تعرف إلى العهد الجديد مع شهود عديدين

 

تقديم

وُلد هذا الكتاب من حاجة. كيف نُدخل طالب اللاهوت ودارس الكتاب المقدّس في عالم العهد الجديد؟ كيف نعرّفه إلى المحيط الإجتماعي والديني قبل أن نفتح له الباب على كنوز العهد الجديد؟
لهذا وضعنا هذا الكتاب وعنوانه: تعرّف إلى العهد الجديد مع شهود عديدين الشهود هم الرسل والتلاميذ، الشهود هم الإنجيليون وأصحاب الرسائل والمقالات الروحية. سنرافقهم ولا ننسى أن علينا بدورنا أن نكون شهوداً لهذه الكلمة التي ستبقى حية بقدر ما نجعلها على منارة في حياتنا وأقوالنا وأعمالنا. إن جعلناها تحت السرير ماتت فينا وحولنا. إن طمرناها بالأرض كما فعل صاحب الوزنة ولم نستثمرها كان عقابنا مريعاً.
كتاب أردناه صغيراً، ولكن النصوص العديدة التي فيه جعلته ينمو بعض الشيء. فلا يكفي أن نتوقف عند معارف خارجية أو "علمية" حين نقرأ الكتاب المقدس. فإن لم نصل إلى النصوص نتأمَّل فيها ونجعلها موضوع صلاتنا وحياتنا، ظلّت دراستنا عقيمة، وشجرة لا تعطي ثمراً. 
في هذا الكتاب نتعرّف إلى يسوع المسيح. هو وحده موضوع دراستنا. والشهود العديدون يتحدِّد موقعهم بالنسبة إليه. عنه تتحدّث الأناجيل، ولكن سائر أسفار العهد الجديد لا معنى لها من دونه. فبولس حين كتب إلى أهل كورنتوس جعل نصب عينيه "يسوع المسيح، بل يسوع المسيح المصلوب ".
في هذا الكتاب نتعرّف إلى الكنيسة الأولى منذ رافق الإثنا عشر يسوع حتّى الزمن الذي فيه كُتبت الأناجيل وسائر الأسفار. هذه الكنيسة تتأمل في أقوال الرّب وأعماله، وتحاول أن تعيش حياتها في العالم على ضوء هذه الأقوال والأعمال. فالكنيسة هي امتداد المسيح. وكما تجسّد المسيح وعاش في أرض فلسطين، ستتجسّد هي في فينيقية وسورية وآسية الصغرى، وتصل إلى أوروبا، بل إلى أقاصي الأرض. كانت لها مشاكلها وصعوباتها، كما لها اليوم مشاكلها وصعوباتها. ولكنّها تعود دوماً لا إلى العالم، بل إلى الحدث الذي أسّس حياتها، إلى يسوع المسيح الذي هو هو أمس واليوم والى الأبد.
نتعرّف إلى يسوع، نتعرّف إلى الكنيسة، ونتعرّف إلى كنيستنا اليوم، نتعرّف إلى العالم الذي نعيش فيه والذي يطلب منّا "جواباً عن الرجاء الذي فينا". العالم لا يطلب منّا أن نردّد له حكمته، وهو أدرى بها منا. بل يطلب منّا حكمة مبنّية على المسيح، مبنيّة على صليب المسيح الذي ينتهي بالقيامة.
هذا هو الكتاب الذي نقدّمه بوجوهه الثلاثة إلى المؤمنين في بداية مسيرتهم للولوج إلى عالم كلام الله. وهو يتوجه بصورة خاصة إلى طلاّب معاهد اللاهوت من اكليريكيين وعلمانيّين، إلى المبتدئين والمبتدئات في الحياة الرهبانية، إلى المنتمين إلى الحركات الرسولية... وقد يجد فيه الكاهن والراهب والراهبة، وكل مؤمن ملتزم معطيات بسيطة تساعده على فهم إيمانه وإيصال كلمة الله إلى الآخرين.
رافقتُ هؤلاء الشهود العديدين لأتعرّف إلى العهد الجديد الذي يحدّثنا عن يسوع المسيح. وأنا أدعوك أيها المؤمن أن تحاول المسيرة عينها، فقد يكون لك كما كان ليوحنا واندراوس أن تقيم مع الرّب حتى الساعة العاشرة، قد يكون لك كما كان لمريم التي جلست عند قدمَيْ الرّب تسمع له فاختارت لها النصيب الأفضل.
بعد أن رافقت الطلاّب سحابة خمس عشرة سنة، حاولت أن اقدّم هذا الكتاب في ثلاثة أقسام. الأول: في أصول التقليد الإنجيلي. الثاني: الجماعات الأولى قبل سنة 070 الثالث: تدوين الأناجيل. وينتهي كل هذا بفصل أخير يحدّثنا عن العهد الجديد كتاب شعب الله. كذا كان للكنيسة الأولى وكذا سيكون لكنائسنا ولجماعاتنا.

 

القِسم الأول
في أصُول التقليد الإنجيلي

أين نبتت الأناجيل؟ في أي محيط دوّنت أسفار العهد الجديد؟ سوف نحلّل الاطار السياسي والديني الذي عاشت فيه الكنيسة الأولى، ونربط كتابات العهد الجديد بمحيطها الحياتي.
يتضمن هذا القسم ثمانية فصول:
1- العالم الروماني
2- العالم اليهودي
3- يسوع رجل عاش في فلسطين
4- يسوع في محيطه الحياتي
5- يسوع والمرذولون في المجتمع
6- موقف يسوع قاده إلى الموت
7- الإيمان الفصحي
8- أناجيل القيامة


الفصل الاول

العالم الروماني

وُلد الإنجيل في العالم الروماني الذي سيطر على كل حوض البحر المتوسط. كما وُلد في العالم اليهودي سواء ذلك العائش في فلسطين، أو ذلك العائش في ما يسمّى عالم الشتات، أي المدن التي فيها تشتَّت اليهود فكوّنوا جماعات تعيش في قسم من حياتها على هامش المجتمع. ونبدأ بالكلام عن العالم الروماني، تاركين إلى فصلٍ لاحق العالم اليهودي.
حين نتحدّث عن العالم الروماني القديم، نتذكّر ما رأيناه في الأفلام من سباق المركبات وصراع المتحاربين في الحلبة أمام جماهير المشاهدين، وجنون كاليغولا أو نيرون... قد تخفي هذه الصور الملخّصة واقعاً مهماً. وهو أن المملكة الرومانية صارت في القرن الأول المسيحي ضرورة اقتصاديّة فرضت نفسها حتى على المحتلّ نفسه عنيت به الرومان.
1- البحث عن سلطة قوية
إحتلت رومة في القرن الأول ق. م. عدداً من البلدان. سواء في الجنوب الشرقي أي آسية الصغرى (تركيا الحالية)، سورية، مصر. أو في الشمال الغربي مثل بلاد غالية أي فرنسا.
كان أبطال هذه المغامرات رجال مثل بومبيوس وقيصر وانطونيوس. وقد حملهم نجاحهم في الحرب ومحبّتهم للغنى على أن يحكموا البلاد دون مشاركة أحد. وهذا التعطّش إلى السلطة سبّب عدداً من الحروب الداخلية، إنتهت بالاعتراف بامبراطور (حاكم) واحد وكليّ القدرة، اسمه اوكتافيوس (31 ق. م.). كان الامبراطور قائد الجيوش، وهذا ما أتاح له أن يكون السيّد المطلق على كل المناطق التي احتلّتها رومة. في النهاية عّم السلام، ووُلدت سلطة قويّة لا نزاع عليها.
في هذا الإطار السياسي، سُمّي الامبراطور "المخلّص " و"الإله . فقد أخرج مختلف المقاطعات من الحروب الأهليّة ومن السلب والنهب الذي تجرّه هذه الحروب. فأهل آسية وسورية عبّروا عن اعترافهم هذا بشعائر عبادة قدّموها للامبراطور: ذبائح، معابد، كهنة، تماثيل. وهكذا وُلدت العبادة للامبراطور. لم يعارض أوكتافيوس هذه الممارسة بعد أن وعى أن هذه العبادة الدينية تعمل على تماسك مختلف أنحاء المملكة أو تقوّي سلطة الحاكم الشخصيّة.
وعرف أوكتافيوس أن المواطنين الرومان يعارضون هذه العبادة، فرفض أن يؤلَّه وهو حيّ، فقبل لقب اغوسطس الذي يعني محبوب الآلهة وبركة الآلهة. وبعد هذا، أراد بعض الأباطرة أن يُعبدوا كآلهة مثل كاليغولا ونيرون ودوميسيان. وظل آخرون غير مقتنعين مثل فسباسيان، ولكنهم لم يمنعوا توسّع عبادة تخدم مصالح الدولة والامبراطور.
ومع ذلك، يتوزعّ تاريخ القرن الأول المسيحي عددٌ من الأباطرة قُتلوا، مثل كاليغولا وكلوديوس ونيرون ودوميسيان. كما تتوزعه صراعات بين الاخوة من أجل فرض خلف للامبراطور. هذا ما حدث على أثر موت نيرون سنة 68 ب. م. وتتواجه الفرق الرومانية لتفرض قائدها كامبراطور جديد، وهي عالمة أنها إن نجحت ستحصل على الأرض والمال. وإذ أراد الأباطرة أن يتجنّبوا مثل هذه الأحداث، إعتادوا أن يسمّوا خلفهم وهم بعد أحياء.
وهكذا تنظّمت شيئاً فشيئًا بنية سياسيّة جديدة. أزيل نظام القناصل الذين كانوا يحكمون سنة واحدة فقط، وحل محلّهم الأباطرة الذين ألّهوا فتسلّطوا وحدهم على الحكم حتى مماتهم.

2- لماذا سلطة قويّة
عاش الرومان على مدى قرنين من الزمن من غنى المناطق التي احتلّوها. إما احتلّوا فسلبوا فاعتبروا سلبهم حقّاً مكتسباً. وإما سرقوا البلدان بواسطة الحكّام والتجّار. سرقوا القطع الفنيّة، ومحاصيل الأرض. وسرقوا الرجال ليجعلوا منهم عبيداً.
اغتنى الرومان بهذا الشكل. فاستغنوا عن دفع الضرائب واعتادوا أن يعيشوا على حساب البلدان التي احتلّوها. ولكن لم يعد من السهل ضمّ اراضٍ جديدة إلى المملكة. ثم خفّ الدخل من المناطق التي دمّرها السلب وأفقرها فرض الخوّة على الناس. لهذا بدت الحاجة ماسّة إلى سلطة قويّة في نهاية القرن الأول ق. م.، لإخراج البلدان من الضائقة الاقتصادية وتنظيم غناها.
كانت المهمة الأولى لهذه السلطة مهمّة عسكرية. فالامبراطور هو قائد جميع الجيوش. بعضها يقف على حدود الامبراطورية ليردّ هجمات البرابرة. والبعض الآخر يقيم في مناطق لم تزل مضطربة مثل فلسطين. 
ونتج عن هذا الوضع سلام سهّل شغل الارض الذي هو ضروري لإطعام شعوب المملكة، كما أتاح للعمل التجاري أن يتوسَّع. ورغم ضعف وسائل النقل، غطّت الطرق مناطق الامبراطورية وربطتها بعضها ببعض، كما ازدهرت التجارة على البحر فحملت إلى رومة القمح والخمور والتحف الثمينة.
أحاط بالبحر المتوسط بلدان تنتمي كلها الى الامبراطورية. لهذا سمّي البحر المتوسط "بحرنا" (بلغة الرومان) فصار بحراً داخليّاً يجوبه أصحاب البنوك وبناة السفن والتجّار الكبار وكلّهم يبادلون ويربحون.
وكانت المهمّة الثانية لهذه السلطة أن تجمع غنى المقاطعات وترسلها إلى رومة. فرتّبت نظامًا إداريّاً يُوصل هذا الغنى إلى هدفه. كان الشيوخ يُرسَلون الى المناطق مرة كل سنة. أما أغوسطس فكوّن جهازاً من الموظفين ليحل محل هؤلاء الشيوخ. أخذهم من طبقة غنية هي طبقة "الفرسان". مثلوا الامبراطور في مختلف المقاطعات، ومارسوا العدالة ونظّموا الضرائب. وفي منتصف القرن الأول، قوّي كلوديوس هذا الجهاز، فحرّر العبيد ووظفهم ووزعهم في المملكة كلّها. وهكذا وصل المال إلى الخزينة والقمح إلى رومة.
ولكن الامبراطورية لم تكن في تلك الحقبة دولة بيروقراطية. فقد عرف الرومان أن يشركوا الارستوقراطيات المحلّية في إدارة المناطق. نجحوا بما حصل عليه هؤلاء الارستقراطيون من مال وجاه. ودلّ الرومان بهذه الطريقة على احترامهم لخصائص كل منطقة وكل شعب. وهكذا سهّلوا تكوين بنية ورثوها من الممالك الهلنستية التي تركها الاسكندر في سورية (السلوقيون) ومصر (البطالسة) ومكدونية. لقد نظَّموا المدن أو الحواضر.
فهذه الحواضر كانت مركزاً مهماً للتجارة وتبادل السلع. أدارت منطقة ملكية تعيش منها وتقوم بواجباتها تجاه السلطة المركزية. سنتعرف مثلاً الى كورنتوس وتسالونيكي وأفسس... ونقول حالاً إن الرومان استخدموا هذه البنية وطبّقوها على مقاطع لم تكن موجودة فيها. وهكذا ربطوا بسلطة قوية عدداً من الأوضاع المحلّية كانت الحاضرة النموذج الأول لها.

3- البنى الاجتماعيّة والايديولوجيّة
هذا الانشداد بين السلطة السياسيّة والارستوقراطيات المحلّية، جرّ المجتمع إلى تناقضات يصعب حلّها. ففي رومة كما في المناطق، إستفاد الوجهاء من السلام لكي يجمعوا الثروة. نعموا في الحواضر بالسلطة والشرفيات، وهم وحدهم يستطيعون أن يديروها بأموالهم. ولكنهم لم يعلموا أن هذه السلطة موقتة وعرضة للخطر: تكفي رسالة من الامبراطور فينتهي كل شيء: تُصادر الأموال ويذهب صاحبها إلى المنفى أو إلى الموت. في مثل هذه الحال، تكون ردّة الفعل الأولى أن ننعم بالحياة وأن نبذّر المال وفي هذا الإطار أيضاً توسّعت فلسفة احتقار هذا العالم واسمها الرواقية.
أقرَّ الحكيم أنه يعيش في عالم لا يستطيع أن يبدّل فيه شيئاً، فانزوى على نفسه وترك القدَر يصنع ما يشاء. لم يكن أكيداً من الحرية السياسية، فاستنبط لنفسه الحرية الداخليّة. هذه هي الرواقية التي انتشرت في كل أنحاء الامبراطورية وبلغت إلى كل طبقات المجتمع. مثلاً، كان إبيكتات، وهو المولود سنة 50، عبداً لأحد الأغنياء فقضى جزءاً من حياته واعظاً متنقلاً في آسية الصغرى (هذا ما سيكونه بولس).
هذا الحماس لا يُدهشنا، لأن عالم الفقراء وهو الاكثر عدداً، وجد نفسه في وضع اجتماعي لا يستطيع الخروج منه. فالعبيد العديدون في المدن الكبرى يخصّون معلميهم (هو يملكهم كما يملك ثوره أو حماره). وإن تحرّروا ظلّوا مرتبطين بمواليهم (مثلاً، يأخذون اسم مولاهم السابق). ويبقى الأحرار. إنهم فقراء ولذا عليهم أن يعملوا ويكدّوا. ولكن العمل اليدوي يحطّ من قدر الإنسان ويجعله غير أهل للحرية.
عرف الشعب أن عليه أن يُولد ويحيا ويموت دون أمل بتقدّم اجتماعي. وبدا له العالم مطبوعاً بالقدر. بحث عمّا يحرّكه فلجأ إلى الاسترولوجيا أو علم الكواكب. وإذ عرف مسيرة الكواكب ترجّى أن يسيطر على قدر يُفلت منه.
وفي هذا العالم المغلق انتشرت الديانات الجديدة، انتشرت الديانات السرّانية. جاءت من الشرق إلى الغرب فوصلت شيئاً فشيئاً إلى عظمى مدن الامبراطورية. وتعارضت في مبادئها كما في ممارساتها مع الديانات الرسمية. كان لكل حاضرة آلهتها. ولكن حُصرت عبادتهم بالمواطنين الأحرار، وأمّن لهم الاكرام الوجهاء من كهنة وحكّام، فقدموا لهم الذبائح والتقدمات.
هذه الديانات الرسميّة لا تهمّ الذين لا يستطيعون البلوغ إلى سياسة الحاضرة. أما الديانات السرّانية فتلغي الفوارق بين الأعراق والطبقات. فسواء كان المتدرّجون أحراراً أم عبيداً، مواطنين أم غرباء، فهم يصبحون اخوة ويبلغون إلى عالم جديد هو العالم السماوي. ويرمز إلى هذا التحوّل احتفالات تشدّد فيها الهلوسة والانخطاف على تجديد الأفراد.
ورافق هذا الغليان الديني تفسير نظري للعالم. إنه الغنوصية (أي عالم المعرفة). لا تنطلق هذه المعرفة من الدرس والبحث والمراقبة، بل هي محفوظة للمتدرّجين بواسطة الروح الإلهي. تقول الغنوصية إن العالم مقسوم بين الخير (العالم السماوي) والشرّ (المادة). غطِّس العالم في هذه المادة لأنه خلق بتغطيس شرارة إلهية في هذا العالم المادي. والمعرفة (أو: العرفان) وحدها كما يوحي بها "مخلّص" جاءت من عالم السماء، تتيح للمتدرّج أن يتحرّر من التصاقه بالمادة وأن يعود إلى الدائرة السماوية. هذه الغنوصية أتاحت للفقراء أن يتجاوزوا وضعهم كأشخاص أدنياء في المجتمع، وأن يبلغوا بالوحي إلى العالم السماوي.
هل هذا بعيد عنا ونحن نهتم بالابراج والمغامرات الهائلة، ونحن نترك الخيال لا الواقع يسيطر علينا؟ ويبقى أن المسيحيين الأولين تأثّروا بهذا المحيط الفكري. إذن، لن نعجب حين نرى بولس يهاجم المسيحيين المأخوذين بهذه الميول السرانية (مثلاً، في كولسي)، ويوحنا يهاجم النظريات الغنوصية.
هذا العبور إلى العالم الوثني لا ينسينا العالم اليهودي الذي فيه ترعرعت المسيحية الأولى. هذا ما سيكون موضوع الدرس المقبل.

 

الفصل الثانى

العالم اليهودي

يشكل العالم اليهودي وسط الإمبراطورية الرومانية عالماً له خاصيته. غير أنه يختلف كثيراً حسب المناطق والأوضاع. فكيف نفهم هذه الخصائص وهذا التوسّع داخل العالم الشرقي والغربي على السواء؟ 

1- وحدة واختلاف
قُسم العالم اليهودي في القرن الأول قسمين: هناك اليهود الذين يقيمون في فلسطين، واليهود الذين يسكنون مناطق وثنية (يسمّون: الشتات). وهذه الهجرة التي تعود إلى زمن بعيد قد قويت في بداية المسيحية: فالحروب الأهلية والفقر والضرائب، كل هذا دفع اليهود إلى التشتّت في بلدان يسمّونها بلاد منفاهم.
يبدو أن اليهود كانوا حوالي أربعة ملايين، فشكّلوا سبعة بالمئة من سكان الامبراطورية. عاش ثلاثة أرباعهم خارج فلسطين وذلك جيلاً بعد جيل منذ القرن الثامن ق. م. أقام هؤلاء اليهود خصوصاً في المدن الكبرى، مثل الاسكندرية، رومة، انطاكية، طرسوس، أفسس... كما أقاموا في بابلونية وهي تقابل اليوم بلاد العراق وبعضاً من ايران. مثل هذا التشتّت الكبير والطويل، خلق عادات وكوّن عقليات نُجمل ميزاتها فيما يلي.
منذ ثورة المكابيين، حاول سكان فلسطين أن يعيشوا في "دولة يهوديّة"، وعملوا جهدهم لكي يحموها من الهجمات الخارجية. ولمّا احتلّ الرومان فلسطين، إشتعلت الروح الوطنية وخلقت حركات وثورات شعبيّة، سنتحدّث عنها فيما بعد.
واندمج يهود الشتات في الامبراطورية، وسعوا للحصول على مواطنية مدينتهم والمواطنية الرومانية لما فيها من امتيازات. لا ننسى مثلاً أن بولس كان مواطناً رومانياً وباسم هذه المواطنية سيرفع دعواه إلى قيصر.
كانت لغة اليهود في فلسطين وبابلونية الأرامية، أما يهود المدن الهلنستية والمتحضرة بالحضارة اليونانية التي حملها الاسكندر، فكانت لغتهم اليونانية. تلك كانت لغة بولس وابلّوس، ولغة فيلون المفكر اليهودي الاسكندراني.
كان يهود فلسطين بمعظمهم من الفلاحين، وعاشوا حالة وضيعة. أما يهود الشتات، وإن لم يكونوا جميعهم أغنياء، إلا أنهم كلهم ينعمون بتفوّق ابن المدينة على ابن الريف.
ويرى المؤرخون أن أوساط فلسطين الارستوقراطية قد تحضّرت بالحضارة الهلينية. والاختلاف بين منطقة ومنطقة أبرز الفرق بين أغنياء وفقراء.
وبمختصر الكلام، تضمّن هذا العالم اليهودي أناساً مختلفين: هم لا يحاربون من أجل الحقوق عينها. لا يتكلّمون اللغة الواحدة. ويعيشون في ظروف اجتماعيّة ودينيّة مختلفة.
ومع ذلك، فهم يقرّون بأنهم شعب واحد، ويفتخرون بأن يكونوا يهوداً. قال بولس في فل 3: 5: "أنا الذي اختتن في اليوم الثامن، والذي هو من آل إسرائيل، من سبط بنيامين، الذي هو عبراني ابن عبراني ومن جهة الناموس فريسي ". منذ المنفى (587 ق. م.) حافظ اليهود على عادات تميّزهم عن الوثنيين كالختان وحفظ السبت. وساند المجمع (أو الكنيس، موضع الصلاة) هذا المجهود. فهو بناء ومؤسسة يجمع اليهود في كل موضع تشتتوا فيه. إنه مكان الصلاة يوم السبت، وهو مدرسة في أيام الاسبوع، وفيه تُعقد المحكمة اذا لزم الأمر. ونجح يهود الشتات بأن يجعلوا الرومان يقرّون بخصائصهم. فمنحهم يوليوس قيصر ثم اغوسطس امتيازات تتيح لهم بأن يعيشوا حسب شريعتهم، وبأن يدفعوا الجزية للهيكل. تماسك داخلي واعتراف خارجي، هذا ما أتاح لليهود في الشتات أن يحافظوا على هويتهم.
نشير هنا إلى أن الشعب اليهودي لا يعود إلى أصل واحد. فعلى مرّ العصور، إنضمت إليه قبائل عاشت في فلسطين أو في جوارها. وفي القرن الأول ق. م.، ارتدّ عدد من الوثنيّين إلى الديانة اليهودية وأخذوا بكل فرائضها، بما فيها الختان. فسمّوا "المرتدّين " واعتبروا يهوداً. وتعاطف آخرون مع إيمان شعب إسرائيل، فلم يقبلوا بالختان، فسمّوا "المتّقين " و"خائفي الله " (أع 10: 2. كذا كان كورنيليوس؛ 16: 14: ليدية). لم يُعتبر المتقون من اليهود، بل من الوثنيين. لهذا، خاصم مسيحيو اورشليم بطرس لأنه أكل مع كورنيليوس الذي لم يزل في عرفهم وثنياً لا يهودياً (أع 11: 2).
وتأتي وحدة الشعب اليهودي أولا من الموضع المركزي الذي تحتلّه في حياتهم الشريعة والانبياء (هذه المجموعة ستسمّى "بيبليا" عند يهود الشتات). إعتقد اليهود أن الله يتكلّم بواسطة هذه الكتب، فاجتمعوا كل سبت في المجمع ليقرأوها ويفسّروها. وهذه الممارسة ستساعد على تنظيم الجماعات اليهودية بعد دمار هيكل أورشليم سنة 70 ق. م. صار المجمع موضع لقاء ومشاركة. وكانت أسفار الشريعة والانبياء وسائر الكتب مكتبة تجمّعت في القرن الأول المسيحي في لائحة هي اللائحة القانونية أو الأسفار القانونية.

2- قراءات مختلفة، بل متعارضة
إختلف اليهود في القرن الأول المسيحي، فاختلفت قراءاتهم للتوراة: هم من الشتات أو من فلسطين، هم فقراء أو أغنياء، هم من هذا الميل الديني أو السياسي أو من ذاك. ويختلف الواحد عن الآخر بإحساسه، بطريقة فهمه، بالمنفعة التي يبحث عنها. وهذا ما أعطانا فيضاً من الكتب المتنوّعة لم يبقَ لنا إلا قسم منها.
وتعطينا مكتبة قمران التي اكتشفت في برية يهوذا فكرة عن هذه المكتبة. كان "الاسيانيون" (وهم جماعة قمران) يهوداً خاصموا رؤساء الكهنة فانعزلوا في البرية مئة سنة قبل المسيح، وأسّسوا شيعة زالت مع دمار أورشليم (70 ب. م.) وأخفوا، خلال هذه الأحداث الدراماتيكية، أثمن مخطوطاتهم التي اكتشفت بالصدفة سنة 1947. نجد فيها أسفار التوراة، التفاسير، المدائح والمزامير، الرؤى، قواعد الجماعة.
دُوِّنت التوراة في العبرية. ولكن لم يعد يفهمها اليهود الذين يتكلّمون اليونانية أو الآرامية. وكانت ترجمة فرضت نفسها في شعائر العبادة وفي المجمع. هي السبعينية، وهي ترجمة يونانية تمّت في القرن الثالث ق. م. في مدينة الاسكندرية، وهو الترجوم الذي هو ترجمة آرامية. هاتان الترجمتان ليستا حرفيتين. بل هما تفكران النص العبري ليصبح مفهوماً في لغة وحضارة مختلفة. هاتان الترجمتان تؤوّلان النص وتشرحانه وتخلقان نصاً جديداً.
يعتبر اليهود أن في شريعة موسى جواباً على كل شيء. والحال أن المجتمع يتطوّر، فلا تعود الشريعة تتجاوب والأوضاع الجديدة. إذن، لا بدّ من سدّ هذا الفراغ. فتخصص يهود في هذه الدراسة وسمّوا الكتبة (جمع كاتب) أو السفرة (جمع سافر، من سفر الكتاب أي كتبه). تنظّموا في مدارس متعارضة، وبحثوا عن تفاصيل عديدة قد لا تكون مهمة، فقدموا أدباً بدأ شفهياً ثم دُوّن خطياً هو: المشناة. إنها إنضمامة مجموعات تُذكر فيها الحالات الجديدة والاجوبة الممكنة والمتضاربة. 
وسبّبت خصائص العالم اليهودي في الشتات احتقاراً وارتياباً من قبل الوثنيين. وإذ أراد اليهود أن يدافعوا عن أنفسهم، دوّنوا كتباً يقنعون بها الآخرين بقيمة الشرائع التي تميّزهم. إستعادوا مقولات معاصريهم ووضعوا فيها توراتهم. وهكذا صار موسى أعظم الفلاسفة، كما يقول سفر المكابيين الرابع (كتاب منحول). وقدّمت الشريعة اليهودية على أنها حكمة تليق باليونانيين. وتجرّأ بعضهم فقدّم كاهنة وثنية هي السيبيلة، فأعلنت أقوالاً ملهمة تعظِّم الشريعة اليهودية (أقوال سيبيلة). وقام بعمل الدفاع هذا رجل ترك لنا اسمه هو: فلافيوس يوسيفوس. بعد أن شارك في الثورة اليهودية (66-70) أراد أن يعيد اعتبار شعبه في عين الرومان، فكتب تاريخاً هو "الحرب اليهودية". إستعمل نبوءات قديمة ففصل اليهود الصريحين عن الثوَّار الذين يستحقُّون عقاباً من رومة. وإذ أراد أن يعرّف العالم بشعبه، دوّن كتاباً آخر استعاد فيه التاريخ الذي تتضمّنه التوراة وسمّاه: القديميات اليهودية.
دلَّ هذا الأدب على أن بعض الأوساط اليهودية الهلينية (مطبوعة بالحضارة اليونانية) قد ترجمت إيمانها في فكر يوناني. وسيجد هذا المجهود ذروته في أبحاث فيلون الاسكندراني. عاصر القديس بولس، وكان يهودياً حقيقياً، فشرع يفسّر التوراة منطلقاً من الفسلفة الافلاطونية ومن الرواقية. أخذ بعين الاعتبار النظرة اليهودية التي تقول: إن الله يعمل في التاريخ. وأدخل هذه النظرة في نهج فكري يعتبر أن لا إحساس للألوهة، أن الإله لا يتّصل بهذه الأرض. وتوصّل إلى هذا القول معلناً أن الله يعمل بصورة غير مباشرة في العالم؛ يعمل بكلمته، يعمل بروحه. فكان كلامُه صدىً للنظريات الفلسفية اليونانية. وحوّل في هذا العالم العقلي تفاصيل الأخبار البيبلية إلى تعاليم روحيّة كفيلة بأن توجّه حياة الحكماء (أليغوريا، مجاز). نحسّ بعض المرّات أن هذا المجهود مصطنع. ولكنه يشدّد على ضرورة تأوين التوراة، وإعادة كتابتها في حضارة أخرى.
ودفع الوضع السياسي المؤمنين إلى صياغة أدب آخر هو الأدب الجلياني أو الرؤيوي. إحتفظت لنا البيبليا بسفرين شاهدين عن هذا الأدب: سفر دانيال، رؤيا القديس يوحنا. عندما نذكر كلمة رؤيا نتخيّل رؤى غريبة ومخيفة. لا شكّ في أن هذا الأدب يضع أمامنا وحوشاً وكائنات رهيبة، فيصوّرها مستلهماً اساطير تعود إلى العالم الوثني (مثلاً، بلاد فارس). لجأت كتب الرؤى إلى هذه الصور لتفسّر مواعيد تضمّنتها التوراة وكذّبها التاريخ. فالله وعد شعبه بأن يكون أميناً لعهده معه. والحال، إن اليهود المقيمين في فلسطين يعرفون الاضطهاد والاحتقار والتسلّط من قبل الغرباء... فما الذي بقي من هذه المواعيد؟
لهذا تكوّن أدب خاص ليفسّر سرّ هذا التاريخ. فتوزعّ بين تفسير للشر المنتشر في العالم (كتاب أخنوخ، عزرا الرابع) وبين تصوير يوم الرب الذي فيه يتمجّد إسرائيل (سفر باروك الثاني، قاعدة الحرب في قمران). إنطبع الانتقال إلى هذا العالم الجديد، الذي حاول الكتاب أن يحسبوا ساعة مجيئه بتنظيم روزنامات، إنطبع بعلامات غريبة، بحروب ضد روح الشر (الشيطان) المتجسّد في الممالك المعادية. وظهر شخص بأوجهه المتعدّدة ليفرض ملكوت الله على العالم: إنه المسيح (إختاره الله ومسحه بالزيت المقدس وأرسله) أو داود الجديد كما تقول مزامير سليمان. إنه كاهن بحسب وثيقة دمشق التي اكتُشفت في قمران. إنه ابن الإنسان كما يقول سفر عزرا الرابع. نحن هنا أمام أدب متعدّد ومتضارب، وهو يرتبط بتيارات متنوّعة، بل متناقضة.

خاتمة
هذه الكتب تجعلنا أمام مجموعة من القراءات الممكنة للتوراة. ومع أنها متضاربة فقد أخذ بها العالم اليهودي، وهو العائش في أوضاع مختلفة. ووُلدت المسيحية في هذا العالم. إنطلقت من فلسطين وانتشرت مستعملة المجامع تعلّم فيها. وفسّرت هي أيضاً الكتاب المقدس مستفيدة من بعض القراءات اليهودية، المعروفة في العالم الجلياني أو عند الرابانيين (أو: المعلّمين). وإذ فعلت هذا، أخذت بالممارسة المعروفة في أيّامها.
ولكن ما عتمّت المسيحية أن صارت موضوع شك وارتياب. فاضطُهدت، وفي النهاية رُذلت. وكان هذا الرذل نتيجة عنصر جديد دخل في تفسير الكتاب المقدّس، وهذا العنصر الجديد يعطي الاسفار المقدسة معناها الحقيقي والأخير. هذا العنصر هو إنسان اسمه يسوع. في هذه النظرة، فقدت شريعة موسى سلطتها السامية، وحلّ محلّها الايمان بيسوع المسيح. وهذا التبديل سيقود بعض الرسل إلى الحدث. آمنوا بهذا الرجل الذي اسمه يسوع، فتجرّأوا أن يحيوا هذه الحياة الجديدة، أن يسيروا في هذا الطريق أو النهج الذي حملوه إلى أقاصي الأرض.
وهكذا بعد أن تعرّفنا إلى المحيط الذي وُلدت فيه اسفار العهد الجديد، نودّ أن نتعرّف إلى ملهم هذه الأسفار، إلى يسوع المسيح.
ليست هو بخيال لا جذور له. إنه إنسان من عصره. وهذا يعني بالنسبة إلينا أن موقعه محدّد في جماعة خاصة وفي شعب معروف. وقد قبل يسوع بوضعه، فقام بأعمال دلّت على خياراته ويقيناته. وهكذا حدّد موقفه بالنسبة إلى مواقف أخرى، وأظهر طريقة تتعارض وطرائق أخرى. 
وهكذا سنتعرّف إلى يسوع الذي هو إنسان من عصره، في ثلاثة فصول: يسوع رجل عاش في فلسطين، يسوع في محيطه الحياتي، موقف يسوع قاده إلى الموت.
لن نروي سيرة يسوع، بل نحدّد موقعها في عالمه، ونشير إلى بعض الأحداث التي لها معناها في حياته. ونفسّر هذه الأحداث فنتجاوز محاولة بناء تاريخ قد مضى. ونحاول أن لا نخون المراجع التي تساعدنا على اكتشاف يسوع الذي هو إنسان مثلنا، نحاول أن لا نخون الأناجيل. سوف نعود إلى الأناجيل وسنعرف أنها ليست ريبورتاجاً ولا تاريخاً. دُوّنت بعد الأحداث، فتوجّهت إلى الجماعات المسيحية في القسم الثاني من القرن الأول. لم يحتفظ كتّابها إلاّ ببعض أحداث حياة يسوع، تلك التي بدت لهم مهمّة لتجاوب على تساؤلات كنائسهم.
فعبر هذه المراجع "الناقصة" (أي لا تحتوي كل ما قاله يسوع وعمله) التي دوّنت بعد الأحداث بيد كتّاب محدّدين في الزمان والمكان، نكتشف يسوع. نحن لا نروي كل خبر يسوع، فهذا مستحيل. ولكننا نتعرف إلى يسوع كإنسان من عصره، كإنسان من لحم ودم عاش في فلسطين ومات من أجلنا ومن أجل خلاصنا نحن البشر.

الفصل الثالث

يسوع رجل عاش في فلسطين

عاش يسوع كل حياته في فلسطين. وقضى القسم الأكبر منها في الجليل. بلاد يسوع هي أرض تقع بين البحر والصحراء. كانت مهمّة من الناحية الجغرافية، لأنها شكلت طريقاً بين مصر وسورية للجيوش والقوافل. إذن، كانت فلسطين مهمّة لجيرانها بسبب موقعها الستراتيجي. لهذا سنتعرّف إلى فلسطين في بداية القرن الاول المسيحي. ثم نحدّد موقع يسوع في محيطه الاجتماعي والاقتصادي. وإذ نعرف أن الإنسان يتجذّر في حياة شعب وتقاليده، نعرف أن يسوع ورث حضارة شعبه وتخلّق بتقاليده. 

أ- فلسطين في القرن الأول المسيحي.
إذا أردنا أن نتعرّف إلى فلسطين كما بدت في زمن يسوع، نعود إلى وثائق ودراسات تاريخية هي في حوزتنا. ونحن نكتفي بتقديم الخطوط الكبرى لهذا التاريخ، لكي ندرك الوضع الاجتماعي الذي عاشه الشعب في ذلك الزمان.

1- الوضع السياسي والاداري
"في السنة الخامسة عشرة من ملك طيباريوس قيصر، حين كان بونسيوس بيلاطس (أي: بيلاطس البنطي) والياً على اليهودية، وهيرودس تتراخساً (أي رئيس الربع) على الجليل، وفيلبّس أخوه تتراخساً على بلاد أيطورية وبلاد تراخونيتس، وليسانياس تترارخساً على ابيلينة، وحنان وقيافا رئيسي الكهنة، كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البريّة " (لو 3: 1- 2).
بهذا الكلام يجمل لوقا الإطار التاريخي قبل أن يبدأ يسوع حياته العامّة.
تتطرّق هذه اللوحة إلى مناطق فلسطين: اليهودية، السامرة، الجليل. وإلى المناطق المجاورة: إيطورية، تراخونيتس وأبيلينة. يحكم هذه المناطق "ملوك" (هم ملوك صغار، تترارخس أي يحكم كل واحد على ربع مملكة هيرودس الكبير)، فيأخذون جزءاً من محاصيل الأرض، ويجعلون الناس يعملون في السخرة، وهكذا يستطيعون أن يعيشوا في الرخاء، أن يجعلوا حولهم الخدم والحشم، أن يخلدّوا أسماءهم في أبنية يشيدّونها. ففي زمن يسوع، شيّد هيرودس انتيباس، تترارخس الجليل، عاصمة جديدة سمّاها طبرية (قرب بحيرة طبرية)، تيّمناً باسم الامبراطور طيباريوس قيصر.
في التعداد الذي يقدّمه لوقا، هناك مقاطعة ناقصة. هي السامرة. يحكمها بونسيوس بيلاطس كما يحكم اليهودية وهي جزء من فلسطين (المنطقة الوسطى). لماذا أغفل لوقا هذا الاسم؟ قد يكون سبب ذلك الخلافات بين اليهود (أو: مقاطعة يهودا، عاصمتها اورشليم) والسامريين. فالسامريون اضطهدوا كهراطقة على يد عظماء عظماء الكهنة في اورشليم مئة سنة ق. م تقريباً. ومنذ ذلك الوقت سمَّم بغضٌ عنيف العلاقات بين اليهود والسامريين، فاتّهمهم اليهود بأنهم ينجسّون الأرض بحضورهم.
مهما يكن سبب هذا الاغفال، فاجمالة لوقا تبرز النظام السياسي الذي فيه تعيش فلسطين. الأول هو الامبراطور طيباريوس. إنه السيّد المطلق في البلاد. وهو يحكم عبر أشخاص يعيّنهم. تسلّم السلطة في اليهودية (أو: يهودا) والسامرة والٍ روماني عينه الامبراطور. وتسلمّها في سائر المناطق أبناء هيرودس الكبير الذي حكم فلسطين سنة 37- 6 ق. م. غار الامبراطور على سلطته، فانتزع منهم لقب الملك، وأحلّ محلّه لقب تترارخس. ولم يتورّع عن سلبهم سلطتهم. واليهودية هي أفضل مثال على ذلك.
تعب أغوسطس من تشكيّات وجهاء اليهود الذين أكثروا من البعثات إلى رومة وهم يتهمّون ارخيلاوس بالتسلط والاستبداد، فعزل هذا الذي كان ابن هيرودس الكبير، وأحلَّ محلّه والياً امبراطورياً، وكان ذلك في السنة السادسة بعد المسيح.
هذا التبديل في النظام، تمّ بتحريض من الوجهاء اليهود وعظماء الكهنة والشيوخ. فقد كان هيرودس الكبير قد وضع يده على سلطتهم وتوّج ملكاً. وحين عملوا على عزْل ارخيلاوس أحسّوا أنهم صاروا الرؤساء السياسيين في اليهوديّة ومحاوري رومة الوحيدين. لا شكّ في أن رومة تدير البلاد، ولكنها تحتاج إلى رضى رئيس الكهنة والشيوخ لتحكم في سلام. لهذا كانت رومة تسندهم من جهة، وتراقب سلطتهم من جهة أخرى.
وكان لوقا عارفاً بالوضع حين تحدَّث عن كهنوت حنان وقيافا. من الوجهة النظرية، يبقى رئيس الكهنة في وظيفته طوال حياته، وكانت سلطته وراثية. تخوّف الرومان من قوة هذه السلطة. لذلك عزلوا حنان سنة 15 ب. م. وإذ أرادوا ان يظلّوا على وفاق مع الارستوقراطية اليهودية، عينّوا صهره قيافا رئيس كهنة.
إذن، كانت فلسطين خاضعة لسلطات عديدة تعود كلّها إلى الامبراطور. فإن خسروا رضاه كان عقابهم العزل أو المنفى. هذا ما حدث لبونسيوس بيلاطس وهيرودس انتيباس فذهبا إلى المنفى. من أجل هذا، كان اصحاب السلطة يبحثون عن الغنى السريع، وكانوا قساة مع سكان يجب أن يقمعوا فيهم كل حركة تمرّد.

2- الوضع الاقتصادي
تداخلت هذه البنية السياسية مع وضع اجتماعي تعمّقت فيه الهوّة بين الاغنياء والفقراء. وهذا ما ندركه حين ندرس النظام الاقتصادي في فلسطين، متوقّفين بصورة خاصة على ما تقدّمه لنا الأمثال الإنجيلية.

اولاً: النظام الاقتصادي
نجد أولاً الصناع وأصحاب الحرف وهم يتوزّعون في القرى. مثل يسوع النجّار في الناصرة. ولكن نتاج هذه الصنعات لا تُصدَّر إلى خارج القرى، وهو لهذا لا يُؤمّن الربح الوفير.
وتبقى الزراعة والتجارة النشاطين المهمين اللذين يعتمد عليهما العالم القديم. كانت فلسطين تنتج القمح والشعير، واشتهرت بخمرها وزيتها. إلا أن هذا الغنى كانت تصيبه الضرائب في العالم الروماني: يؤخذ الربع من الغلال. تجمعه الارستوقراطية اليهودية والوثنية وترسله إلى مدن الامبراطورية ولا تنسى حصّتها. مثل هذا النظام الاقتصادي لا يُلغي ذلك الذي عرفته دولة إسرائيل التيوقراطية، ولكنه لا يوافقه. وجعل الكهنة الذين يحكمون البلاد، من أورشليم، المدينة المقدّسة، موضعاً تتوجّه اليه الأموال المرتبطة بالضرائب كما بالتقدمات الطوعية.
فعلى المزارع أن ينتزع كل سنة من غلّته العشر (أي: عشر محصول الأرض) وبواكير كل محصول. فإذا زدنا على هذا ما تطلبه رومة، تصبح الحالة في وضع لا يُطاق. لهذا حاول الفلاّحون أن يتهرّبوا من واجباتهم "الدينيّة". وإذ خاف عظماء الكهنة من الخسارة، إستعملوا القوة فأرسلوا رجالهم يحملون غلّة أخفاها الفلاّحون داخل بيوتهم. وهناك ضريبة أخرى تُفرض على كل يهودي هي ضريبة الدرهمين: كان على كل يهودي ذكر أن يدفعها حن يصبح ابن عشرين سنة، وكان يدفعها كل سنة. كانت هذه الضريبة تًُجمع في العالم كله وتوجّه إلى اورشليم بحماية الجيش الروماني. ويسوع نفسه سوف يدفعها مع بطرس (مت 17: 24- 27).
ولا ننسى أن مراسم الحج التي تفرضها الشريعة الالهية في أعياد الفصح والعنصرة والمظال تجلب المال من يهود العالم كله لفائدة الارستوقراطية الكهنوتية التي تهيمن على التجارة في الهيكل.
إذن، خلق هذا النظام الاقتصادي ارستوقراطية غنية مؤلّفة من كهنة ويهود محظوظين، وترك الطبقات الفقيرة تتخبَّط في مشاكلها. غطّت الديون هؤلاء الفلاّحين الصغار، فباعوا أرضهم للملاّكين الكبار وانضمّوا إلى المياومين أو إلى قطّاع الطرق.
في هذه اللوحة الاجمالية تبرز الجليل، كما نراها في الاناجيل، بصورة تلفت النظر.

ثانياً: الجليل
"في تلك الأيّام جاء يسوع من الناصرة في الجليل، وتعمّد على يد يوحنا في نهر الاردن " (مر 1 :9). "وبعد اعتقال يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل " (مر1 :14).
تبرز هاتان الآيتان المأخوذتان من انجيل مرقس أهميّة الجليل في حياة يسوع. فقد قضى هناك الثلاثين السنة الأولى من حياته (= الحياة الخفية)، وإلى هناك عاد بعد عماده ليعيش حياته كنبي.
الجليل هو أغنى منطقة في فلسطين. ترويه ينابيع عديدة، فيحتوي الغنى الأهم في عالم البحر المتوسط وهو الماء.
كان الجليل بأرضه الغنية أهراء قمح فلسطين، كما كان بموقعه ملتقى الطرق التجارية. فمنذ أقدمِ العهود، مرت القوافل من سورية إلى مصر بما سمّي "طريق البحر". وقد استعمل الرومان هذه الطرق وحسّنوها.
في هذه المنطقة الغنية زاد الشرخ بين الاغنياء والفقراء. هذا ما نستشّفه عندما نقرأ الأمثال الإنجيلية.

3- الوضع الاجتماعي في الامثال الإنجيلية
أولاً: ملاّكون كبار وعمّال
كل منّا يعرف أقلّه بعض الأمثال: الزارع (مت 13)، الابن الشاطر أو الابن الضال (لو 15)... هي أخبار تضع أمامنا أشخاصاً من الحياة اليوميّة: الزارع، رجل المغامرات، ربة البيت، القاضي... أراد يسوع أن يتشبّه بوعّاظ عصره، فقدّم تعليماً ملموساً. لهذا، تعطينا الأمثال لمحة سريعة إلى أحداث الحياة اليوميّة مع نوعين من الناس: الملاّك الغني وخادمه أو العامل في بيته.
نجد الملاّكين الكبار الذين يغيبون من أجل سفر طويل أو من أجل التجارة. هذا ما فعله صاحب الكرم (مر 12: 1) قبل أن يسلّم الكرم إلى عمّاله. هذا ما فعله رب البيت قبل أن يوصي البوّاب بالسهر (مر 13: 34). وهذا ما فعله ذلك الذي أعطى خدمه خمس وزنات ووزنتين ووزنة واحدة (مت 25: 14- 18). هؤلاء الملاكون هم أغنياء (لو 16: 19) وغناهم يأتيهم من الأرض. مثلاً، ذاك الرجل الذي أغلّت أرضه غلات وفيرة فلم يعد يعرف ماذا يفعل بها (لو 16:12- 21). 
أراضيهم واسعة وهم يسلمونها إلى وكلاء ليستغلوها (مر 12: 1- 2). ونجد درساً لدى الوكيل الخائن (غير الأمين): أراد أن يفلت من الشقاء فزوّر صكوك معلّمه. عتم تكلَّمت هذه الصكوك؟ عن الزيت والقمح (لو 16: 1- 8). ويبدو هؤلاء الملاّكون ظالمين وقاسين في الأعمال. هذا ما يقوله صاحب الوزنة الواحدة. لم يستغلّ وزنته. والسبب قاله لسيّده: "عرفتك رجلاً قاسياً تحصد حيث لم تزرع، وتجمع حيث لم تبذر" (مت 24:25). لا يقول له سيده إنه أخطأ في حكمه، بل يستعيد في جوابه ما قاله هذا العبد الكسلان (مت 26:25): "عرفتني أحصد حيث لا أزرع".
ونجد العبيد والخدم العديدين مع هؤلاء الملاّكين الكبار. هم يعملون في الحقل (مت 27:13- 28) أو يخدمون معلّمهم (لو 7:17- 10). بعضهم عبيد والبعض الآخر عمّال مياومون. نتذكرّ هنا عمال الساعة الحادية عشرة (أي الساعة الخامسة مساءً. اشتغلوا ساعة فقط). إستوحى يسوع مشهداً يومياً تعيشه قرى الجليل. فالعمّال المياومون ينتظرون في ساحة القرية من يتكّرم ويُرسلهم إلى كرمه (مت 20: 1- 16).
كان هؤلاء المياومون فلاّحين قُدماء. تكاثرت الديون عليهم فباعوا أرضهم. هذا ما نفهمه من مثل العبد الذي لا يستطيع أن يوفي دينه: عليه أن يبيع كل ما يملك، وحتى نفسه وامرأته وأولاده (مت 18: 23- 35). 
شركاء، خدّام، عبيد، مياومون. هذا هو الوضع الاجتماعي للفلاّحين كما نكتشفه في الأمثال الإنجيلية. هم يخضعون لسيّد قدير، ولهذا هم محتقرون، وقد سمّوا "شعب الأرض"، أي الشعب الملتصق بالأرض.

ثانياً: من الذلّ إلى الثورة
كان للجليل سمعة سيئّة. وكان يهود أورشليم ويهوذا يشكّون بنقاء عرق الجليليين فيقولون: في عروقهم دم وثني.
وزاد احتقار اليهود لهؤلاء الجليليين، لأنهم يخالفون الواجبات الديّنية الأساسية. بُعدهم من أورشليم يمنعهم من القيام بالحج في الأعياد الكبرى الثلاثة. وفقرهم يمنعهم من دفع العشر، وهذا ما يجعل طعامهم نجساً. ثم اعتبر اليهود أن أهل الجليل يجهلون الشريعة وبالتالي لا يمارسونها (يو 49:7). كل هذه الأسباب جعلت شعب الجليل يعيش وضعاً محتقراً. ولهذا نبتت عنده الثورات.
بمناسبة إحصاء قام به الرومان سنة 6 ب. م، ثار الشعب وتبع يهوذا الجليلي. الظاهرة دينية. ولكن الحقيقة هو أن سبب هذه الثورات هو جزية الرأس. يتم الاحصاء ويدفع كل واحد ما يتوجّب عليه. قمع هذا التمرّد بقساوة، ولكن ظل كالنار تحت الرماد يشعلها "الارهابيون " (أصحاب السيوف) والغيورون أو المندفعون الذين كان منهم أحد تلاميذ المسيح: سمعان الغيور أو ربما سمعان الذي من قانا الجليل.
وظل الجليل موضع شكّ من قبل السلطة السياسية التي قمعت بشدّة كل تجمّع جليلي. هذا ما نستشفه من الحدث الذي وصل إلى يسوع: تجمّع بعض الجليليين المتحمّسين، فمزج بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم (لو 13: 1). وقد تجذرت هذه الثورة الخفيّة في رجاء مسيحاني عميق. لقد هيّأ الأدب الجلياني معاصري يسوع لحروب آخر الأزمنة من أجل إقامة الفردوس السماوي على الأرض.

ثالثاً: وكان يسوع من الجليل
عاش يسوع حوالي 30 سنة في الناصرة. كان نجاراً في هذه القرية الصغيرة من قرى الجليل، التي لم تذكرها التوراة ولا التلمود ولايوسيفوس المؤرخ. ارتفعت 350 م عن سطح البحر وابتعدت اربعة كلم ونصف عن سافوريس، عاصمة الجليل القديمة، التي فيها ثار يهوذا الجليلي.
ونشاط يسوع جعله يتّصل بعالم الفلاّحين. ولما بدأ الناس يتحدّثون عنه، حاول أقرباؤه أن يعيدوه إلى "القبيلة". ولماذا كانت ردة فعلهم على هذا النحو؟ لأنهم خافوا من ملاحقات الدولة. ولأنهم شعروا أيضاً أن يسوع ترك وضعه الاجتماعي. قالوا: "فقد صوابه" (مر 3: 21). "أما هو النجّار، ابن مريم؟ أما أخواته عندنا هنا" (مر 6: 3)؟ كيف تجزرَّأ فخرج من الحالة التي وُلد فيها؟
وبعد أن اعتمد يسوع عاد إلى الجليل. هناك اجتمع الناس حوله، وهناك اختار رسله (مر 1: 16-20). وهناك سيقضي القسم الأكبر من حياته. وفي الجليل موطنه، سيجتمع التلاميذ بعد موته.
وأخيراً، إن جوهر الإنجيل الذي أعلنه يسوع (مجيء الملكوت، حضوره الخفي الذي بدأ يتحقّق) يتجذّر في هذا الرجاء الذي عاشه الجليليون. أجل، يسوع هو جليلي من عصره. وهو يتجذر في عالم الفقراء الذين إليهم يوّجه تطويبته الاولى: إن لهم ملكوت الله، هذا إذا أرادوا. 

ب- يسوع وحضارة شعبه
ورث يسوع حضارة شعب هو الشعب اليهودي. وتغلغلت فيه شيئاً فشيئاً تقاليد وامال شعبه، فبحث عن طريقه في هذا المناخ الاجتماعي والروحي الذي عاش فيه.
1- وارث حضارة
تعلّم يسوع ومارس مهنة النجّار التي تتطلّب تدرّباً وحكمة. وعرف يسوع القراءة والكتابة. فنراه يقوم بقراءة جمهورية للتوراة في مجمع الناصرة (لو 16:4). وكانت ثقافته واسعة بحيث إنه عبرّ عن فكره بلغة غنيّة ومتنوّعة.
وعرف يسوع العهد القديم، ذاك الكتاب الذي يعتبره اليهود إرثهم الحضاري، والذي يقضي الكتبة حياتهم كلها في درسه. هؤلاء الكتبة أو الرابانيون جاؤوا إلى يسوع يسألونه بعد أن اعتبروه عارفاً بالكتاب. وسمّاه تلاميذه "رابي" (أي: يا معلم) فأعطوه لقب الاختصاصي في التوراة. وفي مجادلاته مع الكتبة، تجرّأ يسوع وهاجمهم حتى في "ملعبهم ". هاجمهم حول معرفة التوراة وتفسيرها. قالوا: "لماذا يعمل تلاميذك ما لا يحل في السبت " ؟ أجابهم: "أما قرأتم ما عمل داود حين جاع هو ورجاله "؟ وعاد بهم الى العهد القديم ليصل إلى القول إن ابن الإنسان هو سيد السبت (مر 2: 23- 28). سأله أحد معلمي الشريعة عن أولى الوصايا كلها، فعاد إلى سفر التثنية وسفر اللاويين يُجمل الشريعة كلها في وصية المحبّة (مر 28:12 ي). بل هو سيسألهم عن علاقة داود بالمسيح ليقول لهم إن المسيح هو ربّ داود (مر 12: 35- 37).
ويبدو أن يسوع فهم حياته على ضوء الكتاب المقدس. هو عابد الله وخادمه، وقد أدرك أن مصيره هو مصير نبي (لو 13: 33)، أنه الحجر الذي رذله البناؤون (مر 12: 10)... وإذ أراد الإنجيليون أن يفهموا سر يسوع، عادوا هم أيضاً إلى العهد القديم فتابعوا الطريق التي رسمها يسوع.
إمتلأ يسوع من حضارة شعبه وتقاليده. فمن أين جاءه كل هذا؟ أولاً، من محيطه العائلي. فوالداه كانا من اليهود الاتقياء الذين يخضعون للشريعة فيعلّمون أولادهم فرائضها. ثم إن يسوع تعوّد أن يؤم المجمع في الناصرة. كانت شعائر العبادة بسيطة: قراءة من التوراة، تفسير النص، صلوات ومزامير. وهكذا عرف يسوع غيباً، شأنه شأن أقرانه، المزامير المئة والخمسين مع نصوص عديدة تحدثه عن تاريخ شعبه.
وكان المجمع للأولاد أيضاً مدرسة يؤمّها الصغار بين السنة الرابعة والسنة الثامنة ليتعلّموا غيباً أسفار الشريعة الخمسة وهم ينشدونها. وكان يُطلب منهم بين السنة الثامنة والسنة الثانية عشرة أن يدرسوا شروح التوراة المسماة "أقوال الآباء". وفي السنة الثانية عشرة يصل الولد إلى الشريعة فيصبح "ابن الوصايا". وقد تمتدّ هذه التربية بعد السنة الثانية عشرة لليهود الذين يستعدون لأن يكونوا "معلمين". إلى أي حدّ وصل يسوع؟ هذا ما لا نعرفه. غير أن معرفته بالتوراة وشروحها تجعلنا نقول إنه صار "أبن الوصايا"، ولم يتعدَّ هذه المرحلة. لا ننسى أنه فقير، فأنّى له ان "يتابع دروسه "؟! ثم إن القديس لوقا روى لنا ما حدث ليسوع وهو بعمر اثنتي عشرة سنة (لو 2: 41- 52). لا شك في أن لوقا جمّل الخبر وقدّمه على ضوء موت يسوع وقيامته (ثلاثة أيام)، ولكن هذا الحدث يعتبر امتحاناً قدّمه يسوع فنجح فيه وصار "أبن الوصايا". هذا على المستوى اليهودي. أما على مستوى حياته الشخصية فأعلن أنه أبن الله ولا يهتّم إلا بمشيئة أبيه.

2- باحث عن طريقه
عاش يسوع من إرث شعبه، ولكنه، وهو الإنسان الكامل، بحث عن طريقه. كان قريباً من الفريسيين فقاسمهم بعض أفكارهم، ولا سيّما فيما يتعلّق بقيامة الموتى، كما تعرّف الى حركة "المعمدّين".
تبدأ الأناجيل الاربعة فجأة بالحديث عن كرازة يوحنا المعمدان، عن عماد يسوع، وعبوره إلى البرية (مر 1: 1- 13؛ مت 3: 1- 4: 11؛ لو 3: 1- 13:4؛ يو 1 :19- 51). هنا نشير إلى أن أناجيل الطفولة كما أوردها متى ولوقا، قد جاءت فيما بعد فشكلّت مقدّمة لحياة يسوع العامّة. 
صار عماد يسوع في نظر الإنجيليين علامة ارسال يسوع كابن الله الحبيب، ودلّ على التزامه في حركة المعمدّين بحيث قضى بعض الوقت يحادث معلّمهم يوحنا. لن نقرأ حرفياً "الاربعين يوماً" التي قضاها يسوع في البرية. الرقم رمزي وهو يذكرّنا بالسنوات الاربعين التي قضاها الشعب العبراني في البرية.
وحين اعتُقل يوحنا، ترك يسوع ضفاف الأردن، وعاد إلى الجليل (مر 1: 14). ولكنّه مع ابتعاده عن الاردن، لم يقطع كل علاقة بيوحنا. فقد اختار اثنين من تلاميذه ليتبعاه (يو 1: 35- 37).
وخلال حياة يسوع العامة، تدخل يوحنا من سجنه بواسطة أناس أرسلهم. فسأل يسوع: "أأنت هو الآتي (أي: المسيح المخلّص) أم يجب أن ننتظر آخر" (مت 11: 2- 3)؟ هناك شك وارتياب لدى يوحنا. ومع ذلك فسؤاله يدلّ على اهتمام يوحنا بما يعمله يسوع. ويستفيد يسوع من الظرف فيعبرّ عن تقديره ليوحنا: إنه أعظم الأنبياء (مت 9:11- 11).
كيف بدا تيار المعمدّين؟ تيقنّ أن الازمنة الأخيرة صارت قريبة، فأوّن بعض النصوص النبوية مثل أش 40: 1ي الذي ظل نموذجاً من نماذج كرازته (مر 1: 2- 3). طلب من الجميع أن يعدّوا "طرق الرب " فيعتمدوا ويجعلوا أقوالهم تطابق حياتهم.
كانت كرازة "المعمّدين " شعلة نار، لا سيّما وأن ساعة "ذاك الآتي" قريبة. وهذه الساعة توافق "عماد النار" الذي ينقّي كل إسرائيل (لو 16:3). وسارعت الجموع لتسمع هذه الكلمة التي تدلّ على تبديل في العالم تنتظره بقلق، والتي تتوجّه إلى الجميع دون حواجز الطهارة أو المعرفة على مثال بعض التيارات اليهودية (لو 3: 10- 14).
لا شك في أن يسوع شارك في هذا التيّار: قراءة مميّزة للتوراة وموّجهة نحو مجيء الملكوت، ومجيء مرسل الله. هذا الخط سيسير فيه يسوع، فيتوجّه بكلامه إلى الشعب كله، وبصورة خاصة إلى الفقراء.
أجل، لم يكن يسوع نجماً نزل من السماء، بل كان إنساناً مثلنا. لهذا اختار طريقه بين التيارات العديدة. ولكنه سيفجرّ هذه الطريق ويعطيها أبعاداً إلهية. إنه ابن الإنسان. ولكنه أيضاً ابن الله.

 

 

الفصل الرابع

يسوع في محيطه الحياتي

حين نتعرّف إلى أعمال يسوع وأقواله، نكتشف التزامه في محيط حياتي اختاره لنفسه. ولهذا سنتوّقف في هذا الفصل عند نقطتين. الأولى: محيط حياة يسوع. الثانية: تصرّف يسوع داخل هذا المحيط. كان منه حقاً فلم يكن شيء خارجي يميّزه عنه. ولكن سيكتشف الناس فيما بعد أن يسوع هو منهم، وأنه في الوقت ذاته بعيد جداً عنهم.

أ- محيط حياة يسوع
عاش يسوع حياته الرسولية يحيط به عددٌ من الناس. منهم من نعرفهم ومنهم من لا نعرفهم. كل هؤلاء سمّاهم الإنجيليون: الشعب او الجمهور أو الجموع أو الجمع.

1- الجموع هي محيط يسوع الحياتي
نرى الجموع التي لا اسم لها في كل صفحات الإنجيل. فهي تتبع يسوع (مت 4: 25). ترافقه في تحرّكاته (مر 5: 24، لو 7: 9). تزحمه من كل جهة (مر 5: 31). الجموع تسمع يسوع وتتعلّم منه (مر 34:6؛ 14:7؛ 34:8...)، تتعجب وتندهش من كل ما يقول ويفعل (مت 33:9: "ما رأينا مثل هذا"!).
وبمختصر الكلام، يدقّ قلب الجموع مع قلب يسوع الذي يحّس بنفسه قريباً منها أين قربه من أقربائه. حين جاء أقرباء يسوع ليلتقوا به، كانت الجموع تحيط به. فأجاب: "من هي أمي ومن هم أخوتي"؟ وجال نظره في الجالسين حوله بشكل حلقة فقال: "هؤلاء هم أمي وإخوتي " (مر 3: 31- 35). حين نتذكر قوة الرباطات العائلية في عالمنا الشرقي، نفهم أن الجموع تحتلّ في قلب يسوع المكان الذي يُحفظ عادة لأفراد العائلة والعشيرة.
ونستشفّ هذه العلاقة الحميمة أيضاً في أخبار تعبرّ عن عواطف يسوع تجاه الجموع: "كانوا بائسين مشتّتين مثل غنم لا راعي لها" (مت 36:9). وحدّثنا مرقس عن يسوع الذي يشفق (يتحنّن) على هذا الجمع. هذه الكلمة تعبرّ في لغة الكتاب المقدس عن حب مجاني فيه ينحني الاب على ابنه كما في مثل الابن الضال (لو 15: 20). وإذا ذكرنا الرحمة، أشرنا إلى علاقة أم بابنها بعد أن حملته في رحمها وغذّته من حليبها.
مّمن تألّفت هذه الجموع؟ بصورة خاصة من الجليليين. هذا ما يتضمنّه الحوار بين سكّان أورشليم والجموع التي تهتف ليسوع حين دخوله الاحتفالي إلى المدينة المقدّسة (مت 21: 10- 11: من هذا؟ هذا هو النبي يسوع من ناصرة الجليل). صعدت من الجليل لتحتفل بالفصح في المدينة المقدسة، فشهدت أمام سكّان أورشليم أن يسوع هو النبي (مت 21: 11). إنتظرت مسيحاً فوجدته في يسوع (يو 7: 21، 41)، فأرادت أن تجعله ملكاً (مر 11: 10). إذا عدنا إلى إطار فلسطين الاجتماعي في القرن الأوّل، عرفنا أن هذه الجموع هي محتقرة واسمها "عامّة الناس الذين يجهلون الشريعة. إنهم ملعونون " (يو 49:7). هذه الجموع المؤلفة من الجليليين، والمحتقرة في نظر الفريسيين، والمتطلّعة إلى الانتظار المسيحاني، هي شعب الأرض الذي تحدّثنا عنه.

2- الجموع هي الموضع المميّز لرسالة يسوع
إختار يسوع أن يتضامن مع هذا الجمع "الملعون ". وهذا التضامن هو علامة تؤكّد أنه مرسل الله. فالذين تشكّكوا من تعاطيه مع هؤلاء "المحتقرين "، أجابهم: "ما جئت لأدعو الصديّقين، بل الخطأة" (مر 17:2). ونستطيع أن نترجم، ما جئت من أجل الشرفاء والوجهاء بل من أجل المحتقرين والمرذولين. وهكذا تميّز يسوع عن عصره، الذي ترجم الاختيار الالهي حياة جماعية فيها يحفظ اليهود نفوسهم أنقياء بانعزالهم عن الشعب (على مثال الفريسيين والاسيانيين).
دلّ هذا التضامن على أنه مرسل. وتحقّق في اختيار تلاميذه. ما اختار يسوع الوجهاء في شعبه، ما اختار اليهود الاتقياء، وهذا أقل ما كان يجب أن يفعل. لا، بل كان تلاميذه صيّادين (مر 1 :6- 20). موظفي جمارك أو جباة ضرائب (مر 13:2- 14: عشّار، يقبض العشر). وكان بعضهم من الغيورين القدماء (سمعان الغيور، يهوذا الاسخريوطي، مر 3: 18- 19). وكانوا كلّهم جليليين (مر 14: 70 : أنت منهم ولهجتك تشبه لهجتهم).
كم نحن بعيدون عن الصفات التي يطلبها الرابّانيون من تلاميذهم. لقد كان تلاميذ يسوع يقاسمون الشعب آماله المسيحانية: تبعوا يسوع، لأنهم ترجّوا أنه هو الذي يقيم مملكة أرضية وسياسيّة. ونكتشف هذه النظرة عند بطرس الذي لم يفهم أن يسوع اختار طريقاً تقوده إلى الموت. "صدم " إلى حد "وبّخ" معلّمه (مر 8: 32). وانتظار مملكة يحكم فيها يسوع، نكتشفه من خلال التماس ابنَي زبدى: يريدان أن يملكا مع يسوع حين يدّشن ملكه (مر 35:10- 45). ونفهم أن موت يسوع تركهم حيارى. فقد قال تلميذا عماوس بحسرة: "كنا ننتظر أنه هو الذي يخلّص إسرائيل " (لو 24: 21). يخلّص إسرائيل من سلطة الرومان.
كان التلاميذ من الشعب فعاشوا آماله. وجهلوا مثله الشريعة ومتطلّباتها: هم لا يصومون (مر 2: 18). يتعدّون السبت (مر 2: 23). يأكلون بأيدٍ غير مغسولة (مر 7: 2). وهذه الاهمالات تجعلهم محتقرين في عيون الفريسيين الذين لا يفهمون تقاعس يسوع عن تعليمهم ليصيروا "ابناء الوصايا".
وهكذا حدّد يسوع موقعه بارادته في شعب الجليل، الشعب الذي تجذّر فيه. هو لم ينكره، بل أحبّه ووجد فيه من الغنى الكثير بحيث اختار فيه رسله، ثم أعادهم إليه: "هو يسبقكم إلى الجليل، وهناك ترونه " (مر 7:16).

ب- تصّرف يسوع داخل هذا المحيط
إن المحيط الأصلي الذي حدّد يسوع موقعه بإرادته، دفعه إلى الإقتراب من حركة المعمدّين، ثم إلى العودة الى الجليل ليعلن الإنجيل للشعب هناك.
هذه الكرازة هي أساسية، وهي ما يدفعه الى العمل. فحين يترك جموع كفرناحوم سيقول لهم: "يجب علي أن أبشّر سائر المدن بملكوت الله، لأني لهذا أرسلت " (لو 43:4). ما يعلنه هو ملكوت الله، وهو يعلنه بالأقوال والأعمال.
إمتزجت هاتان الوجهتان في حياة يسوع امتزاجاً حميماً، وهما لا تُفهمان إلا معاً. ولكننا نُجبر على تمييزهما من أجل الوضوح في العرض. 

1- كرازة الملكوت
نجد في كل صفحات الإنجيل أن يسوع يتكلّم، يذكر ملكوت الله او ملكوت السماء. وكرازة الملكوت هذه تجُمل الاتجاه الأساسي في حياة يسوع. هذا ما رآه الإنجيليون الاربعة وبصورة خاصة مرقس الذي يفتتح حياة يسوع العلنية بهذه المقدمة: "بعد أن اعتُقل يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل. وأعلن انجيل (بشرى، الخبر السعيد) الله وقال: تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. توبوا وآمنوا بالإنجيل " (مر 1: 14- 15). لن نقدّم تحديداً للملكوت، ولكننا نحاول أن نوضح مضمونه، كما فعل الإنجيليون انفسهم.

أولاً: بشارة محدّدة في الزمان والمكان
قاسم يسوع معاصريه إيمانهم. وانتظر مثلهم ملكوت الله كمملكة آتية. وهذا ما ندركه حين نتوقّف عند مقطع من الصلاة التي علّمها لتلاميذه: صلاة الأبانا أو الصلاة الربيّة. طلب يسوع من الله أبيه: "ليأت ملكوتك " (مت 6: 10). أجل، إنه ملكوت سيأتي. وأعلن أيضاً ليلة موته وبعد أن تناول العشاء مع تلاميذه: "لن أشرب من عصير الكرمة إلى اليوم الذي أشربه فيه من جديد في ملكوت الله" (مر 14: 25). يرمز هذا الخمر الذي هنا إلى العالم المقبل الذي فيه يتحوّل الكون ويتبدّل.
وهناك عدّة أمثال من يسوع تدلّ على هذا الملكوت المقبل والابدي الذي ينتظر الأبرار. وأشهر هذه الأمثال يصوّر الدينونة الأخيرة والفصل بين الأخيار والأشرار، كل واحد حسب تصرفه مع أخوته. وهو ينتهي بهذه الكلمات: "يذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي والصديقون إلى الحياة الأبدية" (مت 25: 46).
إذن، يؤمن يسوع، شأنه شأن معاصريه، أن الملكوت ينتمى إلى العالم المقبل الذي خلقه الله. إلى عالم زال منه الموت وعرف فيه الأبرار المجازاة الحسنة.

ثانياً: بشارة جديدة
إن الأمل بهذا الملكوت الآتي خلق عند معاصري يسوع رذْلاً للعالم الحالي. ففي نظرهم، وفي نظر الفقراء خصوصاً، لن يأتي هذا الملكوت إلا بعد تحوّل جذري يتم بقدرة الله أو بواسطة مسيحه.
وأكّد يسوع وهو يعظ بالعالم الآتي أن هذا الملكوت حاضر حضوراً سرياً في هذا العالم وفاعل فيه. وتصوّر الأمثال سر الملكوت الذي هو مخفي الآن، والذي يخلق المستقبل شيئاً فشيئاً في داخل هذا العالم. إنه يشبه زرعاً دُفن في الأرض فنبت ونما وأعطى ثمراً (مر 26:4- 29). إنه يشبه حبة الخردل التي هي أصغر المزروعات والتي ستصير أكبر النبات (مر 4: 30- 32)، كما يشبه الخمير في العجين (مت 33:13). وهكذا يكون الملكوت قد بدأ مع يسوع في قلب هذا العالم: حلّت ساعة الحصاد (مت 37:9)، وقُدّمت الخميرة الجديدة (مر 2: 22)، وتم الزمان (مر 1: 15).
وهذه الكرازة بحضور الملكوت حضوراً سرياً وفاعلاً لا تظهر في أي مكان من العالم اليهودي في القرن الأوّل. وهكذا يشدّد يسوع على اصالة تعليمه: إنه يحطمّ الازدواجية في مسيحانيّة شعبيّة تعارض هذا العالم بالعالم الآتي وكأنهما عالمان لا يتوافقان. هذا اليقين يفسّر بعض التفسير رفض يسوع أن يكون مسيحاً سياسياً، حسب آمال الشعب، لأن مثل هذا المسيح كان مدعواً ليخلق كوناً جديداً يكون منقطعاً كل الانقطاع عن العالم الحالي. أدرك يسوع هذا الخط تدريجياً، وسوف يتوّضح رفضه للمسيحانية السياسية شيئاً فشيئاً عبر التجارب والمحن. هذا ما نجده في خبر التجارب (مت 4: 1-11؛ لو 4: 1-13).
تكلّم يسوع فدلّ على أن الأزمنة الجديدة تدشّنت. ولكن الآيات التي سيصنعها تبدو انجيلاً وخبراً سعيداً لأناس ينتظرون الخلاص المادي والروحي.

2- آيات الملكوت
هناك نصان يفهماننا أن آيات الملكوت حاضرة في يسوع. الأول، هو جواب يسوع لمرسلي يوحنا المعمدان (مت 11: 4- 6). والثاني هو كرازة يسوع التي دشنت رسالته في الناصرة (لو 18:4- 19). ففي هذين النصين يبدو اعلان انجيل الملكوت للفقراء مسألة اساسية للدلالة على حضور الملكوت.
ما قلناه فيما سبق يساعدنا على إعطاء وجه لهؤلاء الفقراء: هم جموع الجليل البائسة والمشهورة بجهلها. إعتبروها أنها تنجسّ إسرائيل، فرذلوها من شعب الله الحقيقي. ولكن يسوع تجرّأ فقال: إن هؤلاء الفقراء يمتلكون الملكوت. ولنسمع هنا كلمات التطويبات المذهلة: "طوبى لكم ايها المساكين، لأن لكم ملكوت الله! طِوبى لكم أيهّا الجياع الآن، لأنكم ستُشبعون. طوبى لكم ايها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون. طوبى لكم إذا ابغضكم الناس وطردوكم وعيرّوكم" (لو 6: 20- 22).
تتعارض هذه التطويبات في انجيل لوقا مع تويّلات (الويل لكم) تعني الاغنياء والمتخمين والضاحكين وأصحاب "السمعة الحسنة" (لو 6: 24- 26). كما نجد تطويبات في مت 3:5- 11. أعاد متى تفسير الفقر فنقلنا الى فضيلة الفقر والتجرّد من أجل الملكوت، وذلك من أجل فائدة جماعية.
ما زالت هذه الكلمات تحتفظ اليوم بقوّتها وقدرتها على تحويل المجتمع. غير أن يسوع لا يبقى على مستوى الأقوال. فإذ أراد أن يبين أن ملكوت الله يُعطى للمساكين ميّز فئتين من الناس: المرضى والمرذولين. فتحدّث هنا عن المرضى بشكل عام ونعود في فصل لاحق إلى المرذولين بجميع فئاتهم.
كان الطب شبه معدوم في القرن الأول المسيحي، والأمراض مجهولة. وحين نقرأ الأناجيل نكتشف فئتين من المرضى: أصعاب العلّة والذين يسكنهم الشيطان. نجد في الفئة الأولى: العميان، العرج، المقعدين، الصم... كلهم اصيبوا بعلة (أو مرض) تمنعهم من العمل. فزيد على هذه الفئات البرص بمرضهم الذي يطردهم من الجماعة.
والفئة الثانية تتكوّن من المرضى العقليين: داء الصرع، الجنون... تُنسب حالتهم إلى قوة شريرة هي الشيطان. هذه الفئة هي غامضة، وبها يرتبط كل مرض يجهله الناس. فيقول النص مثلاً عن أصمّ- أخرس: إن فيه روحاً أخرس وأصمّ (مر 9: 25). وعن المرأة المنحنية: "أقام فيها روح شّرير" (لو 13: 10- 15). مثل هذا التشخيص يجعلنا نبتسم بعد أن وصل الطب إلى ما وصل. ولكنه يعكس خوفاً من المرض فينسب الناس المرض إلى روح شرير، ويجعلون العليل في حالة بائسة مستمرة (مثل النازفة، لو 43:8 ي). غير أن هذا لا ينفي عمل الشيطان في بعض الحالات، ولكن يبقى التمييز فيها دقيقاً.
على كل حال، يبقى نداء يسوع حاضراً في كل الأذهان: ما جئت من أجل الأصحّاء، بل من أجل المرضى. سينقل يسوع هذا الكلام الى المستوي الروحي فيتحدّث عن الأبرار والخطأة. ولكن المعنى المادي يبقى حاضراً. يشفي يسوع المريض فيعيد إليه كرامته، يعيده إلى المجتمع على مثال ما فعل مع لجيون. كان ذلك الرجل من سكّان القبور، فلما جاء الناس ليروا ما حدث، وجدوه "جالساً، لابساً، سليم العقل". بل صار رسول يسوع المسيح ينادي "بما عمل يسوع له " (مر 5: 1- 20).

 

 

الفصل الخامس

يسوع والمرذولون في المجتمع

تحدّثنا عن المرضى في الفصل السابق. إنهّم أوّل المرذولين، وسنرى كيف تعامل يسوع معهم. وهناك فئة ثانية من المرذولين: النساء والأولاد. والفئة الثالثة نجدها لدى أصحاب بعض المهن الممقوتة في المجتمع اليهودي ولا سيّما مهنة العشار أو جابي الضرائب.

أ- أصحاب العلّة
1- نظرة المجتمع إليهم
يعتبر هؤلاء الناس عالة على المجتمع، لأن علّتهم تمنعهم من العمل وتدفعهم إلى العيش من مدّ اليد والاستعطاء. وإن الإنجيل يربط الاستعطاء بالمرض وكأنه أمر معروف. ابن طيما هو شحّاذ أعمى (مر 10: 46). ومقعد الباب الجميل انتظر أن يتصدّق عليه بطرس ويوحنا (أع 3: 2- 3). والاستعطاء يُذلّ الإنسان، في الأمس كما في اليوم. لهذا يقول الوكيل الخائن وهو المهدّد بخسران وظيفته والباحث عمّا يقوم بأود حياته: "ماذا أعمل؟ أأستعطي؟ إني أستحي" (لو 16: 3).
هذا الوضع المادي يجعل حواجز بين المرضى والشعب الذي يعمل. ويتفاعل مع الخوف الذي يحيط بالمرض. لا أحد يستطيع أن يسيطر على المرض، لهذا ينسب إلى روح الشّر.
في هذا الإطار الاقتصادي والإيديولوجي، يجد المرضى نفوسهم مرذولين من المجتمع. فعلى الأبرص أن يتجنّب الاتصّال بأي شخص سليم. والخطر يكمن في الاقتراب من شخص ممسوس، شخص أقام فيه روح شّرير. والصمّ والعميان والمقعدون هم مطبوعون بعلّة تمنعهم من اعتبار نفوسهم متساوين مع سائر اليهود: لا يحقّ لهم أن يشهدوا في المحكمة (كما يقال اليوم: يمنع شخص من الانتخاب)، لا يحق لهم أن يدخلوا الهيكل.
ويبرّر اليهود هذا الوضع الإجتماعي والديني بنظرة لاهوتية تعتبر أن المرض هو نتيجة خطيئة اقترفها المريض. وإذا عاد المرض إلى الولادة، تساءل الناس: "من أخطأ، هو أم والداه " (يو 9: 2)؟
المرضى هم عالة على المجتمع، هم نجسون ومرذلون في شعب الله. ومع ذلك لا يتخلّى عنهم شعب الفقراء. إنهم يسكنون مع المرضى ويحملونهم إلى يسوع. يقول مت 15: 30- 31: "جاءته جموع كبيرة ومعهم عرج وعميان ومقعدون وخرس وغيرهم كثيرون، فطرحوهم عند قدميه فشفاهم. فتعجّب الناس". والمخلَّع الذي دلّوه من سقف البيت، أما حمله أربعة رجال إلى يسوع (مر 3:2). وكذا نقول عن الرجل الذي جاء بابنه المصاب بداء الصرع إلى يسوع (مر 17:9).

2- كيف تصّرف يسوع مع هؤلاء المرضى
جاؤوه بالمرضى فشفاهم. قام بعمل الشافي من أجلهم، ومن أجلهم صنع المعجزات.
هنا نتذكّر أن كل مرض يُنسب إلى روح الشّر، إلى قوى خفية. فإذا أراد "الشافي" أن يتصرّف، فهو لا يعود إلى نواميس الطبّ، بل يحاول بحركاته وأقواله أن يطرد روح الشر من المريض. هذا ما يسمّى التقسيم. يستعمل الشافي قوة تتغلّب على الروح الذي يقيم في الإنسان. مثل هذه النظرة تظهر من خلال الجدال بين يسوع والفريسيين: أفهموه أنه يشفي الناس ببعل زبول، رئيس الشياطين (مر 3: 22- 30). إتهموا يسوع بأنه يلجأ إلى السحر (وهذا ما يجعله مستحقًا الموت) كما يفعل بعض الشافين في أوساط فلسطين الشعبيّة.
ونتحدّث اليوم عن نواميس الطبيعة التي لا تقف بوجه يسوع. ولكن نواميس الطبيعة لم تكن معروفة في ذاك الزمان. لهذا لن نستطيع أن ندرك حقّ الإدراك المرض والشفاء والمعجزة في عالم جهل العلم والتحليل الطبي. وهناك صعوبة أخرى تجابهنا حين نقرأ خبر معجزة. نحاول أن نتخيّل ما حدث حقّاً. ولكننا ننسى أن الأناجيل ليست ريبورتاجاً، وأن الإنجيلي لم يرد أن يشخّص المرض. كما ننسى أن الأناجيل كتبت بعد أن حملها تقليد طويل شفهي وكتابي معاً.
يجب أن تحُفظ أخبار المعجزات غيباً. لهذا ألّفت حسب رسمة بسيطة تصفي التفاصيل وتُبقي على الجوهر. كرّرت بعض المعجزات (مثلاً تكثير الخبز، مر 6: 35- 44؛ 8: 1- 10). وقدّمت أخرى بشكل لاهوتي، فما عدنا نقدر أن ندرك تفاصيل الحدث.
ومهما يكن من أمر، فقد قام يسوع بنشاط شفاء في محيطه. فما هو مدلول هذا النشاط؟ لا نستطيع أن نفصل مدلول المعجزات عن الوضع الاجتماعي للمرض، وعن المعنى الذي أراد يسوع أن يعطيه لهذه المعجزات في كرازة ملكوت صار حاضراً الآن. فإذا أخذنا بعين الاعتبار الاختلاف في النظر إلى المرض في العالم القديم، نستطيع أن نجمل مدلول المعجزات في ثلاث نقاط:
* النقطة الأولى: حين صنع يسوع معجزات، دلّ على أن الملكوت قد حلّ في هذا العالم، وأنه يعني حاجات الإنسان الحياتية: الجوع، الصحة، الحياة، البحث عن الهوية. وهكذا التقى مع التقليد البيبلي القديم الذي يرى أن الخلاص الذي يمنحه الله هو حقيقة ملموسة، هو حقيقة حياة لا موت. ننطلق من التحرّر من العبودية في مصر، فنصل إلى الخلاص المسيحاني الذي يعني الخليقة كلّها.
* النقطة الثانية: تدلّ المعجزات أيضاً على أن الملكوت يبدأ مجيئه ساعة يستعيد المرضى مكانتهم في الشعب. تألمّ يسوع من المصير المفروض عليهم في المجتمع، فأراد أن يحطّم الشرائع التي تجعلهم مرذولين. فمجيء الملكوت يتحقق حين تزول الحواجز بين البشر، أكانوا برصاً أم في صحّة جيدة (مر 1 :44).
* النقطة الثالثة: المرض هو شر لا يُفهم. وتعود جذوره إلى الشيطان. وهكذا تصبح الحرب على الخطيئة حرباً على قوى الشّر. وقد رأى يسوع، شأنه شأن معاصريه، علامة انتصار الملكوت وظهور العالم الجديد (مت 28:12: ملكوت الله حلّ بينكم). وإن كان يسوع قد قام بمعظم معجزاته يوم السبت، فقد أراد أن يدلّ على حضور هذا العالم الجديد (مر 3: 1-6؛ لو 10:13-17؛ يو 5: 1-18؛ 9: 1- 41). ففي العالم اليهودي المعاصر للمسيح، كان السبت يتذكّر تكملة الخلق (تك 2: 2). والمعجزات التي تمتّ في ذلك اليوم، رمزت إلى مجيء الخليقة الجديدة.
لقد أراد يسوع أن يعطي هذا المعنى للمعجزات التي أتمّها، وهذا ظاهر في حدثين يصعب علينا فهمهما: تهدئة العاصفة (مر 35:4- 41)، والسير على المياه (مر 6: 45- 52). إعتبر اليهود أن البحر عدوّ خطير للبشر، وتسكنه قوى الشّر: قسَّم عليه يسوع ومشى عليه، فدلَّ على أن حربه ضد الشر تمتلك بُعداً كونياً. قد تجاوزنا المعتقدات الدينية والسُطُرية التي تسند هذا المشهد، ولكنها تتيح لنا أن ندرك أن الخلاص يعني الخليقة كلها. هذا ما تشهد له المعجزات.
حاجات حياتية، مكانة الإنسان في المجتمع، إعادة خلق الكون. هذه الميزات الثلاث لا تستنفد معنى المعجزة، ولكنها تعطي للملكوت الذي دشّنه يسوع، واقعاً ملموساً وبعداً إنسانيًا.

ب- النساء والأولاد
والفئة الثانية من المرذولين هي فئة النساء والأولاد. عبارة تصدمنا. لماذا جُمعت النساء مع الأولاد؟ هكذا نقرأ العبارة في مت 14: 21، لأن أعضاء هاتين الفئتين يُعتبرون من القاصرين، ويجُعَلون مع العبيد والصمّ والعميان. نتحدث أولاً عن النساء ثم عن الأولاد.

1- النساء
تبقى المرأة في المرتبة الدنيا طوال أيام حياتها، حتى ولو صارت أمّاً. وقال فيهن فلافيوس يوسيفوس: "إنهن أدنى من الرجل ". وهذا المعتقد عميق جداً بحيث أن اليهودي يقول في صلاته اليومية: "أحمدك يا رب لأنّك لم تخلقني إمرأة".
مثل هذه العقلية تقود الناس إلى إبعادهم عن الحياة الإجتماعية. تُجعل المرأة في داخل البيت، ولا تخرج إلا والحجاب على وجهها، ولا تستطيع أن تحدّث رجلاً في مكان عام. هي كالعبد وبعض المرضى، لا تستطيع أن تقدم مشاركتها في المحكمة. وهي مُلك رجلها الذي يستطيع أن يطلقها ساعة يشاء حتى لأسباب تافهة.
ويتسجّل هذا الوضع الدنيء أيضاً في الحياة الدينية. فالدم الذي يسيل منها في الولادة يجعلها نجسة. فعليها أن تقوم بطقوس تطهير خاصة (لا 12: 1- 8؛ 15: 19- 30). وهي قاصرة أيضاً أمام الله، ولهذا لا تفرض عليها الواجبات الدينية المفروضة على الرجال. كما أنها تُعفى من الصلاة اليومية، شأنها شأن العبيد. لا تجلس في الهيكل أو في المجمع مع الرجال، بل في مكان خاصّ يدل على مرتبتها الدنيا.
لوحة سريعة ولكنها تساعدنا على إلقاء الضوء على ما فعله يسوع. يروي إنجيل يوحنا أن التلاميذ تعجّبوا حين رأوا يسوع يتكلّم مع السامرية وجهًا لوجه (يو 27:4). وإن أحد الفريسيين سينذهل ويتشكك حين يرى يسوع ضيفَه، يستقبل امرأة، وأية امرأة، امرأة مشهورة بخطاياها في المدينة (لو 39:7).
وراح يسوع أبعد من هذا فانفصل عن قواعد المجتمع اليهودي. يروي لوقا أن نساء رافقن يسوع في تنقّلاته (لو 8: 1- 3). إنهن تلميذات على مثال الرسل الإثني عشر أو على مثال السبعين الذين أرسلهم يسوع أمامه (لو 10: 1). كم نحن بعيدون عن ممارسة الرابانيين الذين يمتنعون عن التحدّث إلى امرأة في مكان عام.
وستكون النساء وحدهنّ على الجلجلة (مر 40:15- 41) كما عند القبر ليشهدن للقيامة (لو 24: 1- 11، مر 16: 1- 8).
بهذا التصرف الثوري أراد يسوع أن يبينّ أن ملكوت الله مفتوح للجميع، أن جميع الناس متساوون فيه، لأنهم كلهم يعيشون المحبّة (لو 7: 36- 50؛ يو 8: 1- 11). وهذا الملكوت يبدأ منذ اليوم. هذا هو معنى الانقلاب الذي يحمله يسوع إلى شريعة الزواج التي يُعمل بها في أيّامه. حين رفض حق الطلاق المحصور بالرجل، أعطى المرأة ملء كرامتها في هذا العالم. وجعل من الزواج يعيشه الرجل والمرأة في المساواة وفي الحب، علامة على أن ملكوت الله حاضر في العالم (مت 19: 1- 9).

2- الأولاد
يقف الأولاد أيضاً في المرتبة الدنيا مع النساء. إنهم قاصرون. 
لا شك في أن الولادة تعتبر بركة إلهية (ولا سيما إذا كان الولد ذكراً) في البيت. ولكن لا حق شرعياً للولد. فقيمته في أنه سيصبح كبيراً. بعد هذا، لن يتطلّع أحد إلى سلوكه وما فيه من نقاء. وإذا أرادوا أن يصير "ابن الوصية" وجب على الأهل والمعلمين أن يروّضوه. وحكماء العهد القديم (والرابانيون على أثرهم) قالوا: العصا والعقوبة ضروريتان ليصبح رجلاً. أما الأولاد الذين لا يعرفون الشريعة فهم يعيشون على هامش المجتمع في المجال الديني، ولا يحُسبون يهوداً في نظر يهودي تقي.
ومع هذا يدلّ يسوع على تعلّقه بالأولاد. هو لا يرى فيهم مثال النقاء والطهارة، بل هم متقلّبون ويعيشون بحسب نزواتهم (مت 11: 16- 17). ولكن يسوع يحفظ لهم مكانهم في المجتمع. هذا ما يقوله لتلاميذه الذين يتجادلون ليعرفوا من هو الأكبر بينهم. "فأخذ يسوع طفلاً وأقامه وسطهم وضمّه إلى صدره وقال لهم: من قبل واحداً من هؤلاء الأطفال (الأولاد) باسمي يكون قد قبلني" (مر 9: 36- 37).
وهكذا قَلب يسوع المعايير الرسمية للقيم البشرية. لا صغير ولا كبير. فالملكوت حاضر حيث تسقط اللياقات التي أقامها المجتمع.
وهناك حدث آخر من الإنجيل يلقى نورًا على هذا التفسير. أدرك التلاميذ عظمة معلّمهم، فردّوا الناس الآتين إلى يسوع مع أطفالهم. فغضب يسوع وقال لهم: "دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لأمثال هؤلاء ملكوت الله. من لا يقبل ملكوت الله كأنه طفل لا يدخله" (مر 13:10- 16). لسنا هنا أمام طهارة الطفل. بل إن يسوع يُعلن أن ملكوت الله مفتوح للذين يشبهون الأطفال ويعتبرون أن لا حق لهم. إنهم لا يملكون الملكوت ولا يستحقّونه، بل يقبلونه كما يقبل الطفلُ كل شيء من يد والديه.

ج- المرذولون بسبب وظيفتهم
1- العشارون وغيرهم
وهناك وظائف ومهن يحتقرها اليهود ويحتقرون أصحابها.
- هناك الخطّاطون والحائكون. إنهم يتصّلون بالنساء فيعتبر سلوكهم غير أخلاقي.
- هناك بائعو الجلود والدبّاغون. يرذلهم المجتمع لأن عملهم ممقوت ومكروه.
- هناك الصّرافون وأهل الربى واللاعبون "بالقمار". إنهم يعتبرون من السرّاق واللصوص. ويرافقهم الراعي بسبب مهنته المكروهة أولاً. ثم، يظن الناس أنه يرعى خرافه في حقول الآخرين فيعتبرونه هو أيضاً سارقاً.
- وهناك العشارون يجمعون الضرائب من أجل رومة ومن أجل وجهاء البلاد. بعضهم أغنياء مثل زكا العشّار (لو 19: 1- 10). والعدد الكبير منهم هم موظفون صغار، أو عاملون في الجمارك مثل لاوي (مر 2: 14)، أو خدّام لدى العشارين الكبار. ولكنهم كلهم مرذولون. يحُرم هؤلاء اليهود بسبب نشاطهم، من حقوقهم المدنية. فلا يستطيعون أن يُدلوا بشهادتهم في المحكمة مثل العبد والمرأة والولد. ورافق هذا الحرمان من الحقوق المدنية حرمٌ ديني يدلّ على أنهم في حالة الخطيئة (لا أخلاق، سرقة، نجاسة)، وأنهم بالتالي ينجسّون الشعب. ويتحوّل هذا الحرم فيما بعد إلى حاجز اجتماعي: فالفريسيون واليهود الأتقياء يمتنعون مثلاً عن إلقاء التحية على عشّار: لقد أخرج من شعب الله وحُرم من الدخول إلى بيت الله. وهكذا نلاحظ أن الحياة الاجتماعية تمتزج مع الحياة الدينيّة.
أما يسوع فتعدّى هذا الخط السلوكي. إستقبل الخطأة (يعتبرون كذلك بسبب مهنتهم) أحسن استقبال ورحّب بالعشارين، فأغضب الفريسيين ومعلمي الشريعة (لو 15: 1- 2).
دعا لاوي العشار ليكون أحد الإثني عشر، أي ممثلاً لشعب الله الجديد (مر 13:2- 14). وما أخرجه من محيطه "الخاطىء"، بل بعد أن دعا لاوي، أكل مع العشارين والخطأة (مر 2: 16؛ لو 19: 5). وهذا ما شكّك الفريسيين الذين جُرحوا في الصميم فقالوا للتلاميذ: "لماذا يأكل معلّمكم مع العشّارين الخطأة" (مر 2: 16)؟ ففي العالم اليهودي، ترمز المشاركة في المائدة إلى المشاركة مع شعب الله تحت نظر الله. وحين يشارك يسوع "المحرومين" في طعامهم، يصبح نجساً باتصاله بهم، يصبح "صديق جباة الضرائب والخطأة" (مت 19:11).
إن هذا التضامن مع الخطأة الذي أراده يسوع يتنافى والعقلية الدينية في عصره. إنه يرمز إلى انقلاب في القيم يرتبط باجتياح الملكوت للعالم. وهذا الملكوت يدركه أولئك الذين ليسوا أكيدين من نفوسهم، الذين ليسوا بمتخمين أو واصلين. يدركه المرضى لا الأصحّاء (مت 9: 12). هذا الملكوت لا يبنى على السمعة الحسنة ولا على الضمير الصالح كما يراه المجتمع، بل على انقلاب في قلب من اكتشف أن الحب موجود.

2- سرّ حياة يسوع
لم يخطىء معاصرو يسوع حين نظروا أعماله. فقد أفهمهم بوضوح أنه يقيم ملكوت الله. تساءلوا: من هو هذا الشخص السري؟ من يعتبر نفسه؟ وجاءت أجوبتهم متعدّدة. "إنه ذاك الآتي" (مت 3:11). "إنه إيليا النبي " (مر 28:8). "إنه المسيح " (يو 1: 41).
رفض يسوع دوماً بأن يجيب على هذا السؤال. ولكنه دفع التلاميذ يوماً ليقدّموا جوابهم. سألهم يوماً: "وأنتم من تقولون إني هو" (مر 8: 29؛ مت 15:16؛ لو 9: 20، من أنا في رأيكم؟)؟ وجاء جوابهم لا كلمة: "أنت المسيح ". كان باستطاعتهم وحدهم أن يعرفوه لأنهم عاشوا معه علاقة فريدة، علاقة نمّاها يسوع إذ ركّز تعليمه على شخصه لا على الشريعة كما يفعل الرابانيون. فهو الذين دعاهم وقال لكل واحد: "إتبعني ". (هم لم يختاروه ويسموه "رابي "). وعلّمهم لا شروح الشريعة، بل ما سيعيش من أحداث (لو 8: 31؛ 9: 31).
إختار يسوع اثني عشر ليكوّنوا شعب الله الجديد (مر 13:3- 19)، وأشركهم في بناء الملكوت. وأرسلهم إلى "الخراف الضالة في إسرائيل"، لا إلى النخبة (مت 10: 6). ودعاهم لأن يخدموا لا أن يُخدموا، على مثاله (مر 35:9؛ 35:10- 45)، أن يحملوا صليبهم كي يقوم الملكوت على الأرض (مر 8: 34).
وعاشوا منذ ذلك الوقت الميزات الأساسية في حياة الكنيسة. فبنوا على مثال يسوع مملكة العدالة والمحبّة. وتبعوا شيئاً فشيئاً الطريق الذي سار عليه يسوع، فصاروا جديرين بأن يفهموا الإنجيل (البشرى) الذي يحمله إليهم. تعلقوا به فبلغوا إلى الإيمان.
إن الآيات التي يتمّها يسوع تعرّفنا إلى موقف الله تجاه البشر وهو موقف حب لا يفهمه الذين يعيشون بمنطق هذا العالم. هذا ما شرحه يسوع لنا في مثل الإبن الضال (لو 15: 11- 32). هذا المثل الشهير قدّم الجواب للفريسيين الذين تشككوا من سلوك يسوع مع العشارين والخطأة (لو 15: 1- 16)، إنه بالأحرى مثل الأب الذي بذّر حبه من أجل أولاده، أكثر منه مثل الإبن الذي بذّر أمواله مع الزواني.
وهكذا دعا يسوع الفريسيين ليتخلّصوا من فداء يعتبرونه ملكاً لهم، ليدخلوا في طريقة الله. وهذا الإله يثق بالناس ويحبّهم كما هم. هذا ما نستنتجه من مثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم. تذمّر العمال الذين تعبوا طول النهار لأنهم نالوا الأجر الذي ناله أولئك الذين عملوا ساعة واحدة. ولكن رب الكرم دعاهم إلى المشاركة في حبّه الذي يتجاوز كل عدالة (مت 20: 1-16).
هذا الوحي يقلب رأساً على عقب الأفكار المعروفة العالم اليهودي. تصوّروا الله على مثال عظماء هذا العالم: إنّه كائن قدير، ملك مهيب، ديّان لا يلين سيكشف عن سلطانه في اليوم الأخير. ما كان اليهود الأتقياء يتجرّأون على التلفّظ باسمه. وصوّره أصحاب الرؤى إلهاً ينتقم من أعدائه الذين هم أعداء شعبه. هناك مزج خطير.
إذن، لا يستقي يسوع تعليمه من عمل الله في العالم، من المحيط الذي عاش فيه. لا شك بأنه عرف تقليد هوشع وإرميا وحديثهما عن حب الله لشعبه. ولكن هذا التقليد لا يكفي وقد عرفه معاصروه دون أن يستخرجوا النتائج التي استخرجها.
إن الأناجيل تقدّم لنا الجواب على هذا السؤال. فيسوع يعيش علاقة فريدة مع الله، علاقة من الحب والثقة النبوية. هو يتوجّه إلى الله فيدعوه "أباه " (مت 25:11- 27). بل يستعمل عبارة يستعملها الطفل مع أبيه: أبّا، أيها الآب (مر 14: 36). هذا الجديد الذي لم يصدّقه معاصروه، قد أدخلناها سر العلاقات بين الله ويسوع. وهذا السر فهمناه علاقة حميمة بين الآب والإبن.
هذا ما أراد يسوع أن يشرك تلاميذه فيه. إبتهج حين رأى المساكين وصغار القوم يعيشون الحب لا قلب هذا العالم. فهذه الديناميّة تتيح لهم أن يعرفوا أن الله هو آب (مت 11: 25- 27). وهم يستطيعون أيضاً أن ينادوه "أبانا" (كما 9:6- 17) لأنهم حقاً أبناء الله (مت 9:5، 45).

 

الفصل السادس

موقف يسوع قاده إلى الموت

تضامن يسوع مع شعب المساكين والمنبوذين. وهذا الخيار الثوروي جعله يواجه الفرّيسيين والصادوقيّين الذين تآمروا عليه وحكموا عليه بالموت. تبدو هاتان الفئتان مع رؤسائهما (الكتبة والشيوخ) ومع الهيرودسيّين الأعداء العاديّين ليسوع. من هم؟ لماذا وقفوا بوجه يسوع؟ كيف نفهم أن يكون الصراع بين يسوع وخصومه قد قاده إلى الموت؟
إذا أردنا أن نوضح هذا الوضع، نقسم تفسيرنا لحياة يسوع قسمين متكاملين. الأول: تضامن يسوع مع الشعب وعارض الفريسيّين. الثاني: تحرّك الشعب، فحكم الصادوقيون على يسوع بالموت.
نشير هنا، قبل التوسّع في الموضوع، أنّنا لا نستطيع اعادة تكوين كل هذا الصراع. ولكنّنا نجد الأسباب التي قادت رؤساء الشعب لكي يقتلوا يسوع. وفي عملنا هذا سوف نستند الى ما حفظ لنا الإنجيل من أحداث لها معناها.

أ- تضامن مع الشعب ومعارضة للفريسيّين
نتعرّف أولاً الى الفريسيّين ثم الى حكم يسوع عليهم بأنهم مراؤون، لأنهم يقولون ولا يفعلون.

1- الفريسيون
الفريسيون هم المنفصلون. إنهم يريدون بممارستهم التامة لشريعة موسى وتفسيرها حسب الآباء (الكتبة)، أن يجسّدوا إسرائيل الحقيقي منفصلين عن اليهود الذين ينجسّونه. وتجذّر هذا المشروع في التقليد التوراتي، وهو تقليد تبدو فيه ممارسة الشريعة جواباً من إسرائيل الى إله العهد. إذاً، اراد الفريسيون أن يأخذوا تقليدهم بجدّية، وهذا ما دفعهم لأن يعيشوا جماعات صغيرة لكي يتعرّفوا إلى الشريعة ويمارسوها. عاش هؤلاء "المنفصلون " كمجموعة فاهتموا بإرجاع الشعب إلى ممارسة تليق بإسرائيل الحقيقي.
كيف يحقّقون مشروعهم هذا؟ بدأوا يبشّرون الشعب الجاهل للشريعة (يو 7: 49) وقاموا بفعلات لها معناها. فعادوا يدفعون العشر على كل محاصيل الأرض التي يشترونها (مت 23: 23). ما كان باستطاعتهم أن يتحقّقوا أن هذا العشر الذي تفرضه هذه الشريعة على الطعام قد دُفع؛ فدفعوه لئلاّ يتنجسّوا. هذا الموقف يشّرفهم، ولكنّه يجعلهم في مواجهة مع "شعب الأرض " الذي ينجّس الأطعمة حين يرفض أن يدفع العشور. ثم إنّ مثالهم الديني جعلهم يقفون بوجه كلّ الذين ينجّسون الشعب بسلوكهم. ونظّموا لائحة بالأشخاص الذين لا يستطيع اليهودي النقي أن يعاشرهم (أما يسوع فاستقبلهم).
وزاد الفريسيون على ممارسة الآباء فرائض طهارة كانت محفوظة في شريعة موسى لكهنة يمارسون عملهم: اغتسال طقسي قبل الطعام، الاحتفاظ من الاتصال بما ينجّس، مثل الجثة، الوثني، الشخص المحروم. وهكذا أرادوا أن يفرضوا على الشعب كله ما كان خاصاً بالكهنة. هذا يدلّ على غيرتهم الدينية. ولكنه يكشف أيضاً عن مشروعهم السياسي. حين انتزعوا من الكهنة ميزاتهم (ممارسة أقدس للشريعة)، انتزعوا منهم الحق بأن يقودوا الشعب وحدهم. ففي يهودية القرن الأول حيث تحكم طبقة كهنوتية وراثية، قام الفريسيون بحرب سياسية على هذه الطبقة الحاكمة. وهكذا دخل الفريسيون الى السنهدرين (المحكمة الدينية العليا) وسيستفيدون من دخولهم حيث تدعو الحاجة.

2- حكم يسوع على الفريسيين
إن تصّرف يسوع صدم الفريسيّين وما يمثّلون في الصميم: لم يعلّم تلاميذه ليصيروا "أبناء الوصية". خالط الخطأة... هذا يعني أنه لا يقرّ بطريقة عيشهم "منفصلين "، وأنه يعرض تضامناً يلغي الحواجز والحرومات. وهكذا يهدّد قوة تأثيرهم على الشعب كما يخرّب مشروعهم السياسي.
بل يذهب أبعد من هذا. يحلّ محقهم كموجّه للشعب، فيدعوه الى التحرّر من نير الشريعة. ويتجرّأ فيقول: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والرازحين تحت أثقالهم وأنا أريحكم. إحملوا نيري وتعلّموا منّي تجدوا الراحة لنفوسكم. فنيري هيّن وحملي خفيف " (مت 28:11-30). هذا النير الذي يتحدّث عنه يسوع هو الشريعة كما يفرضها الفرّيسيون. إذن، يسوع هو معلّم الشريعة وهو يعرض مثال حياة يختلف عن الذي يقدّمه الفريسيون. ولقي هذا المثال صدًى مستحباً عند شعب يحس بثقل العشور ويشعر بخطيئته لأنه لا يستطيع أن يتبع كل فرائض الشريعة.
إذن، ستتركز الحرب بين يسوع والفريسيّين في المجال الديني: جدالٌ حول تفسير الشريعة، شكّ بسلطة يسوع (مر 22:3- 30؛ 27:11- 33).
غير أن يسوع سيحكم عليهم حكماً لا استئناف فيه. يكفي أن نقرأ مت 23: 1ي، لنرى قساوة يسوع ضدّ هؤلاء المرائين الذين يحمّلون الناس أحمالاً ثقيلة، ضدّ هؤلاء القبور الخفيّة... ونحن نقرأ من خلال كلام يسوع تحذيراً إلى كلّ صاحب سلطة في الكنيسة أو في المجتمع.

ب- تحرّك الشعب وحكم الصادوقيّين على يسوع
تأخر الفريسيون في التصادم مع يسوع، وذلك حين هدّد سلوكه النظام العام في اليهودية وفي أورشليم. نتعرّف أولاً إلى الصادوقيّين قبل أن نرى الأمور التي فيها اتهموا يسوع.

1- الصادوقيون
إنهم تقليديون يرفضون كلّ معتقد جديد. هؤلاء المحافظون في الدين يعارضون كلّ جديد يقدّمه الفريسيون. خرج الصادوقيون من الأرستوقراطية الدينية والدنيوية، فكان رؤساؤهم عظماء الكهنة والشيوخ.
هم رجال نظام، لهذا تعاهدوا مع السلطات الرومانية وتحالفوا مع الهيرودسيّين.
وهذه المشاركة فتحت لهم طريق التجارة، وأتاحت لهم أن يقبضوا ضريبة الدرهمين التي يدفعها للهيكل كل يهودي يعيش على أرض الإمبراطورية. ففي بلد مضطرب، تملأه الثورات والحركات الإرهابية (أصحاب السيوف، الغيورون)، خاف الصادوقيون من تمرّد يجعل رومة غير راضية عنهم.
ويسوع سيكون موضع انتقاد من هذا القبيل في الجليل المعروف بروحه الثوروية. هو يؤلّب الشعب حوله، وهذا يكفي لكي يخيف الجميع. 

2- أعمال تهدّد السلام
إذا عدنا إلى الأناجيل، رأينا أن حياة يسوع انتهت بحجّ إلى أورشليم للاحتفال بالفصح، عيد الأعياد. شعب كبير كما في مظاهرة، وتشتعل الحمّى المسيحانية. هذا ما عملته الجموع التي رافقت يسوع في المرحلة الأخيرة من هذا الحج (من أريحا إلى أورشليم). امتلأت بهذا الرجاء فانتظرت في الحال ظهور الملكوت (لو 19: 11: ملكوت الله سيظهر في الحال). ولكن هذه الآمال الجنونية ما تعتّم أن تتحوّل إلى ثورة وتمرّد (لو 13: 1). لهذا ضاعف عظماء الكهنة والشيوخ (وهم رؤساء الصادوقيّين) السهر خلال الأعياد. إنهم المسؤولون عن الأمن في أورشليم وفي الهيكل. وهم يخافون الوالي الروماني الذي يترك مقرّه في قيصرية (على البحر) ويأتي إلى أورشليم ليراقب تحرّكات الشعب في المدينة المقدّسة خلال الأعياد.
وبرز حدثان أثارا انتباه السلطة اليهودية على يسوع: الدخول إلى أورشليم، طرد الباعة من الهيكل.
حين دخل يسوع إلى أورشليم، هتفت له الجموع التي رافقته من الجليل (مر 11: 1- 11). واجتمعت أمور عديدة في هذا الحدث لكي ترتاب السلطات التي حرّكها الفريسيون، بالخطر الآتي. جاءت الجموع من الجليل، مهد الثورات، وهتفت ليسوع على أنه ملك داود، المسيح، ذاك الآتي، الملك. وركب يسوع على جحش فقام بفعلة نبوية: لقد قال زكريا (9:9- 1) إن المسيح يدخل هكذا إلى مدينته. ورافق هذا الدخول عمل رمزي له بُعده الكبير، وهو تطهير الهيكل.
قالت بعض التقاليد الجليانية إن المسيح يطّهر الهيكل عندما يجيء. وهذا ما حقّقه يسوع: بعد دخوله المسيحاني طرد الباعة من الهيكل. وهكذا مسّ امتيازات عظماء الكهنة، لأن التجارة التي تتم في حرم الهيكل تخصّهم. إنذهلت الجموع واندهشت لهذا العمل (مر 11: 18؛ 27:12- 37). وقد تبدأ بثورة. وهكذا صار الهيكل الذي هو من امتيازات عظماء الكهنة وسلطتهم، موضع المواجهة بينهم وبين يسوع (مر 27:11؛ 12: 35 ....).

3- لا بدّ من إزالة من يضع البلبة في الشعب
بدأ يسوع كمضلّل للجموع (يو 7: 12) التي ابتهجت بتدخّلات يقوم بها بسلطان. وهذا السلطان يعارض سلطة رؤساء الشعب على أورشليم والهيكل. لذا سأله رؤساء الكهنة والشيوخ: "بأي سلطة تفعل هذا" (أي: تقوم بتطهير الهيكل) (مر 28:11)؟ اصطدموا بسكوت يسوع (لم يردّ عليهم) فهاجموا من جهة أخرى: الجزية المفروضة لقيصر (مر 13:12- 17). حين سأل الخصوم يسوع سؤالاً حول دفع الجزية لقيصر، لامسوا مسألة دقيقة جداً. فالغيورون يرفضون أن يدفعوا الجزية التي ترمز إلى سلطة الأمبراطور الروماني، كما ترمز أيضاً إلى ثقل الضرائب التي تسحق الناس. إن أجاب يسوع أنه يجب أن ندفع الضرائب، لما يعد متضامناً مع الغيورين وبالتالي مع الحركات المسيحانية الشعبية. وإن أجاب أنه لا يجب أن ندفعها، إتهّم بالثورة على الأمبراطورية. وجاء جواب يسوع: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ". يفسّره شّراح عديدون بأنه موافقة على دفع الجزية. فالمال يخصّ سلطة البشر، والقيم الروحية تخصّ السماء. ولكن هذا التفسير ينسى الملاحظة التي تختتم الحدث. شدّد مرقس على "تعجّب " الجموع. إذا أردنا أن نفهم هذا التعجب نعود إلى سياق النص: طلب يسوع ديناراً يحمل صورة الأمبراطور (مر 12: 15- 16) ولاحظ أن هذه الصورة تزيّن الدينار. وحين أجاب يسوع أكّد: ليس هذه صورة الله. إنها علامة تنجيس البلاد بواسطة المحتلّ. إذن، ردّوا هذا الدينار إلى صاحبه. ولكن يجب أن تعطوا الله ما يخصّه أي الهيكل الذي تنجّس اليوم بسبب الباعة، وبسبب الغنى الذي يتجمّع فيه، وبسبب التجارة التي تتمّ فيه. نسب يسوع إلى نفسه مثل هذه السلطة فاعتُبر رجلاً خطيراً. هذا ما لاحظه عظيم الكهنة: "إذا تركناه على هذه الحالة (يتابع عمله) آمن به جميع الناس، فيجيء (يتدخّل) الرومانيون ويخربّون هيكلنا (هذا المكان المقدّس) وأمّتنا" (يو 11: 48).

4- النتائج
لم تستطع الأرستوقراطية الدينيّة والسياسية أن تتحمّل هذا الرجل الخطير الذي ظلّ لغزاً بالنسبة إليها. أوقعته بواسطة خدمها (اليهود) (مر 14: 14)، وسلّمته إلى السلطات الرومانية، واتهّمته بأنه ثائر سياسي: "وجدنا هذا الرجل يضع البلبلة في أمّتنا". ويمنعنا أن ندفع الجزية لقيصر. ويقول إنه المسيح الملك " (لو 23: 2). إن نهاية هذه الآية تتضمّن الإتهام الأساسي: جعل يسوع نفسه ملكاً. وهذه هي المسألة التي أثارت انتباه بيلاطس حين استجوب يسوع. سأله: "أأنت ملك اليهود" (مر 15: 2)؟ 
يتفّق الإنجيليون على هذه النقطة ولاتّفاقهم معناه في محاكمة يسوع الطامح إلى الملك والمشبَّه ببرأبّا الذي هو ثائر سياسي. ولمّا أعلن الحكم على يسوع، سخر اليهود من هذا الملك "التعيس " (مر 16:15- 20). وكتب بيلاطس سبب الحكم عليه، حسب العادة: "ملك اليهود" (مر 26:15). 
إذن، الحكم على يسوع بالموت كان حكماً سياسياً. فيسوع ثائر ويدعو إلى الثورة. وأعماله تفهم الناس أنه المسيح ومحرّر شعبه. غير أن هذا المسيح لا يستخرج النتائج من هذه الحرب. يترك السلطة توقفه، يرفض أن يدافع عن نفسه، يبدو جباناً ومتخاذلاً. وهذا السلوك الذي أورده الإنجيليون الأربعة، ظلّ لغزاً للجماعات المسيحية الأولى. بحثوا في العهد القديم عن سبب لهذا التصّرف. فرأوا أن يسوع يجسّد عبد الله المتألمّ، والمسيح الذي يسلّم نفسه عن أحبّائه (أش 53: 1ي). وهكذا كانت آلام يسوع علامة عن تضامن من لا يكتفي بالكلام، بل يصل إلى العمل.

5- تضامن يتعدّى الظواهر
هتفت الجموع ليسوع وأعلنته المسيح. ولكنّها نسيت أن تتضامن معه حين أسلم إلى الموت. وفضّلت يهودياً مناضلاً على هذا المسيح المذلول. والتلاميذ نفسهم يئسوا. فتركوه وهربوا (مر 14: 50). إن ردّات الفعل هذه تشهد على المرارة التي أثارها سلوك رجل حطّم الآمال التي أيقظها. لماذا اختار يسوع هذا الطريق؟
نستطيع أن نجمل جوابه بما يلي: دلّ يسوع على أن مملكته ليست من هذا العالم. إنه مسيح لمملكة أخرى، لمملكة ليست من هذا العالم. ويرتكز هذا التفسير على اعتبار أورده يوحنّا وفيه يؤكّد يسوع أن مملكته ليست من هذا العالم (يو 18: 36). ولكن هذا التفسير لا يمثل الطريق الوحيد الذي تقدّمه الأناجيل، ولا يشدّد على التعارض بين تصرف يسوع الملموس والتضامن مع شعبه ونهاية حياة يسوع. فهذا التعارض يتيح لنا أن ندرك إدراكاً أفضل أن يسوع هو المسيح، ولكنّه ليس المسيح الذي انتظره اليهود. 
فهذا الشعب المسحوق ينتظر مخلصاً يعيد الفردوس الى الأرض، ويجعل التاريخ ينتهي هنا بعد أن يكمّله ويهبّ فيه كل شيء. رفض يسوع أن يتبع الطريق المرسوم، فحطّم هذا الحلم ودعا شعبه لكي يدرك أن تحرّره يمرّ في التخليّ عن أصنام. هو المسيح، ولكنّه مسيح يحرّر شعبه من التكاسل وعدم التحرّك، ويجدّده ليبني مستقبله بيده (لا بيد غيره). وهذا المستقبل ليس شيئاً نمتلكه، ولكنّه يجد في حياة يسوع وجهة ومرجعاً. حين رفض يسوع أن يكون مسيحاً "يطعم الشعب "، دلّ بصورة ساطعة على تضامنه مع هذا الشعب طوال حياته. وهو بهذا التضامن يدعو جميع البشر: "قوموا لكي نبني مستقبلنا،.
إختار يسوع هذا الطريق طوعاً، فذكرنا به العشاء السري. ففي وجبة أخيرة أخذها يسوع مع تلاميذه، دلت على أن لموته معنى من أجل جميع البشر (مر 14: 22- 25)، أنه يخلق العهد (الميثاق) الجديد (1 كور 25:11؛ لو 22: 20)، يخلق علامة جديدة بين الله وشعبه. فكل مرة نتم هذه العلامة، ندخل في هذا الطريق الجديد، نتجاوب مع التضامن الذي أراده يسوع.
وهذا التضامن لم يتحطمّ بموت يسوع على الصليب. فلنا شهادة الكنيسة الأولى التي أكّدت أن يسوع قام من بين الأموات. إن الله أعلن أن الطريق الذي اتبعه يسوع هو الطريق المثالي، هو نموذج لجميع الناس. لقد جعل الله من يسوع المحرّر المتضامن مع كل الذين يبنون الملكوت اليوم، مع كل الذين يصبحون بأعمالهم المجتمعة امتداداً لجسد المسيح. وهذا التضامن الناشط والديناميكي، قد شهدت له كل أسفار العهد الجديد بطرق مختلفة، وحسب حاجات الجماعة التي خرجت منها. ونحن سنتعرّف في وليْ هذا الكتاب إلى هذه الأسفار.
إختار يسوع أن يكون متضامناً مع شعبه حتى الموت. وهو اليوم أيضاً يبقى متضامناً مع المؤمنين. هذا هو معنى قيامته. قام ليبقى حتى نهاية العالم.

 

 

الفصل السابع

الإيمان الفصحي

إن شخص يسوع وحياته كما تعكسها الأخبار الإنجيلية، تحرّكان فينا تعاطفاً، وتدفعاننا إلى اختيار نقوم به لكي نوجّه حياتنا، لكي نحيا معاً، لكي نبني التاريخ. ولكن حين نقرأ التقاليد المتعلّقة بيسوع، التي تؤلف العهد الجديد، نكتشف أنها وُلدت وتدوّنت انطلاقاً من يقين أساسي جداً. فهذا المصلوب الذي دلّ موته بشكل لا يقبل الشك، على نهاية حياته على الأرض، شأنه شأن كل إنسان، هذا المصلوب أعلنه التلاميذ حياً. وبشّروا به على أنه المسيح والرب وابن الله. إنه حاضر وفاعل اليوم في حياتهم وفي تاريخ البشر. "لماذا تطلبن الحي بين الأموات " (لو 24: 5)؟ ذاك كان كلامه للنسوة اللواتي جئن إلى القبر. أجل المسيح حي لأنه قام فلم يصل إليه فساد الموت.
نعالج في هذا الفصل قسمين: الأول، يسوع هو المسيح الذي قام. الثاني، قيامة يسوع وولادة الايمان.

أ- خبر القيامة
قال بطرس في خطبته في الهيكل: "قتلتم ملك الحياة، ولكن الله أقامه من بين الأموات، ونحن شهود له بذلك " (أع 3: 15). وكان قد قال يوم العنصرة: "إن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً، (أع 2: 36). فعلى خبرة القيامة نتوقف: يسوع هو الرب. والله أقامه من بين الأموات.

1- يسوع هو الرب.
المسيح، الرب، ابن الله. تدلّ هذه الألقاب في العالم اليهودي، على وضع فريد وجديد، خاصٍّ بيسوع في علاقته بالله والبشر. إستعادها المؤمنون بعد الفصح (أي عبور المسيح من هذا العالم إلى الآب بالموت والقيامة) وأعلنوا ايمانهم في عبارة موجزة: يسوع هو المسيح. يسوع هو الرب.
يسوع الناصري، ابن الجليل، والإنسان الذي كان من عصره، والمصلوب، يقدّم كالجواب الحاسم والنهائي الذي يحمله الله إلى البشر الذين يبحثون عن معنى لحياتهم:، فما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص " (أع 12:4).
ما هو أساس هذا التعلّق (الالتصاق) الفريد بيسوع قبل موته وبعده؟ أي تفسير وأي معنى لولادة هذا الايمان بالمسيح؟ إذا عدنا إلى خبرة التلاميذ، فما هو الذي يميّز تمييزاً جذرياً هذا الايمان من تعلّقهم بيسوع (وقرارهم الارتباط به) قبل محنة الصليب؟

2- الله أقامه.
حين نطرح هذه الأسئلة، تجيبنا أسفار العهد الجديد، فتحيلنا بأشكال متنوّعة، إلى حدث فريد حقاً، يعني يسوع الناصري الذي صُلب. وهذا الحدث هو قيامته وتمجيده عن يمين الله. لم يكن التلاميذ ينتظرون شيئاً. ومع ذلك، فقد تقبّلوا علامات القيامة في صباح أحد الفصح. قالت لهم هذه العلامات: هناك مستقبل آخر للعالم وقد بدأ مع يسوع القائم من الموت. مع يسوع "بكر إخوة كثيرين" (روم 8: 29)، "بكر القائمين من الموت (كو 1: 18). فلم يعد من معنى لوجود مجموعة التلاميذ ورفاق يسوع، إلاّ لكي يشهدوا للقيامة ويعلنوها.
نحن نقرأ في خطبة بطرس يوم العنصرة كلمات تكثّف الإعلان الأول للانجيل: "يا بني إسرائيل إسمعوا هذا الكلام: كان يسوع الناصري رجلاً أيّده الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والمعجزات... أخذتموه وصلبتموه وقتلتموه بأيدي الكافرين. ولكنّ الله أقامه وحزره من سلطان الموت. فالموت لا يستطيع أن يبقيه في قبضته... فيسوع هذا أقامه الله، ونحن كلّنا شهود على ذلك. فلمّا رفعه الله بيمينه إلى السماء، نال من الآب الروح القدس الموعود به فأفاضه علينا، وهذا ما تشاهدون وتسمعون" (أع2: 22 ي).
لقد رأت الكنيسة والتقليد الإنجيلي ولادتهما ودينامية نموهما في قوّة هذه الشهادة. والقديس بولس الذي اختلفت مسيرته إلى الإيمان عن مسيرة التلاميذ الذين اتصلوا بيسوع اتصالاً مباشراً، حدّث جماعة كورنتوس بعد موت يسوع بعشرين سنة بهذا الكلام: "إن كان المسيح لم يقم، فكرازتنا باطلة (فارغة، لا مضمون لها) وإيماننا أيضاً باطل " (1 كور 15: 14). 
ونتساءل تساؤلاً جدّياً عن بُعد هذه الأقوال. إذا كانت حاسمة بالنسبة لولادة الإيمان بالمسيح، فكيف نفهمها اليوم؟ كيف وُلدت؟ كيف نفسر مختلف التعابير عن القيامة في العهد الجديد؟ ما هي أهميّة القيامة بالنسبة للوجود البشري، لحاضر العالم ومستقبله، هذا العالم الذي تضامن معه يسوع ويريدنا أن نتضامن معه؟
سنبدأ بمعالجة بعض تعابير الإيمان الفصحي لكي نكتشف العلاقة بين اعلانات قيامة يسوع وخبرات الشهود. حينئذ نتوقف عند أناجيل القيامة (زيارة إلى القبر، مشاهد الظهور) التي تجذّر الإيمان الفصحي في خبرة التلاميذ التأسيسية (هي أساس إيماننا). وهكذا يهيّئنا عمل تفسير النصوص لنرى في قيامة يسوع إعلاناً للجميع ووعداً بديناميّة جديدة في حياة البشر وفي تاريخهم. أجل إن قيامة يسوع هي ينبوع الرجاء ومستقبله.
نتوقف هنا عند تعابير القيامة وعلاقتها بولادة الإيمان، ونترك إلى فصل لاحق أناجيل القيامة وتأثيرها على حياة جديد، في الروح.

ب- القيامة وولادة الإيمان
1- ملاحظات أولى
نبدأ فنقدّم ثلاث ملاحظات فنوضح السؤال ونتجنّب سوء فهم هذه الخبرة الأساسية في حياتنا.
أولاً: لا يصوّر العهد الجديد أبداً حدث القيامة في ذاته، لا يبيّن لنا يسوع وهو يقوم، يخرج من القبر. فالكتابات تعبرّ عن الإيمان الفصحي بعبارات مقتضبة، أو تروي تعرُّف التلاميذ إلى يسوع الحي. وفي الحالتين هي لا تهتم بما حدث ساعة القيامة والخروج من القبر. هي لا تهتمّ إلاّ بوضع يسوع الجديد، وبالعلامات التي يعطيها بعد فصحه وعبوره إلى الآب. كل هذا يدفعنا إلى التأمّل.
ثانياً: ما يستطيع أن يتفحّصه المؤرخ ويُصدر حكماً فيه، هو وضع التلاميذ الذين صاروا مؤمنين وأعلنوا أن يسوع قام من بين الأموات. فبعد الصليب، وساعة لم تبقَ لهم إلا الذكريات، أخذوا يعلنون: يسوع حيّ. إلامَ ننسب هذا التحوّل في الموقف؟
ثالثاً: إن المفردات التي تعبرّ عن الإيمان الفصحي قد وُجدت قبل شهادة الرسل، وتوزعت في فئتين. الأولى سيطرت. ولهذا نحن نتحدّث عن قيامة يسوع. إنها تنتمي إلى رمزية النهوض واليقظة. فالموت يعتبر رقاداً. ولهذا نقول نهض، قام، استيقظ من الموت. ظهرت هذه المفردة في وقت متأخّر من تاريخ إسرائيل فعبرّت عن يقين يُعلن أن الله لا يترك في الموت (أو: في مثوى الأموات) شهداء الايمان (القرن الثاني ق. م.). وارتبطت بانتظار نهاية الأزمنة وتتمّة التاريخ بدينونة شاملة. والمفردة الثانية لم تكن متواترة في العهد الجديد، ولكن الكنيسة الأولى استعملتها. هي ترتبط برمزية الارتفاع والتمجّد والصعود إلى السماء. فالله البار والأمين يرفع إليه الناس الاتقياء.
هذه الملاحظات تساعدنا على التنبّه حين نقرأ مختلف الكتابات التي تعبرّ عن وجهات الايمان في الجماعات الأولى. فهذه الجماعات عبرّت عن إيمانها بيسوع القائم من الموت، بأشكال متعدّدة: في الاعلان الرسالي، في المديح والاحتفال بيسوع المسيح، في المشاركة في الايمان وفي انتقاله داخل الجماعة أو من جماعة إلى جماعة.

2- الاعلان الرسالي
لقد أعطتنا خطبة بطرس يوم العنصرة فكرة كافية عن مضمون هذه الاعلانات الأولى التي تُستعمل في الرسالة. وقدّم لنا سفر الأعمال أيضاً أمثلة لها معناها، خصوصاً ما قاله بطرس ويوحنا أمام السنهدرين (المحكمة العليا)، ساعة منعوهما من إعلان يسوع المسيح (أع 9:4- 12). ثم خطبة بطرس أمام كورنيليوس، وهو أول وثني رأى في يسوع "رب جميع البشر" (أع 10: 34- 43). ونجد في أمكنة أخرى تعابير عديدة عن هذا الإعلان الأوّل. مثلاً، يقول الملاك عند قبر يسوع: "أنتنّ تطلبن يسوع الناصري المصلوب. ما هو هنا، بل قام " (مر 16: 6). وإذا استعدنا المفردات الأساسية في هذه الاعلانات نحصل على ملخّص للكرازة الإنجيلية: يسوع الناصري قد صلبه البشر. ولكن الله أقامه. ونحن شهود على ذلك.
ما هي الأمور المهمّة التي نلاحظها في هذا الكلام لنكتشف ما نقول حين نتكلّم عن قيامة يسوع؟ هناك أربعة.
أولاً: نحن أمام إنسان محدّد، أمام يسوع الذي من الناصرة. لا أمام الإنسان أو أمام البشرية بصورة عامة. نحن أمام مسيرة ونوعيّة حياة هذا الرجل الذي أعطى آخر إشارة عن خياراته وأعظمها في موته على الصليب. هذا الإنسان بكل ما عاش في حياته على الأرض قد قام.
ثانياً: صلَبَه الناس. أقامه الله. إذا كان الصلب عمل بشري تاريخي، محدّد في الزمان والمكان، فالقيامة تُعلن على أنها عمل الله. وما يميّز هذا العمل هو أنه لا يقابَل ولا يقاس بأحداث عالمنا وتاريخنا وبما نقوم به من أعمال.
ثالثاً: والآن نفهم لماذا لا يروي العهد الجديد ولا يصوّر حدث القيامة في حدّ ذاته (أي: ساعة قام يسوع). إنه يكتفي بالتأكيد على الحياة الجديدة التي اعطاها الله للذي "أحبّه حتّى الغاية" (يو 13: 1). فيسوع الذي أقامه الله، ليس جثة تعود إلى الحياة البيولوجية، فتصبح منظورة كما كانت قبل الموت.
نحن أمام شيء يختلف كل الاختلاف. حين أقام الله يسوع، وافق (قال نعم) على كل عمل وشخص يسوع الذي عاش كل حياته بالله ولله واشتغل من أجل عالم جديد ومصالح مع الله. فالله عمل بقدرته التي هي حب خلاّق وحياة، فحقق في يسوع الجديد الالهي، حقق في هذا الكائن الحقيقي عالماً جديداً ومصالحاً مات المسيح من أجله.
رابعاً: جوهر الايمان الرسولي. هو لا يدلّ على عودة يسوع إلى عالمنا، يسوع الذي عاد حياً كما كان من قبل، وكأنه يريد أن يصحّح فشل الموت. بل يدلّ على وجود يسوع الجديد في الله ومن أجل الله. يدلّ على طريقة عمله الجديدة في العالم، على طريقة حضوره في عالم البشرة يبقى متضامناً معهم ويصبح رجاءهم ومستقبلهم. ولقد نال التلاميذ علامات عن هذا الحضور الناشط فجعلهم حقاً شهوداً ليسوع.

3- مدائح للرب يسوع المسيح (فل 2: 5- 11)
كانت المدائح وأناشيد الفرح التي تنشد في الجماعات الأولى إكراماً ليسوع القائم من الموت، إشارات هامة إلى الإيمان الفصحي، وذلك بمضمونها وبديناميّة الحياة التي فيها.
حين وجّه بولس إلى أهل فيلبي نداء ليحيوا قلباً واحداً وحباً واحداً، فلا ينظر الإنسان إلى ذاته بل إلى الآخرين، أورد نشيداً مسيحياً يرسم في حركة مكثّفة حياة يسوع المسيح الرب (فل 2: 5- 11).
نجد في هذا النص، كما نجد في الاعلانات، اهتمام الجماعة بأن تنسب إلى الله "ارتفاع " يسوع. ونلاحظ أيضاً تشديداً على التبدّل في وضع يسوع كقائم من الموت: بالاسم الذي ناله (لقب كيريوس، أي: الربّ)، بمناخ الاعلان الكوني والشامل (يشهد كل لسان)، بالاشارة إلى أن الارتفاع يدل على مساواة مع الله. ولكن هذه المساواة أُخفيت حين صار يسوع شبيهاً بالبشر، حين تضامن معهم حتى الصليب. وهكذا يحدّد هذا النشيد موقع الرب يسوع بجانب الله، وهو يقاسمه المجد والقدرة التي تُحيي العالم.
وفي الوقت عينه، يشدّد النشيد على واقعيّة بشريّة يسوع وعلى تاريخه الملموس الذي يشهد له الصليب أفضل شهادة. ويفسرّ مسيرة يسوع الإنسان بشكل عبد (عبد الله- خادم) أمين وطائع لله. وهكذا يحافظ النص بواسطة انشداد قوي، على التماثل بين يسوع التاريخي (عاش في التاريخ)، وبين يسوع الذي يُعلن رباً. لقد رُفع يسوع وصار رباً بسبب ما عاشه على الأرض. "لذلك رفعه الله" (آ 9). وإذ منح النص يسوع القائم بعداً يتجاوز مجرد الوضع البشري والتاريخي، فقد حافظ على العلاقة بين القيامة من جهة والصليب وتاريخ يسوع من جهة ثانية.
ظلّ الرب أخ البشر، ظلّ المخلص والوسيط. "الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد هو المسيح يسوع الإنسان الذي ضحّى بنفسه فدى جميع الناس" (1 تم 2: 5- 6).
يبقى أن نُبرز أن ما يميز حركة المديح هو الاتجاه إلى جمع قيامة يسوع مع عمل الله في العالم وفي التاريخ. ستُعطى ليسوع أسماء إلهية. فلقب "رب " ولقب "إبن" سيساعدان على التعمّق في سرّ المسيح.
وهذا الاتجاه سيدفع الكنيسة لكي تعود إلى ما قبل وجود يسوع التاريخي، إلى وجود إلهي سابق نَعِمَ به ذلك الذي نُسمّيه بعد القيامة الإبن والبكر وكلمة الله وحكمته. ذلك الذي شارك أيضاً في عمل الخلق كله. قال القديس بولس في 1 كور 6:8: "فلنا نحن إله واحد وهو الآب الذي منه كل شيء ولأجله نحيا، ورب واحد وهو يسوع المسيح الذي به كل شيء وبه نحيا".
وهناك مدائح أخرى في العهد الجديد تتوسّع في التعبير عن الإيمان الفصحي. نكتشفها إذا قرأنا 1 تم 16:3؛ كو 1:15- 20؛ يو 1: 1- 18.

4- تقليد القيامة
التقليد هو نقل حي للإيمان، هو تقاسم الإيمان بين الجماعات، وارتكاز هذا الإيمان على خبرة المؤمنين الأوّلين. هذا الاهتمام حاضر في العهد الجديد الذي معه بدأ التقليد. وهكذا، انتقلت قيامة يسوع في تعابير "تقليدية"، كانت كلمات تعارف بين المسيحيين، فوصلت بأمانة الى الجماعات.
كان جدال بين الكورنثيين حوالي سنة 55- 56 حول معنى القيامة بالنسبة إلى البشر وإلى مستقبل العالم. فعاد بولس إلى التقليد، ثم ذكر إحدى عبارات الإيمان. "أذكركم، أيها الإخوة، بالبشارة التي حملتها إليكم وقبلتموها... سلّمت إليكم قبل كل شيء ما تلقّيته: المسيح مات من أجل خطايانا كما في الكتب، ودُفن، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وتراءى لبطرس ثم للإثني عشر" (1 كور 15: 1- 5).
بعد هذه العبارة التي تميّز التقليد الذي عُرف في كورنتوس، ذكر بولس ظهورات (تراءى يسوع، رُؤي) أكّدت على الإيمان والشهادة اللذين بدأا مع بطرس (كيفا) ومع الإثني عشر (الرسل).
لاحظ الشّراح منذ زمن بعيد التوازي بين قسمَي العبارة. فموت يسوع وقيامته هما وجهتان متلازمتان وغير منفصلتين في حدث الخلاص الواحد. الكتب هي الإعلان النبوي، وقد تمّت بقيامة المسيح الذي التزم بتحريرنا من عبودية الخطيئة. وتمّت أيضاً في القيامة التي تجعل المسيح في بداية عالم جديد، عالم المستقبل. هنا نفهم اللغة البيبلية التي تتحدّث عن "اليوم الثالث " فتدلّ به على تدخّل الله الحاسم في تاريخ البشر.
ويحاول اعتراف الإيمان أن يؤكّد حقيقة هذا الحدث الخلاصي. فكما أن دفن يسوع يشهد على حقيقة موته، فالظهورات لكيفا والإثني عشر تكفل حقيقة القيامة. وبكلام آخر، إن الإعلان عن قيامة يسوع مع المدلول الحاسم الذي نعطيه، ينبع من خبرةٍ عاشها الشهود في التاريخ، ففهموا أن يسوع استعاد المبادرة بانتصاره على الموت.
وتحدّث التلاميذ عن "ظهورات"، "ترائيات"، ليدلّوا على هذه الخبرات واللقاءات مع يسوع الحيّ. وإذ أرادوا أن يشدّدوا على أصالة هذه الظهورات، اختاروا عبارة أخذوها من العهد القديم، وخصوصًا من سفر التكوين، فقالوا إن الله سمح للإنسان بأن يلتقيه، بأن يراه: ظهر، تراءى، رُؤي. تشدّد هذه العبارة على مبادرة الله وحرية عمله. فهو الذي يتراءى وهو الذي يعطينا أن نلتقيه. لا، لم تُولد خبرة الإيمان التأسيسية من رغبة التلاميذ أو من حال من الهلوسة.
وهكذا نرى أن إيمان البدايات أعطى قيامة يسوع قيمة حدث حقيقي، ولكنه حدث لا يقاسُ بآخر. وحافظ على الارتباط بخبرة الرسل التاريخية: بعد الصليب، بلغوا إلى الإيمان الفصحي بواسطة لقائهم بيسوع الحي. وستظهر أخبار الظهورات الإنجيلية وأخبار القبر الفارغ فيما بعد فتتجاوب مع هذا النمط من الاهتمامات. وهي إذ تشدّد على هذه الناحية أو تلك، تمثّل حالات متقدّمة ومصاغة للتقليد الذي يتحدّث عن علامات قيامة يسوع.

 

 

الفصل الثامن
أناجيل القيامة

يجد كل إنجيل ذروته في إعلان قيامة يسوع بشكل أخبار تروي زيارة النسوة إلى القبر، وظهورات لبعض النسوة، للتلاميذ، وخصوصاً للجماعة "الرسمية"، جماعة الرسل حول بطرس (مت 28؛ مر 16؛ لو 24؛ يو 20 -21).
نتوقّف أولاً عند الأخبار الإنجيلية حول القيامة، ثم نتحدّث عن الحياة الجديدة في الروح كثمرة لقيامة يسوع.

أ- الأخبار الإنجيلية
نجد هذه الاخبار في الأناجيل الأربعة، وهي تبدأ بزيارة النسوة إلى قبر يسوع. ولكن ما يلفت نظرنا أولاً هو الاختلافات بين نص وآخر. كيف السبيل إلى التعبير عن خبرة لا تقع تحت الحواس؟ بعد هذا نعالج مسألة الظهورات ثم القبر الفارغ.

1- الاختلافات
حين نقابل التقاليد نجد اختلافات عديدة لا نستطيع الآن أن ندرسها بالتفصيل. فإنجيل مرقس لم يتضمّن في فترة أولى (قبل أن يزاد عليه 9:16 - 20) إلاّ خبر اكتشاف القبر الفارغ. وتفرّد متى ويوحنا بذكر لقاء يسوع مع النسوة (مريم المجدلية ومريم الأخرى حسب مت 9:28- 10؛ مريم المجدلية وحدها حسب يو 20: 11- 18).
وهناك اختلاف آخر يلفت النظر. جعل متى لقاء الرّب مع التلاميذ في الجليل وحسب رسمة توافق لغة ارتفاع يسوع المسيح. أما لوقا ويوحنا فجعلا اللقاء يتمّ في أورشليم وحسب رسمة توافق فكرة القيامة: كما أن يسوع انتقل من الموت إلى الحياة، إنتقل التلاميذ بفضل يسوع الذي التقوه، من عدم الإيمان إلى الإيمان، من الصمت إلى الكلام، ومن الخوف إلى الشهادة. أما إعطاء الروح القدس الذي يعبرّ عن مشاركة البشر في دينامية القيامة، فقد جعله يتم يوم الفصح بالذات (يو 20: 22). أما لوقا فرأى فيه عطية يوم العنصرة، وقد جاءت تكمّل وتكرّس خبرة الإيمان بالقيامة: لقد صار التلاميذ شهوداً في قوّة الروح القدس (أع 2: 1- 41).
يجب أن نأخذ هذه الاختلافات بعين الاعتبار إذا أردنا أن نفسّر تفسيراٍ صحيحاً خبرة الظهورات والقبر الفارغ كما نجدها في الأناجيل. فهذه الوقائع هي علامة عن القيامة. والأخبار التقليدية التي تذكرها دوّنت لتساعد المؤمنين على قراءة العلامات وفهمها.

2- الظهورات
نلاحظ أوّلاً أن مجمل النصوص تجعل يسوع يدخل "على المسرح " بصورة غير متوقّعة. له المبادرة، وهو يسبق تلاميذه إلى مكان أعلن عنه سابقاً (مت 16:28- 17). أو هو يصل فجأة ليختفي فجأة دون أن يعرفوه في البداية (لو 24: 15، 31، 36؛ يو 20: 14، 19، 26؛ 21: 4)، ويُعلن يوحنا أن يسوم دخل "والأبواب مغلقة ". وحسب لوقا، ظن التلاميذ أنهم يرون "خيالاً" أو" شبحاً".
إذن، إهتم الإنجيليون بأن لا يجعلوا من هذه الظهورات لقاءات (مشهد تقبيل وعناق) محضة كما قبل الفصح، قبل القيامة. فالعناصر "الجسدية" و"السمعية البصرية" هي ضرورية للتحدّث عن هذه الظهورات. ولكنّها جعلت هنا مع التشديد على السرّ، على ما هو غير منتظر، على تعرّف إلى يسوع بعد الفصح لا يشبه التعرّف إليه قبل الفصح.

أولاً: لقاءات حقيقية
يحدّثنا لوقا ويوحنا عن خبرات واقعية جداً: بدا يسوع ورجلاه وجنبه المثقوبة، ويستطيع الواحد أن يراها أو أن يلمسها. نحن أمام كسر الخبز (لو 30:24) أو غداء من سمك مشوي (لو 24: 41- 43؛ يو 12:21). ولكن هذه العناصر وُضعت في الأخبار لأسباب لا تتعارض مع الملاحظة السابقة. نحن أمام تماثل بين يسوع التاريخ وهذا الذي يكشف عن نفسه حياً وقائماً من الموت. نحن أيضاً أمام "واقع " القيامة: فالظهورات ليست رؤى تنبع من باطن التلاميذ، بل لقاءات ترجع إلى مبادرة يسوع الناصري المصلوب الذي انتقل كلّه (بما فيه جسده) إلى حياة جديدة.
أراد تقليد لوقا ويوحنا بهذا الكلام أن يواجه "روحنة" مسبقة للقيامة والإنجيل. فكل الحقائق البشرية ستتبع مثال القائم من الموت. إنها مدعوة إلى تجلٍّ، إلى تحوّل عميق بقدرة حب الله الخلاّق.

ثانياً: ولادة الإيمان والرسالة
ولكن بنية أخبار الظهور تمنعنا من تفسيرها وكأنها تصوير للقاءات حدثت بالتفصيل. فإذا وضعنا جانباً متى الذي يدلّ خبره على قامة يسوع "السماوية"، يسوع الذي صار بقيامته سيّد التاريخ وديّانه، إذا وضعنا متى جانباً، تنبسط الأخبار حسب الرسمة عينها: في البداية لا يعرفون يسوع، ثمّ يعرفونه بفضل إشارة أو كلمة تبدر منه. هذه الأخبار هي أخبار تعرّف إلى يسوع أو ولادة الإيمان.
وفي الوقت عينه، يُقاد التلاميذ من اللايمان والشك إلى تعلّق حيّ بيسوع المنتصر على الموت. ويجدون نفوسهم مسؤولين وشهوداً عن القيامة والإنجيل. إذن، هذه الأخبار هي أخبار إرسال ودعوة. وكل شيء (كلمات وعطية الروح) فيها يدلّ على ولادة الكنيسة الموكّلة على إنجيل الناصري المصلوب والقائم من الموت.
وأخيراً، نجد خطاًَ ثالثاً في هذه النصوص. فالظهورات تحاول أن تقنع التلاميذ بضرورة غياب يسوع المسيح. غياب "يرونه بعيونهم " فيحمّلهم المسؤولية التاريخية كشهود، ولكن هذا الغياب هو شرط لحضور أكثر تأثيراً وشمولاً من قبل المسيح الحي في حياة البشر. وهذا ما يرتبط بمواضيع الروح الذي يُعطى وحضور يسوع مع أخصّائه حتى نهاية العالم.
إن اعتراف الإيمان في 1 كور 15 قد تحدّث عن الظهورات على أنها أصل الشهادة الرسولية عن القيامة. ونفهم الآن فهماً إفضل لماذا أعطتها التقاليد الرسولية هذه المكانة الكبيرة. إنها ينبوع الشهادة الرسولية. ولكننا لا نستطيع أن نجعلها "شيئاً" في أيدينا، أو نقرأها بشكل مادي. حين نعتبرها مؤسسة الإيمان الفصحي هذا يفرض علينا أن نفسرّها على أنها أعمال القائم من الموت: "يراها" الإيمان، وتعبرّ عنها اللغة الرمزية.

3- القبر الفارغ
يتضمّن كل إنجيل حدث النسوة الذاهبات الى القبر في اليوم الأول من الاسبوع (أي: يوم الأحد). حين وصلن رأين القبر مفتوحاً. ولم يجدن فيه جسد يسوع. وشرح لهنّ هذا الواقع ملاك أو شاب في لباس أبيض فأعلن لهنّ: "لا ترتعبن! أنتنّ تطلبن يسوع الناصري المصلوب. ما هو هنا، بل قام. وهذا هو المكان الذي وضعوه فيه " (مر 16: 6).
هناك اختلافات هامة في تقاليد القبر الفارغ، ولكنها ترتبط كلّها بالرؤى الجليانية: البلاغ الفصحي يعلنه شخص سماوي في المكان الذي فيه دلّ الموت على سلطته وانتصاره على يسوع، هذا البلاغ يدلّ على انقلاب جذري في النظرة إلى الأمور. فقيامة يسوع هي عمل الله، والله وحده يقدر أن يكشفها. إنها هذا الوقت الحاسم في تاريخ البشر، الذي يدلّ على نهاية عالم عتيق وخاضع لسلطات الموت. كما يدلّ على تفجّر عالم جديد، وخلق جديد فيه يتجلىّ الجسد. فيه يتجلىّ الإنسان كحضور وكعلاقة حية مع الله ومع البشر. أخيراً، تصل القيامة إلى المؤمنين ككلمة ترسلهم إلى إخوتهم في الجماعة كما ترسلهم إلى البشر.
هذا هو المدلول الأساسي لتقليد القبر المفتوح. ونحن نجد في أصل هذا التقليد احتفالاً يتمّ قرب القبر إكراماً ليسوع القائم من الموت. هذا المكان وافق كل الموافقة إعلان الغلبة على الموت، وإيصال بلاغ يورد جوهر الإيمان الفصحي.
ونلاحظ أننا لا نجد موضوع القبر الفارغ خارجاً عن التقليد الإنجيلي. لا نجده في أقدم التعابير الإيمانية حول الإيمان الفصحي. إن علامة القبر تختلف عن علامة الظهورات، وهي لا تستطيع وحدها أن تكون أساساً إيجابياً للإيمان بالقائم من الموت. فقيمتها كأثر للقيامة في التاريخ، ومدلولها اللاهوتي لا يُدركان إلاّ في داخل الإيمان بالمسيح القائم من الموت. لا قيمة للقبر الفارغ كبرهان، وهو علامة سلبية قد تهيّئنا لموقف إيجابي. وقد ألهمنا إنجيل متى أن القبر المفتوح والفارغ قد نالت تفسيراً آخر بين اليهود: "تلاميذ يسوع جاؤوا ليلاً وسرقوه ونحن نائمون " 

ب- حياة جديدة في الروح
كان من الأهمية بمكان أن نفهم إعلان قيامة يسوع ونربطها بمسيرة التلاميذ الذين صاروا مؤمنين وشهودا بعد القيامة، كما نربطها بالأسفار التي تعكس هذه المسيرة. ولكننا لا نحصر مدلول القيامة في ماضٍ يؤسّس الإيمان المسيحي. بل نتطلع إلى الحاضر وإلى المستقبل.
إكتشفنا في الماضي أن النص الذي يعلن قيامة يسوع يعلن في الوقت عينه (بصورة مباشرة أو غير مباشرة) تجديد البشر وحياتهم، يعلن مستقبلاً جديداً. لهذا سنستعيد مجمل النصوص على ضوء هذا الاكتشاف ونكتفي بالوجهتين المهمّتين.

1- الخليقة الجديدة
يكثر العهد الجديد، وبصورة خاصة بولس الرسول، من الأقوال عن الخليفة الجديدة والإنسان الجديد الذي يبدأ مع يسوع القائم من الموت، وآدم الثاني (روم 5: 12- 20؛ 1كور 15: 44- 48)، وصورة الله (كو 1 : 15). القيامة هي إعلان مستقبل آخر للكون وللبشر منذ الآن وحتى تتمّة التاريخ (كو 3: 10؛ أف 2: 15؛ 4: 24).
كيف نفهم دينامية هذا العالم الجديد، دينامية القيامة؟ هناك لغة ومواضيع ترتبط بانتظارات يعبرّ عنها العهد القديم والعالم اليهودي المعاصر ليسوع، ولكن لا وقت الآن لنتوسّع فيها.

2- الروح هو حياتنا
الروح القدس هو قدرة الله العاملة في الكون والتاريخ لتحوّل كل شيء تحويلاً كاملاً إلى صورة الله: في النور والعدالة والحبّ، والتناسق بين الإنسان والكون. الروح هو حضور الله الفاعل. هو موهبة "الأزمنة الأخيرة" وواقعها.
لهذا يرتبط الروح وقيامة يسوع ارتباطاً وثيقاً. فالروح هو بعد اليوم "روح ذاك الذي أقام يسوع من بين الأموات" (روم 8: 11). ونجد أيضاً عبارة إيمان قديمة يوردها القديس بولس: " في شأن ابنه الذي في الجسد جاء من نسل داود، وفي الروح القدس ثبت أنه ابن الله في القدرة بقيامته من بين الأموات، ربنا يسوع المسيح " (روم 1: 3- 4).
إن موت يسوع وقيامته هما الذروة في تضامنه مع البشر كلّهم. والناس يدخلون في هذا التضامن المسيحي بالإيمان والارتداد العميق في كيانهم وعملهم ارتداداً يجعلهم يبنون العالم الجديد: إنهم يشاركون روح المسيح ويعيشون منه (الروح هو حياتنا، روم 8: 10). يستطيعون أن يُولدوا من جديد، ويصنعون مع المسيح عالماً يتوق كلّه إلى "حريّة أبناء الله" (روم 8).
إن الكنيسة، جماعة تلاميذ يسوع في العالم، لا تستطيع أن تعرف ربّها وتعلنه للعالم إلاّ في قوّة الروح. ومعمودية المسيحيين تجعلهم في تيار موت وقيامة المسيح (القائم من الموت) الذي يمنحهم لا روح العبودية، بل روح الحرية. هذا هو رجاء المؤمنين. وهذا الرجاء يعطي إيمانهم ومسؤوليتهم التاريخية أفقاً واسعاً وسع العالم ومستقبل البشر.
والعهد الجديد لا يفصل بين الإيمان بقيامة الأموات والإيمان بقيامة يسوع. فكل ما يكوّن الواقع البشري في التاريخ معنى بالرجاء بالقيامة. "فالذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات، يعطي أيضاً أجسادنا المائتة الحياة بروحه الذي يسكن فينا" (روم 8: 11).

 

 

القِسم الثّاني
الجَماعَات الأولى قبل سَنَة 70

بعد أن ندرس الأحداث التي حصلت من سنة 30 حتى سنة 70 (تدمير أورشليم والهيكل)، نتعرّف إلى بولس وجماعاته. ثم نقرأ الرسائل البولسية وسائر الرسائل تاركين الأناجيل وأعمال الرسل وسفر الرؤيا إلى القسم الثالث والأخير.
يتضمّن هذا القسم أربعة عشر فصلاً:
1- الأحداث السابقة لسنة 70
2- عالم الرسائل البولسية
3- بولس رسول يسوع المسيح
4- الرسالتان إلى تسالونيكي
5- الرسالتان إلى كورنثوس
6- الرسالة إلى غلاطية
7- الرسالة إلى رومة
8- الرسالة إلى فيلبي
9- الرسائل إلى أفسس وكولسي وفيلمون
10- الرسائل الرعائية
11- الرسالة إلى العبرانيّين
12- رسالتا بطرس الأولى والثانية
13- رسالتا يعقوب ويهوذا
14- رسائل يوحنّا

 

 

الفصل التاسع
الأحداث السابقة لسنة 70

تمتد هذه الحقبة من موت المسيح، في 30 نيسان سنة 30، إلى دمار أورشليم في آب سنة 70. تنوّعت جماعة التلاميذ تدريجياً. خرجت من فلسطين وتجذّرت في مدن الأمبراطورية الرومانية. وصارت الجماعات الجديدة موضعاً فيه تُلامسُ أعمالُ يسوع وأقواله والإيمان بقيامته، حياةَ الناس. فاللقاء بين اليهود واليونانيّين المرتدين، يدلّ على أن الإنجيل لا ينحصر في شعب واحد، بل يتوجّه إلى كل الشعوب. وذاكرة المؤمنين الحية واهتمامهم بالتعامل مع ظروف الشعوب وحضاراتها، ولّدت تقاليد وكتابات ستؤلّف مجموعة أسفار العهد الجديد.
غير أنه لا يجب أن ننسى أن تاريخ هذه الجماعات هو جزء من تاريخ الأمبراطورية بل جزء من التاريخ اليهودي. فبدايات الكنيسة انطبعت بعلاقاتها بالعالم اليهودي. وسمّاها بعض المؤرخين شيعة يهودية إنفتحت على العالمين اليوناني والروماني. ما الذي هيّأ الدرب لهذا اللقاء؟ أحداث وتطوّرات حصلت في الأمبراطورية عامة وفي العالم اليهودي خاصة.
كانت سنة 70 في نظر المؤمنين الجدد نهاية حقبة وبداية حقبة. جاء تدمير أورشليم بعد الرسالات خارج العالم اليهودي، فثبّت ما اكتشفته الكنيسة الفتية: كل الناس هم في الأساس متساوون في يسوع المسيح، سواء كانوا يهوداً أم يونانيّين. أرض إسرائيل لها أهميتها والعالم أيضاً. للماضى (العهد القديم) أهميته، وللمستقبل أهميته أيضاً. إن سنة 70 تشكّل حدّاً فاصلاً له معناه، لأنها تقابل تبدّلاً داخل الجماعات: زال جيل الشهود الأولين، وبدأت حقبة جديدة في الكنيسة.

أ- الأحداث والتطورات في الأمبراطورية
سنة 37 توفيّ الأمبراطور طيباريوس الذي في عهده حكم بيلاطس على يسوع بالموت. أما خلفاؤه فهم: كاليغولا (37- 41)، كلوديوس (41- 54)، نيرون (54- 68 ). ثم جاءت فترة من الاضطراب تصادم فيها الطامحون وجيوشهم إلى أن وصل فسباسيان إلى الحكم. كان منذ سنة 66 قائداً على الجيوش الرومانية الموكلة بقمع الثورة اليهودية في فلسطين. ومن فلسطين انتقل ليكون الأمبراطور في رومة.
إن وزن الجيش في الاستيلاء على السلطة نفهمه باتساع الأمبراطورية اتساعاً كبيراً. ففي سنة 30، كان حوض البحر المتوسط تحت سلطة رومة. ولكن الدفاع عن الأمبراطورية وديمومتها، والبحث عن موارد جديدة، كل هذا فرض على رومة أن تتوسّع أيضاً. فضمّت سنة 43 بريطانيا العظمى، وأرسلت حملات عسكرية إلى خط الرين والدانوب وباتجاه البحر الأسود. وفي سنة 59، أشعلت الحرب ضد الفراتيين وضمّت إليها ارمينيا.
نلقي نظرة سريعة إلى السياسة والاقتصاد والدين.

1- السياسة
كان "السلام الروماني " قد سيطر سيطرة ثقلت يوماً بعد يوم على المناطق المحتلّة. فرضت حضارة واحدة على الحضارات المتعدّدة. ولعبت المؤمرات فأطاحت بالملوك المحليين. وفُرضت الضرائب فأثقلت كاهل الأفراد والجماعات، وكل هذا خدمة لبعض المحظوظين في عاصمة الأمبراطورية.
في هذا الإطار نفهم الطابع الجذري للثورة اليهودية، وطريقة قمعها سنة 66- 70. ما كانت الأمبراطورية تتحمّل الضعف على حدودها الشرقية التي يهدّدها الفراتيون والعرب. ثم إن اتساع الأمبراطورية استدعى تنظيماً إدارياً دقيقاً. هذا ما سيقوم به كلوديوس منذ سنة 42. وهكذا تبقى رومة قلب هذه المجموعة الواسعة، لا على المستوى السياسي والإداري وحسب، بل على المستوى الاقتصادي والمستوى الديني.

2- الاقتصاد
تطوّر الاقتصاد على مستوى التبادل والتجارة. وعملت الأمبراطورية وسعها من أجل انتقال البضائع بين المقاطعات من جهة، وبين المقاطعات ورومة من جهة ثانية. وشُيّد سنة 42 مرفأ جديد في اوستية، قرب رومة. وتكاثرت الأعمال الضخمة: الطرق، القنوات التي تربط الأنهر والبحار. واستفادت المدن المهمة من هذه التجارة. فنمت الاسكندرية وكورنتوس وانطاكية... وزاد عدد سكانها، وامتزجت الأعراق فراح أهل الشرق إلى الغرب والعكس بالعكس.

3- المستوى الديني
دخلت عبادة الأمبراطور في حياة الإنسان، وبصورة أسهل في المدن الشرقية والهلنستية التي اعتادت على تأليه ملوكها. ففي سنة 40، حاول كاليغولا أن يفرض عبادة شخصه. وسعى ليجعل تمثاله "الإلهي" في هيكل أورشليم.
وعاش الناس هذه العبادة الرسمية كتعبير عن حسّ وطني وخضوع سياسي. ومقابل هذا، إتسعت الديانات السرّانية والعبادات الشرقية فوصلت إلى رومة، بحيث إن كاليغولا فرض عبادة ايزيس سنة 40. وكلوديوس عبادة أتيس وقيبالس سنة 47.


ب- الأحداث في العالم اليهودي
عاش اليهود حتى سنة 70 في فلسطين وفي الشتات، أي في الجماعات المنتشرة في كل مدن الأمبراطورية. ولكن ثورة فلسطين (66- 70) ستنهي الوجود الوطني في فلسطين، كما ستلغي النظم السياسة والدينية التي كانت تعبرّ عنه. وهي: الهيكل، التنظيم الكهنوتي، السنهدرين.

1- الشتات قبل سنة 70
نعم العالم اليهودي بوضع الديانة المسموح بها. إنفصل اليهود عن الآخرين بديانتهم، ولكنهم امتزجوا بهم في الحياة الاقتصادية والتجارية. وكانت ردّات فعل عنيفة هنا أو هناك بسبب تأثيرهم أو تنظيمهم. في سنة 38، قامت ثورة عليهم في الاسكندرية. وفي سنة 41، دعا كلوديوس أهل الاسكندرية الى التسامح من جهة، وإلى الحدّ من المطامح اليهودية من جهة أخرى. في سنة 49، كانت اضطرابات في رومة بين اليهود بسبب شخص اسمه "كرستوس" (أي المسيح). فطردهم كلوديوس. غير أن العدد الأكبر من اليهود تأثروا بالحضارة اليونانية (تهلينوا) فتطلّعوا إلى العالم الذي يحيط بهم رغم وثنيته. ومقابل هذا، إهتمّ عدد من الوثنيّين بالعالم اليهودي. هذا ما يساعدنا على فهم شيئين. من جهة، تقبّل الناس الإنجيل في مدن الأمبراطورية. ومن جهة ثانية، قام يهود الشتات في مجامهم بحرب على الكنيسة وعلى المرسلين الجدد فقال بولس فيهم: " قتلوا الرب يسوع واضطهدونا، لا يرضون الله ويعادون الناس، فيمنعونا من تبشير الأمم بما فيه خلاصهم (1 تس 15:2- 16).

2- فلسطين قبل سنة 70
كان أغريبا الأول، سليل هيرودس وصديق الأمبراطور كلوديوس، ملكاً على مجمل الأرض اليهودية من سنة 41 إلى سنة 44. فإذا وضعنا هذه الحقبة جانباً، كانت اليهودية وعاصمتها خاضعتين لسلطة الولاة الرومان. وبعد سنة 36، سيجدون صعوبة كبيرة في ضبط المعارضة الصاعدة. والثورة التي اندلعت سنة 66 كانت تحت الرماد منذ زمن بعيد: اللصوصية، عمليّات ضد الرومان، ضد السامريين، ضد المتعاملين مع العدو. وفي قيصرية، مركز الولاة، تصادم اليونانيون واليهود مراراً. وفي أورشليم صارت الأعياد مناسبة لاشتعال النار الوطنية. وأكثر الولاة من الاجراءات القاسية، وقمعوا في الدم محاولات المقاومة، التظاهرات "المسيحانية"، أعمال الإرهابيّين. وصُلب أناس عديدون مثل يعقوب وسمعان، ابني يهوذا الجليلي المقاوم المشهور الذي قتل قبل سنة 6 ب. م. 

3- الحرب اليهودية
وتنظّمت الثورة سنة 66. وانضّم إلى الحركة المتمردة وُجهاء الأرستوقراطية الكهنوتية. مطالب جذرية ووسائل مقاومة أكثر جذرية، كلّ هذا يدلّ على قوة حركة الغيورين. في نهاية 66 وبداية 67 كلّف نيرون فسباسيان وابنه تيطس بإعادة الهدوء. وسيعملان ثلاث سنين ليستعيدا مجمل البلاد. وحين صار فسباسيان امبراطوراً، ترك لابنه محاصرة أورشليم. وفي آب سنة 70 سقط الهيكل، المعقل الأخير، وأحرق. وهكذا انتهت حقبة في تاريخ العالم اليهودي.

ج- نمّو الكنيسة الفتية
لا تعود كتابات العهد الجديد مراراً إلى الأحداث التي أشرنا اليها. كان المهم بالنسبة إلينا أن نصوّر المناخ الذي أحاط بنموّ الكنيسة انطلاقاً من فلسطين. وحين نقدّم كل سِفر على حدة، نعطي تفاصيل أكثر.

1- جماعة أورشليم
نمت نمواً كبيراً منذ العنصرة. ولكنها ما عتّمت أن عرفت سلسلة من الاضطهادات من قبل السلطات اليهودية. ففي سنة 36- 37، على أثر رجم اسطفانس، رئيس مجمع المسيحيّين الهلينيين (أي: يتكلّمون اليونانية)، تشتّتت الجماعة. وبشّرت السامرة وقبرس وأنطاكية في سورية (أع 6- 11). سنة 44، قُطع رأس الرسول يعقوب بأمر من الملك أغريبا الذي حاول بذلك أن يرضي المسؤولين الدينيّين في أورشليم (أع 12: 1- 2). وفي سنة 62، قتل رئيس الكهنة يعقوب الآخر و" أخ الرب " الذي رأسَ سنوات عديدة الكنيسة المحليّة.

2- ارتداد بولس
إرتدّ سنة 36- 37 وعمل مع برنابا في أنطاكية سورية. ومن هناك انطلقا لحمل الإنجيل إلى العالم اليوناني والروماني. فبعد مهمّة في آسية الصغرى (بين سنة 45 و 49)، اجتمعت كنيسة أورشليم مع موفدين من أنطاكية ووافقت على دخول مسيحيين عديدين إلى الكنيسة. ووجدت وسائل عيش مشترك بين المرتدين من يهود ووثنيّين (أع 15: 19- 21). وقام بولس بسفرتين أخريين بين سنة 50 وسنة 58، فولدت جماعات تسالونيكي وفيلبي وكورنتوس وأفسس.
ولمّا عاد بولس إلى أورشليم أوقف هناك على أثر تدخّل خصومه اليهود. سُجن سنتين في قيصرية، ثم أُخذ إلى رومة بناء على طلبه ليمثل أمام محكمة قيصر. فوجد هناك مسيحيين منذ حكم كلوديوس. أقام بولس في رومة سنوات عديدة وفيها مات كما مات بطرس.
لا يذكر العهد الجديد تبشير أو ظهور كنائس في مصر والاسكندرية، ولا في شرقي الأمبراطورية (بلاد الرافدين) ولا في افريقيا. ولكن لا شكّ في أن الإنجيل وصل باكراً إلى هذه المناطق حيث شكل الشتات اليهودي الإطار الأول من أجل حمل الإنجيل.
ونبدأ بالتعرّف إلى بولس والجماعات التي أسّسها أو اتصل بها. ثم نعود إلى الأناجيل التي كانت آخر ما دوّن من أسفار العهد الجديد.

 

 

الفصل العاشر
عالم الرسائل البولسية

كان من الممكن أن نلقي ضوءاً على شخصية بولس، إنطلاقاً من الأوساط المختلفة التي تأثّر بها: عالم الشتات، الفريسيون، الجماعة المسيحية يا إنطاكية... ولكننا سنتوقّف عند عالم الكنائس التي أسّسها بولس في العالم الوثني. أخذنا بهذا الخيار لأننا تحدّثنا سابقاً عن الأوساط التي ساعدت على تكوين شخصية بولس، ولأننا سنعود إلى بعض منها حين نورد سيرة الرسول. أما الآن، فنحصر حديثنا في نشاطه داخل حياة الجماعات.

أ- معلومات أعطاها بولس
توزّعت هذه المعلومات في رسائله. فبولس يكتب لا ليعطينا معلومات، بل ليردّ على أسئلة خاصة طرحها عليه المسيحيون، أو ليواجه أحداثاً هامّة تبلبل الجماعة (اضطهادات، خلافات). أما والأمر هو هكذا، فإننا نجمع المعلومات المتفرّقة في أربعة مقاطع: أين غرست هذه المجموعات؟ كيف نمت هذه الكنائس؟ كيف بدت هذه الكنائس؟ ما كانت اهتماماتها؟

1- أين غرست هذه الكنائس
غُرست أول ما غرست في الحواضر الكبرى، في المدن. 
حين يوجّه بولس كلامه إلى جماعة فهو يتحدّث عن حاضرة. يتكلّم عن كنيسة كورنتوس (1 كور 1: 2؛ 2 كور 1: 1)، عن كنيسة تسالونيكي (1 تس 1: 1)، عين كنخرية (روم 16: 1 ). وحين يوسّع نظره ليمتد إلى مقاطعة، يستعمل صيغة الجمع. يتحدّث عن كنائس غلاطية (غل 1: 2)، عن كنائس آسية (1كور 19:16). ماذا نفهم من كل هذا؟ إن الجماعات البولسية الواقعة في القسم الشرقي من الأمبراطورية الرومانية (تركيا الحالية، اليونان)، هي كنائس مدينة. واسم هذه المدينة أفسس أو تسالونيكي أو فيلبي أو أثينة، أو كورنتوس. صارت هذه المدن عواصم مقاطعات الامبراطورية فضمّت شعباً كثيراً (نصف مليون في كل من كورنتوس وأفسس). وعرفت حياة من البذخ والرخاء وامتلأت بالأبنية الجميلة مثل الهيكل والمسرح والقصر. كما كانت مراكز ثقافية فعرفت المدارس والجامعات. وهكذا اجتذبت عدداً من السكان طالبوا بشرف المواطنية. عاش المسيحيون في هذا المناخ، فافتخروا لا بمواطنية أرضية، بل لأنهم ينتمون إلى كنيسة كورنتوس أو أفسس...
أما المقاطعة فهي جزء من إدارة الأمبراطورية. هي تجمع بشكل متراخٍ عدداً من الحواضر المهتمة باستقلالها وسيطرتها على الأرض التي تخصّها. هذا ما يعبرّ عنه بولس حين يتحدّث عن كنائس آسية أو مكدونية أو أخائية.

2- كيف نمت هذه الكنائس
يبقى الجواب على هذا السؤال دقيقاً. فبولس لا يعطينا أرقاماً ولا أعداداً. غير أن هذه الجماعات لا تبدو كبيرة. فبعضها يجتمع في منزل خاص. في بيت غايس تجتمع كنيسة كورنتوس (روم 23:16). وفي بيت اكيلا وبرسكلة تجتمع كنيسة أفسس (1كور 16: 19). وفي بيت فيلمون تجتمع كنيسة كولسي (فلم 2). وإن افترضنا أن هناك عدداً من البيوت يلتقي فيها المسيحيون، لن يكون في المدينة أكثر من مئة شخص. فإذا قابلنا هذا العدد بسكان مدينة كورنتوس مثلاً، كان نقطة ماء في البحر.
ومع ذلك، فهذه الجماعات تهتم بالرسالة. بعثت بالمرسلين إلى العالم المجاور. أرسلت بولس وبرنابا (أع 13: 1- 7) . أرسلت أبلوس وسيلا وتيموتاوس، فغرسوا الإنجيل في حواضر جديدة. يستعمل هؤلاء المرسلون المجمع كمنبر يطلقون منه كلامهم (أع 5:13، 14؛ 14: 1؛ 17: 10؛ 18: 4)، ويجدون لدى اليهود أوّل المرتدين.
حينئذ أظهر اليهود عداءهم للمسيحية، فعملوا كل وسعهم ليمنعوا هؤلاء الواعظين من متابعة "دعاوتهم ". في أنطاكية بسيدية (حرّضوا وجهاء المدينة والنساء الشريفات " (أع 13: 50). في لسترة "رجموا بولس وجرّوه إلى خارج المدينة" (أع 14: 19)، في تسالونيكي "ساقوا ياسون وبعض الأخوة إلى حكّام المدينة (أع 17: 13). ولكن هؤلاء المرتدّين الأوّلين فتحوا أمام الرسل الباب ليصلوا إلى الوثنيين.
عاشت الجماعات في أمان خلال نشاط بولس الرسولي (45- 60). وتركّزت الاضطهادات على الواعظين المتنقّلين، ولا سيّما على بولس (2 كور 6: 1- 13). ما يدهشنا هو شجاعتهم وجرأتهم التي جعلتهم لا يخافون الصعاب: خطر الأنهر واللصوص، خطر في المدن، خطر في البراري، خطر في البحر (2 كور 11: 26).
وما ساعد هذه الرسالات هو سهولة الاتصالات في البحر والبر داخل الأمبراطورية الرومانية. وما كان المسيحيون يعملون وحدهم. فقد قام وعّاظ وثنيون ويهود بتكوين جماعات. وهكذا لم تكن الجماعات البولسية وحدها في حواضر العالم الروماني في القرن الأول المسيحي، فوجب عليها أن تحارب لتبرز إسم المسيح عالياً.

3- كيف بدت هذه الكنائس
ضمّت هذه الكنائس اليهود والوثنيين، الأحرار والعبيد، الأغنياء والفقراء. قال بولس في 1 كور 12: 13: "فنحن كلّنا، أيهوداً كنّا أم وثنيين، عبيداً أم أحراراً، تعمّدنا بروح واحد" (رج غل 3: 27- 28). وحدث الكورنثيين في الرسالة الأولى (1: 26): "ما كان فيكم كثير من الحكماء بحكمة البشر ولا من الأقوياء أو الوجهاء".
وانصبّت اهتمامات بولس على الخلافات بين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي وأولئك الآتين من العالم الوثني. فبولس، رسول الأمم (غل 1: 15- 16؛ 7:2) لم يطلب من المرتدين الجدد أن يحفظوا الفرائض اليهودية مثل الختان والسبت وشرائع الطهارة. وهذه الجرأة التي هدّدت خصائص العالم اليهودي وامتيازاته، قد حاربها يهود الشتات وحاربها أيضاً المتهوّدون أي المسيحيون المرتدون من العالم اليهودي.
وهناك التمييز بين الأحرار والعبيد. يؤكد بولس أنهم كلّهم متساوون في المسيح (1 كور 13:12؛ غل 28:3). ولكنه لا يستخرج النتائج. فينصح العبيد بالبقاء في الوضع الذي يعيشون فيه (1 كور 7: 21- 24: إن كنت عبداً حين دعاك الله فلا تهتمّ). وكتب إلى فيلمون بأن يعفو عن عبده أونسيموس الذي هرب، ولا يطلب منه أن يحرّره (فلم 8- 21). 
وهناك الأغنياء والفقراء في الجماعات. يرفض بولس ممارسات تشدّد على الاختلافات بين الفئتين (1 كور 11: 21- 22: يجوع بعضكم ويسكر آخرون). ثم يدعو إلى المشاركة في اللمة من أجل كنيسة أورشليم (2 كور 8- 9). وحين يذكّر بعض الكورنثيين بأنهم كانوا يوم ارتدادهم ضعفاء ومحتقرين، فلا يطلب منهم أن يثوروا، بل أن يبقوا بسطاء متواضعين في تصرفهم مع الشرف الكبير الذي نالوه (1 كور 1: 26- 31). 
إذن، ضمّت الجماعات البولسية مسيحيين مختلفين يتواجهون. نحن نفهمهم ولا ننسى خلافاتنا داخل الكنيسة المحلية وداخل الكنيسة الجامعة. لا يزال المؤمنون بعيدين عن الوحدة التي صلىّ المسيح من أجلها.

4- اهتمامات هذه الكنائس
نجمل اهتماماتهم الظاهرة بإثنين: الحياة الدينية، طريقة الحياة.
إذا عدنا إلى الرسالتين إلى كورنتوس، نجد المواضيع المطروحة: مجموعات تبحث عن "حكمة موحاة" وعن انخطاف روحي. وهي تنقسم حوله سلوك أخلاقي، وتجادل حول سلطة هذا الرسول أو ذاك.
لا نرى اهتمامات هؤلاء المسيحيين بالسياسة أو بمشاكل المجتمع. إنهم جماعات صغيرة تهتم بتنظيمها الداخلي. وسيأتي يوم تواجه فيه مشاكل العالم الذي يحيط بها.

ب- عالم مختلف
حين ندرس صراعات بولس واهتمامات جماعاته، نراها مختلفة عن المسائل التي نطرحها اليوم. فالعالم الذي يعيش فيه المسيحيون الأولون يختلف عن عالمنا. كما يختلف عن عالم فلسطين. إنه عالم المدن الكبرى لا عالم القرى الريفية.

1- السلطة في هذه المدن
كانت هذه المدن جزءاً لا يتجزّأ من الأمبراطورية الرومانية، ومع ذلك احتفظت ببناها السياسية. فانتخبت "نواباً أو "شيوخاً" يمارسون وظائف مختلفة: العدالة، الإدارة، التنظيم...
ولكن جرت العادة أن ينتخبَ الناس نوابهم بين المواطنين الأغنياء. فهم يمارسون وظائفهم مجاناً. بل يدفعون من جيبهم فيسندون مدارس المدينة أو ينظمون الألعاب أو يصلحون الأبنية العامة كالمعابد والمسارح، أو يشيدون أبنية جديدة، أو يشترون الحنطة والزيت للمواطنين الفقراء.
هذا "السخاء" يفرضه الفقراء الذين يهدّدون الأغنياء حين يدلون بأصواتهم، أو حين يقومون بثورة عليهم، ويقبل الأغنياء بهذا النظام: صاروا وحدهم جديرين بإدارة المدينة فنالوا الشرف والكرامة، وكانت لهم الوسائل العديدة ليزيدوا غنانهم غنى.
يدير هؤلاء الوجهاء المدن وكأنها مدن حرة. ولا ينسون عظمة سلطان الأمبراطور المؤلَّه. هم يتملّقونه لينالوا من رضاه وضعاً مميّزاً لمدينتهم. ولكن هذا يبقى أمراً مؤقتاً. وإن هؤلاء الوجهاء لا يستطيعون إلاّ أن يرضوا الأمبراطور أو مبعوثه وإلاّ صودرت أملاكهم وراحوا هم إلى المنفى أو إلى الموت. نحن هنا أمام ازدواجية: من جهة، يحتاج الرومان إلى هؤلاء الوجهاء ليجمعوا الضرائب ويحافظوا على الأمن. ومن جهة ثانية، يحتاج الوجهاء إلى السلام الروماني من أجل ازدهار أعمالهم.
مثل هذه البُنى تنزع من قلب المواطنين حب السياسة. يفتخر الوجهاء بسلطتهم. ولكنهم ما يعتّمون أن يحتقروا هذا السلطة "المسخ" فيلجأون إلى اللامبالاة واحتقار العالم.
هناك أناس يمكن أن ينتخبوا ولكن امكانياتهم ضعيفة إن لم تكن معدومة. ثم إن الغرباء والعبيد المحرّرين والرقيق لا يحق لهم بالانتخاب. كل هذا يجعل الناس لا يهتمون بالسياسة وأمور المدينة. وهكذا فعل المسيحيون الذين رأوا أن السياسة تفلت منهم. فسعوا إلى بناء عالم مسيحي في حياتهم المشتركة. قد يكون هناك انغلاق، ولكن هذا هو الوضع.

2- عالم لا يعرف المساواة
نتحدّث اليوم عن الناس المتساوين أمام الشريعة، أقلّه بصورة نظرية. ولكن الأمر لم يكن كذلك في مجتمع القرن الأول المسيحي.
هاك فئات مختلفة: العبيد، المحرّرون، الرجال الأحرار سواء كانوا مواطنين أم غرباء. وليس لهم كلّهم الحقوق عينها والواجبات عينها. فالعبد هو "شيء" يملكه سيّده. والمحرّر يرتبط بمولاه. والغريب لا يملك حقاً البتة. للمواطنين مبدأياً كل الحقوق، ولكن الهوة ما زالت واسعة بين الفقراء والأغنياء.
مثل هذا النظام يقسم المجتمع إلى طبقات. هناك من يفرض عليه العمل ( العبيد، الفلاحون) وهناك من يُعفى منه. هناك من يُوزَّع عليه القمح والزيت (المواطنون) وهناك من لا يحق له بذلك. في مثل هذا النظام يشدّد الفرد على اختلافه عن الآخر. وكل عضو في مجموعة يدافع عن امتيازات منحه الشرع إيّاها. فيهود الشتات حصلوا على وضع مميّز، وهم يحاولون أن يحافظوا عليه حتى بعد ارتدادهم إلى المسيحية. وهكذا فالحرب بين المتهوّدين وسائر المسيحيين ليست حرباً دينية وجسب، بل اجتماعية وسياسية.
حين نفهم هذه البنية الإجتماعية، نتقبّل بصورة أفضل اهتمامات الجماعات الأولى. فالناس لا يأملون في تبديل وضعهم، لأن كل تبديل يفترض تبديلاً في القوانين. وهذه الاستحالة دفعتهم إلى البحث عن عالم تزول فيه الفوارق ويكون فيه جميع البشر أخوة متساوين.

3- مدن تستهلك ولا تُنتج
ضمّت هذه المدن السكان العديدين. ولكنها لم تنتج ما تطعمهم، فاستندت إلى الفلاّحين. كانت الغلال ضعيفة ولكنّها كانت ضرورية لتحمي الناس من المجاعة. وما كانت تغني إلا الملاّكين الكبار الذين يخزنون الغلال ويرفعون الأسعار. من هنا توسّعت الحياة الاقتصادية، ففرض الرومان عملة واحدة وصار الوجهاء أصحاب البنوك ومالكي السفن...
فئتان من الناس كانتا تعملان: العبد لأن الشرع يفرض عليه العمل، وصاحب الصنعة لأن الحاجة الإقتصادية تدفعه إلى ذلك، وإلاّ مات جوعاً. فالعمل يحقّر الإنسان، ولهذا كانوا يهربون منه قدر المستاطع.
هذا هو المحيط الذي توجَّه إليه بولس ورفاقه في عمل الرسالة. فمن هو بولس الذي ملأ اسمه نصف أعمال الرسل، واحتلّت رسائله حيّزا كبيراً من العهد الجديد؟

 

 

الفصل الحادي عشر
بولس رسول يسوع المسيح

1- على ملتقى حضارتين
وُلد بولس في طرسوس سنة 5 ب. م. إسمه العبري شاول، على اسم أول ملك في إسرائيل. واسمه الروماني بولس (أع 13: 9). هكذا اعتاد اليهود أن يأخذوا اسماً رومانياً من أجل علاقاتهم مع اليونانيّين والرومانيّين. ويقدّم بولس نفسه: "مختون في اليوم الثامن، من نسل إسرائيل، من سبط بنيامين، عبراني ابن عبراني، وفي الشريعة فريسي" (فل 3: 5). هذا يعني:
- أنه ينتمي إلِى الشعب المختار وإلى قبيلة بنيامين التي ارتبطت بسلالة داود، وفي أرضها كانت أورشليم والهيكل.
- أنه من عائلة فلسطينية. هذا يعني أنه عرف لغة أجداده التي هي الأرامية.
- أنه ارتبط بالحركة الفريسية التي وُلدت لتعيش الأمانة لله في ممارسة الشريعة ممارسة دقيقة.
كانت طرسوس مركزاً تجارياً هاماً. كانت مدينة مشهورة. ومنها كان الأباطرة يأخذون من يعلّم أولادهم. كانت ملتقى الحضارة اليونانية والحضارة الشرقية. وهكذا وُلد من سيسمّى رسول الأمم في ملتقى حضارتين.
عاش بولس في المدينة فاستقى منها الكثير من تشابيهه. تحدَّث عن الذين يسابقون في الحلبة، عن المسرح، وعن المحاكم...
كان بولس مواطناً رومانياً منذ مولده (أع 22: 25- 29). هذا يفترض أن عائلته كانت غنية، وأنها كانت منفتحة على العالم الوثني لتشارك في إدارة المدينة. وهذا الانفتاح أتاح لها أن تعطي لهذا الولد ثقافة متينة وتربية واسعة.

2- طالب في طرسوس وفي أورشليم
وُلد بولس في عائلة فريسية فانطبع بها على المستوى الديني: عرف منذ صغره جوهر الشريعة ومعنى أعياد شعبه. ذهب إلى المدرسة المتاخمة للمجمع، وبدأ في سنّه العاشرة دراسة التوراة الشفهية وتعلّم لغة الكتاب المقدّس.
تربّى بولس تربية دينية كما نال تربية مهنية مطلوبة من كل الرابانيين. تعلّم صناعة حياكة الخيم (أع 3:18). وقد تكون مهنة أبيه التي أخذها، فأتاحت له أن يعمل بيديه ليبشّر الجماعة دون أن يثقل عليها.
وعرف بولس العالم اليوناني وتأثّر به. فرسائله تدلّ على أنه ألمّ بالمواضيع الرئيسية في العالم الرواقي. وسيذكر في خطبته إلى أهل أثينة ما تعلّمه من بعض الشعراء.
ولمّا بلغ بولس سن الرابعة عشرة، ذهب إلى أورشليم، المدينة الجامعية اليهودية، ليتابع دروسه فيها (أع 3:22). كان معلمه جملائيل، وهو عضو في السنهدرين يحترمه الشعب كلّه، وقد دافع بشجاعة عن الرسل، فدلّ على حسن ايماني وعلى اهتمام باكتشاف كلمّة الله في الأحداث (أع 5: 34- 39). تلقن بولس عند قدميه تراث شعبه الديني، وتعلّم الأمانة للشريعة والغيرة عليها، كما حفظ التقاليد. وهكذا بدأ بولس فعرف الشريعة وعاشها قبل أن يتكلّم عن قداستها وحدودها ويُعلن أن المسيح حرّرنا من نيرها.
كم أقام بولس في أورشليم؟ هذا ما لا نعرفه. ولكن ما هو أكيد هو أنه كان هناك يوم قام يسوع برسالته. لم يتخّذ بولس موقفاً من هذا النبي الجليلي ولا يقول إنه التقى بيسوع. كل ما يذكره هو أنه اضطهد الكنيسة (غل 1 :13؛ أع 22: 20).

3- رؤية دمشق
بدت المسيحية الفتية خطراً كبيراً ليهودي متديّن مثل بولس: "كنت أعتقد أنه يجب أن أقاوم اسم يسوع الناصري بكل جهدي" (أع 9:26). إضطهد المسيحيّين ووافق على مقتل اسطفانس (أع 22: 20؛ 26: 10 ي). وذهب إلى دمشق ليوقف المسيحيين ويعود بهم مقتدين إلى أورشليم. ولكن في الطريق "أمسكه " (أسره) المسيح القائم من الموت (فل 3: 12) فحوّله من مضطهد إلى رسول.
يتحدّث بولس في رسائله مراراً عن اجتياح المسيح لحياته (غل 1: 15 – 16؛ 1 كور 8:15- 10). ويشدّد لوقا على حدث دمشق في سفر الأعمال: يروي ثلاث مرات خبر دعوة بولس (أع 9: 1- 19؛ 22: 3- 21؛ 9:26- 18) ليدلّ على أهميتها. يجب أن نقرأ هذه النصوص لنكتشف كيف دخل المسيح المنبعث في حياة بولس، كيف ظهر، كيف كشف عن نفسه، وكيف دعا ذاك الذي سيرسله ليشهد لاسمه.
إن رؤية يسوع على طريق دمشق قلبت نظرة بولس إلى الأمور وسارت بإيمانه اليهودي فوصلت به إلى الإيمان بيسوع المسيح وابن الله الذي حقّق رجاء إسرائيل: هذا هو ارتداد بولس إلى المسيح القائم من الموت. ثمٍ إن رؤية دمشق هي أيضاً دعوته كرسول: ظهر المسيح له وجعل منه رسولاً وشاهداً للقيامة: "أما أنا رسول؟ أما رأيت ربّنا يسوع المسيح " (1 كور 9: 1)؟ وهذا الظهور جعل من بولس رسول الأمم. هذا ما سيفهمه شيئاً فشيئاً. إنه يتكلّم عن دعوته ويجعلها في امتداد دعوة المسيح عبد الله الذي جاء يحمل النور إلى جميع الشعوب (أع 47:13).
كما أن رؤية اشعيا لله (6: 1ي) قررّت دعوة النبي وطبعت بطابعها رسالته، هكذا طبعت رؤية دمشق رسالة بولس. لن نبحث مسبقاً كيف قدّم سرّ المسيح والإنجيل، ولكنّنا نكتشف في رسائله مكانة المسيح المنبعث، وقوّة النعمة، وتشديداً على جسد المسيح ("أنا يسوع الذي تضطهده "، أع 9: 5) وعلى اعلان الإنجيل للوثنيين.

4- بولس الإنسان
هذا الذي دعاه يسوع يتمتّع بغنى بشري وروحي عظيم. مفكّر عبقري، صاحب عاطفة إنسانية ورقة في التعامل (روم 16: 13). محبّ ويعرف معنى الصداقة (غل 4: 15، 19). إنسان حقيقي لا يعرف الكذب، حازم وشجاع، متوازن ويعرف كيف يعطي ذاته كلها. أعطى نفسه للمسيح ورسالته، وحمل همّ كل الكنائس (2 كور 28:11). خاضع لنداءات المسيح (أع 16: 9)، فيعمل ويوجّه عمله باستمرارية ووعي إلى الهدف. برهن حتى مع بطرس على حريّة في الرأي والكلام (غل 2: 11) واهتم بالمشاركة في الإيمان (غل 2: 2) والأمانة للتقليد الآتي من الرب (1 كور 23:11- 24؛ 15: 1- 12). عرف أن المسيح جاء من أجل الجميع، فطلب أن يكون "كلاً للكل" (1 كور 9: 22). إهتم برغبات الناس ولغتهم ليحمل إليهم انجيل المسيح.
كيف بدت سيرة بولس؟ بعد ارتداده الذي جاء بعد استشهاد اسطفانس بوقت قليل (بين سنة 33 وسنة 37)، قضى بولس ثلاث سنوات في بلاد العرب وفي دمشق. ثم قام بسفرة إلى أورشليم قبل أن يعود إلى كيليكية ليقيم فيها (غل 1: 16- 21). بعد خبرة انطاكية الرسولية (كرازة لليهود وللوثنيّين، أع 11: 19- 26)، قام بثلاث رحلات رسولية: قبرس وآسية الصغرى (45- 49)، آسية الصغرى، مكدونية واليونان (49- 52)، أفسس، آسية الصغرى، مكدونية واليونان (53- 58).
عزم بولس أن يحمل الإنجيل إلى غربي حوض البحر المتوسط، إلى اسبانيا حيث يذهب ماراً برومة. ولكنه قبل ذلك أراد أن يحمل إلى كنيسة أورشليم المحتاجة، مساعدة ماديّة من سائر الكنائس. ولكنّه أوقف في عيد العنصرة سنة 58 في أورشليم. سُجن في قيصرية (58- 60) فرفع دعواه إلى قيصر. أرسل إلى رومة (60- 61) وقضى فيها سجيناً (61- 63) بحراسة أحد الجنود. أفرج عنه فذهب إلى اسبانيا وايطاليا والشرق وأوقف مرة ثانية وسجن، ثم مات شهيداً في رومة سنة 67.

5- بولس الرسول
رسالة بولس هي رسالة من يفتح الطريق. إختار مراكز الانتشار التي هي المدن والمرافئ، فأعلن الإنجيل حيث لم يصل بعد (روم 15: 20). وإذا نظرنا إلى طريقة أسفاره، نراه مهتماً بأن يحمل هذا الإنجيل دوماً إلى الأمام في العالم. وإذا أردنا أن نبسّط الأمور، نميّز ثلاث حقبات في نشاطه الرسالي. في البداية، حاول أن يردّ الجماعات اليهودية لتكون أساس انطلاق متين من أجل نشر الإنجيل. بعد هذا، استخلص الأمثولة من رسالة انطاكية فبدأ يعلن الإنجيل في المجمع. ولمّا رفض اليهود تعليمه توجّه مباشرة إلى الوثنيين. أخيراً، أخذ يعظ الوثنيين منذ البداية دون أن يتخلىّ عن الاهتمام بخلاص شعبه.
وتلفت نظرنا سمات عديدة من عمله الرسالي.
أولاً: طابعه الشامل. يكرز بولس لليهود وللوثنيين، يكرز لجميع الأوساط، للأحرار والعبيد، للفلاسفة والمثقّفين والجهّال (روم 1: 14). ويرفض أن يسجن الوثنيين المرتدين في إطار الممارسات اليهودية. وهو
ثانياً: حاول بولس أن يُفهم محاوريه أن الإنجيل يحقّق آمالهم ويتجاوزها، يحقق توقهم إلى الحكمة والحريّة والخلاص ويتجاوزه، وهو يدخلهم في سّر أين منه أسرار العالم الشرقي التي تُبقي الإنسان ضائعاً حائراً.
ثالثاً: أدخل في قلب العالم ضمير الإنجيل. هذا ما نجده خاصة في الرسالة إلى فيلمون: لا يكون أونسيموس بعد اليوم عبداً بل أخاً حبيباً في المسيح.
رابعاً: أعلن الإنجيل في حياة البشر. ففي 1 كور مثلاً ألقى الضوء على كل مسألة وعلى كل وضع حياتي انطلاقاً من سر المسيح وحياتنا فيه. 
خامساً: حين نتعرّف إلى شخصية بولس القوية، قد نظن أنه عمل بشكل فردي. لا ثم لا. ففي رحلاته الرسولية رافقه أشخاص مثل برنابا، يوحنا مرقس، سيلا، لوقا... ثم إن علاقاته بالكنائس قد أمّنها معاونوه مثل تيطس (2 كور 7: 6؛ 8: 23) أو تيموتاوس (1 كور 16: 10). أرسل عدداً من رسائله باسمه وإسم رفاقه (1 تس، 2 تس، 1 كور، 2 كور، فل)، أو ذكر أسماءهم في السلامات التي تنهي الرسالة (1 كور 19:16- 20؛ 2 كور 13: 12؛ روم 16: 21- 23؛ فل 4: 21- 22). وحيث أعلن الإنجيل، ولدت جماعات وكنائس وبرز رفاق وأصدقاء ومسؤولون نكتشف اسماءهم بصورة خاصة في بداية الرسائل ونهايتها.

6- بولس حامل الكلمة
حمل بولس الكلمة بوعظه ورسائله

أولاً: بولس الواعظ
كان الوعظ أحد أهم أعماله الرسولية. وقد حفظ لنا لوقا في سفر الأعمال نماذج من كرازته لليهود (أع 13: 16- 41، في انطاكية بسيدية)، وللوثنيّين (أع 17: 22- 31، في أثينة). كما ترك لنا وصية بولس الرعائية في خطبته أمام شيوخ أفسس. نجد في هذه الخطبة رقة قلب الرسول كما نجد تعليماً مفيداً لكل مسؤول عن العمل الرعائي (أع 17:20- 35). 

ثانياً: بولس المراسل
ومدّ بولس رسالته في الكنائس، فأرسل إليها رسائل تتجاوب ووضعها، وتردّ على الأسئلة التي طرحتها عليه. إذا وضعنا جانباً الرسالة إلى رومة بوجهها العام، فقد توجّهت كل رسالة إلى جماعة محدّدة وأخذت بعين الاعتبار مشاكلها. وبما أن هذه الرسائل تتوزّع حياة الرسول على مدى اثني عشر عاماً، فهي تعرّفنا إلى "إنجيله " وإلى نموّه في فهم سر المسيح.
تجذّر فكر بولس في حياة الكنائس والعمل الرسالي، فعمل على التعمّق في الإيمان. وحين انتقال الكنيسة إلى الوثنيّين، لعب بولس دوراً أوّل فجعل الكنائس تعبر حدود العالم اليهودي، وأمَّن الحرّية للوثنيّين الذين قبلوا الإنجيل، وولدت الكنيسة في العالم اليوناني والروماني، وغلغل في هذا العالم ضمير الإنجيل.

ثالثاً: الرسائل في العالم القديم
قبل أن نتحدّث عن رسائل القديس بولس، نتعرّف إلى الرسائل في العالم القديم.
- تبدأ الرسالة بذكر اسم المرسِل وإسم من ترسل إليه الرسالة.
- ثم يأتي فعل الشكر.
- وبعد أن يقوم الكاتب باللياقات، يعالج الموضوع (أو المواضيع) الذي يريد معالجته.
- تنتهي الرسالة بالتمنيات والسلامات.
هذه هي طريقة بولس في تدوين رسائله. هو لا يدوّن مقالاً حسب تصميم جامد. إنه يحاول أن يردّ على أسئلة ملموسة واجهت الجماعات التي بشّرها. لهذا نراه يعالج سؤالاً، يبتعد عن الموضوع، ثم يعود إليه. 
وإن بولس لا يكتب رسائله بيده، بل يمليها على كاتب يرافقه (غل 6: 11). ثم تُرسل إلى جماعة بواسطة شخص أمين. مثلاً، حمل أبفراس رسالة بولس إلى كولسي (كو 4: 12)، وقد يكون استفاناس ورفاقه حملوا الرسالة الأولى إلى كورنتوس (1 كور 16: 17).

رابعاً: رسائل القديس بولس
تنسب إلى القديس بولس ثلاث عشرة رسالة. ويزيد عليها التقليد الشرقي الرسالة إلى العبرانيين. وها نحن نقدّمها حسب تسلسلها الزمني:
- الرسالتان الأولى والثانية إلى تسالونيكي.
- الرسالتان الأولى والثانية إلى كورنتوس.
- الرسالة إلى غلاطية.
- الرسالة إلى فيلبي
- الرسائل إلى أفسس وكولسي وفيلمون.
- الرسائل الرعائية.
لن ندخل في متاهات نقدية، ولكنّنا نشير إليها بسرعة. منها أن 2 كور تألفت من رسائل عديدة دوّنها بولس ثم جُمعت فيما بعد. وأن بولس لم يكتب كو وأف كما لم يكتب الرسائل الرعائية الموجّهة إلى تيموتاوس وتيطس (كتبت بعد سنة 70). نحن سنقرأ هذه الرسائل كما يقبل بها التقليد، فنرى فيها بصورة خاصة كشفاً عن ايمان الجماعات الأولى وحياتها.

 

الفصل الثاني عشر
الرسالتان إلى تسالونيكي

دوّنت 1 تس سنة 51 ب. م. إذن، هي أول نص كامل بين نصوص العهد الجديد. عنوانها يدلّ عليها. وُجّهت إلى كنيسة تسالونيكي، وهي كنيسة أسّسها بولس منذ بضعة أشهر في مدينة عظيمة هي عاصمة مكدونية (شمالي اليونان).

أ- الرسالة الأولى إلى تسالونيكي
خط بولس هذه الرسالة في الفرح. كان قد أرسل تيموتاوس إلى تسالونيكي، لأنه خاف أن يرى المسيحيّين يتزعزعون بسبب الاضطهاد. فعاد تيموتاوس حاملاً إليه الأخبار الطيّبة. فالجماعة التي تركها بولس على عجل خوفاً من اليهود (أع 17: 1- 9)، تحمّلت المحنة بشجاعة. سُجن ياسون وبعض الأخوة، ولكن أخلي سبيلهم لقاء كفالة مالية.
تعزّى بولس حين سمع هذا الخبر، فأعاد قراءته على ضوء الإيمان. ذكر ما عاشه في تسالونيكي (2: 1- 12)، ودُهش من شجاعة هؤلاء المرتدين الجدد الذي فعلت فيهم حقاً كلمة الله (2: 13- 17). ونظرة المؤمن هذه نجدها ملخَّصة في الصلاة التي تفتتح الرسالة (1: 2- 10): " نشكر الله كل حين من أجلكم جميعاً، ونذكركم دائماً في صلواتنا".
نودّ أن نشير إلى صعوبتين.
الأولى تتصل بنهاية ف 2 حيث يتكلّم بولس عن اليهود الذين هيّجوا الشعب كله في تسالونيكي، وما زالوا يلاحقونه ليمنعوه من تبشير الوثنيّين. غضب بولس ووعدهم بغضب الله. هذا لا يعني أن بولس أبغضهم أو أبغض أي جماعة أخرى. وسيدلّ على محبته لهم في الرسالة إلى رومة: "أتمنى أن أكون محروماً ومنفصلاً عن المسيح في سبيل إخوتي بني قومي في الجسدي (روم 9: 3).
الصعوبة الثانية ترتبط بالنصائح الأخلاقية التي يعطيها بولس لأهل تسالونيكي (4: 1- 12؛ 5: 12- 22). يدعوهم لكي يعيشوا بهدوء، لكي يهتمّوا بأمورهم الخاصة، لكي يعملوا الخير، لكي يجعلوا الحب الأخوي أمراً ملموساً. مثل هذه النظرة إلى العلاقات بين البشر تصدمنا. لأنها تغلق الإنسان على نفسه وعلى جماعته فلا يعود يوسّع آفاقه. هكذا كان الناس يفهمون الحياة في المجتمع: حياة في سلام ووئام حيث تشجب الخلافات... 

1- نظرة بولس نظرة مؤمن (1: 2- 10)
إفتتح بولس رسالته كعادته بفعل شكر (1: 2-10). نستطيع أن نقرأه فنتساءل: ما هي الأحداث التي تلهم صلاته؟
يقول بولس إنه يذكر في صلاته إيمان التسالونيكيين وما فيه من نشاط، يذكر محبّتهم بما فيها من جهاد، ورجاءهم بما فيه من ثبات (3:1). هذه العبارات تُجمل موضوع صلاته.
نلاحظ أنه منذ سنة 51، كان الإيمان والرجاء والمحبة ميزات جوهرية في الحياة المسيحية. وتجتمع هذه الفضائل الثلاث مع ثلاث صفات تدلّ على العمل: النشاط، الجهاد، الثبات. إذن، ليست موجودة في ذاتها، بل في تحقّقها في الواقع. ويفسرّ بولس في وليْ صلاته الطريقة التي بها عاش التسالونيكيون الاضطهاد، فرأى فيها علامة على اختيار الله لهم (لقد اختارهم الله كشعبه)، علامة على حضور الروح الناشط (1: 5- 6).
ينطبع فعل الشكر هذا بطابع ملموس ومحدّد في الزمان والمكان. لن نقوله في أي وقت كان، ولكنّه يفتح أمامنا طريقاً للصلاة.

2- مصير الموتى (4: 13- 5: 11).
ونقرأ أيضاً 13:4- 5: 12 لنكتشف فيها الأسئلة التي يحاول بولس أن يجيب عليها، ولنلاحظ الصعوبات التي جابهته. وهذه نقاط تساعدنا في اكتشافنا لغنى النص الرسائلي.

أولاً: سؤالان
عالج بولس سؤالين طُرحا على الجماعة ونقرأهما في 13:4 و 5: 1. السؤال الأول يعني موت المسيحيّين الأولين. وهذا الموت يعارض الإيمان بالمسيح الرب الذي ننتظر عودته في مستقبل قريب. ماذا سيكون مصير هؤلاء الموتى؟ هل سيشاركون في العالم الجديد؟ والسؤال الثاني: حاول هؤلاء المسيحيون أن يحسبوا الزمن الذي ستحصل فيه هذه العودة المجيدة. إذن، متى يأتي يوم الرب؟

ثانياً: ألفاظ غريبة
حين نقرأ النص نصطدم بألفاظ غريبة. نجد في 15:4- 18: الهتاف، رئيس الملائكة، البوق، السماء، السحاب، الفضاء. وفي 5: 1- 10: يوم الرب، النور، الظلمة. كل هذه الكلمات جزء من صور تبدو بعيدة عنّا. يبدو ف 4 وكأنه حلم. ويبدو ف 5 بشكل دراماتيكي: أما نحن أمام دينونة قاسية؟ إذا أردنا أن نتعدّى الصعوبات نضع هذه الصور في سياقها النصوصي.

ثالثاً: العالم الجلياني
جلا أي كشف شيئأ خفياً فجعلنا وكأننا نراه.
أراد بولس أن يجيب على سؤال طرحه موت بعض المسيحيين، فاستعمل في ف 4 ألفاظاً وصوراً صيرّتها كتب الرؤى شعبية. ففي السيناريو العادي، الملائكة والبوق والسحاب... كل هذا لا نستغني عنه لنجعل تدخل الله يظهر بشكل ساطع. ونفهم هذه الطريقة في التفكير في عالم يحيط فيه الملوك نفوسهم بحاشية وأبّهة ليفرضوا سلطانهم: يتبع الكاتب هذا النموذج ليصوّر قدرة الله السامية.
أخذ بولس بالنظرة الجليانية والشعبية التي تقوله إن مسكن الله هو في السماء. هذا التمثل يعكس عقلية تقسم الكون إلى إثنين: السماء والأرض. أما الأرض فمطبوعة بعلامة سلبيّة.
واستعمل بولس أيضاً في ف 5 رسمات عرفتها كتب الرؤى. فـ "يوم الرب " عبارة بيبلية قديمة تدلّ على يوم تدخل الله النهائي، على يوم الدينونة: إنه يوم شر للأشرار ويوم خلاص للأبرار. وهكذا يظهر الله كالديّان السامي. نستلهم سلطة الملك القدير حين يمارس العدالة ونطبّق الصورة على الله. حين استعمل بولس هذه الصورة، ترجم يقيناً أساسياً وهو: ان الله لا يترك الشر ينتصر، ولا يترك الكلمة الأخيرة للأشرار. إن مستقبل العالم لا يصل إلى حائط مسدود، بل هو منفتح على الرجاء، على الخلاص.

رابعاً: بشرى سعيدة
يدعونا بولس لكي نؤمن أن الموت ليس نهاية كل شيء، وأن الشر لن ينتصر في العالم. ولكنه يقول لنا ما يقوله بكلام من عنده، منطلقاً من نظرة إلى الكون ورثها من كتب الرؤى.
وهو يجتذبنا إلى البعيد: إنه ينفصل عن إيمان ورثه من العالم اليهودي الذي فيه وُلد. فإذا أردنا أن نفهم هذا، نعود إلى النص ونتساءل: من الذي يفعل؟ هناك كلمة تعود دوماً، هي كلمة "الرب ". هي لا تدلّ على الله نفسه، ولا تدلّ على كائن سماوي كما في كتب الرؤى، بل على يسوع الذي صار رباً بقيامته. فبيسوع ومع يسوع قُهر الموت. والحدث أساسي جداً، لهذا جعله بولس في بداية برهانه (4: 14)، وتحدّث عنه مرّة ثانية في الخاتمة (9:5-10). ما يؤسس إيمان بولس هو إيمان بيسوع وقيامته. إنهما يدشّنان العالم الجديد ويساعداننا على التيقّن من أن قيامتنا ليست مجرّد تخيّل وحلماً محضاً. إنهما واقع وحقيقة.
قد نحتفظ بهذه النواة الأساسية بعد أن نعرّيها من لباسها الجلياني. ولكننا قد نحسبها صرخة نطلقها فتبقى بعيدة عنا. لا. فحين نؤمن أن يسوع قام، نؤمن أن حياته تفعل اليوم، وهي أقوى من الموت. إنها تفتحنا على عالم جديد.

ب- الرسالة الثانية إلى تسالونيكي
سيكون تقديمنا للرسالة الثانية قصيراً. فهي تنسخ مرات عديدة الرسالة الأولى. إنها جواب على رسالة منسوبة إلى بولس، جعلت الناس يظنون أن يوم الرب جاء (2: 1). نجد الجواب في 2: 1- 12. في هذا النص يستعيد بولس عناصر أخرى من الأدب الجلياني: يتحدّث عن نكران الإيمان، عن رجل الإثم.
يبدو هذا النص وكأنه لغز. لن نبحث فيه عن حقائق أبدية، بل نرى فيه محاولة تفسير تأخذ بعين الاعتبار التأخير الحاصل في مجيء الرب. ما الذي يمنع الرب من المجيء؟

 

 

الفصل الثالث عشر
الرسالتان إلى كورنتوس

كورنتوس هي مدينة هلنستية تعدّ نصف مليون نسمة. إزدهرت بفضل موقعها الجغرافي. هي تمتلك مرفأين: واحد على بحر إيجيه، والثاني على البحر الادرياتيكي. جمعت، شأنها شأن سائر المدن العظمى في ذلك الزمان، شعباً اختلط فيه العبيد بالأحرار والأغنياء بالفقراء.
أقام فيها بولس سنة ونصف السنة، فشيّد جماعة ظلّ مرتبطاً بها بعد ذهابه (أع 18: 1- 18). والرسالتان إلى كورنتوس هما جزء من مراسلة الرسول مع هذه الجماعة المطبوعة بالخلافات الداخلية، وبتحوّلات في طريقة التعبير عن ايمانها وعيشه.

أ- الرسالة الأولى إلى كورنتوس
يشير بولس بنفسه إلى مناسبة هذه الرسالة: مرّ أهل خلوة في أفسس وأعطوه أخباراً مقلقة. فعزم على الكتابة (1: 11). واستفاد من الظرف فأجاب على أسئلة أخرى طرحها عليه بعض الكورنثيين (7: 1؛ 18: 1؛ 1:12).
لم يؤرّخ بولس رسالته. ولكن يبدو أنه كتبها في بداية سنة 56 في افسس (8:16).
بعد هذا يبقى لنا أن نقرأ هذه الفصول الستة عشر حيث يعالج بولس عدداً من المواضيع. كلها مهمّة وهي تساعدنا على التعرّف إلى حياة الكنسية في مدينة كبيرة من مدن الامبراطورية الرومانية.
نقدم أولاً نظرة إجمالية- ثم ندرس مقطعين مهمين.

1- نظرة اجمالية
اولاً: سؤال أهل خلوة (ف 1- 4)
بعد أن أنهى بولس فعل الشكر، عالج سؤالاً طرحه عليه أهل خلوة. أكّد بعض الكورنثيين: "أنا أنتمي إلى بولس، وأنا إلى أبلوس، وأنا إلى كيفا (بطرس)" (1: 12). وهكذا دلّوا بكلامهم على ارتباطهم بالرسول، كما يرتبط العبد بسيّده. هم كالعبيد ينتمون إلى رئيس مشهور. إشتعل بولس غيرة وأدخل توسّعاً طويلاً حول معنى الصليب، وهذا ما أتاح له أن يقلب كلام الكورنثيين وأن يؤكد: إنقلبت العلاقات التراتبية في المسيح: الرسل هم خدّام في الكنيسة وليسوا رؤساء أو اسياداً.


ثانياً: حادث زنى ومحاكم (ف 5- 6).
يعالج ف 5- 6 حادث زنى (ف 5) ومسألة الدعاوى بين الاخوة (6: 1- 11). فإذا أردنا أن نكتشف فائدة هذين الفصلين، نبحث عن الأسباب التي دفعت الكورنثيين ليتصّرفوا بهذا الشكل. ظنوا حين ارتدّوا انهم بلغوا إلى عالم الله، فلم تعد الأعمال التي يعملونها في هذا العالم الدنيء بذات أهمية.
فعارض بولس هذه النظرة إلى الحياة المسيحية التي تغلغلت فيها عقلية ثنائية لا يستطيع فيها هذا العالم أن يتّصل بعالم السماء، وشرح موقفه خصوصاً في 6: 12-20. فإذا أردنا أن نفهم هذا النص، علينا أن ندرك معنى كلمة "جسد"، في نظر بولس: الجسد لا يعارض النفس ولا الروح. الجسد هو الكائن كله العائش على الأرض. لهذا نقرأ النص فنجعل مكان الجسد "الإنسان " أو "الكائن البشري " أو الضمير "نحن "، "أنتم ". حينئذ نعرف أن بولس يعارض تصرّف بعض الكورنثيين. ويؤكدّ أن الكائن البشري كلّه مدعو لكي يقوم (6: 14)، ليكون عند المسيح (15:6)، ليكون هيكل الروح القدس (19:6).

ثالثاً: الزواج والبتولية (ف 7)
يجيب بولس في هذا الفصل على إعتراض متطرّفين يعتبرون أن كل علاقة جنسية (حتى في الزواج) هي خطيئة، ويورد في آ 1 كلامهم: "خير للرجل أن يمتنع (أن لا يمس) عن المرأة".
نصح بولس المتزوجين بأن تكون لهم علاقات جنسية لئلا يحترقوا من الشهوة (7: 5- 9). أجل، بولس هو إنسان من عصره الذي لم يكن يعتبر العلاقات الجنسية تعبيراً عن الحب. وأكد الرسول أيضا أن المتزوّجين منقسمون، فلا يستطيعون أن يهتموا بخدمة الرب وحده (19:7- 35). وهكذا يقرّ أنه لم يدرك كيف يدخل هموم الدنيا في الحياة المسيحية.
وبعد هذا يعلن قولاً ثوروياً. ففي حضارة يسيطر فيها الرجال، يتجاسر ويتحدّث عن المساواة (7: 2- 7). قد تضلّلنا اللغة التي يستعملها. إنه يتحدّث عن "الواجبات " ويستعمل كلمات لم نعد معتادين عليها: تسلّط، امتنع. ولكن بولس أراد أن يشدّد على أن العلاقات الجنسية هي علاقات يعيش فيها الرجل والمرأة المساواة، وهي مساواة غير معقولة في تلك الأيام. ما هي أسباب هذه الثورة؟ لا نجدها في 1 كور 7 بل في غل 27:3- 28: "لا فرق بين رجل وامرأة. فأنتم كلكم واحد في المسيح يسوع ".
وفي نص آخر من هذه الرسالة يحدّد بولس موقع المرأة في الجماعة المسيحية (11: 2- 16). واجه ممارسات أغضبته، فاستعمل براهين تصدمنا، ولكنها مأخوذة من القرن الأول المسيحي. لا نستطيع أن نحمّل هذا النص أكثر مما يقدر أن يحمل. ولا ننسى أن بولس أقرّ بمكانة المرأة في نشاط الكنيسة الرسالي. هو يحيّى فيبة الشمّاسة في الكنيسة (روم 16: 1) ويسمّي برسلكة معاونة له، مثل أكيلا (روم 6: 3) ويونياس رسولة مشهورة (روم 16: 7). لم يتوصّل بولس أن يجمع الفكر اللاهوتي مع الممارسة اليومية بشكل مرضٍ. إنه يقدّم تعليماً جديداً، ولكن التعبير عن هذا الجديد في الواقع اليومي ظلّ محدوداً.

رابعاً: ذبائح الاوثان (ف 8- 10).
ووصل بولس إلى سؤال آخر طرحه الكورنثيون: اللحوم المذبوحة للأوثان. ما هو الموضوع؟ إعتاد الوجهاء أن يقدّموا ذبائح (من البقر أو الخراف) لآلهة المدينة العديدة. وكانت هذه اللحوم تؤكل في حرم الهيكل خلال ولائم مكرّسة (8: 10) أو تُباع على يد الكهنة في السوق بأسعار بخسة (10: 25). وكان عدد من الفقراء يستفيدون من الظرف ليأكلوا طعاماً لا يحصلون عليه عادة. ولكن كان لهذا اللحم شبه سلطان وهو بأن يوحدّ الإنسان مع الآلهة الوثنية (19:10- 22). لم يعتقد بعض الكورنثيين بهذا، فكانوا يأكلون من هذه اللحوم ولا يهتمون. فتشكّك الآخرون بسلوكهم.
أجاب بولس في ف 8 أن المؤمنين هم أحرار بأن يأكلوا من اللحوم المذبوحة للأصنام. غير أنه زاد أن هذه الحرية تزول إذا كنت أشكك أخي. من شكك أخاه أو جعله يسقط أخطأ ضد المسيح (8: 11- 12)، وهكذا ترجم يقيناً مشتركاً بين كتاب العهد الجديد: حب الله وحب القريب فضيلة واحدة.

خامساً: اجتماعات المسيحيين (ف 11- 14)
وعالج بولس ممارسات يعيشها المسيحيون حين يجتمعون.
بعد أن ذكر بولس بقواعد خاصة جداً (11: 2- 16)، عارض طريقة الكورنثيين في الاحتفال بعشاء الرب (أي: القداس، 11: 17- 34). بعضهم يسكر والآخر يجوع، لأن ليس له ما يأكله (11: 21-22). تتسجّل هذه الممارسة في المناخ الديني في ذلك العصر. يعتبرون أن المهم ليس الاتحاد بالاخوة والمشاركة معهم بل الاتحاد اتحاداً فردياً بقدرة الله. شجب بولس هذا السلوك بقساوة (11: 20) منظماً فكره حول كلمة "جسد". تذكرنا الافخارستيا بالعشاء الذي فيه أسلم يسوع جسده (حياته). وإذ يُعيد المسيحيون هذا العشاء (11: 23- 26) يتّحدون في الجسد (وفي حياة) الذي أسلمه يسوع. وعليهم أن يدلّوا على أن هذا الاتحاد صحيح في اتحادهم بالأخوة، في المشاركة مع الأخوة في الجسد الذي يكوّنون (10: 16 ؛ 29:11:17؛ 12:12- 31).
وتعالج ف 12- 14 أموراً تظهر في الجماعات المسيحية: الانخطافات (المواهب). هناك بعض المتدّرجين يحرّكهم الروح فيدخلون في انخطاف ويتلفّظون بكلمات لا يمكن فهمها (14: 2- 9). هذه الظاهرة المعروفة في الديانات السرّانية تدل على علاقة فريدة بين هؤلاء "المخطوفين" والله. لا يعارض بولس وجود هذه الظاهرة ولكنه يوّد أن يجعلها في خدمة الجماعة (12: 4- 11؛ 14: 1ي). وإذ أرادهم أن يدركوا الانقلاب الذي يقوم به، صاغ تشبيه الجسد ودوّن نشيده الشهير عن الحب (13: 1ي). 

سادساً: القيامة (ف 15).
ذكر بولس في هذا الفصل أنه تسلّم من الكنيسة الايمان بقيامة المسيح. تدخلنا آ1- 11 إلى سؤال طرحه بعض الكورنثيين حول قيامة الموتى (آ 12). ورأوا أنه لا يُعقل أن يستطيع الموتى أن يقوموا (آ 35). فالبشرية الارضية هي في نظرهم لباس لا يليق بالحياة الأخرى. نظرتهم هي نظرة عالمهم المنغمس في الثنائية على طريقة الديانات السرّانية أو الفكر الغنوصي.
إستند بولس إلى الايمان الذي تسلّمه، فأكّد أن قيامة المسيح هي باكورة (أول ثمرة) كل قيامة (آ 20- 26). ولكي يركز برهانه، قدّم المسيح على أنه آدم الجديد (آ 37-50). وهكذا صاغ تبريراً ايمانياً أصيلاً، تبريراً يرتبط بقراءة سفر التكوين قراءة خاصة تستلهم بعض الأوساط اليهودية. فهناك بعض اليهود المتأثرين بالحضارة الهلينية، قد فسرّوا خبرَيْ سفر التكوين كخبرين يتعلّقان بإنسانين مختلفين. الأول يعني الإنسان السماوي، الابدي. يعني آدم الحقيقي. والثاني يعني إنسان هذا الارض، الإنسان المائت والغارق في المادة. إٍستلهم بولس هذا التفسير وقلبه. فآدم الجديد في نظره ليس نموذجاً سماوياً أول، بل يسوع التاريخ، يسوع القائم من الموت.
ويهتم ف 16 بأمور عملية: اللمّة من أجل كنيسة أورشليم، مشاريع سفر، توصيات وسلامات. وتنتهي هذه الرسالة الطويلة: "محبتي لكم جميعاً في المسيح يسوع".

2- مقطعان مهمان
نتوّقف هنا عند مقطعين. الأول (18:1- 2: 5) هو جزء من جواب بولس إلى أهل خلوة. والثاني (12: 12- 31) يُبرز الطريقة المسيحية لنعيش مواهب الروح.

اولاً: لغة الصليب (1: 18- 2: 5)
حين نقرأ هذا النص، نتذكرّ مقطعاً آخر يعرّفنا إلى الوضع الاجتماعي لعدد من الكورنثيين (1: 26- 31، محتقر، مزدرى، ضعيف). لماذا يورد هذه الصفات؟ ليشدّد على عظمة الاختيار الذي قام به الله (دعاكم، 1: 26؛ اختار 1: 27، 28). ماذا يعني هذا الكلام؟ هل يميّز الله الفقر كحالة نعمة خاصة؟ هل يشبه هؤلاء الذين يمتدحون الفقراء دون ان يبذل حالتهم؟ هذا ما نكتشفه بالعودة إلى النص.

* قراءة اولى
نجد في النص سلسلتين من التعارضات: الحماقة/ الحكمة، الضعف/ القوة. من هو صاحب هذه الكلمات؟ من جهة، المصلوب، الكورنثيون، بولس. من جهة ثانية الحكماء في هذا العالم والأقوياء. ونلاحظ أيضاً أن مفردات الحماقة والحكمة، والضعف والقوة، تخصّ تارة الفئة الأولى وتارة الفئة الثانية. هناك انقطاع بين الظاهر والواقع: ما هو حكيم وقوي في نظر العالم ليس كذلك في نظر الله والعكس بالعكس.
ما هو سبب هذا الانقطاع؟ ما الذي قلب الأمور رأساً على عقب؟ صليب المصلوب (18:1، 23- 24، 30؛ 2: 2). كل هذا يذكرّنا بحدث يحملنا على الشك بالقدرة الله. فالصليب عذاب محفوظ للعبيد والثائرين على المملكة الرومانية. وقد رأى فيه اليهود علامة اللعنة الالهية (غل 13:3). في هذا الصليب صار يسوع مسيحاً (33:1). وأوضح بولس ما يعني بكلمة مسيح فقال: "قوة الله وحكمة الله " (1: 24). 
المصلوب هو "قوة الله " لأنه يكشف تدخّل حب الله في هذا العالم. المصلوب هو حكمة الله، لانه "بر وقداسة وفداء" (1: 30). هكذا فسرّ بولس العبارة فدل عبر هذه الكلمات الثلاث على أن المصلوب يخلّصنا. 
هذه اللغة لا يفهمها إلا الذين يتجرأون بأن يعيشوا الصليب. أما الآخرون فهي لهم حماقة وشك على مثال ما نجد عند بعض الكورنثيين.

* بحث عن الحكمة
في هذا النص نجد لغة الحكمة حاضرة حتى في الحديث عن المصلوب، وهي لغة لا تُستعمل كثيراً في سائر نصوص العهد الجديد. أخذها بولس من بعض الكورنثيين الذين يعيشون إيمانهم على أنه حكمة جديدة. هم يبحثون لدى معلّم روماني، على مثال الداخلين في التيارات الغنوصية، عن معرفة موحاة تثبتهم في العالم الالهي (2: 6- 16). وهكذا يصبحون "كاملين في امتلاك أسرار الله.
عارض بولس هذه النظريات وجعل من الصليب الحكمة الحقة والخلاص للذين يتقبلّونه. فعلَ هذا، لأنّ الكورنثيين مالوا إلى إلغاء الصليب والمصلوب ليحلّوا محلّه مسيحاً مجيداً. وأراد أن يشدّد أيضاً على القول بأن الخلاص لا يمتلك وكأنه حكمة. إنه نعمة وعطيّة.
ويبرز بولس الظروف التي فيها حمل انجيله (2: 1- 5)، كما يُبرز أصل الكورنثيين الاجتماعي (1: 26- 31). هو إنسان من عصره يعرف أن التبدّل في الجماعات أمر صعب. ولكنه يؤكدّ أن الانقلاب الذي يتممه الصليب يحصل في تراتبية القيم. وهذا الانقلاب يرمز إليه الاختيار الذي به اختار الله الكورنثيين.

ثانياً: جسد واحد وأعضاء كثيرة (12: 12- 31)
حين قابل بولس المسيحيين بأعضاء في جسد (في كائن بشري)، قدّم صورة جديدة. فهو الكاتب الوحيد في العهد الجديد الذي يستعمل هذه الصورة.

* قراءة أولى
نبدأ فنلاحظ تكرار "واحد" واستعمال "كل " تجاه لفظة "كثير". هكذا يشدّد بولس على وحدة الجسد. ونستشّف أهمية هذه الوحدة في الكلام الذي يضعه في "فم " كل عضو من الاعضاء: "لا أحتاج إليك ". بما أن بعض الأعضاء لا يملكون مواهب خارقة، يظنون أنهم مُبعدون (12: 15- 17). ومقابل هذا، يحتقر الآخرون أولئك الذين لم يحصلون على مثل هذه المواهب (12: 21).
قدّم بولس موقفه، فماثل بين المسيح وبين الجسد الذي يكوّنه المسيحيون. أكّد في آ 12: "وكما أنّ الجسد واحد وله أعضاء كثيرة هي على كثرتها جسد واحد، فكذلك المسيح" . وفي آ 27: "فأنتم جسد المسيح، وكل واحد منكم عضو فيه". هذان التأكيدان يقدّمان توازياً بين المسيح وبين الجسد الذي يؤلفه المسيحيون. تأكيدان فريدان في كل العهد الجديد. لماذا صاغهما القديس بولس؟

* الجهاد الذي يقوم به بولس.
منذ البداية ارتبط العماد بعطية الروح القدس. ولكن ظنّ بعض الكورنثيين أن الروح يُقيم في المسيحيين بدرجات متفاوتة، وأن مستوى كمالهم يظهر في انخطافات لا يستطيع أحد أن يسيطر عليها (1 كور 14). لا حاجة إلى القول في ان السلطان يعود إلى الذين ينعمون بهذه "الانتقالات ". وحين فهم الكورنثيون عطية الروح بهذا الشكل، ترجموا الايمان الذي نالوه في عقليّتهم الفردية. ونقلوا مفهوم السلطة إلى عالمهم التراتبي. كما أن السلطة تعود في المدن الهلنستية إلى الوجهاء الذين يستطيعون أن يبسطوا غناهم، كذلك تعود السلطة في الجماعة إلى الذين يدلّون على تفوّقهم بمواهب الانخطاف.
وقلب بولس هذه الأفكار رأساً على عقب. لم يقلّل من قيمة موهبة الروح القدس، بل جعلها عامل وحدة لا عامل اختلاف (12: 11، 13). وعارض امكانية الحصول على هذا السلطان بالأمور الظاهرة. فذكرّهم أن السلطة تخصّ أولئك الذين يبنون الجماعة لا أولئك الذين يبنون أنفسهم (14: 4).
واتخذت عبارة "أنتم جسد المسيح"، كل وزنها في هذا السياق. أكّد بولس: تعيشون متحدّين في المسيح حين تكونون شعباً واحداً. تظهرون حضور المسيح معاً أو لا تظهرونه. وهكذا حارب بولس الفردية الدينية لدى الكورنثيين وقلب سلّم القيم الذي تعوّدوا عليه.

ب- الرسالة الثانية إلى كورنتوس
دوّنت هذه الرسالة "الملتهبة" حوالي سنة 57. رسالة واحدة وهي تدلّنا على توتّرات خطيرة بين بولس والكورنثيين. وهذه التوترات تتركّز على سلطة الرسول، فتملأ أحد عشر فصلاً من أصل ثلاثة عشر هي كل الرسالة.

1- سلطة بولس على المحكّ
إتهموا بولس بأنه لا يفي بوعوده (1: 12- 24). واعتبروه قوياً في رسائله ضعيفاً بحضوره (10: 9- 18). واعتقدوا أنه ليس على مستوى السلطة التي يطالب بها (16:2؛ 3: 1- 2).
مهما يكن أصل المتهّمين، فهم يرون في الاضطهادات التي تصيب بولس؟ مع النتائج التي تليها (هرب، تبدّل في المشاريع...) علامة بأنه لا يستحقّ أن يكون رئيس الجماعة. تلك هي الصورة التي يكوّنونها عن رئيسهم. تقرّ به الجماعة بسبب صفاته الباهرة: إنهم ينقلون إلى عالمهم الديني نموذج السلطة الذي يمثلّه الوجهاء في الحواضر الهلنستية. وبولس نفسه يجاريهم في نظرتهم. هذا ما يظهر لنا حين نقرأ 14:2- 4: 15 حيث يحدّد خدمة العهد الجديد. يكرّس المفردات التي تبرزه وترفع من قيمته (المجد، النور، الحياة)، ويستعمل صوراً تعطيه مهابة وسلطاناً على الموت والحياة (النصر، البرقع). إنه يرى تماثلاً بين السلطة من جهة، وبين السلطة والمجد من جهة أخرى. يظنّ هذا، وفي الوقت عينه يرى أن الرسل يعيشون الضعف والانسحاق (صورة الآنية من خزف، صورة المحاربين في الحلبة، 7:4- 9). وسيقول في النهاية: حين يعيشون هذا الجهاد (النزاع)، يعيشون خدمة المجد (4: 10- 12؛ 6: 1ي). وحين يكونون ضعفاء، يكونون أقوياء (12: 10).
هذه المفارقة ليست حيلة يستعملها بولس لكي يخفي الحقيقة. إنه يجد أصلها في موت يسوع وقيامته اللذين يعيشهما التلاميذ على خطى معلّمهم (4: 10- 15). منذ الآن، ظهرت لهم الكرامة والمجد في آلام المسيح وموته اللذين فيهما تسطع قوّة الله.
وإذ فهم بولس السلطة حسب مقاييس عصره، بدّل هذه المقاييس بواسطة ايمانه بالمسيح. وفي مجتمعنا هناك مقاييس أخرى منها الخبرة والاهلية والمشاريع التي حققناها... مثل هذه المتطلّبات تحوّل نظرة الكنيسة إلى السلطة. ولكنها سلطة يجب أن تدلّ دوماً على سر موت المسيح وقيامته.

2- اللمّة من أجل كنيسة أورشليم
في ف 8- 9 ذكّر بولس الكورنثيين بالتزامهم بهذه اللمّة. تكلّم فشدّد على حياة يسوع، وفسرّها على أنها عمل سخاء وفقر اختياري (9:8)، وأكدّ أن أن الله يغمر المعطي بعطاياه (7:9- 11). إن هذه البراهين الدينيّة تبرز الاهميّة التي يعلّقها بولس على هذه اللمّة، على هذا التبرع و (الاحسان) من أجل الفقراء في أورشليم.
وإذ أراد بولس أن تجري الأمور بأحسن حال، إتخذ وسائل غير عادية: أرسل الموفدين (8: 16- 24 ؛9: 1- 6). ذهب هو شخصياً إلى أورشليم مع ما في هذا الذهاب من مخاطرة بأن يوقَّف (روم 15: 30- 33). وهكذا أراد أن يردم الهوّة التي تفصل كنيسة أورشليم عن الكنائس التي أسسَّها في العالم الوثني (9: 13). وأراد أيضاً أن يسدّ عوز المحتاجين، أن يسدّ حاجات (المادية) الاخوة القديسين (9: 12). نحن نعرف أن مجاعة قوية إجتاحت اليهودية سنة 49- 51. إرتفعت الأسعار، وزادت الديون على الناس، وسيطر الفقر والعوز.
لقد عمل بولس ما عمله ليترجم في الواقع اليومي المتطلّبات الاجتماعية الموجودة في الإنجيل، وهكذا عادت المساواة: الذي جمع كثيراً لم يفضل عنه. والذي جمع قليلاً لم ينقصه شيء (13:8- 15).

 

 

الفصل الرابع عشر
الرسالة إلى غلاطية

أ- تعليم واحد في رسالتين
الرسالة إلى غلاطية والرسالة إلى رومة تعالجان الموضوع الواحد: الجهاد من أجل الحرية في المسيح. تقديم إنجيل واحد لجميع الناس كانوا يهوداً أو وثنيين.

1- رسالتان
دوّن بولس الرسالة إلى غلاطية والرسالة إلى رومة خلال رحلته الرسولية الثالثة. ولهذا يفصل الواحدة عن الأخرى بضعة أشهر أو سنة على الأكثر. تعود غل إلى سنة 57 تقريباً، وروم إلى شتاء 57/58. دوّن بولس غل في أفسس وروم في كورنتوس. ولكن وحدة هاتين الرسالتين لا تقتصران على الزمان والمكان. فما يكوّن وحدتهما هو موقعهما بالنسبة إلى حدث واحد حرّك الكنيسة الأولى، ألا وهو أزمة المتهوّدين. والسؤال المطروح هو: هل نفرض على المسيحيين الآتين من العالم الوثني ممارسات دينيّة خاصة باليهود؟ واحتدم الجدال. وتجنّد له بولس بكل قواه وهو الباحث عن الحرية المسيحية في هذا المجال كما في غيره.
دوّنت رسالته إلى الغلاطيين في قلب هذا الجدال فجاءت رسالة حرب وهجوم. ومع الوقت، هدأ الجدال. فكتب بولس رسالته إلى الرومانيين، وفيها استعاد مجمل تفكيره وتعمّق فيه. وهكذا تلقي الرسالة الضوء على الأخرى. غير أن روم تقدّم لنا فكر بولس على مستوى من العمق لم تبلغه غل.

2- جدال مع المتهوّدين
وبرزت أزمة المتهودين (مسيحيون جاؤوا من العالم اليهودي وأرادوا أن يحافظوا على فرائضه) في كنيسة تنتقل إلى العالم الوثني. هذه الأزمة هي أخطر أزمة عرفتها الكنيسة الأولى. أو أنها تنفتح على العالم كلّه، أو تنعزل على ذاتها فتصبح شيعة على مثال الفريسيين والصادوقيين... ما هو الوضع؟
في البداية كان مجمل المسيحيين من أصل يهودي. فحافظوا على عادات حدّدتها الشريعة اليهودية. ولكن حين انفتحت الكنيسة على الوثنيين، طرح السؤال: هل نطلب من هؤلاء المسيحيين أن يحافظوا على هذه العادات؟ أراد المتهوّدون أن يفرضوها، فعارضهم الآخرون. وهكذا وُلد الجدال الذي كاد يسير بالكنيسة إلى الإنقسام.
ظنّ المتهوّدون أن وجود الكنيسة يصبح سهلاً إن حافظت على بعض الفرائض اليهودية: تكون الكنيسة فرعاً من اليهودية فتحميها الشرائع الرومانية. فقد أعفي اليهود من المشاركة في العبادة المقدّمة للامبراطور. وهكذا يُعفى المسيحيون مما يعتبر علامة ولاء من قبل المواطنين تجاه الدولة. 
هنا نفهم كلام يسوع عن المتهوّدين: "لا يريدون أن يُضطهدوا من أجل صليب المسيح" (غل 6: 12). ولكن هل نحن أمام اضطهاد يثيره الرومان؟ أما نحن بالأحرى أمام يهود لا يرضون أن يصير أخوتهم مسيحيين؟
وخاض بولس الحرب ضد المتهوّدين. لم تكن القضية بالنسبة إليه قضية طقوس وممارسة ختان. بل أن يؤكد على أن الإنجيل يقدَّم إلى جميع الشعوب من دون تمييز: في هذه الحالة لن نُكره أحداً على الدخول في الشعب اليهودي قبل أن يصير مسيحياً. وفوق ذلك، أراد بولس أن يؤكد أن يسوع المسيح هو المخلّص، هو وحده مخلّص البشر جميعاً. فإن فرضنا بعض هذه العادات ظننا أن الإنسان يخلص بهذه العادات لا بواسطة المسيح وحده.
هذا هو سبب تصّرف بولس خلال أزمة المتهوّدين: حارب بعزم ليحافظ على حريّة الوثنيين في مسيرتهم إلى الله. وشدّد في وقته وفي غير وقته على الإيمان بيسوع المسيح الذي هو المخلّص الوحيد لجميع البشر.

ب- الرسالة إلى الغلاطيين
1- بولس وكنائس غلاطية
بشَّر بولس خلال الرحلة الرسولية الثانية أهل منطقة غلاطية وعاد في الرحلة الرسولية الثالثة يثبّتهم في الإيمان (أع 16: 6؛ 18: 23). هذه المنطقة هي غلاطية الشمالية الواقعة بين كبادوكية والبحر الأسود. كان موقعها حول "انقير" أي أنقرة الحالية (شمالي تركيا الوسطى)، وسمّيت كذلك باسم السكان الذين جاؤوا إليها من "غالية" (أي فرنسا الحالية). 
ولكن جاء إلى "كنائس غلاطية" هذه (1: 2) التي بشّرها بولس بنفسه (13:4، 19)، جاء أناس من الجنوب ورموا البلبلة فيها، فأعلنوا إنجيلاً غير الذي يعلنه بولس (7:1- 9). هذا "الإنجيل الجديد" يجعل ممارسة العادات اليهودية، ولا سيما الختان (3: 2؛ 5: 2؛ 6: 12) ضرورية للتبرير، للحياة لا المسيح. هذا يعني أن المسيح لم يعد المخلص الوحيد لجميع البشر (2: 1: "لو كان الإنسان يتبرّر بالشريعة، لكان موت المسيح عبثا" 24:5).
ورافق إعلان إنجيل يختلف عن ذلك الذي يعلنه بولس، هجومٌ قوي على الرسول: أرادوا أن ينزعوا من عقل المسيحيين الثقة بالرسول ثم الثقة بتعليمه: إذ يعلن الإنجيل كما يفعل، يحاول أن يرضي الناس لا أن يرضي الله (1: 1). وسيجيب بولس: "لو كنت أطلب رضى الناس لما كنت عبداً للمسيح ".

2- تصميم الرسالة
بعد العنوان وتذكير عادي بالوضع (1: 6- 10)، تتوسّع الرسالة في ثلاثة أقسام. الأول: أجاب بولس على الهجوم ضد شخصه، فذكر دعوته (1: 11- 24)، واتصاله على مستوى الإيمان والرسالة مع المسؤولين في الكنيسة الأم بأورشليم (2: 1- 10)، وأخيراً الإنجيل الذي يعلنه بحريّة (11:2-21).
الثاني: جعل مراسليه مع الإنجيل الوحيد الذي بموجبه يتبرّر الإنسان بالإيمان بالمسيح، لا بممارسة الشريعة (3: 1- 5): ويحدّد موقع الشريعة، ويدلّ على دورها الحقيقي يا تاريخ الخلاص. ويشدّد بصورة خاصة على ثلاث نقاط: التبرير بالإيمان يجعل المؤمنين أبناء ابراهيم الحقيقيين والمستفيدين من مواعيد الله. المؤمنون هم أبناء الله بالإيمان بالمسيح. الحرية تطبع حياتنا في العهد الجديد (6:3- 4: 31).
الثالث: نتجت دعوة من الدفاع عن رسالة بولس والتذكير بالإنجيل، نتجت دعوة لنعيش في حريّة الروح القدس الذي نناله من المسيح، ولئلا نعود فنضع رقابنا تحت نير الشريعة القديمة. نلاحظ في هذا القسم الرباط بين الروح القدس والحرية المسيحية والمحبّة الأخوية. وهذه المحبة الأخوية ليست إلا "شريعة المسيح " (5: 1- 18:6).

3- نقاط هامّة
أولاً: نلاحظ في القسم الأوّل (1: 11- 2: 12)، في جواب بولس على مهاجميه، النقاط التالية:

* الدعوة
يتحدّث بولس عن دعوته، عن نداء الله له (15:1- 16). ويربط هذه الدعوة بمبادرة من الله. ويتحدّث عنها مستعيداً عبارات أخذها من إرميا (1: 5، دعوة إرميا) ومن أشعيا حول عبد الله (49: 1- 6). من المعلوم أن الجماعات المسيحية الأولى أعطت يسوع مراراً لقب "عبد الله ". 
حين نقرأ هذه النصوص نكتشف أن بولس يرى دعوته آتية من الله. هي عطية ونعمة، وهي تدلّ على حبّ الله له. وهي امتداد لدعوة الذين حملوا كلمة الله، النور إلى جميع الشعوب. والوحي الذي ناله بولس من المسيح، قد ارتبط بارساله في مهمة إلى الوثنيين (رج أع 22: 17- 21).


* المشاركة
نجد عند بولس اهتماماً بالمشاركة، بالاتحاد مع الأخوة ومع المسيح (2: 1- 14). ويبرز هذا الاهتمام بالمشاركة في نقطتين مهمّتين: الأمانة في الإنجيل، العمل الرسولي (2: 2، 6؛ 2: 7- 10). ويبرز أيضاً في أن بولس لم يذهب وحده إلى أورشليم، بل مع برنابا وتيطس (2: 2). وهذه المشاركة في الأمانة للانجيل والرسالة مع التعاضد الأخوي (2: 10)، يعيشها بولس في صراحة تامة مع بطرس والمسؤولين في كنيسة أورشليم، يعيشها في علاقات صادقة ومؤسّسة على الإنجيل (2: 11- 14).

* الاتحاد بالمسيح
قال بولس: "فما أنا أحيا بعد، بل المسيح يحيا فيّ " (2:2). الحياة المسيحية هي اتحاد حيّ مع ابن الله الذي أحبّنا وبذل حياته عنا. وهذا الاتحاد هو حقيقي بحيث إن المسيحيين يشاركون في سر المسيح ولا سيما في صليبه. ونقرأ عند بولس هذه الآية المعبرّة: "مع المسيح صُلبت " (19:2). وهي مشاركة حياة عميقة، فنستطيع القول إن المسيح يقود عمل المسيحيين: هو يعمل في حريّتهم ويدفعها إلى اخر مداها. فمن ترك المسيح يقوده كان حراً كل الحريّة على مثاله.
ثانياً: ماذا نلاحظ في القسم الثاني (3: 1- 4: 31)؟ حين يجعل بولس الغلاطيين تجاه الإنجيل، يتكلّم من جديد عن هذه الوحدة في المسيح وعن هذا الاتحاد مع الأخوة في المسيح وبالمسيح. وشدّد على حياتنا في المسيح، على أننا أبناء الله.

* حياتنا في المسيح
يستعمل بولس في 26:3-29 سلسلة من الألفاظ تدلّ على أننا نحيا حقاً في المسيح: نحن أبناء الله في يسوع المسيح. تعمّدنا في المسيح فلبسنا المسيح. نحن نخصّ المسيح. وهذه الحياة في المسيح هي معطاة للجميع من دون تمييز على المستوى الوطني أو الديني أو الاجتماعي. إن واقع حياتنا في المسيح واتحادنا به وفيه، هو قوي جداً وجذري إلى درجة إلغاء كل الاختلافات مهما كانت أساسيّة (يهودي- يوناني، عبد- حر، رجل- امرأة). نكوّن في المسيح وحدة ملموسة لا نظرية، نكوّن وحدة كائن حيّ. فجميع المعمّدين في نظر بولس يعيشون حياة جديدة. هي شخصية وهي تجمعهم بعضهم إلى بعض في الوقت عينه. وهكذا يكونون واحداً، يكونون شخصا جديداً وفريداً في المسيح.


* أبناء الله
وأكد بولس مرّة ثانية في 4: 4- 6 أننا أبناء الله فجعلنا نكتشف آفاقاً مذهلة. إذا كان الله أرسل ابنه ليفدينا، فقد فعل ليجعل منّا أبناءه. لم نعد عبيداً، بل أبناء. جعل الآب منا أبناء ميراثه، وارثيه. أرسل الروح القدس إلى أعمق أعماق شخصنا، إلى قلوبنا. ويستعيد الروح فينا صلاة يسوع في جتسمياني: "أبَّا، أيها الآب " (مر 14: 36). وبكلام آخر، يجعلنا نتوجّه إلى الله كما يتوجّه الأبناء إلى آبائهم في جوّ حميم ومحبّ تعبرّ عنه اللفظة الأرامية "أبَّا" (كما في اللغة العامية. تدل على بساطة الطفل وحبّه لأبيه).
ثالثاً: ويدعو بولس المسيحيين في القسم الثالث (5: 1- 18:6) ليحيوا في حرية الروح. فيتحدّث عن الحرية المسيحية وعن ثمار الروح.

* الحرية المسيحية
يجعل بولس الحريّة المسيحية (13:5- 16) تعارض الانانية وحب الذات (لا تجعلوا هذه الحرية حجّة لارضاء شهوات البدن. والبدن يدل على كل ما يفصلنا عن الله). تقوم هذه الحرية بأن نحب أخوتنا ونجعل ذواتنا في خدمتهم فنحقّق الكلمة التي تجمل الشريعة كلّها: "أحبّ قريبك مثلما تحبّ نفسك" (لا 18:19). وفوق هذا صارت الحياة المسيحية مسيرة يقودنا الروح فيها.

* ثمر الروح
عدّد بولس ما تنتج الأنانية (19:5- 21)، ثم تحدّث عن ثمر الروح (5: 22- 25). قال ثمر (في المفرد) لا ثمار في الجمع، لأن المحبة تجمل كل ما يتبع. ثمر الروح هو: المحبة، الفرح، السلام، الصبر، اللطف، الصلاح، الأمانة، الوداعة، العفاف. في حياة الكنيسة، اعتبر المسيحيون المحبة الأخوية الملموسة كعلامة تدلّ على عمل الروح القدس. 
هذه بعض وجهات من الرسالة إلى غلاطية. والتعليم الذي تعرّفنا إليه، سيعود بولس وبعمّقه في الرسالة إلى مسيحيّي رومة.

 

 

الفصل الخامس عشر
الرسالة إلى رومة

أ- كنيسة رومة
ماذا كانت عليه رومة يوم كتب بولس إليها، ولماذا كتب رسالته؟ 

1- كيف بدت كنيسة رومة
إختلفت روم عن غل. توجّهت غل إلى كنيسة عرفها بولس وأسسّها وأحبّها. أما روم فتوجّهت إلى كنيسة لم يؤسسها ولم يعرفها شخصياً، بل عرف بعض المؤمنين الذين يؤلّفونها.
كانت رومة عاصمة الامبراطورية. عدّ سكانها مليون نسمة، كانت اكثريتهم من الطبقة الشعبية. أن يذهب بولس، رسول الأمم الوثنية، إلى رومة عاصمة العالم الوثني، أمر مهمّ وله معناه بالنسبة إليه (1: 8- 15؛ أع 28: 14- 1 3). يعود تأسيس هذه الكنيسة أقله إلى زمن الامبراطور كلوديوس. هذا يعني أنها كانت كنيسة قديمة. تألّفت في بدايتها من مسيحيين جاؤوا من العالم اليهودي، وقد ساعد وجود "مستوطنة" يهودية هامة في رومة (بين20000 و 50000 حسب التقديرات) على نموّ الكنيسة. 
وانضم إلى هذه النواة من المسيحيين من أصل يهودي، مرتدّون جاؤوا من العالم الوثني: هذا يفهمنا لماذا ظلّت الكنيسة حاضرة في رومة يوم أصدر الامبراطور كلوديوس قراره بأن يترك اليهود عاصمة الامبراطورية (49-50). 
يوم كتب بولس رسالته، تألّفت الجماعة من مسيحيين جاؤوا من العالم الوثني وآخرين من أصل يهودي. ولكننا لا نستطيع أن نعرف نسبة اليهود بالنسبة إلى الوثنيين. وحين نقرأ الرسالة، نحسّ وكأن جماعة رومة تساوي في الأهمية كنيسة كورنتوس.
هل كان بطرس قد جاء إلى رومة؟ لا شيء يبرهن على ذلك. وبما أن بولس لا يتكلّم عنه، فنظن أنه لم يكن بعد وصل إلى رومة يوم خطّ بولس رسالته. ويبدو في ذلك الوقت أيضاً أن الجماعة لم تكن عرضة للاضطهادات. وحين يتحدّث بولس في ف 13 عن السلطة السياسية، فهو يرى دورها الايجابي. لهذا يقول: "على كلّ إنسان أن يخضع لاصحاب السلطة، فلا سلطة إلا من عند الله ".

2- هدف الرسالة
ما استطاع بولس أن يذهب في القريب العاجل إلى رومة، لهذا كتب إلى المسيحيين هناك ليثبتّهم في الايمان معلناً لهم بدوره انجيل الله. وليهيّىّء مجيئه معرّفاً بكرازته. ماذا أخذنا بعين الاعتبار أزمة المتهودين، وكيف أن بولس يستعيد مسألة الشريعة والتبرير بالايمان، ندرك أن بولس أراد أيضاً أن يزيل كل سوء تفاهم بين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي، وأولئك الآتين من العالم الوثني: للتبرير والخلاص ينبوع واحد هو الله الذي يخلّص البشر في يسوع المسيح.

ب- نظرة أولى
اعتبرت روم نصاً صعباً. وقد تحدث القديس بطرس في رسالته الثانية (16:3) عن "أمور غامضة يحرّفها الجهّال وضعفاء النفوس ". سنكتفي بتقديم بعض المعطيات، ثم نورد ثلاث ملاحظات.

1- بعض المعطيات
أولاً: أساس روم
نجد في 1 :16 تأكيداً هو أساس الرسالة كلها: الإنجيل هو "قدرة الله لخلاص كل من آمن، لليهودي أولاً ثم لليوناني ". نحن هنا أمام سلسلة من الأقوال:
- انجيل (الخبر السار) المسيح هو قدرة.
- يأتي من الله.
- جُعل ليخلّص البشر.
- نتقبلّه بالايمان.
- هو يعني جميع البشر بدون استثناء. كان اليهودي العائش في محيط يوناني يقسم الناس إلى يهود ويونانيين. هاتان هما المجموعتان الدينيتان اللتان تؤلّفان البشرية.
سنعود إلى هذه الافكار فيما بعد

ثانياً: نقطتان هامتان في الإنجيل
كيف يؤلّف بولس؟ يطرح موضوعه ثم يتركه. ويعود إليه من جديد ليتوسّع فيه. وهو يعلن نفطتين هامتين في الإنجيل ويفسرّهما ويتوسّع فيهما.

* برّ الله، غضب الله
يعلن في 1: 17 برّ الله. ثم يعالج تجاهه غضب الله (18:1- 3: 20). بعدها، يستعيد موضوع بز الله ويتوسّع فيه حتى نهاية ف 3. 

* حب الله
ويقدّم في 5: 1- 11 موضوع حبّ الله الذي به يرتبط موضوع السلام وعطيّة الروح القدس. وبعد توسّعات طويلة، يصوّر بولس في ف 8 حياة المسيحيين في الروح، وهي حياة في الرجاء يتأسّس على حب الله لهم.

ثالثاً: يسوع ربّنا
يستعمل بولس في نهاية ف 4 عبارة. "يسوع ربنا" (آ 24). وسيستعمل العبارة نفسها (يسوع المسيح ربنا) في نهاية الفصول الاربعة التالية (5: 21؛ 23:6؛ 7: 25؛ 8: 39). لقد استعاد بولس هذه العبارة ليدلّ على توسّعات فكره المتتالية.

رابعاٌ : من العهد القديم إلى العهد الجديد
إهتمّ بولس في رسالته بأن يبيّن التواصل بين العهد القديم والعهد الجديد: لقد وعد الانبياء بالإنجيل في الكتب المقدسة (1: 2). الشريعة وكتب الانبياء تشهد لبرّ الله الذي ظهر الآن (3: 21)... وهذا يظهر في مقطعين اثنين:
- في ف 4 الذي دوّن ليبين أن إبراهيم، أب المؤمنين، صار باراً لانه آمن بالله، وأنّ "التبرير بالايمان " بدأ في العهد القديم.
- في ف 9- 11 التي دوّنت لتفهمنا أن لا أمانة إسرائيل لا تلغي أمانة الله، كما لا تلغي مواعيد العهد القديم.

خامساً: لوحات متعارضة
حين نقرأ روم نلاحظ حالاً أن بولس قال ما قاله في لوحات متعارضة: لوحة مظلمة تبرز لوحة مضيئة ترتبط بعمل الله الخلاصي. مثلاً، لوحة العالم الخاطىء (وثنيون ويهود) في ف 1- 3 تعارض اعلان برّ الله الذي ظهر في يسوع المسيح (3: 21 ي). ثم لِوحة آدم ويسوع المسيح في 5: 12- 21. لا يهدف هذا العرض بأن يجعل آدم على مستوى المسيح، بل أن يبرز عظمة عمل الخلاص الذي تحقّق بالمسيح. ونقول الشيء عينه عن ف 7- 8: إن لوحة الإنسان الذي تسحقه الشريعة وقبل أن تصل إليه نعمة المسيح، تُبرز عمل خلاص المسيح وتُلقي نوراً لامعاً على صورة حياة المسيحيين في المسيح.

2- ثلاث ملاحظات
الأولى: لا يعالج بولس مسألة منٍ المسائل من كل وجهاتها، ولا يعالج في الوقت نفسه كل وجهاتها. مثلاً، في ف 1، ينظر إلى العالم من وجهة الخطيئة. لا نطلب منه في ذلك الوقت أن يتحدّث عن واقع سيتطرّق إليه في 2: 10 ي وهو: الخير الذي في الناس الذين لا يعرفون الشريعة مع أنهم يعيشون متطلّباتها. وكذلك، حين يتكلّم بولس عن الشريعة، فهو ينظر إليها كوصيّة خارجية، وذلك بسبب الجدال مع المتهوّدين. فلا نستنتج بعد ذلك أن اليهود الحقيقيين يحوّلون الشريعة إلى قاعدة تحدّدها سلطة الله من الخارج، أو أنهم ينسون أن محبة الله هي في أصل الوعد والعهد. كان بولس من عائلة فريسية، فعرف أن الأمور ليست هكذا. ولكن موضوع الجدال جعله يركز على وجهة محدّدة ويترك وجهات أخرى. 
الثانية: نحس "أن بولس هو قريب منّا في وجهات عديدة. ومع ذلك علينا أن نقبل بالمسافة الحضارية التي تفصلنا عنه (عقلية مختلفة، خبرة العالم ونظرة إلى العالم تختلفان عن خبرتنا ونظرتنا، طريقة التعبير). ماذا يعني كل هذا؟ نشأ بولس خلال سنوات الدراسة على طريقة يهودية في تفسير التوراة وخاصة في ف 9- 11. هذا يعني أننا نحاول أن نكتشف فكره دون أن نفرض عليه فكرنا وتصحيحاً من عندنا.
الثالثة: تعليم بولس هو قبل كل شيء بشرى وخبر سعيد. انه انجيل الخلاص الذي هو فرح ومحبة ورجاء وسلام في يسوع المسيح. لقد لاحظنا طريقة بولس في عرض اللوحات المتعارضة. ونقول أيضاً إن هذه اللوحات لا توضع على المستوى الواحد. وإن دور اللوحات المظلمة هو بأن يجعلنا ندرك حاجتنا المطلقة إلى الخلاص، وبأن يلقي الضوء الساطع على عمل المسيح الخلاصي.
ونلاحظ أيضاً أن بولس لا يضع البشر أمام ضعفهم أو خطيئتهم لكي يفقدهم الشجاعة والأمل. هو لا يتكلّم عنهما إلا ساعة يبشر بالمسيح ويدعونا للتوجّه إليه. وأخيراً، إذا كانت رسالة بولس قد جعلت أزمة المتهودّين في مكانها الصحيح، فهي أيضاً اعلان خبر سعيد: خبر عطية الحياة في المسيح، خبر الرجاء، خبر الخلاص الذي يحمله الله إلينا في ابنه يسوع المسيح.

ج- مسيرة فكر بولس
حين يعرض بولس انجيل الله، حين يحمل إلينا خبراً سعيداً فحواه أن الله يخلّص البشر في يسوع المسيح، فهو يلفت انتباهنا (وانتباه أهل رومة) إلى اربع نقاط:
الاولى: بشرى الإنجيل هي أن إله يسوع المسيح هو إله أمين لوعده.
ويبين لنا مجيء المسيح أن الله وعد ووفى فخلّص. وكل الذين يؤمنون بالمسيح، مهما كان أصلهم، ينالون موهبة الله بأنهّم يحيون من المسيح وفي المسيح (7:1-25:4).
الثانية: بشرى الإنجيل هي أن الله يحبّنا حباً قوياً جداً. فبعد أن أعطانا نحن الخطأة (والموتى) أن نصير أحياء في يسوع المسيح، أدخلنا في مجده معه: هذا هو الحب الذي يجعل رجاءنا أكيداً (5: 1- 39:8).
الثالثة: ولكن، لماذا لم يقبل إسرائيل الإنجيل؟ لماذا لم يدخل شعب العهد القديم كله في الشعب الجديد؟ ألمَ يكن الله أميناً لمواعيده؟ أجاب بولس: رغم الظواهر، ظل الله أميناً لوعده كل الأمانة، وحبّه ظل هو هو (ف 9-11).
الرابعة: الحياة المسيحية هي أن نقدّم لله عبادة روحية، أن نقدّم له حياتنا بما فيها من الحب والأمانة للروح القدس. بهذه الطريقة يتفتّح الإنجيل في قلب العالم (12: 1- 13:15).
أشارت النقطتان الاوليان إلى الإنجيل وإلى نتائجه فينا. البشرى تعني أن الله يخلّصنا في يسوع المسيح. فالتبرير (النقطة الأولى) يجعلنا ننتقل من الخطيئة إلى الحياة في المسيح. والخلاص (النقطة الثانية) يدلّ على عمل المسيح الذي يحوّلنا بكلّيتنا ويجعلنا شركاء كاملين بالسعادة معه في المجد. 
وحاولت النقطة الثالثة أن تجيب على اعتراض يتوجّه إلى الإنجيل: أين أمانة الله ومحبته تجاه اليهود الذين رفضوا الإنجيل ولم يقبلوه؟ والنقطة الأخيرة تتعلّق بدخول الإنجيل إلى حياتنا: كيف يتفتّح الإنجيل في حياة مسيحية في قلب العالم وحسب أبعاد حياة البشر ودعوتهم.

د- قراءة متواصلة
1- العالم خاطىء ويحتاج الى الخلاص (18:1- 3: 20)
أولاً: بولس المربيّ
قبل أن يعلن بولس ما صنعه الله في المسيح، لامس حاجتنا إلى الخلاص بيد الله. فبدون عمل المسيح نحن كلّنا خطأة. ويأخذ الرسول عدداً من الخطايا التي تميّز العالم الروماني واليوناني المنحطّ، وعدداً من الرذائل المعروفة في العالم اليهودي في عصره. إنطلق من كل هذا، وأفهمنا أننا كلنا خطأة، وأنه يجب علينا أن نلجأ إلى رحمة الله وأن نؤمن بالإنجيل لنتقبّل عطيّة الله.

ثانياً: معنى الصور
يجب أن نفهم الصور ولا نحجزها. إذا كان بولس قد تحدّث عن غضب الله، فهو لا يعني أن الله يغضب كالناس الذين نعارضهم أو نقلّل الاحترام تجاههم. بل يريد أن يفهمنا أن الله الذي هو قدوّس لا يقبل المساومة مع الخطيئة والشر. الله يحبّ الخاطئين ولكنّه لا يتحمّل الخطيئة. 
ونقول الشيء عينه عن عبارة "أسلمهم " (1: 24، 26، 28). لا نأخذها على حرفيّتها: ليس الله هو الذي يجعل الناس عبيداً لشهواتهم. ولكن هناك علاقة بين رفض الإنسان لله وانحطاط هذا الإنسان. حين ينفصل الإنسان عن الله، يرفض العون الذي يساعده على التفلّت من هذا الانحطاط.

ثالثاً: معرفة الله
إحتلت الديانة مكانة أساسية في حياة البشر في القرن الأول المسيحي. لهذا لم يرَ بولس في خطيئة الوثنيين شيئاً يمنعهم من معرفة الله. بل رأى أناساً يعرفون الله، ولكنهم لم يكونوا منطقيين مع هذه المعرفة. بدل أن يشكروا الله ويمدحوه، وثقوا بنفوسهم وبعقولهم، وبالتالي خسروا معرفة الله الحقّة وأخذوا يعبدون الأصنام. إذن، هناك تسلسل في نظر بولس: رفض الله الحي، إرادة الاكتفاء بالذات، خسران حس الله، إنحطاط الإنسان.
رابعاً: صوّر بولس الخطيئة كشّر يصيب الإنسان: في نفسه (1: 24). في علاقة الرجل بالمرأة (1: 26- 27)، في مجمل العلاقات بين البشر (29:1-30). وهذا يعني في النهاية أننا نحتاج إلى الله لنجد نفوسنا. 

خامساً: قيمة هده اللوحة
لا يهتم بولس هنا إلا بوجهات الخطيئة ليجعلنا نحسّ أننا- خارجاً عن المسيح وعمل روحه- كلّنا خطأة ونحتاج إلى الخلاص. إنطلق بولس من العالم الروماني والعالم اليهودي كما رآهما في أيامه، وشدّد على حاجتنا إلى الخلاص. أبرز هنا الخطيئة وفي 2: 14- 16 سيتحدّث عن الضمير الذي يجعل شريعة الله مكتوبة في ضمير الإنسان وفكره.

2- وظهر برّ الله (3: 21- 30)
نستطيع أن نقرأ هذا النص فنرى في الله دياناً يعاقب، ومتسلّطاً يفرض موت ابنه لقاء غفران خطايانا. إن نظرنا إلى الأمور بهذا الشكل، كنا خائنين لفكر بولس الذي قال لنا في 8:5 إن المسيح مات بسبب حب الله لنا، لا بسبب غضبه علينا. "ولكن الله برهن عن محّبته لنا بأن المسيح مات من اجلنا".
أولاً: نفهم برّ الله على ضوء العهد القديم. فقد تحدثت الشريعة والانبياء عن هذا البرّ. نقرأ في أش 13:46: "جئت ببري، ليس بعيداً، وخلاصي فلا يبطئ". وقال صاحب المزامير (40: 10): "قد بشّرت ببرّك في الجماعة العظيمة". فبرّ الله هو أمانته لمواعيد الخلاص: وعمل الخلاص الذي يتمّه الله في المسيح يتجذّر في مواعيده ويدلّ على أن الله أمين.
ثانياً: يظهر هذا البر في فداء يتمّ في يسوع المسيح. لن نفهم الفداء بالمعنى اليوناني: يحرَّر أسير أو عبد لقاء فدية، لقاء كمية من المال. بل نعود إلى الكتاب المقدّس: تحرّر من مصر، تحرّر من أسر بابل، تحرّر يحقّقه المسيح المنتظر، نداء يتمّه الله بصورة مجانية فيكوّن لنفسه شعباً يدخله (أو يجذّره عميقاً) في عهده. هذا هو معنى موت المسيح: إنه يحرّر من الخطيئة ويكوّن الشعب الجديد ويحقق الميثاق (العهد) الجديد.
ثالثاً: يقول لنا بولس في 3: 25 إن الله أعدّ المسيح ليكون كفّارة في دمه. ترتبط هذه العبارة بتذكرات بيبلية وعادات ليتورجية في إسرائيل. حين ختم موسى العهد في سيناء، رشّ نصف دم الذبائح على المذبح (الذي يمثل الله) والنصف الثاني على الشعب (خر 24: 4- 8: الدم يمثل الحياة). وهذا الاحتفال بالعهد يعني أنه منذ الآن ستكون حياة واحدة، ستكون علاقة قرابة بين الله وشعبه.
وحين خُتم العهد، إلتزم الشعب بأن يعيش حسب الشريعة، ولكنه أخطأ مراراً: فخيانات إسرائيل للشريعة التي أعطاها الرب قد تقطع الرباط الذي أقامه العهد بين الله وشعبه. هنا وُلدت طقوس التكفير وخصوصاً عيد التكفير العظيم (يوم كيبور أو التكفير). في ذلك اليوم يأخذ الكاهن الاعظم دم الذبيحة ويدخل إلى قدس الاقداس، إلى المكان السري في الهيكل ويرشّ عليه من هذا الدم الذي يرمز إلى حياة الشعب. يرش على الكفّارة التي هي غطاء مصنوع من الذهب وموضوع على تابوت العهد. فالكفارة هي المكان الذي منه يكلّم الله موسى والشعب (خر 17:25- 22؛ لا 3:16- 16). ما كان هدف هذا الطقس؟ أن يعيد رباط القرابة الذي يوّحد الشعب بربه، وأن يمحو خطيئة الشعب.
إذن، حين يقول بولس إن المسيح هو "كفّارة في دمه " (بعد أن صوّر خطيئة العالم)، يعلن أن يسوع سفك دمه فحقّق الذبيحة الحقيقية والنهائية التي تحرّر البشر من الخطيئة وتوحّدهم حياتياً بالله في شعب العهد الجديد. 
رابعاً: بينّ الله برّه "حين برّر ذاك الذي يؤمن بيسوع " (3: 26): إذا كان يسوع هو الموضع الحي الذي فيه يصالح الله البشر معه ليكوّن شعبه، إذا كان هذا "برّ" الله الذي يظهر بصورة مجانية في فدائنا، حينئذ نفهم أن الايمان ليس عملاً بشرياً، ليس عملا به نربح الحياة في المسيح. بالايمان نسلّم ذواتنا الى الله، نستسلم إلى نعمة الله فيكون استسلامنا جواباً لعمله. 
خامساً: يبرّر الله بالايمان، لا بالأعمال، لا بالعمل البشري. ما هي نتائج هذا الوضع؟ يشير بولس إلى نتيجتين. الاولى: لا يستطيع الإنسان ان يفتخر أمام الله مثل فريسي الإنجيل (لو 9:18- 14)، لأن الإنسان لا يتبرّر بمجهوده الشخصي بل بعطية من الله لم يستحقها. الثانية: إن مخطّط الله الخلاصي هو مخطّط شامل: الله هو إله الجميع. فاليهود واليونان هم متساوون أمامه بالنسبة إلى غفران الخطايا والدخول في الحياة مع المسيح (27:3- 30).

3- حب الله لنا يقين رجائنا (5: 1- 11).
هنا، لن يعود بولس بطريقة مباشرة إلى مسألة تبريرنا، أي عبورنا من حالة الخطيئة إلى الحياة في المسيح. بل يتحدّث عن وضعنا كمسيحيّين مبرّرين، عائشين الآن في المسيح، ومنتظرين السعادة النهائية التي سيشركنا فيها معه: حياتنا في يسوع المسيح في رجاء مجد الله، مؤسّس على حب الله لنا.
أولاً: كتب بولس: "محبة الله سُكبت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطي لنا " (آ 5).
* "حب الله " هو قبل كل شيء الحب الذي يكنّه الله لنا (آ 8). والايمان لا يعني أولاً أن نحب الله، بل أن نؤمن أنه يحبّنا، وأنه في حبّه، يدعونا لنصير علامات حيّة لحبّه في العالم. و"حبّ الله " هو أيضاً الحب الذي نكنّه لله. ولكن هذا الحب يأتي في الدرجة الثانية. إنه نتيجة حب الله لنا.
* ما هي العلاقة بين الحب الذي يحبّنا به الله و"الروح القدس الذي أعطي لنا" ؟ نستطيع القول إن الروح القدس هو حب الله الشخصي لنا. فحضور الروح القدس فينا ليس مجرّد حضور. إنه حضور فاعل نحيا من حبّه ونشارك فيه، وحضور الله هذا فينا يجعلنا نحيا في رجاء أكيد.
ثانياً: أعلن بولس مرتين (5: 6- 9؛ 5: 10) أن حب الله هو أساس رجائنا. الحركة هي هي في كل مرة؟ عملَ حب الله ما هو صعب (آ 8: "مات المسيح من أجلنا ونحن بعد خاطئون "؛ آ 10: "حين كنّا أعداء الله"). ونحن متأكدون أنّه يتم عمله فيخلّصنا. في آ 9 يبرز الخلاص في وجهه السلبي: "ننجو من الغضب ". وفي آ 10 يبرز في وجهه الايجابي: "نخلص بحياته".

4- الحياة المسيحية (6: 1- 23)
الحياة المسيحية هي حياة أبناء الله الذين ماتوا وقاموا مع المسيح.
أولاً: "تعمدّنا في يسوع المسيح، فتغمدنا في موته " (آ 3). يفكّر بولس في المعمودية كما عرفها: معمودية بالغين يرتدوّن إلى المسيح. معمودية يحتفلون بها بتغطيس المعمّد في الماء.
- الحياة في المسيح هي حياة جماعية. نحن تعمّدنا، لا أنا تعمّدت.
- نرتبط بعلاقة شخصيّة مع المسيح.
- المعموّدية تدخلنا في ديناميّة السر الفصحي، سر يسوع المائت والقائم. تعمدنا في موته أي اعتمدنا (إرتبطنا) بالمسيح القائم الذي يحمل في شخصه ثمار موته.
- في آ 5 نقرأ "اتحدنا به كلياً". هذا يعني: وُلدنا معه ونمينا معه. اذن، هناك بفضل العماد، اتحاد وثيق وحيوي مع المسيح الذي يحوّل كياننا.
ثانياً: "حين مات، مات عن الخطيئة مرة واحدة" (آ 10). حين قال بولس هذا الكلام عن المسيح، لم يعنِ فقط أن يسوع مات بسبب خطايانا، ولا أن يسوع تحرّر من خطيئة اقترفها (لا سمح الله. يقول عكس ذلك في 2 كور 5: 21: "ذاك الذي لم يعرف الخطيئة"). بل يعني: حين تجسّد يسوع فينا تضامن مع بشريتنا الخاطئة. كان قد أخذ بشرية تقدر أن تتألم وتموت مثل بشريتنا، فوجدت نفسها قبل الموت، في شكل من الأشكال، تحت سلطان الخطيئة: وحين مات يسوع حرّرنا من الخطيئة، ولم يعد هو تحت تأثيرها بصورة نهائية. حين قام صار كلّه لله.
ثالثاً: والنتائج التي تفرض نفسها على المؤمن ليست شرائع وفرائض تأتيه من الخارج. إذا كنا بالمعمودية في وحدة حية مع المسيح المائت والقائم، فهذا يعني بالنسبة إلينا طريقة حياة خاصة، وأخلاقية الكائن المسيحي.

5- حياة المسيحيين (8: 1- 39)
حياة المسيحيين هي حياة ينشّطها الروح القدس ويوّجهها نحو المجد. 
نص رفيع جداً له مكانته مع التطويبات (مت 5: 1- 12) ونشيد المحبة (1 كور 13) في حياة المؤمنين وفي تاريخ الكنيسة.
أولاً: تُعتبر الحياة المسيحية في واقعها الحاضر، وفي الوقت عينه في اتجاهها نحو المجد: إن انتظار السعادة الكاملة مع المسيح يؤثّر تأثيراً عميقاً على عقليتنا وطريقة عيشنا.
ثانياً: في ف 7 رأينا الإنسان الذي تسحقه الشريعة والذي لا يعود إلى عمل المسيح، رأيناه يتكلّم في المتكلّم المفرد (أنا). أما هنا فنجد من جديد صيغة المتكلم الجمع (نحن أي: المسيحيون) التي تترجم البعد الجماعي في الايمان وفي الحياة في المسيح: لم يُلغِ بولس البعد الشخصي في علاقة الإنسان بالله وبالقريب، ولكنه قالَ مشددّاً: النظرة الفردية إلى الايمان والحياة المسيحية تبقى غير كافية.
ثالثاً: يتكلّم بولس عن حضور الروح الشخصي بقربنا وفينا. قال: "روح الله يسكن فيكم" (آ 9). إن حضور الروح القدس الناشط يميّز حياة كل مسيحي كما يميّز الجماعة المسيحية. وهو يفتحنا على حياة شخصية وجماعية، يفتحنا على حياة حميمة وعميقة مع الله. وهو يوجّه حياتنا إلى القيامة الأخيرة. "فالذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات يعطي أيضاً الحياة لأجسادكم المائتة بروحه الذي يسكن فيكم" (آ 11).
رابعاً: "هؤلاء هم أبناء الله: الذين يقودهم روح الله" (آ 14). تجاه حياة يكون فيها الإنسان عبداً للأنانية (البدن، البشرية)، تبدو الحياة المسيحية حياة فيها يترك المؤمنون الروح الساكن فيهم يقودهم ويحرّكهم: إذن الروح هو ذاك الذي يحرّك المسيحيين، وينعش حياتهم من الداخل. وحياة المؤمنين مع الله ليست حياة عبيد خائفين، بل حياة ابناء الله، تتيح لهم أن يقولوا لله حقاً: "باَّ، أيها الآب".
خامساً: "فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر ظهور أبناء الله" (آ 19). في هذه الآية يجعلنا بولس نستشف وسع خلاص الله: هذا الخلاص يدرك الإنسان في ذاته، في علاقته بالله، في علاقته باخوته، وحتى في علاقته بالخليقة تحيط به ويتجذّر فيها. يشير بولس الى الإنسان الذي أوكله الله بأن يسود الأرض ويعيش في صداقته. غير أن الإنسان سقط في الخطيئة. لهذا ضاعت الخليقة التي كاظما سترُبط بالله برباط البشرية المتجذّرة في صداقة الله. إنطبعت بوضع البشرية الحالي، فهي "تتوق" إلى وقت تتحوّل فيه وتتركّز كلها على الله بعد أن تتحوّل البشرية.
كل هذا يلقي ضوءاً على معنى العمل والتنظيم الاقتصادي والسياسي في العالم. فإن كان البشر الذين تنعشهم نعمة المسيح، سواء عرفوا أم لم يعرفوا بها، ينظّمون الكون ليصير في خدمة الناس، هذا يعني أن مشروع الله يسير مسيرته. وهكذا يتحقّق في تاريخنا بعض مصير الخليقة النهائي، فتظهر أمامنا صورة بعيدة عن هذا العالم الذي يحوّله الله تحويلاً كاملاً. 
سادساً: "ويجيء الروح لنجدة ضعفنا. فنحن لا نعرف أن نصلّي كما يجب" (آ 26). نلاحظ هنا عمل الروح القدس في صلاتنا. وهو يساعدنا لكي نصلّي حسب مشيئة الله (آ 27). إن صلاة المسيحي الحقيقية هي: "لتكن مشئتك" (مت 10:6).
سابعاً: مشروع الله هو أن يمجدّنا مع ابنه. ولهذا ينتهي ف 8 بنشيد نرفعه إلى الله الذي يحبّنا، وقد كتب بولس عن هذا الحب: "الله يعمل كل شيء لخير الذين يحبّونه" (آ 28). آية مدهشة، كم يجب أن نتعمّق فيها في صلاتنا وفي حياة ايماننا.

6- رفض إسرائيل للمسيح (9: 1- 11: 36).
رفض إسرائيل المسيح بشكل موقت، ولكن هذا الرفض لا يعارض الإنجيل الذي بشَّر به بولس.
أولاً: السؤال الذي يطرحه رفض إسرائيل للمسيح: ما الذي حدث ليجد الشعب المختار (الذي نال المواعيد) نفسه خارج شعب العهد الجديد ساعة حقّق الله مواعيده (9: 1- 5)؟
ثانياً: أجاب بولس (نمسك معاً كل عناصر إجابته) جاعلاً نفسه على التوالي في ثلاث زوايا متكاملة:
- من جهة الله، عدم أمانة إسرائيل لا تنفي المواعيد وليست ظالمة: الله حرّ في رحمته وفي مجانية حبّه (6:9- 29).
- من جهة إسرائيل، ترجح عدم الامانة هذه إلى عدم فهم مخطط الله والإنجيل. لم يشأ إسرائيل أن يفهم فكان مسؤولاً عن تصرّفه (9: 30- 21:10).
- من جهة مسيرة الله في تاريخ. هي لا أمانة جزئية وموقتة، وتهدف إلى تحريك ارتداد سائر الشعوب. بعد هذا يدخل إسرائيل في الشعب الجديد (11: 1- 32).
ثالثاً: وأنشد بولس نشيد مديح واعجاب أمام طرق الله السرية، أمام رحمته وحكمته (11: 33- 36).
7- الحياة فعل عبادة لله (12: 1- 2)
الحياة هي فعل عبادة نؤدّيه لله في الروح القدس. نحن هنا أمام نظرة إلى وجود المسيحيين وحياتهم: يدعونا بولس لكي نؤدي عبادة لله بكل ما يكون حياتنا، وليس بصلاتنا فقط.
أولاً: يدعونا بولس "باسم رحمة الله". هذا يعني أن الروح والطريقة اللتين بهما نؤّدي هذه العبادة لله، تقعان في خط المحبّة التي أظهرها الله برحمته للبشر الذين يريد أن يخلّصهم.
ثانيا: يدعونا بولس أن نقدّم ذواتنا ذبيحة (6: 13، 16- 19)، أن نقدّم حياتنا كلها. أن نقدّم حياتنا الواقعية كما نعيشها كل يوم: إذن، يجب أن نكتشف إرادة الله، ونجنّد نشاطنا كله في كل الميادين ليكون عالمنا كما يريده الله. علينا أن نعمل في الوقت عينه لخير البشر ولمجد الله الذي يحبّهم.
ثالثاً: تقع هذه "العبادة" في خطّ حيث الله، فتبدو عبادة نؤدّيها لله في الروح القدس الذي أعطي لنا. يتحدّث بولس عن عبادة روحية (عقلية، في خط كلمة الله) أي عبادة موافقة لما في الله ولما في البشر. ولكنه حدّثنا طوال رسالته عن إله الرحمة والحب الذي خلّصنا في يسوع المسيح ويحيينا في المسيح منذ الآن. وأعلن أن الله جعل منّا أبناءه، وأفاض حبّه فينا، وأعطانا روحه الساكن فينا. اذن، لن تكون عبادتنا روحية إلا إذا تركنا الروح القدس يحوّل حياتنا لتكون كلها مملوءة بالله وبحبّه للبشر جميعاً. 
رابعاً: والطواعية لهذا الروح تساعدنا لنحيا حياة نشيطة وسط البشر حسب إرادة إله الرحمة. نتحدّ مع اخوتنا في الايمان، ونبحث في واقع وجودنا عما يسير بنا في خطّ نداء الله.

 

 

الفصل السادس عشر
الرسالة إلى فيليبي

فيلبي هي مدينة مهمّة في مكدونية (اليونان)، وأوّل مدينة أوروبية حمل إليها بولس الإنجيل (أع 16: 11-40). وُلدت فيها جماعة مؤلّفة من وثنيين ارتدوا إلى الإيمان المسيحي، وسيزورهم بولس مراراً.
الرسالة التي بين أيدينا قد دوّنها بولس يوم كان سجيناً، لا يعرف إلى أين ينتهي مصيره (1: 12- 26)0 أرسل إليه أهل فيلبي مساعدة حملها إليه ابفروديتس. مرض ابفروديتس بعض الوقت، ولما شُفي أعاده بولس وحمّله هذه الرسالة (2: 25- 30).
أين كتب بولس هذه الرسالة؟ هذا ما لا نعرفه. هو سجين، ولكن أين؟ في رومة، في قيصرية، في أفسس؟ إذا كان بولس كتبها يوم كان في أفسس تعود الرسالة إلى سنة 56/57، وإذا كتبها يوم كان في رومة تعود الرسالة إلى سنة 60- 62.
تتبع هذه الرسالة الرسمة العادية: اسم المرسِل والمرسل إليه، فعل الشكر، الموضوع، وأخيراً التمنيّات والسلامات. سنقدّم بعض السمات الخاصة، ثم نقرأ ف 3. ولا ننسَ النشيد الذي دوّن إكراماً ليسوع الذي جعله الله "رباً" لأنه جعل نفسه عبداً طائعاً حتى الموت على الصليب. فقد شرحناه ص 71.

أ- قلب رسول
إعتاد بولس أن يكتب رسائله بسبب خلافاته مع كنائس أسّسها. أما فل فتختلف عن سائر الرسائل، وهي تشدّد على الاتفاق التام بين الرسول وجماعته. ولهذا، يعبرّ عن فرحه (1: 4، 18، 25؛ 2: 2، 17- 18، 31؛ 4: 1، 4، 10) وهو فرح ينكشف فيه قلبه الرسولي.
إنّه يفيض حباً وحناناً لأهل فيلبي (6:1- 9) وهو حنان لم يبقَ من دون فائدة. وهم أيضاً دلّوا على تقديرهم للرسول، فساعدوه مرات عديدة بأموالهم. وقَبِل بولس عطيّتهم متجاوزاً القاعدة التي وضعها على نفسه بأن يكفي رسالته بعمل يديه. فهو يعرف قلب أصدقائه (4: 10- 20).
في هذا المناخ من الحب، عبرّ بولس عن إيمانه في صيغة المتكلّم المفرد (أنا). وإذ كان سجيناً أعلن: "الحياة عندي هي المسيح والموت ربح. وأما إذا كنت بحياتي أقوم بعمل مثمر، فلا أعرف ما أختار" (1: 21- 22). هذا الايراد لا يحتاج إلى تعليق. ولكنّه يكشف الحدّ الذي فيه تغلغل الإيمان في شخصية بولس، إلى أي حدّ عجنته الرسالة التي تقبّلها. ولنا مثال عن هذه الدينامية التي ولّدها الإيمان في ف 3.
ب- رجل أمسكه المسيح (3: 2- 16)
إنطبع بولس بسنوات جهاد قادته إلى السجن، فكشف لنا تعلّقه بالمسيح. ويردّد في أسلوب شخصي عبارات حرّكت الإيمان لدى الملايين من الأشخاص. نقرأ النص قبل أن نفسّره.

1- قراءة أولى
نتساءل: في أي ظرف دُوّن النص؟ وما هي ميزاته؟

أولاً: الظرف الذي فيه دوّن النص
يبدأ ف 3 بتحذير إحتفالي يتحدّث فيه بولس عن "الكلاب"، عن "عمّال السوء"، عن "المختونين الكاذبين". من هم هؤلاء الخصوم الذين يستحقّون مثل هذا الكلام القاسي؟
إنهم يهود ارتدوا إلى الإيمان المسيحي وظلوا يؤمنون أن ممارسة الشريعة اليهودية (والختان رمز لها) هي ضرورية للخلاص. نحن نعرف الشّر الذي فعله هؤلاء في كنائس غلاطية. وبولس يتخوّف من مجيئهم إلى فيلبي. يبرزون تفوّقهم فيجعلون الناس يفهمون أن بولس استولى بالحيلة على سلطة ليس أهلاً بها. وهكذا يزرعون البلبلة في الأفكار ليغرسوا نظرتهم الخاطئة إلى الإنجيل في الجماعات البولسية.
عارض بولس تفسيرهم الذي يلغي الخلاص الذي حمله يسوع المسيح. وإذ أراد أن يصل إلى أهدافه أبرز شخصه ودافع عن سلطته.

ثانياً: قراءة آ 4- 16
أبرز بولس ألقابه المجيدة: هو أيضاً يهودي، مختون، يمارس الشريعة بأفضل وجه (آ 4-6). هو يستطيع أن يلقي الضوء على شخصه كما يفعل خصومه.
ولكن هذا التفوّق يصطدم بيسوع المسيح. فخذ أراد بولس أن يعبرّ عن الانقلاب الذي تمّنيه، نظّم آ 7- 11 حول مفردتين: الربح، الخسارة (إستعمل الاسم والفعل). نجدهما مرات في هذا النص وقد انقلب معناهما بالإيمان بالمسيح. ويطبّق بولس هذا المدلول العام على أسئلة ملموسة طرحها سلوك خصومه. تخلّى عن ربح خلاصه بممارسة الشريعة (آ 9) ليعيش سر الموت والقيامة على خطى يسوع (آ 10- 11). وتابع تفكيره فاستعاد صورة اعتاد عليها: صورة المتسابقين للحصول على الجائزة (3: 12 - 14). وهكذا يجعلنا ندرك الدينامية التي تقيم فيه، فيستعمل أفعالاً مثل: جرى، تبع، جاهد...
إن الاعتراف في آ 7- 11 والمقابلة مع السباق يجتمعان ليبرزا الانقلاب الذي تمّ بعد اللقاء بالمسيح، ليبرزا الانقلاب في سلّم القيم الذي يعلنه مجتمع القرن الأول المسيحي.
2- انقلاب في سلّم القيم
من يعرض ألقابه اليوم يُعتبر شخصاً معتداً بنفسه. ولكن هذا العرض لم يكن يزعج الناس في زمن القديس بولس، بل هو ضروري ليُعرف الوجيه في وضعه الحقيقي. وهذا ما فعله بولس ليسند سلطته. وفكّر هو أيضاً في لغة الربح والخسارة، وفي الجائزة التي سينالها.
ولكن لقاءه بيسوع المسيح قلب النظام المعروف في عصره. إن اللقاء في طريق دمشق، قاد بولس إلى خيارات يتحمّل الآن نتائجها: الاحتقار، الافتراء، السجن... وهذه الخبرة قادته إلى معارضة تمثّلات عصره حيث الغنى والوجاهة يعطيان قيمة رفيعة للشخص البشري، قيمة تدلّ عليها السلطة.
وفي قلب هذا الانقلاب نجد علامة المؤمن. فحياة يسوع التي كان الموت والقيامة علامتها المركزية، لا تفهم في هذه العقلية الدنيوية: إنها تبرّر الانقلاب لا النظرة. فالقيامة المنتظرة تصبح الخير الذي لا يثمّن والذي لأجله يقبل بولس بأن يخسر كل شيء. وهكذا يصبح الموت والقيامة الربح والخسارة.
وبمختصر الكلام، إن هذا الفصل هو شاهد على الانقلاب الذي قام به الإيمان بيسوع المسيح في العالم الاجتماعي لهذه المدن الكبرى في القرن الأول المسيحي.

 

 

الفصل السابع عشر
الرسائل إلى أفسس وكولسي وفيلمون

ثلاث رسائل دوّنت في السجن. تشبه كولسي أفسس، وفيلمون الذي كتب إليه بولس هو من كولسي. لهذا جمعنا هذه الرسائل في فصل واحد. ونبدأ بالرسالة إلى فيلمون.

أ- الرسالة الى فيلمون
رسالة قصيرة جداً (فصل واحد و 25 آية) وجّهها بولس إلى فيلمون وهو مسيحي وجيه في كولسي (تركيا الحالية)، ردّه بولس إلى المسيح (آ 19).
دُوّنت في ظرف محدّد. كان بولس سجيناً (في أفسس، في قيصرية، في رومة) فردّ إلى الايمان أونسيموس وهو عبد هرب من وجه سيده فيلمون (آ 10). تصّرف أونسيموس كما يتصرف كل عبد يحاول أن يستعيد حريّته. وإذ أراد الرومان أن يضعوا حداً لهذا "النزيف" في اليد العاملة، لاحقوا الفارّين وأعلنوا شرائع تعطي الأسياد الذين فرّ عبيدهم إمكانية فرض عقوبات قاسية: "يطبعونهم بالحديد الحامي ويمنعونهم من التحرّر مدى الحياة". وكان العبيد يُباعون ليعملوا في المناجم أو ليموتوا في حلبات المصارعة.
ماذا سيفعل فيلمون بأونسيموس؟ كتب إليه بولس ودعاه ليتخلّى عن حقوقه كسيد يملك عبداً، فيتقبّل الفارّ وكأنه أخ له (آ 15- 16). لا شكّ في أن بولس لم يشجب مجتمع العبيد هذا، ولكنه عرض تصرفاً يحوّل العبيد إلى إخوة. وهكذا صار الإنجيل خمير ثورة في المجتمع.
إن قلب بولس يستلهم دينامية الحب الذي ينعش الحياة المسيحية، وهو حب فاعل تجاه الله ومن أجل القديسين (آ 4- 5). وهكذا نجد هنا معطية ثابتة في الإنجيل: نتحقّق من حبّ الله في محبّة للأخوة تتجسّد في أعمال ملموسة.

ب- الرسالتان إلى كولسي وأفسس
نتعرّف أولاً إلى الظروف التي كتبت فيها هاتان الرسالتان، وإلى الأزمات التي حاولتا أن تتصدّيا لها. ثم نتوقف عند نظرة بولس إلى المسيح والكنيسة من خلال نشيدين سنتأمل فيهما.

1- رسالتان وأزمتان
نستطيع أن نجمل هاتين الرسالتين بهذه العبارة: مسيح واحد، شعب واحد.


أولاً: بعض المعطيات
* سُميت هاتان الرسالتان: رسالة الأسر أو السجن. كل واحدة منهما تتضمّن تلميحاً إلى وضع السجين الذي يعيشه بولس (كو 18:4؛ أف 3: 1؛ 4: 2؛ 6: 20). ولكن هذا اللقب يليق أيضاً بصاحب الرسالة إلى فيلبي (1: 13) وفيلمون (آ 1، 10، 13، 23). ونحن نعرف أن بولس سُجن في قيصرية (58- 60)، في رومة (61- 63) وفي أماكن أخرى.
* تشارك هاتان الرسالتان في مقاطع عديدة. ونظرتهما واحدة إلى المسيح والكنيسة والعالم. ولكن تبدو كو رسالة عادية (مثل 1 تس). أما أفي فتتكوّن من مقاطع تقال في الاحتفالات المسيحية: أناشيد، عظات، أقوال ترافق المعقدين حين يلبسون الثوب الجديد (أف 4: 24؛ رج كو 9:3-10).
ما هو موقع هاتين الرسالتين؟ تبدو كو قريبة من تدخّل بولس في أزمة كنائس آسية في بداية الستينات. هذا ما يجب أن يعرفه المرسل الذي يهمّه وحدة الكنيسة حول شخص يسوع المسيح.

ثانياً: ظرفان مختلفان
حُفظت الرسالتان في منطقة واحدة هي مقاطعة آسية الرومانية (تركيا الحالية). ففي أفسس، عاصمة هذه المنطقة، وفي الجوار تكوّنت باكراً جماعات مسيحية هامة. ومع الزمن تنوّع وضع هذه المجموعات.
* وُجد في الجماعات البولسية عدد من الوثنيين اجتذبتهم الديانة اليهودية: رأوا في التوراة نظرة إلى الحياة وممارسات إجتماعية ودينية تتفوّق على ما يقدّمه لهم المجتمع الذي يعيشون فيه. سمّي هؤلاء: المرتدون، المتّقون. ولكن نظرتهم إلى اليهودية لم تكن مستقيمة. فمالوا إلى الإكثار من ممارسات تعتبر أنها تؤمّن الخلاص، ومن وسطاء بين الله والبشر: سلطات وقوات لا علاقة لها بالحياة، ولكنّها كانت ثقلاً على حياة الناس.
في هذه النظرة، كيف يستطيعون بعد أن يثقوا بالمسيح يسوع؟ مصلوب، مسحوق كما لم يُسحق مثله إنسان في العالم. كيف يستطيع أن يعطي معنى للعالم والحياة؟ ثم لا مكان لمبادرة الله المجّانية. وأكثروا من الممارسات فما عاد الناس يستطيعون الوصول إلى الله في المسيح.
كُتبت كو لتردّ على هذه الاتّجاهات. أرادت من جهة أن توسّع أفق المؤمنين (في المسيح، تصالح العالم كلّه مع الله) ومن جهة ثانية أن تبسّط الحياة فتخلّصها من كل إكراه كاذب (كو 2: 20- 23) وتركّزها على الصعوبات الحقيقية في الحياة. وهذه الصعوبات التي نجدها في الحياة الأخوية هي: الغفران، الحياة بين الزوجين، العلاقات بين الآباء والبنين، العلاقات بين الأسياد والعبيد. نحن أمام أسلوب جديد من الحياة في محبّة المسيح.
* وتبدّلت العلاقة بين الجماعة اليهودية والجماعة المسيحية. فالسلطة اليهودية بميولها الفريسية، أخذت حذرها من الإيمان الجديد وذلك لسببين. الأول، يتركّز هذا الايمان على "مسيحانية" يسوع. وهذا قد يجر بني إسرائيل إلى اضطرابات تضر بالشعب. الثاني: إن اليهود الذين صاروا مسيحيين لا يحفظون كل فرائض الشريعة.
وهكذا بدا تلاميذ يسوع حسب تعليم بولس، خطراً على شعب الله كما يراه الفريسيون. هذا الحذر دفع المسيحيين ليتساءلوا ماذا يمثّلون وماذا يعني شعب الله. من هذا المنظار وُلدت الرسالة إلى أفسس.

2- نظرة إلى المسيح وإلى الكنيسة
هذا هو الإطار الذي فيه قدّم بولس ورفاقه نظرتهم إلى المسيح والكنيسة. سنتعرّف إليها من خلال نشيدين. الأول مأخوذ من كو وهو يحدّثنا عن المسيح، والثاني مأخوذ من أف وهو يحدّثنا عن الكنيسة.

أولاً: نشيد عن المسيح (كو 1: 15- 20)
* هذه القصيدة هي نشيد استعملته الجماعات الأولى في الاحتفال بسر المعمودية الذي يُدخل الإنسان في جسد المسيح. هذه القصيدة هي إعلان عظيم لأولوية المسيح في كل المجالات:
- في مجال الأشياء والوقائع والخليقة. يجب أن لا نخضع للرؤوس والسيادات والسلطات والقوات (نقول اليوم: للحتمية، للمال، للاقتصاد). إذن، في المسيح وحده تجد حياتنا وحدتها. في حبّ الآب، كل شيء خلق به وله (آ 15-17).
- في مجال الاحياء والمؤمنين. المسيح هو وحده رأس الجسد الذي هو الكنيسة. فيه يصالح الله مع نفسه جميع البشر (آ 18- 20).
كيف نفهم هذه القصيدة الصعبة؟ هناك مفتاحان يدخلاننا فيها.
الأول: الصليب (آ 20). يوم كُتبت هذه القصيدة، حُكم أيضاً على بعض الناس بالصلب، ونحن نعرف ما يعني من ذل وهول عذاب الصليب. ومع هذا، فالمسيح يأخذ "أولويته" و"ملئه" من الصليب. ولا ننس أن هذا النشيد يأتي بعد فل 6:2- 11 الذي يقول إن المسيح "أفرغ" ذاته وصار الأخير.
الثاني: الخبرة الرسولية. لم يقل بولس وأصدقاؤه هذا الكلام بصورة مجرّدة. بل بعد سنوات عديدة من الأمانة للعمل الرسولي في المسيح. وفي النهاية، لا شيء يمرّ قيل المسيح. إنّه حجر الغلقة في حياتنا وفي حياة العالم.
* إذن، من هو يسوع في نظر بولس؟ خمس كلمات تتحدّث عنه:
- هو الابن. لا يقول: هو ابن الله. فهناك خطر بأن يُعتبر يسوع كائناً يتمتع بسلطات سحرية. وهناك أيضاً "إبن حبه" (1: 12). نحن أمام نظرة أخرى: إنه الابن الذي يحبّه الآب. منه ينال كل شيء ويقدّم ذاته كلّها من أجل رسالته.
- هو صورة الله غير المنظور (1: 15). ليس هو انعكاساً كما الصورة في المرآة. إنه ممثل الآب وسط البشر. إذا أردنا أن "نرى" الله، ننظر إلى يسوع. قال يسوع لفيلبس: "من رآني رأى الآب" (يو 9:14). نقول هنا عن المسيح ما قالته الصفحة الأولى في التوراة عن الإنسان الأول: "خلقه الله على صورته" (تك 1: 26). ففي المسيح يأخذ البشر كل بعدهم، ويتحمّلون ملء مسؤوليتهم كصورة لله في الكون.
- هو بكر كل خليقة، بكر القائمين من بين الأموات. هذا يعني أن المسيح القائم من الموت هو النموذج الأول للإنسان التام الكامل. فيه يجد جميع البشر نفوسهم بعد أن سبقنا كلنا إلى الوجود في فكر الله.
- هو رأس الجسد. في الماضي (مثلاً 1 كور 12) بينّ بولس أن المسيحيين هم أعضاء جسد واحد هو جسد المسيح. فأظهر بعضُهم تكبرّاً وإكتفاء. بما أنهم أعضاء جسد المسيح فهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون حتى الفلتان... ذكرهم هنا أن الجسد ليس شيئاً من دون الرأس. ونحت لسنا شيئاً من دون المسيح، ولا نتصرف في شيء من دون المسيح.
- هو الملء. هو الكل في كل البشر. فمن نظر إلى المسيح من هذه الزاوية، لن يحتاج الخضوع لسلطات ورئاسات أخرى. وإن سار إلى النهاية في اكتشافه للمسيح، سيتجاوز حقاً الأزمة التي يمرّ فيها.

ثانياً: نشيد عن الكنيسة (أف 3: 1- 14)
حين نبدّل نظرتنا إلى المسيح، نبدّل نظرتنا إلى الكنيسة. هذا ما نقرأه في الرسالة إلى أفسس.
* تبدأ أف بقصيدة طويلة (3:1- 14) دوّنت على شكل "المباركات" في العالم اليهودي. وهي تحدّد موقع الكنيسة في مجمل قصد حبّ الله. وما يشكّل بنية هذه القصيدة هو التوسّع في هذا القصد.
- آ 3: إعلان الموضوع. "تبارك الله".
- آ 4- 6: عمل الآب. إليه تعود مبادرة الفداء، في حبّه لابنه الحبيب، أراد أن يجعل منّا أبناء يتبنّاهم.
- آ 7- 13 أ: عمل الابن. إنه موضوع اللقاء بين الله والبشر، رغم خطاياهم، في حب الآب الحنّان. وفيه يتّخذ نداء الرسل معناه. الرسل هم المقدّمة، هم يفتحون الطريق لبشرية تبحث عن الله وتجده في يسوع المسيح. 
- آ 13 ب- 14: عمل الروح. يتّصل إتصالاً مباشراً بعمل الابن. الروح هو العلامة أن الله يطبع بطابعه أولئك الذين آمنوا بكلمة ابنه. إنه الوعد بأن التحرر (الخلاص) الذي بدأ حين تعلّقنا بالإنجيل، سيسير إلى النهاية لحمد مجد الله.
* هناك بعض الكلمات تتوزّع في أربع مجموعات من الصور، تفهمنا ما يعنيه بولس بسرّ الكنيسة. لا يعود السّر هنا إلى شيء لا يُفهم، بل إلى واقع يبدو كينبوع حياة لا ينضب.
- الكنيسة هي بناء، عمارة، هيكل الله، مدينة الله. ننطلق مع المسيحيين الآتين من العالم اليهودي، من خبرة مع أورشليم وهيكلها. الكنيسة هي في خط العهد القديم،. موضع اللقاء بين الله والبشر. دمّرت المدينة المقدسة ودمّر الهيكل، فيجب تجاوز هذه الصورة. فالهيكل الحقيقي الذي فيه يقيم الله هو جسد المسيح الذي سيدمّره البشر والذي سيقوم في ثلاثة أيام (يو 18:2- 22). ومع الكنيسة يبدأ بناء هذا البيت الجديد، بيت الله وسط البشر، ويتتابع. وكل واحد مسؤول عن هذا النموّ بدفع من الروح (2: 20- 22).
- الكنيسة هي جسد. من تكلّم عن الجسد تكلّم عن الأعضاء أيضاً، تكلّم عن وحدة حية لا نشلّعها، عن نموّ نؤمّنه. هذا ما يحيلنا إلى جسد المسيح، هذا الجسد الذي مات على الصليب وأقامته قدرة الله. هذا الجسد الذي ينضّم إليه المسيحيون في العماد والمشاركة بالافخارستيا. إلىا هذه الخبرة المضمَّخة بالايمان تحيلنا أف مراراً (1: 22- 23؛ 2: 15- 16؛ 3: 6؛ 4: 4، 12- 16؛ 5: 23). كم يحتاج المؤمنون أمام الأزمة التي يعيشون وأمام صِغَر جماعتهم، إلى هذه الدينامية وهذا الرجاء.
- الكنيسة هي وحدة (14:2، 16؛ 3:4، 13). لم يعد من حاجز يفصل بين اليهودي وغير اليهودي. مثل هذا الانقلاب يدعونا إلى مهمّة كبيرة هي إعادة البناء والتنظيم. ولكل منا مسؤوليته ومكانته.
- الكنيسة هي عروس المسيح. هذه هي أعظم الصور. ولكننا لا نفهمها فهماً صحيحاً لأننا نبقى على مستوى الخضوع وننسى العطاء الكامل والمتبادل (5: 21- 23). هذه الصورة تحمل كل خبرة الزواج لدى البشر، ولها جذور في التوراة منذ خبر البدايات (تك 2: 24) حتى نشيد الأناشيد. في العهد القديم عبرّت عن انتظار الشعب الجماعي. وعلى مفترق تاريخ شعب الله، هي تقوله لنا إن هذا الانتظار قد انتهى وبدأت أعراس الشعب مع إلهه.
العروس التي هي الكنيسة تستطيع أن تستند إلى أمانة العريس الذي لأجلها وصل به الطريق حتى الصليب. فلتكن بدورها طائعة كل الطاعة لنداءاته. وصورة العروس والعريس تتفوّق على كل صورة لتعبرّ عن الحب (والحرية والاحترام والتضامن) الذي يربط المسيح بكنيسته. فالعريس والعروس يتحابّان. ولكنهما لا يمتزجان فيلغي الواحد الآخر. لا يطلب الواحد أن يُسحق الآخر، بل يذهب الواحد للقاء الآخر في مسيرة لا تنتهي إلى الأبد، في حب أقوى من الموت، لأنه حب ختمته قيامة المسيح.
أجل، يرى بولس وتلاميذه أن بناء الكنيسة عمل لا ينتهي. فيجب أن يتتابع نمّو الجسد. والرباط بين العروس والعريس لا يتحجّر بل يبقى رباطاً حياً. يبقى على الذين يدخلون في هذا المشروع، على الذين يرتبطون بهذا الجسد، على الذين يلتزمون بتاريخ الحب هذا، أن يأخذوا مكانهم (المحفوظ لهم) بكثير من الواقعية (هم ضعفاء ومحدودون) وبرجاء لا حدود له. هم يعملون ولا شكّ، ولكنهم يعملون مع المسيح وبدفع من الروح.

 

 

الفصل الثامن عشر
الرسائل الرعائية

ضعفت الحيويّة في هذه الجماعات التي أسّسها بولس، على المستوى الأخلاقي وعلى المستوى الديني، فلا بدّ من إعادة تفسير الإنجيل بالنظر إلى الظروف التي تغيرّت. وبالنظر إلى حاجات العصر.

1- إلى من كتبت هذه الرسائل
كُتبت إلى تيموتاوس وتيطس. الأول هو المعاون الأمين لبولس ورفيقه في العمل الرسولي. كان مسؤولاً عن كنيسة أفسس وقد عُرف بخوفه بعض الشيء وتحفظه. كانت صحته ضعيفة، وكان متردداً في تصرفاته مرّات عديدة. ولكنه كان شخصاً يُمكن الاعتماد عليه.
والثاني هو رجل ذات طبع قوي. تسلّم مهمّات دقيقة فنجح فيها. إهتمّ بصورة خاصة بجماعات كريت، وهي جزيرة في الجنوب اليوناني. 
إتسعت رقعة الإنجيل. فوصلت إلى طبقات جديدة في المجتمع. مثلاً، هناك أشخاص ميسورون حقاً يضعون مواردهم بتصرف الآخرين. "هكذا يخزنون لأنفسهم كنزاً يكون أساساً جيّداً للمستقبل، فينالون الحياة الأبدية" (1 تم 6: 19).
ثم إن الذين في الخارج يتطلّعون إلى هذه الجماعة. هل ستكون نوراً لهم؟ لهذا يُوضع على رأس هذه الجماعات اشخاص ينعمون بصيت حسن. يكون الاسقف "منزّهاً عن اللوم، يقظاً رصيناً محتشماً مضيافاً، صالحاً للتعليم... يحسن تدبير بيته فيعرف أن يعتني بكنيسة الله" (1 تم 3: 2- 5).
يعيش المسيحيون الصعوبات. وهم يتألّمون من أجل إيمانهم. وقد يقعون في تجربة التمرّد على السلطات. لهذا يوصيهم بولس بالولاء لهذه السلطات. نقرأ في 1 تم 2: 1- 2: "أطلب أن تقيموا الصلاة من أجل جميع الناس، ومن أجل الملوك وأصحاب السلطة، حتى نحيا حياة مطمئنة هاديّة". وينبّه بولس تيطس قائلاً: "ذكّر المؤمنين أن يخضعوا للحكام وأصحاب السلطة ويطيعوهم ويكونوا مستعدّين لكل عمل صالح" (تي 1:3).

2- لماذا كتبت هذه الرسائل
هناك نداءات عديدة إلى التوبة؟ وهذا ما يدفعنا إلى القول إن الحالة الاخلاقية في هذه الكنائس لم تكن على ما يرام. لهذا، تعالج كلمة الله وكأنها قاعدة سلوك يتبعها المؤمنون. قال بولس لتيموتاوس: "علِّم هذا وعظ به. فإن علّم أحد غير ذلك فهو رجل أعمته الكبرياء ولا يفهم شيئاً، به هوس بالمناقشات التي يصدر عنها الحسد والشقاق والشتائم والظنون السّيئة، والمنازعات بين قوم فسدت عقولهـم وأضاعوا الحق وحسبوا التقوى سبيلاً إلى الربح" (1 تم 3:6- 5).
جاء معلّمون كذبة وتأثّروا بتعاليم يهودية مشوّهة، فتحدّثوا عن السطر (أخبار في صور على مثال ما في الميتولوجيا)، وعن أنساب لا نهاية لها. وشدَّدوا على محرّمات تتعلّق بالطعام، ومنعوا الناس من الزواج (1 تم 1: 3- 7): زاغوا و"انحرفوا إلى الكلام الباطل مدّعين أنهم من معلمي الشريعة وهم لا يفهمون ما يقولون".
نحن هنا أمام تيارات، لا أمام مجموعات منظمّة في الكنيسة. لهذا يبقى الموضوع الأساسي في هذه الرسائل الثلاث (1 تم، 2 تم، تي): كيف نوجّه الكنيسة، كيف نقودها في خطّ الإنجيل رغم الصعوبات التي تحيط بها؟ وسميّت هذه الرسائل "رعائية" لأنها تتوجّه بصورة خاصة إلى الرعاة أي الذين يتحمّلون مسؤولية الإنجيل في الجماعات المحليّة.
تقدّم هذه الرسائل قواعد الحياة والعمل للذين طُلب إليهم أن يسندوا الجماعات ويوجّهوها. قال بولس لتيموتاوس: "عليك أن تعرف كيف تتصّرف في بيت الله، أي كنيسة الله الحي، عمود الحق ودعامته" (1 تم 15:3).

3- ماذا تعلمنا الرسائل الرعائية عن حياة الجماعات
* كان لهذه المراكز الدينية القديمة حياة ليتورجية خاصة نكتشفها خاصة في الأناشيد الواردة في هذه الرسائل. في 1 تم 1: 17: "لملك الدهور، الاله الواحد الخالد غير المنظور، كل إكرام ومجد الى أبد الأبدين. آمين". نحن هنا أمام مجدلة أي نشيد يُرفع لمجد الله، وهناك فعل ايمان تتلوه الجماعة خصوصاً في عيد الفصح: "لأن الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد هو المسيح يسوع الذي ضحّى بنفسه فدى لجميع الناس" (1 تم 2: 5- 6). وهناك نشيد يُرفع لمجد المسيح في 1 تم 16:3: "ظهر الله في الجسد وتبرّر في الروح (أو بالروح تلميح، إلى القيامة، رج روم 1: 4)، شاهدته الملائكة، أُعلن لدى الوثنيين، آمن به العالم وارتفع في المجد" (أي رفعه الله في المجد).
* تحدّثت هذه الرسائل عن "الخرافات وذكر الانساب" (1 تم 1: 4) التي يحملها الخصوم. ولكن هناك تعليماً سلِّم إلى الكنيسة هو "الوديعة" التي يحافظ عليها الرسول ويتعلّق بها (1 تم 6: 20). فعلى الكنيسة أن تتمسّك بهذه الوديعة وتنقلها دون أن تحوّر فيها.
لا تحاول هذه الرسائل أن تقنع الناس، ولكنها تكتفي بتحذير المؤمنين من التعاليم الكاذبة. على الكنيسة أن تدافع عن نفسها ضدّ البدع، فتذكّر بالتعاليم في تعابير صارت تقليدية. مثلاً، نقرأ في تي 2: 11- 14: "نعمة الله، ينبوع الخلاص، قد ظهرت لجميع البشر. وهي تعلّمنا أن نمتنع عن الكفر وشهوات هذه الدنيا لنعيش بتعقّل وصلاح وتقوى في العالم الحاضر، منتظرين اليوم المبارك الذي نرجوه، يوم ظهور مجد إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح (نحن هنا أمام أعلان لألوهيّة المسيح) الذي ضحّى بنفسه لأجلنا حتى يفتدينا من كل شر".
* واستخرج الكاتب من هذا الايمان النتائج العملية. نحن نترجم هذا الايمان أفعالاً تبرز في لاهوت خلقي متوازن لا يعرف التطرّف. فلقد ظهر حنان الله مخلّصنا... وخلصّنا "بغسل الميلاد الثاني لحياة جديدة بالروح القدس" (تي 3: 4-7). أُعطيت الحقيقة (أعطاها الله) للمؤمنين والروح القدس يحفظها (2 تم 1: 14: "إحفظ الوديعة الصالحة بعون الروح القدس". ويشدّد النص على حياة التقوى أي على أمانة للتعليم ولمتطلّبات البر، على المحبة والصبر والثبات.
* للكنيسة ماضيها، ويجب علينا أن نبقى أمناء لهذا الماضي الذي اسمه التقليد. والتوصيات المعطاة في كل هذه الرسائل تدلّ على اهتمام باعطاء هذه الجماعات بنية تؤمّن التواصل والاستمرارية. هناك تنظيم مهمّ وخدم داخل هذه الجماعات. هناك الاساقفة الذين يرئسون الجماعة، يردّون على التعاليم الكاذبة، ويعلّمون التعليم الصحيح. وهناك الشمامسة "الذين يحافظون على سر الايمان في ضمير طاهر" (1 تم 3: 9). وهناك الأرامل اللواتي يقمن بعمل الخدمة في الكنيسة (1 تم 9:5-10). ويذكر بولس الشيوخ (القسوس، الكهنة) الذين عُرفوا بصورة خاصة في كنيسة أورشليم (1 تم 5: 17 ي).
* وأخيراً نعرف بعض الشيء عن نشاط بولس بعد سجنه الاول في رومة سنة 61- 63. حسب 1 تم 1: 23 ذهب إلى مكدونية، وترك تيموتاوس هناك ليهتم بكنيسة افسس. أما 2 تم فتحدّثنا عن سجن قاسٍ عاناه بولس. "حمل القيود كمجرم" (2: 9). وهو عارف كيف ستنتهي محاكمته. عرف أن ساعة رحيله اقتربت (4: 6). وقد أحسّ بالوحدة بعد أن تركه ديماس "حبّاً بهذه الدنيا". سافر كرسكاس إلى غلاطية، وتيطس إلى دلماطية. ولم يبق مع بولس إلا لوقا وحده (4: 10- 11). فعلى تيموتاوس أن يجيء إليه بسرعة.

4- نظرة إلى الوراء وتطلّع إلى المستقبل (2 تم 6:4- 18).
* يُسّر الينا بولس في هذا المقطع بآخر مكنونات قلبه. هو في السجن وهو يواجه الموت القريب ويعطينا معلومات عن الذين شاركوه في العمل: ديماس، كرسكاس، لوقا...
* جاءت ساعة الرحيل. استعمل صورة الملاّح الذي سحب المرساة وسار في عرض البحر. وصورة الجندي الذي يطوي خيمته وينطلق (فل 1: 23). واستعمل أيضاً صورة الذبيحة: يُسكب الدم على الذبيحة (خر 29: 40؛ عد 7:28) قبل أن تقدّم لتحرق. وهكذا يسكب دمه (فل 2: 17). في روم 12: 1- 2 رأى بولس في حياة المعمّد احتفالاً بذبيحة روحيّة. هذا هو المعنى الذي يعطيه لحياته ولموته.
* ماذا تضمّنت هذه الحياة؟ كانت ملآنة. لقد أتمّ بولس المهمّة. جاهد كما يجاهد المصارع في الألعاب الاولمبية، وثبت حتى النهاية، وحافظ على الالتزامات التي أخذها على عاتقه. ماذا يحفظ له المستقبل (آ 8)؟ يقف بولس موقف الثقة ويرجو من الدّيان العادل "إكليل البر"، عطيّة البر الأخيرة المحفوظة للذين اشتاقوا إلى مجيء الرب في المجد.
* وبعد أن تحدّث عن معاونيه (آ 9- 15) قال لنا (آ 16) إنه أحسّ نفسه متروكاً كيسوع على الجلجلة. ولكنه يغفر مثل يسوع (لو 34:23) هذا العقوق الذي يؤلمه في الصميم. لم يلفظ القضاء بعد حكمه: نجا بولس من هذا الخطر الجدي (نجوت من فم الأسد) وعرف وقتاً من الراحة. واستفاد من وقوفه أمام محكمة الامبراطور المؤلّفة من وثنيين، ليعلن الإنجيل بجرأته المعهودة: كان الرب له النور والقوّة: نجّاني الرب وحفظني لملكوته السماوي.
* ولكن بولس واعٍ للنهاية التي تنتظره. سيُحكم عليه بلا شكّ. ولكن الله ينتزعه من يد الذين يريدون هلاكه، ليدخله بصورة نهائية في ملكوته ويشركه في ليتورجية السماء (آ 18). لا نجاة من موت الجسد، بل نجاة من الموت الثاني كما يقول سفر الرؤيا (2: 11).
* نحن هنا أمام الصفحة الأخيرة التي أملاها بولس على "سكرتيره"، نحن أمام وصيته. يكشف لنا فيها حقيقة حياته: حبه ليسوع المسيح حتى الجنون، حب وصل به إلى بذل حياته. ولكن المهمّة التي بدأ بها الرسول سيتابعها معاونوه، "رعاة" هذه الجماعات. في هذه المهمّة، ساعة يحسّ الإنسان أن الجميع تركوه وأن الملكوت صار قريباً لا محالة، وانه لم يبق شيء، فهو ينهي حياته في الفرح والرجاء لأنه حافظ على الايمان. إن هدوء هذا الشيخ الذي عرف بمن آمن، يساعد على النظر إلى سيرة حياة حاول فيها أن يُعطي حياته للرب وللآخرين. هذا هو هدوء يسوع المسيح الذي سلّم نفسه من أعلى صليبه للآب كما يفعل الطفل عند المساء. قال: "يا أبت في يديك أستودع روحي" (لو 46:23). وهذا ما فعله بولس رسول المسيح.

 

 

الفصل التاسع عشر
الرسالة إلى العبرانيين

رسالة لها وجهها الخاص وهي تحيرّنا. لهذا لا نقرأها مراراً، اللّهم ما نسمعه في الليتورجيا.

1- من كتب عب وإلى من كتبت
عاش الكاتب في محيط أحسّ بتأثيرات عديدة: تشّرب من كتابات فيلون الفيلسوف اليهودي العائش في الإسكندرية. لهذا رأى بعض الشّراح أن أبلوس (رج أع 18: 24- 28) هو الذي كتب عب: أصله يهودي. عرف الأسفار المقدسة. إشتهر بالفصاحة والطلاقة، تربّى تربية يونانية في الإسكندرية. كل هذه نقاط مشتركة بين أبلوس وكاتب الرسالة إلى العبرانيين.
هذه الرسالة هي عظة موّجهة إلى جماعة المؤمنين. دوّنت وأرسلت الى جماعات أخرى. وكان يرافق الإرسال 13: 22- 25: "أطلب اليكم أن يتسعّ صدركم لهذه العظة (الخطبة، كلمة التعزية). فقد كتبتها باختصار. سلّموا على جميع مرشديكم وعلى جميع الاخوة القديسين".
إذن، لفظة "عبرانيين" لا تدل بصورة مباشرة على موضع يقيم فيه قرّاء الرسالة. قد يكونون أناساً ارتدوا من اليهودية إلى المسيحية فعرفوا الأسفار المقدسة واستطاعوا أن يستفيدوا من هذه البراهين التي تتوالى فيها الايرادات الكتابية كحبّات موضوعة في مسبحة.
من هم الذين أرسلت إليهم عب؟ هم جماعات عرفوا مرض اليأس وفقدوا كل عزم لا متابعة الطريق. هم مسيحيون خائفون يهدّدهم القنوط. هم كنائس تأسّست منذ زمن بعيد، ولكنها نسيت حماسها الأول. ونحن نجمل هذا الوضع لا ثلاث عبارات.
* عرفوا الملل. فاسلوب الحياة المسيحية يتطلّب الفقر والالتزام وسط عالم وثني. ثم إن الليتورجيا الجديدة بسيطة جداً. لهذا، أخذ هؤلاء المؤمنون يحنون إلى الماضي وأبهة الليتورجيا في هيكل أورشليم.
* مالوا عن التعليم الصحيح. حذّرهم الكاتب من الكسل العقلي الذي يحجرّهم. ظلّوا على مستوى الحليب (أو: اللبن) ورفضوا طعام الاقوياء (5: 11- 16: 20). أهملوا التعمّق في إيمانهم واعتبروا إنهم يكتفون بالجوهر الذي هو أمور بسيطة جداً لا تغذّيهم.
* أهملوا حياتهم المسيحية. غرقوا في رمال الكسل ولم يتقدّموا إلى الأمام. لم يهتم بعضهم ببعض، لم يشجّع بعضهم بعضاً (12:3-13). تهاملوا فما عادوا يشاركون في اجتماعات الكنيسة (10: 25: "لا تنقطعوا عن الاجتماع كما اعتاد بعضكم أن يفعل"). وأخيراً، ما هو موقفهم تجاه "مدّبريهم" أو "مرشديهم"؟ قال لهم "الواعظ": "أذكروا مرشديكم الذين خاطبوكم بكلام الله، وتأملّوا كيف أنتهت حياتهم (أي: استشهدوا، رج 10: 32- 33؟ أو: كيف عاشوا وماتوا) واقتدوا لإيمانهم" (13: 7). ثم دعاهم: "أطيعوا مرشديكم واخضعوا لهم، لأنهم يسهرون على نفوسكم" (17:13).
إذن، أراد الكاتب أن يقوّي هؤلاء الاخوة الذين عليهم أن يسيروا مسيرة الايمان، رغم كل هذه الصعوبات التي تزعزعهم.

2- يسوع المسيح ابن الله واخو البشر
لن نقدّم تصميماً لهذه الرسالة، ولكننا نتوقف عند ثلاث نقاط هامة.

أولاً: مضمون هذا الايمان.
مضمون هذا الايمان هو يسوع المسيح الكاهن الأعظم (أو: الحبر). ماذا يعني هذا الكلام؟
* لم ينتمِ يسوع إلى قبيلة لاوي التي أفردت (وضعت جانباً) في إسرائيل للاحتفال بشعائر العبادة. وهو لم يمارس هذه الوظيفة. لم يرتبط بهارون، بل ارتبط بملكيصادق. أما موته فكان حكماً بالاعدام لا مبرّر له ضد شخص بريء.
* ومع هذا، فيسوع المسيح هو كاهن (3: 1- 5: 10) لأنه يتيح للبشر أن يقتربوا من الله. إنه يربط البشر بالله.
- إنه اخو البشر، وقد تضامن معهم في آلامه.
- إنه ابن الله الممجّد في السماء، وهو يرتبط ارتباطاً كاملاً بالله: "دخل السماء ذاتها، ليظهر الآن في حضرة الله من أجلنا" (9: 24). 
* الواقع التاريخي، واقع موت يسوع له فاعلية حاسمة. مات يسوع مرة واحدة ولكنّه نال لنا الخلاص الأبدي. بمحبته وآلامه تضامن مع البشرية فصار لها الكاهن الذي يمثلّها أمام الله، ويتشفع من أجلها. بعد هذا، إذا كان ما حقّقه يسوع هو الطريق الوحيد إلى الحياة (هو الوسيط)، فمن حاد عن هذا الطريق سار إلى الهلاك ولا دواء له.

ثانياً: رجاء البشر
ما انتظره البشر، ولا سيّما شعب إسرائيل، قد تمّ، قد تحقّق تحقيقاً كاملاً في يسوع المسيح.
* كان الناس يبتغون الاتحاد بإله بعيد. كانوا يختارون أشخاصاً وأماكن مكرّسة. كانوا يحتاجون إلى طقوس وأزمنة مقدّسة. ولقد كانت الذبيحة أحد هذه الأعمال الطقسية التي تنقل التقدمة من المجالس الدنيوي إلى المجال المقدّس. أشارت الرسالة إلى العبرانيين إلى الطقوس اليهودية التي تمارس في الهيكل. واعتبرتها رسمة سريعة، مقدّمة: "الشريعة ظلّ الخيرات الآتية، لا جوهر الحقائق ذاتها" (10: 1).
* ذبائح العهد القديم لم تعد تنفع. إذن، لا حاجة بعد اليوم إلى نحر التيوس والعجول. فالمسيح قدّم نفسه في ثقة كاملة ("طاعة") تجاه الرب ولا تضامن تام مع البشر. فاسقطت ذبيحته كل الحواجز وحملت الغفران إلى البشرية: "قدّم إلى الأبد ذبيحة واحدة كفّارة للخطايا، ثمّ جلس عن يمين الله" (12:10).

ثالثاً: عهد جديد
وهكذا أدخلنا يسوع في عهد جديد، وفتح أمامنا طريقاً جديدة. ونحن مدّعوون كلّنا لنسير على خطاه ونقترب بثقة من الله. إذن، لا يجعل المعمّد شرائع العبادة جانباً. ولكنّه يقدّم في يسوع المسيح وفي جماعة المؤمنين تقدمة حياته الشخصية اليومية، ويجعلها في خدمة اخوته: "لا تنسوا عمل الخير والمشاركة في كل ما تملكون" (13: 16).

3- الايمان ومفاعيله (11: 1- 12: 13)
يهتمّ الكاتب بان يجعل الايمان يتغلغل في الحياة. فالايمان هو أثمن التزام نقوم به، وهو أصل كل ما في تاريخ البشرية الديني من قيم. هذا العرض في ف 11- 12 يقابل بمديح الحكمة في حك 10 أو بمديح الآباء في سي 44-49.

أولاً: المقدمة (11: 1- 2)
نجد هنا تحديداً للايمان. إنه التراخي والارتداد الذي يقود إلى الهلاك. دوره أساسي وهو شرط لا بدّ منه للحياة بعد الموت.
- الايمان يوحدّنا بالأمور اللامنظورة المقبلة. يوحدّنا بالسماويّات، بما هو آخر، بما هو أفضل.
- يستند الايمان إلى الوعد فيسند في الوقت عينه الرجاء. الله هو شخص يقدّم وحياً، الله يعدنا فنؤمن بكلمته.

ثانياً: مواضيع العهد القديم (11: 3- 40)
كما قدّم اسطفانس في خطبته (أع 7) تاريخ الخلاص، يقدّم صاحب الرسالة مواضيع العهد القديم الكبرى في اربعة مقاطع.
* المقطع الاول (آ 3- 7): خَلْق العالم بفعل كلمة الله اللامنظورة. ثم هابيل الذي قدّم ذبيحة أفضل من ذبيحة قايين (مات بسبب أمانته لله). واخنوخ الذي لم يرَ الموت الثاني، فعامله الله كالأبرار الذين أرضوا الله. ونوح الذي بنى الفُلك (فلوكة نقول في العامية) لخلاص أهل بيته. الفلك يخلّص الابرار ويحكم على الاشرار بالموت.
* المقطع الثاني (آ 8- 22): ابراهيم هو نموذج رجل الايمان وأبو المؤمنين. ويذكر "الواعظ" مع ابراهيم أولئك الذين ورثوا وعده معه. نشير هنا إلى الوجهات السلبية والايجابية في هذا المقطع:
- كان ابراهيم أميناً، خاضعاً لنداء الله، فانطلق وهو لا يعرف إلى أين يذهب. عاش كالبدو وأقام في الخيام لأنه كان ينتظر المدينة الثابتة (آ 8 - 13). هناك وطن أرضي، وأفضل منه "الوطن السماوي" (آ 15- 16). 
- تنطلق آ 17- 19 من ذبيحة اسحق وتذّكرنا بما يتضمنّه الوعد: نسل وحياة بعد الموت. أجل، "اعتقد ابراهيم أن الله قادر أن يقيم الأموات".
- ومع أن الآباء (اسحق، يعقوب) ماتوا، فالرجاء ظلّ حاضراً في البركات التي أعطيت للابناء، وفي الانطلاقة الجديدة التي هي خبرة الخروج والعبور (آ 20- 22).
* المقطع الثالث (آ 23- 31): موسى والعبور المحرّر
* المقطع الرابع (آ 32- 40): وهناك اشخاص عديدون، رجال ونساء، انتصروا مرة وتألمّوا مرة اخرى. "بالايمان أخضعوا الممالك... واحتمل بعضهم التعذيب ورفضوا النجاة في سبيل القيامة إلى حياة أفضل". 

ثالثاً: يسوع رأس ايماننا (12: 1- 13)
إن رجاله الله هؤلاء قد لعبوا دوراً كبيراً في التاريخ. وقد كان إيمانهم قوة حياة حقّة بالنسبة إليهم. ولكن تبقى الذروة مع يسوع المنتصر الذي أعطى كل هذه المصائر معناها الكامل. والمسيحيون يسيرون على خطى الذين سبقوهم، فيقومون الآن بالجهاد الذي يطلب الصبر والثبات. يتحملّون التأديب لأن الله يعاملهم كالبنين (آ 7). وتبدأ مسيرة لا ملل فيها ولا ضجر في الطريق الذي فتحه الله امامنا. يبقى علينا أن نشدّ أيدينا المسترخية وركبنا الضعيفة ونسير وراء يسوع الذي دشّن ايماننا (حين تحمّل الصليب واستخفّ بالعار) وهو يكملّه. لم نقاوم بعد حتى بذل الدم (أي الاستشهاد) في مصارعة الخطيئة" (آ 2- 4).
وتنتهي عب فتدعونا إلى الأمانة لدعوتنا المسيحية، فتضع أمامنا "جبل صهيون، أورشليم السماوية، آلاف الملائكة المعيّدين... واخيراً يسوع وسيط العهد الجديد" (12: 22- 24).

 

 

الفصل العشرون
رسالتا بطرس الأولى والثانية

إذا كانت الرسالة إلى العبرانيّين مد دعتنا إلى اندفاع جديد في سبيل الإنجيل، فرسالة بطرس الأولى تحدّثنا عن معنى وجودنا المسيحي في العالم، ورسالة بطرس الثانية تجعل تعليم المعلّم حاضراً في حياة المؤمنين بعد أن غاب الفوج الأوّل من الشهود.

أ- رسالة بطرس الأولى
1- من كتبها وإلى من كتبت
لا تعطينا 1 بط تفاصيل عديدة عن كاتب الرسالة وعن الكنائس التي توجّهت إليهم.
كتبها بطرس من رومة: فبابل (3:5) تدلّ بشكل رمزي على عاصمة الأمبراطورية الرومانية (رؤ 18: 2): "سقطت بابل العظيمة".
إلى من وجّه رسالته؟ إلى مؤمنين "مشتتين" في العالم (1: 1). إنهم يقيمون في خمس مقاطعات رومانية واقعة في آسية الصغرى (تركيا الحالية). معظم هؤلاء المسيحيّين هم من أصل وثني: فالكتاب يحضّهم على التخلّي عن حياتهم السابقة: "كفاكم ما قضيتم من الوقت في مجاراة الأمم، سالكين سبيل الدعارة والشهوة والسكر والخلاعة والعربدة وعبادة الأوثان الكريهة" (3:4).
كان هؤلاء المسيحيون من أصل وضيع: فالرسالة تشدّد على عظمة الضعفاء، وتتحدَّث مطولاً عن تصرف هؤلاء العبيد الذين صاروا مسيحيين: "إخضعوا لأسيادكم بكل رهبة، سواء كانوا صالحين لطفاء أو قساة" (18:2).
من أسَّس هذه الجماعات؟ معاونون لبولس لا نعرف اسمهم. إنطلقوا من المراكز الرئيسيّة التي بشرّها الرسول، فانتشروا في المدن الصغيرة. أما هكذا فعل إبفراس حين حمل الإنجيل إلى كولسي (كو 1: 7)؟

2- مضمون الرسالة
لا تقدّم 1 بط مقالاً كاملاً في اللاهوت. كما أنها لا تصبو إلى عرض أسس الإيمان الأولى. فهذا العرض قد تم، وهناك أناس حملوا البشارة، يؤيدهم الروح القدس (1: 12). ثم إن هؤلاء المؤمنين يبدون ملّمين بالأسفار المقدسة: المزامير، سفر الأمثال، اشعيا (عبد الله). فلماذا كتب إليهم بطرس؟
هذه الجماعات تتألم الآن في سبيل إيمانها. قال لهم الرسول في 4: 12: "لا تتعجبّوا ممّا يصيبكم من محنة تصهركم بنارها (كالمعدن) لامتحانكم، كأنه شيء غريب يحدث لكم". وفي 9:5: "أثبتوا في إيمانكم وقاوموا ابليس، عالمين أن إخوتكم المؤمنين في العالم كلّه يعانون الآلام ذاتها". فوجود مجموعات مسيحية صغيرة لا يميّزها الوثنيون من الشيع اليهودية، بدأ يقلق السلطات المدنية. لا شك في أنّنا لسنا بعد في مرحلة الاضطهادات الرسمية مع الإجراءات الإدارية والقضائية. ولكن المسيحيين هم ضحيّة أعمال سوء تتخفّى وتظهر: الهزء، الوشاية، الافتراء، التعيير (2: 12). وهذا يُسبّبه اليهود والوثنيون على السواء.
بطرس هو "رسول يسوع المسيح" (1: 1) "والشاهد لآلام المسيح" (5: 1) الذي أنكر معلّمه. أحسّ أنه مسؤول عن هذه الجماعات، فأراد قبل استشهاده أن يساعد هذه الكنائس الفتية أن تبقى ثابتة وقوية وراسخة (5: 10) ساعة بدأت تدخل في آلام تشبه آلام المسيح.
ذكّرهم بطرس بجوهر العقيدة، ثم وجّه نظرهم إلى المسيح، وهكذا يعون قدرة الحياة التي فيه. قال لهم: تيّقظوا واسهروا. أثبتوا وقاوموا. وهكذا شجّع راعي الكنيسة أولئك الذين بدأوا يتراخون بسبب الظروف التي تحيط بهم.
قدّم بطرس تشجيعاته وأدخل فيها عناصر تعليم تبرّرها أو تسندها. وذكّر المسيحيين بما يعيشون في الليتورجيا: فالتلميحات عديدة إلى سر العماد الذي يحتفلون به ليلة الفصح. نقرأ في 1: 3- 3: "تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح لأنه شملنا بفائق رحمته، فولدنا بقيامة يسوع من بين الأموات ولادة ثانية لرجاء حي (لا الموقف الداخلي، بل موضوع الرجاء) ولميراث لا يفسد (الميراث هو هنا الملكوت الذي وعد الله به المؤمنين) محفوظ لكم في السماوات".
نستطيع أن نرى في 1 بط اربعة تحريضات عامة تتبعها تحريضات خاصة تتوجّه إلى رؤساء الجماعة فتدعوهم لكي يرعوا رعية الله (5: 1- 4)، وإلى الشبان ليخضعوا للشيوخ (5: 5- 7) وإلى الجميع ليتيقظوا ويسهروا (5: 8- 11).
التحريض الأول يتوجّه إلى مسيحيّين جاؤوا من العالم الوثني. يدعوهم ليتخلّوا عن طريقة حياتهم في الماضي (13:1- 2: 10). التحريض الثاني يذكّر المسيحيين بواجباتهم ولا سيما على مستوى المحبة الأخوية (2: 11؛ 3: 12). التحريض الثالث يدعو المؤمنين ليثقوا بقدرة الله تجاه مقاومة العالم (3: 13- 4: 11). التحريض الرابع يحدّده الاضطهاد الذي صار قريباً (4: 12- 19).

3- الثقة بالله (3: 13- 22)
في من نضع رجاءنا حين تتكاثر الصعوبات؟ حين تأتي الاضطهادات؟ 
أولاً: يعرف الكاتب أن عدداً من قرّائه قد تألموا. كما يحسّ أن محناً أخرى قاسية تنتظرهم. فيهيّئهم ليواجهوا هذه الساعة الرهيبة بما أعطي من حكمة: إذا كان سلوكهم بلا عيب، فقد يعفو عنهم القضاة.
في آ 14، يذكر الرسول بتحفظ تطويبة مت 5: 10 (طوبى للمضطهدين من أجل البر)، ووضعاً مشابهاً في العهد القديم. إن أشعيا (8: 12- 13 لا تخافوا، لا تفزعوا) قد شجّع شعب أورشليم في الماضي ودعاه ليجعل ثقته في الرب وأن لا يحاف الملك الأشوري المهدّد. إن الإيمان هو حقاً أساس الرجاء في الحقبة الحالية الصعبة.
ويبدأ إعلان هذه البشارة بشهادة حياة مستقيمة: "حسن سيرتكم في المسيح". لسنا فقط أمام موقف يحترمه الذين في الخارج، بل أمام حياة المسيحي التي تتجذّر في علاقتنا بالمسيح. من يحمل مثل هذا الرجاء، لا يترك الأحداث تقوده وتفعل فيه دون أن يفعل شيئاً. مثل هذا الرجاء هو ينبوع تصرّف جديد في الحياة اليومية، يدل على الثبات والفرح في قلب المحن.
ونقرأ في آ 17 قولاً مأثوراً عرفه العالم الإخلاقي في ذاك الزمان: خير لكم أن تتألموا وأنتم تعملون الخير، من أن تتأتوا وأنتم تعملون الشّر. ويتخّذ هذا القول معناه العميق إذا ربطناه بنص 2: 20- 21: "إن عملتم الخير وصبرتم على العذاب، نلتم النعمة عند الله (أو: رضي الله عنكم. أو: كان سلوككم حسب نعمة الله). ولمثل هذا دعاكم الله، فالمسيح تألّم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه".
ثانياً: على أي دعائم نركّز مثل هذه الثقة وسط الاضطهاد؟ هنا يكشف بطرس التضامن الذي يوحّد المؤمن بالمسيِح: فالإيمان يشركه في سرّ موت الرب وقيامته. وتستعيد آ 18 و 22 نشيداً قديماً جداً وموازياً لما في 1 تم 16:3: "فالمسيح نفسه مات مرة واحدة من أجل الخطايا، مات وهو البار من أجل الأشرار ليقرّبنا إلى الله. مات في الجسد، ولكن الله أحياه في الروح... وصعد إلى السماء وهو الآن عن يمين الله تخضع له الملائكة والقوات وأصحاب السلطان".
وتستند آ 19- 21 إلى تقاليد قديمة، فتشدّد على الجديد الذي حملته قيامة يسوع إلى العالم. ما معنى "بشرّ الأرواح السجينة؟" نزل يسوع "إلى عالم الموتى" (أع 2: 31، روم 10: 7؛ أف 4: 8- 10) وبشّر الموتى هناك كما بشّر الأحياء على الأرض، وهكذا دلّ على أن الخلاص توجّه إلى جميع البشر، الذين جاؤوا قبل المسيح والذين جاؤوا بعده. من هي هذه الأرواح؟ إمّا معاصرو نوح الذين جعلهم التقليد اليهودي شرّ الخطأة، وإما الملائكة الذين سقطوا فاعتبروا سبب خطيئة البشر، كما يقول كتاب أخنوخ.
وهكذا يجمع الكاتب آلام المسيحيّين مع موت يسوع: البار تألمّ من أجل الخطأة على مثال عبد الله في أش 53: 12. إن لهذا الموت قيمة فريدة (عب 26:9- 28)، ولهذا فهو يخلّص البشر، وينقلهم من حالة الخطيئة إلى القداسة والنور (2: 9- 10): "دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب". 
إن موت يسوع في الجسد، في البدن، في الضعف البشري، وقيامة المسيح في روح الله يتيحان له أن يقرّب البشر جميعاً من الله.
عمل المسيح وذبيحته وانتصاره، هذا هو الأساس المتين الذي فيه تتجذّر الجماعة المسيحية ولا تزال تتعمّق في تجذّرها.

4- مسؤولية المعمّدين
يستطيع المؤمن أن يواجه العالم والاضطهادات بثقة واتكال على الله: إنه يشارك انتصار ربّه بالإيمان، بعماد الماء الذي يخلّص. هناك نتذكّر إعلانات الإيمان في 2: 22- 24: "ما ارتكب خطيئة ولا عرف فمه المكر. ما ردّ على الشيمة بمثلها. تألمّ وما هدّد أحداً، بل أسلم أمره للديّان العادل، وهو الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة حتى نموت عن الخطيئة فنحيا للحق، وهو الذي بجراحه شفيتم" (رج 3: 22، 4: 5: الله سيدين الأحياء والأموات).
إن هذه الرسالة تسند المسيحيّين الذين يمرّون في المحنة، فتذكّرهم بالتزامات عمادهم: كيف سيوجّهون حياتهم؟
وإن مدعوّي الله هؤلاء يشكّلون الشعب الجديد، المنتشر في العالم والحامل رسالة. يبرز بطرس بشدة مسؤولية شعب الله في العالم في الحياة الاجتماعية والسياسية والعائلية. سيتكلّم المفكّرون المسيحيون فيما بعد عن "كهنوت المؤمنين". هنا يحسن بنا أن نقرأ 2: 4- 10: لقد اختار الله شعباً يعلن في كل مكان أعماله ومعجزاته. وهكذا تصبح الحياة المسيحية كلّها ذبيحة روحية لله وعلامة للعالم.
تلك هي الأسئلة التي طرحها المؤمنون الأوّلون تجاه حياتهم اليومية: كيف يكونون مسيحيّين حتى عندما يكون الوضع صعباً؟ قدّم بطرس عناصر جواب استقاها ممّا ينشد هؤلاء المرتدون في احتفالاتهم، وممّا يعرفونه من التقليد الإنجيلي.

ب- رسالة بطرس الثانية
نحن في بداية القرن الثاني، وفي الاسكندرية (مصر). توخّى تلميذ من تلاميذ بطرس أن يذكّر المؤمنين بأهمية الحفاظ على الإيمان الذي تسلّمناه. وإذ أراد أن يعطي وزناً لتعليمه، استعمل فناً أدبياً هو "خطبة الوداع" أو "وصية" يكتبها الشخص قبل أن يموت. هذا ما أعطاه مناسبة لكي يؤون كلمات سمعها من بطرس، ويقرأها على ضوء الوضع الجديد.

1- معلّمون كذّابون
هذه الرسالة تحذّر الكنيسة وتحذّر كل مؤمن من تأثير الهراطقة: هم ينابيع جافّة. يرفضون تعليم الرب كما تعلنه الكنيسة. يظنون أنهم مُنحوا معرفة سامية. لهذا تراهم يعظون حياة متحرّرة حتى الفلتان فتصل بهم إلى الفجور. ويتوجّهون بدعاوتهم إلى المرتدين الجدد، فينجحون.
ينبّه الكاتب المؤمنين ويدعوهم لكي يبقوا متعلّقين بالتعليم الحقيقي. فمن انجرّ وراءهم صار شبيهاً بالخنزيرة التي ما أن اغتسلت حتى عادت إلى التمرّغ في الوحل (2: 22). "فالذين نجوا من مفاسد العالم، بعدما عرفوا ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، ثم عادوا إلى الوقوع في حبائلها وانقلبوا، صاروا أسوأ حالاً في النهاية منهم في البداءة" (2: 20).

2- مواضيع متفرّقة
أولاً: الكتاب المقدّس هو أساس ايمان متين، وهو يتّخذ قيمته من الإلهام. "إعلموا قبل كل شيء أن لا أحد يقدر أن يفسّر من عنده أية نبوءة في الكتب المقدسة، لأن ما من نبوءة على الإطلاق جاءت بإرادة إنسان، ولكن الروح القدس دفع بعض الناس إلى أن يتكلّموا بكلام من عند الله" (1: 20- 21). إذن، الأسفار المقدسة ملهمة، ويجب أن نفسرّها حسب التقليد الرسولي.
ثانياً: لا حاجة إلى البحث عن زمن عودة الرب. فاللّه يقدّم لكل واحد بصبر وحب، وقتاً ليتوب إليه ويعدّ أرضاً جديدة يملك عليها البرّ. "يوم الرب سيجيء مثلما يجيء السارق... يجب أن تسلكوا طريق القداسة والتقوى... إحسبوا صبر ربّنا فرصة لخلاصكم" (3: 10، 11، 15). 
ثالثاً: نجد في 2 بط كيف أن أسفار العهد الجديد بدأت تتجمع بانتظار أن تسمّى قانونية على غرار أسفار العهد القديم. يتحدّث "بطرس" عن رسائل بولس ويقابلها بسائر الكتب المقدسة. الجهّال يحرّفونها وينسون أنها كنز تحافظ عليه الكنيسة (15:3- 16).

 

 

الفصل الحادي والعشرون
رسالتا يعقوب ويهوذا

رسالتان نُسبتا إلى اثنين من أخوة الرب. يعقوب الذي يذكره سفر الأعمال (15: 13). ويهوذا الذي يذكره انجيل مرقس (6: 3) مع يعقوب وسمعان. تعلّمنا رسالة يعقوب كيف نجعل حياتنا توافق ايماننا. ورسالة يهوذا تنبّه الكنيسة الفتية إلى الأخطار التي تتربّص بها.

أ- رسالة يعقوب
كان يعقوب "أخو الرب"، كما يقول سفر الأعمال، شخصاً مهماً في الجماعة المسيحية التي من أصل يهودي والمقيمة في أورشليم. توفيّ سنة 62 وقد تكون حُفظت بعض أقواله. فجاء كاتب سنة 80 تقريباً، ملمّ بالتقاليد الإنجيلية (وخصوصاً متّى) وعارف أيضاً بتعليم بولس، فأعاد كتابة ما تسلّمه من يعقوب في رسالة تحمل اسمه: رسالة يعقوب.

1- سلسلة من التعليمات
الكاتب هو شخص مسؤول عن جماعة مسيحية. وهو بهذه الصفة يكتب. نحن أمام رسالة بل بالأحرى أمام نداء يحاول أن يُقنع المؤمنين: المواضيع نفسها تتكرّر.
لسنا أمام عرض موسّع، بل أمام سلسلة من التعليمات حول مواضيع متنوعّة: مواضيع لا رابط بينها ولا تعتمد إلاّ قليلاً على اعتبارات تعليمية.
إذا أردنا أن نقسم رسالة يعقوب، يستوقفنا تبدّل في الأسلوب في 2: 1: "وما دمتم، يا إخوتي، مؤمنين بربنا يسوع المسيح له المجد، فلا تحابوا أحداً". المحاباة أو تفضيل شخص على شخص لأنه غنيّ أو وجيه، تتعارض مع الإيمان بالرب يسوع. فالله لا يحابي في دينونته. وتبدّل آخر في 13:3: "من كان منكم حكيماً عليماً، فليبرهن عن حكمته ووداعته بحسن أدبه (أو: سلوكه)". هناك حكمة المعلّم الكاذب. هي أرضية، حيوانية، شيطانية، مرتبطة بعالم الخطيئة والكذب على الحق. وهناك حكمة الإنسان الكامل التي تأتي من عل، شأنها شأن كلمة الحق، وتحمل ثمار السلام.
والقسم المركزي الذي يقع بين هاتين الأيتين يتضمّن ثلاثة توسّعات: من حابى الأغنياء وفضّلهم على الفقراء بسبب مالهم، خالف الشريعة. الإيمان ميت بدون أعمال. إنتبهوا إلى لسانكم، أيّها المعلّمون.
أما ف 1 فيتضمّن سلسلة من التعليمات القصيرة حول الصبر والمحنة والتجربة، حول الديانة الحقّة. والقسم الثالث الذي يبدأها 3: 14، يتضمّن أيضاً تعليمات متفرقة. "من أين القتال والخصام بينكم؟ لا يتكلَّم بعضكم على بعض بالسوء. أيها الأغنياء، ابكوا ونوحوا على المصائب التي ستنزل بكم".

2- الأغنياء في هذه الجماعة
يهاجم كاتب الرسالة الأغنياء الذين يصرخ ترفهم إلى السماء طالباً العقاب.
الجماعة التي يتوّجه إليها "يعقوب" هي جماعة منتظمة، وقد تكون عائشة في مصر أو في أحد المراكز التجارية الكبرى في الشرق الأوسط. ويهاجم يعقوب الأغنياء بكلام قاسٍ ودقيق، وهذا ما يدلّ على ظروف اجتماعية تسيطر فيها اللامساواة داخل الجماعة نفسها. "الغني كزهر العشب يزول" (1: 10؛ رج 2: 13؛ 5: 1- 6).
يتعاطف الكاتب مع الضعفاء والمستغلين، مع صغار القوم الذين يعرفون شظف العيش. ولكنهم هم أيضاً قد يُسحرون بالغنى وينجرون إلى الفوضى التي تنتج عن هذا الغنى: الحسد، الافتراء، الغضب...
مقابل هذا، هناك أشخاص يلجأون إلى كل الوسائل ليربحوا المال. يستعبدون الآخرين، ويحتفظون بأجر العامل ليزيد غناهم غنى. يذبحون العجول المسّمنة من أجل ولائمهم، وكل هذا على عيون الفقراء الذين يسحقهم الأغنياء (5: 5).
هذه الانتقادات القاسية ضد الأغنياء، تصيب إلى حدّ كبير وجهاء من أصل يهودي. هؤلاء التجّار الذين لم يقطعوا بعد كل علاقة بعاداتهم القديمة، يلقوِن البلبلة لا الجماعة. لهذا يجعل يعقوب كلامه كصدى للكرازة في المجمع، فيذكرهم بتقليد العهد القديم: ايليا، الأنبياء الذين تعذّبوا فصبروا، أيوب ... (5: 10- 11، 17).

3- الإيمان والأعمال (2: 14- 26)
لا يقدّم الكاتب اعتبارات تعليميّة معقّدة. بل يوجّه نداء الإنجيل الحي إلى هؤلاء المؤمنين الذين تراحوا ونسوا تقواهم الأولى.
في آ 14، هناك سؤال يُطرح على المسيحيّين. بدأ يعقوب فأعلن طرحه بأسلوب قاطع: أي نفع لإيمان نظري يتوقّف عند الكلام ولا يصل إلى الأعمال؟ هل من نفع لتعليم عن الله دون أن يكون لهذا التعليم تأثير في حياتنا؟
وتقدّم آ 15- 16 فرضية، تقدّم واقعاً ملموساً نفهمه بسهولة، لأنه يصيب العلاقات بين الأغنياء والفقراء. فإعلان المترفين للفقراء، مهما كانت كلماته معسولة، لا يحمل اللباس الضروري ولا الطعام اليومي لهؤلاء البؤساء الأعضاء في الجماعة المسيحية. هذا يعني أن "الأعمال" تفرض علينا أقلّ ما تفرض بأن نتجاوب مع الحاجات المادية لهؤلاء الفقراء.
وتستخلص آ 17 النتيجة وتذكر الطرح الذي قدّمه الكاتب في البداية: لا فائدة من الإيمان دون أعمال لخير المؤمنين الروحي. إنه يبقى وحيداً منعزلاً، لا يُنتج الثمار المنتظرة التي هي الصلاة وحب الآخرين حباً محسوساً.
ويعترض معترض على هذا الطرح (آ 18): لقد التقى يعقوب بعدد من المعترضين في هذه الجماعة. وسيرد على المعترض مقدماً ثلاثة أمثال:
* مثل مقتضب في آ 19 عن الشياطين: يؤمنون ولكنهم يرتعدون.
* مثل ابراهيم في آ 20- 23: إذا أردنا أن نتقبّل صداقة الله، يجب أن نترجم إيماننا أعمالاً في الحياة. فالأعمال تكمّل الإيمان، وإلاّ بقي ناقصاً ولم يعطِ الثمار المرجوّة. هنا يهاجم يعقوب أولئك الذين فسّروا تفسيراً خاطئاً نظريات بولس حول التبرير بالإيمان وحده دون الأعمال (أعماله الشريعة مثل الختان). لقد تحدّثنا عن كل هذا حين قدمّنا الرسالة إلى رومة. نشير هنا إلى أن روم 4: 2 ويع 2: 21 يأخذان المثل الواحد، مثل ابراهيم:
- واحد يؤكّد على ضرورة الإيمان: فنحن لا نستطيع أن نستولي بالقوة على الحياة مع الله. هو يعطي ذاته ونحن نتقبّل العطية.
- وآخر يؤكّد على ضرورة الأعمال: إن تقبُّل الله يرافقه تبدّل في حياتنا. وإلاّ كان تقبّلنا سراب وخيال.
* مثل راحاب في آ 24- 25. حسب يش 2، أضافت جواسيس يشوع. تبرّرت بعملها فدخلت، وهي الغريبة، في شعب الله. تذكرها أيضاً عب 11: 31 من أجل ايمانها: نجت من الهلاك. نحن أمام تفسير رمزي. 
إن قراءة هذا النص تعطينا معلومات عن فكر مراسلي يعقوب. يقولون: نستطيع أن نعمل أي شيء، ونستطيع أن لا نعمل شيئاً، فالأمر سواء. عندنا الإيمان. والإيمان يكفي ويعفينا من الأعمال. موقف خاطئ يعارضه يعقوب بضرورة تتميم الكلمة (1: 22: "لا تكتفوا بسماع الكلمة من دون العمل بها فتخدعوا أنفسكم")، بعيش الإيمان. نعبرّ عن إيماننا بالأعمال، وإلاّ كان ايماننا عقيماً، ميتاً.

4- مراجعة حياة
نستطيع أن نسمّي رسالة يعقوب: مراجعة حياة لجماعة تقيم "في مصر"، ولنا نحن حيث نقيم. فليس هدف يعقوب أن يعلّمنا أشياء جديدة عن الإيمان. إنه يقدم لنا عرضاً أخلاقياً، شأنه شأن القديس بولس في القسم الثاني من روم مثلاً. وهو يريد أن يدفع المؤمن في حياته اليومية لكي يتصّرف تصرف الإيمان لا علاقاته الاجتماعية والإنسانية. وسيسير على خطاه عدد من الكتّاب في القرن الثاني.
وعمل يعقوب في إطار رسالي. فأخذ من أخلاقيات اليونان كما أخذ من الكتب اليهودية المعروفة ومنها كتب قمران. إنفتح يعقوب على كل هذه التقاليد، فأعاد قراءتها في خط العهد القديم الذي يعرفه معرفة تامة، وعلى ضوء الإيمان المسيحي الذي يعيش منه ويريد للمؤمنين أن يعيشوا منه.
هو لا يحيلنا مراراً إلى يسوع المسيح (رج 1: 1؛ 2: 1)، ولكنه يطلب من المسيحيين أن يعيشوا وسط أخوتهم متطلّبات الإنجيل في الصبر والعمل الرسولي. إنهم يؤلّفون شعب الله الجديد و"الأسباط الإثني عشر" في إسرائيل الجديد المشتّت الآن عبر العالم.
إذن، تشدّد هذه الرسالة على تصّرف المؤمن. ليكن الإنسان التام (الكامل، أي الذي يمارس بكمال شريعة الله) الذي يحاول أن يعكس في نفسه بساطة الله. يكفي أن "نعمل بشريعة الشرائع التي نصّ عليها الكتاب: أحب قريبك مثلما تحب نفسك" (8:2).

ب- رسالة يهوذا
إن قرابة يعقوب ويهوذا بيسوع (مر 3:6) جعلت الكنيسة الأولى تعتبرهما اعتباراً كبيراً. وكاتب هذه الرسالة المبنية بناء محكماً، يربط ما كتب بتعاليم يهوذا، أخي يعقوب (آ 1)0 أراد أن يؤوّن هذه التعاليم في جماعة من أصل يهودي، حوالي سنة 90.
1- يهاجم الكاتب بلهجة حادة المعلّمين الكذبة الذين يقاومون التعليم الذي تسلّمته الكنيسة. يعتبرون نفوسهم ملهمين، فيكثرون من النظريات حول الكائنات السماوية. يبدو لهم تعليم الرسل بعيداً جداً، لهذا ينسبون إلى المسيح دوراً ثانوياً: "ينكرون سيدنا وربّنا الوحيد يسوع المسيح" (آ 4). 
شوّهوا تعليم بولس حول الحرّية المسيحية. ثم ندبوا نفوسهم لأنهم يعيشون في عالم فاسد، فوصلت به الأمور إلى حياة من "الدعارة والشهوات الجسدية التي تخالف الطبيعة" (آ 7). مثل هذا المزيج يقودنا إلى بداية عصر من الغنوصية اللاأخلاقية التي ستسيطر على المجتمع.

2- فكرتان في هذه الرسالة
الأولى: يؤوّن يهوذا الكتاب المقدّس. يقرأه من أجل كنيسته في وضعها الحالي. بهذا يعود إلى التقاليد اليهودية التي تتضمنّها كتب لا تدخل في اللائحة القانونية، كتب جليانية مثل كتاب أخنوخ أو صعود موسى. 
الثانية: أمام كل هذه النظريات المنتشرة في الكنيسة، يعيد الكاتب كل شيء إلى الجوهر، "إلى معلّمنا الوحيد وربّنا يسوع المسيح". فيه نضع رجاءنا وأمانتنا. هنا نسمع كلام يهوذا: "أما أنتم، أيهّا الأحباء، فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس (أي أقدس من أي شيء، الكلي القداسة)، وصلّوا في الروح القدس. صونوا أنفسكم في محبّة الله منتظرين رحمة ربّنا يسوع المسيح من أجل الحياة الأبدية" (آ 20- 21).

 

الفصل الثاني والعشرون
رسائل القديس يوحنا

دوّن يوحنا ثلاث رسائل ووجّهها إلى جماعات تعيش أزمة حادة. فانتشار تعاليم لا تتوافق مع الوحي المسيحي، يهدّد نقاوة الايمان. هناك "وعّاظ " يسمّيهم يوحنا "انتيكرستوس" أي معارضين للمسيح، انبياء كذبة، أنبياء مضلّلين. ظنّوا أنهم عرفوا الله، رأوا الله، إتحدوا به واستناروا بنوره. ضلّوا حين رفضوا أن يروا في يسوع المسيح وابن الله. رذلوا التجسّد ففضلوا يسوع التاريخ على ابن الله وأنكروا ان يكون ابن الله جاء حقاً في الماء والدم، أي تعمّد ومات على الصليب (رج يو 19: 34).

أ- الرسالتان الثانية والثالثة
نحن أمام رسالتين حقيقيتين: المرسل، المرسَل إليه وموضوع الرسالة.

1- الرسالة الثانية
توجهت الرسالة الثانية إلى السيدة المختارة وإلى أولادها. نحن أمام كنيسة من كنائس آسية ترتبط بيوحنا. يتهدد الخطر إيمان المسيحيين في هذه الجماعة بسبب مضلّلين ينكرون سر التجسّد ("لا يعترفون بمجيء يسوع المسيح في الجسد"، آ 7) ولا يثبتون على تعليم المسيح (آ 9).
أراد يوحنا أن يحذّر المؤمنين من هذا التعليم (آ 8، 10، 11): لهم معرفة الحق، فليسيروا في الحق (آ 4)، وليحبّوا بعضهم بعضاً (آ 5). وليسيروا في الوصيّة التي جاءت من الآب فنقلتها الكنيسة منذ البدء (آ 4- 6): المحبة هي السير على طريق وصاياه.

2- الرسالة الثالثة
الرسالة الثالثة قريبة من الرسالة الثانية مع لهجة شخصيّة تميّزها. هي تتوجّه إلى غايس الذي يهنّئه الشيخ لأنه يسير في الحق (آ 3).
نحن في لهجة حربية بسبب أزمة انفجرت وسط المؤمنين. كان الشيخ قد بعث في الماضي رسالة إلى الجماعة (أو: الكنيسة المحليّة). ولكن ديويريفس، رئيس هذه الكنيسة، لم يقرّ بسلطة هذه الرسالة ولا بسلطة من أرسلها. فأجبر الشيخ على مخاطبة غايس، أحد المسيحيين الرئيسيين الذين ظلّوا أمناء ليوحنا.
ارسل يوحنا مرسلين إلى الوثنيين، ولكن ديوتريفس رفض أن يقبلهم، ومنع الآخرين من أن يقبلوهم، كما طرد من الكنيسة كل من يساعدهم.
إذن هدف هذه الرسالة هو تشجيع غايس على متابعة عمله في مساندة هؤلاء المرسلين الذين يحملون "اسم المسيح" إلى "غير المؤمنين" (آ 7).

ب- الرسالة الأولى
رسالة دوّنت لتجيب على حاجات محدّدة وفي وقت معيّن. إنها تتوجّه إلى جماعة تعيش أزمة، كما قلنا. هناك انقسام بين المؤمنين ("خرجوا من بيننا"، 19:2): بعض الانبياء يقدّمون تعليماً غير الذي عرفته الكنيسة الآن (4: 1). هم لا يعترفون ببشرية يسوع، "لا يعترفون بيسوع المسيح أنه جاء في الجسد" (3:4). إذن، تدور الازمة حول طريقة معرفتنا لله.

1- برنامج الرسالة
برنامج الرسالة هو: تحقيقّ الاتحاد بين التلاميذ والآب والابن، وبين التلاميذ بعضهم مع بعض. ما الذي يدلّ على أننا متحدّون بالله؟ نسير في النور، نحفظ الوصايا، نمارس البر ولا نخطأ، نعيش المحبة على مثال ابن الله..
نتوقف هنا عند خمسة مواضيع:

أولاً: التحرّر من الخطيئة
منذ البداية، انقطع الاتصال بين الله والبشر بسبب الخطيئة (تك 1- 4). يلّمح الكاتب الى سفر التكوين حين يورد خبر قايين (3: 12) ويعود إلى أصل الخطيئة (3:3). الخطيئة تقود إلى الموت (3: 14) كما في تك 3:3، وتجعلنا نخسر الحياة الأبدية. قدّم لنا الكاتب في 16:2 رسمة مبسطّة عن الخطيئة فبرزت في ثلاثة أشكال: شهوة العينين، ثقة في المال، تكبرّ في الحياة. الخطيئة هي عكس المحبة، هي إقامة في الظلام، لا في النور (9:2-11).
يقيم العالم "تحت سلطان الشرير" (9:5)، والبشر هم جميعهم خاطئون (8:3). لهذا نميّز نوعين من الخطايا: الخطيئة المرتبطة بالوضع البشري بما فيه من ضعف. والخطيئة التي تقود إلى الموت أكان ذاك الموت الثاني كما تقول رؤ 20: 6، 14، أو ذاك الذي يقود إلى الجحود وموت الايمان (5: 16). هذه الخطيئة تدل على عداوة للمسيح وعمله. إنها خطيئة الانتيكرستوس أو المسيح الدجّال (2: 18).

ثانياً: البداية الجديدة
إن مجيء الابن إلى العالم هو بداية جديدة، هو خلق جديد. إنه يدلّ على حب الآب (9:4) ويحقّق مواعيد العهد القديم (2: 25).
جاء يسوع إلى العالم ليخلّص العالم (4: 14)، ليدّمر أعمال ابليس (3: 8)، ليزيل الخطيئة (3: 5)، وليمنح البشر الحياة الأبدية (5: 11). وقد أظهر كل هذا حين بذل حياته على الصليب (7:1؛ 16:3): "ونحن عرفنا المحبّة حين ضحّى المسيح بنفسه لاجلنا".
بالمسيح أعيد الاتصّال بين الله والبشر. صرنا ابناء الله (3: 1). والحوار الذي انقطع عاد، فاستعدّ الله ليستجيب لنا "إذا طلبنا شيئاً موافقاً لمشيئته" (14:5). بالمسيح نستطيع أن نعرف الله إن أحبّ بعضنا بعضاً (12:4)

ثالثاً: مسحة الله
لقد أُعطينا الحياة الأبدية بواسطة الكلمة التي أعلنها الرسل. وهذه الكلمة تفعل في المؤمنين مثل مسحة نالوها من العلاء. بالمسحة يطبعنا الله بالزيت المقدس فيدلّ على أنه اختارنا. هذه المسحة تعلّمنا كل شيء (2: 27). وهي فينا بذار يمنعنا من أن نخطأ (9:3؛ مت 18:13- 23).
إن حفظ المؤمنون كلمة يسوع (2: 5؛ 3: 24)، أقام الله فيهم، وحدّهم به. لهذا السبب يشدّد الكاتب على التعلّق بيسوع. هذا التعلّق هو تعلّق الايمان (23:3) الذي يمرّ عبر سماع الكلمة (4: 6): "من يعرف الله يسمع لنا، ومن لا يكون من الله لا يسمع لنا".

رابعاً: أنبياء كذّابون
تتحدّث الرسالة عن الانبياء الكذّابين. نشروا في الجماعة المسيحية وفي العالم كلاماً مغايراً للانجيل (4: 1) فأضلّوا المؤمنين (2: 28). لم يعترفوا "بيسوع أنه جاء في الجسد" (2:4) فقطعوا المؤمنين عن ينبوع الحياة الذي هو يسوع المسيح. وفي نظر الكاتب، نحن أمام عودة إلى الخطيئة، أمام عمل المسيح الدجّال (3:4): "سمعتم أنه يجيء، وهو الآن في العالم". 

خامساً: محبة الاخوة
وإذ أراد الكاتب أن يجنّب المؤمنين السقوط في فخاخ الانبياء الكذبة، وأن يدعوهم ليحافظوا على حياة الله فيهم، دعاهم لكي يقرّوا بخطاياهم ويلتصقوا بالمسيح التصاق الايمان. ولكن عليهم أن يترجموا ايمانهم محبة لاخوتهم. "فالوصية التي سمعتموها منذ البدء، هي أن يحب بعضنا بعضاً" (3: 11). "فاذا كان الله، أيها الأحبّاء، أحبنا هذا الحب، فعلينا نحن أن نحب بعضنا بعضاً" (11:4).
يشدّد الكاتب بصورة خاصة على هذه المحبّة، لأنها تدلّ على معرفتنا لله. من لا يحب لا يعرف الله. وهذه المحبة تتيح لنا الاتحاد بالله. "فليحب بعضنا بعضاً، أيها الأحباء، لأنّ المحبة من الله، وكل محبّ مولود من الله ويعرف الله" (4: 7).
هذه المحبة تنقلنا من الموت إلى الحياة (3: 14: لأننا نحب اخوتنا)، وتجعلنا شبيهين بيسوع المسيح، وتعلّمنا أن نقوم بالرسالة التي قام بها يوم كان في العالم. "فنحن في هذا العالم مثلما المسيح في العالم" (17:4). في المسيح ظهر حب الله، وفي المؤمن يظهر هذا الحب. "من ثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله فيه" (16:4).

2- جماعات المؤمنين
في نهاية القرن الأوّل المسيحي، جابهت جماعات المؤمنين مسألة هامة: كيف نثبت على الامانة ليسوع المسيح؟ كيف نثبت في الايمان؟ هذه الجماعات لم تعرف يسوع شخصياً. والرباط الذي يربطها هو كلمة الرسل. 
ليس المؤمنون معزولين عن العالم، والاتجاهات الدينية في عصرهم تتغلغل فيهم كما تتغلغل في سائر الناس. وهي لا تحملهم إلى لقاء الله من خلال جسد يسوع، في حياة يسوع وفي حياتهم. فمن الصعب عليهم أن يروا يسوع إنساناً كسائر الناس. بل يفضلّون أن يعتبروه "لوغوس" أي الكلمة بالمعنى الفلسفي والديني في العالم القديم. لا أن ينظروا إليه كالكلمة الذي صار بشراً، صار جسداً (يو 1: 14).
أخيراً، أسهل على المؤمن أن يحب الله الذي لا يراه من أن يحب الاخ الذي يراه (4: 20). فالمسيحيون يفضلّون ان يتأملوا الله في النظريات المجرّدة، وهكذا يظنون أنهم يعرفونه. أما يوحنا فيرى انهم بهذا يخسرون الحياة الأبدية. ويذكّرهم أنهم يقدرون أن يعرفوا الله في الحياة اليومية، في محبّة الاخوة. وهذه المعرفة لا تكون صحيحة إلا بالنظر إلى ابنه يسوع المسيح. 
أجل، يعتبر يوحنا في رسالته هذه أن خلاص العالم يمرّ في حياة البشر.
هذه هي الدعوة للقاء الله في حياة البشر، لحمل تاريخهم على محمل الجدّ، لاكتشاف هذا التاريخ في مخطّط الله وفي العودة إلى يسوع المسيح. نحن هنا أمام تذكير بأن خبرتنا لله تتم في محبّة الاخوة.
ونحن هنا أيضاً أمام اكتشاف لما هي الكنيسة: إنها مدعوّة لأن تنقل حياة الله بممارسة المحبة وسط الاخوة، وهي مدعوّة لتكون مسكن الله بينهم.

3- معرفة الله الحقة (1: 1- 4)
تبدأ 1 يو فجأة بدون تحية وسلامات كما في كل رسالة. إن الشاهد يسمعنا منذ الكلمة الأولى فعل ايمان قريب من يو 1: 1- 18. إن كثافة هذه الكلمات تدلّ على أننا أمام شيء جوهري بالنسبة إليه وبالنسبة إلى كل الذين كانوا شهوداً منذ البدء. معهم يقول يوحنا "نحن" ويحدّثنا في صيغة المتكلّم الجمع.

* البدء، البداية
إختبر الشهود حدثاً طبع بطابعه حياتهم. وهذه الخبرة هي خبرة أساسية. منها تنبع سلطتهم فتسمح لهم بأن يتكلّموا. والتشديد على "لمسته أيدينا" يبرز الواقع الذي رأوه وسمعوه.

* كلمة الحياة
هي الكلمة التي تنقل الحياة. لقد قبلها الشهود وأعلنوها، بحيث إن الذين وصلت إليهم صاروا شركاء الشهود وشركاء الآب والابن.

* الحياة تجلّت، ظهرت
لسنا أمام حياة عادية. بل أمام الحياة الأبدية، الحياة التي لا تنتهي. هذه الحياة مُنحت لهم بالخبرة التي اختبروها. وإذ يحدّد الكاتب أن هذه الحياة كانت عند الآب، فهو يكشف لنا أننا أمام حياة الله بالذات. هذه الحياة هي موضوع البشارة الرسولية.

* ابنه يسوع المسيح
عن يسوع تكلمت آ 1- 2، وإن لم يُلفظ اسمه. هو الذي رأوه وسمعوه ولمسوه. وكل ما صنع وكل ما قال هو كلمة حياة. إنه الحياة الأبدية. إنه كلمة الحياة. وحين سمّى الكاتب يسوع "ابنه" شدّد على علاقة يسوع بالآب. ودلّ بلقب المسيح على الوظيفة التي يقوم بها وعلى بعد عمله: إنه ذلك الذي اختاره الله ليخلّص شعبه، ذلك الذي يتم وعد الله لشعبه. وهو في نظر الشهود ذلك الذي يعطي الحياة الأبدية.

* الشركة او الاتحاد.
نحن أمام معرفة حميمة ومقاسمة حياة. فالاتحاد بين التلاميذ يتعلّق باتحّادهم بالآب والابن. واتحاد القراء يرتبط باتحادهم بالشهادة الرسولية. ويتمنّى يوحنا ان تكون المشاركة تامّة. هذا هو هدف الرسالة. ولكن هذه المشاركة صعبة ولهذا يعود إليها يوحنا مراراً: "تكونون شركاءنا كما نحن شركاء الآب وابنه يسوع المسيح".

 

 

 

القِسم الثالِث
تدوينُ الإنجيل

انتهينا من دراسة الرسائل التي عرفها العهد الجديد، وسرنا سيرة وصلت بنا إلى سنة 70 التي كانت محطة هامة في حياة الشعب اليهودي (دمار أورشليم وهيكلها) كما في حياة الكنيسة الأولى. غاب جيل وبدأ جيل الآخر. هل ستظل الجماعات تستند إلى التقاليد الشفهية، أم هل ستدّون ما عرفته عن يسوع، عن حياته وأعماله وأقواله، عن موته وقيامته؟ هي ستفعل. ولكنها لن تكتب نسخة واحدة، بل أربع نسخات هي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. أربع نظرات إلى يسوع الواحد. فغناه لا تستنفده كتب العالم، فكيف بأربعة كتيبات.
سنضمّن هذا القسم الفصول التالية:
1- أحداث ما بعد سنة 70
2- صيغة الأناجيل
3- الأناجيل الازائية
4- انجيل مرقس: انجيل مسيحي رومة
5- انجيل مرقس: يسوع وانتظار البشر
6- انجيل مرقس: سر شخص يسوع
7- انجيل متى: كتاب بدايات يسوع المسيح
8- انجيل متى: اقترب ملكوت السماء
9- انجيل متى: بناء الكنيسة
10- انجيل متى: في أورشليم، الآلام والقيامة
11- لوقا ومؤلّفه في جزئين: الإنجيل والأعمال
12- انجيل لوقا: يسوع في الجليل
13- انجيل لوقا: الصعود إلى أورشليم والموت والقيامة
14- أعمال الرسل: ولادة الكنيسة في أورشليم
15- أعماله الرسل: انطلاق نحو الوثنيين
16- أعمال الرسل: بولس والإنجيل إلى رومة
17- انجيل يوحنا: من الآيات إلى الآلام والقيامة
18- انجيل يوحنا: جذوره وتطلّعاته
19- انجيل يوحنا: نداء التلاميذ الأولين
20- انجيل يوحنا: الأعمى منذ مولده 
21- انجيل يوحنا: صلاة يسوع الأخيرة 
22- انجيل يوحنا: الظهور للتلاميذ 
23- سفر الرؤيا
24- يسوع في كتابات يوحنا
25- العهد الجديد كتاب شعب الله

الفصل الثالث والعشرون
أحداث ما بعد سنة 70

أذّل نظام الاحتلال الروماني الكبرياء اليهودي. فتكاثرت الحوادث. وقادت مجموعات من المقاومة اليهودية البلاد إلى فوضى: أعمال تمرّد، محاولة مفاوضات باءت بالفشل، مصرع شخصيات يهودية، هجوم على مراكز الجيش الروماني.
ورغم خلافاتهم الداخلية، جابه اليهود الرومان بين سنة 66 وسنة 70 بمقاومة زادت عنفاً حتى وصلت بهم إلى الجوع. ولكن هذه المقاومة لم تنفع إلا في تأخير النهاية وهي: حرق الهيكل في نهاية آب سنة 70، واحتلال تيطس لاورشليم المدينة المحصّنة. إحتفظ تيطس لنفسه بسبعمئة يهودي ليسيروا في ركبه ساعة يدخل رومة في حزيران 71. والذين بقوا على قيد الحياة بيعوا كعبيد أو أرسلوا ليعملوا في المناجم. وظل قسم صغير من الناس يقاومون قرب البحر الميت. وانتهت المدافعة البطولية في قلعة مصعدة بانتحار جماعي للمهاجمين سنة 73. وهكذا دخل الشعب اليهودي في صمت طويل، وتشتّت في كل أصقاع الأرض.
إن سنة 70 تشكل منعطفاً هاماً في تاريخ العالم اليهودي كما في المسيحية ساعة ولادتها.

أ- سقوط المدينة المقدسة
1- انغلاق العالم اليهودي
كان سقوط اورشليم بيد الجيوش الرومانية مأساة هائلة. وسيأتي الامبراطور ادريان سنة 130، فيقرّر إعادة بناء المدينة. سيسميّها لا أورشليم، بل ايليا كابيتولينا. ويكون هيكل لزوش مكان هيكل الله الحي. وسيسمي البلاد فلسطين إذلالاً للشعب اليهودي. صارت البلاد مقاطعة مستقلة عن مقاطعة سورية ويحكمها والٍ. ألغيت وظيفة رئيس الكهنة والسنهدرين أو المحكمة العليا.
تأثر العالم اليهودي بهذه الكارثة، فانغلق على نفسه. دُمّر الهيكل فلم يعد من مكان للذبائح، ولم يعد من عمل للكهنة. فتركّزت الحياة الدينية حينذاك في المجامع، وانحصر العالم اليهودي في تيار واحد هو تيار الفريسيين، بعد أن زالت سائر التيارات. وصارت يمنية، قرب يافا، المركز العلمي والديني مع مدرسة الرابانيين والمجلس الأعلى.

2- أزمة في الكنيسة
شارك المسيحيون الأولون الشعب اليهودي تكريمه للمدينة المقدّسة والهيكل: فيسوع علم في أورشليم، وهناك أنهى حياته. وظلَّ لكنيسة اورشليم تأثير كبير على سائر الكنائس. وأحسّت المسيحية الفتية بالمأساة الفلسطينية، فاكتشفت فيها في وقت من الأوقات إحدى الكوارث المريعة التي تسبق مجيء الرب. وفي النهاية، رأت فيها مصيبة جرتها عليها ظروف سياسية، بل عقاباً يحلّ على إسرائيل ويعاقبه لأنه رفض أن يؤمن بيسوع المسيح، وعلامة تثبت صدق الايمان الجديد وتؤكده: أصمَّ إسرائيل اذنيه عن نداء يسوع. هذا ما قاله الإنجيل (مت 6:22- 7، 13- 14) وردّده اسطفانس (أع 7) وبولس في رسالته إلى اهل رومة (ف 9- 11).
في هذه الحقبة الجديدة، ستمرّ المسيحية في أزمة نموّ وانطلاق، وهي أزمة تكيّف لمجابهة الوضع الجديد.

ب- أزمة نمو في العالم المسيحي
1- العالم اليهودي والعالم المسيحي
تجابه العالم اليهودي والعالم المسيحي، ولكن ظل الواحد يتطلع إلى الآخر ويهتم به؛ حاول كل واحد أن يجلب اعضاء من الفريق الآخر، ويحافظ على مؤمنيه.
بعد سنة 70، صدر أمر من الامبراطور فسباسيان يفرض على اليهود أن يدفعوا لهيكل جوبيتر في رومة ضريبة الدرهمين التي كانوا يرسلونها إلى أورشليم. ولكنه عفا المسيحيين منها. وهكذا برز انفصال بين الديانتين، ولن يصبح هذا الانفصال واضحاً في نظرة السلطة الرومانية إلا في بداية القرن الثاني، على أيام الامبراطور تراجان.
أما المسيحيون الذين من أصل يهودي فوجدوا نفوسهم في موقف صعب. لقد حاول هذا الفرع الذي أفرخ في الكنيسة الأولى، وتكوّن من مؤمنين يعود معظمهم إلى فلسطين، حاول أن يجمع بين الايمان بيسوع المسيح وبين ممارسة دقيقة للشريعة اليهودية. رفضوا أن يقفوا بجانب الغيورين خلال أحداث سنة 66- 70، وهاجر قسم منهم إلى بلا، وهي مدينة تقع شرقي الاردن، ولكنهم ظلّوا متضامنين مع شعبهم ومع النظم اليهودية. تأثروا تأثراً مباشراً بالكوارث التي حدثت في فلسطين، كما رأوا الكنيسة تضمّ إلى صفوفها الوثنيين بشكل يكاد يكون حصرياً. هذا الوضع غير المُريح حوّل هؤِلاء المسيحيين اليهود الأصل الى شيعة ستنتطفئ شيئاً فشيئاً تاركة بعض الآثار في العالم الشرقي حول ما سيسمّى شيعة الناصريين أو النصارى. كان ذلك نسبة إلى الناصرة حيث عاش "اخوة" (أي: أقارب) يسوع وظلوا يسوسون هذه الكنيسة (يعقوب، يهوذا).
عرفت الكنيسة في بدايتها مركزين كبيرين: أورشليم وانطاكية. لم يحتفظ المركز الأول إلا بأهمية نظرية بعد سنة 70. أما انطاكية فستصبح المركز الحي في العالم اليوناني، وسيزداد عدد المسيحيين فيها بشكل كبير.

2- الشمولية
لقد ربحت الشمولية على الانغلاق: كل البشر مدعوون إلى الخلاص دون تمييز في العرق أو الارض أو الوضع الاجتماعي.
منذ سنة 30 عمل مرسلون لا نعرف اسماءهم في معظم مدن الامبراطورية وزرعوا الإنجيل هناك: في انطاكية وسورية. في رومة منذ سنة 49 على الاقل. في الاسكندرية مدينة الشتات الكبرى. وتابع مرسلون آخرون عمل بولس في آسية الصغرى: يتوجّه رؤ 2- 3 إلى كنائس مسيحية متجذرة تجذراً متيناً في مناطق مثل سميرنه، تياتيرة، سرديس... وتوسّعت مع الوقت ليتورجيا مسيحية. وفي الادب المسيحي الذي ظهر سنة 70، لن تعود مسألة الشمولية تُطرح على بساط البحث. لا، لن تنحصر الكنيسة في العالم اليهودي. فلو انحصرت لصارت شيعة مثل اختها لدى الناصريين. بل انفتحت على العالم كله كما يقول لوقا يوم العنصرة فيرسم لنا لوحة عن انتشار المسيحية في أيامه، في الشرق والغرب (أع 2: 9- 11).
وبموازاة هذا الانتشار الجغرافي، إمتدت المسيحية أيضاً إلى كل طبقات المجتمع. كانت قد انتثرت أولاً وسط العناصر الوضيعة من السكان: صيادون جليليون، ثم العبيد والمحررّون، ثم أصحاب الصناعة في حواضر البحر المتوسط. ولا ننسى العمّال ولا سيما في المرافئ الكبرى كما في كورنتوس. في ايام نيرون، وخصوصاً في أيام دوميسيان، تعاطفت الارستوقراطية في المدن مع المسيحية. وسيدخل في الدين الجديد عدد كبير من الطبقات الوسطى.

3- الاضطهادات
في هذه الحقبة غاب الجيل الأول المسيحي، جيل "الشهود العيان" (لو 1: 2). والكنيسة التي انغرست في بلدان بعيدة وكثيرة، لم تعد مرتبطة بالحدث يسوع، إلا بواسطة التقليد. لهذا سيفرض تدوين الاناجيل نفسه على الجماعات.
لماذا هذا الغياب؟ هناك سبب هام: الاضطهادات.
فمجموعات المسيحيين بدت للوهلة الأولي لليهود وللوثنيين وكأنها جسم غريب، فارتابوا بها وبنواياها. وحين توضّحت الأمور، كان الرأي العام اكثر قساوة لهذه المسيحية الآتية من زاوية مجهولة. فالعقل الروماني كان ينظر إلى الديانات الشرقية نظرة ملؤها الحذر والاحتقار. إتهموا المسيحية بأنها تنكر وجود الله او بالأحرى وجود الالهة ولا تتعبّد لهم. واتهموها بأنها تبغض الإنسان... وافتروا عليها قدر ما شاؤوا.
لم تكن شريعة عامة في الامبراطورية تحرّم المسيحية. ولكن أعمالاً محليّة اضطهدت هذه الديانة التي لا تعترف بها الدولة، واعتبرتها مخلّة بالامن والنظام العام. فأقلّ حدث يجعل "الشرطة" يلاحق المسيحيين، وكذلك الوشاية مهما كانت غامضة أو غير أكيدة. وهكذا عاش المسيحيون في مناخ لم يعرف الأمان والطمأنينة.
أول اضطهاد عرفته المسيحية هو اضطهاد نيرون سنة 64 ضد كنيسة رومة. مات في ذلك الوقت بطرس وبولس. والاضطهاد الثاني الذي عمّ البلاد قد أشعله دوميسيان: ففي فترة قصيرة من الزمن (سنة 95) أعدم أو أرسل إلى المنفى بعض اعضاء الارستوقراطية الرومانية الذين اتهمهم بأنهم ملحدون، بأنهم مسيحيون. ونجد صدى عن هذا الاضطهاد في سفر الرؤيا.

ج- الكنيسة والاوضاع الجديدة
نمت الكنيسة ونمت. فعليها أن تنظّم ذاتها. وهي مجبرة على أن تتكيّف والأوضاع الجديدة التي تواجهها.

1- علاقة الكنيسة بالعالم
تجذّرت الكنيسة في المحيط اليوناني والروماني، فوجب عليها أن تتخّذ موقفاً من هذا المحيط، لا سيما وأن معظم المرتدين يأتونها الآن من العالم الوثني.
* إن لم تكن أحداث سنة 64 قد أدّت إلى اتخاذ اجراءات عامة ضد المسيحيين في المناطق، إلا أنها أثرت على بعض التيارت في الكنيسة: بدا العالم الوثني اولاً وكأنه يتقبل الكنيسة بفرح. ولكنه ما عتّم أن أظهر العداوة لها في اضطهاد سنة 64 وفي تدمير أورشليم سنة 70. وإن يو 16: 1- 4 يتحدّث عن الاضطهاد وكأنه النتيجة المنطقية لقلّة الايمان التي رفضت يسوع: سيطردونكم من المجامع.
والانتظار الاسكاتولوجي، انتظار نهاية الازمنة، نهاية العالم، كان قد خبا بعض الشيء في السنوات السابقة، فولد الآن من جديد. فاتخذّت بعض الكنائس موقفاً سلبياً من هذا العالم الذي انغلق على نفسه، فسادت عليه قوى الشر. والبرهان على ذلك، لعنات سفر الرؤيا على الوحش والزانية الكبرى اللذين يمثلان الامبراطورية الرومانية وحضارتها (رؤ 13: 17). فحسب سفر الرؤيا، لا ينتظر المسيحيون المضطهدون خلاصهم إلا من الله. هم يعيشون "على الارض كغرباء ومسافرين" (1 بط 2: 11؛ عب 13:11- 14). وقد ارتبط هذا اليقين مراراً بانتظار قريب لمجيء المسيح.
* في محيطات اخرى، رفض المسيحيون أن يعيشوا على هامش المجتمع، وحاولوا أن ينظمّوا حياتهم بوسائلهم (1 تم 2: 1- 4؛ صلاة من أجل الملوك واصحاب السلطة). فهذه التيارات تعتبر المجتمع الوثني في الامبراطورية الرومانية جزءاً لا يتجزأ من العالم الحاضر الذي طُلب (الله طلب) من الكنيسة أن تنمو فيه. وطرح السؤال عليهم كما طرح على يهود الشتات من قبلهم: هل نستطيع أن نُدخل في المسيحية بعض عناصر التراث الثقافي والروحي المنتشر في العالم الروماني واليوناني؟
وولاء المسيحيين للسلطة السياسية أتاح لهم أن يعيشوا حياة هادئة ومطمئنة: "لتكن سيرتكم بين الأمم سيرة حسنة" (1 بط 2: 12). واراد اكلمنضوس، اسقف رومة في نهاية القرن الاول، أن يجنّب الكنيسة موقفاً معادياً تجاه الامبراطورية، فتجرَّأ وسمى اضطهاد دوميسيان كأنه حدث عابر لم يكن له تأثير فيما بعد. وهذا التيار سوف يسيطر في القرن الثاني.

2- الحياة الاخلاقية
أن يكون الواحد مسيحياً، هذا يتضمن طريقة عيش وأخلاقية جديدة، ترتبط بالارتداد والعماد. وعلى مرّ السنين، إحتاج المسيحيون إلى النداء تلو النداء ليبقوا أمناء للايمان، ليثبتوا رغم الصعوبات. ولكننا لن نجد المواضيع البولسية الكبرى بما فيها من دينامية. فكتابات نهاية القرن الأول المسيحي تميل إلى تعليم أدبي لا يتعدّى مستوى الاخلاق. هذا ما رأيناه في رسائل يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية. وهذا ما نجده في انجيل متى مع خطبة الجبل بصورة خاصة.

3- الحياة في الكنيسة
جاء المسيحيون من أوساط مختلفة، فلم يعبرّوا عن ايمانهم بالمسيح بطريقة واحدة، وتحدّدت شيئاً فشيئاً علاقات بين الوحدة والتنوّع في جماعات الكنيسة القديمة.
قدّمت لنا الرسائل الرعائية بعض الجديد على مستوى الخدم في الكنيسة. والمسؤولون عن الخدمة مكلّفون بأن ينقلوا إلى خلفائهم "عطية الله" (2 تم 1: 6). وهكذا برز نظام تراتبي سيلعب دوره في الأزمات. 
وجاءت تفاسير خاطئة للتعليم المسيحي، فهدّدت حياة الجماعات وعرّضت الايمان للخطر: إما رفضت تعاليم محدّدة بوضوح، وإما شوّهت المضمون الأصلي للايمان المسيحي. وتعلّقت الشيع العديدة بمعرفة (غنوصية) تخلّص الإنسان وتبلغ به إلى الوحي المحفوظ للنخبة. وكانت ردّات فعل ضد هذه الأزمات. وبدا من الضروري والملّح مواجهة هذه الأخطار، أن تحدَّد الأسس التي ينطلق منها المعتقد المسيحي ليبني نفسه. 
من جهة، ظلّت الكنيسة تعتبر البيبليا كتاباً ملهماً. وسمتّها العهد القديم، ومن جهة ثانية، اعتبرت أن الشهادة الرسولية هي القاعدة التي نعود إليها لنصل إلى الأساس، إلى شخص يسوع وعمله. وإذ أرادت أن تثبت اللائحة الرسمية (= القانون= الاسفار القانونية) لأسفار العهد الجديد، إحتارت شيئاً فشيئاَ بين كتب تتناقلها الكنائس، تلك التي تعتبرها صحيحة وتتخّذ سلطتها من الرسل.

 

الفصل الرابع والعشرون
صياغة الأناجيل

ليست الأناجيل أولى كتابات العهد الجديد في الزمن، وليست أولى الشهادات عن يسوع. فرسائل القديس بولس قد كتبت قبل أوّل أناجيلنا. ولكن كيف وُلدت الأناجيل؟ على مدى سبعين سنة وفي مناطق جد مختلفة، نضجت في قلوب المسيحيين والجماعات قبل أن تدوّن. وهكذا مرّت في ثلاث مراحل. في المرحلتين الأوليين لعب التقليد الشفهي الدور الأكبر، وفي المرحلة الثالثة سيطر التقليد الخطي: دوّن ما سمي الأناجيل الأربعة: متى، مرقس، لوقا، يوحنا.

أ- المرحلة الأولى
في السنوات 27- 30، تكلّم يسوع وعاش في فلسطين.
إجتمعت حوله جماعة صغيرة، جماعة التلاميذ. ما الذي حدث في هذه الجماعة؟ هنا نعود إلى القسم الاول: يسوع في محيطه الحياتي، حياته مع المرذولين، موقفه الذي قاده إلى الموت، قيامته وظهوراته للتلاميذ. ثم نكتشف أصول ما سيصير إليه التقليد الإنجيلي، نكتشف يسوع رجلاً من عصره. وما سيكون في أصل الايمان المسيحي بحصر المعنى، هو خبرة القيامة كما عاشها الرسل.

ب- المرحلة الثانية
بعد السنة 30. عاشت الجماعات الأولى، تذكّرت، تأملت، صلّت.
أعلن الرسل غداة موت وقيامة يسوع المسيح أمام هذا الشعب الذي حكم على يسوع بالموت، أعلنوا في أورشليم على ما هم شهود له: "أسلمتم هذا الرجل وصلبتموه وقتلتموه. ولكن يسوع هذا قد أقامه الله وجعله رباً ومسيحا". لقد أعلنوا الرب في شخص يسوع، في شخص المسيح.
هذه هي الحقيقة التي يحيا منها التلاميذ الذين رافقوا يسوع خلال نشاطه على الأرض. وسنرى اهمية هذه المرحلة الثانية وما تمثلّه اذا عدنا إلى الفصلين السابع والثامن وما يقدّمانه عن اعلان القيامة.

1- جماعات المؤمنين
إن إعلان يسوع المسيح الحي قاد المؤمنين لتكوين جماعات، لبناء الكنيسة: في أورشليم، في السامرة، في انطاكية، في تسالونيكي...
* بدت مجموعة تلاميذ يسوع في البداية شبيهة بشيعة من الشيع على مثال شيعة الناصريين. ولكن، لماذا يعيشون المشاركة الأخوية؟ إنهم يعيدوننا إلى الطريقة التي بها نظّم يسوع حياته مع تلاميذه، يعودون إلى كلمات يسوع. أما الاجمالات في أع 2: 44- 45؛ 4: 34- 35 فتعمّم فعلات ظلت ي الواقع أمراً شواذاً لا واقعاً يومياً.
* وظل الرسل يؤمّون الهيكل بعض الوقت. ولكن التعلّق بيسوع المسيح يعطي معنى جديداً لارتباطهم بالله. نجد مثلاً في 23:4- 31 رسمة احتفال بالصلاة: المسيحي يعيش في الفرح، ويرفع إلى الرب آيات الشكر لخلاص مجاني ناله بدم المسيح.
وبرزت باكراً أفعال ايمان (1 كور 15: 3- 5) وقد تكون كُتبت لتعلن في الاحتفالات الليتورجية. فالمسيحيون يحتفلون بحضور القائم من الموت في عبادة جديدة. كان الكورنثيون يجتمعون حوالي سنة 55 من أجل "كسر الخبز"، فيخبرون بموت الرب إلى أن يجيء (1 كور 11: 26). وهكذا أخذت فعلة يسوع ليلة العشاء السرّي كل معناها، وكذلك كل مرة أكل يسوع مع تلاميذه.

2- نشاط رسولي متنوّع
الفعل يسند الكلمة والعكس بالعكس. وأهم خطبات أعمال الرسل هي أجوبة على اسئلة أثارها عند السامعين طريقة حياة جديدة تعيشها هذه الجماعات.
اولاً: لا شكّ في أن لوقا بنى هذه الخطب بطريقته الخاصة. ولكن يبقى أنها صدى أميناً للإعلانات الأولى، لكرازة بطرس (أع 2: 14- 41؛ 3: 11- 26؛ 4: 8- 12؛ 5: 29- 32؛ 10: 34- 43) أو بولس (13: 13- 41). إذا أردنا أن ندرك النقاط الرئيسية في هذه الكرازة نتخذ مثلين.
* المثل الأول: خطبة بطرس بعد شفاء كسيح الباب الجميل (أع 3: 11 - 26). توجّه فيها بطرس إلى اليهود في أورشليم، ساعة الصلاة في الهيكل. إنطلق من واقع هو شفاء كسيح (آ12)، وربطه بالقدوس والبار، بأمير الحياة أي بالمسيح القائم من الموت، الذي يشهد له مع سائر الرسل. ويستند مجمل هذا الاعلان إلى الكتاب المقدّس ولا سيّما إلى ما قاله اشعيا (13:52- 12:53) عن عبد الله المتألم (آ 13). وآية الشفاء هذه طلبت من سامعي بطرس أن يتخذّوا موقفاً: يتخلّون عن جهلهم الحالي ويعودون إلى الله فيؤمنون بالمسيح القائم من الموت ويخلصون... وهكذا تنمو الكنيسة، شعب الله الجديد (آ 25).
ما هي العناصر الأساسية في هذه الكرازة الاولانية؟
- أعلن الرسول بشكل احتفالي حقيقة يسوع المسيح الذي مات وقام. إنه شاهد على ذلك.
- جرت هذه الحقيقة حسب الكتب: ففي يسوع تمّت مواعيد الله في القديم. فالأسفار المقدسة تستنير بيسوع المسيح، وفي الوقت عينه تلقي الضوء على سرّه الشخصي (ألقابه).
- وينطلق الرسول من هذه العناصر ليحضّ السامعين على الايمان، على العودة إلى الله في حياتهم اليومية، على قبول العماد "باسم يسوع".
* المثل الثاني: خطبة بولس في انطاكية بسيدية (تركيا الحالية) (أع 13:13- 43). كان انقلاب كامل في حياة بولس على طريق دمشق، جعله يعلن الابن، المسيح المائت والقائم الذي يمنح البشر غفران خطاياهم (آ 26- 37). وألقى بولس نور المزامير (مز 2؛ 16) على آ 33- 37، وشهادة يوحنا المعمدان (آ24- 25). وفي النهاية دعا السامعين إلى الايمان والتوبة (آ 38- 41). هكذا ينمو شعب اله الجديد الذي يعيش من القائم من الموت وينتعش بروحه.
نجد هنا العناصر الأساسية عينها. ولكن بما أن يهود انطاكية لم يسمعوا أحداً يكلّمهم عن يسوع من قبل، توسّع بولس في الحديث عن نشاط يسوع من الجليل حتى أورشليم.
ثانياً: لا تستطيع الكنيسة الفتيهّ أن تجتذب مؤمنين من فلسطين فقط، كما لا تستطيع أن تعيش منغلقة على ذاتها. فوجب عليها أن تنفتح على العالم كلّه، حتى عاصمته في ذلك الوقت، رومة. في زمن أول، توجّه المرسلون إلى الجماعات اليهودية العائشة في الشتات (كانت موزّعة في المدن). وفي زمن ثان، ولا سيّما مع بولس، توجّهوا بصورة مباشرة إلى الوثنيين، وذلك رغم الصراعات التي نتجت عن هذا الوضع في الكنائس. 
وبرزت جماعات مسيحية في أمكنة عديدة من حوض البحر المتوسط. ظلّ الرسل متصلّين بها، وقد أرسلوا إليها رسائل. هذا ما فعل بولس الذي توزعت رسائله على 15 سنة فأعطتنا معلومات ثمينة عن ظروف حياة هذه الجماعات.
ثالثاً: هذه المعطيات، صعوبات الجماعات، أسئلة المرتدين، كل هذا فرض على الرسل والمسيحيين أن يعمّقوا معرفتهم ليسوع المسيح. مثلاً، وصلت الرسالة إلى كولسي إلى وحي عن المسيح "بكر كل خليقة" فدلّت على البعد المسكوني لحضور الرب واتساع عمله الخلاصي.
وحين نتعرّف إلى الجماعات، ندرك كيف أن هذا التعمّق شدّد ايمان المعمّدين الجدد وكشف لهم المجالات التي فيها يبدّلون حياتهم.

3- انجيل قبل الاناجيل.
انجيل شفهي وصل إلى الناس قبل الاناجيل التي ستدوّن بعد سنة 70.
سلّم بولس إلى المؤمنين ما تسلّمه. وظل يذكر الاعلان الشفهي الاول حول موت يسوع وقيامته (1 كور 15: 1- 11): هذه هي البشرى السعيدة (= الإنجيل) التي بدّلت حياته، بدّلت حياة الرسل وحياة الكورنثيين.
اولاً: ذكرت رسائل القديس بولس الموضوع الأساسي في الإنجيل. ولكنها وضحّت في نقاط خاصة سر يسوع المسيح. لماذا؟
* تعكس هذه النقاط الخاصة حاجات الجماعات الأولى، كما تنوّعت حسب الظروف. فكيف نستنبط في عالم القرن الاول المسيحي المعقّد، اسلوب حياة جديد ينعشه روح القائم من الموت، فيترجم ما في الحياة المسيحية من جديد؟ أي موقف نتخذ من الغنى؟ كيف تكون علاقاتنا مع الخطأة أو الوثنيين؟ ماذا نقول عن نهاية العالم؟ كيف يتميّز هذا الايمان الجديد عن العبادات السرّانية المعاصرة؟ هل يكون المؤمن مواطناً صالحاً دون أن يعبد الامبراطور؟ كيف نمارس وظائف في المدينة دون أن نشارك في شعائر العبادة الرسمية؟ ومجمل الكلام، كيف نستخرج في الحياة اليومية نتائج الارتداد الذي تمّ في حياة المؤمن؟
* يرى المسيحيون أن ما قاله يسوع وعمله يبقى أفضل تعليم في حياتهم اليومية. وتكرّرت الاسئلة في ظروف جديدة، فتقبلّت أقواله يسوع وأعماله رنّة جديدة وتفسيرات مختلفة:
- عرفت المجموعة المسيحية الهجومات العنيفة أو الاضطهادات، فتذكّرت مجادلات يسوع مع خصومه. مثلاً، خبر شفاء المولود أعمى، يو 13:9- 34.
- تنوّعت نسخات خبر العشاء السري، من جهة في مت 26:26- 29؛ مر 22:14- 25، ومن جهة ثانية في لو 14:22- 20، 1 كور 23:11- 25، فاستعادت تعابير مختلفة ثبتّها الاستعمال الليتورجي في هذه الجماعات.
- تحدث مت 10: 10، عن أناس من فلسطين يعتبرون الحذاء ترفاً فقال: "لا تأخذوا حذاء". وتكيّفت كلمات يسوع لأناس يعيشون في خارج فلسطين لم يعتادوا أن يمشوا حفاة. قال لهم مر 9:6 "إنتعلوا حذاء" دون ان يتنكّر لوصية الفقر التي يعلنها يسوع. وجوهر الحديث هو أن يكون المرسل مستعداً للانطلاق في كل ساعة حسب خر 12: 11.
في هذه الحالة، ما أراد متى ومرقس أن يوردا كلام يسوع إلى الرسل على حرفيّته، بل أن يشددا على متطلبة الفقر المفروضة على كل المرسلين. غير أن هذه المتطلبة ترتدي أشكالاً تتنوع بتنوع البلدان.
* وهكذا، خلال أربعين سنة، تكوّنت تقاليد شفهيّة متعدّدة. وبرزت وحدات صغيرة حسب السامعين وحاجاتهم: أقوال، أخبار، ذكريات عن يسوع. وضعت في أشكال مختلفة فألقت ضوءاً على اسئلة المسيحيين الحالية.
وإذ قام المسيحيون بهذا العمل، أعادوا قراءة كل حياة (أعمال، أقوال، شخصية) يسوع على ضوء الفصح. فبالقيامة أكّد الله طريق يسوع على الأرض. واكتشفت الكنيسة المعنى العميق لأعمال يسوع وأقواله بقيادة الروح الذي ذكّرها بكل ما قاله يسوع (يو 14: 26) وأوصلها إلى الحقيقة كلّها (يو 13:16).
ثانياً: وحين نعرف الرسمة المشتركة التي تؤسّس الكرازة الرسولية، نفهم الاختلافات بين النصوص الإنجيلية بتنوّع الظروف والسامعين.
ماذا كان باستطاعة المرسلين أن يفعلوا أمام هذا التنوّع؟ كانوا متيقّنين أن قيامة يسوع التي دشّنت الازمنة المسيحانية، مهمة جداً لكل الذين تتوجّه إليهم. إذن، عليهم أن يختاروا الطريقة الفضلى لعرض ما يجب أن ينقلوه. لهذا لم يعلنوا القيامة لليهود كما أعلنوها لليونانيين. كما وجّهوا نداءهم إلى التوبة بصورة مختلفة. فعادوا إلى العهد القديم أو لم يعودوا. حين تحدّث بولس في مجمع انطاكية بسيدية، ذكر تاريخ إسرائيل الذي يعرفه سامعوه (أع 13: 16- 23). ولكنه حين تحدّث إلى أهل اثينة ذكر شعراء اليونان (أع 17: 22 ي).
ولامست المسيحية الأولى بعض الافكار والمواقف والعقليات التي عرفها المرتدون أكانوا سامريين أم معمدانيين أم اسيانيين. وفي الوقت عينه، عرف المسيحيون أن يبتعدوا عن بعض الأفكار التي سيطرت في عصرهم. فالكلام عن المسيح سيصاغ بشكل مبتكر، ولكنه سينطلق من مواد عرفها العصر الأوّل المسيحي.

ج- المرحلة الثالثة
هي مرحلة تدوين الاناجيل. في السنوات 70- 100.
سنحاول بشكل موجز أن نعيد بناء "التاريخ السابق" لأناجيلنا الحالية: ما هي الظروف التي دفعت المسيحيين الأولين ليقوموا بهذه الصياغة؟ إن تاريخ اربعين سنة (المرحلة الثانية) جعلت التقاليد الشفهيّة تدوّن في اربعة كتيبات هي متى ومرقس ولوقا يوحنا.

1- تدوين الاناجيل
* برزت باكراً الحاجة لتدوين مجموعات جزئية ومستقلّة بعضها عن بعض، لهذه الجماعة أو تلك. منها ما تعلّق بالموت والقيامة أو بأحداث متعلّقة بيسوع (المعجزات)، أو بأقوال المعلّم (الأمثال، الجدالات). وأتاحت هذه المجموعات استعمال النصوص بطريقة أسهل في الكرازة أو في التعمّق في الايمان.
* هل نستطيع أن نفترض مجموعات أوسع؟ معظم المواد المشتركة بين متى ولوقا والغائبة عن مرقس، قد تدل على ينبوع خاص (= المعين). وقد تلّمح "وثيقة" إلى نص أو خبر من العهد القديم، فتبدو مكتوبة قبل سنة 50 في لغة بسيطة لأوساط مسيحية من أصل يهودي. ويمكن أن تكون دوّنت قبل سنة 60 تفسيرات أحد النصوص لمسيحيين من أصل وثني. وقد يكون نص ثالث صدى لتقاليد مختلفة ظهرت في وقت مبكر... غير أن هذه المجموعات المكتوبة لم توقف اعلان الإنجيل بصورة شفهية. فقد ظل التقليد الشفهي يغني التقليد الخطي حتى التدوين النهائي. وهذا ما نراه واضحاً في انجيل يوحنا أو في خاتمة انجيل مرقس (9:16- 20: كانت النسخة الأولى تنتهي في 8:16).

2- لماذا دوّنت الاناجيل
ومرّت السنون... وتمنى المرتدّون طبعاً أن يعرفوا معرفة أفضل الطريق الذي عاشه على الأرض يسوع الذي قام من بين الاموات والذي يؤمنون به الآن: أن يتذكّروا ويفسّروا ما عمله يسوع وقاله، يلقي النور في طريقهم.
ووصلت المسيحية الفتية، التي انفصلت شيئاً فشيئاً عن اليهودية خصوصاً حوالي سنة 70، وصلت إلى بلدان عديدة في حوض البحر المتوسّط، كما لامست مختلف أوساط العالم في ذلك الزمان. أجل، ان المسيحية ابتعدت جداً عن مكان ولادتها. كيف تصبح فلسطين قريبة من هؤلاء المسيحيين الجدد؟ حين يدوّن الإنجيل.
وغاب الشهود الاولون. يعقوب قُطع رأسه في فلسطين. بطرس صُلب في رومة... وآخرون غابوا لألف سبب وسبب. ما العمل لكي لا نخسر شيئاً مما عاشه ونقله هؤلاء الشهود؟ لهذه الاسباب وغيرها رأت الاناجيل النور بين سنة 70 وسنة 100.

3- هدف الاناجيل
كان هدف الاناجيل: تنمية الايمان وتغذيته
هناك صعوبات تقنية: ورق البردي غالي الثمن. كيف نمسك القصبة؟ والحبر لا يدوم طويلاً. لهذا أجبر الإنجيليون على تدوين وثائق قصيرة ومحدّدة. وهذا ما يدعونا إلى مقابلة المقاطع المتشابهة في الاناجيل.
* قد نعجب من اختلافات واضحة، بل بعض "تناقضات" حرفية بين الأخبار. فالكلمات ليست هي هي، أو هي لا تتوالى في الترتيب عينه. مثلاً، جعل لوقا (6: 11- 16) دعوة الاثني عشر قبل الخطبة الأولى (لو 20:6- 49). وجعلها متى (10: 1- 4) بعد خطبة الجبل (مت 5- 7).
وهكذا نجد أنه يستحيل علينا أن نكتب سيرة مفصلّة ليسوع بأن نتبع تسلسل الاناجيل، أو بأن نمزجها بعضها ببعض. وهذا نفهم أن هذه الكتب لم تهتمّ أول ما تهتم بالناحية التاريخية. هي إنطلقت من الناحية التاريخية، من حياة يسوع وأعماله وأقواله، لتقدّم لنا شهادة عن يسوع.
* لا تكتفي الاناجيل بأن تقدّم لنا الوقائع بصورة بسيطة. فهدف الإنجيليين ليس حصراً بأن يقدّموا "سيرة يسوع" مع الدقة المادية في خطبه وتصّرفاته. هدفهم تنمية وتغذية ايمان المسيحيين انطلاقاً مما قاله يسوع وعمله. واخذ الكتّاب بعين الاعتبار تأثير أعمال يسوع وأقواله على حياة الجماعات التي يتوجّهون إليها. لهذا قاموا بعملية اختبار ولم يكتبوا كل شيء (يو 30:20؛ 25:21).
أعلن الإنجيليون الحدث يسوع المسيح. ولكنهم ظلّوا، شأنهم شأن الرسل، يدعون القارئين إلى الايمان والى حياة مسيحية حقّة. والتأمت الجماعة فضمت وشاركت وتعمّقت ودوّنت ما تعيشه وتعرفه عن المسيح. في هذا المعنى نقول: الكنيسة كوّنت الاناجيل.
* كان كل انجيلي شاهداً لسامعيه، وقد نال نداء خاصاً به. هنا تبرز شخصية كل كاتب وأسلوبه وطريقة التعبير عنده. فهؤلاء الكتّاب يوردون مضمون التقاليد السابقة كما وصل إليهم حرفياً ولا يجعلون القطعة لِجانب الاخرى بدون نظام أو ترتيب. إنهم يعودون إلى مراجعهم وينظّمون مجموعات يشدّدون فيها على أمور ويفضلونها على أخرى.
هذا الاسلوب نكتشفه حين ندرس كل انجيل على حدة. ونأخذ مثلاً يوحنا مع ما فيه من ابتكار: عاد إلى مراجع متنوّعة وقديمة. ولكنه ظلّ حراً في استعمال هذه المراجع، فلجأ إلى التوسّعات الطويلة ليبرز المعنى العميق لأعماله يسوع وأقواله.
* رغم الاختلافات البارزة التي توضحها كل مقابلة بين الاناجيل الثلاثة الأولى (نسميّها الاناجيل الازائية، لاننا نضع نص متى ازاء نص مرقس أو لوقا فنجد التشابهات والاختلافات)، يورد كل من متى ومرقس ولوقا أقوالاً وأحداثاً متعلّقة بيسوع في الفاظ متقاربة وفي تصميم متشابه. مثل هذه التشابهات تطرح سؤالاً: هل ترتبط الأناجيل بعضها ببعض؟
لن نقدّم هنا الفرضيات العلمية المتعدّدة. ولكننا نورد نقطتين:
- الاولى: أثّر مرقس تأثيراً كبيراً على التدوين النهائي لمتى ولوقا، إن على مستوى البيئة العامة، وإن على مستوى الشكل الأدبي.
- الثانية: هناك مواد جهلها مرقس واستعملها متى ولوقا. قد يكون في أساسها متى الأرامي.

د- الخاتمة
انجيل مستمرّ يقدّمه لنا الروح القدس.
حين نقرأ الأناجيل اليوم، لا نستطيع أن نهمل الكرازة الشفهية الطويلة التي تقبلّتها الكنيسة الأولى في حياتها. ولا نستطيع أن نصل إلى يسوع إذا لم نأخذ بعين الاعتبار عمل الجماعات المسيحية الأولى.
1- حين نفتح الإنجيل نجد في الوقت عينه:
* المدوّن الأخير الذي كتب لجماعة محدّدة فعبرّ عن ايمانها وقدّم لها السند. عندما نقول هذا، نفهم أننا أمام إنسان حيّ يتوجّه إلى أناس أحياء، أمام شاهد للماضي (أي: المسيح) وللحاضر (أي: كنيسة عصره).
* تقليداً شفهياً طويلاً نقلته الجماعات، ثم مراجع مكتوبة.
* وعبر كل هؤلاء، يسوع الذي عاش ومات في فلسطين، واعترف به المؤمنون: إنه المسيح القائم من الموت والحي في هذه الكنيسة الفتية وفي العالم.
2- ونحن بدورنا نغني معرفتنا بيسوع المسيح حين ندخل في هذا التيار الذي ينطلق من الماضي مع يسوع إلى الحاضر، إلى الايمان يا جماعة مسيحية. فالايمان بالنسبة الينا الآن، هو ثقة بالتلاميذ والشهود الاوائل الذين رأوا في يسوع سيد الحياة، وخاطروا بحياتهم من أجله.
عبر هؤلاء الشهود وحدهم نعرف اليوم من هو الرب. فايماننا "رسولي"، أي يستند إلى شهادة الرسل. وهؤلاء الإنجيليون الذين ينتمون إلى جماعة ويعيشون للكنيسة، قد شدّدوا على هذه الناحية أو تلك حين أبرزوا وجه يسوع المسيح، واجتهدوا لكي يكشفوه لنا في ما كتبوه. وما زالوا يدعون قرّاءهم ويدعوننا نحن إلى الايمان.

 

الفصل الخامس والعشرون
الأناجيل الإزائية

حين تجوّلنا في كتابات العهد الجديد، إكتشفنا شيئاً فشيئاً حياة هذه الجماعات الأولى الأمينة ليسوع الناصري والمستعدة لانطلاقات جديدة. في هذه الدينامية وُلدت الأناجيل وقد رأينا في الفصل السابق ظروف تكوينها. لم يكن الإنجيليون مقمّشين لتقاليد سابقة، بل حاولت كل منهم أن يقدّم عملاً مبتكراً. هو كاتب حقيقي وعائش ما جماعة، وهو يتكلّم باسمه الشخصي وباسم هذه الجماعة.

1- الأناجيل الإزائية
وهكذا كانت لنا أناجيل أربعة. نترك يوحنا إلى ما بعد، ونتوقّف عند الأناجيل الثلاثة الأولى التي اعتاد الشّراح أن يسمّوها الأناجيل الإزائية. لماذا؟ لاننا نضع نص إنجيلي تجاه نص إنجيلي آخر، فنكتشف التشابهات والاختلافات.
إن التقليد الكنسي الذي يعود إلى القرن الثاني، ينسب هذه الأناجيل إلى كل من متى ومرقس ولوقا. كان متى عشاراً ومن مصاف الاثنى عشر. كتب الإنجيل الأول في فلسطين لمسيحيين ارتدوا من العالم اليهودي. ألّف كتابه في اللغة العبرية، أي الآرامية. ثم ترجم إلى اليونانية. والإنجيل الثاني دوّنه يوحنا مرقس الذي هو تلميذ في أورشليم. رافق في الوسالة بولس ثم برنابا قريبه وأخيراً بطرس. كان مرقس ترجمان بطرس فدوّن تعليم بطرس في رومة.
وكان لوقا الطبيب تلميذاً آخر. إختلف عن متى ومرقس، فكان من أصل وثني. يعتبر البعض أنه ولد في أنطاكية. رافق بولس في الرحلتين الرسوليتين الثانية والثالثة، كما كان معه خلال أسره في رومة. كتب لوقا إنجيله تحت نظرِ بولس، كما كتب مرقس تحت نظر بطرس. وكانت اليونانية لغة إنجيلي مرقس ولوقا.
هذا ما يقوله التقليد الكنسي. وهذا ما يثبّته تفحّص داخلي لهذه الأناجيل الثلاثة. هناك علاقات أدبية، جعلت الشّراح يتحدّثون عن المسألة الإزائية. أما نحن، فقد أشرنا إليها في الفصل السابق، ونودّ هنا بالأحرى أن نقدّم نصين يظهر فيهما التوازي. وهكذا نتعلّم أن نكتشف الاختلافات والتشابهات، فنصل من اكتشافنا إلى أصالة كل إنجيلي بمفرده. فالطريقة الخاطئة تقوم بأن نمزج الأناجيل بعضها ببعض. وهكذا نمسخها. والطريقة الصحيحة تعلّمنا كيف نقابلها بعضها مع بعض عارفين أننا لا نملك نسخة واحدة عن حياة يسوع وأقواله وأعماله، بل ثلاث نسخات متشابهة، ونسخة رابعة هي إنجيل يوحنا.

2- دعوة متى (أو: لاوي) العشّار
نقرأ هنا لو 27:5- 32؛ مر 13:2- 17؛ مت 9:9-13
متى مرقس لوقا
وخرج يسوع من جديد وبعد ذلك خرج
على شاطئ البحر
وكان كل الشعب يأتي إليه
وكان يعلّمهم
وإن يسوع وإذ
إذ مرّ من هناك مرّ
رأى رجلاً رأى لاحظ عشّاراً
لاوي بن حلفى اسمه لاوي
جالساً في بيت الجباية جالساً في بيت الجباية جالساً في بيت الجباية
اسمه متى
وقال له: اتبعني وقال له: اتبعني وقال له: اتبعني
و و واذ ترك كل شيء
قام وتبعه قام وتبعه قام وتبعه
وحصل وحصل و
صنع لاوي وليمة كبيرة
إذ كان على المائدة انه كان على المائدة
في البيت في البيت في بيته
وها إن و وكان هناك
جمهور
كثيراً من العشارين إن كثيراً من العشّارين كثير من العشارين 
والخاطئين جاؤوا والخاطئين وأناس آخرون
وكانوا على المائدة وكانوا على المائدة كانوا على المائدة
مع يسوع وتلاميذه مع يسوع وتلاميذه معهم
فقد كانوا كثيرين
وتبعوه
وحين رأى (هذا) و وتذمّر
الفريسيون الفريسيون
كتبة الفريسيين وكتبتهم
حين رأوا أنه يأكل
مع الخاطئين والعشارين
قالوا قالوا
لتلاميذه لتلاميذه لدى تلاميذه 
لماذا معلمكم لماذا لماذا
يأكل يأكل يأكل
ويشرب
مع العشارين مع العشارين مع العشارين
والخاطئين؟ والخاطئين؟ والخاطئين؟
أما هو ويسوع ويسوع
إذ سمع قال إذ سمع قال أجاب وقال لهم
الأصحاء الأصحاء المعافون
لا يحتاجون إلى طبيب لا يحتاجون إلى طبيب لا يحتاجون إلى طبيب
بل المرضى بل المرضى بل المرضى
إذ هبوا واعرفوا ما هو
أريد الرحمة
لا الذبيحة
فأنا ما جئت ادعو أنا ما جئت أدعو أنا ما جئت أدعو
الابرار، بل الخطأة الابرار، بل الخطأة الابرار، بل الخطأة
الى التوبة
حين نقرأ هذه الأخبار الثلاثة، نرى أساساً مشتركاً: نداء رجل يُروى حسب رسمة اعتدنا عليها في أخبار الدعوة في العهد القديم. ثم جدال بين الفريسيين ويسوع يدفع يسوع لأن يفسّر موقفه فيما يخصّ رسالته. ولكننا نرى أيضاً أن طريقة الإخبار ليست هي هي. لم يروِ الإنجيليون الثلاثة الخبر بالطريقة عينها. ولكن هذا لا يكفي لكي نفسرّ الاختلافات.
هنا نطرح على نفوسنا الاسئلة التالية:
- ما الذي يختصّ به كل إنجيلي على مستوى النص. موضعه في الإنجيل، قرائنه؟
- ماذا يبرز كل خبر؟ على أي وجهة من شخصية يسوع يشدّد؟
- لماذا اتخذ الكاتب هذا الخيار؟ هل نفهمه راجعين إلى مجمل إنجيله وحياة جماعته؟
ونبدأ بنص القديس مرقس الذي هو الأقدم. وبعد متى نصل إلى لوقا.
أولاً: مرقس
يبرز مرقس العشارين والخطأة. ويشدّد على عددهم (آ 15) وحضورهم (آ 16). ولفظة خطأة لا تدلّ فقط على أشخاص يتصرّفون تصرّفاً غير أخلاقي. بل جماعة الذين حرموا من حقوقهم المدنية والدينية بسبب وظيفتهم أو حالتهم. يستعمل اليهود هذه اللفظة أيضاً ليتحدّثوا عن الوثنيين.
يبيّن مرقس أن نداء يسوع يتوجّه أيضاً لأشخاص ينتمون إلى مجموعة الخطأة هذه. لم يكنٍ واحداً فرداً، بل كانوا عديدين، كثيرين. ولم يكن نداء يسوع نداء سرياً وخفياً لم يرَه أحد. بل ظهر يسوع معهم ولم يخف. ومجموعة يسوع التي تتكوّن ليست مجموعة منغلقة، بل منفتحة. ليست جماعة من "المنفصلين"، من الفريسيين. ومشروع يسوع هذا سيجعله يصطدم باليهود: يتألف ف 2 من عدد من الجدالات.
إن جماعة رومة التي ارتبط بها مرقس، تألّفت من يهود ووثنيين. فيها يتجدّد ما صنعه يسوع حين دعا لاوي. وبما أنها تعيش ما تعيش، فموقف يسوع له معناه بالنسبة إليها.

ثانياً: متى
تفرّد متى فسمّى يسوع "المعلّم". وشدّد أيضاً على وجهة التعليم في آ 12 حيث نقرأ: إذ سمع قال أو أعلن. هو لم يقل "لهم" مثل مرقس ولوقا، بل قال معلماً. نحسّ أننا لم نعد في جدال، وأن يسوع يتحدّث إلى سامعين محدّدين يقفون أمامه. إنه تعليم يتجاوز إطار هذا المشهد.
وأدخل متى على عادته استشهاداً من العهد القديم. هو يكتب لليهود فيورد لهم نصاً من النبي هوشع يحارب عبادة لا ترتبط بالبرّ والمحبّة. ودلّ يسوع هكذا بصورة ملموسة ما تعني إرادة الله التي تطلب الرحمة. واذ تصّرف يسوع على هذا الشكل، اقتدى بالله.
إن قرائن ف 8- 9 ليست قرائن جدال بل قرائن معجزات أي آيات تدلّ على مجيء عالم جديد. فقد وعت جماعة متى أن عليها أن تكون علامة وشاهدة في هذا العالم الجديد بطريقة حياتها الجديدة، وخصوصاً بحبّها الذي يستقبل جميع البشر.

ثالثاً: لوقا
يشدّد لوقا على متطلّبات النداء. قال وحده: تركوا كل شيء (رج 5: 11). وسيردّد لوقا في الإنجيل وفي سفر الأعمال هذا النداء، ليترك التلميذ كل شيء. وحين يتحدّث عن الكنيسة الأولى، يجعل المشاركة الفعلية في الأقوال علامة الحياة الجديدة والعلاقات التي يبنيها الإنجيل بين البشر.
واهتم لوقا بالطعام: صنع لاوي مأدبة عظيمة مثل أب الابن الضال (15 : 23).
لم يعد يسوع هنا رئيس جماعة جديدة كما في مرقس، ولا المعلّم كما في متى، بل المخلّص الذي يدعو الناس إلى التوبة وإلى التخلّي عن أموالهم. لقد اختبرت ساعة مرقس أن الوثنيين أنفسهم سمعوا هذا النداء وتجاوبوا معه. وهكذا عمّ الفرح.
ثلاثة نصوص، ثلاثة تفاسير. تحيلنا هذه النصوص الثلاثة إلى حدث واقعي من حياة يسوع. ولكننا لا ندركه ادراكاً مباشراً. ما تقدّمه لنا الأناجيل أولاً هو فعل إيمان الجماعة. إنطلقت من أسئلتها واهتماماتها فأعادت قراءة تقاليد تقبلقها من الرسل وطبّقتها على الزمن الحاضر.

3- شفاء حماة بطرس
نقرأ هنا مت 8: 14- 15؛ مر 1:29- 31؛ لو 38:4- 39
متى مرقس لوقا
و وحالا وإذ قام من
ذهب خارج المجمع المجمع
ذهب يسوع ذهبوا ذهب
إلى بيت بطرس الى بيت سمعان الى بيت سمعان
واندراوس
رأى حماته وحماة سمعان وحماة سمعان
ملقاة كانت راقدة كانت فريسة
ومحمومة محمومة حمّى قوية
وحالا
كلّموه وتوسلوا إليه
بأمرها في أمرها
ولمس يدها واقترب ووقف فوقها
والحمى وأقامها وزجر الحمى
تركتها آخذاً بيدها فتركتها
والحمى وفي الحال
وقامت تركتها وقفت
وكانت تخدمه فكانت تخدمهم وأخذت تخدمهم

أولاً: مرقس
يقدّم مرقس الأمور بشكل ملموس. نحسّ وكأننا نسمع بطرس يتكلّم.
يبين مرقس يوم يسوع في كفرناحوم كملّخص لنشاط يسوع. والمعجزات جزء من هذا النشاط. وبينها شفاء حماة بطرس.
ومرقس هو لاهوتي أيضاً. يتحدّث عن يسوع وتلاميذه. إنهم يؤلّفون جماعة. وفعل "أقامها" يدل على القدرة التي أقامت يسوع. ويستعمل أخذ بيدها مرتين أيضاً في 5: 41؛ 26:9- 27.

ثانياً: لوقا
يشدد لوقا على قدرة يسوع: وفي الحال وقفت.
زجر يسوع الحمى. يستعمل فعل زجر لطرد الشياطين (4: 35، 39، 41)
استعاد متتالية كفرناحوم وأقحمها في مجموعة أوسع (4: 16- 44). وهكذا نكون أمام ملخّص نشاط يسوع، وللاستقبال الذي لقيه: حماس (16:4- 22)، ثم عداء (23:4- 30).

ثالثاً: متى
اعتاد متى أن لا يحتفظ في أخبار المعجزات إلاّ بشخصين: يسوع وصاحب الحاجة. ويلغي كل التفاصيل الثانوية ليبرز شخص يسوع: هو الذي اتخذ المبادرة وذهب إلى بيت بطرس، هو الذي شفى المريضة.
قامت المريضة وخدمت يسوع. هي رمز الكنيسة التي تخدم ربّها.
جعل متى خبر الشفاء هذا في مجموعة عشر معجزات، بعد خطبة الجبل. وبهذا، دلّ على أن يسوع قدير بالكلام كما بالاعمال.

خاتمة
وهكذا نستطيع أن نقابل النصوص الإنجيلية. هناك أساس واحد واختلافات عديدة. هناك يسوع واحد وشهود عديدون. هناك خبرة واحدة ولكن التعابير عنها عديدة. نحن لا نطلب حرفيّة الإنجيل، بل ننطلق من خبرة إيمان الكنيسة لنصل إلى يسوع التاريخ.

 

 

الفصل السادس والعشرون
انجيل مرقس
انجيل مسيحيي رومة

إنجيل مرقس أول إنجيل دوّن، وقد دوّن حوالي سنة 70. كاتبه هو مرقس، رفيق بولس وبرنابا (أع 12: 25؛ 13: 2؛ 15: 37- 39؛ كو 4: 10)، ثم رفيق بطرس في رومة (1 بط 13:5). ارتبط مرقس برومة وكتب لهذه الكنيسة التي كان معظم مؤمنيها من أصل وثني. إلى هذا الإنجيل سوف نتعرّف من خلال بعض النصوص التي نشير إليها.

أ- بداية الإنجيل (1: 1- 15)
تقدّم لنا الآية الأولى عنوان الكتاب. لم يخترها مرقس عن طريق الصدفة. فالكلمات التي استعملها تحدّد لنا بدقة مضمون انجيله. ماذا نجد في هذا "العنوان"؟

1- نحن أمام شخص
نحن أمام شخص اسمه يسوع. رجل له موقعه في التاريخ وفي عالم عصره. من هو هذا الرجل؟ احتفظ مرقس باسمين: هو المسيح وهو ابن الله. اسمان لهما معناهما للشعب اليهودي. وحولهما سيبني مرقس انجيله. 
هناك تدرّج في انجيل مرقس. يبيّن لنا شيئاً فشيئاً كيف توصّل بعض الناس أن يقولوا شيئاً عن يسوع. في مرحلة أولى، أعلن بطرس (تلميذ يسوع)): "أنت المسيح " (8: 27). في مرحلة ثانية أعلن ضابط روماني (وثني) شهد موت يسوع على الصليب: "حقاً، كان هذا الرجل ابن الله" (39:15).
بنى مرقس كتابه فدلّنا على الطريق الذي سار فيه أناس في الماضي. إكتشفوا غنى شخصية يسوع وتحدّثوا عنها في لغة نابعة من تقليد شعبهم. ونحن مدعوون اليوم لنسير في هذا الطريق.

2- نحن أمام إنجيل
بالنسبة الينا، تدل هذه الكلمة على كتاب يتحدّث عن يسوع. ولكن حين دوّن مرقس كتابه، إختار هذه الكلمة ولم يستنبطها. هي كلمة يونانية تعني البشرى، الخبر السعيد. في ذاك الوقت كان يدل على بشارة محدّدة: تنصيب ملك جديد ينتظر الناس أن يحمل اليهم عهدُه السلامَ والعدالة والازدهار.
استعملت هذه االفظة في بلدان عديدة. ولكن كان لها رنّة خاصة لدى اليهود لأن النبي أشعيا استعملها. ففي وقت عصيب من التاريخ (كان الشعب في المنفى بعيداً عن أرضه) اعلن هذا النبي بشرى (انجيل، خبر طيب) تدخّل الله ليحرّر شعبه. وحدّد مضمون هذه البشرى: "هوذا الله، هوذا السيد الرب. يأتي بقوة. ذراعه تدل على سلطانه" (أش 40: 9- 10). "ما أجمل على رؤوس الجبال قدميَ المبشر الذي يعلن السلام، المبشرّ بالخبر السعيد، الذي يعلن الخلاص، الذي يقول لصهيون: قد ملك الهك (أش 52: 7). الخبر السعيد (أو: الإنجيل) هو أن الله آت ليقيم ملكه، مع ما يرافق هذا من انقلابات في حياة البشر. أخيراً، يستطيعون أن يعيشوا في العدالة والسلام.
إذن، سيحدّثنا مرقس عن شخص، عن يسوع الذي هو المسيح وابن الله. حياته وأعماله ترتبط بمجيء الله ليقيم ملكه. ولهذا، فهو يقدّم بداية نشاط يسوع في أحد الأمكنة التي فيها يعبرّ قسم من الشعب حول يوحنّا المعمدان (1: 1- 8) عن انتظار لهذا التبدل وعن عزم لجعل هذا التبدل واقعاً ملموساً.
في هذا الإطار أكد يسوع على هويّته وعلى الرسالة التي جاء يقوم بها (9:1- 13). وسيكشف تدريجياً بما يقول وبما يفعل، سيكشف للبشر مضمون وبُعد انجيل ملكوت الله الآتي. وِقد أعطي لنا ملخّص كرزاته: "تم الزمان واقترب ملكوت الله؛ توبوا وآمنوا بالإنجيل" (1: 14- 15). وهكذا دعا سامعيه لكي يتخّذوا موقفاً منه: "من أراد أن يخلّص حياته يخسرها. من يخسر حياته من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها" (35:8؛ رج 29:10).
ويتوقّف الكتاب ساعة يكون الذين اختاروا قد استعدّوا للسير على خطى معلّمهم: "إذهبوا إلى العالم كله، واعلنوا البشارة (الإنجيل) إلى الخلق أجمع" (16: 15؛ رج 13: 10؛ 14: 9).

3- نحن أمام بداية
هذا أمر طبيعي، ونحن في السطر الأوّل من الكتاب. ولكن مرقس يستعمل هذه اللفظة ليدلّ على أننا أمام شيء جديد: ما يبدأ الآن لم يكن موجوداً من قبل. ولكنه يقول لنا أيضاً: "هذه هي البداية فقط. جاء ملكوت الله مع يسوع. ولكن لم يُعطَ كل شيء دفعة واحدة. بدأ الملكوت وسوف يتابع. يجب أن ينمو ويكبر. والعمل عملكم. بدأ يسوع وأنتم تكّملون".

ب- فعل إيمان مسيحي رومة
إنجيل مرقس هو فعل ايمان. هو تعبير عن ايمان.
نحن في رومة حوالي سنة 70. ما الذي يميّز جماعة رومة؟ فالطريقة التي فيها يعيش مسيحيّو رومة ويعبرّون عن ايمانهم، ترتبط بوضعهم وأسئلتهم. وكل هذا يؤثر على الصورة التي رسمها مرقس ليسوع. نحتفظ هنا فقط ببعض وجهات نعتبرها هامة.

1- رومة قلب العالم
رومة هي عاصمة الأمبراطورية الرومانية. إنها مدينة مهمة تعد مليون نسمة. كان شعبها مزيجاً جاء من كل أنحاء العالم مع نسبة كبيرة من العبيد. هذا الوضع قد أثر على الجماعة المسيحية. فاعضاؤها اختلفوا بموطنهم الأصلي ومحيطهم الاجتماعي. والتقى اليهود والوثنيون في الاحتفال الواحد.
تذكرت كنيسة رومة تاريخ تأسيسها. وُجدت لأن أناساً اندفعوا فاعلنوا الإنجيل للوثنيّين، وجاهدوا ليخرجوا الكنيسة من الإطار الضيّق الذي أراد اليهود المحافظون أن يسجنوها فيه. هذه الخبرة ساعدتها على التعرّف إلى يسوع المسيح الذي لا ينحصر عمله في بلد واحد أو شعب واحد.
هنا يتجذّر اهتمام مرقس بأن يقدم نشاط يسوع كبشرى سعيدة لجميع الأمم. والكنيسة مدعوّة على مدّ تاريخها إلى مثل هذا المشروع: أن تغني لقاءها بيسوع فتتقبّل "الأمم" الجديدة التي يحقّ لها أن تسمع الإنجيل كبشارة سعيدة تعنيها.

2- حقبة مضطربة
في سنة 64 وعلى أثر حريق كبير اشتعل في رومة، عرف المسيحيون أول اضطهاد رسمي مهمّ. ويبدو أن بطرس مات في ذلك الوقت. نذكر هنا الرباط الوثيق بين الدين والسياسة: فالدين جزء مهم في الحياة الرسمية. إنه عامل وحدة في هذه الأمبراطورية الواسعة المؤلّفة من شعوب مختلفة. فمن لم يشارك على المستوى الديني بدا وكأنه رافض للمستوى السياسي.
وعرفت نهاية عهد نيرون البلبلة: صعوبات اقتصادية. مناخ الرعب مع الدسائس والمؤامرات. وثارت المناطق الغربية. وفي رومة بدأ الشعب يحتجّ على نقص في التموين، على إدارة فاسدة. وانتحر نيرون سنة 68. فاندلعت بعد موته حرب أهلية بسبب تضارب المنافع لدى المجموعات المختلفة. وهذا الوقت هو أيضاً وقت الحرب اليهودية. أخذت أورشليم وسُلبت سنة 70، كما أحرق الهيكل. وبالنسبة إلى المسيحيين المتحدرين من العالم اليهودي، كان هذا نهاية حضور الله والتزامه في التاريخ. وتأثر الجميع وتأمّلوا في دخوله تيطس القائد المنتصر على أورشليم إلى رومة.
في هذا الإطار، وجب على المسيحيّين أن يقدّروا ما يدعوهم إليه الإنجيل حق قدره: خسران الحياة بالاستشهاد في زمن الاضطهاد. خسران الحياة في فترات الهدوء برفض السعي وراء الغنى. ففي مجتمع الأمبراطورية الرومانية وطبقاتها، كان الغنى وحده يتيح للشخص أن يرتفع في السلّم الاجتماعي.
وهذا الخيار قاد المسيحيين إلى التعمّق في اللقاء بيسوع المسيح. قدّم لنا مرقس يسوع وقد رذلته سلطات شعبه لأنه شهد لإله لا يقبل الظلم ولو ساند الحكم القائم هذا الظلم. يسوع جاء لا لينتصر ويُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه. هذا الرفض الذي قاد يسوع إلى الآلام، هو الذي يعيشه المؤمنون اليوم. وهنا يكتشفون فاعلية من نوع آخر، نجاحًا غير نجاحات البشر. نجاح مصلوب، نجاح حياة مبذولة للآخرين، نجاح الحب الذي هو أضعف من أن يفرض نفسه.

3- طريق لا بدّ منها
عبر هذه الأحداث، عاش هؤلاء المؤمنون مرحلتَي مسيرة الإيمان اللذين أشار اليهما مرقس في تصميم انجيله. إكتشفوا أوّلاً في يسوع إلهاً يتجاوب وانتظار البشر. هي مرحلة يسوع المسيح الشخص العظيم. ولكن لا يمكن البقاء هنا. لهذا انتقلوا الى المرحلة الثانية فرأوا في يسوع إلهاً محيراً، إلهاً يتجاوب معنا بغير ما تصوّرنا. مرحلة نقيم فيها فنعطي لا وقتنا وإمكانياتنا فحسب، بل حياتنا لنكتشف إله حب يعطي حياته عبر الفشل وعبر الموت.

 

 

الفصل السابع والعشرون
إنجيل مرقس
يسوع وانتظار البشر
1: 16- 8: 30
اقترب ملكوت الله. ولكن كيف نعرف ذلك؟ ما هي ردّة الفعل عند الناس؟ هذا ما تحدّثنا عنه الفصول الثمانية الأولى من إنجيل مرقس.

أ- نداء صيادين أربعة (16:1- 20)
1- إن الأحداث المروية هنا تسير بسرعة. يسوع يمرّ، يرى، يتكلّم. حالاً ترك الصيادون شباكهم، أباهم مع العمّال، وتبعوه. يقدّم لنا الإنجيل أربعة رجال مع وظيفتهم وعائلتهم، في لحظة، قبلوا أن يتبعوا شخصاً لم يقل لنا مرقس حتى الآن الشيء الكثير عنه. هو الانطلاق نحو المجهول مؤسّس على كلمة يسوع وحدها: "أجعل منكم صيادي بشر". ليست هذه الصورة عادية في التوراة. ولكنّها معبرّة لدى أناس يعيشون صنعتهم. يشدّد النص هنا على مبادرة الله. تدخّل الله فلا مجال للتأخير. وملكوت الله ليس تعليماً وحسب: إنه قوّة في البشر تعمل في البشر وتقلب حياتهم رأساً على عقب.
2- حصل المشهد على شاطئ البحر. يشير مرقس مراراً إلى شاطئ البحر (13:2؛ 7:3؛ 4: 1). هو لا يريد أن يعطينا خريطة لتحرّكات يسوع. فللبحر معنى رمزي في العقلية البيبلية. إنه يمثّل مركز قوى الشر. وهكذا يشدّد مرقس على أن كلمة الله ستواجه قوى الشر هذا لكي يلتئم شعب جديد. وتهبّ العاصفة حين يمرّ يسوع مع تلاميذه إلى الشاطئ المقابل، إلى عالم الوثنيّين، وكأنها تريد أن تقف في وجهه. وسيستعمل يسوع كل سلطة كلمته لكي يعود الهدوء (35:4- 41).
3- ليس هذا النص تقريراً عمّا حدث في ذاك النهار. فعبر الخبر، يجعلنا مرقس نشارك في ما اكتشفه هؤلاء الرجال حين يعيدون قراءة حياتهم. حين نستعيد الأحداث على فترة طويلة، هناك أمور تستنير بنور جديد. فهموا أن لا معنى لحياتهم كلّها إلاّ بشيء واحد: إرادتهم بأن يمشوا وراء يسوع الذي دعاهم.
وطريقة رواية هذا النداء عادية في التوراة. فالكاتب يستعمل الرسمة عينها ليعبرّ عن هذا اليقين الذي يعلن أن أناساً قد دعاهم الله. هو لا يقول كل شيء. هو ملخّص يخبئ الشيء الكثير. نحن نعرف كم نحتاج إلى وقت لنسير على خطى يسوع. هناك صعود ونزول، تقدّم وتأخّر. هناك خيارات نقوم بها لنعمّق هذه الخبرة ونقدّر وزن هذا الاعتقاد: يسوع يدعو.
4- لماذا بدأ مرقس إنجيله هنا؟ لماذا لم يخبرنا أولاً من هو يسوع؟ لأنه أراد أن يبيّن أن يسوع ليس شخصاً منعزلاً. منذ البداية، إنضم رجال إلى رسالته، ويستطيعون أن يكونوا شهوداً لما رأوا وسمعوا. ما صنعه يسوع لا ينحصر في الزمان والمكان، لا في سنوات معدودة عاشها على الأرض، ولا في بلد محدّد مثل فلسطين. هذا الانتشار سيتم بواسطة جماعة بدأت الآن تلتئم وفيها أناس يستطيعون أن يؤكّدوا أن روح يسوع ينعش حياة المؤمنين وبحثهم عن الله.
5- نستطيع أن نقرأ منذ الآن أربع مراحل في تكوين هذه الجماعة:
الأولى: نداء لاوي واستقبال الخطأة (2: 13- 17). دعا يسوع عشّاراً (جابي الضرائب) ليدخل في جماعته. كان اليهود يضعون هذا الرجل في فئة الخاطئين أي في أولئك الذين يعتبرونهم أضعف من أن يحفظوا شريعة الله. إذن، كانوا على هامش المجتمع. لا يهتم يسوع بالتمييز بين الأبرار والخطأة (كما كان يفعل الفريسيون. تمييز خارجي فقط!). ما جاء يصنعه يتوجّه إلى جميع البشر. معه سقط الجدار الذي يفصل بين هاتين الفئتين. 
الثانية: تأسيس الاثني عشر (13:3- 19). ستكون هذه المجموعة نواة الجماعة الجديدة: أقامهم يسوع ليكونوا معه وليرسلهم للكرازة مع سلطة على طرد الشياطين. دعاهم ليعيشوا خبرة تجعلهم جديرين بالشهادة فيما بعد. وبهم سيواصل يسوع حضوره ووحيه. لهم مكانة هامة في الإنجيل كله. وكل مرة تطلّ الصعوبة، ينطلق يسوع معهم من جديد. 
مثلاً، بحثوا عن وسائل ليهلكوه (3: 6) فأسّس الاثني عشر (3: 13). رفض أهل الناصرة أن يؤمنوا به (6: 1- 6) فأرسل الاثني عشر في مهمة (7:6). تحدّث يسوع عن مصيره فبدت ردّة الفعل عند السامعين سلبية (32:9؛ 10: 33). حينئذٍ توجّه إلى التلاميذ مع تعليم خاص (9: 35؛ 10: 32). معهم عاش يسوع الأوقات القاسية في نهاية حياته في أورشليم (11: 11؛ 14: 17). أشركهم في حياته عن قرب، فكانوا الضمانة على أن رسالته ستتواصل.

ب- يوم كفرناحوم (1: 21- 39)
1- الإطار
هو يوم السبت. يوم الراحة. اليوم المحفوظ لله. يذكّر السبت براحة الله بعد الخلق في اليوم السابع (تك 2: 2). ويذكر أيضاً بالتحرير من مصر (تث 5: 14- 15). وهو أخيراً علامة العالم الجديد والمنتظر. إذن، هو يوم نعيّد فيه الحياة والحرية اللتين أعطاهما الله لنا. ولكن، "الكتبة" أكثروا من الفرائض ليحدّدوا ما يُمنع وما يُسمح بعمله في ذاك اليوم، بحيث صار يوم السبت حملاً ثقيلاً. وكان الخطر أن يتوقفوا عند الممارسات الخارجية (7: 3 - 4) وينسوا الجوهر وهو: حياة الإنسان، تحرّره، تفتّحه. وقد عارض يسوع اليهود مراراً في هذا الموضوع (2: 23- 27: دافع عن تلاميذه: 3: 1- 5: صاحب اليد اليابسة).
المجمع هو مكان التجمّع للصلاة. فيه يتعلّم الصغار والكبار أن يدرسوا الكتاب المقدّس. إندمج يسوع في حياة شعبه، فاستعمل الوسائل التي هي في تصرّف كل يهودي لكي يعيش إيمانه.
في هذا المجمع، رأى يسوع رجلاً "يمسكه روح شرير، روح نجس". كانوا يعتبرون المرض نتيجة الخطيئة. إذن، كان المريض نجساً، ولا يستطيع أن يشارك في الحياة الاجتماعية والدينية. وكان يرون وراء فوضى الطبيعة هذه، حضور روح شرير.
وينقلنا ولي الخبر إلى بيت بطرس ثم إلى باب المدينة (أي الساحة العامة) حيث يجتمع الناس.

2- عمل يسوع
كان يسوع يعلّم. لا يقول لنا مرقس شيئاً عن مضمون هذا التعليم، ولكنه يشدّد على أنه كان جديداً. تعليم يُعطى بسلطان. وهذا السلطان يظهر أولاً في طريقة الكلام. فيسوع يعلّم كشخص يستطيع أن يقول ما به يفكّر دون الحاجة إلى الاعتماد على سلطة أخرى غير سلطته. إنه يختلف عن الكتبة الذين يبرّرون موقفهم مستندين إلى النصوص والتقاليد الموروثة. ويظهر هذا السلطان أيضاً في نتائج كلمته. إنها ليست مجرد كلام، بل هي تفعل. تتغلّب على الشر، تشفي.

3- أمره: اسكت
نحن هنا أمام أمر غريب. قال يسوع للروح النجس: أخرس. كان الرجل الممسوس قد قال ليسوع: "أنت قدّوس الله". تدلّ هذه العبارة على شخص يرتبط رباطاً وثيقاً بالله. لأن الله وحده قدّوس. هو يختلف كل الاختلاف عن الإنسان. وهو أبعد من كل ما يمكننا أن نقول أو نتصوّر. إنه كله حب وأمانة. وتدهشنا ردّة فعل يسوع، حين نعرف أنه يريد أن يعرّف عن نفسه، أن عنده تعليماً يريد أن ينقله. يشير مرقس مراراً إلى هذا الأمر بالصمت (1: 44؛ 3: 12؛ 5: 34؛ 7: 36؛ 8: 26؛ 8: 30). ليس هذا مجرّد صدفة. فلنحاول أن نفهم.
هذه آية جديدة تدلّ على اقتراب ملكوت الله: كلمة تفعل في المجمع (مكان عام، موضع الصلاة) كما في بيت بطرس (موضع الحياة العادية، مكان خاص)، كما في ساحة المدينة حيث يجتمع الناس (باب المدينة). هذه الكلمة هي في بيتها أينما قيلت، ولا حدود لفعلها. وهي لا تستطيع أن تبقى سجينة في إطار ضيّق، في هذه المدينة. لهذا قال يسوع: "نذهب إلى القرى المجاورة (38:1). وطاف في أنحاء الليل.
هي كلمة تؤثر حيث تنزل: تزيح حدود الشر، تتيح للناس أن يستعيدوا الصحة، أن يستعيدوا مكانتهم في الجماعة، وحريتهم الحقّة بشفاء جسدي وغفران خطاياهم. حينئذ يُطرح السؤال: إذن، من هو يسوع هذا الذي يُلقي مثل هذه الكلمة؟
تقدّم لنا هذه الفصول الأولى علامات عن اقتراب ملكوت الله: تعليم جديد، كلّه سلطان. إنتصار على الأرواح النجسة. جماعة جديدة تبدأ بالالتفاف حول يسوع. ولكن الجديد في موقف يسوع سيفجّر إطار المجتمع والديانة اليهودية. وسنشهد مجادلات عديدة. فالتعارض بين يسوع ورؤساء الشعب ينمو. لا شك في نهاية هذا الصراع: "فخرج الفريسيون وتشاوروا مع الهيرودسيّين حول الوسائل الكفيلة بقتل يسوع" (3: 6).

ج- ما هو جواب البشر (7:3- 26:8)
إقترب ملكوت الله، ولكن من اقترب من هذا الملكوت؟
أنكون مع المسيح أم ضد المسيح؟ هناك خيار أول. إذ تنظّمت مجموعة الاثني عشر (13:3- 19) فقرابة يسوع لم تفهمه (3: 20- 21، 31- 35). والرسميون رفضوا كلامه واعتبروه مسكوناً بالشيطان (3: 22 - 30). وأهل الناصرة رفضوا هم أيضاً أن يؤمنوا به (6: 1- 6).
هل هو الفشل ليسوع؟ أما حيرّ الناس بتصرّفاته (6: 6)؟ ودفعته الصعوبات لكي يعمّق معني رسالة. نستطيع هنا أن نقرأ مثل الزارع (4: 1 - 9). فيه يعبرّ يسوع أولاً عن المعنى الذي يعطيه لعمله. حين نقرأ هذا المقطع نحسّ أننا أمام تبذير كبير: يسقط الحب في كل مكان، وقسم منه لا فائدة منه. ولكن المهم، ولكن عبرة المثل نجدها في آ 8: في النهاية الغلّة حسنة.
هذه هي قصة الكلمة التي يعلنها يسوع لا كل مكان. إذا نظرنا من الخارج رأيناها من دون ثمر. هي تثير الحذر والمعارضة. ومع ذلك ستحمل ثمراً كثيراً جداً. فرغم الفشل الذي لقيه يسوع، هو يثق بفاعلية عمله. فملكوت الله يتحرّك وينمو (26:4- 34). والناس مدعوّون لأن يتعرّفوا إليه ويقبلوه بحرية تامة. لهذا، ليتعلموا أن ينظروا، أن يسمعوا، أن يتحوّلوا (4: 10- 25). إن حياة البشر قد تستطيع أن تكون كلمة عن هذا الملكوت الآتي. ويعطينا ف 5 علامة عن هذه الفاعلية: عبر يسوع البحيرة وذهب إلى الوثنيّين. حتى هناك فعلت كلمته وحملت ثمرة.
واختبر يسوع التجمّعات (6: 6- 8: 26). فاختيار التلاميذ ليتبعوا يسوع يتعمّق حين يشاركونه في رسالته. فيسوع ليس فقط لبعض الناس. إنه لجميع الناس. إنه ذلك الذي يقدر أن يجمع الجماهير ويطعمهم (6: 30 – 44؛ 8: 1- 10). والتلاميذ الذين لعبوا دوراً في هذه الأحداث، رأوا في يسوع ذاك الذي هو الراعي الحقيقي لشعبه، كما كان الله في العهد القديم (حز 34؛ مز 23).


د- بطرس يعترف بالمسيح (8: 27- 30)
عرف بطرس أن يسوع هو المسيح. ربط بين هذا الشخص الذي هو أمامه وذلك الذي ينتظره الشعب مخلّصاً ومحرراً.

1- وسأل يسوع
إن عمل يسوع دفع الناس لأن يطرحوا سؤالاً، أن يتحرّكوا (6: 14 - 16). بعضهم جعل يسوع في فئة الأنبياء. مثلاً، يوحنّا المعمدان، آخر الأنبياء الذي أعلن خلاصاً مقدَّماً للجميع شرط أن يتوبوا (1: 1- 11). أو إيليا الذي اعتبره اليهود أعظم الأنبياء. آمنوا بعودته في ساعة تدخّل الله الحاسم ليثبت ملكه. ووسط تساؤلات الناس وبحثهم، طرح يسوع على التلاميذ سؤالاً وطلب منهم أن يتخّذوا موقفاً: "وأنتم، من تقولون إني هو؟".

2- أنت المسيح
المسيح هو المكّرس بالزيت، الممسوح بيد الله. المختار من أجل رسالة. دلّت هذه الكلمة أولاً في تاريخ إسرائيل على الملك الذي يُمسح بالزيت في بداية عهده. لا شكّ في أن الله كان الملك الوحيد في إسرائيل. وكان الملك يعمل مكانه وباسمه ليُحلّ الحق والعدل في البلاد. قام بعض الملوك بهذه المهمة فلعبوا دوراً حقيقياً. ولكن العدد الأكبر ترك الظلم يسيطر، فخان الله وخان شعبه. حينئذٍ تطلّع الناس إلى أبعد من ملك زمني. ترجوا أن يتدخّل الله بنفسه. واعتبر البعض أن تدخل الله هذا يرتبط بمجيء مسيح جديد، تصوّره على مثال ملك مثالي تحدّث عنه الأنبياء. من هنا اسمه "ابن داود" (47:10).
وكان لهذا الرجاء الذي وُلد مضمون غني جداً، مضمون ديني: الله يقيم عهداً (ميثاقاً) جديداً ونهائياً فتُغفر الخطايا. ومضمون اجتماعي: تُعاد العدالة على الأرض. حينئذ يصير الفقراء سعداء، ويستعيد المحرومون مكانهم في المجتمع. ومضمون سياسي: تتحرّر البلاد من التسلّط الخارجي وتقوم مملكة داود من جديد. نحن أمام رجاء بعالم جديد يغيب منه كل ما يقف حاجزاً أمام تفتّح البشرية: "عيون العميان ترى، آذان الصمّ تسمع. حينئذ يقفز الأعرج كالغزال وفم الأخرس يهتف هتاف الفرح" (أش 5:35).

3- نهاية مرحلة
نحن الآن في نهاية مرحلة في الإنجيل. عاش التلاميذ مع يسوع، شهدوا عدداً من آياته. آيات تتعدّى الناس. وفسّروها بطرق مختلفة. والتلاميذ أنفسهم استصعبوا فهمها رغم نواياهم الطيّبة (6: 45- 52؛ 7: 14- 23).
ومع ذلك، فقد استطاعوا الآن، بعد أن انطلقوا من خبرتهم واستعملوا الكلمات التي في متناولهم، استطاعوا أن يقولوا كلاماً حقيقياً عن يسوع: "أنت هو المسيح". أنت ذاك الذي يوافق انتظارنا. ويقدّم لنا مرقس شفاء أعمى حالاً قبل هذا المشهد (22:8-26). حين يبحث الناس، يسوع وحده يفتح عيونهم ويعطيهم أن يروا، لا بعين الجسد فقط، بل بعين الإيمان.
ولكن يسوع لا يعارض هذا التأكيد. غير أننا نجد الأمر بالصمت وعدم إعلان هوية يسوع. وسنرى السبب في ما يلي من النص.
أجل، يسوع هو المسيح. ولكن لا تقولوا لأحد. سيأتي وقت يعلن يسوع مسيحانيته. وهو سيفعل ساعة كان أمام رئيس الكهنة، ساعة اقتربت آلامه ومجده.

 

 

الفصل الثامن والعشرون
انجيل مرقس 
سرّ شخص يسوع
8: 31- 16: 20

يسوع ليس فقط جواباً لانتظار البشر. إنه أكثر من ذلك. إنه حقاً ابن الله. هذا ما نكتشفه في هذا الفصل الذي يحدّثنا عن سر يسوع.

أ- يسوع ينبئ بآلامه وقيامته (8: 31- 33)
وبدأ منعطف في الإنجيل. شدّد عليه مرقس فقال: "وبدأ يسوع". هناك شيء جديد يبدأ. وهذا الجديد يبدأ في الطريقة التي فيها بدأ يسوع يتكلّم عن مستقبله. لقد تركّز القسم الثاني من انجيله على الطريقة المذهلة التي فيها سيقوم يسوع بدوره كمسيح. لهذا يبنيه مرقس حول ثلاثة انباءات بالآلام والقيامة: 8: 31؛ 9: 31؛ 10: 33- 34.
أول فعل استعمله يمكن ان يصدمنا: يجب. نحس وكأننا أمام تصميم ثُبّت مسبقاً. فكأن يسوع يمشي بفرح إلى الموت: وهو يعلم بكل شيء مسبقاً، وهو يتبع برنامجاً حدِّد له. لا ننسى أننا لسنا أمام ريبورتاج يروي لنا يوماً بعد يوم أحداث حياة يسوع. نحن هنا أمام تأمل المؤمنين الذين حاولوا أن يفهموا معنى رسالة يسوع مع هذا العثار الذي يشكلّه الألم، ورفض الشعب له، وموته. لهذا استعادوا كل تاريخ الشعب. وقرأوا فيه من جديد إرادة الله بان يقيم عهداً. وارادته هي اقوى من رفض البشر وخطيئتهم. وأعادوا أيضاً قراءة خبرة كل الذين أرادوا أن يكونوا شهوداً لحب الله هذا، وهو حب لا حدود له، غير أنه متطلّب: كلّهم تعرّفوا إلى الألم. يجب. أي: لا يفلت إنسان من الألم إن أحبَّ حقاً وحتى النهاية. وعبر هذا، تابع عمل الله مسيرته. ولكن هذه الطريق لا تُفرَض. اننا نختارها بكل حريتنا.

ب- كيف نتبع يسوع (34:8-1:9)
ونجد نفوسنا أمام انقلاب للقيم. وسيُعطى التفسيرِ في السطر الأخير: القيمة النهائية هي أن نعيش بتوافق مع ملكوت الله الآتي. ولهذا لا يستطيع التلاميذ أن يعيشوا "كيف ما كان"! فيسوع إبن الإنسان لم يقبل أن يعيش "كيف ما كان" ليكون أميناً لرسالته. وهذا ما قاده إلى خيارات ثقيلة يصعب حملها. واذ يقوم التلاميذ بهذه الخيارات، يكتشفون اكتشافاً أفضل ما هو هذا الملكوت الآتي، ومن هو يسوع هذا الذي يدّشنه ويقوده إلى تحقيقه الكامل.
يسوع هو حقاً المسيح. ولكن لا كما يتصوّره الناس. هو يرفض أن يلعب لعبة "مخلّص وطني". يبدأ ملكوتٌ جديد، هذا ما لا شك فيه. ونحن أمام بداية خلاص. ولكن يجب أن نتعلّم من جديد من يسوع المضمون الحقيقي لهذه الكلمات. إنها طريق طويلة نسيرها على خطى التلاميذ الذين حدّثنا عنهم مرقس سائرين مع معلمهم (9: 30؛ 10: 1؛ 10: 32؛ 11: 1). وطوال هذه المسيرة، يدفعهم بكلمته وعمله لكي يتجاوزوا ما فهموه أو بالاحرى ما ظنّوا أنهم فهموه.
وهكذا نفهم تحفّظ يسوع لأن يعطى له بسرعة اسم المسيح. فهي لفظة ملتبسة، تحمل معنيين. فهناك فرق بين ما يعيشه يسوع وبين ما في عقول الناس. ولكن حين ينهي يسوع مسيرته، وبعد أن يكون التلاميذ اختبروا السير معه، حينئذ يعطى إسم المسيح ليسوع بدون التباس ممكن. فاللفظة لا تأخذ معناها كله إلا إذا تجذرت في حياة الذين يتلّفظون بها. 
وحول انباءات الآلام الثلاثة، توسّع مرقس في الانقلاب الذي يدعونا يسوع إليه: أن نكون الآخر لا الاوّل (33:9- 37)0 أن نعطي كل شيء فنصير أغنياء (17:10- 31). لن نكون خادم الجميع لنصير أكبر من الجميع (35:10- 45). إنه نداء متطلّب، ولا نستطيع أن نعيش الجواب إلا حين نلتقي بالمسيح لقاءً حقيقياً، نلتقي به على حقيقته (2:9-10). وهو وحده يساعدنا أن نرى، كما ساعد ابن طيما (46:10- 52) فتبعه في الطريق.
وتنتهي مسيرة يسوع مع تلاميذه في اورشليم. لقد وصلت إلى ذروتها المعارضة بين يسوع والرؤساء اليهود. فالمؤسسات في خطر (ف 11- 13). وكان صراع قويّ وجد حلّه في خبر الآلام (ف 14- 16).

ج- يسوع أمام المحكمة العليا (53:14- 56)
1- محاكمة يسوع (53:14- 65)
نحن أمام ظاهر محاكمة. فكل شيء تقرّر مسبقاً وبُني على الكذب. هم لا يحاكمون رجلاً، بل يبحثون بكل الوسائل عن بواعث تبرّر حكمهم عليه بالموت. نحن أمام انقطاع تام بين يسوع ورؤساء شعبه.

2- اتهامات ضد يسوع (14: 57- 59)
تدور هذه الاتهامات كلها حول المعبد مع تعارض بين هيكلين. واحد صنعته يد البشر وآخر لم تصنعه يد البشر. وإذا أردنا أن نفهم هذا الجدال نقرأ ما يقوله لنا مرقس عن موقف يسوع بالنسبة الى الهيكل في 12:11- 26.
إذا قابلنا هذا الخبر مع خبرَيْ متى ولوقا، لنرى ما يتفرّد به مرقس، نجد نقطتين يشدّد عليهما. الأولى، في آ 16: "ومنع كل من يحمل بضاعة أن يمرّ من داخل الهيكل". والثانية، في آ 17، زاد مرقس: "لجميع الأمم". هاتان الملاحظتان تسيران في الخط عينه.
نتذكر أنه كان في الهيكل مستويان مختلفان. في نظر اليهود، المكان المحفوظ لهم هو مقدّس وحده. وإن دخل إليه الوثنيون قُتلوا. وكان كل النشاط منظماً في المكان المخصّص لليهود. ولكن لا شيء يمنع التجارة والصرافة في الرواق الاول الذي يستطيع أن يدخل إليه الوثنيون. واعتبر هذا الرواق موضع عبور "قادومية" يأخذونها فيصلون بسرعة مع ما يحملون.
شدّد مرقس على ردة فعل يسوع ضد هذه الممارسة. فالمعنى واضح: كل مكان هو مقدس، مكان الوثنيين كمكان اليهود. فالتمييز بين الفئتين لم يعد معمولاً به. فكل البشر، وكل الشعوب مدعوون إلى لقاء الله. وهيكل لا يتيح هذا اللقاء لا نفع منه. إن آخرته الدمار على مثال التينة التي لا تحمل ثمراً (11: 12- 14، 20- 25؛ رج 13: 1- 2).
ونعود إلى ف 14. فعبر شهادة الزور نفهم موضوع الجدال. ما الذي هو علامة حضور الله؟ بناء من حجر شيّده البشر، أو يسوع المسيح الذي يقيمه الله من الموت في الثالث والذي يستطيع أن يجده البشر حيث يعيشون؟ وسيوضح يوحنا كلمة يسوع هذه في انجيله: "وكان يتكلّم عن هيكل جسده" (يو 2: 21). وهذا ما سيبرره مر 38:15 فيما بعد: عند موت يسوع انشقّ حجاب الهيكل. لم يعد للهيكل دور يلعبه. فكل إنسان يصل إلى الله مباشرة (رج 29:15- 32).

3- سؤال عظيم الكهنة (14: 60- 65)
دلّ مرقس أولاً على الرباط الوثيق بين يسوع والله. إنه يقيم عن يمين الله، أي يشاركه في سلطانه. واستعار اسم ابن الإنسان. هي عبارة تعود إلى العهد القديم (دا 7)، ففي زمن الاضطهادات، عبرّ هذا الشخص السري عن رجاء المؤمنين. اليوم هناك مضطهدون أقوى منهم وهم يحكمون عليهم. ولكن غداً مع ابن الإنسان الذي يصوّر صاعداً إلى السماء بجانب الله، معه سيكونون هم أيضاً عن يمين الله. حينئذ تنقلب الأدوار: يدين المؤمنون الأمم التي كانت تضطهدهم.
وشموع ابن الإنسان لاقى الألم والموت، ولكنه لم يُسحق. لقد أعطى معنى لهذه الاحداث: قام بعبور يتيح له بان يحيا كله مع الله: ومعه شعب كامل سيقوم بهذا العبور عينه. لقد انقلب الوضع: ظن الناس أنهم يحاكموا يسوع. في الواقع، هم يحاكمون نفوسهم حين يرفضون الوسيلة الوحيدة للعبور إلى الله، يرفضون أن يتقبلّوا الابن. إنهم يهزأون بالنبي الذي يكشف لنا وجه الله الحقيقي ويعطينا الوسيلة لنحيا معه حياة تامة.


د- موت يسوع (14: 66- 15: 47).
ووصل اليهود. إلى أهدافهم. حكموا على يسوع بالموت. وصادق بيلاطس الروماني على قرارهم. بدا وكأن كل شيء انتهى. وحتى بطرس نفسه استسلم (14: 66- 72). ومع ذلك، ففي خبر موت يسوع يحدث شيء جديد: ضابط روماني، وثني، يعلن ايمانه بيسوع: "حقاً كان هذا الرجل ابن الله" (39:15).
عرفت التوراة هذه العبارة فطبّقتها على الشعب وعلى من يلعب دوراً خاصاً في الشعب، وهو الملك. إنها تشير إلى علاقة وثيقة بالله. ولكن هنا، وبسبب كل ما عاشه يسوع، تتخذ العبارة معنى قوياً جداً. إنها تعيد أمامنا اعلان المؤمنين الأولين: أن يسوع هذا هو الله بالذات.
كل شيء صار واضحاً، ولا حاجة إلى سر نخفيه بعد اليوم. فلا التباس ممكناً. هذا المصلوب هو المسيح وابن الله. ففي كل خبر الآلام، قدّم لنا مرقس الوقائع بطريقة موضوعية، مهما كانت مذهلة، ومهما صدمت القارئ. ففشل الصليب وعثاره يكشفان وجهاً جديداً لله: لا قوّة فوق قوّة المحبّة التي تذهب إلى النهاية وحتى بذل الحياة. مثل هذا الحب لا يقدر أن يفرض نفسه. إنه يُفرض بحريّة على خيار البشر فيبقى الجواب لهم.
إن فعل ايمان هذا الوثني هو بداية شعب جديد سيلتئم حول يسوع، ولا يكون محدداً في بلد أو في أمة من الامم. فالإنجيل يكرز به لكل خليقة.

هـ- خاتمة الإنجيل
هناك خاتمة ثانية (9:16- 20) تقدّم ملخصاً لاخبار الظهور كما ذكرتها الأناجيل الاخرى. إنها تعبّر عن سر يسوع وشهادة الرسل. ولكننا سنتوقّف عند الخاتمة الاولى في 16: 1- 8.
نقرأ هذه الآيات الثمانية فنبقى على جوعنا. ما الذي حدث بعد ذلك؟
كانت النسوة نشيطات، ولكن الأحداث تجاوزتهنّ. لم يصل بلاغ مهم، ويسوع غائب. إن عمل الله يحيرّنا ويذهلنا. ومع ذلك، هناك إشارة ثمينة بقيت لنا: "إنه يسبقكم إلى الجليل". الجليل موضع مهم في انجيل مرقس: إنه ملتقى الأمم، ويرمز إلى الانفتاح على الوثنيين. ولكن الجليل يعيدنا أيضاً إلى بداية الإنجيل: "وجاء يسوع إلى الجليل" (1: 14).
وهكذا يدعونا الإنجيلي لكي نعود إلى الكتاب، إلى بدء انجيل يسوع المسيح ابن الله. فالكلمة القديمة التي اعلنت في الامس، يجب أن تعلن اليوم في جماعاتنا فتخلق كلمة جديدة. ومع هذه الكلمة نتعرّف إلى ذلك الذي يبدو غائباً ولكنه يسبقنا إلى جليل حياتنا اليومية. هذا ما فعله مؤمنو رومة ساعة رافقوا مرقس في مسيرته. وهكذا نفعل نحن.

 

 

الفصل التاسع والعشرون
انجيل متى
كتاب بدايات يسوع 
ف 1- 4
ونتابع قراءتنا للانجيل فنصل إلى انجيل متى الذي دوّن حوالي سنة 80.
تتحدث كل لوائح الرسل عن شخص اسمه متى (3:10؛ مر 18:3؛ لو 15:6؛ أع 1: 13). ويصفه انجيل متى بانه كان عشاراً وجابي ضرائب (9: 9). وارتبط الإنجيل الاول باكراً بمتى الرسول في الكنيسة. وهذا الإنجيل يعكس حياة واهتمامات جماعة مسيحية من أصل يهودي.
لن نقدّم تصميماً محدداً عن هذا الإنجيل، بل نتوقف عند اربع مراحل (تبرز في اربعة فصول). نقدّم في كل مرحلة معطيات عامة ونتوقف عند هذا النص أو ذاك متساءلين عمّا يخبرنا عن جماعة متى ومسيرتها في التعرّف إلى يسوع.
يتحدث هذا الفصل الأول عن كتاب بدايات يسوع وينقسم قسمين: اناجيل الطفولة ثم يوحنا المعمدان.

أ- أناجيل الطفولة (ف 1- 2)
حين نفتح أولى صفحات انجيل متى سنقرأ شيئاً لم نقرأ مثله عند مرقس: خبر أصوله يسوع، جذور يسوع (طفولته). هو خبر يدعونا إلى التأمل. هناك أولاً لائحة بأسماء لا تعني لنا الشيء الكثير. ثم أحداث تجعلنا نفكّر: هل حصلت هذه الأمور بهذا الشكل؟ ماذا نجد في مت 1-2؟

1- تتميم
إذا قرأنا هذين الفصلين بتمعّن نكتشف ردة (أو: قرار ولازمة) تعود بصورة منتظمة: "وحصل كل هذا ليتمّ ما قاله الرب بالنبي" (1: 22؛ 2: 5؛ 2: 15؛ 17:2؛ 23:2).
يقدّم لنا الكاتب مفتاحاً ندخل به إلى جوّ كتابه. إنه يبيّن العلاقة الوثيقة بين تاريخ الشعب اليهودي ومجيء يسوع المسيح. واستعمل فعل "تم" ليدلّ على هذه العلاقة. فاللفظة التي اختارها تساعده على القول بأن هناك شيئاً جديداً حصل: مجيء يسوع. ولكن هذا الجديد لا يُلغي ما كان قبله، أي: تاريخ شعب إسرائيل. فما سوف يعيشه يسوع يلقي ضوءاً على التاريخ الماضي ويعطيه معناه الحقيقي. وصل التاريخ إلى هدفه ولكنه لم يصبح نافلاً. فهو ايضاً يلقي بضوئه على حياة يسوع. وفي هذا التاريخ سيكتشف يسوع شيئاً فشيئاً معنى رسالته وطريقة القيام بها.

2- شجرة العائلة (1: 1- 17)
نجد مثل هذه "الشجرة" في التوراة. فاليهودي يهتم بأن يبرهن عن انتمائه إلى الشعب المختار، فيذكر سلسلة الاجداد، يذكر نسبه. ويسوع متجذّر في تاريخ شعبه. إنه ابن داود، ابن ابراهيم. وبعد قليل، سيحدّد متى موقعه الجغرافي في الناصرة، وموقعه الفكري مع هؤلاء المعمِّدين الذين يسمّون " نذراء" (2: 23).

3- عمانوئيل (1: 18- 24)
يورد مت 1 :23 نص أش 7: 14 (ها إن الصبية، العذراء، تحبل). ما حدث في الأمس يتحقّق اليوم. في الأمس كانت ولادة ابن الملك أحاز علامة عن حضور الله وسط شعبه. واليوم، بصورة جديدة ونهائية، صار مجيء يسوع العلامة بان الله هو عمانوئيل، أي الله معنا. الله معنا لاما الرمز، بل في الحقيقة، من خلاله هذا الطفل.
وأبرز متى دور الروح القدس في ولادة يسوع. ففي العهد القديم أعطي الروح لبعض الأشخاص من أجل مهمّة محددة. مثلاً، القضاة أي هؤلاء الذين يخلّصون شعبهم (قض 6:14). أو الانبياء مثل أش 61: 1: "روح الرب الاله عليّ". فهذا الروح سيلعب دوراً مهماً حين يتدّخل الله فيجدّد شعبه وينقيّه من خطاياه، ويعيد إليه الحياة (حز 36- 37).
مع يسوع الذي وُلد من الروح، يأتي ذلك "الذي يخلّص شعبه من خطاياهم". وسيبدأ يسوع مهمته بدفع من الروح القدس (3: 16؛ 4: 1). وسيكون الأمر كذلك بالنسبة إلى التلاميذ. إن المبادرة في هذه الأحداث تعود إلى الله.

4- مزاحمة بين ملكين (2: 1- 12)
يسوع هو ملك اليهود. عرفه الوثنيون وعبدوه. غير أن الملك هيرودس يريد موته. عمّ الاظطراب أورشليم كلها، والعلماء اليهود لا يتحرّكون، لا يخاطرون. هذا ما يلّخص المأساة التي هي في قلب انجيل متى: رفض اليهود أن يؤمنوا بيسوع. هم لا يريدون ملكوت السماوات الذي يقدّمه يسوع لهم، والذي يحتلّ فيه الوثنيون، الامم، مكانهم بجانب اليهود (8: 10- 20؛ 12: 18- 21؛ 15: 21- 28؛ 24: 14؛ 28: 19).
لا شك في أن التتميم الذي عرضه يسوع يذهب أبعد مما تصوّره الرجاء اليهودي: يستطيع الوثنيون- في رأيه- أن يأتوا للقاء الله، يستطيعون أن يعبدوا الاله الحقيقي، شرط "أن يصعدوا إلى أورشليم" (أش 2: 2- 3؛ 60: 1- 6) أي: يحرّرون في إطار الديانة اليهودية. لا، ليس هذا رأي يسوع ولا رأي الكنيسة فيما بعد. ولهذا، سيبتعد يسوع عن شعبه. والكنيسة، الجماعة الجديدة، ستكون علامة لمجيء هذا الملكوت، ملكوت السماء.
5- يسوع إسرائيل الجديد (2: 13- 23)
سيعيش يسوع من جديد كل تاريخ إسرائيل، وكل تاريخ إسرائيل سيحيا فيه. نزل إلى مصر وصعد. وعاد من المنفى مثل الشعب سنة 538 ق.م (ار 2: 17 يشير إلى هذا المنفى). في يسوع يتجدّد خبر موسى: هرب من غضب فرعون الذي أراد أن يقتله (خر 2: 15). عاد إلى اخوته ليحرّرهم، في اليوم الذي عرّفه به الرب: "مات الذين طلبوا حياتك" (خر 4: 13). وهرب يسوع من هيرودس، وعاد ساعة كلّم الملاك يوسف في الحلم.
وسيعود متى إلى تاريخ الشعب في خبر التجربة (ع 1- 11). فأجوبة يسوع إلى المجرّب تستعيد كلمات سفر التثنية التي تشير إلى أحداث الخروج في مصر المروّية في خر 16 (المن). خر 17 (الماء)، خر 23: 20- 33 (الآلهة الكاذبة). كل هذه ذكريات سيّئة لشعب شك بالله، تذمّر على الله. واليوم لا يريد يسوع برهاناً عن قدرة الله من أجل منفعته الشخصية. إنه يعيش مسيرة الانتصار ويكتب تاريخ أمانته لله.
هذان الفصلان هما مقدّمة لانجيل متى بمواضعه الكبرى التي سنتعرّف إليها فيما بعد ولاسيما في الخاتمة (28: 16- 20).

6- ما الذي حدث
نظّن ونحن نقرأ هذين الفصلين أن متّى يفسّر لنا الاحداث كما حصلت بدقة. غير أن همّه ليس في أن يقدّم لنا صورة مفصلّة عن مسيرة هذه الأحداث. إنه يريد أن يساعدنا على اكتشاف هوّية يسوع. لا كما عرفت يوم ولادته، بل كما اكتشفها المؤمنون وعرفوها في أيامه، أي ساعة دوّن انجيله (سنة 80).
وإذ أراد متى أن يصل بنا إلى هذه المعرفة، قدّم الواقع بشكل خبر تاريخي وتفسير الواقع معاً. إذن، إنطلق من وقائع حقيقية ومعروفة: مولد يسوع، موضع مريم ويوسف، هيرودس الذي عُرف عنه أنه قتل عدداً من أبنائه مخافة أن يُعزَل. وفي الوقت عينه، قدّم متى هذه الأحداث وتوسَّع فيها، وقد أراد أن يشركنا في كل ما فهمه عن يسوع انطلاقاً من كل حياته، وعلى ضوء قيامته، وبمساعدة الكتب المقدّسة. ماذا اكتشف؟
هذا الطفل الصغير هو ابن داود الذي جاء يتمّ انتظار شعبه، الذي يثير الحذر والعداوة، الذي يعبده أولئك الذين قبلوا أن يسيروا في الطريق ليتعرّفوا إليه.
إذن، عاد متى إلى قراءة الحدث. ولن نستطيع أبداً أن نفصل بين الحدث وتفسيره، لانهما يرتبطان ارتباطاً وثيقاً. ونستطيع أن نقابل مت 1-2 مع لو 1-2 حيث نجد قراءة اخرى للاحداث عينها.

7- لماذا هذا التشديد على التتميم
متّى هو يهودي الأصل وكذلك جماعته. فقبل سنة 70، ترك مسيحيو أورشليم المدينة المقدّسة ولجأوا إلى شمالي البلاد، بل وصلوا إلى سورية وفينيقية. وساعة دوّن متى انجيله كانت المعارضة على أشدّها بين اليهود الذين ظلّوا أمناء للديانة اليهودية وبين الذين صاروا مسيحيين.
بعد سقوط أورشليم، أعاد اليهود تنظيم صفوفهم. كانوا في زمن يسوع تيارات واحزاباً مختلفة، فلم يبق الآن إلا حزب الفريسيين. أحسّوا بالحاجة إلى الوحدة، فتحجّروا وصلّبوا مواقفهم وهم يعيشون هذه الازمة. حينئذ طردوا المسيحيين من الحياة الدينية اليهودية. وبدت المسيحية هرطقة حقيقية.
وكان تمزّق أحسّ به متى. فأراد أن يبيّن أن الاعتقاد بيسوع المسيح لا يعني إنكاراً لما آمن به اليهود في الأمس. فالتعلّق بيسوع يعطي هذا الايمان كل قيمته. إنه ذلك الذي يتمّ الكتب المقدّسة. ذاك الذي به يتحقّق انتظار عاشه الشعب قروناً عديدة. فيه يتحقّق مجيء ملكوت الله. والكنيسة هي العلامة والشاهدة لكل هذا في نهاية القرن الأوّل.

ب- يوحنا المعمدان (ف 3- 4)
هنا ننتقل إلى يوحنا المعمدان وبداية حياة يسوع العلنية.
يحدّد موقع يوحنا في كل انتظار شعبه. أعلن: "إقترب ملكوت السماوات" (3: 2). هكذا سمّى اليهود ملكوت الله، لأنه لم يكونوا يتجاسرون أن يتلفظوا باسم الله فقالوا: السماء.
وتركّزت كرازة يوحنا على الدينونة القريبة التي لا مساومة فيها ولا تنازلات: "الفأس على أصول الشجر... كل شجرة لا تثمر تقطع" (9:3). إنه لأمر ملّح بأن نبدلّ حياتنا، بأن نتوب.
واستعاد يسوع الكلمات عينها في بداية كرازته (4: 17). هكذا نقلها متى. ولكن معناها تبدّل في فم يسوع. وسيضيع يوحنا فيما بعد حين يرى الطريقة التي بها يشهد يسوع لمجيء هذا الملكوت (2:11- 19). هناك مسافة بين ما يرجوه يوحنا من مجيء المسيح (قاضٍ يدين الناس الذين لم يُقبلوا إلى التوبة)، والطريقة التي بها يلعب يسوع فيها دوره. إنه "الابن الحبيب" الذي اختاره الآب (3: 17) ليحمل رحمة الله وغفرانه، ليخلّص الإنسان لا ليهلكه.
وشدّد متى على وعي يسوع لرسالته وبصورة خاصة في طريقة حياته. وسنرى فيما بعد الخيارات التي يتخذها (16: 1- 4). لقد جاء ليعمل مشيئة الآب (26: 36- 48).

 

 

الفصل الثلاثون
انجيل متى
اقترب ملكوت السماوات 
ف 5- 10

"ومن ذلك الوقت" (4: 17) بدأ يسوع كرازته بالكلام (خطبة الجبل، 5- 7) وبالعمل (سلسلة معجزات، 8- 9). نحن أمام اعلان وبشارة فيهما التعليم والأشفية (23:4؛ 9: 35). وكل هذا يدلّ على سلطان يسوع (29:7؛ 9: 35). وسنجد طوال الإنجيل هذا التعاقب بين الأقوال والأعمال.

أ- العظة على الجبل (ف 5- 7)
جمع متى أقوال يسوع بشكل خطبة كبرى. هذا خاص بمتى الذي قدّم انجيله في اربع خطب أخرى. خطبة الارسال (ف 10). خطبة الامثال (ف 13). خطبة الحياة في الجماعة (ف 18). الخطبة الاسكاتولوجية أو حول نهاية العالم (ف 24- 25).
وتنتهي هذه الخطب كلها بالخاتمة عينها: "ولما أتمّ يسوع" (28:7؛ 11: 1؛ 53:13؛ 19: 1؛ 26: 1). وهكذا يدلّ متّى أن يسوع ترك خمس خطب، كما ترك موسى أسفار الشريعة الخمسة. وهكذا يكون يسوع موسى الجديد الذي جاء يتمّ الشريعة ويعطيها معناها الحقيقي.
تتركز الخطبة الأولى على تتميم الشريعة والانبياء (17:5؛ 7: 12)، على "بر الملكوت". بدأت باعلان التطويبات (5: 3- 12: طوبى للمساكين)، وانتهت بالدعوة إلى العمل (7: 13- 27: أدخلوا من الباب الضيق).
نتوقف عند بجض الكلمات المهمة
أ- ملكوت السماوات (3:5، 10، 19، 20؛ 6: 10، 33؛ 21:7)
حين نتحدّث عن الملكوت نشدّد على أن الله يعمل لإقامة ملكوته. وقد نشدّد أيضاً على نتائج هذا العمل وعلى تقبّل الناس لهذا الملكوت. 
نحن هنا أمام عنصر هام في انتظار إسرائيل. ينتظرون أن يتدّخل الله لإقامة ملكه مع كل ما يتضمّن هذا الانتظار من نتائج سياسية واجتماعية ودينية: استعادة الاستقلال، إقامة العدالة، تنقية شعائر العبادة.

2- البرّ (6:5، 10، 20؛ 33:6)
البرّ كلمة غنية بمعانيها. تدلّ على طريقة بها نعيش علاقات بين البشر تأخذ معياراً الطريقة التي بها يتعامل الله مع البشر. البار هو الذي يتكيّف مع طريقة تصرّف الله.
حين نتحدّث عن البرّ نصوّر موقف ذاك الذي ينظر إلى الله نظرة صحيحة، ويقبل أن تتبدّل حياته. هذان المعنيان يرتبطان ارتباطاً وثيقاً في التوراة حيث يترافق البرّ ومعرفة الله الحقّة (حك 1: 1). ومقابل هذا، إن جهل الله الحقيقي يقود إلى الظلم الاجتماعي والظلم الاجتماعي يجرّنا إلى عبادة الاوثان، إلى العبادات الكاذبة (أش 1: 10- 17).
أخيراً تُستعمل كلمة "بر" لتدل على عمل الله لكي يجعل الإنسان باراً، فيتيح له أن يحبّ كما الله يحبّ. وهذا العمل يظهر بصورة خاصة في يسوع الذي جاء "يتم كل برّ" (15:3).

3- ابوك، ابوكم (ترد كلمة أب 14 مرة)
الآب هو الشخص الرئيسي في هذه الفصول. إنه في قلب هذا الملكوت. هو حاضر، يرى، يعرف ما يحتاج إليه أبناؤه، وهو مستعد أن يجيبهم حين يتوّجهون إليه ويقولون: "أبانا الذي في السموات" (6: 9). 

4- سمعتم أنه قيل... أما أنا فاقول (5: 21، 27، 31، 33، 38، 43)
هذا نداء إلى تجاوز الشريعة القديمة. تكلّم الله في الأمس بموسى. ولكن هذه الكلمة تأخذ كامل وزنها في يسوع الذي يكشف المعنى الأخير للشريعة: أن نحيا حباً لا حدود له. وهذا يذهب بنا أبعد من قواعد نوّد أن نراها ثابتة.

5- صنع (7: 17، 18، 21، 22، 24، 26)
كلمة يونانية واحدة نترجمها بطرق عديدة: حمل (ثمراً)، عمل.
ولا نكتفي بالكلام، بل نصل إلى العمل. نحن كالشجرة، ويجب أن نحمل ثمراً.
كيف نفهم هذه الخطبة؟ أما تبدو برنامجاً نظرياً جميلاً لا يمكن أن يتحقّق؟ إذا حسبناه مجرّد قواعد أخلاقية نطبّقها، يكون جوابنا بالإيجاب. ولكن يكون جوابنا كلاّ إذا اعتبرنا هذه الخطبة صورة لما يحقّقه الآب في يسوع، ابنه الحبيب، لكي يأتي هذا الملكوت المنتظر. إذا اعتبرنا هذه الخطبة أيضا صورة لكل ما يستطيع الآب أن يحقّقه في الذين يقبلون بأن يكونوا أبناءه.
هذه الخطبة تدلّ على فرح الذين يعملون فيكتشفون آخر (هو الله) يعمل فيهم، ويقبلون أن يتركوه يحوّلهم، فيسيرون في طريق تتجاوز عالم المعقول. ولهذا، يستعيد متى التطويبات مشدّداً على استعدادات القلب الضرورية لتقبل واستقبال ملكوت السموات. نستطيع أن نقابل هذه التطويبات مع ما يقوله لو 6: 20- 26.

ب- سلسلة من المعجزات وتفسيرها (ف 8- 9)
هذان الفصلان يميّزان متى في طريقة كتابته. جمع عشر معجزات (عدد أصابع اليد) وفيها اشفية، كلام قدرة، إخراج شياطين.

1- عشر معجزات
تتجمع في ثلاث سلاسل.
السلسلة الأولى (8: 2- 15): ثلاثة أشفية: أبرص، وثني، امرأة. هم مرذولون من المجتمع.
السلسلة الثانية (23:8- 8:9): ثلاث كلمات قدرة: على البحر، على الشياطين، على الخطيئة.
السلسلة الثالثة (18:9- 34): ثلاثة أشفية: إحياء صبية وشفاء النازفة (شاهدتان على قدرة يسوع)، شفاء اعميين (شاهدان)، شفاء أخرس.
حين نقرأ هذه النصوص نكتشف طريقة بنائها. كما نجد فيها علامات مشابهة:
- نجد جوهر الخبر. أقل ما يمكن من التفاصيل (نجد تفاصيل أكثر في مرقس).
- يُلقي متى الضوء على يسوع وعلى المتحدّث معه.
- يشدّد على دور الايمان.
- ويبرز ردّة الفعل عند الناس.

2- تفسير يستند إلى العهد القديم (16:8- 17)
يتميّز العهد القديم بتشديده على تدخل الله في غفران الخطايا (إر 31: 31)، في زوال المرض والضعف اللذين هما من نتائج الخطيئة (أش 35: 5)
ولكي يتحقّق هذا التدخلّ، لا بدّ من شخص يلعب دوراً فاعلاً. هناك عبد الله المتألمّ الذي يتحدّث عنه أشعيا. يستعيد متى كلام أشعيا فيقدّم لنا يسوع على أنه عبد الله المتألّم الذي يحمل آلامنا ليحرّرنا منها. 
وهكذا، ليست معجزات يسوع آيات خارقة تؤمّن نجاح هذا "الشافي". إنها تقابل حاجات حقيقية لدى الناس، وهي علامة عالم جديد جاء يسوع يدّشنه.

3- جماعة التلاميذ
هنا نجد مكانة جماعة التلاميذ ونسمع نداءات لاتباع يسوع (18:8- 22؛ 9: 19- 17؛ 9: 35- 38)
أقحم متى هذه النصوص الثلاثة بعد كل سلسلة من المعجزات، لماذا؟ لأن تعليم يسوع والأشفية تتحدّث عن هذا العالم الجديد الآتي، ولكن لا بدّ من وجود جماعة تكون علامة لهذا الملكوت. ووسط هذه الجماعة، دُعي التلاميذ، وهم يحتاجون أن ينمو "إيمانهم القليل" (8: 26) متطلّعين الى ما يفعله يسوع.
وعمل يسوع هذا يحيرّ. إنه يفجرّ العادات القديمة ويشقّ "الزقاق البالية" ولكن التلاميذ سيختبرون مشاركة يسوع في سلطانه: "فلما شاهد الناس ما جرى، خافوا ومجدّوا الله الذي اعطى البشر (وليس يسوع وحده) هذا السلطان (سلطان مغفرة الخطايا)" (9: 8).

ج- رسالة الاثني عشر (10: 1- 42)
"السلطان" (7: 29؛ 8: 9؛ 9: 6؛ 9: 8؛ 10: 1) الذي أظهره يسوع بالقول والعمل، قد انتقل إلى مجموعة الاثني عشر تلميذاً، إلى الاثني عشر رسولاً. وقد أرسلوا ليشهدوا بدورهم بالقول والعمل أن ملكوت الله قد اقترب. هم لا يستطيعون أن يحتفظوا لنفوسهم بما اخذوه مجاناً، وبما اكتشفوه برفقة يسوع (8:10).
يحدّثنا كل هذا الفصل عن خيارات متطلبة، ضرورية لاتمام هذه الرسالة. وإن آ 24- 25 اللتين هما في قلب الخطبة، تكشفان لنا الأساس الوحيد للالتزام المطلوب، والتبرير الوحيد: هي علاقة وثيقة بين التلميذ ومعلّمه.
في الواقع لن ينطلق التلاميذ إلا بعد القيامة. بعد أن يكونوا خبروا كل وزن سلطان يسوع الذي هو أقوى من الموت. فتستند ثقتهم إلى وعد المعلّم بأن يكون "معهم كل الأيام حتى انقضاء الازمنة" (18:28- 20).

د- جماعة التلاميذ
دوّن متى انجيله ساعة انطبعت الحياة اليهودية بنهاية اورشليم وبنتائج هذه النهاية: ما هو معنى هذا الحدث؟ كيف تتنظّم الجماعة لتتابع عيش ايمانها في وضع مختلف؟
إن التعمّق في هذا الحدث قادهم للتعرّف إلى السبب الحقيقي لهذه الكارثة: عدم ايمان إسرائيل. خيانته للرب. والطريقة الوحيدة للخروج من الأزمة هي العودة إلى ممارسة الشريعة بشكل أدقّ. وهكذا يغفر الله لشعبه ويعيد بناءه. وكان دور المعلمين، دور الاخصائيين في الشريعة جوهرياً. سموا "رابي" أي معلّم. وحدّدوا لائحة الاسفار المقدسة، الاسفار القانونية. وبدأوا يدوّنون التقاليد الشفهية التي ستجمع في التلمود.
في هذا الاطار، أفهم متى المسيحيين معنى العودة إلى الشريعة: ليست في الاكثار من الفرائض، بل في تقبّل يسوع والسير على خطاه.
طريق بسيطة ولكنّها متطلّبة. هل هذا ممكن؟ نعم. فالجماعة المسيحية ما زالت تختبر قدرة المسيح القائم من الموت عبر كل الذين يقبلون أن ينفصلوا عن الشر، عبر كل العميان الذين بدأوا ينظرون، عبر كل الخرس الذين بدأوا يتكلّمون.
وهذه المعجزات ليست من الماضي. إنها آيات تُعطى اليوم للذين يتجاوزون ضعف ايمانهم ليروا في التاريخ الذي يعيشون فيه، حضور ذاك الذي "اخذ عاهاتنا وحمل أمراضنا" (8: 17).

 

 

الفصل الحادي والثلاثون
انجيل متى 
بناء الكنيسة 
ف 11- 18

من هو مع المسيح؟ من هو ضد المسيح؟ هذا هو وقت الخيار قبل ان نتوجّه إلى زمن الكنيسة. وهكذا نكون أمام قسمين: زمن التمييز، زمن الكنيسة.

أ- زمن التمييز (ف 11- 13)
1- خيارات مختلفة
نتجوّل معاً في هذه الفصول ونتعرّف إلى خيارات يقوم بها هؤلاء الذين التقوا بيسوع:
- يوحنا المعمدان ومعه جيل من الناس دُعوا لكي يتعرّفوا إلى يسوع من خلال أعماله (11: 2- 24)
- وحي وصل إلى الصغار، صغار القوم (11: 25- 30).
- الشياطين المطرودون والتفاسير العديدة لهذه العلامة (12: 22- 32).
- آية يونان (12: 38- 42).
- عائلة يسوع الحقيقية (46:12- 50).
- رفض أهل الناصرة ليسوع (13: 53- 58).
إن يسوع يتكلّم ويفعل بسلطان: والذين يسمعونه ويرونه لا يستطيعون أن يبقوا على الحياد. فهناك ردّة فعل عندهم. عليهم أن يتخذّوا موقفاً. إنهم مدعوّون إلى عمل تمييز، إلى التعرّف إلى حضور الملكوت.

2- مثل الزارع (13: 3- 23)
نجد في مثل الزارع عناصر عديدة:

أولاً: المثل في ذاته (آ 3- 9)
يشدد النص على شخص: هو ذلك الذي يزرع. وعلى عمله: خرج ليزرع. وعلى حبوب تقع هنا وهناك، في كل مكان. كم من الحب زُرع بدون فائدة! ولكن رغم هذا الفشل الظاهر، فالقلّة التي تعطيها الحبوب الباقية هي كافية وتزيد.

ثانياً: لماذا يتكلّم يسوع بالامثال (آ 10- 17)
تشدّد هذه الايات على انقسام الناس إلى مجموعتين. الأولى: مجموعة التلاميذ الذين يرون، يسمعون، ويفهمون (لاحظ أهمية فعل فهم: آ 13، 14، 19، 23، 51). الثانية: الآخرون (هم، هؤلاء) ينظرون ولا يرون، يسمعون ولا يسمعون ولا يفهمون. أعطي للأولين أن يعرفوا أسرار ملكوت السماوات. أما الآخرون فلا.
لا نفهم هذه العبارة وكأن الله يعطي هؤلاء ويرفض العطاء لأولئك. هذه هي طريقة التوراة، وهي تدعونا لكي نحسب حساب مبادرة الله وحريّة الإنسان. حين يدعو الله الإنسان فالإنسان يستطيع بكل حرية أن يقوله: لا. ولكن حين يقول نعم، يفرح قلب الله.

ثالثاً: تفسير المثل (آ 18- 23)
لا يشدّد التفسير على ما شدّد عليه المثل، إنه يبرز ردّة فعل الناس الذين سمعوا الكلمة المزّروعة: فهموا أو لم يفهموا. ونرى تلميحات إلى حياة الجماعة: الضيق، الاضطهاد بسبب الكلمة، هموم العالم، سحر الغنى. كل هذا يشكّل حاجزاً يمنع الإنسان من الفهم، ويقيّده فلا يحمل الثمار.

رابعاً: ما هو الموضوع
الموضوع حسب آ 17 هو أن "كثيراً من الانبياء، كثيراً من الأبرار تمنّوا أن يروا". فالله سيزرع في الأيام الأخيرة بذار شعب جديد (هو 2: 23 – 25؛ إر 27:31). وعمل الله هذا بدأ يتحقّق في يسوع.
وإذ استعاد يسوع صورة الزرع أراد أن يعلن أنه يدشّن شيئاً جديداً لا يحمل ثماراً الآن، بل فيما بعد. الآن، الحبة صغيرة، ولكنها مدعوّة لتكبر وتصير شجرة (13: 31- 33).
إن المثل نفسه يعبّر عن ثقة يسوع برسالته. فرغم الخسارة الكبيرة في هذا المنعطف من حياته، وحيث يفترق عنه عدد من الناس، فالكلمة التي يعلنها تحمل ثماراً وثماراً وافرة.
وتفسير المثل هو تأوين جديد قامت به الجماعة. قرأت المثل لا الزمن الذي تعيش فيه. فأبرزت أهميّة الاستعدادات الاخلاقية عند كل مؤمن لكي تحمل الكلمة المعلنة ثماراً. كل واحد مدعو لكي يفهم أن ملكوت الله جاء، وأن علينا أن نستخلص نتائج هذا المجيء في كل حياتنا (44:13- 46: مضى فباع). علينا أن نختار اليوم. وهذا الخيار يُلزم المستقبل بانتظار ذاك اليوم الأخير الذي يقسم الناس إلى أشرار واخيار (13: 24- 30، 36 - 43، 47- 52).
كل هذا قيل في الامثال. لغة بسيطة وصور مأخوذة من الحياة اليومية. ولكن الأمثال صعبة أيضاً، لأن ما تكلّمنا عنه هو عمل بدأ يسوع يحقّقه. فلنتشبّه بالتلاميذ الذين سلّموا أمرهم إلى يسوع ليفهموا كيف أن تقبّل الملكوت الآتي أو رفضه يتمّ في واقع الحياة اليومي.

3- جماعة متى
عرفت الجماعات الأولى في حياتها أزمنة صعبة مثل الاضطهادات، وعرفت أيضاً أوقاتاً هادئة. فهذه الأزمنة "العادية" أتاحت للمؤمنين أن يتعمّقوا في إيمانهم. فمجيء الملكوت في يسوع القائم من الموت لم يقلب العالم كله رأساً على عقب. غير أن هناك شيئاً نهائياً قد ظهر. قد يكون صغيراً الآن، ولكنه مدعو لأن يكبر رغم كل فشل سيلاقيه. كيف نكتشفه؟ كيف نثبت، وماذا نعمل لئلا نكون مؤمنين "إلى حين" (13: 21)، لئلا نكون بلا جذور (13: 6)؟
هذا الوقت هو زمن فيه يتعمّق اللقاء مع يسوع القائم من الموت انطلاقاً من خيارات (ولا سيما حول الغنى والمال) تشهد أننا اخذنا بجد مجيء الملكوت. وفي أماكن أخرى، سيكون انجيل متى نداء للجماعة التي يمكن أن تتعرّض للفتور والكسل (43:5- 48؛ 20: 20- 28؛ 24: 45 -51).

ب- زمن الكنيسة (ف 14- 18)
بعد هذا الخيار الذي تمَّ مع يسوع أو ضد يسوع، بدأت مجموعة الرسل تبني نفسها وتثبّت موقفها.

1- يسوع يطعم خمسة آلاف (13:14- 33)
أولاً: فلما سمع يسوع.
بدأ متى هذا القسم كما فعل في 12:4: ولما سمع يسوع باعتقاله يوحنا، اعتزل ثم بدأ رسالته في الجليل. وهنا اعلان موت يوحنا، جعل يسوع يعتزل ثم يبدأ مرحلة جديدة في رسالته، حيث سيلعب التلاميذ دوراً هاماً. سنجد فيما بعد إشارة إلى هذه المرحلة الجديدة. كتب متى في 4: 17: "منذ ذلك الوقت بدأ". وفي 16: 21: "منذ ذلك الوقت بدأ يسوع المسيح يبينّ".

ثانياً: واعتزل يسوع
نقرأ العبارة أيضاً في 15: 21 و 16: 4. إن اعتزال يسوع هذا كان سببه الفطنة. فهو لا يركض وراء الموت، وإن كان عارفاً بالمصير الذي ينتظره. ولكن في مجمل هذه الفصول، تتّخذ تحركات يسوع شكلاً بارزاً، حين نلاحظ ردّة الفعل عند كل الذين يقتربون منه. ونحن نستطيع أن نقرأ هذه الفصول فنلاحظ المرات التي ترد الفاظ مثل: اقترب، نحو، بقرب، جاء... ونحس كأن يسوع يعتزل (يهرب) ليدفع التلاميذ إلى البحث عنه. فمن خلال كل التحركات الجغرافية المذكورة بتواتر، يشير متى إلى تحرّكات الايمان، إلى مسيرة الايمان. ويزاد على هذا تراجع يسوع عن الشعب اليهودي ساعة يضع أساسات الكنيسة (18:16).

ثالثاً: طعام للشعب (14: 15- 21)
تبدو أهمية هذا الخبر في تدوين الأناجيل بالذات. إنها الحالة الوحيدة التي فيها نجد أخباراً مختلفة لحدث واحد. يرويه متى أيضاً في 32:15- 39. ثم مر 30:6-44؛ 8: 1-10؛ لو 9، 10-17؛ يو 6: 1- 15.
حصل واقع مدهش أثارها الشعب حماساً مسيحانياً وأنمى ايمان التلاميذ. بدا يسوع كنبي الأزمنة الأخيرة الذي يستطيع أن يجمع الشعب في البرية ويطعمه كما فعل موسى في الماضي. وهذا ثابت في آ 22 حيث يوقف يسوع حماس التلاميذ عند حدّه (رج يو 15:6).
حين نقابل هذا الخبر مع ما في مرقس ولوقا، نلاحظ أن متى قريب من خبر تأسيس الافخارستيا (26: 26). ثم إنه يُبرز بشكل أكبر دور التلاميذ: فهم الذين يعطون الخبز للجمع. إتّخذ يسوع المبادرة، ولكنهم أخذوا مسؤوليتهم فتجاوبوا مع جوع الشعب.

رابعاً: يسوع وبطرس يمشيان على الماء (14: 22- 33)
في هذا الخبر، يلاحظ متى بصورة خاصة: واقع القارئ (صورة عن الكنيسة) الذي تلطمه المياه. سير بطرس على الماء: بدأ واثقاً وخائفاً، ثم انتهى باستغاثة أجاب عليها يسوع ليجنّب بطرس الغرق. وأخيراً فعل ايمان التلاميذ: سجدوا له وقالوا: "بالحقيقة انت ابن الله".
إذا أردنا أن نفهم هذا النصّ نتذكّر العقلية البيبلية التي تعتبر البحر مركز قوى الشرّ. ولهذا، فالله وحده يستطيع أن يسيطر على المياه (تك 1: 6 - 10). هو يلعب بوحوش البحر المخيفة (مز 25:104- 26). هو يمشي على البحر (أي 9: 8).
حين يقدّم متى يسوع ماشياً على المياه، فهو يدلّ على هويته بوضوح. إنه الرب الذي أطعم شعبه. والذي ينتزع الكنيسة الآن من العواصف التي تهدّدها. وهذه القدرة يمنحها يسوع لبطرس، ولكن بطرس يتقبّلها بقَدر إيمانه.
هنا تعيش الجماعة الجديدة أيضاً خبر خروج شعب إسرائيل: بعد أن تغذّى بالمن في البرية، عبر بدون ضرر مياه الاردن، ودخل إلى أرض الموعد بفضل تدخلّ الله (يش 3).

2- بطرس يعلن يسوع ابن الله (13:16- 20)
إن المسيح سيبني كنيسته على بطرس. فالكنيسة كلمة قديمة نجدها في التوراة وهي تدلّ على الجماعة الدينيّة. في اليونانية، يعني الفعل دعا، وهو يدلّ على أن تجمع البشر هو أولاً جواب على نداء الله. في العربية، كنيسة تدلّ على الجمع. هناك يجتمع المؤمنون.
سلّم يسوع بطرس سلطان السماح والمنع، الادخال والاخراج (18:18). ولكن بطرس لم يزل بعيداً في مسيرته ليدخل في مخطط الله. عليه أن يمشى وراء يسوع، أن ينكر ذاته ويحمل صليبه. وهذه المرحلة الجديدة في الإنجيل تنطبع، كما عند مرقس، بإنباءات الآلام الثلاثة (16: 21؛ 17: 22- 23؛ 17:20- 19).

3- كيف نعيش في كنيسة (ف 18)
يعطي هذا الفصل بعض عناصر من الجواب:
- نصير مثل الاطفال: فالطفل لا يستطيع أن يعمل شيئاً وحده. لاحقّ له يطالب به. ينتظر كل شيء من الآخرين.
- نحن مسؤولون بعضنا عن بعض. نعمل لكي لا يهلك أحد. نكون متطلّبين الواحد من الآخر. ولكن نتذكّر أنه إن كان الله غفر لنا، فعلينا أن نغفر بدورنا لبعضنا.
- نجتمع لنرفع صلاتنا إلى الآب مع يسوع المسيح الحاضر وسط المؤمنين.
كيف تبدو جماعة متى هنا؟
تحدثنا سابقاً عن العواصف التي مرّت فيها هذه الجماعة. وعبر هذه الفصول نكتشف وعيها بأنها ليست مجموعة من المجموعات، بل هي هذه الكنيسة التي أسّسها يسوع القائم من الموت. أسّسها على إيمان الشهود الأولين ولا سيما بطرس. وتتعمّق في هذا الوعي في لقائها مع الرب القائم من بين الأموات. هذا اللقاء يتمّ بصورة مميّزة في الاحتفال بالافخارستيا. كما يتمّ في شكل جديد من الحياة المشتركة: هنا كلّهم مسؤولون بعضهم عن بعض. ولكن لبعض منهم مسؤولية خاصة. والمؤمنون عبر محاولات التنظيم التي يقومون بها، يكتشفون أيضاً شيئاً من يسوع الذي لا ينفصل عن جماعة التلاميذ.

 

 

الفصل الثاني والثلاثون
انجيل متى
في أورشليم، الآلام والقيامة 
ف 19- 28

ونتوجّه مع القديس متى إلى اورشليم حيث نشهد في قسم اول القطيعة مع السلطات اليهودية وفي قسم ثانٍ ، الموت والقيامة.

أ- القطيعة (ف 19- 23)
1- مت 19-20
وكانت جدالات مع اليهود على طريق أورشليم: من يستطيع أن يدخل إلى ملكوت السماوات؟ ودعا يسوع إلى انقلاب تام في القيم: نكون كالأطفال (13:19- 15). نعطي ما نملك للفقراء (16:19- 30). نخدم ولا نُخدم (20: 20- 28). "الأولون يكونون آخرين. والآخرون يكونون أوّلين" (20: 16؛ رج 19: 30).

2- مت 21- 23
وكانت آخر مواجهات ليسوع في أورشليم. فجَّر يسوع بموقفه الأطر القديمة، أطر الديانة اليهودية والمجتمع الذي يعيش فيه. وأصاب هجومه الهيكل نفسه. منذ الآن يدخله المرذولون: العرج والعميان (21: 14). وتنتهي هذه الفصول بهجوم عنيف على الفريسيين. وظهرت هذه الاتهامات تعبيراً عن حب خاب أمله. "كم مرة أردت أن اجمع بينك مثلما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فلم تريدوا" (37:23).

ب- الفصح ومجيء الملكوت النهائي (ف 24- 28)
أُعلن الملكوت في الكلام والعمل. وها هو يتركز نهائياً بموت يسوع وقيامته. ونجد هنا، كما في كل انجيل متى، تعاقباً بين أقوال يسوع وأعماله: خطبة فيها يعلن نهاية العالم (ف 24- 25). وتحقيق هذه النهاية: خبر الآلام والقيامة (ف 26- 28). ونتوّقف عند بعض النصوص في خبر الآلام.
منذ وقت مبكر، ظهر تقليد يروي خبر الآلام. وقد تكمّل شيئاً فشيئاً. نقله كل انجيلي حسب طريقته وحسب حاجة كنيسته، بعد أن أعادت قراءته كل جماعة وتأملّت فيه.

1- بداية خبر الآلام (26: 1- 5)
هذه المقدمة تدلّ على المعنى الذيِ يعطيه متى لانجيله. فما كان عند مرقس مجرّد اشارة زمنية اتّخذ هنا معنى آخر بتدخل يسوع. قال مر 14: 1: "وقبل عيد الفصح والفطير بيومين، كان رؤساء، الكهنة...". أما متى فقال: "تعرفون ان الفصح يقع بعد يومين، وفيه يسلّم ابن الإنسان ليصلب" (2:26). لقد أعطى يسوع لموته القريب معنى فربطه بعيد الفصح.
بيّن لنا متى كيف أن يسوع يسيطر على الوضع. هو واع لما سوف يحصل له. وهو يتوّجه بحريّة إلى مصيره ليكون أمينا حتى النهاية لرسالته (12:26؛ 18:26).
وشدّد متى على الرباط بين الفصح وواقع آخر هو أن إبن الإنسان سوف يسلم. الفصح عيد مهمّ وهو يتطلّع في الوقت عينه إلى الماضي والحاضر والمستقبل. في الماضي، تذكّر اليهود خروجهم من مصر مع موسى. وهم يعترفون اليوم بانهم مدينون بوجودهم إلى الله المخلّص. ويتطلّعون الى المستقبل وينتظرون الوقت الذي فيه يتدخّل الله، كما تدخّل في الأمس، ليخرج شعبه من العبودية والحكم الأجنبي
ها قد جاء الوقت الذي فيه يتمّ كل شيء. وفعل متى هنا كما فعل في سائر انجيله. عاد مراراً إلى العهد القديم (26: 15، 24، 31، 54، 56؛ 9:27- 10، 34، 35، 43، 46). وهي أيضاً ساعة تتمّ فيها الكتب. لا تعني هذه العبارة أن كل شيء هُيّئ مسبقاً، وأنه كان يكفي أن نقرأ الكتب لكي نعرف ماذا سوف يحدث. بل هي تشير إلى مسيرة ايمان المسيحيين الأوّلين الذين أدركوا ادراكاً افضل معنى هذه الأحداث المؤلمة حين أعادوا قراءة الكتاب المقدّس. ففي تاريخ الشعب كما في حياة يسوع، هناك مخطّط الله الواحد الذي لا يتقدّم إلا عبر المعارضة والألم والموت. غير أن هذه الكتب المقدسة تستنير منذ الآن بنور جديد، بنور موت يسوع وقيامته.

2- موت يسوع (27: 32- 54)
صُلب يسوع ومات.

أولاً: وتمّت الكتب
شدّد متى على هذه التتمة أكثر مما فعل مرقس. مثلاً الهزء في آ 43 يستلهم حك 13:2- 18: فالذي يعذّبه اليهود هو البار الذي لم يستطع ان يعرفه آباؤهم. في هذه الآية نجد أيضاً ايراداً من مز 22 (آ 9) الذي هو نداء استغاثة يطلقه البار المضطهد. وهدف متى هو أن يبيّن كيف أن ما حدث يطابق الكتب المقدسة، أن يسوع يعيش مرة ثانية تاريخ شعبه. وصراخ يسوع في ساعة موته هو الآية الاولى من هذا المزمور 22. فإذا قرأناه كله عرفنا أنه ينتهي بذكر خلاص البار: بعد أن تخلّصني "سأبشر باسمك اخوتي وفي وسط الجماعة أسبحّك".

ثانياً: ظواهر خارقة
يشير الإنجيل إلى ظواهر خارقة حدثت في موت يسوع فدلّت على اتساع المأساة: زلزال (هزة ارضية) صخور تفتحت، موتى عديدون قاموا. هذه الظواهر هي تقليدية في العهد القديم وهي تعلن يوم الدينونة (عا 3:8؛ أش 26: 19؛ حز 37: 12). هو عالم يتدمّر. مع حدث الفصح، جاءت نهاية الأزمنة، واستطاع القديسون ان يدخلوا إلى ملكوت السماوات مع يسوع القائم من الموت. هذه العلامات ستظهر أيضاً في 28: 2: فالقيامة تُعتبر نهاية الأزمنة وانتصار الله على أعدائه، وآخرهم الموت.

3- خاتمة
إن خبر الآلام عند متى هو خبر ترويه جماعة مؤمنين. في هذه الأحداث تمّت الكتب. وفي يسوع مات إسرائيل وقام ليصبح شعباً جديداً واسعاً وسع الكون.
ويسوع هذا هو ابن داود الذي يتمّ تاريخ شعبه. إنه ابن الإنسان الذي يتمّ تاريخ البشر. ليس هو ذلك الإنسان المسحوق، بل ابن الله الذي يلزم نفسه بكل وعي، والذي سلطانه مطلق ولا سلطان فوقه. وحده الايمان يتيح لنا أن ندرك هذا الواقع. المسيرة صعبة والشك (والارتياب) ليس دائما بعيداً عنا (17:28) حتى بعد القيامة. فالرب الذي له كل سلطان، قد أرسل تلاميذه إلى جميع الأمم. وهكذا تتكوّن الكنيسة وهي تشهد ليسوع الذي أراد أن يجمع البشر كلهم (16:28- 20).
ويبقى سؤال مؤلم للمسيحيين الذين من أصل يهودي: مصير إسرائيل الذي رفض ان يعترف بالمسيح! هذا ما حاولت أن يجيب عليه القديس بولس في الرسالة إلى أهل رومة (ف 9- 11).
ومع متى نحن مدعوون أن نكتشف اليوم اصالة هذه الجماعة من المؤمنين، اصالة هذه الكنيسة التي ننتمي إليها. الطمأنينة الوحيدة التي لها هي اعتقادها العميق بحضور القائم من الموت: ها أنا معكم. ولا معنى لوجودها إلا اذا انفتحت باستمرار على جميع الأمم

 

 

الفصل الثالث والثلاثون
لوقا ومؤلّفه في جزئين 
الإنجيل والاعمال

إذا نظرنا إلى الترتيب في أسفار العهد الجديد، نرى أن انجيل يوحنا يفصل بين انجيل لوقا وسفر أعمال الرسل. ولكن قبل ان تنتظم مجموعة الاناجيل الاربعة، كان انجيل لوقا وسفر الاعمال مؤلّفاً واحداً في جزئين، ودرفتين في انجيل واحد: الإنجيل حتى أورشليم، الإنجيل من أورشليم حتى أقاصي الأرض. كاتب الإنجيل هو كاتب الأعمال، وقد اهتمّ بأن لا يفصل يسوع وانجيله عن الذين صاروا بعد القيامة شهوداً له في تاريخ البشر. 
الإنجيل هو البشرى السعيدة كما نقلت بالفعل إلى جميع البشر عبر شهادة الشهود. لهذا، لم يفصل الكاتب خبر يسوع المسيح كحدث عن خبر الرسل الذين حملوا هذا الحدث وأوّنوه في بداية الكنيسة "في أورشليم، في كل اليهودية والسامرة، وحتى أقاصي الأرض " (أع 1: 8).
لوقا هو رجل صار من أجل اخوته كاتباً في خدمة الكلمة. وهو يتكلّم هنا عما عرفه وخبره. سنحدّد أولاً موقع هذا الرجل، ثم نتوّقف عند مؤلّفه الذي ظهر في كتابين، وأخيراً نصل إلى ما يوّحد بين انجيل لوقا وسفر الأعمال.

أ- إنطلاقة الكنيسة
لوقا هو مسيحي وانجيليّ جاء من البعيد. وها هو يدخلنا في الكنيسة الأولى.
تمّت أول بشارة للانجيل أمام اليهود المجتمعين في أورشليم للاحتفال بعيد العنصرة (أع 2: 1- 41) 0 المكان محدّد: أورشليم، مركز العالم اليهودي. وفي الوقت عينه موضع نهاية مسيرة يسوع الذي صُلب وقام. ولكن منذ هذه البداية، أعطت كلمة بطرس للانجيل أفقاً شاملاً (لا أفقاً يهوديا ضيّقاً): "لكم، أنتم اليهود. هُيىء الوعد ولأولادكم، كما لجميع البعيدين (أي: الوثنيين)، بقدر ما يدعو منهم الرب الهنا" (أع 2: 39).
وفي منعطف مهم، ساعة التقى بطرس وكورنيليوس الضابط الروماني، أورد القديس لوقا ملاحظة بطرس التي تدلّ على الاتساع الذي عرفته البشارة: "أرى أن الله في الحقيقة لا يفضّل أحداً على أحد... أرسل كلمته إلى بني إسرائيل: بشارة السلام بيسوع المسيح الذي هو ربّ جميع البشر" (أع 10: 34- 36).
في هذين الوضعين المهمينّ من سفر الأعمال، أظهر الكاتب إحدى اهتماماته التي تشرف على مؤلّفه: لقد أراد أن يفهمنا أن بشارة يسوع المسيح التي أرسلت أولاً إلىٍ بني إسرائيل، قد وصلت إلى عدد كبير من الوثنيين وملأت قلوبهم فرحاً. وهذا الاهتمام يكشف وضع الكاتب ووضع الذين يتوجّه إليهم الإنجيل.
لوقا هو مثلهم واحد من هؤلاء الوثنيين، واحد من "هؤلاء البعيدين ". إنهم بعيدون عن شعب إسرائيل بالتاريخ والثقافة واللغة. وهم بعيدون بصورة خاصة بالايمان. ويعتبر الشعب اليهودي نفسه "القريبين " من الله. ولكن هؤلاء البعيدين صاروا قريبين يوم تعرّفوا إلى يسوع الناصري الذي صُلب وقام، يوم سمعوا البشارة التي حملها إليهم تلاميذ يسوع المسيح.

ب- انطاكية سورية.
الجماعة الأولى في حياة لوقا هي انطاكية سورية. 
كان القديس لوقا في انطاكية يوم ارتدّ الى الايمان المسيحي. هذه المدينة العظيمة كانت عاصمة سورية وأحد مراكز الحضارة اليونانية. ويُعطي سفر الاعمال مكانة كبيرة لتأسيس جماعة مسيحية في هذه المدينة، ويشدّد على أن مع هذا التأسيس حدث شيء حاسم في تاريخ الكنيسة.
إن اضطهاد الكنيسة بعد موت اسطفانس رجماً، سبّب تشتّت جزء كبير من جماعة أورشليم (8: 1- 4). فالذين هربوا كانوا جماعة الهلينيين، أي يهود من أصل غير فلسطيني ارتدوا إلى الايمان بالمسيح. وُلدوا في عالم الشتات، وارتبطوا بمختلف سكان الامبراطورية. تكلّموا اللغة اليونانية وتشّربوا من الحضارة اليونانية فمثلّوا الاتجاه المنفتح والمتطوّر في جماعة أورشليم. وسيطلقون حركة الانفتاح على الوثنيين وخصوصاً حين يصلون إلى انطاكية سورية: "حين وصل بعض منهم، وأصلهم من قبرس والقيروان، وصلوا إلى انطاكية، أخذوا يخاطبون اليونانيين ويبشروّنهم بالرب يسوع " (أع 11: 20).
برزت هذه الجماعة في صورة جديدة: تألّفت من يهود ووثنيين مرتدين، فكانت في أساس امتداد الإنجيل في مناطق حوض البحر المتوسّط. وارتد بولس، ودُعي إلى انطاكية ليبشر فيها. ومن جماعة انطاكية ذهب لرحلة رسولية أولى قادته الى قبرس وآسية الصغرى برفقة برنابا. وِهكذا انطلق بولس على ثلاث دفعات من انطاكية ليحمل اسم المسيح إلى آسية الصغرى ثم إلى اوروبا (أع 13: 1- 3؛ 15: 36- 40؛ 18: 22- 30).
والقسم الثاني من سفر الأعمال المكرّس لنشاط بولس، يتضمّن مقاطع عديدة دوّنت في صيغة المتكلم الجمع (نحن، ذهبنا). إن لوقا يورد في "ذكريات خاصة" الأحداث التي عاشها بولس. مثلاً في أع 16: 10: "فركبنا (نحن، لوقا مع بولس والرفاق) السفينة من ترواس متجّهين إلى ساموتراكية". (ج أع 16: 10- 17؛ 20: 5- 15؛ 21: 1- 18؛ 27: 1 – 28؛ 16).
تدلّ هذه الاشارات على محيط الكاتب وعلى بعض وجهات حياته. إنه يوناني ارتدّ إلى المسيح. قد يكون أصله من انطاكية. وكان معاوناً لبولس في عمل الرسالة. همّه الأوّل أن يتحدّث عن مجيء الوثنيين إلى الايمان المسيحي. هذا المؤمن في الجيل الثاني المسيحي، هذا الوثني المرتدّ الذي اختبر المسيحية، قد بدأ يدوّن كتابه في السنوات 80- 90، فقام بقراءة واسعة لتاريخ الايمان والخلاص. ومنذ القرن الثاني دلّ التقليد على لوقا هذا الطبيب المثقّف الذي يتحدّث عنه بولس في بعض رسائله فيسميه "الصديق والرفيق" (كو 4: 14؛ فلم 24؛ 2 تم 4: 11).

ج- عمل لوقا الإنجيلي
لوقا هو الإنجيلي الوحيد الذي حدّثنا عن طريقته في الكتابة وعن مشروعه الاجمالي. ففي بداية جزئي مؤلّفه (الإنجيل والاعمال) دوّن مقدمة يكّلمنا فيها عن الذي أرسل إليه الكتاب، ويفسّر لنا ما الذي عمله. يقول لنا في بداية الإنجيل لماذا كتب وكيف كتب (لو 1: 1- 4). وعلى عتبة سفر الأعمال ربط الجزئين ببعضهما ودلّ على مضمون الجزء الثاني: إنه يتحدّث عن أعماله تلاميذ يسوع الذي قام من الموت، بعد أن حوّلهم الروح القدس ودفعهم إلى حمل البشارة (أع 1: 1- 5).

1- كاتب يوناني
أراد لوقا بهاتين المقدمتين أن يبينّ أنه مؤرّخ عارف بمهنته في نظر قرائه، فتصّرف كما يتصرف معاصروه المؤرخون اليونانيون. وحين دوّن أعمال الرسل، جعل الاخبار تلي خطباً وضعها في فم شخصيّاته الكبرى، وذلك على مثال كتب التاريخ التي عرفها. واستلهم لوقا أيضاً نهجاً عرفه الأدب اليوناني فقدّم الاشخاص في موازاة ليشدّد على علاقاتهم المتبادلة أو اختلافاتهم: يسوع ويوحنا المعمدان (لو 1- 2). بطرس وبولس: يشبهان بعضهما في الاعمال والخطب والأحداث التي عاشها كل واحد منهما.

2- أسلوب العمل
إذا قرأنا مقدّمة الإنجيل (لو 1: 1- 4) نكتشف كيف عمل لوقا. أقرّ أن أخباراً اخرى دوّنت قبله وحاولت أن تبرز الأحداث الأساسيّة للمؤمنين: حياة يسوع وولادة الكنيسة حتى في العالم الوثني ("الأحداث التي تمّت بيننا"). ومع ذلك، عزم هو أيضاً على أن يبدأ بالعمل: نفترض أنه ما أراد أن يكون نسخة عن سابقيه، بل أن يقدم عملاً مفيداً ومبتكراً.
تيوفيلس هو ممثل هؤلاء المسيحيين "الذين جاؤوا من بعيد"، من العالم الوثني. فكلّهم يحاولون أن يتأملوا في معنى التصاقهم بالمسيح منذ ساعة ارتدادهم. واهتمّ الإنجيلي بان يجعل عمله مرتّباً ومبنياً بناء محكماً، ليصل إلى هدفه. وإذ أراد أن يعمل عمل المؤرخ، تطلّع إلى خدمة فكر لاهوتي وإسناده في الواقع.
لا ينطلق لوقا من عالم التصوّر والخيال. إنه يقوله إنه تقصّى الأمور بدقة واستقى من الينابيع أي من التقليد الإنجيلي الذي بدأ مع "الشهود" وتدوّن بعضه على يد أناس عديدين (لو 1: 1- 2). لقد اهتمّ لوقا بأن يجذّر مؤلّفه في تيار تقليد تعيش فيه الكنيسة منذ أيام يسوع. ولنا مثال على ذلك في بداية اعمال الرسل: اختيار متيا ليحلّ محلّ يهوذا (أع 1: 15- 26).

3- كاتب مطّلع
إن انجيل لوقا قد دوّن عدداً من المواد نجدها في انجيل مرقس. استعادها لوقا حسب الترتيب عينه ولكنّه كيّفها وحوّلها لتوافق مشروعه. وشارك متىّ أيضاً في مجموعات أقوال يسوع. ولكن كلاً منهما بدا حرّاً في استعمال مواده (ق مت 5- 7 ولو 6: 20- 26). أخيراً، يستفيد لوقا من مرجع خاصّ به لا سيما في أخبار الطفولة (لو 1- 2).
وما عمله لوقا في انجيله، قد عمله في سفر الأعمال: أخذ معطيات جاءته من اورشليم وانطاكية. وحين أقام سنتين مع بولس السجين في قيصرية فلسطين، إتصل بفيلبس العامل الأول في تبشير السامرة (أع 8:21 – 9؛ 24: 27؛ رج 6: 1- 6:؛ 8: 5- 40)، واخذ منه معلومات ثمينة.
إذن، لم يكن عمل لوقا عملاً تقريبياً. بل قام به بالدّقة التي عهدها العالم اليوناني في عصره. ودوّنه في يونانية تتفوّق على يونانية متى ومرقس. عرف الترجمة اليونانية للتوراة، وهي المعروفة بالسبعينية، فاستلهمها التعابير واللغة والمفردات، ولا سيما في لو 1- 2. في هذين الفصلين تحدّث عن مولد يوحنا ويسوع، فدلّ بحديثه على أن رجاء إسرائيل يتمّ في مجيء يسوع.

د- مشروع لوقا
عرفنا في لوقا مسيحياً دخل، شأنه شأن عدد كبير من اخوته، في تاريخ جعل من يسوع المسيح حدثاً بالنسبة إلى الوثنيين. هنا تبدأ دهشة المؤمن الذي صاره، وهنا تظهر قوة الروح التي تحرّكه. وهكذا يريد لوقا أن يخبر بدوره "كيف فتح الله للامم (الوثنية) باب الايمان " (أع 14: 27)، "وكيف أنه منذ البدء، اهتمّ بأن يتّخذ من بين الامم (الوثنية) شعباً لاسمه " (أع 15: 14). حينئذ أعطى مشروعه شكل تاريخ خلاص وجغرافية خلاص.

1- تاريخ الخلاص
إختبر لوقا التاريخ اختباراً إيجابياً. فانتظر ككل المسيحيين في عصره انتظار الرب يسوع الذي يدلّ على تتمّة التاريخ البشري (أع 1: 11؛ 3: 20 - 21). ولكن الوضع تغيرّ عما كان عليه لدى المسيحيين الأوّلين الذين اعتبروا عودة الرب قريبة (1 تس 13:4 ي). أما لوقا فعرف أننا بحاجة إلى وقت طويل وإلى تطوّرات عديدة قبل أن ينشر انجيل يسوع المسيح كل امكاناته، فيتعرّف إليه الناس كما تعرّف إليه كاتب الإنجيل الثالث.
وخبرة زمن الكنيسة هذه قادته إلى اعطاء مكانة مركزية لزمن يسوع نفسه. هذا الزمن هو قلب التاريخ. هذا الزمن هو "يوم يسوع " الذي لم يتجاوزه يوم (لو 2: 11؛ 4: 21- 22). ففي حياة ذلك الذي صعد من الجليل إلى أورشليم، كشف الله دوماً عن طريق تجديد لجميع البشر، لجميع المسحوقين. ولكن "وسط هذا الزمن " ليس إلا نقطة وصول واحدة لتاريخ طويل، هو تاريخ إسرائيل. وهذا ما تشهد له الاسفار النبوية حيث حمل وعد الله رجاء الشعب الذي منه خرج يسوع (أع 23:13).
إختار لوقا هذه النظرة التاريخية التي وُلدت من تفكيره في ولادة ايمانه الخاص، لكي يعرض مشروعه: تاريخ خلاص الله وسط البشر. والازمنة الثلاثة المهمة (زمن الوعد، زمن المسيح، زمن الكنيسة) هي امتداد دينامية الروح القدس. فالخروج الذي حرّك الأنبياء، قد ظهر في عمل الروح ووزّعه على المؤمنين الذين يختبرونه في حياتهم وفي حياة البشر الذين يرتدّون (أع 2: 32- 33). وزمن الكنيسة، زمن جماعة تلاميذ يسوع المرسلين والمتحرّكين وسط البشر، هو زمن الروح القدس.
وهكذا، وبعد المدخل القصير (لو 1: 1- 4) تتوالى حقبات هذا التاريخ في مؤلف لوقا كما يلي:
- زمن الوعد الذي تمّ بمجيء يسوع: لو 1: 5- 13:4
- زمن يسوع: لو 14:4- 53:24
- زمن الكنيسة: أعمال الرسل

2- جغرافية الخلاص
جاء لوقا "من البعيد" إلى الايمان بيسوع الناصري، فرأى في يسوع هذا المائت والقائم من الموت "رب جميع البشر". "فما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص" (أع 4: 12). إنه عرف انه انطلاقاً من أورشليم، وبفضل جرأة الشهود والمرسلين، سار طريق الإنجيل وتوغّل في البعيد، فدلّ على النداء الذي تضمنته حياة يسوع ومسيرته الصاعدة من الناصرة إلى أورشليم. وآمن أخيراً، أنه ليس من الضروري أن يصير الواحد يهودياً بممارسة شريعة موسى لكي يرى الله في يسوع المسيح الذي يعطي حياته ملء معناها (أع 15: 5- 21).
غير أن لوقا لا ينسى أن هذا الانفتاح على الأمم قد انطلق من الشعب اليهودي في فلسطين. على هذه الارض المحيطة بأورشليم كان نشاط يسوع الجليلي الذي أنهى حياته كنبي مقتول، أنهاها بالموت على الصليب. وقد بدأ تاريخ الايمان في أورشليم يوم رأى تلاميذ المصلوب معلّمهم حياً واخذوا يخبرون الناس عنه. أجل، أورشليم هي المركز التاريخي والجغرافي للاحداث التي أسّست الايمان.
ولكن لوقا يعتبر أنه لا بدّ من ان نتجاوز أورشليم. فالحي، يسوع القائم من الموت، هو دائماً في مكان آخر. هو حيث يحيا الناس ويرتدّون إلى الايمان. فالإنجيل يُسمع ويُرى ويُعبرَّ عنه في كل اللغات وفي كل الثقافات (أع 2: 1- 13). ومن المعقول أن يكون لوقا قد تأثر، شأنه شأن كل المسيحيين في عصره، بدمار أورشليم سنة 70، ففسَّر هذا الحدث على ضوء ما قيل عن حياة يسوع، وعن العلاقات المتوترة بين العالم اليهودي والكنيسة الناشئة.
إذن، رتّب لوقا جزئي مؤلّفه ترتيباً جغرافياً حول أورشليم. بدأ الإنجيل في هيكل أورشليم مع مديح التلاميذ الذين يحتفلون بقيامة الرب (53:24). وقد كان خير الطفولة موجّهاً بصعودين إلى الهيكل، يوم قدّم يسوع وهو ابن 40 يوماً، ويوم أضاعه والداه وهو ابن اثني عشر عاماً (لو 2: 22، 41). أما نشاط يسوع، بعد الحقبة الجليلية، فهو يُعرض ويفسَّر في إطار صعود إلى أورشليم، إلى المدينة "التي تقتل الانبياء" (9: 51 - 19: 28).
بعد هذا، يتوّقف الخبر في عاصمة العالم اليهودي: هذا الموضع هو الذروة في بناء لوقا الادبي. فيه انتهى مصير يسوع على الأرض، وكانت ظهوراته بعد القيامة. ومن أورشليم حمل القائم (من الموت) أنظار تلاميذه نحو العالم الواسع، نحو "أقاصي الارض " (أع 1: 8). وكان ذلك بعد أن اعلن لهم عن مجيء الروح. وستصبح رومة حيث وصل بولس كسجين من أجل الإنجيل، القطب الرمزي لعالم البشر. هم متنوّعون، هم مختلفون، هم مشتتون. إنهم ينتظرون من يحمل إليهم الإنجيل، هذه البشرى السعيدة، وهم سيستمعون إليها (أع 28: 28).

 

 

الفصل الرابع والثلاثون
انجيل لوقا
يسوع في الجليل
1 : 5 – 9 : 50

نستطيع الآن أن ندخل في الكتاب الأوّل من مؤلّف لوقا، في انجيل لوقا. هناك جزء أول يروي ولادة يسوع وطفولته والاستعداد لرسالته. إنه مقدّمة للانجيل والأعمال وفيه يعبرّ لوقا عن إيمانه بيسوع إبن الله الذي هو خاتمة تاريخ بشري طويل وخاتمة رجاء شعب إسرائيل (1: 5- 13:4). بعد هذا، يعرض علينا لوقا مراحل الطريق الذي يدعونا أن نسير فيه مع يسوع. إنها مراحل أربع:
- تمّ زمان الوعد، 1: 5- 4: 13
- أعلن الإنجيل في الجليل، 4: 14- 9: 50
- طريق أورشليم، 9: 51- 19: 28
- آلام الرب وقيامته، 19: 29- 24: 53.
نتوقف في فصل أول على المرحلتين الأوليين، ونترك المرحلتين الأخيرتين إلى فصل لاحق.

أ- تم زمن الوعد (1: 5- 13:4)
أراد لوقا أن يبين أن مجيء يسوع يتسجّل في تاريخ شعب. ماذا عمل؟ قدّم في الوقت عينه وبطريقة موازية خبري أصول وبداية نشاط يوحنا المعمدان ويسوع. فيوحنا المعمدان وكل أشخاص اخبار الطفولة هم في نظر لوقا صور في العهد القديم. فالعهد القديم كلّه هو نبوءة عن المسيح ورجاء في تتميم وعد الله. وها قد جاء المسيح (2: 11) وتمّ زمن الوعد (3: 25- 32).

1- يقينات الكاتب
إن افتتاح هذا المطلع المليء بتلميحات إلى العهد القديم يبرز يقينات الكاتب:
* 1: 5- 56: بشارتان متوازيتان بمولد يوحنا ويسوع. إلتقيا وتصافحا في حشا أمهما. يسوع هو الرب الذي يقفز أمامه يوحنا من الفرح (39:1- 45).
* 1: 57- 2: 52: خبران متوازيان عن ولادتهما وطفولتهما. وحيّا زكريا مولد ابنه على انه مولد نبي أرسل ليعدّ الطريق (1: 76)0 أما مولد يسوع فهو مولد المسيح الرب والمخلّص. وتكلّم يسوع للمرة الأولى في الهيكل فتحدّث عن أبيه (49:2- 50).
* 3: 1- 20: عرف لوقا نشاط المعمدان على أنه نشاط يختفي اختفاءً كليًّا عن المسرح حين يظهر يسوع. فلا يشير حتى إلى حضور يوحنا حين يتحدّث عن عماد يسوع. مع يسوع نجد بداية زمن جديد.
* 3: 21- 4: 13: ثلاث متتاليات (العماد، النسب، التجارب في البرية) تبين أن بيسوع هو عضو في شعبه، هو إبن شعبه. وهو في الوقت عينه إبن الله الذي تتجذّر حياته وعمله في قدرة الروح وديناميته (3: 22- 38؛ 4: 1، 3، 9؛ رج 1: 35).
هذا البناء بما فيه من اقتراب واختلاف بين شخصي يوحنا المعمدان ويسوع، يتيح لنا أن نشدّد على التواصل بين حقبتين في تاريخ الخلاص وأن نبين من هو يسوع. إذن، عمل لوقا هو عمل تفسير لاهوتي. عَمِل كعالم، فاستعاد العناصر التقليدية وامكانيات التعبير التي تقدّمها التوراة، وحاوَل أن يحدّث القارئ عن إيمان الكنيسة بيسوع الناصري الذي هو المسيح وابن الله والمخلّص. وهذا ما نكتشفه في خبرين في هذه المجموعة.

2- البشارة بمولد يسوع (1: 26- 38)
إن تصوير هذه البشارة وتنظيمها ولغتها، تستلهم مختلف نصوص العهد القديم بفنونه الأدبية: أقوال عن الولادة (تك 16: 11- 12؛ أش 8: 14)؛ رؤى- وحي (الملاك، الخوف، البلاغ)؛ خبر نداء من أجل مهمّة (الرب معك، احتجاج بالضعف، تعطى علامة، قض 6: 11- 24). إن طرق التعبير هذه متشعبة بالنسبة إلينا. ولكنها كانت قريبة من المسيحيين الأوّلين المتّصلين بالتوراة. هي طرق رمزية وهي تساعدنا على التعبير عن إيماننا بيسوع: منذ القيامة قد رأوا فيه المسيح الرب وابن الله، وأعلنوا إيمانهم به، وشهدوا لهذا الإيمان.
"إبتهجي يا من رضي الله عنك، الرب معك " (آ 28، أو: السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمة). مريم، أم يسوع، تمثّل أورشليم التي تتقبّل بشرى الخلاص: فرح وحماس. فالله بنفسه سيعمل في قلب شعبه (صف 14:3؛ زك 9:9).
إن ابن مريم سيكون المسيح، سيكون من نسلٍ داود (آ 12- 33). يحقّق الوعد المعطى لداود بخلف يؤمّن لشعبه عهداً من السعادة النهائية وسلاماً دائماً (2 صم 7). ولكنه يُسمّى أيضاً ابن الله، ليس فقط كونه مسيحاً، ولكن بسبب مجيء الروح القدس على مريم، بسبب قدرة الله التي تغمرها بظلها (تظللها): يدل هذا الاسلوب على أن يسوع هو في مريم حضور الله الأكيد والقدوس والمحيي في شعبه (آ 43- 37). وكما غطّت الغمامة بظلّها تابوت العهد الذي امتلأ من مجد الله (في سفر الخروج)، هكذا يسمّى يسوع حضور الله ومجده وسط شعبه منذ وجوده في حشا مريم التي تظلّلها قدرة الله (1: 32 خر 40: 34).
وقدّمت مريم "اعتراضاً": هذا مستحيل على البشر. هذا لا يتصوّره بشر. وجاء جواب الملاك فعبرّ عن إيمان لوقا وإيمان الكنيسة في عصره: ففي شخص يسوع الناصري وحياته كابن مريم، الله العلي والذي يختلف عنا كل الاختلاف، الله التزم بعالم البشر وأعطى ذاته لهم بصورة شخصيّة. يسوع هو الوحي الكامل لله (سمّاه أباه). وهو منذ البدء ابن الله.
إذن، لا يتركز النص بصورة مباشرة على مريم، وعلى كيفية الحبل، بل على المسيح وعلى هويّته العميقة. وما يسند موضوع الحبل البتولي، حبل مريم بيسوع (آ 34) هو اعتقاد يقيني لدى المؤمنين: لا أب ليسوع إلاّ الله، لأن علاقة الإتحاد والتعبير بينهما هي فريدة. والإيمان وحده يتيح لنا أن نتقبل (كما تقبلت مريم) عطية الله هذه (آ 38، 45).

3- نسب يسوع (3: 23- 38)
قدّم متى هو أيضاً نسب يسوع، سلسلة "أجداده "، وذلك في بداية خبر طفولة يسوع (مت 1: 1- 17). أما لوقا فجعل سلسلة أجداد يسوع في موضع آخر. بين العماد والتجارب في البريّة: "ولما ابتدأ يسوع (بعمله التبشيري)، كان عمره نحو ثلاثين سنة" (23:3).
ماذا نكتشف حين نقابل هذين النسبين؟ إختلف لوقا عن متى، فعاد بزمن يسوع إلى آدم، أبي جميع البشر والرامز إليهم. بل عاد إلى الله، لأنه ينهي اللائحة بهذه العبارة: "ابن ادم، ابن الله ". يسوع هو ابن الله عبر نسل آدم، وهو بالتالي أخ لجميع البشر. لقد تضامن مع الجماعة البشرية، مع الناس جميعاً: فمجيئه وحياته يتيحان للجميع بأن يروا خلاص الله (3: 6). هو لوقا الوثني المرتد يؤكد البعد الشامل (المسكوني) للايمان بالمسيح.
ويدلّ هذا النسب على أن يسوع هو آدم الجديد، الإنسان الجديد، ونقطة انطلاق بشرية جديدة. أما مشهد العماد والتجارب اللذان يهيّئان هما أيضاً الطريق لدخول يسوع على المسرح، فهما يدلاّن على أن ابن الله يريد أن يكون متضامناً "مع الشعب كله " وقد أخذ تاريخه على عاتقه.
إعتمد يسوع، شأنه شأن الجميع، فشهد لهذا التضامن. وفي ذلك الوقت، دلّ الله على يسوع أنه المسيح (3: 21- 22). ولكنه مسيح يرفض الأبهّات ووسائل القوة السياسية أو "الخارقة، الفائقة الطبيعة": هذا هو مضمون التجارب: ستعرض على يسوع دوماً هذه الوسائل البشرية. سيرفضها مختاراً حالة عبد الله المتألم، حالة أخوته بما فيها من ضعف وسير في طريق الألم والموت. منذ الآن، أُعلنت محاكمة يسوع وموته (4: 13: فارقه إلى حين. أي سيعود الشيطان إلى يسوع خلال الآلام). وقلب لوقا ترتيب التجارب كما نجده في نص متى الموازي (مت 4: 1- 11). جعل التجربة الأخيرة في أورشليم، لأن فيها تنتهي مسيرة يسوع وجهاده.

ب- إعلان الإنجيل في الجليل (2: 14- 9: 50)
تبع لوقا التقليد المشترك، فأخبرنا كيف أن يسوع بدأ يمارس عمله التبشيري في الجليل. وقد وعى لوقا أن الإنجيل أعلن أولاً إلى شعب إسرائيل. والحواجز التي اعترضت يسوع في بلاده لم تمنع نور الإنجيل من أن يسطع. "فلا خفي إلاّ سيظهر، ولا مكتوم إلا سيُعلَم ويُعلن " (17:8). فبعد الحقبة الخفية والصعبة التي عرفها عمل يسوع في فلسطين، ستكشف القيامة هذا النور الإلهي وستعرّف الشهادة الرسولية العالم كله على كلمة الله وما فيها من جديد.

1- يسوع في المجمع (14:4- 30)
هذا المشهد الأول يدشّن القسم كله ويوجّهه. ألّفه الإنجيلي بنفسه منطلقاً من عناصر أخذها من التقليد: شرع يسوع يتكلّم في مجمع الناصرة بلدته. أشار متى ومرقس إلى تدخل يسوع في الناصرة. وجعلا هذا التدخّل في نهاية المرحلة الجليلية (مر 6: 1- 6، مت 13: 54- 58). ولاحظا مثل لوقا، أن كلام يسوع أثار الدهشة والشك عند أبناء بلدته الذين يرفضون رسالته في النهاية. إستعاد لوقا هذه العناصر فبنى خبراً جعله في رأس هذه المجموعة كحدث نموذجي: كل عمل يسوع في الجليل وفي فلسطين يستضيء بهذه الآية.
يشبه مجمع الناصرة سائر المجامع اليهودية التي سيتحدّث فيها يسوع، كما يشبه المجامع التي دخل إليها المرسلون المسيحيون الأولون حين كانوا خارج فلسطين (15:4؛ أع 13: 5). كما فعل يسوع هنا، فعل في أي مكان آخر. وكما فعل يسوع فعل تلاميذه.
دُعي يسوع إلى الكلام وتفسير الكتاب المقدس (آ 16- 20). كانت ردّات الفعل متضاربة. وفي النهاية رفضوا يسوع بسبب أصله الوضيع. لقد فضّل السامعون الآيات الألهية أو المعجزات "السهلة" التي ينتظرونها من مرسلي الله: فهي تعفيهم من الإرتداد ومن تقبّل الكلمة النبوية (آ 22- 24). حينئذ "هاجمهم " يسوع وربط عمله بحدثين أخذهما مع حياة النبيين إيليا واليشاع: كلامهما وعملهما لم يؤثرا ببنبي إسرائيل، بل أثّرا بالوثنيين. هذه التلميحات كانت السبب في الحكم عليه. فأخرجه اليهود من المجمع وأرادوا أن يرموه "خارج المدينة"، أن يقتلوه. أما هو فتابع طريقه (آ 25- 30).
يفسرّ هذا المشهد، كما بناه لوقا، مسألة خطيرة هي عدم إيمان إسرائيل بيسوع. وصلت البشارة الى اليهود أولاً منذ بدايات الكنيسة ولكنهم رفضوها! وسيصّور لنا لوقا المنعطف الكبير في الرسالة الى الوثنيين، ساعة تكلّم بولس وبرنابا في مجمع إنطاكية بسيدية (أع 13: 13- 44). هذا المشهد يلقي الضؤ على مصير يسوع: منذ البداية رذله شعب إسرائيل وهدّده بالموت (آ29)0 أما الوثنيون فقبلوه ساعة أعلنت لهم كلمته. رأوه فعرفوا فيه النبي الذي مسحه الروح القدس. رأوا فيه المسيح.
إن شخص يسوع وكلمته هما البشرى السعيدة المحمولة للفقراء (آ 18). والإنجيل هو خمير تحرير وقوة خلاص لكل الأسرى والمظلومين. لقد تجنّد الله بروحه في هذا العمل المحرّر الذي يتجاوب وانتظار البشر الطويل. فاليوم الذي يُتم الكتاب كلمة الله هو كل يوم فيه يدفعنا يسوع بكلمته لنختار مستقبل حرية لجميع المظلومين في الأرض.
وفي منطق هذا المشهد الأول وعلى ضوئه، سيلاحظ لوقا المعارضة المتنامية التي يبديها مسؤولو الشعب اليهودي. فكل ما قاله يسوع وعمله هو مناسبة ليشكّوا به وليتّهموه: شفى المرضى، أكل مع الخطأة، استقبل المرأة الخاطئة (5: 21، 30؛ 6: 11؛ 7: 33- 34، 39). وسيذكر هذا التعنّت بعد أن يعلم يسوع يوحنا المعمدان في سجنه بأن "المساكين يتلقّون البشارة" (7: 18- 23) حين يرون أعماله.
حينئذ قدّم يسوع هذه الخلاصة: "جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً، فقلتم، فيه شيطان (أي: أضاع رشده). وجاء ابن الإنسان يكل ويشرب فقلتم: هذا رجل أكول وسكير، وصديق لجباة الضرائب والخاطئين " (7: 33- 34).

2- طوبى لكم أيها المساكين
ومقابل هذا الموقف الرافض، شدّد لوقا على الاستقبال الذي لقيه يسوع لدى الشعب والجموع (6: 17- 19؛ 7: 19). والتلاميذ الذين اختارهم هم دوماً قريبون من الناس: سيكونون "صيادي بشر"، كما كانوا صيادي سمك (5: 1- 11). ويدلّ لوقا على اتحاد التلاميذ بالجموع في مجموعة أدبية خاصة (6: 12- 7: 1). "رفع يسوع عينيه نحو تلاميذه " (6: 20). "ألقى يسوع هذه الأقوال في مسامع الناس " (7: 1). وهكذا أعلن يسوع التطويبات ثم الخطبة الطويلة التي هي امتداد للتطويبات.
هذه الخطبة هي قريبة من خطبة الجبل (مت 5- 7)، ولكنها ليست بطولها. والطريقة التي بها يورد لوقا التطويبات لها معنى خاص. هو يورد أربع تطويبات لا تسعاً كما فعل متى. ولكنه أرفقها بتهديدات قاسية تناقض هذه التطويبات. "طوبى لكم (ما أسعدكم) أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله ". "ولكن الويل لكم (ما أتعسكم) أيها الأغنياء، لأنكم نلتم عزاءكم " (6: 20، 24). إن هذه السلسلة من التعارضات تدل على واقعية وجذرية الخيارات التي نقوم بها، أمام البشارة المقدمة للفقراء ومجيء الملكوت (4: 18؛ 7: 22).
يتحدّث يسوع في إنجيل لوقا بأسلوب مباشر: طوبى لكم، الويل لكم. إنه يوجّه كلامه إلى فئة حقيقية من الناس. إنه يحكم على الوضع الحاضر ويحكم عليه بقوة الإنجيل. ونجد لفظة "الآن" التي تزاد في التعارضات الثلاث الأولى فتؤثر في السامعين وتقيم رباطاً حاسماً بين ملكوت الله وبين أوضاع حقيقية وحاضرة: فملكوت الله هو عالم الله الجديد مع البشر. عالم يسير مسيرته وهو سيأتي. أما علاماته فهي التطويبات في واقع حياة البشر وتاريخهم.
هذا هو الانقلاب في مجيء ملكوت الله. وإذ أراد لوقا أن يجعله أمراً محسوساً، أعطى على التوالي مثلين عمّا يستطيع إنجيل يسوع أن يفعله فينا لكي يحوّل حياتنا. الأول: إيمان الضابط الروماني: "لم أجد مثل هذا الإيمان حتى في إسرائيل " (7: 9). والثاني: "استقبال يسوع لامرأة يرذلها المجتمع لأنها خاطئة، ويقبلها هو بسبب حبّها العظيم (36:7- 50). وإقامة ابن أرملة نائين من الموت دلّ أيضاً على الامكانيات الجذرية في هذه الحياة الجديدة التي تقدّم للبشر حين يصل إليهم يسوع (7: 11- 17). 
كان لوقا دقيقاً في تقديم الشق الثاني من خبره. أشار مسبقاً إلى دخول الوثنيين إلى الإيمان في شخص الضابط الروماني مع أنه تجنّب استعماله تقليد مرقس (مع أنه يستلهمه) حوله ذهاب يسوع إلى خارج المنطقة اليهودية (مر 7: 24- 27:8). ففي نظر لوقا، تبقى الرسالة في أرض غريبة خاصة بزمن الكنيسة، وستكون موضوع سفر الأعمال.
وكما بدأ كل شيء في الناصرة بنظرة إلى رذل يسوع وموته (18:4- 30)، توضّحت هذه النظرة في نهاية الطريق عبر الجليل: انباءان بالآلام. ولكن لا يستطيع التلاميذ أن يقبلوا هذا الكلام، إلاّ بعد ارتداد في عقليتهم وتصوّرهم للأمور (9: 18- 27؛ 9: 43-50). وإن هذين الانباءين أبرزا حدث التجلي بشكل يلفت النظر: ستنكشف هوية يسوع بشكل ساطع حين. يتمّ صعوده (في اليونانية: خروجه) إلى أورشليم. وجاء موسى وإيليا (الشريعة والأنبياء) يشهدان لمجد يسوع المائت والقائم ويدعوان إلى الأمل. 
وجمع لوقا جمعاً قوياً نظرتي ألم المسيح ومجده، بحيث لم يعد هناك إلا حركة واحدة، انطلاقة واحدة، خروج واحد (9: 28- 36). وبلفظة "خروج " شبّه لوقا عبور المسيح الى الحياة عن طريق الموت، بعبور إسرائيل من عالم العبودية إلى عالم الحرية.

 

 

 

الفصل الخامس والثلاثون
إنجيل لوقا
الصعود إلى أورشليم والموت والقيامة
9: 51 – 24: 53

تحدّثنا في مرحلتين أوليين عن تتمة الزمان الموعود وعن اعلان الإنجيل في الجليل. فيبقى علينا أن نتحدّث في هذا الفصل عن المرحلتين الأخيرتين: طريق أورشليم (9: 51- 19: 28)، آلام الرب وقيامته (29:19- 53:24).
ونبدأ بالمرحلة الأولى.

أ- طريق أورشليم (9: 51- 19: 28).
هذا الخبر من إنجيل لوقا هو قسم مبتكر جداً. فخلال عشرة فصول يجعلنا الإنجيلي نرافق يسوع على طريق أورشليم: عاد إلى تقليد لا نجد له أثراً إلاّ في إنجيله، واستفاد من مرجع استقى منه متى أيضاً. ولهذا بدت هذه المجموعة متشعبة: إنها تضم أقوالاً وأعمالاً تنبّهنا إلى معنى الأحداث التي ستحصل في أورشليم.

1- طريق المسيح وطريق التلاميذ
هناك مبدأان ينظّمان هذا الجزء الكبير في النص، وقد أعطاناهما لوقا منذ البداية.
* المبدأ الأول: يتعلّق خصوصاً بالطريق الذي سيتخذه يسوع بحزم وعزم، ويتوجّه فيه إلى أورشليم حيث يتمّ اختطافه (ارتفاعه، أي موته وقيامته) (9: 51)، صعوده أي عودته إلى الآب (أع 1: 2، 11:). والاختطاف قد يعني فقط الموت. هكذا اختطف ايليا وذهب إلى السماء. نشير هنا إلى أن لوقا عاد إلى إيليا ليتحدّث عن يسوع (4: 25- 27؛ 9: 30).
جمع لوقا هذه المقاطع وبناها بشكل "صعود إلى أورشليم" ليفهمنا البُعد العميق للآلام والقيامة: هناك دينامية واحدة تجمع الصعود الذي هو مسيرة يسوع وعزمه على الانطلاق إلى أورشليم من أجل "قتال" حاسم، وهذا الصعود السري نحو الآب الذي هو فصح يسوع وقيامته. وسيعود موضوع عزم يسوع على الصعود إلى أورشليم مراراً، فنتعرّف إلى مصير يسوع، ذلك النبي المقتول (13: 22- 33؛ 17: 11؛ 18: 31؛ 28:19).
* المبدأ الثاني: إلحاح على التلاميذ وعلى البشر بأن يختاروا الطريق التي اختارها يسوع. هيّأهم لانطلاقته. ولكن هذه التهيئة ليست قبل كل شيء إعلاماً وإنباء عمّا سيحصل. إنّها نداء لالتزام شخصي، لاختيار نمط حياة متطلّبة يجعلنا شبيهين بيسوع. "وبينما هم سائرون، قال له رجل في الطريق: أتبعك أينما تذهب. فأجابه يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أعشاش. وأما ابن الإنسان فما له موضع يسند إليه رأسه" (57:9 – 60).
الاستعداد (الجهوز) للعمل، وحس المستقبل وملكوت الله يجعلان المؤمن جديراً بأن يتميّز علامات الزمن الحاضر.

2- نقطة حرجة: المال
هناك امتحان حاسم: موقف المؤمن تجاه المال، تجاه ما يرمز إليه وما يفعله في علاقات البشر بعضهم ببعض. لقد تعرّفنا إلى اهتمام لوقا بالتعلق بالمال حين تحدّثنا عن التطويبات كما ترد عنده. وها هو يعود هنا إلى الفكرة عينها ويشدّد ليؤكّد على ما في الإنجيل من بعد حرج يجسّده التلاميذ في الواقع اليومي (12: 13- 30؛ 14: 12- 33؛ 16: 1- 31؛ 18: 18 -30، 19: 1-10).
وحين يتكلّم لوقا عن كنيسة أورشليم الفتية (أع 2: 42- 5: 42) ستبدو له المشاركة الفعلية في خيرات الأرض علامة الحياة الجديدة، علامة العلاقات الجديدة التي يبنيها الإنجيل بين البشر.
لماذا يتكلّم لوقا بهذه الطريقة؟ إنه يتوجّه إلى الجماعات المسيحية العائشة في المدن الهلنستية حيث الفصل بين الأغنياء والفقراء على أشدّه. ذكّرهم أن كلمة يسوع "والنار التي جاء يحملها على الأرض" (49:12) تحكم على الواقع البشري، تحوّل الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يسيطر عليه التعبّد للمال والبحث عن المنفعة الشخصية (13:16). 

3- الوحي عن الآب
يجب أن نختار بين الله والمال. ودلّ لوقا على أساس هذا الخيار في وحي كشف فيه يسوع عن الله الآب. وهذا الوحي ينبع من خبرة يسوع. فقد أشار الإنجيلي مراراً وفي أوقات حاسمة من خبره إلى صلاة يسوع (3: 21؛ 5: 16؛ 6: 12؛ 18:9، 28، 29). وفي هذا الجزء، يورد لوقا كلام يسوع وهو يصليّ: "أحمدك، أيها الآب، يا ربّ السماء والأرض، لأنك أظهرت لصغار القوم ما أخفيته عن الحكماء والفهماء" (10: 21- 22).
وحين رأى التلاميذ يسوع يصليّ سألوه: "يا ربّ، علّمنا أن نصليّ كما علّم يوحنا تلاميذه". حينئذ أعطاهم كلمات "الآبانا"، كلمات الصلاة الربيّة (11: 1- 4). وعمل يسوع، وصعوده إلى أورشليم، والخيار الذي يعرضه على الذين يريدون أن يتبعوه، كل هذا لا يفهم بدون قوة الحب للآب. فالصلاة تنتمي إلى دينامية حياة يسوع. وهي أيضاً بُعد هام يكوّن إيمان الإنسان.
ويعود الكشف عن الآب في ثلاثة أمثال (15: 1- 32)، أشهرها مثل الإبن الذي كان ضالاً فوُجد: فالإبن الضالة والإبن الأكبر يتواجهان كما يتواجه الخطأة والفريسيون. الأولون يرتدّون، يفحصون ذواتهم. والآخرون هم أكيدون من نفوسهم، أقوياء بضميرهم "المرتاح"، لا يتسامحون في أي شيء ويغارون على سلطتهم "وبرّهم". الابن الضال يبدو حراً. والبكر هو العبد. طلب يسوع منّا أن نتعدّى الظواهر لكي نرى. وفي النهاية، وحدها قوى الحب والتسامح والمشاركة تفعل كما فعلت ساعة التقى الأب بابنه الضال، فتخلق عالماً جديداً، تخلق العيد الذي يدلّ على ملكوت الآب.
هذه الأمثال وتلك التي تنهي صعود يسوع إلى أورشليم (19: 11- 27) تعكس كلام لوقا الذي ما أراد أن يروي مسيرة الرب نحو الأحداث الحاسمة في أورشليم، وكأنها من الماضي (مع أنها حصلت منذ 50 سنة ونيف). لقد أراد لوقا أن يجعل قرّاءه (ونحن منهم) أمام خيارات لا تزال حاضرة، خيارات نقوم بها. وان لم نفعل كانت الانطلاقة بدون جدوى. فالآلام والقيامة لا تكشف عن معناها الحقيقي إلاّ بهذه الشروط.

ب- آلام الرب وقيامته (19: 29- 24: 53)
وهكذا نصل إلى المرحلة الأخيرة، إلى الأحداث الحاسمة في أورشليم. 

1- تجاوز أورشليم
إن خبر محاكمة يسوع وآلامه وقيامته يحتلّ ذروة الإنجيل. وقد خلق لوقا في القارئ هذا الانشداد الذي يقود إلى هذه الذروة. أورشليم هي محور جغرافية الخلاص وتاريخ الخلاص. ويحدّد الخبر بينهما أحداثاً تتواصل ولا تتوقّف إلاّ في أع 8: 1، أي ساعة يقوم حاملو الإنجيل على خطى اسطفانس، فيبدأون الرحلة الكبرى إلى أقاصي الأرض.
إن الدينامية الخاصة بالآلام والقيامة تكمن في تجاوز أورشليم. وهنا المفارقة. إذ يُبرز لوقا مكانة أورشليم المركزية، يُعلن في الوقت عينه دمارها الذي يربطه بموقفها الرافض ليسوع. ثم يجعل في فم يسوع كلاماً ينبئ بهذا الدمار. هذا الكلام استلهم الخبر الذي كان قد حدث (سنة 70) قبل إن يكتب لوقا انجيله حوالي سنة 85 (ق 19: 41- 44؛ 21: 20- 24؛ 28:23- 31 مع مر 13: 14- 19).
إذا ألقينا نظرة إجمالية إلى الأحداث، نجد الرسمة عينها عند لوقا ومرقس ومتى. ولكن لوقا يصوغ خبره بطريقة ترينا في آلام يسوع وقيامته تحقيقاً لنبوءات العهد القديم: "أما كان يجب على المسيح أن يتألم ليدخل في مجده"؟ وبدأ بموسى وبسائر الأنبياء فشرح لهم ما جاء عنه في جميع الكتب المقدسة (24: 26- 27).
يرى المؤمنون أن الكتب المقدسة تشهد على أمانة الله عبر التاريخ. هناك أحداث مثل الخروج، وأشخاص مثل عبد الله المتألم، صاروا علامة لما تستطيع هذه الأمانة أن تصنع بواسطة البشر ومن أجل البشر. ويرى لوقا أن يسوع الذي إختار الطريق التي تقوده الى الموت تتوافق مع شهادة الكتب. وهكذا تجاوب مع أمانة الله ودلّ عليها. هذا هو معنى "وجب" (على المسيح)، ومعنى تحقيق النبوءات.

2- المواجهات الأخيرة (19: 29- 21: 38)
بدأت المواجهات بين يسوع والسلطات منذ النزول من جبل الزيتون وساعة أخذت جماعة التلاميذ تعلن يسوع كالملك المسيح. حينئذ بكى يسوع على اورشليم التي لم تعرف يوم افتقادها، أي يوماً افتقدها (زارها) الله فيه (29:19- 44). وبعد خبر طرد الباعة من الهيكل، يبدأ خبر رسالة يسوع في أورشليم.
إن موضع وموضوع هذه المجادلات الأخيرة، وخطبة يسوع على نهاية العالم، هي الهيكل والعالم اليهودي الذي يرمز إليه الهيكل. "وكان يسوع في النهار يعلّم في الهيكل، وعند المساء يخرج ليبيت في جبل الزيتون. وكان الشعب كلّه يبكّر إليه في الهيكل ليسمع كلامه" (21: 37-38؛ رج 19: 47- 20: 1). ويشدّد لوقا بصورة خاصة على تحديد المكان. فكلمة يسوع وحضوره في الهيكل، في قلب العالم اليهودي، يحملان الخطر ولا يطاقان. وسيحدث الشيء عينه حين يتحدث بطرس ويوحنا عن يسوع أمام جمهور تجمّع في الهيكل: أمرهم المجلس أن يسكتوا ولا يعودوا يتلفظون بهذا الاسم في هذا المكان (أع 18:4؛ 28:5).

3- آلام يسوع (22: 1- 23: 56)
إقترب لوقا من سائر الإنجيليّين بلُحمة خبره. ولكننا نجد أحداثاً خاصة تشهد على يقينات يبرزها في مكان آخر من انجيله: نية سيّئة ومعارضة حتى الموت من قبل مسؤولي الشعب اليهودي، والمجلس وهيرودس (23: 2، 6- 12). دينونة أورشليم (23: 27- 31). قوة الغفران (23: 34، 39- 43). ونلاحظ أيضاً ميل لوقا إلى التخفيف من مسؤولية بيلاطس الحاكم الروماني (23: 4، 13، 22).
ويحدّثنا لوقا بطريقة مبتكرة عن عشاء يسوع الأخير مع تلاميذه (22: 14- 38). هذا العشاء هو في الوقت عينه اعلان عن زمن الكنيسة والتلاميذ بواسطة خطبة هي امتداد لتأسيس الافخارستيا (آ 21- 38)، وتتميم للفصح اليهودي بما فيه من تذكّر للتحرّر من مصر بواسطة تلميحات إلى طقس العشاء الفصحي (آ 14- 20؛ خر 12).
إنّ لكلمات يسوع في بداية العشاء هدفين: إنه يدخل بحرية في الحدث من أجل العهد الجديد. وفصحه يرتبط بملكوت الله الآتي. حين يورد لوقا كلمات تأسيس الأفخارستيا، تبدو كلماته شبيهةً بكلمات القديس بولس في 1 كور (11: 23- 26). فالممارسة الافخارستية التي عرفها لوقا هي التي عرفتها الجماعات البولسية. وعبارة "إصنعوا هذا لذكري" تؤكد وجهة نظر لوقا وبولس: إن افخارستيا الجماعات المسيحية تؤون عشاء يسوع الأخير، تدل على معناه التحريري، وعلى علاقته بملكوت الله الآتي، واستمرارية العهد الجديد الذي نلناه كاملاً بحياة يسوع المبذولة، بحبّه، بموته.
وأن يبقى مفعول موت يسوع مستمراً ومؤوناً (الآن)، هذا هو معنى الخطبة التي تلت التأسيس (آ 21-38). صاغها لوقا منطلقاً من عناصر خاصة به، ومن أخرى وضعها سائر الإنجيليين في قرائن أخرى. مثلاً بدّل لوقا محل كلمة يسوع عن الخدمة كما وردت لدى متى ومرقس في نهاية نشاط يسوع في الجليل (مت 20: 25- 28)، ولهذا التبديل معناه. فكلمات يسوع الأخيرة توجّه نظرهم إلى مستقبلهم، والى نوعية الحياة والخيار اللذين يميّزانهم. فخدمة الأخوة تستلهم موقف يسوع الذي كان بين أخصائه كالخادم. واذا كان هناك من فشل وتراخ، يبقى علينا أن نتسلّح بالرجاء والصلاة، أن نثق بيسوع كما يثق هو بنا. إن زمن الكنيسة يُشبه الزمن الذي فيه أوقف يسوع: إنه زمن المحنة. فينبغي علينا أن نبيع كل شيء ونتسلّح بأقوى سلاح من أجل هذه المجابهة.
وتسير مسيرة آلام يسوع بحسب لوقا، مطبوعة بحرّية يسوع. إنها حرب ناشطة ضد "قوى الظلمة"، ضد قدرة الشرّ التي عادت الى المسرح في شخص ابليس (3:22، 31، 53؛ رج 13:4). وكلمات يسوع على الصليب تعبّر بصورة واضحة عن هذه الحرية عينها التي لا تستسلم، بل تتّمم نفسها في عطاء الذات يقوم به يسوع تجاه الآب وتجاه البشر: "إغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون"؛ "اليوم تكون معي"؛ "يا أبت، في يديك أستوح روحي" (23: 34، 43، 46). وسيشهد يسوع أمام المجلس الذي يسأله، عن الرجاء بالقيامة: "منذ الآن سترون ابن الإنسان جالساً عن يمين الله القدير" (69:22). إكتفى متّى ومرقس بإعلان مجيء ابن الإنسان في نهاية الأزمنة. أما لوقا فربط الايمان بالقائم من الموت برجاء يسوع الشخصي، بكلمته الأكيدة، بحريته النبوية في حضرة الآب.

4- انجيل القيامة
تقع كل الأحداث في أورشليم أو في جوارها، سواء حدث القبر الفارغ أو الظهورات المختلفة. إتّخذ لوقا موقفاً تعرفنا إليه فأبقانا بعد القيامة في أورشليم: ففي أورشليم وُلدت الكنيسة وأرسلت من أجل الشهادة بفضل روح القائم من الموت. فعنصرة الجماعة الآتية هي حاضرة منذ الآن في القيامة كالبذرة في الثمرة. "وسأرسل عليكم ما وعد به أبي. فأقيموا في أورشليم إلى أن تحلّ عليكم القوة من العلى" (49:24). إذن، سجّل لوقا زمن الكنيسة في أفق القسم الأول من مؤلفه (أي الإنجيل). وسيكون القسم الثاني، أي أعمال الرسل، تحقيقا في التاريخ لوعد قام به يومَ الفصح القائمُ من الأموات.
ولكن لوقا يهتم بأن يوصل هذا القسم الأوّل من مؤلّفه إلى نهايته. لهذا ذكر صعود يسوع مرة أولى في يوم الفصح هذا (24: 50- 53). أجل، لقد أنهى يسوع طريقه وقاد مهمته إلى كمالها. والقيامة هي هذا الانطلاق وهذا الطريق إلى السماء (الآب). إنه يتم ويحوّل "خروجه" وطريقه وسط البشر، يتم هذا الصعود الطويل من الجليل إلى أورشليم (9: 30، 51). فمنذ مجمع الناصرة تابع طريقه في الحرية والأمانة (4: 30). ففي نظر لوقا، تكشف القيامة عن معنى هذه المسيرة وديناميتها العميقة. لقد وصلت هذه المسيرة إلى هدفها. المسيرة وسط البشر والمسيرة نحو الآب هما زمنان في حركة واحدة. إنجيل يسوع كله هو إنجيل القيامة وقيامة يسوع هي أيضاً قيامة انجيله كله، وتكملة إنجيله وايصاله إلينا في تواصلية واستمرار.
ويُروى الظهور لتلميذَي عماوس (24: 13- 35) ليردّ المسيحيين إلى يقين الايمان الذي "يشعل" القلب. نحن أمام تعليم عن ولادة الإيمان الفصحي. لم يعرفا في الطريق ذاك الذي جاء إلى لقائهما (آ 13- 16). لقد مات رجاؤهما مع يسوع. ولكن هذا "الرفيق" بدأ يكلّمهما في الطريق عن المسيح على ضوء الكتب المقدّسة. ثم اتّكأ معهما إلى المائدة وكسر الخبز وأعطاهما. "حينئذ انفتحت عيونهما وعرفاه" (آ 28- 32). إن يسوع القائم من الموت قد جعل هذين الرجلين يسيران في طريق أوصلهما إلى الإيمان. بدأا يقولان كل ما يظنّان أنهما يعرفانه عنه: نبي من الأنبياء انتهت حياته بالموت. ولكن تبدّل كل شيء حين بدأ هو يكلمهما ويشرح لهما، حين كشف لهما المنطق العميق لحياته على ضوء كلام الله. حينئذ ظهر معنى حياته كحب ذهب إلى النهاية، في علامة ضعيفة هي خبز يُكسر كما في العشاء الأخير.
حين أورد لوقا هذه الخبرة عن تلميذي عمّاوس كما حملها إليه التقليد، كان واعياً بأن تذكّر خبر يسوع لا يكفي لكي نتعرّف إليه حياً. لابدّ من مبادرة يسوع ولقائه بنا في جماعة الكلمة والخبز، في كنيسة شهود ذاك المصلوب الذي قام من بين الأموات (آ: 33- 35).

 

 

الفصل السادس والثلاثون
أعمال الرسل
ولادة الكنيسة في أورشليم
1: 1 – 5: 42

ترك لنا لوقا مؤلّفاً في جزئين: الإنجيل والأعمال. بعد أن تحدّثنا عن الإنجيل الذي أوصلنا إلى أورشليم مع الرسل الذين كانوا "يسبّحون الله ويباركونه" (لو 24: 53)، ننتقل إلى سفر الأعمال الذي سيقودنا من أورشليم إلى رومة مع بولس أسير المسيح. ولكن الكلمة لم تكن اسيرة بل كان بولس يعلنها بجرأة وحرية (28: 31) على كل الذين يزورونه.

أ- نظرة عامة
وُلدت الكنيسة في أورشليم. ومن هناك انطلقت عبر الأزمات التي جعلتها تنضج، وأجبرتها علىٍ اكتشاف ما يفرضه عليها انجيل القائم من الموت. كما انطلقت تدريجياً إلى قلب الأمبراطورية الرومانية، إلى مجمل الأرض المسكونة التي هي المدى الحقيقي لإنجيل. "ستكونون لي شهوداً في أورشليم، لا كل اليهودية والسامرة، وحتى أقاصي الأرض" (1: 8)، أي رومة.
وروى لوقا في سفر الأعمال انتشار انجيل القائم من الموت. لسنا في البداية أمام انتقال جغرافي من أورشليم إلى رومة، بل أمام اكتشاف يتعمّق في قلب الرسالة: الإيمان بالمسيح هو وحده ضروري. كل الناس يستطيعون أن يأتوا إلى هذا الإيمان ويعيشوا منه. والتحدّيات الآتية من الروح القدس ومن البشر، لم تترك الجماعة الفتية تتوقف وترتاح وتتجمّد. والتجذّر في الديانة اليهودية لا يقدر أن يكون عائقاً أمام الحرية الأساسية التي يتجمّع بها وثنيون ارتدوا إلى الإيمان. وجماعة تلاميذ يسوع لم تُولد ولادة حقيقية وتامة إلاّ حين اجتمع اليهود المرتدّون والوثنيون المرتدّون وكانوا متساوين معاً في الإيمان الواحد.
ووصلت الكنيسة إلى نقطة لا يمكن الرجوع عنها. نجد في قلب الخبر "مجمع أورشليم": هناك ستعترف الكنيسة بحرّية الايمان بالنسبة إلى العالم اليهودي، وبالتالي بحرية الرسالة التي لا يقيّدها شيء. نحن أمام منعطف مهم: كل واحد يستطيع أن يبلغ إلى الإيمان وأن يعيشه مهما كان عرقه وثقافته وبلده. قال بطرس: "لماذا تجرّبون الله بأن تضعوا على رقاب التلاميذ نيراً (الشريعة اليهودية) عجز آباؤنا وعجزنا نحن عن حمله؟ خصوصاً ونحن نؤمن أننا نخلص بنعمة الرب يسوع كما هم يخلصون" (15: 10-11).
نحن نفهم اهتمام لوقا بهذا القرار المحرِّر. فقد قدّم الأحداث التي تهيئ هذا القرار، من العنصرة إلى رحلة بولس الرسولية الأولى. وبعد هذا القرار، إستعاد يوميات تحدّث فيها عن رحلات بولس الرسولية، عن محاكمته في قيصرية، عن وصوله إلى رومة.
وهكذا نستطيع أن نقدّم أعمال الرسل في خمس مراحل:
* الرب يسوع، الروح القدس، الشهود: ولادة الكنيسة (1: 1- 41:2).
* الحياة الجماعية في أورشليم (2: 42- 5: 42).
* بداية التحوّل باتجاه الوثنيين (6: 1- 12: 25).
* الرحلة الرسولية الأولى، بولس وبرنابا. مجمع أورشليم (13: 1- 35:15).
* رحلات بولس الأخرى ومحاكمته. لقد وصل الإنجيل إلى أقاصي الأرض (15: 36- 28: 31).
سنتوقف في هذا الفصل عند المرحلتين الأولى والثانية: ولادة الكنيسة، الحياة الجماعية في أورشليم.

ب- ولادة الكنيسة (1: 1- 2: 41)
جعل لوقا. في موضع الاتصال بين زمن يسوع وزمن الكنيسة، خبر فصح يسوع وخبرة التلاميذ الفصحية. ففي يوم العنصرة، حوّل الروح القدس التلاميذ إلى شهود عن القيامة. وكان أول اعلان للإنجيل نموذج كل الإعلانات اللاحقة في أعمال الرسل وثمرة هذا التحوّل الذي جعل الروح القدس من تلاميذ يسوع شهوداً بالقيامة: "فيسوع هذا أقامه الله، ونحن كلّنا شهود على ذلك. فلما رفعه الله بيمينه إلى السماء، نال من الآب الروح القدس الموعود به فأفاضه علينا، وهذا ما تشاهدون وتسمعون" (2: 32- 33).
لا يعارض لوقا نفسه حين يورد "صعودين" ليسوع. ففي نهاية الإنجيل (لو 24: 51)، جعل نفسه في خطّ صعود يسوع إلى أورشليم، فدلّ على أن القيامة هي صعود إلى الآب. وهي كذلك فقط من جهة شخص يسوع وحياته. وتبدّلت الوجهة في بداية سفر الأعمال: هي وجهة نظر الكنيسة في شخص التلاميذ الذين صاروا شهوداً. لقد وُلدت كنيسة الشهادة من خبرة يسوع الحيّ ومن روحه الذي ما زال ينفحها بديناميّته. والأربعون يوماً من الظهورات التي تنتهي بالصعود هي زمن رمزي اعتدنا عليه في الكتاب المقدّس: هو زمن التهيئة، زمن النضوج، زمن المحنة، زمن تفكير واكتشاف. هو زمن وحي لا اللقاء بالله.
وهكذا قبل أن ينطلق يسوع ويغيب غياباً نهائياً عن عالم خبرة الرسل التاريخية "الملموسة"، تهيّأوا لمسؤوليتهم كشهود للقائم من الموت. فالخبرة الأساسية لدى الشهود الأولين للإيمان الفصحي هي حاسمة في نظر لوقا. إنه يختلف عن سائر الإنجيليّين "فيمدّ" (يمط) في الزمن الخبرة الفصحية ويفصّلها أحداثاً متعاقبة بقدر ما تتضمّن وجهات مهمّة للإيمان (لو 24+ أع 1- 2): موت يسوع، القبر الفارغ، الظهورات الأولى، الصعود (كتتميم لمسيرة يسوع)، 40 يوماً، الصعود (إن انطلاق يسوع يدشّن مسؤولية الشهود)، العنصرة.
بالإضافة إلى ذلك، يتوازى خبر بدايات يسوع وخبر بدايات الكنيسة (لو 1- 4؛ أع 1- 2): فبالنسبة إلى يسوع، عمل الروح أيضاً في ولادته وطفولته وبداية حياته العلنية. وحين صاغ لوقا أع 1- 2 كنقطة اتصال بين زمن يسوع وزمن الكنيسة، فقد أراد أن يشدّد بهذه الطريقة، على أن الكنيسة تُولد للرسالة في قوّة الروح بالذات (1: 5، 8).

أ- الصعود (1: 6- 11)
يسوع الحي هو ربّ الجماعة. والصعود إلى السماء يدلّ على تحوّل في حضور يسوع القائم من، لموت، على، انطلاق ضروري من العالم والتاريخ المنظورين بعيوننا البشرية: لا كنيسة من دون ايمان بالرب يسوع. وموضوع عودته في نهاية التاريخ يدل على انشداد الجماعة المؤمنة بسببه وعلى ديناميتها في التاريخ البشري. هذا ما تدلّ عليه أيضاً موهبة الروح من أجل الشهادة: الروح القدس هو القوة التي تعطي الجماعة مستقبلها وجرأتها لتشهد ليسوع في العالم.

2- اختيار متيا (1: 12- 26)
كان اختيار متيا مناسبة للوقا لكي يحدّد موقع التأسيس لمجموعة شهود القيامة، الذين كانوا أيضاً رفاق يسوع التاريخي. الكنيسة رسولية. وهذا يعني أنها تولد باستمرار من العودة إلى شهادة الرسل كما تدوّنت في العهد الجديد عامة وفي الأناجيل بصورة خاصة. واذا كان هؤلاء الشهود مميّزين، فلأنهم كانوا تلاميذ يسوع منذ البداية (معمودية يوحنا) "حتى اليوم الذي فيه رُفع" (1: 22، أي صعد إلى السماء). فالقيامة التي يشهدون لها هي قيامة يسوع الناصري. فشهادة الكنيسة ليست بشيء من دون زمن يسوع، وبالتالي من دون جهاد معه ومثله وسط العالم، حتى الصليب.

3- العنصرة (2: 1- 41)
إنتظرها القارئ منذ بداية الكتاب (1: 2، 4،8)، فجعلت من التلاميذ شهود يسوع القائم من الموت في قوّة الروح. الروح هولا العهد القديم طريقة عمل الله بشكل خلق جديد. الروح لا يُدرك. إنه كالريح. هو حرّ وهو يحرّر. إنه الحياة. إنه الدينامية التي تحوّل القلوب. نحن لا ندركه في ذاته، بل في عمله، بل في الواقع اليومي: في حياة أناس يعملون في الشعب، يرتدون إلى سر الله، يختارون أعمالاً نظنّها مستحيلة في منطق البشر. ويأتي شيء لم نكن ننتظره: عالم جديد وحرّ في الحب والعدالة والسلام.
وحين يورد بطرس نبوءة يوئيل (أع 17:2- 21:) فهو يعبّر عن هذا التحوّل الجذري في عالم صار موضوع انتظار الروح. "أفيض من روحي على جميع البشر. أعمل عجائب فوق في السماء، ومعجزات تحت في الأرض".
إن الروح الذي حلّ، قد عبّر عن نفسه تعبيراً كاملاً ونهائياً في حدث يسوع المسيح. فالروح هو منذ الآن روح يسوع. وإذ أراد بطرس أن يفسّر حدث العنصرة ويوضح معناه، لم يفعل شيئاً سوى أنه أعلن انجيل يسوع في كل ديناميته. وأنهى اعلانه قائلاً: إن يسوع الذي قام هو ذاك الذي يفيض منذ الآن، يمنح الروح الموعود به.
ويمثّل مجيء الروح لا شكل مشهد رمزي، تحوّل التلاميذ إلى شهود جريئين من أجل الإنجيل، والبعد الشامل والتاريخي لحدث أورشليم الذي وصل إلى المسكونة كلها: لقد تحرّكت السماء والأرض (آ 1- 4) والإنجيل الواحد سمعه جميع البشر وسمعه كل واحد في لغة أجداده (آ 5- 13). 
وبعد أن تحدّث لوقا عن الصعود واختيار متيا، قدّم لنا بُعد الكنيسة بما فيه من استمرارية، وبعد كل جماعة: إنها تعيش وتعمل بروح يسوع. وهذا الروح هو ينبوع شهادتها وتجسُّدها في كل لغة، في كل الحضارات، في كل الأوساط. وستأتي عنصرات أخرى تتوزعّ سفر الأعمال في أوقات هامة، فتدلّ على أن العنصرة تطبع بطابعها الكنيسة الفتية (4: 31؛ 10: 44 – 46؛ 19: 6). الروح هو قوة الثورة الإنجيلية في كل واحد منا، فينا جميعاً، وحتى أقاصي المعمورة.

ج- حياة الجماعة في أورشليم (2: 42- 5: 42)
حرّك الإعلان الأول للإنجيل الجماعة، فلاحظ لوقا نموّها بفعل الكلمة (2: 41؛ 4: 4؛ 5: 14). لقد تلاقت بشرى يسوع السعيدة والانتظارات البشرية حين التزم الشهود التزاماً جريئاً بعملهم. وصلاتهم هي طلب شجاعة تجاه عداوة السنهدرين (المجلس الأعلى) الذي أمر بقتل يسوع (4: 2، 17، 21) وهو يهدّد التلاميذ، وهي تنتهي بهذه الكلمات: "هب لعبيدك أن يعلنوا كلمتك بجرأة تامة" (29:4) فالشعب ينتظر الشهود كما كان ينتظر يسوع (12:5- 13).

1- الكنيسة مشاركة ورسالة
يسيطر على خبر حياة الجماعة في أورشليم واقعان أتاحا للوقا، لا أن يروي الماضى فحسب (بدايات كنيسة أورشليم)، بل أن يقدّم لقرّاءه نظرة عمّا يجب أن تكون عليه كنيستهم. هناك أولاً وضع "محاكمة": الكنيسة الفتية هي موضوع مهاجمة من سلطات المجلس الرسمية بسبب اعلان الإنجيل. حين تكلم بطرس ويوحنّا في الهيكل، كان كلامهما سبباً في توقيفهما ومنعهما من التكلّم (3: 1- 4: 22). وبعد وقت قليل أوقف الرسل أيضاً وبعد أن جلدوهم أمروهم بأن يسكتوا (5: 17- 41).
ثم يقدّم لوقا ثلاث لوحات تعرض حياة الجماعة: كيف كانوا يعيشون (2: 42- 47؛ 4: 32- 36؛ 5: 12- 16). وإذا عدنا إلى النص نجد منذ 23:4 حتى اللوحة الثالثة، نجد "كنيسة أورشليم" مجتمعة. 
في هذا العرض تتوالى وجهتان تكوّنان معاً والواحدة بالأخرى حياة الكنيسة: الجماعة والمحاكمة أي الكنيسة المجتمعة والكنيسة المعرّضة للخطر. ثم المشاركة والرسالة، أي الداخل والخارج، الصلاة والشهادة. وتقوم كنيسة يسوع على حركتين: هي تجتمع للاعتراف بيسوع ورفع آيات المديح له. وهي تقدّم ذاتها للبشر لكي تولد فيهم. هي لا تستطيع أن تختار بين الاثنين، بين الصلاة والشهادة، فتأخذ الواحدة وتترك الأخرى. فإن فعلت لم تعد جماعة شهود تحيا وتحمل انجيل يسوع إلى العالم.

2- الهيكل أو اسم يسوع
إذا نظرنا إلى وجهة "المحاكمة"، رأينا موضوعين اهتمّ لوقا بهما اهتماماً خاصاً. الأول، هو أن محاكمة يسوع لم تنته، بل هي تتواصل. فقضية الكنيسة هي قضية اسم يسوع، وقوة النقد في الإنجيل تجعل الكنيسة غير مقبولة لدى العظماء إذا كانت الكنيسة أمينة للإنجيل. نحن أمام موت وحياة الكنيسة على مثال ربهّا. والتقاربات عديدة بين خبر الآلام ونصوص سفر الأعمال.
الموضوع الثاني: العلاقة بالعالم اليهودي الذي يرمز اليه الهيكل، والإيمان بيسوع. فالهيكل الذي فيه أعلن الرسل أمام الشعب اسم يسوع، هو المكان الذي اختاره الله ليقيم فيه اسمه. وأحد مواضيع هذا الجزء الأول من سفر الأعمال هو إعلان اسم يسوع في الهيكل، وهذا ما لا تحتمله السلطات اليهودية.
وهنا يبرز الجدال المهم في الكنيسة الأولى حول قيمة الهيكل ومدلوله بالنسبة إلى المسيحيين: إن اسم يسوع القائم من الموت والإيمان به يجعلان هذا المكان الذي يسكن فيه الاسم (الهيكل) والذي يتعلّق به اليهود تعلّقاً عظيماً والذي دمّر سنة 70، يجعلان هذا المكان ذا قيمة نسبية. وجواب بطرس أمام المجلس يجمل هذا الاعتقاد وهذا الجدال: "ما من إسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص" (12:4).


3- تقاسم الخيرات
تحدّثت اللوحتان الأوليان عن الحياة الجماعية، فشدّدت على تقاسم الخيرات (2: 44- 45؛ 4: 32- 35) وامتدَّت الثانية بخبر كذب حنانيا وسفيرة الذي عاكس الموقف المثالي الذي وقفه برنابا (4: 36- 5: 11). قد نرى في هذه النصوص وقائع متفرّقة. ولكنّنا أمام تجسّد الإنجيل في حياة الجماعة. هناك جزء هام من الحياة البشرية الشخصية والجماعية، يربطه لوقا ببداية الإنجيل والكنيسة.
"وكانوا يداومون على تعليم الرسل وعلى المشاركة الأخوية، على كسر الخبز وعلى الصلوات... وكان المؤمنون كلّهم متّحدين، يجعلون كل ما عندهم مشتركاً بينهم، يبيعون أملاكهم وخيراتهم ويتقاسمون ثمنها على قدرٍ حاجة كل واحد منهم" (2: 42- 45). "وكان جماعة المؤمنين قلباً واحداً وروحاً واحدة، لا يدّعى أحد منهم ملك ما يخصّه، بل كانوا يتشاركون في كل شيء... فما كان أحد منهم في حاجة" (32:4- 34).
ترتبط عبارات لوقا بتقليد بشري قديم. فاليونانيون مثلاً حنّوا إلى بشر موحّدة، يتساوى فيها الناس، يتقاسمون كل ما يملكون، ينعمون معاً بخيرات الأرض، وتكون هذه الخيرات لسعادة البشر والمحافظة على كرامتهم. استعاد لوقا هذه الكلمات الغنية بالآمال البشرية التي خابت، ليقول للناس: في الكنيسة تصبح هذه الآمال حقيقة بسبب الإنجيل. فالكنيسة الفتية تبدو هكذا كأنها بشرية جديدة. أو بالأقل هذه هي دعوتها: أن تحرّك الجديد بين البشر بفضل علاقات جديدة مع الأشياء، مع المال، مع خيرات الأرض. وهذه الدعوة هي جوهرية بحيث سيكون الكذب في هذا المجال (5: 1- 11) أوّل لفشل عرفته الكنيسة الأولى.
وما هو أكيد، هو أن "المقاسمة الأخوية" التي كان المسيحيون الأولون أمناء لها بسبب الإنجيل، لم تكن فقط توافق القلب والروح، بل تحوّل حياة وشهادة في العالم "بقوة القيامة" (4: 33).

 

 

الفصل السابع والثلاثون
أعمال الرسل
انطلاق نحو الوثنيين
6: 1 – 15: 35

هل ستبقى الكنيسة داخل أورشليم؟ هل ستنحصر في العالم اليهودي؟ لو فعلت هذا لكانت شيعة كسائر الشيع اليهودية (الفريسيين). ولكنها خرجت من العالم اليهودي وتوجّهت أولاً إلى العالم اليهودي المتكلّم باليونانية، إلى عالم الهلينيين. وفي مرحلة ثانية، ستتوجّه إلى العالم الوثني في فلسطين أولاً ثم في كل الامبراطورية الرومانية.
قسمان في هذا الفصل: بداية التحوّل باتجّاه الوثنيين، نحو مجمع أورشليم.

أ- بداية التحوّل نحو الوثنيين (6: 1- 12: 25)
"في تلك الأيام... اخذ الهلينيون (أي: اليهود اليونانيون، يتكلمون باليونانية) يتذمّرون على (اليهود) العبرانيين (يتكلّمون بالعبرية) لأن أراملهم لا يأخذن نصيبهّن من المعيشة اليومية" (6: 1). إذن، تألّفت جماعة أورشليم من اتجاهات عديدة: هناك الهلينيون. أصلهم من الشتات وقد ارتدوا إلى الايمان اليهودي. إنهم منفتحون على العالم اليوناني بثقافتهم واحساسهم. وهناك العبرانيون.
أشار لوقا إلى هذه الأزمة، ففتح صفحة جديدة وحاسمة في تاريخ أصول الكنيسة: هي انفتاح المسيحية الأولى على شعوب العالم.

1- كنيسة تتحرّك
أورد القديس لوقا أحداثاً سببّت في خروج المسيحية من العالم اليهودي الضيق. وقارب لوقا بين هذه الأحداث فرأى فيها تأثير عمل الروح أو تدخلاً من الرب (ملاك الرب، رؤى). وإذا توقفنا على مستوى التعبير وتصوير المشاهد، فلوقا يبينّ لنا أن البشارة التي بلغت إلى أناس عديدين كانت عملية شبه مستحيلة في نظر البشر. فإن تمتّ رغم كل شيء، فهذا يعود إلى مفاجأات جاءت من الله، أو من أناس مثل اسطفانس، مثل فيلبس في السامرة، وبولس بعد طريق دمشق. هناك لقاء بطرس وكورنليوس، ووصول المرسلين الأولين إلى انطاكية، عاصمة سورية. وستصبح هذه المدينة نقطة انطلاق الرسالة إلى خارج سورية وفلسطين. 
وتتواصل الأحداث: خطبة اسطفانس واستشهاده في أورشليم (6: 8 - 8: 4)، اعمال فيلبس في السامرة وعلى الشاطئ الفلسطيني (8: 5- 40)، ارتداد بولس ومبادراته الأولى في دمشق ثم في أورشليم (9: 1- 31)، أعمال بطرس ولا سيما مع كورنيليوس (9: 32- 11: 18) ودخوله إلى السجن (12: 1- 19). أما المحطة الكرونولوجية الوحيدة التي تُعطى لنا، فهي ذكر موت الملك هيرودس أغريبا في نيسان سنة 44 (12: 20- 23). وهكذا أفهمنا لوقا أن هذه الأحداث المروية هنا حدثت قبل هذا التاريخ أو بعده.
وأوضح لوقا أن توسّع الكنيسة هذا الذي أثار المشاكل والمعارضات، قد حقق في الواقع كلمة الرب يسوع: "واخذت الكنائس (أو: الكنيسة) في جميع اليهودية والجليل والسامرة تنعم بالسلام. وكانت تنمو وتسير على خوف الرب، وتتوسّع (وتتقوّى) بمعونة الروح القدس " (9: 31؛ رج 1: 8). وشدّد لوقا أيضاً على أن هذا التوسّع هو ثمرة آلام اسطفانس والاضطهاد الذي تبع استشهاده (8: 1- 4). هذا ما حدث بصورة خاصة حين ظهرت كنيسة انطاكية التي كانت باباً مفتوحاً على العالم الوثني (11: 19- 26).

2- ارتداد رجل وثني (10: 1- 18:11)
قد صاغ لوقا صياغة دقيقة خبر ارتداد الضابط كورنيليوس (روماني، وثني). وجعل الأسبقية لبطرس، رئيس مجموعة الاثني عشر، في إعلان الإنجيل للوثنيين (رج 7:15- 11). هذا ما يدلّ على روح التوافق عنده: فالأزمات الكبرى التي عرفها انتقال الإنجيل إلى الوثنيين قد تعدّاها الزمن. تجابه بطرس وبولس في الماضي (غل 2: 11- 21) ولكنهما عملا على قدم المساواة من أجل انفتاح الكنيسة على الرسالة.
إن بناء هذا. النص يدل على البُعد الثوروي لدخول وثني إلى الكنيسة بكامل الحقوق التي لشخص يهودي. وقاربت الرؤى بين بطرس وكورنيليوس. الرؤية التي حصل عليها بطرس بدلّت نفسه فيما يخصّ الأطعمة المحرّمة لدى اليهود، والاتصال بشخص غريب عن الديانة اليهودية. وعرف كورنيليوس من جهة ثانية أن بحثه الطويل وصل إلى نهايته باستضافة حامل الإنجيل.
والتقى الرجلان. فبدأ بطرس يعلن اخوّته الأساسية مع هذا الوثني: "ما أنا إلا بشر مثلك " (26:10). ثم أعلن: "أفهمني (أراني) الله أن لا أحسب أحداً من الناس نجساً أو دنساً، (28:10). وحين حمل بطرس إلى كورنيليوس وأهل بيته "بشارة السلام بيسوع المسيح "، أقرّ أنه اكتشف أن الله لا يحابي أحداً (أي لا يفضل أحداً على أحد، لا يدل على أنه يحب شخصاً دون آخر) (34:10- 36). وحين تقبّل هؤلاء الغرباء الإنجيل، جاء الروح القدس. وهكذا حصلت عنصرة جديدة (10: 44- 48).
كان عماد كورنيليوس عطية من الله وخاتمة بحث شخصي طويل. غير أن الاخوة لم يقبلوا به. فعلى بطرس أن يودّي حساباً وأن يبرّر موقفه ليقنع اخوته في أورشليم (11: 1- 18). وفي النهاية رأى الجميع بعد عماد كورنيليوس "أن الله أنعم على الأمم الوثنية بالتوبة (أو: الارتداد) التي تقود إلى الحياة ".
أراد لوقا أن يروي لنا ارتداد بطرس وارتداد الكنيسة معاً إلى انجيل شامل. وأشار إلى الوقت اللازم لكي يتشارك في المائدة الواحدة مسيحيون جاؤوا من عالم اليهود وآخرون جاؤوا من العالم الوثني. فالمشاركة في المائدة الواحدة تقود إلى الاحتفال معاً من دون صعوبة بعشاء الرب، بالافخارستيا. ومسألة الافخارستيا التي هي العلامة السميا للمشاركة مع المسيح والاتحاد به، هي الخلفية التي عليها دوّن هذا النص. وسنجدها فيما بعد في جماعة أورشليم الكبيرة، "في مجمع أورشليم ". هناك ستُتّخذ قرارات عملية من أجل المشاركة بين اليهود والوثنيين المرتدّين.

ب- نحو مجمع أورشليم (13: 1- 15: 35)
نتعرّف إلى رسالة بولس وبرنابا في قبرس وآسية الصغرى. ثم نشارك في مجمع أورشليم. ذهب برنابا إلى طرسوس وجاء ببولس إلى انطاكية من أجل عمل مشترك في هذه الكنيسة (19:11- 26). كان برنابا رسول أورشليم إلى انطاكية، وقد أرسل اليها ليتحققّ من أساس الجماعة الجديدة: فالتوتر شديد في العلاقات بين أورشليم وانطاكية، والسبب: مسألة قبول الوثنيين في الكنيسة. مسألة لم تحلّ. بل ستتعقد وتشتد بعد رسالة بولس وبرنابا في قبرس ثم في آسية الصغرى.
وحين عاد بولس وبرنابا من رسالتهما في المدن العديدة، رويا كيف "فتح الله باب الايمان للوثنيين " (27:14). ولكن جاء بعض الناس من اليهودية وأخذوا يقولون للاخوة: "إن كنتم لا تختتنون على شريعة موسى، لا تستطيعون أن تخلصوا" (15: 1)0 اعتراض جذري، وهو يطرح بوضوح المسألة الإنسانية في هذا الوضع المتوّتر: هل الإيمان يكفي بيسوع المسيح من أجل الخلاص أم لا؟

1- مهمة رسولية (13: 1- 14: 28)
حين روى لوقا المهمة المشتركة التي قام بها برنابا وبولس، دلّ على أن مبادرة جماعة انطاكية وعمل الرسولين خلقا دينامية لا رجوع عنها. ورأى أن هذه الرسالة هي أيضاً عمل الله بالذات، عمل الروح (13: 2؛ 26:14- 27). ثم إن الجماعة هي نقطة الانطلاق ونقطة العودة بالنسبة إلى الرسالة. في الارسال، كان وضع الايدي. وفي العودة روى الرسولين "ما أجرى الله على أيديهما". وهكذا دلّ المؤمنون في أنطاكية أنهم كلهم مسؤولون عن تبشير الوثنيين، كلهم متضامنون في هذا العمل (13: 1- 3، 26:14- 28).
يبدو خبر السفر في رسمة نموذجية للمهمات البولسية: الوصول إلى المدينة؛ إتصال أول مع الجماعة اليهودية، في المجمع، يوم السبت؛ جدال حول المسيح انطلاقاً من الكتب المقدسة؛ اهتمام الوثنيين بالإنجيل؛ "حسد" اليهود؛ إجبار الرسل على الذهاب وترك المدينة. وهكذا سيظهر عمل بولس في الرحلتين الرسوليتين التاليتين (15: 36- 20-38). وفي طريق العودة، ثبّت الرسولان وشجعا الجماعات الجديدة وساعداها على تنظيم نفسها (21:14-25).
إذن بدت السفرة كحركة سريعة خلقها توّتر بين عدم ايمان عدد كبير من اليهود، ومجيء عدد متزايد من الوثنيين إلى الايمان المسيحي. نجد في أصل هذا الخبر معلومات انطاكيّة أعطت الأهمية عينها لبرنابا ولبولس: لقد اشتركا معاً في المهمّة الواحدة. أعاد لوقا صياغة هذه المعلومات، فنقل بولس إلى المقام الأوّل، وجعل من هذه الرحلة الرسولية مقدمة ونموذجاً لرحلات سيقوم بها بولس وحده، بعد أن يتركه برنابا ويعود إلى قبرس مع نسيبه مرقس (39:15).

2- منعطف حاسم في انطاكية بسيدية (13:13- 52)
في قلب هذه السفرة، توسّع لوقا بصورة خاصة في كرازة بولس في انطاكية بسيدية. إنها الحدث الذي يفتح الطريق أمام المهمّات البولسية. ويعطينا لوقا مثالاً عن الكلام الذي وجهه بولس إلى اليهود. تشبه هذه الخطبة في خطوطها الرئيسية خطبة بطرس الأولى يوم العنصرة: هذه هي الكرازة الإنجيلية المشتركة بين جميع الرسل.
روى لوقا الحدث الذي منه وُلد قرار بولس "بالتوّجه إلى الوثنيين " (13: 46) كما روى أول تدّخل ليسوع في مجمع الناصرة (لو 16:4- 30): دعوة للكلام في المجمع أمام الحاضرين؛ خطبة تتحدّث عن يسوع؛ تتمة النبوءات ؛ ردات فعل ايجابية أولاً؛ ثم معارضة اليهود لبولس؛ كلام عن خلاص الوثنيين. كل هذا الترتيب قد دوّن ليفهمنا مأساة لا إيمان إسرائيل وأصل انتشار الكنيسة في العالم اليوناني بفضل مبادرات بولس خصوصاً: "كان يجب أن نبشرّكم أنتم أولاً بكلمة الله، ولكنكم رفضتموها... ولذلك نتوّجه الآن إلى الوثنيين. فالرب أوصانا قال: جعلتك نوراً للأمم لتحمل الخلاص إلى أقاصي الارض " (13: 46- 47).
3- " مجمع " اورشليم (15: 1- 35)
إن الجماعة التي ضمّت في أورشليم "كنيسة" هذه المدينة وموفدي انطاكية ولا سيّما بولس وبرنابا، عادت إلى هذه المسألة. ولكنها توقّفت بصورة خاصة عند العلاقات بين اليهود والوثنيين المرتدين في قلب الجماعات. انعقد هذا الاجتماع سنة 48 أو 49. فالكنيسة الفتية بما فيها من اتجاهات متعارضة، هي جماعة تتشاور. سمع الحاضرون ما قاله بولس وبرنابا وتناقشوا. وقدّم بطرس ثم يعقوب وجهتي نظرهما: أقرّا بالواقع وطلبا أن تُفهم الامور على ضوء كلام الانبياء وخصوصاً على ضوء حياة يسوع وأقواله وأعماله (نعمة الرب يسوع الذي يخلّصنا).
واخيراً اقترح يعقوب المتحدث باسم الحساسية اليهودية، أن تدوّن رسالة لا يفرض فيها أي عبء ما عدا المتطلبات التي لا بدّ منها. وهذه المتطلبات هي الفرائض الاساسية من أجل الطهارة لدى اليهود: هذا أقل ما يُطلب في اللقاءات الكنسيّة ليلمس اليهود المرتدون انهم محترمون في تقاليدهم (15: 29).
هذا هو السبب الذي لأجله أعطى لوقا هذا "المجمع" الاول مكانة مهمّة في قلب كتابه: إنه مجمع حرّر الرسالة. منذ الآن ستنطلق ارساليات بولس بحرية أقرت بها كنيسة أورشليم، حتى ولو عارض المسيحيون المتهوّدون (من أصل يهودي) نظرة بولس إلى الإنجيل.
بعد هذا الحدث الرئيسي، سيفتح لوقا يوميّات بولس: سفره، توقيفه، محاكمته... إن بولس هو حامل الإنجيل حتى اقاصي الأرض.

 

 

الفصل الثامن والثلاثون
أعمال الرسل
بولس والإنجيل إلى رومة
15: 36 – 28: 31

كانت مهمة بولس الأولى برفقة برنابا قد فتحت الطريق للانجيل خارج فلسطين. وإذ أورد لوقا انطلاقتي بولس الرسوليتين وتأسيس أهم الجماعات البولسية في فيليبي وتسالونيكي وأثينة وكورنتوس وأفسس، فقد أراد أن يحدّثنا عن إنزراع الكنيسة في العالم الروماني واليوناني، عن المسائل الخاصة التي طرحت ولا سيّما التكيّف مع العقليات الجديدة والانفصال عن العالم اليهودي.

أ- الايمان المسيحي في الامبراطورية الرومانية
تذكرنا كل سفرة قام بها بولس بالسفرة الأولى التي قرأناها في ف 13 - 014 انتقال من مدينة إلى مدينة: يُطرد الرسول لأن اليونانيين تقبلوا الكلمة بقلب طيب. ومن يطرده؟ اليهود. وبين الرحلة الثانية والرحلة الثالثة، سيعود بولس إلى الكنيستين المرجعين، إلى أورشليم وانطاكية. ويتوّقف الخبر بصورة خاصة عند تأسيس كنيستي كورنتوس وأفسس: في كورنتوس أقام بولس سنة ونصف السنة (18: 1- 17). وفي أفسس اقام سنتين ونيّف (19: 1- 40).
وابرز لوقا ابرازاً خاصاً خطبة أثينة: تكيّف الاعلان الإنجيلي هنا مع العالم اليوناني، وعبرّ بولس عنه أمام أعظم ممثلي الحضارة اليونانية، أمام الاثينيين (17: 16- 34).
وكان تلاقٍ بل مواجهة بين الايمان المسيحي وديانات الامبراطورية: لا الديانة اليهودية وحسب، بل مختلف الممارسات الدينية في المدن اليونانية: عالم العرافة مع جارية في فيلبي (16:16- 19)، عالم السحر في أفسس (19: 18- 20)، العبادات المحلية والتماثيل التي تصنع اكراماً للالاهة أرطاميس (19: 23- 40).
ولكن سيتحدّث لوقا بصورة خاصة عن الانفصال القاسي عن العالم اليهودي. فبعد 17:21، سيروي توقيف بولس في أورشليم. سُجن مدة طويلة في قيصرية، وامتدت المحاكمة حتى قادته في النهاية إلى رومة، عاصمة الامبراطورية الرومانية ورمز "أقاصي الارض" التي حدّثنا عنها لوقا منذ بداية سفر الأعمال. والخطب الطويلة التي سيلقيها بولس ليدافع عن نفسه، يشرف عليها الجدال بين الايمان المسيحي والعالم اليهودي. وهكذا نجد في هذه النصوص إحدى اهتمامات لوقا الكبرى.
غير أن هناك اهتماماً آخر يعبرّ عنه لوقا أيضاً. ففي مختلف وقائع الرسالة في آسية الصغرى كما في اليونان، وفي الخطب التي فيها يدافع بولس عن نفسه، نحسّ لدى الكاتب أنه يريد أن يبينّ حقيقة هامة: تستطيع سلطات الامبراطورية أن تتسامح مع الدين الجديد، لأنه لا يشكّل خطراً عليها.
ونجد نوايا "الدولة" الحسنة، أو أقله حيادها في مناسبات جديدة خلال الجدالات العنيفة بين بولس واليهود. في هذا المجال نستطيع أن نقرأ عن مثول بولس أمام غاليون في كورنتوس (8: 12- 17). عن نهاية الفتنة في أفسس (19: 32- 40). عن قرار القائد الروماني بنقل بولس إلى قيصرية (22: 22- 29). عن الطريقة التي بها تقبّل دفاعَ بولس الوالي الجديد فستوس ثم الملك أغريبا (ف 25- 26).

ب- شخصية بولس
غير أن كل هذه الاهتمامات تجد أساسها في النهاية مع شخص بولس وعمله الرسولي. إذا كان لوقا قد كرّس له أكثر من نصف سفر الأعمال، فلأنه يحتل مكانة فريدة في التبشير بيسوع المسيح وفي تأسيس الجماعات الجديدة "وسط البعيدين " (أي: الوثنيين).
لهذا السبب عينه، يترك لوقا بولس يذكر مطوّلاً وعلى دفعتين، دعوته منذ طريق دمشق: كل مسيرته التي تشكّك اليهود تشبه مسيرة الانبياء. لقد جاءه النداء من المسيح (22: 1- 21؛ 26: 2-23؛ رج 1:9- 30). والرؤى والاحداث العجائبية التي تتوّزع "سيرة" بولس توّد أن تبين أن الروح هو الذي يعمل فيه (6:16- 10). من هذا القبيل، نفهم أهمية خبر السفر إلى رومة في بحر هائج يودّ أن يقطع الطريق على كلمة الله (27: 1- 28: 10 وخصوصاً 27: 21- 26).
إن سيرة بولس هذه هي من تأليف لوقا الذي اختار بعض الأحداث ولوّنها، وصاغ خطباً جعلها في فم الرسول. ولكنه لم يتخيل هذا الذي كتبه، بل انطلق من التقاليد التي وصلت إليه. والمقاطع في صيغة المتكلّم الجمع التي ترد في هذا الجزء تذكرنا بيوميات مسافر دوّنها الكاتب حين كان برفقة الرسول.
ما استطاع بولس ان يقوله ليدافع عن نفسه وليبرّر انتقاله إلى المسيح وانتقاله إلى الوثنيين، ليس غريباً عمّا نجده في رسائله (ق أع 22 و 26 مع 2 كور 16:11- 12: 10؛ غ 1- 2؛ فل 3). وحين أبرز لوقا تأسيس الكنائس البولسية الكبرى، فخبره يوافق رسائل مهمة أرسلها بولس إلى هذه الكنائس. ورفاق بولس الذين نجدهم في سفر الأعمال، هم أولئك المذكورون في الرسائل.
وهناك إشارات أخرى تدل على أن لوقا استقى معلوماته من ينابيعها. فشيوخ تسالونيكي يسمّون "حكاماً" (17: 6). والحقوق التي تقرّ بها السلطات لبولس على المستوى القانوني والجزائي هي حقوق كل مواطن روماني (16: 37- 39؛ 22: 25، 29؛ 23: 27). والمحطات الكرونولوجية التي ترد بصورة عابرة، نستطيع أن نتحقق منها، وهي التي ساعدتنا على إعادة بناء مراحل سيرة بولس؛ مثلا، قرار الامبراطور كلوديوس سنة 49- 50 أجبر أكيلا وبرسلكة على مغادرة رومة والتوجّه إلى كورنتولس. هناك التقيا ببولس (18: 2). ثم عهد الوالي غاليون في اخائية (12:18) سنة 51- 52 أو 52- 53. تحققنا منه حين قرأنا مدوّنة وجدت في دلفس في اليونان. ليست "أعمال بولس " التي دوّنها لوقا ريبورتاجاً. ولكنها تبقى مع الرسائل مرجعاً لا يُستغنى عنه لنتعرّف إلى ما حمله بولس من غنى للكنيسة المسيحية الأولى.

ج- الإنجيل إلى الوثنيين: بولس في أثينة ورومة
وينتهي مؤلّف لوقا فجأة بوصول بولس إلى رومة وبرسالته هناك (28: 16- 31). فقد رأى لوقا أن الإنجيل وصل إلى القلب الرمزي والمحور الستراتيجي في العالم. من هناك يستطيع أن ينتشر. وهكذا يكون سفر الأعمال قد انتهى. وتُرسم لآخر مرة رسماً دراماتيكياً المحنة التي كانت لا أساس الكنيسة المسيحية: خرجت من شعب إسرائيل، ولكنها لم تستطع أن تنفتح على كل أبناء هذا الشعب بسبب قلوبهم المحجرّة. وتشير كلمة بولس الأخيرة إلى هذه المآساة: "فليكن معلوماً أن الله أرسل خلاصه إلى الوثنيين وهم سيستمعون اليه " (28:28).
حين ختم لوقا سفر الأعمال، ما أراد أن يجعلنا نعتقد أن التزام الوثنيين بالإنجيل كان عاماً وطوعياً. بل إن عكس ذلك هو الذي حدث بعد خطبة بولس النموذجية على أهل أثينة. هنا ندرك ما يفصل ايماناً متجذّراً في التوراة عن نظرات هؤلاء الناس (17: 16- 34). بعضهم هزئ من بولس بسبب عبارة واحدة: "قيامة الموتى". والبعض الآخر تعلّقوا به وآمنوا (آ 32- 34). كان حديث بولس معهم غير ما كان مع اليهود (ق 13: 16- 41). إستعاد وجهات من الكرازة اليهودية الموجهة إلى اليونانيين، ولا سيما انتقاد عبادة الاوثان والاعتراف بالله الواحد والخالق. وأسّس كلامه على الاقرار بخبرة الاثينيين الإنسانية والدينية: كل الناس متشابهون في أصلهم وفي بحثهم عن الله مهما تنوّعت طرق حياتهم وثقافاتهم. فالله "ليس بعيداً عن كل واحد منا". هنا لم تعد لبراهين بولس علاقة واضحة بالتوراة، بل عادت إلى منابع التقليد اليوناني والحكمة اليونانية.
ولكن إذا كان كل البشر من نسل الله، فهذا يعني أنهم عظيمون في نظر الله. لقد تجنّد الله في تاريخ البشر، ولهذا لا تستطيع الديانة أن تكون لعبة من لعب العقل أو الخيال. لهذا كان على جميع الناس أن يتوبوا (17: 30)، سواء كانوا يهوداً أم يونانيين. ونرى في هذه التوبة حكماً على العالم، على ما في العالم، سواء نظرنا إليه من الناحية الشخصية أو الجماعية. ونجد معيار الحكم هذا في حياة يسوع وفي ما اختاره لنفسه. إنه الإنسان الذي عيّنه الله، وجعله نوراً للعالم. فإن كان على جميع البشر أن يبدّلوا حياتهم ليبدّلوا حياة العالم، فهم سيفعلون بسبب يسوع وانطلاقاً من يسوع. قيامته هي العربون والوعد، وعد الله المعطى للجميع، لأن حياة يسوع تعنينا جميعاً.
انتهى سفر الأعمال بصيغة المضارع (المستقبل): "هم سيستمعون" (28:28). كتب لوقا هذا الكلام لأن عدداً من الوثنيين تجرأوا وساروا في طريق تهرّب منه هؤلاء الاثينيون. يسوع صار الحي: بالنسبة إليهم، ني حاضرهم، في حياتهم اليومية، لا في بعض "توافه" يعتبرونها دينية (19: 19).
ولكن بصيغة المضارع هذا، يبقى الكتاب مفتوحاً إلى ما لا نهاية له، إلينا نحن، إلينا كلّنا...

 

 

الفصل التاسع والثلاثون
انجيل يوحنا
من الآيات إلى الآلام والقيامة

ها قد وصلنا إلى الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا. إنه انجيل كسائر الاناجيل، وهو يحاول أن يضع أمامنا ما عمله يسوع وقاله منذ عماده حتى عودته إلى الآب: هذا هو البرنامج الذي أعلنه بطرس في الخطبة التي طلبت أن يحلّ أحدٌ محلّ يهوذا لتبقى مجموعة الرسل 12 رسولاً (أع 1: 21- 22). ولكنّه ليس انجيلاً كسائر الاناجيل. فهو لا يبدأ مثل متى ولوقا في طفولة يسوع، بل يرفعنا إلى مستوى مشروع الله من أجل البشر (1: 1- 18). والأحداث التي احتفظ بها الإنجيلي لا توافق بالضرورة ما يقوله الإنجيليون الثلاثة الآخرون (الاناجيل الازائية). إذن، نحن أمام صورة ليسوع لما نتعوّد عليها. ولهذا يكون علينا بعد أن تعرّفنا إلى الرسائل الثلاث (1 يو، 2 يو،3 يو) أن نعود إلى الإنجيل. فنلقي نظرة اجمالية إلى الإنجيل كلّه. ثم نتعرّف إلى جذوره وتطلّعاته. وبعد أن نقرأ بعض مقاطعه، ننهي هذه المحاولة بكلمة عن سفر الرؤيا.
كيف يبدو مشروع يوحنا، وكيف سار في مشروعه هذا؟

أ- مشروع يوحنا
أشار لوقا في بداية انجيله إلى المشروع الذي أراد أن يحقّقه (لو 1: 1- 4: تقديم التعليم). أما يوحنا فدلّ على هدف مشروعه في نهاية انجيله "وصنع يسوع أمام تلاميذه آيات أخرى غير مدوّنة في هذا الكتاب. أما الآيات المدوّنة هنا، فهي لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله، فإذا آمنتم نلتم باسمه الحياة (20: 30- 31).
هي المرة الأولى والوحيدة التي فيها يتوجّه الكاتب بصورة مباشرة إلى قرّائه. فكأني به يقدّم لهم المفتاح الذي يساعدهم على الدخول إلى كتابه. إنه يتمنّى أن يتخّذ هؤلاء القراء موقفاً من يسوع الذي حدّثهم عنه مطولاً: هو موقف التلاميذ بعد الآية الأولى (2: 11: أظهر مجده فآمن به تلاميذه). وموقف المولود الأعمى بعد أن شُفي (38:9، سجد له وقال: آمنت يا رب). وموقف التلميذ الحبيب في صباح الفصح (8:20: رأى وآمن): من آمن بيسوع اعترف به على أنه المسيح وابن الله.
سنعود فيما بعد إلى البُعد الحقيقي لهذين اللقبين حين نتعوّد على طريقة يوحنا في الكلام. ما يهمّنا الآن هو أن نرى أن هذا الايمان ليس هدفاً في حدّ ذاته، بل هو ينبوع الحياة: "فإذا آمنتم نلتم الحياة". فهذه الحياة هي في المسيح، كلمة الله (1: 4)، الحياة التي وُعد بها لوالد الصبي الذي وصل إلى الموت (إذهب، ابنك حي، 4: 50) . الحياة التي يعطيها خبز الحياة (6: 51). الحياة التي يعطيها المحبّ أصدقائه كعلامة حبّ لهم (13:15).
وهكذا نستطيع أن نبحث في كل الإنجيل الرابع، عن المواضع التي فيها يتحدّث الإنجيلي عن الايمان والحياة، عن فعل آمن ونال الحياة. سنجد هذه الكلمات في كل الأحداث التي تكوّن لحمة انجيل يوحنا، وهي تشير دوماً إلى مشروع يوحنا الأساسي.

ب- مسيرة مشروع يوحنا
سنأخذ الإنجيل في يدنا ونتتبعّه صفحة صفحة. وهكذا نكتشف غناه، كما نفهم موضع الأحداث التي سندرسها وحدها فيما بعد (فصل 40، 41، 42، 43).

1- المطلع (1: 1-18)
هذه الصفحة الأولى تحدّد موقع يسوع. إنسان من لحم ودم (صار بشراً)، شأنه شأن كل إنسان. هو للبشر العائشين في العالم، الكلمة التي تعرّفهم إلى الآب، النور الذي يضيء في الظلمة. ولكن لا ننسى أنه "جاء إلى خاصته "، جاء إلى شعبه يحمل إليه اكثر من الشريعة التي وُهبت لموسى. جاء يحمل إليه النعمة والحق. لم يرَ أحد الله. والكلمة وحده أخبرنا عنه. 
صفحة تحمل الكثافة والعمق، وهي تتضمّن الإنجيل كلّه. وقد نستفيد من قراءتها بعد أن نكون قد تعرّفنا إلى الإنجيل كله. إنها نظرة شاملة إلى كل ما سيقوله يوحنا لا في الإنجيل وحسب، بل في الرسائل وسفر الرؤيا.

2- كتاب الآيات (1: 19- 12: 50)
نحن أمام مجموعة من أعمال عظيمة قام بها يسوع، وفسّرها يوحنا تفسيرِاً مطوّلاً في كتابه. فكل عمل من أعمال يسوع وكل فعلة من فعلاته هي آيات تبغي أن تفهمنا من هو يسوع وما يريده منا، كيف نؤمن به ونحيا من حياته.
هنا نكتشف مقاطع معروفة: عرس في قانا الجليل (2: 1- 11). الباعة المطرودون من الهيكل (2: 12- 22)، الحوار مع نيقوديمس (3: 1 - 21). الحوار مع السامريّة (4: 1- 43). خبز الحياة (ف 6)، المولود أعمى (ف 9)، الراعي الصالح (10: 1- 18)، قيامة لعازر (11: 1- 44). ماذا نقول في هذه الصفحات الإنجيلية؟

أولاً، 1: 19- 2: 12
نحن هنا أمام أسبوع أول لنشاط يسوع (إشارة إلى الوقت في 1: 29، 35، 43؛ 2: 1)، كما سنكون في نهاية الكتاب أمام اسبوع القيامة (20: 1، 19، 26). في هذه الأيام الأولى دلّت كلمات يوحنا المعمدان على أن يسوع هو المسيح. وهكذا تكوّن حول يسوع مجموعة أولى من التلاميذ (1: 35- 51). وفي قانا، أتمّ يسوع أولى آياته. أتّمها بناء لطلب أمّه، فكانت الخطوة الأولى في طريق الايمان بالنسبة إلى تلاميذه. أتمّها ليدلّ على مشروعه: مجده يقوم بأن "يخلّص" أعراس الله مع البشرية بعد أن تشوّهت. أن يعيد إلى الجميع فرح العيد. أن يقيم العهد (الميثاق) الجديد الذي كانت علامته هذا الخمر الذي لم يتوّقعه أحد.

ثانياً،13:2-6-71
يتوزّع نشاط يسود أسفارٌ قام بها في أورشليم بمناسبة أعياد الفصح. يتدشّن السفر الأول في آية الباعة المطرودين من الهيكل. بها طالب يسوع بأن يكون بيت. الله لأبيه (لا للتجارة). ولكنه في الوقت عينه، أشار إلى مصيره الخاص: الهيكل الحقيقي الذي سيُخرب ويُعاد بناؤه في ثلاثة أيام، هو جسده الذي سيّمر من الصليب إلى القيامة. وهذه الآية سيفهمها التلاميذ فيما بعد.
وسيكون هذا السفر الأول منسبة لقاءات: مع نيقوديمس، مع السامرية. وهذه اللقاءات لن تؤتي ثمارها إلا فيما بعد: عند الصليب (39:19) فيما يخصّ نيقوديمس، ومع مهمة التلاميذ الأولين في السامرة فيما يخص السامرية (أع 8: 4- 8، 14- 17). وفي هذا السفر توضحت توضحاً نهائياً العلاقات بين يوحنا المعمدان ويسوع. قال المعمدان: "له هو أن يزيد، ولي أنا أن أنقص" (3: 30).
وينتهي هذا السفر في الجليل عند كلمة قالها يسوع لوالد شاب مريض: "إذهب فابنك حي " (4: 50). ومع ف 5- 6 نعود إلى أورشليم، ثم إلى شاطئ بحيرة طبرية في الجليل. ما يهمّنا هو أن نرافق تطوّر الأزمة التي وُلدت حول يسوع وبمناسبة كل فعلة من فعلاته. شفى مخلّعاً: ولكنه شفاه يوم السبت. أطعم الجموع في البرية: ولكن ما هذا الطعام تجاه المنّ في البرية أيام موسى كما يحلم بها الناس اليوم؟ كيف نفهم اعتباره لنفسه بأنه خبز الحياة لجميع الشعب؟
كيف بدا وضع يسوع؟ أحاطه الفريسيون بالريبة. تخلّت عنه الجموع. ولم يبقَ إلا بعض التلاميذ. سيتكلّم بطرس باسمهم فيقولن: "إلى من نذهب يا رب؟ فعندك كلام الحياة الأبدية" (68:6).

ثالثاً، 7: 1- 12: 36
كل شيء سيحدث في أورشليم أو في جوارها. نحن أمام الجدالات الكبرى حول شخص يسوع. لقد بدأت محاكمته الآن. وهكذا لن نجد محاكمة يسوع أمام اليهود في خبر الآلام لدى يوحنا.
وسيبين يسوع بطريفة تتوّضح شيئاً فشيئاً من هو وما الذي يريده.
* يستعمل ف 7- 8 (هناك انقطاع مع حدث المرأة الزانية التي غفر لها يسوع، 8: 1- 11) شعائر عيد يهودي هو عيد المظال (أو: الأكواخ) ليفهمنا أننا نجد في يسوع ينبوع الماء الحي. أن يسوع هو نور العالم (8: 12).
* هذا النور لا يراه القائلون مع الفريسيين: عرفنا، رأينا. ولكنه يُعطى لمولود أعمى سيسير الخطوة بعد الخطوة فيتعلّم أن يرى، أن يحكم على الأمور. وفي النهاية يقول: أؤمن (9: 30).
* أخرج الأعمى من المجمع بسبب إيمانه بالمسيح، فأعلن يسوع أنه الراعي الصالح الذي يهب نفسه من أجل خرافه، الذي يحاول أن يجمع المنبوذين، ويعيدهم إلى الحظيرة، إلى شعب الله (10: 1- 18).
* في ف 11- 12 نتعرّف إلى الآية الأخيرة والعظمى التي أتّمها يسوع: أعاد الحياة إلى لعازر. ولكن هذا سيجعل التوتر بين يسوع وسلطات شعبه غير محمول. اجتمع عظماء الكهنة والفريسيون وعزموا على اعتقاله. أما اليونانيون المقيمون في ساحة الهيكل فقد طلبوا أن يروا يسوع. إنهم باكورة هؤلاء الأشخاص الذين سيأتون من الأمم إلى يسوع.
وتصدر صرخة من يسوع (تشبه تلك التي ترد في مشهد النزاع عند الازائيين) تجعلنا ندرك مصير يسوع والصعوبة الهائلة التي تقف أمام رسالته. في البداية، في عرس قانا الجليل، قال: "لم تأتِ ساعتي بعد". أما الآن فقال: "الآن أتت الساعة (12: 31). أجل، كلى شيء مهيَّأ للآلام.

رابعاً، 12: 37- 50
وختم الإنجيلي كتاب الآيات بتأمل أعطى فيه وجهة نظره حوله شروط الإيمان الحقيقي. "من آمن بي لا يؤمن بي أنا، بل يؤمن بالذي أرسلني... من آمن بي لا يقيم في الظلام" (آ 44- 45، 47).

3- كتاب الآلام والقيامة (ف 13- 21)
أولاً، ف 13- 17
تتحدّث هذه الفضول عن عشاء يسوع الأخير: هناك فعلة (غسل الأرجل، 13: 1- 20) وخطب (ف 14- 16) وصلاة (ف 17) تشكلّ معاً ما سميّ "وصية" يسوع. لقد جمع الإنجيلي هنا في جوّ هذه الأمسية الأخيرة بما فيها من مهابة، أعمق تعاليم يسوع، لا سيّما عن الروح القدس (14: 15- 17؛ 15: 26- 27؛ 7:16- 11؛ 12- 15). سنقرأ فيما بعد الكلمات الأخيرة في هذه "الوصية" (17: 24- 26).

ثانياً، ف 18-19
نجد هنا خبر الآلام بالمعنى الحصري. لا يطيل يوحنا كلامه أكثر من الازائيين، ويقترب منهم أكثر مما يفعل في سائر كتابه. ولكنه يتميّز عن الازائيين في أمور عديدة. فيوحنا يرى أن الآلام هي الموضع الذي فيه يسطع ملكوت يسوع الحقيقي. ففي هذا الخبر وفيه وحده يسمّى يسوع ملكاً ويسمّى كذلك اثنتي عشرة مرة (عدد الكمال، عدد الكنيسة، المشهد أمام بيلاطس، 19: 33- 38).
ويحاول يوحنا أن يدرك البعد العميق والشامل لآلام يسوع. لهذا تتخّذ تفاصيل بسيطة معنى عميقاً. مثلاً، يموت يسوع ساعة تنحر في الهيكل الحملان الأولى في فصح تلك السنة. إذن، كان المعمدان على حق حين سماه "حمل الله" الحقيقي (29:1). وحين طعن الجندي جنب يسوع ليتأكد أنه مات فخرج دم وماء، فكّر الإنجيلي بأنهار المياه الحية التي تتفجرّ من المسيح من أجل جميع المؤمنين (37:7- 38). لقد انطلق التلاميذ من موت يسوع فاكتشفوا بعد حياته، بعد أقواله وأعماله.

ثالثاً، ف 20
يتكرّس الأسبوع كله للقيامة (ما عدا آ 30- 31). نقرأ هذه الأحداث فنتتّبع ثلاثة خطوط هامة:
* خط البحث عن يسوع واكتشاف القائم من الموت. مع مريم المجدلية، مع بطرس ويوحنا.
* خط اللقاء بالرب. هو يتخّذ المبادرة كاملة. وينتهي اللقاء برسالة ومهمة (آ 19- 23).
* خط الإيمان الذي يُولد وينمو ويتلّمس طريقه ويتساءل. ويجد سنده في جماعة المؤمنين.

رابعاً، ف 21
لا يتوّقف الكتاب مع خاتمة ف 20، بل هو يورد لقاء آخر مع القائم من الموت عند شاطئ بحيرة طبرية. هنا نحضر مشهداً يبدّل فيه بطرس انكاره المثلّث ليسوع في ليلة الآلام بإعلان مثلث يدل فيه على حبه وتعلّقه بيسوع. وهكذا تتأسّس كنيسة بطرس على إنسان عاش في عمق الخطيئة (خيانة، عدم أمانة) والمصالحة. إنها تحتاج إلى أن تسمع بدورها السؤال الذي وجّهه يسوع لبطرس: "أتحبني"؟
هذه هي مسيرة خبر يسوع في انجيل يوحنا. فما الذي دفعه أن يكتب بهذه الطريقة في حياة الجماعات التي عاش معها؟ هذا ما يقودنا إلى التعرف إلى التقاليد التي استقى منها، وإلى الأهداف التي جعلها أمام عينيه.

 

 

الفصل الأربعون
انجيل يوحنا
جذوره وتطلّعاته

هناك شيء تأكّد منه الإخصائيون وهو أن لإنجيل يوحنا تاريخاً طويلاً. دوّن في نهاية القرن الأوّل فكان آخر الأناجيل. ولكنّنا نجد إشارات عديدة تدلّ على مواده القديمة جداً، على تقاليد احتفظت بها الجماعات المسيحية الأولانيّة.

أ- تقاليد قديمة جداً
نستطيع أن نتكلم أولاً عن تقاليد إنجيلية قديمة جداً، وهي تعود إلى أصل سامري.
كانت السامرة منطقة تفصل اليهودية عن الجليل. وقد تلّقت باكراً إعلان الإنجيل (أع 8: 4- 8، 14- 17) بواسطة فيلبس ثم بطرس ويوحنا.
وتبدو مقاطع في انجيل يوحنا وكأنها صدى لإجتماعات السامريين. فالسامرة التي رذلها اليهود واعتبروها ضالة ومنشقّة، هي "الأرض التي أعطاها يعقوب لابنه يوسف" (4: 5). رفض السامريون هيكل أورشليم. إذن، أين يعبدون الله؟ هذا هو السؤال المطروح في 4: 20 بفم جماعة اضطُهدت بسبب تعبدّها لله على جبل جرزيم. أين يُعبد الله، في أورشليم أم على جبل جرزيم؟ بل يعبد "بالروح والحق" (4: 24). ونلاحظ أيضاً أن يسوع قد اتهمه اليهود يوم كان في أورشليم بأنه "سامري وفيه شيطان" (هو ممسوس، يمتلكه الشيطان) (8: 48).
هذه وجهة في إنجيل يوحنا وليست كل انجيل يوحنا. فصاحب الإنجيل هو "تلميذ معروف من رئيس الكهنة في أورشليم" (18: 15)، وهو يوحنا بن زبدى الذي طلب أن تنزل النار من السماء على السامريين لتأكلهم (لو 9: 54). ومع ذلك فقد احتفظ بتقاليد قديمة وعزيزة على قلب الجماعات المسيحية في السامرة.

ب- المسيحية والتيّارات اليهودية
واتخذ انجيل يوحنا شكله النهائي في جماعات مسيحية أكدّت على شخصيّتها بالنسبة إلى مختلف التيارات التي عرفها العالم اليهودي.

1- تلاميذ يوحنا المعمدان
يوم كُتب انجيل يوحنا، لم يكن كل تلاميذ المعمدان قد صاروا مسيحيين. فسفر الأعمال يشهد في ف 18 على أن التيار المعمّد يتابع مسيرته ويزاحم الجماعات المسيحية. وما يلفت النظر هو المكانة الكبرى التي يعطيها الإنجيل الرابع ليوحنا المعمدان. قال عنه إنه يعمّد "في بيت عنيا، عبر نهر الأردن" (28:1)، وفي عين نون، قرب ساليم (23:3) في السامرة. ويسوع وتلاميذه يعمّدون هم أيضاً (3: 22، 26). وهذا أمر لم يرُق لتلاميذ المعمدان.
جاء تلاميذ يسوع الأولون من محيط يوحنا المعمدان. كل هذه المعلومات التي لا نجدها في الأناجيل الازائية تعود إلى تقاليد تاريخية. وقد يكون المعمدان دفع تلاميذه ليذهبوا إلى يسوع. لقد قال: "لست المسيح" (1: 20). وقال: "يجب أن يزيد وأنا أن أنقص" (3: 30). إذا كان الإنجيل يستعيد هذه الأقوال، فهذا يعني أن المسألة ظلت عالقة حتى بعد موت المعمدان ويسوع بسنوات عديدة.

2- جماعة قمران
عاشت على شاطئ البحر الميت جماعة يهودية سمّت نفسها "جماعة الميثاق الجديد". هي جماعة قمران. وقد عبرّت عن انفصالها عن سائر البشر بنقائض مثل النور والظلمة، روح الحق وروح الكذب. هنا نتذكرّ يو 8: 12. قال يسوع: "أنا نور العالم من يتبعني لا يمشي في الظلام". ويو 17:14. قال يسوع في "وصيته الأخيرة" : "هذا هو روح الحق الذي لا يقدر العالم أن يقبله".
في سنة 70، إجتاح الرومان ديرهم. في ذلك الوقت انضم اعضاء من هذه الجماعة إلى "الكنائس" اليوحناوية. وقد ردّدوا تعاليم يسوع بكلمات من تقليدهم. ففي نظرهم يستطيع كل إنسان منذ الآن أن ينتقل من الظلمة إلى النور.

3- الفريسيون
بعد دمار الهيكل سنة 70، صارت الشريعة السور الذي يقي إسرائيل. والكتبة الذين يدرسونها، واكثريتهم من الفريسيين، سيصبحون المنظمة الرئيسية في العالم اليهودي. فأقرّوا سنة 90 في يمنية بأن يطردوا المسيحيين المتهوّدين من الجماعة اليهودية (من المجمع). سيسمّى هؤلاء الكتبة "اليهود" في الإنجيل الرابع. وستشدّد الجماعات اليوحناوية على دور هؤلاء الخصوم في الجدال مع يسوع وفي المحاكمة التي أدّت إلى موته.

ج- تيّار قديم في المسيحية
نحن أمام تيّار قديم في المسيحية الأولى وقد عرف تيارات أخرى وأدخلها في نظرته إلى يسوع.
إن التقليد الذي تكوّن في الجماعات اليوحناوية لم ينعزل عن سائر تقاليد المسيحية الاولانية. وقد عرف طريقة تفسير بولس وجماعته. وقد يكون عرف بعضاً من كتاباته. نستطيع مثلاً أن نقابل بين يو 8: 31- 37 (إذا حررّكم الابن صرتم بالحقيقة أحراراً) وغل 3: 15- 4: 7 (فما أنت بعد الآن عبد. إذا كنت ابناً فأنت وارث بفضل الله). اين التقى "بولس" مع "يوحنا"؟ في انطاكية أو في أفسس كان اتصال وتبادل بين الجماعات البولسية والجماعات اليوحناوية.
وإذا عدنا إلى الأناجيل الإزائية، رأينا أن لوقا هو الأقرب إلى يوحنا. فالاشخاص المذكورون هم هم لدى الاثنين: الرسول يودا (يو 14: 22، يهوذا، غير الاسخريوطي)، مرتا ومريم، رئيسا الكهنة حنان وقيافا. ولدى يوحنا ولوقا تمّت ظهورات القائم من الموت في أورشليم. كما أن التعليم المعطى في العشاء الأخير دار حول الخدمة المتبادلة. وتسلّم بطرس رسالته بعد الصيد العجيب. من جهة، استقى لوقا من ينبوع التقليد اليوحناوي. ومن جهة ثانية عرف يوحنا التقليد الازائي المشترك بواسطة لوقا حين روى شفاء ابن الضابط الروماني (4: 46 ي).
تنطلق الجماعة اليوحناوية من حدث أورده الازائيون، فتتأملّ فيه وتتوسّع، وهكذا يكون أمامنا خطبة ليسوع. فنقرأ في ف 5 خطبة عن الحياة الأبدية والمعنى الحقيقي للسبت، وفي ف 6 خطبة عن خبز الحياة.

د- كنيسة تجاهد
إن رسالة يوحنا الأولى هي التي تقدّم أفضل ايضاح عن الجهاد الذي تعيشه الجماعة المسيحية: "كل روح يعترف بان يسوع المسيح جاء في الجسد هو من الله. وكل روح يقسم (يفصل بين الكائن السماوي المجيد وبين الإنسان يسوع الذي عاش ومات من أجلنا. وهكذا ينكر سرّ التجسّد، هناك مخطوطات تقول: كل روح لا يعترف بيسوع) يسوع ليس من الله " (1 يو 4: 2- 3). ماذا يعني هذا الكلام؟
1- لم تكن الجماعات اليوحناوية منقطعة عن العالم. بل عرفت مع تلاميذ افلاطون (القرن الخامس ق. م) أن المُثُل وحدها هي الكائن الحقيقي. وبحث التيار الرواقي عن نفس العالم فوجدها في "لوغوس " أي الكلمة. ومنذ بداية القرن الأول المسيحي ارتبط هذان التياران الفلسفيان ارتباطاً وثيقاً.
وتزاوج الفكر اليوناني مع الفكر الشرقي. وتحدّثت الكتابات الهرماسية (نسبة إلى إله يوناني اسمه هرمس وقد قابل الاله رع المصري. دوّنت في مصر في القرن الثاني ب. م) عن إله واحد وسمتّه "الحياة" و"النور". ويقوم خلاص البشر بأن "يعرفوه " وبالتالي بأن يبتعدوا عن نجاسات العالم.
2- تأثرّ المؤمنون بهذه التيارات وعبرّوا عن إيمانهم بكلمات اخذوها منها.

أولاً، عند اليهود
قرأ فيلون التوراة على ضوء هذه الفلسفات. مثلاً، إنطلق من مز 27 (الرب نوري وخلاصى) فقال: "ليس الله فقط النور ولكنه مثال كل نور. بل هو سابق لكل المُثُل ويتفوّق على المُثُل". مثل هذا التعبير له مخاطره لأنه يُحلّ المُثُل محل الخبرة مع الله.

ثانياً، عند المسيحيين
نعرف كتابات من القرن الثاني اسمها "انجيل الحق"، "انجيل توما"، "الإنجيل حسب فيلبس". رفضت هذه الكتب أن تهتم بالجسد (يجب أن نتحرّر منه)، كما بأعمال يسوع وفعلاته (إنها ثانوية بالنسبة إلى روحه. وقال بعضهم انه كان ليسوع ظاهرة الإنسان). رفضت أن تعطي أية أهمية للعهد القديم (هي قصة بشر مادية فلا تستطيع أن تعبرّ عن الله) ونسبت خلق العالم (بما فيه من ضعف) إلى مبدأ يعارض الله (إذن، قالت إن الله لم يخلق العالم).
سمّي هذا التيار "الغنوصية"، وبرز في أشكال متعددة في الكنيسة
3- في هذا المناخ ظلّ التقليد اليوحناوي هو هو. لاشك في أنه استعمل بعض التعابير التي عرفتها هذه التيارات الفكرية، مثل "الكلمة"، "الحياة"... ولكنه أكدّ بوضوح ما يلي:
أولاً: ليس العالم خُلاصة أعداء الله. فقد " أحبّ الله العالم حتى وهبه ابنه" (16:3).
ثانيا: العهد القديم ضروري لكي نفهم يسوع. فيسوع هو الكلمة التي يصوّر أش 55 مسيرتها: جاءت من الله تتم عمله، ولا تعود إلى الله إلا بعد أن تتم عمله. ويسوع هو حمل الله، وهو المطعون...
ثالثاً: وصار الكلمة بشراً، إتخذ جسداً. هذا شك وعثار في زمن انجيل يوحنا!
رابعاً: أعطي الروح لنا ليذكرّنا بيسوع. وهو يتيح لنا أن نحمل كلماته فندلّ على المعنى العميق لما تعيشه اليوم الجماعة المسيحية.

هـ- كنيسة تعيش
لا نفهم إنجيل يوحنا من الخارج فقط، وكأنه فقط نتاج المحيط الذي وُلد فيه. إنجيل يوحنا هو أيضاً نتاج حياة جماعات استلهمت التقليد اليوحناوي. ونحن نستطيع عبر هذه الكتابات أن ندرك حياة الكنيسة كما عاشتها هذه المجموعات.
1- إذا عدنا إلى 1 يو نفهم أن الهم المسيطر في هذه الجماعات هو الحياة الأخوية، المحبة بالعمل والحق، لا بالقول والكلام. هذا أمر رئيسي، لأنه يعني تجسّد الحب الذي أظهره الله لنا حين أرسل إلينا ابنه. ولكننا لا نجد هنا تفاصيل عملية كما في رسائل القديس بولس. فأعمالنا يجب أن تستلهم مثال الخدمة المتبادلة الذي أعطاه يسوع في العشاء السري حين غسل أقدام تلاميذه.
2- لم تكن العلاقات بين هذه المجموعات نقيّة ومتناسقة. فالاتجاهات عديدة، وثقل الاضطهاد جعل الأخ يبتعد عن أخيه. وكانت الانقسامات. لهذا كانت الصلاة من أجل الوحدة أحد المواضيع الرئيسية في صلاة يسوع قبل آلامه (17: 11، 21، 23). وإذ أراد الكاتب أن يقاوم الميول إلى التفكّك، شدّد على مكانة بطرس. تكلّم باسم الاثني عشر ساعة تفكّكت الجماعة بعد الخطبة عن خبز الحياة، فتسلّم بعد القيامة وظيفة الاهتمام بقطيع الرب كله (15:21- 17). وحين يعود من سقطته في ليل الآلام، سيساعد اخوته ليظلّوا قرب الله مهما كانت الظروف.
3- وبعد أن بُنيت الكنيسة على المحبة الأخوية، وتأسّست في المصالحة التي عرفت نتائجها الأولى في بطرس، حينئذ تستطيع أن تتوجّه نحو ربهّا. تعرف أنها وارثة لشعب العهد القديم. وتتساءل عن معنى الأعياد التي تتوزع حياته، ولا سيّما عيد الفصح الذي يحتلّ مكاناً واسعاً في الإنجيل. حوّلت معناه تحويلاً عميقاً وعادت به إلى موت يسوع وقيامته. هنا "نرى" الكنيسة تجتمع في اليوم الأول من الأسبوع (أي بعد السبت) لتتذكرّ صباح الفصح. ومنذ ذلك الوقت حل الأحد الذي هو يوم الرب، محلّ السبت. في المعمودية هي تحتفل بالحياة الجديدة التي تأتيها من القائم الموت، وتضمّ إلى نفسها أعضاء جدداً. وحين تجتمع فهي تجتمع حول مائدة العشاء السري حيث تأكل خبز الحياة وتشرب دم الرب. وتحاول هنا أن تجعل صلاتها على مثال صلاة يسوع ليلة العشاء السري. أن تجعلها صلاة افخارستية، أن تجعلها صدى لصلاة الابانا، الصلاة الربية.
هكذا تعيش الكنيسة أسرار المسيح.

و- تفاصيل أخرى
هنا نتساءل: من كتب الإنجيل الرابع؟ متى كُتب؟ أين كُتب؟
1- يحدثنا ف 21 عن صاحب الإنجيل الذي مات منذ بعض الوقت (23:21). إنه "التلميذ الحبيب". ويحدّثنا الإنجيل عن هذا التلميذ الحاضر في العشاء السري (23:13)، عند الصليب مع أم يسوع (26:19)، وعند القبر مع بطرس (2:20). عنه يكلّمنا الإنجيل في 1: 35، 40 (كان مع اندراوس) وفي 18: 15 (سمعان بطرس وتلميذ آخر يتبعان يسوع).
من هو هذا التلميذ؟ قال ايريناوس في نهاية القرن الثاني: إنه يوحنا الرسول، هو ابن زبدى.
2- أين دوّن الإنجيل الرابع؟ نحن نعرف أن سفر الرؤيا المرتبط بيوحنا قد دوّن في بطمس، وهي جزيرة قريبة من أفسس (رؤ 1 :9)، هذا يعني أن أفسس كانت موضعاً له تأثيره في التقليد اليوحناوي.
كانت أفسس مرفأ هاماً وملتقى حضارات عديدة من يونانية ورومانية ومصرية وآسيوية. ولكن بعض الشّراح يقول إن إنجيل يوحنا دوّن في شكله النهائي في سورية. فرسائل القديس اغناطيوس الانطاكي التي تعود إلى سنة 110 تشير إلى تأثير هذا الإنجيل. ثم إن لغة الإنجيل الرابع تذكرّنا باللغة الآرامية التي تحدَّث الناس بها في هذه المنطقة.
3- متى دوّن انجيل يوحنا؟ هناك معطيان واضحان. الأول، وجد سنة 1920 في مصر بردية صغيرة. وهي تدل على أن الإنجيل الرابع وصل إلى مصر أقلّه سنة 130 . الثاني، إن 9: 22 (إتفق اليهود على أن يطردوا من المجمع كل من يعترف بأن يسوع هو المسيح) تفترض أن قرار يمنية بطرد المسيحيين من "المجمع " لم يزل حديث العهد. فان كان قد تمّ هذا الاجتماع حول سنة 90، فمن المعقول أن نحدّد تدوين الإنجيل حوالي سنة 95.

 

 

الفصل الحادي والأربعون
انجيل يوحنا
نداء التلاميذ الأوّلين
1: 35 - 51

نبدأ هنا بقراءة بعض النصوص من إنجيل يوحنا، وأولها نداء التلاميذ الأولين.
وإليك الاسلوب:
- إقرأ النص ولاحظ ما يتعلّق بالأشخاص، بتطوّر الفكرة، بالتناقضات، بالتكرارات، بالكلمات المهمّة، بالتبدّل الحاصل، بتسلسل الأفكار.
- حدّد موقع هذا النص في سائر الإنجيل: ما يسبقه، ما يتبعه، مستنداً إلى ف 39. وهكذا ندرك الأمور التي يشدّد عليها.
- حينئذ يظهر هذا النص على أنه جواب على أسئلة واهتمامات ومسائل وأوضاع متنوّعة، إمّا في زمن يسوع وإمّا في زمن تدوين الإنجيل. 
- ننطلق من هنا لنجد معنى هذا النص بالنسبة إلينا، بالنسبة إلى جماعة المؤمنين.

أ- قراءة النص: موضع يسوع
نقرأ نداء التلاميذ الأولين، ونسمع الدعوة إلى المسيرة والإنطلاق وراء يسوع.
1- نلاحظ أن هذا النص يذكر أشخاصاً عديدين: يوحنا (المعمدان)، إثنان من تلاميذه (اندراوس وآخر نجهل اسمه وقد يكون الإنجيلي يوحنا)، سمعان، فيلبس، نتنائيل. ويعود النص إلى موسى والأنبياء، ويتخيّل ملائكة الله صاعدين نازلين. هم كلهم هنا لأنهم يرتبطون بيسوع رباطاً لا بدّ من اكتشافه أو التعمّق به. يسوع هو في قلب الخبر كله: مرّ، سار، إلتفت... حينئذ تحرّك كل شيء. لسنا فقط أمام مجرّد شخص فرد، بل أمام سر يحمله في ذاته، سر رئيسي لشعبه الذي ينتظر مسيحاً، الذي يريد أن يرى هذا المسيح.
2- ونتلمّس الطريق فنقترب من شخص يسوع.
* هو لا يدخل في التاريخ فجأة، بل يسبقه ويدلّ عليه يوحنا المعمدان. ويوحنا هذا قد حرّك انتظار الكثيرين واجتذب عدداً من الشبان يبحثون عن معنى لحياتهم وتاريخهم.
* قال يوحنا عن يسوع إنه حمل الله. وهكذا استعاد أحد أشكال انتظارات شعب إسرائيل الذين كانوا يذبحون الحملان إكراماً لله. ولكن رجلاً، بل أنقى الرجال وعبد الله المتألم (اش 52: 13- 53: 12) صار صلة الوصل بين الله وشعبه. فيه يتحقّق هذا الرجاء بأكمل وجه.
* سماه التلاميذ للوهلة الأولى: رابي (يا معلم). عبارة لياقة وتهذيب. ولكن سيقولون فيما بينهم: إنه المسيح. "هذا الذي كُتب عنه في الشريعة والأنبياء". هذا الذي ينتظره الجميع ليكون على رأس شعبه، قد وجدوه. قال له نتنائيل: "أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل".
* وزاد يسوع: "سترى أعظم من هذا" (آ 50). مع يسوع سيُقام اتصال مباشر بين الله والبشر. سمّى نفسه "ابن الإنسان" وهذا لقب يدخل في رجاء إسرائيل. يدلّ على سر يسوع الإنسان الذي فيه انفتح الله على الإنسانية.

ب- موقع هذه الشهادة الأولى
هذه الصفحة هي جزء من مجموعة (19:1- 15) نستطيع أن نعنونها: دخول يسوع على "المسرح".
أولاً: هناك اتصال مع يوحنا المعمدان، فيتوزع المشهد في ثلاث لوحات:
* آ 19- 28: واجه يوحنا لجنة تحقيق: لا، ليس هو المسيح. فالمسيح يعيش خفياً وسط شعبه.
* آ 29- 34: وقف يوحنا بحضرة يسوع. فانقلبت شهادته من السلبي إلى الإيجابي: "هذا هو حمل الله ".
* آ 35- 51: وأخيراً تجرّد يوحنا عن تلاميذه. أرسلهم إلى يسوع، وكان أولا ما فعله يسوع هو بأن لا يبقى وحده، بل يجمع حوله عدداً من التلاميذ يتطلّعون إلى المستقبل.
ثانياً: إطار المشهد
* في المكان. نحن على شاطئ الأردن. اختار المعمدان هذا الموضع لأنه عتبة أرض الميعاد. وهنا أيضا بدأت مسيرة يسوع. ومن هنا سيذهب إلى الجليل، إلى المقاطعة المشبوه بها، إلى أرض مؤمنين من نوع خاص، إلى منطقته لأنه من الناصرة (في الجليل) التي لا يخرج منها شيء صالح... ولكن حين نكون مع يسوع نكون حيث تنفتح السماء ويفتح الله حواراً مع البشر.
* في الزمان. حين نجمع العبارات التي تتوزعّ النص (29:1، 35، 42؛ 2: 1) نجد أننا أمام أسبوع من الزمن. أول أسبوع من نشاط يسوع. يرى قرّاء التوراة هنا أسبوع العالم الأول (تك 1: 1- 2: 4). ولكنه ليس الأسبوع الأخير. هنا ينفتح مستقبل أمام هؤلاء "الشبان". سمعان سيسمّى كيفا أي بطرس (حجر). ما الذي ينفع هذا الحجر الأول؟ وسيرى نتنائيل أشياء عظيمة. أي أشياء؟ لم يقل لنا النص بعد شيئاً. وكيف يتمّ في يسوع اتصال الله بالبشر؟ ولكن حين قرأ الإنجيلي وأصدقاؤه هذه الصفحة في نهاية القرن الأول، فهم قد رأوا "أشياء عظيمة". وتحقّقوا من بُعد الكلمات التي تلفّظ بها التلاميذ فأخذت كل ثقلها وكامل معناها على ضوء موت يسوع وقيامته.

ج- عودة إلى التاريخ
حين يجعل الإنجيلي في رأس كتابه خبر اللقاءات الأولى مع يسوع، فهو يعرف إلى أين قادت تلك الطرق التي فُتحت في ذاك المساء "وفي الغد".
أولاً: هو لا يريد أن ننسى أن حركة التلاميذ انطلقت من يوحنا المعمدان. وطرح على نفسه السؤال: أين هو إسرائيل الحقيقي (1: 33)، أين هو شعب الله الصريح؟ إنه في الكنيسة. وسنة 95، يستطيع أيضاً تلاميذ يوحنا أن ينتقلوا إلى يسوع الذي ينتظرهم، الذي يدعوهم.
ثانياً: سنة 95 يستطيع اليهودي التقي أو ذاك الذي لم يعد يؤمن بأن يكون تلميذ يسوع، أن يدخل إلى حيث يقيم، أن يحيا وقتاً من الزمن معه ليلج إلى سّره، ليكتشف سرّه. ونحن نستطيع أن نتبع يسوع. لا بخطواتنا الجسدية كما فعل التلاميذ ساعة ساروا وراء يسوع. بل حين نسمع كلمة نقلها أصدقاؤه، حين نتقبّل هذه الكلمة في حياتنا.
ثالثاً: بين الذين اكتشفوا يسوع سنة 95، يستطيع الواحد أيضاً أن يدعو الآخر. إنهم إخوة. أبناء المدينة الواحدة، أناس ليسوا بشيء (من الناصرة). سنجد دوماً مثل هؤلاء الناس.
رابعاً: بدأ هذا التيار وما زال يجري. واحتفظ الإنجيلي بكلمات قديمة تلفّظ بها يسوع في لغته الأم: رابي (معلّم)، مشيحاً (أو: مسيا)، كيفا (بطرس). إن لما تفهم الجماعة نترجم لها. فجماعات الإيمان تلد الواحدة من الأخرى.

د- اكتشافاتنا
حين تقرأ الكنيسة اليوم هذه النصوص، فهي تتعرّف إلى أصولها. وُلدت من نداء أطلقه يسوع إلى مجموعة التأمت حوله يوحنا المعمدان. في أرض محدّدة هي فلسطين. في لغة خاصة هي الأرامية (كانت أرامية فلسطين أخت السريانية). شُيّدت على أسس وضعها يسوع في مجموعة التلاميذ وأولهم سمعان بطرس. وتسلّمت من يسوع رسالة. ونالت وحياً: "لقد اكتشفنا المسيح. إنه يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة".
ونحن نشارك في هذا الوحي. ننقل الشعلة كما انتقلت من اندراوس إلى بطرس، من فيلبس إلى نتنائيل.
واقع محدّد في الزمان والمكان. ولكنه سيصل إلى المسكونة كلّها. كيف نختبره؟

 

 

الفصل الثاني والأربعون
إنجيل يوحنا 
الأعمى منذ مولده
9: 1 - 41

أ- مراحل الدراما
نبدأ فنقرأ النص. ونلاحظ تصميم الخبر

1- تقديم الآية" (آ 1- 7)
* السؤال: "من الذي أخطأ ليولد هذا أعمى" (آ 1- 13)؟
* إعلان يسوع عن معنى حضوره وظروف عمله (النور، الظلمة، النهار) (آ 4- 5).
* فعلة الشفاء حيث كان لكل من يسوع والأعمى دوره (آ 6- 7).

2- وبدأ التحقيق (آ 8- 23)
وأخذ كل واحد موقفه. إندهش الجيران (آ 8- 12)، إرتاب الفريسيون (آ 13- 17)، جعل والدا الأعمى نفسيهما خارج "اللعبة".
أما المولود أعمى فلم يتهرّب من مسؤولياته ("أنا هو"، آ 9) . أقرّ بعمل "هذا الرجل الذي يُدعى يسوع" (آ 11). بل قال رأيه فيه: "إنه نبي" (آ17).
إلى أين سيقود هذا الحدث؟ هذا ما بدأ يظهر (آ 22): من اعترف بأن يسوع هو المسيح تعرّض لخطر عرف والدا الأعمى أن يتخلّصا منه: أن يُطرد من المجمع أي أن يُرذل لدى الشعب.

3- ساعة الأزمة (آ 24- 34)
" إتخذ الفريسيون قرارهم: يسوع هو خاطئ، والأعمى هو خاطئ وأكثر منه. فقد وُلد أعمى!
* إنتقل الأعمى من الدفاع إلى الهجوم. هزئ من الفريسيين، ثم أعلن ما يعتبره يقيناً: "لو لم يكن هذا الرجل من الله، لما استطاع أن يعمل شيئا" (آ 33).
وكانت النتيجة سريعة: "طردوه من المجمع" (آ 34). حرموه.

4- النهاية (آ 35- 41)
ستعود العناصر الثلاثة التي اكتشفناها في بداية الخبر، وتظهر بشكل معاكس بعد أن تكون قد تحوّلت.
* إلتقى يسوع والأعمى لقاء الإيمان. أتؤمن؟ نعم أؤمن (آ 35- 38).
* وتكلّم يسوع مرّة أخرى عن مهمته. جاء "للدينونة، حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون" (آ 39).
* وهكذا نعرف ما هي الخطيئة. أن نكون عمياناً بإرادتنا أمام آيات المسيح (آ 41).
هنا نلاحظ في الخبر كلّه تقدّم الأعمى حتى الوحي الكامل عن يسوع (آ 11، 17، 33، 35). كما نلاحظ الهوة تتّسع شيئاً فشيئاً بين يسوع وخصومه (آ 16، 24، 29، 39- 41).

ب- موضع الخبر في الإنجيل
نحن أمام خبر دراماتيكي يتحدّد موقعه في حركة مجمل الإنجيل الرابع.
أولاً: بعد حقبة البداية (19:1- 17:6) التي انتهت في ساعة حرجة (6: 60- 66)، بدأ زمن الحرومات والطرد. أراد نيقوديمس أن يدافع عن يسوع، فجُعل على هامش المجلس (52:7). أعلن يسوع هويته فطردوه من الهيكل بعد أن هدّدوه بالحجارة (59:8). فهل يكون تلميذ أفضل من معلّمه؟ لهذا لن نندهش حين نرى هذا التلميذ الجديد يُطرد من المجمع (9: 34). وبعد هذا سيصبح الصراع حاداً بحيث إن السلطات من رؤساء كهنة وفريسيين عزموا على إعتقال يسوع وقتله (53:11، 57). وقد واجه يسوع ساعة موته القريبة (12: 7، 33) برباطة جأش.
ثانياً: هنا نفهم يسوع الذي حدّثنا عن رسالته بلغة "النهار (النور) والليل (الظلمة)" (9: 4- 5). فالليل هو الموت الذي يُطلّ في نهاية الطريق (حين يخرج يهوذا من غرفة العشاء السري ليهيئ اعتقال يسوع يقول النص: وكان الوقت ليلاً، 13: 30). أما النهار فهو يمتدّ الآن، ويسوع هو نور العالم (9: 5). إنه يحارب الظلمة.
نكتشف هنا النتائج العملية لما قيل في 1 :4- 5 وأعلن في قلب الهيكل (8: 12). فعلينا ان نختار بين النور والظلمة. يدلّنا الإنجيل كيف عمل يسوع، وهو يدعو جميع تلاميذ يسوع أن يقوموا بهذا الخيار.

ج- إطار حياة الإنجيلي
ما الذي دفع الإنجيلي لكي يشدّد على هذا الخيار؟ هنا نميز بين ما حدث في أيام يسوع وبين الوضع الذي عاشته جماعات يوحنا في نهاية القرن الأول المسيحي.
1- نتذكر ما قلناه أعلاه عن الوضع الإجتماعي للعميان، عن الفريسيين الذين هم ألدّ خصوم يسوع. هذا الأعمى هو إنسان معوز. عرفه الجيران شحاذاً. لا قدرة له. فهو لا يصرخ لينادي يسوع الذي يمرّ من هنا. إنه واحد من مجموعة العميان الذين يأتون إلى جوار الهيكل لكي يستعطوا. وأخيراً، وهذا خطير في نظر الرأي العام، لا معرفة له. لا يستطيع أن يقرأ الشريعة. فسيبقى خاطئاً ومحروماً كل حياته، خصوصاً أنه وُلد أعمى. فالناس يربطون بين الخطيئة والمرض، ولكن يسوع يرفض هذا الرباط.
قلَب يسوع هذا الوضع رأساً على عقب. فأعطى هذا الأعمى أن "يرى ابن الإنسان"، وهذا أعظم ما يأمل به شعب الله. والحال، كان هذا الأعمى أوّل من رأى.
2- حصل هذا الحدث في عيد المظال الذي يحُتفل به في الخريف. إنه عيد الرجاء. وفيه يستعدّ المؤمنون لمشاهدة المسيح الذي سيأتي بصورة خفية ويوجد فجأة وسط الشعب. وخلال هذا العيد كان اليهود يستعملون الماء والنور. 
استعاد يسوع أمام الشعب هذين العنصرين ليدلّ على هويته. إنه "نور العالم" (آ 5). ولكن شتان بينه وبين النور الذي يعيّدونه في الهيكل. صارت هوة سحيقة بين يسوع والهيكل.
والماء هو ماء بركة سلوامِ (أو: شيلوحا أي المرسل). وتساءل الناس: هل يسوع هو "المرسل" (آ 7)؟ هو يشفي ولكن يوم السبت. يقوم بعمليّة تمرق وانقسام في الشعب، ولكنه يعلن نفسه "ابن الإنسان" (آ 35)، أي ممثلاً فوق العادة لكل الشعب أمام الله. كيف يكون هذا؟ إن يسوع طرح في شخصه وفي عمله سؤالاً حرجاً على الذين اقتربوا منه. ولا جواب لهذا إلاّ فعل الإيمان على مثال المولود أعمى.
3- سنة 90- 100، لم يكن وضع التلاميذ أفضل مما كان وضع الأعمى. طردتهم السلطات اليهودية الجديدة طرداً تاماً، فما عادوا يتجرّأون أن يبوحوا بكل معتقداتهم، أن يقولوا إن يسوع هو المسيح. فإن فعلوا خسروا حقوقهم المدنية. فالسلطة الرومانية تعترف باليهود. فإن ترك المسيحيون اليهود صاروا بدون حقوق. لهذا وجب على الجماعة أن تفكرّ في هذا الوضع الجديد. وكان خبر مسيرة المولود الأعمى والمعارض للفريسيين أداة ساعدتهم على التقدم في الإيمان.

د- اكتشافاتنا
وجدت أجيال المؤمنين في هذا النص ما يساعدهم على فهم العماد الذي يغطّس الإنسان في ماء الحياة ويفتح عينيه على نور الإيمان. يبقى على هذا الخبر أن يساعدنا على الإصغاء للأحداث التي يجَب أن نتّخذ منها موقفاً. فيها نطلب آيات الله كجماعة مؤمنين، فنصل في الحقيقة إلى إعلان ما أعلنه الأعمى: "آمنت، يا رب" .

الفصل الثالث والأربعون
انجيل يوحنا
صلاة يسوع الأخيرة
17: 24 – 26

يقدّم لنا انجيل يوحنا في هذا النص "كلمات يسوع الأخيرة". في الواقع، سيتكلّم يسوع بعد هذا. فخلال آلامه سيردّ على متهميه، على رئيس الكهنة، على بيلاطس. وسيصليّ على الصليب ويطلق صرخته الأخيرة.
والكلمات التي نقرأها الآن ليست نقلاً حرفياً لحوار يسوع مع أصدقائه ليلة موته. بل هي "كلماته الأخيرة". بمعنى أنها كلمات حاسمة، كلمات لا يقال بعدها شيء. فبعد هذا، لا نستطيع أن نقوله بأفواهنا ما حدث يوم الجمعة العظيمة.

أ- قراءة النص
نحاول أن نكتشف الكلمات المهمة.
1- هذه الصلاة هي أولاً محاولة لبعض التعبير عن حوار بين الآب والابن (آ 24- 25). يتوجّه يسوع هنا إلى أبيه بجرأة لا مثيل لها. ويتلفّظ بكلمة تردّد الإنجيليون الثلاثة في استعادتها. قال: "أريد" (في خبر النزاع في بستان الزيتون قال الإنجيل: لا مشيئتي، لا ما أريد، بل ما تريد). لقد فهم يوحنا أن اتحاد يسوع بأبيه هو من العمق بحيث استطاع أن يقول له بكل حق: "أريد".
2- وأدخل يسوع في صلاته "الذين أعطيتني" (آ 24). لسنا فقط أمام التلاميذ الحاضرين في ذاك المساء حول يسوع، بل أيضاً أمام كل "الذين يؤمنون بفضل كلامهم" (17: 20). إنها سلسلة طويلة تجعل المؤمنين كلهم إضمامة واحدة مع يسوع.
ولكن ما معنى عبارة "الذين أعطيتني "؟ تعني في نظر يوحنا أننا لا نذهب إلى يسوع بفعل انجذاب طبيعي أو لأن هذا يسرّنا. فالله هو الذي يربطنا بابنه. وبالتالي، فإن يسوع ينظر إلى أصدقائه على أنهم عطية من أبيه. وهكذا نفهم أنه يهتم بأمرهم إلى درجة يبذل حياته من أجلهم.
3- وهناك العالم أيضاً. المعنى هنا هو سلبي (المعنى الإيجابي نقرأه في 3: 16). يدلّ العالم على الذين يرفضون رفضاً مطلقاً حب الله والدخول في حوار معه. يدلّ على كل الذين يهيئون اعتقال يسوع ومحاكمته وموته، لأنهم يرفضون رسالة الحبّ التي يعلن.
4- المواضيع الأربعة في هذه الصلاة هي: المجد، الاسم، المعرفة، الحب. ونحن نفهمها على الشكل التالي: المجد يرتبط بالحب. فالإنسان الذي يحسّ أنه غير محبوب يبدو وكأنه شعلة انطفأت. والمحبوب يشعّ كالنور. فيسوع محبوب الله يتقبّل مجد الله بالذات. ويريد من تلاميذه ان يروا إلى أي حدّ ولج حب الله فيه. وهذا قبل الآلام حالاً. ولكن الذي يحبّ لا يستطيع أن يسكت. فقد جاء يسوع يخبرنا عن الحب الذي ناله من الآب ويدعونا إلى مقاسمة هذا الحب. هنا نرى مشروع يسوع: "عرّفتهم باسمك وسأعرّفهم به بعد". أما اسم الله فهو "محبة" (1 يو 8:4).
5- يسوع لا يطلب. بل يقول: أريد. هو يريد أن يكون تلاميذه حيث هو، أي معه بقرب أبيه. وما يريده يسوع لأصدقائه ليس أشياء أو خيرات مادية، بل لقاء لا ينتهي واتحاد متواصل. هذا هو هدف طريق يسوع.
6- بما أن يسوع ينظر إلى نهاية الطريق، فهو لا ينسى أن تلاميذه لم يَصِلوا بعد إلى هنا (آ 26). لم ينته من تعريفهم باسم أبيه. فعليهم بعد أن يكتشفوا أموراً لا يستطيعون حملهَا الآن (16: 12). إذن، لا تعني هذه الصلاة فقط الزمن الذي فيه صلىّ يسوع، ولا الزمن الذي فيه دوّن التلاميذ هذه الكلمات، بل كل الأزمنة التي فيها ينمو البشر في اكتشاف اسم الآب بعمل المسيح وروحه.
7- أين يتم هذا؟ ليس لهذه الصلاة مكان محدّد بالمعنى الجغرافي. إنها تقوم حيث يجتمع التلاميذ حول الرب. وحيث يكون الابن بحضرة الآب. هذا ما نستطيع أن نعبرّ عنه بلغة البشر، ولا نستطيع أن نتصوّره.

ب- موقع النص في انجيل يوحنا
* إن ف 13- 17 هي وصية يسوع. وصلاته الأخيرة تتوّج هذه الوصية. فقد أراد يسوع عبر هذه الصلاة (17: 1- 26) أن يعطينا فكرة عن حالته النفسية قبل توجّهه إلى الآلام (ف 18- 19).
* 17: 1- 5: دلّ يسوع في الموت على عظمة حبّه لله ولأخوته. ذهب حتى نهاية العمل الذي أعطاه الآب أن يعمله: أعطى حياته لأصدقائه، أعطاهم الحياة الأبدية، عرّفهم بأبيه، عرّف بذاته على أنه مرسل الآب. 
* 6:17- 23: واجه الموت واثقاً من نفسه. ولكنه عرف أن وراءه أناساً قد اجتذبهم، فوجب عليهم أن يسيروا المسيرة عينها. إنهم أصدقاء المصلوب، فهل يعرفون أن يقدّموا ذواتهم كلها من أجل الله ومن أجل الأخوة (هذا هو معنى فعل كرّس في آ 19). هم مجتمعون الآن حوله، فهل سيبقون متّحدين بعد ذهابه؟ وهذه الوحدة ضرورية ليشهد التلاميذ من خلال حياتهم لوحدة الآب والابن. هذه هي الهموم التي تحملها صلاة يسوع من أجل تلاميذه.
* 17: 24- 26: وتأخذ الصلاة منعطفاً جديداً. فكأنها وصلت إلى ذروتها.

ج- في حياة جماعة المؤمنين
1- من الواضح أننا لا نملك هنا تقريراً حرفياً عن صلاة يسوع نفسه. بل يستحيل علينا أن نحدّد موقعها في توالي أحداث الآلام. فالحقيقة التاريخية لهذه الكلمات تكمن في أنها تعبرّ عن عمق مشروع يسوع: أن يقيم بين البشر والله جسراً لا ضعف فيه. وعلى ضوء هذا المشروع نتأمّل في كل علاقات يسوع البشرية بأصدقائه.
2- وتدوين هذه الكلمات يدلّ على ساعة صعبة تعيشها كنيسة المسيح. هي تعبير جماعة (وتعبير مؤمن تحدّث باسمها) عن كل آلام يسوع كما قرأتها على ضوء القيامة، وعن خبرة طويلة عاشها هؤلاء المؤمنون. كانوا سنة 95 عدداً صغيراً: تهدّدهم الاضطهادات كما تهدّدهم الانقسامات. وهكذا فهموا بصورة أفضل كلام يسوع وعبرّوا كما استطاعوا عمّا طلب يسوع من الآب لأجلهم.

د- اكتشافاتنا
هناك حياتنا الشخصية. وحياة جماعتنا كمؤمنين. نحن في العالم، ونشارك في محاولات هذا العالم من أجل عدالة أفضل. هل نجد في صلاة يسوع النظرة التي تتيح لنا أن نكون "مكرّسين " لعملنا من أجل الله ومن أجل أخوتنا؟

 

 

الفصل الثالث والأربعون
انجيل يوحنا
صلاة يسوع الأخيرة
17: 24 – 26

يقدّم لنا انجيل يوحنا في هذا النص "كلمات يسوع الأخيرة". في الواقع، سيتكلّم يسوع بعد هذا. فخلال آلامه سيردّ على متهميه، على رئيس الكهنة، على بيلاطس. وسيصليّ على الصليب ويطلق صرخته الأخيرة.
والكلمات التي نقرأها الآن ليست نقلاً حرفياً لحوار يسوع مع أصدقائه ليلة موته. بل هي "كلماته الأخيرة". بمعنى أنها كلمات حاسمة، كلمات لا يقال بعدها شيء. فبعد هذا، لا نستطيع أن نقوله بأفواهنا ما حدث يوم الجمعة العظيمة.

أ- قراءة النص
نحاول أن نكتشف الكلمات المهمة.
1- هذه الصلاة هي أولاً محاولة لبعض التعبير عن حوار بين الآب والابن (آ 24- 25). يتوجّه يسوع هنا إلى أبيه بجرأة لا مثيل لها. ويتلفّظ بكلمة تردّد الإنجيليون الثلاثة في استعادتها. قال: "أريد" (في خبر النزاع في بستان الزيتون قال الإنجيل: لا مشيئتي، لا ما أريد، بل ما تريد). لقد فهم يوحنا أن اتحاد يسوع بأبيه هو من العمق بحيث استطاع أن يقول له بكل حق: "أريد".
2- وأدخل يسوع في صلاته "الذين أعطيتني" (آ 24). لسنا فقط أمام التلاميذ الحاضرين في ذاك المساء حول يسوع، بل أيضاً أمام كل "الذين يؤمنون بفضل كلامهم" (17: 20). إنها سلسلة طويلة تجعل المؤمنين كلهم إضمامة واحدة مع يسوع.
ولكن ما معنى عبارة "الذين أعطيتني "؟ تعني في نظر يوحنا أننا لا نذهب إلى يسوع بفعل انجذاب طبيعي أو لأن هذا يسرّنا. فالله هو الذي يربطنا بابنه. وبالتالي، فإن يسوع ينظر إلى أصدقائه على أنهم عطية من أبيه. وهكذا نفهم أنه يهتم بأمرهم إلى درجة يبذل حياته من أجلهم.
3- وهناك العالم أيضاً. المعنى هنا هو سلبي (المعنى الإيجابي نقرأه في 3: 16). يدلّ العالم على الذين يرفضون رفضاً مطلقاً حب الله والدخول في حوار معه. يدلّ على كل الذين يهيئون اعتقال يسوع ومحاكمته وموته، لأنهم يرفضون رسالة الحبّ التي يعلن.
4- المواضيع الأربعة في هذه الصلاة هي: المجد، الاسم، المعرفة، الحب. ونحن نفهمها على الشكل التالي: المجد يرتبط بالحب. فالإنسان الذي يحسّ أنه غير محبوب يبدو وكأنه شعلة انطفأت. والمحبوب يشعّ كالنور. فيسوع محبوب الله يتقبّل مجد الله بالذات. ويريد من تلاميذه ان يروا إلى أي حدّ ولج حب الله فيه. وهذا قبل الآلام حالاً. ولكن الذي يحبّ لا يستطيع أن يسكت. فقد جاء يسوع يخبرنا عن الحب الذي ناله من الآب ويدعونا إلى مقاسمة هذا الحب. هنا نرى مشروع يسوع: "عرّفتهم باسمك وسأعرّفهم به بعد". أما اسم الله فهو "محبة" (1 يو 8:4).
5- يسوع لا يطلب. بل يقول: أريد. هو يريد أن يكون تلاميذه حيث هو، أي معه بقرب أبيه. وما يريده يسوع لأصدقائه ليس أشياء أو خيرات مادية، بل لقاء لا ينتهي واتحاد متواصل. هذا هو هدف طريق يسوع.
6- بما أن يسوع ينظر إلى نهاية الطريق، فهو لا ينسى أن تلاميذه لم يَصِلوا بعد إلى هنا (آ 26). لم ينته من تعريفهم باسم أبيه. فعليهم بعد أن يكتشفوا أموراً لا يستطيعون حملهَا الآن (16: 12). إذن، لا تعني هذه الصلاة فقط الزمن الذي فيه صلىّ يسوع، ولا الزمن الذي فيه دوّن التلاميذ هذه الكلمات، بل كل الأزمنة التي فيها ينمو البشر في اكتشاف اسم الآب بعمل المسيح وروحه.
7- أين يتم هذا؟ ليس لهذه الصلاة مكان محدّد بالمعنى الجغرافي. إنها تقوم حيث يجتمع التلاميذ حول الرب. وحيث يكون الابن بحضرة الآب. هذا ما نستطيع أن نعبرّ عنه بلغة البشر، ولا نستطيع أن نتصوّره.

ب- موقع النص في انجيل يوحنا
* إن ف 13- 17 هي وصية يسوع. وصلاته الأخيرة تتوّج هذه الوصية. فقد أراد يسوع عبر هذه الصلاة (17: 1- 26) أن يعطينا فكرة عن حالته النفسية قبل توجّهه إلى الآلام (ف 18- 19).
* 17: 1- 5: دلّ يسوع في الموت على عظمة حبّه لله ولأخوته. ذهب حتى نهاية العمل الذي أعطاه الآب أن يعمله: أعطى حياته لأصدقائه، أعطاهم الحياة الأبدية، عرّفهم بأبيه، عرّف بذاته على أنه مرسل الآب. 
* 6:17- 23: واجه الموت واثقاً من نفسه. ولكنه عرف أن وراءه أناساً قد اجتذبهم، فوجب عليهم أن يسيروا المسيرة عينها. إنهم أصدقاء المصلوب، فهل يعرفون أن يقدّموا ذواتهم كلها من أجل الله ومن أجل الأخوة (هذا هو معنى فعل كرّس في آ 19). هم مجتمعون الآن حوله، فهل سيبقون متّحدين بعد ذهابه؟ وهذه الوحدة ضرورية ليشهد التلاميذ من خلال حياتهم لوحدة الآب والابن. هذه هي الهموم التي تحملها صلاة يسوع من أجل تلاميذه.
* 17: 24- 26: وتأخذ الصلاة منعطفاً جديداً. فكأنها وصلت إلى ذروتها.

ج- في حياة جماعة المؤمنين
1- من الواضح أننا لا نملك هنا تقريراً حرفياً عن صلاة يسوع نفسه. بل يستحيل علينا أن نحدّد موقعها في توالي أحداث الآلام. فالحقيقة التاريخية لهذه الكلمات تكمن في أنها تعبرّ عن عمق مشروع يسوع: أن يقيم بين البشر والله جسراً لا ضعف فيه. وعلى ضوء هذا المشروع نتأمّل في كل علاقات يسوع البشرية بأصدقائه.
2- وتدوين هذه الكلمات يدلّ على ساعة صعبة تعيشها كنيسة المسيح. هي تعبير جماعة (وتعبير مؤمن تحدّث باسمها) عن كل آلام يسوع كما قرأتها على ضوء القيامة، وعن خبرة طويلة عاشها هؤلاء المؤمنون. كانوا سنة 95 عدداً صغيراً: تهدّدهم الاضطهادات كما تهدّدهم الانقسامات. وهكذا فهموا بصورة أفضل كلام يسوع وعبرّوا كما استطاعوا عمّا طلب يسوع من الآب لأجلهم.

د- اكتشافاتنا
هناك حياتنا الشخصية. وحياة جماعتنا كمؤمنين. نحن في العالم، ونشارك في محاولات هذا العالم من أجل عدالة أفضل. هل نجد في صلاة يسوع النظرة التي تتيح لنا أن نكون "مكرّسين " لعملنا من أجل الله ومن أجل أخوتنا؟

 

 

الفصل الرابع والأربعون
انجيل يوحنا 
الظهور للتلاميذ
20: 19 – 23

نقرأ في أخبار القيامة عن اللقاء الأول بين التلاميذ ويسوع القائم من الموت. وهذا الخبر هو أيضاً إرسال في مهمة. كل شيء يبدأ من جديد. ما فعله يسوع سوف يفعله تلاميذه.

أ- محطات ثلاث
نحن هنا أمام محطات ثلاث في هذه المسيرة الفصحية.

أ- المحطة الأولى: اللقاء (آ 19)
نحن في مساء يوم انطبع باللقاء والدهشة. أقام التلاميذ في البيت وأقفلوا الأبواب. ولكن يسوع هو هنا أمامهم. هذا اليوم الأول من الأسبوع (بعد السبت، أي الأحد) يوم اللقاء بالرب، صار بداية الأزمنة الجديدة. سيسمّى يوم الرب. "جاء" يسوع. هو لم يمرّ عبر الجدران. إتخّذ المبادرة وجاء. "جاء" كما في 1: 9. جاء إلى أخصّائه. هل سيقبلونه؟ 
والكلمة الأولى هي كلمة "السلام". هي كلمة تحية. ولكنها تعبرّ هنا عن بركات الله. وأزال يسوع الخوف الذي كان يسيطر على التلاميذ.

2- المحطة الثانية: التعارف (آ 20)
"وإذ كان يسوع يكلّمهم أراهم يديه وجنبه". هذا يعني أنه هو المصلوب والمطعون (37:19)، أنه هنا، أنه قد قام. فالقيامة لا تمحو آثار الصليب. وهكذا نفهم أهمية جسد يسوع البشري، بما فيه من لحم ودم. 
والتلاميذ رأوا الرب. نحن أمام فعل إيمان. ففي يسوع الذي انتقل من الموت إلى الحياة قد رأوا الرب. ولكنهم لا يقولون شيئاً: فالفرح يكفي لكي يُرينا أنهم يؤمنون. لقد خرجوا نهائياً من الخوف. إنهم مستعدون.

3- المحطّة الثالثة: الإرسال (آ 21- 23)
واستعاد يسوع الكلام: قال ثانية: سلام عليكم. هذا السلام هو أساس المهمة التي سيسلّمها إلى التلاميذ. وهي تتميّز بثلاث سمات:
أولاً، السمة الأولى. نحن أمام إرسال. وهو في خط إرسال الآب ليسوع (كما أرسلني أرسلكم). مبادرة الله مازالت فاعلة. والرب يأتي إلى لقاء البشر بواسطة رسل يسوع. ولكن هذا يدلّنا أيضاً على هوية يسوع، على المرجع الذي يعود إليه، وعلى سلطته.
ثانياً، السمة الثانية. نحن أمام خلق جديد. نفخ يسوع على التلاميذ كما نفخ الخالق في اليوم الأول ليخلق آدم (تك 7:2). صار الرسل أناساً جدداً. كانوا أول من نال الروح القدس الذي بدونه لا وجود لعمل الله في العالم. منذ ذلك الوقت، لن يكون إرسال إلاّ في هذا الروح عينه.
ثالثاً، السمة الثالثة. نحن أمام إعفاء من الديون. فالرسل ليسوا في عالم جديد لا تاريخ له. فللبشرية ولشعب الله تاريخ فيه ما فيه من شر. ومهمة الرسل تقوم بأن يحلّوا الناس من الخطايا التي تشوّه عمل الله. لله وحده السلطان بأن يغفر الخطايا. وقد شارك الرسل في هذا السلطان بيسوع وفي الروح القدس. بهم سيكون الشعب الجديد شعباً نال الغفران والمصالحة. ومع ذلك، هناك أناس لن ينعموا بهذا الغفران. فالغفران موهبة نتقبُّلها. هي لا تُفرض علينا كما لا نستطيع أن ننتزعها بقوانا.
في العشاء السري (ف 14- 16) وعد يسوع بعودته، بالفرح، بالسلام، بالروح القدس. كل هذا هو هنا. كل هذا قد تمّ (19: 30). إذن كل شيء يستطيع أن يبدأ بالنسبة إلى التلاميذ.

ب- موقع النص في ف 20
1- قبل خاتمة الكتاب الأول (20: 30- 31) وف 21 (زيد فيما بعد) ينتهي الإنجيل كما بدأ (9:1- 2: 11) بأسبوع تشير إليه المحطات الكرونولوجية. في يوم الأحد (آ 1). في مساء ذلك الأحد (آ 19). وبعد ثمانية أيام (آ 26).
2- إن اكتشاف القبر الفارغ (آ 1- 2) يطرح سؤالاً سيجيب عليه القائم من الموت فيتجاوز كل الحواجز: جهل بطرس ورفيقه (آ 3- 10)، جهل مريم المجدلية والانفصال الذي هو نتيجة الموت (آ 11- 18)، خوف التلاميذ وشك توما (آ 24- 29).
بما أن الإيمان يتفجّر من كل حدث من هذه الأحداث (آ 8، 16، 20، 28)، كل شيء يمكنه أن يبدأ لكي يؤمن أناس آخرون (آ 29) وتكون لهم الحياة (آ 31).
3- إذن يوم الفصح هو في نظر يوحنا يوم اكتشاف القبر الفارغ والقيامة والظهورات وإرسال الروح القدس (ق لو 24؛ أع 1- 2). حينذاك يبدأ تاريخ الجماعات المسيحية.

ج- في تاريخ الجماعة المؤمنة
نجد في هذا العرض آثار الجماعة المسيحية التي فيها دُوّن هذا الفصل. 
1- حوالي سنة 95، كانت قد تكوّنت الجماعات اليوحناوية، وهي تجتمع متذكّرة فصح يسوع "في اليوم الأول من الأسبوع"، يوم الأحد (آ 1، 19).
2- وهي تعيش في الخوف. في ذلك الوقت كانت العلاقات صعبة جداً مع السلطات الجديدة في العالم اليهودي.
3- تجاه مجاولات اليهود لكي ينتظموا في شعب خاص بعد كارثة سنة 70، أكّدت الكنائس المسيحية بالأحرى على مهمتها الشاملة، التي تصل إلى المسكونة كلها.
فالإنسان مدعو كله، وكل إنسان هو مدعو ليصير إنساناً جديداً في روح القائم من الموت (آ 22).
4- وتجاه تحفّظات العقلية اليونانية، شدّدت الكنيسة على أهمية جسد القائم من الموت (آ 20).
5- ولكن هذه الجماعات قد اختبرت بنفسها الخطيئة والانقسام. وطُرحت عليها مسألة إعادة الخطأة إلى قلب الجماعة. وقد تشير آ 23 إلى مثل هذه الأوضاع.

د- اكتشافاتنا
واليوم أيضاً يأتي القائم من الموت للقاء تلاميذه: يعرّفهم بنفسه ويرسلهم في مهمة. فإذا أرادت الكنيسة أن تكون أمينة لهذه المهمة، فعليها في كل حقبة جديدة من تاريخها:
* أن تتذكّر خبرة الرسل المؤسِّسة ولا سيما "يوم الرب" الذي فيه تجتمع.
* أن تتوجّه إلى جميع البشر لتقول لهم إن اللقاء بالرب ممكن لأنه يأتي.
* أن تعرض عليهم أن يكونوا "قائمين" في غفران المسيح ونفخة الروح، أن يكونوا أناساً جدداً، رغم الخطيئة والضعف والانقسام.

 

 

الفصل الخامس والأربعون
سفر الرؤيا وزمن الشهادة

إن سبق لنا وقرأنا سفر الرؤيا، تحيرّنا بأسلوبه ولغته. عن أي شيء يريد الكاتب أن يحدّثنا؟ هل نحن في السماء أم على الأرض؟ نبدأ أول اتصال بهذا الكتاب فنقرأ المقدمة والخاتمة، وهكذا نكتشف مضمون الكتاب. ثم نتجوّل في الأقسام الكبرى محاولين أن نفهم ما يحدّثنا عنه يوحنا، وما يحصل في الجماعات التي يتوجّه إليها.

أ- المقدمة (1: 1- 3)
الآيتان الأوليان هما عنوان موسَّع لكل الكتاب. أما آ 3 فتشير إلى استعمال هذا الكتاب على مستوى القراءة وعلى السامعين.

1- هو وحي وكَشْف
هو كتاب يريد أن يساعد القرَّاء على العيش في أوضاع صعبة، فيلقي الضوء على معنى التاريخ وهدفه. لهذا يستعمل لغة مملوءة بالصور. نحن أمام لغة ملغزة لا يفهمها إلاّ المتدرّجون. أما الذين لا الخارج فتبقى مغلقة عليهم.

2- يحدّد العنوان
أولاً: ينبوع هذا الوحي. هو الله الذي تُحدّثنا التوراة بأشكال متنوعّة عن عمله السري. إنه يرسل ملاكه أو روحه، فينال الكاتب رؤية أو يُختطف إلى السماء.
ثانياً: مضمون هذا الوحي. ما سيحصل سريعاً. هي عبارة تميّز الأدب الجلياني (وا 2: 28. جلا أي كشف). وفعل "حصل" يدل على أحداث التاريخ التي يصنعها البشر بحرية. أما فعل "وجب " فيذكرّنا بحضور الله وعمله في التاريخ. فعبر هذا التاريخ يتحقّق أيضاً ما يريده الله للبشر. له تصميمه ومخطّطه.
ثالثا: ناقل هذا الوحي. هو يوحنا الذي يرى ويكتب ويشهد. هو في خط الإنجيل الرابع. موقعه في خط الأنبياء الذين ساعدوا معاصريهم على اكتشاف الطريقة التي يتدّخل الله ويعرّف بنفسه انطلاقاً من أحداث العصر. 

ب- الخاتمة (22: 6- 21)
تبدو الخاتمة بشكل حوار يتدّخل فيه أشخاص عديدون: يسوع (آ 6- 7، 10- 16، 18- 20 أ)؛ يوحنا (آ 28، 21)؛ الملاك (آ 9)؛ الروح العروس (أي الكنيسة) ويوحنا (آ 17)؛ جماعة المسيحيين الملتئمين من أجل الاحتفال الليتورجي (آ 20 ب). وفي كل تدخّلات يسوع يعود أمران: "ها أنا آت سريعاً". "الكلمات النبويّة في هذا الكتاب".
وهكذا تكوّنت لنا فكرة عن مضمون سفر الرؤيا: وحي (أو: كشف) أعطي ليوحنا لكي يكتب كتاباً ينير المسيحيين حول معنى الأحداث التي يعيشونها، وحول وضع الكنيسة. هو كتاب يُعلن ويُسمع في الاحتفال الليتورجي فيساعد المؤمنين على انتظار مجيء الرب انتظاراً ناشطاً جاعلين حياتهم تتناسق مع إيمانهم.
"فاكتب ما رأيت، ما يكون وما سيكون فيما بعد" (19:1). تدلّ هذه الآية على القسمين الكبيرين في الكتاب. ما رآه يوحنا هو ما يكون الآن، أي وَضع مختلف الكنائس (1: 4- 3؛ 22). ما رآه هو أيضاً ما سيكون فيما بعد (4: 1- 5:22).

ج- الرسالة إلى كل من الكنائس السبع (1: 4- 3: 22) 
1- مقدمة
تبدأ الرسالة بمقدّمة دوّنت حسب النموذج العادي المعروف في الرسائل (مثل رسائل مار بولس). يُذكر الكاتب والقارئ الذي تتوجّه إليه الرسالة، ويُشار إلى الاقانيم الإلهية الثلاثة:
أولاً: الله يذكر بشكل موسّع. نجد عند اليهود عبارة: الكائن والذي كان والذي سيكون. صحّح يوحنا الكلمة الأخيرة فدلّ على الشيء الذي يشدّد عليه: الذي يأتي (آ 7، 8 عن يسوع).
ثانياً: الروح يرافقه الرقم 7. في البيبليا، الرقم 7 علامة الملء والكمال. سنجده مراراً في سفر الرؤيا. أما هنا فهو يدلّ على غنى نشاط الروح الواحد.
ثالثاً: يسوع. يبرز دوره كشاهد. لقد شهد بأقواله وأعماله، فقادته هذه الشهادة إلى الموت. هو حيّ بعد الموت، فيستطيع أن يجمع جماعة الشهود، "مملكة الكهنة". وسيختبرون، شأنهم شأن يسوع ويوحنا، الثمن الغالي الذي يدفعه "الشاهد الأمين ". فالكلمة الواحدة في اليونانية تدلّ على الشاهد والشهيد (1: 5، 1: 9؛ 11: 7؛ 19: 10؛ 20: 4؛ 22: 16- 20). وهناك مزاحمون يبرزون على المسرح: هم ملوك الأرض. غير أن يسوع هو ملكهم. إنه يتغلّب عليهم. إلا أن المعركة لم تنته وهي ستدوم طويلاً.
ثم نجد رؤية (آ 9- 20) خلفيّتها سفر دانيال. يبدو يسوع كابن إنسان. له سلطان بأن يدين لأنه مساوٍ لله. وترافق هذا العرض صورٌ عديدة ورموز كثيرة لا نفهمها للوهلة الأولى. لن نتوقف عند كل تفصيل، ولكننا ننظر إلى اللوحة الاجمالية.


2- الكنائس السبع
هي كنائس تقع في آسية الصغرى (تركيا الحالية). نبرة هذه الرسائل ومضمونها يدلان على أن هذه الكنائس تعيش أزمة خطيرة. فهي تواجه مسألة هامة هي شعائر العبادة للإمبراطور. ففي نهاية القرن الأوّل فُرضت هذه العبادة الرسمية من أجل تماسك إمبراطورية واسعة تألّفت من شعوب مختلفة. ونالت فسباسيان وهو حي لقب المخلّص والمحسن والرب. وسُمي دوميسيان الرب والإله. وصوّرته النقود وكأنه انعكاس على الأرض للاله جوبيتر.
من قبل العبادة للإمبراطورية جعل من السلطة السياسية أمراً مطلقاً، جعلها إلهاً. وهكذا يخسر يسوع معنى وجوده. من تهرّب من هذه العبادة، كان عمله عملاً سياسياً فاعتبر متمرداً وغير خاضع لرومة. وموقف الرفض هذا كان سبب اضطهاد في نهاية حكم دوميسيان سنة 95.
فعلى المسيحيين أن يختاروا. أراد بعضهم أن يتهرّب متتبعاً نظرية تستلهم الغنوصية: المهم هو الروحي والباطني. أما المادي والخارجي فلا أهميّة له. إذن، قبلوا بأن يقوموا ببعض أعماله ومارسوا شعائر العبادة التي يطلبها الإمبراطور. وهكذا يكونون في راحة.
وهكذا يُفرغ الإيمان من كل مضمون. هذا، يسميّه يوحنا "الزنى". فهو يرى أنه لا بدّ لنا من أن نعلن المسيح حتى النهاية، حتى في طريقة تحديد موقفنا في الحياة السياسية. لهذا أرسل نداء ملحاً إلى الكنائس حتى تعود إلى "حرارتها الأولى" (2: 4؛ 2: 25؛ 3- 16).

د- ما سيكون فيما بعد (4: 1- 5:22)
وفي قلب هذه الحرب بين المسيحيين وسلطة الإمبراطور، وأبعد منها، هناك حرب بين قوى الخير وقوى الشر، حرب واسعة وسع الكون قد دخل فيها الله نفسه.

1- ليتورجيا على الأرض وفي السماء (ف 4- 5)
لا ينظر المؤمن إلى الأحداث "كيف ما كان ". فالإيمان هو الذي يوجّه نظرته. ويقدّم لنا يوحنا في هذين الفصلين ما يوّجه نظرنا وينيره. 
الايمان بالله هو الذي يوّجه التاريخ. هذا هو معنى 4: 5: "خرج من العرش بروق وأصوات ورعد". تُستعمل هذه العبارات في التوراة لتدلّ على ظهور الله وترائيه (مثلاً في سيناء، خر 16:19). وسيتوسع الكاتب في هذه العبارة على مدى القسم الثاني (8: 5؛ 19:11؛ 18:16) ليشدّد على الأهمية المتزايدة لتدخّل الله.
وهذا ما يبيّنه "الكتاب" الذي يشير إلى قصد الله كما تساعدنا الأسفار المقدسة على فك رموزه في كل عصر، كما يساعد سفر الرؤيا مسيحيي عصره على ذلك. والمسيح المقدَّم كحمل مذبوح يتيح لنا أن نكتشف قصد الله في كل غناه: فالحياة التي تسلَّم إلى الموت ليست حياة نخسرها. فها شعب جديد بدأ يجتمع.
وينطلق يوحنا من هنا فيرى ويفسّر ما سوف يحدث. نشير إلى المحطات المختلفة ونبرز أهمّها أو أسهلها.

2- الختوم السبعة (6: 1- 7: 17)
أول عرض للحرب بين الخير والشر، مع انتصار الشر. نقرأ ف 7 حول تجمّع المختارين.

3- الابواق السبعة (8: 1- 11: 14)
مجابهة جزئية وموقتة بين الخير والشر. نقرأ 11: 1- 14 عن الشاهدين.

4- الكؤوس السبع (11: 15- 16: 16)
توسّع يصل إلى الذروة في الحرب بين الخير والشر. نقرأ في ف 12 الآية الأولى، المرأة التي هي صورة عن شعب الله. وفي 13: 1- 14: 5 عن جماعتين مختلفتين. واحدة تتبع الوحش (السلطة الإمبراطورية). وواحدة تتبع الحمل.

5- اليوم العظيم (16: 17- 22: 5)
حُكم على الشر بصورة نهائية. وبرز حضور الله الجديد لجميع البشر.
نقرأ في ف 18 عن سقوط بابل (أي: رومة). وفي 21: 1- 22: 5 عن السماء الجديدة والأرض الجديدة.

هـ- معنى سفر الرؤيا
نجد في هذا الكتاب صدى لإحدى الحقبات الحرجة حيث كان مستقبل المؤمنين في خطر. وهذا ما دفعهم إلى أن يتساءلوا عن طريقة ادراك الله وفهم رسالتهم. من هو هذا الاله المنتصر نظرياً بينما يفرض الإمبراطور سلطته؟ هل هو يسوع القائم من الموت؟ ولكننا نسلَّم إلى الموت. ما هي هذه الكنيسة التي تلاقي العداوة حولها والتي يخونها بعض أعضائها؟
قال لنا المؤمنون عبر هذه الصفحات كيف توصلّوا إلى إدراك عمق الصراع الذي يعيشونه. وكيف فهموا فهماً أفضل شكل انتصار الله. إنه انتصار الحمل "الذي هو واقف كأنه مذبوح " (5: 6). إنه انتصار حياة تسلّم حتى النهاية. وعبر الموت نفسه يُولد عالم جديد.
بالنسبة إليهم، الزمن هو زمن الشهادة. وتتخّذ الجماعة مداها لأن عليها أن تعلن ايمانها. وهي تفعل معارضة سلطة سياسية تعتبر نفسها مطلقاً، تحسب الناس أرقاماً، تسمهم كلهم بالوسم عينه (16:13). 
وقُرئ سفر الرؤيا بطرق مختلفة على مدّ التاريخ. قرأه المؤمنون وايديهم "مكتفّة": هذا عالم فاسد. نصلي ليأتي عالم آخر. وقرأه آخرون "والسلاح في يدهم ": لنعجّل في مجيء عالم آخر. إستندت هذه القراءة إلى ف 20 الذي يشير إلى عالم جديد ممكن على الأرض. هكذا فعل أولئك الذين دعوا إلى ثورات اجتماعية وراء "مسيح " (مخلّص) يعبرّ عن تطلّعات شعبه إلى الحرية.
فعلينا نحن أن نتأمل المسيح الذي أتى الذي يأتي الآن والذي سيأتي. كلها "مجيئات" تحدّثنا عن عالم جديد تدشّن منذ ذلك الوقت ولكن لا بد من بنائه أيضاً. هذا هو التاريخ بما فيه من جدّية، وفيه تعمل جماعة المؤمنين.

 

 

الفصل السادس والاربعون
يسوع في كتابات يوحنا

في نهاية هذه المسيرة عبر كتابات ترتبط بيوحنا، وبعد هذه النظرة إلى جماعات قاسموه بحثه، لن نتوقّف إلا عند سؤال واحد. هذا السؤال لا يستطيع أن يتجنبه كل الذين اتصلوا بشخص يسوع، بشكل أو بآخر: "من أنت"؟ كان ذاك السؤال الذي طرح على يوحنا في أول مشاهد الإنجيل (1: 20). وهو السؤال نفسه الذي دفع يوحنا إلى تدوين كتابه: "لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح وابن الله " (20: 31). أية نتيجة قادنا هذا البحث؟ هذا ما سنحاوله أن نقوله متتبعين تدريجياً حقول الخبرة الرسولية التي يعكسها الإنجيل الرابع والرسائل اليوحناوية وسفر الرؤيا.

أ- حياة يسوع
الخبرة الأهم هي خبرة السنوات التي قضاها يوحنا بن زبدى في رفقة يوميّة مع يسوع الناصري. مهما كان الدور الذي لعبه في التدوين النهائي للإنجيل الرابع، فهذا الإنجيل انطبع بكلمة سمعها التلميذان الأولان في إحدى الأمسيات على شاطئ الأردن: "تعاليا وانظرا" (1: 39). فيسوع سيظلّ ليوحنا، لجماعاته، ذلك الكائن من لحم ودم الذي لا نستطيع ان نقسمه دون أن نقتله. ذلك الكائن الذي رأوه وسمعوه ولمسوه، الذي كلوا معه وشربوا. وواقع جسد المسيح ينجيّ الإيمان من محاولة الهرب خارج العالم المحسوس الذي يعيش فيه البشر كل يوم. هذا ما لا يجهله قرّاء يوحنا الذين تربّوا على يده.

ب- رجاء إسرائيل
يسوع هو كائن من لحم ودم. إذن، هو جزء من شعب. ما استطاع يوحنا وجماعاته أن ينسوا الرباطات التي تربطهم بشعب الله في التاريخ. لاشك في أنهم انفتحوا على السامريين وعلى الأمم الوثنية، ولكنهم عرفوا أن ينبوعهم الأول هو في الشعب اليهودي: "الخلاص يأتي من اليهود" (4: 22)، من هذا الشعب الذي "يتحدّر" من إبراهيم (33:8) وينظمّ نفسه حسب شريعة موسى (17:1)، من هذه الجماعة الدينية والوطنية التي تعيش أقسى محنة في تاريخها.
إذن، كان من الملّح أن يحدّد يوحنا موقع يسوع بالنسبة إلى هذا الشعب الذي هو شعبه فسار في طريق تتجاوز نفسها بصورة تدريجية. يسوع هو أعظم من ابراهيم الذي ترجىّ بصورة غامضة أن يرى يوم مجيئه (56:8). وهو أعظم من موسى، لأنه يحمل أكثر من الشريعة، يحمل النعمة والحق (17:1). وموسى نفسه قد شهد من أجله (45:5- 46). وهو اكثر من مسيح انتظره الناس من سلالة داود: إنه العريس الذي وعد به الله لجماعة المؤمنين، إنه صورة الله نفسه كما تقول بعض شروح نشيد الأناشيد.
غير أن كل علاقات يسوع بشعبه قد انطبعت بعلامة الآلام. إنه ابن الإنسان الذي يحامي عن شعبه المضطهد كما في دا 7: 14. ولكنه هو أيضاً "سيرفع" (8: 28)، أي سيوضع على صليب، ويُدعى إلى الآب. إنه الراعي الحقيقي الذي يتخلى عن حياته من أجل خرافه (10: 11). إنه ملك إسرائيل في إطار المحاكمة والموت. وهو المطعون الذي فيه نكتشف كلّنا معنى حياتنا (37:19). إنه حمل الله الذي فيه يتمّ الفصح الحقيقي والذي يفتح أبواب الحياة والحرية لأبناء الله (19: 36).

ج- مخلّص العالم
هو كائن من لحم ودم. ولكنه تجاوز حدود جماعته الأصلية. وارتبط بكل البشر والتزم بكل ما يخصّ البشر. لهذا ليس يسوع في نظر يوحنا الصديق على شاطئ بحيرة طبرية وحسب، وليس فقط الملك الحقيقي لإسرائيل. منذ البداية هو أكثر من ذلك. فهناك ثلاث كلمات تتفجَّر من المطلع وتشعّ على الإنجيل كله. هذه الكلمات هي: الحياة، النور، الكلمة. بدونها تصبح حياة البشر مستحيلة.
ولقد أعطى يسوع طوال طريقه علامة عن انفتاحه على جميع البشر. أعلن لنيقوديمس أن الله أحبّ العالم حباً جماً، فأرسل إليه ابنه الوحيد (16:3): هذا هو معنى الرسالة. ولم يخطئ السامريون بعد أن سمعوا نداءه حين قالوا: "نعرف حقاً أنه مخلّص العالم" (4: 42). ورأينا كيف أن حياة يسوع العلنية انتهت ساعة جاء إليه اليونانيون (12: 20- 22).
وفي صباح الفصح سيعطي يسوع لمرسليه مهمة تجديد البشر الذين يأتون إليه تجديداً عميقاً. فكما نفخ الخالق على آدم في اليوم الأول (تك 7:2)، كذلك نفخ يسوع عليهم (يو 22:20) وسلّمهم الروح الذي يعطي الحياة رغم الخطيئة والموت. وهكذا خلق يسوع بشرية جديدة لا يزال الروح يرسلها حتى نهاية العالم.

د- ابن الآب الوحيد
إذا كان يسوع يستطيع أن يفعل كل هذا، فهذا يعني أننا لا نستنفده حين ننظر إليه أو ندرك أعماله وأقواله. ففي يسوع كيان من عالم آخر، من عالم أعمق. إنه كلمة الله. وهذا لا يعني فقط بالنسبة ليسوع أن يقول كلام الله للبشر وينقل إليهم تعليمه. هذا يعني أنه يأتي من قلب الله بالذات، كما تأتي الكلمة البشرية الحقيقية والصريحة من أعمق أعماق البشر وتكشف سرّ حياتهم. يسوع يأتي من الله بدرجة لا تستطيع الألفاظ البشرية أن تعبرّ عنها.
وجد يوحنا عبارة "الابن الوحيد". هو وحيد، لا لأنه وحده فقط. إنه وحيد أيضاً مع قوة الحب والحنان التي تتضمنّه هذه اللفظة. هذا الابن هو موضوع تعلّق الله. إنه ظهور كل حبّه. وهو قد أعطي لنا. وبما أن الله أعطانا ابنه، وبما أن هذا الابن أعطانا حياته، نستطيع أن نقول مع يوحنا: "الله محبة" (1 يو 4: 16).
وفي النهاية، نستطيع أن نرجع الإنجيل كله إلى هذا القول: نؤمن بسبب يسوع أن الله محبة. ونحاول بروحه أن نعيش هذه المحبة وسط اخوتنا.

 

 

الفصل السابع والاربعون
العهد الجديد كتاب شعب الله

قبل أن نغلق هذا الكتاب، سنبحث عن الخطوط التي وجّهت طريقنا. قدّمنا أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين، وحاولنا أن نربط اكتشافاتنا بالمحيط التي وُلدت فيه. وهكذا بدا لنا خط واحد، ولكن مع اختلافات عديدة بين سفر وسفر.

أ- وحدة العهد وتنوّعه
يضم العهد الجديد رسائل وأناجيل ومقالات نظرية (الرسالة إلى العبرانيين) وجليانية (سفر الرؤيا). نستطيع أن نشبّهها بمكتبة تضم الرسائل والروايات والقصائد... اذن، كتب مختلفة.
وتعدّد الكتاب يدلّ أيضاً على تنوّعهم. أناس من أوطان مختلفة. وقد ورثوا عدة تقاليد ثقافية ودينية، وتحدّد موقعهم في أماكن مختلفة من تاريخ القرن الأول المسيحي. دخلوا في جماعات لها شخصيّتها فكتبوا ما كتبوا ليتجاوبوا مع حاجات واهتمامات هذه الجماعات. لم يدوّنوا كتاباً جماعياً، ولم يجمعوا بأنفسهم كتابات تكوّن اليوم العهد الجديد. فقد جمُعت هذه الأسفار في القرن الثاني، يوم كادت الهرطقات تُغرق الأسفار القانونية بسيل من الكتب المنحولة.
أسفار عديدة في كتاب واحد. وهذا الكتاب له وحدته. فمهما اختلف الكتاب، إلا أن يقيناً واحداً يحرّكهم: إنهم يريدون أن يقولوا كلمة جديدة لعصرهم، أن يعلنوا "بشرى سعيدة" اكتشفوها في يسوع المسيح.
الخبر السعيد هو الإنجيل. هناك الأناجيل الأربعة. وهناك سائر أسفار العهد الجديد التي هي أيضاً انجيل.
وعبر ممارسات متنوّعة وخبرات مختلفة واهتمامات ملموسة حاولوا أن يعلنوا لمعاصريهم الحدث الجديد الذي هو يسوع المسيح. ومشروعهم يوّحد مجمل الأسفار في كتاب واحد سمته الكنيسة العهد الجديد. أي: الميثاق الجديد بين الله والبشر كما ظهر في يسوع المسيح.
هذه النظرة السريعة تطرح علينا أقلّه سؤالين:
الاول: إذا كان كتّاب العهد الجديد لم يدوّنوا كتاباً مشتركاً، فمن الذي جمع ما دوّنوه وجعلوه في مجموعة واحدة، في كتاب واحد، هو العهد الجديد؟
الثاني: إذا كان العهد الجديد قد تألّف من كتابات ارتبطت بعصر محدد في تاريخ مجتمع، لماذا نقرأها اليوم ونعطيها أهميّة فريدة؟ وبسؤال آخر: ماذا نستفيد من قراءة هذه الأسفار بعد أن مرّ على كتابتها ألفا سنة من الزمن؟

ب- تكوين العهد الجديد
لا ورق ولا مطبعة في القرن الأول. يدوّن الكتاب باليد، وهذا ما يتطلّب وقتاً طويلاً ويحدّد عدد الكتب "المنشورة". كانوا يكتبون على البردي أو على الرقّ. كان البردي (يصنع في مصر من ورق بعض القصب) رخيص الثمن ولكنه لا يدوم طويلاً. أما الرقّ (يصنع من جلد المعز أو الغنم) فهو متين ولكن سعره غالٍ .

1- ودوّنت الكنيسة أسفارها
غير أن هذه الصعوبات التقنيّة والاقتصادية لم توقف عمل المسيحيين. ففعَلَ الرسل كما يفعل الكتبة في الجماعات اليهودية. دوّنوا مقالات كنائسهم ونصحوا المؤمنين بأن يتبادلوها مع جيرانهم. هذه الممارسة التي تشهد عليها كو 16:4 ساعدت على تكوين المجموعات.
واستلهم المسيحيون العادات المعمول بها في المجامع، فاستعملوا بعض الكتابات في ليتورجيتهم. وهذا الاستعمال أعطى الكتابات سلطة توازي السلطة المعطاة لأسفار العهد القديم. فمنذ نهاية القرن الأول جعل بطرس على قدم المساواة رسائل بولس وسائر الكتب (اي نصوص التوراة)، ولم يحتج إلى برهان يسند ما يقوله (2 بط 3: 15- 16). وهكذا تكوّنت مجموعات من المقالات سُميت "كلام الله". وقد أورد الكتّاب المسيحيون في القرن الثاني هذه النصوص وأعطوها قيمة مطلقة واعتبروها قاعدة إيمان لهم وللمؤمنين الذين يكتبون إليهم.
فتأثر بهذه الممارسة اليهود الذين رفضوا الإيمان المسيحي، فحذّروا مؤمنيهم من هجمة كتب مهرطقة، وحدّدوا لائحة أسفار التوراة التي تعتبر "كلام الله"، حددوا اللائحة القانونية للكتاب المقدس. حدّدوا الأسفار القانونية. واهتم المسيحيون أيضاً بتحديد هذه اللائحة. ونحن نجد في رومة لائحة بأسفار العهد الجديد تعود إلى سنة 170 تقريباً (قانون موراتوري). وستكون اللائحة ثابتة بصورة نهائية خلال القرن الرابع.

2- وحدّدت الأسفار القانونية
وتدوّنت مؤلفات أخرى على يد مسيحيين في القرنين الأول والثاني. بعضها سمي: انجيل، أعمال، رسالة، رؤيا. مثلاً، انجيل بطرس، انجيل توما، أعمال بولس، رؤيا بطرس. احتفظت بعض الكنائس ببعض هذه الكتب (مثلاً، راعي هرماس) ثم رذلتها من قانونها.
لم يكن تحديد الأسفار السبعة والعشرين في العهد الجديد بالأمر الهيّن. فقد كان هناك جدالات ومنازعات. فنحن نعرف، على ما روى يوستينوس أو ايريناوس، أن مصادمات خطيرة هزّت الكنيسة في تلك الحقبة. فقد عارض وعّاظ مشهورون سلطة بعض الكتب (مثلاً، الأناجيل) وأحلّوا محلّها كتباً أخرى توافق نظرياتهم. وكوّن كلُ واحد لنفسه لائحة بالأسفار "المقدسة". وقاد هذا العمل إلى نكران للإيمان الذي تحوّل إلى غنوصية ومعرفة باطنية.
إذن، لا بدّ من تجاوز هذه الفوضى. لا بدّ من تحديد الكتب التي ترجع إليها الكنائس، وتعتبرها قاعدة إيمان. لا بدّ من رذل الكتب المنحولة (غير صحيحة، تنتحل صفة الإلهام). وهكذا تحدَّد شيئاً فشيئاً قانون (قاعدة، لائحة) الكتب المقدّسة.
إن تجميع هذه النصوص هو ثمرة عمل طويل قامت به الكنائس. فهي الذي قرّرت أن تقبل هذا السفر وترذل ذاك. وهي التي عرفت القيمة الفريدة لهذه الكتب بالنسبة إلى المؤمنين. وسمتها "كلام الله" لأنها تتيح لنا العودة إلى ينابيع الإيمان. تعرّفت الكنيسة إلى عمل روح المسيح في هذه الكتب فأكدت صحة الكلام الذي تحويه. نحن مثل مسيحيي القرنين الثاني والثالث، لا نستطيع أن نبرهن على القيمة "الفريدة" لهذه الكتب. بل نتسلمها على أنها "كلام الله" من شعب يحيا منها.

ج- العهد الجديد كتاب شعب
هناك علاقات بين الكتاب والشعب المؤمن

1- العهد الجديد كتاب يعترف به الشعب
تقبلّت كنائس الأجيال الأولى العهد القديم وأقرّت بصحة كتابات العهد الجديد. ونحن نسير على خطاهم. فالجماعات المسيحية تتسجّل في تاريخ شعب أقرّ باصالة البيبليا وقيمتها الفريدة.
وسبب هذا الاعتراف هو اليوم كما في الأمس، حدث يسوع المسيح. نتقبل من الكنيسة "الخبر السعيد": ففي يسوع، في حياته وممارساته وخياراته، أعلنت كلمة فريدة جديدة عن الله، كلمة شهد الله على صدقها حين أقام يسوع من بين الأموات.
وبما أن هذا الإنجيل ارتبط بحدث حصل في تاريخنا، فنحن مدعوون للعودة إلى الشهود الأوّلين لهذا الحدث وإلى ما تركه من أثر في التاريخ. والحال أن كلمات هؤلاء الشهود هي قريبة منا في كتابات الكنيسة الأولى. إذن، تمتّعت كتاباتهم هذه بمكانة فريدة في الايمان المسيحي. ولهذا السبب أيضاً اعترفت الكنيسة بالعهد القديم (التوراة اليهودية). إنه كتاب شعب وُلد فيه المسيح، وهو طريق مميّزة تقود المؤمن إلى اللقاء بإله يسوع المسيح.

2- العهد الجديد كتاب كلام الله
البيبليا هي "قاعدة" (قانون) تمنعنا من الأحلام أو من قول أي شيء عن إيماننا. وإذ أرادت الكنيسة أن تشدّد على هذه المكانة الفريدة التي يَنعم بها هذا الكتاب في الجماعة، قالت إنه "موحى"، "ملهم " (2 تم 16:3). وهكذا شهدت على خبرتها التي تجعلها تعترف أن هذه الأسفار تدوّنت بيد كتّاب حلت فيهم دينامية الروح القدس.
هي لا تقول إن هؤلاء الكتاب كانوا في حالة اللاوعي أو الهلوسة. فالروح القدس لا يلغي مسؤوليتنا ولا عقلنا. ونحن نعرف أناساً يظنّون انهم يحافظون على الالهام في الكتاب المقدس حين يأخذونه على حرفيّته. فينسون أن يلجأوا إلى الوسائل التي قدّمتها لنا العلوم الحديثة لكي نقرأ النص قراءة صحيحة. كما أن الإلهام لا ينزع من الكتّاب الملهمين عقلهم، كذلك لا يُلغي الايمان ما وصل إليه عقل الناس في أيامنا.
ولا يكفي أن نقول هذا لنوضح ما تريد الكنيسة أن تقوله حين تحدثنا عن الوحي والالهام. فنحن نؤمن أن الروح القدس يسكن في كل معمَّد. وحين تتحدّث الكنيسة عن الوحي والالهام، فهي تشدّد على أن روح الله طبع بطابعه ما دوّنه هؤلاء الكتّاب. وحين تعلن هذا تؤكّد أن هذه الكتابات هي ضرورية لبنائها، أن عليها أن تعود إليها لتجد يسوع المسيح واباه.

3- العهد الجديد كتاب دوّن لحياة شعب الله
إذا كنا نعترف أن هذا الكتاب هو كلام الله، فهذا يعني أنه لا يغرقنا في الماضي، بل يجعلنا نحيا اليوم. ونحن نعيش كشعب حين نتقبلّ ميراثاً يجعل منا بشراً. فيسوع نفسه تقبل إرثاً من شعبه. ونحن أيضاً لسنا وحدنا. نتقبل من الشعب المسيحي ارثاً عمره 2000 سنة. فقد حاولت جماعات المؤمنين أن تترجم ايمانها بيسوع المسيح لمعاصريها في تعابير مختلفة. قراءات متنوّعة أو متعارضة. ومع ذلك فهي تكوّن "تقليد" الكنيسة، وتشهد على حيوّية الايمان.
وتفهمنا هذه الجماعات أن العودة إلى الكتاب المقدّس لا تعقّمنا (تقتل فينا الحياة) في تكرار رتيب لكلمات قديمة. بل إن هذه العودة تتوجّه إلى كلمة جديدة لأن شعباً من الأحياء يعيشها. وإذ نعود إلى هذه النصوص، لا نريد ان ننسخها على حرفيتها. فقد كتبها أناس محدَّدون في وقت من تاريخ المجتمعات، فارتبطت بهذا الوضع. إذ نعود إلى هذه النصوص نريد أن نتضمّخ بشهادات الجماعات الأولى لنقدّم نحن بدورنا وانطلاقاً من هذه النصوص تعبيراً عن الايمان خاصاً بنا.
وهكذا نؤوّن السر الذي أعلن بشكل رمزي في خبر العنصرة (أع 2: اي). فبالكلمة التي بتلّفظ بها المسيحيون على مرّ العصور، يُعلَن الإنجيل لكل الشعوب وفي كل الازمنة. وهكذا نتحقق من أن روح الله، روح العنصرة، ما زال نشيطاً في قلب جماعات المؤمنين.