الرب في نينوى، ويخاطب ملكُ نينوى شعبَه على طريقة ارميا النبي، بل يستعمل كلمات الرب نفسه. ويتجاوب اهل نينوى مع متطلبات الديانة اليهوية. ونرى في ذلك أن إله الوثنيين ليس إلاَّ إله اسرائيل. ولكن كان لا بد من مبادرة يتخذها الله ومن وساطة يقوم بها يونان لتوبة أهل نينوى.
وأما في المشهد الاخير، فتظهر معالم العلاقة الجدلية بين يهوه وايلوهيم بشكل واضح أيضا. فيونان يخاطب اسم الرب يهوه (4/2 و3) والرب يجيبه (4/4). ولكن عندما يدور الحديث على الدودة (4/7) والهواء (4/8) والخروعة (4/9)، وكلها عناصر من الطبيعة، فان اسم ايلوهيم يتخذ مركز الصدارة. وفي مرة واحدة يذكر المؤلف الاسمين معاً وذلك للدلالة على ان الهوية واحدة (4/6) وتبقى الكلمة الاخيرة ليهوه (4/10). لا يهدف سفر يونان الا لان يشدد على هوية يهوه- ايلوهيم: انه يؤكد لنا على أن مُلك يهوه يتعدّى حدود اسرائيل التي فيها أغلقه اليهود. فلذلك لم يرسَل يونان إلى اسرائيل، بل إلى نينوى المدينة الوثنية البعيدة والكبيرة.
يهوه: الخالق والمخلص
ان هوية يهوه- ايلوهيم، هوية اله الخلق واله الوحي تظهر بطريقة واضحة في سفر يونان. فالخليقة كلها هي في خدمة إرادة الله المطلقة: البحر والعاصفة والهواء والموت والدودة والشمس والريح اللافحة والخروعة، فكل شيء يخضع لله. يجد يونان الهه خارج اسرائيل، على البحر وفي نينوى نفسها. فالخليقة كلها هي مجال عمل الرب، فهو حاضر في كل مكان ولا حدود لملكه.
عندما كتب مؤلف سفر يونان تعليمه اللاهوتي، كان قد سمع وقرأ سفر اشعيا النبي. فاننا نعلم أن اشعيا الثاني (الفصول 40- 55) يسلّط الأضواء على لاهوت يشرح ان الله هو خالق ومخلص للعالم كله. لم يكن في ايام يونان من يجهل أن يهوه هو سيد كل الامم وأن يده تطال اقاصي الارض. ولكن الجديد الذي يحمله الينا سفر يونان هو أن عمل يهوه- ايلوهيم في العالم لا يغيّر شيئاً في شخصية يهوه العميقة. هذا يعني ان يهوه هو يهوه، ليس لاسرائيل فحسب بل لكل الامم. وبتعبير آخر، ان يهوه يكشف عن نفسه في كل مكان. انه لا يتغير هنا أو هناك ولا يتصرف بطرق مختلفة في داخل الحدود أو خارجها. ومن هنا تبدأ المشكلة في حياة يونان ومعاصريه. إن مؤلف سفر يونان يؤكد على ان ارادة الله ازاء الامم هي ارادة خلاصية. وهذا يعني ان هوية يهوه في اسرائيل لا تتغير في وسط الامم. ولا شك ان الرب بالنسبة لاسرائيل هو أولاً المخلص وهو بالتالي مخلص بالنسبة للامم.
لدينا في مثل هذا التفكير لاهوت فريد من نوعه. لا ينكر اليهود امتداد عمل يهوه إلى الأمم. فمن يكون الله ان كان سلطانه محدوداً؟ ولكن ما نوعية العمل الذي يمارسه الله بالنسبة للأمم؟ اليس هو عمل انتقامي واعلان دينونة؟ كان يحلم اليهود بانتقام من نينوى الوثنية يتناسب مع جرائمها ولقد عبر النبي نحوم عن ذلك باسلوب شديد اللهجة (نح 3/1- 4). وقد سقطت نينوى في السنة ستماية واثنتي عشرة على يد البابليين.
يجرؤ سفر يونان على تقديم رؤية لاهوتية جديدة: رسالة يونان إلى أهل نينوى وتوبة هؤلاء الوثنيين إلى الرب. ان الله ليس اله اسرائيل الذي ينتقم لشعبه، بل اله الخلاص بالذات لنينوى. لا تنحصر شمولية هذا الكتاب في عمل الله عامة، بل تتوسع وتعبر عن ذاتها في العمل الخلاصي. ان الله هو خلاص لنينوى كما هو خلاص لاسرائيل.
اله الرأفة:
مما يلاحظ أيضاً في هذا السفر ان الرب لا يتحدث عن توبة أهل نينوى، وهذا يعني أن لا أهمية لها مباشرة في خلاصهم. فان رجوع أهل نينوى عن فعل الشر ليس بشرط أساسي في رجوع الله عن الشر الذي كان ينوي ان ينزله بهم (3/10). لا يتصرف الله بحسب مواقف الناس الخاطئة اأ البارة ولكن بحسب قلبه وجوهره هو. ويسعى مؤلف سفر يونان إلى ان يؤكد لنا أن الله يتصرف عفوياً برأفة ورحمة مع خليقته كلها ولا سيما مع الضعفاء والاطفال والحيوانات. ان رأفة الله تحمله على خلاص البشرية. ان جدلية الخطيئة والتوبة والحياة التي نجدها لدى ارميا وحزقيال قد تحاوزها هنا سفر يونان.
3- قراءة سفر يونان قراءة مسيحية:
هل باستطاعتنا أخيراً أن نتجاهل قوة هذا السفر النبوية، وهل نعجب من كون يسوع قد تحدث عن "آية يونان"؟ كيف يمهد هذا السفر الصغير لوحي الله العامل في شخص يسوع المسيح؟ وماذا كان يعني يسوع في حديثه عن "آية يونان"؟
الرحمة والشمولية:
ان سفر يونان يبشر بمجيء يسوع المسيح. لم يكن يونان نبياً سيئاً، فقد عرف ان الله يكشف لأهل نينوى عن طبيعته العميقة: "فاني علمت انك اله رؤوف رحيم طويل الاناة كثير الرحمة ونادم على الشر"، فلذلك تهرّب من رسالته واستسلم لليأس. لقد تحدث سفر يونان عن حرية الله ومفارقة وحيه عن نفسه بشكل فريد: ان الله، اله اسرائيل والأمم، هو اله الرأفة والغفران، هو المخلص. فان مثل هذا الوحي الشمولي يصدم اليهودي العادي ومحاولاته في امتلاك الله، يصدم لاهوتاً تقليدياً يجعل من الله شخصاً يعاقب ويكافئ. هذه الرؤية الشمولية مع ما تحتويه من عمل خلاصي لجميع الشعوب هي تقدم لاهوتي حققه سفر يونان في البيئة اليهودية استعداداً لوحي الله في يسوع المسيح..
لم تكن شمولية الخلاص يوماً بشكل فعلي وكامل في أولى اهتمامات اسرائيل. وهذا امر طبيعي جداً لان علاقة اسرائيل بالأمم لم تكن يوماً بالامر السهل. فكيف يتراجع اسرائيل عن اختياره من جهة وكيف يقبل من جهة أخرى ان يغلق على الله الحي في حدود قوجمية ضيقة. عاش اسرائيل هذا الصراع بين خصوصيته الضيقة وانفتاحه الشمولي حتى مجيء المسيح. فعندما تُهدِد الأمم اسرائيل، فهو يرفض دخولها في الملكوت فتزداد الهوة عمقاً بين اسرائيل والأمم، ويرتفع جدار الشريعة الذي يفصل بينهما. فاسرائيل مقدس وطاهر، اما الأمم فهي نجسة في نظره. فان الدين اليهودي يقوم على هذا الانفصال الذي هو من مقومات القداسة: "تعلمون ان قد حرّم على اليهودي ان يعاشر اجنبياً او يَدخل منزله" (رسل 10/28). "نحن يهود بالولادة ولسنا من الخاطئين الوثنيين" (غل 2/15).
وفي آخر الأمر، ان الوحي الكامل الذي اظهر حب الله هو الذي هدم الجدار الذي يفصل بين اليهود والأمم. فعندما يصبح الخلاص مجانياً بشكل جذري، لا يستطيع أحد من بعد ان يدّعي حقاً في هذا الخلاص. فان كان الله هو وحده يخلص، لأنه رؤوف رحيم، ومن دون ان يكون للانسان أي استحقاق في ذلك، فعندئذ تتهدم الحدود التي كانت تفصل بين الناس. لم يهدم سفر يونان هذه الحدود الفاصلة بين اسرائيل والأمم ولكنه اعدّ الطريق اليها. ان موت يسوع وقيامته هي آية يونان التي تحققت في التاريخ واعطتنا الشريعة الجديدة الكاملة.
فلا نعجبن من ان يخاف يونان من مثل هذا الوحي. لقد تمرد أيضاً عمال الساعة الأولى الذين وجدوا في السيد انساناً ظالماً (متى 20/1- 16) وتمرد الابن الكبير على والده واخيه في مثل الابن الضال (لو 15/25- 30). قد يفضل الانسان شريعة تقيد حريته وتغلقه في العبودية على شريعة الحب الصعبة... التي تفترض ذبيحة حياته. ان سفر يونان هو تعميق روحي لايمان اسرائيل وإعداد أكيد لوحي الله في شخصية يسوع المسيح.
خاتمة:
لقد قال القديس ايرونيموس وعلى حق، في صدد حديثه عن سفر يونان: "ان يسوع هو يونان الجديد". فكما تكلم القديس بولس عن آدم الجديد ومن بعده آباء الكنيسة، فالحديث عن "يونان الجديد" وقد سمى يسوع نفسه"، اعظم من يونان "يفتح أمامنا آفاقاً لاهوتية وانسانية رائعة. يسوع الناصري، هو هذا الانسان المتأصل في تاريخ وفي شعب، هو هذا الانسان الذي عاش في حدود بشريتنا وشاركنا الافراح والاحزان ودخل في اعماق واقعنا البشري وعاش خبرة الموت إلى اقاصي الحدود وهو الانسان البريء. انه يونان، وهذا يعني انه اخذ ضعفنا على عاتقه وصار خطيئة لاجلنا على حد قول القديس بولس. ويسوع الناصري هذا هو يونان الجديد، هو أعظم من يونان. لقد شدّد كاتب سفر يونان مرات عديدة على موقف الهرب في يونان "هرب من وجه الرب" في بداية الرواية كما شدّد أيضاً على ركبة يونان في الموت في آخرها:
"خذ نفسي مني، فانه خير لي ان أموت من ان أحيا" (4/3). أما الاناجيل فتصف لنا يسوع في موقف معاكس تماماً للهرب أولاً. فالأجير يهرب في انجيل يوحنا (10/12)، اما يسوع فيسير في مقدمة القطيع. فيونان الجديد هو الابن أمام الاب وهو الاخ مع الاخوة. والرغبة في الموت التي يتمناها يونان، وهي تعبير عن الحسد والحقد والانتقام في قلب الانسان، تتحوّل في يسوع إلى رغبة في اعطاء الحياة: "لا أحد يأخذ حياتي، بل أنا أعطيها". ان يونان الجديد يعطي حياته في طاعة كاملة لإله العهد وفي تضامن كامل مع إخوته البشر. في موت يسوع وقيامته صارت آية يونان واقعاً، واعطي الخلاص مجاناً لكل انسان تحت السماء.
ألسنا اليوم في عالم يحمل التساؤلات نفسها؟ وبشكل أدق، ألسنا في عالم تتهدده دوماً تجربة الاستسلام إلى الخصوصية الضيقة والقومية السهلة، وفي عالم يسعى نحو شمولية كاملة ومتحققة؟ أليست المسيحية، وبشكل خاص، اليسس سر موت المسيح وقيامته هو المجال الذي فيه تعاش أولاً وتعلن ثانياً في العالم ضرورة عيشِ جدلية خصوصيات الشعوب وانفتاحها على بعضها البعض في حب شمولي متصاعد ومتكامل؟
النبي ميخا
يتألف سفر النبي ميخا من أربعة أجزاء يتناوب فيها التهديد والوعود؛ 1/2- 3/12= الحكم على اسرائيل؛ 4/1- 5/14= وعود؛ 6/1- 7/7= حكم جديد؛ 7/8- 20= وعود الخلاص. وهذا التأليف المتوازن هو بالاجدر عمل ناشر السفر لا النبي. ويوافق المفسرون ان الفصول 1- 3 و6/1- 7/6 تُنسب إلى ميخا المورشتي الذي عاش في الجيل الثامن ق. م.، ويعتبرون باقي الفصول والايات من حقبة الرجوع من السبي (538- 333). 
كان ميخا من مورَشْة جت (1/1) التي تدعى حالياً "تل جديدة" وهي ضيعة في مملكة يهوذا في جنوب اورشليم. وهذا الايضاح مهّم لِنفهم معنى الاحداث التاريخية التي يتكلم عنها سفر ميخا.
ووُصف الني ميخا بالمورَشتي (1/1) تمييزاً له عن ميخا بن يملة الوارد ذكره في سفر الملوك الأول (22/8).
واسم ميخا هو اختصار سؤال: "من هو مثل الله= ميخائيل؟ (راجع 7/18)، وهو يُذكّر أيضاً بمناداة طقسية. ميخا يهوه، نجدها في المزامير (113/5؛ 35/10؛ 89/7- 9).
لا نعلم شيئاً عن حياة ميخا الشخصية وكيف دعاه الله. الاكيد هو أنه كان يتمتّع بحرية كبيرة وبقوة ارادة لا تسمح له بالصمت أمام معصية الشعب وخطيئته، "اني قد امتلأت قوة بروح الرب وحُكماً وبأساً لأُخْبر يعقوب بمعصيته واسرائيل بخطيئته" (3/8). ونلاحظ عدة مرات في تنبوءاته ان الحُكم على هذه المعاصي يتحول إلى شكوى ذات لحن مأسوي يدل على ان للنبي احساساً رقيقاً لا يستطيع دائماً ضبطه، مثلاً بمناسبة الغزو الذي قام به سنحاريب وهو صاعد من فلسطين الجنوبية إلى اورشليم: "ألطِم وأولْول وأمشي حافياً وعرياناً، وأُقيم انتحاباً لأن ضرْبتها (اورشليم) قد اعضلَت وسرَت إلى يهوذا وبلغت إلى باب شعبي إلى اورشليم" (1/8- 9) راجع أيضاً 6/2- 5؛ 7/1- 7= ويل لي فاني قد صرت كجنى الصيف كخُصاصة القِطاف لا عُنقودَ للأكل، وقد اشْتَهتْ نفسي باكورة التين).
قام ميخا برسالته، بحسب عنوان الكتاب، في أيام يوتام وآحاز وحزْقيا، ملوك يهوذا، أي بين سنة 750 و697 ق. م. فكان اذاً معاصِرَ النبي اشعيا. وتميزت هذه الحقبة بحادثين مهمَّين وهما، فاجعة سقوط السامرة في سنة 722 التي عاشها ميخا وتنبأ عنها في 1/6- 7، وغزو جنوب يهوذا على يد سنحارب الاشوري سنة 701. وعاشت طبعاً ضيعة مورَشة هذا الحادث المؤلم، وتنبأ ميخا عن سقوط اورشليم (1/8- 16، 3/12). وهكذا كان النبي مجروفا في الزوبعة التي اصابت وطنه، لكنه لم ينزِل بتاتاً إلى ميدان السياسة.
ولا نسمعه مرة يحكم على العمل الدبلوماسي الذي يقوم به مسؤولو اورشليم، انما بالمقابل هو يرى ان كل ما يحدث من بلايا، هو نتيجة خطيئة اسرائيل، ويُعلن بجرأة أن لا مفر من المصيبة.
وخطيئة اسرائيل الظاهرة هي خاصةً اللاعدالة الاجتماعية. فالرؤساء يظلمون الشعب فيغتصبون حقل الفلاح ويحوزون بيوت الضعفاء (2/2)، وكأنهم "ينزعون الجلد عنهم واللحم عن عظامهم" (3/1- 3)، و"العظيم يتكلم بهوى نفسه، وكثيرون، بشكل عام، هم الذين "يصطادون بعضُهم بعضاً بمصيدة، والمستقيم منهم كشوك السياج" (7/4)؛ والكل يشكّ بأخيه، والرجل بامرأته، واعداء الانسان هم اهل بيته (آ 5- 6).
وكان قد تكلم بنفس اللهجة القاسية والواقعية، في العصر الثامن، عصر النبي ميخا، النبي عاموس والنبي هوشع (حوال 750)، ثم النبي اشعيا (740).
ولا نفكر أن هؤلاء الانبياء كانوا، في اتهاماتهم لمعاصريهم، ينطقون بلسان طبقة اجتماعية ثورية، انهم بالحقيقة كلهم انبياء وانبياء فقط، يحملون كلام الله المشرف وحده، بحسب نظرهم، على تاريخ الشعب الذي اصطفاه واقام معه عهداً منذ ايام ابراهيم الخليل ومنذ عبور صحراء سيناء. وكلهم يذكرون في نبوءاتهم سلسلة الاعمال التاريخية المهمة التي قام الله بها ليجعل من مختاريه شعبه المكرس. راجع مثلا سفر ميخا 6/3- 5 حيث يعاتبهم الله بهذه اللهجة الودية: "يا شعبي ماذا صنعت بك وبما اسأمثك. أجبني. فاني أخرجتك من أرض مصر وافتديتك من دار العبودية وأرسلت أمامك موسى وهارون ومريم ...".
فخطيئة اسرائيل الحقيقية والعميقة هي الخيانة بمعنى الابتعادِ عن الله والوصول إلى اللاعدالة الاجتماعية.
والاكيد ان عاموص وهوشع واشعيا وميخا يستندون في كل اتهاماتهم إلى القوانين الالهية التي أوصى الله بها شعبه، وكل هذه القوانين موجودة في التقاليد القديمة الخاصة بالقانون الشرعي الالهي- راجع "قانون الميثاق" في سفر الخروج 20/22- 23/19 وهو القانون الايلوهي.
فحُكم الانبياء هو حكم الله. ولقد رفع الله على شعبه دعوى حسب الاصول القانونية. ولنا منها نموذجان في ميخا 1/2- 7 و6/1- 12، فنرى الرب يقوم بخصومة مع شعبه (6/2)، فيشهد عليهم من هيكل قدسه (1/2) ويتهمهم بمعصيتهم (1/5)، ويذكرهم بحقه عليهم وكيف تقيّد من جهته تعالى بالوعود التي وعدهم بها (6/3- 5، لفظة "عدل الله" في الآية 5 تعني أمانته"). واخيراً يُعلن الله حُكمه عليهم (1/6- 7)، وهذا الحكم هو قاس ولو كان عادلاً اذ إنه أدّى إلى خراب السامرة وخراب اورشليم وحتى الهيكل (1/6- 7؛ 3/9- 12). ولا نفكر ان اللَه يرفع دعوى ويحكم ويدافع عن الشريعة لأجل الشريعة. فلا هو، ولا النبي ميخا بصفته لسان حال الرب، يطلب من الشعب عبادة الشريعة. والشيء المُتَّهم به هذا الشعب ليس هو عدم الخضوع للشريعة كشريعة، بل واقع بُغْضِهم المستمرّ للخير "وحبِّهم للشر" وازدرائِهم للحماية التي يعرضها الله لهم بعدما اختارهم وجعل منهم شعبه المصطفى: راجع ميخا 3/2= "أيها المبغضون الخير ومحبو الشر". 6/3= يا شعبي ماذا صنعت بك، وقارن هوشع 8/3. اشعيا 5/20.
"والخير" الذي يبتعدون عنه هو قبل كل شيء، بحسب عاموص، "أن يطلبوا الله فيحيوا" (عاموص 5/4)، وبحسب اشعيا، ان يكون الله معهم أي "العمانوئيل" (اش 7/14)، وبحسب هوشع ان يكون الرب لهم الزوج الامين فيَعْرفهم ويعرفونه (هو 2/19- 20 و20/21).
ولنا في ميخا 6/8 الطريقة التي يعتبرها النبي الطريق الوحيدة التي تؤدّي إلى الرب، وهي تُوَفِّق توفيقاً رائعاً بين رسالة الانبياء الثلاثة الذين عاشوا في ذلك العصر- ووصفها لنا على وجه رائع في الصيغة التالية: "قد بيّن لك الرب أيها الانسان ما هو صالح. وما يطلب منك الرب انما هو ان تُجري الحُكم وتُحبّ الرحمة وتَسير بتواضع مع الهك"، فهذا هو إذاً، في نظر الانبياء، جوهر الوصايا، وهذا هو عملياً الشيء الذي رفضه الشعب هو ورؤساؤه.
والمهم، وهذا هو قلب رسالة ميخا وسائر الانبياء، ان الله لا يقصد الانسحاب من تاريخ شعبه بعد حكمه عليه وبعد تطبيق هذا الحُكم في خِراب السامرة واورشليم والهيكل. فالله سيعمل من جديد لصالح الذين خانوه بعدما اختارهم وبرهن لهم عمليا عن محبته لهم، وبعدما تركهم بسبب خيانتهم. وبحسب ميخا 5/1- 5، انه سيبعث ملكاً جديد "يكون له" "ليرعى البقية الباقية من اسرائيل" (آية 2).
وأصل المسيح الملك الجديد هو من بيت لحم أفراتة في يهوذا (آية 1) أي من سلالة داود التي خرجت من هذا المقام (1 صم 16؛ 2 صم 5/2؛ 7/8؛.
والتوضيح أن المسيح "سيخرج للرب" أي ليكون له (آية 2) وليرعى الشعب، يدل على أن مصالح الله تتطابق مع مصالح الشعب، بمعنى أن سوف تتجلى بالمسيح عزته تعالى وعظمتُه ومجده لصالح الشعب الذي، بفضل الله ومسيحه، سوف يستقر ويحيا في السلام (آية 3).
وسوف يحدث ذلك عندما "تلد الوالدة (آية 3). ولنا في هذا الكلام اشارة واضحة الى آية "العذراء" التي سوف تحمل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل، وكان قد تنبأ بها النبي اشعيا حوالي ثلاثين سنة قبل ميخا (اش 7/14).
والواضح أيضاً ان كل ما يقوله ميخا عن المسيح في 5/1- 5 يطابق جوهرياً ما قاله اشعيا، خاصة في إش 11/1- 8. والنقطة الاساسية التي تستاهل هنا الدراسة تخص أصل المسيح. فميخا يوجه نظرنا نحو المكان التاريخي من حيث سيخرج المسيح، "بيت لحم أفراتة"، واشعيا نحو "جذر يسى"، أي سلالة يسىّ القديمة من أصل بيت لحمي والمتحدّر منها داود، ويشدد ميخا على أقدمية هذا الاصل (= "ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الازل"- آية 2). والمعنى الوحيد لذلك هو انه سيخرج من هذا المكان ومن هذه السلالة العالم الجديد الذي ينتظره ويبشر به اشعيا وميخا، والاثنان يستندان- وهذا أكيد- إلى الوعود التي وعد الله بها داود بلسان النبي ناتان في العصر العاشر (2 صم 7/1- 17). لكن هذه التقاليد كانت تكتفي بتأكيد عرش داود الذي وعد به الرب، في حين ان الانبياء رفضوا ذلك بسبب حكم الله على اسرائيل وعلى المسؤولين عنه الذي بدأ تحقيقه وهم أحياء (كزو الاعداء وسقوط العرش...)؛ وكلهم، ومنهم ميخا، حذّروا كل من أراد ان يصغي اليهم: لا تكتفوا بطمائينة خادعة بل وجّهوا نظركم نحو المستقبَل وتوبوا وثقوا بالخلاص الذي سوف يقوم به الله عن قريب (ميخا 3/11؛ 5/1).
وكرّر انبياء العصر الثامن بلا انقطاع وبالحاح ان الخلاص يأتي من الله بعد حكمه الالهي؛ وهو يشتمل على خلق شعب جديد مؤلف من البقية الباقية يرعاها ملك جديد من سلالة داود، لا بل داود جديد كامل الصفات لتعيش في الامانة والسلام وخدمة الله: وهكذا، وفي آن واحد، استند الانبياء بدقة الى التقاليد القديمة الخاصة باختيار الله لشعبه وباختيار سلالة داود وبيت لحم، واوّلوها من جديد لينطلقوا منها في بشارتهم بالخلاص الآتي الذي سوف يقوم به الرب.
كان الناس كلهم واثقين بأمانة الله الراسخة. وأما هم فكانوا ينطلقون من واقع فساد سلوك اسرائيل ومن رفض الله لهذا السلوك، من حكمه على شعبه ليبشروا بخلاص جديد واكيد وصفوه لنا استناداً إلى التقاليد القديمة التي جدّدوا معناها.
ويُختتم سفر ميخا باعتراف النبي برجائه الوطيد بمجيء الرب القريب: "أما أنا فأترقب الرب وانتظر إله خلاصي. فيَسمعُني الهي" (7/7).
ويترجح ان النشائد في الرجاء التي نقرأها بعد 7/7 كانت قد اضيفت إلى السفر في زمن السبي، وهي تظهر لنا بمظهر حوار بين اسرائيل والله. فالشعب يبدأ باعلان ايمانه ورجائه (7/8- 10) فيجاوبه الرب بوعد الخلاص (11- 13)، ثم بعد تضرع الشعب في الآية 14، يبشر الرب بالعجزات التي سيقوم بها لحساب ذويه (15- 17). ويختتم النص بنشيد للرب الأمين والرؤوف.
سفر ميخا والعهد الجديد.
حفظ العهد الجديد من سفر ميخا نبوءة 5/1- 5 الخاصة ببيت لحم افراتة من حيث خرج المسيح (متى 2/6؛ يو 7/42).
اولاً الاستشهاد الشهير في متى 2/6 مركب بفن فريد من سفر ميخا 5/1 و2 صم 5/12: "وأنت يا بيت لحم (= مي.) أرض يهوذا (= متى، عوضا عن "افراتة" في مي.). "لستِ (= خاص بمتى) الصغيرة في ولايات يهوذا (= مي.)
"فمنك سيخرج الوالي (= مي.) الذي يرعى شعبىِ اسرائيل (2 صم).
وأراد متى في هذا الاستشهاد أن يشدد على أهمية بيت لحم، أو بالأحرى وضمناً، على سلالة داود التي خرجت من بيت لحم. وهدفه الاخير كان ان يبرهن كتابياً أن يسوع الذي جاء المجوس ليسجدوا له (متى 2/2) هو المسيح الملك الداودي الاصلي؛ فوضع نبوءة ميخا على لسان مستشاري هيرودس (أي الاحبار والكتبة المشرفين الرسميين على الدين الاسرائيلي: متى 2/4). فجعلهم يعترفون علنيا بملوكية يسوع-/ راجع أيضاً، في انجيل الطفولة متى 1/1- 17= نسب يسوع ابن داود، ابن ابراهيم، 1/21- 22= يوسف بن داود يمنح للولد اسمه الرسمي يسوع.
وبرهن متى عن حريته في استشهاده بميخا 5/1- 5 ليشدد اكثر من النبي المورشتي على اهمية بيت لحم، فنعتها بـ "أرض يهوذا" أي مملكة داود (عوضاً عمّا نقرأه في ميخا، أي بيت لحم افراتة"). وعظّم شأن المدينة بقوله: "لستِ الصغيرة في ولايات يهوذا" (عوضاً عمّا نجده في ميخا= "أنك صغيرة في ولايات يهوذا").
ونعلم ان هدف متى الكامل هو ان يبين في انجيله، وخاصة في 1- 2 أن يسوع هو ملكٌ والهٌ ومسيح الامم، فهو يُدعى العمانوئييل اي الله معنا (متى 1/23= اش 7/14)؛ والمجوس، الذين أتوا من المشرق" (2/1) يريدون "السجود له" (2/2).
ثانياً: بحسب رواية يوحنا في 7/40- 43 حدث خلاف بين أعداء يسوع يخص أصل المسيح. فهذا يدل على أن ميلاد المسيح في بيت لحم كان مجهولاً منهم. على كل حال من الواضح ان يوحنا، كلما اراد ان يبرهن عن مسيحية يسوع، تحاشى الاعتماد على انتماء يسوع الى سلالة داود وعلى ميلاده في بيت لحم، وهو يتفق بهذا مع مرقس ويتميز عن متى ولوقا. فيسوع بنظره ليس هو المسيح الذي كان ينتظره اليهود، بل هو أعلى وأسمى منه: هو "الكلمة" الذي كان في البدء. وكان لدى الله؛ وهو الله... وصار بشراً فسكن بيننا ورأينا مجده..." (يو 1/1، 14).
- قراءة مسيحية لسفرميخا 6/3- 5 و6/8.
* النص: -"يا شعبي ماذا صنعت بك وبما اسأمتك؟ اجبني. فاني اخرجتك من أرض مصر وافتديتك من دار العبودية وارسلت امامك موسى وهارون ومريم... (مي 6/3- 5).
-... قد بيَّن لك الرب أيها الانسان ما هو صالح وما يطلب منك الرب. انما هو ان تجري الحكم وتحب الرحمة وتسير بتواضع مع الهك" (مي 6/8)
* القراءة المسيحية:
بلهجة مؤثرة يتهم الله الامين والرحيم شعبه المصطفى بالخيانة. أجل ان هذا الشعب هو بحسب القراءة الأولى لسفر ميخا شعب يهوذا الذي توجّه النبي إليه مباشرة في القرن الثامن قبل الميلاد. لكنه يشمل كافة شعوب الارض الذين يؤلفون الكنيسة الجامعة لأن كلام الرب في الكتاب المقدس موجّهٌ "اليوم" إلينا اجعين حيثما كنا.
"واليوم اذا سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم"!
خان شعب يهوذا اللهَ بالمعنى الذي وضّحناه. والكنيسة أيضاً في أشخاص اعضائها الأفراد تخون مراراً سيدَها لا بل عريسَها. ولماذا؟ لأسباب مختلفة ومعروفة تتلخّص بانانيتنا. فاين المحبة للذي هو المحبة، واين تكريسنا له نحن الذين عمّدنا باسمه، واين الخدمة خاصةً في الساعات الصعبة أهمها ساعة الخوف من الاضطهادات؟
* اترى هو اسْأَمنا؟ لا ولا! لنصغِ:
"اني اخرجتك، يقول الرب لاسرائيل، من ارض مصر وافتديتك من دار العبودية وارسلت أمامك موسى".
نعم لا نجهل ان آباءنا عبروا البحر والصحراء تحت قيادة موسى واختبروا طِوال هذا العبور كل نِعم الرب، وخاصة المنّ والماء. والوحي يُخبرنا ان "ذلك كله حدث ليكون لنا مثلاً- او بالاحرى "آية". فعبور البحر اماتَهم عن مصر المستعبدة، ووجَّه خطواتهم نحو أرضِ الميعاد وكان لهم المعمودية"؛ والمن الذي أكلوه كلهم في الصحراء كان لهم "طعاماً روحانياً؛ والماء الذي شربوه كلهم "من الصخرة" كان لهم شراباً روحانيا؛ حتى ان هذه "الصخرة" التي كانت ترافقهم كانت صخرة روحانية" وهي المسيح (1 قور 10/1- 4، 11).
ونحن أبناء الكنيسة "أنجهل أنّا وقد اعتمدنا في يسوع المسيح، انما غطّسنا في موته فدُفنا معه بالمعمودية لنموت فنحيا حياة جديدة كما اقيم المسيح من بين الاموات بمجد الرب" (روم 6/3- 4). أنجهل ان كأس البركة التي لا نزال نباركها إلى أن يَتم في ملكوت الله" هي "مشاركة في المسيح"، والخبز الذي نزال نكسر إلى أن "يأتي الرب"، هو مشاركة في جسد المسيح" (1 قور 10/14- 17)، وقد يرافقنا المسيح "صخرتنا" في عبورنا صحراء هذه الحياة نحو "وطننا السماوي" في حين أننا منذ الان نسكن هذا الوطن سرياً وندركه حالياً بالايمان (أف 2/6)، ولكننا "ننشده" في آن واحد (عب 11) لأننا "اليوم نرى في مرآة رؤية ملتبسة، واما يومذاك فتكون رؤيتنا وجهاً لوجه" (1 قور 13/12).
ولا نجهل خاصة أننا اليوم في حالة النمو مع جسد المسيح كله "إلى أن نصير الانسان الكامل ونبلغ القامة التي توافق سعة المسيح" (قول 1/24؛ 2/19؛ اف 4/13). ولا تخلو طبعاً هذه المرحلة من "التجربة" او الاختبار.
والاختبار امتحان يقوم به الرب ليكشف بواطن قلبنا (تثنية 8/2) وليمنحنا "الحياة" على قدر ما نحن صابرون على المحنة (يعقوب 1/12).
"فليحذر السقوط من توهم انه قائم"، ولنتذكر "ان الله الصادق لا يكلّفُنا من التجارب غير ما في وسعنا" (1 قور 10/13)، و"لننظر إلى اسرائيل من حيث انه بشر" (1 قور 10/18)، ولقد "كلّمه الله مرات كثيرة بلسان الانبياء (عب 1/1)، وكل ما حدث له كتب تنبيها لنا" (1 قور 10/11).
- وقال النبي ميخا للشعب على لسان الرب:
"قد بيّن لك الله ما هو صالح وما يطلبه منك. انما هو أن تُجري الحُكم، وتحب الرحمة وتسير بتواضع مع الهك" (6/8).
. الحكم يساوي العدل بالمعنى الحصري والعدالة الاجماعية التي تكفل لكل واحد حقه. واذا رفضت ان اقوم بها بل اكتفيت بسبب أنانيتي بالامور التافهة لأنقاذ كرامتي وتحرير ضميري اصبحت ظالماً وأشبهَ بالفريسيين المرائين الذين لعنهم يسوع لانهم "يؤدّون عشر النعنع والكمون، ويهملون ألزم ما في الشريعة: اي العدل والرحمة والوفاء" (متى 23/23). وهذا أمر مهم، خاصة في عصرنا، حيث تُطرح قضية العدل والسلام على الصعيد المسكوني، والعدل أول خطوة إلى السلام والى الرحمة.
* والرحمة التي يقصدها الرب يعبر عنها بالعبرية (6/8) بكلمة (حيسيد). وهي تشير إلى العلاقة الروحية التي تربط كائنين معاً، وتظلّ واعية ومقصودة بعكس (راحاميم) التي تعني الطِيبة الغريزية المحدودة بنوع من الاحسان اسمه "الحنان".
والله يطالبنا لكي نعامل بعضُنا بعضاً "برحمة" بمعنى (حيسيد) لانه هو كلّي الرحمة. ولقد كشف عنها في العهد القديم، واظهرها لنا يَسوع ابن الله المتجسد في كل تصرفاته، وطلب منا أن نعيشها على مثال أبيه وأبينا لندخل ملكوت السموات (لو 6/36؛ متى 5/7).
وعلينا أن لا نكتفي فقط بالاقتداء بأبينا السماوي وبالمسيح ربنا، لنكون رحماء على مثالهم فحسب، انما ان نعيش الرحمة نفسها الكائنة فيهما وفينا لاننا هيكل الله وجسد المسيح، ولاننا "ارتوينا من روح واحد" (1 قور 3/17؛ 12/13، 27).
. واخيراً "السير بتواضع مع الهنا" (ميخا 6/8).
"والسير بتواضع" يعني السير على ضوء حقيقتنا الواقعية، ونعم أننا سوية أبناء الله وضعفاء، وفقراء بسبب ضعفنا. فلنصغِ إلى الرب يسوع ينادينا:
"تعالوا اليّ جميعاً أيها المرهقين فاني اريحكم. احملوا نيري وتتلمذوا ليّ أنا الوديع المتواضع القلب" (متى 11/28- 29).
والتلمذة هنا هي بمعنى الانتماء إلى يسوع لنشاركه سرياً بحياته لأننا أعضاء جسده، ولأنه الكرمة ونحن الاغصان.
النبي ناحوم
تسألون من هم الانبياء الكتبة، أتراهم شعراء أم حكماء أم صوفيين أم أصحاب رؤى أم مرسلين أم خطباء؟
أقول: هم كل هؤلاء وليسوا واحداً منهم.
هم رجال كلمة. وكلمة الله الموحاة عندما تتجسد في فم الانبياء تستحيل إلى شعر أو ملحمة أو حكمة أو رؤيا، كما أصبحت يوماً ابن الله المتأنس: "بعدما كلَّم الله أباءنا قديماً مرات كثيرة بلسان الانبياء كلاماً مختلف الوسائل، كلّمنا في هذه الايام وهي آخر الايام، بلسان الابن" (عب 1/1). "والكلمة صار بشراً وحل بيننا". (يو 1/14).
واذا أردت أن تعرف كيف تجسدت كلمات الله في شعر ملحمي نبوي لا أقوى ولا أروع، إقرأ سفر ناحوم حيث تتحول الألفاظ إلى نفير يدعو إلى الحرب، وتصبح الصور القرمزية ملطخة بالدماء، وتدوي قعقعة السلاح في وسط المعركة ويرتفع أنين الجرحى لتغدو الأرض مقبرة لا قرار لها.
"ويل لمدينة الدماء، يملأها الغدر والرعب ولا يجول فيها طرف. ها صوت السياط وجَلجلة العجلات ووقع حوافر الخيل، وخضخضة المركبات، وثوب الفارس، ولمعان السيف، وبريق الرمح، وكثرة القتلى وتراكم الجثث التي بها يعثرون" (3/1- 3).
هذا وصف لسقوط مدينة نينوى عاصمة الاشوريين التي وقعت تحت أقدام البابليين سنة 613. فبعد أن وصلت الدولة الآشورية إلى أوجها باحتلال لسامرة سنة 722، و"طيبة" في مصر سنة 663، بدأ يتضاءل نفوذها بعد موت اشور بانيبال. وظهر قائد من بابل اسمه نابوفلسر يطمح إلى الاستقلال عن سلطة الأشوريين، فتحالف مع أهل ماداي في الشمال واحتلوا آشور ونينوى. حينئذ ذبحوا من ذبحوا، وسلبوا ما استطاعوا سلبه، ودمروا المدينة وقتلوا اهلها، بيما هربت فلول الاشوريين إلى الغرب، إلى نصيبين وحاران.
1- ناحوم يعلن عن حضور الله في التاريخ
وفي تلك الأيام أي بين سنة 660 و612 كان نبي يبشر في هيكل اورشليم اسمه ناحوم من مدينة القوش من بلاد ما بين النهرين. وكانت له حظوة كبيرة عند الملك يوشيا وكهنة الهيكل وأفراد الشعب.
وهلل ناحوم مع المهللين بسقوط دولة آشور، لأنها أذاقت الشعوب التي حكمتها، الذل والهوان، وكان قد أخبر بسقوط نينوى عاصمتها بأسلوب شاعري قريب من الرؤيا.
ولكن النبي قبل أن يكون شاعراً هو رجل الروح. فهو يقرأ الأحداث في ضوء الله ويستغل حدثاً سياسياً تاريخياً ليفسر التاريخ بنظرة دينية مؤكداً أن الخلاص سيأتي من عند الرب.
لقد كان الشعب يتساءل أمام الجور والطغيان والظلم: أين أنت يا الله؟ فكان سفر ناحوم جواب الرب الذي يقول: أنا هنا.
فالله حاضر، وهو سيد التاريخ، ويتدخل في الوقت المناسب. لا شيء يقف بوجه الله، يكفي أن يحضر فيختفي كل عدو متشامخ وتصبح نينوى عبرة لكل المدن التي تفكر بالشر. "منك يا نينوى خرج المفكر بالسوء على الرب والمبشر بالهلاك" (1/11). "ها أنا عليك يقول الرب القدير: أقذفك بالارجاس، وأطرحك وتكونين برة لكل من ينظر اليك" (3/6).
وجاء المسيح ليؤكد أن الله إصبعاً في مجريات التاريخ، وتاريخ البشرية تاريخ مقدس لأن الله نفسه دخل في حكم الزمان: "من رآني رأى الاب" وسيبقى سيد التاريخ إلى منتهى الدهر: "سأكون معكم إلى انقضاء الدهر".
ونحن اليوم نتساءل أحياناً أمام ضروب الحياة وأخبار الناس وأحداث البشرية بما فيها من طغيان وظلم وجور: أين أنت يا الله؟ ويأتي الجواب كما في الماضي: "أنا هنا، لا تخافوا". فلا بد لليل أن ينجلي، لأن الشمس تولد من جوف الليل لتنبئ بيوم جديد.
وكلمات النبي ناحوم تشدد عزائمنا اليوم أيضاً وقد عبر عن ذلك القديس بولس أيضاً بقوله: "إذا كان الله معنا فمن يقول علينا".
2- سفر ناحوم: نشيد النصر وملحمة الرجاء
يبدو لنا سفر ناحوم منذ أول مطالعة كمزمور يشيد بمآثر الله، ثم يستحيل إلى نشيد يتغنى بالفرج وما يلبث أن يصبح قصيدة تحتفل بالخلاص من كل عبودية والتحرر من كل طغيان.
اليك بعض صفات الله التي تشهد أن الغلبة هي له:
1- الله المنتصر دوماً: "ماذا تفكرون على الرب؟ وهو الذي يفنيكم فناء، ولا من يقاومه مرتين" (1/9) هذا الله ولا احد سواه.
2- الله سيد الكون: "منه ترتعش الجبال، ومنه تموج جيع التلال، من أمامه تتراجع الارض، يتراجع العالم وسكانه" (1/5).
3- الله يذل الاقوياء ويرفع الضعفاء: "هذا ما قال الرب: مع أن الآشوريين أقوياء وكثيرون، فيسقطون ويُبادون. أذللتك يا شعبي، فلا أعود أذلك" (1/12).
4- "الرب اله غيور ومنتقم" (1/2) انتقام الرب لا يشبه انتقام البشر بما فيه من حقد وضغينة، بل يعني اقتصاصه العادل من الخاطئ وغيرة الله تنبع من حبه العميق. أحبَّ الله شعبه حبّاً جماً مجانياً فعلى شعبه أن يحبه وحده دونا كيره.
5- "الرب بطيء عن الغضب" (1/3) فهو الذي يمهل ولا يهمل. كما يقول بطرس الرسول: "ان الرب لا يؤخر اتمام وعده، كما اتهمه بعضهم، ولكنه يصبر عليكم لأنه لا يشاء أن يهلك واحد منكم، بل أن تبلغوا جميعاً إلى التوبة" (1 بط 3/9).
هذا هو اله ناحوم، وما كتابه سوى نشيد للاله المنتصر وهو نوع من الشماتة اذ يفرح بمصيبة قوم رفضوا الله. ولِمَ لا يشمت بعد أن أصبح لديه رصيد واثبات بأن الله هو الأقوى وهو أمين لوعده؟؟
ويأتينا سفر ناحوم كليتورجيا فيها الايمان والرجاء والثقة بالله. هي صلاة الضعيف الذي يفتخر بانتصار ربه. ألم تكن المزامير ضرباً من هذه الصلوات؟.
ولنا في نشيد الانتصار لموسى الذي أنشده عندما غرقت جيوش الفراعنة خير مثال على هذا النوع من الاناشيد في العهد القديم. قارن بين هاتين الآيتين لتتأكد صحة ما ذهبنا اليه: يقول موسى: "تطلق سخطك كالقش فيأكلهم" (خر 15/7).
ويقول ناحوم: "كالشوك المتشابك والقش اليابس يؤكلون جميعاً بناره (1/10).
وهناك أناشيد أخرى لدبورة وحنة وغيرهما ولعل أفضل مثال هو نشيد مريم العذراء التي تعظم الله وتبتهج بقدرته: "كشف عن ساعده فشتت المتكبرين في قلوبهم. خلع الاقوياء عن الروش ورفع الوضعاء" (لو 1/51). 
ونجد في سفر الرؤيا صدى لسفر ناحوم. فيوحنا ايضاً ينشد قوة الله وانتصاره على بابل القديمة ورومة الحديثة، وبعد أن يصف ما حل بالمدينة وسكانها ويشبهها بالبغي لكثرة خطاياها يهتف ويقول: "هللويا، لالهنا النصر والمجد والقدرة، لان أحكامه حق وعدل. دان البغي المشهَّرة التي أفسدت الأرض بدعارتها، وانتقم منها لدم عبيده (رؤ 19/2).
أرأيتم كيف أن المعطيات التاريخية تغيرت ولكن النظرة الدينية بقيت في العهد الجديد كما في العهد القديم. فتفسير يوحنا هو نفس تفسير ناحوم: الغلبة لله. قارن بين رؤ 7/15- 19 ونا 3/5- 6.
اذا كان سفر ناحوم نشيداً للظفر وملحمة للرجاء فماذا يقول لنا اليوم؟
ان الدرس واحد لأن الله لا يزال رب العالمين وسيد الكون. وكل دولة مهما عظمت هي إلى زوال عاجلاً أم آجلاً. كما يقول المثل الشعبي: "ما في شجرة وصلت إلى ربها".
ولا نظنّن بأن الله مع سياسة دون الاخرى، ومع دولة ضد دولة. أي أنه مع سياسة بابل المنتصرة أو مع سياسة يهوذا المحررة. فبابل إلى زوال أيضاً. لأن يهوذا وقعت على يد البابليين، والبابليون سقطوا تحت أقدام الفرس، والفرس تراجعوا أمام الرومان، ورومة انهارت واندثرت. الدول والسياسات تظهر وتمضي، وأما الله فيبقى.
وجاء المسيح ليقول لنا أن اللكوت الوحيد الذي لا يزول هو الملكوت الروحي: مملكتي ليست من هذا العالم!.
وجاء ليعلمنا أيضاً أن الملك الوحيد الذي لا يموت هو الله الآب ومعه الابن الجالس على عرش مجده (متى 5/35؛ 25/31).
وأجمل ما قال ناحوم في هذا الاله: "الرب صالح لمن يلوذ به، ويصون المحتمي به في الضيق" (1/7).
3- سفر ناحوم: نشيد الفرح ونداء السلام.
في خضم هذه الأشعار الصارخة والكلمات النارية التي تفوّه بها ناحوم في نشوة الانتصار، يأتينا بآية غريبة عن الاجواء ويقول: "ها على الجبال قدما مبشرٍ منادٍ بالسلام" (2/1). ما أروع هذا التعبير وكأني به علماً أبيضاً مرفوعاً في وسط المعركة أو قوس قزح بعد عاصفة هوجاء أو غصن زيتون في فم حمامة وديعة.
ولا عجب أن يستخدم أشعيا أيضاً هذا التعبير الجميل (52/7).
فالمبشر هو الذي يحمل البشرى السارة، وأي خبر أفضل من خبر انتصار الله وانتهاء عهد الظلم والفسق وبداية الفرح: "عيِّدي يا يهوذا أعيادك وأوفي نذورك، فالمُهلك لا يعود يعبر فيك من بعد لأنه انقرض انقراضاً" (2/1).
أضف إلى ذلك أن المبشر الذي يأتي بالخبر السار ينادي أيضاً بالسلام.
وكأني بناحوم يرى وجه المسيح المبشر على الجبال الذي حمل الينا انجيل الخلاص والانتصار الدائم على الخطيئة والشيطان والموت: "أنا غلبت العالم"، فولّد في المؤمن الفرح الكامل: "قلت لكم هذه الاشياء ليكون بكم فرحي، فيكون فرحكم تاماً" (يو 15/11).
وهذا المسيح نادى بالسلام والمسالمة: "طوبى للساعين إلى السلام فانهم أبناء الله يدعون. "السلام استودعكم وسلامي أعطيكم". "ليسالم بعضكم بعضاً". 
وكلمة ناحوم التي تأتينا من عمق التاريخ لم تفقد معناها اليوم، بل هي دعوة معاصرة وملحة للتبشير بالخلاص والنداء بالسلام في عالم يتخبط في الحروب حيث أصبح الانسان ذئبا لأخيه الانسان.
الخاتمة
نعرف القليل عن شخصية ناحوم، ووصل إلينا اليسير من أعماله وهو سفر من 47 آية.
ولكن بالرغم من أن هذا السفر الصغير لا يكشف كل افكار النبي، إلاّ أنه يوحي إلينا بدوره الكبير في فترة زمنية محدودة. ومَثله كمَثل جبل الجليد ترى جزءاً منه ولكن تعرف أن القسم الأكبر تحت الماء.
ومع ذلك ترك لنا ناحوم أفكاراً عظيمة بكلمات قليلة، عن قدرة الله وأمانته والرجاء بانتهاء الكرب.
لم يخرج ناحوم عن خط الأنبياء عامة ولا عن خط أرميا الذي كان معاصراً له وخدم مثله في هيكل اورشليم. فالنبوءات لا بد أن تتلاقى لأنها من مصدر واحد وتتوجه إلى شعب واحد. تختلف باختلاف الظروف أما الجوهر فواحد. وناحوم كسائر الانبياء يحارب الظلم ويدعو إلى ملكوت سلام ويذكّر بالعهد.
ولعل اسم ناحوم أي المعزي هو خير معبر عن رسالته لأنه عزى شعبه في وقت المحنة وأعلن سقوط نينوى، فكان رجل الايمان الراسخ بقوة الله، ورسول الرجاء بانتصار الحق، والبشير بالعدالة الالهية التي حلت على الأرض لأنَّ الزمن زمن الخلاص.
وتمر السنوات فيأتي المسيح ليرسل إلينا معزياً آخر هو الروح القدس ليلهم عبر العصور وحتى يومنا هذا آلاف الشعراء المسيحيين الملتزمين لينشدوا قصائد الخلاص وملاحم الرجاء وأهازيج الفرح وزغاريد السلام.