تعابير الخلاص عند حزقيال النبي

مقدمة

من دواعي الفرح هذه النهضة الكتابيّة داخل العالم العربي ولا سيّما مصر ولبنان: من شروح ودراسات وكتب روحيّة ووسائل بحث من قواميس وموسوعات وغيرها.
ومن دواعي الفرح أن أقدّم الأب ريمون هاشم الذي أراد أن يكون له "حجره" في هذا البناء على مستوى الكتاب المقدّس. اسم كتابه الذي هو الباكورة وسيتبعه بإذن الله كتب أخرى: تعابير الخلاص عند حزقيال. إنّ ما يقدّمه الأب ريمون هو حصيلة عمل نال على أثره شهادة الماجستر في جامعة ليون الفرنسية. وقد نقله إلى العربيّة الأستاذ جرجس خليفة، وحاولت أن أعيد النظر به قدر الإمكان محافظاً على روح المؤلّف وروح المترجم.
من المسيح، إلى الروح، إلى الحضور. تلك هي محطّاته الثلاث. أيّ مسيح انتظره حزقيال في وضع مأساوي عاشه الشعب العبرانيّ الذاهب إلى المنفى بعد خسران المدينة والهيكل، بعد ضياع السلالة الملكيّة؟ إنه مسيح بشكل كاهن. وسيحتاج بنو إسرائيل إلى "روح" الله ليعيد إليهم الحياة بعد أن أصبحوا كالأموات حين تهجّروا من أرضهم. بعد أن أصبحوا "عظاماً يابسة" ستعود إليهم الحياة. حينذاك، يستطيعون العودة. وحضور الله الذي رافقهم من رحيلهم على أرضهم، يعود معهم فيقيم في هيكله وفي أرضه التي ستكون مقدّسة، مكرّسة لله وحده.
المسيح، الروح، الحضور. نحن هنا أمام مثلّث سيقودنا إلى ما علّمنا إيّاه العهد الجديد عن الثالوث الأقدس: من الابن، إلى الروح، إلى الآب الذي أرسل ابنه إلى العالم ليخلّص العالم، الذي أرسل روحه منذ بداية الخليقة ليخرج من المياه كل حياة، وأرسله في عماد المسيح من أجل خليقة جديدة يكون بكرَها يسوعُ المسيح.
ولكنّ حزقيال لا يصل إلى هذا المستوى من التفكير. بل نحن قرأنا العهد القديم على ضوء العهد الجديد، وأقوال حزقيال على ضوء أقوال الإنجيل. هذا ما نسمّيه "تأويناً" للنصوص، قراءة حاضرة الآن في حياة الكنيسة. وهناك تأوين آخر دفع الكاتب إلى أن يختار هذا الموضوع الذي درسه خلال الحرب اللبنانيّة: أترى شعبه يقوم من موته ودماره؟ أترى هذه العظام اليابسة ستعود إليها الحياة؟ قد يكون أمله بدأ يتحقّق... ومع ذلك يبقى الرجاء الذي لا يخيب لأنّ محبّة الله أُفيضت في قلوبنا.
"تعابير الخلاص عند حزقيال". هذا هو الكتاب الذي نقدّمه. ونتمنّى للأب ريمون هاشم أن يكون هذا الكتاب فاتحة كتب عديدة يُظهر فيها قدرته بشكل خاص في التحليل التاريخي النقدي كما في التحليل البلاغيّ الذي برع فيه بشكل خاص في هذا الكتاب وفي مقالاته ومحاضراته في الأناجيل.
يؤدّي احتلال بلد ما إلى انتشار العنف والاستعباد فيها. ويفقد الشعب المضطهد سلامه وحرّيته إذا سُحِقَتْ هويته على يد محتلّ أقوى منه. إن هذا الوضع غالباً ما يختزن صرخة صامتة تعبرّ عنها الرغبة في إيجاد مخلِّص. وهذا المخلّص يجب أن يأتي، ويكون قادراً على نقل الشعب من حالة الأسر والألم إلى حالة خلاص.
اضطُرَّ إسرائيل، كشعب مؤمن، إلى اجتياز تجارب من هذا النوع. ولكن ذلك لم يحدث أبداً من دون تدخّل إلهي. لم يتوقّف الله، بواسطة أنبيائه، عن توجيه كلامه إلى شريكه في العهد. في الواقع، كانت حقبة المنفى في بابل الحقبة أكثر صعوبة. فإسرائيل الذي فقد كل شيء، وجد ذاته خارج بلاده، بلا هيكل ولا مَلِك. لكنَّ وجود حزقيال، النبيّ الذي أرسله الله، يُظهر أن تاريخ ذلك الشعب لم ينتهِ. فالكلمة الإلهيّة المتعلّقة باختبار العلاقة المُعاشة بين الله وإسرائيل، صارت علامة الرجاء الوحيدة. لقد تلقّى حزقيال، النبيّ المنفيّ، لاهوتاً مدوَّناً في تقليد. فتفكيره ينطلق دائماً من واقع مُعاش، يسمح بقراءَة الحاضر على ضوء الماضي، وجعْل هذا الحاضر ينفتح على مستقبل جديد.
إن نبوءَة حزقيال متَّسِمة بإطار حاسم، وبِحِسٍّ تجديديّ في التفكير. يبشِّر النبي بالخلاص بعد الدينونة. إِنه يؤوِّن كلام ناتان حول مجيء المسيح، ويبشّر بعودة شعب إسرائيل إلى بلاده بعطية روح جديد، ويذكِّر بأن تنقّل الله ليس مرتبطاً بالهيكل. فالشعب، بحسب حزقيال، سيجد خلاصه متجدِّداً بتدخّل مباشر من قبل روح يهوه.
الفصل الأول

الإطار التاريخي وتقديم كتاب حزقيال

يقوم عملنا بإعادة قراءَة تعابير الخلاص عند حزقيال، لإبراز الأهداف اللاهوتيّة فيها. من هنا ضرورة اختيار نصوص محدّدة، وتعميق دراسة المواضيع دون عزلها عن التقليد وعن عصر النبيّ

أ- الإطار التاريخي

قبل القيام بأية دراسة لحزقيال، لا بدّ من التذكير بالإطار التاريخي الذي يطبع نهاية مملكة يهوذا بطابعه.
في السنة 612، وقعت نينوى، عاصمة الامبراطوريّة الأشوريّة، في أيدي البابليّين والفرس- المادايّين. وبعد ثلاث سنوات انهارت دولة أشور بكاملها أمام هجمات هذين الحليفين. لقد خلقت نهايةُ هذه الامبراطورية فراغاً سياسياً في المنطقة، وانزعجت مصر من توسع القدرة البابليّة، فقرّرت التحرك. ففي السنة 609، مات يوشيا، ملك يهوذا، في معركة مجدوّ، بينما كان يواجه المصريّين الذين أتوا لمساعدة الأشوريّين (2 مل 23: 29 ي). مُسح يوآحاز بن يوشيَّا ملكاً، ولكن ما لبث أن خلعه الفرعون نكو الثاني وأخذه معه إلى مصر، ومات هناك (2 مل 23: 34؛ إر 22: 10- 12). وتجّنّباً للثورة ضد سياسته، أقام الفرعونُ يوياقيم ملكاً مكان يوآحاز، والملك الجديد هو ابن يوشيَّا البكر، وصارت يهوذا مقاطعة تدفع الجزية لمصر (2 مل 23: 33- 35).
في السنة 605، انتصر نبوخذنصر، ملك بابل، على المصريّين في كركميش، وخلف والده نبوفلصَّر الذي مات في السنة ذاتها. وصار يوياقيم حليفاً لبابل، وتحوّلت يهوذا إلى إمارة في الامبراطوريّة الجديدة، على غرار كل المقاطعات السوريّة- الفلسطينيّة الأخرى. ولكن، في السنة 601، تآمرت يهوذا مع اتباع مصر السابقين، ضد بابل، فهاجم نبوخذنصر المصريّين في الحال، ولكنه هُزم في مجدّو وخسر غزَّة. وتوقّف يوياقيم عن دفع الجزية السنويّة لبابل. وعاد نبوخذنصر، سنة 597، فحاصر أورشليم لإخماد الثورة فيها. توفيّ يوياقيم أثناء الحصار وخلفه ابنه يوياكين الذي استسلم للبابليين، فأسروه مع أفراد عائلته. وأقام نبوخذنصر متنيا، إبن يوشيا الثالث، ملكاً، وغيَّر اسمه إلى صدقيَّا (2 مل 24: 17- 18). كان هذا الأخير تابعاً لبابل، وملكه محصوراً في رقعة ضيّقة، لأن أهل يهوذا فقدوا قسماً من أراضيهم. وبدأ الأدّوميون يضغطون على يهوذا من الجنوب، في النقب، وعانت غالبيّة المدن ويلات الحرب. وللخروج من هذا الوضع الصعب، وجب "أن تكون المملكة حقيرة ولا ترتفع" (حز 17: 14). ولكن، في السنة 594 شكّلت موآب وعفون وأدوم، وصور وصيدون ويهوذا، حلفاً ضد بابل (إر 27- 29). حوالي السنة 588- 587 تسلَّم الفرعون خفرع الملك وفتح ذراعيه للثورة (2 مل 25: 1 ي؛ حز 17: 15- 17). فحاصر ملك بابل أورشليم من جديد؛ واستمر الحصار ثمانية عشر شهراً. فبدا أن الفرعون غير قادر على حماية حلفائه، وسقطت أورشليم في قبضة نبوخذنصر فأعمل النهب والتدمير فيها. واقتيد صدقيا وعائلته إلى بابل حيث قُتل أولاده وفُقِئت عيناه. ودُمِّر الهيكل وأسواره، ونُكِّل بالسكان. إن السنة 587 تؤَرخ نهاية مملكة يهوذا وبداية زمن المنفى الذي بدأت مؤشّراته سنة 597 مع اقتياد يوياكين إلى بابل. فماذا فعل حزقيال في غمرة هذه الأحداث؟
بعد أن أخمد نبوخذنصرّ ثورة يوياقيم واقتاد يوياكين إلى بابل، نفى كلّ أعيان البلاد إلى بابل أيضاً، وهم عُدَّة ألوف، من بينهم حزقيال. مع سقوط أورشليم سنة 587، عاش الشعب كارثة جديدة، حفظ حزقيال وإرميا صداها (14: 21- 23؛ إر 52). نُفي حزقيال سنة 597، فسكن في تل أبيب بين المنفيّين من أهل يهوذا (3: 15). في الواقع، أعاد المنفيّون تجميع أنفسهم بحسب عائلاتهم، في قرى قديمة. وكان لا بدّ، بسبب تشعُّب الأحداث، من نشوء مشاكل كثيرة. فكيف يمكن تفسير هذه الأحداث بالنسبة إلى الله؟ وبدون هيكل وملك وأرض، أي رجاء يبقى لشعب يهوه؟ ينطلق حزقيال، مثل كثيرين سواه، من هذه الغضة المقلقة ويحاول إيجاد الجواب. ولكن، من هو حزقيال؟
ب- حزقيال: كاهن صار نبياً

وُلد حزقيال في عائلة كهنوتيّة (1: 3). وربما كان والده بوزي كاهناً صدوقياً، الأمر الذي يجعل من حزقيال عضواً في الأرستقراطيّة الدينيّة. وهذا ما يفسر تمكّنه من معرفة اثنين من رؤساء الشعب (11: 1). ومعنى اسم حزقيال: "من جعله الله قاسياً" أو "قوياً". إن انتماءَه إلى الوسط الكهنوتيّ يفسّر معرفته العميقة بالشريعة وبالاماكن المقدّسة؛ وكذلك ميله إلى وضع القوانين والشرائع (حز 18). ناشرو أعماله وشارحوه ينتمون كذلك إلى الأوساط الكهنوتيّة في المنفى. إن حزقيال الذي نمُي إلى بابل منذ سنة 597، سكن تل أبيب، على ضفاف نهر خابور (1: 1) ومع أنه كان منفياً، فقد تمتّع بوضع قانوني يعطيه بعض الحرّية. ولكن، رغم الأوصاف الدقيقة جداً للأحداث، كما يعطيها حزقيال، فلا شيء يُثبت أنه زار أورشليم في زمن المحنة. إن العنصر المفتاح في حياته، هو الرؤيا المؤرّخة في سنة 593، على ضفة نهر خابور (1: 1). لقد أصبح الكاهن نبياً، والكهنوت والنبوءة يتّفقان عنده دون تناقض.
ج- تأثير الأحداث على نبوءة حزقيال قبل سقوط أورشليم

إن الأحداث الأليمة التي قاساها حزقيال وشعبه لم تكن دون تأثير على نبوءته. فمواضيع كتابه تظهر قسمين واضحين. الأول قبل سقوط أورشليم بين السنة 597 و587 ق. م، والثاني بعد هذا التاريخ. خلال السنوات 597- 587، ظهر تحالف ضد بابل بين الفرعون والملك صدقيا. خلق هذا الأمر بعض الأمل عند المنفيّين وفي أورشليم، وحلم المنفيّون بتحسّن سريع في الوضع. وكان حزقيال الموجود بينهم، يحاول عبثاً تخليصهم من هذا الوهم. فبدأ يُنذر بدمار أورشليم كدينونة من عند الله، بسبب خطايا إسرائيل. ويبدو هذا التهديد واضحاً في الكثير من الأعمال الرمزيّة، كما في 4: 1- 8 (المدينة المرسومة على لبنة محاصرة)؛ 4: 9- 17 (الوعاء المملوء بالقمح والشعير و...)؛ 5: 1 ي (السكين الحاد).
إن قسماً هاماً من الكتاب مخصّص أيضاً للتنديد بخطايا أورشليم، وهذه الخطايا هي سبب دمارها (8: 11). نقرأ هذه الرؤيا التي تشير إلى أن القصاص لا ينجو منه إلا الرجال الذين مجملون سِمة تو (الحرف الأول من التوراة باللغة العبرية). ونجد في هذه الرؤيا أسس لاهوت يحدّد المسؤوليّة التي سبق أن أُعلنت في 3: 16- 21، وفُسّرت في 14: 12- 23؛ 18؛ 23: 10- 20.
إنّ خطيئة إسرائيل ليست بنت اليوم، واللجوء إلى التاريخ يسمح للنبي بإطلاق تنديداته، ودعوة الشعب إلى الارتداد والتوبة (20: 1- 31). إنّ التاريخ الملخّص يأخذ أحياناً شكلاً رمزياً (16: 1- 43؛ 23)؛ أو شكل مَثَل ولُغز (صدقيا هو "كأس العهد" مع ملك بابل نحو السنة 589) (ف 17). يندّد حزقيال وهنا بسياسة صدقيا، ويدل بحدثين رمزيين على بداية الحصار (24: 1- 24). وقبل سقوط المدينة بوقت قصير، يصاب حزقيال بالبكم، ويحمل، بشكل رمزي، خطيئة شعبه (3: 22- 24، 26؛ 4: 4- 6، 8؛ 24 ف 25- 27).
د- نبوءة حزقيال بعد سقوط أورشليم

تندِّد نبوءة حزقيال بالوهم الخادغ حتى لحظة وصول أحد الناجين من أورشليم (33: 22). يحصل هنا تبدّل في النبوءات، وينتهي القسمُ الأول من مهمّة حزقيال. بعد إزالة هذه الأوهام يمكن البدء بإعلان الخلاص، وتَقْوية الرجاء لدى الشعب. وينفتح فم النبي. ويتحرّر لسانه، فلم يعد أبكَمَ (33: 22). "يرتدي هذا الأمر معنى عميقاً: في 12: 21- 25 و12: 26- 28 لم يُرد الشعب أن يُصدّق قرب حدوث الدينونة التي يعلن النبي عنها؛ أما وقد تأكد الإعلان بوقوع الحدث، فيستطيع النبي أن يفتح فمه من جديد، بثقة تامة". إنّ البلاد (33: 23- 29) قد اجتيحت، ولم تعد أورشليم مدينة. فهي قد دُمّرت. فأطلق حزقيال موعظة ضد الباقين في المدينة. ثم كانت نبوءة ضد رعاة إسرائيل. وهي تتألف من استعادة للتاريخ واعلان عن المستقبل فيما يتعلق بتنظيم البلاد والعودة إلى أرض الآباء والأجداد شرط إحياء العهد مع الله (ف 34). ثم يأتي كلام الرب على لسان النبيّ، ضد جبال آدوم وجبل إسرائيل (35: 1- 36، 15). إن حزقيال، بحسب أ. جالين، يطلق غالبية مواعظه، في هذه الفترة، ضد الأمم: الشعوب المجاورة (25: 35)؛ صور (26- 28)؛ مصر (ف 32). منذ الآن، يستطيع إسرائيل، وقد أصبح أُمة مستقلّة وحرّة من أي تأثير خارجي، أن يعيش بأمان، لأن الله سيكون راعيه الوحيد (ف 34). ويستعيد الشعب الحياة على أرضه بفضل روح يهوه (37: 1- 14). وتتجدّد الأرض (ف 36)، ويتوحّد الشعب من جديد، ويجتمع تحت سلطة داود جديد (37: 15- 28). إنّ ما أضيف فيما بعد إلى نبوءات حزقيال، يعود إلى هذه الحقبة (11: 14- 21؛ 16: 44- 53؛ 17: 22- 24؛ 20: 32- 44؛ 22: 23- 31 الخ...).
يبقى أن نشير إلى مجموع الفصول 40- 48، والتي تصف عودة مجد يهوه إلى هيكل أورشليم. كل شيء منظَّم- إعادة بناء الهيكل، إستيطان فلسطين من جديد، إعادة تنظيم العبادة، إلخ...- بما يتوافق مع قداسة يهوه. هذه الفصول تحمل طابع مدرسة حزقيال، كما سنرى.
هـ- تصميم كتاب حزقيال

إن بنية الكتاب ذات صلة بالأحداث التاريخيّة. نلاحظ أن مهمِّة النبي، ترِد في الكتاب عبر قسمين: الأول يتمحور حول الدينونة، قبل أحداث سنة 587، والثاني حول خلاص الشعب المتجدّد.

1- مقدّمة: قصة دعوة النبي: 1: 1- 3: 21
تاريخ كلام من رؤيا أعمال خطب ذات عرض متصل 
قبل يهوه رمزية استعارات بالتاريخ
1: 1 1: 3 آ 1: 1
"في السنة 
الثلاثين، في
الشهر الرابع،
وهي السنة الخامسة
من سبي يوياكين إلى
الملك= 593
3: 16
"..عند تمام
أيام..." 3: 16 3: 15
2- قبل سقوط أورشليم، الإنذار بالدينونة: 3: 22- 24: 27
تاريخ كلام من رؤيا أعمال خطب ذات عرض متصل 
قبل يهوه رمزية استعارات بالتاريخ
4: 1- 3
4- 8
9- 17
5: 1- 17
6: 1
7: 1
8: 1
"في السنة
السادسة
من الشهر 2/ 8: 1- 11،
السادس 13، 22- 25
في الخامس
من هذا الشهر
...= 592
11: 14
12: 1 12: 1- 16
12: 8 12: 17- 20
12: 17
12: 21
12: 26
13: 1
14: 2
14: 52
15: 1- 8
16: 1 16: 1- 63 16: 1- 63
17: 1 17: 1- 24
17: 11
18: 1
20: 1 "في السنة 19
السابعة من الشهر
الخامس في العاشر 20: 2 20: 1- 44
من الشهر"= 591
21: 1 21: 1 ي
21: 6
21: 13
21: 23 21: 23- 29
22: 1
22: 17
22: 23
23: 1 23: 1- 49 23: 1- 49
24: 1 15
24: 1 "في السنة
التاسعة من الشهر
العاشر..."
= 589
24: 15
3- أقوال نبوية ضد الأمم: 25- 32
تاريخ كلام من رؤيا أعمال خطب ذات عرض متصل 
قبل يهوه رمزية استعارات بالتاريخ
25: 1
26: 1 "السنة 26: 1
الحادية عشرة في
أول الشهر= 587 27: 1 27
28: 1
28: 11
28: 20
29: 1 "السنة 29- 17
العاشرة، في الثاني
عشر من الشهر
العاشر"= 588 29: 17
29: 17 "في السنة 30: 1
السابعة والعشرين، في
اليوم الأول من الشهر
الأوّل= 571.
30: 20 "السنة 30: 20
الحادية عشرة، في
السابع من الشهر
الأول"= 587
31: 1 "السنة 31: 1 31: 1- 18
الحادية عشرة، في
الأول من الشهر
الثالث"
32: 1 "السنة 32: 1
الثانية عشرة، الأول
من الشهر الثاني
عشر"= 586
32: 17 "السنة 32: 17
الثانية عشرة، الخامس
عشر من الشهر

4- بعد سقوط أورشليم، خلاص الشعب وإعادة بنائه
تاريخ كلام من رؤيا أعمال خطب ذات عرض متصل 
قبل يهوه رمزية استعارات بالتاريخ
33- 37
33- 21 "السنة 33: 1
الثانية عشرة من
سبينا، في الخامس
من الشهر العاشر
= 586
23: 23
34: 1
35: 1
36: 16 3/
37:
37: 15 1: 14 37: 15- 28

5- معارك حاسمة ضد أعداء شعب يهوه: 38: 39
38: 1

6- هيكل جديد، أرض جديدة: 40- 48
40: 1 "في السنة 4/ 40
الخامسة والعشرين من
سبينا، في رأس السنة
في العاشر من الشهر إلى
في السنة الرابعة
عشرة، بعدما
ضربت المدينة"
= 573 48
و- الأنواع الأدبية في السفر

إنّ سفر حزقيال غنيّ بأنواعه الأدبية المتعدّدة، التقليديّة والتجديديّة في آنٍ معاً. إنّ التصميم الذي قدّمناه فيما سبق يبرز أربعة أنواع: الرؤيا، العمل الرمزيّ، الخطب ذات الإستعارات، والعرض المتّصل بالتاريخ. وبما أنّ القسم الثاني من السفر الذي نهتمّ بدرسه يحتوي بالأخص رؤى وأعمالاً رمزية، فإننا سنركِّز على هذين النموذجين الأخيرين.

1- النوع "الرؤيوي"
بالدرجة الأولى، تبدأ الرؤيا بتدخّل إلهيّ، من خلال يد الرب، أو روحه بالذات (8: 1 ب؛ 37: 1). ويُنتَزَع النبي من عالمه المعتاد، وينقله الروح ويضعه في مكان يستطيع أن يرى منه (8: 2؛ 37- 2)، ويسمع (8: 5؛ 37: 4).
ويمكن أن يتوجّه نظره إلى الخطايا التي اقترفها الشعب (8: 2 ي)، كما إلى الظواهر المرعبة الناتجة عن تلك الخطايا (العظام اليابسة= زوال الشعب) (37: 1 ي). ويحدّثه الله بما يرى.
في 8: 1 ي يُطلق يهوه حكماً ضد شعبه، أما في 37: 1 ي، فالرب يعد حزقيال بإنهاض بيت إسرائيل من جديد. ومن جهة ثانية فإنّ النبي يرى فعاليّة كلمة الله التي تتحقّق أمامه. مثل تدمير المدينة (9: 1 ي)، أو قيامة الشعب (37: 7 ي). وأخيراً، إنّ التصرّف الإلهيّ (مجد يهوه يهجر الهيكل والمدينة) (10: 19؛ 11: 23) أو كلمة الرب (37: 12 ي)، يعيدان تحديد صلة يهوه بشعبه.
وفي الرؤيا التي تبشّر بالخلاص، يمكننا الإشارة إلى بعض علامات هذا الخلاص: الصليب (السِمة) على الجبهة (9: 6) وتوسّط النبي لصالح شعبه (9: 8). هذه الرؤى هي ذات أهداف مختلفة. في الأولى (8: 1 ي)، يحثّ النبيّ الشعب على الارتداد، وفي الثانية (37: 1 ي) يريد أن يستحثّ رجاء شعبه وسط المحن.
هذا النوع من الكتابة ليس خاصاً بحزقيال وحده. ولكننا لا نستطيع إنكار الخصوصية التي أضافها النبيّ عليه، والتي ستنمو في القسم الرؤيويّ (راجع سفر دانيال أو زك 9- 14).

2- النوع "الرمزي"
إنّ الطريقة التي بها يعبرّ النبي عن فكرته لا تقتصر على الكلام أو الرؤيا. هناك أيضاً الحركة الرمزيّة. يمكن أن يكون هذا العمل إشارة تمثّل، بالمقارنة، رسالة النبيّ. إنّ العمل الرمزيّ يشغل الشخص بكامله، فهو علنيّ عام، ويراه كل الشعب.
يحتوي هذا النوع من القصص، عادةً، ثلاثة:
1- الأمر بالتنفيذ من الله. 2- وصف العمل. 3- الكلام الذي يشرح معنى العمل. ومن بين القصص الكاملة، يمكن أن نقرأ قصة سهام الملك يوأش (2 مل 13: 14- 19)؛ وزواج هوشع (هو 1: 2- 9؛ 3: 1- 5)؛ والمنطقة (الزنار) المطمورة في نهر الفرات (إر 13: 1- 11)؛ وأهبة الجلاء (12: 1- 16)؛ وعدم حداد حزقيال عند موت زوجته (24: 15- 24). وأحياناً لا تحتوي القصة سوى العنصرين الأول والثالث (أش 8: 1- 4؛ إِر 16: 2- 9؛ حز 5: 1- 17؛ 12: 17- 20؛ 24: 1- 14؛ 37: 15- 28). هناك قصص نادرة كما في إِر 28: 10- 11 لا تتضمّن سوى العنصرين الثاني والثالث.
كل قصّة رمزيّة تحتوي شيئاً يُستخدَم للعمل الرمزي. كمثل قطعتَي الخشب في 37: 16. وحفر اسم يوسف وأفرائيم عليهما وجمعهما أمام الشعب، أمر يرمز إلى وحدة الشعب التي ستعاش مجدّداً على أرض إسرائيل بعد العودة من المنفى. إنّ "وجه الشبه" هو العنصر الأساسيّ في العمل الرمزيّ. ولكن الكلام التفسيريّ والأمر الآتي من الله، هما أيضاً من ميزات الحركة الرمزيّة، والتي تجعلها مختلفة عن العمل السحري.
ز- تاريخ مختصر للدراسة المتعلّقة بحزقيال

يتّفق معظم شارحي البيبليا على الاعتراف بأن سفر حزقيال تعرّض لتعديلات عديدة على يد مدوِّنيه. ولكن الصعوبة الكبرى هي في التمييز بين ما هو من وضع النبيّ أصلاً، وما هو من وضع المدوِّنين.
في سنة 1924، اعتبر هولشر أنّ الفصول الشعريّة هي الوحيدة التي تصحُّ نسبتها إلى النبي. ونفى هرمان، بحسب معايير لاهوتيّة أكثر ممّا هي أدبيّة، انتماء نبوءات الرجاء إلى حزقيال، حتى وان سلّم بصحة وصدقيّة 14: 1- 14. أما هرنتريش، فافترض أنّ السفر وجد فعلاً، على يدّ نبيّ فِلسطينيّ، وقد أعاد النظر فيه ورتبه مدوّن في بابل، وهو الكتاب كما وصل إِلينا بصيغته الأخيرة. ويستعيد برتوله الافتراض السابق مع بعض التعديل، إذ يؤكّد أن حزقيال قام بمهمة مزدوجة: في فلسطين، وهي الفترة الموافقة للقسم الأول من السفر، وفي بابل حيث منشأ القسم الثاني. والقسمان أُعيد ترتيبهما على يد مدوِّن بابلي. تناول عدد كبير من شارحي البيبليا هذه النظرية، ومنهم اوفري، روبنسون، وستاينمن. الخ... ولكن فوهرر، وتسيمارلي استبعدا الافتراض السابق، ولم يقبلا إلاّ بمهمة واحدة لحزقيال، وهي في بابل. وتُظهر دراساتهما المتقدّمة أنّ النبي هو حلقة من التقليد، ومع ذلك فهو يحتفظ بميزته الخاصة. استعيدت أقواله النبوية ورؤاه، في مدرسة مكوّنة من تلاميذه، وتوسّعت وتطوَّرت، لتصبح ملائمة للوضع الجديد. لذلك، فإنّ تسيمارلي وفوهرر لم يحتفظا إلا بـ 764 إلى 886 آية أصيلة، من مجموع الآيات البالغ 1273 آية في سفر حزقيال.
إنّ هذا التذكير الموجز يبيِّن صعوبات البحث. ونعوِّل أساساً على افتراضات تسيمارلي، التي استعادها الكتاب الحديث للكاتب اسورماندي. ولن نهمل كذلك الوضع الحالي للنص.
إن اهتمامنا، كما يدل عنوان هذا الكتاب، سيشمل الأقوال النبوية وعلامات الخلاص الموجودة في لاهوت حزقيال. لذلك نتبع التصميم التالي: نظرة حول المسيحانيّة (الفصل الثاني)، تتبعها قراءة للقلب الجديد والروح الجديد (الفصل الثالث)، تجد اكتمالها في عودة مجد الله والهيكل الذي ترمّم (الفصل الرابع). أما الفصل الأخير، فهو أكثر توليفاً، إذ يستعيد المبادىء- المفاتيح في: "العهد، الروح، ومعرفة الله". ولن يبقى لنا سوى استخلاص استنتاج موجز لبحثنا هذا.
أ- الله وإسرائيل: تاريخ لا يتوقّف
1- 17: 1- 24
إنّ ف 17 يقع بين نبوءتين أخريين، تبدآن بعبارة متداولة عند حزقيال: "وكان إليَّ كلام الرب قائلاً" (17: 1؛ 16: 1؛ 18: 1). ينتج عن ذلك أن ف 17 هو وحدة مستقلَّة.

2- الإطار
يتعلّق ف 17 بالحقبة الأولى من مهمّة حزقيال، والواقعة بين 3: 22 و24: 27، أي قبل سقوط أورشليم. هذا القسم يجمع النبوءات التي تُنذر بالعقاب. ضمن هذا الإطار، يواجه إسرائيل تجارب قاسية، المنفى، والتهديدات بدمار أورشليم الذي تلاه السبيُ مرَّة ثانية. أما بالنسبة للنبيّ، فهناك أمران يجب أن يفهمهما المنفيّون في بابل، واليهود الباقون في يهوذا، وهما عدم إمكانيّة العودة بسرعة إلى البلاد، والسبب في العذاب الذي يحلّ بإسرائيل. يتوجّه حزقيال إلى المنفيّين مكذِّباً إدعاءاتهم (12: 1- 20)، قبل أن يستعيد تاريخ شعبه ليُظهر مسؤولية هذا الشعب في العذاب الذي يقاسيه. يشبّه ف 15 إسرائيل بالخشب اليابس الذي سيرُمى في النار، وف 18 يندّد بملوك إسرائيل، ومنهم يوآحاز الذي سُبي إلى مصر، ويوياكين المنفيّ إلى بابل (آ 4، 9). وبالمقابل، يتحدّث ف 16 عن الله الذي يعطي الحياة لأورشليم، ويتخذها زوجة. ولكن عطايا يهوه حُوِّلت لصالح آلهة أخرى. لذلك كان العقاب ضرورياً (آ 36- 43). يستعيد ف 23 الموضوع ذاته، ولكن من زاوية أخرى: إنّ التحالفات السياسيّة مع الأمم المجاورة دفعت أورشليم إلى البغاء. ونجد الأمر ذاته في ف 20، 21، 22. لذلك، فإنّ ف 17 يسجَّل في إطار يجرح النبيّ فيه تاريخ شعبه على ضوء كلمة الله. فصدقيا الذي أبرم معاهدة مع الفرعون ونقض أخرى مع ملك بابل، بدا خائناً، وكذلك الشعب تجاه الله.

3- البنية الأدبية
إن ابتداء الفصل مع آ 1- 2، يدلّ على النوع الأدبي في هذه الفقرة: "لغز ومَثَل". هناك تعبيران يُركّزان على دور كلام الله، ويحدّدان بنية الفقرة: "وكان إلي كلام الربّ قائلاً": يؤدي إلى اللغز (آ 1) وإلى تفسيره (آ 11). ويتردّد في النص تناسق وتناغم، من خلال التكرار الوارد في آ 3، 9، 19، 22، إذ تتكرَّر العبارة: "هكذا قال السيد الربّ". فيمكننا وصف بنية حز 17: 1- 24 كما يلي:
(أ) – آ 1
(ب) آ 3 – اللغز (آ 1- 10).
آ 9
(أ أ) – آ 11
(ب ب) آ 19 - تفسير اللغز (آ 11- 24)
آ 22
إن آ 24 التي تؤكّد ملء اكتمال كلمة يهوه تلخِّص المجموعة. والمجموعة من آ 11 إلى 24 معقَّدة التركيب. والآيات من 19 إلى 24 تستعيد لغة الآيات 12- 18، مركَّزة على اكتمال إرادة يهوه. بالواقع، إن الآيات 19- 21 تتوافق مع آ 12- 18، وتتحدّث مباشرة عن الموضوع ذاته، أي معاقبة ملك إسرائيل لأنه احتقر القَسَم وأخلَّ بمعاهدته مع ملك بابل ومع يهوه (آ 13، 15- 20). إنّ آ 22- 24، نظراً لمضمونها اللغوي، تتوافق مع آ 1- 10: الأرز، أغرسه، أغصان، قمر، ينبت، إلخ... وتتحدَّث الفقرتان عن تدخّل يهوه لصالح إسرائيل. لذلك فإن المقاطع 1- 10؛ 11- 18؛ 19- 24 هي متوازية فيما بينها بحسب البنية التالية:
(1) مقدّمة (2) الميثاق المنقوض (3) العقوبة (4) تدخل يهوه
الاستفهام بخصوصه لصالح إسرائيل
آ 1- 2 آ 3- 8+ 9- 10 أ آ 10 ب ؟
آ 11- 12 12 ب- 15 أ+ 15 ب آ 16- 17+ 18 ؟
آ 19 19 ب+ ؛ آ 20- 21 22، 24

4- المعنى واللاهوت
إنّ 17: 1- 10 هو لغز ومَثَل. إنه نوع حكمي توراتي موجّه إلى بيت إسرائيل (آ 2). وهذا النوع الأدبي يرمي إلى لفت انتباه السامع ليتّخذ موقفاً مناسباً.
إن المقارنة بين 17: 1- 10 و17: 11- 18 تلقي الضوء على قصد النبيّ. فالنسر العظيم (آ 3 أ) ليس. سوى ملك بابل (آ 12 ب). والأرز (آ 3 ب) يرمز إلى الملك المسبيّ إلى بابل مع أمراء البلاد (آ 12 جـ)؛ والكرمة المغروسة في مكانه (آ 5، 6) تعني "الزرع الملكي" الذي أقام ملك بابل معاهدة معه "وأدخله في قسَم" (آ 13- 14). والنسر الآخر العظيم (آ 7) الذي تمكّن من استمالة الكرمة إليه، يلعب دور الفرعون الذي أرسل إليه الأمير رسلاً ليتآمر ضد بابل. ولكن فسْخ المعاهدة مع نبوخذنصّر لعقد معاهدة أخرى مع مصر، لن يخلِّص صدقيا وشعبه من الاحتلال البابلي: "إنها تيبس في الأرض..." (آ 10 ب)، "وبعد أن فعل كل ذلك لا يفلت" (آ 18 ب)، "ولا يعينه الفرعون في الحرب" (آ 17). يندّد النبي هنا بتاريخ إسرائيل، وبخطيئة ملكها صدقيا. كانت نتيجة السبي الأول نفي الملك يوياكين وكبار البلاد إلى بابل؛ وسيحصل السبي الثاني قريباً (آ 18- 21)، ويكون أكثر جذريّة. والآيات 19- 21 تعلن تدخّل يهوه ليعاقب الملك ويرمي بنفسه الشباك لإرسال الملك إلى بابل، وإنقاذ مختاريه الناجين. بالفعل، إنّ المحن التي يقاسيها إسرائيل، هي، بحسب حزقيال، من فعل يهوه الذي يبقى سيّد الموقف (آ 19- 21 أ). الله يعاقب، ولكنه لا يبيد؛ وعقابه يهدف إلى أن يعرف الشعب أنه إله العهد. إنّ عدم أمانة صدقيا تجاه المعاهدة المعقودة مع ملك بابل، وردَّة فعل يهوه ضد هذا الانقطاع في العلاقة، أفكار موجودة في وسط المقطوعة: يهوه وحده هو المنقذ، وليست أيَّة معاهدة مع مصر. "إن كره مصر كان تقليداً يحفظه الأنبياء بغيرة (أش 11). وإذا كان حزقيال يشارك بهذا الكره، فإنّه يعطيه مبرّرات جديدة في المقطوعة النثرية التي تعبِّر عن الكلام النبوي الثاني" (آ 16- 17). إنّ آ 22- 24 تنفتح على المستقبل. فبعد إنزال العقاب والاعتراف بيهوه مجدَّداً، (آ 20- 21) لا ينفصم العهد بصورة نهائيّة، لأن الرب سيتدخّل بشكل معاكس لتدخّل النسر العظيم (آ 3- 6... 12- 14). وتؤخذ "غرسة غضَّة" (آ 22) من رأس الأرز العالي لتُغرس في جبل إسرائيل العالي، فتنبت وتنمو بحسب مشيئة يهوه. في الواقع، إن كلمة "غرسة غضّة" أو "غصن غضّ" في 1 أخ 22: 5 منسوبة إلى سليمان بن داود: "إنَّ سليمان ابني صغير وغضّ": ينتج مما تقدّم إن "الغرسة الغضة" ترمز إلى عودة سلالة داود. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه "الغرسة الغضَّة" تصبح أرزه عظيمة "يسكن تحتها كل طائر" (أخ 23). يستعيد دا 4: 7- 14، 19 المثل ذاته، مستخدماً التعابير نفسها، "الشجرة"، "الثمار"، "الظل"، "الأغصان"، "الطيور"، إلخ...
نضيف إلى ما سبق، نهاية المثل التي تتضمّن الصورة ذاتها: "فيعطيه من يشاء وينصب عليه أدنى الناس" (دا 4: 18 ب)، "أنا الرب، وضعت الشجرة الرفيعة، ورفعت..." (17: 24). في دا 4: 19 ترمز الشجرة إلى الملك نبوخذنصّر في أوج مجده. والتقليد ذاته في مت 13: 34- 35 ومر 4: 33- 34 يطبق المثل على المسيح "يسوع". بهذه الصورة يعلن يسوع بداية الحقبة المسيحانيّة، باكورة الخلاص.
إنّ لمعاقبة الشعب، بالنسبة للنبي، هدفاً: وهو الارتداد إلى معرفة يهوه (17: 21 ب). وبالتالي، فإن الزمن المسيحاني يأتي مع تجدُّد قيام سلالة داود: إن داود، الذي صار الملك المثالّي، هو النموذج الوحيد الذي على غراره سيدير المسيح المنتظر المملكة. وهذه المملكة "مدعوَّة، في المنظور النبوي، لتصبح هي أيضاً، نموذجاً دينياً. ان طاعة الملك لأوامر يهوه هي واجب رسّخه الأنبياء جميعهم. فمن الطبيعيّ جداً إظهار الملك النموذجي بصورة تلميذ مستعد دائماً لاستقبال كلام معلمه يهوه، بطواعيّة مثاليّة (17: 23؛ إِر 23: 3- 6؛ أش 9: 5- 6)".
إنّ آ 24 التي تتبع وصف الزمن المسيحاني الذي يرجوه النبي، هي مبنيّة بشكل تصالب، وتؤكد مجدّداً حضور يهوه الفاعل. والضمير "أنا" يتكرّر مرتين في مطلع الآية وفي نهايتها. وفي وسط الآية، أربعة أفعال في صيغة المعلوم، منسوبة مباشرة إلى يهوه، تؤكّد مقدرته على تنفيذ ما يريد وعندما يريد؛ كل شيء متعلّق به. والتعبير "فتعلم جميع أشجار الحقل أني أنا الرب"، يُظهر تماماً أن الزمن المسيحاني المشار إليه هنا سيتحقّق على الأرض دون إلغاء الممالك الأخرى. والفعل "فيعلم" الذي يدل على المستقبل، يعني أن الاعتراف بيهوه سيكون كونياً شاملاً. والعبارة "أنا الرب تكلّمت وفعلت" تقرن القول بالفعل، وتدعو الشعب إلى الوثوق بإله قادر على تنفيذ وعوده. قبل أن نختم كلامنا، من المناسب الإشارة إلى التوافق مع آ 14، من خلال الفعل "علم": "سيعلم المصريون أنني يهوه" (آ 4، 18). وبالتالي، لن تعلم الأمم الأخرى من هو يهوه إِلاّ بعد تحرير إسرائيل. وهذه هي العودة من المنفى. والرسم البياني اللاهوتي الذي يلي، سيجمع بعض محاور قراءَتنا:

أ- حدث تاريخي ب- قراءة التاريخ على ضوء ج- تدخّل يهوه يجعل
كلمة الله التاريخ غير مغلق
1- السبي/ التأسيس 1- إبرام معاهدة 1- القصاص= السبي
بواسطة ملك أجنبي مع ملك بابل. للمرة الثانية.
وليس بواسطة يهوه.

2- التآمر ضدّ الملك الأجنبي 2- نقض المعاهدة معه 2- معرفة يهوه من جديد
مع ملك آخر دون اللجوء ومع يهوه لإبرام معاهدة = الارتداد
إلى ظلّ جناحي يهوه. أخرى مع الفرعون

3- الخطيئة المقترَفة. 3- الإنتظار المسيحاني=
ستقوم مملكة إسرائيل
من جديد.

4- ملك جديد من سُلالة
داود، سيملك بحسب
مشيئة يهوه، سيد
كلّ شيء.
ب- دور يهوه ومسيحه
34: 1- 31

إنّ إعادة قراءة التاريخ من قبل حزقيال، وتدخُّل يهوه الذي يعلن عنه في ف 17، يدعواننا إلى التنقيب عمّا ينوي النبي إظهاره. إن الحياة الجديدة التي برزت في 17: 22- 24، جرى تعميقها في ف 34 الذي سندرسه الآن.

1- تحديد موضع النص
يبدأ النص بالتعبير النبوي، "وكان لي كلام الرب قائلاً"، والذي نجده أيضاً في بداية النبوءة السابقة (33: 23)، واللاحقة (35: 1- 2). وبالإضافة إلى ذلك، فالكلمة العبرانيّة "آدم" (آ 2) تتكرّر في آ 31، مشكلة تضميناً يحدّد بداية النص ونهايته.

2- البنية الأدبية
* بعض الملاحظات حول آ 7- 8، 16، 31
إن آ 7، 8، بحسب تسيمارلي، مدسوستان لاحقاً ولا تضيفان جديداً إلى الفصل، بل تستعيدان الاتهامات السابقة. وبحسب اسورمندي، إن آ 31 هي أيضاً مضافة لاحقاً إلى النص. وآ 30، بما فيها "كلام السيد الرب"، والعبارة السابقة له، والدالة على الاعتراف بيهوه "سيعلمون انني يهوه، الههم"، هي آية تأتي كنتيجة ملائمة للمجموعة. هذه الظاهرة هي هي في آ 15، ممّا يجعل آ 16، إضافة أخرى. ومن جهة أخرى، فإن هذه الآية تناقض ما ورد في آ 4. لذلك نحتفظ بالمجموعة التالية: 34: 1- 6، 9- 15، 17- 30.
* تفصيل النص
استناداً إلى ملاحظاتنا السابقة، يحتوي النصّ قولين نبويّين. الأولى يقع بين آ 2 وآ 15، والثاني بين آ 17 وآ 30. وبين هذين القولين بالذات، نص مبني بإحكام. بالفعل، إن إ 1- 6 تتهم الرعاة بأنهم أساؤوا معاملة القطيع، وتسبّبوا بتشتّت الغنم، لأنهم لم يهتموا إلاّ بأنفسهم: وكردّ على ذلك، يفصل يهوه الرعاة عن القطيع لئلا يصبح الغنم فريسة الرعاة (آ 9- 10). وبالإضافة إلى ذلك، يهتم يهوه بالذات، بقطيعه (آ 11- 15). سيكون الراعي الذي يخلّص الغنم من الأماكن التي تشتّت فيها، ويعيدها إلى أرضها ويجعلها ترعى بطمأنينة، ويعتني بها بطريفة مخالفة لطريقة الرعاة (آ 4). أما الكلام النبوي الثاني (آ 17- 30)، فهو متصل بأسلوب إنشائي بكلمة "عدل" في آ 16 (التي تستعيد مفردات آ 4). في هذه المجموعة (17- 22) يقيم الله ذاته حكماً بين الغنم. وبعد هذا الفرز الذي قام يهوه به، تبشّر آ 23- 24 براع يقيمه يهوه على رأس الغنم، وهو عبده داود الذي سيرعاها. ويكون يهوه إلهاً لها. وفي النهاية، فإنّ آ 25- 35 تصف معاهدة السلام، والعودة إلى البلاد، والخصب، والطمأنينة والازدهار، ومعرفة يهوه. ويظهر تفصيل النص بوضوح من خلال الرسم البياني التالي:
(أ) 21- 6. وضع سيّىء وتشتّت الغنم بسبب الرعاة.
(ب) آ 9- 10: الله يُبعد الرعاة عن قطيعه لينقذ غنمه.
(ج) آ 11- 5: الله بذاته يعتني بقطيعه ويعيده إلى بلاده (آ 16 انتقالة تدوينية).
(ج ج) آ 17- 22: يرعى الله القطيع، ويقيم نفسه في الوقت ذاته قاضياً بين الغنم. يجب أن يخيّم العدل على قطيع الله.
(ب ب) آ 23- 24: سيرسل الله راعياً جديداً لن يكون كسابقيه: وهو داود خادمه.
(أ أ) آ 25- 30: سيصحّح الله الوضع، وتتمّ العودة إلى البلاد بغية إقامة معاهدة سلام تجمع الله وبيت إسرائيل فوق أرضه بالذات "فيعلمون أني أنا الرب الههم".
* المعنى واللاهوت
من خلال الوصف الدقيق لحالة شعب إسرائيل، تكشف النبوءة لنا عن نبيّ مندمج جداً بتاريخ شعبه. إنه يحلّل الوضع بحدّة ويبرز الأسباب التي أدّت إلى نفي إسرائيل.
يستهدف النبيّ، منذ البداية، رعاة إسرائيل: "... تنبّأ على رعاة إسرائيل" (آ 3). فهؤلاء الرعاة ما عادوا يهتمّون بالشعب بل بأنفسهم وبمصالحهم الشخصيّة، فيسحقون الغنم ويضحّون بها (آ 3). أما آ 4، التي تعارض آ 16، فتستخدم لغة مختلفة تتعلّق بالصلة الشخصيّة بكلّ خروف. وهي أية تنضمّ إلى لاهوت ف 18، الذي يؤكّد أنّ كلّ فرد مسؤول عن خطيئته، وأنّ خلاص الفرد يمكن أن يتمّ بمعزل عن الجماعة. إنّ الله يهتم بكل فرد يشكّل جزءاً من شعبه. وتصرّفات الرعاة السيّئة تصوّر مسؤولي البلاد السياسيّين، كما هي الحال في إر 21: 1- 23: 8. فهم يقودون الشعب إلى التشتّت في أقاصي البلاد، والتشرّد فوق كل الجبال (آ 6). وبالإضافة إلى ذلك، "فإنّ لقب راعٍ" هو من الألقاب الشائعة المعطاة للملوك والآلهة في الشرق القديم. وكذلك الأمر بالنسبة لحمورابي ملك بابل المشهور (القرن السادس عشر ق. م)، والملك الأشوريّ أشور بانيبال (القرن السابع ق. م). إن أشعيا الثاني يعطي اللقب ذاته لكورش، سيد تلك الحقبة (أش 44: 28). ولكن الملوك دُعوا "رعاة" شعبهم، كونهم ممثّلي الآلهة، لأن الإله هو الراعي الحقيقيّ للشعب. وفي إسرائيل، أعطي اللقب إلى الله غالباً كما في تك 49: 24؛ مز 23: 1. ولم يعطَ هذا اللقب لإنسان إلا في نصوص إرميا وحزقيال. نظراً لسوء تصرّف هؤلاء الرعاة، يتدخّل الله ليبعدهم عن قطيعه، لأنهم لم يعودوا جديرين بتمثيل القطيع (آ 7- 10). سينزل الله، فيصدّ الظالم ويقف إلى جانب المظلومين. إنّ الله المتسامي يزيل المسافة الفاصلة، ويهتمّ بقطيعه مباشرة (آ 11). إنّ الأفعال المستعملة في آ 13، مثل "جمع" "أعاد" تذكر بالخروج من مصر (تث 30: 3- 5). يبشّر النبيّ بخروج جديد، وبتحرير الشعب والعودة من المنفى. إن المجموعة 34: 17- 22 تصف عدل الله الذي يحكم بين غنمه (آ 17، 23). فلن يأكل القويّ حقوق الضعيف (آ 20). بعد تسوية الوضع، والعودة إلى البلاد، وإبعاد الرعاة السيّئين، وإقامة العدل بين الغنم، سيقيم يهوه راعياً جديداً هو داود خادمه. وهذا الأخير مدعوّ، دون شك، ليكون ممثّل الله، أي ليرعى قطيعه كما هو مكتوب في آ 16- 22. إنّ صورة داود ترمز إلى الملك المثالّي الذي ينتظره النبي. هذه المسيحانيّة التي سبق أن تحدّث حزقيال عنها في 17: 22، 24، تشير إلى ما ينبغي أن يكون عليه المسيح الموعود. فمصدره من يهوه مباشرة وليس من سلطة بشريّة. ولكن ترميم البلاد متعلّق بعامل أساسي. هو يهوه الذي يعيد الشعب ويجمعه في البلاد. ولن يفعل المسيح سوى متابعة المسيرة، فيملك على شعب إسرائيل "كملك"، "كخادم ليهوه". ويُعطى له هذا اللقب بسبب أمانته في خدمة الله، على مثال داود (2 مل 8: 19؛ مز 18: 1؛ 4: 21)، وأشخاص آخرين مثل ابراهيم (مز 105: 6، 24) أو يشوع (24: 29) الخ... هذا المظهر الدينيّ موجود أيضاً في 17: 23 أ، حيث ورد: "في جبل إسرائيل العالي أغرسه". وهذه الآية تعيدنا إلى الجبل المقدّس في الهيكل (20: 40). هكذا، يجب أن يملك المسيح بحسب مشيئة يهوه الذي يبقى راعي إسرائيل الحقيقي الوحيد.
بعد مجيء المسيح، تأتي معاهدة الإسلام التي ستُعْقَد، كما يبدو، مع الشعب بواسطة خادم يهوه. ويتبع ذلك حياة ازدهار وطمأنينة (34: 25، 27، 28)، وبركات وخصب (آ 26). وفي الوقت المحدّد، سيعرف الجميع من هو يهوه (آ 27).
ج- مسيح واحد لمملكة واحدة، يهوذا وإسرائيل
37: 15- 28

إن الموضوع المسيحاني في ف 17 و34 يتواصل في 37: 15- 28، مؤكدّاً وفاء يهوه بوعوده. وتقسيم إسرائيل إلى مملكتين لا يمكن أن يشكل عائقاً في طريق مسيرة الخلاص: الله الأوحد الذي يقيم مسيحاً وحيداً، يرمّم وحدة إسرائيل، ويرسّخ أساسها على حضور يهوه المقدّس.

1- تحديد موضع النص
تبدأ النبوءة بالعبارة المعتادة عند حزقيال: "وكان إلي كلام الرب قائلاً..." كما في 36: 16؛ 35: 1؛ 38: 1 الخ... والنصّ السابق، 37: 1- 14، (العظام اليابسة)، يخضع لموضوع آخر، كما سنرى لاحقاً، وكذلك الأمر بالنسبة لحزقيال 38، حيث نجد نبوءة ضد جوج ملك ماجوج. لذلك فإنّ 37: 15- 28 يشكّل وحدة مستقلة.

2- بنية النص الأدبية
إنّ القسم الأول من النصّ (آ 16- 19)، يصف عملاً رمزياً نفّذه النبيّ بناء لأمر يهوه. والتعابير "عصا من خشب"، "يدك"، "يدي"، "يوسف وافرائيم"، لا توجد في الفقرات الأخرى من النصّ. ويمكن أن تكون آ 20 وصلة وضعها أحد المدوّنين، لأننا نجد في آ 21 أمراً جديداً بالتكلّم، مع العبارة الكلاسيكية: "هكذا قال السيد الرب". إنّ موضوع الوحدة بين المملكتين والذي تتصوّره آ 16- 19، تعود إلى ذكره الآيات اللاحقة من زاوية لاهوتيّة. وبالفعل، إن الآيتين الأوليتين 21- 22 تناسبان الآيتين 24- 25، إذ تتوسّعان في المواضيع ذاتها: العودة إلى البلاد (آ 21- 25): "الملك الواحد" (آ 22 و24). أما آ 23 فهي الأكثر وقعاً، لأنها تتضمّن العبارة "فيكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً". وهذه العبارة نجدها أيضاً في 36: 28 و37: 27 على أنها الغاية السامية للعمل الإلهيّ. إنّ القسم الأخير من النص (آ 26- 28) يدور حول موازاة آ 26 أ و27، التي تطوِّر معنى المعاهدة المعقودة مع الله مع آ 26 ب، 28 التي تبحث في وجود مقدس يهوه في وسط شعبه. إن الكلمة- المفتاح في آ 26- 28 هي (علم) "إلى الأبد" وتقيم ترابطاً بين موضوع استيطان البلاد إلى الأبد (آ 25)، وموضوع الميثاق الأبدي (آ 26). وهكذا تكون بنية 37: 15- 28 كما يلي:
آ 16: العَصَوان الخشبيتان، واحدة ليهوذا وواحدة ليوسف
عمل نفّذه النبي
أ آ 17 جمع العصوين في يد النبي
آ 19 أ: يهوه يأخذ العصيين
آ 19 ب: جمع العصوين لتصبحا عصا واحدة في يد يهوه.
آ 21: إعادة بني إسرائيل إلى أرضهم
آ 22: ملك واحد، شعب واحد
آ 23: إنقاذ الشعب وتطهيره "وأنا أكون
ب لهم إلهاً" "تعبير الميثاق".
آ 24: "ملك واحد" سيكون داود
آ 25: استطيان البلاد المعطاة ليعقوب، أي العودة إلى
أرضهم التي يجب أن يملك داود عليها وهو خادم يهوه.
آ 26 أ: الميثاق (إلى الأبد)
أ أ آ 26 ب: يهوه يقيم بيت قدسه في وسطهم (إلى الأبد)
آ 27: توضيح مضمون الميثاق: الههم/ الشعب
آ 28 مقدسي في وسطهم (إلى الأبد).
إنّ 37: 15- 28 مبنيّ إذن بشكل خطّين متوازيين (آ 16- 19 وآ 26- 28) يحيطان بتصالب محوري واحد (21- 25). وهذا ما يكوِّن الرسم البياني التالي:
(أ)- 1 (16- 17)
2 (19 أ- 19 ب)
ب (21: 25)
(أ أ)- 1 (26 أ- 26 ب)
2 (27- 28)

3- المعنى واللاهوت
كما يبدو من الرسم البيانيّ السابق، جرى التعبير عن الفكرة الرئيسيّة في وسط النص: وهي الاعتراف بأن يهوه هو إله إسرائيل، وأن إسرائيل شعبه (آ 23).
تتضمّن آ 16- 19 عملاً رمزياً أمر الله حزقيال بتنفيذه أمام أعين الشعب؛ على حزقيال أن يأخذ عصوين من الخشب، يكتب على الأولى "ليهوذا ولبني إسرائيل رفقائه"، وعلى الثانية "ليوسف وكل بيت إسرائيل" (آ 16). وبطريقة معبرِّة ذات مغزى، يسمي النبي مملكة الشمال "يوسف"، محتفظاً باسم "إسرائيل" للشعب كله (رج آ 28). "هذا الأمر يتوافق تماماً مع الواقع التاريخي: إنّ سبط يوسف ("بيت يوسف" بحسب بعض النصوص)، كان بالفعل النواة التي تأسّست حولها السلطة ومملكة الشمال". وبالتالي ليست "يهوذا" سوى مملكة الجنوب، والعصوان الخشبيتان يُحتمل أن تكونا لوحين عليهما كتابة. في آ 17 يجب جمع ما كان منقسماً، "فتصيرا واحدة في يدك". تشرح آ 19 معنى العمل الرمزيّ أمام الشعب الشاهد الذي يرى في العمل تدخّل يهوه ذاته: سيجمع الله المملكتين لتصيرا مملكة واحدة "في يده". إنّ فكرة إعادة توحيد المملكتين تتكرّر غالباً عند الأنبياء (رج هو 2: 2؛ 3: 5؛ أش 11: 13؛ مي 2: 12). ولكن التحليل اللاهوتي الذي يلي العمل الرمزي، يتمادى في تعميق الرجاء. أما الأفعال الخاصة بيهوه فقد وردت بصيغة المتكلم مباشرة: "آخذ"، "أجمع"، "آتي بهم"، "أخلِّص"، "أطهّر"، أُعطي" (آ 21، 23، 25). يشير حزقيال إلى تدخل يهوه الفاعل لصالح إسرائيل الذي سيرجع إلى أرضه ويجتمع عليها. ويُضَمُّ إلى العودة شرطٌ ثانٍ يساهم، هو أيضاً، في توحيد المملكتين، وهو الملك الواحد (آ 22). وقد وُصف هذا الملك بألقاب ثلاثة: داود، رئيس، وراعٍ (آ 24). فداود، كخادم ليهوه، يرمز إلى الزمن المسيحاني، بقيام بيت داود، في خط 34: 23- 24 و17: 1 ي. وكلمة "راعٍ" تذكّرنا بالراعي الصالح في ف 34. أما كلمة "رئيس" فيبدو أن النبي يستعملها دون أن يميّزها عن كلمة "ملك" (آ 22). وبالفعل، لا تدل آ 22 على أي تردّد حول الوضع الملكي "للرئيس". "أما تلاميذ النبي فقد فضلوا لقب "رئيس". فهو قديم، ويجنّبهم الذكريات السيئة المرتبطة بملكوك إسرائيل. ومن المحتمل، أن يكون ذلك سبباً، استعملت لأجله كلمة "رئيس"، في ف 40- 48، للدلالة على المسؤول المستقبلي عن الجماعة التي أعيد جمعها وتوحيدها". سيعود الشعب إلى الأرض التي اعطيت ليعقوب، ولن يتركها إلى الأبد (آ 25). وهكذا تلخّصت استمرارية العهد الذي اعطي للآباء الاوائل. إنّ أزلية هذا العهد مدوّنة في إطار الميثاق: "فيكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً" (آ 23). هذا الميثاق يفرض "الأمانة" و"التطهير" من كل رجاسة" ومن كل "معصية"، ويهوه يخلصهم منها جميعاً (آ 23). من هنا إمكانية الخضوع لعادات الله، والتقيّد بشرائعه والعمل بموجبها. ولعيش الميثاق، يجب أن يحسّ شعب الله بمسؤوليته عن الإلزامات الأخلاقيّة والدينيّة التي عدّدها النبي. وفي القسم الأخير من النص (آ 26- 28) يعقد "ميثاق سلام" بين الله وشعبه، ويكون هذا الميثاق أبدياً (آ 26 أ- 27). ومن المناسب التذكير، أن فعل "كثّر"، في العهد القديم، (آ 26)، يصف غالباً البركة كما هي الحال في تك 16: 10؛ 26: 24؛ خر 32: 13؛ تث 13: 18؛ أش 51: 2؛ إر 33: 32. إن علامة الخصب تدلّ على أن الله يعمل دائماً ويواصل تحقيق الوعد المقطوع للآباء الأوائل: "ويكون مسكني فوقهم". وبحسب إر: 31: 23: "يا مسكن البر، يا أيها الجبل المقدّس"، وبحسب مز 78: 68...؛ 132، 13: 18؛ وبحسب حز 20: 40: لا يمكن أن يكون هذا المسكن سوى جبل صهيون، عندما يعود الله إلى الهيكل. إن "المقدس" المشار إليه مرتين في آ 26 ب و28 يدلّ على تقديس الشعب "إلى الأبد". أما قيام إسرائيل ومجيء الزمن المسيحاني، فلا يُلغي وجود أمم أخرى ستعترف بيهوه، دون أن تنتمي إلى شعب إسرائيل (17: 24؛ 34: 29، 30؛ 37: 28).
إن "تقديس" إسرائيل، يعني فصلها عن الأمم الأخرى، وتكوينها كمسكن الله الخاص. "إن حضور الله الفاعل، يمنح الشعب قداسة طقسيّة، بالإضافة إلى كرامة حقة تفرض عليه القداسة الأخلاقية؛ من أجل تقديم الشعب وضعَ يهوه الشريعة (لا 22: 31 ي) وأعطى للشعب ما يميّزه عن باقي الشعوب بالإضافة إلى الضمانات الإلهية (أش 41: 14- 20؛ 54: 1- 5)، والعزة (أش 43: 3- 14؛ 49: 7؛ حز 17: 22- 24)، والرجاء الذي لا يُقهر (مز 60: 9- 14)". "وليكمّل حزقيال (نبوءته)، صرّح أن هذا الحضور الملكيّ، المهم بلا شك، (37: 22 و24) هو ثانويّ للغاية. وما يميّز الجماعة الجديدة ليس تكوينها المتعلق بسلطة ملكية واحدة بقدر ما هو توثيق العلاقات التي سيطوّرها الله مع تلك الجماعة"، كما أشرنا سابقاً.
إذا كانت مسيحانيّة حزقيال التي درسناها، قد أُعدِّت على ضوء الأحداث والصعوبات التي عاشها النبي وشعبه، يبقى سؤال حول أول هذه المسيحانيّة.
د- ينابيع مسيحانية حزقيال
2 صم 7: 1- 17

إن المسيحانيّة التي أعلنها حزقيال النبي في ف 17، 34، 37، هي متأتيّة دون شك من إِرث التقليد. إِنّ نبوءة ناتان، في العهد القديم (2 صم 7: 1- 17) هي نقطة الارتكاز، وأساس كل رجاء مسيحانيّ داوديّ. وهذه النبوءة، سيعلنها ويستعيدها ويطوِّرها الأنبياء أشعيا وإرميا وحزقيال، قبل اتصالها الرؤيوي بالصورة التي رسمها دانيال عن "ابن الإنسان".

1- عرض أدبي
يقسم 2 صم 7: 1- 17 إلى ثلاثة أقسام. تشكّل آ 1- 3 مقدِّمة تظهر داود الذي بعد أن سكن واستراح، نوى بناء بيت لتابوت العهد في أورشليم. وهذه المدينة ستكون علامة الوحدة السياسيّة والدينيّة للمملكة. فوافقه ناتان على القيام بذلك. ولكن في آ 4- 16، كلَّم الله ناتان ليلاً. فرفض الله طلب داود، لأنّه هو سيبني له "بيتاً". وفي النهاية، تلخّص آ 17 الخبر، بنقل جواب الله إلى داود.

2- الإطار اللاهوتي
بحسب لاهوت العهد القديم، "لا تتوقّف رسالة النبي عند سامعيها الأولين، فهي كإسرائيل تماماً، تستمرّ عبر الأجيال، حتى وان تغيّرت، من حين لآخر، الظروفُ التاريخيّة المرافقة لها. إنّ القناعة الأساسيّة الكامنة وراء مسار التغيير هذا، هي أنّ الكلام النبويّ، إذا أطلق مرّة، لا يمكن إلغاؤه بأي حال من الأحوال".
في هذا الإطار، ينتمي 2 صم 7 إلى مسار يجعل صورة داود مثاليّة، ويسير متصاعداً، من نسبة المزامير لداود إلى عمله الرمزيّ في كتاب أخبار الأيام. وفي قصة "مسحة داود"، يعلن الله في 1 صم 16: 1 "رأيت لي في بيته ملكاً". يشير 2 صم 5: 12 إلى أن "داود علم أن الرب قد أثبته ملكاً على إسرائيل وانه قد رفع ملكه من أجل شعبه إسرائيل". 2 صم 7 هو في الوقت ذاته نتيجة وانفتاح على المستقبل. سيبني يهوه "بيتاً" مستمراً لداود، ويلغي بيت شاول (2 صم 6: 23؛ 7: 15). إنّ المواضيع الأساسيّة لهذه "المَسحَنة" لصورة داود هي: ان يهوه أقصى شاول وبيته (1 صم 16: 14؛ 2 صم 1: 4 إلخ...)؛ إِن داود لم يسعَ للتسلّط على إسرائيل (1 صم 20: 1، 32؛ 24: 1 ي؛ 2 صم 1- 2)؛ ولهذا اختاره يهوه وأتاح له بأن ينجح (1 صم 16: 18؛ 17: 37؛ 2 صم 5: 10). وبالإضافة إلى ذلك، فإن شرعية داود قد تأمّنت بطرق عديدة، 2 صم 2: 4 (رجال يهوذا مسحوا داود ملكاً)، و2 صم 5: 3 (جاء جميع شيوخ إسرائيل.. ومسحوا داود ملكاً).

3- اللاهوت
يوصف ارتقاء داود وكأنه مقرّر وموجّه من قبل يهوه بالذات. أعلن الله إرادته إذ اختار داود ملكاً. و2 صم 7 هو نقطة الوصول إلى الهدف. نجد في هذه النبوءة مسارين متحازيين. فالماضي والحاضر يتحدّثان عن داود وتتويجه ملكاً بمساعدة الله، والمستقبل يسجِّل رجاء إسرائيل على خانة سلالة داود. وعندئذ فإن كل ملك متحدّر من داود يصبح بدوره "المسيح" الحالّي الذي به يتمّم الله مخطّطاته تجاه شعبه. وفي آ 8- 11 ب، اختيار داود ملكاً وراعياً وحيداً، يبقى مختصاً بيهوه وحده. فانتصارات داود هي من عمل يهوه الذي "قرض جميع أعدائه" (آ 9 أ). إن "الاسم" العظيم الذي سيُعطى له، يشبه اسم أكبر عظماء الأرض. هذه الوعود التي تخصّ داود ذاته، يتبعها وعدٌ يخصّ بيت داود الذي سيقيمه يهوه (آ 11 ج- 16). إنّ العلاقة بين الأب والابن ترمز هنا إلى الميثاق السابق بين الله وسلالة داود، وهو ميثاق لا يستطيع تدميره حتى العقاب في حالة عصيان إرادة الله، "فمملكته تدوم إلى الأبد"، (آ 16). وقد تأكّدت أيضاً شرعية الملك الذي يخلف داود، لأنه هو أيضاً ينتمي إلى سلالة يرعاها الله إلى الأبد.

4- 2 صم 7: 1- 17 والنبي حزقيال
يستعيد حزقيال الفكرة الأساسيّة في نبوءة ناتان: الله هو سيّد الموقف، يرتّب كل شيء، البلاد والشعب والملك المثالي. ولكن النبي يؤوِّن هذه الفكرة على ضوء لاهوته والوضع السائد في عصره. "عبدي داود" تشير إلى إلزام الملك بتصرّف دينيّ وأخلاقيّ (2 صم 7: 8؛ حز 34: 23، 24؛ 37: 24، 25). "الغنم" (2 صم 7: 8 ب)، هو موضوع عزيز على قلب حزقيال الذي يستخدمه ليتحدّث عن قطيع يهوه في ف 34، حيث يجمع الله قطيعه من جديد، ويقيم على رأسه "راعياً" (آ 23 و37: 24). وكلمة "رئيس" (2 صم 7: 8 ب)، استُبدلت بكلمة "راعي" لتكون ذات صلة بموضوع "الغنم". ويعود أمر اختيار هذا الراعي ليهوه (ف 34؛ 37؛ 17). "أقطف نبتة صغيرة". "أقيم". وستكون للشعب أرضه ولن يكون مسحوقاً ولا مضطهداً. إن هذا الموضوع المستعاد من 2 صم 7: 10 جرى تعميقه عند حزقيال في 34: 13، 14، 26، 28، 29؛ 37: 21- 25؛ 17: 22- 24. وتشكّل العودة إلى البلاد شرطاً ضرورياً للدلالة على اقتراب الزمن المسيحاني. بالواقع، هل لشعب بدون أرض هويّة واضحة بالنسبة للأمم الأخرى؟
وهكذا استعاد حزقيال نبوءة ناتان وأوَّنها ليُحييَ الرجاء في نفوس المنفيّين الذين فقدوا كل شيء: (الأرض، الهيكل، والملك). وإنّ الله، الأمين على العهد، لن يستمرّ في معاقبة بيت داود إلى الأبد (رج 2 صم 7: 15)، بعد أن ضرب هذا البيت، في عصر النبيّ، بشخص ملك من سلالة داود. يجب التذكير هنا أنّ حزقيال يحسب سنوات المنفى ابتداءَ من عهد الملك يوياكين، وكأنه لا يعترف بأيّة شرعيّة لصدقيَّا، ويشارك في الرجاء الذي يعبِّر عنه الفصلُ الأخير من سفر الملوك (جَعل كرسي يوياكين فوق كراسي الملوك في 2 مل 25: 27- 30). إنّ موضوع الميثاق الأبدي (37: 25- 26) وارتباطه بإعادة بناء بيت المقدس (37: 26 ب)، يعود إلى الموضوع المزدوج في 2 صم 7: 13، 16. وهكذا يسهر الله إلى الأبد على تحقيق وعده. وأخيراً، فإن الزمن المسيحانيّ سيعني مملكتَي الشمال والجنوب، المجتمعتَين سياسياً تحت سلطة راعٍ واحد، ودينيّاً حول مقدس واحد (34: 1؛ 37: 26- 28). فالشعب سيعيش في ازدهار وطمأنينة، معترفاً بانتمائه إلى يهوه، إله إسرائيل (37: 27؛ 34: 30؛ 17: 24) وهذا الاعتراف يفترض ارتداد إسرائيل باستمرار عودته إلى الله.
إنّ تأوين نبوءة 2 صم 7: 1- 17 ينتمي إلى تقليد نبويّ. وإنّ موقع داود في الأقوال النبوية (هو 3: 5؛ أش 9 و11؛ إِر 23 و33؛ حز 34: 23...) يؤكّد حبّ الله لشعبه وغيرته عليه (أش 9: 6) وأمانته للميثاق (إِر 33: 20 ي). إنّ ذكر الوعد الداودي لم يتوقّف مع حزقيال، بل استمرّ مع أش 55: 3؛ حج 2: 20- 23؛ زك 3: 8؛ 6: 12. إن زربابل الداودي سيُحتفل به "كخاتم" (حجاي) أو "غصن" (زكريا). وهذا ما يتجاوب مع أش 11: 1- 2، وخصوصاً مع إِر 23: 5؛ 33: 15. وزمن السَبي الذي ترمز إليه صورة كنيا (إِر 22: 24)، إنتهى مع زربابل (حج 2: 23)، وهكذا اكتمل ترميم بيت داود.
هـ- حزقيال ومسيحانية أشعيا

أ- أش 9: 1- 6؛ 11: 1- 9
بعد قراءة ودراسة نصوص حزقيال 17؛ 34؛ 37: 15- 28، نتجرّأ على القول إن هذا النبي استخدم بشكل بارز المسيحانيّة التي توسَّع النبي أشعيا في الإشارة إليها أيّام الملكين آحاز وحزقيا. ولكنّ أشعيا أعلن رجاءَه المسيحاني في إطار مغاير لإطار حزقيال.
إن أش 9: 1- 6 يعود إلى حقبة الحرب الأراميّة- الإفرائيميّة، ساعة أصبحت مملكة الشمال مقاطعة أشورية، حوالي السنة 733 ق. م. (أش 8: 23ب). فَقَدَ أحاز شعبيّته بسبب موقفه من آشور. وعلَّق أشعيا رجاءَه على حزقيا، خليفة أحاز. فحزقيا أُعلن ملكاً، متحدِّراً من سلالة داود. ويطلُّ 2 صم 7 من جديد ليؤكّد إستمراريّة الوعد الذي يكوّن، عند أشعيا وحزقيال، إيديولوجية ملكيّة مبنيَّة على ضوء النكسة التي حلَّت بإسرائيل. إنه إيمان يعبِّر عن ثقة متينة بيهوه، صانع العهد. في أش 9: 1- 6، يرتِّب النبي وصفاً للملك المخلِّص الذي يجب أن يأتي: فهو "مشير قدير"، وملك مخلِّص سيجعل "العدل والحق" يسودان فعلاً. إن حز 21: 32 يرمز إلى مجيء هذا الملك، "بالنور" الذي يعني الخلاص كما في 2 صم 23: 3- 4، و"بالفرح" إشارة إلى تتويج الملك: 1 مل 1: 40 (سليمان) و2 مل 11: 14، 20 (يوآش)، وبتلاشي الظلم. وفي أش 9: 5 يشير الولد إلى شخص الملك عند تتويجه، أي لحظة تبنّي الله لهذا الملك: إن الله أعطى ابناً. في آ 15 يشير أشعيا إلى أزليّة سلطة هذا الملك، وينسب إليه ألقاباً كثيرة: ملك السلام، الإله القويّ إلخ... ويوضح، في النهاية، أن هذا الملك يتحدّر من سلالة داود. كما أن نصّ أش 9: 1- 6 و11: 1- 9 يحتويان عرضاً مسهباً يستعيد المواضيع ذاتها تقريباً لدرسها بشكل أوسع. في الواقع، إن "الغصن" المنبثق من فرع يسَّى، لا يمكن إلاّ أن يكون متحدّراً من سلالة داود، وقد مسحه "روح يهوه"، وأعطاه روح الحكمة، والمعرفة، ومخافة الله، والحكم العادل. ويتبع ذلك لوحة فردوسيّة تشير إلى السلام الذي سيحلّ محلّ الآلام والعنف، وقد قاست البشريّة منها منذ بداية الخلق، (تك 3: 15؛ 9: 2- 3). ونضيف إلى هذا الإطار الخلاصّي "معرفة يهوه" التي ستعمُّ البلاد.
في الواقع، إن الخلاص الذي أعلنه أشعيا يعيد تجميع العناصر التي تناولها حزقيال مجدّداً فيما بعد. وأول هذه العناصر التاريخ الذي لن ينغلق أبداً مع يهوه. فالمستقبل مفتوح دائماً أمام شعب الله (أش 8: 23 ب؛ حز 17: 34؛ 37: 15- 28). وإذ أراد أن يعلن بشكل جيّد حلول الخلاص وقوَّته، توسَّع أشعيا في شرح أربعة أقطاب جوهرية بالنسبة للشعب اليهودي وهي:
- تأمين إزدهار الشعب
- إزالة الظلم
- حماية الأرض
- الداودي الذي يجب أن يتوَّج ليُحِل السلام (أش 9: 1- 6).
إن "يهوه الصباؤوت الغيور" على شعبه، سيسهر على تحقيق هذه الأمور إلى الأبد. وفي أش 11: 1- 9، يُبرز النبي نشاط "الغصن" (آ 1)، الذي سيتصرّف بأمانة وعدل، (آ 3، 4)، بفضل "روح يهوه"، (آ 2) الذي سيساعده على مصالحة أبناء البلاد فيما بينهم (آ 6، 8). إن الوعد بالخلاص، في هذه الحالة، يرقى إلى الخلق، ويمرّ بالصورة المثالية للملك الذي يكون وسيلة الله لاستحضار الزمن المسيحاني. وسيختفي الشّر والعنف من الجبل المقدَّس الذي يمتلىء من معرفة يهوه؛ إن ارتداد الشعب إلى إلهه، عامل مهمّ لحلول الخلاص.
في هذا الإطار يوسِّع حزقيال عمل يهوه الذي يعيد كل شيء: وحدة المملكتين، العودة إلى البلاد، العدالة بين أفراد الشعب، عيش العهد بتنفيذ الشريعة، مَلك من سلالة داود يحكم كخادم ليهوه. سيعيش الله وسط شعبه.
في الواقع، إن صورة الملك لم تكن أبداً موضع اهتمام كبير عند حزقيال، والناحية العامة في لاهوته هي تدخّل يهوه لتبديل حياة الشعب، ومساعدته على معرفة إلهه، والعيش كشعب خاص به. وبعد هذا، تكون الحياة الجديدة، بالنسبة لحزقيال، ممكنة مع إله العهد.

2- إرميا، صلة الوصل بين أشعيا وحزقيال، إر 23: 1- 8؛ 33: 14- 26
إستناداً إلى دلائل كثيرة موجودة في نبوءتَي حزقيال وارميا، نلاحظ أن إحداهما عرفت الأخرى. بالفعل، إن صورة "الرقيب" (حز 33: 1- 9؛ إر 6: 13)، وانتقاد الأنبياء المعاصرين لحزقيال وإرميا (حز 15: 5 ي؛ إر 11: 14)؛ وصورة الامرأتين اللتين تمثّلان إسرائيل ويهوذا (إر 36: 13؛ حز 23) حاضرة كلّها عند الاثنين. وبالإضافة إلى ذلك، فإرميا (627- 587) وحزقيال (593- 571)، يمكن أن يكونا قد عايشا الأحداث ذاتها، خاصة مرحلتَي السبي إلى بابل. من هنا أمية القول إن النبيّين تحدّثا عن المسيحانيّة إنطلاقاً من الخيبات ذاتها: المنفى ورحيل يواكيم، وقيام صدقيا وتآمره مع المصريّين ضد ملك بابل، وأخيراً مرحلة النفي الثاني.
في إر 23: 1- 8 وفي حز 34، يستعمل النبيَّان الصور ذاتها: النعاج الضالّة، البقية إلخ... والأفعال ذاتها "جمع" و"أعاد". وذلك من أجل إدخال الموضوع المسيحاني. في ف 34، يتوسّع حزقيال فوق ذلك في دور يهوه الذي يتدخّل ليحكم بين النعاج ويعتني بكل منها. ولكن إرميا يتقن التحدّث عن المسيحانية بصورة أقوى، بالرجوع إلى طريقة أشعيا في كلامه على العمانوئيل. سمّى أشعيا المولود الجديد "عمانوئيل"، وسمّاه إرميا "الرب- بِرُّنا" (إر 23: 5- 6). ويصف إرميا الملك ويَصِله بسلالة داود: إنه ذكي، وعاقل، ويحكم باستقامة وعدل. إن الزمن المسيحانيّ، عند حزقيال وإرميا، يجب أن يكون زمن خلاص للمملكتين (آ 6). و"سيتم إنقاذ يهوذا، ويسكن أرض إسرائيل بأمان". وبما أن هناك ملكاً واحداً بحسب النبوءة (إر 23: 1- 8)، فيهوذا وإسرائيل ستتوحّدان كما في حز 37: 15- 27. والعودة إلى البلاد، في إر 23: 7- 8 تبشّر بخروج جديد وتعلن يهوه سيداً للموقف. وفي ما عدا ذلك يتضمّن إر 33: 14- 26 إلحاحاً على أن يهوه سيحفظ سلالة داود على عرش الملك. في الواقع، تشير سلالة داود إلى وعد قُطع في الماضي، وعهد قد أُبرم. والعهد والوعد يخصّان بيت إسرائيل وبيت يهوذا في الوقت ذاته (آ 14). بخلاف حزقيال، يذكر إرميا بوضوح الفرق بين وظيفة الملك ووظيفة الكهنة. إن الطابع التيوقراطي مسيطر عند حزقيال. ففي حز 34، يستبدل يهوه الكلّ براعيه الوحيد "داود خادمي" (حز 34: 23 ي؛ 37: 24 ي). ويستعمل إرميا التعبير ذاته: "داود خادمي" (33: 21 ي)، ليُضفي عليه مهمّة كهنوتيّة. كما يعود ويؤكد في 30: 9: "يخدمون الربّ إلههم وداود ملكهم الذي أُقيمه لهم". "إن التأكيد على استطاعة الملك التقرّب من يهوه، يشكل جزءاً من سلسلة الشهادات التي تشير إلى العلاقات الحميمة التي تجمع "مَن مُسِح ملكاً" بيهوه، ومشاركة "الممسوح في التدبير الإلهي".
لكن إرميا يهتم بالخلاص الأرضيّ. فالله سيتدخّل، ويُعيد المسبيّين، ويحفظ سلالة داود، ويتذكّر عهده، ويُنشىء حياة جديدة لصالح المنفيّين ويجعلهم يعيشون بأمان، ويتكاثرون وتخصب أرضهم. وبعكس ذلك، يذهب حزقيال إلى أبعد من إرميا فيذكر إستمراريّة الحدث والزمن المسيحانيّ. أما إرميا فيذكِّر بالعهد، ويرجع إلى إبراهيم واسحق ويعقوب (33: 26)، بينما يذكر حزقيال يعقوب ويتحدّث عن ميثاق سلام يكون أبدياً بين يهوه وشعبه الموحَّد (37: 27 ي). وأخيراً، فإن الزمن المسيحانيّ، عند حزقيال، يتعلّق بصلة الشعب بإلهه، أكثر من تعلّقه بسلالة داود وموقعها الأساسي على رأس القطيع. ينتج عن ذلك أن تاريخ الخلاص، كما قرأه حزقيال، يُظهر بوضوح هذا الرباط الحميم بين يهوه وشعبه الذي سيعرفه وسيتقدّس بحضور الله في وسطه.

3- تأثير مسيحانية حزقيال على العهد الجديد
إن موضوع المسيحانيّة، الذي لم يوسّعه حزقيال كفاية، لاقى صدى ملحوظاً عند الإنجيليين. ويستعيد متّى أقوال حزقيال ليطبّقها على المسيح (13: 32). إن ملكوت السماوات يبدو صغيراً عند ظهوره ولكنّه عظيم عند اكتماله. إن الانتظار المسيحاني في حز 17: 22- 24 ودا 4: 12 و21 يبلغ مِلأه مع مجيء يسوع المسيح (مت 9: 36).
في حز 34، يجد متّى ولوقا عناصر ضرورية للتعبير عن إرادة الآب القاضية بعدم تضييع النعجة الضالة (رج مت 18: 12- 14؛ لو 15: 4- 7؛ ق مع حز 34: 4 ب). إن النعجة الضالة، بالنسبة للإنجيليين، هي صورة تطبَّق على الخطأة. فالآب يعلن بالمسيح عطفه، ويحيي الخطأة. يتحدّث يوحنا في إنجيله عن الراعي الصالح الذي بشَّر به حز 34. ولكنّه يُلصق المظهرَين الإلهي والبشري بيسوع. والقطيع في حز 34، يخصّ يهوه الذي يحقّق له الخلاص. أما المتحدّر من سلالة داود فالله يرسله ليكون على رأس القطيع ويقوده إلى المراعي. ويسوع، بحسب يوحنا، يمثّل المسيح المنتظر الذي تعود له كل النعاج. إنه "الراعي الصالح"، ينبوع الخلاص لقطيعه. والراعي الواحد هو رمز لوحدة القطيع: هذا الراعي هو المسيح. وفي حز 37: 15- 28، توحّدت مملكتا الشمال والجنوب في مملكة واحدة، يحكمها ملك واحد من سلالة داود. وبالمقابل، فإن وحدة القطيع في يو 10، تتخذ بُعداً كونياً (آ 16)، لأنها تطال العالم الوثني.
إن تجميع المختارين من الرياح الأربع سيحصل، بحسب متّ، عند مجيء ابن البشر (مت 24: 31؛ 25: 32). وهذا الأمر يعني كل البشر، لأن الخلاص في الزمن العتيد (الاسكاتولوجي)، سيُعلن بشكل كونيّ شامل. أما في حز 34: 13، فالمقصود هم بنو إسرائيل المنفيّون والمشتّتون في البلدان المجاورة. إن الكونيّة، عند متّى، تتجاوز الخصوصيّة اليهوديّة (رج تث 30: 4؛ زك 2: 10: نح 1: 9؛ حز 37: 9).
إن الحكم بين النعاج والنعاج (حز 34: 17 ي)، بحسب مت 25: 32- 34 سيتحقّق عند مجيء ابن البشر. وسيأتي المسيح كملك ليدخل الأبرار في ملكوته.
إنا "الماء" في حز 36: 25، هو وسيلة ليتورجية تُستعمل لتطهير الإنسان من "نجاساته". وبالنسبة ليوحنا، يجتمع الماء غالباً مع الروح القدس ويكون علامة حياة وولادة جديدة (يو 3: 5؛ 4: 14). ويسوع هو الينبوع (الروح) والماء المحيي. أما بالنسبة لحزقيال، فإنَّ الله يعطي روحه بعد تطهير الإنسان النجس بالماء، وبعد التبدّل في قلبه وروحه. إن السير بحسب الشرائع، وممارسة عادات يهوه، هي علامة لحضور فعل روحه في الإنسان (36: 25- 27). نجد الفكرة ذاتها عند يو 3: 23- 24، مع زيادة في التوضيح.
إن وصايا الله إثنتان: الإيمان بابنه، ومحبة الواحد للآخر، ليكون الله فينا ونحن فيه. ونحيا هذا الإيمان، بفضل عطية الروح الذي يستحثّ إيماننا بيسوع، ومحبّتنا الأخوية.
الفصل الثالث
روح جديد وأرض جديدة

بدت المسيحانيّة لنا كتعبير من تعابير الخلاص عند حزقيال. فبأيَّ تعابير أخرى سيحقّق يهوه وعده؟ بإعادة شعبه إلى وطنه، ليسير بحسب شرائع الله، ويمارس عاداته، لأنه سيعود ليكتشف الحضور الإلهي في وسطه.
أ- على جبال إسرائيل
36: 16- 38

1- الإطار الأدبي
يشكّل 36: 18- 38 جزءاً من مجموعة الأقوال النبويّة والرؤى بعد سقوط أورشليم، سنة 587 ق. م. إنّ النبوءة السابقة تتضمّن أقوالاً نبويّة مُوجَّهة إلى جبال إسرائيل. حيث يتعلّق الموضوع بإعادة إسرائيل إلى بلاده، وتخليصه من "استهزاء" الأمم (36: 1- 15). إنّ ازدياد عدد السكان على أرضهم، وترميم البلاد، يهدفان إلى خلاص الشعب ومعرفته ليهوه (آ 11). أمّا النص الثاني، (37: 1- 14)، فيصف عظاماً يابسة ويوحي بوضع إسرائيل الحالي، قبل قيام روح يهوه. وهكذا، فإنّ 36: 16- 38 يقع في مجموعة متمحورة حول عطيّة الروح كباكورة العودة من المنفى.

2- تحديد موضع النص
يبدأ النص بالعبارة النبويّة المعتادة عند حزقيال: "وكان إليّ كلام الرب قائلاً:..." (آ 16). ومن ناحية أخرى، فإنّ 37: 1 يقدِّم نموذجاً آخر من التعبير الذي يستعمله النبيّ ليبدأ معظم رؤاه، كما في 1: 3. وكلمة "ادم" موجودة في 36: 1 وفي نهاية الفصل (آ 38). وتشكّل تضميناً، بحيث توضح حدود مجموعة حز 36: 16- 38. وأخيراً، فعبارة "يقول السيّد الرب" تختتم عدَّة نصوص في سفر حزقيال، كما في 35: 15 ب؛ 37: 14؛ 37: 28 الخ... إذن، إنّ حزقيال 36: 16- 38 يشكّل وحدة، متميِّزة بنوعها الأدبي عن الوحدة التالية (37: 1- 14).

3- البنية
يقسم 36: 16- 38 إلى أقسام عديدة، فيبدو محكم البناء.
إنّ آ 16- 17 أ تفتحان النبوءة لتكشفا الرسالة وتشهدا على أنّ الكلام الذي ينقله حزقيال صادر عن الله. أما في آ 17 ب- 19، فالتعابير: "نجسّ"، "أفعال" "طريق أو سلوك"، تتكرّر عدّة مرات، والمقصود هو التشُّرد في البلدان الغريبة بسبب السلوك السيىء لبيت إسرائيل. وتتجاوب آ 20، 24 من خلال التناقض بين التعابير: "... خرجوا من أرضه" و"آتي بكم إلى أرضكم". إنّ اللهجة ضمن آ 20- 24 تركّز على "الإسم القدّوس" ليهوه، إذ يتكرّر التعبير عنه أربع مرات. وكلمة "نجاسة" الموجودة في آ 25 و29 أ، تشكّل تضميناً آخر يسمح بالتمييز بين آ 25- 29 أَ وآ 24، 30. إنّ نجاسات الشعب، المذكورة في الآيات 17- 19، قد تطهّرت في الآيات 25- 29 أَ. ينتج مما تقدّم أنّ هاتين الفقرتين الأخيرتين تتجاوبان، وتحيطان بالآيات 20- 24. وهكذا، نجد أيضاً تصالباً مبنياً بحسب الرسم البياني التالي:
(أ) 17- 19 شعب نجس.
(ب) 20- 24: الله سينقذ إسرائيل لأجل "اسمه القدوس".
(أ أ) 25- 29 أ تطهير الشعب النجس.
إنّ الفعل "كثّر" في 29 ب 30 و37 يحيط بقسم ثانٍ من النص هو 29 ب- 38. ففي البداية إنّ الآيات 29 ب- 32 تظهر يهوه يُكثِّر الحنطة والثمار ليتلافى مجاعة شعبه. ثم تأتي آ 33- 36 لتذكِّر بالمدن التي ستصير مأهولة في البلاد، بعد تطهير الأمم وشهادتها للرب. وأخيراً، فإنّ الشعب سيتكاثر ويجتمع في اورشليم (آ 37- 38). وهذا ما يَظهر في رسم بيانيّ جديد:
(أ) 29 ب- 32: تكثير الحنطة، تلافي الجوع، دعوة إلى الإرتداد.
(ب) 33- 36: مدن مأهولة، وشهادة الأمم.
(أ أ) 38- 37 نموّ الشعب في أورشليم/ معرفة الرب.
إذا كانت آ 17- 29 أ تحتوي الوعد بالخلاص، والسبب الذي سيجعل يهوه يعمل، فإنّ آ 29 ب- 38 تصف الإنجاز المنظور لهذا الخلاص، وترميم بيت إسرائيل على أرضه.
يمكن أن نقدّم نظرة عامة إلى 36: 16- 38:
17- 19 (التشتت) 37- 38 (إعادة توحيد البلاد)
20- 24 (ليس لأجلكم أنا صانع) 29 ب- 32 (ليس لأجلكم أنا صانع)
25- 29 أ (تسكنون الأرض التي أعطيتها 33- 36 (لتُسكن المدن)
لآبائكم (صارت كجنة عدن/ وصارت
محصّنة معمورة).
(أ)- 17- 19 "شتّت"
(ب)- 20- 24: "ليس لأجلكم أنا صانِع"
(ج)- 25- 29 أ: "سكن" 
(ب بَ)- 29 ب- 32: "ليس لأجلكم أنا صانع"
(ج جَ)- : 33- 36: "سكن" 
(أأَ)- 37- 38: "جَمَعَ".
هذا الرسم البيانيّ يُظهر لنا تقاطعاً متصالباً محاطاً بتضمين: 20- 24//29 ب- 32 مع العبارة "ليس لأجلكم أنا صانع؛ 25- 29 أ// 33- 36 لأنّ فعل "يسكن" ورد في الفقرتين. وأخيراً، 17- 19// 37- 38 وهما تتجاوبان من خلال تناقضهما. في آ 19، الفعل "شتّت"، يجاوب آ 38 حيث نقرأ الفعل "جمع".

4- معنى النص ولاهوته
* نجاسة وتشتت
(أ)- 17 ب إنّ بيت إسرائيل سكنوا أرضهم.
(ب)- نجّسوها بطريقهم (سلوكهم) وأفعالهم.
(ج)- كانت طريقهم أمامي كنجاسة الطامث.
18- فانسكب غضبي عليهم
(ب ب) لأجل الدم الذي سفكوه على الأرض؛ وبأصنامهم نجَّسوها.
19- فبدَّدتهم في الأمم
(أ أ) فتذروا في الأراضي؛ كطريقتهم وكأفعالهم أَدَنتهم.
يبدو تناقض بين آ 17 ب وآ 19: فبينما كان أبناء بيت إسرائيل يسكنون أرضهم (آ 17 ب)، لم يعودوا فيها (آ 19). لقد تبدّدوا وتشتّتوا في البلدان الغريبة، لأنّ الله حكم عليهم بحسب سلوكهم وأعمالهم. إنّ تهجير شعب إسرائيل مرتبط بقرار إلهيّ متّخذ ضدَّه. وآ 17 ب و18 ب تعبرِّان عن سبب هذا الحكم، فقد نجسوا أرضهم وكأنهم دنّسوا شيئاً مقدّساً. بالواقع، إنّ فعل "نجّس" (طمة)، هو فعل بيبليّ يُستعمل في شعائر العبادة (لا 15: 20، 31: 18: 19). والنبيّ يعلن ذاته كاهناً إذ يستعمل هذا الفعل. إنّ البلاد هي مكان مقدّس لأنها مسكن يهوه (لا 15: 31) قال: "بتنجيسهم مسكني الذي في وسطهم". إنّ إِر 2: 7 يشير إلى أنّ البلاد هي ملك يهوه، إله إسرائيل: "فأتيتم ونجّستم أرضي". وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ الدم، (آ 18) "الذي يُسفك على الأرض" متصل بطقس يدل غالباً على التطهير، عند الكهنة (راجع أيضاً لا 14: 4- 7، 14، 25). وأحياناً، كان يُستخدم في طقوس متنوّعة، وخاصة طقس العهد (24: 3- 8). إذن، فالدم "دم" ذو علاقة مع الآلهة التي عُقد العهد أمامها. يندّد النبي في هذه الفقرة بخطيئة بيت إسرائيل الذي كان يبحث عن إله آخر غير يهوه. لقد تأثّرت البلاد بعبادة الأصنام: إنّ 36: 18 أَ تذكّرنا بـ 16: 36: "لدماء بنيك الذين بذلهم لها". وأخيراً، فإنّ آ 17 ج تذكّرنا بالمرأة النجسة (عد 6: 11 ي) الواقعة في الخطيئة، والمضطرة إلى الإبتعاد عن زوجها إلى أن تتطهّر من رجاساتها. لأجل ذلك تحتاج تلك المرأة إلى المثول أمام يهوه (آ 16 ي). وبحسب 36: 17 ج، يلعب يهوه دور الزوج الذي خدعته زوجته الخائنة إذ انحرفت نحو أصنام البلدان الغريبة.
بعد تدنيس البلاد بالأصنام، تشتّت الإسرائيليون خارج أرضهم لأنهم لا يستحقّون السكن فيها. ويهوه هو أول مَن تأثّر بهذه الخيانة التي ارتكبها شعبه.
لقد نكث إسرائيل العهد مع الله ليعقدوا سواه مع آلهة الأمم. لقد فقدوا إيمانهم بيهوه، ولم يعودوا يعرفونه، وتحوَّل طريقهم عنه. ويهوه المسؤول دائماً عن إسرائيل، يلفظ حكمه ضد شعبه، ويطرده من بلاده التي دنّستها الأصنام.
* الله سينقذ شعبه، لأجل اسمه القدوس
(أ) 20- وإلى الأمم حيث جاءُوا نجّسوا اسمي القدوس إذ قالوا لهم:
"هؤلاء شعب الرب، وقد خرجوا من أرضه".
(ب) 21- فتحننت على اسمي القدوس الذي نجّسه بيت إسرائيل
في الأمم حيث جاءُوا.
(ج) 22- لذلك فقل لبيت إسرائيل: هكذا قال السيد الرب.
ليس لأجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل، بل لأجل اسمي
القدوس الذي نجّستموه في الأمم حيث جئتم.
23- فأقدّس اسمي العظيم المنجّس في الأمم
نجستموه في وسطهم.
(ب ب) فتعلم الأمم أني أنا الرب -يقول السيد الرب- 
حين اتقدّس فيكم قدّام أعينكم.
(أ أ) 24- وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم من جميع الأراضي الغريبة،
وآتي بكم إلى أرضكم.
إن كلمة "الأمم" مرفقة دائماً بـ "ألـ" تكرّرت ست مرات في آ 20- 24، وهي تقسم الفقرة إلى خمس وحدات صغيرة منظمة بشكل تصالب محوريّ بحسب الرسم البياني الوارد أعلاه أ ب ج ب ب أ أ. وبالفعل فإن آ 20 أ و24 أ تتجاوبان إذ تتناقضان، والتعبير "هؤلاء شعب الرب"، "وقد خرجوا من أرضه" (آ 20) تجعل هذا الشعب موضع سخرية الأمم وتعارض كلام يهوه في آ 24: "وأتي بكم إلى أرضكم". وفي آ 20 و24 نجد ثلاث شخصيات، فاعل، وشاهد، وشخصية ثانوية، وهي على التوالي: يهوه، الأمم وبيت إسرائيل. ومع أن بيت إسرائيل نجَّس اسم يهوه القدوس، فيهوه سيتدخّل لصالحهم. والاسم القدوس يُعتبر مرادفاً ليهوه؛ وتنجيسه هو تنجيس ليهوه بالذات. وفي اللاويين 20: 24- 26 نقرأ: "وتكونون لي قدّيسين لأني قدوس أنا الرب، وقد ميّزتكم من الشعوب لتكونوا لي" (آ 26). هي تشير إلى الاتحاد القويّ بين قداسة يهوه وقداسة شعب إسرائيل. وقد ورد في الآية 24 ب: "أنا الرب الهكم الذي ميّزكم من بين الشعوب". إن يهوه، بهذا التمييز، قدّس إسرائيل بالنسبة للشعوب الأخرى. فمنذ الآن، صار إسرائيل مُلكاً لإلهه (آ 26 ب) الذي ميّزه من بين الشعوب. وبالتالي، فإن طرد إسرائيل من أرضه وتشتيته بين الأمم، هو إهانة لاسم "صخرة إسرائيل" (49: 24). وستشكّ الأمم بقداسة إله عاجز عن حماية شعبه في أرضه بالذات. إن الله يظهر قداسة اسمه الذي تنجّس بنفي شعب يهوه خارج أرضه (36: 20- 23)، ويقوم بجمع ذلك الشعب وإعادته إلى بلاده. تتحدّث آ 20 عن أرض الربّ وكأنها "أرضه". وفيما بعد تنسب آ 24 الأرض إلى بني إسرائيل فتقول: "أرضكم"؛ وهنا تبرز العلاقة بين يهوه وأرضه من خلال هوية الأرض ذاتها. إن تركيب آ 22: "ليس لأجلكم أنا صانع، يا بيت إسرائيل، بل لأجل اسمي القدوس"، يمكن أن يصدمنا. "ولكن حزقيال لم يستنبط هذ التركيب الذي تجذّر في التقليد الكهنوتي. إن النص المشهور الذي يروي عبور البحر الأحمر يعبّر جيداً عمّا ذكرنا في هذا المجال. بحسب الوثيقة اليهوهيّة، إن الربّ محارب يشنّ الحرب ليحرّر شعبه من الذين يلاحقونه. "فيعرف المصريون أني أنا الرب حين اتمجّد بفرعون ومركباته وفرسانه" (خر 14: 18). إن فكرة حزقيال متجذّرة إذن في هذا الوسط الكهنوتي، مثله مثل فكر أشعيا، عندما يقول بوحي من الله: "أنا الماحي ذنوبك..." (أش 43: 25).
* روح جديد وقلب من لحم.
(أ) 25- وأرش عليكم ماءً طاهراً، فتطهرون من كل نجاساتكم،
ومن كل أصنامكم اطهّركم،
(ب) 26- واعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم،
وانزع قلب الحجر من لحمكم واعطيكم قلباً من لحم،
(ب ب) 27- وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي
وتحفظون أحكامي وتعملون بها.
(أ أ) 28- وتسكنون الأرض التي أعطيت آباءكم إياها
وتكونون لي شعباً، وأنا أكون لكم إلهاً
29 أ- وأخلّصكم من كل نجاساتكم.
إن يهوه، بعد أن وعد بالعودة إلى البلاد، كعلامة على تقديس اسمه القدوس، ينتقل من المدى الخارجيّ للإنسان، أي المسكن، إلى المدى الداخليّ، وهو قلب الإنسان.
إن آ 25 و29 تتجاوبان من خلال الكلمة "نجاسات". وبالإضافة إلى ذلك، فإن التوسع في التعبير "روح جديدة" و"قلب جديد" يجعل آ 26 و27 متوازيتين. من هنا جاء الترتيب أ ب/ ب ب أ أ، مُظهراً تطهير الإنسان عبر التغيير في روحه وقلبه بواسطة حلول روح يهوه فيه.
إن التطهير بالماء الطاهر يعطي لهذه الفقرة نمطً كهنوتياً حاسماً (رج لا 15: 5 ي؛ 16: 4، 24 ي؛ 17: 15؛ 22: 6؛ عد 5: 19). يتوقّع حزقيال التطهير لبني إسرائيل العائدين إلى أرضهم، لكي يعودوا إلى عبادة إلههم (36: 25، 28). ولكن هذا التطهير يتجاوز عمليات الوضوء العاديّة، لأنه يحمل في ذاته فاعليّة إلهيّة: إن فاعل فعل "طهّر" هو يهوه (آ 25). مثل هذا التطهير ضروري بعد إقامة مديدة على أرض نجسة، وهو زمن من الاستسلام للممارسات الوثنية في عبادة "الأصنام". إن تغيير "قلب الحجر" (علامة صَمَم الشعب)، إلى "قلب من لحم" (رمز الطاعة لإرادة يهوه)، يتمّ بواسطة عطيّة "للروح الجديد" (36: 26؛ 11: 19). إن القلب القاسي مثل الحجر، سيعود حيّاً. والكلمة المفتاح، "جديد"، المضمومة إلى العهد عند إر 31: 31، هي مضمومة هنا إلى القلب والروح اللذين يتغيرّان بفضل التدخّل الجديد من قبل يهوه. يُنهض الله شعبه وينقذه من المنفى.
في هذه العطيّة الجديدة، يدخل روح يهوه في الشعب فيجعله يدخل في طاعة جديدة. وبالعكس، فإن إر 31: 31 ي، يرجع ببساطة إلى الشريعة الموضوعة في قلب الإنسان. أما حزقيال فيستند إلى 1 صم 10: 6 ي حيث لا يكون الروح ملكيّة داخليّة، بل قدرة تعطي الإنسان إمكانيّة التحوّل والتبدّل. وهكذا يصبح الإنسان الجديد قادراً على اتبّاع شرائع وعادات يهوه. وبالتالي، يعود بيت إسرائيل من جديد شعباً ليهوه، الذي يعود إلهاً لهم (36: 28). إنه ارتداد يتّخذ شكل عودة إلى الأرض التي وُعد بها الآباء الأوّلون. وهذه العودة تؤكد أمانة يهوه التي تمتد من جيل إلى جيل مع العهد. إن فعل "خلّص" في نهاية الفقرة 25- 29 أ (فاعله يهوه) يدلّ على أن خلاص إسرائيل يمرّ بإلههه.
* إسرائيل يتذكر خطاياه:
29 ب- وأدعو الحنطة وأكثّرها، ولا أضع عليكم جوعاً.
30- وأكثر ثمر الشجر وغلة الحقل لكي لا تنالوا بعدُ عار الجوع بين الأمم.
31- فتذكرون طرقكم الرديئة وأعمالكم غير الصالحة، وتمقتون أنفسكم أمام وجوهكم من أجل آثامكم وعلى رجاساتكم.
32- لا من أجلكم أنا صانع، يقول السيد الرب، فليكن معلوماً لكم. فأخجلوا وأخزوا من طرقكم يا بيت إسرائيل.
عندما يعود الشعب، سيساعده الله إذ يجعل حقوله تثمر وغلاّته تتضاعف لئلا "ينال عار الجوع" (آ 29 ب- 30). إن الله يعبّر بأعماله عن مسامحته لإسرائيل، إذ يتقدّمه في الارتداد. إن تصرّف يهوه ليس مشروطاً بتوبة إسرائيل، بل يتجاوزها بغية تحريكها، "فتذكرون طرقكم الرديئة" (31: 3). إن حبّ الله الذي اختبره شعبه، يدعو هذا الشعب إلى الارتداد، أي إلى التخلي عن طرقه الماضية.
* شهادة الأمم
(أ) 33- هكذا قال السيد الربّ: في يوم تطهيري إياكم من كل آثامكم، أسكنكم في المدن فتبنى الخِرَب.
34- وتُفلح الأرض الِخرَبة عوضاً عن كونها خربة أمام عيني كل عابر.
(ب) 35- فيقولون: "هذه الأرض الخَرِبة صارت كجنّة عدن والمدن الخربة والمقفرة والمتهدّمة محصّنة معمورة".
(أ أ) 36- فتعلم الأمم الذين تُركوا حولكم أني أنا الربّ بنيت المتهدّمة وغرست المقفرة. أنا الربّ تكلمت وسأفعل.
بعد المسامحة والدعوة إلى الارتداد، تأتي شهادة الأمم الذين سخروا من يهوه وشعبه (آ 20- 24). يهوه يعيد لإسرائيل هويته بسعادته إلى أرض استعادت خصبها.
يجب أن تعرف الأمم عمل يهوه الذي يعيد لشعبه موقعه. ما قيل في آ 23 يتحقّق في آ 35- 36، وقداسة يهوه تبهر عيون الأمم المحيطة بإسرائيل. يهوه يطهِّر شعبه، فيبني له مدنه، وبذلك يعيد الإكرام لاسمه القدّوس الذي نُجِّس في آ 23 ي، وجنة عدن التي ذكرت في آ 35: "هذه الأرض الخربة صارت كجنَّة عدن"، ترمز إلى خصب الأرض.
"مع حزقيال صارت جنّة "عدن" رمزاً "لجنة الله" المناقضة للصحراء والأرض غير المفلوحة أو الِخرَبة (36: 35؛ أش 51: 2- 3).
* الشعب الذي تكاثر واجتمع سيعرف من هو يهوه
(أ) 37- هكذا قال السيد الربّ: عن هذا أيضاً أجيب بيت إسرائيل
السائلين أن أصنعه لهم. إني أكثِّرهم كخراف من البشر.
(ب) 38- كخراف مقدَّسة، كخراف أورشليم في أعيادها.
(ب ب) فتمتلىء المدينة الخِربة من خراف البشر.
(أ أ) فيَعلمون اني أنا الربّ.
إن آ 37 هي نقيض 20: 1- 31 و14: 1 ي، حيث لا يسمح يهوه باستشارة شيوخ إسرائيل. ولكن في نبوءَة الخلاص (36: 36 ي)، يترك يهوه مجالاً للبحث عنه، ليعود بعد ذلك فيعمل لمصلحة بيت إسرائيل. إن تكاثر السكان المشار إليه في 36: 11، وفي إضافات أخرى (آ 10 و12)، يأتي كنتيجة للتدخّل الإلهي. إن فعل العودة إلى أورشليم، والعيش فيها "كقطيع خراف مقدَّسة"، يفصل إسرائيل عن الأمم الأخرى، ويعطي معنى لهويته وانتمائه إلى الله. إن الإعتراف بيهوه، ضمن هذا الإطار، هو اعتراف إيماني بالنسبة لبيت إسرائيل (أ أ). بالواقع، لا يستطيع شعب العهد الرجوع إلى ربّه إلاّ بعد اعترافه الكامل وثقته الكاملة به. بحسب تك 17: 1 ي؛ لا 26: 9، العهد وتكاثر السكان يسيران معاً. "سأجعل عهدي بيني وبينك، وسأكثرك جداً جداً" (تك 17: 2). وحزقيال يستعيد صورة تك 17: 7، وموضوعه.
* تلخيص
توخّى 36: 16- 38، إظهار هدف واضح جداً: خلاص إسرائيل على مراحل. يندّد النبي، في البداية، بخطيئة إسرائيل، وسلوكه السيّىء، وعبادته للأصنام، وهذه جميعها أدّت به إلى التشتّت خارج أرضه (آ 17- 19). وقد أدّى هذا التشتّت إلى تنجيس اسم يهوه المقدَّس، لأنّ الأمم أنكروا قدرته على أن يكون الصخرة الواقية لإسرائيل. ولكن الله سيتدخل لصالح شعبه، ليعيد الاحترام والإكرام "لاسمه القدّوس". أنه سيقدّس هذا الشعب (آ 20- 25). وهذا التقديس يتمّ على مرحلتين: 1- التحول الداخلي للشعب بفضل عطية روح يهوه، ليصير هذا الشعب قادراً على السير بموجب شريعة الله والتقيّد بعاداته. 2- بعد التطهر تأتي العودة إلى البلاد كعلامة خارجيّة تجعل جميع الأمم تعرف من هو يهوه. ويتبع هذه العودةَ إعادةُ بناء المدن، وزراعةُ الأرض، وتكاثرُ السكان. وعند ذلك يصبح إسرائيل قادراً على عيش العهد، والبقاء وفياً لإلزاماته مع إقراره بأن يهوه هو إلهه الأوحد ولا إله سواه. "ولكن في هذه الحياة الجديدة، يتوجّب على إسرائيل أن يتذكّر باستمرار تاريخه الماضي (آ 31). وهكذا سيخجل من تصرّفه السابق، ويقدِّر عمل الربّ حقّ قدره".
ب- العظام اليابسة
37: 1- 14

إن 37: 1- 14 يشكِّل تتمّة لما في 36: 16- 38. بعد أن تحدّث النبيّ عن تجديد الشعب والأرض في الكلام النبويّ السابق، ها هو يؤكد مجدداً إرادة يهوه في تجذير وعده من خلال رؤيا. إنه سينعش رجاء شعبه في منفاه (37: 1- 14). وهذا سيتم بإعادة بناء بيت إسرائيل على أرضه بواسطة روح يهوه.

1- تحديد موضع النص
إن 36: 16- 38 و37: 15- 28 يشكّلان كلامين نبويّين مستقلّين حرفياً عن 37: 1- 14. وبالإضافة إلى ذلك، فإن 37: 1- 14 هو رؤيا، وموضوعها (قيامة بيت إسرائيل)، يختلف عن موضوع الرؤيا في 37: 15- 38 المخصّصة لوحدة الشمال والجنوب. وأخيراً، إن "روح يهوه" تعبير لا يَرِد إلاّ مرتين في 37: 1- 14، في بداية النص (آ 1) وفي نهايته (آ 14). وبالتالي، فإن كلام الربّ الوارد في آ 1 "بروح الربّ" وفي آ 14 "روحي" يضع حدوداً لنصّ 37: 1- 14 كوحدة مستقلّة.

2- بنية النص
يقسم النص إلى ست وحدات صغيرة مقدمة بطريقة متماسكة: آ 1- 3؛ 4- 8؛ 9- 10؛ 11؛ 12- 13 و14. تشكل آ 1- 3 مقدّمة تبيّن المكان الذي نقل روحُ الله النبيَّ إليه، وتصف هذا المكان، وهو وادٍ مليء بالعظام اليابسة. بعد هذا العرض، يطلب يهوه من حزقيال أن يتنبّأ مرّتين، مرّة على العظام، (آ 4- 8) ومرة أخرى على الروح (آ 9- 10). والنبوءتان أيضاً، مبنيّتان بالطريقة ذاتها. في آ 4- 6، 9، يأمر الربّ حزقيال، وفي آ 7- 8، 10 ينفِّذ النبي الأمر. أما آ 11 فتعبّر عن كلام الشعب الذي يشكو من وضعه المأساوي. "يبست عظامنا...". واستجابة لصراخ الشعب، يطلب يهوه مجدداً من النبيّ أن يعلن أن إسرائيل سيصعد من القبور (آ 12- 13)، وان الروح سيعيده ليعيش على أرضه (آ 14).
إستناداً إلى الملاحظات السابقة، نضع بنية النص بالطريقة التالية:
(أ) آ 1- 3: روح يهوه تعمل في النبي
يهوه يطرح سؤالاً على حزقيال: أتحيا هذه العظام؟
(ب) آ 4- 8: نبوءة على العظام
(ج) آ 9- 10: الروح ينفخ على الأموات.
(ب ب) آ 11: العظام هي كل بيت إسرائيل
(ج ج) آ 12- 13 "وأصعدكم من القبور" (أماكن الأموات).
(أ أ) آ 14: الجواب على السؤال الوارد في آ 3 هو التالي:
"وأجعل روحي فيكم فتحيون".
إن آ 4- 8 موازية لما في آ 11 التي تتحدّث عن العظام. وكذلك الأمر بالنسبة إلى آ 9- 10 و12- 13 حيث أموات آ 9- 10 سيخرجون من قبورهم (آ 12- 13). وأخيراً فإن آ 14 وآ 1- 3 تتجاوب: إن الجواب في آ 14 "فتحيون" هو مرتبط بالسؤال المطروح في آ 3: "أتحيا هذه العظام"؟

3- معنى النص ولاهوته
على ضوء البنية المعروضة سابقاً، سنفسرِّ كل وحدة بمفردها، مع ربطها بالوحدات الأخرى في الوقت ذاته.
* مكان الرؤيا
1- كانت عليَّ يد الربّ.
فأخرجني بروح الربّ وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاماً.
2- وأمرَّني عليها من حولها
وإذا هي كثيرة جداً على وجه البقعة
وإذا هي يابسة جداً.
3- فقال لي: "يا ابن آدم، أتحيا هذه العظام"؟
فقلت: "يا سيدي الربّ، أنت تعلم".
إن ورود الإسم الرباعي ليهوه ثلاث مرات في بداية الفقرة وفي نهايتها (آ 1، 3)، يجعل يهوه سيد الموقف، "يد الربّ (يهوه)"، "روح الربّ"، "سيدي الربّ". إن التعبير الأول ينقلنا إلى رؤى جديدة في سفر حزقيال؛ وهو متصل أحياناً بروح يهوه الفاعل في النبي ليجعله ينتقل من خلال رؤيا. "كانت يد الربّ عليه" تعني أن الله وضع الكلام في فم النبي، وان روح الله ينتزعه من الرؤية العادية للأشياء ويدخل في طويَّته الروحية. وبالتالي فإن انتقال النبي فكريّ أكثر ممّا هو جسديّ. وتعبير "العظام" بصيغة الجمع، يتكرر ثلاث مرات لإبراز هدف يهوه، وهو إعادة إحياء هذه العظام (آ 3). والعظام موجودة في مكان معين، إنها "في وسط البقعة". وهي "كثيرة جداً ويابسة جداً". هذا الوصف يقرِّبنا من واقع يُظهر عَدَماً خالياً من كل رجاء؛ والمرور من حولها في كل الإتجاهات، ليس سوى تأكيد على غياب الحياة فيها. ويأخذ يهوه المبادرة، في آ 3، ويطرح على حزقيال السؤال: "يا ابن آدم، أتحيا هذه العظام"؟. إن عبارة "يا ابن آدم" تذكّر النبيّ بوضعه البشريّ وتخلق مسافة بينه وبين الله المتسامي. إن هدف يهوه يتوضّح من خلال السؤال الذي طرحه، وهو إعادة إحياء العظام. وفي 31 ب، يتضمّن جواب النبيّ فعل إيمان، "أيها السيد الربّ"، وفي الوقت ذاته ثقة بإمكانات الله غير المحدودة التي لا يقدر عليها عجز الإنسان. لم يعد لدى "ابن آدم" ما يقوله أمام موقف كهذا، "يا سيدي الربّ، أنت تعلم".
* حزقيال يتنبّأ على العظام
(أ) 4- فقال له: "تنبأ على هذه العظام
وقل لها: أيتها العظام اليابسة، اسمعي كلمة الرب.
(ب) 5- هكذا قال السيّد الربّ لهذه العظام
هاءنذا أدخل فيكم روحاً فتحيون
(ج) 6- وأضع عليكم عصباً، وأكسبكم لحماً
وأبسط عليكم جلداً.
وأعطيكم روحاً فتحيون وتعلمون أني أنا الرب".
(أ أ) 7- فتنبأت كما أُمرت. وبينما أنا أتنبأ كان صوت، وإذا ارتعاش
فتقاربت العظام كل عظم إلى عظمه.
(ج ج) 8- ونظرت: وإذا بالعصب واللحم كساها وبُسط الجلد عليها
(ب ب)- وليس فيها روح.
بعد التجوّل في الوادي، بكل الإتجاهات (آ 1- 3)، تلقّى حزقيال الأمر بأن يتنبأ على العظام اليابسة (آ 4). في البداية، يُعلمه يهوه بما عليه أن يقول (آ 4، 6)، قبل أن يترك الكلام له (آ 7- 8). إنّ كلمة الله تمر بإنسان ليعلنها. وفي آ 4، يتمّ تشخيص العظام اليابسة، لأن كلام يهوه سيكون موجهاً إليهاً، "إسمعي كلمة الرب". وتؤكد آ 5 من جديد على أنّ النبوءة تأتي من الرب. وبالإضافة إلى ذلك، لن تحيا هذه العظام بدون روح يعطيها يهوه (آ 5 ب، 6ب). وضمير المتكلم "أنا" الذي تكرر خمس مرات في آ 5- 6، بشكل بارز ومستتر، يجعل يهوه العامل الفاعل الوحيد في القصة: فهو من يعطي الروح ويجعلها تدخل في تلك العظام. إن "الروح" المشار إليها في آ 5 ب، 6 ب، 8 ب ليست روح يهوه (آ 1). إنها تأتي من الله وليست الله ذاته، بل هي علامة وجود الحياة في الإنسان. وإنّ آ 6 أ تعبّر عن إِحياء العظام ابتداءً من أعمقها في جسم الإنسان، ابتداءً بالعصب، ثم اللحم، ثم الجلد، إن الإنسان مكوّن من جسم وروح واكتمال هذين العاملين فيه متعلّق بيهوه، "وتعلمون أني أنا الرب". إن عمل يهوه لصالح العظام اليابسة هو انجاز خلاّق ذو وجهين: الله يعيد خلق جماعة (من البشر)، لترى وتعرف أنه يهوه، مصدر الخلق والايمان، وبعد أمر يهوه يأتي التنفيذ حيث يأخذ النبي الكلام. وصيغة المتكلم التي استعملها النبيّ في آ 7، تدلّ أنه الفاعل الذي يقوم بأعمال ثلاثة: تلقّى "الكلمة" (آ 7)، "والتنبّؤ" (آ 7)، "والنظر" (آ 8). يتلقّى النبيّ كلمة ليست منه. وفاعلية هذه الكلمة يجب أن تمتد لتصل إلى الآخرين. وبالإضافة إلى ذلك، فالنبيّ هو شاهد على مفعول هذه الكلمة في الناس. والصوت والارتعاش (آ 7) يدلاّن على الحركة، فالعظام تتقارب من بعضها، ويطرأ عنصر خارجي في اللحظة التي يتنبأ فيها حزقيال، تُحدث كلمته المفاعيل التي أعلن عنها سابقاً وتعود الأعصاب واللحم والجلد إلى مواضعها. ولكن الأجسام تبقى بدون روح. ويرى تسيمارلي أنّ "هناك ميلاً عند حزقيال للتوسّع في المسار القصصي، وخاصة لعرض أنتروبولوجيا تقليديّة (هي التي تخبر عن خلق الإنسان على مرحلتين: تك 2: 7)، فتتوقف هنا مرحلة أولى، بانتظار أمر جديد من الله".
* حزقيال يتنبأ للروح. "فحيوا وقاموا".
(أ) 9- فقال لي: "تنبأ للروح، تنبأ يا ابن آدم
- وقل للروح: هكذا قال السيد الرب
(ب)- هلمّ يا روح من الرياح الأربع وهُبَّ على هؤلاء القتلى ليحيوا.
(أ أ) 10- فتنبأت كما أمرني
(ب ب)- فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم: جيش عظيم جداً جداً.
إنّ آ 9، 10 متوازيتان. بالواقع، يعطي الله الأمر للنبي (آ 9 أ) الذي ينفّذه (آ 10 أ)، وهذه هي الحال في الفقرة السابقة. وكلام يهوه في آ 9 ب يقوم على دعوة الروح ليهبّ على القتلى؛ وفي آ 10 ب، يتحقّق كلام الله لأن الموتى عادوا إلى الحياة. إن حزقيال، في استعماله لكملة روح "روح" ينتقل من معنى إلى آخر بطريقة لاشعوريّة. وفي آ 4- 8، الروح يعني نفخة الحياة البشريّة؛ وفي آ 9 و10، نجد كلمة "روح" مسبوقة "بأل التعريف" فتصبح مشخّصة. فهذا الروح يجب أن يأتي "من الجهات الأربع"، "من الرياح الأربع"؛ فهو في كل مكان، وغير محدّد في الوقت ذاته. وإنّ آ 1، 14 تتحدّثان عن روح يهوه الذي يؤثر في النبي، ويجعل الموتى يحيون.
لذلك، فإن الروح في 91 و10 لا يأتي من الله بل من قوة حياة تعبر العالم وتغمر الجثث كالريح. ومع ذلك، فإن مجيء هذا الروح متعلّق بإرادة يهوه. وبالإضافة إلى ذلك، ففي زمن حزقيال، كما في زمن أيوب (راجع 14: 14)، لم يكن الناس يعرفون شيئاً عن قيامة شاملة للموتى في اليوم الأخير، ولم يكونوا يريدون أن ينكروا على يهوه إمكانيّة احياء الموتى بقدرته كخالق. إن قدرة يهوه هذه، سبق أن أيدها سفر الملوك (1 مل 17: 17 ي؛ 2 مل 4: 31 ي؛ رج 2 مل 13: 20 ي. والإشارة إلى يهوه كـ "إله أرواح جميع البشر" (عد 16: 22).
* هذه العظام، هي كل بيت إسرائيل
11- ثم قال لي: يا ابن آدم، هذه العظام هي كل بيت إسرائيل. ها هم يقولون: "يبست عظامنا، وهلك رجاؤنا، وقد انقطعنا".
إن المقطوعة 1- 10 قد تفسّر رؤيا بعيدة عن الواقع إن لم نربطها بهدفها. وإنّ آ 11 تلعب دور جسر يصل الخيالّي بالواقعيّ. وعبارة "ابن آدم" تدلّ على رسالة جديدة موجّهة إلى النبي، وهي تفسير الرؤيا. هذه العظام، هي كل بيت إسرائيل. في آ 11 ب، يشتكي الشعب من وضعه المأساوي، ويستعيد، في كلامه، التعابير المستعملة في الرؤيا، "عظام يابسة". إن الشعب مقتنع بدماره وضياعه المميت، "هلك رجاؤنا". وكما أشرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب، إن إسرائيل حافظ على رجائه حتى سقوط أورشليم والهيكل في يد البابلبيين. منذ بداية فقدان الرجاء في حياة المنفيّين، يتدخّل الله ويُبلغ مخطّطه الخلاصي إلى النبي. والنبي بدوره يشرح كلمة يهوه مستنداً إلى تعبير يصف خيبة شعب إسرائيل الحالية: "يبست عظامنا، وهلك رجاؤنا. قد انقطعنا" (آ 11 ب).
* سأفتح قبوركم
12- لذلك تنبأ وقل لهم:
(أ)- هكذا قال السيد الرب
(ب)- هأنذا أفتح قبوركم
(ج)- وأصعدكم من قبوركم يا شعبي
(أ أ)- 13- فتعلمون أني أنا الرب
(ب ب)- عند فتحي قبوركم
(ج ج)- وإصعادي إياكم من قبوركم يا شعبي.
بهذه الآيات يردّ النبي على "هلاك الرجاء" الذي تمّ التعبير عنه في آ 11. فقد سبق أن تنبّأ حزقيال للروح فعاد الموتى إلى الحياة (آ 10). فهؤلاء لم يعد مكانهم في القبور (آ 12- 13). وإنّ آ 12 أ تفتح النبوءة مثل آ 5، 9. هذا الكلام موجّه إلى شعب يائس (رج آ 11) يدعوه الله إلى فعل إيمان (آ 13 أ). وإنّ آ 12 ب و13 ب متوازيتان: إن الاعتراف الإيماني ينبع من فعل يهوه الذي سيفتح القبور. وهكذا يتدخّل الله ذاته في فعل تحرير شعبه. وإنّ آ 12 ج موازية للآية 13 ج ج: يدعو يهوه بيت إسرائيل "شعبي" ويؤكد أنه لم ينسَ عهده معه. إن إخراج شعبه من القبور يؤدّي إلى "إعادته" إلى أرضه. والقبور تشير إلى حالة المنفى الذي وقع فيه الشعب اليهودي في أرض بابل. يجب أن نشير هنا إلى فعل "صعد"، "ع ل ه"، الذي يُعيدنا إلى تقليد الخروج، عندما "أصعد" الله شعبه.
* تحيون فتعلمون
أ- 14- وأجعل روحي فيكم
ب- فتحيون
أ أ- وأجعلكم في أرضكم
ب ب- فتعلمون أني أنا الرب تكلّمت وأفعل، يقول الربّ.
إن العودة إلى أرض إسرائيل يجب أن تمرّ بالروح. وإنّ آ 14 (أ) وآ 14 (أ أ) تصفان عملين قام بهما يهوه لمصلحة إسرائيل؛ جعل روحه فيهم، وجعلهم في أرضهم. والروح في آ 14 (ب) يعطيهم الحياة. أما في آ 14 (ب ب) فسيصبح إسرائيل نشيطاً فاعلاً ويعرف يهوه مجدداً. وهذا سيتحقّق بعد معاينة فعاليّة كلمة يهوه، والشهادة لها؛ "تكلمت وأفعل" (14 ب ب). وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ آ 14 هي جواب على السؤال الذي وجّهه يهوه إلى النبي في آ 3: "أتحيا هذه العظام"؟. إن روح الله (في آ 1)، هو ذاته في آ 14 أ. لذلك، فالبداية والنهاية متعلّقتان به، من مبادرته إلى نهاية مخطّطه الخلاصي لشعبه. وإنّ توجيه حزقيال بروح يهوه (آ 1)، يدلّ على حضور إله العهد عاملاً بكلمة نبيّه. وهذا النبي، المتّحد بالروح، ينقل الكلمة إلى شعبه إذ يخاطبه (آ 14). إن الكلمة مجتمعة مع الروح تصير حدثاً فاعلاً، خلاصياً وحاملاً الرجاء. ليس النبي مخلّصاً، بل مساهم تمرّ كلمة يهوه من خلاله.
* تلخيص
إن هذا النص هو من أشهر نصوص حزقيال. ونجد فيه، بشكل قويّ، تعزية الشعب الذي فقد الرجاء. إنّ النبي، بهذه الرؤيا، يردّ على وضع مأساوي تلا انهيار أوهام بيت إسرائيل. والروح الموعود في هذا الإطار، يتدخّل ليعطي الحياة لبني إسرائيل لكي يخلقهم من جديد. وهذا الخلق الجديد يتخذ شكل خروج من المنفى وعودة إلى البلاد. فبعد تدخّل روح يهوه، سيرجعون شعباً يرى في إلهه، ذلك القائل الفاعل بقوّة أكيدة.
يبقى 37: 1- 14 وعداً غير مقيّد بشروط، ودون دعوة إلى الارتداد أو إلى الطاعة. كل شيء متعلّق بمبادرة الله في مجانيتها. إن إرادة الله ترفض موت شعبه، إسرائيل، وتَلاشيه. فالله يريد خلاص هذا الشعب، لذلك يُرسل النبي، كعلامة محسوسة وواضحة للعلاقة بينه وبين شعبه. إنه مع حزقيال ليُحيي رجاء المنفيّين، ويعيد لوجودهم معناه.
الفصل الرابع
عودة مجد يهوه إلى الهيكل
أعلن الكلام النبوي في 37: 26- 28 فعالية وجود مسكن يهوه في وسط شعبه. وإن ف 40- 48 هي امتداد لهذا الرجاء: فإذا كان يهوه قد هجر هيكل أورشليم بسبب خطيئة عبادة الأصنام التي اقترفها شعبه (8- 11)، فإنّ عمله لم يكن نهائياً. هذا هو معنى النصّ الذي سندرسه الآن.
أ- مجد يهوه يهجر الهيكل
ف 8- 11

في حز 8- 11 نجد مجدّداً عناصر من ف 1، أُدخِلت لاحقاً بشكل تعليقات. فإذا أردنا أن نفهم نية النبي وحركة النص وتقسيماته، يجب في البداية، اللجوء إلى تحليل أدبي نقدي لاستخراج الإضافات التي ألحقت بالنص.
إنّ عملاً كهذا يتجاوز حدود مهمتنا هنا. لذلك، نكتفي بموجز للأبحاث التي قام بها أخصائيون في هذا المجال. إن النص المتبقي هو التالي: 8: 1، 3 ب، 5- 18؛ 9: 1- 3، 5- 6، 7 ب- 11؛ 10: 2، 7 ب، 18 أ، 19 ب؛ 11: 23، 24- 25. بالواقع، توجد الإضافات المتأتية من حز 1، في حز 10 إجمالاً. وبالعكس، فإنّ 11: 1- 21 يحتوي كلامين نبويّين كان يجب أن. يوضَعا في مكان آخر، فهما يفصلان بشكل مفاجىء نهاية حز 10، حيث يبدو رحيل يهوه قريباً، عن 11: 22 ي حيث يتمّ الرحيل بالفعل. بحسب 9- 10، أُبيد كل فاعلي السوء، وأحرقت المدينة؛ أما بحسب 11: 1- 13، فقد بقي بعض السكان في المدينة الخ... ينتج عن هذه الملاحظات أنّ آ 1- 21، هي من خارج إطار النص. وبالواقع فهي ليست ملائمة للقسم الباقي من المقطوعة. بالإضافة إلى ذلك، "إنّ رحيل مجد الرب، أكمل بصور كانت في ذاكرة المدوِّنين، وهي على الأرجح، التطواف بتابوت العهد في هيكل أورشليم. ومن هنا الحديث عن "البكرات" والمركبة التي جرى نقل تابوت العهد فوقها (رج 1 مل 7: 27- 33؛ 1 صم 6؛ 2 صم 6)". هذا التوضيح لِتحرّك المركبة لا يوجد في النص الأصلي عند حزقيال، الذي لا يفعل سوى الإشارة إلى بعض تنقّلات من نوع: صعد (9: 3)، وقف (9: 2)، عَبَرَ الخ...

1- البنية الأدبية
إنّ النقد الأدبي للنص يسمح باستخراج بنيته دون الضياع في التحاليل والدراسات المتأخرة زمنياً عن النص.
في 8: 1، 3 ب، يحمل الروح النبيَّ إلى أورشليم في رؤى إلهية بينما في 11: 23- 25، ينقلُ الروح ذاته النبيَّ إلى أرض الكلدانيين ليكون إلى جانب المنفيّين ويخبرهم بكل ما أراه إياه يهوه. والآيات 5- 18 من الفصل 8 تصف آثام اسرائيل في هيكل أورشليم، على أربع مراحل: أَ- آ 5- 6: شمالي باب الغيرة؛ ب- آ 7- 13: سبعون رجلاً من شيوخ بيت إِسرائيل يحرقون البخور أمام "الدبابات والحيوانات النجسة" المرسومة على الحائط، ظانين أنّ يهوه قد تركهم؛ ج- آ 14- 15: عند مدخل باب بيت الرب "هناك نسوة جالسات يبكين أمام تموز"؛ د- آ 16- 18: عند دار بيت الرب الداخليّة، وعند باب هيكل الرب "نحو خمسة وعشرين رجلاً... ساجدين للشمس...". هذه الذنوب الواردة في 10: 2، 7، 18، 19 سبّبت رحيل مجد الرب من الهيكل. من هنا التجاوب بين 8: 5- 18؛ 10: 2، 7، 18، 19. وأخيراً، فإنّ 9: 1- 11، في وسط المجموعة، يعبرّ عن قرار يهوه بتدمير المدينة وإبادة الخاطئين، رغم تدخّل النبيّ لمصلحة شعبه.
ينتج عما تقدّم الرسم البيانيّ التاليّ:
أ (8: 1، 3 ب مقدمة: الشيوخ/ رؤيا/ الروح
(الرحيل)
ب (8: 5- 18): الدخول إلى الهيكل/ رؤيا على أربع مراحل
عن خطيئة إسرائيل.
ج (9: 1- 11): الدينونة، إبادة وقديم المدينة
ب ب (10: 2، 7، 18، 19): مجد يهوه يخرج من الهيكل.
أً (11: 23- 25) الخلاصة: الشيوخ/ رؤيا/ الروح
(العودة).
إنّ النبي حزقيال يستخدم نوعاً أدبياً استخدمه أنبياء آخرون قبله، وهو الرؤيا. مثل الرؤى الخمس عند عاموس 7- 9، ورؤيا أشعيا 6، ورؤى إرميا 1: 11- 17.
تكثر الرؤى عند حزقيال، 1: 1 ي؛ 37: 1- 14؛ 40- 48. أما في 8- 11، فالرؤيا مكوَّنة من إتهّام تتبعه إدانة. واليك النص القديم لحزقيال 8- 11 بحسب تسيمارلي.
(أ) مقدّمة
ف 8- (1) وكان في السنة السادسة، في الشهر السادس، في الخاص من الشهر، وأنا جالسا في بيتي؛ ومشايخ يهوذا جالسون أمامي؛ أنّ يد الرب وقعت علي هناك. (3 ب)... ورفعني الروح بين الأرض والسماء وأتى بي في رؤى الله إلى أورشليم إلى مدخل الباب الداخلي المتّجه نحو الشمال، حيث مجلس تمثال الغيرة المهيِّج الغيرة.
(ب)- الدخول إلى الهيكل
رؤيا ذات أربع مراحل عن خطيئة إسرائيل: آ 5- 6؛ آ 7- 13؛ آ 14- 15؛ آ 16- 18.
(ج)- العِقاب: تدمير وإحراق المدينة
ف 9- (1) وصرخ في سمعي بصوت عالٍ قائلاً: "قرِّب وكلاء المدينة كل واحد وعدَّته المهلكة بيده". (2) وإذا بستة رجال مقبلين من طريق الباب الأعلى الذي هو من جهة الشمال، وكل واحد عدَّته الساحقة بيده. وفي وسطهم رجل لابس الكتان وعلى وسطه دواة كاتب. فدخلوا ووقفوا جانب مذبح النحاس. (3) ومجد إله إسرائيل صعد عن الكروب الذي كان عليه إلى عتبة البيت، فدعا الرجل اللابس الكتان الذي دواة الكاتب على وسطه... (5) وقال لأولئك في سمعي: "اعبروا في المدينة وراءَه واضربوا! لا تشفق أعينكم ولا تعفوا! (6) الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء، اقتلوا للهلاك، ولا تقربوا من إنسان عليه السمة. وابتدئوا من مقدسي"! فابتدأوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. (7 ب) فخرجوا وقتلوا في المدينة. (8) وكان بينما هم يقتلون وأُبقيت أنا، إني خررت على وجهي وصرخت وقلت: "آه، يا سيدي الرب، هل أنت مهلك بقية إسرائيل كلها بصبّ رجزك على أورشليم"؟ (9) فقال لي: "إنّ إثم بيت إسرائيل ويهوذا عظيم جداً جداً، وقد امتلأت الأرض دماءً وامتلأت المدينة حنقاً. لأنهم يقولون: الرب قد ترك الأرض، والرب لا يرى. (10) وأنا أيضاً عيني لا تشفق ولا أعفو. أجلب طريقهم على رؤوسهم". (أ أ) وإذا بالرجل اللابس الكتان الذي الدواة على جانبه ردَّ جواباً قائلاً: "قد فعلت كما أمرتني".
(ب ب)- مجد الرب يخرج من الهيكل
ف 10 (2) وكلّم الرجل اللابس الكتان وقال: "أدخل بين البكرات تحت الكروب واملأ حفنتيك جمر نار... وذرِّها على المدينة". فدخل قدام عينيّ. (7 ب) ومدَّ كروب يده من بين الكروبيم إلى النار، فرفع منها ووضعها في حفنتي اللابس الكتان، فأخذها وخرج (في المدينة). (18 ب) ووقف عند مدخل باب بيت الرب الشرقيّ.
(أ أ)- إستنتاج
ف 11- (23) وصعد مجد الرب من على وسط المدينة ووقف على الجبل الذي على شرق المدينة. (24) وحملني الروح وجاء بي في الرؤيا، بروح الله، إلى أرض الكلدانيّين إلى المسبيّين. فصعدت عني الرؤيا التي رأيتها. (25) فكلَّمت المسبّيين بكل كلام الرب الذي أراني إياه.
ملاحظة: هذا النص مأخوذ عن الكتاب المقدّس، دار الكتاب المقدَّس في العالم العربي. 1983.

2- لاهوت النصّ
* مقدّمة (8: 1، 3 ب)
يبدأ النبي حزقيال بتأريخ رؤياه: "السنة السادسة، في الشهر السادس، في الخامس من الشهر" (آ 1)؛ وهذا التأريخ موافق للسنة 592 بعد السبي الأول وقبل سقوط أورشليم. وبما أن النبي كان بين المنفيّين الأوائل إلى بابل، فالروح سيحمله ويأخذه إلى أورشليم عن طريق رؤى إلهية (آ 3 ب). وجاء شيوخ إسرائيل (آ 1 ب) وجلسوا حول النبي ليستشيروا بواسطته يهوه (14: 1- 3). وكان حزقيال، في رؤياه، عند مدخل الباب الداخلّي المتّجه نحو الشمال "حيث يجلس تمثال الغيرة" (آ 3 ب).
ينقل روح يهوه "روح" النبي روحياً ويحمله إلى مكان تظهر فيه عبادة الأصنام المثيرة. وهكذا يكشف له المدى الذي تشغله هذه الأصنام.
* الدخول إلى الهيكل
صار النبي شمالي باب المذبح حيث يوجد تمثال الغيرة (آ 5 ب) وتلقّى أمراً من الروح لينظر. وإذا يهوه يشرح سبب ابتعاده عن الهيكل: "الرجاسات العظيمة التي عملها بيت إسرائيل لإبعادي عن مقدسي" (آ 6). وهذه "الرجاسات" تزداد خطورتها كلّما تنقّل حزقيال في الهيكل.
عند مدخل الدار (آ 7)، أمرَ الروح النبيّ بإحداث ثقب في الحائط (آ 8)، ليرى الرجال السبعين، من شيوخ بيت إسرائيل (آ 11)، وهم يحرقون البخور أمام صور الحيوانات والزحافات المنقوشة على الحائط (آ 10). والمرحلة الثالثة تصف الدخول في باب بيت الربّ حيث النسوة الجالسات "يبكين على تموز" (آ 14). والمرحلة الرابعة والأخيرة تحمل فيضاً من الرجاسات. فقد رأى النبي عند باب الهيكل بالذات، "خمسة وعشرين رجلاً، ظهورهم نحو هيكل الربّ ووجوههم نحو الشرق، وهم ساجدون للشمس نحو الشرق" (آ 16). لم يعد للربّ أية أهميّة، فقد رُفض واستُبدل بالأصنام الوثنيّة. فإسرائيل، في هذا الإطار، ضيَّع إيمانه وترك يهوه إلهه. فليست خطيئته السجود أمام الأصنام وحسب، بل تجاوزت ذلك إلى حدّ ممارسة الظلم في الأرض كلّها (آ 17). وفي آ 18 يلفظ يهوه حكمه ويعلن العقاب ضدّ المسيئين. فالله لن يشفق على أحد منهم، حتى وإن تعالى صراخهم.
* العقاب (9: 1- 11)
إن العقاب قريب وستُباد المدينة (آ 1) بواسطة ستة رجال مجمل كل واحد منهم بيده أداة التهديم. ويلبس واحد من هؤلاء الرجال بدلة من الكتان، ويتمنطق بزنار شُكّت فيه دواة (آ 2). وهكذا، إذا كان هناك ستة رجال لتنفيذ أمر الإدانة، فهناك بالمقابل رجل واحد يُصدر قراراً بخلاص "الذين يتنهدون وينتحبون على كل القبائح المرتكبة في أورشليم". إن هذا النوع من عدم التناسب يدلّ على مدى فداحة الخطيئة وجذريّة الحكم الصادر. "وصعد مجد إله إسرائيل عن الكروب الذي كان عليه إلى عتبة البيت" (آ 3)، ويتمّ القتل، في آ 5، 6، 7 ب على مرأى من حزقيال الذي خاف أن يبقى وحيداً (آ 8). فسقط على وجهه وصرخ مستعطفاً يهوه كي لا يُهلك بقيّة إسرائيل. يلعب النبي هنا دور الوسيط مع الربّ من أجل إنقاذ المدينة. فالدم الذي يلطّخ البلاد، والإثم الذي يملأ المدينة يجعلانه يظنّ بأن يهوه ترك شعبه (آ 10). ان عدم التبصُّر هذا يزيد قساوة القصاص. وفي النهاية، تُضرب كل الأصنام.
إن وصف القصاص ينضمّ إلى مواضيع كثيرة في البيبليا. وخطيئة عبادة الأصنام، هي دائماً، مقدّمة عقاب يأتي من يهوه، إله العهد. عندما يتنكّر شعب يهوه لإلهه ليستبدله بالأوثان، فإنه يرفض العهد ويسبّب الغضب الإلهيّ. هذا بالذات، نجده في خر 33، حيث قتل بنو لاوي ثلاثة آلاف رجل من الشعب، بسبب الإثم الكبير الذي ارتكبوه (آ 27). حين أمر هارون بصنع عجل ذهبي وعبادة هذا العجل، استدرج إسرائيل إلى الخطيئة، فتركه الله. إن حزقيال، بتوسّطه للشعب (9: 8)، إنضمّ إلى أصوات نبويّة كثيرة، مثل عاموس في 7: 2: "قلت أيها السيد الرب، إغفر! فكيف يقوم يعقوب؟ فإنه صغير" (راجع أيضاً 7: 5). أو أشعيا: "إلى متى أيها السيد" (6: 11)؟ إن النبيّ الذي يتوسّط لصالح الشعب لا يمكنه أن يقبل بأن يكون الحكمُ نهائياً.
* مجد يهوه يخرج من الهيكل (10: 2، 18، 19)
يستمر عمل يهوه، فيأمر الرجل اللابس الكتان بأن يذهب ويحضر "جمر نار" من بين الكروبين، ويذرَّه في المدينة. وفي الوقت ذاته، يرتفع مجد يهوه، ويخرج من الهيكل ويتوقّف عند الباب الشرقي. لم يعد المقدس مسكن إله إسرائيل: وهذا يمثّل ذروة غضب يهوه تجاه خطيئة عبادة الأصنام. ولم يعد الهيكل ضمانة لحضور الله، وبالتالي لخلاص الشعب. ليس حضور الله مشروطاً ببيت صنعته يد البشر، فهو حرٌّ في التنقّل حيث يشاء وعندما يشاء.
* إستنتاج (11: 23- 25)
"صعد مجد الربّ عن وسط المدينة، ووقف على الجبل الذي عند شرق المدينة. لقد ترك يهوه أورشليم إذن. وعاد النبيّ، بواسطة الروح، إلى بلاد الكلدانيّين، ونقل رؤياه إلى المنفيّين.

3- تلخيص
تعرض ف 8- 11 خروج يهوه من الهيكل وتذكر السبب: يهوه ترك الهيكل الذي نجّسته عبادة الأصنام. لم يعد الشعب يعتقد بوجود الربّ في البلاد: فينطلق في البحث عن آلهة أخرى، أكثر قدرة، تستطيع أن تحميه. فالمسؤولون عن الشعب، هم بالذات يحرقون البخور أمام الصُوَر، وهم يقولون: ان يهوه لا يرى وقد ترك الأرض. لم يعد الله ذا أهمية بالنسبة لهم. وبالإضافة إلى ذلك، فالنساء يبكين تموز ويدعونه لكي يملأ الفراغ ويرضي حاجات الشعب. وقد انهارت العبادة لدرجة أن مجد يهوه في قدس الأقداس، لم يعد معبوداً، ويديرون له ظهورهم ليسجدوا أمام الشمس.
بعد توجيه الاتهام، يلفظ يهوه الحكم ليبيد الخطأة وينقذ الذين يتألَّمون بسبب رجاسات أولئك. يحتفظ يهوه بعدد قليل جداً من الناس ليعطي روحاً جديداً لشعبه.
إن لاهوت حزقيال يوضح السبب الذي جعل يهوه يطلق حكمه. ويميّز هذا اللاهوت بين الأخيار والأشرار، ويُبرز العقاب الذي حلَّ بالمدينة، ليبرز في الوقت ذاته، بشكل أفضل، الخطيئة التي ارتكبها إسرائيل، إذ ترك يهوه ونقض العهد. في هذا المناخ المأساوي، تجدر الإشارة إلى لمحة من فكرة حزقيال، وهي انفتاحه الواسع. إذا كان الله الضمانة الوحيدة للخلاص، فهو لم يعد مرتبطاً بذهابه إلى المقدس الذي دنُّسته العبادات الزائفة. ومن المناسب الإشارة، أخيراً، أن الاتهام لا يقتصر على ف 8- 11؛ فهناك أيضاً ف 14، حيث لا يسمح يهوه للشيوخ "أن يسألوه سؤالاً" لأنهم يمارسون العبادات الوثنية. وكل سائل سيُستأصل من الشعب (آ 4- 8)، تماماً كالنبي إذا ضلَّ (آ 9). وفي ف 20، فإن إسرائيل، منذ نشأته، يتمرّد باستمرار على الوصيّة الأولى للعهد، التي تدعوه لترك العبادات المصريّة (آ 5- 9). "إنّ الجيل الحاضر لا يفعل سوى مواصلة هذه القصة المؤسفة: فهو منجَّس بالأصنام، وبتقديم الأولاد محرقات للأوثان (آ 23- 26)، وقد نقضي عهده مع يهوه الذي لا يسمح لهذا الجيل بأن يسأله سؤالاً" (آ 30 ي). وكذلك نقول عن ف 16، حيث الاتهام يطال، في الوقت ذاته، العبادات الخاطئة والمعاهدات الغريبة.
إن الأصنام تملأ البلاد كلّها، حتى مركزها الأكثر قداسة، أي الهيكل (ف 8؛ 11). قد تسلّلت الأصنام إلى قلب كل شخص (ف 14). وإذا رجع حزقيال إلى ماضي إسرائيل، فلن يجد فيه سوى سلسلة متواصلة من الثورات في العبادة".
في الواقع، نجد في سفر حزقيال أن مكاناً كبيراً قد أُعطي لعبادة يهوه، والفصول 40- 48 تبرز أسس شرعيته وقداسته. وقد وُصف في هذا السفر رجوع مجد الربّ بعد تطهير البلاد وهيكل أورشليم. وبمقابل ف 8- 11 سنقرأ الوصف الذي يعطيه النبي لتلك العودة. فبعد العقاب يمكن أن نتبيّن ترميم بيت إسرائيل.

ب- رجوع مجد الرب إلى الهيكل
1- ف 40- 48

أظهرت رؤيا حزقيال (ف 8- 11) خطورة الخطيئة التي اقترفها إسرائيل في الهيكل، إذ أظهرت الرؤيا مجد يهوه وهو يخرج من المقدس. وعندما دُمِّرت أورشليم وهيكلها، تصوّر حزقيال، في رؤيا أخرى، خلاص الشعب في ثلاث مراحل: العودة إلى أورشليم (40: 1- 2)، وصول مجد يهوه إلى الهيكل (43: 4- 7 أَ)، ووصف المياه الخارجة من تحت عتبة الهيكل لتحيي الأرض (47: 1، 2 ب، 8، 9 ب، 12).
إن المقاييس المحدّدة بدقة لإعادة بناء الهيكل الجديد (ف 40- 48) تدلّ على لغة كهنوتيّة هي لغة عصر النبيّ. كان اهتمام حزقيال، دون شك، موجّهاً إلى الإطار الطقسي الذي يستطيع الشعب، المتجدد جذرياً، أن يعيش فيه علاقة تامة مع الله. ولكن الوسط الكهنوتي، وريث لاهوت حزقيال، سيتوسّع في هذه الفكرة إلى أقصى حدّ، واصفاً، بشكل استحواذي، الوسائل الماديّة التي ستتضمّن طهارة الهيكل والأرض. وهكذا، لن يتكرر السقوط في خطايا تسيء إلى العلاقة مع الله، وقد أدّت إلى المنفى سابقاً.
هناك ما يشبه الإجماع، أن ف 40- 48 هي نتيجة عمل تلامذة النبي. ومع ذلك، فإن بعض الأجزاء معترف بها لحزقيال فعلاً. وهنا نتبع رأي الشارح البيبلي إ. فوغت. لمزيد من الوضوح في العرض، نعطي ترجمة للآيات، التي تمّ الاحتفاظ بها، قبل تحليل بنيتها:
* النص الأصليّ
أ- 40 (1) من السنة الخامسة والعشرين في سبينا، في رأس السنة، في العاشر من الشهر، في السنة الرابعة عثرة بعدما ضُربت المدينة، في نفس ذلك اليوم كانت على يد الرب، وأتى بي إلى هناك:
ب- (2) في رؤى الله اتى بي إلى أرض إسرائيل، ووضعني على جبل عالٍ جداً عليه كبناء مدينة من جهة الجنوب.
ج- 43 (4) فجاء مجد الرب إلى البيت من الطريق المتّجه نحو الشرق.
د- (5) فحملني الروح وأتى بي إلى الدار الداخليّة، وإذا مجد الربّ قد ملأ البيت.
ج ج- (6) وسمعته يكلّمني من البيت. وكان رجل واقفاً عندي.
(7) وقال لي: "يا ابن آدم، هذا مكان كرسيّي ومكان باطن قدميّ حيث أسكن في وسط بني إسرائيل إلى الأبد.
ب ب- 47 (1) ثم أرجعني إلى مدخل البيت، وإذا بمياه تخرج من تحت عتبة البيت، نحو المشرق، لأن وجه البيت نحو المشرق. والمياه نازلة من تحت جانب البيت الأيمن عن جنوب المذبح. (2 ب) وإذا بالمياه جارية من الجانب الأيمن.
أ أ- (8) وقال لي: "هذه المياه خارجة إلى الدائرة الشرقية وتنزل إلى (العربة) وتذهب إلى البحر. إلى البحر هي خارجة فتشفى المياه. (9 ب) ويكون السمك كثيراً لأن هذه المياه تأتي إلى هناك، فتشفى، ويحيا كل ما يأتي النهر إليه. (12) وعلى النهر ينبت على شاطئه من هنا ومن هناك كل شجر للأكل، لا يذبل ورقه ولا ينقطع ثمره. كل شهر يكبر لأن مياهه خارجة من المقدس. ويكون ثمره للأكل وورقه للدواء.
ملاحظة: النصّ مأخوذ عن "الكتاب المقدّس" "دار الكتاب المقدّس في العالم العربي".
* بنية النص الأصليّ
السؤال الأول المطروح هو: هل يمكن أن نجعل النصوص الأصليّة وحدة متكاملة؟
إن كلمة شهر "حدش"، وردت مرّتين في النص، في بدايته (40: 1) وفي نهايته (47: 12). وقد انتقل النبي مرّتين: مرّة في 40: 1، 2 "وأتى بي". ومرّة في 47: 1: "أرجعني". وتعبير "جبل عالٍ جداً" يدلّ على مكان المقدس (رج 20: 40؛ 40: 2). وهذا يدلّ على توافق مع كلمة "مقدس" في 47: 12. وفي 40: 2 يرى النبي المبنى من الخارج. أما في 43: 5، فإنّ الروح يحمل النبي إلى الدار الداخليّة في الهيكل، ليكون شاهداً على الوجود الإلهي في الهيكل. إن الموضوع الأساسيّ هو ذاته في الوحدة 40: 2 إلى 43: 4. وكذلك، فإن النبي في 47: 1 يتابع صعوده نحو المكان المقدّس: "ثمّ أرجعني إلى مدخل البيت". إن التواصل الجذري بين الأقسام الثلاثة 40: 1- 2؛ 43: 4- 7 أ؛ 47: 1- 12، يتّسم بصعود حزقيال تدريجياً نحو الهيكل. وبالتالي يمكننا الإستنتاج أن النصوص الأصلية تشكّل وحدة. وهذا الإستنتاج تؤكده الكلمة "هيكل" التي تتكرّر مرّتين في 43: 6، 4، ومرّة في 43: 5. هذا ما يجعل النص الأخير نقطة ارتكاز البنية العامّة.
لذلك نضع الرسم البياني التالي:
(أ) 40: 1: التاريخ/ يتذكّر المدينة الخربة/ العاشر من الشهر
(ب) 40: 2: وضعني على جبل عالٍ جداً (ينظر البناء من الخارج).
(مكان المقدس). (انتقال النبي).
(ج) 43: 4: مجيء مجد الرب إلى الهيكل
(د) 43: 5: مجد الرب يملأ البيت (انتقال النبي)
(ج ج) 43: 6- 7 أ: صوت يصعد من الهيكل/ الله يسكن في وسط بني إسرائيل إلى الأبد.
(ب ب) 47: 1- 2 ب: النبي عند مدخل الهيكل/ المياه تخرج من تحت عتبة البيت اليمنى (انتقال النبي) (ينظر من الخارج).
(أ أ) 47: 8- 12: تسترد الأرض الحياة/ تنمو الحياة كل شهر، حيث يأتي النهر.
إن حضور مجد يهوه في الهيكل (43: 5) هو في وسط النصّ. كانت المدينة مدمّرة في 40: 1. ولكن عندما عاد مجد يهوه إلى الهيكل، ترممّت البلاد كلها، وانبعثت الحياة منها (47: 8- 12). وربما الله سيسكن إلى الأبد في وسط بني إسرائيل، فإن عهده معهم سيكون أبدياً، ولن يتركوا أرضهم فيما بعد (43: 6- 7 أ).

2- لاهوت حزقيال بحسب النص الأصليّ
يحدّد حزقيال، كعادته، تاريخ رؤياه: نيسان 573؛ وهذا التأريخ ليس الأخير، إذا أخذنا بعين الإعتبار 29: 17- 20. انتقل النبي إلى أورشليم في "رؤى إلهية" (40: 2). يبدأ بالتذكير بخراب المدينة، وهذه هي النقطة المركزيّة في ف 8- 11. ثم وُضع النبي على جبل عالٍ جداً (20: 40- 41)، وهو المكان الذي فيه يخدم بيت إسرائيل الربّ إلهه، وتُقبل قرابينه.
ستتوسّع مدرسة حزقيال في هذا الموضوع. إن "الجبل العالي جداً" يلمح إلى النظرة المسيحانيّة التي سبقت الإشارة إليها في 17: 23. رأى حزقيال، فوق هذا الجبل، مبنى قائماً: فظنّه مدينة بسبب ضخامته وشكله. ومن هناك كان شاهد عيان على رجوع مجد يهوه إلى الهيكل (43: 4). فالنبي الذي رأى، قد سمع أيضاً (43: 6). هذا الرجوع يلغي الخروج المأساوي الموصوف في ف 8- 11. يجب الإشارة إلى ما هو أساسي: إن رجوع المجد إلى الهيكل المطهَّر، لم يكن ليتمّ إلاّ بعد الخراب (التاريخيّ) للهيكل. وبعد ذلك، وقد أصبح الماضي بائداً، يستطيع الله أن يرجع ويأخذ مكانه.
مع ذلك، يبقى حزقيال وفيّاً للاهوته الذي يعتبر أن حضور الله يغمر الهيكل الموحّد (آ 1، 6). فالله يكون حاضراً حيث يكون شعبه: "سيسكن في وسط إسرائيل إلى الأبد" (43: 7 أ). سيكون الملك الوحيد في البلاد: هنا مكان "عرشي" (43: 7 أ). يكون الدخول الاحتفالي ليهوه إلى هيكله، في يوم تذكار دخول بني إسرائيل إلى أرض الميعاد (رج 40: 1؛ يش 4: 19).
يستطيع الشعب، منذ الآن، الرجوع إلى أرضه، والعيش مع إلهه. وضمن هذا الإطار، يصبح تحقيق العهود التي أعلن عنها في ف 33؛ 34؛ 36؛ 37 ممكناً. فما عبّر عنه النصّ في 37: 27- 28 يتجسّد في هذه الرؤيا. إن نتائج حضور الله تظهر في 47: 1- 12. ففي هذه الفقرة يجري الكلام على مياه متدفقة من عن يمين الهيكل جنوب المذبح (آ 1). إن حركة إسرائيل النبوية تجمع بين المياه والبركة والخصب. الله هو ينبوع الحياة الذي يغمر البلاد ليبدّل أرضها ويخلقها من جديد. فتنبت الأشجار، وتصير الحياة ممكنة حتى في البحر الميت. وتصير ثمار الأشجار غذاءً وأوراقها دواءً (آ 12). هذا الازدهار الذي يجدّد كل شيء، حتى قحط البحر الميت- يفتح مستقبلاً يستطيع الشعب العيش فيه مجدّداً. إن قيامة الشعب (37: 1- 14) تترافق مع قيامة الأرض.
لم نقرأ سوى جزء من مجموعة الفصول 40- 48. فكيف أصبحت هذه الفصول بعد كتابتها مجدداً على يد تلاميذ النبيّ؟

3- ف 40- 48 بحسب لاهوت تلامذة حزقيال
تقسم ف 40- 48 إلى ثلاثة أقسام: 1) 40: 1- 43: 3: زيارة الهيكل وتفتيشه؛ 2) 43: 4- 47: 12: ترتيبات العبادة الجديدة؛ 3) 47: 13- 48: 35: تقسيم جديد للبلاد. إنّ الهيكل والأرض يُستخدمان كدعم للعبادة التي هي النشاط المركزي والأساسي لشعب الله.
إنّ بناء الهيكل يتضمّن في البداية بوّابات الدخول الست التي تشبه بوّابات المدن المحصَّنة، التي تجد مثلها في حاصور مثلاً (ف 40). وهذه البوّابات، ليست في الواقع معابر عاديّة وحسب، بل غرف أسلحة (40- 45)، حيث يقوم خدّام الهيكل بمهمّة الحراسة. أمّا اتّساع بوّابات الدخول الثلاث المتتالية، فيتناقص تدريجياً: 14 ذراعاً (40: 48)؛ عشرة (41: 2)، سبعة (41: 3).
إنّ بناءً كهذا يوحي باقتراب الله القدّوس من المؤمن الراغب في دخول الهيكل. ثم تظهر الدار الداخليّة والأبنية التابعة لها. هناك ثلاثون غرفة محاذية لأروقة الهيكل الشماليّة والجنوبيّة والشرقيّة. وعند زوايا الدار الخارجيّة، توجد مطابخ اللاويّين (46: 19- 20). ويمكن الدخول إلى الدار الداخلية عبر ثلاثة أبواب شبيهة بأبواب الرواق. هذا المكان محظور على كل الوثنيّين. وهذا التدبير، كان قد أُهمل غالباً في حقبة ما قبل المنفى. والمذبح مقامٌ في وسطه بالتمام. ومقابل المذبح يقوم الهيكل المتّصل إلى اليمين والى اليسار بأبنية أخرى ضروريّة، لازمة لخدمة الهيكل (40: 44- 46): غرفتان يشغلهما الكهنة الذين يخدمون الهيكل، والكهنة الذين يتولّون خدمة المذبح. وبعد هاتين الغرفتين تقوم ثماني غرف أخرى على الجانبين، دون أن يذكر النص وجهة استعمالها (41: 9- 10، 11). وعلى مسافة عشرين متراً من المذبح، وعلى علوّ ثلاثة أمتار فوق الرواق الداخلي يقوم المبنى الرئيسيّ. ينتصب عمودان أمام الحائط، لا يحملان شيئاً. وفي داخل الهيكل يقوم قدس الأقداس. ما هو الهدف اللاهوتي، من هذا التصميم المعقد لبناء الهيكل؟ هذا هو السؤال الذي يُسند قراءتنا.

4- ملحق أوّل: تصميم هيكل حزقيال

وبعد هذا الوصف للهيكل، ينتقل مدوّن السفر (أو المدوِّنون؟) إلى التوسّع في وصف الخدمات الطقسيّة. إنّ الرجاسات الواردة في ف 8 لا يجب أن تتكرّر. فالحيطان والأروقة والجدران الخارجيّة والأروقة الداخليّة إلخ... هي ضروريّة لمنع غير المختونين قلباً وجسداً من الدخول إلى المَقدِس وتنجيسه (44: 4- 9). هكذا تقوم حماية مشدّدة للحفاظ على قداسة بيت الله.
أما خدمة المذبح فآيلة إلى بني صادوق (44: 15)، ولا يقرب الرئيس (نسي) من المذبح ليقدِّم محرقة كالملوك من سلالة داود (46: 2)، ولا يذبح المؤمنون ذبائحهم لتقديمها محرقات (رج 44: 11؛ 1: 5). هذا الاهتمام الذي أبداه مدوِّن السفر في تنظيم الجهاز البشري الذي يؤدي الخدمة الطقسيّة، وكذلك في تنظيم الأبنية، يفصح عن نيّة واحدة: تأمين الخدمة دون الوقوع في خطأ طقسي واحد. فقداسة يهوه هي في صميم كل هذه الترتيبات.
إنّ إعادة بناء البيت وتنظيم الخدمات الطقسيّة تترافق مع إعادة تقسيم الأسباط حول قدس أقداس يهوه، إله العهد. إنّ هذا التنظيم خاضع لمراقبة الرئيس (نسي) الذي أشارت إليه فرائض شريعة موسى سابقاً. إنّ دور هذا الرئيس ليس واضحاً. ويُطلب منه احترام التعامل العادل بالنقود والموازين والمكاييل، (45: 9- 12)، وتولي المحرقات والتقدمة "في الأعياد ورؤوس الشهور" (45: 17)، وحضور تقدمته الخاصة وهو جالس في مدخل الباب الشرقي المغلق لأنّ مجد يهوه قد دخل منه (44: 1- 3). أما الأسباط فهي منظَّمة بالشكل التالي: قسّمت البلاد إلى اثنتي عشرة رقعة مستطيلة، ذات مساحة متساوية، معطاة لكلّ من الأسباط الإثني عشر. ويقوم قدس الأقداس في الوسط. كان يهوذا وبنيامين الأقرب إلى أورشليم، بحسب التاريخ. وبعد يهوذا، لجهة الشمال، يأتي على التوالي: رأوبين، افرائيم، منسَّى، نفتالي، أشير ودان. ومن جهة الجنوب، بنيامين ويتبعه شمعون ويساكر وزبولون وجاد (48: 1- 13).

5- ملحق ثانٍ: تقسيم البلاد
بعد أن تمَّ ترتيب الأمور بشكل جيِّد، يمكن أن يُعمل كل شيء على أحسن ما يرام. رجع مجد الربّ (ف 43)، وتأمّن الازدهار الماديّ والروحيّ بواسطة المياه المتدفّقة من تحت المذبح في وسط المساحة المقدّسة، وهذه المياه تحوّل الأرض "والعربة" إلى جنة جديدة مقدّسة، "منقّاة من الخطيئة"، وذلك في إخلاص ترعاه ليتورجيا رائعة ومُلزمة في الوقت ذاته. عند ذلك يتحقّق ما ذكره السفر في النهاية: "يهوه شَمَّه"، أي الرب هنا.

الرسوم البيانية التالية توضح لاهوت المدرسة المنبثقة عن النبي:
*- 40: 1- 43: 3
أ- (40: 1- 4) يد الله تضع النبي قرب الهيكل.
ب- (40: 5) النبي يتعرّف إلى سماكة الحائط المحيط بالهيكل وارتفاعه.
ج- (40: 6- 47) يتفحص النبي بوابات وأروقة الهيكل.
د- (40: 48- 41: 26) النبي يتفحص الهيكل.
ج ج- (42: 1- 14) ويتفحص الأبنية الملاصقة للهيكل.
ب ب- (42: 15- 20) يعلم مقدار طول الحائط المحيط بالهيكل.
أ أ- (43: 1- 3) يسجد أمام الله الذي يقترب من هيكله.
مع أنّ الهيكل ما يزال فارغاً، فإنّ (أ وأ أ) تضعان عمل سيده وحضوره في المقام الأول. وعندما تكتمل التدابير المنهجيّة (البيت هو نقطة الارتكاز في وصف التدابير)، ويصير المسكن مؤهلاً ولائقاً لاستقبال الله، فإنه يأتي في الوقت المناسب.
43: 4- 47: 12
إنّ وصول الله إلى الهيكل يفتح الطريق أمام الموضوع المركزي في الرؤيا الكبرى، وهو العبادة التي أعيد تنظيمها وتجديدها. يهوه هو الرب الوحيد المعبود من قبل شعبه.
أ (43: 4- 5) مجد الرب يملأ الهيكل.
ب (43: 6- 9) الملوك اجتاحوا مخادع الكهنة.
ج (43: 10- 12) الأرض المخصصة لله لن يستولي الشعب عليها.
د (43: 13- 27) وضع مذبح القرابين وتكريسه.
هـ (44: 1- 3) الإقفال الدائم للبوابة الخارجيّة لجهة الشرق.
و (44: 4- 14) الأعمال الثانويّة التي يقوم اللاويون المتمرّدون بها.
ز (44: 15- 27) واجبات الصدوقيين تجاه الله والشعب.
ح (44: 28- 31) واردات الرئيس.
ط (45: 1- 6) وسط البلاد محفوظ ليهوه.
ح ح (45: 7- 8) واردات الرئيس.
ز ز (45: 9- 17) واجبات الرئيس تجاه شعب الله.
و و (45: 18- 25) احتفالات الأعياد موكولة إلى مقدّمي المحرقات والرئيس.
هـ هـ (46: 1- 3) فتح الباب الداخلي لجهة الشرق يوم السبت.
د د (46: 4- 15) القرابين المقدّسة على مذبح المحرقات.
ج ج (46: 16- 28) لن يستولي الرئيس على أراضي الشعب.
ب ب (46: 19- 24) يخصص مخادع الكهنة لطبخ الذبائح.
أ أ (47: 1- 12) الهيكل يعطي الحياة للبلاد.
إنّ حضور يهوه في الهيكل (أ) في وسط البلاد (ط) والحياة المنبعثة من الهيكل (أ أ) تحيي المجموعة وتضيئها. وما تبقّى يجري ترتيبه، في انسجام مع قداسة يهوه الحاضر في الوسط كمبدأ حيوي للبلاد وللشعب.
* 47: 13- 48: 35
يدخل الله إلى بيته ليعدّ بيتاً لشعبه. جغرافياً، يبدو تقسيم البلاد الحاصل في القسم الآخر من السفر مثالياً لأنّ البلاد تتوسّع من الجنوب باتّجاه الشمال.
أ (47: 13- 14) تقسيم عادلة للبلاد بحسب إرادة الله.
ب (47: 15- 21) حدود البلاد الأربعة.
ج (47: 22- 23) مكان الغرباء بين أسباط إسرائيل.
د (48: 1- 7) تقسيم النصف الشمالي من البلاد.
هـ (48: 8- 22) الموقع الذي يحتله المقدس والمدينة في الوسط.
د د (48: 23- 28) تقسيم النصف الجنوبي من البلاد.
ج ج (48: 29) ملكية أسباط إسرائيل.
ب ب (48: 30- 35 أ) أبواب المدينة الأربعة.
أ أ (48: 35 ب) حضور الله في المدينة.
إنّ البرارة ممكنة بفضل مكانة الله. إنّ الفقرة الأخيرة (أ أ) تشكل تضميناً مع الفقرة (أ). إنّ الإسم الجديد للمدينة "الرب هنا" (شمَّه) (48: 35 ب)، ستعيد الظرف الوارد في 40: 1. فقد أُخذ النبي إلى أرض كنعان في رؤيا ليشهد رجوع الله (بعد أن شهد ذهابه)؛ وسيعلم الشعب، من خلال النبي، أنّ هذا الرجوع نهائي حتماً. والإسم الرسمي للمدينة يشهد على ذلك.
الفصل الخامس
العهد، الروح والمعرفة
إن الزمن المسيحاني، والروح الجديد، والأرض الجديدة، ورجوع مجد يهوه إلى الهيكل، هذه جميعها يمكن إعادة قراءَتها من ثلاث زوايا أخرى: العهد المعبرَّ عنه بتعبير خاص: "ستكونون شعبي وأكون إلهكم"؛ الروح الذي يعمل يهوه بواسطته يجدّد شعبه ويعطيه أرضاً جديدة؛ ومعرفة يهوه التي يُعبرَّ عنها، هي أيضاً بأسلوب خاص بحزقيال: "ويعلمون أني أنا الربّ".
أ- "تكونون شعبي، وأكون أنا إلهكم"

في 11: 14- 21 يردّ النبي على ادّعاءات اليهود الذين لم يذهبوا إلى المنفى فقالوا للآخرين: "إبتعدوا عن الربّ، لنا أُعطيت هذه الأرض ميراثاً" (آ 15). وعندما يتنبأ حزقيال لصالح المنفيين فهو يهدم أوهامهم. إن تشتّت الشعب بين الوثنيّين أمر أراده يهوه. وبالمقابل، فإن الله الذي يمسك بمجرى الأحداث، سيجمعهم من جديد ويعطيهم أرض إسرائيل. ففي المنفى، يوحِّد الله قلوبهم ويخلق فيهم روحاً جديداً يدفعهم لممارسة شرائع الله وعاداته. إن عطيّة يهوه تجعل إسرائيل أهلاً ليصبح شعب الله وليعيش العهد (آ 19- 20). ومن جهة أخرى، فإن التقليد الذي يستقي منه حزقيال مفهومه عن العهد "لا يفترض بالضرورة المساواة بين المتعاقدين، ولا شرعيّة الحقوق والواجبات. إن القويّ يمكنه أن يضمن حماية الضعيف مقابل بعض الشروط، ومنها محافظة الضعيف على وفائه للقويّ. وهذه هي حال المعاهدات المسمَّاة "معاهدات التبعيَّة"، التي يمكن أن تُشبَّه بها المعاهدة المعقودة بين يهوه وإسرائيل" وهكذا نجد في يش 9؛ 24؛ 1 صم 11: 1؛ حز 24 إلخ...
إن طرح حزقيال بهذا الخصوص في 11: 20 نجده في خر 6: 7، حيث يتعلّق الأمر بتحرير الشعب من نير المصريّين. لقد تذكّر الله عهده، وسيخلّص شعبه ويُدخله إلى أرض جديدة وعد بها إبراهيم واسحق ويعقوب من قبل، وبالتالي يكون بنو إسرائيل شعب الله، وهو إلههم. ينتقل الشعب إذن من وضع إلى آخر ويستعدّ لتجربة جديدة. فهل يكون إسرائيل وفياً ليهوه إلهه؟ في 11: 14- 21، يتعهد الربّ بضمان إخلاص الشعب، إذ يعطي روحه، ويسمح لإسرائيل بأن يرى في يهوه إلهه الأوحد.
إن عبارة: "يكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً" نصادفها أيضاً في 14: 1- 11 حيث يرفع الله اتهامه ضد شيوخ إسرائيل (آ 3). فهم يحتفظون بأرجاسهم في قلوبهم ويأتون ليستشيروا النبي. يستفيد الله من هذه الثغرة ليردّ الإخلاص إلى قلب بيت إسرائيل. ان الأسلوب التشريعيّ في آ 7- 9 يشمل المقيمين الغرباء في أورشليم. والمستهدَفون بدرجة أولى، هم عبدة الأصنام الذين يأتون لاستشارة النبي، ثم النبي ذاته إذا أُخذ بضلالهم. إن يهوه بذاته سيهتمّ بمعالجة أمر المذنب ويقصيه عن شعبه. وهكذا، لن يبتعد بنو إسرائيل عن يهوه فيما بعد: "سيكونون شعبه ويكون إلههم" (آ 11). إن شعب العهد متعلّق مباشرة بالله الكليّ القدرة. بعد سقوط أورشليم سنة 587، نشأ مشروع حياة جديدة. وكما رأينا في 17: 11 ي، يعبِّر يهوه عن حبّه المجاني لإسرائيل، بواسطة عهده له. إن الخلاص يتقدّم الارتداد وممارسة الشرائع. وبالمقابل، فإن الشعب، بحسب روحيّة لا 26: 3- 13، مدعوّ إلى العيش بحسب شرائع يهوه ليحظى بالازدهار الزراعي، والطمأنينة، والسلام، والحماية ضد السيف، ونموّ الشعب الديمغرافي. وبالتالي فإن الربّ يحفظ عهده ويقيم مسكنه في وسط شعبه. وتجدر الملاحظة هنا إلى أن فسخ العهد وعدم الإخلاص مسألة طرحها إسرائيل من جهته: "وإذا رفضتم فرائضي وكرهتم أنفسُكم أحكامي فما عملتم كل وصاياي بل نكثتم ميثاقي" (آ 15). ان النقص وفقدان الحبّ غير موجودين في الله. وحتى عندما يعاقب شعبه، فلن يبيده ولن يفسخ عهده معه أبداً: "متى كانوا في أرض أعدائهم، ما أبيتهم ولا كرهتهم حتى أبيدهم وأنكث ميثاقي معهم، لأني أنا الربّ إلههم" (آ 44؛ رج آ 11- 12).
في عد 15: 37- 41، يستعين بنو إسرائيل بوسائل خارجيّة لتذكر كل وصايا يهوه (آ 38). وهذا الأمر عائد لسرعة عطب إخلاصهم للعهد. ولكن نجاسة القلب تدفع إسرائيل إلى فسخ عهده مع إلهه. إن ممارسته للشريعة وسلوكه، أمور تشهد لتكريسه ليهوه (آ 40؛ رج 36: 38؛ 44: 19؛ 45: 4 إلخ...).
في سفر التثنية، ترد عبارة العهد أربع مرات، متشابكة مع موضوع التكريس (تث 7: 6؛ 14: 2، 21؛ 26: 26): "لأنك أنت شعب مقدَّس للرب إلهك". وفي تث 7: 1- 6، يجب أن يتجنّب الشعب أية معاهدة، ليحافظ على علاقته مع يهوه إلهه، ويبتعد عن عبادة الآلهة الأخرى (آ 4). فالله اختار هذا الشعب من بين الأمم ليكون شعبه. يضاف إلى هذا الاختيار وهذا التكريس، تعبير عن النبوَّة: "أنتم أولاد للرب إلهكم" (تث 14: 1، 2). أما في تث 27: 9، فإنّ صيرورة الشعب مقدساً تتطلب أرضاً مميَّزة ومنفصلة ليعيش عليها الشعب بحسب الشريعة، وليشهد لانتمائه إلى يهوه.
إنّ حزقيال الذي تحدّث بالطريقة ذاتها، يوسِّع تأملاته اللاهوتيّة. إنّ تدخل روح الله سيعيد الأرض للشعب، وسيحوِّل القلب المتحجّر إلى قلب من لحم. فبعد الآن، سيصبح بنو إسرائيل قادرين على العيش إلى الأبد، في ميثاق سلام مع يهوه، وهم أوفياء وفاء خاصاً خاصة لشرائعه (16: 60؛ 37: 26؛ 34: 25). إنّ استمرارية قصة العهد مؤكّدة عند حزقيال. فهي متجذّرة في الماضي، وهي أيضاً موضع اختبار عميق بين الطرفين (16: 22؛ 6). أما بالنسبة إلى الله، فلم يعد الماضي مجرّد ذكرى، لأنّ يهوه يملك إمكانيّة تأوين هذا الماضي وجعله مولِّداً للمستقبل. وبعد إدخال الروح يتذكر إسرائيل خطاياه، ويرتدّ ليساهم في تأوين القول الثاني: "ستكونون شعبي، وأكون إلهكم".
إنّ الروح هو الوسيلة الفاعلة التي يروي فيها حزقيال باستمرار، الدور الأكبر لتجديد الشعب وجعله قادراً على عيش العهد الذي يطالب يهوه به دائماً. فأيّ روح هو المقصود في كلام النبيّ؟
ب- الروح

استعملت كلمة روح، بمعنى، "ريح" اثنتي عشرة مرة في حز: 1: 4؛ 5: 2، 10، 12؛ 12: 14؛ 13: 11، 13؛ 17: 10، 21؛ 19: 12؛ 27: 26؛ 37: 9.
في 1: 4 تهبّ عاصفة من الشمال، ترافقها عناصر أخرى مثل الغمام والنار الخ... هكذا وُصف حدثُ ظهور يهوه، كما في خر 19؛ مز 18. وفي استعمال آخر، تعني كلمة "ريح" اتجّاه الهواء. وتعبير "الرياح الأربع" في 37: 9 يقيم علاقة بين الريح والجهات الأربع في الأرض. وعبارة "يذري في كل ريح" تعني الشيء ذاته لأنها تدلّ على الاتجاه لا على آلة دمار (12: 14؛ 17: 21). وعندما يقول يهوه: "وأذري جميع بقيتك في كل ريح" (5: 10)، فإنه يعلن تشتت الشعب. ونجد في 13: 11، 13 أنّ الريح يمكن أن تبلغ من القوة درجة تمكّنها من اقتلاع حائط. ولها أيضاً قدرة تجفيف التربة التي نبتت فيها الأغراس، فتمنع هذه الأخيرة من أن تثمر (17: 10؛ 19: 12). إنّ الاستعارة المستعملة في هذه الآيات تشير، بدرجة أولى، إلى قدوم عدوّ شرس ليهدم البلاد ويسبي سكانها. فالريح الآتية من الشرق تشير إلى بابل، الدولة التي تهجّر بيت إسرائيل. وتتكرّر الصورة ذاتها في 27: 26 لتصف غرق السفن الصوريّة. هذا النوع من الريح يترافق مع العقاب الإلهي الذي يستدعي تدخّل عدوٍ يسبي ويدمِّر.
ولكن كلمة ريح تحمل أيضاً معنى الروح الصادرة عن العالم الإلهي: (1: 12، 20، 21؛ 32: 2؛ 3؛ 12، 14، 24؛ 8: 3؛ 10: 17؛ 11: 1، 5، 24؛ 36: 27: 37: 1، 9، 10، 14؛ 39: 29). إنّ الريح في 1: 4 هي دليل حضور إلهي، أما في آ 12 فهي توجِّه المركبة كما تشاء. وتحرُّك هذه المركبة مرتبط بالروح الموجود في عجلاتها (آ 20، 21؛ 10: 17). والكائنات الأربعة التي تشبه الحيوانات هي الكاروبيم؛ هذا ما لا شكّ فيه (9: 3؛ 10: 4). وهي تمثّل عرش يهوه في هيكل أورشليم (1 مل 6: 23- 27)، دون أن يحصل أي التباس بينها وبين الله. وهكذا، فإنّ روح يهوه يحيي ويحرّك المركبة، وهو يدل على حضوره وسط الغياب.
إنّ تجربة النبي الخاصة مع الروح تميِّزه بشكل بارز عن نصوص الأنبياء القدماء. وهذا ما يظهر في الفقرات التسع التالية: (11: 24): "روح إلوهيم"؛ (11: 5؛ 37: 11): "روح يهوه"؛ وفي 3: 12 و14 و24؛ 8: 3؛ 11: 1 و24 أَ؛ 43: 5 جاء استعمال كلمة روح مقتضباً وبدون أل التعريف. فالروح، في هذا الإطار، هو قوة خاصة فاعلة ومستقلة. ولكن فاعلية الروح متعلّقة بيهوه، بشكل واضح. وهدف الروح هو جعْل الإنسان يقف أمام وجه الله (2: 2؛ 3: 24)، ونقلْ كلمة الله إلى ذلك الإنسان (2: 1، 2؛ 11: 5) وذلك بواسطة رؤى إلهية (3: 12، 14؛ 8: 3؛ 11: 1؛ 43: 5). يكشف الله ذاته بواسطة هذا الروح، ويدخل في تاريخ شعبه. ومن يتلقّى الروح يوضع في حالة حوار وطاعة.
بعد سقوط أورشليم أعلن حزقيال رسالة رجاء: سيتدخّل الله لصالح شعبه، ويقيمه إذ يجعل فيه "روحاً" من روحه (36: 23- 27؛ 37: 1- 14؛ 39: 29). يعطي الله روحه ليجعل العلاقة مع بيت إسرائيل ممكنة، بالمستوى الذي يريده الله. إن درجة التزامه بإحياء الشعب تصل إلى حدّ تقاسم "روحه" معه.
يأتي الروح من الرياح الأربع (37: 9)، ويعطي الحياة لكلّ جماد (رج تك 6: 3؛ 7: 23؛ حز 37: 10 و14). إنه فعل داخلي يُحيي الإنسان. إن إحياء "القتلى" هو من عمل الله ذاته (رج 37: 9؛ تك 2: 7). فهو الذي يضع روحه مجاناً في الإنسان ليصير وفياً لوصاياه (36: 27). إن التأكيد باستعمال "جعل" مع حرف الجرّ "في" يدلّ على ما هو مستمرّ ودائم (36: 27؛ 37: 14). إن الإنسان الخاطىء يتبدل بمساعدة نعمة الله (رج 1 صم 10: 6، 9): "فيحلّ عليك روح الرب، فتتنبأ معهم، وتتحوّل إلى رجل آخر". إن فعل الروح هذا يطال الفرد كما يطال الجماعة التي ابتعدت عن إلهها، باحثة عن الاصنام. هكذا يحرّر يهوه شعبه، ويقيمه، ويعطيه القدرة على الارتداد ليعود وفياً للعهد.
إن المعنى الأخير المعطى لكلمة روح هو "روح الإنسان". ففي 3: 14، حمل الروح النبي الذي كان يشعر بحرارة روحه في داخله، وكانت يد الرب شديدة عليه. لقد مُسّ المركز الحيويّ في داخله. وكذلك الأمر في 21: 12، حيث الروح المغلوب يدلّ على حيويّة وشجاعة الكائن البشري (رج يش 2: 11؛ 5: 1). وفي 20: 32 نقرأ: "والذي يخطر ببالكم" (بروحكم في الأصل). إن الروح تعني هنا القوة التي في داخل الإنسان وهي تجعله ينصرف إلى عبادة الأصنام. وكذلك فإن روح النبي تبدو كمركز إدراك غير قادر بمفرده على اكتشاف إرادة الله (رج 13: 3؛ هو 9: 7)، ولا يكتمل الإدراك إلا بروح يهوه. نضيف إلى ذلك الدعوة إلى الارتداد: "واعملوا لأنفسكم قلباً جديدا وروحاً جديدة" (18: 31). هذا التحريض يبدو في صراع مع مجرَّد الوعد بالخلاص في 11: 9 و36: 26، الذي بموجبه يسم يهوه بذاته هذه الروح الجديدة في الإنسان. في هذه الآيات الثلاث (20: 32؛ 13: 3؛ 18: 31)، الروح هو موازٍ في معناه للقلب.
سيعيد الله شعبه إلى أرضه، ويُحدث تغييراً واقعياً في الروح، وهي المركز المحرّك للكائن البشري، الذي يُعطي صورة مخلوق ينفخ الله فيه نسمة الحياة من جديد. فكما ينفخ الله في الإنسان نسمةً حيةً (تك 2: 7)، نسمة روح خاصة بالإنسان (تك 7: 22) ولكنها ليست ملكاً خاصاً له (تك 6: 3)، كذلك فإن الروح الذي أعطاه الله للإنسان سيبقى نعمة خاصّة.
إن عطية الروح الجديد تُحدث رداً في داخل الإنسان، وهو "معرفة" من هو الله. فبأيّ معنى يتحدّث النبيّ عن هذا الموضوع؟
ج- ويعرفون أني أنا الرب

هذا التعبير يتكرّر خمساً وأربعين مرّة في سفر حزقيال. وهناك ثماني عشرة مرّة أخرى يرد فيها التعبير ذاته، مع توسّع وتطويل وبواسطة عبارة تابعة أو صفة مرافقة (رج 5: 13؛ 6: 13؛ 20: 20؛ 37: 28 إلخ...). وترد العبارة ست مرات أيضاً، بتركيب مختلف بعض الشيء، ولكن بالمعنى ذاته (رج 14: 23). وأخيراً، في موضعين نجد فعل "رأى" مستبدلاً بـ "عرف" (رج 21: 4).
إن هذا التعبير، كما هو، يحمل أهميّة لها مغزاها. إن حرف العطف "و" ليس لوصل عبارتين فقط، بل هو للاستنتاج والتفسير. إنه يلمّح إلى الهدف الذي ينبغي أن يبلغه الشعب، وهو معرفة يهوه من خلال أفعاله. يمكننا أن نلاحظ، في اللغة العبرية، كما في أكثر اللغات الساميّة، أن حرف العطف "و" يتضمّن معنى الأمر: "يجب أن يعرفوا....".
إن القسم الثاني من التعبير "يعرفون أن..." يهدف إلى التحدّث عن معرفة من قبل الشعب. إن فعل "يدع" في العبريّة، يعبّر عن علاقة وجوديّة. علم بشيء ما، يعني أنه اختبره: كان يُقال: عرف الألم (أش 5: 31)؛ وعرف الخطيئة والحرب (قض 3: 1) إلخ... عرف فلان فلاناً أي دخل معه في علاقة ما. وتُستعمل الكلمة للدلالة على التضامن العائلي، والعلاقة الزوجيّة وحتى العلاقة الجنسيّة الحميمة. بهذا التعبير التصويري يعلن حزقيال عودة علاقة العهد بين الشعب وإلهه.
يتضمّن القسم الأخير "أني أنا يهوه" وحياً أخيراً يشير إلى الله بالذات. إن الضمير "أنا" المستعمل في هذا الإطار، لا يجب فهمه بمعناه الفلسفي، أي شخصيّة الله "الكائن" في ذاته. ففي كتاب حزقيال، كان رجوع يهوه إلى الهيكل، في الغمام. فقد أبرز حضوره الخفي بواسطة صوته، وليس بطريقة مباشرة. وتعبير "إني أنا يهوه" يدل على حضور إلهي يعبّر عنه التحرّكُ والكلمة: "وتعلمون أني أنا يهوه، قلت وفعلت". إن القسم الأول من كتاب حزقيال يُظهر نسيان الشعب بأن يهوه إلهه، لأنه لا يعطي أية علامة تدل على حضور يهوه وسط كل المصاعب التي قاساها إسرائيل. فإسرائيل أنكر يهوه كإله، وراح يفتش عن الأصنام. ولكن يهوه، عن طريق أفعاله وكلمته التي نقلها حزقيال، يؤكد من جديد أمانته، ويبيّن لشعبه أنه يهوه إلهه. وبالنتيجة يجب أن يستعيد إسرائيل إيمانه.
في كل الأحوال، يستعيد هذا التعبير معناه الحقيقي بواسطة إطاره. ولئلاّ نقع في التكرار، لا نحتفظ إلا ببعض النصوص الهامّة: إدانة إسرائيل (7: 2- 4)؛ إدانة عمّون (25: 3- 5)؛ ووعد بالحياة (37: 6). ونجد التعبير المقصود في نهاية كل من هذه الأقسام. وهو يدلّ على انتهاء عمل ما أو على نتيجته. إن الوسائل التي يستخدمها يهوه للتعريف بذاته تتميز بعمل تمّ إنجازه. في 7: 2- 4 يعلن الله عن ذاته بواسطة عقاب يطال شعبه. وكذلك الأمر بالنسبة لمدينة عمّون حيث أطلق عليها يهوه يد العرب المجاورين لها، ليعلم أهلها أنه هو الرب (25: 3- 5). وعندما تكون المواثيق هي المقصودة تختلف الوسائل. سيعيد يهوه إسرائيل إلى أرضه بقوة روحه، ويحييه من جديد (37: 6).
يتَّخذ الله دائماً زمام المبادرة ليعرّف بذاته بالقول والفعل. إن مجانيّة عمله تجعل معرفة الإنسان له نعمة إلهية. فهو فاعل كل الأفعال الواردة في صيغة المعلوم: "أضع"، "أفعل"، "أعطي" إلخ... ويظل الإنسان بقدرته الذاتية، عاجزاً عن معرفة يهوه. وفي النهاية، نشير إلى أن الله لا يكشف ذاته لشعبه وحده، بل لجميع الأمم أيضاً.
"إن العبارة المنمّقة والمزخرفة لا توجد بشكل دقيق، عند أي من أنبياء ما قبل المنفى. من المؤكّد أن حزقيال عرف هؤلاء الانبياء. ولكنه تبع خطاً خاصاً به، يمكننا، بالاستناد إلى 1 مل 20، أن نردّه إلى الأوساط النبوية في مملكة الشمال".
يهتم النبي خصوصاً بمعرفة يهوه أكثر من اهتمامه بقيام إسرائيل مُجدّداً. فهل كان التقليد الذي ورثه النبي يهتم بمعرفة يهوه؟ يتحدث هوشع، في 4: 1، عن فقدان الحب والإخلاص بسبب عدم معرفة يهوه في البلاد. فقد رفض الإنسان الاستجابة للعهد مع الله وقطع علاقته به. في آ 6 ينبذ الله الشعب الذي تنكّر له. وعند أشعيا (3: 1) يبدو الشعب ناكراً الجميل تجاه عطف يهوه عليه، ويثور ضد إله لا يعرفه. إن هذا الإنكار للجميل ينكشف في ترك قدّوس إسرائيل واحتقاره. وفي إر 8: 7، يتمّ التعبير عن العودة إلى معرفة حقّ يهوه على شعبه، بارتداد هذا الشعب. يتحدّث تث 32: 16 ي عن بني إسرائيل الذين يبتعدون عن الله، بتقديم القرابين للشياطين والآلهة التي تنال تقديرهم. إن المعرفة تفترض علاقة متبادلة مبنيّة على اختبار حميم بين الطرفين.
في كل هذه الحالة، يبدو الشعب عاجزاً عن معرفة الله، لأنه يتبع ميوله. في هو 8: 2 يظنّ البعض أنهم يعرفون الله، ولكنهم يبقون واهمين، والأعمال السيّئة تكشف جهلهم في الواقع. بحسب حز 6: 7؛ 7: 4، 9، سينال الشعب عقابه، ويضطرّ بالتالي إلى الاعتراف بيهوه كإله له.
ومع ذلك، فإن المعرفة التي يرجوها أشعيا في الزمن المسيحاني (أش 1: 9)، يمكن أن تتحقّق- رغم قلب الشعب الشرير الأغلف (رج إر 7: 24؛ لا 26: 41). ويشير سفر التثنية أيضاً إلى الصلة بين عطية القلب والمعرفة: يطلب التجديد الداخلي من أجل معرفة الله. وبالتالي فإن الشعب سيعود إلى ممارسة شرائع يهوه ووصاياه التي تُبنى عليها علاقة العهد: "سأكون لهم إلهاً، ويكونون لي شعباً). ومن هذه العلاقة الراسخة تشّع معرفة حميمة ومباشرة: إن حزقيال يصنّف في خانة هذا اللاهوت. فروح الله، بالنسبة لحزقيال، يرمِّم الشعب من الداخل (ف 36- 37). وخلاص الشعب يتمّ عندما يعود بيت إسرائيل إلى أرضه، ويعرف يهوه إلهه. وبتعبير آخر، عندما يستعيد بيت إسرائيل جذور إيمانه التي هي عطيّة صافية من الرب بواسطة كلمته وروحه المجدّد.
خلاصة

في نهاية هذه الجولة، نلاحظ أن تعابير الخلاص عند حزقيال تنتظم حول ثلاثة عوامل رئيسية: الله، شعبه، والأمم. ولا يجب أن ننسى دور النبيّ الذي يؤمّن، بشكل من الأشكال، نقطة التلاقي بين الثلاثة. في الواقع، إن كلمة الله المنقولة بواسطة النبي، تتوسّط بين يهوه وشعبه، وتوجّه أحياناً إلى الأمم مباشرة. والمحور الأساسي يذكّرنا بحضور إله العهد الفاعل بقرب شعبه. عند حزقيال، يبادر يهوه لإعلان ذاته بواسطة كلمته، على أنه المخلّص الوحيد لبيت إسرائيل في مواجهة العالم الوثني. هذا التدخل إلهي، رغم كثرة تعرّضه للنقد، له بعد كوفي. فيهوه لا يبغي خلاص شعبه وحسب، بل خلاص جميع الذين يعترفون به من خلال أعماله الخلاصية لصالح من يشاركونه في العهد.
إن معرفة يهوه تتمّ بواسطة أحداث التاريخ. فتقلّبات هذه الأحداث بشكل مأساوي تسمح بأن نجد فيها دعوة إلى معرفة يهوه كإله أوحد، وهذا يعني الارتداد. وهذا الأمر يضمن الخلاص والمحافظة على إسرائيل بهويّته السياسيّة- الدينيّة بين الأمم. إن إمكانيّة نيل الخلاص بيهوه كانت حاضرة دائماً في نبوءة حزقيال، حتى قبل سقوط أورشليم. ليس الابن مضطراً بعد الآن، أن يدفع ثمن خطيئة أبيه، فهو حرّ في اختياره السير مع يهوه أو ضدّه. إن دعوة النبي تخضع لارتداد ذاك الذي يسمعها، وجّعل الإنسان الذي يرفضها مسؤولاً (ف 18).
عندما يخرج مجد يهوه من الهيكل، يفقد يهوذا كل حماية، ويبرز الفصل بين الضياع والخلاص بشكل جذريّ (ف 8- 11). ومع ذلك، يُظهر الله هنا مظهراً من كيانه: إن ترك أورشليم والانتقال إلى أرض وثنيّة، ليس مرتبطاً بهيكل أو مدينة، بل بشعب. وحياة هذا الشعب مرتبطة بحضور الربّ في وسطه. ورجاء المنفيّين يمكن أن يتجدّد لأن يهوه لم يتركهم. هذه النظرة الكونيّة تتعارض مع الاهتمام المبالغ فيه بالهويّة الوطنيّة المحدّدة بأرض وعبادة وشعب يقوده ملك من سلالة داود، خادم يهوه. سيرجع الله إلى أورشليم ويعيد إليها بيت إسرائيل. وإسرائيل المسحوق والهالك (37: 1- 14)، لن يتشتت بعد الآن بفضل يهوه الذي سيجمعه من جديد (ف 34) فوق أرضه، ويقيم عليه راعياً من سلالة داود (34: 23...، 37: 24....) كعلامة للوحدة المحقّقة مجدّداً (37: 15- 28). وسيكون للشعب قلب جديد، وسيتطهّر بالماء، ويتبدّل بالروح (11: 16- 19؛ 36: 25- 28). هكذا يرى حزقيال أن خروج الله ورجوعه، لا يتعلّقان إلا بطهارة طويّة الشعب تجاهه.
يُترجَم العمل الخلاصي ليهوه، بخلق شعب جديد يكون قادراً على قول "نعم" لكل الوصايا. في هذا الإطار المتجدّد، تعبّر تصرفاتُ إسرائيل عن تبادل مُعاش بينه وبين الله. أما الخلاص فهو متعلّق بالمسامحة التي تقوم بالدخول إلى قلب الإنسان لتحريره من خطيئته، وفتح مستقبل جديد أمامه. إن حزقيال، في رؤياه، يجعل خلاص إسرائيل وردّة فعل الأمم يتحرّكان معاً: إن تهجير إسرائيل فهمته الأمم كمساس بقداسة إله إسرائيل وتنجيس له. وحين أنقذ شعبه، ظهر مجده. ومجد الله يجب أن يبرز أمام أعين الأمم.
إن غنى لاهوت الخلاص هذا، غذّى التأمل اليوحناويّ الذي نذكره هنا. فمن بين الصور التي طبّقها الإنجيل على يسوع، نذكر صورة "الراعي الصالح" (ف حز 34 ويو 10)، وعطيّة "الروح" (ق حز 37: 1- 14 ويو 19: 30)، "والينبوع" (ق حز 47: 1 ب: "المياه تخرج من تحت عتبة البيت اليمنى" ويو 19: 34 "ولكن واحداً من الجنود طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء").
ولن ننسى كذلك أن حزقيال هو ينبوع الفكرة الرؤيوية. فمنه استمدّت رؤيا يوحنا بعض الأفكار. وإنجيل يوحنا أعاد قراءة فكرة حزقيال، وتبصرّ فيها على ضوء هذه العبارة: يسوع الذي مات ثم قام.