في رحاب الكتاب، العهد الثاني

تقديم 

بعد العهد الأول، ها هو العهد الثاني. بعد جولة في رحاب الكتاب مع العهد القديم، ها نحن نتابع مع جولة ثانية في العهد الجديد، ولاسيّما في الأناجيل ورسائل القديس بولس التي تشكّل القسم الأكبر من هذا الكتاب الصغير الذي أخذه يوحنا الراثي وابتلعه فكان في فمه حلوًا كالعسل، وفي جوفه مرًا كالعلقم.
أقسام أربعة في هذا الجزء الثاني من مجموعة "في رحاب الكتاب". يتوقّف القسم الأول عند العهد الجديد بشكل إجمالي، مع مواضيع عامة. على مستوى الخطيئة والرحمة. على مستوى العيلة والكهنوت. على مستوى الفداء والموت والقيامة. مواضيع متفرّقة كتبناها على مدّ السنين وها نحن نجمعها.
ويتوقّف القسم الثاني عند الأناجيل الازائيّة أو متّى ومرقس ولوقا. لا جديد على مستوى الدراسات النقديّة. فالمسألة الازائية تُراوح مكانها، ولا جديد يُذكر على مستوى العلاقة بين إنجيل إزائي وآخر. لهذا اكتفينا أيضًا بتقديم مواضيع تنحصر في الأناجيل الثلاثة أو في إنجيل واحد. وقدّمنا في الفصل الأخير "عظة" تعود إلى القرون الوسطى. فتحاول أن تجعل الإنجيل في متناول الشعب. عظة في اللغة العربيّة القديمة تركناها كما هي لكي نحافظ على طراوتها وعمق الإيمان الذي فيها.
وجاء القسم الثالث الأكثر ابتكارًا بسبب الدراسات الجديدة التي رافقت إنجيل يوحنا في هذه السنوات الأخيرة. من الجماعة اليوحناويّة التي بدأت باكرًا وانغلقت على ذاتها بعض الوقت قبل أن تنفتح على الكنيسة الجامعة في ما تركته من كتابات إلى العالم الغنوصيّ الذي كاد يستولي على الإنجيل الرابع فيحرم الكنيسة منه. وننهي هذا القسم بقراءة لعرس قانا الجليل على ضوء علم الآثار.
أما القسم الرابع وعنوانه "القديس بولس ورسائله"، فقد حاول أن يربط بولس بعصره، ويتوقّف عند بعض الدراسات البولسيّة ولاسيّما قبول رسائل بولس في المسيحيّة الأولى وفي الزمن اللاحق. وينتهي هذا القسم، كما انتهت الأقسام السابقة، بمواضيع لاهوتيّة تفهمنا أن عمل التأويل والتفسير يجب أن ينتهي في اللاهوت الكتابيّ لكي يغذّي المؤمنين. كما ينتهي بتفسير سريع للرسالة الأولى والرسالة الثانية إلى تسالونيكي.
هي لمحات على مستوى العهد الجديد، وقد حاولنا فيها أن نجمع دراسات سابقة مشتّتة هنا وهناك في المجلاّت. وزدنا عليها دراسات جديدة بحيث أخذ الكتاب شكله الحاليّ. هل نعتبر أننا استنفدنا المسائل المتعلّقة بالعهد الجديد؟ كلا ثم كلا. فكتابنا هو محطّة في بحثنا وقرءاتنا، وسوف تتبعه بإذن الله محطّات أخرى تجعل الكتاب المقدس وغناه في متناول الشعب المؤمن ولاسيّما أولئك المهتمين بالتعمّق في كلمة الله. إليهم جميعًا نقدّم هذا "العهد الثاني" الذي جاء بعد "العهد الأول"، ونحن آملون أن لا يتأخّر الجزء الثالث الذي عنوانه "بين العهدين". هكذا نستطيع أن نحيط إحاطة معقولة بالكتاب المقدّس فنفهمه فهمًا يقودنا إلى الحياة بحسب كلام الله الذي يوجّه خطانا.
القسمُ الأوّل
مَواضيعٌ عَامَّة
في
العَهد الجَديد

يتوزّع هذا القسم على المواضيع التالية: 
1- الخطيئة في العهد الجديد
2- الرحمة والرأفة في العهد الجديد
3- قتل العداوة بصليبه
4- سرّ الصليب والحياة المسيحيّة
5- المسيح قام
6- المعجزات
7- سر الفصح
8- سر الفداء
9- في البدء خلق الله العيلة
10- أنت كاهن إلى الأبد

الفصل الأول
الخطيئة في العهد الجديد

الخطيئة سر لا نفهمه إلاّ على ضوء الوحي وفي جوّ الخلاص. وإن عددًا من الناس يفضّلون العيش في سراب، فتأتي النعمة وتمزّق هذا السراب وتدفعنا إلى انقلاب في حياتنا: "مزّقوا قلوبكم لا ثيابكم". هذا ما قالت أشعيا في العهد القديم. وقال يوحنا المعمدان على عتبة العهد الجديد: "توبوا، فقد اقترب ملكوت الله" (مت 3: 2). وجاءت كلمات يسوع تدعونا إلى هذه التوبة وهذا التبديل في حياتنا: "تمَّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالبشارة" (بالإنجيل) (مر 1: 15).
ليس العهد الجديد نقطة وصول وحسب، بل هو يمسك البشرية من جديد وينزع القناع عن عينيها. فنسمع صوت يوحنا المعمدان: "ها إن الفأس موضوعة على أصول الشجر. فكل شجرة لا تعطي ثمرًا جيدًا تُقطَع وتُرمى في النار" (مت 3: 10). هل نحن أمام إخطار وتهديد؟ بل نحن أمام نداء الحب الذي يواجه عمى الإنسان. هناك صفحتان انجيليّتان تشيران إلى نعمة وعي الخطيئة: الجسمانية أو الظلمة على الخطيئة ورقاد الإنسان ساعة يصبّ الشر قوّته على ضحيته، وطريق الشام حيث يقرّ الإنسان أنه مضطهد قاتل: يتعرَّى وضعُه وتسقط الغشاوة عن عينيه. قال بولس: "اضطهدت كنيسة الله" (1 كور 15: 9).
لاشكّ في أن فكرة الخطيئة ليست شيئًا جديدًا تُدخله النعمة إلى ضمير الإنسان، ولكن النعمة توعي هذا الضمير، والوحي يفرض نفسه قلقًا في قلبنا. غير أن الضمير قد يتهرّب، وبدل أن يقرَّ بخطيئته، يقف في وجه النور، وبدل أن يعترف يتمرّد. حينئذ تتّخذ الخطيئة صورة جديدة. إذًا، هناك تواز بين الخطيئة والوحي الذي يلقي ضوءه على الخطيئة. هناك حوار، بل صراع ومبارزة: من سوف ينتصر على الآخر؟ فساعة ملء النور قد تكون أيضًا ساعة الظلام، وعلى قمّة الحب تبلغ الخطيئة إلى الذروة. هذا ما اكتشفه يسوع على الصليب بصورة عميقة، وهو يدعو كل منا إلى اكتشافه.

1- يسوع وخطيئة البشر
لقد جاءت الساعة، جاء المسيح وهو يقدّم لنا سنة الغفران التي فيها ننال رضى الرب (لو 19:4). إنه يرجئ الحُكم، كما فعل مع التينة العميقة: انتظر سنة قبل أن يقتلعها (لو 8:13). وسيبكي يسوع لأن أورشليم تجاهلت ما يقدّمه لها يسوع، تجاهلت طريق السلام (لو 19: 41-42). يبقى علينا أن نسمع هذا النداء ونعرف موضوعه.
أ- الخطايا الفردية
الخطايا الفردية هي الجوالات التي ترافق كل واحد منا، التي ننساها إلى أن يأتي نظر يسوع الصافي فينبّهنا لئلا نرمى الآخرين "بأول حجر" (يو 7: 8). على هؤلاء يُشفق يسوع. إنه أبو الابن الضاّل (لو 15: 11 ي)، بل أبو الابن الأكبر الذي يحتاج إلى الرحمة العظمى، وهو صاحب القلب المغلق على رحمة الله. كان الأنبياء في العهد القديم يتحدّثون إلى الجموع: يستحلفونهم، يهدّدونهم. أما يسوع فيتوجّه إلى ابن (من أبناء الله). أمامه خاطئ ينغمس في خطيئته. عرف إرميا (13:22)، ولكن يسوع عرف بطريقة أعمق أفي الشرّ هو في داخلنا، وأن من قلوبنا يخرج ها ينجّسنا، من قلوبنا تخرج الأفكار الشريرة (مر 107: 23؛ مت 15: 19). لهذا توجّه يسوع إلى القلب، وهو يريد خلاص الإنسان بكل ما لديه: بكلمته، بتعبه (يو 6:4)، بنظرته (مر 21:10)، بصمته، بذهابه المفاجى (مر 45:6-46)، بغضبه المليء بالشفقة (مر 3: 5). هو يسير في الطرقات، يدخل إلى كل مكان، ويعرف أن ينتظره من يراه، يظن أن العالم يعيش ساعة الخطر، وهو وحده يحسّ بها. هو يحبّ الشبّان الطيّبين الذين اختارهم فالتحقوا به، ولكنه يفرح أيضًا أمام الخاطئين.
إنه طبيب يبحث عن مرضاه (مر 17:2)، إنه راع يترك التسعة والتسعين في الجبال ويبحث عن الخروف الضال (مت 18: 12). لهذا يكشف "المساكين" عن نفوسهم أمامه على مثال بطرس الذي قال من دون مواربة: "ابتعد عني، يا سيّدي، أنا رجل خاطئ" (لو 8:5). هذا هو وضع كل واحد منا، ويسوع يعرف ما في الإنسان (يو 25:2)، وهو لا يخاف أن يلاحقه. بل يحدّث العشّارين والخطأة ويؤاكلهم (لو 19: 1-6). هذا ما جعل معاصريه يشكّون به، بل يتذمرون: "دخل بيت رجل خاطئ ليقيم عنده" (لو 7:19). هذا هو موقفه، فكيف نفهمه؟
أحسّ إرميا بالخطيئة فصرخ: "وا أحشائي. وا أحشائي، إني أتوجّع" (إر 4: 19). لقد رأى فيها شرًا تاريخيًا، رأى فيها دمارًا لأورشليم. ولكن يسوع رأى شرًا آخر، فيه يرسم الإنسان صورته الأبدية، ويكشف عن وجه الجحيم الأبدي. ويتضامن يسوع مع الخاطئ ليخلّصه، ولكنه يعرف في النهاية أنه قد يأتي الرفض الأخير. فلا بد من الوقوف بوجه الكارثة، لا بدّ من تصحيح هذا التاريخ الإنساني.
ب- الخبث والرياء
الخاطئ يشبه عاملاً إنهار عليه جبل، فلا بدّ من رفعه من تحت الأنقاض. إنه بائس وتعيس، وإن يكن مسؤولاً عن الحالة التي وصل إليها. قد يكون ذهب كالابن الشاطر ليفتح طريقه بنفسه وبمعزل عن الله. ولكن مسيرته اندفعت، بفعل الوضع الاجتماعي، بما يسمّيه يسوع الخبث والرياء. ولهذا يكفي أن نقرأ بعض آيات من إنجيل متّى لنفهم خوف يسوع. إذا أحسنت إلى أحد، لا تزمِّر مثلما يعمل المراؤون... إذا صليتم، لا تكونوا مثل المرائين... ولا تردّدوا الكلام تردادًا في صلواتكم مثل الوثنيين... وإذا صمتم لا تكونوا عابسين مثل المرائين" (6: 2-7، 16-19). ويتابع يسوع: "إياكم والأنبياء الكذابين، يجيئونكم بثياب الحملان وهم في باطنهم ذئاب خاطفة" (7: 15). وسوف يوجّه كلامه إلى الفرّيسيّين ومعلمي الشريعة بمناسبة الحديث عن غسل الأيدي: "يا مراؤون، صدق أشعيا في نبوءته عنكم حين قال: هذا الشعب يكرّمني بشفتيه، وأما قلبه فبعيد عني" (مت 15: 1-8؛ رج 16: 1-4؛ 23: 1-37).
الخبث هو أولى خطايا الضمير، وكل واحد منا يُرائي ويكذب على نفسه، ويتحايل على الحق، ويبحث عن مساومات في الصراع مع الواجب. ليس الخبث رذيلة عادية وحسب في نظر يسوع: إنه يتجسَّد في طبقة اجتماعية، طبقة الكتبة والفريسيين: موقفهم، نواياهم، الواجهة التي يجعلونها بيضاء ليربحوا ثقة "الصغار" (مت 23: 27-28). وينطلقون من مبادئ ومنافع دينية فيعارضون متطلّبات المسيح ومواعيده. إذًا، ليس الخبث فقط تخفيًا أمام القريب ولا تحايلاً على الضمير وحسب، لكي نتفلَّت من متطلباته. الخبث هو معارضة ساطعة وإرادية ضد مشيئة الله العلوية، هو حق نسلبه من الله وسلطة تتغلّف بالكذب. هذا هو الخمير (رمز الفساد) الذي نتنقّى منه أولاً ليصبح الإيمان والتوبة ممكنين أمام الخاطئ (مت 16: 11-12؛ لو 12: 1). أما يقشعر يسوع أمام مثل هذه الخطيئة؟
الفريسيون هم ضحية هذا الخبث الذي يستند إلى خطاياهم الشخصية ليرفض المسيح ويطلب منه أن يتحوّل عن تخومه (مر 17:5). كانت الخطايا فردية ومنعزلة، فصارت خطيئة أمّة تنغلق في الرفض فتهتف: "دمه علينا وعلى أولادنا" (مت 27: 25). نمت شهرة يسوع فاجتذبت إليه جموعًا وثقت به. ولكن الفريسيين رفضوا هذا الحماس وزرعوا الشك والارتياب: هناك معجزات تزعجهم، فيفسّرونها على أنها عمل شيطاني: "برئيس الشياطين يطرد الشياطين" (مت 9: 34). ويتحدَّون يسوع فيطلبون آية من السماء (مت 12: 38 ي). فهل نعجب بعد هذا إن تحدث يسوع عن مسؤوليتهم تجاه الكفر وعدم الايمان به؟ "تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون، ولا تتركون الداخلين يدخلون... تقطعون البحر والبرّ لتكسبوا واحدًا إلى ديانتكم. فإذا نجحتم جعلتموه يستحقّ جهنّم ضعف ما أنتم تستحقّون" (مت 13:23- 15). وهكذا صارت خطيئة الفريسيين خطيئة الأمة. وهذه الخطيئة التي قال فيها الفرد والأمّة كلمتهما الأخيرة هي الهوّة التي يريد يسوع لشعبه أن يتجنّبها.
ج- خطيئة الشعب المختار
لا يُوجِّه يسوع كلامَه فقط إلى الأفراد، بل إلى الجماعة في دعوتها التاريخية. أجل، إن الأمّة بمُجملها قد رفضت يسوع. هناك شرّاح يرون بعض العلامات التي تدلّ على تعلّق الجموع بيسوع. وهناك آخرون يتوقّفون عند قساوة يسوع أمام قلّة إيمان شعبه. ما هو جوابنا؟ إن الأناجيل تتحدّث ولا شكّ عن الجماهير التي تَبعَتْ يسوع (سر 2: 2). ولكن ممّن تألفت هذه الجموع؟ أمن شعب منطقة معينة؟ هذا ما لا يقوله النص دومًا. ولكن نجد في بداية عظة الجبل الامكنة التي منها جاء سامعو يسوع: من الجليل، من المدن العشر، من عبر الاردن. نفوس قلقة ومتعطّشة إلى الله. أما شعب أورشليم واليهودية فقد ظلَّ مهتمًا بأعماله. تحرّك في البدء حين رأى المعجزات ثم فعل فيه السأمُ فعلَه. هذا ما نجده في مت 11. يشبِّه يسوع الجموع بأولاد جالسين في الساحات يتصايحون: "زمَّرنا لكم فما رقصتم. وندبنا لكم فما بكيتم" (مت 16:11). هم لا يهتمّون بكل ما تقدّمه لهم العناية من وسائل لتعيدهم إلى أنفسهم وإلى ربهم. وسيندّد يسوع بالمدن القريبة من البحيرة: "الويل لك يا كورزين، الويل لك يا بيت صيدا. وأنت يا كفرناحوم، ترتفعين إلى السماء، لا، إلى الجحيم ستهبطين" (مت 11: 21-23). أجل عادت هذه المدن إلى اللامبالاة، فلم يبق حول يسوع إلاّ تلاميذه وبعض المتحمّسين. وحتى بين هؤلاء، سوف تتقاسم الآراء حول المسيح (مت 13:16-15). بل هم لن يفهموا ما يعني بكلامه حين يحدّثهم عن خمير الفريسيين والصادوقيين (مت 16: 11). ولهذا سيبكي يسوع على هذا الجيل الفاسد، سيبكي على أورشليم العاصمة التي التفَّت بالخطيئة كرداء.
ولكن هذه الخطيئة تتجاوز العصر الذي يقترفها. فيسوع يرى في موقف معاصريه تخاذل "جيل البرية" وتذمره وثورته. فبعد التجلّي ببضع ساعات، نراه عند الجبل يحيط به موسى وايليا. ظهر هناك في المجد وكأنه على سيناء جديد (مت 17: 1-3). وها هو يرفع صوته غاضبًا: "إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أتحمّلكم" (مت 17: 17)؟ هذه كلمات سفر الخروج عينه (خر 3:33). فعبر تلاميذ ضائعين وأب يتردّد في إيمانه، يرى يسوع نهاية تاريخ طويل نقصه الايمان. وبعد هذا، سيتطلّع إلى المستقبل فيرى المعارضة التي سيلاقيها أخصّاؤه: "يبغضكم جميع الناس من أجل إسمي" (مت 22:10). فمدينة الدماء التي وجَّه إليها حزقيال كلامه (حز 22: 2؛ 24: 6)، تستعدُّ اليوم أيضًا لتسفك "الدم البريء" (مت 33: 35). لقد تجاوزت خطيئةُ أورشليم خطيئة الآباء. هي لم تكتف بصلب يسوع، بل هي تلاحق تلاميذَه: "تجلدهم في المجامع وتطاردهم من مدينة إلى مدينة" (مت 23: 34). وسيتجاوز التعصّب حدودَ اليهودية، فيصل إلى الأم حيث سيتّخذ الشر أبعاده الأخيرة (مت 24: 9). وهكذا تكون خطيئة البشرية الخائنة لحبّ الله وحدة لا تتجزأ. ويمتد الشر ويتوسَّع، فيُفسد شعبَ الله. ثم يجعل العالم مسرحَ حرب تكون علامُته مجيء المسيح (مت 10: 34). خطيئة أورشليم هي رمز لخطيئة البشر، وستحمل هذه المدينةُ عقابَ كل دم سُفك من أجل الايمان، منذ هابيل الصدّيق إلى زكريا بن برخيا، بل ستحمل عقابَ الدم الذي سيُسفك في الاجيال الآتية (مت 23: 35-36).
أما الأوقات الحاسمة في هذا التاريخ فهي معروفة، ونحن نجدها في مت 11-12، هناك أولاً ردَّةُ فعل الأمّة كلها. ثم موقف الرؤساء الذي اعتُبر تجديفًا على الروح القدس (مت 12: 32؛ مر 3: 29؛ لو 12: 10). رأت الجموع الآيات، وسمعت البشارة، وعرفت أن يسوع يتفوّق على المعمدان. ما كان عليها إلاّ أن تقبل بمخطّط الله، وتدخل إلى الملكوت. ولكن الناس سيرفضون النبيين معًا: يوحنا فيه شيطان ومتطلّباته عديدة. يسوع أكول وشريب، يقبل الدعوات إلى الطعام حتى مع الخطأة والعشّارين (مت 11: 18-19). هذه هي اللامبالاة. جيل لا يهتم لوحي الرب. لهذا سيتوجّه الرب إلى الصغار والجهّال: "أظهرتَ للبسطاء ما أخفيته عن الحكماء والفهماء" (مت 25:11). سيتقلّص عدد المؤمنين، ويكثُر عددُ الحكماء الذين لا يسألون الرب، بل نفوسَهم. 
وسنتعرّف في مت 12 إلى خطيئة الروح القدس: بها يضغط الفريسيون على الشعب ليبعدوه عن مخطّط الله (مت 12: 22-33). شفى يسوع أعمى وأخرس فيه شيطان، فأتمّ معجزة واضحة. صفَّق الشعب لابن داود واستعدّ للإيمان. ولكن الكفر حاضر: تدخّل الفريسيون فعزموا على قتل يسوع. ثم ضلّلوا الشعب، فأعطوهم في نسخة رسمية تفسير معجزات هذا "الرجل": المعجزات هي عمل بعلزبول رئيس الشياطين. إذن، لا يعمل يسوعُ بروح الله. إنه حليف قوى الشر. هذا هو التجديف، هذا هو الكفر بعينه، وخطورته واضحة. أجل، انتقل الفريسيّون من اللامبالاة إلى العداوة: وضعوا حاجزًا أمام روح الله لئلاّ يدخل قلبَ الانسان. هذا هو العمى الارادي الذي يرفض آية رآها الجميعُ واضحة كل الوضوح. ولكن يسوع كشف قلوبهم الفاسدة، بعد أن جعلوه حليف الشيطان، وهو الذي جاء ليحارب الشيطان. تألّم يسوع من هذا الشر يعمر في قلوبهم فسمَّاهم "نسل الأفاعي" (مت 12: 34). وزاد: "كيف يمكنكم أن تقولوا كلامًا صالحًا وأنتم أشرار؟ والانسان الشرير من كنزه الشرير يُخرج ما هو شرير" (مت 12: 34-35). الشر يحاول أن يُفشِّل الايمان، ولكن الرحمة ستنتصر في النهاية على هذا الشر.
د- العدوّ الرئيسي: الشيطان
إن هذا الشر يدلّ على ما هو أبعد منه، يدلّنا على الشيطان. منذ البداية، وضع الإزائيون خصمين وجهًا لوجه: يسوع والشيطان (مت 4: 1ي، مر 1: 12-13، لو 4: 1ي). ومن خلال صراع يسوع والفريسيين حول بعلزبول، نستشفّ صراعًا آخر بين روحين: روح الله والروح النجس. وإن نجاة المسكون بالشيطان كانت علامة لهزيمة الشيطان هزيمةً لا رجوع عنها بيد مَن هو أقوى منه (مت 12: 29). رفض الفريسيون، ورفضت كفرناحوم المتكبّرة أن تؤمن بالمعجزات فسقطت (مت 23:11)، كما سقط الشيطان من السماء كالبرق (لو 28:10). وستكون ساعته حاضرة حين يتدخّل بواسطة أخصّاء يسوع. قال يسوع للذين جاؤوا يعتقلونه: "هذه ساعتكم وهذا سلطان الظلام" (لو 22: 53). إن الجيل الذي جهل ساعة روح الله وجدّف على قداسته، سيعرف ساعة سلطان الظلمة ويُنفِّذ مخطّطه اللعين.
ويشدّد القديس يوحنا بدوره على هذا الحضور الشيطاني في العالم. كتب: "نحن نعرف أن العالم كله تحت سلطان الشرير" (1يو 5: 19). هذا الشيطان هو أبو اليهود الذين لا يؤمنون. قال يو 8: 44: "أنتم أولاد أبيكم إبليس، وتريدون أن تتبعوا رغبات أبيكم، هذا الذي كان من البدء قاتلاً. ما ثبت على الحق لأن لا حقّ فيه. وهو يكذب، والكذب في طبعه، لأنه كذّاب وأبو الكذب". نلاحظ هذه العلاقة بين اليهود والشيطان كعلاقة الابن بأبيه. هي علاقة أخلاقية أدبية مؤسَّسة على التشارك في الأفكار، وعلى الاقتداء في الأعمال. لا شيء إيجابيًا يقدّمه الشيطان. أما الله فهو وحده الخالق، ومنه يلد النور والحب والحياة (1 يو 1: 5). ولكن الشيطان يتدخّل حيث تحلّ هذه العطايا: الحذر تجاه الحقيقة، ورفض كل حب.
إن الأناجيل تحدِّد موضع الشرّ في درجات مختلفة من الحدّة. على مستوى أول، نجد مجمل الخطايا الشخصيّة التي تتوزّع مسيرة حياتنا: الضعف، العصيان. لا أحد يُفلت من الشر. المسيح يجيء ليقدّم الغفران من قبل أبيه. ولكن هذه الخطايا الفردية تنحدر إلى مستوى ثان هو الخبث والرياء: لسنا هنا أمام خطيئة كسائر الخطايا، بل أمام روح شرير وكاذب. نبدأ فنغمض عيوننا عن زلاّت حريتنا. وإن وبَّخَنا المسيحُ، دافعنا عن زلاتنا باسم برارة مزعومة تناقض بر الله. في هذه الساعة الخاصّة بالوحي، يصبح الخبثُ العنصرَ الحامل الخطيئة بوجه المسيح. فيسوع يمر في كرمه، ويُرسل النداء الأخير داعيًا إلى الايمان بالغفران. ولكن الشعب رفض مرسل الله، بل رفض أن يتوب عن خطايا الماضي. قال يسوع: "لو لم أجىء وأكلّمهم، لما كان عليهم خطيئة" (يو 15: 22-24). وضعوا توقيعهم على الماضي، فوافقوا على خطايا الآباء، ورفضوا الذي هو النور والخلاص. هذه هي خطيئة العالم، ذلك العالم الذي أرسل الله ابنه من أجله (يو 3: 16).

2- القديس بولس والخطيئة
إن خيانة اسرائيل هي جزء أساسي في التفكير البولسي حول الخطيئة. سننطلق من الواقع ونحاول أن نحلّله.
أ- الواقع
ما إن انطلق بولس في الطريق المسيحي حتى التقى بالشر آنيًا ملحًا: اضطهاد من قبل اليهود المشتّتين في الامبراطورية، هزء من قبل أهل أثينة الذين لا عمل لهم إلاّ المجادلة والكلام. وإذا قرأنا الرسالتين إلى أهل تسالونيكي، وجدنا البشارة تلقى المعارضة من قبل الوثنيين "الذين لا يعرفون الله" (2 تس 3: 2) ومن اليهود "الذين لا يطيعون الانجيل" (2 تس 1: 8). أما الكورنثيون فافتخروا بمعرفتهم، ولكنهم كانوا في الواقع جهّالاً (1 كور 1: 4-5؛ 15: 12، 34). إن موت المسيح قدَّم الفداء عن الخطيئة. ولكن الشرّير دمّر نتائج هذا الفداء وألغاها. بل إن الشر يحاول أن يُجابه هذه الوسيلة الخلاصية السامية. وهكذا أحسّ بولس منذ البداية بأن هذا الشر الذي به يصطدم يحمل شيئًا شيطانيًا.
فالمجرّب هو هنا، وما يزال يعمل (1 تس 2: 5). ولم تَعُد الخطيئة واقعًا أو حالاً من الأحوال، إنها دراما تسيطر على الأرض، على القوى الروحية، وعلى البشر (أف 6: 12-17). لا شكّ في أن الفادي انتصر، وأن "كلمة الله تعمل في المؤمنين بقوّة" (1 تس 13:2). ولكن بولس يعرف أنه في الساعة التي فيها الروح يعمل، هناك "شخص" آخر يعمل هو "سر المعصيّة" (أي الشر في كل مظاهره وفي عمله الخفيّ).
ب- تحليل الواقع: الخطيئة الشاملة
عرف بولس الرسولُ الانسانَ فأعلن: كل الناس هم خطأة: "كلهم خطئوا فحُرموا من مجد الله" (روم 3: 23). إن الصفحات الاولى من الرسالة إلى أهل رومة هي قرار اتّهام، فما على الانسان إلاّ أن يسكت. ولا سبيل إلى الخلاص إلاّ بالايمان بالمسيح. الايمان هو الخلاص الوحيد. وليس الايمان ضروريًا ليتجاوز الفكرُ التباسات الفلاسفة وتناقضاتهم، بل على الخاطئ أن يؤمن بالغفران المُعطى له، لأدن عليه أدن يعود إلى الحقيقة. واكتشف بولس وسط العالم الوثني، كما في اسرائيل، نموذج خطيئة خاصة له الأولويّة في قلب هذا الفساد العام.
ج- عبادة الأوثان
حين صوّر العهد القديم الشرّ أبرز نقاطه الرئيسيّة. لم يشدّد فقط على وحدة الخطيئة في دينونة الله، ولا في المسؤولين الرئيسيين (الملك أو المدينة)، بل في شيء له معناه هو المعابد على المشارف والصور والاصنام. اعتبر الأنبياء أن عبادة الأصنام هي تحدٍّ لله، وهي مبدأ اللاأخلاقية. توسَّع سفر الحكمة في هذا الموضوع واستعاده القديس بولس فأعطاه قوة جديدة. فالتعبّد للأصنام وتعدّد الآلهة، يدلاّن على رفض تكريم الاله الحقيقي الذي عرفه الانسان. النور يضيء، ولكن البشرية رفضت النور وخنقته. لم يعد النور الشرط المطلوب ليبدو الضمير خاطئًا، بل صار هو نفسه موضوع الخطيئة: إن النور يُرفَض، ويُرفَض معه الاله الذي يظهره.
وتعود هذه الفكرة مرارًا. تساءل بولس: لماذا عثار الصليب؟ فأجاب: لأن الحكمة لم تعرف الله، لأنهَا رفضت أن تكرمّه إكرام السجود والطاعة (1 كور 1: 21). وقال في الرسالة إلى رومة: عرف العالم الوثني الله الذي يتجلّى في صفاته الكبرى، في قدرته وأزليته وعدالته، ولكنه رفض أن يكرّمه، بل "استبدل بمجد الله الخالد صورًا على شاكلة الانسان الفاني والطيور والدواب والزحافات" (روم 1: 23).
قال بولس الرسول: "عرفوا الله" (روم 1: 23). فأعلن الشرّاح: لا تأتي الخطيئة من جهل سابق. بل إن الجهل ينبع منها. هم يلومون العالم الوثني لأنه توقّف عند أفكار ناقصة أو ضالّة عن الله وما أراد أن يتجاوزها، بل لأنه سقط في هذه الأفكار بخطيئته. وبما أن الوثنيين عرفوا الله بالحقيقة، فخطيئتهم هي الكفر، أي إنهم لم يكرموا الله الاكرام اللائق به. هم لا يرفضون كل عبادة، لأن الشرك هو شكل من أشكال العبادة، بل رفضوا أن يحصروا عبادتهم بالاله الواحد فسقطوا في الشرك وعبادة الأوثان. نحن أمام كبرياء غريبة. ساعة ظن الانسان أنه حكيم، سقط في تناقضات عدة: خلط بين الله والانسان، بين الأزلي والمائت، بين صورة فاسدة ومجد العلي الذي لا صورة له. هذه هي الخطيئة الكبرى التي يكتشفها بولس في عالم الفساد العام.
د- مكانة هذه الخطيئة في التاريخ
ولكن أين تقع هذه الخطيئة؟ عند معاصري بولس أم في الزمن الماضي؟ إذا كان في الزمن الماضي، فهذا يعني أن الانسان امتلك في البدء الحقيقة الدينية، ثم رذلها قبل أن يخسرها في النهاية. وهكذا تكون الخطيئة حاضرة في بداية الشرك وعبادة الاوثان. ولكن ليست تلك فكرة القديس بولس الذي يصيب بتحليله وضع الوثنية المعاصرة. فلو خسرت البشريّة الحقيقة الدينية بسبب زلّة قديمة، لكان معاصروه معذورين، ولما كان غضب الله حلّ عليهم (روم 1: 18)، وهو من يجازي كلاً بحسب أعماله (روم 2: 6). قال بولس: "صارت الحقيقة أسيرة الفساد" (روم 1: 18)، فبيَّن أنه ليس مؤرّخًا للماضي، بل الرسول الذي يندّد بالشر الحاضر. وهكذا تكون الحقيقة الدينية حاضرة منذ البدء لدى الأمم الوثنية ولكنها كانت سجينة.
قد تكون حاجة الانسان وطلب المنفعة عنده قد أضعفا هذه المعرفة. ولكن لا ننسى أن هناك فلسفة اكتشفت الواحد المطلق. غير أنها لم تقدّم له وحده الاكرام اللائق بالله، ولم تتنكّر لعبادة الاوثان، ولم تصحّح التطوّر السابق، بل تحالفت مع عالم الميتولوجيا والخرافات والطقوس الشعبية المنحطة: لقد توافق الفكر مع انحرافات الماضي. إذن، الحقيقة هي حاضرة هنا ولكنها مدنَّسة: صار المجدُ عارًا، والحقيقةُ سجينةَ الخبث والكذب. وجُعلت القداسة بقرب العبادات المزيَّفة، والالهُ الواحد بجانب الآلهة الكاذبة.
هـ- وضع اليهود
ونقول الشيء عينه عن اليهود: هم أيضًا أخطأوا ضد النور، ولاسيّما حين رفضوا أن يروا في المسيح كمال الشريعة. حملت إليهم الشريعة "معرفة إرادة الله" (روم 2: 18)، بل عبّرت عن هذه الارادة وجسّدتها. لا يشكُّ بولس بهذا المبدأ الذي يفتخرون به والذي هو ضروري كضرورة وجود الحقيقة في العالم الوثني. فيجب أن يدان اليهود والوثنيون بالنظر إلى الحقيقة، وهكذا يظهر الشر، ويقتنع كلُ واحد بخطيئته. عند اليهود كان انقلاب انتهك كل ما هو مقدس: استفادت الخطيئة من الشريعة الموسوية فاتخذت خطيئةُ الناس أبعادًا كبيرة: تدخّلت الشريعة "لتكثر المعصية" (غل 3: 19؛ روم 20).
و- الفساد الأخلاقي
تتميّز هذه الخطيئةُ الكبرى عن الفساد الاخلاقي والديني، ولكنها لا تنفصل عنه. إنها بالأحرى تتجذّر فيه بسبب مدلوله، وبسبب دينونة الله التي تصيبه. هذه الخطيئة هي نقطة انطلاق، وهي ينبوع سائر الخطايا. هنا نقرأ الاتهام الطويل الذي فيه يتذكّر بولس مفاسد العالم الوثني: "إمتلأوا بأنواع الاثم والزنى والشر والطمع والفساد، ففاضت نفوسهم حسدًا وقتلاً وخصامًا ومكرًا وفسادًا. هم ثرثارون نمّامون، أعداء الله، شتّامون متكبّرون متعجرفون، يخلقون الشر ويتنكرون لوالديهم. هم بلا فهم ولا وفاء ولا حنان ولا رضى ولا رحمة" (روم 1: 29-31).
ويربط بولس كل هذه الخطايا بالحكم الفاسد، بالعقل الفاسد (روم 1 :28). ويتابع: "رفضوا أن يحتفظوا بمعرفة الله، فأسلمهم الله إلى فساد عقولهم من أجل كل عمل شائن" (روم 1 :28). داس الانسانُ الحقيقة الأولى فاستسلم إلى الضلال. هو لم يخسر كل تمييز أدبي، وإلاّ صار الضميرُ كلمة فارغة، ولكنه لم يعد يعرف أن يميّز الشرائع والوصايا، فعارض نفسه بنفسه.
أحلَّ الانسانُ الشركَ وعبادة الاوثان محلَّ عبادة الله الواحد، فكانت النتيجة سيّئة بالنسبة إليه. رفض عبادة الله ليعبد الخلائق، فأُسلم إلى شهوات قلبه، وخضع للخليقة وللجسد. هذه هي عبودية الخطيئة التي تعمل بواسطة شهوات الجسد. بدأ الانسان فجدّف على الاله الحقيقي، وها هو يدنّس ذاته ويسلِّم نفسه للشهوات. رفض أن يكون خادم الاله الحقيقي وهيكله، فصار خادم الخطيئة التي تسكن فيه، بل تعبّد للخطيئة وحسبها له إلهًا.
ز- الخطيئة وعقاب الخطيئة
ويكشف العهد الجديد ولاسيّما القديس بولس، خصب الخطيئة هذه: هناك منطقٌ داخلي وتدخّل أول سابق للغضب الابدي. هو عقاب داخلي أعمق من وخز الضمير وتبكيته: "إن كفرك يؤدّبك ومعاصيك تعاقبك". هذا ما قاله إرميا (2: 19) لاسرائيل، ولكنه فكّر بدمار المدينة وبذهاب الشعب إلى المنفى. فعقاب الشعب الخائن هو أن يسلم إلى شعب آخر سيُعاقَب هو أيضًا بدوره كما يقول منطق سفر التثنية (32: 21، 30). أما بالنسبة إلى القديس بولس، فاليهود والوثنيون هم خائنون معًا. فلا نستطيع أن نسلّمهم على التوالي الواحد إلى الآخر. حينئذ تأتي عبارة بولس بشكل مأساوي: أسلموا إلى الخطيئة التي اقترفوها: "إن اليهود واليونانيين خاضعون جميعًا لسلطان الخطيئة" (روم 9:3). "سرى الموت إلى جميع البشر، لأنهم كلهم خطئوا" (روم 12:5). "ولكن الكتاب حبس كل شيء تحت سلطان الخطيئة" (غل 3: 22). فالخطيئة التي جعلت الناس يقفون بوجه الله، صارت عقابهم. هذا هو حكم الخطيئة الذي ستتغلَّب عليه حكمة الله الرحومة. ولكن هذا لا يمنع بولس من أن يتحدّث عن الخطيئة التي تتجاوز الذنوب الخاصّة لتصبح رفضًا للحقيقة.
ح- الخطيئة خصم الله
تجد الخطيئة نفسها في عالم شامل، فتبدو كعظمة تتجاوز البشر وتمارس سلطانًا على العالم الذي تسود عليه، تصبح شخصًا حيًا يعمل بواسطة أهواء الجسد. تصرَّف كملك ويصبح الانسان عبدًا لها وخادمًا (روم 5: 21). تحدّث العهد القديم عن الخطيئة وكأنها شخص محفوظ ليوم الدينونة (هو 13: 12؛ أش 24: 20). أما بولس فأشار إلى أن هذه الخطيئة تتجلّى في خطايا جديدة. إنها تدلُّ على حضور شخصي هو حضور العدوّ. هي لا تكتفي بأن ترفض الله، بل تقدّم عبادة وثنية لتسخر من الله. فكأني بها تصفع الله، وتحلُّ محله الوثن والخليقة النجسة فتجدف عليه. كل هذا يدلّ على إبليس، على الخصم الذي يستعبد الخليقة فيجعل من حضوره في العالم بديلاً للاله الحي. إنه يسمَّى "إله هذا العالم" (2 كور 4: 4)، وإنه لكذلك في كل مراحل خطيئة اسرائيل. إستطاع أن يقلب الشريعة ضد الله، فأفسد الغاية التي جُعلت لأجلها ورمى البشرية في الموت. إن هذا الشرَّ المفرط يدلّ على فساد يتعدّى عالم البشر.
هذا هو عالم الخطيئة كما نراه في العهد الجديد. إنه يتجسّد في النهاية في شخص يقف مجدّفًا على اسم الله. الخطيئة هي الكذب وبنت إبليس الذي هو الكذّاب وحده. الخطيئة هي رفض النور وبالتالي رفض الله، وهي في الوقت عينه إفساد لإنسان يجرحه ويقوده إلى الموت. ولكن "الحمد لله بربنا يسوع المسيح" (روم 7: 25) الذي نجّانا من هذا الموت. قادت الخطيئة "جميع الناس إلى الهلاك" ولكنّنا نلنا جميعًا الحياة بفضل طاعة إنسان واحد هو يسوع المسيح (روم 5: 18-19).
يبقى علينا أن نعمل مع المسيح لنتحرّر من سلطان الخطيئة، يبقى علينا أن لا نجعل أعضاءنا عبيدًا للخطيئة. فالكلمة الأخيرة ليست للموت بل للحياة، ليست للخطيئة بل للنعمة، ليست للهلاك بل للخلاص. ليست للظلمة بل للنور، ليست لابليس بل لله.
الفصل الثاني
الرحمة والرأفة في العهد الجديد

طوبى للرحماء فإنَّهم يُرحمون. فإنَّ الله يَرحمهم. هذه التطويبة التي نقرأها مع سائر التطويبات في بداية العظة على الجبل، تحدّثنا عن فضيلة الرحمة التي تقف بجانب الوداعة والسلام. كما تحدّثنا عن رحمة الربّ التي تعطى بغزارة للذين شاركوا الربّ في رحمته وحنانه.
فالرحمة أصلاً تعود إلى الرحم، إلى الحشا الذي فيه يتكوّن الولد وينمو. فالربّ هو أب وأم أيضًا. وفي هذا يقول أش 49: 15 إنَّ الله يشبه الوالدة، التي لا تنسى من ترضعه، وترحم دومًا ابن بطنها. وإن حصل ونسيته، إلاّ أنّ الربّ لا ينسى من كوّنهم في "أحشائه". هنا نتذكّر قول مز 8:103، 13: "الربّ الرؤوف، رحيم. طويل الأناة، وكثير الرحمة... كرأفة أب ببنيه يرأف الربّ بالذين يتّقونه". ونتذكّر في العهد الجديد كيف تحرِّكت أحشاء الوالد لدى عودة ابنه الذي ذهب إلى البعيد ثم عاد تائبًا.
عن هذه الرحمة سوف نتحدّث فنتوقّف على العهد الجديد، ولكن دون أن ننسى خلفيّة اللغة اليونانيّة من أجل معنى الكلمات. هل ننسى أنَّ العهد الجديد وصل إلينا كلّه في اللغة اليونانيّة؟ ولا ننسى ما في الأدب اللابيبلي، أي ذلك الأدب الذي يقف بين أسفار العهد القديم والعهد الجديد، فيأخذ من الأولى ويرفد الثانية.
نتوقّف في هذا القسم عند ثلاث ألفاظ، وبالأحرى ثلاثة جذور. اللفظة الأولى وصلت بنا إلى المحبّة والعهد فقابلت إجمالاً "ح س د" في اللغة العبريّة. والثانية ارتبطت برحم المرأة التي تحنو على ابن حشاها. والثالثة تقابل الرأفة. 

1- الرحمة والمحبة
أ- الرحمة بشكل عام
اللفظة اليونانيّة التي نتحدّث عنها الآن هي "الايوس". إنَّها شعور يحرّكه اتصال بحالة من البؤس، فتدلّ على التعاطف مع الآخر الذي يعرف الشقاء.
إذا عدنا إلى السبعينيّة نرى أنَّ الايوس، تقابل عادة "ح س د" العبريّة. وفي ست مرات فقط تقابل "رح م ي م". وقد تقابل أيضًا "ح ن ن" أي الحنان. أمَّا الفعل فيقابل "ح ن ن" (تحنّن) كما يقابل "رح م". يدل "ح س د" على موقف الانسان أو الله، الذي تحرّكه علاقة متبادلة بين الأهل والأصدقاء، بين الضيف ومضيفه، بين السيّد وعبده. والتبادل يدلّ على عهد بين الفريقَين. نقرأ أش 63: 7: "أذكر رحمة الربّ". "أذكر يا ربّ مراحمك ورأفتك فإنَّها منذ الأزل" (مز 25: 6؛ رج 89: 49).
في لغة اليهوديّة المتأخّرة، أي على مشارف العهد الجديد، لا تميّز الكتابات الدينيّة بين "ح س د" و "رح م ي م" (أي مراحم). فاللفظتان تدلاّن على المحبّة كما على الرحمة والشفقة، وهما "تُوازنان" غضب الله ودينونته. فالربّ يفعل بحسب رحمته. ورحمته تُعطى لإسرائيل، للأتقياء، للذين يحبّونه، ويتّقونه، ويرفعون الصلاة إليه. تدلّ الرحمة على نعمة الله وهى كالغضب لفظة اسكاتولوجيّة، أي تقودنا إلى نهاية العالم.
أمَّا في العهد الجديد، فمفهوم الرحمة سيتوسّع. لا يحبّ الله فقط أولئك الذين يحبّونه، بل هو يُشرق شمسه على الأخيار والأشرار، ويرسل مطره على الأبرار والاثمة. فالاسم (الايوس) والفعل (الاياين) يُستعملان مرارًا ليدلاّ على موقف يطلبه الله في معاملة الإنسان للإنسان. فالعبارة التي نقرأها في هو 6: 6 (أريد رحمة لا ذبيحة) قد وردت مرّتَين في إنجيل متى (9: 13؛ 12: 7)، فدلّت على أنّ الرحمة هي الوصيّة العظمى وهي تتفوّق على الذبائح التي نستطيع أن نقدّمها لله. وسيقول يسوع للكتبة والفريسيين إنّهم أهملوا "أثقل ما في الناموس، العدل والرحمة والأمانة" (مت 23: 23). ونجد "صنع رحمة" في لو 10: 27، في مجال الحديث عمّا فعله السامريّ للجريح. إنها عبارة تدلّ على المحبّة والرحمة. في مت 18: 33 نقرأ كلام السيّد لعبده: "أفما كان ينبغي لك، أنت أيضا، أن ترحم رفيقك، كما رحمتك أنا"؟ إنَّ طلب الرحمة يتأسّس على رحمة الله كما في العالم اليهوديّ. غير أنَّ الاختلاف الوحيد هو أنّ رحمة الله تسبق رحمة الإنسان. ومن جهة ثانية، فإنَّ "الدينونة ستكون بلا رحمة على من لا يصنع الرحمة. بيد أنَّ الرحمة ستغلب الدينونة". فكأننا أمام صراع بين دينونة الله ورحمته. فالرحمة ستتغلّب. وقد جاء في بعض المخطوطات: "الرحمة تستخفُ بالدينونة".
ولكن عندما تأخذ المسيحيّة بهذه التقاليد، فهي لا تتوقّف عند هذا التفكير. بل تصل إلى معرفة الله في المسيح. فإن كانت الحكمة العلوية (من فوق) في يع 17:3 تعتبر مليئة بالرحمة، فهي تتضمّن أيضًا المحبّة والحنان.
ب- رحمة الله
تعود رحمة الله في العهد الجديد إلى معنى أصيل في العهد القديم هو "الأمانة والإخلاص". هو "أمانة الله ونعمته". هذا ما نجده في لو 1 مع مواضيعه المتجذِّرة شي العهد القديم. قيل عن أليصابات (58:1) أنَّ "الربّ عظّم رحمته لها". وأنشد زكريا الربّ الذي صنع "رحمة إلى آبائنا" (آ 72)، كما أشار إلى "أحشاء رحمة إلهنا" (آ 78). وذكرت مريم الرحمة مرّتَين في نشيدها لله: رحمته إلى جيل جيل... رحمته لابراهيم ونسله (آ 54- 55).
وستصوّر أف 2: 4 الله على أنّه غنيّ بالرحمة. وتحدثت 1 بط 1 :3 عن الله الذي ولدنا ثانية "حسب رحمته الكثيرة". هنا نجد رباطًا وثيقًا مع تاريخ الخلاص كما في روم 11: 30-32 حيث نقرأ: "فكما أنّكم قد عصيتم الله من قبل (أيها الوثنيون الذين صرتم مسيحيّين)، ونلتم الآن رحمة بسبب عصيانهم (أي عصيان اليهود الذين رفضوا الربّ يسوع)، فكذلك هم أيضًا قد عصوا الآن من أجل رحمتكم، لكي يُرحموا هم أيضًا بتوبتهم، لأن الله قد أغلق على الجميع في المعصية لكي يرحم الجميع". الرحمة هنا هي عمل الله الرحيم في تاريخ الخلاص. وتصرّف الله هو تصرّف رحمة تجاه اليهود كما تجاه الوثنيّين بالنسبة إلى طاعتهم أو عصيانهم للإنجيل. وما نلاحظه حين نقرأ الرسالة إلى رومة هو أنَّ بولس لا يتحدّث عن رحمة الله إلاّ في ف 9؛ 11؛ 15، في إطار تاريخ الخلاص.
وعمل الله الخلاصيّ يجعلنا في ملء الزمن كما عبّر عنه بولس في تي 3: 5: "خلّصنا الله، لا نظرًا لأعمال برّ عملناها، بل بحسب رحمته". في هذا المعنى، يتحدّث بولس أيضًا عن "آنية الرحمة" تجاه "آنية الغضب" في روم 9: 22-23. لا شكّ في أنَّ الرحمة تتغلّب على الغضب والعقاب الأبديّ، لأن كلمة الله الأخيرة هي للغفران. من أجل هذه الرحمة، ستمجّد الأمم الله بسبب كلّ ما عمله لأجلها (روم 9:15).
ترتبط رحمة الله بالمسيح يسوع. بتجسّده وفدائه. كما ترتبط بنعمة الله سواء شدّد النصّ تشديدًا واضحًا على عبور هذه النعمة بواسطة المسيح أم لا. نقرأ مثلاً في غل 6: 16: السلام والرحمة على جميع الذين يسلكون هذه الطريق (طريق الحريّة المسيحية). وترتبط هذه الرحمة بحاجة الإنسان إلى معونة تتعدّى امكانيّات البشر. مثلاً، صرخ طيما ابن طيما الأعمى نحو يسوع: "يا ابن داود ارحمني" (مر 10 :47). وقال الغني لابراهيم: "إرحمني يا أبت ابراهيم"، وكأني به يطلب الرحمة من الله (لو 16: 24). أمَّا البرص العشرة فوقفوا بعيدًا ورفعوا أصواتهم قائلين: "يا يسوع المعلّم ارحمنا" (لو 17: 13). مثل هذه العبارة نجدها مرارًا في العهد القديم، في أش 33: 2: "إرحمنا يا ربّ". في مز 51: "إرحمني يا الله بعظيم رحمتك".
وعى بولس أنّه صار أهلاً للثقة "برحمة الربّ" (1 كور 7: 25). وأنّه رُحم حين قلّده الله هذه الخدمة (2 كور 4: 1)، خدمة الإنجيل. واعتبر أنّه نال رحمة الربّ وغفرانه، لأنّه حين اضطهد الكنيسة، إنّما فعل ما فعل عن جهل (1 تم 1:13، 16).
هذا ما اكتشفناه في نصوص تشير إلى الرحمة "الايوس" في العهد الجديد، مع ما يرتبط بها من كلمات تصل بنا إلى الإحسان والصدقة. ونجد نفوسنا في الخط المعاكس للرحمة كما في يع 2: 13 ولفظة "أنالايوس" التي تدلّ على قلب انتفت منه الرحمة. هكذا يعاملنا الربّ "بلا رحمة" إن كان قلبنا قاسيًا تجاه إخوتنا.

2- الرحمة والمراحم
وننتقل إلى كلمة يونانيّة أخرى ترد في العهد الجديد: سبلانخنون: الحشا. والفعل الذي يرتبط بهذا الاسم: تحنّن، أشفق. نقرأ في مت 9: 36: "لما رأى يسوع الجموع تحنّن عليهم"، تحرّكت أحشاؤه كما تتحرّك أحشاء الأم من أجل ابنها. وفي 14: 14: "تحنّن عليهم وشفى مرضاهم". أمَّا الصفة المتفرّعة من الاسم فنجدها مرّتَين. في أف 4: 32 حيث يدعو بولس المؤمنين لكي يكونوا "شفوقين متسامحين". وفي 1 بط 3: 8 التي تدعو المسيحيّين ليمارسوا "الشفقة واللطف". وهناك صفة خاصة بالله: كثير الرحمة.
أ- المعنى العام
ترد هذه اللفظة (سبلانخنون) عادة في صيغة الجمع كما في مجمل اللغات الساميّة: في السريانيّة والعبريّة والأراميّة والأوغاريتيّة. تعني في الأصل الأجزاء الداخليّة في الذبيحة. ثمَّ أحشاء الإنسان ولاسيّما المرأة حيث يقيم الجنين. بل صار الأولاد "أحشاء" المرأة لارتباطهم بها، فتناديهم: يا أحشائي. ولكن يبدو أن هذا الاسم لا يعني عواطف القلب من رحمة وحنان كما في العالم اليهوديّ المتأخّر والمسيحيّة الأولى. لقد اتّخذ معنى جديدًا ليدلّ على فضيلة في الإنسان أو في الله.
لا يرد الاسم (سبلانخنون) مرارًا في السبعينيّة. في أم 12: 10 يقابل "رح م ي م" (أحشاء المنافقين). في 26: 22 يقابل "ب ط ن" (تنزل إلى أخدار البطن). وفي سي 30: 7 (تضطرب أحشاؤه، في السريانيّة: يضطرب قلبه). وهناك 12 عبارة ألّفت أصلاً في اليونانيّة فلم تكن نقلاً عن العبريّة. أمَّا الفعل فلا يرد إلاّ في أم 17: 5 (خاص بالسبعينيّة ولا نجده في العبريّة): "ولكن الذي يشفق يجد الرحمة". وفي 2 مك 6: 8.
إذا عدنا إلى "وصيّات الآباء الاثني عشر" نجد عبارات جديدة تختلف كلّ الاختلاف عمّا في السبعينيّة. فالاسم يدلّ على باطن الإنسان ومركز العواطف فيه. يدلّ على القلب والكبد. نقرأ في وصيّة شمعون (2: 4): "كان قلبي قاسيًا، وكبدي لا يلين، وأحشائي بدون رحمة" (رج وصيّة زبولون، 2: 4- 5). و"الحشا" يعني أيضًا شعور الإنسان، بل الإنسان كلّه في عمق أعماقه. نقرأ شي وصيّة نفتالي: "عندما قال هذه الكلمات أبكاني، فاشتعلتْ في أحشائي (أي فنّي، في أعماقي) رغبةٌ بأن أخبره أنَّ يوسف قد بيع".
مع الصفة نتحوّل إلى الرحمة التي هي وصيّة شاملة وملحّة. قالت وصيّة شعون (4: 4). "كان يوسف رجلاً صالحًا، كان روح الله فيه، كان شفوقًا ورحيمًا. فلم يحقد، بل أحبّني مثل سائر إخوتي". وفي وصيّة زبولون (5: 1) نقرأ: "أوصيكم يا بني، أن تحفظوا وصايا الربّ، وترحموا القريب، وتشفقوا على الجميع، لا على البشر فقط، بل على الحيوانات العجم أيضًا". وسوف نرى كيف أنَّ لفظة "حشا" ستطبّق على الله نفسه. نقرأ في وصيّة زبولون (8: 2): "في الأيام الأخيرة، يرسل الله رحمته على الأرض، فيقيم حيث يجد أحشاء رحمة". وفي وصيّة نفتالي (4: 5). "يشتّتهم الربّ على كلّ وجه الأرض حتى تأتي رحمة الربّ، رجل يمارس البرّ والرأفة تجاه البعيدين كلّهم وتجاه القريبين".
ب- المراحم في العهد الجديد
إذا جعلنا جانبًا لو 1: 78، لا نجد الاسم (سبلانخنون) ولا الصفة (أوسبلانخنوس) في الأناجيل الإزائيّة، بل الفعل فقط، وذلك في خطّ وصيّات الآباء الاثني عشر. وإذا جعلنا أمثال يسوع جانبًا لا يُستعمل فعل "رحم، أشفق" بالنسبة إلى الانسان، بل لكي يصوّر موقف يسوع ويُبرز الطبيعة الإلهيّة لأعماله. 
ونبدأ مع أمثاله يسوع. فالفعل فيها يدلّ على موقف خاص بالبشر. إذا عدنا إلى مثل العبد الذي لا يرحم (مت 23:18-35). فهو يصلّي لكي يطيل السيّد عليه روحه. ونقرأ الجواب في آ 27: "تحرّكت أحشاء سيّد ذلك العبد وأطلقه". وهكذا بدا فعل "أشفق" أقوى من فعل "أطال روحه". وسوف نجد فعل "الايو" (رحم) في آ 26، 29، 33. ونجد الرحمة والغضب أيضًا في لو 15: 11- 32. من جهة، تحرّكت أحشاء الوالد حين عاد ابنه (آ 20). أمَّا الأخ الأكبر، "فغضب" ولم يرد أن يدخل، أن يقيم مع أخيه الخاطئ (حسب الأكبر نفسه أنَّه ظلّ بارًا)، الوثني (يمثل الأخ الأكبر اليهود الذين رفضوا دخول الوثنيّين إلى الكنيسة إلاّ بشروط). في هذه الأمثال صُوّرت عاطفة يسوع البشريّة بألفاظ قويّة جدًا لتدلّ على رحمة الله في عمله الخلاصي. ولقد رأى الآباء رحمة يسوع نفسه في شخص السامريّ الذي انحنى على الجريح (لو 10: 33).
وتطبّق لفظة "أشفق، رحم" على يسوع أربع مرّات في مرقس. في 6: 34، ومع معجزة تكثير الأرغفة نقرأ: "تحنّن (تحرّكت أحشاؤه) عليهم (على الشعب) لأنّهم كانوا كخراف لا راعي لها" (رج 8: 2). وفي 1: 41 و9: 22 ترتبط الرحمة بالشفاء. واستعاد متّى ما وجده في مرقس، وزاد الفعل في معرض حديثه عن إرسال يسوع للتلاميذ. "ولما رأى الجموع تحنّن عليهم، لأنّهم كانوا منهوكين، منطرحين مثل غنم لا راعي لها" (مت 9: 36). أمّا لوقا فيرينا حنان يسوع تجاه أرملة نائين. "إذ رآها الربّ أخذته الشفقة عليها" (13:7).
وجدنا الفعل في الأناجيل الإزائيّة ولن نجد إلاّ الإسم في رسائل القدّيس بولس على مثال ما رأينا في "وصيّات الآباء الاثني عشر". هو يرد في الجمع "سبلانخنا"، فيدلّ على أعماق الشخص. نقرأ في 2 كور 12:6: "أنتم متضايقون في أحشائكم". أي في داخلكم. ونقرأ في 7: 15 عن تيطس الذي "تزداد أحشاؤه عطفًا عليكم". وهكذا لا نجد آثار الرحمة في استعمال بولس لهذه اللفظة. نزيد على كلّ هذا أع 1: 18 و 1 يو 17:3، حيث تعني اللفظة "أحشاء" كما عند القدّيس بولس فتبقينا على مستوى الجسد دون أن تغلقنا على عالم الرحمة.


3- الرحمة والرأفة
ونصل إلى الكلمة الثالثة التي تتحدّث عن الرحمة في العهد الجديد. "أويكتيرو" رأف (أو: رئف). نقرأ في روم 9: 15 عبارة مأخوذة من العهد القديم (خر 33: 19) وهي تدلّ على حريّة الله السامية: "أترأّف على من أترأّف" (بعد: "أرحم من أرحم"). وهناك الاسم الذي يرد خمس مرات في العهد الجديد. والصفة التي ترد مرّتَين. إلى هذا نزيد "فايدوماي" الذي يعني أشفق ويرد أكثر من مرة في العهد الجديد. في روم 8: 23: "الله لم يشفق على ابنه، بل بذله". في 2 بط 2: 4: "لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا".
إذا كانت "الايوس" تدلّ على الرحمة والعطف، فالجذر "أويكتروس" يدلّ على الشفقة أمام المصيبة، وبالتالي الرثاء لما يحدث لشخص من الأشخاص. فالمتهّم الذي يطلب رحمة القاضي ورأفته يصرخ: "ترأّف بي"، وقد يطلب الإنسان الرأفة من إلهه على مثال ما نجد في حوارات مع الآلهة.
ويُستعمل فعل "أويكتيرو" في السبعينيّة كمقابل لفعل "ح ن ن" (تحنّن) عشر مرّات، وفعل "رح م" (رحم) 12 مرّة. أمّا الاسم فيقابل "رح م ي م" ويرد 25 مرّة. وهكذا يكون هذا الجذر قريبًا من فعل "الايو" فيدله مثله على رحمة الله.
سبق وقلنا إنَّ فعل "رأف" يرد مرّة واحدة في العهد الجديد، والاسم بضع مرّات، ويرد في الجمع ما عدا كو 3: 12. ففي روم 12: 1 يوبّخ بولس الجماعة برأفات الله. وفي 2 كور 1: 3 يدعو الله أب الرأفات. فالله هو أب منه تأتي كلّ رحمة فتصل إلينا. أمَّا الصفة فترسم لنا صورة "الله الرؤوف والكثير الرحمة" (يع 5: 11).
تلك هي الخلفيّة اللغويّة للرحمة في العهد الجديد. توسّعنا فيها عبر ثلاث كلمات يونانيّة، وأسندنا نصوص العيد الجديد إلى اللغة اليونانيّة الدنيوية، وإلى السبعينيّة وغيرها من النصوص اليهوديّة. يبقى علينا في فصل لاحق أن ندرس اللاهوت الذي نستخلصه من هذ النصوص التي ذكرناها.

خاتمة
في نهاية عظة السهل كما وردت في لو 6، قدّم يسوع هذا القول القاطع: "كونوا رحماء كما أنَّ آباءكم رحيم" (آ 36). هذا النداء لكي نقتدي برحمة الله، يقابل نداء آخر نقرأه في مت 48:5: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي كامل هو". هذا يعني أنّ الرحمة هي الكمال كما يعظ به يسوع. ففي الإطار الذي فيه ورد مت 48:5 ولو 36:6، نجد كلامًا عن محبّة القريب تتضمّن محبّة الأعداء. نغفر للآخرين، لا ندينهم. ويحدّثنا لو 6: 36 ي عن السخاء الذي يعطي بلا حساب. ولكن حين نقرأ النصوص البيبليّة عن الرحمة ندرك أنَّنا لسنا فقط أمام مجرّد عاطفة بسيطة من الشفقة تتوقّف عند الظواهر والكلمات "الفارغة". كما أنّنا لا نحصر الرحمة بمغفرة الخطايا. فالعيش على صورة الله "أبي المراحم" (2 كور 1: 3) يفترض ارتدادًا داخليًا وروحيًا في الطاعة ليسوع الذي "صار شبيهًا بإخوته لكي يكون حبرًا رحيمًا" (عب 2: 17). كان الوسيط بين الله والبشر، فتحدّث عن الرحمة التي جعلها بين التطويبات. هي ينبوع سعادة ينبثق من الآب. وهي سبب سعادة الإنسان الذي يرحم فتتجاوب الرحمة التي في قلبه مع رحمة الله.
الفصل الثالث
قتل العداوة بصليبه

العداوة كلمة نادرة في العهد الجديد. إنّها تعبّر عن العداوة تجاه الله، عن ثورة الإنسان وتمرّده على الله (روم 8: 7؛ يع 4: 4). وتشير هذه اللفظة أيضًا إلى العداوة بين شخصَين، بين هيرودس وبيلاطس (لو 23: 12)، كما إلى العداوات بصورة عامّة (غل 5: 20). وترد اللفظة مرّتين في نص أساسيّ من الرسالة إلى أهل أفسس (2: 14-18).
نتأمّل في هذا النص في إطار الجمعة العظيمة. نتطلّع إلى العداوة التي سادت العالم، ونتطلّع إلى الوقت الذي فيه أزالها المسيح بصليبه.

1- هدمَ بجسده الحاجز: العداوة (أف 2: 14)
أيّة عداوة يعني القديس بولس؟ يعني التعارض بين اليهود والوثنيّين، الذي لا يستطيع بشر أن يحوّله. فالجدار الذي هو العداوة قد جعلته الشريعة حاجزًا يفصل بين الفئَتين.
إن الحاجز يمثّل الشريعة اليهوديّة. فهي من جهة تحفظ شعب إسرائيل وتحميه من الذوبَان في العالم. ومن جهة ثانية تمنع الوثنيّين من الدخول في شعب الله. هذا الحاجز هو سبب العداوة لأنّه يجعل من إسرائيل شعبًا معزولاً وموضوع حذر الوثنيّين واحتقارهم، ولأنه يحمل إسرائيل على احتقار الوثنيّين.
أ- حاجز الشريعة
كانت الشريعة سبب العداوة. وبما أن موت المسيح ألغى الشريعة فلم يعد لجماعة اليهود وجماعة الوثنيّين أن تتحاسدا ولا أن تتعايرا. لم يعد من جهة أهلُ الشريعة، ومن الجهة الأخرى أولئك الذين لا شريعة لهم. لقد دُمرّت العداوة بصورة غير مباشرة وبطريقة الاستتباع. فالشيء الذي دمّره المسيح هو الشريعة. وتقول الآية التالية: "ألغى الشريعة ووصاياها وما فيها من أحكام" (أف 15:2). وهذه الأحكام جعلت كل علاقة مستحيلة بين اليهود والوثنيّين، ولاسيّما في مشاركة الفئَتين في مائدة واحدة. وقال النصّ: "في جسده". هذا يعني موته على الصليب. فبموت يسوع على الصليب ألغيت الشريعة. حين مات يسوع كضحيّة للشريعة قتل الشريعة.
فالمسيح حكم عليه بالإعدام باسم الشريعة. قال اليهود: "إنّ لنا شريعةً، وحسب هذه الشريعة يجب أن يموت، لأنّه زعم أنّه ابن الله" (يو 19: 7). لقد قُتل كمجدّف باسم الشريعة. قال سفر اللاويين (24: 16): "من جدّف على اسم الرب يقتل". وهكذا حرّرنا يسوع من الشريعة. أخذ على عاتقه اللعنة. فلم نعد خاضعين للشريعة. قالوا: "إن دعاة العمل بأحكام الشريعة لعنوا جميعًا" (غل 10:3). لنتوقّف عند هذه النقطة. فإن فهمنا فهمًا أفضل كيف حرّرنا يسوع من الشريعة، نرى بصورة أفضل كيف أن إلغاء الشريعة جرّ وراءه نهاية العداوة.
ب- من الشريعة إلى الايمان
لا يكفي بأن نقول إن الشريعة تعدّاها الزمن، استنفدت قواها حين قتلت البريء الذي هو يسوع المسيح. فالشريعة لا تسقط بذاتها. بل إن المسيح هو الذي دمّرها، فكان موته إيذانًا بمجيء الايمان وبنهاية الشريعة. إن الجديد في الايمان يجعل الشريعة في مرحلة تعدّاها الزمن. ونزيد: لم يكتف المسيح بأن يلغي الشريعة، بل حرّرنا منها، كما قال القديس بولس.
نجد في هجوم بولس على العالم اليهوديّ، كيف أن الشريعة صارت إحدى هذه القوى الشرّيرة التي تضغط على البشر، تضايقهم، تتسلّط عليهم. صاروا في حكم الشريعة، خاضعين للشريعة (غل 4: 4). صاروا تحت الشريعة بعد أن تغلّبت عليهم. يعرف بولس أن الشريعة هي من جهة المبدأ وعدُ حياة بحسب ما قيل في سفر اللاويّين (18: 5): "من عمل بهذه الوصايا يحيا بها" (غل 3: 12). ولكنّه يعرف على أثر خبرة شخصيّة أنها فسدت فصارت قوّة شرّيرة.
فماذا تعرض الشريعة؟ تعرض مثالاً لا يمكن البلوغ إليه. مثال الكمال في البرّ. إنّها تلعب دورًا يشبه دور الشيطان في سفر أيّوب. في سفر أيوب اتّهم الشيطان المؤمنين وهمّه أن يطالب بحفظ متطلّبات البرارة حفظًا تامًا. وهنا تعرض الشريعة هذا المثال وتذكّر الانسان بمتطلّبات البرارة التامّة. إنها تندّد بأقل زلَّة، ولا تكون راضية إلاّ في الممارسة التامّة لأصغر الوصايا. تجاه هذا الطلب لكمال يستحيل علينا بلوغه، تجعل الشريعة في الإنسان الذي تسود عليه وعيًا عميقًا لحدوده وزلاّته فتغرقه في اليأس.
لا يستطيع الإنسان أن يجعل الشريعة ديّانًا له دون أن يصبح هو ديّانًا لنفسه وللآخرين. فالشريعة تجهل الرحمة. والإنسان الخاضع للشريعة لا يكون رحيمًا لنفسه ولا لغيره. وهنا تستعيد لفظة العداوة كل معناها: بغض الذات وبغض الآخرين... هذه هي الثمار الفاسدة في نظام الشريعة بما فيه من شرّ ودمار. فالانسان المتعلّق بكماله الخاص هو في الوقت عينه ضحيّة وشريك. ووسواس الكمال لا يمكنه إلاّ أن يولّد العداوة، يولّد البغض.
وهناك شرّ أكبر. فالشريعة تجرُّ الله في تيّار الفساد فيصبح إلهُ الشريعة الإلهَ الذي يَلعن. فالملعون هو موضوع عداوة الله وبغضه. فما عدتُ أنتظر منه إلاّ غضبه. إن الخدمة التي يستطيع البشر أن يؤدّوها لله هي أن يجعلوا المتجاوزين للشريعة بين الملعونين. وتظنّ هذه العداوة القاتلة أنها تستلهم متطلّبات الله. تستلهم إلهَ الشريعة. الإلهَ الذي يلعن ويُحلّ غضبه على البشر.
ج- إله الحنان
تبيّن لنا الرسالةُ إلى الغلاطيّين كيف أنّ المسيح جُعل في صفّ "الملعونين". أوردت سفر التثنيّة (27: 26) فقالت: "افتدانا المسيح من لعنة الشريعة فصار لعنةً لأجلنا، فقد ورد في الكتاب: ملعونٌ من عُلّقَ على خشبة" (غل 13:3). ولكن الإله الذي يرتبط به المسيح في آلامه هو إلهٌ يغمره بحياته الخاصة. إنه إله الحبّ. لقد مات إلهُ الشريعة في موت يسوع وقيامته. حينئذ تفجّر نظامُ الشريعة الفاسد، وكشفت الشريعة عن وجهها الحقيقي في موت يسوع. وما كانت للمسيح كانت لجميع البشر: ينبوعَ بُغض وعدّاوة وموت. وحين مات يسوع مات بالشريعة. ولكن في الايمان، قتل الشريعة وألغى مناخ العداوة. لم يعد هناك من ملعونين. "الخارجون" عن الشريعة لم يعودوا مرذولين ومُبغضين من قبل أهل الشريعة. لم يعد من حاجز يفصل أولئك عن هولاء. ألغيت الشريعة فألغي الحاجزُ والجدارُ الفاصل ودُمّرت العداوة.
حين ننظر إلى الأمور من هذه الزاوية، لا تعود الشريعة حاجزًا يفصل بين اليهود والوثنيّين ويمنع كل اتصال بينهما. تعود العداوة نتيجةً غيرَ مباشرة للشريعة. فالشريعة هي في ذاتها مولّدة العداوة وتَظهر كذلك كل مرّة نعيشها في شكل فاسد يندّد به القديس بولس. ويُطرح السؤال: هل الشريعة اليهوديّة وحدها تعرف مثل هذا الفساد، مثل هذا الانحراف؟ يشير بولس الرسول، في رسالته إلى الرومانيّين (2: 14)، إلى هؤلاء الوثنيّين الذي هم "شريعةٌ لأنفسهم". فقد تعرف شريعةُ الضمير الانحرافات عينها التي تعرفها الشريعة الموسويّة. فكلتاهما تنحطّان فتصبحان نظامًا يعطينا الشعور بالذنب والبغضاء. وتكون لكلتيهما النتائج القاتلة عينها. والإله الذي تُرجعنا إليه يتّخذ الوجهَ الواحد، وجهَ العداوة الغضب.
يستطيع اليهود والوثنيّون أن يتلاقَوا في المسيح، لأنّ العلاقات أعيدت بينهما. أفلتا من العداوة، فدخلا في الايمان والحبّ، بعد أن كانا محجوزَين وراء جدار العداوة.

2- قتل في شخصه العداوة (أف 16:2)
عبارة كثيفةٌ وموجَزة إلى آخر حدود الايجاز وهي قاطعةٌ مثل العبارة الأولى التي قرأناها: هدم بجسده حاجز العداوة. حدّثنا القديس بولس عن "دمار" أو تصفية العداوة وإلغائها. أما هنا فيقول لنا إنّ العداوة ستُقتل. غير أن النصّ يؤكّد الأمر ولا يقول كيف يتمّ. إنه يدلّ فقط على موضع انتصار المسيح على العنف القاتل. وهذا الموضع هو الصليب.
أ- عداوة بين إثنين
نحن نعرف أنَّ على الصليب قُتل إنسان. هو المسيح نفسه. كان ضحيّةَ بغض اليهود والرومان وعداوتهم. وهذا الالتقاء في عداوة مشتركة سجَّل مصالحة بين الفئتين. "هيرودس (اليهود) وبيلاطس (الوثنيّ) تصادقا (تصافيا، تصالحا) في ذلك اليوم. كانا قبلاً متعادَيين" (لو 23: 12).
ولكن عداوتهما المتبادلة وجدت لها مكانًا تصبّ فيه. انصبّت على يسوع. فهو سيموت ضحيّة عنفهما القاتل. وسيكون صليبه ملتقى كلّ العداوات. والعاملون سيكونون أمناء لأنفسهم فيلعب كلُّ واحد منهم دوره. وهذا الانقسام الداخلي للعنف بين صورة اليهوديّ وصورة الوثنيّ سيعلّمنا الشيء الكثير عن العداوة (البغض) التي هي واحدة ومتعدّدة.
وتجد عداوة اليهوديّ جوابًا لها في عداوة الوثنيّ. وكان لكلّ عداوة أسلوبُها الخاصُّ بها. وهكذا يكشف كلُّ من اليهوديّ والوثنيّ موقفه تجاه يسوع. ونجد أفضل تعبير عن هذه الفروقات في إنجيل القديس يوحنا. هناك شخصان يلعبان دورًا حاسمًا: قيافا اليهوديّ وبيلاطس الوثنيّ. ماذا قال قيافا؟ قال: "إنّ لنا شريعة، وبحسب هذه الشريعة يجب أن يموت لأنّه زعم أنّه ابن الله" (يو 19: 7). إعلانٌ عامٌّ يهدف إلى وضع القلق في قلب الفريق الآخر. ولكن حين جلس قيافا بين أخصّائه قال كلامًا آخر: اعتبر يسوع مهدّدًا لسلامة الأمة: "خيرٌ لكم أن يموت رجلٌ واحدٌ عن الشعب كلّه" (يو 11: 5). لا يجب أن يدمّر الرومانُ "المكانَ المقدّس وأمّتنا".
وفي الجانب الآخر الوثنيّ، نجد بيلاطس. كلامه واضح. يعلن سلطانه المطلق باسم نظام عامّ لا بدّ من حمايته: "ألا تعلم أنّ لي سلطانًا على أن أخليَ سبيلك، وسلطانًا على أن أصلبك" (يو 19: 10)؟
ومهما يكن من أمر، لا بدّ من إزالة يسوع. تلاقت الأفكار وإن كانت مختلفة كلَّ الاختلاف. إمّحى شخصا بيلاطس وقيافا الضعيفان. ولكن إن أخذنا أقوالهما على حرفيّتها، نرى أنهما صورتان واضحتان لليهوديّ وللوثنيّ. نحن لا نتحدّث هنا عن انتماء عرقيّ أو وطنيّ. هذان الوجهان ينتميان إلى الأنماط التاريخية. ونحن لا نستطيع أن نضعهما جانبًا حين نحاول أن نفكر في سرّ التاريخ، كما لا نستطيع أن نلغي التقابل بين الرجل والمرأة، بين السّيد والعبد... سننطلق من هذين الوجهين لنكتشف عمق العداوة التي لم تزل سرًا بالنسبة إلينا.
ب- اليهوديّ
من هو اليهوديّ؟ لماذا يحاول أن يلغي المسيح وكيف يفعل؟ ولماذا يكشف في الوقت عينه العداوة (البغض) التي يضمرها للوثنيّ؟ إذا أردنا أن نفهم هذا الوضع يكفي أن نتوسّع في الإشارات الموجزة التي نجدها في إنجيل يوحنا. من هو قيافا؟ نحن لا نتوقّف عند مولده ولا عند وظيفته كرئيس كهنة. حين تكلّم كشف عن بعد خفيٍّ نجده في كل إنسان، فدلّ على أنه نموذجٌ واسعٌ وسع البشريّة.
ما هي مركّبات هذا البعد؟ ما هو هذا العنف الذي يسير بالإنسان حتى الجنون فالقتل؟ قيافا هو رجل الشريعة. الشريعة مكتوبة. إنّها العدل والصواب. وهي تقود إلى برودة الأعصاب في التفكير والحساب. الشريعة تدلّ على الحق. والأمّة التي تحفظ الشريعة تحافظ على حقوقها. حرفُ الشريعة يحدّد هذه الحقوق. فعلى الأمّة أن تحافظ على امتيازاتها بعد أن حصلت عليها بجهد جهيد. حين تحسّ بالخطر، تحسّ أنّه لا بدّ من الدفاع عن التضامن، عن الأمن الوطنيّ مهما كان الثمن. على الشعب أن يكون صفًا واحدًا، كتلةً واحدة، أن يلتحم برباط الشريعة المكتوبة. فكلُّ من يهدّد التماسك الضروريّ، يجب أن يُرذل باسم الوحدة الوطنيّة. بل يُرذل باسم الله نفسه.
لا مجال هنا لنزوة سلطة بشريّة. فهذه السلطة تسلّمت شرعتها من العلاء. فالأمّة والشريعة والسلطة كلّها تجد أصلها في الله. إنها من الله. ولهذا فالقضيّة مقدّسة. ودوام الأمّة وكمال الشريعة ونظام الوظائف الكهنوتيّة هي الشرط الضروريّ الذي يؤمّن مستقبل الله في هذا العالم.
لماذا تحدّثنا عن هذا الجنون الذي ينتهي بالقتل؟ فالعنف يتمّ هنا بدون ضجّة تلفت النظر. إنّه يرتبط بحسابات هادئة بسيطة. كل من يهدّد التوازن الذي اعتبرناه مقدّسًا يُلغى ويُرذل. فعنف الحقّ يصفّي حساب مَن يبلبل النظام القائم، لأنّ النظام القائم هو نظام إلهيّ. هنا لا بدّ من أن نعرف أن المسافة بين الفساد والحق ضيّقة. ما أعطي لنا نعمة من قبَل الله نجعله حقًا من حقوقنا. ونطالب به بسهولة أكثر حين ننتمي إلى العالم الدينيّ. فالحقّ الأسمى هو أن يكون الله معنا. ولكن حين يكون الله موضوع جدل، لن يبقى مكانٌ للمساومة. فالله مطلق، وهذا المطلق يتطلّب المطلق الوحيد الممكن على المستوى البشريّ، يتطلّب الموت.
لنحاول أن ندرك السمات الظاهرة في هذا الوجه: عنف نمارسه بأعصاب باردة. عنفٌ يعتبره عينَ الصواب أهلُ الشريعة، أهلُ الحق، أهلُ الحقوق المكتسبة والمعترف بها. عنفُ لا هوادةَ فيه ولا رحمةَ حين تصبح قضيّة الله قضيّتنا. ويتوافق عالم الدين مع عالم السياسة. هذا هو اليهوديّ القابع في كلّ واحد منا.
وسيتيح لنا الوثنيّ بأن نكتشف وجهًا آخر. سيدلّنا بيلاطس إلى ما نحن عليه بصورة خفيّة، إن لم تكن ظاهرة.
ج- الوثنيّ
الوثنيّ رجلٌ لا شريعةَ له. لا إلهَ له.
بما أن لا شريعة له فهو لا يستطيع أن يستفيد من حقوق مكرّسة ومعترف بها. هو لا يستطيع إلاّ أن يلجأ إلى القوّة، والقوّة الاعتباطيّة. ففي يده سلطانُ الحياة والموت. وقد أعطته هذه القوّة أن يحتلّ هذه الأرض. يحتفظ بهذه القوّة بالتخويف والترهيب. ولكن إن برز أناسٌ أحرارٌ حقًا، أناسٌ تحرّروا من خوف الموت، يظهر فشلُ النظام الموقّت الذي فُرض. "الوثني" لا يحتمل الإنسان الحرّ. يجب أن يزيله. تهديدٌ يأتي من "تحت". من الشعب. ولكن أسوأ تهديد يأتيه من فوق. فالقويّ عرضةٌ لمن هو أقوى منه. إن تعسّف بيلاطس يخضع لتعسّف قيصر. لسنا في عالم يسيطر فيه الحقّ، بل تتجاذبه القوى المتصارعة.
ويفعل العنف فعلَه دون أن يبحث عن تبرير فيبعد عن إرادة القوّة. فالعبد المتحرّر يعرف ماذا ينتظره. لا مكان في هذه "اللعبة" لاعتبارات أخلاقيّة أو دينيّة. فالوثنيّ يعتبر أنّ الله غائب، غيرُ موجود. فليس هناك قضيّة مقدّسة، ولا شخصٌ مقدّس، مخلوقٌ على صورة الله ومثاله وصاحبُ حقوق وواجبات. 
هذان هما العنفان اللذان يتقاطعان قبل أن يتلاقيا في خبر الآلام، كما نقرأه في إنجيل يوحنا. عنفٌ باردٌ وصوابيّ عند يهوديّ يدافع عن حقوقه المكتسبة والمعترف بها بعد أن ختمت عليها شريعة الله. عنفٌ تعسفيّ عند وثنيّ يدلّ على قوته فيزيل كل مقاومة لسلطانه. في نظر قيافا، يسوع هو مجدّف تطاله الشريعة. وفي نظر بيلاطس إنه مقلق (أو هو يستطيع أن يقلق)، فيجب إزالته. إذن، سنجد أساسًا لوفاق ممكن عند هذا وذاك.
د- عداوة متبادلة
وفاق بصورة مفارقة. لأنّه محكوم على هذين العنفَين أن يتواجها بدون نهاية، وذلك بطبيعَتهما. فـ "اليهوديّ" و "الوثنيّ" يقيمان في عداوة مستمرّة. الممسكون بالحقّ يهدّدون ويرذلون هؤلاء الذين لا يعترف أحدٌ بحقوقهم أو الذين يهدّدون حقوقهم المكتسبة. إنهم دومًا معرَّضون لعنف ثورتهم. أمّا الذين لا يُعتَرف بحقوقهم فلا يستطيعون إلاّ أن يروّجوا للقوّة ويلجأوا إلى العنف. وفي كل صراع يبرز هذان الخصمان ولكن الأدوار ليست ثابتة: ففي خلاله الصراع يتبادل الخصمان سلاحهما: واحدٌ يستند إلى القانون والآخر إلى الإرهاب، والعكس بالعكس. الواحد يكون تارة "يهوديًا" وتارة "وثنيًا" وهو يتوجّه إلى خصمه، مرّة على مستوى الضمير ومرّة أخرى على مستوى الخوف. حُكم على "قيافا" و"بيلاطس" أن يدمّر الواحد الآخر أو أن يحتمل الواحدُ الآخر بعد سلسلة من المساومات. ولكن التعايش السلميّ ليس نهاية العداوة.
وهكذا تنتصب العداوة ضدّ المسيح عند ملتقى كلّ عنف. هناك قتلَ يسوعُ العداوة. ولكنه بدأ فكشف مدلولها الأخير.
هـ- في ينابيع العداوة
كلّنا يعرف عبارة استعملها القديس بولس في الرسالة إلى الفيلبيّين: "هو الذي كان صورة (انعكاس محض) الله لم يعتبر المرتبة التي تساويه بالله غنيمةً يحتفظ بها بعناية قصوى" (أو غنيمةً يستولي عليها) (6:2). يحتفظ بها أو يستولي عليها: الترجمتان ممكنتان، وهما تدلان على الموقفَين اللذين صوّرناهما. ولكن هذا النص يلقي في الوقت عينه ضوءًا ساطعًا على الهدف الحقيقي لكلّ عنف، على المحرّك الخفيّ لكلّ عنف.
فالإنسان الدينيّ والذي يعتبر نفسه صاحب الحقّ يتعلّق فقط بامتيازات تفرده عن سائر الناس فيتكمّش بحقوقه وهو عارف أنّ الله اختاره واصطفاه. وإذا دافع عن نفسه فلأنّه يخاف أن يخسر مرتبته. لاشكّ في أنّ هذه المرتبة لا تساويه بالله، ولكنّها على الأقل تقرِّبه منه، أو هي تضعه في الطريق التي توصله إليه. هناك حلمٌ خفيٌّ يدغدغه وطموح لا يجسر على البوح به: هو يحلم بأن يتجاوز وضعه البشريّ، هو يحلم حلم آدم: "تصيرون مثل آلهة".
والحكم نفسه والحنين نفسه يدغدغ "الوثنيّ". لم يحتفظ من إله يجهله إلاّ صورة خاطئة، إلاّ صنمًا، صنمَ الثورة والسيادة والتسلّط. فإن جاء إنسان يعتبر نفسه ابن الله ويقدّم نفسه على أنّه ابن الملك، لا تسمح له هذه الفئة ولا تلك أن يعبّر بصوت عال عن الرغبة التي تعمل في الداخل. فهدف الصراع هو الاستيلاء على مرتبة تساوينا بالله أو الاحتفاظ بها. ولكنه هدفٌ خفيُّ وسرُّ لا يُعلن عنه. لهذا يجب أن يُقفل الفم الذي أعلنه، يجب أن يقفل إلى الأبد.
غير أن يسوع في هذا النصّ لم يفعل شيئًا ليجعل نفسه مساويًا لله. إنّه حقًا مساو لله. ولكن "اليهوديّ" و"الوثنيّ" لا يفهمان إلاّ لغة الاحتفاظ والأخذ، لغة الدفاع والاستيلاء. أما يسوع ففجّر هذه المقولات. وهو لا يتكلّم إلاّ عن العطاء والقبول. فالذي يموت بسبب اليهود والرومان ليس طامحًا بمنصب وليس مطالبًا بعرش. هو لا يطمح إلى البنوّة ولا إلى الحريّة السامية. إنه يتقبّل نفسه كلّها من الله في ملء حرّيته البنويّة. وهو يقدّم لنا إمكانيّة المشاركة فيها. وهذا سيكون نعمةً، أي عطاءً مجانيًا ولن يتحوّل يومًا إلى حقّ نطالب به أو ندّعي أنّه مُلكٌ لنا.
و- نهاية العداوة
إن التعارض بين هذين الموقفين يغذّي العداوة (والبغض) بعد أن كان نبعه. أما في يسوع فكلُّ شيء نعمةٌ، حنانٌ، رحمة. ففي عالم العطاء والقبول الذي يدشّنه في موته وقيامته، لم يعد باستطاعة أيّ شيء أن يغذّي العداوة ويشعلها. لقد انطفأت وماتت، لقد قُتلت.
وتمكّن يسوع من قتلها بعد أن تحقّقت عند الصليب ذروةُ العنف القاتل. هاجمه الرومانُ يهوديًا قال عن نفسه إنه ملك. وهاجمه اليهود إنسانًا قدّم نفسه على أنه ابن الله. وهكذا هاجموا حلمهم الخاص. فحكموا فيه على الادعاءات التي يحملونها في ذواتهم: أن يكون الواحدُ مختارَ الله، أن ينعم بسلطة تشمل الكون. وهكذا قتلوا رغبتهم الخاصة. قتلوا واقع رغبتهم. ولكن حيث رسموا أحلامهم وُجد واقعٌ آخر أعطاه، قدّمه حبٌّ لا حدود له.
فالذي قتلوه لا يستطيع أن يدخل في لعبتهم. لم يكن له شيء يدافع عنه أو يُطالب به. كان الابنَ الوحيد. ابنَ الله. وكان وحده في هذه المرتبة. عرّض نفسه للموت لئلا ينتهي الأمر بالأخوَين العدّوين إلى تدمير نفسَيهما في عداوتهما المتبادلة. فالصليب هو الموضعُ الأوّل لمصالحتهما. وغضبهما يتوجّه إلى شخص آخر يأخذ على عاتقه تيّارًا صار قويًا بعد أن التقى فيه عنفان اثنان. فلم يبقَ لهما اليوم إلاّ عدوٌّ واحد وهو الذي ينسبان إليه خطيئتهما. لم يوجد إنسان أبغض إلى هذا الحدّ، استعداه الناس إلى هذا الحدّ.
فهل أجاب على البغض بالبغض، وعلى العداوة بالعداوة؟ نحن نجد في إنجيل القديس لوقا قراءةً عن موت المسيح عبر إحدى الكلمات التي تلفّظ بها يسوع على الصليب. قال يسوع: "إغفر لهم، يا أبت، لأنهم لا يعرفون ما يعملون" (23: 32). وحين تبع اسطفانُس الطريق عينها، جعل لوقا على شفتيه الصلاة عينها (أع 7: 60). لن نتساءل لماذا لم تورد سائر الأناجيل هذه العبارة. فحين نكون أمام تحديد الهويّة المسيحيّة، نعبّر عن الاختلاف الجوهريّ في نصّ نجده عند متى ولوقا. فمن صار مسيحيًا وجب عليه أن يغفر لأعدائه.
قال متّى (43:5-48): "سمعتم أنّه قيل: أحبب قريبك (ابن البلدة، والدين...) وأبغض (لا تهتمّ به، أتركه وشأنه) عدوّك (أي كلّ من ليس قريبك. وهكذا يكون الغريبُ عدوًا). أما أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم، أحسنوا إلى من يبغضكم، أدعوا لمضطهديكم فتكونوا بني أبيكم الذي في السماوات. فهو يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، ويُنزل غَيثَه على الأبرار والفجّار. فإن أحببتم من يحبّكم فأيُّ أجر لكم؟ أوَليس العشّارون يفعلون ذلك؟ وإن سلّمتم على إخوانكم وحدهم، فأي شيء غريب فعلتم؟ أوَليس الوثنيّون يفعلون ذلك؟ فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل".
وقال القديس لوقا (6: 27-32) بلسان يسوع: "وأما أنتم أيها السامعون فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وباركوا لاعينكم (هم يلعنون طالبين الشرّ لكم، فباركوا طالبين لهم الخير)، وادعُوا للمفترين الكذب عليكم. من ضربك على خدّك فاعرض له الآخر. ومن انتزع منك رداءَك فلا تمنعه ثوبك. ومن سألك فأعطه. ومن اغتصب مالك فلا تطالبه به، وافعلوا للناس ما أردتم أن يفعل الناس لكم".
ثم إنّ النسخات الأربع عن العشاء الأخير تكشف المعنى الذي أراده يسوع لموته. ففي الليلة التي أسلمه فيها اليهود، أسلم هو نفسه. والذين أرادوا موته أعطاهم الحياة. قدّم ذاته ليُحييَهم. وصار الصليب ختمَ الغفران، لا توقيعًا على العداوة والبغض. إن ذروة البغض والعداوة صارت ذروة المحبّة، والإفخارستيّا هي منذ الآن الموضع الذي فيه "قتل العداوة".
وهكذا تحطّمت الدائرة المغلقة. كانت شريعة الدم تطلب الدم. ولكن هذه الشريعة باءت هنا بالفشل. فهناك شخصٌ رفض أن يردّ على القتل بالقتل. فلا يَخف القاتلون من ثأر أو انتقام. إنهم محبوبون، إنهم نالوا الغفران. كيف قتل يسوع العداوة؟ لقد صار الجوابُ اليوم واضحًا: بكثرة حبّه. هذا ما يقوله لنا القديس يوحنا في إنجيله. فموته كان العمل النهائيّ الذي لا يتجاوزه عمل. "تمّ كلُّ شيء. بلغ كلُّ شيء إلى النهاية". هذا هو معنى آخر كلمات يسوع على الصليب (يو 19: 30) التي هي جواب لآخر تعليم قدّمه لتلاميذه: "أحبّهم حتى الغاية" (يو 13: 1). بهذه العبارة بدأ يوحنا خبر الآلام لأنه يلقي الضوء على موت يسوع.
وحدَه الحبُّ يقدر أن يغلب العداوة. عبارةٌ جميلةٌ وسهلةٌ بل أكثر من سهلة. فإذا أردنا أن نعطيها معناها الصحيح وجب علينا أن نحدّد أنّ هذا الحبّ المنتصر هو حبّ الله. ولم يظهر الله إلهًا بقدر ما ظهر في صليب المسيح وفي قيامته.
الله نفسُه سلّم ذاته إلى أيدينا في ابنه الذي أسلم ذاته إلينا. فالعداوة التي تغمر يسوع هي في الواقع العداوة التي يكنّها البشر لله. لو استطاع البشر أن يجعلوا الله يبغضهم، يستعديهم، لكانوا قتلوا الله. ولكن الله هو الله. وموضعُ البغض صار موضعَ الغفران. الله لا يستطيع أن يبغض. فاليهود والوثنيّون الذين شاركوا في الجريمة قد جُمعوا في الحبّ عينه. في النعمة عينها. في الحنان والرحمة. فعليهم أن يرفعوا معًا آيات الشكر. فالمسيح "قتل العداوة" على الصليب. قتلها في حبّه اللامحدود.

3- والآن
والآن، هل قُتلت العداوة (البغض) حقًا؟ يبدو أنها في صحّة جيّدة. فنحن نرى في كل مكان مسلسل العنف والقتل. وحيث نحسبها هدأت واستكانت، فهي تُولد وتستيقظ. ففي كل مكان يتواجه "اليهودي" و"الوثني". بعد هذا، نستسلم إلى الشك والريبة: أيكون المسيح مات عبثًا؟
أ- الصراعات
فما هو هذا الينبوع الذي يتفجّر منه البغض (أو العداوة)؟ فمن أيّ جذر عميق تستقي شجرةٌ- ظنَنَّاها قُطعت- قوّة تجعلها تحمل ورقًا جديدًا؟ هل نعلن جهلنا ونقرّ بأن هذا الوضع الذي يجعل الناس يتقاتلون هو واقعٌ لا بدّ منه؟ لا شك في أن الصراعات كلّها مبنيةٌ حسب الرسم عينه. ففي المرحلة النهائيّة نجد مواجهة بين الأخوَين العدوَّين كما صوّرناها. واحدٌ يدافع بكل إمكاناته عن حقوقه ويردّ كل مطالبة وادّعاء يهدّدان امتيازاته. والآخر يحاول بكلّ قواه أن يضع يده على ما يصبو إليه ويستحق كلّ مقاومة. وهكذا يكون الواحد للآخر "يهوديًا" أو"وثنيًا".
لكن هذه الشراسة في الدفاع والهجوم تدفعها رغبةٌ أساسيّة. فالاثنان يتّفقان على هدف مشترك وهما يتعلّقان بالخيرات عينها. خيرات ضروريّة للإنسان، خيرات شرعيّة أقلّه في نقطة الانطلاق، وهي تشكّل الشرط من أجل حياة إنسانيّة جديرة بهذا الاسم: وسائلُ ماديّة تتجاوب وحاجاتنا وتؤمّن حياتنا. غنىً عاطفيّ نرضي به الرغبة بأن يعترف الآخر بنا. ظروفٌ لكي نؤكد على حريّتنا ونواجه مستقبلنا مواجهة مسؤولة. الحياة، الكرامة، الحريّة. فالانسان الذي لا يعرف هذه الثلاثة لا يستطيع أن يعيش.
وهذه الخيرات التي تقف على المستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ ليست خيرات نادرة. فالطموح إلى توزيع قريب من المساواة ليس من عالم الأحلام. ولكن التوازن سريعُ العطب واللامساواةَ تنتصر في العالم. وينحني رجال السياسة على مشاكل التفاوت الاجتماعيّ، ولكنهم لا ينظرون إلى ما يكدِّسون. فأين تتغذّى هذه المزاحمة من أجل المُلك والكرامة والسلطة التي تولد عددًا من الصراعات؟ يهتم اليهوديّ والوثنيّ بهذه الثلاثة، كلٌّ بطريقته، وتدفعهما القوّة لأن يرتمي الواحد على الآخر.
ما زالت العالم مقسّمًا بين متسلّطين وخاضعين، ممزّقًا بين مُستغلّين ومُستغَلّين. سيدافع المُتخَمون ويثور المحرومون. ولكن هذه الرغبة المشتركة في المال والجاه والسلطة تتغذّى من رغبة أعمق.
ب- تصيرون مثل آلهة
الدافع الأولى هو الذي أشرنا إليه أعلاه حين عدنا إلى النشيد الذي أورده القديس بولس في رسالته إلى الفيلبيّين: الرغبة في أن نزاحم الله. يريد الانسان أن يصير الله، ولا شيءَ يعزّيه عن ذلك. لهذا فهو "يحقد" على الله ويظن أن الله "يحقد" عليه. هذه هي العداوة الأولى. هذا هو البغض الأول. ولن تكون المصالحة ممكنة بين البشر إلاّ بواسطة المصالحة مع الله. فلن يتحرّر اليهوديّ والوثنيّ من العداوة والبغض إلاّ بالارتداد والتوبة. ونصُّ الرسالة إلى الأفسسيّين يجمع جمعًا وثيقًا بين هاتين المصالحَتين. فالعداوة لا تزول بصورة آليّة. فيبقى على اليهود والوثنيّين أن يلبّوا الدعوة الموجّهة إليهم: تصالحوا مع الله، إفتحوا قلوبكم على المصاحة مع الله (1 كور 5: 20). عليهم أن يرتّدوا ويتوبوا، أن يصيروا مسيحيّين.
ماذا يعني هذا؟ لا يكفي أن نوجّه أنظارنا إلى المسيح وأن نكتشف في الإنجيل تعليم المحبّة والسلام. فالمحبّة والمغفرة للأعداء تحتلاّن مكانةً أساسيّة. ولكن حين نرى فيهما وصيّةً جديدة نقع في خطر الملاحظة بأننا ضعفاء، بأننا أعجز من أن نحفظ هذه الشريعة الجديدة. أن نحبّ "كما أحبَّ المسيح"، لا يعني أن نرى فيه مثالاً وحسب. بل أن نعترف أنّ فيه وبروحه نجد ينبوع كلّ إمكانيّة حبّ. ليس هو فقط مثالاً نقتدي به. إنه السرُّ الذي يجب أن نحيا منه. ليس هو فقط قاعدةَ حية بشريّة حقة. إنّه مسيحُ الله الذي به نجد مكانتنا الحقيقيّة أمام الله.
حينئذ تتبخّر الصور الخاطئة التي نرسمها طوعًا عن الله، سواءٌ كنّا يهودًا أم وثنيّين. صورٌ نعوّض بها عن فقرنا، صورٌ يتعلّق بها الإنسان الدينيّ والإنسان الذي يعتبر نفسه بعيدًا عن الإيمان. ففي نظر الاثنين تشير لفظة "الله" قبل كلّ شيء إلى القدرة والمجد والغنى.
يقول الوثنيّ إنه يضع الله جانبًا. ولكنّه يرى في هذه الأمور التي يتعلّق بها ويلاحقها بكل قواه، بهاء اللاهوت. فيصبح الغنى والكرامة والقدرة أوثانًا مقدّسة. وهكذا يريد الوثنيّ أن يكون مساويًا لله، أن يحلّ محله. وبين تجارب يسوع في البريّة نجد تجربة القوّة والعظمة (لو 4: 5-8): "أجعل لك هذا السلطان كلّه ومجدَ هذه الممالك". لا نتحدّث عن الله، نلغيه من أجل أركون (سلطان) هذا العالم، الذي يحلّ محلَّ الله.
والإنسان الدينيّ لا ينسى الله. بل يقول إنه يخصّ الله. وفي الواقع هو يمتلك الله، يُلحقه بنفسه ويُتبعه بمشاريعه. له حقوق على الله، وهو يدافع عن هذه الحقوق. فقضيّته قضيّة الله عينها. نحن هنا أمام التجربَتين الأخيرتين اللتين صادفهما يسوع في البريّة: "بما أنك ابن الله"... فعلى الله أن يؤمّن لابنه الطعام والحماية (لو 3:4-4، 9-12). إن الإنسان الدينيّ يجعل الله أسيرَ منافعه الخاصية.
إنّ المسيح رفض مثل هذا الاله. إنه إبنٌ وبصفته ابنًا فهو لا يدخل في لعبة المزاحمة والحقوق التي يطالب بها. هو لا يعتبر الغنى وتأمين حماية الله حقًا مكتسبًا له. فيه يكشف الله عن نفسه بدون قدرة. بدون غنى، بدون مجد. فالله يدلّ في المسيح على أنه ذلك الذي يتجرَّد من ذاته. لا أثر فيه للحسد من الناس، لا أثر فيه للبخل والانغلاق. إنه لا يزاحم الإنسان.
لا عداوةَ (ولا بغض) في الله. لهذا صارت العداوة في الإنسان باطلة. كان الله في المسيح "مصالحًا للعالم" (2 كور 5: 19). وهو يقدّم لنا طريق المصالحة. إنه يشفي هذا الجرح الخفيّ الذي يغذّي فينا الغضب والعنف. حين حلُم الإنسانُ بأنّه الله، لم يعد إنسانًا، بل وحشًا بشريًا. وحين صار اللهُ إنسانًا ذليلاً ومحتقرًا أعطى البشر أن يصيروا أخيرًا أناسًا بكل معنى الكلمة، أعطاهم أن يعيشوا على صورة الله ومثاله.
الفصل الرابع
سر الصليب والمسيحية

1- الصليب رمز الايمان وشعاره
ينتصب الصليب أمام المسيحيّ كرمز إلى إيمانه في عمل الفداء الذي قام به ابن الله. وحدثُ الجلجلة التاريخي ليس فقط شهادة حب الله للبشرية الخاطئة. إنه يُجمل بطريقة موضوعية كل حقيقة المسيحيّة كما عاشها مؤسّسها وشارك فيها تلاميذه. فحين ننظر إلى الصليب في الامتداد الكامل "للسر" الذي يكشفه، فهو الدلالة المستمرة لانتصار الله على خصومه، والعلامة على شفاء الانسان من الخطيئة وعلى دعوته إلى الحياة الابدية.
إن الصليب يضمّ في منظار العناية الإلهية موتًا مذلاً للمخلّص المسمّر على أداة تعذيبه، وتمجيدًا له بيد الله الذي أقامه وأجلسه من عن يمينه كالإبن المتجسّد. لا نستطيع أن نفصل بين وجهتَي "السر المسيحي" دون أن نشوّه مدلوله. ولكن يبقى أن الصليب كعقاب مهين، لعب دورًا حاسمًا في تدبير الفداء، وظلَّ عنصرًا أساسيًا في المثال الذي سيحاول المسيحي أن يقتدي به بشكل يوافق مصيره الشخصي.
هذه المعطية، مع ما فيها من مفارقة، تميّز بصورة قاطعة الايمان الذي كرز به المسيحُ والرسل. فمنها تتفرعّ روحانية الانجيل. ولهذا يستحيل علينا أن نتطرّق (ونتعمّق) إلى المسائل المتعلقة بالحياة المسيحيّة، بالعاطفة الدينية التي تحركها، بالقداسة التي توجهها، إن لم نحسب حسابًا لهذه القيمة الاولى وما تعطيه من توجيه لعلاقات المسيحيين بالله.

2- الابن المتجسّد
إن مثالا الابن المتجسّد وتعليمه النظري هما قاعدة الحياة المسيحية. فحكمة الله (وقصده وإرادته) تصبح أمرًا واقعًا في هذه المأساة. لقد اختار الله لابنه البريء موتًا مشينًا ليفتدي البشريّة الخاطئة. "هكذا أحبَّ الله العالم حتى وهب ابنه الوحيد، فلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية. والله أرسل ابنه إلى العالم لا ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم" (يو 3: 16-17). هنا نلتقي مع ما يقوله القديس بولس في الرسالة إلى رومة (8: 31-32): "إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا (أمام المحكمة، أمام الديان)؟ الله الذي ما بخل بابنه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعًا، كيف لا يهب لنا معه كل شيء". ويقول أشعيا (53: 6) عن عبد الله المتألم: "أسلمه الله عن خطايانا".
اختار الله هذه الطريق، فكان اختياره كشفًا لسرّ شكّك العالم، ولكنه بدا متساميًا كل التسامي. قال القديس بولس في الرسالة الاولى إلى كورنتوس (1: 22-24): "وإذا كان اليهود يطلبون المعجزات، واليونانيون يبحثون عن الحكمة، فنحن ننادي بالمسيح مصلوبًا، وهذا شك (وعقبة) لليهود وحماقة في نظر اليونانيين. وأمّا الذين دعاهم الله من اليهود واليونانيين، فالمسيح هو قدرة الله وحكمة الله". إن الناس يبحثون عن طمأنينة بشرية، لا عن صليب يتمسّكون به، وهذا الصليب لا يتمسّك بشيء منظور. يبحث اليهود عن معجزات تكفل صحة التعليم، ويبحث اليونانيون عمّا هو معقول في حكمة بشرية. فكيف تصل الفئتان إلى الحكمة الحقّة، إلى بشارة الصليب التي هي "حماقة عند الذين يسلكون طريق الهلاك، وقدرة الله عند الذين يسلكون طريق الخلاص" (1 كور 1: 18)؟ لا نضع شروطًا على الله، لا نجرّب الله كما جرّبه بطرس ساعة أراد أن يبعده عن الصلب والموت فقال له: "حاشا لك يا رب! لن يكون لك هذا المصير" المعيب (مت 16: 22). على اليهود واليونانيين، على كل البشر أن ينفتحوا على الايمان الذي هو عطيّة مجانيّة، ولو كلّفهم هذا الانفتاح أن يُنكروا نفوسهم ويحمل كل واحد صليبه ليتبع المسيح (مت 16: 24).
فالمخطط الذي نكتشفه هنا يؤسّس الحياة المسيحية على إيمان بتدخّل مباشر من قبل الله في تاريخ البشر. فينتج عن هذا أن مصير جميع الناس اتّحد بالمسيح المائت والقائم. هكذا بنى القديس بولس كل تعليمه عن يسوع المسيح. "كما يموت جميع الناس في آدم فكذلك هم في المسيح سيحيون" (1 كور 15: 22). "أدركنا أن واحدًا (يسوع المسيح) مات من أجل جميع الناس، فجميع الناس شاركوه في موته. وهو مات من أجلهم جميعًا حتى لا يحيا الأحياء من بعدُ لأنفسهم، بل للذي مات وقام من أجلهم" (2 كور 5: 14- 15).
وينتج عن كل هذا أيضًا تأثيرُ الصليب على تصرّف المسيحي. فإذا أردنا أن ندخل في عمق هذه الحقيقة، نعود إلى الواقع التاريخي الذي حدث يوم الجمعة من تلك السنة التي مات فيها يسوع في عهد بيلاطس البنطي، ونعود إلى الوثائق الحيّة التي تتحدّث عن هذا الواقع الذي ينير حياة المؤمنين كلها.

3- الخشبة
إذا عدنا إلى أسفار العهد الجديد، نكتشف أربعة ألفاظ تعبّر أفضل تعبير عن واقع الصليب. وهذه الألفاظ هي الخشبة، الارتفاع، دم الحمل، الصليب. ونبدأ بالخشبة.
جاء الرومان بالصليب إلى فلسطين. فاعتبره الوثنيون أنفسهم عقابَ عبيد اقترفوا أكبر الجرائم. وقد تنظّم فيه كل شيء ليدلّ على بشاعة هذا العقاب الذي يحطّ من قدر الانسان إلى أقصى الدركات: يُجلد المحكوم عليه، يحمل الصليب أو أقلّه قسمًا منه، يُربط عريانًا، يسمّر على خشبة منصوبة فيكون في نزاعه فريسة ألم مرير. ويوضع فوق رأسه كتابة تحمل اسمه والسبب الذي لأجله حُكم عليه. وإذا أرادوا أن يعجّلوا في موته كسروا له ساقَيْه.
لم تعرف الشريعة اليهودية هذا العقاب المخيف. أمّا الرومان فاستعملوه بطريقة عادية في فلسطين. ولنا أمثال على ذلك. فاروس صلب مرة واحدة ألفي يهوديّ. وصلب كوادراتوس كل الثائرين الذين لم يموتوا في الحرب. وصلب فلوروس عددًا كبيرًا من الناس من كل جنس. أما تيطس الذي سيصبح أمبراطورًا، فقد صلب بعد احتلال أورشليم (70 ب. م) عددًا كبيرًا جدًا بحيث نقص الخشب لصنع الصلبان. وحين كان الرسل يتحدّثون عن الصليب كان هذا أو ذاك من السامعين يتذكّر شخصًا يتمايل تحت الضرب وصراخ الجنود. أجل، ما من نفور يساوي هذا النفور أمام خشبة مذلّة صُلب عليها يسوع.
سمّى سفر التثنية (23:21) المعلّق على الصليب "ملعونًا". وانطلق القديس بولس من هذا النص فقال: "المسيح حرّرنا من لعنة الشريعة بأن صار لعنة من أجلنا، فالكتاب يقول: ملعون كل من علّق على خشبة" (غل 3: 13). كان القديس بولس قد ذكر كيف أن الشريعة لعنت الخطأة (ملعون من لا يعمل). وهو يشير هنا إلى الخشبة التي يُرفع عليها "الملعون" لكي يراه الجميع. فهذا يعني أن المسيح قبلَ موتَ اللعنة لكي يخلّصنا من الخطيئة التي هي سبب اللعنة.
وقال بطرس أمام السنهدرين (مجلس اليهود): "إله آبائنا أقام يسوع الذي علّقتموه على خشبة وقتلتموه. فهو الذي رفعه الله وجعله رئيسًا ومخلّصًا" (أع 5: 30- 31). وقال في بيت الضابط (قائد المئة) كورنيليوس: "ونحن شهود على كل ما عمل من الخير في بلاد اليهود وفي أورشليم وهو الذي صلبه اليهود وقتلوه" (أع 10: 39).
وعاد القديس بولس في خطبته في مجمع أنطاكية بسيدية إلى ما قاله متى (58:27-60) عن انزال يسوع عن الصليب، فقال: "أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في القبر. ولكن الله أقامه من بين الأموات" (أع 13: 29-30). وسنسمع بطرس في رسالته الأولى (2: 24) يقول: "وهو الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة حتى نموت عن الخطيئة فنحيا للحق".
إن التحقير المرتبط بعذاب "الخشبة" أبرز أهمية "الارتفاع" الذي يمنحه الله إلى مَن أنزله إلى أعماق الذل وسامه عقابًا أفظع من الموت. هذه هي مفارقة الحياة المسيحية التي يهزأ العالم بمتطلباتها. فإذا أردنا أن نبرز معنى هذا التحقير الذي قبله المسيح بإرادته، وجب علينا أن نشدّد على المعنى الإلهي للسر. فالفشل البشري هو شرط موقّت لانتصار نهائي.

4- الارتفاع
نقرأ عن هذا الارتفاع في اعترافين إيمانيين تفوّه بهما الرسل فدلاّ على تدخّل الله بعد أن أنهى الموتُ مهمّة يسوع على الأرض. الاعتراف الأولى يلقيه بطرس باسم الرسل: "فلما رفعه الله بيمينه إلى السماء، نال من الآب الروح القدس الموعود به فأفاضه علينا، وهذا ما تشاهدون وتسمعون" (أع 2: 33). أجل، يمين الله هي التي فعلت ما فعلت على مستوى القيامة والصعود. والاعتراف الثاني هو جواب للمجلس الذي منع بطرس والرسل من التعليم "باسم يسوع". فقالوا: فيسوع هذا قد "رفعه الله بيمينه" (أع 5: 31). إن الارتفاع هو جواب الله على ذلّ المسيح. إن موته المذلّ هو شرط لانتصار قوّة الله في القيامة وفي نتائجها وهي: غفران الخطايا وإفاضة الروح القدس.
إن مشيئة المسيح قد كشفت منذ اليوم كل سلطة بشرية معارضة: "يجب أن نطيع الله لا الناس" (أع 5: 29).
يحتلّ الموت على الصليب مكانة مميّزة في النشيد الكرستولوجي (يتحدّث عن يسوع المسيح) الذي نقرأه في الرسالة إلى أهل فيلبي (2: 6- 11). إنّه ذروة انحدار ابن الله الارادي والباعث الحاسم لارتفاعه. لم يكتف بأن اتخذ بالتجسّد صورة عبد جعلته شبيهًا بالبشر، بل واضع نفسه بحرية كاملة فصار طائعًا حتى الموت والموت على الصليب.
إن هذا النص الذي يعطي شرَّ الصليب كل أبعاده، لا ينفصل عن اعتبارات أخلاقية أوردها القديس بولس: دعا أهل فيلبي لكي يتخلّقوا بأخلاق المسيح، لكي تكون فيهم العواطف التي كانت في المسيح يسوع وهي: التواضع والطاعة.
ويربط القديس يوحنا الارتفاع بمجد ابن الله. يذكر أولاً أن موسى رفع الحية النحاسية في البريّة ليشفي الناس من عضّة الحيات. زاد: "هكذا يجب أن يُرفع ابن الانسان لكي ينال الحياة الابدية كلُّ الذين يؤمنون به" (يو 3: 14- 15). ويلمّح يسوع إلى موته في معرض جداله مع اليهود: "حين ترفعون ابن الانسان، تعرفون أني هو، وأني لا أعمل شيئًا من عندي ولا أقول إلاّ ما علّمني الآب" (يو 8: 28). إن هذا الكلام يدلّ على لاهوت المسيح. وهو يشير إلى أن الارتفاع على الصليب بيد البشر يتضمّن ارتفاعًا آخر هو ارتفاع إلهي تظهر فيه قدرة الآب والابن في أعماله قدرة وأقوال حكمة.
ويربط نصٌّ يوحناوي آخر هذين الارتفاعين بموت تحدّث عنه يسوع فاجتذب إليه الناس. قال: "وأنا متى ارتفعت عن الأرض، جذبت إليَّ الناس أجمعين"، قال هذا مشيرًا إلى نوع الميتة التي سيتحمّلها" (يو 12: 32-33). جمع الإنجيل جمعًا حميمًا "ارتفاع ابن الانسان" على الصليب وارتفاعه في المجد، فكشف في مخطّط عناية الله الوحدة التي تجمع الارتفاع إلى الذل وتدلّ على النصر الذي يؤمّن ظفر الله على الانسان الخاطئ. فبالصليب تغلّب الله على العالم (1 كور 2: 6-9)، وجرّد الرئاسات والسلاطين وانتصر عليهم في المسيح (كو 15:2).
ونصرُ الصليب هذا الذي ينشده بولس بحماس (1 كور 15: 55-58) هو ما يفسّر الخصب الذي ينتج عن الموت في الذل: "إن كانت الحبّة من القمح لا تقع في الأرض وتموت، تبقى وحدها. وإذا ماتت أخرجت حبًا كثيرًا" (يو 12: 24). ويبرز يوحنا "الساعة" ساعة تمجيد ابن الانسان (يو 23:12)، الساعة التي لأجلها تجسَّد الكلمة (يو 27:12) والتي بها سيُدان العالم ويطرح سلطانه خارجًا (يو 12: 31). ويقينُ هذا النصر هو قوّة يمتلكها يسوع لنفسه ويحاول أن ينقلها إلى أخصَّائه: "ستعانون الشدّة في هذا العالم، ولكن تشجعوا، أنا غلبت العالم" (يو 16: 33).
ولهجة النصر هذه تشرف على نصوص سفر الرؤيا. "من غلب أعطيه أن يجلس معي على عرشي، كما غلبت أنا فجلست مع أبي على عرشه" (رؤ 3: 21). إن هذا الوعد يعني التلميذ الخاضع للرب والسخي في العطاء. ولكن تاريخ الكنيسة الذي يسير مسيرته في ظل الحمل المذبوح يدلّ على هذا النصر: "ها قد غلب أسد يهوذا (تك 49: 9: يسوع هو من نسل يهوذا) ونسل داود" (أش 11: 1، 10). يسوع هو ابن داود (رؤ 5: 5). وسوف ينشد الشيوخ: "أنت الذي يحق له أن يأخذ الكتاب ويفضّ ختومه. فقد ذُبحت وافتديتنا لله بدمك من بين كل قبيلة ولسان وشعب وأمَّة" (رؤ 9:5). وفي النهاية يكون نشيد الخليقة كلها صدى لنشيد جمهور الملائكة: "يحقّ للحمل المذبوح أن ينال القدرة والغنى والحكمة والجبروت والاكرام والمجد والحمد".

5- دم الحمل
ماثل سفرُ الرؤيا بين يسوع والحمل المذبوح. كان أشعيا (53: 7) قد تحدّث عن عبد الله الذي يشبه "حملاً يُقاد إلى الذبح ولا يفتح فاه". هذا المقطع كان يقرأه وزير ملكة الحبشة على طريق غزة. انطلق منه فيلبس ليبشّر بيسوع (أع 8: 35)، وانطلق منه القديس بطرس ليعطي العبيد مثالاً في الصبر، فوصل إلى الألم الفدائي، لأن "المسيح تألم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه. تألم وما هدّد أحدًا، بل أسلم أمره للديّان العادل، وهو الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة. شفانا وجمعنا لأنه راعى نفوسنا وحارسها" (1 بط 18:2-25).
في نظر بطرس، المسيح هو حمل الله: "افتداكم لا بالفاني من الفضة والذهب، بل بدم كريم، دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس، دم المسيح" (1 بط 1: 18-19). أجل دم المسيح المراق يحرّرنا. وهذا التحرّر من الشريعة يدلّ على ارتفاع يسوع الذي يركّز إيمان المسيحيين ورجاءهم. "هو الذي جعلكم تؤمنون بالله الذي أقامه من بين الأموات ووهبه المجد" (1 بط 1: 21).
ونجد التماثل بين المسيح الممجّد والحمل في كرازة يوحنا المعمدان (يو 1: 29-36). وسيعود الانجيل الرابع بوضوح إلى طقس الحمل الفصحي في معرض حديثه عن آخر فصول الصلب: فالحربة التي طعنت جنب المخلّص لم تكسر له عظمًا (يو 19: 36). التصق الدم المراق برمز الحمل فزاد على التمجيد في السماء دينامية حالية لا تزال خصبة على الأرض. فدم المسيح في واقعه الطبيعي وقوّته الفدائية، يُذكر مرارًا في نصوص العهد الجديد وهو يرادف الصليب ويدلّ على موت المسيح كأداة خلاص.
إن الدم الفدائي يشهد بأدواره المختلفة في علاقاتنا بالله، على انتصار المسيح وتمجيده. وقد عالجت الرسالة إلى العبرانيين سموّ الليتورجيا الجديدة (مع المسيح) على ليتورجية الميثاق القديم. فالقيمة الدينية للدم المراق ترتبط بالتطهير. فالدم الذي أريق في الميثاق القديم يدلّ على دم أراقه المسيح، فتمّت له مصالحة البشر مع الله. فموت المخلّص فعَّل الميثاق الذي يجعل دعوتنا إلى الميراث الابدي واقعًا وحقيقة. فالمشاركة في دم المسيح تحلّ محل الوعود السابقة. قال يسوع: "إن كنتم لا تأكلون جسد ابن الانسان ولا تشربون دمه، فلن تكون فيكم الحياة" (يو 53:6). وقالت أيضًا في العشاء الأخير: "هذا هو دمي، دم العهد الذي يُراق من أجل الكثيرين" (مر 14: 24).
ونجد صحة انتصار الصليب في القيمة التي يوليها الله للدم الذي يفدي النفوس. حدّثنا بطرس (1 بط 1: 18-19) عن "دم المسيح". وبولس (1 كور 6: 20؛ 23:7) عن المسيح الذي اشترانا ودفع الثمن. وهناك فيض الخيرات الروحية التي تدلّ على سخاء المخلّص القدير والمجيد. هذه الخيرات التي شهد لها الأنبياء تدلّ على "آلام المسيح وما يتلوها من مجد" (1 بط 1: 11). هذه الخيرات في: السلام الذي نحصل عليه بالمصالحة في دم صليبه (كو 1: 20). والاسرار التي يشير إليها يوحنا (1 يو 5: 6) حين يذكر الماء والدم اللذين تدفّقا من الجنب المطعون. والبر بالايمان الذي يسميه بولس الرسول (روم 5: 9) البر بدمه. فالدم الذي جرى مرة واحدة على الجلجلة (عب 9: 12) يحتفظ بقدرة التقديس وبدينامية بسط السلام. قال القديس بولس (أف 1: 7): "كان لنا فيه الفداء بدمه، أي غفران الخطايا". وقال أيضًا: "في المسيح صرتم قريبين بدم المسيح بعدما كنتم بعيدين. فالمسيح هو سلامنا" (أف 2: 13-14).

6- الصليب
الصليب (ستاوروس) كلمة استعملها العالم اليوناني والروماني بشكل عام. أما العهد الجديد فاحتفظ بالكلمة لما حدث على الجلجلة. فمنذ الكنيسة الأولى (مر 6:16)، سمِّي يسوعُ القائم من الموت: المصلوب. هذا اللقب يذكّرنا بالواقع التاريخي وما فيه من مهانة: أعدم يسوع بيد الجنود الرومان. ولكن مسؤولية اليهود كانت واضحة وهم الذين أسلموه إلى بيلاطس (مر 15: 15؛ أع 2: 36). ولم يحاول التقليد الرسولي أن يُخفي وجهة الذلة في الحدث. فالرسالة إلى العبرانيين (12: 2) عرضت على المؤمنين شجاعة المسيح الذي "احتمل الصليب مستخفًا بالعار". وأسند بولس سلطته الرسولية إلى فشل الجلجلة البشري الذي تحوَّل بقدرة الله إلى ينبوع حياة (2 كور 13: 4): "صُلب بضعفه، ولكنه الآن حيّ بقدرة الله".
هذا الواقع التاريخي للصليب كان الهدف النهائي لحياة المسيح على الأرض. فالإنباءات الثلاثة تدلّ على ذلك: "ها نحنُ صاعدون إلى أورشليم، وسيسلّم ابن الانسان إلى أيدي الغرباء فيستهزئون به ويجلدونه ويصلبونه" (مت 18:20-19). سيُذلُّ ابن الانسان، ويرذله رؤساء الشعب (مر 8: 31)، ويسلّمه الله إلى أيدي البشر (مر 9: 31) فيبصقون عليه ويجلدونه (مر 33:10). ويُعلَن انتصارُ الله، فيبرز تدخّل الله في الفشل البشري. إن انتصار الحياة يُجمل تمجيد "المصلوب" كله.
إن دور الصليب في مهمّة الكلمة المتجسّد دور جوهري تُبرزه الانباءات بالاَلام. فالإنباء الأول يلي اعتراف بطرس ويجعل ألم المسيح وموته كجزء لا يتجزّأ من مصيره البشري: عليه أن يتألم كثيرًا (مر 8: 31؛ لو 22:9؛ مت 16: 21). والإنباء الثاني يؤكد هذه المتطلبة: "يسلم ابن الانسان إلى أيدي البشر" (مر 9: 31). والإنباء الثالث يبرّر الصعود إلى أورشليم بضرورة الموت الذي سيلقاه يسوع (مر 10: 33). ويأتي مثل الكرَّامين القتلة (مر 12: 1- 11) فيُنهي مهمّة "الابن الحبيب" بموت قاس يتبعه انتقام رب الكرم.
إذن الموت على الصليب هو الهدف المحدّد لحياة المخلّص على الأرض. وهكذا تمّ "ما كُتب في الأنبياء" (لو 18: 31). إنه فشل في الزمن ومحنة عابرة. أما تدخّل الله "في اليوم الثالث" فيدوم إلى الأبد. إن القيامة تدشّن نظامًا جديدًا لا يحتويه الزمن.

خاتمة
الصليب هو العنصر الجوهري في الفداء، وستكون له مكانته في حياة من جعل المسيح مثاله وأصل وجوده وحياته. يتضمَّن الصليب وجهة سلبية، الفشل البشري الذي هو شرط انتصار الله. وهذا الانتصار هو الوجهة الايجابية. فانتصار الله وجو التفاؤل الذي ينتج عنه هو ميزة كل مصير مسيحي حقيقي. وفي النهاية، إن الدينامية العلوية تتولد من الصليب فتتجاوز الحدث في قدرة لا يقدر التاريخ أن يحيط بحقيقتها.
هذه هي قوّة الصليب، هذا هو النور الذي يشعّ من الصليب والذي نرمز إليه بمشاعل على رؤوس الجبال في عيد ارتفاع الصليب أو عيد تجلّيه.
ظل الصليب مخفيًا حتى اكتشفته القديسة هيلانة. وظل خفيًا في قلوب الذين ناؤوا تحت أثقال الحياة وآلامها. ولكنه سيتجلّى فينا بفضل قيامة بدأت فعلها منذ قيامة المسيح. ولن ينتهي هذا الفعل قبل نهاية العالم. هذا ما يقوله لنا القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنتوس (5: 1): قد تتهدم خيمتنا الارضية. ولكن لنا في السماء بيتًا أبديًا لم تصنعه الايدي. قد يشتدّ الضيق الحاضر ولكنه يهيّئ لنا مجدًا أبديًا لا حدّ له. قد نجبر على المرور في الألم والموت، ولكن المسيح انتصر فينا وهو يهيّئ لنا الغلبة لأنه أحبّنا. فما الذي يفصلنا عن المسيح؟ ما الذي يفصلنا عن صليب المسيح؟

الفصل الخامس
المسيح قام

تلك هي الصرخة التي يطلقها المسيحيّ في عيد القيامة: المسيح قام. فيجيب الآخر: حقًا قام. وتلك كانت أول صرخة للكنيسة في صباح ولادتها: "ليعلم جميع بيت اسرائيل أن يسوع هذا الذي صلبتموه، قد أقامه الله وجعله مسيحًا وربًا" (أع 2: 32-36). فالكنيسة تبدأ بإعلان واقع ما زالت تعيش منه ولن تزال حتى نهاية العالم: قيامة المسيح. وتقول: "لا نستطيع أن نسكت عمّا رأينا وسمعنا". هذا ما قاله الشهود الأولون.
ونحن سنسمعهم في أناشيدهم واعتراف إيمانهم، في كرازتهم الرسوليّة إلى اليهود ثم إلى الوثنيين. غير أننا نتساءل: ماذا يعني كلام النؤمن الذي نتلوه: "يسوع قد قام"؟ وما علاقة هذا القول بحياتنا اليوميّة؟ نحن نشبه تلميذَي عماوس مع إيمانهما وآمالهما التي خابت. ولكننا لسنا أمام حلم. فهناك أناس أعلنوا قيامة يسوع وضحّوا بحياتهم ولم يتراجعوا عن هذا الاعلان. من أجل هذا سوف نتوقّف عند النصوص الانجيلية التي تتحدّث عن هذه القيامة، ونفهم أن واقع قيامة يسوع المصلوب ليس على مستوى الخبرة البشريّة المباشرة، بل على مستوى الايمان الذي هو يقين يتعدّى كل يقين ويستند إلى شهادة الكتب المقدسة،وشهادة الذين رأوه بعد قيامته. أجل، لقد كُتبت الأناجيل لتجعلنا نلتقي مع خبرة الشهود الأولين التي أطلقت الكنيسة، ونصل إلى معنى أحداث الفصح لكي نؤمن، وإذا آمنا كانت لنا الحياة الأبديّة.
نتوقّف في هذا المقال عند نظرات عامّة إلى أناجيل القيامة. وبعد أن نلقي نظرة إلى كل إنجيل بمفرده، نقدّم ثلاثة نصوص انجيلية تحدّثنا عن قيامة يسوع وظهوره للتلاميذ.

1- نظرات عامة إلى أناجيل القيامة
نتوقّف هنا عند ثلاثة أسئلة. الأول: كيف نقرأ الأخبار الانجيليّة حول القيامة؟ الثاني: كيف تبدو أخبار الظهورات؟ الثالث: ما هو الدور التعليميّ في هذه الظهورات؟
أ- الأخبار الانجيليّة
حين نطالع الأخبار الانجيليّة حول قيامة يسوع، نتوقّف عند فكرتين. الاولى تقول إن الأخبار تبدو مختلفة بعضها عن بعض. والثانية تقول إن هذه الأخبار هي قبل كل شيء شهادات إيمان.
أولاً: أخبار مختلفة
هناك اختلافات هامّة في هذه الأخبار، ونحن نعطي بعض الأمثلة. حسب إنجيل لوقا، يتمّ صعود يسوع يوم القيامة. أما حسب أعماله الرسل، فيتمّ بعد أربعين يومًا. نقرأ في لو 24: 1، 13، 51: "وفي اليوم الأول من الاسبوع... وفي ذلك اليوم عينه... وفيما هو يباركهم... صعد إلى السماء". وفي أع 1: 3، 9: "وهو يتراءى لهم مدّة أربعين يومًا ويكلّمهم عن شؤون ملكوت الله... ولما قال هذا ارتفع على مرأى منهم، وأخذته سحابة عن عيونهم". 
حسب يو 20: 22، أعطي الروح القدس للتلاميذ يوم القيامة (خذوا الروح القدس). وحسب أع 2: 1-4، أعطي يوم العنصرة، أي خمسين يومًا بعد القيامة (ولما حلّ يوم الخمسين... امتلأوا كلهم من الروح القدس). واختلف عدد النساء الذاهبات إلى القبر. عند يوحنا امرأة واحدة (هي نموذج عن كل النسوة). عند متّى امرأتان (نحتاج إلى شاهدين لكي تصحّ الشهادة). عند مرقس ثلاث. وعند لوقا أكثر من ثلاث. قال متّى عنهّم إنهن كنّ في فرح، فأسرعن يعلنّ بشرى القيامة للرسل. أما مرقس فأعلن أن الخوف سيطر عليهن فلم يقلن لأحد شيئًا. هذا هو الخوف أمام الحضور الإلهيّ. وأخيرًا كانت الظهورات في الجليل حسب متّى، وفي أورشليم حسب لوقا. ولكن هل يهمّ المكان والزمان، أم الرسالة التي حمّلها القائم من الموت إلى الذين التقى بهم؟
ثانيًا: شهادات إيمان
في الواقع كلٌّ من الانجيليين الأربعة هو على حقّ، وإن اختلفوا في إيراد الوقائع. فالانجيليّ لا يسعى إلى أرضاء فضولنا، بل إلى تغذية إيماننا. لهذا نترك قراءة النصوص وكأنّا أمام حكاية أو نادرة، ونتوقّف عند القراءة اللاهوتيّة. فالانجيليّون لا يقدّمون لنا تقريرًا "مصوّرًا" من أجل "الصحافة"، ولا يحاولون أن يقدّموا لنا صورة دقيقة عن اكتشاف القبر أو ظهورات المسيح. هؤلاء "الكتّاب" هم مؤمنون وهم يتوخّون أن يشهدوا لإيمانهم، وأن يجيبوا على أسئلة طرحها عليهم هذا الإيمان. الانجيليون هم معلّمون ومربّون، لهذا نراهم يقولون يقينهم بلغة يفهمها قرّاؤهم. أعلنوا: "الله أقام يسوع". ثم "وُجد القبر مفتوحًا ولم يكن فيه جسد الربّ يسوع". ثم: "وتراءى يسوع لتلاميذه بعد موته" (أعطاهم أن يروه). ثم: "رُفع إلى السماء وجلس عن يمين الله". وأكّد كلّ من الانجيليين هذه الحقيقة. بطريقته، في لغة رمزية ومصوّرة، لا يبدو معناها واضحًا لكل واحد منّا اليوم. هنا ينبغي أن لا نأخذ هذه العبارات بطريقة حرفيّة، بل يجب أن "نحلّلها" في هذه الأخبار التي تعبّر عن الايمان بالقائم من الموت. كما يجب أن لا نخلط بين تعليم الايمان واللغة التي تحمل هذا التعليم. كل هذا سوف نكتشفه حين ندرس بعض النصوص الانجيليّة.
ب- ظهورات المسيح
بعد أن ندرس لائحة الظهورات، نتطرّق إلى لغة الظهورات التي هي في الواقع أخبار من الفقاهة المسيحيّة.
أولاً: لائحة الظهورات
أقدم لائحة للظهورات نجدها عند القديس بولس: "المسيح مات من أجل خطايانا"... قُبر وقام في اليوم الثالث، وتراءى لكيفا (بطرس) ثم للاثني عشر، ثم تراءى لأكثر من خمسمئة أخ" (1 كور 3:15-7). وبعد ذلك يذكر بولس يعقوب وجميع الرسل. وفي النهاية يذكر نفسه لأنه أصغر الرسل وآخرهم. وتحدّثت الأناجيل عن ظهورات للنسوة (مت 28: 9-10؛ مر 9:16- 11؛ يو 20: 11-18)، ولسمعان (لو 24: 34)، وللأحد عشر (مت 28: 16-20؛ مر 16: 14-18؛ يو 20: 19-20)، ولتلميذين على طريق عمّاوس (لو 13:24-35؛ مر 16: 12- 13)، ولسبعة رسل على شاطئ بحر طبريّة (يو 21: 1-23).
ونستطيع أن نرتّب هذه الظهورات في فئتين: ظهورات من النمط الاورشليمي، كما في لو 24 ويو20. هي تشدّد على التعرّف إلى يسوع، على الانتقال من الشكّ إلى الايمان. وظهورات من النمط الجليليّ (مت 28 ويو 21). هي تقدّم لنا يسوع كالسيّد والربّ الذي يرسل تلاميذه ويؤسّس الكنيسة. ونميّز أيضًا خمسة ظهورات "رسميّة" للتلاميذ المجتمعين. وثلاثة ظهورات "خاصة" للأفراد: تلميذا عماوس، مريم المجدلية، سائر النسوة.
ثانيًا: فقاهة مسيحيّة
* أسلوب واقعيّ
توجّه يوحنا ولوقا إلى مسيحيّين من أصل يونانيّ، لا يؤمنون بقيامة الأجساد، بل يؤمنون فتمط بخلود النفس. ولهذا استعملا أسلوبًا واقعيًا ملموسًا، لكي يدلاّ أفضل دلالة على أن قيامة يسوع هي قيامة في الجسد (لا شكّ في جسد ممجّد يدخل إلى التلاميذ والابواب مقفلة). هي قيامة الشخص كله، نفسًا وجسدًا، لا حياة بعد الحياة ولا على مستوى النفس الخالدة. لهذا، نراهما لا يتردّدان في التحدّث عن المسيح الذي يأكل (لو 24: 30, 41-43؛ لو 1: 21-9-13)، الذي يريهم يديه ورجليه ويدعوهم إلى لمسها (لو 24: 39؛ يو 27:20).
غير أن هذه الواقعيّة الضروريّة من أجل التحدّث عن هذه الظهورات، تصلحها ملاحظات حول سرّ هذه الظهورات التي لا يتوقّعها أحد، هذه الظهورات التي ليست لقاءات عاديّة مع يسوع، على مثال مرتا ومريم حين رأتا من جديد أخاهما لعازر بعد أن أقامه المسيح.
تشير الأناجيل إلى أن يسوع الذي ظهر فجأة، لم يعرفه الرسل. لم يعرفه تلميذا عمّاوس اللذان سارا معه. لم تعرفه مريم المجدليّة. هذا يفهمنا أن قيامة يسوع ليست عودة إلى الحياة على مثال ما حدث للعازر، ولابنة يائيرس، ولابن أرملة نائين. قيامة يسوع هي حياة جديدة. من حيث إنه مات فقد مات مرّة واحدة. ومن حيث إنه حيّ فهو حيّ إلى الأبد.
* خبرة واقعيّة تؤسّس الايمان
احتاج التلاميذ إلى أن يظهر يسوع لهم بشكل يتجاوزهم، لكي يستطيعوا بلوغ الايمان. ودراسة الأخبار تبيّن أن الانجيليّين أرادوا قبل كل شيء أن يبيّنوا مسيرة التلاميذ إلى الايمان. ولقد شهدت هذه الأخبار شيئًا لم نتوقّعه، وهو أن التلاميذ اختبروا أن يسوع هو في الحقيقة حيّ في وسطهم.
فأعلنوا أن يسوع قد ارتبط بهم من جديد ارتباطًا، بعد أن حسبوا أنه قد انقطع عنهم بشكل نهائيّ. وأعلنوا أيضًا أن هذا الارتباط يختلف عن ذلك الذي كان يجمعهم بيسوع قبل الجمعة العظيمة. ورأوا في هذه العلاقة الجديدة عملَ الله الآتي إليهم في شخص يسوع القائم من الموت. وإذ أرادوا أن يؤكّدوا هذه الحقيقة، استعملوا عبارة كانت تدلّ في العهد القديم على ظهور الله: "تراءى القائم من الموت". رفع الناس إليه فرأوه. دلّت أخبار الظهورات هذه، أن هذه اللقاءات مع القائم من الموت هي حقيقيّة وأنها حوّلت أولئك الذين نعموا بها، فانتقلوا من الشك إلى الايمان، ومن اليأس إلى الرجاء. ودلّت هذه الأخبار أيضًا على أن لهذه اللقاءات طابعًا سرّيًا، لا يمكن أن يتصوّره بشر، شأنه شأن ظهورات الله. فيسوع يأتي فجأة ويختفي فجأة بشكل سريّ. ولكن مجيئه يترك وراءه أثرًا.
وهكذا نفهم أن هذه الأخبار هي فقاهة وتعليم حول رباط التلاميذ بالمسيح. فالتلاميذ استطاعوا أن يفهموا، بفضل هذه الخبرات الفصحيّة وعطيّة الروح القدس، أن يسوع هو الربّ. كانوا يتساءلون قبل الجمعة العظيمة من أين له كل هذا السلطان على قوى الشرّ والخطيئة. ورأوا أساس هذا السلطان في الرباط الفريد الذي يربطه بالله أبيه، بذلك الذي يدعوه أبَّا. أمّا الآن ففهموا أنهم أمام قدرة الله التي تقيم فيه. وتأكّدوا من أمر مهمّ: حين يتكلّم يسوع فالله هو الذي يتكلّم. وحين يفعل يسوع فالله هو الذي يفعل. وفهموا أخيرًا أن الله هو عمانوئيل (الهنا معنا) والمخلّص. كما فهموا أنهم شاركوا ابن الله الوحيد في حياته دون أن يعلموا. إذن، هم يعرفون الآن الطريق التي تقود إلى الحياة الأبديّة، وهذه الطريق هي طريق يسوع. ويعرفون أيضًا أنهم تسلّموا مهمّة حمل هذه البشرى إلى العالم كله، وهذا ما أعطاهم جرأة في عملهم وفرحًا في آلامهم. ونحن اليوم بفضل شهادتهم نعلن أن يسوع هو الرب، أنه قام حقًا قام.
ج- الدور التعليميّ في هذه الظهورات
كُتبت جميع النصوص الانجيليّة بعد الفصح والقيامة، فتأثّرت بهذا الحدث. ولكن في ما يتعلّق بقيامة يسوع، نحن أمام نوعين من النصوص: اعلانات الايمان والأخبار.
أولاً: إعلانات الايمان
هناك الكرازة الأولى كما أعلنها بطرس وبولس في أعمال الرسل: "الله جعل يسوع الذي صلبتموه ربًا ومسيحًا" (2: 36). "لأجلكم أقام الله فتاه (أي ابنه) وأرسله لكي يبارككم فيرتدّ كل واحد عن شروره" (3: 26). "ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلص" (12:4). "لكن الله أنهضه وتراءى أيّامًا كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم" (30:13-31).
وهناك الأناشيد الليتورجيّة التي ردّدتها الجماعات في احتفالاتها. "وضع يسوع نفسه، وصار طائعًا حتى الموت والموت على الصليب، لذلك رفعه الله وأنعم عليه بالاسم الذي يفوق كل اسم" (فل 8:2-9). وهناك خلاصات الايمان وما فيها من كلام مكثّف. "المسيح مات من أجل خطايانا، كما في الكتب، وقُبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب" (1 كور 15: 4). "ابنه المولود بحسب الجسد من ذريّة داود المقام بحسب روح القداسة، في قدرة ابن الله، بقيامته من بين الأموات، يسوع المسيح ربّنا" (روم 1: 3-4).
هذه التأكيدات التي هي صدى أول المجهودات للتعبير عن الايمان، تتميّز كلها في أنها لا تحاول أن تبرهن عن القيامة، أو أن تردّ على اعتراضات ممكنة. إنها اعلانات يعترف بها المؤمن بكل بساطة بالمسيح القائم من الموت. والجيل المسيحيّ الأول الذي مرّ في خبرة الفصح والقيامة، قد أعلن بيسوع الممجّد والعائش إلى الأبد حياة جديدة كل الجدّة. حياة في الروح.
ونجد لدى هؤلاء المسيحيين الذين ما زالوا عائشين في حضن العالم اليهوديّ، تماسكًا بين إيمان يعلنونه، وخبرة إيمان يجدونها في الكتب المقدّسة، وكل ما عرفوه عن يسوع الناصريّ وحياتهم في الكنيسة. ما ترجَّاه المؤمنون في العهد القديم قد تمّ وبشكل لا يتصوّره إنسان في انتصار يسوع على الموت. فالقائم من الموت قد دشّن ملكوت الله، وسوف يأتي لكي يكمّل عمله، وكلّهم مدعوون لكي يحيوا شي هذا العالم الجديد.
ثانيًا: أخبار القيامة
إن أخبار ظهورات القائم من الموت والقبر المفتوح، تدلّ على أسئلة جديدة قد برزت. ففي الجماعات المسيحيّة الأولى نجد عددًا كبيرًا من الناس لم يعرفوا يسوع، ولم يعرفوا الكتب المقدسة مثل اليهود. جاؤوا من مناخ حضاريّ يُشرف عليه الفكر اليونانيّ. فإلى هؤلاء المؤمنين الجدد قُدّم تعليم يتكيّف وعقلهم حول الواقع الفصحيّ، خصوصًا لأنهم يميلون إلى رفض فكرة تقول إن الانسان وحدة لا تتجزأ (كانوا يقولون: مركّب من نفس وجسد. تخرج النفس من الجسد الذي هو لها بمثابة سجن). ثم إن هؤلاء الآتين الجدد يطلبون براهين ملموسة. من أجل هذا، تكوّنت الأخبار حول الظهورات والقبر المفتوح لكي تردّ على تساؤلاتهم واعتراضاتهم. وهذان النوعان من الأخبار، اللذان يتأسّسان على خبرات عاشها التلاميذ، سيتّخذان شكل البرهان والدفاع والتبرير. وهي تبدو اليوم أجوبة على أسئلة طُرحت على الكنيسة.

2- أخبار القيامة في الأناجيل الأربعة
بعد هذه النظرات العامّة، نتوقّف عند كلّ إنجيليّ في روايته للقيامة، قبل أن ندرس بعد النصوص بشكل تفصيليّ. ونبدأ مع القديس مرقس.
أ- إنجيل مرقس (16: 1-8)
ينتهي نصّ مرقس في مجيء النسوة إلى القبر. رأين أن جسد يسوع ليس هنا. ووجدن ملاكًا حمّلهن بلاغًا إلى التلاميذ. ويختتم مرقس الخبر بهذه الملاحظة المدهشة: "فخرجن من القبر وفررن، وقد استحوذت عليهن الرعدة، ولم يقلن لأحد شيئًا، لأنهن كنّ خائفات" (مر 16: 8).
وتساءل الشرّاح: هل توقّف مرقس هنا بشكل مفاجئ في خبر مجيء النسوة إلى القبر؟ أو هل ضاعت ورقة من إنجيله؟ أو هل نقصه الوقت فلم يكمّل ما بدأ بكتابته؟ لا جواب أكيدًا. ولكن لماذا كل هذه الافتراضات؟ بل نكتفي بأن نقرأ النصّ كما وصل إلينا.
جاءت مريم المجدلية ومريم أمّ يعقوب وصالومي، لكي يحنطنّ جسد يسوع. وما كنّ ليتخيلنّ قيامة ممكنة. ودُهشن حين رأين أن الحجر الكبير الذي يغلق القبر قد دُحرج. ولما أبصرن الملاك تملّكتهن الرعدة. مثل هذه العاطفة نحسّ بها عندما نكون في حضرة العالم العلويّ، لا أمام شيء لم نعتد عليه.
ما احتاجت النسوة إلى أحد لكي يلاحظن أن جسد يسوع لم يعد في القبر. وكانت تلك دهشتهن الثانية بعد دهشة الحجر المدحرج. غير أن الكائن السماويّ هو هنا، وهو يوجّه أفكارهنّ نحو واقع آخر لا يستطيع الانسان أن يتحقّق منه: "المصلوب قد قام". مثل هذا القول لا يوحيه إلاّ كلام الله، ولا نستطيع أن نقبله إلاّ بالايمان. كانت النسوة أول من لاحظ لا الفراغ، لأن القبر يحتلّه الملاك، بل غياب جسد يسوع من حيث وُضع. وأفهمهنّ الكائن السماويّ معنى ما كان بالنسبة إليهن لغزًا لا حلّ له. ومهمّة الرسل هي أن يكونوا الشهود ويعلنوا الانجيل للعالم كله. وتوقّف إنجيل مرقس هنا. ثم زيد عليه ملحق (16: 9-20) يلخّص بعض ما نجده خصوصًا في إنجيل لوقا.
ولكننا نخطئ إن رأينا فقط في هذا الخبر شهادة (وهي مهمّة جدًا) حول اكتشاف القبر الفارغ بواسطة ثلاث نسوة ذهبهن إلى القبر في اليوم الأول من الاسبوع ليحنطنّ جسد يسوع. فالانجيلي لا يتركنا أمام قبر فارغ يصل بنا إلى البرهان الذي لا يُردّ حول قيامة المسيح. فالاهتمام ينصبّ لا على القبر المفتوح، بل على كلمة الوحي التي يتلفّظ بها الملاك. إذن، نحن هنا أمام سرّ الله الذي يُعلن لنا اليوم كما أعلن للنسوة وهو يطلب منا جوابًا. ثم إن بلاغ الملاك يستعيد عبارات تقليديّة من الكرازة المسيحيّة الأولى، من إنجيل الفصح والقيامة الذي ما زالت الكنيسة تعلنه فنسمعه في الايمان.
ب- إنجيل لوقا (24: 1-53)
جمع القديس لوقا في لوحة واحدة تختم إنجيله، مجملَ الأحداث التي تبدأ باكتشاف قبر لا يحتوي جسد يسوع، حتى الصعود إلى السماء. وقد جمعها كلها في يوم واحد، هو يوم الأحد. وحصرها في موضع واحد هو أورشليم. وهكذا جعلَنا أمام تماسك بين الأحداث التي أوردها. كما صارت هذه الأحداث حدثًا واحدًا هو الحدث الفصحيّ.
واختطاف يسوع في نهاية الانجيل وبداية سفر الأعمال، يربط بين الكتابين، بين مهمّة يسوع التاريخيّة من جهة، ومهمّة الرسل وعمل الكنيسة في التاريخ من جهة ثانية.
وهكذا بدت قيامة المسيح الحدث الأعظم في كل الأزمنة، والمفصل الأهم في التاريخ والحدث الرئيسي الذي يعطي سائر الأحداث معناها.
ويشدّد لوقا على نقطة أخرى: إن قيامة الربّ تشكّل تتمّة جميع الكتب التي لا تُفهم فهمًا تامًا إلاّ على ضوء هذه القيامة.
وقال الملاك للنسوة اللواتي يطلُبن "الحيّ بين الموتى": "تذكرنّ ما قال لكنّ حين كان في الجليل" (6:24). وشرح يسوع نفسه للتلميذين الذاهبين من أورشليم إلى عمّاوس، الكتب المقدسة (27:24-32) "منطلقًا من موسى وجميع الأنبياء". وفتح أذهان الأحد عشر ليفهموا الكتب (24: 44- 45).
غير أن الايمان بقيامة المسيح الذي هو السرّ الأساسيّ في المسيحيّة، ليس بالأمر البسيط. فهو يفترض مسيرة طويلة تهدّدها دومًا العودة إلى اللاإيمان. فليس المطلوب أن نتعرّف إلى حقيقة واقع تاريخيّ يوافق كل الموافقة حقيقة الكتب المقدّسة. فموضوع الايمان هو شخص يسوع نفسه كالربّ الحيّ الذي باسمه يُمنح الخلاص "لجميع الأمم ابتداء من أورشليم" (24: 47).
وبعد أن يُنهي لوقا كتابه مع إرسال التلاميذ في مهمّة، والموهبة التي وعد بها الآب، والتي يُلبسونها قوّة من العلاء (49:24)، ينفتح الانجيل على المستقبل.
وسجد التلاميذ ساعة باركهم يسوع وانفصل عنهم، وعادوا إلى أورشليم "بفرح عظيم" (24: 51-52). غير أنهم لن يبقوا في حدود المدينة الضيّقة التي هي لهم نقطة انطلاق من أجل المهمّة الملقاة على عاتقهم وهي: الكرازة بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم (24: 47).
وتبدو نهاية إنجيل لوقا بشكل انتقالة إلى أعمال الرسل، فتدعونا إلى قراءة ما يلي من أحداث لنرى كيف تابع التلاميذ عمل يسوع ومهمّته، وكيف أن هذه القوّة الآتية من العلاء والتي وعد بها يسوع، جعلتهم يعملون، يبحثون عن السبل الكفيلة بإعلان البشارة في العالم كله. حقًا، لقد بدأت حقبة جديدة مع حدث الفصح والقيامة.
ج- إنجيل يوحنا (20: 1-33)
وفي إنجيل يوحنا يبدأ إنجيل القيامة أيضًا باكتشاف القبر الذي لا يحتوي جسد الرب: تلك معطيّة تنتمي إلى تقليد قديم جدًا عرفه كلُّ إنجيليّ وأورده. ويحدّثنا الانجيل الرابع عن ذهاب بطرس و"التلميذ الآخر" إلى القبر، وتصرّفهما حين وصلا هناك، وردّة الفعل عندهما. كل هذا يجعلنا نفكّر في دور بطرس ويوحنا من أجل الايمان الفصحيّ وفي الكنيسة. كما أن الخبر يوجّهنا نحو تأمّل في مكانة "الحب" ودوره من أجل فهم السرّ.
ويُبرز النصّ فعلين: "رأى وآمن". هذا ما قيل عن "التلميذ الآخر". وسيقال بشكل معاكس في مشهد توما: "طوبى للذين لم يروا وآمنوا" (29:20). وأخيرًا نفهم أن الايمان الفصحيّ المؤسّس على القبر الفارغ والظهورات، لا يدرك ملؤه وكل حقيقته إلاّ حين يكتمل في فهم مخطّط الله كما كشفته الكتب المقدّسة.
ونتوقّف أيضًا عند مشهدين قصيرين ومتوازيين: في الأوّل تجلّى القائم من الموت للتلاميذ. في الثاني نفخ فيهم الروح القدس وأرسلهم في مهمّة (20: 29-23). أما المشهد الأول فيكشف الطريقة العلويّة التي بها يكون يسوع بعد الآن حاضرًا لتلاميذه. فالفرح والسلام المرتطبان بهذا الحضور لا يمحوان ذكرَ الألم كما يمحو النهار صورة حلم رديء. بل إن القائم من الموت يريهم يديه اللتين تحملان آثار جراحه، وجنبه الذي طعنته الحربة. إذن، ذاك الذي قام اليوم من الموت هو الذي صُلب أمس، والقيامة تفترض الصليب. غير أن الانجيليّ يدعونا أيضًا لأن نرى في المسيح حمل الله المذبوح، وفي جراحاته المجيدة الينبوعَ الذي منه تجرى الحياة.
وتحدّد موقع المشهد الثاني في تواصل مع المشهد الأول مع بعض التدرجّ. فإرسال التلاميذ في مهمّة هو مشاركة في المهمّة التي تسلّمها المسيح من الآب. وهي تتضمّن فيهم وفيه فيض الروح. وموضوعها واحد: قلع الخطيئة من العالم. وأخيرًا نلاحظ الاشارات الليتورجيّة والافخارستيّة في هذين المشهدين. نحن في "اليوم الأول من الاسبوع" الذي سيصبح يوم الجماعة المسيحيّة، يوم الأحد. و"المساء" يذكّرنا بالسهرة الفصحيّة. و"مجيء" الرب وسط أخصّائه هو في قلب الليتورجيا الافخارستيّة: "نتذكّر موتك يا رب، وننتظر مجيئك". "تعال أيها الرب يسوع".
إن هذا المناخ الليتورجيّ والافخارستيّ يطبع بطابعه نهاية الفصل (آ 24- 31) الذي يعتبر خاتمة ما دوّنه الانجيليّ. وحين يُقرأ خبر الظهور لتوما في هذا الاطار يأخذ كامل معناه. اجتمع التلاميذ في اليوم الأول من الاسبوع. وجاء يسوع. رأوه. وقال توما: "إن لم أعاين لا أؤمن". وسيفهم الجميع أن الايمان لا يستند إلى يقين مطلق، بل إلى "علامات" نقرأها فندرك معناها، وهي تدعونا إلى الالتزام الحرّ.
د- إنجيل متّى (28: 1-20)
إن اكتشاف خبر القبر الفارغ في متّى، هو أفضل الأخبار صياغة على المستوى اللاهوتيّ وعلى مستوى التفاصيل. بعد ذلك يأتي خبر لقاء الأحد عشر مع القائم من الموت الذي دعاهم إلى الجليل، ومن هناك سوف يرسلهم. هنا نكتشف موضوعين يطبعان بطابعهما خبر القبر الفارغ: لاإيمان "الجنود" الذين يحرسون القبر. انفتاح "النسوة" على الايمان. والزلزلة والملاك "الذي نزل من السماء" يدلاّن على أهميّة الحدث الذي يرافقه تجلّي قدرة الله. نحن هنا في إطار "يوم الربّ"، حيث يتدخّل الله ليُصدر حكمه على واقع التاريخ، ويعلن سلطانه على الكون في ظهور نورانيّ مهيب.
فالحرّاس وجميع الذين يرفضون الحقيقة، قد أصابتهم الرعدة فصاروا كالموتى. أما الذين يطلبون الربّ، فقد تحوّل خوفهم إلى فرح ملأهم ثقة بالنفس فانطلقوا يبشّرون التلاميذ وينقلون إليهم الدعوة بأن يلاقوا الربّ في الجليل.
الجليل هو مقاطعة في فلسطين. هو ملتقى الوثنيّين. فيه كان أول إعلان لانجيل الملكوت وبداية رسالة يسوع (4: 12-25). وفيه دُعي التلاميذ ليتبعوا يسوع ويصيروا صيّادي بشر. وها هو الآن الموضع الذي إليه يدعو تلاميذه للمرّة الأخيرة، ليرسلهم في مهمّة ويكلّفهم بكرازة الملكوت إلى جميع الأمم.
كان المشهد على الجبل. لا نحاول أن نتعرّف إلى الموضع على خارطة مرسومة. الجبل هو الموضع النموذجيّ للوحي. ونستطيع أن نفكر بجبل موعظة يسوع الأولى (ف 5)، أو جبل التجلّي (17: 1-9). ويسوع هو هنا كالمعلّم الذي يعلّم، أو كالمتجلّي لحظة، بل كالربّ القائم من الموت. لهذا، سجد له الأحدُ عشر قبل أن يتفوّه بكلمة واحدة.
وأول ما قاله الرب يسوع كان كلام وحي تبعه توجيه قصير ووعد بحضور يمتدّ حتى انقضاء الدهر. هذا المشهد هو ذو بعد اكليزيولوجي مع كلام عن المعموديّة باسم الآب والابن والروح القدس. والمسيحيّ يبقى مسيحيًا يقدر ما يجعل كل تعليم الانجيل في حياته. وإذ تتأسّس مجموعة التلاميذ على السلطان الخاص بالمسيح في السماء وعلى الأرض، يتأكّد شعب الله من معرفة الرب من الآن وإلى الأبد. أجل، في هذا المشهد على الجبل، يتدشّن بشكل احتفاليّ زمنُ الكنيسة والكرازة الرسوليّة.

3- ثلاثة نصوص انجيليّة
نتأمّل هنا بشكل خاص في ثلاثة نصوص انجيليّة، فنكتشف الاسلوب الذي أخذ به الانجيليّون للتعبير بلغة بشريّة عن خبرة سماويّة، هي خبرة اللقاء بالرب القائم من الموت. نصان من متى، وآخر من يوحنا. اكتشاف القبر المفتوح، ظهور للنسوة وللأحد عشر، ظهور على شاطئ بحر الجليل.
أ- اكتشاف القبر المفتوح (مت 28: 1-8)
أولاً: كلمات النصّ
نبدأ فنتعرّف إلى الكلمات قبل أن نصل إلى بلاغ الايمان ونتوقّف أولاً عند كلمات النصّ. السبت هو يوم مبارك، يوم الراحة، يوم نهاية الخلق (تك 2: 2- 3). طلب الرب من شعبه أن يقدّس هذا اليوم ويرتاح فيه من أي عمل، وذلك في الوصايا العشر (خر 8:20- 11؛ تث 5: 11-15). إذن، هذا اليوم هو في نظر اليهود يوم نخلق فيه من جديد بعد الراحة، ونتذكّر الفصح الذي هو عبور في البحر، من العبوديّة إلى الحريّة.
اليوم الأول من الأسبوع. هو يوم بدء الخليقة (تك 1: 3- 5). يوم ظهر فيه النور حيث كانت الظلمة، ظلمة الشرّ والخطيئة. سيصبح هذا اليوم عند المسيحيين "يوم الرب"، اليوم الذي فيه يتذكّرون قيامة يسوع من بين الأموات. 
ملاك الرب. الملاك هو المرسل. وحين يشير الكتاب إلى حضور ملاك، فهو يدلّ على أن بلاغًا قد جاء من الله، بلاغًا ما كان للبشر أن يكتشفوه بقواهم. زلزال عظيم. هو يدلّ على قدرة الله وسلطته على الكون كما في مز 7:114: "من وجه السيد ارتجفت الأرض". الثوب الأبيض. الأبيض هو علامة الظفر والانتصار. لقد انتصر يسوع على الشرّ والموت. هو لون ابن الانسان الآتي على سحاب السماء، هو لون المختارين.
الرعدة والخوف. الرعدة (أو الذعر) هي العاطفة التي يشعر بها الكفّار أو الجهّال (قال الجاهل: لا وجود لله) أمام الله (حك 5: 2؛ سي 22: 22). والخوف هو عاطفة يحسّ به أحبّاء الله. هو اضطراب كله إعجاب. يشعر خدّام الله بعدم استحقاقهم أمام عظمة الله وقداسته، وباحترام عميق يجعلهم يخافون أن يجرحوا ذاك الذي يحبّهم.
ثانيًا: بلاغ الايمان
قدّم متّى في هذا الخبر شهادة عن إيمان المسيحيّين الأولين. "بعد السبت" (آ 1). تدلّ هذه الآية على أن النسوة راعين يوم السبت. وتدلّ أيضًا على أن أسبوعًا مضى وأسبوعًا آخر بدأ. وإذ يقول النصّ إن المشهد يجري "في اليوم الأول من الأسبوع"، فهو يعني أن زمن العهد القديم قد انتهى، وبدأ زمن جديد هو خلق جديد، وعهد جديد. وكل هذا بفضل حياة يسوع المسيح وموته وقيامته.
يعتبر اليهود، ومتّى يكتب لهم، أن النهار يبدأ مع ظهور أول نجمة. إذن، حين بدأ الليل "ينسحب"، سارت النسوة إلى القبر. هنا نتذكّر معنى الليل في التقليد اليهوديّ. في تك 1: 2-3 خلق الله النور في اليوم الأول وانتصر على الظلمة. والنسوة ذهبن في اليوم الأول من الاسبوع. وهناك ليل الفصح والانتصار على ليل العبودية. وأخيرًا هناك الليل الذي فيه ينتظرون مجيء المسيح. كل هذا يدلّ على ارتباط ما يحدث عند القبر بالخليقة، وعيد الفصح، والأمل الذي يحرّك المؤمنين نحو ذلك الآتي على سحاب السماء.
"وجاءت مريم المجدلية". ندهش في السياق الحضاريّ اليهوديّ حين نرى إمرأتين في هذا الاطار المهيب. هما اثنتان. ولا تصح الشهادة إلاّ باثنين. ولكن لا قيمة لشهادة المرأة في العالم اليهوديّ. وسيوضح لو 24: 11 أن التلاميذ اعتبروهما تهذيان. إذن، لماذا ركَّز متّى ثقل هذا النص الهامّ بالنسبة إلى الايمان على كتف هاتين المرأتين؟ ليقول لنا إن الله اختار الضعفاء والجهّال لكي يخزي الأقوياء والحكماء. أما اختار الرعاة كشهود لولادته (لو 2: 8-20)؟ ثم إن هاتين المرأتين كانتا آخر من شهد موت يسوع. التلاميذ هربوا (مت 26: 56). أما هما فظلّتا أمينتين، ورافقتا يسوع حتى النهاية، حتى وضْعه في القبر.
"وإذا زلزال عظيم" (آ 2). إن هذه اللغة الخاصّة بعالم الرؤيا والظهورات السماويّة، تدلّ على أننا في حضرة الله، أننا أمام قدرة الله الذي يحرّك انتظارات البشر ويُتمّ عمل الخلق. ملاك الرب يمثّل الرب. نزل من السماء واتصل بالبشر ليكشف لهم وحيًا هامًا. والعبارة "منظره كالبرق ولباسه أبيض" تعود بنا إلى دا 7: 9-15: "جلس القديم (أي الله) على عرش، وكان لباسه أبيض كالثلج. وجاء إليه على سحاب السماء مثل ابن الانسان. فأعطي له السلطان والمجد والملك، وخدمَته جميعُ الشعوب وملكه لا يزول". إذن، نحن أمام انتصار الله وشموليّة ملكه. فقرب القبر حيث يبدو أن الموت قد انتصر، وحده الله يستطيع أن يعلن مثل هذا الكلام.
ولما أراد متّى أن يعبّر عن انتصار الله، استعمل عبارة قويّة جدًا: "دحرج الملاك الحجر". هذا الحجر يقفل مدخل القبر ويضع حدًا لحياة بشريّة لدى إنسان نزل إلى الشيول (أو: مثوى الاموات) فلم يعد شيئًا، ولم يعد يستطيع أن يسبّح الله (مز 88: 11-12). هناك واقع تاريخيّ للحجر. وهناك واقع رمزيّ. جلس الملاك على الحجر، فدلّ على انتصاره التامّ على الموت الذي يمثّله هذا الحجر. والمسؤولون عن موت يسوع يمثّلهم الحرّاس الذين وقعوا على الأرض "وغدوا كالأموات". بلاغ واضح: لقد انهزم الموت. والرب هو سيّد الموت. ومعه لن يعود الموت موتًا، بل انتقالاً إلى ملكوت الآب. "لا تخفن" (آ 5). هذا هو الاعلان الكبير، إعلان القيامة الذي سيحمله بطرس والمسيحيّون الاولون. لقد قام المصلوب. والقيامة تعني أن عالمًا قد زال وبدأ عالم جديد فيه يقدّم الله نفسه لجميع البشر. ولكن هذا البلاغ الخارق الذي لا يمكن أن يأتي إلاّ من الله، قد سُلّم إلى امرأتين وضيعتين.
أما هما فدلّتا على حبّهما وأمانتهما في سجود، لذلك الذي ظنّتاه بعدُ ميتًا. ولكن حيث انتظرتا وجود جثّة هامدة، سمعتا كلمة الحياة تعلن تحقيق انتصار الشعب اليهوديّ في شخص يسوع.
"إمضين في سرعة" (آ 7). هاتان المرأتان هما شاهدتان لكلمة الله بالنسبة إلى يسوع المسيح الذي قام من بين الأموات وصار بكر الخليقة الجديدة. بل هما تسلّمتا مهمّة حمل البشارة إلى الرسل. "أسرعن". وهذه السرعة هي علامة عن إيمانهما. هما لا تقدران أن تحتفظا بهذا اليقين، يقين انتصار الحياة على الموت. لهذا، انطلقتا تحملان هذا الفرح الفصحيّ لأولئك الذين ما زالوا مسجونين في شكِّهم وارتيابهم. وذكر متّى "الخوف" لأن هاتين المرأتين عرفتا أنهما تحملان بلاغًا يتجاوزهما تجاوزًا لا محدودًا.
ب- ظهور للنسوة وللأحد عشر (مت 9:28- 20)
أولاً: وظهر يسوع للنسوة (آ 9- 10)
بعد اللقاء بالملاك عند القبر، نعمت النسوة بلقاء مع القائم من الموت. هذا الخبر القصير يهيّئ خبر الظهور للتلاميذ. هناك ثلاث نقاط في الظهورات: مبادرة المسيح. انتقال من الشكّ إلى الايمان. إرسال في مهمّة. احتفظ متّى بالأولى والثالثة، ولكنّه لم يتكلّم عن شكّ النسوة. فهؤلاء اللواتي ظللن أمناء ليسوع منذ بداية كرازته في الجليل حتى موته، قد آمنّ بقيامته بعد أن سمعن بلاغ الملاك (28: 8).
كان ليسوع المبادرة. حيّاهن، ففهمن أن العلاقة التي انقطعت بالموت، قد أعيدت وإن بشكل مختلف. عرفته النسوة. سجدن له كما فعل المجوس في ولادته (2: 10- 11). قارب متّى بين مشهد المجوس (الفرح والسجود) وموقف النسوة، فأكّد أن القائم من الموت هو ذلك الذي وُلد في بيت لحم فعرفه الوثنيّون.
وزاد الانجيليّ أن النسوة أخذن بقدمَي يسوع علامة احترام وإكرام. علامة التلمذة. يسوع حاضر في حياتهنّ، يسوع حيّ على الدوام. وهكذا دللن على تعلّقهن به وعلى أنهن وضعن فيه رجاءهن.
ثانيًا: ظهور يسوع للأحد عشر (آ 16- 20)
نترك جانبًا الاشاعة القائلة بأن التلاميذ سرقوا جسد الربّ. فهذا الخبر يدلّ على معارضة خصوم يسوع لتعليمه، وعلى صعوبة الايمان بالقيامة التي ليست يقينًا يُفرض علينا، بل تطلب ارتداد القلب.
دعا يسوع تلاميذه للقاء به. في الجليل أرض الانفتاح على العالم الوثني، لا في أورشليم أرض الانغلاق داخل العالم اليهوديّ. على الجبل الذي يرمز إلى موضع اللقاء بالله. سجد التلاميذ له كما فعلت النسوة: إنه الربّ. هكذا سجد له التلاميذ بعد أن مشى على المياه وقالوا له: "حقًا أنت ابن الله" (33:14). وهكذا فعلت الكنعانيّة (15: 25). أجل يسوع هو الرب الذي انتصر على قوى الشرّ وكشف للبشر أن الله يحبّهم جميعًا، يهودًا ووثنيين.
سجدوا فأظهروا إيمانهم. ولكن بعضهم شكّوا. فالشكّ يرافق الايمان. اقترب يسوع منهم، فزالت المسافة التي كانت تفصله عنهم. وسلّمهم مهمّة التلمذة والتعميد والتعليم، ووعدهم بأن يكون معهم حتى انقضاء الدهر. وهكذا كشف يسوع للأحد عشر أنه رب الأرض كلها. أنه عمانوئيل أي الله معنا. وأن عليهم أن يجتمعوا لكي يكونوا كنيسة تعلن الخلاص الذي يحمله الله إلى جميع البشر.
ج- على شاطئ بحيرة طبريّة (يو 21: 1- 15).
في لوقا وفي يو 20 كانت أورشليم الموقع الذي فيه ظهر القائم من الموت. هناك عرفوه. أما في يو 21 وفي مرقس ومتى، فالظهورات تتمّ في الجليل وتشدّد على المهمّة المعطاة للتلاميذ بأن يحملوا البشارة إلى أقاصي الأرض. أما في يو 21 فنحن أمام صيد عجيب. ماذا يقول لنا هذا النص؟
يحدّثنا عن سبعة تلاميذ. العدد سبعة هو عدد الكمال. وهو يدلي على كنيسة نهاية الأزمنة (رؤ 1: 4). ونلاحظ أيضًا أن لفظة "تلميذ" ترد سبع مرات. هذا يعني أن تعليم الانجيليّ يتوجّه إلى الكنائس السبع، إلى الكنيسة كلها. وجميع التلاميذ مدعوّون للمشاركة في وليمة الربّ. ويتحدّث يوحنا عن سفينة واحدة، وهذا ما يدلّ على وحدة الكنيسة.
كان التلاميذ في البحر ويسوع على الشاطئ، على الأرض اليابسة. في مكان ثابت. هذا ما يؤكِّد الايمان بالقيامة. لا ليس يسوع في البحر الذي هو عالم الشرّ، إنه في العالم الجديد. وهكذا كانت القيامة خلقًا جديدًا وولادة عالم فيه قُهرت بشكل نهائيّ قوى الموت.
عملَ التلاميذُ طوال الليل، ولكنهم لم يصطادوا شيئًا. عادوا إلى منطقتهم، إلى عملهم السابق، فأظهروا أنهم لم يكونوا ينتظرون قيامة يسوع. لقد اعتبروا أن خبر يسوع المصلوب قد انتهى والله نفسه قد "لعنه" (تث 23:21). تركوا أورشليم وعادوا إلى الجليل، إلى مهنتهم القديمة، وكأن شيئًا لم يكن من كل مغامرتهم مع يسوع.
بطرس هو الذي اتّخذ المبادرة. كان قد أنكر معلّمه في "الليل" الذي يرمز إلى الخطيئة واللاإيمان والانقطاع عن الله. وها هم يصطادون في الليل. أي بدون معونة الله الذي قال: "بدوني لا تستطيعون شيئًا" (15: 45). لا يريد الانجيليّ أن يشجب المجهود البشريّ، بل أن يبيّن أن حياة الانسان عقيمة إن لم ترتبط بالله.
"ومع الصباح جاء يسوع". المبادرة دومًا منه. تراءى، ولكنهم لم يعرفوه، لم يستطيعوا أن "يروه". ما إن ظهر حتى زالت الظلمة وأطلّ الصبح. معه دقّت ساعة النعمة والبركة. وبادرهم فقال: "ألقوا الشبكة من جانب السفينة الايمن". أطاع التلاميذ، فكان السمك الكثير 153 سمك. إذا جمعنا 1+ 2، 3... 17 يكون لنا 153. والرقم 17 هو جمع 10 (كلمات الله العشر) و7 (الكمال). بكلمة الله تصل البشارة إلى العالم كله. وهكذا تحقّق ما قاله يسوع في أحد أمثاله: "يشبه ملكوت السماوات شبكة ألقيت في البحر فجمعت من كل جنس" (مت 47:13).
هتف التلميذ الحبيب: "هو الرب". عرفه. وبعده سيعرفه سائر التلاميذ. ورمى بطرس بنفسه في البحر. غطّى عُريه فكان ذلك رمزًا إلى غفران خطيئته. وارتمى في البحر ولكنه لم يغرق، فأوصله إيمانه إلى يسوع.
في لو 5: 1- 11 كانت هناك سفينتان وكأن الكنيسة مقسومة بين مسيحيّين جاؤوا من العالم اليهوديّ، وآخرين جاؤوا من العالم الوثنيّ. أما هنا، فليس إلاّ سفينة واحدة. في خبر لوقا تمزّقت الشبكة. أما الآن، فلم تتمزّق. وهكذا جعلنا يوحنا في عالم جديد قُهر فيه الشرّ بشكل نهائي. وقد مثَّلت الشبكةُ الكنيسة وتجمّعَ البشر في الملكوت. وسيكون بطرس "راعي" هذه الكنيسة هو الذي "يجرّ الشبكة إلى الأرض". إيمان متين، كنيسة واحدة. كل الذين قبلوا أن يخلصوا اجتمعوا في هذه الشبكة وكأنهم قطيع واحد بإمرة راع واحد.

خاتمة
ماذا نكتشف في هذه النصوص التي تتحدّث عن قيامة يسوع من بين الأموات؟ الله قد رفع يسوع وجعله ربًا. يسوع، وابن الله الوحيد والمساوي للآب. هو تجسّدُ الله في العالم. هو إلهنا معنا. والموت قد قُهر. أجل، ليس الموت نهاية الحياة، بل عبورًا إلى الآب، وولادة لشكل آخر من الحياة. والمسيح هو حيّ اليوم. هو حاضر فينا وبيننا، ولو بشكل خفيّ. ما زال يجمعنا، يعمل فينا، يغفر لنا. وفيه ننال الحياة الأبديّة. فحياة الأرض والحياة التي يعدّها الله لنا في الآخرة تتداخلان. فالحياة التي يعدنا بها الآن، نستطيع أن نعيش منها منذ الآن.
وماذا نكتشف أيضًا؟ انتصر الله على الشرّ فكان الخلاص للعالم. أجل، ليست الكلمة الاخيرة للشرّ والخطيئة والموت. بل للحياة. وستكون "أرض جديدة وسماء جديدة" حيث لا مكان للفشل والألم والمآسي البشريّة. فرغم الظواهر، يسير العالم نحو الكمال. والذين نحسبهم أمواتًا هم في الواقع أحياء. هم في عالم الله، في قلب الله. بدأوا يعيشون هذه القيامة التي لن تتحقّق كلها إلاّ في نهاية الأزمنة، وحين يعبر آخر كائن بشريّ عتبة الموت. حينئذ يكون الله كلا في الكل. ويسوع المسيح الذي هو بكر القائمين من الموت يسير في موكبه الظافر ووراءه جميع الذين كُتبت أسماؤهم في سفر الحياة.
الفصل السادس
المعجزات

1- إطار خلاص ووحي
لا معنى للمعجزات إلاّ في التدبير المجّاني، تدبير الخلاص في يسوع المسيح. أراد الله أن يكشف عن نفسه للإنسان، وأن يخلّصه بطرق التجسّد والصليب، وأراد أيضًا أن يجعل في امتداد تدبير التجسّد تدبير آيات تشدّد على حضور الخلاص الفاعل هنا. وكل هذا يدلّ على محبته. فالمسيح والمعجزة ينتميان إلى الحدث عينه: إنهما يدلاّن على مجد الذي هو بيننا كابن للآب يشارك في قدرته وحكمته وقداسته.
ونقول أيضًا إن المعجزة لا تُفهم إلاّ في إطار وحي يتمّ بالأعمال والأقوال. فالوحي الكتابيّ هو حدث وتفسير لهذا الحدث، عمل وكلام يدلّ على هذا العمل. هو كلمة فاعلة. لهذا نجد في العهد القديم خطّين متكاملين: خط الأحداث التي تحصل، وخط الأنبياء الذين يعلنون باسم الله الأحداث ومعناها الأخير. وفي العهد الجديد يبدو المسيح كنبيّ آخر الازمنة: إنه قدير في القول والعمل. إنه في الوقت عينه الحدث وتفسير الحدث. فالوحي ليس تعليمًا ومعرفة فقط. قد أعلن المسيح حدث ملكوت الله، وأتمّ في الوقت عينه أعمال الملكوت: بالكرازة، بطرد الشياطين، بالأشفية، بإقامة الموتى.
من الضروري أن نتنبّه إلى هذه الوحدة بين الكلمة والأعمال في وحي الخلاص، حتى نفهم جوهر المعجزة.

2- ماذا تعني المعجزة
المعجزة علامة متعدّدة المعاني: هي تعمل على مستويات عدّة، وتتطلّع إلى وجهات مختلفة. وهذا التعدّد والتنوّع في معاني المعجزة يبدو بصورة خاصّة في الأناجيل، لأن معجزات المسيح هي النموذج الأول لكل معجزة حقيقيّة، سواء في العهد القديم كما في العهد الجديد، في الكنيسة كما في حياة القديسين.
أ- علامات عن قدرة الله
المعجزات هي أعمال قدرة، أي أعمال خاصة بالله ومستحيلة على الانسان. هذا هو معنى الكلمة في العربية. المعجزة: أمر خارق يعجز البشر عن أن يأتوا بمثله. والعجيبة أو الأعجوبة: أمر يدفعنا إلى الاعجاب والدهشة.
المعجزات هي علامات عن قدرة الله، هي نتائج هذه القدرة (كالثمرة في الشجرة)، هي أعمال الله والمسيح الذي هو ابن الله. إذا نظرنا إلى المعجزات في ينبوعها كأعمال قدرة، فهي تنتمي إلى العمل العظيم الذي بدأه الله مع الخلق وأتمَّه في الفداء. ففي نظر الأناجيل، عجائب المسيح هي ظهورات الله المخلّص وتعبير عن فاعلية كلمة الخلاص.
يلفت متّى انتباهَنا إلى شخص يسوع الذي يتدخّل فيبدو تدخّله شاملاً ساميًا ونوريًا. يأمر المسيح (مت 8-9) المرض والموت والرياح والبحر والشيطان، فيطيعه كلّهم.
وتعبّر المعجزة عند مرقس عن فاعليّة كلمة يسوع. فالمسيح يشفي بكلمة واحدة (مر 1: 41). يطرد الشياطين (25:1؛ 8:5)، يهدئ العاصفة (5: 39)، يقيم الموتى (5: 41). إلاّ أن هذه القدرة تخفَّف بسبب تواضع ابن الانسان. فعجز يسوع أمام ثورة البشر وبغضهم، وضعفه أمام الآلام، يكشفان عن عمق حبّه المتواضع والوديع. ونحن نجد الحدود الحقيقية لقدرته في حبّه الذي يسلم ذاته (6: 1-6) من أجل خلاص جميع البشر.
ويشدّد لوقا في عجائبه على عمل الله: أفعاله هي حسنات من أجل الضعفاء والمساكين. ولهذا تهتف الالسنة بالشكر والمديح. حمل المخلع فراشه وهو يمجّد الله، فدُهشوا جميعًا ومجدّوا الله، وقالوا، وقد امتلأوا خوفًا: "لقد رأينا خوارق" (5: 25-26). وأحيا ابن أرملة نائين، فاستولى على الجميع خوف، ومجدوا الله قائلين: "لقد قام فينا نبيّ عظيم، وانتقد الله شعبه" (16:7). ووضع يده على المرأة الحدباء، "فانتصبت في الحال، وجعلت تمجّد الله" (13:13).
وفي إنجيل يوحنا، المعجزات هي عمل الآب والابن. وهي تدلّ على قدرة الله في الابن كما في الآب. فالمسيح هو الله نفسه الحاضر بيننا بقدرة الله الحي.
ب- علامات عن محبّة الله
ليست المعجزة علامة قدرة وحسب: فهذه القدرة هي في خدمة المحبّة. فمعجزات يسوع تدلّ على حبّه الناشط والرحيم الذي يحنو على كل شقاء. قد تأتي المبادرة من المسيح نفسه الذي يستبق توسّل البشر. هذا ما فعل عندما كثَّر الارغفة، وأقام ابن أرملة نائين، وشفى المرأة الحدباء وصاحب اليد اليابسة.
وفي حالات أخرى تبدو المعجزة كجواب يسوع إلى صلاة واضحة أو صامتة تخفيها فعلة أو مسعى خاشع. تبعه أعميان يصيحان ويقولان: "يا ابن داود ارحمنا" (مت 9: 27). وأقبلت المرأة الكنعانية تصيح قائلاَّ: "يا سيدي، يا ابن داود ارحمني. إن ابنتي بها شيطان يعذّبها" (مت 15: 22). وتقدّم إليه أبرص وسجد له قائلاً: "يا سيدي، إن شئت فأنت قادر أن تطهِّرني". فمدَّ يسوع يده ولمسه قائلاً: "لقد شئتُ فاطهر". فطهر للوقت من برصه (مت 2:8-3).
وتقدّم إليه إنسان وجثا له وقال: "يا سيدي، ارحم ابني، فإنه مصروع يتألّم جدًا" (مت 17: 14-15). وجاءه يائيرس، رئيس المجمع، فدنا إليه وسجد له قائلاً: "إن ابنتي قد ماتت الساعة. ولكن، هلمّ وضع يدك عليها فتحيا" (مت 9: 18). وقالت مرتا ليسوع: "يا سيدي، لو كنت ههنا لما مات أخي. ولكني أعلم أنك، الآن أيضًا، مهما سألت الله، فالله يعطيك" (يو 11: 21-22). وقالت مريم القول نفسه وخرّت على قدمي يسوع وهي تبكي (يو 11: 32-33).
أجل، إن الله يفتقد الانسان في قلب عجزه وضعفه: يرأف به يشفق عليه، يتأثّر بحاله. فالله هو محبّة. وهذه المحبّة اتخذت في المسيح وجهًا بشريًا وقلبًا بشريًا ولغة بشريّة، لتدرك الانسان في شقائه وتدخله في عمق حب الله له.
ج- علامات عن مجيء ملكوت المسيح
إن المسيح شفى قبل كل شيء المرضى، وطردَ الشياطين (مر 1: 35-39). ولكنه ما أراد أن يظنّه الناس "ساحرًا" يحمل الشفاء. ولقد أشار بنفسه إلى معنى أعمال قدرته. إن معجزاته ترتبط بموضوع الملكوت. وهي امتداد، بشكل أفعال، لكرازة المسيح حول مجيء الملكوت. ففي يسوع الناصري تمّت المواعيد وصار المسيح حاضرًا. وهكذا شُفي البشر من أمراضهم، وتحرّروا من خطاياهم، ونال المساكين بشارة الانجيل. قال أشعيا (35: 5-6): "حينئذ تنفتح عيونُ العميان وآذان الصم. حينئذ يطفر الاعرج كالأيِّل ويترنَّم لسان الأبكم". وقال أيضًا: "ستحيا الموتى وتقوم الاشلاء. استيقظوا ورنّموا يا سكّان التراب" (أش 26: 19). فردّد لوقا كلمات يسوع ليوحنا المعمدان: "العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون" (لو 7: 22).
تنبأ أشعيا (49: 25) عن تبدّل في وضع، وها قد تمَّ هذا التبدّل. فحملت كلمةُ يسوع وأعماله قدرة أزاحت الشيطان عن عرشه وأقامت مملكة الله: "إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فهذا يعني أن ملكوت الله انتهى إليكم" (مت 28:12).
وتخليص الممسوسين (فيهم شياطين) لا يقلّ أهميّة في نظر يسوع عن شفاء المرضى. فإذا كان الخلاص قد جاء، فهذا يعني أن الله انتصر بواسطة مرسله على قدرة الشرّ والشيطان الخفيّة. ليس ملكوت الله خيالاً وسرابًا ولا واقعًا بعيدًا: إنه حاضر منذ الآن. فالشفاء وإخراج الشياطين هما شكلان من أشكال التحرّر يدلاّن على أن مملكة الشياطين دمِّرت وحلّ محلها ملكوت الله: "رأيت الشيطان يهبط من السماء كالبرق" (لو 17:10-18). حين أخرج المسيح الشياطين وشفى المرضى، دلّ على أنه حقًا حطّم سلطة إبليس. فحيث المسيح هناك تعمل قدرة الخلاص والحياة التي أعلنها الأنبياء. قضت على الموت والمرض. قضت على الشيطان والخطيئة. قالت للمخلع: "مغفورة لك خطاياك". وقالت له: "قم، واحمل فراشك وامض إلى بيتك" (مر 2: 9، 11).
وتعمل قدرة الله في المسيح فلا شيء يقف في وجهها. تعمل فتحوّل الانسان كله، نفسًا وجسدًا، على صورة الله. لكن، لكي يفهم البشر أنّ أقوال الأنبياء تمّت، وأن سلطة إبليس تحطّمت، وأن العالم الجديد حضر في العالم القديم، جعل المسيح الخلاص الذي أعلنه أمرًا منظورًا. كان إنسانٌ مستعبد للشيطان، فجعل منه يسوع أنسانًا مبررًا ومقدّسًا. فانتصاره على الخطيئة والمرض والموت هو في الوقت عينه عربون عالم جديد يدشّنه بقيامته.
د- علامات رسالة إلهيّة
للمعجزات وظيفة قانونية تدلّ على شرعيّة التي يجترحها. فإذا عدنا إلى التقليد الكتابي، فالوظيفة الرئيسية للمعجزة هي أن تعطي كفالة لمهمّة يقوم بها مرسَل من قبل الله: إنها أوراق اعتماد. هكذا يصدّقون موسى بالمعجرات التي يتّمها الله على يده أمام كل الشعب (خر 4: 1-9؛ 14: 31). وحين جاء يسوع، وجب عليه أن يواجه هذه المتطلّبة التقليدية. طُلب منه مرتين أن يقدّم علامة تبرّر أعماله وتدلّ على أنه مرسل من عند الله. "خاطبه اليهود وقالوا له: أيّة آية ترينا لتبرهن لنا أنه يحقّ لك أن تفعل ذلك" (أي أن تخرج الباعة من حرم الهيكل) (يو 18:2)؟ وبعد تكثير الخبز، قال له اليهود أيضًا: "أية آية تصنع فنرى ونؤمن بك" (6: 30)؟
لهذا حين شفى يسوع المخلعّ (مر 2: 10) وأقام لعازر (يو 11: 41-42)، وحين وبّخ كورزين وبيت صيدا (مت 11: 21)، استند بصورة واضحة إلى معجزاته التي تكفل رسالته وسلطته.
وتبرز هذه الوظيفة القانونية بصورة خاصة في إنجيل يوحنا: "وحين رأى عددٌ كبير آيات يسوع، آمنوا به" (يو 2: 23). وأقر نيقوديمس أن المسيح جاء من الله "لأنه لا يقدر أحد أن يعمل الآيات التي يعملها إن لم يكن الله معه" (يو 3: 2). وسيقدّم المولود أعمى البرهان التقليدي بوجه الفريسيين الذين يلاحقونه: "لو لم يكن هذا الرجل من الله، لما استطاع أن يفعل شيئًا" (يو 9: 33). وسيقول بطرس عن المسيح لليهود غداة العنصرة: "هذا الرجل الذي أيَّده الله لديكم بالعجائب والمعجزات والآيات التي أجراها على يديه بينكم" (أع 2: 22). إذا كان المسيح أجرى أشفية وأخرج شمياطين، فهذا يعني أن الله كان معه (أع 38:10).
وما نقوله عن عجائب أتمَّها يسوع، نقوله عن عجائب أتمَّها الرسل: إنها آيات تشهد على صحّة رسالتهم ككارزين للانجيل (مر 16: 20). "كان الرب يشهد لكلمة نعمته بالآيات والعجائب التي يجريها بأيديهما" (أع 14: 3).
وفي رسائل القديس بولس نقرأ أن المعجزات تؤيّد الرسول وكلمته: "إن علامات الرسول المميّزة قد تجلّت فيما بينكم: طول الأناة، والآيات والعجائب والمعجزات" (2 كور 12: 2!). وفي المعنى ذاته تحدّثت عب 3:2-4 عن الخلاص الذي أعلنه الرب أولاً ثم ثبته لنا أولئك الذين سمعوه، والله يؤيّد شهادتهم بالآيات والعجائب وشتى المعجزات، وبتوزيع مواهب الروح القدس على حسب مشيئته.
إن المعجزة تؤيِّد كلمة الرسل وتجعلهم سفراء حقيقيّين للمسيح.
هـ- علامات مجد المسيح
المعجزات هي أعمال الابن، وترتبط بوعي المسيح لسرِّ بنوّته. فالمعجزات، وهي أعمال المسيح، تمثّل نشاط الابن وسط البشر، وتكفل رسالته لا كنبيّ بسيط ولا كملك بشريّ، بل كابن الله الذي يشارك الآب في معرفته (مت 27:11) وفي قدرته (مت 28: 18؛ يو 3: 35).
فالمعجزات التي هي مآثر الله هي عينها مآثر المسيح. إنها أعمال مشتركة بين الآب والابن، وهي تدلّ على المسيح في مجده كابن وحيد. ولهذا لا يني المسيح يحيل سامعيه إلى معجزاته وإلى شهادة الآب من أجله. "الأعمال التي خوّلني الآب أن أتمّمها، هذه الأعمال التي أنا أعملها، هي تشهد لي بأن الآب قد أرسلني" (يو 5: 36-37؛ 10: 25).
وكشفُ أعمال الابن وكشفُ شخصه قد انتهيا إلى الفشل: "حينئذ تناول اليهود حجارة لكي يرجموه. فأجابهم يسوع: لقد أريتكم أعمالاً حسنة كثيرة من عند الآب، فلأي عمل منها ترجموني؟ أجابه اليهود: لسنا لعمل حسن نرجمك، بل لأجل تجديف، ولأنك تجعل نفسك إلهًا، وأنت إنسان" (يو 10: 31-33).
توخّى هذا الكشف أن يعرِّف اليهودَ إلى مجد الابن الوحيد من خلال أعماله (يو 1: 14؛ 2: 11؛ 11: 40). فالمعجزة هي فعلة الكلمة الذي صار بشرًا، هي العلامة التي تدلّ على مجده.
ورأى الازائيون (متى، مرقس، لوقا) في معجزات المسيح علامة عن مجيء الملكوت. أما يوحنا فربطها مباشرة بشخص يسوع. تصدر الأعمال عن شخص الابن وهي إشعاع كيانه الالهي. فالمعجزات كآيات تدعونا للتعرّف إلى المسيح كمركز هذا الاشعاع، وللإيمان به.
و- وحي سر الثالوث
المعجزات هي عمل يشارك فيه الابن الآب، وهي تدخلنا في سرّ حياة الثالوث. فإن كانت أعمال المسيح هي أعماله الخاصّة (يو 5: 36؛ 7: 21؛ 10: 25) وأعمال أبيه (يو 9: 3-4؛ 10: 32؛ 37؛ 14: 10) الذي له المبادرة في كل شيء (يو 5: 19، 20، 30؛ 14: 10). وإن ارتبطت بالابن الذي منحه الآب كل قدرة ليتمّ معجزاته كما لو كانت أعماله الخاصّة، فهذا يدلّ على عهد فريد وعن سرّ حبّ بين الآب والابن.
إن المعجزات تدلّ على أن الآب هو في الابن وأن الابن هو في الآب، وأنهما متّحدان في روح واحد (يو 14: 10- 11؛ 10: 37-38). ففي معجزات المسيح، يعمل الابن بقدرة الآب. ثم إننا لا ندرك أعماق الحياة الثالوثية من خلال المعجزات إلاّ على ضوء خطبة يسوع التي ترافقها. فالمعجزة والكلمة متّحدتان اتحادًا وثيقًا في تدبير الوحي الالهي.
ز- رموز التدبير الأسراري
لا تكتفي معجزات يسوع بأن تؤيّده كمرسَل الله وكابن الآب. فهي في حدّ ذاتها وحي ونور وإنجيل وتعليم وكلمة. إنها تفسّر السرَّ وتصوِّر حقيقته.
ومجيء المسيح يحمل إلينا عالمًا جديدًا هو عالم النعمة. ويجري تحولاً هو الخلاص بالصليب. وإن المعجزة ترينا عبر شفافيته التحوّل الذي يتم فينا. إنه صورة ورمز عن المواهب الروحية التي ينالها البشر في شخص المسيح.
إذا عدنا إلى الأناجيل الازائية، وجدنا رسمة لرمزية المعجزات. فالمخلَّع الذي شُفي (مر 2: 1-12) شهد نشاط المسيح الخلاصي الذي يحقِّق خلاص الجسد والروح معًا. وشفاء الأبرص (مر 1: 40-45) يرمز إلى عودة الخاطئ إلى مجتمع ملكوت الله. وشفاء المرأة الحدباء (لو 13: 16) والابن المصروع (مر 9: 14-29)، وشفاء المرض بوضع اليد (مت 18:9، لو 13:13)، كل هذا فعلات خلاصية للمسيح الذي ينجّي البشريّة المستعبدة. ولكن هذه الفعلات تعلن مُسبقًا غنى التدبير الاسراري.
وتسطع رمزية فعلات يسوع بصورة خاصّة في إنجيل يوحنا. إن معجزاته تكشف عن تدبير النعمة الذي يدشّنه بواسطة الاسرار. فمعجزة قانا (يو 2: 1- 11) هي آية العهد الجديد في المسيح، هي علامة دخولنا في الكنيسة بالماء والدم، أي بالمعمودية والافخارستيا.
وشفاء المخلع بكلمة المسيح التي تغفر الخطايا (يو 5: 14) وبمياه البركة، هو رمز ولادة الانسان الجديدة بالكلمة وبمياه المعمودية. وشفاء المولود أعمى في بركة شيلوحا (أو سلوام) تدلّ على المعمودية التي هي استنارة (ف 9).
وفي تكثير الارغفة (ف 6) وفيض الكسر، يدعونا المسيح لكي نرى علامة عن الخبز الحقيقي الذي ينزل من السماء ويعطي الحياة الفيّاضة: نحن أمام رمز الافخارستيا. وأخيرًا، إن قيامة لعازر (11: 1-44) تدلّ على المسيح الذي هو القيامة والحياة، الحياة التي تحيي ما قد مات. إنها ترمز إلى انتصار المسيح التامّ على الموت، وتدلّ مسبقًا على قيامته وعلى قيامتنا.
ح- علامة تحوّل العالم
وأخيرًا، إن المعجزة هي علامة تصوّر مسبقًا التحوّلات التي ستتمُّ في نهاية الازمنة، في جسد الانسان وفي الكون. فالفداء سيجدّد كلّ ما أصابته الخطيئة فشوَّهته.
المعجزة هي أولاً علامة تحرّر وتمجيد للأجساد. فجسد المسيح الذي قام وتمجّد، وجسد مريم الذي شارك جسد يسوع في مجده، يدلاّن على أن الله "سيحوّل جسد شقائنا (جسدنا الشقي) على صورة جسد مجده (جسده المجيد) بتلك القدرة التي تمكّنه من أن يُخضع لنفسه كل شيء" (فل 2: 21). حين يتمّ كل شيء، يتحوّل الجسد إلى المجد. وإن معجزات المسيح تعلن مسبقًا عمل الروح هذا في كل جسد. والاجساد التي عرفت النجاة والصحة والحياة والقيامة، تكشف نصر الروح النهائي الذي يحيي أجسادنا المائتة ويلبسها الخلود. فالمستقبل يجتاح الحاضر، والتحوّل الحاصل الآن يستبق التحوّل النهائي. 
والعالم المادي ينتظر هو أيضًا هذا التحوّل. إنجرَّ على خطى الانسان، فشاركه في خطيئته، وعليه أن يشاركه في مجده. انقطعت العلاقة بين الانسان ومحيطه بفعل الخطيئة، ولكن أعادها المسيح، آدم الجديد، الذي فيه عادت الطبيعة فخضعت وسلست قيادتها. فالمعجزات التي أتمّها يسوع (مر 6: 30- 45) والرسل (مر 16: 17-18) في عالم الطبيعة، هي علامات تدلّ على تحوّلات العالم الاسكاتولوجي (أي في نهاية الازمنة). وإن القديس بولس يرى الانسان والكون محمولَين في تيار الفداء نحو التمجيد الأخير (روم 8: 19- 21). فالكون شي نظر القديس بولس لن يزول، بل يتحوّل ويمجَّد. وإن المعجزة تعلن هذا التحوّل وتبدأ بتحقيقه. كما أن قدرة الله ستقيم كل شيء في جديد دائم بعد أن تدمّر الموت والخطيئة.

3- وظائف المعجزة
وهذه المدلولات للمعجزة لا تستقلّ الواحد عن الآخر، بل إن الواحد يفترض الآخر، ويلقي الضوء على الآخر، وأنت تنتقل من مدلول إلى مدلول بطريقة لاشعورية. ومع هذا نستطيع أن نعيد وظائف المعجزة الرئيسية إلى اثنتين: وظيفة وحي ووظيفة شهادة.
أ- وظيفة وحي
نحن نتكلّم في المعنى عينه عن وظيفة نبويّة رمزيّة وحاملة وحي في المعجزة. فالمعجزة تبدو كعنصر مكوّن لوحي يتم "بالاقوال والاعمال"، "بالآيات والمعجزات". فالمسيح يمارس وظيفة الوحي بكل سبل التجسد: بأقواله وبأعماله ولا سيّما بعجائبه وقيامته. فالانجيل يعلن أن المسيح جاء يحرّر الانسان وينقّيه ويحييه ويخلّصه. وتدلّ المعجزة على عمل كلمة الخلاص هذه. إنها بطريقتها إنجيل وإعلان وتعليم. فلولا المعجزة التي تحيي الاجساد وتخلّصها، لم نكن لنفهم أن المسيح يحمل الخلاص إلى الانسان كله. إذن، المعجزة هي عنصر هام في الملكوت الذي ليس شيئًا جامدًا بل واقعًا ديناميكيًا يبدّل وضع الانسان، ويؤسِّس سيادة المسيح على كل شيء بما فيه الكون والاجساد.
ب- وظيفة الشهادة
ونتكلّم أيضًا عن المعجزة على أنها علامة تثبت وتشهد. حينئذ تبدو المعجزة كرسالة اعتماد يحملها مرسل الله، كختم قدرة الله على مهمّة أو كلام يرتبط به. أما في وضع المسيح، فموضوع هذه الشهادة هو تأكيد على وضعه كمرسل الآب، كالمسيح الابن. فالمعجزات والقيامة وعظمة المحبّة التي ظهرت في الآلام والموت تدلّ على شهادة الله الذي يثبت الوحي. واشعاع عمل المسيح يشهد أن المسيح هو حقًا بيننا عمانوئيل أي الله معنا لكي ينتزعنا من ظلمة الخطيئة والموت وليقيمنا للحياة الابدية. وفي الوقت عينه تؤكّد المعجزة أن إنجيل المسيح هو حقًا كلمة الله.


4- النظرة المسيحية إلى المعجزة
هناك تحديدات خاطئة للمعجزة: ثغرة في نواميس الطبيعة، نتاج عقلية أولانية، فن أدبي مشترك بين كل الديانات. وقد تكون المقاومة للمعجزة متأتية من عرض كريكاتوري لها. فلا معنى للمعجزة إلاّ في إطار الخلاص في يسوع المسيح. فكل محاولة لاخراجها من هذا الاطار تشوِّهها.
إذن، التحديد الحقيقي للمعجزة يدخل معطيات الكتاب والتقليد الجوهرية. وانطلاقًا من هذه المعطيات نقترح التحديد التالي: "المعجزة هي عمل ديني خارق يعبِّر في نظام الكون والانسان عن تدخّل خاص ومجاني من قبل الاله القدير والمحب الذي يوجّه إلى البشر، عن مجيء كلمة الله وخلاصه إلى العالم". وها نحن نشرح العناصر الجوهريّة في هذا التحديد.
أ- المعجزة عمل خارق أي ظاهرة غريبة في مسيرة الاشياء العادية كما نلاحظها عبر العصور: "ما رأينا قط مثل هذا" (مر 2: 12). "لم يُسمع قط أن أحدًا فتح عيني من وُلد أعمى" (يو 9: 32). لهذا، تحصل على أثر المعجزة دهشة وصدمة. تتمُّ المعجزة في الواقع الزماني والمكاني الذي تدركه حواسنا. وهكذا تتميّز المعجزة عن النبوءة والقداسة والاسرار (مثل تحوّل الخبز إلى جسد المسيح والخمر إلى دمه).
ب- المعجزة هي عمل ديني ومكرس. إذن، نحن بعيدون عن كل ما هو من عالم العجب والاسطورة "والسحر" والميتولوجيا. فالاطار الديني هو مجموعة ظروف تمنح المعجزة بنية علامة الهية. مثلاً، تأتي المعجزة بعد صلاة متواضعة وواثقة. وترافق المعجزة حياة مقدسة ومتحدة بالله كعلامة عن رضى الله. المعجزة تؤكِّد على صدق رسالة المسيح والأنبياء والرسل. وهذا الاطار المباشر يرتبط بإطار أوسع هو إطار المسيحية كلها كتاريخ ووحي خلاص في يسوع المسيح. فالمعجزة ليست واقعًا معزولاً، بل هي تدخّل في عدد من العلامات تقف على المستوى نفسه (تعليم ديني، قداسة بطولية، الاستشهاد، القيامة) من هذا التدبير الكامل الذي به يخلص الله الانسان بواسطة المسيح. فلا معنى للمعجزة إلا بعلاقتها بالمسيح، ابن الآب، وبالكنيسة التي هي امتداد لحضوره عبر الأجيال. وخارج هذا الاطار، لا معنى للمعجزة.
ج- المعجزة تدخّل خاص ومجاني من قبل الله. إذ نشدّد على هذه الوجهة الكتابية والتقليدية، لا نريد أن نبرز اللغة العلميّة التي بها نشدّد على ما يشذ عن نواميس الطبيعة، ولا اللغة الفلسفية التي تتحدّث عمّا يتعدّى جوهر الاجساد. ويتحدّث المفكرون عن تجاوز جذري لحدود لا يتجاوزها الانسان، عن تسريع لعملية الاحياء، عن فجائية تعارض مسيرة الزمن وتواصلها. ومهما يكن من أمر، فالمعجزة كعلامة وتسبيق لخلاص علوي (فائق الطبيعة) ترتبط بمبادرة خاصة ومجانية (شأنها شأن الخلاص)، وهي تختلف عن تدبير الكون العادي وحفظه في الوجود. المعجزة هي عمل قدرة الله وهي تعارض الطبيعة في وجهها الظاهر والخارق، ولكنها تسمو على الطبيعة كعلامة لتحوّل الانسان والكون تحوّلاً مجانيًا بمحبة الله الذي يخلّص ويجدّد كل شيء. هو لا يجدّد فقط الظاهر بل الحقيقة الداخلية، هو لا يخلص فقط إنسان الأمس بل إنسان اليوم وكل العصور.
د- المعجزة هي علامة مجيء كلمة الخلاص إلى العالم. نحن أمام علاقة بين شخص وشخص. بين الله والانسان. الله يوجه كلامه إلى الانسان عبر عمل يُفهمه أن الخلاص قريب. فالمعجزة ترتبط دومًا بحدث كلمة الخلاص، كلمة الوحي. المعجزة هي في خدمة الكلمة كعنصر وحي أو كشهادة على صدق هذا الوحي.

5- المعجزة، الارتداد، الايمان
إذا نظرنا إلى مسيرة الانسان نحو الايمان رأينا أن المعجزة ليست العلامة الأعمق والأنقى والحاسمة في نظر الانسان المعاصر. ومع ذلك، فهي تلعب دورًا هامًا في الأناجيل حيث التحوّل الجسدي يمتدُّ في تقبّل رحمة الله وعطيّة الايمان.
أ- استعدادات داخلية
لا بدّ من بعض استعدادات لندرك المعجزة. إنها علامة، وبالتالي لا تفرض نفسها. فلا بدّ من تفسيرها لأن هناك هامشًا من السرّ بين العلامة ومعناها. قد يكون الشفاء واقعًا ولكننا لا ندركه بالضرورة كعلامة إلهية. واكتشاف المعجزة وتمييزها عن غيرها من أمور لا يرتبطان بإعمال الفكر أو بنظرة تقنية، بل بموقف أخلاقي وديني. فاكتشاف المعجزة يعني انفتاحًا على سرّ الله الذي يحدّثنا في يسوع المسيح، واعترافًا بأن الانسان ضعيف ولا يكفي نفسه بنفسه. مثل هذا الموقف يطلب من الانسان أن يدخل في نفسه إلى هذا المستوى من العمق الذي فيه يجد معنى حياته. فإن حضر هذا الاستعداد أو غاب فسَّرنا المعجزة كعلامة من الله أو كواقع محيّر بل مشكّك للناس.
ب- المعجزة والارتداد
لا تنفصل المعجزات عن مجيء الخلاص في يسوع المسيح، لهذا فهي نداء إلى الارتداد ودعوة إلى التعرّف إلى الملكوت وإلى الشخص الذي جاء يدشّن هذا الملكوت. وحين يُجري يسوع أعجوبة، فهو يدعو في الوقت عينه إلى الارتداد والايمان برسالته، أو يكافئ موقف التقبّل لدى الطالب منه. أجل، من السمات الخاصّة في المعجزة المسيحية: ارتباطها بالارتداد (التوبة) الداخلي، التشديد على علاقة شخصية وجديدة ومحوّلة بين المسيح وذاك الذي نعمَ بعطيته.
هناك تشديد على ارتباط المعجزة بالارتداد في شفاء المخلع (مر 2: 1-12) في شفاء مقعد بيت زاتا (يو 5: 14). ليس الهدف ضبط أعداء الانسان. المطلوب هو تبديل الانسان وشفاؤه. ونجد تعبيرًا عن هذا الرباط في مت 11: 20-24 ولو 13:10-15 مع توبيخ يسوع لمدن الجليل التي رفضت أن تتوب: لم تُرد كورزين وكفرناحوم وبيت صيدا أن ترى في أشفية يسوع وإخراجه للشياطين حضورَ ملكوت الله. إن هذه المعجزات هي آيات، هي نداءات من قبل الله من أجل التوبة والارتداد حيال مجيء الملكوت القريب. لم يعرف سكّان هذه المدن كما لم يعرف الشعب اليهودي أن يكتشف علامات الملكوت فأغلقوا قلوبهم أمام كرازة يسوع.
إن الارتداد الذي يدعو إليه يسوع في معجزاته، هو رفض لكل ما يعارض ملكوت الله. هذا يفترضُ التصاقًا بالمسيح، لأن الملكوت والارتداد يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالايمان.
ج- المعجزة والايمان
الايمان هو في الأناجيل الازائية مدخل إلى المعجزة. لقد لبّى يسوع طلب المخلع وقائد المئة والمرأة الكنعانية لأنه رأى إيمانهم. لا شكّ في أن إيمانهم ليس كاملاً، ولكنه يقع في خط إنكار الذات وعطائها للمسيح. إنه طلب خاشع وواثق بذلك الذي يعلن الملكوت والذي فيه تظهر قدرة الله. نحن أمام جواب أول إلى النداء المسيحاويّ وإن لم يصل إلى كل سرّ مرسل الله. يشدّد لوقا على دور هذا الايمان في اكتشاف المعجزة. المعجزة لا تفرض نفسها، بل نتقبَّلها في قرار شخصي هو استعداد وانفتاح على الخلاص الآتي. ففي لو 17: 15-19 واحد من عشرة برص رأى في شفائه عطيّة من الله. أما عند يوحنا فالايمان هو نتيجة المعجزة، هذا إذا جعلنا جانبًا الضابط الملكي (يو 47:4-50) ومرتا (يو 11: 25) اللذين يطلب منهما يسوع الايمان. الايمان هو اعتراف بمجد يسوع الظاهر في معجزاته (يو 2: 11، 23؛ 53:4؛ 38:9؛ 10: 37؛ 11: 45؛ 20: 30). غير أن المعجزة وإن هيَّأت الطريق إلى الايمان فهي لا تفرضه. إنها في خدمة الكلمة وهي تعلن الخلاص وتدعونا إلى قرار الايمان.

6- المعجزة والقداسة
اعتادت الكنيسة أن تقرّب بين المعجزة والقداسة، لاسيّما حين تطوّب (أي تعلن قداسة) أحد أولياء الله. فالمعجزة والقداسة هما علامتان عن العالم الجديد كما دشنّه المسيح: فالقداسة تحقّق في الانسان ما تفعله المعجزة في الكون. القديس واحد منا وهو يسكن فيما بيننا. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هو ينتمي إلى عالم جديد ويقدّم صورة مسبقة عن وضعنا كأناس قاموا من بين الأموات. فبطريقة حياته النبوية يذكّرنا بحريّة يسوع، الذي بانت حريته من خلال محبته. فالقديس هو نبي (يتكلّم باسم الله) الدهر الآتي. وهو يشهد بوجوده على الوضع الجديد الذي يعرفه أبناء الله. بعد هذا لن نعجب إن رافقت المعجزة حضور القداسة في عالمنا. وتبرز المعجزة كعلامة عن حسنات الله تجاه الذين صوَّروا حياتهم على حياته.
وفي المسيح يظهر أكثر ما يظهر هذا الرباط بين المعجزة والقداسة. فمعجزاته تبرز الخلاص عبر عالم ارتفع وتحوّل. وهذا التحوّل يتصل اتصالاً عميقًا بمجده كقائم من الموت. وجسده الممجَّد هو معجزة دائمة. ففي المسيح القائم من الموت، يتمُّ عمل الخلاص ويجري تجديد الانسان وينال الكون نتائج هذا الخلاص وهذا التجديد. في المسيح القائم من الموت يلتقي واقع الخلاص غير المنظور وواقع تحوّل العالم المنظور. وهكذا تكون المعجزة علامة منظورة لتحوّل عميق ينطلق من يسوع المسيح فيصل إلى الانسان كله وإلى الكون الذي يسكن فيه. إنه بروحه يحيي ويقدّس كل جسد. فالمعجزة والقداسة هما شعاعا مجده، شعاعا كيانه الالهي عبر جسده البشريّ.
الفصل السابع
سر الفصح

يسمّي القديس بولس سرّ الفصح العشاء الربّاني أو عشاء الرب (1 كور 11: 20) وهذه الصفة لا ترد إلاّ مرّة واحدة في مجمل العهد الجديد لتدلّ على "اليوم الربّاني" أو اليوم الذي فيه تجتمع الكنيسة (رؤ 1: 10). ويرتبط في كلا الحالين "اليوم" و "العشاء" ارتباطًا وثيقًا مع الرب، أي المسيح المُمجّد. فماذا تتضمّن هذه العبارة وكيف تقودنا إلى الحديث عن سرّ الفصح، عن سرّ المُشاركة في جسد المسيح ودمه.

1- العشاء على مائدة المسيح القائم من بين الأموات
أ- لقب الرب
إنّ لفظة "ربّاني" المُستعملة هنا لتصف عشاء الرب ويومه، توجّه الفكر مباشرة نحو المجد الحالي الذي يتمتَّع به المسيح القائم من الموت. فبالقيامة "جعل الله يسوع هذا الذي صلبتموه مسيحًا وربًا" (أع 2: 36). وملاحظة لوقا في سفر الأعمال تُجمل في هذا الاطار معطية أساسية من معطيات الايمان نجدها أيضًا في الرسائل البولسية. فاسم "كرستوس" أو المسيح يرد 76 مرّة في 1 كور واسم "كيريوس" أو الرب يرد مرارًا عديدة. يتحدّث بولس عن "ربنا يسوع المسيح"، فيجعل أيضًا اسم يسوع مع المسيح والرب.
إذن، لا شك في ذلك: إن استعمال كلمة "الرب" (أو صفة الربّاني) توجّه الفكر نحو المسيح القائم من بين الأموات: ذلك الذي لا يستطيع أحد أن يدعوه بإيمان إلاّ بدفع من الروح القدس (1 كور 12: 3)، ذلك الذي يعطي الآن نعمته للمؤمنين (1 كور 33:16)، ذلك الذي تناديه الكنيسة المجتمعة وتهتف له بصوت عال متمنّية مجيئه: ماراناتا: تعال أيها الرب يسوع (1 كور 16: 22؛ رؤ 22:20). والسؤال الذي يطرح الآن: ماذا نعني "بالعشاء الربّاني"؟ ما هي مكانة الرب فيه؟ وأي دور يلعبه؟
ب- المسيح هو ضيف العشاء الربّاني
ونتوقّف في إجابتنا عن السؤال عند ملاحظات ظرفية تقدّمها 1 كور. ففي نهاية المقطع المكرس لاستعمال اللحوم المذبوحة للأصنام والتي تباع في أسواق كورنتوس (1 كور 8: 1- 11: 1)، يحذّر الرسول الوثنيين المرتدين من المشاركة الواعية في عبادة الأصنام بولائم مقدسة تحتل مركزًا هامًا في هذه العبادة. ليس الوثن شيئًا، واللحوم التي تذبح لها تبقى في حدّ ذاتها لحومًا عادية، لأنّ "الأرض مع كل ما فيها هي للرب" (1 كور 19:11، 26: الرب هو الله بما أنه الخالق). ولكن العمل الذبائحي هو طقس يكوّن علاقة حميمة بين المؤمنين والاله الذي يقدّم له الحيوان. سواء كان الاله الحقيقي في شعائر العبادة اليهودية، أو "الشياطين" في الشعائر الوثنية، حسب تفسير عبادة الأصنام في أرض اسرائيل (1 كور 10: 20، رج تث 32: 17 حسب السبعينية). ففي العالم اليهودي، تأتي المشاركة في الولائم المقدسة فتجعل المؤمن "مشاركًا للمذبح" أي "مشاركًا لله نفسه" الذي يهيِّئ مائدته لأفراد شعبه. وفي العالم الوثني، هناك "مشاركة مع الشياطين" (1 كور 10: 20): نشرب كأسهم، نقاسمهم مائدتهم، وهذا ما يربط الانسان بقدرة سامية ينال منها الطعام (المائدة) والشراب (الكأس). ليس من تماثل ميتولوجي بين الحيوان الذي يُذبح ويؤكل وبين الاله أو الوثن الذي يقدّم له، كما قال بعض مؤرخي الديانات الذين بحثوا عن خلفيّة بعيدة للافخارستيا المسيحية. كل هذا غريب عن فكر القديس بولس: كيف نمزج ضيفًا مع الطعام والشراب اللذين يقدّمهما إلى مدعويه؟
وانطلاقًا من هذه النقطة، نستطيع أن نعود إلى العشاء الافخارستي (لا نجد هنا الاسم في رسائل بولس الرسول). يقيم الرسول موازاة دقيقة بين الولائم الذبائحية لدى اليهود والوثنيين من جهة، وبين "عشاء الرب" من جهة ثانية. نشرب كأس الرب أو كأس الشياطين. نشترك في مائدة الرب أو مائدة الشياطين (1 كور 10: 21). إذن، المسيح القائم من الموت هو مضيف يستهينا من مائدته. وكما نصبح مشاركين في مذبح الله في العبادة اليهودية (1 كور 18:10) أو في العبادة الوثنية (1 كور 10: 20)، كذلك يؤمِّن "عشاء الرب"، مشاركة في الدم. والخبز الذي نكسره يشركنا في جسد المسيح (1 كور 10: 16). سنعود إلى هذه النقطة فيما بعد حين نتحدّث عن جسد المسيح ودمه. ولكننا نلاحظ الآن أنّ المسيح أو الرب هو المضيف الذي يستقبل إلى مائدته أولئك الذين يؤمنون به وقد اعتمدوا باسمه (1 كور 1: 13). دعاهم الله إلى "شركة ابنه يسوع المسيح" (1 كور 1: 9)، فرأوا هذه الشركة تتحقَّق بصورة ناشطة وكاملة في مقاسمتهم مائدته. هنا نصل إلى محور طقس الافخارستيا، ومنه يجب أن ننطلق لنقدّم شميلة عن الافخارستيا: المسيح حاضر في الافخارستيا كضيف غير منظور. وهو يدعو إلى مائدته أعضاء الكنيسة الملتئمة حوله بناء على دعوة من الله.
ج- ما قيمة هذا التفسير البولسي
أوّلاً: ما يقوله سفر الرؤيا
ليست نصوص 1 كور وحيدة في هذا المجال. ولنتوقّف أولاً عند التلميح السريع في رؤ من أجل تفكيرنا اللاهوتي حول الافخارستيا. فبعد توبيخ يتبعه نداء إلى التوبة يتوجّهان كلاهما إلى كنيسة لاودكية (أو اللاذقية في تركيا)، نقرأ في 3: 20: "ها أنذا واقف على الباب وأقرع. فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه فأتعشى (آخذ العشاء) معه وهو معي". هل يلمِّح الكاتب هنا فقط إلى حياة حميمة يعد بها المسيح المؤمن فيهيِّئه لما ينتظره في نهاية الأزمنة (أي بعد الموت)؟ فالفعل المستعمل هنا لا يرد كثيرًا في العهد الجديد (دايبنيو). فإذا وضعنا جانبًا لو 8:17، نجده في خبر العشاء السري حيث يأخذ يسوع الكأس بعد أن يتعشّى (لو 20:22). وفي المقطع الموازي لهذا النص في 1 كور 11: 25: "وبعد أن تعشّى أخذ يسوع الكأس".
يلفت هذان المقطعان نظرنا إلى تسمية وليمة الرب كعشاء (ديبنون، 1 كور 11: 20). فاللفظة ليست محصورة بالوليمة الافخارستية، لأنها تدلّ على طعام الغداء، أو وليمة العيد التي تقام في المساء: رج الوليمة التي قدمها هيرودس انتيباس في مر 6: 21. والوليمة الكبيرة التي ستكون موضوع مثل في لو 14: 12-24 (يتحدّث مت 22: 1-13 عن الاعراس). في مت 6:33 ولو 20: 46، نجد ولائم يتَّخذ فيها بعضُ الفريسيين مكان الصدارة. ويتحدّث يو 12: 2 عن وليمة بيت عنيا التي دعي اليها يسوع (مر 3:14: اتكأ إلى المائدة) وفي 13: 2-4 عن الطعام الأخير الذي أخذه يسوع مع تلاميذه.
ونجد مقطعين في سفر الرؤيا. من جهة، وليمة الدينونة الرمزية التي تدعى إليها العصافير لتأكل جثث الأعداء المهزومين في المعركة الاسكاتولوجية (نهاية الأزمنة) (رؤ 19: 17-18). ومن جهة ثانية، وليمة أعراس الحمل التي يُدعى إليها الشهداء والقديسون (رؤ 19: 9). هل نفهم رؤ 3: 20 كاستعارة عن حياة حميمة بين المسيح ومؤمنيه؟ إذا لاحظنا من جهة الرنة الاسكاتولوجية لكل المواعيد التي تنهي "الرسائل إلى الكنائس السبع" (تذكر شجرة الحياة في رؤ 2: 7 و2:22 والمن الخفي في رؤ 17:2 الذي يلمح إلى خطبة خبز الحياة في يو 6: 31-33، 48- 51). وإذا لاحظنا من جهة أخرى الموازاة بين رؤ 3: 20 ورؤ 19: 9 (وليمة أعراس الحمل)، نرى تلميحًا خفيًا إلى الطقس الافخارستي الذي مارسته كل الجماعات المسيحية في "يوم الرب" (رؤ 1: 10).
ثانيًا: التعليم الافخارستي في إنجيل لوقا
هنا نلتقي بتعليم لوقا الافخارستي. ونحن لا ننطلق أوّلا من خبر العشاء السري، مع أن لوقا تفرّد مع بولس باستعمال فعل "تعشّى" (لوَ 22: 20؛ 1 كور 11: 25). بما أننا ننطلق من الافخارستيا كوليمة مائدة الرب القائم من الموت، فسنقرأ أخبار الظهورات.
من الواضح أن مثل هذه الخبرة لعبت عند لوقا دورًا رئيسيًا في تأسيس الايمان المسيحي، في فرز (واختيار) الذين أقامهم الله كشهود لقيامة يسوع. فالخطبة التي جعلها لوقا في فم بطرس حين عمّد الضابط كورنيليوس، تُوضح هذا الأمر وتُجمل الكرازة الرسولية: "فيسوع هذا، قد أقامه الله في اليوم الثالث وآتاه أن يظهر، لا للشعب كلّه، بل لشهود قد اصطفاهم الله من قبل، لنا نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد قيامته من بين الأموات، وقد أوصانا أن نكرز للشعب ونشهد بأنه هو الذي أقامه الله ديّانًا للأحياء والأموات" (أع 10: 40-42).
إن ذكر الوليمة (أكلنا، شربنا) مع المسيح القائم من الموت ليست إشارة عابرة. ففي الظهور الوحيد للأحد عشر الذي يورده إنجيل لوقا، نجدهم مجتمعين مع رفاقهم (لو 33:24) ساعة انضم إليهم تلميذا عماوس. ليس من ذكر واضح للطعام في هذا المكان. ولكن من الواضح أن الطعام هو هدف الاجتماع: حين ظهر لهم يسوع شخصيًا ووقف بينهم قال لهم: "هل عندكم ههنا طعام"؟ فقدموا له قطعة من السمك المشوي (لو 36:24-42). هذا هو الوضع الوحيد الذي نرى فيه المسيح القائم من الموت يأكل (لو 34: 43). نقرأ في أع 1: 4: "وبينما هو مجتمع معهم" (أفضل من: "وفيما هو يأكل معهم").
ومهما يكن من أمر، فخبر تلميذي عماوس هو نموذج الخبرات الفصحية. وذروته ساعة يقلب المسيح المنبعث الوضع: كان غريبًا دُعي إلى العشاء (لو 24: 29)، فصار مضيفًا يدعو التلميذين إلى مائدته: أخذ الخبز وبارك وكسر وناولهما فعرفاه عند كسر الخبز (لو 24: 35). هذه هي الوليمة الافخارستية: اختبر كليوبا ورفيقه حضور الرب القائم من الموت، كمسيح تحمَّل كل هذه الآلام قبل أن يدخل في مجده (لو 24: 46): اتكأا إلى مائدته وشاركاه في وليمة ترأسها، شاركاه في كسر الخبز أي الافخارستيا.
يردُ "كسر الخبز" في خبر العشاء الأخير (لو 19:22) مع فعل شكر (افخارستيا)، ويرد أيضًا في سفر الأعمال ليدلّ على الاحتفال الافخارستي (أع 2: 42، كسر الخبز، 46:2، فعل كسر، 7:20، 11: إشارة واضحة إلى احتفال افخارستي، 27: 35: أخذ بولس خبزًا وشكر الله أمام الجميع وكسر وطفق يأكل). وهكذا يلتقي لوقا هنا مع القديس بولس في 1 كور 23:11- 24. وانطلاقًا من هذه الممارسة التي تستعيد ما فعله يسوع مرة واحدة، ألقت الرسمةُ الأدبية للاحتفال الافخارستي الضوءَ على أخبار تكثير الأرغفة (وهي علامة افخارستية بارزة: نظر إلى السماء وبارك وكسر، مر 6: 41). هذا يعني في نظر لوقا كما في نظر بولس أن الافخارستيا تجعل كل أعضاء الكنيسة يشاركون في مائدة الرب القائم من الموت. ولهذا نسمّي الافخارستيا عشاء الرب أو العشاء الربّاني.
ثالثًا: خطبة خبز الحياة
ونقرأ في المنظار عينه يو 6. نحن نندهش حين لا نرى في الإنجيل الرابع خبر التأسيس الافخارستي. هنا نتذكّر أن الأفق التاريخي لوجود يسوع على الأرض وأفق الحياة الكنسية الذي تشرق عليه صورة المسيح المنبعث، هذان الأفقان يتطابقان، بحيث إننا نستشف المسيح المُمجّد من خلال سمات يسوع الناصري. فخطبة خبز الحياة خطبة يلقيها يسوع الناصري، بل يلقيها الآن المسيح المُمجّد لكنيسته ولليهود الذين يصطدمون ويتشكّكون بالاحتفال الافخارستي. 
إذا كان خبز الحياة الذي ينزل من السماء ويعطي الحياة للعالم (يو 6: 32-33) هو المسيح المنبعث الذي يتقبّله بالايمان ذلك الذي يشارك في الطعام الافخارستىِ، حينئذ نفهم أنه يدعونا للمجيء إليه والايمان به. ونفهم أيضًا قوله: "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" (يو 56:6). لن نتوسّع في هذه الآية، ولكننا نعرف أنّ حضور المسيح في المجد كمضيف يقدّم مائدته لكنيسته هو في قلب الخبرة الافخارستية.

2- طعام الرب والعشاء الأخير
أ- الرب المجيد ويسوع الناصري
غير أن هذا التشديد على المسيح الذي يقدّم مائدته للمؤمنين، يتضمّن خطر مزج هذا المضيف غير المنظور مع الآلهة الكثيرة في العالم الوثني. فسنة 110 تقريبًا أرسل بلينوس الأصغر يطلب تعليمات من الامبراطور مرقس أوراليوس حوله الموقف الواجب اتخاذه تجاه المسيحيين. لاحظ أن هؤلاء يجتمعون "لينشدوا المدائح للمسيح كما لإله". لاشكّ في أن الحاكم يحسب المسيح إلهًا من هذه الآلهة الشرقية التي تكاثرت في المدن الرومانية. ويُطرح السؤال: هل الرب المُمجّد الذي تدعوه الكنيسة المُلتئمة لكي يجيء، هو كائن من عالم المخيّلة لا قيمة لتجذره الأرضي بالنسبة إلى الايمان؟ حاشا وكلا.
فالانجيل كإعلان خلاص لا يفصل بين يسوع الناصري ومسيح الايمان. بل يشهد على التماثل بينهما، كما على التماثل بين إنجيل ملكوت الله الذي أعلنه يسوع الناصري وإنجيل يسوع المسيح. فرسمة النؤمن المسيحي الذي تسلّمه بولس كتقليد سابق له، تشدّد على هذا الواقع المزدوج في الانجيل: المسيح (هذا هو الاسم المجيد المعطى للقائم من الموت) مات (هذا هو الحدث التاريخي الذي يفترض مأساة حياة انتهت بالموت) من أجل خطايانا (هذه هي نعمة الفداء التي حصلنا عليها بهذا الموت ووصلت إلينا في الحاضر المسيحي)، كما في الكتب (هذه هي الخلفيّة التوراتية التي يتصوّر عليها موت يسوع ويأخذ كل معناه) (1 كور 3:15). فالحاضر المسيحي الذي فيه ينقل إلينا المسيحُ الرب الخلاصَ ويمنحنا غفران الله أوّلاً، يحيلنا بالضرورة إلى تاريخ يسوع الناصري الذي يؤسّس هذا الحضور. فموت يسوع وقيامته هما وجهتان لحدث واحد أوصل كل التدبير الخلاصي إلى كماله. في هذه الحال نقول إنّ "عشاء الرب" لم يكيّف الولائم المكرسة لدى الوثنيين ولا شعائر العبادة اليهودية على عبادة الرب يسوع: فالعودة إلى يسوع الناصري ضروري كضرورة التعبير عن النؤمن المسيحي نفسه. من هذه الزاوية نفهم عشاء يسوع الأخير في قلب الكنيسة المجتمعة (1 كور 18:11).
ب- خبر آخر عشاء ليسوع
أقدم خبر لآخر عشاء اتّخذه يسوع مع تلاميذه نقرأه في 1 كور: نحن أمام تقليد يعود إلى الرب. تسلمه بولس (1 كور 11: 23) وذكّر المؤمنين به لكي يعيد النظام إلى الاحتفال بعشاء الرب. والكنيسة تجتمع كلها في اليوم الأوّل من الأسبوع (1 كور 16: 2): تتذكّر قيامة الرب الذي ظهر في ذلك اليوم للشهود (مر 16: 1؛ مت 28: 1). وبما أن هذا اليوم هو يوم عمل لليهود ولليونانيين، فالاجتماع يتمّ في المساء، بعد العمل، وقد يمتدّ طويلاً في الليل (أع 7:20- 11).
يتعشَّون معًا ويقومون بنشاطات أخرى: الصلاة، التنبّؤ، قراءة الأسفار المقدسة، الكرازة، التحريض أو التوبيخ الأخوي إذا لزم الأمر، جمع الصدقات للفقراء. أما قلب الاجتماع فهو عشاء الرب (1 كور 11: 20) أو كسر الخبز (أع 20: 7- 11). إن اختيار اليوم المحدّد الذي صار وقت الاحتفال الأسبوعي بقيامة الرب (كما أن السبت هو يوم الاحتفال بالخلق بالنسبة إلى اليهود)، يوجّه الفكر نحو طقس يُشرك فيه المسيحُ المنبعث أخصَّاءه في مائدته. وهو بذلك يستبق فرح عودته ويعطيهم تذوقًا مسبقًا للوليمة التي فيها سيشاركون في ملكوت الله (مت 29:26؛ لو 22: 30).
والفعلتان الأساسيتان في هذه المائدة الدينية تستعيدان ما صنعه يسوع "في الليلة التي أسلم فيها" (1 كور 11: 23): الخبز المكسور، كأس البركة (1 كور 10: 6). ولهذا كان من الضروري للاحتفال بعشاء الرب أن نحتفظ بذكر هاتين الفعلتين. فالمسيح الممجّد الذي يقدّم طعامه للكنيسة المجتمعة هو يسوع الناصري الذي "في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزًا وشكر وكسر وقال: خذوا وكلوا، هذا هو جسدي الذي يكسر (يعطى) لأجلكم. اصنعوا هذا لذكري. وكذلك الكأس، من بعد العشاء، قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي، اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري" (1 كور 23: 25). فعنصرا عشاء يسوع الأخير اللذان احتفظنا بهما، هما اللذان يستعيدهما الاحتفال الافخارستي: فخبر العشاء هو قاعدة الاحتفال نفسه. فإن لم يُسمَّ طعام الرب بوضوح "افخارستيا" فذكر الشكر نجده في كلمات تلفّظ بها يسوع على الكأس التي سمّاها بولس "كأس البركة" (1 كور 10: 16).
ونُلاحظ أنّ الخبر الذي يهدف إلى تقديم قاعدة ليتورجية يُعاد في كل احتفال لايضاح معناه. هذا الخبر يحتفظ بملخص لكلمات أشار بها يسوع مسبقًا إلى المعنى الذي يعطيه لموته القريب: جسدي (المكسور، المعطى، لو 22: 19) من أجلكم. العهد الجديد في دمي (في لو 22: 20: الذي يراق). وهكذا نلتقي مع ما قاله النؤمن المسيحي: "مات المسيح من أجل خطايانا" (1 كور 15: 3).
نحن لا نحاول أن نحلّل مضمون هذه النصوص وأبعادها، بل أن نفهم لماذا اتخذ خبرُ عشاء يسوع الأخير مكانه في قلب الاحتفال الافخارستي: فبفضله صار عشاء الرب تذكارًا لآلامه وموته: "فكلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1 كور 26:11). فبعد هذا التذكير الذي يرتبط بعمل يسوع، تُعلن هوية المسيح القائم ويسوع الناصري الذي اتخذ عشاءه الأخير مع تلاميذه قبل أن يسلم ويتألم ويموت: والجماعة الملتئمة حول ربها تعي هكذا وعيًا واضحًا ما يشكّل قلب إيمانها.
هناك أصل تاريخي للعشاء الأخير حسب متّى ومرقس، وأصل ليتورجي حسب لوقا وبولس. فالمكان الذي ألِّف فيه خبر الآلام ليقرأ، هو الجماعة الكنسيّة التي يكوِّن فيها عشاء الرب الذروة. المهم هو أن نلاحظ أنّ الطقس الافخارستي غير معقولة من دون خبر الآلام: أولاً، هو يثبّت أفعال يسوع وأقواله التي تحدّد معنى الصليب. ثانيًا: لولا الخبر لما كان في الكنيسة إعلانُ موت (حدثٌ تمّ مرة واحدة) الرب (تذكير بحضور المسيح الآتي والناشط) إلى أن يأتي (موضوع الرجاء المسيحي).

3- أبعاد عشاء الرب
تهدف هذه الملاحظات إلى التشديد على أن عناصر التفكير اللاهوتي هذه تتركّز على الواقع الذي أبرزناه في البدء: الافخارستيا هي الطعام الذي يشرك فيه المسيح المُمجّد كنيستَه. وهكذا تجد كلُّ أبعاد السرّ مكانتها.
أ- حضور المسيح الافخارستي
من المؤسف أن تكون المجادلات حول حضور المسيح في العناصر المكرَّسة قد سيطرت على اهتمامنا بحيث جعلتنا ننسى حضور الرب المنبعث الذي يُشرك المؤمنين في مائدته. كانت هناك نظرة مادية للحضور الواقعي، تحدّد بطريقة سحرية موضع وجود المسيح في الخبز والخمر المحوَّلين. وكانت نظرة جذرية في بروتستانتية القرن السادس عشر تجعل الطقس محض رمز حيث إيمانُ المشارك الشخصي يحقِّق وحده تقبُّلَ يسوع المسيح.
إذا كان المسيح الحاضر هو الرب المجيد، وهو عينه الذي يشرك المؤمنين في طعامه الاسكاتولوجي ليعطيهم منذ الآن عربون العالم الآتي، فهل نستطيع أن نقدّم نظريات فلسفية حول شروط الحضور التي يخضع لها القائم من الموت ليشرك البشر في جسده ودمه؟ فاللغة والكلمات تبقى ضعيفة وعاجزة. فيبقى أن نعود إلى القديس بولس وما قاله عن واقعيّة الافخارستيا.
أوّلاً: حضور المسيح حسب القديس بولس
لا يناقش بولس حول التمييز بين الواقع العميق والظواهر، بين الجوهر والاعراض، بل يوجّه انتباهنا حالاً نحو الخبز الذي نأكله والكأس التي نشربها، نحو جسد الرب ودمه اللذين تُشركنا فيهما الافخارستيا: "فأي إنسان يأكل خبز الرب أو يشرب كأسه بلا استحقاق يكون مجرمًا إلى جسد الرب ودمه" (1 كور 27:11). فالخبز والكأس يعودان إلى الرب الذي يضيفنا. والجسد والدم (يدلاّن على الشخص كله) يلمّحان إلى ما قاله الرب الممجَّد: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي". "هذه الكأس هي العهد الجديد في دمي". فالجسد المبذول والدم المراق في موت يسوع قد تجلّيا بدخوله في المجد. ولهذا، من يأكل الخبز ويشرب الكأس يدخل في علاقة مباشرة وحميمة مع شخص المسيح القائم من الموت، مع جسده ودمه اللذين ارتديا الحضور والمجد والقدرة التي يعطيها روح الله. 
ثانيًا: الانجيل الرابع
ونقول الشيء عينه عن نصّ القديس يوحنا الذي يشير إلى هذه الحقيقة عينها (يو 53:6-58). فالعبارات المستعملة جد واقعية: أكل، مضغ. ولم يعد يوحنا يكلمنا عن خبز وخمر نتقبلهما في وليمة الرب. فابن الانسان الذي هو خبز الحياة أو الخبز الحي، خبز الله أو خبز السماء، هو جسده ودمه الممجدان اللذان صارا طعامًا وشرابًا. إنهما يدلاّن على شخص المسيح كله في المجد الذي ناله بعد الموت. فالحضور المرتبط بعمل الطعام والشراب يخضع لحضور القائم من الموت والذي يقدّم للبشر وليمة: وهو هو يسوع الناصري الذي أعطى جسده لخلاص العالم ليكون الخبز الذي يعطي الحياة.
إنّ واقعية الحضور المرتبط بعناصر مادية تؤكل وتشرب، تدخل في إطار واقع غير منظور يحيط به، هو واقع علاقة الكنيسة بربّها المُمجّد. وهو الرب يواصل ما فعله في العشاء الأخير ويقول الأقوال عينها. وهكذا يتأمّن بواسطة الروح القدس استمرار حضوره في الكنيسة.
ب- المشاركة مع المسيح القائم من الموت
إنّ المسيح القائم من الموت هو موضوع عبادة من قبَل الذين يؤمنون به. هنا نتذكّر الأناشيد التي أوردها القديس بولس في رسائله (فل 2: 5- 11؛ كو 1: 15-20). ولكننا لن نبحث بما تقوم به هذه العبادة، بل نحاول أن نعرف لماذا يفتح الرب مائدته للمؤمنين ويُشركهم في عشائه.
هنا نعود إلى 1 كور التي تستعمل كلمة "مشاركة" (كوينونيا). قد تكون المُشاركة مادية (روم 15: 26-27). ولكن 1 كور 1: 9 يسير بنا إلى واقع وهو أن المؤمنين مدعوون من قبل الله "لشركة ابنه يسوع المسيح ربنا". لن ننسى هدف الدعوة المسيحية هذا حين نتفحّص النصوص التي تتكلّم عن عشاء الرب.
أوّلاً: علامة المشاركة حاسب القديس بولس
إن المشاركة في المائدة عينها هي علامة الوحدة بين البشر. وإن الجمع بين الخبز والجسد، بين الكأس والدم، لا يُفهم إلاّ في خبر العشاء. والفصل بين العنصرين لا يفسّر كعلامة موت: فالطعام والشراب يدلاّن على وجبة نأخذها، والخبز والخمر يذكّراننا بعشاء الرب الأخير كله. ويُضمّ الجسدُ إلى النفس ليدلاّ على الشخص كله. فهما لا ينفصلان في المسيح أي في القائم الذي تجاوز عتبة الموت ليدخل في مجده: "بعد أن أقيم المسيح من بين الأموات، فهو لا يموت أيضًا" (روم 6: 9). وتناولُ جسده ودمه يعني الاتحاد به، وبواسطته بالله. وهكذا يجد الطعام ملء بُعده بالاتحاد الذي يجريه بين المسيح والمؤمنين. صار الضيف طعامًا وشرابًا لينقل إلى المشاركين حياته التي يملك فتصبح حياتهم: "أنا حيّ، لا أنا بل المسيح حيّ فيّ" (غل 20:2). هذه العبارة التي قالها بولس الرسول تبدو في كامل حقيقتها في المشاركة الافخارستية.
ثانيًا: الكتابات اليوحناوية
ويلاحظ اللاهوت اليوحناوي الواقع عينه، وإن اختلف التعبير. ففي رؤ 3: 20 تستعمل الاداة "مع" مرتين لتدلّ على الاتحاد دون الاندماج الحلولي. وفي يو 53:6-58 تشدّد العبارات العديدة على مشاركة في حياة نالها المسيح الممجَّد من الآب وأعطاها للذين يأكلونه وهو الخبز الحي. "وكما أن الآب الحيّ أرسلني وأنا أحيا بالآب، فمن يأكلني يَحيَ هو أيضًا بي" (يو 6: 57)
غير أن عطيّة الحياة الأبديّة هذه ترتبط من جهة بالايمان بالمسيح. ومن جهة ثانية، بفعل الطعام والشراب، نأكل جسده ونشرب دمه. إذن، نحن نفهم الملازمة المُتبادلة التي يُحدثها هذا العملُ الليتورجي، بالنظر إلى المشاركة في حياة القائم من الموت. "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه" (يو 6: 56)، ونجد العبارة عينها في مثَل الكرمة الذي يحتوي رنّة افخارستية غير مباشرة (يو 15: 4- 5).
ج- التناول في الكنيسة
إن هذه الاعتبارات حول اتحاد المؤمنين بالمسيح القائم من الموت تقودنا بصورة طبيعية إلى فهم أفضل لاتحاد المتناولين بعضهم مع بعض. فأساس استعارة جسد المسيح التي يتوسّع فيها القديس بولس تنطلق من خبرة عشاء الرب. إن بولس ينطلق من المسيح الذي اعتمدنا فيه والذي لبسناه (غل 27:3)، لنكون جسدًا واحدًا هو جسده. نحن هنا أمام "جسدية" يسوع الناصري الذي "وُلد من امرأة، وُلد في حكم الشريعة" (غل 4: 4). وحين قام المسيح في المجد حافظ على هذه الجسدية التي تحدد وجهة أساسية من الوضع البشري. ولكنه قام "جسدًا روحانيًا" (1 كور 15: 46). من هذا القبيل، يستطيع أن يعطينا أن نتناول جسده ودمه (1 كور 10: 16). "وبما أن الخبز واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد" (1 كور 17:10). "ولكنّ الخبز الذي نكسره هو شركة في جسد المسيح" (1 كور 10: 16). وهكذا نرى أننا تجاوزنا الاستعارة. فإذا تذكّرنا أن الكنيسة الملتئمة لتحتفل بعشاء الرب هي جماعة مقدسة حول المسيح القائم من الموت بالنسبة إلى كل الذين يؤمنون به، نفهم حينئذ أن هناك علاقة وثيقة بين وجودها والاحتفال الافخارستي. بما أنها تجتمع من أجل الشركة بين المسيح والبشر، فبها يصبحون جسدَ المسيح وأعضاء كل بمقدار (1 كور 27:12). هي تصنع الطقس ولكن الطقس ينقل إليها حياة المسيح ويجعلها واحدة.
د- ذبيحة المسيح
كان البعد الذبائحي للافخارستيا موضوع عدد من الجدالات لدى اللاهوتيين. نحن نترك هذه المجادلات ونعالج المسألة من زاوية العشاء الربّاني فنترك التعارض أو الانشداد بين ذبيحة القداس وذبيحة الصليب، بين ذبيحة دموية وتقدمة غير دموية (كما في العهد القديم، ذبيحة حيوان وتقدمة محاصيل الأرض).
ينطلق عدد من اللاهوتيين من نظرة مسبقة للذبيحة ويحاولون أن يُدخلوا فيهـا ذبيحة المسيح على الصليب أو الذبيحة الافخارستية أو الذبيحتين معًا. ولكن من الخطأ أن نخضع مفهوم الذبيحة في العهد الجديد للنماذج التي نجدها في العهد القديم، مع العلم أن هذه النماذج ترتبط بطقوس ذبائحية عرفها الشرق القديم.
ليس واقع المسيح هو الذي يتكيّف مع صور وأنماط جزئيّة وناقصة، تسميّها عب 8: 5 و10: 1: صورة وظل. فعلى الصور أن تمّحى أمام الجسد (كو 2: 21) الذي كانت عنه سمات بعيدة. ولهذا يكفي أن ننطلق من لغة الذبائح التي يطبّقها العهد الجديد على المسيح بصورة واضحة ويستغني عن عبارات غير كافية، إلا نعود نحصر ذبيحة المسيح بموته على الصليب.
أوّلاً: تعليم القديس بولس
نجد في الرسائل البولسية نصًا واحدًا واضحًا في هذا المعنى: "المسيح أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا كتقدمة وذبيحة عرف طيب مقدَّمة لله" (أف 5: 2). من جهة، ليس موته هو الذي نماثله رمزيًا بتقدمة وذبيحة عرف طيبة (مع تلميح إلى فئتي الطقوس عند اليهود، رج مز 40: 7). بل، لأنه أحبّنا حتى قبلَ الموتَ واستسلم له إراديًا، وفي هذا تلميح إلى خبر جتسيمانيّ (لو 22: 42 وز) ونبوءة عبد الله المتألم ("المسيح") يتضمّن تلميحًا إلى مجد القائم من الموت. وهكذا لا ينفصل الموت عن القيامة من أجل تحديد الذبيحة التي تخصّنا.
ثانيًا: الرسالة إلى العبرانيين
وما قلناه هنا تثبّته عب التي تتفرّد برسم نظرية حول ذبيحة المسيح. فالتوسُّع الطويل المكرّس لكهنوت المسيح ووظيفته كوسيط للعهد (عب 8: 1- 10: 18)، يقدّم في هذا المجال نقطتين رئيسيتين: الأولى: إن الموازاة الرمزية بين ذبيحة يقدّمها حبر العهد الجديد وطبيعة التكفير التي يقدّمها الحبر اليهودي في يوم الغفران (كيبور أو التكفير) العظيم (عب 9: 1- 14)، تربط رباطًا وثيقًا موت المسيح بدخوله بالمجد فتبيّن العناصر التي تكوّن الذبيحة. وهذه الذبيحة قدّمت مرّة واحدة (عب 7: 27؛ 9: 12؛ 10: 10) فحصلت لنا على فداء أبدي (عب 9: 12) لكي نعبد الله الحي (9: 14). وهكذا تدخل قيامة يسوع وحالته المجيدة (التي تجعلها حاضرة لجميع البشر) في نظرة لاهوتيّة عن ذبيحة المسيح: فبدخوله في المعبد السماوي الذي هو الوجهة المقابلة لموته، استحضر يسوع عمل موته لجميع الأزمنة.
الثانية: إذا أردنا أن نفهم هذا الفعل فهمًا صحيحًا، لن ننظر إليه فقط من الوجهة الدموية التي تتيح لنا أن نوازيه (موازاة لا تفي بالمرام) مع ذبائح الهيكل اليهودي (عب 9: 12-14). يجب أن ننظر إلى باطنيّة الفعل في وجدان المسيح: فالمسيح قدّم نفسه (عب 14:9). يتوسّع ف 10 مطوّلاً في هذه النقطة، فينتقل من "ظل الخيرات المستقبلة" إلى صورة هذا الواقع، والصورة تتضمّن جوهر الواقع وحقيقته بشكل له مدلوله.
ويقابل صاحب عب بين نظام المحرقات والتقدمات والذبائح المقدمة للخطيئة (الذي ألغي، عب 10: 9)، والجديد المسيحي حيث تقوم تقدمة المسيح جوهريًا بتتميم إرادة الله حسب ما يقول مز 9:40 (عب 7:10، 9). نحن هنا أمام مقولة ذبائحية لم نتعوَّد عليها. فالذبيحة التي نتحدّث عنها تغطي كل وجود يسوع منذ دخوله إلى العالم (عب 10: 5) إلى تقدمة جسده (10: 10). أي موته على الصليب الذي ختم العهد الجديد وأدخل المسيح في السماء لكي يتشفَّع الآن إلى الله من أجلنا (عب 10: 24).
ثالثًا: الرسالة إلى العبرانيين والاحتفال الافخارستي
وإن تكن عب لا تتضمّن تلميحًا واضحًا إلى الاحتفال بالافخارستيا، إلاّ أن تقديمها لذبيحة المسيح يرتبط بهذا الاحتفال. فعشاء الرب (يُقرأ الخبر المؤسّس فيتذكّر معناه المشاركون) ينقل بين الحاضرين الكأس التي هي العهد الجديد في دم المسيح (1 كور 25:11)، ويشركهم في جسده المعطى لأجلهم (1 كور 11: 24). وإن يسوع قد أوضح في لمات العشاء الأخير المعنى الذي أراد أن يعطيه لموته القريب، وهو موت اقتبله "من أجل أخصّائه" أو "من أجل الكثيرين" (أش 53: 12). فهذا الرجوع إلى الحدث التاريخي لموت المسيح، لا يُدخل بُعدًا ذبائحيًا في الاحتفال الافخارستي بمعزل عن الذبيحة الوحيدة التي أتمَّها الصليب مرة واحدة: فتمجيد المسيح القائم من الموت هو وجهة أساسية في الذبيحة عينها. لهذا فعشاء الرب الممجَّد يستحضر في قلب الزمن هذه الذبيحة مع بُعدي الموت والمجد: ويشرك فيها كل أعضاء الكنيسة، لكي يقدّموا بدورهم لربهم أجسادهم كذبائح حيّة مقدَّسة يرضى عنها الله. وهكذا يحققون العبادة العقلية التي تتحدّث عنها روم 12: 1. فالبُعد الذبائحي للحياة المسيحية التي نفهمها كتتميم لإرادة الله نعيشها بمحبة، هذا البُعد يبدو كثمرة طبيعية للممارسة الافخارستية والاتحاد مع المسيح.
وهكذا نرى أن العودة إلى المسيح القائم من الموت تلعب دورًا أساسيًا في فهم الذبيحة فهمًا صحيحًا: يرى الايمان أن الصليب لا ينفصل عن الاحتفال الافخارستي.
هـ- الرجاء المسيحي
وأخيرًا نشدّد على الرجاء الذي يرتبط بهذا الاحتفال إذا تذكّرنا أنه ليس تكرارًا للعشاءات التي شارك فيها المسيح أخصّاءه. صارت المجموعة كنيسة ملتئمة من أجل العبادة الاسكاتولوجية. بالنسبة إلى المسيح، لقد جاء العالم المقبل. بالنسبة إلينا على الأرض، فنحن لا نزال ننتظره. ولكن مجد المسيح يقدّم أساسًا ملموسًا لهذا الانتظار بقدر ما يشكّل إعطاء حياته وارسال روحه الباكورة (روم 8: 23) والعربون (2 كور 1: 22؛ 5: 5؛ أف 1: 14).
لهذا يوجّه عشاء الرب أنظارَ المشاركين نحو تتمّة سر المجد الذي يحمل إلينا "افتداء أجسادنا" (روم 8: 23). وهذا الخلاص الذي هو موضوع رجائنا (روم 8: 24) تنتظره الكنيسة بشوق (روم 8: 19). فالاحتفال الافخارستي لا يذكّرنا فقط بحدث موت المسيح (في الماضي) ولا بحضوره كقائم من بين الأموات (في الحاضر)، بل ينعش فينا رجاء مجيئه الأخير (1 كور 36:11). لهذا تتوافق صلاة ماراناتا (تعال يا رب) مع الجماعة التي تحتفل بعشاء الرب.
هنا يبدو أكثر ما يبدو البُعد الليتورجي لرؤيا القديس يوحنا. نحن لا نجد فقط تلميحًا إلى الاحتفال الاسراري في الرسالة إلى كنيسة لاودكية (رؤ 3:20). بل إن السفر كله ينبسط على خلفيّة ليتورجيا سماوية تجمع في قلبها الله نفسه والحمل المذبوح أي المسيح المائت على الصليب والممجَّد والذي نال لنا الخلاص بذبيحته (رؤ 5).
هذا هو النموذج الرمزي لليتورجيا أرضية تشارك فيها الكنيسة في مائدة الرب الممجّد بانتظار أن تشارك في وليمة عرس الحمل (رؤ 19: 7-9). لهذا، فتعليم الرجاء الموجّه كله نحو عودة الرب المجيدة، يُختتم بالنداء الليتورجي: "تعال أيها الرب يسوع" (رؤ 22: 20).
هذا لا يُلغي الوجهات الأرضيّة للرجاء (سماوات جديدة وأرض جديدة يسكن فيها البر، 2 بط 13:3). كما لا يلغي ضرورة الالتزام الناشط الذي تفرضه المشاركة مع المسيح: هنا نستعيد بالتفصيل عناصر السلوك المسيحي. ولكن الرجوع إلى المسيح الممجّد يعيد تنظيم كل هذه العناصر حوله في نظرة ديناميكية توجّه الانسان نحو مستقبل الله.

4- نتائج عملية
أ- ترؤس الاحتفال
ليس عشاء الرب حفلة خاصّة أو طقسًا تقويًا يهدف إلى التذكير بموت يسوع الذي حصل في الماضي للتكفير عن خطايانا. نحن هنا أمام نظرة خاطئة إلى ذبيحة المسيح المحصورة بموته على الصليب، نظرة تترك جانبًا العودة إلى الرب الذي يعدُّ الآن مائدته لكنيسته.
الفاعل الأوّل في الطقس هو المسيح الممجَّد. والمشاركون يجتمعون كنسيًا (1 كور 18:11) حوله ليصيروا جسدًا واحدًا هو جسد المسيح نفسه بعد أدن يشاركوا في الخبز الواحد.
إذن لن نتساءل عن بنية الجماعة الليتورجية: هي بنية الكنيسة نفسها كجسد المسيح الممجّد والمجسّد في هذا المكان أو ذاك من الكون. فالبنية الخدميّة في الكنيسة تظهر في الجماعة التي يدعوها الرب إلى عشائه. لسنا هنا أمام سلطة أو "سحر" بل أمام وظيفة وخدمة. في بداية الكنيسة، ارتبطت هذه الوظيفة بالرسل الذين هم الشهود المباشرون للقيامة، الذين أكلوا وشربوا مع المسيح الممجّد، الذين نالوا منه مهمّة إعلان الانجيل وتأسيس الكنيسة. وبعد هذا كانت السلسلة الرسولية حتى أيامنا، بل حتى نهاية العالم.
إن الذي يرئس الجماعة يمحَّى أمام المسيح القائم من الموت، المسيح الذي لا يزال يدعونا إلى عشائه نحن الذين نشارك في الكهنوت الشامل لشعب الله (1 بط 2: 9، رؤ 5: 10). الكاهن يرئس الاحتفالي، ولكن الشعب كله يشاركه في تقدمة نفسه وحياته وأعماله، بل في تقدمة العالم كذبيحة روحية يرضى عنها الله.
ب- مشاركة في مائدة المسيح، مشاركة مع البشر
عشاء الرب يحقّق وحدة الحياة بين المسيح الممجّد وكل الذين يؤمنون به. هذا على المستوى العموديّ. وعلى المستوى الافقي يحقّق وحدة بين كل المشاركين، وهي وحدة منفتحة على العالم كله الذي يجمعه الرب في كنيسته التي هي جسده.
إن هذا الاتحاد لا يتوقّف عند بعض العواطف التقوية والنوايا الطيبة. هل يعقل أن يشارك المسيحيون في عشاء الرب ولا يشاركون جنبًا إلى جنب في مائدة بشريّة واحدة؟ كان مؤمنو كورنتوس يجتمعون في كنيسة، ولكن كان كل واحد "يتناول عشاءه الخاص" (1 كور 11: 21). هذا يعني أننا نكذب على واقع عشاء الرب... كم من الحواجز تفصل بيننا نحن الذين نشارك في الجسد الواحد وننسى مقاسمة الخيرات المادية بين فقراء وأغنياء. فالمشاركة في مائدة الرب تشكّل نداء إلى مقاسمة خبزنا اليومي. والمشاركة في دم الرب تشكّل دعوة لمشاركة البشر في حياتهم. لن نبقى على مستوى الاحلام فننتظر تحقيق هذه المشاركة بطريقة آلية. إنها "ثمرة الروح الذي هو محبّة وفرح وسلام وطوله أناة ولطف وصلاح وأمانة ووداعة وعفاف" (غل 5: 22).
لاشكّ في أن الرب يعطي ثمرة روحه للذين يشاركونه في عشائه. يبقى عليهم أن يتجاوبوا ونداءات النعمة فيقولون مع صاحب الرؤيا: آمين. تعال أيها الرب يسوع.
الفصل الثامن
سر الفداء

المسيحية ديانة تنطلق من حاجة العالم إلى الفداء، ديانة عالم يتوق إلى الفداء. مثل هذا القول يستند إلى طريقة فهم اللاهوت لارتباط الانسان المطلق بقدرة الله الخلاصية. إن كلمة الوحي تقول لنا إن الانسان خاطئ، بعيد عن الخلاص، وإنه يحتاج إلى التوبة، إلى الفداء.
ولكن عالمنا الحاضر يجد صعوبة للقبول بمبدأ الفداء. عالمنا يثق بنفسه كل الثقة، وهو يظن أنه قادر على تجنيد قواه الخاصّة واستثمارها ليوجِّه حياته إلى كمالها، وهو لا يحتاج إلى تدخّل من قبل الله المخلّص، لأنه يكفي نفسه بنفسه. في هذا العالم التقني الذي نعيش فيه، والذي لم يزل في بدايته، يحسُّ الانسان أنه يستطيع تنظيم الكون بعيدًا عن التقلّبات والهزات. تقدّم الانسان وطوَّرَ حياته فظن أن بامكانه الاستغناء عن الاطمئنان الذي يعطيه الايمان والاستعاضة عنه باستقرار يبنيه وحده دون الرجوع إلى الرب. في الماضي كان الانسان يحسّ بمحدوديّته ويشعر بثقل الوجود، فظن أنه سجين شقاء لا ينجّيه منه إلاّ الله. وكأنه تأكّد اليوم أنه بعمله يستطيع أن ينجو من الشقاء ويتغلّب على الخوف من الموت. أما الفراغ الداخلي الذي تحدث عنه القدّيس أوغسطينس فلا يحتاج إلى إيمان ديني يملأه، لأن الثقة بالنفس تُخرج القلب الخائف الممزق من حالته المضنية. وإذا كان اليأس لا يزال يرتسم في تطلّعات الانسان، فهذا علامة نقص لا بدّ أن يتعدّاه الانسان ليصل إلى الكمال، إلى العالم الجديد، إلى الفردوس على الأرض.
في هذا الاطار ذهب التحليل النفساني إلى القول بأن أسطورة الفداء قد نزلت عن عرشها، وأن الانسان يعود إلى ذاته الحقّة فيتخلَّص من العقد التي تُشعره بالذنب أو بالضعف، ليعيش عيشًا سليمًا لا مشاكل فيه. وراح بعض علماء الديانات يؤكّدون أن ديانة الفداء نبتت في محيط أحسَّ فيه المسحوقون بحالتهم اليائسة، فاستيقظت فيهم رغبة ملحّة إلى التحرّر والخلاص. أما وقد زالت الاسباب، فانتفت الحاجة إلى الفداء.
ونحن المسيحيّين تعوّدنا أن ننظر إلى الوحي على أنه مجمل حقائق عن العالم الآخر. من أجل هذا ظهرنا وكأنّنا غرباء عن هذا العالم ونسينا أن هذا العالم يحتاج إلى فداء وأن الخليقة تئنُّ متطلّعة للعودة إلى الله. لقد تعوّدنا أن ننظر إلى الخطيئة كعمل فردي نقيّمه ونقدّره، فنسينا حالة الكون الخاطئ الذي يحتاج إلى الخلاص. لقد تعلّمنا مع بعض المفكرين أن نغضَّ الطرف عن حالة الانحطاط التي يعيشها عالم خاطئ مطبوع بطابع الموت، وأن نشدّد على التجديد الذي هو تطوّر ونموّ لا صدع فيه ولا عيب. ولكن كيف يمكن لحامل كلام الله أن يعلن الانجيل، أن يعرض على الناس الخلاص بيسوع المسيح دون أن يجعلهم يعون الشر الكامن فيهم. إذا رفضنا أن ننطلق من الخطيئة المسيطرة في الكون، إذا رفضنا أن نقول إننا خطأة واعتبرنا أننا لا نحتاج إلى فداء فنحن نكذب على ذواتنا، نكذب على الغير، وسنبقى مقيمين في خطايانا. أما إذا اعترفنا بأننا خطأة، فالرب يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كل شرّ. وإن كنا لا نريد أن نرى الخطيئة تدخل الكون ويدخل معها الموت، فكيف نستطيع أن نرى نعمة الله وخلاصه؟ وإذا كنّا ننسى أن الخطيئة قادت الانسان إلى الهلاك فكيف نقدر على القول إن الحياة جاءتنا بيسوع المسيح؟
هذه الحقائق نسيها عالم اليوم. من أجل هذا دعانا قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى سنة يوبيلية، إلى سنة نعمة وغفران، فقال لنا: افتحوا الابواب للفادي، اكتشفوا اليوم أيضًا محبة الله الذي بذل ذاته عنا. تعمَّقوا في غنى سرّ المسيح الفصحي. إن الانسان يبحث عن الحقيقة والعدالة والسعادة ولن يحصل عليها بقواه الذاتية، بل بالمسيح الذي يأتي إلى لقاء الانسان فيحرِّره من عبودية الخطيئة ويعيد إليه ما كان له من كرامة. إلى هذا الوعي يدعونا قداسة البابا، فنتعمّق بسرّ الفداء ونتفهّم ما عمله يسوع المسيح من أجل خلاصنا.
في حديثنا عن سر الفداء سنتوقّف على ثلاث محطات: اختبار الفداء في العهد القديم. عمل الآب الفادي. عمل الابن الفادي.

1- اختبار الفداء في العهد القديم
عندما نقرأ العهد القديم نتعرّف إلى اختبارات ثلاثة عرفها الشعب في علاقته بالله: الله يفدي شعبه، الله يتولّى أمر شعبه، الله يخلّص شعبه.
أ- الله يفدي شعبه
أول اختبار للفداء على مستوى البشر هو اختبار الأسر والعبودية. يفدي الرجل أخاه، أي يستنقذه بمال أو سواه، يخلّصه من الأسر فيدفع عنه الفدية اللازمة، يبادل حياة أخيه وحريته بأثمن ما عنده. ونحن عندما نتحدّث عن المسيح الفادي سنعرف أنه لم يدفع مالاً ولا شيئًا من خيرات هذه الدنيا، بل بذل دمه وضحَّى بحياته عوضًا عنا وبدلاً. أخذ موتنا وأعطانا حياته، أخذ ما لنا وأعطانا ما له لحياة وخلاص نفوسنا.
وعند الحاجة وفي ساعة الضيق سيعرف الانسان أنه ليس وحيدًا متروكًا، لا سند له ولا عضد. سيعرف أنّ له وليًا هو له بمثابة المحب والصديق والنصير والحليف، وليًا يلزمه ويتولى أمره وينصره. يخسر أرضًا فيستردها الولي له، يبيع حريّته فيستنقذ الصديق حاله، يهرق دمه فيتولى قريبه عمل العدالة، يموت فيهتم الولي بالارملة والاولاد فيدافع عنهم ويتقلد أمرهم ويقوم بأودهم.
هذا الاختبار الذي عاشه شعب الله القديم في المجال الاجتماعيّ، قد طبّقه على حياته مع الله الذي هو بالنسبة إليه المخلّص والفادي والولي الذي يدافع عنه كما يدافع القريب عن قريبه. يقول سفر الخروج (13: 14): "بيد قديرة أخرجنا الرب من مصر، من أرض العبودية". أجل، إن الله يفتدي شعبه من مصر (تث 7: 8؛ 13: 6)، من الضيق (مز 78: 42)، ومن العار (تث 22: 18). وكما افتداهم من عبودية مصر، سيفتديهم من سبي بابل، يفكّهم من يد من هو أقوى منهم (إر 31: 11؛ زك 8:10)، وينجّيهم من كل ضيق وعناء (مز 8:130). وهو لا يكتفي بأن ينجّي الجماعة، بل يهتمّ بكل فرد من أفراد شعبه. فهو يفتدي ويرحم (مز 26: 11) لأنه الإله الأمين (مز 31: 6) الذي ينصر ويفدي بعظيم رحمته (مز 27:44؛ 19:69).
ب- الله يتولى أمر شعبه
هناك أمثلة عديدة في حياة الشعب تدلّ على الدور الذي يقوم به الولي في المجتمع. إن مات رجل ولم يكن له عقب، يأخذ الولي امرأته ويعطيه أبناء يسمّون باسمه، لأن للمرأة حقَّ الولاء على أقرب الناس إلى زوجها (را 13:3). وإن وقع رجل في العبودية بعد أن باع نفسه لضيق يده، فواحد من إخوته أو أقاربه يفكّ بيعه (لا 25: 48-49). وإذا افتقر رجل فباع شيئًا من ملكه حقَّ لأقرب أقربائه أن يفك بيعه ويسترده (لا 25: 25-26). وإذا قُتل رجل وعُرف قاتله، فالولي هو من يثأر لدم قريبه (عد 35: 19) في وقت كانت العدالة غائبة.
وينطلق الكاتب الملهم من هذه الامثلة ليعتبر الله وليَّ شعبه وموئله ساعة الضيق. يفتديه من الموت ومن كل سوء (مز 103: 4؛ هو 13: 14) ويتولى أمر اليتيم والأرملة والقريب. الرب يعتق بني اسرائيل من يد العدو (خر 6: 6؛ مز 74: 22): "خلَّصهم من يد المبغض وافتداهم من يد العدو، فذكروا أن الله خالقهم، أن الاله العلي وليّ أمرهم" (مز 78: 35): "افتدى بذراعه شعبه، بني يعقوب وبني يوسف" (مز 77: 16).
ويتوسّع أشعيا النبي في فكرة الله الذي يتولّى أمر شعبه ويفديهم، فيقول بلسان الربّ: "لا تخف، فأنا قد نصرتك، وفاديك هو قدوس اسرائيل (أش 41: 14). الرب هو ملك اسرائيل وفاديه، مصوّر اسرائيل في البطن (أش 44: 6 ي). ويقول أيضًا: "قد افتديتك ودعوتك باسمك. أنت لي. إذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفي الانهار فلا تغمرك" (أش 41: 201)، وإن "أخطأت فإني أمحو كالسحاب معاصيك وكالغمام خطاياك. إرجع إليّ فإني افتقدتك" (أش 44: 22). "وإن ذهبتَ إلى السبي، إلى بابل، قل: قد افتدى الرب عبده يعقوب، أخرجه من بابل" (أش 48: 20). لقد نظر الله إلى مضايق شعبه. فخلّصهم بمحبته وافتداهم برحمته ورفعهم من الضيق وحملهم على يده كل الأيام السالفة.
لقد اختبر الشعب فداء الرب، وسيختبر هذا الفداء أفرادُ الشعب في وقت الضيق والصعوبات وأمام العدو والمضطهد، عند الألم والموت ويوم تفتح الهوّة فمها لابتلاع الذين جعلوا رجاءهم في الرب. يقول صاحب المزامير: "عد يا ربّ، ونجّ نفسي وخلّصني لأجل رحمتك" (6: 5)، "فأنت تنقذ نفسي من الموت وعيني من الدمع ورجلي من الزلق" (8:116)؛ "خلّصني يا رب من إنسان السوء، وانصرني على رجل" المظالم (140: 2). "أخرجْني إلى الرحب وخلّصني واحفظني" (18: 20)؛ "أيها الرب إلهي بك احتميت. خلّصني من مضطهدي وانقذني، وأخرجني من الضيق الذي أنا فيه، لئلا يمزِّق العدوُّ كأسد نفسي، ويفترسني ولا من ينجّي" (7: 2-3).
ج- الله يخلص شعبه
أول ما عرف الشعب الرب عرفه كالله المخلّص الذي ينقذ شعبه من عبودية مصر، وينجي مؤمنيه من كل ضيق وشدّة. وعندما عرف الله الخالق، فقد عرفه مخلصًا للإنسان من قوى الطبيعة وحيوانها الكبير والرياح والمياه والثلج والبرد، ثم عرفه خالق الكون من العدم. نقرأ في سفر الخروج بلسان الرب لشعبه: "أنا الرب سأخرجكم من تحت نير المصريين وأنقذكم من عبوديتهم. وسأنجيكم بذراع مرفوعة وسخاء عظيم. وسأتخذكم لي شعبًا وأكون لكم إلهًا، وتعلمون أني أنا الرب الذي أخرجكم من تحت نير المصريين" (6: 6-8).
الله مخلص شعبه وقد أقام معه عهدًا. أما نتيجة هذا الخلاص فحياة سعادة وامتلاك أرض. وأما الوسيلة فقدرة الله التي ليس فوقها قدرة، ويده التي لا ترتفع فوقها يد. أما لماذا خلَّص الله شعبه؟ الجواب نقرأه في سفر تثنية الاشتراع (8:7): لمحبته ولمحافظته على اليمين التي أقسم بها للآباء، أخرج شعبه بيد قديرة وفداهم من دار العبودية. أحب الله شعبه فافتداه، وعلى الشعب أن يبادل الحبّ بالحب، فيبقى أمينًا له حافظًا لوصاياه عاملاً بها. وعمل الفداء عند الرب يشبه عمل الخلق، بمعنى أنه يولِّد حالة لا رجوع عنها. هو خلقَ، ولا يستطيع أن يدمِّر خليقته. هو كوَّن شعبه ولا يستطيع أن يزيل هذا الشعب دون أن ينكر ذاته. يمكن أن يقسو قلب الشعب وتكثر شروره وخطاياه، ولكن الرب لا يهلك شعبه وملكه الذين افتداهم بعظمته وقدرته، لأنه الاله الرحيم والمحب.
وسوف يتأمل المؤمنون اليهود على مرّ العصور في هذا الخلاص الذي تمَّ لهم بقيادة يهوه، ويتذكّرون أن الرب هو إلههم وأنهم شعبه. أنه أخرجهم من أرض مصر وافتداهم من دار العبودية. سوف يتذكرون هذه الامور عندما يذهبون إلى المنفى ويصيرون بعيدين عن أرضهم مستعبدين على أرض غريبة، هي أرض بابل. حينئذ يسمعون صوت الرب بلسان أشعيا: "أنا الرب الهك، قدوس اسرائيل مخلصك... صرت كريمًا في عينيَّ ومجيدًا، فإني أحببتك... لا تخف فإني معك وسآتي بنسلك من المشرق وأجمعك من المغرب... أجيء ببنيَّ من بعيد وببناتي من أقاصي الأرض. ارجعوا يا كل من يدعو باسمي، الذين خلقتهم وجبلتهم وصنعتهم لكي يمجِّدوني" (3:43-7).
شعب الرب هو ملك الرب وسيكون معهم ويساعدهم ليقوموا بالرسالة التي يوكلها إليهم: أنا أكون معك، أنا أحبك وأنت كثير الثمن في نظري. وهنا ترتبط فكرة الخلق بفكرة الخروج الثاني من أرض بابل الذي سيكون على مثال الخروج الأول من أرض مصر. فالرب الذي صنع كل شيء ونشر السماوات وحده، وبسط الأرض ولم يساعده أحد، هو الذي كوَّن شعبه وافتداه وتولَّى أمره (أش 44: 24). في سورة غضبه أشاح بوجهه عنه لحظة، وبرحمة أبدية يرحمه، رذله هنيهة ثم ضمَّه إلى صدره وأظهر له مراحمه العظيمة (أش 7:54-8).
الرب يفتدي شعبه ولكنه يطلب إلى شعبه أن يرجع إليه، أن يترك معاصيه وخطاياه (أش 44: 2-22). الرب يعد بفدائه التائبين عن المعصية ويدعوهم ليقيم معهم عهدًا لا يزول (أش 59: 20- 21)، وهو يأتي إليهم كالعريس إلى عروسه (أش 54: 5)، وكالأب إلى ابنه، فيعلّمهم ما ينفعهم ويهديهم الطريق الذي يسيرون فيه (أش 58: 17).
أجل، إن العهد القديم اهتمّ بتوعية الشعب إلى حاجة الخلاص المزروعة في داخله. فالشر الذي يملك عليه قلبه والذي كان يريد أن يتخلص منه ظهر له عبر اختبار العبودية في مصر والأسر في بابل، وعبر اختبار الحياة اليومية بما فيها من أعداء من الداخل ومن الخارج. وهذا الخلاص ظهر فيما ظهر بشكل مملكة مسيحانية تجيء على الأرض فتنهي كل ضيق وشقاء. وهذا ما جعل الشعب يتطلع إلى تحرر سياسي وديني معًا ويتحسس في أعماقه أن ابتعاده عن الله وتخبطه في الخطيئة هما سبب الحالة التي يعيش فيها.
كل هذا سوف نتأمل فيه عندما نتطلع إلى الآب الفادي الذي خلق البشريّة للحياة لا للموت، فأرسل ابنه ليفتديها، وإلى الابن الفادي الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا تألم ومات وقبر فافتدانا بدمه وخلَّصنا بأقنومه وأعاد إلينا النعمة التي خسرناها بالخطيئة، واقتادنا معه في ظفره على الشيطان والخطيئة والموت. هذا هو الفداء الذي نؤمن به كما تمَّ في شخص المسيح، وهذا هو الفداء الذي ننتظره وهو يتمُّ لنا عندما يأتي يسوع بمجده العظيم.

2- عمل الآب الفادي
الحياة الأبدية هي معرفة الله، ومعرفة الله لا تتمّ من دون رضى الانسان. أما الانسان، فرفض عطيّة الله وجعل الخطيئة حاجزًا بينه وبين الله. فيبقى على الرب أن يعيد بناء الكون الذي شوهته الخطيئة ويهتم بالوسيلة التي توصل الانسان إلى هدفه الوحيد الذي هو السعادة الابدية. سقط الانسان في الخطيئة بإرادته، ومن دون الرجوع إلى الله. ولكنه لا يستطيع بإرادته أن يصلح ما هدمه. فهو يحتاج إلى نعمة الخلاص.
أ- اختيار الآب ونداؤه للإنسان
إن مبادرة الفداء تأتي من الله الآب الذي أرسل ابنه إلى العالم لكي لا يهلك من يؤمن به، بل ينال الحياة الأبدية (يو 13: 16). وهذا ما اكتشفه القديس بولس بالنسبة إلى دعوته يوم عرف أن الله الآب اختاره بنعمته وهو في بطن أمه فدعاه إلى خدمته وأعلن ابنه فيه ليبشّر به بين الأمم (غل 1: 15-16). وهذا ما اكتشفه بالنسبة إلى العالم حيث بدا الله الآب الينبوع الأول لكل خير والعناية الشاملة لجميع البشر والغاية السامية لكل الكائنات. لا شيء يتمُّ من دونه، ولا أمر يحصل إلاّ بإرادته.
فالانجيل الذي يبشِّر به الرسول هو إنجيل المسيح، وهو أيضًا إنجيل الآب الذي يهب قدرته للرسول فيجرؤ على أن يكلّم الجميع رغم الصعوبات التي تنتابه فيعلن لهم إنجيل ملكوت الله وسر مشيئته، أي ذلك التدبير الذي ارتضى قضاءه في المسيح عندما تتم الازمنة (أف 1: 9).
إن كانت خطوة الفداء الاولى تنبع من قلب الآب، فأي صلاة يجب أن ترتفع من أعماقنا إليه! صلاة شكر إلى الله الذي أنقذنا من الموت وسينقذنا منه (2 كور 1: 10)، إلى الله الذي بدأ فينا عمل البشارة وسيسير في اتمامه إلى يوم المسيح يسوع (فل 1: 5-6). صلاة ترتفع إلى الآب باسم المسيح يسوع أي بالاتحاد بالمسيح يسوع، لا بل هي صلاة المسيح المصلي في المؤمنين وهم يدعون الله الآب كما يدعوه الابن، يدعونه "أبَّا" أيها الآب (روم 8: 15). نرفع صلاةَ طلب إلى اله ربنا يسوع المسيح الذي يعزينا في شدائدنا ويمكننا من الصبر على الآلام التي نقاسيها (2 كور 1: 4). ونباركه لأنه اختارنا قبل إنشاء العالم لنكون عنده قديسين بلا عيب في المحبة (أف 1: 3-4).
وخلاص الرب لنا يبدو نداء إلى النعمة، نداء إلى المجد، نداء إلى الرسالة. يقول القديس بولس: "نحمدُ الله كل حين لأجلكم أيها الاخوة، يا أحبَّاء الرب، لأن الله اختاركم منذ البدء ليخلّصكم" (2 تس 2: 13). إن الله لم يجعلنا لغضبه، بل لنيل الخلاص بربنا يسوع المسيح (1 ش 9:5). دعانا وهو يفي بوعده، دعانا إلى مشاركة ابنه وهو أمين (1 كور 1: 9)، وقد بدأ فينا العمل وسوف يتمّمه إلى أن نصبح جميعنا واحدًا في المسيح يسوع (غل 28:3)، نصبح أبناء في الابن الحبيب ومعه (أف 1: 6). هذا هو المخطط الخلاصي الذي أدخلنا فيه الرب منذ الابتداء لننال فيه مجد ربنا يسوع المسيح.
ب- غضب الله
ولكن رغم حب الله لنا وإعطائنا نعمة الخلاص بيسوع المسيح لا نزال نجد أناسًا يكلّموننا عن غضب الله وينسون رحمته، أو يكلموننا عن حبه وينسون الخطيئة التي تسبب هلاك الانسان. دعانا الرب إلى الخلاص وهو ينتظر جوابنا الحُرّ. واختارنا فأعدَّ لنا سلفًا سبل الخلاص. فإذا شئنا كانت لنا الحياة، وإلاّ كان لنا الموت والهلاك. ولكن أيكون الله عاملاً للخطيئة والهلاك؟ إن هذا القول يدفعنا إلى الحديث عن غضب الله.
قال أشعيا (27:30) عن الرب: "غضبه مضطرم وشفتاه ممتلئتان سخطًا ولسانه كنار آكلة". وقال حزقيال (20: 33): "بيد قوية وذراع مبسوطة وحنق مصبوب أملك عليهم". وشبَّه إرميا (25: 15) غضب الله بكأس خمر يسقيها جميع الأمم.
ولكن كيف يرضى العقل البشري بإله يحمل عواطف لا تليق بالانسان، فكيف بالله الذي خلق الانسان للحياة لا للموت. وهل نستطيع أن نتحدّث عن اله الغضب في العهد القديم ونعتبر اله العهد الجديد إله المحبة؟ ولكننا نقرأ في العهد القديم: "الرب اله رحيم حنون، طويل البال وكثير المراحم، يحفظ الرحمة لألوف الاجيال، ويغفر الاثم والمعصية والخطيئة" (خر 34: 6-7). أما غضبه وعقابه فهما للتنبيه أكثر منه للإفناء. ينبّه شعبه على لسان أنبيائه ليعودوا إلى التوبة لئلا يكون يوم مجيئه يوم الهلاك لا يوم الخلاص.
عندما نتحدّث عن غضب الله نعرف أننا أمام طريقة تشبيهية تصوِّر الله بلغة الانسان. ولكن في الواقع غضب الله هو تصوّر لشعور الله أمام الخطيئة المتمادية فينا والانسان المتصلّب في العصيان. نحن نعرف أن الانسان عندما يخطئ إنما يخطئ على نفسه ولخزي وجهه: "إن أنت أخطأت فماذا تؤثّر في الله، وإن أكثرت من المعاصي فماذا تلحق به؟ وإن كنت بارًا فبماذا تمنّ عليه وماذا يأخذ من يدك؟ نفاقك يضرّ الناس وبرّك ينفع بني آدم" (أي 35: 6-8).
ولكن عندما نتحدّث على سخط الرب تجاه أعمالنا ندلّ بذلك على تنافر مطلق بين الله والخطيئة، ونشدّد على النتائج التي يثيرها في الانسان قراره بمخالفة الله والتصرّف بحسب مشيئته الخاصّة.
إن غضب الله يظهر من خلال عدالته، وهذه العدالة تجعل الانسان محرومًا من نعمة الخلاص. وهنا نفهم أن غضب الله وخلاص الانسان يتعارضان. إن لم يتوقّف غضب الله فباطلاً يرجو الانسان خلاصه (مز 32: 12). وهذا الغضب يمكنه أن يفعل منذ هذه الحياة فيصيب اليهود الذين يمنعون الرسل أن يهدوا الوثنيين إلى خلاصهم (1 تس 2: 16)، ويصيب الوثنيين الذي استبدلوا الباطل بالحق الالهي واتقوا المخلوق وعبدوه من دون الخالق (روم 1: 5). ولكن غضب الله يفعل بصورة خاصة في نهاية الازمنة. فهل يمكن للذين هم نور في الرب أن لا يسيروا سيرة أبناء النور؟ وكيف يشاركون الخطأة في أعمال الظلمة ولا يستنزلون عليهم غضب الله (أف 4: 7-9)؟
إن غضب الله هو ردَّة الفعل على خطيئة الانسان. في الحقيقة ليس الله هو من ينبذ الانسان، وإن قال الكتاب ذلك مشدّدًا على قدرة الله، بل هو الانسان من يرفض الله ويتنكّر له. لا شكّ في أن الله يعاقب الخطيئة، ولكنه يتصرّف أيضًا بحكمته الفائقة فيخرج من الخير شرًا، ويفيض النعمة حيث تكثر الخطيئة، فما أعمق غناه وحكمته وعلمه! وما أصعب إدراك أحكامه وفهم طرقه! لقد جعل البشر كلهم سجناء العصيان حتى يرحمهم جميعًا (روم 11: 32-33). في هذا الاطار يشدّد القديس بولس على القول بأن البشر تضامنوا في الخطيئة فاستحقوا غضب الله، ولكنهم تضامنوا بصورة أعمق في البر الذي بيسوع المسيح فنالوا خلاص الله. إن الكتاب حبس كل شيء تحت سلطان الخطيئة حتى ينال المؤمنون الوعد لإيمانهم بيسوع المسيح (غل 3: 22). ثم يطيل الرسول الحديث عن آدم الأول وما جرَّت خطيئته من ويلات ليصل بنا إلى الحديث عن آدم الثاني وما حملت إلينا طاعته من بركة: "فإذا كان الموت بخطيئة إنسان واحد ساد البشر بسبب ذلك الانسان الواحد، فبالأولى أن تسود الحياة بيسوع المسيح وحده أولئك الذين نالوا فيض النعمة وهبة البر" (روم 5: 17).
ج- بر الله وصلاحه
والآن ماذا يستطيع الانسان أن يقول لله بعد أن فعل الله له كل هذا الخلاص؟ لا شكّ في أن الانسان يستطيع أن يحاجج الله ساعة الضعف والألم، ولكنه يجبر على الاعتراف أخيرًا بخطيئته ويقول لربه متواضعًا: "يا رب اسمع صلاتي وأنصت إلى تضرعي. استجب لي بأمانتك وعدلك، ولا تحاكمني أنا عبدك، فما من حيّ يتبرّر أمامك" (مز 143: 1-2).
إن برّ الله الذي تشهد له الشريعة والأنبياء ليس عدالة يعاقب بها الله الخاطئين وحسب، بل عمل خلاصي به يبررنا الله أي يطهرنا ويعلّمنا بفضل مواعيده التي وعدنا بها. الله بار وحده وهو يتصرّف بحسب ما الزم به نفسه لأحبائه: "من أسمع بهذه الأمور منذ القديم؟ أليس أياي أنا الرب؟ فإنه ليس اله آخر، لا إله غيري، اله عادل مخلّص ليس سواي" (أش 45: 21)؛ "والرب أعلن خلاصه، ولعيون الأمم تجلى عدله. تذكّر رحمته وأمانته لبيت اسرائيل شعبه، فرأت جميع أقاصي الأرض خلاص الهنا"؟ وأيضًا: "يا رب، إلى السماء رحمتك، وإلى الغيوم أمانتك. عدلك مثل الجبال الشامخة، أحكامك مثل أعماق البحار، وأنت تخلص البشر والبهائم يا رب. فما أكرم رحمتك" (مز 28: 2-13).
هذا هو برّ الله وهذه هي عدالته بالنسبة إلى شعبه؛ يعطيه الخلاص بصورة مجانية. يقول ميخا النبي (7:7-9): "أتطلع إلى الرب وأنتظر الاله الذي يخلّصني، الذي يسمع ندائي... فإنا وإن سقطنا سنقوم، وإن جلسنا في الظلمة يكون الرب نورًا لنا. نحن نحتمل غضب الرب لأنا خطئنا إليه، ولكن سيأتي وقت يخاصم لخصومتنا وينصر حقنا ويعيدنا إلى النور ويرينا عدله". ويقول له صاحب المزامير (4:85-8): "تأسّفتَ يا رب على غيظك كله ورجعت عن شدة غضبك. أرجعنا إليك يا الله مخلصنا وردَّ غيظك عنا. أإلى الأبد تغضب علينا؟ أعلى الدوام تطيل غضبك؟ ألا تعود تحيينا فيفرح بك شعبك؟ أرنا يا رب رحمتك وهب لنا خلاصك". ويعتبر القديس بولس أنه إن كان غضب الله قد ظهر من أعلى السماء على كفر الناس وظلمهم (روم 1: 8)، فقد ظهر أيضًا برُّ الله وطريقة الايمان بيسوع المسيح الذي أسلم إلى الموت من جراء زلاتنا وأقيم لكي يبررنا أمام الله (روم 4: 25).
إن مثل هذا البر لا ينفي غضب الله. فالخطيئة تسلّطت على اليهود والوثنيين جميعًا، والبر يشمل جميع البشريّة دون تمييز: "الشدّة والضيق لكل من يعمل الشر: اليهوديّ أولاً ثم اليوناني (أي غير اليهوديّ). والمجد والكرامة والسلام لكل من يعمل الخير: اليهودي أولاً ثم اليوناني، لأن الله لا يحابي أحدًا" (روم 9:3- 11؛ رج غل 5: 21). ولكن سر الفداء يبقى خفيًا علينا ونحن نعرف أن الله أعطانا حرية تقاوم مشيئته.
والتبرير بالله ليس غفرانًا نظريًا لا يُحدث أيَّ تبدّل في الانسان، بل يتضمّن تحوّل الانسان عن الشر ورجوعه إلى الرب. بالخطيئة يميل الانسان عن الله فيستقطبه الشر، وبالبر يميل الانسان إلى الله بفعل حر يقوم به، فيعود إلى خالقه. وهنا نرى أن عدالة الله ورحمته لا تتعارضان: إنهما وجهان لحبه الالهي. والتبرير يبدو عمل الله الذي وحده يبرّر الوثنيين بالايمان (غل 3: 9) والمختونين بالايمان أيضًا (روم 4: 30): "فالذي أعدنا قديمًا دعانا، والذي دعانا برّرنا، والذي برّرنا مجّدنا" (روم 8: 30).
في عمل التبرير هذا يلعب المسيح دورًا رئيسيًا هو دور الوسيط. يقول مار بولس إن الله يبرّر من يؤمن بيسوع (روم 26:3). ويقول أيضًا: "إن جميع الناس نالوا البر مجانًا بنعمة الله، ويعود الفضل إلى الفداء الذي قام به يسوع المسيح" (روم 3: 24). وهذا ما يدفعنا إلى الحديث عن عمل المسيح الفادي.

3- عمل الابن الفادي
ولما تمّ ملء الزمان أرسل الله ابنه ليكفّر عن الخطيئة ويعيد الطبيعة البشريّة إلى ما كانت عليه من جمال؛ ولهذا كان تجسّده وحياته وكلامه وأعماله تحقيقًا لمخطط الله وتعبيرًا عن حبّه في يسوع المسيح. ولهذا كانت حياة يسوع كلها فداء عن الانسان ليردّ الانسان إلى الله، فمحا الخطيئة بأفعاله البشريّة وفتح لنا باب السماء وأعطانا النعمة والقداسة والمجد الابدي.
أ- أرسل الله ابنه الوحيد
عندما يصوِّر لنا القديس بولس عمل المسيح الفادي فهو لا يني يذكرنا بأن عمل الابن مصدره أقنوم الآب: الخلاص عطيّة الله الآب التي لا توصف (2 كور 9: 15)، وقد أرسل ابنه في حكم الشريعة ليفتدينا (غل 4: 4)، أرسله في جسد يشبه جسدنا الخاطئ كفارة للخطيئة، وهو الذي لم يعرف الخطيئة كيما نصير به برّ الله (2 كور 5: 21). هو الآب أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا (1يو 4: 10)، وبرهن عن محبته بأن المسيح مات من أجلنا إذ كنّا خاطئين (روم 8:5).
الله أرسل ابنه والابن قدَّم ذاته من أجل خطايانا؛ من أجل جميع الناس (1 تم 6:2)، قدَّم نفسه حبًا بنا وضحّى بنفسه من أجلنا (غل 2: 20) قربانًا وذبيحة لله طيبة الرائحة (أف 5: 2) ليقدّسنا ويطهرنا، ومات في الوقت المحدد من أجلنا نحن الخطأة الكافرين (روم 5: 6).
الله هو مخلّصنا، وقد ظهر لنا خلاصه في شخص ابنه الذي قال فيه القديس متى (1: 21) إن اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. والذي أعلن عنه القديس لوقا (2: 11) بلسان الملائكة إلى الرعاة: "ولد لكم اليوم مخلّص في مدينة داود، وهو المسيح الرب". والذي أورد عنه يوحنا (12: 47) أنه جاء لا ليدين العالم بل ليخلّص العالم، وأن الآب أرسله مخلِّصًا للعالمين (1 يو 4: 14) ليمنحنا التوبة وغفران الخطايا (أع 5: 31).
ب- يسوع الفادي
لقب الفادي هو لقب يهوه في العهد القديم. وعندما جعله كتَّاب العهد الجديد لقب المسيح قالوا بصورة غير مباشرة إنه الله. تجاه الآلهة الكاذبة التي كان الناس يعتقدون أنها تؤمّن الحماية لعابديها والبركة لطالبيها، يبدو يسوع الفادي الوحيد الذي يهتم بالبشر جميعًا كما كان الرب يهتم بشعبه. ونحن المؤمنين ننتظر مجيء فادينا يسوع المسيح الذي يبدّل جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده الممجد (فل 3: 20)؛ ننتظر منه السعادة المرجوة وتجلي مجده فينا (تي 13:2). نجّى الله شعبه في العهد القديم فجعله بالعهد الذي أقامه معه شعبًا مقدّسًا خاصًا به، وهكذا صنع يسوع لمّا نجّانا من عبوديّة الخطيئة فاشترانا وأدّى الثمن (1 كور 6: 10)، وافتدانا من لعنة الشريعة (غل 2: 13) لئلا نكون عبيد الناس وعبيد الشريعة.
لم يكتف يهوه بأن يخلّص شعبه في الماضي، بل ما زال يهتم به إلى النهاية. وكذلك لم يكتف يسوع بأن يبررنا في الماضي بل ما زال يهتم بخلاصنا. به نلنا الخلاص، ولكننا نلناه في الرجاء (روم 8: 24) وما نزال ننتظر ثماره في الحياة الابدية. وهكذا يبدأ الخلاص بفعل التبرير ولا ينتهي إلاّ بقيامة الاجساد، ساعة ينتصر يسوع على جميع أعدائه بمن فيهم الموت قبل أن يسلم الملكَ إلى الله الآب (1 كور 15: 25). يقول القديس بولس: "الله أحيانا مع المسيح، وكنا أمواتًا من جرّاء زلاّتنا، فأقامنا معه وأجلسنا معه في السماوات" (أف 2: 5-6). خلصنا من الدينونة الآتية وانتزعنا من سلطان الخطيئة وعبودية الشيطان وصالحنا مع الله. وهذه الحالة قد حصلنا عليها منذ الآن، ولكننا لن نحصل على مفعولها التام الناجز إلاّ في نهاية الازمنة والدينونة الاخيرة. وهنا نفهم أن عمل الفداء الذي قام به يسوع من أجل كل البشر ومن أجل كل فرد من أفراد البشر لن يكون ذا نفع لنا إن لم نتقبّله بالإيمان، وإن لم نكمل في أجسادنا آلام المسيح من أجل جسده الذي هو الكنيسة.
ج- الفداء
الفداء هو عمل المسيح الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد، وتألم ومات وقبر وقام في اليوم الثالث. والفداء يفترض أننا في حالة لا نستطيع الخروج منها إلاّ بقدرة الله، وهذه الحالة تفترض وجود الخطيئة في العالم وتجعلنا نترجى الخلاص الآتي من لدن الرب.
عندما يحدّثنا العهد الجديد عن الفداء فهو يستعمل كلمات قيلت في أسير الحرب (أو العبد) الذي تدفع عنه الفدية فتجنبه الاسر. لقد اشترانا المسيح بدمه وافتدانا بعد أن بعنا نفوسنا للشر. فيبدو الفداء، والحالة هذه، وكأنه اتفاق تجاري يقدِّم فيه المسيح الفدية لأجل تحريرنا. استُعبدنا للخطيئة والشيطان فاستفكّنا يسوع. دفع لا مالاً أو سواه من متاع الأرض، بل دمه على الصليب. 
تساعدنا هذه الاستعارة، استعارة الشراء، على فهم الفداء الذي فيه سفك المسيح دمه من أجلنا. ولكننا لا نستطيع أن نُعمل المخيّلة فنعتبر أنه كان للشيطان حق علينا، وأن الرب نظَّم معه صفقة استردنا بها من يده. نحن ملك الله أولاً وآخرًا ولم نكن يومًا ملك الشيطان، ولم تكن نفوسنا يومًا سلعة تباع وتشرى، يفعل بها الله بطريقة لا تختلف عن فعل الناس. الله المحب يفتدينا، وحبه لأجلنا متجرّد لا يبحث عن أية منفعة إلاّ خلاص نفوسنا. الله القدير يحرّرنا من الخطيئة التي صرنا عبيدًا لها، وقدرته لا تلتزم بطلب من طلبات الشيطان الذي يبقى في أي حال خاضعًا لقدرة الله.
أما لماذا استعمل بولس هذه الاستعارة؟ لكي يشدّد على أننا صرنا ملكًا ليسوع المسيح، صرنا عبيدًا له وعبادًا، فارتبطنا به ارتباطًا خاصًا ولم يعد شيء يفصلنا عنه. من أجل هذا يقول الرسول: "مجّدوا الله في أجسادكم وأرواحكم التي هي ملك الله" (1 كور 6: 20) ولا تصيروا عبيدًا للناس. المسيح افتدانا، المسيح اقتنانا: "ذُبحت وافتديتنا لله بدمك من بين كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلت منا ملوكًا وكهنة لإلهنا يملكون على الأرض" (رؤ 5: 9). أجل، في دم الحمل صارت جميع الأمم ملكًا للرب، وكما كان شعب العهد القديم خاصة الرب، صرنا نحن شعبه في العهد الجديد ملكًا خاصًا له بعد أن اكتسبنا بدمه واقتنانا لاعلان فضائله، وجعلنا خاصته لتسبيح مجده (أف 1: 14).
إن يسوع حرّرنا واعتقنا، اشترانا وافتدانا، اكتسبنا واقتنانا، خلّصنا وصالحنا مع الله الآب. كل هذه الكلمات وغيرها يستعملها الكتاب ليعبِّر عن حقيقة رجوعنا إلى الله واتحادنا به اتحادًا يجعلنا أنقياء لا لوم علينا في يوم المسيح.
د- التكفير عنا بدم المسيح
أراد كتّاب العهد الجديد أن يفسّروا لنا سرّ الصليب فأوردوا فكرة الفداء. ولكنهم شدّدوا على تحريرنا من العبودية ومصالحتنا مع الله: كنا عبيدًا فحرّرنا الله وتبنَّانا في ابنه. كنا عبيدًا فحرّرنا الابن من عبودية الخطيئة والموت، ومن سلطان الظلمة ولعنة الشريعة والغضب الآتي. في هذا الخط تساءل آباء الكنيسة: إذا كان المسيح دفع دمه لكي يشترينا، فلمن دفع ليفتدينا؟ قال بعض الآباء إن يسوع دفع الفدية للشيطان. ولكننا أبنّا أنه لا حق للشيطان علينا وبالحري على الله. وأما الدين الذي نتحدّث عنه فهو يعبّر عن طريقة الله في تعامله مع حرّيتنا ومع خطيئتنا. لقد قبل الكفّارة التي قدّمت له في شخص المسيح، رأس جنسنا البشري. وقال البعض الآخر إن يسوع دفع دمه لله الآب ليكفّر عن خطيئة البشرية. فكما يرضي الصغيرة الكبير الذي أغاظه فيقدّم له الكفّارة المطلوبة، هكذا فعل يسوع المسيح لما اتحد بالبشرية الخاطئة. وبما أن ذنب الانسان يشكّل لله أهانة لا محدودة، فلا يعوِّض عنه إلاّ كفارة لا محدودة. من أجل هذا تجسّد ابن الله ومات فأعاد للانسان كرامته بعد أن رفع كرامة الله. أراد الآبُ كفارة فأرسل ابنه. أراد الابن تعويضًا فقدَّم ذاته. تحدّث اللاهوتيون عن عدالة الآب وعن عدالة الابن، وتذكروا عمل آدم وما جرّه من هلاك، وعمل يسوع وما حمله موته من حياة. أما يمكننا في هذا المجال أن نتحدّث أيضًا عن حب الآب والابن؟ عبَّر عنه الآب بإرسال ابنه، وعبَّر عنه الابن بأن بذل نفسه من أجلنا لأنه أحبّنا.
إن الله جعل المسيح كفارة بدمه لكل من يؤمن به. وإن الرب يقبل الكفارة عندما يستر الخطيئة ويغطيها وكأنها لم توجد. كان الكاهن في العهد القديم يرشّ دم الذبيحة على المذبح أو المعبد المنجَّس بفعل خطيئة البشر، فيطهّر المكان (لا 13:6؛ حز 45: 20)، ويحصل شعبه على الغفران (مز 16: 36). ولكن فاعلية الدم لا تأتيه من ذاته بل من نيّة مقدّمه والصلاة التي يتلوها الكاهن لترافق ما تفعله يده: "أيها الاله مخلّصنا اغفر خطايانا من أجل اسمك" (مز 9:79)، فأنت اله رحيم يغفر الاثم (مز 38:78). ولكن هذا ما يجعلنا نتساءل عن أهمية الدم في الذبائح اليهودية بنوع عام وفي ذبيحة المسيح بنوع خاص، بعد أن ردّدت الرسالة إلى العبرانيين (9: 22) أنه ما من مغفرة بغير إراقة دم. ألا تكون ذبيحة التكفير كاملة من دون دم يُسفك على المذبح؟
ذكر العهد القديم عن الكفارة، حيث يلعب الدم الدور الاساسي. يذبح رئيس الكهنة ثورًا، للتكفير عن خطايا الكهنة والشعب. ثم يدخل قدس الاقداس فيرش دم الذبيحة على المذبح. وستنطلق الرسالة إلى العبرانيين من مفهوم هذا العيد لتقول لنا ما فعله يسوع رئيس كهنتنا يوم مات لأجلنا: "دخل (يسوع) قدس الأقداس مرة واحدة، لا بدم التيوس والعجول، بل بدمه، فكسب لنا الخلاص الابدي. فإذا كان رش دم الثيران... يقدّس المنجَّسين ويطهّر جسدهم فما أولى دم المسيح الذي قدم نفسه إلى الله بالروح الازلي قربانًا لا عيب فيه، أن يطهّر ضمائرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحي" (عب 9).
وذكر العهد القديم عيد الفصح ودم الحمل الذي يُرشُّ على الأبواب كعلامة للبيوت التي تخص الله فلا يضربها الموت (خر 12). هذا الدم هو كعلامة التاو (T) التي هي كالصليب، والتي يرسمها رجل لابس كتانًا على جباه بني اسرائيل كعلامة على أنهم حافظوا على إيمانهم (حز 9: 4-6). إن دم الحمل هذا الذي يذكره القديس بولس ويطبّقه على المسيح الذي هو حمل فصحنا المذبوح (1 كور 7:5) يشبه الختم الذي به خُتمت جباه المائة والاربعة والاربعين ألفًا (رؤ 3:7-4)، وهم الذين غسلوا ثيابهم وجعلوها بيضاء بدم الحمل.
وذكر العهد القديم ذبيحة العهد: "أخذ موسى نصف الدم وجعله في طسوت، ورشّ النصف الآخر على المذبح. وبعد أن تلا كتاب العهد على مسامع الشعب أخذ الدم ورشّه على الشعب وقالت: هوذا دم العهد الذي عاهدكم الرب به" (خر 24: 5-8). بهذه الطريقة يصبح المتعاهدان، أي الله والشعب، نفسًا واحدة وقلبًا واحدًا. إن ذبيحة العهد هذه قد أشار إليها يسوع ليلة العشاء السري وقال: "هذا هو دمي، دم العهد الجديد الذي سُفك من أجل أناس كثيرين" (مر 14: 24). ونقرأ في الرسالة الاولى إلى الكورنثيين (11: 25): "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي". ونقرأ أيضًا (16:10): "كأس البركة التي نباركها، أما هي مشاركة في دم المسيح؟ والخبز الذي نكسره أما هو مشاركة في جسد المسيح"؟ ونتذكّر كلام الرب بعد تكثير الخبز: "إذ كنتم لا تأكلون جسد ابن الانسان ولا تشربون دمه، فلن تكون فيكم الحياة، ولكن من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الابدية" (يو 6: 53-54).
هنا نفهم إلى أي حدّ دخل الرب في مفهومنا، حيث الدم يدلّ على الحياة التي نضحّي بها من أجله لتكون لنا حياة أفضل. أجل مات المسيح من أجلنا وسفك دمه لخلاصنا فصارت ذبيحته آخر ذبيحة دموية يقبلها الرب فيلغي بها الشرائع المتعلقة بذبائح العهد القديم. إن الله افتدانا بدم كريم، دم الحمل، دم المسيح (1بط 1: 9). فأي حاجة بعد إلى التيوس والعجلة التي ما كانت لتستطيع أن تطهّر المذنبين وتقدّسهم؟ ونفهم أن الكتاب عندما يكلّمنا عن ذبيحة المسيح ودمه المسفوك إنما يشدّد على محبته للآب التي عبّر عنها بطاعته له حتى الموت على الصليب (فل 8:2-9)، وعلى محبته للبشر التي بها أحبّنا وضحى بنفسه من أجلنا وبدلاً عنا يوم نقل الله عليه إثم جميعنا.
هـ- الموت على الصليب
ونصل إلى موت المسيح. فإذا كان رجوع الانسان إلى الله يتمّ بفعل طاعة وحب يجود فيه المسيح بذاته لأجلنا، يبقى علينا أن نتأمّل في الظروف التي أتمَّ فيها يسوع هذا الفعل: آلامه وموته. إنه وإن تكن حياة يسوع كلها فعل طاعة وحبّ متواصل، إلاّ أن الكتاب يشدّد بصورة خاصة على موته الذليل وعذابه على الصليب. لقد رسم القديس بولس أمام عيوننا صورة المسيح المصلوب الذي صار لعنة من أجلنا حين عُلق على خشبة (غل 13:3). وأعلن أنه يتقبّل الاضطهاد في سبيل صليب المسيح، ولا يريد أن يفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح (غل 6: 12-14)، ولا يريد أن يعرف إلاّ يسوع المصلوب الذي يرى فيه المؤمنون طريق الخلاص، وقدرة الله رغم ضعفه الظاهر.
بصليب يسوع تمَّ الصلح بين البشر والله والقضاء على العداوة بين اليهود والأمم (أف 2: 16). بصليب يسوع تحقّق السلام في الأرض كما في السماوات (ك 1: 20)، فصفح الله لنا عن خطايانا ومحا الصك الذي يتَّهمنا. لا شكّ في أن العهد الجديد يحدّثنا عن تواضع يسوع وحياته في الفقر والصمت وعن تخلّيه عن كل شيء. ولكنه يصل بنا أخيرًا إلى الحديث عن موته على الصليب كفَّارة للخطيئة. يروي الإنجيليّون شهادتهم عن المسيح، ولكن الحديث عن بضع ساعات من الآلام يشكّل قسمًا كبيرًا من إنجيلي مرقس ومتّى. يكلّمنا القديس بولس عن يسوع الذي جاء بجسد يشبه جسدنا الخاطئ؛ ولكنه لا يتوقّف إلاّ على الحدث الاسمى، ألا وهو آلام يسوع وموته ليفتدي البشرية؛ يكتب القديس بطرس إلى المؤمنين، فيصوِّر لهم الحياة المسيحية كلها من خلال آلام يسوع وصلبه وموته: "المسيح تألم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه... هو الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة حتى نموت عن الخطيئة فنحيا للحق... وهو الذي بجراحه شُفيتم" (1 بط 2: 21-24).
سوف يتساءل اللاهوتيون فيما بعد: هل كان من الضروري أن يموت يسوع لكي يخلّصنا؟ أجابوا بالنفي، معتبرين أن كل عمل من أعمال المسيح له قيمة لا متناهية، لأنه عملُ الاله الانسان. ثم كان باستطاعة الله الذي أغظناه أن لا يطلب أية كفارة من الانسان، لأنه صاحب الحق ويمكنه أن يترك حقه.
وموت المسيح هذا هو علامة حب الله الذي برهن عن محبته لنا، بأن مات المسيح من أجلنا (روم 5: 5)، والذي برهن عن رحمته وفائق محبته عندما أحيانا مع المسيح بعدما كنّا أمواتًا بزلاّتنا (أف 2: 4). وهكذا ارتبط في المسيح الحبُّ والموت، والحبُّ أقوى من الموت. حبٌّ فريد في قلب يسوع ينبع من قلب الآب فيصل إلينا بنوع فريد، حب فريد دفعه إلى الموت بهذه الطريقة باذلاً نفسه عن أحبّائه (يو 13:15). كل الصور والتشابيه التي تقول إن الله جعل ابنه خطيئة لأجلنا ولعنة، كان المسيح أخذ على عاتقه الحكم الذي لم يكن لصالحنا وسمّره على الصليب، كل هذه الصور تدلّ على طاعة المسيح ومحبته التي بها عاد إلى الآب وأعاد معه البشرية، وذلك عبر آلامه وموته. لقد أراد يسوع أن يخلّصنا على مثال عبد يهوه، فبدا وكأنه مضروب من الله (أش 53: 4)، وحسبه معاصروه مجدِّفًا وحكموا عليه باسم الشريعة (مز 14: 63؛ يو 19: 7). حسبه اليهود ملعونًا من الله وأنه يجب أن لا تبقى جثته على الخشبة لئلا تدنّس الأرض المقدّسة. ويمكننا القول، ونحن نتأمل في مخطط الله، إن موت يسوع، لا بل كل ظرف من ظروف آلامه، من خيانة يهوذا له، وتخلّي تلاميذه عنه، إلى الحكم عليه بالصلب مع ما يلحق ذلك من عار وإهانة، كل هذا هدف إلى إفهامنا أنه أحبّنا كما لا ولن يحبّ إنسان إنسانًا في الكون.
و- رجوع الانسان إلى الله
إن موت المسيح كان أول الطريق في رجوع الانسان إلى الله: مات المسيح فمتنا معه بانتظار أن نحيا معه في قيامته. وكانت الخطيئة قد فصلت الانسان عن الله، غير أن الله تصرَّف حيالنا تصرف الراعي الذي يذهب وراء الخروف الضال، أو الأب الحنون الذي ينتظر عودة ابنه من البعيد (لو 15: 11-24). أحبّنا حبًا جمًا واحترم حريتنا احترامًا عميقًا فلم يفرض علينا رجوعًا إليه يفوق قدرتنا، بل أرسل ابنه ليكون واحدًا منا، ليتضامن معنا. لم يأخذ خطيئتنا، بل جسدًا يشبه جسدنا الخاطئ، تشبَّه بنا في كل شيء فعرف ضعفنا ووضعنا ومات مثلنا.
رجع يسوع إلى الآب، ويبقى على كل واحد منا أن يعود إلى الآب الغافر. فإن تقبّل كل احد منا حالته الضعيفة الخاطئة بمحبة على مثال المسيح، تصبح حالته وسيلة تكفير وتقديسه. لقد كانت حالة الانسان المزرية نتيجة الخطيئة وعقابها، ولكن هذا العقاب لا يقودنا إلى الموت الابدي، لأنه عقاب يداوينا به الله دون أن يقتلنا، لأنه عقاب لا يثبّت الانسان في معاندته لله، بل يعيده إلى الاتحاد به. من أجل هذا ولكي تعود بشريتنا الخاطئة حقًا إلى الله، يشكّل الموتُ الجسدي وسيلة يمرُّ فيها فعل الحب هذا الذي به نعود إلى الآب.
أراد يسوع أن يتضامن معنا في حالة الخطيئة التي يعرفها الضعف البشري دون أن يكون خاطئًا، لنتضامن نحن معه في قوّة الحياة التي هي برّ الله. لقد صار يسوع عضوًا في هذه البشرية التي لا تصل إلى الحالة الروحية ما لم تمرّ عبر الموت الجسدي. فضرورة الموت دين الله على البشرية ومن واجبها أن تفيه. وكان يسوع وفاه باسمنا وتضامنًا معنا.
لقد أمَّن يسوع رجوع البشرية إلى الآب عندما أخذ جسدنا البشري، فمات فيه ليقوم بجسد روحاني ويصير روحًا محييًا (1 كور 15: 45). تقدَّمنا يسوع فانتقل بموته وطاعته ومحبته من حالة الجسد وعالم الخطيئة إلى حالة روحية الهية. لهذا، ففي المعمودية التي توحد المسيحي بموت المسيح يموت المسيحي عن الخطيئة كالمسيح (روم 6: 10)، أي ينتقل بدوره من حالة الجسد إلى حالة الروح، من الجسد الحيواني إلى الجسد الروحاني. إن الانسان القديم صُلب مع المسيح (روم 6: 6)، وجسدُ الخطيئة، أي كياننا الذي هو أداة الخطيئة، قد دمَّر وزال سلطانه. إن الجسد الذي يُدفن مع المسيح في المعمودية، يتحرّر من الخطيئة فلا يعود يقترفها، ويتحرّر من عبودية الشريعة فلا يعود لها عليه تأثير، لأنه يعيش حياة المسيح ويشاركه حالته الممجدة ونظام الروح الجديد (روم 7: 6)؛ أما إذا خسر هذه الحالة التي اقتناها له المسيح، ورفض أن يسير بحسب الروح وفي جدّة الحياة "فلا تبقى هناك ذبيحة كفارة للخطايا، بل انتظار مخيف ليوم الحساب ولهيب نار ينتظر العصاة. من خالف شريعة موسى يموت من دون رحمة... فكم تظنون يستحق العقاب من داس ابن الله ودنَّس العهد الذي تقدس به واستهان بروح النعمة" (عب 10: 26-29)؟
بموت المسيح يموت الانسان العتيق فينا ويحيا الانسان الجديد، ويتمُّ لنا النصر على الشيطان وأعوانه كالخطيئة والموت الابدي. يبقى علينا نحن المؤمنين أن نتمَّ ما بدأه الله فينا. نحن الذين حرّرنا الرب لا نعود إلى عبودية الخطيئة. نحن الذين صرنا خليقة جديدة لا نرجع إلى "أعمال الجسد كالزنى والدعارة والفجور، بل نثمر ثمر الروح الذي هو المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف والامانة" (غل 5: 19-22).

خاتمة
الحاجة إلى الخلاص والفداء حاجة قديمة في قلب الانسان، وقد حرّك الله تلك الحاجة منذ عهد الخليقة الأول، فوعد بمخلّص يدوس رأس الحيّة الجهنمية أي الشيطان، وأرسل إلينا من يخلّصنا باسمه ويدعونا للرجوع إليه. أرسل إلى شعبه موسى فنجاه من عبودية مصر، ثم بعث القضاة والملوك فأنقذوه من ظلم أعدائه، وبعدها أوفد الأنبياء يدلونه على طريق التوبة والمعلّمين يفهمونه أن الحكمة الحقّة تقوم في حفظ وصايا الله والعمل بأوامره وأحكامه. ولكن هذا الخلاص الذي حمله البشر، ظل خلاصًا محدودًا، وقد قام به أناس مائتون.
ولن يتحقّق رجاء البشريّة إلاّ بمجيء المخلّص، يسوع المسيح، الذي تغلّب وحده على الموت، نتيجة الخطيئة. الذي دخل بيت الرجل القوي، أي الشيطان أركون العالم، وأوثقه وطرده (مت 12: 28-29) تاركًا البيت لأهل البيت، مؤسسًا فيهم ملكوت الله.
إن رجوع البشريّة لا يكون كاملاً دون قيامة المسيح. بما أن المسيح قام من بين الأموات فهو يستطيع أن ينجينا من الغضب الآتي (1 تس 1: 10). وإذا كان المسيح لم يقم فنحن لا نزال بخطايانا (1 كو 15: 17). "إن الآب أقام المسيح من بين الأموات وأجلسه إلى يمينه في السماوات فوق كل صاحب رئاسة وسلطان وقوة وسيادة، وفوق كل اسم يسمَّى به مخلوق... وجعل كل شيء تحت قدميه، وجعله رأسًا للكنيسة" (أف 1: 20-22)، أي لجماعة المؤمنين.
إن موت يسوع يشكّل مع قيامته وتمجيده عمل خلاص واحد، وهو يعبّر عن فعل الطاعة والمحبة الذي به عاد يسوع إلى الآب فأعادنا معه. لا شك في أنه تألم ومات فأعطانا الفداء، ولكنه ترك لنا أن نموت معه ونتمّ في جسده ما نقص من آلامه. إن المسيح قد افتدى البشريّة فقدَّم كفارة كافية تفوق ما تركته الخطيئة من آثار في الكون، ولكنه ترك لكل واحد منا أن يدخل في سر الفداء ويبدأ عودته إلى الله على مثالا المسيح. وهكذا ننظر إلى سر الفداء من وجهتين اثنتين: وجهة أولى هي رجوع المسيح إلى الآب بموته وقيامته. ووجهة ثانية هي رجوع الانسان إلى الله عندما يشارك المسيح في رجوعه إلى أبيه عبر لايمان وعبر المعمودية التي هي سر الايمان والتي هي انطلاقة كل مؤمن في مسيرة الخلاص التي ابتدأت بتجسّد المسيح وموته وقيامته، والتي تنتهي برجوعه بمجد عظيم ليملك على الأحياء والأموات. حينئذ يتم سر الفداء في البشرية كلها فيجتمع في المسيح كل شيء في السماوات والأرض.
الفصل التاسع
في البدء خلق الله العيلة

في بداية الكون كانت عيلة: آدم وحواء، قايين وهابيل.
وفي بداية تكوين شعب الله كانت عيلة: ابراهيم وسارة، اسماعيل واسحاق.
وفي بداية تكوين جماعة المؤمنين في المسيح كانت عيلة: يوسف ومريم ويسوع، بانتظار أن تتوسّع هذه العيلة لتضمّ كل الذين "يسمعون كلمة الله ويعملون بها".

1- العيلة الأولى في بداية البشرية
يروي سفر التكوين في الفصلين الأولين كيف خرجت أولا عيلة من يد الله. ونعني بذلك العيلة المثالية: آدم، ذلك المأخوذ من الأرض والعامل في الأرض، وحواء حاملة الحياة في أحشائها وأمّ الأحياء. هذه العيلة الأولى كوّنها الله على صورته ومثاله، فخلق على صورته الانسان، أي الجنس البشري، رجلاً وامرأة، ذكرًا وأنثى. وبارك الجنس البشري وقال له: "انموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبُّ على الأرض". ليس الرجل وحده صورة الله، وليست المرأة وحدها صورة الله. بل الاثنان يكوّنان صورة الله. كدت أقول: كل واحد نصف صورة الله. فالعيلة هي على صورة الله ومثاله. وكما أن الله يعطي الحياة، كذلك تشارك العيلةُ الله في إعطاء الحياة لأولاد عديدين هم ثمرة الحب بين الرجل والمرأة. لذلك قالت حواء: "اقتنيت ولدًا بالرب".
وهذه العيلة الأولى اهتمّ بها الله كما يهتمّ المهندس ببيت يبنيه، والأب بعيلة جديدة تكوّن وحدة على صورة عيلته الثالوثية، تكون اثنين في جسد واحد. فالرجل، المجبول من تراب الأرض، يشبه تلك الحجارة التي بنى بها الأقدمون بيوتهم في سهول العراق. والمرأة، التي تجعل العيلة كاملة، يبنيها الله بتلك الحجارة التي هيَّأها. البناء بالرجل وحده يبقى ناقصًا. والبناء بالمرأة وحدها هو كبيت لا سقف له يحمي أفراد الأسرة من الأخطار. المرأة ضلع أخذت من الرجل بناها الله وأعطاها للرجل. ويقول التلمود عن هذه الضلع التي بها بنى الرب المرأة: "لم يخلق الرب المرأة من رأس الرجل لئلا تتسلط عليه، ولا من رجليه لئلا تكون عبدة له. بل أخذها من ضلعه لتكون قريبة من قلبه".
ولما تمّ خلق المرأة تكوّنت العيلة في تلك الوحدة والمساواة بين أعضائها. ولم يجد آدم مخلوقًا يناسبه ويكون كفوءًا له إلاّ عندما خلق الله المرأة، فرأى فيها حينئذ قطعة منه، عظمًا من عظامه ولحمًا من لحمه. رأى فيها المرأة، أي المأخوذة من امرئ. ويتعلّم الانسان، على خطى آدم، أن يتخلّى عن العاطفة الوالدية على حساب العاطفة الزوجية: "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته". 
خلق الله الرجل والمرأة وجعلهما في الفردوس. والفردوس صورة عن السعادة التي يتمتع بها الانسان العائش في رفقة الله وصداقته. تحت نظر الله تأخذ المخلوقات والأمور كلها طابعًا الهيًا. حتى حيوانات البرية ووحوش الأرض تخضع للإنسان، تأتمر بأوامره، وهو الذي أعطاها أسماءها. تحت نظر الله ما كان آدم وحواء يخجلان من العري، لأن كل ما خلقه الله كان حسنًا وحسنًا جدًا. ولهذا يقبله الانسان بالحمد متأكدًا من أن كلام الله يقدس كل شيء.
وهذه السعادة التي أعطاها الرب للأسرة سيحدّثنا عنها الكتاب المقدس مرارًا. سعادة بأولاد عديدين يملأون البيت فرحًا وحياة، ويُنسون الأهل شقاء الحياة وصعوباتها. فيقول صاحب المزامير:
طوبى لكل من يخاف الرب ويسلك في طرقه
(من سيفعل ذلك تكون له السعادة والهناء)
امرأتك مثل جفنة مثمرة في قلب بيتك
وبنوك مثل فروع الزيتون حول مائدتك
ليباركك الرب من صهيون
فترى سعادة أورشليم
كل أيام حياتك
وترى بني بنيك (يتمتعون بالسلام).
وهناك سعادة الزوجين اللذين يجمعهما حبٌّ واحد أساسه الله. لأن بني المؤمنين لا ينبغي أن يكون اقترانهم كاقتران الناس الذين لا يعرفون الله. وهكذا نستطيع أن نتأمل بذلك الحب ونشعر برقته ونعومته. ففيه لا يسود الواحد الآخر بفعل القوّة أو الشهوة، بل يكون هناك حوار كله تناغم وتناسق بين قلبين جمعهما الله، ويعبّر سفر نشيد الأناشيد، بشعر ولا أجمل، عن لقاء الحبيب بحبيبته.
فيقول الحبيب: "كالسوسنة بين الأشواك
حبيبتي بين الصبايا"
وتردّ الحبيبة: "كالتفاحة في أشجار الغابة
حبيبي بين الشباب".
وتتذكر الحبيبة كلام حبيبها:
"حبيبي يتكلّم ويقول لي:
قومي يا حبيبتي
يا جميلتي وتعالي
الزهور ظهرت في الأرض
وآن أوان الغناء
صوت اليمامة في أرضنا
يملأ الأسماع
يا يمامتي في شقوق الصخور
وفي مكامن السفوح
دعيني أسمع صوتك
فصوتك حلو يا حبيبتي
ووجهك جميل
حبيبي لي وأنا له".
خلق الله الرجل ليساعد المرأة، والمرأة لتساعد الرجل. وهذا العون المشترك الذي يجده الواحد في الآخر هو مصدر سعادة لعيال الله. فيقول الحكيم يشوع بن سيراخ بطريقته الموجزة:
"ثلاثة أشياء ترغب فيها نفسي
وهي جميلة أمام الرب والناس:
اتفاق الأخوة، وحب القريب،
والتفاهم بين المرأة ورجلها".
ويتوسّع سفر الأمثال بالحديث عن المرأة الفاضلة- والمرأة أساس البيت، فيدلّ على سعادة الرجل الذي يجد مثل هذه المرأة، وهناء الأولاد الذين لهم مثل هذه الأم، فيقول:
"المرأة الفاضلة من يجدها؟
إن قيمتها فوق اللآلئ
قلب رجلها يثق بها
فلا يحسّ بالعوز
تأتيه بالخير دون الشر
جميع أيام حياتها
يقوم بنوها فيقولون: طوباها
ورجلها فيمدحها ويقول:
نساء كثيرات كنّ زوجات صالحات
أما أنت ففقت عليهن جميعًا".
ولكن هذه المسألة التي دعا الله إليها الانسان لن تدوم، بسبب الخطيئة التي جعلت الانسان يتعب في الأرض ويكدُّ، وهي تعطيه الشوك والحسك. هذه الخطيئة جعلت المرأة تكثر مشقاتها بالحمل والولادة، وتنقاد إلى زوجها الذي يسود عليها ويعاملها كأمة في بيته أو كشيء يملكه، وجعلت الأخ يقتل أخاه حسدًا وغيرة، والرجل يتزوج أكثر من امرأة واحدة، فاتحًا المجال أمام الغيرة الزوجية وما يتبع ذلك من بغض وانتقام لا حدّ لهما. وبدلاً من أن يعمّ الخير والسعادة العالم، نرى الشر يعمُّ المسكونة كلها، فيندم الرب على خلقه الانسان، وقد انقاد أبناؤه إلى تيار هذا العالم الشرير ونسوا الرب الذي أغدق بركاته عليهم.
ولكن مخطّط الله على العيلة لا يمكن أن يزول، بل سيتحقّق تدريجيًا رغم رفض الناس له. فلقد وعد المرأة بأنه سيأتي من نسلها من سيسحق قوى الشر المتمثّلة بالحيّة. كما أن أخنوخ كان من القداسة بمكان حتى إنه بعد أن أتمّ حياته كاملة على الأرض ارتفع عند الله. ونوح سيكون أبا البشريّة الجديدة بعد الطوفان، فتصبح السفينة فردوسًا جديدًا ينطلق منه مع عيلته وعيال أبنائه ليبنوا عالمًا جديدًا ببركة الله. وهذه البركة ستصل إلى ابراهيم لتنطلق من عيلة صغيرة إلى عيلة الله، إلى ذلك الشعب الذي سيتزوَّجه الرب بالبر والقداسة

2- عيلة شعب الله
ويدعو الله ابراهيم ليؤسِّس بواسطته عيلة شعب الله التي ستستقبل البركة في شخص المسيح. ولكن الطريق التي سيسير عليها شعب الله هذا هي عكس الطريقة التي سار عليها آدم. آدم انطلق من عيلة حسنة صالحة كما خرجت من يد الله. أما ابراهيم فسينطلق من عالم وثني خاطئ سيفتديه الله ويوجّهه لتعود الخليقة إلى نقائها الأول، والعيلة إلى نصاعتها الأولى. ولكن الصورة تبدو قائمة في بداية مسيرة شعب الله.
فابراهيم نفسه، وهو الذي اختاره الله وباركه ببركات عديدة، يتصرّف كما تتصرّف الشعوب الوثنية، فتتعدّد زوجاته من سارة إلى هاجر إلى قطورة. وكل همّه كثرة البنين ليكون له السلطان والعظمة على حساب الحب الزوجي الذي يجمع بين الرجل والمرأة ويجعل منهما جسدًا واحدًا. ونراه يعامل امرأته المفضّلة، سارة، بطريقة لا تليق بالانسان العادي، فكيف بالمؤمن؟ وذلك عندما يبيعها تارة لفرعون، وتارة لأبيمالك، فينجو بحياته ويكون له على حسابها غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال، ويحظى ببركة فرعون الذي أرسل من قبله قومًا يشيِّعونه هو وامرأته وكل ماله. وأما من جهة أولاده، فقد أرسل اسماعيل إلى الصحراء ليعيش تائهًا فيها كالحمار الوحشي، ووزّع أبناء قطورة في الشرق ليبقى الميراث كله لإسحاق.
أما يعقوب فتزوّج امرأتين شقيقتين: راحيل وليئة، وفضّل الواحدة على الأخرى. ثم تزوّج جاريتين مع امرأتيه: بلهة وزلفة. فدبت الغيرة بين الشقيقتين، وتعالى الحسد بين الإخوة. ولما فضّل الأب ابنَيْ راحيل، تعاطف الأخوة الآخرون وعزلوا بنيامين تاركينه في أحضان والده، وباعوا يوسف بيع العبيد بعد أن تراجعوا عن عزمهم على قتله. ونستطيع أن نذكر اسماعيل بن ابراهيم وما تزوّج من نساء؛ وعيسو شقيق يعقوب الذي تزوج من اثنتين من بنات حث في كنعان قبل أن يتزوج من نسل اسماعيل، فكان له النساء والبنون والبنات. وموسى، كليم الله وصاحب الشريعة، لم يتورّع من أن تتعدّد زوجاته، حتى دبّ الخلاف بينه وبين أخويه هارون ومريم. كما أن داود تزوج من النساء في كل مكان كان يمرّ به: ميكول ابنة شاول، وأبيجائيل بعد مقتل زوجها، وبتشابع التي زنى بها ثم قتل زوجها أورّيا وتزوجها، وحتى في أواخر حياته ستكون له أبيشاج الشونمية. أما سليمان فكان له سبعمائة زوجة، وثلاثمائة سرية، فأزاغت نساؤه قلبه وملن به إلى اتبّاع آلهة غريبة، حتى سئم الأنبياء من وجود ملك في اسرائيل، فنبهوا الشعب إلى خطر الملك الذي يتّخذ بناتهم فيجعهلم إماء وأبناءهم فيجعلهم عبيدًا. وقال ابن سيراخ عن سليمان:
"أملت فخذيك إلى النساء
واستعبدت لجسدك
جعلت عيبًا في مجدك
ونجّست نسلك
فجعلت الغضب على بنيك
الذين ناحوا على جهالتك".
هذا هو الوجه القاتم للزواج كما مارسه شعب الله. فكتبوا في مدنهم وبين قبائلهم شريعة تناسب قساوة قلوبهم، كما قال عنهم السيد المسيح. وتناسوا أن الزواج يجعل من الرجل والمرأة جسدًا واحدًا، فسمحوا للرجل دون المرأة بأن يطلق امرأته ساعة يشاء لمجرد أنها لا تعجبه. يكفي لذلك بأن يكتب لها كتاب الطلاق ثم يصرفها. وسمحوا له بتعدّد الزوجات، فرأوا من الطبيعي أن تكون له زوجتان، ففي تعدّد النساء علامة قوة وغنى وجاه وعظمة. ولن نتوقّف طويلاً عند حالة المرأة، وهي ملك زوجها الذي تسميه بعلها، وهو يستطيع أن يفعل بها ما يشاء. هي ملزمة بالأمانة التامّة له، أما هو فله الحق بأن يخونها، وأن يصرفها إلى بيت أبيها. أما هي فلا حقّ لها بطلب الطلاق، ولا بالميراث، ولا تُقبل شهادتها أمام المحكمة. وأما الأولاد فهم أيضًا ملك الأب يستطيع أن يبيعهم أو يقتلهم أو يقدّمهم ذبيحة للآلهة الوثنية.
وينطلق الله من حيث وصلت إليه البشرية من فساد، ليقودها إلى الهدف الذي رسمه لها. فكما أن الأب يؤدِّب ابنه ويعطيه التربية اللازمة، هكذا يفعل الله مع شعبه ليقوده ويرفعه إلى مستوى العهد الجديد بتعليمه السامي عن الزواج والعيلة. ويتّخذ تيّارُ بناء العيلة طريقين: طريقًا اجتماعيًا يشدّد فيها الكتاب على شعاع ضئيل من العدالة، وطريقًا دينيًا ينطلق معها من الفكرة القائلة بأن أبناء شعب الله قديسون، فلا يجوز لهم أن يتصرّفوا كالوثنيين الذين لا يعرفون الله. 
فالشريعة الموسوية كانت محطة أولى تقود الناس إلى شريعة المسيح. هي لم تعط كمال الشريعة، إنما رسمت بضع محطات ووضعت حدودًا للناس يجب أن لا يتعدّوها. فمثلما وضعت حدًا للانتقام بشريعة المثل: "سنّ بسنّ، وعين بعين"، وكما شرّعت بالنسبة إلى القاتل الذي يقتل عن قصد، وضعت أيضًا بعض الحدود لتسلط الرجل واستبداده؛ ففرضت بعض الشروط للطلاق، ونظمت حياة الأسرة بأولادها العديدين، مشدّدة على دور الأم، مذكّرة بأن البنين هم عطيّة من الله وبركة منه. وعلى هذا نستطيع أن نسمع نداءات الأنبياء والحكماء؛ فيعلن ملاخي أن الرب لا يرضى عن المؤمن الذي يترك زوجته: "نقضت العهد بينك وبين المرأة التي تزوّجتها في صبائك. هي قرينتك وأنت نقضت العهد معها رغم أن الرب كان شاهدًا لوعدك لها. ألم يصنعها الله معك جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا؟ وما كان هدفه من ذلك؟ أن يكون لكم أبناء يكونون زرع الله. إذًا، اضبط نفسك ولا تغدر بامرأة حياتك". 
ويتوسَّع يشوع بن سيراخ في تفسير بعض مضامين الشريعة، فيقول:
"من الناس صنفان يُكثران الخطايا
وصنف ثالث يجلب الغضب:
الرغبة المتوهّجة التي تشتعل كالنار
والانسان الذي يسلم للنجاسة جسده البشري.
فالانسان الزاني كل خبز يحلو له
ويقوله في قلبه: من يراني؟
حولي الظلمة والحيطان تسترني
ولا أحد يراني. فماذا أخاف؟
وهو لا يعلم أن عيني الرب
تراقبان جميع أعمال البشر
وتطلعان على الخفايا...
وهكذا أيضًا المرأة التي تخون زوجها".
ويحدّثنا سفر الجامعة عن الأمانة الزوجية، فيدعو الرجل إلى أن يعرف أين يجد سعادته، فيقول: "تمتَّع جميع أيام حياتك الفانية بالعيش مع المرأة التي أحببتها وأوتيتها تحت الشمس لتقضي أيامك الفانية، فإن ذلك حظّك من الحياة".
ويفسر لنا سفر الأمثال كيف أن الحبّ الأول هو حبّ الحياة كلها، وأنه يجب علينا أن نهرب من التجربة، فيقول:
"يا بني، أصغ إلى حكمتي، وإلى فطنتي أمل أذنك:
لا تلتفت إلى إغواء المرأة...
أبعد طريقك عنها ولا تدْنُ من باب بيتها...
إشرب ماء من بئرك...
ليكن منبعك مباركًا وافرح بامرأة صبائك...
فالرب يراقب طرق الانسان
ويلاحظ جميع دروبه".
أجل! رغم خطيئة الانسان، يقول ابن سيراخ: "لا ينسى الله مراحمه ولا يترك كلامه يضيع، ولا يهلك ذرية محبّيه". ولذلك نرى في الكتاب المقدس إلى جانب هذه الحالات، وجوها جميلة مثّلت العيلة بطريقة لائقة كما خرجت من يد الله. نذكر يوسف بن يعقوب، ذلك الحسن الهيئة والجميل المنظر، الذي رفض كل إغراءات إمرأة فرعون ليحفظ زوجة معلّمه فلا يخون من ائتمنه على كل شيء، مفضّلاً أن يودَع السجن على أن يصنع سيّئة كهذه ويرتكب الاثم في عين الله. ونذكر والدي شمشون اللذين تراءى لهما ملاك الله ووعدهما بابن يكون مكرسًا للرب. ونذكر حنة أم صموئيل، تلك العاقر التي قال لها زوجها ألقانة: "ما بك باكية؟ ألست أنا خيرًا لك من عشرة بنين"؟ ويمكننا أن نتوقّف خاصة على سفر طوبيا، حيث نجد العيلة كخليّة يمرّ عبرها إرث الأمّة الروحي، كما نرى مجموعة الفضائل التي تحفظ تماسك الأسرة، وأهمّها احترام الوالدين، والزواج العفيف الذي يؤمّن مستقبل الشعب، وبه يمرّ التقليد من الآباء إلى البنين.
يتزوّج طوبيت، أبو طوبيا، بحسب إرادة الله، فيتخذ امرأة من سبطه، ويؤدّب ابنه منذ صغره على خوف الرب والابتعاد عن الخطيئة. ويدعوه إلى اجتناب الزنى وإلى الاقتران بامرأة من قبيلته، لئلا ينسى إيمانه إذا ما اقترن بامرأة غريبة. ويتزوّج طوبيا، فيُفهمه الملاك أن الشيطان يقوى على الذين عندما يتزوجون ينفون الله من قلوبهم ويتفرّغون لشهواتهم كالفرس والبغل، وأن عليه أن يكون راغبًا في البنين أكثر من الشهوة لكي ينال في بنيه بركة ذرية ابراهيم. وهذا ما سيفهمه طوبيا عندما يقترن بسارة، فيقضي ليلته في الصلاة لكي يكون اتحاده بامرأته نتيجة اتحادهما بالله، ثم يقول: "أنت تعلم، يا رب، أني لا لسبب الشهوة اتَّخذ أختي زوجة، وإنما رغبة في النسل الذي يبارك فيه اسمك إلى دهر الدهور".
ولكن قوى الشر والوثنية لا تزال تهاجم شعب الله، فتجعله ينسى شريعة الله ويتأثّر بأمثلة عديدة من الرجال الذين تزوّجوا بروح وثنيّة. فمارسوا الطلاق وتعدّد الزوجات، وفعلوا الزنى وكل رجاسات الأمم، وأهملوا تربية البنين. فارتفع صوت الأنبياء الذين أعطوا مقابل ذلك صورة عن الله الذي هو الزوج الأمين لشعبه رغم خيانة شعبه له. فنفهم الحياة الزوجية الحقّة من خلال علاقة الله بشعبه: وحدة الله بشعبه لا يؤثّر فيها شيء، لأن أساسها حب الله لشعبه حبًا لا يتورّع عن أن ينحدر إلى مستوى هذا الشعب، فيذكّره بزمن الخطبة في الصحراء ويدعوه إلى الحب القديم الذي عاشه مع ربه، والذي يمكنه أن يعيشه من جديد إذا عاد إلى ربّه بالتوبة.
فانطلاقًا من هذه النظرة السامية، يكتشف الشعبُ من جديد أن الزواج عهد بين رجل وامرأة. وأن العلاقة القانونية ترتبط بعناصر عاطفية، كالحب والأمانة وتعلق القلب. وهكذا تصبح العلاقة بين الله والشعب النموذج المثالي للعلاقة القائمة بين الرجل والمرأة يوم الزواج.

3- عيلة يسوع المسيح
مع المسيح يبلغ الوحي ذروة كماله. ومع عيلة يسوع نرجع إلى العيلة الأولى. ويسوع هو آدم الجديد. بآدم الأول جاءتنا الخطيئة، وبآدم الثاني فاضت علينا النعمة. جاء المسيح ليعيد إلى العالم نقاءه الأول كما خرج من يد خالقه. فكان لنا بمجيئه "نعمة فوق نعمة". عيلة يسوع على الأرض، بين يوسف ومريم، تعيش على ما تفرضه شريعة الرب، وتساعد الطفل لكي ينمو ويترعرع ويمتلئ حكمة، فتحلّ نعمة الله عليه. عيلة يسوع هذه صورة مصغّرة عن العيلة الكبرى التي سوف يؤسّسها هو وينشرها في الأرض كلها، ويكون أمه وأخوته فيها كل من يعمل بمشيئة الله.
دخل يسوع عيلة بشرية، فقدّسها وقدّس معها كل عيلة على الأرض، وجبلها بالمحبة لتصير على مثال عيلة الثالوث الأقدس. وإذا أردنا أن نتصوّر طبيعة العلاقة القائمة بين يسوع ومريم ويوسف، فما علينا سوى أن نتذكّر بعضًا من الحوار الذي أورده يوحنا الرسول على لسان يسوع مع أبيه السماوي: "أنا والآب واحد"؛ "إن الآب فيّ وأنا في الآب"؛ "وجميع ما للآب هو لي"؛ "الآب يحبّ الابن، والابن يحبّ الآب"؛ "فما يصنعه الآب يصنعه الابن على مثاله". وهذه العلاقة الحميمة بين الآب والابن يريدها يسوع أن تتجسّد في كل مؤمن في علاقته مع الرب، وفي كل عيلة. فيكون الاتحاد والتفاهم والمحبة والعطاء والتضحية أساس التعامل بين أفراد الأسرة. يقول الكتاب: "كونوا قديسين لأني أنا قدوس". وطلب منّا أن نحفظ وصايا الرب وأحكامه، كما أن يسوع نفسه قال لنا "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو".
نتوقّف في الانجيل عند ثلاثة مشاهد مهمّة:
المشهد الأول: مثل الابن الضال الذي شطر العيلة وأملاك الأب، وذهب بعيدًا عن جوّ المحبة وحنان الوالد، فسُمّي الابن الشاطر. ولكنه عندما يعود إلى البيت يجد من جديد هذه المحبّة الغافرة تنتظره بشخص أبيه؛ في حين أن أخاه الأكبر تصرف كالفريسيين الذين يعتبرون الحق والشرع فوق المحبة، فرجموا الزانية ولم يسمحوا لها بأن تستعيد حياتها الماضية، فلا تعود إلى الخطيئة.
والمشهد الثاني: يسوع في عظته على الجبل يتلفَّظ بهذه الكلمات عن الزنى والطلاق: "سمعتم أنه قيل لآبائكم: لا تزن. أما أنا فأقول لكم: مَنْ نظر إلى امرأة فاشتهاها، زنى بها في قلبه... وقيل أيضًا: من طلّق امرأته، فليعطها كتاب طلاق. أما أنا فأقول كم: من طلّق امرأته، إلاّ في حالة الزنى، يجعلها تزني. ومن تزوج مطلقة زنى". ففي العهد القديم كان الزنى يعتبر مسًّا بملكية الرجل لامرأته. أما في الانجيل فهو تعدّ على احترام المرأة التي هي صورة الله كالرجل.
والمشهد الثالث: حوار بين يسوع والفريسيين حول الطلاق. أراد الفريسيون أن يُحرجوه، فأحرجهم. وأرادوا أن يختبروه، فوقعوا تحت الاختبار. وضعوه في جوّ نقاش مدارسهم المتعفنة في تفسير الشريعة ومخالفة وصيّة الله بسبب التقاليد، فسألوه: "أيحلّ لأحد أن يطلق امرأته لأية علّة كانت"؟ فأجابهم يسوع مستعيدًا كلام سفر التكوين: "أما قرأتم أن الخالق من البدء جعلهما ذكرًا وأنثى، وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويتَّحد بامرأته، فيصير الاثنان جسدًا واحدًا. فلا يكونان اثنين، بل جسدًا واحدًا. وما جمعه الله لا يفرّقه الانسان". بهذه الكلمات القاطعة شدّد يسوع على وحدة الزواج وعلى عدم الانفصال بين الزوجين، وقد صارا جسدًا واحدًا. ولقد قال بولس معقِّبًا على كلام المسيح: "ليكن لكل رجل امرأته، ولكل امرأة زوجها. وعلى الزوج أن يوفي امرأته حقها، كما على المرأة أن توفي زوجها حقّه. لا سلطة للمرأة على جسدها؛ فهو لزوجها. وكذلك الزوج لا سلطة له على جسده؛ فهو لامرأته... إذن، لا تفارق المرأة زوجها وإن فارقته فلتبقَ بغير زواج، أو فلتصالح زوجها. وعلى الزوج أن لا يطلّق امرأته".
إنَّ ما نلاحظه في هذه المشاهد الثلاثة إنما هو تساوي المرأة والرجل. ففي عهد المسيح، عهد الفداء والنعمة والتبنّي لله، "لم يعد هناك فرق بين يهودي وغير يهودي، بين عبد وحر، بين رجل وامرأة، لأن الكل واحد في المسيح يسوع". وهذه المساواة لا تعني أن المرأة تستطيع أن تتصرّف كالرجل، وإن كان تصرفه خاطئًا، بل تعني أن الرجل والمرأة يتساويان أمام شريعة الرب. فما يُسمح به للرجل يُسمح به للمرأة، وما يُمنع على الرجل يُمنع على المرأة. وكما أن المرأة بعقلها وقلبها وجسدها وروحها هي للرجل، كذلك الرجل هو للمرأة بعقله وقلبه وجسده وروحه. وكلنا يعلم أن "الجسد ليس للزنى"، وأن على كل إنسان "أن يهرب من الزنى" الذي يشبه خطيئة عبادة الاوثان. ففي الحالة الأولى يخون الانسان عهده لامرأته، وفي الثانية يخون عهده لربه؛ فضلاً عن أن "الزاني يُذنب إلى جسده وينسى أن جسده هو هيكل الروح القدس". وإذا وقع الرجل في هذه الخطيئة، فعلى المرأة أن تغفر له، وهي التي تعلم أن الرب لا يغفر لنا إن لم نغفر نحن لمن أساء إلينا.
وإذا سقطت المرأة، فليعرف الرجل كيف يغفر لها، لأن شريعة المغفرة تسري عليه هو أيضًا، فلا يكون تصرّفه كالوثنيين الذين "يفعلون بالغير ما لا يريدون أن يفعل الغير بهم". ويعاقبون الناس على طريقتهم متناسين أن عقابهم من الله سيكون أعظم.
في الرسالة إلى أهل أفسس، يحدّثنا القديس بولس عن الزواج المسيحي، وعن نوعيّة الرباط الذي يربط بين الرجل والمرأة. إنه على مثال الرباط القائم بين المسيح والكنيسة، المبني على الخضوع من جهة، والمحبة والتضحية من جهة أخرى، فيقول: "أنتم، يا من فيكم خوف المسيح، إخضعوا بعضكم لبعض. أيتها النساء، اخضعن لأزواجكنّ كما تخضعن للرب... وكما تخضع الكنيسة للمسيح، فلتخضع النساء لأزواجهنّ في كل شيء. أيها الرجال، أحبّوا نساءكم مثلما أحب المسيح كنيسته وضحّى بنفسه من أجلها... فليحبب كل واحد منكم امرأته مثلما يحب نفسه ولتحترم المرأة زوجها". ويذكر الرسول الواجبات المتبادلة بين الأهل وأولادهم، فيقول: "أيها البنون، أطيعوا والديكم في كل شيء، لأن هذا يرضي الرب. أيها الآباء، لا تغيظوا أبناءكم لئلا ييأسوا". وفي موضع آخر يقول: "لا تثيروا غضب أبنائكم، بل ربّوهم حسب وصايا الرب وتأديبه". هكذا يتصرّف المؤمنون الذين يحملون مخافة الرب في قلوبهم، لأن همّهم الأوحد أن يرضوا الله أوّلاً وآخرًا. وعلى هذا يقول الرسول: "ومهما تعملوه، فاعملوه من كل قلوبكم كأنه للرب لا للناس عالمين أن الرب سيكافئكم بميراثه. فأنتم تخدمون الرب المسيح".
بالمسيح يسوع تجدّدت العيلة وتقدّست. فصار الزواج رمزًا إلى اتحاد المسيح بالكنيسة. وإن كان هذا الاتحاد سرًا، فاتحاد الرجل بالمرأة هو سر أيضًا؛ لأن به تمرّ نعمة الله وحياته إلى البنين، ولأن الزواج هو تلك العلامة الحسية المنظورة التي تدلّ على حقيقة غير منظورة. فحب الوالدين لأولادهم هو علامة تدلّنا على اتحاد الأقانيم في الثالوث الأقدس. والرباط الذي يجمع بين الرجل والمرأة علامة على الرباط القائم بين المسيح والكنيسة، وأساسه الأمانة الآتية من الايمان.
وانطلاقًا من هذه الحياة الجديدة التي لنا في المسيح، يجب أن يتبدّل تفكيرنا وكلامنا وتصرفاتنا؛ أي أن نعود فننظر إلى فوق ساعين إلى الأمور التي في العلاء، حيث المسيح جالس عن يمين الله. ويذكّرنا الرسول ببعض النصائح التي، إذا عشناها كما ينبغي، تضعنا على مستوى إنجيل المسيح ودعوتنا المسيحية، فيقول: "أميتوا، إذن، ما هو أرضي فيكم، كالزنى والدعارة والهوى والشهوة الرديئة والطمع... تلك أمور تجلب غضب الله. تخلّصوا من كل ما فيه غضب ونقمة وخبث وشتيمة. لا تتلفّظوا بالكلام البذيء، ولا يكذب بعضكم على بعض، لأنكم خلعتم الانسان القديم وكل أعماله، ولبستم الانسان الجديد... أنتم الذين اختارهم الله وقدّسهم وأحبّهم. إلبسوا عواطف الحنان والرأفة والتواضع والوداعة والصبر. احتملوا بعضكم بعضًا. وليسامح بعضكم بعضًا، إذا كان لأحد شكوى من الآخر. وكما سامحكم الرب، سامحوا أنتم أيضًا. والبسوا فوق هذا كله المحبة، فهي رباط الكمال. وليملك في قلوبكم سلام المسيح. فإليه دعاكم الله لتصيروا جسدًا واحدًا".
فعلى ضوء هذا التعليم الجديد وهذه الروح الجديدة، نستطيع أن نفهم عظمة سرّ الزواج وكرامة الأسرة المسيحية وعلى نور المسيح نستطيع أن نفهم متطلباتها، وبقوته ونعمته نقدر أن نتغلّب على الصعوبات والآلام التي يمكنها أن تنتابنا. نلبس عواطف المسيح فنتصرف على مثاله. ونتطلع إلى تضحية المسيح من أجل كنيسته، فنعرف أن التضحية وحدها تبني العيلة، وأن محبة الذات والأنانية أصل كل الشرور.
في الله ثلاثة أشخاص، وفي العيلة ثلاثة أشخاص أيضًا: الأب والأم والولد. وهؤلاء الثلاثة تجمعهم المحبة والتضحية والعطاء والتجرّد والثقة المتبادلة. فبقدر ما يحب الواحد الآخر بقدر ذلك ينسى ذاته ويجد سعادته العظمى في هذا النسيان بالذات. على هذا الشكل تصوّرَ الرسّام الروسي روبليف، الثالوث الأقدس، أي تلك العيلة التي فيها يحب الآب ابنه ويعطيه كل ما له، ويحب الابن أباه ويعطيه كل ما له، ويكون الروح القدس تلك المحبة الجامعة بين الآب والابن. في تلك الأيقونة نرى ثلاثة أشخاص؛ وكل شخص منهم لا ينظر إلى ذاته بل إلى الاثنين الآخرين. لأن العطاء يفترض الخروج من الذات والتطلّع إلى الآخر. وهذه الأيقونة يجب أن تظل ماثلة في قلوب عيالنا، فيعرف الأب أن يتطلع إلى امرأته وابنه، وتعرف الأم أن تتطلع إلى زوجها وابنها، ويعرف الولد أن يتطلع إلى أبيه وأمه وهو ثمرة حبهما.
مثل هذه العيلة المجتمعة والمتحدة باسم المسيح هي بيت الله، والمكان الذي يرتاح فيه الرب، وهو الذي قال: "إذا ما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فأنا أكون بينهم".
الفصل العاشر
أنت كاهن إلى الأبد

يروي الكتاب المقدس الحفلة الليتورجية التي أقامها موسى قبل أن يصعد إلى جبل سيناء ويتسلّم الوصايا من الرب: "كتب موسى جميع كلام الرب، وبكّر في الصباح وبنى مذبحًا في أسفل الجبل ورفع اثني عشر عمودًا بعدد أسباط بني اسرائيل. ثم أخذ موسى نصف الدم وصبه في أجران ورشّ النصف الآخر على المذبح. وأخذ كتاب العهد وتلاه على مسامع الشعب، فقالوا: كل ما تكلم به الرب نعمله ونكون طائعين. فأخذ موسى الدم ورشّه على الشعب وقال: هذا هو دم العهد الذي عاهدكم به الرب على جميع الأقوال" (خر 4:24-8).
في هذا المشهد نرى وسيط العهد يتصرف كالآباء في الماضي وكالكهنة في المستقبل. على مثال الآباء يبني مذبحًا، وعلى مثال الكهنة اللاويين يجمع الدم ويرشّه، وعمله هذا رسم بعيد لما سيعمله الكهنوت المسيحي. فصدى صوته سيتردد عبر صوت الرب في العليّة ليلة العشاء السري: "هذا هو دمي، دم العهد، يراق من أجل جماعة كثيرة لغفران الخطايا" (مت 26: 28). ولا يزال يتردّد اليوم كل مرة نحتفل بسر القربان، سر الأفخارستيا التي هي قمّة حياة الكاهن.
هذه المقدّمة تلقي ضوءًا على كلامنا. بعد حديث عن الكاهن في العهد القديم، منذ الآباء إلى المسيح، نتأمّل بيسوع الكاهن الوحيد في العهد الجديد الذي اختار أناسًا من البشر ليشتركوا معه في كهنوته فيفعلون ما فعله لذكره حتى مجيئه (1 قور 11: 24- 25).

1- تاريخ الكهنوت في العهد القديم
يذكر الكتاب المقدس في عهده العتيق اسم الكاهن مئات المرات، وهو لقب لخدام المذبح أكانوا من شعب الله كأبناء هارون، أم من الشعوب المجاورة كالمصريين والفينيقيين وغيرهم. فالكاهن هو من ينحني أمام الاله فيقدّم له فروض السجود والعبادة، أو هو من يقف أمام الله ليخدمه ويبارك اسمه. وقد عرفت الشعوب القديمة بما فيها اسرائيل الكهنوت على أنه وظيفة أكثر منه دعوة من الرب كما كان الأمر بالنسبة إلى الملك أو النبي. ولكن الكهنوت سيكون أطول عمرًا من الملكية التي أطلّت على اسرائيل حوالي السنة 1020 ق. م. مع شاول، وانطفأت سنة 586 مع صدقيا وجلاء نخبة الشعب إلى بابل، كما سيكون للكهنوت استمرار لم تعرفه النبوءة. وسيأتي وقت يجمع الكهنة في يدهم الكهنوت والملكية والنبوءة، بعد أن يكونوا رافقوا الشعب طوال التاريخ، ونقلوا إليه شفهيًا التقاليد الدينية، قبل أن يجمعوها ويدوّنوها في ما نسميه التوراة بالمعنى الحصري.
أ- من ابراهيم إلى المسيح
يفترق شعب الله عن باقي الشعوب في أن الكهنوت ظلّ مؤسسة أساسها الله لا الملك. في الشعوب القديمة كانت السلطة الكهنوتية بيد الملك وهو يفوّض إلى من يشاء بعضًا من سلطاته. أما في الشعب العبراني فالله هو من اختار قبيلة لاوي لتقوم بخدمة المذبح. ولهذا يبقى للكهنة استقلالهم الذاتي رغم تدخل بعض الملوك في اختيار أو عزل رئيس الكهنة، ورغم تزلّف بعض رؤساء الكهنة وتقربهم من الحكام للحصول على فوائد مادية ولو على حساب كرامة الكهنوت. نتطلع إلى الكهنوت عند شعب الله، فنتوقف على مراحل ثلاث: في زمن الآباء، مع موسى، على عهد الملوك وحتى زمن المسيح.
أولاً: في زمن الآباء
تُجمع التقاليد القديمة في سفر التكوين على القول بأن الآباء كانوا كهنة الشعب وبيدهم سلطة العبادة والطقوس وإقامة الشعائر الدينية. فرب العيلة هو الكاهن. لم يكن الكهنوت منظمًا كما عند المصريين لأن التنظيم الاجتماعي كان بدائيًا كما أن الأعمال الليتورجية ما زالت بسيطة جدًا. فالله هو اله الأب للدلالة على وجود علاقة شخصية وقرابة حميمة بين الله والآباء. في ديانة عائلية، الأب هو الوسيط بين الله والناس، وأهل البيت هم جماعة عبادة، لهم معبد متنقل يقومون فيه بشعائر العبادة. دور الأب "الكاهن" في ذلك الوقت أن يوصل إرادة الله إلى أعضاء عشيرته وأن يجعل التقاليد الدينية تنتقل عبر الشفاه إلى الأجيال الآتية. هؤلاء الآباء الكهنة يبنون مذابح للرب الذي تجلى لهم ويقربون إليه التقدمات ويدعون باسمه ويلتسمون بركته وعطاياه.
ثانيًا: مع موسى
كان شعب الله عيلة فكان الأب كاهنها. ولما صار شعب الله مجموعة قبائل صار كاهنه موسى قائد هذه المجموعة ومنظمها. تربى تربية الموظفين المصريين في بلاد فرعون فعرف جماعة الكهنة ودورها في حياة المجتمع، وتعلم الكثير من الكاهن يترو الذي التقاه عند المديانيين حين هرب إلى الصحراء خوفًا من غضب فرعون. موسى هو محرّر اسرائيل وموحّد العشائر التي انتزعها من العبودية، ورئيس الشعب الذي بدأ يتكوّن في جماعة. وهو أيضًا ذلك الكاهن الذي يقوم بدور الوساطة بين الله وشعبه. فيقطع على سيناء عهدًا مع الله خلال ليتورجية ينهيها بإعلان الكلمة وتقدمة الذبيحة، كما كان يحدّث باسم الله الناس الذين يأتونه ليعرفوا أوامر الرب ووصاياه، فيقضي بين الرجل وقريبه ويعلم الجميع فريضة الله وشريعته. خلال حياته جمع موسى في يده كل السلطات من دينية وحربية ونبوية وسياسية. ولكن هذه السلطات ستتوزع فيما بعد فيخلفه يشوع بن نون في قيادة الشعب إلى حروب الله، وهو المعروف بشجاعته وثقته بالله (عد 14: 5-9). ولقوم بسلطاته الكهنوتية اليعازار بن هارون فيفسّر شريعة الله ويسهر على المسكن والاواني المقدسة. نقل موسى إليه سلطانه إذ وضع يده عليه وألبسه ثياب هارون علامة لانتقال الكهنوت إليه بعد موت هارون (عد 27: 21-23). أما موهبة النبوة (أو روح موسى) فقد انتقلت إلى السبعين شيخًا بفعل اختيار الله وإن كان لبعضهم وظائف كهنوتية وقضائية. وهكذا عندما يدخل شعب الله أرض الميعاد سيكون الفصل واضحًا بعض الوضوح بين القضايا الدينية والقضايا السياسية. بمعنى أن القضاة وإن مارسوا بعض المرّات وظائف كهنوتية، كما فعل الآباء وموسى قبلهم، إلاّ أنهم تركوا للكهنة أمر تنظيم العبادة قرب المعابد. وعندما بنى بعضهم مذبحًا أو أقام معبدًا جاء له بالكهنة يخدمونه كما فعل رئيس قبيلة دان وميخا أحد الزعماء في جبل افرائيم (قض 7:17- 13؛ 19:18).
ثالثًا: عهد الملوك
كان العبرانيون يعتبرون ملوكهم مرتبطين بالله يختارهم ويتبناهم يوم يمسحون بالزيت، فصار الملك بالنسبة إليهم حامل وساطة بين الله والبشر. فالملك يؤمّن العدالة والنصر والسلام، وبواسطته تأتي كل البركات السماوية بما فيها خصب الأرض وتكاثر الحيوان والبشر. فلا نتعجب حينذاك إن وجدنا الملوك يمارسون في اسرائيل وظائف كهنوتية على مثال ما يحصل في الشعوب المجاورة لاسرائيل. فالملك يقدّم الذبائح للرب ويبارك الشعب باسم الرب ويعطيه مز 110 لقب الحبر والكاهن على رتبة ملكيصادق. ولكن الملوك سيبدأون بتنظيم الكهنوت في عاصمتهم على غرار ما يجري في الأمم المجاورة. فكان لهيكل أورشليم كهنة مع رئيس عليهم. وبقي لكل معبد كهنته، إلى أن جاء إصلاح يوشيا سنة 622 ق م فحصر تقدمة الذبائح في الهيكل وجمع أبناء لاوي من كل أنحاء البلاد بانتظار أن يحدّد عملاً خاصًا بالكهنة المتفرّعين من صادوق تاركًا للباقين أمر الخدم الوضيعة في بيت الله وجواره. وهكذا يصبح هيكل أورشليم المعبد الرسمي الوحيد ليهود مملكة يهوذا في الجنوب وسيبقى كذلك إلى أيام المسيح.
ب- اللاويون كهنة الرب
عندما نتكلّم عن الكهنوت لا نستطيع إلاّ أن نذكر اللاويين، لأن الشرط الضروري لتسلم الوظائف الكهنوتية هو التحدُّر من سلالة لاوي. قصّتهم تبدأ مع موسى. وأصله من بني لاوي بن يعقوب. احتاج إلى مساعدة في عمله الكهنوتي فقرب إليه أبناء قبيلته واستعان بهم بعد أن رأى فيهم الغيرة على تابوت الرب، ورفْضَ أيّة مساومة في أمور الايمان. نفخ فيهم غيرته فامتلأوا حماسًا من أجل الرب. ولما أقاموا في قادش، تلك الواحة المقدسة في الجنوب، تجلّى موقفهم الروحي على أثر حياتهم القريبة من الرب، فصار همهم الدفاع عن الايمان، وصار اسم لاوي مرادفًا للرجل الغيور الذي يتكلّم باسم الرب (خر 4: 14).
بدأ موسى المؤسسة الكهنوتية لما كان حميُّه عنده. فاختار أناسًا أقوياء يخافون الله، أناسًا أمناء يكرهون الطمع. وجعلهم رؤساء ألوف ومئات وخمسين وعشرة. ولكنه سيستفيد من أمانتهم البطولية فيكرّس غيرتهم التي أظهروها عندما قسوا على عباد العجل الذهبي. عندما رأى موسى الشعب يجمح دون أن يتمكّن هارون من كبح جماحهم، وقف في باب المخيّم وقال: "من هو للرب فليجئ إليَّ. فانضمَّ جميع بني لاوي. فقال لهم: هذا ما يقوله الرب اله اسرائيل: ليحمل كل واحد منكم سيفه، وطوفوا المخيّم من باب خيمة إلى باب خيمة، وليقتل كل واحد أخاه وصديقه وجاره. ففعل بنو لاوي كما أمر موسى... وقال لهم موسى: اليوم كرّستم أنفسكم للرب، كل واحد على حساب ابنه وأخيه فمنحكم الرب بركته" (خر 32: 25-29).
وهكذا يبدو تعلّق بني لاوي بالرب وبكلمته وبعهده، فوق رباط العيلة والدم. بهذه الروح تصرّفوا في سيناء كما سيتصرّفون في بعل فاغور (عد 25: 7) وفي غيرها من المناسبات. انطلق موسى من تجمّع ديني فأعطاه دورًا مميزًا في جماعة بني اسرائيل. فصار الذين جاهدوا بالأمس من أجل قضية الله، كهنة الغد في شعبه. وسوف لا يميّز سفر التثنية بين الكهنة واللاويين. فالكهنة في شعب الله هم بنو لاوي.
ما معنى كلمة لاوي؟ إذا رجعنا إلى الأصل الشعبي نفسّر الفعل بمعنى رافق. ارتبط. لزم. وتقول التقاليد الدينية إن اللاوي هو من ارتبط بالله وكان الرفيق لكل أبناء يعقوب. ولكن بعد ترجمة نصوص اكتشفت جنوبي مديان، يُفهم أن كلمة لاوي تعني استعار، أعار، أعطى انسانًا مقابل دين أو نذر. فأم صموئيل أعارت ابنها للرب وكرّسته له طوال أيام حياته.
هؤلاء اللاويون تخصّصوا في أعمال العبادة، وعملوا ليحافظوا على نقاوة إيمان شعب الله عندما اتصل بالكنعانيين وأخذ الكثير من عاداتهم وتقاليدهم الدينية في عبادة البعل والعشتروت. فانتشروا في عهد القضاة من جنوبي فلسطين في بيت لحم وحبرون إلى شمالها في جبل افرائيم ودان وفي جميع المدن المخصصة وحملوا معهم بركة الله وكلامه فكانوا للمؤمنين الأب والرفيق والكاهن (قض 17: 10).
في عهد الملوك تنظّم الكهنة حول هيكل أورشليم، بينما بقي قسم كبير منهم في المعابد المتوزّعة في أرض فلسطين، إلى أن جاء الملك يوشيا فألغى المعابد المتعددة وأبقى على هيكل أورشليم مميّزًا بين الكهنة واللاويين. ولكننا نرى في زمن الملوك كيف أن الكهنة صاروا في خدمة الملوك يتوسلون رضاهم، كما أن الملوك أخذوا يتدخلون في حياة الكهنة وتنظيمهم فيعيّنون من يريدون ويقيلون من يريدون. ولا ننسى أن الكثير من الكهنة فضلوا العمل عند البعل والعشتروت على العمل في معبد الله. فطقوس الرب بسيطة ومتطلباتها الاخلاقية قاسية بينما طقوس البعل أعياد وأفراح، والمشتركون فيها كثيرون والربح فيها وفير. وكان هناك تمييز بين كهنة أورشليم وكهنة المناطق؛ فكان كهنة أورشليم متخمين بينما كان الباقون فقراء تشبه حالتهم حالة الارملة واليتيم والغريب (تث 14: 27-29). وأخيرًا كان بعض الكهنة يسرقون الله والناس مثل أبناء عالي (1 صم 2: 12-17). وهذا ما جعل الأنبياء يندّدون بتصرف الكهنة الخائنين لعهد الرب التاركين وصاياه، والمشاركين في نهب الضعيف واليتيم والارملة (إر 2: 8). وستتغيّر الحالة بعض الشيء بعد الجلاء بالنسبة إلى الوصايا الملكية، فيتحرّر الكهنة من تجربة السلطة السياسية وقد صارت بيد الأمم الوثنية، ويصبحون القواد الدينيين لشعب الله. ولكن تجربة السلطة لم تتبدّل كثيرًا، وظلَّ الكثير من الكهنة يسخّرون كهنوتهم لأمور بعيدة كل البعد عن أمور الدين.
ج- الدرجات الكهنوتية
في البداية ارتبط اللاويون بقبائل الجنوب، أي يهوذا وكالب وشمعون، وتميّزوا بالتعلّق بحياة الصحراء المثالية. وهكذا تأخّروا ليأخذوا بحياة الحضر، فبقوا في المدن المحاذية للصحراء. ولما سكن بعضهم في المدن قرب المعابد وعاشوا ممّا يأخذون من الذبائح واقتنوا البيوت والممتلكات (تث 18: 1)، بقي القسم الآخر في أماكنه. فعرفوا الفقر والعوز وهذا ما دفع المشترع إلى أن ينظّم أمورهم ويعالج أحوالهم فيطلب من المؤمنين أن يهتموا باللاويين لأن لا حصّة لهم ولا ميراث مع الشعب (تث 14: 27). عاشوا على حدود المملكة فدافعوا عن الشعب بوجه أعداء الرب. توزّعوا بين الشعب، فكانت رسالتهم تعليم الشريعة للشعب وطلب إرادة الله وسط شعبه. ثم تنظّموا في درجات كهنوتية ثلاث، بحسب حاجات الهيكل وتمشيًا مع تطوّر الجماعة الاسرائيلية.
الدرجة الأولى: رئيس الكهنة. إنه على مثال هارون الذي اختاره الله بطريقة عجيبة. وكرّسه موسى بطريقة خاصة وطهره ومسحه بالزيت وألبسه الملابس الخاصّة وقدّم عنه الذبائح. فعليه، والحالة هذه، أن يحافظ على طهارة مطلقة ويتجنّب كل ما يمكن أن ينجّسه. هذه الكرامة لم تعط إلاّ للعائلات التي برهنت بطريقة قاطعة عن غيرتها في سبيل الرب وعن تعلّقها بعهده ووصاياه.
الدرجة الثانية: أبناء هارون أو الكهنة القريبون من الله القدوس. تميَّز الكهنة عن اللاويين بعد الجلاء إلى بابل. تكرسوا بالمسحة بالزيت، فكانت لهم وظيفة حفظ الأواني المقدسة، وامتياز التلفّظ باسم الله في إعطاء البركة، وتقدمة ذبيحة التكفير عن الخطايا. ولهذا توجّب عليهم المحافظة على طهارة خاصة، وحقَّت لهم مداخيلُ مادية بسبب كرامتهم (عد 23:3)
الدرجة الثالثة: اللاويون. اختارهم موسى بسبب غيرتهم في قصّة العجل الذهبي فكوّنوا قبيلة خاصّة تميَّزت عن باقي القبائل. لم يُحصها موسى حين أحصى سائر القبائل، ولم يعطها ميراثًا في أرض كنعان لأن الرب ميراثها (عد 1: 47-49). واللاويون محفوظون لله ومخصّصون لخدمته كعلامة على أن الشعب كله هو خاصة الرب. فحضورهم وسط الشعب تذكير دائم بخلاص الله وعهده. ولهذا فإنهم يحلون محل أبكار اسرائيل، ويكرّسون في ذبيحة، ويقرَّبون إلى الله، ويعطَون للكهنة ليخدموا ويحرسوا المسكن ويتفقدوا جواره. إنهم يخصّون الله. وهذا ما يجعلهم قديسين ويسمح لهم بالاقتراب من المعبد دون أن يهدّدهم خطر الموت. يخيّمون حول المسكن المقدس، فيحافظون على تسامي الله الساكن وسط شعبه، ويمنعون الشعب من الاقتراب من تابوت العهد فلا يضربهم غضب الرب. هؤلاء الكهنة واللاويون عاشوا في خدمة الله وشعبه، فتنظمت حياتهم على يد موسى والمشترعين الذين جاؤوا بعده. وهكذا عدّد الكتاب المقدس المداخيل التي يعيشون منها، فذكر ما يؤخذ من التقدمات، والعشر من الغلال، وما يحمله المؤمنون من البكور وأول ثمار الأرض، فقال: "كل التقدمات المقدسة التي يقدّمها بنو اسرائيل للرب جعلتها لك ولبنيك وبناتك معك فريضة أبدية عهدًا لا ينقضي مدى الدهر أمام الرب ولنسلك معك. وقال الرب لهارون: في أرض بني اسرائيل لا ترث ولا يكن لك نصيب فيما بينهم، فأنا نصيبك وميراثك" (عد 18: 19- 20).
عاش الكاهن دومًا من المذبح، وقصة أبناء عالي خير دليل على ذلك. هم يهتمون بالطقوس والمعبد والمذبح، فيكون من الطبيعي أن تكون لهم المداخيل الكافية للقيام بأود حياتهم ولتأمين الخدمة المقدسة. وكانت مداخيل الكهنة ما يؤخذ من الذبائح المقدمة والزيت. وهذه العشور هي تقدمة روحية يشرك فيها المؤمن الفقراء واللاويين والغرباء واليتامى والأرامل.
إن الكهنة واللاويين قد أفرزوا من الشعب بسبب خدمة العبادة التي يقومون بها. فليس لهم إرث في الأرض مع سائر القبائل. الرب نصيبهم وحصتهم. وهذا يعني أن عبادة الرب تكون مصدر مداخيل لهم. ويعني أيضًا أن الكهنة واللاويين يضعون ثقتهم بالرب ولا يتّكلون إلاّ عليه في أمور حياتهم. وهكذا نستعد لسماع نداء يسوع إلى تلاميذه: أن يتكلوا على عناية الله، يبيعون أرزاقهم ويتعلقون بالرب وحده.
د- وظيفة الكاهن في شعب الله
بم تقوم وظيفة الكاهن؟ يلخّصها سفر التثنية في ثلاث كلمات: هو رجل المعبد، وخادم كلمة الله، وخادم المذبح. "وقال موسى: أعط يا رب التميم للاوي والاوريم لرجلك التقي الذي امتحنته في "مسّه" وخاصمته عند مياه "مربية". يقول عن أبيه وأمه: ما رأيتهما. لا يعرف إخوته ولا بنيه. أبناء لاوي حفظوا كلامك ورعوا عهدك. يعلِّمون يعقوب أحكامك وإسرائيل شريعتك. يجعلون بخورًا في أنفك ومحرقات على مذبحك. بارك يا الله قوته وتقبّل عمل يديه. أكسر ظهور مقاوميه ومبغضيه حتى لا ينهضوا".
أولاً: رجل المعبد
الكاهن اللاوي يخدم المعبد، بيت الله. والعيل اللاوية ترافق تابوت العهد وتحرسه. سلالة لاوي تستقبل الحجّاج في شيلو وأحيمالك وعيلته يمارسون وظيفتهم الكهنوتية في نوب. وأبياتر يمارس الكهنوت لداود في صهيون. ينتقل الكهنوت بالوراثة من الآباء إلى البنين. فأبياتر هو بن أحيمالك، وسيكرّس اليعازر بن أبيناداب الكاهن لخدمة تابوت العهد (1 صم 7: 1). كما سيتوزع الكهنة في المعابد القائمة في مدن متعددة من البلاد: دان، شكيم، جلجال، مصفاة بنيامين حيث مسح شاول ملكا، بيت إيل، حبرون، جبعون... وكل هذه المعابد حلّت محل المعابد الكنعانية وفرضت على الشعب تأمين خدّام لها. فحافظوا على الايمان بالرب، وأيقظوا عند الشعب الرغبة في معرفة إرادة الله، كما أنهم كانوا عنصر الوحدة السياسية والروحية بين بني اسرائيل المشتتين بين الكنعانيين.
ثانيًا: خادم كلمة الله
تطوّرت خدمة كلمة الله على مرّ العصور. كان المؤمنون يذهبون إلى المعابد ليسألوا الله فيعرفوا إرادته. فاللاويون يحفظون كلمة الرب ويتعلّقون بعهده، لذلك يقدرون أن يعلّموا اسرائيل فرائض الله ورسومه. إنهم مؤتمنون على علم الله يفسّرونه للناس ويُسمعون كل اسرائيل كلام الله ويحكمون له في قضاياه. وإن تأخّر الكهنة في القيام بواجبهم التعليمي هذا، سيذكّرُهم به الأنبياء. فيقول هوشع: "دمِّر شعبي لعدم المعرفة. أنت أيها الكاهن رذلت تعليمي فأنا أرذلك، نسيت شريعة أبيك فأنا أيضًا أنسى بنيك. كثر كهنتي فكثرت خطاياهم. لذلك سأبدّل مجدهم هوانا" (هو 4: 6-7). ويقول ملاخي: "إليكم هذه الوصية أيها الكهنة: إن لم تسمعوا... أرسل عليكم اللعنة... كان عهدي مع لاوي وآتيته التقوى... شريعة الحق كانت في فمه والاثم لم يوجد في شفتيه... لأن شفتي الكاهن تحفظان العلم ومن فمه يطلبون الشريعة... أما أنتم فعدلتم عن الطريق القويم وشككتم كثيرين في الشريعة" (ملا 2: 6-8). ولكن كلام الأنبياء يجب أن لا ينسينا العمل الطويل والشاق والضروري الذي قام به الكهنة. كانوا قريبين من واقع الناس يعلّمونهم يومًا بعد يوم مبادئ الايمان بالرب، ويستندون إلى كلامه فيرددونه ويفسّرونه ويطبّقونه على ظروف الحياة المتعددة على ضوء التقليد الديني والخبرة الحياتية.
وكان الكاهن يقوم بدوره التعليمي خاصة بمناسبة الاعياد الدينية، فيذكّر الشعب بأحداث الماضي الخلاصية ويردد على مسامعه كلمات العهد. وسينتقل هذا التقليد الديني إلى الأجيال المتعاقبة عبر الكهنة، إلى أن يأتي وقت يدوّن فيه هؤلاء الكهنة ما نسميه بالتقليد الكهنوتي الموجود في أسفار التكوين والخروج واللاويّين والعدد.
ثالثًا: خدمة المذبح
إن خدمة المذبح ستصبح بعد الجلاء ميزة خاصة بالكهنة. الكاهن وحده يصعد المذبح ويقترب إلى الله ويقدّم المحرقة ويجعل دمها يسيل على المذبح (تث 23: 10). هذا هو عملهم وهذه هي خدمتهم. وقد جعلت الكتب علاقة لازمة بين الكاهن والمذبح والذبيحة ففرضت القداسة على الكهنة.
ومن هنا ينبع دورهم في الحفاظ على القداسة داخل الشعب: يمارسون طقوس التكفير عن بني اسرائيل ويحملون خطيئته فيقدمون ذبيحة الخطيئة كلما دعت الحاجة إلى ذلك، كما كان رئيس الكهنة يقدّم ذبيحة خاصّة مرة في السنة، في عيد التكفير (عد 25: 13). وستتوسع واجبات العبادة والطقوس في أجيال اليهودية الاخيرة حتى تطغى على وظيفة التعليم. فالدستور الكهنوتي لا يكاد يذكر واجب الرعاية، بينما يفصّل بالتدقيق طريقة تقدمة الذبائح. وإلى المذبح يحمل الكاهن إلى الرب مديح الشعب وتوسله ويستنزل عليه بركاته: "يباركك الرب ويحفظك. يضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يكشف الرب وجهه لك ويمنحك السلام" (عد 6: 24-26).
بفضل هؤلاء الكهنة حقّق الشعب رسالته كشاهد للرب وسط الأمم الوثنية. فالكهنة نظموا الشعب وعلموه وقدسوه، فجعلوا منه شعبًا من الكهنة: "إن سمعتم لكلامي وحفظتم عهدي تكونون لي شعبًا خاصًا بين جميع الشعوب لأن الأرض كلها أرضي. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمّة مقدسة" (خر 19: 5-16). 
وهكذا كان للكهنة الدور المهم في تهيئة شعب الله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى سماع كلام الانجيل والدخول في جماعة العهد الجديد التي يكون كاهنها يسوع المسيح الوسيط الوحيد بين الله والبشر.

2- الكهنوت في العهد الجديد
من المحطّات المهمّة في حياة يسوع كان ذلك الصيد العجيب. يختار يسوع رسله الاولين ويرسلهم إلى صيد آخر بدأه هو بنفسه عندما أخذ يبشّر المدن بملكوت الله (لو 5: 1- 11). ويبدأون العمل بناء على أمره عندما يوليهم قدرة وسلطانًا على جميع الشياطين، وعلى الأمراض لشفاء الناس منها، وعندما يرسلهم ليعلنوا ملكوت الله ويبرئوا المرضى (لو 9: 1- 12). فكما أن الرب دعا قبيلة لاوي لتقوم بالخدمة الكهنوتية هكذا يدعو يسوع بعضًا من الناس، وإن لم يسمّهم كهنة، من يشتركون معه وبعده في رسالته التي هي عمل نشر كلمة الله ورعاية النفوس وتقديسها.
أ- يسوع والكهنة في زمانه
تعرّف يسوع خلال حياته إلى الكهنة كما تعرف إلى الكتبة والفريسيين، وتحدّث عن العبادة مشدّدًا على عبادة القلب كما فعل الأنبياء. فلا تصير الصلاة تمتمات، والصدقة تبجّحا. كما تكون الذبيحة تعبيرًا عن محبتنا لبعضنا البعض قبل أن تكون تعبيرًا عن محبتنا لله. وتحدث أيضًا عن الهيكل وأحبّه وأُعجب ببنائه. لكنه أراد أن يلفت الأنظار إلى هيكل آخر لم تصنعه الايدي، ألا وهو جسده، ذلك المركز الجديد للعبادة بالروح والحق الذي لا يرتبط بهذا المكان أو ذاك.
مع هذه النظرة الجديدة نرى يسوع يعتبر المؤسسة الكهنوتية أيّ اعتبار فهو يشارك في حفلات الليتورجيا ويعيّد الأعياد مع المؤمنين. كما أنه يُظهر تعلقه بالهيكل، بيت أبيه، فيعلن قداسته ويفرض احترامه خاصّة عندما طرد من تحوّلوا من معلّمين إلى باعة، وحوّلوا الهيكل من مكان مقدّس إلى مغارة لصوص. ولكن هذا الاعتبار لم يمنع يسوع من أن يتلفّظ بأحكام قاسية على كهنة عصره؛ فقد نسوا قداسة وظيفتهم وعظمتهم وعظمتها. فالسامري "الكافر" بنظرهم، هو أفضل منهم، وقد أظهر في طريقه محبّة حقيقيّة لجريح غريب مال عنه كل من الكاهن واللاوي ومضيا (لو 19: 31 ي). وأهملوا مهمّة التعليم وراح بعضهم ينكرون قيامة الموتى (مر 12: 18-22). ولما اجتمعوا عليه مع الكتبة والشيوخ، أعلن عن نهاية كهنوتهم في مَثل الكرامين، وعن خراب الهيكل كعلامة لنهاية العبادة بحسب العهد القديم (مر 12: 1-15). مع العهد الجديد يأتي كهنوت جديد في يسوع المسيح.
ب- يسوع كاهن الآب
لم ينسب يسوع لذاته يومًا لقب كاهن. فهذا اللقب يعني في محيطه وظيفة محدَّدة ومحفوظة لقبيلة معروفة هي قبيلة لاوي. فيسوع ليس من قبيلة لاوي، كما أن عمله غير عمل الكهنة، وكهنوته يسمو على كهنوت بني لاوي، ولهذا فضّل اسم "الابن" أو "ابن الانسان". ولكنه حدّد رسالته بكلمات ضمنية ورمزية مأخوذة من حياة الكهنة.
يتكلّم يسوع عن موته فيصوّره ذبيحة مثل ذبائح العهد القديم. ويقابله تارة بذبيحة التكفير التي قدمها عبد يهوه (مر 1: 45). وطورًا بذبيحة العهد التي قدّمها موسى عند جبل سيناء، رابطًا بين دم الفصح ودم يسوع حمل الفصح (مر 14: 24). يفرضون عليه الموت فيتقبّله، ويقدّم ذاته كما يقدّم الكاهن ذبيحته، وينتظر من هذه الذبيحة الخلاص والتكفير عن خطايا الشعب وإقامة العهد الجديد.
وإذا كانت وظيفة اللاويين في العهد القديم خدمة الشريعة، فيسوع جاء يعلّم الشريعة الجديدة مستندًا إلى القديمة وقد جاء يتمّمها دون أن يرتبط يحرفيّتها. يُدخلنا في أعماقها ويبيِّن لنا أنها تلخَّص في محبة الله ومحبة القريب. كانت رسالته التعليمية امتدادًا لرسالة الكهنة، لكنها سمت عليها كثيرًا، لأن كلمة يسوع هي الوحي بسموه، وإنجيل الخلاص هو تمام الشريعة.
هكذا نظر يسوع إلى نفسه وهكذا سينظر إليه الرسل. فيتحدّث القديس بولس عن موت يسوع فيراه في ملامح حمل الفصح وعبد يهوه، ويذكّرنا بدم المسيح الذي منه فداؤنا. أما القديس يوحنا فيُلبس المسيح ثوبًا كهنوتيًا في آلامه ويضع على لسانه الصلاة الكهنوتية التي تجعله يقدّم الذبيحة كالكاهن، فيكرّس نفسه للرب ويقوم بعمل الوسيط بين الله والناس، وهذا ما عجز عنه كهنوت العهد القديم.
ج- كهنوت يسوع في الرسالة إلى العبرانيين
موضوع الرسالة إلى العبرانيين كهنوت المسيح. تذكر الصليب كذبيحة تكفير، والعهد الجديد وعبد يهوه. ولكنها تركّز اهتمامنا على دور المسيح الشخصي في تقدمة هذه الذبيحة. فيسوع كاهن مثل هارون. دعاه الله ليتشفّع بالبشر فيقدّم الذبائح عن خطاياهم. وهو مثل ملكيصادق الذي قدّم له ابراهيم العشور، فأظهر أن كهنوت لاوي أدنى رتبة من كهنوت المسيح الذي يتجذّر كهنوته في كيانه فيجعله الوسيط بين الله والبشر. يجعله الكاهن الوحيد للآب. 
أولاً: كهنوت يسوع بحد ذاته
يسوع هو الكاهن الأعظم والكامل. "بما أنه شابهنا في كل شيء، يمكننا أن نقترب منه بثقة تامّة. ليس لنا حبر لا يستطيع أن يرثي لضعفنا: لقد امتُحن في كل شيء مثلنا ما عدا الخطيئة. فلنتقدّم بثقة إلى عرش النعمة لننال رحمة ونلقى حظوة يأتينا بها الغوث في حينه" (عب 4: 15-16). أجل، إن يسوع شعاع مجد الله وصورة جوهره، هو في الوقت ذاته إنسان مثلنا عانى ما نعانيه من تعب ومحنة، واختبر ما نختبره من تجارب. ولهذا يمكنه أن يدرك ضعفنا ويعيننا. يمكنه أن يتقبّل الخطيئة، لأنه الحبر الرحيم الذي يكفّر خطايا الشعب.
يسوع هو الكاهن الوسيط الذي يقدر أن يصالحنا مع الله، لأنه مقبول من الله، وقد اختاره الله نفسه: "فإن كل حبر يؤخذ من بين الناس ويقام لدى الله من أجل الناس، ليقرّب قرابين وذبائح كفارة للخطايا". في هذه الآية نجد الملامح العامّة للكهان في شخص يسوع. "يؤخذ من بين الناس": يسوع كان إنسانًا بكل ما في الكلمة من معنى. "ويقام من أجل الناس": هذا يعني أنه يصالحهم مع الله، لأن الكاهن لا يهتم بأمور الدنيا وحسب، بل بأهم شيء في علاقاتهم مع الله، لأن الكاهن لا يهتم بأمور الدنيا وحسب، بل بأهم شيء في حياة الانسان ألا وهي آخرته. الكاهن وسيط بين الله والانسان. فهو الذي يؤمّن الاتصال بين الاثنين، يحمل كلام الله إلى الناس، ويتشفّع إلى الله عن الناس. وجهه مرفوع إلى الله، وشعبه يسير وراءه باتجاه الله. مهمته الاولى أن يقرّب الذبيحة وأن يرفع إلى الله مديح الخليقة.
هذا الكاهن وإن كان في خدمة الناس، إلاّ أن الرب هو من يختاره لأنه ما من أحد يتولى هذا المقام، إلاّ إذا دعاه الله كما دعا هارون. وكذلك المسيح لم ينتحل المجد فيجعل نفسه حبرًا، بل تلقّى هذا المجد من الذي قال له: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (عب 5: 4-6). ينبع كهنوت المسيح من بنوّته الالهية. وهذا ما يضمن لنا أنه مرضي لدى الله. وحاضر في الانسان، لأنه إله وإنسان.
سيظهر أيضًا وجه المسيح الكاهن في طاعته التي كانت سبب قبول ذبيحته. فالمسيح "في أيام حياته البشرية رفع الدعاء والابتهال بصلاة وصراخ شديد ودموع إلى الذي بوسعه أن يخلّصه من الموت فاستجيب طلبه لتقواه. وتعلم الطاعة، وهو الابن، بما لقي من الألم. ولما صار كاملاً جُعل لجميع الذين يطيعونه علِّة خلاص أبدي لأن الله دعاه حبرًا على رتبة ملكيصادق" (عب 5: 7- 10). في هذا النص يذكّرنا كاتب الرسالة بالحالة التي عاش فيها يسوع قبل موته الخلاصي، وهي حالة خضوع وهوان، بانتظار الحالة التي وصل إليها الآن بالمجد. ويتوقّف خاصة على مشهد النزاع والصراع بين إرادته وإرادة الله وعلى طلبه إلى الآب أن يخلّصه من الموت. يستجيب الآب طلبه لتقواه لأنه أتمَّ مشيئة الآب وقلبه مملوء بعواطف الخوف البنوي التي تمنع الابن من القيام بأي عمل لا يرضى أباه.
ثانيًا: كهنوت المسيح والكهنوت القديم
تقابل الرسالة إلى العبرانيين كهنوت المسيح بالكهنوت القديم الذي يمارسه الكهنة واللاويون أبناء هارون في هيكل أورشليم، فيبدو فضل كهنوت المسيح على الكهنوت القديم مع العناصر المرتبطة بكهنوته من عهد وعبادة ومقدس وذبائح.
فضل كهنوت المسيح على كهنوت اللاويين أنه كهنوت ملوكي أبدي شامل، نهائي مقدّس وسماوي. ملوكي على مثال "ملكيصادق، ملك شاليم وكاهن الله... الذي تفسير اسمه ملك البر، ثم ملك شاليم، أي ملك السلام، وليس له لا أب ولا أم ولا نسب، وليس لأيامه بداءة ولا لحياته نهاية، وهو على مثال ابن الله يبقى كاهنًا إلى الأبد" (عب 7: 1-2). لقد جعل الكاتب من ملكيصادق مرآة نتأمل فيها وجه المسيح الكاهن. وهو لا ينحصر في الكهنوت اللاوي. لأنه على رتبة ملكيصادق لا على رتبة هارون. لا تغيير فيه وهو قائم إلى الأبد: "فأولئك الكهنة كان يقام منهم عدد كثير لأن الموت يحول دون بقائهم، وأما هذا الذي يبقى للأبد فله كهنوت لا يزول. وهو قادر على أن يخلص الذين يتقربون به إلى الله خلاصًا تامًا لأنه حيّ باق ليشفع بهم" (عب 23:7-25). وهو كهنوت كامل ومقدس لأنه من السماء. "أجل هذا هو الحبر الذي يلائمنا، قدوس بريء لا عيب فيه ولا صلة له بالخاطئين، جُعل أعلى من السماوات، لا حاجة به إلى أن يقرّب كالأحبار كل يوم ذبائح كفارة لخطاياه أولاً، ثم لخطايا الشعب، لأنه فعل ذلك مرة واحدة، حيث قرَّب نفسه" (عب 26:7-27).
إن الكاهن الأعظم الذي نرى صورته في وجه ملكيصادق هو حامل كهنوت ملوكي أبدي وشامل لم يأت بالوراثة ككهنوت هارون ولم ينحصر عمله في شعب من الشعوب.
وهناك صفات تجعل كهنوت المسيح فوق كهنوت هارون. فيسوع هو الكاهن الكامل الوحيد الذي يحقّق في شخصه كل كمالات الكهنوت، والقدوس الطاهر الذي لا يحتاج إلى الذبائح لينقّي نفسه. وهكذا صار لنا في المسيح عهد جديد يُفضّل على العهد القديم، وشريعة جديدة تسمو على الشريعة القديمة، وعبادة جديدة أظهرت جدواها في غفران الخطايا، ومعبد جديد أقدس من القديم بناه الرب بواسطة ذلك الحبر الجالس عن يمين الجلال في السماوات.
في العهد القديم كان الكهنة وحدهم يدخلون القدس، ويُحفظ لرئيس الكهنة قدس الأقداس. ولكن يسوع يدعونا كلنا إلى أن ندخل المقدس الحقيقي لنلتقي الله بالذات. في العهد العتيق كان الناس يخافون التقرّب من الله، لأن دم الثيران والعجول لا يستطيع أن يزيل الخطايا. ولكن المسيحي يقدر على التقرّب من الله. والشروط هي: قلب صادق لا غش فيه ولا كذب، إيمان كامل يملأ القلب ثقة بالله، قلب مطهّر من سوء النيّة وقد تحوّل بالدم الثمين المرشوش علينا، فاستعدّ لعمل العبادة المطلوب، وتخلّص من الشهوات التي تقود إلى الموت. وجسد مغسول بماء طاهر بفعل المعمودية التي بها يخلّصنا الله بغسل الميلاد الثاني لحياة جديدة بالروح القدس (تي 3: 5).
د- كهنة العهد الجديد
في العهد الجديد، يسوع هو الوسيط الوحيد بين الله والبشر، وهو الكاهن الوحيد الذي يقدّم ذبيحة الخلاص. وهو حامل الوحي الوحيد لأنه كلمة الله المتجسّد. ولكننا نجد مع ذلك في الكنيسة التي أسّسها وظائف وخدمًا متنوعة في خدمة كلمته ونعمته. نجد كهنة على مثال المسيح الكاهن.
من بين التلاميذ الذين قصدوه اختار يسوع اثني عشر رسولاً يصحبونه فيرسلهم مبشّرين. دعا كل واحد باسمه: سمعان بطرس، ويعقوب، ويوحنا... أرادهم أن يكونوا معه وبقربه قبل أن يرسلهم إلى عمل التبشير... وسيرافقون يسوع ويسمعون كلامه، خلال حياته التبشيرية، إلى أن كان ذلك الخميس المقدس، خميس الأسرار. تعشّى مع الرسل كلهم، ولكن مع الرسل وحدهم، وقال لهم بعد عشاء الافخارستيّا: "اصنعوا هذا لذكري" (لو 19:22). كانوا قد تعلموا أن يوزعوا الخبز العجائبي على الجموع (مر 6: 41). وها هو يأمرهم بأن يعطوا جسده مأكلاً ودمه مشربًا.
أقامهم في بداية حياته البشريّة حين دعاهم، ثمَ كرّسهم في العشاء السرّي فصلّى من أجلهم ومن أجل من يؤمنون به: "أنا بلّغتهم كلامك... قدّسهم في الحق لأن كلامك حق. وكما أرسلتني إلى العالم فكذلك إلى العالم أرسلتُهم وأقدس نفسي من أجلهم ليكونوا هم أيضًا مقدّسين في الحق" (يو 17: 14- 19). وهكذا كما أن الآب قدّس يسوع وأرسله إلى العالم (يو 10: 36)، هكذا قدّس يسوع الاثني عشر وأرسلهم كرعاة على مثاله. نقول بلغتنا: جعلهم كهنة العهد الجديد. هكذا يفهم الرسل الرسالة التي أوكلهم بها يسوع. إنها رسالة الخدمة. والخدمة تعني الخدمة في الكنيسة.
فالرسل خدّام المسيح يرافقونه في شرف الخدمة كما في شرف المجد: "من أراد أن يخدمني فليتبعني، وحيث أكون أنا يكون هناك خادمي" (يو 12: 26). فخدمة المسيح والمؤمنين أمر واحد. ونداء الله لبولس واختياره له من أجل عمل الرسالة هو نداء للخدمة. "أحمد ربنا يسوع المسيح الذي... دعاني لخدمته" (1 تم 1: 12). ويسعى بولس للقيام بهذه الرسالة بطريقة لائقة ليوصل إلى الوثنيّين كلمة الله عالمًا أنه خادم المسيح. فيعي عظمة هذه الخدمة التي تتفوّق على خدمة موسى ذاته، لأنها خدمة العهد الجديد، خدمة البر والروح والمصالحة، خدمة الانجيل والكنيسة (2 كور 3: 6-9).
فالخدم متنوعة والروح ينوّع المواهب بتنوعّ الخدم، واضعًا بالدرجة الأولى تلك المتعلّقة بإيصال كلمة الله إلى الناس. وتظهر هذه الخدمة الرعائية على مثال الخدمة التي يقوم بها الشيوخ في الجماعات اليهودية. فنحن نرى في اجتماع أورشليم الرسل الاثني عشر مع شيوخ الجماعة المحليّة وعلى رأسهم يعقوب أخو الرب. وسيعيّن القديس بولس وبرنابا شيوخًا يوجّهون كل كنيسة من الكنائس. وهكذا نجد في كل كنيسة جماعة من الشيوخ تنظّم العمل الرعائي. يختارهم الرسل ويقيمونهم في وظائفهم بوضع اليد. وسوف نرى هؤلاء الشيوخ يصلّون على المرضى ويمسحونهم بالزيت المقدس (يع 5: 14). ويرئسون الجماعة المسيحية، ويرعون المؤمنين، ويخاطبونهم بكلام الله.
يتحدّث العهد الجديد عن الاساقفة والشمامسة الذين يرعون شؤون الجماعة وعن معاونيهم. ويتوقّف أعمال الرسل بنوع خاص على أعماله الشمامسة في الكنيسة. هم الذين لا يقومون بالاعمال المادية فحسب بل يكرزون بالانجيل مثل اسطفانس وفيلبّس. أما الاساقفة فهم "المناظرون" والمراقبون. هم الذين ينظرون في الكنيسة التي يرئسونها، ووظيفتهم أن يرعوا كنيسة الله ويهتمّوا بالقطيع الذي أقامهم الروح القدس فيه أساقفة (أع 20: 28). على مثال المسيح راعي الرعاة، راعي نفوسنا وحاميها (1 بط 2: 25). هذا الاسقف يختاره الرسل أحسن اختيار لعمل الرعاية وتحمل المسؤوليات الرسولية، ويعطى سلطة على الشيوخ والشمامسة، ومسؤولية في خدمة الكلمة والليتورجية.
إننا وإن كنّا لا نجد لقب كهنة لخدّام العهد الجديد أو للرسل، فخدمتهم تجعلهم في خدمة كهنوت يسوع المسيح، كاهن الكهنة بين البشر. في هذا الخط سيتنظّم الكهنوت مع آباء الكنيسة في درجات ثلاث. الأسقف والكاهن والشماس. ستأخذ الكنيسة الكثير من العهد القديم وتنفحه بروح المسيح الجديدة، فتشدد على اختيار المسيح لكل كاهن وتذكّره بواجباته الثلاثة: رعاية النفوس على مثال الراعي الصالح، تقديسها بالاسرار، حمل كلمة الله إلى البشر. وفي كل هذا يعتبر الكهنة نفوسهم خدّامًا للمسيح ووكلاء أسرار الله. ويعتبرون أن جلّ ما يُطلب أن يكون كل منهم أمينًا لهذه الموهبة التي أعطيت له.
القسمُ الثّاني
الأناجيلُ الإزائيَّة
أو
مَتّى، مرقسْ، لوقَا
يتوزع هدْا القسم على الفصول التالية: 
1- الرحمة في الأناجيل الازائيّة
2- يسوع وعائلته، الحبل البتولي
3- من جبل سيناء إلى جبل طابور
4- يسوع ابن الله في الأناجيل الازائية
5- الكنيسة في إنجيلي لوقا ومتّى
6- ملكوت الله في إنجيل مرقس وإنجيل متّى 
7- الصلاة في إنجيل لوقا
8- ملكوت الله عند لوقا
9- لصّ اليمين أو أول الداخلين إلى الملكوت.
الفصل الحادي عشر
الرحمة في الأناجيل الازائية

في مقال أوّل، توقّفنا عند الرحمة والرأفة بشكل عام في العهد الجديد. وها نحن في مقالين لاحقين نعود إلى الرحمة في الأناجيل الازائيّة، بانتظار دراسة هذا الموضوع في الرسائل البولسيّة.

1- قلب الله الآب
صوّر لنا يسوع ملامح الآب برحمته الإلهيّة. فالخطأة الذين استُبعدوا من الملكوت بسبب ضيق قلب الفريسيّين، صاروا أبناء رحمة الله، صاروا موضوع فرح الآب. كلّ هذا نكتشفه في الأناجيل منذ خبر الطفولة حتى الموت على الصليب.
ففي لو 1: 67-79، صوّر "زكريا" دعوة ابنه يوحنا الذي سيكون "نبي العلي" الذي "يسبق الربّ ليعدّ له طرقه". وهكذا بدأ "عهد جديد" يحمل الخلاص ويحقّق العمل الذي لا يحقّقه إلاّ إله الرحمة. فالزيارة المسيحانيّة سوف تتجاوز كلّ انتظار بفعل حنان الربّ. "بأحشاء رحمة إلهنا" (آ 78).
وهكذا بدأت علاقة شخصيّة بين الله والإنسان. مع زكريا ويوحنا. وخصوصًا مع مريم أم المسيح. فلوقا يستعمل في نشيد التعظيم (46:1-55: تعظّم نفسي الرب) لفظة "الايوس" ليدلّ على رحمة الله التي تجمع في إضمامة واحدة كلّ تاريخ الخلاص بقوّة فائقة. "رحمته من جيل إلى جيل للذين يتقونه" (آ 50). وحين افتقد الله مريم "عضد اسرائيل فتاه" و"تذكّر رحمته" (آ 54) حسب المواعيد التي عقدها مع ابراهيم وسائر الآباء. وعملُ الرحمة هذا يتمّ أوَّل ما يتمّ في مريم.
وسوف يرينا متّى يسوع وقد أخذته الشفقة من أجل الجموع التي تبعته. رآها في شقائها الروحيّ والدينيّ كخراف لا راعي لها. رأى أنَّ ليس لها من يقودها إلى الآب، فتحنّن عليها. عواطفه هي عواطف أبيه، ومن رآه رأى الآب (يو 14: 9) الذي في السماء. وهكذا يحقّق العهدُ الجديد ما تاق إليه العهد القديم (إر 23: 1ي؛ حز 34: 1ي). الله نفسه هو الراعي الجديد وقائد شعبه: "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11).
والطابع الشخصيّ للعلاقات الجديدة بين الله وشعبه، قد ظهر في شخص يسوع، ولا سيّما حين يقف أمامه مريض من المرضى. جاء إليه أبرص متوسلاً: تحنّن عليه يسوع، ومدّ إليه يده وشفاه (مر 1: 41). ونقول الشيء عينه عن الأعميين في أريحا (متى 34:20). لمس يسوع أعينهما فاستعادا النظر.
ونحن نكتشف قلب الله الآب بشكل خاص في مثل الابن الضال (لو 15: 11-32). حين كان الابن بعيدًا كان الأب ساهرًا يتوقّع مجيء ابنه. رآه من بعيد فتحرّكت أحشاؤه. ركض إليه، وألقى بنفسه على عنقه وقبّله (آ 20). ذاك هو المثال النموذجيّ الذي يصوّر رحمة الله تجاه الخطأة، تجاه البعيدين، تجاه الذين ينبذهم المجتمع. عاد الابن إلى كرامته الأولى وكأن شيئًا لم يكن. برزت رحمة الله في كلّ غناها الملموس، فلم يفهمها الابن الأكبر، الذي يمثّل الفريسيّين، وهو الباحث عن عدالة بشريّة مبنيّة على الأخذ والعطاء، وعلى حسن توزيع الخيرات بين الناس. ولكن في منطق الله صار الاولون آخرين والآخرون أوّلين (مر 10: 31). بل إنَّ الآب يهتمّ بالمرضى أكثر ممَّا يهتمّ بالأصحّاء، بالخطأة أكثر ممّا يهتمّ بالأبرار (مت 9: 12-13). وهو مستعدّ أن يترك 99 خروفًا في الحظيرة آمنين ويذهب في طلب الضالّ (مت 18: 12- 14). فالآب السماوي لا يريد أن يهلك أحد. بل هو سيفرح بخاطئ واحد يتوب، أكثر ممّا يكون بتسعة وتسعين صدّيقًا لا يحتاجون إلى التوبة (لو 7:15، 10).
ويقدّم لنا مت 18: 21 ي مثالاً لحياتنا، سيّدًا تتحرّك أحشاؤه شفقة على عبد لا يستطيع أن يفي ديونه، لا يستطيع أن ينال غفران خطاياه. ومتى يستطيع الانسان مهما فعل أن يرضي الله؟ كلّ عمل تبرير هو مبادرة من قلب الله الرحيم. ولو لم يعف السيّد عبده من ديونه لما استطاع أن يكفّر عنها حياته كلّها. فإغاظة الله اللامحدودة هي غير محدودة في ثقلها، والله وحده ينساها ويمحوها. والابن الضال نفسه ما كان ليستحقّ هذا الاستقبال بسبب ندامته "العميقة". كانت ندامته سطحيّة. وما فكّر إلاّ بحياة منتقصة مع الأجراء وبخبز يشبعه فلا يعود يزاحم الخنازير على خروب تأكله.
إنَّ مثَل العبد القاسي (مت 18: 21 ي) يعلّمنا كيف نعامل إخوتنا بالرحمة كما عاملنا الله. والخاتمة تنقلنا إلى النهاية، إلى عالم الآخرة. إن رحمتَ أخاك تُرحم. وإن أنت لم تَرحم فلا تُرحم. هل يعني هذا أن رحمة الله ترتبط برحمتنا؟ كلا. ولكن من لا يكون قلبه طريئًا كالاسفنجة لا يستطيع أن يتشرّب المياه التي أمامه. ومن لا يكون في قلبه ذرّة من الرحمة، لا يستطيع أن يستفيد من رحمة الله المقدّمة له. وكذا نقول عن المغفرة التي هي وجه من وجوه الرحمة. قال يسوع: إن تغفروا للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم. وإن لم تغفروا لا يغفر الله لكم زلاتكم (مت 6: 14-15). فمن لا يعرف أن يغفر لا يكون له ذاك القلب المستعدّ لتقبّل غفران الله.
أجل، في ساعة الدينونة نُرحم إذا عرفنا أن نرحم. وقد قال الربّ: "بالدينونة التي بها تدينون تدانون (أي: يدينكم الله). وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم" (مت 7: 12). إذا كانت دينونتنا للآخرين قاسية، تكون دينونة الله لنا قاسية. وإذا كانت رحيمة، فلا نستطيع أن نغلب الله بالرحمة. أما في لو 37:6-38 فنقرأ كلامًا حول الغفران والعطاء: نُعطى في أحضاننا كيلاً ملبدًا مهزوزًا فائضا. هكذا يعطي الله بلا حساب، ويغفر بدون حساب، لأنَّه العطاء الكامل والرحمة الواسعة. ونحن نحاول أن نقتدي به حسب المبدأ: "بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم". فصيغة المجهول وهنا تدلّ على الله.
وفي خطّ الرحمة التي تصبح عطاء وإحسانًا، نتكلّم عمّا سمِّيت "أعمال الرحمة". قال يع 13:2: "إنَّ الدينونة ستكون بلا رحمة على من لا يصنع الرحمة" نتطلّع إلى العريان فنكسوه ثوبًا والجائع فنقدّم له بعض قوته اليوميّ. ولا نكتفي بالكلام الفارغ: "استدفئا واشبعا". فأعمال الرحمة هي الدلالة على إيماننا. فمن يؤمن يمارس أعمال الرحمة تجاه القريب، وإلاّ كان إيمانه كاذبًا. في هذا الخط يقوله يوحنا في رسالته الأولى: "من كانت له خيرات هذا العالم ورأى أخاه في فاقة فحبس عنه أحشاءه، فكيف تثبت فيه محبّة الله" (3: 17)؟ لم تتحرّك له أحشاؤه. لم يعامله بالرحمة. إذن، أين هي المحبّة التي يتغنّى بها؟ وهكذا من يعقوب إلى يوحنا ترتبط الرحمة بالفضيلَتين الالهيّتَين الإيمان والمحبّة.
هذان النصّان هما امتداد لكلام يسوع في "الدينونة الأخيرة"، حيث يُدان كلّ إنسان، سواء كان مسيحيًا أو غير مسيحيّ، على أعمال الرحمة التي قام بها خلال حياته. ويذكر يسوع بعضها: الاهتمام بالجائع نطعمه، والعطشان نسقيه، والغريب نأويه، والعريان نكسوه، والمريض نزوره، والمحبوس نذهب إليه في سجنه (رج مت 25: 31-46). وربط يسوع أعمال الرحمة هذه بشخصه: "ما نفعله إلى واحد من هؤلاء الصغار إليه نفعله" (آ 4). فيقولن لنا: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ انشاء العالم" (آ 34). وما لا نفعله إلى واحد من هؤلاء الصغار، لم نفعله إلى الربّ. حينئذ يقول لنا: "إذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبديّة" (آ 41).

2- يسوع المسيح وفعلات الرحمة
حين كشف الله عن اسمه لموسى، دلّ على سرّه فبيّن له كيف يتصرّف بالرحمة مع شعبه. فيقول: "رأيت رأيت شقاء شعبي... أملت أذني لأسمع صراخهم... عرفت (صرت قريبًا، جعلت في قلبي) بالضيق الذي هم فيه... فنزلت (عزمت أن) لأنقذهم" (خر 3: 7-8). الله هو الذي يلامس شقاءنا، هو الذي يأتي لأجل خلاصنا. وسوف يصف شخصه في ما قاله لموسى: "الربّ، الربّ هو إله الرحمة والحنان، الطويل الأناة والغني بالرحمة والأمانة" (خر 6:34).
فإله الرحمة هذا الذي عرفناه في العهد القديم، قد تجلّى في يسوع المسيح، الكلمة الذي صار بشرًا. فيه تمّت كلمات الله. فيه انكشف "لطف الله مخلّصنا (أو: محيينا بحسب النصّ السريانيّ) ومحبّته للبشر" (تي 3: 4). "فيه عرفنا محبّة الله لنا وآمنا بها" (1 يو 4: 16). فإذا أردنا أن نتعرّف إلى رحمة الله، ننظر إلى ابنه كيف عاش وسمع وتكلّم، كيف تصرّف مع الناس الذين كانوا حوله ورافقوه في حياته اليوميّة.
عرف يسوع الشقاء الإنسانيّ، فجاء إلى البشر مجيء الرحمة. وقال: "تعالوا إليَّ أيُّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم... فأنا وديع ومتواضع القلب" (مت 28:11-29). ما عرفه يسوع على طريق الجليل ليس فقط جمال الطبيعة التي يتكلّم عنها في أمثاله (طير السماء، زهور الحقل)، بل آلام البشر وصراخ المرضى من عرج وعميان، ونداء الذين سيطر عليهم الشيطان. في كل يوم يتكرّر المشهد عينه: هجمة البؤساء بجراحهم وعاهاتهم. وكان يشفيهم جميعًا. ومع ذلك، سيلتقي بآخرين في المحطّة التاليّة.
يبدأ إنجيل متّى فيقدّم لنا لوحة عمّا يفعله يسوع: يبشّر ويشفي. قال: "وكان يطوف الجليل كلّه، يعلّم في مجامعهم ويبشّر بإنجيل الملكوت، ويشفي كلّ مرض وكلّ سقم في الشعب. وذاع خبره في سورية كلّها (أي فلسطين ولبنان وسورية) فأتوا إليه بكلّ من كان به سوء: المعذّبين بشتّى الأمراض والأوجاع، والمجانين والمصروعين، والمخلّعين، فشفاهم" (4: 23- 24). وما قاله هنا سيعود ويقوله في مت 9: 35: "كان يسوع يعلّم في المجامع ويكرز بإنجيل الملكوت، ويشفي كلّ مرض وكلّ سقم". رأى الجموع فتحنّن عليها. تحرّكت أحشاؤه لهم "لأنّهم كانوا منهوكين، منطرحين مثل غنم لا راعي لها" (آ 36).
تردّدت لفظة "كلّ" أكثر من مرّة، فدلّت على حنان يسوع الذي يريد أن يغمر الجميع، وأن يلبّي كلّ حاجة روحيّة أو زمنيّة. أمّا شفاء المرضى فعلامة على أنَّ ملكوت الله صار قريبًا، بل وصل إلى أبواب البشر. وهذا يعني أنَّ ملكوت الله هو في العمق ممارسة الله لرحمته وسط البشر بانتظار ذلك اليوم الذي فيه "يمسح الله كلّ دمعة من عيونهم، فلا يكون بعد موت ولا نوح ولا نحيب ولا وجع، لأن العالم القديم قد زال" (رؤ 21: 4).
ويسوع في رحمته لم يكتف بأن يرى هذه الأمراض وهذه العاهات، فيرسل إليها الدواء من بعيد، بل أراد أنَ يلامسها، بل أن يأخذها في جسده. هنا تذكّر متّى نشيد عبد الربّ في أش 53: 4 وطبّقه على يسوع: "أخذ عاهاتنا، وحمل أوجاعنا" (مت 8: 17). وسوف يزيد نصّ أشعيا: "حسبناه ذا برص، مضروبًا من الله ومذلّلاً". أجل، أخذ يسوع على عاتقه أمراضنا كما أخذ خطايانا واللعنة التي حلّت بنا. قال بولس في 2 كور 5: 21: "إنَّ (يسوع) الذي لم يعرف الخطيئة، جعله (الله) خطيئة من أجلنا، لكي نصير نحن به برّ الله". صار ذبيحة عن خطايانا، يوم أرسل "من أجل الخطيئة، في شبه جسد الخطيئة، فقضى على الخطيئة في الجسد" (روم 3:8). رحمته دفعته فتبنّى وضعنا المحمّل بالخطيئة دون أن يعرف الخطيئة. وستقول غل 3: 13 في الخط عينه: "إنَّ الذي افتدانا من لعنة الناموس هو المسيح، إذ صار لعنة لأجلنا، على ما هو مكتوب: ملعون كلّ من علّق على خشبة". قد قبل يسوع الموت لكي ينجّينا من الخطيئة. إلى هذا الحدّ وصلت محبّته كما قال بولس عن نفسه: "أحبّني (يسوع) وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20). وكما قال يسوع عن نفسه: "ما من حبّ أعظم من حبّ من يبذل نفسه عن أحبّائه" (يو 13:15).
هنا نستطيع أن نتوقّف عند بعض "فعلات" يسوع، ما فعله بيده، برأسه، بعينه، فحمَّل فعلته مدلولاً خاصًا. جاءه الأبرص (مر 1: 40-45). ما عامله بقساوة كما كان الناس يعاملونه: هو يستَبعد من كلّ جماعة، يمزّق ثيابه، يكشف عن رأسه. يغطّي شاربه، وينادي: نجس، نجس (أي لا تقتربوا إلى هنا لئلا تتنجّسوا). ويكون مقامه خارج المحلّة. بل إنّ يسوع عامله بالرحمة. اقترب الأبرص منه فما عارض. وقع على قدميه فما أبعده. ابتهل إليه فاستجاب له. وهو لم يشفه من بعيد وكأنّه يخاف من نجاسته. فليس الأبرص هو الذي ينجّس المسيح، بل المسيح هو الذي يطلق الأبرص. وتصرّف يسوع بحنان. مدِّ يده ليدلّ على أنّه يريد مساعدته. لمسه فما خاف من لمسته. وأحسّ الأبرص بدفء تلك اليد الإلهيّة. شُفي كما شُفي كلّ إنسان، وعاد إنسانًا كسائر الناس بعده أن طُرد من بينهم. هو لن يستَبعد بعدُ من الجماعة، بل يستطيع أن يذهب إلى الهيكل ويشهد للمسيح (آ 44). كان ذلك الانسان المنكمش على ذاته، العائش في البراري كالوحوش الكاسرة، فصار رسولاً "يذيع خبر" يسوع، فيأتي الناس إليه من كل جهة.
والخبر الثاني الذي يلفت انتباهنا هو إقامة ابن أرملة نائين من الموت (لو 7: 11-17). مات الزوج. وها هو الابن الوحيد قد مات. هذا هو "القدَر" الذي يخضع له الجميع. فما في اليد من حيلة. ولكن رحمة الله في شخص يسوع هي هنا. بدأ فاستعلم عن تلك المرأة، فعرف بخبرها: "ابن وحيد لأمّه التي كانت أرملة" (آ 12). هنا يحدّثنا الإنجيليّ عن يسوع في ستة أفعال. رآها. كان بإمكانه أن لا يراها. كان بإمكانه أن يميل بنظره عنها كما فعل الكاهن اللاوي في خبر السامري الصالح. والفعل الثاني: تحنّن عليها. تحركّت أحشاؤه كالأم مع ابنها. تمّ كلّمها قال: "لا تبكي". وهكذا حمل إليها كلمة التعزية. دنا، ولم يظلّ بعيدًا كمن لا يريد أن ينزعج بمشاكل الناس. والفعل الخامس: لمس النعش. ولكن من يلمس الميت يتنجّس ويصبح كالميت فلا يحقّ له أن يُشارك في عبادة الهيكل. أما يسوع فخرجت قوّة منه جعلت الحاملين يتوقّفون (آ 13). وكلّم الشاب الميت فشرع يتكلّم. والفعل الأخير: "سلّمه إلى أمّه". كان ضائعًا فوُجد. كان ميتًا فعاش. أعاده إلى أمه فقدّم لها ملء العزاء ففهم الناس أنَّ الله افتقد شعبه. لقد تدخّل الله بحنانه ورحمته، فكانت نتيجة تدخّله في ما فعله يسوع من أجل هذه المرأة وابنها.
ونستطيع أن نذكر المرأة الحدباء. هي ملتصقة بالأرض. خسرت صفتها كإنسان، فصارت كالحيوان على قوائمه الأربع. أبصرها يسوع بين الناس وكأنَّها وحدها في المجمع. هي تحتاج إلى قلبه الحنون. دعاها، ناداها، شفاها. وماذا فعل؟ "وضع يديه عليها" (لو 13:13). "فانتصبت في الحال وجعلت تمجّد الله". عادت إنسانًا مثل سائر الناس. ما عادت امرأة منبوذة بعد أن "قيّدها الشيطان"، بعد أن سيطر عليها "روح سقم". كما نستطيع أن نقابل رحمة يسوع مع قساوة الفريسيّين تجاه الرجل الذي كانت يده يابسة (مر 3: 1-6). أقامه يسوع في الوسط فجعله "بطل" المشهد. وجعل أمام الحاضرين خيارًا بين الخلاص والقتل (آ 4)، بين الرحمة التي تحيي والقساوة التي تقتل، بين الحبّ والبغض. في هذا المجال قال يوحنا في رسالته الأولى: "نحن نعلم أنَّا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة، لأنّا نحبّ الأخوة. من لا يحبّ لا يثبت في المحبّة. وكلّ من يبغض أخاه فهو قاتل. وتعلمون أنّ كلّ قاتل ليست له الحياة الأبديّة ثابتة فيه" (3: 14-15). أعاد يسوع هذا الرجل إلى الحياة، إلى المجتمع، إلى العمل، واليد أساسيّة في هذا المجال، لاسيّما وأنَّ لو 6: 6 يتحدّث عن اليد اليمنى التي كانت يابسة. أعاد يسوع "خلق" هذا الإنسان وغيره، فهتفت الجموع: ما أحسن ما عمل. وهكذا عدنا إلى الخليقة الأولى حيث نظر الله إلى جميع ما صنع فإذا هو حسن جدًا.
قد يطول بنا الحديث عن فعلات يسوع، عن نظره المليء بالحنان، عن لمسته المليئة بالشفقة، عن أشفيته التي تدلّ على عمق قلبه وما فيه من محبّة تجاه والدين لهما ابنة وحيدة. تجاه أرملة فقدت وحيدها، تجاه والد حلّ الجنون بابنه الوحيد. كما نستطيع أن نتوسّع في الحبّ الذي يعتمر قلب يسوع، والذي يقابل الرحمة في العهد القديم. ولكنّنا نودّ أن نتأمّل ناحية ثانيّة من نواحي اهتمام يسوع بالشقاء البشريّ. هو تعامله مع الخاطئين. لهذا ندرس خبر "المرأة الخاطئة" (لو 7: 36-50).
امرأة خاطئة لا يحقّ لها أن تزور بيت رجل "بار" مثل سمعان الفريسيّ. ومع ذلك، فقد جاءت إلى هنا لأنَّ يسوع هو هنا، وقد اقتنع الكتبة والفريسيّون أنَّ لا خير منه لأنّه "يقبل الخطأة ويأكل معهم" (لو 15: 12). لهذا جاؤوا إليه (مع العشّارين) ليسمعوه. وجاءت هذه المرأة مثلهم. وسيُفهم يسوع هؤلاء "الأبرار" الذين "لا يحتاجون إلى توبة" (لو 15: 7) أنَّ الله هو أب وأم يحنّ على أولاده وتتحرّك أحشاؤه من أجلهم (لو 15: 20). أمّا الصورة الكاملة عن الله فنجدها في يسوع الذي بذّر أموال أبيه لدى أشخاص لا يستطيعون أن يدفعوا ديونهم. فدفعها هو.
امرأة خاطئة لا يحقّ لها أن تلمس إنسانًا لئلاّ تنتقل إليه خطيئتها كما في العدوى. ومع ذلك فقد اقتربت من هذا" النبيّ" (آ 39)، ولمسته، بل قبّلته، قبّلت رجليه اللَتين غمرتهما بالدموع ومسحتهما بشعرها (آ 38). لماذا كلّ هذا الإذلال؟ لأنّها عرفت أنَّ ذاك الذي جاءت إليه سوف يرفعها. سوف يغفر لها جميع خطاياها (آ 47). بل سوف يحبّها أكثر من سمعان الذي اعتبر نفسه من طينة غير طينتها.
كيف تُعامل امرأة خاطئة ومعروفة في المدينة؟ في منطق اليهود، هي تُرجم كما أوصى موسى. هذا ما قاله الكتبة والفريسيّون ليسوع عن امرأة أخذت في فعل زنى (يو 8: 1- 11). أمّا في منطق يسوع، فالأمر يختلف كلّ الاختلاف: "من هو فيكم بلا خطيئة، فليبدأ ويرمها بحجر" (آ 7). هو لم يحكم عليها، بل غفر لها خطيئتها وقال لها: "إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة من بعد" (آ 11). هكذا يعامل الله الخطأة: يغفر لهم ذنوبهم. يعاملهم بالرحمة ويرسلهم في السلام الذي يحمل بركة الربّ وحضوره.

خاتمة
هذا ما قدمته لنا الأناجيل عن الآب السماوي ورحمته، وعن يسوع المسيح الذي دلّ على هذه الرحمة بأقواله ونظراته وحركات يده وحنان قلبه. كانت المرأة محتقرة فأعاد لها كرامتها. كان الغريب كلا شيء فصار مثالاً للقريب، للشعب اليهودي. كان الخطأة مبعدين فوجدوا فيه صديقًا لا يخاف أن يعيش معهم ويحبّهم.
الفصل الثاني عشر
يسوع وعائلته، الحبل البتولي

كثرت الشيع فتكاثرت الأسئلة حول بتولية العذراء. حوله ولادة يسوع. حول إخوة يسوع. منذ القديم نادت الكنيسة ببتولية العذراء. قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة. كما فهمت النصّ الإنجيلي حول يسوع الذي كان الابن الوحيد لمريم. لهذا، جاء هذا المقال يقدّم دراسة تنطلق من النصّ الإنجيلي عن يسوع عائلته، وعن الحبل البتولي.
منذ زمن بعيد، ترك العقلانيون (لا يؤمنون إلاّ بالعقل) ما يقوله الانجيل عن الحبل البتولي بيسوع. هم ينطلقون من علم الولادة والوراثة، فيجدون أن مثل هذا الحبل غير معقول. ولكننا نقول نحن إننا أمام عمل خلاّق قام به الله، ولا يستطيع أن يتصوّره عقل بشر.
لماذا نطرح هذا الموضوع؟ لأن جاك دوكان يرفض هذه الحقيقة الايمانيّة في كتابه "يسوع". يسمّي هذا الكاتب نفسه "كاثوليكيًا مقتنعًا في إيمانه". ومع ذلك نراه يتخلّص من هذه العقيدة باسم النقد الكتابي الذي تعلّمه لدى العقلانيّين والبروتستانية المتحرّرة من كل تقليد. إذن، يجب أن نلغي من "نؤمن" عبارة: "ووُلد من مريم العذراء". بل لماذا لا نقول: "وُلد من مريم"؟
نتوقّف أولاً عند الشهادة الإنجيلية، ثم عند خبرَي الطفولة لدى متى ولوقا. وفي النهاية، نتحدّث عن عائلة يسوع.

1- الشهادة الانجيلية
نبدأ فنطرح السؤال: لماذا لم يُعلن الحبل البتولي بيسوع منذ بداية نشر الإنجيل؟ والجواب: لأنه وجب تثبيت القول الأساسي بأن يسوع هو "ابن الله"، وهذا انطلاقًا من أحداث حياته العلنية وآلامه وموته وقيامته من بين الأموات. ويقين هذه القيامة المؤسّسة على ظهورات القائم من الموت لتلاميذه ولشهود آخرين (أكثر من 500 أخ، رج 1 كور 15: 5-7)، كشف في النهاية "لشهوده" معنى أقواله وحياته وأزال الشكّ الذي سبّبه موته.
وانطلق "الشهود" من هذه الخبرة، ففهموا الطريقة التي بها نتوجّه إلى الله فقالوا: "أبّا، أيها الآب". وكان لهذه الطريقة بُعدٌ خارق يتجاوز الشعور "ببنوّة بالتبني". إنه ابن الله حقًا لا عن طريق الاستعارة. ابن الله في الطبيعة، لا في النعمة. ومجيئه على الأرض كان نتيجة مخطط الله الذي جعله وسيط خلاصنا. قال عنه بولس: "وُلد من امرأة، وُلد تحت الشريعة" (غل 4: 4). وُلد من امرأة فكان إنسانًا حقيقيًا متضامنًا مع جميع البشر. ووُلد تحت الشريعة لكي يتمّ المواعيد الالهيّة التي نقلها إلينا الأنبياء. وزاد بولس الرسول في روم 1: 4: "ثبت أنه ابن الله في القدرة بقيامته من بين الأموات".
وصارت كنيسته "الموضع" الذي فيه تُمنح نعمة الخلاص إلى البشر، بواسطة الايمان: إيمان بالله الذي "أرسل" إلى الأرض ابنه يسوع. إيمان بيسوع الذي أتمّ رسالته الخلاصية حتى مات بإرادته، فقدّم حياته لخلاص إخوته البشر.
ذاك كان الموضوع الأساسي في الكرازة الانجيلية، التي بدأت شفهية بشكل إعلان احتفالي، ثم تثبّتت في مواد مكتوبة في كتاب "رفيق الواعظ"، وأخيرًا جمعت في إنجيل أول هو إنجيل مرقس. ونحن نجد رسمة هذه المجموعة بشكل موجز في خطبة بطرس في أع 36:10-42: كل شيء بدأ في عماد يسوع على يد يوحنا. وكل شيء انتهى بقيامة يسوع الذي بعث رسله في مهمة التلمذة والتعميد والتعليم: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يعملوا بكل ما أوصيتكم به" (مت 19:28).
بعد أن "فهموا" شخص يسوع، وفسّروا أعماله وموته، وتيقّنوا من حضوره الخفيّ في كنيسته، إستطاعت الجماعات المسيحية الأولى أن تنتقل إلى سؤال آخر: كيف ومتى أقيم يسوع في وضع فريد في الكون، وضع ابن الله؟ هل كان ذلك منذ قيامته؟ ولكن القيامة كشفت عن شخص يسوع خلال حياته على الأرض. هل كان ذلك منذ معمودية يوحنا؟ فالتقليد الذي سلّمه الرسل، يقول بأن هذا العماد كان موضوع ظهور حميم (هذا هو معنى "دنح" في العالم السرياني، أبيفانيا في العالم اليوناني) لله: "أنت ابني الحبيب الذي عنه رضيت" (مر 1: 11). لكن هذا لم يكن إلاّ إعلانًا لواقع وُجد قبل المعمودية. إذن، وجب على الفكر المسيحي أن يعود أيضًا إلى الوراء، إلى ميلاد يسوع والحبل به.

2- خبرا الطفولة في متى ولوقا
وُجدت في الوسط المسيحيّ الأوّلاني تقاليد تتعلّق بطفولة يسوع. وفي ساعة موته وقيامته، وُجد أقلّه شاهد مميّز لهذه الطفولة. هو مريم أمه. لاشكّ في أن مريم حافظت على سرّها تجاه الفضوليّين، ولكنها باحت ببعض الشيء لأقرب المقرّبين إليها في الكنيسة. لا شكّ في أننا لا نجد تفاصيل وتوسّعات كما في أحداث حياة يسوع العلنيّة، أو في مضمون كرازته. ولكن جوهر هذا السرّ وصل إلينا بشكل تلميح في إنجيل يوحنا، وبشكل واضح عند متى ولوقا.
عرف متى ولوقا- اللذان كتبا في السنوات 80-85- سرّ مريم، وتحدّثا عنه في مقدّمة لإنجيل يستعيد تصميم إنجيل مرقس الذي دوّن في السنوات 67-70. وصلت إلى متى ولوقا تقاليد تتعلّق ببداية يسوع في طريقين مختلفين. إنطلقا من هذه التقاليد ودوّنا ما دوّنا في أسلوب بيبلي يدلّ على معرفتهما العميقة بالكتب المقدّسة.
لم يكن همّهما أن يرويا "خبرًا تقويًا عن الطفل يسوع"، بل أن يفهما فهمًا صحيحًا بداياته، ويدلاّن على أنه أتمّ الكتب المقدسة (رج مت 1: 23: حدث هذا لكي يتم). فبحث نقدي يتوقّف عند مادية التفاصيل التاريخية، عند مادية تتطرّق إلى الواقع دون أن تفسّره، يمرّ قرب النصّ دون أن يفهم مضمونه الحقيقي. وبحث يلغي هذه التفاصيل التاريخية من أساسها لأن متى ولوقا أعطياها بعدًا روحيًا رمزيًا، يصل بنا إلى إنجيل نكتبه من عندياتنا وتصوّراتنا، إلى إنجيل لا يتحدّث عن يسوع المسيح ابن الله الذي تجسّد لأجلنا من مريم البتول. إذن، يجب أن نأخذ أسلوبًا آخر من أجل قراءة النص.
ونبدأ فنتفحّص النقاط التي فيها تتقاطع الأخبار الانجيلية، مهما تنوّعت المراجع التي استقي منها، والطريقة التي بها عرض مضمونها. فمنظار متى يختلف عن منظار لوقا. أعاد لوقا قراءة الأحداث من وجهة مريم. ورواها متى من وجهة يوسف. ولهذا، سوف نرى اختلافات لافتة في مسيرة هذين الخبرين.
إذا عدنا إلى لوقا، رأينا أن كل شيء ينطلق من الناصرة. لهذا وجب عليه أن يفسّر لماذا ولد يسوع "الناصري" (الذي من الناصرة) في بيت لحم. ويجد الجواب في إحصاء فرضه الامبراطور ونفّذه كيرينيوس (لو 2: 2). قد يختلف العلماء حول شخص كيرينيوس واحصائه. ولكن الانجيلي لا يشدّد على هذه الوجهة الخارجية من التاريخ، بل على المعنى الالهي لهذه الولادة. وُلد يسوع كما يولد البشر، ووُضع في القمط واضجع في مذود. ولكن هذا الطفل يتجاوز جميع البشر. فقد قال عنه الملاك: "وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب" (لو 2: 11-12).
أما عند متى، فكل شيء ينطلق من بيت لحم: هناك وجد المجوسُ الطفل مع والديه "في بيت" (في منزل) (مت 2: 11). بقي على الانجيل الأول أن يفسّر لماذا أقام يسوع أخيرًا في الناصرة. فذكرَ وصول أرخيلاوس بن هيرودس إلى الحكم (مت 2: 22).
نستطيع أن نجادل إلى ما لا نهاية لنعرف أيًا من التقليدين كان قريبًا من التاريخ "الواقعي" (أي كما حصل حقًا. هذه فضولية مريضة). فتقليد متى يعود إلى أسرة يسوع. أما وراء خبر لوقا، فنجد ذكريات مريم التي وصلت إلى الانجيلي الثالث بشكل أو بآخر.
ولكننا نتوقِّف عند نقاط التقاطع الأربع بين إنجيلَي متى ولوقا. فقد اهتمّ بها الايمان المسيحي في زمن الانجيليين. فهذا الايمان متطلّب على مستوى التاريخ وإن لم يساعدنا الطابع اللامحدّد للتقاليد المحفوظة على إعادة بناء التفاصيل في لوحة تاريخية متكاملة. انطلق متى ولوقا من هذا الايمان فدلاَّ على ثبات هذه الأمور التاريخيّة، ودوّنا ما فهما في أسلوب "بيبلي" يتوسّل الصور والرموز ليعبّر عن واقع إلهي يتعدّى مفهوم البشر.
وإليك هذه النقاط كما برزت عند الانجيليين.
الأولى: إن مريم العذراء حبلت بيسوع قبل أن تسكن مع يوسف تحت سقف واحد. نقرأ في مت 1: 18: "تبيّن قبل أن تسكن معه أنها حبلى من الروح القدس". وفي لو 1: 34 نقرأ تساؤل مريم: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً"؟ فجاءها الجواب: "الروح القدس يحلّ عليك". هذا ما لخّصه قانون الايمان فقال: "تجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء".
النقطة الثانية: حين خُطبت مريم ليوسف وأقاما معًا، صار يسوع الوارث الشرعي للمواعيد التي أعطيت لداود ولنسله، فكانت تلك إشارة أولى إلى وظيفته المسيحانية المقبلة. لقد رأى مت 1: 1 انتساب يسوع إلى داود وابراهيم. وأنهى سلسة أجداده فقال: "ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولدت يسوع الذي يُدعى المسيح" (مت 1: 16). وقال لو 23:3 عن يسوع إن الناس كانوا "يحسبونه ابن يوسف". ونقرأ في يو 6: 12 تساؤلا الناس: "أما هو يسوع ابن يوسف؟ نحن نعرف أباه وأمه".
النقطة الثالثة: وُلد يسوع في بيت لحم. وقد جعل متى كل أحداث طفولة يسوع في هذه المدينة الداودية التي كانت صغيرة فكبرت حين وُلد فيها من يرعى شعب الله (مت 2: 6). أما لوقا، فيحدّثنا عن صعود يوسف من "الجليل، من مدينة الناصرة، إلى اليهودية، إلى بيت لحم مدينة داود، لأنه كان من بيت داود وعشيرته" (لو 2: 4). ويلمّح يوحنا (7: 42) إلى هذا الأمر فيضع في فم اليهود سؤالاً يفرض جوابًا إيجابيًا: "أما قال الكتاب إن المسيح يجيء من نسل داود، ومن بيت لحم مدينته"؟
والنقطة الرابعة تقابل الثالثة فتقول: لقد أقام يسوع في الناصرة. في إنجيل لوقا، بشّر الملاك مريم في الناصرة (1: 26). ومن الناصرة ذهبت مريم إلى اليهودية (إن بيت لحم تقع في اليهودية، أما الناصرة ففي الجليل) (لو 1: 39). ومن الناصرة صعد يوسف إلى بيت لحم لكي يكتتب هناك. وفي نهاية إنجيل الطفولة حسب لوقا، عاد يسوع إلى الناصرة بعد أن قدّم في الهيكل (2: 39)، وبعد الحج وهو في الثانية عشرة من عمره (2: 51: رجع معهما إلى الناصرة). أما متى فيرى في مجيء يسوع إلى الناصرة ليقيم فيها، تتمة لما قاله الأنبياء: "يُدعى ناصريًا" (23:2). وبسبب هذا اللقب سيُدعى المسيحيون الأولون: "شيعة النصارى" (أع 32: 5). ويتكلّم يوحنا عن "يسوع ابن يوسف من الناصرة" (1: 45)، وعن تساؤل اليهود عن أصل يسوع من "الجليل" (7: 41، 52) حيث تقع الناصرة.
بعد أن نثبت هذه النقاط الأربع، نحاول أن نقرأ خبري متى ولوقا، فنكتشف الخلفيّة اللاهوتيّة في البناء البيبلي. لسنا أمام فيلم مصوّر عن الأحداث رآه شاهد حاضر، ولا أمام نقل حرفي لكلمات "سُجّلت" في ذلك الوقت. ليس لوقا ومتى صحافيين يبحثان عن أحداث مثيرة، ولا مؤرخين يطلبان دقّة التفاصيل. فإن كانا قد عرفا التفاصيل، فقد توخّيا أمورًا أخرى: أرادا أن يبّينا كيف سار مخطط الله في تاريخ سيرى فيه يسوع المسيح وابن الله دعوته تتّخذ شكلها وتهيّئه للحياة العلنية.
فقبل دعوة يسوع والحبل به وولادته، يجعلنا هذان الانجيليان نشهد دعوة مريم ويوسف. روى لوقا دعوة مريم من خلال مشهد البشارة، ومتّى دعوةَ يوسف من خلال "حلم" رآه فدعاه بأن يأخذ مريم امرأة له (مت 1: 20).
من الواضح أننا أمام خبر رؤية لا يُرى في العين المجرّدة: إنه يُبنى بتعابير جليانية (جلا، أي كشف) لكي يفهمنا ما حدث في حميمية العلاقات بين "الرائي" والله نفسه. من هذا القبيل، يكون تدخّل "الملاك جبرائيل" عنصرًا ثانويًا يرتبط بالاسلوب البيبلي في إيراد الخبر (رج دا 8: 5-8؛ 9: 21-22: جبرائيل الرجل الذي رأيته في الرؤيا طار سريعًا). ونقول الشيء عينه عن "حرفية" الحوار بين مريم والملاك جبرائيل. لسنا أمام تسجيل حرفي للخطبتين، بل أمام المعنى العام الذي تأمّلت فيه مريم طويلاً (لو 19:2) ودوّنه لوقا بطريقته الخاصّة.
حين أعلن الملاك إعلانًا غير متوقع بأن مريم ستكون أمًا، اعترضت اعتراضًا شديدًا: لا علاقة لها الآن برجل. لهذا ارتبط التشديد على هذه الأمومة التي لا تُفهم بتدخّل الروح الخالق (لو 1: 35). مثل هذا الحبل مستحيل. "فما من شيء غير ممكن عند الله" (آ 37). لا حبل "العاقر" اليصابات، ولا حبل البتول مريم. 
أما الطفل الذي يولد هكذا خارج الطرق العادية، فيحدَّد وضعُه الدقيق في مخطّط الله بشكل موجز: سيكون المسيحَ ووارثَ عرش داود (آ 31-32) بصفته "ابن الله". سيكون "الابن" بمعنى تشرحه فقط "قدرة الله" (التي تظلّل الأمّ والطفل معًا) (آ 35). وسيتوضّح معنى كل هذا على ضوء حياة يسوع، موته وقيامته.
وتحدّث متّى عن دعوة يوسف الذي سيلعب هو أيضًا دورًا في مخطّط الله لا يحلّ فيه أحد محله. لا يقول الانجيلي شيئًا عن الوقت الذي مرّ بين دعوة مريم "التي حبلت من الروح القدس" (مت 1: 18) والسؤال الذي طرحه يوسف على نفسه: هل يأخذ إلى بيته مريم التي خطبت له؟ هنا لا نستطيع إلاّ أن نفكّر بأن مريم حدّثت يوسف عن دعوتها وعن الحبل بابن أعلنته السماء.
ولكن يبقى أنه لا يعرف ما يجب عليه أن يفعل تجاه هذا الوضع غير المتوقع، هذا مع العلم أنه لا يشكّ أبدًا في أمانة مريم. لهذا ما أراد أن يعطيها بشكل علني كتاب الطلاق (آ 19). فنبّهته السماء بأن عليه أن يدخل في مخطّط الله: أن يأخذ امرأته إلى بيته. أن يكون أب الطفل لا على مستوى الوراثيات، بل على مستوى العلاقة الحميمة التي تجعله أبًا حين يعطي الطفل اسمه. أن يسمّي الطفل يسوع (= الرب يخلّص) "لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم" (آ 21).
إن دعوة يوسف، شأنها شأن دعوة مريم، تقع خارج القواعد البشرية: سيكون أب الطفل بواسطة علاقته به، ولا يكون فقط مربّيه ومعيله. وهو يشارك مريم في تربيته فيعلّمه كيف يكون رجلاً في محيطه ومؤمنًا يدخل في مخطّط إله العهد. لا شكّ في أن هذا سينكشف شيئًا فشيئًا في الممارسة، مع طفل "ينمو في الحكمة والقامة والنعمة أمام الله وأمام الناس" (لو 2: 52).
نستطيع أن نستعيد الأحداث التي تتتابع في مت 1-2 ولو 1-2 فنرى انتقال هذا الطفل منذ الحبل والولادة إلى حياة يسوع في الناصرة وهو "عمانوئيل" أي إلهنا معنا" (مت 1: 22). وسيرينا لوقا كيف أن يسوع وعى ذاته وأكّد على مسؤوليته حين شارك للمرّة الأولى في الحج إلى أورشليم مع والديه (لو 2: 31-50). تحدّث يسوع عن الله مستعيدًا اللغة التي تعلّم أن يستعملها حين يتحدّث إلى يوسف "أبيه". قالت له مريم: "يا ابني، لماذا فعلت بنا هكذا؟ فأبوك وأنا بحثنا عنك معذَّبين". أجاب يسوع: "لماذا بحثتما عني؟ أما تعلمان أنه يجب أن أكون عند أبي" (آ 48-49)؟
في الواقع، حين نجمع كلمات يسوع وهو يصلّي إلى الله خلال حياته العلنية، نجده يستعيد هذه اللفظة المدهشة التي دوّنها مرقس في لغة أجداده: "أبّا، أيها الآب" (مر 14: 36)! ستعود هذه اللفظة في مت 11: 25-27= لو 10: 21-22 (أشكرك يا أبت)، في مت 42:26= لو 22: 42 (يا أبت إن شئت)، وفي مواضع أخرى عديدة.
ماذا نستنتج من هذه الملاحظات؟ يرى متى ولوقا أن الحبل البتولي بيسوع ووظيفة يوسف الأبوية ليسا صورًا أسطورية نُسقطها على ولادة سارت حسب الطبيعة البشريّة. لقد ارتبط هذا الحبل وهذه الأبوّة ارتباطًا حميمًا بدعوة مريم ويوسف التي ارتبطت بدورها بوضع يسوع الفريد: يسوع المسيح وابن الله. ولقد كان الحبل البتولي علامة ضرورية ليتعرّفا إلى واقع دعوتهما التي لا تدخل في معايير البشر. فالذين لا يقبلون بهذا الحبل لاجئين إلى "نواميس الطبيعة" يدلّون على أنهم غير مستعدين أن يعترفوا ببنوّة يسوع الالهيّة، أن يقرّوا بها كواقع إيماني خارق وغير منتظر، وهو يتجاوز معجزة الحبل البتولي.

3- عائلة يسوع
نحن هنا أمام مسألة مطروحة في أحداث تضع أمامنا "إخوة وأخوات يسوع" الذين لا تبدو صورتهم مشرِّفة في الأناجيل. حين ترك يسوع مهنته كنجّار في الناصرة، أرادوا أن يعيدوه إلى رشده (مر 3: 20- 31). وقفوا خارج البيت حيث يعلّم سامعين جلسوا حوله. فجاء من يقول له: "أمك وأخوتك يطلبونك" (مر 3: 32). أما هو فأجاب: "من هي أمي، ومن هم أخوتي"؟ ونظر إلى سامعيه وقال: "هؤلاء هم أمي وإخوتي! لأن من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأختي وأمي" (آ 33- 35).
وعرض يوحنا الأمور بشكل يختلف بعض الشيء. فبعد فترة من الكرازة في الجليل، قال ليسوع أخوته: "إنتقل من هنا إلى اليهوديّة حتى يرى التلاميذ الأعمال التي تصنعها: ما دمت تعمل هذه الأعمال، فأظهر نفسك للعالم" (7: 3-4)! ويلاحظ الانجيلي أن "اخوته أنفسهم لم يكونوا يؤمنون به" (آ 5). 
نظرتهم ليست نظرة يسوع. نترك هنا جانبًا مسألة إيمان مريم التي عرفت في دعوتها من هو ابنها، ولكنها ستكتشف برفقة الأحداث هذه المهمّة غير المنتظرة. السؤال الأول الذي يطرح نفسه هو سؤال إخوة يسوع وأخواته. فالقرّاء العقلانيون للأناجيل والبروتستانت الذين لا يظهرون مستعدين لقبول بتولية مريم وزواج يوسف الغريب (لم يكن له ولد من زوجته)، يرون طوعًا في هؤلاء الإخوة والأخوات أولادًا عديدين في أسرة واحدة. أما القرّاء الكاثوليك فيرون في إخوة يسوع وإخوته أقرباء له. أما معارضوهم فيرون في موقفهم جهلاً لقيمة العلاقات الجنسية بين الزوجين!
نطرح أولاً مسألة نقد أدبي. إن مرقس يذكر أسماء حين يتحدّث عن إخوة يسوع. في الناصرة، حيث يُستقبل استقبالاً سيئًا في المجمع (مر 6: 2-6)، قال الناس: "أما هو النجّار ابن مريم، وأخو يعقوب ويوسي (أو: يوسف) ويهوذا وسمعان؟ أما أخواته عندنا هنا" (آ 3)؟ إذن، نحن أمام عائلة كبيرة. مريم هي أرملة (وإلاّ لما تحدّثنا عن ابن مريم) وعندها سبعة أو ثمانية أولاد من البنين والبنات!
ولكن يجب أن نقرأ في الانجيل نفسه لوحة الصليب. غاب التلاميذ، ولكن هناك نساء ينظرن عن بعد إلى يسوع الذي ينازع: "فهنّ مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي (أو: يوسف) وصالومة" (مر 15: 40). وتختلف اللائحة بعض الشيء في الانجيل الرابع: "وقفت عند صليب يسوع أمه وأخت أمّه، مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية" (يو 19: 25). فمريم أم يسوع لا يمكن أن يكون لها أخت اسمها مريم.
ومهما يكن من أمر، نحتفظ بما أشار إليه مرقس: "مريم الأخرى" هي أم "يعقوب الصغير ويوسي". هذان الاسمان نجدهما في مر 3:6. لقد ارتدا ودخلا في الكنيسة على خطى أمهما بعد إعلان القيامة (يو 17:20؛ أع 1: 14: مريم أم يسوع وأخوته).
ولكن جاء قول مبدأي لا يسنده أي برهان: كان لمريم أولاد أخرى مع يوسف واسمهم كاسم إخوته. وهكذا كان لمريم بنون وبنات هم أخوة وأخوات يسوع! وقدّم جاك دوكان ملاحظة اعتبرها حاسمة: لو أراد الانجيلي أن يتكلّم عن أبناء عمّ يسوع لاستعمل الكلمة اليونانية الملائمة (أنابسيوس). ولكنه استعمل "ادلفوس". أجل، إن التقليد اليوناني ميّزَ بين الأخ وابن العمّ (مرقس ابن عم برنابا، كو 4: 10). أما التقاليد الانجيلية التي تكوّنت في مناخ سامي (في المحيط الأرامي) فلجأت إلى الاصطلاحات الحضارية المعمول بها في هذا المناخ.
أخذ الانجيليون بأسلوب التوراة كما وصلت إليهم في اليونانية. فكيف تستعمل التوراة الالفاظ المتعلّقة بالاقارب؟ نلاحظ أولاً أن استعماله كلمة "أنابسيوس" (ابن عمّ) نادر جدًا. في عد 36: 11، تدلّ على "أبناء العمّ" (بنات صلحفاد زوجات لبني أعمامهنّ). في سفر طوبيا، نجد نسختين للترجمة اليونانية نقلتا عن أصل أرامي. قدّمت لنا مغارة قمران الرابعة عنه، ثلاث نسخات (مفتّتة) وترجمة عبرية. ترد لفظة "أنابسيوس" مرتين في إحدى النسخات لتدلّ على "ابن عمّ طوبيت" (7: 2؛ 9: 6). ولكن في إحدى النسخ تحل لفظة "أخ" (ادلفوس) محل "ابن عمّ" (أنابسيوس) (7: 2). ثمّ إن طوبيا طلب من الملاك أن يأخذه إلى أخيه رعوئيل (7: 1) الذي هو في الواقع ابن عمّ أبيه.
وماذا نقول عن "الاخوات"؟ إن الترجمتين اليونانيتين لنص طوبيا (تعودان إلى القرن الثاني أو الأول ق. م.) تقدّمان لنا حاجتنا لكي نتحدّث عن "ابنة العم". فعلى اثنتي عشرة دفعة ترد كلمة "أخت" لتدلّ على "بنت العم" التي يتزوّجها طوبيا. نقرأ مثلاً في 7: 11: "إقبل أختك، فأنت أخوها منذ الآن، وهي أختك، وهي مزفوفة إليك منذ الآن إلى الأبد". وفي 8: 4 قال طوبيا لسارة: "قومي، يا أختي، نصلّي". وفي 7:8: "أنا أتخذ هذه زوجة". وسيقول رعوئيل لطوبيا: "نحن معك كما أننا مع أختك من الآن إلى الأبد" (8: 21؛ رج 10: 6). هذه هي الطريقة المتّبعة في الأوساط الأرامية كما عرفها الجليل في أيام يسوع. وقد طُبّق هذا الاسلوب في التقاليد الانجيلية على أبناء عمّ يسوع.
ونقدّم ملاحظة أخيرة تثبت هذه النظرة إلى عائلة يسوع وتفسّر حضور مريم أم يسوع بين مجموعة الأقارب الذين يريدون أن يضعوا حدًا لرسالته الانجيلية (مر 3: 31). قلقت العائلة كلها. وخافت أن تصبح مريم من دون معيل إذا حصل شرّ لابنها. أخذوها معهم لكي تقنع يسوع. وفي الواقع، عند الصليب، هل سيهتمّ أقارب يسوع بمريم؟
إن إنجيل يوحنا يقدّم تقليدًا ثابتًا يدلّ فيه على أن يسوع سلّم أمّه إلى يوحنا. ومنذ تلك الساعة "أخذها التلميذ إلي بيته" (يو 27:19). لا نستطيع أن نتخيّل هذا الوضع لو كان لمريم إخوة غير يسوع. أما إذا توقّفنا عند إنجيل يوحنا، فنفهم أن مريم كانت عند أختها صالومة، أم يعقوب ويوحنا.
الفصل الثالث عشر
من جبل سيناء إلى جبل طابور

مقدّمة
أن حدث التجلّي على الجبل، بمشهد من بطرس ويعقوب ويوحنا، قد أثّر في التلاميذ أيّ تأثير. فتأمَّلت فيه الكنيسة، ودوّنه كلّ من الانجيلييّن متّى ومرقس ولوقا، وذكرته رسالة بطرس الثانية لتبيّن حقيقة التعليم عن مجيء المسيح في نهاية الأزمنة.
أورد متّى الحدث، فأبان فيه كيف أن الرسل تذوّقوا لذّة الحياة مع المسيح التي لن تكون كاملة لهم إلاّ إذا شاركوه في آلامه. وأورد مرقس الحدث، فأرانا فيه ظهور الرب في شخص يسوع، ظهورًا لن يفهمه التلاميذ قبل القيامة. وأورد لوقا الحدث، فوضع أمامنا صورة مسبقة لمجهـد سيكشف عنه الرب بقيامته وصعوده.
جعل الانجيليون حدث التجلّي في الحقبة الثانية من حياة المخلّص. اعترف به سمعان بطرس باسم التلاميذ مسيحًا وابن الله الحي، ولكنّ الشعب رفض أن يؤمن به. حينئذ أخذ يسوع يولي اهتمامه لتلاميذه، فكشف لهم سرّ شخصه عبر المصير المعدّ له، وأفهمهم أن المسيح الذي هتفوا له هو أيضًا ابن الانسان الذي يصعد إلى أورشليم ليموت هناك ويقوم.
والسر الذي يكشفه يسوع لتلاميذه له وجهان، وجه مظلم ووجه مجيد. ولكن التلاميذ يصطدمون بالوجه المظلم ولا ينتبهون إلى الوجه المجيد. يعتبر المسيح صعوده إلى أورشليم دخولاً في المجد، ولكن التلاميذ يرون في هذا الصعود مسيرة إلى الموت. يعلن لهم عن موته ويتبع إعلانه هذا بذكر قيامته في اليوم الثالث. ولكن التلاميذ لا يفهمون شيئًا من ذلك فيتشكّك بطرس، ويحزن الباقون، ويبقى مخطّط الله غريبًا عنهم.
فكيف السبيل إلى ادخال الرسل في سرّ المسيح قبل القيامة؟ بالتجلّي. في ذلك الوقت سيرون مجد يسوع في دقيقة عابرة فيجدون بعض الجواب لتساؤلهم. قال لهم يسوع: "في الحاضرين هنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا ابن الانسان آتيًا في ملكوته" (مت 16: 28).
ولم ينتظر اليوم الأخير حين يجيء "في مجد أبيه مع ملائكته فيجازي كل واحد حسب أعماله" (مت 16: 27)، بل أراد لثلاثة من تلاميذه أن يروا مجده. من أجل هذا تجلّى أمامهم فعرفوا من الصوت السماوي أنّ عليهم أن يسمعوا له ويطيعوه، وأن يثقوا به ويتبعوه في الطريق التي تؤدّي إلى أورشليم، في طريق المجد التي تمرّ عبر الصليب.
وأخبر التلاميذ الثلاثة بما رأوا على الجبل، فلجأوا إلى لغة الكتاب المقدس في العهد القديم ليعبّروا عن اختبار يفوق الادراك البشريّ، وانطلقوا من أساليب عرفوها في التوراة ليملأوا قلوب السامعين خوفًا ويدعوهم إلى سماع كلمة الله والعمل بها.
تأمّلوا في هذا الحدث الذي عاشوه على جبل طابور، كما يقول التقليد، فتذكّروا حدثًا آخر، لا بل أحداثًا وقعت على جبل سيناء يوم ظهر يهوه (أي الرب) على شعبه وسط الغمام والبروق والرعود، فكلّم موسى وأعطاه وصاياه؟ ويوم ظهر لإيليا فنفحه بالقوّة ليتابع رسالته النبوية وسط شعبه. سنعود إلى هذه النصوص وغيرها من العهد القديم فنستلهمها وندرك على ضوئها ما خفي علينا من سرّ الله.

1- على جبل سيناء
يروي سفر الخروج كيف تجلّى الله على جبل سيناء، فيقولن: "وحدث في اليوم الثالث عند الصباح أن كانت رعود وبروق وسحاب كثيف على جبل سيناء، وصوت بوق شديد جدًا، فارتعد جميع الذين في المحلّة. فأخرجهم موسى من المحلّة لملاقاة الله، فوقفوا عند أسفل الجبل، والجبل يلفّه دخان، لأن الرب نزل عليه بالنار، فتصاعد دخانه كدخان الأتون واهتزّ الجبل اهتزازًا شديدًا. وكان صوت البوق يرتفع جدًا، وموسى يتكلّم والله يجيبه بهزيم الرعد" (خر 16:19-19).
في هذا الاطار المهيب الذي يصوّر أمامنا انفجار بركان، أحسّ الشعب بحضور الله: رعد وبرق، نار ودخان، صوت بوق يجعل الجبل يهتزّ اهتزازًا. كان الشعب قد استعدّ للقائه بالرب ثلاثة أيام، فطّهروا أنفسهم وغسلوا ثيابهم. وها هو موسى يتقدّمهم إلى أسفل الجبل ليعبدوا الرب هناك ويسمعوا صوته. ولما أخبر موسى الشعب بجميع كلام الرب وأحكامه، أجاب جميع الشعب بصوت واحد: "كل ما تكلّم به الرب نعمل" (خر 3:24).
في هذا الاطار المهيب، صعد موسى إلى الجبل مع هارون وناداب وأليهو وسبعين شيخًا من شيوخ بني اسرائيل، ولكنه اقترب وحده من مكان حضور الله، وخاطب الله: "إن كنت رضيت عني فأرني طريقك حتى أعرفك وأحتفظ برضاك. فقال له الرب: أنا أسير معك وأهديك. فأجاب موسى: كيف لأحد أن يعرف أنك راض عنّي. فقال الرب لموسى: هذا الذي قلته لك (ووعدتك به) أفعله، لأني رضيت عنك وعرفتك باسمك. فقال موسى: أرني مجدك. فقالت الرب: سأعرض كلّ جلالتي أمامك وأنادي باسمي أنا الرب على مسمعك، وأتحنّن على من أتحنّن وأرحم من أرحم. وقال: أما وجهي فلا تقدر أن تراه، لأن الذي يراني لا يعيش. وقال الرب: هنا مكان بجانبي تقف فيه على الصخرة، وحين يمرّ مجدي أجعلك في فجوة الصخرة وأغطّيك بيدي حتى أمرّ. ثم أزيح يدي، فتنظر قفاي. وأما وجهي فلا تراه" (خر 13:23- 22).
هذا الاختبار الروحي الذي عاشه موسى على جبل سيناء، طبع حياته كلها بطابع الحضور الالهي وارتسم على وجهه، فما عاد بنو اسرائيل يستطيعون أن ينظروا إلى هذا الوجه المشعّ (خر 34: 20) لمجد طلعته (2 كور 3: 7). وعرف موسى ثلاثة أمور.
الاول: لا يستطيع الانسان أن يعرف الله في ذاته وواقعه الحميم، بل في ما يترك وراءه من آثار حنانه ونعمته ورحمته. هو الرب بالذات الذي أعلن اسمه على مسمع موسى: يهوه، أي الكائن الذي هو وليس أحد سواه. الثاني: يستطيع الانسان أن يرى قفا الله، أي أن يرى الله بعد أن يكون قد مرّ. وهذا يعني أنه يرى أعماله المجيدة في الكون، ولكنه لا يستطيع أن يرى الله وجهًا لوجه فيدرك مسبقًا مخططاته ويحدّد له أعماله. والثالث: لا يستطيع الانسان أن يعرف الله بذاته ما دام حيًا على هذا الأرض. بإمكانه أن يرى الله من خلاله أعماله كما في مرآة، وبعد موته يراه وجهًا لوجه (1 كور 13: 12)، يراه كما هو (1 يو 3: 12). ولكن بطرس ويعقوب ويوحنا قد شاهدوا لحظة مجد الله بالذات متجلّيًا على وجه يسوع، فانطبعت حياتهم بهذا الحدث الذي سيرافقهم إلى أن يلاقوا الرب يسوع في مجده.
ويروي سفر الملوك الأول أن إيزابيل، زوجة أخاب ملك السامرة، هدّدت إيليا بأن تقتله فتجعله مثل كهنتها المقتولين بحدّ السيف. "حينئذ خاف إيليا وقام وذهب هائمًا على وجهه... ثم سار في البريّة مسيرة يوم حتى جاء وقعد تحت شجرة وزّال وتمنّى الموت لنفسه. ولكن لمسه ملاك الله وأعطاه طعامًا جعله يسير بقوته أربعين يومًا وأربعين ليلة إلى أن يصل إلى جبل حوريب أو سيناء. ودخل إيليا المغارة، تلك التي قعد فيها موسى قبله، وبات هناك. فخاطبه الرب بقوله: ما بالك هنا يا إيليا؟ فقال: غيرة للرب الاله القدير... وها هم (الملكة وحاشيتها) يطلبون حياتي ليأخذوها. فقال: أخرج وقف على الجبل أمام الرب فالرب عابر أمامك. وهبّت ريح عظيمة وشديدة شقّت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب، ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزلة، ولم يكن الرب في الزلزلة. وبعد الزلزلة نار، ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوت هادئ خفيف. فلما سمع إيليا الصوت (عرف أنه صوت الرب) ستر وجهه بعباءته وخرج ووقف بمدخل المغارة" (1 مل 19: 3-13). وكلّمه الرب ثانية.
من خلال هذه الرؤيا عرف إيليا أن الرب حاضر في عمله الشديد القوي الذي به يهزّ الأشجار ويعرّيها من أوراقها (مز 29: 19)، كما هو حاضر في صوت النسيم الرقيق الذي حضر يوم الخلق روحًا (تك 1: 2) يحمل الحياة والخلاص. وعرف أن الرب هو إله الصمت والسكوت، لا إله الضجة والصخب، هو الاله الذي يُعبد عبادة القلب قبل هتاف الشفاه. وعرف أخيرًا كما عرف موسى قبله أن لا أحد يستطيع أن يرى الله وجهًا لوجه. من أجل هذا ستر وجهه بعباءته، فسمع الصوت دون أن يرى الوجه.
هذان المشهدان على جبل سيناء يهيّئان المؤمن ليذهب إلى جبل آخر، هو جبل طابور، حيث تجلّى يسوع، ابن الله، فرأى بطرس ويعقوب ويوحنا مجده، وسمعوا صوتًا من السماء يدعوهم.، كما دعا بني اسرائيل في ما قبل، إلى سماع كلام المرسل إليهم: "هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا".

2- على جبل طابور
قبل أن نقرأ خبر التجلّيّ على ضوء العهد القديم، سنورد ما قاله الرسل عن هذا الحدث الفريد في حياة يسوع، والذي كان صورة مسبقة للمجد الذي سيكون له بعد قيامته من بين الأموات.
أ- إنجيل متى (17: 1-13)
بعد أن أورد متّى شهادة بطرس بحقيقة يسوع وأول إنباء ليسوع بموته وقيامته، قال: "وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا..." (17: 1)، فربط حدث التجلي بآيتين: الاولى تعلن ما يطلبه يسوع من الذين يريدون أن يتبعوه (16: 24). والثانية تصرّح بأن بعض الحاضرين هنا سيشهدون مجد ابن الانسان (28:16). أجل، جاء حدث التجلّي في هذا المكان من إنجيل متّى ليعطي الرسل الثلاثة تذوّقًا مسبقًا لحياة حميمة مع يسوع لن يكتشفوها كاملة إلاّ بعد أن يشاركوه في آلامه المجيدة.
في التجلي هَمُّ يسوع همَّان. أوّلهما الاستعداد للآلام له وللتلاميذ؛ ولهذا جاء الحدث كشعاع شمس يضيء ظلام هذه الحقبة التي تقوده إلى الموت. وثانيهما تعليم الجماعة التي ستتابع رسالته من بعده، فتفهم أن يسوع هو عبد يهوه والنبي منذ عماده، وأنه موسى الجديد وحامل الشريعة الجديدة منذ خطبته على الجبل (مت 7:5)، وأنه في النهاية سيرسل تلاميذه ليعلّموا تلاميذ جددًا ليحفظوا جميع ما أوصاهم به (مت 28: 19-20). أما حدث التجلّي فسيجمع هذه العناصر كلّها في لحظة نفهم من خلالها أن يسوع هو ابن الله الذي نسمع له، وأنه ابن الانسان الذاهب على طريق المجد رغم الآلام التي تسبق القيامة. 
نقرأ حدث التجلّي عند متّى فنلاحظ أن الاطار الرمزي لما يحصل ليسوع هو إطار النور: "أشرق وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور" (17: 2). ويقول عن الرسل: "ظلّلتهم سحابة مضيئة" (17: 5). النور علامة تدلّ بطريقة حسيّة على حضور الله. إنه انعكاس لمجد الله. من أجل هذا، ومن أجل الصوت، وقع التلاميذ الثلاثة "على وجوههم وهم في خوف شديد".
ويعبّر متّى عن اختبار الرسل في ثلاث مراحل. في مرحلة أولى يتدخّل بطرس فيقول: يا سيّد، يا رب، معتبرًا أن يسوع هو الله (كيريوس هو لقب الرب في الترجمة السبعينية)، ويعرّف به كمسؤول في جماعة الاثني عشر. رأى إشعاع وجه الربّ (رج خر 29:34-30؛ رؤ 1: 16)، وفهم من حضور موسى وإيليا أن الازمنة المسيحانية قد حلّت وأن يسوع جاء يدشّنها. في مرحلة ثانية تأتي الغمامة وتقطع على بطرس كلامه. لاشكّ في أن العالم الجديد جاء في شخص المسيح، ولكن لا بالطريقة التي ينتظره فيها الناس. من أجل هذا كانت الغمامة التي رآها الشعب في الزمن القديم، والتي سيراها في الازمنة المقبلة، لتبيّن لنا حضور الله في شخص يسوع حضورًا حقًا وإن خفيًا. وفي مرحلة ثالثة يسمع التلاميذ الصوت الالهي: هذا هو ابني الحبيب (مز 2: 7؛ تك 22: 2؛ أش 42: 1) الذي به رضيت (دا 9: 23؛ 10: 11-19)، فله اسمعوا (تث 18: 15). ووقع التلاميذ (دا 10: 10) كما يقع كل الذين يرون رؤى، فأقامهم يسوع كما من الموت فساروا وراءه.
ب- إنجيل مرقس (9: 2-13)
أورد مرقس حدث التجلّي فنقل إلينا وحيًا عن دور يسوع في نهاية الازمنة. غير أن هذا الوحي يرجع هنا إلى يوم خاص ولحظة خاصة، ويتوجّه إلى بضعة أشخاص فقط، ويجعلنا أمام سرّ لا أمام رؤية واضحة ونهائية.
يقول الانجيلي: "بعد ستة أيام". هذه العبارة تذكّرنا بالوقت الذي قضاه موسى على جبل سيناء قبل أن يدخل في الغمام (خر 16:24). إذًا نحن أمام فترة من الزمن تشكّل استعدادًا لوحي عظيم. ويسوع هو كلمة الله، وهو يحمل إلينا لوحة الوصايا الجديدة. وبما أن الشريعة الأولى أعطيت مع موسى في اليوم السابع، فالتجلّي في اليوم السادس يذكّرنا بأن الرسل عاشوا الزمن السابق ليوم ملء الزمان وكماله.
أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا، أخذ ثلاثة شهود ليدخلوا في وحي يكشف شيئًا عن هويّة يسوع، ابن الانسان، الآتي ليدشّن ملكوت الله المنتظر في نهاية الازمنة. نحن أمام سر خفي، أمام سر مسيحاني يكشفه المخلّص للتلاميذ عندما يأخذهم على حدة (6: 31-32؛ 13: 3).
المكان الذي تجلّى فيه المسيح هو جبل عال، هو الموضع المميّز للقاء الانسان بالله. بعد أن صعد موسى الجبل وكلّمه الله هناك، صار الجبل مركز الوحي في نهاية الازمنة. إن ما حدث ليسوع يوم التجلي سيحدث للقديسين في نهاية الازمنة. انطلاقًا ممّا قاله الكتاب بأن أديم وجه موسى كان يشعّ (خر 34: 29)، تصوَّرت الاسفار الجليانية تحوّل الكائنات بعبارات تدلّ على النور، على اللون الأبيض، على الثياب التي تتلألأ. وعندما أورد مرقس هذه الصور أراد أن يبيّن لنا أن نهاية الازمنة التي فيها تتحوّل البشرية من حالة إلى حالة قد جاءت مع يسوع.
يسوع تجلى، وتجلّيه لم يكن اشعاعًا خارجيًا فحسب، بل كشف عن عمق كيانه الالهي. تجلّى فظهرت حياته الحميمة عبر بشريته.
ج- إنجيل لوقا (28:9- 36)
يورد لوقا حدث التجلي فيذكّرنا بعماد يسوع وتجاربه في البريّة. ففي حدث التجلي كما في حدث العماد نراه يصلي، ونسمع صوتًا من السماء. وفي حدث التجلّي كما في حدث التجارب، تتوجّه أفكارنا في النهاية إلى أورشليم التي هي خاتمة الطريق التي سيسلكها قبل خروجه من هذا العالم. ونقرأ حدث التجلّي فنذكر ما حدث في بستان الزيتون ليلة نزاعه. في الحالتين يبدأ الخبر بصلاة يسوع، فتتمّ الرؤية، ونجد الرسل نائمين. في الحالتين نستشفّ جوّ القيامة المجيدة فيذكرنا الرجلان قرب يسوع بالرجلين الواقفين أمام القبر المفتوح (24: 4)؛ ونتطلّع إلى تجلٍّ آخر ليسوع في أورشليم يوم أظهر مجده عبر الغمام وصعد إلى السماء (أع 1: 1- 5).
بعد مقدّمة تذكر الظروف والزمن والاشخاص والمكان، يحدث شيء ما يتعلّق بيسوع، ثم يصل رجلان يشهدان عن مصيره. تجاه هذا الحدث يبدو الرسل بين النوم واليقظة، ويتكلّم بطرس دون أن يدري ما يقول. وجاءت غمامة فخاف التلاميذ، ثم سمعوا صوتًا يكشف لهم سرّ الابن. بعدما حدث ما حدث، ها هو يسوع وحده، وها هم الرسل ساكتون صامتون.
أول ما يلفت انتباهنا هو أن كل هذا حدث بينما كان الرب يصلّي، فيعبّر في صلاته عن اتحاده التام بأبيه عبر مخطّطه الذي هو خلاص العالم في مجابهة الخطيئة والموت. وهنا نرى، بوجه خاص، أنه يُدخل تلاميذه الثلاثة في عمق شخصه الذي لم يعد غامضًا بالنسبة إليهم، بل مشعًا. لقد صار وجهه "آخر". تغيّرت هيئته الخارجية، ولكن شخصه لم يتغيّر. إنه هو هو قبل التجلّي وبعده. 
يقول لوقا: "بعد نحو ثمانية أيام". كان عيد المظال يدوم سبعة أيام، ستة منها للتكفير وسابع للابتهاج والفرح (لا 33: 34-36). بعد أن انتهى عيد المظال، بدأ عيد آخر ليسوع وتلاميذه. وحدث التجلّي يتمّ في جوّ عيد المظال، يوم تصعد جميعُ الأمم إلى أورشليم ليسجدوا للرب القدير (زك 14: 16).
ذهب الفادي إلى الجبل، كما كان يذهب إلى البريّة (5: 16) ليصلّي هناك. قبل أن يختار رسله قضى ليله كلّه في الصلاة (6: 12). أيكون أن صلاته يوم التجلّي تمّت في الليل، وهذا ما يفسّر النعاس في بطرس ورفيقه (9: 32)، كما سيحدث لهم ليلة نزاعه في بستان الزيتون (رج مت 26: 43؛ مر 14: 40).
"وإذا رجلان". هذه العبارة توجّه نظرتنا إلى الشرع اليهوديّ الذي يعتبر وجود شاهدين أمرًا ضروريًا ليصح القول (رج دا 12: 5). بعد قيامته سيكون على قبره رجلان (24: 4)، وفي الطريق سيتراءى لرجلين (24: 13) ويرسلهما ليشهدا للقيامة. وعند صعوده سيظهر رجلان في ثياب بيضاء (أع 1: 10) يعلنان للرسل عودة الرب إليهم كما ذهب إلى السماء. وهذان الرجلان حدّثاه عن رحيله الذي سيتم في أورشليم، وأورشليم هي مركز خلاص البشر، ورحيل يسوع هو مجمل حياته على الأرض التي تشبّه بطريق أو رحلة تبدأ بدخوله إلى العالم وتنتهي بخروجه منه بموته وقيامته وصعوده. وهكذا يكون التلميح إلى الآلام واضحًا. بالآلام يدخل مجده ويجرّ البشريّة كلّها وراءه، وهكذا يتمّ مخطّط الله في السرّ الفصحي.
أمام هذا الحدث كان الرسل بين اليقظة والنوم، وهذا يعني أن السر كان بالنسبة إليهم واضحًا وغامضًا معًا. هم لم يدخلوا بعد في سر الحدث بإيمان. إنهم يدركون حضورًا يسكن يسوع، ولكنهم لا يستطيعون أن يفسّروه بعد، ولا حقّ لهم في أن يخبروا به قبل أن يقوم ابن الانسان من بين الأموات (مت 9:17).
د- إنجيل يوحنا (12: 20- 32)
إن لحدث التجلّي أهميّة في سيرة حياة المسيح، وقد ذكره يوحنا كما ذكره الانجيليون الازائيون، ولكنه لم يذكره كما ذكروه. بالنسبة إلى يوحنا، ليس التجلّي واظهار مجد الرب حدثًا ورد مرّة من المرّات، في النهار أو في الليل، وانتهى أمره، بل هو واقع يرافق وجود الكلمة المتجسّد طوال حياته على الأرض. والتجلّي لا يتمّ أمام تلاميذ ثلاثة اختارهم الرب، بل أمام بعض اليونانيين (وهم يمثّلون الأمم الوثنية كلها) الذين جاؤوا إلى أورشليم بعد دخول يسوع الهًا وطلبوا باهتمام أن يروه.
نقرأ أولاً كلام يسوع: "من أحبّ نفسه خسرها، ومن أنكر نفسه في هذا العالم حفظها للحياة الابدية. من أراد أن يخدمني، فليتبعني، وحيث أكون أنا يكون هو خادمي" (12: 25-26). واضح أن هاتين الآيتين قريبتان من آيات نقرأها في متّى (16: 24-25) ومرقس (8: 34-35) ولوقا (9: 23-24)، وهي تسبق حدث التجلّي وتلقي ضوءًا على مصير ابن الانسان الذي سيمجّده الآب السماوي.
ثم نقرأ: "أتت الساعة التي فيها يتمجّد ابن الانسان" (23:12)؛ "يا أبي، مجّد اسمك! فإذا صوت من السماء يقول: مجّدته وأمجّده أيضًا" (12: 28). 
تخلّى يوحنا في هذا النص عن عناصر الخبر الرؤيوي، من غمام ونور وشعاع وثياب، واقتصر معه الكلام على العنصر الجوهري الذي هو الصوت السماوي المعلن لمجد يسوع. وهذا المجد لا نستشفّه فقط من خلال وجهه وثيابه، بل هو يرتبط باسم الآب. هذا المجد ليس ظهورًا عابرًا ونقطة نور في مسيرة الزمن، بل حضور يرتدّ إلى الماضي ويفيض على المستقبل. هذا المجد ليس قمّة من حياة المسيح نراها وقتًا قصيرًا عندما تتمزق السماوات، بل نور دائم هو نور حضوره على الأرض. فالمؤمنون تتجلّى أمامهم أعمالُه بفعل ينبوع نور داخلي فيه فتصبح لهم آيات يتعرّفون من خلالها على أعمال الآب ويرون فيها مجد الابن. منذ بداية انجيله قال يوحنا: "رأينا مجده" (1: 14)، وليس فقط وقت التجلي (لو 9: 32)، وهذا المجد لم يره فقط ثلاثة رسل محظوظون، بل كلُّ المؤمنين الذين يمكنهم أن يشاهدوا مجده لأنه لأجلهم كان هذا الصوت الذي دوى من السماء (12: 30).
هـ- رسالة بطرس الثانية (16:1-18)
نقرأ في رسالة بطرس الثانية شهادة عن حدث التجلّي: "فما اتّبعنا نحن خرافات ملفقة حين أطلعناكم على قوّة ربنا يسوع المسيح وعلى مجيئه، لأننا بعيوننا رأينا عظمته. فحين نال من الله الآب اكرامًا ومجدًا وجاءه من مجد الله تعالى صوت يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت، سمعنا نحن هذا الصوت آتيًا من السماء، وكنا معه على الجبل المقدس".
لا يذكر هذا النصّ الغمامة ولا المظلّة ولا أشخاصًا جاؤوا من السماء. وإن تحدث عن الصوت فهذا الصوت آت من السماء لا من الغمام. وإن تحدّث عن الجبل فهو الجبل المقدس لا جبل عالم. وإن شدّد على مجد الله وعظمته فهو لا يقول للمؤمنين: اسمعوا له، بل يعلن لهم أهمية سماع صوت الرسل الشاهدين للمسيح بعدما صارت أحداث الماضي أساسًا لتعليم الكنيسة للمؤمنين.
أوردت الرسالة هذا الحدث كضمانة إلهيّة عن مجيء الرب في نهاية الازمنة، وكبرهان للذين يشكّون في هذا المجيء (3: 4- 5). كان بإمكان بطرس أن يورد ظهورات القيامة، ولكنه فضّل إيراد حدث التجلّي لأنه يرينا مجد يسوع في زمن الشقاء فيعطي لاحداث التاريخ معناها على ضوء نهاية الازمنة.

3- المعاني الكتابية
بعد أن أوردنا النصوص الكتابيّة عمّا حدث على جبل سيناء وما حدث على جبل طابور، نتطرّق إلى المعاني الكتابية التي رجع إليها الكتّاب الملهمون ليصوروا اختبارًا يفوق ما يتصوّره العقل ويتعدّى ما يصل إليه الادراك. وهذه المعاني هي خمسة: الجبل، ضياء المجد، موسى وإيليا، المظال أو الخيام، الغمام أو السحاب.
أ- الجبل
قال لوقا: "وصعد إلى الجبل". وقال متى ومرقس: "إلى جبل مرتفع". الجبل هو، أولاً، مكان الانفراد والاعتزال. وهو، ثانيًا، مكان اللقاء بالله. الجبل هو عادة أقل سكانًا من السهل المحيط به. من أجل هذا تعوّد المخلّص أن يتفرد فيه، أن يذهب إليه كمكان قفر (رج مت 18: 12؛ لو 15: 4) يكون فيه وحده. هذا ما فعل بعد تكثير الخبز. أراد أن يبتعد عن الضجة والشهرة التي لا تنفع "فصرف الجموع وصعد إلى الجبل ليصلي في العزلة". وكان في المساء وحده هناك. ويقول يوحنا: "وعلم يسوع أنهم يهمّون باختطافه ليقيموه ملكًا، فانصرف وعاد وحده إلى الجبل" (يو 6: 15).
والجبل هو مكان اللقاء بالله. ففي تاريخ الديانات، تلتقي السماء بالأرض على الجبال العالية. وإذا أراد الله أن ينزل إلى الأرض ليزور البشر، فهو يجعل من الجبل موطئًا لقدميه. وعلى جبل التجلي سيشاهد التلاميذ الله في شخص يسوع المسيح.
ولكننا نتساءل: ما اسم الجبل الذي أنعم الله عليه بنوره؟ لا يجيبنا الانجيليون على سؤالنا، لأن كل جبل هو جبل الرب؛ وكل جبل يمكن للرب أن يتجلّى عليه، أكان جبل طابور أو جبل سيناء أو جبل حرمون أو غيره من الجبال.
جبل صهيون هو الجبل المقدس الذي عليه أقام الله ملكه (مز 2: 6)، وفيه يقول صاحب المزامير: "جبل صهيون، يا جبل الله! جبال باشان يا جبال القمم، لمادْا ترصدين بعين الحسد جبلاً ارتضاه الله مقامًا له، بل إلى الأبد يسكنه الرب" (مز 68: 16-17).
جبل صهيون سيتَّخذ في تقليد الأنبياء والمعلمين معنى اسكاتولوجيًا، فيوجّه أنظارنا إلى نهاية الازمنة. يقول أشعيا مثلاً: "في آخر الأيام يكون جبل بيت الرب في رأس الجبال، ويرتفع فوق التلال. تقصده كل الأمم، وينطلق إليه شعوب كثيرون ويقولون: هلمّ نصعد إلى جبل الرب، إلى جبله المقدس" (أش 2:2-3).
ولكن الانجيليين يهمّهم أن يقولوا إن الجبل ليس جبل صهيون القائم منذ الازمنة القديمة. فالمسيح قد اختار جبلاً غير جبل صهيون فنزع الهالة عنه. قلّل يسوع من عظمة اليهودية حيث تقوم أورشليم وهيكلها، ورفع مقام الجليل، لأن الجليل الذي تلتقي فيه الأمم قد تلقّى زيارة الله له. قال متّى في بداية انجيله: "الشعب الجالس في الظلمة، في جليل الأمم، أشرق عليهم نور الرب" (4: 15- 16)؛ وقال في نهايته، إن يسوع سيتراءى لتلاميذه في الجليل، ومن هناك يرسلهم بعد أن يوليهم كل سلطان في السماء والأرض (28: 6).
كان الرب قد اختار جبل سيناء فأظهر مجده لشعبه في البرية. ثم اختار جبل صهيون: ولما بنى عليه سليمان الهيكل، ملأ الرب الهيكل من مجده (1مل 8: 10- 11). وها هو يسوع يختار جبلاً في أرض الجليل، ويختار هذه الأرض التي تنفتح على جميع الأمم، لأن خلاص الله أرسل إلى الوثنيين وهم سيستمعون إليه. وإذ أراد الرب أن يكشف لنا وحيًا جديدًا، اختار أرضًا جديدة. إنه موسى الجديد الحاضر على جبل طابور، على مثال موسى الأول، السامع لكلام الرب على جبل سيناء.
جبلُ العهد القديم الذي هو موضع ترائي الله هو جبل سيناء، حيث أعطى الله موسى لوحَي الوصايا (خر 24: 12) واستقبل إيليا (1 مل 19: 8) بعد مسيرة دامت، لا أربعين سنة كالعبرانيين، لكن أربعين يومًا وأربعين ليلة (رج مز 28:34 عن موسى). أما الجبل الذي تجلّى عليه يسوع فهو سيناء الجديد. وكما انتظر موسى ستة أيام قبل أن يدعوه الرب ويكلّمه (خر 24: 15-16)، كذلك انتظر الرسل ستة أيام قبل أن يشاهدوا مجد ابن الانسان وملكوت الله آتيًا بقوّة.
ب- ضياء المجد
كيف السبيل إلى التعبير عن مجد الله؟ كيف السبيل إلى رسم النور المتجلي على الوجه الالهي؟ رجع الانجيليون إلى الصور والتشابيه. قال متى ومرقس إن يسوع تجلّى أمام عيونهم، تراءى فشاهدوه. ولكن ماذا شاهدوا؟ صوّر متى ضياء وجه المسيح وشبّهه بالشمس، ومثَّل بالنور بهاء ثيابه. أما مرقس فتحدّث عن لمعان ثيابه وشبّهها بالثلج، واعتبر أن الانسان لا يمكنه أن يأتي بمثل هذا البياض. أما لوقا فشاهد منظر وجهه يتبدّل من حال إلى حال، يتّخذ شكلاً آخر غير الذي تعوّد عليه التلاميذ، ونظر ثيابه بيضاء لامعة كالبرق. هكذا تراءى المسيح بعد قيامته لتلميذي عمّاوس، تراءى لهما يشكل آخر (مر 16: 12). 
كانت رغبة الناس في القديم أن يتحرّروا من عبودية الجسد ليدخلوا في حالة من المجد. ولكنهم كانوا يعتبرون أن هذا التحوّل سيكون نتيجة مجهود شخصي أو طقس سحري. أمّا في التقليد اليهودي، فالكاتب يصوّر لنا هذا التحوّل بصيغة المجهول ليدلّ على أن الفاعل هو الله وحده، وأنه يفعل بطريقة تخفى عن البشر. الانسان يتأمّل، والله هو من يُشبع رغباته إذا شاء. وهذا التحوّل سيتم في نهاية الازمنة: تتبدّل وجوه الأبرار إلى جمال مضيء ويتلألأون كالملائكة الذين يشبهونهم، ويمتلئون مجدًا.
هذا الرجاء الاسكاتولوجي يستند إلى الماضي ويصوّر المستقبل. يستند إلى الماضي فيتذكّر موسى الذي كان أديم وجهه يشعّ بعد أن يخاطبه الرب. ويصوّر المستقبلَ على ضوء سفر دانيال القائل: "ويضيء العقلاء كضياء الفلك، والذين علّموا الناس الصدق يكونون كالكواكب إلى الدهر والأبد" (دا 12-3). واليوم، وأمام أعين التلاميذ سيصبح أمل الناس واقعًا منظورًا عبر هذا الانسان يسوع المسيح، وعلى هذا الجبل. وإذا كانت كلمة الآب: "هذا هو ابني" تذكّرنا بابن الله الموجود منذ الازل، ففعل التجلّي يدلّنا على حضور مجد الله النهائي في شخص يسوع المسيح.
انطلق الانجيليون من صُوَر عرفوها فعبّروا عن الحدث قدر استطاعتهم. تحدّثوا عن البياض، ولكنه ليس بياضًا عاديًا: إنه لونُ ما في السماء، لون ما نجده في الأيام الأخيرة. فسفر دانيال (9:7) يصوّر لنا شيخًا بلباس أبيض كالثلج وبشعر كالصوف نقي. وسفر الرؤيا يصوّر لنا ابن الانسان بلباس أبيض كالصوف الأبيض أو كالثلج (14:1)، جالسًا على سحابة بيضاء. فالبياض هنا يعني اللمعان أو الضياء، وهو يغيّر وجه يسوع. وإذا كان الوجه مرآة القلب، فالضياء في وجه المسيح يخرج من نبع خفي عن أنظار البشر، هو مجده الذي شهده الرسل.
أجل، إن الضياء يكشف كشفًا منظورًا عمّا في الله ويعكس لنا مجده. في هذا المجال يدخل الضياء كعنصر يساعد الكاتب على تصوير ظهور الرب. فالضياء لباس يختلف به الرب (مز 2:104) الذي يجيء كلمعان البرق ومن يده يسطع نور (حب 4:3). قبّة السماء التي يجعل الله فيها عرشه تبدو كالياقوت الأزرق (خر 24: 10؛ حز 1: 22)، والنار تحيط به (خر 19: 18؛ 17:24)، وسهامه ترسل بروقًا وسط العاصفة (مز 18: 15). كل هذه اللوحات الرمزية تربط بين حضور الله وتأثير الضوء الباهر في الانسان فيقع على الأرض. وعندما يتحدّث سفر الحكمة عن النور فهو يجعله ملازمًا لجوهر الله. يذكر الحكمة التي هي اندفاق المجد فيقول إنها "ضياء النور الأزلي... وهي أبهى من الشمس وأسمى من النجوم، إذا قيست بالنور تقدّمت عليه" (حك 17:17-29).
الضياء يكشف عن مجد الله، ومجد الله هو الله بالذات، كما يكشف عن ذاته في جلالته وقدرته وبهاء قداسته ونشاط كيانه. ومجد الله يتجلّى للبشر فيرونه في أعماله العظيمة وفي ظهوره. هذا المجد ظهر في الغمام أمام هارون وجماعة بني اسرائيل في البريّة (خر 16: 10)، وقد طلب موسى أن يراه في صلاة خاشعة حين قال: "أرني مجدك" (خر 18:33). في سيناء اتّخذ مجدُ الرب شكل اكليل من نار (خر 24: 5-7؛ تث 5: 22). وبعد سيناء أحاط مجد الله بالمعبد الذي كرّسه بحضوره. هذا المجد الذي رآه أشعيا (6: 1) في الهيكل بشكل ملوكي سيعمّ البشريّة كلها عندما يجمعهم الرب ليأتوا ويروا مجده (أش 66: 18).
هذا المجد الذي هو خاص بالله، لأنه وحده القدوس، قد دخل في هذه الساعة في هذا الانسان يسوع، فتدفّق على ثيابه وانعكس على وجهه وكشف لنا عن عمق كيانه الالهي. فهو "بهاء مجد الله وصورة جوهره" (عب 1: 3)، وهو "رب المجد" (1 كور 2: 8)، وفي وجهه نرى مجد الله (2 كور 4: 16). هذا المجد الالهي الذي لفّ الرعاة بضيائه ليلة الميلاد (لو 2: 9- 10)، قد رآه التلاميذ في الرب فاكتشفوا ما سيكونه عندما يرتفع بالمجد أو عندما يعود بمجد أبيه مع ملائكته القديسين. هذا المجد شاهده اسطفانس قبل موته، وعمي بولس من نوره؛ وهو سينعكس على وجهنا، نحن المؤمنين.
ج- موسى وإيليا
"وتراءى لهم موسى وإيليا". ما هو سبب وجود هذين الشخصين قرب يسوع في تجلّيه؟ التفاسير عديدة. تفسير أول يقول: موسى يرمز إلى الشريعة وايليا إلى الأنبياء. ولكننا نقول إن الصوت السماوي ألمح إلى أن النبي الآتي يكون على مثال موسى، لا على مثال إيليا. تفسير ثان يقول: موسى وإيليا هما الشاهدان اللذان تحدّث عنهما سفر الرؤيا (11: 3-7): واحد أغلق السماء فما نزل مطر في أيام نبوءته، وواحد خرّب الأرض بالبلايا.
وتفسير ثالث ينطلق من نصوص الرابينيّين (أي المعلمين اليهود). فيرى في إيليا صورة عن المسيح المتألم. نلاحظ ذلك في الحوار بين يسوع والتلاميذ وهم نازلون من الجبل، بعد التلميح إلى إيليا الذي سبق له فتألم في شخص يوحنا. قال يسوع: "جاء إيليا فما عرفوه، بل فعلوا به على هواهم. وكذلك ابن الانسان سيتألم" (مت 17: 12-13). لهذا لا يستبعَد، بحسب التقليد المستند إلى ملاخي (23:3-24)، والذي يلمّح إليه يسوع في جوابه للتلاميذ، أن يكون إيليا هو سابق المسيح الذي جاء إلى الأرض بشخص يوحنا المعمدان، وقد جاء على الجبل لأنه السابق للمسيح. ولقد قال أحد المعلّمين: "قال يوحنا بن زكاي: قال الله لموسى: عندما أرسل النبي إيليا ستأتي معه". لاشك في أن هذه الأفكار كانت تتفاعل في فكر التلاميذ فتصوّروا أن موسى "النبي" أتى ليحيّي النبي الأخير، وأنه أتى برفقة إيليا "السابق" للمسيح. إذًا موسى وإيليا أتيا على جبل سيناء الجديد، وكانا قد صعدا جبل سيناء القديم، ليدلاّ على أن الزمان قد تمّ والمسيح جاء.
د- المظال أو الخيام
"ما أجمل أن نكون هنا"! هذا ما قاله بطرس ليعبّر عن سعادته بوجوده مع رفيقيه على الجبل المقدس. فلننصب ثلاث مظال، فالأيام أيام عيد، والعيد عيد المظال.
عيد المظال هو العيد الثالث في روزنامة اليهود الدينية. يسمَّى العيد (1 مل 2:8)، ويُحتفل به في شهر أيلول بعد قطف الأثمار. لهذا هو أيضًا عيد القطاف (خر 23: 16).
لعيد المظال، كما لعيد الفصح وعيد العنصرة، طابعان اثنان. الأول يعود إلى أصله: هو عيد زراعي واسمه يدلّ على معناه. فكلمة مظال تذكّر الناس بخيم بصنعونها من أوراق الشجر ويقيم فيها أفراد العائلة عندما ينضج العنب ويطيب. والثاني يربط عيد المظال بذكرى تاريخية من حياة بني اسرائيل، هي إقامتهم في البرية أربعين سنة تحت الخيام: "تقيمون في المظال سبعة أيام... لكي يعلم أبناؤكم أني في المظال أسكنت بني اسرائيل حين أخرجتهم من أرض مصر" (لا 23: 42-43).
كيف كان المؤمنون يحتفلون بهذا العيد في زمن المسيح؟ تورد المشناة الطقوس التالية: خلال ذبيحة الصباح يحرّكون سعف النخل وأغصان الأشجار (لا 23: 40) ويدورون حول المذبح فينشدون:" يا رب خلصنا، يا رب أنقذنا. أنت الهي فاعترف لك، أنت الهي فارفعك" (مز 18: 25-28). كل يوم يذهب الكهنة إلى عين سلوان فيأتون بالماء يسكبونه عند زاوية مذبح المحرقات. في الليلة الأولى من العيد يضيئون الأنوار، وفي اليوم السابع، آخر أيام العيد، يدورون مرات وهم ينشدون".
في إطار هذا العيد، عيد الفرح، أحسَّ التلاميذ بالنشوة أمام الرب المتجلي: ثلاث مظال ليسوع ورفيقيه في العلاء، وثلاث مظال لبطرس ورفيقيه على الأرض؟ وما يحدث على الأرض صورة لما يحدث في السماء. نزلت السماء على الأرض، وعلى أهل الأرض أن يستقبلوا زوّارهم كما فعل ابراهيم مع ضيوفه الثلاثة الذين جاؤوه عند الظهيرة (تك 18: 1).
ثم إن التقليد اليهودي ينبّهنا إلى أن المظال الابدية التي يتحدث عنها لوقا (16: 9) ترمز إلى المسكن السماوي، والسكن في الخيمة يذكّر المؤمن بإقامة الرب وسط شعبه وبزيارة الأبرار في نهاية الأزمنة. كل هذا دفع بطرس إلى الظنّ أن نهاية الازمنة قد جاءت، وأن السماء نزلت على الأرض، وأن ما ظهر من المسيح في لحظة من اللحظات سيدوم إلى الأبد.
ولكن بطرس لم يكن يدري ما يقول، بسبب الخوف الذي استولى عليه وعلى رفيقيه. أمام الله الذي يزور الانسان، يشعر الانسان بالخوف الشديد. أحسَّ النبي أشعيا (6: 5) أنه قريب من الموت بعد أن رأى الله، وصُعق النبي حزقيال (2: 1-12) أمام عظمة الله، وسقط التلاميذ على وجوههم إلى الأرض حين سمعوا الصوت الآتي من السماء (متى 17: 6). ولكن يسوع سيِّد الحياة دنا ولمسهم وقال لهم: "قوموا، لا تخافوا".
ضاع بطرس. هل يريد أن يجعل دقيقة من الزمان زمانًا لا نهاية له؟ هل نسي أنه في آخر الازمنة سيجمع الله الشعب كله، بل كل الشعوب، ولن يكتفي بثلاثة أشخاص؟ قال: "لنصنع ثلاث مظال" وهو يطلب أن تكون هذه اللحظة دائمة أبدية. كيف يستطيع أدن يصنع لله مسكنًا في السماء؟ هل السماء هي كالأرض، أم تكون الأرض مثل السماء؟ ضاع بطرس، ولم يفهم السر الذي أمام عينيه، كما لن يفهم سرًا آخر سيكون شاهدًا له، ألا وهو سر نزاع يسوع في الجسمانية (مر 37:14). غير أنه فهم أمرًا واحدًا وهو أنه أمام زيارة السماء للأرض، فعبّر عن سعادته وصوّر انخطافه وتمنّى أن لا تنتهي تلك الرؤية السماوية، وأن يبقى يسوع متجليًا فلا يرجع إلى الأرض ليعرف العار والألم والموت. كان قد قال للرب: "لا سمح الله يا سيد! لن تلقى هذا المصير" (مت 6-22)، ولكن أفكار الله غير أفكار البشر!
هـ- الغمام أو السحاب
طلب بطرس من الرب أن يجعل ثلاث مظال (أو خيام) لتظلّل يسوع ورفيقيه، لتغطيهما وتحميهما من عيون الناظرين، فجاءت الغمامة. الخيمة من صنع البشر، أما الغمامة فمن صنع الله. الخيمة تجعلنا في الظلام، أما الغمامة فمضيئة نيّرة. ولكنها حين تدلُّ على الله تُخفيه عن عيوننا، وإذ تكشف لنا سرّ حضوره تجعلنا نحسُّ ببعده وغيابه.
تأمَّل المؤمنون في الغمام، فوصل بهم تأملهم إلى حكمة الله القديرة: "إن الله عظيم فوق ما نعلم... يجذب قطرات الماء ثم تهطل مطرًا لثقلها. تفيضها الغيوم وتصبّها على البشر مطرًا جديدًا. من يفهم كيف تنتشر السحب وكيف يقصف الرعد في السماء" (أي 26:36-29). تأمل المؤمنون في الغمام، فاختبروا من خلالها حضور الله الفاعل في الأرض. السحاب خفيف سريع؛ لذا هو رسول الله وحامل خيره على البشر (أش 5: 6؛ مز 78: 23) ومركبته إليهم. وهو ثقيل مظلم، لذا فهو حجاب كثيف حول السماء (أي 3:22!)، وحول مسكن الله (مز 18: 12)، وهو يغطي الأرض بظلمته كزوبعة رهيبة تهدد البشر. 
يقول سفر الخروج "إن الرب كان يسير أمام شعبه نهارًا في عمود من غمام وليلاً في عمود من نار ليسيروا نهارًا وليلاً" (13: 21). الرب حاضر دومًا مع شعبه فلا تتوقّف مسيرته. ويقول أيضًا (14: 20): "إن الغمام كان مظلمًا من هنا (من جهة المصريين، ومصر ترمز إلى عالم الخطيئة) ومنيرًا من هناك" (14: 20) (من جهة بني اسرائيل). أجل إن سرّ الله وقداسته يجعل الخاطئ بعيدًا عنه، ونعمته تجعل البارَّ قريبًا منه.
تكلّم الرب على جبل سيناء؟ ولما تكلّم غطّى الغمام الجبل مدة سبعة أيام، ونزل الله على الجبل بشكل نار، فارتجف الجبل كله (خر 19: 16). ومن الغمام الذي غطّى الجبل كلّم الرب موسى، الذي له وحده الحق في دخول الغمام (خر 24: 14-18). فالغمام يحمي مجد الله ويدلّ عليه: "ظهر مجد الرب بشكل غمام" (خر 19: 10)؛ فكان إذا "ارتفع السحاب تابع بنو اسرائيل سيرهم، وإذا ظلَّ السحاب لزموا مكانهم" (خر 40: 36-37).
والغمام هو أيضًا علامة حضور الرب. ولكننا في هذا النص نتطلّع إلى الغمام الذي يحمل شخصًا هو ابن الانسان الآتي في نهاية الازمنة، ونتوقف عند صورة الغمام التي هي خيمة للرب تحميه وتغطّيه: "جعل الظلمة سترًا له والغيوم الداكنة مظلّته" (مز 18: 21). ويبدو أننا هنا أمام حدث يتمّم نبوءة قيلت سابقًا، وقد حفظها التقليد اليهودي: "وحينئذ يُبرز الرب من جديد (في نهاية الازمنة) آنية العبادة ويبدو مجد الرب في الغمام كما ظهر في أيام موسى، وكما ظهر حين سألت سليمان الرب أن يقدّس الهيكل تقديسًا الهيًا" (2 مك 8:2). فكما أن الغمام غطّى الغمام والمجد، هكذا يكون في نهاية الازمنة. فمجد الرب الذي ترك الهيكل، سيعود مع الغمام. وعلى جبل التجلّي الذي ينيره المجد المفاض على المسيح والمتلأليء عبر ثيابه، نزل الغمام علامة حضور الله بالذات. نزل الله بذاته في شخص يسوع المسيح بشكل ممجّد على الأرض؛ نزل لحظة، بانتظار أن يدوم مجده بعد قيامته من بين الأموات.
والغمام لا يغطّي فقط يسوع ورفيقيه، بل التلاميذ الثلاثة أيضًا: "وخاف التلاميذ عندما دخلوا الغمام" (لو 9: 34)، "الذي ألقى عليهم ظلّه" (مت 17: 5؛ مر 9: 34). هذا يعني أن الرسل ليسوا مجرد مشاهدين ينظرون إلى الامور من بعيد وكأنها لا تعنيهم، بل هم أشخاص قد أدخلوا في سرّ حدث يتعدّى ادراكهم، ولكنه يتّصل بهم مباشرة. فالنبوءة التي أشرنا إليها عن ظروف مجيء المجد والغمام، قد قرب وقت اتمامها، والموضع الذي تُخبّأ فيه آنية العبادة، والذي "سيبقى مجهولاً إلى أن يجمع الله كل الشعب ويرحمهم" (2 مك 2: 7) صار معروفًا. من أجل هذا أدخلنا الانجيليون في إطار حدث التجلّي، وهو إطار تكوين جماعة التلاميذ التي ترمز إلى الكنيسة. أجل! إن عمل الجمع بدأ، وقد ظهر في وحدة التلاميذ الثلاثة الذين يمّثلون جماعة التلاميذ كلهم في وحدتهم مع الشخصين السماويين، أي وحدة السماء بالأرض. كان يسوع قد جمعهم حول كلمته؛ وها هو الآن يكرّس هذا التجمع بالغمام الذي يغطّي موسى وإيليا والتلاميذ الثلاثة، أي أنه يغطي السماء والأرض. ولم يتجلَّ يسوع لنفسه، بل من أجل التلاميذ الذين يسمعونه، وهم يؤلفون جماعة واحدة معه ومع السماء بقدر ما يسمعون صوته ويعملون بكلامه.

خاتمة
إن قمّة حدث التجلّي هي الكلمة السماوية. وهذه الكلمة الآتية من العلاء تجدّد ما قاله الآب يوم عماد يسوع: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت" (مت 17:3)؛ وتضيف: "فله اسمعوا". ونحن نسمع ونتأمل فنكتشف في حدث التجلّي ثلاثة أمور عن يسوع: هو ابن الله، هو عبد يهوه، هو النبي. 
يسوع هو ابن الله. فعبارة "هذا هو ابني الحبيب" هي قول على الابن الكائن منذ الأزل، وليس على المسيح المختار فحسب. ولقب ابن الله يرجع إلى تفسير الجماعة المسيحية للمزمور القائل: "قال الرب لي: أنت ابني وأنا المجرم ولدتك" (2: 7). وفي يوم العماد جاء يسوع بصورة انسان خاطئ إلى يوحنا المعمدان، فأعلن الآب: "هذا هو ابني الحبيب". وفي يوم التجلّي بدا يسوع ذلك الانسان المتألّم، فأكّد الآب: "هذا هو ابني الحقيقي".
ويسوع هو عبد يهوه الذي رضي الله عنه: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرّت به نفسي" (أش 42: 1)؛ "هذا هو ابني الذي اخترته" (لو 9: 35). فكان هذا الكلام بمثابة ختم على تصرّف المسيح الذي اختاره الرب ومسحه، وأرسله إلى العالم.
ويسوع هو النبي. إن الصوت الالهي القائل للتلاميذ: "فله اسمعوا" يذكّرنا بما قاله موسى في القديم: "سيقيم لكم الرب نبيًا. فاسمعوا له في جميع ما يقول لكم" (تث 18: 15). وهذا الكلام أورده بطرس في خطابه (أع 3: 22)، فأبان لنا أن الرب عندما أقام يسوع أرانا فيه موسى الجديد النبي المنتظر لنهاية الازمنة (أع 37:7). أجل! إن الصوت الآتي من السماء هو الكفالة الالهية بأن يسوع هو النبي الذي يجب أن يسمعوا له، وأنه به يرتبط الخلاص الذي وعد به كل من يحمل صليبه ويسير وراءه. فعلى التلاميذ أن يجعلوا ثقتهم بيسوع الناصري الذي يعيش معهم ويُسمعهم تعاليمه.
في حدث التجلّي أعلن الآب لممثّلي الرسل أن يسوع هو ابنه الحبيب ومختاره وعبده الذي رضي عنه، أنه النبيّ الذي يجب أن يسمعوا له ويعملوا بأقواله ويسيروا على خطاه على طريق المجد عبر الصليب.
الفصل الرابع عشر
يسوع ابن الله في الأناجيل الازائية

لاشكّ في أن الأناجيل الازائيّة الاولى آمنت بألوهية المسيح. فمتى ولوقا يتحدّثان عن ولادة يسوع العجائبية بعد تدخّل مباشر من الروح القدس. ثم إن الثلاثة يعطون يسوع لقب المسيح ولقب ابن الله. ظنّ بعض الشرّاح المحدثون وقد وصلت أصداؤهم إلى بعض منا أن مرقس يقدّم لنا الفكر الاولاني الذي لم تشوّهه "النظريات البولسية"، الذي لم يرَ في يسوع ابن الله، بل الحكيم والنبي والمسيح. ونسوا أن كل الرسائل البولسيّة دوّنت قبل أن يدوّن إنجيل مرقس. ونسوا أن كرستولوجيّة (دراسة عن شخص المسيح) مرقس هي عميقة شأنها شأن كل أسفار العهد الجديد، حتى إنجيل يوحنا. وظنّ آخرون أن الرسل قد أسقطوا على شخص يسوع البشري حالة من الايمان سوف تتوسّع فيما بعد، فحوّرت أو أقله "فسَّرت" معطيات تاريخية فحادت بها عن الأصل! فكأنهم يقولون: إن لم تكن القراءة حرفية، أصولية، لم تعد قراءة إنجيلية. نسوا هم أيضًا أن الرسل انطلقوا من وحي فعبّروا عنه بلغة البشر. فعلينا نحن أن ننطلق من كتاب دوّن بلغة البشر لنصل إلى هذا الوحي. وهذا يفرض علينا أن نصل إلى المعنى الروحي فيتمّ الحوار بيننا وبين الله. ولقد انطلق الانجيليون من واقع حياة يسوع وأعماله وأقواله، قرأوها على ضوء القيامة وحياتهم في الكنيسة وقدّموها لنا بكل هذا الغنى. يبقى علينا أن نحلّلها ونعرف أن الفكر الذي تعلنه الكنيسة هو نتيجة تأمّلها في النصوص الكتابية، ولاسيّما الانجيل. نسوق هذا القول إلى المسيحيين الذي يناقشون مع بعض الشيع من موقع الضعف وكأن عليهم أن يدافعوا عن إيمانهم الهزيل والمتزعزع تجاه "قوّة الاقناع" عند الآخرين! الحقيقة معنا ونحن نخاف! سيقوله لنا الرب حينذاك ما قاله لإرميا: أنا سأخيفك.
ونحن نعلن إيماننا انطلاقًا من الأناجيل الازائيّة الثلاثة، أي متى ومرقس ولوقا، نعلن أن يسوع المسيح هو ابن الله. نتوقّف أولاً عند المعجزات التي تهتمّ أولاً بإظهار حنان يسوع ومحبته ولا تريد أن تظهر قدرته، مع أنها ظاهرة لاسيّما عندما يشفي المرضى ويقيم الموتى ويغفر الخطايا. ونتعرّف ثانيًا إلى لقبين اثنين: يسوع المسيح، يسوع ابن الله.

1- المعجزات في الأناجيل
ما اكتفى يسوع بأن يتكلّم، بل فعل فثبّت كلامه بأفعاله. هو يقدّم نفسه كشخص عظيم، فما الذي يسند "إدعاءاته"؟ المعجزات. هو يطلب من الناس أن يتعلقّوا به تعلّقًا لا شرط فيه ولا قيد، أن يتركوا كل شيء ويتبعوه؛ تساءلت الناس: "ما هذا؟ أتعليم جديد يُلقى بسلطان" (مر 1 :27)؟ سلطانه أعظم من سلطان بشري وهو الذي يطرد الشياطين. وسوف يطرح التلاميذ سؤالاً آخر بعد سير يسوع على المياه: "من هذا"؟ من هذا الذي "تطيعه البحر والرياح" (مر 4: 41)؟ لقد قيل عن الرب في العهد القديم: "أنت تتسلّط على طغيان البحر، أنت تسكّن أمواجها حين ارتفاعها" (مز 89: 10). وها هو يسوع يفعل أمرًا محفوظًا لله. فمن هو إذن؟
إذا قرأنا نصوص الأناجيل نشعر بالأهمية الحاسمة التي ارتدتها أعمال يسوع العجيبة بالنسبة إلى الذين آمنوا به. دلّ على سلطان سام على الطبيعة، ولاسيّما على الاجساد المريضة والميتة. دلّ على قدرة تجاه الأرواح النجسة، فرأى فيه التلاميذ شخصًا فريدًا بفرادة مطلقة. قال إنه يغفر الخطايا وغفر. قال إنه يشفي المرضى وشفى. قاد إن الله أباه فدلّ على هذه الأبوّة التي أشركنا فيها حين علّمنا الصلاة الربية، أبانا الذي في السماوات.
قد لا تكون المعجزة في حدّ ذاتها "برهانًا" على لاهوت ذاك الذي يتمّها. ففي العهد القديم تحدّث الكتاب مثلاً عن معجزات إيليا وأليشاع. كانا يعملان بقدرة الله، وهذا ما تدلّ عليه صلاة إيليا حين أقام إبن أرملة صرفت صيدا (1 مل 17: 20-22). وفي زمن المسيح تحدّث الناس عن "شفّائين" في العالم اليهودي وفي العالم اليوناني.
إن معجزات يسوع تبدو طبيعية جدًا. وهي تتطلّب تدخّل سلطة فائقة الطبيعة لا يستطيع أن ينكرها ذوو الارادة الحسنة. وهذه السلطة يمارسها يسوع بقدرته الالهية. بواسطة فعلة أو حركة. بواسطة كلمة بسيطة. والنتيجة تأتي حالاً. مرضت حماة بطرس، "دنا منها يسوع وأمسك بيدها وأنهضها. فتركتها الحمى وأخذت تخدمهم" (مر 1: 31). جاء أبرص إلى يسوع. وما إن لمسه حتى "زال عنه البرص في الحال وطهر" (مر 1: 41-42). قال يسوع للرجل اليابس اليد: "مدّ يدك". فمدها. فعادت صحيحة كالأخرى (مر 3: 5).
كان الاقدمون يطلبون الأمور المذهلة، والتي تبهر العين. أما يسوع فيعمل في الخفية. كما قال النبي أشعيا عنه: "لا يماحك ولا يصيح، ولا يسمع أحد صوته في الشوارع". علّمنا أن لا تعرف شمالُنا ما تفعله يميننا، فعمل كذلك. قال للأبرص بعد أن شفاه: "إياك أن تخبر أحدًا بشيء" (مر 1: 44). وهل يستطيع من نال نعمة الشفاء أن يسكت؟
فما دفع يسوع إلى اجتراح المعجزات ليمس طلب الشهرة. قال له إخوته أن يذهب إلى أورشليم حتى يرى التلاميذ أعماله. "فلا أحد يعمل في الخفية إذا أراد أن يعرفه الناس" (يو 7: 3-4). ولكن ليس هذا منطق يسوع. بعد أن صعد إخوته إلى العيد، "صعد بعدهم في الخفية لا في العلانية" (يو 7: 10). وحين كان يصنع يسوع المعجزات، كانت تدفعه إلى ذلك عاطفة إيمان الطالبين أو حنان يحرّكه في قلبه. جاءه الأبرص فأشفق عليه. رأى أرملة نائين وقد فقدت وحيدها، "رآها الرب فأشفق عليها وقال لها: لا تبكي" (لو 7: 13). وأقام لها وحيدها. وإن يسوع سوف يرفض اجتراح المعجزات حين لا يرى الاستعدادات المطلوبة. لم يصنع معجزة في الناصرة بسبب قلّة الايمان عند أهلها. رفض أن يردّ على هيرودس الذي انتظر منه "شيئًا عجيبًا". كما رفض طلب الفريسيين الذين طلبوا آية. وحين فرح التلاميذ بالسلطان المعطى لهم، قال: "إفرحوا بالأحرى لأن أسماءكم مكتوبة في السماء" (لو 10: 20).
فأهداف يسوع سامية حين يقبل بأن يعمل معجزة أو حين يتّخذ المبادرة إلى ذلك. فهو يريد أن يبيّن صدق رسالته أو يدلّ على قوّة كلمته. غفر الخطايا للمخلّع، فظنّ بعض الحاضرين أنه يجدّف، أنه يستحقُّ عقابَ الله، أن الله لن يسمع له. أما هو فأجاب: "لتعلموا أن لابن الانسان السلطان بأن يغفر الخطايا على الأرض"... قال للمخلّع: "إحمل فراشك واذهب إلى بيتك". فقام من ساعته. فالمعجزة الخارجيّة تدلّ عند يسوع على سلطان هو سلطان الله نفسه. فاليهود يعرفون أن الله وحده يقدر أن يغفر الخطايا. يسوع غفر، إذن هو الله وابن الله. وكما نقول: إنه يشارك الله الآب في الطبيعة الالهية. إنه مساو للآب في الجوهر. إنه والآب جوهر واحد.
والاستعداد الاساسي الذي يطلبه يسوع لصنع معجزة هو الايمان. وليس الايمان بالله الذي هو سيّد الطبيعة. فهذا أمر عادي في محيطه اليهودي حيث يصلّي الاتقياء إلى الله من أجل المرضى. بل الايمان بشخصه، الايمان برسالته. نذكر هنا تطهير البرص العشرة في لو 17: 11-19. أرسلهم إلى الكهنة، ولكنهم طهروا في الطريق وتابعوا الطريق. غير أن واحدًا منهم (كان غريبًا عن عالم اليهود) عاد يشكر يسوع. فقال يسوع: "أما كان فيهم من يرجع ليمّجد الله سوى هذا الغريب"؟ من أراد أن يمجّد الله عند اليهود يذهب إلى الهيكل. ولكن المسيح هو الهيكل الجديد، هو حضور الله على الأرض. وهذا الغريب كان أفضل من التسعة الباقين الذين لم يعرفوا أن يعودوا إلى يسوع.
حين يجترح يسوع معجزة، فهو لا يطلب أن يُعرف كذاك الذي يحمل الشفاء. ولهذا كان يختفي بعض المرات عن الناس. ولا أن يقدّم نفسه على أنه المسيح. على أنه ابن الله وابن الانسان. وهذا ما كان على يوحنا أن يفهمه حين أرسل وفدًا إلى يسوع. "العميان يبصرون والصمّ يسمعون... وطوبى لمن لا يشكّ فيَّ". أجل، المسيح هو هنا فكان على يوحنا وغيره من اليهود أن يعرفوه.

2- يسوع المسيح
ليس يسوع "رابي" بين الرابينيين، وليس معلّمًا يشبه سائر المعلّمين في أرض اسرائيل، وليس أولاً صانع معجزات تبهر السامعين فتجعلهم يتعجَّبون ثم لا يتحرّكون. إن علّم يسوع فهو لا يفعل مثل "المعلّمين" الذين يتمسكّون بتقاليد الشيوخ ولا يحيدون عنها قيد أنملة. إنه يعلّم كمن له سلطان، "لا مثل معلّمي الشريعة" (مت 7: 29).
فيسوع يتصرّف بسلطة سامية تجاه الشريعة والتقليد. يفسّرها، يتعمّق فيها، يصحّحها إذا اقتضت الحاجة. "قيل لكم... أما أنا فأقول لكم". قيل لا تقتل، أما أنا فأقول لكم من غضب على أخيه... قيل لا تزن. أما أنا فأقوله لكم من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه (مت 5: 21- 30). وقد سمح لنفسه أن يتعدّى شريعة السبت ليخدم أهداف الله في حبّه لأبنائه. وقال: "رب السبت هو ابن الانسان". أي: رب الشريعة هو يسوع ابن الانسان. الله وضع الشريعة، ولا يفسّرها إلاّ الله هذا التفسيرَ المطلق. كان موسى قد راعى الضعف البشري فسمح للرجال بأن يطلّقوا نساءهم، أما كلام يسوع فجاء قاطعًا: من طلّق امرأته جعلها تزني. ومن تزوّج مطلّقة زنى (مر 10: 11-12). لم يقبل التلاميذ بهذا الكلام القاسي فأجاب يسوع: "لا يقبل هذا الكلام إلاّ الذين أعطي (أي: أعطاهم الله) لهم أن يقبلوه" (مت 19: 11).
لا مساومة ممكنة. فيسوع يحمل الخمرة الجديدة. فلا حاجة بعد إلى الأوعية العتيقة (مر 2: 22). لقد جاء يدشّن عهدًا جديدًا، عهد ملكوت الله، كما أعلنه الأنبياء في القديم، وتحقّق الآن في شخص يسوع. هاجمه الفريسيون بأنه يطرد الشياطين برئيس الشياطين. فأجابهم: "أما إذا كنت بروح الله أطرد الشياطين، فملكوت الله حلّ بينكم". فالمعجزات التي يجترحها ترافق مجيء الملكوت المسيحاني وتدلّ عليه.
لقد سمّى يسوع نفسه المسيح. واعتبر أنه يدّشن المملكة المسيحانية في شخصه. هذا هو جوهر الانجيل. وحين يفهم الرسل، ولاسيّما في إنجيل مرقس، أن يسوع هو المسيح، أنه ذاك الذي يتألّم قبل أن يمجّد، يستطيع الانجيل أن ينتهي.
من هو المسيح في نظر العالم اليهودي؟ إنسان، ملكٌ من نسل داود، منحه الله سلطات استثنائية وغمره بالانتصارات. ولكنه ظلّ انسانًا، ولم يكن فيه "عنصر إلهي". أخذ يسوع الاسم ولكنه أعطاه بُعدًا جديدًا. المسيح هو الذي يختاره الله. فهذا الاختيار قد تمّ بشكل احتفالي في العماد. أنت ابني. أنا جعلتك الملك المسيح. والانسان الذي جاء يدشّن ملكوت الله، ويتصرّف بالشريعة بشكل متعال، ويجترح المعجزات العظيمة، ويطلب تعلقًا فيه لا مشروط، مثل هذا الانسان هو أكثر من "ابن داود" كما ناداه الناس (مر 47:10-48)، هو أكثر من مسيح منتصر يقود شعبه ضد الأمم الغريبة التي تحتلّ أرض فلسطين. هو المسيح بمعنى سنكتشفه بشكل خاص على ضوء القيامة: المسيح، ابن الله الحي.
وهكذا سيرتفع التلاميذ شيئًا فشيئًا إلى الايمان بألوهية معلّمهم. نحن لا نستطيع أن نقول إن القيامة أحدثت فيهم انقلابًا جذريًا. فقد كانت هناك استعدادات في كلمات يسوع وسلوكه جعلتهم يكتشفون هذا الشخص الذي نذروا حياتهم له.
هناك إشارات واضحة تدلّ على أن يسوع اعتبر نفسه أكثر من "مسيح عادي". عارض أولاً بين حلم مادي عن مسيحانية حربية وسياسية، وبين نظرة روحية وأدبية إلى ملكوت الله الذي سينمو على مهل في التواضع والوداعة (مثل حبة القمح في الأرض). ثم نسب إلى نفسه سلطات وألقابًا تتجاوز صلاحيات المسيح التقليدي.
طالب بسلطان غفران الخطايا، كما قلنا. فكيف يمكن للتلاميذ، الذين كانوا من أصل يهودي، أن يقبلوا بهذا الوضع؟ لقد فكّروا وفهموا أن يسوع يمتلك صلاحيات إلهية. ربما لم يفهموا على مستوى العقل والفهم، ولكنهم فهموا في قلوبهم أنهم أمام شخص يستطيع أن يطلب منهم أن يتركوا كل شيء ويتبعوه وحده.
لن ننتظر في الأناجيل الازائية تعليمًا مجرّدًا كذلك الذي تحدّده الكنيسة في مجامعها. ولن نجد تعابير واضحة كتلك التي نجدها عند القديس بولس أو عند القديس يوحنا. بل نستطيع أن نقول: لو لم يكن المسيح ابن الله بالذات لبدا "مجنونًا" حين يعتبر نفسه ما يعتبر، وحين يطلب من نفسه ما يطلب. لهذا لم يفهمه الناس، بل حسبوه آتيًا من عالم الشياطين، أو مجدّفًا، "فاستحق" الموت (في نظرهم) بسبب تجديفه. أما التلاميذ فقال لهم إن "ابن الانسان جاء ليخلّص الهالكين". ثم زاد: "لا يريد أبوكم أن يهلك واحد من هؤلاء الصغار" (مت 10: 42). وقالت: "من يريد أن يخلّص حياته يخسرها، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي وفي سبيل الانجيل يخلّصها... من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الرديء الشرير يستحي به ابن الانسان (أي أنا يسوع المسيح) متى جاء في مجد أبيه (إذن، يسوع هو ابن الله الآب) مع الملائكة الأطهار" (مر 8: 35-38).

3- يسوع "ابن الله"
نبدأ فنشير أولاً أن ليس لهذا اللقب المعنى الدقيق والمتسامي الذي اكتشفه إيماننا بفضل أسفار العهد الجديد والتفكير اللاهوتي الذي تحدّث عن العقائد؟ بالنسبة إلينا "إبن الله" يدلّ على بنوّة كائن يتمتّع بالطبيعة الإلهية بفضل ولادته الازلية من حضن الآب. ولكن قبل أن تصل العبارة إلى هذا المستوى، فقد عرفت تاريخًا طويلاً. كانت البنوّة على المستوى الادبي لا الميتافيزيقي والكياني. فالملائكة هم "أبناء الله" (مز 29: 1؛ 7:39؛ أي 1: 6؛ 2: 1). وهذا لا يعني مشاركة في الطبيعة الالهية، بل حياة حميمة بين هذه الكائنات السماوية والله. ويقول يهوه: اسرائيل هو ابني البكر (خر 4: 22). ويقول المصريون الشيء عينه (حك 38:18). نحن هنا أمام بنوّة على مستوى التبنّي. نقرأ في تث 14: 1: "أنتم أبناء للرب إلهكم". وفي هو 1: 10: "يدعونهم أبناء الله الحي".
تقف هذه البنوّة عنك القداسة. عند حياة من التقوى على مستوى العبادة والاخلاق. فمن كان صالحًا مع الأيتام سُمّي "ابن العلي" (سي 4: 10). والبار الذي يعرف الله ويحفظ شريعته هو ابن الرب ويستطيع أن يفتخر بأن الله أبوه (حك 2: 13، 16). والملك الذي هو مسيح الرب وممثّله لدى الشعب، يستحق قبل الكل أن يُسمّى "ابن الله". هذا ما قاله النبي ناتان لداود، وهو يتكلّم باسم الرب: "أكون له أبًا ويكون لي ابنًا" (2 صم 7: 14؛ 1 أخ 17: 13). ولقد توجّه الله إلى الملك في المزمور الثاني: "أنت ابني. أنا اليوم (في يوم اعتلائك العرش) ولدتك". ونجد تفسيرًا لهذا الكلام في مز 89: "يناديني: أنت أبي وإلهي وخالقي (لا صخرتي كما تقول الترجمات) ومخلّصي. وأنا أجعله بكرًا عليًا فوق ملوك الأرض" (آ 27-28).
إن عبارة "ابن الله" هي أوسع من عبارة مسيحانيّة لأنها تنطبق أيضًا على أشخاص غير المسيح. وهي أدّق لأنها تدلّ على حياة حميمة وخاصة مع الله. أما ينبوع هذه الحياة فعلاقة خدمة أو معرفة أو طاعة مفعمة بالحب.
يسوع هو ابن الله، ولكنه بالطبيعة ابن الله. أخذ ما وجد في التقليد البيبلي ولكنه تجاوزه إلى حدود التجاوز. فعبارة "ابن الله" عبارة مفتوحة على العالم المتسامي، وتستطيع أن تنطبق على "الاقنوم الثاني من الثالوث الاقدس" ساعة يتمّ الزمن. لاشكّ في أن فكرة ابن الله بالطبيعة غير مقبولة اطلاقًا في العالم اليهودي الذي يشدّد على وحدانيّة الله المطلقة. والشيع التي تنطلق من العهد القديم لا تستطيع أن ترتفع إلى بنوّة الله كما ينادي بها العهد الجديد. وإلا فما هو الجديد الذي حمله يسوع المسيح؟ والذين يتحدّثون عن بنوّة على مستوى مادي ولحمي، يذكّروننا بهرطقات نبتت منذ بداية المسيحية فاعتبرت أن الله لا يمكنه أن يتجسّد، أن يتحدّ بالمادة (والجسد) لأنها تحمل الشرّ في ذاتها. كما اعتبرت ولادةَ "ابن الله" على مثال ولادة الآلهة الوثنية، بواسطة المجامعة بين رجل (هو الاله) وامرأة من نسل البشر!! الوحدانية في المسيحية مفتوحة على الثالوث، على الاله الذي هو في ثلاثة أقانيم، الآب والابن والروح القدس. وولادة الابن من الآب تشبه خروج الكلمة من العقل والفم، وخروج النور من الشمس. وحين نشدّد على الثالوث، فلأننا نعتبر أن الله محبة، وأن لا وجود للمحبة إلاّ حيث توجد عائلة، عائلة الآب والابن والروح القدس. الآب يحبّ الابن ويعطيه كل ما له. والابن يحبّ الآب ويعطيه كل ما له. والروح القدس هو الحبّ الجامع بين الآب والابن، هو شخص يحمل عمل الآب والابن إلى العالم، فيزرع كل حب لا بين البشر وحسب، بل بين الخلائق.
إذا عدنا إلى الأناجيل الازائية نسمع الارواح النجسة تسمّي يسوع "ابن الله" (مر 13:3؛ 5: 7). فقد تكون اكتشفت فيه أكثر من المسيح والملك الذي يرسله الله. ونقرأ في لو 4: 41-48: "وخرجت الشياطين من مرضى كثيرين وهي تصرخ: أنت ابن الله. فكان يسوع ينتهرها ويمنعها من الكلام، لأنها عرفت أنه المسيح". وحين يقول الشيطان ليسوع في ساعة التجربة: "إن كنت ابن الله" فهو يعود إلى الصوت السماوي الذي سُمع في تيوفانية (الظهور الالهي) العماد (مر 1: 11؛ مت 17:3؛ لو 22:3).
في مت 33:14، وبعد أن سار يسوع على المياه، سجدوا له وقالوا: "بالحقيقة أنت ابن الله". هذا يعني أننا تجاوزنا الإطار المسيحاني. وفي مت 16: 16، أعلن بطرس: "أنت المسيح ابن الله الحي". فهنّأه يسوع على كلامه: "لا لحم ولا دم (أي: ليست الطبيعة البشريّة) أوحى لك بذلك، بل أبي الذي في السماوات". قال بطرس ما قال. ولا شكّ أنه سيفهمه في كل عمقه بعد القيامة. ولكن كلامه في إنجيل متى وفي جوّ الكنيسة الاولى يعني أن يسوع هو المسيح المنتظر. إنه ابن الله الحي. وإن الله هو أبوه. وهو الذي جعل بطرس يتلفّظ بهذه الأقوال السامية التي ما زالت الكنيسة تردّدها وتتعمّق في معناها.
لم يقل يسوع عن نفسه "أنا ابن الله"! فلو قالها، لما فهمها أبناء عصره. ولكنه فعل أفضل من ذلك: دلّ على اتحاد مع الله أبيه، وهو اتحاد ذو طابع فريد ومتسام، اتحاد جعله على مستوى الله نفسه. في هذا الإطار تتخذ بعض الأقوال كامل معناها. فيسوع لا يقول عن نفسه "ابن" بل هو "الابن" وليس سواه. هنا نتذكّر مثل الكرّامين القتلة. الكرّامون هم عبيد الله وخدّامه. في آخر الأمر أرسل إليهم ابنه وقال: سيهابون ابني. فلما رأى الكرّامون الابن قالوا فيما بينهم: "ها هو الوارث! تعالوا نقتله". هذه هي قصة الله مع شعبه. أرسل إليهم الأنبياء، وفي النهاية أرسل ابنه الحبيب (راجع عماد يسوع في مر 1: 11). فقتلوه. هذا ما فهمه التلاميذ بدقّة بعد موت يسوع على الصليب. وسيقول بطرس في خطبته بعد العنصرة: "فليعلم بنو اسرائيل كلهم علم اليقين أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا" (أع 2: 36).
وهناك قول شهير اعتبره الشرّاح مرتبطًا بالانجيل الرابع. إنه يدلّ على علاقة حميمة من المعرفة والمحبّة بين الآب والابن. يتوجّه يسوع إلى الآب السماوي، إلى الله، ويسمّي نفسه الابن (بشكل فريد) فيقول: "أحمدك يا أبي، يا ربّ السماء والأرض، لأنك أظهرت للبسطاء ما أخفيته عن الحكماء والفهماء. نعم، يا أبي، هذه مشيئتك. أبي أعطاني كل شيء. ما من أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومن شاء الابن أن يظهره له" (مت 11: 25-27). البسطاء أو الصغار هم التلاميذ (مت 10: 42) وقد نالوا وحيًا خاصًا، سرّ ملكوت السماوات (مت 13: 11). أما مشيئة الله ورضاه فيعودان بنا إلى صوت الآب في عماد يسوع. وبهذا القول (آ 27) بعلن يسوع بشكل غير مباشر أن علاقته فريدة مع الله الآب. هنا نتذكّر أول كلمة تفوّه بها يسوع في إنجيل لوقا. حدّثته أمه قالت: "أنا وأبوك تعذّبنا كثيرًا ونحن نبحث عنك". فأجاب: "أما تعرفان أنه يجب أن أكون لأبي" (2: 48- 49). هكذا ذكر يسوع أباه في بداية رسالته، وسيذكره (عند لوقا) في نهاية هذه الرسالة: "يا أبت، في يديك أستودع روحي" (لو 23: 46). لقد صلّى يسوع وبدأ صلاته بدعاء إلى الآب. إنه الابن الذي يبدأ صلاته دومًا بالتفاتة إلى الآب. نقرأ في لو 10: 21 ما يقابل نصّ متى: "أحمدك أيها الآب...". وفي ساعة النزاع: "يا أبي، إن شئت فأبعد عني هذه الكأس" (22: 42). وينتهي إنجيل لوقا: "وسأرسل إليكم ما وعد به أبي" (24: 49). نحن قريبون من إنجيل يوحنا حيث يأخذ الابنُ من الآب، حيث يرسل الابنُ الروح القدس الذي هو "قوة من العلى".
وإذا عدنا إلى مرقس وجدنا لفظة فريدة، يتفوّه بها الاطفال مع أبيهم. لفظة لم ترد في أيّ نصّ سابق في التوراة أو العالم اليهودي. هي لفظة "أبّا". وقد قالها يسوع في أحلك ساعات حياته، ساعة كان ينازع في البستان: "أبّا، أيها الآب. أنت قادر على كل شيء. أبعد عني هذه الكأس". لفظة "أبّا" لفظة أرامية تدلّ على علاقة خاصّة بشخص من الاشخاص. لسنا أمام المعنى المجازي أو الذي يقال عن طريق الاستعارة. لا أب ليسوع إلاّ الآب السماوي وهو الابن الحبيب لهذا الآب. أعلنه الآب من السماء: "أنت ابني الحبيب الذي به رضيت" (مر 1: 11). أجل، يسوع هو ابن الله، هو حبيب الله، هو موضوع رضاه. ونقرأ في لو 3: 22: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك". نحن هنا أمام سرّ يسوع في أعمق معانيه كما نادى به الملاك. "يكون المولود قدوسًا وابن الله يُدعى" (لو 1: 35). هذا المولود هو المسيح في معنى أوّل (لو 4: 34، 41؛ أع 9: 20، 22). وهو يدلّ أيضًا على العلاقة السريّة التي تربط يسوع بالله.
قال الناس في المحكمة متسائلين: "أأنت ابن الله"؟ أجاب يسوع بما لا يقبل الشكّ. فهتف الشيوخ: "أنحتاج بعد إلى شهود؟ نحن بأنفسنا سمعنا كلامه من فمه" (لو 22: 70). فلو لم يكن يسوع ابن الله، لكان أوضح أمره لليهود. لكان قال لهم: أنتم تفهمونني خطأ. ولكنه اعتبر أنهم فهموه. وهم سيقتلونه لأنه الابن كما قرأنا في مثل الكرّامين القتلة. تساءل اليهود عن هويّة يسوع: هل هو ابن الله؟ أما الوثني فلم يتوقّف عند التساؤل، بل أعلن عند الصليب وحين أسلم يسوع الروح: "بالحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (مر 15: 39). هذا هو فعل إيمان المسيحيين في رومة، وقائدُ المئة يمثّلهم جميعًا.
إن لقب "ابن الله" الذي تلفّظ به الشيوخ في محاكمة يسوع (لو 22: 70) هو تعميق للقب المسيح (آ 67: إن كنت المسيح، فقل لنا). أما في النصين الموازيين في مت 26: 63 وفي مر 14: 61، فلقب المسيح يوازي لقب ابن الله. قال عظيم الكهنة ليسوع (في إنجيل متّى): "أستحلفك بالله الحيّ أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله"؟ وفي مر 14: 61 سأل عظيمُ الكهنة يسوعَ: "هل أنت المسيح ابن المبارك"، أي ابن الله المبارك؟ فاليهود لا يتجرَّأون على التلفّظ باسم الله.
هذا التمييز بين المسيح وابن الله قد وجدناه في لو 1: 32، 35، وسنجده عند يو 10: 24، 36 (هل أنت المسيح؟... قلت إني ابن الله). إنه يدلّ على ملء سرّ يسوع.
جاءت عبارة "ابن الله" بلسان البشر (رج مت 14: 33؛ 16: 16؛ 27: 40؛ 43: 54؛ مر 15: 39). وجاءت بصورة خاصة في فم الآب. ساعة العماد (لو 22:3)، وساعة التجلي (35:9): "هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا". وجاء بلسان الملاك جبرائيل حين بشّر مريم بالحبل الالهي. وأخيرًا ورد في فم يسوع (لو 13:20؛ رج 10: 22). في مشهد البشارة تأتي عبارة ثانية فتُغني العبارة الأولى. كان قد قال الملاك في تحيّته لمريم: "يكون عظيمًا وابن العليّ يُدعى" (1: 32). فعبارة ابن العلي دلّت في العالم الهليني على الله، ولا تُذكر في العهد الجديد إلاّ عند لوقا (1: 76:35؛ 6: 35؛ رج مر 7:5؛ عب 7: 1). ثم قال الملاك بعد "اعتراض" مريم: "لذلك يكون المولود قدوسًا وابن العلي يُدعى" (1: 30). نحن نعلم أننا في إنجيل الطفولة أمام تعليم لاهوتي هو خلاصة تأمّل الكنيسة في سرّ يسوع، في حياته وأقواله وأعماله. نحن أمام تعليم هو ذروة التعليم الانجيلي لأنه تأمّل في شخص يسوع على ضوء القيامة. وهذا التعليم يعلن بوضوح أن يسوع هو ابن الله.

خاتمة
حين رافق التلاميذ يسوع خلال حياته على الأرض، استشفّوا أنه ليس انسانًا مثل سائر الناس. أنه ليس نبيًا مثل سائر الأنبياء، ولا صانع معجزات فقط. إنه المسيح في معنى سام جدًا. فسلطةُ أقواله وقدرةُ أعماله وإشعاعُ شخصه، كلّ هذا دلّ على لاهوته. دلّ على أنه أكثر من إنسان بار وقريب من الله. كل هذا دلّ على أنه ابن الله. لاشكّ في أنهم تأخّروا في اكتشاف هذا السرّ العميق، وانتظروا أن يكون يسوع ذاك الملك المنتصر والممجّد. ولكن الآلام والموت أفهمتهم أن يسوع هو عبد الله المتألم الذي يخلّص البشريّة. أفهمتهم أنه ابن الانسان بشكل فريد كما يقول عنه دا 7: 14. فهم التلاميذ أكثر من الناس ما تعني هذه العبارات التي استعملت للحديث عن يسوع. ولكن بشرية يسوع ظلّت حجابًا يخفي حقيقة يسوع. فلما جاءت القيامة وحلول الروح القدس، استنار إيمانهم وفهموا أن يسوع ينتمي إلى عالم الله. وبعد أن تيقّنوا أنه صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، استعادوا قراءة حياة يسوع وأعماله وأقواله فوصلوا في تأمّلهم إلى سر التجسّد، سر الله الذي صار انسانًا، سرّ ابن الله الذي صار ابن البشر لكي يرفع البشر إلى مستوى أبناء الله. هذا هو السرّ الفريد. كان بولس أول من كتب عنه بطريقة لاهوتية "مجرّدة". وجاءت الأناجيل الازائيّة فأعادتنا إلى يسوع الانسان فاكتشفنا معوإ تدريجيًا من هو ابن الله. ومع يوحنا سنصل إلى قمّة التأمّل في علاقة الآب بالابن، داخل الثالوث الأقدس الذي باسمه يتعمّد المؤمنون. أجل، لقد اعتمدنا باسم الآب والابن والروح القدس، الاله الواحد له المجد إلى الأبد. آمين.
الفصل الخامس عشر
الكنيسة في إنجيلَيْ لوقا ومتّى

الكنيسة حاضرة في كل مكان من العهد الجديد، حتى حيث لا ندرك واقعَها بواسطة الصور والمفاهيم. فكتابات العهد الجديد وُلدت في قلب الكنيسة وشكّلت شهادة جماعيّة عن وجودها وحياتها. لاشكّ في أن كتّاب العهد الجديد دوّنوا ما دوّنوه في عزلة "بيتهم". ولكنهم دوّنوه على أنهم أعضاء في هذه الجماعة، ولخدمة هذه الجماعة التي ينتسبون إليها. هذا ما فعله الانجيليون، وهذا ما فعله بشكل خاص لوقا ومتى. ما هي نظرة لوقا إلى الكنيسة، ما هو مفهوم الكنيسة عند متى؟

1- نظرة لوقا إلى الكنيسة
قدّم لوقا في مؤلّفه (الانجيل وأعمال الرسل) لاهوتًا عميقًا عن الكنيسة، خصوصًا حين ربط "الكنيسة" بـ "التاريخ"، وحدّد زمن الكنيسة ومهمّاتها بين صعود يسوع إلى السماء (لو 9: 51؛ أع 1: 2- 11، 22) وعودته إلى الأرض (أع 1: 11؛ لو 21: 27-28). وفي هذا المجال، تبدو بداية سفر الأعمال غنيّة جدًا بالمعلومات. ففي الجملة الأولى يجول لوقا بنظره في "نشاط وتعليم" يسوع كما صوّرهما في "كتابه الأول"، فيميّز هكذا بين "زمن يسوع" و"زمن الكنيسة". إن هذه الحقبة التي تبدأ مع انفصال الرب عن تلاميذه، ترتبط بالمهمّة التي كلّف بها الرب القائم من الموت، تلاميذه الباقين على الأرض. وهذا ما يحدّده فم الملاك في أع 1: 11: "إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي هكذا كما عاينتموه منطلقًا إلى السماء". فالفداء قريب. غير أن مرحلة "تاريخ الكنيسة" تتميّز بالرسالة الموكلة إليها. لقد قال يسوع قبيل صعوده: "ستكونون لي شهودًا في أورشليم، في كل اليهودية والسامرة وحتى أقاصي الأرض" (أع 1 :8). فالسياق الذي تدخل فيه كلمات يسوع هذه، تدلّ على ارتباطها بنظرة كنسيّة. فقد كان التلاميذ سألوه: "أفي هذا الزمان تردّ الملك لاسرائيل" (أع 1: 6)؟ بدأ الرب يرفض سؤالاً يدلّ على الزمن والتاريخ. "ليس لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة التي أقرّها الآب بسلطانه الخاص" (آ 7). هذه الجملة تترك المدى الزمني أمامهم غير محدّد، وتقطع الطريق على أسئلة أخرى حول الموضوع، فتذكّر بسلطة قرار الآب. هي لم تكن وليدة الصدف. ونحن نتذكّر أسئلة مماثلة طُرحت في إنجيل لوقا (17: 20؛ 19: 11؛ 7:21؛ 24: 21). فهي تمنع كل حساب يستبق نهاية الازمنة (لو 17: 20- 21) وتخفّف من حمّى مفرطة لانتظار قريب (لو 81: 24: إلى أن تتمّ أزمنة الأمم)، وتعطي الكنيسةَ الطمأنينةَ والثقة من أجل رسالتها. وهذا الجواب يصحّح أيضًا بطريقة ضمنيّة نظرة التلاميذ التي جعلها العالم اليهودي ضيّقة (19: 11؛ 24: 21). فمهمتّهم لا تنحصر في أورشليم بل تمتدّ إلى "أقاصي الأرض".
هنا نكتشف الاهتمامات الكبرى عند لوقا اللاهوتي: ما يهمّه هو وضع الكنيسة في إطار التاريخ، والأعمال التي تقوم بها حسب مشيئة الله. لا يمتلك لوقا نظرة محدّدة عن الكنيسة، ولكن المحور الذي ينطلق منه ليوسّع نظرته التاريخية هو الكنيسة التي تؤمن بيسوع المسيح. إرتبط ارتباطًا وجوديًا بالكنيسة وكتب واضعًا نصب عينيه الصورة الحيّة التي يحملها في ذاته عنها. ويُبرز هذه الصورةَ، فيرسم بداياتها وصيرورتها ونموّها، يرسم عمق تاريخها.
سنحاول هنا أن نتوسّع بعض الشيء في نظرته إلى تاريخ الخلاص، وفي طريقة فهمه للكنيسة على أنها الواقع العميق لتاريخ الخلاص.
أ- تاريخ الخلاص
زمن الكنيسة هو الحقبة الثالثة الكبرى في تاريخ الخلاص. الحقبة الأولى هي زمن اسرائيل: تتميّز "بالشريعة والانبياء" وتمتدّ إلى يوحنا المعمدان. "ومنذئذ يبشَّر بملكوت الله" (لو 16: 16). إن الذي يمنح في الأردن عماد التوبة يؤمّن الانتقال مع زمن الخلاص (رج أع 13: 24) الذي فيه يعمل يسوع المسيح الذي مسحه الروح (لو 18:4 ي). منتصفُ الوقت يُدخل زمن الكنيسة كحقبة ثالثة في تاريخ الخلاص. هذه الملاحظة هي مهمّة بالنسبة للاهوت الكنيسة، وذلك لعدة أسباب: 
أولاً: يحدَّد موقع الكنيسة في امتداد مقاصد الله والتهيئات الالهية للخلاص. فموقع اسرائيل القديم هو جماعة خلاص يحمله يسوع في زمانه. والكنيسة كانت محمولة في الوقت عينه على كتف اسرائيل. المواعيد التي أعطيت لاسرائيل برزت بشكل خاص في أخبار الطفولة (لو 1: 32-33، 54- 55، 68-75)، وانتظار الاسرائيليين الاتقياء الذين عاشوا في تلك الحقبة (لو 1: 76-77؛ 2: 25-35)، كل هذا وجد تتمته في يسوع وفي الكنيسة. موقف لوقا موقف إيجابي بالنسبة إلى شعب الله القديم (لو 1: 18-77؛ 2: 10-32؛ 16:7، 24: 14؛ أع 4: 10؛ 17:13:13). وهو لم يورد الكلمة حول تقسية القلوب إلاّ في نهاية مؤلّفه (أع 26:28-27) وبعد أن رفض القسم الأكبر من اسرائيل أن يؤمن بيسوع.
ثانيًا: إن الإطار الجغرافي لنشاط يسوع ورسله، يُبرز أولويّة اسرائيل في تاريخ الخلاص (أع 3: 26: لأجلكم أولاً..."؛ 13: 17). فالمدينة المقدسة أورشليم، تقع في قلب مسيرة التاريخِ وفيها يتمّ مصير المسيح كما تمّ مصير الانبياء، حسب تدبير الآب. حدثَ حدثٌ لا يصوّر: أن تقتل مدينة الله الأنبياء وترجم المرسلين إليها (لو 24:13). ولكن "لا يليق أن يهلك نبيّ خارج أورشليم" (لو 13: 33). لهذا شكّل صعودُ يسوع إلى أورشليم قلب الانجيل (9: 51؛ 19: 27). وقد قام يسوع بهذا الصعود بعزم وصلابة وهو واع لما ينتظره هناك (9: 51). أورشليم هي موضع الدراما الدموية. وهي أيضًا الموضع الذي فيه ظهر القائم من الموت على التلاميذ (لو 33:24-42). ومنها سينطلق الانجيل فيمتدّ إلى العالم كله. وعبارة "ابتداء من أورشليم" هي مهمّة في نظر لوقا أهميّةَ عبارة: "في جميع الأمم" (لو 47:24). يقوم مخطط الله الخلاصي بأن يقاسي المسيح الموت قبل أن يدخل في مجده (لو 24: 26- 46). ويقوم هذا المخطّط أيضًا بأن ينتقل فيه الخلاص نفسه إلى الأمم، بعد أن رفض اليهود أن يؤمنوا. هذا ما يعبّر عنه تقليد خاص بلوقا: في بداية ظهور يسوع رذله أهله في الناصرة (لو 4: 24-27). ولقد حاول لوقا أن يبرّر في مؤلَّفه (الانجيل والأعمال) هذه الفكرة انطلاقًا من الوقائع: تتأسّس شمولية الخلاص في مشروع الله على المهمّة التي أوكلت إلى يسوع، في مسيرة تاريخ الخلاص.
ثالثًا: لقد تمّت في يسوع النبوءات المسيحانية التي أعلنت في الحقبة الأولى من تاريخ الخلاص (لو 18:4- 21: "اليوم تمت"؛ 7: 21-23: "أعلما يوحنا بما سمعتما ورأيتما"). وكذلك شكّل زمنُ الكنيسة زمن التتمة: ففيض الروح في العنصرة هو من جهة، الحدثُ الاسكاتولوجي الذي أعلنه النبي يوئيل (أع 2: 16- 21). وهو من جهة ثانية الوفاء بوعد قام به الرب لتلاميذه ساعة كان ينفصل عنهم. قالت إنه سيرسل إليهم "قوّة من العلاء" (لو 24: 49؛ أع 1 :8). فعطيّة الروح التي وُهبت للجماعة في زمن العنصرة، توافق مع ما يليها مسحةَ المسيح بالروح لزمن نشاطه على الأرض (لو 4: 14-- 18؛ أع 10: 38). فزمن يسوع يجد امتداده في زمن الكنيسة. بل إن زمن الكنيسة يتوسّع في ما وعد به زمن يسوع، وكل هذا يتأسَّس على تمجيد يسوع وتثبيت قدرته (أع 2: 34-36) وموهبة روحه. فلا انقطاع بين زمن يسوع وحقبة الكنيسة: فالانجيل يُعلن هنا وهناك، بعد أن اغتنى بعد الفصح بتعليم يسوع المسيح المصلوب والقائم من الموت، والرب الممجَّد. فقوى السيادة الالهية (أي: الروح القدس) التي دخلت مع يسوع، صارت فاعلة بشكل واسع عبر الزمان والمكان. وهذا ما يجب أن نلاحظه أيضًا بالنسبة إلى لوقا: فالكنيسة هي في العالم مجال المسيح الممجّد إلى أن يأتي في المجد. وكل هذا يتمّ بشكل أكيد، لاسيّما وأن. مواعيد يسوع الأولى قد وصلت إلى كمالها.
ب- وجه الكنيسة
وإذا أردنا أن نتعرّف إلى وجه الكنيسة، نلاحظ أيضًا مدلول كلمات يسوع في تلاميذه في العلّيّة (لو 22: 21-38). فقد جمعها لوقا ولاشكّ، من أجل الجماعة المقبلة التي هي في نظره امتداد مباشر لمجموعة التلاميذ التي تحيط بيسوع. لن نعالج الموضوع كله، ولكننا نكتفي بابراز النقاط التالية:
أولاً: إن الاحتفال بالافخارستيا هو النظام الذي أعطاه يسوع قبل الدخول في آلامه إلى كل زمان الكنيسة. فبالافخارستيا يظلّ يسوع متحدًا بجماعة التلاميذ حتى "تتمة" المشاركة في هذه الوليمة في ملكوت الله. ويمنح الكنيسةَ بشكل دائم ثمارَ الخلاص التي يقدّمها موته الدموي (يُبذل لأجلكم، لو 22: 19). هذا هو أمره الواضح الذي تنفِّذه "لذكره". ولهذا يرى لوقا أن "كسر الخبز" الذي هو امتداد على مستوى آخر للمشاركة في الطعام مع يسوع يوم كان على الأرض (لو 24: 30- 31)، هو قلب الحياة الدينيّة في الكنيسة الأولى، وينبوع بهجتها الاسكاتولوجيّة (أع 2: 46). ولكن هذا "الكسر" يفرض علينا أيضًا الأمانة للرب (ولكن هناك الخائن الذي يسلم يسوع، لو 22: 21-22)، والثبات في التجارب، والمحافظة على المشاركة الاخوية التي تدلت عليها وليمةُ المحبّة (لو 22: 24-27؛ أع 2: 42).
ثانيًا: مع أن الفرح يُنعش الكنيسة في الداخل، ومع أن الروح القدس يُرسل عزاءه (أع 31:9؛ رج لو 13:11؛ 12:12)، فزمنُ الكنيسة يتميّز بالمحن والآلام والاضطهادات. فجماعة المسيح تعرف الجهاد والضيق. وحسب لو 22: 31، لقد طلب الشيطان أن يغربل التلاميذ كالحنطة. وفي الآلام عاد الشيطان. كان الرب قد أبعده في بداية ظهوره العلني (لو 4: 1- 13) وداسه حين طرد الأرواح النجسة (لو 10: 18). أجل، لقد عاد الشيطان من جديد على المسرح (لو 3:22-53). وقد أعطي الآن سلطانًا أن "يغربل" التلاميذ ليجعل ذنوبهم تمرّ في الغربال: لقد وصل حتى إلى "القديسين" في أورشليم، وهو يستطيع أن يملأ بخبثه قلب حنانيا (أع 3:5). فأقوال يسوع الخطيرة نفسها (لو 36:22-37) تعني الزمن المقبل. وهي تشير من خلال الصور إلى الضيق والجهاد. وهذا ما يتوافق مع كلمات قالها يسوع في الماضي حول الاضطهاد ومصير التلاميذ، وفهمها لوقا عن وضع الكنيسة في الازمنة اللاحقة (لو 22:6-23؛ 49:11 ي؛ 12:: 14-12؛ 25:14 ي؛ 21: 12-19). ففي زمن الكنيسة تسري شريعةٌ تفرض علينا أن نتبع يسوع بالصليب إلى المجد. "علينا أن نمرّ في مضايق عديدة لكي نبلغ إلى ملكوت الله" (أع 22:14؛ رج لو 26:24). فالكنيسة هي في زمن الضيق والاستشهاد (أع 7: 54-60) إلى أن يأتي ملكوت الله. وهي أيضًا في زمن المحنة التي تحتملها في صلاة متواصلة: "صلّوا كل حين لكي يتهيَّأ لكم أن تنجوا من جميع ما هو مزمع أن يكون، وأن تظهروا آمنين بين يدي ابن البشر" (لو 36:21). وسيقول يسوع لتلاميذه في جتسيماني: "صلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة" (لو 40:22، 46؛ رج أع 29:4-30؛ 12:12؛ 20: 36؛ 21: 5).
ثالثًا: والحديثُ خلاله العشاء السري يتيح لنا أن نتعرّف إلى التكوين "الرسولي" للكنيسة. فكلمة لو 28:22 ي (ثبتُّم معي في محنتي، أنا أعدّ لكم الملكوت) تتوجّه بشكل خاص إلى "الاثني عشر". وكلمة أ 31-32 تتوجّه إلى سمعان بطرس. إن كنا لا نجد ضوءًا كافيًا على وضع "الاثني عشر" في قلب الجماعة الاولى، إلاّ أنهم يتصدّرون الكنيسة. هم الذين ظلّوا دائمًا مع يسوع في تجاريبه، فمنحهم لذلك "السيادة" في الآخرة. سيجلسون على عروش ويدينون أسباط اسرائيل الاثني عشر. ولكن مهمّة سمعان الخاصّة تقوم بأن يشدّد إخوته في الايمان، لا بقدرته الخاصّة، بل بفضل صلاة يسوع. حين يورد لوقا لفظة "إخوة" فهو يتطلّع إلى الجماعة (أع 1: 15؛ 3:6؛ 17:9-30؛ 10: 23...). وفي الواقع، إن صورة بطرس في أع 1-12 هي صورة الرئيس والمتكلّم باسم الجماعة الاولى، وهذا ما يوافق الكلمة التي قيلت في العليّة. لاشكّ في أن وضعه في تراتبية الكنيسة لا يظهر بعدُ بوضوح، ولكن مكانته ظاهرة جدًا في داخل كنيسة أورشليم.
رابعًا: ونتساءل في النهاية كيف يفسّر لوقا الوظائف التراتبيّة في الجماعات من خلال مشهد وداع يسوع لتلاميذه. لقد لفت نظرنا دائمًا أن الانجيل الثالث، وهو وحده، يجعل في العلية "الجدال حول الاماكن الاولى" بين التلاميذ (22: 24-27). فإن قابلنا كلمة يسوع حول "الخدمة" (من زاوية خاصة جدًا) مع خدمة الموائد المذكورة في أع 6: 2، نجد المحيط الحياتي لمضمون التقليد كما يظنّه لوقا: لقد كتب لوقا أيضًا بالنظر إلى الظروف التي تعيش فيها الكنيسة الأولى، فدلّ في آ 26 (هيجومينوس، مدبّر، متقدّم، رج أع 15: 22) على الرؤساء الذين سيهتمّون بخدمة الموائد. وهو يعني بذلك مهمّة الذين لهم رتبة ومهمّة في الجماعة. ولا يذكر لوقا فقط "السبعة" وخدمة الموائد (6: 1-6)، بل الشيوخ الذين أقامهم بولس في الجماعات الرسولية (أع 14: 22؛ رج 20: 17) من أجل وظائف مماثلة. ونزيد على ذلك مقاطع انجيلية ترتبط برعاة الكنائس في الحقبة اللاحقة. "هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى؟ أوليس كلاهما يسقطان في حفرة؟ ليس تلميذ أعظم من معلّمه. كل تلميذ كامل يكون كمعلمّه" (39:6- 40). كلام يتوجّه إلى الفريسيين في الدرجة الأولى ثم إلى المسؤولين في الكنيسة. ونقرأ في لو 12: 39-40: "إعلموا جيّدًا لو عرف ربّ البيت في أيّة هجعة يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته ينقب. فكونوا أنتم أيضًا مستعدين...". كلام يتوجّه إلى المسؤولين، جعل بطرس يقول ليسوع: "ألنا تقول هذا المثل أم للجميع" (آ 41)؟ أجل، بطرس (ورفاقه) هو "الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيّده على خدمه ليعطيهم قسمتهم من الحنطة في حينها" (آ 42). إن لوقا يطلب من هؤلاء المسؤولين (حسب كلمات يسوع) استعدادًا للخدمة و "أمانة في الامور الصغيرة" (لو 16: 10؛ 19: 17). هو يشدّد على مسؤوليّتهم دون أن يتوقّف عند التنظيم الخارجي وتوزيع المهام.
ج- خاتمة
ويقدّم لنا لوقا صورة عرفتها المسيحية الاولى، هي صورة الرعيّة أو القطيع. ففي لو 12: 32، يسمّي يسوع جماعته: "القطيع الصغير". صورة عرفها العهد القديم وطبّقت فيما طبّقت على مجموعة التلاميذ (رج مت 26: 31. أضرب الراعي فتتبدّد الخراف). كما طبّقها بولس في سفر الأعمال على جماعة أفسس وغيرها من الجماعات. قال: "احذروا لأنفسكم، ولجميع القطيع الذي أقامكم فيه الروح القدس أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي افتداها بدمه. وإني لعالم أنه بعد فراقي، سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على القطيع" (أع 28:20- 29).
ومع هذه الصورة نكون اكتشفنا عند القديس لوقا زمن الكنيسة وبُعدها ورسالتها وسيرتها في الآتي من أيام.

2- مفهوم الكنيسة عند متى
وننتقل إلى متّى فنتعرّف إلى مفهوم الكنيسة عنده. الكنيسة هي شعب الله الجديد، ولها شريعة خاصة بها. الكنيسة مطبوعة بالشموليّة فلا تنحصر في جماعة واحدة أو شعب واحد، وإن خرجت في بدايتها من العالم اليهودي. وفي النهاية نتوقّف عند بنية الكنيسة الداخليّة التي هي اليوم على مثال ما كانت في عهد الرسل. هناك المؤسسة وهناك الأشخاص مع ضعفهم وعجزهم وخطيئتهم. ولكن الرب يبقى مع كنيسته إلى انقضاء الدهر.
أ- شعب الله الجديد
إن مسألة "اسرائيل" التي وجدت عند لوقا حلاً جوهريًا من الوجهة التاريخية (دمار أورشليم 70 ب. م)، ومن جهة تدبير الخلاص (أع 28: 25- 28: خلاص الله أرسل الى الأمم)، ما زالت موضوع جدال في إنجيل متى. فموقفه يرتبط بحلقة قارئيه الذين يبدون بأكثريتهم من المسيحيين الآتين من العالم اليهودي: لاشكِّ في أنهم تجاوزوا كل خاصانيّة وطنيّة عاطفيّة. ووجدوا طريقهم في أبعاد الجماعة الشاملة، في أبعاد الخلاص بيسوع المسيح. فإذا أخذنا بعين الاعتبار هاتين الوجهتين، أي الأصل اليهودي ونظرة الشمول، نستطيع أن نفهم المواضيع الكنسيّة في إنجيل متى. وهي: الجدالات مع العالم اليهودي اللامؤمن مع خاصانياته وعودته إلى الشريعة وتتمتها في إطار الناموس. وافتخاره بأنه كان الشعب الأمين. وبحثه عن استحقاقات تجعل الله له مدينًا. كل هذا كوّن "وعيًا كنسيًا" نكتشفه في الانجيل الاول. وهذا الوعي جعل الكنيسة تفضّل إنجيل متى وتسمّيه "إنجيل الكنيسة".
أفضل طريق نتّخذها هي أن ننطلق من مت 43:21 الذي هو آية لافتة في مثل الكرّامين القتلة (رج آ 41): "لهذا أقول لكم: إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُدفع إلى شعب يستثمره". إن ضمير المخاطب الجمع (لكم) لا يقدر أن يتوجّه إلى اسرائيل القديم، حتى وإن هاجم المثل بشكل خاص رؤساء الشعب (الذين سلّم إليهم الكرم، رج أش 7:5). ففي نظر متّى، كل الشعب يشارك في مسؤولية رذل يسوع المسيح وصلبه (رج مت 27: 25: فأجاب الشعب كله). إن "ملكوت الله ينزع" من هذا الشعب اللامؤمن الذي حكم على نفسه حين عارض يسوع ورذله. هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أنه سوف تُنزع منه الامتيازات والبركات التي اعتُرف لها به ووُعد بها لأنه حصّة الله الخاصّة وأرضه التي اختارها (خر 19: 5-6؛ تث 6:7؛ 14: 2؛ 18:26). لاشكّ في أن متّى رأى أن نعمة الله انتُزعت من الشعب الأول، بعد أن أدانته وعاقبته بدمار المدينة المقدسة وخسارة الاستقلال الوطني (مت 22: 7: أهلك أولئك القتلة، وأحرق مدينتهم). ولكن "الشعب" الذي احتلّ الآن موضع اسرائيل القديم، لم يعد مؤلفًا من واقع وطني لشعب من الشعوب، بل من وحدة روحية وتجمّع أناس يجعلون "ملكوت الله يعطي ثمرًا".
إن صورة الثمار تجعلنا نفهم أن متّى فكّر في الكنيسة. فهو يجعل مختلف خطب يسوع وأمثاله التي تستعمل هذه الصورة كإرشاد يوجّه إلى سامعين مسيحيين. في 7: 15-20 ضد الأنبياء الكذبة المسيحيين. "إحذروا من الأنبياء الكذبة... من ثمارهم تعرفونهم". وفي 13: 18-23 حول سامعي "كلمة الملكوت" الذين برهنوا على أنهم أرض جيّدة بالثمار التي حملوها. وفي 26:13-38 حول "أبناء الملكوت" ساعة تنزل على اسرائيل اللامؤمن لعنة العقم (21: 19: لا تكن فيك ثمرة إلى الأبد). فـ "الشعب" إذن هو شعب الله الحقيقي الذي يتكوّن حسب أوضاع جديدة: إنه يشمل الاعضاء المؤمئين بالمسيح: جاؤوا من اسرائيل أو انتموا إلى الأمم الوثنية فعادوا إلى الرب. ذكر متّى أش 42: 1-4 وأنهى الايراد بهذه العبارة: "وعلى اسمه تتكل الأمم" (مت 12: 21؛ رج آ 18: يعلن الحق للأمم الوثنية). ونقرأ في 24: 14: "سيبشّر بانجيل الملكوت هذا في المسكونة كلها، شهادة لجميع الأمم" (رج 25: 32؛ 19:28). إنها جماعة دينيّة محضة، ارتبطت بدم الله المراق من أجل كثيرين (26: 28)، والتأمت تلبية لنداء المرسلين، وتكوّنت بالمعمودية وسلوك التلاميذ (19:28: تلمذوا، عمّدوا). غير أنه يجب عليها أن تثمر بحياة أخلاقيّة وخصوصًا بمحبّة تجاه "الإخوة" والقريب، بل تجاه الاعداء (5: 43-48؛ 23:18-25؛ 25: 31-46).
وشعبُ الله الجديد هذا، هذه الجماعة الخاصة بيسوع (16: 19)، نفرّقها دومًا أبدًا تفريقًا واضحًا عن اسرائيل اللامؤمن الذي تشبَّث بشريعته القديمة و"ريائه" (5: 20-28: إن لم يزد برّكم على برّ الكتبة الفريسيين؟ 8: 10 ي؛ 7:15 ي؛ 21: 31-32؛ 22: 1- 10 23: 1 ي). ففي خطبة الويلات الكبرى (23: 1 ي)، تطلّع الانجيلي أيضًا إلى ظروف عصره (آ 7- 11، 34-36). بحيث إن هجوم يسوع العنيف على معلّمي الشريعة والفريسيين، يتوجّه أيضًا (في نظر الانجيل) على مستوى آخر ضدّ العالم اليهودي اللامؤمن في عصره. ونحن لا نفهم نظراته الايجابية حول الكنيسة إلاّ في ضوء هذا الجدال. لهذا نلخّص الفكر الأساسي في الانجيل الاول بهذه العبارة: "اسرائيل الحقيقي"، وإن كانت تسمية "اسرائيل" لا تظهر بوضوح بعد أن انتقلت بشكل صريح إلى شعب الله الجديد (19: 28).
ب- مسألة الشريعة
لهذا السبب تتّخذ مسألة الشريعة في متّى مدى واسعًا: و"الشريعة" التي تربط جماعة المسيح، هي شريعة المسيح التي تتجاوز الشريعة القديمة. هي شريعة أعلنها يسوعُ رسول الله الاسكاتولوجي (5: 17؛ رج 12؛ 41-42) بسلطانه السامي (مت 5-7). هي "تتمة" تاريخ الخلاص (5: 17-18)، وتجاوز له في ما يتضمّنه (5: 20: إن لم يزد برّكم). هي اتّساع كامل للشريعة القديمة بعد أن تأخذ على محمل الجدّ مشيئة الله (19:5؛ 7: 21)، ودون أن تتعلّق بحرفيّة الممارسات كالسبت وفرائض الطهارة.
إن شريعة المسيح هذه التي تتلخّص في وصية المسيح السامية (22: 40) تتوجّه إلى جميع الذين ينتظرون ملكوت الله، مهما كان أصلهم ومهما كانت هويتهم. إنها تتوجّه إلى الكنيسة كلها التي تكوّنت من اليهود والوثنيين. وإن يكن الفكر اليهودي مألوفًا لدى متّى الذي أخذ بعين الاعتبار بعض الأسئلة والاجوبة المتعلّقة بالمسيحيين المتهوّدين (5: 19-22، 19: 3-9؛ 23: 3-23). وإن يكن متّى في التصوّرات التي استعملها قد تكيّف مع هذا الخط من الفكر (البرّ، الكمال، ابن داود)، فهو لا يمثّل أبدًا مسيحية ضيّقة تعود بالمسيحية إلى اليهودية. فالأساس المشترك هو يسوع المسيح وابن الله. فيه وبه وحده تُعرف إرادة الله، وتتم بالطاعة له.
ج- طابع شامل
هنا يظهر بوضوح الطابع الشامل الذي ينسبه متّى إلى الكنيسة. ولكننا نجد أيضًا مقاطع تدلّ دلالة ساطعة على هذا الطابع. فكلمة يسوع الهامة على الدخول الحاشد للوثنيين إلى ملكوت الله في نهاية الازمنة، يربط متّى بمشهد ضابط كفرناحوم. كما يربطه بالعبارة التي يبرزها بشكل خاص: "لم أجد مثل هذا الايمان عند أحد في اسرائيل" (8: 10-12). نجد عند لوقا تهديدًا لليهود المعاصرين ليسوع، يتبعه إعلان ارتداد الوثنيين (لو 13: 28-29). أما عند متّى فنحن أمام وعد عام ينطلق من التأمل في الضابط الوثنيّ فيتضمّن تصريحًا يقول: إن "أبناء الملكوت" يطرحون في الظلمة البرّانية. وهكذا بدا الضابط علامة مليئة بالرجاء لمتّى وللوثنيّين الذين ارتدّوا إلى المسيح في أيامه.
ونجد أيضًا اعتبارًا له معناه في إيراد أش 42: 1-4 الذي دخل في مت 17:12- 21 (هوذا فتاي الذي اخترته... لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الساحات). فمع أننا أمام وصيّة بالصمت في آ 16 (رج آ 19)، فالافق ينفتح أيضًا على الأمم الوثنية التي "تجعل رجاءها في اسم (عبد الله)". قال النص العبري (أش 42: 4): "ستنتظر الجزر البعيدة شريعته". أما في نص السبعينية فنقرأ: "على اسمه تتكّل الأمم (الوثنية)". أسند متّى تفسيره الشموليّ (رج 18:13: الحقل هو العالم: 24: 14؛ 25: 13) على أشعيا الثاني المنفتح على رسالة (أش 42: 6؛ جعلتك مهدًا للشعب ونورًا للأمم). ودلّ في عرضه لنشاط يسوع على شعلة الرجاء التي تجد تتمتها في المهمّة التي سلّمها الرب القائم من الموت إلى رسله.
فالعلاقة التي تربط رسالة يسوع (وتلاميذه) باسرائيل، في زمن وجوده الأرضي، يوردها متّى ولا يغفلها (10: 5-6: إنطلقوا إلى الخراف الضالة في اسرائيل؛ 15: 24). وخطبة ارسال التلاميذ (ق 10) لا تتعارض مع كلام القائم من الموت حين أرسل التلاميذ إلى "جميع الأمم" (28: 19). فهذه الخطبة لا تشكّل "تعليمًا عن الرسالة". بل هي بالاحرى (ولا سيّما بعد آ 17: احذروا الناس. سيسلمونكم) خطبة حول "مصير التلاميذ"، وهذا ما يفترض بشكل غير مباشر (في آ 18: إلى الوثنيين) نشاطًا في المناطق الوثنية. فعمل الارسال الاحتفالي الذي قام به الرب الذي نال كل سلطان على العالم (18:28، 20) لا يرد فجأة، بل هو الذروة التي يتوجّه إليها الكتاب كله. هذا المشهد النهائي يتوافق مع ما يتمثّله هذا الانجيلي عن المسيح (27:11: لا يعرف الآب إلاّ الابن؛ 14: 33: أنت حقًا ابن الله؛ 16: 16؛ 27: 54)، كما مع الأهميّة التي ينسبها إلى التلاميذ (5: 13-16: أنتم ملح الأرضي، أنتم نور العالم). ويكشف وعيًا لدى الكنيسة التي لا يحدّ شموليّتها حدودٌ جوهري أو مرتبط بوضع من الاوضاع أو زمن من الازمنة.
د- بنية الكنيسة الداخلية
وإذا عدنا إلى بنية الكنيسة الداخليّة، كما يتمثّلها متّى، اكتشفنا ما سُمّي "قاعدة الجماعة" كما جمع عناصرها (أو وجدها مجموعة) الانجيلي الأول في 18: 1-20. نجد هنا إضمامة من المفاهيم. "الكنيسة" في آ 17. "الصغار الذين يؤمنون بي" (آ 6، 10). "أخوك" (آ 15). كما نجد نظرات هامّة بالنسبة إلى هذه المسألة: قدرة الله التي تفعل بواسطة الرسل (آ 18). حضور يسوع في وسطنا (آ 20). وضع الرؤساء وواجباتهم (آ 1-4: يصيرون مثل الطفل، 12- 14 والخروف الضال). كرامة الجماعة (آ 17: قل للكنيسة). جماعة الصلاة (آ 19). وها نحن نشدّد على بعض السمات المميّزة:
أولاً: إن الصورة الاساسيّة للكنيسة التي تسلّمها متّى حسب الكلمة الواردة في 16: 18-19 (أنت صخرة. سأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات)، قد بناها منطلقًا من تصوّره لشعب الله. لاشكّ في أن جماعة الله في الميثاق القديم، صارت حينذاك جماعة المسيح. غير أن الكرامة القديمة لشعب الله المختار تبقى مرتبطة بهذه الجماعة. وهذا واضح في النص الثاني الذي يذكر "الكنيسة" في 17:18: من لا يسمع للجماعة رُذل وبالتالي حُرم من شركة الخلاص. فإذا قابلنا مع هذا النص 24: 11-14 (وثوب العرس) الذي فيه يحضّ متّى البشر الذين تجاوبوا مع المرسلين ودخلوا أفواجًا في الكنيسة، على ألاّ يهملوا ثمار الحياة الاخلاقية، وعلى أن يكونوا "المختارين" الحقيقيين، إذا قابلناه قلنا إن الكنيسة هي في نظره الموضع الذي فيه يجتمع المختارون ويتكوّنون. الكنيسة هي وساطة الخلاص، وإن لم تكفل هذا الخلاص (إذا لم تثمر ثمار حياة أخلاقية). الكنيسة هي "موضع الخلاص". وهذا ما يثبته سلطان "الحل والربط" الذي أعطي على التوالي لسمعان بطرس (16: 19) وللاثني عشر (18: 18).
ثانيًا: كل هذا يتضمّن أن في الكنيسة سلطانًا منحه الله بالنسبة إلى الخلاص. وهذا السلطان الذي تحدّث عنه الانجيليون لا يُنسب إلى الجماعة في حدّ ذاتها بل يُعطى لأفراد محدّدين. وارتباطُ آ 18 مع آ 17، لا يفرض اطلاقًا أن تتوجّه الكلمة في آ 18 إلى الكنيسة في كليّتها. "قاعدة الجماعة" قد تكوّنت من عدّة أجزاء ارتبط بعضها ببعض حسب مبدأ "الكلمة المفتاح" (في آ 4 وآ 5 نجد كلمة "الطفل". في آ 7 وآ 8 نجد كلمة "الشكوك")، وانضمت بالنظر إلى المضمون (آ 10 وآ 12-13 مع آ 14 التي تكمّل). إن آ 15-17 تشكّل وحدة تامّة في ذاتها (الاصلاح الأخوي). وآ 18 مع "الحق أقول لكم" تبدأ توسّعًا جديدًا. فهي تتضمّن أيضًا تبدّلاً في الموضوع (من المخاطب المفرد "أنت" إلى المخاطب الجمع: ما تربطونه) واختلافًا على مستوى الفنّ الأدبي. إن آ 15-17 تشير إلى تصرّف محدّد. وتتضمّن آ 18 انتقال سلطة. لهذا فالأشخاص الذين تتوجّه إليهم الخطبة يُعرفون انطلاقًا من المضمون. وبما أننا أمام أشخاص كما في 18:16-19، نفهم أننا أمام حلقة من الأفراد المحدّدين. هم حسب الانجيلي (نجد السياق في 18: 1) التلاميذ الاثنا عشر (رج يو 23:20: من غفرتم خطاياه غفرت له). مقابل هذا، نتصوّر أن سلطة الكنيسة في 17:18 لا تكمن فقط في كرامتها كممثلّة لشعب الله، بل في القيادة التي يقدّمها أولئك الذين نالوا وكالة من الله. 
ثالثًا: ولكن "وظيفة القيادة" ليست منوطة فقط بالذين تسلّموا سلطة من يسوع، بل برعاة الجماعة أيضًا. فمثَل "النعجة الضالّة" الذي يصوّر في لو 3:15-7 حبّ الله للخاطئ وفرحته بعودة الضال، قد طبّقه مت 18: 12-14 على الاهتمام الذي يوجّه الرعاة إلى "واحد من هؤلاء الصغار". من الواضح أنه يوجَّه إلى "قوّاد" الجماعة الذين يُفرض عليهم الاهتمام بأصغر عضو في الجماعة، بالضعفاء، بالخطأة (آ 15-17). ولكن يجب أن نفترض أيضًا أن الحضّ على الاتضاع (آ 4: من وضع نفسه مثل هذا الطفل) الذي يختتم الخصومة حول المقاعد الأولى، هو مبدأ يعني تنظيم الجماعة كلها. إذن، لا يعني فقط "الاثني عشر"، بل كل الذين تسلّموا مهمّة القيادة، مع رتبة مميّزة في الجماعة، ومتطلّبة الخدمة مع ما فيها من مقارنة (نصير مثل طفل) تصله في جميع الحالات التي فيها يريد الواحد أن يكون "عظيمًا" في الكنيسة (رج 26:20 ي). ففي السؤال "من هو الأعظم في ملكوت السماوات" (آ 1)، كانت عبارة "ملكوت السماوات" زيادة ضمّها متّى إلى مشهد الخصومة حول الرتبة والمركز كما ترد في مرقس (9: 34) ولوقا (9: 46؛ 24: 22). من يحقّ له أن يكون الأول، أن يكون له مركز الصدارة في الجماعة؟ وهذا ما يتوجّه إلينا نحن أيضًا. هذا لا يعني أن هناك تعادلاً بين الكنيسة و"ملكوت الله". لهذا نقول انطلاقًا من هذا المقطع إن الكنيسة هي المدخل وموضع الثمر وصورة عن الملكوت المقبل (5: 19). ومهما يكن من أمر، فإن متّى عرف بوجود وظائف القيادة والمهمّات التراتبية في الجماعة. أخذ بها، ولكنه أخضعها كلها لشريعة الخدمة والمسؤوليّة أمام الربّ (24: 45- 51؛ 25: 14- 30).
رابعًا: إن العيوب وإمكانية الخطأ الخاصّة بالانسان، تظهر حتى في قلب كنيسة المسيح، وهذا ما يعرفه متّى. ولهذا فهو يحذّر من "الشكوك" (والمعاثر) التي تحصل في الكنيسة. ونحن نفهم الكلمة الهائلة في آ 6-7 (يعلّق بعنقه رحى الحمار ويزّج في أعماق البحر) عن الشكوك داخل الجماعة في علاقة مع "قاعدة الجماعة". كما نفهم التحريض الموجّه إلى رعاة الكنيسة بأن يحموا المؤمنين البسطاء من هذه المخاطر، من أين أتت. وقول لو 17: 1ي (الويل لمن تقع على يده الشكوك) نفهمه أيضًا تحذيرًا إلى التلاميذ أنفسهم. هنا تنتهي المقطوعة عن الأخ الذي خطئ فوجب علينا أن نغفر له (آ 2). فهذا الأخ في مت 18: 15- 17 قد تحوّل: فمعاملة الأخ المخطئ (ضدّ روح الجماعة) تتضمّن ثلاث درجات (حسب الممارسة اليهودية. في المغارة الأولى في قمران): بينك وبينه. خد معك واحدًا أو اثنين. قل للكنيسة. ونذكر هنا أيضًا تطبيق القول الوارد في 7: 15- 19 (الأنبياء الكذبة هم مسيحيون يعلّمون تعليمًا ضالاً) على حياة الكنيسة الداخليّة. كما نذكر 7: 22-23 وصانعي المعجزات الذين كانت أعمالهم رديئة. كما نذكر مثَل الزؤان (13: 24-30، 36-42) ومثَل الشبكة (47:13-50) التي جمعت سمكًا من كل جنس، جمعت الجيّد والرديء.
خامسًا: وفي الوقت عينه، الكنيسة متأكّدة من حضور ربّها في شكلين اثنين (نضع جانبًا الحضور الافخارستي): هناك حضور سريّ للرب، نحصل عليه بواسطة الصلاة الجماعية (آ 19): "إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه، فهو في وسطهم" (آ 20). ثم إن الرب القائم من الموت يعد تلاميذه بأنه يكون "بقربهم" أو بالأحرى "معهم" كل الأيام وحتى "انقضاء الدهر" (28: 20). بهذه الصورة وعَدَهم بعون نعمته. هو يقودهم ويحميهم ويساعدهم بقدرته الفاعلة. فحضور الرب في سر الليتورجيا وفي نشاطه المتواصل يشكّل ينبوع قوّة وعزاء وشجاعة. والكنيسة متأكدة من ثباتها ونموّها (16: 19) إلى "أن يأتي ابن الانسان في مجد أبيه مع ملائكته" (16: 27).

خاتمة
تحدّثنا عن نظرة لوقا ومتّى إلى الكنيسة وتركنا يوحنا الذي يبدو في إنجيله ورسائله وكأنه لا يعرف الكنيسة كواقع لاهوتي. الذي يبدو مشدّدًا على الكرستولوجيا، على شخص يسوع المسيح وعلاقتنا الفردية معه. ولكن حياة الجماعة التي يمثّلها الكاتب هي حياة أبناء الله العائشين من حضور الروح، المقدّسين بالأسرار والممارسين المحبّة الاخوية التي هي علامة لحضور المسيح في العالم. وتركنا مرقس الذي يبدو انجيله انجيلاً كنسيًا وإن لم ترد لفظة "كنيسة" عنده كما عند متى. ولكن قراءة سريعة تجعلنا نقسمه ست قسمات. في الأولى: دعوة الكنيسة. وفي الثانية: تأسيس الكنيسة. والثالثة: رسالة الكنيسة. والرابعة: اعتراف الكنيسة. والخامسة: انتصار المسيح. والسادسة: آلام المسيح والكنيسة. لاشكّ في أن مرقس، شأنه شأن الرسل، حاول أن يعطي في انجيله شهادة عن حياة يسوع وأعماله وأقواله. ولكنه قرأ حياة المسيح في كنيسة عصره. وجعل مشاكل جماعته أمام هذا "المعلّم" الذي تكلّم كما لم يتكلّم أحدٌ من الناس، وسار على الأرض وهو يعمل الخير.
الفصل السادس عشر
ملكوت الله
في إنجيل مرقس وإنجيل متّى

لو تساءلنا ما هو الموضوع الأساسيّ في الأناجيل؟ لأجاب البعض: المحبّة. ولكن يبدو أن موضوع الملكوت هو الذي يشرف على الأناجيل منذ البداية إلى النهاية. ففي البداية هتف يوحنا المعمدان ومثله يسوع: "ملكوت الله قريب". وفي النهاية كُتب على صليب يسوع أنه "ملك"، وكانت الكتابة باللغات الثلاث المحكيّة في عالم البحر المتوسّط وما يحيط به، أي بالآراميّة واللاتينيّة واليونانيّة. قرأها الجميع فعرف أو لم يعرف أن يسوع هو الملك وقد جاء يعلن ملكوت الله للبشر.
فما هو ملكوت الله؟ لا نجد جوابًا مباشرًا عن هذا السؤال، كما لا نجد تحديدًا دقيقًا له. فيسوع يتحدّث عنه كأنه واقع معروف. يعلن اقترابه، ويلمّح إلى بعض وجهاته بالأمثال، يسلّم مفاتيحه إلى بطرس، يعدّد الشروط التي تتيح لنا دخوله. ولكن مع كل ذلك، لا نستطيع أن ندركه كمدلول نحدّده ونحيط به.
إحدى التساؤلات الكبرى التي تُطرح في شأن الملكوت هي مسألة الزمن: متى يأتي الملكوت؟ هل نستطيع أن ندخله؟ هل يتحدّث عنه يسوع كواقع حاضر منذ الآن، كواقع نستطيع أن ننعم به اليوم، أم هو موجود في الرجاء؟ نسارع إلى القول: من جهة، ملكوت الله حاضر منذ الآن، ونحن نسمع من فم يسوع: "إن ملكوت الله لا يجيء بوجه منظور. ولن يقال: هو هنا، أو: هو هناك. فها إن ملكوت الله في داخلكم" (لو 17: 20- 21). وفي حالات أخرى، ينتمي الملكوت إلى مستقبل بعيد بعض البُعد. إنه ليس بعدُ هنا. فقد أعلن يسوع لتلاميذه في عظة الجبل: "ليس كان من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السماوات" (مت 7: 21). متى ستُعمل إرادة الآب في كمالها؟ في نهاية الزمن. وهكذا يكون الملكوت موضوع انتظار. لا نستطيع أن ندرك وجهته الزمنيّة، كما لا نستطيع أن ندرك مضمونه إدراكًا تامًا. يبقى علينا أن ندخل إلى النصوص ونبدأ بالتعرّف إلى هذا الواقع الذي حدّثنا عنه يسوع مرارًا. نبدأ ولكننا لا ننتهي. لهذا نكتفي هنا بقراءة نصوص مرقس ومتى، ونترك إلى أكثرهن مقال لاحق ما يتعلّق ببولس ولوقا ويوحنا.

1- ملكوت الله عند مرقس
يتحدّث إنجيل مرقس 14 مرّة عن ملكوت الله. فأوّل مرّة فتح يسوع فاه، أعلن اقتراب الملكوت (1: 14-15). استعاد الانجيليّ العبارة فربطها بأقوال تلفّظ بها يسوع. وفي المرّة الأخيرة نتعرّف إلى يوسف الرامي، ذلك التلميذ الذي "كان ينتظر ملكوت الله" (43:15). إنه يمثّل الرسل بشكل خاص بعد القيامة، ويمثّل كل واحد منا.
ونبدأ مسيرتنا مع النصوص المرقسيّة.
أ- الاعلان الأول
بعد أن تعمّد يسوع على نهر الاردن، ذهب إلى البريّة حيث جربّه الشيطان. عند ذاك بدأت بشارته في الجليل: "لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالانجيل" (1: 15). لقد تمّ الزمان، وهو يتواصل ويستمرّ. هذا يعني أن شيئًا محدّدًا قد حصل على المستوى الزمنيّ، غير أن نتائجه لم تنته. اقترب ملكوت الله، وما زال قريبًا منّا اليوم، أي ساعة كتب مرقس، وساعة نقرأ نحن. ما معنى هذا الاقتراب الذي لا يعود مرقس يتحدّث عنه في إنجيله؟ قد نرى فيه إشارة زمنيّة تكمّل الجملة السابقة: إن تتمّة الزمان ترافق ظهورًا ساطعًا لملكوت الله الذي ننتظره في مستقبل قريب.
هذا على مستوى الزمان. وقد نقف على مستوى المكان: اقترب ملكوت الله فصار مساحة يسهل علينا الاقتراب منها، أو تكون في متناولنا. يكفي أن نبدأ مسيرتنا لكي ندركها. في هذا المجال نفهم كلمة يسوع لذلك الكاتب الذي يدلّ على أنه فهم الشريعة. قال له: "لستَ بعيدًا عن ملكوت الله" (12: 34). كيف نكون قريبين من هذا الملكوت؟ هناك نداءان: توبوا، وآمنوا بالانجيل، "إنجيل يسوع المسيح" (مر 1: 1). هذا يعني أن كل ما نستطيع أن نقوله عن الملكوت لا يقابل الواقع في شيء إن لم يتجاوب المؤمنُ مع النداء الذي وصل إليه. فالله قد حقّق ملكوته على المستوى الزمنيّ. سبق وحقّقه. ولكن الله لا يعمل مكان الانسان. فما يجب أن يتحقّق بعدُ، يرتبط بكل واحد منا. هناك انشداد بين ما يفعله الله وما يفعله الانسان. وفي الشرارة التي تتفجّر من هذين القطبين يظهر ملكوت الله. أجل، بدأ ملكوت الله مع المسيح. ونحن نعيش فيه بإيماننا وتوبتنا، بانتظار كماله مع مجيء المسيح.
ب- أمثال الملكوت
ونبدأ بمثل الزارع (3:4-9). لم يفهمه التلاميذ. حينئذ قال لهم يسوع: "أنتم قد أوتيتم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله. وأما أولئك الذين في الخارج (خارج الكنيسة، لم يؤمنوا بعد)، فكل شيء لهم بأمثال" (4: 11). سار الاثنا عشر على خطى يسوع، وإليهم توجهت كلمات تساعدهم على الانطلاق في مغامرة الايمان. أما الذين استبعدوا نفوسهم، لا مبالاة أو رفضًا، فلا يسمعون إلا خطبة ملغزة تبقيهم في الخارج.
بعد ذلك نقرأ مثل الزرع النابت من ذاته: "مثل ملكوت الله كمثل انسان ألقى الزرع في الأرض. فسواء نام أم استيقظ في الليل وفي النهار، فالزرع ينبت وينمو، ولا يدري كيف. فالأرض من ذاتها تثمر، تخرج الساق أولاً، ثم السنبلة، ثم الحنطة ملء السنبلة، فإذا أدرك الثمر أعمل فيه المنجل في الحال، لأن الحصاد جاء" (4: 26-29).
يصوّر النصّ هنا مسيرة تبدأ بالزرع وتنتهي بالحصاد. يرينا المزارع، الأرض، الزرع، النبات الذي سيُحصد. وأول شيء نلاحظه أننا لا نجد صورة عن ملكوت الله في أيّ من هذه العناصر. كما لا يشدّد النصّ على وقت من الأوقات. فالأوقات كلها مهمّة. والعناصر أيضًا. فملكوت الله لا يُقابل مع شخص أو مع شيء، أو مع وضع جامد. إنه صيرورة. إنه عمل مستمرّ، بدأ ولم ينته بعد. لا نستطيع أن ندلّ عليه باصبعنا. هو تطوّر وتحوّل. بدأ في الماضي ونحن نتأمّله في عبوره، في نموّه. فمن له عينان لا تريان، وأذنان لا تسمعان، لن يكتشفه (4: 12). هذا الملكوت هو حاضر في الكنيسة وإن كان أوسع من الكنيسة لأنه سيعمّ العالم كله.
ما الذي أراد الانجيل أن يشدّد عليه في هذا المثل؟ يشدّد على الحالات المتعاقبة التي يمرّ فيها الزرع دون أن تكون هناك حاجة إلى تدخّل بشريّ بين الزرع والحصاد. فالأرض تحمل نشاطها في ذاتها (4: 28). لا حاجة لأن نحمل السلاح ضد المحتلّ، كما أراد الغيورون أن يفعلوا لكي نقيم ملكوت الله. غير أننا لا نستطيع أن نهمل ما قيل عن الفلاّح (27:4): تتعاقب الليالي والنهارات، ويأتي النوم بعد اليقظة، وهو جاهل لما يحدث. وفي وقت الحصاد، يعود فيتدخّل من جديد. هكذا ينكشف تعارضان تُبنى عليهما ديناميّة ملكوت الله: تعارض بين نشاط الأرض ولانشاط الانسان وجموده. بين جهل الانسان وعمل الأرض. لا شكّ في أن الانسان يعمل من أجل هذا الملكوت، من أجل بقاء عالم المحبة. ولكن الله هو الذي يكلّل هذا العمل في النهاية.
وهناك تفسير آخر من النمط الاستعاري، يقال فيه أن الانسان يزرع، ينام ويقوم. وهو أيضًا ذلك الذي يحصد. والحصاد، في تقليد العهد الجديد، يدلّ على الدينونة. ومن هو الحاصد؟ هو ابن الانسان الذي يُشرف على الدينونة، فيرسل ملائكته لكي يميّزوا بين الأشرار والأخيار (مت 13: 40-42). أما النوم فهو صورة عن الموت. والقيام والنهوض يدلاّن على القيامة. وهكذا نكون أمام تاريخ الخلاص. رمى الانسان (يسوع) الزرع (الكلمة، 4: 14). نام (مات على الصليب) وقام (من القبر). وتوالت الأيام والليالي، والزرع (الكلمة) يحمل ثمرًا بعد القيامة دون أن يتدخّل الانسان أو يعرف متى تكون النهاية (13: 32). ولكن حين ينضج الثمر يتدخّل الربّ من جديد للحصاد (للدينونة). يتدخّل ليجعل عمل كل واحد منا في ملء نور الملكوت.
هكذا يتمّ تاريخ العالم في الحقبة الزمنيّة التي تفصل الكرازة بالانجيل عن الدينونة الأخيرة. يتواصل نموّ الكلمة وسط البشر، مع أن يسوع، زارع الانجيل، لا يبدي نشاطًا منظورًا وسط أخصّائه. فغيابه يتوافق مع العمل الانجيليّ، وإن لم يكن هنا لكي يتمّه. في هذا الاطار، لم نعد أمام لانشاط الانسان أو التلميذ، بل لانشاط المسيح الممجّد الذي "عُلِّق" عمله. حينئذ تصبح الأرض التي فيها تنمو الكلمة، البشريّةَ أو جماعةَ التلاميذ. تتحرّك الأمور على الأرض، ويبدو كل شيء في مكانه. هكذا يبدو ملكوت الله من الخارج. أما في الداخل، فالبناء يتواصل من خلال انتشار الكنيسة وحياة المؤمنين في إطار مشيئة الله.
ويرد مثل حبّة الخردل (4: 30-32)، فيعارض بين صغر البذار المزروع وقامة الشجرة التي تخرج منه. واقع فيه الكثير من التعارض، وهو يقدّم لنا صورة عن ملكوت الله. وهكذا بدا الملكوت واقعًا يسير مسيرته. فنحن لا نستطيع أن نجمّده في لحظة كما في صورة سينمائيّة. إنه مفتوح على امكانيّات عديدة. ولكن المهمّ هو أننا نحن معنيّون بظهوره وعمله.
ج- الدخول إلى الملكوت
بعد اعتراف قيصريّة فيلبس "أنت المسيح" والإنباء الأول بالآلام (8: 27- 33)، تتبدّل اللهجة في إنجيل مرقس. فنظرة يسوع إلى موته القريب تعطي الخبر لونًا مأساويًا. فآلام التلاميذ تُذكر مع آلام معلّمهم وابن الانسان الذي سيأتي ليدين العالم في نهاية الأزمنة. سيُقسم التلاميذ قسمين: أولئك الذين قبلوا أن يسيروا المسيرة الفصحيّة أي الموت والقيامة، وأولئك الذين رفضوا (8: 38: "من يستحي بي وبكلامي"). لا بدّ من مجيء الملكوت حتى وإن كنّا لا نعرف متى يأتي، ولا نعرف من يكون شاهدًا له.
كيف يتمّ الدخول إلى ملكوت الله؟ هناك شروط خلُقيّة. فالذين تجرّهم يدهم أو رجلهم أو عينهم إلى الخطيئة يُرمون في "جهنم" (9: 47)، لا يدخلون الملكوت. فهذا الملكوت يخصّ الذين يُشبهون الاطفال. يجب أن نتقبّله لكي نستطيع الدخول إليه (13:10-16). أما الأغنياء فيصعب عليهم الدخول بسبب هذه الأموال التي تُربكهم فتمنعهم من التحرّك.
ويقدّم لنا الانجيلي عبارة تقابل "الدخول إلى ملكوت الله". هي الدخول إلى الحياة، وهي تعارض "الطرح في جهنم" (43:9، 45): "خير لك أن تدخل الحياة وأنت أقطع من أن تذهب، ولك يدان، إلى جهنم". جهنم هي موضع محدّد، واد يقع جنوبيّ أورشليم وفيها تُحرق "زبالة" المدينة برائحة لا تُطاق. أما ملكوت الله فيشبه جنّة النعيم، وإن لم تكن مكانًا بالمعنى الحصري للكلمة. نحن هنا في عالم الرمز: هلاك وتعب في جهنم، سعادة وخلاص وحياة في ملكوت الله مع الذي هو الحياة. الخلاص عطيّة من الله، ولكن الانسان يستعدّ لكي يتقبّلها أو يرفضها.

2- ملكوت السماوات عند متّى
جاء إنجيل متى بعد إنجيل مرقس فاستفاد من سابقه. غير أنه قلّما يتحدّث عن ملكوت الله (28:12؛ 19: 24؛ 21: 31، 43)، بل يقول: "ملكوت السماوات". المعنى هو هو، ولكن العالم اليهودي يتحاشى ذكر اسم الله احترامًا، فيقول "السماء" بدل "الله". ويتميّز متّى أيضًا عن مرقس حين يُبرز البُعد الاسكاتولوجي في مدلول الملكوت. فهو يربطه بابن الانسان (13: 41؛ 16: 28) أو بالمسيح الممجّد.
وإذ يقدّم مُلك يسوع كواقع مقبل لم يتحقّق بعد، فهو يأخذ كثافته منذ بداية حياته على الأرض، بل قبل أن يبدأ كرازته. فمنذ الآية الاولى نقرأ عن يسوع أنه "ابن داود" (1: 1)، إذن، هو ملك. وحين جاء المجوس إلى الملك هيرودس لكي يستعلموا عن الطفل، طرحوا سؤالهم: "أين هو ملك اليهود الذي وُلد" (2: 2)؟ انتظر مرقس بداية الأحداث المرتبطة بالآلام القريبة، ليظهر وضع يسوع الملوكيّ، أما عند متى، فقد عُرف هذا الملك منذ بداية الخبر.
وقد أراد متّى أن يفتح الملكوت إلى أبعد من إطار كرازة يسوع، فبدأ يعلنه بشكل احتفاليّ بفم يوحنا المعمدان: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات" (3: 2). وبعد ذلك يقول يسوع للاثني عشر. "وفي الطريق بشّروا قائلين: لقد اقترب ملكوت السماوات" (10: 7). إن اعلان الملكوت سبق كرازة يسوع وجاء بعده، فامتدّ في مساحة زمنيّة لم يعرفها مرقس. وهذا الاعلان ليس خاصًا بيسوع، فقد قام به يوحنا المعمدان والاثنا عشر. ومن خلالهم، ينبغي على التلاميذ في كل عصر أن يعلنوا أن ملكوت الله قريب.
أ- ملكوت يمتدّ على العصور
إن الملكوت هُيّئ للأبرار "منذ إنشاء العالم" (25: 34). والحديث عنه كموضوع ميراث نهائيّ لهم، قد استعاده متّى في خطى بولس الرسول في لوحة الدينونة الأخيرة. نحن أمام واقع أبديّ يسميه متّى "مُلك الآب" (43:13؛ 29:26).
ولكن في تاريخ الخلاص، قد سُلّمت مسؤوليّةُ الملكوت أولاً إلى بني اسرائيل. فيسمّي الانجيلي الأول الشعب المختار "أبناء الملكوت" تجاه الوثنيين الذين "يأتون من المشرق والمغرب ليتّكئوا في الملكوت مع ابراهيم واسحاق ويعقوب" (8: 11-12). وإذ يفسّر يسوع مثل الكرّامين القتلة، يعلن لعظماء الكهنة والشيوخ الذين جاؤوا يسمعونه: "سيؤخذ منكم ملكوت الله ويُدفع لشعب يعطي ثمرًا" (43:21). هذه الآية التي تعلن انتقالاً من شعب الله في العهد القديم إلى الكنيسة، تعبّر في الوقت عينه عمّا كان عليه الوضع قبل آلام يسوع.
هناك مرحلة أولى في تاريخ الخلاص، مرحلة الأزمنة البيبليّة حيث سُلّم الملكوت إلى بني اسرائيل، كما سُلّمت كرمة الرب إلى الكرّامين الذين كُلّفوا باستثمارها. مسؤولية كبيرة وُضعت على عاتقهم، ولكنهم لم يقوموا بها. فالكتبة والفريسيون الذين طُلب منهم أن يفتحوا أمام الناس الطريق إلى ملكوت السماوات، قد أغلقوا هذه الطريق: "ما دخلوا هم ولا تركوا الآخرين يدخلون" (23: 13).
حينئذ أقام الله داود جديدًا: هو يسوع الذي وُلد في بيت لحم فاستحقّ لقب "ملك اليهود" (2: 2)، لا هيرودس. أما مهمّته التي تصوّرها التيّار الفريسي الذي انتظر مجيئه، فهي إقامة نظام جديد على العدالة واحترام شريعة الله. في هذا المجال قال يسوع لتلاميذه: "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذا كله يُزاد لكم" (6: 33).
لو سارت الأمور حسب منطق الانجيل الأول، لنجحت محاولة يسوع. ولكن اليهود عارضوه معارضة لا رجوع عنها. رُفض الملك وقُتل بمؤامرة من أخصائّه، واستخلص الله النتائج: انتقل الميراث من بني اسرائيل إلى العالم الوثنيّ. في هذا الإطار نقرأ مثل عمّال الساعة الأخيرة الخاص بمتّى (20: 1- 16). فالعمّال الذين استأجرهم ربّ البيت في بداية النهار هم الشعب اليهوديّ. لم يرضوا أن ينعم الذين جاؤوا بعدهم، أي الوثنيون، بالامتيازات ذاتها التي هي لهم، فرُفضوا. ولكن رب البيت يذهب إلى أبعد من هذا فيقول: "الأولون يصيرون آخرين، والآخرون أولين" (20: 16).
وأعطى يسوع أيضًا ثلاثة أمثال: مثل الابنين، ومثل العمّال القتلة، ومثل المدعوّين إلى العرس. في الأول، نجد ابنًا يقول نعم بشفتيه ولا يذهب إلى الكرم. إنه يمثّل رؤساء اليهود الذين ينسب إليهم متّى طاعة شكليّة. والذي بدأ ورفض دعوة أبيه، ولكنه ندم وقضى يومه في الكرم، يمثّل الخطأة والنجسين. كما يمثِّل الوثنيين. وفي المثل الثالث تحدّث يسوع عن ملك هو الله يقيم عرسًا (الأعراس المسيحانيّة) لابنه يسوع. فالخدم الذين كُلّفوا بحمل الدعوة يلقون المعاملة السيّئة وهذا ما قاساه مرسلو الانجيل. فأهلك الملكُ المدعويّن الأولين أي اليهود، وأحرقت مدينتهم أورشليم سنة 70. فاعتُبر دمار المدينة عقابًا من الله. وهكذا تنتهي المهمّة التاريخيّة للشعب اليهوديّ مع هذه الأحداث المأساويّة، بعد أن رفضوا الملك الذي قُدّم لهم.
ما الذي نستنتج من هذه الأمثال؟ صورة عن تاريخ الخلاص: نداء اسرائيل، ورفضه للمسيح وعقابه، وانتقاله الدعوة إلى آخرين، والواقع الذي يقول إن الانتماء إلى اسرائيل، شأنه شأن الانتماء إلى الكنيسة، لا يكفل الدخول إلى الملكوت إن لم نتجاوب مع ندائه. فالملكوت له وجه أخلاقيّ، والتعرّف إلى مملكة يسوع يجب أن يرافقه تصرّف ملموس يدلّ على صدقنا، فلا نكون مثل الابن الأكبر الذي أرسله والده إلى الكرم، فقال نعم ولكنه لم يذهب. فجاء كلامُ يسوع قاسيًا: "إن العشّارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله" (21: 31).
ب- تجليّات الملكوت
حين نقرأ الانجيل الأول نجد أن حياة يسوع هي إظهار لملكوت السماوات. فقد جعلنا "ملك اليهود" بأقواله وأعماله وكل كيانه نرى واقعًا لا نراه ولا ندركه. يكفي أن ننظر إلى يسوع لنستشفّ حقيقة الملكوت. فظهور القائم من الموت على جبل في الجليل، موضع اللقاء، مع الأحد عشر، هو ظهور ملوكيّ. سلطانه يعمّ السماء والأرض (28: 16-20). إن متّى، شأنه شأن سائر الانجيليين، يقرأ حياة يسوع على ضوء قيامته. فكأننا في قصر سماويّ تبرز أنواره من خلال رسالة يسوع.
أولاً: البداية
بعد العماد في الاردن، رفض يسوع بشكل واضح، في مشهد التجربة، أن يجعل نفسه في خدمة مملكة الشيطان (4: 1- 11). صوّر بدايات الكرازة الانجيليّة في ثلاث محطّات جليليّة: الإقامة في الجليل وإعلان الملكوت، دعوة التلاميذ الأربعة الأوّلين، إعلان الملكوت والأشفية الأولى. لقد قدّم يسوع تعليمه، وموضوعه هو الملكوت: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات" (17:4). "كان يطوف في الجليل... ويبشّر بانجيل الملكوت" (23:4؛ 35:9؛ 14:24).
العبارة الأولى كان قد قالها يوحنا المعمدان (3: 2). ولكن الإطار يختلف تمامًا. كرز يوحنا في بريّة يهوذا، في موضع منعزل. أما يسوع فأقام على شاطئ البحر، وهو الطريق إلى الأراضي البعيدة، في زبولون ونفتالي، في "جليل الأمم الوثنيّة". هناك نجد اليهود والوثنيين، وإلى هناك يذهب يسوع فيقوم برسالة شاملة على ما يقول أشعيا: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا (أش 8: 23؛ 9: 1). فاقتراب ملكوت السماوات الذي يعلنه يسوع، قد صار منظورًا بهذا النور الذي يفجّر حدود الجليل الصغير إلى أقاصي الأرض. لاشكّ في أننا، إذا أردنا أن نرى، يجب أن نرتدّ ونتوب. فمن يقبل بهذا الواقع يصل إلى رؤية تتعدّى جميع الظواهر التي يتخيّلها.
وتأتي الدرفة الاخيرة في هذه الشعبة الانجيليّة كأول علامات بشرية لهذا الوقع الكونيّ: إذ يعلن يسوع إنجيل الملكوت، فهو يشفي (4: 23-25). ويعدّد النص كل أنواع المرضى من مفلوجين ومتشيطنين ومصابين بداء الصرع. فملكوت السماوات ترافقه سعادةُ الانسان.
ثانيًا: علامات الملكوت
المعجزات هي علامات الملكوت، وهي تدلّ على أن الذي يجترحها هو المسيح. فالنشاط المسيحانيّ يدلّ على الملكوت، وهذا ما يبرزه الانجيليّ حين يكرّر لقب "ابن داود" في عدد من أخبار المعجزات (9: 27- 31؛ 15: 21- 28؛ 29:20-34).
نقرأ في الانجيل الأول، كما في والثالث، مقطعًا فيه يُرسل يوحنا المعمدان بعض تلاميذه إلى يسوع: "هل أنت هو الآتي..."؟ فأجابهم: "إذهبوا وأعلموا يوحنا بما سمعتم ورأيتم: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون، وطوبى لمن لا يشكّ فيّ" (مت 11: 4-5؛ لو 7: 22-23). فإعلان الانجيل للذين ينتظرونه، يترافق مع الآيات التي تواكبه.
وتنضمّ التقسيمات، أي طرد الشياطين، إلى المعجزات، فتدلّ على تجلّي الملكوت. وقد اتّهم الفريسيون يسوع بأنه يتعامل مع بعل زبول رئيس الشياطين، فقال: "إن كنت أنا ببعل زبول أخرج الشياطين، فأبناؤكم أنتم بمن يخرجونهم؟... وأما إن كنت بروح الله... فذلك أن ملكوت الله قد انتهى إليكم" (27:12-28). يبقى على "المشاهدين" الذين لم يصلوا إلى درجة العمى، أن يتميّزوا ما أعطي لهم أن يروه.
ثالثًا: اختيار ملكوت الله
قبل أن نتحدّث عن الدينونة التي تتمِّ في نهاية الأزمنة، بدأ الناس يتّخذون موقفًا بالنسبة إلى يسوع. وهذا ما نجده منذ أن اجتمع الفريسيون من أجل مخطّط يُزيل هذا النبيّ الذي "يزعجهم". برمجوا كل شيء، فجاءت الخيارات جذريّة، ولم يعد بالامكان التوقّف عند أنصاف الحلول.
ونجد هذه الجذريّة في خطبة الامثال (13: 1-52). فالزرع الملقى في الأرض يسمّى "كلمة الملكوت" (13: 19). وهو يكشف طبيعة الأرض التي تستقبله. هناك حقول لا تعطي ثمرًا: قارعة الطريق، أرض صخريّة، بين الشوك. وحدها الأرض الطيّبة تقبّلت كلمة الملكوت فحملت الثمار الوافرة: "مئة، ستين، ثلاثين" (18:13).
وترد سائر الامثال: الزؤان، حبّة الخردل، الخمير، الكنز، اللؤلؤة، الشبكة. هي أمثال الملكوت. "يشبه ملكوت السماوات". ومثل الزؤان يقدّم صورة لافتة عن هذا الملكوت: الحنطة والزؤان، انتظار الحصاد للتفريق بين الحنطة والزؤان. مصير الحنطة والزؤان في النهاية: "إجمعوا أولاً الزؤان واربطوه حزمًا ليُحرق. أما الحنطة فاجمعوها إلى أهرائي" (13: 30). ويفسَّر المثل: الزرع الجيّد هم أبناء الملكوت. والزؤان يدلّ على أبناء الشرّير. وفي ساعة الدينونة، يلقي ابن الانسان الزؤان خارج ملكوته: "أما الأبرار فيشعّون كالشمس في ملكوت أبيهم" (13: 41-43). إن التقارب بين المثل وتفسيره، يدعونا إلى القول إن الملكوت هو هذا الواقع اللامنظور والاسكاتولوجي الذي يُدعى إليه جميع البشر والذي لا يدخله إلاّ الأبرار. وظهوره في هذا العالم، هو لوحة منظورة عن عالم يصير وينمو، حيث يعيش الأشرار بجانب الأخيار، فيُبرز خيارُ الفئة الأولى عظمةَ خيار الفئة الثانية. فالتلاميذ ليسوا قدّيسين ولا أبطالاً، وخيارهم يبدو صالحًا حين نقابله بخيار خصوم يسوع. وهذا ما يدلّ على الملكوت، كما دلّ عليه عمل يسوع في أشفيته، بمعنى أن الصحة هي علامة الملكوت لأنها خروج من المرض.
ولكن يأتي زمن يتحوّل فيه هذا الوضع. فالعالم الحاضر، الملتبس، الذي يدلّ دلالة عابرة على واقع دائم يتجاوز الزمان والمكان، هو موضع للمختارين، وموضع للهالكين، هذا العالم يزول من أجل عالم آخر يتنظّم حول ابن الانسان (13: 41؛ 28:16؛ 20: 21). ويتحدّث النصّ عن هذا العالم مستعينًا بصور تقدر وحدها أن تصوّر ما لا يصوَّر.
رابعًا: الملكوت والدينونة
يقدّم لنا المثلُ الأخير من الفصل 13، لا صورة آنيّة عن ملكوت السماوات، بل "صورة" عمّا سيكونه في المستقبل وساعة الدينونة. هكذا سيكون ظهوره الأخير: "يشبه ملكوت السماوات شبكة كبيرة ألقيت في البحر..." (13: 47-52). يشدّد هذا المثل لا على واقع العالم قبل الدينونة، بل على الدينونة نفسها التي هي آخر فصل في ظهور الملكوت. فيرسم موضعَ إقامة الأبرار بشكل مصوّر من خلال الأوعية التي تضمّ "الجيّد" لا الرديء. أما مصير الهالكين فيقال عنهم: "يُرمون خارجًا".
إذ أراد الانجيليّ أن يصوّر الدينونة كمرحلة في ملكوت السماوات، عاد إلى الصور التقليديّة في العالم اليهوديّ، وهذا ما أعطى المثل شكلاً خاصًا. لم يعد صورةً متأخّرة عن الواقع مع صور لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بهذا الواقع المصوَّر: الزرع هو الكلمة، الشوك يدلّ على الغنى... بل مزج الحديثَ الحقيقيّ بالحديث الرمزي. فالسلّة التي وُضع فيها الأخيار لا تعارض البحر أو الصخور حيث تُرمى السمكات الرديئة، بل أتّون النار والبكاء وصريف الأسنان. وما نلاحظه هو غياب لفظة "سمكة" في النصّ. فالحديث يدور حول "الشبكة" التي تجمع "من كل جنس". قد تجمع سمكًا جيّدًا، وقد تجمع أناسًا أخيارًا.
مقابل هذا، لا حديث عن الدينونة في السؤال الذي طُرح على التلاميذ، وتفسير يسوع حول الكاتب الذي صار تلميذًا في ملكوت السماوات. هذا الحوار القصير يختتم مجموعة الامثال التي نقرأها في ف 13. والملكوت الذي كان موضوع الحديث له بُعد آنيّ. ما هو الكنز؟ كنز الكتاب المقدس؟ كنز تعليم يسوع؟ كنز تعليم الكتبة؟
وهناك مثل الدائن الذي لا شفقة في قلبه (23:18-35)، الذي يشير إلى الدينونة الاسكاتولوجيّة. وفي الحوار بين يسوع والتلاميذ بعد لقائه مع الغنيّ، نرى المسيح جالسًا على عرش مجده، والاثني عشر جالسين حوله لكي يدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر (27:19-30). وفي مثل "الدينونة الأخيرة" (25: 31-46)، الديّان هو ابن الانسان والراعي والملك. والمُلك الذي يقدّمه ميراثًا للمختارين هو الذي يحتفظ به الله في الأبديّة على ما جاء عند بولس الرسول: "أما تعرفون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله" (1 كور 6: 9): "إن الذين يعملون هذه الأعمال لا يرثون ملكوت الله" (غل 5: 21).
إن صورة يسوع ابن الانسان الملكيّة، تجتاز الزمن منذ التجسّد حتى المجيء. فملك اليهود، في إنجيل الطفولة، هو ذلك الذي سيعلن بعد ثلاثين سنة اقترابَ ملكوت السماوات، ويقدّم لنا العلامات لكي نتعرّف إليه. وإدراك هذا الملكوت يفترض ارتدادًا ندلُّ عليه بالعمل لا بالكسل والنوم كما تخيّل أهل تسالونيكي. ولا بالخوف وبالتخاذل (1 تس 5: 6-14)، بل بالصبر. فمن يصبر إلى المنتهى فذاك يخلص.
غير أن هناك من يرفض. حينئذ يتمّ التمييز الذي هو جزء من ظهورات الملكوت، وهو استباق للدينونة الاسكاتولوجيّة التي فيها تنتهي مسيرة الزمن، والتي هي ظهور ملكي لابن الانسان المجيد الذي يُشرك في ملكه كلَّ مختاري الأرض.
ج- الملكوت والكنيسة
ويُطرح السؤال: هل يتماهى الملكوت مع الكنيسة؟ هل الملكوت هو الكنيسة؟ هناك مقطع انجيليّ مشترك بين متّى ولوقا قد يدلّ على هذا التماهي، حيث ترد كلمة يسوع عن يوحنا المعمدان: "الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه" (مت 11: 11؛ لو 28:7). ما معنى هذه العبارة التي تقع في جملة تؤكّد أنه "لم يَقُم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان"؟. قول غريب عند متّى الذي جعل المعمدان، شأنه شأن يسوع، يدشّن رسالته بكرازة حول اقتراب ملكوت السماوات (3: 2). وفي الواقع، لا ينتمي المعمدان إلى الكنيسة، لأنه مات قبل تأسيسها، ولأنه لم يكن من تلاميذ يسوع. لقد ظلّ على العتبة، ولم يدخل.
وهناك مقطع آخر خاص بمتّى يجعل رباطًا قويًا بين الكنيسة والملكوت، نجد فيه كلمات وجّهها يسوع إلى بطرس بعد اعتراف قيصريّة فيلبّس: "أنت صخر وعلى هذا الصخر أبني كنيستي... أعطيك مفاتيح ملكوت السماوات. كل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماء. وكل ما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (16: 18-19).
إذا كان النص يربط بين أساس الكنيسة وسلطة المفاتيح، فلا نستطيع أن نستنتج أن الكنيسة والملكوت شيء واحد. فالكنيسة هي واقع أرضيّ، مؤسّس على صخر يثبّته هو بطرس. أما الملكوت فهو سماويّ، وسلطانُ الحلّ والربط (نجد العبارة نفسها في 18:18 بالنظر إلى الرسل) يعني إمكانيّة أعطيت للرسل ولرؤساء الجماعة المسيحية. أعطي لهم أن يعالجوا الأخ الخاطئ الذي استبعد نفسه عن الكنيسة بتصرّفه السيِّئ. ينجم عن الكلام الذي وجّهه يسوع إلى بطرس أن المصالحات التي تتمّ في الكنيسة، تجد نتائجها على مستوى الملكوت. ولكننا لا نستطيع أن نماهي بين الملكوت والكنيسة بصورة دقيقة.
إن الخطبة الموجّهة إلى الكنيسة (18: 1-35)، وهي الخطبة الرابعة بين خطب إنجيل متّى، تبدأ بحوار بين يسوع والتلاميذ، وحديث مثلّث عن الملكوت. "وفي تلك الساعة تقدّم التلاميذ إلى يسوع، وقالوا: من الأعظم في ملكوت السماوات؟ فدعا ولدًا وأقامه في وسطهم وقال: الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا فتصيروا كالأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السماوات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد، فذاك هو الأعظم في ملكوت السماوات. ومن يقبل ولدًا كهذا على أنه لي، فإيّاي يقبل" (18: 1- 5).
السؤال المطروح على التلاميذ هو في صيغة الحاضر: "إذن، من هو الأعظم في ملكوت السماوات"؟ ولهذه الصيغة مدلولان. أولاً، مدلول آنيّ: من هو الأعظم اليوم في الكنيسة؟ ثانيًا، بُعد لا زمنيّ: بمعزل عن الأوضاع الكنسيّة الملموسة، من هو الذي يقدّم "أماكن الصدارة" للناس في نظر الله؟
إن ما أعطاه يسوع من جواب يلعب على تكامل بين الحاضر والمستقبل. فالدخول إلى الملكوت يحصل في الآتي من الأيام. غير أن الارتداد الذي يُتيح لنا أن ننعم به، وهو ارتداد يقوم بأن نرضى بالموقع الأدنى، هو واقع حاضر. فقبول هذه الوضاعة هو امكانيّة يعبّر عنها المستقبل. ولكن الذي يقبل ينال امتيازًا لازمنيًا. هذا يعني في الأساس أن وضعه جيّد.
الكنيسة هي موضع النداء إلى الملكوت. ولكنّنا نكون مغالين إن قلنا إنها تجلّي هذا الملكوت، لأن الجواب على النداء قد يكون سلبيًا. هذا ما يكشفه حدثُ ثوب العرس الذي يختتم مثل المدعوّين إلى عرس ابن الملك (22: 11-14). أما الملكوت، فالمهمّ ليس الوقت الذي فيه يظهر، بل الواقع القائل بأنه دومًا أمامنا، دومًا أبعد منا، فلا نستطيع أن نمسكه أو نمتلكه أو نحدّده. وأنه على المؤمن أن يعيش في انشداد باتجاه هذا الواقع الذي لا نستطيع أن ندركه.
هذا ما يبرزه نصّ التطويبات (3:5-10). فالأولى والثامنة تقولان عن الفقراء بالروح وعن المضطهدين من أجل البرّ: "ملكوت الله لهم" (3:5، 10). الفعل هو في صيغة الحاضر، فالملكوت هو الآن لهم. أما في التطويبات الست الباقية، فالأفعال هي في المضارع، وهي تدلّ على أوضاع حسنة محفوظة للودعاء والباكين... غير أن هاتين الصيغتين، الحاضر، المضارع، لا تملكان حقًا قيمة زمنيّة: إنهما تعبّران عمّا إليه يقود الفقر بالروح أو روح الفقر، روح الطفولة الروحيّة، والوداعة والبكاء. قد يتحقّق كل هذا الآن، أو غدًا، أو في الأزمنة الاسكاتولوجية، في نهاية الزمن بالنسبة إلى المؤمن ساعة موته، أو بالنسبة إلى الكنيسة في مجيء المسيح. هذا لا يهم. فالمهمّ هو أن نحيا حياة خاصّة يقدّم يسوع "دستورها" في هذه التطويبات. يجب أن نتأكّد بأن ما قاله يسوع سيتمّ حتمًا. أما متى يتمّ والظروف التي فيها يتم، فهذا أمر ثانوي.
وهكذا يتحرّر ملكوت السماوات من البعد الزمنيّ، أي متى يأتي، فيتّخذ بعدًا أخلاقيًا واضحًا. نحن اليوم نطلبه بتصرّف يتوافق و"الشريعة" التي قدّمها يسوع، مهما كان زمن تجلّيه الأخير.
منذ رُفض اسرائيل الذي نجد أفضل تعبير عنه في مشهد الازدراء بملك اليهود (27:27- 31)، والكنيسة هي المكان المميّز لاقتبال النداء إلى الملكوت. فيسوع الذي قال للأحد عشر: "أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الأزمنة"، (28: 20). ما زال يُرسل هذا النداء. والحقبة الانجيليّة لا تفترق أساسًا عن زمن الكنيسة؛ فالرب ذاته هو هنا وهناك. ونقول الشيء عينه عن ملكوت الله؛ ليس المهمّ الحاضر أو المستقبل. المهمّ هو يقين يعلن لنا بأن الملكوت الذي دُعينا إليه هو حقيقيّ، بل هو أكثر واقعيّة من أوضاع موقّتة (وقد تكون صعبة) يجب على المؤمن أن يمرّ فيها.

خاتمة
تحدّث مرقس عن ملكوت الله. ولكن متّى بدا وكأنه بني انجيله كلّه على ملكوت الله، أو بالأحرى على ملكوت السماوات. لهذا أطلنا مرافقتنا للانجيل الأول. وها نحن نعود في بداية مقالنا إلى الانجيل الثاني، إلى إنجيل مرقس بما فيه ارتباط بالزمان والمكان، فنتحدّث عن مُلك يسوع المسيحانيّ. فيسوع دخل إلى المدينة المقدّسة كالملك المسيح. ونجد هذا النموذج عنده حتى الساعة التي فيها يُسلم روحه على الصليب، فيدلّ على أنه سيّد هذا الملكوت الذي سلّمه إليه الآب. وسرف نرى كيف واجه خصومه بكرامة ملكيّة رفيعة.
فالملك الذي يأتي، والذي ترجوه الجموع وهي ترافق نبيّ الجليل الرب على جحش وضيع، يهتف له الناس: "مملكة أبينا داود" (11: 10). وهكذا يبرز بوجه واسع لقبُ "ابن داود" الذي أعطاه ابن طيما الاعمى ليسوع (10: 47- 48). ويبيّن يسوع، فيما بعد، سلطانه على ملكوت الله وكل ما يلامس هذا الملكوت، فيرسم الحدود بين مجال سلطة الله ومجال سلطة قيصر (12: 13- 17). ويقول لكاتب فهم فهمًا خاصًا متطلّبات الشريعة، إنه "ليس بعيدًا عن ملكوت الله" (28:12-34). ويذكّر السامعين أنه ان كان لقب ابن داود يليق بالمسيح، فالمسيح هو أكثر من ذلك. هو ربّ داود (12: 35-37). وفي النهاية وخلال العشاء الأخير، تحدّث يسوع عن الوليمة المسيحانيّة التي رافقتها الخمرة الجديدة: "لن أشرب بعد من ثمر الكرمة، إلى يوم الذي أشربه فيه جديدًا، في ملكوت الله" (22:14-25). وهكذا يوجّه يسوع أنظارنا إلى الأزمنة الاسكاتولوجيّة.
بدأ مرقس وتبعه متّى. ويدرك هذان الانجيلان أن مُلك يسوع لن يُفهم حقًا إلاّ في جوّ الآلام والموت. فعلى الصليب يُعلن يسوع "ملك اليهود". وبعد الموت، يفهم يوسف الرامي أنه يستطيع بعد اليوم أن "ينتظر ملكوت الله" (مر 43:15). بدأ الملكوت يتحقّق على الصليب وفي القيامة. وهو لن يتحقّق كليًا إلاّ في مجيء يسوع في المجد. يبقى علينا أن ننتظره بالايمان، وبالعيش اليومي بحسب وصايا الله وانجيل المسيح. يبقى علينا أن نعرف أن كل عمل من أعمالنا الصالحة، وكل فكر، وكل قول، وكل تصرف، تبني الملكوت حجرًا حجرًا. وما بدأه الله على الصليب يكمّله فينا يومًا بعد يوم حتّى ساعة عودته التي نكون قد عملنا لها ولم ننتظرها في حالة من الجمود والكسل.
عودة المسيح تملأنا منذ الآن فرحًا ورجاء، وتفتح لنا أبواب السماء، وتقوله لنا إننا أبناء الله وإن لم يتجلّ بعدُ للعبيد الذين لم يفعلوا إرادة سيّدهم. أما نحن فتفهمنا هذه العودة أن ذاك الذي خدمناه في حياتنا الخدمة الصادقة، "سيُتكئنا ويدور يخدمنا" (لو 12: 37). وهكذا نشاركه في أعراس السماء. أما متى يكون ذلك؟ فهذا أمر ثانويّ. وكل قلق وكل همّ يبعداننا عن هذا الملكوت الذي لا يأتي بالرصد والترقّب. فالملكوت هو في داخلنا ونحن نعيش فيه، فلا يبقى لنا ألاّ أن نهتف هتاف المؤمنين الأوّلين: "تعال أيها الرب يسوع". فيجيبنا: "نعم إني آت عن قريب" (رؤ 22: 20).
هذا هو مفهوم الملكوت عند يسوع. لقد اقترب في شخصه. جاء يسوع فجاء الملكوت معه. إنه الملك الذي بدأ يجمع كنيسته. وإذ يعلن لذلك الكاتب أنه ليس ببعيد عن الملكوت، فهو يعني أنه بدأ يدخل في روحانيّة الانجيل، في هذا الجديد الذي يقدّمه يسوع. يعني أنه صار من تلاميذ يسوع. هذا الملكوت هو في داخلنا. لا هو هنا ولا هو هناك. هو فينا منذ بدأنا نعيش متطلّبات الانجيل. لقد بدأ الملكوت يفعل في العالم، وهو سيكون في تجلّيه عند ساعة الموت ومجيء الرب في المجد. لهذا، لما طلب اللص من يسوع أن يذكره في ملكوته، وعده يسوع بالفردوس. لأن الملكوت هو في النهاية حالة السعادة التي يحفظها الله للذين غُفرت خطيئتهم. هذا اللص أو بالأحرى هذا الثائر على السلطة الرومانية قد يكون سمع بيسوع، وعند الصليب تفجّرت النعمة فيه فجعلته يطلق النداء نحو يسوع فيأتيه الجواب وعدًا بالسعادة في النعيم.
في النهاية تبقى نظرة بولس وما فيها من أمور عمليّة. قد حرّض أهل تسالونيكي على أن "يسلكوا حياة تليق بالله". وتابع قائلاً: "الله يدعوكم إلى ملكوته ومجده" (1 تس 2: 12). وتجاه هذا يقول لأهل كورنتوس: "أما تعرفون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا السارقون ولا الفجّار... يرثون ملكوت الله" (1 كور 9:6-10). فملكوت الله ليس كلامًا ونوايا طيّبة. إنه قدرة الله (1 كور 4: 9-20) التي تتجلّى في حياة المؤمنين وفي أعمالهم. وليس ملكوت الله من الأرض: "وهو ليس أكلاً ولا شربًا. إنه برّ وسلام وفرح في الروح القدس" (روم 17:14). هو برّ حين يجعلنا في حياة حميمة مع الله الذي يبرّرنا، وعن هذا البرّ ينتج السلام والفرح.
هذا هو ملكوت الله الذي أعلنه يسوع في كرازته. هذا هو ملكوت الله الذي دخل فيه الرسل حين التحقوا بيسوع. هذا هو الملكوت الذي نناله حين نسلك سلوكًا يليق بالله. هو من عالم الأرض وهو من عالم السماء. ظنّه اليهود فقط من عالم أرضي مع صورة عن الوليمة التي يشاركون فيها دون سائر البشر. ولكن يسوع تعدّى هذه الصورة وأعطى للوليمة معنى يبدأ في سرّ الافخارستيا التي هي طعام روحيّ، وينتهي في الوليمة السماوية التي هي مشاركة في سعادة الله مشاركة لا تزول. حينئذ "يسلّم المسيح الملك لله الآب" (1 كور 15: 24)، بعد أن يكون جمع في شخصه "كل ما في السماء وما على الأرض" (أف 1: 10).
الفصل السابع عشر
الصلاة في إنجيل لوقا

الصلاة حوار مع الله وهي نتيجة اللقاء به. الصلاة هي دعاء نرفعه إلى الله، فيه نقدّم شكرنا وطلبتنا، فيه ننشد مدائحنا ونطلب غفران خطايانا. هذه الصلاة التي تجد جذورها العميقة في أقدم نظام الحياة البشريّة، قد عرفها العهد القديم لاسيّما في المزامير وفي غيرها من التعابير التي تساعد المؤمن على أن يسكب نفسه أمام الله كما كانت تفعل حنّة، أم صموئيل (1 صم 1: 15). أما نحن فنتوقّف على العهد الجديد الذي ينغمس كله في جوّ من الصلاة، ونتعرّف إلى الصلاة في إنجيل القديس لوقا.
إن الأناجيل الإزائيّة، أي متّى ومرقس ولوقا، تقدّم لنا معطيات مختلفة عن الصلاة. كما ترينا يسوع وهو يصلّي أو تورد لنا بعضًا من صلواته. كما نجد تعاليم عديدة يوجّهها يسوع إلى تلاميذه حول الصلاة. في هذا الإطار يقف لوقا، ولكنّه يزيد نصوصًا خاصّة به بحيث استحقّ أن يسمّى إنجيليّ الصلاة. فإليه سوف نتعرّف. ونحصر كلامنا في الإنجيل دون أعمال الرسل.

1- صلوات يسوع
أ- تعابير واضحة
أولاً: فعل الشكر (10: 21)
بعد أن أرسل يسوع تلاميذه السبعين إلى الرسالة، تفجّر قلبه صلاة، و"تهلّل بالروح القدس وقال: أباركك يا أبت، ربّ السماء والأرض، لأنك أخفيتَ ذلك عن الحكماء والفهماء، وكشفته للأطفال. نعم يا أبتاه، لأنه هكذا حسن لديك" (10: 21). هذا النصّ الذي أورده أيضًا مت 11: 25-26، يجعلنا في إطار جليانيّ (كما في سفر الرؤيا وفي دانيال الذي استطاع أن يكشف سرّ التاريخ بوحي من الله، لا حكماء بابل). والأطفال أو الصغار هنا هم التلاميذ (مت 10: 42) الذين كشف لهم "ذلك"، أي سرّ ملكوت السماوات. هذا ما يدلّ على هدف من أهداف رسالة يسوع: أن يكشف سرّ الله لتلاميذه. وما الذي سمعوه في الخفية، سوف يعلنونه على السطوح.
ثانيًا: في جبل الزيتون (42:22)
ترد هذه الصلاة في سياق إخباري، يشارك فيه كلّ من مرقس (14: 36) ومتّى (26: 39). يقول لوقا إن يسوع خرج كعادته إلى جبل الزيتون. هذا يعني أنه اعتاد أن يأتي للصلاة في هذا المكان. لهذا قال يو 18: 1 إنّ يهوذا الذي أسلمه كان يعرف الموضع، فاقتاد إليه الجند وخدامًا من عند رؤساء الكهنة. 
ذهب يسوع إلى جبل الزيتون ومعه تلاميذه الذين سيجدون في هذا الموضع درسًا عن الصلاة. لا على مستوى التعليم فقط ساعة دعاهم وقال: "صلّوا لئلا تدخلوا في تجربة". بل على مستوى العمل. "خرّ على ركبتيه وجعل يصلّي: يا أبتاه، إن شئت فأجز عني هذه الكأس، ولكن لا تكن مشيئتي، بل مشيئتك". هذه الصلاة نجدها في الطلبة الثالثة من طلبات الصلاة الربيّة كما نقرأها في مت 10:6 (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) ولا نقرأها في الصلاة الربّية عند لوقا. صلاة يسوع هي استسلام تام بين يدي الآب واستعداد للعيش بحسب مشيئته. على ما نقرأ في يو 4: 34: "إنما طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأتمّم عمله".
لم تكن صلاة يسوع، لم تكن محبّته بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحقّ (1 يو 18:3). لم يكتف بأن يقول: يا رب، يا رب. بل عمل مشيئة الآب الذي في السماوات (مت 7: 21). والعمل بمشيئته سيكلّف يسوع غاليًا في تلك الساعة. "صار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض". أخذه القلق والحزن، ولكنّه لم يتراجع، فكانت صلاته صادقة. والنعَم التي قالها بلسانه سوف يقولها في موته وحياته. فقال فيه بولس: "مواعد الله كلّها قد وجدت فيه النعم" (2 كور 1: 20). وكان هو قد قال في الهيكل وقبل أن يبدأ حياته العلنيّة: "يجب أن أكون في ما هو لأبي" (لو 2: 49). فقال الشرّاح: يجب أن أتمّم مشيئة أبي. أو: يجب أن أكون في بيت أبي، في الهيكل الذي هو موضع اللقاء بين المؤمن والربّ.
ثالثًا: الصلاة على الصليب (34:23، 46)
نجد نافذتين يتلوهما يسوع على الصليب في إنجيل لوقا الذي يتفرّد بذكرهما. الأولى، هي صلاته من أجل صالبيه. "يا أبتاه اغفر لهم فإنهم لا يدرون ماذا يفعلون". ذاك ما قاله يسوع حين وصل إلى الجلجلة وجُعل بين لصين، وقبل أن يقتسموا ثيابه ويقترعوا عليها. لم يتمكّنوا من أن يحكموا عليه ظلمًا، بل جعلوه مجرمًا بين المجرمين. هنا نتذكّر كلام المزمور: رغم معاملاتهم السيئة، كنت من أجلهم أصلّي. ونتذكّر بشكل خاص كلام يسوع في المغفرة "للأعداء". وهل ليسوع أعداء؟ وهل يمكن أن يكون للمسيحيّين أعداء؟ قال في 6: 27-28: "أحبّوا أعداءكم. أحسنوا إلى من يبغضكم، باركوا لاعنيكم. صلّوا لأجل الذين يفترون عليكم". كم يفترق يسوع عن الفريسيّين الذين "يقولون ولا يفعلون" (مت 23: 3). قالت الرب لنا بأن نصلّي وفعل. وعلى خطاه سيسير اسطفانس، أول الشهداء، فيقول: "يا رب، لا تقم عليهم هذه الخطيئة" (أع 6:7). كما غفر يسوع لصالبيه، هكذا غفر اسطفانس لراجميه. وكما أثّر غفران يسوع على اللصّ، كذلك سيؤثّر غفران اسطفانس على "شاول (أي بولس) الذي كان موافقًا على قتل اسطفانس" (أع 1: 8). وقد يكون أولَ من رمى الشهيد بحجر ستتبعه حجارة الآخرين (نقرأ في أع 58:7: وضع الشهود ثيابهم لدى قدمَي شاب اسمه شاول).
والصلاة الثانية على الصليب، هي صلاة الابن الذي يغفو بين يدي أبيه. "يا أبتاه في يديك أستودع روحي". وذكر كل من متى ومرقس مز 22 وما فيه من إحساس بأن الآب "تخلّى" عن ابنه، أسلمه عنا جميعًا. "أسلمه لأجل زلاتنا، وأقامه لأجل تبريرنا" (روم 4: 25). أما لوقا فذكر مز 31: 6 بادئًا صلاته بنداء إلى الآب (رج 10: 21؛ 22: 42؛ 23: 34). وهكذا أنهى حياته بذكر الآب كما بدأها في الهيكل حين كلّم والديه.
رابعًا: قول لسمعان (22: 32)
هنا نقرأ صلاة ليسوع من أجل سمعان، وعبره من أجل التلاميذ. غير أن كلام الرب يرد بصورة غير مباشرة. قال: "صلّيت كي لا يزول إيمانك". فكأني به قالت: أيها الآب، لا تسمح بأن يضعف إيمان بطرس، وإيمان الجماعة. نستطيع في هذا المجال أن نتذكّر الصلاة الكهنوتيّة (يو 17). هو الرب قد رأى ما عند بطرس من حماس قريب من التهـوّر. واستشفّ الصعوبات التي تقف في وجه الكنيسة. تلا هذه الصلاة التي استعادتها الجماعة الأولى في أع 4: 29 (أنظر إلى تهديداتهم) وتقوّت بالروح القدس كي تنادي كلمة الله بجرأة.
ب- إشارة إلى صلاة يسوع
أورد لوقا بعض صلوات يسوع. ولكنّه حدّثنا مرارًا عن يسوع وهو يصلّي. فالصلاة تحتلّ مكانة هامّة في حياته. فهو يصلّي مرارًا على الجبل، يصلّي وحده ساعة الجميع يطلبونه. وهكذا نراه يبحث عن صمت حميم مع الآب. كما نراه في بداية كل مرحلة هامّة من حياته يلجأ إلى الصلاة وكأنه يريد أن يسلّم مشروعه للآب. فهو لا يعمل إلاّ ما يرى الآب يعمله، ولا يقول إلاّ ما سمعه من الآب. لهذا، ينبغي عليه أن يكون نظره عالقًا بالآب، ولاسيّما من خلال هذه الصلاة الصامتة. والصلاة التي يقوم بها تجتذب إليه تلاميذه الأقربين فيرون فيها مثالاً لصلاتهم.
أولاً: حياة حميمة مع الآب
* مشهد العماد والتجلّي
يتفرّد لوقا عن متّى ومرقس في هذين المشهدين اللذين يشكلاّن مفصلين في حياة يسوع. الأول، يدلّ على بداية رسالته بعد أن أشار إليه الآب بأنه ابنه، لا بالتبني كما كان الأمر مع ملوك الشعب، بل بالطبيعة. وهو موضع مسرّة الآب. وحضر الروح ليرافق هذا الابن في عمله الرسوليّ. إن عمل الخلاص هو عمل ثالوثي. ثم إن حضور الروح هو هنا كما كان في بداية الكون (تك 1: 3) من أجل خلق جديد، من أجل تكوين الجماعة الجديدة حول يسوع المسيح.
جعل متّى هذا العماد في حوار حول البرّ الذي يكمّله يسوع حين يعتمد. والبرّ يدلّ على قصد الآب الذي يدخل فيه الابن حين يتضامن مع الخطأة فيتقبّل العماد من يوحنا. واكتفى مرقس بالقول إن يسوع جاء "واعتمد في الاردن من يوحنا". أما لوقا فجعل هذا العماد في إطار الصلاة. "إذ كان يصلّي انفتحت السماء". أجل، في صلاة يسوع تجاوبت السماء مع الأرض، والله مع الانسان. على ما نقرأ في هو 23:2-25: "في ذلك اليوم استجيب (أنا الرب) للسماوات، والسماوات تستجيب للأرض... وأزرع شعبي في الأرض. أنا أسمّيه شعبي وهو يقول لي أنت إلهي".
أما مشهد التجلّي فيدخلنا مسبقًا في سرّ آلام يسوع وموته وقيامته. أنبأ يسوع مرّة أولى ومرّة ثانيّة ومرّة ثالثة بما سيحصل له في أورشليم من آلام. رفض بطرس: حاش لكن يا رب! تشكّك التلاميذ وعثروا. لهذا جاء التجلّي نفحة من السماء على الأرض، شعاعًا من نور في ظلمة قلوب الرسل. كان التجلّي استباقًا للقيامة، فينتظر التلاميذ في آخر النفق نورَ الرب يشعّ عليهم. ومع ذلك، ظلّوا غرباء عن القيامة. تحدّث متّى (17: 1-9) عن يسوع الذي صعد بالتلاميذ الثلاثة إلى جبل عال على انفراد. وكذا قال مرقس (9: 1- 10). أما لوقا (28:9-36) فقال: "صعد إلى جبل ليصلّي. وفيما هو يصلّي صارت هيئة وجهه أخرى (تبدّلت)، ولباسه مبيضًا لامعًا". أجل، مثل هذه الخبرة تمّت في الصلاة. وبما أننا في الليل (رج آ 32: أعين مثقلة بالنوم)، نتذكّر أن يسوع اعتاد أن يقضي ليله في صلاة إلى الله. لا في وقت النزاع وحسب، بل في أوقات عديدة جدًا.
* كان في ذات يوم يصلّي
نقرأ في 11: 1: "وإذ كان يسوع في موضع ما يصلّي، لما فرغ، قال له واحد من تلاميذه: يا ربّ، علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا أيضًا تلاميذه". وهكذا كانت المناسبة ليقدّم لنا الانجيل الثالث الصلاة الربيّة بطلباتها الخمس. ذكر صلاةَ يوحنا (رج 5: 33) وذكر صلاة يسوع. وبعد أن أورد "الأبانا"، قدّم لنا مثل الصديق المزعج وتحريضًا على الصلاة سنعود إليهما.
أما متّى (6: 9-13) فقدّم الصلاة الربيّة في معرض حديثه عن الصلاة داخل توسّع حول الممارسات اليهوديّة الثلاث: الصدقة، الصلاة، الصوم. ولكننا نجد شيئًا من ذلك في مرقس الذي يكتفي بأن يذكر لنا صلاة يسوع على الجبل. وسوف يخبرنا لوقا (5: 16) أن يسوع كان يهرب بعض المرّات من "الشهرة البرّاقة" وإعجاب الجموع السطحي، لكي "يعتزل في البراري ويصلّي". وفي أحد الأوقات، سترتفع من قلبه صلاة الحمد والشكر (10: 21) أمام الحصاد الذي يبدو واسعًا، أمام السبعين تلميذًا الذين سينطلقون إلى العالم كلّه، ينطلقون من أورشليم واليهوديّة والسامرة فيصلون إلى أقاصي الأرض (أع 1: 8).
ثانيًا: صلاة من أجل الرسالة
كان يسوع مثالَنا في صلاة حميمة مع الآب، وسيكون مثالَنا في صلاة تهيّئنا للانطلاق إلى الرسالة.
* اختيار الاثني عشر (12:6-16)
قبل أن يختار يسوع الاثني عشر، يقول لنا لوقا: "خرج إلى الجبل ليصلّي وقضى الليل كلّه في الصلاة لله". دلّ أولاً على أهميّة العمل الذي قام به، حين اختار هؤلاء الرسل الذين سيكونون أساس الكنيسة. ودلّ ثانيًا على أنه يستلهم الله الآب في الأوقات الحرجة في حياته. إذا كان هذا المشروعُ مشروعَ الله، فكيف نتجاسر أن نقوم به دون العودة إلى الله. فيا ليتنا في الأوقات العصيبة والمنعطفات الحرجة والخيارات الصعبة نعود إلى الصلاة ونطلب أنوار الله كما فعل يسوع في هذا الوقت وكما سيفعل في ما بعد ولاسيّما في النزاع في جبل الزيتون.
نشير هنا إلى أن متّى (10: 1-4) يكتفي بأن يقول عن يسوع بعد أن علّم التلاميذ أن يطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل عملة إلى حصاده: "ثم دعا الاثني عشر، وقلّدهم سلطانًا". وجعل مرقس اختيار الاثني عشر داخل رسالة يسوع، فابتدأ في 3: 13: "ثم صعد إلى الجبل ودعا إليه الذين أرادهم، فأقبلوا إليه". هنا كان بالإمكان أن ترد عظة الجبل لو أراد مرقس أن يوردها. ولكنّه لم يفعل، وهذا يبقى سرًا بالنسبة إلينا.
* من هو يسوع (8: 18- 21)
أراد يسوع أن يخطو خطوة مع تلاميذه، لكي يتعرّفوا إليه. لكي يعرفوا من هو في الحقيقة. هل هو ذلك المسيح الممجّد الذي لا يمرّ في الآلام؟ هل هو ذلك الرابي (المعلّم) الذي لا يفترق عن المعلّمين في عصره إلاّ بالسلطان الذي يتعلّق بكلامه؟ هل هو ذلك الشافي ومجترح المعجزات الذي يُشبه بعض الأنبياء مثل إيليا وأليشاع؟ سأل يسوع تلاميذه، فقابلوه بالأنبياء. ولكن هذا لا يكفي. "وأنتم من تقولون إني هو"؟ قال بطرس: "أنت مسيح الله".
جعل متّى (13:16-20) ومرقس (27:8-30) يسوع في منطقة قيصريّة فيلبّس حين سأل تلاميذه عن رأيهم فيه. وجعل يوحنا (59:6) المشهد في كفرناحوم. أما لوقا، فاكتفى بأن يلاحظ اعتزال يسوع مع تلاميذه. قال: "وفيما هو يصلّي على انفراد، كان معه التلاميذ، فسألهم". وهكذا بيّن لهم ماذا ستكون رسالته. أبعد كل التباس تحمله مسيحانيّة زمنيّة بها يطرد الرومان ويحرّر شعبه، وأعلن عن موته القريب: "إن ابن الانسان ينبغي أن يتألم كثيرًا" (آ 22). مثلُ هذا التعليم الجديد يحتاج إلى الصلاة بالنسبة إلى يسوع الذي يتكلّم، وبالنسبة إلى التلاميذ الذين يسمعون.

2- تعاليم يسوع في الصلاة
يسوع عمل، يسوع علّم. يسوع صلّى، فكانت صلاته ينبوع الصلاة المسيحيّة في حياتنا الحميمة وفي رسالتنا. وها هو يحدّثنا المرّة بعد المرّة عن الصلاة في إنجيل لوقا. ونحن نجعل أقواله في مقطعين. الأول، النصوص المشتركة بين لوقا من جهّة ومرقس ومتّى من جهة ثانية. والثاني، النصوص التي يتفرّد فيها لوقا. فنلاحظ أنه يتحدّث مرارًا عن الصلاة في خطّ الكتاب المقدّس والعالم اليهوديّ، كما ينطلق من خبرته الشخصيّة.
أ- النصوص المشتركة
أولاً: صلاة من أجل الأعداء (6: 28)
قال لوقا: "باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم". وقال مت 5: 44: "أحبّوا أعداءكم. صلّوا لأجل الذين يطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات". حدّد لوقا الأعداء على أنهم "لاعنوكم"، على أنهم "يفترون عليكم". ومتّى على "أنهم يضطهدونكم". وهكذا جاء نداء يسوع يحرّض التلميذ لكي يبارك خصومه ويصلّي من أجلهم. يبدو أن القول الوارد في لوقا هو أصيل. أما متّى فكيّف قولَ يسوع مع عصره. كانت الكنيسة تعيش في الاضطهاد، فهل يبغض المؤمن من يضطهده؟ كلا، بل يصلّي من أجله. أما السياق الذي ورد فيه قول لوقا فهو أقلّ مأساويّة. ولم يحاول الانجيل الثالث أن يجعل كلام يسوع هذا موافقًا لما نجد في صلاة يسوع الذي غفر لصالبيه (23: 34)، ولا لما نجد في صلاة اسطفانس قبل أن يموت (أع 7: 60). فقد أراد أن يكون كلامه مرافقًا لما يعيشه المسيحيّ في حياته اليوميّة. هنا نكون في خطّ 23:9 حيث يزيد لوقا عبارة "كل يوم" على قول نجده عند متّى (16: 24) ومرقس (8: 34). قال: "إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه (لا في المطلق، بل) كل يوم ويتبعني".
ثانيًا: صلاة إلى ربّ الحصاد (10: 2)
قالت لوقا: "أطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده" (رج مت 38:9، لا نجد النصّ في مرقس). ورد هذا القولُ عند لوقا بمناسبة إرسال التلاميذ، وعند متّى بمناسبة إرسال الاثني عشر. في متّى، كان هذا القولُ بدايةَ دعوة الاثني عشر وإرسالهم (10: 1- 5). وعند لوقا، قد اختير الاثنا عشر في ما قبل (6: 12-16) وأُرسلوا (9: 1-6). وها نحن الآن أمام إرسال السبعين تلميذًا (9: 1-6). يتطلّع لوقا إلى الرسالة المقبلة وسط الوثنيّين وإلى توسيع حلقة الاثني عشر. والصلاة التي يدعونا إليها هي ثابتة في حياة الكنيسة، وهي تفهمنا أن عملنا سيكون ناقصًا، ونحن بشر ضعفاء. والله هو الذي يكمّل على ما يقول بولس الرسول: "ذاك الذي بدأ فيكم هذا العمل الصالح يتمّه إلى يوم ربّنا".
ثالثًا: الصلاة الربيّة (11: 2- 4)
الصلاة الربيّة هي نموذج الصلاة التي يتلوها التلميذ. جاءت في لوقا أقصر ممّا هي في متّى، ولكن التعابير في جوهرها هي هي، وكذلك تراتبيّة الطلبات. قال متّى (6: 9): "أبانا الذي في السماوات". وفي لوقا "أبا، أيها الآب". ليتقدّس اسمك" في الكون وفينا. ونحن نقدّسه حين نقرّ بقداسة الله ونعلن مجده. حين نعيش الطاعة لوصاياه. "ليأت ملكوتك". لقد تدشّن هذا الملكوت بيسوع. ونحن في صلاتنا نطلب بأن يتجلّى هذا الملكوت على الأرض فيعرفه العالمُ كلّه. وهكذا تأتي الطلبات "الروحيّة" قبل الطلبات "الجسديّة"، وما يتعلّق بالله قبل الأمور الخاصّة بنا.
لم يذكر لوقا الطلبة الثالثة (لتكن مشيئتك) في هذا السياق، ولكنه أوردها في صلاة يسوع في البستان. "أعطنا خبزنا كفافنا اليوم". كذا يقول متّى. أما لوقا فيقول "كل يوم". هكذا اعتاد الشعب العبراني في البريّة أن ينتظر المن السماويّ يومًا بعد يوم. فالحياة اليوميّة في نظر الانجيل الثالث تمتدّ طويلاً. لقد بدأ زمنُ الكنيسة، والمؤمن يعيش في هذا الزمن متطلّعًا إلى ما تفرضه عليه الحياة اليوميّة في رتابتها.
"واغفر لنا خطايانا كما نغفر". يتحدّث متّى عن الخطايا. أما لوقا فعن الديون، وفي هذا نفهم أن يكون لوقا في النصّ الأصيل، وأن يكون متّى كيّف هذا النص بالنظر إلى حاجة كنيسته التي تغفر الخطايا (9: 8). وحدّد متّى موقع الغفران الأخوي في اللحظة التي تسبق غفران الله لنا، بمعنى أنه إن لم يكن لنا استعدادٌ لكي نغفر للآخرين، فهذا يعني أن قلوبنا قاسية بحيث لا تستطيع أن تتقبّل غفران الله الذي يقدَّم لها.
أما لوقا فجعل غفراننا لبعضنا يمتدّ امتداد الحياة المسيحيّة. نحن كلّ يوم نغفر لقريبنا ونغفر له أكثر من مرّة. هكذا نصلّي. وهكذا يجب أن تكون ممارستنا. ولا تسمح يا رب أن ندخل التجربة، لا تسمح أن نقع فيها. هكذا دعا يسوع تلاميذه في بستان الزيتون. صلّوا لئلا تقعوا في التجربة (22: 46).
رابعًا: نداء من أجل الصلاة الواثقة (11: 9-13)
بعد مثل الصديق اللجوج الذي سنعود إليه (آ 5-9)، نقرأ في لوقا تحريضًا على الصلاة البنويّة التي تدلّ على ثقتنا التامّة بالله. ونجدها في مت 7:7- 11: "إسألوا فتعطوا. أطلبوا فتجدوا. إقرعوا فيفتح لكم". يلتقي لوقا مع متّى ما عدا في الصورتين اللتين يقدّمها كلّ من الانجيليّين. قابل لوقا بين السمكة والحيّة، بين البيضة والعقرب (آ 11-12). فذكّر بسلطان أعطاه يسوع لتلاميذه بأن يدوسوا الحياّت والعقارب فلا تؤذيهم (10: 19). أما متّى فتحدّث عن الخبز والحجر، عن السمكة والحيّة (7: 11). وأنهى كلامه: الآب يعطي خيراته للذين يطلبونها. أما لو 11: 12 فوعد بالروح القدس. لاشكّ في أن انتظار الروح القدس يرد في أقدم طبقات الأناجيل الإزائيّة. ولكن لا يميّز لوقا هو أنه يشدّد على هذه الموهبة في سفر الأعمال، وهي موهبة تضمّ في داخلها سائر المواهب. وما نستنتجه في هذا النص، هو أن الصلاة البنويّة تنال ما تطلب من الآب السماوي، تنال الروح القدس ومعه كل الخيرات التي وُعدنا بها.
ب- النصوص الخاصّة بلوقا
هناك تعاليم ليسوع لا نجدها إلاّ في إنجيل لوقا، وقد يكون أخذها من مراجعه. وقد يكون دوّنها انطلاقًا من تقاليد وصلت إليه فطبعها بطابعه.
أولاً: مثل الصديق اللجوج (11: 5-8)
إن مثَل الصديق الذي يأتي صديقه فيوقظه في نصف الليل، لا يجد تطبيقًا مباشرًا. ولكن موقعه في سياق يتحدّث عن الصلاة (11: 1-13) ومرماه النهائي، يدلاّن بوضوح على العبرة التي نستطيع أن نستنتجها: يجب أن نلحّ في صلاتنا لكي تستجاب.
أجل، في هذا المثل نحن أمام نداء إلى الصلاة الملحاحة. وهو يبدأ بشكل سؤال: "من منكم له صديق"؟ هكذا اعتاد لوقا أن يفعل: "من منكم يريد أن يبني برجًا" (28:14)؟ "أي إنسان منكم له مئة خروف" (15: 4)؟ "أية امرأة يكون لها عشرة دراهم" (آ 8)؟ إن يسوع يطرح السؤال وهو ينتظر منّا الجواب كما في 26:10. طرح العالم بالناموس سؤالاً على يسوع، فردّ عليه يسوع بسؤال. "ماذا كُتب في الناموس"؟ فأجاب: "أحبَّ الربّ إلهك". وجاء المثل، فطرح يسوع أيضًا السؤال: "من تراه صار قريبًا للذي وقع في أيدي اللصوص"؟ أجاب معلّم الناموس: "الذي صنع إليه الرحمة". فجاء نداء يسوع: "امض واصنع أنت أيضًا كذلك" (10: 29-37).
جاء برهان يسوع في هذا المثال مع عبارة "بالحريّ". إذا ألحَّ الصديق على صديقه، لا يستطيع هذا إلاّ أن يلبّي له طلبه مهما كان في التلبية من مشقّة. فكم بالأحرى الآب السماوي، وتلبية الطلب لا تكلّفه شيئًا. كل ما يريده هو انفتاح قلوبنا وإلحاحنا في الطلب في خطّ الصلاة الربيّة.
ثانيًا: القاضي الظالم (18: 1-8)
بعد أن قدّم لوقا الخطبة الاسكاتولوجيّة (نهاية العالم) حول يوم ابن الانسان (17: 22-37)، أورد سلسلة من التعاليم الخاصّة به (18: 1- 14). هناك الآية الأولى في هذا المقطع (18: 1) التي تبدأ مثلَ القاضي الظالم وتعلن هدفَه: "ينبغي أن يصلّوا كل حين ولا يقنطوا". عبارة لوقاويّة بأسلوبها كما باهتمامها في تقديم مرمى المثل. نجد عنصرين من عناصرها عند القديس بولس. صلاة دائمة لا تنقطع. يقول بولس: "لا ننقطع عن الصلاة لأجلكم" (2 تس 1: 11). ويقول: "ألتمس دائمًا في صلواتي" (رج كو 1: 3؛ فلم 4). ثم "لا نيأس" مهما طال انتظارنا، ولا نقنط (2 كور 4: 21-16؛ غل 6: 9).
إطارُ هذا المثل، شأنه شأن إطار المثل السابق، هو اسكاتولوجي، بمعنى أنه يوجّهنا إلى نهاية الزمن. غير أن لوقا يستخلص عبرة من أجل الحياة اليوميّة: يجب أن نصلّي دائمًا.
يبدو أن مثل القاضي الظالم كان موازيًا لمثل الصديق اللجوج، والعبرة هي هي في المثلين. إلاّ أنّ لوقا فصل المثل عن الآخر. فقد اعتاد أن يجعل في المثل الأول رجلاً، وفي المثل الثاني امرأة: في 13: 18- 21 هناك رجل يزرع حبّة خردل في حقله. ثم امرأة تضع الخميرة في عجينها. وفي 15: 1- 10 نجد رجلاً أضاع خروفًا، ثم امرأة أضاعت درهمًا. وهنا، صديق يلجّ على صديقه، ثم أرملة تلج على القاضي مع برهان يبدأ بالحريّ. نحن لا نقابل بين موقف الله وموقف هذا القاضي الظالم، بل بين إلحاح هذه الأرملة وإلحاح المؤمن في صلاته. تصرّف القاضي منطلقًا من أنانيّته. أراد أن يرتاح من هذه الأرملة، فأعطاها طلبها. فكم بالحريّ الله. هو يستجيب لنا بلا شك حين نصرخ إليه نهارًا وليلاً. أتراه ينتظر؟ والجواب هو كلاّ.
ثالثًا: الفريسي والعشّار (18: 9- 14)
بعد مثل القاضي الظالم والمرأة اللجوجة، ترك لوقا المنظار الاسكاتولوجي، ولكنه لم يتخلّ عن موضوع الصلاة. فقدّم مثَلَ الفريسيّ والعشّار مع مقدّمة تدلّ على مرمى الخبر، وخاتمة تساعدنا على تطبيقه في حياتنا.
نجد في هذا المثل شخصين يرسمان أمامنا طريقتين في الصلاة. فالفريسيّ متيقّن بأنه بار، وهو يحتقر الآخرين. هذا ما قاله لوقا في البداية. وجاءت اللوحة صورة عن هذا الموقف.
في الواقع، الفريسيّ لا يصلّي رغم عبارة الشكر التي بدأ بها صلاته: إنه يتأمل مشدوهًا في فضائله، وينشد أعمالَه الصالحة، ويؤمّن على نفسه بوجه الله. عملَ ما طلبت منه شريعة الفريسيّين (لا شريعة الله التي تفرض أول ما تفرض المحبّة). عمل واجبه، فعلى الله أن يقوم بواجبه تجاهه. أن يدفع دينًا عليه. صارت الصلاة تجارة وتبادلاً بين الله والانسان. أعطيه. ويجب عليه أن يعطيني وإلاّ غضبتُ عليه، وتركت عبادته والصلاة إليه. حتى ومر طلبتُ منه حيّة... ولكن الله لا يعطينا إلاّ العطايا الصالحة. ولكنه العطاء بالذات ولا ينتظر منّا إلاّ انفتاح قلبنا. ولكنّه العطاء المجاني. وقد أعطانا ابنه ساعة كنا بعد خطأة ولا نستحق شيئًا. فكيف نتجاسر أن نطلب منه؟ هل ننسى أنه يعرف حاجاتنا قبل أن نسأله؟ أما صلاتنا فتكون دخولاً في مشروعه ووعدًا بأن نعيش حسب مشيئته.
أما العشّار (جابي الضرائب) فهو خاطئ وهو يقرّ بذلك في موقفه وفي كلامه. وقف بعيدًا. لم يتجاسر أن يقترب من الله القدوس. وطلب الرحمة والغفران. قرع صدره وقال: "اللهمّ اغفر لي أنا الخاطئ"! إنه يقف بكل حقيقته أمام الله. لا كذب ولا مراوغة ولا رياء مثل الفريسيّين الذين يبدون كالقبور المكلّسة. وهو يقدّم ذاته كما هو لله، وينفتح على نعمته. لهذا جاءت صلاته متواضعة، والتواضع في الانسان هو الحقيقة. لهذا استجاب له الله. عاد إلى بيته مبرّرًا.
اعتبر الفريسيّ أنه يحصل على البرّ بأعماله الصالحة. ولكنه نسي أن البرّ هو عطيّة مجانيّة من قبل الله ننالها حين نتجاوب معها في انفتاح متواضع، في موقف من الطفولة الروحيّة. هذا ما فعله العشّار. فجاءت الخاتمة: "من ارتفع اتّضع، ومن اتّضع ارتفع". (أو رُفع، أي رفعه الله). هكذا يجب أن تكون صلاتنا. نقرّ بضعفنا وخطيئتنا. نقرّ بحقيقتنا أمام الله، فنجد لديه قلبًا حنونًا يستعدّ في كلّ ساعة أن يستقبلنا.

3- صلاة الناس حول يسوع
أ- مقابلة مع مرقس ومتّى
إذا أردنا أن نتعرّف إلى أصالة لوقا نقابله مع الانجيليّين الازائيّين الآخرين، مع مرقس ومتّى. فمرقس لا يرينا أبدًا التلاميذ يصلّون. ولا نجد عنده إلاّ معجزة واحدة تنتهي بصلاة واضحة: بعد شفاء مخلّع كفرناحوم نشاهد الجموع تمجّد الله (2: 12) "دهشوا كلّهم، ومجدّوا الله قائلين: ما رأينا قطّ مثل هذا"!
ونكتشف في الانجيل الثاني طلبات عديدة تتوجّه إلى يسوع سائلة معجزة. ولكن هذه الطلبات ليست صلوات بحصر الكلمة. لا نجد فيها الألفاظ الخاصّة بالصلاة. والمرضى الذين يأتون إلى يسوع بنفوسهم، أو يحملهم أقاربهم، يأتون إليه على أنه نبيّ، لا على أنه الله.
وإذا عدنا إلى متى، لا نجد أثرًا للصلاة لدى التلاميذ. بل هو يلاحظ، شأنه شأن مرقس، أن الجموع مجّدت الله بعد شفاء المخلّع (8:9). وقال بعد أشفية عديدة في الجليل: "فانذهل الجميع إذ رأوا الخرس يتكلّمون. فمجّدوا اله اسرائيل" (15: 31).
هذا من جهة، ومن جهة ثانيّة، نشعر بعمله التدوينيّ المتأثّر بعبادة الرب يسوع في الكنيسة: فصراخ التلاميذ في العاصفة، صار عنده نداء إلى الرب. "يا رب نجِّنا فقد هلكنا" (8: 25). ومسيرة يسوع على المياه انتهت باعتراف إيماني: "في الحقيقة، أنت ابن الله". قالوا ما قالوا، وسجدوا له كما يسجد المؤمن لإلهه (14: 33).
أما لوقا فاختلف كثيرًا عن متى ومرقس، فحدّثنا عن صلاة عدد من الناس يظهرون في إنجيله. نبدأ بأخبار الطفولة حيث الوحي عن يسوع يتحدّد موقعه دومًا في إطار من الصلاة. وننتهي بالاشارة إلى الصلوات التي نسمعها عند الذين رافقوا يسوع في رسالته العلنيّة.
ب- أخبار الطفولة
يبدأ إنجيل فرقا مع صلاة الجماعة في الهيكل (1: 10). وينتهي بصلاة الرسل بعد صعود الرب إلى السماء. "سجدوا له، ورجعوا بفرح عظيم. وكانوا بلا انقطاع في الهيكل يباركون (يتلون صلاة البركة) الله" (24: 50-52). منذ البداية نعيش مع الشعب الخدمة الليتورجيّة حول زكريا، مع البخور الذي يقدّم في الهيكل (23:8:1)، وطلبته التي استجيبت (آ 13). وبعد ذلك نسمع نشيد شكر العذراء. فيه تعظّم الله لأنه صنع العظائم في أمته الوضيعة (1: 46-52). ووُلد يوحنا. ولما شُفي زكريا من بكمه، كان أول كلامه مباركة الله (1: 64). وبعد ذلك تلا الكاهن نشيدَ الشكر على مثال مريم: "مبارك الرب... لأنه افتقد شعبه وأقام لنا قوّة خلاص" (1: 67-79). وكما أنشدت الأرضُ ميلاد يوحنا السابق، أنشدت السماء ميلاد يسوع المسيح: "المجد لله في العلى...". وهذا ما دفع الرعاة لأن "يمجّدوا الله ويسبّحوه" (2: 20).
وقدّم والدا يسوع طفلهما إلى الهيكل للرب (2: 22) في حفلة ليتورجيّة يشير إليها سفر اللاويين (12: 8). فجاء سمعان الشيخ وتلا نشيد الشكر: "الآن أيها السيد تطلق عبدك بسلام" (28:2-32). وجاءت بعده حنّة التي عُرفت بالأصوام والصلوات (آ 37)، "فأخذت تسبّح الرب وتحدّث عن الصبي كل من ينتظر فداء أورشليم" (آ 38). وينتهي خبر الطفولة بحج يقوم به والدا يسوع مع ابنهما الذي بلغ الاثني عشر عامًا وصار "ابن الوصيّة"، فوجب عليه أن يحفظ الوصيّة (2: 41-42). وهو سيجد فرحه بأن يكون "في بيت أبيه"، في الهيكل. بدأ إنجيل الطفولة في الهيكل مع زكريا الذي خرج منه صامتًا لا يستطيع أن يتكلّم. وانتهى في الهيكل مع يسوع الذي كان يسأل المعلّمين ليعلّمهم (آ 26) كما سيفعل خلال حياته العلنيّة.
ج- رسالة يسوع العلنيّة
خلال حياة يسوع العلنيّة، نجد عددًا من الصلوات، بها يمجّد الناس الله على أثر المعجزات التي تمّت. أو هم يرفعون الصلوات إلى يسوع على مثال ما كانت تفعل كنيسة لوقا يوم دوّن الكاتب إنجيله، أي سنة 85.
أولاً: المجد لله
شفى يسوع مخلّع كفرناحوم. فردّد لوقا مرتين صلاة المجد. أولاً، مضى المخلّع إلى بيته "وهو يمجّد الله" (5: 25؛ قال مت 7:9: "مضى إلى بيته"). ثم إن الجموع "مجّدوا الله وامتلأوا خوفًا" (آ 26)، وهو هذا الخوف المقدّس الذي يحركه فينا حضورُ الله. وتفرّد لوقا فروى إقامة ابن أرملة نائين من الموت، "فاستولى على الجميع خوف، ومجّدوا الله" 7: 12).
الجميع يمجّد الله. والذين نالوا نعمة الشفاء يمجّدون الله أيضًا. أشرنا إلى زكريا بعد شفائه، كما أشرنا إلى مخلّع كفرناحوم. ونذكر أيضًا المرأة المحدودبة التي روى لوقا وحده شفاءها. "وضع يديه عليها، فانتصبت في الحال وجعلت تمجّد الله" (13: 13). والأبرص العاشر "رجع يمجّد الله بصوت جهير، وخرّ على وجهه عند قدمي يسوع شاكرًا له" (17: 15-16). فامتدحه يسوع: "ألم يوجد من يرجع ليمجّد الله إلاّ هذا الغريب" (آ 18)؟ وأعمى أريحا "أبصر، وتبع يسوع مشيدًا بمجد الله" (18: 43). "وإذ رأى جميع الشعب ذلك سبّحوا الله". 
وسوف نسمع "جمهور التلاميذ يسبّحون الله بصوت جهير، على جميع ما عاينوا من الايات، ويقولون: "مبارك الملك الآتي باسم الرب، السلام من السماء والمجد في العلى" (19: 37-38). وهكذا نرى إنجيل لوقا مضمخًا بالصلاة التي تمجّد الله وترفع إليه آيات التسبيح. فيا ليت جماعاتنا تتعلّم.
ثانيًا: صلوات يتلوها المؤمنون
هي صلوات تتوجّه إلى يسوع خلال حياته على الأرض، وقد أخذت بُعدًا جديدًا في الكنيسة الأولى. نقرأ في 17: 5: "قال الرسل للرب: زدنا إيمانًا". طلبٌ فريد في الأناجيل، ولا نجد ما يشابهه إلاّ صرخة والد الولد المصروع: "أؤمن يا رب. فأعن قلّة إيماني" (مر 9: 24). من يستطيع أن يؤثّر على الايمان إلاّ الله. مثلُ هذه الصلاة تجعلنا بالأحرى في إطار يلي الفصحَ وقيامةَ يسوع. تجعلنا في إطار الكنيسة التي ترى الايمان يجفّ في القلوب.
ونقرأ أيضًا في 17: 15-16 ذاك السامريّ الذي شُفي فعاد يمجّد الله... ويشكر يسوع". وهي المرّة الوحيدة في الأناجيل يتوجّه فعل الشكر إلى يسوع لا إلى الله. هذا يعني أن يسوع هو الله. نحن هنا أيضًا بعد زمن الفصح وإعلان يسوع كالرب والإله.
وأخيرًا نسمع اللص المائت يتوسّل إلى يسوع. "أذكرني عندما تأتي في ملكوتك"، حين تأتي إلينا كملك (23: 42). توجّه هذا المحكوم عليه إلى يسوع الملك والمسيح الآتي. وطلب إليه ما يتذكّره. أي أن يعطيه الخلاص في نهاية الزمن. مثل هذه الصلاة مع بدايتها (أذكرني) تجد ما يقابلها في العالم اليهودي. ولكنها تتوجّه دومًا إلى الله، لا إلى المسيح. لهذا تكون صلاة اللص صلاة مسيحيّة، لاسيّما وإنها تنادي يسوع: "يا يسوع، أذكرني". وتنادي يسوع على أنه الملك الذي يحقق ملكوته في موته وقيامته.

خاتمة
موضوع الصلاة في إنجيل لوقا موضوع طويل وغنيّ جدًا: صلاة يسوع، تعاليم يسوع، صلاة الذين رافقوا يسوع فتعلّموا منه صلاة يمجّدون بها الله ويشكرون له انعاماته. وهذه الصلاة ستمتدّ "في أعمال الرسل" فنرى الجماعة الأولى تصلّي إلى الرب يسوع، وتنشد له التسابيح التي نجدها بشكل خاص في الرسائل البولسيّة. كلّ هذا يقنعنا يومًا بعد يوم بأهميّة الصلاة في حياتنا، على مثال يسوع، على مثال الكنيسة، على مثال المسيحيّين الأولين الذين تفجّرت فيهم الدهشة فهتفوا: "ما رأينا مثل هذا قطّ. ومجّدوا الله. وقالوا: ما أحسن ما صنع، فتذكروا يوم خلق الله السماء والأرض، فأنشدوا، ونحن ننشد معهم: "أيها الرب ربنا، ما أعظم اسمك في كلّ الأرض"!
الفصل الثامن عشر
ملكوت الله عند لوقا

1- نظرة عامّة
لا نتوقّف في دراستنا هذه عند الانجيل الثالث فقط. بل نصل إلى أعمال الرسل التي ترسم مسيرة الكلمة، مسيرة الكرازة الانجيلية، من أورشليم إلى رومة. كما استعمل الانجيلُ الثالث عبارة ملكوت الله، كذلك فعل سفر الأعمال. بل إن خبره ينتهي عند هذا الاعلان: "وأقام بولس سنتين كاملتين في بيت استأجره. وكان جميع الذين يقصدونه يجدونه مبشّرًا بملكوت الله ومعلّمًا ما يختصّ بالرب يسوع بكل جرأة وحريّة" (أع 28: 35- 31). هذه الخاتمة تتجاوب مع المشهد الأولى في الخبر الذي فيه يذكر أع الاربعين يومًا التي فيها تراءى القائم من الموت لرسله "ويقول لهم ما يتعلّق بملكوت الله" (3:1). وهكذا كان سفر الأعمال مطبوعًا بهذا الملكوت منذ بدايته حتى نهايته.
أما إنجيل لوقا فيتميّز عن مت ومر حين لا يذكر في بداية رسالة يسوع الكرازة بالملكوت. وبدلاً من أن يقدّم في عبارة قصيرة ملخّص التعليم الذي دشّن رسالة يسوع، بنى مشهدًا أوليًا تامًا جعله في مجمع الناصرة، ولم يذكر فيه ملكوت الله. ولكن حين يترك يسوع كفرناحوم، سوف يعلن لأولئك الذين راحوا وراءه يطلبونه: "يجب أن أكرز أيضًا بملكوت الله في سائر المدن" (لو 43:4).
استعمل لوقا مرارًا عبارة "ملكوت الله"، ليدلّ على مضمون البلاغ الانجيليّ. وأسبقها بفعل "أنجل" (4: 43)، قال الانجيل، أعلن (9: 60)، كرز (8: 1)، شهد (أع 28: 23) قال (أع 1: 3). ونشير إلى أن عبارة "ملكوت الله" ترد 32 مرّة في لو و8 مرّات في أع. ويذكر لوقا مثلين يتحدّثان بوضوح عن ملكوت الله: مثل حبّة الخردل (13: 18-19) ومثل الخمير في العجين (لو 13: 20- 21). وهكذا تمثّل بمرقس. أما عبارة "يشبه ملكوت السماوات" فهي عبارة خاصّة بمتّى.
ب- المصير الملوكيّ ليسوع الناصريّ
إن اعلان ملكوت الله عند لوقا (كما عند متّى) يترافق مع إعلان مُلك المسيح. غير أن السياق الذي يظهر فيه هذا الملك لا يرد في إطار صراع ومنازعة. فلوقا لا يتوقّف أبدًا عند سلطة تريد أن تنازع يسوع سلطته، هي سلطة هيرودس والرؤساء اليهود.
أولاً: البدايات
منذ البشارة لمريم، يُحكى عن يسوع أنه ينتمي إلى السلالة الملكيّة، أنه من نسل داود. "سيعطيه الربّ الاله عرش داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه انقضاء" (1: 32-33). هذه المهمّة التي أعلنت منذ البداية، قد تثبّتت ساعة حلّ الروح على يسوع في الاردن بعد عماده. وجاء الصوت السماوي: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" (3: 22؛ رج مز 2: 7). ففي التقليد البيبليّ الملك هو حقا ابن الله.
ومشهد الاردن يحمل في الوقت عينه مدلولا كرستولوجيًا. ففي لو وأع، الروح هو قبل كل شيء الروح النبويّ. هو يقيم في يوحنا المعمدان آخر أنبياء زمن اسرائيل والذي حلّ عليه روح إيليا وقوّته (1: 15، 17). ساعة ترك يوحنا "المسرح" (3: 19-20)، حلّ الروح على يسوع الذي هو نبيّ الازمنة الجديدة (لو 3: 21-22)، الذي يشبه إيليا وأليشاع (4: 5-27) وعددًا كبيرًا من أنبياء اسرائيل. وبعد قيامة ابن أرملة نائين، هتف الشعب في حماسه: "قام فينا نبيّ عظيم وافتقد الله شعبه" (7: 16). وإيليا أيضًا أقام ابن أرملة قبل مجيء المسيح بتسعة قرون.
وهكذا ارتدى يسوع مهمّة مضاعفة، مهمّة ملوكيّة ومهمّة نبويّة، فبدأ رسالته العلنيّة. وارتبط اعلان ملكوت الله بشكل خاص بوظيفته الملوكيّة. أما دوره النبويّ فيشير إلى الصعوبات التي يلاقيها: لا يريدون أن يسمعوا، لا يريدون أن يفهموا. على ما قيل: "لا يكرم نبيّ في وطنه" (4: 24).
ثانيًا: زمن الكرازة
الشيطان هو العدوّ الرئيسيّ للملكوت. وهو يعارضه بملكه الخاص (11: 14-23: يسوع وبعل زبول). غير أن سلطان الشيطان لكي يجرّب يسوع، قد توقّف لبعض الوقت، منذ نهاية التجارب (4: 13) حتى الوقت الذي فيه يسيطر على يهوذا ليبدأ المسيرة التي تقود يسوع إلى الجلجلة (3:22، 53). وبين هذين الوقتين اللذين يُعتبران بشكل مهلة احتفظ بها الله لكي يعلن البلاغ الانجيليّ كله، لا يقيم إبليس عائقًا يُذكر ضدّ رسالة يسوع.
خلال تلك الحقبة، استطاع الناصري أن يعلن تعليم الملكوت (تحدّث مر ومت عن قرب الملك، لا لو)، ويقدّم علاماته التي هي المعجزات وطرد الشياطين. وأورد لوقا، شأنه شأن متّى، المشهد الذي فيه جاء تلميذا يوحنا يسألان يسوع: "أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر" (7: 18-23)؟ وكان جواب يسوع تقريبًا ذات الجواب الذي نقرأه في مت: "العميان يبصرون والعرج يمشون" (آ 22). غير أن نصّ لوقا يقول قبل هذا الاعلان: "في تلك الساعة شفى يسوع كثيرًا من المرضى والسقماء وأصحاب الأرواح الشريرة، وأعاد البصر إلى عدد من العميان" (آ 21). شدّد لوقا هنا على أمرين. الأول، يسوع يُتمّ معجزات تدلّ على ملكوت الله. الثاني، وهو يدلّ على هذا الملكوت في ذاك الوقت، في حاضر كرازته، في الكرازة التي يقوم بها الآن. وهكذا يكون حقًا الملكَ المسيح. وهذا الملك يجد تجلّيه التامّ خلال رسالته العلنيّة.
هذا لا يمنع أن لا يكون الظهورُ المجيد للساعة الحاضرة قد حصل الآن. فبعد موته سيقيم ملكه (23: 42) وفي الأزمنة الاسكاتولوجيّة يمارس نشاطَه الملوكيّ كديّان (28:22-30). غير أن لمُلك يسوع في الفترة التي يكرز فيها، كثافة واقعيّة تستبق "حاضر" المجد الأبديّ الذي سيُعطى له في نهاية الازمنة. 
ثالثًا: الحاش والآلام
إن هويّة يسوع الملوكيّة ظلّت هي هي في حاشه وآلامه، وإن كُسف بعض الوقت ظهورُ ملكوت الله: فمُلك الشيطان بدأ عمله، وشخص الملك المسيح سيسير في مناخ معاد كل المعاداة. ونلاحظ حين نقابل لو مع مت ومر، أن الانجيل الثالث يشدّد بالأحرى على الطابع الملكي ليسوع. وإذ أراد لوقا أن يصوّر دخول يسوع إلى أورشليم في يوم الشعانين، وزّع إشارات أخذها من مشهد تنصيب سليمان ملكًا (1مل 1 :32-40؛ رج لو 29:19-40). أما السلام الذي يهتف به التلاميذ فهو الخير الذي يحمله المسيح الملك.
وتفرّد لوقا حين أورد المواجهة بين يسوع وهيرودس، بين هؤلاء الملكين. هناك من هو صورة "ملك"، وهو لا يملك إلاّ في الظاهر. وهناك الملك الحقيقيّ الذي يقف في صمته وقفة سكوت مأساويّ (23: 6-12). وعلى الصليب سيُقال ليسوع: "إن كنت ملك اليهود فخلّص نفسك" (37:23). وفي النهاية صلّى اللص: "اذكرني يا يسوع (يا رب) حين تأتي في ملكوتك". فأجاب يسوع: "الحقّ أقول لك: ستكون معي اليوم في الفردوس" (23: 42-43). إن حقبة الآلام المظلمة حيث لاقى ملك يسوع العداوة وحسب، حيث انقطعت مسيرة "ملك الله"، تنفتح قبل أن يُسلم يسوع الروح، على عالم من النور سيعترف بهذا الملك المجيد الذي يرتبط بالفردوس، بالسماء.
رابعًا: يسوع على عرشه
في أع، توسّع لوقا في حديثه عن وضع يسوع القائم من الموت، ولاسيّما في خُطب بطرس وبولس. لا يعطي اسم ملك ليسوع إلاّ في فم أهل تسالونيكي الذين هزئوا من الواعظين بالانجيل واتهموهم: "يعملون ما يخالف أحكام قيصر، إذ ينادون بملك آخر يُدعى يسوع" (أع 7:17). أما إعلان القيامة فيستعمل عدّة ألفاظ ملوكيّة. هذا ما نجده في خطبة بطرس، يوم العنصرة، حيث تُذكر مزامير ملوكيّة ولاسيّما مز 2: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (أع 13: 30-39؛ رج لو 3: 21). إن القيامة هي في الواقع نعمة وهبها الآب لابنه حين أجلسه على عرش الملك.
في الأزمنة التاريخيّة، لا يكون لهذا التنصيب الملوكيّ كل نتائجه. فلن تقرّ البشريّة كلها بيسوع ملكًا إلاّ في الدينونة الأخيرة (لو 22: 28-30). لاشكّ في أنه ملكٌ منذ الآن، ولكنه لا يمارس هذا المُلك بعدُ في كل أبعاده. هنا نتذكّر مثل "الدنانير" الذي قاله يسوع لأن الناس تخيّلوا أن ملكوت الله سيظهر في الحال (لو 19: 1).
في 19: 12-17، نتذكّر أولاً النهاية ونقابلها مع ما فعله إيليا بأنبياء البعل في الكرمل (1 مل 18: 40). إن الموضوع النبويّ ظاهر في هذا المثل الذي يشدّد على رفض اليهود ليسوع. ولكن الموضوع الملوكيّ ظاهر بشكل واضح جدًا. فالانسان الرفيع النسب هو يسوع، الذي سيترك هذه الأرض بعد أن لاحقه بغضُ الذين قتلوه، أو الذين تصرّفوا كأعداء الانجيل. والمُلك الذي يُعطى له، هو ملكه كالقائم من الموت، والذي لا يُرى إلاّ في العالم السماوي، ساعة يسير التاريخ مسيرته على الأرض. وهو سيعود في الأزمنة الأخيرة. حينئذ يظهر مُلكه على عيون الجميع وتبدأ الدينونة. والذين استثمروا الخير الذي سُلّم إليهم، يجازون خير مجازاة. والآخرون يستبعدون. لا يورد لوقا مثل الدينونة الاخيرة الذي أورده مت 25: 31-46. ولكن مثل الدنانير يحتوي المواضيع نفسها: موضوع الملك. موضوع المجازاة والعقاب. وهكذا بدا يسوع عند لوقا الملك والديّان في نهاية الازمنة.
ب- ملك يدوم إلى الأبد
أولاً: إعلان الملك
اختلف لوقا عن متّى فما بدا مهتمًا بمُلك الله في زمن اسرائيل. فالملكوت يبدأ مع يسوع. ويوحنا المعمدان الذي هو السابق، يجهل كل شيء عن هذا الملكوت. لقد بقي على عتبة الملكوت. والقول عن الأصغر في الملكوت الذي نجده في لو 28:7 وفي مت 11: 11 يبدو واضحًا عند لوقا: إن يوحنا أنهى رسالته قبل زمن الملكوت. ما زال في العهد القديم، في زمن التهيئة. أما زمنُ العهد الجديد فيبدأ مع يسوع الذي بدأ رسالته (في لوقا) ساعة أنهى يوحنا رسالته ووُضع في السجن (3: 19-20). إن يوحنا ينتمي إلى حقبة تاريخيّة هي حقبة الشريعة والأنبياء. وبعد توقيفه يُعلن الملكوت (16: 16).
بدأ إنجيل الملكوت مع بداية كرازة يسوع، وما توقّف معها. فيسوع ليس وحده المنادي بهذا الملكوت. فمسؤوليّته انتقلت إلى الاثني عشر (9: 2). والسبعون أيضًا نادوا بهذا الملكوت (10: 9 11)، والنسوة اللواتي تبعنه (8: 1- 3). فكل شخص يعتبر نفسه تلميذ يسوع، مسؤول عن هذه المناداة بالملكوت (9: 60، 62). في زمن رسالة يسوع التاريخيّة، كان صوتُ التلاميذ امتدادًا لصوت معلمهم، وسيظل الأمر كذلك بعد الآلام (أو الحاش الذي يعني الآلام في السريانيّة) والقيامة، في تلك الحقبة التي تسمّى زمن الكنيسة. يرى لوقا انقطاعًا عميقًا بين زمن يسوع، وزمن الشريعة والأنبياء. ولكن التواصل حاضر بين زمن يسوع وزمن الكنيسة، زمن ما قبل الفصح، وزمن ما بعد الفصح. فقبل القيامة وبعدها، نحن في زمن الملكوت، في "حاضر" لا يتوقّف، في حاضر دشَّنه يسوع المسيح فلا تكون له نهاية.
في أع، تابع المرسلون التبشير بالانجيل، إنجيل ملكوت الله، والإنجيل هو أيضًا اسم يسوع (8: 12؛ 28: 31). وعضدهم الروحُ القدس في هذه المهمّة. فما أعلنه يسوع وما يعلنه التلاميذ، هو في نظر لوقا بلاغ واحد وحيد. إنه ملك. به أقيم ملكوت الله. وهذا التعليم هو للزمن الانجيلي ولزمن الكنيسة الذي يمتدّ إلى انقضاء الدهر.
كان يسوع الملكَ والنبيّ. والمرسلون كذلك. فبعد عودة السبعين من الرسالة أعلن يسوع لهم: "إن كثيرين من الأنبياء والملوك ودّوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم سامعون ولم يسمعوا" (10: 24). أورد متّى القول عينه في ظروف مختلفة ولكنه قال "الأنبياء والأبرار"، فلم يشدّد على وضع التلاميذ كملوك كما فعل لوقا. أما وضعهم كأنبياء، فقد برز في خطبة بطرس في العنصرة: حلّ الروح على التلاميذ فجعل منهم شعب أنبياء، وهكذا تمّ فيهم ما قاله النبيّ يوئيل (3: 1-5؛ رج أع 2: 14- 21).
ثانيًا: سلوك أبناء الملكوت
إن لمشاركة التلاميذ في ملكوت الله بُعدًا سلوكيًا. فهي لا تنحصر في مسؤوليتهم كمنادين بهذا الملكوت. بل إن يسوع يوجّه إليهم التطويبات. "طوبى لكم أيها المساكين، فإن لكم ملكوت الله" (لو 6: 20). هو ملكوت يطلبونه بنشاط وإن لم يستطع الانسان أن يضع يده عليه، وإن كان هذا الملكوت في أساسه عطيّة من الله وموهبة (12: 31-32).
وهذا ما قاله يسوع مشدّدًا على أن من أراد أن يشارك يومًا بعد يوم في هذا الملكوت، عليه أن يقبل متطلّباته: "وسأله الفريسيون: متى يأتي ملكوت الله؟ فأجابهم وقال: ملكوت الله لا يجيء بوجه منظور. ولن يقال: هو هنا أو هناك: فها إن ملكوت الله في داخلكم" (17: 20- 21).
فالمعارضة التي بُني عليها هذا الحوار يردّ على سؤال على المستوى الزمنيّ. تخيًّلت الجموع أن ملكوت الله سيظهر لأنَّ يسوع اقترب من أورشليم. وانتظر الفريسيّون ملكوتًا نراه بعيوننا "كعدوّ" يراه الساهر من أعلى برجه. فيقول: ها هو. اعتبروا أنهم يستطيعون رؤية الملكوت. فعارضهم يسوع وتحدّث عن طابعه الخفيّ، السريّ، الذي لا تصل إليه عين "المراقب" من على أسوار المدينة. 
ملكوت الله هو في كل واحد منا. ملكوت الله هو في قلب جماعتنا. صورة فرديّة. وصورة جماعيّة. وفي كلا الحالين، لا ننتظر هذا الملكوت ونحن مكتوفي الايدي. بل نعمل في محيطنا بحسب متطلّبات الانجيل.
وحين قال التلاميذ للمدن التي زاروها: "اقترب منكم ملكوت الله" (10: 9)، كان كلامهم امتدادًا لكلام يسوع. حضور الملكوت أمر واقع. ولكن لا يدركه إلاّ الذين يفتحون قلوبهم له. أما الذين يرفضونه، لا يتقبّلونه، فيقال لهم: "ومع ذلك، فاعلموا أن ملكوت الله قد اقترب". هو هنا. إن لم يتميّزوه كانوا الخاسرين. بل يظلّون خارجًا عنه.
الفصل التاسع عشر
لصُّ اليمين
أو أوّل الدّاخلين إلى الملكوت

لا تذكر لنا الأناجيل الشيء الكثير عن لصّ اليمين: أربع آيات في لوقا، آية واحدة في متّى، نصف آية في مرقس، ولا شيء في يوحنا. وفوق ذلك يدمج متّى ومرقس اللصين في جماعة المستهزئين الذين يضحكون على يسوع. أمّا لوقا الذي أنشد مراحم الله، ولاسيّما تجاه صغار القوم والخاطئين، فقد أوضح لنا الأمور وأرانا في لصّ اليمين أوّل الداخلين إلى الملكوت.
نحن نجهل كل شيء عنه وعن نوعيّة جريمته. هل كان سارقًا وناهبًا كهؤلاء الذين تعوّدوا أن يكمنوا في الطريق للحجّاج الآتين إلى أورشليم؟ هل كان واحدًا من الذين يقاومون الاحتلال الروماني مثل برأبّا وغيره، ولاسيّما وأنّ الرومانيين اعتادوا أن يسمّوا الثائرين على حكمهم لصوصًا؟
وحاولت الأخبار اللاحقة أن تعطيه اسمًا فكان دسماس وغيره، وأن تجد لديه بعض الأعمال الصالحة لتبرّر دخوله إلى الفردوس. ولكنّهم نسوا رحمة الله التي تجعل الأوّلين آخرين والآخرين أوّلين، وتؤمّن للزناة والعشّارين مكانًا في ملكوت السماء لا يصل إليه الكتبة والفرّيسيون والذين يعتدّون ببرارتهم وقداستهم.
الكنيسة اللاتينية نسيت بعض الشيء لص اليمين فلم تحتفظ إلاّ أبرشية ليون بفرنسا بقداس إكرامًا له. ولكنّ أصحاب الليتورجيا يشمئزّون بقولهم: كيف نكرّم مثل هذا اللص؟ وينسون أنّ يسوع نفسه طوّبه قدّيسًا. ولكنّ الكنيسة الشرقية تختلف عن أختها الغربية. فالليتورجيا المارونية تتذكّر لص اليمين يوم الجمعة العظيمة وتضيء شمعة قرب المصلوب لتدلّ على حضوره قرب سيّده. أمّا الكنيسة الأرثوذكسية فتفرد له مكانًا خاصًا وتصوّره في الكنائس على أحد الأبواب الملوكية. ونراه في بعض الأيقونات وحده في الفردوس الذي ما زال فارغًا. بينما يسوع القائم ما زال يعمل على تخليص أبرار العهد القديم: يخرج آدمُ من قبره، وتسجد حوّاء وهي مشدودة إلى المخلّص، ويتقدّم طواف الأنبياء وعلى رأسهم يوحنّا. أمّا لص اليمين فهو هنا أوّل الواصلين وسط أشجار ترمز إلى الفردوس. لم يتسنّ له أن يلبس ثوب العرس، فظل في إزار المحكوم عليهم بالموت ولكن كان النور يشعّ منه.
سنتأمل في هذا اللص الذي "سرق الفردوس"، ونردّد كلماته وكلمات يسوع عائدين إلى النص الانجيلي نشرحه، وإلى الآباء نستلهمهم، وإلى تقليد الوعّاظ نتعلّم منهم البساطة الإنجيليّة.


1- عودة إلى الانجيل
أ- نظرة شاملة
ونعود إلى الانجيل الذي يفتح أمامنا نحن الخطأة باب الرجاء. ونقرأ بصورة خاصة المقطع عند القدّيس لوقا (39:23-43) الذي يعود إلى ما كتبه متّى (27: 44: وكان اللصّان المصلوبان معه هما أيضًا يعيّرانه مثل ذلك) ومرقس (15: 32 ب: وكان اللصّان المصلوبان معه هما أيضًا يعيّرانه) بطريقة مختصرة: لم يعيّر المصلوبان معًا يسوع بل واحد منهما (لو 39:23). أمّا الآخر، فتقبّل عقابه وأعلن أنّ يسوع اتّهم ظلمًا، وتلا صلاة تفرض أنّه عرف المسيح في ذلك المصلوب. قال لوقا: وأخذ أحد المجرمين المعلّقين على الصليب يشتمه ويقول: "ألست أنت المسيح؟ فخلّص نفسك وخلّصنا". فانتهره الآخر قال: "أما تخاف الله وأنت تعاني العقاب نفسه؟ أمّا نحن فعقابنا عدل لأنّنا نلقى ما تستوجبه أعمالنا. أمّا هو فلم يعمل سوءًا". ثمّ قال: "أذكرني يا يسوع حين تجيء في ملكوتك". فقال له يسوع: "الحق أقول لك: ستكون اليوم معي في الفردوس". 
في الآيتين 42-43، نجد نصًا مختلفًا في النسخة الغربية: والتفت نحو الرب وقال له: "أذكرني يوم مجيئَك". فأجابه يسوع وقال له: "كن على ثقة، ستكون اليوم معي في الفردوس". إنّ النصّ الغربي يبدو متأخّرًا عن النص المعتمد بسبب وجود كلمة "الرب" و"كن على ثقة". ولكنّ الذي وضع هاتين الكلمتين أراد أن يُدخل تأمّله في النص الإنجيلي، فأعلن أنّ يسوع هو الرب وهو القادر أن يفعل، وأنّ على اللص أن يثق بيسوع ثقة تامّة.
يبدأ المقطع الذي نقرأ فيه آيات اللص بالآية 32 ب: "وسيق معه إلى القتل مجرمان". وينتهي بكلام يسوع إلى لص اليمين: "ستكون اليوم معي في الفردوس". نحن في الطريق الموصل إلى مكان الصلب. في هذا المقطع يتساءل الانجيلي: من هو هذا الرجل الذي يموت بين لصّين؟ فبطرس الذي اعترف به "مسيح الرب" لم يتبعه إلى الجلجلة حيث يُطرح هذا اللقب جذريًا على بساط البحث. أمّا الكتابة فوق الصليب فقالت: هذا ملك اليهود. أمام هذه الكتابة تصرّف الحاضرون بطرق مختلفة. هناك من لجأ إلى التعيير والشتيمة، وهناك من آمن ورجا. وبين الاثنين يقف الشعب منتظرًا. أمّا يسوع فليس باليائس ولا بالصامت. ويورد لنا القدّيس لوقا ثلاث كلمات ردّدها المصلوب فأظهر ثقته الداخلية بالله ثقة لم يزعزعها شيء. تشير الكلمة الأولى إلى الجنود الذين جاؤوا ينفّذون الحكم في ثلاثة أشخاص حُكم عليهم بالصلب. فهم لا يناقشون هل كانوا على خطأ أم لا، بل يقومون بعملهم. يقول عنهم يسوع: إغفر لهم يا أبت لأنّهم لا يدرون ما يعملون (23: 34). فيسوع الذي هو ضحيّة ظلم عظيم، والذي يتحمّل عذابًا مرًا، يجد القوّة في أن يضع موضع العمل المتطلّبات السامية التي وضعها فيما يخصّ المغفرة ومحبة الأعداء: "صلّوا للذين يفترون عليكم" (6: 28). ولكن من خلال الجلاّدين الجاهلين، يطلب يسوع المغفرة لكل المسؤولين عن موته بمن فيهم رؤساء اليهود الذين افتروا عليه وهم الآن يهزأون بضعف ملكه. فهم عميان متعصّبون لا يعرفون ما يصنعون، ويحسبون أنّهم يخدمون الرب وهم في الواقع أعداؤه. فهذه الكلمة الأولى الموجّهة إلى الآب، تدلّ على حريّة يسوع الداخلية مع أنّه مقيّد، وعلى قوّته الروحية التي تحطّم دائرة البغض وروح الانتقام التي تحيط به. وهذا لعمري هو انتصاره الحقيقي على قوّة الظلمة.
أمّا الكلمة الثالثة فهي خارج المقطع الذي ندرسه: "يا أبت، في يديك أستودع روحي" (23: 46). ونعود إلى قلب المقطع وفيه الحوار بين لصّ اليمين ويسوع. من الواضح أنّ الموضع التعليمي هو الجواب لمسألة طرحها تنفيذ الحكم بيسوع: هل نقدر أن نعلن أنّ هذا المصلوب هو المسيح وهو الملك ابن داود؟ أجل، ستظهر أفكارُ القلوب الخفيّة عند الصليب.
ونقرأ ثلاث كلمات: تهكّم، سخر، شتم. ونفهم موضوع هزء الرؤساء والجنود واللص الأوّل: إن كان المسيح (الملك) فليخلّص نفسه. وهنا نتذكّر كلام الإنجيل: تقولون لي: أيّها الطبيب طبِّب نفسك (4: 23). ونزيد: أيّها المخلّص خلّص نفسك. "خلّص آخرين فليخلّص نفسه إن كان مسيح الله المختار" (23: 35). وتُطرح الأسئلة ثلاث مرّات بطرق مختلفة: إن كان المسيح... إن كنتَ ملك اليهود... أما أنت المسيح... وهذه الأسئلة تبدو كصدى لكلام الشيطان حين جرّب يسوع: إن كنتَ ابن الله: "إن كنتَ ابن الله فقل لهذا الحجر فيصير رغيفًا... إن كنتَ ابن الله فألق بنفسك من ههنا إلى أسفل" (3:4، 9). 
إذًا نحن أمام المحنة الأخيرة التي يواجهها بطلٌ شرعَ لوقا يروي حربه وانتصاره. فحين يتخلّى عن تخليص نفسه، يتغلّب بصورة نهائية على خصم خلاصنا، وهذا الخصم يعمل من خلال ما يعمله البشر بيسوع منذ توقيفه. ولقد أعلن هو بنفسه: "تلك ساعتكم، وهذا سلطان الظلام" (53:22). ولكنّنا رأيناه في جبل الزيتون يتجاوز المحنة الداخلية، ويقتني في الصلاة القوّة الضرورية ليبعد التجربة العظمى، ويُتمّ إلى النهاية إرادة أبيه. وحين جاءت الإيعازات الهازئة تدعوه لأن يُظهر قدرته، اكتفى يسوع بالصمت.
فما هي طبيعة ملك المسيح؟ هل نقدر أن نعترف بمسيح (بملك) مصلوب؟ أما هناك تناقض في الكلمات؟ هنا يقحم لوقا بعض آيات خاصة به عن اللص الثاني: جواب إلى اللص الأوّل الذي يهزأ بيسوع، طلب إلى يسوع أن يذكره عندما يأتي في ملكوته، جواب يسوع إلى اللصّ بأنّه سيكون معه اليوم. 
ونتساءل: هل من المعقول أن يتعرّف مصلوب إلى مصلوب آخر مثله ويسمّيه الملك الحقيقي الذي يقدر أن يستقبله في مملكته بعد الموت؟ إنّ تفتّح مثل هذا الإيمان سرّ عميق سوف نبحث عمّا يحتويه.
بالنسبة إلى لوقا، يمثّل اللص الأوّلى الشعب اليهودي العديم الإيمان، الذي يرذل مسيحه ويتشكّك ويهزأ بذلك المصلوب. قال له اللص الثاني: أما تخاف الله؟ وأعلن براءة يسوع بكلمات قريبة من كلمات بيلاطس: لم يعمل سوءًا. وإذ قبلَ عقابه على أنّه عادل، طلب غفرانًا لا يقدر أن يعطيه إلاّ ملك الملوك والقاضي السامي الذي يدين في نهاية الأزمنة: "أذكرني يا يسوع حين تجيء في ملكوتك". هذه الصلاة تجمع في ذاتها صلاة المساكين الذين سمعوا التطويبات.
وهي تتضمّن رجاء عظيمًا نبت من اختبار القيامة. وهكذا وصلنا إلى الجواب الأخير المتعلّق بهويّة يسوع الناصري. إنّ اعتراف بطرس (أنت مسيح الله) قد عارضه شك الصليب ونكران المعترف الأوّل (بطرس) وتشكيك الشاهدين الأوّلين للمأساة. وها هو الآن يظهر منتصرًا بلسان أوّل معترف بالمسيح المصلوب. ولهذا تدوّي الكلمة الثانية التي تلفّظ بها يسوع على الصليب. "ستكون اليوم معي في الفردوس". وهنا نفهم موضوعًا آخر تطرّق إليه لوقا: إنّ يسوع تضامن في انحداره مع كل المنبوذين، وسيستقبل في مجده كل الذين يرجون عونه مثل لص الجلجلة هذا الذي هو آخر صورة عن المساكين الذين ينالون بشرى الخلاص وقبل الجميع.
نتوقّف هنا على صلاة اللص وجواب يسوع لها.
ب- أذكرني يا يسوع حين تجيء في ملكوتك
ولكن كيف يذكر يسوع اللص وهو في ساعة النزاع والموت؟ ينتظر أن يذكره حين يصير ملكًا. ولكن متى؟ هنا نجد نفوسنا أمام تناقض من وجهة نظر الايمان اليهودي. فالنظرة إلى موت قريب مخجلٌ تناقض مناقضة تامّة ملك يسوع المسيحاني. فعندما يجيء المسيح يُظهر قدرته إظهارًا باهرًا، يتُمّ خلاص بني اسرائيل. فموضوع موت المسيح غائب كليًا من اللاهوت اليهودي. ولهذا فتعبير اللص الأوّل وشتائم سائر الحاضرين كان منطقيًا في الفكر اليهودي: لقد مات يسوع وما استطاع أن يخلّص نفسه فوضع حدًا لحلمه المسيحاني. لو استطاع أن ينزل عن الصليب فيبيّن قدرته ويخلّص اللصين المعلّقين عن شماله ويمينه! ولكنه لم يفعل. وهكذا بدا أنّ مغامرته انتهت.
فماذا يرجو لص اليمين بعد؟ ولكنّه عاد إلى مجيء المسيح المنتصر في ملكه بعد الموت، فانتظر العالم الآتي الذي هو أوّل موضوع لرجاء اسرائيل.
كيف بدا العالم الآتي في النظرة اليهودية؟ هو عالم متجلٍّ لا يكون فيه أثر للشر وتسبق مجيئَه قيامةُ الأبرار (رج دا 12: 2-3). هذا من جهة. ومن جهة ثانية يرتبط مُلك المسيح بالعالم الحاضر: يحرّر شعب الله ويتغلّب على أعداء الله فينظّم هنا وضعًا يساعد على مجيء العالم الآتي.
ولكنّنا نفهم طلب لص اليمين إذا عرفنا أنّ مجيء المسيح في ملكه يكون في العالم الآخر. تكون دينونة الله، ويقوم المسيح بهذه الدينونة، ويتطابق ملكه المجيد مع ظهور العالم المتجلّي. وتكون قيامة للأبرار الذين يشاركون في هذا الملك وفي الفرح المحفوظ للمختارين. هذه النظرة تتوافق مع ما نقرأ في سفر أخنوخ المنحول وفي كلام الرسل: "ربّنا أفي هذا الزمان تعيد الملك إلى اسرائيل" (أع 1: 6). فالقيامة تعني أن يجلس المسيح على عرش مجده فيحقّق لشعبه الخلاصَ المنتظر. هل نحن أمام ملك أرضي أو تدشين لمجيء آخر؟ العالمان يتداخلان، والعبور من الواحد إلى الآخر يتمّ بصورة تدريجية وكما لو كان ملك المسيح المجيد سيجلب معه قيامة الأبرار والدينونة الأخيرة. في هذا المعنى نفهم طلب لص اليمين: "أذكرني يا رب حين تجيء في ملكوتك". ما هي طبيعة هذا الحدث؟ تبقى غامضة، وكل ما نعرفه هو أنّ هذا الحدث سيجيء. فقد أعلن يسوع خلال حياته على الأرض بشارةَ الملكوت، وبيّن أكثر من مرّة أنّه آت قريبًا (مر 1: 15)، بل هو حاضر (لو 17: 20). وتطواف الشعانين ظهر كأنّه تتويج للمسيح (مر 11: 9-10). فإن بدت ساعة الصليب وكأنّها تعارض هذا الظهور السابق لأوانه، إلاّ أنّ يسوع لم ينكر يومًا رجاءه بأن يرى مجيء ملكوت الله الذي هو أيضًا ملكوته. ولقد أورد لوقا وعد يسوع للاثني عشر: "أنتم ثبتم معي في محني، وأنا أوليكم الملكوت كما أولاه لي أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي، وتجلسون على العروش لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر" (لو 22: 29-30). في هذا الإطار نقرأ طلب اللص مع العلم أنّ البشارة وصلت إلى الخلاص أيضًا.
ج- اليوم تكون معي في الفردوس
ولكنّ جواب يسوع يبدو وكأنّه ينفصل عن هذه النظرة، فهو يُحِّل محل النظرة المستقبلية رجاء يتحقّق في الحال. "اليوم تكون معي في الفردوس". اليوم هو يوم موت يسوع، وهذا أمر مهم في نظر الانجيلي. ولكن قبل أن نتفحّص العلاقة بين موت يسوع وخلاص الخاطئ التائب، نودّ أن نحدّد بعض العبارات التي وضعها الانجيلي في فم يسوع. إنّها تدلّ على نظرة لاهوتية إلى عالم ما وراء القبور لا نفهمه إلاّ في إطار الأفكار اليهودية في ذلك الزمان.
كان الرأي العام النابع من الأسفار المقدّسة يرى أنّ كل الموتى لهم المصير الواحد: فالأبرار والخطأة ينزلون إلى الأماكن السفلى (الشيول في العبريّة: أي مثوى الأموات) فيرقدون الرقاد الواحد. ودخل مع سفر دانيال رجاء جديد يرى الأبرار الذين ماتوا في سبيل إيمانهم يقومون من هذا الرقاد الكئيب ليشاركوا في ملك الله الاسكاتولوجي (دا 12: 2). شقّت الفكرة مسيرتها. فانتظرت الحلقات اليهودية قيامةَ الأبرار وخروجهم من الشيول. ولكنّ ذلك سيتمّ في الدينونة الأخيرة. فماذا يحدث للموتى في هذا الوقت؟ هذا سر لا يعرفه الانسان إذ لم يصعد أحد من الشيول ليخبر الأحياء بما يحدث هناك. من أجل هذا لجأ الكتّاب إلى الصور والرموز ليعبّروا عن عالم الماورائيات.
هنا نعود إلى اللغة الرمزية. فحين نتكلّم عن الله نتصوّره في السماء محاطًا بحاشية من الخدم، ينظر من العلاء إلى البشر أو يظهر في بهاء العاصفة الرهيب (مز 18: 8-15). وإذا تصوّرنا حالة السعادة التي لأجلها خلق الله البشر والتي تعارض وضعنا الحاضر، نتخيّل الإنسان الأوَّل الذي وضعه الخالق في جنّة عدن حيث قضى حياة حميمة مع الله وتسلّط على سائر الخلق (تك 2: 4 ي). والأمر هو هو حيث نريد أن نفهم اختبار الموت وما يليه. فالشيول، موضح الأموات، هو صورة رمزية لا نستطيع أن نتخلّص منها، ويجب أن نفهم حقًا ما يعني بها الكاتب عندما يتحدّث عنها.
ولنا في مثل لعازر والغني (لو 16: 19- 31) صورة عن الآخرة تساعدنا على تهيئة المسرح الذي سيتحرّك عليه الممثّلون: "ومات المسكين فحملته الملائكة إلى حضن ابراهيم. ثمّ مات الغني ودُفن. فرفع عينيه وهو في الجحيم يقاسي العذاب فرأى ابراهيم عن بعد ولعازر في حضنه. فنادى: إرحمني يا أبت ابراهيم، وأرسل لعازر ليبلّ طرف إصبعه في الماء ويبرّد لساني فإنّي أعاني أشدّ العذاب في هذا اللهيب. فقال ابراهيم: يا بنيّ، تذكّر أنّك نلت خيراتك في حياتك ونال لعازر بلاياه. أمّا اليوم فقد نالت العزاء وأنت نلت العذاب. ومع ذلك فقد أقيمت بيننا وبينكم هوّة عميقة حتى إنّ الذين يريدون الاجتياز من هنا إليكم لا يستطيعون، ولا الذين هناك يستطيعون الاجتياز إلينا (لو 16: 22- 26). إنّ لهذه الصور المكانية وانتقال الفقيدين والحوار معنى لاهوتيًا، وهذا ما لا شكّ فيه. ولكن يجب علينا لندركه أن نتجاوز التصوّرات الصرف ونفسّرها في نظرة حياتية. في هذا الإطار نفهم جواب يسوع للّص: "ستكون اليوم معي في الفردوس".
أمّا مثل لعازر والغني فقد كُتب على ضوء التصوّرات اليهودية المعروفة في القرن الأوّل المسيحي: نزل الغني إلى الجحيم (الشيول) حيث يقاسي عذابه، وحملت الملائكة لعازر إلى حضن ابراهيم أي إلى الفردوس الذي انتقل إليه ابراهيم والذي يقيم فيه إلى أن يأتي اليوم العظيم. إذًا يقيم الفقير مع ابراهيم مكرّمًا.
ويستعمل يسوع مع اللص اللغة الرمزية عينها: "ستكون اليوم معي في الفردوس". فالعبارة تفرض أنّه حين يسلم يسوع روحه لله (لو 23: 46) يذهب إلى الفردوس مثل ابراهيم والآباء، ويرافقه اللص إلى هناك. ولا ننسى أنّ هذا الفردوس ليس السماء بالمعنى الذي نعطيه اليوم لهذه الكلمة. فهو المكان الذي ينتظر فيه الأبرار القيامة والدينونة والعالم الآتي. فلقد كلّم يسوع اللص كلامًا يقدر أن يفهمه. وتحدّث اللص عن مجيء يسوع القريب في ملكوته المسيحاني فحدّد يسوع النظرة الاسكاتولوجية المنفتحة وما احتاج إلى القول إنّ موضوع الفردوس يتضمّن تلميحًا إلى القيامة ينتظرها هو. وهكذا ترتبط كلمته بتلك التي لمّح فيها إلى قيامته: "سيتألّم ابن الانسان ويُقتل ويقوم بعد ثلاثة أيّام" (مر 31:8).
اليوم تكون معي. نحن هنا في علاقات شخصية متبادلة. فحرف الجر معي المستعمل في الكلمة اليونانية لا يعني مرافقة بسيطة بين شخص وآخر، بل هو مشاركة وثيقة وحياة نتقاسمها واتّحاد في مصير واحد. هنا نتذكّر أقواله المزمور 73: 23-24: "وأنا معك في كل حين. تمسك بيدي اليمنى وتقودني بمشورتك ثمّ تأخذني في المجد". بعد هذا، لم يعد يتطلّع المرتّل إلى خيرات الأرض. "فمن لي في السماء سواك؟ ومعك لا رغبة لي في شيء على الأرض" (مز 73: 25).
نصل هنا إلى الموضوع الجوهري في المواعيد الإلهية: الله معنا ونحن معه. هذا هو معنى العهد الجديد الذي جاء يسوع يحقّقه والذي سيتفتّح فيما بعد تفتّحًا أبديًا (رؤ 3:21) ولكنّ وسيط هذا العهد الجديد لا يبقى خارج سرّ الاتّحاد الإلهي الذي يتمّ به. فهو الابن وهو في بشريّته الفردية "الله معنا" (مت 1: 23). فلن نتعجّب إن رأينا إنجيل يوحنّا يحدّد علاقاته مع الآب بالعبارة التي نقرأها هنا: "الذي أرسلني هو معي ولا يتركني وحدي لأنّني أصنع دومًا ما يرضيه" (يو 8: 29). "لست وحدي، فالآب هو معي" (يو 16: 32). نكتشف هنا سرّ يسوع بكلام يدلّ على اختباره الحياتي، وهي الخبرة التي تسمح له أن ينادي الله "أبّا" بإلفة مدهشة.
فإذا كان حضور الله الحميم يطبع وجود يسوع نفسه، فكيف لا يتضمّن دخوله في علاقات حميمة مع البشر مضمونًا دينيًا يتجاوز علاقات التلميذ بمعلّمه والنبي بسامعيه؟ فقد قال مرقس: "أقام الاثني عشر ليكونوا معه" (مر 3: 14). أمر بسيط وحضور مشعّ لرفيق ندرك فيه حضور الله قبل أن نعرف من هو. وسيُسند بطرس الشهادة الرسولية إلى مشاركة الاثني عشر حياة الرب قبل الآلام وبعد القيامة. "نحن الذين أكلنا معه وشربنا معه بعد القيامة من بين الأموات" (أع 41:10).
والحياة مع يسوع تكون في نهاية الأزمنة، بل هي منذ الآن وفي كل أوان. قال يسوع: "ها أنا معكم كل الأيّام وحتى نهاية العالم" (مت 28: 20). ويقول بولس: متنا مع المسيح ودفنّا مع المسيح وسنقوم معه ونصعد معه إلى السماء. وأعلن في الرسالة إلى فيلبي (23:1): "أتمنى أن أمضي لأكون مع المسيح". وفي الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي قال (4: 17): "نكون مع الرب كل حين". وهنا نجد ما قاله يسوع للصّ اليمين ونفهم أنّ الكلمة "تكون في الفردوس" أو "تكون مع المسيح"، تعني الشيء ذاته. فالأولى نقرأها في لغة رمزيّة والثانية في لغة حياتيّة.

2- شروحات الآباء
تساءل الآباء: ما هو هذا الفردوس الذي يعد يسوع اللص به؟ قالت أوغسطينس: هل تكلّم يسوع كإنسان؟ إذن يصبح الفردوس مكان سعادة مختلفًا عن السماء التي سيصعد إليها يسوع بعد ثلاثة أيّام. هل تكلّم كإله؟ إذن الفردوس هو حيث الله. وبما أنّ الله موجود في كل مكان، فالفردوس هو في كل مكان. "إذًا استطاع المسيح أن يقول وبحق: ستكون اليوم معي في الفردوس بما أنّه وجب عليه أن يكون في هذا اليوم بجسده في القبر وبنفسه في الجحيم، ولكنّه بحسب ثباته الإلهي لم يترك يومًا الفردوس لأنّه في كل مكان". وقال أيضًا في مكان آخر: "توجّه إلى نفس اللص وقال له: ستكون اليوم معي في الفردوس. هو لا يعطي هذه النفس الجحيم حيث يتعذّب الخاطئون. فإمّا أنّه يمنحها هذه الراحة التي هي حضن ابراهيم لأنّ المسيح حاضر في كل مكان بما أنّه حكمة الله التي تدرك كل مكان بسبب نقاوتها. وإمّا أنّه يمنحها هذا الفردوس الواقع في السماء الثالثة أو في أي مكان آخر والذي إليه خُطف القدّيس بولس، هذا إذا لم يعن شيئًا فريدًا يسمّى بأسماء متعددة: المكان الذي تقيم فيه نفوس الأبرار".
وترك أمبروسيوس التساؤلات وقال: "الحياة هي أن أكون مع المسيح. فحيث المسيح هناك الحياة وهناك الملكوت".
وميّز يوحنا فم الذهب في شرحه لسفر التكوين بين ملكوت السماء والفردوس، وخلُص إلى القول بأنّ الواحد هو الآخر: "سمّى يسوع الفردوس فعنى ملكوت السماء. استعمل اسمًا معروفًا ليحدّث اللص الذي لم يسمع بمسائل معقّدة. بما أنّ رجوع اللص إلى الهلاك لم يعد موضوع خوف، قال إنّه دخل في الفردوس. إذًا نفهم كلام يسوع بالمعنى العام، ولكنّ المفسّر حمّله مضمونًا مأخوذًا من اللاهوت المسيحي عن السماء".
وقال تقليد تناقله الآباء فوصل إلى القديس توما الأكويني والشّراح المعاصرين: "مثل رائع عن التوبة نبحث عنه، بما أنّ الغفران أعطي بسرعة إلى اللص وبما أنّ النعمة تتجاوز الصلاة لأنّ الرب يمنح دومًا أكثر ممّا نطلب. طلب هذا (اللصّ) أن يذكره الرب حين يجيء في ملكوته. فقال له الرب: ستكون اليوم معي في الفردوس. فالحياة هي أن نكون مع المسيح، وحيث المسيح فهناك الملكوت".
ويتوقّف الآباء عند صلاة اللص. فهذه أقصر الصلوات وأكملها، وكل كلمة لها قيمتها فلا تحلّ كلمة محلّها. أوّلاً: اسم يسوع الذي هو جوهري في كل صلاة مسيحية، إذ ليس من اسم آخر به نخلص (أع 4: 12). وما يدهشنا هو أنّ اللصّ لم يزد أي لقب على اسم يسوع. لا يقول المسيح ولا ابن داود. بل يناديه كما ينادي الصديق صديقه، أو كمن يصرخ طالبًا النجدة. ولكنّ هذا الاسم الذي أعطاه يوسف ومريم يدلّ على رسالة ابن الله، ومعناه: الله يخلّص. كلّهم يتكلّمون عن هذا المخلّص ويهزأون به. أمّا اللص فيتلفّظ به ويعلن إيمانه بمن يقدر وحده أن يخلّصه.
ثمّ تأتي على شفتيه كلمة تذكَّر، أذكرني. هو لا يطلب شيئًا إلاّ أنّ يذكره الربُّ ولا ينساه. هذه هي صرخة الحبيب يهتف بها حين يُفصل عن حبيبه. أذكرني حين تجيء في ملكوتك. هذا المصلوب المهان سيأتي، وسيكون ملكًا. 
دهش يوحنّا فم الذهب فقال: "أي شيء غريب لم نسمع به! الصليب أمام عينيك (أيّها اللص) وأنت تتكلّم عن الملك. فماذا ترى لتتذكّر الكرامة الملوكية؟ رجل مصلوب، مجروح باللطمات، مثقل بالهزء والاتّهام، مغطّى بالبصاق، ممزّق بالسياط. هل هذه العلامات دلّتك على أنّه ملك"؟
ولكنّ اللص لا يتوقّف عند الظواهر، بل يرى بعين الايمان. هذا يعني أنّ نفس اللص الشريرة قد تحوّلت بقدرة المسيح المصلوب. قال أوغسطينس: "أي إيمان! لا أرى ماذا نستطيع أن نضيف إلى هذا الايمان. تشكّك الذين رأوا المسيح يقوم من بين الأموات. أمّا هو فآمن بذلك المعلَّق قربه على الخشبة. لقد آمن هو في الوقت الذي فيه تشكّكوا هم. أيّة ثمرة جميلة قطفها يسوع عن هذه الحطبة اليابسة؟ لنسمع ما أجابه به الرب: نعم، أؤكّد لك، ستكون اليوم معي في الفردوس. أنت تضع مهلة، أمّا أنا فأعتبرك الآن من أخصّائي. حين انتقل اللص من جريمته إلى القاضي، ومن القاضي إلى الصليب، هل كان ينتظر أنّه سينتقل من الصليب إلى الفردوس؟ ولهذا وعى ما استحقّه فلم يقل أذكرني لتخلّصني اليوم بل حين تصل إلى ملكوتك، حينئذ أذكرني ولو توجّبت عليّ عذابات إلى ذلك اليوم الذي ستصل فيه إلى ملكوتك. فقال الرب: لا، أنت دخلت بالقوّة ملكوت السماء وبالعنف، وآمنت فانتصرت انتصارًا رائعًا. اليوم ستكون معي في الفردوس. لن أؤخّرك إلى ما بعد. اليوم اليوم أريد لهذا الايمان العظيم ما يتوجّب له. قال اللص: أذكرني عندما تجيء في ملكوتك. هو لم يؤمن فقط أنّه (= يسوع) سيقوم بل أنّه سيملك. قال لهذا المعلّق والمسلوخ على الصليب والدامي والمشدود على الخشبة: عندما تجيء في ملكوتك. أمّا هم فقالوا: رجوناه. حين وجد اللص الرجاء خسره التلميذ".
ويعود أوغسطينس إلى هذه الفكرة مرارًا. أنكر بطرس الرب خوفًا من جارية، وأعلن اللص إيمانه وسط عذابات يقاسيها يسوع. علّق اللص على الصليب فاعترف بإيمانه، أمّا تلميذا عمّاوس فما زالا يشكّان حتى بعد شهادة النسوة عن القيامة. وسيردّد أوغسطينس فكرته أيضا في شرحه للرسالة إلى رومة: "يحيا البار من الايمان، ولكنّ المسيح يبرّر الشرير. ومتى يبرّره إلاّ حين يؤمن بقلبه ويعترف بفمه مؤمنًا؟ وهكذا آمن لص الإنجيل في قلبه وأعلن إيمانه بفمه. أجل حُرم من الحرية بكل أعضائه: سُمّرت يداه، ثُقبت رجلاه، عُلّق جسده كلّه على الصليب وبقي حرًا بلسانه وقلبه: آمن بقلبه واعترف بفمه".
ونعود إلى يوحنا فم الذهب: "إنطلق من الصليب نحو السماء. ما نسي مهنته كلصّ، فسرق باعترافه ملكوت السماء". وهذا الاعتراف هو اعتراف مؤمن جديد بالمسيح، ومؤمن تائب يقرّ بخطيئته. وهنا يتابع الذهبي الفم بلسان لص اليمين الذي يحدّث رفيقه: "نحن أيضًا على صليب. فالشتائم التي تقذفها عليه تصيبك قبله. فكما أنّ مَن يرمي على وجه الآخرين خطايا يبكّته عليها ضميره يحكم على نفسه بالدرجة الأولى، كذلك من يلوم الآخرين على شرّ حلّ به، يصيب نفسه أوّلاً بالشتائم التي يطلقها".
أجل أقرّ اللص بخطاياه وانتظر كل شيء من يسوع على الصليب. أذكرني أنا رفيق بؤسك، لا تنسني عندما تجيء في ملكوتك. متى؟ كيف؟ هذا لا يهم. "كان ينتظر خلاصه في البعيد واكتفى أن يتقبّله بعد مستقبل طويل وها هو يسمع الجواب: اليوم، اليوم. اليوم تكون معي في الفردوس. أمّا جواب يسوع فكان: لا حاجة إلى أن أتذكّر. الآن، بعد دقائق معدودة. لا حاجة أن أجعلك في فكري أو أن أبحث عنك في أي مكان. أنا آخذك الآن ونحن سننطلق معًا". وهنا قال يوحنا فم الذهب: "إنه لشرف كبير أن يدخل إلى الفردوس، وشرف أكبر أن يدخل إليه برفقة الرب".
وننهي أقواله الآباء هذه بمقطع من العظة الثانية عن الآلام التي وجّهها القدّيس ليون الكبير للمؤمنين: "فبعد هذه الصفقة الكافرة والبغيضة التي بها أسلم يهوذا فادي العالم إلى اليهود المضطهدين، وبعد هذا الهزء الدنس الذي رافق عطفه حتى مكان العذاب، صلبوا معه لصّين على صليبين وُضعا عن يمينه وعن يساره. أمّا أحد اللصّين الذي تشبّه برفيقه في كل شيء، الذي كان لصًا يعكّر أمن الناس بحيث استحقّ الصليب، فقد انقلب فجأة إلى معترف بالمسيح. فوسط عذابات الجسد والنفس المبرّحة التي يزيدها قرب الموت وصعوبته، تحول بفعل ارتداد عجيب وقال: أذكرني يا رب حين تجيء في ملكوتك. أيّة عظة أوصلته إلى مثل هذا الايمان؟ أيّ تعليم غرز فيه هذا الايمان؟ أيّ واعظ أشعل في قلبه هذا الايمان؟ هو لم يبدأ يرى العجائب. إنتهى وقت شفاء المرضى والنظر العائد إلى العميان والموتى الراجعين إلى الحياة. كل هذا حدث ولكنّه غاب الآن. ومع ذلك يعلن لمن يقاسمه العذاب أنّه الرب والملك. إذًا جاءته هذه الموهبة من النبع الذي منه تقبّل إيمانه الجواب. فيسوع قال له: الحق أقول لك، منذ اليوم ستكون معي في الفردوس. مثل هذا الوعد يتجاوز الوضع البشري وهو يعلن لا من على خشبة الصليب بل من على عرش القدرة. فمن هذا المرتفع نال الإيمان جزاءه وألغي دين العصيان البشري: فوضع العبودية لم ينفصل عن وضع الألوهة عندما حفظ وسط العذاب كلُّ من اللاهوت والناسوت صفاته في الوحدة".

3- تقليد الوعّاظ
تكلّم عن لص اليمين آباء الكنيسة، وتكلّم أيضًا هؤلاء الوعّاظ الذين لم يحفظ التاريخ اسمهم. كلّموا الشعب فعادوا إلى المخيّلة والشعر، فبينّوا أنّ الآخرين صاروا أوّلين، وأنّ الأشرار يسبقون الأخيار إلى الملكوت. في هذه العظات يتّخذ الكروب (الذي طرد آدم وحوّاء من الفردوس) موقف المعارضين الذي نقرأه في مثل العاملين في الكرم (مت 20: 12). ويتساءل الوعّاظ: كيف تمّ الدخول إلى الفردوس لهذا اللص الذي سرق أعظم كنز، ألا وهو الحياة الأبدية؟ أجل أعطى الرب المسيحُ اللصَّ مفتاح الفردوس ففتح الباب ودهش: أي مكان عظيم هذا، ولكن أين الساكنون؟
هنا أترك القارئ أمام نص منسوب إلى أفرام السرياني وُجد في اليونانية والجيورجية والعربية وهو ينقسم قسمين. القسم الأوّل (1- 5) فيه حديث لاهوتي يتساءل عن ينبوع إيمان اللص. والقسم الثاني (6-13) فيه شرح للكتاب يصوّر دخول اللص إلى الفردوس.
هذا النص نشره الأب ميشال فان اسبروك في مجلّة البولنديين الجزء 101 (سنة 1983) ص 351- 355. نقدّمه إلى القارئ بلغته البسيطة وأسلوبه الساذج.
المسيح الهي ورجاي والسيدة مارتمريم (= القديسة مريم) شفيعتي. ميمر للقديس ماري افرام على أوجاع الرب أو في أمر اللص.
1. تعالوا يا محبوبين سبحوا الرب الذي صُلب من أجل خطايانا. تعالوا انظروا ينبوع حياة الناس. تعالوا افتحوا حياة ليس لها فناء من كنز سيدنا الكثير. أمّة اليهود غليظة الاعناق. الأمة التي خلصت بيده القوية وبعضده العالي الشديد، الأمة التي مشيت على المياه كمثل البَرّ، الامة التي شبعت المن في البريّة، مجمع المنافقين، رضعوا المياه من صخرة، شديد نعما كافيتم رب المجد حين يضبتوه على الصليب الذي صنع فيكم هذه العجائب.
2. ما أمهلك أيه الضو الذي لا يصف حتى وعلى الصليب لص غيرك، اللص الذي كات عن يسارك حين قال: "إن كنت أنت ابن الله خلّص نفسك وأيانا من الموت". فأما اللص الآخر الذي كان عن يمين المسيح لم يقل شيء من هذا، ولكنه كان ينتهر صاحبه بتحاجر به ويقول: "اصمت وسد فمك أيها الأحمق ولا يتكلّم فاك النجس شيء آخر، أما شفى الله عمّا تكلمت على هذا الصديق المسيح الفاضل. فأنا نحن ليس كنا بأهل الحياة لأن أعمالنا كانت خبيثة على الأرض، فأما هذا الصديق صار حياة للموتى. هو لولا أنه أراد لم يموت البتة بمشيئته. أمكن منه لأنه غلب بكثرة رحمته، لأنه جاء يلتمس الهالك لمرثيته لخروفه الضال، ولذلك نزل من أعلا قدسه ومجدته ليخلص ويرحم التمثال الذي خلقه.
3. أي عجب ممجود يا إخوتي أحبا المسيح، لأن من أجل معصية آدم أغلق مدخل الجنة، ومنجل (= ومن أجل) أمانة اللص فتحت الجنة البهية. الذي كان يصنع الطرق لا تسلك، بكلمة فاه بوّب لنا الطريق الاخذة إلى جنات النعيم. اللص الذي كان ياوي المغاير بفخة تحت كنف الملك خلص. اللص الذي صنع القتل في الأرض بدم سيدنا المقدس قبل بركة الخلاص ينبع.
4. لك أيها اللص أن تسبح وتشكر أنت، ليس بشروبين ولا بالجمرة ولا بكلتين أشفيت قرحتك، ولكن هو سيد الشروبين والسرافين المسيح الله، ما أشد اقشعر زه هذا السر؟ كم باب فتحت لنا كلمة واحدة بأمانة؟ كيف بطرفة عين ارتفعت تطير من الأرض إلى السما؟ فلما بلغت دخلت في اسماع صباوث. اذكرني إذا جيت في ملكوتك. الملايكة وروسا الملايكة وقوات السما الاشراف والسلاطين نظروا وعجبوا من أمانتك، ايها اللص بهذه الكلمة انفتحت جنات النعيم.
5. صار حديث كثير بين الملايكة والصديقين منجل أمانة اللص. إن كيف أعطاه الرب ملك في غير حرص كثير؟ الملايكة قالوا للصديقين: هذا الذي منجله كان أشعيا يتنبا بالروح بهذا اللص تمت كلمة النبي المقدس حيث تنبأ وقال: مع المنافقين حُسب المسيح الذي قال لتلميذه. من استودا (= اعترف) بي بين يدي الناس استوديت أنا به بين يدي بي (= أبي) وملايكته. وحين آمن به اللص أمانة بلا شك ولم يعده إنسان إلاّ اله من اله العظيم الصادق أعطاه مفاتيح جنات النعيم وشبّهه بالملايكة. سبح لالهك ايها الخاطي على كل حال، كيف بطرف عين هذا العدوا الثقيل غلب الموت كيف بعلة أمانته نجا من ذلك العسكر العظيم.
6. فلما طار بلغ بطرفة عين وبسرعة إلى الجنة البهية. فلما بلغها اللص وفتح الباب فالتفت ها هنا وها هنا متعجب يقول. إيش هذه البلاد العظيمة بالجمال ليت شعري من سكانها، وأي تماثيل يحملونها. أدخل فيها ولكني افرق أحرك قدميه، ويأخذني الفزع إن أنا وثبت ودخلت في اسكفة الباب. اتقى= أخاف أن يتحسّسوا سكانه.
فبينما اللص يتفكر ماذا ينبغي له أن يعمل، جاه أحد الشروبيم وسأله قايلا. ماذا تصنع هاهنا، ايه الرجل الترابي؟ كيف أنت ميت وجيت إلى بلاد الاحيا؟ كيف استجريت (= تجرأت) أن تفتح الجنة؟ بأي سلطان فتحت الباب الذي أمرت أنا أن أحفظه وأدافع عنه؟ قد كان ينبغي لك، أيها الرجل، أن تقرع بريا على الباب وتستفتح لتدخل الجنة. أما تعلم أن في داخلها كنوز موضوعة للملك الكبير السيد الممجد؟ كل أكلة الصديقين البهية عندنا تحفظ. أليس تقدر أيها الانسان، أن تطا ممشانا. إن أنا تركتك، أيها الرجل سلطان آخر يمسكك ويسايلك. فإن كنت تريد أن تأخذ منا شي يسير، ليس تقدر، أيها الرجل، لأنا ساهرين متفقدين كل ساعة، وليس يقدر أحد من الناس يسرق ولا يأخذ منا شيء.
8. عند ذلك استجاب (= أجاب) اللص وقال للشروبيم: "أطلب اليك أن تسمع مني ولا تضجر. أمهل لي ساعة يسيرة في الاستماع مني، فإني قد سرقت كثير ما يسواه الدنيا، كتاب كتبه لي المسيح على الصليب اليوم، وأرسلني أن أتيك به، خذ كتابك أفتحه واقراه تحكم فيه. وكما يتكلّم فيه كذلك صنع معي برحمة".
9. فلما أخذه الشروبيم، قراه واستجاب الشروبيم وقال للص: "أول حرف في كتابك ابن ابراهيم كتب اسمك، وفي الحرف الثاني تفتح الجنة بدل آدم، وفي الحرف الثالث يمين حلفت له أنه اليوم يكون معي في الجنة من سماك بهذا الاسم المرتفع، ومن أين لك هذا السلطان الفخر العظيم وأن تأتي هاهنا تطير وتفتح الجنة؟ تعالى وافهم أن قدم رجل طبيعة الناسوت لم تدخل قط هاهنا، إلا قدم اثنين التي أخرجوا واحد لآدم والآخر لحوا زوجته. من تلك الساعة حيث أخرج آدم من الجنة البهية الممجودة، ليس أحد من الناس بالجسد نظر إلى صورتنا. قد جاوا هاهنا جماعة رجال أنقيا مومنين قد جا عساكر كثيرة من القديسين والصدّيقين، قد جا ابل (هابيل) هاهنا ونوح، فلما راوا لابواب مغلقة وقعوا. قد جا ابرهيم واسحق ويعقوب بني ابرهيم، قد جا يوسف بن يعقوب، قد جا موسى وداود الملك، قد جا أيوب الصديق كيف يسكنوا في الخيم مع القديسين والصديقين، ينتظرون مجي الرب الذي معه يدخلون في الحجلة مع الختم. انطلق الآن استريح مع القديسين لأنه ست الاف سنة هذا العالم الباطل ليس بسوا ساعة من يوم الرب".
15. فبينما الشروبين يتكلّم مع اللص، صاح صوت قريع في وسط الجنة ممتلي حلاوة ولذة روحانية، وبغفلة جا عسكر من الشروبين، وكلهم قالوا "ما هذا الأمر الذي كان أنك دعوتنا؟ فسِّر لنا ما الذي أصابك وأيش هذه الدعوة الحديثة التي سمعنا منك؟ ما هذه الدعوة الذي قلت. تعالوا بعجلة؟ قول لنا الذي أصابك حتى نسمع أجمعين أنت الذي دعوت تعالوا بعجلة. لا يكون أحد من الناس جا سرقك؟ أخبرنا لا يكون ابنا الترابي متفقين جاو هاهنا ليخذوا فيضة طبية ومتعه مرتفعة؟ لا يكون أحد من عساكر القديسين جاك الذين بالدموع يسرقون الملكوت"؟ واستجاب الشروبيم قايلا لهم "علمتم جميعا لأي شيء دعوتكم. رجل من الناس أرسل إلينا ها هنا، ومعه سجل ومفاتيح جنات النعيم. تقدموا اعلموا منه اليقين".
11. فلما تقدموا اليه كل أوليك العساكر الذين لا يموتون، بدوا يسايلوا ذلك الرجل قايلين له: "أخبرنا يا أيها الانسان ما اسمك؟ وكيف جيتنا بلا فزع؟ ومن الذي جاتك (= جاء بك)؟ عجب كبير وسر عظيم مقشعر كيف بمشيئتك مشيت هذه الطريق الفزعة. لأن النسور لا يقدر تطير علينا." وقالوا له: "كيف الآن استمسكت حتى جيت إلى الجنة البهيه؟ لعل سحابة حملتك على جناحيها؟ أو كلمة اللاة اختطفتك ووضعتك ها هنا؟ لأن الأمر الذي صابك عظيم لأن رجليك ليس بمغيرة راسا".
12. فلما سمع اللص هذه المسلة الطيبة تشدد روحه. حينيذ جعل يخذ بهم ويفسر لهم كيف أتاهم بخطفة، فقال لهم: "اسمعوا أيها العساكر المقدسة، اسمعوا من صوتي وأقول كيف أتيتكم. بإذن لي سلطانكم أن أتكلم بين يديكم أجمعين هذا الحديث الطيب المرتفع. شي بهي خرج من بلادكم الطيبة وجا إلى مسكنتنا، فبانفظاعي اليه وأمره جيت. أنا ابن الخروف، الذي سرق من بينكم، الذين أنتم بكيتم عليه إذ أخرج من هاهنا حين اخطا. فالراعي الذي خرج في طلبه فأخذه وحمله على عاتقه، ومحق ذكر اللعنة على الصليب. فأنا وحدي صبحت إليه كمثل خروف بغير راعي، وكمثل كبش طالب (= ضالّ). فسمعني الرحمن الرحيم الصالح وبسط جناحيه خطفني من فم ديب غاش خبيث الذي أراد أن يبتلعني. كتب الحكمة لم أتعلم راسا ووصية من شرايع موسى لم اتخذ. كلمة واحدة سمعت في صهيون من فم معلم صالح يقول: "كل من صار أبرص بكلمت يبرا". فلما سمعت أنا ذلك حمدت الرب الذي برحمته يشفى كثرة الخطايا. لست أنا بطاهر ولا بابن طاهر، ولا أيضًا من العالم الذي صاحوا اصلبوا اصلبوا. أنا من العالم خارج غريب. طلبة أطلب إليكم. اسمعوا أقوله لكم وأعلمكم الموهبة الذي وهب إلي المسيح. لأن من الاعمال لم اقتضى شي من الصدق. من الامانة وحدها رحمني المسيح الملك العظيم الحي. كلمة واحدة قلت للرب، وهو على الصليب. وهو أجابني كما أحب. أنا قلت: أنا أؤمن أنك أنت ابن الله. اذكرني يا رب في ملكوتك. وهو استجاب وقال لي: اليوم تكون معي في الفردوس الجنة الطيبة البهية. فبنعمته وبهاه ورحمة الرب صرت أنا كريم في كنيسته. فأنتم الآن لا تنثقلوا كلامي، أطلب إليكم وأعلمكم أنه سايكش ويمتلى مسكن الرب من العبيد الصديقين الذين يحرصون على تمام وصايا الرب".
13. فلما سمعوا كلامه المعجب، صاحوا بصوت واحد إلى اللص قايلين: "حقًا أنت صادق وحق هو الصدق الذي جيت به الينا مثل الابن التام من الاب التام المومن ابرهيم الصديق". من أجل هذا كله نسبح الآب والابن وروح القدس إلى دهر الدهرين آمين.
القسمُ الثّالث
إنجيلُ يوحَنَّا
أو
الإنجيل الرابع
يتوزّع هذا القسم على الفصول التالية: 
1- أبحاث في إنجيل يوحنا
2- الكتابات اليوحناويّة
3- إنجيل يوحنا وتجذّره التاريخيّ
4- الجماعة اليوحناويّة
5- إنجيل يوحنا وتاريخ الخلاص
6- الخلفيّة التاريخيّة في إنجيل يوحنا
7- الانجيل الرابع وأثره في القرن الثاني
8- ملكوت الله في الانجيل الرابع وسفر الرؤيا 
9- الكنيسة في الانجيل الرابع
10- كان عرس في قانا الجليل

الفصل العشرون
أبحاث في إنجيل يوحنا

أبحاث عديدة في العالم الغربي حول انجيل يوحنا، لأن ما ظهر في العالم الشرقي لا يتعدّى أصابع اليد. هناك نظرة سنكرونيّة تتوقّف عند عناصر تفسير متكامل. ونظرة دياكرونيّة تعتبر أن النص هو نتاج تطوّر تاريخي. نظرة إجماليّة ونظرة تفصيليّة. نظرتان متكاملتان وهما تحاولان الاحاطة بالانجيل الرابع من كل جوانبه.

1- مقاربة دياكرونيّة
تعرف هذه المقاربةُ صيغتين. إمّا نجعل في أصل النصّ تقاليد مختلفة. وإما نعتبر أننا نستطيع أن نحدّد ببعض الدقّة الوثائق التي لجأ إليها الكاتب.
أ- التقاليد التحتية
استعمل كاتب يو تقاليد مختلفة تقابل أوساطًا فكريّة متنوعّة: الهلينيّة، الغنوصيّة، اليهوديّة، المسيحيّة. هي تقاليد لا تظهر بوضوح بل بشكل خفيّ. وقد استلهمها الكاتب دون أن يورد نصوصها بصراحة.
راج سوقُ الهلينيّة زمنا طويلاً، أو تأثير العالم اليونانيّ على الانجيل الرابع. ولكن هذا السوق قد خبا بعض الشيء بعد أن توقّف النقّاد عند أفلاطون وأفلوطين وهيراكليتس. والغنوصيّة التي عرفت رواجًا كبيرًا لدى الشرّاح منذ اكتُشفت نصوص نجع حمادي، تُقدّمُ المعرفة على كل شيء وتنسى دور التقليد ودور الصليب. نستطيع التحدّث عن غنوصيّة سابقة للمسيحيّة، عن اتجاه عفويّ للفكر البشريّ. مثل هذا الغنوصيّة لم تكن قد دوّنت كما في النصوص التي نعرفها، بل شكّلت مناخًا نمت فيه بعض أسفار العهد الجديد ومنها إنجيل يوحنا. لا نفرط في الحديث عن تأثير الغنوصيّة في فكر يوحنا. ولكننا لا نقول إن الغنوصيّة ترتبط بإنجيل يوحنا ولاسيّما بالمطلع. بدا التأثير الغنوصيّ بشكل خاص في الثنائيّة اليوحناوية التي ظلّت على المستوى الاخلاقي ولم تصل إلى المستوى الانتولوجي (أو علم الكائن).
وتبقى اليهوديّة (= العالم اليهوديّ) الينبوع الرئيسيّ لانجيل يوحنا. يحتلّ العهد القديم المقام الأول، وهذا ما تدارسه الشرّاح منذ الستينات. هل الاستشهادات التي أوردها يوحنا هي أمور تثبّت الكتب المقدّسة؟ أم هي خلايا تولّد خبرًا يخلقها من جديد؟ فإيراد أشعيا (صوت صارخ في البريّة) والذي وُضع في فم يوحنا السابق، يوحّد المقطع الذي نجد فيه المواضيع الاشعيائيّة: الخطايا التي غفرت. المجد. شموليّة يشير إليها "كل جسد" (أو: كل بشر). 
وتلقي التراجيم (الترجوم هو نقل حرّ للنصّ الكتابيّ إلى الأراميّة) على هذا النصّ أو ذاك ضوءًا لا نتوقّعه. مثلاً في ذبيحة اسحاق. أو في تذمّر الجليليّين. وظلّت كتابات قمران موضعًا مميَّزًا للبحث. وأشار الشرّاح إلى علاقة بين يوحنا وفيلون الاسكندرانيّ. هنا تظهر مشكلة العلاقة بين اليهود والانجيل الرابع. كان يعتبر عدد من الشرّاح أن القطيعة النهائيّة بين المسيحيّة والعالم الفريسيّ قد تمتّ في "مجمع يمنية" (أو: يبنة) مع وجود لفظة "مينيم" في المباركات الثماني عشرة. أما اليوم فيرون في هذه اللفظة (مينيم) المسيحيين وغير المسيحيين. يرون فيها كل الذين يحيدون عن التقليد الفريسيّ. وهكذا بدأت تتوضّح العلاقة مع الرابينيين أو المعلّمين في العالم اليهوديّ.
وتجد التقاليد المسيحيّة ذروتها في إنجيل يوحنا. فمعرفة الجماعة اليوحناويّة تساعدنا على تحديد طبيعة النصّ اليوحناويّ. وهذا النصّ يتضمّن بُعدين: بُعد زمن يسوع الناصريّ، وبُعد زمن الكاتب الانجيليّ. هذا ما يسمى زمنَي قراءة الانجيل، زمن يسوع (كما خرجت الكلمة من فم يسوع) وزمن الكنيسة (كما فهمها الرسل والتلاميذ على ضوء القيامة وخبرتهم في العالم). ولكن طُرح سؤال حول تاريخ الجماعة اليوحناويّة. هل التفاصيل التي قدّمها الشرّاح مؤسَّسة تأسيسًا متينًا؟ فقد مُيِّزت المراحل بالنظر إلى بعض النصوص التي نجد فيها لفظة "حُرم" (9: 22: من يعترف بأن يسوع هو المسيح يُخرج من المجمع؛ 16: 2: سيخرجونكم من المجامع). هل يكفي هذا لكي نميّز أربع حقبات كما فعل ريمون براون المفسّر الاميركي؟
ونجد نتيجة كل هذا في صورة عن تطوّر الكرستولوجيا خلال القرن الاول: من كرستولوجيا بدائيّة تعكس الالقاب المعطاة ليسوع (1: 35-50، يسوع هو المسيح الداودي) إلى كرستولوجيا عميقة تستوحي الاعتقاد السامريّ بـ "التائب" (أو العائد): وهكذا يكون يسوع شخصًا وُجد منذ الأزل. وهكذا فُتحت الطريق التي ترى في يسوع "إلهًا ثانيًا". وهذا ما حرّك غضب اليهود وقطيعة مجمع يمنية. بعد ذلك كان انقسام داخل الجماعة: بعضهم توجّه إلى نظرة إلى المسيح تميل إلى الغنوصيّة (1 يو). والبعض الآخر يمثّلون المسيحية اليوحناويّة. انجذب الأولون بالنهج الغنوصي. والآخرون ضمّتهم الكنيسة الكبرى. بموازاة (أو ربما قبل) هذا البحث من النمط السوسيولوجيّ، اهتمّ النقّاد بتحديد علاقة يوحنا بالأناجيل الازائيّة (مت، مر، لو). ففي نظرة التاريخ التقليديّ جاء من ينكر كل علاقة أدبيّة مباشرة بين يوحنا والازائيين. فإنجيل يوحنا مستقلّ عن الأناجيل الازائيّة. هنا يبرز التقليد الشفهيّ الذي شدّد عليه من انطلق من شفاء ابن الموظّف الملكيّ (يو 4) أو من الظهور للمجدليّة (يو 20). لهذا، شدّدت المدرسة الالمانيّة على وجود وثائق قد نستطيع أن نحدّد طبيعتها واتجاهها.
ب- المراجع الوثائق
اعتبر بولتمان أننا نستطيع أن نكتشف ثلاثة مراجع رئيسيّة حين نتوقّف عند المعايير الاسلوبيّة (اللحمات، التناسق في الجمل) واللاهوتيّة: ينبوع الخطب. ينبوع الآيات. ينبوع الآلام (أو: الحاش). أخذ الكاتب بهذه الينابيع (أو: المراجع)، وزاد عليها مراجع أخرى، فأعطى للانجيل اتجاهه. غاب الحديث عن ينبوع الخطب، ولكنه توسّع في ينبوع الآلام مظهرًا البعد البشري ليسوع المسيح في آلامه وصلبه وموته.
وتحدّث آخرون عن مرجع الآيات الذي تضمّن المقدّمة، الآيات السبع، خاتمة مع خبر الآلام. هناك عدد كبير يتوقّفون عند الآيات السبع (عرس قانا، شفاء ابن الموظّف، المخلّع، تكثير الارغفة، السير على المياه، شفاء الاعمى، إقامة لعازر)، وبعضهم يزيد هذا الخبر أو ذاك مثل 1: 35- 51. لم يتوافق الشرّاح حول ينبوع الآيات. هل هناك خطأ؟ كلا.
وما هو أهمّ من تثبيت هذه المراجع الثلاثة (الآيات، الخطب، الآلام) هو تنظيم مؤلف أساسيّ انطلق منه الانجيل لكي يدوَّن. هذا ما يقوله أولئك الذين يتحدّثون عن الينابيع أو المراجع. فقالت أحدهم: كان نصّ أساسيّ أعاد صياغته الانجيليِّ، ثم جاء كاتب كنسي. وكتب بولتمان لا تفسيرًا لانجيل يوحنا، بل "تصويب" انجيل يوحنا. قال: انطلق إنجيليّ من أساس غنوصيّ أو مسيحيّ متهوّد، فبيِّن أن يسوع هو ملك اسرائيل الذي صنع آيات، وقدّم يسوع كمرسل الآب وهكذا انتج "كرستولوجيا رفيعة" صُبغت فيها الأخبار والخطب بصبغة هلينيّة. وبعده جاء مدوّن كنسي فبرّر الممارسة الاسواريّة. وانطلق آخرون من "انجيل المعجزات" كأساس أعاد صياغته الانجيليّ.
ظلّ الشرّاح الانكليز متحفّظين بالنسبة إلى هذه المراجع المزعومة، وقد رأوا ضعفها على المستوى الادبي والمستوى اللاهوتي. أما الالمان فرأوا في هذه النظرية "عقيدة" لا تناقش، فوزّعوا الآيات بين قديمة ومتأخّرة على مستوى الاسكاتولوجيا أو الأسرار. ونتذكّر هنا بوامار الدومنيكاني المقيم في أورشليم القدس، الذي يشير إلى نصّ أساسي استعيد تدوينه على ثلاث مراحل. ولكن هاجمه نايرنك من لوفان في بلجيكا، الذي عاد فقط إلى الأناجيل الإزائيّة.
وفي نهاية هذه المقاربة الدياكرونيّة، نتوقّف عند تأويل مطلع انجيل يوحنا (1: 1-18). إنه يرتبط بمراجع واسعة أو ضيّقة، بنظرات غنوصيّة أو مرتبطة بيوحنا المعمدان.

2- مقاربة سنكرونيّة
كثُر عدد الشرّاح الذين يقولون بوجد "مصادر" استعملها يوحنا، ويعارضون واقع "وثائق" محدّدة. لهذا، تعلّقوا بالنصّ كما يجدونه في وضعه الحالي. هذا ما نسمّيه قراءة سنكرونيّة، قراءة إجماليّة. ونتوقّف عند ثلاث طرق: التاريخيّة النقديّة. الادبيّة. السيميائيّة أو الرموزيّة.
أ- المقاربة التاريخيّة النقديّة
ليست هذه المقاربة بحثًا عن حدث يرد في خبر. بل طلبًا لمدلول النصّ في ذاته. هي تستعمل الوسائل المعروفة في التحليل الأدبيّ، كما تستعمل المعطيات السوسيولوجيّة. حول المحيط الذي فيه وُلد النصّ. هذه المقارنة تأخذ بكل ما في المقاربة الدياكرونيّة من غنى على المستوى السوسيولوجيّ والمستوى الأدبيّ.
وقد حاولت الدراسات الأخيرة أن تكتشف بفضل تفحّص لغويّ، تجدُّدَ النصّ اليوحناوي. هي تستند عادة إلى الوحدة الادبيّة للنصّ، ولكنها تقول أيضًا بوجود "مصادر". لهذا سُمّيت مقاربة سنكرونية.
ويطرح سؤال أول حول كاتب يو: هل هو الرسول، الشيخ، التلميذ الحبيب، لعازر؟ سؤال ما عاد يهمّ الشرّاح كثيرًا (الانجيل هو كلمة الله قبل كل شيء). نُسب إلى يوحنا الرسول احترامًا للتقليد، كلُّ ما ليس يوحناويًا في بداية التقليد. غير أن الاشكاليّة تجدّدت: ساعة دافع بعضهم عن كاتب فرد، تحدّث آخرون عن مدرسة يوحناويّة، حين رأوا تنوّع الاساليب واختلاف الطرق في البراهين. لقد كوّن تلاميذ الحبيب باكرًا جماعة حيّة، وأخذ بعضهم يدوّنون نصوصًا ولّدت الأناجيل. وقالت فئة ثالثة إن يوحنا الشيخ هو الذي دوّن الانجيل الرابع. وجاء من يقول: ألِّفت الكتابات اليوحناويّة في مجموعة قريبة من التلميذ الحبيب. قد يكون اختلاف في ما يخصّ دور مشاركي الانجيلي أو المدوّن. ولكننا أمام إنجيل دوِّن انطلاقًا من مصادر لا ترتبط بعضها ببعض، وهي تعود إلى جماعات متنوّعة. وقد يكون أعاد النظر في هذا الانجيل مدوّنٌ يختلف لاهوته عن لاهوت الانجيليّ. وهكذا تخسر مسألة الكاتب من أهميتها حين يتّفق الشرّاح على القول بوحدة الكتاب.
وحين يحدّد الدارس قرّاء الانجيل يستطيع أن يتفهم طبيعة هذا الكتاب. فمواجهة الانجيل مع اليهود ومع العالم، تشكّل نقطة اهتمام لدى النقّاد. اعتبر بعضهم أن أعضاء الجماعة اليوحناويّة كانوا بأكثرهم مسيحيّين متهوّدين تكلّموا اليونانية وعاشوا في محيط يسيطر عليه اليهود إن لم يكن بالعدد فبالنفوذ. ويحدّدون موضع هذه الجماعة لا في أفسس أو في مدينة كبرى غيرها، بل في منطقة قريبة من سورية، في مملكة اغريبا الثاني التي تكوّنت من مناطق الجولان وبتانية وتراخونيتس. هناك انتمى يهود عديدون إلى الطبقة الحاكمة، وظلّوا على اتّصال بتيّار قويّ هو تيّار الارثوذكسية الفرّيسيّة التي كان مركزها في يمنية. في هذا المناخ العدائي، تضايقت الجماعة على مستوى الحياة اليوميّة: كانوا هم أيضًا من "المنيم"؟ طُردوا من المدرسة فواجهوا اعتراضات عديدة يحرّكها الايمان اليهودي، كما واجهوا فشل كرازتهم الظاهرة. لا، لم يكن يوحنا عرضة لاهتمامات غنوصيّة. بل أراد فقط أن يقوّي إيمان التلاميذ.
وكانت دراسة تعود إلى سنة 1985، فشدّدت على الوظيفة العمليّة للنصّ، على النتيجة التي توخّاها، وهي تثبيت الجماعة المسيحيّة التي أضاعت اتجاهها لدى فشل الكرازة. فقدّم يوحنا للمؤمنين، "استراحة تفكير" فيها يتأمّلون المسيرة التي مشاها مرسل الله. فمصيره يدلّ على مصير تلاميذه. وإليك البرهان على ذلك. دمج يوحنا أفقين تاريخيّين، أفق يسوع وأفق الجماعة اليوحناويّة. ذاك هو الوضع المستمرّ للمؤمنين الذي رمز إليه دمجُ هذين الافقين. والقارئ يدرك الافق الثالث الذي يتجاوز خاصيّة وداع يسوع لتلاميذه مع حاضر الجماعة اليوحناويّة. وهكذا نلتقي مع "زمني القراءة"، ونزيد عليهما "القراءة الثالثة". وهكذا نستطيع مواصلة البحث في هذا الاتجاه مع تحديد طبيعة لغة يوحنا.
وجاء من سار في الاتجاه عينه فقدّم الجماعة في تعارضها مع العالم: أراد الانجيلي أن يشجّع الجماعة فدعاها لكي تنظر إلى ذاتها كجماعة تعارض المجتمع. وتحدّث آخرون عن إنجيل يعارض الظاهريّين الذين ينكرون حقيقة التجسّد. وأشارت فئة ثالثة إلى جوّ الجدال الذي يميّز إنجيل يوحنا.
ب- المقاربة الأدبيّة
تنبّه تبّاع المقاربة السنكرونيّة من اللجوء السريع إلى مصادر مختلفة ساعة تظهر صعوبة في النصّ، فاعتبروا أنه يجب أن يحذروا الاهتمام بالمنطق في تأليف النصّ. لهذا عاد داود ويد، وهو استاذ أميركي في سويسرا، إلى صيغ الفكر، إلى الأساليب الادبيّة التي نجدها في يو. فاكتشف استعمال الممازحة والنكتة. كما واكتشف الاستعارة. ودرس شارح آخر، الآيةَ الأولى في قانا والحوار مع السامريّة، فأعلن أن هذين الخبرين يجعلاننا على المستوى الرمزيّ. هما يدلاّن على غير ما يعبّران عنه للوهلة الأولى.
وعاد الشرّاح أيضًا إلى التفاصيل. درسوا المعترضات والملاحظات والقاطعات التي تُوقف مسيرة النصّ لتفسّر كلمة أو تشرح عادة يهوديّة أو لتكمّل، في مسيرة الخبر، معلومة تتعلّق بشخص من الأشخاص أو بموضع من المواضع أو وقت من الاوقات، أو كلمة أو فعلة. وقد نكون أمام اعتبار يكمّل ما قيل سابقًا. قد يكون الناشر تدخّل هنا أو هناك، وهذا ما يدلّ على وجود طبقات في التأليف. أو نكون أمام طريقة خاصة بالانجيليّ كما في المعترضة 4: 9 (فاليهود لا يخالطون السامريين).
وهناك عبارة "وحصل هذا" التي تستعيد تعليمًا أو خبرًا. فهي في 1 :28 (وقد جرى ذلك في بيت عنيا) تختتم حدثًا رسميًا هو لقاء يوحنا مع موفدي اليهود. وفي 2: 11 تتيح لنا أن نركّز انتباه القارئ على إيمان لم يُذكر في الخبر. وفي 59:6 تؤمّن وحدة الخطبة السابقة (ذلك ما فاه به يسوع وهو يعلّم في المجمع، في كفرناحوم).
ودرس بعضُهم التصالب والتعاكس في إنجيل يوحنا. وانطلق آخرون من التضمينات معتبرين أن ف 13-17 وحدة متكاملة. ولكن المشروع كان أكبر من أن تحوشه مثل هذه الدراسات. وطبّقت فئة ثالثة "النقد السرديّ" على إنجيل يوحنا. توقّفت عند النصّ كأنه قطعة أدبيّة وحسب. ولكن النصّ ليس فقط حامل مدلولات، بل هو يحاول أن يحرّك جوابًا لدى القارئ: إعجاب، صدق، فضيلة. 
اهتمّت النصوص السرديّة بالقارئ. فما انحصر التفسير بنتائج البحث التاريخيّ (علم الفقه، علم الآثار، علم الاجتماع) التي يفرضها دومًا، بل أراد أن يكتشف يسوع التاريخيّ أو المسيرة التاريخيّة لتدوين الاناجيل، أو لاهوت الانجيليّ. أراد أن يبيّن علاقة الراوي بالقارئ. فكيف توصّل إلى ذلك؟
بدأ فميّز بين ما يقوله النص والطريقة التي بها يقوله. كما ميّز بين الخبر والخطبة. فالذي يروي الخبر هو الراوي (وهنا التلميذ الحبيب). ويجب أن يميَّز صوت الراوي من كاتب النصّ الحقيقيّ والكاتب الضمنيّ (صورة الكاتب كما يتصوّره القارئ انطلاقًا من النصّ). الراوي هو الصوت الذي يروي التاريخ. أما الكاتب الضمني فلا صوت له. إنه من صنع القارئ.
ويروي الراوي التاريخ لقارئ "ضمنيّ" نميّزه من القارئ الحقيقيّ. فالقارئ الضمنيّ (مثالي. أو نحن نُسقطه) يستطيع أن يعطي معنى للنصّ ويراعي لطائفه. كما يملأ فجوات النص ويدرك الممازحة ويفهم الرمزيّة، مستندًا إلى شروح يعطيها النصّ من هنا الاساليب الادبيّة التي تميّز "التفسير الضمني". وهي ثلاثة: سوء التفاهم. الممازحة والنكتة. الرمزيّة.
يدرس القارئ اللغز وسوء التفاهم في إطار التاريخ التدوينيّ وحين تلتبس العبارة اليوحناويّة، ولكن لا ننسى أننا أمام زمنين في القراءة. والطريقة الامثاليّة هي وجهة من الوحي. لهذا، حين نتوقّف عند "سوء التفاهم"، لا نرى إلاّ وجهة واحدة من النصّ، وجهة النتيجة لدى القارئ الحقيقيّ (اليهود في زمان يسوع). ساعة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار القارئ الضمنيّ الذي يتوجّه إليه الراوي. لهذا تحدّث آخرون عن الممازحة والنكتة حيث نفصل بين الواقع الذي يعرفه القارئ والظاهر الذي يحسبه "الحاضرون" واقعًا.
وقد تكون الرمزيّة صيغة خاصة من الممازحة. وقد حاول بعضهم أن يقرأ يو قراءة رمزيّة. في أي معنى؟ لا تقوم العمليّة الرمزيّة في أن نكتشف معنى خفيًا في الصورة المستعملة، بل أن ندخل أيضًا في شراكة مع الكاتب ومع اليهود العائشين في زمن يسوع. وقد فُتحت طريق في هذا المجال تدلّ في أي معنى يستطيع القارئ أن يتماهى مع الحاضرين في الخبر. وكان تطبيق على قراءة غسل الأرجل كرمز للضيافة الافخارستيّة.
ج- المقاربة السيميائيّة أو الرموزيّة
حاول الشرّاح أن يقرأوا انجيل يوحنا قراءة محض سيميائيّة. تركوا النظريات، وقرأوا على التوالي يو 13-18؛ 7-12؛ 1-6. لاشكّ في أننا أمام نهج يحمل الكثير من الثمار.
هناك أنماط من الاسلوب السيميائيّ. انطلق الالمان من العالَم الفرنسي، ولكنهم عادوا إلى العالم الاميركي. ودرس بعضهم ف 8 فشدّدوا على عجز هذه النظرية عن شرح حركة التبادل بين يسوع واليهود وكأنها سلسلة من "سوء الفهم". واعتبر آخرون أننا في الواقع أمام لافهم عميق: فبين يسوع واليهود ليس من سبيل إلى الاتصال والتفاهم.
رفض عدد من الشرّاح التكامل بين الأساليب المختلفة. كما رفضوا العمل التلفيقي الذي فيه نأخذ ناحية من هنا وناحية من هناك لنجعل منهما مزيجًا. فعلى كل نهج أن يسير في خطّه. وكل ما نستطيع أن نفيد منه هو على مستوى التطبيق والعمل البيبلي الرعائي. وقال آخرون: يجب أن نبدأ دومًا بالمقاربة السنكرونيّة لنصل فيما بعد إلى المقاربة الدياكرونيّة. ولكن هناك أساليب على المستوى السنكرونيّ. ثم لا ننسى أن المقاربتين تحملان الفوائد والمخاطر. فالمقاربة الدياكرونيّة لا تتوصّل دائمًا إلى تفحّص معنى النصّ الحالي. وتكمن صعوبتها في اختيار المعايير التي تحدّد الوثائق المستعملة. أما مخاطر المقاربة السنكرونيّة فتكمن في تجاهل تجذٌّر النصّ في التقليد السرديّ فتصل بنا إلى الخيال وتبعدنا عن الواقع.

خاتمة
كان بإمكاننا أن نتوقّف عند بنية الانجيل وما تلقّت من دراسات، ولا سيّما في ما يخصّ التتابع بين ف 5 وف 7 اللذين يقطعهما ف 6. أن نتوقّف عند النظريات اللاهوتيّة ولاسيّما على مستوى الكرستولوجيا والآيات والشهادة. أن نتوقّف عند الفاسير العديدة ولاسيّما في اللغة الالمانيّة. كل هذا يدلّ على أن دراسة انجيل القديس يوحنا لم تتوقّف، بل هي تعرف على مشارف الألف الثالث انطلاقة جديدة تدعونا إلى الغوص في هذا الانجيل لكي نكتشف كنوزه، كنوز النور والحياة.
الفصل الحادي والعشرون
الكتابات اليوحناويّة

يربط العهد الجديد خمسة أسفار من أسفاره باسم يوحنا: الانجيل الرابع، ثلاث رسائل، الرؤيا. كتابات متقاربة في لغتها وتعابيرها. غير أنها تختلف في حسّها اللاهوتي وفي الفن الأدبيّ. نسبها ايريناوس (أسقف ليون، فرنسا) في نهاية القرن الثاني إلى قلم يوحنا بن زبدى، التلميذ الحبيب. أما النقد الحديث فيرى أكثر من كاتب وقد عملوا في السنوات 90-100. كتّاب متقاربون بتجذّرهم الروحيّ، وقد قيل فيهم أنهم ينتمون إلى مدرسة واحدة هي المدرسة اليوحناويّة. هذا ما نحاول أن نعالجه في هذا المقال.

1- انجيل يوحنا، انجيل رابع
جاء إنجيل يوحنا بعد الأناجيل الازائيّة الثلاثة، أي مت، مر، لو، فقدّم تفسيرًا للبلاغ المسيحيّ بشكل خبر حول خدمة يسوع الناصريّ وتعاليمه ونشاطه وآلامه وموته وقيامته. وتصميم هذا الانجيل هو تصميم الأناجيل الازائيّة: إعلان الانجيل ومتطلّباته وضعنا أمام مواجهة بين يسوع والسلطات الدينيّة التي توصّلت في النهاية إلى الحكم عليه بالموت. ومع ذلك، يبدو يو أصيلاً بالنسبة إلى سائر الاناجيل.
أ- أسلوب يوحنا
يتميّز أسلوب يوحنا تميّزًا واضحًا عن أسلوب الازائيين. قد يكون عرف مر في ما يتعلّق بالمخلّع (5: 1-9) وتكثير الأرغفة والسير على المياه (6: 1- 21). كما عرف لو في خبر الحاش والآلام (18-19= لو 22-23). ولكن حين نقابل يو مع مر مثلاً، نلاحظ حالاً إيجازًا في الانجيل الثاني (مر 1: 1) لا نجده في الانجيل الرابع. كما نلاحظ غياب أناجيل الطفولة كما نجدها عند متّى (مت 1- 2) ولوقا (لو 1-2).
أما يوحنا فافتتح انجيله بمطلع احتفاليّ مهيب أجمل فيه المواضيعَ الكرستولوجيّة (1: 1-18) التي ستتوزّع على الكتاب فيما بعد: الكلمة صار بشرًا (صار جسدًا). سكن (أقام) بيننا. أظهر مجده. به وُجد العالم. ولكن العالم لم يعرفه ولم يستقبله. بل إن أهل بيته رفضوه. كل هذا يعلن مسبقًا الدرامة التي سيتوسّع فيها الانجيل الرابع.
هنا يبرز الاختلاف مع الازائيّين. استعمل مت، مر، لو لغة خاصّة بالمسيحيّة الأولى. أما يو فلجأ إلى اللغة الدينيّة في زمانه. كان الازائيّون رواة طبعوا تفسيرهم اللاهوتيّ بطريقة سرد الأحداث وتنظيم تسلسلها. أما يوحنا، فاقتفى خطى بولس إذ قدّم لنا في الدرجة الأولى لاهوتًا سوف يستند إلى أحداث حياة يسوع.
ب- بناء لاهوتيّ
هذا العرض اللاهوتي في يو، سوف نجده منذ البداية. فلقاء يسوع مع يوحنا المعمدان هو مناسبة لتعداد ألقاب يسوع وهو يؤول بنا إلى خبر عرس قانا الجليل الذي يبدو بشكل برنامج ليسوع: لقد تدشّنت الأزمنة المسيحانيّة الأخيرة في "الساعة" التي فيها قدّم يسوع حياته. أتمّ يسوع العهد القديم الذي تمثّله مياه الجرار المعدّة لتطهير اليهود، فدلّ على بنوّته الالهيّة.
في الأناجيل الثلاثة الأولى، يسوع هو المنادي بالملكوت. وهو يعلن اقتراب هذا الملكوت عبر حربه على الأمراض والشياطين. وعبر التعليم الذي يقدّمه قائلاً: "توبوا، فقد اقترب ملكوت الله". أما عند يوحنا، فيسوع يعلن مجيئه الخاص، مجيئه هو. فحياته العلنيّة تقوم في قول يتكرّر، بأنه ذاك الآتي. وهكذا يحلّ محلّ توالي أخبار المعجزات والتقسيمات والأمثال والجدالات التي نجدها عند الازائيّين، توسّعاتٌ كبيرة فيها يعلن يسوع أنه الابن الذي جاء من العلاء، من عند الآب. كشف عن نفسه في حواره مع نيقوديمس (3: 1- 21) ومع السامريّة (4: 4- 42).
معجزات يسوع في يو ليست قبل كل شيء أعمالاً تحرّر كما في الأناجيل الازائيّة، بل أعمالَ وحي، أعمالاً تكشف عنه. هي تدلّ على أن يسوع هو ذاك الذي يقيم الموتى (43:4-54؛ 5: 1-18؛ 11: 1-44). أنه خبز الحياة (6: 1- 5). أنه ذاك الذي ينقل الانسان من العمى إلى النظر (9: 1-7) لأنه نور العالم.
لهذا، فهذه المعجزات لا تملك مدلولها في ذاتها. إنها آيات وعلامات. هنا نقرأ في 6: 26: "أنتم تطلبوني، لا لأنكم عاينتم الآيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز وشبعتم". فيسوع كما نراه في إنجيل يوحنا يجعل من المعجزات نقطة انطلاق من أجل توسّعات كرستولوجيّة: فشفاء المخلّع هو مناسبة خطبة وجدال (ف 5) سيعود في ف 7-8. وتكثير الأرغفة هو أيضًا مناسبة لخطبة خبز الحياة (ف 6) وما رافقها من جدال. وشفاء المولود أعمى يدخلنا إلى ف 9-10 اللذين يشكّلان وحدة متكاملة. وإقامة لعازر تشرف على كل نهاية الانجيل، ولاسيّما نهاية نشاط يسوع العلني مع ف 11-12.
ويتوازى خبر يوحنا عن الحاش (أي الآلام) مع خبر الازائيّين. ففي ف 18-21، يبدو يوحنا أقرب ما يكون من التقليد الانجيليّ. غير أن أصالته هنا أيضًا تبدو واضحة. فقد أدخل سلسلة من الحوارات، وأعطى لهذه الآلام تفسيرًا خاصًا به: إن يسوع ليس ذاك الابن الذي يواجه صمت الله كما في مرقس. وليس النبيّ المتألّم كما في متّى. وليس الشهيد الذي يسلّم أمره إلى الله كما في لوقا. إنه الكلمة الذي يُتمّ عملَه بشكل سام جدًا. موته هو ارتفاعه وتمجيده وعودته إلى الآب. موته هو الموضع الذي فيه تتجلّى سيادته (هو السيّد والربّ) وسلطانه فتخزى قوّات العالم.
وأخيرًا أقحم يوحنا بين رسالة يسوع العلنيّة وخبر الحاش مجموعة حوارات هي وصيّته قبل موته (ف 13-17). حلّت هذه الفصول محل تأسيس الافخارستيا عند إلازائيّين، فكانت مناسبة أحاديث حميمة مع التلاميذ حول الحياة الجماعيّة، حول الشهادة التي يجب على المؤمنين أن يؤدّوها لعيل معلّمهم. فهذا المعلّم "المرتفع" فوق الصليب وفي المجد، حاضر بجانبهم كالمحامي، وهو يعطيهم القوّة ليواصلوا عمل يسوع في محاكمته للعالم.
ج- إنجيل جماعة أعادت قراءته
حين نقرأ هذا الانجيل الذي "أغفل" اسم صاحبه، الذي أصابته لمسات ولمسات وما انتهى، نكتشف تماسكًا قويًا في مجمل أقسامه. فالانجيل الرابع هو حصيلة عمل طويل من الصياغة. وهذا ما نراه في خاتمتين تتواليان في آخر الكتاب: أخبار ظهورات القائم من الموت (20: 19-29) التي تجد ذروتها في اعتراف توما الايمانيّ (آ 28: "أجاب توما وقال له: ربي وإلهي") ووعد يسوع له وللمؤمنين (آ 29): "طوبى للذين يؤمنون ولم يروا). بعد هذا، نجد خاتمة يعلن فيها الانجيليّ مرمى كتابه الرعائي (آ 30- 31). وهكذا ينتهي الانجيل الرابع مع الهدف الذي وضعه أمامه كاتبُه: "لكي تؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، وتكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه" (20: 31).
ولكن جاء من استعاد النصّ "فأضاف" عليه ف 21 مع خاتمة ثانية دوّنت على مثال الخاتمة الأولى (21: 24-25). جاء تلميذ من تلاميذ "يوحنا" فشدّد على سلطة الانجيليّ. هو الشاهد. "ونحن نعلم أن شهادته حقّ" (21: 24). وقد يكون هذا "المدوِّن الثاني" قد قام بلمسات أخرى في جسم الانجيل. مثلاً وضع 19: 34-35 التي تبدو بشكل مقدّمة تقطع السياق بين آ 33 وآ 36، فتذكّرنا بما في 21: 24 والتوسّع الافخارستي في 6: 48-58.
بالاضافة إلى ذلك نجد آثارًا تدلّ على تشعّب التأليف في الانجيل الرابع. ونكتفي بمثلين اثنين. الأول يتعلّق بترتيب ف 5-7: نلاحظ قطعًا لا نفهمها بين نهاية ف 5 وجدال يسوع في أورشليم، وبداية ف 6 الذي يفترض أن يسوع هو في الجليل. هل نحن أمام عمليّة تبديل بين ف 5 وف 6 بحيث حلّ الواحد محلّ الآخر؟ ومن قام بهذا العمل؟ والمثل الثاني نجده في 14: 30- 31 الذي هو خاتمة أحاديث يسوع في ساعاته الأخيرة، والذي يُفترض فيه أن يعلن بشكل مباشر خبر القبض على يسوع (18: 1-12). ولكن النصّ الذي نقرأه اليوم يقدّم بين 14: 30- 31 و 18: 1-12 ثلاثة فصول (ف 15-17) دخلت إلى هنا دون أيّة انتقالة.
فمن أين جاءت هذه الفصول؟ ومن دوّنها وأدخلها هنا؟ 
ويُطرح سؤال أخير حول الزمن السابق للانجيل: هناك تعداد الآيات (= أخبار المعجزات) وأهميّتها في خاتمة الكتاب. هل كانت "نسخة" أولى للانجيل الرابع، احتلّت فيها أخبار المعجزات المكانة الأولى، وكانت خطب يسوع مقتضبة؟ هل نحن أمام مؤلّفَين، واحد يذكر أخبار المعجزات، وآخر خطب يسوع؟
أين نحدّد تاريخ هذه الصياغة المتشعِّبة في مسيحيّة القرن الأول؟ فانجيل يوحنا، شأنه شأن الاناجيل الازائيّة، لم يُذكر اسم صاحبه. فتلميذ الانجيلي يماهي في 19: 35؛ 21: 24 بين "المؤلّف" وصورة التلميذ الحبيب (13: 23؛ 26:19-27؛ 2:20-10؛ رج 18: 15-16). فمن هو هذا الشخص؟ هل هو مفكّر في الجماعة اليوحناوية. هل هو صورة ومثال عن تلميذ يسوع. كان ايريناوس أوّل من ماهى بين هذا "التلميذ" ويوحنا بن زبدى الذي تذكره الأناجيل الازائيّة. قال في كتابه عن الهراطقة (3: 1- 1) الذي دوِّن حوالي سنة 180، بناء على شهادة بوليكربوس أسقف أزمير (تركيا) الذي استُشهد سنة 155، قال ايريناوس إن يوحنا بن زبدى دوّن إنجيله في أواخر حياته. ولكن الشرّاح اليوم يتحدّثون عن شخص ارتبط به التقليد اليوحناويّ، ويظلّون على مستوى الفرضيّات في ما يتعلّق بتدوين الانجيل الرابع. يبقى علينا أن نكتشف مراحل تكوين هذا الكتاب.
د- أناجيل عديدة في إنجيل واحد
نبدأ فنؤكّد تجذّر التقليد اليوحناويّ في أرض فلسطين. وإذ ذكر الازائيّون نشاط يسوع العلنيّ الذي بدأ (وامتدّ) في الجليل وانتهى في صعود فريد إلى أورشليم في عيد الفصح، حدّد يوحنا جوهر خبره في أورشليم. لقد وصل يسوع إلى المدينة المقدسّة في 13:2 من أجل عيد فصح أوّل، وظلّ هناك بشكل شبه مستمرّ من أجل نشاط امتدّ ثلاث أو أربع سنوات. أما الشواذات فهي قليلة: لقاءات يسوع مع يوحنا المعمدان عند نهر الاردن (1: 19- 51؛ 3: 22- 36؛ 10: 40- 41). عبور في السامرة (4: 4-42). معجزة قانا (2: 1-12؛ 43:4-54). تكثير الأرغفة وخطبة خبز الحياة (يو 6: 1ي؛ رج مر 6: 32- 50 وز). كما تذكّر الإنجيليّ بعض تنقلاّت يسوع داخل اليهوديّة التي كانت عاصمتها أورشليم.
ويُطرح سؤال: هل كان يوحنا وريث تقاليد أورشليميّة توازي التقاليد الجليليّة كما نجدها في الأناجيل الازائيّة؟ مهما يكن من أمر، فيوحنا قد حصل على إشارات طوبوغرافيّة (على مستوى الامكنة) وكرونولوجيّة (على مستوى التسلسل الزمنيّ) أكثر دقّة ممّا في الأناجيل الثلاثة الأولى. مثل هذه الفرضيّة قد تشرح انتقال كلمات يسوع التي أوردها يوحنا وجهلها الانجيليّون الآخرون. ويُطرح سؤال آخر حول الرباط بين هذا التقليد السابق ليوحنا وعالم يوحنا المعمدان الذي يبتعد عن الارثوذكسيّة اليهوديّة، كما يظهر بشكل خاص في ف 4.
ومهما تكن التوسّعات المتوسّطة التي تفصل مدوّن الانجيل الأخير عن جذوره الأولين، فقد عمل في نهاية القرن الأول المسيحىّ بين سورية وآسية الصغرى، كما حاول أن يردّ على تحدّيات رئيسيّة ثلاثة.
هناك أولاً صراع مع الفريسيّين، معلّمي الارثوذكسيّة اليهوديّة، بعد دمار الهيكل سنة 70 وتنظيم الجماعة في يمنية (أو يبنة) في نهاية القرن الأول. نحن أمام جدال لاهوتيّ حول الأمانة لمشيئة الله والعهد. من هم أبناء ابراهيم الحقيقيّون؟ أين يتحدّد موقع التواصل بين موسى والكتاب المقدّس؟ أجاب يو: في استقبال الابن وكلمته. يبدو يوحنا هنا قريبًا من متّى. وترافقَ الصراعُ حول تفسير الكتاب مع "حقد" تبع القطيعة بين نظامين. بين الكنيسة (= أي المسيحيّة) والمجمع (= أي اليهوديّة). رج 9: 22؛ 12: 42؛ 16: 2. ونحن نكتشف هذا العنف بشكل خاص في "حرب" نقرأ عنها في ف 8 وهي تنتهي بهذه العبارة: "أخذوا حجارة ليرجموه" (آ 69).
وهناك ثانيًا صراع أقلّ أهميّة مع جماعات تنتمي إلى يوحنا المعمدان وتعتبره المسيح المنتظر (1: 19- 51؛ 22:3-30؛ رج أع 19: 1-7). الموضع هنا هو أيضًا كرستولوجي: الابن هو يسوع. أما يوحنا المعمدان فهو الشاهد.
وهناك ثالثًا مقاومة بغض العالم وعداوته. وهذا ما يؤلم المسيحيّين. هي مضايقات يتحمّلونها لأنهم يعيشون على هامش "عبادة" المواطنين (لرومة والامبراطور) في الامبراطوريّة، وهي عبادة تدلّ على ولائهم للحكم. وهي امتدادات اضطهاد دوميسيانس. لهذا، فالانجيل يفسّر هذا الوضع المقلق في خطّ مصير الابن (15: 18-16: 4)، ودعوى الله مع العالم (16: 4- 11). ويشجّع قرّاءه على الثبات في الأمانة لشهادتهم.

2- من الانجيل إلى المدرسة اليوحناويّة
إن مدوّن الانجيل الأخير (6: 48-58؛ 19: 34-35؛ 21: 1 ي) يدخلنا في مرحلة جديدة هي مرحلة رسائل يوحنا الثلاث. ويعلن عدد من الشرّاح أن مدوّن الانجيل هذا هو المسؤول أقلّه في اللمسات الاخيرة عن رسائل يوحنا. أما الموضوع فهو إلقاء الضوء على شخص يسوع وعمله. ها قد مضى جيل، وصار الانجيل نصًا له سلطته في الجماعات اليوحناويّة، أو هو سيكون سلطة وحجّة في الصراعات الجديدة.
سيطرت الجدالات فيما قبل مع العالم اليهوديّ. وها هي الآن قد مضت، وحلّ محلّها جدال مع الظاهرية التي تعتبر أن المسيح لم يلبس جسدًا، بل تظاهر. وأنه ما مات على الصليب، بل شُبِّه به. بل تراءى لهم وكأنه مات. وهكذا انقلبت "ساحة" المعركة: مع اليهود، كانت الصعوبة قبول لاهوت الابن. مع الظاهريّة، الصعوبة هي حقيقة التجسّد.
وتوسّعت ردّة الفعل على مستويين. المستوى الأول هو مستوى الكرستولوجيا والنظرة إلى يسوع المسيح. نجد الجواب في جسم الانجيل مع التشديد على جسدانيّة المصلوب (يو 19: 34-35: فتح جنبه فخرج دم وماء)، وواقعيّة الأسرار التي تدلّ على جسد المخلّص (6: 48-58). ليس يسوع "إلهًا يمشي على الأرض"، كما قالت أحد الشرّاح، بل هو الابن الوحيد الذي واجه الموت في جسده (1 يو 2: 22؛ 4: 2؛ 2 يو 7).
ولكننا في الرسائل لسنا أمام اهتمامات لاهوتيّة بل رعائيّة. فالمدرسة اليوحناويّة واجهت بشكل خاص نتائج الظاهريّة على مستوى فهم الوجود المسيحيّ. وهذا هو المستوى الثاني: فازدراء سرّ التجسّد يترافق مرارًا مع إيمان يتوجّه نحو التقوى الفرديّة لا نحو الطاعة الملموسة ومراعاة الضعفاء. لهذا، ذكّرتنا 1 يو و2 يو دومًا بوصيّة المحبّة التي قرأناها في خطب يسوع بعد العشاء السرّي (يو 13: 31-35؛ 15: 1-17). إن 1 يو التي تبدأ بمطلع دوّن بحسب نموذج نجده في يو 1: 1-18، تبدو بشكل استعادة لأحاديث يسوع الأخيرة. 
أما الفحوى اللاهوتي فهو هو: إن الأمانة للمسيح تمرّ عبر الامانة لتعليم يقدّمه الانجيل. عند ذاك نستند إلى نصّ يو أو إلى تعليم يسوع كما نقله إلينا التفسير اليوحناويّ، على أنه الشهادة الاصليّة والحقّة. وهكذا نشهد في كتابات المدرسة اليوحناويّة، تقليدًا لاهوتيًا يقف سدًا بوجه النظريات الغنوصيّة المتنوّعة: "سمعتم أن مسيحًا دجّالاً سيأتي" (1 يو 1: 18). "مَن الكذّاب إلاّ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح" (آ 22). "من يعمل الخطيئة فهو من إبليس" (8:3). "لا نتشبّه بقايين الذي كان من الشرّير" (آ 12). "كل من لا يعترف بيسوع ليس من الله، بل هذا روح المسيح الدجّال" (4: 3). وهكذا نكون أمام رسائل رعائيّة جاءت امتدادًا لتعليم الانجيل وتطبيقه في جماعات ارتبطت من بعيد أو من قريب بجماعة يوحنا.

3- يوحنا الرائي
سفر الرؤيا هو آخر أسفار العهد الجديد، وهو جزء حقيقيّ في كتابات يوحنا. ساعة لا نجد "اسم" كاتب الانجيل الرابع. ساعة لا نعرف بالضبط من دوّن 1 يو، ساعة لا نستطيع أن نتعرّف إلى "القديم" الذي أرسل 2 يو و3 يو، نجد في سفر الرؤيا مرّات عديدة اسم يوحنا. في 1: 1: "بيّنه لعبده يوحنا". في 1: 4: "من يوحنا إلى الكنائس السبع". في 1: 9: "أنا يوحنا أخاكم وشريككم في الضيق". في 22: 8: "أنا يوحنا سمعت، ورأيت ذلك".
يعلن النصّ أن يوحنا شهد للرؤى التي أراه الله إياها ساعة كان منفيًا في جزيرة بطمس. أن تكون هذه الايحاءات قد حصلت له في تلك الجزيرة، لا يعني أن الكاتب دوّن رؤياه هناك. فالرسائل إلى الكنائس السبع التي تتوسّع في الرؤية الأولى قد توجّهت كلها إلى كنائس تنتمي إلى آسية الصغرى (تركيا الحاليّة). هكذا يختلف رؤ عن يو وعن 1 يو، 2 يو، 3 يو، في أن موقعه تحدّد بوضوح. وقد دوّن في أيام دوميسيانس. وما يؤكّد ذلك، التلميحات إلى عبادة الامبراطور (2: 13- 14؛ 2: 20؛ 6: 6) والاضطهادات التي تصيب المسيحيين (1: 9؛ 2: 10). هذا ما يقودنا إلى سنة 90 تقريبًا. وهكذا تبدو معطيات رؤ أكثر دقّة من معطيات الانجيل الرابع ورسائل يوحنا الثلاث.
ويُطرح السؤال لا على مستوى التاريخ اللاهوت، بل على مستوى التقليد اليوحناويّ: هل يستطيع رؤ أن يساعدنا لكي نحدّد موقع الانجيل الرابع؟
الفنّ الأدبي في رؤ غيره في يو. نجد في رؤ نظرة كونيّة وتقليدًا نبويًا ينتقد السلطة السياسيّة في أيامه. وهذا ما لا نجده في يو. وإذا قابلنا مثول يسوع أمام بيلاطس (يو 28:18-19: 16) مع رؤ 12-13، نجد في النصّ حسًا لاهوتيًا لا نجده في النصّ الآخر. ومع ذلك فهما متقاربان بقدر ما هما متباعدان. فالألفاظ الخاصِّة جدًا هي هي في يو وفي رؤ. نجد عندهما ذات الكرستولوجيا حول الحمل (يو 1: 29، 36)، وذات النظرة إلى الشهادة، وذات المكانة لأورشليم. وقد تغذَّى هذان الكتابان بذات التيّارات اليهودية الظاهرة بين العهدين. مثلاً صورة ابن الانسان التي هي مركزيّة في لاهوت يو ورؤ، ودور موسى الرؤيوي في الانجيل (يو 5: 45-47). إذن، نجد تفسيرين للإيمان المسيحيّ يتجذّران في المناخ ذاته.
ماذا يقول تاريخ التأويل عن الترابط الأدبي بين يو ورؤ؟ فرضيّات عديدة. ماهى ايريناوس بين رائي سفر الرؤيا ويوحنا بن زبدى. وهكذا نسب يو ورؤ إلى القلم الواحد. ولكن قال آخرون إن الانجيل يتسجّل في المسيحيّة المتهوِّدة كما عرفتها فلسطين وسورية، بينما جاء رؤ من عالم آسية الصغرى. ولكن لماذا لا نقول إن الكتابات اليوحناويّة قد رأت النور في حلقات متقاربة وإن تنوّع الذين كتبوها داخل مدرسة ترتبط من قريب أو بعيد بشخص يوحنا.
الفصل الثاني والعشرون
إنجيل يوحنا وتجذّره التاريخيّ

منذ أيام اكلمنضوس الاسكندرانيّ اعتبر عدد كبير من المسيحيين أن انجيل يوحنا هو "الانجيل الروحانيّ" بعد أن تركّز على الحياة الباطنيّة وظلَّ بعيدًا عن أعراض التاريخ وتقلّباته. فكأني بهذا الكتاب سقط من السماء، فظلّ جنّة سريّة من جنّات التقوى، وتأملاً يُفلت من فرضيّات الزمن وإكراهاته. ولكن نسارع فنقول إن يو، شأنه شأن سائر أسفار العهد الجديد، هو مؤلَّف تاريخيّ، دوّنه إنسان من لحم ودم، ووجّهه إلى كنيسة معيّنة، فعبّر فيه عن الايمان المسيحيّ في سياق تاريخيّ محدّد مستعينًا بلغة محدّدة على مستوى الحضارة الشرقيّة. وبمختصر الكلام، يجب أن نفسّر انجيل يوحنا داخل المحيط التاريخيّ الذي فيه برز.
نشير هنا إلى أن هذا الانجيل لا يقول شيئًا عن ظروف تأليفه. كما أننا لا نملك معلومة واحدة عن المحيط اليوحناويّ. لهذا، يجب أن نعود إلى المعطيات التي نجدها في النصّ، وإن كانت بسيطة جدًا. من أجل هذا نطرح ثلاثة أسئلة. الأول: ما هو الاطار الذي ظهر فيه هذا الانجيل؟ الثاني: ما الذي توخّاه الانجيلي من كتابه حين وجّهه إلى السامعين؟ الثالث: ما هي المجموعة التي أشارت إليها "الحرب" اليوحناويّة؟

1- إطار الانجيل
الانجيل الرابع هو في شكل إجمالي عمل كاتب واحد. إلاّ أن هذا الكاتب ليس فردًا منعزلاً عن الناس في عبقريّة متفوّقة. هو جزء من مجموعة لاهوتيّين يسمّون "المدرسة اليوحناويّة". و"المدرسة" تعني موضعًا يُنقل فيه التقليد المسيحيّ عن طريق التعليم، موضعًا يتجمّع فيه هذا التقليد في نتاج أدبي محدّد.
أ- الانجيل، ثمرة المدرسة اليوحناويّة
والبرهان على وجود هذه المدرسة هو مجموعة كتابات يوحنا والجماعات الوحناويّة الموزِّعة بشكل خاص في سورية وفي آسية الصغرى. فحين نقرأ انجيل يوحنا ورسائله، نلاحظ أن الجماعات التي أنتجتها امتلكت عن يسوع تقليدًا خاصًا بها في إطار المسيحيّة الأولى. بالاضافة إلى ذلك، ارتبطت هذه الجماعات بلاهوت أصيل جدًا. فإذا أردنا أن نقتنع من هذا الأمر، نتطلّع إلى الثنائيّة الخاصّة بيوحنا، كما إلى الكرستولوجيا (حول شخص يسوع المسيح) والاسكاتولوجيا (أو الأمور الأخيرة). فوجود هذه "الأداة" اللاهوتيّة مع تعابيرها المتعاقبة في الانجيل وفي الرسائل، يفترض مدرسة خاصة. فالجماعات الكنسيّة العاديّة لا تستطيع أن تنتج مثلَ هذه الكتابات. إذن، كانت مدرسة لاهوتيّة السندَ الاجتماعي الضروريّ من أجل تفتّح الأدب اليوحناويّ.
إن وجود مثل هذه المدرسة كموضع نتاج لاهوتيّ، ليس بالشيء الجديد ولا بالأمر الشاذّ. ففي إطار المسيحيّة الفتيّة، وُجدت مدرسة بولسيّة في أفسس. ومدرسة متّاويّة في سوريّة بشكل عام وفي أنطاكية بشكل خاص. وقد وُجدت مراكز لاهوتيّة مماثلة في الاسكندرية ورومة. فالعالم اليهوديّ كانت له مدارسه ومعلّموه. ووُجدت الحلقات الجليانيّة مع كتب الرؤى التي تركتها لنا. وكان للتيارات الغنوصيّة (وسائر الفلسفات) مدارس خاصة بها. فلماذا نعجب أمام الحديث عن مدرسة يوحناويّة؟
ب- تأليف الانجيل
قصّة تأليف الانجيل الرابع قصّة فيها الكثير من الحركات والتقلّبات. فهل نستطيع أن نتصوّر تأليفه في إطار هذه المدرسة؟ فالانجيلي ليس "خلاّقًا" يعمل منطلقًا من لا شيء. إنه ينتمي إلى محيط يمتلك تقاليد غنيّة وأصيلة حول شخص يسوع. وهكذا حين يكتب ما يكتب، فهو يدوّن ويفسّر. وهو يَنعم بمجموعة أخبار معجزات سُمّيت "ينبوع الآيات". كما ينعم بمجموعة أقوال نُسبت إلى المسيح. ونجد أخيرًا الحاش أو الآلام. وقد رتّب كل هذه التقاليد بشكل إنجيل وطبعه بنظرة لاهوتيّة خاصّة.
غير أن هذا الانجيليّ لم يستطع أن ينهي كتابه لسبب نجهله. هناك فرضيّة تقول بأنه مات قبل أن يضع اللمسات الأخيرة. لهذا جاء أحد تلاميذه الذي نسمّيه "المدوّن" (الأخير)، فنشر عمل معلّمه بعد أن قام ببعض التصحيحات وجعل له إضافات مثل ف 21. ولكنه ما استطاع أن يلغي بعض الصعوبات في السرد الانجيليّ كما برز في الرفد الأول (مثلاً، التواصل في ف 5-7).
وما توقّف تاريخ المدرسة اليوحناويّة عند هذا الحدّ. ما اكتفت هذه المدرسة بأن تنشر الانجيل الرابع. بل أنتجت ثلاث رسائل أعادت صياغة التقليد اليوحناويّ في سياق تاريخيّ جديد.
هذه العجالة حول تأليف يو تجعلنا نكتشف أن هذا المؤلَّف لم يُولد خارج التاريخ. إنه بلورة لتقليد سبقه. وهذا التقليد سوف يحمل ثمارًا أخرى. إنه محطّة في تاريخ أوسع منه. وهكذا كان هذا الانجيل نموذجًا مميّزًا لتقليد حيّ: هو حيّ لأنه تطوّر، ولأنه لم ينتقل بشكل آلي ومتحجّر، بل أعيد تفسيره وصياغته أكثر من مرّة.
ج- الانجيل حدث لغويّ
قلنا إن التقليد اليوحناويّ يمثّل تيّارًا خاصًا وفريدًا في العهد الجديد. وتظهر هذه الاصالة بشكل مميّز في اللغة المستعملة. فالقارئ يكتشف بدون جهد اختلافًا ساطعًا بين الانجيل الرابع من جهة، والاناجيل الازائية (مت، مر، لو) أو رسائل القديس بولس من جهة ثانية. وهكذا نكون منذ البداية أمام لغات عديدة للتعبير عن الكلمة (= يسوع المسيح). من هذا القبيل، يدلّ هذا التقليد على استعادة تعابير الايمان الأولى وترجمتها من أجل المسيحيين في أوقات مختلفة. ولكن كيف نتعرّف إلى اللغة اليوحناويّة هذه، وأين نحدّد موقعها؟
تتميّز هذه اللغة أولاً ببنية ثنائيّة. فعلى مدّ الانجيل الرابع يتواجه واقعان يتناقضان: النور والظلمة. الحياة والموت. الحقّ والكذب. الأعلى والأسفل. الله والعالم. ثم إن الكرستولوجيا تتوسّل وسائل تعبير أصيلة. ففي الاناجيل الازائيّة، يسوع هو قبل كل شيء ذاك الذي يعلن مجيء ملكوت الله، وذلك عبر كرازته وأعماله. أما في الانجيل الرابع، فهو الابن، ومرسل الآب الذي جاء إلى العالم. ولكنه يعود إلى الآب حين يرتفع على الصليب. وهكذا يقدّم الابن نفسه في عبارات احتفاليّة مهيبة مع "أنا هو". أنا هو خبز الحياة. أنا هو الماء الحيّ. أنا هو نور العالم... وهكذا يعبّر الانجيليّ عن الايمان في لغة جديدة كلها. عند ذاك يُطرح سؤال: من أين جاءت هذه اللغة الجديدة؟ أين استقت المدرسة اليوحناويّة هذه اللغة الغنيّة؟ هنا نلامس الجدال حول أصل اللغة الدينيّة عند يوحنا.
ولكن إذا أردنا أن نعالج هذه المسألة، لابدّ من اتّخاذ بعض الاحتياطات. نراعي السياق العام، التاريخيّ والحضاريّ. على هذا المستوى ترتبط اللغة اليوحناويّة بأمور عرضيّة قبل أن ترتبط بخيار له معناه. ولا ننسى التقليد المسيحيّ: فالانجيليّ انسان من الجيل الثالث، وقد ورث تقليدًا ثمينًا ومنظّمًا: فهناك تمثّلات يستعملها قد جاءته عبر قناة كنسيّة. وحين نتطلّع إلى تأثيرات ممكنة جاءت من الخارج، من تيّارات دينيّة لامسيحيّة، نتذكّر أن الوقت الذي فيه دوِّن يو عرف حقبة تلفيقيّة في الشرق الأوسط. فهناك الغنوصيّة والعالم اليهودي، بل مزيج من الاثنين.
فالتيّار الأول الذي تعرّض له المحيط اليوحناويّ هو العالم اليهوديّ. فنحن نجد في الانجيل أثر انتماء عدد كبير من المؤمنين إلى المجمع اليهوديّ. غير أن هذا المحيط لم يكن، على المستوى الايديولوجيّ، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالتقليد الرابينيّ أو الفريسيّ. بل بدا قريبًا من بعض الحلقات العائشة على هامش العالم اليهوديّ. المثل الأولى نجده في المزاحمة بين الحلقات المعمدانيّة (يوحنا المعمدان) والجماعات اليوحناويّة. والمثل الثاني نجده في تشديد الانجيل على الرسالة في أوساط السامريّين.
إذن، يدلّ التقليد اليوحناويّ على تقارب مع العالم اليهودي الارثوذكسي، كما نما في محيط سوري فلسطيني خلال القرن الأول المسيحيّ. غير أن هذا التقارب لا يفسّر كل شيء. فالعناصر التي ساعدت على تكوين هذه اللغة بما فيها من ثنائيّة وتمثّلات كرستولوجيّة، تعود بلا شكّ إلى الغنوصيّة.
د- المدرسة اليوحناويّة والغنوصيّة
نبدأ فنقول بأن سورية كانت في القرن الأول المسيحي واحدًا من البلدان التي وُلدت فيها الغنوصيّة. وقد شاركت حلقات جانبيّة في العالم اليهودي، في بروز هذا الفكر الغنوصيّ. ولكن ساعة دوِّن الانجيل الرابع، لم يكن بعد نهجٌ غنوصيّ منظَّم كلّ التنظيم. في ذلك الوقت كان التيّار الغنوصيّ في طور الصياغة، وكان يعيش مرحلة سابقة للمرحلة الادبيّة (لم يكن دوِّن بعد). وهكذا نستطيع القول إن يوحنا اتصل بفكر يسير نحو الغنوصيّة بواسطة حلقات يهوديّة لا أرثوذكسيّة ومتأثّرة بأولى التمتمات الغنوصيّة. وقد وجد في هذا الفكر ما أتاح له أن يقدّم تعبيرًا عن الايمان المسيحيّ. هذا ما نبيّنه الآن.
كان الفكر الغنوصيّ في أساسه ثنائيًا: العالم هو مساحة الشرّ. وفي هذا العالم المسلّم إلى الظلمة، صار الانسان متغرِّبًا ساعة أعدّته طبيعته الحقيقيّة إلى العالم الإلهي. وهذا الانسان الذي هو سجين العالم، الذي لا يستطيع أن يتذكّر أصله الحقيقيّ، يحتاج إلى وحي يأتيه من عالم النور ويقدر وحده أن يمنحه المعرفة (غنوسيس) التي تحرّره. وهذه المعرفة التي تتيح للانسان أن يستعيد موطنه الحقيقيّ، يعطيه إياها مخلِّص آت من العالم الالهي.
وهكذا يبدو التقارب بين المواضيع الغنوصيّة والفكر اليوحناويّ واضحًا. ففي نظر يوحنا، يبدو الانسان سجين عالم تملك فيه الظلمة والموت والشيطان. ويقوم الخلاص بأن ننجو من هذا العالم لنشارك في عالم النور والحياة الذي هو عالم الله. ويرى يوحنا أيضًا أن هذا التحرّر المنتظر يتمّ بفضل مجيء المخلّص الذي يحمل الوحي الخلاصيّ. والمخلّص هو الابن، مرسل الآب، الذي كشف لنا ملء الله فقدّم الحياة الحقيقيّة. غير أن الابن لا يُتم عمله إلاّ حين يعود إلى الآب، إلاّ حين يرتفع. فعند ذاك يقدر أن يجتذب إليه أولئك الذين آمنوا بكلامه. وهكذا يبدو يوحنا قريبًا من الغنوصيّة بالطريقة التي بها ربط الثنائيّة مع الكرستولوجيا والسوتيريولوجيا (العلم عن الخلاص).
ولكن حين لاحظنا ما لاحظنا، فنحن لا نقول إن يوحنا هو غنوصيّ. وهنا نتساءل: لماذا لجأ التقليد اليوحناويّ إلى هذه اللغة، وكيف أفاد منها؟ سنعود إلى هذا السؤال في القسم الثالث.
هـ- سورية موطن الانجيل الرابع
أين استقرّت المدرسة اليوحناويّة؟ وأين انتشرت اللغة "الغنوصيّة" التي طبعت هذه المدرسة بطابعها؟ يعود التقليد القديم بفم إيريناوس إلى آسية الصغرى مع عاصمتها أفسس. أما افرام السرياني فتكلّم عن أنطاكية. واعتبر النقد الحديث بمجمله أن التجذّر التاريخي لانجيل يوحنا هو في سورية. خمسة براهين تسند هذه الفرضيّة.
أولاً: اللغة اليونانيّة المطعّمة بالساميّة التي نجدها في يو، تدلّ على أن الكاتب يعيش في محيط يتكلّم لغتين، اليونانيّة والأراميّة. لا يمكن أن يكون هذا المحيط أرض فلسطين، لأن الانجيلي يترجم لقرّائه الأسماء العبريّة (كيفا أي بطرس)، ويشرح العوائد اليهوديّة، ويسمّي شعب اسرائيل باسم غريب في فم اسرائيليّ. يسمّيهم "اليهود". نحن أمام منطقة تتكلّم لغتين، وليست فلسطين. فلا يمكن أن تكون إلاّ سورية.
ثانيًا: كان مؤمنو الجماعات اليوحناويّة جزءًا من المجمع قبل أن يطردوا منه. هذه القطيعة هي في قلب الجدال الذي نجده في الانجيل الرابع. إذن، يجب أن نتطلّع إلى منطقة تجذّر فيها المجمع اليهوديّ تجذرًا متينًا، وارتبط مصير المسيحيين به ارتباطًا وثيقًا. وهنا نعود أيضًا إلى سورية.
ثالثًا: إن العالم اليهوديّ الذي اتّصل به يوحنا هو عالم متعدّد الوجوه، وهو يتضمّن على جوانبه حركات لا أرثوذكسيّة. وهذا ما يدلّ عليه الجدال مع الحلقات المعمدانيّة. وسورية هي الموضع الذي أقام فيه العالم اليهوديِّ الارثوذكسي والعالم اليهودي اللاأرثوذكسيّ.
رابعًا: استعمل يوحنا لغة قريبة من لغة الحلقات اليهوديّة المتأثّرة بالغنوصيّة. وأقرب النصوص الأدبيّة إلى لغته، وهي "موشّحات سليمان" و"رسائل أغناطيوس الانطاكي"، وكتابات سابقة للمندعيّة (أو: المندائيّة)، نجدها في سورية التي هي موطن مميَّز للغنوصيّة.
خامسًا: إن التلاميذ الرئيسيين في الانجيل قد عملوا بشكل خاص في سورية. توما ووجهه المميّز في الانجيل. مزاحمة بين بطرس والتلميذ الحبيب. بما أن بطرس هو أهمّ شخص في سورية كما نجده في إنجيل متّى، وجب أن يكون الانجيل الرابع قد دوّن في سورية لكي يجعل التلميذ الحبيب في المقام الذي يستحق اتجاه هامة الرسل.
كل هذه إشارات توافق الفرضيّة التي تجعل يو كتابًا مدوَّنًا في سورية. ولكن لا يستبعد أن تكون الحلقات اليوحناويّة قد انتقلت بعد ذلك الوقت إلى آسية الصغرى المحاذية لسورية.

2- قرّاء الانجيل
إلى من وجِّه الانجيل الرابع؟ وما هو الهدف الذي توخّاه الانجيل من مؤلَّفه؟ إذا أردنا أن نتعرّف إلى مشروع الانجيليّ، نتفحّص المقدّمة والخاتمة، ونتوقّف عند البراهين التي يقدّمها.
أ- المطلع (يو 1: 1-18)
حين نلاحظ كيف يبدأ الكاتب البيبلي كتابه وكيف ينهيه، نفهم أمورًا عديدة. وهذا ما نحاول أن نفعله مع الإنجيل الرابع. فبداية الكتاب تتميّز بالمطلع الذي يجعلنا نتوقّف عند ثلاث ملاحظات:
أولاً: من جهة الفنّ الادبي. المطلع هو نشيد شعري تعلن فيه كنيسةُ يوحنا إيمانها. وقد استعاده الانجيليّ ليبدأ به مؤلَّفه. هذا المطلع يستند إلى الجماعة التي تتحدّث في صيغة الجمع (نحن) فتقدّم اعتراف إيمانها: "الكلمة صار بشرًا وسكن بيننا... فرأينا مجده... من مجده أخذنا (نحن) نعمة فوق نعمة". إذن، يبدو أن الانجيليّ بدأ بذكر الايمان المشترك الذي يعارض لا إيمان (كفر) العالم. بل هو يعتبر أن قارئ كتابه هو مؤمن يجد نفسه في هذا الايمان الذي يعرضه الانجيل الرابع.
ثانيًا: إن موقع هذا النشيد في بداية المؤلّف أمر له معناه: يبدو بشكل برنامج، فيه يُعلن الانجيليّ الطرح اللاهوتيّ الذي يتوسّع فيه في ف 1-20. وهكذا يُعطى معنى الخبر الانجيليّ قبل أن يمتدّ في الكتاب.
ثالثًا: ونطرح السؤال: ما هو الطرح اللاهوتيّ الأساسيّ الذي يُعلَن في المطلع؟ حين أنشد الانجيليّ تجسّد الكلمة، وقدّم هذا التجسّد بشكل برنامج، اعتبر أن مضمون كتابه هو كرستولوجيّ بشكل حصريّ: فملء الله الذي يمنح الحياة والنور والحقّ، قد تجلّى في بشريّة (لحم ودم) إنسان من الناصرة هو يسوع المسيح.
ب- خاتمة الانجيل (20: 30- 31)
وتُثبت خاتمة الانجيل كلّ الاثبات النتائج التي حصلنا عليها حين قرأنا المطلع. فهي تعبّر عن هدف الكتاب بهذه الكلمات: "وصنع يسوع أمام تلاميذه آيات أخرى كثيرة لم تدوَّن في هذا الكتاب. وإنما دوِّنت هذه لكي تؤمنوا أن يسوع هو المسيح، ابن الله، وتكون لكم، إذا آمنتم، الحياة باسمه"
شدّدت آ 30 على الطابع الانتقائي في الانجيل. لم يدوّن الكاتب كل شيء. لم يستنفد كل شيء. بل انتقى، اختار عددًا محدودًا من عناصر لها معناها. ولكن على ما تدلّ هذه العناصر؟ هذا ما تحدّده آ 31: توخّى الخبر الإنجيليّ أن يدعونا إلى الايمان. ولكن من هو المدعوّ إلى الايمان؟ من يختفي وراء صيغة المخاطب (لكي تؤمنوا، أنتم)؟ مؤمنو الجماعات اليوحناويّة أم اللامؤمنون؟ لقد رأى النقد الحديث في هذا الكلام عبارة متواترة في الانجيل الرابع: إن الانجيل يتوجّه إلى المؤمنين. وما توخّى الانجيليّ في الدرجة الأولى أن يردّ اللامؤمنين إلى الايمان، بل أن يثبّت إخوته في هذا الايمان ويساعدهم على التعمّق فيه.
وما هو موضوع هذا الايمان؟ التعبير عن هذا الايمان هو تعبير يتركّز على المسيح: نرى في يسوع ملء حضور الله وسط البشر. هذا ما يعنيه لقب "المسيح" الذي يُعطى لمسيحيّين جاؤوا من العالم اليهوديّ: فالناصريّ هو تتمّة النبوءة المسيحانيّة. وهذا ما يعنيه لقب "ابن الله" في لغة خاصّة بالانجيلي: الناصريّ هو مرسل الآب، ممثِّله، حضوره الكامل بين البشر. وهكذا تظهر هويّة الجماعة اليوحناويّة وخاصيّتها في هذا التعرّف وهذا الاعتراف. فالمسألة الحاسمة هي أن نقرّ بأن الله أعطى ذاته عطاء تامًا ونهائيًا في الانسان يسوع.
وهذه المسألة الحاسمة ليست مسألة نظريّة: فنهاية آ 31 تشير أنها ترتبط بمسألة "الحياة". فمسألة الاعتراف بالمسيح لا تنفصل عن مسألة الحياة. ومن رأى ملء الله على وجه الناصريّ، بلغ إلى الحياة. إن مسألة الحياة تملأ الانجيل الرابع كلّه. فهي الخير السامي الذي يطلبه الانسان باستمرار. وهذه الحياة هي مقدَّمة في هذا الوقت وفي هذا المكان لكل من يؤمن. هي مفتوحة ومشرَّعة بالرغم من الموت الذي يتربّص بنا.
ج- البراهين
إن تحليل البراهين التي يقدّمها المسيح اليوحناويّ، تثبت ما استشففناه في مطلع الانجيل وخاتمته: يتوجّه الانجيليّ إلى مؤمني كنيسته ليقوّي إيمانهم. ونتوقّف على برهانين يميّزان إنجيل يوحنا: سوء التفاهم. خطبة الوداع.
أولاً: سوء التفاهم
كيف تبدو تقنيّة سوء التفاهم؟ نكتشف مرارًا في يو أن القارئ يُخطئ في فهم كلمات يتلفّظ بها المسيح. هو يفهمها في معناها المباشر وربّما "المضحك" ساعة يتيح له الوحيُ وحده أن يفهمها. ونأخذ مثل نيقوديمس الذي دُعي إلى أن يُولد من جديد. فتشكّك وقال: "كيف يقدر شيخ أن يدخل بطن أمه ثانية ويُولد من جديد" (3:3- 5)؟
إن سوء التفاهم في يو هو نهج أدبيّ به يفصل صاحبُ النصّ الواقعَ الذي يعرفه القارئ، عن ظاهر الأمور الذي يعتبره محاور يسوع الحقيقةَ. وهكذا لا يكون قارئ الانجيل الضحيّة، بل الشاهد، بل ذاك الذي يوجّه إليه المسيح كلامه. بشكل غير مباشر. بشكل ممازحة ونكتة. غير أن لا معنى لهذه الممازحة ولا قيمة إلاّ بقدر ما يقاسم القارئ الانجيليّ نظرته إلى الواقع، وإلاّ تصبح الممازحة مضحكة. يبتسم القارئ حين يسمع كلام نيقوديمس إن هو آمن أن الولادة الجديد ممكنة بفضل المسيح. وإلاّ يكون الفريسيّ على حقّ ويكون يسوع (لا سمح الله) مخطئًا! هذا يعني أن الانجيل دوِّن من أجل أناس مؤمنين. والممازحة اليوحناويّة تدفعهم لأن يطرحوا السؤال على نفوسهم فيكتشفوا من جديد الربّ الذي تعلّقوا به.
ثانيًا: خطبة الوداع
في يو 1-12 كشف يسوع عن نفسه للعالم. ولكنه في ف 13-17 توجّه حصرًا إلى تلاميذه. والتلاميذ هنا هم في الوقت عينه رفاق يسوع الأوّلون ومؤمنو الكنيسة اليوحناويّة. إذن، صار البرهان مباشرًا: حين ذكر الانجيليّ كيف توجّه يسوع إلى أخصِّائه ليلة آلامه، توجّه في الحقيقة بشكل مباشر إلى كنيسته لكي يعطيها تعليمًا حول إيمانيا.
والبرهان على ذلك بُنية ف 13-17. بعد أن تناول المسيح اليوحناويّ عشاءه الأخير مع أخصائه (12: 1- 30)، ألقى خطبة أولى فأوضح معنى ذهابه وأعلن مجيء البارقليط (13: 31-14: 31): وهكذا قدّم رسمة سريعة عن الوضع الذي سيكون بعد ذهابه، عن وضع الكنيسة. وفي إطار زمن الكنيسة هذه، بدا ف 15 تحريضًا يدعونا لكي "نثبت" في المسيح، أي أن نحيا الايمان في المدى الزمنيّ ساعة يُرعد البغض في العالم. ويتحدّث ف 16 عن العزاء الذي يُمنح للتلاميذ، أي عن مجيء البارقليط والعلاقة الجديدة مع المسيح المرتفع على الصليب وفي المجد. وأخيرًا في ف 17، استودع المسيح بين يدي الله، في الصلاة، جماعة المؤمنين الذين ينفصل عنهم.
وفي الختام، نقول بعد هذه التحاليل المختلفة إن إنجيل يوحنا قد توجَّه إلى المؤمنين. وقد توخّى، بعد الفصح والقيامة، أن يبني المسيحيّين في الايمان الذي هو اعتراف بأن يسوع هو ملء حضور الله وسط البشر.

3- في قلب الصراعات
إذا أردنا أن نحيط إحاطة فضلى بالتجذّر التاريخيّ للانجيل الرابع، يجدر بنا أن نحلّل الحرب الكلاميّة التي يعرضها. وهكذا ترتسم أمامنا جبهات تتيح لنا أن نحدّد بشكل أدقّ الجماعات اليوحناويّة.
أ- حرب على الحلقات المعمدانيّة
يتضمّن الانجيل عددًا لا يُستهان به من المقاطع التي "تحارب" يوحنا المعمدان والمتشيّعين له (6:1-8، 15، 19-39؛ 26:3-30؛ 33:5-36؛ 10: 41). كيف نفهم هذه الأقوال؟ نحن نفهم كلام الانجيليّ في إطار المزاحمة بين الجماعات اليوحناويّة والحلقات المعمدانيّة. لقد علّمنا أع 19: 1-7 والرسائل الاقليميّة المزعومة أن الجماعات المعمدانيّة كانت عديدة في سورية وفي فلسطين في نهاية القرن الأول المسيحي، وقد رأت في شخص المعمدان المخلّص الاسكاتولوجي، المخلّص الآتي في نهاية الزمن. كما أكّدت أمام الجماعات المسيحيّة أن الأكبر هو الذي يأتي أولاً. وهكذا قالوا إن يوحنا أعظم من يسوع. (1: 1، 15، 27، 30)
ووضع الانجيلُ النقاطَ على الحروف بشكل قاطع، فحدّد دور المعمدان بالنسبة إلى المسيح: هو السابق والشاهد، ولا شيء أكثر من ذلك. والذي قام بهذا العمل التوضيحيّ هو المعمدان نفسه في الشهادة التي نُسبت إليه (1: 15، 20، 27؛ 3: 27- 30) بواسطة المسيح (5: 33-36) أو الانجيلي (1: 6-8). 
لماذا هذا الشرح الواضح الصريح؟ لاشكّ في أن هناك مزاحمة وصراعًا حول التفسير بين المجموعتين اللتين تحاولان أن تربحا أهل سورية. ولكن يجب بشكل خاصّ أن نتذكّر أن بعض التلاميذ الذين دخلوا في الجماعات اليوحناويّة كانوا تلاميذ المعمدان وارتدّوا إلى المسيح (1: 35-39). وإذ أشار الانجيليّ إلى هذه المسألة، عاد إلى ماضي كنيسته ودلّ بوضوح على الايمان وعلى الهرطقة في هذا المجال.
ب- حرب على الروحانيّة الغنوصيّة
عبّرت المدرسة اليوحناويّة (وهكذا فعل الانجيليّ) عن نفسها بلغة غنوصيّة. انتشرت في سورية في نهاية القرن الأول المسيحيّ. ولم يكن الخيار الذي أخذ به الانجيلي من قبيل الصدف. فبواسطة هذه اللغة الغنوصيّة وقيمها، استطاع أن يعبّر بشكل رائع عن ضياع الانسان في العالم، عن سموّ الله الجذريّ، عن ضرورة الوحي والفداء. وهكذا أتاحت له الروحانيّة الغنوصيّة أن يطرح سؤالاً وجد في الانجيل الجواب عليه.
ولكن إن التقت الروحانيّة الغنوصيّة والايمان المسيحي في بعض المواضيع، فهناك نقاط أخرى يبدو الصراع فيها محتومًا، فكانت مناسبة للإنجيليّ لكي يدلّ على نفاذ نظره اللاهوتي. مثلاً، على مستوى مفهوم الخلق: أعلنت الغنوصيّة أن العالم (الكون) ليس خليقة الله وأنه منفصل عنه. أما الانجيليّ فذكّرنا بأن اللوغوس (الكلمة) الخالق واللوغوس الفادي هما شخص واحد وحيد (1: 1- 18). وأن لا شكّ بأن الله يحبّ العالم حبًا فريدًا (3: 16). وأنه وإن لم يكن المؤمن من هذا العالم، فهو مدعو إلى أن يعيش في العالم (17: 15). إذن، الثنائيّة بين الله والعالم ليست مطلقة.
ونأخذ مثلاً آخر في مجال الكرستولوجيا: حين بدأ يوحنا انجيله بكرستولوجيّة التجسّد (1: 14)، وشدّد على جذريّة بشريّة المسيح (6: 42- 54)، قطع الطريق على النظريات الظاهرية: فيسوع ليس كائنًا سماويًا عَبَر التاريخ بشكل مجيد بحيث لم يلامسه التاريخ، ولم يؤثّر فيه. بل هو ذاك الذي صار بشرًا (صار لحمًا ودمًا) وصُلب. بالاضافة إلى ذلك، فالصفات السوتيريولوجيّة (التي تتحدّث عن الخلاص) التي تحتفظ بها الروحانيّة الغنوصيّة لوجوه سماويّة كبيرة (الراعي، الكرمة، المرسل)، قد طُبّقت بشكل حصري على يسوع. واعتبار المسيح كحامل الوحي الوحيد، قول مطلق في بلاد مثل سورية تغلي باختبارات روحيّة. لهذا ردّد الانجيليّ ردّته وقراره: ما من أحد رأى الله. وحده الابن رآه (1: 18؛ 5: 27؛ 6: 46).
وهكذا "هضمت" المدرسة اليوحناويّة هذه اللغة الرفيعة (كما يُهضم الطعام)، وحوّلتها إلى تعاليم من أجل خدمة الايمان. كانت من عصرها، وعاشت منه، فنفحته بإنجيل المسيح.
ج- حرب على العالم اليهوديّ
كانت الحرب غير مباشرة على الحلقات المعمدانيّة والروحانيّة الغنوصيّة. ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى الحرب على العالم اليهوديّ. فـ "اليهود" هم في الخبر اليوحناوي "المعارض" الأول لعمل يسوع حامل الوحي (ف 5- 12، 18-20). فحين ننزع "اليهود" من الانجيل، تنهار اللحمة في الاخبار. 
ولكن "اليهود" الذين يصوّرهم الانجيليّ، لا يقابلون ما نعرف عن شعب اسرائيل في زمن المسيح. أولاً، يبدو أن يسوع وتلاميذه ليسوا بيهود، وهذا أمر غريب. فحين يتكلّمون عن الشريعة مع اليهود، يقولون "شريعتكم" (8: 17؛ 10: 34). وتتكرّر الظاهرة نفسها حين تُذكر الاعياد اليهوديّة (2: 13؛ 7: 2؛ 11: 55). ثانيًا، إن العالم اليهوديّ المتنوّع في زمن يسوع، صار في الإنجيل الرابع مجموعة من لون واحد وسمّيت "اليهود". غاب الصادوقيون والهيرودوسيون والكتبة والغيورون غيابًا تامًا. وسيطر الفرّيسيون سيطرة تامّة، بل ألّفوا مع عظماء الكهنة مجموعة واحدة، وهذا ما ينطوي على مغالطة تاريخيّة. ثالثًا، يتميّز "اليهود" بعض المرات في الخبر عن الجموع، وهذا ما يُدهش المؤرّخ.
إن تقديم الأمور بشكل يبدو وكأنه مغالطة تاريخيّة، ليس وليد الصدف. فالانجيليّ يُسقط على تاريخ يسوع، العالمَ اليهوديّ الذي تواجهه الجماعة اليوحناويّة: هو عالم ما عاد مرتبطًا بالمسيحيين، بعد أن قطع كل علاقة معهم. هو عالم ذات لون واحد بعد أن سيطر عليه الفريسيون. ما الذي حصل لكي نصل إلى هنا؟
إذا أردنا الجواب على هذا السؤال، نتذكّر واقعين. من جهة، الحربُ اليهوديّة في السنوات 60- 70 قادت إلى دمار هيكل أورشليم. فخسر العالم اليهوديّ مركزه الديني والوطنيّ. فأحس بالحاجة إلى إعادة تنظيم صفوفه على أسس أخرى، يقدّمها له المجمع الذي يسيطر عليه الفريسيون والمعلمون (رابينيون). ومن جهة ثانية (وهذا هو الواقع الثاني)، رافق اعادةَ التنظيم هذه بعضُ التحجّر. فالقوّاد الجدد الذين اجتمعوا في أكاديميّة يمنية (أو: يبنة)، قطعوا (حرموا) من العالم اليهوديّ كل الاتجاهات التي لا تتوافق مع المثال الفريسي. وكان المسيحيون جزءًا من هؤلاء الهراطقة الذي تلعنهم صلاة رسميّة بطلباتها الثماني عشرة. فأحسّت الحلقات اليوحناويّة في جسدها بهذا "الطرد" الذي يحرمها من كل شرعيّة قانونيّة على المستوى الديني (22:9؛ 42:12؛ 16: 2). صاروا خارج العالم اليهودي. وهم لا يستطيعون أن يشاركوا الوثنيين في عبادتهم. فصاروا خارج القانون.
لماذا يتوقّف الانجيلي مطوّلاً عند الصراع بين المسيح واليهود، وبالتالي عند الخلاف بين كنيسة يوحنا والمجمع اليهوديّ؟ ليست الرسالة بين اليهود هي الهدف. فالقطيعة تامّة بين الجماعتين. لهذا، فالبرهان الذي يتوسّع فيه يوحنا هو من أجل المؤمنين: عليه أن يعلن أيضًا الايمان المسيحيّ للمؤمنين. يعلنه بشكل سلبيّ بوجه الخصم. ويعلنه بشكل إيجابي داخل الكنيسة.
فما هو اليقين الذي يريد الانجيلي أن ينقله إلى كنيسته؟ إن موضوع هذه المقاطع التي تبدو بشكل حرب على اليهود، هو بنوّة يسوع الالهيّة. لقد أراد يوحنا أن يؤكّد أيضًا لمسيحيين تزعزعوا ويئسوا من عداوة تصيبهم، من ضعف كنيستهم السريعة العطب، أراد أن يؤكّد أن يسوع المحتقر والمتروك والمصلوب الذي تعلّقوا به، هو حقًا ابن الله. ذاك الذي جاء باسم الآب والذي عاد إليه. غير أن أعظم انتصار لابن الله، هو فشل الصليب. وليس تلميذ أفضل من معلّمه.
د- حرب على العالم
إن للفظة "عالم" معاني مختلفة عند يوحنا. فالعالم هو قبل كل شيء خليقة الله، ويبقى كذلك (1: 1ي). والعالم هو أيضًا عالم البشر، عالم يكوّنه البشر (1: 10). هذا العالم قد أحبّه الله إلى حدّ أرسل ابنه الوحيد لكي يخلّصه (16:3؛ 42:4). غير أن هناك معنى ثالثًا: فهذا العالم ينغلق على حامل الوحي ويرذله. ويتصرّف التصرّف عينه تجاه تلاميذ يسوع (18:15-19). إذن، صار عالمَ الظلمة. وسيطر عليه اللاإيمان والكفر. وحين نقرأ الانجيل الرابع، نرى أن هذا المعنى الأخير يسيطر سيطرة تامة: وهكذا يدلّ العالم على بشريّة تريد أن تعيش بدون الله، وترفض حبّه. فكأننا في حتميّة مأساويّة، وإن كانت هذه الحتميّة لا تزيل مسؤولية الخطيئة.
هنا نسوق ملاحظة عامة. في ف 1-12 اتّخذ مدلول العالم اجمالاً معنى إيجابيًا (الكون، البشر الذين يحتاجون إلى الخلاص) أو حياديًا. أما في 13- 17، فالمعنى السلبي (العالم يرفض الله) يسيطر سيطرة واضحة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية شكّل "اليهود" في ف 1-12 معارضة تجاه حامل الوحي. أما في ف 13-17 (خطبة الوداع)، فهم يتركون الساحة، فيلعب "العالم" دور المعارضة. وهكذا نستطيع القول بعد الذي قلناه عن الصراع بين كنيسة يوحنا والمجمع اليهوديّ، إن يسوع اصطدم بعداوة اليهود. أما تلاميذه فهم ضحيّة بغض العالم.
إذا كانت هاتان المعارضتان (معارضة اليهود، معارضة العالم) النتيجة اللاهوتيّة للتشكّك أمام الوحي، فهل يتّخذ بغضُ العالم للتلاميذ وجهًا (أو: أوجهًا) تاريخيًا خاصًا؟ هنا نشير إلى ثلاثة وقائع. الأول: أبغض العالمُ المسيحيين ساعة اعتبرهم جزءًا من العالم اليهوديّ، مع أنهم كانوا مطرودين من المجمع. الثاني: أصاب المؤمنين في كنيسة يوحنا اضطهادُ دوميسيانس الذي اعتبر أن المسيحيين يتآمرون عليه حين يرفضون التعبّد له. الثالث: كانت هذه الجماعات ضحيّة المجموعات المحليّة (أو البلديّة) التي تجاهر بولائها لسلطة الامبراطور، والتي رأت في الجماعات المسيحيّة معارضة خفيّة للدولة. ومهما يكن من أمر، فالأسباب عديدة وهي تدفع الانجيليّ لكي يشرح الشرح اللاهوتيّ، البغضَ الذي يقاسيه المؤمنون من قبل العالم.

خاتمة
إنجيل يوحنا هو إعلان إيمان. خاطر بنفسه لكي يكون من عصره. لكي يكون في العالم، ولا يخرج من العالم. هو ثمرة تقليد متحرّك لأنه حيّ (لا جامد ومتحجّر)، وقد تجرّأ فأخذ اللغة التي تعبّر بقوّة عن نفسيّة الناس في نهاية القرن الأول المسيحيّ، في هذا الشرق. أعلن الايمان من جديد للمسيحيين، ولكنه لم يكرّر عبارات "مقدّسة" ومحجّرة. بل لجأ إلى لغة تدلّ على بحث وطلب، على تلمّس روحانيّة. وأعلن الانجيل الرابع الايمان مراعيًا قرّاءه: أخذ على محمل الجد التهديدات والمخاوف والانتصارات التي تشقّ طريقها في كنيسته مع القنوط واليأس. ولكن إن هو تجذّر إلى هذا الحدّ في ما تعيشه الكنيسة، فلكي يُبرز من هو الطريق والحق والحياة. كان الانجيل الرابع أمينًا لذاك الذي يعلنه. لهذا فهو كلام "صار بشرًا وسكن بيننا".
الفصل الثالث والعشرون
الجماعة اليوحناويّة

السؤال الذي نطرحه في هذا المقال: هل نستطيع أن نبني تاريخ الجماعة اليوحناويّة؟ هل نستطيع أن نميّز مختلف المراحل التي طبعت بطابعها حياة هذا التيّار منذ ولادته في القرن الأول حتى زواله في القرن الثاني؟ ونتوقّف في دراستنا عند الانجيل الرابع والرسائل اليوحناويّة الثلاث تاركين جانبًا رؤيا القدّيس يوحنا. اعتبر البعض أن الخبر الانجيلي هو انعكاس لظروف تاريخيّة متعاقبة وُلد فيها هذا النصّ. ورفض آخرون مثل هذه النظرة المبسّطة، لأن الخبر يبقى بعيدًا بالنسبة إلى الواقع، فيلد عالمًا خاصًا به. لهذا ننطلق من النصوص التي دوّنت في القرن الثاني، ونعود إلى الرسائل والأناجيل، وننهي عند النقد الادبي برماله المتحرّكة. ومع كل هذا، نبقى على مستوى الفرضيّات التي تساعدنا بعض الشيء على الولوج في إنجيل يوحنا.

1- انجيل يوحنا في القرن الثاني
كيف قبل القرن الثاني انجيل يوحنا، وماذا يعلّمنا هذا القبولُ عن الحركة اليوحناويّة؟
إن الشهادتين الاوليين عن قبول يو في الكنيسة، تعودان إلى نهاية القرن الثالث. هما: قانون موراتوري وايريناوس، أسقف ليون في فرنسا. شدّد الأول على الطابع الرسوليّ للانجيل الرابع، على أصالته بالنسبة إلى الاناجيل الازائيّة، وعلى توافقه معها في الوقت عينه. واللافت هو أنه يشرّع الانجيل موردًا مطلع 1 يو (وهكذا تصبح 1 يو باب دخول إلى يو في القانون، في اللائحة القانونيّة). وهكذا تثبَّت عملُ يوحنا كنصّ مستقيم واعتُبر كتابًا مقدّسًا في الكنيسة الكبرى تجاه الهرطقة المرقيونيّة وغيرها.
أما ايريناوس، أسقف ليون، فكتب عن يوحنا في ردّه على الهراطقة ما يلي: "هذا هو الايمان الذي أعلنه يوحنا، فأراد بكرازة الانجيل أن يقتلع الضلال الذي زرعه رجاله قرنتيس، وقبلهم النيقولاويون الذين هم فرع في "المعرفة" المزعومة" (3/ 11: 1). هذا المقطع مهمّ جدًا، لأنه يجعل من الانجيل الرابع خصم الغنوصيّة وأداة الردّ عليها.
تعلمنا هاتان الشهادتان أمرين. الأول: إن لانجيل يوحنا وجودًا مسبقاً عن المحيط الذي أنتجه، بعد أن انتقل من كنيسته الأصليّة إلى كنائس أخرى. وقد عرفته المسيحيّة في رومة كما في غالية أو فرنسا. الثاني: اعتُبر هذا الانجيل كتعليم قويم مع لهجة "حربيّة" ضدّ الغنوصيّة.
هاتان الشهادتان قيِّمتان ولكنهما متأخِّرتان. لهذا ندهش حين نلاحظ صمت الاوساط المسيحيّة بالنسبة إلى هذا الانجيل. فقبل ايريناوس، لا ترد نصوص هذا الانجيل في كتابات الآباء. هنا، لا نستخرج من هذا الصمت أكثر ممّا يحمل، لأن الصمت عينه يلفّ مجمل كتابات العهد الجديد خلال القرن الثاني. بعد ذلك، وحين صار انجيل يوحنا في وضع الكتب المقدسة، أخذت نصوصه ترد وإن مع بعض التحفّظ داخل الكنيسة الكبرى. ونفهم هذا التحفّظ حين نعرف أن أوّل مفسّر لانجيل يوحنا هو هرقليون الغنوصيّ. فهذا العضو في المدرسة الولنطينيّة ينّبهنا من خلال تفسيره المبني بناء متماكسًا ومحكمًا، أن هذا الانجيل صار جزءًا لا يتجزَّأ من الكتابات الغنوصيّة.
وصمتُ المسيحيّين الأولين وتفسير هرقليون، يتيحان لنا أن نواصل بحثنا. من جهة، يظهر أن الانجيل كلام يحيا، فتتناقله جماعات أخرى غير الجماعات اليوحناويّة التي لم نعد نجد لها أثرًا في النصف الثاني من القرن الثاني. ومن جهة ثانية، كان قبول هذا الانجيل متعدّد الوجوه. فرض نفسه في وقت متأخّر على الكنيسة الكبرى. ولكنه نعم بمكانة هامّة في الاوساط الغنوصيّة. إذن، هو في قلب صراع التفاسير. وهذا ما يدفعنا إلى أن نطرح السؤال: هل يو هو وثيقة غنوصيّة أم ردّ على هذه الغنوصيّة؟
وهكذا يوجّه تاريخ قبول يو انتباهنا إلى مسألتين ترافقاننا في بحثنا. من جهة، هل التفاسير المتعارضة (المسيحيّون والغنوصيّون) ظاهرة من ظواهر القرن الثاني، أم هي خاصة بالتقليد اليوحناويّ؟ ومن جهة ثانية، هل لهذه التفاسير تأثير سوسيولوجيّ؟ وبعبارة أخركما هل الانفصال والتعارض بين الاوساط التي حملت هذا الانجيل في القرن الثاني، تغرز جذورها في المحيط اليوحناوي؟ عندئذ نقول إن الجماعات اليوحناويّة عرفت في وقت من الأوقات أزمة كبيرة وصلت بها إلى وضع جعلها تنغلق بعض الشيء على نفسها.

2- رسائل يوحنا وقبول الانجيل
قبل أن نصل إلى المرحلة الثانية، نحدّد على المستوى الكرونولوجيّ موقع مؤلّفات يوحنا. إن الانجيل سابق للرسائل. فخاتمة يو التي هي قسم متأخّر في إنجيل يوحنا، لا تشير إلى الأزمة التي كانت في قلب الرسائل. وهي في الوقت عينه تُبرز مدلول وجهين، وجه بطرس، ووجه التلميذ الحبيب، وهما وجهان لا يلعبان أي دور في رسائل يوحنا. وأخيرًا، للمدلولات عينها معان مختلفة في يو عمّا هي في 1 يو، 2 يو، 3 يو.
إذن، تشكّل رسائل يوحنا آخر ما أنتجته المدرسة اليوحناويّة. وكل رسالة قريبة من أختها. فإذا كانت 1 يو تستعيد بشكل موجز مواضيع (حضّ على حبّ الاخوة، تحذير من الهراطقة)، فإن 2 يو، 3 يو تُنسبان إلى كاتب واحد، هو "الشيخ" الذي يواجه صعوبات كنسيّة هامّة. بالاضافة إلى ذلك، يبدو أنه يجب أن نقرأ هذه الرسائل في الترتيب الذي جاءت فيه في اللائحة القانونيّة، فنفهم الصراع الذي يميِّز هذه المرحلة في مسيرة المدرسة اليوحناويّة.
ما هو الصراع الذي تشير إليه رسائل يوحنا؟ نحن هنا أمام مجموعة كنائس. وفي قلب هذه الجماعة المتعدّدة الوجوه، قام حزب معارضين يرفض تفسير الايمان كما يدافع عنه المحيطُ الذي يعبّر عن نفسه في الرسائل، والذي نماهيه مع المدرسة اليوحناويّة. نجح هؤلاء المعارضون نجاحًا كبيرًا، فالتحقت بهم أكثرية الكنائس اليوحناويّة. وهكذا انحصر تأثير المدرسة اليوحناويّة في إطار ضيّق.
إذا كان الشيخ يستطيع بعد في 2 يو أن يقول لكنيسة محليّة من يجب أن تستقبل ومن يجب إن لا تستقبل، فهذا الشيخ عينه لم يعد له مدخل إلى كنيسة محليّة يتوجّه إليها. لقد انتقلت السلطة إلى يد شخص يقاوم المدرسة اليوحناوية (ديوتريفس). ولم يبقَ للشيخ سوى أن يطلب مساعدة شخص ثالث هو غايوس. إذن، نحن هنا في مرحلة رأت فيها المدرسة اليوحناويّة أن تأثيرها انخفض بانتظار أن يزول في محيطها الكنسيّ الخاص.
ما هو موضوع الجدال بين الحلقة اليوحناويّة ومعارضيها؟ تقول 1 يو إن طبيعة الأزمة تعليميّة، وهي تتركّز على الايمان، على العقائد الكرستولوجيّة. نقرأ في 2: 22-23: "من الكذّاب إلاّ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح؟ ذاك هو المسيح الدجّال، المنكر الآب والابن. كل من ينكر الابن ليس له الآب. من يعترف بالابن فله الآب أيضًا". وفي 4: 1-4: "أيها الأحبّاء، لا تركنوا إلى كل روح. بل اختبروا الأرواح هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بأن يسوع المسيح أتى في الجسد هو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع ليس من الله. بل هذا روح المسيح الدجّال، الذي سمعتم أنه سيأتي. إنه الآن في العالم. أما أنتم يا أولادي الصغار، فإنكم من الله وقد غلبتموهم، لأني الذي فيكم أعظم من الذي في العالم". وفي 5: 1، 5-7: "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فهو مولود من الله. وكل من يحبّ الوالد يحبّ المولود منه... من ذا الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله؟ هذا هو الذي أتى بالماء والدم، يسوع المسيح، لا بالماء، فقط، بل بالماء والدم". ونقرأ في 2 يو 7: "فإنه قد انتشر في العالم مضلّون كثيرون، لا يعترفون بيسوع المسيح الذي أتى في الجسد".
قدّمت 1 يو براهينها بشكل محافظ. وقد توخّت أن تثبّت القرّاء في الهويّة التي يقيمون فيها. ووصيّة محبّة الاخوة التي تميّز 1 يو، تلعب دورًا لاهوتيًا: هي تدعو الجماعة إلى الاحتفاظ بتعلّقها بمجموعة من اليقينات. واستعمال فعل "ماناين" (ثبت) يسير بنا في هذ الخطّ عينه.
هنا نشدّد على أمرين:
الأول: إن الأزمة التي تعكسها 1 يو تدلّ على أن الانجيل هو في قلب صراع التفاسير. فالانجيل الذي يُشرق فيه وجهُ التلميذ الحبيب، لا ينقل تعليمًا موحّد المعنى في استعمالات مختلفة. بل هناك فئتان تتعارضان على مستوى اللاهوت، وإن انتمتا إلى ذات الوسط اليوحناويّ. واعتبرتا أنهما تستطيعان أن تستندا إليه. لم يصل الانجيل إلى ما هدف إليه بأن يكون قاعدة إيمان توحّد الجماعة. فهو يحتاج إلى قانون تفسيريّ حاولت 1 يو أن تعبّر عنه. أجل، إن 1 يو هي في نظر المدرسة اليوحناويّة التفسير القويم للانجيل.
والأمر الثاني: إذا كانت المدرسة اليوحناويّة سوف تنتصر على المستوى الادبيّ بعد أن دخلت مؤلّفاتها كلها في اللائحة القانونيّة، إلاّ أنها على المستوى الكنسيّ خسرت "المعركة"، لأن معظم الجماعات اليوحناويّة أفلتت من تأثيرها، وبالتالي خرجت من إطار الكنيسة الكبرى فتوزّعت "شيعًا". ظلّ اللاهوت اليوحناويِّ حيًا، ولكن ضاعت الكنيسة اليوحناويّة.
هل نستطيع أن نوضح هذا الصراع اللاهوتيّ الذي كانت له نتائج كنسيّة خطيرة؟ إن المسائل التي كانت موضوع جدال، تشير إلى هويّة المسيح وعمل الروح ومعرفة الله، واللاخطيئة ووصيّة المحبّة. وهكذا نكون قريبين من التيّارات الغنوصيّة. وهذا الاطار من الجدل ذي الطابع الغنوصيّ، قد أملاه المعارضون الذين حين عملوا ما عملوا، توسّعوا في إمكانيّة مسجّلة في الانجيل نفسه. إنهم يوحناويّون جذريّون يجسّدون الطريق الذاهبة من الانجيل الرابع إلى الغنوصيّة.
أما الحلقة التي هي في أساس الرسائل اليوحناويّة، فقد توسّعت في فكر مسيحيّ أصيل ندركه في يو 21. من هذا القبيل، يبدو المدلول السوتيريولوجي (أي على مستوى الخلاص) للتجسّد والموت التكفيريّ للمسيح، وأهميّة التعليم والتقليد، واستعادة الاسكاتولوجيا التقليديّة، يبدو كل هذا إشارات تقود من الانجيل الرابع إلى الكنيسة الجامعة كما عُرفت في القرنين الأول والثاني.
وهكذا جعلتنا الحقبةُ الثانية نواجه المرحلة الأخيرة في نموّ الجماعات اليوحناوية. فهذه الحقبة تتميّز بأزمة داخليّة في المحيط اليوحناويّ، لأن الكتاب الذي يؤسّس هذا المحيط (إنجيل يوحنا) لم يتوصّل إلى وضع ختمه على وحدة إيمان هؤلاء المسيحيين. بل إن صراعًا على مستوى التفسير، قسمَ هذا المحيط ودفعه إلى الانطلاق. وهكذا سيطر اليوحناويّون الجذريّون على اليوحناويّين التقليديّين، وخسرت المدرسة اليوحناويّة حربها داخل الكنيسة.
هذا المخرج الدراماتيكيّ يدفعنا إلى أن نتساءل: هل تضمّن الانجيل بواكير مثل هذه الأزمة؟ أم نحن أمام ظاهرة متأخّرة ميّزت اليوحناويّة في بداية القرن الثاني؟

3- التدوين الأخير للانجيل
لم يكن الانجيل الرابع كتابًا دوِّن دفعة واحدة. ومهما كانت النظريّة الادبيّة التي نأخذ بها، يجب علينا أن نقول إن هذا الانجيل عرف أكثر من تدوين. أما أوضح مثال على ذلك، فهو الخاتمة في ف 21. ولكن هذا المثال ليس فريدًا. فجسم الانجيل نفسه يدلي على ذات الواقع. وعبارة "قوموا ننطلق من هنا" (14: 31)، تدلّ على مراحل في خطب الوداع. والتنوّعات المتعاقبة حول موضوع خبز الحياة في ف 6، والتفسيران لحدث تطهير الهيكل (2: 14-17، 18-22)، وغسل الأرجل (13: 1- 11، 12-17)، كل هذا يفترض عملاً تدوينيًا قد سبقته قراءات متعاقبة.
هذا التذكير البسيط الذي يتوقّف عند بعض النماذج دون أن يعتبر أنه استنفد المسألة، يلفت انتباهنا إلى نقطتين.
الأولى: إن عمل الصياغة هذا الذي عادوا إليه أكثر من مرّة يحيلنا إلى وجود محيط قدّم نتاجًا مبنيًا في مدى من الوقت. ومحيط النتاج هذا الذي نسمّيه المدرسة اليوحناويّة يشكّل مقدارًا خامًا في قلب الكنائس اليوحناويّة. إنه موضع فيه اجتمعت تقاليد إيمان هذه الجماعات ووُسّعت وفُسّرت، وأُوّنت. ووجود هذه الحلقة اللاهوتيّة كانت له نتائجه بالنسبة إلى التفسير اليوحناويّ. فبقدر ما كان الانجيل ثمرة ديناميّة تفسيريّة في هذه المدرسة، يجب أن يُقرأ في الوقت عينه كتقليد في صيرورة ينبثق من أطر متعاقبة، وكمجموعة أدبيّة تامّة. فمن جهل واحدًا من قطبَي هذه الجدليّة باسم نقد أدبيّ متطرّف أو باسم قراءة سنكرونيّة مفروضة، انغلق على الخاصيّة الادبيّة في الانجيل الرابع.
النقطة الثانية: يجب أن نتساءل: هل تقع ديناميّة التفسير في المدرسة اليوحناويّة في عالم الخارج والعرض؟ هل هي وليدة أسباب تاريخيّة خارجيّة (في هذه الحالة، نجبر على القول بأن اللاهوت اليوحناويّ هو ردّة فعل على وضع خارجيّ)، أم تنبثق من ضرورة تدفع الايمان إلى أن يوضح نفسه (في هذه الحالة لن يكون اللاهوت اليوحناوي في جوهره أمرًا عرضيًا)؟
ولكن نعود إلى التدوين الأخير للانجيل، ونتفحّص ف 20 الذي هو تجسيم ملموس وواضح لهذه النظرة على المستوى الادبي. هذه الخاتمة تجعل الانجيل في داخل الكنيسة، فتقدّم براهين على مستوى نمطيّ. فصورتا بطرس والتلميذ الحبيب تشكّلان في نظر النقّاد الموضوع المركزي في هذا الفصل. إن بطرس الذي لا يحتلّ مكانة هامة في سائر الانجيل، قد كرّسه المسيح في دوره كالراعي الشامل والشهيد المجيد. أما التلميذ الحبيب فقد أقيم في كرامة الشاهد المميّز الذي يصبح حضوره ملموسًا حتى مجيء الرب في كتاب كان مؤلّفه وكافله. وهناك علاقة وثيقة بين الوجهين. حين اعترف المحيط اليوحناوي بدور بطرس ومدلوله، انفتح على الكنيسة الكبرى (أي خرج من قوقعته) واعترف بوجودها وشرعيّتها. ولكن إن انفتح على المسكونة (أويكوماني) فلكي يقدّم لها كتابه الذي هو الانجيل الرابع، والذي يعتبره تفسيرًا لا يُجارى للمسيح بفم التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. بالاضافة إلى ذلك، كان تذكّر الافخارستيا كطريقة حضور للمسيح بعد الفصح والقيامة والتلميح إلى المجيء، جسرًا ينقل الجماعة اليوحناويّة إلى الكنيسة الجامعة الأولى.
إذن، مثّل ف 21 حقبة تثبيت في تاريخ اليوحناويّة. لم تعد الساعة ساعة صياغة إنجيل اعتبر مغلقًا منذ الآن. هي ساعة تأمّل في وضع هذا الانجيل. ما هي قيمته الوثائقيّة واللاهوتيّة للجماعات اليوحناوية وللكنائس الموزّعة في المسكونة.
متى تمّ مثل هذا العمل؟ ساعة تركت الجماعات اليوحناويّة (والمدرسة) سورية التي هي موطن انجيل يوحنا، وانتقلوا إلى آسية الصغرى، أرض استقبال الحركة اليوحناوية اللاحقة. فتجاه مسيحيّة آسية الصغرى، أعلنت الحلقة التي "دوّنت" ف 21 شرعيّة الانجيل اليوحناويّ كما أعلنت انفتاحه على المسيحيّة الجامعة الكاثوليكية في المعنى الأصلي للكلمة.

4- الانجيل اليوحناوي
أ- المستوى التاريخيّ
ننطلق من التدوين الأخير لانجيل يوحنا، فنعود إلى الانجيل نفسه، وهكذا نصل إلى الحقبة الرابعة في تحليلنا. ويبدو أننا نستطيع أن نميّز الانجيل بحصر المعنى من تدوينه النهائي بقدر ما جاءت الزيادة بسيطة ومعروفة. هناك حواش حملت إلى لغة الاسكاتولوجيا التقليديّة (28:5-29؛ 39:6-40، 44، 45؛ 12: 48) ما يتعلّق بالأسرار بشكل عام (19: 34 ب-35) وبالافخارستيا بشكل خاص (6: 51 ج-58). هذه الزيادات لا تصحّح الانجيل ولا تخفّف من حدّته كما قال بولتمان. بل تجعله في إطار جديد فتدلّ على توافقه مع إيمان الكنيسة.
ذاك هو المظهر الادبيّ للانجيل. ففي أي سياق تاريخيّ رأى النور؟ هل نحن أمام وضع يختلف اختلافًا جوهريًا عن الوضع الذي صوّرناه حين تحدّثنا عن التدوين النهائي للانجيل؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار المعطيات البديهيّة للنصّ، نجيب بالايجاب. فالأزمة الكبرى التي يعكسها السرد اليوحناوي هو استبعاد المسيحيين اليوحناويين من المجمع الفرّيسيّ (9: 22، 34؛ 12: 42؛ 16: 2). فهدف الانجيل الذي نحدّد تاريخ تدوينه بعد هذا الطلاق الدرماتيكي بين المجمع والجماعة اليوحناويّة، كان بأن يأخذ بعين الاعتبار ردّات الفعل اللاهوتيّة والاجتماعيّة والكنسيّة على هذا الصراع الاخوي (حيث "يقتل" الأخ أخاه). فإلى مسيحيين مضطهدين ومزعزعين في اعتقاداتهم، ومهدّدين في وضعهم الاجماليّ، حاول الانجيل أن يقول مرّة ثانية ملاءمة إيمانهم للعالم الذي يعيشون فيه وأن يعيد بناء هوّيتهم الدينيّة مبيّنًا صحّتها وشرعيتها.
هذا يعني أن الغنوصيّة لم تكن موضوع جدال في الجماعات اليوحناويّة ساعة دوِّن الانجيل. هنا نقول إن التقاليد التي جمعها الانجيل تحمل مواضيع نجدها في النصوص الغنوصيّة، ولكنها صيغت في الانجيل بشكل لاغنوصيّ. ففي المحيط اليوحناويّ، بدأ الجدال مع الغنوصيّة مع الرسائل اليوحناويّة، ووجد ذروته في تاريخ قبول الانجيل في القرن الثاني.
ب- البنية الادبيّة
وهكذا ننتقل من الناحية التاريخيّة إلى تحليل الترتيب الادبي للانجيل لكي ندرك خطّة العمل تجاه القرّاء. لهذا نبدأ فنذكر مرمى الانجيل البلاغيّ. فالطرح التاريخيّ الذي تحدّثنا عنه (قرّاء الانجيل هم يوحناويون استُبعدوا من المجمع) يعني أن المؤلّف يتوجّه إلى حلقة المؤمنين ولا يحاول أن يخرج منها ليذهب إلى الآخرين. وما يسند هذا التأكيد الوسائل البلاغيّة التي نكتشفها في النصّ. فاللغة الرمزيّة التي تحمل معنيين. والتلميحات والمراجعات. كل هذا لا يدركه إلاّ من مرّوا في تدرّج مسيحيّ وتنشئة. والممازحة التي تملأ الخبر تفترض تعاطفًا بين الكاتب والقرّاء. هو إنجيل دوّن للمؤمنين (رج 20: 30- 31) فدعاهم لكي يؤمنوا. ولكن المفارقة تبقى ظاهرة وحسب: فكل بنية الانجيل تتوزّع حول "أن نؤمن" أو "نؤمن أفضل".
إذا كان الانجيل الرابع وسيلة من أجل بناء الايمان، وأداة تتيح لنا أن ننتقل من إيمان غير كاف إلى إيمان كامل، فما هو موضوع هذا البناء وهذا التعميق؟ تدلّ الخاتمة (20: 30- 31) بوضوح أننا أمام الهويّة الكرستولوجيّة. هنا نتذكّر البحث حول "كرستولوجيا عليا" و"كرستولوجيا دنيا". فالكرستولوجيا العليا ترد في برنامج يبدأ مع مطلع الانجيل. يجب أن نكتشف في مسيح تجاهله العالم ورفضه ورذله، اللوغوس (الكلمة) الموجود منذ الازل، وسيط الخليقة، ينبوع كل نعمة، والمُخبر الوحيد عن الله. إن معرفة ملء هذه الهويّة الكرستولولجيّة تحمل "الحياة الابديّة" في المعنى اليوحناوي.
ليس ترتيب الخبر في الدرجة الأولى ترتيبًا دراماتيكيا، بل موضوعيًا. هو يسير مع الطرح الذي وُضع أمامنا منذ البدء. فأخبار القسم الأول من الانجيل تحاول أن تُدرك القارئ على مستوى تأكيد أوّل لكي تصل به إلى ملء معرفة حامل الوحي. ففي مسيرات هذا الايمان التي "تتكرّر" دومًا، نجد نفوسنا في مسيرة تدرّج ندركها بشكل خاص في تسلسل الآيات اليوحناويّة. أما القسم الثاني الذي ينقل وحي المسيح لأخصّائه، فيزيد بُعدًا جديدًا على توضيح هذا الايمان الملائم، فيعالج المسألة البعد فصحيّة الأولى: كيف يعود إلينا ذاك الذي يذهب؟ كيف يكون الغائب حاضرًا؟
إن سوء التفاهم والنصوص المازحة التي تتوزّع الخبر، هي هنا لكي توجّه القارئ، لكي تجعله يعي مسيرة الخبر، وتعلمه عن معنى الأحداث والأقوال. وكل هذا من أجل اكتشاف هويّة المسيح. نشير هنا إلى أن "سوء التفاهمات" تشير إلى موت الابن وقيامته وتمجيده. أما المقاطع المازحة فتشير إلى أصل يسوع وهوّيته وأعماله وآلامه. وفي النهاية نقول من الوجهة السرديّة، إن الأشخاص في الانجيل هم تعبير عن مختلف الأجوبة الممكنة ليسوع، وهي أجوبة قد يتماهى معها القارئ.
إن هذه الحقبة الرابعة تجعلنا أمام زمن مهمّ داخل المسيرة اليوحناويّة. فالمسيحيون اليوحناويّون قد جرّدوا من هوّيتهم الاجتماعيّة والدينيّة، وقلّ عددهم بسبب الذين تركوا الجماعة (رج 6: 66). لهذا قدّمت لهم المدرسة اليوحناويّة كتاب الايمان، الكتاب الذي يسعى إلى تثبيتهم في معتقدهم، ويجعلهم ينمون في معرفة ربّهم.
هذه الصورة الجميلة التي يرسمها الانجيل أمامنا لكي يجعلنا نتعلّق بالمسيح، لم تولد من ذاتها أو من لا شيء. لهذا يبقى علينا أن نعود إلى الأصول ونتعرّف إلى الانجيل قبل الانجيل كما نتعرّف إلى الحقبة التي تقابل تاريخ الجماعة اليوحناويّة.

5- قبل تدوين الانجيل
يتّفق عدد كبير من الشرّاح على الحقبات الأربع الأولى. ولكن الأمر ليس كذلك في الحقبة الخامسة. والسبب هو أننا لا نمتلك وثيقة أدبيّة عن تلك الحقبة. لهذا ينطلق النقد الأدبي فيقوم بعمليّة بناء كتابات أو مراجع. لهذا، ليس من نظريّة حول تكوين الانجيل الرابع قد استطاعت حتّى الآن أن تفرض نفسها. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إذا كان تمييز الطبقات الادبية ما زال مثار جدال، فماذا نقول عن الترتيب الكرونولوجيّ؟ لهذا يستحيل أن نميّز العناصر القديمة من العناصر الحديثة. مثلاً، هل توافق الاسكاتولوجيا التقليديّة حقبة قديمة أو متأخّرة في اللاهوت اليوحناويّ؟ سؤال بلا جواب.
في هذا الوضع الذي يبدو كالرمال المتحركة، نقدّم الملاحظات التالية:
- حين نقرأ انجيل يوحنا نجد نفوسنا أمام توسّع أدبيّ مستمرّ. فنحن أمام سلسلة من قراءة وإعادة قراءة. من المطلع إلى اكتشاف القبر الفارغ، من تطهير الهيكل إلى خطب الوداع، من شفاء ابن الموظّف الملكيّ إلى الكلام عن خبز الحياة، نجد نصًا يتطوّر، يصير ولا يكون جامدًا في وقت من الاوقات. فالقراءة تلي القراءة.
- إن هذه القراءات المتتالية لا تتعارض ولا تتصارع كما اعتبر البعض. فكل قراءة تركت وراءها أثرًا. وهكذا توسّع المعنى وتأوّن التقليد.
- إن تماسك سلسلة القراءات في الزمن، يعود بنا إلى محيط اجتماعيّ منظّم وثابت هو المدرسة اليوحناويّة التي حرّكت بدورها الجماعات. فالمسيحيّة اليوحناويّة لم تكن ثمرة عبقريّة منعزلة ظهرت فجأة كالبرق في سماء المسيحيّة الفتيّة ثم اختفت. بل هي مجموعة منظّمة تنظيمًا اجتماعيًا. غُرست في سورية، فكانت قريبة من اليهوديّة الارثوذكسيّة.
- من هذا القبيل، شكّلت المسيحيّة اليوحناويّة قبل تدوين الانجيل الرابع، خطًا خاصًا في إطار المسيحيّة الأولى، فتميّزت عن المسيحيّة البولسيّة أو مسيحيّة الأناجيل الازائيّة. فعلى مستوى التدوين النهائي للانجيل، ثم على مستوى الرسائل اليوحناويّة الثلاث، بدأ المحيط اليوحناويّ ينفتح على الكنيسة الجامعة التي استندت إلى الارث البولسيّ والازائيّ.
- النقطة الاساسيّة هي الكرستولوجيا. ونحن نقرأها باكرًا في مطلع الانجيل الرابع.
خاتمة
ماذا اكتشفنا في هذه المسيرة مع الجماعة اليوحناويّة؟ تجذّر الادب اليوحناويّ في الجماعة. فمؤلّفات يوحنا تعود بنا إلى مجموعة تعاملت مع تقليد إيماني وقدّمت جوابًا عنه أمام الجماعات الكنسيّة خلال قرن من الزمن. من هذا القبيل نترك كاتبًا مفردًا لنصل إلى ممارسة لاهوتيّة لها تأثيرها في الكنيسة.
واكتشفنا العلاقة بين تماسك التقليد والعرضيّة التاريخيّة التي يواجهها هذا التقليد. من هذا القبيل يكتب اللاهوتُ اليوحناويّ تاريخَ الجماعات. وفي الوقت عينه يتأثّر بهذه الجماعات وتقلّباتها.
واكتشفنا القراءات العديدة قبل أن يدخل هذا الانجيل في اللائحة القانونيّة. من توضيح إلى توضيح، ومن تفسير إلى آخر. فالكتاب المقدس ليس كلمة جامدة، بل هو ينعم بديناميّة تجعله يبتعد عن كل تحجّر. وهذا ما يضع حدًا للقراءة الاصوليّة التي تهدّد الكنيسة دومًا وتمنعها من "كتابة" انجيل جديد في جماعاتها.

الفصل الرابع والعشرون
إنجيل يوحنا وتاريخ الخلاص

ليس تاريخ الخلاص في إنجيل يوحنا عنصرًا يقف بين عناصر أخرى. إنه العنصر الجوهريّ في هذا الانجيل الذي يدعو الانسان للدخول في مخطّط الله الأزليّ والشامل. فعلى الانسان أن يتّخذ قراره داخل تاريخ الخلاص. هذا ما نحاول أن نبرهن عنه في أربع محطات. الاولى، يرى يو في حياة يسوع التاريخيّة مركز التاريخ كلّه. الثانية، ترتبط حياة يسوع بالكنيسة الحاليّة. الثالثة، يربط يو حياة يسوع بالماضي ويعود بتاريخ الخلاص إلى الخلق. الرابعة، ينسب إلى يسوع اسكاتولوجيا زمنيّة مع انشداد يميّز هذه الاسكاتولوجيا.

1- حياة المسيح الممجّد، مركز التاريخ كلّه
قدّم الانجيليّ الرابع لاهوته بشكل حياة يسوع، وهذا أمر لافت للنظر. روى حياة يسوع وهو متيّقن أنها في قلب الوحي كله، أنها تكوّن قلب المحاولة التي قام بها الله من أجل خلاص الانسان. لا يتحدّث عن كيان الله، بل يصوّر عمل الله. ويعطينا المطلعُ عن هذا المبدأ البرهانَ الساطع. لم يتوقّف الانجيلي عند مشاهدة اللوغوس، بل سارع إلى تصوير عمل الله. وفي بداية ذا المطلع، ساعة يتأمل اللوغوسَ لدى الله، فهو ينظر إلى الله الذي يريد أن يعطي ذاته. "به كان كل شيء" (3:1). غير أن هذا العمل يبقى على الحدود في نظر الانجيليّ. فقد دوِّن المطلع ليحدّد موقعَ الوحي كله، موقعَ عمل الله الخلاصيّ.
وهذا الموقع، هذا المركز، هو الحياة التاريخيّة لانسان اسمه يسوع الناصريّ. نحن في منتصف الزمن. في قلبه وذروته. من هنا نشاهد وحي الله وعمله. مَن يفعل في هذا الموقع فيكون عمله حاسمًا؟ يسوع الناصريّ المتجسّد، الذي فيه كشف الله عن عمق كيانه، عق مجده (يو 1: 14).
حياة يسوع الناصريّ ليست ظاهرة "تافهة" بين عدد من الظواهر. ليست وحيًا عن الله بين ألف وحي ووحي. هي الحدث الأول، الفريد، النهائي، الذي فيه يعطي الله ذاته ملء العطاء للعالم، فيخلّص هذا العالم خلاصًا نهائيًا. ويتكثّف كل تاريخ الخلاص، ويتركّز في هذا الخطّ العموديّ الذي يمثِّله المسيح. وهذا الخط لا يتعلّق في الهواء، بل يتزاوج مع الخطّ الافقي ويمتزج به. إذن، ترتبط حياة المسيح بكل مبادرات الله السابقة. ترتبط برذل اللوغوس بيد أخصّائه (1: 11، خاصته لم تقبله). تتصّل بالخلق. وإذ أراد الانجيلي توضيح كل هذه الرباطات، دوّن المطلع ليدلّ منذ البدء، على أن تاريخ الخلاص يتحدّد موقعه في حياة المسيح. فهذا الفعل الذي يقرّر مصير الكون، يتّخذ موقعه في قمّة هذه المسيرة.
إن ذلك المتجسّد يعيش حياة نستطيع أن نرويها. ويعطينا يوحنا معلومات حول أعماله يسوع وحركاته مند عماده. ولكن ما قيمة كل هذا في نظر الانجيلي؟ أما يرى فيها إطارًا وذريعة ليقدّم لاهوته؟ هل يستعملها كنهج تربويّ يساعدنا على فهم حياتنا فهمًا سريعًا؟ هل التاريخ بالنسبة إليه مجرد "رقم"؟ 
الجواب هو كلا. فخبر الانجيل الرابع من البداية إلى النهاية يروي كيف يعمل الله بواسطة يسوع من أجل خلاص البشر. فهذه الاحداث التي تحصل في الزمن تُتمّ مخطّط الله الازليّ. لاشكّ في أن عمل الله في هذه الحياة يتجاوز الأحداث التي حصلت فيما مضى. غير أن هذه "الزيادة" ليست حقائق ماورائيّة تلامس وجودنا بمعزل عن كل تدخّل إلهي على مستوى كياننا.
هنا نطرح السؤال: ما هو هذا العنصر الحاضر في تلك الاحداث فيتجاوزها؟ هو علاقتها مع حاضر الكنيسة ومع اسرائيل في ماضيه... فنظرة يوحنا تضمّ الاثنين. ففي نظرة واحدة ينظر إلى يسوع وينظر إلى المسيح. فنظره يحطّ في الوقت عينه على حياة المتجسّد في التاريخ وعلى حياة الممجّد في كنيسته. هنا يختلف يوحنا عن لوقا الذي كتب أولاً حياة يسوع ثم تاريخ الكنيسة الأولى. أما يوحنا فما فصل بين الاثنين، بل انطلق من كل حدث حصل في حياة المتجسّد، فاستخلص منه خطًا يقود إلى الممجّد أو الكائن منذ الأزل. هذه الرؤية التي تتضمّن الاثنين تتأسّس على تاريخ الخلاص.
كيف يصل إلى تقديم للمتجسّد والممجّد في نظرة واحدة؟ ساعة يروي حياة يسوع ليدلّ على الواقع المركزيّ لأحداث هذه الحياة. هكذا نفهم العبور بدون انتقالة من خطب يسوع التاريخيّ إلى كرازة يسوع الممجّد. ولنا مثال على ذلك في حوار يسوع مع نيقوديمس (3:3- 31). تحدّث يسوع في الماضي عن ذاك الذي صعد إلى السماء (3: 13). هذه المواقتة تبقى مستحيلة دون تمييز الحقبات المتعاقبة.
يتوقّف الكاتب عند التاريخ بروح نبويّة فيعرض الامور ويشرحها في وقت واحد. هو يفسّر حياة يسوع بالطريقة التي يقدّمها. فيسوع يعمل، وأعماله الخلاصيّة تثير أعمالاً أخرى خلاصيّة حصلت قبله وبعده. وهكذا تصبح أعمال المسيح في الكنيسة مفهومة. وتنتظم أحداث العهد القديم في خطّ يمنحها مدلولها الحقيقيّ. إن يسوع التاريخ يُتمّ رسالته، وتعود بنا أعماله إلى "أعمال أعظم" يقوم بها المؤمن في الكنيسة "لأن يسوع ذاهب إلى الآب" (14: 12).
ولابدّ من الروح القدس للوصول إلى هذه النظرة. فتاريخ الخلاص وحده يتيح لنا أن ندرك تداخل الاحداث. غير أن هذا التاريخ وطابعه ونواميسه لا تظهر إلاّ لانسان ينيره الوحي. ويعرض الكاتبُ نفسُه كيف وصل إلى هذه الرؤية الاجماليّة. فخطب الوداع تعطينا المفتاح الذي به ندخل إلى الانجيل كله: "الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي، هو يعلّمكم كل شيء ويذكّركم كل ما قلته لكم" (26:14). "لي أشياء كثيرة أقولها لكم، ولكنكم لا تطيقون حملها الآن. ولكن حين يأتي روح الحقّ، فهو يقودكم إلى الحقّ كله" (16: 12). أجل، الروح هو الذي جعل الانجيليّ يعطي حياة يسوع المكانة التي تعود لها في تاريخ الخلاص.
في هذا المجال، يستعيد يوحنا تقليدًا فكريًا هو التقليد النبويّ لتاريخ الخلاص. ولكن كيف يعمل الروح؟ لسنا أمام رؤية كما حدث بالنسبة إلى القديس بولس أو لعدد من الأنبياء، في العهد القديم. لاشكّ في أن هناك اتصالاً مباشرًا مع الممجّد، لقاء شخصيًا مع القائم من الموت. ولكن الانجيليّ الذي استنار بالروح، قد تأمّل في حياة يسوع، وقدّم لنا ثمرة تأمّله في صفحات إنجيله.
كل تلاميذ يسوع الذين أوكلوا بنقل التقليد، أوردوا أحداث الماضي ودلّوا على معناها. وكان يوحنا مثلهم، فطبّق هذه القاعدة بشكل مطلق. رأى وسمع، فنقل أعمال يسوع وأقواله. حرّكه لقاء القائم من الموت، وأناره عمل الروح، فدوّن في الوقت عينه وفسّر هذه الأعمال وهذه الأقوال، أي الكرازة التي أوصلها يسوع نفسه في الماضي والتي لم يفهمها التلاميذ حينذاك.
وهكذا يضمّ الانجيل اليوحناويّ وجهتين متّحدتين ومنفصلتين (20: 8: رأى وآمن). شهادة العين وتفسير الايمان. لهذا، يستعمل عبارات تحمل معنيين، فتتيح له أن يورد الواقع ويقدّم لنا المفتاح للولوج إليه. هناك فعل "تياأوماي" الذي يعني ملاحظة واقع ومشاهدة بعده الروحي. مثلاً ما قاله يوحنا المعمدان عن يسوع. "رأيت الروح نازلاً عليه" (1: 32). أو ما قاله يسوع لتلاميذه بعد حديثه مع السامرية: "إرفعوا أيديكم وانظروا الحقول" (4: 35).
"يذكّركم". لا يكتفي الروح بأن يحرّك الذاكرة. فما الفائدة من عودة إلى الماضي إذا كنا لا نعرف أين نضع هذا الماضي، والقيمة التي نعطيه؟ لهذا، فالتذكّر الذي يتحدّث عنه الانجيليّ، يجعلنا نكتشف كيف يلي هذا الواقع ماضي العهد القديم ويهيّئ الآتي في كنيسة يسوع المسيح. فالانجيليّ يقحم مرارًا حاشية واضحة: بعد أن يقوم المسيح من بين الأموات ويُعطى الروح، يفهم التلاميذ تسلسل الاحداث (7: 39): "قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به، مزمعين أن يقبلوه. فالروح لم يكن بعدُ قد أعطي، لأن يسوع لم يكن بعد قد مجِّد".
نجد مثل هذه الإشارة منذ الفصل الثاني، ساعة طرد يسوع الباعة من الهيكل. قال الانجيلي: "ولما قام من بين الاموات، تذكّر تلاميذه أنه قال هذا" (22:2). أنه كان "يتكلّم على هيكل جسده" (آ 21) الذي يدمَّر ويقوم. ونلاحظ الشيء عينه في 12: 16. فالعلاقة بين الدخول إلى أورشليم والنبوءة غابت الآن عن ذهن التلاميذ. "ولكن حين مُجِّد يسوع، تذكّر التلاميذ أن هذا كُتب عنه فصنعوا له هذا". وساعة غسل الأرجل، أجاب يسوع بطرس: "ما أصنعه لا تعرفه الآن، ولكنك ستفهم فيما بعد" (7:13). وفي 16: 4 أعلن يسوع أنه يتكلّم من أجل "تذكّر" لاحق: "قلت لكم هذا، حتى إذا وافت الساعة تذكرون أني قلته لكم". وأخيرًا في 20: 9، أعادنا الانجيلي إلى ما بعد، إلى الساعة التي سيفهم فيها التلاميذ جميع شهادات العهد القديم عن قيامة يسوع. "لم يكونا بعد قد فهما الكتب، أنه ينبغي أن يقوم من بين الأموات".
أشار الانجيليّ بشكل واضح إلى وضعه الخاص: فهو الذي فهم متأخّرًا أن أحداث حياة يسوع ترتبط بتاريخ الخلاص. سبق وتحدّثنا عن نبوءة تتأسّس على تاريخ الخلاص، وبيّنّا القرابة بين هذه الفكرة وفكرة يوحنا. غير أن هناك اختلافًا بين الاثنين: فالنبوءات تنطلق من الحدث الحاضر وتربطه بالماضي. أما الانجيل الرابع فيعود إلى الوراء، إلي حياة يسوع، ومن هناك يلقي نظره إلى الأمام، إلى حياة الكنيسة. لهذا استعمل فعل "تذكّر". ففي كل عمل من أعمال يسوع وحديث من أحاديثه، يربطه بالحاضر. وقد يدلّ على هدفه من خلال عبارة ترد بشكل حاشية.
حياة يسوع تشبه برنامجًا به يرتبط تاريخ البشر كله، وهذا ما نكتشفه مثلاً في ف 7. ألحَّ إخوة يسوع عليه أن يصعد إلى أورشليم من أجل عيد المظال. أجاب يسوع: "ساعتي لم تأت بعد، أما ساعتكم فدومًا حاضرة" (آ 6). عارض يسوع مشروع إخوته، لان ما يعرضونه عليه لا يأخذ بعين الاعتبار الوقت المحدّد لآلامه وموته: "أنتم، إصعدوا إلى العيد، أما أنا فلا أصعد" (آ 8).
عرف يسوع أنه ينفّذ المخطّط الإلهي. تلك الفكرة نقرأها في الأناجيل الازائيّة بشكل تلميح خفيّ: "أجابهم يسوع: إذهبوا وقولوا لهذا الثعلب: ها أنا أطرد الشياطين وأجري المعجزات اليوم وغدًا، وفي اليوم الثالث أكمّل" (لو 13: 32). أما عند يوحنا فجاءت واضحة. فالأوقات (كايروس) هي أوقات الله. هي أوقات تاريخيّة، أوقات خلاصيّة. وقد اختارها الله في قدرته في وقت محدّد من تاريخ الخلاص. وهذا الاختيار ينتمي إلى طبيعة تاريخ الخلاص. يسوع هو العامل في "مشاريع" الله. والله قد أوكله بمهمّة تتميم الخلاص. لهذا يعرف يسوع أحداث حياته التي بها ينفّذ الله مخطّطه الخلاصيّ. لا مكان للصدفة. فقد رأى الله كل شيء مسبقًا. وتاريخ الخلاص هو أمام يسوع كتاب مفتوح يستطيع أن يقرأ فيه تاريخ تدخّلاته.
"وقتكم حاضر في كل آن" (6:7). فهم لا يؤمنون بيسوع (آ 5). سواء صعدوا إلى أورشليم أو لم يصعدوا، فلا يتبدّل شيء. ليسوا صانعي "وقت الخلاص"، ومصير العالم لا يرتبط بإقامتهم في المدينة المقدّسة. هنا نتذكّر "الساعة" التي يشير إليها يوحنا مرارًا. وهذه الساعة تقود إلى موت يسوع. وهذه الساعة لا تأتي قبل الوقت المحدّد. لهذا رفض يسوع أن يصعد الآن إلى العيد لكي "يظهر للعالم" بحسب رغبة إخوته (7: 4).
تحدّث الازائيون عن الآلام، وذكروا ثلاثة انباءات بالآلام. أما يوحنا فأشار إلى الساعة: تلك التي ما جاءت بعد (2: 4 وعرس قانا)، وتلك التي جاءت (23:12: أتت الساعة التي يمجّد فيها ابن البشر). ولكن هل تستبعد هذه الساعة المركزيّة سائر الساعات التي عاشها يسوع خلاله ممارسته مهمّته الخلاصيّة؟ كلا. بل هي تبرزها. فالانجيل الرابع يوضح أن كل الاشفية تحقّق مخطّط الله الخلاصيّ. ففي 9: 2 سأل التلاميذ يسوع حول عمى هذا الرجل: هو أم والداه؟
كان جواب يسوع جوابين: جواب سلبيّ أولاً: لا هو ولا والداه. ثم جواب إيجابيّ: "لكي تظهر أعمال الله فيه، لأنّه يجب علينا أن نتمّ الأعمال ما دام النهار". فتاريخ الخلاص وحده يُبعد جواب يسوع عن الشك. تلك هي ساعة الله. "فما دام النهار، ينبغي أن نعمل أعمال من أرسلني. فسيأتي الليل حيث لا يستطيع أحد عملاً" (9: 4). "أليس النهار اثنتي عشرة ساعة؟ إن مشى أحد في النهار لا يعثر" (9:11).
وُلد إنسان أعمى لكي يشفيه يسوع. ومات آخر لكي يقيمه يسوع. ابتهج يسوع لأنه لم يكن في بيت عنيا (11: 15). أما نتشكّك؟ ولكن تاريخ الخلاص يشرح تأخّر يسوع. لو أسرع لشفى مريضًا وما أقام ميتًا. ولكن رسالته تفترض هذه القيامة التي تكون استباقًا لقيامته.
ونجد في الانجيل الرابع عبارة تصوّر حياة يسوع، ساعة أراد أن يبرّر حرّيته تجاه وصيّة السبت (17:5). "أبي يعمل إلى الآن وأنا أعمل". هذا يعني أنه سيأتي وقت لن يعمل فيه الله. هو راحة السبت التي تتحدّث عنها الرسالة إلى العبرانيين. وبكلام اخر، إن الحملة العظيمة التي قام بها الله من أجل خلاص العالم، ستصل في يوم من الأيام إلى نهايتها. إن حياة يسوع هي في قلب هذه "الحملة"، وعمله وعمل الآب عمل واحد. لا راحة للآب الآن. ولا راحة ليسوع. وهو سيشفي المخلّع يوم السبت.
في 18: 31، أجاب اليهود بيلاطس: "لا يحقّ لنا أن نقتل أحدًا". وأضاف الانجيليّ: "كان هذا ليتمّ القول الذي قاله يسوع إذ أشار إلى أيّة ميتة كان مزمعًا أن يموتها" (آ 32). هي ميتة الصليب الخاصة بالرومان، لا الرجم الخاص باليهود. وهكذا ستسير المحاكمة كلها بحيث يُسلم يسوع إلى سلطة الاحتلال فيُرفع على الصليب (3: 14؛ 12: 32). لفظة تحمل معنيين، وهي تشير إلى الارتفاع على الصليب والارتفاع نحو الآب. هكذا حدّد الله تفاصيل حياة يسوع وموته.
والإطار الجغرافيّ الذي فيه تجري حياة يسوع، قد هيّأه الله أيضًا. لهذا يلاحظ الانجيليّ لماذا مضى يسوع إلى الجليل أو إلى اليهوديّة، لكي يتمّ هذا العمل أو ذاك. "وبعد ذلك بيومين مضى يسوع من هناك وشخص إلى الجليل" (43:4). وهكذا حين يلتقي يسوع السامريّة، كان منطلقًا من اليهوديّة إلى الجليل. وفي مقدّمة هذا الخبر يشدّد الانجيلي على ضرورة هذا السفر. "وجب عليه أن يعبر السامرة" (4:4). هل نحن أمام ضرورة توبولوجيّة لكي ينتقل من مكان إلى آخر، بل ينبغي على يسوع أن يلتقي في تلك الساعة السامرية على بئر يعقوب فيدشّن الرسالة في السامرة، وهي رسالة هامّة في تاريخ الخلاص.
إن يسوع يتمّ عملاً رئيسيًا من أجل خلاص جميع البشر. فكيف نتصوّر أن يتمّ هذا العمل في أي وقت كان؟ فالله هيّأ السنين والاشهر والأيام والساعات. غير أن هذه الحقبة الخلاصيّة ليست موضوعة في التاريخ مثل جسم غريب. فكل ما يحصل فيها يرتبط بوجود الكنيسة الحاضر. يسوع يفعل، يتكلّم. وفي أفعاله وكلامه يعلن منذ الآن عمل المسيح الممجّد وكلامه. وقد أعطى الروحُ الانجيلي أن يدرك هذا ويقدّمه كما على الورق الشفّاف: فهو يكتشف في حياة يسوع منذ الآن، الحياة التي تعيشها الكنيسة في خدمة المسيح الممجّد. هذا ما يقودنا إلى الوجهة الثانية التي يأخذها الاهتمام بتاريخ الخلاص في قلب هذا الانجيل.

2- حياة يسوع في ارتباطها بعمل المسيح الممجّد في كنيسته
حين نقرأ الانجيل الرابع لا نجد لفظة كنيسة (اكلاسيا)، مع أن هذا الانجيل هو بشكل خاصّ إنجيل الكنيسة. فالعلاقة واضحة بين أحداث يسوع والعبادة التي تقوم بها الكنيسة ساعة دوّن الانجيل. فالمسيح الحاضر في عبادة الكنيسة سبق وأعلن عن ننكسه في حياة الكلمة المتجسّد.
هناك سؤال يُطرح على الانجيلي: ما قيمة العبادة التي يقدّمها الشعب اليهوديّ في الهيكل؟ سؤال طرحته الكنيسة الأولى على نفسها، وأسقطته على حياة يسوع. وهكذا وُلد الموضوع اليوحناوي الذي يرى جسد المسيح يحلّ محلّ الهيكل. فالشكينة (سكن الله) أو مجده، لا يرتبط بعد اليوم بالهيكل. بل انفصل عنه وتجلّى في الكلمة المتجسّد. "لقد رأينا مجده" (دوكسا) (1: 14). هذا ما يشدّد عليه المطلع منذ البداية. واختيار الفعل "اسكينوسان" يعود إلى الاسم "سكيني" الذي يعني الخيمة ويرتبط بالسكن الالهي وسط البشر.
إن حضور الله الحرّ من كل قيد، لا يرتبط بموضع ولا بشيء مثل السكن المتنقّل في الصحراء. بل هو يتركّز على شخص الكلمة المتجسّد. "ترون السماء مفتوحة والملائكة ينزلون ويصعدون على ابن الانسان" (1: 51). تشير هذه الآية إلى حلم يعقوب (تك 28: 12) في بيت إيل. ولكن بعد الآن، لا تلتقي السماء والأرض في هذا الموضع. فابن الانسان قد صار الجسر بين الاثنتين. وهكذا يربط انجيل يوحنا الممجّد بالمتجسّد.
وهناك إشارات أخرى تدلّ على اهتمام الانجيليّ بالهيكل وشعائر العبادة. فيها انتزع الانجيليّ من السياق التاريخيّ الذي هو أيام يسوع الاخيرة، خبرَ الباعة المطرودين من الهيكل (2: 31 ي)، ووضعه في بداية انجيله. وأبرز يوحنا الرباط بين الهيكل وجسد يسوع المسيح (2: 21). والحوار مع السامريّة يقابل بين الهيكل والعبادة بالروح والحقّ (4: 20 ي). ويلمّح ف 12 إلى رؤية نعم بها أشعيا في الهيكل (رج أش 6: 1). ماذا رأى النبيّ؟ "مجده"، أي مجد المسيح (41:12).
لقد أخذ يسوع وظيفة الهيكل وربطها بشخصه. لهذا، لعبت المعمودية والافخارستيا (هما عملا المسيح الحاضر في كنيسته) دورًا كبيرًا في الانجيل اليوحناوي. ارتبطتا بأحداث عاشها يسوع. كما نلاحظ الاطار الذي يحيط بتطهير الهيكل: عرس قانا الذي أو صورة عن الافخارستيا مع الدم. والحوار مع نيقوديمس الذي يتركّز على المعمودية.
ونطرح السؤال: أين تأسيس القربان المقدس، أي العشاء السريّ في إنجيل يوحنا؟ ما كان باستطاعة الانجيليّ أن يتجاهل هذا الأمر. ومع ذلك، لم يورد خبر عشاء يسوع الاخير مع تلاميذه فاختلف عن الازائيّين والقديس بولس. لماذا؟ لأنه أراد أن يُبرز كلَّ عمل يسوع في علاقته مع حياة الكنيسة. فضّل الطريقة غير المباشرة، وقدّم العشاء السري بمناسبة أعمال أخرى قام بها الكلمة المتجسّد. أشار إلى ذاك العشاء بمناسبة تكثير الارغفة (6: 1ي). بمناسبة أعراس قانا (2: 1ي). وأشارت أحداث من حياة يسوع إلى المعمودية. أما الرمح الذي فتح جنبه (19: 34) فيشير إلى الافخارستيا (الدم) والمعمودية (الماء).
لقد عبّرت كنيسة يوحنا عن إيمانها في شعائر العبادة. كان الانجيلي منطقيًا مع نهجه بأن يجعل في صورة واحدة حياة يسوع وحياة الكنيسة، فأفرد لشعائر العبادة مكانة خاصة. فالكنيسة العابدة تقيم المقابلة بين زمن يسوع ونشاط الكنيسة الإرسالي. من يعمل في الرسالة إن لم يكن المسيح الممجّد؟ وبما أنه يتماهى مع الكلمة المتجسّد، فهو يُتمّ مشيئة عبّر عنها يسوع خلال حياته على الأرض. ويتوقّف ف 4 عند أصل الرسالة. لقد أرسل يسوع تلاميذه يحصدون حيث لم يتعبوا (38:4). من هم هؤلاء "الآخرون"؟ هم الهلينيون الذين يتحدّث عنهم سفر الأعمال، هم هؤلاء المرسلون الأولون الذين كانوا أصحاب مبادرة وشجاعة، فتحدّث عنهم الانجيل الرابع.
لن نتوقّف عند هؤلاء الهلينيين الذين "شجبوا" الهيكل وعرفوا الاضطهاد، فانطلقوا أولاً إلى السامريين ثم إلى الوثنيين. خاف الرسل فأرسلوا بطرس ويوحنا، ثم برنابا. في هذا الاطار نفهم لماذا أطالب الانجيل الرابع الكلام عن مشهد البئر: هكذا أقام جسرًا بين حياة يسوع وتبشير هذه المنطقة التي كانت نصف يهوديّة ونصف وثنيّة. وبعد أن عبر الانجيليّ هذه العتبة، أدرك الوثنيين، أي "اليونانيين". إن اللقاء عند بئر يعقوب يربط مبدأ الرسالة المسيحيّة بحياة يسوع على الأرض.
ومرحلة كرازة الوثنيين، أي اليونانيين، قد وجدت لها تهيئة في حياة يسوع. ففي 12: 20 ي، ذكر يوحنا اليونانيين الذين رغبوا أن يروا يسوع. أجابهم أنه يجب عليه قبل ذلك أن يموت (آ 24). وحين يرتفع (على الأرض، على الصليبي وفي المجد) يجتذب إليه جميع البشر (آ 32). إذن، الرسالة وسط الوثنيين تفترض موت يسوع وارتفاعه. وتصوَّر الفكرةُ ذاتها في صورة آتية من عالم الزراعة فتدلّ على تاريخ الخلاص ومسيرته: "إن حبّة الحنطة إن لم تمت تبقى مفردة. وإن ماتت حملت ثمارًا كثيرة" (آ 24). واللاهوت اليوحناوي يرى في شخص يسوع البذار الذي يُنتج ارتداد الوثنيين. وهذا البذار هو يسوع المصلوب والممجّد. وهكذا حين أجاب يسوع اليونانيين، ربط حياته وموته بنشاط الكنيسة الارساليّ.
وف 10 الذي يتحدّث عن الراعي الصالح، يعالج أيضًا مسألة الوثنيين: "ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة. فيجب أن أقودها. فتسمع صوتي وتكون الرعيّة واحدة والراعي واحدًا" (آ 16). وأخيرًا، يتوجّه نظر يسوع إلى الآخرين، إلى اللايهود، في 11: 52 (أبناء الله المتفرّقين) و17: 20 (الذين يؤمنون بكلامهم). كل هذه التلميحات ترد في سياق معيَّن، سياق تاريخ الخلاص: فالراعي الصالح قبل طوعًا بأن يبذل حياته عن الخراف. هذه المقاطع تتكلّم عن "الاخرين". في المطلع، تحدّث الانجيلي عن "خاصته" الذين رفضوا زيارة الكلمة. الخاصة هم اليهود. والآخرون هم الوثنيون. يجب أن يكونوا معًا. الرعيّة الواحدة بإمرة الراعي الواحد.
كان هدف الانجيل الرابع أن يؤمِّن امتدادًا لحياة يسوع، أن يجعلها تتغلغل في أزمنة الكنيسة الاولى، أن يجعلها تشارك في تأسيس الكنيسة. لهذا اختلف عن الانجيل الثالث فما زاد جزءًا ثانيًا (أع) على جزء أول. ما أضاف "حياة يسوع الممجّد" على "حياة يسوع المتجسّد"، بل نظر إلى الاثنتين في إضمامة واحدة. "أتت الساعة وهي الآن حاضرة". هذه العبارة لا تجعلنا فقط في انشداد اسكاتولوجيّ، بل تدلّ على وحدة يسوع المسيح في حياته على الأرض وفي عمله في الكنيسة. وهكذا تكون العبادة بالروح والحق (4: 23) هي عبادة الكنيسة.
كان بالامكان أن نتوقّف عند خطب الوداع. فدراسة ف 14-17 تكشف عن نيّة الانجيليّ بأن يربط حياة يسوع بحياة الكنيسة. غير أن تاريخ الخلاص يعرف علاقة أخرى: إن حياة يسوع الواحدة في الحاضر قد تهيّأت في الماضي. إذن، تتضمّن رؤيةُ الانجيل اليوحناوي أيضًا تاريخَ اسرائيل.

3- حياة يسوع وارتباطها بتاريخ الخلاص في الماضي
يتألف اسرائيل الحقيقيّ من جميع الذين يؤمنون بالمسيح. هذه الفكرة المؤسِّسة على تاريخ الخلاص، نجدها بشكل خاص عند يوحنا. فالمطلع سبق وقدّم لنا موضوعًا نموذجيًا سيعود على مدّ الانجيل: "جاء الكلمة إلى خاصته، وخاصته لم تقبله. أما جميع الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يكونوا أبناء الله" (1: 11-12). هذا الماضي الذي فيه يترافق الرفض مع القبول، يلقى اهتمامَ الانجيلي الذي عاد عندئذ إلى العهد القديم. رجع إلى موسى وابراهيم وسمّى نتنائيل "اسرائيليًا لا غشَّ فيه". فأعلنه نتنائيل ابن الله وملك اسرائيل (1: 45 ي). وهكذا يتجذّر تاريخ الخلاص في العهد القديم.
اختلف بولس عن يوحنا في أمور كثيرة، ولكنهما التقيا بشكل خاص في تاريخ الخلاص الذي يؤمن بنية فكرهما. هنا نقابل يو 33:8 ي مع غل 6:3 ي، 4: 21 ي. ففكرة "نسل ابراهيم" تُشرف على المقطع اليوحناويّ. بحسب يو 8: 41، احتجّ اليهود الذين لم يؤمنوا أنهم ليسوا أبناء زنى. ومع ذلك فهم أولاد لاشرعيون. ليس الله أباهم، بل إبليس الذي هو قاتل وكاذب منذ البدء (8: 44). وهكذا يرتسم خطّ ينطلق من الفردوس حيث كذبُ الشيطان قاد الناس إلى الموت، ويمرّ في قايين قاتل أخيه، ويصل إلى اليهود الذين لم يؤمنوا فقتلوا يسوع. فيستنتج الانجيليّ أن اليهود اللامؤمنين لا يمكن أن يكونوا "نسل ابراهيم". لأن أبناء ابراهيم يعملون أعمال ابراهيم لا أعمال شخص قاتل.
لم تصل الأمور ببولس إلى حدّ جعله يسمّي اللامؤمنين "أبناء ابليس". ولكنه رأى فيهم نسل اسماعيل. فاللحم والدم (ساركس) أشرفا على ولادتهم وما زالا حاضرين. أما نسل اسحاق فهو من نوع آخر. كانت ولادته معجزة ارتبطت بالايمان. وهذا الايمان يحيي أبناء نسله واحدًا واحدًا.
إن يو 8: 44 ي لا يلقي ضوءًا على العلاقة بين ابراهيم والايمان (كما عند بولس). غير أن نهاية الفصل تكشف عن الرباط بين ابراهيم والمسيح. حسب آ 56، ابتهج ابراهيم حين أمل أن يرى يوم يسوع. نحن هنا أمام تلميح إلى تك 17: 17 كما فسّره الرابينيون. فتاريخ الخلاص حاضر دومًا في فكر الانجيلي الذي لا يتخلّى عن التعاقب الكرونولوجىّ. ولكنه يضيف يقينًا خاصًا به: فالمسيح الموجود منذ الأزل، يعمل في تاريخ الخلاص الذي سبق تجسّده. ابراهيم رأى يوم يسوع، ويسوع رأى ابراهيم. وأشعيا أيضًا رأى مجد المسيح (12: 41) في رؤية الهيكل (أش 6: 1ي) ويسوع رأى أشعيا. فرجال العهد القديم يتمّون في زمنهم الدورَ الذي يمنحهم إياه تاريخُ الخلاص. والموهبة النبويّة التي أعطوا، تتيح لهم أن يفهموا كيف تترابط الحقبات المختلفة. فهم يدخلون، قبل الوقت، في نظرة الانجيليّ الذي كان قريبًا من الحدث المركزيّ، فضمّ في نظرة واحدة المسيرة كلها.
إن وجود يسوع منذ الأزل وعمله في قلب العهد القديم، لا يلغيان تاريخ الخلاص. فهذا التاريخ لا يتألّف من محطات مستقلة بعضها عن بعض. لاشكّ في أن المحطات تتعاقب، ولكنها ترتبط كلها بعضها ببعض باتجاهها المشترك. وتتوجّه إلى النقطة التي يأتيها منها مدلولها، والتي فيها تجد كمالها. هي تتسارع نحو المسيح يسوع.
حين نرى فيه مركز التاريخ كله، وحين نعيد إلى هذا المركز كل وحي سابق، نتحدّث في الوقت عينه عن وجوده قبل الزمن. فالمسيح الكلمة لم يتأنّس في يسوع والناصري إلاّ بعد أن شاهد كل أوقات تاريخ الخلاص وشارك فيها.
فالحقبات تتلاحق وتتداخل. هناك تعاقب كرونولوجي وإزالة هذا التعاقب بوجود يسوع قبل الزمن. ويُعبّر يوحنا عن هذه الثنائيّة بعلاقة أقامها بين يسوع ويوحنا المعمدان. فالانجيل اليوحناويّ يأخذ بنظرة الأناجيل الازائيّة حول دور المعمدان في تاريخ الخلاص. فعبر شخص المعمدان، تغرز حياةُ الكلمة المتجسّد جذورها في ماضي التاريخ الخلاصيّ. أن يكون المعمدان هو السابق كما قال الازائيّون، أو يكون الشاهد كما قال الانجيل الرابع، ففي الحالين يعطيه تاريخُ الخلاص مهمّة تجعله يأتي قبل يسوع. هو الأول ويكون المسيح الثاني. وقد أحسَّ يوحنا بهذا الأمر، بحيث إنه لا يتكلّم عن الكلمة الازلي المشارك في عمل الخلق، دون أن يشير إلى يوحنا المعمدان الذي كان على المستوى التاريخي قبل يسوع المسيح.
وهكذا صار تاريخ الخلاص خلفيّة للمطلع اليوحناويّ. وعلى هذه الخلفيّة ظهرت كلمة المعمدان (1: 15): "ذاك الذي يأتي بعدي سبقني". هي كلمة ذات رنّة حربيّة وهي تحاول أن تقاوم الانحرافات. فالكنيسة تحارب تلاميذ يوحنا الذين اعتبروا معلّمهم المسيح، وتردّ عليهم بفم المعمدان. وهكذا نرى مرّة أخرى كيف أن الانجيليّ أدخل هموم كنيسته في حياة يسوع ليعطيها الجواب الشافي. في هذا المقطع، أراد الانجيليّ أن ينهي مسألة المعمدان. وفي حالات أخرى، يردّ على الظاهريّين الذين ينكرون تجسّد الكلمة. ولكن الحرب ليست السببَ الوحيد الذي لأجله يؤكّد يوحنا أزليّة يسوع. هو يتكلّم عنها لأن حضور يسوع في العهد القديم يبدو له جوهريًا من أجل تاريخ الخلاص.
سبق وقلنا إن هذا التاريخ لا يلغي تعاقب اللاحداث مع أزليّة يسوع. والبرهان على ذلك هو الدور المناط بيوحنا المعمدان في الخبر الذي يلي المطلع حالاً. تكلّم المعمدان بشكل سلبيّ: "لست المسيح" (آ20). وكذلك في المطلع نقرأ: "لم يكن النور" (آ 8). ولكن هناك العنصر الايجابيّ أيضًا: يسوع يُتمّ تاريخ الخلاص. ويقف المعمدان كالشاهد على عتبة هذه الحقبة الحاسمة.
حين تذكّر الانجيل موسى، رآه في الوقت عينه في دور خلاصيّ قام به في الماضي، كما رآه على ضوء المسيح الذي يقود عمله (= موسى) السابق إلى كماله. ونحن نجد هذين العنصرين في المطلع: "أعطيت الشريعة بموسى، وجاءت النعمة والحقّ بيسوع المسيح" (17:1). وقال فيلبس لنتنائيل: "ذاك الذي كتب عنه موسى في الشريعة، وتكلّم عنه الأنبياء، قد وجدناه" (1: 45). وقال يسوع عن موسى: "كتب عني" (5: 46). وهناك إشارة نمطيّة تذكّرنا بفعلة موسى الذي رفع الحيّة في البريّة (3: 14). والخطبة حول المنّ تتركّز في تاريخ الخلاص: فما كان المنِّ يستطيع أن يعطي يسوع للكنيسة (6: 31 ي). وأشار يوحنا أيضًا إلى أن الشريعة الموسويّة (7: 19) والختان (7: 22) هما عطيّة من الله.
هناك استشهادات قليلة من العهد القديم تفضّل النمطيّة على تاريخ الخلاص. نذكر هنا 3: 14. لا ننسى هنا أن النمطيّة نفسها تتأسّس على تاريخ الخلاص، وأن حدودها غير واضحة. أما النمطيّة الحقّة فلا تلغي العنصر التاريخيّ. كما أن التطبيق الآلي للمبدأ الكتابي، لا يجب عليه أن يشوِّه استعمال العهد القديم.
أشار يوحنا إلى نصّ كتابي، وما أورده صراحة: أش 53، مع قيمته الفدائيّة بالنسبة إلى موت المسيح. هذا ما نجده في شهادة المعمدان حوله حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم (1: 29، 36)، وفي القول حول موت الراعي الصالح طوعًا من أجل أحبّائه (10: 17). وحين أشرنا إلى علاقة يسوع بشعائر العبادة في الكنيسة، رأينا كيفا أن المسيح حلّ محلّ الهيكل. هذه الفكرة تستند إلى تاريخ الخلاص لأنها تربط يسوع بالماضي. في السابق كان حضورُ الله مرتبطًا بموضع مخصّص للعبادة. أما الآن فابن الانسان يؤمّن العلاقة بين السماء والأرض. فيه ظهر سكن (شكينة) الله. وتبدو فكرة الهيكل قريبة من أقوال يسوع حول المن الذي يرتبط في الماضي بالعهد القديم، وفي المستقبل بالافخارستيا وعبادة الكنيسة.
اتّهم يسوع اليهود اتهامًا خطيرًا فسمّاهم أبناء ابليس (8: 41 ي). ولكن يسوع نفسه أعلن أن "الخلاص يأتي من اليهود" (8: 22). كيف نوفّق بين هذين التأكيدين؟ في الواقع، يهاجم يسوع اليهود اللامؤمنين، ولكنه لا يشجب المهمّة الالهية التي أنيطت بشعب اسرائيل. فالانجيل الرابع، شأنه شأن الرسالة إلى العبرانيين، يعلن أن ساعة العهد القديم قد ولّت فيحلّ محلّها العهدُ الجديد. هي لا تُلغى، ولا تذهب إلى عالم النسيان. يبقى على شعب اسرائيل أن يتابع مسيرته في تاريخ الخلاص بقيادة يسوع.
إن يوحنا المعمدان وشعب اسرائيل هما محطّتان في طريق طويلة. ويسوع هو في قلب عمل خلاصيّ يعود إلى خلق العالم. لهذا يُلقي يوحنا نظرة إلى تاريخ البدايات داخل نظرته إلى الانجيل. من هو يسوع الذي تُروى حياتُه؟ هو وسيط الخلق، كما يقول المطلع. فالله يدلّ بواسطة الكلمة المتجسّد، وبشكل حاسم، على مشيئته الخلاصيّة. وبما أن الكلمة هو موصل الخلاص الالهي إلى العالم، فهو لم ينتظر التجسّد ليقوم بمهمّة الوحي التي يحملها. بل هو يمارسها منذ البدء: "به كان كل شيء" (3:1).
ويتحدّث العهد الجديد أيضًا عي وساطة المسيح في الخلق. غير أن الانجيل اليوحناوي هو الكتاب الذي فيه يَتمُّ الدمج إلى هذا الحدّ بين الخلق والفداء في شخص يسوع المسيح. في العهد القديم، سبق خبرُ البدايات تاريخَ اسرائيل. لكن يوحنا ترك هاتين المتتاليتين، وروى بدوره الخلق. غير أن سمتين ميَّزتا عرضه: رأى كلَّ شيء على ضوء الكلمة المتجسّد، فربطه بسيرته التي هي قلب التاريخ الخلاصي كله. ثم إن خبر الخلق الجديد ليس الفصل الاول في تاريخ الخلاص، بل "المطلع"، بل "الافتتاح"، الذي يقدّم مسبقًا الموضوع المشرق في الانجيل. وهكذا دلّ الانجيليّ أن الموضوع الرئيسيّ الذي نسمعه ونراه في قلب الانجيل، سيكون حاضرِاً على مدّ تاريخ الخلاص.
منذ الكلمات الأولى، بدا المطلع موازيًا لبداية سفر التكوين (في البدء). وهكذا دلّ الكاتب على هدفه بوضوح. فإذا أردنا أن ندخل في مفهوم اللوغوس (= الكلمة)، يجب أن نعود إلى نظريات يهوديّة وهلينيّة حول "الكلمة" و"الحكمة". غير أن الانجيليّ يفكّر أول ما يفكّر بالكلمة الخلاّقة التي رتّبت كل شيء، فقالت للنور كن، فكان النور. وكذلك نقول بالنسبة إلى الحياة.
جمع الفكر اليوحناويّ خبر البدايات وحياة يسوع دون أن يمزج الواحد بالأخرى. فلكل منهما طابعه الخاص. وهذا ما تثبته الرسائل اليوحناويّة. هي لا تروي حياة يسوع، بل تتحدّث عن أناس رأوا بعيونهم ولمسوا بأيديهم وسمعوا بآذانهم عن يسوع التاريخ. وهكذا أعلمونا عن "الذي كان في البدء" (1 يو 1: 1ي).

4- حياة يسوع وارتباطها بتاريخ النهايات
ارتبطت الاسكاتولوجيا ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الخلاص، ولا نستطيع أن نذكر الواحدة دون أن نذكر الآخر. هذا الأمر يصحّ في العهد الجديد عامّة وفي الانجيل الرابع خاصة. ونحن بعد أن درسنا الدور الذي تلعبه حياة يسوع في تاريخ الخلاص، وبعد أن تفحّصنا ارتباط هذه الحياة بتاريخ الجماعة الأولى وبتاريخ شعب الله في العهد القديم، لاحظنا أن كل هذه الحقبات التي يأخذها يسوع على عاتقه، تحافظ على طابعها الخاص. فحياة يسوع تحوي في ذاتها كل تاريخ الخلاص، ولكن دون أن تسوّي الحقبات بحيث تتشابه تشابهًا يجعلها تضيّع "هوّيتها".
حين يُعيد يوحنا أحداث الكنيسة إلى يسوع، فهو لا يتخلّى عن اهتمامه بحياة الجماعة. وحين يتكلّم عن اسكاتولوجيا "تحقّقت"، فهو لا يتخلّى عن اسكاتولوجيا في طريقها إلى التحقيق. والكلمات حول العبادة الحقّة (4: 23) تشير في الوقت عينه إلى الزمن الذي فيه كان الكلمة المتجسّد حاضرًا وإلى زمن الكنيسة. ونقول الشيء عينه عن كلمات حول الدينونة والقيامة. فهي تعني الحاضر والمستقبل، بل ذاك المستقبل الذي هو أبعد من زمن الكنيسة.
أعلن انجيل يوحنا استباق حضور الملكوت في شخص يسوع. وجعله المسيح في قلب التاريخ كله، وفي المستوى الأول. وهكذا شدّد على حاضر المسيح الذي يحقّق النهاية منذ الآن.
شابه انجيل يوحنا انجيل لوقا، فتصوّر الزمن أطول مما تصوّره بولس. غير أن هذا الزمن، زمن البارقليط أو زمن الكنيسة، يحتفظ بطابعه كزمن متوسّط. فبدون الاسكاتولوجيا المقبلة، يبقى تعليم خطب الوداع حول زمن الكنيسة غامضًا. ويدلّ 11: 25 ي على المصير المحفوظ للموتى خلال الزمن المتوسّط. 
في إنجيل يوحنا، المستقبل هو مستقبل حقيقيّ. والحاضر لم يبتلعه. فالحاضر هو منذ الآن في الزمن النهائيّ (1 يو 18:2). ولكنه فيه بمعنى زمنيّ حقًا. أي ما حقّقه الكلمة المتجسّد في الماضي سيحقّقه في النهاية. إن الفكر اليوحناويّ يرى كل تاريخ الخلاص مجملاً في حياة يسوع. كما يرى هذه الحياة مرتبطة بكل تاريخ الخلاص. هذا يعني أن الزمن المقبل يبقى زمنًا واقعيًا.
الفصل الخامس والعشرون
الخلفيّة التوراتيّة في إنجيل يوحنا

حين ندرس الانجيل الرابع لا بدّ من التوقّف عند الدور الذي لعبته تأثيرات خارجيّة سواء جاءت من الشرق أو من الغرب. ونتوقّف هنا بشكل خاص عند التأويل اليهوديّ كما يظهر لنا في المدارش الفلسطينيّة وغيرها.

1- كيف ندرس الخلفيّة التوراتيّة
أ- مسألة نهج
إن الاستشهادات الصريحة من العهد القديم، التي نجدها في يو، قليلة بالنسبة إلى ما في انجيل متّى مثلاً. هي تسعة عشر استشهادًا، وهي تختلف عمّا في الأناجيل الازائيّة. فكأن ليوحنا كنزًا خاصًا به. هذه الاستشهادات ليست مقولبة، بمعنى أنها لا ترد دومًا في القالب عينه. ففعل "غرابتاين" (كتب) يرد مرارًا. مثلاً، في 2: 17: "فذكر تلاميذ أنه مكتوب: غيرة بيتك أكلتني". وفي 6: 31: "إن آباءنا أكلوا المنّ في البريّة، على ما هو مكتوب". وفي 6: 45: "لقد كُتب في الأنبياء". رج 7: 42؛ 10: 34؛ 12: 14. وفي 38:7، 42 نجد "الكتاب" (غرافي): "ستجري من جوفه كما قال الكتاب". "أفلم يقل الكتاب، إنه من نسل داود ومن بيت لحم"؟
أما في كتاب الساعة فنجد فعل "تمّ" (بليرون). نقرأ في 18:13: "إني عالم بمن اخترت. ولكن لا بدّ أن يتمّ الكتاب". وفي 15: 25: "وذلك لتتمِّ الكلمة المكتوبة في ناموسهم". رج 19: 24، 36؛ رج أيضًا 38:12. هنا نتذكّر العبارات المتّاويّة: "وكان هذا كله يتمّ ما قال الرب بالنبيّ" (مت 1: 22). وفعل تالايون" (تمّ) في 28:19 (رج مز 15:22) يدخل في الكلمة قبل الأخيرة للمسيح على الصليب. "بعد ذلك، إذ رأى يسوع أن كل شيء قد اكتمل، قال ليتمّ الكتاب: أنا عطشان". جاء فعل "دبسو" قبل الكلمة الاخيرة "تالايون" ليدلّ على اكتمال العمل الذي جعله الآب للابن ليتمّ موافقةً مع الكتب المقدّسة.
ويُطرح سؤال على طبيعة النص الوارد؟ هل يعود يو إلى العبريّة أم إلى السبعينيّة؟ نشير هنا أولاً إلى أن النص العبريّ لم يكن ثابتًا بعد حتى سنة 70. والدليل على ذلك النصوص القمرانيّة. ونشير ثانيًا إلى أن السبعينيّة ظلّت تراجع حتى في فلسطين خلال القرن الأول المسيحي. ونأخذ مثالاً على ذلك زك 12: 10 (سينظرون إلى الذي طعنوه) في يو 19: 37. فالعبارة التي نقرأها في يو لا تجد تفسيرًا لها إلاّ في النصّ العبري. فالسبعينيّة تقدّم لنا نصًا مختلفًا كل الاختلاف: "يلتفتون إليّ لأنهم احتقروني، عيّروني".
أما أش 3:40 (مهدّوا طريق الرب) الذي يرد في يو 1: 23 فيقابل نص السبعينيّة ما عدا استعماله الفعل "أوتيناتي" (قوّموا) محلّ "اتوسيماساتي" (كما في السبعينيّة) الذي يرد في مر 1: 2. لماذا فعل يوحنا ما فعل؟ هذا ما لا نعرفه. جعل الانجيليّ من المعمدان شاهدًا للمسيح أكثر منه كارزًا بالتوبة. وهذا ما لا يبرّر التبديل. قد يكون الانجيل عاد إلى ترجمة أكيلا. وهكذا نبقى على مستوى الفرضيّات.
ويرد مز 69 (في السبعينية 68): 10 في يو 17:2 (غيرة بيتك أكلتني) فيقابل السبعينيّة، إلاّ في جعل الفعل في صيغة المضارع وهذا ما نجده في الفاتيكاني (ربما قد يكون تأثّر بانجيل يوحنا). ولا ننسى تأثير الترجوم. ونزيد أنه كان مع "المبشّر" كتيّب يحمل إيرادات قُرئت وأعيدت قراءتها، فشكّلت كتابًا "مستقلاً" لعب فيه التفسير أكثر من الايراد الحرفيّ للنصوص كما نجدها في التوراة.
هنا نقرأ ما في خطبة الحياة. "أعطاهم خبزًا من السماء، ليأكلوا، كما هو مكتوب". إلى أي نصّ نعود؟ إلى خر 16: 4؛ 16: 15؛ مز 24:78؛ نح 9: 15. إن ولي النصّ يدلُّ على المهارة التي بها أعاد يوحنا صياغة التوسّعات التقليديّة حول المنّ. فالايراد لا يتوخّى حرفيّة النصّ بل المعنى الاجمالي. وهذا ما نقول عن الشرح النبويّ (يكونون جميعًا متتلمذين لله) الذي نقرأه في يو 45:6 كامتداد لنصّ الشريعة. لقد تحوّل أش 54: 13 بشكل يشير إلى نبوءة ارميا حول العهد الجديد (إر 31: 31-34). أمّا ما نقرأ في 38:7 (تجري من جوفه أنهار مياه حيّة)، فتبدو كخاتمة سلسلة من التقاليد الترجوميّة حول عطيّة الله في البريّة وصخرة الهيكل. وفي 19: 36 (لا يُكسر له عظم)، لا نستطيع أن نختار بين عطيّة الحمل الفصحيّ (خر 12: 46) وموضوع عبد الله المتألّم (مز 20:34: يحفظ جميع عظامه فلا ينكسر منها واحد). كانت نظرة يوحنا اجماليّة، فضمَّت الصورتين في عبارة واحدة.
هذه الطريقة في إيراد النصوص تفترض تعاملاً طويلاً مع الكتاب المقدس (5: 39: "إنكم تبحثون في الكتب)، شبيهًا بالتقليد المتّاويّ وإن كان أكثر عمقًا. وهكذا نستطيع أن نتكلّم عن المدرسة المتّاويّة، المدرسة اليوحناويّة. ويفترض في القرّاء أن يدركوا هذه التلميحات مهما كانت دقيقة.
ب- خلفيّة توراتيّة
نشير هنا إلى التلميحات والايرادات التي تدلّ على قراءة متواصلة للكتاب المقدّس.
أولاً: التلميحات
هنا نحدّد بدرجة معقولة التقاليد الكتابيّة التي يرتبط بها الانجيل الرابع. فدراسة تأثير سفر الحكمة على المطلع قد دُرست مرارًا. وتذكُّر سفر الخروج مع سيناء، أمر لا يمكن تجاهله.
ونشير أيضًا إلى البستان (كيبوس، يو 19: 41 مرتين) الذي نربطه بالبستاني (كيبوروس، يو 20: 15)، فيعود بنا إلى جنّة عدن حيث يُدخلنا يسوعُ، آدم الجديد. قيل أن السبعينيّة تستعمل "برادايسوس". ولكن "كيبوس" حاضرة في تك 2-3 في ترجمة أكيلا وترجمة تيودوسيون. إذن، لا نستبعد العودة إلى جنّة عدن، لاسيّما وأن التقليد المسيحيّ المتهوّد يقول إن بستان الجلجلة يتضمّن قبر آدم.
كيف نحافظ على الاعتدال لئلا نقع في الاكثار من الاستعارات على ما في بعض التفاسير الآبائيّة أو الوسيطيّة؟ مبدأ التماسك يبقى أساسيًا: يجب أن تكون إشارات عديدة تلتقي في خطّ واحد، فتتساند وتتوافق مع ديناميّة الفكر اليوحناويّ. ومثالُ البستان خير دليل على ذلك. بالاضافة إلى ذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار العالم الرمزي في ذلك الزمان وحاجات سامعي انجيل يوحنا.
ثانيًا: ايرادات متفرّقة أو متواصلة
اتّفق الشرّاح على القول بأن الاستشهاد القصير يجب أن يُوضع في سياق أوسع لكي ندرك بُعده كلّه. ولكن قلّ من تساءل عن طريقة يوحنا في قراءة مزمور من المزامير أو جزء من الكتاب المقدّس. هنا نعود إلى قراءة مز 42-43 (في السبعينيّة 41-42) في الانجيل الرابع. ننطلق من القرار أو الردّة (لماذا تكتئبين يا نفسي وتقلقين فيّ). هناك نصّان يشيران إلى هذا القرار، وهما يعودان بنا إلى اضطراب المسيح أمام آلامه القريبة. في 12: 27: "الآن نفسي قد اضطربت". وفي 13: 21: "قال يسوع هذا واضطرب في روحه". وهناك أصداء أخرى لهذا المزمور في اضطراب يسوع أمام قبر لعازر (33:11-35: ارتعش بروحه واضطرب)، وفي خطبة الوداع (ف 14)، وفي صرخة يسوع على الصليب (28:19، قال يسوع أنا عطشان، رج مز 3:42: ظمئت نفسي إلى الله). وهكذا يكون هذا المزمور واحدًا من الشواهد عن حاش يسوع وآلامه.
ونستطيع أن نقوم بدراسة مماثلة في مز 69 (68 في السبعينيّة). يرد مرة أولى في يو 2: 7 (غيرة بيتك أكلتني). ويُذكر أيضًا في 12: 27: نجِّني من هذه الساعة (مز 69: 2: اللهمّ خلّصني). وفي 15: 25: "أبغضوني بلا سبب" (مز 69: 5). وفي 29:19 (الخلّ). ورفضُ الذبائح في مز 69: 32 (هذا ما يرضيك أكثر من ثور بقرون وأظلاف) يقابل مشهد طرد الباعة من الهيكل (لم نعد بحاجة إلى الذبائح فلهذا قيل: أخرج الغنم والبقر). واعلان بناء مدن يهوذا (مز 36:69) أعيدت قراءته في يو 2: 20 حول بناء الهيكل. وهكذا يقدّم لنا يسوع قراءة كرستولوجيّة لهذا المزمور الذي تلاه البارُ المتألّم. كما أنه يعيد تفسيره. فالغيرة التي يتحدّث عنها في آ 10 (غيرة بيتك أكلتني) لا تقود يسوع إلى تدمير الأعداء كما فعل إيليا، بل إلى تسليم حياته الخاصة حبًا بالآب ومن أجل خلاص العالم. نقرأ في يو 14: 31: "إنما ينبغي أن يعرف العالم أني أحبّ الآب". وفي 17: 19: "وأنا أقدّس ذاتي لأجلهم، لكي يكونوا هم أيضًا مقدّسين في الحقّ".
2- تقاليد آباء الشعب
بما أن آباء الشعب العبراني يحتلّون مكانة كبيرة في التقوى اليهوديّة، لن نعجب إن أفرد لهم يوحنا حيّزًا كبيرًا في انجيله. نتوقّف فقط عند التفسير الكرستولوجيّ، ونكتفي ببعض لقطات لأن الموضوع أوسع من أن يحتويه مقال.
أ- يعقوب
ألثمار جميع الآباء إلى سلّم يعقوب في 1: 51 (سترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر). غير أن الطريقة التي بها يستلهم يوحنا هذا النص لا تُفهم إلاّ إذا عدنا إلى الترجوم، فبسبب النصّ العبريّ، تدلّ السلّم على أن الموضع (بيت إيل) هو نقطة اتّصال بين السماء والأرض. في هذا المكان نال يعقوب رؤية سماويّة: وقف يهوه بقربه (تك 28: 31). في يو 1: 51، تركّزت الرؤية على العلاقة بين ملائكة الله وابن الانسان. هذا يعني أنه هو الهيكل الحقيقي حسب نمطيّة سيعود إليها الانجيل في 2: 21 (كان يتكلّم على هيكل جسده). ولكن كيف نفسّر صعود الملائكة ونزولهم فوق ابن الانسان وكأنه سلّم لهم؟ هناك بعض الالتباس في النصِّ العبري. قيل عن الملائكة: "كانوا صاعدين ونازلين عليه" (ع ل ي م. و. ي ر د ي م. ب و) (تك 12:28). إلى ماذا يعود الضمير مع حرف الجرّ (به)؟ إلى السلّم أم إلى يعقوب؟ تأرجح التفسير الرابينيّ بين هذين الشرحين. ويلفت انتباهنا ترجوم نيوفيتي حيث تتركّز رؤية الملائكة على كرامة يعقوب. فخلال رقاده أعلن الملائكة الذين يرافقونه لملائكة العلاء: "تعالوا انظروا رجلاً بارًا حُفرت صورته (إ ي ق ون ي ه، ايقونته) على عرش المجد الذي تحترقون شوقًا لرؤيته".
ليس الموضوعُ في 1: 51 اكتشافَ هويّة البار يعقوب، بل ابن الانسان. وهكذا يشكّل هذا القولُ ذروةَ الأقوال التي تتوزّع 1: 19- 1 5. فتجاه التيوفانيا (ظهور الله) التي نَعم بها يعقوب، نال التلاميذ كرستوفانيا (ظهور المسيح) تدلّ على تسامي المسيح على الملائكة. إذا كان لاشكّ في تأثير الترجوم على هذا التفسير، فإن مزج تك 28 ودا 7 هو عمل اللاهوت اليوحناويّ. ويكون الأمر طبيعيًا حين نلاحظ أن ترجوم تك 28 ودا 7 يرتبطان كلاهما برؤية حزقيال على شاطئ نهر كبار (أو الخابور).
لا نتوقّف على التلميحات إلى يعقوب ويوسف في يو 4. هنا تبرز الممازحة اليوحناويّة: "هل أنت أعظم من أبينا يعقوب" (آ 12)؟ تلفّظت المرأة بهذه العبارة في لهجة مشككة، وانتظرت أن يكون الجواب بالنفي (كلا). ومع ذلك، فهذه العبارة هي نقطة انطلاق في مسيرة السامريّة التي ستصبح رسولة السامريين: "أما يكون هو المسيح" (4: 29)؟
ب- ابراهيم
لا يظهر اسم ابراهيم إلاّ في ف 8. ولكنه سيُذكر عشر مرات في 8: 31- 59. وبعد ذلك لن يعود يظهر. لماذا كل هذا الاهتمام؟ هنا نعود إلى خلفيّة حوار يوحناويّ. فاليهود الذين آمنوا (8: 31) هم مسيحيون متهوّدون متأثّرون بالشريعة اليهوديّة. وقد طلب منهم يسوع أن ينموا في الايمان ليقتنوا الحريّة الحقيقيّة.
أما المقطع (8: 31-59) الذي نقرأ فيتميّز بعنف في الجدال. أعلن يسوع لمعارضيه: "أبوكم هو إبليس" (8: 44). فردّوا عليه: "أنت سامريّ وبك شيطان". (48:8). يبدو من الصعب أن نظنّ أن هذه "الحرب" تعني مسيحيين متهوّدين. بل هي تشير إلى يهود عزموا على قتل يسوع. فكيف نجد تماسك النصّ؟ لا ننسى هنا أننا في إطار ليتورجيّ، في إطار عيد المظال (سكوت)، الذي يتذكّر مولد اسحاق كما يقوله كتاب اليوبيلات (16: 20). إذن، لا ندهش إن وجدنا تلميحًا إلى الابن الحرّ، إلى اسحاق، تجاه اسماعيل، إبن الأمة: "العبد لا يقيم في البيت على الدوام" (8: 35). ولا ننسى أيضًا أن شهر "تشري" (ايلول- تشرين أول) يتضمّن "يوم كيبور" (يوم التكفير) قبل "سكوت" (عيد المظال والأغصان). لهذا أعلن يسوع لمحاوريه الواثقين كل الوثوق بالغفران الالهي: "إذا كنتم لا تؤمنون أني أنا هو، تموتون في خطاياكم" (8: 24؛ رج آ 21). إذن، ليست ليتورجية "كيبور" هي التي تنال الغفران، بل الايمان بالمسيح، وهو إيمان يرافق أعمال ابراهيم (8: 39: إعملوا أعمال ابراهيم).
ونحن نعيد بناء هذا النصّ كما نقرأه اليوم على الشكل التالي:
- 8: 31-36: ردٌّ على اليهود الذين يعتبرون نفوسهم أحرارًا لأنهم من نسل ابراهيم.
- 8: 37-47: رفضٌ لقول اليهود بأنهم نسل ابراهيم. فأعمالهم تدلّ على أنهم أبناء إبليس.
-8: 48-59: خضوع ابراهيم ليسوع. رأى يومه فابتهج. والتعارض بين ما صار إليه ابراهيم (قبل أن يكون ابراهيم) وما هو يسوع (أنا هو) يشدّد على المسافة الكبيرة بين الاثنين.
لن نقابل بين هذا النصّ والرسالة إلى غلاطية، حيث الاختلافات تتغلّب على التشابهات. فالمسألة الكبرى بالنسبة إلى القديس بولس هي التبرير بالايمان لا بأعمال الشريعة، رفض الختان وارتباط الأمم بالوعد المعطى لابراهيم. أما في يو، فالوجهة كرستولوجيّة في الدرجة الأولى: يجب أن نبلغ إلى ملء الايمان في المسيح كما تؤكّده عبارة "أنا هو" (أي أنا يهوه كما قال الله لموسى. هذا يعني أن يسوع هو الله) التي تطبع بطابعها ف 8 كلّه.
ونستطيع أيضًا أن نقابل هذا المقطع مع الحرب الكلاميّة بين يوحنا المعمدان واليهود الذين عادوا إلى كرامتهم كأبناء ابراهيم ليرفضوا أن يثمروا ثمرًا يليق بالتوبة (مت 3: 7- 10 وز). غير أن هذه المقابلة لا تكفي لكي تقيم رباطًا مباشرًا بين يوحنا وأقوال الازائيّين، فيرتبط نصّ بآخر. فالمكانة الفريدة التي يمثّلها "أبونا ابراهيم" في العالم اليهوديّ (سواء كان في فلسطين أو بين الهلينيين)، جعلت المواجهة محتومة بين ابراهيم ويسوع في مختلف الاوساط.
ويُلقي كتاب اليوبيلات ضوءًا على الطريقة التي بها فُهمت أخبار سفر التكوين على عتبة المسيحيّة: إن امتياز حريّة شعب اسرائيل قد تأسّس على ف 15 تأسيسًا لاهوتيًا. فبعد الشريعة حول الختان (تك 17)، حدّد النصّ أنه إن أُسلمت الأمُم إلى أرواح تضلّلها، فالله لم يسمح لملاك ولا لروح أن يكون له سلطان على اسرائيل.
"هو وحده ملكهم. هو يحميهم. هو يطالب بهم لدى ملائكته، لدى أرواحه، لدى قوّاته، لكي يحفظهم ويباركهم، فيكونوا له ويكون لهم من الآن إلى الأبد" (اليوبيلات 15: 31-32).
في هذا المنظار، اعتبر اليهود أنه يحقّ لهم أن يعلنوا في يو 33:8: "نحن ذريّة ابراهيم. وما كنّا قط عبيدًا لأحد (لم يستعبدنا أحد). فكيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا"؟ لا رنّة سياسيّة (على مستوى العلاقة مع رومة) لموضوع الحريّة هنا، بل دينيّة. بما أن اليهود اعتبروا أنهم أفلتوا من سلطة الأرواح الشرّيرة، ردّ يسوع قائلاً إن أباهم هو إبليس (8: 44). وهكذا يلمّح النصّ إلى المدراش الذي يعلن أن قايين وُلد من زواج الحيّة مع حواء (ترجوم تك 4: 1؛ رج 1 يو 8:3-12).
في إطار التعارض بين الابن الحرّ والابن العبد، نفهم أن يسوع اتّهم اليهود بأنهم أرادوا أن يقتلوه (8: 40). فاليهود يتصرّفون مثل اسماعيل، ذاك الرامي بالقوس (تك 21: 20) الذي أراد أن يطعن أخاه متظاهرًا أنه يلعب. ذاك هو أحد الشروح الذي يقدّمه ترجوم سوطه (6: 6) ليبرّر طرد هاجر وابنها من بيت ابراهيم. ولكن حين يعملون عمل ابراهيم يقتدون بحسن ضيافته (تك 18). وبالتالي يستقبلون كما يليق مُرسل الله (8: 42).
إن ابتهاج ابراهيم يوم رأى يوم المسيح يشكّل ذروة هذا الاعتبار حول وجه أبي الآباء. "ابراهيم أبوكم ابتهج حين فكّر بأن يرى يومي: رآه وفرح" (56:8). كيف نفسّر هذه الآية؟ هناك تفسيران لافتان. حسب الترجوم الفلسطينيّ حول تك 15: 11، تُمثّل الكواسر التي ترتمي على الاضحيات (علامة العهد) أربع ممالك سوف تسيء إلى اسرائيل: "هي ممالك الأرض وحين يحوكون الاهداف الشريرة ضد بني اسرائيل، ينالون الخلاص باستحقاقات أبيهم ابراهيم" (نيوفيتي، تك 15: 11). وفي الترجوم، نال ابراهيم وحيًا عن المستقبل، ولاسيّما حول سقوط مملكة أدوم الفاسدة (تك 15: 12). ولكن لا حديث عن فرحه. غير أن هذا الموضوع حاضر بوضوح بمناسبة ولادة اسحاق حسب اليوبيلات 16: 16-29. إليكم كيف روى هذا الكتاب تأسيس عيد "سكوت" (المظال) ساعة وُلد اسحاق:
"احتفل ابراهيم بالعيد سبعة أيام، فابتهج بكل قلبه وكل نفسه، هو وجميع أهل بيته... فقد عرف أن زرع البرّ لن يخرج منه للأجيال الابديّة، وبالتالي الزرع المقدس... سمّى هذا العيد: "عيد الرب". عيد بهجة يُرضي الله العليّ" (يوبيلات 16: 25-27).
يمكن أن نفسّر فرح ابراهيم لمولد اسحاق فرحًا مسيحانيًا، لأن اسحاق هو ابن الوعد. هنا يجب أن ندرس وجه اسحاق في الانجيل الرابع. فالليتورجيا اليهوديّة ربطت بين "ع ق د ة" (ساعة قيِّد) اسحاق وحمل الفصح وحمل المحرقة اليوميّة. لاشكّ في أن موضوع الحمل الذي يرفع خطيئة العالم، الحمل الذي يُنحر ساعة الذبيحة الفصحيّة في الهيكل، يرتبط بهذه النمطيّة.
تلك هي الطريقة الاصيلة التي بها يقدّم يوحنا وجه ابراهيم: لا يسترعي انتباهه صفته كأب للوثنيين، بل ضيافته وفرحه حين ولادة اسحاق. إذن، نحن أمام تفسير كرستولوجيّ مع تأكيد على وجود المسيح منذ الأزل. وكما أن يوحنا المعمدان انحنى خاضعًا أمام ذاك الذي هو قبله (يو 1: 15، 30)، شهد ابراهيم مسبقًا أن المسيح يشارك الله في كيانه: "قبل أن يأتي ابراهيم إلى الوجود فأنا الكائن" (58:8). "قبل أن يكون ابراهيم أنا هو". ونجد ذات التفسير الكرستولوجي بالنسبة إلى رؤية أشعيا: "قال أشعيا هذا لأنه رأى مجده فتكلّم عنه" (41:12؛ رج أش 6).
ج- موسى
لن نتوقّف عند الوعد بالنبيّ الشبيه بموسى، الذي يمثّل مكانة هامة في كرستولوجيّة الانجيل الرابع. بل نتساءل عن السلطة الخاصة بموسى في نظر الجماعة اليوحناويّة. فالكلمة الجارحة التي قالها الفريسيون للأعمى منذ مولده تعطينا صورة واضحة عن هذا الوضع: "أنت تلميذه (= يسوع). أما نحن فتلاميذ موسى. نحن نعرف أن الله كلّم موسى. أما هذا (= يسوع) فلا نعرف من أين هو" (9: 28-29).
تنبثق نظرة اليهود انبثاقًا منطقيًا من نهاية سفر التثنية الذي يختتم أسفار الشريعة الخمسة: "ولم يقم من بعدُ نبيٌ في اسرائيل كموسى، الذي عرفه الربّ وجهًا لوجه، الذي بعثه الربّ ليصنع جميع هذه الآيات والمعجزات في أرض مصر" (تت 34: 10-11).
فبحسب النظرة اليهوديّة، لا نستطيع أن نفصل وحي التوراة بالمعنى الحصري، أي الأسفار الخمسة، عن الآيات التي ترافقه. كان يوحنا أمينًا لهذه النظرة حين توسّع فيها في منظور كرستولوجيّ. اختلف يوحنا عن بولس الذي استعمل "نوموس" (شريعة، ناموس) في معنى قانونيّ فاحتفظ بمدلوله الاساسي كالوحي. وهذا ما يدلّ عليه دلالة واضحة نهاية المطلع: "إذا كانت الشريعة أعطيت لنا بموسى، فالنعمة والحقّ جاءا بيسوع المسيح" (يو 1: 17). إن الآيات التي تدلّ على صدق رسالة موسى ليست تلك المذكورة في خر 4: 1-9، بل تدخّلات الله العظيمة خلال الإقامة في البريّة. وهي التي يذكرها الانجيل الرابع مرارًا.
ونكتفي بمثَل واحد يحدّد تفسير يوحنا بالنسبة إلى سنثر الحكمة والتأويل الفلسطيني: نمطيّة حيّة النحاس. "كما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب على ابن الانسان أن يُرفع لكي تكون الحياة الأبديّة لكل من يؤمن به" (3: 14- 15).
إن تفسير هذا الحدث (2 مل 18: 4: سحق حزقيا حيّة النحاس التي كان موسى صنعها) في سفر الحكمة أمر يلفت النظر: "أُقلقوا إلى حين انذارًا لهم، ونُصبت لهم علامة للخلاص تذكّرهم وصيّة شريعتك. فكان الملتفت إليها يخلص، لا بذلك المنظور، بل بك يا مخلِّص الجميع" (حك 16: 6-7). 
فبحسب الاتجاه الارشادي في المدراش حول خر 10-18، فُهم الحدث كتنبيه وإنذار لكي يُدخل إلى القلوب الامانة للشريعة. وهكذا صارت الحيّة عربون خلاص، علامة خلاص. إن محور كل نظرة إلى سفر الحكمة، بل إلى العالم اليهوديّ كله، هو الشريعة التي نورها لا يفسد (حك 18: 5). إنها مبدأ خلاص لكل من يلتفت إليها في حركة توبة وارتداد.
وتوسع التأويل الفلسطينيّ في خطّين. نجد الخط الأولى في كتابات التنائيم (أي الردّادين) والمكلتا على خر 17: 11. ففي إطار حضٍّ على تلاوة "مجله" والنفخ بالبوق (شوفر)، يشدّد النصّ على ضرورة "رفع القلب". قال المفسّر: "كل مرّة ينظر بنو اسرائيل إلى فوق ويُخضعون قلوبهم لأبيهم السماوي يخلصون". وهذا النمط عينه من الشرح نجده في ترجوم يوناتان المزعوم (لا في نيوفيتي): "فكل من تعضّه الحيّة فيرفع نظره إليه يبقى حيًا إن هو وجّه قلبه نحو اسم كلمة الرب" (حول عد 8:21).
والخطّ الثاني نجده في ترجوم نيوفيتي ومدراش ربه على سفر العدد. هناك صوت يُسمع اتهام الله لشعبه الذي يتذّمر دائمًا، ويدعو الحيّة لكي تكون شاهدًا يثبت خطأه: "لتأت الحيّة التي لم تتذمّر بسبب الطعام، وتسيطر على الشعب الذي تذمّر بسبب طعامه" (حول عد 6:21).
وبدا يوحنا قريبًا من تأويل سفر الحكمة حين أحلّ المسيح محلّ الشريعة. كما نلاحظ أن النصّ الذي كان لشعب اسرائيل وحده، قد تعمّم فدلّ على البشريّة. وهذا ما يدلّ عليه لقب ابن الانسان. فموضوع الخلاص يشرف على كل يو 3. ولكننا نقرأ في آ 15 فعل "آمن" بدل "نظر" الذي نجده في السبعينيّة. فالايمان يشكّل في نظر يوحنا العمل الأساسيّ في الارتداد، ويجد امتدادَه في التأمّل والمشاهدة. لهذا لا نستطيع أن نفصل 3: 14-15 عن سائر الأقوال التي تتحدّث عن ارتفاع إبن الانسان (8: 28؛ 12: 32، 34). وكل هذا يجد كماله في إيراد يختتم خبر الآلام: "ينظرون الذي طعنوه" (19: 36).
نلاحظ هنا تحفّظ يوحنا في استعمال النمطيّة. فنقطة الاتصال هي ارتفاع حول آية (عد 8:21). هذا ما يدعونا إلى أن نرى في الصليب الآية الآية. غير أن يوحنا لا يماهي بين المسيح نفسه والحيّة كما سيفعل آباء الكنيسة فيما بعد (يوستينوس مثلاً في حواره مع تريفون 111).
يكون الواحدُ تلميذَ موسى أو تلميذ يسوع. ذاك هو السؤال الذي طُرح أيضًا في الحديث عن يوحنا المعمدان، مع اعتبار الفارق بين الأشخاص. ففي كلا الحالين، لا يُحدر الانجيلي الوجهين المتعارضين، بل يجعلهما في خدمة الايمان المسيحيّ. هنا نعود إلى نهاية الخطبة الدفاعيّة الكبيرة في يو 5. فبعد شفاء مخلّع بركة بيت زاتا، قدّم يسوع عمله على أنه مشاركة في عمل الآب، وجعل الشهود يمرّون الواحد بعد الآخر: "لا تظنّوا أني أنا من يشكوكم أمام الآب. من يشكوكم هو موسى الذي فيه رجاؤكم. لو كنتم تصدّقون موسى لصدقتموني أنا أيضًا، لأنه كتب عني" (5: 45-46).
نلاحظ على المستوى القانوني تبديل الالفاظ. إن "الباراكلاتوس" (البارقليط) صار "كاتيغووروس" (المتّهم، المشتكي). يذكر خر وعد شفاعة موسى مرارًا. فموسى تخلّى عن مجد يجعله أبا شعب عديد (مثل ابراهيم) لكي يحصل على الخلاص لشعبه (خر 32: 10-13؛ عد 14: 12-19). وأبرز التقليدُ اليهوديّ هذا الدور. ولكن تث قدّم موسى على أنه المشتكي على شعبه في نشيده الاخير (تث 32): اتّهمه بالخيانة، اتّهمه بعبادة الأصنام. وها هم اليهود يقولون إن يسوع جاحد لأنه يبعد الناس عن الاله الواحد، فيعلن نفسه الابن المساوي لله (18:5). لهذا يجب أن ننطلق من التوراة لنحكم على يسوع بالموت (7:19). هذا ما ارتآه اليهود. فأجاب الانجيليّ: إن موسى شهد من أجل النبيّ الآتي. هذا النبيّ الذي هو تتمّة الشريعة لأنه وحي الآب.
ونستطيع أيضًا أن نتوقّف عند الدور المعطى لموسى في يو 6. ففي كل هذا الفصل تتجمع ذكريات من سفر الخروج: تكثير الارغفة، عظة حوله المن، ظهور الله على البحر (مثل عبور البحر الأحمر)، تذمّر الشعب الذي لا ينتهي. تبدو النمطيّة هنا في شكل انحداريّ: عظّم اليهود دور موسى، فتحدّث يسوع عن عطيّة الله في التدبير الجديد: "الحقّ الحقّ أقول لكم: ليس موسى هو الذي أعطاكم خبز السماء، بل أبي الذي يعطيكم الخبز الحقيقيّ. فخبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويُعطي الحياة للعالم" (6: 32-33).
تظهر أصالة يوحنا في هذا السياق، حين تدخلنا في منظار العهد الجديد الذي يتميّز بتعليم مباشر يقدّمه الله لنا (لا يعلّم الواحد أخاه من بعد): "يعلّمهم الله كلهم" (يو 6: 45؛ رج أش 13:44؛ إر 33:31-34). فمسيرة الفكرة هي هي في يو 1: 17-18: كانت المرحلة الأولى في الوحي ضروريّة. ولكن تفوّقت عليها المرحلة الثانية. هذا ما يشهد له الأنبياء الذين علّمونا أن نتجاوز حرف التوراة. إذن، يسوع هو أكثر من النبيّ الشبيه بموسى (تث 18: 15، 18). إنه ابن الانسان الذي ختمه الآب بختمه (6: 27) ليحمل الحياة إلى العالم كله.

3- قراءة زكريا قراءة مسيحيّة
هنا نعود إلى زك 9-14 الذي انطلق منه يوحنا وتوسّع في التقليد المشترك. ومع ذلك فليس هناك سوى ايرادين صريحين: واحد يتحدّث عن الملك المسيحاني الذي ركب جحشًا (زك 9: 9؛ رج يو 12: 15). وآخر يتحدّث عن النظر إلى المطعون (زك 12: 10؛ رج يو 19: 35). إن سفر الرؤيا سيستعمل سفر زكريا استعمالاً واسعًا. أما الانجيل الرابع فتوقّف عند القسم الثاني فقط (زك 9-14). نحاول أن نكتشف الإشارات التي تعيننا على قراءة يوحنا لهذا النصّ النبويّ.
ونبدأ بالمقدّمة السريّة: "وصلت كلمة الله إلى حدراك وتوقّفت في دمشق" (9: 1. هذا ما قالته السبعينيّة. أما العبريّة فتحدثّت عن الراحة). وسوف نجد ذات العبارة التقديميّة في زك 12: 1: "وصلت كلمة الربّ إلى اسرائيل". نرى هنا كلمة الله التي بدت كشخص حيّ. هي تُشبه جيشًا يحتلّ الممالك، فتنتقل من موضع إلى آخر، وفي النهاية تجد راحتها. هذا النصّ دفع جماعة قمران (أو: الاسيانيين) أن يسمّوا موضع منفاهم "أرض دمشق" بانتظار العودة إلى أورشليم بقيادة كلمة الله. مثل هذا النمط من التفكير لا نجده في الانجيل الرابع. ولكن زك 9: 1 (ثم 12: 1) يُعتبر حلقة في تقليد يقودنا إلى "أقنوم" الكلمة الالهيّ.
في إطار دخول يسوع إلى أورشليم، انتمى استعمال المزمور الفصحيّ (مز 118) إلى تقليد مربّع (أي في الأناجيل الأربعة). أما إعلان الملك المسيحانيّ في زك 9: 9 فلم يلقَ اهتمامًا إلاّ لدى يوحنا ومتّى. اهتمّ الانجيلي الاول بالمطيّة، بالجحش، بصغير الأتان (مت 21: 5). أما الانجيلي الرابع فأورد وحده مقدّمة القول الخلاصيّ: "لا تخافي". فاستبعادُ الخوف يهيّئ أحدَ المواضيع التي نجدها في خطب الوداع: "لا يضطرب قلبكم" (14: 1، 27). "تقوَّوا (لا تخافوا). أنا غلبت العالم" (16: 33).
لقد أراد يوحنا أن يرسم دخولاً ملكيًا. وهذا ما يدلّ عليه ذكرُ عبارة "ملك اسرائيل" كما في مز 118: 25-26. وهكذا يكون الخبر مطلعًا لخبر الحاش اليوحناويّ المركّز على إعلان مُلك المسيح. والتلميح إلى داود الذي نجده في زك 9: 9 قد يكون أراده الانجيليّ أيضًا. قد نشكّ حين نلاحظ أن اليهود عارضوا نبوءة ميخا حول بيت لحم مع أصل يسوع الجليليّ (يو 7: 42). ولكننا هنا أمام الممازحة اليوحناويّة. فيوحنا يهتمّ كل الاهتمام بأن يثبت صفة يسوع المسيحانيّة، ويذهب به اهتمامه إلى استعمال لفظة "ماسيا" (1: 41) في اعترافات الايمان التي تطبع بطابعها لقاءات يسوع مع تلاميذه الأولين.
ولكن استعمال يوحنا للعهد القديم، هنا كما في مواضع أخرى، يفترض تأوينًا يحوّل مدلول النصّ. فإن ارتبط يوحنا بقول ناتان النبيّ في 2 صم 7، عبر زك 9:9، فهو يحوِّل منظوره. كانت هناك بنوّة بسيطة على مستوى التبنّي. فصارت بنوّة حقيقيّة. يسوع هو الابن. مونوغينيس (1: 18). تطلّع زك 9: 9- 10 إلى إعادة بناء اسرائيل الكبير، "من بحر إلى آخر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض". أما شموليّة يوحنا فتفترض الخروج من حظيرة اسرائيل (يو 1: 1- 18). ويرمز إلى هذه الشموليّة الكتابةُ على الصليب. دوِّنت في ثلاث لغات: العبرية (أو: الآراميّة) واللاتينيّة واليونانيّة: فجميع البشر مهما كانت أجناسهم وأعراقهم، مدعوّون لأن يروا في يسوع ملك اليهود.
وبدا زك غامضًا فلم يلفت انتباه القرّاء المسيحيّين. أما ف 11 فيتضمّن توسعًا حول الراعي الصالح الذي رذله شعبه. هذا التوسّع نجده عند متّى بشكل مدراش مع الثلاثين من الفضّة (مت 3:27- 10. مزج زك 11: 12-13 مع إر 6:32-9). أما منابع إلهام الراعي الصالح في يو 10: 1-8، فهي جدّ متشعبّة. فإن كان حز 34 هو المرجع الرئيسيّ، فنحن لا نستطيع أن نقلّل دور زكريا. فصورة الراعي المضروب الذي يُشرف على انتقاد الرعاية اليهودية كما في نبوءة زكريا، سيستعيدها يسوع والتقليد الانجيليّ في إعلان الآلام في مر 14: 27 وز. وهي تلقي ضوء الكتب على يو 10: 7 ب-8، وتدلّ (مع أش 12:53) على الخلفيّة النبويّة لتوسّع يو 10: 11، 17 حول الراعي الاسكاتولوجيّ الذي "يهب حياته" من أجل خرافه.
وإعلان تشتّت القطيع في زك 7:13 هو في خلفيّة مقطع نقرأه في خطبة الوداع الأخيرة: "قد أتت الساعة، وهي الآن حاضرة، حيث تتفرّقون كل واحد من جهته" (16: 33). إن فعل "تفرّق" (سكوبيزاين) الذي لا يرد بتواتر مثل فعل "دياسباراين" (من هنا "دياسبورا" أو "الشتات")، لا يُقرأ إلاّ في يو 10: 12 في حديث عن تفرّق القطيع بسبب الذئب. استعمل يوحنا هنا النص الماسوريّ (رج مر 27:14= مت 26: 31)، لأن السبعينيّة تقدّم نصًا مختلفًا: "اضرب الرعيان وأشتّت الخراف". نلاحظ هنا أيضًا كيف أوّن يوحنا النصّ وحوَّل مدلوله. تحدّث نصّ زكريا فقط عن موت الراعي. أما المسيح اليوحناوي فقدّم تفصيلاً هامًا: "تأتي ساعة... تتفرّقون كل واحد من جهته، وتتركوني وحدي. بيد أني لست وحدي، لأن الآب معي" (16: 32). نستطيع أن نقابل هذا القول مع "إيلي، إيلي لما سبقتاني" (كما في مر ومت). فعند يوحنا، لا تتميّز الساعة بالمسافة بين يسوع والآب، بل باتحاد الحبّ بين الابن.
أما القول السريّ حول مطعون بيت داود في زك 12: 10- 11، فقد لفت اهتمامَ الجماعة المسيحيّة. وهذا النصّ قد استعمل في مت 24: 30؛ رؤ 1: 7 (إطار جلياني). بيد أن يوحنا استعمله بشكل أصيل في نهاية خبر الالام. بعد المأساة، ها هو نداء مليء بالرجاء: "يرون الذي طعنوه" (37:19). إن المعنى الحقيقيّ لهذا الايراد البيبليّ لا يُدرك إلاّ إذا وُضع مع دعوة يسوع الاحتفاليّة في عيد المظالم (سكوت): "إن عطش أحد فليأت إليّ. وليشرب من يؤمن بي" (يو 7: 37).
لن نتوقّف عند الخلفيّة الغنيّة لهذا الوعد. بل عند استعمال يوحنا لنصّ زكريا. فعند النبيّ كان رباط بين فيض روح المسرَّة والتوسّل (12: 10)، وتفجّرُ ينبوع من أورشلم كدواء للخطيئة (13: 1)، واستعادة نبوءة حز 47 حول المياه الحيّة التي تخرج من الهيكل.
"ويكون في ذلك اليوم أن مياهًا حيّة تخرج من أورشليم، نصفها إلى البحر الشرقيّ ونصفها إلى البحر الغربيّ. وتكون صيفًا وشتاء (لا تنضب في فصل الصيف والجفاف). ويكون (ويظهر) الرب ملكًا على الأرض كلها. وفي ذلك اليوم يكون ربّ واحد واسمه واحد... وجميع الناجين من الشعوب التي سارت على أورشليم، سيصعدون سنة بعد سنة ليسجدوا أمام الملك رب الصباؤوت، ويعيّدوا عيد المظال" (زك 14: 8-16).
سبق وأشرنا إلى اهتمام يوحنا بعيد المظال الذي ظهر مدلولُه الاسكاتولوجي للمرة الأولى في زك 14. ونداءُ يسوع بالمجيء إليه يأخذ هكذا كل معناه: "من عطش فليأت إليّ. وليشرب من يؤمن بي. كما يقول الكتاب: تخرج من صدره ينابيع مياه حيّة". ما هو النصّ الذي يعود إليه يوحنا؟ ليس من نصّ واحد. بل التقاء عدد من النصوص يمتزج فيها تذكّرُ الأمواه العجائبيّة في البريّة، وانتظار نهر الفردوس الجاري من الهيكل كما في حز 47 وزك 14: 8 (+ يوء 4: 18).
ومع أن يوحنا ارتبط بالتقليد المدراشي اليهوديّ، فقد دلت على حريّة كبرى في تفسيره. وها نحن نشير إلى وجهات مميّزة:
- إن كان أحد.. تحمل الدعوةُ الطابعَ الشخصي والشامل. هذا هو إرث التقليد الحكمي الحاضر في الانجيل الرابع، وهو يدعو كل إنسان بشكل شخصيّ إلى جواب على هذا النداء الذي يوجَّه إليه. لاشكّ في أن الخلاص لا يمكن أن يكون دون التجمّع، إلاّ أنه يطلب قرارًا شخصيًا من كل واحد منا.
- ليأت إليّ. يسوع هو في قلب الحياة الدينيّة. أما في زكريا، فالملك المسيحاني ومطعون بيت داود، لا يلعب إلاّ دورًا ثانويًا.
- يبدو المسيح مثل صخر البرّية، حجر أساس الهيكل. نجد هنا أيضًا نمطيّة الهيكل كما في 1: 51 و19:2، 21.
- مياه الحياة: لا تنحصر هذه الحياة في أفق أرضي كما عند زكريا، بل تصل إلى الحياة الابديّة كما بدأت منذ الآن للمؤمن (17: 3).
إن التقارب بين 37:7-38 و19: 34-37، يتيح لنا أن نربط الدم والماء اللذين جريا من جنب المسيح المطعون بينابيع المياه الحيّة التي أعلنها زكريا. وهكذا نعطي معنى ايجابيًا للنظر إلى المطعون. غير أن شرّاحًا انطلقوا من المعنى التهديديّ كما شي مت 24: 30 ورؤ 1: 7، ففسّروا النصّ كنبوءة "شرّ" ترتبط بساعة الدينونة. ولكن يبدو أننا أمام نظرة توبة يُدعى إليها جميعُ قرّاء الانجيل على خُطى التلميذ الحبيب الذي شاهد ما جرى.
وهكذا حافظ يوحنا على المعنى الاجماليّ لنصّ زكريا، لأن النظر إلى المطعون يترافق من قبل الله، مع روح الرضى والتضرّع (زك 12: 10). والانباءات المتكرّرة حول ارتفاع ابن الانسان تتحقّق عند ذاك حين تُقابَل مع الحيّة النحاسيّة. "وكما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب أن يُرفع ابن الانسان لكي ينال الحياة الابديّة كل من يؤمن به" (3: 14-15). فالنظر الذي يخلّص لا يمكن إلاّ أن يكون نظر إيمان. غير أن هذا النظر لم يكن ممكنًا لو لم يُعطَ الروح (أسلم، سُلّم الروح إلى الكنيسة) بيد يسوع فأتمّ كل شيء (19: 30). وخاتمةُ زك 14: 21 (لا يعود بعد تاجر في بيت يهوه) هي في خلفيّة خبر طرد الباعة من الهيكل (يو 16:2).

خاتمة
ما لاحظناه في هذه العجالة هو اتّساع التقاليد البيبليّة التي نجدها في خلفيّة الانجيل الرابع. فالتوراة تشكّل قماشة ترتسم عليها صور الآباء والوحي المعطى لموسى والآيات التي طبعت بطابعها سفر الخروج. وقراءة يوحنا لهذه النصوص تستند إلى التقاليد المدراشيّة المختلفة. عاد يوحنا إلى أشعيا الأوّل الذي أبصر مجد يسوع (يو 12: 41). كما عاد إلى أشعيا الثاني ولاسيّما أناشيد عبد يهوه. وتوقّفنا عند زك 9-14 حيث فتح يوحنا طريقًا خاصًا به. أما التقليد الحكميّ فنقرأه بشكل خاص في مطلع الانجيل كما في الخطب التي يقدّم يسوع نفسه فيها على أنه ينبوع الحياة.
نظرة يوحنا نظرة تتركّز على المسيح: هو الكلمة المتجسّد وحجر غلقة الكتب المقدسة. والصور التقليديّة أضحت صور يسوع المسيح. هذا ما نقوله عن الهيكل. عن الكرمة. كل شيء يتّخذ معناه بواسطة من اعتبر نفسه مشاركًا في الحضور الالهي كما قالت العلّيقة الملتهبة. المسيح اليوحناويّ هو مفسّر الآب، هو من يقودنا إلى حضن الآب (18:1)، فيكشف لنا آنيّة كتب تتيح لنا أن نكتشف ذاك الذي هو الطريق والحقّ والحياة. ورفضُ الايمان به يُعتبر عند ذاك خيانة لديناميّة الوحي الذي منحه الله لشعبه بواسطة موسى. وكل هذا قد أصبح ممكنًا بواسطة الروح الذي ساعد التلميذ الحبيب على الشهادة في خطّ المسيح الذي قال عنه سفر الرؤيا إنه الشاهد الامين وبكر الأموات ورئيس ملوك الأرض.
الفصل السادس والعشرون
الانجيل الرابع وأثره في القرن الثاني

حين ندرس الأثر الذي تركه انجيل يوحنا في القرن الثاني نتجاوب مع اهتمامين. من جهة نتعرّف إلى الذين ساروا في خطّ يوحنا فنفهم الجدالات اللاهوتيّة التي جاءت بعد العهد الجديد. لم تقبل جميع الكنائس بهذا الانجيل إلاّ في نهاية القرن الثاني. فنستطيع أن نتساءل كيف نفسّر الفسحة الزمنيّة التي تفصل تدوين الانجيل عن القبول به في الكنائس الاولى. ومن جهة ثانية، حين نتشرّب من مناخ هذه الحقبة، نعود بعض الشيء إلى الوراء لتكون لنا إلى هذا الانجيل نظرةٌ إجمالية قد تضيع عندنا ساعة نغرق في التفاصيل.
هناك تأكيدات قاسية في رسائل يوحنا. "كل روح يعترف بأن يسوع المسيح جاء في الجسد هو من الله. وكل روح يشقّ يسوع ليس من الله" (1 يو 4: 2-3). "انتشر مضلّون عديدون في العالم: هم لا يعترفون بمجيء يسوع المسيح في الجسد" (2 يو 7). حين نعود إلى إيرادات من النصوص المنحولة أو الأدب المسيحي الاولاني، ندرك أن الفهم اليوحناويّ لسرّ التجسّد (يو 1: 13-14)، لم تقبل به جميعُ ميول المسيحيّة القديمة. فإن كان كاتب الرسائل اليوحناويّة قد ركّز هجومه على الذين ينكرون "جسد المسيح" (كان من لحم ودم. ما تظاهر بأنه بشر)، فهو يعارض الذين يرفضون حياة يسوع العلنيّة على الأرض، أو أولئك الذين يريدون أن يحذفوا من بشريّة يسوع موته على الصليب.
إن الرسائل مثَل يعلّمنا كيف نفهم التعليم اليوحناويّ. ونقول الشيء عينه عن سفر الرؤيا. أما نحن فننطلق من الانجيل لكي نكتشف الأثر الذي تركه في أدب الآباء الأولين في الكنيسة.

1- انجيل يوحنا في أقدم النصوص
حين نتطلّع إلى العقود الاولى في المسيحيّة التي تلت العهد الجديد، تعترضنا صعوبة ملازمة للنصوص التي نحن بصددها. فقبل أن "تُقفل" لائحة الاسفار القانونية (أو القانون) لم يكن الكتّاب المسيحيون الاولون يوردون النصوص الكتابية عائدين إلى الفصل والآية. بل كانوا يستعيدون هذا المقطع أو ذاك بشكل حرّ. كما كانوا يذكرون عددًا من أقوال الربّ. لهذا يبدو من الصعب أن نعرف بدقّة السفر الذي يلمّح إليه نصّ من النصوص. والتعرّف إلى إيراد من يو أو تلميح يبقى في منتهى الصعوبة. وقد نخاطر حين نريد أن نبيّن أننا أمام تذكّر، أمام تلميح أو أمام فكر مشترك بين مؤلّفين استقيا من الينبوع الواحد.
أ- في انجيل توما
ونبدأ مع انجيل توما الذي تألّف من 114 قولة ليسوع. يعود على ما يبدو إلى نهاية القرن الأول أو بداية الثاني. ولكنه يعود في أصله إلى زمن تكوين مجموعات أقوال يسوع التي استُعملت في تدوين الأناجيل. فإن قابلنا انجيل توما بإنجيل يوحنا، قد نحاول أن نفسّر عبارة "لن تروا الآب" (قولة 27) بواسطة تلميح يوحناوي (14: 9: من رآني رأى الآب). أو عبارة "شرب الماء الحيّ" (قولة 13) بنصوص مثل يو 4: 10ي؛ 7: 38. أو عبارة "ترمونني بالحجارة" (ترجمونني) مع يو 8: 12.
غير أننا لا نستطيع في جميع هذه المقاطع التومائيّة أن نتحدّث عن تلميحات يوحناويّة انطلاقًا من كلمة دون وجود آثار أخرى لسياق هذا التلميح أو ذاك. ثم إن هذه الألفاظ وهذه العبارة لا تدلّ على لغة إنجيلنا ولا على أسلوبه. وإن استطعنا أن نتكلّم عن تلميحات، لا نستطيع أن نقول بتأثير نصّ على آخر. كل ما نستطيع أن نفكّر فيه هو عودة إلى مرجع واحد أو محيط واحد. وكل هذا يحتاج إلى برهان.
ب- في العهد الجديد نفسه
ولكن لا براهين. لهذا نعود إلى نصّ العهد الجديد نفسه دون أن نعالج المسائل الدقيقة حول علاقات يو مع الازائيّين. فنهاية إنجيل مرقس (16: 9- 20) التي جاء تدوينها متأخرًا عن تدوين سائر الكتاب، تشير إلى ظهور يسوع لمريم المجدليّة، وتفترض بالتالي خبر يو 10: 11-18 (ق مت 28: 9). وتشير 2 بط 1: 14 إلى موت بطرس القريب كما عرّف به الربّ وكأن الاعلان النبويّ لاستشهاد بطرس (يو 21: 18-19) كان معروفًا لدى كاتب الرسالة.
وقابل بعض الشرّاح مواضيع من أف مع الانجيل الرابع. وحدة الكنيسة (أف 1: 10؛ 13:2-22؛ 6:3؛ 3:4-6؛ ق يو 16:10؛ 52:11؛ 17: 21). نزول المسيح على الأرض ثم صعوده (أف 4: 8- 10؛ يو 3: 13). الوصول إلى الآب بالابن في الروح (أف 2: 18= يو 1: 18؛ 4: 24). النور والظلمة (أف 8:5-13= يو 1: 4 ي؛ 12:8). وكانت مقابلة على مستوى الاسرار بين يو 3: 5 مع تي 3: 5. وتحذير من تكاثر المجموعات الغنوصيّة كما في 1 تم 1:6-7؛ 4: 1-7. يبدو أن أف تمثّل موقفًا وسطًا بين يوحنا وبولس. والرسائل الرعائيّة التي هي محطة في مسيحية آسية الصغرى، قد نربط بها إنجيل يوحنا.
وإذ نتوقّف عند الوثائق القديمة، نفرد مكانة خاصّة لنصّين حُفظا على ورق البرديّ. الأول هو بردية رايلندس 457 المسمّاة "برديّة 52" (نُشرت في منشسشر من أعمال انكلترا، سنة 1935). نجد فيها أجزاء من يو 18: 31-33، 37-38 في خطّ يعود إلى الربع الأول من القرن الثاني. هذه البردية هي شاهد قيّم جدًا. وفيها أقدم جزء نعرفه من انجيل يوحنا، بل من كل العهد الجديد. وتدلّ هذه البرديّة الصغيرة أيضًا على أن الانجيل الرابع وصل باكرًا إلى مصر، في بداية القرن الثاني.
والنصّ الثاني هو برديّة اغرتون الثانية. يعرفها أخصّائيو النصوص المنحولة أكثر من مؤوِّلي الكتب المقدسة. أما مضمونها فيشبه الاناجيل، وهذا ما يدهشنا. كما يذكّرنا بعدّة مقاطع محدّدة. ففي حوار بين يسوع ومعلّمي الشريعة، نكتشف تلميحات إلى يو 39:5، 45؛ 29:9؛ 59:8؛ 10: 31؛ 7: 30، 44؛ 39:10. بعد شفاء المخلّع (مر 10: 40 ي وز)، يطرح خصوم الربّ على يسوع سؤالاً لكي يجرّبوه (مر 12: 14-15 وز، إيراد من أشعيا، رج مر 6:7-7)، فنكتشف تلميحًا إلى يو 2:3؛ 25:10.
وتنتهي أجزاء هذا النصّ بما يمكن أن يكون خبر معجزة على شاطئ الأردن. لسنا هنا أمام إيراد من انجيل يوحنا، ولا أمام تفسير. غير أن القرابة الأدبيّة بين هذا النصّ ويو، تطرح سؤالاً حول العلاقة بين الاثنين. أما الحلّ الابسط فيدعونا إلى القول بأن هذه الاجزاء وإنجيل يوحنا قد استقت من الينبوع الواحد. وهناك فرضيّة أخرى تقول إن صاحبَي الاجزاء وانجيل يوحنا قد عادا إلى شكل من التقليد اليوحناويّ السابق الذي نعرفه اليوم في الانجيل الرابع.
ج- في انجيل بطرس
نجد في هذا الانجيل وضعًا مماثلاً لما في برديّة اغرتون الثانية. فهذا النصّ الاجزائيّ (يقف بين منحولات العهد الجديد) يقدّم خبرًا عن الآلام (أو الحاش) والقيامة قريبًا جدًا ممّا في الأناجيل. اكتشف منذ مئة سنة تقريبًا فاعتُبر أنه يعود إلى القسم الأول من القرن الثاني. هو يلتقي مع يو في عدّة نقاط مشتركة. اليهود مسؤولون عن موت يسوع كما في الأناجيل الازائيّة. وبدت مجموعة المسيحيين وقد انقطعت عن العالم اليهوديّ انقطاعًا لا نجده في سائر الاناجيل (عيد الفطير هو عيدهم، 2/ 5؛ ق يو 5: 1؛ 4:6؛ 2:7). سيجلس الربّ ليدين البشر في مشهد الهزء (3/ 7= 13:19). على الصليب سمّرت يداه فقط (6/ 21= 20: 20، 25، 27). لا يستطيع المصلوب أن يبقى على الصليب بعد غياب الشمس (5/ 15= يو 19: 31 أ). لم تُكسر ساقا المصلوب (4/ 14= يو 19: 31-37). ثمّ الدفن في بستان يوسف (6/ 24= يو 19: 41) وظهور لبطرس بقرب "البحر" (14/ 16= يو 21: 1).
هذه المقاربات ليست بعدُ كافية لتؤكّد ارتباط انجيل بطرس بانجيل يوحنا. ولكن حين نتفحّص مجمل علاقات هذا النصّ المنحول مع الأناجيل الاربعة، نستطيع أن نستخرج بعض النتائج. يبدو أنه كان أمام الكاتب تقاليد قديمة جدًا. كما نفهم أنه عرف كيف يتعامل أفضل معاملة مع استشهادات عديدة من العهد القديم. لكنه لم يكن موفَّقًا في الحديث عن عوائد عرفتها فلسطين.
يقول ناشر إنجيل بطرس إن الكاتب تبع الازائيين في نسج لحمة خبر الآلام. ولكنه استلهم اللاهوت اليوحناويّ لكي يفسّر خبر موت الرب وقيامته. فمسيح الحاش (أو الآلام) يسمَّى دومًا الربّ وقد رُفع (5/ 19= يو 3: 14؛ 8: 28؛ 12: 32-34؛ لو 9: 51) منذ موته على الصليب، وساعة صرخ: "يا قوّتي، يا قوّتي، تخلّيت عني" (تركتني) (5/ 19= مر 15: 34-35 وز). فموتُ الربّ يقابل صعوده وتمجيده.
اعتبر بعض شرّاح انجيل بطرس أن صرخة الرب على الصليب (رج مز 22: 2) قد تأثّرت باتجاهات غنوصيّة أو ظاهريّة، ترفض واقع آلام المسيح وتحوّل بشريّة المسيح إلى مظهر وحسب. فآباء الكنيسة قد هاجموا بقساوة أولئك الذين ينكرون القيامة، ويؤكّدون في الوقت عينه استقبال النفوس في السماء حالاً بعد الموت. وفي انجيل بطرس 4/ 10 يقال أن الرب في الصلب "كان صامتًا وكأنه لا يشعر بالألم".
في هذا المجال قابل بعضهم أيضًا هذا القول مع أقوال الغنوصيّين حول لاتألّم المسيح. قال ايريناوس إن الهرطوقي باسيليدلس قد أكّد أن "المسيح لم يتألّم آلامه بنفسه، بل شخص اسمه سمعان القيريني سخِّر وحمل الصليب عنه. وسمعان هذا قد صُلب جهلاً أو خطأ بعد أن حوِّل بيده لكي يعتبروا أنه يسوع. أما يسوع نفسه فأخذ سمات سمعان، ووقف هناك هازئًا" (الهراطقة 1/ 2: 4، 4).
تجاه هذا النوع من الكلام الذي نجده أيضًا في مقتطفات من تيودوتس (45/ 2-3؛ 61: 3)، وعند ايريناوس (الهراطقة 1: 7: 22) وقف اغناطيوس الانطاكي وأعلن بقوّة: "أصمّوا آذانكم حين لا يحدثونكم عن يسوع كمسيح وُلد من داود، وكان ابن مريم. ووُلد ولادة حقيقية. أكل وشرب. واضطهد حقًا في أيام بيلاطس البنطيّ، وصُلب ومات حقًا في وجه السماء والأرض والاسافل. الذي قام من بين الأموات" (إلى الترليّين 9: 1-2).
إن تشديد أغناطيوس، أسقف أنطاكية، الذي عاصر القرّاء الأوّلين لانجيل بطرس، على آلام يسوع الحقيقيّة وموته، يدلّ على الحدّ الذي وصلت إليه بعضُ الاتجاهات المسيحية في محاولتها لكي تلغي عثار الصليب، أو لكي تميّز بين عدّة مسحاء: المسيح الحقيقيّ الذي لا يعرف الألم، وذاك الذي تألّم جسده وحده (رج 1 يو 4: 3 والذين يمزّقون، يشقّون يسوع).
رغم الاهتمام بالجدالات اللاهوتيّة المعارضة لانجيل بطرس، نظنّ أن المقاطع التي أوردناها (4: 10؛ 5: 19) لا تدلّ على ميول غنوصيّة أو ظاهريّة. فقد نستطيع أن نشرحها بشكل عرض انطلاقًا من النصّ نفسه واستعماله للعهد القديم. لا انطلاقًا من وثائق خارجيّة لا ترتبط به. هذا لا ينفي أن يكون انجيل بطرس قد عُرف في أوساط غنوصيّة أو ظاهريّة بسبب التباس هذه المقاطع. 
نستطيع القول بعد هذا إن إنجيل بطرس قد استعمل انجيل يوحنا في فهمه لموت الرب كارتفاع وتمجيد. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نستشفّ مع هذا النصّ المنحول حقبة من تاريخ الكنيسة الأولى عرفت المنازعات اللاهوتيّة حول معنى مجيء المسيح.
خاب أملنا في بحتنا عن استعمالات يو في الوثائق القديمة. وهذا النقص في الشهادات الايجابيّة (ما عدا انجيل بطرس) يجب أن يفسّر. في زمن أوّل لم يُنشر الانجيل الرابع ولم يُعرف بما فيه الكفاية. لهذا، لم يستعمله الكتّاب المسيحيّون الاولون. وهذا رغم شهادة البردية 52 التي وصلت إلى مصر في بداية القرن الثاني. يبقى أن نلاحظ أن التقاربات التي أشرنا إليها توجّهنا إلى الاوساط الغنوصيّة. هذا ما سوف نعود إليه.

2- الآباء الرسوليّون
قد نستطيع أن نواصل بحثنا في الوثائق الادبيّة الاولى التي تركها آباء الكنيسة. وهنا أيضًا يصعب علينا أن نكتشف استشهادات حقيقيّة وتلميحات إلى الانجيل الرابع. لهذا، سنمرّ بشكل سريع على الآباء الرسوليّين الأوّلين.
أ- الآباء الرسوليون الأولون
نلاحط في الرسالة إلى الكورنثيين التي دوّنها اكلمنضوس الروماني في نهاية القرن الأول، ألفاظًا ذات رنّة يوحناويّة (أو ربّما يهوديّة). مثل: "صنع الحقّ" (31: 2= يو 3: 21). "عمل أعمال البرّ" (33: 8= يو 6: 28). "أحبّ تتميم الوصايا (49: 1= يو 14: 15، 23، 24). أما أهمّ التقابلات الممكنة فهي بين رسالة اكلمنضوس ويو 17. في 59: 3: "لكي يعرفوك أنت وحدك" (يو 3:17). في 6:43: "مجّد اسم الاله الحقيقيّ والوحيد" (يو 3:17). في 2:60: "نقِّني بحقّك" (يو 17:17 مع فعل آخر). في 42: 1: "بعث الربُّ يسوع المسيح الرسل كحاملي البشرى. ويسوع المسيح قد أرسله الله" (يو 17: 18؛ 20: 21، مع فعل آخر).
في "عظة اكلمنضوس الثانية" (منتصف القرن الثاني تقريبًا)، لا نحتاج إلى أن نلجأ إلى يو لكي نفهم عبارة "المسيح صار بشرًا" (9: 5= يو 1: 14) أو "صنع مشيئة الآب" (4:8؛ 10: 11= يو 34:4). مع "راعي هرماس" (منتصف القرن الثاني تقريبًا) لا تبدو التقاربات مع انجيل يوحنا حاسمة. فالاستعمال الكرستولوجيّ لألفاظ مثل "صخر"، "باب" (يو 10: 7)، "كرم" (يو 15: 4)، "شريعة" (15: 4)، "طعام السماء" (6: 50، 58)، ليس خاصًا بيوحنا. ما نستطيع أن نحتفظ به هو صور الولادة الجديدة إلى الحياة، والدخول إلى ملكوت الله بالماء، واسم الابن (يو 3: 1ي).
وتبرز "رسالة برنابا" (سنة 130 تقريبًا) مرات عديدة ظهور المسيح في الجسد (5: 6؛ 6: 7، 9، 14؛ 12: 10= يو 1: 14؛ 1 يو 3: 5، 8). ظهور ابن الله (6: 9). الإشارة إلى نظرة ابراهيم على يسوع (9: 7= يو 8: 56). الرباط بين سمع، آمن، عاش (11:11؛ 2:9= يو 24:5؛ 15:3؛ 20: 31). وقد نتساءل: أما نكون قريبين من يو حين تُذكر القيامة والظهورات وصعود المخلّص (9:15= يو 17:20؛ 21: 1)؟ وظهورُ مجد يسوع مع حدث الحيّة التي رفعها موسى (7:12؛ رج عد 21= يو 3: 14؛ 28:8؛ 12: 32، 34). كل هذا يجعلنا نفكّر بالانجيل الرابع. ولكن إن تمعنّا في هذه المقاطع تبدو المقاربات سطحيّة ولا تدلّ على اتّصال أدبيّ مباشر أو غير مباشر مع الانجيل الرابع.
ويدلّ "تعليم الرسل الاثني عشر" أو "الديداكيه" (بداية القرن الثاني وربّما نهاية القرن الأول) على تقارب مع يو في إطار ف 9- 10، بالنسبة إلى الصلوات الافخارستية. "كرمة داود المقدّسة" قد تحيلنا إلى يو 15. وفعل "عرَّف" (19: 2، 3؛ 10: 2) نقرأه أيضًا في يو 15: 15؛ 17: 26. ومع مقدّمة الصلاة التي نقرأها في 10: 1-2، نستطيع أن نجد تقاربات عديدة.
"بعد أن تشبعوا (يو 6: 12)، اشكروا هكذا: نشكرك أيها الآب القدوس (يو 17: 1) لأجل اسمك المقدّس (يو 17: 6، 11، 26) الذي جعلته يقيم في قلوبنا (يو1: 14) للمعرفة والايمان والخلود" (يو 20: 31؛ 17: 3؛ 6: 69= ديداكيه 9: 3؛ 10: 3).
وفي ديداكيه 10: 3 يذكّرنا طعام الحياة الابديّة بالخطبة في يو 6. أما ما يلي هذه الصلاة (10: 5) فنوازيه مع يو 17: "أذكر يا ربّ كنيستك لكي تنجّيها من كل شرّ (يو 15:17)، لكي تكمّلها في حبّك (يو 23:17)، إجمعها، قدِّسها" (يو 19:17؛ رج 52:11).
لا تتيح لها الديداكيه، أكثر من سائر كتابات الآباء الرسوليين، أن نكتشف اتّصالات أدبيّة مع انجيل يوحنا. ولكن بما أن النقّاد يعتبرون بشكل عام أنها دوّنت في سورية، نصبح قريبين على المستوى الجغرافي من نمط مسيحيّة يصوّره بوليكربوس الازميري (الرسالة إلى الفيلبيّين حوالي سنة 130. استُشهد بوليكربوس حوالي سنة 155) أو اغناطيوس الانطاكي (بعد هذا الوقت بقليل).
سبق لنا وقرأنا اغناطيوس الانطاكي في ردّه على الاتجاهات الظاهريّة. والرسالة إلى الفيلبيين التي دوّنها بوليكربوس تدلّ على ردّة الفعل عينها (7: 1): "من لا يعترف أن يسوع المسيح جاء في الجسد هو انتكرست، مناوئ للمسيح" (1 يو 2:4-3؛ 2 يو 7-9. "من لا يعترف بشهادة الصليب هو من الشيطان. من يعوّج كلمات الرب بحسب نزواته ولا يعلن القيامة ولا الدينونة، هو بكر الشيطان".
مثل هذا الايراد المأخوذ من الرسائل اليوحناويّة ليس بغريب في رسالة كتبها بوليكربوس. فهذا الاسقف يُعتبر تلميذ يوحنا حسب ايريناوس (رسالة إلى فلورين نقرأها في التاريح الكنسيّ لاوسابيوس، 5: 20). ونجد أيضًا في الرسالة إلى الفيلبيّين تحريضًا على الحبّ المتبادل في تلميح إلى انجيل يوحنا (13: 34؛ 15: 12، 17؛ رج روم 8:13؛ 1 بط 8:3). ونقرأ عبارة "الثمار التي تحملونها تكون ظاهرة أمام الجميع" (يو 15: 16؛ 1 تم 4: 15).
ب- أغناطيوس الانطاكي والوسط اليوحناويّ
كان اتصال متبادل بين اغناطيوس وبوليكربوس، كما تقول رسائلهما. أما رسالة اغناطيوس إلى الازميريين فتحارب بشدّة الاتجاهات الظاهريّة. فالقرابة الروحيّة التي تربط اغناطيوس بالكتابات اليوحناويّة والبولسيّة واضحة. فاغناطيوس هو وحده بين الآباء الرسوليين الذين قيل عنهم أنهم اتّصلوا اتّصالاً أدبيًا بالانجيل الرابع. وإليك براهين تدلّ على تأثير يوحنا في كتابات اغناطيوس.
في الرسالة إلى أهل فيلدلفية (7: 1) نقرأ: "لا نغشّ الروح الذي يعطينا الله إياه. فهو يعرف من أين يأتي وإلى أين يذهب، وهو يفتح الاسرار" (يو 3: 8؛ 8: 14). في 9: 1 نجد صورة "باب" الآب (يو 10: 7، 9؛ رج 14: 6). وفي رسالة اغناطيوس إلى الرومانيين (7: 3) وإلى الافسسيين (5: 2) نجد خطبة حول "خبز الله" وخبز الحياة (يو 6: 26-59، خصوصًا آ 33). وفي الرسالة إلى المغنيزيين (7: 1) نقرأ: "لا يعمل الربّ شيئًا بدون الآب" (يو 5: 19-30؛ 8: 28). وفي 7: 2: "خرج من الآب وعاد إليه" (يو 13: 3؛ 16: 28). وفي الرسالة إلى الافسسيين (9: 1): "رفع بصليب يسوع المسيح" (يو 12: 7، 38). وفي الرسالة إلى الرومانيين (7: 2): "الماء الحيّ الذي يتكلّم فيّ" (يو 4: 10؛ 7: 38).
في النهاية، ومهما يكن من أمر هذه الاستشهادات، فنحن نستطيع أن نقابل اغناطيوس مع يوحنا في معالجة مفاهيم: الجسد والروح. الحياة والموت. الارسال. المجيء. الظهور. الايمان. المحبّة.
وهكذا يبدو أغناطيوس أقرب الشهود إلى مناخ الاوساط اليوحناويّة. فقد أكّد في رسائله على لاهوت يسوع المسيح، الذي لا ينفصل عن واقع تجسّده. وشدّد في وجه الاتجاهات الظاهريّة على واقع الكنيسة في تراتبيّتها وحياتها الاسراريّة. أما بالنسبة إلى مجمل أدب الآباء الرسوليّين والوثائق المسيحية القديمة، فقد لاحظنا أن انجيل يوحنا انتظر بضعة عقود قبل أن يُعرف. عُرف أولاً في الاوساط التي وُلد فيها، أي سورية وآسية الصغرى. وتوقّف الكتّاب بشكل خاص عند يو 3، 6، 15، 17، أو عند المطلع والخاتمة. أما الموضوعان البارزان فهما: هويّة المسيح والواقع الاسراريّ.

3- يوحنا في زمن الآباء المدافعين
حين نتقدّم فنصل إلى منتصف القرن الثاني أو نهايته، نكتشف آثار ظهور متنام للانجيل الرابع. هنا صارت الاستشهادات المأخوذة من يو أكثر وضوحًا وأكثر تواترًا.
ففي نزاع حول تاريخ الاحتفال بالفصح الذي جعل رومة تواجه آسية الصغرى، كان إنجيل يوحنا المستند للذين يريدون أن يحتفلوا بموت يسوع يوم الفصح. راجع "رسالة الرسل" (حوالي 160). أبوليناريوس أسقف هيرابوليس (أو: منبج) (حوالي 170). مليتون السرديسي وبوليكربوس الافسسي (حوالي 190). وتضمّنت "أعمال يوحنا المنحولة" والرسالة إلى كنائس ليون وفيينا (في فرنسا) (سنة 177. احتفظ بها أوسابيوس القيصري في التاريخ الكنسي 5: 1) تلميحات يوحناويّة محدّدة. ومع تنسيق الاناجيل (دياتسارون) الذي دوّنه تاتيانس حوالي سنة 170، احتلّ يوحنا مكانته بجانب الازائييين. وتوسّع تيوفيلوس الانطاكي (حوالي سنة 180) في لاهوت كلمة الله عائدًا إلى إنجيل يوحنا ولاسيّما إلى المطلع. وقد أورد تيوفيلوس في كتابه إلى أوتوليكوس إنجيل يوحنا، واعتبره بين "الكتب المقدّسة لجميع البشر الذين يحملون الروح. وواحد منهم، يوحنا، قال: في البدء كان الكلمة" (2: 22).
وكان يوستينوس (+ 165) معلّم تاتيانس، أهم الآباء المدافعين في القرن الثاني. بقي لنا منه دفاعان وحوار مع تريفون. نجد في هذه المؤلَّفات الثلاثة تلميحات عديدة إلى يو، بل استشهادات.
في الدفاع (61: 4) أورد يوستينوس كلمة الربّ كما نقرأها في يو: "لأن المسيح قال: إن لم تولدوا من جديد، لن تدخلوا ملكوت السماوات. فمن الواضح لجميع الناس أن الذين وُلدوا مرّة واحدة لا يستطيعون أن يدخلوا من جديد بطن أمّهم". وفي الدفاع 6: 2 تحدّث عن عبادة الآب في الروح والحقّ (يو 4: 24). وفي 27:88، استعاد كلمات المعمدان بحسب يو 1: 20-23. وفي الحوار (91: 3؛ رج 93: 2)، نجد صورة الحيّة التي رُفعت بيد موسى (يو 3: 14-15). وتظهر صورة الماء الحيّ مرّات عديدة (114: 3؛ 69: 6؛ 14: 1 = يو 10:4، 14).
ويعود يوستينوس، شأنه شأن اغناطيوس الانطاكي، إلى خبز الحياة (يو 6: 54، 57) فيصل بنا إلى الأسرار (الدفاع 66: 2). كما يلمّح إلى مطلع يو في الدفاع 63: 15؛ (يو 1: 4). في الحوار 123: 9 (يو 1: 12). في الحوار 135: 6 (يو 1: 13). في الحوار 127: 4 (يو 1: 18). ونشير بشكل خاص إلى دور الابن الخالق (يو 1: 14) كما في الدفاع 32: 1؛ 66: 2.
كانت اهتمامات يوستينوس دفاعيّة، فردّ على القائلين بأن المسيحيّة تعارض الفلسفة. لهذا توسّع في لاهوت كلمة الله، الوسيط بين الله والبشر، الاقنوم الالهيّ الخاضع للآب. إستلهم الفلسفة الوثنيّة فاكتشف فيها عناصر حقيقة: "المسيح هو بكر الله وكلمته، ويشاركه جميع البشر... فالذين عاشوا حسب الكلمة هم مسيحيّون" (دفاع 1: 46). "كل المبادئ العادلة التي اكتشفها الفلاسفة والمشرّعون، وعبّروا عنها، فقد اكتشفوها وتأمّلوها في الكلمة" (دفاع 2: 10). لن نعجب بعد ذلك، أن يكون مطلع يو قد لعب دورًا كبيرًا بين النصوص الكتابية حول عمل الكلمة وصفاته.

4- انجيل يوحنا والغنوصيّة
وظهرت أهميّة يو (ولاسيّما المطلع) في التيّارات الغنوصيّة حيث وُلد أول تفسير لهذا الانجيل هو تفسير هرقليون. حتى الآن تبعنا خطّ الكتابات الارثوذكسيّة ملاحظين أن عددًا من الاستشهادات تُوجّهنا إلى ميول ظاهريّة أو غنوصيّة. هنا نسير في مدى القرن الثاني فنكتشف آثار تفسير النصّ اليوحناويّ عند الغنوصيّين، وهكذا نفهم تأثيرهم المتنامي في الكنيسة الأولى. نتوقّف عند أربعة لها معناها. فلغة يوحنا وأسلوبه والمحيط الذي وُلد فيه كل هذا بدا مؤاتيًا للغنوصيّين. ولاحظ ايريناوس في ردّه على الهراطقة (3/ 11: 7) أن كل انجيل وجد متشيّعين له لدى الهراطقة. "فالابيونيون لا يستعملون إلاّ انجيل متّى. ومرقيون يعود إلى انجيل لوقا. والذين يفصلون يسوع عن المسيح يفضّلون انجيل مرقس. وجماعة ولنطينس يأخذون بانجيل يوحنا".
ولقد ردّ آباء الكنيسة على الهراطقة مستعملين سلاحهم وما يوردون من نصوص كتابيّة. وهكذا اشتهر يو بفضل الغنوصيّين، كما اشتهر بفضل آباء الكنيسة الذين لجأوا إلى نصوصه ليحاربوا الغنوصيّة. نذكر على سبيل المثال: ايريناوس والردّ على الهراطقة (نهاية القرن الثاني). أوريجانس وتفسير انجيل يوحنا (بداية القرن الثالث).
أ- إنجيل الحقّ
مع هذا الكتاب الذي انبثق من الولنطينيّة، ندخل في مناخ قريب من اليوحناويّة. وهذا ما يدلّ عليه المطلع (16: 31 ي): "إنجيل الحقّ هو فرح للذين قبلوا النعمة من آب الحقّ الذي يتصرّف بحيث يعرفونه بقدرة الكلمة، هو الذي جاء من الملء، هو الذي يلازم فكر الآب وفهمه، الذي يُعلَن مخلِّصًا لأن هذا هو اسم العمل الذي يجب عليه أن يتمّه لخلاص الذين جهلوا الآب...".
بما أن الفنّ الأدبيّ لهذا النصّ هو خطبة وحي يرسلها المخلّص لخلاص الغنوصيين، لا نستطيع أن نعرف إن كانت عبارة من العبارات، يوحناوية أو غنوصيّة أو شيئًا آخر. فالمقطع الذي يقول: "من امتلك المعرفة (غنوسيس) هكذا، يعرف من أين جاء وإلى أين يذهب" (12:22)، يذكّرنا بما في يو 8:3؛ 8: 14. ولكننا هنا أمام كلام شائع حتى الابتذال في العالم الغنوصيّ (تيودورس 78). والمقطع الذي يقول: "هذا هو الآب الذي منه خرج المبدأ، والذي إليه يعود جميع الذين خرجوا منه" (38:37-39)، يذكّرنا بما في يو 13: 3؛ 16: 28. غير أننا أمام فكرة شائعة في الفلسفة اليونانيّة القديمة.
هناك مواضع عديدة يبدو فيها نصّ إنجيل الحقيقة "قريبًا من التقاليد الانجيليّة". فمثَل الخراف الضّالة هو مزيج من التقاليد الازائيّة والتقاليد اليوحناويّة (31: 35 ي؛ رج مت 18: 12 ي وز؛ يو 10). غير أن تفسيره الذي ينطلق من الأرقام، يختلف عن تفسير الكتب القانونيّة. فالطريق الواجب اتّباعها هي الحقيقة التي يعلّمها يسوع المسيح (18: 19ي؛ يو 6:14). غير أن هذا المسيح، وإن علِّق على الخشبة (18: 24)، لم يعد مسيح الأناجيل. أخذ "شبه جسد" (كما قال الظاهريون، 31: 5 ي؛ رج 8:26؛ ق يو 1: 14)، وانحصرت رسالته في نقل المعرفة. ورغم بعض التلميحات إلى مواضيع تضمنّها مطلع يو (آ 3 في 37: 21 ي؛ آ 5 في 17:18؛ آ 18 في 9:24 ي؛ 8:27)، نحن مع "انجيل الحقيقة" في نصّ يشبه برديّة اغرتون الثانية، في نصّ قريب من تقاليد مكتوبة أو شفهيّة أنجبت أناجيل العهد الجديد، نصّ دوّن في القرن الثاني ساعة لم يكن بعد يو قد عُرف بما فيه الكفاية. فيبقى أن انجيل الحقيقة يقابل أدبًا صيغ صيغة محكمة، وقد امتزجت فيه اعتبارات حول صفات الآب الالهية، على مستوى الخلاص ودور المخلّص، مع عناصر من الكرازة الرسوليّة الأولى. هذا يعني أن الغنوصيّة كانت نهجًا منظّمًا في زمن اغناطيوس الانطاكي.
ب- إنجيل فيلبس
جاء إنجيل فيلبس بعد انجيل الحقيقة فصيغ بشكل أفضل. ونحن نجد فيه كما في كتابات يوستينوس بعض الايرادات من يو. فالقولة 96 تبدو يوحناويّة ما عدا الخاتمة. "كان الآب في الابن والابن في الآب. ذاك هو ملكوت السماوات" (يو 1: 1؛ 17: 21). والقولة 123: "إذا عرفتكم الحقيقة حرّرتكم الحقيقة" (يو 8: 32 مع ذات الألفاظ). ونجد في القولة 23 جدالاً حول معنى الجسد، قيامة الجسد، خبز الحياة (رج قولة 15، 93؛ يو 1: 14؛ 53:6 ي). كما نجد استعمال صورة الباب (قولة 27؛ يو 10: 1) واليتيم (قولة 6؛ يو 14: 18). 
وهناك مواضيع عديدة مشتركة بين انجيل يوحنا وانجيل فيلبس، وهي ترد مرارًا. الحقيقة والضلال (قولة 11؛ 16-17؛ 63؛ 67؛ 90؛ 93؛ 123- 125). الموت والحياة (قولة 3- 4؛ 90- 91). النور والظلمة (قولة 10؛ 56). الاتّحاد بالمعرفة (قولة 96). الولادة الجديدة (قولة 74). غير أن كل هذه الاشارات لا تكفي لتدلّ على تأثير التفسير اليوحناويّ على انجيل فيلبس. فهذا الانجيل، شأنه شأن انجيل الحقيقة وبعض النصوص الارثوذكسية التي تعود إلى القرن الثاني، قريب من الفنّ الادبي الذي نجده في الانجيل الرابع، ولكنه دون ساعة لم يكن يو قد انتشر بما فيه الكفاية.
ج- مقاطع من تيودوتس
* مع تيودوتس وهرقليون، تلميذَي الغنوصيّ ولنطينس في منتصف القرن الثاني، سيكون الوضع مختلفًا جدًا. فمقاطع تيودوتس التي احتفظ بها اكلمنضوس الاسكندراني وأجزاء من تفسير يوحنا لهرقليون، التي جمعها تفسير أوريجانس، تعطينا فكرة واضحة عن الاستعمال الغنوصيّ لهذا الانجيل. إن تفسير هاتين المجموعتين من النصوص تبقى صعبة، ولاسيّما بالنسبة إلى تيودوتس مع المقاطع الستة وثمانين التي لا ترد في ترتيبها وتُخرج من سياقها. فاكلمنضوس يضيف تفاسير عديدة إلى "مقاطع تيودوتس".
إذن، يجب أن نفسّر هذه النصوص بمساعدة ما نستطيع أن نعرف عن الولنطينيّة بشكل عام (آثار تعليم ولنطينس، تعاليم تلاميذه مثل بطليموس ومرقس المجوسي، كتابات الآباء مثل ايريناوس...).
* من جهة، وعلى مستوى الايرادات اليوحناويّة في "مقاطع تيودوتس"، نلاحظ أن يو يرد أكثر من سائر الأناجيل بما فيها مت. أما الايرادات الصريحة فهي التاليِة: يو 1: 1، 2، 3-4، 5، 9، 14، 18 (المطلع)؛ 2: 9 (عرس قانا)، 3: 29 (صديق العريس)؛ 10: 1، 7 (الباب)؛ 10: 11- 14 (الراعي الصالح)؛ 11: 25 (الحياة)؛ 14: 6 (الحقيقة)؛ 19: 34 (الجنب المفتوح)؛ 19: 36 (لم يكسر عظم)؛ 19: 37 (المسيح المطعون).
حين شرح اكلمنضوس هذه المقاطع، أورد المقاطع التالية من يو 1: 1، 3، 3-4، 5، 8، 14 أب، 18 أب؛ 8:3 (الريح تهب حيث تشاء)؛ 4: 24 (الروح والحقّ)؛ 6: 31 ي (خبز الحياة)؛ 8: 56 (ابراهيم)؛ 17: 11، 17 (الصلاة الكهنوتيّة). نلاحظ أن هذه اللوائح تقابل تقريبًا الاستشهادات اليوحناويّة التي وقعنا عليها حتى الآن: المطلع، صور العرس والاسرار (تلميح إلى المعموديّة)، المواضيع الكرستولوجيّة (الباب، الحياة، الحقّ، الاسم، يو 19: 37).
* ومن جهة ثانية، وعلى المستوى التعليمي، يدلّ الاهتمام بالمطلع على مسيرة غنوصيّة تستعين بالتفاصيل العديدة لكي تبني نهجًا لاهوتيًا متشعّبًا، فيه تتوسّع سوابق مجيء المخلّص على الأرض بواسطة السطر والاعتبارات الفلسفيّة حول الآب الذي هو ملء الكيانات السفلى، حول المراحل السابقة لخلق العالم، حوله أصل الشرّ وامكانيّات الخلاص على الأرض بواسطة زروع روحيّة توزّعت وسط البشر.
ونقرأ تفسير يو 1: 1 في 3:6-4: "وهذا الكلمة الذي هو في البدء، أي في الابن الوحيد، في العقل والحقّ، يشير إليه (يوحنا) على أنه المسيح والكلمة والحياة. لهذا السبب يسمّيه (يوحنا) وبحقّ الله هو أيضًا، هو الذي هو في الاله العقل. وما صُنع فيه، أي الكلمة، كان حياة، كان زوجته. لهذا قال الرب: أنا الحياة". نكتشف، من خلال هذه العبارات، تلميحات إلى نهج ولنطينس اللاهوتيّ، وفيه تسبق مجيءَ المخلّص سلسلةُ تزاوج الكيانات الالهيّة في الحقبة التي تهيّئ الخلق بواسطة إله أدنى هو خالق سفر التكوين في العهد القديم.
ينتج عن هذا تمييز كرستولوجي أساسي. فالمسيح الكلمة والحياة (2-3) لا ينحصر في وظائف دنيا، وظائف خلق الكون (47-48). بل هو لم يُجبر على المجيء إلى الأرض لأنه الله. وهكذا تُوجد صورة ثانية للمخلّص، يسوع الأرضيّ الذي بمجيئه (74-75) يجمع (26: 3) العناصر الروحيّة الموزَّعة وسط البشر الموزّعين في ثلاث فئات (54-55): الماديّون، النفسيّون (يصلون إلى خلاص من الدرجة الثانية)، الروحيون (الغنوصيون) المعدَّون للخلاص الحقيقيّ بعد أن يعبروا في مراحل ولادة ترافقها طقوس محدّدة (77-78).
إن مثل هذا النهج يحاول أن "يفهم" صعوبات لاهوتيّة محدّدة شعرت بها المسيحيّة الأولى باكرًا: تعارضٌ بين العهد القديم والعهد الجديد، أصل الشرّ، لاهوت المسيح الذي نعلنه في الوقت الذي فيه نعلن ناسوته. انطلقت جماعة ولنطينس من الانجيل الرابع لتقدّم الجواب على مثل هذه الاسئلة. هذا ما نجده في "مقاطع تيودوتس".
د- أجزاء من هرقليون وتفسير أوريجانس
تلقّى أوريجانس حوالى سنة 230 رسالة من شخص اسمه امبروسيوس، ارتدّ حديثًا من الولنطينيّة، وقد طلب منه في هذه الرسالة محاربة التعاليم الولنطينيّة ولاسيّما تفسير هرقليون لانجيل يوحنا. وهكذا أورد أوريجانس نصوص هرقليون ليقدّم ردًا حسب الأصول. ومع تفسيره ليوحنا الذي بقيت منه أجزاء ولم يصلنا كاملاً، نشهد مرحلة جديدة في التأويل اليوحناوي. ونلاحظ أن هرقليون الذي عاصر تيودوتس، دوّن تفسيرًا حقيقيًا لنص يوحنا، ولم يكتف بشرح هذا النصّ أو ذاك. وعشر سنوات بعد تدوين هذا الشرح الغنوصيّ، أعلن أوريجانس سلسلة من الحقائق الارثوذكسية استخرجها من الانجيل الرابع ضدّ تفاسير هرقليون.
في ما تبقّى لنا من تفسير أوريجانس (ثلث النصّ الاصلي)، نعجب أن يمتدّ الكتابان الأوّلان على سبع آيات من مطلع انجيل يوحنا. ومع الكتاب السادس نصل إلى نهاية المطلع، بل نهاية ف 1 (مجيء يوحنا المعمدان، وعماد يسوع). ويقدّم الكتاب العاشر تأويل عرس قانا والباعة المطرودين من الهيكل (يو 2). توقّف الكتاب الثالث عشر عند قسم من يو 4. ومع الكتابين 19-20 نصل إلى نهاية ف 18 ويتوقّف التفسير في الكتاب الثاني والثلاثين مع يو 13: 33. وهكذا لا تكون نظرتنا كاملة إلى تفسير أوريجانس، وبالحري إلى تفسير هرقليون.
يحتلّ الكلمة والروح في تعليم ولنطينس مكانة مميّزة. فبعد يو 1: 3 أكدّ هرقليون تماهي الكلمة والمخلّص (اللامنظور، السماويّ) الذي به تدخّل خالق الكون. ولكن هناك أيضًا صورة أخرى للمسيح، التي بها يقوم بجمع المختارين ذوي الطبيعة الروحيّة، وهكذا نجد ثلاثة أنواع من الشخصيّات الكرستولوجية: واحد يعمل في دوائر ملء الآب. والثاني في الدوائر المتوسطة (خارجًا عن الكون). والثالث في الكون حيث يعمل الكلمة ليجعل الزروع الروحيّة، الموزّعة وسط البشر، تنضج. عندئذ يمثِّل يو 4 (السامرية) استعارة عن مختلف مراحل البلوغ إلى المعرفة الحقّة (جهل، نداء بالماء، وعي، تنشئة متدرّجة، انتظار المسيح، رسالة المرتدّ).
تجاه هذه الكيانات الالهيّة المتعدّدة، والتفاصيل اللاهوتيّة، قدّم أوريجانس براهينه منطلقًا من الكتب المقدّسة ليدلّ على وحدانيّة الله. لا شكّ في أن الغنوصيّين حاولوا أن يفهموا كيف يمكن أن يكون يسوع الله، إذا كان الله واحدًا. وإذ أكّد أوريجانس وحدة الله، حافظ على التمييز بين الآب والابن، وغلى لاهوت الابن (11: 12 ي). وبدلاً من أن يعارض إله العهد القديم باله العهد الجديد، وبدلاً من أن يجعل الواحد أدنى من الآخر، دافع عن وحدة الوحي (82:1؛ 206:11 ي).
وحين رفض أوريجانس أن يقسم البشر ثلاث فئات، أكّد أيضًا وحدة الطبيعة البشريّة المدعوّة إلى الخلاص. مثل هذا التفسير سبق النزاعات الكرستولوجيّة والثالوثيّة في الكنيسة الأولى، وجاء قبل أن تقدّم المجامعُ المسكونيّة عبارات التوافق حول التجسّد ولاهوت المسيح. وسوف نرى في القرن الرابع وبداية الخامس عددًا من التفاسير اليوحناويّة، ساعة استعرت النزاعات الكرستولوجيّة.

خاتمة
وهكذا اكتشفنا بعض الشيء أن انجيل يوحنا احتاج إلى قرن من الزمن لكي يعترف به كتّاب الكنيسة ساعة كان الغنوصيون قد استولوا عليه منذ بداية القرن الثاني. وإن كان قانون موراتوري (نهاية القرن الثاني تقريبًا) قد أكّد قانونيّة انجيل يوحنا وسلطته الرسوليّة، مع عدد من التفاصيل، فهذا يدلّ على أنه لم يصل بعد إلى الثقة التي سيصل إليها مع إيريناوس وترتليانس وأوريجانس. كان قبوله في الكنيسة القديمة بطيئًا. وقد استُعملت منه مقاطع ولاسيّما المطلع والخطب قبل أن يفسَّر كله.
هذا ما يطرح سؤالاً على مفسّري إنجيل يوحنا وعلاقته بالعالم الغنوصي، وما ظهر من آثار غنوصيّة في فنّ أدبيّ قريب من ذاك الذي دوّن فيه الانجيل الرابع. وعلى مستوى اللاهوت شدّد الكتّاب المسيحيّون الأوّلون، الغنوصيون منهم والآخرون، على المطلع ومعنى التجسّد والآلام، فبيّنوا أن الانجيل الرابع قد دافع منذ ظهوره عن موقف أصيل بين نصوص العهد الجديد. هذا ما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار لنفهم ما أراد يوحنا أن يقوله حين أعلن: "يسوع هو المسيح. هو ابن الله" (20: 31). هو مسيح. هو يسوع. إله حقيقيّ وإنسان حقيقيّ.
الفصل السابع والعشرون
ملكوت الله
في الانجيل الرابع وسفر الرؤيا

في الانجيل الرابع، لا نجد عبارة "ملكوت الله" سوى مرّتين. ولكن هذا لا يعني أن واقع الملكوت غائب عن إنجيل يوحنا. غير أن طريقة تقديم الانجيل الرابع تختلف عمّا في الأناجيل الازائيّة الثلاثة. فيوحنا ترك المفاهيم اليهوديّة وانفتح على الحضارة الهلنستيّة وروحانيتها. ثم إنه ركّز نظره على وجه يسوع الذي يأخذ على عاتقه الوظيفة الملكيّة ولاسيّما في وقت آلامه.
أما في سفر الرؤيا، فنشهد منذ البداية إلى النهاية، احتفالاً بملك الله والمسيح يشارك فيه المؤمنون. فمنذ الليتورجيا الافتتاحيّة، يقدّم لنا يسوع على أنه "أمير ملوك الأرض". اجتمع المؤمنون من أجل ليتورجية الكلمة، فهتفوا: "فللذي يحبّنا وقد غسلنا بدمه من خطايانا وجعلنا ملكوتًا وكهنة لإله وأبيه، المجد والعزة إلى دهر الدهور آمين" (1: 5-6). وفي نهاية الكتاب، يعد الله الشهداء بمُلك يدوم ألف سنة (20: 6)، يمتدّ من مجيء المسيح الأول إلى مجيئه الثاني، بل في الابديّة، ونبدأ مع إنجيل يوحنا.

1- انجيل يوحنا
نتوقّف هنا عند أربع محطّات: حوار يسوع مع نيقوديمس، شهادة يوحنا المعمدان، يسوع أمام بيلاطس، الملك المصلوب.
أ- الحوار مع نيقوديمس (3: 1- 21)
ترد عبارة "ملكوت الله" مرتين في الحوار مع نيقوديمس ولا تعود ترد في أيّ مكان آخر في يو. في 3:3: "يرى ملكوت الله". في 3: 5: "يدخل إلى ملكوت الله". إذا أردنا أن نفهم معنى العبارة، نرسم الخطوط الكبرى للبرهان في هذه المقطوعة. جاء نيقوديمس، ذاك الوجيه اليهوديّ إلى يسوع. وقدّم نفسه على أنِّه "المعلّم" (نحن نعرف) كما رأى في يسوع أيضًا "المعلم". "رابي، نحن نعلم أنك أرسلت من لدن الله معلّمًا". ثم يتنازل فيرى الأصل الالهيّ لرسالة يسوع: "جئتَ من الله". إن هذا الاعتراف الخارق بيسوع، يستند إلى أعمال صنعها يسوع خلال عيد الفصح. "لا يستطيع أن يصنع الآيات التي أنت تصنعها إن لم يكن الله معه" (يو 3: 2). نحن هنا في صدى لإجمالة 23:2: "وإذ كان في أورشليم، في غضون عيد الفصح، آمن كثيرون باسمه عند رؤيتهم العجائب التي كان يجريها". إذن، نحن هنا أمام تمثّل ينظر إلى يسوع، كمرسل من الله يستطيع أن يقوم بأعمال لا يستطيع أحد أن يعملها بسبب رسالته الالهيّة. أما جواب يسوع، فقام بتحوّلين اثنين في كرومه.
قال له نيقوديمس: "أتيتَ من لدن الله". قال يسوع: "يولد من علُ". يعني من الله. وهذا ما يفتح مساحة من أجل ولادة إلهيّة لا تقال في يسوع الذي أقرّ به نيقوديمس "أنه جاء من الله"، بل في آخر هو نيقوديمس سامع كلام يسوع، في كل قارئ للانجيل. وهذا ما فهمه المعلّم الفريسي، فاعترض قائلاً بأنه يستحيل على الانسان أن يعود إلى بطن أمه من أجل ولادة ثانية، ولاسيّما إذا كان شيخًا. ذاك.
قال نيقوديمس: "يصنع الآيات". فطبّق كلامه على يسوع. وتحدّث باسم عدد كبير من المشاهدين الذين ذُكروا في 3: 23. فاستعمل يسوع عبارة "يرى ملكوت الله". وهكذا كان انقلاب تام في النظرة: لم يتوقّف يسوع عند ما يعمله، بل عرض ولادة "من فوق" على من يرغب أن "يرى". فملكوت الله يدلّ على إجمال واقع الخلاص كما ظهر عبر الآيات التي أجراها يسوع. ولكن "الآية" تبقى ملتبسة وهي تحمل خطر إبقاء الناس بعيدين عن عمل الله: تثبّتهم في ماديّة العمل على حساب مضمونه الرمزيّ. لهذا دلّت عبارة "يدخل إلى ملكوت الله" في 3: 5، على نشاط ديناميكي يُطلب من المؤمن ساعة يخضع للولادة (من علُ) التي صارت ولادة "من الماء والروح". ومهما يكن من أمر التلميح إلى الممارسة العماديّة، فالانجيل الرابع ينظر إلى ملكوت الله لا كواقع في ذاته، بل كوضع خاص بالمؤمن الذي يقبل الارتباط بالله بحيث يصبح ابنًا له.
وسيدلّ ولْي الحوار على مقاومة منطقيّة وبشريّة، وعلى استقالة لدى المعلّم الفريسيّ أن يفهم المعنى الروحيّ لتعاليم يسوع. لهذا جاء القول على الحرية، على الريح التي لا نعرف من أين تذهب ولا إلى أين تعود: "هكذا كل مولود من الروح" (آ 8). والكلمة القاسية التي قالها يسوع: "أنت معلّم في اسرائيل ولا تعلم، ولا تعرف" (آ 10).
مهما يكن من أمر إقحام هذا الحدث في الانجيل الرابع، فعبارة "ملكوت الله" تبدو بشكل مشاركة بشريّة في واقع الخلاص. وهذا ما تدلّ عليه عبارة تأتي فيما بعد: "ملكوت الله" الذي يدلّ على ملء الله المُعطى للمؤمن بصليب المسيح. "فكما أن موسى رفع الحيّة في البريّة هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الانسان كي تكون الحياة الابديّة لكل من يؤمن به" (3: 14- 15). ونقرأ أيضًا: "هكذا أحبّ الله العالم حتى إنه بذل ابنه الوحيد، لئلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابديّة" (3: 16). هذا الملء هو في النهاية الخلاص الذي يقدّمه الله. "فالله ما أرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم" (3: 17). 
وعبارة "الحياة الابديّة التي ترد 17 مرة في انجيل يوحنا (3: 15، 16، 36؛ 4: 14، 36؛ 5: 24، 39؛ 27:6، 40، 47، 54، 58؛ 12: 25، 50؛ 17: 2، 3) وفي 1 يو (1: 2؛ 2: 25؛ 3: 15؛ 5: 11؛ 13: 30)، هي نادرة في الأناجيل الازائيّة. هي تقع دومًا في سياق اسكاتولوجيّ: لاشكّ في أن النصّ لا يستبعد الدينونة الآتية بشكل قاطع، ولكنه يشدّد بالأحرى على آنيّة الخلاص، وعلى اقتراب ملء هذه الحياة التي صارت في متناولنا في تجلّي المسيح. عند ذاك نتّخذ موقفنا منها، وإلاّ كانت لنا الدينونة. وما تبقّى من الخطبة مع نيقوديمس، يُدخلنا في الموضوع اليوحناويّ للاسكاتولوجيا المسبقة: "إن من يؤمن به لا يدان، ومن لا يؤمن به قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد" (18:3).
ب- شهادة يوحنا المعمدان (19:1- 51)
إذا كانت عبارة "ملكوت الله" في الانجيل الرابع إحدى عبارات الواقع الاجماليّ الذي يسمّى الخلاص (أو: الحياة، النور، وهذا في استعارة)، فمُلك المسيح الشخصيّ يجد تعبيرًا قويًا عنه في التقليد اليوحناويّ.
ونبدأ بالمشهد التدشيني (1: 19- 51) الذي يقدّم شهادة المعمدان، ويورد نداء التلاميذ الأولين، ويعطي تفسيرًا أولا لوجه يسوع على خلفيّة انتظار مسيحانيّ متعدّد الأشكال. بدأ يوحنا فأعلن لمرسلي أورشليم الذين يسألونه عن هوّيته، فقال: "لستُ المسيح". وتوالت الاسئلة: "هل أنت إيليا؟ هل أنت النبيّ"؟ وكان جواب يوحنا: "كلا".
إن كلمات المعمدان الأولى التي تبدو بشكل اعتراف إيماني، تدلّ على أن شخصًا آخر غير يوحنا هو صورة المسيح الداودي. وهي صورة تتميّز عن صورة إيليا العائد إلى الأرض، والنبيّ الشبيه بموسى في روح سفر التثنية. فالمقطوعة كلها تحاول أن تجمع في شخص يسوع عددًا من الألقاب أو الصفات المسيحانية: هو حمل الله (1: 29). حلّ عليه الروح القدس، فولاّه الملك لكي يجمع شعب الله ويقوده. وسمّي "ابن الله" (1: 34) الذي هو في الأصل لقب داود والملوك الذين جاؤوا بعده قبل الحديث عن مساواته لله. هذا "الملك" يرتبط بالله على مستوى الخضوع والأمانة. ونستطيع أن نذكر ما قاله اندراوس لأخيه بطرس: "وجدنا المسيح" (1: 41). كما نذكر كلام نتنائيل ليسوع: "رابي، أنت ابن الله، ملك اسرائيل".
إن تسمية يسوع الملوكيّة هي أقدم ما في الكرستولوجيا اليوحناويّة. في هذا الاطار يكون المشهد التدشيني (1: 19- 51) صدى لبداية رسالة يسوع، وفي الوقت عينه لبدايات الجماعة اليوحناويّة التي قدّمت أولى تمتماتها عن شخص المسيح ساعة بدا اللقب المسيحاني والملوكيّ أفضل لقب للتعبير عن سر المسيح.
ج- المحاكمة أمام بيلاطس (28:18- 16:19)
إن لقب ملك اسرائيل الذي به انتهت سلسلة الألقاب المسيحانيّة التي طبِّقت على يسوع في المشهد التدشينيّ، ظهر أيضًا في مشهد الدخول إلى أورشليم. تميَّز يوحنا عن الانجيليين فوضع في فم الجمهور عبارة "ملك اسرائيل". قال لو 28:19: ملك. ومت 15:21: ابن داود. ومر 11: 10 تحدّث عن الملك الآتي، ملك أبينا داود. اختلفت الأناجيل الأربعة، ولكنّها أشارت كلها إلى تفسير واحد للحدث انطلاقًا من رجاء يهوديّ يتأسّس على انتظار مسيح ملوكيّ من أصل داود. ولكن كنية "الملك" قد تكون ملتبسة. ويوحنا نفسه قد أشار إلى خطر مسيحانيّة سياسيّة، وشدّد على تحفّظات يسوع تجاه نظرة الشعب. فحالاً بعد تكثير الارغفة، قال الانجيليّ: "وإذ علم يسوع أنهم يأتون ليختطفوه ويقيموه ملكًا، اعتزل أيضًا في الجليل وحده" (6: 15). لهذا عاد يوحنا في مشهد دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم، إلى زك 9: 9: "لا تخافي يا ابنة صهيون، ها هوذا ملكك يأتي إليك راكبًا على ابن أتان".
فهناك نمطيّة المطيّة المسيحانيّة التي تقرّبنا من النبيّ زكريا. كما أن هناك تأكيدًا أن ذاك المسيح يرفض العنف، فيتعارض كل المعارضة مع ملوك هذا العالم الذين قال فيهم زك 9: 10 (حسب السبعينيّة): "واستأصل من افرائيم المركبات ومن أورشليم الخيل. يَستأصل قوس الحرب. ويكون الوفر والسلام من قبل الأمم. يسود على المياه حتى البحر، وعلى الأنهر إلى أقاصي الأرض".
هذه الملكيّة التي تحمل طابع المفارقة، تبدو بشكل باهر في خبر يوحنا حول الآلام، ولاسيّما في المحاكمة أمام بيلاطس. هذه المحاكمة هي نصّ أصيل عند يوحنا الذي يفترق في هذا المجال عن الازائيّين. وهي تقع في قلب خبر الآلام. لاشكّ في أن يوحنا نظر إلى الآلام من زاوية المجد، منذ "أنا هو" الذي تلفّظ به يسوع فوقع الحرّاس على الأرض في سجدة شبه ليتورجيّة (18: 6) حتى ساعة الموت التي فيها تصرّف يسوع بحياته بحريّة، فأعلن نهاية رسالته وجعل من النفَس الأخير إفاضة سخيّة للروح القدس (38:19). ولكننا لا نجد إلاّ في مشهد المحاكمة أمام بيلاطس الاعلان الاحتفاليّ بأن يسوع هو ملك. وذلك بشكل خاص في أول مواجهة بين يسوع والوالي الروماني داخل دار الولاية (18: 33-37). ويتمّ الحوار في ثلاثة أوقات.
- نجد في آ 33-35 استجوابًا حول لقب ملك اليهود. لمَّح يسوع إلى موضوع اتّهام قاله اليهود، ولم يعتبر الكلام رأيًا من آراء بيلاطس. أعلن بيلاطس أنه يجهل هذا الموضوع. إذن، على هذا المستوى الأولى، لقبُ ملك اليهود هو موضوع جدال. اعتبر بيلاطس أنه لا يكفي للتعرّف إلى يسوع، فطرح سؤالاً آخر: "ماذا فعلت"؟
- في آ 36، حدّد يسوع طبيعة ملكه (ثلاث مرات مملكتي)، وقابلها مع ممالك هذه العالم بقواها الحربيّة. وأعلن: "مملكتي ليست من هذا العالم". ليست من هذه الأرض. هي مملكة سماويّة.
- في آ 37، كان استجواب ثان حول الملك: "إذن، أنت ملك". وهكذا ترك بيلاطس لفظة "يهود" (ملك اليهود) وأبقى على لفظة "ملك". قال يسوع: "أنت قلت". نحن هنا في صدى مع آ 34: "أتقول هذا من عندك"؟ الآن، اعتبر بيلاطس نفسه مسؤولاً عمّا يقوله. ويسوع يثبّته في رأيه، ويرسم الخطوط العريضة لرسالته الملوكيّة: جاء ليشهد للحقّ. جاء ليجمع تحت رايته كل "محازبي" الحقّ.
جاء العنصر الأول (آ 33-35) على المستوى السياسيّ: اتّهم اليهود يسوع أنه اعتبر نفسه ملكًا، وهذا ما يتعارض مع الامبراطور الذي هو الملك الوحيد في أمبراطوريته. هذا ما نجده في 19: 12: "من جعل نفسه ملكًا عارض قيصر". وفي 19: 15: "لا ملك لنا سوى قيصر".
أما العنصر الثاني (آ 37) فيتداخل مع التفسير اللاهوتيّ: بيلاطس هو صورة عن العالم الوثنيّ المستعدّ لأن يرى في يسوع ملكيّة روحيّة ترتبط بوحي الحقّ. منبع مثل هذه الملكيّة ليس طموحات هذا العالم ولا الاعتبارات الوطنيّة المتطرّفة. 
هذا الملك ليس من هذا العالم، ليس من هنا. وحين يجمع المؤمنين، فهو لا يجعلهم جنودًا مستعدّين للقتال من أجل ملكهم، بل تلاميذ ينتبهون لصوت المعلّم ويقرّون أنه يشهد للحقّ.
د- الملك المصلوب (17:19-37)
إن الكتابة التي جاءت في ثلاث لغات (19: 19-20) تؤكّد ملك يسوع على العالم: هو الذي ليس من العالم. الذي لم يرَ فيه اليهود ملكهم مع أنهم استعدوا لاستقبال الملك المسيح. وبيلاطس قال الحقّ، وإن تهكّم على اليهود: "هوذا الرجل". رذله أخصّاؤه، فلم يعد رئيس شعب خاص. هو "ملك اليهود" هو "ملك اسرائيل" الحقيقيّ، وهو يمارس سلطانه على كل إنسان في ملكيّة الخدمة والحبّ.
ورغم تصرّف بيلاطس وعدم اهتمامه بعد أن سأل عن الحقّ (38:18)، فهو يمارس السلطة باسم الملك ويؤكّد أن هذا المسيح المصلوب هو ملك. "ما كتبت فقد كتبت". وأجلسه على عرشه. أما الصليب فبدا كعرش ملوكيّ يجمع حوله جميع أبناء الله المشتتين. أجل، إن الموت على الصليب ينهي مسيرة تنصيب يسوع ملكًا، كما بدأها سؤال بيلاطس حين قال ليسوع: "هل أنت ملك اليهود"؟
وهكذا يكون اعلان نتنائيل (رابي، أنت ابن الله، ملك اسرائيل، 1: 49)، الذي امتدّ في هتافات الجموع (هوشعنا. مبارك الآتي باسم الرب، ملك اسرائيل 13:12)، قد وصل بنا إلى ملكوت شامل للمخلّص. وهكذا تحقّق الوعد: "سترى أعظم من هذا... الحقّ الحقّ أقول لكم: سوف ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله تصعد وتنزل على ابن البشر" (1: 51). أو: "ينظرون الذي طعنوه" (19: 37؛ رج زك 12: 10). هذه العبارة الأخيرة التي ذُكرت في ساعة الصلب، تُسند شهادة التلميذ: "من رأى شهد، وشهادته حقّ هي. وهو يعرف أنه يقول الحقّ لكي تؤمنوا أنتم أيضًا" (19: 35).
إن ملكيّة المسيح التي رفضها اليهود، وأقرّ بها بيلاطس، شهد التلميذ لها. ومثل هذه الشهادة تقود إلى الايمان: "كُتبت هذه الأمور لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، وإذا آمنتم كانت لكم الحياة باسمه" (20: 31). والألقاب المسيحانيّة (المسيح ابن الله) التي تنقّت في محنة الصليب، ما عادت تدلّ فقط على ملك اسرائيل، بل على مخلّص العالم (4: 42).

2- رؤيا يوحنا
يرد فعل "ملك" سبع مرّات في رؤ. والاسم (الملك) 21 مرّة. والملك أو المملكة 9 مرّات. فمسألة السلطة مسألة مركزيّة في نظر رؤ. ونحن لا نستطيع أن نعزل هذه الألفاظ عن "العرش" الذي يحتلّ مكانًا واسعًا في رؤ (47 مرّة من أصل 62 في كل العهد الجديد). "فالجالس على العرش" هو الملك. وارتقاء العرش يعني التوليّة الملوكيّة. ونذكر أيضًا كلمات مثل قوّة، قدرة، غلبة. 
واعلان ملك الله يجد خلفيّة في شجب مملكة الشيطان ومعاونيه. وهكذا تجعلنا الرؤيا في خطّ دانيال. وقد قالت تجارب يسوع إن "الشيطان يعطي سلطانه لمن يشاء" (مت 8:4-9؛ لو 4: 5-6). وسمّاه يو 12: 31: "سلطان هذا العالم" (رج 14: 30؛ 16: 11).
إن التنديد بسلطان الشيطان في رؤ، يبدو آنيًا ودراماتيكيًا بسبب انتشار عبادة الامبواطور في آسية الصغرى. حتى في رومة، سمّى دوميسيانس نفسه: "الرب الاله". وفي الشرق، كان الناس قد تعوّدوا على عبادة تدلّ على روح وطنيّة وروح دينيّة معًا. ويبدو أن النيقولاويين ساوموا: في الخارج، نقدّم البخور. وفي الداخل، نبقى مسيحيّين. فندّد يوحنا بكذبهم (رؤ 2: 15، 20- 21). أما انتيباس فاعتبر أن الأمانة للمسيح تفرض عليه رفضًا قاطعًا لاعتدادات الامبراطور (13:2). في هذا المناخ من الانشداد، دعا يوحنا المؤمنين إلى قراءة سفر دانيال كبلاغ حاليّ يصل إليهم، بعد أن استنار بصورة الحمل المذبوح.
الله ملك لأنه خالق (ف 4). هذا ما نراه في ليتورجية الهيكل السماوي. ومع آ 11، لا نزال في نظرة العهد القديم: "مستحقّ أنت أيها الرب إلهنا أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لأنك أنت خلقت جميع الأشياء، وبمشئيتك كانت وخُلقت". إن هذا الاحتفال بملك الله بالنظر إلى الخلق، يشكّل خلفيّة سائر التوسّعات.
والحمل هو ملك يقيم من عن يمين الله. في إطار ليتورجيا هي امتداد ف 4، استعاد يوحنا هذا الهتاف بشكل جديد: في قلب الرؤية درْجٌ ختمه الله الملك (5: 1). فمن يحقّ له أن يفتحه؟ هذا الكتاب هو العهد القديم. ولا يستطيع أحد أن يفقه معناه. عند ذاك انطلق هتاف الظفر: "هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا" (رؤ 5: 5). هو إعلان يوجز الانتظار الملوكيّ الذي هو تقليديّ في أرض اسرائيل. والذي ظهر هو الحمل الذي ما زال يحمل آثار ذبحه. نحن هنا أمام ظهور للحمل الذي سوف نراه 28 مرة بعد ذلك.
وتجاه ليتورجيّة الغلبة التي قرأناها في ف 5، نجد صرخة الشهداء بما فيها من ألم: "حتى متى أيها السيّد القدّوس والحقّ، لا تقضي" (6: 10)؟ كيف نفهم صمت الله أمام تفاقم الشرّ؟ ولكن كما في كل ضيق، نحن ننتظر النهاية التي تبدو قريبة. والنصّ يقول مرارًا إن يسوع يأتي (7:1)، بعد قليل (2: 16؛ 3: 11؛ 7:22، 12: 20). وهو يملك ألف سنة. بل إن ملكه قد بدأ منذ موته على الصليب وسينتهي حين مجيئه الثاني في المجد. هو يملك، وسيملك المؤمنون معه بعد أن جعل منهم "ملكوتًا وكهنة" (1: 6).

خاتمة
تلك كانت نظرتنا إلى ملكوت الله عند يوحنا في الانجيل وسفر الرؤيا، بانتظار العودة إلى بولس. ثلاث نظرات مختلفة بعد أن جاءت نظرة لوقا فزيدت على نظرة مرقس ومتّى، فكوّنت لوحة متكاملة لهذا الموضوع الرئيسيّ في الكنيسة الأولى. هذا الملكوت الذي أعلنه يسوع في بداية رسالته، قد قدّم بولس أول التعابير عنه. وكان لكل انجيليّ اتجاه خاص بالنظر إلى الجماعة التي يكتب لها. في النهاية، الملكوت يدلّ على واقع الخلاص الذي يصل إلى حياة الجماعات، إلى حياة المعمّدين. الملكوت هو العالم الجديد الذي يُولد في قلب تاريخ البشر. بدأ مع يسوع ولن ينتهي إلى الكمال إلاّ بعودة يسوع. فلا يبقى لنا إلاّ أن نُشرك صلاتنا مع صلاة الابن ونتوجّه إلى الآب قائلين: "ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض".
الفصل الثامن والعشرون
الكنيسة في الانجيل الرابع

لا يقدّم الانجيل الرابع تفاصيل حوله التنظيم القانونيّ للكنيسة، ولا حول وظائفها، ولا حول البنية التراتبيّة فيها من أساقفة وكهنة وشمامسة. كما أنه لا يقدّم تحديدًا عن الكنيسة يشكّل برهانًا كتابيًا يدخل في مقال اكليزيولوجيّ. ولا نجد أبدًا لفظة "أكلاسيا"، كما لا نجد عبارات معادلة مثل شعب الله، القديسين، قدّيسي جماعة الربّ، جماعة القدّيسين، أبناء الملكوت المختارين. اسرائيل الحقيقيّ أي بحسب الروح، اسرائيل الله، وارثي الموعد الذي أعطي لابراهيم، أورشليم العليا، جسد المسيح. لاشكّ في أن التعابير الاكليزيولوجيّة التي تتجذّر في العهد القديم ويتوسّع فيها العهد الجديد، ليست غائبة كليًا عن الانجيل الرابع، غير أنها لا تلفت النظر وإن استعملت بشكل سلبيّ.

1- نظرة عامّة
في هذا الوضع نفهم أن لا تكون الدراسات في هذا الموضوع كثيرة، وقد بدأت في الستينات. فلا لغة خاصة، ولا اهتمام خاصًا في إنجيل يوحنا حول الكنيسة. ثم إن الدراسات انصبّت على المسائل التاريخيّة والادبيّة في الانجيل الرابع. بعد ذلك عادت إلى اللاهوت اليوحناويّ تبحث عن أصوله في العالم اليونانيّ كما في العالم اليهوديّ ولاسيّما لدى جماعات قمران. ونضيف على ذلك أن اللاهوت اليوحناويّ بدا في الأصل كرستولوجيًا. أي توقّف عند شخص يسوع المسيح، قبل أن يكون اكليزيولوجيًا، أي تدارس وجه الكنيسة. 
فهل نستبعد الاكليزيولوجيا من انجيل يوحنا، أو نعطيها مكانة صغيرة؟ كلا. لأننا نعتبر أن الاكليزيولوجيا اليوحناويّة، ولاسيّما في الانجيل الرابع، هي كتيفة، عميقة وموحية. ولكن يجب أن لا نقرأها داخل نهج مسبق نفرضه على يوحنا، بل في منظار الكاتب. هنا نودّ أن نشير إلى التضاربات في الدراسة اليوحناويّة، بين طرح وطرح مناقض. لن نقدّم هنا مختلف الآراء، بل نحصر كلامنا في المواقف المتطرّفة لكي نصل إلى نظرة شاملة وإيجابيّة.
من جهة، شدّد التأويل اليوحناويّ على الأصل الجماعيّ والكنسيّ للانجيل الرابع، على محيطه الحياتيّ المتشرّب بشعائر العبادة، على الاهتمام بالعادات اليهوديّة والأسرار المسيحيّة، على الشكل الليتورجيّ في تراتبيّة الخدم لمجمل هذا الانجيل أو لأقسام كثيرة منه. تأخّر المجيء، وبدت الاسكاتولوجيا (أي: نهاية الزمن) وكأنها قد تحقّقت في الكلمة المتجسّد (هو لاهوت التجسّد الذي نجده بشكل خاصّ في يوحنا)، ثم في الكنيسة التي توجّهها فقط شريعة المحبّة الأخويّة، والتي تهتمّ بالرسالة في العالم اليهوديّ كما في العالم الهلنستيّ. ومن جهة ثانية، يرى الشرّاح أن هذه الاسكاتولوجيا التي تحقّقت، ترتبط بشكل خاص بالمؤمن في فرديّته (لا بالجماعة)، الذي يرتبط بعلاقة شخصيّة مع المسيح الممجّد بواسطة الايمان بيسوع حامل الوحي. فالايمان هو الضروريّ الوحيد. وقالوا إن هذا الايمان هو معرفة فرديّة وصوفيّة تقودنا على مستوى المشاهدة وتستلهم العالم الهلنستيّ. لاشكّ في أن "التمجيد" (الذي يناله يسوع) أو ساعة الموت والتمجيد تشرف على الانجيل كله. أما الكلام عن الدينونة الأخيرة وقيامة الموتى، فهو وليد لمسات أخيرة في النصّ الانجيليّ.
وبمختصر الكلام، إن كان الشرّاح قد اتّفقوا على اسكاتولوجيا قد تحقّقت وتمّت، فالغموض يسيطر حتى الآن على نقاط أساسيّة مثل: تقدير النصوص التي تعبّر عن انتظار اسكاتولوجيا، عن اهتمامات الانجيلي على مستوى الجماعة (وكنيسته) والفرد (المؤمن)، عن المحيط الذي استلهمه الكاتب، سواء كان المحيط يهوديًا أم هلنستيًا. وهنا نسوق بضع ملاحظات.
الملاحظة الأولى. لا نستطيع أن نستخلص مفهوم الكنيسة من أوصاف قد تدلّ على مجموعة من الأفراد أو على جماعة منظّمة. لاشكّ في أن لهذه الأوصاف رنّة قويّة حين نستطيع أن نبرهن أن الوعي الكنسيّ هو أساسيّ في الانجيل الرابع. في هذه الحالة، تُغني هذه الأوصاف مفهوم الكنيسة. ولكن يجب قبل كل شيء أن نثبت أن الكنيسة واقع له مكانته في وعي الانجيليّ. فهناك ألفاظ وعبارات تقودنا إلى أبعد من مجموعة أفراد لا يربط بينها رابط، إلى أشخاص يعتقدون المعتقد عينه أو يعيشون الوضع الواحد. وإليك بعضها:
"المؤمنون". "وُلد من الله". "وُلد من علُ" (1: 12-13؛ 3:3-8؛ 1 يو 2: 29؛ 3: 9؛ 5: 1- 4). "أولاد (أبناء) الله" (يو 1: 12؛ 1 يو 3: 1، 10). صيغة الجمع حين يتحدّث يوحنا عن الذين كانوا منّا (يو 2: 19-20). كلام عن حضور الآب والابن والروح القدس (يو 15: 16-26). "الشركة الأخوية". "شركة" مع الآب والابن (1 يو 1: 3، 6). التعارض مع العالم. اسم "الإخوة" الذي يُعطى للمؤمنين (20: 17). شريعة المحبّة الاخويّة.
قد لا نستطيع أن ننطلق من الكنيسة في تحديدها المعروف. ولكنّنا نستطيع أن ننطلق من نصوص تتجاوز مجرّد مجموعة من المؤمنين. إذا كان المؤمنون لا يشكّلون الكنيسة، فإن الله يجمع المؤمنين بحيث يشكّلون كنيسة. كيف يتمّ هذا، وبأيّة شروط ونتائج؟ هذا ما سيقوله الانجيليّ.
والملاحظة الثانية. نميّز أولاً في الأدب اليوحناويّ بين الانجيل من جهة والرسائل والرؤيا من جهة ثانية. في الانجيل، يتوقّف المؤمن عند الواقع الروحيّ للإيمان. أما في الرؤيا والرسائل، فنكتشف سلطة الرسول تجاه كنيسة، سلطة شاهد للإيمان، سلطة رجل يحمل كلمة التعزية والتشجيع أو يقوم بالتنظيم اللازم داخل جماعات تدور في فلك أفسس.
ولا نمزج ثانيًا بين ما قاله يوحنا من جهة، وما قالته الرسائل البولسيّة والأناجيل الإزائيّة من جهة ثانية. فالموقف متشعّب أكثر ممّا نظنّ. ولا نعلن بسرعة أن الكنيسة اليوحناويّة تتابع ما سبقها من تطوّر. فهناك "مقاطع" من إنجيل يوحنا تبدو أقدم ممّا نجده في أول الأناجيل، في انجيل مرقس.
الملاحظة الثالثة. قد ننطلق من تحديد للكنيسة، ثم نتفحّص المحاولات الاكليزيولوجيّة عند يوحنا. ولكن ليس من الضروريّ أن يذكر صاحب الانجيل الرابع كل العناصر التي يراها الناقد جوهريّة، لكي نتكلّم عن اكليزيولوجيا يوحناويّة. فانجيل يوحنا ليس مقالاً عن الكنيسة. فإن شدّد على عنصر واحد لا يُفهم خارج الاطار الكنسيّ، فهذا يكفي. كما أنه يلمّح إلى عناصر أخرى.
ولهذا فاهتمام يوحنا لا يعني أنه توقّف عند الخدمة واعتراف الايمان ووظائف الرسل والشمامسة، ولا حول شعائر العبادة والليتورجيا في الكنيسة الأولى. 
والملاحظة الأخيرة. إن كان الانجيليّ تطرّق إلى بعض معطيات الليتورجيا اليهوديّة، فهذا ما يتيح لنا الانتقال إلى شعائر العبادة المسيحيّة. لا شكّ في أن الانجيليّ تذكّر العالم اليهوديّ في إطار نقيضة قد يكون العنصر المقابل فيها هو الكنيسة. بل ما يميّز يوحنا هو أن مقياس كل شيء هو يسوع الذي هو حاضر في كنيسته.
بعد كل هذا، نرى أن المعطيات الاكليزيولوجيّة في الانجيل الرابع تتوزّع على ثلاث محطات، أو هي تسير في ثلاثة إتجاهات. أولاً، هي تتجذّر في ذكرى الماضي تجذّرًا عميقًا: الكنيسة تحلّ محلّ اسرائيل. ثانيًا، الكنيسة هي حضور يسوع. ثالثًا وأخيرًا، تبقى الكنيسة مشدودة نحو المستقبل الاسكاتولوجيّ. إن كنيسة المسيح تحيا دومًا في انتظار مجيء الربّ.

2- الكنيسة واسرائيل
اعتبر بعض الشرّاح أنه إن لم نجد صياغة تامة للاكليزيولوجيا في الانجيل الرابع، فالسبب يعود إلى أن الكنيسة كانت في نظر الانجيليّ وفي نظر المؤمنين في أيامه، واقعًا لا نزاع فيه ولا يطرح أيّ سؤال. لاشكّ في أن واقع الكنيسة لم يكن يطرح سؤالاً. ولاشكّ في أن التأكيد الايمانيّ الذي يقول بأن الكنيسة التي ينتمي إليها الكاتب (أي الكنيسة المسيحيّة) هي الكنيسة الحقيقيّة الوحيدة التي أسّسها الله. ولكن من خلال هذا التأكيد لإيمان لا يعرف الشكّ، تختفي غمرات مسألة ثقيلة، قدّم لها الكاتب الحلّ الكامل بالايمان، ولكن آثارها النفسيّة لم تُشفَ فدفعت الكاتب إلى تعميق فكره اللاهوتيّ.
هذه المسألة لم تُطرح فقط على كاتب الانجيل الرابع، بل طُرحت على كل الكنيسة الأولى الآتية من العالم اليهوديّ. هناك شكّ وحجر عثار (سكندلون كما في اليونانيّة). كيف نفسّر عدم دخول إسرائيل، أي الجماعة الدينيّة الوطنيّة اليهوديّة بأكثريتها، إلى كنيسة المسيح؟ لاشكّ في أن الكنيسة تخلف اسرائيل وهي تحقّق دعوة الشعب الأول. ولكنها حقّقتها بعد أن أتمتها، بعد أن تجاوزتها بحسب قصد الله ودينونته. إن شدّدنا على هذا "التحقيق" أو هذا "التجاوز"، فتحوّل اسرائيل إلى الكنيسة المسيحيّة ينظر إليه العهدُ الجديد من زاويتين.
في الأولى، يكون التحقيق موقعًا أفضل بالنسبة إلى نظام اسرائيل الموقت. يُشدّد على التواصل بين النظامين، ولا يتخلّى المؤمن كل التخلّي عن الأمل بارتداد اسرائيل. وفي الثانية، يتمّ التحقيق عبر قطيعة جذريّة مع الماضي، وخلق نظام جديد كل الجدّة يتجاوز السابق كما الواقع يتجاوز الأمل أو الظلّ.
ونحن نجد هاتين الزاويتين في العهد الجديد: الواحدة بقرب الأخرى. أو الواحدة امازج بالأخرى، بحيث لا تتميّزان إلا بالتشديد على التواصل أو على القطيعة. غير أننا نلاحط أن القطيعة هي أيضًا شكل من أشكال التواصل والرباط. فالنظامان يعودان إلى قصد الله الواحد الذي يظلّ هو هو. أو بالأحرى يتحقّق في المرحلة الثانية بطريقة اسكاتولوجيّة، بطريقة تصل بنا إلى ملء الزمان.
إن دينونة (كريسيس) الله تميّز تمييزًا جذريًا بين فئتين (9: 39، كريما). الفئة الأولى هي اسرائيل بحسب الجسد، اسرائيل الإثنيّ. أراد أن يبقى اسرائيل بحسب اللحم والدمّ فانحطّ إلى مستوى يهوديّة منغلقة على النداء الذي وُجّه إليها. إن اسرائيل هذا اسم يبلغ إلى دعوته. فاته النداء. فصنع الله خليقة جديدة، وأسّس شعبه الجديد وسط الوثنيّين.
شدّد يوحنا على القطيعة مع العالم اليهوديّ، وعلى تحقيق مخطّط الله بشكل جديد ونهائيّ واسكاتولوجيّ. ما عاد من رجاء للذين سمّاهم "اليهود"، وهو اسم يتضمّن على المستوى العمليّ إنكارًا في داخلهم لقيمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يمثّله اسم "اسرائيل". ما اعتبر يوحنا اسرائيل يومًا كالشعب المختار في المعنى الحقيقيّ للكلمة، في المعنى الاسكاتولوجيّ والنهائيّ. ولكنه رأى فيه أول المرّشحين لهذه الكرامة. رأى فيه باكورة الكنيسة. ولكن في ساعة الاختيار الاسكاتولوجيّ، تقدّم عدد قليل من المرّشحين. وفي نهاية يو 6، أفهمنا الانجيل بوضوح أن عدد المرشّحين المختارين انحصر عمليًا بالاثني عشر (يو 67:6- 71). وهكذا أضاع شعب "اليهود" كرامته كشعب هُيّئ لمهمّة، حين أنكر ذاته منكرًا مسيحه.
وجاءت دينونة الله حائط مبكى وقف بقربه الانجيليّ ليعبّر عن خيبة أمله ضدّ الجاحدين، ضدّ الرافضين. وفي الوقت عينه كان هذا الجدار سورًا يحيط بشكل نهائيّ بمنطقة اللاإيمان والظلمة، بحجر الهلاك الذي لا خروج منه. إن كنيسة يوحنا هي وحدها الكنيسة الحقّة، لا لأنها تُفضّل على كنائس أخرى (هي لا تستحقّ في نظر يوحنا أن تسمّى كنائس)، بل لأنها تحلّ محل ما حُسب شعب الله وظهر في النهاية أنه "أبناء ابليس" (يو 8: 37-38، 44-47)، وتتجاوز كل ما سبق بطابعها الاسكاتولوجيّ. والهجوم الذي يقوم به يوحنا ضدّ اسرائيل هذا الكاذب، ضدّ "اليهود"، يدلّ على أنه ما زال يفكّر في إطار مقولة "الشعب المختار". وإن كانت النقيضة تجعل بشكل مباشر اسرائيلَ تجاه يسوع، فهي تتضمّن من وقت إلى آخر نقيضة اسرائيل الكنيسة، لأن يسوع لا يمكن أن يكون الراعي إن لم تكن له خراف تسير وراءه.
ولنعُد بشكل منهجيّ إلى النصوص. فنتنائيل الذي هو اسرائيليّ لا غشّ فيه، قد أُعدّ في الواقع لتقبّل يسوع. ولهذا ما إن بدأ اللقاء، حتى سلّم ذاته بكليّتها إلى يسوع. كان مرشّحًا فصار عضوًا في شعب الله الاسكاتولوجيّ: فسيأتي يوم يرى أحداثًا أعظم من هذه، يرى أحداث نهاية الأزمنة (يو 1: 47- 51؛ رج 5: 20؛ 14: 12). فكل قيمة حياتيّة افتخر بها اسرائيل في الماضي، كانت في الواقع استعدادًا لهذا الكلّ الاسكاتولوجيّ الذي يحقّقه الله في يسوع.
فإن كان الحديث عن كلمة الله، أو نوره، أو الحياة التي يهبها، فيسوع هو في مجيئه الكلمة والنور والحياة، بل هو وحده ملء الكلمة والنور والحياة (يو 1: 1-18). حين تمّ الانتقال من الظلّ إلى الحقيقة، كان يوحنا (المعمدان) هنا ليدلّ اسرائيل على ما يحصل (1: 31). إذًا، كان اسرائيل المرشّح الأول. مرّ نيقوديمس (ف 3) قبل السامرية والموظّف الملكيّ (الذي كان وثنيًا). فلو ظلّ ذلك اليهودي "اسرائيليًا حقيقيًا"، لكان عرف الله أكثر من أي وثنيّ صار مسيحيًا. ولاستطاع في الوقت عينه أن يؤدّي عبادة أسمى، عبادة في الروح والحقّ، لأنّ الخلاص يأتي من اليهود (يو 4: 22). غير أن هذا المعلّم في اسرائيل (هو نموذج اليهوديّ، كما أن الموظّف الملكيّ هو نموذج الوثني) رفض ولادة من علُ، دافع عن نفسه ضدّ مجيء ملكوت الله في تاريخ الخلاص. إن هو ارتبط بالله بواسطة يسوع، انقطع عن عالمه. لهذا جاء في الليل ومضى في الليل.
وهكذا لم يعد اليهوديّ مرشّحًا للملكوت في شخص يسوع، لأنه التصق في وضعه كمرشّح، وظنّ أنه وصل فما عاد له أن ينطلق في الطريق كما فعل ابن طيما الأعمى. وينتهي الفصل الذي يتحدّث عن نيقوديمس في حكم قاطع: "يحلّ غضب الله عليه" (63:3). نحن هنا أمام استباق لدينونة نقرأ عنها في نهاية ف 9: "خطيئتكم باقية".
إن فعل "ماناين" (حلّ، بقي) يشير في الوقت عينه إلى الماضي والمستقبل. فاليهود يجذبون على نفوسهم الحكمَ النهائيّ. غير أن هذا الحكم يتضمّن، في ساعة الرفض عينها، حكمًا على كل ماضي اسرائيل. فإن كان شعب اسرائيل الذي دُعي ليكون الشعب المختار، قد انحطّ إلى مستوى اليهوديّة الجسديّة، فهذا يعني أن دعوة اسرائيل هذه لم يكن لها من تأثير عميق على عقيدة اسرائيل الإثنيّ وحياته. كان منذ زمن بعيد المدعوّ الأول ليحمل النور، وقد هُيّئ لذلك كما لم يُهيّأ أحد. وكانت فرصتُه الأولى لأن يسير إلى النور فرصتَه الأخيرة.
لهذا كانت مرحلة الوحي التي سمّيت في إنجيل يوحنا مرحلة نور يسوع ونهاره (إقامته في وسط اليهود)، محمّلة بمدلول اسكاتولوجيّ لليهود: فالنور بالنسبة إليهم يدلّ على الحياة الأبديّة أو الشجب الابديّ. فحين يشعّ النورُ، ويدوم نهار يسوع، يستطيع اسرائيل أن يحافظ على كرامته، أن يكون الشعب المختار من أجل نهاية الأزمنة. غير أن الانجيليّ اعتبر أن اليهود مد خسروا الفرصة الأخيرة التي قدّمت لهم مرارًا. وصار هذا الذي سمّي الشعب المختار معارضًا لله، مغموسًا في "العالم". ما إن زال النور، حتى غرق "العالم" في الظلمة. أما المؤمنون فاستطاعوا أن يشاهدوا المجد. لا نظنّ أننا أمام صدفة حين تتحدّث النصوص فقط عن النور خلال حياة يسوع العلنيّة. ولكن منذ ساعة الموت ينكشف المجدُ للعالم كلّه.
إذا كان اسرائيل صار "العالم" (أي ما يعارض الله)، فالعالم كله صار وارثًا لدعوة خسرها اسرائيل. وكما يهوى الانجيليّ أن يستبق أحداث موت يسوع وقيامته، التي تشكّل دينونة لليهود الذين لايؤمنون ونداء إلى الأمم الوثنيّة، كذلك فهو يستفيد من كل ظرف ليفهمنا منذ البداية أن المدعوّين الذين سينالون الخلاص ليسوا اليهود بل الوثنيين. فالذي أعانه اليهود لكي يحقّق صورة حمل الله وعابده، يحمل خطيئة العالم. فالله قد أحبّ العالم فأرسل ابنه الوحيد لكي تكون الحياة الابديّة لكل من يؤمن به. فالذين يخلصون ليسوا أولئك الذين يرفعون يسوع على الصليب بل أولئك الذين ينظرون إليه (3: 14-16؛ رج 19: 37).
إندهش التلاميذ حين رأوا يسوع يحاور السامريّة. وظنوا أنهم سينتظرون أربعة أشهر قبل أن يأتي الحصاد. ولكن الحصاد الاسكاتولوجيّ قد بدأ (4: 36). هذا الحصاد مخيّب للأمال في العالم اليهوديّ، ولكنه يُعطي أفضلَ الغلال في السامرة. وفي العالم كلّه (4: 42) حين سلّم يسوع نفسه للموت (4: 38). وإن كان اللايهود قد اعترفوا به على أنه "مخلّص العالم" (4: 42)، فاليهود، وإن استقبلوه في البداية، سيجعلونه يقول: "لا يكرّم نبيّ في وطنه" (44:4).
في ف 5- 10، بدأ يسوع، ابن الانسان، محاكمتَه الاسكاتولوجيّة لليهود. أرسله الآب ليكون نورًا لليهود ما زال النهار حاضرًا، إلاّ أنه أبرز وظيفته كابن الانسان وبدأ يدين مستبقًا الدينونة الأخيرة (5: 29-30). كل دعوى تحتاج إلى شهود. والشهود الذين دعوا إلى المحكمة ليكونوا مع يسوع، صاروا شهودًا ضدّ اليهود. هم يوحنا المعمدان (33:5-35). والله الذي يعمل أعمالاً عظيمة بواسطة يسوع (5: 32-36). وأخيرًا إله العهد القديم الذي ظهر على جبل سيناء فجاءت شهادته واضحة لمن يعرف أن يقرأ الكتب (37:5-47).
غير أن كل هذه التربية الالهيّة عبر التاريخ، من سيناء حتى الآن، لم تنجح مع اليهود. لهذا، فشهود يسوع شهدوا ضدّ اليهود. والمحامي الموكّل للدفاع عن اليهود، هو الذي يتّهمهم في الدينونة الأخيرة (5: 45- 47). وآية الخبز تعيدنا إلى البريّة والمناخ كله يجعلنا نفهم أن مرحلة خروج جديد قد بدأت. غير أن جوّ الجماعة المسيحانيّة في البريّة، سوف يشدّد بالأحرى على القطيعة الجذريّة بين الجماعة اليهوديّة والجماعة الاسكاتولوجيّة التي يخلّصها يسوع حين يدخل في وظيفته كابن الانسان.
لقد انتهى زمن الأحلام والعودة إلى الآيات الماضية: فهم يعيشون في حقبة أعمال يسوع، ونشاط ابن الانسان للدينونة. فيسوع هذا قد ختمه الآب بختمه (28:6) من أجل وظيفته. لهذا يجب أن لا نعمل من أجل طعام يفنى ويُفني آكليه. بل يجب أن نستعدّ للزمان الذي فيه يعطي ابن الانسان طعامًا يدوم إلى الأبد ويديم آكليه إلى الأبد (6: 26-27). لقد انتهى سراب خبز سماويّ، لأن لا سماويّ إلاّ ذاك الذي نزل من السماء على السحب كابن الانسان، والذي يستطيع وحده أن يعطي الحياة الابديّة (6: 33).
كل هذا ليس ببعيد، لأننا نقترب من موت المسيح الذي يدخل بموته في وظيفته كابن الانسان (6: 51). عند ذاك تتحدّد المواقع بشكل نهائي: فاليهود الذين لا يريدون أن يؤمنوا (6: 36)، يُحكم عليهم. أما الذين آمنوا فلا يُرمون خارجًا (6: 37). مهما كان المعنى (الواسع أو الضيّق) الذي نعطيه لعبارة "كل ما يهب الآب" (37:6) و"سلطان على كل جسد" (17: 2 أ) أو "موهبة" الذين يريدون أن يؤمنوا (17: 2 ب-6؛ 10: 28؛ 6: 5)، فالذين يؤمنون قد نالوا إيمانهم موهبة حصلوا عليها من الآب الذي يجتذب كالشبكة (44:6، "إلكاين"، شدّ الشبكة) بواسطة ابن الانسان.
وهذا الاختيار (وهذه التهيئة المسبقة) من أجل النعمة أو المجد ليس اعتباطيًا. فاختيار الله يتأسّس على ماضي اسرائيل وعلى تاريخ الخلاص. فإذا كان اليهود ما استطاعوا أن يؤمنوا، فلأنهم في الماضي لم يأخذوا على محمل الجدّ وحيَ العهد القديم. فمن أراد أن يستمع إلى الآب ويتعلّم، يأتي إلى يسوع الذي يحمل التعليم الاسكاتولوجيّ الذي أنبأ به الأنبياء: "سيعلّمهم الله كلهم بشكل مباشر" (6: 45؛ رج تس 9:4). والتراجع التام في نهاية الفصل، يساعدنا على الملاحظة أن اليهود الحاضرين لم ينفتحوا على الايمان، وبالتالي لم يستطيعوا أن يقفوا بجانب كلمات يسوع (6: 64-65). وهكذا أوضح يوحنا وضع اليهود: كان المختارون اثني عشر. بل سيكونون أحد عشر، بعد أن استُبعد يهوذا الذي كان من الاثني عشر دون أن ينتمي إليهم وهو الذي اختاره الربّ كما اختارهم.
تشتّتت قبائل اسرائيل الاثنتا عشرة. وفي إطار عيد المظال وعيد التدشين، هذا الزمن الليتورجيّ الذي يذكّرنا بتكوين شعب الله في البرّية، أنكر يسوعُ امتيازات شعبه الرئيسيّة الواحد بعد الآخر. فما عادت كتبهم تستحقّ اسم التعليم الالهي. بل يسوع نفسه هو التعليم الالهيّ (7: 14-18). والمياه التي تفجّرت من الصخر في البرية، وسائر الامواه التي تحتلّ مكانة هامّة في عيد المظال، والتي ترمز إلى حماية الله، لا تُقابَل بأنهار الماء الحيّ الذي يجري من جسد يسوع المائت على الصليب (7: 37-39؛ رج 19: 33-37). وكل نور منذ عمود النار في البريّة حتى نور عيد المظال، يصبح باهتًا حين يأتي نور الحياة الذي يقدّمه يسوع لليهود والذي هو نور العالم (8: 12؛ رج 9: 5). ولقبُهم الكريم "نسل ابراهيم" لا يتيح لهم أن يعتبروا نفوسهم أبناء ابراهيم، أبناء الله. إنهم بالأحرى أبناء إبليس (8: 35-39).
رفضوا أن يحيّوا بالفرح يوم يسوع الذي انتظره ابراهيم فابتهج له مسبقًا (8: 28-29، 58). رفضوا النور، بحيث إن الربّ "الذي هو" (يهوه) مخلّص اسرائيل، وأساس وجوده، والحاضر الآن في شخص يسوع، مرّ أمامهم فلم يعرفوه، فتابع طريقه وما عاد. وهكذا ما كان يجعل من اسرائيل شعبًا مميّزًا هو حضور الرب في شعبه وحمايته له، والتعليم والنور، ومياه الحياة. كل هذا تجسّد في ملء الزمن في شخص يسوع الذي قُدّم لهم كأسمى التقدمات وآخرها. ولكنهم رفضوها، وبالتالي رفضوا يسوع، فخسروا كل شيء.
ويبيّن الكاتب من وقت إلى آخر أن هذه الامتيازات الاسكاتولوجيّة قد انتقلت من اليهود إلى الأمم (7: 35) بفضل موت يسوع الاراديّ (8: 21-22، 28-29، 36). ففي الانجيل الرابع، كل رسالة خارج اسرائيل تستقي حيويّتها من موت يسوع. هكذا يكون يسوع نور العالم (8: 12؛ 9: 5). والذين يقرّون بحاجتهم إلى النور يتقبّلونه (9: 41).
وفي نهاية هذا الكلام القاسي ضد اليهود، نجد الشرعة الأساسيّة لشعب الله الجديد. مثل الرعيّة والباب والراعي الصالح والحقيقيّ (يو 10). فنحن لا ننتمي إلى رعيّة الله إلاّ إذا دخلنا من الباب الوحيد الذي هو يسوع، إلاّ إذا رأينا في يسوع الراعي الحقيقيّ الذي يعرف خرافه، الذي اختار خرافه وبذل نفسه عنها (13:15-16). إن يسوع قد أسّس بموته رعية الآب الجديدة وسلَّم إليها رسالة، وأعطاها القوّة لكي تجمع الناس من كل عرق وشعب (10: 7-16).
رعيّة وراع: ما يكفل وحدة الرعيّة هو حضور الراعي الحقيقيّ الوحيد. هو حضور حقيقيّ. حضور قريب. حضور أعمق ممّا كان عليه حضور يهوه وسط شعبه. كان قد قال الربّ في النبوءات إنه سيأخذ من جديد على عاتقه حراسة رعيته. والآن، صار يهوه حاضرًا حضورًا بشريًا في شخص يسوع. هو حضور يعيش منه المؤمنون، على مثال يسوع الذي يعيش دومًا من حضور الآب. حضور فاعل يؤمّن للرعيّة الطمأنينة والحياة (10: 9-10). وحضور ديناميكيّ. فالراعي يعطي حياته لكي تصل إلى حظيرة الآب خراف لا تنتمي إلى اسرائيل (10: 15-16). فالذين أرادوا قبل يسوع أن يلعبوا "لعبة" الراعي، أن يقوموا بوظيفة "المدبّر"، كانوا في الحقيقة لصوصًا وسارقين. أما يسوع فلا يأتي إلاّ لكي يعطي الحياة، ويعطيها بوفرة، ليعطي الحياة الأبديّة (10: 10- 28). فالراعي وأبوه هما واحد (10: 30)، وهما يعملان كل شيء لئلاّ يُنتزع أحد من أيديهما (27:10-29).
بعد أن مضى يسوع في طريقه إلى الموت، تلفّظ اليهود بعبارتين تجعلاننا ندرك البُعد الاكليزيولوجيّ لهذا الموت. فالاولى نبوءة قالها قيافا ولم يعِ كل أبعادها. أما الانجيليّ فأوضحها: سيكون موت يسوع موتًا من أجل الأمّة. ويتوخّى أن يجمع في الوحدة أبناء الله المشتّتين. أي الوثنيين (11: 49-52). والثانية نقرأها حين اجتمع الفريسيون ولاحظوا أن جميع الناس يذهبون إلى يسوع (48:11) ويؤمنون به. إن بُعد هذه العبارة يجد تفسيرًا في خبر وصول "اليونانيّين" الذين هم باكورة كنيسة الأمم. إنهم ثمر كثير لحبّة القمح التي سقطت في الأرض، ثمر يسوع. طلبوا أن يروا يسوع، ولكنهم ما عادوا يحتاجون أن يروا النور. فبعد قليل سيشاهدون مجده (12: 19-24). وهكذا لامس يومُ يسوع النهاية. فالآن في موته تتم الدينونة بشكل نهائيّ على عالم لا يؤمن، على عالم يقيم فيه اليهود وأبوهم إبليس. ظنّوا أنهم يستطيعون أن يُطفئوا النور، ولكن هذا النور سطع مجدًا فاجتذب بقوّته الاسكاتولوجيّة جميع البشر إليه (12: 31-32). فالنبيّ أشعيا سبق له منذ زمان بعيد فلاحظ أن استباق المجد سيجعل اليهود عميانًا.
وبمختصر الكلام، كان اسرائيل المرشّحَ الأول للنور الاسكاتولوجيّ، نور يسوع في مجيئه. ولقد أُعدّوا لذلك منذ زمن بعيد. ولكن رفْضَهم دلّ على أن تربية الله لهم منذ أجيال بدت بدون جدوى. وسيظهر الحكم عليهم حين يحكمون على يسوع. أما الوثنيّون، فسيرون النور الاسكاتولوجيّ، سيرون مجد يسوع. وسيُعطي موتُ يسوع حيويّة رسوليّة للشعب الجديد الذي جاء يكوّنه.

2- الكنيسة وحضور يسوع
في ليلة الفصح، قُلبت صفحة جديدة. توجّه يسوع "إلى أخصّائه" (13: 1). هذا ما يعود بنا إلى 1: 11 ولكن بشكل سلبيّ (ما قبله أهل بيته). بل يعود بنا إلى ف 6. الأشخاص في تكثير الأرغفة وفي العشاء السريّ هم هم. والوضع هو هو من تراجع وخيانة. والمناخ في الخطبة الافخارستيّة يجعلنا في قلب العشاء السريّ. وحين كلّم يسوع الاثني عشر الذين هم نواة شعب الله الجديد، وجّه كلامه إلى الكنيسة. فليس من اختلاف بين وضعهم كمؤمنين ووظيفة أي مسيحيّ. فالحلقة ليست مغلقة. بل هي منفتحة على الزمان والمكان. منذ تلك الساعة حتى انقضاء الدهر. ومن عليّة صهيون حتى أقاصي العالم.
أخصّاء يسوع ليسوا فقط حلقة من الأصدقاء. لاشكّ في أنه قد أحبّهم منذ البداية (13: 1). ولكنهم لم يكونوا موضوع اختيار، ولم يصيروا أصدقاء إلاّ بعمل بدا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بموت يسوع. قال لهم يسوع بعد خطبة الخبز: "أنا اخترتكم أنتم الاثني عشر"... وتحدث عن الذي يسلمه (6: 70- 71). ونقرأ في 13: 1: "قبل عيد الفصح، كان يسوع يعلم بأن أتت ساعة انتقاله من هذا العالم إلى أبيه، وكان قد أحبّ خاصته الذين في العالم، فبلغ به الحبّ لهم إلى أقاصي حدوده" (رج 13: 13؛ 15: 13). كل هذا يثبته ما قلناه عن موت يسوع كحكم على العالم اليهوديّ، كتأسيس للكنيسة، كتجنيد العالم الوثنيّ. وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن خطبة الوداع بعد العشاء السري هي خطبة كنسيّة.
قبل أن نتوقّف عند هذه الخطبة، أو بالأحرى عند هذه الخطب الثلاث (الاولى، 13-14. الثانية، 15-16. الثالثة، 17)، نعود بعض الشيء إلى الوراء. فإذا ربطنا أخصّاء يسوع في 13: 1 بتلاميذ يسوع في نهاية ف 6، فإنكار امتيازات اليهود (ف 7-10) قد يدّلنا على امتيازات المسيحي في الكنيسة. يجب أن نعلم قبل كل شيء أن كل امتياز مسيحيّ يعني حضورًا للمسيح، بعد أن قابل يسوع بشخصه كل امتياز يهوديّ. فما كان يكوّن شعبَ اسرائيل هو حضورُ الرب المحامي. لهذا، فحضور يسوع هو ما يكوّن الكنيسة. والامتيازات الواردة تعود كلها إلى شكل من أشكال الحضور الالهيّ الذي يكوّن الجماعة. عاد تعليم اليهود (7: 16) إلى ظهور الربّ وأقوال الأنبياء. وتعليم يسوع الذي لا يأتي منه، بل من أبيه، يأتي بدون وساطة (6: 45). ففي يسوع يتكلّم الله بشكل مباشر لمن يريد أن يؤمن. لقد حلّ محل رمزيّة الماء الذي يدلّ على حضور الرب المحامي في شعبه، وحلّ محلّ الهيكل الذي منه تجري المياه في النبوءة التوراتيّة. وفي الليتورجيا اليهوديّة، حلّ يسوع (7: 37- 39) الذي هو الهيكل الجديد الذي تجري من جسده المائت على الصليب مياه الحياة.
هنا نتذكّر أن يوحنا ماهى بين يسوع وهيكل الحضور الالهي (1: 14؛ 2: 21-22؛ 4: 20-26). ونتذكّر أيضًا أن هذا الحضور الالهيّ الجديد يتحقّق في موت يسوع وتمجيده (39:7؛ رج 17:2-22؛ 4: 21-23). لقد حلّ محل نور العهد القديم، يسوعُ الذي هو نور العالم (8: 22). والذي سيصبح في موته ربّ المجد. وإن عبارة "أنا هو" (أي: يهوه) في العهد القديم عبّرت عن ثقة اسرائيل بالرب المخلّص. ويسوع نقل هذه العبارة إلى شخصه فقال: "أنا هو". ونحن لا نفهم هذا التماهي إلاّ في ارتفاعه على الصليب وفي المجد. "حين ترفعون ابن الانسان تعرفون أني هو".
وهكذا نفهم أن ما يهمّ يوحنا هو يسوع ويسوع في شخصه. فيسوع يجعل امتيازات اسرائيل بلا طائل. يسوع هو الذي يُخرج إلى الوجود شعبَ الله الجديد. فكنيسة أبناء الله (1: 12-13) تُولد بقدر ما يكشف الله عن نفسه عبر حضور حقيقيّ وسط البشر. بقدر ما يسكن بينهم، يظهر مجده وملء تنازله بشكل ملموس وكامل.
لا يتوقّف هذا الحضور عند سرّ التجسّد. فإن 1: 14 يكشف منظارًا أوسع. هو يدّلنا على كل مجيء يسوع. فهناك "جاء" و"جاء". لقد جاءت الساعة وهي ستأتي (23:4). جاءت ساعة يسوع بقدر ما يسوع جاء. وهي ستأتي لأنّ حضور يسوع ظلّ مخفيًا طوال حياته العلنيّة. فالمجيء الحقيقيّ والمجيء التامّ يحصل ساعة عودته إلى الآب، ساعة يتجلّى مجد الله. لقد ظلّ الروح عليه خلال حياته العلنيّة (1: 32-33). ومع ذلك، لم يكن الروح بعد "هنا" ليُعطى للمؤمنين. إنهم سينتظرون أن يتمجّد يسوع (7: 39). والهيكل القديم لحضور الله في اسرائيل اختفى في موت يسوع (2: 17). والهيكل الجديد سيكون جسد يسوع القائم من الموت (2: 21-23).
فالعبادة الحقّة تفترض وحي الله وحضوره كما ألهمها الروح، بحيث إن العابد يستطيع أن يُدرك الله كما هو، يدركه كأب (4: 23-24). وقد نقل يسوع تعليم الله (6: 45؛ 7: 16). ولكن هذا التعليم لا يدخل إلى القلوب (7: 28؛ 8: 19) قبل أن يفرض الحضورُ الالهي نفسَه ساعة ارتفاع ابن الانسان (8: 28). فإن بدا وحده في ذلك الوقت، ففي الواقع الآب هو معه أكثر من أي وقت مضى (29:8؛ 33:16). والطعام السماويّ هو يسوع نفسه، ولكنه لا يعطي ذاته طعامًا إلاّ حين يدخل ابن الانسان في "وظيفته" (27:6). حين يعطي جسده (أي ذاته) لحياة العالم في موته (6: 51). حين يؤكل جسد ابن الانسان ويُشرب دمه في الافخارستيا التي هي تذكّر مستمرّ للرب المائت (6: 53-58). فحضور الله المنير في يسوع يظلّ معنا ما دام النهار. ولكنه مخفيّ الآن ومحدود بشكل موقت. وحين يأتي الليل (11: 9؛ 12: 35-36؛ 13: 30)، يشعّ مجد الله فيه من أجل العالم كله (13: 31).
إن حضور يسوع هذا يخلق فسحة روحيّة. ليلة الفصح، الاثنا عشر، أولئك الذين تلقّوا التعليم الافخارستي كانوا هنا (6: 53-58، 67- 71). وقد وجّه إليهم يسوع خطب الوداع، ولكنه لم يوجّهها إليهم وحده. فليلة الفصح وساعة يسوع تتواصلان في زمن الكنيسة. وغسْل الأرجل هو علامةٌ تُدخلنا إلى هذا الاجتماع الكنسيّ: كان أولاً رمزًا إلى محبّة يسوع الذي يؤسّس كنيسته على الصليب. ثم صار شرعة أساسيّة يوجّه سلوك أعضاء الكنيسة. وإذا وضعنا جانبًا التشديد على شريعة المحبّة هذه، اهتمت الخطبة الاولى (ف 13-14) بأن تُفهم أولئك الذين ظلّوا في العالم (13: 1)، أن يسوع ينطلق ولكنه يبقى حاضرًا. قد يظنّ أخصّاؤه أن وضعهم لا يختلف عن وضع اليهود، أقلّه في الوقت الحاضر (33:13). غير أن اليهود لن يأتوا حيث يذهب يسوع (13: 36-37). وبانتظار أن يعود لكي يأخذهم، فلا يظنّوا نفوسهم يتامى (8:14): سيأتي بارقليط آخر مع أبيه (14: 22-25) فيقيمان في المؤمنين في هذا الوقت. كل ما يقدّمه لهم هو الوعد بأن سيلتقي بهم قريبًا (29:14؛ رج 16:16)، وعد بحضور يبدأ بقيامته ويضمّه إلى الآب والروح.
أما الخطبة الوداعيّة الثانية فتبدو أكثر كنسيّة من الأولى في لهجتها الايجابيّة. فهي لا تعالج لاغياب يسوع، بقدر ما تعالج شركة الحياة (5: 1- 10)، والمحبّة (15: 11-17) تجاه بغض العالم (18:15-16: 4)، والمهمّة التي تقوم بأن نحمل الثمار الكثيرة، بأن نشهد. تبدأ هذه الخطبة بمثل الكرمة والأغصان. وهذا المثل شأنه شأن مثل الراعي الصالح، يفصل هذه المجموعة عن الكرمة الفاشلة التي كانت اسرائيل. كل هذا نقرأه في مناخ الافخارستيا حيث الجماعة تجد نفسها بحضرة الربّ، تتّحد به، تحدّد علاقات المحبّة التي لم تكن نتيجة الصدف، بل نتيجة اختياره لهم وإقامته إياهم (15: 16). والتشديد المطوّل على بغض العالم الذي لن يستطيعوا أن يتجنَّبوه (15: 5 ي)، يُبرز فكرة الجماعة والشركة والاتحاد مع المسيح. فالجماعة تُضطهد لأنها تحمل اسم المسيح.
والخطبة الثالثة المسمّاة الصلاة الكهنوتيّة (ف 17)، هي نشيد كنسيّ حقيقيّ. صلّى يسوع لأجل الذين أعطاه الآب إياهم (17: 2)، فأخرجهم من العالم (17: 6). هم أخصّاء الله وقد صاروا أخصّاءه بفعل إلهيّ (17: 2، 6، 9-10). حملوا اسم الآب، شأنهم شأن يسوع (17: 11-12)، فارتبطوا بشخص الآب الذي يقيم في شخص يسوع. لم يعودوا من هذا العالم كما أن يسوع لم يكن يومًا من هذا العالم (16:17). وأخيرًا، صلّى الربّ لأجل الذين يتقبّلون كلمته الالهيّة عبر العصور. هذه الكلمة التي تدوّي في الكنيسة، بحيث تكون جميع الأجيال متّحدة اتحادًا مباشرًا مع يسوع والآب (آ 21، ليكونوا واحدًا كما أنا فيك وأنت فيّ)، متّحدة بعضها ببعض. وتنتهي الصلاة (آ 24- 26) بإعلان يبدو دينونةً أخيرة لكي يزول كلُّ شكّ حول تواصل الكنيسة حتى اليوم الأخير.
إن معطيات خطبة الوداع هذه تضعنا في مساحة روحيّة خلقها حضورُ يسوع الذي لا يعرف حدودًا في الزمان وفي المكان. ووعيُ هذا الحضور الحقيقيّ والناشط والذي يتعدّى الأزمنة، يستعيده يوحنا في ظهورات القائم من الموت. روى الإنجيل ثلاثة ظهورات لكي يدلّ على هذا الحضور، الذي ليس حضورًا خارجيًا، بل حضور نعيشه بتأثير الروح القدس (20: 1-9).
ظنّت مريم المجدليّة أنها تحلم وأن يسوع قد عاد كما كان قبل موته. ولكن يسوع لم يَعُد بهذه الصورة. إنه يأتي الآن في بُعده الحقيقيّ. فلا تحاولْ أن تسجنه في وضعه البشريّ الذي تجاوزه الآن. يجب أن يذهب إلى الآب الذي هو منذ الآن أبوهم. يجب أن يذهب إلى الله الذي هو منذ الآن إلههم حقًا. إن حلم العهد القديم "الله معنا" قد تحقّق الآن بشكل لا يتوقّعه إنسان. وهكذا فعودة يسوع إلى الآب هي مجيئه الحقيقيّ. لم يكن يومًا بقربهم كما هو الآن مع أنه بدا وكأنه يتركهم. الآن، هو مع الآب الذي هو أبوهم، ولهذا يسمّيهم إخوته. حضوره الالهيّ هو الآن حضور كامل (20: 17-18).
والظهور الثاني يدلّ على فاعليّة هذا الحضور. نفخ فيهم يسوع الروح، بحيث صاروا "روحيين"، مولودين من روح الله (3: 5-8) وحاملين هذا الروح من أجل تجديد العالم (14: 12). والظهور الثالث لا يعني توما وحسب، بل جميع الذين آمنوا دون أن يروا (20: 29). هذا ما يدلّ على تواصل حضور يسوع. فالمؤمن يتّصل اتصالاً مباشرًا بالربّ، إلى أي جيل انتمى، ولا يكون اتصاله أقلّ من الذين رأوه بعيونهم منذ الساعة الأولى. إن حضور يسوع يمتدّ إلى نهاية العالم ويظلّ حضورًا حقيقيًا وفاعلاً.
لا حدود في الزمان، لا حدود في المكان. فالمؤمن منذ الاثني عشر حتى المؤمن البسيط في جميع الأزمنة، يحمل ثمرًا كثيرًا إذا أراد أن يكون تلميذًا ليسوع (8:15). لا ثمر على مستوى الفرد وحسب، بل ثمر على مستوى الجماعة، على مستوى الكنيسة، على مستوى الرسالة. وإن يوحنا يربط دومًا الواجب الرسوليّ بموت يسوع الذي يُعطي عمل الكنيسة حيويّته ونجاحه. فحملُ الله هو الذي يرفع خطايا العالم (29:1). وما فعله يسوع حين مات، يجعل الحصاد الاسكاتولوجيّ ليقترب (4: 37-38).
لم يعرف اليهود حقيقة كلامهم حين قالوا ليسوع إنه سيذهب إلى الشتات لكي يعلّم الوثنيين (7: 35). ولكن ذاك كان الواقع. ولم يفهم قيافا عمق كلامه حين أعلن أنه يجب أن يموت إنسان عن الشعب ولا يموت الشعب كله. وقد فسّر يوحنا هذا الكلام: سيموت يسوع عن الأمّة، وليس فقط من أجل الأمَّة، بل ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتّتين، أي الوثنيين (11: 49-52). والراعي الصالح يبذل حياته عن خرافه الذين يطلبهم في اسرائيل وخارج اسرائيل (10: 16) بحيث تكون الرعيّة واحدة والراع واحدًا.
ويموت يسوع، كما تموت حبّة الحنطة، ليحمل ثمرًا كثيرًا بدءًا باليونانيين (12: 19-24). وعلى التلاميذ بدورهم، شأنهم شأن الأغصان، أن يحملوا ثمرًا بعد أن أحبّهم يسوع وأرسلهم ليذهبوا ويحملوا ثمارًا وتدوم ثمارهم (15: 14- 16). وهكذا نستطيع أن نقابل بين الاثني عشر في العشاء السريّ، وبين المئة وأربعة وأربعين ألفًا من قبائل اسرائيل، والجماعة التي لا تعدّ ولا تُحصى الآتية من الأمم (رؤ 7). هكذا تكون الكنيسة.

3- الكنيسة وعودة يسوع
كان مجيء يسوع الأول خلال حياته العلنيّة، محصورًا في اليهود. لهذا اعتبروا هذا المجيء اسكاتولوجيًا بمعنى أنه اللحظة الأخيرة قبل الدينونة النهائيّة. هيّأهم الله منذ أجيال واهتمّ بهم، فبقي عليهم أن يتّخذوا قرارهم مع يسوع أو ضدّه. وبحسب خيارهم يُقبَلون في الشعب المختار أو يستَبعدون بشكل نهائيّ. والدينونة التي ترتبط بردّة فعلهم الحاضرة، تتضمّن حكمًا على كل ماضي اسرائيل. فالذي ظلّ "اسرائيليًا لا غشّ فيه"، سلّمه الآب إلى يسوع، فجاء إلى يسوع ونال الخلاص (6: 37؛ 10: 29؛ 17: 2- 19).
حين يعلن يوحنا حكمه فهو ينطلق من النتيجة. وضعُ اليهوديّ الذي لم يرتبط بالمسيح، يشبه وضعَ المسيحيّ الذي خان يسوع: هو يدلّ أنه لم يكن يومًا مسيحيًا حقيقيًا (1 يو 2: 19-20). فالدينونة الالهيّة تظهر في النهاية، في التاريخ. لم يأت يسوع لكي يدين، بل ليقدّم لجميع البشر يقين الخلاص. ولكن بما أن أكثريّة الذين توجّهت إليهم الدعوة أجابوا بالرفض، فهذا ما أعطى مجيء يسوع الخلاصيّ طابعَ الدينونة 31: 17- 21، 36). فكاتب الانجيل الرابع يعمل عمل النبيّ المسيحيّ، فيفسّر معنى التاريخ. والبرهان ليس بجديد في العهد الجديد (1 تس 8: 15؛ مت 5: 12؛ 23: 30-39)، ولكن يوحنا توسّع فيه هنا بشكل مستفيض.
تجاهل الشرّاح منظار الماضي في 6: 37- 40، ففسّروا النصّ فقط في منظار المستقبل. الله يعطي هذا الانسان ليسوع، فيأتي هذا الانسان إلى يسوع ويخلص. فالذين أعطاهم الآب هم اليهود. وقد اعتبرهم الله مهيّأين للملكوت. فإن جاؤوا إلى يسوع نالوا الخلاص. الله أمين وثابت في مواعيده. ولكن الانسان متقلّب ورافض.
انحصرت اسكاتولوجيّة مجيء يسوع الأول في اليهود ودعوتهم للدخول في شعب الله عند تمام الزمن ومشاركتهم في الملكوت (3: 3- 5). ولكنهم مرّوا في محنة: هل يرون في يسوع مرسل الله وابن الانسان؟ رفضوا. فجاء موت المسيح يُعلن أنه بعد الآن ليس من يهوديّ ولا وثنيّ، بل أناس يريدون أن يروا وآخرون لا يرغبون في أن يروا (39:9- 41). هناك المؤمنون من جهة، و"العالم" من جهة ثانية. رذل اليهود يسوع وحكموا عليه بالموت، فصاروا نواة عالم الظلمة. وفي النظام الجديد، نظام الكنيسة، كان موت يسوع المقياس الذي يفصل بين المؤمنين واللامؤمنين (16: 8- 11). فالذين فهموا موت يسوع على أنه عودة انتصار إلى الآب، على أنه تمجيد، نالوا الخلاص. والذين ساروا وراء يسوع واعتبروا أن يسوع فشل وأن غيره انتصر، غرقوا في ظلمة هذا العالم من أجل هلاكهم.
إذن، يتحدّد موقع مجيء يسوع الثاني في نهاية حياة يسوع، في الساعة التي تجمع جميع الأحداث، منذ موت يسوع حتى إفاضة الروح القدس. رُفع ابن الانسان على الصليب وفي المجد، فوضع حدًا لنظام اسرائيل وحكم على اليهود الذين لم يؤمنوا بأكثريتهم.
انتهى "يوم" (نهار) يسوع، ودشّنت "الساعةُ" نهايةَ الأزمنة. في هذا الوقت الرئيسيّ (الآن، 12: 31؛ 13: 31) انغلق المستقبل المسيحانيّ اليهودي على نفسه، وانفتحت أبواب الكنيسة. ووقف ابن الانسان ملكًا على صليبه فاجتذب البشريّة كلها. هنا نفهم إعلان يسوع ملكًا في خبر الالام. إن ملكوت الله الذي ترجّاه اليهود، قد تدشّن على الصليب بيد من حكموا عليه بالموت. هو ملكوت الله الآتي بقوّة وفاعليّة (مر 9: 1). ويسوع الحاضر لدى أبيه، هو حاضر لدى أخصّائه، لدى أحبّائه، لدى رعيّته. هو ينبوع ماويّة كالكرمة بالنسبة إلى الأغصان.
ومجيء المسيح الأخير تنتظره الكنيسة كما في إنجيل يوحنا. لاشكّ في أننا نخلص إن آمنا. وإن لم نؤمن لا نخلص. لاشكّ في أننا نخلص إن لبثنا في الكلمة. وإلاّ لا نخلص. ونخلص إن بقينا في الكرمة. ولكن يبقى أن علينا أن نثبت إلى اليوم الأخير. فالشبكة الاسكاتولوجيّة التي عملت وسط اليهود (6: 44) ما زالت تعمل منذ دينونة الصليب (12: 31) حتى تجمع البشريّة كلها. والصوت الذي رفض اليهود أن يسمعوه، سوف يسمعونه في القيامة الأخيرة. فالذين سمعوه يحيون. أما الآخرون فيكون لهلاكهم (5: 29-30). وأولئك الذين أعطاهم الآب ليسوع، يقيمهم يسوع في اليوم الأخير (39:6، 40، 44، 45) عملاً بمشيئة الآب.
ما أتى يسوع إلى العالم لكي يدين، ولكن كلمته تشرف على العالم وعلى الزمن لتدين في اليوم الأخير (48:12). والوعد بعودة يسوع ليأخذ أخصّاءه إليه (14: 3) لا يوضح زمن العودة. هل نحن أمام الموت الفرديّ أم أمام المجيء الثاني؟ لماذا لا يكون الاثنان معًا. من جهة، تحدّث يسوع إلى الاثني عشر والكنيسة، بحيث كانت خلفيّة فكرته دخول أخصّائه جميعًا إلى بيت الآب (14: 2؛ 17: 24). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، كتب يوحنا إنجيله في نهاية القرن الأول، ساعة بدأت الكنيسة تطرح مسألة الموت. ففي نظر يوحنا، موت المؤمنين الفرديّ يدخل في إطار أوسع هو الدينونة العامّة.
في خطبة يسوع الأولى بعد العشاء السريّ (3:14، 18-19، 22-28)، تتحدّد "عودة" يسوع في القريب العاجل، في يوم قيامته. فلو أراد الكاتب أن يشدّد فقط على المجيء (باروسيا) لكان عبّر عن فكرته بشكل آخر. ثم نحن أمام وعد واضح يقول فيه يسوع إنه جاء ليأخذهم دون أن يوضح الزمان الذي فيه يأتي. ولكن بما أن هذه الخطبة لا تتطلّع إلى مستقبل بعيد، نستطيع أن نتحدّث عن موت فرديّ سيدخل في تجمّع عام. فالذين آمنوا قد نالوا المجد (17: 22). ولكنهم ما زالوا ينتظرون أن يروا مجد ربّهم حين يُقبَلون لديه (17: 24). إن نهاية الصلاة الكهنوتيّة هي استباق لإعلان دينونة اليوم الأخير. فالمؤمنون ينعمون منذ الآن بالمجد، والممجّد هو منذ اليوم بقربهم. أما هم فليسوا بعد لديه، ولا يرون مجده إلاّ بالإيمان.
فبين ساعة خطبة الوداع واليوم الأخير، يكون زمنُ الكنيسة حيث يكون يسوع حاضرًا في كلمته التي تنتقل من جيل إلى جيل (17: 20). وإذا كان الانجيليّ غير مشدود نحو اليوم الأخير وغير مهتمّ باقترابه، فهو يعتقد كل الاعتقاد بأنه سيأتي وهو ينتظره بلا خوف.
الفصل التاسع والعشرون
كان عرس في قانا الجليل

يروي القديس يوحنا، في الفصل الثاني من إنجيله، معجزة جرت في قانا الجليل. ويشدّد في روايته على المعنى الروحيّ لهذا العمل الذي قام به يسوع من أجل عروسين نقص عندهما الخمر خلال احتفال دعوا إليه الأقارب والأصحاب. فمريم أمّ يسوع صارت تلك المرأة الحاضرة في بداية جديدة، كما كانت حواء، المرأة الأولى، حاضرة في البداية عند الخلق. وطلبُ مريم هذا، سبق فأشار إلى تلك الساعة، ساعة الآلام والموت، ساعة يعطي يسوع الخمرة الحقّة وتصبح مريم أم جميع المؤمنين في شخص التلميذ الحبيب. والعريس الحقيقي صار يسوع المسيح الذي يدعو كنيسته المتمثّلة بالتلاميذ إلى أعراسه الجديدة، بعد أن صارت الأجران التي كان يستعملها اليهود للتطهير بغير قيمة أمام التطهير الحقيقي الذي يحمله يسوع.
لن نتوسّع هنا في المعنى الروحي لهذا النصّ، بل نطرح سؤالاً ونحاول الإجابة عليه: أين تقع قانا الجليل هذه التي شاهدت أولى معجزات يسوع، كما شاهدت معجزة ثانية شفى بها الرب ابن رجل من حاشية الملك (يو 4: 46- 50). 
نعود أولاً إلى نصوص الكتاب المقدّس، قبل أن نقرأ الوثائق اللاحقة منذ زمن الآباء حتى الرحّالة الغربيّين في القرن الماضي.

1- في الكتاب المقدّس
نجد كلمة "قانا" أربع مرّات في العهد الجديد بالشكل اليوناني "كانا" وثلاث مرّات في العهد القديم بالشكل العبري "قنه" (قانة في العربية).
ونبدأ بنصوص العهد القديم التي تدلّ مرّة على واد أو نهر، ومرّة أخرى على مدينة.
أ- قانة في العهد القديم
أولاً: نهر قانة
نقرأ في سفر يشوع (16: 8): "وتمتد الحدود من تفوّح غربًا إلى وادي قانة فتصل إلى البحر". ونقرأ أيضًا في سفر يشوع (17: 9): "وتهبط الحدود إلى وادي قانة، إلى جنوب الوادي".
يتحدّث النص عن واد أو نهر (بالأحرى: ساقية وجدول) يفصل بين قبيلة افرائيم في الجنوب، وقبيلة منسّى في الشمال، ويصبّ في البحر، أي البحر المتوسط. إن كلمة "قنه" تعني القصبة أو العصا (في السريانيّة: قنيا، في العربية: "القنا والقناة"). لهذا السبب ترجمت اللاتينية الشعبية: "وادي القصب". أما اليونانيّة السبعينيّة فدمجت قانا مع المقطع الصوتي الأخير للكلمة العبرية "نحل" (وادي، نهر)، فقالت: خلقانا. أما الكودكس الاسكندراني فقال: "خايماروس كانا" (chaimarrhos Kana) أي سيل قانا. في السريانية جاء في يش 8:16 سيل الحوض. وفي 17: 9: "وتنزلق تخومهم إلى سيل البحر".
أين تقع "نحل قنه" أو "وادي قانة"؟ يعتبر روبنسون أنه وجد قانة في "نهر" ينبع في جبال افرائيم، قرب عقربة، على بعد 10 كلم تقريبًا إلى الجنوب الشرقي من نابلس. اسمه وادي قانة، وهو يتّصل بوادي زكّور الذي يصبّ في نهر العوجة الذي يصبّ بدوره في البحر الأبيض المتوسط، شمالي يافا. أما تومسون فرأى أن "نحل قانه" هو نهر أبو زبّورة أو نهر اسكندرونة الحالي الذي ينبع قرب دوتائين ويتّجه إلى الغرب قبل أن يصبّ في البحر جنوبي قيصريّة.
ويروي فيغورو أنه عبر النهر مرتين في نيسان سنة 1894، كما عبر نهر العوجة. ولكن العوجة هذا يقع في الجنوب أكثر مما ينبغي، ونهر أبو زبّورة في الشمال أكثر ممّا ينبغي.
وهناك محاولة ثالثة لتحديد موقع "نهر قانه". سُمّي في اللاتينيّة "وادي القصب" (Vallis arundineti)، فلاقَ هذا الاسم بالمستنقعات التي إلى جانب نهر الفلق. ولكن مؤرخّ صلاح الدين الأيوبي، بهاء الدين المعروف بابن شدّاد (1145-1232) تحدّث عن "نهر القصب". وهكذا يبدو أن نهر الفلق يقع بين نهر العوجة ونهر أبو زبّورة. وقد يكون الحدودَ بين قبيلتي افرائيم ومنسّى. وهو يصبّ في المتوسط شمالي أرصوف وشمالي غربي التيرح.
إن ما يمنعنا من أن نتأكد كل التأكيد من موقع هذا النهر البيبلي، هو أن العلماء لم يستطيعوا بعد أن يتعرّفوا إلى موقع تفوح الذي يجري النهر بقربه. هذا ما يقوله فيغورو. أما جون غراي فيعتبر أن تفوح هي خربة الشيخ أبو زرد، و"نحل قانه" هو وادي قانة الذي يحتفظ اليوم باسمه، وهو يمرّ بقرب نهر العوجه (يركون) على تسعة أميال إلى الشمال الشرقي من يافا.
ثانيًا: قانة في أشير
ونقرأ في يش 19: 28: "إلى عيرون ورحوب وحمّون وقانة إلى صيدون الكبرى". يتحدّث الكاتب عن ميراث سبط أشير (يش 19: 24- 31) الذي يحدّه منسّى في الجنوب، وزبولون ونفتالي في الشرق. ويذكر أمكنة حدّدنا بعضها وبقي القسم الآخر دون تحديد. وورد في مدوّنات تحوتمس الثالث في الكرنك أسماء حلقت (رقم 25) وأكاذيب (الذيب)، على 9 كلم إلى الشمال من عكّا، وشيحور لبنات الذي يجري من الكرمل (قد يكون نهر الزرقاء) ويصبّ في المتوسط على 5 كلم تقريبًا إلى الشمال من قيصرية.
وتُذكر قانة التي هي قينوو في لائحة تحوتمس الثالث (رقم 26).
أين يقع ميراث أشير؟ إنه على حدود لبنان الجنوبي. لاشكّ في أننا لا نستطيع أن نتعرّف إلى كل المواقع بسبب أعمال الري. ولكن موقع عكّا معروف، وكذلك أفيق، إلى الشمال الشرقي من تل أبيب، وكابول التي أعطاها سليمان لحيرام (1 مل 9: 13) ملك صور.
وماذا نقول عن قانة؟ ترد في العبرية "قنه"، وفي السبعينيّة "كنثان" (Kanthan)، وفي الكودكس "كانا" التي هي بحسب القاموس البيبلي قرية كبيرة تقع إلى الجنوب الشرقي من صور، والتي هي في نظرنا قانا اللبنانيّة. فالمدن المذكورة في ميراث أشير وصلت إلى نهر القاسميّة.
شكّلت قانة مع رحوب وحمّون (يش 28:19) الحدود الشماليّة لقبيلة أشير. وذكر النصُّ أيضًا "صيدون الكبرى". ولا يعتبر لاجندر أن أرض أشير امتدت كثيرًا في جنوب لبنان، فيلعب على كلمة "عد" العبرية التي تعني "إلى حدود أرض صيدون وصور". ولكنه يقول إن هناك اتفاقًا حول اعتبار قانة أشير قرية تحمل الاسم عينه وتبعد حوالي 12 كلم إلى الجنوب الشرقي من صور. فالاسم العربي قانا (مع حرف القاف) يوافق الاسم العبري "قنه". ويلاحظ دوسو، أننا لا نستطيع أن نماثل بين قانة هذه وخربة قانا الواقعة بالقرب من الناصرة، في سهل البطّوف.
ويستفيض هذا الكاتب بالحديث عن أهميّة قانا التاريخيّة، وهي الواقعة على ملتقى طرق. يقول: "اتصلت صور بصفد عبر طريقين إلى قانا. تنطلق الطريق الأولى من قانا عبر صدّيقين، دبل، وادي رميش، رميش، كفربرعم، وصفصاف. وتنطلق الطريق الثانية من قانا إلى تبنين وكونين، بنت جبيل، يارون، الجش. وقد يكون أنطيوخس الكبير قد اتخذ إحدى هاتين الطريقين اللتين تمرّان في قانا، ليصل إلى صفد وبحيرة طبريا.
أما لاجندر الذي زار قانا في نهاية القرن الماضي فيقول إنها قريّة تعدّ ألف نسمة، وهي مقسومة إلى ثلاثة أحياء: الحيّ الأعلى وهو الأقدم، بُني على التلة، إنما لم يبقَ منه إلاّ بعض البيوت. والحيّ الشرقي يسكنه المتاولة وهم يعدّون 600 شخص تقريبًا، وفيه جامعان، أحدهما عبثت به يد الخراب. وفي أسفل القرية يقع الحيّ الذي يضمّ 400 شخص من الروم الكاثوليك. كنيستهم المكرّسة للقدّيس يوسف، أعيد بناؤها منذ زمن قريب، وبجوارها كابلة بروتستانية. تنزل منحدر الجبل المغروس بالتين والزيتون والدخان، فتصل إلى بئر سُميت "عين القسيس". فتقرأ على حجر بقربها: "زيّن" (Ekcemhêen). أما ما تبقى من المدوّنة فقط سقط في البئر. قد نكون أمام نص يتحدّث عن شخص زيّن هذا المكان.
ولا نجد آثارًا كثيرة في داخل قانا. أما في جوارها، فيلفت النظر عدد كبير منها. ففي الشمال الغربي، وعلى منحدر وادي العقاب حُفرت في الصخر أفران ومعاصر أو ربما مقابر. وقال رينان في ذلك: "من قبر حيرام إلى قانا تجد في كل خطوة مقابر محفورة في الصخر... وهناك معاصر، وبقايا جدران... إنك تجد في جوار قانا أجمل المدافن الصوريّة".
وأغرب الآثار القديمة هي محفورات تقع على بعد 1500 متر إلى الشمال الغربي من القرية. وتتّسع الوادي شيئًا فشيئًا، وعلى الجدران تماثيل صغيرة ومسلاّت منقوشة في الكلس. تماثيل طولها بين 80 سنتم ومتر واحد. رآها لورتيه ونسبها إلى الفينيقيين الأولين. ووُجدت أيضًا آلاف القطع الصوانيّة التي قد تعود إلى العصر الحجري القديم.
وإذا عدنا إلى العهد القديم، فنكاد لا نجد شيئًا عن قانا، إنما يذكرها يشوع كإحدى المدن الكنعانية فيدلّ على أنها قديمة. وهذا ما تؤكّده لائحة تحوتمس الثالث. ثم إن بقايا "الصناعة" الموجودة هناك تدلّ على موقعها الفريد. فالبقايا من العصر الحجري، والنقوش والصور القديمة والمدافن والمعاصر، كل هذا يدلّ على سلسة من الشعوب أقاموا في هذه الأرض منذ أقدم حقبات التاريخ. وإن النصب والأضرحة تدلّ على إشعاع صور وحضارتها حتى في هذه الأماكن الريفيّة.
ب- قانا في العهد الجديد
يذكر يوحنا قانا الجليل حيث يتحدّث عن عرس شارك فيه يسوع وأمه وتلاميذه: "كان في قانا الجليل عرس، وكانت أم يسوع هناك. فدُعي يسوع وتلاميذه إلى العرس" (يو 2: 1-2). وينهي الانجيلي روايته للمعجزة: "هذه أولى آيات يسوع، صنعها في قانا الجليل" (يو 2: 1). ويروي لنا الانجيل الرابع في معرض حديثه عن شفاء ولد مريض: "وجاء أيضًا إلى قانا الجليل، حيث جعل الماء خمرًا" (يو 46:4). وفي نهاية الانجيل يذكر أن "نتنائيل هو من قانا الجليل" (يو 21: 2). لا يرد اسم قانا أبدًا في الأناجيل الإزائيّة (أي متى ومرقس ولوقا). غير أن بعض العلماء تحدّثوا عن الرسول سمعان القانوي بأنه من قانا.
يقول الشرّاح الغربيون إن هذه البلدة سمّيت قانا الجليل تمييزًا لها عن قانة التي في أشير، ويرفضون رفضًا باتا أن تكون قانا الجليل هي قانا الواقعة شرقي صور. ولكن لماذا هذا الاستبعاد الأولي، والاسمان اللذان يقدّمهما هؤلاء الشرّاح لا يتوافقان توافقًا كليًا مع الاسم القديم؟ فهم يجعلون قانا في خربة قانا أو في قرية كفركنا. وكلّنا يعلم أن أسماء الأماكن في سورية ولبنان وفلسطين لم تتغيّر إلاّ قليا، رغم ما مرّ على هذه البلدان من تأثيرات يونانيّة ولاتينيّة أو غيرها.
أولاً: كفركنّا
إن المقاطع التي يرد فيها اسم قانا الجليل لا تحدّد موقع هذه البلدة التي شهدت أولى عجائب يسوع بحسب يوحنا. ما نستخلصه من المقطع الانجيليّ هو أن قانا تقع أقلّه على هضبة، لأن الانجيل يقول إن يسوع نزل (يو 2: 12) إلى كفرناحوم، وهي الواقعة قرب بحيرة طبرية. ولكننا نعرف أن هضاب الجليل هي أعلى من بحيرة طبرية. وافترض الشرّاح أن قانا تقع في القسم الجنوبي من الجليل، لا في القسم الشمالي، حيث تقع قانا القريبة من صور.
فاقترح البعض اسم قرية كفركنّا التي تقع على الطريق التي تنطلق من الناصرة، فتصل إلى بحيرة طبرية. ما الذي دفعهم إلى هذا الاقتراح؟ أولاً، موقع كفركنّا على الطريق بين الناصرة وطبرية. ثانيًا، وجود أخربة كنائس عديدة فيها. ثالثًا، وجود عين مياه تكفي شعبًا كبيرًا.
ويقول لوكامو إن هناك ثلاثة معابد مسيحيّة على سفح تلّة كفركنّا، منها كنيسة للروم نجد بقربها جرتين يقول الأهالي إنهما من أيام المسيح وفيهما حصل تحويل الماء إلى خمر. ولكن هاتين الجرتين لا تشبهان ما وُجد في الحفريات الأركيولوجيّة.
ثانيًا: خربة قانا
واقترح البعض الآخر خربة قانا الواقعة على أولى المرتفعات بجانب جفاة أو جوباتا القديمة: وهي قريبة من الناصرة وكفرناحوم، ونجد فيها خرائب على قمّة التلّة التي تشكّل مركزًا متقدّمًا بالنسبة إلى جفاة. غير أننا لا نجد في هذا المكان لا عين ماء ولا أثرًا لمعبد دينيّ قديم.
لهذا السبب، ولأسباب سنعود إليها، فضّل البعض كفركنّا على خربة قانا كموقع معجزة تحويل الماء إلى خمر. وعلى هذا الأساس كانت كنيسة للروم الكاثوليك، وأخرى للروم الأرثوذكس تعود إلى القرن السادس عشر، وثالثة للآباء الفرنسيسكان تقوم على بناء قديم مبلّط بالفسيفساء مع مدوّنة أرامية عن "يوسف" أحد اليهود الذين ارتدّوا إلى المسيحيّة، فبنى كنائس في طبرية وكفرناحوم وصفورية والناصرة. وفي القرن السابع عشر اشترى الآباء الفرنسيسكان بقايا هذه الكنيسة التي حملت ذكرى قانا واجتذبت إليها الحجّاج منذ القرن الرابع. كما نجد شمالي كفركنّا كنيسة حديثة على اسم تنائيل (واسمه الثاني برتلماوس) وهو من قانا.
ولكن الأب براون الأميركي يقول إن الحجّاج اعتادوا منذ القرون الوسطى أن يحجّوا إلى كفركنّا التي تبعد ثلاثة أميال ونصف ميل إلى الشمال الشرقي من الناصرة. ويعود هذا الاسم اشتقاقيّا إلى اليونانيّة، بينما ننتظر الاسم السامي أي قانا. فخربة قانا التي تبعد 9 أميال إلى الشمال من الناصرة، تصلح كموقع لقانا المذكورة في الانجيل الرابع.
وهكذا لم نصل إلى أي جواب شاف على مستوى الكتاب المقدّس، فيما يخصّ الموقع الجغرافيّ لقانا الجليل. وإن بعض الشرّاح رأوا في كلمة الجليل معنى روحيًا ورمزيًا أكثر منه جغرافيًا، فلم يعد التمييز بين قانا الجليل وقانا أشير بذي بال. ويرى أرستيد سيرا، أن يوحنا ذكر اسم قانا الجليل، وقد يكون السبب جغرافيًا. ولكن هناك أيضًا سببًا لاهوتيًا. فحين تكلّم نيقوديمس، قال له الفريسيون: "هل أنت من الجليل؟ استقص تجد أنه ما دام نبي من الجليل" (يو 7: 52). ومن المعروف أنه لا يقوم نبي من الجليل. أما عند يوحنا، ففي قانا الجليل التي احتقرها اليهود كأرض للأمم الوثنيّة، ظهر النبي العظيم، يسوع الناصريّ، الذي تكلّم عنه موسى والأنبياء (يو 1: 45).

2- في كتب الآباء والأدباء
أن أقدم نص نعرفه حتى الآن، هو نص المؤرخ فلافيوس يوسيفوس، الذي تكلّم عن "قرية في الجليل تسمّى قانا". ويضيف أن هذه القرية تبعد مسيرة ليلة عن طبرية. ويقول باريت إن هناك ثلاث قرى: كفركنّا، قانا الجليل وعين قانا. ويضيف، ما أراده يوحنا هو أن يشير إلى أن المعجزة الأولى لم تتمّ في اليهوديّة، بل في الجليل.
بعد هذا نجد كتاب "الاسمائيات" (Omomasticon). إنه قاموس المواقع البيبليّة. هو يعطي لائحة أبجديّة بأسماء الأماكن في الكتاب المقدّس مع لمحة جغرافيّة وتاريخيّة عنها. وهو يشكّل الجزء الرابع من مؤلف ضخم على الجغرافيا البيبليّة، وضعه أوسابيوس القيصري (265-339) بناء على طلب صديقه بولينوس أسقف صور. وقد اهتم العلماء في الشرق والغرب بهذا الكتاب، وزادوا عليه ونقّحوه. دوَّنه أوسابيوس في اليونانيّة، ونقله القديس إيرونيموس (347- 420) إلى اللاتينيّة.
يقول أوسابيوس: "قانا حتى صيدون الكبرى كانت في ميراث أشير، فهناك ربنا والهنا يسوع المسيح حوّل الماء إلى خمر، ومن هناك كان نتنائيل. كانت مدينة ملجأ في الجليل". ويعتبر شرّاح الكتاب المقدّس أن لكتاب أوسابيوس هذا قيمة كبيرة، لأنه عرف المواقع بعد أن زارها وقرأ عنها في المكتبات.
ويضيف ايرونيموس متتبّعًا نص أوسابيوس: "هذه قانا اليوم قرية صغيرة في جليل الأمم".
ويورد القاموس البيبليّ نصًا آخر للقديس ايرونيموس عن معاصرته القديسة باولا، النبيلة الرومانيّة (347- 404)، جاء فيه: "زارت الناصرة حيث نشأ الرب، وقانا وكفرناحوم". ثم إنه في سنة 530، جاء الامبراطور تيودوسيوس إلى المنطقة، فكتب: "من صفورية إلى قانا الجليل أو إلى الناصرة، المسافة ذاتها وهي خمسة أميال". وفي سنة 826، كتب القديس ويليبرود أنه انتقل من الناصرة إلى قانا حيث زار كنيسة كبيرة شاهد فيها إناء قيل له أنه أحد الأجاجين الستة التي فيها حوّل الرب الماء خمرًا.

3- قانا في القرن العشرين
ماذا نعرف اليوم عن قانا؟ سنة 1926، أثناء رياضة روحيّة ألقاها في كنيسة الروم الكاثوليك، الذين كانوا يشكّلون يومها ثلث سكان البلدة، دوّن الأب ابراهيم حرفوش في ماجرياته الخطيّة، عن هذه القرية اللبنانيّة، أن الفرنسيّين أجروا حفريات عديدة بالقرب منها، فعثروا على بقايا كنيسة بيزنطيّة من القرن الخامس ونقلوا فسيفساءها الجميلة الصنع إلى باريس. وأنه رأى على ضفة وادي العقاب صخورًا كبيرة منقوشة ونواميس مكسّرة، ولعلها قلعة تخوم صور الجبليّة التي وردت في العهد القديم في كلامه على حدود سبط أشير، كما عثر على آبار وقبور. وعلى بُعد ساعة من قانا للشمال الشرقيّ، في آخر مرج صفرا وأمام باب وادي عاشور (ولعلّها أشور)، شاهد صخرًا كبيرًا يسمّيه السكان شباك المغارة، ومنقورة فيه رسوم محاها الزمن، وحطّم الجهلة منها آثار شخصين محفورين، ولم يبقَ غير رأسيهما وأمامهما شخص جالس على كرسي ووراءه شخصان آخران. ويرجّح الأب حرفوش بأنها عائدة لعصر الغزاة الأشوريين، وبالقرب من هناك توجد عين ماء تدعى عين الحجة.

خاتمة
أما نحن فنعتقد بالاستناد إلى معظم النصوص التي أوردناها، وحلّلناها، أننا في قانا اللبنانيّة الجنوبيّة، أمام قرية تحمل آثارًا مسيحيّة أكيدة. لاسيّما في المغارة التي قد يكون احتمى فيها المسيحيون إبان اضطهادات الامبراطوريّة الرومانيّة، وربما بعدها، والنقوش هناك قد تدلّ على السيد المسيح والرسل. وعلى كل حال، يبقى على التنقبيات العلميّة أن تقوم بعملها، لعلها تكشف لنا المزيد من الآثار القديمة، كما ننتظر دراسات أعمق. فقد تكون هذه القرية هي نفسها قانا أشير التي تحدث عنها سفر يشوع، وحدّد موقعها أوسابيوس والامبراطور تيودوسيوس، قد تكون قانا الجليل التي عرفت أولى معجزات يسوع "فأظهر مجده، فآمن به تلاميذه" (يو 2: 11).
لا لم تنحصر تجولات يسوع في فلسطين، لقد جاء إلى لبنان، جاء إلى نواحي صور وصيدا، وهناك شفى ابنة المرأة الكنعانيّة، ولا بد من أن تكون قانا الصوريّة قد نعمت بحضوره وتباركت بأولى معجزاته.
القسمُ الرابع
القِدّيس بُولس
وَرَسَائِلهُ
يتوزّع هذا القسم على الفصول التالية:
1- أصل فكر بولس ومكوّناته
2- فكر بولس وتطوّره من خلال رسائله
3- بولس تجاه كنائس عصره
4- الاختيار والدعوة إلى الخلاص في 1 و 2 تس 
5- بنية الرسالة الأولى إلى الكورنثيين
6- مقاربة من الرسالة إلى غلاطية
7- رسائل بولس وأسئلة المسيحيين الأوّلين
8- بولس ومصيره في الكنيسة القديمة
9- شخص يسوع المسيح في رسائل القديس بولس 
10- ملكوت الله عند بولس الرسول
11- مفهوم الرحمة في الرسائل البولسيّة
12- تفسيرُ الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي
13- تفسيرُ الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي.

الفصل الثلاثون
أصل فكر بولس ومكوّناته

1- بولس المفكّر واللاهوتيّ
كان بولس مفكّرًا كبيرا. فهل كان لاهوتيًا؟ شكّ بعضُ الشّراح في ذلك. هنا يجب أن نعرف ماذا نقول حين نتحدّث عن "اللاهوتيّ". إذا كان لا بدّ من صياغة نهج تعليميّ مبنيّ بناء محكمًا، وعرضه بشكل منظّم، لكي يكون الواحد لاهوتيًا، فبولس ليس بلاهوتيّ. إنه راع يكتب حسب المناسبات للمؤمنين في كنائسه، لكي ينير إيمانهم، ويثبّتهم في العيش المسيحي، ويردّ على تساؤلاتهم، ويحلّ مشاكلهم، ويفنّد الضلالات التي تهدّدهم.
أمّا إذا كان اللاهوتيّ ذاك الانسان الذي يعرف أن يتكلّم عن الله بمعرفة معمّقة لوحيه وسرّه، فبولس هو لاهوتيّ، بل لاهوتيّ عظيم. ففكره العبقريّ أعان إيمانه الحارّ وحبّه القوي فأدرك غنى المخطّط الالهي بأصالة وعمق نادرين. وضعته العنايةُ في بداية الكنيسة، فتقبّل من المسيح وروحه معرفة وحكمة هما أحد المنابع الأساسيّة للاهوت المسيحيّ. ما قدّم فكرَه بشكل عرض شامل، ولكن الشميلة وُجدت فيه، فلاقت تعبيرًا عنها في لمعات مختلفة ومنيرة، هنا وهناك على مدّ رسائله وبحسب الظروف في لغة لا تُستنفد بسبب كثافتها التي تحيّر الفكر.
وقد نتساءل: متى جاءه الوقت اللازم لكي يُنضج هذه الشميلة؟ أمسك به المسيح (غل 3: 12) حوالي سنة 36، فأقام عشر سنوات تقريبا في عرابية (غل 1: 17) ثم في سورية وكيليكية (غل 1: 21؛ أع 9: 30)، قبل أن يبدأ رحلته الرسوليّة الأولى (أع 13-14). خلال ذلك الوقت تأمّل، فكّر بهذا اللقاء مع المسيح القائم من الموت، الذي حرّك حياته على طريق دمشق. وتسلّم أيضًا من إخوته المسيحيين، وهذا ما لا نستطيع أن نكتشفه خلال دفاعاته وهجوماته (غل : 11-12، 17-19)، تعليمَ تقليد تكوّن، ثم سلّمه إلى الكنائس التي أسّسها (1 كور 11: 23 15: 3؛ رج 7: 10، 12، 25).
أرسلت رسالته الأولى من كورنتوس إلى الاخوة في تسالونيكي، وقد تكون دوّنت خلال شتاء 50- 51. وكان عمره حينذاك أربعين سنة تقريبًا. وحين أش سل من رومة رسالته إلى كولسي وأفسس حوالي سنة 63-64، كان عمره 53 سنة. فهذه السنوات الثلاث عشرة في نشاطه الأدبي الرئيسي (قد ترتبط به الرسائل الرعائيّة، حوالي 64-66، وقد تكون دونتهما يد أخرى) تمثّل حقبة قصيرة في ملء نضوجه. سوف نرى نموًا وتطورًا. ولكنه نموّ متماسك لفكر ثابت في أصله، وتطوّر متواصل يحمل أفضل الثمار.
إذن، يحقّ لنا أن نرسم بشكل منهجيّ (أكثر ممّا حاول هو) الخطوط الكبرى لفكره، منطلقين من مركّباته الجوهرية، ومحلّلين نموّه المتناسق على ضوء الظروف التي جعلتها العناية في طريقه. مثلُ هذا التحليل قد يحجّر انطلاقة فكر حيّ. غير أنه يعيننا على فهم اللوحة المتحرّكة بعد أن نُبرز الخطوط البارزة التي عملت في بنائها.

2- قبل ارتداد بولس
المسألة الاساسيّة لبولس قبل ارتداده، ولكل يهوديّ، بل لكل إنسان متديّن، هي مسألة الخلاص.
* خلاص أدبي
هناك خلاص أدبي أولاً. العبور من الشرّ إلى الخير، من العداوة والبعد عن الله إلى الصداقة مع الله. يُحسّ الانسان أنه في الخطيئة، وأن عليه أن يستعيد النقاوة والقداسة ومعرفة الله وحبّه.
* خلاص على المستوى القانوني
غير أن بولس هو يهوديّ. لهذا ترتدي مسألة الخلاص عنده وجهة قانونيّة. فهي ترتبط بالنظام الوضعيّ للشريعة. فمعرفة الله الحقيقيّة وحبّه، يكمنان في عمل مشيئته. لقد أعطى الله شعب اسرائيل شريعة تعبّر عن هذه المشيئة الالهية. وحين يحفظها الانسان ويعمل بها، يكون أمينًا لإله العهد ويصبح بارًا. ولكنه بعصيانه صار لابارًا. فعليه إذن أن ينتقل من اللابرّ إلى البرّ بممارسة الشريعة.
* خلاص طبيعيّ وكونيّ
ويجب أن يكون هذا الخلاص أيضًا طبيعيًا وكونيًا. فبحسب الفكر البيبليّ الذي يشدّد على الوحدة الأساسيّة في الانسان، فالجسد يتضامن مع النفس. والانسان كله يتضامن مع الكون الذي هو إطار حياته. غير أن الخطيئة بلبلت كل هذا وأدخلت إليه الفوضى حين أدخلت الألم والموت والشرّ إلى العالم. ولن يكون الخلاص تامًا إلاّ إذا عاد الجسد (أو الانسان) إلى الحياة، وإذا تجدّد الكون في نظام يخدم الانسان وبالتالي يخدم الله. كان بولس فريسيًا. لهذا انتظر قيامة الموتى وخلاص الخليقة من الفساد على ما قاله في روم 8: 19-23: "تتوقّع الخليقة تجلّي أبناء الله... هي ستُعتق من عبوديّة الفساد إلى حريّة أبناء الله".
* خلاص تاريخيّ وجماعيّ
ويتمّ هذا الخلاصة بشكل تاريخيّ وجماعيّ. فعبر الشعب الذي اختاره الله لكي يخلّص أعضاءه، يخلّص جميع الشعوب بواسطة هؤلاء الأعضاء. وهذا يتمّ في الأزمنة الأخيرة، في الاسكاتولوجيا. ويتمّ حول شخص يقود هذه المسيرة في إطار المسيحانية أو انتظار المسيح الآتي. سيكون هذا القائد شخصًا فردًا يمثّل الجماعة: هو الملك المسيح، عبدالله المتألّم، وابن الانسان، والمسيح الكاهن... ارتدى هذا الانتظار أشكالاً متنوّعة حسب مختلف التيّارات في العالم اليهوديّ. لم تتصالح هذه التيّارات في ما بينها، ولم تجد دومًا الصياغة التامة. أما بالنسبة إلى بولس الفريسي، فوجه المسيح هو مركزيّ في نظارته.

3- ارتداد بولس
كان لبولس في ارتداده وبعد ذلك اختبارات ثلاثة:
* اختبار المسيح الحيّ
التقى بولس بالمسيح الحيّ على طريق دمشق: يسوع الذي ظنه انسانًا، "كافرًا"، وقد حكم عليه بحقّ، قد تجلّى له الآن ممجدًا، حيًا، بعد أن أقامه الله وأعاد إليه كل اعتبار وبرّره في وجه شعبه الذي رذله. هو مرسل الله الحقيقيّ، ولا يمكن أن يكون إلاّ المسيح. هذا ما أعلنه هو عن نفسه. وهذا ما يؤمن به تابعوه. ثم هو يشمل في شخصه أولئك الذين يؤمنون به. فحين اضطهدهم بولس اضطهد يسوع نفسه. هذا ما سمعه على طريق دمشق: "شاول، شاول، لمَ تضطهدني؟ أنا يسوع الذي تضطهده" (أع 9: 4- 5). ولكن بولس (أو: شاول) لم يضطهد إلاّ المسيحيين. وكانت خبرة جذريّة فرضت نفسها عليه، لا أزمة سيكولوجيّة وحسب، كما قال بعض النقّاد. وكان تدخّل من قبل الله سيشرف على فكره كله ويجدّده. قال عن نفسه في غل 1: 15-16: "فلما ارتضى الله الذي فرزني من جوف أمّي ويعاني بنعمته، أن يعلن ابنه فيَّ لأبشّر بين الأمم، للوقت لم أصغ إلى اللحم والدم".
* نداء الأمم الوثنيّة
إن نداء الأمم الوثنيّة إلى الخلاص، هو خبرة ثانية فرضت نفسها على بولس منذ ارتداده ودعوته، لأنه أرسل إليهم. هنا نقرأ أع 9: 15: "هذا (بولس) لي (= أنا الربّ) أداة مختارة ليحمل اسمي أمام الأمم"؛ 22: 15- 21: "ستكون (يا بولس) شاهدًا له (= للمسيح) عند جميع الناس.. أمض (قال له يسوع). فإني أرسلك بعيدًا إلى الأمم" (رج 26: 17- 20).
ويتثبّت هذا النداء على مدّ حياة بولس الرسوليّة باستقبال الوثنيّين لكلمته، ساعة رفضها إخوته بنو اسرائيل بأكثريّتهم. نقرأ في 14: 1: "في أيقونية دخلا (بولس وبرنابا) كذلك مجمع اليهود، وتكلّما بحيث آمن جمهور كبير من اليهود واليونانيّين" وفي 15: 12: "فسكت الجمهور كله (في مجمع أورشليم) لبرنابا وبولس يخبران بجميع ما أجرى الله على أيديهما من الآيات والعجائب، في الأمم" (رج 13: 45-48؛ 17: 4، 12...).
لهذا عبّر بولس عن يقينه مرارًا في رسائله بأنه رسول الأمم. كتب في روم 1: 14: "إني ملتزم باليونانيين والبرابرة، بالحكماء والجهّال". وفي غل 1: 16: ارتضى الله "أن يعلن ابنه فيَّ لابشّر به بين الأمم". والتبشير للأمم هو ما يسمّيه السرّ الذي سلّم إليه. وكتب في كو 1: 27: "لأبشّر بالسرّ الذي كان مكتومًا منذ الدهور والأجيال". وفي أف 3: 8-9: "أجل، لي أنا أصغر القدّيسين جميعًا، أعطيتُ هذه النعمة أن أبشّر في الأمم بغنى المسيح الذي لا يُستقصى وأوضح للجميع ما تدبير هذا السرّ، المكتوم منذ الدهور".
* تأخّر عودة الرب
والخبرة الثالثة التي اختبرها بولس في ارتداده ودعوته، هي تأخّر عودة (باروسيا) الربّ. هذه الخبرة فرضت نفسها عليه، فأجبرته على ضبط نظرته إلى مخطّط الخلاص.

4- شخص المسيح
هذه الخبرات الثلاث التي تحدّثنا عنها في المقطع السابق، ولاسيّما لقاء الله في طريق دمشق، ارتبطت بالاشكاليّة الدينيّة لدى بولس اليهوديّ، فبلورت حياته وأعادت تنظيمها على ضوء شخص المسيح.
أ- يسوع هو المسيح
يسوع هو المسيح الذي انتظره بولس. وهو كذلك لا بشكل مسيحيّ وأرضيّ، كما تجنّب يسوع أن يكونه (مت 16: 20 وز)، بل في معنى متسام طالب به يسوع، وهيّأه العهد القديم (مت 22: 41-45 وز؛ 63:26-64 وز). أعلن بولس منذ ارتداده أن يسوع هو "كرستوس" (المسيح، أع 9: 22: مبرهنًا أن يسوع هو المسيح). وأوضح هذا اللقب بلقب إبن الله (أع 9: 20: أخذ بولس يكرز في المجامع أن يسوع هو ابن الله) الذي سيستعمله في رسائله، والذي فهمَه لا في معنى غامض وعام كما فعل العهد القديم (أي 1: 6؛ خر 22:4؛ تث 14: 1؛ مز 6:82). بل في معنى محدّد، معنى البنوّة المتسامية المؤسسة على وجود منذ الأزل (غل 4: 4؛ 1 كور 8: 6؛ كو 1: 15-16)، والمتوَّج بالقيامة (روم 1: 4). فرئيس جنسنا البشري في شخصه الذي يتضمّن جميع البشر، كما أعلنه العهد القديم، يسوع المسيح، يأخذ على عاتقه مصير المؤمنين، ويتيح لنا في ذاته العبور إلى الخلاص، هذا الخلاص الذي سيعيشونه بدورهم.
ونستعيد الوجهات التي عدّدناها فيما قبل.
* الخلاص الادبي
تمّ الخلاص الادبيّ (لا الجسدي وحسب) في يسوع بواسطة الصليب والقيامة. وقد عبّر بولس عن كل هذا بمواضيع مختلفة أخذها من العهد القديم، أو وجدها في اللاهوت المسيحيّ الأولاني، أو كانت خاصّة به. نذكر منها أربعة:
- موضوع عبادي هو موضوع التكفير. فالدم يمحو النجاسة وينقّي الانسان. ويسوع كان الكفّارة، كان "أداة تكفير بالايمان بدمه" (روم 3: 25). كانوا يرشون دم الذبائح. أما هو فسفك دمه الخاص.
- موضوع عبادي هو موضوع الذبيحة. فالتقدمة تعوّض عن رفض الحبّ، وتعيد الانتماء إلى الله (بعد أن ابتعد الانسان، انقطع، تمرّد ومضى). في الواقع هذا الموضوع نادر عند بولس وإن كنا نقرأه في أف 5: 2: "واسلكوا في المحبّة على مثال المسيح الذي أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا مقدّمًا نفسه لله ذبيحة، رائحة طيّبة". رج أيضًا الرسالة إلى العبرانيين.
- موضوع اجتماعي هو موضوع الفداء أو الخلاص والنجاة. هو عبورٌ من العبوديّة إلى الحرية. تحرّرٌ من نير الخطيئة والشرّ. توسّعَ أشعيا الثاني في هذا الموضوع بشكل تحرّر يقوم به الاله الفادي من أجل شعبه. وهذا التحرّر هو من السموّ بحيث صار مجانيًا. غير أن بولس لا يتخلّى عن فكرة الفدية التي يعبّر عنها بموضوع يجده في العالم اليونانيّ وهو افتداء العبيد. نقرأ في 1 كور 6: 20: "اشتريتم بثمن كريم". وفي 23:7: "لقد اشتريتم بثمن كريم! فلا تصيروا عبيدًا للناس".
- موضوع سياسيّ هو موضوع المصالحة. هو موضوع خاص ببولس. فالذي أغاظ الله أصبح عدوّ الله. وهو الآن يستعيد الصداقة مع الله. والدهشة العظمى هو أن الله الذي أغظناه، يتّخذ المبادرة، لا نحن الذين أغظناه كما يفعل البشر. نقرأ في 2 كور 5: 18- 21: "والكلّ من الله الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح... لأن الله هو الذي صالح، في المسيح، العالم مع نفسه، ولم يحسب عليهم زلاّتهم... فأناشدكم بالمسيح أن تصالحوا الله". وفي روم 5: 10- 11: "فإن كنا، ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه، فكم بالأحرى، ونحن مصالحون نخلص بحياته... المسيح الذي به نلنا المصالحة".
في هذه الأمثلة المختلفة تمّ العبور (والعودة) إلى الله للبشرية الخاطئة، في شخص يسوع الذي صُلب وقام من بين الأموات.
* موضوع التبرير
إن الخلاص القانونيّ (أو: بحسب الشريعة والناموس والقانون) يحرّك موضوعًا آخر هو موضوع التبرير. ساعة كانت المواضيع السابقة بأكثريّتها مشتركة في اللاهوت المسيحيّ الأولاني، كان موضوع التبرير توسيعًا خاصًا ببولس، ولاسيّما في روم 1-8 وغل 2: 15- 4: 7. وقد توسّع فيه الرسول بجدليّة أبرزت وجهتين في برّ الله.
- البرّ الضيّق (أو الملزم)، أو العدالة التوزيعيّة.
يُمارَس هذا البرّ بواسطة المجازاة، الثواب أو العقاب. ففي نظام الشريعة الموسويّة، استحقاقٌ للانسان إن أتمّ فرائض العهد، وحكم إن هو تجاوزها. في الواقع، ما كانت الشريعة تستطيع إلاّ أن تعطينا معلومات وتعاقب. وما كان باستطاعتها أن تعطي الانسان القوى الداخليّة الضروريّة لكي يتمّها. وهكذا آلت إلى الحكم على الخاطئ بالموت (روم 7: 7-13؛ 8: 2). صارت "خدمة موت" و"شجب" (2 كور 3: 7، 9). أمّا يسوع فارتدى وضع الخاطئ (2 كور 3: 21: الذي لم يعرف الخطيئة، جعله خطيئة لأجلنا. روم 3:8: أرسله في شبه جسد الخطيئة) واحتمل هذا الحكم (روم 8: 3)، وتقبّل لعنة الشريعة (غل 3: 13: صار لعنة لأجلنا)، ودفع صكّ ديننا (كو 2: 14). وهكذا أتمّ الشريعة بحذافيرها وأقصى متطلّباتها، ووضع حدًا لنظامها (روم 10: 4: غاية الناموس هي المسيح). المسيح هو وحده البارّ الحقيقيّ. وقد استحقّ البرّ الذي يمنحه بنعمة مجانية لكل من يؤمن به (روم 3: 25).
- البرّ "الخلاصيّ"
ولكن إذ أراد الله أن يتمّ هذا العملَ المجّاني، عملَ الخلاص، أظهر وجهة أخرى من برّه (من عدالته) هو البرّ "الخلاصيّ". فهذا البرّ يشكل وجهة سامية للبرّ، وهي خاصة بالله. وبها يدلّ الله على أمانته بالنسبة إلى الخلاص. هو بارّ بالنسبة إلى نفسه، ورغم لابرّ البشر. وهذا البرّ السامي يوازي على المستوى العمليّ، أمانته (ح س د في العبرية) ورحمته. وتوسّع هذا المعنى الخاصّ ببرّ الله في الوحي البيبلي بجانب موضوع العدالة التوزيعيّة. ونحن نجده بشكل خاص في نصوص مثل تث 4:32؛ هو 2: 21-22؛ مي 9:7؛ أش 41: 10؛ 46: 12-13؛ 51: 5؛ 59: 17؛ مز 6:65؛ 15:71؛ 2:98-3؛ 103: 12. كما توسّع بشكل خاص بعد المنفى إلى بابلونيّة في أوساط "مساكين الربّ"، هؤلاء اليهود الاتقياء (الورعين) والمتواضعين الذين لا ينتظرون خلاصهم إلاّ من برّ الله المتسامي هذا.
ونحن نجد هذا في نصوص قمران. فمعلّم البرّ لا يعرف بعد كيف يحقّق الله عمل القدرة هذا، كيف يحقّق انتصار الحبّ الامين على البرّ (أو العدالة) المتطلّب. أما بولس فيعرف: إن الله يقدّم الذبيحة بنفسه فيرضي "العدالة التوزيعيّة" (هي لغة بشريّة ناقصة). فالله في برّه الخلاصيّ منح المذنب "أن يدفع" دينه في شخص يسوع. فالمسيح دفع بموته ومحا دين الشريعة. فيه تمّ العبور من نظام الخلاص بالشريعة إلى نظام الخلاص بالنعمة. منذ الآن، ينال الانسان الخاطئ بالايمان، عطيّةَ البرّ المجانيّة التي نالها له المسيح.
* خلاص شامل
والخلاص الذي حمله المسيح هو خلاص شامل. بما أن الشريعة الموسويّة ليست ضروريّة للبشر أجمعين، فالارتباط بالله يتمّ بالايمان. وهذا ما يستطيعه كل انسان. اليهوديّ يذهب إلى الله بالايمان. وكذلك الوثنيّ. وشموليّة الخلاص هذه التي استشفّها بعضُ الأنبياء، وجدت هنا تفسيرَها المنطقي وبرهانها. وقد ثبّتتها خبرة بولس الرسوليّة في العالم اليونانيّ والروماني.
* خلاص طبيعي
وقد تمّ الخلاص الطبيعي (أي على مستوى الطبيعة البشريّة كلها، نفسًا وجسدًا) في يسوع وقيامته. وهذه القيامة ليست في نظر بولس معجزة تبرهن عن الايمان، ولا مكافأة شخصيّة، بل الحدث الحاسم الذي نقل البشريّة الخاطئة من الموت إلى الحياة. نقلها حقًا. نقلها كلها. لسنا فقط على مستوى خلود النفس كما في العالم اليونانيّ، بل على مستوى قيامة الانسان كلّه.
تلك هي الكرازة الاساسيّة التي يتوسّع فيها بولس مرارًا في رسائله. الله أقام يسوع من بين الأموات (1 تس 1: 10؛ 1 كور 15: 15؛ 2 كور 4: 14؛ غل 1: 1؛ روم 4: 24؛ 10: 9)، بقدرته (فل 3: 10؛ 1 كور 6: 14؛ 2 كور 13: 4). فالمسيح أقيم من بين الأموات بمجد الآب (روم 6: 4). وقال بولس لأهل كولسي: "آمنتم بقدرة الله الذي أقامه (= يسوع) من بين الأموات" (2: 12؛ رج أف 1: 19-20). وقال في روم 8: 11: "إن كان روح الله الذي أقام يسوع من بين الأموات ساكنًا فيكم".
ارتدى يسوعُ جسدنا اللحمي (أي بشريّتنا بما فيها من لحم ودم) (كو 1: 22)، وأخذ وضعنا البشريّ الخاطئ (روم 8: 3؛ رج 2 كور 5: 21). أحلّ بقيامته الروح محلّ البدن (أي الجسد والدم، عنصر الضعف في الانسان)، وجعل الجسد "روحانيًا" (1 كور 15: 45 ي). هو آدم الأخير، "والروح الذي يعطي الحياة" (1 كور 15: 45). فـ "البدن" (ساركس في اليونانيّة) يعبّر عن تسلّط الخطيئة على الانسان كله، حتى على مستوى الجسد، مستوى اللحم والدم. غير أن هذا المبدأ، مبدأ الفساد والموت، قد حلّ محلّه الآن مبدأ الحياة الذي هو الروح.
وهذه "الخليقة الجديدة" (غل 6: 15؛ 2 كور 5: 17) تهمّ أولاً البشريّة، ولكنّها تهمّ أيضًا بشكل غير مباشر الكون المخلوق كله، الذي يسمّيه الكتاب إطارَ البشريّة. لهذا، فالخلاص الذي حمله المسيح ينال بُعدًا كونيًا يتحقّق أولاً في شخصه: فهو بموته وقيامته انتصر على القوى التي كانت تسود على العالم القديم (1 كور 2: 6-8؛ 15: 24؛ روم 8: 38-39؛ كو 2: 10، 15؛ أف 1: 21)، وجمع تحت سلطته الكون كله، ما في السماء وما على الأرض (أف 1: 10؛ رج كو 1: 20؛ فل 10:2).
* زمن مسيحاني وخلاص اسكاتولوجي
صار يسوع بقيامته "ابن الله في القدرة"، "المسيح"، "الربّ" (روم 1: 4)، فدشّن الزمن المسيحاني والخلاص الاسكاتولوجيّ. جاء في "ملء الزمن" (غل 4: 4؛ رج أف 1: 10)، بعد مهلة "أناة الله"، فبدأ "الزمن الحاضر"، زمن البرّ بالايمان (روم 3: 26)، هذا "الآن" الاسكاتولوجيّ (روم 5: 9، 11؛ 8: 1؛ كو 1: 26)، هو "الزمن المؤاتي (زمن الرضى) ويوم الخلاص" (2 كور 6: 2).

5- في كل مسيحي
هذا الخلاص الذي أتّمه يسوع في شخصه، سيتمّ أيضًا في كل مسيحي.
أ- اتحاد بالمسيح
وهذا يحصل في اتّحادنا بالمسيح. فالمسيح عملَ كرئيس البشريّة الجديدة وممثّل جماعة المختارين. وعلى المسيحيين أن يحقّقوا هذه الوحدة فيه بالايمان وأسرار الايمان.
أولاً: بالايمان
الانسان روح، وهو بالروح يرتبط بالمسيح. لا يكفي تعلّقٌ عقليّ ببعض الحقائق، بل تعلّق الكيان كلّه بشكل عميق، بل طاعة (روم 1: 5؛ 26:16) والتزام وتجنّد: نعطي ذاتنا. نثق به (المعنى الأول للفظة بستيس اليونانية). نستند إليه (هو أمين). وقد أشار بولس منذ رسائله الأولى (1 تس 1: 3، 8) إلى هذا الفعل الاساسيّ، فعل التعلّق بالمسيح وبإنجيله (2 تس 13:2-14؛ روم 1: 16-17؛ 17:10؛ كو 6:2-7؛ أف 1: 13)، الذي جعل من المرتدّين "أمناء" و"مؤمنين" (ثابتين). ولكنه في الرسالة إلى غلاطية (2: 16، 20؛ 3: 19، 26؛ 5: 5-6) وإلى رومة (3: 21-23؛ 9: 30- 10: 13)، قابل الايمان بالشريعة كمبدأ تبرير (رج غل 3: 9؛ أف 2: 8-9) عارضًا ابراهيم كمثال، وهو الذي آمن بالوعد قبل أن تُعطى الشريعة (غل 6:3-9، 14- 18، 29؛ روم 4).
ثانيًا: بالمعمودية
ويرتبط المؤمن بالمسيح بالمعمودية وسائر أسرار الايمان. فالانسان روح وجسد. إذن، عليه أن يرتبط كله، نفسًا وجسدًا، بالمسيح لكي يكون خلاصه كاملاً. وبالمعمودية يحقّق، حتى في جسده، عبورَ المسيح من الموت إلى الحياة. نقرأ في غل 26:3-27: "لأنكم جميعًا أبناء الله بالايمان بالمسيح يسوع. لأنكم أنتم جميع الذين اعتمدوا بالمسيح قد لبستم المسيح". وفي روم 6: 10- 11: "فإنه (= يسوع) بموته قد مات للخطيئة إلى الأبد. وبحياته يحيا لله. فكذلك أنتم أيضًا، إحسبوا أنفسكم أمواتًا للخطيئة، أحياء لله في المسيح يسوع".
ب- الخلاص الادبي
حين يرتبط المسيحيّ هكذا بالمسيح، فهو ينال الخلاص. وأولاً الخلاص الادبي الذي نستطيع أن نصوّره حسب المواضيع التي أوردناها أعلاه.
* حين يتقبّل المسيحيّ ثمار تكفير المسيح، فهو يجد نفسه قد "اغتسل" (1 كور 6: 1). صار نقيًا طاهرًا، بلا عيب ولا لوم (1 تس 13:3؛ 23:5؛ 1 كور 8:1؛ فل 1: 10؛ 2: 15؛ كو 1: 22؛ أف 1: 4؛ 27:5) أمام البشر (غل 2: 15) وأمام الله بشكل خاص. وبحسب موضوع يحبّه بولس ويطبّقه بأشكال مختلفة، يستعيد المسيحي إمكانيّة القرب من الآب (روم 5: 2؛ أف 18:2؛ 3: 12). ويستطيع أن يأتي أمامه (1 كو 1: 22) ليحيا في حضرته (أف 1: 4) في هذه الحياة النقيّة كعذراء لا عيب فيها (2 كور 11: 2؛ أف 27:5)، منذ الآن (روم 12: 1) وخصوصًا في يوم مجيء المسيح (1 تس 13:3؛ 5: 23؛ 1 كور 1: 8؛ 2 كور 4: 14) وذلك حين يمثل أمام عرش الله الديّان (2 كور 5: 10؛ روم 14: 10).
* وعلى مثال المسيح الذي "قدّم ذاته لله ذبيحة ذكيّة الرائحة" (أف 5: 2)، يجب على المسيحيّ أن يقدّم ذاته ذبيحة حيّة مقدّسة ترضي الله، وعبادة روحيّة يعرف بولس ليتورجيتها (روم 15: 16؛ رج فل 2: 17).
* بعد أن افتُدي المسيحي بدم المسيح (اف 1: 7)، صار منذ الآن "حرًا". تحرّر من عبوديّة الخطيئة (روم 6: 12-22) ونير الشريعة (غل 4: 5، 8- 10) التي صارت متواطئة مع الخطيئة (روم 8: 2). لقد حرّره المسيح من أجل الحريّة الحقيقيّة (غل 5: 1؛ رج 4: 21- 31). وهذه الحريّة الآتية من روح الربّ (2 كور 17:3) هي في الواقع خدمة، خدمة البرّ من أجل التقديس في نظام النعمة (روم 6: 16-22). وهكذا صار بولس (فل 1: 1؛ روم 1: 1...) "خادم (عبد) المسيح" (روم 12: 11؛ 14: 18؛ كو 3: 24).
* تصالح المسيحي مع الله فوجد أنه عاد إلى السلام والحبّ. سلام مع الله (روم 5: 1؛ فل 7:4) ومع إخوته في الله (1 تس 13:5؛ روم 18:12؛ 14: 19؛ كو 3: 15؛ أف 4: 3). وهناك الحب، لأنّ "إله الحب والسلام" هو معه (2 كور 13: 11). وحبّ الله هذا قد أفيض في قلبه بالروح القدس الذي أعطي له (روم 5: 5). وفي هذا الحبّ نجد "رباط الكمال" (1 كو 3: 14؛ رج كور 13: 1-13).
ج- الخلاص القانونيّ
وحسب جدليّة الشريعة التي يفرضها على بولس فكرُه اليهوديّ، حدّد الرسول هذا الخلاص الأدبي بالوجهة التي سمّيناها قانونيّة. ففي شخص نال المسيح، أرضى المسيحي العدالة الالهيّة، ونال خيرات البرّ الخلاصيّ. هذا الغفران الذي يجعل فيه برّ المسيح كواقع يمتلكه منذ الآن. لقد "صار برَّ الله" (2 كور 5: 21؛ رج فل 1: 11). لقد "برِّر" (1 كور 6: 11؛ روم 3: 24؛ 5: 1، 9). دخل في نظام النعمة، فنال مبدأ الحياة الجديد. نال الروح (روم 8: 4 ي) الذي يعطيه أن يعمل بجوهر الشريعة، بالحبّ (غل 5: 14؛ روم 13: 8- 10). تحرّر من نير الشريعة التي كانت "المربي" الذي صار الآن بلا فائدة، فنال روح الابن الذي يجعل منه ابنًا بالتبنّي ووارثًا لله (غل 3: 2-4؛ 7؛ روم 8: 14-17).
* وبما أن الشريعة الموسويّة لم تعد الوسيلة الضروريّة لجميع البشر، يهودًا وغير يهود، صار الخلاصُ شاملاً، وشارك فيه الوثنيّون. كان الوثنيون تحت الخطيئة، شأنهم شأن اليهود (روم 1: 18؛ 3: 20)، فدُعوا إلى ذات الخلاص في المسيح كـ "انسان جديد خُلق بحسب الله في البرّ وقداسة الحقّ" (أف 4: 34)، الذي فيه زالت كل الاختلافات السابقة (1 كور 12: 13؛ غل 3: 28؛ كو 3: 11). صار المسيح الآن حاضرًا لدى الوثنيّين، كما كان في الماضي في شعب اسرائيل (كو 1: 23). وهكذا تقارب اليهود والوثنيّون بدم الصليب، فكان لهم الدخول الواحد إلى الآب (أف 2: 11-22)، وشاركوا في الميراث الواحد (أف 3: 6).
* وكما بالنسبة إلى المسيح، كان خلاص المسيحيّ طبيعيًا، أي أدركه في جسده وفي نفسه. أدركه في كل كيانه. فهو بالمعمودية في الايمان، يموت مع المسيح لكي يقوم معه. وهكذا يصبح "عضوًا" في جسده. ففي هذه الموضوع العزيز على قلب الرسول، نحن أمام أكثر من استعارة. لاشكّ في أن بولس عرف مثَل "الجسد الاجتماعيّ" الذي يكوّن الأفرادُ أعضاءه، واستعمله في 1 كور 12: 12 ي ليدلّ على تضامن المسيحيّين في المسيح. غير أن المبدأ الذي يُشرف على هذا الاستعمال وينيره، يرتبط بيقين عميق في لاهوته: إن المعمودية تربط جسد المسيحيّ بجسد المسيح القائم من الموت برباط أنطولوجيّ، كيانيّ. وتبدو واقعيّة هذا الاتحاد منذ النصّ الأول الذي نجد فيه هذا الموضوع: ففي 1 كور 6: 12-20، يقابل بولس، بل يعارض بين اتحاد المسيحيّ مع المسيح، واتحاده مع زانية. لاشكّ في أن الاتحاد بالمسيح اتحاد روحيّ، ولكنه يدرك جسد المسيحيّ الذي اشتراه دم المسيح فصار "هيكل الروح القدس". إن الواقعيّة الاسراريّة لهذا الموضوع سوف تتواصل في 1 كور 10: 16-17؛ أف 3: 25-32، وتتوَّج في القيامة التي وُعدت بها الأجساد (1 كور 6: 14؛ 15: 20، 22؛ 2 كور 4: 14؛ روم 6: 5؛ 8: 11).

6- تأخّر المجيء
إن تأخّر المجيء قد طرح سؤالاً على فكر بولس كما على فكر المسيحيّة الأولى. فقيامة المسيح تليها حالاً القيامةُ العامّة كما انتظرتها الاسكاتولوجيا اليهوديّة. وهذا الواقع فرض نفسه على وجدان المسيحيّين الأولين: لقد بدأ الزمن الجديد في المسيح. غير أن الزمن القديم ما أُلغي بعدُ بشكل نهائيّ. فالله يسمح له بأن يتواصل بعض الوقت أيضًا، وبموازاة الزمن الجديد الذي بدأ مسيرتَه. فهناك تداخل بين الزمنين. وهكذا نكون في حالة من المفارقة بين ما تمّ وبين الشيء الذي لم يتمّ بعد. فالمسيحيّ يعيش في عالمين معًا، عالم قديم وعالم جديد. ففي المسيح تحقّق له كل شيء، ولكنه ما زال خاضعًا للقوى المعادية التي تهدّد وضعه. وهكذا نعيش انشدادًا وتوترًا نستطيع أن نحلّله كما يلي:
أ- الاتحاد بالمسيح
قد تمّ هذا الاتحاد. ولكنه لم يصبح بعدُ نهائيًا. فيجب أن نقوم به مرّة بعد مرّة، وأن نجعله كل يوم أمتن من أي وقت مضى.
* فعلى الايمان أن ينمو. قد نخسره. قد يضلّ (1 تس 3: 2، 10؛ 2 تس 1: 3؛ 2 كور 10: 15؛ 13: 5). قد يبقى في ذاته غامضًا، يبقى رؤية في مرآة (1 كور 13: 12؛ رج 2؛ ور 5: 7). ويبقى الصليب شكًا وعثارًا. وتحارب الحكمةُ البشريّة الحكمةَ الالهيّة (1 كور 1: 17؛ 16:2) التي "تفهمنا" سرّ الصليب.
* لا يُقبل سرّ المعمودية مرّة ثانية. فنحن قد ارتبطنا بشكل نهائيّ بالمسيح. ولكن قد ننكره (رج عب 6: 4-6). أما سائر الأسرار، ولاسيّما الافخارستيا، فهي تتجدِّد دومًا.
ب- الخلاص الادبي
لم يتمّ بعد هذا الخلاص، لأن الخطيئة ما زالت فاعلة، وهي تجرّنا إلى نجاسة لا بدّ من أن نغتسل منها. والاغاظات الجديدة تدعو إلى مصالحات جديدة. فالبدن (أي اللحم والدم) ما زال ناشطًا ضد الروح (غل 5: 16-23؛ روم 8: 5-13). والروح نفسه لم يُعطَ بعد إلاّ كـ "عربون" (1 كور 1: 22؛ 5: 5) و"باكورة" (روم 8: 23).
ج- البرّ
نحن نمتلك البرّ حقًا منذ الآن، لا في المستقبل فحسب. فالحقبة الاسكاتولوجيّة قد بدأت فعلاً، غير أننا لا نمتلكها بشكل نهائيّ، ونحن نستطيع أن نخسرها عندما نخون النعمة، عندما نعود إلى نير الشريعة (غل 2: 4؛ 3: 1-3؛ 8:4- 11؛ 5: 1-4). والحريّة التي نلناها من المسيح هي حقيقيّة ولكنها ما زالت محدودة. ويجب أن لا تنحطّ فتصبح تفلّتًا من كل شريعة (غل 5: 13 أ). ويجب أن لا تعارض المحبة (غل 5: 13 ب). ما دام العالم هنا مع عاداته وأفكاره المسبقة، تبقى الشرائعُ المكرهة ضروريّة. والضمائر ما استنارت بعد كما يجب. وعلى المسيحيّ أن يضحّي بحريّته لئلاّ يشكّك أخاه الضعيف (1 كور 8: 9-13؛ 9: 19؛ 10: 23-33؛ روم 14: 1- 15: 2).
وشارك الوثنيون المسيح في الخلاص الذي شارك فيه اليهود. هذا أمر صار لنا على مستوى المبدأ. ولكننا ما زلنا ننتظر التحقيق الملموس.: فهناك عدد كبير من اليهود يعارض هذا المبدأ، ويحافظ على "امتيازات". ويتساءل بولس نفسه بقلق عن شرح لهذه المأساة وعن حلّها النهائي.
تأمّن الخلاص النهائي للمسيحي، ولكنه ما كمُلَ بعد. ومع أن موت المسيحي وقيامته هما من الواقع، إلاّ أنهما ما زالا على المستوى الاسراريّ، مستوى العماد. أما التحقيق التامّ فسوف يأتي. فالمسيحيّ ينتظر ويئنّ مشتاقًا إلى افتداء جسده (روم 8: 23). وبولس يشارك في آلام المسيح وموته لكي يهيّئ قيامته الخاصّة (فل 3: 10- 11) التي تحصل حين يعود المسيح من السماء فيتحوّل جسد الشقاء إلى جسد المجد (فل 3: 20- 21). وإذ فهم بولس أنه سيموت قبل مجيء الرب، تساءل عن الطريقة التي فيها يستطيع خلال ذلك الوقت أن يعيش "مع المسيح" (2 كور 5: 1- 10؛ رج فل 1: 20-24).
والكون الذي هو إطار البشريّة، ينتظر بعدُ لكي "يتحرّر من عبوديّة الفساد" (روم 8: 21). فالوجهة الكونيّة للخلاص لم تتمّ بعد. وقوّات هذا العالم التي قُهرت من حيث المبدأ بصليب المسيح، لن تخضع له بشكل نهائيّ إلاّ في مجيئه الأخير (1 كور 15: 24).
الفصل الحادي والثلاثون
فكر بولس وتطوّره
من خلال رسائله

تحدّثنا في فصل سابق عن أصل فكر بولس ومكوّناته. وها نحن في هذا الفصل نرافق تحوّل المركّبات العديدة التي حاولنا أن نحلّلها. نشير هنا إلى أن الاتحاد بالمسيح هو موضوع أساسيّ في اللاهوت المشترك في الكنيسة الأولى. وهو منذ البداية أساس فكر بولس والمشرف على مختلف نظراته. ونقول الشيء عينه عن "الخلاص الابدي" أي النجاة من الخطيئة والبلوغ إلى الله. وسيكون تحوّل على مستوى البرّ والاسكاتولوجيا وأمور أخرى. هذا ما نحاول أن نتتبّعه في مختلف الرسائل البولسيّة.

1- 1 و2 تس
في 1، 2 تس اللتين كُتبتا في كورنتوس في شتاء 50 أو ربيع 51. احتلت الاهتمامات الاسكاتولوجيّة المركز الأولى. فالقرّاء، شأنهم شأن بولس نفسه، انتظروا حقًا مجيء يسوع القريب (1 تس 4: 15-17). حذّرهم بولس من انتظار في غير محلّه يولِّد الاضطراب والبطالة (1 تس 4: 11؛ 5: 14؛ 2 تس 6:3-12). ولكن إن طلب منهم أن ينتظروا بهدوء لأن لا أحد يعرف ذاك اليوم بالضبط (1 تس 5: 2-3؛ 2 نتس 2: 1-3)، إلاّ أنه ما زال يفكّر أن يوم مجيء الرب لن يتأخّر. لهذا، ظلّ يهتمّ بالسيناريو الجلياني الذي تلقّاه من التقليد اليهوديّ: البوق، الغمام، النار المحرقة والمنتقمة (1 تس 4: 16-17؛ 2 تس 1: 7- 10). الخصم، سرّ الاثم، العائق الذي يمنعه من الاجتياح (2 تمس 3:2-10).

2- الأولى إلى كورنتوس
وتظهر بعض سمات هذا السيناريو في 1 كور: ليس فقط في تدمير قوى الشرّ بيد المسيح، ساعة مجيئه (24:15)، بل في البوق الأخير أيضًا (15: 52). أما خطورة النهاية التي تلحّ على المؤمنين، فندركها في التعليمات حول الزواج: "الزمان قصير... صورة هذا العالم إلى زوال" (7: 29- 31). وبدا بولس متطلّعًا إلى احتمال أن يكون بين الذين لا يموتون، بل يتحوّلون (15: 51). وسيكون موقفه في هذا المجال مختلفًا كل الاختلاف في 2 كور. وهذا ما يدعونا إلى جعل مسافة زمنيّة بين 1 كور و 2 كور. قد يحدّد موقع 1 كور خلال الاقامة في أفسس حوالي 55 وقبل المحنة الكبرى التي جعلته يرى الموت وتقوده إلى التطلّع إلى موته الذي سيكون قبل مجيء المسيح. إن 8:16 يجعلنا نظنّ أنه سيترك أفسس. ولكن هذا الفصل الأخير قد يكون أضيف فيما بعد على رسالة سابقة، وذلك ساعة ترتّبت المجموعة البولسيّة.
في هذه الرسالة الغنيّة والمتشعّبة التي تعالج مختلف المسائل التي طرحتها جماعة كورنتوس، نلاحط أن الخلاص بالصليب هو موضوع حظيَ بتوسّع لافت حول حكمة العالم وجهالة الصليب (17:1؛ 2: 16). أما موضوع التبرير، فقد لامسه الرسولُ بشكل لافت، ولكن في ألفاظ تجعلنا نستشفّ منذ الآن فكر بولس الجدليّ، كما سوف يتوسّع فيه في غل وروم. صار المسيح "برًا" لأجلنا (1: 30). "شوكة الموت هي الخطيئة، وقوّة الخطيئة هي الشريعة" (56:15).
وموضوع الخلاص الطبيعي (أي على مستوى الطبيعة البشريّة، نفسًا وجسدًا) يظهر عند عدّة مفترقات، وفي ظروف محدّدة: نرى أن بولس يرى الخلاص في اتحاد جسد المسيحيّ مع جسد المسيح. وأوّل ظهور لهذا الموضوع نقرأه في حديث حول الزنى (6: 2-20)، فنرى فيه واقعيّة كبيرة. أما تطبيقه على الافخارستيا، فيحدّد موقعه على المستوى الاسراريّ (10: 16-17). فسَّر بواسطة استعارة "الجسم الاجتماعيّ" الذي هو صورته لا ينبوعه (12: 12- 28)، فألقى ضوءًا على مسائل الحياة الجماعيّة التي تُطرح بشكل دقيق في كورنتوس: النظام في الاجتماعات الليتورجيّة (12: 2- 74)، استعمال المواهب بشكل متناسق (12: 4- 11، 28-30؛ 14: 1- 40).
وقيامة الاجساد التي هي عنصر جوهريّ في الكرازة، طرحت سؤالاً على الفكر اليونانيّ في كورنتوس. حاول بولس أن يقدّم شروحه مستعينًا بالتشابيه (35:15- 41). وهذا ما قاده إلى إعطاء تحديد أوضح فيه حالة الجسد "الروحاني" لدى آدم الآخر والذين يرتدون صورته (15: 42-46). ويذكر النصُّ البُعد الكوني لعمل المسيح والخلاص المسيحيّ مرّات عديدة (8:2؛ 6: 3؛ 8: 6؛ 15: 24)، ولكن بطريقة خفرة. وهذا ما يفهمنا أن هذه الوجهة من الخلاص هي ثانويّة في نظر بولس. وسوف ننتظر أزمة كولسّي لنرى توسيعًا مستفيضًا في هذا المجال 

3- الرسالة إلى فيلبي
هذه الوجهة الكونيّة لانتصار المسيح الاسكاتولوجي (في نهاية الكون)، هي صدى لوجهة وجود أول للابن منذ الأزل، ونحن نجدها في فل التي تعود إلى سجن أفسس حوالي سنة 56-57. لاشكّ في أن هذه المعطيات نجدها في نشيد سابق لبولس. ولكن حين أخذه بولس تبنّى أفكاره. نكتشف عبارات لافتة حول الاتحاد بالمسيح وبعواطفه بما فيها من تواضع وتضحية (2: 1- 5)، وبآلامه وقيامته (3: 10- 11). هنا أيضًا يظهر بشكل مقتضب ولكن لافت، موضوع البرّ بالايمان لا بالشريعة (3: 6، 3) الذي سيتوسّع فيه بولس في غل وروم. ونلاحظ في 1: 20-24 أول تلميح بولسيّ إلى موت قريب، مع السؤال الذي يطرحه هذا الموت حول حياة "مع المسيح" حالاً بعد الموت. ولكن هذا السؤال سيجد جوابه في 2 كور 5: 1- 10. وكل ما نرى في فل 3: 20- 21، هو أن قيامة الاجساد تبقى مرتبطة بيوم مجيء المسيح.

4- الثانية إلى كورنتوس
حين دوّن بولس 2 كور، في مكدونية، خلال خريف 57، كانت نظرته الاسكاتولوجيّة قد تبدّلت تبدّلاً ملحوظًا، أقلّه في ما يخصّه. فقد قاسى في أفسس محنة قاسية ما زلنا نجهلها. وهي محنة جعلته في خطر الموت (8:1- 9). ولكن الله نجّاه منها (1: 10). غير أن هناك مقاطع عديدة تدلّ على أنه يحسّ بنفسه أنه صار سريع العطب (4: 11-12، 16؛ 11: 23؛ رج فل 2: 17). وهذه النظرة التي انضمّت إلى هجمات ضد رسالته من قبل "بسيدو- رسل" أو "رسل مزعومين" (11: 13)، كانت السبب في توسّعات رائعة حول الضعف الذي يرافق عظمة الخدمة الرسوليّة (4: 7-12؛ 6: 4-10؛ 12: 7- 10؛ رج 1 كور 9:4-13). ولكن، إن كان سيموت باكرًا، قبل المجيء، فكيف يكون "مع المسيح"؟ في فكرة غامضة، ولكن مؤثّرة (5: 1- 10)، تطلّع إلى ارتداء قريب "لمسكن أبديّ لم تصنعه أيد بشريّة، وهو في السماء". أو أنه يتطلّع إلى قيامة تحصل حالاً بعد الموت، أو أنه يتطلّع إلى جسد المسيح القائم من الموت، الذي يحسّ أنه متّحد به اتحادًا عميقًا بالمعموديّة وحياة الروح، بحيث يجد فيه سند وجود اسكاتولوجيّ تام.
إن تأخّر المجيء الذي اختبره بولس المرّة بعد المرّة، كانت له نتائج على ممارسة رسالته. بما أن تلك هي مشيئة الله، فالكنيسة تقيم في العالم. ويجب تنظيم برنامج حياة لها، وإن كان هذا البرنامج موقّتًا. فمنذ 1 كور، قدّم الرسول توصيات للمحافظة على وحدتها (1: 10-16؛ 3: 1- 15)، وعلى المستوى الأخلاقيّ فيها (5: 1-13؛ 6: 12- 20)، لترتيب الزواج والبتوليّة (ف 7)، والعلاقة مع الوثنيين (المحاكم 6: 1-8؛ اللحوم المذبوحة للأوثان، ف 8- 10)، لتأمين النظام في الاجتماعات (12: 2-14: 40). وفي 2 كور المكرّسة لتبرير رسالته ومخطّطات السفر، اهتم بولس بأن ينظّم اللمّة التي تعين الفقراء في فلسطين، وتقوّي التفاهم بين الجماعات سواء جاؤوا من العالم اليهوديّ أو العالم الوثنيّ (ف 8-9).

5- الرسالة إلى غلاطية
حين كان بولس في أفسس، عرف بخطر العودة إلى الشريعة الموسوية، الذي كان يهدّد كنائس غلاطية. فردّ على هذا الخطر بواسطة غل التي دوّنت في نهاية الاقامة في أفسس، أو في مكدونية. وعارض هذه النظرة بجدليّة حول التبرير بالايمان لا بأعمال الشريعة. سبق لبولس ولامس هذه المسألة في بعض المناسبات (1 كور 1: 30؛ 6: 11؛ 15: 56؛ فل 3: 6، 9)، وها هو يعالجها هنا في العمق. قدّم بولس كلامه بحدّة الحرب ودافع بحماس كبير عن انجيله وعن رسالته لدى الوثنيين. جاء البرهان قويًا مقنعًا، بعد أن استند إلى الكتب المقدّسة على طريقة الرابينيين في بعض المرّات (4: 21- 31).
إن موضوع التبرير الذي أوجزناه في فصل سابق، يحتلّ هنا مركز الفكر. ولكن سائر السمات في شميلة بولس، ستظهر على مدّ النصّ: الاتحاد بالمسيح المصلوب (2: 19- 20) بالايمان (2: 20؛ 3: 26) والعماد (3: 27).، وهذا ما يلغي كل تمييز على مستوى العرق والوضع الاجتماعيّ والجنس (3: 28)، فيقيم "الخليقة الجديدة" (6: 15) والحياة في الروح الذي يمنحنا البنوّة بالتبّني (4: 5- 7). وتكون الحرب على البدن، أو اللحم والدم (5: 16-24). وتُطرح الحريّة التي تضبطها المحبّة (13:5-15). وتظهر في غل للمرّة الأولى الشريعة الموسويّة وسائر الشرائع الدينيّة في العالم القديم (أي عالم الغلاطيين القديم، حين كانوا بعد وثنيّين). كما تظهر القوّات الكونيّة المسمّاة "عناصر الكون" (أو= العالم) التي تتحدّث عنها كو 4: 8- 10 بوضوح. غير أن القلق الاسكاتولوجي وانتظار المجيء غابا عن غل. فميراث ملكوت الله سيكون في الزمن المقبل (5: 21)، والوصول إليه ليس في الوقت القريب.

6- الرسالة إلى رومة
بعد ذلك الوقت بقليل، وساعة كان بولس في كورنتوس، دوَّن روم في شتاء 57-58. أراد أن يقدّم نفسه إلى جماعة عاصمة الامبراطوريّة، التي ترجّى أن يزورها قريبًا (روم 1: 1-15؛ 15: 22-29؛ رج أع 19: 21)، فرأى المناسبة مؤاتية ليقدِّم شميلة عن فكره كما نضج بعد أزمة غلاطية، وليستعيد بشكل منظّم وواضح مسألة الشريعة والايمان. فما كان في غل سيلاً متدفقًا يُزيل من أمامه كلَّ شيء، صار في روم نهرًا هادئًا يقدّم براهين تبدو في ثلاث محطات.
- عبور من الخطيئة إلى برّ الخلاص (18:1؛ 10:5): قبل المسيح (8:1؛ 3: 20). مع المسيح (3: 21؛ 5: 11).
- عبور من الموت إلى الحياة (5: 2؛ 23:6): قبل المسيح (5: 12- 21). مع المسيح (6: 1-23).
- عبور من الجسد (البدن، اللحم والدم) إلى الروح (7: 1؛ 8: 39): قبل المسيح (7: 7-25). مع المسيح (8: 1-39).
إن الوجهات الاساسيّة في الخلاص المسيحيّ المرتبطة بموضوع التبرير، تظهر مرارًا في هذه الرسالة: الفداء (3: 24). التكفير (3: 25). المصالحة (5: 10- 11) المعموديّة (6: 1- 11) البنوّة بالتبّني (8: 14-17). أما في الأقسام اللاحقة من الرسالة فنجد كلامًا حول التوافق بين الأعضاء في جسد المسيح (12: 3-8)، والعلاقات الاجتماعيّة (13: 1-7)، والحريّة التي تضبطها المحبّة تجاه "الضعفاء" (14: 1-15: 2). وظلّت النظرة الاسكاتولوجيّة ظاهرة هنا كما في غل، فارتدت وجهة كونيّة لافتة (18:8-25). غير أن التعبير عنها جاء اصطلاحيًا (13: 11-12)، فترك جانبًا تلك العاطفة التي تلحّ على الانسان بأن يستعدّ لمجيء الربّ.
مقابل هذا تلقّت العلاقات بين اليهود والوثنيين على مستوى الخلاص، اهتمامًا خاصًا وجديدًا جدًا. اكتفت الرسائل السابقة بحرب كلاميّة محدودة ضدّ اليهود (1 تس 2: 14-16؛ غل 3: 2-3، 18-19؛ 1 كور 1: 22-23؛ رج 2 كور 11: 24). وعوّضت عن هذا الكلام بإعلان يقول إنهم مدعوون إلى الخلاص في المسيح، شأنهم شأن الوثنيين (1 كور 1: 24؛ 9: 20؛ 13:12). غير أن هذا الكلام ظلّ في العموميّات.
ولكن موضوع التبرير دفع بولس إلى أن يفكّر بالتطبيق الملموس لهذا المبدأ النظريّ. كما أن خبرته الرسوليّة بيّنت له أن دخول اليهود في الخلاص المسيحيّ ما زال بعيدًا جدًا. كان في غل 1: 13-2: 21 قد ذكر كيف أنه، هو اليهوديِّ المولد، وعُمُد أورشليم معه، قد قبلوا بأن يتخلّوا عن الشريعة ويعيشوا "مثل الوثنيين" في الايمان بالمسيح فقط. ولكنه هاجم في الوقت عينه "الاخوة الكذبة" (أكانوا يهودًا أو مسيحيّين متهوّدين) الذي يريدون أن يفرضوا نير الشريعة (5: 7-12؛ 6: 12-13) على الآتين من العالم الوثنيّ.
أما في روم، فاستعاد بولس بشكل منهجيّ هذه المسألة التي وصلت به إلى حائط مسدود: أولاً في 1: 18؛ 3: 20 باتّهام قاس يبيّن فيه أن اليهود والوثنيين هم تحت الخطيئة، وأنهم كلَّهم يحتاجون إلى الخلاص الذي يحمله المسيح. ثانيًا في ف 9- 11 حيث يتساءل بقلق عن السبب الذي لأجله فشل المخطّط الالهي فشلاً ظاهرًا من خلال مقاومة اسرائيل. ما خفّف ذنبَ اليهود الذين تمرّدوا على الانجيل، بل أكدّه (سقوط في 9: 32؛ 11: 11- 12، 22؛ عصيان في 10: 18- 21. قساوة قلبهم في 11: 7- 10، 25؛ لاإيمانهم في 11: 23؛ عصيانهم في 10: 21؛ 11: 30- 31؛ رفضهم في 3:10). وحاول أن يتلمّس الأسباب السريّة (11: 35) التي جعلت الله يتحمّل انتباذ (11: 5) شعبه المختار، وانتزاعه (17:11، 18-22). واقتنع أن مثل هذا الشك هو موقت ويرتبط بعناية الله.
فالله الامين لحبّه (28:11-29) لم يرذل شعبه (2:11). فمن "بقيّة" صغيرة أمينة، صنع بواكير شعب جديد، ذريّة ابراهيم الحقيقيّة (9: 6-8؛ 11: 1-6). وإذا كان سمح بقساوة "جزء من اسرائيل، ليسهّل دخول الوثنيين" (11: 11-15، 25)، فهو سيطعّم على الزيتونة تلك الأغصان التي قُطعت موقتًا. وهكذا يخلص "كل اسرائيل" (26:11). يخلص بكليّته (11: 12، عبارة متفائلة تقابلها عبارة "بعض" في 11: 14). نكون هناك كما في "قيامة من بين الأموات" (11: 15). هذا لا يعني القيامة العامّة في نهاية الأزمنة، بل عمل قدرة ذاك الذي وحده "يهب الحياة للموتى" (4: 17؛ رج 2 كور 1: 9). هذا سيكون عودةَ الابن الأكبر الذي حلّ محلّه الابنُ الضال (رج لو 15: 24، 32). وتعزّى بولس بهذا الرجاء. ولكننا ما زلنا في الرجاء. وسوف نرى الموقف الذي يأخذه بولس في أف.

7- الرسالة إلى كولسي
انفصلت كو عن مجموعة "الرسائل الكبرى" (1 و2 كور، غل، روم، فل) بفسحة زمنيّة تمتدّ على ستة أعوام تقريبًا. قد تكون دوّنت في أسر رومة (لا قيصرية ولا أفسس)، وفي نهاية السجن الأولى سنة 63-64. فرسالة فيلمون التي عاصرتها، تتطلّع إلى تحرّر قريب من السجن سيعرفه المرسل (فلم 22). وهكذا تسنّى لفكر بولس أن يتطوّر، لاسيّما وأن أزمة جديدة جاءت تخصب فكره. فإبفراس، التلميذ الذي بشّر كولسي خلال إقامة بولس في أفسس (رج أع 19: 10)، جاء إلى رومة يخبر معلّمه عن الضلالات التي تهدّد إيمان الجماعة الصغرى. وتتميّز هذه الضلالات بعودة أصوليّة وتنسكيّة إلى ممارسات العالم اليهوديّ، وباهتمام مفرط بالقوّات السماويّة: هناك خطر بإعادة الشريعة الموسويّة إلى الأمام وكأنها تكفي للخلاص أو تزيد على الخلاص. وهناك اساءة إلى أولويّة المسيح المطلقة في نظام الخلاص.
ردّ بولس على هذين الخطرين، فأكدّ سموّ المسيح البروتولوجيّ (في البدايات) والاسكاتولوجيّ (في النهايات) بالنسبة إلى القوات السماوية. وشجب "تعايشًا" بين هذه القوّات وشرائع العالم القديم الدينيّة، بما فيها الشريعة الموسوية، بحيث إن زالت واحدة زالت الأخرى. ينتج عن هذا في كو، أفق كونيّ تستنير به مواضع أشارت إليها رسائل سابقة.
هناك نقّاد يرفضون نسبة هذه الرسالة إلى بولس. يبدو أنه هو صاحبها، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن لاهوته نما وتطوّر، وأن مواضيع رُسمت رسمًا سريعًا وبشكل عابر فيما مضى، فظهرت الآن في المكانة الأولى. هذا ما سوف نكتشفه في تحليلنا. وبجانب الافق الكونيّ، نلاحظ اسكاتولوجيا قد تحقّقت وما زالت: فمع أن المجيء تأخّر، إلاّ أن بولس شدّد تشديدًا خاصًا على واقع الخلاص الذي نمتلكه منذ الآن.
أ- واقع المسيح
ظلّ واقع المسيح معروضًا حسب الرسمة الاساسيّة في الكرازة: الصلب والدم، الموت والقيامة (الآب أقامه)، الانتصار السماوي (1: 20- 21؛ 2: 12؛ 3: 1). غير أن هذا العنصر صار غلبة حاضرة منذ الآن، على القوّات الكونيّة (رج 1 كور 15: 24 حيث تتمّ الغلبة في الزمن المقبل). فالمسيح يسود عليها لأنه خالقها، في وجوده الكونيّ قبل الزمن (1: 15-17). ويسود عليها في انتصاره الاسكاتولوجيّ، في آخر الزمن (2: 15). إنه "رأسها" (2: 10). والكون كله الذي خضع هكذا للمسيح الخالق والمخلّص، صار "الملء" (1: 19؛ 9:2). ويتقبّل المسيحي من المسيح الخلاص، حين يتّحد به في الايمان (1: 4؛ 23: 2: 5- 7) والمعموديّة (2: 12).
ب- الخلاص الادبي (من الخطيئة)
الخلاص الادبي الذي هو عبور من الخطيئة إلى القداسة، يعبَّر عنه حسب ذات المواضيع الاساسيّة: الخطيئة السابقة (1: 21؛ 13:2، عالم خاطئ سابق). الغفران (2: 13). الفداء (1: 14). المصالحة (1: 22). من هنا تنبع حياة مقدّسة في حضرة الله (1: 22). وهذا العالم الخاطئ يبدو كسجن في "مملكة الظلمة" (1: 13). وامتدّت المصالحة إلى الكون كله (1: 20).
ج- الخلاص القانونيّ
الخلاص القانونيّ هو تحرّر من الشريعة وفرائضها البدنيّة، البشريّة، على مستوى اللحم والدم. وهذه الفرائض هي "ظلّ" الواقع الاسكاتولوجي (2: 11 تلميح معاد إلى الختان، 2: 16-23). ولكن خلف الشريعة، تقف القوّات السماوية التي تديرها وتجعل منها أداة سيطرة. كانت هذه القوّات الكونيّة صالحة في الاصل، على مثال الشريعة نفسها (رج رم 7: 12). وقد تماهت مع الملائكة الذين نقلوا الشريعة في سيناء (غل 3: 19؛ عب 2: 2؛ أع 7: 15) كما تماهت مع "عناصر الكون" التي تسود على شرائع العالم القديم (غل 4: 3، 9). غير أن هذه القوّات صارت اليوم تستعبد البشر وتستبدّ بهم. فمن تبع فرائضها كان وكأنه يتعبّد لها (18:2). ولكن حين دفع المسيح الصكّ الذي كان في يد الشريعة، جرّد هذه القوّات فصارت ضعيفة جدًا (2: 14-15). وبما أن الكولسيين ماتوا عن عناصر الكون هذه (2: 20)، فيجب عليهم أن لا يعودوا إلى عبوديّة "فلسفتهم" الباطلة (2: 8).
د- شموليّة الخلاص
ويتحدّث 3: 11 عن شموليّة الخلاص بشكل يذكّرنا بما في 1 كور 13:12؛ غل 3: 28. غير أن التأكيد يبرز في قوّة جديدة: "المسيح بينكم (أيها الوثنيون) رجاء المجد (1: 27). ذاك هو السرّ الذي كلّف بولس أن يحمله. لقد نال خدمة تدعوه إلى أن يحقّق مجيء الكلمة لدى الوثنيين (1: 25). وهو لأجلهم يتألّم (1: 24، 28، 29؛ 2: 1؛ 4: 3).
هـ- الخلاص الطبيعيّ
الخلاص الطبيعيّ هو عبور من الموت إلى الحياة، يدرك المسيحي حتى في جسده. يستعيده بولس بمناسبة الحديث عن المعموديّة التي هي موت وقيامة مع المسيح، بشكل يذكّرنا بما في روم 3:6- 11. لكنه يفعل ما يفعل بواقعية اسكاتولوجيّة متزايدة واستغلال منطقيّ لموضوع "الانسان القديم والانسان الجديد" (رج روم 6: 6). واستعاد موضوع "جسد المسيح" الذي تهيّأ في 1 كور وروم، مع إضافة هامّة تقول إن المسيح هو رأس هذا الجسد (1: 18؛ 2: 19). لاشكّ في أن الصورة اختلفت عمّا في 1 كور 12: 21. ولكننا لا ننسبها إلى مرجع غنوصيّ. بل هي مزيج موضوعين سابقين خاصَّين ببولس: موضوع "جسد المسيح". وموضوع المسيح "رأس القوّات" (2: 10). هو مزج بديهيّ هيّأه 1 كور 11: 3: "رأس كل إنسان هو المسيح".
ويعود استعمال "الملء" (بليروما) إلى عبقريّة بولس لا إلى عالم غنوصيّ عبّر عن ذاته كتابة في القرن الثاني. قد يكون بولس وجد هذه اللفظة في العالم الرواقي وفى الكتب الحكميّة لدى اليهود. أراد بولس أن يردّ على معلّمي كولسي فقال إن شخص المسيح وعمله الخلاصيّ يضمّان الكون كله، وليس فقط البشريّة المدعوّة لتكون جسده، والتي هي إطار البشريّة. لقد ضمّ يسوع كل العالم المخلوق بما فيه القوات السماوية، كما ضمّ العالم اللامخلوق، عالم الالوهة لأنه ابن الله. من أجل كل هذا، اعتبر الرسول أن كلمة "بليروما" أو ملء الكائن، تليق بهذا الوضع. وإذ أراد الله أن يصالح كل شيء في السماء وعلى الأرض "ارتضى أن يُحلّ في المسيح الملء كله" (19:1)، "ملء اللاهوت" الذي يُضاف إليه "جسديًا" (2: 9) بواسطة التجسّد والفداء، كلُّ الكون المخلوق الذي يأخذ على عاتقه بأن يعيده إلى بهائه الأول كما خرج من يد الخالق.
و- الاسكاتولوجيا
بدت الاسكاتولوجيا وكأنها تتحقق يومًا بعد يوم. لاشكّ في أن هناك بعدُ تطلعًا إلى الاستحقاق الأخير. والرجاء ما زالت "محفوظًا في السماوات" (1: 5؛ رج 1: 23، 27). والحياة "المخفيّة الآن مع المسيح في الله" لن تظهر إلاّ فيما بعد، ساعة تجلّي يسوع المجيد (3:3-4). غير أن تأخّر المجيء المؤجّل دومًا، يدعونا إلى أن نشدّد تشديدًا خاصًا على واقع الخلاص الذي نمتلكه منذ الآن. وإليك مثلين يبرهنان عن هذا الواقع. قال بولس في روم 6: 35 إن المعمّد يموت مع المسيح من أجل القيامة المقبلة. وفي كو 2: 12، هذه القيامة قد حصلت منذ الآن. في 1 كور 15: 24، أعلن بولس انتصار المسيح على القوّات السماويّة كواقع مقبل، كالفصل الأخير في دراما الخلاص. وفي كو 2: 15، قد حصلنا منذ الآن على هذا الانتصار.
ز- السرّ
ونزيد موضوعًا لم نتوقّف عنده كثيرًا فيما مضى: هو موضوع السرّ. وهو يميّز بشكل خاص كو وأف. ظهر مرّات عديدة في الرسائل السابقة، وفي معنى لا يربطه بالعالم السرّانيّ لدى الهلينيين، بل بالعالم الجلياني لدى اليهود: سرّ مخطّط الله الذي كُتم في الماضي وكُشف الآن. في 1 كور 7:2، كان هذا السرُّ سرَّ الخلاص بجهالة الصليب. وفي 1 كور 15: 51، هو مصير المسيحيين في المجيء، سواء كان قيامة أم تحوّلاً. في روم 11: 25، السرّ هو قساوة اليهود التي سمح بها الله ليتيح للوثنيين المجيء إلى الخلاص. وفي روم 16: 25-27، في مجدلة أخيرة، قد جاءت متأخّرة عن جسم الرسالة، صار السرّ نداء إلى جميع الوثنيّين لطاعة الايمان. تلك هي الوجهة التي استعادتها رسائل الأسر. ذكر كو 1: 26-27 هذا السرّ وأعلن غناه. بولس هو خادمه (1: 25) وهو لأجله يجاهد ويتألّم.
إن موضوع السرّ الذي كُشف "الآن" للقديسين (1: 26)، أي للمسيحيين، ولخدّام الكلمة خاصة، يجتذب موضوع "المعرفة الروحيّة" الضروريّة لفهمه. فهذه "المعرفة" (غنوسيس) المسيحيّة التي لا تمتّ بصلة إلى الغنوصيّة، كانت موضوع الرسائل السابقة، ولاسيّما في توسّعات 1 كور 18: 2-16 حول حكمة الله التي تعارض حكمة البشر، وفي ف 14 حوله المواهب الروحيّة كالنبوءة والتكلّم بالالسن (رج أيضًا الاعلان بشكل مجدلة الذي نقرأه في روم 11: 33-36).
فمنذ اكتشف بولسُ المسيحَ على طريق دمشق (غل 1: 12-16).، لم تغب عنه "الرؤى والايحاءات" (2 كور 12: 1-4) التي ألهمت رسالته. ولكننا ننتظر السنوات الاخيرة في عزلة سجنه الروماني، لكي نحسّ أنه "مسحوق" إعجابًا بمخطّط الخلاص الالهيّ. هذا ما قرأناه في كو 1: 25-27، حين يُعلن السر الذي سلِّم إليه. وفي 2: 2-3 هو يطلب لمؤمنيه أن "يبلغوا إلى الفهم الكامل بكل غناه، وبه إلى معرفة سرّ الله أي المسيح، المكنونة فيه جميع كنوز الحكمة والعلم". وفي 3: 10، يرى في ارتداد الانسان الجديد الذي يتمّ في المعموديّة، مسيرةً نحو المعرفة الحقّة التي تجدّد الانسان على صورة خالقه. وهذا المعنى للسرّ والمعرفة الروحيّة، سنجده أيضًا في الرسالة إلى أفسس.

8- الرسالة إلى أفسس
يرفض معظم الشرّاح نسبة هذه الرسالة إلى بولس". يجب أن نقرّ بأن تدوينها يطرح مسألة هامة. فكاتبها يستعيد مواضيع وألفاظًا نجدها في الرسائل السابقة، ولا سيّما في كو. وهكذا نكون أقله أمام تلميذ كان سكرتير بولس. أخذ أفكار بولس ودوّنها بطريقته. وقد يكون لبولس ضلع في تدوين بعض مقاطع منها. وقد تكون أف الرسالة التي انتظرها الكولسيون من لاودكية (كو 4: 16). وكما جاءت روم بعد غل، كعرض واضح وهادئ لما وصل إليه فكر بولس بعد أزمة غلاطية، هكذا جاءت أف بعد كو بشكل رسالة دوّارة توجّهت إلى كنائس آسية. أراد الرسول أن يتأمّل مخطّط الله الخلاصيّ في أفق توسّعَ وسع الكون. هذا لا يعني أن بولس يهتمّ كثيرًا بالوجهة الكونيّة للخلاص. فضلال الكولسيين أجبره على الاهتمام بالقوّات العلويّة ليعيدها إلى مكانها. فاهتمامه الحقيقيّ يتوجّه إلى خلاص البشريّة، إلى جسد المسيح، إلى الكنيسة. لهذا يعود شي أف إلى الاكليزيولوجيا، إلى نظرة إلى الكنيسة وُضعت في إطار كوني شامل.
ونجد في أف كما في كو المواضيع الاساسيّة التي وجدناها في الرسائل السابقة، وهي مواضيع الكرازة المسيحيّة الأولى: ماضي الخطيئة للوثنيين واليهود (2: 1- 3؛ 4: 17- 19. نحن هنا أمام ملخّص لافت لما في روم 1: 18- 32)، الفداء وغفران الخطايا بدم المسيح (1: 7)، قيامة المسيح بيد الآب الذي أجلسه عن يمينه (1: 20)، اتحاد مع المسيح بالايمان (1: 15؛ 17:3) والمعموديّة (4: 5؛ رج 5: 14)، حياة نقيّة ولا لوم فيها في حضرة الله (1: 4)، بنوّة بالتبّني (1: 5). وهناك المواضيع الخاصّة ببولس: خلاص بالايمان لا بالأعمال (2: 8- 9)، مسيحيون "أعضاء جسد" المسيح (5: 30)، الانسان القديم الذي حلّ محله الانسان الجديد الذي هو ثمرة الخليقة الجديدة (4: 22-24؛ رج 2: 10)، مواهب معدّة لبناء جسد المسيح (7:4، 11-12).
إن الوسع "الكونيّ" للخلاص الذي رأيناه في كو يعود في أف بشكل أعظم. وقد فُسِّرت الخطيئة بتأثير من القوّات الكونيّة التي اتّخذت وجه الشرّ: "رئيس قوّات الهواء" (2: 2). "ولاة عالم الظلمة"، "أرواح الشرّ المنبثّة في الفضاء" (6: 12). لقد أخذ المسيح الكون على عاتقه بنزوله تبعه صعود (4: 8، 10). والقوّات التي انتصر عليها تُعدَّد بتفصيل يدلّ على نفاد صبر (1: 21). وكما في كو، هذا الانتصار ليس في وقت مقبل، بل قد حصلنا عليه منذ الآن حسب اسكاتولوجيا "تحقّقت". جاءت عبارة أف أكثر تجرؤًا: لا يقول بولس فقط إن المعمّدين قد قاموا (كو 2: 12)، بل جلسوا في السماوات (أف 2: 6). أما المصالحة الشاملة التي قرأنا عنها في كو 1: 20، فاستعادتها أف مع لفظة تعني جمع ورفع كل ما في السماء وعلى الأرض (1: 10). جعلهم تحت وأس واحد هو المسيح. قد يكون أخضعهم بالقوّة أو ضمّهم إليه بالحبّ.
أما القوّات الكونيّة التي فرضت عليه أزمةُ كولسي أن يواجهها، فهي لا تهمّ بولس الآن في حدّ ذاتها. فاهتمامه كله يتوجّه إلى الكنيسة. هذه اللفظة التي لم تظهر في الرسائل السابقة في هذا المعنى الشامل (ما عدا في نصوص تتحدّث عن كنيسة الله، 1 كور 9:15؛ فل 6:3؛ غل 1: 13)، قد اتّخذت هنا أهميّة خاصّة. هي تتماهى مع جسد المسيح. والمسيح هو رأسها (1: 22-23؛ 23:5). وهي تُبنى بفعل هذا الرأس (4: 15-16). بل هي تماهت مع "الملء" (23:1)، وهذا ما أعطاها الوسع الكونيّ للعالم الجديد، بعد أن ولجه ملءُ الله (3: 19) والمسيح (4: 13).
لقد توسّع الاطار بعد كو، ولكن الفكر تركَّز مرّة أخرى على مسألة تشغل بال بولس: خلاص البشريّة. لهذا كان نداؤه الملحّ إلى الوحدة التي يجب أن تملك في جسد المسيح (4: 1، 16)، وعودته إلى وجهة عالجها في روم 9- 11، وهي جمع اليهود والوثنيين في المسيح. استعاد هذا الموضوع على ثلاث دفعات مع تفاؤل الاسكاتولوجيا التي تحقّقت. في 1: 11-12، 13-14، حدّد موقع اليهود ثم موضع الوثنيين في مخطّط الله الخلاصي. في 2: 1-6، بيّن كيف أن هؤلاء وأولئك هم خطأة معًا فخلّصوا معًا. وفي 2: 11-12 تحدّث بشكل تفصيليّ عن هذا الخلاص: في الماضي استُبعد الوثنيون عن الشعب المختار بالشريعة التي فصلتهم عن الآخرين فولّدت البغض. وها هم قد تصالحوا مع هذا الشعب بصليب المسيح، فحقّ لهم منذ الآن القرب إلى الآب، فبنوا كلهم معًا بيت الله.
اختلفت في أف اللهجة عمّا كانت عليه في روم 9- 11: فالبحث القلق عن حلّ، قد جاء مكانَه يقينٌ هادئ بأن الحلّ قد وُجد. مرّت ست سنوات فتأمّل بولس بهدوء وثقة في مخطّط الخلاص الذي تحقّق منذ الآن ملء التحقّق في المسيح.
وتأمِّل بولس في أف (كما في كو ولكن بحرارة أكثر) "السرّ" الذي أوحي له فعرفه (3 :2-4). وطُلب منه أن يكرز به (7:3-9؛ 6: 198- 20): ضمُّ الوثنيين، أي ضمّ البشريّة كلها مع إطارها الكوني إلى الخلاص الذي أعدّ لاسرائيل (1: 9-14). فللجميع "ميراث واحد وجسد واحد ووعد واحد" (6:3). "غنى نعمته الذي أعطي لنا في كل حكمة وفهم" (7:1-8). "كنوز المجد" التي نجدها في ميراث القديسين (18:1). عظمة قدرة الله الفائقة (19:1). "غنى نعمته الفائق" (7:2). "غنى المسيح الذي لا يُستقصى" (3: 8). "حكمة الله بوجوهها العديدة" (3: 10).
تتكدّس العبارات فتعكس مشاهدة الرسول بما فيها من حماس. لهذا فهو يتمنّى للمؤمنين "روح الحكمة والوحي" و"استنارة عيون القلب" (1: 17-18) التي تعطيهم أن يعرفوا هذا السرّ. ويحني بولس ركبتيه ويطلب إلى الآب في صلاة احتفاليّة أن يقوّي فيهم الانسان الباطنيّ ويجذّرهم في المسيح بالايمان والمحبّة لكي يتوصًلوا أن يفهموا "العرض والطول والعلوّ والعمق"، أن "يعرفوا حبّ المسيح الذي يفوق كل معرفة" (3: 14-19). في هذا الاسلوب مع ما فيه من تكرار نحسّ بقلم التلميذ الذي دوّن ما دوّن في خطّ الرسول.

خاتمة
منذ الارتداد على طريق دمشق، ومنذ 1 تس، كانت الطريق طويلة. طريق وعرة وخشنة، لا سهلة ومالسة. طريق متحرّكة ولا تسير في خطّ واحد. ولكنها طريق متواصلة وصاعدة. فإذا أردنا أن نمتلك هذا الفكر الغنيّ، يجب أن لا نترك معرجًا واحدًا من معارجه. وقد حاولنا أن نسير في فصلين متعاقبين فاكتشفنا بعض فكر بولس الذي ظلّ متماسكًا منذ الخبرة الأولى التي هي اللقاء الحيّ بالمسيح القائم من الموت.
الفصل الثاني والثلاثون
بولس تجاه كنائس عصره

إن مكانة وأهميّة الرسائل البولسيّة في العهد الجديد، وفي تاريخ الكنيسة، يجب أن لا تنسيانا المقاومة القاسية التي واجهها بولس في حياته. فالتوسّعات الكبرى في رسائله والبراهين المتراصّة تدلّ على أن سلطته في الرسالة كانت مثار جدال. بل تفسير انجيله وشخصه. نحن نخطئ حين نظنّ أن بولس ساد على الكنائس سيادة لا ينازعه فيها أحد. وسلطته لم تُفرض أبدًا على المسيحيّين المتهوّدين والمحافظين، الذين كانوا أقوياء في الجماعات الأولى. والذين ورثوه في الرسالة لم يدركوا الاتجاه الخاص بفكره اللاهوتيّ. لهذا نحتاج إلى بعض التراجع لكي يظهر لنا وجهُ بولس الحقيقيّ في القرن الأول. هذا ما نعالجه في هذا المقال.

1- المشروع البولسيّ
لا نعرف إلاّ الشيء القليل عن الحقبة التي تفصل ارتداد بولس ودعوته عن مشاركته في اجتماع الرسل (مجمع أورشليم، غل 2: 1-10؛ أع 15) الذي التأم سنة 48-49. وما يقوله الرسول عنه لا يفي بالمراد (غل 1: 15-24). ولا يقدّم لنا سفرُ الأعمال ما يعيننا في هذا المجال (أع 13: 14). مقابل هذا، نمتلك وثائق عن المحاولة الرسالية الصاعقة التي تمتّ في السنوات التالية. انطلق بولس من أورشليم، فعبَر مرّات عديدة آسية الصغرى (تركيا)، مكدونيّة (اليونان)، وأسّس جماعات جديدة في غلاطية (قلب تركيا الحالية، حول أنقرة)، في لا مكدونية (فيلبي، تسالونيكي)، في كورنتوس. ونبتت لديه فكرةٌ تدعوه للذهاب إلى رومة وإلى اسبانيا (روم 15: 22-29).
غير أنّه أُوقف خلال سفرة ثالثة إلى أورشلم حيث كان يحمل مساعدات تتوخّى أن تظهر وحدة الكنائس المؤسّسة حديثًا مع كنيسة اليهوديّة، واعترافها بالجميل للكنيسة الأم (روم 15: 25-27، 30-32؛ غل 2: 10؛ 2 كور 8-9؛ فل 4: 10-20). ونُقل إلى رومة (في السنوات 56-58)، فوضع نقله حدًا لهذا المشروع: مشروع حمل الانجيل إلى أقاصي المعمورة.
احتفظ لنا سفر الأعمال بخبر هذا النشاط الرسوليّ. وما حاول أن يعيد بناء الخطب التي ينسبها إلى بولس، ولا أن يُظهر منحى لاهوته الخاص. علينا أن نتساءل عن الأسباب التي حدت بلوقا على القيام بهذا الاختبار. أما الآن فنتوقّف عند بعض النقاط:
أ- إن رسالة بولس لا تنفصل عن تفسيره اللاهوتي الاساسيّ للانجيل. وهذا التفسير يرتبط بدوره ارتباطًا وثيقًا بالطريقة التي فيها يروي لنا لقاءه بالمسيح (فل 3: 4- 14؛ غل 3: 12- 14). ولكن من الوضح أن "الوحي" الذي أوصله الله إليه عن ابنه (غل 1: 16)، دلّه على نهاية بحثه كفريسيّ، لكي يجد تبريره أمام الله في ممارسة الشريعة.
فالله لا يتجلّى في متطلّبات أعمال الشريعة، بل في عطيّة البرّ التي هي نعمة مجانيّة (روم 1:17-18؛ 3: 21-26؛ غل 2: 15- 21). وقد دلّ الصليب على فشل الشريعة نفسها حين اعتبر المؤمنون أنها تستطيع أن تعيد الانسان إلى دعوته الحقيقيّة (غل 3: 12- 14).
ب- وهذا الوحي الذي وُهب لبولس، لا يعني فقط انفتاح الكنيسة المسيحيّة على الوثنيّين. فمهمّة الرسل قد بدأت قبل بولس، حتى لدى غير اليهود. وتبعت في ذلك مثالَ المجامع المزروعة في بلاد الشتات، والتي انفتحت بعض الشيء على خائفي الله والمرتدين الجدد. وتضمّن الوحي الذي وصل إلى بولس إعلان الانجيل للوثنيّين دون المرور باليهوديّة.
وشرح الرسول موقفه أكثر من مرّة (روم 3: 26- 31؛ غل 2: 11- 21؛ 3: 26-29). ليس الله وقفًا على الذين نالوا الشريعة أو مارسوا الختان. فهو يعطي برّه لجميع الذين يؤمنون ويتقبّلون هذا البرّ. "أو يكون الله لليهود فقط؟ أو ليس هو الله للأمم أيضًا؟ بل للأمم أيضًا. لأن الله واحد، وهو يبرّر المختونين بالايمان واللامختونين باللايمان" (روم 3: 29- 30).
ج- واصل بولس مشروعه حتى النهاية. وهو إعلان الانجيل للوثنيّين دون أن يفرض عليهم أن يمرّوا في العالم اليهوديّ. وهذا ما دفعه إلى إعادة صياغة كرازته للصليب في مقولات ولغة مختلفة، من أجل مسيحيّين تحضّروا بحضارة هلنستيّة. هذا ما يجمله إنجيل بولس في ألفاظ تحكي عن الخلاص، عن القوّة والحكمة، عن الضعف والجهالة. وتجنّب الرسول بشكل منظّم مقولات التبرير وأعمال الشريعة وأعمال الايمان. فبولس لا يكتفي بأن يترجم لاهوته إلى اللغة اليونانيّة، بل يقوله من جديد ويعيد صياغته في لغة أخرى.
د- ولكن لم يكن مشروع بولس أن يبني كنيسة مسيحيّة أمميّة (من الأمم الوثنيّة) بجانب الجماعات الأولى التي كانت مسيحيّة متهوّدة (مسيحيون من أصل يهودي، وقد ظلّوا يحافظون على الممارسات اليهوديّة). فعلى مدّ نشاطه اللاهوتيّ والرساليّ، لبث مهتمًا بالتعبير عن وحدة الكنائس الجديدة مع الجماعة الأولى (في أورشليم). وقد أراد أن يجمع المسيحيين الآتين من العالم اليهوديّ ومن العالم الوثنيّ، حول مائدة واحدة (غل 2: 1- 21؛ رج روم 14: 1- 13:15). كما سعى إلى الحصول على اعتراف متبادل بين مختلف الجماعات. لهذا كانت المساعدات التي أرسلتها الكنائس إلى كنيسة أورشليم.

2- مشروع صعب
وهكذا بدا مشروع بولس في مجمله، متجاوبًا مع تماسك عميق. ولكننا نندهش حين نلاحظ أن بولس لقي مقاومة عنيفة في كل عمله، في لاهوته، وفي محاولته الرسوليّة، وذلك بسبب فهمه المميّز للإيمان المسيحي، وبسبب النقاط التي أثرناها في المقطع الأول.
أ- كفاح الرسول
خلال السنوات العشر التي تفصل اجتماع أورشليم عن السجن الأخير في رومة، ما فتئ بولس يثير جدالات حادة وعميقة، فوجب عليه أن يقف ثابتًا حيالها. والتأليف الحاليّ للعهد الجديد يجعلنا نشعر أن بولس أشرف بشخصه وفكره ونشاطه، على الثلاثين سنة الأولى في حياة الكنيسة. غير أن هذا مجرّد شعور. فالكفاح الذي قاده الرسول في رسائله يشهد بشكل صريح على واقع يختلف كل الاختلاف.
كفاح في الجماعات الهلينيّة التي أسّسها، تجاه تحريف الانجيل في حماس مبنيّ على روحانيّة "وثنيّة". فانجيل بولس لا يُعاش في احتقار الواقع. بل هو يُدخل في الواقع الحضاريّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، مرماه الخاص. هذا ما نجده بشكل خاص في 1 و2 كور.
كفاح تجاه المسيحيّين المتهوّدين، المسيحيّين المحافظين، الذين يتدخّلون في عدد من الجماعات التي أسّسها (ولاسيّما في غلاطية وفي فيلبي)، فيعلنون إنجيلاً آخر (غل 1: 8-9)، ويعيدون ممارسة الشريعة والختان. هذا ما نجده في غل وفي فل. وبعض الشيء في 2 كور.
وفي كلا الحالين (أي تجاه الجميع تقريبًا)، وجب على بولس أن يدلّ على شرعيّة تفسيره اللاهوتيّ للانجيل (روم)، على شرعيّة سلطته الرسوليّة (2 كور 10-13) ونشاطه الرساليّ (غل 1-2). والصراع في كورنتوس (أقلّه في بداياته) يبدو صراعًا محصورًا في جماعة كوّنها بولس ففهمت كرازته فهمًا سيّئًا. ولكن بعد ذلك، جاءت المقاومة من الخارج. مقابل هذا، عرّضت المواجهةُ في غلاطية، الاعتراف برسالة بولس للخطر في نظر أورشليم والرسل. واعتراف العُمُد بالجماعات الجديدة التي أسّسها الرسالة البولسيّة. وهكذا دلّت هذه المواجهة على ضعف سلطة بولس في كنائس عصره.
ب- بولس موضوع نزاع
والنزاع بين بولس والمسيحيين المتهوّدين، سيكون عنيفًا وواضحًا في غل. ونحن نرى في هذه الرسالة العناصر الرئيسية في الجدال.
ونبدأ بالمعطيات التي بين أيدينا. فبعد حقبة أولى من النشاط الرسولي في سورية وكيليكيّة (غك 1: 21-24)، صعد بولس مع برنابا إلى أورشليم لينال الاعتراف برسالته لدى "العمد" يعقوب وبطرس ويوحنا (غل 2: 1- 10)، "فرأى هؤلاء أني أؤتمنت على الانجيل لغير المختونين، كما أؤتمن عليه بطرس للمختونين، لأن الذي عمل في بطرس لرسالة المختونين، عمل فيّ أيضًا لرسالة الوثنيين، وإذ عرفوا النعمة التي أوتيتها، مدّ يعقوب وكيفا (بطرس، صخر) ويوحنا، وهم المعدودون أعمدة، يمناهم إليّ وإلى برنابا عربون الاتّفاق الكامل، لنذهب نحق إلى الوثنيين (الأمم) وهم إلى المحنتونين" (غل 2: 7-9).
على أساس هذا الاعتراف (الاتفاق) المتبادلة، عاد بولس إلى آسية الصغرى عبر أنطاكية. غير أن غل تشير إلى حدثين خطيرين جعلا بولس يواجه المسيحيّين المتهوّدين في أورشليم. في أنطاكية أولاً التي وصل إليها بطرس. شرع بطرس أولاً يأكل مع الوثنيين،، وهكذا تجاوز إحدى القواعد اليهوديّة. ولكنه كان في خطّ اتفاق أورشليم في ما يتعلّق بالوليمة الافخارستيّة التي تدلّ بقوّة على اتحاد المسيحيّين سواء جاؤوا من العالم اليهوديّ أو من العالم الوثنيّ. ولكن في هذه الاثناء وصل "أناس من عند يعقوب" (2: 12). فأراد بطرس أن يلعب دور الوسيط، "فتنحّى خوفًا من المختونين"، وهكذا حطّم الاتفاق والتفاهم بين الجماعتين.
ج- توافق مهدّد
وهكذا لم يُقبل الاعتراف المتبادل. وتهدّد الاتفاق. ونصل إلى الحدث الثاني الأخوة الكذبة الذي وجدناهم في غل 2: 4- 5 (اندسّوا خلسة ليتجسّسوا حريتنا)؟ ربما. ومهما يكن من أمر، فهؤلاء قد وضعوا البلبلة، وقلبوا إنجيل المسيح (1: 7) وأعادوا الشريعة (3: 1- 6) والختان (6: 11- 16).
من هم هؤلاء المندسّون وماذا يشكّلون؟ أنهم غير المتطرّفين المتشيّعين. بما أنهم جاؤوا من عند يعقوب، فنحن نرى فيهم ممثّلين عن الجماعة الأولى في أورشليم أو محازبين لها. غير أن أهميتهم في زمن نشاط بولس، كانت كبيرة جدًا. ففي نهاية القرن الأول، وبعد انتشار الكنيسة الكبير في العالم الروماني، ودمار أورشليم، صاروا أقليّة وانغلقوا على نفوسهم.
يجب أن نذكر أن مختلف كتابات العهد الجديد (ما عدا رسائل بولس) تعود إلى هذه الحقبة الأخيرة، وقد وُلدت في أوساط المسيحيّين الآتين من العالم الوثنيّ. لهذا، لا نضلّ فنجعل من دور المسيحيّين المتهوّدين دورًا ثانويًا في أيام بولس. فمن أورشليم حدّد بولس حقل رسالته، وفي أورشليم نال الاعتراف بسلطة رسالته (غل 2: 1- 10). وفي أورشليم أيضًا أراد أن يدلّ على وحدة الكنيسة (روم 15: 22-32).
إذن، لقي بولس المعارضة لدى قسم هام في الكنيسة الاولى. فبماذا يتّهمونه؟
د- مقاومة المسيحيّين المتهوّدين
تدلّ براهين غل على أساس المسألة: التواصل بين الوعد والنظم التوراتيّة من جهة، ومدلول شخص يسوع وكرازته من جهة أخرى. هذا هو الموضوع الذي ينبغي فيه أن يقنع بولسُ خصومَه. فالمسيحيون المتهوّدون الذين يجادلهم، يقرّون مثله بالمدلول الحاسم لتعليم يسوع وموته وقيامته. غير أنهم يرفضون في تفسيرهم للانجيل، أن يمسّ الصليب الدورَ الخلاصيّ للطاعة للشريعة، وانتماء التلاميذ إلى تقليد اسرائيل، وامتيازات عهد موسى.
عاد بولس إلى العهد القديم يستقي استشهاداته، فبيّن للغلاطيّين أن أولاد ابراهيم يولدون بالايمان لا بالانتماء الجسدي إلى العالم اليهوديّ (غل 3: 6- 14؛ 3: 15-28؛ 4: 1-7؛ 4: 21-23). ولكن هذا الجدال لا ينتهي في غل ولا في فل ولا في روم. وفي لائحة العهد الجديد، سنجد أصواتًا من المسيحيّين المتهوّدين في إنجيل متى وفي رسالة يعقوب.
غير أننا سننتظر الوثائق المنحولة اللاحقة لنجد حدّة الكلام المتنامية ضدّ بولس في بعض أوساط المسيحيّين المتهوّدين الذين سيصيرون على هامش الكنيسة الكبرى. إن "كرازة بطرس" التي تعود إلى بداية القرن الثاني، تتحدّث عن بولس "الانسان العدوّ". وتعارضه مع بطرس، كما يوحنا المعمدان مع يسوع، كما الانتيكرست (المناوئ للمسيح) مع المسيح. يعتبر هذا المؤلِّف أن بولس مسؤول "بكلامه الخفيف" عن وضع يجعل الأمم ترفض التعليم الموافق للشريعة" (أي تعليم بطرس الذي لم يفهمه الكاتب المنحول ووضع يده على خطأ) وتأخذ بتعليم يعاكسه الشريعة" (هو تعليم بولس).
نجد هنا صدى لحركات متطرّفة. ولكن هذا لا يسمح لنا بأن نخفّف المعارضة لمشروع بولس في الكنيسة الاولى، في المسيحيّة المتهوّدة.

3- بولس في العهد الجديد
ونطرح سؤالاً: أية مكانة تُفرد كتبُ العهد الجديد اللاحقة والتي وُلدت بمعظمها وسط المسيحيّين الآتين من العالم الوثني، لرسائل بولس وللمناحي الخاصة في لاهوته؟
لاشكّ بأهمية بولس. فلولا تأثير بولس المباشر أو غير المباشر، لما وُجد مر، يو، لو، أع، في الشكل الذي نراها فيه الآن. ونشير إلى بعض الأمور.
أ- إن الجماعات الهلينيّة ولاسيّما جماعة أفسس، قد جمعت باكرًا مختلف رسائل بولس واحتفظت بها. وهكذا احتلت هذه الرسائل موضع الصدارة، منذ أول محاولات الكنيسة لتنظيم لائحة بالكتب التي تكون قاعدة الايمان والسلطة فيها.
ب- إن أع أعطى في رسمة تاريخيّة سريعة، صورة عن نشاط بولس الرسولي تساوي في أهميّتها أعمال بطرس إن لم تتفوّق عليها.
ج- استند عدد من كتّاب العهد الجديد إلى اسم بولس ليجعلوا كتابتهم أهلاً للثقة. ذاك هو وضع الرسائل الرعائيّة (1 و2 تم، تي)، وربما أف وكو.
فإذا وضعنا أف وكو جانبًا (هذا إذا لم يكن بولس كتبهما)، نجد أوضح تأثير للاهوت البولسيّ في كتابات لا تتحدّث عن بولس.
أمّا في الرسائل الرعائيّة التي تُنسب إليه، فالمواضيع اللاهوتيّة البولسيّة القليلة التي ظلّت فيها قد خسرت حرارتها ومدلولها. يكفي لذلك أن نقابل 1 تم 1: 8- 11 مع روم 7؛ 1 تم 1: 12-14 مع غل 1: 15-16؛ 1 تم 2: 1-7 مع روم 13: 1-7؛ 1 تم 8:2-15 مع 1 كور 7 أو 11. ونفهم رفض كل جدال تجاه التوسّعات اللاهوتيّة في الرسائل البولسيّة.
ونقول الشيء عينه عن الخطب التي جعلها لوقا في فم بولس في سفر الاعمال. فعل لوقا كما فعل المؤرِّخون في عصره، فألَّف بنفسه هذه الخطب حسب نظرته اللاهوتيّة الخاصة. لهذا، لا ندهش إن ترك لوقا عصر الفكر البولسي، وهو جدال حول الشريعة، وقطيعة مع العالم اليهوديّ الفريسي تجد ذروتها في صليب المسيح. ونستطيع أن نقابل غل 1: 11-24؛ فل 3: 2- 11 مع أخبار ارتداد بولس في أع 9: 19؛ 22: 3- 21؛ 26: 4-29، لنرى الفرق الشاسع. استعلمت الرسائل الرعائيّة سلطة بولس بعد موته. وتوقّف سفر الأعمال عند الرسول الذي حمل البشارة إلى أقاصي الأرض. ولكن هذه الوثائق لا تهتمّ بشكل خاص بالفكر اللاهوتيً الخاص ببولس.

خاتمة
يشكّل عمل بولس اللاهوتيّ والرسوليّ أحد المنعطفات الحاسمة في تاريخ الكنيسة الأولى. فلولا تفسيره للصليب والشريعة، لكان الانتشار المسيحيّ في العالم الروماني قد اتّخذ منحى مختلفًا، وكانت علاقات الجماعات المسيحيّة مع العالم اليهوديّ سارت في خطّ آخر.
إن بولس قد لاقى المعارضة خلال حياته، حول شخصه وفكره اللاهوتي وعمله الرسولى. جاءت المقاومة من حركات هلنستيّة مندفعة، كما جاءت من أوساط تقليديّة لمسيحيين متهوّدين ظلّ إيمانهم متجذّرًا في العالم اليهوديّ. أن تكون هذه الفئة الأخيرة قد صارت أقليّة في النصف الثاني من القرن الأول، لا يضعف المكانة المسيطرة التي احتلتها في السنوات الأولى من حياة الكنيسة. هذا ما يشهد له غل 1-2.
الفصل الثالث والثلاثون
الاختيار والدعوة إلى الخلاص
في 1 و 2 تس

1- المقدّمة
بين المواضيع اللاهوتيّة التي تظهر في 1 و 2 تس، يحتلّ مدلول الاختيار والدعوة إلى الخلاص مكانة هامة. والموضوع مهمّ بسبب الموقع المركزيّ الذي يحتلّه في هاتين الرسالتين. هناك ثمانية استعمالات للألفاظ حول الاختيار والدعوة في الرسالتين. تلك هي أرفع نسبة في المجموعة البولسيّة.
والسبب الآخر الذي لأجله اخترنا هذا الموضوع ينبثق من الطريق التي بها يُفهم الاختيار لدى عدد من الكتّاب. فحسب عدد من العلماء، حين يتحدّث بولس عن الاختيار، فهو يعود إلى الطريقة التي بها اختار الله قبل خلق العالم شعبًا خاصًا وعددًا محدّدًا لكي يشاركه في الخلاص. وبدأ بتحقيق قصده أولاً حين دعا هذا الشعب عبر الانجيل بحيث يتجاوب مع ندائه. وثانيًا حين حفظهم في الايمان بحيث يدركون حقًا الخلاص النهائيّ. ومع أن إمكانيّة الجحود تقف أمامهم وقد نُبِّهوا من السقوط أو ضعف الايمان، إلاّ أن الله استعمل هذه التنبيهات كجزء من الوسائل التي بها يحفظهم من السقوط شي هذه المخاطر. 
وهكذا فالانسان الذي يعرف أنه واحد من المختارين، يتأكّد أنه سيدرك بلا شكّ الخلاص النهائيّ حتى وإن واجهته تجارب لا يمكن تجاوزها ومضايق هائلة. إن فَهم تعليم بولس في هذا الشكل، قد جاء من يدافع عنه بتفاصيل واسعة عبر دراسة في جامعة توبنغن في المانيا.
نحاول أن نفهم تعليم بولس في 1 و2 تس، ونفصل بين رسالة ورسالة.
كتب بولس 1 تس إلى جماعة من القرّاء احتاجوا إلى التشجيع في إيمانهم المسيحي. يبدو أنهم كانوا خائفين لأسباب عديدة. أسّس بولس الكنيسة خلال. زيارة قصيرة، وانقطع فجأة عن العمل. لهذا لم يكن الوقت كافيًا لإعطاء التعليم الاساسيّ والتشجيع اللذين احتاج إليهما هؤلاء المؤمنون.
- فالمسيحيون الذين من أصل يهوديّ، مالوا إلى الشكّ، لأنهم شعروا أنهم صاروا جاحدين بالنسبة إلى شعب اسرائيل.
- والمسيحيّون الذين من أصل وثنيّ أحسّوا أنهم كوثنيّين قد استُبعدوا من الخلاص لأنهم ما أصبحوا جزءًا من شعب اسرائيل التاريخيّ.
- وأحسِّ الاعضاء بضغط لكي يتركوا إيمانهم كنتيجة مثل هذه المضايقات. ولقد فسّر بولس هذا الوضع على أنه مقاومة من الشيطان. وهكذا كانت نتيجة الرسالة في خطر. لهذا كان بولس قلقًا. هل ترى يسقطون؟
- قلقَ الاعضاء على مصير الذين ماتوا قبل المجيء (باروسيا) القريب. كما قلقوا بالنسبة إلى نفوسهم. فطابع المجيء الفجائي والدينونة غير المتوقّعة تجاه اللامؤمنين، ملأ قلوبهم همًا من أجل هؤلاء.
في مثل هذا الوضع كتب بولس 1 تس. ولم يكن هدفها فقط التعليم والتحريض، بل التشجيع أيضًا لجماعة محاصرة. وتجاه هذه الخلفيّة، جاءت العودة إلى الاختيار والدعوة والثبات. سندرس كل هذا في ارتباط مع اعتبار يقول إن عمل بولس كان باطلاً، وكذلك مختلف التحريضات من أجل الثبات الروحي، والرجوع إلى صلوات بولس التي نجدها في هذه الرسالة.

2- خطر السقوط
نجد هدف بولس في كتابة هذه الرسالة إلى الكنيسة في 1 تس 3: 5 حيث يعبر عن خوفه بأنه قد يكون تعب باطلاً. وينبثق خوفه من المضايقات التي واجهت الكنيسة. وهي مواجهات رأى فيئها شكلاً من تجربة شيطانيّة تقود إلى فقدان الايمان. هو خطر حقيقي بالنسبة إلى المرتدّين. غير أن هدف بولس ليس أن يعرف إن كان هؤلاء المرتّدون سوف يسقطون، بل إن كانت رسالته تجذّرت حقًا في قدرة الله الخلاصيّة. مثل هذا الموقف غير ثابت. فبولس يهتمّ بقرّائه لا بسمعته في المجيء. فاللغة التي استعملها تبيّن أن هدف إرساله تيموتاوس إليهم لم يكن ليرى إن كانوا حقًا قد ارتدّوا، بل ليشجّع هؤلاء المرتّدين ليثبتوا في وسط الاضطهاد، وليعرف ما هو وضع إيمانهم. ترتبط لغة بولس بالثبات رغم المضايق (3: 3، 8: لئلاّ يتزعزع أحد في هذه المضايق. أنتم ثابتون في الربّ)، وبتتميم النقص في الايمان (3: 10، أو الضعف)، ولا ترتبط بسؤال يُطرح حول امتلاك القراء للإيمان.
وحمل تيموتاوس في عودته الأخبار الطيّبة، فدلّ على أن ما خاف منه بولس لم يحدث. غير أن هذا الخوف كان حقيقيًا. لم يقل بولس: "لا شكّ في أن هذا الخوف الذي خفته لأجلكم لم يكن مبرّرًا، لأني أعلم أن الله يحفظكم رغم كل ما يحدث". بل قال: ما زالوا يظهرون إيمانهم ومحبّتهم. وهو يصلّي إلى الله لكي يحفظهم. ومع أن بولس دلّ على ثقته بهؤلاء المرتدّين، إلاّ أنه قلق حقًا في شأنهم. فخطر الوقوع بيد الشيطان كان حقيقيًا رغم إيمانهم ورغم صلاته لأجلهم. لهذا لا نعجب إن كرّس بولس مساحة كبيرة في رسالته للتعليم والتشجيع، وهذا ما يهيّئهم للثبات في وجه التجربة التي تبعدهم عن الايمان.


3- ما ينطوي عليه الاختيار
أ- كيف كان اختياركم (1 تس 1: 4- 5)
نقطة الانطلاق في هذه الرسالة هي تعبير عن شكر بولس على نموّ القرّاء الروحي. وهي تنضمّ إلى قول بأنهم محبوبون من الله وأعضاء شعبه المختار.
إن عبارة "أحبّاء الله" (أو: محبوبون من الله) هي واحدة من عدة عبارات انطبقت على شعب اسرائيل (تث 32: 15؛ 33: 12؛ أش 44: 2)، وهي تنطبق الآن على كنيسة المسيح. نستطيع أن نرى عمليّة إعادة التطبيق للعبارة الواحدة أيضًا في روم 9: 13 حيث يورد بولس ملا 1: 2 الذي يعود إلى اسرائيل. ويورد هو 25:2 (في آ 25) حيث يعد الله بأن يحبّ شعبه الذي لم يعد أهلاً للحبّ. هذا يعود في السياق الاصليّ إلى اسرائيل الخاطئ (روم 9: 28)، ولكن بولس يطبّقه من جديد على الكنيسة المؤلّفة من اليهود ومن الأمم الوثنيّة.
هنا فسمع أن نرى عمليّة امتداد هذه اللفظة. فما طُبّق في الماضي على اسرائيل، يطبّق الآن على الكنيسة. وما طبّق في الماضي على شعب اسرائيل يصل الآن إلى الأمم أيضًا. أما مدلول 1 تس 1: 4 فهو أن بولس قام بعمليّة الامتداد هذه دون أن يحسّ بالحاجة إلى تبرير ما فعل تجاه قرّائه. وهكذا يكون واضحًا في المرحلة الأولى من تفكير بولس، أنه توسّع في مفهوم الكنيسة على أنها اسرائيل الله. والاعتقاد بأن محبّة الله قد امتدّت الآن إلى الكنيسة المؤلّفة من يهود ووثنيين، هي حاضرة ولا يحتاج إلى من يدافع عنه. فالكنيسة قد ورثت موقع شعب اسرائيل.
والارتباط بين الحب والاختيار، الذي نجده هنا، نقرأه أيضًا في كو 3: 12، روم 9: 11-13؛ 2 تس 2: 13. ولفظة "اختياركم" تعني "اختيار الله لكم". قد استعمل بولس هذا الاسم المجرّد بدل الجملة الفعليّة (الله قد اختاركم). ومع أن الفكرة تتفرّع من العهد القديم، فالاستعمال اللاهوتيّ للاسم لا يمكن أن يُرسم بالعودة إلى العهد القديم.
حين استعمل بولس هذه اللغة في 1 تس، لم يكن هدفه أن يقول بأن الله اختار القرّاء مسبقًا، بل بالحري أن يؤكّد أنهم ينتمون الآن إلى شعب الله، وأنهم موضوع حبّه في الزمن الحاضر. نحن هنا أمام عمل ملموس فيه عبّر الله عن اختياره لهؤلاء المؤمنين.
هناك نقطة تحتاج إلى توضيح: هل تعود اللفظة بكل بساطة إلى الاختيار الالهي للقرّاء وإلى الوسائل الالهيّة ليصبح هذا الاختيار حقيقة وواقعًا؟ أو هل هي تتضمّن بشكل أو بآخر جواب القرّاء كما حدّده الله؟ هل تعود هذه الجملة إلى شعب اختاره الله، أو إلى شعب اختاره الله فتجاوب مع هذا الاختيار؟
إذا أردنا جوابًا على هذا السؤال، نأخذ بعين الاعتبار استعمال الصيغة "اكلاكتوس". إذا عدنا إلى العهد القديم والعالم اليهوديّ، نفهم أن "الاختيار" يُستعمل عن الذين صاروا أعضاء في شعب الله، لا عن أفراد ما صاروا بعدُ أعضاء في شعب الله.
لهذا نحن ننتظر في العهد الجديد أن يشير الاختيار إلى الذين ينتمون إلى شعب الله، لا إلى الذين أعدّوا لينتموا إليه فيما بعد. لاشكّ في أنه لو كان الفعل يدلّ على عمل الله الخلاصيّ من أجل الافراد، لكان من الطبيعي أن يمتدّ إلى الشعب في استباق لدخولهم الحالي في الشعب المختار. ولكن في الواقع، ليس هذا بواضح في العهد الجديد كما هو الحال هنا. فالصفة تعود بنا دومًا إلى الشعب الذي صار الآن جزءًا من شعب الله، لا إلى الذين خُتموا ليقدّموا جوابهم إلى نداء الله.
وهتا في 1 تس 1: 4، تدلّ اللغة على أن القرّاء ينتمون إلى الشعب الذي اختاره الله. أجابوا بالايمان على ندائه. وفي 1 تس 16:2، قال عن اليهود بأنهم منعوا بولس أن يكلّم الأمم لكي يخلصوا. ومع ذلك، عرف بولس وعرف القرّاء معه، بأنهم يخصّون شعب الله وأنهم موضوع حبّه.
وترتبط معرفة اختيارهم بمعرفة ارتدادهم في نظر بولس. فالواقع الذي يقول إن الله اختارهم، قد كُشف في قوّة عرض الانجيل، وفي قبول التعليم بفرح لدى القرّاء. وهكذا كانوا مثالاً لسائر المؤمنين. وتكلّم الناس عنهم في كل مكان، لأنهم اقتبلوا بفرح التعليمَ الذي حمله المرسلون (ترتبط الرسالة والمرسل ارتباطًا وثيقًا)، ولأنهم ارتدّوا عن عبادة الأصنام. وهكذا صار الخيار ملموسًا في قوّة عرض الانجيل وفي الجواب الذي حصل عليه (في درجة ثانية).
ما أراد أن يشدّد بولس على أن الله قد اختارهم في الماضي، بل على أن جوابهم للانجيل صار واضحًا لأنهم الآن في عداد المختارين. وهكذا أبرز أنهم يخصّون الله الآن. أراد أن يقول أولاً إن اختيار الله لهم لكي يخلّصهم، قد عبّر عنه بأن الانجيل وصل إليهم بقوّة. وثانيًا إن جواب الايمان يدلّ على أنهم الآن ينتمون إلى المختارين.
وما لم يُرد بولس أن يقوله، هو أنهم تجاوبوا لأن الله اختارهم لكي يصنعوا ذلك، فدفعهم إلى أن يؤمنوا. هناك نقطتان تجعلاننا نفكّر في شكل آخر. 
الاولى: أظهر بولس تعارضًا ضمنيًا بين انجيل وصل بالكلام وآخر وصل مع أعمال قوّة. في 2: 13، اقتبل التسالونيكيون الانجيل لا على أنه كلمة إنسان، يل ككلمة الله التي تعمل بقوّة في المؤمنين. هذا يعني أن الانجيل يمكن أن يُختبر فقط ككلام بشريّ أو كقدرة الله. غير أن هذا يرتبط بالطريقة البشريّة التي بها نأخذه. فالانسان يستطيع أن يسمع ذلك ككلام بشريّ فلا يقتنع به. أو يرى أصله الالهي وسلطته فيتجاوب معه. فبولس لا يعني أن الله يستفيد من المناسبة لكي يجعل الكرازة بالانجيل كلامًا بشريًا وخاليًا من القوّة، ويحمِّله في مناسبة أخرى قوّة تستطيع أن تردّ السامعين.
الثانية: أعلن بولس أن قبول التسالونيكيّين للانجيل رافقه الفرح الذي جاء إليهم من الروح. نحن قريبون من روم 5: 5 حيث محبّة الله أفيضت في قلب الشعب عبر عطيّة الروح، فبدت بركة للمخلّصين. والسؤال المطروح: هل عملَ الروحُ قبل ذلك في تكوين الايمان؟ هل آمن الشعب لأن الروح دفعهم إلى أن يؤمنوا؟ مع أن بولس يشدّد منذ البداية حتى النهاية على أن الخلاص هو عطيّة من الله، إلاّ أنه لا يتّخذ خطوة تقول إن قبول الخلاص مستقلّ عن إرادة الانسان بأن تؤمن، أو إن إرادة الخلاص قد حدّدها الله سابقًا فصارت واقعًا وحقيقة. 
وبمختصر الكلام، ما يقوله بولس هو أن الله اختار القرّاء وأنهم موضوع حبّه. لهذا يستطيع القرّاء أن يقولوا أيضًا: "نعرف أن الله أحبّنا واختارنا". وآمن بولس أن الشعب يستطيع أن يعرف اختياره، وهذه المعرفة تكون مصدر ثقة له. وإذ شدّد بولس على الاختيار أراد أن يشجّع قرّاءه. فواقع ارتدادهم تشهد عليه آيات تدلّ على رضى الله، وطريقة عيش جديد. وعلى هذا الأساس، لا يحتاجون أن يسقطوا أمام هجمات الشيطان.
ب- ما جعلنا للسخط، بل لاقتناء الخلاص (1 تس 5: 9)
ونجد استعمالاً آخر للغة التهيئة المسبقة في 1 تس 9:5: "لأن الله لم يجعلنا للسخط الكي نتحمّل السخط والغضب)، بل لاقتناء (لتقبّل) الخلاص بربنا يسوع المسيح". إن السياق يوضح أن بولس يفكّر في مصير البشريّة الأخير، مع خيار بين الغضب والخلاص في اليوم الأخير (روم 5: 9- 10).
قيل أن هذا يعني أن الله اختار شعبًا خاصًا (هم قرّاء الرسالة، ثم سائر المؤمنين) ليصل إلى الخلاص النهائي لا إلى الغضب. ذلك هو قصد الله، فيتمّ ولا يخطئ، بحيث يتأكّد القرّاء من خلاصهم النهائي. ولكننا نرفض مثل هذا التفسير.
أولاً: نحتاج إلى تمييز في مشروع الله. ما يتمنّى أن يراه محقّقًا وما قد تمّ الآن بالفعل. مثلاً، حين يقال: "لا يريد الله أن يهلك أحد، بل يأتي الجميع إلى التوبة" (2 بط 3: 9)، فالسياق (2 بط 7:3) يدلّ على أن هذا المشروع لا يتم (فهناك من لا يتوبون). هناك غاية يرغب فيها الله فيأخذ الخطوات اللازمة لتحقيقها. هذا شيء. وهناك شيء آخر حين نقول إن هذا يتمّ حتمًا.
ثانيًا: إن مشروع الله يتمّ جزئيًا عبر مشاركة البشر. وقد دُعي المؤمنون هنا لأن يكونوا صالحين، لأن يبنوا بعضهم بعضًا (5: 10- 11). عليهم أن يعملوا شيئًا لأنهم في الجهة "الرابحة". ولكن هذا لا يعني أن يبقوا فيها إن هم لم يلعبوا دورهم. نودّ أن يُقال لنا أنهم سيلعبون دورهم حتمًا. ولكنه لا يُقال.
ثالثًا: لا شك في أن القبول لا يتضمّن المجهود البشريّ. رج أف 1: 14 الذي يتحدّث عن ميراث نتقبّله. ولكننا لسنا هنا أمام ميراث نأخذه. بل إن الله تصرّف بحيث إن المؤمنين يتقبّلون الخلاص (وقد يرفضون).
رابعًا: إذا كان كلام بولس يعني التهيئة المسبقة التي لا تحسب حساب جواب الانسان، فهو يتضمّن أيضًا أن هناك شعبًا معدًا للغضب مسبقًا بمعزل عمّا يعملون، لأنهم أعدّوا مسبقًا للخطيئة ولاختبار الغضب. هنا يخاف بولس أن يأتي يوم الرب ولا يكون قرّاؤه مستعدّين إزاء الله. فيؤكّد لهم أنهم لا يحتاجون أن يعرفوا تاريخ المجيء ليتهيّأوا له. فإن كانوا مسيحيين، وجب عليهم أن يكونوا في حالة استعداد لئلاّ يصبح ذلك اليوم يوم الحكم على الخطيئة. هناك خطر أن "ينام" المسيحيون بحيث يأخذهم ذاك اليوم غفلة مثل اللامؤمنين. فليحذروا. إن الله يريد خلاصهم، وقد أعطاهم عددًا من الوسائل التي تكفل هذا الخلاص. فيبقى عليهم أن يعيشوا في الثقة والايمان والسهر.

4- النداء إلى الخلاص
ونصل الآن إلى الوسائل الأخرى التي استعملها بولس لكي يشجّع قرّاءه ويحرّضهم. فالفكرة التي تقول إن الشعب "مدعوّ" من الله، أمر معروف لدى بولس. فالفعل قد عنى باكرًا دعوة (نداء) إلى الخلاص ببشارة الانجيل. والخلاص يرتبط في نظر بولس بالله الذي يدعو، لا بالأعمال. هنا يُطرح السؤال: هل يعني هذا النداء، تأكيدًا على الخلاص النهائيّ، وكأنّنا لا نحتاج إلى جواب الانسان؟ إن نظرة سريعة إلى استعمال هذه اللفظة تكفي لكي نستبعد مثل هذه الامكانيّة.
أ- 1 تس 12:2
على القرّاء أن يعيشوا بطريق تليق بالله الذي دعاهم إلى ملكوته ومجده. فهدفُ هذا النداء هو اسكاتولوجيّ، ملكوت الله ومجده. ونحن أمام دعوة للمشاركة. إن اسم الفاعل (داعيًا إياكم) يدلّ على أن النداء هو مسيرة ديناميكيّة عبر حياة المؤمنين. فالله يجعل أمامهم هذا الرجاء بشكل متواصل. هي دعوة. ولكن من الواضح أن على القرّاء أن يعيشوا بطريقة تتيح لهم أن يبلغوا هذا الهدف. 
ب- 1 تس 4: 7
قال بولس إن الله لم يدعنا إلى النجاسة، بل إلى القداسة. فصيغة الماضي تدلّ على نداء أوّل إلى شكل حياة جديدة قد بدأ في السابق لدى القرّاء، وهو يتواصل حتى الآن. هذا يعني أن الانسان يقدر أن يسير عكس هذا النداء. فالامكانيّة التي تقول بأن الله يدعونا إلى النجاسة، هي فقط طريقة بلاغيّة (هي مستحيلة). عاد بولس إلى نمط من العمل اللاأخلاقي الذي كان تجربة حقيقيّة بالنسبة إلى قرّائه. لهذا وجب عليه أن يقول لهم في الواقع: "قد يتخيّل بعضكم أن نداء الله يوجّههم إلى حياة من النجاسة. ولكن هذا بعيد كل البعد عزل الحقيقة. والوصيّة التي أوصاكم بها هي من أجل حياة في القداسة".
ج- 1 تس 5: 24
استُعملت هنا صيغة الحاضر (كما في 2: 12). فالله ما زال يدعو القرّاء الآن ويلحّ عليهم من أجل الهدف النهائيّ. هذا يعني أن الله يدعوهم إلى القداسة (7:4). يدعوهم ليشاركوا في الملكوت والمجد. لهذا فهو يريد أن يجعلهم قدّيسين ويحفظهم بغير لوم إلى ذلك اليوم.
وهكذا نرى أربعة عناصر في لغة الدعوة والنداء. (1) نداء أول عبر الانجيل ونداء متواصل إلى الايمان. (2) غاية الفداء هو الخلاص النهائيّ. (3) الحاجة إلى جواب في طريقة الحياة، يتناسب مع الله الذي يدعو. (4) الوعد بأن الله الذي يدعو هو أمين فيمنح لشعبه الوسائل لكي يتجاوب مع هذا النداء. هنا تبرز مسألة "النداء الفعلي"، ونحن ننظر إليه في سياق نصوص تتحدّث عن صلاة بولس.

5- نصوص حول الصلاة
تتضمّن 1 تس نصّين عن الصلاة. جعل بولس كلمات صلاته في الرسالة بحيث يعرف القرّاء لماذا يصلّي.
* وظيفة الصلاة الأولى واضحة: يتمنّى بولس أن يزور قرّاءه لكي يقوّيهم ويشجّعهم، وأن يكون له فرح اللقاء بهم. بعد ذلك يصلّي من أجل نموّهم في القداسة بحيث يكونون بلا لوم في المجيء. إن جزئي هذه الصلاة يرتبطان بالنموّ والثبات في الحياة المسيحيّة. وهما يعبّران عن حبّه لهم وعن يقينه بأن الله يستطيع أن يعمل في هذا الوضع لكي يتمّ مقصده. ويقدّمان أيضًا بعض الارشاد: كيف يجب على القرّاء أن يعيشوا.
ويتواصل عنصر الارشاد بتحريض أخلاقي. ألحّ الرسول على القرّاء بأن يجاهدوا لكي يعيشوا في الطريقة التي فيها يصلّي بقدر ما يتيح الله لهم أن يعيشوا. إن هذا المزج بين الصلاة والتحريض يميّز 1 و2 تس. وهو يبيّن أن بولس يمسك في يد واحدة الوجهة البشريّة والوجهة الالهيّة في الحياة المسيحيّة، مع طابع البناء بدون توتر ولا فظاظة.
* ونقول الملاحظات عينها في ما يخصّ الصلاة الثانية. يسبقها إرشاد، فيربطها مباشرة بالوصيّة في 22:5. وهي تلخّص تمنّيات بولس لقرّائه على ضوء الرسالة كلّها. فعلى القرّاء أن يمتنعوا عن كل أنواع الشرّ. وشجّعهم بولس لأن يفعلوا هذا، وهم عارفون أن الله يتوخّى تقديسهم كليًا، وحفظهم بلا لوم. وهكذا نكون أيضًا أمام صلاة فيها يشارك بولس قرّاءه بحيث يعرفون أنه يصلّي من أجلهم. وفي الوقت عينه، هذه الصلاة هي في جزء منها إرشاد يعلن بوضوح غاية الحياة المسيحيّة.
ما يشدِّد عليه الرسول هو حفظ القرّاء حتى المجيء. وهم يستطيعون أن يثقوا بأن الله يعمل "ما عليه". هكذا نتكل على إرادته من أجل المؤمنين. إن صورة الله الذي يدعو هي في محلّها، لأن نداء الله الأول توخّى مشاركتهم له في ملكوته ومجده (2: 12). لهذا، إن كان الله منطقيًا مع هذا النداء، فهو يعمل الضروريّ لكي يقدّس شعبه ويحميه حتى يصل إلى الغاية التي جعلها له.
6- تعليم 2 تس
تعليم 2 تس هو في جوهره تعليم 1 تس. وهو يُبرز الضغط الخارجيّ على القرّاء. ويقدّم عنصرًا جديدًا هو خطر تعليم خاطئ حول يوم الربّ.
أ- تكونون أهلاً لدعوتكم (2 تس 1: 11-12)
نحن في هاتين الايتين أمام نصّ فيه يصلّي بولس لأجل قرّائه المضطهَدين، لكي يجعلهم الله أهلاً لدعوتهم، ويكمّل رغباتهم الصالحة، وكلَّ عمل بدأ بالايمان في حياتهم. هذه الارادة (الالهيّة) تقود إلى تمجيدهم ولاسيّما في المجيء. إن عبارة "جعلكم أهلاً" تحتاج إلى بعض تفسير. فهناك جملة مشابهة نقرأها في 1: 5 (تؤهَّلون لملكوت الله)، وفيها يتحدّث بولس عن قرّائه الذين اعتبروا أهلاً للملكوت الذي لأجله يتألّمون. الفكرة هنا هي جزء مناسب للذين يتألمون. فالثبات في الاحتمال يؤكّد أن هؤلاء الناس هم مؤمنون، وبالتالي أهِّلوا لأن يُقبلوا في الملكوت.
في 1: 11، قد تعني الفكرة أن الله اعتبرهم أهلاً لهدف دعوتهم، فجاء بهم إليه. أو أنه سيجعلهم أهلاً لذلك. ويتبع هذا الطلبَ طلبٌ آخر يدعو فيه الله بأن يملأهم بالنوايا الصالحة والأعمال الحسنة. هذا ما يشير إلى أن الفكرة هي أن الله يؤهّلهم لملكوته فيملأهم بالصفات المناسبة.
ولكننا نجد هنا التوتّر الذي ميّز 1 تس. من جهة، صلّى بولس لكي يتمّ هذا. ففي معنى من المعاني، ترتبط النتيجة بصلاة بولس. ومن جهة ثانية، لا يمكن أن ترتبط النتيجة ارتباطًا كليًا بصلاة بولس. في هذا الإطار تكون الصلاة جزءًا من الإرشاد. فعلى القرّاء أنفسهم أن يعملوا ما هو ضروريّ لكي يصيروا أهلاً لنداء الله. نجد جوهر هذه الفكرة في 1 تس 2: 12، حيث يعلن بولس أنه حضَّ قرّاءه ليحيوا حياة تليق بالله الذي دعاهم. وتشير الفكرة هنا بوضوح إلى حياة تتجاوب مع النداء المجّاني والحياة بحسب ما يطلبه الله. إن العودة إلى الله الذي هو ذاك الذي يدعوهم إلى ملكوته ومجده، تعلن أن الذين تجاوبوا مع ندائه يُقبلون لديه. 
وهكذا يكون لنا عمل الله في حياة القرّاء، وصلاة بولس من أجلهم، ومجهودهم لكي يحيوا حياة تليق بالله. نستطيع القول إن الله نفسه حثّ بولس المؤمنين على الصلاة، والقرّاء على حياة لائقة من أجل تنفيذ مقصده. غير أن بولس لم يقل إن الله حدّد مسبقًا كل ما سيحصل.
ب- اختاركم الله من البدء (2 تس 13:2-14)
أعلن بولس في 2 تس 13:2-14 أن عليه أن يشكر الله بلا انقطاع من أجل قرائه، أحبّاء الربّ. فالله اختارهم من البدء من أجل الخلاص بواسطة التقديس والايمان. وهكذا دعاهم بواسطة الانجيل الذي كرز به بولس للحصول على مجد ربّنا يسوع المسيح.
نجد ارتباطًا في الأفكار قد تعوّدنا عليه: محبّة الله. اجتمع الاختيار والدعوة بالانجيل، مع الخلاص والمجد الاسكاتولوجيّ. فالاختيار هو قرار إلهيّ. والدعوة هي تأوين للاختيار في خبرة القرّاء. نبّه بولس إلى فعل النداء، ليسند واقع الوضع المسيحيّ، ويشجّعهم لكي لا ينتموا إلى جماعة اللامؤمنين والمضلّلين. والخلاص يوجّهنا إلى التمجيد الأخير. وهكذا نكون أمام ثلاث محطّات في هذه المسيرة: الاختيار، الدعوة، الخلاص الأخير.
اللغة المستعملة هنا تشير إلى أدن القرّاء جاؤوا إلى اسرائيل الله. صوِّروا على أنهم أحبّاء الرب. هي العبارة التي قرأناها في 1 تس 1: 4، مع العلم أن لفظة الربّ تشير هنا إلى يسوع. إن فعل "ايريوماي" الذي استُعمل هنا للحديث عن اختيار الله، غير مستعمل عادة. ولكن الكاتب عاد إلى اختيار شعب اسرائيل في العهد القديم كما في تث 18:26؛ رج تث 7: 6-8؛ 10: 15.
الهدف من هذا الكلام هو تقوية إيمان القرّاء والتأكيد لهم بالخلاص النهائي، تجاه الذين أرسل إليهم الله روحَ ضلال. لمّد اختار الله القرّاء منذ البدء، ودعاهم بتبشير بولس بالانجيل. سينالون الخلاص حين ينالون المجد النهائيّ. وهكذا انتقلت الحياة المسيحيّة من الاختيار إلى الخلاص.
تطلّع بولس إلى الوضع الحاضر لقرّاء يدلّ على إيمانهم بأفعالهم، تجاه الذين عارضوا الله ورفضوا الانجيل والخلاص. كان مخطّطه لهم مختلفًا. وشدّد بولس أن عليهم أن يثبتوا في الايمان ويتمسّكوا بالانجيل. والخطأ الذي يقعون فيه يدلّ على أنهم ضلّوا. وصلّى بولس إلى الله لكي يقوّيهم في 2: 16-17. وهكذا نكون أمام المفارقة التي نجدها في 1 تس 23:5-24 حيث التحريض للقرّاء والصلاة إلى الله يقفان جنبًا إلى جنب. ما فعله بولس هنا هو التأكيد لقرّائه أن حياتهم المسيحيّة الحاضرة هي العلامة أنهم يخصّون الله وأنهم يستطيعون أن يثقوا به لكي يوصلهم إلى هدفهم الأخير. هناك تعارض كبير بين القرّاء والضالين. ويستحيل أن نتجنّب الشعور أن لبولس ملء الثقة بقرّائه، ولكنه يحتاج أن يقول لهم بعد أن يبقوا ثابتين.
ج- الرب يثبتكم ويحفظكم (2 تس 3:3)
إن هذه القطعة تتضمّن تأكيدًا يقوله "إن الرب أمين وهو يحفظكم من كل شر" هذا لا يعني أن الشرّ لن يهاجمهم، بل أن هجومه لا ينفع، يكون باطلاً. هذا يتوافق مع اعتقاد بولس بأنه ليس من تجربة تقوى على المؤمنين (1 كور 10: 13).
هذا الكلام يجد مكانه في سياق يقول (1) إن التهرّاء هم شعب يفعل ما يقوله بولس. (2) إن بولس يصلّي لأجلهم لكي يحيوا حياة مستقيمة. ففي السياق المباشر، جاء تمنّي بولس أن يصنعوا ما يقوله في الصلاة لأجلهم. فالرب يقوّيهم حتى يصلّوا من أجله.
وهكذا نكون مرّة أخرى مع تأكيد حول ما يريده الربّ والحاجة إلى الصلاة من أجل عيش بحسب الانجيل. هذا ما يُنتج ثقة للذين جعلوا رجاءهم في الرب ساعة التجربة.

خاتمة
وهكذا وصلنا إلى النقاط التالية
1. إن لغة الاختيار والدعوة مسيطرة في 1 و 2 تس. فهي تشكّل خطًا رئيسيًا في بنية لاهوتهما.
2. إن جوهر تعليم الرسالتين هو هو. ليس هناك من تبدّل في مفهومهما. وليس هناك ما يفرض وجود كاتبين اثنين.
3. إن لغة الاختيار تؤكّد للمرتدّين الوثنيين أنهم ينتمون إلى شعب الله المختار. هذا يعني أن وضعهم هو جزء من مخطّط الله الذي تضمّن دعوة اليهود ليكونوا شعب الله. لهذا، لا حاجة إلى تبديل مخطّط الله ليدخلهم في شعبه.
4. على هذا الأساس استعمل بولس لغة الاختيار ليشجّع قرّاءه أمام الاضطهادات والتجارب والمجيء الذي لا يعرفون متى يكون. بما أن الله اختارهم ودعاهم، فليعرفوا أنهم يحتاجون نعمة لكي يتحاشوا السقوط.
5. يرتبط الاختيار ارتباطًا خاصًا بالثبات. وقد توخّى بولس أن يشجّع قرّاءه لئلا يسقطوا. غير أن الثبات ليس أمرًا آليًا (فقد نسقط). وبولس يصلّي من أجل المرتّدين لكي يكمل ثباتُهم ويصل إلى المنتهى. وتلعب صلاته وظيفة إرشاد كوسيلة ترسم طريقة حياة يحاولون أن يعيشوها. ويقدّم أيضًا لقرّائه تعليمًا حول ضرورة إظهار إيمانهم وطاعتهم. ولا يرى بولس انشدادًا حين يتكلّم عن عمل الله الروحي في حياتهم ونشاطهم على مستوى الايمان والمحبّة. ويؤكّد لهم أن ما يعمله الله في حياتهم يرافقه نداؤه إليهم ليعيشوا حياة تليق بالدعوة التي دُعوا إليها.
الفصل الرابع والثلاثون
بنية الرسالة الأولى
إلى الكورنثيّين

1- المدخل
كانت هناك فرضيات تعتقد أن 1 كور تتألّف من رسالتين أو ثلاث رسائل. غير أن هذه الفرضيات لم تعد تلقى الترحيب الواسع. فالذين رفضوا هذه الفرضيّات يعلنون أن التبدّل المفاجئ في موضع ما، يُعزى إلى ترتيب الاجوبة البولسيّة وإلى أن الاسئلة وصلت إلى بولس عبر تقارير شفهيّة (1: 11: بلغني عنكم؛ 5: 1: شاع عنكم؛ 18:11: بلغني أولاً؛ 15: 12: كيف يقول قوم بنيكم) ورسالة جاءته من أهل كورنتوس (7: 1: من جهة ما كتبتم به إليّ). ساعة يرى الشرّاح أن 2 كور مؤلَّفة من عدة رسائل، فهم يقولون العكس بالنسبة إلى 1 كور.
ولكن تبقى معطية أساسيّة. فإن 1 كور سبّبها حدثان منفصلان تتحدّث عنهما الرسالة. الأولى، مجيء أهل خلوة من كورنتوس (1: 11). الثاني، مجيء ثلاثة رجال من كورنتوس، هم استفانا وفرتوناتوس وأخائيكوس (16: 17). وقد يكون هؤلاء الثلاثة حملوا معهم رسالة من كورنتوس (7: 1). كل مجموعة من هاتين المجموعتين نبّهت بولس إلى مشاكل تعرفها كنيسة كورنتوس، التي أسّسها بولس كما يقول في 3: 6 (أنا غرست وأبلوس سقى)، 10 (أنا وضعت الاساس كبنّاء حكيم)؛ 4: 15 (ليس لكم اباء كثيرون، فأنا قد ولدتكم في المسيح)؛ 2:9 (أنتم خاتم رسالتي في الرب؛ رج 1: 16؛ 15:16).
هناك من اعتبر أن كلاً من هاتين المجموعتين (خلوة، استفاناس) التقت ببولس في فترة زمنيّة قصيرة، بحيث يكون بوليس كتب رسالة واحدة، ثم قال إنه لم تصل إلى بولس معلومات أخرى غير ما حملته هاتان المجموعتان.
نودّ هنا أن نبيّن أن الشكل الرسائليّ والبنيّة يتوافقان مع الظرفين اللذين دفعا بولس إلى كتابة 1 كور، ويقودان إلى نتيجة تقول إن بولس كتب 1 كور في مرحلتين تبعد الواحدة عن الأخرى بعض الوقت. قد يكون بولس كتب ف 1-4 قبل أن تكون وصلت إليه المواد التي توسّع فيها في ف 5-16. حمل أهل خلوة معلومات إلى بولس غكتب ف 1- 4. ثم عاد وكتب مرّة ثانية حين حمل إليه الاخبار استفاناس وفورتوناتوس وأخائيكوس، حول الوضع في كورنتوس. وصولهم كان السبب في كتابة ف 5-16. ربط بولس قسمي الرسالة، وأرسل الفصول الستة عشر التي هي 1 كور. وهكذا تكون 1 كور مؤلّفة من رسالتين ضمّهما بولس نفسه في رسالة واحدة.

2- مناسبتان
حدّث "أهلُ خلوة" (1: 11) بولسَ حوله انقسام كنيسة كورنتوس شيعًا (سخيسماتا، 1: 10)، أو مجموعات متنازعة (اريوس): "أنا لبولس، أنا لأبلوس، أنا لكيفا، أنا للمسيح". كرّس بولس ف 1-4 لهذا الموضوع (رج 3: 3-6؛ 3: 22؛ 4: 6) فمن أجل هذه الفصول، يُفترض موضوع واحد على مستوى المعلومات. وتقرير محموعة خلوة في 1: 11، أمّن المناسبة لهذه الفصول الاربعة.
وجاء استفانا وفورتوناتوس وأخائيكوس إلى بولس كموفدين رسميين من قبل كنيسة كورنتوس (17:16: سعيد بزيارة... لأنهم قاموا بما لم تستطيعوا). فاستفانا وأهل بيته (وضد يكون فورتوناتوس وأخائيكوس منهم) كانوا أول المرتّدين في المنطقة (1: 16؛ 16: 15). وذُكر استفانا أولاً، لأنه كان على ما يبدو قائد المجموعة (16: 16). وكما أشرنا أعلاه، قد يكون هؤلاء الثلاثة (ونسمّيهم وفد استفانا) حملوا إلى بولس رسالة الكورنثيين التي ذُكرت صراحة في 7: 1: "أمّا في ما يتعلّق بالامور التي كتبتم إليّ".
أخذ بولس مواضيعه من هذه الرسالة التي وصلت إليه من كورنتوس في فصول تبدأ مع "باري دي". أما في ما يخصّ. نقرأ في 15:7: "وأما العذارى"؛ في 8: 1: "أمّا من جهة ذبائح الاوثان": 12: 1: "أما من جهة المواهب الروحية"؛ 16: 1: "وأما من جهة جمع المدد للقدّيسين"؛ 16: 12: "أما أبلوس". إن وصول وفد استفانا مع الرسالة من كورنتوس، كان المناسبة لتدوين هذه الفصول (ف 5-16).
إن ف 11 (ما عدا آ 1: اقتدوا بي كما أني أنا أقتدي بالمسيح) وف 15 وُلدا من معلومة شفهيّة نقرأها في 18:11 (بلغني أولاً أنكم تجتمعون) وفي 15: 12 (كيف يقول قوم بينكم بعدم قيامة الموتى). بالإضافة إلى ذلك، فالمواد التي يعالجها هذان الفصلان، لا تبدأ بعبارة "باري دي". هل ظلّ استفانا ورفيقاه صامتين حين كان بولس يقرأ الرسالة الآتية من كورنتوس؟ هذا غير معقول على مستوى الواقع أن يكونوا حاضرين ولا يقولون شيئًا حول الرسالة التي حملوها. فقد يكونون شرحوا بعض الأمور وزادو معلومات حول تصرّفات الكورنثيين ومعتقداتهم المسيحيّة. وقد يكون بولس طرح الاسئلة الدقيقة. وهكذا تداخلت المعلومات الشفهيّة مع معلومات وردت في الرسالة الآتية من كورنتوس. وفي النهاية، يبدو من المعقول أن تكون ف 7-16 نتيجة مجيء وقد استفانا والرسالة التي حملوها معهم مع لمحة عن الوضع في كورنتوس.
وماذا نقول عن ف 5-6؟ ليس من السهل للوهلة الأولى أن نقول إن كانت هذه المواد الموجودة في هذين الفصلين، قد حملها إلى بولس أهل خلوة أم وفد استفانا. أما الحلّ المقبول، فهو أن نربط هذين الفصلين بأهل خلوة. فهما يتبعان في الواقع معالجة بولس للانقسامات كما في ف 1-4، ويسبقان جوابه على الرسالة التي جاء بها وفد استفانا من كورنتوس، وهو جواب يبدأ مع 7: 1.
ومع ذلك، يبدو أن ف 5-6 يرتبطان بوفد استفانا، لأن موضوعهما وألفاظهما يرتبطان بالفصل السابع. يكفي أن نشير إلى العلاقات الجنسيّة ولفظة "بورنايا". نقرأ في 5: 1 عن "حادث فحش". وفي 13:6، 18 عن الفجور. ويقول بولس في 7: 1: "تلافيًا للفجور، فلتكن لكل رجل امرأته". وفي الحالات الثلاث هي اللفظة اليونانيّة (بورنايا). سألت الرسالة الآتية من كورنتوس عن الزواج والعلاقات الجنسيّة. هناك ضياع حول العالم الجنسي والعلاقات بين الرجل والمرأة على ما نقرأ في مطلع ف 7. لهذا يكون من المعقول أن استفانا ورفيقيه حملوا إلى بولس معلومات حول النشاط الزواجي وما يحدث خارج الزواج في جماعة كورنتوس. بدأ بولس بجواب على ما عرفه من معلومات شفهيّة (قبل الجواب على الرسالة) لأنه تضايق ممّا وصل إليه من شواذات على مستوى الجماعة في ما يتعلّق بالفحش والفجور.
في 6: 12- 21، مسألة الفحش (بورنايا) ترتبط بالحياة في الجسد (سوما)، وبالرجاء بقيامة الاجساد (6: 14: الله الذي أقام الرب سيقيمنا). تلك هي أول إشارة إلى القيامة في 1 كور، بل الوحيدة قبل ف 15 المخصّص للقيامة وطابعها "الجسديّ". وهكذا يكون هذا الموضوع قد حُمل إلى بولس بواسطة وفد استفانا (رج 15: 12).
قالوا هناك مقطع (فاصل) بين ف 6 وف 7 (أما من جهة ما كتبتم به إليَّ). وكان ف 6 قد انتهى بهذه الخاتمة: "فمجّدوا الله إذن في أجسادكم". ولكن يبدو أيضًا أن هناك فاصلاً بين ف 4 وف 5. أنهى ف 4 بسؤال طرحه بولس: "ماذا تريدون أن آتيكم؟ بالعصا، أم بالمحبّة وروح الوداعة"؟ وبدأ ف 5: "لقد شاع عنكم" (هو موضوع جديد جدًا). بل إن هذا الفاصل يلفت النظر بشكل أكبر، من جهة تبديل تام في الموضوع الذي يرد في ف 5. فهذا المقطع بين ف 4 وف 5، هو ما أودّ أن أتوسّع فيه بالنظر إلى التواصل أو الانقطاع على مستوى الموضوع وعلى مستوى الافعال. وليس فقط بالنظر إلى الظروف المختلفة، بل في ارتباط بالشكل الرسائلي والبنية. وهذه الاعتبارات التي توافق هذه المواد فتؤكّد أن القطع البنيويّ الرئيسيّ يقع بين ف 4 وف 5، لا بين ف 6 وف 7. هذا يعني أن ف 1-4 كُتبت بشكل رسالة كاملة. بشكل رسالة تكفي نفسها بنفسها. وهي تنتظر الخاتمة.

3- الشكل الرسائلي والبنية في 1 كور
رأت هذه السنوات الاخيرة اهتمامًا متزايدًا في الشكل (أو: الفن) الرسائلي في الأدب البولسيّ. كتب بولس رسائل، فكانت هذه الرسائل الوسائل العادية للاتصال في العالم القديم. لاشكّ في أن الاصطلاحات هنا كانت متراخية، شأنها شأن جميع الاصطلاحات. فالاصطلاحات الادبيّة أو الرسائليّة التي تتضمّن بُنى نموذجيّة وجملاً مقولبة، كانت تتكيّف مع العادات الادبيّة واهتمامات الكاتب، كما مع العلاقات بين الكاتب ومستلم الرسالة. فالرسائل القديمة، شأنها شأن الجديدة، تُبرز عددًا من الأهداف: تطلب أو تنقل معلومات أو مساعدة. تُدخل شخصًا أو توصي به. تقيم علاقة شخصيّة أو تعمّقها. وكل هذا يتطلّب اصطلاحات أدبيّة نموذجيّة. فلا نعجب إن لم يستعمل كاتبان ذات الاصطلاحات الرسائليّة في طريقة واحدة، وإن استعمل الكاتب الواحد طرقًا مختلفة بين رسالة وأخرى. فالاصطلاحات لا تقيّد الانسان. وفائدتها ترتبط بليونتها من أجل عمل الاتصال بين الكاتب والقرّاء.
استعملت رسائل بولس البنية الشكليّة الاساسيّة والجمل المقولبة التي عرفتها الرسائل الهلنستيّة (ولاسيّما البنية المثلثة: عبارة البداية. جسم الرسالة. العبارات الختاميّة). بل إن بولس كيَّف هذه السمات الشكليّة بطرق جديدة لا تجد ما يوازيها. مثلاً في فاتحة الرسالة، تميّز بولس حين أحلّ النعمة (خاريس) محلّ التحية والتمنّي بالصحة كما نجد في الرسائل الهلنستية. فهناك عدد من التكيّفات البولسيّة ترد مرّتين أو أكثر في رسائله، بحيث نستطيع أن نكتشف نموذجًا بولسيًا في رسائله.
أعطانا هوايت محاولة هي رسمة مجرّدة لرسالة بولسيّة، تظهر فيها التكيّفات التي قام بها بولس في الاصطلاح الرسائليّ. وتتضمّن هذه الرسمة ثلاثة أقسام. الاولى، الفاتحة، تحمل العنوان، التحيّة، وصلاة الشكر. والقسم الثالث هو الخاتمة: يقوم بتحيّة أخيرة وقبلة مقدّسة والمباركة. إن 1 كور تتضمّن كل ما نجد في الفاتحة والخاتمة (1: 1-9؛ 16: 19-24). أما القسم المتبقي، وهو الاكبر، فهو جسم الرسالة الذي يدلّ على التنوّع الكبير بين رسالة ورسالة. 
وبحسب هوايت، نجد في جسم الرسالة البولسيّة السمات التالية: عبارة بشكل مقدّمة (1: 10: وأطلب منكم أيها الاخوة)، انتقالات مختلفة نلاحظها في المنادى: "أيها الاخوة" ترافقه جملاً يطلب فيها الرسول شيئًا أو يكشف أمرًا. في 1: 26: "فانظروا أيها الأخوة إلى المدعوّين فيكم"؛ 2: 1: "وأنا لما أتيتكم أيها الاخوة"؛ 3: 1: "وأنا أيها الاخوة لم أستطع أن أكلمكم"؛ 4: 6: "وهذه الأمور، أيها الاخوة، قد نسبتها إلى نفسي"؛ 10: 1: "فإني لا أريد أن تجهلوا أيها الاخوة"؛ 12: 1: "أما من جهة المواهب الروحيّة، فلا أريد أيها الاخوة"؛ 14: 6: "فالآن أيها الاخوة"؛ 15: 1: "أذكّركم أيها الاخوة". وأخيرًا هناك عبارة الخاتمة التي تنقلنا من جسم الرسالة إلى خاتمتها.
إذا توقّفنا عند الشكل (الفن) الرسائلي والبنية، ما يلفت نظرنا في 1 كور هو القسم الختامي في جسم الرسالة. فهذا القسم (حسب هوايت) في جسم الرسالة، يتضمّن المركّبات الخمسة التالية.
أ- عودة سيرويّة (سيرة الكاتب، ليُسند كلامه) إلى الرسالة، وتعبير عن الثقة بالارادة الطيّبة لدى القرّاء ليبلغوا إلى تعليمات بولس ويفهموها (16: 1-2). 
ب- التعرّف إلى رسوله بولس والتوصية به (16: 10- 11).
ج- إعلان مسبق عن زيارة يرغب بولس أن يقوم بها (16: 3-9، 12).
د- قسم إرشاديّ: تذكّرُ تعليمات بولس، عودة إلى سلوك بولس وسلوك الجماعة، نداء إلى مثال المسيح (13:16-18). 
هـ- صلاة السلام (غائبة).
نجد هذا القسم الختامي في جسم 1 كور، حالاً قبل الخاتمة (16: 19-24) أي في 16: 1-18 حيث يضمّ بولس مواضيع في الرسالة التي جاءته من كورنتوس إلى القسم الختامي الذي يشكّل انتقالة في جسم الرسالة. غير أن إضمامة من هذه العناصر المميّزة في القسم الختامي، توجد أيضًا في نهاية ف 4 (آ 14-21).
ونعود إلى هذه المركّبات
أ- المركّبهّ الاولى: بولس والرسالة
"ولست أكتب هذا لإخجالكم. وإنما لأعظكم كأولادي الأحبّاء. لأنه، وإن يكن لكم ربوات من المعلّمين في المسيح، فليس لكم آباء كثيرون. إذ إني أنا قد ولدتكم في المسيح يسوع بالانجيل" (4: 14-15). إن النصّ المقابل في 16: 1- 2، لا يعود بنا الآن إلى رسالة بحصر المعنى، مع أنه يعبّر (في نظر هوايت) عن ثقة بولس بالقرّاء وإرادتهم الطيّبة لكي يتجاوبوا مع تعليماته.
ب- المركّبة الثانية: رسول بولس
"من أجل ذلك، قد وجّهت إليكم تيموتاوس، ابني الحبيب الأمين في الربّ. وهو يذكِّركم طرقي في المسيح يسوع، كما أعلّم بها في كل مكان، في كل كنيسة" (4: 17) ق 16: 10- 11.
ج- المركّبة الثالثة: زيارة بولس
"لقد انتفخ بعضكم كبرًا، كأني لا آتيكم. لكني سآتيكم عن قريب، إن شاء الرب، فأعرف لا أقوال المنتفخين، بل قوّتهم، لأن ملكوت الله ليس بأقوال، بل بالقوّة. ماذا تريدون؟ أن آتيكم بالعصا، أم بالمحبّة وروح الوداعة" (4: 18- 21). ق 1 كور 16: 3-19 (وأيضًا آ 12 التي تشير إلى زيارة أبلوس).
د- المركّبة الرابعة: القسم الارشاديّ
"فأطلب إليكم إذن أن تكونوا بي مقتدين" (4: 16). ق 1 كور 16: 15 الذي يستعمل أيضًا فعل "باراكالو" (طلب) في سياق قسم أرشادي قصير في 16: 13- 18.
هـ- المركّبة الخامسة: صلاة السلام
هي غائبة من 1 كور 4: 12- 21. كما هي غائبة من 1 كور 16: 1-18 (16: 11؟). رج (1 كور 14: 33؟)؛ روم 15: 33؛ 16: 20؛ 2 كور 13: 11؛ غل 6: 16؛ فل 4: 9؛ 1 تس 23:5؛ رج أيضًا 2 تس 3: 16؛ أف 6: 23؛ عب 13: 20. وغابت أيضًا من فلم (رج أيضًا كو).
إن مثل هذه الاضمامة لعناصر مميّزة (أربعة من خمسة في 4: 14- 21 و16: 1-18) في القسم الختاميّ من جسم الرسالة، لا نجد ما يوازيه في رسائل بولس. وكلمات بولس في 4: 14- 21، تدلّ على أنه يختتم البرهان الاساسيّ، جسم الرسالة، ويصل إلى خاتمة الرسالة، كما في 16: 1-18. ما إن تسمع الجماعة الكورنثيّة هذه الكلمات حتى ترتّب مقاعدها، وتجمع ما يخصّها وتستعدّ لمناقشة كلمات بولس بما فيها من تحدٍّ حين ينهي ملاحظاته الأخيرة.
ولكن لا نستعجل. فبولس لم يختم بعد رسالته. فالعلامة النموذجيّة لخاتمة الرسالة ليست علامة صحيحة. فبولس سيقوله أيضًا أمورًا وأمورًا. وهو يواصل كلامه بتوبيخ فجائي وعنيف ضد جماعة كورنتوس: "لقد شاع عنكم أن بينكم حادث فحش (بورنايا)، ممّا ليس له نظير ولا بين الأمم أنفسهم" (5: 1). هذا التوبيخ يبدأ موضوعًا جديدًا، وبالتالي قسمًا جديدًا في الرسالة، وذلك بعد علامة تدلّ على الخاتمة في المقطع السابق. إن القطع بين 4: 21 و 5: 1 هي صيغة رساليّة تسمّى التعارض. ما إن سمعت الجماعة كلمات 5: 1 والآيات التابعة، حتى عادت إلى مقاعدها وهى مدهوشة، قلقة، ومتنبّهة.
وهكذا نكون قد وجدنا سندًا قويًا (وإن لم يكن برهانًا) في هذه الاعتبارات حول الفنّ الادبي والبنية. إن ف 1-4 هي رسالة تامة لا ينقصها سوى خاتمة قصيرة، وإن ف 5-16 ارتبطت بها فيما بعد. إذن، نحن في ف 1-4 أمام الانقسامات داخل الجماعة، حسب أخبار حملها أهل خلوة. وفي ف 5-16 أمام مواضيع نجدها في رسالة حملها استفانا ورفيقاه الذين قدّموا عددًا من الملاحظات حول معتقدات الكورنثيين وحياتهم اليوميّة.

4- اعتبارات أخرى
وهناك تعارضات بين قسمَي 1 كور (1-4، 5-16). فهي تبرز أيضًا الفرضيّة التي توقّفنا عندها.
أ- لقد شاع عنكم (5: 1)
عندما نرى اللهجة المليئة بالقرف والصدمة التي في 5: 1 والحديث عن الفحش أو الفجور (بورنايا)، هل نظنّ أن هذه المعلومة وصلت إلى بولس قبل أن يكتب ف 1-4، وأنه انتظر حتى الآن لكي يشير إليها؟ هذا أمر غير معقول. ويكفي أن نلاحظ البداية: "يُسمع". فهويّة الجماعة ونقاوتها، ونقاوة كنيسة الله، هي على المحك بشكل أساسيّ.
ب- أسفار تيموتاوس ومخططات بولس
هي مسائل معروفة وإن كان من الصعب أن نقيّمها. ولكن نسوق ملاحظتين.
* الملاحظة الاولى: حاسب 4: 17، أرسل بولس تيموتاوس إلى كورنتوس لكي يتعامل مع الانقسامات التي تحدّث عنها أهل خلوة. ولكن في 16: 10، يقول بولس إنه غير متأكّد أن تيموتاوس سيذهب إليهم. مع أنه في الآية التالية يتحدّث عن ذهابه. استعمل بولس الشرطية (إذا، إيان في اليونانيّة) لا الزمنيّة (حين، هوتان في اليونانيّة)، لأنه اعتبر أن مهمّة تيموتاوس في ما يتعلّق بالانقسامات في الكنيسة، ليست جوهريّة. وهكذا يتساءل بولس هل سيستقبلون تيموتاوس بحفاوة، وهل سيعود إليه سالمًا (16: 13).
* الملاحظة الثانية: في 18:4- 21. استبق بولس عدم اليقين لدى الكورنثيين في ما يخصّ مجيئه إلى كورنتوس. نبّههم أنه سيأتي قريبًا، وهذا ما يتضمّن أنه يأتي بشكل قاس. أما في 16: 5-9، فيخطّط للذهاب إلى كورنتوس حين يكون ذلك مناسبًا، وإن لم يكن عاجلاً. فوصول وفد استفانا جعله يهدأ: "أراحوا روحي وروحكم" (18:16). ثم إن رسالة بولس الطويلة، قد لا تستدعي سفرًا مباشرًا إلى كورنتوس في القريب العاجل. إن الحاجة إلى زيارة سريعة لم تعد بذي بال، إذا كان استفانا ورفيقاه سيحملون الرسالة إلى كورنتوس (16: 15-18).
ج- ما عمّدت (16:1)
في كلام إرشادي، كتب بولس في ف 1: "عمّدت أهل بيت استفانا. وما سوى ذلك لا أعلم هل عمّدت أحدًا آخر" (1: 16). هذه الآية تصحّح ما قاله بولس في الآية السابقة إنه عمّد كرسبوس وغايوس، وما عمّد أحدًا غيرهما. هل نسي بولس وما عاد يتذكّر أولئك الذين عمّدهم، حتى وصل إليه استفانا. كان بولس قد كتب هذا المقطع قبل وصول استفانا (17:1 يأتي مباشرة بعد 1: 15). فالتصحيح الذي وُضع في الهامش بعد وصول استفانا إلى أفسس، سيُجعل في متن النصّ داخل 1 كور.
د- الرسول والكنيسة، الصليب والقيامة
في ف 1-4 الموضوع المهمّ هو كرازة الرسول. كيف يعظ وماذا يعظ. كل شيء يدور حول لفظة "لوغوس" (الكلمة) ولفظة "سوفيا" (الحكمة) والعلاقة بين الاثنين. أما في ف 5-16، فالمواضيع هي في الاساس عمليّة وسلوكيّة. هي تعالج هويّة الكنيسة ونقاوتها وتمايزها تجاه الحضارة التي يعيش فيها أعضاؤها. والامر الشاذ الوحيد هو ف 15 وارتباطه بالقيامة. ومع ذلك فهو يتضمّن أمورًا عمليّة وسلوكيّة كما تقول الآية الأخيرة: "فكونوا إذن، أيها الإخوة الأحبّاء، راسخين غير مزعزعين، مستزيدين على الدوام في عمل الرب. عالمين أن تعبكم ليس بباطل في الربّ" (58:15).
وهنا أيضًا يبدو الاختلاف واضحًا: في ف 1-4، الموضوع اللاهوتي الذي يشكّل نقطة الانطلاق، هو الصليب (13:1، 17، 18، 23؛ 8:2). ولا نجد ذكرًا للقيامة (وإن كان النصّ يفترضها). أما في ف 15، فيشدّد الرسول على القيامة. وإن أشار إلى موت يسوع (15: 3)، فهو لا يستعمل لغة الصليب.
لا شكّ في أن هناك نقاطًا كثيرة من التواصل بين قسمَي الرسالة. مثلاً، ما يتعلّق بالروح (2: 4-14؛ 16:3؛ 4: 21؛ ف 12-14؛ ق 1 :5، 17؛ 2: 1 مع 12: 8). غير أن نقاط التواصل تقدّم نفسها في إطار الرسالة الواحدة. فوحدة الرسالة لا تحتاج إلى شروح. بل الاختلافات. وهذا ما حاولنا أن نتوقّف عنده لكي نظهر قسمي 1 كور. القسم الأول (ف 1-4) الذي يرتبط بمجيء أهل خلوة إلى بولس في أفسس. والقسم الثاني (ف 5-16) الذي يرتبط برسالة خطيّة (أرسلتها كورنتوس) ورسالة شفهيّة حملهما استفانا وفورتوناتوس وأخائيكوس. وفي النهاية، جمع بولس هذين القسمين في رسالة واحدة هي 1 كور.
الفصل الخامس والثلاثون
مقاربة من الرسالة إلى غلاطية

1- مدخل
رغم الابحاث المتواصلة منذ قرنين من الزمن، ظلّت الرسالة إلى غلاطية التي سمّيت "رسالة خارقة"، لغزًا غامضًا في وجوه عديدة. فنحن لا نعرف شيئًا عن كنائس (لا كنيسة واحدة) غلاطية هذه التي توجَّه إليها الرسول بولس: لا نعرف عددها ولا أهميّتها ولا تكوينها ولا بنيتها. بل لا نعرف إن كان يجب علينا أن نبحث عن هذه الكنائس في غلاطية الشمالية أو في مقاطعة غلاطية الرومانيّة التي ضمّت بسيدية وايسورية وبمفيلية وليكأونية وفريجية الشرقيّة وبفلاغونية والبنطس الغلاطي. أما اليوم، فجمع الشرّاح يقول إن غل وجّهت إلى غلاطية الشماليّة، وهو قوله يجد له أساسًا متينًا. أما البرهان الاقوى للقول بغلاطية الشمالية فهو أن هذه الرسالة لا تتوجّه إلاّ لمسيحيين من أصل وثنيّ، وأن ليس فيه أثر يدل على وجود مسيحيّين من أصل يهوديّ. هنا نتذكّر أنه وُجد مسيحيون عديدون من أصل يهوديّ في كنائس غلاطية الجنوبيّة ولاسيّما في أيقونية (أع 14: 1) وفي أنطاكية بسيدية (أع 13: 43).
ونطرح سؤالاً: متى انفجرت الأزمة التي يكشف عنها النصّ، ومتى دوّن بولس رسالته؟ طُرحت تواريخ تتوزّع على عشر سنين تقريبًا: من سنة 49 إلى سنة 58. أما نحن فنقترح صيف 56، ساعة كان بولس في مكدونيّة. وهناك من قال حوالى الفصح سنة 56. لا ننسى أننا هنا على مستوى الفرضيّات. 
ونطرح سؤالاً آخر: هل نالت غل النتائج التي توقّعها بولس؟ هناك من يعتقد ذلك، ويُسند اعتقاده إلى براهين متينة. "بما أن الرسالة حُفظت لنا، فهذا علامة أن الرسول ربح قضيّته، وفُهم على المستوى الذي أراد أن يُفهم". ويرى آخرون أنه من الممكن أن يكون تطرّف بولس فخسر المعركة في غلاطية كما خسرها من قبل في أنطاكية. وقد لاحظ عدد من الشرّاح أن لوقا لا يذكر في سفر الأعمال ممثّلاً واحدًا من غلاطية بين وفود الكنائس التي رافقت بولس إلى أورشليم لتحمل معونة الكنائس (أع 20: 4). ولكن هذا البرهان الأخير يبقى ضعيفًا.

2- بولس والبلاغة
تتميّز رسالة غلاطية عن سائر الرسائل البولسيّة بحماس الرسول وقوّة عاطفته وغيظه. كأني به بركان يتفجّر. فهي تجعلنا نشعر أن بولس أملاها دفعة واحدة دون أن يتوقّف. أملاها بسرعة وقد أخذ الغيظ منه كل مأخذ. أملاها ساعة اصطدم بأخبار سيّئة جاءت إليه من غلاطية. هذا ما قاله الشرّاح، فرأوا في غل كل علامات الغضب والتسرّع. ما يدلّ على الغضب هو أن هذه الرسالة تبدأ فجأة دون فعل الشكر الذي اعتاد الرسول أن يرفعه. وما يدلّ على التسرعّ هو أن هذه الرسالة تجرى فتجرّ الكلمات خلفها. هي تشبه سيلاً يحفر الوادي عميقًا ويقلب كل الحواجز التي تعترضه: تبدأ الجملة ولا تنتهي. والمعترضة تلي المعترضة. وهناك التلميحات الرابينيّة والمفارقات الجريئة وكلام العنف الذي يوجّه إلى هؤلاء المؤمنين وكأنه أمواج عاتية.
هذا ما قاله سباتييه سنة 1881، وسيقول استاذنا موريس كاريز سنة 1997: "يبدو الفكر جامحًا بحيث يسبق الألفاظ التي تعبّر عنه. هو يستعمل حسب الاوقات، جميع الفنون الادبيّة، دون تصميم مسبق وحسب حاجات الطرح. يمزج بولس الذكريات والامثلة السيرويّة والتنبيهات القاسية التي يختفي وراءها حبّ للذين نبهّهم".
لاشكّ في هذه السمات والملاحظات. ولكن أما يبدو الشعور بالتسرّع والارتجال خاطئًا أو موهمًا؟ فهناك من رأى في أسلوب بولس النموذج البلاغيّ الذي أوصى به كونتيليانس (30- 100) من أجل الدفاع أمام القضاء.
- استهلال، 1: 6- 12.
- السرد، 1: 3- 2: 14.
- الطرق، 2: 15-24.
- البرهان، 3: 1- 4: 31.
- الرد.
- خاتمة الكلام، 6: 11-17.
ويبدو أن بولس أحلّ محل "الردّ" تحريضًا أخلاقيًا أو ارشادًا" (5: 1- 6: 10). وراح آخرون في الخطّ عينه، فدلّوا على السبب الذي جعل بولس يأخذ هذا الخطّ. وهكذا دلّ أنه ليس خائفًا على سلطته كما اعتبره شرّاح عديدون. ففي الخدعة البلاغيّة، لعب بولس دور المحامي لا دور القاضي. رافع عن قضيّة، وما أملى أوامره، بل هو جعل الغلاطيين على كرسيّ أرفع من كرسيه. وحين دافع عن قضيّته، جعلهم هم القضاة وطلب منهم أن يحكموا. غير أن بولس ظلّ حرًا بالنسبة إلى هذه البلاغة، فسيطر عليها حين استعملها في منظار نقدي.
وتحدّث خطّ آخر من الشرّاح رافضًا أن نكون أمام مرافعة، هذا دون رفض النموذج البلاغيّ. قال إن غل تبعث التصميم المتّبع من أجل مداولة.
- الاستهلال، 1: 6- 12.
- السرد، 1: 13- 2: 21.
- التشجيع، 3: 1-11:4
- الخاتمة الأولى أو التشكي، 4: 2-24.
- الخاتمة الثانية أو الاختصار، 4: 25-5: 6.
- الخاتمة الثالثة أو الغيظ، 5: 7-13.
- الاسهاب، 6: 11-18.
ترك سميت القسمة وهي جزء من هذا الخطّ البلاغيّ، وأضاف الاسهاب الذي لا يُوجد في كتب البلاغة. ولكن مهما يكن من أمر، فالنموذجان اللذان ذكرناهما يدلاّن على أن غل سارت بحسب قواعد البلاغة المعروفة في القرن الأول المسيحيّ. عند ذاك قد نستطيع القول إن غل تبعت المخطّط المعروف في العالم الكلاسيكيّ.
غير أن هناك شرّاحًا لم يقتنعوا بهاتين النظريتين البلاغيّتين، ورفضوا أن يكون بولس قد خضع لقواعد مصطنعة نجدها عند أصحاب النظرّيات البلاغيّة. ولكن مهما يكن من أمر، فبولس يبدو خطيبًا بليغًا يعرف كيف يمارس الممازحة والقساوة والنداء والغيظ...

3- خصوم بولس
قال ساباتييه: "قد نغشّ نفوسنا إن أردنا أن نفهم غل قبل أن نتعرّف إلى طبع هؤلاء المعلّمين المتهوّدين، إلى طبيعة عدوانهم، إلى قوّة براهينهم". وأضاف: "الرسالة نفسها تقدّم لنا في هذا المجال المعلومات الضروريّة".
تلك نظرة متفائلة. فنحن لا نعلم ما كان يقوله خصوم بولس، كما نجهل هوّيتهم. فبولس أراد أن يعبّر عن ازدرائه، فرفض أن يعطيهم اسمًا. هذا ما كان يوحنا الذهبيّ قد لاحظه: "أرجوكم أن تنتبهوا. هو لا يسمّي أبدًا هؤلاء المضلّين، لئلا تزداد وقاحتهم" (5: 2). إذن، اكتفى بولس بعبارات غامضة. "هناك بعض الناس بينكم يبلبلونكم" (7:1). "فالذين يبلبلونكم (يزرعون الفوضى)، ليتهم يُقطعون" (5: 12). وقال بولس في 5: 1: "أما الذي يقلقكم أيًا كان، فسينال العقاب". قد نكون هنا أمام مفرد شامل (أي بمعنى الجمع). هذا ما فهمه يوحنا الذهبيّ الفمّ. ويمكن أن يكون بولس غير عارف كل المعرفة بهويّة هؤلاء المبلبلين. وهذا ما يفسّر أن يكون ماهاهم (على حقّ أو خطأ) مع "الاخوة الكذبة" الذي اندسّوا خلسة في أنطاكية (2: 4).
إذا أردنا أن نتعرّف إلى هؤلاء المقلقين، يجب أن نعرف أولاً تعليمهم. من أجل هذا، ليس في أيدينا سوى رسالة بولس. وقدّم بعضُهم هذه المقابلة المصوَّرة: نحن نشبه لاعب شطرنج لا يملك سوى الحجارة السوداء، فيجب عليه أن يعرف بالحدس موقع الحجارة البيضاء. وتحدّث آخر عن "قراءة في مرآة". وبكلام آخر، يجب علينا أن نفهم هجوم بولس وكأنه هجوم معاكس، وكأنه ردّ على قول سابق. ومن هنا ننطلق لنكتشف طرح الخصوص. في هذا المجال تُقرأ غل لا كتوسيع أصيل للاهوت البولسيّ، بل كتحويل حقيقيّ للاهوت المعارض.
لاشكّ في أن طريقة العمل هذه تتضمّن هامشًا من اللايقين يتّسع أو يضيق. وهذا ما يفسّر وجود الفرضيّات العديدة حوله هويّة خصوم بولس. فقد أحصى أحد الشّراح إحدى عشرة فرضيّة. أما الخصم الذي يُذكر أكثر ما يذكر فهو المسيحيّون المتهوّدون الذين جاؤوا من الخارج، وربّما من أورشليم. ورأى البعض في هؤلاء المقلقين "اليهود". وآخرون: "خصوم من النمط الهلنستيّ". غير أننا نجهل كل شيء تقريبًا عن هؤلاء الهلنستيين. ولكن ما يبدو أكيدًا هو أن خصوم بولس في غلاطية فرضوا على المسيحيين الآتين من العالم الوثني، الختانَ (5: 2؛ 6: 12) وممارسة الشريعة والكلندار اليهوديّ (4: 9- 10، 21؛ 5: 1).
أما إحدى الصعوبات التي تجابه كل محاولة للتعرّف إلى هؤلاء المبلبلين، فهي أن بولس يشير مرارًا إلى موضوع الاضطهاد (29:4؛ 5: 11؛ 6: 12). "هدفهم الوحيد أن لا يُضطَهدوا بسبب صليب المسيح". حين يلومهم بولس بهذا الشكل، فأي اضطهاد يخافون ساعة لا يفرضون الختان؟ لا نجد ما يدلّنا على وجود مستوطنات يهوديّة هامة في غلاطية الشمالية. ولا على وجود مجامع في تلك المنطقة. ثم إن غلاطية الشمالية التي يصعب الوصول إليها، هي بعيدة جدًا عن اليهوديّة (1200 كلم ونيّف). وهي بالتالي بمنأى عن المتطرّفين الغيورين، هذا إذا افترضنا أن هؤلاء الغيورين كانوا أصحاب عنف عدواني. هل تطلّع بولس إلى الوضع السائد. في فلسطين على عتبة الحرب اليهوديّة الرومانيّة؟
عندئذ قد نكون أمام ما يدلّ على الأصل الفلسطينيّ لهؤلاء "المقلقين". ولكن لماذا اختاروا غلاطية الشمالية كساحة لرسالة مناوئة لرسالة بولس، ساعة لا يستطيعون أن يحسبوا حساب جماعات يهوديّة هامة تساندهم، وساعة كان المسيحيون مشتّتين لأنه لم تكن مدن كبيرة في غلاطية الشمالية؟ لهذا قال بعضهم، وهذا قول معقول: إن بولس يُسقط على الوضع في غلاطية ما عرفه في أنطاكية. وفي أي حال، نبقى في بعض الغموض حين نحاول التعرّف إلى هويّة خصوم بولس.

4- الرسالة إلى غلاطية والعالم الجلياني
قد ندهش حين نقرأ عنوان هذا المقطع الذي يربط غل بالعالم الجلياني. لاشكّ في أن بولس يستعيد في غل عددًا من العبارات التي تميّز الكتابات الجليانيّة: "العالم الحاضر الشرير" (1: 4). "وحي" (1: 12-16؛ 2: 2). "ملء الزمن" (4: 4). "الخليقة الجديدة" (6: 15). ولكن هل تكفي هذه الكلمات القليلة لكي تجعلنا نعتبر أن هذه الرسالة تنتمي إلى الفن الجلياني؟ كلا. ولهذا نفهم أن يكون بعض الشّراح قد اعتبر أن العالم الجلياني بحصر المعني يلعب دورًا ثانويًا في فكر بولس.
إذا أخذنا رؤيا يوحنا كمرجع، يجب أن نقرّ بأن رسالة بولس هذه لا ترتبط بالعالم الجلياني. فلا رمزيّة باطنيّة (إيزوتيريّة)، ولا أرقام سريّة، ولا كارثة كونيّة، ولا رؤية للسماء أو الجحيم، ولا سفَر إلى الآخرة. وإذا أخذنا بتحديد يعتبر العالم الجلياني مهتمًا بظروف الزمان والمكان في ما يتعلّق بالأحداث المقبلة، بنهاية الأزمنة، فهذا التحديد لا ينطبق على الرسالة إلى غلاطيّة.
ولكن الأمر يختلف إذا كانت السمات التالية تميّز العالم الجلياني أو إذا كانت أساسيّة. نذكر أولاً الحتميّة حيث يَبرز تسلسل الازمنة (والادهار) التي هي محدّدة منذ البدء، وحيث يبسط التاريخ مخطّط الله بشكل تدريجيّ (كما في فيلم سينمائي). ونذكر ثانيًا الثنائيّة حيث يتطلّع الانتظار الجلياني إلى تغلّب "عالم البر" على "عالم خاضع لعالم الشرّ". ونذكر ثالثًا الشموليّة حيث يكون العالم تجاه الله. وهكذا لا نعود نتحدّث عن اسرائيل والأمم. ونذكر رابعًا موضوع الانحلال أو فساد الاصل حيث يكشف تاريخُ البشريّة نموًا للشرّ. تتميّز الأزمنة الأخيرة بانتصار الاثم إلى حدّ القطيعة مع الربّ. عندئذ يتدخّل الله في الوقت المحدّد، بشكل متعال، فيقلب الوضع ويقيم ملكه.
حين نأخذ بعين الاعتبار هذه السمات الأربع التي تميّز العالم الجلياني، نكتشف في النهاية هذه الرسمة في خلفيّة الرسالة إلى غلاطيّة. فهناك تعارض جليانيّ (جعله بولس) بين مُلك قديم هو ملك العبوديّة والخطيئة واللعنة. هو مُلك طبعته الشريعة بطابع الضعف، وبين مُلك جديد أقامه المسيح وطبعَه بطابع الحريّة والنعمة.
ونظنّ أن هذه الرسمة الجليانيّة تعطي المفتاح لتفسير عدد من مقاطع غل تبدو مشكّكة في ظاهرها. فبولس لا يكتفي بأن يؤكّد أن الشريعة لم تُعطَ لكي تُحيي (3: 21: ناموس يستطيع أن يعطي الحياة)، بل يعلن أن هدفها تحريك المعاصي (3: 19: أضيف الناموس بسبب المعاصي). نجد ما يوازي هذه الآية في روم 5: 20: "دخل الناموس لكي تكثر الزلّة". وبعد ذلك، يصوّر بولس الشريعة وكأنها حارس سجن (غل 3: 23)، وكأنها وصيّ (4: 2) ومربٍّ (3: 24) أو "مراقب". وفسّر الاب كوتنيه 3: 19 فكتب بدون تردّد: "هذه العبارة التي تشكّك أكثر ما تشكّك في الرسالة كلها. ساعة كانت الشريعة للعالم اليهودي شجرة الحياة، صارت في رأي بولس وسيلة تعمل من أجل مُلك الخطيئة". 
وكتب شارل بيرو عن روم 5: 20 أمورًا مشابهة: "تبدو الفكرة للوهلة الأولى "قذرة". لا يكتفي الرسول بأن يقتلع الشريعة من جذورها كقيمة خلاصيّة، بل يجعلها تلعب دورًا بشعًا". لاشكّ في أن عددًا كبيرًا من الشرّاح سار في خطّ أوغسطينس، فخفّف من هذا الشكّ، ونسب إلى الشريعة دورًا أقلّ سلبيّة. وكان منهم أدوار كوتنيه وشارل بيرو. قدّم الأول شرحه كما يلي: "أعطيت شريعة موسى، شأنها شأن كل شريعة كما في روم 7، لكي يعي البشرُ انحطاطهم الخلقيّ وينفتحوا على مجيء المخلّص". وقال الآب ستانسلاس ليونيه: "إذا كانت الشريعة في المعنى الخاص للكلمة، تسبّب المعصيّة، فهي لا تسبّب الخطيئة بل تفرضها. فهي قد أعطيت لتكشف القناع عن الخطيئة، وتتيح للانسان أن يزيل هذا السمّ القاتل لاجئًا إلى الدواء الوحيد الذي هو يسوع المسيح". ولكن هل هو فكر بولس؟ هناك بعض الشكّ.
ففي غل كما في روم، وجهة بولس وجهة شاملة لا وجهة فرديّة. ثم، كيف نفسّر انتظار 1200 سنة لكي تحقّق الشريعة ما لأجله أعطيت؟ لاشكّ في أن الشعور بالذنب قد صار حادًا في الزمن الذي سبق المسيح. فالادب اليهوديّ مليء باعترافات بالخطايا وبصلوات التوبة. ولكن الشريعة كانت قد هيّأت وسائل المصالحة، فدلّت على أهميّة متزايدة ليوم كيبور (يوم التكفير، يوم الغفران العظيم) منذ زمن المكابيّين (سي 50: 1- 21؛ اليوبيلات 18:34- 19).
من أجل هذا، يبدو لنا أن الرسمة الجليانيّة تساعدنا على فهم مقاطع غل المشكّكة بشكل أفضل. فالشريعة تنتمي كلها إلى "الدهر (إيون) الاول، إلى العالم الشرّير. وهذا ما يشدّد عليه روم 5: 20 حيث تُلاحق الشريعة مُلك الخطيئة الاصليّة. هي لا تهدف إلى محاربة الخطيئة الاصليّة. وفي 2 كور أقرب الرسائل إلى غل في الزمن، نسب بولس إلى الشريعة ذات النتائج التي لخطيئة آدم (3: 6-9؛ رج روم 5: 15- 21). إذن، دور الشريعة يقوم بأن يُكثر المعاصي، بأن يجعل الشرّ ينضج، بأن يشرعّ الوقت الذي فيه تدرك القطيعة التي تجعل ملكوت الله يجتاح العالم. وهكذا تقتني الشريعة وظيفة سوتيريولوجيّة (على مستوى الخلاص). "توخّى مخطّط الله أن يؤمّن فداءنا في عمق تاريخ الخلاص، أي وفي النقطة التي تضع الشريعة ختمها على وضعنا الميؤوس (لا مخرج منه) أمام الله". في هذا السياق، لا يزال غل 3 يحيّرنا، لأن الرسمة الجليانيّة للتاريخ ما زالت غريبة علينا. فإن رجعنا إلى عالم الجليان، بدا هذا الفصل مفهومًا على المستوى العقليّ ومتماسكًا.

5- النتائج التاريخيّة للرسالة إلى غلاطية
أ- مرتين لوتر
هذه الرسالة هي المفضّلة لدى مرتين لوتر بين الرسائل البولسيّة. قال عنها: "هي رسالتي. تلك التي تزوّجتها". لا تُفهم هذه المحبّة فقط لأنه وجد فيها شرعة الحريّة المسيحيّة وأكمل تعبير عن التبرير بالايمان وحده، بل لأنه كانت قرابة على مستوى الخيارات بين بولس ولوتر. وكُشفت هذه القرابة بشكل خاص في هذه الرسالة. وقد قالت رينان: "الشخص التاريخيّ الذي يشبه بولس أكثر ما يشبه هو لوتر. فعند الاثنين نجد العنف عينه في اللغة، وذات الاندفاع وذات القوّة وذات الاستقلاليّة النبيلة، وذاك التعلّق الجنونيّ بطرح اعتُبر الحقيقةَ المطلقة". لهذا لا ندهش إن تماهى لوتر مع بولس في شرحه للرسالة إلى غلاطية سنة 1530- 1531، ولاسيّما حين وقف بولس في أنطاكية بوجه بطرس (البابا الأول)، مخلّص حريّة الانجيل. "إنه لأمر مدهش أن يكون الله حفظ الكنيسة الفتيّة والانجيل عينه بواسطة شخص فريد. فليس هنا إلاّ بولس. خسر رفيقه برنابا. وها هو بطرس ضدّه".
وشدّد إيف كونغار مرات عديدة على تأثير غل في لوتر. بل لامه لأنه سار في خط غلاطيّ ذات اتجاه واحد فأخذ بمسيحيّة هي إنجيل نقي وباطنيّة نقيّة. أراد كنيسة نقيّة، "وخلقًا جديدًا"، أن تكون واقعَ العالم الآخر. أن تكون كلها روحيّة.
ولكن وإن كان أكيدًا أدن غل طبعت لوتر بطابعها، نُفرط في القول حين نجعل من بولس الأب الحقيقيّ للبروتستانتيّة. لا يحقّ لنا أن نجعل من بولس شخصًا لوتريًا قبل اللوتريّة. هذا ما قام به بعض الشّراح في الغرب مثل باتس وبرنار وغيرهما.
ب- اليهود والمسيحيّون المتهودّون
قال رينان: أرسل بولس رسالته في الحال. فلو تأخّر ساعة في ارسالها لكان عدل عن إرسالها. وقيل: لو عرف بولس ردّة فعل رسالته على المسيحيين المتهوّدين، ما كان أرسلها. نحن هنا أمام فرضيّة. ولكن بولس أرسلها. وسوف يستفيد المسيحيون اليهود في غلاطية منها لكي يرسلوا إلى أورشليم تقريرًا عن آراء بولس وأقواله الجارحة. لهذا استقبلته كنيسة أورشليم استقبالاً باردًا (أع 20:21-21).
ما الذي قاله بولس في اليهود والمسيحيين المتهوّدين الذين يجعلون الشقاق في كنائس غلاطية؟ أنكر الأصل الالهي لشريعة أعلنها الملائكة بواسطة وسيط. وأعلن أن الشريعة ما أعطيت لتُحيي، بل لكي تسجننا في الخطيئة (3: 19- 22). وزاد: من أخذ نير الشريعة ومارس الكلندار اليهوديّ، سقط في عبادة الاوثان (4: 8- 10). وإذا عدنا إلى 4: 21- 31، نفهم أن المسيحيين هم أبناء بحسب الروح، هم اسحاق الحقيقيّ. أما اليهود فأبناء بحسب البدن، بحسب اللحم والدم. هم اسماعيل الحقيقيّ.
هنا لا بدّ من إعادة قراءة غل. ونعطي مثلاً على ذلك 2: 15: "نحن يهود بالولادة (بالطبيعة) ولسنا بخطأة من الأمم". يجب بالحري أن نقرأها: "نحن، وإن كنا يهودًا بالولادة، لا وثنيين (بلا شريعة)، نحن خطأة". مثل هذه الترجمة تتلاءم مع سياق النصّ.
وقال موسنر: "توسّع بولس في تعليمه حول الشريعة والتبرير، لا ضدّ اليهود، بل ضدّ الاخوة الكذبة. هو لا يريد بإعلاناته أن يدمّر اليهوديّ. ما يريد أن يدمّره هو إنجيل مسيحيّ مزعوم". لاشكّ في أن بولس يصيب في رسالته المقلقين في غلاطية والمسيحيين الذين يقعون في تجربة اليهوديّة. لهذا، فهو يعتبر أن الغلاطيين الذين يعودون إلى اليهوديّة بعد أن عرفوا المسيحية، يخطئون خطأ فادحًا. وأنهم لا يخلصون إن عادوا إلى الختان والاطعمة الطاهرة. بل يخلصون فقط أن هم تعلّقوا بيسوع المسيح الذي باسمه وحده نخلص.
الفصل السادس والثلاثون
رسائل بولس
وأسئلة المسيحيين الأوّلين

نبدأ هذا المقال بطرح سؤالين: لماذا يسيء الناس مرارًا فهم فكر بولس؟ لماذا تبقى مقاطع عديدة غامضة في رسائله؟ لهذا، نحاول أن نحدّد موقع فكره في نقاط أساسيّة في إطار الاسئلة التي طُرحت على المسيحيين الأوّلين. فندرس أولا الموضوع. ثم نبيّن ردّة الفعل لدى بولس تجاه مسألة من المسائل. وأخيرًا نتوقّف عند اللغة التي استعملها.

1- مدخل
هذا الرسول الثالث عشر، هذا "السقط" كما يسمّي هو نفسه، هذا الذي عارضه الناس خلال حياته، ما زال موضوع انتقادات مختلفة في أيامنا. فاليهود يتّهمونه بأنه سبب القطيعة بين اليهوديّة والمسيحيّة. والمؤرخون يعارضونه بيسوع ويعتبرون أنه طبع الايمان الاولاني بالطابع الهليني، فكان "الخالق" الثاني للايمان المسيحيّ. وكتب عنه أصحاب ماركس أنه انطلق من إيمان ثوريّ فانتهى في نظام دينيّ يحمل عددًا من المضايقات. وقالوا عنه إنه كاتب صعب وغامض. وقد صار نموذج اللاهوت الذي لا يُفهم ولا يرضى عنه الناس. كان معلّم أخلاق قاسيًا، فاعتبر المسؤولَ الأول عن حذر الكنيسة من النساء والحياة الجنسيّة.
ولكن حين بدأت تتثبّت اللائحة القانونيّة لأسفار العهد الجديد، حُفظت لرسائل بولس مكانة لا يقابلها مكانة. ومنذ نهاية القرن الأول المسيحي أو في بدايته، كانت تُقرأ رسائله في الليتورجيا. وهذا ما يشرح اليوم الوضع السائد في احتفالاتنا الشرقيّة، حيث نقرأ أكثر ما نقرأ الرسائل البولسيّة في القداس. وإذا تلونا قراءات أخرى، فالأخيرة تكون من رسائل بولس، وهي تعدّنا مباشرة لسماع الانجيل.
ومع ذلك، فبولس لا ينتمي إلى الاثني عشر، ولا هو من التلاميذ الأولين. ووجب عليه أن "يقاتل" ليعترف به الآخرون. جاء متأخّرًا. وكان مضطهِدًا. فكيف يمكن أن يكون الخادم الحقيقيّ للانجيل؟
ويبقى واقع لا يمكن أن نتجنّبه: لا نستطيع أن ندرس الاصول المسيحيّة دون أن نجد آثار بولس. فهو الذي كوّن كنيسة البدايات، وكانت رسائله أول ما وصل إلينا من العهد الجديد. هذا لا ينفي أنه كان في حياته علامة خلاف لإخوته في الايمان. واليوم، هناك من لا يقبل بتعليمه. ولكن هذا التعليم ما زال يفرض نفسه، والدليل على ذلك العدد الكبير من الدراسات التي لا تتوقّف.
ذاك هو بولس. هل ندافع عنه؟ بل نساعد القرّاء على فهم رسائله. فبولس يعرف كيف يدافع عن نفسه أكثر منّا. ولكن كيف ندخل في فكره؟ هل نبقى على هامش هذا الفكر، هل نبقى في ضواحيه أم ندخل في قلبه؟ هنا نحاول أن نفتح بعض الدروب في هذه المجموعة المتشعّبة، أن نعطي مفاتيح للقارئ. وسنحصر كلامنا في الرسائل التي كتبها في الحقبة الأولى من حياته: 1 تس، 1 ز2 كور، روم، فل. ونتذكّر أن هذه الرسائل دوّنت بين سنة 50 و60 (أي بعد موت المسيح بعشرين أو ثلاثين سنة)، ساعة دون انجيل مرقس حوالى سن 70، ومتّى ولوقا سنة 85، ويوحنا بعد السنة 90. وهكذا تكون الرسائل البولسيّة أقدم أسفار العهد الجديد.

2- مسائل أساسيّة ثلاث
نحن نعرف أن شاول الطرسوسيّ كان فريسيًا (فل 3: 5)، وقد اضطهده المسيحيّين الأولين (غل 1: 13-14). ويتحدّث عن ارتداده على أنه نتيجة ظهور المسيح القائم من الموت. ويجعل هذا الظهور له على مستوى الظهور الذي نعم به سائر الرسل (1 كور 8:15-9؛ غل 1: 11-12؛ 15-16؛ 1 كور 9: 1). وشهادته حول الظهورات هي الشهادة الوحيدة التي ترتبط باكرًا بمصدرها. وحين أورد نصًا تلقّاه، أكدّ توافقه مع سائر "الشهود" (1 كور 15: 1- 11). إذن، يجب أن نفسّر لفظة "القائم" (من الموت) بما يقول عنها بولس نفسه. نحن نفهم أن قيامة المسيح تُفهم على أنها إقامة ملكوت الله كما دلّ عليه يسوع. هذه الاقامة تبقى سريّة وخفيّة للعالم. ولكنها كُشفت للمؤمن فصارت حقيقيّة. وتمجيدُ يسوع يدلّ على أن العالم الجديد قد بدأ يتحقّق منذ الآن. "الواقع الجديد هو هنا" (2 كور 17:5). "ما يهمّ... هو الخليقة الجديدة" (غل 6: 15).
أ- قيامة يسوع المسيح
الواقع الجديد، الواقع الالهي، هو منذ الآن هنا، ولكن بالقوّة لا بالفعل. وحياة بولس (وفكره) يتحكّم بها انشداد بين ما هو الآن هنا منذ الفصح، وما لم يحصل بعد من ملء التجلّي الذي يسمّيه "باروسيا" (أي: المجيء) كما يسمّيه المسيحيون الاولون. وهو ينتظر هذا المجيء في القريب العاجل، شأنه شأن جيله. قال: "الزمان قصير" (1 كور 7: 29). وأعطى نصائح بالنسبة إلى قصر زمن الكفاح هذا. وقد ارتعب أصدقاؤه في تسالونيكي، سنة 50، حين رأوا أن بعضًا منهم ماتوا قبل المجيء. هل يشاركون في الخلاص؟ أجاب بولس: إنهم يقومون ويشاركون في اللقاء "مع الرب في الهواء... في السحب" (1 تس 17:4).
أولاً: لغة جليانيّة لا نفهمها
وهكذا نواجه صعوبة أخرى، هي صعوبة اللغة. فبولس، شأنه شأن يوحنا المعمدان ويسوع والجيل الأول المسيحيّ، يعبّر عن فكره في لغة جليانيّة لا يمكن أن نفهمها. لقد وعى بولس أنه يتكلّم لغة خاصة. هل انتظر حقًا صوت بوق يعلن مجيء المسيح المجيد (1 كور 52:15)؟ ثمّ، كيف نوفّق انتقاله المؤمن المباشر إلى المسيح بعد الموت كما في فل 1: 23 و 2 كور 5: 1-6، مع التفسير الذي يُعطى للتسالونيكيّين؟ فهنا على الموتى أن ينتظروا المجيء ليقوموا وينطلقوا مع المسيح. ونجد أمورًا أخرى غير متماسكة من هذا النوع، وليست خاصة ببولس، بل نجدها في العهد الجديد كله. فالنظرات الاسكاتولوجيّة اليهوديّة كانت متنوّعة. والايمان بالقيامة لم ينسّق بينها، بل أوّنها.
إن عيش "ما هو الآن هنا" بالنسبة إلى القيامة، تفوّق على وعي "ما لم يحصل بعد". وانتظار المسيحيّين لم يكن عقيمًا. تكلّموا وتصرّفوا وكأن العالم يدوم طويلاً. وكأن التبدّل يرتبط بهم أيضًا. وندهش أن يكون الكورنثيون قد شكّوا بقيامة الموتى، بعد أن ارتدّوا إلى المسيحيّة ببضع سنوات، وسمعوا كرازة تعلن نهاية هذا العالم والقيامة. وتفسير هذا الانقلاب المفاجئ يعود إلى أن هؤلاء الناس سمعوا بولس، فأخذوا منه بشكل خاص الواقعَ الجديد المعطى في المسيح، وتركوا انتظار الزمن المقبل.
ثانيًا: تأثير بالحاضر
تأثّر بولس بالحاضر أكثر منه بالاَتي. فإذا قرأنا مثلاً روم، نرى أن بولس يؤكّد أننا قد خُلّصنا، أننا قد قمنا (روم 6)، أننا قد مجِّدنا (8: 30). ولكننا هنا في نظر بولس أمام واقع فرضيّ. هي نعمة لا امتلاك. وهذه النعمة تُوجّه المؤمن نحو التتمّة، وتشدّ الانسان إلى التواضع. فالكورنثيون الفخورون والسعداء بانطلاقتهم الروحيّة، يملكون الآن وكأن كل شيء قد تمّ (1 كور 4: 8). فلماذا التطلّع إلى قيامة عتيدة، إذا كانوا ينعمون بكل عطايا حياتهم في الروح؟ هنا نقرأ 1 كور 14 الذي يبيّن ما كانت عليه العبادة المواهبية (الكارسميّة). كل واحد يريد أن يستعمل الحريّة التي اكتشفها الآن. فالنساء مثلاً يرفضن "الحجاب" (أو بالاحرى الشعر) (11: 5) ويردن التكلّم في الجماعة (وإن لم يوجد من يترجم) (34:14). وأعلن بعضهم في هذه الكنيسة: "كل شيء يحلّ لي". لا يعارض بولس هذا الشعار بشريعة أخلاقيّة. بل يقول: "كل شيء مفيد لي" (1 كور 12:6).
ولكن نعود إلى ف 15 فنلاحظ أن البراهين تودّ أدن تذكّر أن التتمّة لم تحصل بعد. فما زال الموت سائدًا اليوم. ولن يدمَّر إلاّ في النهاية (1 كور 15: 26). إذن، القيامة آتية (ليست هنا بعد). ما زلنا في زمن الكفاح. وعلى المسيح نفسه أن يدمّر أيضًا كل سلطات الشرّ (آ 24). وحين ينتهي كفاحه، سيخضع للآب (آ 28). كتب بولس هذا ليدلّ الكورنثيّين على أن عليهم هم أيضًا أن يدخلوا في هذا الكفاح. هذا ما نقرأه في آ 58: "كونوا، أيها الاخوة الأحبّاء، راسخين غير متزعزعين".
ثالثًا: الدافع نحو الآتي
ولكن حين شدّد بولس على الزمن الآتي، توخّى شيئًا آخر. هو ما أراد أن ينحصر المؤمن في حدود العالم الحاليّ. ولا يقوم الايمان في التأكيد على الحريّة في العالم كما هو، بل في الدخول في سيرة تحويل هذا العالم. كل هذا يقال بشكل غريب لقارئ اليوم (1 كور 15: 35-50). يتكلّم بولس عن تحوّل الجسد في القيامة. بأيّ حقّ نستطيع أن ننقل هذا إلى رجاء معاصر؟ تحدّث بولس عن الأجساد لأن الكورنثيّين ذكروها (آ 35)، ولكن مجمل المقطع يدلّ على أننا أمام تحوّل العالم. وما يهمّ بولس ليس تصوير هذه الأجساد، بل القول بأن هذا العالم المنتظر سيكون مختلفًا كل الاختلاف عن العالم الذي نعرفه. وشدّد على الواقع الحالي بما فيه من فساد ودناءة ليؤكّد أن القيامة وحدها تحمل إلينا الملء في الزمن المقبل.
كانت قيامة المسيح في نظر بولس واقعًا محرِّكًا وديناميكيًا. جعل الله كل شيء في حركة، فصار الفرضيّ ممكنًا. غير أن خبرة الكنائس بيّنت لبولس خطرًا يقول إن كل شيء صار ممكنًا منذ الآن، وإن يوم المجد قد حلّ الآن وما عاد لنا أن ننتظر شيئًا آخر. كلا. فما زلنا في ظلّ الصليب.
ب- الصليب
كان الصلب بالنسبة إلى تلاميذ المسيح محنة قاسية. والسبب هو جور السنهدرين (المجلس الاعلى) وبيلاطس. وكانت القيامة علامة إلهيّة تدلّ على أن المنتصر الحقيقيّ كان يسوع، ذاك البارّ الذي حُكم عليه ظلمًا. أظهر الله أن ابنه كان على حقّ. حين مجَّده أعطاه المستقبل.
أولاً: معنى الصليب في مخطّط الله
ولكن ما عتّم المسيحيّون الأولون أن فكّروا في مدلول الصليب داخل مخطّط الله. ولاشكّ في أن يسوع كان قد فكّر في معنى موته حين رآه آتيًا، وإن يكن من الصعب علينا أن نعرف كيف فكّر، لأن الأناجيل دُوّنت على ضوء القيامة. يجب أن لا ننسى أبدًا أن الكتاب المقدس بالنسبة إلى المسيحيين الاولين هو العهد القديم. لقد كان مرجعَهم الوحيد المكتوب، وقد قرأوه على ضوء اكتشافهم للمسيح. "مات المسيح من أجل خطايانا بحسب الكتب. ودُفن. وقام في اليوم الثالث بحب الكتب" (1 كور 15: 3- 4). فهذا الاعتراف الإيماني يذكر مرتين "الكتب". أما النص الاساسي (وليس الوحيد) الذي تشير إليه الكتب فهو أش 52: 13-53: 12. ففي هذا العابد (عبدالله، عبد يهوه) السريّ الذي يحتمل الاحتقار والعداء، ولكنه يقدّم حياته ذبيحة عن الخطيئة، على مثال الحمل الفصحي، وجد المسيحيون معنى آلام يسوع وموته.
غير أنه لم يكن من السهل أن يُعلن الرسل لليهود، في أورشليم وأبعد من أورشليم، أن يسوع كان المسيح، ولكن صلبَه بيلاطسُ بعد أن حكم عليه مجلس اليهود. وكانت المفارقة الكبرى أن يعلنوا للوثنيين أن مسيح اليهود قد جاء، وأن اليهود رذلوه. وحين كتب بولس "نبشّر بمسيح مصلوب، عثار لليهود وجهالة للأمم" (1 كور 1: 23)، فقد عبّر بكل بساطة عن خبرته في الرسالة. ومع ذلك فقد توسّع في هذا الموضوع متطلّعًا إلى وضع الكورنثيين. ذكر ضعفه وضعفهم، وأفهمهم أن قدرة الله تتجلّى في هذا الضعف وفي قبوله.
ثانيًا: القيامة لا تلغي الصليب
ليس الصلب في نظر بولس محطّة تعيسة قد تجاوزها الزمن. فهو يضمّه دومًا إلى القيامة، ولا يني يفكّر في هذا السرّ، سرّ خلاصنا. ويقدّم هذا الخلاص بالصليب في روم 3: 25 (مقطع مفتاح) على أنه ذبيحة فداء. غير أنه ليس عملاً طقسيًا يحلّ بكل بساطة محل ذبيحة الحمل الفصحيّ. فالصليب هو النهاية التي وصلت إليها طاعة يسوع وتنكّره لذاته (فل 2: 7-8). هذا لا يعني أن التنكّر (والتخلّي) هو هدف في حدّ ذاته. فقد قبل يسوع آلامه لأنها ضروريّة من أجل خلاصنا. وهي أعظم علامة عن حبّه (روم 8:5- 10). والمسيح يخلّصنا حين يتماهى معنا. وإذ كان "خاضعًا للشريعة"، وإذ جعل نفسه "خادم الختان" (روم 15: 8)، حرّر الذين خضعوا للشريعة (غل 4: 4- 5). لهذا حين تحدّث بولس عن رسالته كتب: "مع أني حرّ بالنسبة للجميع، فقد جعلت نفسي خادمًا للجميع" (1 كور 9: 19). لا تقوم الحريّة المسيحيّة بأن نؤكّد بكبرياء على شخصيتنا، بل أن نتقبّل نعمة ننقلها ونقاسم الآخرين فيها.
ثالثًا: الموت عن الذات
غير أن الخبرة الاساسيّة التي اختبرها بولس في ارتداده، دفعته إلى التحدّث عن الصليب كضرورة خلاصيّة للموت عن ذاتنا. فحين اكتشف الفرّيسيّ شاول الطرسوسي في دمشق أن هذا المصلوب "الملعون" (غل 3: 13) الذي يقاتله ويضطهد تبّاعه، كان المسيحَ، مات (عن ذاته) (غل 2: 20)، ووُلد الرسول بولس. لقد تحمّل هذا الموت، وتخلّى عن سبب افتخاره وعلّة حياته (فل 3: 4- 6). غير أنه وجد في هذا الموت الحياة، حياة المسيح في "قوّة القيامة والمشاركة في آلامه" (فل 3: 10). ويقدّم لنا بولس في 2 كور 4 خدمته الرسوليّة بشكل كفاح فيه تتلاحق آلام المسيح وموته لكي تنتقل حياته إلى جميع البشر. ويقدم المعموديّة في روم 6 كعلامة موت وقيامة.
ج- المسيح
فُرض على المسيحيين الأوّلين أن يقولوا ما كان بالنسبة إليهم يسوع هذا الذي يعلنون أنه حيّ. فلفظة "مسيح" (الذي مُسح بالزيت، ممسوح) هي عامّة جدًا وملتبسة. في بداية روم يورد بولس اعتراف إيمان عرفته بلا شكّ كنائس ذلك الزمان. وهكذا يكون هذا الاعتراف قديمًا جدًا وهو يقول: "المولود بحسب الجسد من ذريّة داود، المقام بحسب الروح إبن الله بقدرة، بقيامته من بين الاموات، يسوع المسيح ربنا" (روم 1: 2- 4).
يدلّ هذا النصّ على أن المسيحيين الأوّلين لم يروا في يسوع فقط داودًا جديدًا. فقد عبّروا عن الكرستولوجيا انطلاقًا من حدث اسكاتولوجيّ هو القيامة. وتحليل الانجيل يدلّ على أن تذكّرات حياة يسوع أعيدت قراءتها وصياغتها انطلاقًا من الايمان بالقيامة.
أولاً: هو الذي في صورة الله
غير أن الاعتراف الايماني الأشهر نقرأه في فل 2. أورده بولس فدلّ على عمق هذا الفكر الكرستولوجيّ في كنيسة فيلبي: "هو الذي في صورة الله، لم يعتدّ مساواته لله شيئًا يتمسّك به. بل لاشى ذاته آخذًا صورة عبد، صائرًا شبيهًا بالبشر. ووُجد كانسان في الهيئة، ووضع نفسه فصار طائعًا حتى الموت والموت على صليب" (فل 6:2- 11).
اختلف الشّراح على تفسير هذا النصّ. هل يتضمّن في الأصل "نزول" المسيح من السماء إلى الأرض كما يظنّ النقّاد؟ عند ذاك يجب أن نبدّل المعنى الطبيعي للنصّ اليونانيّ فنقول "مثل طريدة يتمسّك بها". ويرى آخرون أننا نجد في هذا النصّ أقدم أثر للاعتقاد بوجود يسوع قبل الزمن. ويفسّرون هذه الفكرة "السطريّة" بتأثير سطرة غنوصيّة (نحن في أرض وثنيّة) تروي نزول مخلّص جاء من السماء يوقظ أنفسًا من أصل سماوي رقدت في أجسام أرضيّة. تحوّلت هذه النظرة تحوّلاً عميقًا فعبّرت عن خلاص قدّمه المسيح. غير أن هذه الفرضيّة الغريبة لا يمكن أن تفرض نفسها.
أما لفظة "صورة" (مورفي في اليونانيّة) فنجدها في ترجمة العهد القديم للفظة عبريّة نقرأها في تك 28:2: "على صورة الله" (الترجمة العادية هي "إيكون" التي نجدها في لفظة أيقونة، كو 1: 15). عندئذ يتوضّح النصّ: إن يسوع يقابل مع آدم. هنا نتذكّر أن بولس تكلّم مرّتين عن المسيح الذي هو آدم الجديد (1 كور 15: 45-47؛ روم 5: 14). "التمسّك بالمساواة مع الله" يدلّ على خطيئة آدم. في العبارة الاولى لهذا الاعتراف الايمانيّ، يُسمّى يسوع ذاك الذي كان على صورة الله مثل آدم، ولكنه لم يرتكب خطأ كما فعل آدم. لهذا، نعتبر أن النصّ لا يتكلّم عن "نزول" من السماء.
ويبدو ولْي النصّ بشكل أنشودة تتأمّل في المسيح. إنسان من الناس إنسان حقيقيّ. تصرّف كعبد، كخادم، كما قال أش 53، وسار في طريق الطاعة حتّى الموت. ويعبّر النصّ فيما بعد عن ارتفاع يسوع بكلمات أش 13:52 الذي يشكّل مقدمة النصّ النبويّ. واسم "الرب" الذي أُعطي ليسوع هو "كيريوس" (في اللغة اليونانيّة) الذي يترجم "يهوه" أي الاسم الذي لا يحقّ لليهوديّ أن يتلفّظ به. هذا لا يعني أن المسيح تماهى مع الله وتوقّف هناك. بل، مع أنه صورة الله المنظورة، تتعرّف فيه الأرض كلها إلى الاله الحقيقيّ.
ثانيًا: المسيح "إنسان جديد"
ويقول قائل: إن بولس يتكلّم عن وجود المسيح منذ الأزل في موضع آخر. هذا ما نجده في كو 1: 15-20 حول المسيح الكونيّ. تستلهم هذه اللغةُ العالمَ الجليانيّ والنظريات اليهوديّة حول الحكمة. حين كتب بولس: "لم يشفق الله على ابنه، بل أسلمه عنا جميعًا" (روم 8: 32)، استلهم بلاشكّ خبر ذبيحة اسحاق (تك 22: 16). وهكذا نكون أمام تعبير ينطلق من الكتب المقدّسة. هل يستطيع بولس أن يتصوّر بشكل موضوعيّ ما كتبه عن يسوع؟ "أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة" (غل 4: 5). أما يبدو واضحًا أن بولس يفسّر واقعًا تاريخيًا (وُلد من امرأة) بتأكيد إيمانيّ يعبّر عن حضور يسوع من أجلنا (عمانوئيل) بعبارة تدلّ على أصله (أرسله الآب)؟ وحين كتب بولس في 1 كور 8: 6 أن كلّ شيء وُجد به" (= يسوع المسيح)، لم يتصوّر أن يسوع كان حاضرًا في الخلق لكي يكون وسيط خلق الله كله. اعتبر مع المسيحيّين الأولين أن القيامة حدث يعني الخليقة كلها، فأكدّ أن الله الذي يتجلّى في يسوع المسيح هو حقًا الاله الخالق.
إذا كان هذا التحليل صحيحًا، فهذا يعني أنه ليس من نظرية موضوعيّة عند بولس حول المسيح الموجود منذ الأزل. غير أنه من الواضح أن اللغة الملتبسة التي صاغها المسيحيون في أيامه، في عالم تزدهر فيه التصوّرات الهائلة حول السماء والأرض، قد فتحت الباب أمام كل أنواع النظريات الغنوصيّة. فصورة مسيح موجود منذ الأزل لدى الآب، ينزل ثلاثين سنة على الأرض ثم يصعد بعد ذلك، قد فرضت نفسها للأسف على الوجدان المسيحيّ وشوّهت مفهوم الخلاص. عد ذاك اعتُبر الخلاص تفلّتًا من الأرض إلى السماء. ولكن ليست تلك نظرة بولس.
فالمسيح في نظره هو الانسان الجديد. وقد أعدَّ المؤمنون سلفًا ليكونوا "مشابهين لصورة ابنه، ليكون هذا الابن بكر إخوة كثيرين" (روم 8: 29). أي إخوة جميع البشر الذين يستطيعون أن يصيروا بيسوع المسيح أناسًا جددًا.
ابتعد بولس بعض الشيء عمّا كتبه قبل ذلك الوقت بقليل إلى التسالونيكيين. فأعطانا في روم 8 نظرة جديدة. قال إن الخليقة المتألّمة أسلمت إلى سلطة الباطل بالانسان الخاطئ، فـ "انتظرت" (روم 8: 19). كنّا نظنّ، حسب بولس، أنه كان على الخليقة أن تنتظر خلاصها بيد الله. أما الرسول فكتب: إنها "تنتظر تجلّي أبناء الله". ثم كتب: "تنتظر أن تشارك في حرّيتهم ومجدهم" (روم 8: 19، 21).
لاشكّ في أن الخلاص يأتي من الله، ولكن عبر الانسان. ويقود هذا البرهانُ المنطقيّ الرسولَ ليقول إن مسؤوليّة آدم الجديد وإخوته ليست أقلّ من مسؤوليّة آدم الأول وأبنائه. فالمسيحيّ مسؤول بعمله عن تنمية الخليقة في إطار الحريّة و"المجد" (أي البهاء الالهيّ). هذا ما لا يقوله بولس، لأنه ما زال يعيش في انتظار المجيء (باروسيا). ومع ذلك، فهو يؤكد في هذه الرسالة عينها: حين يخلص جميع الوثنيين، يخلص اسرائيل كله بدوره (روم 11: 25-26). هل ظنّ أن هذا يتمّ في بضع سنين؟ هذا ما لا نعرفه.

3- مسيرة الفكر البولسيّ
حاولنا أن نبيّن كيف أن اعتبارات القديس بولس تدخل في اهتمامات المسيحيّة الأولى وأبحاثها حول ثلاث مسائل أساسيّة هي: القيامة، الصليب، المسيح. أما هنا فنحاول أن نعالج ينبوع صعوبات آخر. لسنا في هذا المجال أمام الفكر في حدّ ذاته، بل أمام مسيرة هذا الفكر. يحسّ القارئ نفسه حائرًا أمام الطريقة التي بها يعالج بولس المسائل. أمام البراهين التي يستعملها واللغة التي يلجأ إليها. من أجل هذا، نبدأ ببعض ملاحظات ثم نتعرف إلى طريقة بولس في تقديم حججه. وهكذا نلقي الضوء على أسلوبه وفكره.
أ- رسالة لا مقالة
أولاً: مرسل إلى الكنائس
بولس يكتب رسائل ولا يكتب مقالات لاهوتيّة. هو المرسَل يؤسّس الكنائس مواجهًا الصعوبات الكبيرة. ولكن ساعة يكون بعد في كنيسة من الكنائس، أو بعد أن يترك تلك الكنيسة، تظهر المصاعب. يكفي هنا أن نقرأ 2 كور 11-12. وهو حين يكتب إلى كنيسة، يحاول أن يقول لها شيئًا محدّدًا. وهو يستعمل الرسالة لأنه لا يستطيع أن يذهب شخصيًا إلى تلك الكنيسة. وهكذا يكون أسلوب بولس صعبًا، ولكنه أسلوب حيّ وملموس، ولا تنقصه العاطفة والحلاوة.
حين يشكر الفيلبيّين على هبة تلقّاها (فل 4: 10-20)، فهو يذكر ردّة الفعل عند أصدقائه وعنده. وفي الوقت عينه يُبرز الانجيلَ في هذا التبادل. هو يحاول أن يفهمهم بكل الوسائل، ولهذا يستعمل جميع الحجج الممكنة. هذا ما فعله في غل: هاجم، جادل. شرح.
ثانيًا: أسلوب موجز إلى حدود الايجاز
وما يظهر هنا بشكل خاص هو صحيح بشكل عام. فبولس لا يأخذ وقته كاملاً لكي يعرض مسألة، لكي يحلّل بشكل منهجيّ مختلف العناصر ويقدّمها بشكل تعليميّ. هو يناقش دومًا مع القارئ. وحين يعالج مسألة أساسيّة من أجل المسيحيّة الأولى مثل شرعيّة الناموس الموسويّ، وبالتالي تفسير الكتب المقدسة، يجعل الجدال في الدرجة الثانية كأني به يترك قرّاءه ويجادل مع الرابينيّين الذين أثّروا فيهم أو يريدون.
هذا الجدال الكبير عرفه بولس أيضًا مع نفسه. فهو الفريسيّ الذي صار مسيحيا. وأسلوب بولس هو أسلوب شفهيّ (لا خطيّ). والانتقال إلى الكتابة كانت نتيجته إيجاز العبارة. لا، ليس بولس ذلك الثرثار، بل هو موجز إلى حدود الايجاز، بحيث يصبح لامفهومًا. وبما أنه يرى دفعة واحدة جميع جوانب مسألة من المسائل، تتزاحم الافكار فلا يستطيع أن يقدّمها كلها معًا. يقدّم فكرته في رسمة سريعة، ثم يعود إليها بعد وقت لكي يجعلها مفهومة. وبما أنه إنسان من الجيل الأول، وبما أنه هو ما هو، ففكره بحثٌ متواصل وحركة. هو بعيد كل البعد عن المعلّم الذي هذّب نهجه سنوات طويلة وعرضه بشكل متماسك. ومع ذلك، فهناك تماسك عميق في انطلاقة فكره.
ب- الخلاف مع بطرس
أولاً: النصّ في غل
أراد الغلاطيون أن يحافظوا على بعض الفرائض اليهوديّة مثل الختان. واعتبروا أن الانسان لا يسعه أن يكون مسيحيًا "كاملاً" إلاّ إذا صار يهوديًا. مثلُ هذا الموقف هو في نظر بولس إنكار للانجيل. وعرضَ الرسول حواراته مع الرسل في أورشليم. وعُقد اتّفاق. فالمسيحيون الذين من أصل يهوديّ يتابعون ممارسة الشريعة. أما الذين من أصل وثنيّ فيُعفَون.
في أنطاكية كان بطرس يتناول الطعام مع مسيحيين من أصل وثني. ثم تراجع أمام براهين قدّمها المتشيِّعون ليعقوب الذين أعلنوا أن الطاعة للشريعة تمنعهم من مقاسمة الطعام مع الذين لا يطيعونها. وكتب بولس ما كتب في غل 2: 11- 18.
كان بولس صاحب منطق لا يرحم، فقدّم حججه بالنسبة إلى تصرّف محدّد. فبيّن كل وجهاته ونتائجه. وعبر كلمات قالها لبطرس، توجّه إلى الغلاطيّين الذين تراخوا أمام المتهوّدين وقبلوا بالختان. كلُّ هذا واضح وصريح. وبطرس خان حقيقية الانجيل بما عمله، لا بما علّمه. "ما سار سيرًا مستقيمًا".
ثانيًا: "إيمان المسيح" الذي يبرّر
إيمان المسيح هو الذي يبرّرنا ويجتذب إيماننا. قرأنا في ف 2 أن المسيح يخلّصنا بطاعته، بخضوعه لكلمة الرب. وفي روم 1: 5؛ 18:15، ارتبط الايمان بالطاعة أو هو تماهى مع الطاعة. ولكن بما أن بولس عارض الايمان بالاعمال، استنتج بعضهم (ومنهم رسالة يعقوب) أنه يعارض العاطفة بالعمل. أنه يعارض طريقة تصرّفنا بهويتنا.
يقوم الايمان بأن نثق بالله، أن نتركه يعمل فينا، أن نجعل نفوسنا في خدمته. أمّا العمل فيقوم بأن نتصرّف انطلاقًا من ذاتنا لكي نعمل عمل خلاصنا. نظرة بولس نظرة ديناميكيّة. إن نسينا هذا الواقع لا نفهم أن يكون يسوع في الوقت عينه صاحب الايمان وموضوعه. ولكن إن كان يسوع يبرّرنا بطريقة حياته، تأخذ آ 17 معنى ملموسًا جدًا. نحن "نبرّر في المسيح" حين نشارك الوثنيّين في الطعام. وهذا ما يذكّرنا بتصرّف يسوع الذي أكل مع العشّارين والخطأة.
ثالثًا: إيجاز وكثافة
حين نقرأ غل 9:2- 10، نكون أمام مثال واضح لإيجاز بولس في بعض جمله. فإن آ 19 تتضمّن في اليونانيّة تسع ألفاظ، ومع ذلك فهي تعبّر عن ثلاث فكرات رئيسيّة: "متُّ بالناموس". "للناموس". "لكي أحيا لله". نفهم هذا الايجاز حين نعرف أن بولس يشير إلى حدث، إلى ارتداد تعدّدت نتائجه ومدلولاته. "متُّ للناموس". أراد بولس أن يقوله إنه لا يرتبط بعدَ اليوم بشريعة موسى. هو لا يخضع لها. هو لا يرغب فيها (فل 4:3-8). وسيحدّد هذه العبارة "أحيا لله". هذا ما يعارض "أحيا لمجدي الخاص".
أما عبارة "متُّ بالشريعة" فتبقى غامضة. هل يشير إلى الحكم على يسوع "باسم الشريعة"؟ أو هل يشير إلى نشاطه كمضطهد في دمشق؟ ربما الاثنان. أمّا ما يلي فيبدو واضحًا: لم تعد حياة بولس حياة "الأنا" الفريسي، والمفتخر بأن يكون كذلك (هذا الأنا قد مات مع المسيح على الصليب). حياتُه هي حياة المسيح فيه. هل نحن أمام تأكيد صوفيّ؟ إن ما يلي من النصّ يدلّ على أن الجواب هو بالنفي. فإن ترجمنا. "أحيا في الايمان بابن الله" نرى أن العبارة توضح لفظة "المسيح" (نقرأها في الجملة السابقة) بطريقة تصرّف يسوع التي هي دومًا طريقة القائم من الموت. فالأنا في آ 19 يتجاوب مع "أنت" في آ 14 ومع "نحن" في آ 15. وهكذا يبقى الكلام متماسكًا. وإن تكلّم بولس عن إيمان بابن الله، فلأنه أراد أن يشير (كما في روم 8) إلى الرباط بين يسوع وكل مؤمن مدعو لأن يكون "ابنَ الله"، لأن يتصرّف تصرّف "ابن الله"، لأن يحبّ لأن الله قد أحبّه.
ج- جدال مع اليهود
حين درسنا غل 2، رأينا في العمق أن بولس يؤكّد على أن الانسان يتبرّر أمام الله. لا بتطبيق الشريعة، بل بالتوافق مع "الايمان بالمسيح". وهو توافق لا نقدر أن نحقّقه إلاّ بموت وقيامة. هذا يعني أن الايمان الجديد ليس وجهة بين وجهات اليهوديّة. لا ننسى أن فكر بولس فكر ملموس. هو ينطلق دوما من وضع محدّد وتصرّفات. غير أن أفكاره تتداخل بشكل موجز. لهذا نتوقّف عند الطريقة التي بها يستعمل الكتب المقدّسة ويفسّرها.
أولاً: بولس الرابي والمفسّر
اعتاد بولس، وهو الفريسي، على تفسير النصوص، وعلى النقاش في التفاسير المختلفة. ولكن حين انضمّ إلى المسيح، تبدّل تفسيره دون أن تتبدّل طريقته في الانطلاق من المقاطع البيبليّة. من هذا القبيل نستطيع أن نتكلّم عن الناحية الرابينيّة عند بولس. قد يجعلنا مثلُ هذا النهج أن نضيع إن نحن جهلنا العهد القديم. فإذا أردنا أن نتبع الرسول في جداله بواسطة البراهين البيبليّة، نأخذ منقطعًا من غل. مقطع صعب ولكن له معناه.
السؤال المطروح في غل 2 هو: هل يجب أن يصير الانسان يهوديًا فيمارس فرائض موسى الطقسيّة، لكي يصبح مسيحيًا؟ وعاد بولس إلى ابراهيم في 3: 6، وهذا أمر عاديّ، لأن ابراهيم هو في نظر اليهود، جدّ الشعب المختار ومثاله. وقال بولس: ما يميّز ابراهيم هو أنه آمن، أي قبل بثقة كلمة الله (قبل الوعد). ثم نال وعدًا بالنسبة إلى الأمم الوثنيّة. وعاد بولس إلى تك 15: 6؛ 12: 3 ليجد الموضوعين الرئيسيين اللذين توسّع فيهما من قبل.
ولكن بدلاً من أن يبني برهانه بشكل بسيط، عاد إلى كلمة "بارك" (بك تتبارك) ليعارض بركة الوثنيّين ببركة اليهود. شاذ أراد أن يبيّن أن اليهود يقعون تحت اللعنة، أورد تث الذي يؤكّد أن الذين لا يطبّقون كل ما كُتب في الشريعة هم ملعونون. وبما أن هذا مستحيل، فهذا يعني أن الجميع ملعونون. ثم أكدّ بولس في آ 13 موردًا مقطعًا آخر من تث، أن يسوع عُوقب كملعون، وأنه نال هذه اللعنة لكي ينجّي ذاك الذي يؤمن من لعنة الشريعة، وهكذا يجعل بركة الوثنيين ممكنة.
ثانيًا: لاهوت تاريخ الخلاص
قد نكون لاحظنا أن هذه الدورة التي أخذها بولس تقابل، كما في رسمة سريعة، تاريخَ الخلاص كما يراه المسيحيون الأوّلون (يسوع ملعون، يهود لا يؤمنون، وثنيّون يرتّدون). ففي آ 16، استعاد بولس نصّ الوعد، ولا ينسى أن هذا الوعد يتوجّه إلى نسل ابراهيم قبل أن يعني الوثنيين. ولكنه يتصرّف بحريّة مدهشة فيلغي الشعب اليهوديّ، أي الحلقة الأولى في السلسلة.
فالنسل في صيغة الفرد، ليس الشعب اليهوديّ، بل مجمل اليهود والوثنيين، أو بالأحرى المسيح الذي أمّن هذه الوحدة بموته. نشير إلى أن آ 16 كانت غير مفهومة بإيجازها لو لم يستعد بولس البرهان في آ 27 ي. فهو يلخِّص في بضعة أسطر جدالاً طويلاً كان له مع اليهود أو مع نفسه. فما إن بدأ تفسير الوعد حتى ظهرت مسألة الشريعة. وحين نتعلّق بابراهيم لا نستطيع أن نلغي موسى. وبعد أن ألغى بولس اليهود، عاد إليهم.
طُرح سؤال: ماذا جاءت الشريعة تعمل هنا؟ وقدّم بولس جوابين. أولاً، الشريعة "تُظهر المعاصي" (استعاد فكرة اللعنة كما في آ 12: لا يطبّق اليهودُ الشريعة). ثم قال: لا تأتي الشريعة مباشرة من الله (فكرة تعود إلى الهلينيين، أع 38:7-53). فهناك عدد كبير من الوثنيين يؤمّون المجامع في مدن حوض البحر المتوسط، فيحسّون بتنافر بين تعليم الله الفريد والمحرّر وهذه العادات الغريبة التي يخضع لها اليهود. هل ننسب إلى الله مثل هذه الفرائض والممارسات؟ قال بولس: كلا. ولكنه لم يرفض سلطة الكتب المقدّسة. ما كان يعلم أن تدوين البنتاتوكس (الاسفار الخمسة) قد امتدّ على أجيال. فأعلن أن موسى "لامس النصّ". أو بالإحرى استعمل خبرًا يهوديًا يروي أن جميع الملائكة كانوا هنا ليعيّدوا إعلان الشريعة. ولكنه حوّل هذا الخبر ضدّ اليهود. فالملائكة (لا الله) هم الذين أملوا الشريعة لموسى. هذا برهان رابيني مميّز استعمله بولس ضدّ الرابينيين: ليست الشريعة بشكل مباشر في خط إرادة الله.
ثالثًا: إله واحد ومسيح واحد
نجد في خلفيّة بولس، فكرة تقول: إن كان الله هو الواحد، فهو إله الجميع. لكن الشريعة تفصل اليهود عن الوثنيين. أما الهدف الذي جعله الله أمامه، بحسب الوعد، فهو أن يمنح بركة لجميع البشر. والمسيح المصلوب يجعل الآن هذا الوعد يتحقّق. وفي آ 22-25، خطا بولس خطوة جديدة بادئًا موضوعًا جديدًا (العبوديّة والحريّة) سيتوسّع فيه فيما بعد. ولكن قبل أن يستعيد المسألة من هذه الزاوية، اختتم كلامه في هذا الفصل مع تأكيد جوهريّ لا تلغيه تأكيدات أخرى ظرفية: "فليس بعد يهوديّ ولا يونانيّ. ليس عبد ولا حرّ. ليس ذكر وأنثى. لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع. فإذا كنتم للمسيح، فأنتم إذن نسل ابراهيم وورثة بحسب الموعد" (غل 3: 28-29).
الفصل السابع والثلاثون
بولس ومصيره
في الكنيسة القديمة

دخل بولس في لائحة الكتب المقدسة القانونيّة كمعلّم للأمم مع الرسائل الكبرى. وكمنظّم للكنائس في الرسائل الرعائيّة. ولكن تأثيره بدأ حقًا في القرن الثاني. وفي القرنين الرابع والخامس، كان بولس المرجع الرئيسيّ في الفقاهة حول أسرار التنشئة. ومع الجدال البلاجي، صارت روم حجر الغلقة في المسيحيّة. في الغرب، حلّ بولس مع آخرين، فقدّم كتبًا مع سائر الكتب المقدسة. وفي الشرق، كان رمز رسول المسيح أكثر منه مفسّر المسيحيّة. وفي أي حال، سوف تقابَل رسائل بولس مع سائر الأسفار، وهكذا يتبيّن أنه لم يقل سوى ما قالته الكتب المقدسة في العهد الجديد. هذا ما نتوقّف عنده في هذا المقال.

1- بولس والفقاهة العماديّة
أ- موقع بولس
حين ازدهرت الفقاهة الاسراريّة (حول الاسرار ولاسيّما أسرار التنشئة) في الكنيسة، وجدت لها سندًا كبيرًا عند القديس بولس. فحين نعلّم أن المعموديّة هي مشاركة سريّة في موت يسوع وقيامته، وهي تمنح المعمَّد النتيجة الخلاصيّة لهذا الموت، نعود إلى روم 6: 3- 5. فهذه الحقيقة لا نجدها في كلمات التأسيس كما في مت 19:28، ولا في الممارسة العماديّة التي نجدها في سفر الأعمال (2: 41؛ 8: 12؛ 38:8؛ 9: 18...)، ولا في واقع عماد المسيح (مت 13:3-17 وز).
أما النصّ البولسيّ فهو واضح في حرفيّته: "اعتمدنا في المسيح يسوع فاعتمدنا في موته". لهذا، قال كيرلس الاورشليمي في تفسيره: "أعلن بولس بدقّة واضحة". وتابع: "إذا كنّا غُرسنا بالمسيح مع موته، سنكون أيضًا بالتشبّه مع قيامته". كان الموت حقيقيًا لدى المسيح. وتركت نفسه حقًا جسده. كل شيء حصل فيه بشكل حقيقيّ. أمّا في وضعنا فهناك تشبّه مع موته وآلامه. أما في ما يتعلّق بالخلاص، فهناك واقع وحقيقة".
حين نقرأ تفسير كيرلس هذا، الذي يقول إن الخلاص يأتينا حقًا بمشاركة في موت يسوع الحقيقيّ، نظنّ أن نصّ بولس فُهم حالاً، وقد أوردته الكنيسة ومارسته.
ب- تأثير قليل في البداية
ولكن الأمر لم يكن هكذا. فهناك أسباب جعلت فكر الرسول خفيًا لمسيحيّين يرغبون في الابتعاد عن العبادات السرانيّة (كما في الديانات الوثنيّة التي وُلدت في الشرق وشدّدت على "السريّة" في ممارستها). عادوا مثلاً إلى قول أش 1: 16- 20 (اغتسلوا، تطهّروا). أو قول ليسوع أورده يوحنا (3: 5): "إن لم يولد الانسان من الماء والروح، لا يدخل ملكوت الله". وهكذا كانوا أمام كرازة بسيطة عن المعمودية كرازة لا تتماشى مع ديانات عصرهم، كرازة تتوافق مع تربية فقاهيّة تهتمّ بأن تقنع (على المستوى الروحي)، لا بأن تسحر.
كان صوت الرسول أبعد من أن تسمعه كنيسة البدايات. ولكن حين لم تعد الغنوصيّة وعبادات الديانات السريّة تزاحم الايمان المسيحيّ، صار بولس المرجع الأول في الفقاهات الاسراريّة، واعتبر الناس أنه وجّه منذ البداية اللاهوت الاسراريّ في الكنيسة. ولكن إن كان بولس قد غاب بعض الشيء عن التعابير العماديّة الأولى في الكنيسة، فهذا يعني أن فكره لم يسيطر سيطرة تامة.
ج- علامة من أجل أيامنا
أية أهميّة لهذا الكلام؟ هو علامة على أن لاهوتًا أسراريًا يستغلّ فكرة السرّ (طقس سرّي يحمل خيرًا روحيًا)، وينفصل بالتالي عن ليتورجيا نفهمها تنظيمًا لشعيرة من شعائر العبادة، ليس قديمًا كل القدم، وليس وحده اللاهوت الممكن. وقد نعتبر بسبب سلطة بولس الكتابيّة، أنه كان لذاك اللاهوت طابع بيبليّ يدلّ على قيمته النظريّة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، قد نستغرب أننا لم نجد ممارسة لهذه النظريّة البولسيّة في الجماعات التي أسّسها الرسول.
لاشكّ في ذلك. ولكننا لا نستطيع أن نستنتج مبدأ بولسيًا للاهوت الاسراريّ تفسر بالنظر إليه سائرُ المقاطع الكتابيّة المتعلّقة بالمعموديّة. بل نحن نحسّ أن تلك المقاطع الاخرى (أوردنا مثلاً أش 1: 16-17؛ يو 3: 5) قد حَجبت بعض الشيء روم 3:6-5 خلال القرن الثاني وربّما خلال القرن الثالث. لأننا لا نجد الكثير من الفكر البولسيّ في مقال ترتيليانس حول العماد، في بداية القرن الثالث. كما أن بولس ليس المرجع الوحيد في فقاهات القرن الرابع.
إن السلوك الرعائي الذي قد يترك اليوم بولس ويحاول أن يعظ ويبرّر ويمارس الاسرار بشكل تبتعد عنه الليتورجيا والطابع السريّ، لا يمكن أن يُشجب. ولكن هل يكون معقولاً؟ نكتفي هنا بطرح السؤال ساعة نعالج الظرف الثاني الذي هيّأ الدرب لمصير الرسول بعد موته: تدخّل أوغسطينس تجاه بلاجيوس (ينسى دور النعمة ويشدّد على المجهود البشريّ).

2- بولس وأوغسطينس
أ- بإنسان واحد
إن تدخّل أوغسطينس في الجدال البلاجي قد جعل من روم 12:5 (بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم) أحد النصوص الكبرى في الكتاب المقدس.
لن نكتب تاريخ هذه الآية في أدب الآباء، بل نطرح السؤال: أما صارت رسائل القديس بولس بعد هذا التاريخ شميلة المسيحيّة، والرسالة إلى رومة شميلة بولس؟ وقبل أن نقدّم جوابًا سريعًا، نطرح بعض الأسئلة: لماذا اختار الآباء بولس وما اختاروا يوحنا؟ لماذا لم يختاروا يو 1: 14: "والكلمة صار بشرًا وسكن بيننا، وقد رأينا مجده"؟ وإذا كنا قد أجبرنا على اختيار بولس، لماذا لم نفكّر مع ايريناوس، أنه كله في أف 1:9-10: يقوم مخطّط الله بأن يجمع كل شيء في المسيح؟ وفي النهاية، أما يكون اختياره روم 5: 12 بداية مسيحيّة "غربيّة"؟
ب- المسيحيّة ورسالة رومة
ونبدأ فنقول إنه ليس بواضح أن روم هي شميلة المسيحيّة. غير أن الاسئلة التي طرحناها وإن بشكل تقريبيّ قد لفتت انتباهنا إلى مسألة مركزيّة وهو اعتبار روم كشميلة للمسيحيّة.
حين يتعب المتحمّسون لأوغسطينس من سماع كلام يقول إن أسقف هبونة (عنّابة) هو المسؤول عن تقديم للمسيحيّة بشكل لا يُهضم يقولون: السبب هو الرسالة إلى رومة. فهذا النصّ العبقري، هل هو التعليم الانجيليّ؟ وسوف نرى أن أوغسطينس نفسه لم يتأثر بنصّ روم 5: 12 كما يظنّ البعض. لاشكّ في أن النصّ البيبليّ المفضّل هو روم 5: 5 (محبّة الله أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه). ولكن كان بالامكان أن يوجد هذا النصّ في موضع آخر في رسائل بولس، وفي العهد الجديد.
هذه العبارة تعود إلى المسيح، كما يعود غيرها التي نقرأها في رسائل بولسيّة أخرى. ثم لا ننسى أن روم هي رسالة من رسائل بولس، وليست جميع رسائله.
ج- الروح البولسيّة عند أوغسطينس
لهذا يبقى من الصعب علينا أن ندلّ على الطريق الذي اتّخذته المسيحيّة الغربيّة لتصبح قراءةً للقديس بولس. أوغسطينس هو الاول. وقد تبعه لوتر في القرن السادس عشر، وكارل بارت في بداية القرن العشرين. ولكن صاحب "الاعترافات" (أي= أوغسطينس) انفتح على سفر المزامير وانجيل يوحنا، أكثر ممّا انفتح على القديس بولس. أما بالنسبة إلى المزامير، فالعهد القديم قد دخل وجدان المسيحيين بحيث ما استطاع مرقيون نفسه أن يرذله كلَّه من الكنائس. وشدّد القديس اثناسيوس على الدور الفريد الذي تلعبه التوراة وإنجيل يوحنا. قد عُرف بشكل خاص في المطلع كما توقّف عنده ايريناوس واتناسيوس، وأوريجانس وأوغسطينس.
د- المسيحيّة الغربية وبولس
لهذا نقول إن المسيحيّة الغربيّة لا تقتصر على الادب البولسيّ، ولا آباء القرون الثالث والرابع والخامس. ولكن هناك من يبرز التشديد على الوضع المأساويّ لبشريّة غرقت في الخطيئة بحيث إن العبارة الاوغسطينيّة "الجموع المحكوم عليها" صارت ملّخصًا لخطبة بولس في روم. إلاّ أننا نجيب أن أوغسطينس كان سيجد هذه العبارة في الكتب المقدسة إن لم يجدها عند بولس. والبرهان على ذلك هو أنه أكّد في عظة عن يوحنا لا عن بولس أن الانسان لا يمتلك في نفسه سوى الكذب والخطيئة.
وإذا اعتبرنا الروح البولسيّة تشديدًا على الخلاص بالايمان، على نعمة مجانيّة تُعطى لنا مجانًا، فيجب أن نقرّ أن هذا التعليم الذي نجده في بولس، قد وجده أوغسطينس أيضًا في يوحنا. فنحن نجد مثلاً صفحة أوغسطينيّة حول نعمة المسيح، وهي تفسير يو 6: 44: "لا يستطيع أحد أن يأتي إليّ إن لم يجتذبه الآب".
إذن، لا يحتكر رسول الأمم كل الفكر الغربي. وإن كان له فيه التأثير الكبير فيوحنا يرافقه.

3- بولس ويوحنا فم الذهب
أ- بولس مفسّر الكتب
يبدو أنه يجب أن نطرح السؤال بشكل آخر. ليس تأثير بولس هو التأشير الكبير في الكنيسة، بل حضور بولس هو حضور كبير في العهد الجديد، ولقد رأى أحد الشّراح أننا إذا وضعنا الأناجيل جانبًا، نجد أكثر التفاصيل عن يسوع المسيح في الرسائل البولسيّة. يعني إذا وضعنا بولس والأناجيل جانبًا، لا يبقى الشيء الكثير في العهد الجديد. ليس التقليد الكنسيّ هو المسؤول عن "السيطرة البولسيّة"، بل قانون (لائحة) الكتب المقدسة. ونحن لا نستطيع أن نفسّر هذه الكتب دون أن نلتقي ببولس. فمفسّر الكتب هو مفسّر بولس. وهذا ما نجده عند يوحنا الذهبيّ الفمّ.
لا أحد يضاهي يوحنا الذهبيّ الفم في الغرب على مستوى التفسير البولسيّ. نستطيع أن نذكر مثلاً ايرونيموس أو أوغسطينس وما تركا لنا من شروح بولسيّة. ولكن الذهبيّ الفم ترك لنا 234 عظة عن بولس، وشرح جميع رسائله.
ب- بولس والروح البولسيّة
ولكن ما هي الفكرة التي يتّخذها قارئ اليوم عن هذه الشروح؟ يقدّم الذهبيّ الفم بولس على أنه مولع بالانجيل، على أن قلبه اشتعل اشتعال نار استطاعت في ثلاثين عامًا أن تقود العالم إلى الحقيقة. هو قديس خارق، ولقد تفوّق على جميع البشر حيث دلّ على عظمة الانسان.
هل توسّع الذهبيّ الفم في الفكر البولسي أم اكتفى بالحديث عن بولس الرسول؟ بل هو اهتمّ ببولس. وبإزاء ذلك حدّد موقع القديس بولس بالنسبة إلى الكتب المقدسة. وهكذا التقى الغرب مع الشرق في النظر إلى بولس لا إلى الفكر البولسيّ. توقّف الغرب عند هذا النصّ البولسيّ أو ذاك، واعتبره نصًا كتابيًا بالدرجة الأولى. وقرأ الشرق الرسائل البولسيّة ليسمع كلام الله من خلال رسول يحيا هذا الكلام.


خاتمة
إن مصير بولس بعد موته لم يكن دورًا مسيطرًا في الكنيسة يتوازى مع العدد الكبير من رسائله التي دخلت في لائحة الأسفار المقدّسة. وظنّ بعضهم أن هذا الرسول مرّ في حقبة غامضة قبل أن يُفرض على اللاهوت القديم. فهذا اللاهوت ما انطلق من بولس لكي يحدّد الايمان بالمسيح والممارسة المسيحية. ثم إن التقليد ضمّ بطرس إلى بولس في إعلان الانجيل إلى الوثنيين والعمل في رومة. وكرازة الآباء جمعت يوحنا إلى بولس حين فكّرت في الايمان. وحتى على مستوى المحبّة ونشيد 1 كور 13، فرسول الأمم لا يتفوّق على يوحنا الذي قال: "الله محبّة" (1 يو 8:4).
وننهي كلامنا بصفحة من أوغسطينس هي الرسالة 186 حيث نجد يوحنا بقرب بولس.
"المحبّة هي عطيّة الله بحيث إن الله نفسه سمّي محبّة (1 يو 8:4). فالذين يمتلكون الايمان الذي به نبرَّر، قد وصلوا بنعمة الله إلى ناموس البرّ. لهذا يعلن الكتاب: "استجبتك في الزمن المقبول وأعنتك في يوم الخلاص" (أش 49: 8). إذن، هو الله الذي يعمل الارادة والعمل كما يشاء (فل 13:2)، في الذين خلِّصوا باختيار النعمة (2 كور 6: 2). فمع الذين يحبّون الله، يعمل الله في كل شيء لأجل خيرهم (روم 28:8). في كل شيء يعني في هذا الحبّ عينه الذي نناله بالايمان. فالذي أحبّنا أولاً (1 يو 4: 19) لكي نؤمن به، نحبّه نحن بنعمة منه ونحن محبوبون لديه دون أن نكون صنعنا شيئًا لذلك".
الفصل الثامن والثلاثون
شخص يسوع المسيح
في رسائل القدّيس بولس

بولس الرسول هو أولا معلّم مسيحي تأمّل وتوسّع في التعليم الذي تسلّمه من جماعات أورشليم وأنطاكية. لم يكن تعليمه مجرّد بناء بناه بنفسه، وبولس الرسول مرتبط بالتقليد. ولكنه لا يكتفي بأن ينقل هذا التعليم نقلاً حرفيًا. هو يفكر فيه ويستعين بمعرفة عميقة للعهد القديم، باطلاع على فكر اليونانيين الديني، بالخبرة المسيحية والعمل الرسولي. لم يؤثّر بصورة خاصة على ما دوّنه الكتاب المتأخرون في العهد الجديد (الإنجيل الرابع، الرسالة إلى العبرانيّين). غير أن تأثيره كان عميقًا على الفكر المسيحي على مرّ العصور، وتعليمه أخصب كل ما قيل عن يسوع المسيح حتى أيامنا.
نقل إلينا بولس تعليمه في رسالات ظرفية لا في مقالات. وتوجّهت رسائله إلى كنائس تقع في مراكز هامّة من الامبراطوريّة الرومانيّة. طُرحت أسئلة، وُجدت حالات، فحاول بولس أن يجيب عليها. من هذه الرسائل سننطلق لنتعرّف إلى شخص يسوع المسيح. سننطلق من روم، 1 كور، 2 كور، غل، أف، فل، كو، 1تس 2 تس، فلم.

1- بولس والتقليد الأولاني
استند بولس إلى تقليد أورشليم وتقليد أنطاكية. فما هي علاقته بهذين التقليدين؟ ننطلق أولاً من الأسماء أو الألقاب التي أعطاها الرسول ليسوع. لن نجد تلك التي نقرأها في الأناجيل وأعمال الرسل: رابي، ربوني، معلّم، نبي، ابن داود، ابن مريم، ابن يوسف، ابن الانسان، ملك إسرائيل، الآتي، القدوس، البار. هذه الألقاب لا تتناسب في نظره مع الإكرام الذي يؤدّيه ليسوع.
أما الأسماء، التي أخذها من التقليد فهي: يسوع ثم المسيح، ثم الربّ. وقد يجمع اسم المسيح مع أسماء أخرى. وما يدهشنا هو أننا لا نجد لقب "ابن الله" إلاّ أربع مرّات، ولقب "الابن" إلاّ مرّتين، ولقب "ابنه" (أي ابن الله) سوى إحدى عشرة مرّة. وهناك أسماء أخرى: "رأس الزاوية" (أف 2: 20)، "الحجر" (روم 9: 32-33)، "الصخرة" (1 كور 10: 4)، "قدرة الله" (1 كور 1: 24). 
"رأس الزاوية" هو المسيح يسوع نفسه"، هو "حجر عثار وصخرة زلل، ومن يؤمن به لا يخزى". هو "الصخرة الروحية" التي ترافق شعب الله في تجواله وترحاله، "هو قدرة الله وحكمة الله".
ويستنبط بولس ألقابًا جديدة. يسوع هو "صورة الله" (كو 1: 15)، هو "البكر" (روم 8: 29) بين إخوة كثيرين (كو 1: 15- 18)، هو "الحبيب" (أف 1: 6) الذي لنا فيه الفداء، هو "حكمة الله" (1 كور 1: 24)، وهو "آدم الآخر" (1 كور 15: 24).
هذا العدد القليل من الألقاب المستنبطة يدلّنا إلى أيّ حدّ يرتبط الرسول بالمفردات التي تسلّمها من الجماعات الأولى. وهو يحافظ على التقليد الأول إلى درجة أغفل فيها ألقابًا مثل: الراعي، الوسيط، الحمل، عظيم الكهنة، المحامي، اللوغوس (أو الكلمة). وهذه الألقاب ستنتشر فيما بعد انتشارًا سريعًا. لم يتحدّث بولس عن التكفير ولا عن إشعاع مجد يسوع، ولم يورد ما يتعلّق بالمواضيع اليوحناويّة: الخبز، الحياة، النور، الباب، الطريق، الحق. وإن لقبَ المخلّص عينه لا يرد إلاّ في مقطعين مع أنه متواتر في سائر كتب العهد الجديد. نقرأه في غل 3: 20 مع بعد اسكاتولوجي: "موطننا في السماوات التي منها ننتظر مخلصنا الرب يسوع". وفي أف 23:5: "المسيح هو رأس الكنيسة التي هي جسده، وهو مخلّصها".
أخذ بولس تعليم الكنيسة الأولاني وكيّفه وحاجة السامعين والأسئلة التي تراودهم. فهو يلاحظ مثلاً أن موت يسوع اعتُبر ذبيحة تكفير، فقال في روم 3: 24- 25: "جميع الناس نالوا البرّ مجّانًا بنعمته، ويعود الفضل إلى الفداء الذي قام به يسوع المسيح، وجعله الله كفّارة في دمه". وفي روم 4: 25: "ربّنا يسوع المسيح الذي أسلم إلى الموت من جرّاء زلاّتنا وأقيم من أجل برّنا".
وترتبط روم 1: 3 بعبارة تسلّمها بولس: "في شأن ابنه الذي وُلد من ذريّة داود من حيث إنه بشر". ثم إن لقب ابن الله الذي يدلّ على الملك المسيحانيّ يرد بتواتر في كتابات لوقا. والصلاة الاسكاتولوجيّة "ماراناتا"، أي تعال أيها الربّ (1: كور 16: 22) تشكّل إرثًا من الكنيسة الأولى.
ويشير بولس إلى فعل إيمان في روم 9:10: "فإذا شهدت بلسانك أن يسوع ربّ، وآمنت بجنانك أن الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص". وفكرةُ العهد الجديد الذي يعتبر موت المسيح ذبيحة تدشينيّة، هذه الفكرة هي تلك التي عبّرت عنها ليتورجيّة عشاء الربّ كما تسلّمها الرسول: "وكذلك أخذ الكأس بعد العشاء وقال: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي" (1 كور 25:11).
وحدّثنا بولس عن المسيح كوسيط في الخليقة (فل 2: 6- 911 كما أشار إلى الربّ الذي هو صورة الله (2 كور 4: 4). فسّر بولس روم 6: 2 ي على أنه سرّ وكان أقدم شاهد عن سرّ عشاء الربّ.
كل هذا يدلّ على أن فكر القديس بولس يغوص في العالم المسيحي التقليدي. ومهما ارتفع فكره وحلّق، كما في 2 كور 12: 1-10، فهو يبقى على اتصال وثيق بإيمان المسيحيين الأوّل.
2- القديس بولس ويسوع التاريخ
ما الذي عرفه بولس عن يسوع كما كان في التاريخ؟
قال بعضهم: إن بولس رأى يسوع في أورشليم وشهد صلبه. ليس هذا بمستحيل وإن يكُن البرهان القاطع عنه صعبًا. ولكن إذا عدنا إلى تلميحات نجدها في الرسائل، نفهم أن بولس كان على علم بوقائع من حياة يسوع ورسالته. فهو يعرف مثلاً أنه من نسل داود (روم 1: 3)، يعرف مولده (غل 4: 4) واتضاعه الإرادي (فل 2: 6- 11؛ 2 كور 8: 9؛ روم 8: 3) ووداعته وصلاحه الغافر (2 كور 10: 1)، ورفضه أن يبحث عمّا يرضيه ويسرّه (روم 3:15). وهو يعرف خيانة يهوذا له، والعشاء السّري الذي ترأسه (1 كور 11: 23-25) وموته وقيامته وصعوده (أف 4: 8).
ثم إن النصائح التي يقدّمها في روم 12: 19- 21 تدلّ على معرفته بتعليم المسيح فيما يخصّ محبّة الأعداء (مت 5: 43-48). وهو يعرف أن يسوع أبدى رأيه بالنسبة إلى الطلاق (1 كور 7: 10)، وفي حق المرسلين أن يعيشوا على حساب الجماعة التي تقوم بنفقتهم (1 كور 9: 4؛ رج لو 10: 7). ويرد في فم بولس قول في أع 20: 35 لا نقرأه في أي مكان آخر: "والسعادة الكبرى في العطاء لا في الأخذ".
هذا ما عرفه بولس من حياة يسوع وتعليمه. ولكنه لا يشير إلى أحداث تمّت بين مولد المسيح وخيانة يهوذا. وإذا وضعنا جانبًا موضوعَ المحبّة، هو لا يلمّح إلى تعاليمه الهامة. وحين يتحدّث عن الشريعة، لا يورد أقوال يسوع في هذا المجال. هذا ما العلم أنه لا يجهل ما قاله المعلّم عن أعظم الوصايا (روم 13: 9- 10).
لم تهتمّ الجماعة الأولى بتدوين سيرة المسيح. وتبعها بولس، مع أنّه اهتمّ بإعطاء حياةَ يسوع وعملَه مدلولهما الكامل. وقد كتب في 2 كور 16:5: "فنحن لا نعرف أحدًا بعد اليوم معرفة بشريّة. فإذا كنا قد عرفنا المسيح يومًا معرفة بشريّة، فلسنا نعرفه الآن هذه المعرفة". هذا لا يعني أن بولس التقى بيسوع خلال حياته على الأرض. وهذا ليس بتلميح إلى رؤية طريق الشام. بل يبدو أن الكلمة تشير إلى معرفة الناس للمسيح في أيام جسده، يوم بدا لهم نبيًا ومعلّمًا. إن بولس لا يتوقّف إلاّ عند الوجهة العلوية لشخص المسيح والى سلطانه الخلاّق. وهذا ما تتضمّنه العبارة التالية: "إذا كان أحد في المسيح، فهو خلق جديد: قد زال كل شيء قديم، وها هوذا كل شيء جديد" (2 كور 17:5).
وهنا يُطرح السؤال: كيف يتصوّر بولس بشرية يسوع؟ لاشكّ في أنه يفكّر بإنسان واقعي حين يتكلّم عن المسيح (روم 5: 15: إنسان واحد هو يسوع المسيح، رج فل 8:2). ولكننا لا نجد عبارة مماثلة لعبارة القديس يوحنا (1: 14): "والكلمة صار بشرًا". فحين يلمّح إلى بشريّة الرب يورد العبارات التالية: "في شبه البشر"، "له هيئة إنسان" (فل 7:2)، "في شبه جسد (أو بدن) خاطئ" (روم 8: 3). رأى بعض الشّراح في هذه العبارات نفحة من الظاهرية (تنكر حقيقة التجسّد). وقالوا: "إن فكر بولس يتراوح بين بشريّة واقعية واتخاذ جسم بشري اتخاذًا خارجيًا وحسب. أراد بولس أن يتجنّب القول إن المسيح حمل مثلنا ثقل جسد متعبّد للخطيئة. ولو قالت هذا القول لظنّ أنه يجدّف. ولهذا تكلّم بطريقة ملتبسة.
ولكن الحقيقة هي أن بولس لا يشكّ إطلاقًا في أن يسوع كان إنسانًا حقًا. نقرأ في 2 كور 8: 9: "تعلمون جود ربنا يسوع المسيح: كيف افتقر لأجلكم وهو الغني لتغتنوا بفقره". وفي غل 4: 4: "فلما تمّ الزمان (أوان الخلاص)، أرسل الله إبنه مولودًا لامرأة، مولودًا في حكم الشريعة ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة" (رج فل 2: 6- 11). فإن استعمل بولس عبارات ليتحدّث عن بشريّة الرب، فلأن "الجسد" (أو البدن) كما نعرفه هو دائرة تتحصّن فيه الخطيئة (روم 7: 14-25). هو يؤمن إيمانًا ثابتًا أن المسيح بلا خطيئة (2 كور 5: 1)، أنه لم يعرف الخطيئة، لهذا يستعمل عبارات تدلّ على أن بشريّته تشبه بشريّتنا ما عدا الخطيئة.

3- يسوع المسيح
إن موقف بولس تجاه مسيحانية يسوع يدلّ على النظرة اللاهوتية التي ينظر بها إلى يسوع المسيح.
حين يشير إلى مواعيد الخلاص التي أعطاها الله منذ زمن بعيد، يتكلّم عن "ابنه المولود من ذريّة داود بحسب الجسد" (روم 1: 3). ويقول في روم 9: 5 عن اليهود: "منهم وُلد المسيح بحسب الجسد".
ويقدّم لنا في 2 تس 8:2 الرب يسوع الذي يزيل الملحد بنَفَس من فمه ويَمحقه بضياء مجيئه. هذا يعني أنه ينسب إلى المسيح وظيفة الديّان المسيحاني ساعة مجيئه. ونقول الشيء عينه عن مقاطع أخرى يشدّد فيها أيضًا على دور المسيح الديّان: "لا بدّ أن نمثل جميعنا أمام منبر المسيح، لينال كل واحد على حسب ما صنع بالجسد، خيرًا كان أم شرًا" (2 كور 5: 10؛ رج روم 2: 16). فالمسيح الذي يتطلّع إليه بولس هو مسيح نهاية الأزمنة.
وإذا كان يسوع هو الديّان، فهو كذلك لأنه المسيح الموعود به، بل لأنه "الربّ المسيح" الذي تحق له العبادة والطاعة. فلو كان الأمر غير ذلك، لشدّد الرسول على مسيحانيته. ولكن هذه المسيحانية تبقى خلف أسماء المسيح يسوع، ويسوع المسيح، والمسيح، والربّ يسوع المسيح. أجل، كل ما في تعليم بولس يتركّز على شخص يسوع.

4- يسوع الربّ
المسيح هو الربّ. هذا التعليم الذي أخذه بولس عن التقليد الأولاني، يُشرف على لاهوته كلّه. فاللقب الخاص بيسوع هو الرب. وحين يستعمله الرسول فهو يعبّر عن فعل عبادة عميقة بحيث لا نميّزه عن اسم الله نفسه.
هناك أربعة مقاطع تشدّد على هذا الواقع.
الأول هو إعلان الارتفاع والاحتقار، نقرأه في 1 كور 8: 5-6. "وقد يكون في السماء أو في الأرض ما يزعم آنهم آلهة، بل هناك كثير من الآلهة وكثير من الأرباب (جمع ربّ). وأما عندنا نحن، فليس إلاّ إله واحد وهو الآب، منه كل شيء وإليه نحن راجعون، وربّ واحد هو يسوع المسيح، به كان كل شيء وبه نحن قائمون".
الثاني نقرأه أيضًا في 1 كور 12: 3 مع هذا الإعلان الواضح: "ولذلك أقول لكم: ما من أحد، إذا تكلّم بإلهام من روح الله، يقول: ملعون يسوع. ولا يستطيع أحد أن يقول: يسوع ربّ، إلاّ بإلهام من الروح القدس".
في الثالث، يشدّد بولس على معنى وبُعد الاعتراف بالايمان المسيحي: "فإذا شهدت بلسانك أن يسوع ربّ، وآمنت بجنانك أن الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص" (روم 10: 9).
وفي الرابع، نقرأ المجدلة التي تختتم النشيد الكرستولوجي في فل 2: 6- 11: "كيما تجثو لاسم يسوع كل ركبة في السماء وعلى الأرض وفي الجحيم، ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الربّ، تمجيدًا لله الآب".
إن هذه الكلمات وغيرها تشدّد في فم بولس وفي الجماعات الهلّينيّة على أن الاعتراف الايماني "يسوع هو الربّ" يعبّر عن الموقف الديني الواجب اتخاذه.
هناك العبارة "نكون مع المسيح"، وهناك خبرة الربّ يسوع الحاضر في شعائر العبادة وفي حياة الجماعة. ثم إن تعلّق الرسول بالمسيح صار قويًا لا باتصاله بيسوع التاريخي فقط، ولا خلال الظهور على طريق الشام وحسب، بل بالأحرى أمام واقع الربّ (كيريوس) الظاهر في الجماعات الأولى العائشة في مناخ هلّيني (أي غير يهودي).
وعلاقات الرسول بالربّ الحيّ، هي علاقات عبد بسيده. نقرأ في 2 كور 4: 5: "لا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع الربّ. أما نحن فعبيد لكم من أجل يسوع". وفي روم 14: 9: "مات المسيح ثم عاد إلى الحياة ليكون ربّ الأموات والأحيِاء".
المسيح هو في نظر بولس الربّ الذي يملك، الذي يمارس سلطانه، الذي يفرض فرائض. وموقفُ المسيحي هو موقف المؤمن السامع لكلامه الخاضع لأوامره. لا بدّ من أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار إذا أردنا أن نفهم بنوّة المسيح في حقيقتها.

5- يسوع ابن الله
يحيلنا بولس مرارًا إلى ربوبية المسيح، إلى المسيح الربّ. ويحدّثنا أيضًا عن بنوّته، عن يسوع الابن. هو يستعمل أربع مرّات عبارة "ابن الله" (روم 1: 4؛ 2: كور 1: 19؛ غل 2: 20؛ أف 4: 13) ومرّتين لقب "ابن" (1 كور 15: 28؛ كو 1: 13)، وإحدى عشرة مرّة يحدّثنا عن الله فيقول: "ابنه": "فالله الذي أعبد في روحي فأبلغ بشارة ابنه" (روم 1: 9؛ رج 1 :3). "فإن تمّ الصلح بيننا وبين الله بموت ابنه ونحن أعداؤه، فما أحرانا أن ننجو بحياته ونحن مصالحون" (روم 5: 10؛ 3:8، 29، 32؛ 1 كور 1: 9؛ غل 1 :16؛ 4:4، 6؛ 1 تس 1: 10).
نجد لفظة الربّ أقلّه 138 مرّة في رسائل بولس، هذا عدا عن عبارات مثل "ربّنا"، "يسوع المسيح" أو "الرب يسوع المسيح"... فإن جمعنا لفظة كيريوس وجدنا أن العدد يصل بنا إلى 222 مرّة. ويجدر القول أيضًا إن الرسول يتكلّم عن الله أبي يسوع المسيح: "تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح" (2 كور 1: 3). "يعلم الله أبو ربّنا يسوع المسيح" (2 كور 11) 31) "لا ننقطع عن شكر الله أبي ربّنا يسوع المسيح" (كو 1: 3). "تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح" (أف 1: 3).
نلاحظ أن عبارة "الابن" أو "ابنه" تنتمي إلى عالم التعليم لا إلى عالم العبادة، وأن المسيحيين الأوّلين آمنوا بالابن ولكنهم سمّوه الربّ حين رفعوا الدعاء إليه. وإذ استعملوا لفظة "ربّ"، دلّوا على علاقتهم الشخصية مع المسيح. أما حين تكلّموا عنه كالابن، فقد أشاروا إلى وضعه الإلهي.
هذا يدلّ على أن بولس كان رجلاً متدّينًا قبل أن يكون لاهوتيًا، فتأثّر بالتقليد الليتورجي في الجماعات الأولى. ثم نحن لا ننسى أن هذه الرسائل توجّهت إلى المؤمنين. إن لقب الربّ الذي ينتمي إلى لغة التقوى يتجاوب مع كل متعبّد للمسيح. ولكن حين يفكّر المؤمن بمدلول هذه الكلمة، فهو يحتاج إلى أن يوضحهما لنفسه أو لغيره. هو يقول في التأمّل: "ربّي". وفي إطار الشهادة يزيد: "الهي" (يو 28:20). حين يكلم مؤمنين آخرين عن المسيح يستطيع أن يسمّيه ببساطة: الربّ. ولكن حين يتوجّه إلى اللامؤمنين وإلى الموعوظين أو إلى مؤمنين لم يتعدّ تعليمهم الديني سنَّ المناولة الأولى، فهو يزيد ألقابًا أخرى على لقب الربّ.
توجّهت الرسائل إلى جماعات المؤمنين، ولقد وجّهها إليهم إنسان مشتعل بالإيمان. لهذا استعمل كلمة "الربّ" ليتوجّه إلى المسيح. وحين يريد أن يفهم ما يعني هذا اللقب فهو يلجأ إلى لفظة البنوّة، لاسيّما وأن يسوع سمّى نفسه "الابن".
لا ننسى الرنّة الوثنيّة في لقب "كيريوس" (الربّ)، كما في عبارة "ابن الله". فكل أسماء يسوع التي تحرّك صدى فكر سامعيه الوثنيين، كانت تعرِّض المؤمنين لتفاسير خاطئة. فلا بدّ من أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار لكي نفسّر لماذا فضّل بولس لقب "الربّ" على لقب "الابن" أو "ابن الله". وحين ترد لفظة "ابنه" فهي تدلّ على علاقة حميمة بين الآب والابن.
فما هو في تعليم بولس مضمون العبارات التي تتحدّث عن البنّوة؟ وهل يوافق هذا المضمون الشرح الذي قدّمناه؟
نبدأ فنعود إلى النصوص التي أوردناها. حينئذ نكتشف الطابع التعليمي في المقاطع الأربعة التي ترد فيها عبارة "ابن الله".
روم 1: 4: "وجُعل ابنَ الله في القوّة بقيامته من بين الأموات". يتّفق الشّراح على القول إننا أمام قانون إيمان (نؤمن) عرفته الكنيسة الأولى.
غل 2: 20: "إن كنت الآن أحيا في الجسد، فإن أحيا في الايمان بابن الله الذي أحبّني وبذل نفسه عنّي". يستعمل الرسول اللقب ليحدّد الإيمان الذي يعيش منه. وهذا الإيمان يتأسس على ابن الله، على ذلك "الذي أحبّني".
2 كور 1: 19: "لأن ابن الله، المسيح يسوع، الذي كُرز بينكم على أيدينا". نحن هنا في إطار الكرازة والتعليم.
أف 4: 13: "إلى أن ننتهي جميعنا إلى الوحدة في الإيمان وفي معرفة ابن الله. إلى حالة الإنسان البالغ، إلى ملء اكتمال المسيح". إن بنوّة المسيح ترتبط بالمعرفة.
نرى في هذه النصوص الأربعة أننا أمام تعليم أو تحريض. ونستطيع أن نقول الكلام عينه عن نصوص أخرى (خاصة روم 1: 3، 8) تربط لفظة "الإنجيل" بالابن. نحن نجد هنا أيضًا علاقة مع التعليم.
ونشير إلى نقطة أخرى: حين يتكلّم بولس عن "الابن" أو "ابنه"، فهو يميّزه عن الله (الآب). ففي 1 كور 28:15، نستشف اليوم الذي فيه يخضع الابنُ لله بحيث يكون الله كلا في الكل. وفي كو 1: 13 نرى المسيح في علاقة مع الله. إنه ابن حبّه، ابنه الحبيب.
وحسب روم 8: 3، الله يرسل ابنه. في روم 8: 29 نقرأ أن الله يهيّئ البشر ليرسموا في ذواتهم صورة ابنه. وفي 8: 32 يقول لنا بولس: "الله لم يشفق على ابنه الخاص، بل أسلمه عنّا جميعًا".
ونورد أيضًا 1 كور 1: 9 التي تتحدّث عن "شركة ابنه يسوع المسيح" وغل 1: 16 حيث يقال لنا أن الله رضي أن "يعلن ابنه" وأن يرسله (غل 4: 4). و1 تس 1: 10، وفيها يدّلنا بولس على أن كلمة الرب تدين الذين تتوجّه إليهم "وهم ينتظرون ابنه الذي يأتي من السماء، يسوع الذي أقامه من بين الأموات".
ما هي علاقة المسيح بالله في هذه النصوص؟ ليست فقط صفة المسيح كما قال العهد القديم. ليست فقط بنوّة مسيحانية كتلك التي تُعطى للملك يوم يعتلي العرش. هذه العلاقة هي شخصيّة وحميمة. وهي تفترض مشاركة في الطبيعة بين الآب والابن. لاشكّ في أن عبارة ابن الله كانت لقبًا للملك الذي مسحه الله وأرسله. ولكن ابن الله الذي يتكلّم عنه بولس هو كائن علوي يرتبط مع الله برباط وثيق، برباط كياني. لم يبقَ بعد هذا إلاّ خطوة ستصل إليها الكنيسة فتتحدّث عن وحدة الطبيعة بين الأقانيم في الثالوث الأقدس، تتحدّث عن المساواة في الجوهر (أوموأوسيوس) بين الآب والابن.
ونتابع قراءتنا رسائل بولس العشر هذه لنكتشف تعليمه عن علاقة المسيح مع البشريّة، مع الكون، مع الروح، مع الله.

6- المسيح والإنسان بحسب القديس بولس
وتعليم بولس الذي نعالجه الآن يقدّم ثلاث وجهات تلفت انتباهنا: المسيح آدم الثاني، عمل الله في المسيح، علاقة الإيمان بين المؤمنين والمسيح.
أولاً: نقرأ عن الموضوع الأولى في روم 5: 12- 21 و1 كور 15: 21-22، 45-47. يرتبط هذا الموضوع بخبر سفر التكوين (ف 2-3). نجد من جهة عصيان آدم وتجاوزه للوصيّة، ومن جهة ثانية طاعة المسيح وعمل البرّ الذي قام به. وينسب بولس إلى آدم الأول وآدم الثاني دور التمثيل (آدم، المسيح يمثّلان البشريّة) بالنسبة إلى البشرية. ونجد الفكرة عينها في 1 كور 15: 45 حيث يقال لنا: جُعل آدم "نفسًا حية" وصار المسيح "روحًا محييًا".
هذا تعليم الرابّينيين (المعلّمين اليهود) في الشكل الخارجي. ولقد اعتبر بعضهم أن الرسول يلجأ إلى صورة الإنسان السماوي النازلة من العالم العلوي، من عالم النور، ليحرّر البشريّة من رباطات المادة (هذه الفكرة انتشرت كثيرًا بين الغنوصيّين في أيامه). ولكن يبدو أن عبارة الإنسان السماوي (الآتي من السماء رج 1 كور 15: 47) هي في نظر بولس عبارة توازي عبارة "ابن الانسان" التي لم يستعملها. أجل، لقد جاء المسيح ليحرّر الإنسان لا من مادة تخنقه بل من خطيئة تستعبده.
ومهما تكن هذه المسألة، فما يهمّنا من تعليم الرسول هو وظيفة التمثيل التي ينسبها إلى المسيح. والفكرة متضمنة في كل لاهوته، وهي تبرز خاصة في معرض حديثه عن عمل الله في المسيح. وبُعدها واضح بالنسبة إلى الكرستولوجيا. سيتحدّث اللاهوتيون فيما بعد عن المسيح الإنسان. ونحن نستنتج من تعليم بولس أنه جعل من المسيح ممثّل البشريّة فطبع بطابع علويّ تعليمه المتعلّق بالبنوّة وأشار إلى طبيعة الله نفسه وكيانه.
ثانيًا: ما يقوله بولس عن عمل الله في المسيح يقودنا إلى الاستنتاج عينه. فإن كان ينسب إلى الله عمل الخلاص (روم 8:5: دلّ الله على محبّته لنا، 34:8: أرسل ابنه في جسد)، إلاّ أنه يجعل المسيح الفاعلَ الحقيقي لهذا الخلاص، لا وسيطًا منفعلاً. مات المسيح لأجلنا (روم 8:5). مات لأجل خطايانا (1 كور 15: 3). وحين يصوّر دور المسيح التكفيري، فهو يبرزه قائلاً: "واحد مات عن الجميع" (2 كور 5: 14). أو: "الله جعله خطيئة لأجلنا" (2 كور 21:5؛ رج غل 13:3).
نصل هنا إلى التعليم عن الفديّة والفداء. ولكن لا ننسى أن بولس يشدّد على خبرة الاتحاد بالمسيح في الايمان. وهذا التعليم لا يُفهم إن لم يتضمّن بنوّة علويّة. فعند القديس بولس التعليم عن الخلاص (سوتيريولوجيا) لا يفترق عن التعليم عن يسوع المسيح (كرستولوجيا).
ثالثًا: ونستنتج الاستنتاج عينه من هذه المقاطع العديدة التي فيها يتحدّث بولس عن الاتحاد الإيماني بالمسيح. هناك عبارات تدلّ على أن المسيحي "يحيا في المسيح" أو "في الربّ"، أو يموت مع المسيح ويتألّم معه ويُصلب ويُدفن ويمجّد ويقوم معه. نحن أمام أسلوب صوفيّ ومستيكي يدلّ على وحدة المؤمن بالمسيح، ولكننا لا ننسى البعد الكرستولوجي لهذا التعليم. فإذا استعملناه حين نتحدّث عن معلّم أو نبي أو حتى عن إنسان مؤلّه، نكون أمام مبالغة وإفراط. لاشكّ في أننا نستطيع أن ندخل في شركة مع البشر. ولكن شركتنا مع المسيح، كما يصوّرها بولس، تتحقّق في الإيمان، في شعائر العبادة، في الأسرار، مع المحافظة على هويتنا الشخصية. هذه الشركة تتمّ مع شخص فائق الطبيعة. والمسيح الذي يعرفه بولس هو المسيح الموجود منذ الأزل والذي يعلو على الكون. كان غنيًا فافتقر لأجلنا. كان في صورة الله فاتخذ صورة العبد. هو ابن الله الذي جعله أبوه تقدمة وذبيحة. هو الذي أتمَّ أقوال الأنبياء ونفّذ المواعيد. أجل إن المؤمن يدخل في شركة مع هذا المسيح العلوي ويتّحد به.

7- المسيح والكون
إن علاقة المسيح بالكون ترتبط ولاشكّ بطبيعة بنوّته. وهذا الرباط واضح بصورة خاصة في إنجيل يوحنا (1: 3) وفي الرسالة إلى العبرانيين (1: 2-3). تحدّث بولس في كتاباته الأولى عن هذا الرباط الذي يبدو مهمًا من الناحية الكرستولوجية. نتذكّر الدور الوحيد والمحصور الذي ينسبه العالم اليهودي إلى الله في عمل الخلق (رج أش 44: 24)، ونتوقّف عند ثلاثة نصوص.
* النص الأول نقرأه في 1 كور 8: 6: "فنحن لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء ونحن إليه، وربّ واحد، يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به".
تتعلّق الجملة الأولى بالآب. ففيه يجد الكونُ أساسَ وجوده الأخير. هو الخالق الذي لا وجود لشيء بدونه. ويأتي بعد هذا تأكيد قوي ولكن من نوع آخر، يتعلّق بالمسيح. إنه السبب المباشر للكون وللإنسان نفسه، ذلك "الذي به كل شيء ونحن به". أما عبارة "ونحن به" فهي تلمّح إلى الخليقة الجديدة والروحانية في الإنسان. وعبارة "به كل شيء" تحدّد المسيح على أنه القدرة التي تنظّم الكون وتمنحه ديناميّته.
هذه النظرة قريبة من التعليم عن اللوغوس، عن الكلمة. وتبدو عبارة الرسول مدهشة، خاصة إذا قابلناها مع إعلانات أخرى. مثلاً: "وُلد من نسل داود" (روم 1: 3). "وُلد من امرأة، وُلد في حكم الشريعة" (غل 4: 4). هذه النظرة تتضمّن، في نظر بولس، الكرامةَ الإلهية لمسيح وُجد قبل الأزل.
* النص الثاني نقرأه في روم 36:11: "إن كل شيء هو منه وبه وإليه. فله المجد إلى الدهور. آمين". يتحدّث النص عن الآب لا عن المسيح، وهو يؤكّد أن الله هو ينبوع ومحرّك وغاية كل شيء. نحن هنا أمام إعلان إيماني عن الله الواحد. ولكن ما ينسبه بولس هنا من دور الله في الكون، ينسبه في أماكن أخرى للمسيح.
* النص الثالث، هو النص الكرستولوجي العظيم الذي نقرأه في كو 1: 16-17: "إذ فيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، عروشًا كان أم سيادات أم رئاسات أم سلاطين: به وإليه خلق كل شيء. إنه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء".
نحن أمام نشيد قديم تبنّاه بولس فوضعه في رسالته، نحن أمام نص قريب من 1 كور 6:8. ولكنّه يقدّم أكثر مما في 1 كور 6:8 فيستعمل في جوابه إلى معلمي كولسي الكذبة، لغةً اعتادوا عليها ومارسوها.
فيه يثبت كل شيء. في المسيح يجد كلُّ شيء مكانَه. ويسوع هو حجر الغلقة الذي يحافظ على كل شيء. وعبارة "به"، بواسطته، تدلّ على خلق مع وسيط. وتُزاد فكرة جديدة مع لفظة "إليه" فتدلّ على الهدف والغاية. ما قيل عن الله في روم 11: 36 يقال الآن عن المسيح.
العبارة التي نقرأها هنا تشبه بعض الشيء تعليم الرواقيين عن اللوغوس. قد يكون الرسول تأثّر بهم فاتخذ تعابيرهم ليقول إن كل السلطات التي تعطي الكون كيانه وتحفظه في الوجود، تكمن في المسيح. أخذ بولس كلام هؤلاء الفلاسفة وفجّره ليرفعنا إلى المستوى الإلهي. أجل، إن كرستولوجيا القديس بولس تتجاوز بمضمونها العبارات التي بها تعبّر عن نفسها.

8- المسيح والروح القدس
هناك علاقة وثيقة بيت المسيح والروح القدس. تحدّث الشّراح عن تماثل بين الاثنين أو بالأحرى تشابه في الوظائف.
نلاحظ أولاً في تعليم القديس بولس وجهات من الخبرة المسيحية ترتبط مع المسيح والروح في الوقت عينه. فهو يقول مثلاً: المؤمن هو "في المسيح". وهو أيضًا "في الروح" (روم 14: 17). المسيح "يقيم" في المؤمنين والروح يفعل مثله (روم 8: 9؛ 1 كور 3: 16)، فالحب (كو 1: 8) والتبرير (1 كور 6: 11) والحياة (روم 8: 2، 11) ترتبط بعمل الروح كما ترتبط بعمل المسيح.
نقرأ في روم 8: 9 عن "روح المسيح" و"روح الله" وفي 2 كور 3: 17 يقال لنا بوضوح أن "الرب هو الروح" وأنه "حيث يكون روح الرب فهناك الحريّة". فسّر الشّراح هذه الاية الأخيرة: "حيث الرب هناك الروح". وقال آخرون: "حيث الروح هناك الحرية". ولكن يبقى أفضل تفسير هو الذي يقرِّب هذه الجملة من خر 34:34 التي تتحدّث عن موسى والحجاب الذي يضعه عل وجهه (رج 2 كور 3: 13- 16). والمعنى يكون: "كيريوس (أو الرب) يدلّ على الروح، وحيث هو روح الربّ فهناك الحرية".
وهناك نصوص تميّز تمييزًا كاملاً بين المسيح والروح. نقرأ في روم 8: 16- 17: "فهذا الروح عينه يشهد مع روحنا أنَّا أولاد الله. أولاد، فإذن ورثة أيضًا. ورثة الله، ووارثون مع المسيح، إن كنا نتألّم معه لكي نتمجّد أيضًا معه" (رج 1 كور 6: 11؛ 13:12؛ 2 كور 3: 14). ويقول لنا بولس في أف 18:2: "به، أي بالمسيح، لنا كلنا التوصّل إلى الآب بروح واحد".
علاقات فريدة بين المسيح والروح على مستوى الدرجة وعلى مستوى الوظيفة، وهذه العلاقات الحميمة تعلّمنا أن المسيح هو كائن إلهي وتدلّ على تمييز في الأشخاص داخل اللاهوت. لن نجد بعد العبارات الكاملة عن الثالوث، ولكن المقدمات موجودة في تعليم بولس، فلا يبقى على آباء مجمع نيقية إلاّ أن يستخلصوا منها النتائج.

9- المسيح والله
قال أحد الشّراح: إذا وضعنا جانبًا يو 1: 1 و20: 28، لا نجد تأكيدًا على لاهوت المسيح إلاّ في 2 تم 1: 12؛ تي 13:2؛ 2 بط 1: 1. ويزيد لا نستطيع أن نطبّق المجدلة في روم 9: 5 (ومنهم المسيح بحسب الجسد، الذي هو فوق كل شيء. إله مبارك إلى الدهور. آمين) على المسيح إلا بصعوبة. أما في يو 1: 18 و1 تم 3: 16 فلفظة "الله" تشكّل اختلافة ثانوية.
نشير هنا إلى أن روم 9: 5 قد ترجمت أيضًا: الله الذي هو فوق كل شيء، هو مبارك إلى الدهور. والبرهان الحاسم هو أن بولس لا يسمّي يسوع الله، حتى في 2 تس 1: 12 حيث يغيب التعريف (أل) فلا يمنعنا من أن نترجم الآية على الشكل التالي: "نعمة إلهنا (ونعمة) الربّ يسوع المسيح". ثم إن النصوص التي تتحدّث عن تبعيّة وخضوع (رج 1 كور 23:3؛ 11: 3؛ 15: 28؛ غل 4: 4) يسوع، تدفعنا إلى القول إننا حين نتحدّث عن المسيح وننسب إليه صراحة اسم الله، لا نكون منطقيّين مع لغة بولس الرسول.
إذا أخذنا بهذا التفسير الضيّق لنص روم 9: 5، نجد نفوسنا أمام المشكلة الأساسيّة في الكرستولوجيا البولسية. من جهة، لا يعطي بولس للمسيح اسم الله. ومن جهة ثانية، هو يدخله في الدائرة الإلهية حيث يتكلّم عن علاقته مع البشريّة، مع الكون، مع الروح القدس. ثم هو يستعمل، حين يتكلّم عن المسيح، نصوصًا من العهد القديم تتعلّق بالله. مثلاً، حين يورد يوء 3: 5 (كل من يدعو باسم يهوه يخلص) في 1 كور 1: 2، يقول "كل من يدعو باسم الربّ يسوع المسيح". وأخيرًا يعطي يسوع ألقابًا تجعل منه كائنًا يفوق كل الكائنات، كائنًا إلهيًا: هو "صورة الله" (2 كور 4: 4؛ كو 1: 15)، "البكر" (روم 8: 29؛ كو 1: 15)، "ربّ المجد" (1 كور 8:2)، "وقدرة الله وحكمته" (1 كور 1: 24).
والمسيح هو في نظره الكائن الموجود قبل الكون ومنذ الأزل. وإليك بعض النصوص: "تعرفون نعمة ربّنا يسوع المسيح، كيف أنه وهو الغني، قد افتقر من أجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره" (2 كور 9:8). كان "في صورة الله" (فل 6:2). "وحين جاء ملء الزمن، أرسل الله ابنه" (غل 4:4). "الصخرة هو المسيح" (1 كور 10: 4). "الإنسان الثاني يأتي من السماء" (1 كور 15: 47). 
المسيح هو إله وإنسان معًا. هذا ما نستنتجه من نصوص القديس بولس. ولكن تبقى مشكلة النصوص التي تشدّد على تبعيّة المسيح وخضوعه لله.
الأولى، نقرأه في 1 كور 3: 22-23: "كل شيء لكم وأنتم للمسيح والمسيح لله". هناك تدرجُّ صاعد في الظاهر: المؤمنون، المسيح، الله. والثاني، نقرأه في 1 كور 11: 3: "أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح. وأن رأس المرأة هو الرجل. ورأس المسيح هو الله". يذكر الإنسان أولاً. ولكن المعنى يتضمّن السلسلة الصاعدة، المرأة، الرجل، المسيح، الله.
ويأتي نص ثالث يلقي ضوءًا على المدلول اللاهوتي للنصّين اللذين ذكرنا. نجد في 1 كور 28:15: "ومتى أخضع له كل شيء، فحينئذ يخضع الابن نفسه للذي أخضع له كل شيء، ليكون الله كلا في الكل". أن نقول "كلا في الكل" أو "كل شيء إطلاقًا"، فالفكر يصل إلى ذروته حيث يشكّل الابن الرباط المباشر بين الأشياء والله. إنه يقف بين الأشياء والله.
وقد استلهم الرسول الخضوع الذي يتحدّث عنه هذا المقطع من مز 7:8: "وضعت كل شيء تحت قدميه". يقول الرسول: كل شيء يخضع للابن، وفي النهاية يَخضع هو نفسه لله. لسنا هنا أمام إله من الدرجة الثانية، كما تقول بعض الشيع. فمثلُ هذه الفكرة غريبة كل الغرابة عن الكرستولوجيا البولسية التي تشدّد بقوّة على أن المسيح هو صورة الله. فالتبعيّة التي يتحدّث عنها الرسول هي نسبية وجد بعيدة عمّا سيقوله آريوس الكاهن الذي سيحكم عليه مجمع نيقية سنة 325.
نحن نفهم اختلاف موقع الابن بالنسبة إلى الآب على مستوى المحبة. لا ننسى أن المسيح هو في نظر بولس ابن محبة الله (كو 1: 13)، والحبيب (أف 1: 6). يبرز هذا الحبُّ في كتابات يوحنا، ولكنه حاضر أيضًا في لاهوت القديس بولس. ونحن نتذكّر أن يسوع قال في يو 14: 18: "الآب هو أعظم منّي". هنا يلاحظ أوسابيوس القيصري أن المقابلة تتم بين أمور من طبيعة واحدة. فإن قابلنا الابن بالآب، هذا يعني أن الابن هو من ذات جوهر الآب. 
هذا الاستشهاد يدلّ على ما يفصل تعليم العهد الجديد عن نظريات آباء الكنيسة. ففكر بولس لا يتّخذ في رسائله شكلاً تنظيميًا. هو يتكلّم عن المسيح على أنه كائن إلهي، ويطبِّق عليه ألقابًا وأسماء إلهيّة، وينسب إليه وظائف خلاصيّة لا يقدر أن يمارسها إنسان أو إله من الدرجة الثانية. وفي النهاية يعطيه دورًا في خلق الكون، ودون أن يماثل بينه وبين الروح القدس (أي إن الابن ليس الروح القدس). بالإضافة إلى ذلك، يسوع هو موضوع عبادة، ونستطيع أن نتصل به بالإيمان اتصالاً وثيقًا. لا يسمّيه الله (يحتفظ باسم الله للأقنوم الأول)، بل الربّ (كيريوس). إنه يميّزه عن الآب ويقدّمه في علاقة خضوع للآب.
في هذا الإطار تبرز أمامنا حقيقتان:
الأولى: المكانة المسيطرة للتوحيد في كرستولوجيا القديس بولس. فهو لا يمسّ الإيمان بالإله الواحد بهدف تمجيد المسيح. وهو يشدّد دومًا في عباراته الكرستولوجيّة على الله وعلى عمله. غير أنه يربط المسيح بالله، فيقول في كو 1: 19: "ففيه (أي المسيح) ارتضى الله أن يحلّ الملء كلّه". أو حسب ترجمة أخرى: "كل ملء الله ارتضى أن يحل فيه". ونقرأ أيضًا في 2 كور 5: 19: "كان الله في المسيح مصالحًا العالم" أو "صالح الله العالم في المسيح". فالنقطة الأساسية في هذا التعليم هي أنه حين حلّ الزمان "أرسل الله ابنه" (غل 4: 4). الثانية: ليس هذا التوحيد كما في العالم اليهودي وبالأحرى العالم الإسلامي. فلاهوت القديس بولس هو ثالوثيّ في مضامينه الأخيرة. لاشكّ في أننا لا نستطيع أن نورد مقطعًا من رسائله يعبّر بطريقة حرفية عن التعليم عن الثالوث، كما في مجمع نيقية. ولكن هناك نصوصًا توصلنا إلى هذا التعليم بسهولة تامّة. نقرأ مثلاً في 2 كور 13: 14: "نعمة الربّ يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس تكون معكم أجمعين". وفي أف 2: 18 نقرأ: "فيه (أي بالابن) لنا التوصّل إلى الآب بروح واحد".

خاتمة
لن نتأسّف إن أوقفنا تعليم القديس بولس عند هذا الحدّ، خاصة على مستوى علاقة يسوع المسيح باللاهوت. وحدهم الذين يحاولون أن يجدوا لاهوتًا واحدًا ووحيدًا في كل الكتاب المقدّس سيتأثّرون. ولكن إن انطلقنا من مجمع نيقية ورجعنا إلى الوراء سنرى كيف أن القديس بولس رسم لنا الخطوط الأولى من أجل لاهوت ثالوثي سنقطف ثماره في تعليم آباء الكنيسة والمجامع المسكونية الأولى. ثم إن اهتمامات بولس هي دينية قبل أن تكون فلسفية. وهو يهتمّ بالحياة الروحية قبل اللاهوت العقائدي. ولكن ما يقوله يكفينا لنتابع المسيرة بهدي الروح القدس. هذا ما فعلته الكنيسة وما تزال بفضل المعلّمين فيها.
الفصل التاسع والثلاثون
ملكوت الله عند بولس الرسول

إذا عدنا إلى أصول الملكيّة في أرض اسرائيل، نرى أن رجاء الشعب اليهوديّ بملكوت الله، ما زال يتوسّع على مدّ الألف الأولى ق. م. وجاء سقوط أورشليم وضياع الاستقلال السياسيّ، فقادا الشعب إلى التخلّي عن النظرة إلى ملك يملك على الأرض. فالملك الوحيد هو الله. أما الملك على الأرض، فهو يقوم مقام الله. وسوف يفشل الملوك الواحد بعد الآخر. فينتظر الشعب ملكًا من الأرض يختاره الله حسب قلبه كما اختار داود. بل هو تطلّع إلى السماء. وانتظر الشعب أن يرسل الله من عنده ذاك الذي يقيم العدل والانصاف على الأرض ويحمي أتقياءه من المضايق. لهذا هتف أشعيا النبي: "أقطري أيتها السماوات من فوق، ولتمطر الغيوم الصدّيق" (45: 8).
في السابق تحدّثنا عن ملكوت الله في أناجيل مرقس ومتّى، ولوقا ويوحنا. وهنا نحن نعود إلى بولس. عند مرقس بدأ يسوع رسالته فأعلن: "تمّ الزمان واقترب ملكوت الله". ودعا متّى إلى التوبة استعدادا لهذا الملكوت. غير أن لوقا تفرّد عن صاحبيه فما جاء الكلام عن الملكوت في الكرازة التي بها دشّن رسالته. وتوقّف يوحنا بشكل خاص عند يسوع الذي هو الملك الحقيقيّ تجاه بيلاطس الذي يمثل الامبراطوريّة الرومانيّة الواسعة. وتوقّف بولس عند الملكوت على أنه واقع خلاص يتمّ في حياة الجماعات الأولى، في حياة المعمّدين.
إن موضوع ملكوت الله الذي يميّز كرازة يسوع هو حاضر لدى بولس الذي يعتبره تعليمًا عرفه المسيحيّون وتقبّلوه. نحن نقرأ عند الرسول سبع مرات عبارة ملكوت الله، منها أربع في 1 كور (4: 20؛ 9:6، 10؛ 15: 50) وثلاث في غل 5: 21؛ روم 17:14؛ 1 تس 2: 12. هذا في الرسائل التي تعتبر من يده بولس. ولكننا نقرأ العبارة أيضًا في كو 4: 11؛ أف 5: 5؛ 2 تس 1: 5.

1- الدعوة المسيحيّة إلى ملكوت الله
يرى بولس بحسب التعليم الذي يعطيه لأهل تسالونيكي بأن المسيحيّين ينتظرون بشوق عودة يسوع. وهدفُ هذه العودة هو خلاص وسعادة، لا عقاب وشقاء، كما كانوا ينتظرون يوم الربّ في العهد القديم. فيسوع في عودته "يخلّصنا من الغضب الآتي" (1 تس 1: 10). فإذا أراد المؤمنون أن يحصلوا على الخلاص، وجب عليهم أن يسلكوا سلوكًا مليئًا بالايمان والمحبّة ليُوجدوا "بغير لوم في القداسة، لدى إلهنا وأبينا، عند مجيء ربنا يسوع مع جميع قدّيسيه" (1 تس 13:3).
ويحضّ بولس المؤمنين في الرسالة ذاتها، على أن "يعيشوا حياة تليق بالله". ويتابع قائلاً: "الله يدعوكم إلى ملكوته ومجده" (1 تس 2: 12). فبولس يهتمّ هنا اهتمامًا خاصًا بعودة الرب (1 تس 2: 19؛ 3: 13؛ 4: 15؛ 5: 23). لهذا لا يذكر إلاّ في هذه الآية "ملكوت الله". ولكن يسوع لم يعظ بالمجيء بل بالملكوت. إذن، الوضع يختلف كل الاختلاف عمّا في الأناجيل. ويختلف بولس أيضًا حين يزيد "المجد" على الملكوت. ربط الانجيليّون المجد بمجيء ابن الانسان (مر 8: 38 وز؛ 13: 26 وز؛ رج مت 19: 28). أما عند بولس فالمجد هو مجد المسيح القائم من الموت (فل 3: 21؛ 2 كور 3: 18؛ روم 6: 3). وهو موضوع رجاء المسيحيّين من أجل تحوّلهم النهائي (فل 3: 21؛ 1 كور 43:15؛ روم 5: 2؛ 8: 18؛ 9: 23). ولكن هذا المجد هو "مجد الله" وتنوير الانسان كله بنور الله نفسه (روم 8: 18؛ يُحرم الخطأة منه في روم 3: 23).
أما في 1 تس 2: 12، فنجد الملكوت مع المجد، أو بالأحرى ملكيّة الله بالنسبة إلى المختارين. هذا ما يقودنا إلى كلام بولس في 1 كور 8:4، حيتُ يسخر من الذين يعتبرون أنهم بلغوا منذ الآن إلى الملكوت الاسكاتولوجيّ: "ها قد شبعتم! ها قد استغنيتم! بدوننا، قد ملكتم! ويا ليتكم ملكتم لنملك نحن أيضًا معكم"!

2- الخطأة وملكوت الله
وتشرف هذه النظرة إلى المجازاة على التهديد الذي يطلقه بولس إلى مراسليه ليمنعهم من العودة إلى انحطاطهم السابق: "أفلا تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ فلا تغترّوا! فإنه لا العاهرون، ولا عبدة الأوثان، ولا الزناة، ولا المخنثون، ولا مضاجعو الذكور... يرثون ملكوت الله" (1 كور 6: 9- 10). ويقول في غل 5: 19- 21: "أعمال الجسد بيّنة: الفجور والنجاسة والعهر وعبادة الأوثان... إن الذين يعملون أمثال هذه لا يرثون ملكوت الله".
وحسب لغة سفر التثنية الذي تعود إليه تعابير "دخل في ملكوت الله" أو "ورث ملكوت الله" (تث 4: 1؛ 6: 18؛ 8: 1؛ 11: 8؛ 16: 20) وغيرهما، هي مترادفة، فهي تدلّ في هذا السياق الجديد على الدخول إلى وضع نهائيّ من البرّ والسعادة الذي يحتفظ الله به للمختارين في "عالم" تخلّص من الشرّ والخطأة. وكما يعلّمنا سفر التثنية ساعة الحديث عن دخول إلى أرض الربّ هناك شروط لمثل هذا الدخول: الطاعة لمشيئة الله. أما الذين يتجاوزون وصيّة الله ومشيئته فيُستبعدون.
وهذا هو الأمر بالنسبة إلى بولس الرسول، الذي يعود إلى لائحة الرذائل التي أخذها من معلّمي الاخلاق في عصره. وهذا ما تقوله أيضًا 2 تس 1: 5 ولكن بشكل إيجابيّ: "وإن هو دليل حكم الله العادل الذي به تؤهّلون لملكوت الله الذي لأجله تتألّمون". يتحدّث الرسول عن تأهيل لهذا الملكوت، ويربطه بالآلام والاضطهادات التي تصيب المؤمنين. وهكذا نلتقي بما قاله القديس متّى عن المضطهدين من أجل البرّ، من أجل المسيح. والمؤمنون يحتملون هذه الآلام "من أجل ملكوت الله"، من أجل السعادة الأخيرة التي يمنحها الله للذين ظلّوا أمناء له حتى النهاية.

3- بين الحاضر والمستقبل
ونقرأ عند بولس عبارتين تبدوان وكأنهما تحديد لملكوت الله. نقرأهما في سياق هجوميّ وردّ على المعترضين. في العبارة الأولى يتطلّع الرسول إلى اعتداد يظهر في كنيسة كورنتوس. فنجاح بعض الوعّاظ مثل أبلوس، اجتذب المؤمنين كما يجتذبهم بعض "رؤساء" المدارس في العالم المحيط بهم، فظنّوا أنهم يستطيعون أن يقتنوا بقيادتهم براعة تميّزهم عن الآخرين. مثل هذا الغرور يقسم الجماعة. وانضمّ إليه خطرُ حصر الوحي الانجيليّ في حكمة فلسفيّة محض بشريّة. فجاء ردّ بولس قاسيًا وهازئًا. فقال لهؤلاء المعتدّين بأنفسهم الذين يحتقرون "مزاحميهم": إن علمهم يتوقّف عند جمل حلوة برّاقة. وواعدهم بأنهم سيأتي ويضع الأمور في نصابها فتزول هذه الفوضى. "لكني سآتيكم عن قريب، إن شاء الربّ، فأعرف لا أقوال هؤلاء المنتفخين، بل قوّتهم. لأن ملكوت الله ليس بأقوال، بل بالقوّة" (1 كور 4: 19- 20).
جاءت القوّة (ديناميس) لتدلّ على صدق تعليم بولس، لأن الوسائل التي في يده "ضعيفة" (1 كور 2: 1-5؛ 4: 9-13). وتأتي "القوّة" مع "الكلمة" لا لتتعارضا بل لتتكاملا (1 تس 1: 5؛ 2 كور 7:6). بل قد تحلّ الواحدة محلّ الاخرى (1 كور 1: 18). أما في 1 كور 2: 4-5 و4: 19-20، فالواحدة تستبعد الأخرى. "فالقوّة" تدلّ على روح الله، بل هي روح الله (1 كور 5: 14؛ رج روم 15: 13، 19).
كيف يبدو هذا البرهان؟ قد نفكّر باجتراح المعجزات التي تميّز الرسول، وهذا ما لاحظه الكورنثيون أنفسهم (2 كور 12: 12). ولكننا لا نتوقّف عند هذه الوجهة فقط. فالروح يحمل بديناميّته براهين أخرى ملموسة تُثبت الأصلَ الالهيّ للعمل الرسوليّ. ومنها ولادة جماعات مسيحيّة. وجود المواهب وليس أقلها موهبة الألسنة (1 كور 12: 1ي). كل هذا يختلف عن "أقوال" مجادلي هذا العالم الذين ينشرون حكمة دنيويّة وحسب.
في 1 كور 4: 20، يحدَّد ملكوت الله بواسطة هذه المعا نحاة بين "القوّة"، "والقول". وبما أن هذا يتحقّق في الجماعة المسيحيّة، نقرّ بأن ملكوت الله حاضر، وأننا لا ننتظره إلى نهاية العالم الحاليّ. فالمفارقة التي نجدها في الأناجيل، نجدها أيضًا عند القديس بولس. ففي ما يحقّقه الروح اليوم بشكل منظور، يرى الرسول استباقًا لما سيحصل في الساعة الأخيرة. الملكوت هو منذ الآن حاضر هنا. ولكنه ليس حاضرًا في كل مجده. دشّنته قوّة الروح فشعر به المؤمنون. ولكنه ترك لهم أيضًا مساحة رجاء. فـ "عربون الروح" (2 كور 1: 22؛ 5:5) الذي وُضع في قلوبهم ينتقل إلى الكنيسة حيث نجد بدايات ملكوت الله بفعل الروح عينه.
ونجد حضورَ هذا الملكوت في روم 17:14 ولكن في سياق يختلف كل الاختلاف. فبولس يرتبط هنا كما في عدد من "مقالاته" اللاهوتيّة، بوضع محدّد وهو يسعى إلى تقديم الحلّ لهذا الوضع. تولّد هذا الوضع من ممنوعات تنسكيّة لدى فئة من المسيحيين تجاه بعض الأطعمة ولاسيّما اللحم. فانتقد بعضُ المؤمنين هؤلاء "المتنسّكين"، وأخذوا يأكلون أمامهم بشكل ظاهر. شكّكوهم، وجعلوا بعض الضعفاء يأكلون معارضين ضميرهم (هذا هو وضع اللحوم المذبوحة للأوثان، 1 كور 8- 10). فكتب بولس يقول إن المحبّة هي القاعدة. وحذّرهم من "تدمير عمل الله من أجل الأطعمة" (روم 14: 20). ودعا "الاقوياء" إلى التنازل من أجل "الضعفاء". فهل الطعام مهمّ جدًا من أجل الخلاص؟ قال: "ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا، بل برّ وسلام وفرح في الروح القدس" (روم 14: 17).
ابتعد بولس هنا عن موضوع نجده في العهد الجديد، ليتمثّل ملكوتَ الله بشكل وليمة (لو 19:13؛ مت 8: 11؛ رؤ 9:19..). فهمّه أن يزيل ما يمنع سيادة ما هو جوهريّ في الجماعة: "البرّ" الذي هو عطيّة أساسيّة من الله الذي يعيد الانسان إلى صداقته بموت المسيح وقيامته. ثم "السلام" و"الفرح" اللذان ينتجان عن البرّ (روم 13:15؛ فل 1: 25)، اللذان هما حالة تدوم حتى في الشدّة والضيق (2 كور 8: 2) بفضل عمل الروح (غل 22:5). في هذه الظروف يُبنى ملكوت الله وسط المؤمنين بانتظار أن يبلغ إلى تمامه. ونحن منذ الآن نتذوّق باكورته.
ولكن ما يكون وضع المسيحي في هذا العالم الذي يهيِّئه له الله بعد هذه الحياة على الأرض؟ فالتلاميذ في كورنتوس ضعُفَ إيمانهم فعارضوا القيامة، لأنهم ما فهموا الفرق بين الجسد الحالي والجسد المقبل، بين الجسد الفاسد "الذي زُرع في الذلّ، ونموّه المجيد" (1 كور 15: 42-44). قال: "لا يستطيع اللحم والدم أن يرثا ملكوت الله، ولا الفساد، عدم الفساد" (1 كور 15: 50).
أجل اللحم والدم بما فيهما من سرعة العطب تجعلهما ذاهبين إلى الموت، لا يستطيعان أن يدخلا كما هما الآن إلى العالم المقبل. يجب أن "نتحرّر من عبوديّة الفساد لنشارك أبناء الله في الحريّة المجيدة" (روم 8: 21). فحين يتحرّر كياننا من اللحم والدم، "يلبس" (2 كور 5: 1- 5) جسدًا يختلف عن ذلك المطبوع بالألم والموت، جسدًا يسمو على الأول بالمجد الذي يناله حين يتصل بالله ويراه وجهًا لوجه.


4- ملكوت المسيح والانجيل
في البدء، كان ملكوت الله واقعًا كرز به يسوع، ثمّ المرسلون المسيحيّون. هذا ما نجده في نهاية الرسالة إلى كولسي في مجال الحديث عن يهوديّين ارتدّا إلى الايمان المسيحيّ: مرقس نسيب برنابا، ويشوع المسمّى يوستس. فيهما يقول الكاتب: "وحدهم من أهل الختان، يعاونونني في أمر ملكوت الله" (كو 4: 11). عبارة فريدة ولكنها قريبة ممّا نقرأ في فل 1: 5 حيث يهيِّئ بولس الفيلبيّين "من أجل مساهمتهم في الانجيل". وفي فل 22:2، يمتدح بولس تيموتاوس فيقول عنه: "أما هو، على ما تعلمون، فرجل مختبر، قد خدم معي في الانجيل خدمة الولد مع أبيه". وحين نقابل هذه العبارات، نحسّ أن عبارة ملكوت الله هي مضمون الكرازة المسيحيّة كما نشرها الرسل ومعاونوهم.
كل هذا يصل بنا إلى ملكوت المسيح. ففي القسم المخصّص للحديث عن قيامة الموتى، نقرأ في الرسالة الأولى إلى الكورنثيين: "المسيح يسلّم الملكوت لله الآب، بعد أن يكون أبطل كل رئاسة وكل سلطان وكل قدرة. لأنه لا بدّ أن يملك إلى أن يضع جميع أعدائه تحت قدميه... ومتى أخضع له كل شيء، حينئذ يخضع الابن نفسه للذي أخضع له كل شيء ليكون الله كلاً في الكلّ" (24:15، 25، 28).
يصوّر لنا الرسول هنا عملين، ويصوّرهما في الترتيب المعاكس لحدوثهما. فبعد المجيء وقيامة الموتى (1 تس 4: 16؛ 1 كور 15: 52) التي هي نتيجة قيامة المسيح، تكون نهاية القتال. هذا القتال هو قتال المسيح ضدّ كل ما يعارض العمل الذي حقّقه المسيح وينوي تحقيقه إلى النهاية. والنصر مؤكّد. وقيامة الموتى تتوّج هذا النصر. والموت هو "آخر عدوّ" يتغلّب الله عليه. حرب لا هوادة فيها بقيادة المسيح الذي خطّط لها فقام بوظيفته الملوكيّة. فهو يملك منذ قيامته وتمجيده على يد الله الذي جعله "ربًا" خضع له الكون كله (فل 2: 9- 11). وهذا لا يتمّ بدون مقاومة من قبل القوى المعادية. فعلى هذا الملكوت أن يقاتل إلى أن يضع الله جميع أعدائه تحت قدمَي ذلك الذي خضع له الكون كله (رج مز 6:8؛ 10: 1).
بعد هذا يتطلِّع بولس إلى تسليم هذا المُلك الذي خضع كل الخضوع، لله الآب، لكي يكون الله عند ذاك "كلاً في الكلّ". الفكرة هي فكرة خلاص، لا فكرة ذوبان إلهي يمتصّ المسيح والبشريّة والكون كله. ما من شيء باق يُفلت من مخطّط الله الشامل الذي رسمه الله. هذا هو جوهر السيناريو الذي لا يمكن إلاّ أن يكون استعاريًا يعفينا من التساؤل حول مصير المسيح واستمراريّة سلطانه على العالم. يسوع بدأ ويسوع يُنهي، ويكون "الرب" إلى الأبد "لمجد الله الآب" (فل 11:2).
وفي الوصيّة (رجل يكتب وصيّته قبل أن يموت) التي نجدها في الرسائل الرعائيّة، تبدو النظرة مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي سبق وتوقّفنا عندها. فالمسيح لا يسلّم الملك إلى الله الآب (2 تم 4: 1)، بل يضمّ ممارسة سلطته الملوكيّة إلى ظهوره (ابيفانيا)، إلى تجلّيه الثاني في مجيئه (باروسيا). صوّر متّى الأمور بالشكل عينه في مثل الدينونة الأخيرة (35: 31-46) فبدت ممارسة هذه الملكيّة ملموسة في وظيفة الديّان الشامل كما في كرستولوجيّة بولس في رسائل الأسر. فالمسيح هو الذي يحتلّ "السماء" كلها. لأنه "الرب" (2 تم 1: 2-8) ومنه ينتظر الرسول على عتبة الموت "الخلاص في ملكوته السماويّ" (2 تم 4: 18).
وفي نهاية هذه المسيرة نتوقّف عند الرسالة إلى أفسس التي استقت من 1 كور 6: 9- 10 وغل 5: 21 تهديدًا أشرنا إليه، وزادت شيئًا له معناه. "واعلموا هذا جيدًا، أنه ليس للزاني ولا النجس ولا الطمّاع، وكلّهم عابد وثن، ميراث في ملكوت المسيح والله" (5: 5). أما الرسالة إلى كولسيّ فتعلمنا أن المسيحيين قد خُلِّصوا. أن الآب "انتزعهم من سلطان الظلمة، ونقلهم إلى ملكوت ابنه الحبيب" (13:1). مع أف ومع كو، نصل إلى درجة من التأوين للخلاص لا نجدها إلاّ في الانجيل الرابع. فمع أن هناك موضعًا للانتظار (كو 3: 4؛ أف 4: 4، 30؛ 5: 16)، فالبُعد المقبل هنا يتوازن مع الحاضر الذي حصلنا عليه. وبشكل خاص، تسير حياة المؤمنين حيث المسيح هو (كو 3: 1). وإذا قابلنا أف 2: 4، 6 مع روم 6: 14 (رج كو 2: 12- 13)، نلاحظ تدرّجًا، نجد تأوينًا كلّه جرأة: يستطيع المسيحيون أن يعتبروا نفوسهم أنهم منذ الآن يعيشون مع المسيح حياة جديدة. بل يعتبرون نفوسهم أيضًا أنهم قاموا مع المسيح بل جلسوا معه في السماوات عن يمين الآب (كو 3: 1؛ أف 1: 20).
هذا العالم العلويّ الذي يملك عليه الله والمسيح الممجّد، يعيش فيه المسيحيّ منذ الآن، فيشارك في "ميراث القديسين في النور" (كو 1: 12). والرجاء الذي ينتج من الدعوة المسيحيّة يُدرك منذ الآن موضوعه (أف 1: 18). ولكن هناك شروطًا أخلاقيّة مفروضة على المسيحيّ. فإن لم يحقّقها، يبقى، شأنه شأن الآخرين، على مستوى "عالم الظلمة" (أف 6: 12) الذي يريد الله أن يخرجه منه. فالميراث ليس للمسيحيين الذين لم يقطعوا كل رباط مع ماضيهم الوثني ومع الرذائل التي تميّز هذا الماضي (أف 5: 3- 5؛ كو 3: 5-8).

خاتمة
- لا يتحدّث بولس أبدًا عن ملكوت الله كواقع آت، كواقع يقترب (رج مر 1: 15). فـ "الممجيء" الذي ينتظره هو مجيء المسيح في النهاية (1 تس 5: 2؛ 1 كور 4: 5؛ 11: 26). مجيئه في الدينونة والغضب الآتي (1 تي 1: 10؛ كو 3: 6؛ أف 5: 6).
- وللملكوت عند بولس طابع مُقبل. فعبارة "ورث ملكوت الله" تحمل معنى سلبيًا. إنها تعبّر عن منع المجازاة الاخيرة عن الخطأة الفاسدين (1 كور 6: 9- 10؛ 15:50). عن استحالة الوصول إلى الملكوت بقوانا الخاصّة (1 كور 50:15).
- تحدّث بولس عن "القدرة" العجائبيّة التي أعطيت له بالروح ليدلّ على أن ملكوت الله يعمل الآن في العالم. لاشكّ في أن بولس لا يكرز بالملكوت كما نجده في الأناجيل. ولكن مضمون الكرازة الرسوليّة هو في الواقع الملكوت (كو 4: 11).
- يتطلّع بولس إلى "ملك" المسيح ما دام هذا العالم في الوجود (1 كور 15: 24-25). هذا ما يجعلنا قريبين من مثل الزؤان في الحقل (مت 13: 41). هذا مع العلم أن حقل المسيح هو العالم كله، هو وضع نعيش فيه وسوف تعيش فيه الكنيسة حتى انقضاء العالم.
الفصل الأربعون
مفهوم الرحمة
في الرسائل البولسيّة

إذا أردنا أن نتعرّف إلى رحمة الله في رسائل القدّيس بولس، ندخل أوَّلاً في سرّ الخلاص، ثم نتعرّف إلى أبوّة الله. وفي النهاية نتوقّف عند طريقة حياة المسيحيّين الذين يُطلب منهم أن يلبسوا "أحشاء الوحمة واللطف والتواضع والوداعة والصبر" (كو 3: 12).

1- رحمة الله وسرّ الخلاص
رأى بولس أنَّ رحمة الله هي سرّ يتجاوز كلّ فهم. وحين فكّر بلا أمانة شعب اسرائيل ودعوة الأم الوثنية، هتف قائلاً: "يا لغنى عمق الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن التنقيب وطرقه عن الاستقصاء" (روم 11: 33).
طرح بولس السؤال الأساسي بالنسبة إلى شعب اسرائيل الذي نال "التبنّي والمجد والعهد والناموس والعبادة والمواعيد والآباء" (روم 9: 4): لماذا تبدّلت الأمور فصاروا هم خارجًا والوثنيّون داخلاً؟ هل فشلت كلمة الله، فلم تصل إلى هدفها؟ وكان جواب أوَّل: هناك بقيّة من بني إسرائيل هم حقًا أبناء وقد دخلوا في العهد الجديد. وكان جواب ثان ردّ فيه بولس على القائلين بأنَّ الله كان جائرًا. "أيكون عند الله ظلم؟ كلا وحاشا" (روم 9: 14). وتابع مستندًا إلى الكتاب المقدّس كما ورد في خر 33: 19: "أرحم من أرحم وأرأف بمن أرأف" (روم 9: 15). نحن هنا أمام جواب الله لموسى بعد حادثة العجل الذهبيّ (خر 32). صلّى موسى إلى الربّ وطلب منه أن يؤخّر ولا يسرع في العقاب. نشير هنا إلى أنَّنا لسنا أمام خلاص الأفراد الأدبيّ، بل أمام مكانة البشر في مخطّط الله. كانت الأولويّة للشعب اليهودي الذي اختير من أجل مهمة معيّنة، هي اعداد الطريق لمجيء الربّ يسوع. ولما سقط، صارت الأولويّة للأمم الوثنيّة التي كانت في الأصل "زيتونة بريّة" (روم 17:11) فطعّمت وصارت شريكة في الدسم، شريكة في غنى الزيتونة وأثمارها، وكلّ هذا يعود إلى لطف الله (آ 22).
إنَّ هذه الحرّية التامة في الاختيار الالهيّ، قد طرحت سؤالاً من جهة البشر: أترى الله ترك شعبه وانحاز إلى الأمم؟ هنا عاد بولس إلى الآباء ولاسيّما ابراهيم ويعقوب، كما عاد إلى موسى وشعبه في البريّة. لو تصرّف الله بقساوة لكان الشعب فني أو عاد إلى مصر، ولكانت فشلت مغامرة الخروج. ولكن الله عامل شعبه بالرحمة وإن حلّ العقاب بهذا أو ذاك. وفي النهاية أعطى وحيًا جديدًا عن نعمته، وثبّت المبدأ الأساسي في هذه النعمة، وهو أنَّ رحمته مجانيّة كلّها.
الله حرّ بالنظر إلى ما يصنعه للبشر. وثورة إسرائيل على المسيح لم تلغ الاختيار. ورفضُ فرعون أيضًا لم يقض على مخطّط الله بأن يكوِّن لنفسه شعبًا بقيادة موسى. بل إنّ الله استعمل رفض فرعون لكي يتابع عمل رحمته. هذا يدلّ على أنَّ عمله لا يرتبط بالذي يريد ولا بذلك الذي يسعى. فالحمد لله أنَّ الربّ لا يعاملنا بحسب أعمالنا. ومع أنَّ اسرائيل في النهاية رفض الله في شخص يسوع المسيح، فالله قد أعلن أنَّه لا يعود عن عطاياه (روم 11: 29).
كلّ شيء يرتبط برحمة الله (روم 9: 16). ويتابع بولس برهانه مستندًا إلى ما يخبره التقليد عن فرعون الذي قسّى قلبه، فعملت هذه التقسية على تحقيق مواعيد الله. في النهاية سيتراجع فرعون (خر 27:19) كما سبقه إلى ذلك سحرة مصر (خر 8: 15). وهكذا لا نكون أمام الحكم على فرعون ولا أمام هلاكه الأبديّ، بل داخل مخطّط سام يحقّقه الله، وكلّ هذا ليدعو حتى الشعوب الوثنيّة إلى التوبة. هذا ما نكتشفه في تراجع فرعون التدريجيّ في سفر الخروج، كما نكتشفه في سفر الرؤيا الذي فسّر الأحدات المعاصرة على أنّها ضربة من الله، ولكن هدفها كان دعوة إلى التوبة (9: 20- 21) والاستسلام إلى رحمة الله.
أمَّا بولس فعاد أيضًا إلى العهد القديم ولاسيّما إلى هو 2: 25 فدلّ على أنَّ الوثنيّين الذين لم يكونوا شعب الله قد صاروا في يسوع المسيح شعب الله. وقد يدلّ النصّ أيضًا على أن شعب اسرائيل الذي رُذل وقتًا من الأوقات بسبب خطاياه، سيعود إلى الربّ في يوم التوبة والغفران. وهذا ما سيقوله بولس في ما بعد: إنَّ تصلّب اسرائيل لا يدوم إلى النهاية. بعد أن "يدخل مجموع الأمم... يخلص جميع اسرائيل" (روم 11: 25-26).
هنا نجد مقابلة بين "كل اسرائيل" من جهة وبين "البقيّة" (آ 5) و"قسم من اسرائيل" (آ 25) من جهة ثانية. وفي كلّ هذا يستند بولس إلى أش 10: 22- 23: "وإن يكن عدد بني اسرائيل كرمل البحر، فبقيّة ستخلص. لأنَّ الربّ سينجز بالتمام وفي سرعة، كلمتَه على الأرض". شدّدت هذه العبارة الأشعيائيّة على كثرة الشعب الذي يدعوه الله والعدد القليل الذين يشاركون في الخلاص. ذاك هو قرار الله (روم 28:9). فهو يستطيع أن يدعو من يريد ويرذل من يريد. فلا يمنعه من ذلك نعمٌ حصل عليها البعض ولا عدم جدارة من البعض الآخر. فإن بقيت بقيّة فهذا نتيجة رحمته. كان باستطاعة الله أن يضرب شعبه كما ضرب سدوم وعمورة فلم يبق منهما شيء. هذا يعني أنّه حين تصرّف بحريّة، دلّ على لطفه وحنانه.
وسيصوّر بولس هذا المخطّط الإلهيّ في روم 5: 12-15: "كما أنّه بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس لأنّهم جميعهم خطئوا (آ 12، وتبقى الفكرة معلّقة حتى آ 15)... إن كان بزلّة واحد قد مات كثيرون، فكم بالأحرى نعمة الله وموهبته قد وفرتا للكثيرين بنعمة الإنسان الواحد، يسوع المسيح". إنّ هذا المخطّط الإلهي، مخطّط الخلاص المجاني، هو ما يفسّر وحي الله الذي بدأ في العهد القديم وتمّ مع العهد الجديد في إنجيل يسوع المسيح.

2- رحمة الله وأبوّته
إنَّ لطف الله وصبره وطول أناته، هي شكل من أشكال رحمة الله مع دينونته التي تُمارَس تجاه جميع البشر. كلّهم خطئوا، وثنيّين كانوا أم يهودًا، فاحتاجوا كلّهم إلى خلاص الربّ ورحمته وغفرانه. ولكننا لم نصل بعد إلى سرّ الله العميق، حيث ترتبط رحمته بأبوّته.
فالله هو أبو المراحم كما يدعوه بولس في 2 كور 1: 3، وإله كلّ تعزية. جاء كلام بولس في إطار فعل شكر رفعه إلى الله من أجل كنيسة كورنتوس، فبدا صدى لعبارات ليتورجيّة تعود إلى العهد القديم: هم المساكين والمضطهدون والخطأة يتوسّلون إلى الله مستندين إلى رحمته كما برزت عبر تاريخ الشعب المختار. فإنّ مز 105: 1- 11 يتذكّر مواعيد الله لابراهيم. وفي مز 62، يؤكّد المرنّم ثقته بالله صخرته وخلاصه وملجأه وموضع راحته. أمَّا مز 69: 14-17، فهو توسّل إلى الله باسم رحمته ولطفه وحنانه. يعلن مز 89: 1: "لمراحم الرب أرنّم إلى الأبد". ومز 101: 1: "في الرحمة والعدل نشيدي". ويعلن مزمور 51: 1: "تحنّن يا ربّ عليّ بحسب رحمتك، وبحسب كثرة رأفتك أمحُ معاصيّ".
العلاقة حميمة بين الله الرحيم وعمل الفداء الذي يتمّه، أو عمل التكفير في يسوع المسيح. فنقرأ في غل 4: 4: "ولما تمّ ملء الزمن، أرسل الله ابنه، مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين هم تحت الناموس لننال نعمة التبني". فعلى مدّ التاريخ، هيّأ الله خلاص البشر. وفي يسوع أتمّ هذا الخلاص بحيث إنّ الزمان قد تمّ بمجيء يسوع (مر 1: 15). ولكن هل كنا نستحقّ هذا الخلاص؟ كلا. هنا نتذكّر كلام القدّيس بولس في روم 5: 6-9: "أجل، إنّ المسيح ونحن بعد ضعفاء، قد مات في الأوان المعيّن عن الكافرين. ولا يكاد يموت أحد عن بار. وقد يُقدم أحد على الموت عن الصالح. وأمّا الله فقد برهن على محبته لنا بأنّ المسيح قد مات عنا ونحن خطأة، فكم بالأحرى، وقد برّرنا الآن بدمه، نخلص به من الغضب".
لم يكن الوعد مجرّد أقوال. فالله قد أعطى برهانًا عن حبّه ورحمته: ما اكتفى يسوع بأن يعلن الملكوت ويدعو البشر إلى التوبة ليدخلوا فيه، بل مات وقام عن الخطأة. اكتشف البشرُ ضعفهم، اكتشفوا أنهم لا يستحقون شيئًا إلاّ الغضب لأنّهم جميعهم خطأة. ولكن الله لم يعاملهم كخطأة. بل إنّ ابنه مات عن الخطأة، عن الكافرين. في الأوان المعّين. والصليب لم يكن صدفة من صدف التاريخ، بل جاء يحقّق إرادة الله التي أحبّت أن ترحم جميع البشر. وأظهر بولس ما في موت المسيح من أجل الكافرين من مفارقة. فالناس يضحّون من أجل الخير، من أجل الصلاح، من أجل أناس "يستحقّون". وحتى مثل هذه التضحيّة قلّما نسمع بها. أمّا الربّ فأحبّنا ساعة كنا خطأة، وأظهر لنا بموت ابنه على الصليب رحمته تجاهنا. وهكذا جاء البرهان "بالأحرى" فدلّ على ما في عمل الله لأجلنا من عظمة، وعلى ما في موت يسوع من رحمة مجّانيّة. 
أجل، ما كنا نستطيع أن نتخلّص من خطايانا، ولكن حبّ الله فعل ما فعل. أرسل ابنه مولودًا من امرأة. فمات هذا الابن في الجسد لكي يحرّرنا من الخطيئة. في هذا المجال يقول بولس في روم 8: 32: "الله الذي لم يشفق على ابنه الخاصّ بل أسلمه عنا جميعًا، كيف لا يهبنا أيضًا معه كلّ شيء". لقد أعطانا الله أفضل ما يستطيع. أعطانا ابنه الخاص كما فعل ابراهيم حين قدّم اسحاق ابنه (تك 22: 16). أعطانا ابنه الذي اشترانا بثمن كريم (1 كور 6: 20). في هذا يقول يو 3: 16: "لقد أحبّ الله العالم حتى إنّه بذل ابنه الوحيد بحيث إنَّ كلّ من يؤمن به لا يهلك بل تكون له الحياة الأبديّة.
يسوع هو الابن الحقيقيّ لله، لا ابنه بالتبنّي. وإذ لم يوفّر الله ابنه الخاصّ، دلّ على أنه تلفَّظ بحكمه من أجل المسيحيّين الذين هم أبناؤه بالتبني. وبما أنّه عمل ما عمل، فلماذا يعمل شيئًا آخر فيما بعد؟ بما أنّه بدأ وعاملنا بالرحمة، فلماذا يتغيّر؟ نحن هنا في إطار ليتورجيّ، في إطار عماديّ. فبولس ينسب إلى الآب مبادرة المخطّط الخلاصي الذي تحقّق في موت يسوع وقيامته. فماذا لا يعطينا الله بعد أن أعطانا ابنه؟
نستطيع أن نقابل هذه النصوص مع روم 23:3-26: "بعد أن كنا جميعًا تحت الخطيئة، أراد الله أن يبرّرنا مجانًا بنعمته بالفداء الذي بالمسيح يسوع الذي سبق الله فأقامه أداة تكفير بالإيمان بدمه. إذ تغاضى عن الخطايا السابقة في عهد صبره الإلهي، وما عاقبنا بسببها".
إنَّ عمل الله من أجل الانسان لا يأتي كي يكافئ الطاعة للشريعة. بل هو يمنح الانسان موهبة مجانيّة. وتجاه موقف الانسان الذي يعتبر أنّه "يستحق" نعمة الله، نجد موقف ذاك الذي ينتظر كلّ شيء من رحمة الله. هنا نتذكّر مثل الفريسيّ والعشّار (لو 18: 9-13): إنّ موقف الفريسي اجتذب إليه الغضب، أمَّا العشّار فعاد إلى بيته مبرّرًا. هذا الموقف الباطنيّ هو الإيمان. والايمان يتقبّل كلّ شيء من يد الله. وفي هذا الإطار، يتقبّل الرحمةَ ونعمة التبرير.
يتحدّث بولس عن تحرير الخطأة في يسوع المسيح. ولكن كيف يتمّ هذا التحرير؟ هنا يعود بولس إلى اللغة التقليديّة المرتبطة بعالم الذبائح. فالمسيح صار بموته أداة تكفير. وقد حلّت ذبيحتُه محلّ ذبائح العهد القديم. فالذبيحة هي الوسيلة التي بها يقترب الله من الخاطئ. وهكذا، بعد أن نكون قد متنا، يعيد إلينا المسيح بموته الحياة، فلا يبقى لنا إلاّ أن نتقبّل بالايمان والتوبة هذه النعمة المجانيّة.
وتلتقي عبارة روم 3 التي ذكرناها مع ما في أف 2: 4-5: "غير أنَّ الله، لكونه غنيًا بالرحمة، ومن أجل فرط محبّته التي أحبّنا بها، وحين كنا أمواتًا بزلاّتنا، أحيانا مع المسيح". نلاحظ أولاً الجمع بين الرحمة والمحبّة. وكلتا اللفظَتين ترتبطان بالنعمة كما نقرأ في نهاية آ 5: "أنتم بالنعمة مخلَّصون".
إذا قرأنا أف 2: 1- 10 نجد نفوسنا أمام منحدرين: منحدر الضلال: كنتم أمواتًا. ومنحدر النور: أنتم مخلّصون بالإيمان، وبين هذين المنحدرَين، يتمّ الانتقال من أرض العبوديّة والموت إلى رحاب أرض الميعاد. يرد التحوّل في آ 4-7. هناك الفاعل: الله الغنيّ باللطف والحنان. هناك الموضوع: الحبّ. والفعل: أعطانا الحياة. تلك هي مبادرة النعمة التي يلهمها حبّ الله الذي يتعدّى كل حدود.
نجد هنا الدور الذي لعبه الآب في عمل خلاصنا. ظننَّا أنَّ حياتنا جعلت حبَّه يملّ. بل إنّ هذه الخيانات تدفعه ليكشف حبّه الجديد. وإذ أعطانا ابنه، أعطانا أعظم تعبير عن حبّه ورحمته من أجل الخطأة. هنا نتذكّر روم 11: 32- 33: "فالله سجن جميع البشر في المعصية لكي يرحم الجميع. فيا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه"! الغنى والرحمة. كان العهد القديم قد ربط بين هاتَين اللفظَتين ليدلّ على لطف الله الذي لا يحدّ. أمَّا بولس فقال لنا إنّ الآب هو غنيّ بالرحمة، وقد دلّ على لطفه بفرط غنى رحمته.
لقد انتقل هذا الغنى بشكل طبيعي من الآب والابن، وهو بشكل من الأشكال تجسيد لرحمة الله كما ظهرت للبشر. وهكذا تدخّل الله في وجهَتين. واحدة ترتبط بكيانه: الغنيّ بالمراحم. والأخرى ترتبط بعمله الأخير: بسبب حبّه العظيم. الأولى ترتبط بنصوص عديدة من العهد القديم. والثانية تُجمل عمل الله الخلاصيّ في إطار المحبّة.
في هذه العبارات المختلفة، تبرز ثلاثة عناصر نجدها حاضرة بشكل واضح أو ضمنيّ: أبوّة الله. رحمته من أجل الخطأة. تدخّل ابنه للتكفير عن خطايانا. أمّا نصّ غل 4:4 فيذهب أبعد من ذلك، إذ يعلن أنَّ موضوع التجسّد هو مشاركتنا في كرامة الابن. وهكذا ترتدي عاطفة الثقة المطلقة بالله أبي المراحم، مظهرًا حميمًا ما كنا لنعرفه في السابق. فبولس يقدّم لنا سرّ تحوّل علاقاتنا مع الله بشكل لا يتصوّره عقل. بما أنّنا أبناء في الابن، "أرسل الله ابنه في قلوبنا وهو يصرخ أبَّا، أيُّها الآب" (غل 4: 6؛ روم 8: 15). صارت صلاة المسيح صلاة المسيحيّين فدلّت على الحياة الحميمة التي يعيشونها مع الآب. وهكذا مثّل المسيح بيننا رحمة الله. مثّلها بتجسّده وفدائه، بحياته وموته وقيامته. معه ظهر لطفُ الله محيينا ومحبّته للبشر (تي 3: 4).

3- رحمة الله وطريقة حياة المسيحيّين
نتوقّف هنا عند وجهَتين من التعليم البولسيّ. ما يسبق المعموديّة واعتناق الإيمان وفيه ما فيه من خطيئة. وما يتبع المعموديّة وما فيه من طلب للاقتداء بالله كالأبناء الأحبّاء.
في 1 كور 6: 11 يعلن بولس لأهل كورنتوس: "ذلك ما كنتم عليه، بعضكم. لكنّكم قد اغتسلتم. لكنّكم قد تقدّستم". ماذا كان عليه الوثنيون في ما مضى؟ هنا يورد بولس لائحة في آ 9- 10: عاهرون، عبدة أوثان، زناة، متخنّتون، مضاجعو الذكور، سارقون، طمّاعون، سكّيرون، شتّامون، خطفة. هذا ما يعود بنا إلى روم 1: 24- 31 حيث يدلّ بولس على الانحطاط الذي وصل إليه الوثنيّون حين رفضوا أن يعرفوا الله وفضّلوا عليه "صورة إنسان يبلى وطيور ودبّابات وزحّافات" (روم 1: 23). وهل اليهود أفضل من الوثنيّين؟ كلا. فهم خاطئون مثلهم. يسرقون، يزنون، يسلبون هياكل الأوثان (روم 2: 21-22). "زاغوا وفسدوا معًا. أرجلهم سريعة لسفك الدماء، وفي مسالكهم الدمار والشقاء" (روم 3: 12-16).
لماذا شدّد بولس على هذه الحالة المنحطّة للبشريّة؟ ليدلّ على الخلاص الذي حصلت عليه. شدّد على الظلام لكي يبرز النور الذي يعيش فيه المؤمن بعد اليوم. يقول بولس: "إذ قد بُرّرنا بالايمان فنحن في سلم مع الله بربنا يسوع المسيح" (روم 5: 1). كانت هناك عداوة. فتمّت المصالحة. كان التمرّد قد جعل كلّ إنسان تحت "الغضب" (هو يستحقّ العقاب)، قد جعله عدوًا لله. أمَّا الايمان الذي يتقبّل الله في المسيح، فهو يجعل الخاطئ ينعم بهذا الوضع الجديد. لقد دخل المؤمن في علاقة جديدة مع الله: نال السلام. اقترب من النعمة. فبعد الحياة الحميمة مع الله، جاء السلام (أو السلم) الذي هو النظام، الذي هو الوضع العاديّ للأمور. هذا ما يعارض الفوضى التي يدخلها انفصالُنا عن الله في العالم، في الإنسان، في علاقاته مع الله. انفصلنا عن الله بالخطيئة، فجاء يسوع المسيح يعيد الاتصال به. وهكذا يجد المبرَّر بالايمان بيسوع، طريقَ الاقتراب من الله ومشاهدة مجده. وكلّ هذا نعمة مجانيّة من لدنه.
ونشاهد عالم الخطيئة في عدد من رسائل القدّيس بولس تجاه عالم النعمة والحياة السائرة بحسب وصايا الله. نقرأ في غل 5: 19- 21 عن أعمال الجسد: "الفجور، النجاسة، العهر، عبادة الأوثان، السحر...". وفي أف 5: 3-5: "الزنى، النجاسة، الطمع، الكلام القبيح...". ويقابل الرسول في هذا المجال بين حالتين. في العالم الوثنيّ، كنتم ظلمة. أمَّا الآن، وبعد أن اعتمدتم، "فأنتم نور في الربّ. فاسلكوا كأبناء النور" (آ 8). ونقرأ في 1 تم:9- 10 عن الفجّار وقاتلي الامهات والزناة والكذّابين... (رج 2 تم 3: 3- 4؛ تي 3: 3).
أمَّا الآن وقد تبرّرنا وتقدّسنا، فلا نستطيع أن نعيش كما كنا نعيش في الماضي. لا نستطيع أن نحمل ثمر الظلمة، بل "ثمر النور الذي هو كلّ صلاح وبرّ وحقّ" (أف 9:5). لا نستطيع بعد أن نعمل أعمال الجسد. بل نطلب "ثمر الروح الذي هو المحبّة والفرح والسلام" (غل 5: 22). لا نستطيع أن نبقى في الانسان العتيق بما فيه من غضب وسخط وخبث وكلام قبيح وكذب، بل "نلبس الانسان الجديد الذي يتجدّد بالمعرفة على صورة خالقه".
تلك كانت الوجهة الأولى وفيها ما فيها من تشديد على الخطيئة التي تنتظر رحمة الله وتجاوب الانسان من أجل حياة تليق بالدعوة التي دُعينا إليها (أف 4: 1). أمَّا الوجهة الثانية في خطّ رحمة الله، فهي نداء لكي نعيش الرحمة على مثال الذي دعانا لكي نكون رحومين. وما يرافق هذه الرحمة من لطف ووداعة وتواضع.
بين الرحمة التي تميّز الله وتلك المطلوبة من البشر، هناك رباط واضح. ولقد انطلقت الفقاهة المسيحيّة ممّا في التقليد اليهوديّ فنظرت إلى هذا الرباط من زاويَتين مختلفتين. إنّ رحمة الله تفرض على الانسان واجبًا بأن يكون سلوكه موافقًا لسلوك الله. على الانسان أن يتمثّل بالله، فيكون رحيمًا كما أنّ الله رحيم. والزاوية الثانية تَبرز حين نتحدّث عن رحمة الله في نهاية الأزمنة. حينئذ على الإنسان أن يكون رحيمًا لكي ينال الرحمة من الله. أشرنا إلى هذه الزاوية الثانية حين توقّفنا عند الرحمة في الأناجيل. يبقى لنا أن نتوسّع في الأولى وهي تعلّمنا الرحمة التي يجب على المسيحيّين أن يمارسوهما.
نبدأ هنا فنذكر تحريض كو 3: 12-13: "فالبسوا إذن، أنتم مختاري الله وقديسيه وأحبّاءه، أحشاء الرحمة واللطف والتواضع والوداعة والصبر. إحتملوا بعضكم بعضًا، وتسامحوا إن كان لأحد شكوى على آخر. وكما أنّ الربّ سامحكم، سامحوا أنتم أيضًا". نجد هنا لفظَتين درسناهما في السابق: سبلانخنا: أحشاء. أويكترموس: الرحمة، الرأفة. هذا هو الأساس في ما يطلبه بولس من المؤمنين في كولسي. وعندما يرتدي الانسان أحشاء الرحمة، يستطيع أن يمارس الفضائل المسيحيّة: اللطف، التواضع...
يتأسّس هذا التحريض على علاقة المسيحيّين بالمسيح، وبالتالي بالله "الغني بالرحمة" والذي أحشاؤه أحشاء أمّ. وما يدفع المؤمنين إلى العمل هو حبّ الله بعد أن صاروا مختاريه وأحبّاءه. وبما أنّهم رأوا رحمة الله ورأفته تعمل فيهم، فعليهم أن يعملوا مثله هم الذين اقتبلوا سرّ العماد. إذن، لسنا أمام نصائح بشريّة تُعطى من الخارج من أجل حياة "مرتاحة" في وسط "جيل معوجّ ملتو" (فل 2: 5)، بل أمام موقف ينبع من العلاقة الجديدة التي تربط المعمّد بالله فتعلّمه أن يقتدي بالله (أف 5: 1).
نشير إلى أنّ عبارة "أحشاء الرحمة" تستلهم فل 2: 1 ي حيث نقرأ: "ومن ثمّ أناشدكم بما في المسيح من دعوة ملحّة، وفي المحبّة من قوّة مقنعة، وفي الروح من شركة، وبالحنان والرحمة أن اتّموا فرحي بأن تكونوا...". نجد هنا أيضًا "سبلانخنا" (أحشاء، مراحم). "أويكترموس" أي الرحمة والرأفة. المخاطر تهدّد الجماعة من الخارج ومن الداخل. فما هو الدواء؟ وحدة النيّة والهدف. أمَّا الينبوع فهو المحبّة والحنان والرحمة. إنّ المحبة التي تجمع المسيحيّين أساسها رحمة الله للبشر. تتحدّث روم 12: 1 عن "مراحم الله". وتسمّيه 2 كور 1: 3: "أبا المراحم". وعندما نبني حياتنا على مثل هذا الأساس، نفهم أهميّة الوحدة على مستوى المحبّة والفكر والنفس. "لا تعملوا شيئًا عن منازعة أو عجب" (فل 3:2-3).
هذه التحريضات على الحياة المسيحيّة المؤسّسة على رحمة الله نجدها في العهد القديم وفي التقليد اللابيبلي. ونعطي بعض الامثلة. الأوَّل من أبا شاول: "علينا أدن نتشبّه به. كما هو حنون ورحوم، كن حنونًا ورحومًا". وعلّم رابي مئير: "قال الربّ لموسى: تشبّه بي. فكما أردّ على الشرّ بالخير، أنت أيضًا ردّ على الشر بالخير. فقد كتب: من هو إله مثلك يغفر الذنوب ويسامح الخطايا" (مي 18:7)؟ وقال رابي حنا بن حنينا في تفسير تث 13: 5 (هو الربّ إلهكم فاتبعوه): "كيف نستطيع أن نتبع الله؟ نسلك سلوكه. كما كسا العراة، أنت أيضًا اكسُ العراة. وكما زار المرضى أنت أيضًا زُر المرضى". أمَّا الفضائل المذكورة في كو 2: 12 فنجدها أيضًا في غل 22:5-23؛ روم 4:2؛ 22:11؛ 1 تس 5: 14...
وننهي كلامنا عن طريقة حياة المسيحيّين التي تستلهم رحمة الله بهذا المقطع من الرسالة إلى أفسس: "كونوا بالحري ذوي رفق بعضكم ببعض، شفقاء. متسامحين كما سامحكم الله في المسيح. أجل، كونوا مقتدين بالله كأولاد أحبّاء" (32:4-5: 1). هذه هي قمّة الفقاهة الأولى التي بدأت في 17:4. هي تدعونا إلى الرحمة والتسامح على مثال الله. وبعد الأمور السلبيّة التي يجب أن نتجنّبها (لا كلمة فاسدة، لا كذب، لا غشّ)، نصل إلى الموقف الإيجابي: نقتدي بالله. نقتدي برفقه وحنانه وغفرانه. ثلاث صفات في الله تؤسّس العلاقات داخل الجماعة.

خاتمة
حاولنا في هذه المقالة وفي ما سبق أن نقدّم مفهوم الرحمة في العهد الجديد. بعد أن قرأنا الكلمات التي تشير إلى هذه الفضيلة الإلهيّة، توقّفنا بشكل خاصّ عند الانجيل ثمَّ توغّلنا في رسائل القدّيس بولس فوصلنا إلى النداء الذي يدعونا إلى الرحمة لكي نتشبّه بالله الرحيم.
حين يعي الانسان أنّه بائس خاطئ ينكشف له في الوقت عينه وجه الرحمة التي لا حدود لها. لا، ليس الله ذاك الذي يطلب الخاطئ لكي يعاقبه على خطاياه، بل ذاك الذي يبحث عنه بعد أن اعتبره "خروفًا ضالاً" فيعامله بالحنان ويعيده إلى الحظيرة مع التسعة والتسعين الباقين. وإن كان الله يعاقب على ثلاثة أجيال أو أربعة، فقد سبق العهد القديم وقال إنّه يصنع رحمة إلى ألف جيل، إلى ما لا حدود له من الأجيال. وإذا كان المسيح في العهد الجديد قد طلب من بطرس أن يغفر لا سبع مرات وحسب، بل سبعين مرّة سبع مرات، فلأنه أراد أن يعلّمه إلى أي حدّ يصل غفران الله ورحمته تجاه الخطأة.
وهكذا اكتشفنا في العهد الجديد وجه الرحمة الالهيّة من خلاله وجه يسوع الذي جاء من أجل المرضى، من أجل الخطأة، من أجل الصغار. وقد هتفوا له في أوقات الشدّة: إرحمنا، كيرياليسن (مت 15: 22). واكتشفنا من خلال فعلات يسوع قلب الله الحنون الذي ينتظر وينتظر طويلاً ليدلّ على فيض رحمته. كان قد قال في حز 18 إنه لا يريد موت الخاطئ، بل أن يتوب فتكون له الحياة. وها هو يفهمنا أنّه ليس إله الغضب، وإنّ غضب (بمعنى: رفض) على الشرّ الذي نقع فيه، أنّه الاله الذي يفرح عندما يغفر ويسامح. هنا نتذكّر فرحة الأب في مثل الابن الضال: "تعال نتنعّم ونفرح" (لو 15: 32). لقد أراد أن تنتقل فرحته إلى الجميع (آ 23-24) حتى إلى الأخ الذي أغلق أحشاءه عن أخيه فما أراد أن يستقبله.
الرحمة في العهد القديم هي أعظم فضيلة تدلّ على الله. وقد امتدّت في العهد الجديد حيث طلب منا الربّ أن نرحم على مثال الآب السماوي. هكذا نكون حقًا أبناء الآب الذي يرحم الجميع، الذي يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، الذي يريد خلاص كلّ بشر (لو 6:3). إنَّ الرحمة هي شرط ضروري لكي ندخل إلى السماء وهي تجعلني قريبًا من البائس الملقى على قارعة الطريق، والخاطئ الذي سبّب إليَّ الإساءة، والجائع والعطشان والغريب والسجين والعريان والمريض. غابت الرحمة لدى الوثنيّين (روم 1: 31 لا فهم لهم ولا استقامة، لا ودّ ولا رحمة) فاستحقوا غضب الله وعقابه، أو هم بالأحرى ابتعدوا عن إله الرحمة فاستسلموا إلى الفجور. وغابت الرحمة من قلب ذلك العبد الذي أمسك بخناق رفيقه مع أنّ السيد كان قد عفا عنه، فغضب السيّد ودفعه إلى الجلاّدين (مت 18: 34). وأفهمنا أنّنا إن لم نغفر، إن لم نسامح، لا يغفر الله لنا ولا يسامحنا. أجل إنّ حبّ الله لا يثبت فينا إذا كنا لا نمارس الرحمة. ولكن هنيئًا لنا إن تشبّهنا بإله الرحمة. فهو سيرى فينا صورته ويعلن لنا أنَّه يعترف بنا لأنّنا اعترفنا به بعد أن اكتشفنا وجهه في كلّ وجه بشريّ التقينا به على طرقات الحياة.
الفصل الحادي والأربعون
تفسير الرسالة الأولى 
إلى أهل تسالونيكي

تُقسم الرسالةُ إلى أهل تسالونيكي إلى قسمين: في القسم الأول (1: 1- 3: 13) نتعرّف إلى كنيسة تسالونيكي منذ تأسيسها، وفي القسم الثاني (4: 1- 28:5) نجد تحريضات رسوليّة عن مجيء المسيح وعن الحياة المسيحيّة التي سنحياها بانتظار هذا المجيء.
أ- القسم الأول: كنيسة تسالونيكي 
(1: 1-13:3)

1- كنيسة التسالونيكيين (1: 1-3)
آ 1: 1: "من بولس وسلوانس وتيموتاوس إلى كنيسة التسالونيكيّين التي في الله الآب وفي الربّ يسوعَ المسيح، نعمةٌ لك وسلام!". هذا العنوان يدلّ على وجود كنيسة في تسالونيكي بُنيت بسرعة وكادت أن تزول لولا "نشاطٌ في الايمان وجهادٌ في المحبّة وثباتٌ في الرجاء". والتعلّق بتقاليد الرسل لم يجلب على أعضاء هذه الكنيسة المنافع المادية، بل المعاكسات. معارضة اليهود، تهجّمات الناس، مشاكسات الإدارة والحكم. ومع ذلك لم تمض بضعةُ أشهر حتى كتب بولس إلى كنيسة تسالونيكي، لا إلى هذا الشخص أو ذاك الذي ساعده في عمل الرسالة مثل ياسون أو غيره (أع 17: 6).
الكنيسة في مفهومها اليونانيّ هي مجمع الشعب (أع 17: 5) أو جماعة المؤمنين الذين يحقّ لهم أن يناقشوا الشرائع ويصوِّتوا عليها لتصبح نافذة في الحياة المشتركة. أما اليهود فلهم كلمتان: "عدة" وهي التي ستُتَرجم كلمة مجمع وكنيس. "وقهل" (رج في العربيّة قول أو صوت) وهي التي ستُترجم كلمة كنيسة لأنها صوت الناس إلى هذه الدعوة. يتوجّه بولس بكلامه إلى كنيسة، إلى جماعة، لأنه مؤسّس كنيسة قبل كلّ شيء.
هذه الكنيسة ليست جماعة الشعب. إنها تجتمع في الله الآب والربّ يسوعَ المسيح. كلمة "في" تدلّ على وحدة حميمة بين الكنيسة من جهة، وبين الله الآب والرب يسوعَ المسيح من جهة ثانية. فالكنيسة لا توحّد فقط بين الأعضاء، بل وأيضًا بين الأعضاء والله. وتدلّ أيضًا على السبب. فالآب والربّ هما سبب تجمّع التسالونيكيّين في كنيسة. هما يدعوان الناس ويجمعانهم. والكنيسة هنا تعني الجماعة المحليّة.
نلاحظ أن الله هو الآب (رج أيضًا 1: 3؛ 3: 11، 13). فالوحي الذي حمله يسوع عن الله دخلَ قلبَ الجماعات المسيحيّة. فالعلاقات الفريدة بين يسوع والآب (يدعوه "أبّا" في صلاته) هي في أساس انتشار لقب الآب الذي يتوجّه به المسيحيّون إلى الله.
الربّ يسوع المسيح: نجد هنا طريقتين للتعبير عمّا في أعماق الإيمان. فيسوع المسيح هو الاسم الذي يردّده المسيحيون فيضمّون في تسمية واحدة "يسوع الناصريّ"، النبيّ القويّ بالعمل والكلام" (لو 24: 19) والمسيح الذي مُسح فتمّت فيه مواعيد الله.
يسوعُ الربّ هو أول اعتراف إيمانيّ مسيحيّ (1 كور 12: 2). ولقب الرب يذكّرنا بتمجيد المنبعث وسيادته على الكون وسكانه (رج أع 2: 36). ويزيد بولس ضمير المتكلّم الجمع فيقول "ربّنا" (نحن) ليدلّ على علاقات خاصّة بين المسيح والمسيحيّين وليقول للوثنيّين الذي يتعبّدون للقيصر ويسمّونه الربّ (كيريوس) أن المسيحيّين لهم ربُّ آخر، هو يسوع المسيح.
ذكرَ بولسُ الآبَ والابنَ، وسوف يذكر الروحَ القدس في آ 5.
النعمة والسلام. هذه هي العبارة المتّبَعة في الرسائل وهي تجمع الكلمة اليونانيّة (النعمة) إلى الكلمة العبريّة (السلام). هناك مخطوطات تزيد بعد السلام عبارة "من قبل الله الآب ومن ربّنا يسوع المسيح" (رج 2 تس 1: 1).
من هو سلوانس (رج 2 تس 1: 1؛ 2 كور 1: 19؛ 1 بط 12:5)؛ هو سيلا المذكور في أعمال الرسل (15: 22، 32)، ونبيّ أورشليم الذي اختاره بولس في بداية جولته الرسوليّة الثانية (أع 15: 40؛ 16: 19 ي؛ 17: 4 ي؛ 18: 5). يحمل اسمين يتفرّعان من الاسم السامي إلى اللغة اليونانيّة (سيلاس) وإلى اللغة اللاتينيّة (سلوانس).
أما تيموتاوس فتبع بولسَ وسلوانسَ انطلاقًا من لسترة (أع 16: 1-3؛ 17: 14ي؛ 18: 5؛ 19: 22؛ 20: 4). سيكون تلميذًا لبولس الذي سيحترمه كثيرًا ويسلّمه مهمّات دقيقة في الكنائس (3: 2-6؛ روم 16: 21؛ 1 كور 4: 17؛ 16: 10؛ 2 كور 1: 19؛ فل 2: 19 ي).
آ 2-3 بعد أن يسلّم بولس على المؤمنين، يشكر الله على النعم التي منحها للكنائس (13:2؛ 9:3؛ 2 تس 1: 23؛ 13:2). وهنا يعبّر عن إعجابه بعمل الله في قلوب أناس بدّلوا حياتهم واجتمعوا في كنيسة. وهذا الجديد الذي يعيشه التسالونيكيّون يعبّر عنه بولس بثلاث عبارات: نشاط في الايمان، جهاد في المحبة، ثبات في الرجاء. في 8:5 يكلّمنا بولس عن درع الايمان والمحبة وعن خوذة الرجاء. وفي 3: 6 عن الايمان والمحبّة. إيمان التسالونيكيّين نشيطٌ لأنه يُنتج عملاً يتجسّم في حياة من المحبة. ومحبّتهم مجاهدة لأنها ليست عاطفة وحسب، بل تَظهر في أعمال ملموسة ويمكنُها أن تقود صاحبَها إلى الشهادة والموت. أما رجاؤهم فهو ثباتٌ لا تراجعَ فيه وقوّةٌ تساعد المؤمن على الانتظار.
هذا المثلَّث (الايمان والرجاء والمحبّة) سابقٌ للقديس بولس، وقد ردَّده مرارًا في رسائله بحسب الترتيب الذي نجده هنا (8:5، أف 1: 15-18؛ كو 1: 4- 5)، أو هو يجعل المحبّة في المقام الأول (روم 5: 1-5؛ 12: 16-19؛ 1 كور 13:13؛ غل 5: 5 ي). أو هو يورده بطريقة معاكسة (أف 4: 2- 5). ونجد أيضًا الايمان والمحبّة (3: 6؛ 2 تس 1: 3)، الثباتَ والايمان (2 تس 1: 4)، المحبّة والثبات (2 تس 3: 5). أما الفضائل الواردة هنا فهي ترتبط بالصعوبات التي تعانيها الكنيسة الفتيّة.
"ما أنتم عليه بربّنا يسوع المسيح". هنا يربط بولس بين يسوع المسيح والايمان والمحبّة والرجاء عند المسيحيّين. يسوع هو الذي جعل هذه الفضائل ممكنة إذ أخذها على عاتقه بطريقته الخاصّة. والمسيحيّون أبناءٌ مع الابن، أبرارٌ مع البارّ. من هنا نستطيع أن نقول: ما أخذ المسيحيّون من المسيح، ليس فقط إمكانية الإيمان، بل وأيضًا إمكانيّة المحبّة والرجاء، ونمطًا من العلاقات يربطنا بالله بواسطة المسيح. إذًا لسنا أمام الايمان والرجاء والمحبة كما في شعب العهد القديم، بل أمام البرّ الذي تمّ لنا بموت يسوع وقيامته. فيسوع عبّر في آلامه عن إيمانه ومحبّته ورجائه، بطريقة فريدة، ففتح أمامنا، إمكانيّات جديدة. كان التسالونيكيون قبل تنصّرهم يعبدون الله ويمارسون هذه الفضائل، ولكنّ ارتدادهم أدخلهم في عالم جديد دشّنه يسوعُ المسيح، هو عالم برّ الله بالايمان الذي حصَلنا عليه بيسوع المسيح (روم 22:3؛ فل 1: 11).

2- ولادة كنيسة التسالونيكيّين (4:1- 10)
آ 4 تذكّر بولسُ أمام التسالونيكيّين مواضيع شكره فعاد إلى الله الآب، أصل مصيرهم بالاختيار الذي اختارهم به. وها هو يقدّم موضوع شكر آخر يسيطر على فكرته. يتوجّه إلى قرّائه فيسمّيهم إخوةً أحباءَ في الله فينظر إليهم في نور الله الذي حلّ عليهم والذي جعل حياتهم تتخذ معنى جديدًا لأن اختيارهم هو تعبير حبّ الله المجّاني لكلّ واحد منهم. أما ما هي علامات الاختيار هذا؟ كلامُ الله الذي ظهر عند المرسلين ثم عند الذين آمنوا بكلمتهم.
آ 5 وصل بولس ورفيقاه إلى تسالونيكي وألقوا خطبةً دينيّة سمَّوها "إنجيلنا". وهذا الإنجيل لم يصل إلى التسالونيكيّين بالكلام وحدَه، بل بقوّة الروح القدس.
كلمةُ الله نقرأها في هذه الآية وفي 13:2. حيث نفصل بين كلمة نقولُها فيسمعُها المؤمنون وبين كلمة الله. هذه الكلمة تسمعها آذانٌ بشريّة وتتقبّلها على أنها كلمةُ الله. بالنسبة إلى بولس، إذا كان الانجيل كلامٌ فهو كذلك بسبب نتائجه. الله يتكلّم عبر ما يقول الرسول حين لا تناسب نتائجُ كلماته نتائج كلمات خطبة إنسانيّة. والنتيجة هي إيمانُ التسالونيكيّين، وثباتُهم في هذا الايمان، وتحوّل حياتهم في المحبّة. فإذا كان بفعل تعليم نقله أناسٌ فارتدّ أناسٌ آخرون والتصقوا، على إثره، بالايمان بحيث يشعرون أنهم إذا تخلّوا عن إيمانهم تخلُّوا عن وجودهم، حينذاك نعرف أنَّ الله تكلّم، أن الله فعل. ومن خلال هذا الإعلان البشريّ يلج الله قلبَ السامع فيدعوه إلى الايمان وينعش فيه هذا الايمان. فعندما يتجاوب إنسانٌ مع نداء الايمان، فهو لا يعطي جوابه لإنسان بل لله: إنه يتجاوبُ وكلمةَ الله. وسيوضح بولس أنه عندما يعلن إنجيل موت يسوع وقيامته، فقدرة الله التي أقامت يسوع هي تفعل في قلوب البشر.
أجل، إن كلمة الله في تسالونيكي كانت حدثًا بالقوّة والروح القدس والنجاح التامّ.
بالقوة والروح القدس. يربط بولس بين هاتين الكلمتين فيقول مثلاً في 1 كور 2: 4: "كان كلامي وتبشيري برهانًا على روح الله وقوّته" (رج 1 كور 15: 43؛ روم 15: 13، 19). ويقول أيضًا في أف 3: 6: "وأتوسّل إلى الله أن يسلّحكم بالقوّة بروحه" (رج أف 3: 5-7). إذًا نحن أمام قوّة الانجيل وقوّة الله. قال بولس: "أنا لا أستحي ببشارة المسيح، فهي قوّة لخلاص كلّ من يؤمن" (روم 1: 16). هذا يعني أن قوّة الله حاضرةٌ في إعلان الانجيل، الله الخالق والمخلص والذي أقام يسوع من بين الأموات. هي قوة لأنها تدعو إلى الإيمان وتنعشه. لا قوة بشريّة تستطيع أن تنتج الإيمان، لأن الايمانَ عمل الله وعمل كلمته.
قوة وروح من أجل نجاح الانجيل، وجماعةُ تسالونيكي هي علامةٌ لنجاح إعلان الانجيل، ولكنّها ليست نجاح الرسل. هذا النجاح يرجع إلى قوّة الله وعمل الروح القدس.
هنا نفهم لماذا تتّخذ هذه الاعتباراتُ اللاهوتيّة عن كلمة الله مكانًا في فعل الشكر: فنجاح إعلان الانجيل هو حقًا معجزةٌ وعملٌ عظيم من أعمال الرب يستطيع أن يغذّي صلاة الشكر التي رفعها بولس إليه.
آ 6-7 أجل، وُلدت كنيسةُ تسالونيكي من تبشير الرسل، واقتدت بالربّ والرسل وسائر الكنائس. لم تكن كنيسة تسالونيكي أولَ كنيسة تعاني من الاضطهاد، فقد سبَقها الربُّ والرسل وكنائسُ اليهودية. مصير هذه الكنيسة يطابق منطق الانجيل.
اقتبل الرسلُ الكلمة فجلب عليهم هذا القبول الضيقات. هنا نتذكّر ما حصل لبطرس والرسل (أع 4: 1ي؛ 5: 17 ي؛ 12: 1ي)، وبولس ورفاقه (أع 44:13 ي؛ 4:14 ي؛ 16:16-24؛ 5:17-8، 13-14؛ 12:18-17). وقبل الرسل احتمل يسوعُ الموت وآلام الصليب أمانةً لكلمة الله ولمخطَّط الآب كما يظهر في الكتب المقدّسة.
خلال وقت المحنة هذا، لم يكتف التسالونيكيّون بتقبّل كلمة الله، بل قبلوها بفرح الروح القدس فاقتدوا بالربّ الذي دخل في مجده عبرَ الموت. ونحن لا ننسى فرح الرسل لما جُلدوا للمرة الأولى: "تركوا المحفل فرحين لأنهم وُجدوا أهلاً لأن يتحمّلوا الإهانات من أجل اسم يسوع" (أع 5: 41). وسيقول بولس الكلام عينه في رسائله: "ومع كلّ مصاعبنا، فقلبي ممتلئ بالعزاء، فائضٌ فرحًا" (2 كور 7: 4؛ رج 6: 4- 10؛ 13: 9؛ فل 2: 17- 18؛ كو 1: 24).
اقتدى التسالونيكيّون بالرسل فصاروا بدورهم مثالاً لجميع المؤمنين في مكدونية وأخائية. قال بولسُ هذا الكلام لا ليمالقَ التسالونيكيّين بسبب فضائلهم، بل ليعلن أن عمل الله نجح في التسالونيكيّين كما ينجح الفنّان في رسم لوحة.
آ 8- 10 وأعلنت الكرازةُ في تسالونيكي، وسارت الجماعة الجديدة بخطى واسعة نحو الخلاص. الكرازة تعليمُ الانجيل يدعو الناس إلى الايمان المسيحي، وإعلان لموت يسوع وقيامته كحدث خلاصيّ (رج 1 كور 4: 14؛ 5: 9- 10؛ 15: 1 ي). وسمع التسالونيكيّون هذه الكرازة فاهتدوا، عادوا عن ضلالهم وغيّروا وُجهة حياتهم. حادوا عن الأوثان، ومالوا إلى الله فعبدوه.
الله الحيُّ الحقّ هو الإله الذي يعبده اليهود. فإن كلّمهم بولسُ ذكرَ يسوعَ وما فعله الله في شخص يسوع. أما إذا كلّم الوثنيّين فهو يبيّن لهم أن الايمان بيسوع هو الايمان بإله يسوع الذي اختبره شعبُ الله إلهًا حيًا وحقًا. الله هو الحيُّ والأوثان مَيتة. الأوثان كذْبٌ والله حقّ.
العبادة كلمةٌ قريبةٌ من العبوديّة. نعبدُ اللهَ فنصبح له، ونعترف به ربًا في الصلاة والطاعة له والعمل بمشيئته (4: 3).
ونحن ننتظر من السماوات ابنه الذي أقامه من بين الأموات، يسوعَ الذي ينجّينا من الغضب الآتي. الانتظار يذكّرنا بالثبات (آ 3)، والايمانُ بالمسيح المنبعث نعبّر عنه بموقف انتظار ابن الله (رج 5: 1- 11)، انتظار هادئ وواثق لأن ابن الله الذي ننتظره ينتزعنا من الغضب الآتي، من غضب الله.
الغضبُ صورةٌ معروفة في العهد القديم. وهو يدلّ على دينونة الله في بداية الأزمنة الأخيرة. هذه الصورة التي تُسند إلى الله عواطف بشريّة تعبّر عن موقف الله تجاه أعداء شعبه وتجاه الخاطئين المتمرّدين. لا توافق بين الله والخطيئة الرافضة. هناك غضب لأن الدينونة تصبح عند الأنبياء، أمرًا ملموسًا في العقوبات والدمار.
في إطار الدينونة الآتية، يرسم بولس لوحةً متعارضة. من جهة، الجماعةُ المسيحيّة. ومن جهة أخرى، اليهودُ الذين يضطهدون الرسل والكنائس (2: 15- 16). الآن لعبت الجماعةُ المسيحيةُ الدورَ الذي حدّده الأنبياءُ لشعب اسرائيل، فصارت شاهدةَ الايمان وعابدةَ الله الحقّ وعرَّفت به الشعوب.

3- الرسل في تسالونيكي يوم ولادة الكنيسة (2: 1- 12)
يقدّم بولس نفسه ويقدّم رفيقيه دون دفاع، لأن لا خصومَ ولا مفترين ولا معلّمين كذَبة. هم موفدو الله الحقّ وليسوا كهؤلاء الوعّاظ المتنقّلين الذين ينشرون عبادات وتعاليمَ ليُرضوا كبرياءهم وجشعَهم وفجورَهم.
2: 1-2 الآية 1 تعرض الموضوع الجديد. ذكّرتنا نهاية ف 1 كيف استقبل التسالونيكيّون الرسل. والآن سنرى كيف عاشوا وتصرّفوا. لم تبدأ صعوبات الرسل في تسالونيكي بل منذ تأسيس أولا جماعة مسيحيّة في مكدونية. فمنذ تأسيس كنيسة فيلبّي، عرف بولس ورفيقاه الألم والإهانة (رج أع 17: 16- 40). ولكن هذا لم يمنعهم من متابعة طريقهم الرسولية، بل تابعوها بهدوء وثقة متَّكلين على الله الذي يرسلهم. فلكي يقوم إنسانٌ بإعلان الانجيل بهذه الثقة، يجب أن يعيَ رسالَته وأن يؤمن بدعوته. لو كان الرسلُ حاملي دعاية مأجورين، لما كانوا وجدوا مثل هذه القوّة التي دفعت بهم إلى أقاصي الأرض.
آ 3-4 ويحدّد بولسُ مجمل العمل الرسولي ويسمّيه "تحريضًا" (رج 4: 1). نحن أمام إعلان الإنجيل وما يتطلّب ذلك من خلقيّة. أما صفات هذا التحريض السلبيّة فهي ثلاث: لا ضلال، لا دنس، لا حيلة.
لا ضلال، ولا خداع يسلبُ العقل. والرسل لم يقدّموا تعليمًا خارجيًا لم يؤمنوا هم به بكل كيانهم، ولم يعدوا المؤمنين بمنافع غير موجودة. لا دنسَ، أي لا دعوةَ إلى ممارسات دنسة كما في السابق. لا حيلةَ ولا فخَّ يسلب الناس حرّيتهم. إن إعلان الانجيل ترك الناس أحرارًا في أن يقبلوه أو يرفضوه.
بل... (آ 4). ويقول بولس بطريقة إيجابيّة ما الذي دفعه إلى العمل الرسولي: الوعي أن الله اختارهم وأرسلهم. الله امتحنهم، وهو العارف القلوب والكلى، وجعلهم في بوتقة فطهَّرهم كما في النار. وهذه المحنة حين تأتي من الله لا تهدف إلى إظهار فضيلة من الفضائل بل إلى خلق الانسان وإعداده لعمل ما أو رسالة.
إذًا من الخطأ أن نعتبر أنَّ الله اكتشف عند الرسل صفات بشريّة تساعدهم على نشر الانجيل: وبولس سيقول عن نفسه إنه غير قادر على خدمة العهد الجديد (2 كور 3: 5-6)، و"إنه أصغرُ الرسل ولا يحسب نفسه أهلاً لأن يدعوهُ أحد رسولاً" (1 كور 15: 9). إذًا، ما كان عمل الله في رسله؟ أشركهم في آلامه. ولا ننسى أن موضوع الآلام المنقّية والضروريّة لتثبيت الايمان والرجاء، أمر مألوف في الكرازة الرسوليّة الأولى (يع 1: 2-3؛ 1 بط 1: 6-7؛ روم 5: 2-4)، وأن الظروف الصعبة في الحياة الرسوليّة والآلام والاضطهادات تشهد على أن الرسل هم خدّام حقيقيّون للإنجيل. ولا يزال الله يمتحن بهذه الصورة رسلَه فيخلق فيهم إمكانيّة إعلان المسيح الذي مات ثمّ قام من بين الأموات، ويشركهم في آلامه.
ولهذا فلا يهمّ الرسول أن يرضي الناس، أو أن يحوز على رضا الناس ويربح "شعبه" بكلّ الوسائل كما يفعل أناس يرغبون في أن يزيد تأثيرهم على الناس. نظرة الله تكفي بولس الذي يهمّه أن يرضي الله الذي يختبر القلوب. نحن نرضى الآخرين حين نقدّم لهم الخدَمات ونعمل لهم ما يطلبون، وحين تطابق إرادتُنا إرادتهم. أمّا العمل الرسوليّ الحقّ فهو مطابقة الحياة المسيحيّة للإنجيل وحسب، بل إنه مطابقة تصرّفنا لتصرّف الله نحو أناس يطلبونه وينتظرون كلمته.
آ 5-6 ويظهر مثلّثٌ سلبيّ جديد: لا تملّق، لا طمع، لا طلبَ مجد. التملّق يقوم باستعمال وسائل ترتبط بالكذب لتؤثّر على شخص أو لتنتفع منه.
أما التسالونيكيّون فيعرفون أن الرسل لم يتملّقوهم بل أظهروا عيوبَهم ونواقصَهم. والطمع يدفع الانسان إلى طلب المزيد من الربح. أما الباعث على عمل الرسل فلم يكن همُّ الغنى. وسيقول بولس إن الرسل عملوا في الليل والنهار لئلاّ يثقِّلوا على أحد (آ 9). وسيوضح في 1 كور 3:9-18 أنه يفتخر بإعلان الانجيل مجّانًا. يقول: يشهد الله عليّ أني لم أقبل مساعدةً إلاّ من أهل فيلبّي وتحت شروط. ولم يطلب الرسلُ مجدًا أو نجاحًا شخصيًا يجلب لهم احترام الناس وإعجابهم.
آ 7-8 كان يحقّ علينا أن نثقّل عليكم لأنّا رسلُ المسيح... لكن الرسل تخلّوا عن هذه الحقوق (رج 1 كور 9: 1 ي). فالرسول ممثّل المسيح المعتمَد، هو سفير (2 كور 5: 20)، وبهذه الصفة يحقّ له أن يثقّل على الناس. نلاحظ هنا أن بولس يسمّي سلوانس وتيموتاوس "رسلاً". ولكن هذه الكلمة ستنحصر في ما بعد بالاثني عشر الذين رافقوا يسوع من الجليل إلى أورشليم. فنحن نقرأ في 1 كور 15: 5-7 أن المسيح ظهر لبطرس ثم للرسل... ثم ليعقوب ولجميع الرسل. فلقب رسول يليق بغير الاثني عشر، يليق ببولس وكل الذين أرسلوا لإعلان الانجيل.
وحنَونا عليكم بسلطة رسوليّة وادعة. أجل، بدل ثقل السلطة الرسوليّة المؤسَّسة على حقوق الرسل، عرض بولس الوداعة: صرنا ودعاءَ بينكم. هذه الوداعة هي صفة الملوك والحكّام في التقليد اليوناني. في هذا الإطار من الوداعة تُمارس السلطة فتهتمّ بالخاضعين لها ولا تقسو عليهم. في هذا السبيل قارب آباء الكنيسة بين العبارة "وديعًا بينكم" وبين كلمة المسيح (أنا بينكم كالخادم"، لو 22: 27). جعل يسوع نفسه الوديع والمتواضع القلب، أصغر الجميع وخادمهم. ولهذا لم تكن سلطته ثقلاً على الناس.
حنَونا عليكم حنوّ الأم على أولادها... كيف نلمس هذه الوداعة في ممارسة السلطة الرسوليّة؟ يعود بولس إلى صورة المُرضع التي تهتمّ بالأولاد حتى الفطام، بل إلى صورة الأم التي تغذّي أولادها وتسهر عليهم إلى أن يصيروا قادرين على مجابهة صعوبات الحياة. التعليم والتربية طعامٌ وشراب (1 كور 3: 2)، ولكن بولس يشدّد على الحنان لا على الطعام بعد أن صار المؤمنون أحبّاء الرسل. البرهان على هذا الحبّ الخارق هو أن الرسل أرادوا أن يشاركوهم في حياتهم، لا في بشارة الانجيل وحدها. أجل، أراد الرسل أن يعطوا قلوبهم وحياتهم وكل ما يؤسّس رسالتهم.
آ 9-12 هنا نقرأ عن محبّة الرسل الملموسة تجاه الجماعة المسيحيّة. والمحبّة في العهد الجديد لا تبقى على مستوى العواطف والكلام بل تصل إلى العمل. وبرهن الرسل عن محبّتهم بالجهد والتعب، بقساوة الحياة وبما احتملوه خلال إقامتهم في تسالونيكي. والواقع الذي يؤثّر في المؤمنين هو أن الرسل عملوا بأيديهم في الليل والنهار فلم يثقِّلوا على أحد. إذًا لم يكتفوا بإعلان الانجيل، بل أعلنوه وما طلبوا في المقابل شيئًا، حتى ولا طعامهم. رج 2 تس 3: 8: "لا أكلنا الخبز من أحد مجّانًا، بل عملنا ليلاً ونهارًا بتعَب وكدّ حتى لا نثقّل على أحد منكم" (رج 1 كور 9: 13 ي).
ولم يكتف الرسل بالعمل، بل وافق تصرّفُهم كرازتَهم. ويمكن التسالونيكيّون... والله أيضًا... أن يشهدوا بذلك. اليهود والوثنيّون نظروا إلى الرسل كلٌّ من زاويته. أما المؤمنون فيعرفون أن سلوك الرسل كان "نزيهًا عادلاً لا لومَ فيه". نزاهة وقداسة، عدالة ودقّة في المعاملة. وسيطلب بولس إلى الله أن "يقوّي قلوبهم بقداسة لا لوم فيها" (3: 13) ويحفظهم منزّهين عن اللوم (5: 23).
ووسّعت آ 10-12 النظرة حتى شكّلت خاتمةً لهذه المجموعة الأولى 1: 2- 12:2. ويقابل بولس موقفه بموقف الأب والمربّي كما قابله بموقف الأم والمُرضع. والمربّي يستعمل وسائل تربوية ليصل أولادُه إلى الهدف الأخير ويكرّسوا له جهدهم.
وهذه الوسائل ثلاث: فهو يعظ ويحرّض، وهو يعزّي ويشجّع فلا يكتفي بوضع الأساس (1 كور 3: 10) بل يؤمّن صلابة البناء بعده. وإذ يعزّي يحافظ على الرجاء ويهدّئ القلوب الخائفة القلقة وهو يناشدهم فيدعوهم بطريقة احتفالية ويلقي بثقل شخصه وسلطته ليقنعهم بأن يأخذوا القرار ويلتزموا به. ومجموع عناصر هذه التربية الرسوليّة الأبويّة هو في خدمة تربية المؤمنين ليثبتوا في حياتهم. هذا كلّه سيكون موضوع ف 4- 5.
وهذا السلوك الجديد لا تبرّره اعتباراتٌ أخلاقيّة وفلسفيّة وإنسانية، بل دعوة الله في الكنيسة. وجوابنا يصبح الدافع الأول لأخلاقيّة المسيحيّة: لدخول في عالم الإيمان والمحبّة والرجاء. كل هذا يفرض تحوّلاً. وهذه الدعوة لا تصل إلى هدفها الأخير مع تأسيس الكنيسة بل حين تصبح الكنيسةُ ملكوت الله. وملكوت الله عند القديس بولس لا يشمل كما عند الانجيليّين بُعدًا حاضرًا، بل هو في نهاية نموّ الكنيسة وصيرورتها التاريخيّة (1 كور 15: 22-23، 50، ملكوت الله يتبع قيامة الموتى).
ومجد الله ليس واقعًا يختلف عن الملكوت. هو ملكوت مجده لأن فيه يكتشف بطريقة شاملة ونهائيّة حضور الله الحامل السعادة. فيبقى على المؤمنين أن يعيشوا عيشًا يليق بهذه الدعوة، وأن يعتبروا هذه الدعوة ذات قيمة في كلّ سلوكهم.


4- بولس يمتدح إيمان التسالونيكيّين (13:2-17)
آ 13 يعود بولس الرسول إلى فعل شكر يرتبط لا بالآيات. 1-12 وحسب، بل بالآيات 1-12 التي تقدّم سببًا ليشكروا الله ولا ينقطعوا عن شكره. فهم قد كرزوا بالانجيل كأناس أرسلهم الله (آ 2-4) وتصرّفوا تجاه التسالونيكيّين بالتجرّد والمحبة اللذين تفرضهما هذه الرسالة (آ 5-12). لهذا يستطيعون أن يرفعوا آيات الشكر لأن إخوتهم في تسالونيكي قبلوا كرازتهم على أنها كلمة الله. ولو كان الأمرُ غيرَ هذا لكان مجيئُهم اليهم عبثًا وباطلاً (آ 1). يقول بولس: حمَدنا الله وسنحمده أيضًا مرةً ثانية، وهو يشهد للمسيحيّين على صحّة رسالته بينهم. عمَّ يشكر الله؟ لأن التسالونيكيّين سمعوا كلمة الله يكرز بها المرسلون فقبلوها، لا كأنها كلامُ بشر يُشبه ما يسمعه الناس في الساحات أو زوايا الهياكل أو قاعات المتكّلمين، بل كأنها كلمة الله. وهي لكذلك. وفيمَا يرى السامعُ في هذه الكلمة كلمةَ الله ويقبلُها كذلك، يسمعُ نداء الله فيُعطي الايمان ويتحقّق الاختيار من قبل المسيح (1: 4). ولهذا نفهم كيف أن إيمان التسالونيكيّين المتجاوبَ مع الكرازة أوحى إلى بولس أفعال شكر متتابعة. كانت الكرازةُ القسمَ الأول، والإيمانُ القسمَ الثاني من عمل الله الذي بدأ بالكرازة وانتهى بالايمان. وإذا كان مجيء الرسل ناجحًا فلأنهم كانوا حقًا عمّالاً في حقل الربّ يكرزون بالانجيل ويوجّهون بمحبة خطى الكنيسة الأولى، ولأن التسالونيكيّين آمنوا ففتحوا قلوبهم لعمل كلمة الله فقبلوها بالإيمَان.
آ 14 على مثال كنائس الله في اليهوديّة (رج 1: 6-7). هذا المصير الذي يؤول إليه سرّ المسيح الفصحيّ، لم يكن مصيرَ الرسل فحسب، بل مصير كنائس اليهوديّة. فالاضطهاد أصاب الفئة الهلّينيّة من كنيسة أورشليم (أع 7: 1ي). ولاحق بولسُ المسيحيّين المشتَّتين (أع 3:8-4) حتى إلى دمشق (أع 9: 1ي؛ 4:22-5؛ 9:26- 11). وهكذا كتب التسالونيكيّون صفحة في تاريخ الشهادة ليسوع وللإنجيل بالآلام والاضطهادات: تألموا من أبناء أمّتهم كما تألّم أبناء كنيسة اليهوديّة من أبناء أمّتهم. لقد تأثَّرت سلطات المدينة بضغط من اليهود ففرضوا على المسيحيّين أمورًا ثقيلة. وهكذا يحدّد بولس شريعة انتقال الانجيل وتأسيس الجماعات المسيحيّة: كما أن إعلان الانجيل على يد المسيح لم يحمل ثماره إلاّ عبر سرّ الموت، هكذا سيعرف الرسل المصير عينه، وكذلك كنائس اليهوديّة وكنائس اليونان. وسيكتب بولس في هذا الصدد: "ونريد أن نخبركم بما فعَلته نعمةُ الله في كنائس مكدونية. فهم مع كثرة المصاعب التي امتُحنوا بها، تحوّل فرحُهم العظيم وفقرُهم الشديد إلى غنى بسخائهم" (2 كور 8: 1-2).
آ 15-16 هناك شرّاح اعتبروا أن القدّيس بولس لم يكتب هاتين الآيتين. وقدّموا برهانًا لقولهم السببين الرئيسيَّين التاليَين: تقول آ 15 "لا يُرضون الله ويعادون جميع الناس". هذا الكلام يتعارض مع روم 9- 11 حيث يتطرّق بولس إلى رفض اليهود الايمانَ بالانجيل، وإلى معنى هذا الرفض لتاريخ الخلاص. هنا نجد روحًا عدائيّة، أما في روم 9- 11 فبولس يسمّيهم إخوته ويصلّي لأجلهم. هذا الكلام يمكن أن يكون كتب في ما بعد، بعد انفصال اليهود عن المسيحيّين. ونقرأ في آ 16: "نزل عليهم في النهاية غضب الله". أتُرى بولس يتنبّأ؟ مثل هذا الكلام يفترض دمار الهيكل وأورشليم وتشتّت اليهود.
ولكن هل نحسب أننا نقرأ فكر بولس فقط في روم 9- 11 ولا نقرأه في مكان آخر؟ بل نقول إنّ بولس حين كتب الرسالة الأولى إلى التسالونيكيّين هو غيره حين كتب الرسالة إلى الرومانيّين، أي بعد ستّ سنوات. وسببُ التبدّل لا يعود إلى اليهود الذين ظلّوا يعارضون الانجيلَ وبولسَ نفسَه إلى النهاية، ولا يعود إلى أنّ بولس عادى أبناء أمّته ثمّ أحبّهم. السبب هو أنّ بولس فهم بصورة أفضل تاريخ الخلاص وقيمة الوقت لتحقيق مخطّط الله.
يوم كتب بولس 1 تس كان مقتنعًا باْن يوم مجيء الرب قريب، ومجيءُ الربّ يحمل الدينونة التي أعلن عنها الأنبياء (رج أش 13: 9). قبل ارتداده اعتبر الوثنيّين أعداءَ الله. أما بعد ارتداده فاليهود صاروا أعداء الله وأعداءَ شعبه، ولهذا سيحلّ عليهم غضبُ الربّ.
ولكن يومَ كتب بولسُ رسالته إلى الرومانيّين كان قد خطا خطوةً في تفهّم الانجيل الذي علّمنا أن الفشل يدخل في مخطّط الله (مر 4: 1-12؛ يو 12: 39- 41؛ أع 28: 26-28؛ أش 6: 9- 10). وفشلُ الانجيل بحسب روم له مدلولٌ إيجابيّ. هناك أولاً بقيّةٌ من الشعب اليهوديّ صاروا تلاميذ يسوع فكانوا امتدادًا من إسرائيل إلى الكنيسة. ولكن "بسبب خطيئة اليهود صار الخلاص للأمم" (روم 11: 11). فلو كان بنو إسرائيل بمجملهم تقبّلوا تعليم الإنجيل، لما كان للوثنيّين مكان في الكنيسة... وهكذا بعد رحلة رسوليّة طويلة يستعدُّ فيها بولسُ للذهاب إلى إسبانيا مارًا في رومة، نراه يخطّط مستبعدًا قرب مجيء الربّ فصار يرى في عدم إيمَان أبناء أمّته شرطًا عابرًا للرسالة إلى الأمم. إذًا لا بدّ من القبول بتطوّر في فكر بولس الرسول في هذا المجال. حسبَ أن النهاية قريبةٌ وأن اليهودَ صاروا أعداء يسوع فاستحقّوا الغضب الآتي. فهمَ أن النهاية بعيدة فجعل اليهود في مخطّط الله الشامل: إذا كان في زلّتهم غنى العالم وفي نقصانهم غنى لسائر الشعوب، فكم يكون الغنى في اكتمالهم (روم 11: 12). لا! لم يرذل الله شعبَه (روم 11: 1) وسيأتي يوم يخلُص فيه جميع بنىِ اسرائيل (روم 11: 26)، بل جميعُ الشعوب.

5- بين ذهاب الرسل وبعث الرسالة (17:2-3: 10)
ابتعد بولس عن التسالونيكيّين فقلق عليهم: أين صار إيمانهم وثباتهم في المحن التي أصابت الجماعة؟ هل تزعزع (3:3)؟ نجح المجرّب فأبطل عمل المبشّرين (3: 5)؟
أما الموضوع الذي يدور حوله هذا المقطع فهو الضيق والمحنة والشدّة. هنا يعود بولس إلى ما علّمه للتسالونيكيّين فيذكّرهم أن الخصومة لا بدّ آتية على الذين آمنوا بيسوع (رج أع 14: 22؛ يع 1: 2-3، 12؛ 1 بط 1: 6-7؛ روم 2:5-4).
آ 17- 20 حاول بولس، ولكن عبَثًا، أن يرى وجه التسالونيكيّين مرةً ثانية. طُرد من تسالونيكي فوجد نفسه فجأه كأم (آ 7) أو كأب (آ 11) حُرما من أولادهما. وضعٌ مؤلم لا يستطيع الرسول أن يتحمّله طويلاً. ولكن رغم البعد، ظلّ التسالونيكيّون حاضرين لدى قلب الرسول، كما لو لم يكن يفصلهم عنه شيء. حاول بولس أن يضع حدًا لهذا الانفصال (آ 18). فكرّر المحاولات ليذهب إليهم فاصطدم كلَّ مرة بحاجز منيع لا يحدّده. ترك بولس تسالونيكي لأن حياته كانت في خطر (أع 17: 5 ي). أيكون الحاجزُ هذا الخطَر على حياته؟ فمهما يكن من أمر، فبولس يرى في الحاجز الذي يؤلم قلبه ويقيّد رسالته، عملَ الشيطان أكبر عدوّ للمسيح وكنيسته.
هل من المعقول أن يتخلّى بولس عن كنيسة هي إكليل افتخاره في يوم مجيء الرب في مجده؟ فالتسالونيكيّون هم رجاء بولس، لأنه يأمل أن يقف معهم أمام الرب ويعلن أن تعبه لم يكن باطلاً (3: 5). وهم فرحه، لأنه يرى فيهم عمل الرب بواسطة خدمته (2: 13)، ويسرُّ لأنهم يرضون الله. وهم إكليلٌ يفتخر به لأنهم يشهدون لانتصار يسوع في جولات الرسول (روم 15: 17 ي). أجل، إن التسالونيكيّين (رج فل 4: 1) هم رجاؤه لأنهم أول من اعترف بإيمانه في الألم. ويستنتج: أجل، أنتم مجدُنا وفرحُنا.
هنا نتوقّف عند مجيء الرب. فالكلمة اليونانيّة تعني الحضور والمجيء (1 كور 17:16؛ 2 كور 6:7)، مجيء ابن الانسان على سحاب السماء (مت 24: 27، 37، 39)، مجيء الرب لخلاص الكنيسة ودينونة العالم.
أما عبارة مجيء الرب فنقرأها عند القديس بولس في 19:2؛ 13:3؛ 4: 15؛ 23:5؛ وفي 2 تس 2: 1؛ 8 وفي 1 كور 15: 23 (مجيء المسيح) وفي رسالة يعقوب (5: 7، 8) وبطرس الأولى (1: 16؛ 3: 4). من أين جاءت هذه العبارة؟ من العهد القديم الذي حدّثنا عن مجيء يهوه (الربّ) ليدين العالم ويقيم مُلكه. أدخل بولس هذه العبارة في 1 تس، أول كتب العهد الجديد، فتجذّرت في كلمات يسوع تعلن مجيء ابن الانسان على السحاب (مر 38:8؛ مت 25: 31). وعندما كثر المؤمنون بيسوع المسيح المصلوب والمنبعث انتظروا بحماس مجيئَه المجيد الذي يبرّر إيمانهم ويتمّ خلاصًا كان الروح تسبيقًا له وعربونًا (أع 3: 19؛ روم 8: 23). والدعاء "ماراناتا"، أي تعالَ أيها الربّ (1 كور 16: 22) يسوع (رؤ 22: 20)، يشهد لانتظار مجيء الرب منذ أيام الكنيسة الأولى.
3: 1 ونتوقّف عند رسالة بولس في تسالونيكي. فبعد أن يورد لنا محاولاته اليائسة ليذهب إلى كنيسة عزيزة على قلبه (17:2-20)، يعلن أن صبرَه فرغ ولم يعد يقدر أن يحتمل الانفصال عن إخوة يحتاجون إليه. لم يستطع هو الذهابَ إلى تسالونيكي، فسيرسل إذًا تيموتاوس، ويحرم نفسه من رفيقه الوحيد، ويفرض على نفسه أن يعيش في العزلة في أثينة بعد أن بقي سلوانس في بيرية ليثبّت الكنيسة هناك.
آ 2 ويعطي بولس تيموتاوس ألقابًا تدلّ على ما يربطه به في الإيمان: هو أخونا بصفته عاملاً في حقل الله، أي بشارة الانجيل، وهو معاوننا في بشارة المسيح، وهو خادم الله. لا بدّ أن التسالونيكيّين عرفوا في شخص تيموتاوس ممثلاً حقيقيًا لبولس: حمل الأخبار إلى كنيسة تسالونيكي وحلّ محلّ الرسول عند مؤمنين تُركوا وحدَهم ولمّا يمض زمنٌ على ارتدادهم. فكان عليه أن يثبّتهم في إيمانهم فلا يتزعزعون وأن يحرّضهم في ما يخصّ إيمانهم لأن القنوط والشكّ والخطيئة تهدّدهم في كلّ خطوة من خطاهم.
آ 3 وعلى تيموتاوس أن يسهر لئلا يتزعزع أحد منهم في الشدائد، شدائد كنيسة تسالونيكي (1: 6) وشدائده الخاصة التي يمكنها هي أيضًا أن تزعزع الكنيسة. لا يفصل بولس بين شدائده (17:2 ي) وشدائد التسالونيكيّين (6:1؛ 2: 14) التي هي حصّة المسيحيّين. يتحدّث بولسُ عن هذه الشدائد، مشيرًا إلى الظروف التي تفصل الرسول عن التسالونيكيين (2: 17 ي) وإلى المعارضة التي لاقاها التسالونيكيّون (2: 14؛ 3: 4). فيجب ألاّ تكون هذه الشدائد معثرةً لإيمانهم لأنهم عرفوا، من صليب المسيح، أنهم سيواجهون الجهاد والتجارب والالام الخاصة بنهاية الزمن ليعبروا بواسطتها إلى ملكوت الله (أع 22:14).
آ 4-5 وكان بولس قد نبّه التسالونيكيّين إلى هذا. لم يعد يتحمّل بُعده عن التسالونيكيين، فأرسل تيموتاوس ليستخبر عن إيمانهم. هل هو ثابت أم هل تزعزع؟ وأخذ القلق بقلب بولس وهو العارف أن المجرّب يستفيد من الشدّة ليقضي على الايمَان في القلوب ويجعل تعب الرسل وكأنه لم يكن.
آ 6 ورجع تيموتاوس إلى بيرية، وجاء مع سلوانس إلى كورنتوس (أع 18: 5). لا يذكر بولس إلاّ تيموتاوس الذي قام بمهمته خيرَ قيام (3: 2). وهو يكتب متأثّرًا بما جاءه من أخبار، وفرحًا بالرباط الذي ربطه من جديد بكنيسة التسالونيكيّين عبر شخص رسوله. أجل، التسالونيكيّون يؤمنون بيسوع المسيح ويحبّون بعضُهم بعضًا (4: 9). وهكذا زالت مخاوف الرسول لأن المؤمنين لم يتزعزوا (3: 3). ثم إن التسالونيكيّين ما زالوا متعلّقين برسولهم مع أنه تركهم فجأة، ويشتاقون إلى رؤيته كما يشتاق هو إلى رؤيتهم.
آ 7-8 المهمّ أن التسالونيكيّين حافظوا على إيمانهم وهذا ما عزّى بولس في كلّ شدائده. إلى أي شدائد يلمح بولس؟ ربما إلى تلك التي عاناها في كورنتوس. ثم إن تعزيات الله وسط رسالته هي اختبار ثابت عند الرسول، فيقول مثلاً في 2 كور 7: 6: "ولكن الله الذي يعزّي المتّضعين عزّانا". هو إله كل عزاء. يعزّينا في جميع شدائدنا لنقدر أن نعزي سوانا في كلّ شدّة (2 كور 1: 3- 4). أما الآن فعزاؤه يقوم بأن يعرف أنّ عمل الله لم يتوقّف في تسالونيكي وأن الكنيسة ثابتة. خاف من أن تتغلّب حيلُ المجرّب على إيمان التسالونيكيّين فكاد يفقد الحياة، وأما الآن وبعد أن عرف أنهم ثابتون في الايمان والطاعة للربّ فلقد عادت الحياة إليه.
آ 9- 10 فأيّ شكر يوازي الفرح الذي أحسّ به من أجلهم. ارتاح الآن، فلم يعد يحاول الذهاب إلى التسالونيكيّين، ولكنه ينتظر من الله هذا اللقاء الذي يتوق إليه بكل قلبه، ليس فقط من أجل الفرح الذي سيحسّ به من أجل الفائدة التي سيقدّمها لإخوته حين يكمّل ما نقص من إيمانهم. فالنقص موجود في إيمان التسالونيكيّين، والرسل تركوهم، قبل أن يعلّموهم كل الحقائق المسيحيّة، ويربّوهم في الحياة الجديدة، ويدلّوهم على كل غنى نعمة المسيح وعظمة متطلّباته. لو كان إيمان التسالونيكيّين كاملاً لكان تأثيره كبيرًا على حياتهم. إذًا سيكمّل بولس كل نقص في إيمانهم ليصلح أيّ خطأ في تصرّفهم الأدبي. وسيبيّن لنا القسمُ الثاني من الرسالة ماذا سيعمل.
أجل، ويعود بولس إلى الفرح والعزاء، ولكنه يبقى واعيًا للنقص الحاصل في إيمان التسالونيكيّين. ولهذا يكتب هذه الرسالة ويتشوّق إلى أن يعود فيرى وجه أبنائه من جديد.

6- خاتمة القسم الأول: صلاة (3: 11-13)
تتوجّه هذه الصلاة إلى الله أبينا وإلى ربّنا يسوع المسيح في وقت واحد. الآب والربّ يؤلّفان وحدة. وتتضمّن طلبتين رئيسيّتين، واحدة لبولس وأخرى للمسيحيّين.
يسأل بولس لنفسه أن يستطيع المجيء إلى تسالونيكي فيتمّ له ما رغب في آ 10، ويسأل للمسيحيّين والنموّ والتقدّم في المحبّة. أجل، إن تقدّم الحياة المسيحيّة هو نتيجة الصلاة والعمل البشريّ.
والمحبّة التي يتمنّاها بولس محبّة شاملة بعضنا لبعض، بل ولجميع الناس. أما المثال فمحبّة الرسل لجماعة تسالونيكي (2: 1-12؛ 17:2؛ 3: 10) التي بانت عبر عطاء نفوسهم لهم. وهذه المحبّة مهمّة بسبب الطابع الإسكاتولوجي. في 1 كور 13 يحدّد بولس أنّ الايمان والرجاء والمحبّة ذات قيمة أبديّة ولكن أعظمهن المحبة. بفضل هذه المحبّة تتثبّت قلوبُ المؤمنين وتتشجّع إلى النهاية تجاه المحن والشدائد، فيثابرون على القداسة. هذه القداسة تجعل الانسان بلا لوم. ولهذا يطلب بولس ألاّ يجد الربُّ، في يوم مجيئه، أيَّ لوم عند المؤمنين.
ذكر بولسُ مرارًا مجيء الرب. ففي 1: 10 قال إن المؤمنين ينتظرون مجيء ابن الله من السماوات، وفي 19:2 انتظر أن يجد الفرح والرجاء في ذلك المجيء. وها هو يعود إلى هذا المجيء حيث يكون الرب حاضرًا في كلّ شيء، لأنّ كلّ حضور الكنيسة وكلَّ عمل رسوليّ يتوجّهان في انتظار نشيط نحو كمال هذا المجيء.
سيجيء ربُّنا مع جميع قدّيسيه، لا مع المؤمنين الذي سيُخطفون ليذهبوا إلى لقائه، بل مع الملائكة، على ما قال زك 14: 5 (ويأتي الربُّ إلهي ومعه كلّ قديسيه أي ملائكته). ونحن نعرف أن العهد الجديد يجعل في رفقة المسيح الملائكة القدّيسين (مر 38:8؛ لو 26:9). ونلاحظ أيضًا أن 2 تس 1: 7 تتحدّث عن مجيء الرب المجيد برفقة ملائكته. نحن هنا في إطار ليتورجي، وما يهمّنا، في الدرجة الأولى، هو عظمة الربّ ورهبتُه عند مجيئه. وينتهي هذا القسم، في بعض المخطوطات، بكلمة آمين، ممّا يعني استعمال هذا النص في الليتورجيا.
ب- القسم الثاني: تحريضات رسولية (4: 1-28:5)
هذان الفصلان الأخيران يمثّلان القسم التحريضيّ من الرسالة لأنه يتضمّن توجيهات في الأخلاق وفي حياة الجماعة، كما يحدّدها الرسول باسم الايمان المسيحيّ.

1- مقدمة (4: 1-2)
التحريض بالنسبة إلى القديس بولس عمل رئيسيٌّ من أعمال مؤسّس الكنيسة، وهو يختلف عن فرض وصايا وقواعد أخلاقيّة لأنه مؤسَّس على يسوع المسيح. التحريض إعلانٌ للإنجيل في نتائجه العمليّة الملموسة وفي المتطلّبات المرتبطة بالايمان.
هذه المتطلّبات ليست جديدة بل هي تذكير بما "تعلّمتموه منا". نهاية فعل الشكر الأول حدّدت الخطّ الرئيسي: لتعيشوا عيشة تليق بالله الذي يدعوكم إلى ملكوته ومجده (2: 12). وهذا المستقبل الذي يعد به الربُّ المؤمنين يتجذّر في سرّ يسوع الفصحي. ولكن بولس يعود إلى هذا المستقبل لا إلى الماضي ليستَقي المتطلّبات المسيحيّة التي تتجسّد في المحبّة بكل أشكالها. وتجاه هذا المستقبل يجب أن نرضي الله بصدق وأمانة، فيشهد سلوكُنا لعلاقة حميمة مع الله. إذًا، ستستنير الحياة المسيحيّة كلها بهذا المستقبل بمجيء ربّنا المنتظَر.
في كل هذا يريد بولس لجماعته أن تتقدّم، أن تتابع المسيرة في خطّ رسمه لها، فترضي الله. أما التعليمات فهي من الربّ يسوع ونحن نتقبّلها في الايمان والطاعة للربّ الذي نعترف بسلطته.

2- الأخلاقيّة الجنسيّة والزواج المسيحي (3:4-8)
نقرأ أولاً دعوةً إلى القداسة. فنداء الله لأناس ليجتمعوا في كنيسة هو نداء للقداسة. لقد تمنّى بولس مرتين (13:3؛ 23:5) أن يقدّس الله قرّاءه. الله هو القدّوس، وهو يدعو أبناء كنيسته إلى القداسة. إرادة الله تحمل متطلّبات، هي تدلّ على أن الجماعة المسيحيّة تختلف عن سائر الجماعات. ولهذا يحدّثنا بولس عن الآخرين (4: 5، 12 ,13؛ 5: 6)، فيشدّد على ضرورة إظهار الفرق بين المدعوّين إلى أن يكونوا قدّيسين وبين الآخرين.
وهذه القداسة لها نتائج في عالم الأخلاقيّة الجنسيّة. هنا يبرز تحريض في ثلاث نقاط وينتهي بتوضيح قصير.
النقطة الأولى: امتنع عن الزنى بكل أنوعه. النقطة الثانية: اتّخذ امرأةَّ في القداسة والكرامة. النقطة الثالثة: احترم حقوق غيرك من المتزوّجين. وما الذي يدفعنا إلى الأخذ بهذه المتطلّبات؟ الله الذي دعانا إلى القداسة لا إلى النجاسة. 
إتّخذ امرأةً في القداسة والكرامة. يتحدّث النصُّ عن إناء نصونه. فعاد الشّراح إلى اليونانيّة وتكلّموا عن الجسد الذي نصونه. أما الذين عادوا إلى تقاليد المعلّمين اليهود ففهموا العبارة بمعنى المرأة التي نتّخذها فنصونها. وهكذا يكون هذا الكلام قريبًا ممّا ورد في 1 بط 3: 7: "وأنتم أيها الرجال، عيشوا مع نسائكم عارفين أن المرأة (الإناء) مخلوقٌ أضعف منكم". تحريض بولس ليس نصيحة في الزواج بسبب خطر الزنى (1 كور 7: 2)، بل تشديد على طريقة العيش في الزواج. إن بولس يعارض هنا بين حياة مسيحيّة زوجيّة وبين الفلَتان الجنسيّ الذي عرفته مدنٌ تأثّرت بالمدنيّة الهلّينيّة. في هذا الإطار يكون التشديد على عبارتي "كلّ واحد" و"زوجته الخاصة" تلميحًا خفيًا إلى وحدة الزواج والأمانة في الحياة الزوجيّة. نحن نجد في النص عبارة في القداسة والكرامة، ثم شهوة الوثنيّين الذين لا يعرفون الله. مثل هذه الشهوة تجعل المرأة شيئًا، بينما هي خُلقت لتكون مساعدةً للرجل.
ونتساءل: لماذا تكلّم بولس عن الزواج ولم يذكر المحبّة، كما فعل في أف 5: 26- 32؟ نجيب: شدّد بولس على المحبة وسيعود إليها. أما نستغرب أن تسيطر المحبّة على علاقات الناس بعضُهم ببعض دون أن تسيطر في الحياة الزوجيّة؟ ونجيب ثانية أن الكرامة التي يتحدّث عنها بولس قريبة من المحبّة. وإليك بعضَ الأمثلة: في روم 2: 10 نقرأ: أحبّوا بعضًا كإخوة وتنافسوا في إكرام بعضكم بعضًا؟ وفي 1 بط 3: 7 يصبح الإكرام موقف الرجل نحو امرأته: أظهروا لنسائكم الإكرام (رج 1 كور 12: 23- 24).
ونصل إلى النقطة الثالثة: احترم حقوق غيركَ من المتزوّجين. هناك كلمتان يختلف عليهما الشّراح: يُسيء إليه أو يظلمه. أما نحن فنقول الإساءة إلى الغير في الحياة الزوجيّة. وفي هذا الإطار، نقول إن بولس يتكلّم وللمرة الثالثة عن الأخلاقيّة الجنسيّة. لماذا هذا الغموض في كلام بولس؟ لأن الحشمة تمنعه من التكلّم بوضوح في هذا المجال. ألم يقل في أف 3:5: "أما الزنى والطمَع والنجاسة فلا يليق بالقدّيسين حتى ذكرُ أسمائها"؟
ما الذي يدفع المؤمنين إلى القبول بهذه المتطلّبات؟ "لأنّ الربَّ ينتقم في هذه الأشياء كلّها، كما قلنا لكم من قبلُ وشهدنا به". لا نجد كلمة "ينتقم" في العهد الجديد إلاّ في روم 13: 4. وهي تدلّ على السلطات السياسيّة التي تعاقب المدنيّين. أما هنا فنحن أمام عقاب الربّ يسوع، في خطّ العهد القديم (مز 99: 8؛ 94: 1). هذا الكلام يوجّهنا نحو الدينونة الاسكاتولوجيّة، نحو الرب الذي سيأتي كديّان فيُحاسب كلَّ واحد حسب أعماله. فيجب أن نقف أمامه أبرياء وبلا عيب (13:3؛ 5: 23). والنظرة إلى الدينونة الأخيرة تبيّن أهميّة تحريض القديس بولس: الربّ لا يستطيع أن يُغمض عينيه عن سوء سلوك الذين يؤمنون به. فالانسان حرٌّ في أن يؤمن أو لا يؤمن، ولكن إن آمن فرَض عليه إيمانُه متطلّبات جديدة. وسيكون الله متطلّبًا بالأخص من الذين تجاوبوا ونداءه ولبَّوا دعوته.
ما دعانا الله لنبقى في النجاسة، بل لنحيا بالقداسة (آ 7). دعانا الله لا بالكلام فقط (1: 5) بل بموت ابنه من أجلنا. ونحن نلبّي دعوته حين ندخل، بسبب قيامة المسيح، في جماعة تشارك في قداسة الله. فمن عاش في النجاسة دنّس هذه القداسة. هذا الكلام سيوضحه بولس حين يقول في 1 كور 3: 16- 17: "أما تعرفون أنكم هيكلُ الله وأن روحَ الله يسكن فيكم؟ فمن أفسد هيكلَ الله، أهلكه الله لأن هيكل الله مقدّس، وأنتم أنفُسكم هذا الهيكل".
ويختتم بولس كلامه: "من رفض هذا التحريض لا يرفض إنسانًا بل الله الذي يمنحكم روحه القدوس" (آ 8). نحن على مستوى الأمور الخطيرة، على مستوى التهديد، وبولس في ذلك هو صدى لكلام يسوع في لو 10: 16: "من سمعكم سمعني، ومن رذلكم رذلني، ومن رذلني رذل الذي أرسلني". كيف يستطيع الناسُ أن يدخلوا في علاقة مع الله؟ حين يستقبلون رسل الله لأنهم يمثّلون يسوعَ المرسلَ من الله. والانفصال عن الله يتّخذ الطريق عينها: نرذل مرسل المسيح فنرفض المسيح بالذات. هنا لا يسمّي بولسُ نفسَه، ولكن العبارة واضحة: من يرفض الرسول لا يرفض إنسانًا بل الله.
وهذا الرفض خطيرٌ لأن الله هو إله العهد. والعبارة "الله الذي يمنحكم روحه القدّوس" تذكرنا بنبوءة حزقيال (37: 14) عن العهد الجديد: وأجعل روحي في داخلكم فتحيون. ثم إن التشديد على التقديس دفع الرسول إلى ذكر الروح، أداة كلّ تقديس. والعهد الجديد الذي أعلنه إرميا وحزقيال هدفُه تجديد القداسة في شعب الله بتنقيته من كل نجاسة. فنقرأ في حز 25:36-27 (ق مع 4: 1- 8): "أُظهر قداسة اسمي العظيم... حين أُظهر قداستي فيكم... أرشُّ عليكم مياهًا نقيةً فتصيروا أنقياء. أطهّركم من كل نجاساتكم ومن كل أصنامكم... وأجعل فيكم روحًا جديدًا... أجعل فيكم روحي وأجعلكم تسيرون بحسب شرائعي".
هنا لا يُعطى الروح للجماعة، بل لكلّ واحد من الجماعة، وهذا ما يفرض سلوكًا يوافق انتماءَنا إلى شعب العهد. يقرأ بولس حزقيال على ضوء موت المسيح وقيامته فيعلن: أقيم العهد الجديد وأعطي روحَ الله الموعودَ به حتى للذين ليسوا من نسل ابراهيم. هذا العهد هو أساسٌ آخر لمتطلّبات القداسة التي أوردها القديس بولس.


3- المحبّة الأخويّة الملموسة (9:4- 12)
يعلن بولس أنه من النافل الحديث عن المحبّة الأخوية، ولكنه مع ذلك يذكرها سريعًا. فمراسلوه يعيشون هذه المحبّة التي دفعته إلى رفع آيات الشكر إلى الله (3:1؛ 6:3-9). ثم إنّ نبوءة أشعيا (13:54) عن إعادة بناء أورشليم، عروس الربّ (كلُّ بنيك سيكونون معلّمين من عند الربّ)، ونبوءة إرميا (31: 34) عن العهد الجديد (لا يعلّم كلُّ واحد قريبَه وكلُّ واحد أخاه قائلاً: إعرف الربّ)، تطبَّقان على التسالونيكيّين الذين تعلّموا من الله المحبّة الأخوية وأظهروها داخل جماعتهم (يحبّ بعضكم بعضًا)، وتجاه سائر الجماعات المسيحيّة (جميع الإخوة في مكدونية كلّها). ولكن يبقى عليهم مع ذلك أن يَنمُوا في هذه المحبّة: يعيشون حياة هادئة، يهتمّ كلُّ واحد بشغله، يكسَبون رزَقهم بعرق جبينهم.
أيّ مرض رآه بولس فقدّم له الدواء؟ انتشرت بلبلةٌ ولَّدَها اليقين أن مجيءَ الربّ قريب. هذا الافتراض يستند لا إلى 1 تس بل إلى 2 تس 3: 6-12، ولهذا فهو لا يرضي الذين يحسبون أن قرب مجيء الرب يجعل الناس يضاعفون عملهم. أيكون أنَّ بولس يدعو جميع المؤمنين إلى العمل بعد أن كان وقفًا على العبيد؟ الأمرُ معقول، وبعض التسالونيكيّين كانوا من التجّار أو الملاّكين الكبار الذين لا يحتاجون إلى العمل بأيديهم ليقوموا بأود حياتهم، كان عندهم من يخدمهم فعاشوا في كسَل هائج. لهذا يدعوهم بولس ليعيشوا عيشًا هادئًا فتتحسّن علاقاتُهم مع الآخرين. وأفضل وسيلة لإيجاد هذا السلام هو العمل اليدوي كيفما نظر الناس إليه.
وطريقة الحياة هذه ستكون شهادةً حسنةً لغير المسيحيّين وتعطي استقلالاً للإنسان، أي حريّة تجعله لا يرتبط بأحد من أجل حاجات الحياة البسيطة ولا تكون به حاجة إلى أحد. نحن لسنا أمام اكتفاء يجعلنا نحتقر ما يمكن أن يحمله الغير إلينا، ولا أمام رفض لتكامل الأعمال في المجتمع، بل أمام ظلم نُزيله بسبب وجود المتطفّلين.
ولكن، أية علاقة بين العمل اليدويّ والمحبّة الأخويّة؟ لماذا نضع حاجزًا بين المحبّة والعدالة؟ ثم إن عمل بولس اليدويّ (9:2) كان تعبيرًا عن محبته للتسالونيكيّين. وهكذا يساعد العملُ اليدوي على المحبة الاخوية.

4- الرجاء في مجيء الربّ والحياة المسيحيّة (13:4-5: 11) 
13:4 يحدّثنا بولس عن موت المؤمنين على ضوء الرجاء. لا نريد أيها الإخوة أن تظلّوا في جهل... وها هو يقدّم لهم تعليمًا مهمًا بعد أن وصلت إليه معلوماتٌ عن البلبلة التي حدثت في كنيسة تسالونيكي على إثر وفاة بعض أعضائها. هل سيفوتهم مجيء الربِّ المجيد؟ هل يكون حظُّهم أقلَّ من حظّ المؤمنين الذين سيظلّون أحياء حتى ذلك المجيء؟ ومن يثق في نفسه أنه لن يموت قبل يوم الرب؟ إذًا، لا بدّ من تبديد هذا الغموض المؤلم بالنسبة إلى مصير الراقدين، أي الموتى.
لئلاّ تحزَنوا كسائر الناس الذين لا رجاءَ لهم. هل يعني بولس أن المسيحيّين لا يحزنون لموت إخوتهم فيتميّزون عن غير المؤمنين؟ أو هل يعني أن المسيحيّين يمارسون شعائر الحداد بطريقة تختلف عن طريقة اللامؤمنين الذين لا رجاء لهم؟ لم يرفض الرسول شرعيّة الحزن (روم 12: 15؛ 1 كور 12: 26)، بل أعلن أن حزن المسيحيّ أمام الموت له صفةٌ خاصة: إنه يستنير بالرجاء والعزاء الموعود. وهو بهذا يختلف عن موت الذين لا رجاء لهم. وبما أن لا رجاء إلاّ في المسيح (3:1؛ 1 كور 15: 19)، فالذين لا رجاء لهم هم اليهود (2: 16) والوثنيّون. ولكن بولس يتوجّه بالأخصّ إلى الذين كانوا وثنيّين وصاروا إخوتَه فأحسّوا باليأس أمام الموت. فهل ترك بولس التسالونيكيّين بلا رجاء، أمام الموت يسلبه منهم موت بعضهم؟ لا، ولكنّهم كانوا ينتظرون مجيء الربّ القريب الذي يضمّهم في مجده (3:1، 10؛ 2: 19ي؛ 13:3)، فلهذا حزنوا لموت بعض منهم، لن يكونوا مع الربّ عند مجيئه. هم أبناءُ الرجاء ولذلك يحزنون. وسيبيّن لهم بولس أن الرجاء بالربّ يسوِع المسيح (3:1) هو للمؤمنين أمواتًا كانوا أم أحياء، وأن الموتى المؤمنين سيُجمَعون مع الأحياء ليلاقوا ربَّنا في مجده ويشاركوه في مُلكه.
آ 14 فإذا كنّا نؤمن بأن يسوع مات ثم قام... يؤسّس بولس برهانه على يقين الايمان الذي يقرّ به التسالونيكيّون كما يقرّ به هو أيضًا. وفعل الايمان هذا يحدّثنا عن يسوع، لا عن المسيح (1 كور 3:15 ي)، ولا عن الربّ (روم 9:10)، ولا عن ابن الله (1: 10؛ روم 1: 3). لكنّ يسوع هو موضوع إيماننا لأنه المسيحُ والربُّ وابنُ الله، فيذكّرهم بولس أنهم يؤمنون بموت يسوع وقيامته، هو الانسان الذي بدأت فيه قيامة الموتى فكان عربونَها (1 كور 15: 20 ي). لاشكّ في أنّ بولس حدّث التسالونيكيّين عن قيامة الموتى التي لا تنفصل عن قيامة يسوع (1 كور 15: 12-20). ولكنّه لم يعلمهم بامتياز الأحياء الذين يقومون قبل الأموات (آ 16؛ 1 كور 15: 23)، في يوم مجيء الربّ. هذا الكلام إذًا عن القيامة العامّة في آخر الزمان مفتَرضٌ هنا، كما في 1 كور 15: 24.
إذا كنّا نؤمن... إذًا نستطيع أن نؤمن... لم يقل بولس هذا، فبدَّل بناء الجملة وقال: فكذلك نؤمن بأن الذين رقدوا مع يسوع سينقلهم الله إليه مع يسوع... وهكذا ينتقل فكرُ بولس إلى ما يهمّه، إلى الله سيّد التاريخ السامي ومنفّذ المخطّط الفدائيّ الذي يشكّل موتُ يسوع وقيامتُه فيه العملَ الحاسم. الله سيكمّل ما بدأ به فينقل الذين رقدوا مع يسوخ عند مجيئه المجيد. هذا هو الدافع الذي أثار القلق والحزن في قلوب التسالونيكيّين في ما يخصّ موتاهم: لم يُحرموا، لن يفوتَهم يومُ الربّ. الله سينقلهم مع يسوع. والعلاقة الحميمة بين هذا الفصل النهائي وموت المسيح وقيامته تفترض أن الموتى المؤمنين سيقومون. لم يقل بولس هذا وهو يعجّل في إعلان الواقع الحاسم: إنهم سيشاركون في مجد الربّ الظافر: الله سينقلهم إليه. كيف وبأيّة وسيلة وبمَن؟ بيسوع، وقد ذكَرنا موته وقيامته. يسوعُ سيكون وسيطَ تكملة العمل الفدائيّ، في نهاية الزمن كما كان وسيطَه في قلب تاريخ الخلاص.
آ 15 يبرّر بولس ما قاله في آ 14 وقد بدا جريئًا: هذا ما نقوله راجعين إلى كلام الربّ. كلامُ الربّ يورده بولس بحريّة وهو يعطي التعليم التالي كلّ ثقله. ماذا يقول هذا الكلام؟ نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الربّ لن نتقدّم الذين رقدوا. قوّة انتظار مجيء الربّ هذه يعبّر عنها بولس وكأنه سيبقى حيًا مع التسالونيكيّين في يوم مجيء ربّنا. وكلامه جوابٌ على سؤال قلق: هل سيُحرم الموتى؟ أما يتميّز الأحياءُ عن الموتى؟ هل ينتظرُ الموتى القيامةَ العامة لينضمّوا إلى الربّ ويشاركوه في مُلكه؟ لا، يجيب بولس الرسول. لا امتيازَ للأحياء، وهم لا يسبقون الأموات لدى الرب حين يأتي ليملك على الأرض. ولكن كيف يتساوى الأموات والأحياء عندما يأتي الربّ؟ هذا ما سيفصح عنه بولس في آ 16-17.
آ 16 لأن... ويسرد بولس السبب الذي لأجله يؤكّد أن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لن يتقدّموا الموتى... فالربُّ نفسُه سينزل من السماء. فكما في أع 1: 9- 11 رُفع يسوعُ المنبعثُ إلى السماء وجلس عن يمين الآب (روم 34:8؛ أف 1: 20)، كذلك سينزل في يوم مجيئه من السماء ليعرّف كلّ الخلائق بمُلكه (1 كور 15: 24 ي)... عند الهُتاف... نلاحظ أن المجيء لا يهمّ بولس إلاّ بقدر ما ترتبط به قيامة المؤمنين. ولهذا، فالكلمات الثلاث (الهتاف، النداء، الصوت) لا تحدّد المجيء وحدَه، بل المجيء في ارتباطه بقيامة الذين هم للربّ (1 كور 5: 52). وهي تدلّ على وقائع ترافق نزول الربّ من السماء وتجتذب قيامة المؤمنين. في آ 14 قال بولس إنّ الربّ هو أساس جمع الموتى المؤمنين والذين يقومون مع يسوع حين مجيئه المجيد. ولهذا فالهتافُ ونداءُ الملاك وصوتُ البوق تدلّ على تدخّل الله السامي. الهتافُ يتوجّه إلى الموتى في المسيح، وهو الكلمة القدير الذي يقيمهم. ويرتبط الهتافُ بنداء رئيس الملائكة يرافقه صوتُ بوق الله، وهو علامة الأحداث الأخيرة: هكذا يبدو لنا المعنى. ولكن ما يهمّ بولس هو عملُ الله: فيقوم الذين ماتوا في المسيح. هذا هو الواقع الرئيسيّ الذي أراد بولس أن يُقنع به التسالونيكيّين ليعرفوا أن حظَّ موتاهم لن يكون أقلَّ من حظّ الأحياء عند المجيء: الحدَث الأول الذي يرتبط بنزول الربّ من السماء ليكون قيامةَ الموتى المؤمنين (1 كور 15: 52). والموتى في المسيح، أي الذين ماتوا وهم مؤمنون بالمسيح، يشكّلون طغمة القائمين، وسيقومون وحدَهم في مجيء الرب.
آ 17 في بضع كلمات يرسم بولس أمامنا تحقيق الرجاء (رج آ 14) الذي يبدأ بقيامة الموتى المؤمنين (آ 16)، فيقول: ثم نحن الأحياء الباقين نُرفع معهم في السحاب لملاقاة الربّ في الفضاء. إذًا، لا فرق بين وضع المؤمنين الراقدين وبين وضع إخوتهم الباقين. سيجتمعون كلُّهم ويكون مصيرُهم واحدًا. أجل، لا شيء يفصل المؤمنين الأحياء عن إخوتهم المؤمنين الموتى، بل يكونون معًا. ولا يشدّد العهد الجديد على الوجهة الشعبيّة للرجاء المسيحي: أن يُرفع المؤمنون، هذا يعني أن الباقين سيتحوّلون فيلبسون أجسادًا روحيّة كالقائمين من الموت (1 كور 15: 22 ي). فكما حدث للمسيح يوم صعوده (أع 1: 9) كذلك سيُرفعون معًا في السحاب. هذه صورٌ تكشف عمل الله وتُخفيه في وقت واحد.
لماذا يَرفع المؤمنون؟ ليلاقوا الربّ في الفضاء. صورة دقيقة وملموسة تذكّرنا بمدينة تخرج إلى لقاء ملك يزورها فتستقبله بأبّهة قبل دخوله المدينة. إذًا، صورة مأخوذة من العالم اليوناني، ومأخوذة من العهد القديم حيث نقرأ أن موسى أخرج الشعب من المخيّم لملاقاة الرب (خر 17:19). إن استقبال المسيحيّين للربّ النازل من السماء نسخة منقولة إلى نهاية الزمن عن لقاء بني اسرائيل لربهم عندما نزل على جبل سيناء.
أين يتمّ اللقاء؟ في الفضاء، بين السماء حيث ينزل الرب (آ 16) والأرض حيث يُرفع المؤمنون في السحاب. ما هي وُجهة موكب الربّ وأخصّائه؟ سيتوجّه إلى الأرض التي سيملك عليها الربّ يسوعُ إلى أن يضع تحت قدميه كل القوى المعادية (1 كور 15: 25 ي).
وهكذا نكون كلّ حين مع الربّ. هكذا لن ينفصل المؤمنون عن الربّ، كما لم ينفصلوا عنه في جسدهم (2 كور 6:5؛ فل 1: 24) أو حين ماتوا (آ 16). أن نكون مع الربّ، هذا هو الهدف الذي يعيّنه الرسول لمصير المسيحيّين. عبارة متحفّظةٌ تُبعدنا عن صور عالم الجليان اليهودي. ولكنّنا نتساءل عمّا عناه بولس حين قال للمؤمنين إنهم سيكونون كلَّ حين مع الربّ؟ هل يعني حياةً حميمةً مع الربّ؟ نعم، بل أكثر من ذلك، إنها تعني مشاركة المؤمن في مجيء الرب ومُلكه ومجده. سنشارك المسيح حياته كقائم من الموت ونرافقه في موكب مجيئه. إن فكرة مشاركة التلاميذ في مُلك المسيح ومجده تردُ مرارًا في العهد الجديد (مت 13: 43؛ 25: 34؛ رؤ 5: 10؛ 22: 5؛ روم 5: 17؛ 8: 17؛ 1 كور 4: 8؛ 2 تم 12:2). ولكنّنا نشدّد بصورة خاصة على 1 كور 15: 23-28 الذي يساعدنا على فهم 1 تس 13:14-18. في هذا النصّ يؤكّد بولس أن المؤمنين يقومون في المجيء وأن ملكوت الله على الأرض الذي يدشّنه هذا المجيء، سيدوم إلى أن يضع كلَّ أعدائه تحت قدميه (1 كور 15: 25)، والأعداء هم الرئاسات والسلاطين والقوى والموت.
آ 18 لقد قال بولس ما فيه الكفاية من أجل هدفه (آ 13)، وها هو يدعو التسالونيكيّين ليعزّي، ليشجّع بعضُهم بعضًا بهذه الكلمات التي تضع حدًا لجهلهم وينقل إليهم اليقين أنّ إخوانهم الموتى لن يفوتَهم مجيء الربّ، بل يقومون فيشاركونه في مُلكه (آ 15) كان إيمان كل منهم حيًا ومحبتُه حقّة. وكانت حياة الكنيسة حارّةً فترك بولس للإخوة أن يشجّع بعضُهم بعضًا.
5: 1-2 هنا وفِي الآيات التالية: يقول لنا بولس: مجيءُ الربّ قريبٌ لا نعرفه. فلنسهرَ ونبق هادئين. أما الأزمنة والأوقات فلا حاجة بكم أن يكتب إليكم فيها. من الممكن أنّ بولس أراد معالجة موضوع جديد، فأجاب على سؤال طرحه التسالونيكيّون في رسالتهم. أرادوا إيضاحًا في موضوع خاصّ. فأجابهم بولس: لا تحتاجون أن يُكتَب اليكم وقد علّمهم ذلك حين كان بينهم. ولكنّهم يريدون الآن أمورًا محدّدة عن زمن مجيء الربّ الذي ينتظرونه كلّ يوم بالقلق والخوف. سيبيّن لهم بولس أنه لا داعي للخوف في آ 4.
آ 3 حين يقولون...- من هم الذين يقولون؟ أناس هذا العالم والذين لا يؤمنون-: سلام وأمان! هذا ما قاله أيضًا جيلُ الطوفان (رج مت 24: 37 ي؛ لو 26:17 ي)، فطمأن بعضُهم بعضًا طمأنينة كاذبة. حين يحسب الناس أن لا شيء يحدث، يفاجئُهم بغتة الهلاك. والهلاك (رج 2 تس 1: 9؛ 1 كور 5: 5 ج؛ 1 تم 6: 9) يدلّ على نتائج سيئّة، عند مجيء الربّ، للذين لم يستعدّوا فوجدوا نفوسهم فجأة أمام الدينونة. وتشبَّه فُجاءة الحدَث بألم الولادة عند الحبلى فتدلّ على الضيقات التي بها يبدأ زمن المسيح (مر 8:13؛ مت 8:24). سيأتي ذلك اليوم فجأة ولا ينجو منه أحد.
آ 4 يومُ الربّ رهيبٌ للذين يفاجئهم. لكن المسيحيّين ليسوا من هؤلاء. أما أنتم أيها الاخوة فلستُم في الظلام حتى يفاجئكم ذلك اليوم. الظلام صورةٌ عن حالة البشر الذين لا يعرفون الله ولا مشيئته ولا خلاصَه. نحن أمام يوم الرب (آ 2) ولكن بالنسبة إلى الظلام، فإن هذا اليوم (واليوم يعني النهار في اللغات الساميّة) هو أيضًا نور، حضور الرب المشعّ الذي لا يتحمّله المقيمون في الظلمة. سيأتي ذلك اليوم كاللصّ (آ 2).
آ 5 لأنكم جميعًا.. هذا الكلام يهدّئ من روع أعضاء الجماعة القلقين على مصيرهم حين يأتي الربّ. كلهم أبناءُ النور وأبناءُ النهار. يقابل النورَ والنهارَ الليلُ والظلمةُ اللذان يدلاّن على حالة الناس الروحيّة في هذا العالم. ولا شيء يجمع المسيحيّين بالليل والظلمة بعد أن تركوا جهل الله واللاوعي وخطيئة الكافرين. هم يرتبطون بالنور والنهار اللذين يوجّهان سلوكهم. فمعرفة الله الحيّ والحقيقيّ، والوعي لقرب مجيء يوم الربّ موضوع رجائهم يجعلانهم في حالة روحيّة مغايرة. ويدعو الرسول التسالونيكيّين إلى استنتاج ما يجب استنتاجه لحياتهم.
آ 6 هكذا إذًا، لا نَنمْ كسائر الناس. النوم هنا يحدّد تصرّف الآخرين، أي الكافرين، إذ يقابل حالتهم الروحيّة التي صورتها الليل. ينامون فلا يعُون قرب المجيء الذي يقرّر مصيرهم، ويذهبون إلى أعمالهم وملذّاتهم فيعيشون في سراب من الأمان (آ 2). ولكن موقف المسيحيّين سيكون مغايرًا لهذا الموقف: لنَسهر ونبقَ واعين لتهرب مجيء الرب، لنبقَ متيقّظين لنحيا بطريقة تليق بالله ودعوته (12:2) ونستعدّ للقاء ذلك الآتي. ولنكن معتدلين ونحافظ على هدوئنا لأنه كان من الصعب أن ينتظر المؤمنون مجيء الربّ دون أن يشعروا بأيّة حمّى واندفاع، دون أن يوشكوا نسيان الواقع بكلامهم أو بأعمالهم. أشار التحريض في 4: 11ي، إلى علامات حمّى إسكاتولوجية وفوضى أخلاقية في كنيسة تسالونيكي: التخلّي عن العمل، الاضطراب، الغيرة المزعجة. فدعاهم بولس إلى الهدوء والسهر.
آ 7 ويذكّرنا بولس بواقع هو أن الليل زمنُ النوم وزمنُ الشرب الذي يُنتج السكر، وهاتان صورتان عن الذين يحمل إليهم يومُ الربّ الدمار.
آ 8 أما تصرّف المؤمنين فلا يكون هكذا. هم أبناء النهار، وبهذا يتميّزون عن الآخرين: يكونون معتدلين، ويحافظون على هدوئهم، ويتجنّبون كلّ حماس يجعل حُكمهم مظلمًا ويدفعهم إلى الاضطراب والهَيجان الأخرق. ورغم قرب اليوم الحاسم يحافظون على نقاوة عقولهم وهدوء قلبوهم ويتسلَّحون ليجابهوا هذا اليوم بلا خوف لبسوا درعًا هو الايمان والرجاء، وخوذةً هي رجاء الخلاص. هذه هي الاستعدادات التي تميّز المسيحي، وهذه هي عناصر حياته الروحيّة التي تساعده على الهدوء أمام قرب مجيء الرب: بالايمان بيسوع المسيح يتأكّد المسيحي أن الله معه (روم 5: 11؛ 8: 31 ي) ويحيا ليرضيَ الله بالحبّ (روم 8:13-10؛ غل 5: 14)، وبالرجاء ينتظر من مجيء الرب تكملة الخلاص الذي أدركه بالايمان (روم 8: 24؛ غل 5: 5). فلمَ هذا الاضطراب كأننا لا نعرف أن الربّ يحمل إلينا الخلاص لا الدمار (آ 3)؟
آ 9 يتذكّر بولس صليبَ المسيح فيؤكّد للمؤمنين أن الله لم يجعلهم للغضب الذي هو دمار الخطأة الذين يفاجأون في طمأنينتهم الكاذبة (آ 3)، بل جعلهم لاقتناء الخلاص بربّنا يسوع المسيح والمشاركة في مُلكه (17:4). قبل الايمان والرجاء والمحبة هناك قرارُ الله الذي تمّ في يسوع الذي مات عنا.
آ 15 بهذا الموت الفدائيّ أتمّ الله قصده بالنسبة إلى المؤمنين، حتى إذا كنّا ساهرين أو كنّا نائمين نحصل على الحياة معه. هاتان هما الحالتان اللتان سيكون فيهما المؤمن يوم مجيء الرب: نكون ساهرين أو نائمين، نكون موتى أو أحياء. ولكن لا قيمة للفرق بين هاتين الحالتين، لأن هدف موت المسيح الفدائيّ هو أن أخصّاءه الأحياء والأموات يحصلون معًا على الحياة معه بقيامتهم أو بتحوّلهم. وهكذا لن يعود ليوم المجيء أهميّة حاسمة لأن المؤمنين تيقّنوا، بموت المسيح وقيامته (4: 14)، أنهم سيشاركون كلُّهم في هذا الحدث الأخير ويكونون كلّ حين مع الرب. 
آ 11 ويستنتج بولس استنتاجًا عمليًا من تعليمه فيعود إلى كلماته في 4: 18: عزّوا بعضُكم بعضًا، شجّعوا بعضكم بعضًا. وهنا نقابل بين 4: 13- 18 و5: 1- 10. في المقطع الأول نحن أمام قلق مؤلم يحسّ به التسالونيكيّون بالنسبة إلى إخوتهم الذين ماتوا. وفي المقطع الثاني نحن أمام قلق يحسّ به بعضهم بالنسبة إلى ذواتهم، أمام مجيء الرب القريب. وزاد بولس: وابنوا بعضُكم بعضًا. وهكذا بطاعة كلّ واحد وعمل كلّ واحد تنمو الكنيسة بحياة حقة. ويسرع بولس فيقول (رج 4: 1، 10): مثلما تفعلون الآن.

5- تعليمات من أجل حياة مسيحيّة جماعيّة (5: 12-22)
آ 12-13 الجماعة والذين يعملون في خدمتها. يقدّم لنا بولس هنا معلومات عن تنظيم الجماعات المسيحيّة الأولى: فالرسول المؤسّس لا يحتفظ بمسؤوليّة كاملة يحصرها بنفسه ويمارسها من بعيد برسائله أو موفديه. ففي تسالونيكي تتوزّع مجموعةُ المسيحيّين بعضَ الوظائف لفائدة الجميع. وهذه الوظائف نسمّيها الخدَم.
أما عمل هؤلاء الرجال فتحدّده كلمات ثلاث: الذين يتعبون بينكم، الذين يرعونكم، الذين يرشدونكم. نحن إذًا أمام إخوة تميّزوا بعطاء ذواتهم بتأثيرهم على الغير وتضحياتهم. فجُعلوا على رأس الجماعة لا عن طموح بل في الربّ، في الايمان والطاعة لربّ الكنيسة ليخدموه في شخص إخوتهم... بعد أن ذهب الرسل فجأة، سيّروا الجماعة وحملوا همّ سلوك الإخوة ورعَوا النفوس وأرشدوها إلى الطريق القويم. فاصطدموا بمقاومة، وهذا أمر طبيعيّ لأنه لم يفوّضهم أحد ولأن نصائحهم لم تُرض الجميع. لهذا يسأل التسالونيكيّين أن يعترفوا بهم وبنشاطهم، أن يقبلوا بإرشاداتهم ونصائحهم. ولكن هذا لا يكفي. لهذا يطلب بولس في آ 13 أن يعاملوهم بمنتهى الاحترام والمحبة من أجل عملهم. الرسول واع لضرورة عمل الموجّهين في الجماعة وقيمته. ويريد أن يقتنع التسالونيكيّون بهذا، فيسألهم أن يُكرموا الذين يرئسونهم إكرام المحبّة. إن الخدمة المسيحيّة بكلّ أشكالها لا تمارَس بفاعلية إلاّ إذا تقبّلها بفرح كلُّ أعضاء الكنيسة، وإذا كان الخدّام موضوعَ احترام من أجل عملهم. هذا العمل يتمّه الخدَم في الربّ فيعطيهم إكرام الذين يستفيدون منه ومحبّتهم.
عيشوا بسلام في ما بينكم... كانت هناك عمليّة شدّ حبال بين المؤمنين والمسؤولين. والكلُّ مسؤولٌ عن هذه الحالة، لهذا دعا بولسُ الجميعَ إلى هذا السلام.
آ 14 ونناشدكم أيها الاخوة...، أي يا أبناء كنيسة تسالونيكي. أرشدوا الكسالى (4: 11) أو الفوضويّين الذين يحيون حياةً مضطربة لأنهم لا يعملون. شجّعوا الخائفين في الاضطهادات أو في مجمل الحياة الشخصيّة التي يكتنفها الشكُّ والحيرة. ساعدوا الضعفاء الذين يسقطون في الخطيئة من دون مساعدتكم. أصبروا على جميع الناس ولا تغضبوا من المقاومات التي تجبَهكم... وهناك رأيٌ يعتبر أن هذه النصائح موجهةٌ إلى المسؤولين دون سواهم.
آ 15 كلامٌ يتوجّه إلى الكنيسة كلّها المسؤولة عن تصرّف أعضائها المسيحيّين. لا يكفي أن نصبر بل أن ننتصر على المقاومة والحذر ووسائل المعارضة بالمحبّة. لا تجازوا شرًا بشرّ، بل اعملوا الخير دائمًا بعضُكم لبعض ولجميع الناس. الخيرُ هو ما يوصي به الحبّ الذي وحده يفرض أن نجيب على الشرّ بالخير. ويبقى على كلّ واحد، وبالأخص المسؤولين، أن يبحثوا عن الأجوبة والحلول والمحاولات والأعمال التي دافعها الحبّ، في علاقات بعضهم مع بعض وفي علاقاتهم مع الجميع ليُعطوا المثَل الصالح.
آ 16-18 ثلاث آيات يتّصل بعضها ببعض وترتبط بما يبرّرها: تلك هي مشيئةُ الله في المسيح يسوع. هذه المشيئة أوحي بها في المسيح يسوع المصلوب والمنبعث. ويميّز بولس في العمل الفدائي ما أراده الله ويريده من المؤمنين. ولهذا صارت هذه المشيئة طلبًا لا بدّ من أن يحقّقوه وإلاّ عصَوا الله وفاتهم نداؤه. وهذه المشيئة هي أيضًا عطيّة ونعمة لأنه، في يسوع المسيح، في الحالة الجديدة التي حصلوا عليها به، أعطاهم الله أن يبقوا دومًا فرحين وأن يصلّوا كل حين. من الواضح أن المؤمنين لا يجدون في ذواتهم أسبابًا ليكونوا فرحين، بل في المسيح يسوع، في فعل المصالحة الذي تمّ من أجل العالم (2 كور 5: 19). ففي النعمة التي أعطيت لهم، للحاضر وللمستقبل، يملكون فرحًا دائمًا لا خطر عليه (فل 3: 1؛ 4: 4). وهم لا يستطيعون أن ينعشوا عطيّة الله التي هي فرحهم إلاّ إذا صلّوا في كلّ حين، لأن الصلاة تعيدهم إلى يسوع المسيح الذي به يصلون إلى الآب (أف 18:2) ويقدّمون له الشكر. فهم من طبعهم غيرُ مستعدّين للصلاة ولا يعرفون دومًا ماذا يطلبون، ولكن في يسوع المسيح، في حالتهم كمؤمنين، يقدرون في كلّ حين أن يشكروا لله ما عمله من أجلهم، الله الذي هو السبب الأول لصلاتهم وفرحهم. وهكذا ذكّر بولس جماعة تسالونيكي بالاختبارات الخارقة المرتبطة بالايمان الجديد.
آ 19-22 نقرأ في هذه الآيات خمسةَ تحريضات تتعلّق بالموقف الواجب أخذه تجاه مظاهر الروح في حياة كنيسة تسالونيكي. أيكون هناك سؤالُ إيضاح من قبل المسؤولين عن مظاهر الروح والنبوءة وتعدّد الألسن؟ رفض بولس أن يدخل في نظرتهم فتكلّم عن الروح لا عن الملهمين. فإن وضعوا حدًا لحريّة الروح السامية، أفقروا الكنيسة، لهذا قالت لهم: لا تطفئوا الروح، فعاد إلى صورة تشبّه الروح بالنار (أع 2: 3؛ 18: 25؛ روم 12: 11) وتعني أننا إن قاومناه أزلناه. لا تستهينوا بالنبوءات، وهذا يحدث حين نمنع الأنبياء من الكلام أو حين لا نسمع لهم. فإن استهانت الكنيسة بالنبوءات حرمت نفسها كلمات حقّة تدلّها على إرادة الله. من هنا جاءت النصيحة الايجابية: بل امتحنوا كلَّ شيء. الله بوحي بإرادته إلى الكنيسة بواسطة الأنبياء. إلاّ أن الأنبياء يمكن أن ينقصهم الصدق أو التجرّد ويعتبرون آراءهم الخاصة كلمة الله. ولهذا يمنح اللهُ بعض الناس موهبة تمييز الأرواح (1 كور 14: 29). أما القاعدة فهي هذه: تمسّكوا بالحسَن وتجنّبوا كلَّ شكل شرّ.
آ 23-24 صلاة ختاميّة. كما انتهى القسم الأول من الرسالة بصلاة، هكذا انتهى القسم الثاني. وتوجّهت الصلاتان نحو مجيء الرب يسوع المجيد، وكان موضوعُهما العام قداسة مؤمني تسالونيكي في ذلك اليوم الحاسم.
هكذا بعد أن أعطى بولس تعليماته توجّه إلى الله الذي يساعد المؤمنين على وضع هذه التعليمات موضع العمل. هو إله السلام (روم 15: 33؛ 16: 20؛ فل 4: 9؛ 2 كور 13: 11) بل الاله الذي يحمل الخلاص كاملاً إلى الانسان. فليقدّسكم في كلّ شيء، ليكرّسكم له فيبعدكم عن الخطيئة لتكونوا بكليّتكم له. ويعدّد بولسُ ثلاثة عناصر تكوّن الكائنَ البشريّ: الروحَ والنفسَ والجسد. الروحُ هو عنصر سام في كائن الانسان الحميم. والنفس عنصر يرتبط بالجسد. ويبقى الجسد. نحن هنا في العالم اليونانيّ.
ليقدّسكم اللهُ بكليّتكم ويحفظكم... حتى الجسدُ دخل في عمل التقديس الذي بدأ على الجلجلة والذي سيتمّ في يوم الربّ (4: 3-8؛ 1 كور 16: 12- 20). ليحفظكم الله منّزهين من كل لوم، لا في رأي البشر بل في رأي الله. وهذه الشكاوى يقدّمها الشيطانُ متّهمُكم أمام دينونة الله (روم 8: 33). إن المؤمنين تقدّسوا في يسوع المسيح بالمعموديّة وبالروح القدس (1 كور 1: 2؛ 6: 11)، وما يطلبه بولس هو أن يبقوا في الأمانة لله والطاعة حتى مجيء ربّنا يسوعَ المسيح الذي هو كمالُ عمل الله.
في آ 24 يعطي بولسُ التسالونيكيّين سببًا ليؤمنوا أن صلاتَه ستُستجاب. قال: الذي دعاهم إلى الخلاص، الذي هو كمال مصيرهم، هو أمين، وإرادته الخلاصيّة تجاه البشر لا تتبدّل (روم 3:3؛ 8:15). فلا نستطيع إلاّ أن نثق به ثقةً تامّة (روم 4: 20) وهو يعمل ما يطلبه الرسول لإخوته. إنه لا يطلب شيئًا لم يُعطَ لهم في المسيح وقد دعاهم إلى القداسة (7:4). وكما جعل طاعتهم ممكنةً في يسوع المسيح سيجعلها دومًا ممكنةً بالروح القدس (روم 8: 2-4؛ غل 5: 15) ويتمّمها في يوم الرب.
آ 25-28 سلامات. أيها الإخوة (آ 5-2). بعد أن صلّى بولس من أجل التسالونيكيّين (1: 2)، ها هو الآن يطلب صلاتهم (روم 15: 30؛ كو 3:4). ثم إنّ الإخوة في الكنيسة الأولى كانوا يعبّرون عن حبهم بعضهم لبعض بقبلة وصَفوها بمقدّسة، ليميّزوها عن القبلة التي يمارسها العالم.
إذًا، استلم بولس رسالةً من المسؤولين في كنيسة تسالونيكي وها هو يطلب منهم أن يتصالحوا مع الإخوة بقبلة مقدّسة، وأن يقرأوا رسالته على جميع الإخوة من دون استثناء. سأله المسؤولون مساندةً وطلبوا تعليمات عن أمور ملحّة لهم وللكنيسة فأجابهم بولس بحكمة ورقّة وأظهر لهم سلطةً يثقون بها ويحبّونها. فعالج بعض مشاكل الايمان في الكنيسة (3: 10) وبدّد كل خلاف بين المؤمنين والمسؤولين.
وتنتهي الرسالة بكلمة آمين، في بعض المخطوطات؛ وهذا يدلّ على قراءتها في الجماعة الليتورجيّة.
الفصل الثاني والأربعون
تفسير الرسالة الثانية
إلى أهل تسالونيكي

كتب بولس الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي ولم يمرَّ وقت طويل على الرسالة الأولى، فاستعاد نقطةً تطرّق إليها في 1 تس وهي: المشكلة المطروحة بمجيء المسيح المجيد. هذا الموضوع ما زال يقلق بال المسيحيّين في تسالونيكي فاعتبر بعضُهم أنَّ ذلك اليومَ جاء (2: 2)، واعتبر البعض الآخر أنه قريب جدًا فرفضوا أن يعملوا، وعاشوا في الكسل على حساب الآخرين.
نتوقّف عند هذه الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي لنشرحها. بعد العنوان والسلام (1: 1-2) نسمع كلام القديس بولس عن الورَع المسيحي والثبات في الاضطهادات، وهذا دليلُ خلاص في يوم الدينونة. ويصل بولس إلى الموضوع الأساسي في رسالته وهو يوم الربّ (2: 1-3: 5). فبعد أن يوضح الأمور يشجّع المؤمنين الذين سيقوّيهم الله ويحفظهم من الشرير. في مقطع أخير يتصدّى بولس لمشكلة الفوضى والكسل (3: 6-15). ثم يُنهي رسالتَه بصلاة وداعيّة وبركة (3: 16- 18).
أ- القسم الأول: الورع المسيحي في تسالونيكي (1: 1- 12)
1: 1-2 العنوان والسلامات: العنوان هو ذاته الذي نقرأه في 1 تس.
في آ 1 نقرأ "في الله أبينا" لا "في الله الآب". وهذا ما نجده في روم 7:1؛ 1 كور 1: 3؛ 2 كور 1: 2. كان السلام مختصرًا في 1 تس فكتب بولس: عليكم النعمةُ والسلام. أما في 2 تس فنقرأ: عليكم النعمة والسلام من الله الآب ومن الربّ يسوع المسيح. 
وذكرُ بولس وسلوانس وتيموتاوس في بداية الرسالة يفرض أنها كُتبت بعد وقت قصير لأن أع 18: 5 هو آخر نصّ يشير إلى حضور سلوانس قرب بولس. يبدو أن سلوانس لم يشارك بولس في عمل التبشير بعد رسالة كورنتوس.
لا يطالب بولس بلقب رسول كما يفعل في رسالته إلى الغلاطيّين والكورنثيّين لأن لا أحد يناقشه هذا الأمر (رج فل 1: 1 حيث يسمّي نفسه خادم يسوع المسيح).
كلمة كنيسة مستعملة هنا بمعنى الجماعة المسيحيّة المحليّة. هذه الكلمة تعود إلى العهد القديم حيث جماعة الرب (قهل في العبرانية) تدلّ على تجمّع الشعب يدعوه الله (تث 23: 2-9).
آ 3-4 ويبدأ بولس فعل الشكر كما في معظم رسائله فيؤكّد لقرّائه أنه يوجّه إلى الله أفعال شكر متواصلة من أجلهم. ما سبب أفعال شكر الرسول؟ إيمانُ التسالونيكيّين الذي ما زال ينمو وحبُّهم بعضهم لبعض الذي يزداد يومًا بعد يوم. يمكننا أن نفترض أن بولس تلقّى من تسالونيكي أخبارًا مفرحة حملت إليه استجابة صلواته من أجل كنيسة تركها في خضمّ الاضطرابات (1 تس 1: 2؛ 3: 12 ي). ولكن ندهش ألاّ يذكر رجاء التسالونيكيّين (رج 1 تس 1: 3) لأنه يشكّل مع الايمان والمحبة مثلثًا يحدّد في نظر بولس حياة المسيحي بعناصرها الجوهريّة. فإن نقَص عنصرٌ تشوَهت صورة هذه الحياة المسيحيّة (1 تس 5: 8؛ 1 كور 13:13). إن عدم ذكر الرجاء يدل على أن 2 تس كُتبت في إطار يختلف عن الإطار الذي كُتبت فيه 1 تس. ولا يشكر بولس الله فقط من أجل نموّ التسالونيكيّين في الايمان والمحبّة، بل يفتخر بهم في كنائس الله بسبب الصبر والايمان في الاضطهادات التي يحتملونها. في 1 تس قال بولس إن التسالونيكيّين صاروا مثالاً للمؤمنين في اليونان (1 تس 1: 7)، إنهم إكليلُ فخره أمام الرب (1 تس 19:2). وها هو يتحدّث الآن عن صبر التسالونيكيّين في الاضطهاد فيتطرّق إلى موضوع جديد سيتوسّع فيه فيتذكّر المصير المجيد الذي ينتظرهم في مجيء ربنا. ولكنه يذكر مع الصبر الايمان. في الاضطهادات يبرهن المؤمنون عن صبرهم في إيمانهم، بانتظار يوم الربّ الذي يحمل إليهم الخلاص. أشارت 1 تس وأع 17: 5 ي إلى الاضطهادات التي رافقت تجمّع الكنيسة في تسالونيكي (1 تس 1: 5؛ 14:2؛ 3:3)، فتحدّث عنها بولس لا كأنها من الماضي بل كأنها حاضرة اليوم.
إن الضيقات تجمع بولس والمسيحيّين (1 تس 3:3-7) إلى آلام المسيح، وهي عربون الراحة الأخيرة (7:1). إن استعمال هذه الكلمة يربط الشقاء الحاضر بالضيق العظيم الذي يدلّ على نهاية الزمن. والروح الالهي يعطي الفرح وسط هذه المحن (روم 14: 17).
آ 5 ويعلن بولس أن الشدائد التي يتحمّلها التسالونيكيون هي الدليل على حكم الله العادل. سنعرف في آ 6 لماذا يجب أن يتألم التسالونيكيون الآن ليكون حكم الله في اليوم الأخير عادلاً بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى مضطهديهم. إذا تألموا الآن فلكي يكونوا أهلاً لملكوت الله على يد الديّان السامي. كلُّ ألم لا يمنحهم هذه الدينونة، بل الألم الذي يتحمّلونه من أجل الملكوت. هذا ما قاله يسوع في مت 5: 10- 11: "طوبى للمضطَهدين من أجل البرّ (أو: الملكوت)، فإن لهم ملكوت السماوات. طوبى لكم إذا عيّروكم واضطهدوكم وقالوا عنكم كل كلمة سوء من أجلي".
آ 6 تُبرِّر هذه الآية ما ورد في آ 5. فالشدائد التي يتحمّلها التسالونيكيّون هي الدليل أن حكم الله عادلٌ لأن الله لن يتأخّر في أن يعطي الشدّة للمضطهدين والراحة للمؤمنين. هذه العدالة التي بها يعلن الله حكمَه. هذه العدالة التي يفترضها وجدانُ الانسان بل وجدانُ المؤمن، نجدها في العهد القديم (مز 73). إن انقلاب الحالة بين السعداء والتعساء في هذا العالم، بين المضطهدين والمضطَهدين كدليل على عدالة الله، أعلنه يسوع في إنجيله (لو 6: 20-26؛ 16: 25)، ودعا بولسُ المؤمنين لانتظارة فيحترزوا أن يمزجوه بعواطف الثأر والانتقام كما عند البشر (روم 12: 19 ي). والراحة الموعود بها للمضطَهذين تقابل الشدائد التي ستنتهي. وفي هذه الراحة يشارك المؤمنون الرسل. هذا ما قاله الرسول: إنكم في قلوبنا لنعيش معًا أو نموت معًا (2 كور 7: 3؛ رج 1 كور 8:4؛ 1 تس 2: 19ي).
أجل، الله ينتقم من الذين يضطهدون المسيحيّين (1 تس 4: 6) ويعطي هؤلاء الراحة (فل 1: 28). هذا الحكم لا يشكّ فيه بولس وهو العارف التقليد القائل إن الله يجازي كلّ إنسان حسب أعماله (مز 13:62؛ إر 17: 10؛ مت 16: 27؛ روم 2: 6؛ رؤ 2: 23).
آ 7-8 يومُ الربّ، يوم الحساب الأخير. فالله سيمارس دينونة عند مجيء الرب المسمّى ظهورًا (1 كور 1: 7؛ 1 بط 1: 7-13) لأن الجالس خفيًا عن يمين الله سيظهر في ذلك اليوم فتراه كلُّ العيون. ولكن كيف يكون هذا الظهور؟ سينزل الربُّ يسوعُ من السماء (1 تس 4: 16) موطن الله ويحمل معه مجازاته. سيرافقه الملائكة خدّامُ جبروته أي ملائكة يكونون بأمره فينفّذون رسالته كديّان في آخر الأزمنة (مر 38:8؛ مت 27:16؛ 24: 30؛ 25: 31؛ 1 تس 13:3). ستحيط به نار ملتهبة (آ 8) فتلحفه ببهاء مهيب للخاطئين. ويصور بولسُ الدينونة في نتائجها فتطابق ما قلناه عن ظهور الربّ: حينئذ يتقبّل العقاب هؤلاء الذين لا يعرفون الله ولا يطيعون إنجيل ربّنا يسوع. من هم هؤلاء الخطأة الذين يشير إليهم بولس؟ الذين لا يعرفون الربّ (رج إر 10: 25 حسب السبعينيّة)، هم الوثنيّون. والذين لا يطيعون الانجيل، هم اليهود الذين رفضوا أن يؤمنوا (روم 10: 16). هذا التفسير يتوافق مع حالة التسالونيكيّين الذين اضطهدهم الوثنيّون بتحريض من اليهود (أع 17: 5؛ 1 تس 2: 14 ي). هم لا يعرفون الله، أي لا يؤدّون له الإكرام والشكر كما لله (روم 1: 21)، وهم لا يطيعون إنجيل الربّ يسوع الذي به عرّف الله عن نفسه فرفضوا أن يقبلوا التعليم الذي يحرّرهم من كفرهم: أما سبب عقابهم فليس نشاطهم كمضطهدين بل كُفرهم الذي جعلهم يضطهدون المسيحيّين. الصورة هنا كما في 1 تس 4: 14- 17 تأخذ عناصرها من العالم الجلياني اليهودي: السماء (1 تس 16:4)، والملائكة (مت 39:13، 41)، النار المشتعلة تعطي بهاء للظهور (خر 3: 2؛ أش 66: 15؛ دا 7: 9- 11؛ مز 18: 8). نلاحظ الطريقة المعتدلة في التصوير والتي تبعدنا عن غزارة الصور في الجليان اليهوديّ.
آ 9 فماذا سيكون عقاب هؤلاء الكافرين؟ الهلاك الأبدي، الهلاك الأخير والنهائيّ، وهو عقاب يرتبط بالعالم الآتي. أما الطابع الروحي لهذه الدينونة فيشير إليه المفعولان اللذان يحدّدانه بالنسبة إلى مجيء الرب في مجده: سيُطرد المحكوم عليهم من حضرته، فلن يروه. أما المؤمنون فيُقبَلون في حضرته ويجدون في هذه الحالة تحقيق أعمق رغباتهم. والمحكوم عليهم سيُرذلون من مجد قوته فلا يشاركون القدرة التي يبسطها الله في مجيئه حين يظهر ملكوتُه ويُشرك فيه أحبّاءه.
آ 10 سيكون ظهور الربّ يسوع للكافرين دينونة وعقابًا وهلاكًا أبديًا، أمّا للمختارين فنورًا وحياة. إن هدف مجيء الرب هو تمجيده وتمجيد أخصّائه، لأنه لن يأتي وحده بل مع كل المؤمنين الذين يمجّدهم ويشركهم في انتصار موكبه (1 تس 4: 17) ومُلكه (1 كور 15: 23 ي؛ روم 17:8). هذا ما قالته نصوص العهد القديم بحسب السبعينية (مز 37:67؛ 8:88). من هم هؤلاء القدّيسون الذين يتمجّد الله في وسطهم؟ يمكن أن يكونوا الملائكة، وتشهد نصوص العهد الجديد (آ 7، مر 8: 38؛ لو 9: 26) على حضورهم بجانب الربّ يوم مجيئه. ولكن هدف الكاتب أن يبرز شناعة مصير المحكوم عليهم تجاه مجد الربّ وأخصائه، فالقدّيسون هم المؤمنون كما يسمّيهم بولس الرسول.
ويورد النصُّ فعلين متوازيين: يتمجّد ويُعجب، وكلاهما يشيران إلى مجد الرب حين يأتي ليدين العالم ويظهر قدرته.
إن قلنا يتمجّد في قدّيسيه شدّدنا على أن القدّيسين يشاركون في مجده ويتأملون في بهائه. وإن قلنا يتمجّد وسط قدّيسيه شدّدنا على مجيء الرب المجيد وعلى الموكي الذي يهيّئه له الملائكة والمؤمنون. لا حاجة إلى القول إن المؤمنين الممجَّدين هم الذين يحيطون بالرب ويهتفون له.
وحين تكلّم بولس عن الذين آمنوا به أشار إلى أن التسالونيكيّين سيكونون منهم، ولكنّه حدّد فكرته فقالت: لأنكم صدّقتم شهادتنا. فكما أن الكرازة الرسوليّة تسمّى شهادة المسيح (1 كور 1: 6) وشهادة الله (1 كور 2: 1) تسمّى هنا شهادتنا. فالرسل حملوا إلى التسالونيكيّين بكرازتهم، شهادةً لما عمله الله في يسوع المسيح. وهذه الشهادة صدَّقها التسالونيكيّون الذين ينتمون هم أيضًا إلى شعب المؤمنين الذين يشعّ وسطهم مجدُ الرب في ذلك اليوم الذي يكون يومه (1 تس 2:5، 4؛ 1 كور 1: 8؛ 5: 5؛ 2 كور 1: 14؛ رج أش 17:2، 20 بحسب السبعينيّة).
آ 11 ويبدأ بولس صلاته من أجل التسالونيكيّين منطلقًا من مجيء الرب مع نتائجه للكافرين والمؤمنين (آ 6- 10). بعد أن شكر، ها هو يتضرّع من أجل قرّائه كما اعتاد أن يفعل (1 تس 1: 2؛ 3: 11ي؛ فل 1: 3-9؛ روم 1: 8، 10). ماذا يطلب بولس من الله؟ أن يجعلهم أهلاً لدعوته، وأن يتمّم حياتهم فيجعل منهم مسيحيّين كاملين وأهلاً لأن يشاركوا الربَّ في مجده.
إذًا يطلب بولس من الله في تضرّعه أن يقود بنفسه حياة التسالونيكيّين إلى كمالها: فعمَلُ الايمان يتأسّس على مشيئة الله ونعمته، والصلاحُ يوحي به الله ويكمّل النوايا والمبادرات. المؤمنون عاجزون ولكن الله يفعل بقوّة، ولهذا ينتظر بولس استجابة دعوته.
آ 12 وإليكم الآن هدَف الصلاة: أن يتمجّد اسمُ الربّ يسوع في شخص المؤمنين الذين جعلهم أهلاً لدعوته، وهذا التمجيد يتمّ وقتَ مجيء ربّنا. ويحدّثنا بولسُ عن اسم ربّنا يسوع، لأن المؤمنين الذين كملوا (فل 3: 12) يكونون لمجد الربّ الذي يعترفون باسمه (فل 2: 11؛ 1 كور 12: 3؛ روم 9:8) ويكونون عمله. وهم بدورهم يتمجّدون به حين يُشركهم في مجده وقدرته وملكوته. كل هذا بفضل نعمة إلهنا والربِّ يسوعَ المسيح. فالنعمة التي هي أصل حياة المؤمنين وتحدّدها تحديدًا كاملاً (روم 6: 14) تقودها وحدَها إلى غايتها المجيدة.
الاسم يمثّل الشخص ويعطيه كينونته ونشاطه (رج مت 6: 9). والايمان باسم الربّ يسوع يميِّز الجماعة المسيحيّة الأولى (أع 2: 21؛ 3: 16؛ 4: 10- 12؛ 1 كور 1: 2؛ 5: 4؛ فل 2: 9 ي).
ب- القسم الثاني: مجيء الرب (2: 1-3: 5)
2: 1-2 لا بلبلة ولا اضطراب في ما يخصّ يوم الربّ:
إن فعل الشكر والتضرّع (3:1-12) وجّه أنظار القرّاء إلى مجيء الربّ الذي سيكون لمجد الربّ والمؤمنين في تسالونيكي. وهذا الاجتماع حول الربّ هو موضوع انتظارهم العميق (1 تس 4: 3-5: 11). إلاّ أن الرسول يعرض طلبًا بالنسبة إلى هذا الحدث الحاسم.
نشير هنا إلى أنّ 1 تس تحدّد متى سيكون المجيء. وها هو بولس في 2 تس يعالج أسئلة جديدةً طُرحت عليه. وهو لا يردّد (آ 5) ما سبق وقاله عن مصير الأحياء والموتى، ولكنّه يكتفي بأن يصحّح بعض الأخطاء ويؤكّد أن مجيء الربّ ليس قريبًا وستسبقه علاماتٌ نستطيع التعرّف إليها.
هناك مرحلتان رئيسيّتان في هذا الحدث: مجيء الرب (1 تس 19:2) وتجمّع الشعب المسيحانيّ حوله (9:1 ي؛ 1 تس 4: 15-17؛ مت 30:24 ي).
آ 2 علم بولس بوسائل لا نعرفها أن البلبلة تسيطر على الكنيسة، لأن بعض الناس اعتدّوا أنهم يتكلّمون باسمه فأعلنوا أنَّ يوم الرب جاء وهو هنا (وليس فقط اقترب). هذا لا يعني أن المجيء كما يصوّره (1 تس 4: 16 ي) قد حصل ولكنّه قريبٌ جدًا بحيث لم يبقَ لنا شيء نعمله. نحن نتصوّر القلق في الكنيسة والرعبَ الذي يُمسك بالمتزعزعين ثم ينتقل إلى الباقين. والذين خلقوا هذه البلبلة احتموا بسلطة الرسول: نبوءةٌ أو كلمةٌ عن يوم الربّ قالها أحدُ "الأنبياء" في جماعات الكنيسة الأولى (1 تس 5: 19 ي؛ 1 كور 14: 1ي). قولٌ يتميّز عن النبوءة بطابعه التعليميّ في إطار إسكاتولوجيّ. رسالةٌ تكون قد انتحلت اسمه أو الرسالة الأولى إلى تسالونيكي.
آ 3-4 قبل المجيء، الكفرُ ورجلُ المعصية:
يحذّر بولس التسالونيكيّين من الضلال: لا يخدعنَّكم أحدٌ بشكل من الأشكال، أكان بنبوءة أو قول أو رسالة، يجعلكم تعتقدون أنَّ يوم الرب جاء. إنه لن يحضر قبل أن تتمّ أحداثٌ معروفة وظاهرةٌ لا تمرُّ دون أن نحسّ بها. الكفرُ وظهور المعصيّة. في التقليد الجلياني اليهودي، الكفر يدلّ على ضيق آخر الزمان. وهذا الاعتقاد يرجع إلى ذكر المحاولة المريعة التي قام بها أنطيوخس الرابع إبيفانيوس (175-164 ق. م.) ليفرض الثقافة الهلّينيّة على اليهوديّة ويحارب عبادة الرب. في ذلك الوقت سقط كثيرون من المؤمنين وجحدوا إيمانهم. ولكن كيف ينظر القديس بولس إلى هذا الكفر؟ هل سيظهر في العالم عبر المعصية وفساد عام للأخلاق؟ هل يصيب الكنيسة؟ إذا نظرنا إلى القرينة نلاحظ الطابع الديني للكفر لأنه تخلّ عن الله بل ثورة على الله تتجسّد في رجل المعصيّة. وآخر غموض سينكشف في آ 8 حين يكون "محازبو" رجل المعصيّة أناسًا رفضوا الايمان بالانجيل. ثم إن الكفر لا يهمّ بولس بحدّ ذاته، بل لأنه يرى قبل كل شيء ظهور رجل المعصيّة الذي سيكون صورة كاملة عن الكفر ويظهر هذا الكفر بكل قوته. وقال بولس إن رجل المعصيّة سيظهر، ليشدّد على أنه يعارض المسيح وعلى أن ظهوره سيكون حلقة في سلسلة أحداث النهاية التي حدّد الله مسيرتها. ولكن يجب أن لا ننسب إلى رجل المعصية وجودًا أزليًا نقابله بوجود المسيح. هو سيظهر لأنه خفيّ (آ 6 ي) واسمه رجل المعصيّة لأنه يتميّز لا بالفساد الأخلاقي بل بثورته ضدّ الله. إنه ينكر وجود الله وسلطان الله. وابنُ المعصيّة هو ابنُ الهلاك لأن ثورة تعدّه لحكم الله عليه حكمًا لا رجوع عنه.
آ 4 الذي يقف ويرفع نفسه فوق كل ما يدعوه الناس إلهًا أو معبودًا. إذًا هناك معارضة قويّة. نحن أمام صورة عن ذلك الذي يحاول أن يحطّم كلّ الآلهة ويزيل عن سطح الأرض كلّ ما يذكّر الناس بارتباطهم بقوّة سامية. يقف بوجه كلّ شكل دينيّ فيُعلن أن إرادته هي شريعة بحدّ ذاتها، ويحاول أن يملأ الفراغ الذي يتركه الاله الذي يُنكره. ولكن سنكتشف من خلال بُنية كيانه عجزَه عن أن يرذل الله دون أن يحلّ مكانه.
يجلس في هيكل الله. أين؟ في هيكل اليهود أم في الكنيسة؟ لا في هذا ولا في تلك. حين يجلس على عرشه يعتبر أن صفات الألوهة تحلّ له. من هو هذا الشخص؟ لا أحد يعرف بالضبط مهما تكرّرت محاولات الشّراح. إنه عنصر من العناصر الجليانية وأصله يختفي في أصل الزمن، وكل عصر يحاول أن يطبّقه على جيله. هل نحن أمام صورة التنّين، تلك القوّة المعادية لله التي تحاول أن تستولي على عرش الله؟ مهما يكن من أمر، فهدفُ بولس أن يبيّن جوهر ثورة رجل المعصيّة وإرادته الحرّة في أن يحلّ محلَّ الله. لا يقول النصُّ أكثرَ من أنه يحاول أن يجعل نفسه إلهًا. ولكن من خلال الكلمات نفهم انتقال عواطف دينيّة على رجل المعصيّة وهذه العواطف تستيقظ وسط الجماعات التي تبدو وكأن أمور الدين لا تهمّها.
آ 5-7 ما الذي يؤخّر ظهور رجل المعصية؟
أكّد بولسُ أنَّ يوم الربّ لن يأتي قبل أن يسودَ الكفرُ ويظهرَ رجلُ المعصية (آ 3 ي). هذا الكلام يعود بالقرّاء إلى أمور يعرفونها فيذكّرهم بولس بالتعليم الذي أعطاهم يوم كان عندهم: هنا نتساءل كيف أن بولس كان قد أعلن في 1 تس 5: 2 أنَّ يوم الربّ يأتي كلصّ في الليل لا ينتظره أحد، وهو يقول الآن إن يوم الربّ ستسبقه أحداثٌ مخيفةٌ كالكفر وظهور رجل المعصية.
آ 6 ويستند بولس إلى جواب بالايجاب فيقول: والآن، إذًا... تعرفون ما يعوقه عن الظهور في حينه. هناك أزمنة تقود إلى يوم الربّ بحسب مخطّط الله، وهناك زمن مُعدٌّ لظهور رجل المعصيّة، وقبل هذا الزمن لن يظهر. والحال أن هذا الوقت لم يحضر بعد لأن هناك ما يعوق رجل المعصيّة، هناك قوّة خفيّة يعرفها التسالونيكيّون.
آ 7 ويحاول بولس أن يبيّن أن الزمنَ الحاضر ليس زمنَ رجل المعصية. وهو زمن يحمل الخطر، سرُّ المعصية يعمل الآن عمله. وهذا الزمن يسبق زمن ظهور رجل المعصية، والمعصية تعمل بطريقة خفيّة لا يدري بها إلاّ الرجل المتنبِّه. لهذا تحدّث الكاتب عن سرّ المعصية. بالنسبة إلى الفكر الجلياني، كلُّ أحداث النهاية حدّدها الله في مخطّطه الأزلي ولكنها تبقى أسرارًا حتى تتمّ، وهي لا تُعرف إلاّ إذا كشف الله عنها لبعض عباده. وهكذا فالمعصَية سرٌّ وإن كانت واقعًا لأنها تعمل في السرّ عملها في العالم. لماذا لا تظهر بوضوح؟ لماذا لا تتجسّد أمام الجميع في شخص رجل المعصية؟ لأن الوقت لم يحن ولأن العائق يعوق رجل المعصية بقدرة سريّة يمارسها رجلٌ لم تحدّد وظيفتُه. غير أنه يجب أن ننتظر زوال العائق. إن مسيرة الأحداث وتوالي الأشخاص تخضع لإرادة الله الذي يبقى السيّد لتنفيذ مخطّطه وإكماله. فإذا أمر بأن يزول العائق، يظهر رجل المعصيّة لأن وقته جاء وأعطيت له حريّة العمل.
ما هو العائق، ومن هو المُعيق؟ قال الشرح التقليدي إنه المملكة الرومانيّة والإمبراطور. ولكن الشرّاح الألمان عرضوا عناصر تفسير أسطورية عن العائق: في البدء، يوم خلق الإله الكون تصارع مع وحش هو التنّين (عند البابليّين) والحيّة (عند الفرس) أو الذئاب... انتصر الاله على الوحش وقيَّده لئلا يسيء إلى أحد، ولكنه سيطلقه في نهاية الأزمنة فيحارب الاله الذي سيعدمه الوجود. أما الطابع الخاصُّ للزمن الحاضر فهو أن الوحش أسيرٌ الآن وهو لا يستطيع أن يفعل شيئًا... ولكن لا بدّ من القول إن هذا الوحش الظاهر عند خلق الكون انتقل إلى المستوى اللاهوتيّ الخاصّ بالمسيحيّة فاتخذ مضمونًا جديدًا يصعب علينا تحديده.
إن تيودوريتُس القورشي وتيودورس المصيصيّ قالا إن ما يعيقه هو مخطّط الله. فالنهاية بحسب كلام الرب لا تأتي قبل أن يُكرز بالانجيل للوثنيّين (مر 13: 10؛ مت 24: 14). وانطلق بعض الشّراح من هذه النظريّة فقالوا: إن كان ما يعوق هو كرازة الإنجيل للوثنيّين، فالذي يعوق مجيءَ الربّ هو بولس الرسول نفسه.
شروحٌ عديدة والسرُّ يبقى سرَا. المهمُّ أن نرى دور العائق: يومُ الربّ ليس حاضرًا لأنه يسبقه الكفرُ وظهورُ رجل المعصيّة. هذان الحدثان لم يتمّا ولن يتمّا ما دام العائقُ الذي يعوقُ رجلَ المعصية يأتي: فالحدثُ الأخير ليس بقريب لأن الحدث الذي يسبقه، لم يحن وقتُه بعد. إذًا يبقى لدينا بعضُ الوقت وبنيةُ العالم ما زالت ثابتة. إلى متى؟ لا أحدَ يعرف. يبقى على الكنيسة أن تحيا وتعترف بإيمانها وتخدم ربَّها في العالم الذي وُضعت فيه.
آ 8-12 ظهور رجل المعصيّة والحكم عليه:
وحينئذ، أي بعد زوال العائق لا قبل، ينكشف رجلُ المعصية. فتبدأ المعصيةُ عملها في العالم، فلا تعود سرًا. والتباسُ التاريخ الذي يمزج الخيرَ بالشرّ لن يعود يغطّي المعصية فتظهر في شخص يجسّدها تجسيدًا كاملاً، في رجل المعصية. ويبرز الحدَث ما قبلَ الأخير الذي يسبق مباشرةً مجيء الرب. وزاد الرسول حالاً: الربُّ يقضي عليه بنفَس من فمه ويبيده بضياء مجيئه، فأبان تسلسل الأحداث التي يفصلها فاصل، وألقى ضوءًا على بشاعة الحدث السابق للنور، للحدث الأخير. لا فائدةَ من أعمال رجل المعصية المبنيّة على الكذب، فالربُّ يكتفي ليبيده بنفَس من فمه، وظهورُه كاف ليعيده إلى العدم.
آ 9 ومع ذلك سيكون لرجل المعصية "مجيئُه" كما أن للرب مجيئَه. وإن لم يكن من مقابلة بين الاثنين، إلاّ أن مجيءَ رجل المعصيّة له أهميّته في التاريخ، وسيكون له وقته الذي يحدّده العائق قبل مجيء الرب.
كان بولس قد صوّر المعصية في شخص وها هو يتحدّث عن مجيئها. ففيها وبها ينتشر عملُ الشيطان، كما انتشر عملُ الروح القدس خلال حياة يسوع العلنيّة (مت 12: 28؛ لو 4: 14، 18)، بكلّ أنواع المعجزات فيؤثّر بالجماعة التي يشدّها كلُّ حامل قوّة فائقة. رجلُ المعصية سيصنع آيات وعجائبَ تنافس تلك التي عملها المسيح (أع 2: 43؛ 5: 12؛ 2 كور 12: 12). ولكن هناك فرقًا بين تلك المعجزات وهذه. فمعجزات رجل المعصية في خدمة الكذب، ومعجزات المسيح في خدمة الحقيقة. عمل رجل المعصية هو قلبُ الحالة التي يحدّدها الخالق للخليقة ورفضٌ للوحي، وهو كاذبٌ ولا يستطيع أن يضمّ إليه أشخاصًا إلاّ إذا كذب عليهم وغدر بهم.
آ 10 ولهذا فالعمل الشيطاني الذي يقوم به رجل المعصية يتمّ بشكل إغراء يأتي من المعصية. المعصية ليست فقط الخطيئة، إنها هي ما يتعارض والحق، وينافي الحقيقة المسيحية التي يكرز بها رسل المسيح والتي بها يؤمن الناس ولها يخضعون. المعصية هي رذلٌ لله واعتدادُ الانسان بالاستقلال الذاتيّ، مع كل النتائج للحياة الأخلاقيّة وكل الاغراءات التي تمارس على الانسان الخاطئ. فكيف نقاوم الاغراءات التي يضعها أمامنا رجلُ المعصية والتي يقع ضحيّتها كلُّ الذين يذهبون إلى الهلاك، يوم ظهور رجل المعصية، لرفضهم محبّة الحقيقة التي تمنح الخلاص؟ لو قال بولس إن التعساءَ يهلكون لأنهم لم يقبلوا الحقيقة ولم يؤمنوا بالانجيل، لهان الأمر. ولكن لماذا يقول بولس إن شقاءَهم يعود إلى أنهم رفضوا محبّة الحقيقة؟ لنفهم هذا الكلام يجب أن ننتقل إلى زمن مجيء رجل المعصية. في ذلك الوقت لن يُغري رجلُ المعصية إلاّ الذين هم في طريق الهلاك لأنهم رفضوا محبة الحقيقة. ولماذا رفضوها، وهل هم مسؤولون عن الحالة التي وصلوا إليها؟ لا شكّ في ذلك. فلو قبلوا الحقيقة ولم يرفضوا كلمة الله لقبلوا في الوقت ذاته محبة الحقيقة، لأنه لا يقدر أحد أن يقبل الحقيقة دون أن يحبّها ويعيش فيها ولأجلها. وهكذا نفهم العبارة "الذين رفضوا محبّة الحقيقة" على ضوء الحالة التي ولّدها عملُ رجل المعصية. فالذين لم يؤمنوا ولم يتعلّقوا بالحقيقة بحبّ قويّ يكونون ضحايا رجل المعصية الذي يجدهم عزّلاً ومحرومين ممّا يساعدهم على تمييز الكذب من الحقيقة، بينما تكون محبة الحقيقة دفعت عن المؤمنين كل إغراءات المعصية. إن ظهور رجل المعصية يفرض على كلّ إنسان أن يتخذ موقفًا، أن يتخلّى عن كل مساومة. سيُغري رجلُ المعصية كلَّ الناس، لكنّ المؤمنين لا يقعون في شباكه. هذا ما يساعد على تفسير الكفر ويشجّع المؤمنين.
آ 11 إذا عُدنا إلى آ 11-12 لرأينا أن زمن ظهور رجل المعصية لن يكون زمن قرار الايمان أو الكفر بل الزمن الذي تظهر فيه نتائج هذا القرار. سيكون إذًا زمن دينونة. وارتباط كل الذين رفضوا محبّة الحقيقة برجل المعصية سيكون عقابًا من الله. سيُرسل إليهم الله قوّة الضلال حتى يصدّقوا الكذب. إذا كانوا لا يستطيعون إلاّ أن يصدّقوا الكذب حين يظهر رجل المعصية، فهذا يعني أن الله يعاقبهم على خطيئتهم بخطيئتهم وعلى رفضهم للحقيقة بعجزهم عن التفلّت من إغراءات حياة غاب الله عنها، ومن سطوة رجل المعصية ومعجزاته.
آ 12 لماذا يفعل الله هكذا؟ لكي يدين في يوم الرب بكلّ عدالة الذين رفضوا أن يؤمنوا بالحقيقة فرغبوا في الباطل. الحقيقة هي الحقيقة المسيحيّة التي نؤمن بها أو لا نؤمن، والباطل يتعارض والحقيقة فيدلّ على حياة بدون الله رغب فيها الكافرون الذين فرغ قلبهم من الله فملأوه بشيء آخر.
ونتوقّف هنا عند المسيح الدجّال ومعنى 2: 1-12 بالنسبة إلى الكنيسة:
إن التقليد المسيحيّ سمّى الدجّال رجل المعصية. وهذا الاسم لا نجده إلاّ في العهد الجديد (1 يو 2: 18-19؛ 2: 22؛ 4: 2-23؛ 2 يو 7). المسيح الدجّال يحلّ محلّ المسيح، يقف في وجه المسيح، يعارض المسيح.
أما رجل المعصية في 2: 1-12 فيشبه الدجّال وإن لم يحمل اسمه، وهو يعارض الله أكثر ممّا يعارض المسيح. هو لا يقاوم مباشرةً المسيح والكنيسة ولكن صورته معاكسة لصورة المسيح. هو رجل يعمل فيه الشيطان كما يعمل الله في يسوع المسيح، وسيكون له مجيئُه كما أن للمسيح مجيئَه. سيصنع معجزات كما صنع المسيح وسيكون له تبّاع على مثال المسيح، فيقودهم إلى الهلاك فيما يقود المسيح تبّاعه إلى الخلاص. وهكذا فالمسيح الدجّال صورةٌ دينيّة محض وتتحدّد شخصيّته بعلاقة سلبيّة مع الله. لا طابعَ سياسيّ أو وطنيّ له. هو كائنٌ بشريٌّ مثل المسيح يعمل في الكون كله فلا نستطيع أن نماثل بينه وبين أحد سلاطين هذا العالم أو بين مسيح ينتظره اليهود. أما الأزمة التي يثيرها ظهورُه فتكون أزمةً روحيّةً تؤثّر على العالم والكنيسة. رجلُ المعصية صورةٌ جليانية. هو لا يظهر إلاّ إذا انكشف كما سيكون الربُّ يسوع في يومه. يغلّفه غلافُ سرّ المعصية ولن يُنتزع هذا الغلاف إلاّ حين يأتي الوقت الذي حدّده الله في تسلسل الأوقات. زمنُه سيكون الزمن ما قبل الأخير في تاريخ يضع له الربُّ يسوعُ حدًا، ولكنّه زمن في تاريخ هذا الكون سيدلّنا على النهاية القريبة. هنا نفهم لماذا حاول الشّراح أن يماثلوا بين رجل المعصية وبين كاليغولا (12- 41 ب. م.) أو نيرون (37-68 ب. م.) أو كلوديوس الأول أو غيرهم من أشخاص التاريخ. إن رجل المعصية يبقى صورة جليانيّة ولا نستطيع أن نضع لها اسمًا.
يطرح 2: 1-12 على الشارح مشكلة مخيفة وهامّة. فكاتب الرسالة ظنَّ أن الأحداث ما قبل الأخيرة ستحلّ قريبًا، ولكنّ التاريخ أبان العكس. ثم إن التعليم الجلياني صار غريبًا بالنسبة إلينا، فهل نرميه خارجًا كالغصن الذي خسر ماويّته فذبل؟ كلاّ. بل نعتبره مهمًا لكنيسة اليوم كما كان لكنيسة الرسل. أجل إن الرسول قدّم تعليمًا عن العالم والكنيسة والتاريخ، ووضع للكنيسة في التاريخ تعليمًا يبقى مهمًا بالنسبة إلينا.
ماذا أراد الكاتب؟ ألاّ ينقاد أحدٌ إلى أناس يستندون إلى سلطة بولس ليعلّموا أن يوم الرب جاء. هل زال هذا الاهتمام؟ إن قلنا نعم، ألغينا من العهد الجديد صفحات من نار ما زالت تشعل الكنيسة. في هذه الظروف يجب على الكنيسة أن تقدّم للمتزعزعين نصوصًا من العهد الجديد تعلن قرب مجيء الربّ فلا ينجذبوا بحمّى إسكاتولوجية مَرضيّة بعيدة عن الرجاء المسيحيّ الحقيقيّ. المهمّ للكنيسة التي جمعتها كرازة الانجيل أن تعي أن الزمن الذي تعيش فيه كجماعة إسكاتولوجيّة ليس الزمنَ الأخير بل الزمنُ الذي ما قبل الأخير. وخطأ الكنيسة أن تحاول أن تخرج من زمنها لتسبق بطريقة اعتباطيّة إلى الزمن الأخير. 
بدل أن نبحث عن سرّ العائق، نلاحظ أن الكاتب يرجع إليه ليؤكّد لقرّائه أن زمن ظهور رجل المعصية لم يحن. فكم بالأحرى يومُ الربّ. فما زالت هذه القوّة السريّة تلعب دور الخير. فالأزمة الأخيرة لم تبدأ والتاريخ ما زال في التباسه بين الشرّ والخير، بين الخلاص والهلاك. نحن نعرف أن العائق يعمل حسب مخطّط الله ويظلُّ خاضعًا لمشيئته التي تقرّر ساعة زواله. يبقى أنّ على الكنيسة أن تتعرّف إلى القيمة الايجابيّة للزمن ما قبل الأخير والذي فيه تقوم برسالتها: الكرازة بالانجيل ليؤمن به الناس وتقبّل محبّة الحقيقة التي تهب الخلاص. وهذا الزمن السابق للأخير وزمن الكنيسة يرتبطان بزمن ظهور رجل المعصية.
إن زمن رجل المعصية يمتدّ في التاريخ ويضع له الله حدًا بعد أن يسرِّع أزمته الأخيرة. وحين يظهر رجلُ المعصية يجتذب إليه كلَّ البشر الذين لم يتعلّقوا بالربّ يسوع فرفضوا محبّة الحقيقة. ستنفصل الطرقات وتظهر المعارضات ويبين حزبان: فالحقُّ والضلال لن يمتزجا، والتقوى والكفرُ يتميّزان. وحين نقول إن رجل المعصيّة سيظهر في أوانه، فنحن نعني أن المعصيّة التي ظلّت خفيّة في التاريخ ستظهر في نهاية التاريخ وتُعرف على حقيقتها. مثل هذا الكلام لا يستند إلى معطيات التاريخ الملتبسة بل على وعي للمعارضة المطلقة بين الله والخطيئة. وهذا الوعي يأتي من الايمان. فالكنيسة (المؤمن) تهتمّ بهذا الكلام القائل إنه في نهاية التاريخ ستبيّن المعصية عن وجهها الحقيقيّ الذي هو وجه بشر. فإذا كان الله أخذ في يسوع المسيح شبه بشر يصالح معه العصاة، فالمعصية التي هي قمّة خطيئة الانسان ستتّخذ شبه بشر. رجلُ المعصية هو الخطيئة صار بشرًا، هو الخطيئةُ بالذات وتجسيدٌ للخطيئة.
هل رجل المعصية شخصٌ؟- نعم! كما أن الربَّ يسوعَ هو شخص. ولكن رجل المعصية لا يحمل اسمًا. أعطي له على مدّ التاريخ أسماء تغيّرت مع الأيام. والسببُ في ذلك لأنه سيكون الأخير، سيكون صورة إسكاتولوجيّة تقابل صورة الربّ. من الممكن أن تتجسّم المعصية التي تمثّل. وإذا كان زمن النهاية يتميّز بظهور رجل المعصية، يجب أن نفهم أنه في نهاية الزمن سيكون طابع عدد كبير من الناس المعصية الحرّة والمسؤولة: سيكون الانسان إلهًا للإنسان وسيقدّم الانسانُ نفسَه للناس الاله الوحيد الذي يضعون فيه ثقتهم (12: 4).
وتلعب المعجزات دورًا في ظهور رجل المعصية. هذه المعجزات تُنسب إلى الشيطان (12: 9) لأنها تدلّ على قوة تفوق قوةَ الانسان ولأنها لا تهدف إلى خلاص الانسان ومجد الله. هي علامات الكذب ومعجزاتُه، لأنها تبرّر اعتداد رجل المعصية في أن يعترف به الناس إلهًا. وواقع هذه المعجزات واقعٌ شيطانيّ في يُنبوعها وهدفها، فيجد رجل المعصية سببًا كافيًا لرذل الله وكل الديانة في القدرة العجيبة التي يملك والتي يمارسها في كلّ المجالات... وسرُّ المعصية هذا يعمل اليوم (7:12) في الزمن الذي ما قبل الأخير الذي هو زمن الكنيسة. فليس من العجب أن نكتشف في زمننا عناصر خفيّة عن الأزمة الأخيرة وأن تشكّل قوةُ الانسان على الأشياء تجربةً تجعله يحسب نفسه إلهًا. والألوهة هي بالنسبة إليه قوةٌ يخافها ويرجوها، الألوهة حاملةُ القوة.
ويقول النصّ إن الذين رغبوا في محبة الحقيقة لن يضلّوا بمعجزات الكذب وإغراءات حياة غاب الله عنها (12: 10). تلك تكون حالة البشريّة الروحيّة في نهاية التاريخ. فالذين كانوا ضحيّة سلطان رجل المعصية الذي هو تجسيدٌ لعالم ملحد، سيُواجهون الذين تحفظهم محبة الحقيقة من هذا الضلال. وهكذا تُعقد خيوط الأزمة الأخيرة الراجعة إلى أول الزمن (تك 3: 5). فمنذ البداية إلى النهاية تتنازع المعصية والتقوى والخطيئةُ والبرُّ قلبَ الانسان، ولن يتواجه العصاةُ والمؤمنون إلاّ في النهاية. وهذا اليقين يجده الرسول في نظرته إلى المسيح على ضوء الروح القدس وفي طابع قرار الايمان المطلق وفي صعوبة الاختيار الذي يفرضه الانجيل الذي يقول: لا تستطيعون أن تعبدوا ربيّن (مت 6: 24). أما خيوط الأزمة الأخيرة فسيحلّها ظهور يسوع المسيح والنصر الذي بلغه بموته وقيامته. أمام الرب يسوع لن يبقى رجلُ المعصية دقيقةً واحدةً ولن يسنده أحد. أمام الربّ يسوعَ الحقيقة المتجسِّدة، سيتلاشى العالمُ الملحد، كالليل أمام الشمس عند شروقها، ولن يبقى منه شيء. حينئذ تتمّ دينونة الذين آمنوا بالكذب وخلاص الذين حفظوا نفوسهم من كلّ ضلال بمحبّة الحقيقة. هذا تنبيهٌ إلى الكنيسة وإلى كل مؤمن: إن وجوده في العالم زمنيٌّ عابر، كان قرار الايمان أمرٌ خطيرٌ بسبب التجارب التي تكتنفه، ولكنه يستطيع أن يحيا ويشهد في الزمن السابق للأخير الذي هو زمنه في الايمان بانتصار يسوع المسيح النهائي.
13:2-14 فعل شكر:
حين صوّر بولس الأزمةَ التي أثارها رجلُ المعصية، بدا وكأنه نسي قرّاءه. ولكن الواقع هو غير ذلك، لأنه حين تكلّم عن الأزمة عرف كم يجب أن يرفع الشكر إلى الله سيّد الخلاص الذي يودّ أن يشارك فيه. فقرَّاؤه يفترقون عن الكافرين الذين سينالون حكم الله العادل، لأنهم موضوع محبّة الرب (في 1 تس 1: 4 هم موضوع محبة المسيح والمسيح هو يهوه الربّ). أما سبب شكر بولس لله من أجل إخوته، فلأن الله اختارهم منذ البدء (1 كور 2: 7؛ أف 1: 4؛ كو 1: 26؛ 2 تم 1: 9). اختار الله التسالونيكيّين ليخلّصهم بالقداسة التي يمنحها الروح، وبالايمان الحق. إذًا تمّ اختيار التسالونيكيّين بالقداسة التي يفعلها الروح كما تمّ بالايمان الذي هو جوابهم للحقيقة المسموعة. وهكذا يبقى الله أساس خلاص التسالونيكيّين أمام هلاك الذين رفضوا أن يؤمنوا بالحقيقة ورغبوا في الباطل (آ 12).
آ 14 والله ما اختار المؤمنين فقط منذ البدء، بل حقّق هذه الاختيار بوجودهم في هذا العالم فدعاهم إلى الخلاص بواسطة الانجيل الذي كرز به بولس ورفيقاه. وهذا الخلاص هو نوال مجد ربنا يسوع المسيح.
آ 15-17 دعوة إلى الأمانة والصلاة:
ويصل بولس إلى استنتاج عمليّ عن يقين الخلاص الذي أعلنه. هنا نربط آ 15 بالآيات 1-3: لا تتزعزعوا سريعًا في أفكاركم... كأن يوم الربّ جاء. أثبتوا، يقول بولس، واجعلوا ثباتكم بوجه كلام المتهوّسين. ولهذا حافظوا على التقاليد التي أخذتموها عنّا سواء كان مشافهة أو بالكتابة. يشير بولس هنا إلى 1 تس بكلمة كتابة، ويشير إلى تعليمه بكلمة مشافهة. ويعود بولس إلى كلمة تقاليد ليدلّ على التعاليم الشفهيّة الخطيّة. هذه الكلمة نجدها فقط في 1 كور 2:11؛ غل 14:1؛ 2 تس 15:2؛ 6:3؛ كو 8:2. ولكن واقع التقليد أمرٌ مفروضٌ في كتب العهد الجديد (رج لو 1: 1ي). والتقليد عنصر من الديانة يفترض وحي الله في التاريخ ترتبط به الأجيال اللاحقة بتقليد يعود إلى شهود عيان. في 1 كور 2:11 سمّى بولس التقاليد وصايا أخلاقية وعباديّة أخذها من كنيسة أورشليم وعدَّها قاعدةً لكلّ الكنائس. أما هنا فالتقاليد تعني التعاليم عن مجيء الربّ كما وصل إلى التسالونيكيّين من شفاه بولس ورفاقه (2: 5؛ 1: تس 5: 2).
آ 16-17 وينتهي هذا التحريض بصلاة يطلب فيها بولس من الربّ أن يمنح التسالونيكيّين الثبات المطلوب من أناس اختارهم الله للخلاص (آ 13-14)، ولكنّهم ما زالوا معرَّضين لتجارب ترتبط بوجودهم في هذا العالم ولتجارب محفوظة لهم في الزمن الأخير (آ 10). شكلُ هذه الصلاة يشبه شكل الصلاة التي تنهي القسم الأول من 1 تس (3: 11 ي) مع فارق واحد هو أن الربَّ يسوع مذكور قبل الله الآب. يذكّرنا بوليس بما عمله الله في المسيح من أجل المؤمنين، وعملُ الله هذا هو عربون استجابة صلاته لأن الربّ منح بالمسيح المؤمنينَ عزاءً أبديًا يعطيهم اليقين بالخلاص الإسكاتولوجيّ ويثبّتهم في كل المحن. ومنحهم رجاءً حسنًا موضوعه الخلاص (روم 5: 5). أما موضوع الصلاة فهو: أن يعزّي الله قلوبكم فيمنحها بروحه عزاءً أبديًا أعطاه للجميع في المسيح، وأن يقوّي قلوبكم فيعطيها هذا الثبات المطلوب منها في كل عمل وفي كل قول لتكون بحسب مشيئة الله.
إذا قابلنا 16:2 ي مع 1 تس 3: 11-13 نلاحظ أنّ هذه تتميّز بالطابع الاسكاتولوجي فتنظر إلى مجيء الربِّ يسوع القريب. أما تلك فتتطلّع إلى العزاء الحاضر المعطى للتسالونيكيّين وثباتهم في الحياة المسيحيّة في هذا العالم، وهذا ما يتوافق ونظرةَ 2 تس التي تجعل مجيء الربّ في مستقبل لا يعرفه أحد.
3: 1-5 صلاة وطلب:
آ 1-2 وبعد... وهكذا يطلب بولس صلاةَ قرّائه كما تعوّد أن يفعل (روم 15: 30؛ 2 كور 1: 11؛ 1 تس 5: 25؛ كو 3:4). وموضوع هذه الصلاة: انتشار الانجيل وحريّة التبشير بالانجيل لتُتابع كلمةُ الله جريَها (رج مز 147: 4 حسب السبعينيّة). في المسيحيّة الأولى، الانجيلُ واقعٌ حيٌّ فعّال يتميّز عن البشر الذين يحملونه (2 كور 7:4؛ 2 تم 9:2). وكلمة الربّ تتمجّد حين تُقبَل بفرح وتُظهر قوَّتها كما حدث في تسالونيكي (1 تس 1: 6 ي) وتكون موضوعَ شكر المؤمنين ومديحهم. ولقد أوكلت إلى الرسول مهمّةُ التبشير بها، لهذا على إخوته أن يصلّوا لأجله لينجو من الناس الأشرار الضالّين والكافرين الذين هم أعداؤه بسبب الانجيل الذي رفضوه. فما جميعُ الناس مؤمنون، والقارئ يعرف ذلك انطلاقًا من 1: 6 ي و2: 1ي والحالة كما هي مليئة بالأخطار لمرسَلي المسيح.
آ 3-5 ويعود بولس من الكافرين إلى التسالونيكيّين المؤمنين الذين يجب أن يثبتوا دومًا في الايمان الجديد. أما بولسُ فليس بقلق لأن الربَّ أمينٌ وهو يستجيب صلاته (2: 16 ي) ويقوّيهم ويحفظهم من الشرير أو من الشرّ (مت 6: 13). وأمانة الله تدعو المؤمنين إلى الأمانة. ويعبّر الرسول عن ثقته بقرّائه في أن يكونوا أمناء لله وفي طاعته: هم يعملون الآن ما يأمرهم به وسيعملون في المستقبل. ويوكل بولسُ المؤمنين إلى الربّ بالصلاة. محبةُ الله هي المحبة التي يمنحها الله للبشر (روم 5: 5، 8؛ 8: 39؛ 2 كور 13: 13) وثباتُ المسيح هو الثبات الذي يمنحه المسيح لأخصّائه. محبةُ الله واقع أولا وأساسيّ في الحياة المسيحيّة. فإذا أراد المؤمنون أن يتجاوبوا مع محبّة الله تصبح صلاةُ بولس على الشكل التالي: نرجو من الرب أن يقودكم إلى محبّة الله وانتظار المسيح بثبات.
ج- القسم الثالث: تحذير من الفوضى والكسل (3: 6-18)
آ 3-6 يثق بولس بكنيسة تسالونيكي (2: 13-3: 6) ومع ذلك فهو يعتبر أنَّ عليه التدخّل بكل سلطته في قضيّة خاصة. يقول: باسم الرب يسوع المسيح، ليدلّ أنه لا يتكلّم من عنده ولا يعطي نظرته الشخصيّة، بل إنما يتكلّم كممثّل للربّ يسوع المسيح الذي يتعبّد له التسالونيكيون. فأمرَهم أن يتجنَّبوا كل أخ بطّال أو يعيش بطريقة فوضويّة. في آ 11 نعرف أن الفوضى هي أن لا يعمل المؤمن، بل يقضي أوقات فراغه في حركة دائمة ويحمِّل إخوتَه ثقلَه. أشارت 1 تس 4: 11 ي إلى ظهور هذه الروح التي تسبّبها حمّى انتظار مجيء الربّ. ولكن الذين في هذه الحالة هم قلّة. ولهذا أمر بولس الكنيسة بمجملها أن تتجنّب كل أخ يتصرّف تصرّفًا مغايرًا للتعليم وتجابهه بالتقليد الذي أخذته من حياة الرسول أو من تعليمه. لسنا أمام حُرم، بل موقف من قبل الكنيسة التي ترفض أن تتبع مثل هؤلاء الضالّين وتعزلهم ما زالوا يتصرّفون تصرفًا يرفضه الرسول.
آ 7- 10 التقليد الرسولي في العمل:
مثالُ بولس ماثل أمام عيون التسالونيكيّين فلا يترك لهم مجالاً للتردّد، بعد أن رأوا أنه لم يتهرّب من العمل. لم يعش يومًا على حساب الآخرين، بل تعب وكدَّ ليقوم بأوَده وأوَد الفريق الرسوليّ. في 1 تس 2: 19 استعمل بولس الكلمات عينَها ولكنّه شدّد على تجرّده. أما هنا فأعطى نفسه مثالاً في العمل (آ 8). في كورنتوس لم يلجأ بولس إلى حقّه بأن تقوم الكنيسة بنفقته، وذلك من أجل الانجيل (1 كور 9: 12، 18؛ 2 كور 7:11 ي). أما في تسالونيكي فإن تخلّى عن هذا الحق فلكي يعطي الكنيسة مثلاً عن العمل (آ 10). ومثاله يسند تعليمه أو بالأحرى المثل المعروف: إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يحقّ له أن يأكل. إذا كانت التقوى تمنعهم من العمل، فلتمنعهم هذه التقوى من الطعام.
آ 11-16 إجراءات من أجل النظام في الكنيسة:
ويتحدّث بولس عن بعض الذين "يسلكون في الكسل، فلا يشتغلون بل يتشاغلون بما لا طائل فيه". يورد بولس سبب هذا النبأ، ويعزوه ولاشكّ إلى ما ورد في 2: 2 ي.
آ 12 إلى هؤلاء المخطئين يجدّد بولس أوامره بمحبة: ليشتغلوا بهدوء، فيربحوا خبزهم الذي يحتاجونه ليحيَوا. فالمطلوب هو حياة منظمة.
آ 13 ويتوجّه بولس إلى الاخوة الذين شكّلوا الاكثرية في الكنائس ويحرّضهم على ألاّ يملّوا من عمل الخير: فلا ينسَوا حتى الكسالى، ولا يسمحوا لأنفسهم بالتراخي فيتبعوا طريق الذين لا يريدون أن يعملوا.
آ 14 وبعد أن شجّع بولس الاخوة الأمينين لتعاليمه، أعطاهم إرشادات عن السلوك تجاه الأخ الذي لا يطيع كلامه: لاحظوه، أي بيّنوا له بموقفكم أنكم عالمون به. وتجنّبوه، أي اجعلوه خارج حياة الكنيسة ولا تشاركوه في الافخارستيا، وهذا كلّه ليخجل فيعود إلى نفسه ويأخذ من جديد مكانه في الكنيسة.
آ 15 هذه الروح الأخوية ظاهرة في التحريض الأخير: لا تعاملوه كعدوّ، بل انصحوه دومًا كأخ: فالكنيسة ما زالت مسؤولة عن الخاطئ. إنه من أعضائها. يجب ألاّ يُحرم من نصائحها. من يدري لعلّه يتوب.
آ 16 وينتهي التحريض بصلاة كما في 1 تس 23:5. ربّ السلام هو الذي يجمع الاخوة ويحفظهم متّحدين فيمنحهم السلام في كلّ وقت وفي كلّ حال. 
إن آ 6-16 تشهد على ممارسة نظام في الكنيسة الأولى. الكنيسة مسؤولة عن أعضائها، والاخوة عن أخيهم. وهذا التصرّف توحيه محبة الخاطئ فيدعوه إلى الانقطاع عن الخطيئة والرجوع إلى حياة مسيحيّة حقّة واستعادة مكانه في الكنيسة.
آ 17- 18 سلام ختامي:
كان بولس يملي رسائله (روم 16: 22) وينهيها بخاتمة وسلام بخطّ يده (1 كور 16: 21؛ غل 6: 11؛ كو 18:4). وهو هنا يعطي علامةً لصحّة رسالته: هكذا أكتب، وكلّ واحد يستطيع أن يتعرّف إلى كتابته. بهذا يعطي التسالونيكيّين وسيلةً يكشفون بها من يدّعون أنهم يحملون رسالة من قبله (2: 2). والكلمة الأخيرة: لتكن نعمة ربنا يسوع المسيح معكم أجمعين! وتنتهي الرسالة بكلمة آمين في عدد كبير من المخطوطات لأنها كانت تتلى في الاجتماعات الليتورجيّة.
خاتمة عامة

ذاك كان الكتاب الثاني في مجموعة "في رحاب الكتاب". وقد عنوناه "العهد الثاني" بالنسبة إلى "العهد الأول" الذي هو العهد القديم وأسفار التوراة الستة والاربعون. كتاب انطلق من أمور لاهوتيّة في العهد الجديد، وتوقّف في الأناجيل الازائيّة، أناجيل متّى ومرقس ولوقا. وبعد أن كانت له جولات في إنجيل يوحنا، تعرّف بعض الشيء إلى رسائل القديس بولس.
ويقول قائل: لماذا هذا الكتاب بعد أن تمّ شرح عدد كبير من أسفار العهد القديم والعهد الجديد؟ أما يكون هنا تكرار لما قيل سابقًا؟ ربّما. ولكننا أردنا أن نوصل أولاً الغنى اللاهوتي الذي اكتشفناه في الكتاب المقدس. كما فتحنا بعض النوافذ على دراسات حديثة لم نتطرّف إليها فيما سبق. في "العهد الأول" كانت دراسات حول البنتاتوكس أو الأسفار الخمسة تعيد النظر في التقاليد الاربعة من يهوهيِّة والوهيميّة واشتراعيّة وكهنوتيّة. وفي "العهد الثاني"، ما هو أصيل حقًا هو القسم المتعلّق بالانجيل الرابع، وبعض ما في القسم المتحدّث عن رسائل بولس.
فالدراسات الكتابيّة تتجدّد ولاسيّما في عالم الغرب الاوروبي والاميركي. ونحن نحاول أن نستفيد منها. أما عالم الشرق، فما زال يكرّر ما تعلّمه دون الرجوع الأصيل إلى الآباء الذين تركوا لنا شروحًا معمّقة في الكتاب المقدّس. أو هو يأخذ من هنا وهناك. لهذا فنحن نتوق إلى رؤية النصوص التأويليّة الشرقيّة في يد القارئ العربي: سواء جاء من العالم السرياني أو اليوناني أو القبطي... وحين نتعرّف إلى إرثنا الكتابي، نستطيع أن نستلهمه لنُقدّم إلى قارئ القرن العشرين، نظرة كتابيّة تربطه بجذوره العميقة وتطلقه في عالم يعيش فيه اليوم.
ذاك هو هدفنا ونحن نترك للقارئ أن يحكم عليه. لهذا قدّمنا "في رحاب الكتاب، العهد الثاني". ونحن نرجو بعون الله أن نتابع المسيرة في أجزاء ثلاثة أخرى يكون عنوانها: بين العهدين. أنجعد من الكتاب. الكتاب والتاريخ. من أجل هذا نتكّل على صلاتكم وتشجيعكم لكي نتابع هذا العمل الكتابيّ الهام على مستوى العالم العربي، فننشد في لغتنا عظائم الله، كما أنشدتها الشعوب كلها في يوم العنصرة وحلول الروح القدس في الكنيسة.