إنجيل متى، سر الملكوت 2

تقديم

بعد الجزء الأول من تفسير انجيل متى، ها هو الجزء الثاني. بعد بدايات الملكوت، نقدّم هنا سرّ الملكوت الذي يتوزعّ على مقدمة وأربع مراحل.
في الجزء الأولى كانت مراحلنا: سرّ يسوع من العهد القديم الى العهد الجديد، عظة الجبل، عشر معجزات. وفي هذا الجزء الثاني تكون سلطة الملكوت، السؤال حول الملكوت، نموّ الملكوت، مسيرة الملكوت. أما المقدّمة فتحمل ثلاثة مواضيع عامّة: الشريعة والانجيل، التلاميذ والجمع، الكنيسة والايمان. ولن نقف فقط عند إنجيل متّى بل نصل في تأمّلنا إلى إنجيل مرقس وانجيل لوقا.
أما أسلوب العمل فهو هو. في بداية كل مرحلة نقدّم نظرة عامة إلى المرحلة كلها، فنشدّد بشكل خاص على البنية والتركيب، لأن الانجيل ليس فقط مقاطع متفرِّقة نسمعها في قداس أو صلاة. إنه بناء. إنه شهادة كنيسة وكاتب في حياة يسوع وأقواله وأعماله. ومن مرحلة إلى مرحلة نرافق التلاميذ الأولين في تعرّفهما إلى يسوع يوماً بعد يوم. فكما أن نموّ الانسان يكون متدّرجاً، هكذا كان نموّ الرسل. نموّ الكنيسة الاولى، ونموّنا نحن الّيوم. وبعد البنية والتحليل، نحاول أن نكتشف المعنى اللاهوتي الذي نكتشفه في كل مرحلة.
وبعد هذه النظرة العامة، نتوقّف عند كل مقطوعة على حدة: في إطارها التاريخي والنقدي، في بنيتها ومراجعها وطرق تفسيرها. قد يتبدّل الاسلوب بين دراسة ودراسة. هكذا لا يملّ القارئ من رتابة في التأليف. ومن جهة ثانية، يتعرّف إلى أساليب متعدّدة في شرح النصّ الكتابيّ. فكما أن لنا في الكنيسة أكثر من انجيل، فلنا أيضاً أكثر من قراءة للنصّ الانجيلي الواحد. فنحن نستطيع أن نبقى داخل الكنيسة وتكون لنا قراءات متعدّدة للنصّ الواحد. فكلمة الله غير المحدودة لا نستطيع أن نحصرها في تفسير واحد. فاللامحدود يحتاج إلى محاولات لا محدودة لكي يحيط به ويدركه، هذا إذا استطاع. لهذا حاولنا أن نفتح سبلاً متعدّده لقراءة النصّ الانجيليّ. وهنا نذكّر القارئ بأن نصوص متّى قد ظهرت كخبر عند مرقس ولوقا. لهذا فهو يستطيع أن يقرأ ما قلناه من تفسير في النصوص الموازية. وما يساعده على المقابلة، والتعرّف إلى أوجه الشبه والاختلاف هو "إزائية الاناجيل الأربعة" التي تفهمنا أن كلمة الله ليست جامدة. خرجت من فم يسوع فجاءت متنوّعة في أربعة أناجيل. وهي تدعو جماعاتنا وكنائسنا وكلَّ واحد منّا أن يكون بدوره انجيلاً حياً: يجعل كلام الانجيل في تفكيره وعقليّته، في أقواله وأعماله، في حياته ومماته، على ما يقول بولس الرسول: سواء متنا أو حيينا فنحن للمسيح.
تلك مسيرتنا في هذا الجزء الثاني من تفسير انجيل متّى نقدمه باسم الرابطة الكتابية، ونحن نرجو له الرواج الذي عرفته مجموعة "دراسات بيبلية" التي صارت في رقمها السادس عشر، وهي ترجو بنعمة الله ومحبتكم لكلمة الله، أن تسير قدماً فتعطي القارئ العربي ما يحتاج اليه من مفاتيح للدخول إلى كلمة الله، هذا الهيكل العظيم الذي هو حضور الله الرائع وسط البشر.
القسمُ الأوّل
مَواضِيع عَامَّة
يرد في هذا القسم ثلاثة مواضيع
1- الشريعة والانجيل في بشارة متّى
2- التلاميذ والجمع، أبناء الملكوت وأبناء الشرير 
3- الكنيسة والايمان في الأناجيل الازائيّة

الفصل الاول
الشريعة والانجيل في بشارة متّى

الشريعة (نوموس، الناموس) هي وحي إلهي دُوّن في التوراة، في العهد القديم. في القرن الأول، تسلّم المؤمنون في فلسطين الشريعة كمجموعة قانونيّة وأخلاقيّة. غير أن هذه الشريعة الموروثة من الآباء والعصور في فتاوى، والموسّعة في الأسفار الجليانيّة، قد أخذها يسوع خلال حياته العمليّة فأعاد تفسيرها وأبرز ما يدّل فيها على مشيئة الله تجاه البشر. ومع بولس الرسول أخذ مدلولُ الشريعة اتجاهاً آخر فأشار إلى أمرين مميّزين: الشريعة هي أولاً التعبير المقدس والصالح لمشيئة الله كما عبّر عنها تقليد الآباء. وهي ثانياً طريق الخلاص لدى اليهوديّ. هي طاعة للشريعة بها يعلن الانسان إيمانه بالله. وما نلاحظه هو أن بولس يتجاهل في رسائله تقليد تعليم يسوع حول الشريعة كما نجده في انجيل متّى. وهكذا حين نتكلّم عن الشريعة في العهد الجديد، يجب أن نحدّد: هناك الشريعة كما دونّت في العهد القديم، وإعادة تفسير الشريعة في فم يسوع، والنظرة التي يدافع عنها بولس.
ونفهم بلفظة "انجيل" (اونجيليون) في الرسائل البولسية إعلان موت يسوع وقيامته كالحدث الاسكاتولوجي الذي يؤسّس خلاص البشر. أخذ مرقس هذه اللفظة كمقولة تفسيرية لكي يصف رواية الاحداث المرتبطة بحياة يسوع العلنيّة (مر 1: 1). فهذه الاحداث التي قدّمها مر بشكل خبر صارت إعلانًا وكرازة. ونلاحظ أن صاحب الانجيل الثاني قد وسّع الحقل الذي "فلحه" بولس في رسائله: لا يذكر فقط موت يسوع وقيامته من أجل عطيّة الخلاص، بل كرازته وأعمال معجزاته قبل المحاكمة في أورشليم. وما فعله مرقس صار مدرسة في بداية القرن الثاني. فلم تعد لفظة "انجيل" تدلّ على تعبير أصيل عن الايمان بواسطة الكرازة، بل على فنّ أدبي يذكر مصير يسوع على الارض منذ مولده إلى حدث الفصح من موت وقيامة. استعمل بولس لفظة "انجيل" في المعنى القديم. أما متّى فانطلق من معناها في أواخر القرن الأولى المسيحي.
بعد أن حُدّدت "الشريعة" (أو الناموس) بشكل موجز في إطار العهد القديم، نتساءل عن علاقتها الواضحة بالعهد الجديد. هذا هو وضع بولس الذي صاغ جدليّة الشريعة والانجيل، الناموس والمسيح. ماذا يعني هذا؟ يرى بولس أن المسيح هو نهاية الشريعة كطريق خلاص. وفي الوقت عينه أن يسوع الذي نتقبّله في الايمان، يمكّننا من طاعة متجدّدة للشريعة. هذا النموذج الذي توسّع فيه الرسول، لا نجده بهذا الوضوع عينه ولا بذات الكلمات في انجيل متّى. لهذا نتساءل في أي معنى (وكيف) يظهر في السرد المتّاوي، اعلانُ مشيئة الله وإعلان الخلاص، كيف تظهر الشريعة والانجيل؟ هذا السؤال هو موضوع القسم الأول. وبعد أن نحدّد موقع الموضوع من الوجهة الادبيّة والتاريخيّة، نبرز الاشكاليّة المركزيّة المتّاوية التي هي فهمه للشريعة. ولكن إن كانت الشريعة في قلب كرستولوجية (مشروع) متّى، هل يبقى مكان للانجيل، لاعلان الخلاص؟ لهذا نحاول أن نحيط بالموضوع السوتيريولوجي (أي الخلاص) في القسم الثالث. ونقابل في النهاية بين نظرة بولس ونظرة متّى.

1- الشريعة والانجيل عند متّى على المستوى الادبي والتاريخي
هل نجد لفظتَي "الشريعة" و"الانجيل" في بشارة متّى؟ وإن كان الجواب نعم ماذا يعني وجودهما؟ كلُّ بحثنا يرتبط بالجواب على هذين السؤالين.
العنصر الأول من الجواب يقف على المستوى الاحصائي. فلفظة "نوموس" تحتلّ مكانة واسعة في متّى. فصاحبُ الانجيل الاول يستعمل مرارًا عبارة "الشريعة والانبياء" (5: 17؛ 12: 22، 40؛ 11: 12). ويستعمل أيضاً كلاً من اللفظتين وحدها. "إلى أن تزول السماء والارض، لا يزول من الناموس ياء" (5: 18؛ رج 12: 5؛ 22: 26؛ 23: 23). وهناك لفظة "انتولي" (وصيّة) في 19:5؛ 3:15؛ 17:19؛ 36:22، 28، 40). ونضمّ إلى "الناموس" (نوموس) عدداً من الألفاظ القريبة بمعناها:" صنع إرادة الآب (3 مرات). البرّ (7 مرا، ديكايوسيني). أمر (7 مرات، كالاوو). حفظ (6 مرات، تيريو). "اللاناموس" (4 مرات، انوميا). المُرائي (4 مرات، هيبوكريتيس). ونستطيع أن نقدّم الملاحظة الثانية في ما يخصّ الانجيل: انجيل الملكوت (3 مرات). هذا الانجيل (مرة واحدة). ويُستعمل فعل "انجل" (اونجليزوماي) مرّة واحدة في متّى.
وبعد الإحصاء يُطرح سؤال ثان: هل تحتل هاتان اللفظتان مكانة هامّة في انجيل متى؟ هل تشكّلان موضوعاً يُشرف على السرد المتّاويّ؟ والجواب هنا يكون أيضًا بالايجاب. إن إشكالية الشريعة هي إشكاليّة مركزيّة في بشارة متّى، وهي تعود إلى مرقس كما تعود إلى المعين. وما نجد في المعين قد قدّمه الانجيليّ في خمس خطب (5-7؛ 10؛ 13؛ 18؛ 24-25)، أكّد يسوع من خلالها أنه المعلّم والمفسّر الاسكاتولوجي لمشيئة الله. ومع هذه الخطب الكبرى نجد أخبار الجدالات: يبدو يسوع وتلاميذه أمناء في الحقيقة لشريعة الله بشكل جديد وجذريّ، و يبدو هو بنفسه ذاك الذي يعمل بها.
إذا كانت "الشريعة" موضوعًا مركزيًا في متّى، فما يكون من أمر الانجيل؟ هنا يجب أن نميّز: فلفظة "اونجليون" تدّل عند متّى على كرازة يسوع على الأرض، على مضمون تعليمه (4: 23؛ 9: 25؛ 24: 14؛ 26: 13). في هذا المعنى، هناك رباط بين الشريعة والانجيل: فإن كانت الشريعة هي مضمون إعلان يسوع خلال حياته على الارض، فالانجيل يدلّ على ملء تعليم المسيح. على تعليم المسيح في كماله. ولكننا لا نتوسّع الآن في هذا الموضوع. فالانجيل كفنّ أدبي اخترعه مرقس واستعاده متّى، يسترعي اهتمامنا. فعلى مستوى أساسيّ، يلاحظ القارئ أن موضوع الشريعة الذي هو في قلب الكرستولوجيا المتّاويّة، قد توسّع فيه متّى في إطار سرد منظّم حسب نموذج الانجيل. ففي هذه العلاقة الفريدة بين الشريعة التي هي موضوع لاهوتي مركزيّ في مت، والانجيل الذي هو نموذج أدبيّ ينظّم هذا الموضوع ويبنيه، يبرز الرباط الذي يشير إلى العلاقة بين الشريعة والانجيل في بشارة متّى.
تعرّفنا في هذه المقاربة الاولى إلى الطريقة التي بها تُطرح المسألة على المستوى النصوصيّ المحض. ولكن يجب أن نكمّلها بمقاربة ثانية تتطرّق إلى البُعد السياقي. السياق هو إدراج الانجيل في التاريخ. ونحن ندرس هذه المساحة التاريخيّة التي هي سياق متّى، في عمقها (المستوى التفصيليّ وتسلسل الافكار) وفي اتساعها (المستوى الاجمالي والبلاغي).
في الوجهة التفصيليّة (دياكرونيا)، نعرف أن انجيل متّى لم يكن على اتصال مباشر مع يسوع التاريخي (مسافة 50 سنة على الأقل. لغة الانجيل غير لغة المسيح). إنه لم يعرف الالفاظ التي بها تحدّث يسوع عن الشريعة (كل ما يملك هو الفكر). إذا كان الاتصال المباشر مرفوض لمتّى، فهناك الاتصال غير المباشر بواسطة التقليد الشفهيّ وهو مفتوح له. غير أن التقليد الذي عرفه متّى لم يكن اجماعاً، بل افترق في تقاليد متعدّدة. فورث من مر، أوّل مراجعه، تعليماً عن يسوع الذي يناوئ "الشريعة"، عن يسوع الذي يحرّر الانسان من "التوراة" كما كان العالم اليهوديّ يعيشها. والمرجع الثاني هو المعين (كويلي) الذي نجد آثاره في مت ولو. وتبقى المتاويات أي تقاليد خاصة بمتّى. هنا نجد يسوع أميناً للشريعة ومصدّقًا تفسير الرابينيّين لها. إذن التقليد الذي يستند إليه متّى هو متعدّد، بل تتضارب عناصره. وهكذا يبقى على الانجيلي أن يحدّد موقعه تجاه مواقف متنوّعة يقدّمها له التقليد.
إذا كان التقليد متنوّعًا، فليس الامر كذلك بالنسبة إلى حامليه. من هذا القبيل، نذكر بأنه إن دوّن الانجيلُ الاول في القسم الثاني من القرن الاول، في إحدى مدن سورية الطبيعية (أنطاكية، حمص...)، يبقى أن الارضيّة التاريخيّة التي دوّن فيها قد عرفت مواجهة حارّة حول مسألة الشريعة.
وها نحن نقدّم بعض الوقائع. إن الاضطهاد الأوّل الذي انصبّ على جماعة أورشليم، ضرب الهلينيين (يتكلّمون اليونانيّة) أي مجموعة المسيحيين التي قادها اسطفانس. فتحرّرت من الشريعة والهيكل والاعتقاد باختيار اسرائيل التاريخيّ كشعب الله. فبعد موت القائد، هرب هؤلاء المسيحيّون من اليهودية المعادية، وأقاموا في سورية الغربيّة حيث أسّسوا أولى الجماعات الهلنستية ونفحوها بعقيدتهم. وبين سنة 30 و50، تغذّت هذه الجماعة من فكر وعمل بولس (واستندت إليهما) ذاك اليهودي الشهير الذي قدّم تعليمًا لم يضاهه فيه أحد حول الحريّة المسيحيّة تجاه الشريعة. في هذه المنطقة من سورية الغربيّة انتشر الانجيل بحسب مرقس فدلّ على ارتباطه بالبراهين البولسية. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، وفي ذات المساحة الجغرافية والتاريخية والكنسيّة، قاد الحملة على الهلينيين، على بولس ومرقس، مسيحيّون متهودّون قريبون من يعقوب (أع 15: 1)، ومن وبطرس كما يظهر من حادثة أنطاكية (غل 2: 11-14)، ومن وبرنابا الذي قطع علاقاته مع بولس (أع 15: 36-40). وبمناسبة سقوط أورشليم سنة 70 م، انتقلت حلقة الانبياء واليهوداويّين الذين حملوا تقليد "المعين" نحو الجماعات السوريّة. هذا يعني أن كاتب الانجيل الاول دوّن كتابه في مناخ كنسي اهتمّ بمسألة الشريعة فتمزّق إلى "فرق" وتحمّس للشريعة أو ضدّها. قد أراد متّى في الجيل الذي تلا جيل بولس أن يقدّم نظرة شاملة حول العلاقة بين الشريعة والانجيل. من أجل هذا كتب ما كتب.
بعد أن ذكرنا الدينامية التاريخيّة والتفصيليّة (الدياكرونية) التي فيها يتسجّل متّى، نتطلّع إلى الاطار الاجمالي (السنكروني)، إلى الوضع الدقيق الذي كان فيه الانجيلي حين دوّن كتابه. في هذه النقطة ايضاً هناك اتفاق: السياق الذي فيه عُرف الانجيل الاول، يشرف عليه جدالٌ حول الشريعة مع هجومين اثنين. 
الهجوم (أو: الحرب) الاول على الخارج. هي حرب على هؤلاء الاخوة الاعداء الذين هم المجمع الفريسي الذي يقوده المعلمون (الرابينيون)، ويرسمه الانجيل من خلال مختلف المجموعات اليهوديّة المناوئة ليسوع. الحرب الخارجية هي حرب الشرعيّة. الكنيسة هي منذ اليوم اسرائيل الجديد وشعب الله الحقيقيّ. لهذا، فالسؤال الذي يعالَج، ليس السؤال حول شرعيّة العهد القديم أو التوراة. فاليهود والمسيحيّون متّفقون على أن الشريعة هي تعبير عن مشيئة الله. السؤال هو: من الذي تسلّم بشكل شرعيّ إرث العهد القديم؟ من الذي يحمل التفسير الشامل للشريعة، المجمع أم الكنيسة؟ من الذي تسلّم تقليد الآباء، اليهودية أم المسيحية؟
هل العودة الى يسوع نفسه تُفسّر الوحي الذي منحه الله للآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب، أم تدلّ على صحته وتكمّله؟ واصطدمت الكنيسة في ما تقول بما يقوله المجمع. وكانت المواجهة قاسية. فيسوع الذي عاش على الأرض هو الذي يجمع الفئتين في احترام التوراة، ويفصل بينهما فصلاً لا رجوع عنه في تفسيرها. في هذا المناخ حمل متّى القلم ليدلّ على أن إله اسرائيل يتضامن مع الشعب الجديد، مع الكنيسة. أما اسرائيل التاريخيّ (أو: الشعب اليهوديّ) فقد حكم على نفسه حين رفض المسيح، والبرهان على ذلك هو دمار أورشليم والهيكل. والتوراة الحقيقيّة هي التوراة المسيحيّة.
ذاك هو التأكيد الذي لم يتّفق عليه المسيحيون في سورية الغربية. وهكذا تحوّلت الحرب من الخارج إلى الداخل. ففي كنيسة متّى شرائح لم تنضمّ إلى التيّار الذي جسّده الانجيليّ ودافع عنه. فهناك مسيحيّون (هذا ما يدل عليه الارشاد في عظة الجيل، 13:7-23) محوروا تقواهم على يسوع المرتفع في المجد (في الغمام)، فما عادوا يهتمّون بتعليم يسوع حين كان على الأرض، بهذا التعليم الذي يدور حول الشريعة، والذي أعاد له متّى كل اعتباره (28: 16-20).
وهكذا جاء انجيل متّى بشكل تحدٍّ مزدوج: تحدّ للمجمع اليهوديّ، للعالم اليهوديّ، وتحدّ للذين يرفضون الشريعة المسيحيّة، يرفضون أن يعملوا بمشيئة الله كما اعلنها يسوع في انجيله. ففي الحالتين، البرهان ضدّ الخصوم هو هو. تعليم يسوع على الأرض، تعليمه المركّز على الشريعة، هو السلطة التي تشكّل القاعدة الوحيدة للمسيحيّ. فإن كان الامر كذلك، يُطرح سؤال هام: ما هي الشريعة في نظر متّى؟ وما هي علاقة الشريعة بالكرستولوجيا، بالتعليم عن يسوع المسيح؟

2- مفهوم الشريعة عند متّى
لا نجد كلامًا واحدًا عن الشريعة عند متّى. أما نحن فنرى في الشريعة "التوراة" (في المعنى الحصري) التي تسلّمها اسرائيل. هنا نلاحظ تعابير متناقضة في هذا المجال: تعلن بعض النصوص قيمة الشريعة بجملتها. وهناك نصوص أخرى تقول إنه يجب أن نفسّرها أو نلغيها. والمثل الواضح في هذا الموضوع نجده في عظة الجبل: إن الاعلان البرنامج في 17:5-20 يقدّم يسوع كذاك الذي يتمّ الشريعة وبالتالي يؤكّد شرعيّتها. غير أن النقائض التي تتبع حالاً هذه الآيات ترينا في يسوع ذاك الذي يعيد تفسير الشريعة، وفي بعض الحالات يلغيها. فكيف نفسّر هذا التباين في الخطبة؟ كيف استطاع الانجيليّ أن يقدّم تأكيدات متقاربة يناقض الواحد الآخر؟ في هذه الحالة، أين هو التماسك المتّاوي؟ إذا أردنا أن نلقي ضوءًا على هذه الاشكالية نتساءل: في أي معنى يكون الناموس شرعيًا؟ وفي أي معنى يجب أن نعيد تفسيره أو نلغيه؟
أ- قيمة الشريعة
نبدأ فنقول إن الشريعة قيّمة بجملتها في نظر متّى. إذ أكّد بولس أن "المسيح هو نهاية الشريعة" (روم 10: 4)، شددّ متّى بشكل قاطع على أن المسيح لم يُلغ الشريعة بل يتمّها، أي يعطيها كامل قيمتها: لا جدال في أي تفصيل. في أي حرف. في "يوتا"، أي أصغر الحروف العبريّة (5: 18-19). إن الشريعة التوراتيّة كما تسلّمها اسرائيل على مدّ تاريخه، هي قاعدة حياة، وتبقى التعبير الصحيح عن مشيئة الله. حتّى الشريعة التي يعلّمها الكتبة تحافظ على قيمتها. فمهما يقولوا لكم لتفعلوا فافعلوا (3:23).
اذا كانت الشريعة قد ارتدت مثل هذه الاهميّة وهذه السلطة، فكيف تتعامل مع الكرستولوجيا؟ ما هي العلاقة بين الشريعة والمسيح المتّاوي؟ الجواب هنا أيضًا قاطع ومدهش: تشكّل التوراة المرجع الذي يتيح لنا من أن نثبت هوية المسيح كذلك "الماسيا" المنتظر، وأن نفهم مجمل رسالته على الأرض.
فالتوراة كوعد هي المجالس الذي يتيح الاعتراف بمسيحانيّة يسوع تجاه اسرائيل. وهذا ما تدلّ عليه الإيرادات العديدة التي تقول "لكي يتمّ" والتي تميّز الانجيل الأول: يسوع هو المسيح المنتظر بقدر ما يجعل من النبوءة القديمة حقيقة وواقعاً (يتمّها في شخصه وفي أعمال). كل أوقات حياته تدلّ على ذلك. من الولادة إلى الصليب مروراً بالمعجزات، يُتمّ يسوعُ الانتظار المسجّل في قلب التوراة. اذن هو يتمّ التوراة كوعد.
تلك هي الوجهة الأولى. وفي الوجهة الثانية نقول إن يسوع يتمّ التوراة كمتطلّبة تُفرض علينا وذلك على مستويين. من جهة، يتمّ يسوع التوراة كمتطلّبة على مستوى تعليمه. فكرازته تقدّم تعبيرًا جديدًا عن مشيئة الله كما وصلت في الأصل الى الآباء. ومن جهة ثانية، يتمّ يسوع التوراة كمتطلّبة على مستوى حياته. فكلّ ساعة من مصيره هي تثبيت لكلمة تفوّه بها. وهي تكشف الطاعة المثاليّة التي مارسها الابن. وهكذا يدل الحاش (أي الآلام) بشكل مميّز ونهائيّ على أن ذاك الذي يعلن برّ الله هو نفسه بارّ. إذن شخص يسوع هو المساحة التي فيها تبلغ التوراة (بالمعنى الحصري للكلمة، أي أسفار الشريعة الخمسة) كوعد ومتطلبة الى ملء تفتّحها وكمالها. هنا يتساءل البعض: هل يسوع هو فوق التوراة أم مرتبط بها؟ هو ينطلق من التوراة، شأنه شأن كل يهوديّ، ولكنه يتجاوزها إلى ما لا حدود.
ب- تفسير الشريعة
وندخل الآن في المحور الثاني: إعادة تفسير الشريعة. كيف يتم ذلك؟
أولاً: اخبار الجدال
نشير أولاً إلى اخبار الجدال، لأن مناخها هو الشريعة كموضوع خلاف بين يسوع وتلاميذه من جهة، وبين اليهود من جهة أخرى. فمسيح الجدالات المتّاوية هو مسيح يطالب بتفسير صحيح للتوراة تجاه خطبة الفريسيين وما فيها من انحراف. وهذا التفسر الصحيح للتوراة الذي ينادي به يسوع، يضح أمامنا على الاقل نموذجين اثنين.
النموذج الاول لتفسير الشريعة في الجدالات (خصوصًا 3:15-6؛ 19: 4-8) يقوم بالعودة إلى مشيئة الخالق الأصليّة ضدّ حرف الشريعة. وهكذا لن يعود للشريعة قيمة في ذاتها لأن موسى أعلنها، بل تصبح ذات قيمة بقدر ما توافق مشيئة الله في الابتداء. إذن خضعت الشريعة للتدقيق، واحتاجت إلى تفسير يقيّمها باسم الله. إن النظرة الكرستولوجيّة واضحة: وحده الذي يعيش في اتّحاد تام مع الله يستطيع أن يقدّم شهادة الله ضدّ التوراة. ولكن مجرَّد وجود هذه الامكانية يعني أن التوراة ليست الظهور الفريد والمباشر لله، بل واسطة من الوسطاء تحتاج إلى تفسير.
والنموذج الثاني لتفسير الشريعة في الجدالات نراه بشكل خاص في 12: 1-8. هو يدلّ على متطلّبتين مسجّلتين في التّوراة قد تدخلان في صراع مثل خدمة الهيكل وراحة السبت. هذا الصراع الذي ولّدته "التوراة" نفسها، يفرض قرارًا يدلّ على سموّ وصيّة على وصيّة أخرى أو على سائر الوصايا: ولكن حين نؤكّد في ظرف خاص أن وصيّة تسمو على أخرى، ندمّر من جهة سلطة الشريعة، كما يعبّر عنها (لم تعد الوصيّة ذات قيمة بمجرّد وجودها في أسفار الشريعة)، ونختار من جهة ثانية مبدأ آخر من التراتبية. لقد اكتشف المسيح في المحبة مبدأ التفسير هذا، حين أورد هو 6: 6 في 13:9 و17:12 (أُريد رحمة لا ذبيحة)؛ 23: 23. وهكذا تفتح أخبار الجدالات فجوة واسعة في النظرة اليهودية: لم نعد نأخذ بالشريعة ككل في جميع تفاصيلها. (هناك أمور لم يعُد لها قيمة اطلاقاً في التدبير الجديد). ثم لا قيمة للشريعة إلاّ بقدر ما توافق مشيئة الله منذ الابتداء (إذن، قبل موسى). إلاّ بقدر ما توافق الهدف الأول الذي لاجله وُضعت، وهو الحبّ. ونقول بشكل مفارقة: يحقّ لنا في نظر المسيح المتّاوي أن نتجاوز الشريعة باسم الشريعة لأنّ المحبة تسمو على الحرف. بل إن الحرف يقتل.
ثانيًا: النقائض في عظة الجيل
توخّينا أن نتعرّف إلى تفسير يسوع للتوراة، فدخلنا في حقل الجدالات. وها نحن ننتقل إلى حقل آخر هو نقائض عظة الجيل (5: 21-48). نبدأ فنلاحظ أن المسيح لا يهاجم هنا مجمع الفرّيسيين، بل يعلّم الكنيسة التي يمثّلها التلاميذُ (5: 1). والتعليم الذي يمنحه يدلّ على مشيئة الله تجاه الانسان. وهو تعليم أصيل: هو يعود بلا شكّ إلى تقليد الآباء، لكي يستبعد به عادات وتقاليد، ويعود إلى مشيئة الله في وجهها الجديد والجذري. وهكذا صار نموذج تفسير الشريعة جذريّة الانجيل. هنا نوضح فنقول إن العالم اليهوديّ في زمن المسيح، وفي مختلف تيّاراته، قد تطلّع هو أيضًا إلى جذريّة الشريعة. غير أن هذه الجذريّة ظلّت على مستوى الكميّة: العدد الكبير من المتطلّبات (613 وصيّة) التي سجّلتها "الهلكة" (أو الدروس السلوكية). وهكذا بلغت هذه الجذريّة إلى تشعّب علم الفتاوى.
لا شيء من كل هذا عند يسوع كما حدّثنا عنه متّى. فالجذريّة هي نوعيّة لا كمية بمعنى أنها تكثر عدد الفرائض. هي طاعة عميقة جداً لا تبقى على مستوى القشور والعمل الخارجي. الطاعة لا يمكن أن تكون جزئيّة، أن تعمل هذه وتترك تلك. ولا يمكنها أن تحدّد، لان الله يعطي بلا حساب. فهل نضع حدودًا لطاعتنا؟ متطلّبات الله لا حدود لها، لان يسوع يدّمر كل ما يمنع أمانتنا لله من أن تكون كاملة. لا تقتل. ليس هذا فقط، بل أيضًا لا تغضب. لا تزن. ليس هذا فقط، بل لا تنظر الى امرأة لكي تشتهيها. فالغضب، والنظرة الدنسة والطلاق "الشرعيّ" (إذا كان هناك من طلاق شرعي) والحلف البسيط، والمحبة التي تستبعد الاعداء... كل هذا يعارض مشيئة الله. مثلُ هذا الكلام يعني تجاوزًا للشريعة التقليديّة. وهذا ما نكتشفه حن نقرأ 5: 21-48. هناك ثلاث نقائض تطلب من الوصية اكثر مما طلبته التّوراة (القتل، الزّنى، الحلف). (5: 21- 30، 33-37) وثلاث أخرى تلغي وصيّة التّوراة: الطلاق (5: 31- 32)، الانتقام، محبّة الاعداء (5: 38-48).
إذا كان على حرف التّوراة أن يُمّحى هنا أيضاً، فما هو الهدف الاخير لهذا التفسير المركّز على الجذريّة؟ نحن هنا أمام الحبّ كما في أخبار الجدال. فحين نطلب من الانسان طاعة جذريّة، نطلب منه أن يستسلم بكليّته لما يطلبه منه الله، نطلب منه الانفتاح التام والجهوزيّة الكاملة. هذا ما تدلّ عليه هذه النقائض التي تتسجّل كلها في اللوحة الثانية من وصايا الله: انفتاح على القريب واستعداد للعمل من أجله. هنا نلامس نقطة حاسمة سنجدها في طرحنا في هذا المقال: المبدأ الذي أعطاه المسيح لتفسير الشّريعة والنظر إليها نظرة إجماليّة، هو وصيّتا المحبّة: محبّة الله ومحبّة القريب (22: 36-40). إن الشّريعة تعلن مشيئة الله كما في الابتداء حين تدعو الانسان لكي يتكرّس كلّه لله بحيث يصبح مكرّسًا بكليّته للقريب.
هنا نتوقّف بعض الشيء لنستعيد إشكاليّة العلاقة بين الشريعة والكروستولوجيا. لقد دللنا في مرحلة أولى على أن شخص يسوع هو المساحة التي فيها تصل الشريعة كوعد ومتطلّبة إلى ملئها وتمامها. وكان السؤال الذي طرحناه: أما تكون "التّوراة" في هذه الحالة مفتاح الكروستولوجيا المتّاويّة؟
إن أخبار الجدال ونقائض عظة الجيل قد قلبت الاشكاليّة رأساً على عقب. إذا كان المسيح هو الذي يُفصح عن إرادة الخالق كما في الابتداء، بجانب "التّوراة" بل في معارضته للتّوراة. اذا كان المسيح هو الذي يعيد ترتيب الوصايا بحسب أهمّيتها النسبيّة. اذا كان المسيح هو الذي يحدّد نقطة الثقل في التّوراة وأسفار الشريعة. إذا كان هو من يشدّد على خطورة وصيّة ويلغي وصيّة أخرى، فهذا يعني أنه سيّد الشريعة (وربّ السبت). ويدلّ على حريّته التامّة تجاه الشريعة. في هذا المعنى قال بعض الشرّاح إن النقائض في عظة الجبل هي نصوص تحطّم قدسيّة "الشريعة". فمسيح هذه النقائض يقابل نفسه (الأنا) مع التقليد الموسوي. (قيل لكم... أما أنا فأقول). هو لا يكتفي بأن يستبعد تقليدًا يعتبر نفسه وحده كفوءًا لان يعلن مشيئة الله، بل يرفض أيضًا أن يستعمل عبارة طالما استعملها الأنبياء (هذا ما يقول الرب) ليبدأ حديثه. بل هو أعلن مشيئة الله (وتلك هي النقطة الحاسمة)، متكلّمًا باسمه لا باسم يهوه. تكلّم مثل الله نفسه. جعل نفسه موضع الله. "قيل لكم... أما أنا فأقول لكم". إن المسيح يطالب في خطبة الجبل بسلطة مباشرة وغير مشروطة، سلطة مستقلّة عن التّوراة، بل تسمو على التّوراة وتعيد تفسيرها إن لم يكن إلغاءها.
ونطرح في النهاية سؤالاً حول تماسك الخطبة المتّاويّة حول الشريعة: كيف يستطيع المسيح أن يكون في الوقت عينه ذاك الذي يثبت شرعيّة "التّوراة" حتى في اقلّ التفاصيل، وأن يكون ذاك الذي ينقضها فيعيد تفسيرها؟ كيف يستطيع المسيح أن يكون ذاك الذي يخدم الشريعة، ويكون في الوقت عينه سيّدها (هو انسان وإله)؟ نجد حلاّ لهذا التعارض الظاهر حين نلاحظ أن محور رسالة المسيح المتّاويّ هو أن يقيم مشيئة الله على الارض. وهذه الإقامة تتمّ بقدر ما يتمّ المسيح التّوراة، أي يعطيها ملء شرعيتها: حين يثبّتها وحين يعيد تفسيرها. في هذا المنظار لا تكون نقائض عظة الجيل نقضًا للشريعة، بل ملء تتميمها. بل إعادتها إلى أصولها كما خرجت من يد الخالق. وهكذا تكون نقطة التماسك المتّاويّ في أن التفسير الذي قام به المسيح، لم يجعل الشريعة التي سلّمت إلى اسرائيل وكأنها لم تكن، بل أقامها في حقيقتها الاخيرة. إنّ ما يحرّك التفسير ليس قطيعة بين يسوع والشريعة، بل أمانة حقيقيّة تجاه الشريعة.
إذا كان محور رسالة المسيح المتّاويّ هو اعلان مشيئة الله بشكل جديد وجذريّ، فالموقف الذي يدعو اليه البشر بشكل عام وتلاميذَه بشكل خاص، هو البرّ أي العمل بمشيئة الله. البرّ في متّى غير ما هو في رسائل بولس. إنه يقوم بأن يجعل حياة التلاميذ توافق كل الموافقة الشريعة. بأن يعلّمنا الطاعة الأمينة لمشيئة الله. هذا ما تدلّ عليه أقوال حول ملكوت الله، والارشادات حول الدينونة، والبرّ الذي نفهمه استقامة على مستوى الاخلاق، وأمانة ملموسة. أجل، هذا البرّ هو شرط الخلاص.
عند ذاك نصطدم بمشكلة تبدو مفتاحًا في اللاهوت المتّاويّ: إذا كان محور رسالة المسيح هو إقامة مشيئة الله. وإذا كان محور حياة التلميذ (وشرط خلاصه) هو البرّ، أي الممارسة الامينة لمتطلّبة أعلنها المسيح، أما نجد نفوسنا أمام لاهوت شريعاني، لاهوت مسيحي مركّز على الشّريعة، لاهوت يجعلنا نخسر الانجيل؟ أما نجد نفوسنا أمام لاهوت اقتطعنا منه النظرة إلى الخلاص؟ وفي النهاية، هل يبقى العهد الجديد انجيلاً أو أنه صار كلامًا يتعلّق تعلّقًا مفرطًا بشريعة جديدة هي الشريعة المسيحية؟

3- نظرة متّى إلى الخلاص
إن المكانة التي تحتلّها الشريعة في متّى، تجعلنا نواجه سؤالاً صعبًا: أين وكيف تمّ اعلان الانجيل؟ وكيف يرتبط اعلان الانجيل هذا بالخطبة حول الشريعة؟ إذ اراد عدد من الشرّاح أن يعالجوا هذا السؤال، عادوا إلى الجدليّة البولسيّة بين صيغة الحاضر وصيغة الأمر. قالوا: اذا أردنا أن نقيّم اللاهوت المتّاوي، يجب أن نكتشف بعض النموذج البولسي في الانجيل الاوّل. مثلُ هذه المحاولة فشلت، بل لم تجد لها أساساً على مستوى نهجي لسببين.
أولاً: اصطدمت مثل هذه المحاولة بحاجز الألفاظ والكلمات. لا شكّ في ان هناك الفاظاً مشتركة بين متّى وبولس، ولكن مضمونها يختلف. مثلاً، اونجليون (الانجيل) يدلّ عند بولس على إعلان موت يسوع وقيامته كحدث خلاص. وعند متّى، على مضمون تعليم المسيح خلال حياته على الأرض. وقف بولس على مستوى التعليم. أمّا متّى فعلى مستوى الوصيّة والشريعة. والبرّ في بولس ليس "ديكايوسيني" (البرّ) المتّاويّ، بل ملكوت السماوات.
ثانيًا: إن الاختلاف على مستوى الفن الأدبيّ يفترض اختلافًا على مستوى التنظيم والعرض. فلاهوت بولس ببراهينه (الفلسفيّة) يساعد الفكر على التعبير عن مضمون الايمان. أما لاهوت متّى فهو لاهوت سرديّ ويتبع قواعد أخرى. لهذا يكون اسلوبنا صحيحًا حين نسأل متّى عن العلاقة بين الشريعة والانجيل من زاويته الخاصة. وهكذا ننطلق من الخبر المتّاويّ لنرى كيف يُبرز الموضوع السوتيريولوجي، موضوع الخلاص.
وأول ما يظهر الموضوع السوتيريولوجي في متّى، فهو يبدو بشكل مفارقة ظاهرة: فالموضوع هو إعادة تفسير الشريعة بالمسيح. فالمسيح في نظر متّى (وهو بذلك يتوافق مع التقليد التوراتي واليهودي) حين يعيد تكوين الشريعة، حين يعلن مشيئة الله الاسكاتولوجية، يتمّ عملاً مسيحانيًا حقيقيًا وسوتيريولوجيًا في جوهره. والظهور الواضح والاخير للتوراة هو أعظم عمل يدلّ على رضى الله ورحمته. فعطيّة الشريعة هي نعمة. والذي يحمل مثل هذه النعمة إلى البشر هو المخلص، يسوع المسيح.
ويتحدّد الظهور الثاني للموضوع السوتيريولوجيّ لدي متّى، في علاقة وثيقة بين إعلان الشريعة وشخص يسوع. فإعلان شريعة الله لا يمكن أن ينفصل عن ذاك الذي أعطاها. لقد أراد صاحب الانجيل الأولى أن يبيّن أنّ الشريعة لا يمكن أن تكون خطاباً مستقلاً في ذاته. فهي تأخذ معناها من الذي أعلنها، وترتبط به. وإذا كان المعين قد جمع أقوال يسوع وذكّر بتعاليمه، فمتّى لم يحتفظ بهذا النموذج. فقد ادخل التعليم في خبر. بل صار خبرًا. وُلد الخبر. ولا تأخذ الشريعة كل بُعدها إلاّ في كثافة مصير يسوع التاريخية. وبمختصر العبارة، إنّ الشريعة ترتبط بالكرستولوجيا. فإن كان الأمر هكذا، ينتقل الخلاص بالانجيل باعلان خبر يسوع على الأرض، لا بالشّريعة وحدها التي هي جزء من الانجيل.
وينتج الظهور الثالث للموضوع السوتيريولوجي عن ترتيب السّرد المتّاويّ. فالذي يقرأ النصّ متتبّعًا مسيرته، يلاحظ دومًا أنّ طرح موضوع الخلاص يسبق متطلّبة الطاعة. فعلى المستوى الكرستولوجيّ، يظهر بوضوح أن الخبر في صيغة الحاضر، يسبق الوصيّة "في صيغة الأمر". وإيراد العهد القديم الذي وُضع في بداية رسالة يسوع هو سوتيريولوجيّ: "أرض زبولون وأرض نفتالي، طريق البحر عبر الاردن جليل الأمم. الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا" (4: 15-16). والمضمون الأولى لكرازة يسوع كما في متّى، هو إعلان مجيء الملكوت الذي يسبق تعليم الشريعة. وتتكرّر البنية ذاتها مع عظة الجيل: فالتطويبات تفتتح الخطبة. وبعدها تأتي النقائض حول الشريعة (قيل لكم... أما أنا فأقول لكم). وما هو صحيح بالنسبة إلى المسيح، هو صحيح بالنسبة إلى التلاميذ: دعاهم يسوع ثمّ علّمهم. نالوا سلطة المسيح قبل أن يُبعثوا في رسالة. 
ويتجسّد الظهور الرابع للموضوع السوتيريولوجي في الشموليّة المتّاوية (انطلق من العالم اليهودي فوصل إلى العالم كله). لا شكّ في أن تعليم يسوع تركّز على إعلان الشريعة. غير أن عطيّة الشريعة لم تعد مرتبطة بشعب خاص هو اسرائيل التاريخيّ. هذا ما يذكّرنا به خبر ضابط كفرناحوم (8: 5-13) وثلاثة أمثال هي مثل الابنين، مثل الكرّامين القتلة، ومثل وليمة العرس (21: 28-22: 14). بعد اليوم يُقدّم الخلاص إلى كل من يؤمن ويحمل ثمرًا، وليس من شرط مسبق غير هذا الشرط. فبشرى الملكوت تتوجّه إلى جميع الأمم، لا إلى أمّة واحدة. وجميع البشر هم مدعوّون إلى الخلاص. والدينونة الاخيرة وحدها تحدّد المختارين من بين مجموعة المدعوّين التي هي الكنيسة. وقصارى الكلام، إن شموليّة الدّعوة تعني نعمة مرتبطة بهذه الدّعوة، تعني حضورَ الخلاص.
والظهور الخامس والأخير لهذا الموضوع السوتيريولوجي الذي نوّد ان نشدّد عليه هو كرستولوجيّ. لقد أعلن عدد من الشّراح أن الكرستولوجيا المتّاويّة هي قبل كل شيء كرستولوجيا تعليميّة: فالمسيح ينقل بكلام تعليمه، قصدَ الله ويدشّنه. والبرهان على ذلك هو الخطب الخمس التي تتوزعّ انجيله. والبرهان أيضًا هو توافق بين كلمة ينقلها يسوع ومصيره الذي هو نموذج هذه الاخلاقيّة التي يعلنها. وهذا الدور المركزيّ، دور التعليم في الكرستولوجيا المتّاويّة، يجب أن لا ينسينا أن هذه الكرستولوجيا هي عمل المخلّص. هي كرستولوجيا سوتيريولوجيّة. ونقدّم ثلاث ملاحظات تدلّ على ذلك.
الملاحظة الاولى: إذا أردنا أن نكتشف الهدف الأخير للانجيل الأول، يجب أن نتنبّه إلى التضمين الذي يحيط بكل الخطبة المتّاويّة. فحالاً بعد سلسلة نسب المسيح التي تحدّد موقع يسوع في خط ابراهيم وداود، نجد ايرادًا يدلّ على أن العهد القديم قد تمّ بشكل إيراد يسبق المقطوعة الاخباريّة الاولى ويعطي مجيء المسيح معناه: "إن العذراء تحبل وتلد ابنًا يسمّى عمانوئيل الذي معناه إلهنا معنا" (1: 23). ويقابل هذا الايراد الاول (ليتمّ) الكلمة الأخيرة التي تلفّظ بها المسيح المتاوي في مجده الاسكاتولوجي: "ها أنا معكم جميع الايام حتى انقضاء الدّهر" (28: 20). إذًا المعنى الاساسي للانجيل، هو إعلان يقول الله فيه: "أنا معكم". الله أمين وقريب من أجل خلاص البشر وحماية المؤمنين.
الملاحظة الثانية: إن أخبار المعجزات المتّاويّة قد صارت نماذج تدّل على أن العلاقة بين المؤمن الحالي وربّه ما زالت ممكنة. وهناك جزء من هذه الاخبار ولا سيّما تلك التي تتحدّث عن اتّباع يسوع، تبيّن كيف أن المسيح يسبق تلاميذه إلى المحنة التي تضربهم ويعينهم فيها. وبعبارة أخرى لا يتبع التلميذُ المعلم بطاعته فقط. بل ساعة يفشل الايمان والطاعة، يخلق المسيح مساحة تتيح للتلميذ أن يظلّ تلميذًا، ولو ترك معلّمه. إذن، نعمة المسيح الحيّ تسبق المؤمن في طريق الايمان. أما هذا هو معنى ما فعله يسوع حين سبق السفينة التي تغالب الأمواج؟ هو يمشي أولاً. هو يهيّئ الطريق. وبعد ذلك يأتي التلاميذ في السفينة التي تدل على الكنيسة.
الملاحظة الثالثة: في هذا المجال، لا ينفصل البرّ الذي هو توافق مع مشيئة الله نعيشه في حياتنا اليوميّة، مع اتّباع يسوع. فالبرّ هو اتّباع يسوع. وليس من طاعة ممكنة بدون اتّباع المسيح (19: 16-22). ولكن حين نؤكّد ذلك نؤكّد في الوقت عينه أن المسيح يفتح الطريق، وأن التلميذ يضع خطاه في خطى المسيح. المسيح يسبق والتلميذ يتبع. وهكذا تُرسم مسبقًا أمامه مساحةُ طاعته. وإمكانية هذه الطاعة تُعطى كنعمة من العلاء.

4- بولس ومتّى
هنا نحاول أن نجمع نتائج ما اكتشفناه، فنتوقّف عند العلاقة بين بولس ومتّى في إطار الشريعة والانجيل.
وننطلق أولاً من الملاحظة التالية: من وجهة العهد الجديد، تبقى إشكاليّة الشريعة والانجيل إشكاليّة بولسيّة. إلاّ أن هذه الاشكاليّة قد عالجها متّى أيضًا. إذن المقابلة ممكنة. غير أن هذه المقابلة ترينا فجوة بين النظرتين، ونحن لا نحاول ان نردمها. كما لا نستطيع أن نحوّلها إلى تعارض يقف في خط واحد. في الحالة الاولى نقع في تجربة التوفيق التي تنسينا غنى بولس ومتّى وتدفعنا الى أن نجعلهما في أصغر قاسم مشترك. في الحالة الثانية نقع في تجربة التبسيط. إن هذه الفجوة تدلّنا على أن بولس ومتّى طرحا هذه المواضيع عينها، إنّما بطرق مختلفة. ولكن لماذا هذه الفجوة، وبمَ تقوم؟
لماذا هذه الفجوة؟ كتب بولس ومتّى في سياقين مختلفين جدًا. بولس هو مؤمن من الجيل الأول. كان فريسيًا قد ارتدّ إلى الايمان، فاهتمّ أول ما اهتمّ بأن يبيّن أن الاعتراف بالمسيح يشكّل خيارًا جذريًا تجاه طرح يهوديّ للخلاص في ظلّ الشريعة. واذ استعمل بولس نموذجًا معاكسًا للعالم اليهوديّ الذي يجد كماله في الشريعة، أعطى الايمان المسيحي هويّته الخاصة، وأتاح له هكذا أن يتجاوز حدوده الاصليّة (وهي العالم اليهوديّ) ليصل إلى الشموليّة، إلى اليهوديّ واليونانيّ، إلى جميع البشر. إذن بولس هو لاهوتي أرسل إلى "الخارج" (خارج العالم اليهوديّ)، وقد ركّز تعليمه على ما هو جديد وخاصّ بالايمان المسيحي. وصار الانجيلُ ذاك التعليم الذي يدلّ على أنّ الشريعة ليست طريق الخلاص. وبعد ذلك أعاد لها اعتبارها كموضوع من المواضيع الاخلاقيّة. 
أما متّى فهو مسيحيّ من الجيل الثاني (بعد جيل الرسل). والهويّة المسيحيّة التي توسّعت فيها التقاليد المتعدّدة، تعبّر عن نفسها في كنيسة منظّمة. والاهتمام الأعظم للاهوتيّ الكنيسة هذا، ليس ارتداد الناس الى الايمان، بل ضرورة الايمان. وهذا يعني بالنسبة إلى متّى لاهوتيّ "الكنيسة" أن أهمّية العلم الاخلاقيّ تنمو (يجب أن يعيش المؤمنون إيمانهم في المدى الطويل الذي يفصلهم عن مجيء الربّ) في مساحة مسيحيّة متهوّدة. وهذا النموّ على المستوى الاخلاقي يحرّك تفكيرًا جديدًا حول الشريعة. في مثل هذا الوضع، صار فعلُ الايمان الكرستولوجيّ في "خلفيّة" المسرح بعد أن ترك المكان للشريعة والحياة الاخلاقيّة. حين نعيش حياة أخلاقيّة ندلّ بطريقة عمليّة على إيماننا بيسوع المسيح. أن نقول إيماننا، أن نعترف بايماننا، كلّ هذا قد يبقى كلامًا. ولكن حين نعمل مشيئة الآب السماوي، يتعرّف إلينا الله في الدينونة الاخيرة ويمجّد الناس الله بسببنا. إذن، ما يبعد بولس عن متّى هو سياق تاريخيّ وبلاغيّ. ولكن بمَ تقوم هذه الفجوة؟ ونتطرّق اولاً إلى مفهوم الشريعة.
ونبدأ بنقاط الاتفاق، فبولس ومتّى يريان في التوراة التي أوحيت إلى اسرائيل، إرادة الله المقدّسة والصالحة. إذن الشريعة هي في نظرهما كلمة الله. ثمّ إن الشريعة تفرض نفسها على المؤمنين لأنها كلمة الله. إذن، هي تضع الانسان أمام نداء إلى الطاعة بشكل جذري. ليست الشريعة شرعة لها سلطةٌ شكليّة، بل نقطة الثقل فيها ومبدأ تفسيرها يكونان في متطلّبة المحبّة.
وتبدأ نقاط الخلاف ساعة ننظر إلى مدى اتساع الشريعة التوراتيّة. فبولس، رسول الأمم، يعلن أن الشريعة في متطلّباتها التفصيليّة قد عفّاها الزمن، ولا سّيما على مستوى الطهارة الطقسية وفرائض الذبائح التي توسّعت جدًا في العالم اليهوديّ. قال بولس: "كل شيء يحلّ لي" (1 كور 6: 12؛ 23:10. ليس بعد من محرّمات على مستوى الطعام والشراب). فالمسيحيّ مدعوّ إلى الحريّة. والحدود الوحيدة التي تقف في وجهه هي محبّة القريب وبناء الاخوة. أما موقف متّى فجاء أقل جذريّة، بل جاء متحفّظًا: لا شكّ في أنّ الشّريعة وتعاليم الانبياء تتلخّص في وصيّة المحبّة، ولكن الفرائض اليهوديّة تحافظ على قيمتها إن عاشها المؤمن، انطلاقًا من هذه الوصيّة (مت 23: 23: كان عليكم أن تعملوا بهذه دون أدن تتركوا تلك). إذن عرف المسيحيون في كنيسة متّى "هلكة" (طريقة سلوك) مسيحيّة.
اتّفق متّى وبولس على الاصل الالهيّ للشريعة، كما اتّفقا على نقطة الثقل فيها. واتّفقا أيضًا على ارتباطها بالكرستولوجيا. الشريعة خاضعة للكرستولوجيا، خاضعة للملكوت كما دشّنه يسوع المسيح. هناك من أراد أن يدلىّ على الاختلاف بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ، فقال إن الكرستولوجيا أخذت في المسيحيّة الفتيّة، المكانةَ التي احتلتها التّوراة في عالم يهوديّ يسيطر عليه الفريسيون. هي ملاحظة قيّمة لانها تدلّ على أن الكرستولوجيا هي المفتاح الذي يساعدنا على تنظيم اللاهوت المسيحيّ ولاسيّما موضوع الشريعة. في نظر بولس، وحده الحدث الحاسم، حدث وحي برّ الله على الصليب، يتيح لنا أن نشجب الشريعة لأنها صارت الطريق المميّز الذي يقود الانسان إلى برّه الخاص. وفي نظر بولس أيضًا، وحده البرّ الذي أوحي لنا في المسيح وبررّ الخاطىء، يفتح أمام الخاطىء طريق الطاعة الحقيقيّة المؤسَّسة على وصيّة المحبّة. إذن، كلام بولس في الشريعة ليس ممكنًا إلاّ اذا انطلقنا من الكرستولوجيا.
وفي نظر متّى، وحده المسيح الذي أسّس شريعة الآباء واتمّها وفسّرها، يفجّر إرادة الله (كما في الابتداء) التي هي إرادة محبّة. عند متّى قد تخفي التّوراة الله ولا تظهره من دون المسيح. إذن الكرستولوجيا هي أولى بالنسبة إلى الشّريعة. هذا مع العلم أننا نجد عند بولس كرستولوجية الصليب وعند متّى كرستولوجية التعليم. في كتابات بولس يسوع هو ذاك المصلوب. وفي إنجيل متّى هو المعلّم.
إن الاختلاف الجوهريّ بين بولس ومتّى في ما يخصّ الشريعة، يكمن في أن بولس يرى أن الطاعة الأمينة للتوراة قد تدلّ دلالة كاملة على هلاك الانسان، على الخطيئة، بقدر ما تصبح الأمانةُ الدينيّة الموضعَ الذي فيه يجعل الانسان الشريعة من أجل فائدته ويقيّم نفسه أمام الله (كالفريسيّ في مثل لوقا). ونأخذ مثلاً على ذلك بولس اليهودىّ الفريسيّ الذي لا لوم فيه من جهة الشريعة. والذي أحسّ بسبب ذلك انه هالك بشكل جذريّ (قل 3: 4-10). وبُعد الخطيئة هذا كتوق إلى البرّ الخاصّ، كطلب لاستقلاليّة بفضل الشّريعة وبالشّريعة، لم يدركه متّى. فصاحب الانجيل الأول لم يرَ أن الطاعة للشريعة تشكّل التباسًا ومشكلة، وأن الطاعة الأمينة في الخارج لا تستبعد الفساد الداخليّ على المستوى الدينيّ. في هذا المجال كانت الانتروبولوجيا عند متّى بسيطة ومتفائلة. كل ما فعله في هذا المضمار هو التنديد برياء الفرّيسيين في عظة الجبل. عند ذاك دلّ الانجيليّ الأول أن الطاعة للشريعة بشكل لا يلومنا فيها الذي من الخارج، قد تجعل الانسان يربح إكرام البشر، ولكنها ليست في أي حال علامة ارتباط بالله (6: 1-18).
ويتعمّق الخلاف بين بولس ومتّى حين يعالجان جدليّة الشريعة والنعمة، الشريعة والمسيح، الشريعة والانجيل. فعند بولس، الشريعة والانجيل يستبعد الواحد الآخر على مستوى البرّ. هذا ما لا نجده عند متّى. من جهة، الطاعة لمشيئة الله لا تُهلك الانسان بل تخلّصه. وخطيئة الفرّيسيين لم تكن برّهم الخاص، بل لابرّهم حين أخفوا مشيئة الله فما رأوها وما تركوا الآخرين يرونها. ومن جهة ثانية، الشريعة عند متّى هي نعمة. وهي متطلّبة. ونحن نستطيع أن نمارسها. فإذا أردنا أن نجد عند متّى ما يقابل الجدليّة البولسية، يجب أن نعود إلى كرستولوجية المخلّص وإلى ارتباط بين الشريعة واتّباع المسيح. 
وأخيراً، ما يدلّ على أنّ متّى لم يستعد الخيار بين الشريعة والانجيل، نجده في نظرته إلى الخطيئة والنعمة. وهكذا اختلف عن بولس الذي يرى في استقلاليّة الانسان تجاه الله جوهرَ الخطيئة. نظرة متّى إلى الخطيئة أقل جذريّة، ولكنها نظرة كنسيّة لم يأخذ بها بولس. بما أنّ متّى يدخل في منظار حياة مسيحيّة تمتدّ في التاريخ، فالخطيئة هي على المستوى الخلقي تجاوز شريعة جماعيّة. وعلى مستوى أعمق، الخطيئة هي إيمان قليل (اوليغوبستيا)، أي قطع العلاقة مع المسيح، ورفض أن نحيا حياتنا عائدين إلى المسيح وواضعين فيه كل ثقتنا. أما فيما يتعلق بالنعمة، فإن بولس يصوّر عمل الله كالعمل السامي الذي يحرّر الانسان تحريرًا كليًا من خطيئته وضلاله، كالعمل السامي الذي يبرّر كل خليقة. وفي هذا المجال أيضًا تميّزت نظرة متّى عن نظرة بولس بالوجهة الرعائية. لا شكّ في أنّ الانجيليّ يعرف أن المسيح هو الذي يدعو الانسان إلى الايمان، الذي يحرّره لكي يتبعه. ولكن همّه الأول هو أن يشهد لواقع يقول إن المسيح يمنح نعمته لا ليدخلنا فقط إلى الحياة المسيحية، بل ليجعلنا نحيا هذه الحياة في المدى الذي يفصلنا عن المجيء. فالمؤمن هو "صغير"، هو إنسان قليل الايمان. ووحده المسيح الذي يسير أمامه ويعينه، يستطيع أن يعمل لأجله لئلا يصبح الفشل الذي يتربّص به أمرًا حتمياً. وبمختصر الكلام، يرى بولس أن النعمة تحرّر وتبرّر. ويرى متّى أنّها تساعد المؤمن وتبنيه.

خاتمة
وهكذا توقّفنا عند نظرة متّى إلى الشريعة والانجيل. فمنذ البداية، حدّثنا متّى عن يسوع الذي ما جاء لينقض الشريعة، بل ليتمّمها. ولكنه في الواقع، وعندما لا تصل بنا الشريعة إلى الانجيل ألغاها، إن لم يكن في تعبيرها الأوّل، ففي تطبيقها. وقابلنا ما يقوله بولس عن الشريعة وما يقوله متّى. جاء كلام بولس أكثر جذريّة، فتحدّث عن الشريعة في عمقها الوجوديّ في قالب المؤمن. أما متّى، فتوقَّف بشكل خاص عند الشريعة كما يمارسها المؤمنون في زمن يسوع وفي نهاية القرن الأول المسيحيّ. وفي النهاية، كانت نظرتهما تطلّع إلى الشريعة في أصلها الالهي وارتباطها بشخص المسيح. إذا كان يسوع هو مبدئ الخلاص ومكمّله في نظر بولس، فالانجيل هو الذي يجب أن تصبّ فيه الشريعة بحسب متّى. فهي تبقى ناقصة، ولا يكمّلها إلاّ الانجيل الذي فيه كمالها.
الفصل الثاني
التلاميذ والجمع،
أبناء الملكوت وأبناء الشرير

يتميّز ف 13 من انجيل متّى بالمكانة التي يُفردها لمجموعتين متعارضتين: في المجموعة الأولى نجد التلاميذ تجاه الجمع. وفي المجموعة الثانية نجد "أبناء الملكوت" تجاه "ابناء الشرير". (آ 38) أو "الابرار" و"الاشرار" كما في آ 49. 
أما النقيضة الأولى فتبرز بشكل خاص في القطعة التي تتحدّث عن السبب الذي لأجله أعطيت الامثال في آ 10-17 (+ 18 أ). ونحن لا نستطيع أن نفصلها عن تفسير المثل في آ 34- 35 (+ 36 آ) الذي يستعيد الموضوع عينه. هُيّئت هذه النقيضة بمقدمة ف 13 (آ 2-3 أ)، وتركت صداها في الملاحظة الأخيرة (تجاه الشعب): فهمَ التلاميذُ كل شيء (آ 51). ونزيد أن الانجيليّ أدخل هذه النقيضة في المقطوعة التي تسبق بشكل مباشر ف 13، وهي 12: 46- 50. ففي لمسة تدوينيّة، يحدّد الانجيلي بأن يسوع كان يعلّم الجموع. وجاءت لمسة أخرى فدلّت على التلاميذ الذين يعملون مشيئة الآب السماويّ.
وتظهر النقيضة الثانية بوضوح في تفسير مثل الزؤان (آ 37-42) وفي تطبيق مثل الشبكة (آ 49- 50: كذلك يكون في منتهى الدهر). هنا نرى في الدينونة الفصل بين "أبناء الشرير" (آ 38) وأهل "الشكوك وفعلة الاثم" (آ 41) و"الاشرار" من جهة، وبين "أبناء الملكوت" (آ 38) الذين هم "الأبرار" (آ 43، 49) من جهة ثانية. ولكننا نستشفّ النقيضة عينها في ما سبق من نصوص. فهي تُفترض موجودةً في مثل الزارع الذي يقابل بين السامعين الذين ظلّت عندهم الكلمة بلا ثمر (أكربوس) وبين الذين حملوا ثمرًا (آ 22-23، أثمروا). ونجد الألفاظ عينها في مثل الزؤان حيث أعلن متّى أن الزؤان لا يتميّز عن الحنطة إلا في أوان الثمر (آ 26): هي ملاحظة معلّم في الاخلاق، لا عبرة مزارع في أرض فلسطين. لا شكّ في أن هذه النقيضة "الاخلاقيّة" تلوّن بلونها النقيضة التي تقابل التلاميذ بالجمع: التلاميذ هم الذين يعملون مشيئة الآب السماوي (12: 50). لهم عيون ترى وآذان تسمع (13: 16). أما الجموع فلا تستطيع أن ترى ولا أن تسمع (آ 13). يُعطى التلاميذ لأن لهم، ويُؤخذ من الآخرين لأنه ليس لهم (آ 12).
إذن ليست المجموعتان المتعارضتان منغلقتين الواحدة على الأخرى. ولكن يبدو أنه يجب أن نحافظ على التمييز بينهما، لأن استعماله اللغة الامثاليّة توخّى التمييز بين التلاميذ والجمع. أما الفصل بين الاشرار والابرار فلا يتمّ إلا في الدينونة الاخيرة. في الحالة الأولى تمّ الفصل بين فئتين وانتهى. وفي الحالة الثانية سيتمّ الفصل في المستقبل.
فإذا أردنا أن ندرك هدف مت 13، فلا بدّ من طرح سؤال حول ما تمثّل في نظره هاتان المجموعتان المتعارضتان، ولماذا اعتبرهما مهمّتين ساعة دوّن انجيله. هذا السؤال ليس بجديد، غير أنه نالت أجوبة مختلفة جدًا لدى الشرّاح. نذكر هنا اثنين، وسنعود إلى الأجوبة الأخرى في معرض مقالنا.
هناك من يقول إن القسم الاول من مت 13 (آ 1-35) يدلّ على موضوع الفصل الذي تمّ بين الكنيسة (العالم المسيحيّ) والمجمع (العالم اليهوديّ). لقد أراد متّى ان يفسّر لماذا لم يتقبّل العالم اليهوديّ (الذي يمثّله المجمع) الوحيَ الذي نعم به المسيحيّون (الذين يمثّلهم التلاميذ). ويرتبط القسم الثاني (آ 36- 52) بمسألة حضور المسيحيين الاردياء داخل الكنيسة. لماذا ظهرت الجماعة المسيحيّة مزيجًا من الاشرار والابرار؟ فأجاب الانجيلي بأن الفرز سيتمّ في اليوم الاخير: حينئذ يُستبعد "أبناء الشرير" ويخلص الابرار وحدهم. واعتبر خطّ آخر أن قسمي ف 13 يقابلان مرحلتين في تاريخ الخلاص: الأولى تتعلّق بالفصل الذي تحقّق بين الكنيسة والمجمع. والثانية تعلن أن الفصل بين الكنيسة (أبناء الملكوت) والعالم الوثني (أبناء الشرير) حيث يعيش المسيحيون الآن، لا يتمّ إلا في يوم الدينونة.
اتّفق الخطّان على القول بأنّ التعارض بين التلاميذ والجمع يدلّ على الفصل بين العالم المسيحيّ والعالم اليهوديّ. وهو ما يقوله عدد كبير من المفسّرين. ولكن هل هذا التفسير يترجم حقًا هدف الانجيليّ؟ فلا نجد اتفاقًا حول معنى النقيضة "أبرار" "أشرار". ظنّ الخطّ الاول أن التعارض يعكس واقعًا داخل الكنيسة. والثاني رأى الفصل بين الكنيسة والعالم الوثني. هنا يختلف الشرّاح. أما نحن فنبدأ بالنقيضة الثانية.

1- أبناء الملكوت وأبناء الشرّير
نبدأ أولاً بالمعطيات الاساسيّة في تفسير مثل الزؤان. فتدوين هذه الآيات قد انطبع بطابع متّى وإن كنا لا نستبعد فرضيّة تقليد سابق لمتّى. هذا ما لا نتوقّف عنده، بل نعتبر أن النص هو من تأليف الانجيليّ. فهو يرى أن ابن الانسان والشرير زرعا زرعًا في الحقل عينه، في العالم. واحد زرع بني الملكوت، والآخر بني الشرير (آ 37-39). وفي نهاية العالم يرسل ابن الانسان ملائكته لينتزعوا من الملكوت كل الشكوك وفاعلي الشرّ (آ 41). "حينئذ يضيء الصدّيقون كالشمس في ملكوت أبيهم" (آ 43).
إذن نحن أمام مملكتين. مملكة ابن الانسان ومملكة الآب. فملكوت الآب، ملكوت الله، لا يدخله إلاّ الابرار. وبالنسبة إليه سُمّوا "أبناء الملكوت". وهذا الملكوت هو اسكاتولوجي بالمعنى الحصريّ للكلمة. أما ملكوت ابن الانسان فيوجد قبل الدينونة الأخيرة. هو يتضمّن الخطأة والابرار معًا، ويتماهى مع العالم في المعنى اليوحنّاويّ. ومسألة هوية فئتين من الناس تتعارضان في هذا الملكوت تعني في النهاية هوية هذا الملكوت "ملكوت ابن الانسان". وهكذا نجد نفوسنا أمام تفاسير تنطلق في ثلاثة اتجاهات رئيسية.
ماذا تقوله هذه الآراء؟ هناك رأي منتشر يتوقّف عند وجود المسيحيين الاردياء في الكنيسة التي هي "ملكوت ابن الانسان" والتي منها يُنتزع الخطأة في اليوم الأخير. عند ذاك فقط يبدأ ملكوت الآب. فالمسألة المطروحة إذن هي مسألة المزج بين الصالحين والاردياء في الكنيسة. فاذا كان حقل المثل هو ملكوت ابن الانسان وهو "العالم" (آ 38)، فهذا يعني أن العالم هو المساحة التي فيها تنتشر الكنيسة وتمدّ نشاطها.
وهناك أقليّة تعارض الرأي السابق الذي يماهي بين "أبناء الملكوت" وبين المسيحيين في صراعهم مع العالم الوثنيّ. فالمفسرون في هذه الفئة يشدّدون على النظرة العامة التي نجدها في تصوير متّى والتي تشبه ما في الدينونة الأخيرة (25: 31-46). فالدينونة تُمارَس في جميع البشر، ومعيارها الوحيد هو تصرّفهم بمعزل عن انتمائهم إلى الجماعة المسيحيّة. إذن حقل المثل يدلّ على العالم، أي على البشرية كلها. وهذا العالم هو أيضًا "مملكة ابن الانسان" بالنظر إلى السلطان الشامل الذي مُنح للمسيح القائم من الموت (28: 18). أعطي له كل سلطان (19:28)، فصار الدياّن السّامي (25: 32). فما زلنا في مسيرة التاريخ، يبقى الابرار والاشرار ممتزجين في العالم، داخل الكنيسة، وخارجها. ويتمّ الفصل في الدينونة (25: 32). إذن وجهة تفسير مثل الزؤان هي وجهة شاملة وأخلاقية: الشيء الوحيد الذي يُحسب حسابه في الدينونة، هو أن نعرف إن كنا أتممنا مشيئة الله. عند ذاك نستحق أن نسّمى "أبرارًا".
وهناك فئة ثالثة (بولتمان مثلاً) ترفض أن تماهي بين "ملكوت ابن الانسان" وبين الكنيسة، أو بين العالم. فهذا الملكوت هو اسكاتولوجيّ حصراً. نحن أمام ملكوت يبدأ مع مجيء ابن الانسان. يُنتزع منه الاشرار ويُستبعدون. لا يمكن أن يشاركوا فيه. هذا الرأي الثالث ينسى أن الملائكة يجمعون من مملكة الابن "فاعلي السوء" (آ 41). يجب أن يخرجهم الملائكة لا أن يمنعوهم من الدخول.
إذن، نتوقّف عند تفسيرين. ذاك الذي يماهي ملكوت ابن الانسان مع الكنيسة، وذاك الذي يماهيه مع البشرية كلها.
هناك من ينتقد الرأي الذي يماهي بين ملكوت ابن الانسان والكنيسة. ويقدّم ثلاث ملاحظات. الأولى، إن تماسك آ 36-43 يفترض تماهيًا بين "العالم" (آ 38) و"ملكوت ابن الانسان" (آ 41). فالعبارتان تقابلان الصورة عينها، صورة الحقل. فمن جعل من العالم المساحة التي فيها تمتدّ الكنيسة، يقدّم برهاناً اعتباطياً. الثانية، إن العمل الذي يُنسب إلى إبليس لا يُفهم إلا اذا كان الموضوع "العالم". فالشيطان ليس ذاك الذي يُدخل الاشرار في الكنيسة. عمله في الكنيسة يقوم بإفساد الزرع الجيّد. الثالثة، ليس السؤال المهمّ هو تواجد الأشرار والاخيار، بل المصير المحفوظ لكن من هاتين الفئتين في الدينونة الأخيرة. إذن، ليس الموضوع أن نقول لماذا يوجد الاشرار حيث لا يجب أن يوجدوا. بل أن ندعو القرّاء ليسألوا نفوسهم: هل هم من الابرار؟
ويأتي اعتباران إيجابيان في خطّ التفسير الشامل (أي على مستوى البشريّة كلها لا الكنيسة فقط). الاول يجب ان نفهم حقاً لقب "ابن الانسان". قال متّى في آ 37: "الذي يزرع الزرع الجيّد هو ابن البشر". يدلّ هذا اللقب هنا على يسوع، لا في مهمتّه على الأرض المحصورة في أرض فلسطين، بل في ممارسة سلطانه على الكون كما تسلّمه في قيامته من الموت (18:28) والذي بموجبه أرسل تلاميذه إلى العالم كله (آ 19). اذن نحن أمام لقب الرب الممجّد (64:26) في إطار دينونة تشمل البشريّة كلها (رج آ 41؛ 25: 31-46؛ 27:16).
والاعتبار الثاني. يتماهى الحقل الذي يُوضع فيه الزرع مع "العالم" (آ 38)، كما يبدو أيضًا الموضعَ الذي فيه يمارس يسوع سلطانه كديّان المسكونة. فهناك تمتدّ الرسالة المسيحيّة. وهناك أيضًا يحرّك إبليس الأشرار.
ماذا نستنتج من كل ذلك؟ إن المساحة التي فيها يمتزج "بنو الملكوت" مع "بني الشرير" هي ايضاً المساحة التي فيها تُتمّ الدينونة العامة فرزَ البشر. هذه المساحة هي العالم كله لا الكنيسة فقط. فما قلناه عن صورة حقل الذي تتواجد فيه الحنطة والزؤان، نقوله أيضاً عن صورة الشبكة التي يمتزج فيها الاشرار والابرار (47:13-50). ذاك هو الوضع الحالي للعالم (لا للكنيسة فقط) حيث يعيش الاشرار بجانب الابرار. والسؤال الجوهري في نظر الانجيلي، ليس معرفة المسيحيّ من اللامسيحيّ، ليس انتماءنا إلى الكنيسة أو لا، بل تتميمنا لمشيئة الآب السماوي حيث تسيطر "انوميا" اللاشريعة. إذن، ليست النظرة اكليزيولوجية (تشدّد على الكنيسة) بالمعنى الحصري للكلمة، بل اخلاقية. وحده الانسان الذي يتمّ "البرّ" يستطيع أن يكون "ابن الملكوت".
لا شكّ في أننا لا ننسى أنّ متّى يوجّه كتابه إلى قرّاء مسيحيين. والتنبيه الذي يعطيه يعنيهم بشكل مباشر. فيدعوهم ليسألوا أنفسهم: هل هم من أبناء الملكوت أم من أبناء الشرير؟ ويذكّرهم بأنه لا يكفي أن ينتموا إلى الجماعة المسيحيّة لكي يكونوا من بني الملكوت. هذا البعد المباشر للارشاد الانجيلي لا يعارض وجهته العامة والشاملة: كل انسان، مسيحيًا كان أو غير مسيحيّ، سيّدان بحسب أعماله (16: 27).

2- التلاميذ والجمع
ماذا عن نقيضة التلاميذ والجمع؟ يمثّل التلاميذ الجماعة المسيحيّة التي انفصلت، ساعة تدوين الانجيل الاول، عن العالم اليهوديّ الذي يمثّله الجمع هنا. إذن التعارض بين التلاميذ والجمع يوافق الوضع الذي وجدت فيه الكنيسة تجاه المجمع في نهاية القرن الأول المسيحي.
هنا نتوقّف عند بنية ف 13. وبما أن النقيضة موجودة عند مرقس أيضًا، نتساءل عن اللمسات التي قام بها متّى. وفي النهاية نجعل نقيضة الجمع والتلاميذ في مجمل انجيل متّى كما نقرأه اليوم.
أ- بنية ف 13
يقسم ف 13 قسمين كبيرين: آ ا-35، آ 36-52. قسمان متكاملان. يتميّز القسم الاول بنقيضة التلاميذ- الجمع. والقسم الثاني بنقيضة الاشرار والابرار. ولكن كانت قسمة أخرى تأخذ بعين الاعتبار مسيرة التوسيع. نجد في ف 13 قسمين (آ 1-23، آ 24-52) يتضمّن كل منهما عرضًا مثاليًا يتوجّه إلى الجمع (آ 3-9، 24-33)، وملاحظات حول سبب ضرب الامثال (آ 10- 17، 34-35)، وشروحًا للتلاميذ حول معنى الامثال (آ 18-23، 36-52). قد تبدو هذه القسمة الأخيرة أكثر أمانة لهدف الانجيليّ. فتدعو إلى البحث لا عن تسلسل موضوعين متكاملين، بل عن وجود توسّعين متوازيين. فالقسم الثاني يستعيد بشكل مختلف موضوع القسم الأول.
ثم إن تفسير ف 13 يجب أن يحسب حساب نهاية ف 13. إن هذه المقطوعة التي تحدّثت عن قرابة يسوع الحقيقية (12: 46-50)، ختمت الاخبار السابقة، وشكّلت في الوقت عينه انتقالة إلى ف 13. أدخل فيها متّى (ق مر 3: 31-35) "الجمع" (آ 46) و "التلاميذ" (آ 49)، فرأى في التلاميذ أولئك الذين يعملون مشيئة الآب السماوي (آ 50)، رأى فيهم أناسًا يمارسون البر، فيُسمّون "أبرارًا" (13: 43- 49).
ب- لمسات متّاويّة
حين قدّم متّى التعارض بين التلاميذ والجمع، استعاد معطية سابقة، استعاد نص مرقس بعد أن أعاد صياغته. فإن مر 4 هو صورة عن نظريّة "السرّ المسيحاني" التي تميّز وجهة خاصة في الانجيل الثاني. وفي خلفيّة هذه النظرية وتطبيقها على تعليم يسوع الامثالي، نستشفّ مشكلة طرحها على الوجدان المسيحي واقعُ الايمان الذي مارسه شعب اسرائيل تجاه يسوع. ففي نظر مرقس، لا يشكّل رفضُ اسرائيل فشلاً لكرازة يسوع ولا لمخطّط الله. بل إن هذا المخطّط يجد في هذا الرّفض تتَمّةً عمل من أجلها يسوعُ بالطريقة التي احتفظ بوحيه لمجموعة مميّزة. واستعمال الأمثال كان في خدمة تدبير خلاصيّ ظهر بوضوح مع الانفصال اللاحق الذي تمّ بين العالم المسيحيّ والعالم اليهوديّ.
لا يكفي أن نقول إنّ متّى يرتبط بما في مر لكي نستنتج أنه اهتمّ بالمسألة عينها وقدّم ذات الجواب. لا نستطيع فقط أن نتوقّف عند مواد مشتركة بين الانجليين، بل يجب أن نركّز انتباهنا على ما يميّز تدوين متّى ويعطي فكره توجيهًا جديدًا. إذن، نتفحّص التفاصيل حول التلاميذ والجموع، لنرى كيف عمل متّى لكي يلقي الضوء على فصل الكنيسة عن المجمع.
أولاً- الباعث على تعليم الامثال (آ 10- 17)
يظهر عمل متّى التدوينيّ بشكل خاص في آ 10-17. في مقدّمة ف 13، توافق متّى مع مر لكي يتكلّم عن خطبة "بأمثال" قدّمها يسوع إلى الجمع (مت 13: 1-3 أ؛ مر 4: 1-2). ولكن اللجوء إلى اللغة الامثاليّة يطرح سؤالاً. أورد مر في آ 10 ما يلي:" ولما كان على حدة، سأله عن الأمثال أولئك الذين كانوا حوله مع التلاميذ". نُسب هذا القول إلى جماعة غير محدّدة، فأشار السؤال لا إلى معنى المثل، بل إلى الاسلوب الامثاليّ. وكتب متّى في النص الموازي (13: 10): "ودنا التلاميذ اليه، وقالوا له: لماذا تكلّمهم بامثال"؟ جاء السؤال في الخطبة المباشرة بشكل أوضح. لماذا؟ ما هو السبب (دياتي). لم يُسأل عن اللغة الامثالية، بل لماذا وجّه هذا الكلام إلى الجمع؟ هنا يميّز متّى تمييزاً واضحاً بين هؤلاء الناس (الجمع) وبين "التلاميذ".
لم يعط متّى جواباً واحدًا كما فعل مر 4: 11-12، بل أعطى جوابين. جواب في آ 11 لأن (هوتي). وجواب في آ 13 يستعيد ألفاظ السؤال؟ "من أجل هذا أكلمهم بأمثال لأن". جاءت آ 11 بشكل مقدّمة. أما الجواب الحاسم فنقرأه في آ 13. ثم إن كلاٌ من الجوابين قد كمّله شرح إضافي: آ 12 مع الاداة "غار" (فإن من له يعطى). آ 14-15 اللتان توردان قول أشعيا الذي تستلهمه آ 13. هذان الجوابان يُتيحان لنا بأن نعرف أن الصعوبة التي نجدها وراء السؤال الأول هي بأن يسوع يستعمل عمدًا لغة لا يستطيع الشعب أن يفهمها. فلو توجّه المثل إلى التلاميذ وحدهم، لما طرحت الامثالُ أي تساؤلا.
إن الجواب الاول (آ 11) يبرّر طريقة يسوع حين يُبرز مبادرة الله. "لأن لكم أعطي (الله أعطاكم، المجهول الالهي) أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، وأما أولئك فلم يُعطَ لهم" (من قبل الله). إذن تتوافق لغة يسوع الامثاليّة مع ترتيب العناية الالهية التي احتفظت للتلاميذ بمعرفة أسرار ملكوت الله، ورفضتها للجمع. في هذا الجواب، قدّم متّى بطريقته المعنى الذي ينسبه إلى القسم الأولى من جواب يسوع في مر 4: 11 (رج لو 10:8 أ) ولكننا لا نجد هنا وجهته الشخصية.
فهذه الوجهة تظهر في الشّرح الذي نقرأه في آ 12: "فإنّ من له يُعطى فيزداد. أما من ليس له، فحتى ما هو له يُنزع منه". يرد هذا القول بعد ذلك في مر 4: 25 في خاتمة متتالية (آ 21-25) حاولت أن تصحّح الاقوال حول عمى الشعب (آ 11-12). فالذين نعموا بالوحي، عليهم أن ينقلوه بكرازتهم. احتفظ متّى بالآية 12. وإذ أدرجها بعد آ 11 أعطاها معنى يختلف كل الاختلاف عمّا في مر: إذا كان الله يمنح البعض معرفة أسرار الملكوت، ويمنعها عن آخرين، فلأنّ الأولين يملكون شيئًا، أما الآخرون فلا يملكون. أي إن السّبب الذي فيه انفصل قسم عن آخر، لا نجده في الله بل في الانسان وفي طريقة تقبّله لكلام الله. وهكذا شدّد متّى على مسؤولية البشر. أما قرار الله حين يقرّب البعض ويبعد البعض الآخر، فيشكّل دينونة يحدّد ما لنا وما ليس لنا. ما نحن في أعماق قلوبنا. وسيظهر معنى هذا الشرح بوضوح في ما يلي من النص.
أجل، يتوضّح النصّ في آ 13: "لهذا أكلّمهم بأمثال، لأنهم يبصرون من غير أن يبصروا، ويسمعون من غير أن يسمعوا ولا يفهموا". ذكّرنا متّى أولاً بالسؤال كما ورد في آ 10، ثم استعاد جوهر ما في مر آ 12. ولكن جاء تبدّل حوّل معنى الجواب تحويلاً جذرياً. كتب مر: "لكي إذ رأوا يرون ولا يبصرون" (هينا في اليونانية). أما متّى فقال: "هوتي" لأن. إذن عمى الناس ليس الهدف الذي توّخاه يسوع في استعمال الخطبة الامثاليّة. بل هو السبب. لقد تكلّم يسوع بأمثال لأن الجمع لا يستطيع أن يرى ولا يفهم. وشدّد متّى على غياب كل إمكانيّة عندهم. عند مر، هم يرون ولا يميّزون. عند متّى، هم لا يرون شيئًا. لا معرفة عندهم إطلاقاً. واستحالةُ النظر والفهم تعتبر خطيئة. وخطبة الامثال صارت شجبًا وعقابًا.
تدعونا آ 14-15 إلى أن نرى في موقف يسوع (كما تدلّ عليه آ 13) تتمّة لقول أش 6: 9-10 بحسب السبعينية. مثل هذه الاعتبارات عزيزة على قلب متّى. وهو يبدأها بعبارة: "لكي يتمّ". ولكنه لم يورد هذه العبارة هنا لئلا يقع في غائية (لكي) حاول أن يستبعدها. إذن كتب: "لهم (أو: فيهم) تتمّ نبوءة أشعيا الذي يقول". فأمثال يسوع، شأنها شأن كرازة أشعيا في الماضي، تحكم على أناس لا يستطيعون أن يفهموا فكانوا مسؤولين عن عماهم.
وتعود آ 16-17 إلى امتياز التلاميذ. نجد هنا قولاً أخذه مت من سياق آخر (لو 10-23-24) وأعمل فيه لمسات لها معناها. حسب لو، أعلن يسوع لتلاميذه: "طوبى للأعين التي ترى ما أنتم ترون". وحسب مت: "وأما أنتم، فطوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولآذانكم لأنها تسمع" (13: 16). ولكنه ترك الباقي دون أن يعمل فيه قلمه. "الحق أقول لكم إنّ كثيرين من الأنبياء والصدّيقين قد اشتهوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا". يرى يسوع أن امتياز التلاميذ يقوم بأنه قد أعطي لهم أن يروا بعيونهم تحقيق المواعيد. فسبب سعادتهم هو الحدث الذي يشاهدونه. غير أن آ 16 تتّخذ منحى مختلفاً بفضله يتعارض وضع التلاميذ مع وضع الجموع: لقد نسب متّى سعادة (طوبى) التلاميذ إلى أن عيونهم ترى، تستطيع أن ترى. فسبب هذه السعادة لا نجده في الحدث الذي يرون. بل في الاستعدادات الشخصيّة التي تتيح للتلاميذ أن يروا بقلوبهم، أي أن يفهموا. وهكذا يتميّزون عن الجمع المسؤول عن عماه بحيث لم يتمكّن من تقبّل وحي أسرار الملكوت.
في كل هذا التوسّع، ظلّ متّى منطقيًا مع نفسه: إذا كانت الامثال تحمل وحياً يُعطى للتلاميذ ويُرفض للشعب، فليس السبب قرارًا اعتباطيًا بل استعدادات نفسيّة يستطيع البعض بموجبها أن يقبلوا الوحي، ولا يستطيع البعض الآخر. وهكذا نستعيد سؤالنا: هل نرى في التلاميذ ممثّلي الجماعة المسيحيّة، وفي الجمع ممثِّلي شعب إسرائيل الذي لم يؤمن؟ كلا، لا نستطيع أن نجد مثل هذا الجواب في آ 10-17. فالجواب نجده في تفسير مثل الزارع الذي كانت له آ 10-17 مقدّمة تفتح لنا الطريق اليه.
ثانيًا: تفسير مثل الزارع (آ 18-23)
إن اللمسات التي قام بها متّى في آ 23 تتيح لنا بأن نجد حالاً الفئتين المتعارضتين اللتين تكلّمت عنهما الآيات السابقة. فإن آ 19 تقوله إن وضْع الزرع الذي سقط على قارعة الطريق يتحقّق في "كل انسان سمع كلمة الملكوت وما فهمها". وكلمة الملكوت هي بلا شكّ تلك التي تمنح معرفة اسرار الملكوت (آ 10). فالناس الذين قبلوها دون أن يفهموها، يشبه وضعُهم وضعَ الجمع. وفي آ 23 نرى وضع الانسان الذي تلقّى الزرع في أرض جيّدة: "هو ذاك الذي يسمع الكلمة ويفهمها. إنه يثمر فيعطي تارة مئة وأخرى خمسين وأخرى ثلاثين". هذا هو وضع التلاميذ الذين "أعطي لهم أن يعرفوا أسرار الملكوت". هم يفهمون ما يسمعون. ولكن ماذا يعني "فهم"؟ قال متّى: الذي يفهم هو الذي يثمر. إذن، لا فصل بين الفهم وحمل الثمار.
ولكن يبقى سؤال: هل نستطيع أن نماهي كل عضو في الجماعة المسيحيّة مع الذي يسمع الكلمة يفهمها ويحمل ثمرًا؟ كلا. فهناك من يسمع الكلمة ويتقبّلها بفرح، ويتركها تنمو فيه، ولكنها تبقى "بدون ثمر" (اكربوس) (آ 22). هذه الصورة تنطبق على المسيحيين المقسَّمين، الذين لا يثبتون. ونجد تجاههم أولئك الذين يمثّلون الأرض الجيّدة، أولئك المسيحيين الذين هم أمناء لمتطلّبات الانجيل. وإن وافق وضعُهم وضعَ التلاميذ في آ 10-17، فهؤلاء التلاميذ لا يمثّلون المسيحيين كلهم (هم مسيحيون بالاسم)، بل الجديرين بالاسم المسيحي. أولئك الذين يجعلون التعليم الذي تلقّوه يتجسّد في حياتهم وأعمالهم.
ثالثًا: قرابة يسوع الروحية (12: 46- 50)
هنا نعود إلى الوراء ونستعيد المقطوعة التي تشير إلى النقيضة التي تحدّثنا عنها في هذه الآيات. فخطبة الامثال يسبقها (كما في مر 3: 31-35) حدثٌ يشير إلى قرابة يسوع الروحيّة (12: 46-50). بدأ الحدث في مر بدون انتقالة: "وجاءت أمه واخوته، فوقفوا خارجًا وأرسلوا يدعونه". ولكن مت جعل انتقالة بين مقطوعة (آية يونان والروح النجس) ومقطوعة: "وفيما هو يكلّم أيضًا الجموع، إذا أمه واخوته قد وقفوا في الخارج طالبين أن يكلّموه". قد يدهشنا هذا التفصيل، لأن المقطوعة السابقة أوردت خطبة وجّهها يسوع إلى "بعض الكتبة والفريسيين" (12: 38-39). نبّهوا يسوع أن أمه واخوته يطلبونه. ماذا كانت ردّة فعل يسوع بحسب مر؟ "أجال نظره في المتحلّقين حوله وقال: ها أمي واخوتي". وعند متّى نقرأ: "ومدّ يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي واخوتي". نحن هنا أمام نقيضة التلاميذ- الجمع. وانتهت مقطوعة مر بإعلان عام: "فإن من يعمل مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي". ولكن مت حدّد كلام يسوع: "لانّ كلّ من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي". فبعد أن دلّ يسوع على التلاميذ على أنّهم قرابته الحقيقية، شرح أنّ هذا اللقب يعود اليهم عن جدارة لانهم يعملون مشيئة الآب. في نظر مت، التلميذ هو ممن يتمّم مشيئة الله، هو من يثمر. هل نماهي بين هذا التلميذ وبين أي مسيحي؟ كلا.
لا شكّ في أن متّى يكتب الى قرّاء مسيحّيين. ويتّخذ إرشادُه اتجاهًا عامًا. واذ عاد إلى مراجعه فأخذ نقيضة التلاميذ- الجمع، لم يحاول أن يطبّقها على التعارض بين العالم المسيحيّ والعالم اليهودىّ. ولا بين التعارض الذي يميّز الأبرار عن الأشرار. بل بين الذين يعملون بمشيئة الله والذين لا يعملون بها. بين الذين يحملون ثمراً والذين يظلّون عقمًا بدون ثمر. فالمعيار الذي يميّز البشر والذي بحسبه يُدانون، هو ممارسة البرّ قبل أي انتماء إلى جماعة مسيحيّة.
3- النقيضة في الانجيل
إن النقيضة التي تقابل بين التلاميذ والجمع (مت 12: 46-13: 52) توجد في مواضع أخرى من انجيل متى.
أ- ليس ما يدخل الفم (15: 10-16)
نجد في ف 15 مقطعًا يشبه ما في خطبة الامثال في مت 13. وهو يتأثَّر بنظرة مر إلى الجمع. ففي مر 7: 14-15 عرض يسوع على الجمع قولاً ملغزًا: ما ينجّس الانسان ليس ما يدخل فيه، بل ما يخرج منه. ثم قال الانجيلي في آ 17: "حين دخل يسوع إلى البيت بعيدًا عن الجمع سأله تلاميذه". وبّخهم يسوع لأنهم كانوا هم أيضًا "بلا فهم". وفسّر لهم قوله (آ 18-23). استعاد مت 15: 10- 11 القول اللغز الذي قاله يسوع للجمع. وحالاً تدخّل التلاميذ (لم يذكر الدّخول إلى البيت) ونبّهوا يسوع: "أتدري أن الفريسيين تشكّكوا لما سمعوا هذا الكلام" (آ 12). شجب يسوع هؤلاء العميان (آ 13-14)، ثم لبّى طلب بطرس (آ 15)، فقدّم شرحه مع لوم في البداية: "أو أنتم أيضًا بلا فهم" (آ 16)؟ "أنتم أيضًا" يعني أنتم التلاميذ صرتم شبيهين بالجمع الذي لا يفهم، أو بالفريسيين الذين تشكّكوا بعد أن صاروا عميانًا. وهكذا نظنّ أن يسوع قابل التلاميذ بالفريسيين، القوّاد الروحيّين في الشعب اليهوديّ.
ب- موقف متّى من الجمع
يبدو أن نقيضة التلاميذ والشعب التي وجدناها في ف 13، نجدها أيضًا في ف 15. وهناك من أراد أن يجد النقيضة بين اليهود والوثنيين كما في حدث المجوس (2: 1: 18)، وقائد مئة كفرناحوم (8: 5-13)، والاعلان الذي يقابل مصير مدن الجليل مع مصير المدن الوثنية والخاطئة (11: 20-24)، والقول الذي يقابل "هذا الجيل" مع أهل نينوى وملكة سبأ (12: 41-42). نجد هنا موضوعًا بعيدًا بعض الشيء عن ف 13. ولكن يبدو أننا نجده في مثل المدعوّين إلى وليمة العرس (22: 1-14). غير أن مثل المدعوّين جاء في سياق يهاجم بشكل مباشر السلطات الدينية (15:21 عظماء الكهنة والكتبة؛ 22:21؛ عظماء الكهنة وشيوخ الشعب؛ 45:21 عظماء الكهنة والكتبة)، فقابل بين موقفهم وموقف الجمع (21: 8، 9، 11، 26، 46)، أو الخطأة (21: 31- 32).
ويذكر الشرّاح بعض الاعلانات التي بها يحكم يسوع على "هذا الجيل". هنا يرتبط متّى بالتقليد السابق. في 11: 16-19 أ (= لو 7: 31-35) يشبّه يسوع هذا الجيل بصبيان جالسين في الساحات. في 38:18-42، 43- 45 (لو 29-32، 24-26)، يتحدّث الانجيل عن آية يونان والروح النجس. في 16: 1-4 (مر 8: 11-13)، يتحدّث النصّ عن طلب آية من السماء. وفي 29:23-36 (لو 11: 47- 51) حيث يقابل تعليمه مع ما يفعله الكتبة والفريسيون. وأخيرًا، يعلن مت 23: 37-39 العقاب الذي يحلّ بأورشليم. في كل هذه النصوص لا نتحدّث بشكل من الأشكال عن الجمع، بل عن ممثليّ الجمع.
في بعض المرّات، نجد في مت موقفًا حياديًا وربما مؤاتيًا من قبل الجمع. هو يجتمع حول يسوع (13: 2؛ مر 4: 1). الجموع الغفيرة تأتي إلى يسوع (15: 30). وتحدّث الانجيل الأول ست مرات عن جماعة التّلاميذ التي تتبع (اكولوتيو) يسوع (4: 25؛ 8: 1؛ 14: 13؛ 19: 2؛ 20: 29؛ 21: 9؛ رج 10:8؛ 15:12).
وتبع مت مر في حواشيه. في 11:28 (مر 1: 21) حول دهشة الجموع أمام تعليم يسوع (7: 28؛ 22: 33). حول حيرة الجموع (12: 33) وإعجابها (33:9؛ رج 15: 31). تحدّث مر 22:2 عن دهشة الجموع، أما مت 8:9 فقال: "استولى على الجموع خوف، ومجّدوا الله الذي آتى الناس سلطانًا كهذا". وأوضح مت مر حين نسب إلى الجموع انتظار يسوع ساعة دخوله إلى أورشليم: فرشوا الأردية. هتفوا. قال: "هذا يسوع النبيّ الذي من الناصرة" (21: 8، 9، 11). في 33:9 قالت الجموع: "لم يُرَ مثل هذا قطّ". وفي 12: 23: "أما يكون هذا ابن داود"؟ وفي 21: 9 زادوا على "هوشعنا" عبارة "لابن داود"، أي العظمة والمجد لابن داود. اعتبر الجمع في مر 11: 32 أن يوحنا هو نبيّ. أما مت 26:21 فجعلهم يعتبرون يسوع أيضًا نبيًا. لا شكّ في أن هذا الايمان ظلّ ناقصًا، ولكننا لا نستطيع أن ننكر مضمونه الايجابيّ دون أن نخون فكر متّى.
حين تكلّم مت عن شفقة يسوع على الشعب (36:9؛ 15: 32؛ رج 14: 14) تبع مر 6: 34: 8: 2، ولكنه شدّد فقال: "تحنّن عليهم لأنهم كانوا منهوكين، منطرحين مثل غنم لا راعي لها". ويبدو متّى مبتكراً حين يقابل الجمع مع خصوم يسوع. ففي 33:9 رأى الجموع معجبة بشفاء المتشيطن.
هتفت: "لم يُرَ شيء مثلُ هذا في اسرائيل". وجعل مت تجاه الجموع الخصوم: "أما الفريسيون فقالوا: يخرج الشياطين برئيس الشياطين" (آ 34). ونجد الشيء عينه في 23:12-24. "فبُهت الجموع كلّهم وقالوا: أفلا يكون هذا ابن داود؟ ولكن حين سمعهم الفريسيون قالوا: هذا الانسان يطرد الشياطين ببعل زبول رئيس الشياطين". وخبر الدخول الى أورشليم يرينا مشهداً مماثلاً: الجموع التي تهتف ليسوع وتسمّيه "ابن داود"، "النبي" (21: 9, 11). وعظماء الكهنة والكتبة الذين "يسخطون" على هذا الموقف ويلومون يسوع (آ 15-17).
ولكن الوضع يتبدّل في خبر الحاش والآلام. لقد دخلت "الجموع" في لعبة خصوم يسوع (27: 20-25؛ رج 26: 47، 55). فمع النقيصة بين الجموع والتلاميذ، هناك نقيضة بين الجموع وخصوم يسوع. ولكن في النهاية ستصبح الجموع مع خصوم يسوع تجاه التلاميذ. سيصبحون من الخارج بينما كان التلاميذ من الداخل. سيصبحون بلا فهم وعميانًا على مثال قادتهم.
ج- فهم التلاميذ
توقّفنا عند نظرة مت إلى "الجمع" في كل انجيله. فما هو موقفه من "التلاميذ"؟ نتحدّث فقط عن "الفهم"، ونستنتج في النهاية أن مت يختلف عن مر الذي شدّد مرارًا على اللافهم عند التلاميذ.
ونبدأ في خطبة الامثال. في مر 4: 10، سأل الذين يحيطون بيسوع "حول الامثال". في مت 13: 10، التلاميذ هم الذين سألوا: "لماذا تكلّمهم بأمثال"؟ لماذا يستعمل هذه اللغة أمام أناس لا يستطيعون أن يدركوا معناها. هذا يعني أن التلاميذ فهموا كما تفترض آ 11، 16. يبدأ شرح مثل الزارع عند مر بملامة: "أما تفهمون هذا المثل؟ فكيف إذن تفهمون سائر الامثال" (13:4)؟ غابت الملامة من مت: "أنتم إذن اسمعوا مثل الزارع" (18:13). أنتم الذين ترى عيونهم (آ 6، 2). أنتم تستطيعون أن تفهموا. وختم مر 4: 33-34 مقاله: "وبكثير من مثل هذه الامثال كان يلقي عليهم الكلمة على قدر ما كان في وسعهم أن يفهموا. ولم يكن يكلّمهم بغير مثل، إلاّ أنه في الخلوة كان يفسّر لتلاميذه الاخصّاء كل شيء". ترك مت "على قدر ما كان في وسعهم أن يفهموا". فهذا يعني أن الناس كانوا يستطيعون أن يفهموا بدون أمثال (13: 24). وفي النهاية سأل يسوع تلاميذه: "أفهمتم هذا كله"؟ أجابوا: "نعم" (آ 51). وهكذا قال متّى بوضوح إنّ التلاميذ فهموا.
وقال مرقس إنّ يسوع حذّر يومًا تلاميذَه من خمير الفريسيّين وخمير هيرودس. وتساءل التلاميذ. فوبّخهم يسوع: "لماذا تتجادلون على أن ليس معكم خبز؟ أفلا تعقلون بعد. أفلا تفهمون؟ أو تكون قلوبكم عمياء؟ لكم عيون ولا تبصرون، لكم آذان ولا تسمعون" (8: 17-18). أما متّى فاحتفظ من كل هذا الكلام بما يلي: "يا قليلي الايمان، لماذا تفكّرون في نفوسكم على أن لا خبز معكم؟ أما تفهمون بعد" (8:16-9)؟ قد نقوله إن التلاميذ لم يفهموا بسرعة، ولكن هناك مسافة بين البطء في الفهم والعمى الذي يتحدّث عنه مرقس. عند ذاك ذكّرهم يسوع بتكثير الأرغفة. أفلا تذكرون؟ أفلا تفهمون (8: 21)؟ أما متّى فترك صيغة الاستفهام. ذكر يسوعُ معجزاته ثم شرح: "كيف لا تفهمون أنني لم أكلّمكم عن الخبز بل من تعليم الفريسيّين والصادوقيّين" (16: 22)؟ ولم يقف متّى عندها السؤال، بل زاد: "عندئذ فهموا أنَّه لم يقل لهم أن يحذروا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيّين والصادوقيّين" (آ 13). ظلّ مر على مستوى لافهم التلاميذ. أما مت فقال إنهم فهموا، وأوضح التّعليم الذي فهموه.
بعد أول تكثير للأرغفة، انضمّ يسوع إلى تلاميذه ماشياً على المياه. وأورد مر 6: 51-52 ردّة فعل التلاميذ: "اضطربوا لأنهم لم يفهموا شيئًا في أمر الخبز. كانت قلوبهم عمياء".
أما مت 33:14 فقال: "الذين كانوا في السفينة سجدوا له قائلين: حقاً أنت ابن الله". لم نعد أمام لافهم التلاميذ، ولا أمام عمى قلوبهم. بل أمام فهم عميق دلّ عليه فعل إيمان عظيم.
وبعد التجلّي أوصى يسوع تلاميذه بألاّ يقولوا لأحد ما رأوا حتى قيامته من بين الأموات. ولاحظ مر 9: 10: "فحفظوا الوصيّة متسائلين في ما بينهم ما معنى متى قام من بين الأموات". ترك متّى هذه الحاشية التي تدّل على لافهم الرسل. وبعد أن جاءت شروح للغزه حول رجوع إيليا، شرح متّى: "حينئذ فهم التلاميذ أنه كلّمهم عن يوحنا المعمدان" (17-13). أجل، لقد فهم التلاميذ، وهذا أمر طبيعيّ.
وبعد الكلمة الملغزة عمّا ينجّس الانسان، سأل التلاميذ يسوع الذي بدأ يوبّخهم على عدم فهمهم: "أإلى هذا الحدّ أنتم أيضًا بلا فهم" (7: 18)؟ وقال مت 14-16:" أو أنتم أيضًا بلا فهم" (15-16)؟ لسنا أمام درجة اللافهم لدى التلاميذ، بل أمام البطء في التخلّص من هذا اللافهم الذي لا يمكن إلاّ ان يكون مؤقتاً.
نستطيع أن نقرّب هذه النصوص من تلك التي تتحدّث عن "قلّة الفهم" (اوليغوبسيتا) عند التلاميذ. مت 6: 30 (= لو 12-28)؛ 7: 27؛ 14: 31؛ 16: 8؛ 17: 20. وبّخ يسوع التلاميذ: "لماذا أنتم خائفون إلى هذا الحدّ؟ أليس عندكم إيمان" (مر 4: 4)؟ أما مت 8: 26 فقال: "لماذا أنتم خائفون يا قليلي الايمان"؟ اعتبر مر أنّ لا إيمان عندهم البتّة. واعتبر مت أن إيمانهم قليل. أن عندهم بعض الايمان. إن نقص إيمان لا يلغي الشكّ كله (14: 31)، بعيدٌ عن وضع تلاميذ يعيشون في اللاإيمان (ابستيا، 13: 58= مر 6: 6).
لا يكفي أن نلاحظ هذه اللمسات عند متّى، بل يجب ان نتسائل عن السبب الذي دفعه إلى مثل هذا الموقف. لا شكّ في أن متّى يفكّر في قرّائه حين يعلن في نهاية المقطوعة ما فهم الرسل من تعليم. هذا الاسلوب الأدبي يتيح للانجيليّ أن يعلمنا بمدلول كلام يسوع. فالاهتمام التربويّ عند متّى يترافق مع الفقاهة والارشاد: حين نسب إلى التلاميذ فهماً يستبق زمن الفصح، بيّن بوضوح ماذا ينتظر من القرّاء المسيحيّين. ثم هو راعى تلاميذ يسوع الأولين الذين صاروا للمسيحيّين شهود الايمان وأساس الكنيسة. فكلام مرقس قد يشكّك هؤلاء المسيحيّين. لهذا أخذ متّى بعين الاعتبار الاكرام الذي يحيط بذكرى هؤلاء الرسل الذين فهموا فأثمرت فيهم كلمة الملكوت.

خاتمة
وصلنا في القسم الأول من هذا المقال إلى نتيجة تقول إن التمييز بين "بني الملكوت" و"بني الشرير" يحمل بُعداً أخلاقياً في فكر الانجيليّ. فالأوّلون ليسوا أعضاء الجماعة المسيحية، وليسوا فقط المسيحيين الذين يمارسون البرّ. كما لا نستطيع أن نحدّد موقع بني الشرير خارج الكنيسة (أو فقط في الكنيسة). لا شكّ في أن مت أراد أن يدفع قرّاءه المسيحيين إلى إعمال الفكر في كلام الربّ، غير أن كلامه يتحدّد على المستوى الاخلاقي. فالدينونة الأخيرة التي يشير اليها لا تأخذ بعين الاعتبار إلا ممارسة البرّ وتتميم مشيئة الله.
ويُطرح سؤال حوله نقيضة التلاميذ والجمع: هل تعكس وجه الكنيسة تجاه المجمع؟ هنا نقدّم ثلاثة اعتبارات. الاول، الفكرة هي هي في هذه النقيضة كما في نقيضة الابرار والاشرار. ثم إن لمسات متّى التدوينية تدلّ على امتدادات أخلاقيّة بالدرجة الاولى واهتمامات إكليزيولوجية في الدرجة الثانية. فهذا الفصل التام بين الكنيسة والمجمع لم يحدث في زمن يسوع، بل حوالي سنة 80 وتدوين الانجيل الأول. وأخيرًا لاحظنا أن التعارض بين الجمع الذي لا يفهم والتلاميذ الذين يفهمون، لا يوافق دومًا وجهة الانجيلي الاول، بل وجهة الانجيلي الثاني. فالجمع لا يمكن أن يدلّ على العالم اليهوديّ في رفضه للانجيل. أما التلاميذ الذين قدّمهم الانجيليّ كمثالة للمؤمن في كنيسته، فلا نستطيع أن نرى فيهم فقط ممثّلي الجماعة المسيحية. هم مثال لأن معرفة أسرار الملكوت لا تنفصل عندهم عن تتميم مشيئة الله وعن حمل ثمر بعد أن سمعوا كلمة الملكوت. وهكذا نكتشف وجهة الفقاهة في انجيل متّى. لا شكّ في أنه رأى الفصل بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ في أيامه، ولكنه اهتمّ قبل كل شيء بالطاعة لله الذي سيدين كلّ واحد بحسب أعماله (16: 27).
الفصل الثالث
الكنيسة والايمان في الأناجيل الأزائية

ما هي العلاقة بين النظرة إلى الكنيسة وانتقال الايمان؟ أو بُنى الوحدة والنماذج التي بحسبها انتقل الانجيل في العالم القديم؟ نبدأ فنسأل العهد الجديد لنعرف كيف أن الشهود الاوائل للايمان طرحوا هذين السؤالين وعالجوهما. ونتوقّف بشكل خاص عند الأناجيل الأزائية. ونطرح سؤالاً أول: كيف تكوّنت الكنيسة، وما هو الحدث (أو الكلمة) الذي أسّسها وأعطاها وحدتها؟ وسؤالاً ثانياً: كيف تستطيع الكنيسة المؤسّسة أن تتكلّم عن بنيتها؟ ولكن لا نستطيع أن نتحدّث عن الاكليزيولوجيا دون أن نربطها بالكرستولوجيا. لا نتحدّث عن الكنيسة دون الحديث عن المسيح الذي يؤسسّ الكنيسة.

1- انجيل مرقس
أ- كرستولوجية السرّ المسيحاني
مرقس هو الذي خلق الفن الأدبي الذي اسمه "إنجيل". وهو أول من جمع في سرد متواصل، ومنظّم تنظيمًا تاريخيًا، مجموعات تقليديّة مستقلّة هي تقليد يسوع صانع العجائب، تقليد يسوع المبشّر. تقليد الحاش والآلام. من وجهة اجمالية وُضع المشروع السردي المرقسي في منظار محدّد، هو منظار الانجيل (اونجليون، بشرى سارة، خبر طيّب). وبلفظة "انجيل" (مر 1: 1) نعني إعلان خبر يسوع على الأرض كحدَث الحلاص.
أما مختلف المجموعات التقليديّة التي جمعها مرقس، فهي تمثل أنماط كرازة خاصّة مميّزة. فما هي العلاقة التي جعلها المدوّن بين المجموعات التي ضمّها بعضها إلى بعض، وما هو مبدأ التماسك فيها؟ ما هي البنية اللاهوتيّة التي توحّدها؟ نستطيع مع بعض الشرّاح أن نقول إن البنية اللاهوتيّة التي اختارها مرقس هي بنية "السرّ المسيحاني". وقد أوضح مرقس هذا السرّ عبر ثلاثة مناهج تدوينية.
- الامر بالصمت. أوصى يسوع دوماً بأن تبقى هويّته المسيحانيّة سريّة. أوصى الشّياطين أولاً (1: 25، 34؛ 3: 12). ثم تلاميذه (8: 30؛ 9: 9). وأخيراً كل الذين نعموا بالشفاء (1: 44؛ 5: 43؛ 7: 36؛ 8: 26).
- لافهْم التلاميذ. إن رفاق يسوع لا يدركون دومًا معنى أقواله وأفعاله (13:4، 40؛ 50:6-52؛ 8: 16-21؛ 5:9، 19؛ 24:10؛ 14: 37- 41).
- النظرة إلى الأمثال. أخفى يسوع عمدًا عن الشعب معنى أقواله. ولكنه كشفه للتلاميذ وحدهم مع أنهم ظلّوا متحفِّظين طويلاً (4: 10-13، 33- 34).
إن الأمر (التوصية) بالصمت ولافهم التلاميذ جعلا من الوحي وحيًا مخفياً، إبيفانيا سريّة. ما هو معنى هذا الموقف المرقسيّ في تقديم صورة يسوع؟ نجد الجواب في ثلاثة نصوص مفاتيح: 9:9؛ 14: 62؛ 15: 39. إن 9:9 يؤكّد ان الاعتراف بيسوع كابن الله، يجب أن يتأخّر حتى تتمّة الحدث الفصحي. في 14: 62 وللمرة الأولى أوضح يسوع في العلن هويّته كمسيح وابن الله، ولكنّه فعل ما فعل في الضعف والهزء خلال محاكمة خاسرة سلفًا. وأخيراً في 15: 39، أعلن الاعتراف الايمانيّ الأول الذي لا يخضع لأي قيد. بل هو يتمّ أمام جثّة يسوع المصلوب. هذه المقاطع المميّزة تدلّ على قصد واحد ووحيد. ففي مرقس، لا تُعرف هويّة يسوع انطلاقًا من معجزات هذا الشخص القدير، ولا من سلطته كمعلم لا يُناقش. هي تُعرف في ملئها وبدون أي التباس في شخص المصلوب. فبعد بولس، كان لاهوت مرقس في العهد الجديد، المثلَ الوحيد للاهوت الصليب.
ب- الجماعة ولاهوت الصليب
ما هي العلاقة بين هذا التفسير للواقع المسيحاوي والطريقة التي بها تكوّنت الجماعة وفهمت ذاتها؟ وبعبارة آخرى، كيف ارتبطت الاكليزيولوجيا بالكرستولوجيا في الانجيل الثاني؟
هنا نبدأ بملاحظة أدبية. فإنجيل مرقس يتألف من ثلاثة أقسام: 1: 1- 26:8 يصوّر رسالة يسوع في الجليل. 27:8- 10: 52 يصوّر الطريق التي تقود يسوع وأخصّاءه إلى أورشليم. 11: 1- 16: 20 يرسم إقامة الناصريّ في المدينة المقدّسة. إن القسم الثاني (8: 27- 10: 52) في هذا المخطّط "الجغرافي" يهمّنا بشكل خاص. فموضوعه هو الانباءات الثلاثة بالآلام (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 32-34)، والتعليمات التي وجّهها المعلم إلى التلاميذ. أما الأمر الرئيسي والذي يجب أن يُفسَّر لأنه يدلّ على يد مرقس، هو أن الانباء بالآلام يصل بنا كلَّ مرة إلى توضيح وضع التلاميذ. فبعد الانباء الأول بالآلام (8: 31) يأتي تعليم حول اتّباع يسوع (8: 34-9: 1). وبعد الثاني (9: 31)، جدالا بين التلاميذ (9: 33: 50) ورسمة فقاهيّة (10: 1- 31). وبعد الانباء الثالث (10: 32- 34)، نجد الجدال مع ابني زبدى (10: 33- 44). الهدف التدويني واضح: فطريق المعلم نحو الجلجلة تحدّد طريق التلاميذ. وكرازة الألم تعطي الوضعَ الذي ينتظر جماعة المؤمنين شكلَه.
ويتوضّح هذا الطرح ساعة نهتمّ بثلاث كلمات مفاتيح في هذا القسم الثاني من الانجيل. التلميذ (ماتيتيس)، الطريق (هودوس)، اتّباع ومرافقة (اكولوتيو). ففي ف 8- 10، التلميذ هو مدلولا ملتبس. لا شكّ في أنه يدلّ على رفاق يسوع خلال حياته على الأرض. ولكنه يدلّ أيضًا على المسيحيين في كنيسة مرقس. فهذا التاريخ الماضي ليس ماضيًا فقط. ولا يُروى لقرّاء الانجيل كما يُروى أيُّ خبر من الاخبار. بل هو يتوجّه إلى التلاميذ بشكل تعليم وبلاغ. فالقرّاء هم الآن التلاميذ، وهذا الخبر يعلّمهم ويدعوهم وينبّههم. عند ذاك نتساءل: ما هي الكلمة التي تشكّل وتبني الجماعة التي يدعوها الانجيل؟ هي الطريق (هودوس، 8: 27؛ 9: 33، 35؛ 10: 17، 32، 52).
فالمسيح الذي يُعلَن للتلاميذ هو مسيح يسير "في الطريق". وهذا الطريق هو في الوقت عينه طريق تاريخي (حدث حقاً) وسرديّ (دخل في سرد وخبر) وكرستولوجي (هو طريق يسوع المسيح) ورمزيّ بمعنى أنه يبقى طريق يسوع في هذا العالم حتى نهاية الأزمنة: هو لا يقود إلى النجاح، بل هو طريق صعب لا يُفهم، وهو مهدّد في جذوره. هذا الطريق هو الذي يقود إلى أورشليم وإلى الصليب. وهذا المسيح هو ذاك الذي يُدعى التلاميذ للاعتراف به والتبشير، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، الا إذا انضموا إلى يسوع في طريقه وتبعوه في مسيرته. فيسوع غير موجود في موضع آخر (إن قالوا لكم هو هنا أو هناك فلا تصدّقوا)، وليس للايمان موضع آخر فيه يعبّر عن أمانته.
أما اتّباع يسوع الذي يشكّل كيان التلميذ، فقد وُضع تحت راية الصليب، وهو يتضمّن انقطاعًا جذريًا بين ما يتوق اليه الانسان الطبيعيّ وما يقدّمه له المسيح. وهذا الاتّباع يحرّك اللافهم عند الآخرين. فبحسب الانجيل، إن أراد التلميذ أن يخلّص حياته وجب عليه أن يهلكها (8: 34-38). ومن أراد أن يكون الأول وجب عليه أن يكون آخر الجميع وخادمهم (9: 35؛ 10: 43). ومن أراد أن يعترف بالمسيح، وجب عليه أن يسير في عكس السير، ضدّ يقينات هذا العالم وقيَمه (8: 38). فمصير التلميذ لا يختلف عن مصير المعلّم. والايمان لا يستطيع أن يعفي نفسه من الاتضاع والضعف والألم.
ج- نقل الكلمة ولاهوت الصليب
لقد أوضح ف 4 (حول الامثال) مصير ملكوت الله والكارزين به وسط البشر. فالتماسك العميق لمشروع مرقس اللاهوتيّ لا يمكن إلاّ أن يلفت انتباهنا. فما قيل عن المسيح ثمّ عن تلاميذه، لا بدّ من أن يؤثّر في كلام الانجيلي حين نقل انجيله. ونحن نكتفي هنا بنظرة سريعة إلى بعض الامثال. 
فمثل الزارع (3:4-8) يستند إلى التعارض بين عمل الفلاّح الذي صار تعبه باطلاً وبدون جدوى بعد أن ضاع الزرع، وبين حقل نضج فيه الزرع، وحيث كان وفرُ الحصاد صورة عن التتمّة الاسكاتولوجية. فمرمى المقطع يتحدّد في هذا التعارض بين نشاط الزارع الذي يبدو عقيمًا والنتائج التي وصل اليها. وهذا التعارض يبيّن أن الكرازة بالكلمة بفم يسوع أولاً ثم بفم التلاميذ، يتمّ في الفشل واللافهم والمقاومة. وأن الكفالة الوحيدة للشاهد المرسل هو الله الذي يأتي.
ومثَل حبّة الحردل (4: 30- 32) مبنيّ أيضاً على تعارض. تعارض بين حبّة الخردل التي هي صورة مشهورة عن الصغر، وشجرة عظيمة بالغة. أما مرمى المثل فيوجّه انتباهنا إلى المفارقة الخاصّة بمجيء الملكوت. ليس هناك من تناسب بين إعلان صعب وعقيم للملكوت وسط البشر، والتتمّة العتيدة.
ومثَل الزرع الذي ينمو وحده (4: 26-29) يصوّر هو أيضاً التعارض بين نموّ لا يقاومه شيء، وفلاّح لا يفعل شيئًا. ومرمى المقطوعة هو أن الكارز بالملكوت ليس سيّد الملكوت. فمصير الملكوت هو في يد الله وحده. أما التلميذ فهو في خدمة مشروع يُفلت منه ولا يستطيع أن يسيطر عليه بشكل من الأشكال.
إن نظرية الامثال (4: 10-13، 33-34) تستعيد ذات الموضوع وتتوسّع فيه. وهي تجسّد واقعًا مدهشًا: فمع أن لغة الامثال لغة واضحة، إلاّ أن الاستماع إليها يقسم الناس فئتين. بعضهم يتقبّلون معرفة سرّ الملكوت. وآخرون لا يرون فيه إلاّ لغزًا. لماذا هذه الأزمة؟ لأن تعليم يسوع الذي سيستعيده التلاميذ فيما بعد، يخلق فجوة وعدم تواصل بين ما ينتظره الانسان ويرغب فيه، وما يناله. وهذا التعليم لا يمكن أن يقود إلى طرح سؤال ينزع عنّا طمأنينة نتعلّق بها. في هذا المعنى قال أحد الشرّاح: "يعطي المسيح ذاته حين يتفلّت من قبضة الانسان. وحين يتفلّت يعطي ذاته حسب حقيقته".
أجل، لا ينتقل الانجيل إلى الناس إلا في اللاتواصل والمسافة والقطيعة. من هذا القبيل، يُرفض له النجاح المباشر والسريع. والحصّة المحفوظة له هي المواجهة والمقاومة، وعدم الفاعليّة الظاهرة وبعض المرّات الفشل. إن الكرازة بالكلمة هي أيضًا "في الطريق"، أي تحت راية الصليب. لم تصل بعد إلى غايتها. لم تصل إلى القيامة.

2- انجيل متّى
أ- كرستولوجيّة المعلّم
من هو المسيح المتّاويّ؟ وفي أي ألفاظ عبّر صاحب الانجيل الأول عن الحدث المسيحاوي وفسّره؟ هناك ثلاث مقطوعات مفاتيح تتيح لنا أن نكتشف المشروع الكرستولوجي في مت 28: 16- 20؛ 5: 17- 20؛ 11: 25- 30.
إن "البلاغ" (28: 16-20) الذي يختتم الانجيل، يحدّد بشكل من الاشكال هدفه الأساسي. ففي آخر تعليم أعطاه المسيح لأخصَّائه بعد أن جلوس في كرامته الاسكاتولوجيّة، فتح الباب أمام الحقبة البعد فصحيّة. فسلطته كربّ (كيريوس) تتيح له أن يحدّد زمن الكنيسة (آ 18 ب). والمشروع الذي حُدّد للجماعة المؤمنة هو رسالة تشمل الكون. وهذه الرسالة تقوم بأن تجعل كل إنسان، أية كانت حاله، في وضع التلمذة. تدعوه إلى أن يكون تلميذًا (آ 19 أ). والصيرورة المسيحيّة تتحدّد بالعماد (آ 19 ب) وبحفظ الوصايا التي أعطاها يسوع حين كان على الأرض (آ 20 أ). وإن نفّذ الرسل هذا الأمر نعموا بعون ناشط من لدن العليّ (آ 20 ب). إن أصالة متّى في هذا المقطع الرئيسي، هي في التأكيد على أنّ القائم من الموت قد بُشّر به منذ الساعة التي فيها يذكر تعليمه الأرضي. إن ايمان التلميذ يتوجّه إلى يسوع المعلّم، لا يسوع المصلوب كما في مر.
فما هو مضمون تعليم يسوع الأرضي؟ هو ما يعلنه 17:5-20: فخدمة المسيح تكمن أولاً في تفسير التّوراة على ضوء نهاية الأزمنة. وهذا الاعلان النهائي لمشيئة الله، يفتح زمناً جديداً في تاريخ البشر، زمناً له قيمته حتى النهاية. زمن القرار تجاه البرّ الجديد الذي علّمه يسوع المعلّم الاسكاتولوجي. ففي نظر متّى، يبدو تعليم يسوع الأرضيّ ذاك الذي ما زالت الكنيسة تنشره وتمارسه.
ويتيح لنا 11: 25-30 أن نخطو خطوة أخيرة. فنداء المخلّص (28:11- 30) يجعل في منظار متاوي مميّز "نشيد التهليل" (25:11-27). إن المسيح المتَّاويّ يتماهى مع الحكمة كما نرى في التقليد التوراتيّ اليهوديّ. هو لا يعلن فقط حكمة الله، بل هو تجسيد لحكمة الله. ولا ننسى أن الحكمة والتّوراة (في المعنى الحصري) لا ينفصلان. وهكذا كانت نيّة المدوّن واضحة: أن يشدّد على أن حياة يسوع الأرضيّ هي مشيئة الله كما قدّمت وظهرت وسط البشر، في كل نشاطه، وفي طاعته بالقول والعمل. وهكذا تحاول الكرستولوجيا المتّاوية ان تبيّن، وإن بشكل هجوميّ، أن المسيح هو توراة الله في نهاية الازمنة.
ب- اسرائيل والتلاميذ
كيف قُبل تعليم المسيح المتّاوي الذي ذكرنا دوره الرفيع؟ ومن قَبله؟ وبعبارة أخرى، في أيّ نمط إكليزيولوجيّ تصل بنا الكرستولوجيا المتّاويّة؟ هنا ننطلق من معارضة مفتاح تعبُر في الانجيل كله. وهذا التعارض يجعل التلاميذ واسرائيل وجهاً لوجه. التلاميذ الذين يشكّلون بوضوح الكنيسة (إكلاسيا، 16: 18؛ 18: 18) ويتحدّدون كأولئك الذين يقبلون تعليم يسوع. واسرائيل الذي هو تعبير عن الرّفض والذي سيصير النموذج المعاكسة للكنيسة.
ونتوقّف أولاً عند صورة التلاميذ. ليسوا فقط في متّى رفاق يسوع خلال حياته التاريخيّة على الأرض. بل النموذج الذي فيه تكتشف جماعةُ الانجيلي نفسها (28: 19 أ). من هذا القبيل يصبح "ماتيتيس" (التلميذ) مدلولاً إكليزيولوجيًا. في الأساس، يتحدّد التلاميذ كأولئك الذين يسمعون كلمة المسيح (13: 16). كالذين يعترفون بابن الله (14: 33). كالذين يفهمون (13: 51؛ 16: 12؛ 13:17). لقد زالت اللافهم الذي يميّز الاثني عشر عند مرقس. والخط الفاصل بين التلاميذ وسائر البشر هو خطّ مطلق. والأزمة التي تهدّد حياة التلميذ هي قلّة الايمان (اوليغوبستيا).
ونتوقّف ثانيًا عند صورة اسرائيل. فالازمة التي يمرّ فيها الانجيل الأول هي بسيطة بحيث يسهل الاحاطة بها. فالمسيح هو أساسًا الماسيا، مسيح اسرائيل (15: 24؛ رج 10: 5-6). ومع ذلك فالذين أرسل اليهم رفضوه. وهذا الرفض لم يكن فقط عمل الرؤساء، بل هو رفض عام (27: 25 حيث القرار الاخير للشعب يبدو سلبيًا). إنه يكشف خطيئة اسرائيل (13: 12-13) ويسبّب الحكم عليه وينتهي في دعوة الأمم الوثنية. ولكن اسرائيل ظلّ اسرائيل حتى في رفضه. لم يؤخذ منه الاختيار. ولكن هذا الاختيار اتّخذ منحى سلبيًا. لم تتنكّر البشارة لألقابه المجيدة. ولكن هذه الالقاب ارتدت منذ الآن مفهومًا زريًا. كانت الكنيسة اسرائيل الجديد واسرائيل الحقيقيّ. ولكن سيقول لنا مثل الكرّامين القتلة إنها قد صارت شعبًا آخر يدخل فيه اليهود والوثنيون على السواء. فالكنيسة في نظر متّى تتكوّن على أساس دعوة تلقّتها وهي لا تمتلك أي امتياز.
ما هي العلاقة بين إسرائيل والكنيسة؟ إن الدينونة القاسية التي ضربت اسرائيل فكانت علامتُها سقوط أورشليم ودمار الهيكل سنة 70، ولّدت وضعاً جديداً هو تكوين الشعب الجديد. غير أن هذه الدينونة لا يمكن أن تكون للكنيسة موضوع كبرياء، كما لا يمكن أن تخلق عندها عاطفة طمأنينة مبنيّة على الوهم. فإن ف 21-25 تدلّ على أن المصير الذي أصاب اسرائيل هو تنبيه واضح يوجَّه إلى أعضاء الجماعة. وكما أن الشعب المختار رُذل بسبب لا أمانته، هكذا يحصل للمؤمنين الذين لا يحملون ثمراً. فالكنيسة حسب متّى هي مزيج (من الأشرار والأخيار) يسير نحو الدينونة (22: 1- 14). وجماعة المدعوين، أي الكنيسة في واقعها التاريخي، لا تتماهى مع جماعة المختارين، مع شعب الله في نهاية الزمن. ففيها الحنطة والزؤان. وفيها الجيّد والرديء. وفي النهاية يختار الله الذين هم له، ويُلقى الآخرون في الظلمة البرّانيّة حيث البكاء وصريف الاسنان.
ج- رسالة الكنيسة
كيف تنقل الكنيسة تعليمها وهي التي تكوّنت حين قبلت تعليم المسيح وخضعت له؟ إن خطبة إرسال الاثني عشر (ف 10) تعطينا الجواب، لأنها تكوّنت في إطار بعد فصحي، فدّلت على المهمّة والمصير اللذين يعودان إلى الذي يشهد للمسيح. إن آ 1، 7، 8 تدلّ على أن التلاميذ صاروا في كل معنى الكلمة معاونين ليسوع. أعطيت لهم ذات المهمة وهي إعلان مجيء الملكوت وشفاء المرضى. وقد قاموا بها في الظروف عينها، فنالوا المواهب التي تؤهّلهم لذلك، وأعلنوا البشارة عينها. التزم هؤلاء المرسلون بعد الفصح والقيامة في ذات الرسالة، ونعموا بالسلطان الذي نعم به معلمهم، فكان مصيرُهم كمصيره: كانوا ضحيّة بغض البشر، فعرفوا الاضطهاد والألم (10: 17 ي). "ليس تلميذ أفضل من معلمه، ولا عبد أفضل من سيّده. حسب التلميذ أن يكون مثل معلمه والعبد مثل سيّده. اذا كانوا سموّا ربّ البيت بعل زبول، فكم بالاحرى أهل بيته" (10: 24-25)!
هذا المنظار الذي نستشفّه في ف 10، قد يبدو جزئياً ولا يحيط بكامل نظرة متّى. غير أن مقطع عظة الجبل الذي يعالج دعوة المسيحيّ إلى الشهادة (5: 11-16) يثبت الوجهة التي أشرنا اليها. فبنية المقطوعة مثلّثة: تطويبة قيلت في السامعين (آ 11-12). وظيفة جديدة أعطيت لهم (آ 12-15). رسالة عيّنت لهم (آ 16). فالنقطة المهمّة في هذا التسلسل هي أن التلميذ عليه أن يكون "ملح الأرض" و"نور العالم" وإلاّ تنكّر لذاته. ولكنّه سيكون (مُنحت له سعادة عن طريق المفارقة، سعادة يرافقها الاضطهاد) على صورة أنبياء العهد القديم. سيكون معرّضًا للهزء والتعيير والاضطهاد. فالألم الذي يرافق الشهادة، أمرٌ لا مهرب منه. ويستعيد متّى للمرة الأخيرة هذا الموضوع في مقاطع تعالج اتّباع يسوع. فنداء التلاميذ (18:4-22) يبيّن لنا أن الاتّباع يفترض التزامًا لا مشروطاً يمرّ قبل الرباطات العائليّة والاجتماعيّة والوظيفيّة. ولكن إن تعمّقنا بعد، وجدنا أن لا اتّباع إلاّ اذا كان هناك "شخص" يسير أمام التلميذ وإذا كان التلميذ يتبع ذاك الذي يسبقه في كل مسيرته. ولكن ما معنى اتّباع مفسّر التوراة في نهاية الزمن، اتّباع مشيئة الله المتجسدّة؟ الجواب المتّاويّ جاء لاذعًا: إن اتّباع المعلّم يعني أن نكون مثله مع آخري هذا العالم. أن نترك كل طمأنينة. فاتباع المسيح يقود إلى الخطر، إلى الغرق، كما في خبر العاصفة (8: 18-27) في وجهه السرديّ والرمزيّ، وفي مسيرة يسوع على المياه لملاقاة بطرس الذي كاد يغرق (14: 22-33). ففي قلب هذه المحنة، يُدعى التلميذ لكي يعيش ايمانه، متطلّعًا في الوقت عينه إلى ضعفه والى العون الذي يمنحه إياه الرب مساعدة له.

3- كتاب لوقا
أ- الاشكالية في لوقا
إن العمل اللوقاويّ بمجمله هو لاهوت الإقامة في التاريخ. فمع الجيل المسيحي الذي عاش في نهاية القرن الأول، اهتمّ لوقا بمسألتين. الأولى تعالج العلاقة بين الماضي وحاضر الكنيسة: كيف يبقى المؤمن معلّقًا بتاريخ يسوع الأرضي الذي صار في الماضي البعيد؟ وهذا الوعي بأن حياة يسوع تنتمي إلى الماضي، واضح جدًا في سفر الأعمال الذي يدلّ على المدى الزمني الذي جرى منذ انطلاق المسيح وصعوده إلى السماء. والمسألة الثانية تُعنى بالمستقبل: كيف يواجه المؤمن المستقبل مع أن المجيء الثاني الذي ترجّاه يتأخّر ولا يأتي؟ هذا الوعي لتأخّر المجيء نجده أيضًا في سفر الأعمال بقدر ما يؤكّد هذا الكتاب بأن التاريخ يتواصل بعد صعود المسيح وانطلاقه إلى السماء.
إن وضع ومدلول الزمن الحاضر الذي هو زمن الكنيسة، يرتبطان بالحلّ الذي يقدّمه لوقا لهاتين المسألتين. كيف يعيش المؤمن الحاضر الذي يبتعد شيئًا فشيئاً في ماض يستلهمه دون أن تحركه النهاية؟ كيف يكون المسيح حاضرًا في كنيسته رغم غيابه الظاهر؟ كيف يعبّر الله عن نفسه، وكيف يملك بعد الفصح والقيامة؟
ب- بنية تاريخ الخلاص
يبرز جوابُ لوقا في تنظيمه لتاريخ تصوّرَه بشكل خطوطيّ. فالتاريخ بمجمله هو حقل عمل الله الخلاصيّ. وهذا العمل الخلاصيّ الالهيّ ينتظم في ثلاث حقبات كبرى ترتبط بين بعضها البعض عبر وساطات. وهذه الوساطات التي نعرفها تساعدنا على الدخول إلى كل حقبة بمفردها.
الحقبة الأولى في الرسمة اللوقاويّة هي زمن اسرائيل، وهي تقابل تاريخ الله مع شعب اسرائيل. وهي تنتهي في شخص يوحنا المعمدان (لو 3: 19؛ 7: 24-28). إنه زمن الشريعة والوعد. ولا يتدخّل فيه الروح إلاّ بشكل متقطّع في شخص رجال ألهمهم الله. فالعهد القديم هو الوساطة التي تستعيد الوعد لكي يتمّ، والشريعة التي ما زالوا يعملون بها في سفر الأعمال. 
والحقبة الثانية هي زمن يسوع. هي منتصف الزمن. يبدأ زمن يسوع بحصر المعنى، مع عماده (3: 21-22)، وينتهي مع صعوده. في الواقع، يحدّد هذه الحقبةَ زمنان متوسّطان: الزمن الذي ينطلق من الميلاد إلى العماد. والزمن الذي ينطلق من القيامة الى الصعود. زمن يسوع، هو منتصف الزمن المسيحاني، زمن إعلان الملكوت وتحقيقه في أعمال يسوع. وهذه الحقبة هي في المعنى الأساسي قلب تاريخ الله مع البشر. ويبرهن على هذه الحقبة تفصيلان لهما معناهما: من لو 13:4 حتى 3:22، غاب الشيطان عن السرد الانجيلي.
وطوال ذاك "الزمن" كان يسوع المستودع التام والوحيد للروح. وحين كتب لوقا انجيله منح الكنيسة الوساطة التي تردّ لها ذاك الزمن الفريد: فبواسطة الكلمة صار المسيح المتجسّد حاضراً لدى أخصّائه إلى الأبد.
والحقبة الثالثة هي زمن الكنيسة. تبدأ مع الصعود، أو بالاحرى في العنصرة، وتمتدّ حتّى المجيء الثاني. هي تتميّز بفيض الروح على جميع المؤمنين وبمهمّة رسوليّة تشمل الكون كله. إن الوساطة التي تتيح لنا أن نكتشف ونفهم هذا الزمن الذي هو زمننا، هي عمل لوقا. فحين دوّن سفر الاعمال (وهي محاولة فريدة في العهد الجديد) أفهمنا كيف يسكن الله في التاريخ وبعد اختطاف يسوع إلى السماء، وكيف يعمل كلَّ يوم في الكنيسة.
ج- الكنيسة بحسب لوقا
نستطيع بفضل سفر الأعمال أن نتعرّف بدقة أكثر إلى ظروف جماعة المؤمنين خلال زمن الكنيسة. فالعوامل التي تكوّن الحياة المسيحيّة، هي الكرازة والأسرار والشركة الاخوية والصلاة والثبات في الاضطهاد. هذه العناصر المعروفة في كل جماعة مسيحيّة، لا ينبغي أن تخفي ظاهرة خاصة بالجزء الثاني من مؤلّف لوقا عنيت به سفر الأعمال. فالكاتب لا يقدّم لنا فقط صورة عن الكنيسة، بل صورتين.
النمط الأول نجده في الجماعة الأولى. والوجه الذي يُشرف على هذه المجموعة هو بطرس. من وجهة المؤسّسة، نرى أن الجماعة الأولى تقودها الحلقة الرسوليّة المؤّلفة من الاثني عشر. إنهم يشكّلون وساطة لا غنى عنها بين "منتصف الزمن" وزمن الكنيسة. كانوا الشهود العيان فأمّنوا تواصل الكلمة، وكفلوا سلطة التقليد. ومن الوجهة الاجتماعية والتاريخية، الجماعة الأولى هي كنيسة مسيحيّة متهوّدة قد زُرعت في أورشليم. إنها رمز التواصل الجغرافي والتاريخي في تقليد اليمان. تراعي الشريعة وتؤمُّ الهيكل. وظروف حياتها هي أيضًا نموذج لنا. فاذا أخذنا الجماعة الأولى في حطّ ذاتها وكما يصورّها لوقا، فهي تجسّد المثال المسيحي في الحبّ والسلام. وإذا تطلّعنا إلى علاقتها مع العالم، نراها تثير العداوة وتحتمل الاضطهاد.
وتدلّ جماعة الرسل (في مجمع اورشليم) والقرار الرسولي على منعطف حاسم. فالمسؤولون عن الجماعة الأولى قد وعوا أن الكنيسة تتجاوز اسرائيل التاريخيّ. والشريعة لا يمكن أن تُحفظ كلها لدى الوثنيّين المرتدّين إلى المسيحيّة. وكذلك الهيكل لم يعد موضع العبادة المميّز للمسيحيين الأمميّين الذين يعبدون الله بالروح والحق، لا على هذا الجبل ولا على ذاك. إذن، عرفت حلقة الرسل نمط جماعة ثانياً تحرّر من سلطة أورشليم. هو الجماعة المسيحية الآتية من العالم الوثنيّ. والوجه الذي يُشرف على هذه الجماعة هو بولس، المرسل المسيحي العظيم. وإن كانت الخدم لم تنظّم بعدُ كلَّ التنظيم، إلا أن الكنيسة الامميّة يحركها تياران كبيران: الرسالة الشاملة هي محور مخطّط الله. الروح يعلّم المؤمنين، ويملي السلوك الملائم، ويعطي القوة لمجابهة الاضطهاد. 
أما المسألة الاكليزيولوجيّة التي طرحها أع، فتقوم في تحديد رباط الوحدة بين الجماعة الاولى (جماعة اورشليم والنمط الاول) والكنيسة المسيحيّة الآتية من العالم الوثنيّ. ورباط الوحدة يتوضَّح في شكلين اثنين. هو أولاً تاريخي: الجماعة الأولى هي الاساس التاريخي للكنيسة المسيحيّة الامميّة. وهذه الكنيسة ليست بداية جديدة، بل توسعاً انطلق من جماعة اورشليم. ورباط الوحدة هو ثانياً لاهوتيّ. في هذا المجال تتزاوج القطيعة والتواصل بشكل له معناه. إذا كان الواقع التاريخيّ يفرض تبدّلاً في المؤسّسة وإدخال الايمان في الحياة العمليّة، فكرازة الكلمة والاحتفال بالأسرار يشكّلان النّواة الأهمّ لتماسك الكنيسة على مستوى الزمان وعلى مستوى المكان.
د- رسالة تشمل الكون
إن الموضوع الاساسيّ لسفر الأعمال (الذي يعيش زمن الكنيسة) هو نشر الكلمة. والبرهان على ذلك بنية تتوزّع الخبر وتقوم في تحقيق برنامج تحدّد في 1: 8: إعلان الكلمة في أورشليم (ف 1- 5). في اليهوديّة والسامرة (ف 2- 12) وإلى اقاصي الأرض (ف 13-28). والشخص المفتاح الذي يأخذ على عاتقه هذا البرنامج هو بولس المرسل الكبير الذي ينطلق من أورشليم فيصل إلى رومة. إذن مسيرته هي نموذج يتيح لنا أن ندرك كيف توسّع لوقا في الظروف التي أشرفت على إيصال الانجيل. في هذا المجال، بدا لوقا وكأنه يدافع عن موقع مشابه لموقع سابقيه، متّى ومرقس. هو أيضًا قد وعى تاريخية الوحي. هو أيضًا عرف أن الانجيل يسير في الضعف والفشل، أنه لا يظهر للعيون. وعرف أيضًا أن ليس من وضع يتخلّص من التوتّر والالتباس. هذا ما نحاول ان نكتشفه مبّينين أن مسيرة بولس هي مسيرة تنطلق في وجهتين.
ونبدأ فنقول من هو أعظم مرسل مسيحي. هو انسان عُرف في الماضي بأنه اضطهد الكنيسة بدون هوادة. هو يحمل في جسده كل العداوة وكل الرفض وكل العنف ضدّ المسيحيّة. وأول ظهور له في أع، هو موافقة على قتل اسطفانس. بعد ذلك سار حوله البحر المتوسط، وعُرف بأسلوبه في الرسالة: يستعمل مجامع الشتات كأرضيّة كرازته. وهنا أيضًا تتداخل قراءاتان: قد ندهش حين نرى أنه حيث يصل بولس هناك تلد كنيسة. ولكننا نستطيع أيضاً أن نلاحظ أن بولس يهرب من مجمع إلى آخر أمام عداوة يحرّكها ولا يستطيع أن يتجنّبها. حمدٌ لله بسبب العمل الذي تمّ. وانطلاق مفاجئ تحت ضغط الاضطهاد. استقبال أخويّ من جهة، وملاحقة "الشرطة" له من جهة ثانية. وكرازته بالانجيل هي أيضًا ملتبسة: يحمل تحريرًا عظيمًا من أجل الوثنيين، ولكنه يحمل خطر الموت والدمار لليهود حين يهدّد الحجر الأساس في لاهوتهم، وهو الشريعة.
ونجد الالتباس عينه حين نتطلّع إلى علاقات بولس مع الوثنيين. من جهة هو أعظم من بشّر الوثنيّين: احتل اليونان وهجم على رومة، عاصمة الامبراطورية. ومن جهة ثانية، تفشل العظتان اللتان أوردهما أع على أنهما توجّهتا إلى الوثنيّين: الخطبة في ساحة اثينة (أع 17) لا تربح ودّ الفلاسفة بل هزءهم. ونجد ذات الظاهرة في خطبة القاها بولس أمام برنيقة وأغريبا (أع 26). لا شكّ في إن الملك تكلّم بلهجة ودودة ولكنه ظلّ غير مؤمن.
إن هذه الخطبة الدفاعيّة التي ألقاها بولس أمام أغريبا، تجعلنا نكتشف واقعًا له معناه. وهو أن عرض رسالة بولس في أع ينقصه بعض التوازن. هناك أحداث توسّع فيها الكاتب وأطال، وهناك أخرى لم يذكرها بكلمة. ومن العناصر التي أخذت حصّة كبيرة في أع: مثول بولس أمام القضاة. هناك خمسة مقاطع (30:22- 23: 10؛ 24: 1-23؛ 24:24-25؛ 6:25-12؛ 26: 1-32). مهما يكن تفسير هذه الحلقة بمواضيعها، يبقى أننا نكتشف هنا كاتبًا (هو لوقا) واعيًا وعيًا عميقًا للصراع الممكن بين شهادة الانجيل والسلطات المحليّة. وقد حاول أع أن يبيّن لمؤمني عصره الموقف الواجب اتّخاذه في مثل هذا الوضع.
والمثل الاخير. كل تصميم أعمال الرسل يقوم في المسيرة من أورشليم إلى رومة. هل يصل الانجيل إلى رومة؟ في الواقع ينتهي أع بكرازة المرسل بولس في قلب العاصمة الرومانيّة. تلك هي الوجهة الأولى. أما الوجهة الثانية فهي أن بولس في رومة ليس ذاك القائد المنتصر، بل هو السجين الذي سيموت شهيدًا. ولكن إن كان مقيّدًا، فكلمة الله حرّة وهي ما زالت تتابع جريها حتى أيامنا.

خاتمة
حاولنا في هذا الفصل أن نلقي نظرة إلى الاناجيل الازائيّة الثلاثة حول علاقة الكنيسة بالايمان. انطلقنا من مرقس الذي كان إنجيله أول الأناجيل التي وصلت إلينا فاكتشفنا في كرستولوجيّة السرّ المسيحاني لاهوت الصليب، وهذا ما يجعلنا قريبين جدًا من بولس الرسول. وتوقّفنا عند "كرستولوجيّة المعلّم" في إنجيل متّى. مع كنيسة تنتقل من العهد القديم إلى العهد الجديد، من إسرائيل بقبائلها الاثنتي عشرة إلى اثني عشر رسولاً سيجلسون على اثني عشر كرسياً. وانتهينا مع لوقا الذي يربط زمن العهد القديم بزمن الكنيسة بواسطة زمن المسيح الذي هو منتصف الزمن. فزمن الكنيسة هو الإطار الذي تعيش فيه كنيسة لوقا التي وعت تأخّر عودة المسيح. ففهمت أن عليها أن تعيش الانجيل في الحياة اليوميّة، أن تحمل الصليب كل يوم، أن تمدّ فروع الرسالة إلى أبعد من إسرائيل وأرض فلسطين، أن تصل بالرسالة إلى أقاصي الأرض.
القسمُ الثّاني
المَرحَلَة الخامِسَة
سُلطَة المَلَكُوت

بعد أن أعلن يسوع ملكوت الله بأقواله وأعماله، ودلّ على ما يحمل هذا الملكوت من متطلّبات، اختار تلاميذه وأرسلهم يبشرون. وها هو يعطيهم تعليماته في ما يسمّى خطبة الارسال: أعلنوا السلام، واعرفوا أن الاضطهادات تنتظركم. ولكن تابعوا المسيرة، فمن قبلكم قبلني ومن قبلني قبل الذي أرسلني.
تتضمن هذه المرحلة الخامسة الفصول التالية:
1- خطبة الرسالة، ف 10
2- ارسال الاثني عشر. 10: 1-8
3- توجيهات من أجل الرسالة، 1: 9- 16 
4- خراف بين الذئاب، 10: 17- 25
5- لا تخافوهم، 10: 26-36
6- الاستعداد لاتباع يسوع، 10: 37-42.
الفصل الرابع
خطبة الرسالة 
ف 10

1- وضع الخطبة
يبدو هذا الفصل كخاتمة المراحل السابقة التي فيها تتوضّح وتمتدّ "سلطة" يسوع الفريدة بالأقوال (خطبة الجبل، ف 5-7) والأعمال (عشرة أقوال قوّة ليسوع، ف 8-9). وهذه السلطة ستنتقل إلى مجموعة الاثني عشر الذين سمّوا هنا فقط "رسلاً" (10: 2). لقد جمعهم يسوع ودعاهم شخصًا شخصًا، فصار لهم المرجعَ التعليميّ والمرجع الحياتيّ، وهكذا تميّز دوره الجديد عن دوره كمجترح معجزات في ف 8-9. فإلى جماعة هؤلاء المشاركين في العمل الذين اجتمعوا حوله وارتدوا سلطانه، قد أعطى يسوع تعليماته من أجل الرسالة.
غير أننا لا نجد هولاء المرسلين الاثني عشر ينطلقون إلى الرّسالة كما عند مرقس (6: 12-13) وعند لوقا (6:9). فلوقا تحدّث أيضًا عن بعثة من 72 تلميذاً (10: 1) ذهبوا إلى الرّسالة وعادوا فرحين بسبب النجاح الذي نالوه (17:10). أما عند متّى، فالتلاميذ لا يذهبون إلى الرسالة، بل يسوع نفسه: "وحصل أنه لما فرغ يسوع من إعطاء تعليماته إلى تلاميذه الاثني عشر، انتقل من هناك ليعلّم ويبشر في مدنهم" (11: 1). تستعيد خاتمة خطبة الرسالة هذه ألفاظاً عديدة هامّة قرأناها في إجمالة 9: 25 (وكان يسوع يجول، يعلّم ويكرز بإنجيل الملكوت). هذا الواقع يلفت انتباهنا، ويفرض علينا أن نفهمه حقًا في منظار إنجيل متّى: إذا كان يسوع نفسه قد انطلق إلى الرسالة، فهذا يعني أن تلاميذه ليسوا بعد مهيّأين لذلك. لم يتكونّوا بع حقاً كجماعة رسولية. وسوف نتظر القيامة وخطبة الارسال القصيرة التي تختتم الإنجيل (18:28-20) لنراهم ينطلقون بدورهم في الرسالة، وسيكونون فقط أحد عشر تلميذًا (28: 16) لا اثنا عشر بسبب تراجع واحد منهم.
تحتلّ الخطبة الثانية، خطبة الرسالة، الفصل العاشر كله. كانت الخطبة الاولى عظة الجبل (ف 5-7) قد توّجهت إلى الجموع والتلاميذ معاً (5: 1؛ 28:7). وقد ظهر التلاميذ للمرة الاولى في هذا المكان على مثال الشيوخ حول موسى على جبل سيناء. "ولما جلسَ دنا تلاميذه" (5: 1). أما خطبة الرسالة التي ندرسها الآن فتوجهّت بشكل خاص إلى التلاميذ الاثني عشر الذين ذُكرت اسماؤهم في 10: 2- 4 (سمعان، اندراوس، يعقوب، يوحنا). نجد لفظة الاثني عشر للمرّة الاولى هنا. تارة هم التلاميذ الاثنا عشر (10- 11- 1)، وتارة هم الرسل الإثنا عشر (10: 2)، وطورا هم الاثنا عشر (10: 5). ففي هؤلاء الاثني عشر، نجد جميع الذين سيصيرون شهوداً لبشارة الملكوت على خطى يسوع.
ونجد مقابلة ثانية مع عظة الجبل، هي تكرار ذات المقدمة حول نشاط يسوع (4: 25 و9: 35) مع ذكر "الجموع" التي تتراكض وتتبعه بكثرة، وهي جموع رآها يسوع قبل أن يكلّمها (5: 1؛ 36:9). يذكر 4: 25 و8: 1 "الجموع الكثيرة" التي تتبع يسوع. في خطبة الرسالة، تحرّك هذه الجموعُ الشفقةَ عند يسوع: "خراف لا راعي لها". وهي تطلب العناية والاهتمام. ولكن الرب يريد من تلاميذه أن يقاسموه هذا الاهتمام تحت نظر الآب. ولهذا دعاهم إلى أن "يصلّوا إلى ربّ الحصاد" (9: 38) ليرسل فعلة إلى حصاده.
أما اللفظة التي تدلّ على هذا الارسال، فهي تُستعمل عادةً في مت لتدلّ على طرد الشياطين: رمى خارجاً (اكبالاين). ذاك هو الوضع في 14 من أصل 28 استعمالاً لهذه الكلمة. أما في الاستعمالات الاخرى، فنحن أمام طرد عنصر رديء أو ليس في محلّه: الخشبة أو القشّة التي ننتزعها من العين (7: 4- 5)، الجموع عند رئيس المجمع (9: 25)، الباعة في الشكل (21: 22)، ما يخرج من الجوف (15: 17)، الوارث الذي يُطرد خارج الكرم (21: 39)، المدعوّ (22: 13)، العبد البطّال (25: 30) الذي يُطرد إلى الظلمة البرانيّة. ويستعمل مت ايضاً فعل "اكبالاين" عمّا يخرج من الكنز من صالح او طالح (12: 35)، جديد أو قديم (13: 52)، وفي 12: 20 مع ايصال الحقّ إلى الغلبة. كل هذا "الطرد" يشرف عليه مجيء الملكوت.
استعمل مت هنا فعل "اكبالاين" ليدلّ على الملحاحيّة التي يفرضها مجيء الملكوت. فحين وضع التلاميذ نفوسهم بين يدي الآب في صلاة ظهر معناها في الخطبة على الجبل (9:6-13)، أدركوا مجانيّة تسليمهم "سلطتهم" الرسوليّة (10: 8). إنها عطيّة الآب وتبقى كذلك حتى نهاية العالم. فمن أدرك ذلك، قدّم نفسه للعمل بتواضع وجرأة (إذن، اسألوا، 9: 38).
يسوع هو إسرائيل الحقيقيّ، والبرّ التام (3: 18). لهذا فجماعة التلاميذ تحدّد نفسها بدورها كجسد إسرائيل الحقيقيّ. فأسباط إسرائيل الاثني عشر التي حملت أسماء أبناء يعقوب الاثني عشر، كوّنوا جماعة العهد وهم حاضرون في سيناء (خر 24: 4؛ تث 1: 23؛ يش 3: 12، 4: 2). فعددهم هو رقم مقدّس يرتبط بالخدمة العباديّة على مدى أشهر السنة الاثني عشر. وهكذا كان الرسل اثني عشر.
جماعة التلاميذ هي إسرائيل الحقيقيّ بقدر ما دُعيت لتكون مثل معلّمها (10: 24)، وارتدت سلطة ربّها (وإن عارضها الناس) لتقول ذات الكلمة (10: 7= 4: 17)، لتقوم بذات الأعمال (10: 1، 6، 8= 4: 23؛ 9: 25) من أجل ذات "الخراف الضالّة من بيت إسرائيل" (10: 6= 15: 24). إذا أردنا أن نفهم خطبة الرسالة، نحدّد معنى هذه العبارة الاخيرة (الخراف الضالة...).


2- بنية خطبة الرسالة
حين نقابل خطبة متّى مع ما يوازيها في مرقس (7:6-13) ولوقا (3:9-6؛ 10: 2-16)، حيث نجد معظم عناصر مت ما عدا آ 5-8، ندرك إدراكًا أفضل أصالة الانجيل الاول في ترتيب مواده. نحن أمام بناء محكم لمعطيات متشعّبة تعود إلى تقاليد مختلفة. هل نستطيع أن نحدّد ببعض الدقّة بنية متّى هذه؟
هناك خصائص تلفت النظر حالاً. أولاً، عودة العبارة "الحق أقول لكم" (10: 15، 23-42) والتي نجدها أيضًا في عظة الجبل (18:5، 26؛ 6: 2، 5، 16)، وبمناسبة الحديث عن دهشة يسوع أمام إيمان قائد المئة (8: 10): "الحق أقول لكم. لم أجد مثل هذا الايمان...". استعمل لوقا هذه العبارة مرّة واحدة بدون "الحق" (10: 12). واستعاد مرقس العبارة عينها في سياق مختلف (9: 14: فالحق أقول، إنه لا يضيع أجره). بالإضافة إلى ذلك، استعمل متّى عبارة "ما أقوله لكم" (27:10) حيث يكتب لوقا: "ما تقولون" (3:12) في مقطع يتحدّث عن الاعتراف بالمسيح أو إنكاره بشكل نهائي. إن اعلان يسوع هذا الذي يبدأ خاتمة وحدات صغيرة، يترافق عند متّى مع ذكر يوم الدينونة أو يوم مجيء ابن الانسان. ومع تكرار هذا الاعلان ثلاث مرات في الخطبة، نلاحظ أيضاً مرّتين موضوع السلام المرتبط بالاستقبال الذي يلقاه التلاميذ (10: 12-14؛ 10: 34-42)، وموضوع الاضطهاد الذي يجب أن ينتظروه (10: 17-27) دون أن يخافوه (10: 26- 31). كل هذه العناصر تتيح لنا أن نبرز الايتين المركزيّتين (10: 24-25) اللتين تشدّدان على ضرورة التوافق بين العبد وسيّده، بين التلميذ ومعلّمه.
وهكذا ترتسم بنية دائرية نقدّمها على الشكل التالي:
* خاتمة بشكل انتقالة: يسوع يجول في المدن (9: 35-38).
نداء وارسال الاثني عشر (10: 1-5 أ).
أ- إعلان السلام ودينونة المدن التي لا تستقبل المرسَلين (10: 5 ب- 15).
ب- وعد بالاضطهاد ومجيء ابن الانسان (10: 16-23).
ج- توافق بين التلميذ ومعلّمه، بين العبد وسيّده (10: 24- 25).
ب ب- اضطهاد لا نخاف منه، وثقة لدى الآب (10: 26-33).
أ أ- السلام أو السيف، وأجر استقبال المرسَلين (10: 34- 42).
* خاتمة بشكل انتقالة: بعد أن أعطى يسوع وصاياه للاثني عشر
أخذ يعلّم ويبشر في المدن (11: 1).
ونزيد على هذه اللوحة الاجمالية، تأكيدًا لنظرتنا، بعضَ التفاصيل التي توضح بنية النصّ: إن لفظة "سلام" (13:10 مرتين، 34 مرتين) لا تظهر إلاّ هنا في مت. والصفة "مستحقّ" (اكسيوس، 10: 10, 13.11 مرتين، 37 مرتين، 38) وفعل "قبل" (استقبل، ديخستاي، 10: 14, 40 اربع مرات، 41) يشدّدان على التقابل بين أ وأأ. أما موضوع الاضطهاد مع ذكر "الموت" (تناتوس، 10: 21 مرتين، ابوكتايناي، 10: 28 مرتين)، و"الاهتمام" (مار منان، 10: 19) أو "المخاوف" (فوبايستاي، 10: 26- 28 مرتين، 31)، و"البشر" (10: 17، 32، 33)، والله (10: 20، 29، 32، 33)، كل هذا يُبرز التوافق بين ب وب ب. حينئذ يبدو المحور ج (10: 24-25) بوضوح تام. فهو يكشف موقع الخطبة: فالتلميذ يرتبط بمعلمه، والعبدُ بسيّده. إن آ 24-25 تبرزان لفظة "تلميذ" التي نقرأها في بداية الفصل العاشر (آ 1) وتعود في 11: 1 بشكل تضمين. كما نجد "تلميذ" في 42:10 (على أنه تلميذ) من دون "الاثني عشر". غير أن هناك مسيرة من البداية إلى النهاية. ننتقل من "الاثني عشر رسولاً"، إلى التلاميذ بشكل عام. هذا يعني أن ترتيب الخطبة ليس ترتيبًا جامدًا، بل هناك تطوّر لا بد لنا من توضيحه الآن.
إن البنية الدائرية تبُرز العلاقة الفريدة التي تربط التلميذ المرسل إلى المعلّم الذي يرسل (المرسل). وهكذا تتأسسّ جذريّة الالتزام الرسوليّ. فيسوع الذي هو "سيّد البيت" (ربّ البيت) (25:10) يدعو تلاميذه، يدعو أهل بيته (10: 25-36)، ليتشبّهوا به رغم قوى الشرّ التي تهاجم من داخل "البيت" كما من خارجه. فسلطته صارت سلطتهم، ورسالته صارت رسالتهم، ومصيره صار مصيرهم، مع اختلاف جوهريّ يقول إن وجودهم ومصيرهم يرتبطان بمبادرة يسوع الذي فيه صار ملكوت الله قريبًا. هذا الارتباط الاساسيّ يعطي أهمية كبرى للعبارة التي يكرّرها متّى ثلاث مرّات في خطبته: "من أجلي" (10: 18، 29)، "من أجل اسمي" (10: 22).
وهذه البنية الدائرية توضح في الوقت عينه الاقطاب الثلاثة الكبرى التي تعطي الخطبة ديناميّتها الخاصة:
* شموليّة الرسالة وواقع إسرائيل. نجد هذا الموضوع بشكل خاص في أ وأأ.
* مجانية الرسالة وتشبّه التلميذ بمعلّمه، في قلب الخطبة، في ج.
* الجذريّة الاسكاتولوجيّة للرسالة وآنيّتها. يُطرح هذا الموضوع بشكل خاص في ب وب ب.
وهكذا تظهر ثلاث وجهات في هذا التأليف المتّاوي: الوجهة الاسكاتولوجيّة والتشديد على نهاية العالم. الوجهة الكرستولوجيّة والتشديد على شخص يسوع المسيح. الوجهة الاكليزيولوجية والتشديد على وجه الكنيسة. كل من هذه الوجهات حاضر في كل الخطبة، وإن شدّد هذا القسم على هذه الوجهة، وذاك القسم على تلك. غير أننا نكتشف في خطبة الرسالة، حركة عامة تنطلق من الوجهة الكنسيّة إلى الوجهة الاسكاتولوجيّة مرورًا بالوجهة الكرستولوجيّة. تلك هي المواضيع الثلاثة التي نعالجها في ما يلي.

3- تحليل خطبة الرسالة
أ- شموليّة الرسالة وواقع اسرائيل
ويُطرح سؤالا أول: إلى من أرسل التلاميذ؟ كيف نفهم توصية يسوع لهم: "اذهبوا بالاحرى إلى الخراف الضالة من بيت إسرائل (10: 6)؟ كيف نفهم معارضته لمحاولة اتخاذ "طريق الامم" أو "الدخول في مدينة للسامرين" (10: 5)؟ يبدو للوهلة الاولى أنّ لا تماسك في نصّ متّى. فقد رأينا رسالة يسوع التي انحصرت أولاً في الجليل (4: 23) تنفتح على جميع المدن والقرى (9: 35)، مع ذكر "في مجامعهم"، وصولاً إلى الوثنيين مثل قائد المئة (8: 5- 13)، ومتشيطن (فيه شيطان) الجداريّين في المدن العشر أو الدكابوليس (8: 28-34) الذين عرفوا قدرة كلمته. إذن، توجَّه يسوع أيضًا إلى الوثنيين. وإذا تابعنا قراءة الخطبة، نجد أن يسوع يدعو التلاميذ لكي يحذروا "الناس" (17:10) دون أن يحدّد هويّة هؤلاء الناس (هم من اليهود أم من الوثنيين). أما إعلان الشهادة التي سيشهدون بها أمام "الحكام والملوك"، "من أجل الأمم" (18:10) فتوسّعٌ في المعنى الذي بدأ حصريًا، ليتجاوز الرسالة أرض إسرائيل.
وهذا ما يدفعنا إلى أن نحدّد مدلول لفظة "إسرائيل" عند مت، وهي ترد 12 مرّة في انجيله. المعنى الأول والطبيعي هو المعنى الاثني والجغرافي: شعب كوّنه العهد في البريّة، وفي أرض الميعاد التي امتلكوها (2: 6، 20، 21). ويرتبط معنى ثان بهذا المعنى الأول: إسرائيل هو الشعب المقدّس (أي المكرّس لله)، موضوع اختيار الله وقصده. هذا المعنى الاسكاتولوجيّ يتجاوز التاريخ فيصل بشكل أو بآخر إلى جميع الذين يرون في يسوع تتمّة مشيئة الله الخلاصية (28:19). وأخيرًا، يقول لنا متّى (2: 15) إن يسوع نفسه دُعي اسرائيل لأنه يؤسّس في شخصه الجماعة الكنسيّة التي ما زال يحييها بحضوره كقائم من الموت (28: 19-20). نستطيع أن نستعيد ذكر اسرائيل (12 مرّة) في إنجيل متّى، فنبيّن كيف تنتظم هذه المعاني. يكفي هنا أن نشدّد على التدرّج المتصاعد في آ 5-6: طريق، مدينة، خراف. فالنص يهتمّ بالاشخاص أكثر مما يهتّم بالمساحة الجغرافيّة.
حاول عدد من الشرّاح أن يكتشفوا في التقليد الانجيليّ آثارًا لهذا التطوّر اللاهوتيّ عبر تاريخ الجماعات. ونسب بعضُهم كلمات يسوع (ولا سيما 10: 5-8؛ 28: 19) إلى المدوّن المتّاوي الذي ارتكز على طريقة عمل المرسلين في أيامه على مثال بولس الذي توجّه أولاً إلى اليهود ثم إلى المسيحيين (أع 28: 23-28). أما البعض الآخر، فأعاد هذه الكلمات إلى يسوع الذي منع تلاميذه خلال حياته من إعلان الانجيل على الوثنيين، بانتظار اندماجهم في شعب الله كعمل اسكاتولوجي تقوم به قدرة الآب. وحين وعى المسيحيون أن قيامة يسوع دشنّت الحقبة الاسكاتولوجيّة، توجهوا إلى الوثنيين في منظار اتسع شيئًا فشيئًا فشمل المسكونة كلها.
مهما يكن من أمر هذا النضوج التاريخيّ المعقول، نستطيع القول إن كاتب الانجيل الاول، سبق له وقدّم شميلة لاهوتيّة. وإن لفظة "اسرائيل" دلّت عنده لا على شعب الاختيار والعهد وحسب، بل على التتمة الاسكاتولوجيّة والآنيّة في يسوع وفي جماعته التي هي في ذاتها شاملة. إذن، دلّت عبارة "بيت اسرائيل" على الشعب الذي ورث العهد والمواعيد، والذي إليه أرسل يسوعُ تلاميذه، موسّعًا نظرته لتضمّ جميع الذين سيصيرون فيه اسرائيل الحقيقيّ. إذن يتحدّد البشر بالنسبة إلى يسوع، لا بالنظر إلى أمانتهم لشعب جغرافي. عندئذ، جميع الذين لم يكتشفوا في يسوع مفتاح حياتهم الخاصة، هم "خراف ضالة من بيت اسرائيل" الذي يكوّنه يسوع في شخصه.
أما عبارة "لا تسلكوا طريقًا إلى الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة للسامريين"، فتدلّ على مستوى أول من قراءة نصّ متّى، على منع على مستوى جغرافي. وهكذا يبقى التلاميذ في أرض اليهوديّة. وهناك مستوى ثان: فحين نتجنّب طريقًا، فنحن نتجنَّب طريقة حياة وعمل وحضور. وحين نبتعد عن مدينة، نبتعد عن طريقة عيش مشتركة. مثل هذا الطريق وهذه المدينة يعارضان اسرائيل الحقيقيّ، يعارضان يسوع. فمن رفض أن يستقبل ملكوت السماوات الذي اقترب في يسوع (17:10؛ رج 10: 14)، يكون وكأنه سلك طريق الأمم وتوجّه إلى مدينة السامرييّن. يعني بعبارة أخرى، أنه تعبّد في قلبه لأصنام محرّمة في اسرائيل (6: 7؛ رج تث 7: 1-8).
إن يسوع الذي هو اسرائيل الحقيقيّ، لأن فيه تجسّدت كل كلمات العهد القديم، قد بدأ رسالته في التاريخ، فوجّه أولاً كلامه إلى شعب الوعد، وضمَّ إليه تلاميذ. وتوسّعت مهمّته، أوسع من حياة بشريّة عاديّة، فصار بقيامته الشعب المقدّس السائر إلى الملكوت. فشعب اسرائيل قد توسّع وسع البشريّة كلها حين اكتشف كماله في يسوع. وهكذا يكون عمل يسوع الرسولي على طرق اسرائيل نموذج كل عمل رسوليّ.
نحن نبحث عن مبدأ تفسير هذه الخطبة في الطابع الاسكاتولوجيّ للرسالة. وهذا واضح في آ 15، 23، 32، 33، 42 التي تتوزعّ المجموعات الأربع (أ- ب وأأ- ب ب) التي تحيط بالآيتين المركزيتين (10: 24). وهذه النظرة تستبعد تفسيرًا حرفيًا وقراءة للنص شبيهة بقراءة تقرير "صحفي". قراءة تحصر في الزمان والمكان معنى لفظة "اسرائيل". فنحن لن ننتهي أبدًا من التجوال في مدن اسرائيل (23:10) على خطى يسوع (9: 35؛ 11: 1) ما دام ابن الانسان لم يُنه مجيئه. إذن الرسالة شاملة مسكونية، ولكنها تتبع بالضرورة مسيرةً أرضيّة وتاريخيّة.
أما تكوين مجموعة الاثني عشر، فيسير في النمط عينه: إنهم يمثّلون الاسباط الاثني عشر في شعب الله، أي كل اسرائيل النهائي الذي به أدرك خلاصُ الله جميعَ البشر. نتذكّر هنا أن خطبة متّى تقابل التوصيات التي أعطاها يسوع في لوقا (10: 1-12) للاثنين وسبعين تلميذًا الذين يمثّلون جميع الأمم الوثنيّة. وسيطلب من الاثني عشر أن يدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر (28:19). فإن كان لهؤلاء الناس من اسم فهو يرتبط باسم يسوع. هـان كانت لهم رسالة فهي ترتبط برسالة يسوع. فما هو شامل يمرّ عبر ما هو تاريخيّ، لأنه ملموس، لأنه يتسجّل في تاريخ واقعيّ.
في نظرة متّى، لا تستطيع الشموليّة أن تعبّر عن نفسها إلا بواسطة لفظة اسرائيل: فرسالة يسوع قد انطلقت من اسرائيل فوصلت إلى جميع الأمم. وقد وصلت إلى سورية (أي سورية ولبنان وفلسطين) شهرته، فجاء الناس إليه من كل مكان (4: 24). وحقلُ عمله العادي هو الجليل، غير أن متّى شدّد في خطّ أشعيا على أن هذا الجليل هو "جليل الأمم" (15:4). ونقول الشيء عينه عن عبد الله المتألم (أش 53: 11-12) الذي رأى متّى كماله في شخص يسوع (17:8؛ 17:12- 21). إنّ حصريّة آ 5 (لا تسلكوا طريقًا...) تُفهم على ضوء آ 14 (وإن لم تُقبلوا... إن لم يستقبلوكم). فلا حدود للرسالة إلاّ رفض الناس أن يتقبّلوا في شخص يسوع ملكوت السماوات.
وهكذا لا يكون بُعد الرسالة محصورًا، ولا يُفهم عن طريق الاستعارة. إنه مطلق وشامل. مطلق لان يسوع قد أعطى حقًا كل سلطته إلى الاثني عشر، وبهم إلى جميع التلاميذ الذين سيأتون بعدهم. وشامل لأن الاثني عشر الذين اختارهم لن يكملوا مدن اسرائيل الحقيقيّ (23:10): سيبقى هناك أناس يحتاجون إلى أن نقودهم إلى الراعي الحقيقيّ الوحيد (حز 34: 23-24). أجل، لن تنتهي الرسالة ما زال هناك بغض بين الاخوة (10: 21)، ما زالت هناك اضطهادات من أجل يسوع (10: 22). فنموّ الملكوت حتى المجيء النهائي لابن الانسان، هو الذي يدين البشر على استقبالهم ليسوع (10: 15، 40-42؛ رج 31:25-46).
ب- مجانيّة الرسالة وتشبّه التلميذ بمعلمه
إن موضوع المجانيّة الذي دلّ الله عليه باهتمامه وحنانه وحبّه، قد ظهر منذ بداية الخطبة، خطبة الرسالة (9: 35-38). تحرّكت أحشاء يسوع كالأمّ تجاه أولادها. كانت عاطفته كعاطفة الله من أجل شعبه (رج إر 31: 20؛ أش 54: 7) حين رأى الجموع الضالّة كخراف لا راعي لها. كما صلّى موسى إلى الرب ليعطي جماعته رجلاً يحافظ على تماسكها (عد 27: 16-17)، كذلك دعا يسوع تلاميذه ليصلّوا إلى ربّ الحصاّد ليرسل عملة إلى حصاده. فالمناسبة تعود إلى الربّ وعلى التلميذ أن يقدّم نفسه "للجنديّة"، أي أن يقدّم نفسه للربّ الذي يختار. ويسوع دعا تلاميذ مستعدّين، وقلّدهم سلطانه، وأعطاهم توصياته (11: 1). إذن، نال التلاميذ كل شيء مجاناً. وبهذه المجانيّة سيعطون ذواتهم لأولئك المحتاجين إلى هذه المجانيّة (10: 8). على ضوء هذه المجانيّة، نستطيع أن نفهم "الكرامة" التي تتحدث عنها آ 10-13. ففي آ 10 لسنا أمام "استحقاق" بحصر المعنى، أمام أجرة يحقّ للتلميذ أن يطالب بها، أمام "إكراميّة" يطالب بها الرسول احتراماً لشخصه أو لعمله. وفي آ 11، 13 لسنا أمام صفات بشريّة، شخصيّة أو اجتماعيّة. فالرسالة هي عطيّة: من أدرك مجانيّتها، أقرّ بها كما هي، وتقبّلها بروح مجانيّة. ومن قبل الرسول، وتعليمه، اتحد معه في تقبّل هذه العطيّة. لأن من قبل الرسول، قبلَ الآب الذي أرسل يسوع (10: 40). و"المستحق"، هو من يضع يسوع فوق كل شيء (10: 37-38) ويقبل أن يخسر حياته من أجله (10: 39). هذا هو تقبّل النعمة في جذريّته. نقبلها مهما كلّفنا ذلك. نقبلها تجاه "لا شيء" (مجانًا). نقبلها بطريقة متجرّدة.
إن ارتباط التلميذ الجذري بمعلّمه، تعبّر عنه آ 24-25 اللتين هما محور الخطبة. وهذا الارتباط يجعل الخادم يقتدي بسيّده. لهذا تصوّر مهمّة التلاميذ بالكلمات التي صوّرت مهمّة المعلّم. أرسلوا "ليشفوا كل مرضٍ وكل علّة" (10: 1= 35:9)، كي "يعلنوا أن ملكوت الله اقترب" (7:10-17:4). وهكذا استعاد التلاميذ أعمال يسوع (10: 8 هو ملّخص من 8-9) حين ساروا في المدن والقرى (10: 11، 23= 9: 35). غير أن هذا التشبّه يجب أن يمرّ في الامتحان والخبرة. لهذا لا نجد في مت 10 إشارة إلى انطلاق التلاميذ إلى الرسالة.
فعلى التلميذ أن يتألّم، شأنه شأن المعلّم. إن آ 25 تذكر الاتّهامات التي أصابت يسوع، وفي النهاية قادته إلى الموت. وأعلنت آ 17-18 المصير الذي ينتظر التلاميذ على مثال معلّمهم: "من أجلي" (10: 18). وهذا الالم هو ثمن الشهادة (10: 18) والكلمة التي تُعلن "في النور"، في وضح النهار. و"على السطوح" في العلن (27:10). ولكنهم ينعمون في ذلك الوقت بعطاء المعلّم. "فمتى أسلموكم فلا تهتمّوا لما تقولون... ما ينبغي أن تقولوه يُعطى لكم في تلك الساعة، لأنكم لستم أنتم المتكلّمين، بل روح أبيكم هو المتكلّم فيكم" (10: 19- 20). الروح هو عطيّة الآب المجانيّة. هو يلهم التلاميذ و"يحلّ عليهم" كما حلّ في العماد على الابن الحبيب (3: 16-17). والثقة التي تجعل التلميذ لا يخاف (10: 26 ,28 ,31) هي ثمرة عناية مجانيّة من الآب الذي هو رب الحصاد.
ثقة لها أساسها، لأن التلميذ هو الذي يتقبّل في الفقر والفرح، التعليمَ الذي يتجاوزه ويعلنه بكل طمأنينة على السطوح (10: 27). وهو الذي يسلّم نفسه كنعجة (أش 7:35) وسط الذئاب (16:10). هو يستحق معلّمه لانه يترك سلطة هذا المعلّم السامية تفعل عبر كلامه وعمله وحياته. والبيت الذي ينفتح لاعلان الملكوت، فيقبل التلميذ قبولاً مجانيًا، يدخل هو أيضًا في هذه المجانيّة، فيصبح بدوره "مستحقاً" السلام الذي يحمله هذا الملكوت. هذا السلام الصعب الذي يجعل السيف في قلب أعزّ العلائق البشريّة (10: 34- 39). وهكذا يُحكمُ على كل موقف، على كل حياة بشريّة، تجاه قبول هذا الملكوت أو رفضه (10: 40-42).
ج- الجذريّة الأسكاتولوجيّة للرسالة وآنيتها
تتسجّل مجانيّة الرسالة في الجذريّة الاسكاتولوجيّة للشهادة المطلوبة. وهذه الشهادة تقود التلميذ إلى التخلّي عن كل همّ يتعلق بحياته (39:10؛ رج 5: 11-12) لأن الآب هو سيّد حياته (10: 29- 31؛ رج 25:6، 32، 33).
نستطيع أن نتكلّم هنا حقًا عن جذريّة اسكاتولوجيّة في الرّسالة، لأن يسوع هو هنا. ففيه صار ملكوت الله قريبًا حقًا (7:10)، وعلامة هذا القرب هي تماهي التلميذ مع المعلم (آ 24-25) في شهادة تقوده إلى الموت (10: 16- 23، 26-31). وقبول التلميذ كعلامة لحضور الملكوت الآني في العالم، ينتمي إذن منذ الآن إلى الدينونة الاسكاتولوجيّة بمعنى أنها تتطلّب توافقًا جذريًا مع سلام الملكوت (10: 5-15، 24-42). فهذا السلام له متطلّبات تتعدّى متطلّبات التوافق بين الشعوب. بل هو يتجاوز تجاوزًا بعيدًا محاولة البشر للتفاهم والتعاضد. بل هو يتضمن العذاب لان كلمة الله سيف (10: 34-35؛ رج أش 49: 2؛ إر 8:20-9؛ عب 4: 2) تفرض عليه خيارًا حاسمًا: أن يكون للمسيح أو ضد المسيح (37:5). ولا يستطيع أحد أن يخدم سيديّن (6: 24). لا ننسى أنه حين كتب متّى إنجيله، حرّكت استمالة الجماعة المسيحية المتهوّدة، المؤمنين الجدد، حربًا قاسية داخل الشعب اليهوديّ.
وقصارى الكلام، إن حضور الملكوت في شخص يسوع، يخلق تمزّقًا في قلب العالم كما في كل جماعة مؤمنة. يخلق هوّة بين الاشخاص، لان النداء الذي أطلقه هو جذريّ على مستوى الحريّة في كل انسان.
فالخيانة والبغض والحرم المتبادل التي تحرّكها الخلافات حوله الكلمة، هي أمر عادي. فنحن مزيج من الخراف والذئاب، ما دام التماهي بين التلميذ والمعلّم لم يتمّ بعد. وموضوع الجماعة الممزقة والتي تسير رغم ذلك في طريق الملكوت، نجده في لفظة "طريق"، "مدينة"، "بيت" (منذ آ 5). فالملكوت هو "طريق"، طريق العطاء المجانيّ (9:10). وهو يقترب من كل مدينة أو قرية (10: 11؛ رج 9: 35)، من العالم الذي يتّخذ موقفًا بالنسبة إليه (10: 14- 15). وعلى كل جماعة وكل "بيت" أن يدلاّ على طريقتهما في تقبّل الكلمة (10: 12- 14). "فالبيت" الحقيقيّ ليس العيلة الطبيعيّة (10: 21). إنه بيت المعلّم والربّ المضطّهد (10: 25). وهو لا يرتبط "بمدينة"، بمساحة جغرافيّة، ولا بزمن محدّد، لأن التلاميذ لن يستطيعوا أن يُتمّوا مدن اسرائيل قبل أن يأتي الملكوت (10: 23). وموضع التجمع هو اهتمام الآب السماويّ (10: 32- 33) بأهل بيته الذين بدأوا يستقبلونه حين استقبلوا واحدًا من اخوته الصغار، فأطعموه وسقوه (10: 42؛ 25: 31- 46).
إنّ آنيّة الرسالة هي حضور في قلب العالم. هي مجيء يسوع بيننا بطابعه الحاسم والاسكاتولوجيّ، الذي يتمّ مع مجيء ابن الانسان (10: 23). والصراعات التي تجعل الاخوة يتقاتلون باسم يسوع، هي علامة سلام يتجاوزنا ويُولد في الألم عبر تاريخ حريّات البشر.


4- التفسير اللاهوتي للخطبة
إن الميزات الجوهريّة الثلاث للرسالة التي اكتشفناها في هذه الخطبة، قد تركّزت على اختيار الاثني عشر وإرسالهم. فيسوع "عبد الله" الحقيقيّ الذي كُلفّ بأن يكفر خطايانا ويضع حدًا لها بموته الفدائي، أراد أولاً أن يأخذ جزءًا من أمراضنا، بل موتنا، ولا سيّما حين شفى المرضى وأقام الموتى. وها هو قد ضّم إلى عمل الرسالة هذا الذي بدأه، الرسل الاثني عشر فجعلهم مشاركين له في سلطانه.
هؤلاء الاثنا عشر هم أناس من الشعب. ما اختارهم الله بسبب مزاياهم أو امكانيّاتهم البشريّة، بل اختارهم اختياراً مجانياً بنعمة من لدنه تعالى. ذكر متّى أسماءهم اثنين اثنين (10: 1)، وقال إن سمعان الذي سمّي بطرس هو "الاول" (10: 2). هناك أخوان أولان بحسب الجسد، سمعان واندراوس. وأخوان آخران: يعقوب ويوحنا. وميّز بين يعقوب بن زبدى ويعقوب بن حلفى. وقيل عن متّى أنه كان عشّارًا (رج 9: 9) يعتبره الفريسيون من الخطأة المعروفين (9: 10-13)، ومن الخونة للقضيّة اليهوديّة لأنه يتعامل مع العدوّ ويظلم إخوته.
هناك عشّار، وهناك غيور، سمعان القانويّ. وهناك يهوذا الاسخريوطي، رجل كريوت (يش 15: 25)، أو من أصحاب الخناجر القصيرة (سيكا). هذه الجماعة مؤلّفة من بشر. قد يعارضون، قد لا يفهمون، ولكنهم أعطوا سلطة الابن. إنهم صورة ملكوت السماوات الذي جاء يسوع يتمّه رغم تقلّبات تاريخ البشر. وستكون صعبة الطريق التي يتّخذونها لكي يحملوا الرسالة التي كُلِّفوا بها. لهذا ربطهم يسوع بشخصه (10-24-25)، ودعاهم إلى الاقتداء به بشكل يتجاوزهم. كما طلب منهم أن يتابعوا تعليمه (11: 1). وسوف ننتظر الآلام والقيامة لكي ينطلق الرسل حقًا في طريق الرسالة التي تقودهم إلى العالم كله (19:28-20).

خاتمة
تشكّل هذه الخطبة "رسامة" وإرسالاً في مهمّة. في هذا المعنى، هي تقدّم الخطبة الرسولية التي تختتم الاحتفال الافخارستي في الجماعة المسيحيّة، حين ترسل الاخوة إلى العالم وتطلب منهم أن يعيشوا تعلّقهم بالمسيح.
وخطبة الارسال هي في الوقت عينه دعوة جديدة تتوجّه إلى الجماعة الكنسيّة (10: 1-4) كمجموعة رسل يُطلب منهم أن يتقبّلوا الكلمة ويتعمّقوا فيها، فتأخذ بمجامع قلبهم وتحمّلهم سلطة الملكوت ومسؤوليته مهما كلّفهم ذلك من تضحيات.
وهكذا تكون أمام احتفال جديد يحرّكه نداء عميق وملّح. نداء جذري لأنّه يطلب من التلميذ أن يتماهى مع معلمّه والعبد مع سيّده (24:10- 25). يذهبون إلى الخراف الضالة من بيت اسرائيل، ولكنهم لا ينسون السامريين ولا الوثنيين. هذا ما سيكتشفه الرسل شيئًا فشيئًا. ويكتمل اكتشافهم بعد القيامة ساعة يقول لهم يسوع إنه أعطي كل سلطان في السماء والأرض. فبقى عليهم أن يتلمذوا جميع الأمم ويعلموهم وصايا يسوع، متأكدين أن الربّ معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.
الفصل الخامس
إرسال الاثني عشر الى الخراف الضالة
10: 1-8

يُعتبر هذا المقطع الذي ندرس مهمًا جدًا لمن يريد أن يتعمّق في جذور الرسالة ومضمونها. ولكن قبل أن نبدأ بشرح النصّ، نطرح بعض المسائل حول التاريخ واللاهوت البيبلي.

1- مدخل
أ- كوّن يسوع مجموعة الاثني عشر خلال حياته العلنيّة
إنّ تكوين مجموعة خاصة هي مجموعة الاثني عشر تلميذًا بيد يسوع قبل موته، هو واقع تاريخيّ ثابت. والكتّاب الذين حاولوا أن يشكّوا فيه ويستبعدوا تنظيم حلقة الاثني عشر إلى ما بعد الفصح، لم يستطيعوا أن يزعزعوا الاشارات التي بين أيدينا. إن 1 كور 15: 5 الذي يعدّد أولئك الذين نعموا بظهورات القائم من الموت يذكر "الاثني عشر" كمجموعة مميّزة عن المكوّنة من "سائر الرسل". فبولس عرف من التقليد، سنة 49، بل عشر سنوات قبل هذا التاريخ، من بطرس وآخرين التقى بهم في أورشليم، عرف بوجود مجموعة الاثني عشر. عرف أنهم شهود الربّ المميّزون، ويلعبون بلا منازع الدور الأولى في الجماعة الفصحيّة الأولى.
في هذه الجماعة، كانوا يعلّمون على ما تقول الأناجيل الأزائية، أن اختيار الاثني عشر وتنظيمهم في مجموعة مميّزة، يعودان إلى رسالة يسوع على الأرض. قال مر 3: 14: "أقام منهم (صنع) اثني عشر". و3: 16: "إذن، أقام الاثني عشر" (ق 1 صم 12: 6؛ 1 مل 13: 33؛ 2 أخ 2: 17؛ رج مر 1: 17). نحن أمام عمل خلاّق يُشرك هؤلاء الرجال في سلطات يسوع ونشاطه.
وما كانت الأناجيل تجهل أن يهوذا (يوضاس) الخائن كان "أحد الاثني عشر" (26: 14؛ مر 14: 10؛ 20؛ لو 22: 47؛ يو 6: 71). أخيرًا، احتفظ لنا لوقا (28:22 ي) ومتّى (28:19) بقول ثمين في سياقين مختلفين، وهذا ما يؤكّد لنا صحّته. "ستجلسون على اثني عشر عرشاً لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر".
هذا القول الذي يتناسق مع الرجاء اليهودي بإعادة بناء الاسباط الاثني عشر بشكل نهائي، والذي يدلّ بشكل يرضي المؤّرخ على وجود عدد الاثني عشر رسولاً، ينسب إلى رفاق يسوع الحميمين، مشاركة في ظفره المسيحاني وسلطانه على اسرائيل في نهاية الأزمنة. وهذا ما يتوافق كل الموافقة مع النظرة الاسكاتولوجيّة لكرازة يسوع: لقد اقترب ملكوت السماء.
ب- خلال رسالته الجليلية، أرسل يسوع الاثني عشر
إذا كان يسوع قد أسّس حقاً الاثني عشر ليكونوا معه ويقاسموه الملك على اسرائيل الجديد، أما يكون من الطبيعي أن يكون أرسلهم ليعلنوا مثله لاهل الجليل حلول هذا الاسرائيل الاسكاتولوجي الذي كانوا نواته الأولى ورؤساءه المقبلين. ليس ارسال الاثني عشر تسبيقًا لمرقس ينطلق من كلمات "نسبتها" الكنيسة إلى المسيح القائم من الموت. فإرسال الاثني عشر في دورة رسوليّة مع توصيات مناسبة، واقع يشهد له التقليد قبل الازائي، وتثبته اللهجة الفلسطينية التي تتحلّى به هذه التوصيات. مثلاً، الضيافة المؤمّنة للمرسلين. السلام الذي يعود إلى المرسل إن لم يتقبّله الناس الذين أعطي لهم. كل هذا مؤكد تاريخيًا، لا سيّما وأنه يتحدّد في منظار اسكاتولوجي يتوافق كل الموافقة مع ما نعرفه من رسالة يسوع في الجليل.
أما الإشارة الأولى إلى هذا المناخ الاسكاتولوجي فهي: تأمين راع أمين للقطيع، لا سيّما وأن الحصاد كثير (9: 36 ي). صورتان معروفتان لدى الانبياء للدلالة على الأزمنة المسيحانية والاسكاتولوجيّة (حز 34: 23- 24؛ زك 7:12؛ أش 12:27؛ يو 13:4). ومثل يسوع نفسه (17:4 وز)، يجب على المرسلين أن يعلنوا اقتراب الملكوت المنتظر (10: 7). يسافرون بعجلة، ويكون حملهم خفيفًا (9:10-10). لا يسلّمون على أحد في الطريق (لو 10: 4). كل هذا نفهمه في إطار اقتراب مجيء الملكوت في نهاية الأزمنة. 
واخيراً يأتي تنبيه ينتمي إلى أقدم نواة في خطبة الرسالة: "لا تكمّلون مدائن اسرائيل حتى يأتي ابن الانسان" (10: 23 ب). لا مجال للتأخّر. قبل أن تُنهوا الحصاد، سيأتي الملك المسيحاني (الذي يملك على الكون كله) الذي تحدّث عنه دا 13:7. مجيء غير محدّد، ولكنه سيتحقّق في الواقع من خلال موت يسوع وقيامته.
ج- الازائيون والاثنا عشر والرسالة في الجليل
إن تاريخية تأسيس الاثني عشر خلاله حياة يسوع على الارض، وتنظيم وسالتهم الجليلية لا يستبعدان ترتيب النصوص الانجيلية في إطار أدبيّ أو لاهوتيّ. فقد أولى الازائيون الثلاثة أهميّة كبرى لتنظيم مجموعة الاثني عشر. ولكن مرقس وحده ذكر تأسيسهم (3: 13-19) كحدث مميّز عن إرسالهم في مهمّة الكرازة بالكلمة وطرد الشياطين (6: 6 ب-13).
هنا نتساءل دون أن نصل إلى جواب قاطع، إذا كان الترتيب الاولاني للينبوع (مت الاراميّ كما تُرجم إلى اليونانية) هو الذي يتبنّاه الإنجيل الأول. أو هل بحث مت عن المنطق، فقلب ترتيب مر (الذي لا يذكر الرسالة الا بعد "يوم الامثال" في 4: 1-34)، بعد فشل الانجلة (التبشير بالانجيل) المباشرة؟ وهذا ما نلاحظه في التعليم بالامثال (مت 13: 13).
أما في ما يخصّ توصيات الرسالة، فيجب أن نتوقّف عند الوجهات الخاصة بكل انجيلي. تفرّد مرقس فجعل تأسيس الاثني عشر كعنصر أساسي في تكوين الملكوت. ولهذا اختصر خطبة الارسال، ولم يتوقّف كثيرًا عند توصيات يسوع (مر 8:6- 11) كقاعدة للحياة الرسوليّة في الجماعة الفصحيّة. أما متّى (اليوناني)، انجيليّ الكنيسة، فتوسّع في خطبة الرسالة. أضاف إليها إعلانًا مسبقاً عن الاضطهادات اليهوديّة والوثنيّة (10: 17-39). وضمّ توصيات الرسالة بعضها إلى بعض فقدّمها للكنيسة في منظار مسكونيّ شامل (آ 18) يتوافق بصعوبة مع حصر الرسالة مؤقتًا في عالم الجليل، والعالم اليهودي (آ 5 ب-6). نحن هنا أمام خلاصة كاملة في يد المرسل.
أما لوقا فمرّ سريعًا على التوصيات إلى الاثني عشر (لو 9: 2- 5). ولكنه استعادها وتوسّع فيها بمناسبة إرسال السبعين (أو: 72) تلميذاً، سبعين آخرين، يذكرهم وحده (10: 1-12). إذا اهتمّ اهتماماً خاصاً بحلقة تلاميذ مرسلين، هي أوسع من حلقة الاثني عشر. أسّس على مبادرة من يسوع الوضعَ الذي يصورّه أع مع اسطفانس، فيلبس... الذين وعظوا بالكلمة ولم يكونوا من الاثني عشر. فعبر عدد السبعين الذي هو في نظر اليهود عدد الأمم الوثنية، نستشفّ رسالة شاملة انطلقت بعد الفصح إلى الكون كله.
د- تصميم المقطوعة (36:9- 8:10)
إن المتتالية التي تمتد من 35:9 الى 10: 42 (مع الخاتمة- الوصلة في 11: 1: ولما فرغ يسوع) سُمّيت "خطبة الرسالة" أو "الخطبة الرسولية". هي إحدى الخطب الخمس في الانجيل الأول. لا تبدأ الخطبة بحصر المعنى، إلاّ في 10: 5 ب (لا تسلكوا طريقًا...). ولكن من الواضح أن ما يسبق ذلك (أقله من بداية ف 10) يشكل مقدّمة للخطبة.
هل ينتمي 9: 36-38 إلى الخطبة؟ أمر أقل وضوحًا. هناك من يربط هذه الآيات مع مجموعة ف 8-9 اللذين يكونان "القسم الاخباري" الذي يهيّئ خطبة ف 10. غير أن مت 8: 1-9: 34 يرتبط بالاحرى بما سبق (ف 5-7: عظة الجبل)، لا بما يلي: يسوع هو مسيح الكلمة ثم مسيح العمل. والاثنان لا ينفصلان. في هذه الحالة، تُجعل وقفة بعد 9: 34. وهكذا تُعتبر آ 36-38 بداية مدخل لخطبة الرسالة. بعد أن صوّر متّى نشاط يسوع المعلّم ومجترح العجائب، عاد منذ آ 36-38 إلى العمل الرسولي للاثني عشر. أما آ 35 فهي جملة تدوينية، وقد شكّلت انتقالة بين جزئين: إنها تشكّل "تضمينًا" مع إجمالة 23:4 فتوجز رسالة يسوع كواعظ وشاف. هكذا قدّم متّى عمله منذ ف 5. ولكننا الآن في عبارات مأخوذة من رسالة الاثني عشر (10: 1، 7).
والمقطوعة التي ندرس الآن تتضمّن جزئين متميّزين: مقدمة إلى خطبة الرسالة، وفيها شقّان: شفقة يسوع، تشكّيه من قلة العمّال (36:9-38). ثمّ تأسيس الاثني عشر (10: 1-4). والجزء الثاني يشمل بداية الخطبة (5:10-8).

2- مقدمة الخطبة (36:9- 10: 40)
أ- الرسالة ثمرة شفقة المعلم وصلاة التلاميذ (36:9-38)
بعد آ 35 التي تشكّل انتقالة، تبدأ المقدمة المتّاوية بقولين ينتميان إلى سياق المهمّة الرسوليّة في ينبوع يشارك فيه الازائيون الثلاثة. نجد القول الاول (آ 36: أشفق يسوع على الجموع) في مر 6: 34 في سياق أولا تكثير للأرغفة (وقد يكون متّى أخذه من هناك كما يقوله بعض الشرّاح). أما القول الثاني (آ 37- 38)، فهو يحدّثنا عن الصلاة من أجل إرسال الحصاّدين. يجد ما يقابله في لو 10: 2، في سياق إرسال السّبعين. هنا يستقي لو من الينبوعِ الذي منه استقى مت في خطبته الرسولية. قد يكون مت السبّاق حين وضع هذين القولين في رأس الخطبة الرسولية. ونحن نجد فيهما تعبيرًا عن استعدادات عميقة كانت تحّرك قلب المعلّم حين اختار الاثني عشر وأرسلهم.
أولاً: شفقة الراعي الصالح
"ولما رأى الجموع تحنّن عليهم، لأنهم كانوا منهوكين ومنطرحين، مثل غنم لا راعي لها" (آ 36).
ففي انطلاقة الاثني عشر المؤقتة، وفي كل رسالة تقوم بها الكنيسة، هناك شفقة يسوع. هناك عاطفة تحرّك احشاءه (مثل أم). هذه العاطفة ينسبها العهد القديم إلى الله نفسه (خر 6:34؛ مز 103: 8-13؛ هو 2:2-3؛ إر 20:31؛ أش 7:54). أما الاناجيل فتحصرها في يسوع (14:14؛ 15: 32؛ 20: 34؛ مر 6: 34؛ 8: 2؛ 9: 22؛ لو 13:7) أو في أشخاص أمثاليّة ترمز إلى المسيح أو إلى الآب السماويّ (18: 27؛ لو 15: 20؛ رج 10: 33).
ما يحرّك هنا حنان يسوع ورحمته هو حالة الجموع المعذّبة، الموجعة، الممزّقة (حرفيًا: التي سُلخ جلدها). الجموع الملقاة على الأرض من التعب والألم، المنهكة، الواهنة مثل خراف لا راعي لها. أخذت هذه الصورةُ الراعوية من العهد القديم. وأقرب النصوص اليها عد 27: 16-17: توّسل موسى فقال: "ليُقم الربّ على هذه الجماعة رجلاً يخرج ويدخل (يذهب ويجيء) على رأسها (يخرج من المدينة، ويدخل اليها). يخرجها ويدخلها، لئلا تكون جماعة يهوه كخراف لا راعي لها". فقطيع الله، على مدّ تاريخه، قد استُغلّ وحكم عليه بأن يشتت بسبب "تجّار" أدنياء (زك 7:11، 11؛ رج 1 مل 22: 17؛ إر 23: 1- 2؛ 50: 6؛ حز 34: 1- 10؛ أش 56: 11).
واليوم أيضاً هناك قوّاد عميان (15: 14؛ 23: 16، 24). يضلّون الشعب بخمير تعليمهم الكاذب (26: 12). هناك مرتزقة وقحون يقودونه إلى هلاكه (يو 10: 12-13). لهذا، فيسوع الراعي الملوكي الذي تحدّث عنه حزقيال (34: 23-24)، والرّاعي الشهيد الذي استشفّه زكريا الثاني (13: 7= مت 26: (31)، سيسلّم إلى الاثني عشر مهمّة جمعه من كل الحظائر (يو 10: 16). وذلك على مثال موسى، الذي سلمّ المهمّة في الماضي إلى تلميذه يشوع (عد 17:27).
نحن هنا أمام كرامة عظيمة ومسؤوليّات ثقيلة تُلقى على عاتق التلاميذ الضعفاء، تلاميذ يسوع (موسى الجديد) الاثني عشر. ولكن ماذا يقدرون أن يفعلوا بدون ذاك الذي يرسلهم، والذي يبقى دومًا راعي الخراف الحقيقي الوحيد (يو 10: 29؛ عب 13: 20؛ رج يو 21: 15 ي)، والذي دفع دمه ثمناً لخلاصهم (يو 10: 11, 15)؟
ثانيًا: بما أن الحصّادين قليلون، يحب على التلاميذ أن يصلّوا
"حينئذ قال لتلاميذه: ان الحصاد كثير والفعلة قليلون. فاطلبوا إذن إلى ربّ الحصاد أن يرسل عملة إلى حصاده" (آ 37-38).
إن صورة الحصاد معروفة في العهد القديم، وهي تدلّ على دينونة الله العظيمة (أش 27: 12؛ يو 13:4...). وتبرز في العهد الجديد حسب المسيرة الزمانيّة التي يدخلها يسوع في تحقيق الاسكاتولوجيا. ففي نهاية التاريخ، يجمع ابن الانسان الحنطة في أهرائه (13: 30)، ويحرق الزؤان (13: 30، 41-42). عند ذاك يكون الحصاد الأخير (مر 4: 29؛ رؤ 14: 14 ي)، "نهاية العالم" (مت 13: 29) والدينونة الأخيرة (25: 31-46). حينئذ يكون ربُّ الحصاد المسيح نفسه، الذي يساعده ملائكته (13: 39؛ رج رؤ 14:14-19).
ولكن بانتظار ذلك الوقت، ومنذ مجيء المسيح الأول، هناك "عمل" يبدو ضروريًا. إنه أيضًا حصاد، لأنه يميّز الحَبّ الصالح والحبّ الرديء، فيجبر البشر على الاعلان عن نفوسهم مع المسيح أو ضدّ المسيح (13:10-16، 40؛ رج يو 3: 18 ي). إنه عمل إعدادي يلعب فيه يسوع دور الزارع (13: 1-8 وز؛ 13: 37، يو 4: 36 ي). ويكون الاثنا عشر الحصّادين.
هذا هو الحصاد الاستباقي الذي يسلّمه يسوع إلى الاثني عشر في الجليل بعد النجاح الأول الذي حازه. وعلى هذا الحصاد ينطبق كلام يو 14: 31. "أرسلتكم لتحصدوا حيث لم تتعبوا. غيركم تعب، وانتم تجنون ثمر تعبه". 
ولكن الرسالة الجليلية ليست في حدّ ذاتها إلاّ بداية وصورة عن الحصاد الوفير (مت 9: 37) الذي نضج (يو 4: 35). والرسل وسائر عملة الانجيل، سيستفيدون من أتعاب يسوع وثمار ذبيحته (يو 4: 6؛ 12: 24)، ليدخلوا القمح إلى الاهراء (يو 37:4-38؛ ق أع 8: 15 ي) بعد العنصرة. وحين تذكّر يسوع العمَلة العديدين الذين سيكونون ضروريين ليساعدوا الاثني عشر ثم يحلّوا محلّهم (أو محلّ السبعين)، أشار إلى عمل يتطلّب نفَسًا طويلاً. الدخول في "الورشة" عمل مستمرّ... ونحن لا نحصد اليوم ما زرعناه البارحة... ولا نحصد بضربة منجل واحدة حقول الربّ الواسعة.
وينبّهنا يسوع إلى هؤلاء العملة الذين هم قليلون مع أنّ وجودهم ضروريّ وعددهم ملحّ، ينبّهنا أننا نحصل عليهم بالصلاة. فبالصلاة نعرف أن الله هو "سيّد الحصاد"، أنه أراد أن يلجأ إلى عمل البشر. أنه يحتاج إلى البشر. وبالصلاة يبقى البحث عن الملكوت وطلب مقاصد الله والاهتمام بخلاص البشر، حيًا في قلب جميع التلاميذ.
ب- تكليف الاثني عشر (10: 1-4)
وجّه يسوع هذا القول عن الحصاد "إلى تلاميذه". وها هو يدعو "الاثني عشر تلميذًا" (10: 1). في الظاهر نحن أمام الأشخاص أنفسهم. فهم الحصّادون الاولون. وسيأتي آخرون فيسندونهم في العمل. وتنطلق كل رسالة الكنيسة من عملهم، قبل الفصح وبعده. لهذا، أدرج مت هنا لائحة الرسل بعد أن تحدّث عن سلطانهم.
أولاً: إعطاء السلطة للاثني عشر
"وإذ دعا تلاميذه الاثني عشر، قلدّهم سلطانًا على الأرواح النجسّة لكي يطردوها (وقدرة) ليشفوا كل مرض وكل سقم" (آ 1).
أشار مت اولاً إلى نداء الاثني عشر، وتقليدهم سلطانهم. أما مر 7:6 فأدخل بين الحدثين ارسالهم، وهذا ما يشير اليه مت في آ 5. اعتبر بعضهم أن مت ارتبط بمرقس فأعطى لنصّ مر ترتيبًا منطقيًا: يأتي الارسال بعد تقليد السلطة. أما آخرون فلاحظوا أن لو 9: 2 جعل هو أيضًا الارسال بعد تسليم السلطة، بحيث تبع لو ومت ينبوعاً يختلف عن ينبوع مر.
ومهما يكن من أمر، فالمسيرة تبدأ في نظر الازائيين الثلاثة، "بنداء" الاثني عشر (دعا). هو النداء الأول الذي يذكره مت. أما مر ولو فقد سبق وذكرا نداء آخر، ساعة اختار يسوع الاثني عشر على الجبل (مر 13:3 ي؛ لو 6: 12- 13). هل نستطيع القول بأن مت الذي لا يذكر مشهد الاختيار مع أنه عرفه، قد ضمّ في إطار واحد النداءين: نداء الدعوة، نداء إلى الحصاد؟ في هذه الحال، يكون الثاني الذي هو موضوع حديث مت، تذكيراً بالأول. فالثاني تضمّن الأول على ما قال مر 3: 14.
ولكن حين نتفحّص فعل "بروكلايستاي" في مت، يبدو أن الانجيليّ الأول يستعمل دومًا هذا الفعل في الصيغة عينها (كما في 10: 1)، وأنه لا يربطه أبدًا بحدث ينتمي إلى زمن من الماضي البعيد، كما لا يربطه بدعوة بالمعنى الحصريّ للكلمة. إن هذا المعنى الدقيق لا نجده حتى في مر 13:3. وهكذا يشير مت إلى نداء بسيط (رج لو 9: 1) من أجل الرسالة الجليليّة.
وبعد أن جمع يسوع الاثني عشر، قلّدهم سلطان طرد الشياطين واجتراح المعجزات. فقبل الانطلاق، يجب أن يُمنحوا سلطة يسوع نفسه (29:7؛ 9: 6-8). إذا كان يسوع يستطيع أن ينقل إلى الاثني عشر سلطانًا (اكسوسيا) على الأرواح النجسة، فهذا يعني أنه يمتلك هذا السلطان: "اكسوسيا" تدلّ على سلطان لا يقف في وجهه عائق، وهي تدلّ على مُلك الله المتسامي (دا 27:4، 31). وإن نعم البشر بمثل هذا السلطان، فهم ينعمون به حين يرتبطون بالله (مت 8:9).
في الواقع طرد يسوع الشياطين مرارًا (مت 8: 16). ووازى متى بين رسالة يسوع ورسالة الاثني عشر. كان يطوف في القرى "وهو يكرز بإنجيل الملكوت ويشفي كل مرض وكل سقم بين الشعب" (4: 23؛ 9: 35). والتلاميذ أُرسلوا مثله "ليكرزوا قائلين: لقد اقترب ملكوت السماوات" (10: 7). وأُرسلوا "ليشفوا كل مرض وكل سقم" (10: 1).
هذه العبارة الأخيرة التي تتكرّر ثلاث مرّات هي خاصة بمتّى، وهي تشير إلى الايراد الذي أخذه مت من أشعيا الثاني حول طرد الشياطين وشفاء الامراض على يد يسوع: "أخذ عاهاتنا وحمل أمراضنا" (17:8- أش 4:53).
كان يسوع عبد الله الحقيقيّ. وقد كلّف أن يكفّر عن خطايانا بموته الفدائي. أراد أولاً أن "يأخذها على عاتقه"، فوضع لها حداً بأشفيته وتقسيماته (لطرد الشمياطين)، ولا ننسى أن عددًا من الأمراض والسيطرات الشيطانية، هي نتيجة عمل الشيطان (لو 13: 16)، لأنها بنت الخطيئة (تك 3: 16-19).
لقد ضمّ يسوع الاثني عشر إلى هذا العمل الخلاصي الذي بدأه، فأعطاهم أن يشاركوه في سلطانه.
ثانيًا: لائحة الاثني عشر
"وهذه اسماء الاثني عشر رسولاً: الاول سمعان المدعوّ بطرس، ثم اندراوس أخوه. يعقوب بن زبدى ويوحنا أخوه. فيلبس وبرتلماوس. توما ومتّى العشّار. يعقوب بن حلفى وتدّاوس. سمعان القانوي، ويهوذا الاسخريوطي الذي أسلمه" (آ 2-4).
إذ أراد مت أن يجمع حالاً قبل خطبة الرسالة كل ما يتعلّق بحلقة الاثني عشر، أدرج هنا لائحته التي تبدو وكأنها قطعة آتية من سياق آخر (هناك وصلة في آ 5، هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم... ق لو 9: 2). يتفق الشرّاح على القول بأن هذه اللائحة كانت في البداية مرتبطة بالتأسيس الرسولي، كما في مر 3: 16-19 ولو 6: 14 ي. غير أن مت بدّل موضعها. ولكن ما زال الجدال قائماً لنعرف هل أخذها مت من مر بعد أن رتبها. هذا ما يدّل عليه توافق مر ولو ضدّ مت: وضعُ اسم متّى، غياب إضافات مثل "الاول"، "العشّار"، "كاي" (الواو) المتكرّر قبل كل اسم. أم هل أخذها من ينبوع قبل إزائي جعلها قبل المقدمة التاريخية التي سبقت عظة الجبل؟ هذا ما يدلّ عليه توافق مت ولو ضدّ مر: موضع اندراوس، غياب لقب ابني زبدى. كما يدلّ عليه أيضًا توافق مت ومر ضدّ لو. وضع "تداوس" بدل "يودا" أخ يعقوب (لا يَهوذا) (رج لو 6: 16).
تتحدّث أول وصلة متّاوية للائحة عن "الاثني عشر رسولاً". هذا هو الاستعمال الوحيد لهذه العبارة في مت. بعد هذا نجد: "الاثنا عشر" (10: 5؛17:20؛ 14:26، 20، 47). "الاثنا عشر تلميذًا" (10: 1؛ 11: 1؛ رج 28: 16). "التلاميذ" (13: 10؛ 14: 15؛ 26: 8. 56). فالانجيل الأول يخلط بين التلاميذ والرسل (أكثر مما يفعله لو ومر). أما العبارة الشّاذة في 2:10 فتستعمل لفظة "رسول" في معنى دقيق ستعرفه الكنيسة الأولى لتدلّ على الاثني عشر وبعض الشهود الرسميّين لقيامة يسوع.
لقد اعتُبر الاثنا عشر خلال رسالتهم الجليلية ك "السلّيحين" (شليحا في السريانية، وفي اليونانية: أبوستولوي). هنا قابل البعض بين رسل يسوع و"شليح" المرسل اليهودي. ولكن هذا التنظيم لم يكن بعد موجوداً في أيام يسوع. نحن نرى في لو 6 :13 اختيار الاثني عشر من بين التلاميذ. ويتحدّث مر في 13:3 ي عن الاثني عشر.
تبدأ اللائحة بالاخوة: سمعان الملقب بطرس وأندراوس أخوه (4: 18- 22). هما من أولى المدعوين (18:4-22). ثم يعقوب ويوحنا. لا يقوله مت، شأنه شأن مر ولو، إن يسوع جعل لسمعان اسم بطرس. ولكنه شدّد وحده على أن بطرس هو "الاول". وهو الاول في اللائحة. وهذا ما يتماشى مع موقعه المميّز في تأسيس الكنيسة (17:16 ي).
وزاد مت أيضًا: "العشّار" بجانب اسم متّى. إن الانجيل الأول الذي يرتبط برباط خاص بالرسول متّى، يحيلنا هنا إلى 9: 9 ودعوة العشار: كان الاسم لاوي في مر 2: 14؛ لو 27:5، فحلّ محلّه اسم متّى. ماثل مت التلاميذ مع الاثني عشر، فجعل اسماً مكان آخر، لأن لاوي لم يكن من مجموعة الاثني عشر.
أمّا تداوس في لائحة مت ومر، الذي يصبح لابى في عدة مخطوطات، فهو يقابل يودا في لو 16:6؛ أع 1: 13؛ يو 14: 22. قد نكون أمام اسماء عديدة لشخص واحد. ولكن قد يكون هناك تردّدٌ حول هويّة الاثني عشر الذين تشتّتوا ساعة كتب متّى انجيله. ولا ننس أنه كان ليسوع اصدقاء حميمون لم يكونوا من حلقة الاثني عشر: نتنائيل، لعازر... ويعتبر بعضهم أن "يودا" هو تكرار لاسم يهوذا (يوضاس) الاسخريوطي.
لا يقدّم مت أية تعليمات إلاّ عن ثلاثة رسل: متّى الذي كان عشارًا. سمعان الذي كان غيوراً متطرّفاً. أو ربما كان من "قانا". يوضاس الذي أسلمه. إشارات غير مشرفة. وستكون الطريق طويلة لكي يرتفع الرسل إلى مستوى المهمّة التي ستوكل إليهم. ولكن كلمة الله والروح القدس سيحوّلانهم إلى مشاركين ليسوع في عمله في تأسيس كنيسته. لهذا كرّمتهم الكنيسة دومًا تكريمًا يدلّ عليه وجود لائحة أسمائهم في الجماعات الأولى.

3- بداية الخطبة (10: 5-8)
بعد آيات ثمان من الاستعداد، نصل أخيرًا إلى واقع الارسال (آ 5 أ: أرسلهم يسوع) وإلى التوصيات من أجل الرسالة: "لا تسلكوا... انطلقوا بالحريّ... قولوا: إن ملكوت السماء قريب" هي جمل صغيرة متوازية وموزونة. تدلّ على أننا في أسلوب شفهيّ. يبدأ يسوع فيحدّد الاشخاص الذين يذهبون اليهم (آ 5 ب-6). ثم يعلن مضمون الرسالة (آ 7-8).
أ- المقصودين بالرسالة
"هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع بعدما أوصاهم قائلاً: لا تسلكوا طريقًا إلى الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة للسامريين. بل انطلقوا بالحري إلى الخراف الضالة من بيت اسرائيل" (آ 5-6).
بعد أن تسلّم الاثنا عشر (حسب مت ولو 9: 2) سلطانهم، أُرسلوا في مهمة: إنه لوقت احتفالي يجعل من هؤلاء الرجال مشاركين للمسيح (الذي أرسله الآب 10: 40) في رسالته على الأرض، ويهيّئهم ليصيروا شهود الربّ القائم من الموت ومرسَليه إلى العالم أجمع.
لا شكّ في أن مت فكّر في هذه المهمّة البعد فصحية للاثني عشر، كما فكّر في مشاركيهم في العمل، وفي الذين واصلوا هذا العمل. غير أن تقريره عن التوصيات التي أعطاها يسوع لمرسليه، يبدأ بأوامر تحصر الرسالة في اسرائيل، وتستبعد الوثنيين وحتى السامريين. هم يفعلون مثل يسوع (24:15)، فيذهبون إلى مجموعة "الخراف الضالّة من بيت اسرائيل" (رج حز 34: 4؛ إر 50: 6). لا يميّزون بين أبرار وخطأة داخل هذا القطيع المنهك والخائر (9: 6)، الذي شتّته رعاة مرتزقة وتجّار.
قول قديم جداً، يعود إلى ينبوع سابق لمتّى، ويرتبط بخلفيّة آراميّة. "مدينة" السامريين، أي: مناطق السامريين. هذا القول لم يعرفه مر ولو. أو إن عرفاه، فقد ألغياه بالنظر إلى قرّائهما. احتفظ به مت فدلّ على الاهتمام التاريخيّ لدى المسيحيّين الأوّلين بالرسالة الجليليّة. كما دلّ على متانة تذكّراتهم.
لم يرَ الانجيلي في هذا القول إعلانًا عن مبدأ مستمر من أجل الرسالة. وإلاّ لعارض الوصيّة الاخيرة التي اوردها في 28: 19: "تلمذوا جميع الامم". بل رأى في هذا القول عن "استبعاد" الوثنيين والسامريين، تعبيراً عن تدبير موقت يشهد عليه تصرّف المسيح: بحسبه، يُحفظ إعلان الانجيل في زمان أولى إلى "أبناء الملكوت" (8: 12). ويبقى هذا التدبير حتى انتصار القيامة التي تشكّل أداة الخلاص من أجل جميع البشر ونقطة الانطلاق من أجل الكرازة في العالم. أجل، هناك ما يوافق الرسالة في الجليل، وهناك ما ينطبق على الكنيسة في كل زمان ومكان.
ب- مضمون الرسالة
"وفي الطريق بشّروا قائلين: إن ملكوت السماوات قريب! إشفوا المرضى أقيموا الموتى، طهّروا البرص، أخرجوا الشياطين. مجّانًا أخذتم، مجّانًا أعطوا" (آ 7- 8).
يقوم جوهر مهمّة المرسلين في اعلان البشارة على مثال المنادين (كما فعل يسوع، 4: 17) فيقولون: "ملكوت السماوات قريب". هل يعني: إن ملكوت الله هو هنا، هل يعني: صار قريبًا؟ إن كرازة يسوع وتلاميذه الجليليّة، قد وجّهت أنظار اسرائيل إلى تدخّل الله الحاسم والقريب جدًا، وهو تدخّل وعدَ به النبيّ في نهاية الأزمنة (أش 52: 7؛ زك 14: 9؛ دا 2: 44) ورافقته معجزات يسوع من أشفية وطرد شياطين، وكرازته بملكوت الله الخلاصي (23:4؛ 35:9؛ لو 9: 11). هذه الكرازة شكّلت بدايته (28:12؛ لو 9: 11؛ 17: 20) ودلّت عليه.
وهذا هو الدور الذي لعبه الاثنا عشر بعد أن نالوا أمرًا بشفاء المرضى وطرد الشياطين، فمارسوا هذا السلطان (اكسوسيا) الذي منحهم إياه يسوع (آ 2). وتحدّث مت أيضاً عن إقامة الموتى وتطهير البرص. وهكذا نكون في تعداد مسيحاني قريب جدًا مما نقرأ في جواب يسوع إلى يوحنا المعمدان (11: 14) ومن نصّ النبي أشعيا في رؤياه الصغيرة حول الدينونة الشاملة (أش 35: 5- 6). وأخيرًا، ذكر أن هذه العلامات لن تكون فاعلة الا بتجرّد المرسلين تجرّدًا تامًا: "مجّانًا أخذتم (دعوتكم إلى الملكوت والرسالة هي مجّانيّة)، مجّانًا اعطوا".
بعد ذلك، سيواصل الرسل التبشير بالملكوت (أع 8:19؛ 20: 25؛ 28: 23، 31). ويزيدون على هذا الاعلان (8: 12) اسم ذاك الذي مات لكي يخلّصنا من قبضة الشيطان والخطيئة والموت، وجلس في السماء كالربّ (أع 2: 30-36؛ فل 2: 11؛ رؤ 19: 16)، والذي سيأتي ليكملّ ملكه (1 كور 15: 20-28، 50؛ أع 3: 21). ويواصلون اجتراح المعجزات (أع 3: 1-10؛ 5: 15-16؛ 7:8؛ 9: 32-35؛ 19: 12) وإقامة الموتى (9: 36-42؛ 20: 7-12)، وطرد الشياطين (8: 7؛ 16: 16 ي) لكي يسندوا كرازتهم (مر 16: 15-18؛ أع 4: 29-30). ويدلّون في جميع تصرّفاتهم على تجرّدهم (1 تس 2: 2-12؛ أع 8: 19- 20) من أجل هذه الرسالة التي تواصلها الكنيسة حتى انقضاء العالم.

خاتمة
أشفق يسوع على الخراف الضالّة التي هي أمامه، وتلك التي استشفّها على مرّ العصور. وقبل أن يبذل حياته لكي تكون الرعية واحدة والراعي واحداً (يو 16:10)، اختار الاثني عشر وأرسلهم في مقدّمة سلسلة طويلة من خدّام الانجيل، لكي يحملوا البشارة ومنها خلاص الانسان نفسًا وجسدًا. والكنيسة هي المدينة المقدّسة التي يستند سورها إلى اثني عشر أساسًا، إلى أسماء رسل الحمل الاثني عشر (رؤ 12: 14). هذه الكنيسة مدعوّة حتى نهاية الأزمنة إلى متابعة حمل الانجيل والاهتمام بالمتألمّين. غير أن العملة قليلون. لهذا علّمنا يسوع قائلاً: أطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده.
الفصل السادس
توجيهات من أجل الرسالة
10: 9-16

يشكّل مت 10: 5-16 المقطوعة المركزية في الخطبة الرسولية. إنه يقدّم النواة الأولى كما نجدها في مر ولو.
فضّل مت أن يجمع في خطبة واحدة مراجع متعدّدة وصلت إلى يده. وهكذا حصل على شميلة متناسقة في "رفيق المرسل" الذي هو الخطبة الرسوليّة. كما أنه كشف عن هدفه اللاهوتي.
قال أحد الشرّاح: مزج مت أمورًا جاءته من مصادر متنوعّة: الرسالة في الجليل، المهمّات الرسوليّة في أرض الأمم. النظرة الاسكاتولوجيّة. ولا ننسَ أن النظرة الاسكاتولوجيّة كانت في أفق الرسالة في الجليل كما في أفق الرسالة وسط العالم الوثني. فالرسالة الجليليّة دخلت في وجهة أوسع هي إقامة ملكوت الله. وتداخلت المراحل المتعاقبة الواحدة في الاخرى، وكانت المرحلة المحليّة اعلانًا سريًا ورمزيًا للمرحلة الشاملة. وتطلّعت هاتان المرحلتان إلى المرحلة الأرضيّة للملكوت الاسكاتولوجي.
هذا يعني أن خطبة الرسالة في الجليل تحافظ على كل أهمّيتها من أجل الرسول اليوم. وهكذا نكتشف أن توصيات يسوع تتوجّه إلى تاريخنا وتجعلنا نكتشف رسالتنا.

1- إلى الخراف الضالة
هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع بعدما أوصاهم قائلاً: "لا تسلكوا طريقًا إلى الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة للسامريين. بل انطلقوا بالحريّ إلى الخراف الضالة من بيت اسرائيل" (آ 5-6).
انحصرت رسالة الاثني عشر في حدود الجليل، الذي يحدّه من الشمال أراضي لبنان وسورية الوثنية، ومن الجنوب السامرة التي تعتبر نصف وثنية. تشبّهت هذه الرسالة برسالة يسوع نفسه الذي أرسل في البداية "إلى الخراف الضالة من آل اسرائيل" (15: 24؛ رج أع 3: 26؛ 13: 46؛ روم 1: 16؛ 2: 9-10). إن اهتمام المسيح "رئيس الرعاة" (1 بط 5: 4؛ رج عب 13: 20) بالخراف المتروكة، وهو اهتمام حرّك عمق أحشائه (9: 36)، نجده الآن لدى تلاميذه. فعلى أكتافهم وُضع ثقلُ الضيق الذي تحسّ به خراف تبحث عن راعيها.
سمّيت هذه الخراف: "ضالة". لا شكّ في أن اسرائيل الذي قابله التقليد البيبلي بقطيع من الخراف، لم ينقصه الرعاة يوماً. ولكن نقصَ هؤلاء الرعاة الغيرةُ والاندفاع. وهكذا صارت بعضُ الخراف "ضالة" (إر 50: 6)، ذهبت إلى سبي بابل بسبب خطيئة رؤساء الشعب.
وسيكون عمل الرسول خلاصًا يحمله إلى هذه الخراف. على مثال "ابن الانسان الذي جاء يطلب ما قد هلك" (لو 19: 10). أجل ينطلق المرسل لينتزع من أنياب الموت خرافًا هي فريسة الهلاك.
ألغى لو ومر القول الذي فيه منع يسوع رسله من أن يذهبوا ليعلنوا الانجيل في الارض الوثنيّة وفي المدن السامريّة. هذه الحاشيّة القديمة انطبقت فقط على الرسالة في الجليل. بعد قيامة الربّ، كانت وصيّة طلبت من الرسل أن يحملوا البشارة إلى العالم أجمع (28: 19). أما مر ولو اللذان دوّنا الانجيل لمؤمنين جاؤوا من العالم الوثني، فما احتاجوا إلى إيراد هذه المنع من الذهاب إلى خارج العالم اليهوديّ. غير أن مت احتفظ به من أجل قرّائه المسيحيين الآتين من العالم اليهودي، والذين كانوا فرحين حين سمعوا يسوع يؤكّد محبة الله لشعبه في العهد القديم.

2- ملكوت السماوات قريب
"إذن، اذهبوا وأعلنوا: ملكوت السماوات قريب. اشفوا المرضى، أقيموا الموتى، طهّروا البرص، اطردوا الشياطين. مجّاناً أخذتم، مجّانًا اعطوا" (آ 7- 8).
انطبعت آ 7-8 بنشاط متّى التدوينيّ. فالينبوع الأولانيّ الذي انطلق منه الانجيليّ، تمثّل في نصّ لو 10: 9 الذي نقرأه في رسالة السبعين تلميذاً: "اشفوا المرضى الذين فيها. وقولوا لهم: قد اقترب منكم ملكوت الله". قام مت ببعض اللمسات في مرجعه، ليُبرز المبدأ الذي ينير هذه المقطوعة: كما يكون يسوع كذلك يكون تلاميذه.
على خطى يسوع أعلن المرسلون أولاً بشرى الملكوت واجترحوا المعجزات (مت 23:4؛ 35:9). على خطى يسوع أعلن انجيل يسوع بالذات: "لقد اقترب ملكوت السماوات". وسلطة الرب التي اعلنتها المزامير الملوكية في الماضي فأنشدت: الرب ملك! لتفرح الارض (مز 97: 1)، هذه السلطة قد تثبّتت الآن بمجيء الأزمنة المسيحانية. قد اجتاحت السماءَ والأرض. وصارت قريبة جدًا من القلوب التي انفتحت على الانجيل. صارت في متناول الناس الذين توجّهوا إلى الله. وإذ اراد مت أن يُبرز تماهي تعليم المرسلين مع تعليم يسوع، ومع تعليم يوحنا الذي يمثّل الشريعة القديمة (كل الانبياء والشريعة تنبّأوا إلى يوحنا، 13:11)، جعل في فم يوحنا ويسوع والمرسلين الاعلان عينه: "اقترب ملكوت السماوات".
نقرأ في 3: 1-2: "في تلك الأيام ظهر يوحنا المعمدان يعظ في بريّة اليهوديّة ويقول: توبوا، فإن ملكوت السماوات قريب". وفي 4: 17: "ومنذئذ طفق يسوع يعظ ويقول: توبوا، فإن ملكوت السماوات قريب" وفي 10: 7: "إذن، إذهبوا فأعلنوا أن ملكوت الله قريب".
من الواضح أن مت الذي فسّر تفسيرًا صحيحًا وبإلهام الروح، فكرَ يسوع، قد قدّم شهادة المرسلين كاستعادة لتعليم يسوع، كامتداد له، وتوسيع عبر الكون والأجيال. هذا ما سُمّي "انجيل يسوع المسيح" (مر 1: 1). وإذ نتأمّل عمله العجيب الذي ما زالت الكنيسة منذ تأسيسها تتمّه من أجل خير البشريّة، هذه الكنيسة التي تعرف أن شفاء النفوس يجب أن يبدأ في الاعتناء بالأجساد، إذ نتأمل هذا العمل نحلم بكنيسة رسالات تكون كلها، في نظمها وأفرادها وفي كل عضوٍ من أعضائها، لا انعكاس حضارة من الحضارات، بل تجسيدًا حيًا للانجيل، وإعلانًا يتجدّد دومًا لهذا الواقع الذي هزّ العالم: "ملكوت السماوات قريب".
وعلى مثال يسوع، اجترح المرسلون المعجزات التي تعلن مجيء الملكوت وتؤكّده. فمثل يسوع شفوا المرضى (4: 23- 24؛ 9: 35). ومثله أقاموا الموتى (18:9-25). ومثله طهّروا البرص (8: 1-4). ومثله طردوا الشياطين (4: 24؛ 8: 16، 28-34؛ 9: 32-33).
في هذا النشاط العجائبي، لا يجب أن يظهر المرسلون كصانعي عجائب، بل كمعلنين للملكوت. فعجائب يسوع ليست في نظر مت استعراضاً غريباً يقدّمه الله للجموع فتدهش، وهكذا يقودها بضربة ساحر إلى الايمان. كلا. فالمعجزات هي دلالة حسّية على سلطان الله على الكون وإشارة إلى مسيحانية يسوع. لهذا، حين أجاب يسوع موفدي يوحنا المعمدان اللذين سألاه إن كان هو "الآتي"، اكتفى بأن يدلّهما على ما فعل: "العميان يبصرون، العرج يمشون، البرص يطهـرون، الصمّ يسمعون، الموتى يقومون، والمساكين يبشّرون" (11: 5).
إن هذه اللائحة من المعجزات التي تنشد وتهلِّلُ شكرًا، تعلن أن الآمال المسيحانيّة التي أعلنتها النبوءات المسيحانية بدأت تتحقق في يسوع وفي مرسليه: "حينئذ تنفتح عيون العميان، وآذان الصمّ تنفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالغزال ولسان الاخرس يهتف من الفرح" (أش 35: 5-6).
رسل مت ليسوا أولئك الذين يجترحون المعجزات أولاً، بل الذين يبشّرون بالملكوت، وهذه البشارة هي مجانيّة. نال الرسل موهبتهم مجاناً من المسيح. لهذا عليهم أن يعطوا مجانًا. فالمجانيّة هي علامة من علامات الأزمنة المسيحانية (أش 1:55-2؛ رؤ 6:21؛ 17:22). إن توصية يسوع بالمجانية لها أهميتها، وهذا ما تدلّ عليه الحياة في الجماعة المسيحية الاولى (أع 8: 9 ي). كان تعليم الشريعة لدى الرابينيّين من دون أجر. فقال رابي صادوق (50-2) إن التوراة لا تُستعمل كمجرفة لجمع المال. وكانوا يسمحون بأجر طفيف لتعليم العناصر الأولى. تلك كانت المبادئ. أما في الممارسة، فقد كان المعلّمون الاتقياء يستفيدون من التوراة ليجمعوا المال الوفير. لهذا تكلّم يسوع عن الفريسيين "الذين يأكلون أموال الأرامل بعلّة تطويل صلواتهم" (مر 12: 40).

3- لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة
مت 9:10-10 مر 8:6-9 لو 3:9 لو 10: 4-7 
رسالة الاثني عشر رسالة الاثني عشر رسالة الاثني عشر رسالة السبعين 
لا تقتنوا ذهبًا واوصاهم قائلاً وقال لهم:
ولا فضة بأن لا يحملوا لا تحملوا لا تحملوا كيسًا
ولا نحاسًا شيئًا في الطريق للطريق شيئًا ولا زادًا
في أكياسكم إلا عصا فقط لا عصا ولا حذاء
ولا زادًا فلا خبزًا ولا زادًا ولا زادًا ولا تسلّموا
في الطريق ولا نقودًا في ولا خبزًا على أحد
ولا ثوبين أكياسكم ولا فضة في الطريق
ولا حذاء بل احتذوا بنعال ولا يكون
ولا عصا ولا تلبسوا ثوبين. لكم ثوبان.
لأن الفاعل لأن الفاعل
يستحقّ يستحقّ
طعامه. أجره.
وانطلق المرسلون على خطى يسوع في فقر عظيم قريب من "العري". فاقتدوا بابن الانسان الذي لم يكن له موضع يسند اليه رأسه في تجواله الرسولي (8: 20). لا فضة لهم ولا مزود من أجل خبز في الطريق. هم لا يحملون حتى عصا المسافر التي قد تساعدهم على الدفاع عن أنفسهم. فإعلان الملكوت لا يتمّ بالسلاح وضرب العصي. وجعلهم متّى يسيرون حفاة، وترك لهم ثوباً واحدًا على أجسامهم مثل الشحّاذين الجائعين.
وبان مرسلو مر أفضل حظًا من مرسلي مت. فلهم الحقّ بأن يحملوا عصا، ويلبسوا حذاء. أتُرى مرقس خفّف من توصيات يسوع ليجعل تطبيقها ممكنًا في القريب العاجل؟ ربما. فمن الناحية الأدبية بدت تعابير مت ولو اقرب إلى الأصل من تعابير مر. ومهما يكن من أمر، فحين تأتي العبارة في شكل مفارقة، تكون قريبة من عبقريّة يسوع الذي يحبّ الصور اللافتة. ولكن يبقى أننا لا نأخذ هذه الصور على حرفيّتها. إنها تدلّ على تجرّد تام وفقر مطلق. وهذا ما تثبته ممارسة يسوع: هو الذي عاش في فقر تام، لم يرفض مساعدة النسوة اللواتي رافقنه (لو 8: 2-3)، وقدّمن له عون أموالهن. إذن تشدّد أقوال يسوع لا على حالة من الفقر وحسب، بل على روح الفقر.
إذ نقول هذا نزيد حالاً أن المسيح لم يكن يحتاج إلى ممارسة الفقر في الحياة العمليّة. فقد امتلك ملء الفقر، وهو الغنيّ، ليغني فقرنا (2 كور 8: 9). ومع ذلك، فقد عاش فقيرًا ومات عريانًا. ونقرأ القول المتّاويّ: "العامل يستحقّ طعامه". كنا ننتظر: "العامل يستحقّ أجره". على مثال ما في لو 10: 7. فالعامل العاديّ يستحقّ أكثر من طعامه. والأجر حقّ له. أما المرسل الانجيليّ كما يصوّره مت، فليس بعامل عادي. إنه يكتفي دوماً بطعامه، وهكذا يدل على تجرده التام.

4- دورة رسولية
مت 10: 11 مر 6: 10 لو 4:9
رسالة الاثني عشر رسالة الاثني عشر رسالة الاثني عشر
وأية مدينة أو قرية وقال لهم أيضًا
دخلتموها أي بيت وأي بيت
فاسألوا عمّن
هو خليق دخلتم دخلتم
بأن يقبلكم
وأقيموا هناك فأقيموا هناك فامكثوا فيه
إلى أن تنصرفوا. إلى أن تنصرفوا منه. إلى أن تنصرفوا.
تعبير خاص، ولكن الفكرة واضحة. فعلى المرسلين أن لا يركضوا من بيت إلى بيت ليطلبوا أفضل مسكن وأغنى مائدة. فكّر متّى في مرسلي عصره، فأرفق هذه التوصية بنصيحة تدلّ على الفطنة التي اختبرها في عمله الرعائي: "إسألوا عمنّ هو خليق". إذا كان المرسلون لا يتركون البيت الذي استقبلهم، فهم لا يدخلون ايضاً إلى أول بيت يجدونه. إذن، يستعلمون.
نلاحظ اللفظة التي تربط هذه الاقوال: "خليق"، "يستحقّ". فالفاعل يستحقّ طعامه (آ 10). اسألوا عمّن هو خليق (آ 11). إن كان ذلك البيت اهلاً (يستحقّ) (آ 11). ولكن إن لم يكن أهلاً (آ 13). هذه الطريقة الساميّة في التأليف هي متعة لأذن عبرية. ولكنها ثقيلة جداً في أذن يونانية. لهذا استغنى عنها لوقا.

5- السلام لهذا البيت
مت 10: 12-13 لو 10: 5-6
رسالة الاثني عثر رسالة السبعين
وحين تدخلون البيت وفي أي بيت تدخلون
قولوا أولاً
سلّموا عليه السلام لهذا البيت
فإن كان ذلك فإن كان هناك
البيت أهلاً ابن سلام
فليحلّ عليه يحل عليه
سلامكم سلامكم
وإن لم يكن وإلا
اهلاً
يعود سلامكم يعود
إليكم. إليكم.
هذه طريقة الشعب في فلسطين: يحيّون بعضهم بالسلام (لو 36:24؛ يو 20: 20- 21). وكانوا يردّون على هذه التحية بالتمنّي التالي: إذهب بسلام. الله معك. أما الشعب اليوناني فالسلام يكون مع "خايري" أي: إفرح، الفرح لك. حين قال مت: "سلموا"، اعتبر أن قرّاءه يعرفون الاستعمال الفلسطيني كما نجده في آ 13 (يحل سلامكم). أما لوقا ففكّر في قرّائه الآتين من العالم الوثني، فأوضح لهم التحية.: "السلام لهذا البيت". من الواضح أن هذه العبارة تلوّنت في الجماعة الأولى بلون مسيحاني. وكما كان يسوع، كذلك كان تلاميذه. فكرازة المرسلين هي صدى لكرازة يسوع، فيحقّقون نبوءة أشعيا حول المبشّرين بالخبر السعيد: "ما أجمل على الجبال قدمَي حامل الانجيل، ذاك الذي يعلن السلام ويحمل السعادة" (أو الخير).
عمل المرسل هو عمل سلام. إنه يقيم عهد سلام بين الله والبشر. لا شكّ في أن الرسول يعرف أن هذا السلام السامي الذي أعلنه الله وحقّقه المسيح على الصليب، لا نصل إليه إلاّ عبر التضحيات القاسية والتجرّد التام. هذه هي المسألة الحميمة في كل حرية بشرية وُضعت أمام المصلوب وأحسّت حتى أعماق الذات بالسيف الذي جاء يلقيه يسوع على الأرض (10: 34). والمرسل لا يستطيع أن يقدّم إلا ما أخذ، أي يسوع المسيح المصلوب "الذي صنع السلام بدم الصليب" (كو 1: 20)
إن القول في آ 13 يدلّ على لاهوت شعبيّ: فالسلام الذي يصدر من الله ويُعلن باسم المسيح، لا يمكن إلا أن يكون فاعلاً. فهو بالضرورة سيحلّ على أحد من الناس. إنه يشارك (بشكل من الاشكال) في فاعليّة كلمة الله التي لا ترجع إلى الله الذي أعلنها إلا بعد أن تُتمّ مهمّتها (أش 55: 10- 11). فإن كان البيت المضيف خليقًا بهذا السلام، استفاد منه. وإلاّ عاد السلام إلى المرسلين وحلّ عليهم.
إذن، ليس من عمل رسولي إلا ويحمل ثمارًا. إنه يحمل في ذاته ثقل النعمة وغنى البركة وشعاع السلام. هي ثمار "أسراريّة" تنبع من عمل رسول يسوع وتفيض عليه. فهو حين يعطي السلام الآتي من الله يغتني بنفسه من هذا السلام.

6- إن لم يقبلوكم
مت 10: 14 مر 6: 11 لو 8:9 لو 10: 10- 11
رسالة الاثني عشر رسالة الاثني عثر رسالة الاثني عشر رسالة التلاميذ السبعين
أي موضع وكل الذين وأية مدينة دخلتم
وإن لم تُقبلوا لا يقبلونكم فلا يقبلونكم ولم يقبلوكم
ولم يسمع ولا يسمعون
كلامكم لكم
فحين تخرجون فاخرجوا فحين تخرجون فاخرجوا
من البيت منه إلى الساحات
أو من تلك المدينة من تلك المدينة وقولوا
أنفضوا أنفضوا أنفضوا إننا ننفض
غبار الغبار العالق غبار حتى الغبار العالق
أرجلكم. بأرجلكم أرجلكم بأرجلنا
شهادة عليهم. شهادة عليهم. من مدينتكم
ولكن اعلموا جيدًا
أن ملكوت الله قريب.
فإن لاقت كرازة الرسل أبوابًا مغلقة وقلوبًا موصدة، لن يلحّوا أكثر من اللازم. فالملكوت لا يُعلن بالعنف. كما لا يُعلن بالحيلة التي هي عنف عقلانيّ. فالله يحترم كل الاحترام الحرّيات البشريّة التي خلقها على صورته. هو لا يريد عبيدًا، بل متطوّعين يأتون اليه بملء حريتهم. لهذا يكتفي المرسلون بأن يعلنوا شجبهم وعدم توافقهم، ويفعلون بذلك بطريقة معبّرة: ينفضون الغبار عن أرجلهم (أع 13: 51. هكذا فعل بولس وبرنابا). بهذا الطقس يدلّون على أنه لم يعد لهم أية علاقة بهذه المدن المتمرّدة، ويعاملونها كمدن وثنية.

7- كالخراف بين الذئاب
مت 10: 15-16 لو 10: 12؛ 10: 3
رسالة الاثني عشر رسالة السبعين
الحق
أقول لكم أقول لكم
إن أرض سدوم إن سدوم
وعمورة ستكون في ذلك اليوم تكون
يوم الدينونة
أهون مصيراً أهون
من تلك المدينة من تلك المدينة
انطلقوا!
هاءنذا أرسلكم ها أنذا أرسلكم
كالخراف كالحملان
بين الذئاب بين الذئاب.
كونوا حكماء
كالحيّات
وودعاء
كالحمام.
نجد آ 15 في 11: 24، في الويلات التي يتفوّه بها يسوع ضدّ كورزين وبيت صيدا اللتين رفضتا التوبة حين سمعتا قول يسوع. استعاد مت هذا النصّ في 11: 24، فشدّد مرة أخرى على تماثل رسالة الرسل مع رسالة يسوع. فالعقاب سيكون قاسيًا للذين يرفضون تعليم المعلّم، كما سيكون للذين يرفضون تعليم التلاميذ. هكذا يطبّق مت مسبقًا المبدأ الذي سيعطيه في نهاية الخطبة الرسولية: "من قبلكم فقد قبلني أنا" (10: 40). وقدّم هذا القول لو 16:10 حين قال: "من سمع منكم فقد سمع مني. ومن نبذكم فقد نبذني".
اعتبر التقليد البيبلي دمار سدوم وعمورة في النار والكبريت (تك 19) نمطاً من أنماط العقاب الالهي (رج تث 22:29؛ أش 1: 9؛ 19:13؛ إر 18:49؛ 40:50؛ عا 11:4؛ صف 6:2؛ حك 6:10-7؛ لو 29:17؛ روم 29:9؛ 2 بط 2: 6؛ يهو 7). ومع ذلك فقضاء الله سيكون أهون لهاتين المدينتين الملعونتين منه لمدن اسرائيل، لأن خطيئتها فظيعة بعد أن رفضت ما يحمله المرسلون إليها من تعليم.
أرسل يسوع أخصّاءه كالخراف بين الذئاب. الصورة معروفة في العالم البيبلي. فحسب مزامير سليمان (8: 28)، قديسو الله هم كحملان بريئين وسط أمم الأرض. وقابل المدراش اسرائيلَ بنعجة يحيط بها سبعون ذئبًا، تحيط بها أمم الأرض السبعون. في هذه النصوص، تدلّ الذئاب على الوثنيين. ولكن خطبة يسوع لا يمكن أن تشير إلى الوثنيين، لان المرسلين انطلقوا فقط إلى الخراف الضالة من بيت اسرائيل (10: 5-6). إذن، هناك ذئاب داخل رعية الله، وهم أولئك الذين يأتون بثياب الحملان (7: 15)، والذين التقى بهم بولس خلال عمله الرسوليّ (أع 20: 29).
بما أن التلاميذ هم خراف وسط الذئاب، فلينتظروا الاضطهاد من العالم. هذه الاضطهادات هي أمر طبيعيّ، كما هو طبيعيّ أن يحاول الذئب أن يفترس النعجة التي يجدها. لهذا، حين يكون التلاميذ مسلَّمين إلى مضطهديهم، وليس من يدافع عنهم (لا فضة ولا عصا)، عليهم أن يكونوا حكماء كالحيّات مع بقائهم ودعاء كالحمام يجمعون الفطنة إلى الوداعة والبساطة. لا تكون حكمتهم مداهنة ورياء، ولا تكون بساطتهم بلادة. فإن إعلان الملكوت يتمّ بواسطة عقل رشيد، لأن الحكمة الحقّة هي فضيلة انجيليّة.

خاتمة
تلك كانت توجيهات يسوع من أجل الرسالة. كأني بهذه الكلمات وصيّة يسوع لتلاميذه قبل أن يتركهم. أولاً، الفقر في وجهته الماديّة والنسكيّة وفي شكله الجذريّ، مع التشديد على الجهوزيّة الضروريّة من أجل كرازة بالملكوت سريعة، كرازة تصل إلى أهدافها. ثانيًا، التعامل مع الناس، لا الاغنياء ولا العظماء، بل أولئك المستعدّون لتقبّل كلمة الملكوت مهما كان مستواهم الاخلاقيّ والدينيّ. ثالثًا، يحملون إلى الجميع "السلام". تلك هي الهديّة التي ترافقهم في البيوت التي تستقبلهم، وتلك هي التي يحملها المرسلون اليوم. سلام الرب، كلمة الملكوت في عالم قد يستقبل رسل يسوع أو لا يستقبلهم. وفي أي حال، يعرف الرسول أن من قبله قبل المسيح الذي أرسله. لهذا يتقوّى بقوّة المسيح وينطلق وهو عارف أنه سيجد قلوبًا مغلقة وأبدانًا موصدة، وأنه قد يفرض عليه في النهاية أن يترك الغبار العالق برجليه. ولكن لا بأس. وابن الانسان هو الذي يأتي للقائنا، يعمل بيدنا وهو الذي وعدنا بأن يكون معنا حتى نهاية العالم.
الفصل السابع
خراف بين الذئاب
17:10-25

إن العنوان الذي أعطيناه لهذا الفصل يعود إلى 10: 16 حيث يقول يسوع لتلاميذه: "ها أنا ارسلكم كخراف بين ذئاب. فكونوا اذن حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام". فهذه الآية تعتبر صلة وصل بين مقطوعتين، بين ما سبق الذي يرتبط بوداعة الحمل أو بساطة الحمام، وبين ما يلي الذي يرتبط بحكمة الحيّات. فصورة الخروف لا تُستعمل هنا لكي تصوّر شعب اسرائيل المشتّت (10: 6)، بل الوضع الخطر الذي يعيشه التلاميذ بعد أن أرسلوا بدون سلاح وسط خصوم يحملون اليهم العذاب والموت. ولكن من هم هؤلاء الخصوم؟ هم ذئاب. والصورة معروفة في العالم اليوناني كما في العالم الساميّ (إر 6:5؛ حب 1: 8؛ حز 27:22). أما في العهد الجديد، فالذئب يدل على الأنبياء الكذبة (15:7؛ أع 29:20). أو على كل ما يهدّد القطيع (يو 10: 12). أما في هذه الآية، فالذئاب ليسوا الهراطقة، بل اليهود ولا سيّما الفريسيين الذين كانوا خصوم يسوع ثم خصوم رسله. وهكذا تحيلنا العبارة إلى محيط سوري وفلسطيني عاش فيه مسيحيّو متّى حوالي سنة 80، وعرفوا فيه الاضطهاد والمضايقات.
هذا هو الاطار الذي فيه أعلن يسوع لرسله ما ينتظرهم من آلام. فبعد نظرة عامّة الى هذه المقطوعة، ندرس آياتها بالتفاصيل وننهي بالقراءة اللاهوتية.

1- نظرة عامّة
نحن هنا في القسم الثاني من تعليمات يسوع الى رسله. ويتميّز هذا القسم بشكل واضح عن القسم الأول الذي ينتهي في آ 15 مع صلة وصل في آ 16. في المقطوعة السابقة، سيطر موضوعُ السلطان الخارق الذي منحه يسوع للمنادين بالملكوت. غير أننا لا نجد تلميحًا دقيقًا إلى الآلام التي تنتظر المرسلين. كل ما نجد هو إشارة عابرة إلى أناس قد يَرذلون التلاميذ. في آ 13 يحمل الرسلُ سلام المسيح. فإن قُبل هذا السلام فهو يحّل على أهل ذلك البيت. وان لم يُقبل... إذن، هناك حالات يرفض فيها الناس أن يستقبلوا الرسل المنادين بالانجيل. حينئذ يعود سلامهم اليهم. وفي آ 15، نجد نتيجة رفض الناس للرسل. فالمصير الذي ينتظر هؤلاء الناس سيكون قاسيًا. غير أن آ 16 نبّهتنا إلى الذئاب التي "تهاجم" تلاميذ يسوع. لكن هذه التلميحات الى المقاومات التي تلقاها الجماعة، تظلّ غامضة. والمناخ الذي يسيطر على النشاط الرسولي هو مناخ النجاح والغلبة. بدت مسيرة الرسل رحلة "لا مشاكل فيها". سينتقلون من بيت الى بيت، ومن مدينة إلى مدينة، ويحملون السلام "بلا صعوبة" إلى الناس أجمعين!
ولكن مع آ 17 تتبدّل الأمور كليًا: فالرسل سيُبغَضون. وليس هذا فقط، بل تُصوّر المحن التي تصيبهم بدقّة نستطيع بواسطتها أن نحدّد طبيعة هذه المضايقات والمحيط الذي يعيش فيه الرسل. فالناس الذي تشير إليهم آ 17 هم اليهود بلا شكّ. إنهم يُميَّزون تمييزًا واضحًا عن الوثنيين (آ 18). هم أقرباء الرسل، آباؤهم، إخوتهم (آ 21). وهكذا سيكون البغض عامًا (آ 22) في جميع مدن اسرائيل (آ 23).
مثل هذه النظرة الاجمالية تدعونا إلى الملاحظات التالية:
أولاً: نجد مرمى هذه المقطوعة وما يميّزها من الوجهة التعليمية في آ 24: ليس تلميذ أفضل من معلمه، ولا عبد أفضل من سيّده. فما يعزّي الرسل ويشجّعهم ليس النصر الذي سيُمنح لهم رغم كل شيء. فهنا كما في العهد الجديد (رج 1 تس، 2 تس، 1 بط) يحصلون على العزاء الرئيسي حين يعرفون أن معلّمهم عرف قبلهم الآلام عينها. إذن يجب أن لا يدهشوا من ذلك!
ثانيًا: التماسك اللاهوتي واضح في هذه المقطوعة، لا التماسك الادبي. فنشعر كأننا أمام قطع مبعثرة، جُمعت بعد ذلك بشكل جدير بالملاحظة في انجيل متّى. وما يُثبت هذا القول، هو أن جزءًا من أقوال يسوع هنا، نجده في الخطبة الجليانيّة الكبرى. مثلاً، 9:24، 13: "حينئذ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم، ويبغضكم جميع الأمم من أجل اسمي... ولكن من يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص". ثم في أماكن أخرى. ق آ 19-20 مع لو 12: 11- 12: "ومتى قادوكم إلى المجامع والمحاكم...". ق أيضًا آ 24-25 مع لو 6: 40: "ليس تلميذ أفضل من معلّمه".
فكما يحدث مرارًا، إن هذا النص الخاص بمتّى، هو نتيجة تأليف دقيق من جهة المعنى ومن جهة التعليم الفقاهي. وهو من الدقة بحيث إن قيمته الوثائقية في مسيرة حياة يسوع، تبدو وكأن الانجيلي لا يهتمّ لها. فقد قال أحد الشرّاح: "ما أراد الانجيليون أن يقدّموا لنا سلسلة من الأحداث بحيث يكون لنا تاريخ (سيرة) يسوع. بل رووا هذه الاحداث بترتيب يخضع لفكرة لاهوتيّة".
ثالثاً: إن هذه الملاحظات تطرح مرّة أخرى مسألة المحيط التاريخي لهذه الآيات، وهي مسألة رئيسية من أجل فهم النصّ وتفسيره. للوهلة الأولى، نحسب هذه التعليمات متأخّرة وهي تميّز المحيط السوريّ الفلسطيني حيث وُلد مت، وقد وضعها الانجيلي فيما بعد في فم يسوع. أن تكون هذه الآيات قد جُمعت لتشجّع المرسلين في السنوات 80- 90، أمر لا شك فيه. فمدوّن الانجيل لم يحتفظ بشيء من الأخبار التي لا تفيد كنيسته. ولكن أن نستنتج من كل هذا أن يسوع "لا يمكن" أن يتلفّظ بهذه الاقوال، فأمر لا نستطيع القبول به. فاللغة هي لغة فلسطين وكذلك الأفكار. ثم إن الازائيين الثلاثة يتّفقون على القول بأن يسوع كان واقعياً في ما يخصّ مصيره ومصير تلاميذه. هذا هو المعقول. أما غير ذلك فغير معقول في المناخ الفلسطيني في ذلك الوقت. نحن لا نقول إن ما نقرأ في هذه المقطوعة هو التسجيل الحرفيّ لما قاله يسوع. ولكن يسوع أعطى بلا شكّ تنبيهات إلى رسله، وقد أعادوا قراءتها على ضوء الأحداث التي عاشتها كنيستهم. ووجّههم الروح القدس، فكان لنا الانجيل الذي يعكس في الوقت عينه حياة يسوع وحياة الكنيسة.

2- الدراسة التفصيليّة
نحن هنا أمام عدد من الأقوال تدلّ على أن نصّ متّى راح أبعد من الوضع التاريخيّ للاثني عشر ليضمّ الوضع الذي عرفه المرسلون في زمن متّى. انتقل الانجيلي من صيغة الماضي إلى صيغة الحاضر دون أن يشير بوضوح إلى هذا الواقع. وهذا ما لفت نظر الشرّاح، مع أن الظاهرة معروفة في نصوص عديدة (مثلاً، يو 3). فالانتقال المفاجئ من الماضي إلى الحاضر ينتج عن نظرة متّى إلى الرسل كنموذج ومثال: إنهم يمثّلون القرّاء المسيحيين (ولا سيّما المرسلين) في زمن متّى. كل ما قاله يسوع للاثني عشر إنما قاله للكنيسة، ورسالة الكنيسة هي امتداد للرسالة التي بدأت في أمام يسوع على الارض.
أ- يسلم الرسل (آ 17)
بعد التنبيه الذي نقرأه في آ 16، قدّم الانجيليّ إرشادًا وصورةً مفصّلة عن الضيق الذي يصيب المرسلين. فرغم الحكمة والفطنة (آ 16 ب)، لا يستطيع التلميذ أن يتجنّب الاضطهاد. فلا شيء يدافع عنه حين يتألّم ظلمًا. بل نستطيع القول إن الألم هو ما يميّز المرسل (5: 10-12). كما يكون المعلم كذلك يكون التلميذ. والذين يتبعون الربّ يكون مصيره مصيرهم.
إن المواد في آ 17-22 تعود إلى مر 13: 9-13 (رج لو 21: 12-19). هذا الواقع هو مفتاح تفسير هذا النص. فإن مر 13 هو صورة عن الويلات التي تسبق مجيء المسيح الثاني. ومعالجة متّى لهذا الموضوع في ف 23، يدلّ على أنه فهم اتجاهه الاسكاتولوجيّ وأخذ به. بالاضافة الى ذلك، لا شيء في ف 10 يشير إلى الطبيعة الاسكاتولوجيّة للمواد المرقسيّة، بل إن 10: 22 يذكر بوضوح "النهاية" (أو: المنتهى) و10: 32 يعود إلى المجيء (باروسيا، العودة). ينتج عن هذا أن مت 10 ينظر إلى الرسالة القبل فصحيّة والرسالة البعد فصحيّة، وكلتاهما تنتميان إلى الضيق الاسكاتولوجي، إلى فترة الضيق التي تتطلّع إلى مجيء عالم الله الجديد. وبعبارة أخرى، استعمل متّى، شأنه شأن عدد من الكتّاب في الكنيسة الأولى، فكرة الضيق المسيحاني، ليفسّر الزمن الواقع بين المجيء الأول والمجيء الثاني.
ما فعله متّى حين استقى مر 9:13-13 هو مهمّ جدًا. لأنه لا يعلمنا فقط بنظرته الاسكاتولوجيّة، بل لأنه يقول لنا أيضًا شيئًا عن كنيسته. فالخطبة الرسوليّة في مر وفي المعين، تضمّنت إشارة إلى الاضطهاد. ولكن متّى توسّع في هذا الموضوع أكثر من مراجعه. وهذا ما يعكس الضيق الذي عرفته جماعة متّى، ويفسّر اتجاه متّى الهجوميّ ضد الجماعات اليهوديّة. عندما يفكّر الانجيل الاول بالرسالة، فهو يفكّر بالاضطهاد. لهذا نقول إن مت 10 ليس فقط خطبة رسالة، بل خطبة رسالة في الضيق (آ 14-23، 25، 26، 28، 31، 35، 36). 
"احذروا من الناس". قال مر 13: 9: "كونوا على حذر". هو يشير إلى الجميع سواء كانوا من اليهود أم من الوثنيين (رج 10: 32-33). "سيسلمونكم إلى المحافل" أي إلى السنهدرين المحليّ. وهكذا يكون مصير التلاميذ مثل مصير المسيح الذي مثل أمام السنهدرين في آلامه. والضيق هو رسميّ وعلنيّ. "وفي مجامعهم يجلدونكم" (رج مر 9:13). جعل مت الغائب الجمع (رج تث 25: 2-3 حسب السبعينية)، وزاد الضمير "كم" (أي أنتم)، وهكذا أبرز التوازي بين شطري آ 17. وإذ تحدّث عن مجامع اليهود، دلّ على الفصل التام بين المجمع (العالم اليهودي) والكنيسة (العالم المسيحي). إن فعل "دارو" (جلد) يستعمله يسوع في 19:20. أما الجلد هنا فيشير الى تث 25: 1-3.
لا يقول لنا متّى لماذا يُجلد المسيحيون على يد السلطة اليهوديّة. وهل هذا العقاب قد أصابهم لأكثر من جرم. ولكن هناك امكانيتين. أو أن بعض المسيحيين انتقدوا بقوة السلطات اليهوديّة (مت 23: أي) فاعتُبروا خائنين للنظام العام. أو أن هؤلاء المسيحيين تكلموا عن يسوع فاعتُبر كلامهم تجديفاً. يبدو أن جماعة مت المتهوّدة ما زالت تخضع لسلطة المجمع لهذا استطاع بولس أن يلاحق اليهود لا في أورشليم وحسب بل في دمشق (أع 9).
ب- الولاة والملوك (آ 18)
ذكر مت المحافل والمجامع، فقاده كلامه إلى الولاة (الحكام) والملوك. هذا ما يعكس حياة يسوع. أسلم أولاً الى المجمع اليهوديّ، ثم إلى الحاكم الرومانيّ. هنا عاد متّى إلى صيغة المجهول، ومرقس (13: 11) إلى صيغة الغائب الجمع. نجد فعل "اغو" (قاد). رج لو 23: 1؛ أع 18: 12؛ واستعمل مت لفظة "هيغامون" (حاكم) للتحدّث عن بونسيوس بيلاطس (27: 1، 11؛ رج لو 2:2؛ 1 بط 14:2)). كل هذا من أجلي، بسببي. هنا نتذكّر ما قاله بطرس: طوبى للانسان الذي يحتمل الظلم من أجل الله. أما إن ضُرب لذنب اقترفه فلا مفخرة له (1 بط 2: 19- 20).
"شهادة لهم وللامم" (ق مر 9:13). قد يكون متّى تأثّر بما في مر 13: 10 فزاد "وللامم". ليست الشهادة ضدّهم، بل لهم وكأنها دعوة للتعرّف إلى المسيح. فالتلاميذ عبر ما يقولون ويفعلون ويتألّمون، يصيرون شهودًا للحقيقة. وبعبارة أخرى، هم يشهدون للانجيل حتى ساعة يُقبض عليهم، كما فعل بولس أمام اليهود وأمام الوالي الروماني. ونضيف أن من تكلّم إلى الملوك والولاة، يكون وكأنه تكلّم الى الشعب الذي يمثّلونه (رج 20: 19؛ 2 تم 4: 16-18). لم تشر هذه الآية الى نشاط خارج فلسطين، لان عدداً من الوثنيين كانوا يعيشون في الأرض المقدّسة.
ج- متى أسلموكم (آ 19)
إن آ 19- 20 تجدان ما يوازيهما في مر 13: 11؛ لو 21: 14-15، كما في لو 12: 11-12. هذا الاخير نجده في المعين ويرتبط بعض الارتباط بمتّى ضدّ مرقس، قد يكون هناك رباط بين مرقس والمعين.
"فمتى أسلموكم". رج مر 13: 11. تتبدّل صيغة الفعل بين المخطوطات. ولكن تبقى في فعل "باراديدومي" "فلا تهتموا لما يقولون". استعمل مر 13: 11 فعلاً آخر (بروماريمناوو. لا يرد إلاّ هنا في الكتاب المقدس). في متّى سقط "برو" من بداية الفعل. اتفق متى مع لوقا ولكن لا مع "لا تهتموا" (رج مت 25:6-34).
يفترض ف 10 أن المرسلين المسيحيين يتألّمون، وهم لا يقاومون الاّ بالكلمة. وهم يفعلون لا ليدافعوا عن أنفسهم، بل ليعلنوا الانجيل. وهكذا يعيشون التطويبات وما قيل عن الانتقام وحبّ الاعداء (5: 38-48). "يعطى لكم في تلك الساعة ما تقولونه". اختلف مر 13: 11 بعض الشيء عن مت: "فما يُعطى لكم في تلك الساعة قولوه". تأثّر متّى هنا بالمعين (لو 12:12).
كما قدّم كلامًا رعاويًا يشجّع به المرسلين الموجودين في مأزق. وقد يكون تذكّر كلام التشجيع من الرب الى موسى: "أنا أكون مع فمك وأعلّمك ما يجب أن تقول" (خر 4: 12). وهناك نصوص تعطى فيها الكلمة التي يقولها الشعب. رج مز 119: 41-46؛ إر 1: 6، 10؛ أف 6: 19. بل نجد عند أحيقار (32): "إذا كان الشاب محبوبًا من الآلهة، فهم يعطونه ما يجب أن يقوله".
د- لستم وحدكم (آ 20)
حين يقف المرسلون أمام المحافل والمجامع، أمام الولاة والملوك، فليسوا وحدهم. فروح (بنفما) أبيهم هو معهم كما كان مع الانبياء، فيصبحون "بوق" الروح القدس. نجد علاقة بين الاعتراف أمام السلطات والهام الروح القدس في نصوص عديدة. أع 8:4؛ 5: 32؛ 1 بط 4: 12؛ رؤ 19: 10، ق أش 42: 1. يظهر الروح في الأزمة، في وقت الشدّة. "لستم أنتم المتكلّمين" (مر 13: 11). يستعمل المسيحيون الاولون فعل "لاليو" بدل فعل "لاغو" لكي يتحدّثوا عن كلمة وحي أو انخطاف. رج 1 كور 12: 3؛ 13: 1؛ 14: 2. 
"روح أبيكم هو المتكلّم فيكم". ق يو 26:14: 1 كور 2: 4. هنا نتذكّر عماد يسوع ساعة نزل الروحُ وتكلّم الصوتُ الإلهي. قال مر: "الروح القدس". وقال متّى: "روح أبيكم"، مثل يو. هذا ما يُعدّنا لنقرأ آ 21. قد يلاقي التلاميذ الخيانة من أقاربهم، ولكنهم يعرفون أن عائلتهم الحقيقيّة ليست عائلة الأرض التي فيها يتألمون (12: 49- 50).
ونسوق هنا ملاحظتين. الاولى، يسوع هو في مت ذاك الذي "يمتلك" روح الله، يحمله (3: 16؛ 12: 18 ,28). وهكذا نكون أمام مقابلة بين يسوع ورسله: هم أداة الروح. الثانية، إن وعد الروح (في مت أو في مراجعه) قيل في إطار إسكاتولوجيّ. فالعالم اليهوديّ نظر أيضًا إلى فيض الروح في آخر الأيام في هذا الإطار عينه (رج يوء2: 28-29 كما ورد في أع 2: 17- 21).
هـ- خلاف داخل العائلة (آ 21)
الموضوع الآن هو الخلاف داخل العائلة (10: 34-36). نقدّم ملاحظتين. الأولى: المنظار الاخباري يدلّ على أننا بعد الفصح والقيامة. الثانية: يقول يوحنا الذهبيّ الفم إن التعزية هي هنا على الابواب (عظة في مت 33: 4). إذا تكلّمت آ 21-22 أ، و23 أب عن الضيق، فإن آ 22 ب،23 ج تتكلّمان عن الخلاص.
"يسلم الأخ أخاه للموت...". نجد مثل هذا الكلام في سفر أخنوخ الحبشي (100: 1-3). ق مر 13: 12؛ مي 6:7 بحسب السبعينية. ينتمي هذا الموضوع الى الانتظار الاسكاتولوجيّ (10: 35-36). قد يكون تأثير من أش 19: 2 (رج مت 24: 7= مر 13: 8): "فيقاتل الانسان أخاه، والرجل صديقه، والمدينة المدينة، والمملكة والمملكة". "باراديدومي" (أسلم). رج 4: 12؛ 10: 14؛ 17: 19. نجد في كل هذا لغة قاسية. وقد يشعر القارئ أنه أمام استعارة. ولكن يجب أن نتذكّر أن الجماعات المسيحيّة عرفت أخبارًا عن الذين قدّموا حياتهم من أجل الانجيل: اسطفانس، بطرس، بولس، يعقوب. وقد سبقهم يوحنا المعمدان ويسوع نفسه. قد لا يكون الموت مهدّدًا لجماعة متّى، ولكن قد يكونون أمام احتمال واقعيّ.
و- "وتكونون مبغضين" (آ 22)
رج مر 13:13؛ ق مت 5: 10-12؛ يو 19:15، 21، 16: 2. ترد الكلمات عينها في مت 9:24 مع لفظة "الامم". ولكن المعنى هو هو. سيلاقي تلاميذ يسوع المقاومة من كل جانب. لا طمأنينة لهم في فلسطين ولا خارج فلسطين. فالأرض المقدسة ليست أفضل ولا أردأ من سائر الامكنة. "من أجل اسمي" (رج أش 66: 5: أبغضوكم وطردوكم لأجل اسمي). هذا هو سبب الاضطهاد: تماهي التلاميذ مع يسوع واعترافهم به (1 بط 4: 14). ما يبغض العالم ليس التلاميذ بل تصرّفهم كتبّاع يسوع. وهم يلاقون الاضطهاد حين يتكلّمون مثل معلّمهم ويفعلون ما يفعل.
"ومن يثبت إلى المنتهى يخلص". من يتحمّل الضيق (هيبومايناس). رج 2 تم 2: 12؛ عب 10: 32-33. "حتى المنتهى" (تالوس). لا "حتى الموت" (رؤ 2: 10). أو " أخيرًا" (مر 2 مك 8: 29) ولا "باستمرار" (لو 18: 5). بل حتى المجيء (باروسيا). ق حب 2: 3؛ مي 7: 7؛ دا 12: 12-13. رغم الظواهر، فالتلاميذ الذين يُمتحنون ويضايقون، سيخلصون من الموت ويجدون الحياة.
ز- من مدينة الى مدينة (آ 23)
تطرح هذه الآية خمسة أسئلة. هل هي تدوينيّة؟ إن لا، هل نربطها بالمعين؟ هل كانت آ 23 أ ب مستقلة في الاصل عن آ 23 ج د؟ هل تعود آ 23 إلى يسوع؟ ما هو معناها؟
بالنسبة إلى السؤال الاول. لا شيء يوازي آ 23 في مر ولا في لو. ثم إن آ 23 أ ب قريبة جداً من 24:23 ج التي هي تدوينيّة في شكلها الحالي. والمفردات في آ 23 تميّز الانجيل الاول. بينما تكون بنية القول قد تبعت 10: 19- 20 و28:16. لهذا اعتبر بعض العلماء أننا أمام آية تدوينيّة. ولكن آ 23 لا تكرّر آ 22. ولماذا لا نعود إلى مرحلة سابقة لمتّى؟
والسؤال الثاني. إذا كانت آ 23 سابقة لمتّى، أو أنها تعود إلى المعين أو إلى تقليد منعزل، فالذين عادوا إلى المعين قالوا إن آ 23 تتبع 10: 19- 20= لو 12: 11-12. فالقولان متشابهان في المضمون. وإن ألغى لو ما يوازي آ 23، فأمر مفهوم، لأنه لا يوافق الوضع الرسوليّ الذي عرفه. ولكن لماذا يضع لو ما يوازي هذه الآية في ف 10؟ لهذا يعود الشرّاح إلى مرجع آخر مستقل استقى منه متّى.
والسؤال الثالث. يبدو أن الارتباط بين قسمَي الآية جاء في وقت لاحق. فقد تكون آ 23 ج د كافية نفسها بنفسها (لن تتموا مدن اسرائيل). ولفظة "تتموا" لا علاقة لها بالاضطهادات. ولكن هناك رأيًا آخر يشدّد على الارتباط بينهما. فنحن في مناخ اسكاتولوجيّ، وهناك رباط بواسطة كلمة "مدينة" في الشقّ الاول و"مدن" في الشقّ الثاني.
والسؤال الرابع. هل يعود هذا القول إلى يسوع؟ قد يكون الجواب نعم بقدر معقول جداً. فله ما يوازيه في 18:5. واللغة ساميّة. والمنظار اسكاتولوجيّ على ما نعرف عن يسوع. قد تكون هذه الآية تعبيرًا آخر عمّا في مر 8: 1 (البنية نفسها): الحق الحقّ أقول. ما لن يحدث للتلاميذ. مجيء ابن الانسان او ملكوت الله. فاذا افترضنا على ضوء 28:16 (ق مر 9: 1 حيث ملكوت الله صار في مت ابن الانسان) اهتمام مت بلقب ابن الانسان، تعود آ 23 (التي هي سابقة لمتى) لا إلى ابن الانسان بل الى ملكوت الله. ونستطيع أن نفترض بعد ذلك أن التعبير في مر 9: 1 قد تحوّل بعض الشيء حين صار مقدّمة مشهد التجلّي، بحيث يصبح الاختلاف بين مت 23:10 ومر 9: 1 بسيطاً. فالنصان يقولان إن ملكوت الله سيأتي بعد الموت أو الاضطهاد.
والخامس. إن هذا القول في فم يسوع هو كلمة تشجيع للرسل (أو المرسلين)، الذين يحمل إليهم المستقبلُ الاضطهادات. تشجّعوا. فخلاصكم قريب. ولكن ما الذي فهمه متّى؟ فسّر آ 23 كنبوءة قد تمّت فعلاً في الكنيسة. لقد ماهى متّى بين مجيء ابن الانسان ومجيء ملكوت الله في ملئه (28:16). فحسب الانجيل الأولى، حين يأتي ابن الانسان يُرسل الملائكة، ويحاسب كل انسان، ويجلس المسيح على عرشه (13: 41؛ 27:16؛ 27:24-44؛ 25: 31). وبعبارة أخرى، إن مجيء ابن الانسان يعني الدينونة الأخيرة. وهكذا تكون آ 23 إشارةً إلى المجيء الثاني (باروسيا).
ولكن يرى بعض الشرّاح أن مثل هذه النبوءة تجعل من يسوع، لا سمح الله، "نبيًا كاذبًا": فابن الانسان لم يأت في المجد قبل أن يتمّ الرسل مهمتهم في اسرائيل! غير أن متّى يعلمنا أن الرسل قد أنهوا عملهم في اسرائيل. فحين طلب من المرسلين أن "يخرجوا" (10: 5-6) لم يقل لهم بأن يعودوا (ق مر 6: 3؛ لو 10: 17). بدأت الرسالة في اسرائيل قبل القيامة، ولكنها لم تنته. بل هي تتواصل مع الرسالة إلى الأمم لأن الأمر في 28: 19 بالذهاب إلى الأمم يعني اسرائيل أيضًا.
ح- التلميذ والمعلم (آ 24)
بين 10: 16-23 الذي يتحدّث عن الاضطهاد و10: 26- 31 الذي يقدّم التعزية، أدرج متّى 24:10-25. لقد وصل هذا النصّ الى مت كتقليد مستقلّ. هناك ما يقابله في لو 6: 40 (ليس تلميذ أفضل من معلمه). ولكن الاختلاف بين الاثنين واضح على مستوى السياق والتطبيق والبنية والمضمون.
قد يكون لو 6: 40 استخلاصاً من المرجع المستقل الذي اخذ منه مت. هـان كان مت قد عاد إلى المعين، فقد يكون لوقا أوجزه.
نستطيع أن نقرأ هذا المقطع في شكلين مختلفين: إذا قرأناه مع ما سبق، فهو يعلن ضرورة الألم: اضطهدوا المعلم، فمن المؤكّد أنهم سيضطهدون التلميذ. واذا قرأناه مع ما يلي، فهو يعلن التعزية: تشجّعوا. فحين يضطهدونكم فهكذا عملوا بمعلمكم. ولكن هناك اعتبارات ثلاثة تجعلنا نشدّد على ضرورة الألم. أولاً، في يو 6: 40 وفي يو 6:13، لا يرتبط القول حول التلميذ والمعلم بالتعزية، بل يقع في إطار إرشادي. ثانيًا، إذا عدنا إلى تلمود بابل 55 ب وسفري لا (أي اللاويين) 23:25 حول لفظة "حسبُ" (يكفي)، فهي لا تعبّر عن التعزية بل عن تحمّل الألم. ثالثًا، حين ندرس بنية ف 10 نفهم أن المقطع ينتمي إلى المثلث آ 5- 15+ 16-23+ 24-25. أما 26:10- 31 فهو مستقّل. 
"ليس التلميذ أفضل من المعلم". قد نكون هنا أمام قول مأثور (صيغة الحاضر). يسوع هو المعلم في متّى (رج 8: 19). "ولا العبد أفضل من سيّده" (يو 13: 16). يسوع سمّى نفسه الخادم (العبد 20: 28). والخدمة المسيحية هي الحريّة الكاملة. وقد قال فيلون الاسكندراني في هذا المجال: أن يكون الانسان عبد الله، فهذا أعظم فخر له، هو كنز أثمن من الحريّة والصحّة والقوّة وجميع ما يعزّ على قلب المائت (أي الانسان).
ط- معاملة واحدة (آ 25)
فإن لم يكن التلميذ مساوياً للمعلم، فهو يتوق أن يتشبّه به. وكذلك العبد بالنسبة إلى السيّد (أو: الربّ). هذا هو موضوع الاقتداء بالمسيح: فعلى المسيحيّين أن يتبعوا خطّ المسيح، ولكننا لسنا أمام اقتداء حرفيّ. فقد انطلق الابيونيون وجماعة قرنتس من مت 10: 25 ليدعوا المسيحيين إلى الختان لان المسيح خُتن. هنا نتذكر أقوالاً نُسبت إلى اسحق السرياني: "إن سأل أحد كيف يقتني التواضع، نجيب يكفي التلميذ أن يكون مثل معلّمه والعبد مثل سيّده. فكم بدا التواضع عظيماً لدى ذاك الذي أعطانا هذه الوصيّة وأعطانا إياها كهديّة. اقتد به فتقتن التواضع".
"إن سمّوا ربّ البيت بعل زبول، فكم بالأحرى أهل بيته"! رج 1 بط 4: 1. بما أن التلاميذ هم أعضاء في البيت المسيحي، فهم يُضطهدون. من يُسمَّى هنا؟ في 9: 34، سمّى الفريسيون يسوع رئيس الشياطين لأنه يطرد الشياطين. رج 12: 24. وهكذا يكون رؤساء اليهود هم الذين اتّهموا يسوع وتلاميذه بأن الشيطان هو من يلهمهم في أعمالهم.

3- القراءة اللاهوتية
أ- الاضطهاد المنتظر (آ 17- 20)
تستعيد أولى كلمات آ 17 موضوع الفطنة (أو الحكمة في آ 16)، ولكن مع ألفاظ أخرى. ففعل "بروساخاين" الذي يستعمله مت مرارًا، يرتدي معنين: تنبّه، رفض شيئاً (15:7؛ 6:16). ثم حذر الخطر أمام وضع من الأوضاع (6: 1). هذا هو المعنى في هذا النصّ. فيسوع لا ينصح تلاميذه بأن يهربوا من المجتمع الذي يعيشون فيه، من "الناس" (رج 19:4؛ 5: 16؛ 6: 19)، بل أن يحذروا في لقائهم مع الناس السراب والوهم. فلا ينسوا أن معلّمهم قد رذله هؤلاء الناسُ.
سيدلّ ولْي الآية على أن هؤلاء الناس هم اليهود. نحن هنا أمام النص الوحيد في العهد الجديد حيث لفظة "سنهدرين" ترد في الجمع فلا تدلّ على المجلس الأعلى الذي كان في أورشليم قبل دمارها. بل على كل اجتماع حول المجمع أو الكنيس. وهكذا تكون لفظة "المحافل" مرادفة للفظة "المجامع". نحن أمام جماعات محليّة تلتئم في ظلّ المجمع وتتألّف من 23 عضوًا. نحن هنا أمام استعمال متأخّر. لأنه بعد سقوط أورشليم أخذت هذه المحافل المحليّة أهميّة كبرى (5: 22؛ 26: 59). وهكذا يكون عرف العطف (كاي) مفسّرًا لما قبله. المحافل أي المجامع.
ويتحدّث النصّ عن الجلد. وكان يتمّ في العالم اليهودي التقليدي بواسطة العصا (تث 25: 2). ولما تأثّروا بالرومان استعملوا السوط والمجالد (2 كور 11: 25؛ أع 22:16؛ رج مت 34:23). في هذه الحال، لا يتّخذ الملوك والولاة المبادرة، بل اليهود، وبشكل أخصّ الفريسيون الذين يطلبون الحكم على المسيحيّين كما طلبوه على المسيح. وكل هذا "من أجلي". لا من أجل عملي الخفيّ فيهم، ولا بالنظر إلى خدمتي من أجلهم، بل لأنهم تلاميذ يسوع (رج 5: 11). هذا هو معنى الأداة في آ 22 (من أجل اسمي). غير أن هذا العنف سيكون له معنى يعرفه المسيحيون وحدهم: سيكون مناسبة شهادة للمسيح وللملكوت. شهادة على عيون الملأ. شهادة في إطار سياسي أمام الولاة والملوك. أجل، سيسمع الملوك من يحدّثهم عن ملكوت آخر ليس من هذا العالم وإن كان في العالم.
"لا تهتمّوا" (آ 19). المهمّ في نظر متّى، هو انشغال بال وقلق وبلبلة (6: 25) تجعل الانسان يضيع فلا يعود يعرف كيف يتصرّف. هذا الهمّ يحرم الانسان من عطايا الله سواء كانت ماديّة (ف 26) أو كانت أقوالاً ملهمة كما نقرأ هنا. إذن، لن يُطلب من الرسل أن يكرّروا أمثولة "سجّلت لهم" عن يسوع أو الملكوت، ولن يُطلب منهم أن يدافعوا عن نفوسهم (رج لو 12: 11). فالمهمّ هو الشهادة التي يؤدّونها لمعلّمهم.
حين نقرأ آ 20 نظنّ أننا أمام إلهام ميكانيكي (كالآلة أو الأداة) يزيل كل مشاركة للمؤمن في هذه الشهادة: إنه كالبوق أو مكبّر الصوت! كلاّ ثم كلاّ. يرد مرّتين "هيمين" الكم، فيكم)، فيشدّد على أن هذه الشهادة تتمّ في الرسل وبواسطة الرسل. فهنا وفي كل مكان، الله يحتاج الى البشر، ولا يستطيع الانسان أن يشهد حقا إن لم يفعل بكل قواه الجسديّة والعقليّة والروحيّة. وروح الآب الذي يعطى لنا لا يُلغي مواهبنا، بل يُبرزها ويفتحها ويأخذها على عاتقه لكي تحمل الكلمة التي تؤدّي أفضل شهادة. عبّر لوقا عن الفكرة عينها ولكن بألفاظ مختلفة فقال: "إن الروح القدس يعلّمكم في تلك الساعة ما ينبغي أن تقولوا" (12: 11).
هي المرّة الوحيدة في مت مع 3: 11، يذكر فيهما الانجيلي الروح القدس الذي يُعطى للتلاميذ لا للمسيح (3: 16؛ 4: 1؛ 28.18:12؛ 42:22؛ 19:28). ولكن يكفي أن نقرأ أعمال الرسل والرسائل لكي نكتشف عمل الروح، كما نكتشف الدور الحاسم الذي لعبته محاكمات المسيحيين أمام السلطات من أجل انتشار المسيحيّة في القرن الاول.
ب- عداوة من داخل البيت (آ 21-23)
إن مضمون آ 21-22 سنجده أيضًا في 10: 35 (جئت لأفرّق الانسان عن أبيه) الذي يستلهم مي 6:7. تلمح آ 21 إلى العنف الذي يصيب المسيحيين أمام القضاة. وإذ يشهد أقارب المسيحيّين ضدّ المسيحيّين أمام السلطات، يرسلون هؤلاء المسيحيين إلى الموت (ايس ثاناتون). ان فعل "ابانستماي" يعني وقف، انتصب أمام آخر. هنا وقف أمامه في المحكمة لكي يشي به. لا يرد هذا الفعل في كل العهد الجديد إلاّ هنا وفي مر 13: 12.
هكذا يفعل الأخ والاب والاولاد. "ويميتون" المسيحيّين. وكل هذا من أجل اسمي. من أجل هذا الاسم يُبغَض المسيحيون. اسم يسوع. الاسم المسيحي (29:19؛ مر 13:13 وز؛ أع 26:11؛ 1 بط 16:4). ولكن تلاميذ يسوع قد نالوا الاضطهادات من أجل الاسم (اسم يسوع) قبل أن يُسمّوا مسيحيّين.
ان فعل "هيبوماناين" الذي لا يرد إلاّ هنا في مت، قد عرفته المسيحيّة الأولى للكلام عن الاستشهاد. هو لا يعني "قاوم" بل "تحمّل" "تألّم بصبر" (مر 13: 13؛ روم 12: 12؛ 2 تم 2: 12؛ 1 بط 2: 20؛ ق دا 12: 12). في مت، يحضّ يسوع تلاميذه لا على تحمّل العذابات الجسديّة وحسب، بل أن لا ينكروا معلّمهم ايضاً حتى لو وصل بهم العذاب إلى الموت. فلفظة "تالوس" لا ترتبط هنا بنهاية الاضطهاد ولا بالاستجواب ولا بنهاية الازمنة،، ولا بالهدف الأخير الذي يتوخّاه الله من هذه الآلام، بل بموت الشهيد (13:24؛ مر 13: 16). ينتج من هذا أن العبارة "ذاك يخلص" لا تعني أنه ينجو من متّهميه، أنه يُشفى، بل أنه ينال رضى الله في الدينونة الأخيرة. هذا لا يعني أن الشهيد وحده الذي ختم شهادته في الدم يخلص، كما سيقوله بعضُ المعلّمين بعد ذلك، ولكن بين جميع المضطهدين، لا يخلص الا الذين "ثبتوا" في شهادتهم حتى الموت.
ماذا تعني آ 23؟ ليس الشقّ الأول نصيحة تدعو إلى الفطنة فقط. بل هو يُبرز السرعة التي بها ينتشر الانجيل من مدينة الى مدينة بسبب الاضطهاد. هذا ما حصل بالفعل بعد موت اسطفانس (رج أع 8: 1؛ 11: 19). وهذا الهرب الذي نجده مرارًا في المسيحيّة الأولى، سيكون من أكبر الوسائل لنقل الانجيل.
حينئذ يعني الشقّ الثاني في آ 23: حتى مجيئي في المجد، حتى نهاية الأزمنة، ستجدون مكاناً تهربون إليه وتشهدون للانجيل. إذن، لا تدلت هذه الآية على قُرب عودة يسوع، بل على جميع امكانيّات الشهادة التي يحملها التلاميذ إلى إسرائيل حتى عودة الرب. هذا التفسير لا يمنع تفاسير أخرى. منها: لسنا أمام عودة ابن الانسان، بل مجيئه الروحيّ وسط أخصّائه، أو عودته حياً إلى تلاميذه بعد رسالتهم. ومنها أيضًا: لا تنتهون من تبشير مدن اسرائيل قبل أن يعود ابن الانسان. نكون هنا أمام تلميح إلى المهمّة الطويلة والصعبة التي سيقوم بها تلاميذ يسوع في اسرائيل.
ج- التلميذ والمعلّم (آ 24- 25)
تشكّل هاتان الآيتان خاتمة المقطوعة كلها، وإن جعلهما الانجيلي هنا (رج لو 6: 40). فنحن نجد تعبيراً عن ذات الفكرة في أماكن أخرى من العهد الجديد (مثلاً 1 بط 4: 1ي). لا يستطيع التلاميذ أن ينتظروا مصيراً يختلف عن مصير معلّمهم المصلوب. نلاحظ أن جزءًا كبيرًا من المسيحيّين توقّفوا عند آلام المسيح الذي احتُقر وصُلب، وتركوا بعض الشيء النظر إلى القيامة مع أن أقواله المسيح كما جمعها متّى عُرفت في كنائس تحتفل أيضًا بالقيامة (يو 13: 6). حسبُ التلميذ، يكفي التلميذ (اركاتون، رج 6: 34). هذه اللفظة لا تدلّ على ما يجب أن يكتفي به التلميذ، بل على ما هو كاف في حدّ ذاته، في نظر الله. المعلم وتلميذه والسيد وخادمه هم في وضع واحد. يتماهى مصير السيّد مع مصير الخادم. ولكن إن كان مصير السيّد مؤلما ويصل به إلى الاضطهاد والموت، فهذا لا يعني أنه ينشِّئ التلميذ لكي يحيا مغامرته من جديد. فهذان المصيران (مصير المعلم ومصير التلميذ) يتشابهان في مسيرتهما الخارجيّة، ولكنهما يختلفان في مدلولهما وبعدهما. إن ألم يسوع هو ألم ذاك الذي فيه اقترب الملكوت. أما ألم التلاميذ فهو ألم شهود (آ 18) هذا الملكوت.

خاتمة
وهكذا أعلن يسوع لتلاميذه منذ إرسالهم أن الاضطهادات تنتظرهم. سيكونون "كالخراف بين الذئاب". وقرأ متّى كلام يسوع على ضوء الواقع الذي تعيشه كنيسته. اضطهاد أول من قبل اليهود، من قبل أهل المجمع، وكانت سلطتهم كبيرة في أيام الرومان، على اليهود أينما وُجدوا. واضطهاد ثان من قبل العالم الوثنيّ. لن يكون الاضطهاد أولاً من البعيدين، من الوثنيين، بل من القريبين، من اليهود. "أعداؤهم" هم أهل البيت. وهكذا يتضاعف الخطر، ولكن لا بأس. لأن هذا الخطر لا يدوم إلى ما لا نهاية. ثم إن هذا الخطر يجعل مصير التلميذ مثل مصير معلّمه. يبقى علينا كما سيقول لنا يسوع فيما بعد أن نفهم أن من يثبت إلى المنتهى فهذا يخلص.
الفصل الثامن
لا تخافوهم
10: 26- 36

هذا المقطع القاسي هو انجيل وبشرى، هو خبر طيّب. إنه يكشف لنا الشريعة العميقة التي توجّه حياة تلميذ يسوع، والينبوعَ الرئيسي لقوّته. وشريعة الحياة هذه هي تلك التي مارسها شهود يسوع بدءًا باسطفانس، أحد السبعة (أع 7: 4 ي)، وهذه القوة هي التي في موتهم تجعل الحياة تنتصر.

1- تأليف النصّ
بعد أن قدّم لنا مت تعليمًا حول البرّ الحقيقي في خطبة الجبل (ف 5-7)، ها هو يقدّم لنا الخطبة الثانية التي هي عرض تعليميّ للوضع الذي يعيش فيه تلميذ يسوع (35:9- 11:1).
تتضمّن هذه المجموعة عناصر مختلفة وهي تنقسم إلى ثلاث وحدات: تتضمّن الأولى خطبة الرسالة، وهي تعالج المهمّة التي سُلّمت إلى التلاميذ (9: 35- 10: 16). وتتحدّث الثانية عن الاضطهادات التي سيقاسيها التلاميذ (10: 17-25). وبدت الوحدة الثالثة متراخية، فتضمّنت أقوالاً خاصة تعرض الظروف الباطنيّة من أجل السير على خطى يسوع. إذا وضعنا جانبًا الآيات الختامية (10: 40-42)، يمكننا القول إن 10: 26-39 يختتم هذه المجموعة التي سُميّت خطبة الارسال أو الخطبة الرسولية.
إذا توقّفنا عند تأليف النصّ، وجدنا البناء متراخيًا في نهايته. ذاك كان الوضع في عظة الجبل (بعد 6: 19). أما بالنسبة إلى المضمون، فأقوى ما فيه هو نهايته. بعد أن أورد مت الأمر بالرسالة مع توصيات مفصّلة وعمليّة ترافقه. وبعد أن أعلن المضايق الخارجية، ها هو يقودنا إلى قلب وضع الرسالة.
والامانة لهذه الرسالة تفترض من قبَل التلميذ الذي يخدم معلّمه (24:10-25)، أن يتخلّى عن كل حياء بشري ليعترف جهارًا بإيمانه (10: 26-33). أن يفضّل الارتباط بيسوع على كل رباط آخر (10: 34- 37). بل أن يضحّي بحياته راغباً في تفتّح شخصيته وامتلاك نفسه: "من وجد نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها" (10: 39).

2- درس من أجل الكنيسة
في الوحدة الثالثة (تبدأ مع آ 26)، فصل مت الخطبةَ الرسوليّة عن وضعها التاريخي في حياة يسوع، وجعل منها تعليمًا ذا بعد واسع يتوجّه إلى تلاميذ يسوع. بدا الانجيلي وكأنه نسي الظرف الملموس الذي قرأناه في 9: 35- 10: 1، نسي الخاتمة التي تلقي ضوءاً على معنى المجموعة كلها.
ما شاء الكاتب أن يعطينا هنا تقريراً مفصَّلاً عن إرسال التلاميذ "إلى الخراف الضالّة من بيت اسرائيل" (10: 6). هذا الارسال أراده يسوع امتدادًا لكرازته في القول والعمل. وهو مناسبة للانجيلي لكي يشرح للكنيسة من هو التلميذ وما هو دوره. وهكذا بدا مت 10 "درسًا للكنيسة"، وهو لا يُفهم إلاّ كذلك.
وهناك فكرة تُشرف على المجموعة: التلميذ هو مرسَل. ووضعه كتلميذ يتحقّق في إرساله. ولا يهتم مت هنا في تصوير هذا "الكائن الجديد"، بقدر ما يؤكّد على إرادة سامية تعمل فيه. فيسوع هو الذي يختاره ويدعوه بحرّية، ثم يرسله. ويتحقّق وضع التلميذ حين يقبل هذا الاختيار، يسمع النداء، ويخضع له في الحياة اليوميّة.
ويوافق هذا الوضعُ شريعة أساسية من شرائع العمل الالهي، كما نجده في الكتاب القدس منذ ابراهيم (تك 12: 1-4) إلى يوحنا المعمدان (لو 1: 7؛ 2:3). لا يكتفي نصّ مت بأن يستعيد الوضع التاريخيّ للحقبة التي مارس فيها يسوع رسالته على الأرض. ولكنه يعلمنا بالوضع الذي اختبره متّى نفسه حين كان يدوّن انجيله. وهكذا يبدو واضحًا أن الانجيلي يطبّق أقوال يسوع على عصره.
هناك سمات تتيح لنا أن نتعرّف إلى هذه التطبيق بشكل أكيد. لهذا نفسّرها بالنظر إلى الوضع الذي لأجله وُضعت وفي إطار ذلك الزمان. وقد تستطيع هذه السمات أن تكون نقطة انطلاق للتفسير الذي نعطيه اليوم. فهي تشكّل منذ الآن مرحلة في التفسير الصحيح في زمن الكنيسة، وتجهّز الجسر الذي يربط "زمن يسوع" بـ "زمن الكنيسة".
ونجد علامة أكيدة لهذا التأوين في العبارة الأولى من النصّ الذي ندرس: "إذن لا تخافوهم" (آ 26 أ). هذه العبارة هي انتقالة بين الوحدة الثانية والوحدة الثالثة. والضمير "هم" يتعلّق بالذين يُشعلون البغض والاضطهاد (10: 17- 25). فالاضطهادات التي ينظر اليها النصّ هنا، هي تلك التي تأتي من اليهود (17:10، 23، 24-25)، والتي قاستها في ذلك الزمان كنيسة متّى بطريقة عنيفة. "إذن لا تخافوهم"! إذن، نحن أمام عودة إلى خصوم يريدون إيذاء الانجيل ويضطهدون أبناء دينهم.

3- وحدة 10: 26-33
تكوّنت هذه المجموعة في "المعين". وهذا ما يدلّ عليه ترتيب الأفكار المشابَه في مت وفي لو 12: 2-9. إذن نعتبر هذه المقطوعة الصغيرة وحدة تامّة، ونفسّرها انطلاقاً من الفكرة الموجّهة في النصّ الحالي. نستطيع أن نكتشف فيها مقطعين أدبيّين كانا منفصلين في البداية (10: 26- 31؛ 10: 32- 33). ضُمّ المقطعان الآن في توسيع واحد، وهذا وضعٌ له أهميّته.
لا يتكلّم المقطع الأول في شكله اللوقاي (الذي يبدو أقدم من الشكل المتاوي) الا عن التلميذ تجاه الله الآب. ولا نجد حديثًا مباشرًا عن يسوع، عن دوره بالنسبة إلى الرسالة وإلى حياة التلميذ (لو 12: 3). لن تظهر هذه الافكار بوضوح إلاّ في آ 32-33 (= لو 12: 8-9). غير أن متّى دلّ منذ البداية على هذه العلاقة حين كتب: "ما أقوله لكم في الظلمة" (آ 27). لقد ارتدى المقطع الأول من هذا النصّ "لباسه المسيحي"، كما تحاول أن تعيشه الكنيسة بعد القيامة.

وهناك ملاحظة ثانية. قال يسوع في المقطع الأول إن عصفوراً واحداً لا يسقط على الأرض "بدون علم أبيكم" (آ 29) (رج لو 12: 6: أمام الله). غير أننا نقرأ في المقطع الثاني أن يسوع يعترف بالتلميذ أو ينكره "قدّام أبي الذي في السماوات" (آ 32-33) (رج لو 12: 8-9: أمام ملائكة الله). تتميّز لفظة "أبيكم" عن لفظة "أبي"، لكن اللفظتين متشابهتان. وهكذا نكتشف هنا دور يسوع الرئيسيّ، وهو يحدّثنا عن أبيه (أبي) وعن أبينا (أبوكم).
وتشكّل آ 32-33 الحلقة التي تربط ما يسبق بالأقوال اللاحقة، حيث نكتشف بشكل أوضح أهمّية يسوع في حياة التلميذ. ففي نظر مت، لم يعد من الممكن أن نجعل حاجزًا بين الله ويسوع كما فعله اللاهوتيّون اليهود. فشخص يسوع قد يكون مناسبة شكّ وعثار. ولكنه يتيح أيضاً للايمان أن يعلّمنا الاقتداء بالمعلم اقتداءً كاملاً (39:10).

4- لا تخافوهم
هناك فكرة واحدة تمتدّ في كل النصّ: هي الدعوة أن لا نخاف (آ 26، 28، 31). إن هذا التحريض يشكّل النظرة الأساسيّة التي بها ترتبط على التوالي مختلف المواضيع.
أ- الموضوع الأول
يجب أن لا تخافوا. فالتعليم العظيم، تعليم ملكوت الله، سيظهر قريبًا، سيُعلن. أما ما يبقى خفيًا في الظلمة، فسيُقال في وضح النهار، وسيُكشف بشكل علنيّ. والذي لا نستطيع إلاّ أن نتهامس فيه الآن في عمق الآذان (بسبب الأخطار الخارجيّة)، سينادى به على السطوح (آ 27). نحن أمام كلمة يسوع، أمام تعليمه ("ما أقوله لكم"). وهكذا تتحقّق قاعدة عامّة يعبّر عنها القول المأثور: "ليس من خفيّ إلاّ سيظهر، ولا مكتوم إلاّ سيُعلن" (آ 26 ب).
إذن الموضوع الاول في الدعوة الى ترك الخوف جانبًا هو ثقة وفرح أمام عمل الله الذي يتمّه يسوع وتحمله كلمتُه. فعلى التلميذ أن لا يقنط إن كان النجاح الحاضر طفيفًا أو ربما معدومًا. فكما أن الشمس التي تطلع تنتصر على الليل، كذلك تعليم يسوع ينفذ في العالم ولا شيء يستطيع أن يقف في وجهه.
ب- الموضوع الثاني
يقدّم الموضوع الثاني (آ 28) فكرة تقول إن حياة الانسان الحقيقيّة تبقى بمعزل عن كل ضرر (لا يصيبها شرّ). قد يهاجم الناسُ حياة الجسد، قد يخنقونها، قد يدمّرونها. ولكنهم لا يستطيعون شيئًا ضد "الحياة الحقة"، ضد الانسان في عمقه، نفسًا وجسدًا. فهذا الانسان لا يصيبه "هجوم". ثم إن عبارة "النفس والجسد" تذكّرنا بعبارة في العهد القديم: الحياة والموت. فالحياة هي وجود الانسان الحقيقيّ، كما يتأسّس في الله ويجد فيه غايته. أما الموت فهو وجود شبيه بوجود الظلّ. هو الانسان الذي لم يعد مرتبطًا بالله، لم يعد قريبًا من الله. والحياة الحقيقيّة التي يؤمّنها الله بشكل نهائي، لا يمكن أن تنتقص. كما لا يتمكن البشر أن ينتزعوها منا، حتى وإن دمّروا فينا حياة الجسد.
وما يحرس هذه الحياة هو "مخافة الله". نحن أمام مدلول مركزيّ في العهد القديم والعالم اليهودي. وهو يتضمّن أول ما يتضمّن أن يقبل الانسان بوضعه كخليقة، أن يقبل بارتباطه بالله الخالق. ولكن وجوده كخليقة لن يجد تحقيقَه الكامل إلاّ بكلمة الله الحية كما تنكشف لشعبه. فالذي يسمعها يرى نفسه مدعوًا لكي يقدّم جوابًا. والجواب الذي يعطيه هو القبول بوضعه كخليقة، القبول بارتباطه التامّ بالله. وتكون فينا مخافة الله حين نعطي جواباً هو جواب الخليقة إلى خالقها: هذا هو أساس الثقة بالله (آ 29- 31).
"لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولا يستطيعون أن يقتلوا النفس. بل خافوا بالحريّ ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم" (آ 28). في هذه الكلمة القاسية، بدت كل عودة، وإن ضمنيّة، إلى شخص يسوع غائبة. فالعبارِة تقدَّم إلينا مع كل صرامة العهد القديم. فمخافة الله تؤكّد، شأنها شأن محبة الله (مت 22: 37-38)، هذه الثقة في وجهتها الأساسية. وإن الرسائل تتحدّث هي أيضًا عن "محبة المسيح" (روم 8: 35؛ 2 كور 5: 14) عن "مخافة المسيح" (أف 5: 21؛ 2 كور 5: 11). وهناك تحريض ثالث في آ 31 أ: "لا تخافوا. فأنتم أفضل من عصافير كثيرة". هذا التحريض يعود بنا إلى الآيات السابقة (آ 39- 30؛ رج "ايضًا" في آ 31).
ج- الموضوع الثالث
الموضوع الثالث هو عناية الله التي تسهر على الخليقة كلها، ولا تستثني حتى الصغيرة منها. غير أن هذه العناية ليست ناموسًا مجرّدًا يقرّر ويحدّد كلّ شيء مسبقاً (كالقدر). إنها شخص حي. إنها الله "أبوكم"، وهو يسهر عليكم كما تسهر الأم على أولادها. فلا تخافوا. إن العبور من الاصغر إلى الأكبر يعطي البرهان قوّة منطقيّة كبيرة. "أنتم أفضل من عصافير كثيرة" (آ 31 ب). فتجاه التجرّد ومخاطر الرسالة، يحمل هذا الموضوع الأخير أكبر تشجيع وعزاء. فعلى التلميذ أن يعرف مهما كانت أحواله، أنه موضوع حنان وسهر الآب الذي في السماوات.
5- من يعترف بي اعترف به
وتأتي الجملتان الاخيرتان اللتان تحدّثنا عنهما (آ 32-33) فتقابلان بين "الخوف" و"الاعتراف". حين نتحرّر من الخوف من البشر، نستطيع أن نعترف بالمسيح اعترافًا شجاعًا. هذا الاعتراف لا يُضعف الخوف ولا يوقفه. فالتلميذ المرسل مدعوّ إلى الشهادة من أجل يسوع (من يعترف بي)، وهذه الشهادة تتطلّب التزامًا شخصيًا تامًا. فقضيّة يسوع يجب أن تكون كلها قضيّة التلميذ. وبعبارة أخرى حين نعلن البشرى نشهد ليسوع، نعترف بشخص يسوع.
والذي أعلن دوماً إيمانه (1 تم 6: 12) يجد في يسوع نفسه مرافقًا له عند ساعة الدينونة. فيسوع يعترف به أيضًا أمام الآب الذي في السماوات. كما أنه ينكر من ينكره أمام البشر.
ما نلاحظه هنا هو أن يسوع لا يبدو فقط كديّان نهاية الأزمنة، بل يبدو أيضًا كالمحامي عن المؤمنين أمام الله الديّان. لقد اجتمع الدوْران في شخصه. فالآب قد أعطاه أن يدين البشر (25: 31 ي؛ رج 23:7). وهو في الوقت عينه مع الذين آمنوا به وتبعوه بحيث يمثّلهم أمام الآب أفضل تمثيل (10: 40؛ 20:18؛ 35:25 ي).
ولكن بدل أن نقدّم النظريات عن الطريقة التي بها يرتبط دور الديّان بدور المحامي، وكيف يتوافقان، نتوقّف عند أهميّة هاتين الجملتين بالنسبة إلينا.
فالفكرة التي تشرف على النصّ هي أن هذا الموقف يعني جوهرياً شخص يسوع. ثم إن النصّ لا يطبّق وعده إلا على التلاميذ وحدهم: فهو لا يقول شيئاً عن مصير سائر البشر.
ومهما يكن من أمر، فالتلميذ الذي يرفض الاعتراف بيسوع، يكون خائنًا لدعوته، ويحرم نفسه من أقوى عون في الساعة الحاسمة. وهكذا تتّخذ كل قيمتها الدعواتُ الملحّة لكي نتخلّص من كل خوف.

6- ما جئت لألقي السلام (10: 34-36)
أ- نظرة عامة
في هذا المقطع يندّد يسوع بسوء تفاهم حول السلام الذي يقدّمه. فالسلام الذي يقدّمه هو في الواقع سيف وحرب وخلاف. ويلتقي متّى هنا مع لو 12: 51-53: "أوتظنون أني جئت لأنشر السلام على الأرض؟ أقول لكم: لا، بل الشقاق".
نحن هنا في القسم الرابع من تعليمات يسوع إلى رسله. انتهى القسم الأول في آ 15: "إن أرض سدوم وعمورة ستكون يوم الدين أهون مصيراً من تلك المدينة". وبدأ القسم الثاني بالحديث عن الآلام والاضطهادات التي تصيب التلاميذ: "ها أنا أرسلكم كخراف بين ذئاب". وبدأ القسم الثالث في آ 26: "لا تخافوهم". وها نحن في القسم الرابع (آ 34-36) الذي يختلف عن الأقسام الثلاثة السابقة. كانت تلك الاقسام حضًا على الشجاعة حتى الاستشهاد والموت. أما القسم الرابع فيشدّد بالاحرى على وجهة مجهولة من رسالة يسوع. رسالة وضع الخلاف والانشقاق بين الابن وأبيه والأم وابنتها. هذا ما يبدو في الظاهر. ولكن في الواقع ليس الامر كذلك. فكلمات المسيح المتّاوي تتوخّى حثّ التلاميذ على شهادة للمسيح بدون خوف. غير أن النصّ يعبّر عن هذا التحريض على أساس تعليم حول رسالة المسيح نفسه. إذن الفكرة الجوهرية هي هي في الاقسام الاربعة: إذا أراد المؤمن أن يشهد فيتألّم عندما يؤدّي شهادته، فينبغي عليه لا أن يتسلّح بالشجاعة فحسب، بل بفهم دقيق لمصير يسوع نفسه (ليس تلميذ أفضل من معلمه).
إن المقابلة مع النصّ الموازي في لوقا ترينا شيئاً خاصاً. من جهة، الفكرة الرئيسية هي هي في مت ولو. ونحن نجد لفظة "سلام" في الانجيليّين. ولكن إن وضعنا هذا جانباً، نرى أن الاسلوب يتغيّر بين إنجيل وآخر. فحين عاد لوقا إلى مي 6:7 (الابن يستهين بأبيه والابنة تقوم على أمها)، اختلف كل الاختلاف عن متّى. اذن، نحن هنا أمام حالة لا يكون نصَّا مت ولو متشابهَين بسبب ارتباطهما المشترك بانجيل مرقس (الذي لم يورد هذه الآيات)، ولا بسبب ارتباطهما بمرجع آخر دوّن في اليونانية. فلو كان الأمر كذلك، كيف نشرح الاختلافات بين الاثنين؟ لهذا يجب أن نتخيّل معطية شفهيّة أصيلة هضمها تقليدان متوازيان قبل أن تدوَّن كتابة.
وها نحن نقدّم النصوص الثلاثة الواحد بإزاء الآخر:
مي 7: 6 مت 10: 35-36 لو 12: 53
يشاق (يعارض) الأب
الابن
الابن يستهين 35- جئت أفرّق الانسان والابن
بأبيه عن أبيه الأب
والابنة تقوم والابنة الام الابنة
والابنة
على أمّها عن أمّها الامّ
والكنّة والكنّة والكنّة
على حماتها عن حماتها الحماة.
وأعداء الانسان 36- وأعداء الانسان
أهل بيته. أهل بيته.
إذا وضعنا جانبًا الاختلاف الاول بين مي ومت، (قال الاول: الابن، والثاني: الانسان)، يبدو مت أقرب إلى مي من لو، وذلك حتى النهاية مع آ 36 التي استغنى عنها لو. شدّد الانجيل الثالث على الشقاق (والخلاف)
داخل البيت الواحد، وجعله على خطين: من الأب إلى الابن ومن الابن إلى الأب... والغى العبارة الاخيرة: "أعداء الانسان أهل بيته". غير أنه عاد بعض الشيء إلى هذا الخلاف في 16:21: "وسيسلمكم حتى آباؤكم وأمهاتكم واخوتكم واقرباؤكم واصدقاؤكم، ويقتلون منكم".
ب- لا تظنّوا أني جئت (آ 34)
إن فعل "نوميزاين" الذي يستعمل في 17:5 يعني هنا، لا تتصوّروا. لا تضعوا في عقولكم. هو يحارب سوء تفاهم. نجد هنا لهجة هجومية ضدّ أخطاء وضلال حول يسوع، وذلك داخل الجماعة المسيحاويّة في كنائس ترتبط بمتّى. فمعنى هذا الفعل حتى في 20: 10 (خطأ عمّال الساعة الأولى حين ظنّوا ما ظنّوا) هو هو.
في العهد القديم، لفظة "ش ل و م" (سلام) غنيّة بحيث لا تعني فقط ما يعاكس الحرب. فهي تدلّ على الازدهار والنجاح والسعادة من أجل الشعب. وهي تصف العلاقات الشخصيّة والظروف الجماعيّة (يش 15:9؛ 1 مل 5: 15؛ سي 26: 22)، وتصف بشكل خاصّ العلاقات مع الله. في الأيام الأخيرة يقيم الله السلام في هذا المعنى الاسكاتولوجي. تدلّ اللفظة على مجمل الخلاص المنتظر وعلى جوهر هذا الخلاص (أش 6:9؛ زك 9:9؛ حز 25:34). في مت 13:10 (= لو 10: 5)، على التلاميذ أن يحملوا السلام إلى الناس الذين يذهبون إليهم. ونعرف لدى قراءتنا الرسائل أن التلاميذ الأولين كانوا أمناء في هذا المجال: "ليكن إله السلام معكم أجمعين" (روم 15: 33). "الله ليس إله تشويش، بل إله سلام" (1 كور 14: 33). "لأنه هو (أي المسيح) سلامنا، هو الذي جعل من الشعبين شعبًا واحدًا" (أف 2: 14). 
إذن ندهش حين نرى المسيح في انجيل متّى يحذّر تلاميذه من مسيح "مسالم"، من مسيح "يحمل السلام" (ذاك كان عمل الانبياء الكذبة الذين يقولون سلام ولا سلام، رج إر 6: 14؛ 8: 11؛ حز 13: 10، 16). لا شكّ في أننا نعرف أن "أيام المسيح" كما تخيّلتها مزامير سليمان (دوّنت في مناخ فريسيّ) أو كتابات قمران الاسيانية، ستكون أيام حرب عنيفة. غير أن هذا النصّ الانجيلي الذي نفهمه في سياقه، يوجّهنا في اتجاه آخر كما تدلّ على ذلك آ 13 ب، 16، 17-23. إن يسوع لن يقيم السلام في اسرائيل ساحقاً أعداءه، جامعاً الأمم تحت سلطة صهيون التي أعيد بناؤها. ولن يقيم السلام الهلنستي (كما فعل الاسكندر الكبير) جامعاً كل الشعوب تحت سلطة انسان يعامل الناس بلا رحمة. ولسنا هنا أمام السلام النهائيّ وسط بشريّة تصالحت مع الله. بل أمام السلام أو الحرب اللذين يسبّبهما شخصُ يسوع وشهادة تلاميذه.
فالفكرة الجوهريّة في النصّ تقول إن البشر سينقسمون على بعضهم البعض في جوّ من العنف. فيسوع لا يحمل السيف (ماخايرا، 47:26 ي؛ رؤ 13: 10) الحربيّ الطويل، بل السيف القصير الذي يستطيع كل واحد أن يستعمله ليهاجم قريبه. فيقوم الناس بعضهم على بعض بالنظر إلى السلام الذي يحمله يسوع ويجمله في شخصه. فتلاميذه المفروض فيهم أن يكونوا من أبناء السلام (5: 9) سيزرعون العنف أيضًا في وسط البشر.
ج- جئت لأفرّق الانسان (آ 35-36)
لا يرد فعل "ديخازاين" في مت إلاّ هنا. هو يعني: قطع الشيء اثنين. فصل، شقّ ما كان واحداً. مثلاً، في حديث عن الحسد الذي يزرع الشقاق حيث كانت الوحدة. ويرد مي 7: 6 بطريقة تختلف عمّا في لو 53:12 وفي سياق مختلف كما سبق وقلنا. لا يعود متّى إلى السبعينية ولا إلى العبري الماسوريّ. أيكون أن نصّ ميخا وُجد في كتب الاستشهادات؟ مهما يكن من أمر، لم يشعر متّى بالحاجة للعودة إلى العبري أو اليوناني.
قد نتساءل لماذا ينقسم الناس هكذا بسبب المسيح؟ ظنّ البعض أنهم يتركون أقاربهم ليتبعوا المسيح وهكذا تكون الانقسامات داخل البيت الواحد (رج 1 كور 7: 25 ي؛ 1 بط 3: 1 ي). ورأى آخرون أن الناس لن يتفقوا على شخص يسوع. أما التفسير الاول فقد استند إلى المقطوعة التالية (10: 37-39): من أحبّ أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقّني.

خاتمة
تلك هي الأفكار الرئيسيّة في هذا المقطع الذي يدعونا إلى أن ننبذ كل خلاف رغم الصعوبات والاضطهادات التي تهدّدنا. لماذا إخفاء الامور، ولماذا الاختباء في الأحكام. منذ البداية جعل يسوع تلاميذه أمام الواقع الذي ينتظرهم. ولكنه نبّههم أنهم لن يكونوا وحدهم. فالآب حاضر معهم. لا بعنايته الخافية فقط، بل بشخصه وعمله من أجلهم. ثم مهما فعل الناس، فهم لا يصلون إلاّ إلى الجسد. أما النفس التي هي مبدأ كل علاقة مع إله الحياة، فهم لا يستطيعون أن يسبّبوا لها أي ضرر. حياتهم هي في يد الله الذي يهتمّ بالعصفور الصغير الذي "لا قيمة له" في عين البشر. أتراه لا يهتمّ بأبنائه الذين يموتون من أجل قضيّة سامية، هي الانجيل. يموتون من أجل يسوع. وهكذا يعرف الرسل أن الحرب تنتظرهم. وسوف يقول يسوع هذا الكلام بشكل واضح جدًا في خطبة "نهاية العالم".
الفصل التاسع
الاستعداد لاتباع المسيح
10: 37- 42

في هذه الآيات التي تختتم التوسّع حول وضع التلميذ، نميّز قسمين اثنين: آ 37-39. ثم آ 40-42. يقدّم القسم الأول نهاية الكلمات التي تتحدّث عن الاضطهادات وعن استعدادات التلميذ. ويستعيد القسم الثاني فكرة الرسالة التي عبّرت عنها بدايةُ الخطبة (10: 1- 5).

1- خسران الحياة
في آ 37، خفّف مت الشكل القاسي لقول يرد في لو 14: 26 (يبغض أباه وأمه)، وعبّر عنه بطريقة قريبة من منطقنا. ففي الاسلوب العبريّ، لا يعبّر فعل "أبغض"، "أحب" دومًا عن مواقف ناشطة ومحمّلة بالعاطفة. إنهما يعنيان أيضًا: فضّل، جعل شيئًا يمرّ بعد شيء آخر. أما مت فعبّر عن هذا الاختلاف على الطريقة الآراميّة (أكثر مني).
يتطلع النصّ هنا إلى الأهميّة الحاسمة لشخص يسوع كما في آ 32-33. هو يمرّ قبل الوالدين والأولاد. فالذي لا يعترف بهذه الاولويّة المطلقة، لا يستطيع أن يكون تلميذ يسوع (8: 19-22= 57:9-60). لماذا هذه القساوة بالنسبة إلى شعورنا البشريّ؟ الجواب: نحن أمام قضيّة الله. أمام شخص الله. وأمام هذه القضيّة تمّحى سائر القيم، وأمام هذا الشخص يختفي سائر الاشخاص. هذه هي لغة الانجيل، لغة المقطع الذي ندرس.
وتشكّل الآيتان التاليتان (آ 38-39) ذروة كل الخطبة الاسكاتولوجيّة وملّخصها في مت. يُعتبر هذان القولان منفصلين الواحد عن الآخر في الأصل. ولكنهما يتكاملان في التأليف الحالي.
يتحدّث القول الأول عن حمل الصليب. نحن هنا أمام عبارة رمزيّة تعني أنه يجب أن نكون مستعدّين لنذهب إلى الموت. ويرتبط هذا الاستعداد للموت بفكرة "تبع"، مشى وراء. فعلى الذي التزم في هذه الطريق، فالذي مشى "على خطى يسوع"، أن يكون مستعدًا كل الاستعداد، للتخلّي عن حياته. ومقابل هذا نقول: من وجد نفسه في هذا الاستعداد يستطيع أن يمشي وراء يسوع، أن يتبع يسوع. فكلاهما يترافقان معًا. وحده ذاك الذي يقبل الشرطين ويعمل على تحقيقهما، "يستحق" المعلّم.
تتكرّر هنا ثلاث مرات عبارة "لا يستحقّني" (في آ 37، 38). يكون الحديث أولاً عن الأب والأم (آ 37 أ). ثم عن الابن والابنة (آ 37 ب). ثم عن الحياة الشخصيّة (آ 38). وهكذا نصل إلى قمة التدّرج: أمام أولوية يسوع، أمام متطلّباته المطلقة، تبدو الحياة وكأنها تتلاشى كقيمة مستقلّة في ذاتها. فإذا إردنا أن نفهم النصّ، نجد عونًا في ما قلناه في آ 37: القضية قضية الله. ونحن نستطيع أن نفهم هذا التخفي التام تجاه كل خير بالنسبة إلى الله وحده. ومع ذلك، يبدو صعباً بل مستحيلاً على عقلنا البشري أن يفهم هذا القول. اذن هو يحتاج إلى شرح سوف يُعطى لنا في آ 39.
ولكن قبل ذلك. نعود إلى عبارة "حمل صليبه". هذه العبارة نجدها خمس مرات في الاناجيل الازائية. في 8: 34: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه ويتبعني" إن حياة التلميذ الحقيقي تتجدّد بحياة يسوع: نتبعه في التخلّي عن ذاتنا، فنخاطر بحياتنا من أجل قضيّة سامية، من أجل يسوع والانجيل. ونقرأ في مت 16: 24 العبارة عينها كما في مر 8: 43. فاتّباع يسوع لا يعني عملاً خارجياً وسطحياً. بل التخلّي عن الذات وحمل الصليب. وأورد لو 9: 23 هذا القول وحدّد "كل يوم". التلميذ يحمل صليبه كل يوم. نحن هنا أمام شريعة مستمرّة في حياة المسيحي (رج 3:11) الذي يتخلّى كل يوم عن ذاته. وقد بدأ القول اللوقاوي بهذه العبارة: "قال للجميع". فهذا القول الإلهيّ لا يتوجّه فقط إلى الاثني عشر، بل إلى جميع تلاميذ المسيح.
ونقرأ الآن في مت 38:10: "من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني". وفي لو 27:14. "من لا يحمل صليبه ويتبعني، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذًا". لسنا فقط على مستوى الشهادة والموت من أجل المسيح، بل التخلّي عن الذات الذي يقود إلى الموت.
ونعود إلى مت 10: 39: "من وجد نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها". النفس هي الحياة. فعلى التلميذ أن يتخلى عن حياته، لأن لا قيمة لها (الحياة ليست طلبًا لمجهود على مثال جماعة الرواقيين). وهو لا يتخلّى عن حياته في احتقار وكبرياء على ما تقوله بعض الأناشيد الوطنيّة. إن آ 39 تقول عكس ذلك. علينا أن نخسر الحياة لكي نستطيع أن نربحها. ومقابل هذا، من وجد حياته، وتملكها وتعلّق بها، واعتبرها الحياة الحقيقيّة، فهو يخسرها، يضيعها.
لا منطق (ولا أخلاقية) في هذا العالم يساعدنا على فهم هذا الأمر. نحن هنا أمام خبرة وجودية تبدأ في وضاعة الحياة اليوميّة، وتتمّ بشكل رائع في ذبيحة الشهيد. ليست كلمة يسوع هذه صورة بلاغيّة، وليست جدليّة على مستوى العقل أو الوجود. فنحن لا نعرف عمقها ولا نستطيع أن نعيشه إلاّ في الايمان. والكافل الوحيد لحقيقة هذه الكلمة، والذي عليه نستطيع أن نرتكز مرة أخرى، هو الله الذي منه الحياة والموت. إنه من يفرض الموت (آ 38) ويهب الحياة.
تضمّن تدوين النصّ الذي ندرس لفظة "من أجلي". ق لو 17: 33: "من طلب أن يحفظ نفسه يهلكها. ومن أهلكها يحفظها"، هناك شهود يقولون: "يخلّص" بدل "يحفظ"، تمشّيًا مع لو 024:9 المعنى: يحفظها في قيد الحياة (يش 17:6؛ مز 79: 11؛ حز 18:13- 19). إن تأكيد لو 33:17 ببُعده الشامل، ينحصر هنا (مر 35:8= مت 25:16= لو 24:9) في مجموعة التلاميذ الذين هم في خدمة يسوع، وبالتالي يتعرّضون للعداوة والموت. لا شكّ في أنه كان من السهل أن نعطي عبارة يسوع العامة، هذا المعنى الخاص. ولكن أما نستطيع القول أيضًا إننا نجد هنا تعبيرًا عن فكرة تلهم كل مت 10: 26-39 في التدوين المتاوي. نجد وضع يسوع المشرف ودوره الحاسم كشخص حيّ في حياتنا.
ودينونة التلميذ تتمّ حسب الطريقة التي بها تصرّف تجاه معلّمه، وردّة فعل المعلّم على موقف التلميذ (10: 32-33). فعلى التلميذ أن يعترف في حياته بأولويّة يسوع. عليه أن يفضّله على الأقارب الأقربين (10: 35-37). عليه أن يتبعه هو حتى لو ضحّى بحياته. ففي النهاية، نحن نضحّي بحياتنا من أجل يسوع. وهكذا نرى الله يتراءى في شخص يسوع. إن عبارة "من أجلي" تعني: من أجل ملكوت الله وبرّه (5: 10؛ 6: 33).

2- قبول وجزاء
إن المجموعة المؤلّفة من آ 40-42 تتكوّن من أربعة أقوال مبنية بالشكل عينه تقريباً. والتقارب بين الأفكار واضح كالتقارب بين البُنى. القول الأول يؤكد الوحدة بين ذاك الذي يرسل وذاك الذي يُرسَل. وتتضمّن الأقوال الثلاثة التالية توافقًا بين قبول يناله مرسل محدّد، وجزاء من أجل ذلك القبول. نحن هنا أمام مثال نموذجي حول "الهلكة" (السلوك) المسيحية كما نجدها في مقاطع عديدة من مت (33:5-36؛ 18: 15-17؛ 23: 16-22).
نجد ما يوازي آ 40 في ينبوع خطب لوقا. "من سمع منكم فقد سمع مني، من نبذكم (احتقركم)، فقد نبذني. ومن نبذني، نبذ الذي أرسلني" (لو 10: 16). الفكران متقاربان، ولكن الاختلاف في التفاصيل واضح. انتزع مت هذا القول من موضعه الاصلي الذي احتلّه في ينبوع الخطب (حسب لو 16:10). ولم يبق عنده حديث عن السماع (سماع تعليم الانجيل)، بل عن قبول واستقبال المرسلين. إذن، ينطبق النصّ على وضع المرسلين في حقبة لاحقة هي حقبة كنيسة متى (لا حقبة حياة يسوع). ثم إن مت لا يذكر ما يقابل "نبذ" المرسلين، بل يتوقّف فقط عند الوجهة السلبية من القول: "من قبلكم فقد قبلني، ومن قبلني فقد قبل (الآب) الذي أرسلني". نجد في أساس هذا القول القاعدة الرابينيّة المتعلّقة بالمرسل (السليح، شليحا في الآرامية): "المرسَل يشبه من يُرسله".
والقول الذي يجد له ما يوازيه هو في آخر المجموعة (آ 42: القول الأخير). ونحن نقابله مع مر 9: 41. أخذه مت من مر ووضعه في هذا السياق. نلاحظ أن مت يطبّق هذا الكلام على "هؤلاء الصغار"، لا على التلاميذ بشكل عام كما يفعل مر (من سقاكم كأس ماء بما أنكم للمسيح). ففي التدوين المرقسي كانت الجملة جزءًا من أقوال ترتبط بالرسالة، وتتيح التعرف إلى إرسال التلاميذ إلى اسرائيل، كما في تاريخ يسوع. غير أن "هؤلاء الصغار" هم كتلة داخل الجماعة المسيحيّة. وهذا واضح من النصّ الموازي في مت 6:18-14 الذي هو مقطوعة تطبّق عناصر وتوصيات مختلفة على هذه الكتلة العائشة داخل الجماعة (مت 18). هذا هو التبديل الثاني في نص مت. قال: "بصفتكم تلاميذ". على أنه تلميذ. فالتلميذ عند مت هو المسيحي. ولفظة "تلميذ" هي التسمية التي تميّز المسيحي وتشير إليه.
ونتوقّف الآن عند المجموعة أي آ 41-42. نجد بين هذه الاقوال "قاعدة الجماعة" كما في مت 18: 15-17؛ 7:23- 11. إن قاعدة الجماعة هذه تريد أن تشدّد على كرامة "الصغار". لقد وجد الانجيلي آ 40- 41 كتقليد ثابت في كنيسته. تتطلّع هذه القاعدة إلى ظروف صارت من الماضي. فأوّنها الانجيليّ من أجل ظروف يعيش فيها الآن، وزاد لفظة "الصغار". أجل إن هذه "القاعدة" كانت قد تكونت قبله حين زيدت اللفظتان على القول عن الرسالة في آ 40.
"نبيّ، صدّيق". كان الانبياء والصدّيقون يُذكرون كمجموعات خاصة أو كـ " حالات" في الكنيسة (كما نقول: الاكليروس الرهباني، الاكليروس العلماني). فالنبيّ (المتجول) هو شخص نجده في كل الكنائس المسيحيّة الأولى. ويشهد العهد الجديد مرارًا على وجود هؤلاء الانبياء ونشاطهم. 
والمجموعة الثانية هي مجموعة الصدّيقين. لا نجد ما يقابل هذه الفئة في العهد الجديد. لسنا أمام وظيفة أو خدمة، على مثال ما عرفت الجماعات البولسية. بل أمام "حالة" تستند إلى سلوك نموذجيّ لدى هؤلاء الناس. وبالتالي أمام وضعهم الرفيع في الجماعة. لا شكّ في أن مت عرف نظرة خاصة إلى الطريقة التي بها يكون الانسان "بارًا". كان يوسف بارًا (1: 19). وحسب امرأة بيلاطس، كان يسوع نفسه بارًا (27: 19). فالبرّ هو جوهر (ونظرة شاملة) الشكل الجديد لحياة تنتج من تعليم يسوع (5: 20). تعود اللفظة في جذورها إلى التوراة والعالم اليهودي. ولكن هناك وجهة جديدة تتخذها لفظة "صدّيق، بار" حسب تعليم يسوع. وهكذا يقال هنا أنه وُجدت "حالة" تكوّنت من هؤلاء الصدّيقين. وبما أنهم ذُكروا مع الانبياء، فهذا يعني أنهم كانوا موضوع احترام كبير. قد نكون هنا أمام بقيّة من تكوين قديم للجماعة.
سيتحدّث العالم السرياني مثلاً عن أبناء العهد وبنات العهد في الكنيسة، وهم أشخاص مكرّسون كلياً لله وعائشون في العالم. أيكون هؤلاء الصديقون" أسلافهم"؟!
وضمّ الانجيل إلى الانبياء والصدّيقين مجموعة "الصغار". فكرة جريئة وعظيمة. فالذي ليس له صفة خاصة إلا بأنه تلميذ، يتميز لأنه تلميذ ويُجعل مع جميع الآخرين. أجل، إن الصغار الذين هم فقط "تلاميذ"، الذين لا يعملون شيئاً إلاّ أن "يؤمنوا" (18: 6)، يستحقون هم أيضًا كرامة سامية ومحبة خاصة. هناك خطر كبير بأن يُجعلوا على هامش الجماعة، أن يُحتقروا، أن يُعاملوا بعنجهيّة من قبل "الكبار". إن 6:18-14 يحاول أن يتجنّب مثل هذا الوضع (رج آ 26، 10، 14). فكل من يعطي واحدًا من هؤلاء الصغار أقلّه كأس ماء بارد لأنه تلميذ ليسوع، ينال أجرًا شبيهًا بأجر من يستضيف نبيًا أو صدّيقًا في بيته.

خاتمة
هكذا تنتهي الخطبة الاسكاتولوجيّة. إن تلميذ يسوع (اذن المسيحي) هو مرسَل، ومصيره مرتبط بمصير معلّمه. وأصغر مسيحي، إذن "الصغير"، يجد كرامته محفوظة في هذه الجماعة. إن انجيل متّى قد حاول أن يبرز النظام الأساسي على مستوى المحبة والخدمة كما يتضمّنه تعليم يسوع. ولكن الكبرياء والطموح الأرضي والألقاب وقفت كخصم يقاوم هذا النظام (23: 8-12). لهذا قال لنا مت كلمات يسوع بشكل جديد بحيث يسمعها التلميذ في حياته وفي عصره.
القسمُ الثّالث
المَرحَلَة السَّادسَة
السّؤال حَول المَلَكُوت

أرسل يسوع تلاميذه الاثني عشر، ولكنه هو الذي مضى يكرز بالملكوت. فكأنه أراد أن يطبّق أولاً في نفسه ما طلبه من رسله. هناك من استقبله. هم الصغار. وهناك من رفضه. هم الحكماء. وهكذا سيفهم التلاميذ أنهم مدعّوون لان يكونوا من هؤلاء الصغار ويعلموا أن الكلمة التي يقولون والعمل الذي يعملون سيقسم الناس فئتين. فلماذا الخوف بعد أن قالت لهم يسوع ما قال وأراهم طرق الرسالة؟
تتضمّن هذه المرحلة الفصول التالية:
1- يسوع موضوع خلاف، ف 11-12
2- يسوع وسابقه، 11: 1- 11
3- نداء وجواب، 11: 12-14
4- أحمدك يا أبت، 11: 25-30
5- يسوع ربّ السبت، 12: 1-8
6- يسوع خادم الربّ وحبيبه، 12: 9- 21
7- يسوع وبعل زبول، 12: 22-37
8- يسوع بين الفريسيين وإخوته، 12: 38- 50.
الفصل العاشر
يسوع موضوع خلاف 
ف 11-12

1- موقع ف 11-12 في انجيل متى
نحن مع هذين الفصلين على منعطف في انجيل متّى. فإذا أردنا أن نعي هذا الواقع، نعود إلى الطريق التي قطعناها. في الفصول العشرة الأولى، بدا ملكوت السماوات المقترب، وكأنه لا يَلقى حاجزاً ولا اعتراضًا. أما هنا فيبدأ شيء جديد: هي أسئلة محدّدة تُطرح على يسوع.
فيوحنا المعمدان يرسل إليه تلاميذه ليسأله: "أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر" (11: 3)؟ والفريسيون الذين انضمّ إليهم الكتبة (38:12)، وجّهوا للمرة الاولى إلى يسوع كلاماً مباشراً فيه توبيخ وحكم: "هوذا تلاميذك يعملون ما لا يحلّ عمله يوم السبت" (12: 2)! وهكذا تبرز أسئلة هامّة. وأمام شخص يسوع وعمله ارتسمت مواقف. فيسوع هو موضوع خلاف وشكّ، هو سبب عثار (11: 6). و"هذا الجيل" غير مستعدّ لأن يتقبّل الملكوت الذي اقترب، مدن البحيرة لا تريد أن تأتي إلى التوبة (11: 20). وتصرّف يسوع هو حقًا موضوع جدال من نقاش حول السبت، حوله بعل زبول، حول آية يونان (ف 12). وفي النهاية "ائتمروا عليه لكي يهلكوه" (12: 14).
إنّ هذا المناخ من عدم الثقة وطرح الاسئلة، هو جديد بالنسبة إلى ما سبق. حتى الآن رأينا يسوع يتجلّى بشكل تدريجي على أنه المسيح. وقد قدّم متى المراحل الكبرى عبر فقاهة صاغها الانجيلي صياغة محكمة. واكتشفنا أصالة الكاتب حين قابلناه مع مرقس ولوقا، في تنظيم ف 1-10. أما ف 11 فلا يجد ما يوازيه عند مرقس. إنه يضمّ مقاطع رتبّها لوقا بطريقة مغايرة (8:7-35؛ 10: 12-13، 21-22). ولكن بعد مت 12: 1 حيث نلتقي مع مر 23:2، نجد توازيًا متواصلاً بين مت ومر بحيث إن مت 12-22 تقابل تقريبًا مر 2-12 في متتالية تمتدّ على 55 مقطوعة.
ونتذكّر المراحل الرئيسية في نصّ متّى:
* قدّم ف 1-2 في صورة إجماليّة مسبقة، أصولَ يسوع ابن داود وابن ابراهيم. لقد دلّت عليه طفولته أنه المسيح الذي يُتمّ في شخصه وفي مصيره، تاريخَ شعب اسرائيل.
* في ف 3-4 دخل يسوع على المسرح بواسطة السابق الذي أعلنه أشعيا، وتقبّل في العماد سلطته المسيحانيّة. بعد أن كرّسته شهادةُ الآب، وامتحنته التجربة، أعلن اقتراب الملكوت.
* في ف 5-7 جاء تعليم يسوع فجعل الناس يدركون قوّة الملكوت والالتزام الذي يتطلّبه. إن عظة الجبل هذه حرّكت الاعجاب والدهشة عند الجموع.
* واكتشف القارئ في ف 8-9، السلطة التي أعطيت ليسوع وقوّة الملكوت الفاعلة فيه، وذلك عبر المعجزات التي اجترحها بقدرة كلمته الفاعلة.
* في ف 10 أُعطي الرسل الاثنا عشر سلطانًا يشاركون فيه سلطان يسوع. وهكذا كشفت خطبة الرسالة ما أعطي لحاملي رسالة الملكوت بالنظر إلى تعلّقهم الوثيق بشخص يسوع.
هناك اندفاع في هذه الفصول، حيث نرى شهرة يسوع تنتشر فتصل إلى البلدان المجاورة (4: 24؛ 9: 26، 31). وبدأت المعارضة تظهر شيئاً فشيئاً: بعض انتقادات عابرة من قبل الفريسيين (9: 11) أو تلاميذ يوحنا (9: 14) بشكل أسئلة "مهذبّة". هناك ردّة فعل واحدة قاسية في 9: 34 (برئيس الشياطين). ولكنها قصيرة. غير أنها ستعود في 12: 24: "هذا الرجل لا يُخرج الشياطين الا ببعل زبول رئيس الشياطين". ولكننا لسنا أمام جدالات بالمعنى الحصري للكلمة، لا سيّما وأن اللغة الخفيّة للامثال لم تُستعمل بعد، ما عدا مثل البيتين الذي يختتم خطبة الجبل (7: 24-27). يبدو أن متّى أخرج أخبار شفاء المخلّع، والأكل مع الخطأة، والجدال حول الصوم (9: 1-17) من سياق المجادلات كما في مر 2 ولو 5، فأدرجها في مجموعة معجزات يسوع العشر. وهكذا وجدنا أول جدال حقيقي (حول السبت) في مت 12: 1- 8 (ق مر 2: 23-28؛ لو 6: 1- 5). وسوف تتبعه جدالات.
ومع ذلك، لا نستطيع أن نُهمل وجهة التهديد والخلاف الحاضرة في الفصول العشرة الأولى من إنجيل متّى: نوايا هيرودس الذي أراد أن يقتل يسوع (2: 16). التجارب (4: 1- 11). إعلان الاضطهادات (5: 10- 12، 44؛ 10: 16-32، 38). ولكننا أمام دعوة إلى عدم الخوف، وإلى ادراك السعادة في قلب المواجهة، لأن الوعد بالملكوت هو هنا. وفي أي حال، إن امكانيّة الخلاص تبدو مؤكّدة للذي يثبت إلى المنتهى (10: 22). حين شدّد يسوع في خطبة الرسالة على تنبيه تلاميذه من الصعوبات والعوائق التي يواجهونها، فقد جعلهم أمام منظار جديد صار واضحاً الآن، وهكذا هيّأهم لمحنة الايمان.
وها قد جاء الوقت لكي نتساءل عن معنى نشاط يسوع كما رسمه متّى مطولاً. ما رأيُنا بـ "أعمال المسيح" (11: 2-19)؟ كيف نفهم "أفعال القوة" (11: 20، 21، 23)؟ فنحن حول سؤال يتعلق بمسيحانية يسوع: إن لفظة "مسيح" (كرستوس) التي يوردها متّى هنا، لم تعد تظهر منذ ف 1. ولكن إن بدا أننا في وقت غير محدّد حيث يقدّم الخلاص كأمر ممكن، فمن الواضح أيضًا أن الشك والرفض والمعارضة والجدال تتعاقب خلال ف 11-12، فتجعل يسوع على المحكّ وموضوع تساؤل. وسوف نرى في ما يلي أن انجيل متّى هو خبر رفض الناس ليسوع. في هذا المعنى نستطيع أن نتحدّث عن منعطف في مسيرة انجيل متّى.

2- البنية الاجمالية
نلاحظ أولاً أن هذين الفصلين (11-12) يتكوّنان في قسمهما الاكبر من أقوال يسوع. ففي ف 11 نجد آيات تقدّم التعليم (آ 2-4 أ، 7 أ، 20، 25 أ). والباقي هو أقواله يسوع. وف 12 هو نسيج من خطب طويلة أو قصيرة (آ 3-8، 11-13، 25-37، 39-45، 48، 49-50). يُطرح على يسوع سؤال فيردّ عليه. أمّا في ف 5-7 وف 10، فيسوع يوسّع بمبادرة منه شروط الملكوت ومتطلّباته.
حين نقرأ ف 11-12، يلفت انتباهنا التوازي في التأليف، وتكرارُ الألفاظ عينها التي تحدّد في كل من الفصلين خمس وحدات صغيرة تتوسّع في مسيرة مشابهة. في الحالتين، يُطرح على يسوع سؤالا بشكل بداية. ويأتي التضمين فيحيط بكل من الفصلين مع لفظة "تلاميذ" يسوع. كل هذا طبيعيّ بعد خطبة الرسالة. نشير هنا إلى أن عبارة "تلاميذ يسوع" لا ترد إلاّ في بداية ونهاية هذين الفصلين، وفي 11: 2.
ف 11: آ أ: إلى تلاميذه الاثني عشر.
آ 29: كونوا تلاميذي.
ف 12: آ 1-2: جاع تلاميذه... ها تلاميذك.
آ 49: مدّ يده نحو تلاميذه.
ونقدّم رسمًا موازيًا لهذين الفصلين على أن نعود إلى التفاصيل بعد ذلك.
ف 11 ف 12
أعمال يسوع الخادم (عبد الله)
شكّ رجاء الأمم
وتمييز حكم الشعب.
أ (آ 2-6) سؤال يوحنا المعمدان أ (آ 1-14) سؤال الفريسيين
وأعمال المسيح (أش 35: 5- وسبت ابن الانسان
6؛ 61: 1). (هو 6:6).
ب (آ 7-15) يوحنا نبيّ الملكوت ب (آ 15-23) يسوع يشفي
ومرسله (خر 23: 20؛ ملا 3: 1) هو عبد الله وديّان (أش 42: 1-4)
والمغتصبون الأمم.
ج (آ 16-19) تمييز "هذا الجيل" ج (آ 24-37) تمييز الارواح بمجيء
بالحكمة. الملكوت.
د (آ 20-24) دينونة المدن د (آ 38-45) دينونة "هذا الجيل"
التي ما تابت حين رأت بواسطة الأمم، أمام آية يونان
أعمال قدرة يسوع (أش 14: 13-15). (يون 2: 1).
هـ (آ 25-30) الابن يكشف الآب هـ (آ 46-50) قرابة يسوع الحقيقية:
للصغار للتلاميذ. التلاميذ يصنعون مشيئة الآب.

3- تحليل النصوص
أ- اعمال المسيح: شكّ وتمييز (ف 11)
حين تقدّم يسوع إلى معمودية يوحنا، تقبّل يوحنا موقفه، مع أنه لم يكن ينتظر هذه الوجهة من رسالته. قالت يسوع: "هكذا ينبغي لنا أن نتمّ كل برّ". وفعل له يوحنا ما أراد (3: 5). وها هو يوحنا يظهر من جديد على "المسرح". لا بشكل مباشر (لانه في السجن)، بل بواسطة تلاميذه، هؤلاء التلاميذ الذين كانوا قد طرحوا سؤالاً على يسوع حول الصوم (9: 14). أما السؤال القلق الذي طرحه يوحنا من أعماق سجنه فيعني هويّة يسوع الحقيقيّة: "أأنت الآتي أم ننتظر آخر" (11: 3)؟
هناك علاقة بين تدخّل يوحنا الأولى في ف 3 وتدخّله الثاني في ف 11. فالتوازيات واضحة على مستوى الالفاظ: يوحنا المعمدان (3: 1، 4، 13، 14، 4: 12 و11: 2، 4، 7، 11، 12، 13، 18). تلميح إلى لباس يوحنا والعلاقة مع إيليا (3: 4 و11: 28، 14). الملكوت والتوبة (3: 2، 8، 11؛ 17:4 و11: 11-12، 20-21). "ذاك الذي يأتي" (3: 11 و3:11، 14). الآب والابن (علاقات متبادلة: 3: 17؛ 4: 3 و11: 25-27. مسرّة الآب (17:3 و11 :26). وهكذا تتيح لنا المقابلة أن نشاهد الطريق التي سرنا فيها منذ كرازة يوحنا، وهي طريق وصلت بنا الآن إلى اكتشاف يسوع في واقعه الحميم وفي علاقاته مع البشر (25:11- 30). فعبر هذا الوحي المتدرجّ، أظهرت جذرية الملكوت وجدّته، الاساسَ المتين الذي عليه بُني (7: 24- 25). 
وعرفنا أيضًا أن الجماعات المسيحية الأولى في أيام متّى، كانت في جدال مع تلاميذ يوحنا (رج أع 19: 1-7): ما زال تلاميذ يوحنا يطرحون السؤال الذي طرحه معلّمهم: هل المسيح الذي أعلنه الانبياء هو يسوع حقاً؟ إذن، كانت المسألة آنيّة ساعة كتب متّى انجيله، وهي آنيّة بالنسبة إلينا اليوم: أما زلنا ننتظر مسيحاً قويّاً يبدّل العالم ويُصلح البنى و"يحطّم الاعداء". لقد نسينا أن كل شيء قد أعطي لنا في يسوع. لهذا نطرح السؤال عن المسيح على مثال تلاميذ يوحنا.
أولاً: سؤال يوحنا المعمدان وأعمال المسيح (11: 2-6)
إذن، سمع يوحنا من أعماق سجنه عن "أعمال المسيح" (11: 2)، كما انتشرت في الجليل وفي المناطق المجاورة. هذه الاعمال هي أقوال يسوع وأفعاله. وهي على ما يبدو لم تكف الناس لتدلّهم على أن يسوع هو المسيح. في الواقع، يُطرح السؤال على مستوى شخص يسوع: كيف نفسّر أعماله (3:11)؟ فالتعارض بين صورة الديّان الرهيب الذي أعلنه السابق (3: 11- 12) والواقع الظاهر في أفعال يسوع وأقواله، يطرح السؤال ويثير الشكّ (6:11). ثم إن لدى المعمدان سببًا شخصيًا يجعله يشكّ: المسيح المنتظر هو الذي يحرّر السجناء ويعزّي الحزانى (أش 61: 1-2). فما الذي فعله لكي يحرّر ذاك الذي هيّأ الطريق له؟
حين قدّم يسوع جوابه لتلاميذ يوحنا، عاد إلى النبوءات وما تحمل من معنى: "إذهبوا وأعلموا يوحنا بما تسمعون وما ترون" (11: 4). فما يميّز النبيّ هو أنه يرى الاحداث ويُدرك بُعدها الحاسم، ويفهم الوحدة العميقة بين الآيات والمدلول الأخير الذي تحمله. وإذ أراد يسوع أن يُفهم يوحنا بُعد تعليمه وأفعاله، أعاده إلى الكتب المقدّسة وأورد أش 35: 5 (رج 42: 7) الذي يُعلن عودة المنفيّين، وذكر البرص الذين طهروا، والموتى الذين قاموا (11: 5). وعاد أيضًا إلى أش 61: 1 الذي قدّم رؤية اسكاتولوجيّة عن هذه العودة عينها مع التشديد على البشارة التي تُحمل إلى المساكين. وهكذا قرّب يسوع بين عودة الشعب إلى أرضه وعودته النهائية إلى ربّه من أجل "عهد أبدي" (أش 61: 8). ففيه جاءت الأزمنة الأخيرة، والمسيح هو هنا. يبقى أن نراه ونسمعه، ونقبل أن نكون من هؤلاء العميان الذين استعادوا النظر، من هؤلاء الصمّ الذين يسمعون، من هؤلاء المساكين الذين يبشرون.
يبدو جواب يسوع هذا مخيّبًا للوهلة الأولى، لأنه لا يكشف شيئًا عن شخصه. في الواقع، هو أعاد يوحنا إلى ذاته: "طوبى لمن لا يشكّ فيّ" (11: 6). فهذه "التطويبة" التي وجّهها يسوع إليه، على المعمدان أن يكشف معناها في حياته الخاصة. فالايمان بأن الآيات المسيحانية التي ذُكرت له (11: 5)، قد تمّت حقاً في شخص يسوع، في اتّضاعه وامّحائه (29:11). هكذا فرض على يوحنا تجاوز تامٌّ لذاته يصل به إلى الموت. هذا ما يدعوه اليه يسوع.
ثانيًا: يوحنا المعمدان النبي الذي يبشر بالملكوت (11: 7- 15)
تراكضت الجموع إلى البرية لترى يوحنا، ولم يكن ذهابُها عبثًا: ما ذهبوا إلى البرّية ليروا "قصبة تهزّها الريح" (رج أش 35: 7؛ 1 مل 14: 15) أو "إنسانًا في لباس ناعمة" (رج 4:3-6). ما اجتذبهم هو النبيّ. فحين طرح يسوع السؤال على الجموع، شدّد على هذه اللفظة (النبيّ): "ماذا خرجتم تنظرون في البرية"؟ وأورد من جديد الكتاب المقدس، فذكر الملاك الذي يقود اسرائيل إلى أرض الموعد (خر 23: 20)، وإيليا الذي يهيّئ طريق الربّ إلى مقدسه (ملا 3: 1). وهكذا حلّ يوحنا المعمدان محلّ ملاك الخروج ومحل إيليا كما في نبوءة ملاخي، وصار يسوعُ الذي يسبقه، شعبَ اسرائيل والربّ الذي يعلنه. 
وهكذا يتسجّل يوحنا المعمدان في تواصل مع أنبياء العهد القديم (11: 11)، لأنهم كلّهم أعدّوا الطريق ليسوع. في هذا المعنى هو أكبرهم لأن فيه اختُتم انتظار اسرائيل الذي عبّر عنه التقليد النبويّ. ولكن هناك في الوقت عينه انقطاعًا أحس به المعمدان عبر الشكّ الذي يساوره والسجن الذي يأسر جسده: إن ملكوت الله الذي صار قريبًا من البشر في يسوع هو جديد جدًا في جذريّته. في هذا المعنى، الاصغر في ملكوت السماوات (أي التلميذ) هو أكبر من يوحنا المعمدان. وهكذا انتقل الانجيليّ من الواقع البشري (الانسان المولود من المرأة) إلى الواقع النبويّ (حالة أبناء الله) الذي لا يدركه الا الصغار (25:11).
فعلى يوحنا أن يكتشف (ومعه سامعو يسوع وقرّاء الانجيل) أن يسوع يبلبل كل نظراتنا إلى ما هو كبير أو صغير. حتى الآن كانوا يقولون إن موسى هو أول الأنبياء وأعظمهم (تث 34: 10). أما يسوع فيرى أن المعمدان حلّ محلّ موسى في المنظار الذي تحدّث عنه تث 18: 15-18. ثم إن الكبير الحقيقي هو الصغير. والكبرُ الحقيقي هو الامّحاء الذي يدلّ عليه موقف يسوع. ف "الأصغر الحقيقيّ" في ملكوت السماوات (11: 11)، هو يسوع الذي لا تأخذ سلطته الرفيعة سمات قاض غضوب، بل سمات عبد الله الذي يلتزم مع البشر ويتعاطف معهم. سيقول فيما بعد إن ملكوت السماوات يشبه حبّة خردل، وهي أصغر جميع المزروعات (13: 32).
غير أن يوحنا هو أكثر من نبيّ. فما اكتفى بأن يعلن المسيح، بل دلّ عليه بإصبعه، فأعطيت له تطويبة الملكوت التي تكرّسه تلميذًا مع التلاميذ. حين استقبل يوحنا "ذلك الآتي" بغير ما أنبأ به، فقد دخل إلى الملكوت، وتأكّد دخولُه بامّحائه وموته. "منذ أيام يوحنا المعمدان حتى الآن، ملكوت السماوات يُغتصب" (يؤخذ عنوة) (11: 12). أي منذ اعلان المسيح بفم يوحنا المعمدان حتى زمن يسوع التاريخيّ. وجماعة متّى في جدالها مع تلاميذ يوحنا، وقارئ الانجيل الذي يطرح سؤالاً عن يسوع، وحتى حقبة التاريخ الاخيرة، كل هذا يُظهر حالة من العنف يدلّ على حضور الملكوت.
فإذا كان للتلاميذ آذان تسمع (11: 15)، فالاضطهادات (10: 17-23) والمحن والشكوك سوى تدفعهم إلى تحطيم كل الصور التي "فبركوها" عن ملكوت السماوات. هذا الملكوت يُعطى، ولكن يجب أن يكون المؤمن عنيفًا، أن يقسو على نفسه أو يتحمّل عنف الله نفسه مثل يوحنا المعمدان، لكي يحصل على هذا الملكوت. يجب عليه أن يرتدّ (17:4) ويبقى ثابتًا حتى المنتهى عبر الاضطهاد (22:10). إن 13:11-14 يدلّ على الطابع الحاسم والاسكاتولوجي للساعة الحاضرة: يسوع هو إيليا الذي سيأتي، وقد قالت عنه ملا 23:3: "ها أنا أرسل إيليا النبيّ قبل أن يأتي يومي العظيم الرهيب". لقد حصلت التتمّة، ويجب أن نقبل العنف لنتقبّل هذا الملكوت (14:11) ف "نسمع" (11: 15) السرّ الخفيّ (11: 25) الذي سيُكشف للاطفال.
ثالثًا: الحكمة تميّز "هذا الجيل" (16:11-19)
تجاه يوحنا الذي هو "أكثر من نبيّ" (11: 11)، وتجاه يسوع نفسه، يتذمّر "هذا الجيل" (11: 16) كأولاد يرفضون أن يدخلوا في اللعبة. هنا نعود إلى صورة الخلاص المسيحاني التي يرسمها زكريا (8: 2-8) مع أولاد "يلعبون في الساحات". أما متّى فبدّل ترتيب الجملة: "هذا الجيل" يعيش ضد التيّار، ولا يفهم ما يحصل في الحقيقة، ما يَتمّ بشكل نهائيّ في مجيء ابن الانسان. فعبارة "هذا الجيل" تدلّ على الجموع في آ 7. بل تعني أكثر من ذلك. تعني جميع الذين لا يستطيعون أن يسمعوا ويروا، الذين لا حكم لهم ولا فهم. وتذكر آ 17-18 بشكل خفر، عتاب الفريسيين ليسوع (9: 11، 34) فتفتحان الطريق أمام جدالات ف 12. من تقبّل الملكوت، أدرك التعليم الخاص بكل وقت وبكل انجيل، ورفض أن ينغلق في ما تمثّلَه من هذا الملكوت، واستبعد كل نظرة غير نظرته مثل أولاد يتبعون نزواتهم.
ولكن "تبرّرت الحكمة بأعمالها" (19:11). الحكمة تدلّ على عمل الله في الخلق والتاريخ (سي 24: 1 ي؛ 42: 15-25؛ حك 10: 1- 11: 4). إنها تعبّر عن مشيئة الله (حك 13:9-18) التي نكتشفها بالروح الذي يرسله الله. ففي نظرة متّى، يتماهى يسوع مع الحكمة ويتوازى عمله وعملها (11: 2- 19). فأعماله المسيح قد جهلتها مدن شاطىء البحيرة (11: 20-24)، فأدّت ليسوع شهادة أوضح من شهادة يوحنا، وساعدت على اكتشاف ذاك الذي يقوم بهذه الاعمال، حكمة الله بالذات. إن هذا التلميح إلى الحكمة يذكّرنا بابن سيراخ الذي يعلن بر الله بسبب حكمته (18: 1-4). هنا نلاحظ أن يسوع الذي يتمّم الشريعة والأنبياء (17:5؛ 13:11)، هو أيضاً ذاك الذي يتمّم أعمال الحكمة.
رابعًا: ويل للمدن التي ما تابت أمام الرب (11: 20-24)
وإذ دانت أعمالُ يسوع المسيحانية "هذا الجيل" الذي لا يؤمن، فقد دانت أيضًا "المدن" التي "أجرى فيها أكثر عجائبه". رأينا في خطبة الرسالة (10: 23) المدلول الواسع لهذه اللفظة. ففي يسوع صارت الدينونة أمراً آنياً، مع أنه يجب أن ننتظر عودة الربّ المجيدة لنرى هذه الدينونة تتمّ في ملئها (25: 31-32). فحضور المسيح نفسه هو "تقريع" لهذه المدن، وأعماله القديرة ومعجزاته تحذير لا مهرب منه: أو أننا نرتدّ إلى الملكوت، أو أن الملكوت يشجبنا ويحكم علينا. لا خيار آخر ممكنا. يجب أن نتعرّف إلى اعمال يسوع القديرة (دينامايس، 22:7؛ 20:11، 21، 23؛ 54:13، 58؛ 2:14؛ 29:24). فإن أدركناها في الايمان على أنها "أعمال" المسيح (11: 2-19)، فهي سوف تقودنا إلى التوبة (ميتانواين، 3: 2؛ 4: 17؛ 11: 20- 21؛ 12: 41)، سوف تقودنا إلى الملكوت.
ولكن رفضَ هذه المدن ليسوع، جعله يهتف هتاف الألم والقرف، جعلته يتأسّف (ويرثي بشفتيه) أمام شقاء كان من الممكن أن نتجنّبه (عد 29:21؛ عا 5: 16؛ أش 1: 4؛ 29: 1؛ إر 27:13). شبّه النصّ كورزين وبيت صيدا بصور وصيدا اللتين ترمزان في نظر اليهود إلى الوثنيّة المتصلّبة كل التصلّب (رج أش 23؛ حز 26-28). وشبّه كفرناحوم ببابل المتعجرفة (أش 14: 13، 15)، قبل أن يشبّهها بسدوم وعمورة (15:10؛ رج عا 4: 11؛ أش 19:13؛ إر 50: 40). هذا الرفض قد أحسّ به يسوع في أعمق كيانه، مما جعلنا ندرك "العنف" الذي تتحدّث عنه آ 12.
خامسًا: الابن يكشف الآب للصغار، للتلاميذ (11: 25- 30)
إذا أردنا أن نعيش هذا الارتداد وهذه التّوبة، يجب أن نقبل على مثال يوحنا المعمدان أن نكون من الصغار (11: 25)، وذلك بالدخول في حياة يسوع الحميمة. وهذه الحياة تنكشف في صلاة شكر (27:11) تتجاوب مع شهادة الآب لابنه في العماد (3: 17). وصلاة يسوع هذه التي سمّاها الشّراح "صلاة التهليل" (أو الابتهاج) تبدو قريبة من الانجيل الرابع. لهذا اعتبرها بعضهم قولاً يوحناوياً انتقل إلى التقليد الازائي. ولكن لاحظ آخرون أن ارتباطها بالجوّ الحكمي والجليانيّ وموقعها في السياق، يفسّران وجودها في هذا الموضع من مت، وبعد عودة التلاميذ الاثنين والسبعين من الرسالة في لوقا (10: 21-22). هذا ما نوضحه الآن بايجاز.
إن جوّ صلاة يسوع في مت 25:11- 30 هو قريب من جوّ فعل الشكر الذي به أنهى ابن سراخ كتابه (51: 1-30). بدأ باعتراف، وتوسّع في موضوع البحث عن الحكمة التي يعطيها الله، وانتهى بدعوة إلى التتلمذ له آخذاً نيره وحمله لكي يجد الانسان الراحة (رج سي 6: 25-.3؛ 19:24 حيث نجد الالفاظ عينها).
ونجد الحركة عينها في سفر الحكمة (ف 6-9) الذي يشيد بعظمة الحكمة ويدعو قرّاءه إلى التتلمذ لها (حك 9:8؛ 9: 1، 4-9). فكما أن الحكمة عدّدت ألقابها لتدعو الناس إلى اتّباع تعاليمها، هكذا شدّد يسوع على علاقاته الفريدة والسامية مع الآب ليدعو سامعيه إلى حياة التلمذة له.
غير أن نصّ متّى يذهب أبعد من ذلك، لأنه يدلّ على أن الحكمة الالهيّة نفسها قد تمّت في يسوع. والسياق الاسكاتولوجيّ لهذا الفصل يتيح لنا أن نفهم على ضوء دا 13:7-14 أن يسوع هو حقاً ابن الانسان الذي انبأت به الكتب (11: 19)، الذي أعطي له السلطان على أمم الأرض. وتظهر هذه التتمّة أول ما تظهر في يسوع الذي جعل نفسه "صغيرًا"، "وديعاً ومتواضع القلب" (29:10). هكذا تنكشف بنوّة يسوع، عبد الله المتألّم، الذي خرج من مياه العماد ساعة رأى فيه الصوت الآتي من السماء، مسرّة الآب ورضاه (3: 17؛ 26:11).
إن أسرار الملكوت أي حياة الابن الحميمة مع الآب، وينبوع عمله في العالم، هي موضوع "وحي" (11: 25 ,27) أخفي عن "الحكماء" (عارضوا، "حكمة الله"، آ 19) وفهماء الارض. ليس الملكوت امتياز بدعة من "العارفين" (الغنوصيين) أو "المتدرّجين" كما في قمران، أو لدى أهل الاختصاص في الحياة الباطنية. ذاك الذي سلّم اليه الآب و"ربّ السماء والأرض" (11: 25) كلّ شيء، ليس إلا فقيراً يقف على المستوى الذي إليه يدعو تلاميذه (11: 29)، ويحمل عاهات البشر (8: 17)، ويواجه الاضطهادات (10: 17، 22). إن الديّان الرهيب الذي أعلنه يوحنا هو طفل صغير، وهذا الطفل يدين البشر حين يجعلهم أمام الآب. فمن عرف "أعمال المسيح" في "معجزاته"، أدرك بنظر نبويّ واقعَ الآب الذي يكشفه للعالم عملُ الابن. فمن ترك هذا الوحي ينيره، دلّ على أنه قَبل الانجيل، أنه بدأ يتتلمذ لحكمة الملكوت الحقيقية، بدأ يكون فقيراً مع يسوع. وما يشكّك الناس هو وحي الربّ بهذا الشكل وقدرته التي تظهر في الضعف وفي الفقر.
ب- عبد الله رجاء الأمم وديّان الشعب (ف 12)
تماهى يسوع مع كلمة الله (11: 19-28)، وتماهى مِع الأصغر (11: 29)، لأنه حقًا ابن الآب الذي يعرف مخطّط الله ويحقّق مسرَّته. فخادم الله المحبوب (18:12) سيظهر الآن كسيّد (كربّ) السبت (8:12)، كذاك الذي يميّز الأفكار (12: 35)، ويحكم على أقوال (12: 37) البشر وأعمالهم (12: 33، 50). سنلاحظ في هذا الفصل كم يشدّد متّى على لفظة "فعل، صنع" (بوياين، 12: 2، 3، 12، 16، 33، 50) ولفظة "روح" (بنفما 12: 18، 28، 31، 32، 43، 45): إنّ حضور يسوع الذي حكم على استقبال البشر للملكوت، يحكم عليهم الآن، يحكم على أعمالهم، يحكم على الروح الذي فيهم: أخوه، أخته، أمّه، هم الذين "يصنعون" مشيئة أبيه (12: 50).
أولاً: سؤال الفريسيين وسبت ابن الانسان (12: 1- 14)
تتركّز الوحدة الأولى في هذا الفصل على سؤال حول السبت: ماذا يقدر أن "يصنع" المؤمن في ذلك اليوم (12: 2)؟ وسيعود هذا السؤال في آ 10: "قل لنا هل يحلّ الشفاء في السبت". وسيأتي الجواب في آ 12 بشكل تضمن مع آ 2: "يحلّ فعل الخير يوم السبت".
السؤال مهمّ بسبب المكانة الجوهريّة التي يمثّلها السبت في الحياة اليهوديّة. السبت هو اليقين بأن الروح يسمو على الكون، والقدسيّ على كل الخيرات. السبت هو القدسيّ في الزمن. السبت هو قدرة الأبديّة وشعاع الفرح. إنه أكثر من يوم من الأيام، أكثر من اسم يعطى لليوم السابع من أيام الاسبوع. إنه الابديّة في الزمن، والاساسُ الروحيّ للتاريخ.
تلك هي روحانيّة السبت، وقد عاد يسوع إلى الجذور فرأى في السبت مساحة روحيّة لعمل الله في تاريخ البشر. كما جدّد ماويّة ذاك اليوم فجعل العمل الالهي يتجسّد في جسم الانسان، وينشر قوّته في العالم. كان اليهود قد حصروا ممارسة السبت في سلسلة من الفتاوى، ما هو مسموح، وما هو ممنوع.
ولكن أين هو واقع السبت؟ ما يدلّ عليه ليس شعائر العبادة، وسائر الفرائض، بل الرحمة والرأفة التي تعطي التزامَ الانسان في عمل الله كيانَه وقوامه. لهذا أورد يسوع هو 6:6 كما فعل في مت 9 وفي سياق مشابه من الجدال مع الفريسيين (13:9-7:12). وهكذا قابل بين الذبيحة (تيسيا)، أي ذبائح الهيكل وفرائض الشريعة، وبين الرحمة (الايوس)، أي الاهتمام بالآخرين في جوّ من الحنان والرحمة. هكذا فعل الله مع البشر، وهكذا يفعلون بعضهم مع بعض. لسنا أمام شجب لتقوى طقسيّة للانتقال إلى موقف من التضامن البشري. فنحن حينذاك أمام نصّ هوشع ونصّ متّى. بل أمام دعوة توجّه إلى الفريسيين في كل زمان لكي يدركوا أن يسوع وحده يحكم على عمل الخلاص الذي يصنعه الله في التاريخ. ويتّخذ منطق يسوع طريقة البراهين الرابينية. انطلق من مثل من أمثال الكتب المقدسة، فقابل فعلة التلاميذ مع فعلة داود الذي أكل خبز التقدمة (الخبز المكّرس لله) (1 صم 21: 1-6). لسنا أمام السبت في هذا النصّ، بل أمام تدنيس خاطئ (لا 8:24-9). قد نظّن أن صفة يسوع الملوكيّة سمحت له ولرفاقه بأن يتجاوزوا الشريعة دون أن يُخطئوا. ولكن يسوع يذهب أبعد من ذلك، فيلمّح إلى اعمال العبادة والاهتمام بالهيكل، على ما كان يفعل الكهنة يوم السبت. هل هناك تدنيس؟ نعم في إطار تفسير ضيّق يثير الضحك. ولكن من يقبل بهذا التفسير؟ لهذا قال يسوع: "إن ههنا أعظم من الهيكل" (12: 6). لسنا هنا فقط أمام حالة إعفاء من ممارسة الشريعة، بل أمام سبب وجيه يبرّر عمل الكهنة: فالهيكل أسمى من السبت، ولكن يسوع أسمى من الهيكل، وبالتالي أسمى من السبت... هذا هو بُعد البرهان الثاني حيث تنمو الفكرة من الأقل إلى الأكثر. في البرهان الأول فهمنا أن يسوع، شأنه شأن داود، هو أسمى من السبت، وهو هنا أسمى من الهيكل الذي هو أسمى من السبت. وسيقول يسوع بعد ذلك إنه أعظم من يونان، أعظم من سليمان (مت 12: 41-42). ونستطيع أن نستنتج هنا: إنه أعظم من داود (22: 41-46). 
لقد أعطى يسوع للهيكل والسبت بُعد الشمول بحضوره الذي يجعل ملكوت السماوات يقترب من البشر: فمعه كل الارض صارت هيكلاً، وكل الزمن صار سبتًا، صار يومَ الربّ. لقد دقّت الساعة الحاسمة، ساعة الزمن المسيحانيّ، لأن "ابن الانسان" هو "ربّ السبت" (12: 8).
غير أن كلمة يسوع لا تكفي لكي تبرهن عن ذلك. لا بدّ من فعلة مسيحانيّة تؤكّد البرهان، فعلة تحمل الخلاص إلى خروف سقط في حفرة يوم السبت. ففي العالم اليهودي، تسقط جميع الفرائض أمام نجاة انسان من الخطر. إذا كان ابن الانسان هو ربّ السبت، فيستطيع أن يأمر هذا العليل بأن يمدّ يده اليابسة. وكل هذا بقدرة الربّ التي فتحت مياه بحر القصب بيد موسى (خر 14: 16، 21، 26، 27). فيسوع الذي شفى الأبرص (8: 23) بكلمة فمه، سيكوّن أيضًا قرابته الحقيقيّة (12: 49). وهكذا يظهر أن عمل الخير الذي يدلّ على "الرحمة" الحقّة (12: 7)، هو عمل الله نفسه "ربّ السماء والأرض" (11: 25)، الذي ظهر في يسوع، وربّ السبت (8:12). غير أن الفرّيسيين رفضوا أن ينفتحوا على ما يتمّ أمامهم ويتجاوزهم. "فائتمروا عليه لكي يهلكوه" (14:12).
ثانيًا: يسوع الشافي هو عبد الله من أجل الأمم (12: 15-23)
أشار متّى مرتين الى أشفية اجترحها يسوع، فشدّد على طابع الشموليّة فيها (شفاهم جميعًا، 12: 15)، وعلى بُعدها المسيحانيّ (متشيطن أعمى وأصمّ وأخرس، 12: 22؛ رج 11: 5). ومع ذلك رفض يسوع "دعاية" تستبق الوقت المحدّد (16:12). أما الجموع فخرجت من ذاتها ورأت فيه بعض سمات المسيح. "أفلا يكون هذا ابن داود" (12: 23)؟ فكما شُفي المتشيطن، استعادت الجموع القدرة على النظر وعلى الكلام.
يستضيء هذان الشفاءان باستشهاد كبير من أشعيا (24: 1-4) لا يتبع النصّ العبريّ ولا النصّ اليونانيّ في السبعينيّة. لقد اهتمّ متّى اهتمامًا خاصًا بهذا الاستشهاد الكتابي، وجعله في صيغة شخصيّة مشدّدًا على دور الأمم والدينونة المنتظرة. فضّل لفظة "حبيبي" على لفظة "مختاري" ليدلّ على "عبد الله"، فتذكّر تدخّل الآب في عماد يسوع (3: 17). اختار متّى من بين أربعة أناشيد عبد الله في أشعيا (42: 1-4؛ 49: 1- 6، 4:50- 11؛ 13:52- 53: 12) النشيد الأول الذي يعبّر عن دعوة ومصير مختار الله ومعارضة الشعب له. و"الكثيرون" (12: 15) الذين تبعوا يسوع، والذين احتاجوا "جميعهم" إلى الشفاء، نالوا شهادة الآب بواسطة الكتب. أجل، إن يسوع هو حقًا عبد الله الذي تكلّم عنه أشعيا. إنه حبيب الآب وموضوع رضاه. إنه ذاك الذي نال مسحة الروح لكي يكتشف الأمم فيه أيضًا. مبدأ كل عمل وكل حياة. أعلن للجميع الحكم الحاسم الذي يحدّد كلَّ بشر موقعه بالنسبة إليه (18:12). إنه الديّان الموعود، ولكن قدرته تعمل في الامّحاء، بحيث إن "الصغار" (11: 25) وحدهم يستطيعون أن يدركوا ظهور الملكوت. هو لا يفرض نفسه كمحتلّ للبلدان أو مضايق للشعوب. لا يفرض نفسه بأسلحته ولا بعمله (12: 19- 20). بل إن صمتَ الله في يسوع يقود الحكم إلى النصر النهائي. عمله الخيّر الذي يتنبّه لأقل علامة انفتاح وقبوله، لأقلّ علامة حياة، يشكّل رجاء للامم، رجاء للمسكونة (12: 21). فإذا أراد الشعب أن يقبله، عليه أن يتخلّص من الشيطان الذي يجعله أعمى، أصمّ وأخرس، أن يتخلّص من العمى وقساوة القلب اللتين تحدّث عنهما أشعيا (18:42-25؛ رج 6: 9- 10).
ثالثًا: تمييز الأرواح (12: 24-27)
حين نقرأ آ 22-24 نشعر وكأننا قرأنا هذا الخبر. فهو يستعيد تقريبًا 9: 32-34 الذي يختتم سلسلة معجزات (أعمال قدرة) يسوع العشر. غير أن المتشيطن هنا هو في الوقت عينه أعمى، أصمّ، أخرس. أما متشيطن ف 9 فأصمّ وأخرس فقط. وهناك أعميان تقدّما إليه ورأيا فيه يسوع ابن داود (9: 27). ثم إن كلام الفريسيين (12: 24) الذي يذكّرنا بما في 9: 34، يتوسع الآن في جدال طويل (12: 25-37).
لا شكّ في أن الكاتب توخّى هدفًا لاهوتيًا حين استعاد هذا الخبر. لا يكفي أن نقول إننا أمام تكرار. لقد كان للشفائين الاخيرين في ف 9 معنى مسيحاني واضح شدّد عليه جواب يسوع لتلاميذ المعمدان (11: 5). والبُعد المسيحاني عينه نجده في ف 12 مع التشديد على نصّ أشعيا الطويل وردّة فعل الجموع، الذين اضطرّوا أن يروا في يسوع حضور "ابن داود"، وعبّروا عن ذلك بشكل سؤالا مليء بالدهشة (23:12). ولكن إن توصل الناس (مع بعض التأخّر، رج 2 صم 7: 13-16؛ عا 9: 11) إلى يقين يقول إن المسيح هو ابن داود، فما كانوا ينتظرونه فقيرًا متواضعًا. لم يظهر يسوع كالملك. لهذا حكم عليه اليهود بسرعة، وكشفوا القناع عمّا اعتبروه "حيلة" من قبله: "لا يُخرج الشياطين إلاّ ببعل زبول، رئيس الشياطين" (12: 24). لا يمكن أن يظهر المسيح بهذا المظهر.
لقد أراد متّى أن يبيّن أن الشكل الذي به نتصوّر المسيح قد يكون شكلاً شيطانياً حين ننغلق على ذواتنا ونرفض نور الروح. فأي ملكوت نعني عند ذاك، ملكوت الشيطان (12: 25-26) أو ملكوت الله (28:12)؟ غير أن يسوع وضع سامعيه أمام خيار يحكم عليهم. من أي روح هم؟
كانوا يعتبرون المرض على أنه امتلاك الشيطان لأناس من الناس. لهذا فالشفاء هو عمل الله. وكل تقسيم لإخراج الشياطين هو عمل روح الله. فمن رفض شفاءات اجترحها يسوع، أعلن برفضه أن ملكوت الله قد "انتهى" (افتاسن، 12: 28) إلى البشر، أخذهم على غفلة وهم لا ينتظرون. فالمتّهم (هذا معنى كلمة شيطان، رج زك 3: 1-5؛ أي 1: 6) وصل، ولكنه وصل متأخّرًا. فمن عارض ملكوت الله اعتبره حاضراً وبالتالي حكم على نفسه (12: 36-37).
ففي يسوع، قدرةُ الشرّ التي يرمز إليها "الرجل القويّ" قد قُيّدت بشكل نهائيّ (12: 19). كان المقسّمون اليهود (أبناؤكم، أتباعكم) يعملون بقدرة الملكوت، بعنف (11: 12، رج فعل اغتصب، هربازاين، رج 12: 29) تعبّر عنه الآن سلطةُ يسوع بشكل نهائي. فمملكة الشيطان، مدينته وبيته (12: 25)، "بيت الرجل القويّ" (12: 29)، كل هذا قد دُمِّر وخرب بقدرة الله التي تكشف غربة العالم وتخلّص هذا العالم من تغرّبه، وموضعُ التمييز هو حضور يسوع وسط البشر. إن التجربة في البريّة (4: 1- 11) ما زالت تتابع مسيرتها في التاريخ. ففي يسوع تتواجه الخطيئةُ والنعمة.
وفي ما يلي من أقوال يسوع التي تؤلّف هذه الخطبة، أدخل متّى هنا مع تقليد يرتبط به مرقس (28:3- 30) لا لوقا (12: 10 في سياق آخر)، موضوع الخطيئة التي تُغفر أو لا تُغفر: "كل خطيئة وتجديف يُغفر للبشر" (12: 31). من المعروف أن سفر اللاويّين فرض ذبائح تكفير لغفران الخطايا (19: 22). وأن أشعيا تكلّم عن خطيئة لا يكفّر عنها إلا الموت (22: 14)، فدلّ بذلك على رفض الشعب بأن يرى في الأحداث علامة عن حضور الله. ولكن أمام يسوع تتجلّى حقيقة الخطيئة، وفيه ينكشف الغفران. قد لا نتعرّف اليه عن جهل أو ضعف، ولكن مثل هذه الخطيئة تُغفر.
ومع ذلك، فهناك شكل من الرفض لا يستطيع الله نفسه أن يفعل شيئًا ضده: هو رفض المغفرة. فالتجديف على الروح يعني أن نرفض الوحي بإرادتنا، مع أننا أدركناه في يسوع نداء ملحاً في أعماق قلوبنا. يعني أن نعلن أننا لا نحتاج إلى الخلاص. وهذا ما يحكم على الانسان بشكل نهائيّ (12: 32، 37).
إن "التجديف" الذي عنى في العهد القديم (خر 27:22؛ 1 مل 21: 31) ذروة الكفر، ووصفَ موقفَ الوثنيين (مز 89: 51-52)، كان يُعاقَب بالموت (لا 24: 16). فالتجديف هو اتّخاذ موقف نهائي لا رجوع عنه. وهو يدلّ على الفساد (12: 33، رديئة) والشرّ (12: 34-35) في الانسان الذي لا ينفتح على غفران الله، ويسمح لنفسه بأن يحكم على عمل الله. نكتشف هنا عمق مدلول "الكلمة" كفعل أو عمل حاسم يعبّر عن قرار الانسان النابع من أعمق أعماقه (12: 35). وقد استعاد يسوع هنا لهجة يوحنا المعمدان، فقال: "نسل الأفاعي" (12: 34=3: 7). هذا الموقف نجده عند الفريسيين الذين حاولوا أن يتهرّبوا من دينونة تحكم عليهم في الاعماق. إن يسوع هو ذاك الذي أعلنه المعمدان وإن ظهر بشكل بشريّ لم يكونوا يتوقّعونه.
تُعرف الشجرة من ثمارها. والكلمة هي ثمرة القلب، والقلب هو الأصل في الانسان. "حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك" (6: 21). فالكلمة هنا هي اعتراف (أو رفض) بشخص يأتي الينا، بملكوت الله الذي نعرفه بالروح في شخص يسوع عبد الله الوضيع (18:12). فالموقف الذي نتّخذه من يسوع يجعل الشجرة "جميلة" (كالوس) والانسان صالحاً (أغاتوس)، وهذا الموقف تدلّ عليه الدينونة الاخيرة. ولكن منذ الآن، وبحضور يسوع، يتمّ التمييزُ، لأن يسوع هو الحضور النهائي للدينونة التي تعمل في تاريخ البشر (18:12، 21). وبما أن الحكمة قد برّرتها أعمالُها (11: 19) هكذا تبرّر الكلمة الانسان أو تحكم عليه، إن دلّت على انفتاح كيانه العميق أو انغلاقه.
رابعًا: دينونة هذا الجيل، الأمم وآية يونان (12: 38- 45)
وتدخّل الفريسيون أيضاً مع الكتبة (38:12) ليطلبوا من يسوع آية. لقد جاءت "التجربة" بشكل أعنف، لأن الفريسيين ضمّوا إليهم الاخصّائيين في الشريعة. فالكتاب يُستخدم في كل شيء حتى لكي نبرّر نفوسنا حين نجدّف على الروح القدس. "فالانسان الشرّير من كنزه الشرير يخرج الشرور" (12: 35). فمن طلب آية دلّ على أنه يرفض الآية التي تنير كل آية. أما "هذا الجيل الشرير الفاسق" (12: 39؛ رج 11: 16)، أي العابد الاوثان، والمعروف بنواياه السيئة، فستُعطى له آية، هي آية موت ابن الانسان، آية امّحائه الكامل: "سيكون في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (12: 40)، مثل يونان النبيّ في أعماق البحر.
وهكذا قدّم يسوع لمعلّمي الشريعة هؤلاء، أمثولة في تفسير الكتاب: قبلَ الوثنيون تعليم القيامة، قبلوا آية "الثلاثة أيام" كما قبل أهلُ نينوى كرازة يونان. ولكن يونان الحقيقيّ هو يسوع. إن أهل نينوى سيقومون (سينهضون كما في القيامة، آ 41) مع يسوع ليحكموا على الذين رفضوا الحقيقة. ومعهم ستقوم ملكة الجنوب، ملكة سبأ، التي جاءت لتسمع حكمة سليمان (12: 42؛ رج 1 مل 10: 1-13) مع أنها لم تدرك حين سمعت ابن داود أنها صارت تلميذة يسوع. "ها هنا أعظم من يونان. ها هنا أعظم من سليمان" (12: 41-42). وكما قلنا: "ها هنا أعظم من الهيكل" (6:12). فالذي تمّ في يسوع يحكم على كل ما لم يتمّ بعد. فالشريعة والأنبياء والحكمة قد تمّت في يسوع وفي الوثنيين الذين نقلوها. انفتحوا على الملكوت أكثر من الكتبة الذين اعتبروا نفوسهم أبناء الملكوت وورثته (رج 8: 11-12).
حين نجّى يسوع المتشيطن، أعاد النظر والكلام إلى الشعب، فأتاح له أن يتمتم: "ألا يكون هذا ابن داود" (12: 23)؟ ولكن يجب أن يتعرّفوا بعد إلى هويّته المسيحانية كابن الانسان (12: 40) فلا يعودوا يسقطون في قبضة الروح النجس. فهذا الروح يبحث عن الراحة (أي 2: 20)، لا تلك التي يعطيها يسوع (28:11-29)، بل راحة الانسان المنغلق على ذاته في رفضه. قد نتعرّف لحظة إلى الملكوت الحاضر في يسوع، ولكن يجب أن نبقى حذرين (7: 15-23). فالطلبة الاخيرة في الصلاة الربّية يجب أن تكون صلاتَنا: "لا تدخلنا في تجربة، بل نجّنا من الشرير" (6: 13). والتنبّه يتوجّه إلينا اليوم وكل يوم. "تكون آخرة هذا الانسان شراً من أولاه" (12: 45).
خامسًا: قرابة يسوع الحقيقيّة (12: 46- 50)
إن المواجهة بين يسوع من جهة والكتبة والفريسيين من جهة أخرى، بيّنت كيف أن الملكوت يواجه الانسان في العمق ويحكم على مبرّرات أعماله. والآن، أعاد متّى انتباهنا إلى الجموع الحاضرة وإن بشكل خفر خلال هذه الجدالات (11: 7؛ 12: 15، 23- 46). فالجموع حكَم بين يسوع والفريسيين، وكلُّ ما قيل يعنيها. ولكن يبقى عليها أن تسمع النداء وتدخل إلى مدرسة يسوع وتتتلمذ له (11: 29).
إن أم يسوع وأخوته هم هنا يطلبون أن يكلّموه. فالاخوة هم أبناء القبيلة والعشيرة (تك 14: 14-16؛ 29: 15؛ لا 10: 4). وفي أيام متّى، كل أعضاء الجماعة المسيحيّة هم إخوة، لأنهم كلهم أبناء الآب السماوي (أع 1: 15؛ 17:9).
تكلّم يسوع فدلّ مرة أخرى على الفصل بين ملكوت السماوات وواقع الأرض، بين الملكوت وعلاقات القرابة بين البشر. هنا نتذكّر نداء يسوع إلى التلاميذ الأربعة الاولين (4: 20-22)، وجوابه للتلميذ الذي أراد أن يتبعه (8: 21-22)، وتنبيهه في خطبة الرسالة (10: 21-22، 35-36). يجب أن نفهم أن ملكوت السماوات يرتبط بنظام آخر: من أراد أن يُدعى تلميذًا، يصنع إرادة الآب الذي في السماء (12: 50). إن القرابة الآتية من الآب هي قبل القرابة الآتية من البشر. فجماعة يسوع هي جماعة الاخوة التي تعرف بالروح أن يسوع هو ابن الآب، فتفعل ما يفعله يسوع: إرادة الآب ومسرّته (11: 26؛ رج 3: 17). هكذا تأخذ الصلاة الربّية (الابانا، 6: 9-13؛ 7: 21) مكانتها في الجماعة.

4- المعنى اللاهوتيّ
في ف 10، أرسل يسوع تلاميذه في مهمّة صعبة تشبه مهمّة الأنبياء: موسى (خر 3: 7-12؛ 5: 2-9)، إيليا (1 مل 19: 15-18)، هوشع (1: 2- 9)، أشعيا (6: 8-13)، إرميا (1: 6- 10)، حزقيال (2: 10- 11، 16- 21)، وعبد الله المتألم (أش 42: 1-9). كل هؤلاء أحسّوا أنهم أمام مهمّة صعبة، مستحيلة، ومع ذلك ساروا مع الربّ. أما هنا، فالتلاميذ لم يذهبوا، لأنهم لم يكونوا بعد مهيّأين للذهاب إلى العالم "كالخراف بين الذئاب" (10: 16)، ليسلَّموا إلى الناس (10: 17-19)، دون خوف من الذين يقتلون الجسد (26:10- 31). "فالتلميذ ليس أفضل من معلمه. ولا العبد من سيّده" (10: 24). فبقي لنا أن نعرف المدرسة (11: 29) التي جعلهم فيها المعلّم. هذا ما رأيناه في ف 11-12.
مرّت الجماعة في المحنة، محنة الشكّ مثل يوحنا المعمدان، والمعارضة والمجابهة مع الفريسيين والكتبة، وعرفت التجربة مع ابن الله (4: 1- 11)، كما رأت معلّمها يتغلّب على المحن بأقواله وأفعاله. ورأته ينطلق في رسالته بعد خطبة الرسالة، فتعلّمت منه الشيء الكثير.
جاء تلاميذ يوحنا، وجاء الفريسيون والكتبة إلى يسوع، فعارضوا تعليمه وأعماله باسم تصوّرهم الخاص للملكوت وللمسيح. ففي زمن متّى، تواجه تلاميذُ يسوع مع تلاميذ يوحنا والفريسيين. واستصعبوا أن يكون "أعداء الرجل أهل بيته" (10: 36). فالايمان بالرب القائم من الموت، طلب من المؤمن (كما يطلب منه اليوم) أن يختار. فعلى الكنيسة أن تعيش تحت تأثير الروح القدس، فتطرد الشيطان الاعمى، الأصم والاخرس، لكي تعلن المسيح الحاضر فيها. والملكوت واقع يتطلّع إلى المستقبل. ما زالت مدن العالم لم تعرف الانجيل. وحين يصل ملكوت الله إلى البشريّة كلها، يطرح الروح السؤال الأساسي (12: 28). فتلاميذ يوحنا الذين يدافعون عن الديّان الرهيب الذي ينقّي بيدره (3: 12) ما زالوا هنا. والفريسيون المنغلقون في نظرتهم التقليدية إلى الممنوع والمسموح (12: 2)، هم حاضرون. والكتبة الذين يبحثون في الكتب عمّا يبرر أعمالهم، حاضرون بيننا (38:12). يجب أن يحكم عليهم الروح القدس الذي لا يرتّب البشر فئات فئات، بل يدعو كل واحد للدخول إلى مدرسة يسوع (11: 29). هكذا تتكوّن جماعة الإخوة الذين يعملون إرادة الآب (12: 49) ويقبلون الدعوة إلى التوبة (11: 12) التي يطلقها يسوع عبد الله المتألم وابن الآب الحبيب (12: 28).
نستطيع في ف 10 أن نقول إن الكنيسة تأسّست بدعوة الاثني عشر وإرسالهم. فالروح ينعش جماعة التلاميذ، وسلطةُ يسوع تُعطى لهم كما أعطيت للانبياء. يبقى على كل واحد أن يعيش هذه الدعوة عبر وضعه الملموس الذي فيه أدركه الملكوت. هناك الاثنا عشر والتلاميذ والصغار والجموع والناس والفريسيون والكتبة والعشّارون. أناس وُجدوا في أيام يسوع. ولكن حياتهم الحقيقيّة لا تظهر الا على ضوء يسوع: فحضوره ينير وجودهم، ويحطّم الأبواب المغلقة، ويحرّك حريّتهم.
إن نداء يسوع يبدو للوهلة الأولى "اعتباطياً": فالبعض يُدعون، والآخرون يُرذلون. فنحن كأننا أمام ملك "متسلّط". في الواقع، نداء يسوع ليس محصورًا في أشخاص ولا اعتباطيًا: فكل واحد منا مدعوّ في حريته. مدعوّ بطريقة شخصية وفريدة مثل الرسل. غير أن هذا النداء لا يصبح ملموسًا إلاّ حين نتجاوب معه. عند ذاك يتجسّد نداء الله في أعمالنا وأقوالنا، يتجسّد في حياتنا.
أرسل يسوع مجموعة خاصة من التلاميذ ليعلنوا مجيء الملكوت. لامستهم كلمتُه فاستعدّوا لاحتمال المحن من أجل نشر البشارة (10: 39). وإذا كان قد منع البعض من التعريف بالشفاء الذي حصلوا عليه، وبالتالي باعلان "ذلك الذي يأتي" (11: 5)، فلكي يكشف الالتباس في حماسهم أمام معجزة لم يفهموا مدلولها: أعاد يوحنا المعمدان إلى الكتب المقدسة (11: 6). ودعا الجموعَ لتقبل المسيح عبر الآية النبويّة التي هي يوحنا المعمدان (11: 13-14). وإن كان كلامه قاسياً مع المدن (11: 20-24)، مع الفريسيين والكتبة (12: 34-37، 39-45)، فلكي يجعلهم يعون الوضع الذي يصلون اليه في رفضهم. وفي كل هذا، ما زال يسوع يوجّه كلامه إلى الجميع. وروح يسوع الحاضر في العالم، هو الذي يساعدنا على إدراك الانجيل في واقعنا اليوميّ، وعلى الدخول إلى مدرسة يسوع، مدرسة الصغار والتلاميذ، مدرسة الوداعة وتواضع القلب.

خاتمة
إن خطبة الرسالة جعلت الجماعة تلتئم بالكلمة النبويّة. وساعة ينبغي أن نعلن إيماننا أو نعلّم، نعي ما في واقعنا من التباس وما في قلوبنا من ثورة. هناك محنة شكوكنا، ونظرتنا الضيّقة. لهذا نقدّم نفوسنا للشفاء، وعيوننا لنور المسيح، وآذاننا لسماع تعليمه، ونترك الملكوت يدخل إلى حياتنا ويبدّلها. فيسوع هو هنا، وهو يكّرس الشعب ويجعل منه إخوة وأخوات بقدر ما يقبلون أن يكونوا صغاراً معه.
إن الاتّحاد بجسد المسيح يتيح لنا أن نعيش الاخوّة مع ابن الله الحبيب. والاحتفالات التي نعيشها هي البوتقة التي فيها تُمحَّص نوايانا ومواقفُنا وحياتُنا كلها. هكذا ننفتح على الآيات المسيحاوية، ونكتشف الانبياء الحقيقين، ونصلح أحكامنا بواسطة الحكمة التي هي مبدأ تمييز ملكوت الله الذي يعمل في العالم. وندخل في مدرسة رضى الله، التي تجعلنا نحمل متطلّبات الحياة وكأنها نير ليّن وحمل خفيف. ونناله الروح الذي يجعلنا نرى قيامة المسيح في آية يونان، ويدفعنا إلى العمل بمشيئة الله لكي نؤلّف عائلة يسوع الحقيقيّة.
الفصل الحادي عشر
المسيح وسابقه
11: 1- 11

بعد خاتمة خطبة يسوع لتلاميذه (آ 1)، ترد مقطوعتان صغيرتان (آ 2- 11) في ترتيب وجدناه في لو 18:7-28. ويبدو أن التقليد الاول ضمّهما في وحدة تامّة هـان بدتا في الاصل منفصلتين: فبعد أن أجاب يسوع موفدي يوحنا الذين جاؤوا يسألونه عن رسالته (آ 2-6)، قال رأيه في يوحنا المعمدان (آ 7- 11): "لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا". إذن نحن أمام دبتيكا في درفتين متكاملتين. بعد ذلك سيفترق لوقا عن متّى. لا نزال حتى الآن في تعليم يسوع عن يوحنا المعمدان، ولكن عاد الانجيليون إلى تقليدين مختلفين بعض الشيء.

1- من هو يسوع
أ- سؤال يوحنا
ما خاف يوحنا بأن ينتقد سلوك هيرودس انتيباس الذي يعاشر امرأة أخيه. وإذ أراد التترارخس (رئيس الربع) أن يُسكته، جعله في قلعة مكاور التي تشرف على الضفّة الشرقيّة للبحر الميت. ولكن هذا "الملك" ما زال يكنّ الاحترام لسجينه، فيسمح لتلاميذه بزيارة معلّمهم. وبواسطة هؤلاء التلاميذ سأل يوحنا يسوع: "أأنت من يأتي، أم ننتظر آخر"؟
حين يسمع قارئ الانجيل هذا السؤال، لا يستطيع إلاّ أن يتذكّر ما قيل له عن كرازة يوحنا: "ذاك الذي يأتي بعدي هو أقوى مني" (3: 11). تبدو العبارة صدى لقول أش 40 الذي فيه تعرّف يوحنا إلى رسالته الخاصّة: "صوت صارخ في البريّة: أعدّوا طريق الربّ واجعلوا سبل الهنا مستقيمة" (آ 3، رج مت 3: 3). وتابع أشعيا كلامه: "ها هو الربّ يأتي بقوّة وذراعه تسود" (آ 10). إن ما يميّز "ذاك الآتي" هو قوّته.
أما نظرة يوحنا الى هذه القوّة التي ستتجلّى قريبًا، فهي واضحة جدًا. قابلها أولاً بقوّة الفلاّح الذي يمسك فأسه ليقطع الشجرة العقيمة، ويلقيها في النار. "ها هي الفأس على أصول الاشجار: كل شجرة لا تثمر ثمرًا صالحًا تُقطع وتُلقى في النار" (3: 10). وقابل يوحنا هذه القوّة بقوّة الفلاح الذي ينقّي بيدره، فيحرق كل ما ليس حبًا صالحًا. "يُمسك بيده المذراة، ويجمع قمحه في الاهراء، ويحرق التبن في نار لا تُطفأ" (آ 12).
دعا يوحنا الخطأة إلى التوبة، وقدّم لهم معموديّة لغفران الخطايا. ليسرعوا قبل أن يأتي ذلك الذي يكون عماده بالروح والنار، عمادًا مدمّرًا (آ 11). إن يوحنا يرى في ذلك الآتي، الديّانَ الرهيب الذي يقتلع ويحرق في نار لا تنطفىء جميع الخطأة الذين لم يتوبوا عن خطاياهم، ولم يبدّلوا سلوكهم قبل فوات الاوان.
ونصل إلى النتيجة عينها حين ننطلق من ملا 3: 1 الذي استعمله متّى ليحدّد مهمّة يوحنا (رج مت 11: 10): "ها أنا أرسل ملاكي (رسولي)، وهو يهيّئ الطريق أمام وجهي". وبعد الرسول يأتي الربّ نفسه. "فمن يحتمل يوم مجيئه؟ من يقوم عند ظهوره؟ فإنه مثل نار الممحّص وكأشنان القصّارين. يجلس ليمحّص وينقّي الفضة، فينقّي بني لاوي ويصفّيهم كالذهب والفضّة" (ملا 3: 2-3). اختلفت الصور، ولكننا ما زلنا أمام ذات الدينونة المنقّية التي ستلتهم الخطأة في النار.
إذن، اعتبر يوحنا نفسه أنه موكّل بتهيئة اسرائيل للدينونة الرهيبة. فهو يريد بمثَله وكلامه أن يقود الخطأة الى التوبة، فيفلتوا هكذا من العقاب الابديّ الذي يتهدّدهم. وحين يصل "ذلك الآتي"، يكون قد فات الآوان لننجو من قدرته المدمّرة. وفهمَ يوحنا أيضًا الدور الذي كان يجب أن يلعبه في الخضوع ليسوع. غير أن ما تعلّمه من الطريقة التي بها يتمّ يسوع رسالته، لا توافق اطلاقاً الفكرة التي تصوّرها عن الدينونة التي ستبدأ قريباً. لهذا بدت دهشته واضحة من خلال السؤال الذي طرحه.
ب- جواب يسوع
طرح يوحنا سؤالاً، فأجاب يسوع مصوّراً نشاطه الخيّر تجاه البؤساء. هنا يجب أن نتساءل: كيف ينير هذا التصوير سجين قلعة مكاور؟ ولكن يوحنا دلّنا سريعًا على الطريق. هو لم يقل مثل لوقا بشكل غامض: "وأخبر يوحنا تلاميذه بكل هذا" (8:7). بل أوضح فقال: "ولما سمع يوحنا بأعمال المسيح" (11: 2). "أعمال المسيح" هي تلك بها يكشف المسيح عن نفسه: لا تعطينا هذه العبارةُ معلومات عن المعنى الذي نسبه تلاميذُ يوحنا إلى أعمال يسوع، ولا عن المدلول الذي قد يكون يوحنا اكتشفه. فالعبارة تهدف إلى توجيه فكر قارئ الانجيل حول البُعد الحقيقيّ للتعداد الذي به أجاب يسوع على سؤال يوحنا. إن اعمال الخير هذه يجب أن تُفهم على أنها ظهورات للمسيح، على أنها تدلّ على المسيح المنتظر.
إذا أردنا أن ندرك هذا البُعد، يكفي أن نفهم أن الألفاظ التي اختارها يسوع، تذكّرنا بنبوءات مسيحانيّة نقرأها في سفر أشعيا. والعبارة الأخيرة هي العبارة المميّزة بشكل خاص. "المساكين يبشَّرون". يُعلن على المساكين الخبرُ الطيّب. هي تذكّرنا بما في أش 61: 1 كما يرد في لو 18:4 مع موضوع الكرازة في الناصرة. "روح الرب عليّ. مسحني وأرسلني لأبشّر المساكين، وأشفي القلوب المكسورة، وأعلن الحريّة للأسرى، وللعميان عودة البصر".
نجد هنا التعداد عينه لخيرات العهد المسيحاني. كما نجد التشديد عينه على البشارة التي تُعلن للمساكين. بدأ يسوع فقال إن العميان يستعيدون البصر. وتحدّث أشعيا أيضًا عن العميان. ونقرأ ايضأ في أش 35: 5-6: "حينئذ تتفتح عيون العميان. وتسمع آذان الصم. ويقفز الاعرج كالغزال، ويصبح لسان الأبكم طلقًا". وفي 26: 9: "الموتى يقومون، والذين في القبور يستيقظون". 
لا يعود تعليم يسوع إلى نصّ محدّد (ما عدا أش 61: 1)، بل إلى مجمل الأقوال التي بها صوّر سفر أشعيا خيرات العهد المسيحاني. عرف يوحنا إلى ماذا يلمّح يسوع. وفهم أن يسوع يكتفي بأن يؤكّد أنه المسيح. بل هو يعطي براهينه: إن عمله الخيّر يحقّق ما أعلنه أشعيا لهذه الأزمنة المسيحانية. وفي الوقت عينه، وهذا مرمى جواب يسوع، دعا يسوع يوحنا بشكل خفر لكي يرى دور المسيح بشكل مختلف عن الذي لفت انتباهه في السابق. والتعارض بين النظرتين يقدّم المناسبة للتنبيه الذي ينهي "البلاغ" الذي وجّهه يسوع إلى يوحنا.
ج- خطر الشكّ والعثار
إن الكلمة اليونانية "سكندالون" تعني أولاً وضع الفخّ. ثم تعني الفخّ عينه في المعنى الحرفيّ وفي المعنى المجازي. ويتوسّع معنى اللفظة أيضًا في التوراة اليونانية (السبعينية)، فيعني كل حاجز في الطريق، ولا سيّما الحجر الذي به نعثر. "الشكّ" هو كل ما يهدّدنا بالسقوط. وعلى مستوى الاستعارة، الشكّ هو ما يسبّب السقوط الأدبي أو الديني. في الانجيل نجد تعارضًا عامًا بين "الشكّ" والايمان. فالذي "يشكّ" هو الذي لم يبلغ إلى الايمان، أو تراخى في إيمانه.
قال يسوع كلمته بشكل عام: "طوبى لمن لا يشك فيّ" (أو: بسببي). هو لا يصيب يوحنا بشكل مباشر. ولكن من الواضح أن هذه الكلمة التي هي جزء من البلاغ الموجّه إلى يوحنا، تشكّل تنبيهًا وتحذيرًا. لقد رأى يسوع مسبقًا أن جوابه ليوحنا سوف يخيّب أمله.
والخطر الذي يجعل يوحنا يشكّ، لا يقوم في مطالبة يسوع بالكرامة المسيحانية لنفسه: فالسؤال الذي طرحه يوحنا على يسوع يدلّ على أنه مستعدّ لقبول هذا الأمر. ولكن الصعوبة تأتي من أن يسوع يفهم مهمّته بطريقة تختلف عن فكرة يوحنا. لم يقدّم يسوع نفسه ذاك "القويّ" الذي ينشر على الخطأة قوّة غضب الله وانتقامه. بل دلّ على حنان الربّ ورحمته تجاه المساكين وجميع المتألّمين. والتعارض كبير بين النظرتين. فهل يتوصّل يوحنا إلى قبوله وحي الحبّ في التواضع والضعف؟ لن ندهش من المحنة التي تنتظر يوحنا. لنتذكّر ردّة فعل بطرس الذي تشكّك بعد أن أعلن كرامة يسوع السامية في قيصرية فيلبس. تشكّك حين أعلن يسوع للتلاميذ إنه سيتألّم ويموت (مت 16: 22- 23).
أما محنة يوحنا فتجد ما يقابلها في خبر يونان. كُلّف هذا النبيّ ايضاً ببلاغ يحمل الغضب: الله سيدمّر نينوى. غير أن نينوى تابت، وعدلَ اللهُ عن تنفيذ تهديده. إذن، لم تتحقّق نبوءة يونان. "فاستاء، يونان وغضب جدًا" (يون 4: 1). لقد كان على حقّ حين حاول أن يتهرّب من الرسالة التي دعاه الله إليها! قال: "علمتُ أنك إله حنون رحوم، طويل الاناة، كثير الرحمة، ونادم على الشر" (آ 2). لم يأخذ الله قراره بالضرب، لم يدمّر نينوى رغم كل ما اقترفته من شرور. وهذا ما سيكون هنا. فبدلاً من الديّان الرهيب الذي انتظره يوحنا، وبدل نشر قدرة هائلة ومدمّرة تصيب الخطأة، ها هو يسوع يحمل إلى البشر وحياً جديداً، وحي محبة الله. ولكن الشكّ ينتظر يوحنا، لأن شدّة غيرته قد تمنعه من أن يؤمن بالمحبة التي أظهرها الله في يسوع.

2- من هو يوحنا
إذ أراد يسوع أن يحدّد مهمة يوحنا ويصوّر عظمتها، بدأ فطرح ثلاثة أسئلة (آ 7-9). السؤال الاول لا يحتاج إلى جواب: "ماذا خرجتم تنظرون في البرية"؟ والسؤال الثاني ينتظر جوابًا سلبيًا. "أإنسان عليه لباس ناعم"؟ الجواب: كلا. والسؤال الثالث ينتظر جوابًا إيجابيًا، يزيد على ما قيل من قبل. "ألتروا نبيًا"؟ الجواب: "أقول لكم: أجل وأفضل من نبيّ". نحن هنا أمام تدرّج صاعد. فكل مرحلة تقرّبنا من الذروة، من التأكيد الحاسم الذي سينطبع في عقول السامعين. هل وصلنا إلى هذه الذروة مع آ 9؟ كلا. فالعبارة "أفضل من نبيّ" تبقى غامضة وتستدعي تفسيرًا.
ولكن بدل التفسير المنتظر، قدّمت آ 10- 11 تفسيرين لا يرتبط الواحد بالآخر. التفسير الأول يُسند عبارة "أفضل من نبيّ" بإيراد كتابيّ. والتفسير الثاني يستعيد المسيرة الصاعدة لينهيها بمفارقة: الأعظم بين البشر هو أصغر الذين في الملكوت. اعتبر بعض الشرّاح أن الجواب ينتهي في آ 10، وأن آ 11 هي قول مستقلّ. ولكن لا أساس لهذه الفرضيّة. ورأى آخرون في آ 10 إضافة زيدت فيما بعد، بحيث تتواصل آ 9 في آ 11. سوف نرى كيف أن الايراد الكتابي يُفهم على مستوى النقل المسيحي أكثر منه على مستوى كرازة يسوع.
أ- النبيّ في البرية
ثلاث مرات سألت يسوعُ الناسَ لماذا جاؤوا إلى البرّية. قد تبدو الاشارة إلى المكان غامضة. أما كان من الاوضح أن يتحدّث عن الاردن؟ ولكن الاشارة إلى البرية تذكّرنا حالاً بذلك الذي قدّم نفسه على أنه "صوت صارخ في البرّية" (مت 3: 3). وهكذا منذ البداية نفكّر بيوحنا. فشخصّيته هي التي تُبرز الاسئلة التي تعنيه.
لم يذهب الناس إلى البرّية ليشاهدوا قصبة تحرّكها الريح. تزعزعها الريح لتقتلعها. التعارض واضح بين هذه القصبة وثبات يوحنا وصلابته التي تجعله قريباً من إرميا (إر 1: 17-19). وعى هذا الانسان رسالته الالهيّة، وأسندته قوّة روح الله، فلم ينحن ولم يركع أمام أحد. إن صلابة يوحنا هذه تجعله فوق سائر الناس وتدلّ على عظمته.
وهناك تعارض آخر: بين يوحنا والناس الذين يلبسون الثياب الناعمة. هؤلاء الناس يعيشون في قصور الملوك لا في البرّية. أما يوحنا "فلباسه وبر الجمال وحزام من جلد حول حقويه" (مت 3: 4). يدل هذا التعارض على النسك الكبير في حياة يوحنا. كما يدلّ على قربه من إيليا النبي الذي أخذ منه يوحنا طريقته في اللباس (2 مل 1: 8).
إذن ذهب الناس إلى البرّية لكي يروا نبياً. ويسوع هو هنا صدى للرأي العام (مت 14: 5؛ 26:21) وهو يوافق عليه. لقد تلقّى يوحنا رسالته من السماء (21: 25). إنه مرسل الله وحامل كلمته. وهو كذلك في معنى سام جدًا، بحيث إن تسمية نبيّ لا تكفي لتحدّد عظمته: يوحنا هو أعظم من نبيّ. هذا ما استشفّه الناس فتساءل بعضهم: "أما يكون هو المسيح" (رج لو 3: 15؛ يو 1: 19-25؛ 28:3؛ أع 13: 15)؟ أما هو، فوضع الامورَ في نصابها، فما احتاج يسوع أن يعود إلى هذه المسألة. فالعظمة الفريدة التي ينعم بها يوحنا، تأتيه من المكانة التي يحتلّها في تاريخ الخلاص: هو في نهاية زمن المواعيد وفي ذروته، في عهد ملكوت الله.
ب- الأعظم والاصغر
ماذا تقول آ 11؟ إن يوحنا هو أفضل من نبيّ. والآن تتوسّع النظرة، ويوحنا (هنا يزيد متّى: المعمدان) يُقابَل بمجمل البشر: فبين جميع الذين عاشوا، لم يكن أحد أعظم منه. نلاحظ العبارة المستعملة لتدلّ على البشر: "جميع الذين وُلدوا من امرأة". هي عبارة تقليديّة، وهي تصف الناس في وضاعة حالتهم البشريّة: "ابن المرأة" هو ضعيف (سي 18:10). خاضع للخطيئة (أي 15: 14؛ 25: 4). حياته عابرة (أي 11: 2، 12؛ 14: 1). نستطيع أن نفترض أن الانجيلي لم يختر هذه العبارة صدفة. فهي تُعدّ بشكل طبيعيّ التعارض مع القسم الثاني من الآية.
ماذا يقول القسم الثاني؟ اختلفت التفاسير. اصطدم بعضهم بمسألة البنية الغراماطيقية. هل نفهم: "ذاك الذي هو الاصغر في ملكوت السماوات أعظم منه"؟ أو: "ذاك الذي هو (الآن) أصغر هو أكبر منه في ملكوت السماوات"؟ في الحالة الثانية، "ذاك الذي هو أصغر" يدلّ على يسوع الذي يأتي بعد يوحنا في نظر البشر، ولكنه أعظم منه في الملكوت. هذا التفسير قد عرفه آباء الكنيسة وما زال عدد من الشرّاح يأخذون به. ولكن هناك من ينتقده، لأنه لا يوافق النظام الطبيعيّ للكلمات. ولأن استعمال عبارة "ذاك الذي هو أصغر" بشكل مطلق (وهذا أمر غريب)، يعود إلى القسم الأول من الآية، ويدلّ لا على يسوع، بل على أي انسان من الناس. لا نحاول ان نتفلّت من الصعوبة، بل أن نشرح النصّ الذي يعلن أن كل عضو في الملكوت، مهما كان صغيراً، هو أعظم من يوحنا.
نلاحظ بادئ ذي بدء أن هذا النصّ لا يستبعد من الملكوت الآتي ذاك الذي سُمّي نبياً وأعظم من نبيّ. فالآباء والأنبياء لهم مكانتهم في الملكوت. هل يجب أن نستنتج أن "الملكوت" الذي نتكلّم عنه هنا ليس ذلك الآتي والذي فيه يدخل المختارون، بل تحقيقاً أرضياً لهذا الملكوت، ذاك الذي تدشنّه رسالةُ يسوع والذي يتحقّق في الكنيسة من أجل المسيحيين؟ هناك تفسير انتشر بين الباحثين يعلن أن آ 11 تعارض بين تدبيرين للخلاص. يوحنا الذي هو الاعظم في التدبير القديم، هو الاصغر تجاه الذين ينعمون بالتدبير الجديد الذي يبدأ مع يسوع. ويرتبط هذا الشرح مراراً بفرضيّة ترى في آ 11 ب تصحيحاً محدوداً حملته الجماعة المسيحيّة لقول يسوع الذي حفظ في آ 11 أ: يوحنا هو الاعظم بين مواليد النساء، ولكن أصغر المسيحيّين أعظم منه.
ماذا نقول في هذه الشروح؟ لا نستطيع أن ننسب إلى يسوع استعمال عبارة "ملكوت السماوات" في معنى يماهي عملياً بين الملكوت والكنيسة. ثم كيف نقبل بالقول إن المسيحيين قاموا بتصحيح كلام يسوع؟ إذن، يجب أن نتساءل لكي نتجنّب استبعاد يوحنا من الملكوت الاسكاتولوجي: هل من الضروري الافتراض أن الملكوت التي تشير اليه آ 11 ب لم يعُد ذاك الملكوت الاسكاتولوجي عينه؟
إن التفسير الصحيح للآية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار موازاة التعارض بين قسمَيْ الآية. فهذه الآية تؤكّد أن الأعظم بين البشر الذين ننظر إليهم في وضعهم الأرضيّ، هو أدنى من آخر من ينعم بملكوت الله (نلاحظ أن يسوع حين يتكلم عن الصغير أو الكبير في الملكوت كما في مت 19:5؛ 18: 1-4؛ 20: 21- 28، فهو يعني الملكوت الاسكاتولوجيّ). فالتعارض يقوم في الواقع بين نظامين من العظمة، وهو يُبرز السموّ المطلق للنظام الثاني. ففي نظام "عظمات" هذه الأرض، تعود المكانة الأولى إلى يوحنا. غير أن هذا النظام ليس بشيء إذا قابلناه مع الامتيازات التي تمنحها المشاركةُ في الملكوت. وهكذا لا يعني قول يسوع أن يوحنا لم يُدعَ هو أيضًا للتمتّع بهذه الامتيازات في العالم الآتي.
ونقدّم هنا ملاحظة عابرة: اذا كانت عبارة "أولئك الذين وُلدوا من امرأة" (آ 11 أ) تشير إلى وضع البشر المائت (أي 11: 2، 12؛ 14: 1)، فالعبارة المعارضة قد تقابل تلك التي أقحمها لوقا في 36:20 حين سمّى "أبناء القيامة" المختارين الذين سيكونون "شبيهين بالملائكة"، وذلك بالنظر إلى الخلود الذي ينالونه (لا بالنظر إلى العزوبة التي عاشوا فيها. فهذه العزوبة هي نتيجة الخلود). إن "أبناء القيامة" هؤلاء، يعارضون "أبناء هذا العالم" (آ 34).
ونعود إلى النصّ فنرى النهج الذي اتّبعه الانجيليّ: هناك تدرجّ صاعد يساعدنا على إبراز عظمة يوحنا الكبيرة. غير أن هذه العظمة تنتمي إلى واقع هذا العالم الحاضر. وهي ليست بشيء إن قابلناها مع عظمة ملكوت الله. هنا يكمن مرمى آ 7- 11 مع ما فيه من مفارقة. فمن خلال هذا المرمى يقودنا الاعلان المتعلّق بيوحنا، إلى الموضوع المركزيّ في كرازة يسوع. هو موضوع إعلان ملكوت الله. لا شكّ في أن يوحنا عظيم، وهو عظيم جداً. ولكن ما قيمة العظمة البشريّة تجاه الامتيازات التي ينعم بها أولئك الذين "ينالون" ملكوت الله؟
لا نسلّط انتباهنا على يوحنا. بل ننطلق من يوحنا لنصل إلى اعتبار حوله الملكوت الآتي وحول ظروف حياة جديدة يحملها للذين يشاركون فيه. نحن هنا أمام مثال رائع يدلّ على تربية يسوع لتلاميذه. المهمّ ليس أن نندهش أمام يوحنا، بل أن نعمل ما يجب عمله لكي نشارك في ملكوت الله.
ج- سابق الرب
إن الايراد الذي أدرج في آ 10 يفسّر بنصّ كتابيّ التأكيدَ الذي اعلن أن يوحنا هو "أفضل من نبيّ". القسم الاول من هذا الايراد يتوافق توافقاً تاماً مع خر 23: 20 حسب ترجمة السبعينية: "ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك" (في العبريّة والآراميّة لا نجد الضمير المتّصل "الياء" فنقرأ فقط "ملاكاً"). والقسم الثاني "الذي يهيّئ طريقك أمامك"، يقابل بالأحرى ما يقوله الله عن رسوله في ملا 3: 1 حيث نقرأ العبري والآرامي: "وهو يهيّئ طريقاً أمامي". أما في اليونانيّة فنقرأ: "وهو يتفحّص طريقاً أمام وجهي". لسنا هنا أمام نقل حرفيّ. "طريق" صارت "طريقك" (أنت). "أمامي" (أنا) تحوّلت الى "أمامك" (أنت). عبّر الانجيل تعبيرًا أفضل عن معنى الفعل السامي، فجعلنا نشكّ في عودته إلى النص السبعيني للتوراة.
إذا أردنا أن نحيط بهذا الايراد الكتابي، يجب أن نعود إلى نصّين بيبليّين متميّزين، وإلى لغتين مختلفتين: البيبليا اليونانية للقسم الاول، والبيبليا العبرية أو الارامية للقسم الثاني. ونشير إلى أن الايراد نفسه (ما عدا الكلمتين الاخيرتين) نقرأه أيضًا في مر 1: 2 حيث يبدو كقطعة قماش جاءت من الخارج. فقال بعض الشرّاح إن مر 1: 2 هو حاشية مأخوذة من مت 11: 10. ولكنّنا لا نستطيع أيضًا أن نعتبر أن مت 11: 10 الذي يعود إلى معين استعمله الانجيلي (رج لو 27:7) يعود إلى مر 1 :2. إذن نستطيع أن نتكلم عن شاهدين مستقلين للايراد الواحد الذي حاول أن يحدّد رسالة يوحنا. فقد يكون النصّ أُخذ لا من التوراة نفسها، بل من تقليد الكنيسة الاولى، من مجموعة الاستشهادات التي استعملها الوّعاظ المسيحيّون الأولون. نحن في الواقع أمام تفسير لرسالة يوحنا المعمدان، وُضع في فم يسوع.
نرى في هذا التفسير فائدة لاهوتيّة كبيرة. فإذا أردنا أن نحيط بمرماه نتذكّر أن متى يطبّق على يوحنا نبوءة ملا 3: 1 (مثل مت 14:11 الذي طبّق ملا 3: 22). ولكن كان الضروري أن تتكيّف هذه النبوءة مع الوضع، وهي التي تتحدّث عن "نبيّ" أرسل ليُهيّىء طريق الله نفسه: "ها أنا أرسل ملاكي، وهو يهيّئ طريقًا أمامك". ويقدّم خر 23: 20 الاساس البيبليّ الذي أتاح للانجيلي أن ينتقل من "أمامي" إلى "أمامك". ولكن هذا "أنت" الذي يدلّ على شعب اسرائيل في سفر الخروج، يدلّ في الفكر المسيحي على الربّ الذي يأتي، ويبقى مميّزًا عن الله الذي يتلفّظ بهذا القول من أجله. يوحنا هو "نبيّ العليّ" وهو "ذاك الذي يمشي أمام الربّ ليعدّ له طرقه" (لو 1: 76). فما أعلنه ملاخي عن مجيء الربّ، كيّفه المسيحيّون مع مجيء يسوع على الأرض. وحين رأوا في يوحنا، السابقَ الذي يتكلّم عنه ملاخي، رأوا (في الوقت عينه) في يسوع، الربّ الذي مجده هو مجد الله، وقدرته قدرة الله نفسه. وهذا هو المهمّ في عيون المسيحيّين.

خاتمة
بعد أن قرأنا كلام مت 11: 2-6 وهو يحدّد مهمة يسوع المسيحانيّة كتجلّ لحبّ الله الرحيم، انتظرنا أن نجد في آ 7- 11 تحديداً لمهمّة يوحنا النبويّة. في الواقع، لم يتوقّف فكر متّى عند يوحنا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك. بدأ فقابل بين عظمة الأرض وعظمة الملكوت الآتي (آ 11). ثم دلّ على النور الذي يُسقطه دور السابق على كرامة الربّ (الإلهية) الذي يسبق مجيئه. فوظيفة يوحنا، كوظيفة القديسين، تقوم بأن تقود الناس إلى الربّ. فهم لا يشهدون لنفوسهم، بل للربّ الذي صنع فيهم عظائم كما صنع في مريم.
الفصل الثاني عشر
نداء وجواب
11: 12- 14

مع الحديث عن يسوع وسابقه بدأنا المرحلة السادسة في السرد المتّاوي. فإن ف 11-12 ينطبعان بالطابع الاخباري. هما امتداد ف 10 مع الخطبة الكنسيّة، وتهيئة لخطبة الامثال في ف 13. مفتاح هذين الفصلين هو: أعمال (2:11) يسوع خيّبت آمالَ معاصريه. وما كفت لتجعله يفرض نفسه كالمسيح. فالسابق نفسه عبّر عن شكوكه (3:11). والجليل وكفرناحوم والناصرة، رفضت أن تتوب (11: 10-24). عندئذ تحوّل يسوع إلى الصغار، إلى البسطاء، وكشف لهم ما لم يكشفه للحكماء، وأصحاب الدهاء (25:11-30).
كان فصل سابق عنوانه: يسوع وسابقه (11: 1- 11). شكّ يوحنا وارتاب بيسوع: هل هو المسيح؟ فإن كان كذلك فماذا ينتظر؟ أين الفأس على أصل كل شجرة لا تثمر ثمرًا جيدًا؟ أين المذرى لا تفصل التبن عن القمح وتحرقه (3: 10، 12)؟ وأرسل المعمدان وفدًا من تلاميذه. أجابهم يسوع مستندًا إلى أشعيا، داعيًا يوحنا إلى أن يفهم الاقوال النبويّة لئلاّ يعثر. وبدأ يسوع يمتدح يوحنا أمام الجموع. "هو أفضل من نبيّ... لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا". ويتابع يسوع كلامه فيقارب بين يوحنا وإيليا. ثم يتابع حكمَه في أبناء جيله، ويهدّد مدن البحيرة.
هذا ما ندرسه في هذا الفصل، وهو يبدو في ثلاثة مواضيع: كلام عن يوحنا (آ 12-15). حكم يسوع في أبناء جيله (آ 16-19). تهديد مدن البحيرة (آ 20- 24).

1- نظرة عامة
كان يسوع قد طرح على الجموع في اسلوب احتفاليّ، ثلاثة أسئلة. "ماذا خرجتم تنظرون في البريّة؟ أقصبة تهزها الريح؟ (السؤال الاول مع جوابه بشكل سؤال). والا فماذا خرجتم تنظرون؟ أإنساناً عليه ثياب ناعمة (السؤال الثاني وجوابه بشكل سؤال). ويرفض يسوع مثل هذا الجواب فيقول: "إن الذين عليهم الثياب الناعمة هم في قصور الملوك". ويأتي السؤال الثالث في الشكل عينه مع جواب بجوابين. "فلمَ اذن خرجتم إلى البرية؟ ألتروا نبياً؟ أقول لكم: أجل وأفضل من نبيّ" (7:11-9). وجاءت خاتمة أولى مع ملا 3: 1 وموضوع السابق (يهيّئ لك الطريق قدّامك).
وينطلق يسوع من جديد في كلام احتفاليّ أيضًا: "الحق أقول لكم"، فيحدّثنا عن "العظمة" (لم يقُم أعظم من يوحنا المعمدان). بعد ذلك، ترد آية تبدو وكأنها لغز (آ 12) حول ملكوت الله الذي يُغتصب. ويختتم متّى كلام يسوع في مقابلة لا ترد عند غيره بين إيليا يوحنا. وأخيراً: "من له أذنان فليسمع" (آ 15).
في المقطع الثاني (آ 16-19)، نقرأ مثلاً لا يشبه أي مثل آخر: صبيان جالسون في الساحات. وبعد تطبيق المثل على "هذا الجيل"، نقرأ كلامًا عن الحكمة التي تبرّرها أعمالها (آ 19).
وقبل أن نلقي نظرة الى المقطع الثالث (آ 20-24) وما فيه من تقريع للمدن التي عرفت أكثر عجائب يسوع، نودّ أن نشدّد على توسيعين اثنين" الاول، حول الملكوت. لقد تدشّن الملكوت بيسوع. ولكن يوحنا المعمدان ظلّ عند العتبة. لهذا يكون بين يسوع وتلاميذه من جهة، ونجين يوحنا المعمدان من جهة ثانية، انقطاعٌ تام وجديد وجذريّ. ولكن كيف يتمّ الدخول إلى الملكوت؟ يُغتصب، يؤخذ عنوة. بالقوّة. فعلى التلميذ أن يجاهد لكي يدخل في الباب الضيّق (لو 13: 24). عليه أن يجمع قواه الجسديّة والروحيّة ليدخل. هذا ما يسمّى عنف الأبرار. وأول عنف يمارسون، يكون ضد نفوسهم فيخسرون حياتهم لكي يربحوها. وقد يكون عنف الملكوت الذي يفتح طريقه في قلب كل انسان وفي قلب العالم. فهناك خصوم يسوع الذين يمنعون الناس من الدخول إلى الملكوت، وهو سيحارب، بسيف كلمته لا بالسلاح، على مثال الغيورين.
والتوسيع الثاني، حول الحكمة. هناك حكمة هذا الجيل (وأيّة حكمة: نحن هنا أمام كلام ساخر) التي "أبدعت" في أعمالها، فرفضت يوحنا المعمدان، ثمّ رفضت يسوع. هذه النتيجة تكفي لتدلك على حكمة هذا الجيل التي تشبه "حكمة" الصبيان في الساحات. وهناك حكمة يسوع نفسه الذي هو حكمة الله (42:12؛ 1 كور 1 :24). هذه الحكمة هي حكمة مخطّط الله الخلاصيّ الذي دلّت عليه أعمالُ يوحنا المعمدان وأعمال يسوع رغم معارضة "هذا الجيل". أجل، قال بولس الرسول: "ما هو جهالة عند الله أحكم من الناس" (1 كور 1: 25).
ونقرأ في آ 20-24 رثاء يسوع لمدن الجليل (رج لو 13:10-15). انتهى المقطع السابق (آ 19) بأعمال الحكمة، بأعمال يسوع، حكمة الله. وها هو مقطع آخر يحدّثنا عن هذه الاعمال التي هي "عجائب" (آ 20) المسيح. ومع ذلك، رفض الجليليّون أن يتوبوا. "ويل لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا"! جعل لوقا هذا النصّ بين التعليمات التي أعطاها يسوع إلى السبعين تلميذاً (لو 10: 1-16). أما متّى فجعله في إطار تعليميّ بعد أن ربطه بالنداء إلى الايمان والتوبة.

2- دراسة تفصيلية
أ- البنية
نتوقّف هنا عند الفصل كله (11: 1- 30). إن 11: 1-19 يُقدّم ثلاث مقطوعات ترتبط كلّها بيوحنا المعمدان (آ 2-6؛ آ 7-15؛ آ 16-19). وكانت ثلاثة أسئلة أجاب عليها يسوع بنفسه، عائدًا مرّتين إلى الكتب المقدسّة (11: 5، 9؛ أش 35: 5-6؛ ملا 3: 1) وذاكرًا قولاً مأثورًا (آ 17): "زمّرنا لكم فلم ترقصوا. ونُحنا فلم تلطموا".
إن الاسئلة في آ 2-6 و7-9 تشير إلى هويّة يسوع، ثمّ إلى هويّة يوحنا المعمدان. أما آ 16-19 فتقدّم جوابًا على السؤال الثالث، وتسجّل جواب "هذا الجيل"، حول يسوع الذي هو المسيح، وحول يوحنا الذي هو إيليا.
وكيف ترتبط آ 2-19 بما تبقّى من ف 11؟ في ف 11، يقدّم لنا الكاتب نظرة سريعة إلى عمل المسيح في ثلاثة أقسام. يُنظر إلى عمل المسيح في علاقته بالمعمدان (آ 2-19). بالنظر إلى الفشل الظاهر الذي عرفه (آ 20-24). بالنظر إلى النجاح الحقيقيّ مع الاطفال والمتعبين والمثقلين (آ 25- 30). وهكذا تكون آ 12-19 مثلّث داخل مثلّث. وسنقول الشيء عينه عن 25:11- 30 التي ترد أيضًا في ثلاثة أقوال ليسوع.
ب- المراجع
أولاً: إن 2:11-19 يشبه لو 7: 18-35 حتى على مستوى الألفاظ المستعملة وترتيب الأقوال. أما الاختلافات الكبرى فهي: لا شيء في مت يقابل لو 20:7- 21، 29-30. ومن جهة ثانية، لا شيء في لو يقابل مت 11: 14-15. ثم إن ما يوازي مت 11: 12-13 يظهر في لو 16:16. كل هذا يجعلنا قريبين من المعين. مت 11: 2- 19= لو 8:7-39 يستعيد كتلة واسعة من مواد المعين. أما أن لا نجد في مت، لو 7: 20- 21، 29- 30، فنفسّره بميل متّى إلى الاختصار (وهذا واضح بشكل خاص في تعامله مع مر). أو بإمكانية تقول إن لوقا قد دوّن هذه الآيات انطلاقًا من تقليد شفهي عرفه. أما إن ترك الانجيلُ الثالث مت 11: 14-15، فقد توخّى أن يعمل حسب ما قاله في مقدِّمته من دقّة وترتيب. أما النص اللوقاوي الموازي لما في مت 11: 12- 13 فنجده لا في لو 7 بل في لو 16. فهدف متّى أن يجعل في موضع واحد كل ما قاله المعين عن يوحنا المعمدان.
ثانياً: لا نجد في مر ما يوازي مت 11: 20-24. أما التوازيات اللوقاويّة فتبدو كما يلي: مت 11: 20= لا شيء؛ مت آ 21= لو 10: 13؛ مت آ 22= لو آ 14؛ مت آ 23 أ= لو آ 15؛ مت آ 23 ب= لاشيء؛ مت آ 24= لو 10: 12. هناك مسائل عديدة تُطرح في المعين. هل يظهر "الويل" بعد خطبة الرسالة (مت 10) أو كجزء من هذه الخطبة (لو 10)؟ أي ترتيب هو الأصيل، ترتيب مت أم ترتيب لو؟ هل قط 11: 20، 23 ب (الذي لا يوجد في لو) هو من تدوين مت، أم أنه وُجد في المعين وأغفله لو؟
من أجل هذه التساؤلات نقدّم الملاحظات التالية: (1) إن لو 10: 13- 15 قد دوّنه لو أو مرجع خاص بلوقا. فإن هذه الآيات تقطع سياق الخطبة الموجّهة إلى السبعين مع كلام يوجّه إلى كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم. وتبدو مُقحمة بين لو 10: 12 و10: 16. ويبدو أن هذه الآيات الثلاث (آ 13-15) قد وُضعت هنا (بيد لو أو سابقه) بعد 10: 12 بسبب توارد الألفاظ (أهون مصيرًا، أنكتوتارون استاي). وهذا يعني أن لو 13:10-15 وز لم ينتم في الأصل إلى خطبة الرسالة في المعين. (2) وهناك اعتبار آخر يُسند هذه النتيجة التي وصلنا إليها. إذا كان ترتيب لو 10: 13- 15 و16 قد تبدّل، وبالتالي عاد بنا إلى ما قلنا إنه نصّ المعين الاصلي، عندئذ تظهر مواد لوقا المأخوذة من المعين في ذات الترتيب الذي نجده في الانجيل الاول: خطبة الرسالة، الويلات، صلاة الشكر إلى الآب. وهذا ليس من قبيل الصدف. (3) ونعود إلى مت 11: 20، آ 23 ب. تبدو آ 23 ب وكأنّ مت دوّنها. فهي تكمل التوازي بين 10: 21- 22 وآ 23-24 وكلّنا يعرف محبّة مت للتوازيات. وقد تكون آ 20 هي أيضًا من تدوين مت. فنحن بحاجة إلى انتقالة بعد 11: 16-19. ثم إن ألفاظ 11: 20 هي ألفاظ مت ونحن نجدها في 11: 21-23 أ. (4) حين ننظر إلى الاختلاف في الترتيب بين مت 11: 20-24 ولو 10: 12- 15 (مت 11: 24= لو 10: 12)، نرى أنه في الواقع بسيط. فنحن نجد في مت لا نصًا واحدًا بل نصين يوازيان لو 10: 12. هما مت 10: 15 و11: 24. والنصّ الأول يرد عند متّى في الخطبة الموازية لخطبة لوقا (لو 10: 2-12 وز). ومت 11: 24 قد استلهم حين دُوّن، 10: 15= لو 10: 12. بدّل مت موقعه من أجل التوازي بين أقوال وُجّهت إلى كورزين وبيت صيدا، وأقوال الويل التي وُجهّت إلى كفرناحوم.
وخلاصة القول: في المعين، بدا موقع لو 13:10-15 بين خطبة الرسالة وصلاة الشكر (لو 10: 21-24). احتفظ بترتيب المعين (خطبة الرسالة، الويل، صلاة الشكر)، غير أنه لم يستعد المعين كما هو. بل أدرج مواد بين خطبة الرسالة والويلات (ومنها ما يتعلّق بيوحنا المعمدان). وجعل قبل الويلات مقدمة (11: 20)، وأضاف كلامًا ضدّ كفرناحوم (هو في الأصل 23:11 أ) بحيث عكس هذا الكلام تقريع كورزين وبيت صيدا.
ج- التأويل
نبدأ هنا مع 11: 7 وشهادة يسوع ليوحنا المعمدان. فهذا المقطع (آ 7- 15) يتضمّن مواد مأخوذة من قسمين في المعين (رج لو 7: 24-28؛ 16:16)، وممّا ألّفه متّى نفسه (آ 14-15). يبدأ بثلاثة أسئلة يطرحها يسوع ويقدّم الاجوبة: يوحنا صورة أشار إليها ملا 3: 1 (آ 10). هو أعظم مواليد النساء (آ 10). هو على مفترق في تاريخ الخلاص (آ 12-13). هو إيليا (آ 14). وتنتهي هذه القطعة بتحريض على السماع (آ 15).
يبدو أن 11: 7- 9 كانت الوحدة الاصليّة، وزيدت عليها آ 10 (إيراد كتابيّ) وآ 11 (قول مستقلّ، لم يقم في مواليد النساء) عن تقليد سابق لمتّى. بعد ذلك أضاف متّى نفسه آ 12-15. نحن لا شكّ في هذه الواقعة التي ذُكرت في حياة يسوع. كما نرفض القول إننا أمام هجوم على يوحنا المعمدان، بل إن النصّ يعظّم يوحنا ولا يقول شيئاً عن يسوع. ونبدأ تفسيرنا مع آ 11.
3- تفسير الآيات
أ- ليس اعظم من يوحنا (آ 11)
يبدو أن آ 11 كانت قولاً منعزلاً وجُعل في هذا السياق. فهو يكفي ذاته بذاته (رج انجيل توما 46). وحين أضيف إلى آ 7-9 (ثم 10)، بدت الاضافة طبيعيّة. "وأنا أقول لكم" تبدو متعثرّة إن جاءت حالاً بعد: أجل، أقول لكم (11: 9 وز). وإن آ 11 ب خلقت انشدادًا مع مديح رفيع جدًا قرأناه في آ 7-9 وز (بيد أن الاصغر في ملكوت السماوات).
هناك أسباب تجعلنا نقول بوحدة آ 11 وصحّة نسبتها إلى يسوع. فإن آ 11 أ لم تتبع في الاصل آ 9 أو آ 10. وبما أن آ 11 ب لم تكن وحدها، وبما أن آ 11 أ وآ 11 ب هما في توازن متعارض، فقد قيلتا في وقت واحد. لا شكّ في أن يسوع قال ما قال في يوحنا. فأي مسيحيّ يجسر في صراع جماعة يوحنا مع جماعة يسوع، أن يرفع يوحنا إلى هذه المرتبة، لو لم يفعل يسوع؟
"الحق أقول لكم: لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان" (آ 10). ق لو 28:7. ورد في المعين "يوحنا". اما مت فزاد دائماً صفة "المعمدان" (17: 13؛ رج 3: 1 # مر 1: 4؛ 14: 2 # مر 6: 14). "مواليد النساء" هي عبارة ساميّة (نقول إن كنت ابن امرأة، تجاسر). استعمل فعل "اغايرو" عن الأنبياء، رج 24: 11، 24؛ يو 7: 52. هو فعل "ق م" في العبرية (إر 29: 15؛ عا 2: 11).
"الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه"، ق زك 8:12 (يكون بيت داود مثل الله. مثل ملاك الرب أمامهم). نقرأ في لو 7: 28: "ملكوت الله". هناك تواز بين آ 11 أ وآ 11 ب. قالت آ 7- 11 أ إن يوحنا هو أعظم مواليد النساء، وها هي آ 11 ب تقول إنه أقلّ من الاصغر. في هذا المجال صارت عظمة يوحنا لا شيء أمام عظمة الملكوت.
ما معنى آ 11 ب؟ ما معنى "الاخير (او الاصغر) في ملكوت السماوات"؟ هناك خيارات ثلاثة. (1) اعتبر يسوع (في تواضعه) نفسَه أصغر من يوحنا، أنه تلميذ يوحنا، فتكلّم عن نفسه. قال يوحنا الذهبيّ الفم إن البعض يماهون بين "الاصغر" والملائكة أو الرسل مثل امبروسيوس مثلاً في شرحه انجيل لوقا (7: 27). أما هو فتحدّث عن تنازل يسوع (أويكونوميكوس، عظة حول مت 37: 3). (2) الاصغر في ملكوت السماوات يعني كل انسان في الملكوت حين يأتي. في هذا الاطار، لا يُقابل يسوعُ بين مواليد النساء، مع يوحنا على رأسهم، ومجموعة أخرى من الرجال يكون الاصغر بينهم أعظم من يوحنا. هو يقابل بين الحالة الحاضرة حيث هو أعظم الرجال، والحالة المقبلة حيث هو الاصغر في الملكوت الآتي. وبعبارة أخرى: الاصغر في الملكوت هو أعظم من الأكبر الآن. هذا التفسير لا يستبعد يوحنا من الملكوت. (3) الاصغر في الملكوت يعني أي انسان هو الآن في ملكوت السماوات. فكما قاد موسى بني اسرائيل إلى حدود أرض الميعاد دون أن يدخل اليها. كذلك قاد يوحنا تبّاعه إلى عتبة النظام الجديد الذي دشّنه يسوع، ولكنه لم يدخل اليه. هذا التفسير الذي يستبعد يوحنا من الملكوت الحاضر هو الاكثر شعبية بين الشرّاح المعاصرين.
وهناك بعض الآباء يقابلون بين المسيحيّين الذين لم يولدوا من لحم ودم، بل من الله، وبين يوحنا الذي هو "مولود المرأة" كما قال سفر أيوب. ماذا نقول في هذه التفاسير؟ لا يمكن أن يكون يسوع هو "الأصغر" في نظر مت. ثم إن الملكوت هو حاضر الآن وسيأتي. لهذا يبقى التفسير الثاني هو الأقرب إلى المعنى. إن يوحنا الذي نادى بالملكوت قد دخل الملكوت. هو أعظم من نبيّ. وقد جاء بعد "الانبياء والشريعة" (13:11).
ب- ملكوت السماوات يغتصب (آ 12)
إن 7:11- 11 كان مقابلاً لما في لو 7: 31-35 بعد أن ضُمّ إليه 11: 16- 19 (في المعين). وهكذا صارت آ 12-13 في موضع آخر (حتى لو 16:16). جاء متّى بهاتين الآيتين ليجعل كل أقوال يسوع في المعمدان في موضع واحد. في لوقا، ما يوازي مت 13:11 يأتي قبل النصّ الذي يوازي 11: 12. لوقا هو الذي حافظ على ترتيب المعين، لا متّى.
"ومن أيام يوحنا المعمدان حتى الآن ملكوت السماوات يُغتصب، والمغتصبون يأخذونه عنوة". بدا لو 16: 16 ب مختلفًا جدًا: "ومنذئذ يبشَّر بملكوت الله، وكل يجتهد في الولوج إليه". بدا متّى أقرب إلى المعين من لوقا. هناك "يُغتصب" في مت، و"يُبشَّر" في لو. بما أن اهتمام لوقا بالبشارة معروف، فقد رأى الشرّاح أنه أعاد كتابة نص متّى. قال مت: "منذ أيام يوحنا المعمدان". وقال لو: "منذئذ". هذا يعني أن يوحنا ينتمي إلى الملكوت (مت 16:2؛ 24: 21= منذئذ ضمنًا. وعكس ذلك 26: 29).
عاش يوحنا ويسوع في الزمن عينه. وزمن يسوع الذي هو زمن الملكوت، يتضمّن أيام يوحنا. وإذا قرأنا مت، وجدنا توازيًا بين نشاط يوحنا ونشاط يسوع. هذا يعني أن الاثنين انتميا إلى حقبة واحدة من تاريخ الخلاص. وفي 9:11 جعل يسوعُ يوحنا أعظم من نبيّ. جعله في حقبة جديدة تأتي بعد حقبة الشريعة والانبياء (11: 14-15). إذن، يُعتبر المعمدان أول المنادين بالملكوت كما قال يوحنا الدمشقي في كتابه "الايمان الاورثوذكسي" (4: 15). 
إن مت 12:11 وز صعب التفسير. فنسخة مت ونسخة لو اختلفتا منذ البدء، بحيث بدا المعنى بين الواحد والآخر متضاربين. وها نحن نقدّم سلسلة من تفاسير هذه الآية. (1) من جهة، يأتي الملكوت فيعمل وينمو في ذاته، فلا يحتاج إلى مساعدة الانسان. ومن جهة ثانية "يستولي" عليه الانسان عنوة إذا قرّر ذلك وأمسك به بكل قوته. الشريعة والانبياء قد أنبأوا به، أما يوحنا فهيّأ الطريق له. أما الآن، فيستطيع الانسان أن يربحه، أن يشارك فيه. هذا تفسير آباء الكنيسة مع تشديد على الروح النسكيّة والتجردّ من أجل الملكوت. (2) لا علاقة لهذا القول مع دخول الانسان إلى الملكوت. بل هو يعني أنه منذ مجيء المعمدان، جاهد الناس للدخول في الملكوت. هم جيش التائبين الذين استولوا عليه من يد الله بحيث يأِتي في كل وقت. (3) هناك عودة إلى موت المعمدان ونظرة إلى آلام يسوع وتلاميذه. والحديث عن الملكوت في هذه الآية يشير إلى الحرب الاسكاتولوجيّة بين الله وقوى الشرّ، ويفسَّر مصيرُ يوحنا المعمدان والمصير المقبل ليسوع وتلاميذه ككشف لهذا الصراع. وبعبارة أخرى، تفسّر آلامُ يوحنا والقديسين بعده في "ويل" مسيحانيّ أو ضيق اسكاتولوجيّ في الأيام الأخيرة. (4) العنيف (أو: المغتصب) هو يسوع وتبّاعه الذين يعملون بوجه معارضيهم. أخذ يسوع هذه التسمية واستعملها بشكل إيجابي: إن الخطأة يغتصبون الملكوت. (5) يتحدّث النصّ عن الفريسيين الذين يهاجمون الملكوت إذ يجعلون الشعب يبقى خارجه (23: 13). (6) المغتصب هو الشيطان وقوى الشرّ التي تهاجم الملكوت. (7) المغتصبون هم الغيورون أو إحدى المجموعات المتعصّبة.
قدّمنا هذه التفاسير المتعدّدة وأعطينا رأينا في النظرة العامة حين تحدّثنا عن الملكوت. هناك صراع بين قوى الشرّ وقوى الخير. وقد بدأ هذا الصراع منذ الآن. بل هو قد بدأ في مقتل يوحنا المعمدان وستكون ذروته في صليب يسوع. ويكون له امتداد في الاضطهادات التي ستلقاها الكنيسة الأولى، بل الكنيسة في كل زمان.
ج- يوحنا وإيليا (آ 13- 15)
"فجميع الانبياء والناموس تنبّأوا إلى يوحنا". ق لو 16: 16 أ الذي يقرأ: "بقي الناموس والانبياء إلى يوحنا". عبارة لوقاويّة. أما عبارة مت "الانبياء والناموس" فليست بعادية (يُذكر الناموس أو الشريعة أولاً) (5: 17). قلب الانجيليُّ الاول الترتيب المعروف، ليشدّد على الناحية النبويّة في الكتب المقدسة (في 17:5 زاد الانبياء. في 9:11 يوحنا هو نبيّ. وفي 18:5 الشريعة هي مجموعة نبويّة). وزاد مت "جميع" مع فعل "تنبّأ" الذي يستبعد تفسيرًا متعارضًا: لم يخسر الأنبياء والشريعة قوّتهم الآمرة. ولكن نبوءتهم عبرت إلى يسوع. حين قرأنا آ 12 اعتبرنا يوحنا داخل الملكوت. في آ 13 نراه خارج زمن الناموس والأنبياء. وبما أن آ 13 هي توضيح آ 12 (مع "غار")، فهذا يعني أنها تجعل يوحنا في الزمن الجديد.
هناك من اعتبر مع آ 13 أن يسوع ألغى سلطة موسى (سلطة الشريعة) حين قال: "كانت الشريعة والأنبياء حتى يوحنا". مثلاً قال ترتليانس: "توقّف ثقلُ الشريعة مع يوحنا". واعتبر أن بعض الناس يستعملون هذه الآيات ليهملوا شريعة العهد القديم (في الصوم، 2). نحن هنا في موضوع ملكوت الله الذي بدأ. أما دور الشريعة فيه، فسؤال لم يُجب عليه مت 11: 12-13 وز.
في آ 14 نفهم رأي مت في يوحنا: إنه إيليا وقد "عاد حيًا". "إن شئتم أدى تفهموا". ما سيقوله يسوع هو أمر جديد. هل أنتم مستعدّون أن تقبلوه؟ "إيليا المزمع أن يأتي". ق 17: 12-13. إن لفظة "الآتي" (3: 11؛ 11: 3) هي لقب عند مت. قد يكون يوحنا ظنّ أنه ايليا (3:3-4). ويسوع قد قابل بين الاثنين (7:17-9). هناك من استعمل هذا النصّ للتحدّث عن "التقمّص" (عاد إيليا في جسد يوحنا المعمدان من أجل حياة جديدة)، وهذا منذ أيام ترتليانس في كتابه "النفس" (35). هنا نقول إن التقليد اليهودي لم يعتبر أن إيليا قد مات بل بقي حيًا. ثم إن التقمّص أمر غريب على التقليد اليهوديّ. يوحنا هو إيليا بمعنى أنه أخذ المشعل وتابع وظيفة إيليا "بروح إيليا وقوّته" (لو 1: 17).
"من له أذنان فليسمع" (آ 15). نجد هذا الامر في تقليد يسوع، وهو ينتقل من سياق إلى آخر. هو تنبيه يدلّ على خاتمة المقطوعة أو على وحدة أدبيّة جديدة. هنا نفهم أن مقطوعة انتهت (7:11-15) ومقطوعة أخرى ستبدأ (آ 16-19). وهذا الأمر يعود بنا إلى نصوص الانبياء التي تتحدّث عن شعب له آذان ولا يسمع (أش 6: 9؛ إر 5: 21؛ حز 12: 2). مرمى الآية: لا يكفي أن تكون لنا أذان لكي نسمع ونفهم. بل هناك انتباه داخلي، تركيز، تمييز.
د- بمن أشبّه هذا الجيل (آ 16-19)
مع هذا المقطع أوقف مت الكلام عن يوحنا المعمدان. وكان منطقيًا في ترتيبه. فهويّة يسوع (آ 2-6) دلّت على كرامة يوحنا وسلطته (آ 7- 15). وهكذا تواجهَ القارئ مع حقيقة يسوع، ثم مع حقيقة يوحنا. فكيف تقبّل معاصرو يسوع هاتين الحقيقتين؟
يبدو أن آ 16-19 تشكّل وحدة، وأنها تعود إلى الرب نفسه (1) وُضع يسوع ويوحنا الواحد بجانب الآخر، فلم يعظَّم واحد على حساب الآخر. (2) كيف يستطيع المسيحيّون أن يقولوا عن يسوع إنه "أكول، شروب للخمر"؟ (3) اعتاد يسوع أن يأخذ كلام خصومه فيحوّله معهم إلى شيء إيجابي (رج 19: 12. يحوّل الشرّ إلى خير). وهكذا وقف في خط الانبياء الذين يوردون كلام الآخرين لكي يردّوا عليه. (4) هناك عبارات ساميّة واضحة.
"ولكن بمن أشبّه هذا الجيل" (آ 16)؟ ق لو 7: 31: "بمن أشبّه رجال هذا الجيلُ"؟ نجد فعل "هومويوو" (شبّه). "هومويوس" (شبيه). قبل الامثال، يتحدّث يسوع عن معاصريه ومعاصري يوحنا. ولفظة "الجيل" تعود إلى الشعب في البرّية (تث 1: 35؛ 32: 5، 20). في التعليم الرابيني، هذا الجيل هو جيل الطوفان. سوف نرى أن لو 17: 22-23 ومت 24: 34-44 يقابلان زمن يسوع بزمن نوح. ق مر 38:8؛ 9: 19؛ 12: 39؛ ثم مت 17: 7= 9: 41 في علاقة مع جيل البريّة. إنّ جيل يسوع صار خاطئاً حين رفض يسوع.
"يشبه صبياناً جالسين في الساحات يصيحون بآخرين". ق لو 7: 32. "ينادون وليس من يسمع. غنّينا لكم فلم ترقصوا...". ذاك هو وضع يوحنا ويسوع. ما أردتم أن ترقصوا. ما أردتم أن تلطموا الوجوه حزنًا. يوحنا المتنسّك والمنادي بالدينونة، دعا إلى الحزن والتوبة. ويسوع أعلن الفرح وحضور الملكوت، ودعا الآخرين لكي يدخلوا معه. غير أن الدعوة وجدت آذانًا صمّاء، فبدل التوبة والبكاء أو الفرح، فضّل الشعب أن يتجاهل مرسلي الله. فبأيّ وجه يستطيع نداءُ الله أن يصل إليهم؟ هناك "اوليو" الذي لا يرد في السبعينية (زمّر). و"ترينيو" (غنّى) اللذان يردان مرّة واحدة في مت.
"اورخيوماي" (رقص) يرد في 14: 6 (= مر 6: 22) مع ابنة هيرودية. "كوبتو" (ناح، لطم الوجه) في 8:21= مر 8:11)؛ 24: 30.
"جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب" (آ 18). ق 4:3؛ لو 33:7 (لا يأكل خبزًا ولا يشرب خمرًا). رج تث 29: 6 (الخبز يعني الطعام، والخمر الشراب، رج تك 18:14). هناك تعارض بين من يأكل ومن لا يأكل. رج أش 13:22؛ مت 38:24، 49؛ 1 كور 15: 32. "فيه شيطان"، في يوحنا شيطان كما في يسوع (22:12-32). كل شيء فيه يشير إلى ذلك. كما قالوا. "وجاء ابن الانسان" (آ 19). ابن الانسان هو لقب كرستولوجيّ. رج مت 20: 28= مر 10: 45؛ لو 9: 56. "يُحبّ العشّارين والخطأة". ق 9: 11. نجد في إكلمنضوس الاسكندراني عبارة غريبة في "الموشّيات" (3: 6): "محبّ العشّارين وخاطئ". فماذا نستطيع أن نقول بعد ذلك؟ كان يوحنا قاسيًا مع الخطأة فرفضتموه. كان يسوع محبًا للعشارين والخطأة فلم ترضوا به. تلك كانت حكمة الله وأنتم رفضتموها. قدّم المسيحُ الذي هو حكمة الله كلَّ هذه الاعمال، ولكنكم لم تؤمنوا. ليست الحكمة هي التي اخطأت في عملها ولا يسوع. فاللوم على الذين لهم آذان ولا يسمعون. وإذا حوكمت الحكمة لأنها لم تحمل اسرائيل إلى الايمان، فستجد ما يبرّرها. أعمالها التي هي أعمال يسوع، هي التي تشهد.
هـ- ويل لمدن الجليل (آ 20-24)
نجد في هذا المقطع (1) انتقالة تركّز المشهد على "المسرح" وتبدو بشكل مقدّمة (2) لقول نبويّ يحمل الويل إلى كورزين وبيت صيدا (3) وويل يوجَّه إلى كفرناحوم. إن القولين النبويين متشابهان، وهما يبدوان في شكل واحد (أ) النداء (آ 21 أ، 23 أ). (ب) توجيه التهمة (فرضية مع "لو" وجواب، آ 21 ب ج. آ 23 ب ج). (ج) الحكم (مقابلة مع مصير مدن أخرى. آ 22: 24). أما النموذج الذي استقى منه الانجيل فنجده في العهد القديم (أش 5: 11-17؛ 29: 15- 21؛ 33: 1؛ مي 2: 1-5؛ حب 9:2- 11. ق أخنوخ 8:94؛ 95: 7؛ 96: 4، 8؛ 98: 9- 11؛ 100: 7-9). وهناك "الويل" في مت 23 الذي يختلف بعض الشيء. هناك النداء والتهمة. ولكن لا نجد الحكم (رج أش 18:5-23).
في المعين اجتذب "الويلُ" خطبةَ الرسالة. وإن وُضع جزء بالقرب من الآخر، فلكي يهيّئ المرسلين للرفض الذي يلاقيهم. ولكن إن يكن الامر هكذا، فهذا يعني أن متّى لم يتّبع خطّ المعين. فالويل في الانجيل الأول ينتمي إلى مجموعة موضوعُها قرار نتّخذه مع يسوع أو ضدّ يسوع. وهكذا فإن آ 20- 24 تحمل خيبة الامل التي تسجّلت في نهاية آ 16-19، وهي وحدة موضوعُها رذْلُ "هذا الجيل" ليوحنا ويسوع. وهذا ما يدلّ على التعارض مع المقطوعة التالية التي تتحدّث عن الذين قبلوا يسوع (11: 25-30).
"عندئذ طفق يقرعّ المدن التي أجرى فيها أكثر عجائبه" (آ 20). ق يو 12: 37 (مع أنه صنع أمامهم آيات كثيرة، لم يؤمنوا). نحن هنا أمام مكلتا، أي شرح على خر 15: 16 (كان باستطاعة أهل سدوم أن يتوبوا، ولكنهم لم يتوبوا)." اونايديزو": وبّخ، قرعّ. "ديناميس" (غبورا في العبرية): قوّة، أعماله قوّة. ق 11: 21= لو 10: 13. هذه المدن المذكورة هنا هي مدن يهوديّة (10: 5- 6). والموضوع هو رفض اليهود ليسوع. بعد أن دعاهم يسوع إلى التوبة، فالذين رفضوا أن يتوبوا أخطأوا في عصيانهم له.
وما يلي من آيات هو مقدمّة للدينونة الاخيرة. "ويل لك يا كورزين" (آ 21). رج لو 13:10. كورزين هي خربة كرازة التي تبعد 3 كلم عن كفرناحوم "(تل حوم). تُذكر مرة واحدة في العهد الجديد. بيت صيدا هي بيت الصيّاد. مدينة حُدّد موقعُها شمالي بحر الجليل. هي اليوم خرائب "التل". رج مر 6: 45؛ 8: 22؛ لو 9: 10؛ يو 1: 44؛ 12: 21. هي "جوليا" المدينة التي سمّاها فيلبس على اسم ابنة الامبراطور أوغسطس. لم يقل لنا متّى المعجزات التي صنعها يسوع في هاتين المدينتين. كما لم يقل لنا إن بعض تلاميذ يسوع جاؤوا من بيت صيدا (رج يو 1: 44؛ 12: 21). يقول يوحنا الذهبيّ الفم إن يسوع ذكر بيت صيدا لأن بعضاً من تلاميذه كانوا منها (أتراهم تركوها كما ترك لوط سدوم؟ أم كان هناك بعض توبة؟).
صور وصيدا مدينتان مهمّتان جداً على ساحل البحر المتوسط. يهاجم أش 23 الأولى، وحز 28 المدينتين، فيهدّدهما بدينونة الله. مدينتان اشتهرتا بالغنى الكثير، فوبّخهما القول الالهي على تكبّرهما. وهما تُذكران معًا (مثل سدوم وعمورة) في مجال التنبيه من الدينونة. رج إر 25: 22؛ 27: 3؛ 47: 4؛ يوء 3: 4؛ زك 9: 1-4؛ 1 مك 15:5؛ يه 28:2. ونجد المدينتين ايضًا في مت 15: 21؛ مر 8:3؛ 7: 24؛ لو 17:6؛ أع 12: 20، يوسيفوس في العاديّات 8: 320؛ 15: 95. إعلان قويّ لانه يقابل بين مدن يهوديّة ما تابت، ومدن وثنيّة أخذت طريق التوبة. بل إن صور وصيدا كانتا رمزاً إلى كل مدينة وثنيّة.
"إن صور وصيدا ستكونان أهون مصيراً منكما في يوم الدينونة" (آ 22). رج 15:10 حيث يقول يسوع إن مصير "تلك المدينة التي لا تقبل الرسل، سيكون أصعب من مصير سدوم وعمورة في يوم الدين". نجد "بلين"، أجل نعم. وقد تقابل "الحقّ الحقّ". رج 10: 15. "وأنت يا كفرناحوم" (آ 23). ق لو 10: 15؛ أش 13:14 حسب السبعينيّة: "قلتَ يا ملك بابل: سأرتفع إلى السماء" (هـ- ش م ي م. هـ ا ع ل هـ). ق حز 20:26؛ عا 2:9؛ عو 4؛ مزامير سليمان 1: 5. حسب مت، كفرناحوم هي مدينة يسوع (مدينته 9: 1). سيكون العقاب على لاتوبتها كبيراً. وهذا ما يدلّ على صحّة القول: "لا يكرّم نبيّ في وطنه" (13: 57). غير أن هذا الكلام القاسي لم يمنع يسوع من العودة إلى كفرناحوم (17: 24). لم يقل يسوع هذه "الويلات" على المدن اليهوديّة لكي "يغسل يديه"، بل ربّما ليدعوها إلى التوبة، لأنه لم يفقد كل أمل بالنسبة إليها. سيأتي وقت يقول فيه لليهود: "سيُترك لكم بيتكم خرابًا". ولكن يبدو أن هذا الوقت لم يأت بعد.
كيف "ارتفعت" كفرناحوم؟ هل لأن يسوع أقام فيها؟ هل بسبب موقعها الجغرافي، أو ازدهارها، أو تكبّرها؟ ربّما بسبب تكبّرها كما في أش 14: 13. وعلى كل حال، نحن في فرضية: حتّى لو ارتفعت! "سيُهبط بك إلى الجحيم". أي الشيول أو مثوى الاموات. لا جهنّم والهلاك الابدي. وهنا نحن أمام تعارض بين الارتفاع إلى السماء، إلى الأعلى، والهبوط إلى أسفل الأسافل. 
"ولذلك فإني أقول لكم" (آ 24). ق لو 10: 10؛ مت 15:10. غير أن آ 24 تشبه هنا شبهاً بعيداً ما قيل عن كورزين وبيت صيدا. قال بولتمان إن هذه "الويلات" قد عبّرت عنها الجماعة، لا يسوع. ولكن الجماعة لم تبشّر في هذه المناطق، بل إن يسوع صنع فيها أكثر عجائبه، ولهذا نفهم تهديداته لها في إطار رسالة يسوع في الجليل. وإذا كانت الكنيسة الأولى قد رددتها، فلكي توبّخ كل مدينة حملت إليها إنجيل المسيح (10: 15).
ماذا تقول لنا آ 21-23 أ عن يسوع؟ حمل يسوع إنجيله وهو يرجو أنه سيُسمع. ولكن كانت النتيجة أن هذا الجيل رفض أن يؤمن به. عند ذاك، واذ رأى يسوع ان أعماله العظيمة لم تولّد التوبة، خاب أمله. هذا النصّ هو شهادة عن هذا الأمل الضائع. فقد حكم على كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم، لأنه انتظر منها شيئًا، انتظر ثمرًا. هذا ما نسمّيه "أزمة الجليل". ترجّى يسوع تجديدًا. فلم يحصل على شيء. هنا نفهم عودته إلى العهد القديم وتشديده على الناحية الاسكاتولوجيّة.

4- قراءة إجمالية
أ- شهادة يسوع عن يوحنا المعمدان (آ 12- 15)
قال يسوع ما قال في خطّ ما اكتشفه الشعب. قال إن يوحنا نبيّ عظيم، لم تلد النساء مثله. بعد هذا كان قول بشكل لغز وضعه المؤلف هنا (لا شكّ في أنه كان قولاً مستقلاً، وكان يمكن أن يُوضع في مكان آخر). واستعاده لو 16: 16 ولكن في سياق آخر وبألفاظ أكثر وضوحًا. ما هي أيام يوحنا؟ هي الحقبة التي فيها كان يعظ ويعمّد. "حتى الآن"، أي حتّى الوقت الذي فيه بدأ يسوع بشارته، وربّما حتى الوقت الذي فيه دوّن متّى إنجيلَه (23: 29؛ 26: 29، 64). وتابع يسوع كلامه في قول آخر لا يرتبط ظاهراً بما سبق ولا بما يلي. فيقول: مع يوحنا المعمدان انتهى زمن النبوءة. فلا تنتظروا بعده من يحدّثكم عن المسيح الذي يأتي.
والبرهان على أن يوحنا المعمدان هو النقطة الاخيرة في زمن الانبياء، نجده في المقابلة مع ايليا حسب ملا 23:3: "ها أنا أرسل إيليا النبيّ قبل أن يأتي يومي العظيم الرهيب". لقد تسلّم المعمدان رسالة هي وظيفة إيليا في الأزمنة الاخيرة. وقال يسوع: "إن شئتم أن تفهموا". ولكن اليهود لا يريدون أن يفهموا (رج آ 16-19). هنا نجد فعل "تالاين" الذي يميّز السرد المتّاوي. فقبول يسوع كالمسيح، ويوحنا كإيليا، يرتبط بالارادة (إن شئتم)، لا بالعاطفة أو البراهين العقليّة (24:16-25؛ 18: 30). هنا يلتقي مت مع يو (يو 5: 40؛ 6: 67؛ 7: 17) حول القرار الحاسم الذي يتّخذه الانسان في وجهة محدّدة، في الطريق التي رسمها يسوع.
ب- حكم يسوع في بني جيله (آ 16- 20)
هذا "الجيل" يقابل الجموع (آ 7). يقابل معاصري يسوع ومعاصري الانجيلي متّى الذين رفضوا أن يؤمنوا بالمسيح. وقد ارتدت هذه اللفظة معنى هجومياً في مت: هو الجيل الذي ما أراد أن يؤمن. هي قضيّة إرادة لا قضيّة جهل (12: 39، 41: 17: 17). وبنية المثل الذي يصوّر هذا الجيل، تبدو غير عادية: فالعنصر الامثالي (آ 16-17) وتطبيقه (آ 18-19) قد وُضعا في شكل متواز. إن هذا المثَل ينطبق بشكل معبّر على ما سبق: ما فهم اليهود يوحنا. إذن لن يفهموا يسوع. هم لم يفهموا يسوع فكيف يفهمون يوحنا؟ طُلب منهم مع يوحنا أن يتوبوا، وهو آخر الانبياء الذين سبقوا يسوع. وطُلب منهم مع يسوع أن "يرقصوا" معه لأنه يدشّن ملكوت الله، ملكوت النعمة والمجد. غير أن هذا الجيل لا يفعل أبداً ما يجب أن يُفعل في الوقت المؤاتي: يندبون في العرس ويرقصون في الجنازة. هذا هو الشكل المأساوي لرفضه وارتيابه.
نلاحظ هنا ظهور يوحنا وظهور يسوع اللذين يشبّهان بالنفخ بالمزمار والغناء الذي يدعو البشر إلى التوبة ثم إلى الفرح. والرفضُ المتكرّر يشبَّه بمقاومة واعية لدى الانسان الذي رفض أن يدخل في اللعبة، الذي رفض ان يترك المسيح يستولي عليه كما قال بولس الرسول. رسالة يسوع هي نداء إلى الفرح (لو 1: 1-32)، وفرح مؤسّس على واقع يقول إن المسيح يشارك الخطأة حتى في طعامهم وشرابهم (لا يتنجّس بهم، بل يطهّرهم). تلك هي رسالة الانجيل، وهي بعيدة كل البعد عن نظرة الاسيانيّين.
وهكذا تبرّرت الحكمة بأعمالها. بما أن الجموع لم تقبل المعمدان ولا المسيح، فهم لا يستطيعون أن يتّهموا الأعمال الاسكاتولوجيّة التي صنعها يسوع. فمعجزاته وكل نشاطه أعظم تبرير لمن هو حكمة الله. إنها تدلّ على أن عمل الله قد تمّ فيه حقاً. وإذا كانت الحكمة تعني مقاصد الله في البشر، فهي قد تجسّدت في يسوع الذي لم يكن فقط أحكم من سليمان، بل كان الحكمة بالذات الذي فيه صارت مواعيد الله نعم، كما يقول بولس الرسول.
ج- الويل لمدن البحيرة (آ 20- 24)
عندئذ بدأ يسوع. وهكذا انتقل يسوع من مقطع الى مقطع مع فعل قاس جديد ترافقه المرارة والحزن، وربّما السخرية (5: 11؛ 27: 44؛ 1 بط 4: 14 اونايديزو). هذا الفعل الذي يرد مرارًا في السبعينيّة ويقابل العبري "ح رف" يدلّ على الكم القاسي الذي يصيب المرتّل وإلهه (مز 89: 51-52) من جرّاء خصومه. أمّا يسوع فقد أراد هنا أن يوبّخ مدن الجليل ويقابلها بالمدن الخاطئة في العالم الوثنيّ. ولكننا نلاحظ أنه لا يوبّخها على شقائها الاخلاقي ولا على عصيانها الوصايا بشكل عام، بل لأنها لم تتُب رغم جميع المعجزات التي تمّت فيها. والتوبة (أو: الارتداد) أو العودة إلى الله (3: 2؛ 12: 41) قد ارتبطت هنا بمعجزات يسوع (لا بكرازته بالدرجة الاولى)، كما ارتبط في انجيل يوحنا الايمان بالآيات. ونلاحظ أنها مدن كان يجب أن تتوب، لا أشخاص. هكذا اعتاد العهد القديم أن يفعل حين يهدّد أورشليم أو غيرها من المدن إذا كانت لا ترجع إلى الله.
ويبدأ تقريع يسوع بلفظة "أواي" الويل. هي تدلّ على الألم والحزن المليء بالمرارة (إر 13: 27). نشير هنا إلى أن التلمود يذكر كورزين ثلاث مرات. ويتحدّث عنها أوسابيوس القيصري (265- 340) ويحدّد موقعها. أما صور وصيدا القريبتين من الجليل فقد لجأ إليهما عددٌ كبير من اليهود (بعد دمار اورشليم سنة 70 ب م). في مثل هذا الاطار حيث يمتزج العنصر اليهوديّ مع العنصر الوثني، قد حمل متّى انجيله: بدأ مع اليهود، ثم انتقل إلى الوثنيّين على مثال ما كان يفعل بولس خلال رحلاته الرسوليّة.

خاتمة
هكذا انطلق يسوع من يوحنا، ودلّ على أن مصيره يجد صورة مسبقة في مصير يوحنا. رُفض يوحنا وسوف يُرفض يسوع. أخذ يوحنا طريق النسك والتقشّف في البرية، أخذ وجهة الحزن والبكاء والتوبة، فلم يبك معه الناس، ولم يتبعوه في طريق التوبة. وأخذ يسوع طريق الحياة مع الناس ومشاركتهم في أفراحهم وولائمهم، أخذ وجهة الفرح "والرقص"، ولكن الناس لم يشاركوه فرحته. بل هم لم يسمعوا ليوحنا ولا ليسوع. رفضوا كل نداء أُرسل إليهم. لهذا سيكون مصير الشعب اليهوديّ سيّئًا بالنسبة إلى الوثنيّين الذين ستحمل إليهم جماعة متّى الانجيل. وسيكون مصير كورزين وبيت صيدا أكثر سوءًا من مصير صور وصيدا الوثنيّتين. فيا ليت يسوع عمل فيهما ما عمله في المدن اليهوديّة. ولكن ما لم يعمله يسوع قد عمله تلاميذه حين ذهبوا بأمره "فتلمذوا جميع الأمم" (28: 19) وعمّدوهم وعلّموهم. بما أن اليهود لم "يروا نفوسهم أهلاً للحياة الأبديّة" (أع 47:13)؛ وجّه الرسل تعليمهم إلى الأمم الوثنية "وحملوا الخلاص إلى أقاصي الارض".
الفصل الثالث عشر
أحمدك يا ابت
11: 25- 30

دعا يسوع المدن الجليلية الى التوبة. دعا "هذا الجيل" الذي لم يسمع ليوحنا المعمدان، كما لم يسمع ليسوع الذي عمل العجائب الكثيرة. ولكن إذا ارادوا أن يسيروا مسيرة التوبة، عليهم أن يصيروا "أطفالاً". ولن يكونوا كذلك إلاّ إذا دخلوا في حياة يسوع الحميمة. هذه الحياة التي اكتشفها الرسل يوم رأوا يسوع يصلّي فطلبوا منه أن يعلّمهم الصلاة (لو 11: 1 ي). هذه الحياة التي ظهرت في العلن أول ما ظهرت في مشهد العماد. أعلن الآب من السماء: "هذا هو ابني الحبيب". وها هو الابن ينشد بدوره: "لا يعرف أحد الابن إلاّ الآب، ولا يعرف أحد الآب إلاّ الابن ومن يريد الابن أن يكشف له". وهكذا وصلنا إلى مناخ عوّدنا عليه الانجيل الرابع، وصلنا إلى نداء التتلمذ لمن هو وديع ومتواضع القلب.

1- نظرة عامة
نحن في الواقع أمام مقطوعتين صغيرتين نستطيع أن نفصلهما: يسوع يخبر الصغار عن الآب (11: 25-27= لو 10: 21-22). يسوع يدعو التلاميذ ليحملوا نيره لأنه خفيف (آ 28-30).
نبدأ فنقول إن ف 11-12 مع ف 13 تتماسك تماسكاً لاهوتياً لافتاً ويشرف عليها موضوع "الخفيّ" (آ 25). وهكذا تتسجّل آ 25-27 في بنية الانجيل العامّة تسجيلاً واضحاً. قد نتوقّف عند قيمتها كوثيقة من أجل معرفة سيرة يسوع. ولكننا لا نشكّ في أن الانجيلي وعى ما كان يعمل حين أدرجها في هذا الموضع من سرده.
إن آ 25-27 تجد ما يوازيها في لو 10: 21-22. أما آ 28- 30 فهي خاصّة بمتّى. إن سياق خبر لو (آ 23) يجعلنا نظنّ أن مت جمع هنا ثلاثة أقوال تلفّظ بها يسوع في أوقات مختلفة. آ 25-26؛ آ 27؛ آ 28-30. تبدو هذه الآيات وكأنها اختمرت في محيط يوحنّاوي، على مستوى الاسلوب وعلى مستوى الفكر، ولا سيّما آ 27 (لا يعرف أحد الابن إلاّ الآب) (رج يو 35:3؛ 29:7؛ 10: 14-15؛ 12:17). غير أن مت قد استعمل عدداً من الألفاظ التي نجدها في هذه الآيات. مثلاً في 28: 18 نجد المعنى الكرستولوجي لفعل "ديدوناي" (أعطى). في 7: 6؛ 14: 35؛ 17: 12 نجد المعنى اليوحناوي لفعل عرف "ابيغينسكين". وفي 2: 15؛ 3: 17؛ 4: 3؛ 8: 29؛ 14: 33؛ 16: 16؛ 24: 36؛ 26: 63؛ 27: 40، 43؛ 28: 19، نقرأ عن يسوع الذي هو الابن.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أن ما ترمي إليه هذه القطعة، ليس الحديث عن الابن كالابن، بل بالأحرى عمّا يكشفه الابن (يخبر به) للبشر (آ 27): ابوكلبساي). هذه السمة الأخيرة تربط رباطًا عميقًا آ 27 مع آ 25-26 (آ 25 ب: كشفته للاطفال). وإذا ألقينا نظرة إجماليّة إلى آ 25-27، نفهم أنها لا تعني أن الله يكشف بصورة عامة "للصغار" ما يخفيه عن الحكماء (آ 25-26)، بل تدلّ على الطريقة الخاصة التي بها يكشف الله عن نفسه في رسالة يسوع، في فم يسوع.
تلك نظرة إلى المقطوعة الاولى (آ 25-27) التي تجعلنا في جوِّ الآب والابن. أما المقطوعة الثانية (آ 28-30) فهي تحدّثنا عن الحمل الخفيف الذي يقدّمه يسوع لنا لنحمله. لا شكّ في أننا ندرس هاتين المقطوعتين معًا، وإن كانت المقطوعة الأولى قولاً تفوّه به يسوع في ظرف خاص، فالتقَفه التقليد الشفهي دون أن يعرف كيف يربطه بما قبله أو بما بعده. أما متّى فعرف أن يضعه في هذا المكان من سرده، فتوخّى أن يعطينا تعليمًا لاهوتيًا بارزًا.
إن يسوع الذي رذلته مدن البحيرة (آ 20-24)، ورفضته المدارس الرابينيّة في قريته الناصرة وفي مدينته كفرناحوم، ولم يفهمه المتعلّمون في شعبه من كتبة وفريسيّين (آ 25-27)، قد توجّه الآن إلى المساكين (11: 5 ب)، إلى جميع الذين يرزحون تحت حمل ثقيل جعله عليهم العالم اليهوديّ وشريعانيّته.
وسترينا الآيات التالية (12: 1-8 وحدث السنابل، و12: 9-14 وخبر اليد اليابسة)، يسوعَ في صراع مع علماء الشريعة والكتبة حول مشكلة السبت التي هي مشكلة حاسمة بالنسبة إليهم. ليست الحكمة هي التي تحمل الراحة (م ن و ح ه) إلى البشر، بل يسوع نفسه الذي هو وديع ومتواضع القلب. فمتطلّباته ليست ثقيلة بل خفيفة، لأنها لا تنفصل عن الخلاص الذي يحمله.
نلاحظ أن عددًا من الشرّاح حاولت أن يجد في كلام يسوع هنا لغة ترتبط بالعالم الحكميّ. فتذكروا أم 8 الذي يتحدّث عن الحكمة الموجودة منذ الأزل، التي ولدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه. كما تذكّروا سي 24 الذي يتحدث عن حكمة سكنت في الاعالي وجعلت عرشها في عمود الغمام. ونقرأ في سي 51: 11: "أعترف لك واسبحّك وأبارك اسم الربّ" (رج حك 6-8). ولكن يبدو أننا هنا بالاحرى في أسلوب جليانيّ كما في سفر دانيال. ما استطاع الحكماء أن يفسّروا حلم نبوخذ نصّر (دا 3:2-13). ولكن السرّ كُشف لدانيال الذي توّسل إلى إله السماء (18:2-19، 28) فأعطاه المعرفة، فامتدح الله لانه منحه الحكمة (2: 23). في الواقع نحن أمام ملكوت أقامه الله نفسه (2: 44). ملكوت لا يُنقض إلى الابد، ملكوت يثبت إلى الأبد.

2- دراسة تفصيليّة
أ- المراجع
إن آ 25- 30 لا تساعدنا لكي نجد حلاً للمسألة الازائية. فلا شيء يوازيها في مر، والنصّ اللوقاويّ الموازيّ (لو 10: 21-22) يتوافق مع مت 11: 25- 27 حيث الاختلافات واضحة ومعبّرة. غير أننا نكتشف أن التوافق على مستوى الألفاظ بين مت 11: 25-27 وما يوازيه في لو، يدلّ على أننا أمام المعين الذي اعتاد أن يستقي منه الانجيلان الأول والثالث.
يبقى علينا أن نعرف أصل مت 28:11- 30. لا شيء يوازي هذه القطعة في لو. هل أخذت من المعين (اذن لماذا لم يأخذها لو)؟ هل هي من المتّاويات أي هذا التفكير الشفهي الذي تفرّد به متى دون سائر الانجيليين؟ نحن نجد وراء آ 27، خر 33: 12-13. ووراء آ 28-30، خر 33: 14. وهكذا تكون المقطوعتان (آ 25-27 وآ 28- 30) مرتبطتين بمواضيع من سفر الخروج. لهذا يجب أن تبقيا معًا. وهناك من شكّ أن تكون الواحدة قد وُجدت بمعزل عن الأخرى. إذن، هل دوّنها متّى نفسه؟ هناك ما يعارض هذا القول. (1) معظم الألفاظ ليست متّاويّة، وهي لا ترد في مكان آخر من مت. (2) إن حُذفت آ 29 ب ج التي يمكن أن تكون متّاويّة لأكثر من سبب، تكون النتيجة قولين متوازيين. أ- تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والمثقلين. ب- وأنا أعطيكم الراحة (أريحكم). أأ- احملوا نيري عليكم. ب ب- تجدوا الراحة لنفوسكم. هذا يعني اننا أمام تدوين متّاويّ لوحدة سابقة لمتّى الذي سميّ المفسّر الخلاّق. (3) هناك عبارات ساميّة تجعلنا نقول إننا أمام أصل أرامي توسّع فيه متّى. كما نعرف أن هذه المقابلة بين ما وصل إلى موسى من وحي، وما وصل إلى يسوع، كانت موضوع تأمّل لجماعة متّى التي ستشدّد على القول بأن الابن وحده يعرف الآب. أما موسى فبقي كالخادم على عتبة "قدس أقداس" الله دون أن يتجرَّأ على الدخول، لأنه لا يرى أحدٌ وجهَ الله ويبقى على قيد الحياة سوى يسوع المسيح الذي رأى الآب وأخبرنا عنه (يو 1: 18).
ب- التأويل
تبدو آ 25-30 في ثلاثة أقسام. القسم الأولى هو فعل شكر ومديح بسبب الوحي الذي أخفاه الله عن الحكماء وكشفه للأطفال (آ 25-26). القسم الثاني هو إعلان كرستولوجيّ: إن المعرفة التي تحمل الوحي تكمن في يسوع (آ 27). القسم الثالث ينهي المقطوعة بدعوة تقول: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والمثقلين وأنا أريحكم" (آ 28- 30)
إن العلاقة الموضوعيّة بين 25:11-30 و11: 2-24 هي واضحة بما فيه الكفاية. وجد 11: 2-19 ذروتَه في المثل الذي يشير إلى رفض اليهود ليوحنا ويسوع. و11: 20-24، يعلن الدينونة ضدّ مدن الجليل لأنها رفضت أن تتوب. ويتابع 11: 25-30 موضوع الجواب الذي نقدّمه لله. هذا يعني أن رفض الناس ليسوع لم يكن الكلمة الاخيرة. فإذا كان "هذا الجيل" لم يتبع يوحنا ويسوع، وإن كانت كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم لم تعترف بمعجزات يسوع، فهناك الأطفال (أي التلاميذ) الذين أدركوا ما حدث.
إن 19:11 قد ماهى بين يسوع والحكمة. وقد نكون ضمنيًا هنا أمام التماهي نفسه. في أي حال، هناك مقابلات بين الحكمة ويسوع. وحده الآب يعرف الابن. كما أنه وحده يعرف الحكمة (أي 28: 12-27؛ سي 1: 6-9؛ با 3: 32). وحده الابن يعرف الآب كما تعرف الحكمة وحدها الله (حك 8: 4؛ 9: 1-18). إن يسوع كشف ما كان خفيًا، والحكمة كشفت أسرار الله (حك 9: 1- 8؛ 10: 10). دعا يسوع الحكمة النداء عينه (سي 51: 23-30؛ رج أم 1 : 20-23؛ 8: 1-36؛ 24: 19- 22؛ موشحات سليمان 33: 6-13).
غير أنه يجب أن نرى الخلفيّة الأولى لما في آ 25-30 في التقاليد اليهوديّة حول موسى. فالاعلان حول الآب والابن اللذين يعرف الواحد الآخر، يجد أساسه في خر 33: 12-13، حيث يعرف الله موسى، وحيث يطلب موسى أن يعرف الله. والوعد بالراحة في 11: 28 يسوع نفسه "وديعًا" (آ 29)، فالوداعة هي صفة رئيسيّة في موسى (عد 3:12). وعندما عاد يسوع إلى "النير"، استعمل كلمة تنطبق على الشريعة التي أعطاها موسى. وهكذا تصبح آ 25-30 صورة عن يسوع في ألوان موسويّة. والتشابهات والاختلافات بين المسيح ومعطي الشريعة تُوضح هدفَ الانجيليّ الأول حين دوّن ما دوّن.

3- تفسير الآيات
أ- وحي الله للصغار (آ 25-26)
كنا انتظرنا بعد 11: 20-24 رثاء لما سيحدث لهذه المدن. فإذا بيسوع يقدّم لنا صلاة شكر ومديح كما في يو 11: 41-42.
"في ذلك الوقت تكلّم يسوع" (آ 25). رج لو 10: 21 (وفي تلك الساعة تهلّل يسوع في الروح القدس وقال). أراد الانجيليّ الأول والانجيل الثالث أن يُعيدا كتابة المعين كلّ بحسب عبقريّته. "ابوكرينوماي" أجاب. ولكن أحدأ لم يسأل يسوع. نحن هنا في إطار عبريّ: "و ي ع ن. و ي ا م ر" (رج 15:15؛ 4:17؛ 22: 1؛ 5:28).
"أحمدك ايها الآب، رب السماء والأرض" (في انجيل الناصريين نقرأ: أشكرك: اوخارستو). يتوافق مت مع لو 10: 21 توافقاً تاماً. تُذكر السماء والأرض في 5: 17؛ 24: 35؛ 28: 18 (أي الكون كله). "اكسومولوغيو" (مع الضمير انت، أو الفعل وحده). رج تل 29: 35؛ 1 أخ 26: 34؛ 23: 30؛ 13:29؛ 2 أخ 13:5؛ 22:30، طو 13: 10؛ مز 17:7؛ 2:9. لا نحصر هذا الحمد في القول إن الرب أخفى وحيه عن الحكماء والفهماء، بل ننشده لأنه أعطى وحيه. من أجل المعرفة التي أعطاها للابن، من أجل الراحة التي يعطيها للعائشين على هامش الحياة. "أبّا"، أيها الآب. رج 9:6. نلاحظ أننا لا نجد أبدًا في الاناجيل القانونيّة لفظة "ابي" (أنا) يقولها يسوع للآب.
"ربّ السماء والارض". عبارة تذكّرنا بعمل الله في الخلق (تك 1: 1). نجدها ثلاث مرات في العهد الجديد. هنا، لو 10: 21؛ أع 7: 24، رج طو 7: 17، يه 129، وفي عدد من الاسفار المنحولة.
"أخفيتَ ذلك عن الحكماء وأصحاب الدهاء وكشفته للاطفال". أجل، جعل الله البسطاء ذوي حكمة (مز 7:19)، رج حك 10: 21 (لأن الحكمة تفتح فم الاخرس وتعطي الفصاحة لألسنة الاطفال)؛ دا 1:17 مع الفتيان الاربعة (نيانسكوي، ممتلئين حكمة)؟ سي 3: 19. نجد عبارة "الحكماء والعقلاء" في أش 29: 14؛ 1 كور 1: 19؛ رج أم 16: 21؛ دا 2: 21. قد يفكّر الانسان بحكمة أهل هذا الدهر. ولكن حكمتهم بعيدة عن الحكمة الحقّة. ونحن نجد في التوراة نظرة "محقّرة" إلى هؤلاء الحكماء (أي 13:5؛ أش 5: 21؛ إر 8:8؛ 23:9-24؛ 7:49؛ عو 8؛ با 3: 23، سي 37: 16- 26). في هذه الآية، فكّر يسوع (ومتّى في خطّه) بالكتبة والفريسيين بشكل خاص (كما يقول يوحنا الذهبيّ الفم). والأطفال هم الذين لا يعرفون الشريعة الشفهيّة. هذا ما يتوافق مع "باراديدومي": تقليد يسوع غير تقليد الكتبة والفريسيين. وفي أي حال، على العالم اليهوديّ أن يقاوم تجربة تجعل الإيمان مجهودًا عقليًا محفوظا "للكمّال".
"نيبيوس": الولد، الطفل (ع ل ه في العبرية). وقد أستعملت السبعينية اللفظة للحديث عن الابرار (مز 7:19؛ 6:115؛ 119: 130). رج "ف ت ي م" في عالم قمران (تفسير حبقوق 4:12؛ تفسير ناحوم 3: 1 ي؛ 3:4، 5، 7). الصغار هم ضعفاء وبسطاء في نظر العالم. ولكن الله اختارهم.
ارتكز 29:11 على أش 29: 14، وكذا فعل بولس في 1 كور 1:19: "حكمة حكمائه تضمحلّ، وعقل عقلائه يفنى". ولكن هذا القول معروف في النصوص اليهوديّة. فالوحي لا يصل إلى الجميع، بل فقط إلى الذين هيأوا نفوسهم ليتقبّلوه (تجرّد القلب، تجرّد الروح، المساكين، أي 28: 28؛ مز 25: 14). لهذا ترتبط المعرفة الدينيّة بالشخص، وهي تحمل بُعدًا أخلاقيًا. مثلُ هذه المعرفة لا تُمنح لأشخاص لامبالين، لمراقبين حياديين، لأشخاص لا يعطشون إلى الأمور السامية. فالأمور الروحيّة يميّزها الروحيّون فقط (1 كور 2: 14-15). ومحبّو الله وحدهم يستطيعون أن يعرفوه.
الوحي يُخفى بالضرورة عن علماء يبحثون عن نفوسهم، فتبقى أبواب الحكمة الحقيقيّة موصدة في وجوههم. فالعلم كالغنى ينفخ (1 كور 8: 1). أما البحث عن الله فيفترض التجرّد عن الكبرياء. وقد قال أوغسطينس عن الله: "إن كنت عرفته، فهذا يعني أنه ليس الله". فأمام الله، يجب أن يكون الانسان متواضع القلب ومتواضع العقل، على ما قال بولس: "أو لم يجهّل الله حكمة هذا العالم؟ فإن كان العالم بحكمته لم يعرف الله في حكمة الله، حسُن لدى الله أن يخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة" (1 كور 1: 20- 21).
وما معنى "ذلك"؟ (أخفيت ذلك). ما الذي يُخفى عن الحكماء والفهماء، ويُكشف المختارين؟ هنا، نعود الى لو 10: 17- 21 الذي هو السياق المباشر. ماذا نجد؟ سقوط الشيطان من السماء. سلطة التلاميذ بأن يدوسوا الحيّات والعقارب. تسجيل أسمائهم في السماء. أما في مت، فنتطلّع إلى أعمال يسوع (11: 2، 19) إلى معجزاته (11: 20- 21؛ رج 11: 5-6). هذا الجيل ومدن الجليل (11: 10-24) لم تفهم "ذلك"، تلك الأشياء. لأنهم لم يفهموا الوحي الذي أوصله يسوع بكلامه وأعماله. أما الاطفال فاكتشفوا وحدهم الحقيقة الكرستولوجيّة وهي أن الملكوت حاضر في يسوع. مثل هذه المعرفة هي اسكاتولوجيّة. ومضمونها يشبه "سرَّ ملكوت الله" (مر 4: 11 وز).
لقد رأينا أهمية أش 29 من أجل فهم مت 11. وإن 11: 25 سيستضيء في خلفيّة من الانتظار اليهودي لنهاية الأزمنة. مثلُ هذه النهاية ستعطي معرفة غير متوقّعة وحكمة للمختارين. وقد عبّر إر 31: 34 عن ذلك فقال: "لا يعلّم بعد كل واحد قريبه، وكلُّ واحد أخاه قائلاً: اعرف الرب، لأنهم جميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأني سأغفر أثامهم، ولن أذكر خطاياهم من بعد". رج حب 2: 14 الذي قال: "لأن الأرض ستمتلىء من معرفة مجد الرب كما يغمر الماء البحار" (رج هو 6: 2-3 حسب السبعينيّة). غير أن عددًا كبيرًا من اليهود اعتقد أن الفداء الكبير سيُنادى به في وحي حول زمن مجيء المسيح، مع أسرار مخفيّة منذ إنشاء العالم (13: 35؛ رج مز 78: 2؛ تفسير حبقوق 7: 1-5؛ 11: 1-2؛ أخنوخ 93+ 91: 12- 17. في "رؤيا الاسابيع" جعل الكاتب نفسه في زمن خاص جدًا. ظنّ أن وقت الجحود صار قريبًا، فيعلّم الله المختارين وتنعم الجماعة بالحكمة الاسكاتولوجيّة). هذه الفكرة أساسيّة في الأدب الجلياني (رج 11: 25). غير أن الوحي ليس من أجل المستقبل، بل هو في الزمن الحاضر: فالمعرفة الاسكاتولوجيّة موجودة في يسوع الذي كشف في شخصه ورسالته عن أسرار نهاية الأزمنة (13: 16- 17). وقصارى القول، إن مت 11: 25-27 يُعلن تحقيقَ الرجاء الاسكاتولوجيّ.
"نعم يا أبت، هكذا حسن لديك" (آ 26). ق 1 كور 1:21، ولو 10: 21 هو قريب جداً من مت. إن هذه الآية تستعيد ما قيل في الآية السابقة. "اودوكيو". رج غل 1: 15-16؛ أف 1: 9.
ب- اعلان كرستولوجي (آ 27)
إن آ 27 توضح الابعاد الكرستولوجيّة كما في آ 25-26: إن الوحي للأطفال يمرّ عبر يسوع. نتذكّر في بعض النصوص الرؤيويّة عند اليهود، أن الوحي الاسكاتولوجيّ يحمله الملائكة (رج زك 4: 1 ي؛ دا 8: 15-26؛ 9: 22-27؛ 10: 18-12: 4؛ أخنوخ 1: 2؛ أع 7: 35). أعطيت الشريعة بواسطة الملائكة، (غل 3: 9؛ عب 2: 2؛ رؤ 7: 13-17؛ 17: 7-8). أما في المسيحية، فقد أعطيت في إنسان هو يسوع. هنا نتذكّر المدائح في قمران: "بي أنرت وجوه الكثيرين وأنميتهم، فصاروا لا يعدّون، وعرّفتني أسرارك العجيبة. وفي مجلسك العجيب أظهرت قدرتك لي وصنعت معجزات من أجل مجدك ولكي تعرّف جميع الأحياء إلى أعمال جبروتك" (4: 27-29).
كانت كنيسة متّى جماعة اسكاتولوجيّة مكرّسة للكمال المستند إلى معرفة مخطّط الله والعمل بالشريعة، كما في جماعة قمران. ولكن يسوع هو محور الكنيسة. وفي جماعة قمران المحور هو معلّم البرّ.
"دُفع إليّ كل شيء من الآب". ق لو 10: 22؛ ق مت 18:28؛ يو 35:3 (الآب يحب الابن ويجعل كل شيء في يده)؛ رج 3:13؛ 2:17. في انجيل توما 61: "أعطي لي مما هو لأبي". "كل شيء". رج "ذلك" في آ 25 (تث 18:18). تدلّ الأداة "ذلك" على كل وحي الله في يسوع، على كل الوحي الاسكاتولوجيّ، على كل الحقيقة في يسوع كما تطلّع إليها الأنبياء. هذا يعني أن الانجيل الأول يقدّم صورة عن أعمال يسوع وأقواله، ويحمل الوحي الاسكاتولوجيّ. كما ينقل المرء تقليدًا إلى آخر، هكذا سلّم الآب معرفته للابن. وهكذا يكون يسوع مثل سائر البشر. غير أن التقليد الذي تسلّمه قد تسلّمه من الله (عند المعلّمين هناك سلسلة إسنادات تصل إلى معلّم كبير). كان التقليد يقول إن موسى تسلّم الشريعة بواسطة الملائكة. أما يسوع فتسلّم الوحي كابن الله.
"وليس أحد يعرف الابن الا الآب، ولا أحد يعرف الآب الاّ الابن". ق يو 10: 15. هنا يتوازى نصّ لو أكثر من نصّ مت: "ليس أحد يعلم من الابن إلاّ الآب، ولا من الآب إلاّ الابن" (لو 11: 22). نحن هنا أمام معرفة تنطلق من خبرة. الآب يعرف الابن، يكرمه. وكذلك الابن. لا تُعرف طبيعةُ الآب الاّ بوحي الهيّ. وكذلك طبيعة الابن.
"ومن يريد الابن أن يكشف له". ق لو 10: 22. هذا ما يقوله المعين. إن المعرفة المتبادلة بين الآب والابن هي لخير البشر. فالابن يُنعم علينا، فيعرّفنا بما عرفه من الآب. رج يو 1: 18 (الله لم يرَه أحد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي عرّفنا به)؛ 14: 9. قال يسوع: "من رآني رأى الآب". وقالت أوريجانس: "إن يسوع يكشف الآب إذ يصبح فيه مفهومًا. فمن فهمه فهم الآب أيضًا" (المبادئ 1/ 2: 6).
في خر 33: 12-13، الله يعرّف موسى باسمه. وموسى يصلي لكي يعرف الله. قال موسى للرب: "ها قد قلتَ لي: خذ هذا الشعب، ولم تعرّفني من ترسل معي. وأنت قد قلتَ: إني عرفتك باسمك وحصلتَ على نعمة حين رأيتني. والآن أصلّي إليك إن كنت قد حُزت رضاك. أرني طرقك لكي أعرفك وأجد حظوة في نظرك" (هذا بحسب السبعينيّة). نحن هنا كما في مت 25:11-30، أمام معرفة متبادلة (أن أرى الله ويراني كما قال فيلون الاسكندرانيّ). قد يقال أن العالم اليهودي القديم، استبعد هذه المعرفة المتبادلة. ولكن ذلك ضمنيّ في النصّ (7:33- 11، 17-23). وإن تث 34: 10 قال: "لم يقم في اسرائيل نبيّ مثل موسى الذي عرفه الله وجهاً إلى وجه". فعبارة "وجهًا إلى وجه" تدلّ على معرفة متبادلة بعد أن كشف الله عن نفسه لموسى. لسنا هنا كما في علاقة بين الملك وعبيده الذين ينحنون أمامه احترامًا ويلامس وجههم الأرض. بل في علاقة حميمة مع الاله الذي التقى به موسى. وهذه الخبرة لم يحصل عليها إلاّ موسى.
أجل إن مت 11: 25-30 يرتبط بما في خر 33: 12-13. ونقدّم أربعة اعتبارات. (1) يتبع النصين وعد بالراحة. قال خر 33: 14: "وجهي يسير أمامك وأريحك". وقال مت 11: 28: "تعالوا إليّ وأنا أريحكم". (2) إن مت 11: 28 وخر 33: 12-13 هما صلاة. في الأولى يصلّي موسى. وفي الثانية يسوع. موسى طلب أن يعرف، أما يسوع فيعرف. (3) ما نقرأ في مت 27:11 هو خاص جدًا: وحده الآب يعرف الابن، ووحده الابن يعرف الآب. في خر 33، تُذكر معرفةُ الله لموسى قبل معرفة موسى لله. "انت قلت: عرفتك باسمك. والآن أنا أصلي: أرني طرقك بحيث أعرفك". وهذا ما يفسّر الترتيب في مت. معرفة الآب للابن ثم معرفة الابن للآب. (4) في مت 11: 29 نجد كلاماً عن يسوع "الوديع". وفي العالم اليهوديّ كان موسى مثال الوداعة. فحين أعلن يسوع أنه الوديع، أخذ صفة عُرف بها موسى.
ج- نداء من يسوع (آ 28-30)
"تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والمثقلين وأنا أريحكم" (آ 28). قال أوغسطينس: "المسيح هو السبت الحقيقيّ" (سبت أي استراح). ق تك 8: 9؛ سي 24: 19 (قالت الحكمة: تعالوا إليّ). يوسيفوس، العاديّات 3: 61 (موسى أراح الشعب بضعة أيام). بستيس سوفيا (الايمان الحكمة) 95 (أنتم يا جميع المثقلين بحملكم تعالوا إليّ وأنا أريحكم، لأن حملي سهل ونيري خفيف).
من هم المتعبون (رج 1: 28) والمثقلون (فورتيزو)؟ تقول العظة الاقليمية المزعومة: "هؤلاء الذين يطلبون الحقيقة ولا يجدونها". ونجد أيضًا ثلاث إمكانيات. (1) هؤلاء الذين يتألّمون من أثقال يضعها عليهم الفريسيّيون (4:23). (2) هؤلاء الذين يتألّمون ممّا تفرضه عليهم حالة التلمذة (رج 10: 36-39). (3) هؤلاء الذين يتألّمون من ثقل الخطيئة (يوحنا فم الذهب، اوسابيوس). نستطيع القول إن نير المسيح وحده يعطي الراحة الحقيقيّة. والذين لا يأتون إلى يسوع، يُحرمون من الراحة، يكونون من المتعبين والمثقلين.
ما معنى: "وأنا أريحكم"؟ رج خر 33: 14 وما في العالم الحكميّ (سي 6: 28؛ 51: 27) من كلام عن الراحة. والعهد المسيحاني يكون عهد الراحة، ويُعتبر سبتًا عظيمًا (عب 4: 9). وفي الاسكاتولوجيا اليهوديّة، النهاية هي كالبداية، والخليقة الأولى هي كالخليقة الاخيرة. بعد الخلق الاول استراح الله (تك 2: 2). وكذلك بعد الخلق الثاني. نقرأ في عب 4: 1-3: "من آمن دخل في الراحة". فحضور الملكوت يعني حضور الراحة. وتحدّثت رسالة اكلمنضوس الثانية عن راحة (اناباوسيس) الملكوت. كان مت قريبًا من عب 4: 3 فقال: يسوع هو المسيح، والآتي بالملكوت. يقدّم الراحة الاسكاتولوجيّة للذين انضمّوا إليه وإلى قضيّته. وهذه الراحة ليست بطالة وكسلاً، بل سلام واكتفاء، وملء الحياة الذي يأتي مع المعرفة ويصنع الحقيقة كما أوحاها ابن الله الذي هو دومًا مع شعبه. ما يسند تفسيرنا هو السياق الواسع. فإن آ 27 تأتي في نهاية ف 11 الذي مضمونه اسكاتولوجي ساعة يسبقه بشكل مباشر جدال حول السبت (12: 1-4). وفي عبارة أخرى، إن سياق آ 27، يشجّعنا على أن نرى هذه الراحة في إطار السبت الاسكاتولوجي.
"إحملوا نيري عليكم" (آ 29). صيغة الأمر تقابل النداء: "تعالوا إليّ" والوعد الذي يرتبط بالفعلين هو هو: الراحة. النير هو ما يوضع على رقبة بقرتين تسيران معاً. هذه اللفظة هي استعارة تدلّ على الطاعة والخضوع والعبوديّة. رج إر 5: 5 (نير الشريعة)؛ سي 6: 30 حسب العبري (نير الحكمة)؛ 51: 26 (نير الحكمة)؛ مز سليمان 7: 9؛ 17: 30 (نير المسيح)؛ أع 15: 10 (نير الشريعة)؛ غل 5: 1 (الشريعة)؛ الديداكيه (تعليم يسوع). وقد تحدث معلّمو اليهود بشكل عام عن نير الشريعة (ع و ل. ت و ر ه) ونير الوصايا (ع و ل. م ص و ت). ولكن ليس من يهودي قال: احملوا نيري (أنا). وهذا ما فعله يسوع، فهو لا يلعب فقط جزءًا من دور الحكمة، بل يلعب ايضًا جزءًا من دور الشريعة.
إنه الحكمة. إنه الشريعة (تتماهى الحكمة مع الشريعة في با 3: 49، 37؛ 4: 1؛ سي 24: 3-25). ولا ننسى أن التوراة في العالم اليهودي هي ما عرّف الله به عن طبعه وطبيعته ومقاصده، وما يريد من الانسان أن يفعل. هي ملء وحي الله وإرادته في الانسان. وهكذا عندما يتماهى يسوع مع التوراة، يصبح ملء وحي الله وإرادته. ولكن هذا ما سبق وقالته آ 27 حين أعلن الابن أنه يعرف الآب وأنه تسلّم ملء وحيه. وهكذا يكون يسوع في آ 27، 29 (وهو يتعارض مع موسى) التجسيد الكامل لقصد الله وما تطلبه الشريعة. فمعطي الشريعة والشريعة هما واحد (وهكذا يكون يسوع أسمى من موسى: موسى أعطي الشريعةُ، يسوع أعطى الشريعةَ. موسى أعطى شريعة الله لاسرائيل. يسوع أعطى شريعته الخاصة، رج 7: 24).
"وكونوا لي تلاميذ (تعلّموا مني) لاني وديع ومتواضع القلب". ق 2 كور 10: 1 عن وداعة المسيح وحلمه. يبدو هذا الكلام في شكل متوازٍ 
28 آ- تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والمثقلين 
28 ب- وأنا أهب لكم الراحة 
29 آ- احملوا (خذوا، لا أحد يفرضه عليكم) نيري عليكم 
29 د- تجدوا الراحة لنفوسكم 
30 آ- لان نيري ليّن 
30 ب- وحملي خفيف.
نجد هنا فعل "تعلّم" (منتانو، 3 في مت، مرة واحدة في مر، ولا مرة في لو). وديع (براوس). "في القلب" (إن تي كرديا، 8 مرات في مت، مرة واحدة في مر، 5 في لو).
تعلّموا مني. يتعلّم الحكماءُ التوراة. أما التلميذ فسيتعلّم من يسوع. "يدرس" فيه كما في كتاب. يتأمّل في أقواله وفي أفعاله.
"فتجدوا الراحة لنفوسكم". ق إر 6: 16؛ ق تك 8: 9؛ أش 28: 12. يبدو أن نصّ مت قريب من السبعينيّة لا من النصّ الماسوريّ. نشير إلى أن لفظة "نفوسكم" لا تقابل "أجسادكم"، وكأن الراحة هي فقط راحة النفس لا راحة الجسد. نستطيع القول: الراحة لكم، لحياتكم الروحيّة والماديّة، لملء الراحة. 
"نيري ليّن وحملي خفيف" (آ 30) نحن هنا أمام مفارقة: أي نير هو مريح، أي حمل هو خفيف؟ تحدّثت رسالة اكلمنضوس الأول (16) عن "نير نعمته" لا تجاه تعليم يسوع، بل تجاه تواضعه ولعبه دور عبد الله المتألم. "ليّن" (خراستوس، يرد مرة واحدة في مت). "الحمل" (فورتيون). رج 23: 14. وهناك الفعل "فورتيزو". رج خر 1: 11؛ 2: 11 والأحمال التي يضعها المصريون على بني اسرائيل. "خفيف" (الفروس). يرد هنا وفي 2 كور 17:4.
كان اليهوديّ التقيّ يجد الوصايا غير ثقيلة ومحرّرة (تث 30: 11). هكذا يقول تلميذ يسوع. نقرأ في 1 يو 5: 3: "ووصاياه ليست بثقيلة". ق يو 1: 17: "أعطيت الشريعة بموسى، أما بيسوع المسيح فالنعمة والحق".
إن آ 30 تشرح لنا وعد الراحة في آ 28-29، ولكنها لا تقول لنا لماذا نير يسوع ليّن، وكيف يكون حمله خفيفاً. هناك عدة احتمالات. (1) محبّة الله والقريب (43:5-44؛ 19: 19؛ 37:22) تجعل حفظ الوصايا أسهل. ق تك 29: 20 (خدم يعقوب سبع سنين من أجل راحيل، فبدت له بضعة أيّام لأنه كان يحبّها). (2) نير يسوع هو ليّن وسهل، لأن يسوع يعمل من أجل الخطأة، لأن حمل يسوع لا يرخي الانسان في مجهوده الخاص، بل يجعله في رفقة من هو وديع. (3) الثقيل هو تقليد الفريسيين الشفهيّ. بما أن التلاميذ تحرّروا منه، صار حملهم ثقيلاً. (4) من يُتمّ طلبَ يسوع، فهو ينال جزاءه في المستقبل وهذا ما يخفّف ثقلَ الحاضر. "العبوديّة" لكلمة يسوع في هذا العالم تحمل كنزًا للعالم الآتي، والتألّم في الزمن الحاضر لا يُقابل بالمجد الآتي. (5) نير يسوع ليّن لأنه يمكّننا من أن نعرف الراحة الاسكاتولوجيّة في قلب العمل المخيف. هذا هو معنى الفرح في الاضطهاد (5: 10-12). (6) هذا الكلام هو صوت الخبرة. قد يكون عمل يسوع ثقيلاً للذين لم يجّربوا العيش معه (ق سي 6: 10). عش تعرف الحقيقة. من غير "العبد" يستطيع أن يعلن: "الخدمة هي كمال الحريّة".
في انجيل توما 90، قال يسوع: "تعالوا اليّ لأن نيري ليّن وحملي خفيف، فتجدوا الراحة لنفوسكم". أخذ النصّ من مت.
وهناك من قابل مت 11: 25-30 مع سي 51: 23-27 حيث نقرأ: "أدنوا منيّ أيها الغير المتأدّبون، وامكثوا في بيت التأديب (في مدرستي). لماذا تقولون: تنقصنا هذه الاشياء؟ ولماذا نفوسكم ظامئة؟ فتحتُ فمي وتكلّمتُ. خذوا هذه لكم ولا تدفعوا ثمنًا. إجعلوا رقابكم تحت النير، ودعوا نفوسكم تقبل التعليم الذي تجدونه قريبًا. أنظروا بعيونكم وقولوا: تعبتُ قليلاً ووجدتُ لنفسي راحةً كبيرة".
هذا الكلام الذي يعود إلى الرب، قد عبّرت عنه كنيسة مت في ليتورجيتها، وقدّمته لنا نشيدًا يُتلى في سرّ العماد أو الافخارستيا. من يتتلمذ ليسوع يعرف أنه يسير وراء من يحمل صليبنا معنا ويملأ قلوبنا فرحًا رغم الشدّة التي قد نمرّ بها.

4- قراءة إجمالية
يسوع يكشف الآب للصغار (آ 25-27)
"في ذلك الوقت" (كايروس، غير كرونوس الذي هو الوقت الذي تعدّه الساعة). ليس لهذه اللفظة قيمة كرونولوجيّة او طوبوغرافيّة، بل لاهوتيّة. فهي تربط آ 25 مع آ 20-24. إن كانت مدينة يسوع قد رفضته (هي كفرناحوم)، فالصغار (نيبيوي) يرافقون الوثنيين (صور، صيدا) لكي يتقبّلوه. فمدن الجليل التي كانت مركز المدارس الرابينيّة والثقافة الدينيّة، لاسيّما بعد سقوط أورشليم سنة 70 ب م، رفضت أن تتعرّف إليه (والتلمود الذي سيكتب فيما بعد هو أكبر شاهد على ذلك). أما البسطاء فعرفوه.
حمد يسوعُ الله الآب لأنه فشل لا في المطلق، بل مع الحكماء والعقلاء. هذا لا يعني أنه يفضّل صغار القوم على "النخبة" ويتعاطف معهم. ولكنه يرى أن هذا الفشل (والنجاح الذي يرافقه) يقابل جوهر العمل الذي يتمّه في خدمة الآب وفي خدمة البشر: هو يريد أن يخلّص المساكين بعد أن أهملهم الأقوياء. ذاك هو معنى الفعل "اكسومولوغيو" الذي يجعله مت ولو على فم يسوع. هو يعود إلى العهد القديم ويعني: أعلن الله من أجل عمل الخلاص، اعترف (هـ ل ل، رج مز 6:6؛ 18:7؛ 5:18...).
إن الطريقة التي بها كلّم يسوع أباه هنا، هي طريقة اليهود في فلسطين، مع لهجة لا مثيل لها من الخضوع البنويّ الذي يدلّ على الحياة الحميمة بين الابن وأبيه. وهنا نجد التعارض بين "أخفى" و"كشف" الذي هو مفتاح ف 11 كله. الفاعل هو الله، لا الانسان. وستشدّد آ 26 على أن الايمان واللا إيمان اللذين يواجهان يسوع، ليسا صدفة وعرضاً، ليسا نتيجة مجهوده السلبي أو الايجابيّ. فرضى الله ومسرّته هما اللذان يُشرفان على نشاط يسوع كله.
الآب أخفى "ذلك". هو ما أخفى وجهات خاصة، وجهات سامية وعميقة، من نشاط يسوع وخدمته، بل المدلول الاجماليّ لعمل الوحي. وهؤلاء "الحكماء" و "العقلاء" هم الاشخاص الذين تحدّثنا عنهم في المقطوعات السابقة: المتعلّمون، الاخصّائيون، السلطات في المجال الدينيّ (أش 29: 14= 1 كور 1: 19). أما "الصغار" فهم "المساكين"، "مساكين الروح"، كما في التطويبات (مز 19: 8؛ 116: 6؛ مت 5: 3؛ 18: 3). صغار القوم هم "الخطأة" العائشون في الريف وموضوع احتقار الفرّيسيّين الذين انصبّ اهتمامهم على معرفة (مادية وعقلية) التوراة معرفة كاملة مع التقاليد الرابينيّة.
لقد دفع الآب إلى الابن كل شيء. سلّمه كل شيء. وهكذا كان ليسوع سلطان سيجابه بواسطته سلطة الكتبة والفريسيين. وفي أيام متّى، سلطة المعلّمين. هو "الابن" (هيوس). الابن الوحيد. الابن الحبيب. يمثّل أباه على الأرض ويعمل دومًا مشيئته كأنها "خدمة". هذه النظرة تشرف على مثل الكرّامين القتلة (21: 33- 44 وخصوصاً آ 37؛ رج 24: 36؛ 28: 19؛ ق 17:3؛ 17: 5 مع مز 7:2؛ 3:4؛ 9:8؛ 14: 33؛ 16: 16؛ 43:27). إن هذه النظرة إلى الابن لا تشدّد على القرابة الجوهريّة بين الآب والابن بقدر ما تشدّد على سلطة الآب والابن في طبيعتها التاريخية الملموسة. ونحن نقرّبها من فكرة ابن الانسان كما تظهر في دا 7 وتتوضّح في مت 25: 31-46.
هذه الألفاظ اليهوديّة المرتبطة بالعالم الجليانيّ تفسّر وجود لفظة "كشف" (ابوكلبساي). فكما أن الله يكشف عن ابنه للبشر (16، 17). فالابن وحده يستطيع أن يكشف الآب للبشر. هو لا يحمل إليهم أفكاراً جديدة عن الله أو تقنيّات خاصّة للبلوغ الى الله. فالابن يكشف عن أبيه بكل نشاطه (من رآني رأى الآب. إذن يكفي أن نرى يسوع لنعرف الله). وإذ دشّن على الأرض ملكوت أبيه، كشفت معجزاتُه عن سلطته تجاه البشر (المرضى، الخطأة، الفريسيون القساة القلوب). وفي الوقت عينه كشفت هذه المعجزات عن مشيئة الله وقصده تجاه البشر. فطابع ملكوت الله الأبدي ظهر في أعمال الابن من خلال رسالته على الأرض.
ب- يسوع يقدّم نيره للتلاميذ (آ 28- 30)
كان الحكماء في اسرائيل يحيلون الناس إلى الحكمة. أما الرابينيون فكانوا يقدّمون نير التوراة، نير ملكوت السماوات والله والقدوس، نير الوصايا. أما المسيح في مت، فدعا البشر إلى التعلّق بشخصه (بروس مي، تعالوا إليّ). فجميع الوسطاء بين الله والإنسان، وقد كانوا عديدين في الفكر اليهوديّ المتأخّر، التهمهم حضورُ يسوع على الأرض. ما عادوا موجودين من أجل ذاتهم. صاروا مقدمة له.
أرسل يسوع نداء ملحًا إلى الفرح. نداء يدعونا فيه لكي نقطع الرباطات بمعلّمين آخرين ونتعلّق به وحده. والمتعبون هم الذين يشقون ويرون نفوسهم تضعف يوماً بعد يوم. والمثقلون هم الذين وُضعت عليهم الاحمال الثقيلة وكأنهم بهيمة من البهائم (لو 46:10). لا نجد الفعل إلاّ هنا. أما الاسم فنجده في آ 30؛ رج 4:23؛ لو 11: 46؛ أع 27: 10؛ غل 6: 5. ما هو التعب الذي يلمّح إليه النصّ؟ قالوا: أتعاب الحياة. وقالوا: فرائض الفريسيين. بل نحن بالاحرى أمام الشريعانيّة اليهوديّة التي جعلت الناس سجناء وعبيدًا يعيشون في الخوف. عند ذاك انتصب يسوع ضد "ديانة" عصره التي تفرض نظامًا قاسيًا على الناس دون أن تمنحهم فرح الخلاص. لهذا جاء فعل "أراح" (رؤ 6: 11؛ 14: 13؛ مت 43:12) كما في العالم الجليانيّ. ففي الملكوت يستطيع المؤمنون أخيرًا أن يرتاحوا من دموعهم وأتعابهم. وتصبح هذه الراحة الاسكاتولوجيّة واقعًا حاضرًا بالنسبة إلى الذين يتعلّقون بيسوع.
هل يعني هذا الكلام أن يسوع جاء ليحرّر البشر من كل فريضة أخلاقيّة؟ كلا. بل أحلّ محلّ متطلّبات الشريعة اليهوديّة، متطلّباته الخاصة التي هي أكثر جدّية وأكثر جذريّة (رج ف 5-7) من متطلّبات الشريعة الموسويّة. غير أن المعلّم الذي يقدّم هذه "الفرائض" يختلف كل الاختلاف عن الرابينيين. فهو وديع ومتواضع القلب. وقبل أن يُخضع الانسانَ لشريعة، وإن متجدّدة، فهو يمنحه فرح الملكوت الذي يبشّر بالرحمة. حين يأخذ الانسان "نيراً"، فهو يدلّ على أنه ألزم نفسه كلها في الطاعة للرب كما العبد في عمله. وحين نأخذ نير يسوع، نتعلّق به، نتبعه، نتعلّم، نتتلمذ على يده. وهكذا نتعلّم في مدرسته البُعد الحقيقيّ للشريعة. وهو وحده يستطيع أن يجعل من هذه الشريعة حملاً خفيفًا.
ويرينا الانجيل كله في يسوع ذاك الخادم (عبد الله) المتواضع أمام الله، الوديع أمام البشر، والمتميّز عن علماء الأخلاق. وهذه الوداعة هي سمة من سمات المسيح المنتظر (زك 9:9 ي؛ مت 5: 11؛ مز 37: 11) التي نساها العالم اليهوديّ. هذه الوداعة هي التي تعطي الراحة في عودة إلى الله وفي أمانة جديدة لشريعته التي لا يمكن أن تكون إلاّ شريعة المحبّة. وهذه الأمانة قد جعلها يسوع ممكنة بفضل حياته وتعليمه. يكفي أن ننظر إليه، يكفي أن نسمع كلامه، يكفي أن نرافقه في حياته، لكي نفهم أن نيره ليّن وحمله خفيف.

خاتمة
وهكذا بدت لنا آ 25-30 إجمالة لتعليم يسوع كلّه. ففي هذا المقطع أوحى يسوع أنه الموحي. هذا يعني أنه حين كشف عن نفسه أنه ابن الآب الوديع "المتواضع"، أتمّ دعوة إسرائيل، وجسّد في شخصه الشريعة والحكمة، وهكذا عرّفنا بإرادة الله الكاملة.
هنا نتذكّر النمطيّة التي توسّع فيها مت 1: 1-8: 1. فظروف ولادة يسوع وحياته الخفيّة تشبه إلى حدّ بعيد ظروف حياة موسى. والمعمودية والتجربة تشيران إلى عبور البحر الأحمر والمسيرة في البرّية. والجبل الذي عليه ألقى يسوع عظة الجبل يشبه جبل سيناء. ومرمى كل هذه التوازيات يرتبط أول ما يرتبط بالاسكاتولوجيا. فكما كان في البداية، كذلك سيكون في النهاية. ولهذا فالكنيسة التي هي شعب الله الاسكاتولوجيّ قد حملت أسماء تعود إلى الشريعة.
وهكذا ارتبط شعب العهد الجديد بشعب العهد القديم في مت مع ثلاثة أقوال: الوحي الجديد يشبه الوحي القديم. الوحي الجديد لا يتعارض مع الوحي القديم. العهد الجديد يتجاوز العهد القديم بقدر ما يسوع ابن الله يتجاوز موسى الذي هو خادم في بيت الله.
الفصل الرابع عشر
يسوع ربّ السبت
12: 1- 8

نحن هنا في أول صراع بين يسوع والفريسيين حول السبت. أما المناسبة فهي عمل قام به التلاميذ: اقتلعوا سنبلاً وأكلوا. وهذا أمر تحرّمه الشريعة. ولكن يسوع سيُفهمهم أنه ربّ السبت، أنه يستطيع أن يوجّه ممارسة الشريعة في خطّ جديد، لأنه ربّ الشريعة. وستكون ليسوع جدالات أخرى حول السبت. حين شفى اليد اليابسة عند رجل كان في المجمع (9:12-14). حين شفى المرأة الحدباء (لو 13: 10-17)، فسمع رئيسُ المجمع يقوله للناس، ولكنه في الواقع يوجّه كلامه إلى يسوع: "لكم ستّة أيام للعمل، ففيها تأتون وتستشفون، لا في يوم السبت" (آ 14). وحين شفى الرجل المستسقي (لو 14: 1-6). وفي يو 5: 1-18 نقرأ شفاء المخلَّع الذي كلّفه هذا الشفاء غاليًا، لأنه تمّ يوم السبت فكان اليهود يضطهدون يسوع، لانه كان يفعل هكذا يوم السبت (آ 16). عاد يسوع إلى العهد القديم ليدافع عن عمله، ولكنه بيّن بشكل خاص سلطته على كل الشرائع ولاسيّما شريعة السبت.

1- نظرة عامة
إن ف 12 يجد مكانه في تصميم مت. فبعد أن قدّم الانجيليّ يسوع في سلطته كمفسّر للشريعة في نهاية الزمن (ف 5-7)، وأرانا هذه السلطة عبر بعض المعجزات التي لها مدلولها العميق (ف 8-9)، حدّثنا عن يسوع الذي اختار المنادين بالملكوت فأرسلهم وسلّمهم سلطانه (ف 10). ولكن هناك خلافاً حول هذا الملكوت. فيوحنا المعمدان الذي سبق المسيح ليعدّ له الطريق بدأ يشكّ: "أأنت هو الآتي، أم ننتظر آخر"؟ اين الفأس لا تقطع الاشجار من أصولها؟ ومدن الجليل التي رأت عجائبه وسمعت أقواله، ولكنها ما تابت، تستحقّ مصيرًا قاسيًا في يوم الدينونة (ف 11).
أما رفض يسوع كذاك الآتي ليقيم ملكوت الله، فهو موضوع المقاطع الثمانية التي تتوّزع ف 12. وقمّة هذا الرفض ستكون حين يتّهم الفريسيون يسوع (آ 22-24) بأن فيه شيطاناً، بأنه من حزب بعل زبول، كما ستكون قمّة أخرى حين يحدّثنا يسوع عن عائلته الحقيقيّة (آ 46- 50). وهكذا تمّت القطيعة بينه وبين محيطه الروحيّ حين ردّ على الفريسيين. ثمّ تمّت مع محيطه الاجتماعيّ حين رفض رباط اللحم والدم وأعلن: "كل من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي" (آ 50). أجل تلك هي عائلة يسوع الجديدة.
على أساس خبر هذه القطيعة الدراماتيكية مع العالم اليهوديّ، فسّر ف 13 المتحدّث عن أسرار الملكوت، كيف أن هذا الملكوت تدشَّن على الأرض، ومع ذلك قاومه الناس وتجاهلوه. والمقابلة مع النصين الموازيين في لو ومر ترينا مرّة أخرى العمل الرائع الذي قام به متّى في "وظيفته" كمعلّم ومربٍّ في كنيسته: ركزّ في ف 12 على الصراعات المتعلّقة بالسبت (لا ترد لفظة "سبت" قبل ذلك في إنجيل متّى، وفي هذا الفصل 7 مرات؛ رج 24: 20؛ 28: 1)، وأورد العهد القديم بطريقة أصلية (آ 5-7؛ آ 18- 21: آ 40 ي)، وأبرز أقوال يسوع الرئيسيّة (آ 8: رب السبت هو ابن الانسان، آ 12: عمل الخير يوم السبت، آ 28، 30، 36، 42، 50).
حين درس الشّراح موضوع السبت بشكل عام وفرائضه السلبيّة والايجابيّة، لاحظوا أن آ 1-8 قد دوّنت بشكل نهائي في كنيسة متّاويّة تتصارع مع المعلّمين اليهود في ذلك الزمان. فالفريسيون لا يهاجمون يسوع، بل تلاميذ يسوع. وجدالات التلاميذ مع خصومهم ترتدي طابع الخصومة بين المجمع (أي العالم اليهوديّ) والمسيحيين قبل القطيعة النهائية التي قرّرها مجمع يمنية (أو: يبنة). غير أن هذا لا يعني أن الصراع حوله السبت لم يبدأ في أيام يسوع وخلال حياته التبشيريّة. لهذا نرفف رأي بولتمان الذي يقول إن هذه المقطوعة قد "خلقتها" الكنيسة من "لا شيء"، من خبرتها مع العالم اليهودي. 
حين نقرأ المشناة نجد أنها تتألّف من 63 مقالاً. وإذا جعلنا جانبًا "كليم" فالمقال المكرّس للسبت هو الأهم والأطول. إنه يبدو مملاٌ بتنظيماته الدقيقة جدًا حول يوم الراحة. ومع ذلك، هناك مواضيع دينيّة في أساس التعليم عن السبت وممارسته. فالسبت هو "علامة العهد الابدي مثل الختان" (شرح خر 23: 15). "من حفظ السبت دلّ على أن الله خلق العالم في ستة أيام" (شرح خر 20: 16). "إن السبت يضيف على قداسة اسرائيل... فمن مارسه شهد لمن قال للعالم كن فكان، وهو الذي خلق عالمه في ستة أيام واستراح في اليوم السابع". وقال رابي ناتان: "إليكم سلّم السبت، ولم تسلّموا إلى السبت". عبارة قريبة من الانجيل: السبت للانسان وليس الانسان للسبت. "نجّسْ سبتًا واحد لكي تستطيع أن تحفظ فيما بعد سبوتاً عديدة" (شرح خر 26: 13).

2- الدراسة التفصيلية
أ- البنية
حين ندرس البنية والمراجع، سوف نتجاوز آ 8 فنصل إلى آ 21، مع أننا أمام ثلاث مقطوعات: السنابل التي اقتلعها التلاميذ يوم السبت (آ 1-8). الرجل الذي شفى له يسوع يده (آ 9-14). يسوع عبد الله على ما في أشعيا الذي "لا يماحك ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع" (آ 15- 21). 
مقاطع ثلاثة تبدأ كل منها بحاشية عن تحرّك يسوع. "في ذلك الزمان اجتاز يسوع في السبت بين الزروع" (آ 1). "ومضى من هناك وجاء إلى مجمعهم" (آ 9). "فعلم يسوع فانصرف من هناك" (آ 15). فالمقطعان الاولان يوردان حدثين عن السبت في إطار جدال (بل صراع) مع الفريسيين. أما المقطع الثالث (آ 15- 21) فيتضمّن إجمالة قصيرة عن نشاط يسوع مع استشهاد طويل من أش 42: 1-4، 9
ونجد في 8: 1-17 توازيًا لافتًا. ففيه نجد خبرين متشابهين (8: 1-4، 5- 13) تتبعهما آ 14-17، التي تتحدّث عن أشفية. وهكذا يكون الموضوع: إن رسالة يسوع تقوم في الشفاء في خطّ الكتب المقدّسة التي تقدّم كلمة الله. سار يسوع بحسب الكتاب المقدس الذي يعلن مشيئة الله، فدلّ على أنه خاضع لمشيئة الله.
ب- المراجع
نقوله حسب نظرية المرجعين: إن مت 12: 1- 21 تأسّس على مر 2: 23- 28 (اقتلع التلاميذ سنبلاً)؛ 3: 1-6 (شفاء الرجل مع يده اليابسة)؛ 7:3- 12 (إجمالة مرقسيّة تتحدّث عن مهمّة الشفاء التي يقوم بها يسوع). قام مت ببعض التبديلات ولاسيّما على مستوى الاسلوب، وزاد براهين في المقطوعة الأولى والثانية (12: 5-7، 11-12 أ)، وأوجز مر الذي كان طويلاً (3: 7- 12)، واستفاد من المناسبة ليُدرج استشهادات كتابيّة هي مفاتيح في إنجيله. 
هناك عدد من التشابهات البسيطة بين مت 12: 1-8 ولو 6: 1-5 التي ترتبط مع مر 23:2-28. غير أن هذا لا يعني أن لو عرف مت. وهناك من تحدّث عن مر أول ومر ثان، أي تدوينين متلاحقين. وهناك من قال إن مت ولو قد تأثّرا بنسخة المعين التي نجدها في مر 23:2-28. أو: إن متّى استعمل نص مر كما استعمل تقليدًا آخر قديمًا.
ج- التأويل
إن التقليد التاريخي كما نقرأ في مت 12: 1-8 يشبه كرة من الثلج تنزل عن الجبل. قد تكون النواة 12: 1-4 وز. نحن أمام خبر حول قول تلفّظ به يسوع. نجد فيه (1) تصويراً للظروف أو تلميحاً اليها. (2) السؤال الحسّاس. (3) سؤال معاكس يقدّمه الرب. نجد هذا النمط في مر 2: 15-17 وز (هو متكىء يأكل... قال الفريسيون... قال يسوع: ليس الأصحّاء بحاجة)؛ 2: 18-22 وز (كان التلاميذ لا يصومون... لماذا لا يصومون. قال يسوع: أو يستطيع بنو العرس)؛ 3: 1-6 وز؛ 3: 22- 30 وز؛ 6: 1-6 وز؛ 7: 1- 15 وز؛ 9:9-13. هذا ما نسمّيه "إعلان في خبر" (إعلان ليسوع في خبر). أو "اعتراض في خبر" (اعتراض من إنسان فيجيب عليه يسوع).
على هذه النواة الاساسية (آ 1- 4)، أضاف التقليد السابق لمرقس، مر 27:2: "وقال لهم: السبت جُعل للانسان، لا الانسان للسبت" ثم أضاف مرقس نفسه 28:2: "إن ابن الانسان هو ربّ السبت أيضًا". وفي النهاية توسّع مت في الخبر، فأضاف ثلاث آيات تتوخّى تقوية البرهان الوحيد الذي وجده في مرقس (مت 12: 5-7).
وهكذا تنقسم المقطوعة (آ 1-8) ثلاثة أقسام: الوضع (آ 1). انتقاد الفريسيين لهذا الوضع (آ 2). جواب يسوع (آ 3-8) الذي يتألف بدوره من ثلاثة أسئلة (تبدأ: فقال لهم) تتبعها ثلاثة أقوال تبدأ مع: أقول لكم. فيكون التصميم على الشكل التالي:
1- في ذلك الزمان اجتاز يسوع في السبت، بين الزروع، فجاع تلاميذه فاخذوا يقتلعون سنبلاً ويأكلون (آ 1). هذا هو الوضع.
2- فأبصر الفريسيون ذلك، فقالوا له: "ها إن تلاميذك يفعلون ما لا يحلّ فعله في السبت" (آ 2). هذا هو انتقاد الفريسيين. فيردّ يسوع.
3- * فقالت لهم (يطرح ثلاثة اسئلة):
أ- أما قرأتم ما فعل دواد حين جاع هو والذين معه؟
ب- كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة...
ج- أوَ ما قرأتم أيضًا في الناموس.
* واني أقول لكم. ويقدّم ثلاثة أقواله:
أ- ههنا أعظم من الهيكل
ب- أريد الرحمة لا الذبيحة
ج- ابن الانسان هو ربّ السبت.
هناك من قال مدافعًا عن الفريسيين. هل قضوا وقتهم يوم السبت في الحقل؟ نحن هنا في إطار دراماتيكي. فقد يكون هناك وقت بين الوضع ورّدة الفعل على هذا الوضع. فقد يكون من جاء وأخبر الفريسيين ما فعله التلاميذ. كل هذا هو اسلوب أدبيّ ينطلق من الواقع.
وأبرز أحد الشرّاح براهين تسند قوله بأن خبر السبت الذي نقرأه هنا، يرتكز على تقليد ملموس في حياة يسوع. (1) اتفق مرقس (23:2-28؛ 3: 1-6) مع تقليد خاص بلوقا (13: 10-17؛ 14: 1-6) وإنجيل يوحنا (5: 1-18؛ 9: 1- 41) على القول بأن ممارسة يسوع للسبت كانت موضوع خلاف مع السلطات اليهوديّة. قدّم مرقس (2: 23-26) أموراً حول الوضع (اقتلاع السنبل) الذي لا يمكن أن يعتبر نمطاً في الممارسة المسيحيّة. (2) كان يسوع وتلاميذه من الفقراء (يُسمح لهم أن يأكلوا بحسب الشريعة)، وكانوا من "الوعّاظ" المتنقّلين. (3) أن يكون يسوع مسؤولاً عن أعمال تلاميذه (مر 2: 24) أمر معقول من الوجهة التاريخيّة (رج مر 2: 18؛ 7: 5). (4) أجاب يسوع على هذه الانتقادات ببرهان كتابيّ نجده في أخبار صراعات أخرى (مت 7: 1-13؛ 18:12-27). واستعمال 1 صم 21: 2- 10 يفترض وضع جوع، لا مسألة من اللاهوت المسيحيّ (أضيف العنصر الاخباري ليؤمِّن موقعًا للبرهان الكتابي). (5) لا نستطيع أن ننكر وعي يسوع أنه مرسل من الله. في مر 12: 35-37 قابل نفسه مع داود.
ونزيد على هذه البراهين الخمسة اعتباراً آخر. تذكّرت الكنيسة جدالاً حول السبت لكي تدافع عن ممارستها في حفظ اليوم الأول من الاسبوع، لا يوم السبت. غير أننا لا نجد في مر 23:2-26 ما يساعدنا على جواب مسيحيّ بالنسبة إلى يوم السبت. نحن لسنا هنا أمام كلام يتحدّث عن تبديل السبت أو الغائه، بل كيف يمارس السبت؟ كيف يمارس يوم الربّ: في عبودية الحرف، أم في حريّة أبناء الله؟

3- تفسير الآيات
أ- في ذلك الزمان (آ 1-2)
"في ذلك الزمان اجتاز يسوع". ق مر 2: 23: "وكان يوم السبت مجتازًا بين الزروع". رج 25:11 (في ذلك الوقت). لسنا هنا أمام معلومة كرونولوجيّة، بل أمام جسر (وصلة) يصل موضوعًا بآخر. يساعد على ضمّ 11: 25-30 (يبدأ في ذلك الوقت، ويعلن يسوع معطي الراحة) إلى 12: 1- 8 (حيث يسوع هو ربّ السبت). ترك مت فعلَ "وحصل" (أنه كان مجتازًا) وجعل الفاعل "يسوع". جعل السبت في صيغة الجمع. رج 12:12. نجد "سبوريموس" (الزرع) أو "تا سبوريما". رج تك 1: 29؛ لا 11: 37 حسب السبعينيّة.
"فجاع تلاميذه فجعلوا يقتلعون السنبل". ق مر 23:2 الذي قال إن التلاميذ اقتلعوا السنبل فقط. أما مت فأضاف: "جاعوا"، من أجل التوازي بين داود من جهة ووضع يسوع وتلاميذه من جهة أخرى. اقتلعوا السنبل لكي يفتحوا لهم طريقاً (كذا في مر). نجد "تيلّو" (اقتلع). "ستاخيس" (سنبل). أكل هذا الحب دون ان يُطبخ. لقد صرنا قريبين من الفصح. هذا يعني أنه مضى على رسالة يسوع أقله سنة واحدة.
فعارض الفريسيون عمل التلاميذ (آ 2). هم يتبعون يسوع. ومع ذلك يهملون شيئًا هامًا في الدكالوغ، في الوصايا العشر، يهملون فريضة من فرائض العهد. لقد تعدّوا على وصية الله نفسه (تك 2: 2؛ كتاب اليوبيلات 2: 16- 18). لقد ابتعدوا عن احدى العلامات التي تفصل اليهوديّ عن الوثنيّ.
"أبصر الفريسيون". ق 3:12 أ؛ مر 2: 24. "ها تلاميذك يفعلون ما لا يحلّ". كان نص مر 2: 24 بشكل سؤال (لمَ يفعلون في السبت)، فحوّله مت إلى اتهام. "هم يفعلون". هذا ما يُبرز خطورة الصراع.
سمحت الشريعة للفقراء بأن يقطفوا سنابل من زوايا الحقول (لا 9:19- 10؛ تث 23: 34-25). أما خر 24: 21 فأمر بالعمل ستة أيام وبالراحة في اليوم السابع، حتّى في وقت الحراثة وفي وقت الحصاد. فسّر الفريسيون عمل التلاميذ بحسب عصرهم على أنه تعدٍّ على هذه الفريضة. هناك 32 نوعًا من الأعمال ومنها الحصاد (أو: القطاف) لا تُعمل يوم السبت. إذن، لا يبقى هناك إلاّ ظروف فائقة يُسمح فيها بلاممارسة الشريعة. وأما سؤال الفريسيين فهجوم على الطريقة التي بها يفسّر يسوع الشريعة، وبالتالي يسمح للرسل بأن يعملوا بموجب هذا التفسير.
ب- فقال لهم يسوع (آ 3-4)
عمل يسوع ما يُعمل في الجدال الرابيني، فردّ على الاعتراض بسؤال واستند إلى الكتاب المقدس. وبشكل خاص عاد إلى 1 صم 21، وإلى داود الذي تجاوز الشريعة. تجاوزها مرّتين لانه كان جائعًا (لا يقول النص ذلك، بل التقليد اللاحق). ونستنتج: يسوع هو المسيح وابن داود. هو ملك مثل سلفه. ويحقّ له أن يفعل مثله. وهناك تقليد رابيني يقول إن داود فعل ما فعل يوم السبت، يوم يبدّل خبز التقدمة ويُوضع مكانه خبز جديد. اذن، فعل يسوع مثل داود. فإن حكمتم على يسوع فاحكموا على داود أيضًا. ومن يجسر أن يحكم على داود؟ برّر المعلّمون عمل داود لانه كان في خطر (يلاحقه شاول)، ولأنه كان خائرًا من الجوع. ولكن يقول معترض يهودي: هل كان يسوع وتلاميذه في خطر الموت جوعاً؟ ما أراد يسوع أن يدخل في تعاريج علم الفتاوى. فقد لخّص التقليد كله في "أعظم الوصايا وأولها" (مت 22: 38). "في أثقل ما في الناموس" (23:23). فتعليمه الجديد هو نظرة جذريّة إلى ما يشكّل قلب الشريعة والأنبياء.
"فقالت لهم" (آ 3). ق 12: 2 أ؛ مر 2: 25. "أما قرأتم ما فعل داود". ق مر 25:2؛ 12: 10، 26، "كيف دخل بيت الله". هذا ما يقابل مر 26:2 الذي جعل عبارة "حيث كان أبياتر رئيس الكهنة" في النهاية. أما لو 6: 4 فلم يذكر أبياتر. لا شك في أن مت ولو فهما (كما قال أيرونيموس) أن مر أخطأ حين ذكر أبياتر. بل هو ابن أبياتر. هو أحيمالك (1 صم 21: 1). لماذا ألغى الإنجيليّ الأول والانجيليّ الثالث العبارة ولم يوضحاها؟ هذا ما لا نعرفه. "بيت الله" في السبعينيّة يقابل تابوت العهد (ق قض 18: 31). فما كان بعدَ بُني هيكلُ سليمان.
"وأكلوا خبز التقدمة". رج مر 2: 26. لا يعقل أن يكون داود قد قال لرفاقه بأن يأكلوا من هذا الخبز إلا اذا كانوا حفظوا نفوسهم من النساء. "خبز التقدمة" (خر 40: 23) 12 رغيفاً، توضع في صفين أما قدس الاقداس تُخبز يوم الجمعة، وتُؤخذ إلى الهيكل في صباح السبت، وتجعل على مائدة كتقدمة شكر. رج خر 23:25-30؛ 40: 22-23؛ لا 24: 5-9؛ عد 4: 1-8؛ 1 صم 21: 4-6؛ 1 أخ 32:9. "لا يحلّ له أكله". رج لا 9:24 "فتكون لهارون وبنيه يأكلونها في موضع مقدّس". هل عُمل بهذه الشريعة في أيام داود؟ يبدو أن الجواب هو كلا. رج مر 26:2 الذي أضاف: "أعطى منه أيضاً للذين كانوا معه". ترك مت ولو هذه العبارة لأنهما اعتبراها نافلة.
كان جدال حول قوّة استناد يسوع إلى 1 صم 21. (1) ذكّر يسوع الفريسيين أن الخير الاكثر (الحاجة البشرية) يسبق الخير الأقل (شريعة بسيطة). إذا كان داود الملك العظيم قد تجاوز الشريعة حين ألحّ عليه الجوع، فلماذا لا يحقّ لتلاميذ يسوع الذين جاعوا أن يقطفوا سنبلاً؟ (2) يسمح المعلّمون بنقض السبت في الخطر. ويسوع وتلاميذه كانوا في خطر روحيّ. قد لا يستطيعون أن يواصلوا رسالتهم. (3) إذا كان اقتلاع السنابل حصل في 15 نيزان، أول أيام الفصح، ساعة يهيّئ الكهنة حزمة التقدمة ولو كان اليوم سبتًا، فلماذا لا يفعل يسوع مثلهم؟ أخذ داود ما يحلّ للكهنة وحدهم، فلماذا لا يحلّ ذلك ليسوع وتلاميذه؟ (4) إن الوضع الاسكاتولوجيّ الملحّ يسمح بتعليق الشريعة. لقد صار ملكوت الله قريبًا. (5) هاجم يسوع التقليد الشفهيّ لا الشريعة المكتوبة. بما أن الكتب المقدسة لم تحكم على داود بسبب عمله، فهذا يدلّ على أن الصلابة التي بها يفسّر الفريسيون الشريعة لا توافق الشريعة، وبالتالي ليست فهمًا حقيقيًا لهذه الشريعة. (6) أكّد ايريناوس في كتابه "ضد الهراطقة" (4/ 8: 3) أن جميع الابرار يمتلكون درجة كهنوتيّة (1 بط 2: 5، 29). جُعل داود كاهنًا بيد الله. وهكذا جميع الرسل هم كهنة الرب. فإذا كان الكهنة يتجاوزون السبت، فلماذا لا يفعل ذلك رسل يسوع؟ (7) إن مثَل داود يوضح امكانيّة نقض الشريعة بحثاً عن خير أعظم. فالوصيّة الالهيّة تلغي وصيّة أخرى. وبما أن وصية المحبّة هي أعظم الوصايا، فحفظها قد يقودنا إلى عصيان العهد القديم. ولكن هذا البرهان يوافق بالاحرى 9:12-14 وعمل الخير إلى صاحب اليد اليابسة. (8) وأخيرًا في إطار كرستولوجي: إذا كان داود والذين معه تجاوزوا الشريعة، فماذا نقول عن ابن داود ورب داود، عن المسيح الذي يمثّل الله في نهاية الزمان؟
ماذا نقول في كل هذا؟ إن سلطة يسوع تجد صورة لها في سلطة داود. فإن حقّ لداود أن يفعل ما فعل، فيسوع يستطيع بالتأكيد أن يفعل مثله. ثم إن يسوع لم يقبل بالتقليد الشفهيّ، وحاول الرجوع إلى مشيئة الله كما في التوراة. في هذا المجال نلاحظ شيئاً مهماً وهو أن البنتاتوكس (الاسفار الخمسة) لا يمنع في السبت الا عملين اثنين فقط: اشعال النار (خر 3:35)، جمع الحطب (عد 15: 32-36). أما خر 20: 10 وتث 5: 14 فيمنعان "العمل" دون أن يحدّدا نوع العمل. ثم إن الكتاب نفسه سمح بأعمال لن يوافق عليها التقليد اللاحق (2 مل 11: 4-8). لقد زاد اليهود عددًا من الفرائض المتعلقة بالسبت وهي التي نقرأها في المشناة (وهو أمر أشرنا إليه).
ج- "أو ما قرأتم في الناموس" (آ 5-8)
إن آ 5-7 هي خاصة بمتّى ولا تجد ما يوازيها في مر ولو. أما آ 5 فتعني: "إذا كان الكهنة الذين يخدمون في الهيكل يوم السبت لا يخطئون (حسب قول رابيني بأن خدمة الهيكل تمرّ قبل خدمة السبت) إن تعدّوا السبت، فهل يخطئ تلاميذ يسوع حين يخدمون يسوع الذي هو أعظم من الهيكل؟
زيدت آ 5-7، لأن الكاتب اعتقد أن البرهان في آ 3-4 غير كاف. فالعودة إلى سلوك داود ليست قويّة في ما يخصّ السبت. لهذا أراد مت أن يقدّم برهانًا قويًا يبرّر تصرّف يسوع وتلاميذه. فجاء مع عبارة "وبالاحرى". هو لم يجادل في سلطة الشريعة، بل في فرائض السبت. أجل، يسوع لم يأت لينقض الشريعة، بل تفاسيرُها التي صارت حملاً ثقيلاً على المؤمنين البسطاء، على "الصغار".
"أو ما قرأتم في الناموس" (آ 15)؛ ق نح 8: 3 (قرأوا في سفر التوراة)؛ عا 4: 5؛ مت 42:21؛ مر 26:12. أضاف مت "في الناموس"، فدلّ على الناحية السلوكيّة (هلكه) في البرهان. حين يوجّه يسوع كلامه إلى الشعب يقول: "سمعتم". ولكن حين يكلّم الرؤساء يقول: "أو ما قرأتم" (5: 21- 48؛ 4:19؛ 21: 16، 42؛ 22: 31).
"ينقضون السبت". رج أش 56: 2، 6؛ حز 13:20 حسب السبعينية، 1 مك 1: 43، 45؛ 2: 34. إن القول بأن الكهنة "يدنِّسون" السبت (رج صف 3: 4) طريقة تقليديّة للتعبير عن الواقع. إذا أراد الكهنة أن يسيروا بحسب عد 28: 9- 10، فعليهم أن يقدّموا ذبائح يوم السبت، وهكذا يتعدّون الوصيّة التي تمنع العمل يوم السبت. ولكن هل يشبه نشاط التلاميذ خدمة الكهنة؟ وإن كان الكهنة يخدمون الهيكل حين يقدّمون الذبائح، هل يخدم التلاميذ يسوع حين يأكلون؟ ولكن لا جواب الاّ على المستوى المسيحيّ. يسوع هو أعظم من الشريعة وأعظم من الهيكل. وما يقوله لتلاميذه يتجاوز كل ما يقدّمه العهد القديم. نحن هنا في إطار كنيسة متّى التي يجب عليها أن تبرز هويّتها في وجه العالم اليهودي. فإن كانت بعد متعلّقة بالشريعة، فهي لا تربط سلوكها اطلاقاً بتفاسير الشريعة على مثال ما يفعل المعلّمون في نهاية القرن الأول المسيحيّ. 
"فإني أقول لكم". هنا تبدأ أقوال يسوع الثلاثة: "ههنا أعظم من الهيكل". "أريد الرحمة لا الذبيحة". "ابن الانسان هو ربّ السبت". هكذا شدّد الانجيل على سلطة يسوع (قيل لكم وأنا أقول لكم). لا مرجع في تفسير الشريعة إلاّ يسوع. قال النصّ: أعظم من الهيكل. ولم يقل "أعظم من الشريعة".
في آ 7، أدرج مت نص هو 6: 6 الذي سبق له وأورده في 13:9. إن هذا الاستشهاد يقطع التواصل بين آ 6 وبين آ 8. "لو كنتم فهمتم" (يو 13: 12). قرأ الفريسيون ولكنهم لم يفهموا. لا يطلب يسوع من الفريسيين أن "يرحموا" التلاميذ. بل يقوله إن الرحمة تسبق شريعة السبت وذبائح العبادة. إن كان هناك من صراع بين يسوع من جهة والسبت والشريعة والعادة من جهة ثانية، فعليها كلها أن تخضع ليسوع. وهكذا لو فهم الفريسيون المعنى الحقيقيّ للكتاب، لما حكموا على أناس أبرياء.
إذا كان يسوع هو سيّد السبت (آ 8). إذا كان فوق السبت لا تحته (لا خاضعًا له)، فهو يملي شريعة السبت، وبالتالي لا يحتاج إلى براهين. ثم إن آ 8 تُتمّ فكرة آ 6. "ههنا أعظم من الهيكل" تتوضح بـ "ابن البشر هو سيّد السبت".
ترك مت، شأنه شأن لو، عبارة مر 27:2: "وقال لهم: جُعل السبت للانسان لا الانسان للسبت". لا ننسى أن بعض الحلقات المتاويّة كانت تمارس السبت. ثمّ، ما أراد مت أن يتكلّم عن الانسان بشكل عام، بل عن ابن الانسان بشكل خاص في إطار كرستولوجيّ.

4- قراءة إجمالية
أ- التلاميذ (آ 1)
في هذه الآية الأولى نتوقّف عند الوضع الذي كان فيه التلاميذ، مما جعل الفريسيون يوجّهون انتقادهم إلى يسوع الذي لم يعرف تفسير الشريعة، ولم يعلّمها لتلاميذه. وإن كان قد علّمها، فلماذا لا يوبخهم على ما يفعلون؟
في ذلك الزمان. هكذا ربط مت هذه المقطوعة (12: 1-8) بما شق (11: 28- 30). سبق له وقابل بين "نير (يسوع) الخفيف" ونير الفريسيين. وها هو يقدّم لنا مثالاً عن هذا الصراع بين نيرين، بين فرائض الفريسيين حول السبت وما يطلبه يسوع. جُعلت لفظة "السبت" في الجمع (السبوت) لتدلىّ على جدّية السؤال. لسنا أمام عمل منفرد في سبت من السبوت، بل نحن أمام قاعدة عامّة يتبعها التلاميذ في جميع السبوت. أجل، لقد تركوا تفاسير المعلّمين، وتركوا الشريعة أيضًا. فالتفاسير الشفهيّة لها من السلطة عندهم ما لها الشريعة المكتوبة.
"سبوريما" هي حقول القمح. لا يدوس يسوع والتلاميذ القمح، بل يفتحون لهم طريقاً ويقطفون بعض السنابل. قد نكون في منتصف نيسان. فاستفاد الرسل من الظرف فأكلوا بعض الحب مستفيدين من تسامح الشريعة في هذا المجالس: "وإذا دخلت زرع (حقل فيه زرع) صاحبك، فاقطف بيدك فركًا، ولا تلق منجلاً على سنبل صاحبك" (تث 25:23)، وكانت آ 4 قد قالت: "إذا دخلت كرم صاحبك، فكل من العنب قدر شهوتك ولا تجعل منه شيئًا في وعائك".
ب- الفريسيون (آ 2)
رأى الفريسيون ما يعمله التلاميذ، فانتقدوا يسوع من خلال تلاميذه. في لوقا، توجّه الفريسيون مباشرة إلى التلاميذ. هم لم يتّهموا التلاميذ لأنهم سرقوا، بل لأنهم تعدّوا على الفرائض التي تنظّم يوم السبت. فطحن الحب وجمعه هما بين 39 عملاً محرّمًا في يوم السبت. وقابل الفريسيون ما فعله التلاميذ بعمل حقيقيّ في الحقل كالزرع والحصاد. وسيقول تفسير رابيني عن السبت فيما بعد: "يسمح للانسان أن يقتلع بيده سنبلاً ويأكل يوم السبت، ولكن لا يسمح له بأن يقتلع بواسطة آلة".
ج- أسئلة ثلاثة (آ 3- 5)
وإذ إراد المسيح أن يدافع عن تلاميذه، لجأ إلى خبر داود الذي أكل مع رفاقه خبز التقدمة، الخبزات المكرسّة، وذلك في نوب (1 صم 21: 1-6)، ممّا جعل الكاهن أحيمالك يرتعد. ليس الموضوع موضوع سبت في هذا الخبز. ونقاط المقابلة مع ما فعله تلاميذ يسوع بعيدة جدًا: إن داود، هذه الشخصيّة العظيمة في العالم اليهوديّ، قد سمح لنفسه بأن يتجاوز الشريعة. وهذا ما فعله هؤلاء الرسل الصغار! فلماذا تحكمون عليهم؟ والاشخاص الذين كانوا مع داود (التلاميذ مع يسوع) قد تجاوزوا الشريعة بعد أن "سمح" لهم داود بذلك. أفلا يستطيع المسيح، ابن داود، أن يسمح ايضاً لتلاميذه أن يتجاوزا الشريعة في جوعهم؟
نجد هنا صدى لجدالات كتابيّة بين يسوع وممثلي العالم اليهودي الرسميّ، بين تلاميذ يسوع، بين الكنيسة، والحلقات الرابينيّة ساعة دوّن متّى انجيله. ونشير هنا إلى أن خبر داود هذا كان موضوع تفاسير عديدة لدى الكتبة.
سؤال في سؤالين: ما فعله داود، ما فعله الذين كانوا معه. ولا حاجة إلى الجواب. يحقّ ليسوع أن يفعل ما فعله داود، ولتلاميذه أن يفعلوا ما فعله رفاق داود. والسؤال الثالث: "أو ما قرأتم أيضًا في الناموس أن الكهنة". بدأ متّى في كتب الأنبياء (لا ننسى أن يش، قض، صم، مل، هي أيضًا أسفار نبويّة بحسب تسمية التوراة العبرية. هم الأنبياء الأولون. أما أش، إر، حز، فهم اللاحقون)، وها هو ينهي "بقوّة" في أسفار الشريعة الخمسة. بعد أن استند إلى الملوك، ها هو يستند إلى الكهنة.
استند مت إلى عد 28: 9 ي، فبيّن أدن الكهنة أنفسهم يتعدّون على "راحة" السبت ليهيّئوا التقادم في الهيكل، ومع ذلك لا تلومونهم. فإذا كان يحقّ للكهنة أن ينقضوا السبت لأنهم مرتبطون بالهيكل، فكم أحرى بالمسيح!
د- أقوال ثلاثة: ههنا أعظم من الهيكل (آ 6-8)
* القول الأول: ههنا أعظم من الهيكل (آ 6)
نستطيع أن نفهم هذا القول في معنيين رئيسين. الاول كانتقاد للهيكل يشدّد على أن يسوع يحمل إلى الناس أكثر وأعظم مما يحمله العالم اليهودي بشعائر عبادته. مثل هذا التفسير لا يسنده سياق النصّ. والمعنى الثاني هو اعلان مسيحانيّ يُفهمنا أن المسيح بحسب الاسكاتولوجيا اليهوديّة، هو سيّد الهيكل ومُعيده إلى بهائه الأول (رج 21: 10-17).
أقرّ مت هنا وفي آ 3-4 أن التلاميذ تعدّوا شريعة السبت، وهو يكتفي بأن يبرّر هذا "التعدّي" بتلميح إلى زمن خارق يفتحه يسوع. إن الاهميّة الكبرى لهذا البرهان هي الطريقة التي بها يستند إلى العهد القديم: هو لا يقدّم يسوع كشخصيّة كبيرة تشرف من علُ على التاريخ فتحوّل إلى رماد وتراب الفرائض التقليديّة. فيسوع يتّخذ مكانته في هذا التاريخ، ويثبت قيمة السبت قبل أن يحلّ الأحد محلّه.
* القول الثاني: أريد رحمة لا ذبيحة (آ 7)
يستعيد هذا القول هو 6: 6 (رج مت 13:9): ففي الحالين، بدا السياق هجوماً واضحاً على الفريسيين. وإن الاستشهاد بهوشع يوافق بالاحرى ف 9 حيث يشرح الكاتب "رحمة" يسوع الناشطة تجاه أناس خطأة وعشّارين مثل متّى ورفاقه. فقالت يسوع حينئذ: "أريد الرحمة لا الذبيحة، فإني لم آت لأدعو الصدّيقين، بل الخطأة".
لا تظهر كلمة "تيسيا" (ذبيحة) إلاّ هنا وفي 13:9 في كل انجيل متّى. هي لا تدلّ على ذبيحة أو ذبائح تقدّم في الهيكل، بل على ممارسة الفرائض الدينية بشكل عام، وفرائض السبت بشكل خاص (في هذا السياق). إن هذه الآية لا تعارض ديانة الرحمة "الانسانويّة" مع "الطقوس الخارجيّة"، في كل ديانة عماديّة (فيها شعائر عبادة من صلاة وطقوس). بل ممارسة الرحمة ممارسة عمليّة مع تقوى متكبّرة تحتقر الآخرين، تقوى الفريسيين التي تحكم على الذين لا يخضعون لتعاليمهم.
نلاحظ أن هذا الاستشهاد الكتابي يرد مرّتين في مت، ولا يرد إلاّ في مت. إنه يوافق الوضع التاريخيّ الذي عرفته الكنيسة المتّاويّة حيث اصطدم المسيحيون الآتون من العالم الوثني، مع تشديد المعلمين اليهود وقساوتهم. "هؤلاء التلاميذ هم أبرياء" (لا ذنب عليهم) (أنايتيوس في اليونانية) (آ 5)، لا لأنهم لم يتجاوزوا شريعة السبت، بل لأنهم كانوا معذورين حين تجاوزوها.
* القول الثالث: ابن البشر هو ربّ السبت (آ 8)
رافق مت مر ولو دون أن يقدم ما يقابل مر 27:2 (السبت جُعل لأجل الانسان لا الانسان لاجل السبت)، فاختتم هذه المقطوعة بتأكيد أساسيّ يرينا وحده كل بعدها. فإن كان التلاميذ تجاوزوا شريعة السبت "ببراءة" (لا ذنب عليهم)، فلأن معلمهم هو ربّ السبت. إن النص الموازي في مر 27:2-28 جعل بعض الشّراح يفكّرون أن عبارة "ابن الانسان" هنا تدلّ على الانسان بشكل عام. ففي آ 27، يتحدث مرقس عن الانسان (انتروبوس) الذي لأجله أسّس السبت. ولكن السياق العام في مت ولو (بل في مر أيضًا)، يدلّ بوضوح على ابن الانسان. كل هذا يدلّ على يسوع كديّان ومخلّص الأيام الأخيرة، بحسب التقليد الذي تحدث عنه دانيال وأخنوخ. فالإيمان والانتماء إلى الربّ هو الذي أعطى التلاميذ، ثم المسيحية الأولى كلها، هذه الحرّية في تجاوز شريعة طقسيّة لدى اليهود، ولاسيّما في نقطتين رئيسيتين هما السبت والختان. ويشير هذا النصّ أيضًا الى ينبوع آخر لهذه الحرية هو الرحمة، أي إرادة الله بأن يقترب الخطأة والوثنيون من الخلاص. وهكذا نكون في خطّ الرسائل البولسيّة التي سبقت إنجيل متّى بعشر سنين ونيّف.

خاتمة
نحن هنا في جدال مع الفريسيّين حول السبت. وسوف تتبعه جدالات أخرى يدلّ فيها يسوع على سلطته على الشريعة بشكل عام، وعلى السبت بشكل خاصّ. وهذه السلطة وإن جاءته من الله، وسلطته سلطة الله، إلاّ أنه يجذّرها في العهد القديم. في سفر صموئيل الذي يُعتبر من الأنبياء الأولين. وفي سفر هوشع الذي جعل الرحمة فوق الذبيحة. وزاد على هذا البرهان التوراتيّ براهين "بشريّة" يقدّمها الرابينيّون فتصبح "شريعة" شفهيّة. وفي النهاية، بيّن يسوع أن الانسان هو الأهم. ومن أجل خلاص الانسان، ماذا لا يفعل يسوع؟
الفصل الخامس عشر
يسوع خادم الرب وحبيبه
12: 9- 21

نحن في هذا الفصل أمام وجهين يختلفان كل الاختلاف: وجه الفريسيين الذين يسحقون "الصغار" بوصاياهم المتعدّدة وأحمالهم التي يجعلونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإحدى أصابعهم. ووجه يسوع الذي يبدو كعبد الله المتألم كما حدّثنا عنه أشعيا في أناشيده. هو خادم الرب، بانتظار أن يكون لتلاميذه ذاك الخادم الذي يغسل لهم أقدامهم. هو لا يماحك ولا يصيح، ولا يفرض "سطوته" على الناس، ولا يهدّد الخطأة والعشّارين بالموت. بل هو ذلك الوديع الذي تنبع وداعتُه من محبّة الآب، فيعامل الآتين اليه بالرحمة، بل هو يذهب اليهم كما يذهب الراعي ليبحث عن الخروف الضالّ. 
وهكذا يتوزعَّ هذا الفصل في درفتين: شفاء يوم السبت (9:12-14)، ويسوع عبد الله وخادمه (12: 15- 21). في الدرفة الأولى نشاهد الصراع الثاني بين يسوع والفريسيين حول السبت بمناسبة شفاء رجل يده يابسة. بعد أن كان الصراع الاول جدالاً حول ما فعله التلاميذ حين اقتلعوا سنبلاً وأخذوا يأكلون لكي يسدّوا جوعهم. أما في الدرفة الثانية، فيعود متّى إلى النبي أشعيا لكي يرسم لنا صورة يسوع والطريقة التي بها يتعامل مع الآتين اليه ولاسيّما العشّارين والخطأة.

1- شفاء يوم السبت (12: 9-14)
أ- نظرة عامة الى المقطوعة
موضوع هذه الآيات (آ 9-14) هو موضوع 12: 1-8 وجدال يسوع مع الفريسيين بسبب تصرّف التلاميذ. غير أن المشهد يختلف كل الاختلاف.
فيسوع يواجه خصومه وحده، وهو لا يلجأ إلى البرهان الكتابيّ، بل يأخذ أسلوب الهجوم بسخريّة لاذعة (آ 11-12)، فيطرح سؤالاً بسيطًا لا يحتاج إلى جواب. عند ذاك اجتمع الفريسيون حالاً وقرَّروا أن يهلكوه. وهكذا نكون أمام تدرجّ واضح بين مقطوعة ومقطوعة. في الأولى (آ 1-8) لا نجد ردّة فعل واضحة، ولكننا نفهم غيظ الفريسيين. أما في الثانية، فكلام مت واضح: "خرج الفريسيون وائتمروا عليه ليهلكوه" (آ 14؛ رج مر 3: 6 الذي جعلهم يتحالفون مع الهيرودوسيين).
حين نقابل هذا النصّ مع مر، نرى أن المقابلة تدلّ على أسلوب متّى التعليمي: بسّط مت ما يمكن ان يحوّل السامع عن جوهر الخبر على مستوى تشويق القارئ (ق آ 3-4 ب من مرقس)، وشدّد على حوار يسوع مع خصومه. في هذا الحوار، اتخذ يسوع المبادرة وظلّت المبادرة في يده (أكثر مّما في مر). عامل خصومَه بسلطة، فأخزاهم كاشفًا خبثهم ورياءهم (آ 11-12). 
أما نصّ لو 6: 6- 11 فجاء أقرب إلى مر منه إلى مت. ثم إن الانجيل الثالث أورد في مكان آخر وبشكل مختلف (14: 5: من منكم إذا سقط ابنه أو ثوره في بئر؛ رج 13: 15-16: كل واحد منكم يحلّ في السبت ثوره) مت 12: 11- 12 اللذين يجهلهما مرقس. إن هذا الخبر القصير الذي نقله التقليد بشكل مختلف يعود إلى يسوع، وقد رسمه مت في سياق يُبرز مضمونَه الأساسيّ.
إن هذه المقطوعة (آ 9-14) تلتقي مع المقطوعة السابقة (آ 1-8) في نقطة أساسيّة: فكلتاهما تجعلان الرحمة (الايوس) الناشطة تمرّ قبل الواجبات الدينيّة أو بالاحرى العباديّة (تيسيا، ذبيحة). فهذه اللفظة (تيسيا) التي ظهر معناها الواسع في المقطوعة الأولى (آ 7، أريد الرحمة لا الذبيحة)، ستجد هنا ما يثبت هذا المعنى. لسنا أمام صراع حول العبادة في الهيكل والكهنة، بل أمام موضوع حسّاس جدًا. حوالي سنة 80 (بعد حرق الهيكل بعشر سنوات): العلامة بين الاكرام الواجب ليوم السبت ومحبّة الانسان (انتروبوس، آ 10، 12، 13)، أي انسان كان، وليس فقط الأخ والقريب والمواطن وابن ديني.
وهكذا نفهم أن الموضوع هو الخير الذي نصنعه: العمل الجميل (كالوس) في مت. العمل الحسن (اغاتوس) كما في مر ولو. كان المعلمون يتجادلون كثيرًا حول أنواع العناية المسموح بها للمرضى يوم السبت. "من فتح دملة يوم السبت، فإن أراد فتحها فقط فهو خاطىء. ولكن لا اذا أراد ان يزيل منها السائل". وأيضًا: "نستطيع أن نخرج ونحن نحمل على الجرح ضمادًا من توم او بصل. فإن سقط الضماد لا نربطه من جديد، كما لا نستطيع ان نضع ضمادًا يوم السبت". أما القاعدة العامة فهي: يعلّق السبت (كما تعلّق فريضة فلا تمارس) في خطر الموت الذي يهدّد الانسان. أما بالنسبة إلى الحيوان فالحالة موضوع جدال. قال تفسير خر 22: 2؛ 23: 13: "نستطيع أن "نعلّق" السبت لكي نبعد خطر الموت". غير أن المعلّمين لم يتّفقوا على الطرق التي تسند هذه "التجاوزات" للسبت. رابي عقيبة (135) أسنده إلى القتل الذي يوقف شعائر العبادة التي توقف السبت.
تجاه هذه التنظيمات الدقيقة والمعقّدة، بدا تعليم يسوع في إنجيل متّى حاملاً الحرّية والقلق. هو يحمل الحرّية (يحرّر) حين يُخضع كل ممارسة دينيّة لخدمة الانسان في أمور ملموسة تضيّق عليه. وهو يحمل عليه. وهو يحمل القلق، لأنه إذا تعمّم، جعل الحياة المنظّمة في الكنيسة مستحيلة. فيقول قائل: هناك "خير" يسبق واجبًا دينيًا يجب أن أتمّه. هنا لا بدّ من التمييز. ولا بدّ من وجود قواعد وفرائض فاضحة تساعد المؤمن على العيش في الجماعة التي ينتمي إليها.
ولكن مرمى النصّ ليس هنا. فالموضوع هو أن نعرف: هل سيعترف الفريسيون بسلطة المسيح على السبت نفسه؟ وهل سيعترف المؤمنون بسلطة يسوع على ممارسات الحياة الكنسيّة؟
ب- الدراسة التفصيليّة
أولاً: التأويل
إن مت 9:12-14 يعتبر "معجزة قاعدة"، نحن أمام خبر معجزة يعطي قوّة لفريضة مقدّسة. نرتّب مثل هذه المعجزات إذا كانت تبرّر قاعدة أو تجازي تصرفاً يوافق القاعدة، أو تعاقب تصرّفًا يعارض القاعدة. وهكذا نسمّي هذه المقطوعة (آ 9-14) معجزة تبرّر قاعدة، لأنها تبرّر فريضة إلهيّة: عمل الخير يوم السبت. ونجد أمثلة أخرى من هذا النمط في 17: 24-27 (دفع الجزية)؛ مر 2: 1-12 (المخلّع).
إن 12: 9-14 يتضمّن مواد تعود إلى مراجع ثلاثة. آ 9- 10، 12-14 ترتكز على مر 3: 1-6 (رج لو 6: 6- 11). آ 11 تعود إلى المتّاويات (خاص بمتّى) أو المعين (رج لو 13:11، 15، 5:14). آ 12 أ هي من تدوين متّى. أما الاساس التاريخي، فإن آ 12 ب- 13 (مدّ يدك فمدّها) هي تاريخيّة كما يقوله عدد كبير من الشرّاح. فكيف تأخذ الجماعة الأولى واجب الشفاء يوم السبت؟ والقول في مر 3: 4 (عمل الخير يوم السبت) هو حقيقيّ ويدل على لقاء، نجد مثله الكثير في الأناجيل. وهناك ايضاً ثلاثة أمور لافتة. (1) أشار مرقس إلى الهيرودوسيين (أغفل هذا الأمر مت ولو)، وهذا لا يمكن أن ينسب إلى اهتمام كنسيّ (إذن يعود إلى زمن المسيح). (2) هناك تعابير ساميّة واضحة في مر 3: 1-6. (3) لا شكّ في أن الصراع الذي تبرزه الأناجيل بين يسوع والفريسيين، يجد جذوره في حياة يسوع على الأرض.
هل تعود آ 11 (أي انسان منكم يكون له خروف واحد، رج لو 13: 15؛ 14: 5) إلى يسوع؟ كل شيء يدفعنا في هذا الاتجاه. فالقول يفترض ما نجده في العهد القديم (تث 22: 4)، وهو يتضمّن عبارة خاصة بيسوع. وهي تتوافق مع عدد من الأخبار حيث يتحدّى يسوع سامعيه في شأن السبت، كما تتوافق مع ممارسة الرحمة تجاه معاصريه (رج 5: 48).
ثانيًا: تفسير الآيات
* ومضى من هناك (آ 9- 10)
كان يسوع في الخارج، فدخل إلى المجمع (آ 9)، وما زال اليوم سبتًا. في الانجيل الاول، المجمع هو مكان المواجهة. وهذا ما سوف يحصل الآن.
"وإذا برجل يده يابسة" (آ 10). رج هو 9: 14 حسب السبعينية. زاد لوقا أنها اليد اليمنى. وهذا ما يزيد في خطورة الاعاقة. "هل يحلّ الشفاءُ يوم السبت"؟ ق لو 14: 3. جاء السؤال بشكل مباشر. زاد مت: هل يحلّ؟ وهكذا ترتبط المقطوعة الثانية مع المقطوعة الأولى (آ 2: لا يحلّ فعله يوم السبت، آ 4: لا يحلّ له أكله). ويبدو الفريسيون في كلامهم قريبين من المعلمين في زمن متّى. ويظهر الرباط بين السؤال والجواب. ليس السؤال: هل يحلّ ليسوع، بل هل يحلّ لكّل انسان.
هل يحلّ الشفاء يوم السبت؟ يجيب الاسيانيون وصاحب كتاب اليوبيلات: كلا. أما المشناة فأعلنت أنه يجب أن نخلّص الحياة إذا كانت في خطر. ولكن قد يُشفى فيما بعد: لا جواب. وقال عدد من المعلمين إنه يحقّ حمل المرضى يوم السبت (كما مع المخلّع). ولكن يبقى السؤال المطروح في مت: لا يحلّ الشفاء يوم السبت.
إذن، كيف نفسّر عمل يسوع؟ هو لم يعارض مشيئة الله كما وردت في شريعة مكتوبة، بل فرائض بشريّة. ولكن الكتب تمنع الشفاء في السبت حيث لا شيء يلحّ، مثل يد يابسة لدى إنسان. لماذا لم يساوم يسوع وينتظر يومًا آخر؟ بل إن يسوع عمل ما عمل ليدلّ على أن كل هذه الفتاوى تعارض شريعة المحبّة. ثم إن تعليمه الاسكاتولوجيّ لا بدّ أن يزعج بعض التقاليد والعادات. وقد شفى الناس يوم السبت لأن الشفاء عمل عظيم يمجّد الله. فلماذا لا يتمجّد الله بهذه الصورة يوم السبت؟
"بغية أن يشكوه". يتّهموه. رج مر 3: 2. "كاتيغوريو". هذا ما يفترض محاكمة. إن الفريسيين الذين لعبوا مرارًا كما في الخبر دورًا كاذبًا، سألوا يسوع ليوقعوه في فخّ. لم يكونوا صادقين حين طلبوا جوابًا حول السلوك (هلكه)، بل أرادوا أن يشوا به إلى المحكمة الدينيّة. إذا استندنا إلى آ 14 نقول إن الفريسيين انطلقوا من خر 3: 14 (من دنّس السبت يقتل). ولكن هذا لا ينطبق أبداً على "تجاوز" يسوع لشريعة السبت.
* "وقال لهم: أي انسان" (آ 11-12)
في هذا الموضع، أدرج متّى قولاً يتيح ليسوع أن يردّ على سؤال منتقديه بسؤال معاكس يستند إلى عاطفة نجدها في كل انسان. إن سقط خروف في حفرة، فهل نتركه؟ وجاء البرهان مع "بالحري". إن سقط الخروف نصعده، فماذا نفعل إن سقط انسان؟ ولكن يسوع لا يضيع وقته في الجدال الطويل والعقيم الذي توقّف عنده الفريسيون مرارًا. بل هو يذهب مباشرة إلى قلب الموضوع. بإيجاز ووضوح شدّد على "أهم ما في الشريعة أي العدل والرحمة والأمانة" (23: 23). كل هذا يستبعد الجدل ويفسّر لماذا عاد يسوع إلى الحسّ في الانسان لا إلى دقائق الشريعة.
إن آ 11-12 توازي بشكل قريب لو 14: 5 وبشكل بعيد لو 15:13 (ينتمي إلى اللوقاويات 13: 10-17). إن لو 14: 5 يعود إلى المعين. ومثله يفعل مت.
"يكون له خروف". نجد "هان" (واحد). هل يريد الكاتب أن يشدّد: خروف واحد فقط؟ هكذا يكون متعلقًا به. هنا نتذكّر لو 14: 5 الذي يقول: ثوره أو ابنه. هل نستطيع أن نعود إلى مثل ناتان موبخًا داود ومحدّثًا إياه عن نعجة يملكها فقير ويعاملها كابنته (2 صم 3:12-4)؟ لماذا لم يستعمل مت "ابنه"؟ لأنه يحتاج إلى برهان "بالحري". وإن تكلم عن الخروف، فقد يكون تذكّر خبر الخروف الضال في 18: 12-14 (رج لو 15: 4-7).
جاء "السبت" في صيغة الجمع. ربّما جمع التفخيم. ق 25:9؛ أم 12: 10 (البار يهتم بحياة بهيمته). وقال تث 22: 4: "إذا رأيت حمار أخيك أو ثوره واقعًا في الطريق، فلا تتغاضَ عنه، بل أنهضه معه"
وكانت الخاتمة في آ 12 تطبيقًا لما في آ 7: الرحمة قبل الذبيحة (هنا نتذكّر السامري في لو 10: اهتم الكاهن بالذبيحة التي سيقدّمها فخاف أن يتنجّس. ولكن أين الرحمة)، فكأني بالنصّ يقول: الوصايا بين انسان وانسان تسبق الوصايا بين انسان والله. ولماذا لا نتذكر 1 يو 4: 21: "من يحبّ الله يحبّ أخاه أيضًا"؟
"فعلُ الخير يحلّ في السبت". هذا هو الجواب على سؤال الفريسيين. "هل يحلّ الشفاء في السبت"؟ بما أن الشفاء عمل خير، فهو يحلّ يوم السبت. قال أحد الآباء: "إن مُنعنا من فعل الخير يوم السبت، لم يعد ذاك اليوم مقدسًا". قال مر 3: 4: "ماذا يحل في السبت: أن يُفعل الخير أم أن يفعل الشرّ؟ أن تخلّص نفسٌ أم تقتل"؟ أما مت فحوّل عبارة مر إلى نتيجة استخلصها: إذا كان الانسان يعمل خيرًا من أجل خروف يوم السبت، وإن كان الكائن البشري أكبر قدرًا من الخروف، إذن يُسمح عمل الخير لانسان يوم السبت. وهكذا اعطى يسوع قاعدة عامّة: يحقّ عمل الخير، إذن يحقّ الشفاء.
* قال للرجل: مدّ يدك. (آ 13-14)
بعد أن برّر يسوع عمله وأظهر لسامعيه خبثهم (وهم لا يريدون أن يخلّصوا بهيمة!)، شفى الرجل الذي يده يابسة. ونلاحظ أن يسوع لم يجتذب له يده، ولم يلمسه ولم يساعده (ق 8: 3، 15؛ 25:9). تكلّم فقط. وهكذا بدا عمل الشفاء متواضعًا مثل كلمة يسوع. بدون أي تحدٍّ . نتذكّر هنا خبرين. الاول في 1 مل 13: 1-10 حيث يشفي رجل الله يد الملك يربعام، فتعود كما كانت. وفي وصيّة شمعون حيث صلّى شمعون إلى الرب من أجل صاحب اليد اليابسة.
فاغتاظ الفريسيون وبدأوا المؤامرة على يسوع، مع أنه لم يفعل شيئًا يتجاوز فيه شريعة السبت. صنع يسوع الخير إلى انسان مريض، فراهن على حياته. تحدّث مر عن الفريسيين والهيرودوسيين. أما مت فاكتفى بالفريسيين ليشدّد على المعارضة الدينيّة (لا السياسيّة) في موت يسوع.
ج- قراءة إجمالية
كان يسوع في الحقل مع تلاميذه فبدأ الصراع. دخل إلى المجامع، فعاد الصراع إلى اشدّ ممّا كان. دخل يسوع إلى مجمعهم، أي مجمع اليهود. كان وقت يذهب فيه المسيحيون إلى المجامع. ولكن سيأتي وقت تُغلق فيه هذه المجامعُ في وجوههم، والسبب في ذلك هم الفريسيون الذين عارضوا يسوع خلال حياته على الأرض، وما زالوا يعارضونه في كنيسته، ولاسيّما في سورية وفلسطين حيث انتشر بشكل خاصّ إنجيل متّى.
رجل يده يابسة. اين كان هذا الرجل؟ في المجامع، على باب المجمع؟ قال لو 6: 6: "كان هناك". هل كان يهوديًا أم لا؟ هذا ما لا نعرفه. نحن فقط أمام "انسان" (انتروبوس). كل انسان. في المقطوعة السابقة، اتّخذ يسوع المبادرة. أما هنا فالفريسيون هجموا وسألوا يسوع: هل يشفي يسوع هذا الرجل (كذا في مرقس)؟ هل يحلّ أن نعتني بمريض يوم السبت (كذا في مت. سؤال عام، لا خاص كما في مر)؟ وأوضح الانجيليون الثلاثة أن الفريسيين طرحوا هذا السؤال على يسوع لكي يتّهموه في المحكمة (27: 12؛ لو 2:23- 10، 14). هذا يعني أنهم انتظروا منه جوابًا بالايجاب: نعم يحلّ. ولكن يسوع لا يقع في مثل هذه الفخاخ (نتذكّر الجزية لقيصر).
لسنا هنا أمام خطر الموت. فلماذا التعدّي على شريعة السبت؟ رفع يسوع الجدال أبعد من حالة خاصّة: هل يحلّ فعل الخير يوم السبت؟ هل نعطي الحياة أم الموت؟ سمّاهم يسوع "مرائين" كما قال لو 13: 15، لأنهم يقسون على الآخرين ويشفقون على نفوسهم. لقد جعلوا في شروحهم للشريعة اعفاءات من إكرام السبت حين تقع بهيمة لهم في حفرة. تدبّروا أمورهم فلماذا لا يطبّقون على الآخرين ما يطبّقونه على نفوسهم؟ هذا إذا كنا أمام خروف. وبالاحرى إذا كنا أمام انسان.
شدّد المسيح على الفرق بين الانسان والحيوان. وهذا ما نجده أيضًا مرّتين في مت (6: 26 وز؛ 10: 31). إذا كان الله يهتمّ بالحيوان، فكم بالأحرى يهتمّ بكم، أيها التلاميذ، أيها البشر. فالاله الخالق يحيط دومًا خلائقه بعنايته الناشطة، ولكن لا بطريقة عامة ومغفلة. فقد حفر اسم كل واحد منا على كفّ يده، وكلُّ واحد منّا فريد في عينيه. قابل الانجيل هنا الانسان بالخروف. وزاد: كم أحرى بالانسان المهدّد بالمرض والموت. فالله يتدخّل بقول يسوع وفعله لكي يخلّصه، لكي يعيد النظام إلى خلق أصابه مرض أو حادث ما. في هذا النشاط الخلاصي تكون الأولوية للانسان وهذا أمر لا يختلف فيه أحد.
وفي القسم الثاني من آ 12 يتلاقى التقليد الإزائي (مر 3: 4؛ لو 6: 9). غير أن تعبير مت جاء مكثفًا وعامًا فدل على عبقريّته في تقديم والتعليم. لم نعد أمام موضوع معرفة، ما يحل فعله في السبت مثلاً. فالفكرة اليهودية حول الراحة السبتية قد حلّ محلها نشاط على مستوى أعمال الرحمة التي لا يحلّ فقط أن نعملها، بل يتوجّب علينا أن نعملها بدون تأخّر. هذا هو معنى "كالوس" (جميل) الذي يقابل في 5: 16 الأعمال الصالحة، الحلوة (كالا ارغا)، وهذا ما يوافق اليوم نشاط الخلاص الذي أتمّه يسوع في خدمة الانسان في عصره.
توخّى هذا الخبر لا أن يروي لنا أولاً فترة من حياة يسوع، بل أن يقود المسيحيّين الأولين في حياتهم الخلقيّة وسط معلّمين يهود كانوا معادين لهم. لهذا روى النصّ بسرعة شفاءَ الرجل وردّة فعل الفريسيين. فيجب أن يبقى انتباه السامع (أو القارئ) مثبتًا على جوهر العبرة، على "الدرس": المسيح هو ربّ السبت. وقد دلّ بالقول والعمل على أن الرحمة تمرّ قبل الذبيحة، وأن خدمة الانسان تسبق كل فرائض الشريعة.

2- يسوع عبد الله وخادمه (12: 15- 21)
أ- نظرة عامة
هنا يترافق مت مع مر 7:3-12 الذي يحدّثنا بالاحرى عن يسوع الطبيب الالهي. عن يسوع في تعامله مع الجمع الذي تبعه وحاصره حتى كاد يسحقه. ومع لو 17:6-19 الذي يشير إلى جمهور غفير تبع يسوع من كل اليهوديّة وأورشليم، ومن ساحل صور وصيدا. وافوا ليستمعوا إليه فقدّم لهم عظة السهل (تقابل عظة الجبل في مت) التي تبدأ بالطوبى للمساكين والجياع والباكين والمضطهدين.
ساعة قرّر الفريسيون (آ 14) أن يميتوا يسوع، بيّنوا أنهم ينكرون سلطانه إنكارًا جذريًا. في ذلك الوقت لم يقدّم لنا مت تأكيدًا لهذا السلطان، بل تفسيرًا جديدًا وأصيلاً لسلطته المسيحانيّة بواسطة أحد أناشيد عبد يهوه (أش 42: 1-4). 
هذه الآيات هي في مكانها في هذا السياق. فهي تدلّ أن بين يسوع والعالم اليهوديّ الرسميّ، أكثر من جدال وصراع، أكثر من تصادم على مستوى الافكار والسلطة، بل أمام سوء تفاهم أخطر من كل هذا: نحن أمام نظرتين تتصادمان حول الطريقة التي بها تتمّ (آ 17) الكتب. والمقابلة مع مر ولو ترينا أسلوب مت: أوجز خبر الوقائع الذي أعطانا بعض عناصره فيما سبق (4: 25= مر 7:3 ب- 8؛ رج لو 17:6 ب)، فبسّطه وكثَّفه (رج آ 15 ب؛ ق 3: 10- 11) واحتفظ بالعنصر الأهمّ كما وجده في مر: الأمر الذي أعطاه يسوع للمرضى بأن لا يشهروه (آ 16= مر 3: 12؛ رج لو 4: 41 حيث نجد تعبيراً آخر: انتهر الشياطين ولم يدعها تتكلّم). وقد أوضح بشكل خاص معنى أمر يسوع هذا بواسطة أش 42: 1-4، وهذا ما يشكِّل أصالة متّى في هذه الآيات.

2- الدراسة التفصيلية
يذكّرنا هذا المقطع بما في 8: 16-17 (شفى، تمّ كلام أشعيا: أخذ عاهاتنا). ففي المقطعين، نحن أمام ملخّص عن نشاط يسوع الشفائي يتبعه استشهاد مأخوذ من أشعيا. وفي الحالين يتحدّث نصّ العهد القديم عن عبد الله المتألم، عبد يهوه.
في آ 15-16 نجد ملخصًا عن نشاط يسوع. رج 23:4-25: "وكان يطوف في الجليل كله، يعلم في مجامعهم ويبشر بانجيل الملكوت، ويشفي كل مرض وسقم في الشعب". "فعلم يسوع فانصرف من هناك". ق 13:2، 22؛ 12:4؛ 13:14؛ 15: 21؛ 18:22؛ رج مر 7:3 حيث نقرأ أن يسوع انصرف مع تلاميذه إلى العبر. يسوع هو الذي يعلم، يعرف (رج لو 6: 17). "وتبعه كثيرون" ق 15: 30؛ 19: 2؛ مر 3: 7؛ لو 6: 17. يتبعونه، ولكنهم ما صاروا بعد تلاميذه (4: 2؛ 19:8). "فشفاهم جميعًا". ق 16:8؛ مر 1: 34؛ 3: 10؛ لو 4: 40؛ 18:6. "جميعًا" هي لفظة متاويّة. شفى الجميع. "أوصاهم أن لا يشهروه". هذا هو السرّ المسيحانيّ. رج 8: 4؛ 30:9؛ 20:16؛ 9:17.
"ليتمّ ما قيل بالنبيّ أشعيا" (آ 17). رج 1: 22؛ 3:3؛ 4: 14. ويرد أشعيا في هذا الموضع في ترجمة عبريّة متأثّرة بالسبعينيّة وبالترجوم (الآرامي). هو أكبر استشهاد كتابي من العهد القديم في الانجيل الاول. من أين جاء مت بهذا الاستشهاد؟ هل وجده في "كتاب الاستشهادات" الذي يحمله المبشّر معه وفيه كل ما يتعلّق بالمسيح؟ يجيب نعم بعضُ العلماء بعد أن رأوا النصّ في بردية رايلندس 460، واعتبروا أن لا علاقة مباشرة بين هذا الايراد الكتابي والسياق. ولكن يبدو أن النصّ أصيل في مت. لا نجده في هذا الشكل في أي مكان آخر. وهو يتوافق كل التوافق مع السياق (1) "اغابيتوس" (حبيبي) نجدها في مت 17:3؛ 17: 5. (2) "عليه أحلّ روحي". عبارة تذكّرنا بالعماد وتربطنا بالمقطوعة التالية حول علاقة يسوع بالروح القدس (12: 22-37). (3) ذكر النص مرتين الأمم (آ 18 د، 21) فتوافق مع أولى اهتمامات متّى. (4) ترجم مت "ي ص ع ق" في آ 12 ب "اريساي" اليونانية ففسّر آ 15: لا يريد يسوع أن يخاصم الفريسيين أو يجادلهم. (5) إن ترجمة "ب ح و ص" بـ "إن تايس بلاتيايس" (بدلاً من "إكسو") تصبح مفهومة على ضوء آ 16. فيسوع لا يُسمع في الشوارع. فقد طلب من الناس أن لا يشهروه. (6) "ي و ص ي" في أش 42: 1 صارت في السبعينية "إكسويساي". أما في مت: "ابانجالاي". لماذا فعل متّى هذا؟ لأنه يفكر بالانجيل، بالبشارة (رج 33:8؛ 11: 4؛ 8:28، 10). وقد نكون أيضًا في علاقة مع 38:12-42 الذي يتحدّث عن تبشير الأمم، أهل نينوى ومملكة الجنوب.
إن آ 18- 21 تخدم كلها مواضيع اهتمّ بها متّى. لا شيء نافلاً. تمسّك متّى بنصّ أش 42: 1-4 لأنه يساعده كل المساعدة على تصوير طبيعة نشاط يسوع في اسرائيل. يسوع هو عبد الله الخفيّ. حلّ روح الربّ عليه. لا يماحك ولا يقاتل، ولا يجادل بدون فائدة، يُهدّئ حماس الجمع بعد الشفاءات التي اجترحها. هو يشفق على الجميع، ولاسيّما على القصبة المرضوضة والفتيل المدخّن. وهو يحمل الخلاص إلى الأمم.
لن نتوقّف عند المقابلة بين نصّ أشعيا ونصّ متّى لكي نرى كيف تعامل الانجيل مع النص الاشعيائي. بل نقدم ملاحظتين حول 12: 1- 21. الاولى: صاحب الانجيل الاول هو يهوديّ. فإذا قبلنا بأولوية مر على مت، وإذا نسبنا استشهاد أش 42 إلى مت، هكذا تكون أمور عديدة قد وضعتها يد متى حين يختلف عن مرقس. الثانية: يُذكر السبت في مت اربع مرات فقط. في 12: 1-8 (اقتلاع السنابل يوم السبت). في 9:12-14 (شفاء في يوم السبت). في 24: 20 (الهرب يوم السبت). في 28: 1 (ولما انقضى السبت عند فجر اليوم الاول من الاسبوع، جاءت مريم المجدلية). ليس للنصّ الأخير أي مدلول لاهوتيّ سوى أنه يفتح الباب على يوم الاحد. إلاّ أن الثلاثة الباقية تدلّ على أنّ السبت ما زال ممارسًا لدى المسيحيين (24: 20). وعلى أن مت ظلّ يهتمّ بما يحلّ أو لا يحلّ عمله يوم السبت لدى اليهود ولدى المسيحيين في المنطقة التي تعيش فيها الجماعات المتاويّة. كما لا نعرف إن كان الانجيلي قريباً من مسيحيين أمميّين يكرّمون الأحد بدل السبت. غير أنه يبدو من المعقول أن نفترض أنه كان صراع بين جماعة متّى والآخرين حول طبيعة ممارسة السبت.
ج- قراءة إجمالية
أشار مت وحده أن يسوع كان عارفًا كل المعرفة بمؤامرة الفريسيين ضدّه (غنوس في اليونانية). ومعرفة يسوع هذه بما يدور حوله، تميّز السرد عند متّى (رج 8:16؛ 18:22؛ 26: 10). من جهّة، نرى في مت أن المسيح يُشرف إشرافًا تامًا على مختلف ظروف رسالته. ومن جهة ثانية، يتبع يسوع طريقًا مظلمة حيث يبدو مسلَّمًا إلى بغض أعدائه الذي يتوضّح (أي: البغض) شيئًا فشيئًا ليصل إلى أهدافه. هاتان الوجهتان في مصير يسوع، يحاول متّى أن يجعل قرَّاءه يفهمونهما.
إن فعل "اناخوريو" يعني أولاً ابتعد، مضى، انصرف (2: 13؛ 9: 24). ثم اعتزل، اختفى عن عيون الفريسيين كما في 2: 14-22؛ 13:14. والايراد المأخوذ من أش 42 يوضح معنى هذا "الهرب" أو هذا "الاعتزال". يجب أن يُتمّ في السلام والهدوء رسالةً لم تنته بعد. لسنا أمام حبيس انفرد عن العالم من أجل الصلاة. فيسوع يحافظ على نشاطه كما لم يفعل من قبل. فالجماهير (بولوي) تتبعه، وكلهم يُشفون. غير أن هذا النشاط يتمّ بلا ضجّة ولا مشادة عنيفة (آ 19). فهنا كما في مواضع كثيرة من مت، لا نستطيع أن نقول إذا كان النص المأخوذ من العهد القديم هو الذي أثّر على تدوين الخبر، أو اذا كان الخبر هو الذي أشرف على اختيار النصّ الكتابي؟ لماذا لا نقول بتأثير متبادل بين الخبر ونصّ أشعيا.
شفى يسوع المرضى، ثمّ أمرهم بأن يسكتوا (ابيتيمان). الفعل المستعمل هنا قويّ جدًا: هو أمر يرافقه تهديد (8: 26؛ 16: 20، انتهر). فهنا أيضًا يتكلّم يسوع بسلطان. لسنا هنا أمام عمل نفهمه في إطار فطنة انسان ضعيف لم تأت ساعته بعد. فإن مت لا يعطي أي تفسير سيكولوجيّ أو سوسيولوجيّ لهذا الامر السرّي الذي "أصدره" يسوع. هل نحن أمام إجراء يدلّ على الفطنة تجاه الفريسيين؟ أو تجاه الجموع التي خاف يسوع من حماسها المسيحاني؟ هل أراد أن يجتذب الناس لا إلى شخصه بل إلى التعليم عن الملكوت؟ أو هل نحن أمام بناء تعليمي شيّدته الكنيسة الأولى فنسبت إلى يسوع فكرة سرّ في داخله، وذلك لتفسّر على ضوء القيامة فشل موته؟ لن نستطيع يومًا أن نعرف ما حدث بالضبط على مستوى حياة يسوع التاريخيّة. ولكننا نستطيع أن نعرف رأي متّى حين أدرج نصّ أش 42 في هذا الموضع من خبره.
يبدأ الاستشهاد بأشعيا بأداة "هينا" (لكي) التي ترد في قرائن مماثلة. فهي لا تدلّ على الهدف الذي نحوه توجّه الظروفُ العامة مصيرَ يسوع (لكي، في المعنى السيكولوجي أو السوسيولوجي). ولا تدلّ على الهدف الذي إليه يصبو يسوع بكل قواه (لكي في المعنى البطوليّ). بل تدلّ على مخطّط الله الذي يخضع له يسوع بتواضع (التوراة تحمل كلمة الله ومشيئة الله. وحين يخضع لها يسوع، يُتمّ "نبوءاتها"، فهو يخضع لمشيئة الله). ويرى مت أننا نستطيع أن نكتشف هذا المخطّط في بعض صفحات العهد القديم التي أهملها أو أساء تفسيرها العالم اليهوديّ الرسميّ. غير أننا نلاحظ أن مت لا يتوخّى أن يقدّم إلى اليهود برهانًا عقليًا عن مسيحانية يسوع، كما سيفعل فيما بعد يوستينوس ابن نابلس في فلسطين. فكل هدفه هو أن يبرهن على أن مصير يسوع الدراماتيكي (وهنا، تصميمه على تتميم رسالته بدون صياح ولا عنف) يجد بعض أسسه في الكتاب المقدس. إن مت يريد أن يفكّر، أن يتأمّل، لا أن يبرهن. وأسلوبه هو أسلوب اليهود. أما أسلوب يوستينوس فأسلوب اليونان. 
ماذا نجد في نص أشعيا؟ خمسة أمور:
- نحن أمام أطول إيراد لمت من العهد القديم. هذا ما يدلّ حالاً على الاهميّة التي يعلّقها الانجيلي على الأفكار التي يعلنها الاستشهاد الكتابيّ. ففي جداله مع المعلمين اليهود، لم يكن يرى شيئًا أهم من الاعلان أن يسوع "يجب" (ينبغي) عليه أن يمنع الذين نالوا نعمة الشفاء إطلاق أي دعاية "في الشوارع" (آ 19).
- إن نصّ الاستشهاد لا يوافق موافقة تامّة، لا النصّ الماسوري العبريّ، ولا نصّ اليونانية السبعينية. وهذا ما يجعلنا نفكر بايراد بيبلي صيغ في وسط متاويّ وقد استعمله الانجيلي. هنا نلاحظ تقاربه مع السريانية البسيطة (التي تأثّرت بالترجوم الآرامي).
- في سياق أش 42: 1-9 وسائر أناشيد عبد يهوه (49: 1-6؛ 50: 4- 11؛ 13:52-53: 12)، اختار متّى الآيات والتي تشدّد أكثر ما تشدّد على ما "لا يفعله" عبد الله وخادمه. نجد في هذه الآيات الاربع، أربعة أفعال في صيغة النفي (لا يخاصم، لا يصيح، لا يكسر، لا يطفئ) تدلّ على أن يسوع تحاشى أن يفعل ما يفعله أصحاب السلطة أو العنف. بما أن يسوع لم يفعل هذا الذي قرأناه في الاستشهاد الكتابيّ، فقد خيّب الانتظار المسيحاني في العالم اليهوديّ الرسميّ. وهذه السمة تفهمنا لماذا منع كل دعاية: "أوصاهم بشدّة ألاّ يشهروه".
- ومع ذلك، ورغم غياب كل عنف، فقد ظلّ عبد الله (في الخفاء) يتابع عمل البرّ (كريسيس، ربما الدينونة والتمييز، آ 18- 20) الذي بدأ به. اختاره الله ونال روحه من أجل هذا العمل (3: 17). وتُشدّد آ 20 (يقود الحقّ إلى الغلبة) على نشاط يتواصل حتى يبلغ الهدف. ففي مصير عبد الله يتمّ من قبل الله عملُ الحق والبرّ والدينونة.
- ذُكرت الأمم (الوثنية، آ 18، 21) مرتين، فقابلت موضوعاً يتواصل في السرد المتّاويّ. هذا الانجيل الذي كُتب "ضد" العالم اليهوديّ في الشتات الفلسطينيّ السوري حوالي سنة 80، يتطلع منذ الآن إلى ارتداد الأمم الوثنيّة إلى المسيح. وهكذا نرى العناية القصوى التي وجّهت هذا الكتاب المسيحيّ لاختيار هذا المقطع من نبوءة أشعيا. فهذا المقطع يتضمّن كل المواضيع العزيزة على ذاك العشّار الذي ترك في يوم من الايام مائدة الجباية وسار وراء يسوع.

خاتمة
ذاك هو عبد الله (ع ب د. ي هـ و ه) في صورته الخفريّة والخفيّة. لم نصل بعد إلى "عبد الله المتألّم" الذي يحدّثنا عنه أش 52. أما علاقته مع البشر فهي على مستوى الحقّ، على مستوى التمييز والدينونة، على مستوى الفرائض التي عليها يركّز الله (إله البرّ) علاقاته في البشر الذين تعاهد معهم. هل يكفي هذا؟ كلا. فنحن على مستوى الوصيّة الأولى من وصايا الله وصيّة المحبّة للقريب، وصيّة الخدمة للقريب حتى بذل الذات على مثال ما فعل يسوع حين غسل أقدام التلاميذ، فكانت بداية الطريق التي أوصلته إلى الصليب. فالحبّ خدمة، والخدمة حبّ. وهكذا ربط متّى وصيّة المحبّة مع المقولة الكروستولوجيّة التي تعلن أن يسوع هو عبد الله وخادمه. لقد عاش يسوع الخادم وصيّة المحبّة، فجسّد في شخصه الكمال الذي نادى به ليدعونا إلى التشبّه بالله: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماويّ كامل هو".

الفصل السادس عشر
يسوع وبعل زبول
12: 22- 37

أشفية عديدة تمّت على يد يسوع. جميعهم شفوا. ورأى الناسُ في يسوع المسيحَ المنتظر في آخر الزمان. ولكن يسوع رفض هذه الدعاية التي تهدّد رسالته في أساسها وتبعدها عن مفهومها في خطّ إرادة الآب. شفاء أولا هدّد حياة يسوع (9:12-14) الذي أسكت الناس ومنعهم من أن يشهروه، وفضّل مسيرة عبد الله كما أنشده أشعيا. وها نحن في شفاء ثان (22:12) يدعو الجموع إلى أن تستعيد النظر والكلام. "أليس هذا ابن داود"؟ غير أن الفريسيين سيتّخذون (كما فعلوا في كل ف 12) موقفًا معاديًا يدلّ على أنهم لم يكتشفوا بعد أن الملكوت قريب. ليس الله هو الذي يعمل في يسوع، بل بعل زبول، أمير الشياطين. وهكذا أغلقوا عيونهم عن الحقّ، وارتكبوا خطيئة لا تُغفر حين رفضوا أنوار الروح القدس. لهذا سيُترك لهم بيتهم خرابًا، كما سيقول يسوع فيما بعد.

1- نظرة عامّة
إن خبر اتّهام الفريسيين ليسوع يسبقه في مت وفي لو (11: 14-16) شفاء أعمى وأخرس (قال لوقا فقط: أخرس). أما المرجع المشترك بين الخبرين، فنجده في خبر آخر لمتّى (9: 32-34) يتحدّث أيضًا عن اتهام الفريسيين ليسوع في سياق بعيد عن هذا الاتهام. أما في نص مرقس (3: 20-22) الموازي، فالمقدمة لا تشير إلى الأشفية، بل إلى هدف أقرباء يسوع بأن يمسكوه بعد أن ظنّوا أنه فقد صوابه. عند مرقس، الكتبة هم الذين أطلقوا الاتهام. في لوقا، بعض الاشخاص الموجودين في المجمع (15:11: بيد أن بعضهم قالوا).
ارتبط مت ولو بمرجع يوازي مر 3: 22. ونحن نقرأ اتّهامًا مماثلاً في يو 7: 20 (إن بك شيطانًا)؛ 8: 48 (إنك سامري وان بك شيطانًا). 52 (الآن نعلم أن بك شيطانًا)؛ 10: 20 (إن به شيطانًا. إنه يهذي. فما بالكم تستمعون له؟). ولكن القرائن تختلف وكذلك الالفاظ، بين ما نجد في الانجيل الرابع وفي الاناجيل الازائيّة في هذا المجال.
اتّهم الفريسيّون يسوع بأن شيطاناً يمتلكه (مت 12: 22-24؛ مر 3: 20- 22؛ لو 11: 14-16)، فردّ يسوع وهاجم (مت 12: 25-27؛ رج 7: 16- 20؛ مر 23:3-30؛ 9: 40؛ لو 11: 17-23؛ رج لو 43:6- 45؛ 10:12).
حين نلقي نظرة سريعة إلى إزائية الاناجيل، ندرك حالاً أربعة أمور:
- إن آ 25-37 التي تبدو آ 22-24 مقدّمة لها، هي طويلة جدًا، ولاسيّما في متّى الذي اعتاد أن يوجز النصوص التي يأخذها من مرقس خصوصًا.
- إن نص مت يبدو، على غير عادته، أغنى من نصّ مر ويتفوّق عليه في لغة العنف (آ 34، 36-37، لا نجدها أيضًا في لو).
- نكتشف نصوصًا تُعاد ولا تتكرّر ألفاظها في متّى (آ 33؛ رج 7: 16- 20) وفي لوقا (آ 23؛ رج 9: 50)، كما نكتشف في لو نصوصًا تبدّل موضعُها بالنسبة إلى مر.
- في تشعّب التقليد هذا، اتّفق الشرّاح اتّفاقًا حوله الاقوال الرئيسية في مت ولو (آ 28، 32، 35 وز). هذه الوقائع تبيّن أن التقليد الاولاني تأثّر بهذه المجموعة الواسعة من أقوال يسوع. ونحسّ أن مت جمع في إطار واحد أقوالاً قيلت في ظروف مختلفة. وهذا ما تؤكّده المقابلة مع مر ولو. أما نصّ مت فيدور حول موضوعين رئيسيّين: مملكة تنقسم على نفسها (آ 25- 31). الشجر وثمرها (آ 33) مع صورتين متوازيتين (آ 34-35). أما آ 36-37 فتشكّلان خاتمة المقطوعة كلها.

2- دراسة تفصيلية
أ- البنية
تقع هذه القطعة في متتالية واسعة (22:12- 50) تنقسم ثلاثة أقسام. الاول (12: 22-37) هو خبر يروي اعتراضًا كبيرًا على يسوع في شفائه المرضى. الثاني (38:12-45) هو خبر يحاولون فيه أن يجرّبوا يسوع طالبين منه آية. والثالث (46:12-50) خبر قصير حول عائلة يسوع الحقيقيّة. الاعتراض (القسم الأول) والتجربة (الثاني) يسجّلان اللاإيمان في إسرائيل. أما القسم الثالث فيوجّه "درساً" لأقارب يسوع، ويبيّن لنا ما يفعله الايمان: يجعل من الناس إخوة وأخوات ليسوع.
في آ 22-37 وآ 38-45، نحن في جدال مع الفريسيين. ولكن في آ 46- 50، يتوجّه يسوع ببساطة إلى الجموع بعد أن "اختفى" الفريسيون. وهذا ما حدث من قبل. في 12: 1-8 وآ 9-14 نحن في جدال، والفريسيون هم هنا. ولكنهم لا يلعبون أي دور في آ 15- 21. وهكذا نكون أمام بناء مبنيًا بناء متوازيًا آ 1- 21 وآ 22- 50. مقطعان يرويان صراعًا بين يسوع والفريسيّين، ومقطع ثالث يغيب عنه الفريسيون.
ب- المراجع
هذا النص (12: 22-32) هو دمج بين مر 3: 22-30 مع مواد مأخوذة من المعين (لو 14:11، 23؛ 12: 10). إن لو 11: 14-23 ينتمي الى جزء من الانجيل الثالث يدلّ على اتصال قليل بمرقس، وعلى اختلاف على مستوى الألفاظ والاسلوب. فمع مر ولو (= المعين) نستطيع أن نعيد بناء طريقة متّى في تدوين هذه المقطوعة. تأسّست المقدمة كلّها (آ 22-24) على المعين (قد استعمل مت هذا الخبر في 9: 32-34. وهكذا نكون أمام تكرار). وكذا نقول عن آ 25-26 وآ 27-28 مع العلم أن آ 25-26 تجدان ما يوازيهما في مر 6: 25-26. وهكذا يكون تأثير مر في آ 22-28 قليلاً جداً.
أما في آ 29، فقد استعاد متّى مثلَ الرجل القويّ كما في مر 27:3 (إن شكل المثَل في المعين وفي لو 11: 21-22 هو مختلف جداً). في آ 30، عاد متّى إلى المعين (رج لو 11: 23). ولكن حين نصل إلى نهاية نسخة المعين حول الجدال، يعود الانجيل الأول أيضًا إلى مر حيث المقطع حوله التجديف يلي مثَل الرجل القويّ (مر 28:3-29؛ رج مت 12: 31-32). حين كيّف متّى هذا النصّ، بدا وكأنه يتطلّع إلى اختلافة في المعين (رج لو 12: 10). وخلاصة الكلام، إن آ 22-28، 30 هي من المعين. آ 29 من مر. آ 31-32 تعود إلى المتّاويات.
أما القول حول الشجرة الجيّدة والشجرة الرديئة (12: 33- 37)، فالآيات الثلاث الأولى (آ 33- 35) ترتكز على خطبة نجدها في المعين (لو 6: 43- 45)، وقد سبق لمتّى واستقى منها (رج 7: 16- 20). أما الآيتان الأخيرتان (آ 36-37) فلا تجدان ما يوازيهما. لهذا تُعتبران من المتّاويات (أخذتا من التقليد الشفهيّ أو دوَّنهما متّى نفسه).
ج- التأويل
نحن هنا مع خبر مبنيّ على جدال (رج 9: 1-8). بعد تقسيم وطرد أرواح، نقرأ ثلاثة أجوبة: جواب الجموع ليسوع (هذا ابن داود). جواب الفريسيين للجموع (يُخرج الشياطين ببعل زبول). جواب يسوع للفريسيين (كل مملكة تنقسم على نفسها). جواب الجمع (بشكل سؤال وتساؤل) وجواب الفريسيين (بشكل اتّهام) يردان بسرعة. وبعد ذلك يتوسّع مت في جواب يسوع الذي يقوم في ثلاثة أقسام. (1) ثلاثة ردود يتبعها تحذير (آ 25- 30). (2) مقطع عن الخطيئة التي لا تغفر (آ 31-32). (3) مقطع صغير عن الإثمار والكلام الذي يتفوّه به الانسان (آ 33-37).
ونقدّم النص الانجيليّ بحسب هذا الترتيب الدقيق:
* تقسيم: "حينئذ قدّم إليه ممسوس (فيه شيطان أعمى وأخرس). فشفاه حتى إن الاخرس تكلّم وأبصر (رج 9: 32 مع أخرس فقط. أما هنا فجمع النصّ 9: 27-33: أعميان وأخرس).
* ثلاثة أجوبة
- جواب الجمع: فبُهت الجموع كلهم. وقالوا: "أفلا يكون هذا ابن داود"؟ كان جوابهم بشكل سؤال، وكأنهم بدأوا يكتشفون حقيقة يسوع. ولكن هل يتركهم الفريسيون يصلون، هم الذين أخذوا مفاتيح المعرفة، فما دخلوا ولا تركوا الناس يدخلون.
- جواب الفريسيين: وسمع الفريسيون فقالوا: "هذا الرجل لا يُخرج الشياطين الا ببعل زبول، رئيس الشياطين". وهكذا انقسم الناس حول يسوع. 
- جواب يسوع: وإذ أدرك يسوع أفكارهم، قال لهم: "كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب. وكل مدينة أو بيت ينقسم على نفسه لا يثبت".
*... في ثلاثة ردود
- الردّ الاول: فإن كان الشيطان يُخرج الشيطان، فقد انقسم على نفسه، فكيف إذن تثبت مملكته؟
- الرد الثاني: وإن كنت أنا ببعل زبول أخرج الشياطين، فأبناؤكم أنتم بمن يخرجونهم؟ (كان تلاميذ الفريسيين يقسّمون على الأرواح النجسة. وهكذا سيحكمون على معلّميهم). لذلك هم أنفسهم سيحكمون عليكم.
- الرد الثالث: وأما إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فذلك أن ملكوت الله قد انتهى اليكم. وهل يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إلاّ أن يربط القويّ أولاً؟ عندئذ فقط ينهب بيته.
* تحذير: "من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرّق". تلك هي الخطيئة التي لا تُغفر: "من أجل ذلك أقول لكم: إن كل خطيئة وكل تجديف يُغفر للناس. أما التجديف على الروح القدس فلا يغفر. ومن تكلّم على ابن البشر يُغفر له. وأما من يتكلّم على الروح القدس فلا يُغفر له، لا في هذا الدهر ولا في الآتي".
* الثمار والكلمة: إجعلوا الشجرة جيّدة فتكون ثمارها جيّدة... كل كلمة بطّالة ينطق بها الناس سيؤدّون عنها حسابًا في يوم الدين.
إن مر 3: 22-27 ولو 11: 14-23 (المعين) هما في الاصل خبر أرامي. وهو يقوم في لو 14:11 (تقسيم)+ مر 22:3= لو 11: 15 (اتهام)+ مر 23:3-26+ لو 11 :17-18 ب (مملكة منقسمة)+ مر 27:3= لو 11: 21- 22 (الرجل القويّ). الهجوم والجوابان ترتبط بالتاريخ. ولكن هل قيلت هذه كلها في وقت واحد؟ ربّما. وإن مر أو مرجعه زاد قولاً منعزلاً حول التجديف، فضايق البداية. أما المعين فزاد الأقوال في لو 11: 19- 20، 23.

3- تفسير الآيات
أ- "قدّم إليه ممسوس" (آ 22- 24)
"حينئذ قدّم اليه ممسوس أعمى". ق 24:4؛ 16:8؛ 13:9؛ لو 11: 14. لماذا ذكر مت العمى؟ هل أراد أن يتذكر 9: 27- 31 أو أن يهيّئ الطريق كما في 20: 29-34؟ أم أراد أن يميِّز بين 12: 22-24 وما يقابله في 9: 32-34؟ نحن هنا في تعارض بين أعمى جاء ليرى، وبين الفريسيين الذين لا يستطيعون أن يروا. "فشفاه حتى إن الاخرس تكلّم وأبصر" (نلاحظ أن الانسان هو في الاصل أخرس). ق 9: 33؛ 12: 15.
"فبُهت الجموع كلهم" (آ 23). توّسع مت هنا في المعين. قال لوقا فقط: "تعجّب الجموع". إن مت يهتمّ أكثر من سائر الاناجيل بيسوع ابن داود (1: 1؛ 27:9). وهكذا وصلت الجموع إلى بعض النور وتساءلت: أما يكون يسوع المسيح الداوديّ؟ أعداء يسوع الحقيقيّون هم الفريسيون الذين هم أكيدون من أنفسهم، فلا يحتاجون إلى نور آخر. أما الشعب، فيتحمّس ليسوع ويحاول أن يتحسّس الطريق مثل هذا الأعمى لكي يبصر. وها هو يتكلم، ويعلن ببعض خفر أن هذا هو المسيح ابن داود.
"وسمع الفريسيون" (آ 24). وقدّموا جوابًا للجموع، وما نسوا يسوع بشكل غير مباشر. خافوا أن يفلت الشعب من أيديهم، أن يؤمن بيسوع. في لو 11: 15، لم يُذكر الفريسيون. وفي مر 3: 22: "كتبة جاؤوا من أورشليم". وحده مت قال: الفريسيون. اعتاد مت أن لا يذكر "الكتبة" مع الفريسيين مبتعدًا عن مر. رج مت 9: 11؛ 14:17؛ 23:21؛ 35:22، 41؛ 3:26، 47؛ 27: 1 وما يوازي كل هذا في مر. فنظرة مت إلى "الكاتب" نظرة إيجابية بعد أن تتلمذ هو فصار الكاتب الذي يُخرج كلَّ جديد وكل قديم. 
بدأوا كلامهم بـ "هذا" التي تدلّ على الاحتقار. وجاء كلامهم لا في صيغة المخاطب، بل الغائب. هم لا يجادلون شافي المرضى، بل يتكلّموا عنه مع "المشاهدين".
ب- جواب يسوع في ردّ مثلث (آ 25- 30)
"أدرك يسوع أفكارهم" (آ 25). إن كلمات يسوع التي تبدو بشكل قول مأثور، تتحدّث عن مملكة للشيطان (مثل مملكة الله) مرتّبة ومنظَّمة. تحدّث مت عن المملكة، المدينة، البيت (= العائلة) من الاوسع إلى الأضيق، وهكذا يكون الخراب أكثر.
"فإن كان الشيطان يُخرج الشيطان" (آ 26). ق مر 26:3؛ لو 18:11. إن التقليد الاولاني ماهى بين الشيطان وبعل زبول. وتبعه الانجيل. وهكذا هاجم الفريسيون يسوع على أنه يطرد الشياطين برئيس الشياطين. وهكذا نسبوا القوّة التي في يسوع إلى الشيطان لا إلى الله. ردّ يسوع ببرهان يقود إلى العبث. إلى ماذا يصل الشيطان إن هو تصرّف بهذا الشكل؟
"وإن كنت أنا ببعل زبول" (آ 27). رج لو 11: 19. "أبناؤكم" هم أعضاء هذه الجماعة ومحبّذوها. "يحكمون عليكم" في اليوم الأخير. بل يشهدون عليكم، وعلى ما في نواياكم من خبث. إن جواب يسوع جاء هنا واضحاً جداً. فبين نشاطين متشابهين (يسوع يقسّم، الآخرون يقسّمون) قد ميّز الفريسيون عمل يسوع من عمل تلاميذه. نسبوا هذين التقسيمين إلى مصدرين مختلفين كل الاختلاف (بعل زبول، الله). فأعلن لهم يسوع أن ليس في هذا شيء من المنطق. إذا كانت النتائج متشابهة، فالعلل متشابهة. الخير لا يخرج من الشرّ (12: 33-37). وقد نستطيع القول إن ما كان يفعله تلاميذ الفريسيين قريب من السحر. أما يسوع فكان يكتفي بكلمة أو بلمسة.
ماذا نقول عن آ 28؟ اعتقد يسوع أن قدرة الله تعمل فيه لينتصر على قوى الشرّ، وأن هذا النجاح في مصارعة الشر وأعوانه جزء من خلاص الله الاسكاتولوجيّ. ولكن اعترض بعضُ العلماء: اين المنطق في العودة إلى نجاح التقسيم (طرد الشياطين) لدى الآخرين (آ 27) ثم الاعلان بأن طرد الشياطين بيد يسوع هو علامة عن حضور الملكوت؟ لهذا نظر معظم الشراح إلى آ 27- 28 على أنهما لم تكونا هنا منذ البدء. ولكننا في هذا المجال أمام تفسير خاطئ. نحن في آ 28 لا ننتقل من التقسيم بشكل عام إلى حضور ملكوت الله. بل من عمل يسوع في طرد الشياطين إلى حضور الملكوت (إن كنت أنا أطرد الشياطين). فكيف يكتفي يسوع بأن يقول إن ملكوت الله قد أتى لأنه طرد بضعة شياطين؟ إن لم يكن التقسيم عمله اليومي، فكيف كان عُرف حتى في الناصرة؟ لذلك يقوم القول عن قوّة يسوع، على الشهادة حول دور يسوع الاسكاتولوجيّ. ففي أقوال الرب، يعلن يسوع بشكل ضمنيّ سرّ شخصه، ولكنه لا يعطي لنفسه لقبًا. هو لا يقول إن الملكوت أتى لأن المسيح (أو: ابن الانسان) قد حضر فحطّم مملكة الشيطان. بل يقول فقط: "أنا أطرد الشياطين". فيتساءل السامعون: "فمن هو هذا إذن"؟
"إن كنت بروح الله أخرج الشياطين". رج لو 11: 20 الذي قال: إن كنت باصبع الله. وألغى "أنا" (اغو): إن كنت أنا أخرج. زاد مت الضمير ليدلّ على التوازي مع آ 27: "إن كنت انا ببعل زبول". وقالت "ملكوت الله"، ولم يقل "ملكوت السماوت". لا فرق بين العبارتين. ولكن قال الانجيلي "روح الله" فجعل إزاءها: "ملكوت الله". هل وجد في المعين "إصبع" (الله) أو "روح" (الله)؟ هناك من يدافع عن "إصبع" للاسباب التالية: (1) لو وجد لو "روح" الله، لما كان أغفل القول، وهو الذي يهتمّ كثيرًا بالروح القدس ولا سيّما في أع. (2) ترد "دكتيلوس" (إصبع) ثلاث مرات في لوقا (11: 20، 46؛ 16: 24). ويعود 16: 24 الى تقليد لوقا، و11: 46 إلى المعين (لا ترد اللفظة أبدًا في أع). وهكذا لا نكتشف اهتمامًا خاصًا من لوقا بهذه الكلمة. (3) قد يكون الانجيل الأولى أحلّ "الروح" محل "اصبع" لان "الاصبع" ترتبط بالسحر، ولأن "الروح" يوافق السياق حيث "بنفما" (الروح) هي الكلمة المفتاح (12: 18، 31، 32). وقد يكون مت استبعد تشبيهًا انتروبومورفيًا.
وهناك براهين أخرى. (1) اهتمّ متّى بتشبيه يسوع بموسى فكيّف تلميحًا وجده في خر 8: 19 (قال السحرة: هذه اصبع الله). (2) إن لوقا مع اهتمامه بنمطيّة الخروج، قد زاد "إصبع". في الواقع المعنى هو هو. سواء قال مت "روح الله" أو لو "إصبع الله"، فروح الله وقوّة الله يعنيان قدرة الله. رج مز 8: 3؛ 33: 6؛ حز 3: 14؛ 8: 1-3؛ 37: 1.
"افتاسن" وصل فجأة. انتهى إلى، أدرك. الملكوت حاضر، الملكوت أتى. رج 17:4. بحسب 28:12، إن طرد يسوع للشياطين يهيّئ الملكوت. وإذ قهر الشياطين نقّى الناس من الشرّ بحيث يستطيعون أن يشاركوا في الملكوت. ونقول أيضًا إن الملكوت قريب جدًا، بل بدأ يفعل.
كيف فسّرت آ 27-28؟ بطرق مختلفة. (1) وضع آ 27 قرب آ 28 ليس منطقياً. فان دلّت "تقسيمات" يسوع على مجيء ملكوت الله، فماذا تفعل تقسيمات الآخرين؟ إذن لم يقل يسوع إما آ 27 وإما آ 28. فإن قيلتا فقد قيلتا في مناسبتين مختلفتين وفي منظارين مختلفين. وفي أي حال لا تناغم بينهما. (2) من المعروف أن جماعة "المعين" التي اعتقدت أن الحكمة الالهيّة أرسلت عددًا من المرسلين إلى اسرائيل، قد فهمت أن ملكوت الله قد جاء في نشاط مقسّمين غير مسيحيين. (3) اختلفت تقسيمات يسوع، لأنها وحدها عمل روح الله أو إصبع الله. وبالتالي ترتبط تقسيماته وحده بمجيء الملكوت. (4) آ 27 هي برهان خاص في وضع معيّن. وهو مهمّ من أجل إقناع معارضي يسوع بريائهم. فهو لا يفترض أن يسوع نفسه اعتقد بقدرة المقسّمين اليهود. (5) هناك افتراض ضمني يقول إن تقسيمات يسوع كانت كثيرة، فنجح اكثر من الآخرين على مستوى الكميّة ومستوى النوعيّة. (6) إن لفظة "أبناؤكم" تقابل الرسل. وهكذا لن تطرح مسألةُ تقسيمات يقوم بها غير المؤمنين. (7) قبل يسوعُ بمعجزات الآخرين، ولكنه اعتبر معجزاته مختلفة بسبب هويّته. المهمّ ليس التقسيمات بل المقسّم.
لا شكّ في اننا نختار الطرح الأخير (7) مع ارتباط بحياة يسوع التاريخية. فالطرح الأول لا يقدّم جواباً. والثاني يخون فهم متّى للاسكاتولوجيا في ارتباطها بشخص يسوع. والثالث يُطرح عليه سؤال: هل يطرد اليهود الشياطين بقوّة غير قوّة الله؟ الرابع يعارض المعنى الحرفيّ للنصّ. الخامس، هناك إمكانية، ولكننا نضع في هذه الآية اكثر ممّا تحمل. السادس لا يصدّق. وهكذا يبقى الطرح السابع الذي يتوافق مع تدوين متّى الذي "أدرج" "اغو" (أنا)، كما يتوافق مع موضوع من مواضيع متّى الاساسية: إن مجيء يسوع يدشّن تتمة الاسكاتولوجيا، معه بدأت تتمّ.
واتخذ ردّ يسوع الثالث شكل مثل من الأمثال (آ 29: الرجل القوي). هاجم يسوع مملكة الشيطان (الذي هو الرجل القويّ) وسحق قوّته، ونهب أمتعته، فلم يبق له من يسير معه. هناك نسختان لمثل الرجل القويّ. نسخة في مت 12: 29؛ مر 3: 27 وفي انجيل توما 35. وأخرى في لو 11: 21- 22. اعتبر بعضهم أن لوقا حوّل المثل إلى استعارات، فأعاد كتابة مر 3: 27. ولكن الفروقات بين مر ولو هي من الكثرة بحيث يستحيل أن يكون الواحد مرجعاً للآخر. وبما أننا لا نجد في لو 11: 21-25 شيئاً خاصاً بلوقا، فقد يكون لوقا عاد إلى المعين. نحن أمام مثَل يعود إلى المسيح (المراجع العديدة)، وهو يدلّ على اعتقاد يسوع بحضور الملكوت وأهميّة شخصه. وهو يقع في إطار رسالة يسوع في طرد الشياطين بنجاح. ونزيد أن الكنيسة جعلت انتصار يسوع على الشيطان يرتبط لا بالرسالة نفسها، بل بالصليب أو في الأيام الاخيرة (رؤ 20: 1-15). نشير إلى أن التقليد اليهوديّ قد اعتقد أن هزيمة الشيطان هي حدث من نهاية الأزمنة (يوبيلات 23: 29؛ أخنوخ 10: 4-7؛ 54: 4-6؛ وصيّة زبولون 9: 8).
"كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القويّ" (آ 29). ق أش 24:49 (أتؤخذ الغنيمة من القويّ أو يفلت المسبيّ من القاهر)؛ مزامير سليمان 5: 4: "لا يأخذ الانسان كوخاً من رجل قويّ". ونقرأ ايريناوس في "ضدّ الهراطقة" (5/ 22: 1): لا يُقهر الرجل القويّ بشخص أقل منه، أو يساويه، بل بشخص أقوى منه". قال مر 27:3: "لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القويّ وينهب متاعه من غير أن يربط القويّ أولاً". بسّط مت مر، وأعاد صياغة عبارته، وحوّل كلامه إلى سؤال (هل يستطيع) ليكون التوازي افضل مع آ 26 (يبدأ بالاستفهام "بوس"، هل) وآ 27. بيتُ الرجل القويّ هو مملكة الشيطان. وأمتعته أو ممتلكاته هي الاشخاص الذين يمتلكهم. ويسوع يحرّرهم بخدمته في طرد الشياطين (قالت وصية نفتالي 8: 6: "يسكن الشيطان فيه كما في وعاء"). يربط الشيطان الناس (لو 13: 16)، ولكن تقول النصوص اليهوديّة إن الناس ايضاً يربطون الشيطان (طو 3: 17؛ 8: 3؛ يوبيلات 10: 7؛ أخنوخ 10: 4؛ 11-13؛ 13: 1؛ 28:69، وصيّة لاوي 18: 12؛ ق رؤ 20: 2: قيّده لألف سنة).
ويأتي تنبيه وتحذير في آ30 (يعود إلى المعين. رج لو 23:11). "من ليس معي فهو عليّ". هي صورة جمع القطيع وتبديده (رج أش 14:13؛ 40: 11؛ إر 23: 2؛ حز 34: 13؛ زك 13: 7-9: ق مت 36: 31 وز، يو 10: 12). لسنا هنا أمام تلميح إلى جمع يهود الشتات في نهاية الأزمنة. لا تعود هذه الكلمات إلى الشيطان ولا إلى المقسّمين اليهود. فيسوع يتكلّم بشكل عام عن الذين يقاومون الملكوت، ويقول إنه ليس من موقف "وسط"، أي لا تكون مع يسوع ولا تكون ضدّ يسوع. من ليس معه فهو ضدّه. من أخذ جانب يسوع حمل سلاح الله. ومن تجاهل تنبيهه صار عدوّ الله.
نقرأ في مر 40:9 (رج لو 9: 50): "من ليس عليكم فهو معكم" (نجد هذا القول أيضًا في بردية بهلنسة). نحن لسنا أمام اختلافة مع مت 12: 30 ومر، بل أمام قول مختلف. لا اختلاف في القولين، بل اختلاف في السياق الذي فيه قيلا.
ج- الخطيئة التي لا تغفر (آ 31-32)
انتهت ردود يسوع في آ 30، ولكنه ما زال يتكلّم. ترك موقعَ الدفاع، وبدأ الهجوم فجاءت كلماته تحذيرًا للذين لم يقبلوا بما تحمله أقواله من معنى. في مر جاء القول حول التجديف بعد مثل الرجل القويّ. في لو (12: 10)، في وسط كتلة المعين التي تتميّز بتوارد الالفاظ (12: 8-12)، يبدو أن مت تبع مر وإن كان استقى قوله من المعين. إن أصل آ 31-32 اللتين جاءتا منعزلتين، متشعّب جدًا. مَن الاول، مرقس أم المعين؟ هل نحن أمام نسختين مختلفتين لنصّ آراميّ واحد؟ ماذا أراد يسوع أن يعني "بابن الانسان"؟ وقد وُجدت نُصوص موازية لهذا النص في إنجيل توما 44 وفي الديداكيه أو تعليم الرسل 11: 7.
ونبدأ بانجيل توما. "قالت يسوع: من يجدّف على الآب يُغفر له، ومن يجدّف على الابن يُغفر له. أما من يجدّف على الروح القدس فلا يُغفر له على الأرض ولا في السماء". يبدو هذا النصّ توسيعاً لما في المعين. إذن، استقى توما من المعين، ولم يكن أصيلاً. فعبارتا "ابن الانسان" و"الروح القدس" صارتا: الآب، الابن، الروح القدس. وقد يكون هذا النصّ تأثّر أيضًا بمرقس (عن طريق متّى). "لا على الأرض ولا في السماء" هي توسّع في عبارة مت 23:12 (يرتبط بمر 3: 29): "لا في هذا الدهر ولا في الآتي".
وقالت الديداكيه: "كل نبيّ يتكلّم في الروح لا يُمتحن ولا يُدان. لأن كل خطيئة تغفر ولكنّ تلك الخطيئة لن تُغفر". نصّ قريب من مر لا من المعين.
هذا القول يعود إلى الرب، لا إلى نبيّ مسيحيّ، كما قال بعض الشرّاح. قال مر 28:3: "الحق أقول لكم". أما مت فيفضّل أن يقول: "لهذا أقول لكم" (رج 27:12). وهكذا يرتبط القول حول التجديف مع الآيات السابقة.
"كل خطيئة وكل تجديف". ق لا 24: 6 (من جدّف على اسم الرب فليُقتل قتلاً)، وانجيل نيقوديمس المنحول 3:4. قالت مر 28:3: "إن كل شيء يُغفر لبني البشر، الخطايا والتجاديف. وأما من جدّف على الروح القدس". أعاد مت النظر في نصّ مر ليحسّن التوازي بين آ 31 وآ 32. فصار النص كما يلي (نلاحظ التبدّلات):
آ 31 أ- كل خطيئة وتجديف يغفر للناس
آ 31 ب- أما التجديف على الروح فلن يغفر
آ 32 أ- الكلمة ضدّ ابن الانسان تغفر
آ 32 ب- أما الكلمة ضدّ الروح فلن تغفر.
أحلّ مت "ابن الانسان" محلّ "الانسان" فأزال الغموض في آ 32 أ حيث التجديف على ابن الانسان يغفر. الخطايا هي ضدّ البشر. والتجاديف هي ضدّ الله. الله مستعدّ لأنّ يغفر الخطايا بالنظر إلى الدينونة الأخيرة.
ونقابل مت 12: 31 أ= مر 28:3 مع لو 12: 10 أ= المعين. قالت مت: "كل الخطايا تُغفر لأبناء البشر". وقال لو: "كل من قال كلمة ضد ابن البشر يُغفر له". هذان القولان هما نسختان لأصل آرامي واحد قُرئ في شكلين مختلفين. قد تكون العبارة: "و ك ل. دي. ي ا م ر. م ل ه. ل ب ر ا ن ش. ي ش ت ب ق. ل ه". أخذ تقليد مر المعنى كما يلي: "كل شيء الذي هو تجديف على أحد من البشر يغفر". وفهم المعين: "كل ما قيل ضد ابن البشر". ولكن هل يعني هذا أن ابن البشر هو يسوع نفسه، أم إنساناً من الناس (كما نقول كل واحد هو ابن آدم). قد نكون هنا قريبين من الحقيقة. إن الله يغفر كل الخطايا ضد البشر. أما الذين يعارضون عمل روح الله في الأزمنة الاخيرة فيدفعون ميل الله إلى المغفرة الى أقصى حدوده، يخرجونه من "ذاته". كإني بهم يرفضون الغفران الذي يقدّمه لهم. مثل هذا التفسير يوافق مر والمعين.
كيف فسّر الشرّاح معنى التعارض بين المغفرة لمن يتكلم على ابن البشر وعدم المغفرة لمن يتكلم على الروح القدس؟ هذه بعض التفسيرات بالنظر إلى المعين الذي استقى منه مت ولو. (1) عبّر النصّ عن هذا الكلام في الجماعة البعد فصحيّة: من رفض يسوع كابن الانسان في رسالته على الأرض تُغفر له هذه الخطيئة. ولكن لن يُغفر له إن تكلّم ضدّ نشاط الروح القدس بعد العنصرة. (2) إن مقاومة يسوع كانسان تناله الغفران. أما المقاومة للروح القدس وعمله فلا تنال الغفران. وبعبارة أخرى الخطيئة التي يولّدها الجهل تغفر. أما الخطيئة المتعمِّدة فلا يمكن أن تُغفر. (3) المقاومة لكرازة الكنيسة تغفر إذا تاب الانسان. ولكن حين يدخل المؤمن الكنيسة ويتذّوق الروح القدس، مثل هذا اللاإيمان لا يُغفر (رج عب 6: 4؛ 10: 36) هذا الرأي الاخير هو رأي آباء الكنيسة.
هنا نذكر بعض تفاسير هؤلاء الآباء. لن نتكلّم عمّا تقوله الديداكيه لان قولها يبتعد عن تقليد الاناجيل الازائية: "التجديف على الروح هو معارضة لإلهام الروح". امبروسيوس (الروح القدس 1/ 3: 54): "الخطيئة ضد الروح القدس، هي نكران لكرامة الروح وقوّته حين ننسب إلى بعل زبول طرد الشياطين". إيريناوس: "الخطيئة التي لا تغفر هي رفض الانجيل" (ضد الهراطقة 3/11: 9). انجيل برتلماوس (4:5): "هي الافتراء على خدّام الله". اتناسيوس (رسالة إلى سرابيون 17:4): "هي نكران طبيعة يسوع الالهية".
وسيطرت فكرة في تاريخ الكنيسة تعتبر أن الخطيئة ضدّ الروح القدس هي الخطيئة التي تقود إلى الموت (1 يو 5: 16). أي السقوط بعد الارتداد إلى الله (اوريجانس، في المبادئ 1/ 3: 7) وقال نوفاسيانس: الذين انكروا إيمانهم تحت العذاب قد أخطأوا ضدّ الروح القدس فلا يغفر لهم إلى الأبد. ولاحظ ايرونيموس (رسالة 42) أن هذا الشرح لا يأخذ بعين الاعتبار سياق النصّ الازائي. فهناك لا مؤمنون يتعرضّون للهلاك. وكرّس أوغسطينس (عظة 71) عظة كاملة حول رغبة الله في غفران جميع الخطايا، وأعلن أن تلك الخطيئة تشير إلى لا توبة تمتدّ حتى الموت. وهكذا صار التجديف على الروح القدس حالة من العداوة ضدّ الله، لا عملاً محدّدًا.
"لا يغفر في هذه الدنيا ولا في الدهر الآتي". ظنّ بعضهم أن هناك خطايا تُغفر في الدهر الآتي (هذا ما نجده في التلمود). وانطلق بعض الآباء مثل اوغسطينس (مدينة الله 21: 24) من هذه العبارة، فوجدوا فيها برهانًا عن المطهر.
د- الثمار والكلمة التي نتفّوه بها (آ 33-37)
هناك افتراض ممكن بأن التجديف لا يمكن أن يكون شرًا تصل نتائجه إلى الأبد، لأنه يقوم فقط على الكلام الذي نتلفّظ به. وهكذا نستطيع أن نجد علامة بين الكلام والحياة الداخليّة. يجب أن يكون الانسان شريرًا لكي يتكلّم الشرّ. والذين تكلّموا شرًا عن يسوع، كشفوا حقيقة طبيعتهم. إن آ 33-37 هي استعادة لما في 7: 16- 20. وفيها ثلاثة مواضيع: الشجر والثمر (آ 33). الكلام والقلب (آ 34-35). الكلمات التي نتفوّه بها والدينونة التي تنتظرنا (آ 36-37). نجد في كل موضوع عبارة "من" (إن غار): من الثمرة تُعرف الشجرة. من كنزه الصالح يخرج الصالحات. من كلامك تتبرِّأ.
"إجعلوا الشجرة جيّدة" (آ 33). ق 17:7 (كل شجرة جيّدة تثمر ثمرًا جيدًا، وكل شجرة رديئة تثمر ثمرًا رديئًا)؛ لو 6: 43 (ما من شجرة جيّدة تثمر ثمرًا فاسدًا). "إجعلوا الشجرة رديئة". وهكذا نكون مع مت في تواز تام بين نوعين من الشجر. ق 17:7؛ لو 6 :43. في نظر متّى، الفريسيون هم مثل شجرة رديئة. والثمر الرديء الذي يثمرونه هو تجديفهم على الروح القدس ورفض لأنواره. ما عرفوا أن يميّزوا ملكوت الله من مملكة الشيطان. حمل ملكوتُ الله كلَّ خير، من أشفية وطرد شياطين. فماذا تحمل مملكة الشيطان إلى البشر؟ "لأنها من الثمرة تُعرف الشجرة". ق 7: 20 (من ثمارهم تعرفونهم). رج اغناطيوس الانطاكي إلى أهل أفسس (2:14): "تُعرف الشجرة من ثمرها". سي 27: 6: "الثمرة تدلّ على (نوعية) حراثة الشجرة. والحديث يدلّ على أفكار قلب الانسان". لو 6: 44. "كل شجرة تعرف بثمرها".
"يا نسل الافاعي" (آ 34). توجّه يسوع بشكل مباشر إلى الفريسيين وما فيهم من خبث والتواء؛ ق 3: 7؛ 23: 33. "كيف تنطقون بالصالحات وأنتم أشرار" (لا صالح يخرج من الاشرار). "الفم يتكلّم ممّا في القلب"؟ رج 12: 33؛ 15: 18. القلب هو كنز (6: 21؛ لو 6: 45). "الانسان الصالح..." (رج انجيل توما 45). نجد هنا التوازي كاملاً: "والانسان الشرير".
"كل كلمة بطالة" (آ 36). نحن هنا في تقليد شفهي، في المتّاويّات. ق 5: 21. بما أن الكلام يخرج من القلب، فالدينونة تكون بحسب كلام الانسان. قد نكون هنا أمام قول مأثور.

4- قراءة إجمالية
أ- اتهام الفريسيين ليسوع (آ 22-24)
أخرج يسوع شيطانًا من إنسان، فاتّهمه الفريسيون أنه هو مسكون من الشيطان، أنه من حزب الشيطان. هذا الخبر الذي رواه مت (ق لو 11: 14- 16) بدا واضحًا وتركّز كالعادة على شخص يسوع المسيح. فامتلاك الشيطان لانسان (دايمونيزومانوس، لفظة متّاويّة) "صيّره" أعمى وأخرس، ولم يزد على هاتين العاهتين. هذا ما يوضحه لو في آ 14 (لما أخرج الشيطان تكلّم الاخرس). رُوي الشفاء بشكل سريع جداً لكي يصل القارئ إلى اتّهام الفريسيين الذي سيكون مقدّمة لخطبة يسوع الطويلة (آ 25-37). في 9: 32، ذكر أخرس ولكنه لم يكن أعمى. والنصّ هنا يشدّد على أخرس فقط، كما فعل لو. نجد لفظة "بروسيناكتي" (قدّم، حُمل) التي ترد مرارًا في مت (يستعملها وحده بين الانجيليين). قد تشير إلى ممارسة مسيحيّة (في الكنيسة الأولى) تقوم بتقديم المرضى إلى الرسل أو خلفائهم (4: 24؛ 9: 2، 32؛ 14: 35؛ 17: 16).
لا يقول مت هنا، شأنه شأن مر 2: 12؛ 6: 51 ولو 47:2، إن الجموع بُهتت. فهو يتجنّب مثل هذه العبارات، ويفضّل البساطة المستندة إلى الواقع. فتحّركُ الجموع سيُحرّك رؤساء الشعب الذين سيرون سلطتهم مهدّدة. "أفلا يكون هذا ابن داود"؟ إن هذه العبارة تدلّ على دهشة الجموع التي رأت مثل هذه القدرة تشعّ في شخص بسيط. أما يكون هذا ما ننتظره من ابن داود (1: 1؛ 27:9؛ 22:15؛ 30:20، 31؛ 9:21، 15؛ 22: 42-45)؟ هي تسمية شعبيّة وعاديّة. ونحن نجدها خاصة في الاناجيل في أفواه التعساء الذين يأتون إلى يسوع. أما فكرة المسيح الآتي من نسل داود، فستفرض نفسها فيما بعد في العالم الهوديّ (مزامير سليمان 17: 21)، وإن كانت جذورها عميقة في الكتاب المقدس (2 صم 13:7-16؛ عا 9: 11).
تحدّث النصّ عن بعل زبول أو بعل زبوب. بعل زبوب هو اله عكرون (2 مل 1: 2)، هو الربّ الكريم. ولكن بسبب ارتباطه بالاوثان، صار بعل زبول. هذا الذي هو بعل الأمير، صار لدى اليهود أمير الشياطين. اتُّهم يسوع أنه يخدم بعل زبول. أنه أداة بين يديه. بل هو في خدمته وكأن الشيطان يمتلكه، يقيم فيه (حرف جر "إن" أي في).
ب- مملكة منقسمة على نفسها (آ 25-32)
ردّ يسوع على هجوم الفريسيين (آ 24)، فحصرهم في خيارين لا مخرج منهما: أو أني أطرد الشياطين بإبليس، فيكون الشيطان يحارب الشيطان بعملي. أو أني أطرد الشياطين بقدرة الله. عند ذاك لا تُغفر خطيئتكم، لأنكم لا تريدون أن تروا قدرة الله في عملي. هذه الطريقة في تقديم البرهان (معروفة في فلسطين)، تستند إلى فرضّيتين: الأولى، كل مريض يمتلكه الشيطان. الثانية، إن الأشفية التي أقوم بها هي إمّا شيطانيّة وإمّا إلهيّة. يجب أن تختاروا.
تُصوَّر قوّة الشيطان هنا وكأنها مملكة (باسيلايا). فالعالم هو مسرح صراع حاسم بين ملكوت الله الذي دشنّه يسوع (3: 1: 4: 17 وز) ومملكة الشيطان. لو كنا أمام ثنائية لكانت نهاية المعرفة غامضة. ولكن الشياطين وجدوا سيّدهم في شخص يسوع (4: 10؛ لو 18:10). وتُذكر المدينة والبيت. هما أيضًا يشيران إلى مملكة الشيطان.
وذكر مت ولو قولاً لا يعرفه مر: "إن كنت أنا ببعل زبول أخرج الشياطين، فأبناؤكم انتم بما يخرجونهم" (آ 27)؟ لا شكّ في أن اليهود عرفوا طقس التقسيم (لإخراج الشياطين) ومارسه معلِّموهم الكبار (رج أع 13:19). ويسوع حين طرد الشياطين لم يفعل إلاّ ما فعله الرؤساء الروحيّون في شعبه. إذن، لماذا تُوضع له الفخاخ؟ فتلاميذ الفريسيين أو أبناؤهم (هيوي) سيكونون أول من يدهشون ويحكمون على قساوة الفريسيين تجاه يسوع. غير أن الجموع (آ 23) رأت في يسوع سلطة جديدة حين طرد الشياطين. وهذا ما أقلق الفريسيين.
ولكن إن اعترف الفريسيون بأن يسوع يطرد الشياطين بقدرة الله، صار الأمر خطيرًا. لان أشفيته هذه ستكون بدلالتها حاسمة: إن ملكوت الله قد أدرك البشر في شخص يسوع. أجل، في شخص يسوع وفي عمله، قد بلغت سلطة الله إلى الناس ولاسيّما خصوم المسيح. فالملكوت لا يمكن أن يكون بعد اليوم موضوع آمال بعيدة أو حنيناً دينياً. لقد صار حاضرًا في شخص يسوع. يكفي أن نتميّزه في الايمان.
وأكثر من ذلك، فبنشاط يسوع، قيّد الشيطان، الرجل القويّ (اسخيروس). فمرور يسوع على الأرض لم يكن زيارة عابرة لا غد لها. وهو لا يعمل فقط في مملكة الشيطان. بل هو واجه الشيطان وتغلّب عليه في هؤلاء الجموع، كما تغلّب عليه في تجارب ثلاث دشنّت حياته العلنيّة.
الشيطان هو الذي يدمّر. الشيطان هو الذي يبدّد. أما يسوع فهو من يجمع. يجمع الخراف في رعيّة واحدة. من جمع، كان من حزب يسوع. ومن بدّد، عمل ضدّ يسوع وضدّ الملكوت.
وهنا يرد الكلام حول "الخطيئة التي لا تغفر". لا يقول النصّ فقط إن الخطيئة بشكل عام (والتجديف بشكل عام) تغفر. بل حتى "الهجوم" على شخص يسوع خلال حياته البشريّة يغفر. أما التجديف على روح الله فلا يغفر. فالفريسيون أخطأوا حين جدّفوا على الروح العامل في رسالة يسوع. وهكذا تبقى المسألة الكرستولوجيّة في المقام الاول، حتى ولو كان الموضوع هو الروح القدس. حين لا نجدّف على الروح، نعترف أن يسوع يشفي (يطرد الشياطين) بقدرة الله. والذي يواجه شخص المسيح، على مثال الفريسيين، فيفسِّر عمله بالعودة إلى الشيطان، هو إنسان هالك. نشير إلى أن يسوع لا يحكم على أشخاص محدّدين، بل إن كلماته هي تحذير علني، هي نداء يوجّه للبشر ما دامت الدينونة لم تحصل بعد.
ج- الشجرة وثمارها (آ 33-37)
قال يسوع إن تجديف الفريسيين (آ 31) وكلامهم على يسوع (آ 24) ليسا بالشيء العابر. فهما ينبعان من القلب، ويدلاّن على ما في القلب من شرّ. إنهما كالثمرة التي تدلّ على الشجرة. وهكذا يُدان الفريسيون على أقوال تلفَّظوا بها ضدّ يسوع.
ونكتشف هنا ما اكتشفناه في عظة الجبل (ف 5-7) حول أهميّة الكلمة (30:5؛ 7: 16- 20؛ ق لو 43:6-45). فهي تعبّر عن اتجاه الانسان الأساسي. فالكلمة هي كالثمرة. إنها فعل نقوم به فنبني الآخرين أو نهدمهم. لهذا سيُدان الانسان على كل كلمة بطّالة نطق بها. هنا نلتقي بما قاله يعقوب في رسالته عن اللسان وشرّه: "إنّا جميعًا نزّل كثيرًا ومن لا يزّل في الكلام فهو رجل كامل" (3: 2).
خاتمة
وهكذا يشتدّ الصراع بين يسوع والفريسيّين. مهما فعل هو، مهما فعل تلاميذه، سيبحث الفريسيّون كيف يشكونه. وفي النهاية، يتآمرون عليه. لهذا، جاء شفاء الأعمى والاخرس صورة مسبقة عن وضع الفريسيّين. هم لا يستطيعون أن يروا. بل لا يريدون أن يروا. وإن رأوا فهم يرون ما يشاؤون. يرون، لا مملكة الله، بل مملكة الشيطان، مملكة رئيس الشياطين. فيا ليتهم لم يتكلّموا. يا ليتهم ظلّوا في الخرس مثل هذا الرجل الذي "سكنه" الشيطان. ولكنهم سوف يتكلّمون ليبعدوا الناس عن يسوع. بل سوف يجدّفون على الروح القدس. فيرفضون كل نور يأتيهم من العلاء. ولا تنفع نواياهم ولا كلماتهم. فمن ثمارهم يُعرفون. وكنيسة متّى سوف ترى نتيجة موقف الفريسيّين الذين عادوها بعد أن عادوا الربّ يسوع فقادتهم عداوتهم إلى الحكم عليه بالموت قائلين: "دمه علينا وعلى أولادنا".

الفصل السابع عشر
يسوع بين الفريسيين واخوته
12: 38- 50

قال يوحنا عن يسوع في بدء إنجيله: جاء إلى خاصته وخاصته لم تعرفه. بل ما أرادت أن تتعرّف إليه. هذا ما نكتشفه في هاتين المقطوعتين اللتين تتكاملان. في الاولى (38:12-45) نرى الفريسيين يطلبون آية، بعد كل الآيات التي شهدوها، فيسمّيهم يسوع الجيل الشرير الفاسق، ويحيلهم إلى يونان وكرازته في العالم الوثنيّ. وفي المقطوعة الثانية (12: 46- 50) نرى أم يسوع واخوته الذين جاؤوا ليردّوه إلى البيت، "إلى القبيلة"، لأنه يسبّب لهم المشاكل. وسيقول يوحنا فيهم إن اخوته لم يكونوا يؤمنون به (7: 5). إنهم مثل أهل الناصرة الذين لم يعرفوا أن يكرموا هذا النبيّ، إبن بلدتهم، حينئذ تركهم يسوع ولم يصنع عندهم عجائب كثيرة لعدم إيمانهم (مت 13: 58). 
إذن، نتوسّع هنا في هاتين المقطوعتين. نبدأ بالاولى وعنوانها: آية يونان (آ 38-45). ثم نتطرّق إلى الثانية وعنوانها قرابة يسوع الروحيّة (آ 46-50). في المقطوعة الاولى نجد تجربة يسوع والعداء له. وفي الثانية، الجهل وقلّة الإيمان.

1- آية يونان (12: 38- 45)
أ- نظرة عامة
نحن هنا أمام مقطعين. في مقطع أول عنوانه آية يونان، يلتقي مت 38:12-42 مع لو 11: 29-32 الذي يذكر يونان وملكة الجنوب، مع مر 8: 11-12 حيث يرفض يسوع أن يعطي آية، مع مت 16: 1-4 الذي يتحدّث عن الطقس بما فيه من صحو ومطر لينتهي بالاشارة إلى يونان. أما المقطع الثاني فعنوانه: هجوم جديد من قبل الروح الشرير. هنا يلتقي مت 12: 43-45 فقط مع لو 11: 24-26 الذي يرينا الانسان الفارغ من الله يستقبل "سبعة ارواح" فتكون آخرته شرًا من أولاه.
إن مت ربط آ 38-42 بشكل مباشر (أكثر مما فعل لو 11: 16 ,17-23) مع هجوم الفريسيّين على يسوع وهجوم يسوع المعاكس عليهم (مت 12: 22- 36). ففي أساس هذين الخبرين (آ 22-36 وآ 38-42)، وُجد ولا شكّ مرجع دوّن في اليونانيّة. وهذا ما تدلّ عليه تشابهات عديدة بين مت ولو حتى على مستوى الألفاظ (مع العلم أن هناك اختلافات). أما الرباط التعليمي (وربما السيروي) فواضح جدًا. انزعج الفريسيون (أو: ربّما خافوا) من أقوال يسوع ضدّهم (آ 31-36)، فعادوا الى الجدال: إذا كنت تعتبر نفسك على حقّ (آ 36-37 هكذا لا نعود نتكلّم عليك بالشرّ)، فأرنا آية تدلّ على مسيحانيّتك. وإن آ 43-45 يجب أن تُفهم أيضًا في هذا السياق. "هذا الجيل" (آ 39، 45، التضمين) قد أخطأ مرّتين. مرّة أولى لم يفهم آية يونان. ومرّة ثانية لم يسمع ليسوع ولم يفهم كلامه. أو هو رفض أن يسمع ويفهم (14:13-15).
وانتقل يسوع إلى مثَل سوف ينطبق على الفريسيين: هذا الجيل الشرير (آ 45). مثَل من نوع خاص نجده في مت (آ 43-45) ولو (11: 24-26)، وقد أخذاه من مرجع واحد هو المعين (تشابه النصّين حتى على مستوى التفاصيل). ثم جعلاه في سياق أدبي واحد هو صراع يسوع مع الفريسيين. ولكن مت أورد آ 45 ج (أمر هذا الجيل الشرير)، فربط بوضوح أقوال يسوع في القطعتين ضدّ هذا الجيل (آ 39، 45). أما نصّ لو فقد ينطبق على شخص "سقط" (في الجحود) بعد أن أعلن إيمانه، خطئ ثم شُفي (غُفر له). ولكن سياق النص ومفارقته مع مت لا يسمحان بهذا التفسير الفرديّ. ثم كيف نفهم لو آ 25 ومت آ 44؟ وهكذا يجب أن نفهم المثل كتنبيه من أجل المستقبل: فالجيل الحالي الذي تطهَّر بواسطة رسالة يسوع "ثلاث سنوات" (فترة محدّدة)، هو مهدّد بمصير شرّ من مصيره السابق. بل إن هذا المستقبل القاتم قد بدأ. وهكذا لا ينبّه يسوع فقط. بل يتّهم خصومه، وهو يرى بعينيه هجمة قوى الشرّ عليهم وانتصارها.
ب- دراسة تفصيلية
أولاً: المراجع
* آية يونان (آ 38- 42)
نحن هنا برفقة المعين (رج 11: 16، 29-32) مع بعض التأثير من مر 8: 11-12 (رج لو 12: 38). ونقدّم ملاحظتين تُسندان هذه النظرة. الأولى: نجد نسختين عن هذا الخبر في متّى: 12: 38-40؛ 16: 1-4. نفهم هذا التكرار إن وُجد الحدثُ في مرجعين مختلفين هما مر والمعين. الثانية: رفض مر 8: 11-12 أن تُعطى آية لهذا "الجيل"، ولكن مت ولو قالا إنه ستُعطى آية يونان (مت 12: 38- 42؛ لو 11: 16- 29- 32). إذن نحن أما مرجعين مختلفين. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، من قال إن مر هو أول الاناجيل، لا. ينسى أن مت ولو يقدّمان نسختين، واحدة قريبة من المرجع وأخرى من مر.
* الروح النجس (آ 43- 45)
لا نجد ما يقابل مت إلا لو 24:11-25. هناك توافق بين الاثنين حتى على مستوى المفردات. هذا يعني أن الانجيليّين عادا إلى مرجع مشترك هو المعين. أو أن أحدهما استقى من الآخر.
ثانيا: التأويل
إن مادة 12: 38-45 تعود إلى المعين (رج لو 11: 16، 24-26، 29- 32)، وهي تشكّل خبر تجربة: الفريسيون يجربون يسوع. بعد أن طلب الكتبة والفريسيّون آية من يسوع، أجابهم في خطبة تتوزعّ في ثلاث نقاط. الأولى: آية لهذا "الجيل" (آية يونان آ 39- 40). الثانية: أقوال حول الأجيال السابقة (آ 41-42. يونان، ملكة الجنوب). الثالثة: مصير "هذا الجيل" (آ 43- 45). 
أدخل مت في المواد التي أخذها من المعين أربعة أمور رئيسيّة. الأولى: وضع مقدّمة تشبه مر 8: 11. وهذا ما جعل من آ 38-42 أ خبر تجربة أو خبر صراع (بين يسوع والفريسيين). ولهذا اختلف من هنا عن لو 29:11-32. الثاني: أوضح مت معنى آية يونان حين أدرج آ 40 التي تقابل محنة يونان التي دامت ثلاثة أيام وثلاث ليال، مع الزمن الذي فيه ظل يسوع في القبر. الثالث: قلب مت ترتيب الآيات حول رجال نينوى وملكة الجنوب (رج لو 11: 31- 32. نجد ملكة الجنوب ثم رجال نينوى) لكي يجمع في موضع واحد الأقوال حول يونان (كما فعل في 11: 1-19 حين جمع في موضع واحد كل الأقوال حول يوحنا المعمدان). الرابع: زاد متّى خاتمة (آ 45 ج: "فهكذا يكون أيضًا في أمر هذا الجيل")، وهكذا ربط بوضوح مثَل الروح النجس بالأقوال السابقة. فإن آ 38-45 تشكّل في نظر مت وحدة تامّة.
ثم إن آ 38-45 تتضمّن على ما يبدو ثلاث مجموعات مختلفة. الاولى: إن الأقوال حول رجال نينوى وملكة الجنوب (آ 41-42) التي كانت معًا منذ البدء، لم تتبع في الاصل المقطوعة حول آية نينوى (آ 38-40). الثانية: إن آ 43-45 حول عودة الروح الشرير قد كانت منعزلة في وقت من الأوقات. الثالثة: هذا يعني في ما يتعلّق بأولى مراحل التقليد أن القطع التي نجدها في آ 38- 40، 41-42، 43-45، يجب أن تُدرس كل واحدة على حدة
أما أصعب المسائل حول آ 38-45 فهي اثنتان. الاولى: تفسير آية يونان في التقليد. الثانية: العلاقة بين المعين والنصّ الموازي في مر 8: 11-12. ونبدأ بالمسألة الثانية. في مر قال يسوع إنه لا تُعطى آية لهذا الجيل. أما المعين فأعلن أنه ستُعطى آية لهذا الجيل. هناك من يقوله: نحن أمام قولين ليسوع أو خبرين مختلفين. فهذا غير معقول. لهذا أو أن التقليد المرقسيّ ألغى الإشارة إلى يونان، أو أن تقليد المعين زاد ما قيل عن يونان. لا نستطيع أن نقرّر. ولكن نقوله. (1) إن آية يونان مهما كان معناها الدقيق، تعني في النهاية رفضًا لمن طلبوا آية من السماء. هكذا يلتقي نصّ مر (لا تعطى آيّة) مع المعين: كلاهما رفضا أن يعطيا معجزة (أو آية) تبرهن على مسيحانيّة يسوع. من هنا نستطيع أن نرى في مر تفسيرًا لنصّ المعين (قال بعضهم: قد تكون كنيسة مرقس تركت آية يونان لأنها لم تفهمها). (2) قد تكون آية يونان على شفتي يسوع قد أشارت إلى يسوع شخصيًا (هناك آية للشعب رج أش 18:8؛ 30:20؛ حز 24: 24). اذا كان الأمر كذلك، هناك تواز غريب مع لو 17: 20- 21 حيث يجيب يسوع على سؤال حول زمن مجيء الملكوت، فيعلن أنه لا تُعطى آية، ويزيد: "ملكوت الله في داخلكم" (كلمات تعود إلى يسوع نفسه). وهكذا نستطيع أن نرى المعنى نفسه في مت 12: 38-40 ولو 17: 20- 21: ترك يسوع "البراهين" العجائبية، وركّز على شخصه وعلى عمله. (3) إن مواد المعين التي استعيدت في مر قد ظهرت في شكل موجز. من أجل هذه الأسباب الثلاثة نقول إن نسخة المعين ليست سابقة.
والمسألة الثانية: إذا كانت نتيجة المسألة الأولى صحيحة، عند ذاك نتساءل عن المعنى الاصلي لآية يونان. إن التفسير الذي يتحدّث عن الموت والقيامة (مت 12: 40)، يعود إلى متّى ويرتبط بموت يسوع وقيامته. إذًا، جاء بعد الحدث. أما لو 11: 30 الذي "يعود إلى ابن الانسان في جيله" فقد أضيف فيما بعد. وهذا ما يفرض علينا بعض الفرضيات: هل كان يسوع نفسه آية هو أو كرازته؟ هل كان خلاصه من الموت آية؟ على ضوء مت 24: 30 (علامة ابن الانسان في السماء)، هل تكون الآية مجيء ابن الانسان كديّان؟ هل نماهي بين آية يونان ودمار أورشلم؟
إن آ 38-42 تجد ما يوازيها في 16: 1-4. إلاّ أن هذا النصّ الاخير يرتبط بما في مر 8: 11-13، لا بالمعين. وهكذا نكون أمام تكرار. تعود آ 38-42 إلى المعين، و16: 1-4 الى إنجيل مرقس.
ج- تفسير الآيات
أولاً: آية لهذا الجيل (آ 38- 40)
إن خطبة يسوع في 12: 22-37 لم تفحم الخصوم. فالكتبة والفريسيون لا يريدون كلامًا، بل معجزة، تبرّر ما يعلنه يسوع عن نفسه. ولكن في نظر مت، قد وضع يسوع أكثر من آية تُقنع العقل المنفتح (11: 2-4).
"عندئذ أجابه قوم من الكتبة" (آ 38): في 16: 1 كان الصادوقيّون والفريسيون. في مر 8: 11: الفريسيون هم وحدهم. في لو 16:11: "غيرهم". يبدو أن المعين لم يتضمّن مقدمة للقول حول آية يونان. فقد تبعه مت حيث 39:12-42 يسبق المقطع حول الروح النجس (آ 43-45= لو 11: 24-26). بالنسبة إلى الفريسيين والكتبة، رج 2: 4؛ 7:3. جعل مت الفئتين معًا لأن تأثيرهما كان كبيرًا على الشعب. "يا معلم" (ديدسكالي). لا نجد هذه اللفظة في النصوص الموازية. رج مت 8: 19. "نريد منك آية". ق يو 30:6: "أية آية تصنع لنرى ونؤمن بك"؟ في مت 16: 1؛ مر 8: 11؛ لو 11: 16 نجد "آية من السماء". كلهم يضعون الفعل "جرّب" (بايرازو).
فقَد الكتبةُ والفريسيون الإيمان، فطلبوا أن يروا آية (سيمايون، أوت في العبرية: برهان على كلمة الله؛ خر 3: 12؛ 1 صم 7:10، 9؛ 14: 10؛ 1 مل 3:13، 5؛ 2 مل 19: 29؛ 20: 8-9؛ أش 7: 11، 14؛ 38: 22؛ إر 44: 29). فموسى وهارون قد أعطيا آيات ليجلبا الشعب إلى الإيمان (خر 4: 30- 31). وهكذا يجب على يسوع أن يبرهن على أن الله بجانبه فيجترح معجزة تبهر الانظار. إذا كانت هذه المقطوعة قد احتفظت بتذكّر حقيقي، فهذا يعني أن الأشفية التي قام بها يسوع، وطرْد الشياطين الذي قام به، لم تعتبر كافية لتشكّل برهانًا يدلّ على ما يقوله يسوع عن نفسه. لهذا طلبوا آية أخرى، آية لا شكّ فيها. قد لا يكون في سؤالهم عداء، بل رغبة في أن يدلّ يسوع على أنه نبيّ آخر الأزمنة.
"فأجابهم: جيل شرير". ق 16: 4؛ لو 11: 29. تذكّر يسوع جيل البرية (تث 1: 35؛ 32: 5). "فاسق أو زان". لأنه تعبّد للاصنام وترك الإله الحيّ. لأنه خان الله كما تخون المرأة زوجها. رج اليوبيلات 23: 14 (جيل شرير)؛ أش 57: 3 (جيل أعمالهم شريرة). إنهم زناة. "مويخاليس" (زان، فاسق) ترد ثلاث مرَّات في الأناجيل الازائية وهي تصف دومًا "الجيل" (مت 12: 39؛ 16: 4؛ مر 38:8). وترد في العهد القديم (أش 52: 3؛ إر 3: 10؛ حز 23؛ هو 1-3؛ 3:5-4). ترك لوقا اللفظة لان قرّاءه لا يستطيعون أن يفهموها.
"لن يُعطى إلاّ آية يونان". رج لو 11: 29، الذي أغفل لفظة "النبيّ" (قال مت "يونان النبي" ليبّين المدلول النبويّ الذي حصل ليونان). آية يونان. يعني يونان هو آية. في "حياة الأنبياء" التي ألّفها اليهود في القرن الأول ب م، نجد ما يلي: "أعطى يونان آية لليهود ولجميع الأرض: حين يرون الحجر يصرخ من الضيق، حينئذ تقترب الآخرة. وحين يرون جميع الوثنيين مجتمعين في أورشليم، ستُسحق المدينة من أساساتها". نشير إلى أن طلب آية أمر معقول تاريخيًا. رج تث 13: 1-5؛ لو 2: 8؛ يو 2: 18. والآن قد فسّرت آية يونان (آ 40). كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. هكذا يكون ابن الانسان في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال. بدا نصّ مت وكأنه يوضح ما تضمّنته خطب أع، خصوصًا أن القيامة هي أعظم آية في إسرائيل (أع 2: 24، 32، 36؛ 15:3...). "كما أقام يونانُ...". هذا تفسير لما في لو 11: 30= المعين (كما كان يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن الانسان لهذا الجيل). ماذا نرى؟ (1) شدّد مت على التوازي بين شقّي العبارة (كما ... كذلك). (2) أخذ نصّ السبعينيّة. (3) أضاف ألفاظًا من عنده. نلاحظ أن لا شيء يرد في النصّ حول نجاة يونان وحول قيامة يسوع. ولكن صورة الثلاثة أيام والثلاث ليال تشير بلا شكّ إلى القيامة.
ثانيًا: قولان حول هذا الجيل (آ 41-42)
في لو، جاء القول عن ملكة سبأ قبل القول عن رجال نينوى. هكذا كان النصّ في المعين. أما مت فقد جعل رجال نينوى قبل ملكة سبأ كما سبق وقلنا. هكذا جمع كل ما يتعلّق بيونان.
إن آ 41-42 لم تنسبا بعض المرات إلى يسوع، بل إلى نبيّ مسيحيّ. وهكذا تكونان قد تكوّنتا بعد الفصح. (1) كان أهل نينوى وملكة سبأ من الوثنيين. وفي مت، هي الكنيسة (لا يسوع) التي نظرت إلى الوثنيين نظرة إيجابية. (2) إن الاشارة إلى الحكمة تدلّ على اهتمام خاصّ بالجماعة التي عرفت المعين. (3) إن موضوع لاتوبة إسرائيل يميّز اللاهوت البعد الفصحيّ. ولكن هذه "البراهين" لا تبرهن على شيء، بل العكس هو الصحيح. فهناك تواز تام في 11: 20-34 (الأمم تدين اليهود). وهناك ما يقال عن شخص يسوع المسيح. وقد اعتاد يسوع أن يأخذ أمثاله مما حوله كما في السامريّ الصالح. وعنصر التشبيه والتحذير في أقوال يسوع يتوافق مع تعليم الامثال: الآن جاء يوم الخلاص.
من هو "أعظم"؟ على ضوء6:12 (أعظم من الهيكل)، نقول إن مت فكَّر في يسوع (رج يو 4: 12؛ 53:8). هو أعظم من يونان، أعظم من سليمان. سموّ في عالم النبوءة. سموّ في عالم الحكمة. ولكن هناك من قال إن النصّ يتحدّث بالأحرى عن الملكوت. ولكن في التقليد الازائي لا ينفصل الملكوت وإعلان الملكوت عن شخص يسوع. وهكذا نكون أمام حدث المسيح. كل هذا يقابل مجيء الملكوت والمنادي به يسوع المسيح. عرف العالم اليهوديّ التعارض بين توبة أهل نينوى وعدم إيمان إسرائيل. نقرأ في شرح خر 12: 1: ترك يونان أرض اسرائيل قائلا: "بما أن الامم تميل أكثر منكم إلى التوبة، سأجبر على إعلان الحكم على إسرائيل. وإن كان بنو اسرائيل قد سمعوا ليونان، إلاّ أن أعمالهم كانت شريرة فلم يتوبوا في المسوح والرماد".
ملكة الجنوب ستقوم في الدينونة (آ 42). رج أمل 10: 1-13؛ 2 أخ 9: 1- 12؛ يوسيفوس، العاديّات 8: 165- 173. رج لو 11: 31. ملكة الجنوب هي ملكة سبأ. جاءت ملكة سبأ تمتحن سليمان بأسئلتها. وهكذا فعل الفريسيون مع يسوع. رأت ملكة سبأ الحقيقة، أما الفريسيون فلا.
ثالثًا: الروح النجس (آ 43- 45)
ما هو تفسير آ 43-45؟ هناك عدّة تفاسير. (1) تشكّل هذه الآيات تنبيهًا بالنسبة إلى المستقبل: فجيل يسوع الذي تنقّى الآن بخدمته الرسولية، تهدّده قوّة الشرّ العظيمة. (2) لا يكفي أن نطرد الشياطين، فالمساحة التي أفرغت يجب أن يملأها الله. وإلاّ ستكون الآخرة سيّئة جدًا. (3) الروح النجس هو صورة عن الشر الذي يميّز جيل الكتبة والفريسيين. لهذا، فالحقبة التي يغيب فيها الروح الشرير هي صورة عن برّ ظاهر لدى الكتبة والفريسيين. وعودة الروح النجس مع سبعة شرّ منه يمثّل الحالة التي تصل إليها هاتان الفئتان. (4) الرجل الممسوس يدلّ على هذا الجيل من اليهود. والتقسيم هو عمل يسوع. "والفراغ" الذي في الانسان هو لا إيمان اليهود ولاتوبتهم، وحالتهم الاخيرة هي الحكم عليهم في الدينونة الاخيرة. (5) دافع يسوع عن نجاحه حين طرد الشياطين، حين نظر فشل سائر المقسّمين. (6) قرأ عدد من آباء الكنيسة هذا الخبر وكأنه مثل استعاري. هيلاريوس اسقف بواتييه في فرنسا: رأى ثلاث مراحل في تاريخ اليهود: هناك مقابلة بين الروح النجس والشّر. كان إسرائيل تحت سلطان الشيطان حتى مجيء الشريعة. بعد سيناء تحطّمت قوّة الشيطان، فذهب إلى الامم. وفي النهاية عاد إلى اليهود بعد أن رذلوا المسيح.
هنا يجب أن نميّز ثلاث حقبات في التقليد الانجيليّ. في الحقبة الاولى (أي حياة يسوع)، لم تكن آ 43-45 مثلاً، بل تنبيهًا يتوجّه مباشرة إلى الشعب الذي لم يستفد من خدمة الشفاء وطرد الأرواح، فما استطاع أن يأخذ بتعليم يسوع (رج مثلاً البرص العشرة في لو 17: 11-19). فيسوع ساعد بلا شكّ عدداً كبيراً من الناس الذين شكّوا في تعليمه. ونعموا بالثمرة (الأشفية، طرد الأرواح)، ولكنّهم رذلوا الشجرة (شخصه)، فنبّههم يسوع: إن لم يدخلوا في الملكوت، يصيرون آخرين بعد أن كانوا أولين، ويصبحون فريسة قوى الشرّ (يو 5: 14).
ولكن لماذا جُعلت آ 43-45 بقرب مقطوعة بعل زبول (آ 22 ي)؟ لقد أراد الانجيل أن يقول إن تقسيم يسوع وحده كان فاعلاً. أما الآخرون، فقد طردوا الشياطين، ولكنّهم عادوا أقوى ممّا كانوا.
إذا أردنا أن نفهم آ 43-45 في منظار مت، يجب أن نفهم أن المفتاح هو: "تكون آخرة ذلك الانسان شرًا من أولاه". فالسياق الواسع هو علاقة يسوع بهذا الجيل وماذا يحدث ان انتصر اللاايمان. لم يستطع يسوع أن يرد إسرائيل. فمذا سيحصل بعد ذلك؟ أعطيت لإسرائيل الإمكانيّة لكي يرى ويسمع من هو أعظم من يونان وأعظم من سليمان. ولكنه لم يستفد من هذا الوضع. لهذا ستكون دينونته قاسية، بل أقسى من الدينونة التي تصيب الوثنيّين (عب 28:10-29). كان اسرائيل في الجهل وهو الآن يعرف، لهذا تكون آخرته شرًا من أولاه. رذل يسوعَ بعد أن رأى أعماله ولا سيّما طرد الشياطين، فما ستكون آخرته؟
د- قراءة إجمالية
أولاً: آية يونان (آ 38- 42)
وعاد الحوار بين يسوع والفريسيين بعد أن ظننا أنه انقطع. وعاد الانجيليّ يقدّم تعليم يسوع. وانضم الكتبة إلى الفريسيين، ولم يكن انضمامهم من قبيل الصدف. فنحن أمام مسألة ترتبط بالكتاب المقدس. فيجب أن يكون الكتبة هنا. ولا ننسى أيضًا أن عددًا من الكتبة كانوا من حزب الفريسيّين. ولقد اعتاد مت أن يجمع هاتين الفئتين (5: 20؛ 15: 1؛ 23: اي)، لأنهم يمثّلون السلطة الدينية الحاكمة في إسرائيل. فلا بدّ أن يسمعوا كلام يسوع.
أما طلب الخصوم من يسوع بأن يعطيهم آية، فقد لا يكون عدوانيًا بكل معنى الكلمة. سمّوه "المعلم"، وعبَّروا عن سؤال جديّ طالما طرأ على عقول الناس. إن فعل "تالاين" (نريد) يدلّ على رغبة صحيحة، كما يدلّ على طلب يسنده أمر قاطع (7: 12؛ 28:15؛ 16: 24؛ 19: 17. كأني بهم يتحدّوه، أو هم يفرضون عليه). طلبوا آية، والآية هي غير المعحزة في التقليد اليهوديّ. فإذا اراد المسيح أن يعرّف بنفسه، عليه أن يقدم بعض الآيات كما تقول المدارس (رج 16: 1؛ 3:24، 30).
طلبوا. فجاء جواب يسوع سلبيًا. رفض أن يعطيهم آية. ثم اتّهمهم بأنهم جيل شرير فاسق. هذا الجيل يجد تعبيرًا عن نفسه في شخص الرؤساء، في الكتبة والفريسيين. ومعنى الكلمة (جيل) هو لاهوتيّ بالدرجة الأولى: هو يدلّ على شعب اسرائيل الذي يتجاوب أو لا يتجاوب مع تنبيهات يرسلها الله إليه في وقت محدّد. وهذا الجواب بحسب التقليد البيبلي لا يكون فقط فرديًا. فالجيل جماعة من الناس متضامنة تقف أمام الله، على مثال المدن والأمم (11: 16؛ 12: 41؛ 16: 4؛ 17: 17؛ 23: 36). وموضوع الزنى الذي ينطبق على إسرائيل، يرتبط مباشرة بالعهد القديم (مز 73: 27؛ أش 57: 3 ي؛ حز 23: 27 ي).
وآية يونان. لا يشير إلى آية مُنحت ليونان، ولا إلى آية تشكّل خبر يونان. بل إلى آية تدلّ على مصير يونان، ثم مصير يسوع: الغرق في الموت. وهكذا نجد تلميحًا خفيًا إلى موت المسيح الذي يجعل هذا الكلام في سلسلة الانباءات بالآلام. نلاحظ ما لاحظنا قبلاً، وهو أن النصّ لا يشير إلى نجاة يونان ولا إلى قيامة يسوع. النصّ هو هجوميّ، وهو لا يوفّر هذا الجيل الشرير الذي يطلب آية. عند ذاك سيقدّم لهم يسوع آية معاكسة. سيقدّم لهم موته القريب لا التمجيد الذي انتظروه من أجل مسيح ظافر يحطّم الاعداء. ولكن هل يمكن أن نؤمن بديّان ومخلّص يشارك يونان مصيره المزري في بطن الموت؟ فالذين ظلّوا سجناء في نظرتهم الخاصة إلى الخلاص، قدّم الله لهم آية سلبية هي صورة المسيح الذي يسلم إلى الموت والقبر.
وتابع يسوع: "فكما أقام يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، كذلك ابن البشر" (آ40). جاء نصّ مت أوضح من نصّ لو، ولكنّه لم يزد شيئًا على ما قرأناه في آ 39. فإن "كاتوس" (كما) و"هوتوس" (كذلك) اللّتين قرأناهما في لو، يدلاّن على أننا لا نستطيع أن ننتظر "العظمة" في مصير يسوع كما في مصير يونان. كلاهما سيبتلعهما الموت. واستفاد مت من يون 2: 1 (كان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال)، فتحدّث فقط عن غياب يونان في الحوت بشكل يجعل القارئ "يبتسم". نشير هنا إلى أن يوستينوس قال بعد أن أورد آ 39: "حين قيلت هذه الكلمات الخفيّة، استطاع السامعون أن يفهموا أنه، بعد الصلب، سيقوم في اليوم الثالث" (الحوار 107: 1)
اعتبر بعض الشرّاح أن آ 40 أ (كما أقام يونان)، قد زيدت في وقت متأخِّر على نصّ مت. بل العكس هو الصحيح. بما أن آ 40 لا تتضمّن أي تلميح إلى قيامة يسوع، يجب أن تكون قديمة جدًا، لاسيّما وأنه كان باستطاعة الكاتب أن يحوّل نصّ يون 2: 1 (حسب السبعينية) تحويلاً بسيطًا حتى يجعله يتكلّم عن القيامة. مثلاً، كان باستطاعته أن يقول: في اليوم الثالث، بدلاً من "ثلاثة أيام وثلاث ليال". وهكذا يبدو أن التقليد فرض نفسه على مت، فأورده كما وصل إليه. وهكذا لا تلمّح آ 39-40 بشكل مباشر إلى القيامة، بل تشيران إلى موت ابن الانسان بما فيه هذا الموت من مفارقة تحيّر العقول.
حُرم اليهود من الآية التي طلبوا، فلم يتوبوا. لهذا سبقهم الوثنيّون يوم الدينونة الأخيرة. وانقلاب الوضع هذا كان قد أعلنه العهد القديم (1 مل 10: 1 ي). هنا أعظم من يونان: هنا أعظم من سليمان. فيسوع لا يسمو فقط على يونان وسليمان. ولم يعمل فقط المعحزات أكثر ممّا فعل سليمان أو يونان. فيسوع يرفض الآيات الخارقة التي يطلبها منه خصومه. نحن لا نؤمن بيسوع لأسباب بشريّة، كما نؤمن بيونان أو العهد القديم. فيسوع هو أعظم من العهد القديم لأنه المسيح. غير أن هذا الـ "أعظم" يظهر في بشريّة ضعيفة سيبتلعها الموت على الصليب. فمن يتمتّع بكرامة لا محدودة أمام الله، يقابل المحدود في نظر البشر، لهذا لم يستطع هذا الجيل أن يحتمله.
ثانيًا: الروح النجس (آ 43- 45)
حين نقرأ آ 44، نكاد نفهم أن الروح النجس لم يخرج طوعًا من هذا الانسان الذي يمثّل "هذا الجيل" (آ 39-42). جاء من هو أقوى منه فطرده. ماذا يعني يسوع بفعل "خرج"؟ قد نرى فيه عمل يسوع التطهيريّ داخل هذا الجيل الشرير الفاسق.
الانسان هو مسكن الارواح. بل هو مسكن الروح القدس (2 كور 5: 1). هو يقيم فيه كما يقيم الأمير في قصره. والروح لا يبقى بدون عمل في الانسان الذي يسكنه. هو لا يأتي من أجل "الراحة" (آ 43).
"يجده فارغًا، مكنوسًا، مزّينًا". رأى بعضهم في هذا الكلام تلميحًا إلى جمال النفس التي تنقّت بالمسيح. وهو جمال يدعو الروح الشرير إلى أن يدخل برفقة أرواح آخرين. يفرحون كلهم بالإقامة في هذه النفس البشريّة التي أفرغتها الخطيئة من الله. كما رأى آخرون خيبة أمل الروح الشرير الذي يكره الاماكن النقيّة. ولهذا، فهو يطلب العون لدى رفاقه ليدخل عنوة إلى هذا البيت الذي لا يخصّه. مهما يكن من أمر هذه التفاسير، فمرمى المثل هو في هذه العبارة: "تكون آخرة هذا الانسان شرًا من أولاه". قد تكون الأزمنة الاخيرة للشعب المختار شراً من الاولى. هذا ما أعلنه أنبياء السوء وهو ما يعارض الاسكاتولوجيا الرسمية. فعلى مستوى الفرد كما على مستوى الجماعات المتعاقبة، ليس التاريخ البشري صعودًا متواصلاً ولا نزولاً لا دواء له، بل صراع مع أرواح كان يسوع أول من جابهها وانتصر عليها (4: 1- 11).

2- قرابة يسوع الروحيّة (46:12- 50)
أ- نظرة عامة
مع هذه المقطوعة الاخيرة من ف 12، نجد نصًا مشتركًا بين الأناجيل الازائية الثلاثة. سار مت على خطى مر، فجعله بعد سلسلة من الجدالات مع الفريسيين، تتحدّث عن هذا الجيل الشرير الفاسق (آ 39-45). أما هدفه فواضح وهو أن يبيِّن القطيعة الدراماتيكية بين يسوع وأقرب الناس عليه. على المستوى الروحي، قطيعة مع الفريسيين. على المستوى الجسدي، قطيعة مع "أمه واخوته".
في مر (3: 31-35) ومت (46:12-50)، سبق هذا الخبرَ بشكل مباشر أمثالُ الملكوت (مر 4؛ كما 13). وهذا أمر له معناه. أما في لو (8: 19- 21)، فهذا الخبر يأتي بعد الامثال. وقد خفّف لوقا من حدّة الخبر، وتلك هي طريقته في إنجيله وفي سفر الاعمال. فألغى السؤال القاسي الذي طرحه يسوع في مر 3: 33 (من أمي ومن أخوتي) وفي مت 12: 48. إذا أردنا أن نفهم هذا الخبر، نتذكّر أهميّة العلاقات العائليّة في العالم اليهوديّ، بل في عالمنا الشرقيّ حتى اليوم (8: 12- 22؛ 10: 37).
ب - دراسة تفصيلية
أولاً: المراجع
هذه النسخة المتّاويّة تعود إلى مر 3: 31- 35. وما يشير إلى أولويّة مر هو مقدّمته في 3: 20- 21 التي ألغاها كل من مت ولو. فقد اهتمّا بترك معلومات تقول إن يسوع "فقد صوابه".
ثانياً: التأويل
في هذه النقطة من الكتاب، استنفد متّى معظم مواد المعين، ما عدا (إلاّ أشياء قليلة) الأقوال التي سيستعملها في ف 18 وف 23- 25. أم الآمن، فهو يعود إلى مر. وبعد أن استغلّ كلّ شيء قبل 3: 31، ها هو يستغلّ خبر "التوبيخ" الذي نجده في مر 3: 31- 35 (رج لو 8: 19- 21، جعله بعد خبر الزارع).
إن مر قد جعل لهذا الخبر السيروي مقدمة تبدأ بهذا الكلام: "وأتوا إلى البيت. فاحتشد الجمع فيه أيضًا حتى لم يعد في وسعهم أن يتناولوا طعامًا. ولما سمع ذووه وافوا ليأخذوه لأنّ الشعب كان يقول: فقد صوابه. إنه متهوّس" (3: 20- 21). ألغى مت هاتين الآيتين، لأنه اعتبرهما مسيئتين إلى يسوع. كيف يمكن لمريم (لا تذكر مريم في مر 3: 21. يُقال فقط: ذووه، العائلة الكبيرة. العشيرة. أما في آ 31 فيقول مر: جاءت أمه وأخوته) التي تحدّث عنها مت في 1: 18-25 أن تفكّر أن يسوع "فقد صوابه"؟ هذا الالغاء الذي قام به مت، يخفّف التوتّر بين عائلة يسوع الطبيعية (أمه واخوته أي أبناء العشيرة) وعائلته الروحيّة (الذين يعملون مشيئة الله). وهذا ما يجعل حضور العائلة (12: 46-50) يلعب دور التحوّل (كيف يستطيع حتى ابن عائلة يسوع الطبيعية أن يصبح من عائلته الروحية) لا دور التعارض (كما على مستوى الفريسيين، حيث لا إمكانية تفاهم إطلاقًا). وحتى (وهذا ليس بأكيد) إن لعب مر 3: 20- 21، 31-35 عند مرقس أو التقليد السابق له، دورَ هجوم على نوع من "حكم" الاقارب (كما قال بعض الشرّاح). مثلُ هذا التفسير بعيد كل البعد عن السرد المتاويّ الذي هو بعيد عن كل ما يجرح الشعور، كما يقول يوحنا السلميّ (السلّم الثالث).
ج- تفسير الآيات
أولاً: ظروف الخبر (آ 46-48)
"وفيما هو يكلّم الجموع". رج دا 9: 21 حسب السبعينية؛ مر 5: 35. لا نجد ما يوازي هذه العبارة في النص الموازي لهذا النصّ. هذا يعني أنها من تدوين مت؛ ق 18:9؛ 17: 5 يختلف عن مر 7:9. تظهر "اوخلوس" (الجمع) في مر 3: 32. وقد صارت في صيغة الجمع (رج 4: 25)، فدلّت وكأننا أمام سامعين جدد. ما عاد يسوع يكلّم وجهاء اليهود (كما فعل في 12: 22-45)، بل الجموع. وهكذا ننتقل من خبر جدال إلى دعوة ونداء (11: 25-30: أحمدك يا ربّ السماء والأرض). هنا نتذكّر التوازي مع 12: 1- 21 حيث جاءت مقطوعة حول الجموع بعد خبرَي جدال مع الفريسيين.
"ها أمّك واخوتك". أوجز مت مر 3: 31-32 أ، وزاد "ها" (ايدو)، وجعل "أمه" قبل "اخوته" (وهكذا يكون التوازي كاملاً مع آ 47- 48، 49)، وأعاد كتابة مر 3: 31 بحيث صرنا في تواز تام بين آ 46 ج وآ 47 ب: يطلبون أن يكلّموه.
لمّا أشار مر 3: 31 إلى الجمع الواقف خارجًا حين كان يسوع في البيت، كان منطقيًا. ولكن مت لم يقل لنا ما قاله مر (رج لو 8: 20). أوجز مرجعه وما أخبرنا بما هو معروف بأن يسوع هو في داخل البيت. هذا ما يبيِّن مرة أخرى أولويّة مر على مت.
"فأجاب وقال للذي أخبره" (آ 47). يوجّه يسوع كلامه إلى شخص فرد لا إلى الجمع كما في مر 3: 32. "أمك واخوتك" كما في آ 46 ب. إن السينائي والفاتيكاني ومخطوطات أخرى لا تورد آ 47. ولكن يبدو أنه يجب المحافظة عليها لثلاثة أسباب. (1) هناك اختلافات بين آ 47 وما يقابلها في مت ومر. (2) قد تكون الآية سقطت عرضًا على يد الناسخ، لأن آ 46 وآ 47 تنتهيان بلفظة "لاليساي" (يكلّموه). (3) إن آ 48 لا تتبع آ 46. قالت: "أجاب وقال للذي أخبره". فمن هو هذا الذي أخبره؟ عند ذاك تكون آ 47 في محلّها: "فقال له واحد: ها أمك واخوتك".
ثانياً: جواب يسوع (آ 49- 50)
مدّ يسوع يده نحو تلاميذه وأعلن أنهم أمه وإخوته. هذه الاقوال لا تفكّك الرباط العائلي، بل تجعله عاملاً نسبيًا. فهناك رباطات أقوى من الرباطات العائلية. انطلقت البدعة الظاهريّة من "من هي أمي ومن هم اخوتي"، لتعلن أن يسوع لم يولد من أم، ولم يكن له أقارب.
"مدّ يده نحو تلاميذه" (آ 49). اختلف مت عن مر 3: 34 (وأجال نظره في الذين حوله وقال)، لانه أراد ان يشير إلى تلاميذه لا إلى الجمع. يرد فعل "مدّ" (اكتاينو) 6 مرات عند مت، 3 عند مر، 3 عند لو. رج خر 4:4؛ 8: 16؛ 9: 22، 23 حيث يستعمل في الكلام عن موسى (وهارون).
"ها أمي وإخوتي". أن تسمو العائلة الروحيّة على العائلة الطبيعيّة (رباط اللحم والدم) أمر نجده في العالم اليهوديّ القديم. رج تث 33: 9. والاسيانيّون رأوا جماعتهم تحلّ محلّ العائلة التقليديّة. وانقطاع يسوع عن عائلته قد يكون الدافع إليه خبرة شخصية وانتظار اسكاتولوجيّ. فالملكوت يطلب كل شيء من يسوع والذين يتبعونه. من أجل هذا تكلّم يسوع عن الذين خصوا أنفسهم (تركوا الزواج) من أجل ملكوت السماوات (19: 12).
إن العلاقة بين 12: 50= مر 3: 35 والمقطوعة، كانت موضع خلاف بين الشرّاح. الأول ظنّ أن مر 3: 35 يُعتبر إضافة توضح 3: 31- 34. الثاني اعتبر 3: 35 أحد المراجع التي منها نسجت آ 31-34. لهذا لا يعتبر هذا القول من أقوال الرب. والثالث قال إن 3: 35 عُرف كآية منعزلة. أما تأثيرها فيرتبط بحضور أقارب يسوع. لا ننسى أننا أمام خبر ذات أساس تاريخيّ، وقد تكون آ 31-35 قيلت مرّة أو مرتين، فجاءت آ 35 منفصلة عن آ 31-34 لتدّل على نظرة اسكاتولوجيّة (رج 34-37)، كما في القول حول العائلة في 8: 22.
"كل من يعمل" (آ50). "أبي الذي في السماوات". عبارة خاصّة بمتّى. يُذكر هنا "الاب" ليدلّ على أنه ليس هناك أب واحد في عائلة الله، في العائلة المسيحية الجديدة (هناك من اعتبر أن هذا القول يعكس واقعًا تاريخيًا، هو أن يوسف كان قد مات خلاله حياة يسوع العلنيّة).
نجد ما يقابل آ 50 (= مر 35:3) في يو 15: 14: "أنتم أحبّائي إن عملتم ما أوصيتكم به". وفي رسالة اكلمنضوس الثانية (9: 11): "قال الرب: إخوتي هم الذين يعملون مشيئة أبي". ومثله اكلمنضوس الاسكندراني: "قال الربّ: إخوتي ورفاقي الوارثون هم الذين يصنعون مشيئة أبي". وهناك انجيل العبرانيين (المقطع الخامس) الذي يرد في أبيفانيوس (الهراطقة 30/ 14؛ 5): "من هي أمي ومن هم اخوتي؟ ومدّ يده إلى تلاميذه وقالت: إخوتي وأمي هم الذين يصنعون مشيئة أبي".
ونجد نسخة عن آ 46-50 في إنجيل توما (عدد 99): "قال له التلاميذ: إخوتك وأمك واقفون خارجًا. فقال لهم: هؤلاء الذين هم هنا، الذين يعملون مشيئة أبي، هم إخوتي وأمي. هؤلاء هم الذين يدخلون إلى ملكوت أبي". ماذا نقول في هذا النص؟ (1) هو أقصر ممّا في الأناجيل الازائية. (2) التلاميذ (لا الجمع ولا واحد من الجمع) هم الذين أخبروا بوجود العائلة. (3) توافقَ مع لو فلم يذكر السؤال: من هي أمي، ومن هم أخوتي؟ (4) توافق مع لو حين لم يذكر أخوات يسوع. (5) عارض الازائيين الثلاثة حين ذكر إخوته قبل أمه. (6) توافق مع مت حين قال "يعمل مشيئة أبي" لا "مشيئة الله". وهكذا دلّ إنجيل توما على أنه انطلق في كلامه من الأناجيل الإزائية.
د- قراءة إجمالية
"وفيما هو يكلّم الجموع". جاءت هذه العبارة لتنقلنا من مقطع إلى آخر (18:9؛ 17: 5؛ 47:26). يذكر إخوةُ يسوع مرّات في العهد الجديد: مر 3: 31= مت 12: 46؛ مر 3:6= مت 13: 35 (مع أسمائهم)؛ يو 12:2؛ 3:7، 5، 10؛ أع 1: 14؛ 1 كور 9: 5؛ غل 1: 19. وتذكر أخواته في مر 3: 32؛ 3:6= مت 13: 55. يرى الشرّاح الكاثوليك في هؤلاء الاخوة أبناء يوسف من زواج أولا قبل "زواجه" مع مريم، أو أبناء عم يسوع أو من العشيرة. رج ترجمة "أح" (أخ) العبرية بلفظة "أدلفوس" في تك 8:13؛ 14:14، 16؛ 15:29 حيث لسنا أمام اخوة من أب واحد وأم واحدة. يجب أن نعرف أن معنى كلمة "أخ" أوسع في العبرية (بل في العالم السامي كله) منه في اليونانية. ساعة قطع يسوع العلاقة مع عائلته الروحية (الفريسيون) وعائلته بحسب اللحم والدم، بدأت تتكوّن حوله عائلة جديدة. وتفرّد متّى كما اعتاد أن يفعل، فذكر التلاميذ هنا. إنه يفكّر بلا شكّ بالذين يتبعون يسوع وبالمسيحيين في الكنيسة التي كتب إليها انجيله. فموضوع المسيحيين على أنهم إخوة يسوع، موضوع معروف ساعة تدوين الانجيل في صيغته النهائية (روم 29:8؛ رج كو 1: 18؛ عب 2: 11). نحن هنا أمام عائلة مع رباطات وثيقة تربط يسوع بتلاميذه. فالعالم الهليني، شأنه شأن العالم اليهوديّ، قد عرف مدلول لفظة الأخ وطبّقها على أعضاء جماعة دينية محددة.
وأخيرًا، يذكّرنا المسيح كما حدّثنا عنه مت، بأهميّة العمل بمشيئة الله (7: 21-27). ففعلُ "بوياين" يدلّ على السرد المتاويّ. والفريسيون يقولون ولا يفعلون (23: 25-15). لهذا يُشجبون. ولكن النصّ هنا هو كرستولوجيّ قبل أن يكون أخلاقيًا. فالتعلّق بيسوع يعني أن نعمل مشيئة أبيه. وقد قال يسوع في انجيل يوحنا: "أنتم أحبائي إن عملتم بوصاياي". لا يقول النصّ ما هي مشيئة الآب. والمعنى الذي يعطيه مت لهذه اللفظة (تاليما، مشيئة، إرادة) (6: 10؛ 7: 21؛ 12: 50؛ 18: 14؛ 21: 31؛ 26: 42) هو طاعة ملموسة للشريعة كما أعاد المسيح تفسيرها. وليس مشيئة خاصة تتوجّه إلى التلاميذ فتدعوهم إلى الايمان بيسوع واتباعه والتألم معه. فالانجيل كله يفترض أن هذه "المشيئة" التي يكتشفها يسوع ويطلب منّا بإلحاح أن نتمّها، ويفهمنا أن ذلك ممكن، هذه المشيئة نستطيع أن نعملها في جوّ من الفرح. أما التقليد الرابيني فشدّد بالاحرى على "طلب" (درس) هذه المشيئة (روم 12: 1-2)، كما شدّد على المجهود الذي يُطلب منّا لكي نتمّها.

خاتمة
نوّد هنا أن نقدّم ثلاث ملاحظات.
الأولى: أخبرنا 22:12-50 بعض الشيء عن فهم متّى للإيمان. ففي آ 22-37، خضعت خدمة يسوع في طرد الشياطين لتفسيرين يختلفان اختلافًا جذريًا. هذا يعني أننا أمام واقع ملتبس ويستطيع أن يحمل مدلولين متعارضين. فأين هي الحقيقة؟ يقول النصّ إن هناك أسبابًا تدعونا للأخذ بنظرة يسوع لا بنظرة الاخرين (12: 25-39). وعرف متّى ايضًا أن اليقين العقلي له حدوده، وذلك واضح في آ 33-37 وآ 38- 45. وهكذا، حتى آية يونان التي هي قيامة يسوع، والتي عرفها "هذا الجيل"، لم يؤمن بها الشعب. لماذا؟ نجد الجواب في نظرة مت إلى سامعي يسوع. إنهم ينتمون إلى "جيل شرير فاسق" (آ 39). ومهما كانت هذه النظرة إلى معاصري يسوع، يبقى أن الإيمان الحقيقيّ في نظر متّى، يتضمّن بُعدًا خلقيًا. لا يمكن أن يكون إيمان مع إرادة مريضة وطبيعة رديئة. فلا نجد الثمر الجيّد في شجر رديء (آ 33). في هذا الاطار، يصبح الاعتراف بيسوع المسيح مسألة قلب جيّد لا مسألة فهم صحيح. فالخطيئة هي أكثر من جهل (كما يقول سقراط). ومعرفة الكتاب لا تخلّص الانسان إذا كان القلب فاسدًا. لهذا لا يستطيع عنادُ الكتبة والفريسيين الذين رفضوا يسوع، أن يجعلهم يقبلوا به. أعمتهم خطيئتهم، فما عادوا يستطيعون أن يوجّهوا طريقهم شطر الحقيقة. أغلقوا قلوبهم القاسية، فما استطاعوا أن يتعرّفوا إلى المسيح ساعة التقى بهم وجهًا إلى وجه.
الثانية: تعلن 12: 22-45 حضور الخلاص والفرصة السانحة. لقد جاء ملكوت الله، وقد سُلبت مملكة إبليس. فقد ظهر من هو أكبر من يونان وأكبر من سليمان. وقد أعطيت آية مدهشة لا يقف بوجهها شيء: قيامة يسوع. أجل تكلّم الله في ابنه (11: 25-30) كما لم يتكلّم من قبل. هذا يعني أن الآن هو يوم الخلاص في معنى لم يُعرف في الماضي. ولا نعجب إن كان اللاسمع واللاجواب يعنيان أن الأشياء الاخيرة ستكون شرًا من الأولى. كانت المناسبة كبيرة والخسارة أكبر.
الثالثة: في مت 4: 21-22 ترك يعقوب ويوحنا أباهما حين دعاهما يسوع ليكونا في عداد تلاميذه. في 8: 22 قال يسوع لمن أراد أن يتبعه أن لا يذهب إلى دفن أبيه، بل بالحري يترك الموتى تدفن موتاها. وفي 10: 34-37 قيل للذين يحملون الانجيل أنهم سيجدون المقاومة داخل عائلتهم الخاصة. هذه الصورة التي تقدّمها لنا هذه النصوص "مزعجة". إن الايمان بيسوع يدعونا إلى أن نخسر الرباطات العائلية. أن نتنكّر لوالدينا وأقربائنا. حين نقبل بهذه الحقيقة القاسية، تصبح نظرة متّى إلى الأمور مفهومة. اذا كان الايمان هو فوق كل شيء، فكل ما يعرقل الايمان يجب أن يُترك. قد لا يكون الظرف مؤاتيًا، وقد لا يحمل فهمُ هذه الضرورة عزاء. فما يحمل العزاء هو أن "ترك" العائلة يقابل الدخول في عائلة أخرى. وهذا هو تعليم مت (12: 46-50). أجل، حين تضعف الرباطات العائلية، يجب أن لا يُترك التلميذ وحده بدون عائلة يجب عليه أن ينضمّ إلى عائلة الإيمان، إلى الكنيسة حيث الآب هو الله، حيث المؤمنون الإخوة والأخوات (23: 8). وهكذا يتمّ طلب يسوع بأن نترك العائلة في إطار العائلة المسيحيّة التي تنتظر أعضاء جددًا بأيد مفتوحة. كم نحن بعيدون عن نداء إلى العزلة التي قد تحمل الكثير من الأنانيّة.
القسمُ الرّابع
المَرحَلَة السَّابعَة
نُموُّ المَلَكُوت

منذ بداية الرسالة، وحضورُ يسوع يطرح السؤال على جميع الذين يلتقي بهم: من شعب يسمع ليسوع، من كتبة وفريسيين يعارضونه، من تلاميذ قريبين منه جداً. وها هي خطبة الأمثال تقسم الناس بوضوح: الذين في الداخل، داخل الكنيسة، يدخلون في سرّ الملكوت. والذين في الخارج، خارج الملكوت، ينظرون ولا يرون. يسمعون ولا يفهمون. ذاك هو معنى رسالة يسوع الذي ينطبق أول ما ينطبق على أبناء بلدته بانتظار أن ينطبق على اليهودية والسامرة والجليل وحتى أقاصي الأرض.
تتضمّن هذه المرحلة الفصول التالية:
1- خطبة الامثال، ف 13
2- خرج الزارع ليزرع، 13: 1-13
3- تفسير مثل الزارع، 13: 14-23
4- وكان يكلّمهم بالامثال، 13: 24- 42 
5- الكنز واللؤلؤة والشبكة، 13: 44- 52 
6- لا كرامة لنبيّ في وطنه، 13: 53-58.
الفصل الثامن عشر
خطبة الامثال
ف 13

1- موقع خطبة الامثال
بعد أن سرنا مسافة طويلة على خطى يسوع، ها نحن نصل إلى ف 13 وخطبة الامثال. فمنذ بداية تجلّي يسوع لمعاصريه (3: 13)، ما زال حضوره يطرح سؤالاً على جميع الذين يلتقي بهم. هناك ردّات فعل، هناك مواقف تجاهه، وهو يميّز بين سامعين ولاسامعين. وارتسمت معارضة وسط الرؤساء الدينيّين في اسرائيل، وسط الكتبة والفريسيين، بطريقة خفيّة في البداية، وبطريقة واضحة مع ف 12. أمّا في قلب الجموع التي تسمع يسوع وتدهش لأعماله، فقد برزت مجموعة التلاميذ التي لم تتوضّح بعد معالمها، ولكنها تواصل السير وراءه.
بالاضافة الى ذلك، سمّى يسوع اثني عشر تلميذًا (10: 2-4)، وسلّم إليهم سلطاته، أرسلهم ينادون بالملكوت، وأعطاهم توصيات ذات متطلّبات قاسية (10: 5-39)، وفي النهاية تماهى مع كل واحد منهم (10: 40-42). وعندما بدأت المجادلات، وصار يسوع موضوع شكّ وعثار للفريسيين، عرف قرابته الحقيقية المؤلفة من الذين يحيطون به، يسمعونه، يعملون إرادة الآب السماويّ (12: 46- 50).
كل هذا يتيح لنا أن نتصوّر فئتين من السامعين تتوجّه إليهم خطبة الامثال: التلاميذ (ذُكروا في آ 10، 36) الذين أعطي لهم أن يعرفوا أسرار الملكوت (آ 11)، والذين يستطيعون أن يفهموا (آ 51). والجموع (ذُكروا في آ 2، 4، 3، 36) الذين ظلّوا خارج هذا الفهم العميق (آ 11، 34-36). وبعد الخطبة، تُطرح مرّة ثانية مسألة قرابة يسوع الحقيقية (آ 53-58) دون أن تُفهم أو تنال جوابًا.

2- البنية الاجمالية للامثال
يتفّق الشراح على القول بأن متّى جمع عمدًا في هذا الفصل سبعة أمثال: منها ثلاثة مشتركة داخل التقليد الإزائي.
- مثل الزارع (مر 4: 3-9؛ لو 8: 5-8) وتفسيره (مر 4: 13- 20؛ لو 8: 11- 15).
- مثل حبّة الخردل (مر 4: 30-32؛ لو 13: 18- 19).
- مثل الخميرة في العجين (لو 13: 20- 21).
وهناك أربعة أمثال خاصة بالانجيل الأول:
- مثل الزرع الجيّد والزؤان وتفسيره.
- مثل الكنز المخفى في حقل.
- مثل اللؤلؤة الثمينة.
- مثل الشبكة وتفسيره.
الرقم 3 هو رقم الالوهة. وهو أيضًا رقم الانسان المؤلّف من الروح والنفس والجسد. الانسان هو عالم صغير، تجاه العالم الكبير الذي هو الكون بطبقاته الثلاث: السماء، الأرض، ما تحت الأرض. أما الرقم 4 فيدلّ على الكون بأقطاره الأربعة. والعدد 7 (هو جمع 4 و 3) يذكّر المؤمن بسبعة أيام الأسبوع والخليقة، بتاريخ العالم. وهكذا يشدّد التقليد الساميّ على البعد المكاني والزماني للحياة البشريّة. والامثال السبعة تدلّ على واقع ملكوت الله كما أوحى به يسوع. ويُزاد على هذه السباعيّة مثل ثامن في خاتمة خطبة الامثال (يشبه، هومويوس، آ 24، 31، 33، 44، 45، 47، 52). فالرقم 8 في العالم اليهوديّ يدل على الملء، لان اليوم الثامن في عيد من الأعياد يجعل الاحتفال كاملاً ناجزًا (لا 29:23). أما في الكنيسة فدلّ اليوم الثامن على القيامة التي تكمّل شعب الله وتدلّ على مجيء الملكوت السماويّ.
هل نستطيع أن نُبرز البنية التي أشرفت على تجميع هذه الامثال؟ هنا يختلف الشرّاح. بعضهم يرى قسمة مثلّثة: مثل الزارع وتفسيره يحيطان بالسبب الذي لأجله قيلت الامثال (آ 1-23). مثل الزؤان والحب الجيّد الذي يحيط بمثلَيْ حبة الخردل والخميرة (آ 24-43). أمثاله الكنز واللؤلؤة والشبكة والخاتمة الأخيرة (آ 44-52). نحن أمام ثلاث مراحل في تنشئة التلاميذ لكي يفهموا الامثال. أو نحن أمام ثلاثة أوقات لنموّ الملكوت الذي يتجاوز المقاومات شيئًا فشيئًا، ويمتدّ في قلب الانسان حتى تمامه.
لا نستطيع أن ننكر التدرّج في هذه الخطبة، ولكنه لا يُبرز جميع العناصر المدوّنة في النصّ. لهذا، فتحليل دقيق يساعدنا على قسمة الخطبة قسمين كبيرين متوازيين، ويجعلنا نوّزع كل قسم على ثلاث مراحل تتقابل بطريقة لها مدلولها. وهكذا نحصل على الرسمة التالية:
أ- 1- مثل الزارع (آ 1-9) يتوّجه إلى الشعب.
2- ملاحظة حول معنى التعليم بالامثال (آ 10- 15).
3- تفسير المثل (آ 26-23) للتلاميذ.
ب- 1- مثل الزؤان (يتبعه مثلان) (آ 24-33) يتوجّه إلى الشعب.
2- ملاحظات حوله معنى التعليم بالامثال (آ 34- 35). 
3- شرح مثل الزؤان (تتبعه ثلاثة أمثال) (آ 36- 52) للتلاميذ.
إن هذه البنية تساعدنا على إبراز فئتي السامعين اللتين يتوجّه إليهما يسوع. ومتّى نفسه يجعلنا على الخطّ من خلال عدد من السمات الأدبية. يتحدّث النصّ مرتين عن "البيت" في علاقته مع الجموع. في آ 1: "في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت، وجلس عند البحر. فاحتشدت لديه جموع كثيرة". وفي آ 36: "حينئذ ترك الجموع وجاء إلى البيت. فتقدّم إليه تلاميذه". وفي الخاتمة (آ 52) يتحدّث النصّ عن "ربّ البيت" الذي هو الكاتب، الذي صار تلميذ يسوع. 
ومحاولة التلاميذ الذين اقتربوا من يسوع، بمعزل عن الشعب، تظهر في آ 10 وآ 36. ينتج عن ذلك أن تفسير المثلين (الزارع والزؤان) أعطي لهم كما تقول أيضاً آ 18 (فاسمعوا أنتم مثل الزارع). وأخيرًا إن عبارة "كل هذا" تدلّ في آ 34 على واقع يقول إن يسوع يكلّم الجموع بشكل مستتر بأمثال. وفي آ 51 تدلّ على ما فهمه التلاميذ في العمق. وتعود العبارة في آ 56 لتصف ما يدهش معاصري يسوع.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار اسلوب متّى في التأليف، نكتشف ترتيبًا مختلفًا مع موازاة تسير في خطّ النظريّة الثانية. إن المدوّن الأخير قد أدرج آ 33-34 كخاتمة أولى تبدأ انطلاقة جديدة. نقرأ فيها ملاحظة من الانجيليّ (آ 34) تورد مز 78: 2 (آ 35) قبل أن تشير إلى دخول المسيح إلى "البيت" وسؤال التلاميذ (آ 36). إذن، يجب أن تكون علامة الوقف في آ 36 لا في آ 24.
في هذا الاطار نستطيع أن نقدّم التصميم التالي:
- مقدمة (آ 1- 3).
1- سماع وفهم الكَلَمة، يتوجّه يسوع إلى الجموع وإلى التلاميذ (آ 4- 35).
أ- سماع الكلمة وفهمَها (آ 4-23).
- الزارع (آ 9).
- اقترب التلاميذ (آ 10).
- شرح مثل الزارع (آ 18).
ب- نموّ الملكوت (آ 24-33).
- الزؤان (آ 24).
- حبة الخردل (آ 30).
- الخميرة (آ 33).
ج- خاتمة الامثال للجموع (آ 34- 35).
2- كشف الملكوت للعالم. يتوجّه إلى التلاميذ ومن خلالهم إلى جميع الناس (آ 36-50).
أ- أبناء الملكوت وأبناء الشرير (آ 36-43).
- اقترب التلاميذ (آ 36).
- منتهى الدهر (آ 40). اتون النار (آ 42).
- من له اذنان (آ 43).
ب- نبيع كل شيء (آ 44-48).
- الكنز المخفى (آ 44).
- اللؤلؤة الثمينة (آ 45).
- الشبكة (آ 47).
ج- خاتمة: فصل الأشرار عن الأبرار (آ 49- 50).
- منتهى الدهر (آ 49).
- أتون النار.
- هناك يكون البكاء (آ 50).
- خاتمة الخطبة: مثل الكاتب الذي صار تلميذاً (آ 51-52).
- فهم التلاميذ كل شيء (آ 51).
- صار التلميذ مثل رب البيت (آ 52).
ونجد في آ 53 الخاتمة المقولبة التي نجدها في نهاية الخطبات الخمس. في 28:7 نقرأ: "ولما فرغ يسوع من خطابه بُهتت الجموع من تعليمه". وفي 11: 1: "ولما فرغ يسوع من توصياته لتلاميذه الاثني عشر". وهنا: "ولما فرغ يسوع من ضرب هذه الأمثال". هذه الخاتمة (آ 53) تفتح قسماً يبدأ برفض الناصرة ليسوع (13: 53-58) في خطّ 12: 46-50 وقرابة يسوع الحقيقيّة.

3- تحليل الخطبة بالتفصيل
إن مقدّمة الخطبة تصوّر لنا يسوع حين خرج من البيت، وجلس على شاطئ البحر. لا يقول لنا متّى شيئًا عن هذا البيت، لا في هذا الموضع (آ 1) ولا في 9: 10. البيت هو الموضع الذي فيه تلتئم الجماعة المسيحيّة (12: 46- 50) وتفهم معنى الامثال (آ 36). في أي حالة، ظهر يسوع فجاءت الجموع الفقيرة، وظلّت واقفة على الشاطئ لتسمع يسوع (وقف يسوع على الشاطىء ليكون سدًا في وجه البحر الذي يدل على الشرّ وهكذا يحمي مؤمنيه وكنيسته). ثم صعد يسوع إلى القارب وجلس فيه. القارب يدلّ على الكنيسة. والجلوس يدلّ على ما يفعله يسوع حين يعلّم (5: 1؛ 3:24)، حين يدين (19: 28؛ 25: 31)، حين يعطي أمرًا (20: 21-23؛ 26: 24).
نندهش حين نرى الجموع واقفة، بينما يسوع جالس. هنا نتذكّر التمثّلات الجليانية كما في دا 16:7، رؤ 9:7-12؛ 20: 11-12. ثم إن متّى استعمل فعل "تكلّم" (لالاين) بالامثال، لا "علّم" (ديدسكاين) كما فعل مرقس في 4: 1-2. وسيعود الفعل ست مرات في هذا الفصل (آ 3، 10، 13، 33، 34 مرّتين). لسنا أمام تعليم ولا إعلان، بل أمام وحي كما تقول آ 35 في خط مز 78: 2.
في نهاية الخطبة، يأتي مثَل فيستعيد سمات عديدة من المقدّمة. يتكلّم يسوع عن شبكة ألقيت في البحر. ولما امتلأت أصعدوها إلى الشاطئ حيث جلس (كما في دينونة) الصيّادون، وأخذوا يفصلون الصالحين عن الأردياء. نحن هنا أمام مثل جليانيّ يحملنا إلى "منتهى الدهر" (آ 49). هذه العناصر التضمينيّة هي مهمّة لفهم الخطبة، لأنها تحدّد موقعها في إطار الوحّي النهائيّ في آخر الأزمنة. وهكذا تبدو الخطبة الامثاليّة كوحي عن الدينونة الأخيرة. إذن، بُعدها اسكاتولوجي قبل أن يكون بُعدًا أخلاقيًا. وتقوم وظيفتها بتمييز الناس تجاه ملكوت السماوات.
أ- سماع الكلمة وفهمها (13: 4- 35)
أولاً: نسمع ونفهم (آ 4-23)
* مثل الزارع
بدأ يسوع فعرض مثل الزارع. تحدّث فيه عن زرع يدخل أو لا يدخل في الأرض. وحسب الموضع الذي سقط فيه، مُنع نموّه أو أوقف، بحيث لم يحمل ثمرًا في النهاية. تلك هي حالة الفئات الثلاث الأولى من الأراضي: الأرض المرصوصة. داس الناس الزرع، وكذلك الحيوان الذي جعلها طريقًا له. والأرض المحجرة والأرض المليئة بالاشواك. ولما دخل الزرع "الأرض الجيّدة" "أعطى ثمرًا" في نسب جيّدة هـان متفاوتة.
لا نتوقّف عند تقانة ذلك الزمان، ولا عند موقف الزارع الغريب الذي يرى حبّه في كل مكان بدون تمييز، لأن كل هذا يبعدنا عن هدف المثل. فالمثل يريد أن يلفت انتباهنا فقط إلى الثمر الذي أعطاه الزرع حسب الأرض التي زُرع فيها، لا إلى العمل الذي يقوم به الزارع ولا إلى نموّ الحنطة. أوجز متّى نصّه إيجازًا فركّز على الأرض الجيّدة وعلى الثمر الذي تعطيه بالضرورة. ثم على الأهمّية بأن نكون أرضاً جيدة وبأن نتقبّل الزرع.
فما هو هذا الزرع؟ هناك تنبيه ينهي عرض المثل: "من له اذنان سامعتان فليسمع" (آ 9). لقد سمعناه من يسوع حين كلّم تلاميذ يوحنا المعمدان عن إيليا المنتظر ليعلن الأزمنة المسيحانيّة (11: 5). وسوف يتكرّر في آ 43، عند متّى. هو جزء من المثل كما في مر 9:4. إنه يذكرنا بنداء الأنبياء (إر 21:5) والصلاة اليوميّة التي يتلوها اليهوديّ والتي تعود إلى تث 6: 4: "إسمع يا اسرائيل، الرب الهنا هو الربّ الواحد". إنه نداء لكي نحفظ في الذاكرة متطلبّة العهد الاساسيّة. وكنيسة متّى تتلقّى هذا التنبيه إلى السماع كنداء، فتتقبّل كلمة الله "بكل قلبها وكل نفسها وكل قدرتها". وتحفظها محفورة في قلبها (تث 6: 5-6) فتدعها تثمر وتتمّ مهمتّها (أش 55: 10- 11). إن لقاء الزرع بالأرض تمّ ساعة اقترب ملكوت السماوات وخرج يسوع ليعلن مجيء الأزمنة المسيحانيّة. منذ الآن كل واحد منا سيُدان بهذه الكلمة.
* لماذا الامثال
إن النتيجتين اللتين حصل عليهما الزرع يطرحان مسألة "ثنائية" السامعين، أي امكانية رفض الكلمة أو قبولها. تأتي آ 9 فتدعو حريّة السامع على مثال ما تفعل الكرازة النبويّة. ذاك هو معنى سؤال التلاميذ. لماذا تكلّمهم بأمثال (آ 10)؟ ما يهمّهم ليس مضمون المثل ولا مدلوله، بل اللغة الامثاليّة للتحدث إلى سامعين غير محدّدين مثل هذه الجموع الجليليّة.
أجاب يسوع فحدّد فئتين من السامعين: التلاميذ (أنتم، هيمين، آ 16، 18). "لكم أعطيت معرفة أسرار الملكوت" (آ 11). أما "هؤلاء الناس فلم يُعطَ لهم". إن موضوع الذي له فيُعطى لكي يمتلك أكثر، هو موضوع المعرفة التي تنمو بنسبب متنامية. ونحن نجده في الادب الحكمي (أم 9: 9؛ 12: 7)، لأن الحكمة الالهيّة هي مبدأ فهم يتعمّق يومًا فيومًا. وبعد أن أورد يسوع أش 9:6-10 المرتبط بعمى الشعب، أعلن: طوبى لعيون التلاميذ لانها ترى وآذانهم لأنها تسمع (آ 16) فتتم رغبة الانبياء والأبرار في العهد القديم (آ 17). تذكّرنا هذه "التطويبة" بفعل شكر يسوع من أحل الوحي والذي وصل إلى الصغار (11: 25). حينئذ أعطاهم الشرح الذي ما تجرّأوا أن يطلبوه: يملكون ويعطى لهم فيزادون (آ 12). و"أسرار ملكوت السماوات" ليست زيادة معلومات أو يقينًا عقليا أكبر. نحن أمام إدراك باطنيّ لحضور ملكوت الله الناشط في العالم. وهذا الادراك هو ثمرة قبول الكلمة وما تطلبه منّا هذه الكلمة.
ونال سؤال التلاميذ جوابه: "لهذا أكلّمهم بالامثال، لأنهم يبصرون من غير أن يبصروا، ويسمعون من غير أن يسمعوا و لا يفهموا" (آ 13). نجد في مر 12:4 ولو 8: 10 "لكي" (هينا) التي تجنبّها متّى. ففي نظر مرقس قدّمت الامثال كوسيلة "تقود إلى العمى" (وإن بشكل غير مباشر). أما متّى فجعل يسوع يتوجّه إلى الجموع التي هي عمياء من قبل، وتكلّم إلى التلاميذ الذين سبق لهم وتقبَّلوا الكلمة. في الواقع كلّم يسوع الجموع بأمثال، لانه لم يستطع أن يفعل شيئًا آخر. فهو لا يستطيع إلاّ أن يلقي كلمته، غير أن هذه الكلمة تكشف أسرارًا تتجاوز الانسان، فلا يستطيع فم بشري أن يكشفها دون أن يترك عليها "حجابًا" فيبقى فيها بعض السرّ. هنا يواجَه السامعُ في حريته.
في الحقيقة، الكلمة عينها تبقى "مثلاً" لمن لم تحرّكه، وتصير معرفة أسرار الملكوت "للذي يتركها تهزّه. إذن، تقبّلُ الكلمة هو الذي يميّز الجموع من التلاميذ، وإيمان البعض يكشف عمى الآخرين، ويدعوهم إلى السير إلى الأمام. هذا ما نقوله عن النبوءة. فالنبيّ يعرف أنه يسلّم كلمة يستحيل إدراكها لأنها تسمو على الانسان حين تطرح عليه سؤالاً جذريًا. وفي الوقت عينه هذه الكلمة تحرّر، لأنها تكشف للانسان خطيئته مع عمق حرّيته (إر 1: 9-10؛ 20: 7-11؛ حز 3: 7، 27؛ 12: 2). وهكذا يأتي استشهاد أش 6: 9- 10 في محلّه.
في العهد القديم، دلّت كلمة "م ش ل" (مثل) على رمز يكشف (تث 28: 27؛ مز 18:69)، يطرح سؤالاً، يرفع الحجاب عن معنى خفيّ للاشياء. المثل هو قول تقليديّ مأثور (أم 1: 1، 6؛ 25: 1؛ سي 3: 29؛ 6: 35). هو فكرة نصوغها منطلقين من مسألة حياتيّة (أي 27: 1؛ 29: 1). هو تأمّل حول معنى التاريخ (مز 78: 2 وقد استعاده مت 13: 35).
في أسفار الرؤى يتمّ الكشف عن الأسرار الخفيّة بواسطة الامثال (دانيال، أخنوخ). والأدب الرابيني يستعمل أيضاً مقابلات تتوخّى افهام السامع تعليمًا في معنى إرشادي. هذا النوع هو قريب من أمثال العهد الجديد التي استقت الكثير من المحيط الذي وُلدت فيه. هي أكثر من تعليم حول حكمة بشريّة. فتحمل وظيفة وحي ينقل "الاسرار" فيلفت الانتباه ويدعو الناس إلى اتّخاذ موقف عمليّ. لهذا يجب دوماً أن نبحث عن مرمى المثل أي النقطة التي ترسل إلينا نداء. إن المثل يدعونا مضمونه ومرماه إلى اكتشاف أمر جديد وإلى التساؤل حول مدلول هذا الجديد.
* تفسير مثل الزارع
إن التفسير الذي يعطيه يسوع نفسه لتلاميذه وبالتالي للكنيسة، يجعلنا "على الخطّ". هنا يطرح الشرّاح سؤالاً: هل شرحُ هذا المثل (وشرح مثل الزؤان) يصدر عن يسوع أم عن الكنيسة الأولى؟ لن ندخل في هذا الجدال، بل نقول بأن الجماعة الأولى كانت أمينة لجوهر تعليم يسوع دون أن تردّده حرفياً. انطلقت من هذا التعليم وأعادت صياغته. وهذا ما جعل الانجليّين يحوّلون نصّ مراجعهم ليُفهموا قرّاءهم أقوال المعلّم ويدلّوا على آنيّة التعليم الانجيليّ.
يستعيد تفسير المثل تنبيه آ 9: "أما أنتم فاسمعوا". هذا صدى لما في تث 6: 4: "إسمع يا اسرائيل". من له اذنان سامعتان فليفتحهما على وسعهما لكي يجعل الكلمة تصبح طاعة وخضوعاً في قلبه. لأن فعل سمع يعني: أصغى وأطاع. هذا في العبرية (ش م ع). أما في اليونانية، ففعل "اكواين" يعني سمع وأصغى. وفعل "هيباكواين" يعني أطاع (8: 27). ونلاحظ أيضًا أن الشرقي يفهم بقلبه (سنياناي)، والفهم قريب من الطاعة.
نجد فعل "سنياناي" 9 مرات في مت، وستًا منها في هذا الفصل (آ 13، 14، 15، 19، 23، 51). ونجد استعمالين منها في استشهاد أش 6: 9- 10. وهذان الفعلان (سمع، فهم) اللذان ارتبطا في النصّ وطبّقا على الكلمة، سيعودان في تضمين في آ 19-23. إذن "الفهم" هو الذي يجعل الفرق بين الجموع والتلاميذ. ونلاحظ أيضًا أن في الجمع الذي يدلّ على "الزروع" المختلفة في آ 4، 5، 7، 8، قد حلّ محلّه الفرد آ 19، 20، 22، 23. نحن هنا أمام مواقف فرديّة تبدو بشكل أنماط من البشر. ترك متّى العدد الكبير من الناس، وتوقّف على كل فرد منهم ليجعله وجهًا لوجه أمام الكلمة التي تتوجّه إليه. 
كلهم سمعوا الكلمة، ولكن دون ذلك حواجز للفهم. فهناك العدوّ، الشرير (37:5-39؛ 13:6؛ 38:13) الذي يستطيع أن يسلب الكلمة من قلب الانسان. إن النداء إلى الحريّة الذي يتوسّع فيه موضوع الطريقين في تث 30: 11- 20، يجد في يسوع آنيّة حاسمة. اليوم نختار الطريق، والويل لمن لا يعرف أن يختار (إر 7:24- 10؛ 33:31-34؛ 32: 39- 41). لقد اقترب ملكوت الله (في التاريخ) في يسوع، وما زال يطلب جواباً من الانسان الذي يقول للرب "نجّنا من الشرير" (13:6). وهناك قلب البشر وقلب الحجر (حز 26:36-27). يرمز الحجر هنا إلى القساوة التي تجعل الانسان انتهازيًا، متقلقلاً، ابن دقيقة، لأنه لم يتأسس على "الابدي". والضيق (تلبسيس، 24: 9، 21، 29) والاضطهاد (ديوغموس، 5: 10- 12، 44؛ 10: 23؛ 23: 24) هما واقعان اسكاتولوجيان يدلاّن على حقيقة القرار الذي نتّخذه. لا نبقى في الغيوم والنوايا "الطيّبة". لقد عرفت كنيسة متّى الاضطهاد "من أجل الكلمة" (آ 21)، كما عرفت خطر "الشكّ" الذي يلغي الامانة (29:5-30؛ 11: 6). وهناك أخيرًا "همّ العالم" و "غرور الغنى" التي تخنق الكلمة وتتركها بدون ثمر. هي تجعل الانسان (وحاجاته وملذاته) محور العالم، فيعبد نفسه. ولكن يستحيل علينا أن نعبد سيّدين (6: 24).
والذي يسمع الكلمة ويفهمها "يثمر"، يصنع ثمرًا. ويشدّد متّى على غلّة هذه الأرض، وهو واعٍ أنه يجب أن ننتقل من القول إلى العمل (7: 16- 20). فعبارة "صنع ثمرًا" (بوياين كربون) ترد أكثر من مرة عن الشجر (3: 15؛ 17:7- 19، 12: 33)، عن الزرع (13: 26)، عن البشر (8:3؛ 13: 23؛ 43:21). والثمر الذي ينتج هو عمل كلمة الله في أرض متقبّلة. إنه علامة بركة الله على مثال ما حصل لاسحاق في تك 12:26. فما يميّز التلاميذ عن الجموع هو فهم يدفعهم إلى العمل بمعنى أنهم يستسلمون إلى عمل الله الحاضر في كلمة يسوع. هذه الكلمة هي خصبة في ذاتها، فيكفي أن لا نضع في وجهها عائقًا. ونحن لا نعرف معنى كلمة "فهم" إن لم يكن لنا لقاء بالربّ به تدخل كلمته في قلوبنا.
ثانيًا: الملكوت سينمو (آ 24-33)
* مثل الزؤان
تابع يسوع أمثاله، ولم يقل لنا النصّ إن السامعين تبدّلوا. ولكن في آ 34، نشعر أنه يتوجّه بشكل حصري إلى التلاميذ.
المثل الأول، مثل الزؤان في الحقل، يستعيد صورة الزرع الجيّد الذي يعارض نموّه قوّةٌ معادية. يبدو المثل بشكل دراما بشريّة: ربّ بيت زرع زرعًا جيّدًا في حقله. وتعجّب عبيده لأنهم رأوا الحقل مليئًا بالزؤان. وجاء جواب ربّ البيت غير عادي، ونظرته إلى الزؤان في يوم الحصاد مدهشة. ما يبدو مشكّكًا هو أن الرب يحتمل نموّ الخطأة وسط الأبرار. ولا يمكن استباق الدينونة كما أراد يوحنا المعمدان (31: 12). لهذا يجب علينا أن نتحلّى بالصبر، ولا نستطيع أن نقرّر من هو زرع جيّد ومن هو زؤان. وهناك ثقة لدى ربّ البيت بعظمة زرعه. فهو يعرف أن الزؤان لا ينتصر. ثم إن المثل يشدّد على وجهة النموّ حتى النهاية، "حتى الحصاد" الذي يوجّهنا الى نهاية الأزمنة، أي الوقت الذي فيه يميّز الله حقًا بين الأشرار والأخيار. وهكذا ما بدا غريبًا في مقولات مثل الزارع، قد أوضحه يقين مطمئن لدى "إنسان زرع في حقله زرعًا جيّدًا" (آ 24).
* حبة الخردل والخميرة
يبدو هذين المثَلين بشكل خبر. رجل مع حبّة خردل. إمرأة مع خميرة. هذا هو عملهما العادي، وهو يتّخذ طابع الحدث.
يقدّم مثل حبّة الخردل تعارضاً بين صغر الزرع والمرحلة الأخيرة في نموّه. ما يلفت النظر هو المدى الذي تأخذه نبتة الخردل في المثل: شجرة يلجأ طير السماء إلى أغصانها. نحن نعرف في التوراة صورة الملك القويّ الذي يؤمّن الحماية لعبيده (قض 9: 15؛ مرا 4: 20؛ با 1: 12؛ حز 31: 6). ونعرف مثل الارزة (حز 17: 22-23) التي ترمز إلى مجد اسرائيل الذي عاد إلى ما كان عليه، ورؤية نبوخذ نصر (دا 4: 9-18) وصورة الملك الآتي. قد يكون يسوع انطلق من هذه الصور ليتحدّث عن تحقيق الملكوت تحقيقًا نهائيًا.
إن صغر الحبّة يدلّ على الطابع الحقير (يكاد أن يكون بلا قيمة ولا وزن) والمخيّب لبداية مجيء الملكوت. سبق ورأينا أن رسالة يسوع لم تكن توافق ما تصوّره الناس عن المسيح (3: 13-14؛ 11: 2-13، ما تصوّره أهل الناصرة عن يسوع (53:13-58). فالمثل يستنير بمثل الزؤان وتفسيره: زرع ابنُ الانسان في حقل العالم ملكوتًا ظهر متواضعًا. ولكنه في النهاية يكشف مشروع خلاص يعمّ الكون. قد نظنّ أن متّى يفكّر بالكنيسة كما امتدّت في نهاية القرن الأول، وهو متيقّن بما تؤول إليه في المستقبل لأنها عمل الله. نحن هنا أمام فهم عميق لمخطّط الله: فالظواهر لا تجعل المؤمن ييأس، لأن نشاط يسوع التاريخي قد دشّن حقًا المرحلة الحاسمة في تاريخ الخلاص، ولا شيء بعد اليوم يوقفه. 
ومثَل الخمير الذي مُزج بالعجين يعبرّ عن التعارض نفسه. اذا كان الخردل سيصير شجرة كبيرة فيرمز إلى ملكوت الله، فقليل من الخمير، إن كان خمير الله، يستطيع أن يخمّر كميّة كبيرة من الدقيق. إن رقم ثلاثة أكيال قد أخذ من تك 6:18 (رج قض 19:6؛ 1 صم 1: 24)، وهو كبير جدًا، لأن مثل هذا العجين يكفي 150 شخصًا (هنا نتذكّر عرس قانا الجليل وكمية الخمر). إن النظرة الخارقة إلى هذه الوجبة من الطعام تعيدنا إلى الوليمة الاسكاتولوجيّة. نلاحظ لفظة "حتى" (آ 33) التي وجدناها في مثل الزؤان (آ 30). إن الملكوت حاضر في العالم كخمير ليحوّله، ونموّه في النهاية سيصل إلى ملء النموّ.
هذا النموّ الذي يتعدّى امكانيَّاتنا، يفهمنا أن يسوع هو مبدأه. ما اهتمّ هذان المثلان (حبة الخردل، الخميرة) بالنموّ البشري الذي لا يمكن أن نحدّده. فيسوع قد فجّر هذه الكلمة لأن النموّ الالهي هو الملء والتمام.
وتساءل آباء الكنيسة: من هي المرأة؟ قالوا: هي حكمة الله، هي الكنيسة، هي المرأة المرأة، أي العذراء مريم التي حملت في أحشائها الكلمة، خمير الخبز البشري. أما الخمير فيمثّل يسوع، الرسل، الايمان، قيامة يسوع بعد ثلاثة أيام.
أما مثل حبّة الخردل فيحيلنا إلى الكنيسة، إلى المسيح المتألم والقائم من الموت، إلى الانجيل، إلى الحياة الباطنية.
ثالثًا: خاتمة: أمثلة للجموع (آ 34- 35)
هنا تنتهي المتتالية بأمثالها الثلاثة. تقدّمُ آ 34 عبارة ستعود في الخاتمة الاخيرة (آ 51): "كل هذا". وتستعيد في تضمين عبارة آ 30 (كان يكلّمهم بأمثال)، فدلّت مرة أخرى على الجموع. وزاد متّى على هذه الفكرة الشخصية في آ 35 ايرادًا يدلّ على أن الكتاب قد تمّ (مز 78: 2).
أبرز الانجيلي هنا البُعد المسيحاني في اللغة النبويّة المستعملة بفم يسوع كتمام للانبياء. ودلك في الوقت عينه على أن هذه اللغة تبقى خفية، مكنونة (كاكريمينا، 11: 25: 13؛ 33، 44 مرتين). نحن هنا أمام نصّ خاص بمتّى. فعبارة "منذ البدء" العبرية واليونانية صارت عنده "منذ إنشاء العالم" (25: 34): فمنذ بداية الخليقة والملكوت يسير مسيرته.
ب- كشف الملكوت للعالم 13: 36- 50)
أولاً: بنو اللملكوت وبنو الشرير (آ 36-43)
يبدأ القسم الثاني من الخطبة بعبارة تقطع السياق قطعًا واضحًا. "حينئذ ترك الجموع وجاء إلى البيت" (آ 36). فسامعو البداية الكثر صاروا التلاميذ الذين جاؤوا إلى يسوع (آ 10) وطلبوا منه أن يفسّر لهم مثل الزؤان. ومع ذلك، فيسوع ما زال يتكلّم "بأمثال". غير أن هذه اللفظة لن تظهر قبل عبارة الخاتمة (آ 53). أما ما تبقّى من الخطبة فتوجّه إلى كل انسان من خلال التلاميذ. 
ردّ يسوع على سؤال الرسل، ففسّر مثل الزؤان وسط الزرع الجيّد. وتساءل الشرّاح حول أصل هذا التفسير، واعتبروا أنه لا يعود إلى يسوع بسبب الاسلوب الاستعاريّ. ولكننا نلاحظ أن العبيد أغفلوا ولم يُذكروا من بعد، كما أغفل حوارُهم مع ربّ البيت. لا شكّ في أن العبيد يمثّلون التلاميذ الذين يتوجّه إليهم المثل. وبعد أن قدّم يسوع لائحة، شرحَ فيها ألفاظ المثل (آ 37-39)، أعطى الشرح، فقابل الحصاد بالدينونة الأخيرة في أسلوب جلياني يستعيد صف 1: 3؛ دا 3: 6؛ 12: 3. المسألة التي لفتت نظر العبيد هي وجود الزؤان في الحقل (آ 27): يجب أن يُقتلع (آ 28) دون انتظار. فشدّد الشرح على أن الشرّ لن ينتصر، وعلى أن بني الشرير لن يتغلّبوا على بني الملكوت. سيُحكم في النهاية على فاعلي الاثم. فلا يبقى لنا إلا الصبر في انتظار تلك الساعة.
هل نماهي بين ملكوت ابن الانسان والكنيسة؟ كلا. وإلا حصرنا حمْل عمل ابن الانسان في نطاق ضيّق. هل هذا الحقل هو العالم؟ إن الانجيل الذي أعلن في العالم كله (24: 14؛ 26: 12) يجعل ابن الانسان يدين جميع الأمم (25: 32؛ 28: 19). ولكن لا نفصل بين العالم والأمم. فملكوت الابن هو حاضر منذ الآن في العالم بواسطة الكنيسة. وفي نهاية الأزمنة يظهر ملكوت السماوات للابرار كملكوت الآب. وهكذا يتوجّه النداء إلى المسيحيين لكي يعوا دعوتهم. كل ما لا "يهضمه" الملكوت سوف يُرذل. وبعد الدينونة الأخيرة يُكشف القناع عن الشكوك والاثم (انوميا، عدم الايمان. ثم الاثم، 7: 23؛ 28:23؛ 12:24). لهذا نطرح السؤال على نفوسنا: هل نحق حقاً بنو الملكوت؟ هل نحن بنو الشرير؟
ثانيًا: نبيع كل شيء (آ 44-48)
لا يكفي أن نسمع الشرح. بل يجب أن نتقبّل النداء الذي يتوجّه إلينا. تلك هي العبرة من الامثلة الثلاثة التالية التي هي خاصة بمتّى. لا يشرحها يسوع لأنها واضحة في ذاتها لمن يريد أن يفهم.
يُبرز المثلان الأولان (الكنز، اللؤلؤة) الالتزام الذي يتطلّبه الملكوت. فالنموّ الذي هو ثمرة عمل الله، يفرض علينا تجاوز نفوسنا. فالكنز الثمين لا يقسّم، ولا يشارك فيه أحد. أما الحقل الذي أخفي فيه واشتري، فلا أهمية له. المهمّ هو الكنز، وهو ثمين جدًا بحيث يستحقّ أن نبيع كل شيء ونقتنيه. وهكذا يبرز المثل موقف الانسان الذي حصل على الفرصة الفريدة التي أعطيت له ليكتشف في يسوع الملكوت الذي صار قريبًا منه.
ونقول الشيء عينه عن اللؤلؤة الثمينة. اكتشفها التاجر فباع كل شيء ليقتنيها. تخلّى عن مهنته كتاجر، واكتفى بأن يمتلك هذه اللؤلؤة الفريدة. يُروى المثلُ هنا أيضًا وكأنه حدثٌ حصل الآن. إن مهمّة يسوع تتطلّب جوابًا لا مساومة فيه. كما حدث للرجل الغني (19: 16-30). ففي الكنيسة اليوم، كما في كنيسة متّى، تعاملُنا الامثالُ بعنف، تطرح علينا السؤال الحاسم: بالنسبة إلينا ما قيمة الملكوت الذي يأتي اليوم إلى لقائنا كما ظهر في الماضي على شاطىء بحر الجليل؟ فمن فهم الامثال أدرك أن الملكوت يطلب منه كل شيء.
ومثَلُ الشبكة المرميّة في البحر، يدلّ على الجدّ الذي يصل بنا الالتزام. هذه الشبكة تضم "أشياء كثيرة"، وقد امتلأت. وفي ملء الزمن، أو في "منتهى الدهر" كما يقول متّى، يتمّ فرز الأخيار من الأشرار.
ثالثًا: الخاتمة فصل الأشرار عن الأبرار (آ 49- 50)
إن تفسير مثل الشبكة جزء من المثل. ولكننا فصلناه لأنه خاتمة القسم الثاني من الخطبة واستعادة لمعطيات مثل الزؤان. في آ 41-43، نتذكّر صف 1:3؛ دا 6:3؛ 3:12 على ضوء ملا 13:3- 21. كل هذا يتوسّع في شكّ المؤمنين حين يرون الاشرار في قلب شعب الله. أما آ 50 فتستعيد دا 3: 6 وتصوّر يوم الربّ. عاد متّى الى التأويل المدراشيّ وحرّض الجماعة على الأمانة للالتزام بالنظر الى الدينونة الآتية. فمجيء يسوع بدأ يميّز. يبقى علينا أن نأخذ على محمل الجدّ هذا الملكوت هـالاّ استُبعدنا منه. لهذا تتكرّر عبارة ظهرت في 12:8 وستعود في 13:22؛ 24: 15؛ 30:25: "هناك يكون البكاء وصريف الاسنان" (13: 42- 50)
ج- خاتمة الخطبة (13: 51-52)
وأنهى يسوع خطبته بسؤال قاطع: "أفهمتم هذا كله" (آ 51)؟ أي كل ما قاله يسوع للجموع بأمثال (آ 34). أي هل تعرّفتم الى يسوع وهو يكلّمكم بأمثال؟ أجابوا: نعم. ولكن، من أجاب؟ هذا ما لا يقوله متّى. فمثل هذا الجواب ينقلنا من حالة "الجموع" الى وضع "التلاميذ". فأهل الناصرة سوف يتساءلون: من أين ليسوع كل هذا؟ هم أيضاً لم يفهموا (آ 56).
وبعد أن استعاد يسوع موضوع القسم الأول من الخطبة (آ 1-35)، ألقى الضوء على معنى الالتزام الذي يتضمّنه "فهم" الامثال، بمثَل أخير هو مثَل الكاتب الذي صار تلميذًا في ملكوت السماوات. فمن صار تلميذًا أخذ على نفسه نير المسيح (11: 29). تسلّم مهمة تعليم الآخرين واشراكهم في خبرات نالها (28: 19) كـ "سيّد بيت" (10: 25؛ 27:13؛ 20: 1، 11؛ 21: 33؛ 24: 42) قابل يسوع نفسه به. الكاتب هو العارف بالشريعة والاخصّائي في الكتب المقدّسة. فإن اكتشف في يسوع الكنز المخفيّ في حقل (آ 44) جدّد يسوع نظرته كلها وأعطى القديم الذي فيه جدّة الانجيل.

4- لاهوت الامثال
حدّثتنا جميعُ الامثال عن ملكوت السماوات. فكشف كل واحد وجهة منه، ودلّت كلها أول ما دلّت على واقع يسوع الذي هو محور التاريخ ونقطة الاتصال بين السماء والأرض. ففي يسوع، صار ملكوت الله قريبًا من الانسان بشكل نهائي. وحين يكتب الانجيليّ أن ملكوت السماوات يشبه إنسانًا عمل عملاً، أو فعل شيئًا مثل الخميرة أو الشبكة، فالتشبيه ينطلق من اللوحة كلها، لا من بعض عناصرها فقط. ولكن هل نستطيع أن نحدّد مفهوم الملكوت انطلاقًا من كل مثَل من هذه الامثال؟
يشدّد مثل الزارع ومثل الزؤان على فاعليّة الزرع الذي يثمر لا محالة. ما إن تتّصل الكلمة (التي هي يسوع) بأرض العالم، حتى تنمو. قوى الشرّ تعمل، ولكنها لا تستطيع أن تتغلّب على ديناميّة الحياة التي وضعها في الانسان مجيء المسيح (8:16). ونهاية الأزمنة ستكشف كل ذلك بشكل ساطع.
ومثَل الخميرة الخفيّة في البشريّة منذ إنشاء العالم، ومثل حبّة الخردل التي تصبح شجرة كبيرة، يدلاّن على أن نموّ الملكوت يتجاوز كل ما يتوقّعه الانسان. 
ويدلّ مثلا الكنز المخفى واللؤلؤة الثمينة على انقلاب الأوضاع لدى الذين يطلبون الملكوت: إنه يفرض عليهم التزاماً تاماً وتضحيات عديدة. ومثل الشبكة يُبرز الفصل الاخير بين ما هو صالح وما هو رديء، بين ما يتحّول إلى ملكوت وما يُرمى في الظلمة البرانية. وهذا الفصل يبدأ منذ اليوم بكلمة يسوع.
سأل التلاميذ يسوع لماذا يتكلَّم بأمثال (آ 10). فأجابهم يسوع أن لهم أعطي فهم أسرار الملكوت (آ 11). وفي النهاية قالوا إنهم فهموا (آ 51). ما الذي أعطي لهم، وماذا فهموا؟ في الواقع أدركوا أن الملكوت مسيرة لا رجوع عنها. ويسوع يدعو سامعيه دومًا لتجاوز أنفسهم. هو يطلب موقفًا عميقًا من السماع، لأن ملكوت السماوات ليس تعليمًا نكتنزه مرّة واحدة، بل هو نداء متواصل نتقبّله كل يوم وكأنه جديد. وحين نصل يبقى علينا أن نتابع الطريق.

خاتمة
كشف لنا ف 11-12 الجدال الحاضر في قلوبنا والحكم الذي بدأ يعمل عمله في حياتنا. دُعينا لنجتمع قرب "البحر" فسمعنا يسوع ورأيناه يزرع الكلمة. فليتورجيا الكلمة تجمعنا دومًا وتدعونا لكي نتقبّل فينا الزرع الذي هو يسوع. قد نودّ أن لا نتحرك. ولكننا نحسّ بدفع الحياة يحطّم القشرة التي فينا، ويخرجنا من ذواتنا. قد تكون قلوبنا قاسية. فيسوع ينزع القناع، فيتفجّر على شفاهنا طلب ملّح: "فسِّر لنا هذا المثل". وبنو الملكوت وبنو الشرير يتواجهون في وجداننا إلى أن نقبل في التزام كامل الجديد النهائي من ذاك الذي يقودنا إلى ملكوت الآب.
الفصل التاسع عشر
خرج الزارع ليزرع
13: 1: 17

يبدو هذا المثل مؤلفًا من ثلاثة أقسام: مثل الزارع (آ 1-9). اعتبارات حول التعليم بالامثال (آ 10-17). تفسير مثل الزارع (آ 18-23). حين نتوقّف عند المثل وحده، نتساءل عمّا أراد يسوع، خلال رسالته العلنيّة، أن يُفهم أولئك الذين سمعوا "الخبر" للمرّة الأولى. واذا قرأنا المثل مع تفسيره، نتوقّف عند التعليم الذي أراد الانجيلي أن ينقله إلى قرّائه المسيحيّين في نهاية القرن الأولى. وهكذا يستطيع "الواعظ" أن يختار بالنظر إلى سامعيه: ما أعطاه يسوع لسامعيه. ما أعطاه متّى لقرّائه.
نبدأ أولاً فنتفحّص المثل في حدّ ذاته متسائلين عن مدلوله في إطار رسالة يسوع. وبعد إشارة سريعة إلى تفسير المثل (سنعود إليه)، نتوقّف عند وجهة متّى الشخصيّة بالنسبة إلى الأمثال وإلى ما دفع يسوع إلى أن يكلّم الناس بالامثال.

1- المثل في رسالة يسوع
أ- ما هو الموضوع
يتحدّث الخبر عن زرع، عن بذار يرميها زارع، عن أراض مختلفة سقطت فيها هذه البذار، وعن النتائج التي حصل عليها الزارع هنا وهناك. فكيف انتظمت هذه المعطيات بعضها مع بعض في علاقة تؤمّن الوحدة لمجمل هذه المعطيات؟
ويدخل الزارع أولاً "على المسرح". لماذا وضعت "أل" التعريف؟ هل يرى يسوع زارعًا معينًا؟ كلا. بل هو يتوقف عند ممثّل فئة من الفئات. زارع من المزارعين. ذُكر الزارع في المقدمة. ثم ترك المسرح بشكل نهائي فما عاد يُذكر. فلو كان له أهمّية خاصة، لظهر وهو يراقب نتيجة عمله (نموّ الزرع) أو عاد من أجل الحصاد. انحصر دوره في رمي البذار. وبعد ذلك اختفى.
بعد ذلك الوقت يلفت كلَّ انتباهنا البذار. حتى النهاية، يتحدّث عن حبّ سقط على قارعة الطريق (أو بشكل أصحّ: "على الطريق"، حيث يمرّ الناس). وعن الذي سقط على أرض صخرية (مكان فيه تراب قليل يغطّي الصخر. فالحبّ لا ينبت على الصخر). وعن الذي سقط بين الشوك، والذي سقط أخيراً في الأرض الطيبة. وفي كل حالة، يتحدّث النص عن النتيجة التي حصل عليها الزارع. لهذا تكلّم بعض الشرّاح عن مثل الحقل مع أربعة أنواع من"الأراضي".
لا شكّ في أن هناك أربعة انواع، ولكنها تُذكر بالنظر إلى النتيجة التي حصلت عليها البذار التي سقطت فيها. والأمر واضح في الحالة الأخيرة. فالأرض الجيّدة، أعطت مئة وستين وثلاثين. أما الاختلاف في الغلّة فلا ينسب إلى نوعية الأرض، بل إلى نوعيّة البذار. فإن آ 8 لا تقدّر الغلّة بالنظر إلى كمّية الحبوب التي بذرت (كانت الحبة تعطي تسع حبات تقريباً في فلسطين). بل تقول إن بعض الحبّات أعطت مئة، وأخرى ثلاثين.
إذن، أراد "الراوي" أن يركّز انتباهنا على البذار وعلى النتيجة المختلفة التي حصلت عليها هذه البذار بحسب الأرض التي سقطت فيها.
ب- بنية المثل
تبدو الامور بسيطة للوهلة الأولى: تألّف المثل من أربع لوحات صغيرة تصوّر مصير الحبّ الذي سقط في أربع أراض مختلفة. هي بنية شبيهة بما في قض 9 مع مثل يوتام. نحن هنا أمام أشجار تريد أن تختار لها ملكًا. توجّهت على التوالي إلى الزيتونة والتينة والكرمة. فرفضت كل واحدة أن تكون ملكة. وتوجّهت الأشجار أخيرًا إلى العوسجة فقبلت أن تكون ملكة على الأشجار (آ 8-15). حينئذ كلّم يوتام أهل شكيم، وشجب الشرّ الذي يعمله الملك أبيمالك الذي يشبِّهه المثلُ بالعوسجة. فالاشجار الثلاث الأولى التي ذُكرت في البداية، لا تجد شيئًا يقابلها في خبر أهل شكيم. فمن الواضح أنها ذُكرت لتبرز بشكل تعارضي طبيعة العوسجة وما تحمله من ضرر لسائر الاشجار: "لتخرج مني نار وتحرق" (آ 15).
ومثلُ الزارع، شأنه شأن مثل يوتام، يريد أن يقدّم تعارضًا بين الفئات الثلاث الأولى من البذار التي لم تعط ثمرًا، وبين الفئة الاخيرة، التي أعطت مئة وستين وثلاثين. وفيها يعود التوازن مع ما سبق. هناك عقم مثلّث في الفئات الثلاث الاولى، وهنا غلّة مثلّثة بحسب البذار (100، 60، 30). ويبرز مرقسُ بشكل خاص التعارض بين الأمثلة الثلاثة الأولى والمثل الاخير. نلاحظ أولاً اختلافًا بسيطًا في طريقة تسميته للزرع. في المفرد، في الحالات الثلاث الاولى. في الجمع، في الحالة الاخيرة (جعل مت الحالات الاربع في الجمع، ولو في المفرد). ونلاحظ أخيرًا نهاية المثل الثالث حيث يقول مرقس "إن الحب الذي سقط في الشوك لم يعط ثمرًا" (7:4) هذا التحديد يقطع مسيرة الخبر في نهاية الامثلة الثلاثة، ويخلق تعارضًا مع الحبّة التي سقطت في الأرض الجيّدة "فأعطت ثمرًا" (آ 8). لم يظهر التعارض بهذا الشكل عند مت ولو، ولكنه ظهر في مثل يوتام. وهكذا توخّى التصوير مقابلة بين ثلاث حالات من الفشل وثلاث حالات من النجاح. وهكذا ينتهي المثل في جوّ من التفاؤل والأمل.
قدّم الانجيل أمثالاً أخرى تكثر فيها التعارضات. فمثل الوزنات (مت 25: 14-30) يضع أمامنا ثلاثة خَدم: موقف الاثنين الأولين يعارض موقف الخادم الثالث. ويضع مثلُ العمّال في الكرم (20: 1- 5) أمامنا خمس مجموعات من العمّال. ولكنه يكتفي في النهاية بأن يعارض بين عمّال الساعة الأولى وعمّال الساعة الأخيرة.
فالمراحل الأربع في هذا المثل الذي يبدو بشكل خبر، تبدو بشكل توّسع أدبي يُعارض بين حبّ يعطي ثمرًا وحبّ لا يعطي ثمراً. وفي رسمة من هذا النوع نقول إن الكاتب يشدّد على الفئة الأخيرة، فيؤكّد هنا على الغلّة الوافرة للحبّة التي سقطت في الأرض الجيّدة. غير أن هذا التأكيد لا يتّخذ كامل معناه إلاّ في العلاقة التي تقابله مع الفشل الذي مُنيت به الحبات في الأراضي الرديئة. غير أن هذا الفشل في ثلاث حالات سيعوّض عنه نجاحُ الحبّات التي حملت ثمرًا.
ج- وضع المثل في رسالة يسوع
ونتساءل: هل كنا اكتشفنا معنى مثل يوتام لو لم نكن نعرف أنه يشير إلى أبيمالك، وهل كنا اكتشفنا معنى مثل ناتان حول الغني الذي سرق نعجة الفقير (2 صم 12: 1-4) خارج الاطار الذي قيل فيه، ولم لو نعرف الخطيئة التي اقترفها داود حين زنى مع بتشابع وقتل زوجها أوريا لكي يتزوّجها؟ هكذا يجب أن نفعل حيال أمثال يسوع مع أن الظروف التي قيلت فيها لم تُذكر في الاناجيل. نبحث عن الاطار الحياتي، الذي يلقي الضوء على الهدف الذي توخّاه يسوع من أمثاله.
هناك حالات يسجّل فيها الوضع الذي يحاول المثل أن يقدّم له جوابًا. يسجَّل في الخبر الامثالي نفسه بشكل متخفٍّ ولكنه يكفينا لكي نكتشفه. فتذمّرات عمّال الساعة الأولى (مت 20: 11-12)، وتذمّرات العبد البطال (25: 24-25) والابن الاكبر (لو 29:15-30)، هي صدى لاحتجاجات السامعين الذين إليهم يوجّه يسوع أمثاله، فيرون نفوسهم كما في مرآة. وهناك أمثال أخرى لا تذكر في الخبر "الشخص" الذي يتكلّم باسم السامعين. إلاّ أنها تشير إلى صعوبة تتطلّب تفسيرًا. ماذا نقول مثلاً في سلوك الراعي الذي يترك 99 خروفاً ويذهب في طلب الخروف الضائع (لو 15: 4-7)؟
أما مثل الزارع فيرتبط بهذه المجموعة الاخيرة. فإذا وضعنا جانبًا المقدّمة القصيرة (3:13 ب) والآية الاخيرة (آ 8)، فهو لا يتكلّم إلاّ عن الحبّات الضائعة. هذه الصورة المفصّلة عن فشل بعد فشل، تسترعي طويلاً انتباه السامعين فيشعرون وكأن كل شيء قد ضاع. وبعد ذلك نعرف فجأة أن الزرع أعطى رغم كل شيء غلّة كبيرة جدًا. وهكذا نفهم بسهولة حتى آ 7 أن الخبر هو صدى لعواطف السامعين. وتأتي آ 8 فتعطي جواب يسوع. توجّه الرب الى أناس لا يرون أمامهم إلا الفشل، أناس أحسّوا أن آمالهم تتبخّر، فقال: كل هذا الفشل الذي لا شكّ فيه، لا يمنع نجاحًا أخيراً يعوّض تعويضًا كبيرًا من كل الخسارات السابقة. توجّه المثل إلى أناس دبّ فيهم اليأس، فأنعش في قلوبهم الرجاء أمام هذا الزارع الذي هو الله بالذات.
هناك الفشل الذي يؤثّر على المحيطين بيسوع حين يرون الناس يتركونه، يتراجعون، يعارضونه. كيف يستطيعون بعد أن يؤمنوا حين يرون ما آل إليه أول تدخّل أراد به الله أن يقيم ملكه على الأرض؟ لقد أراد مثل الزارع أن يردّ على هذه الاعتراضات، سواء عبّر التلاميذ عنها أو لم يعبّروا. فمن توقّف عند الفشل ولم ينظر الى أبعد، يكون قد نظر الى ضياع قسم من البذار واستنتج أن جميع البذار لن تعطي شيئًا.
والفشل؟ ألا نجده اليوم في عملنا ورسالتنا؟ لهذا يحتار المسيحيون ويتبلبلون. لهذا فمثل الزارع يتوجّه إلينا نحن اليوم.

2- تفسير المثل
أ- ما هو الموضوع
رأى عدد من الشراح أن تفسير المثل يبقينا في جوعنا. والسبب: ترجمة خاطئة للنصّ اليونانيّ. فالفعل "سبايرو" اليونانيّ قد يكون مفعوله البذار التي نبذرها والأرض التي نبذر فيها. الخبر يبدو متماسكًا. يبقى علينا أن نهتمّ بترجمة النصّ. في آ 21 نقرأ: "ليس له أصل في ذاته". فماذا ينفع الاصل والجذور التي تأتي الى الزرع من الخارج؟
إن الشّرح يشدّ اهتمامنا من البداية الى النهاية إلى مختلف فئات البشر التي تسمع "الكلمة". ويتماهى السامعون على التوالي مع الطريق، حيث تُخطف الكلمة حالاً. ومع الأرض الصخرية التي لا تتيح للزرع أن يتجذّر. ومع الأرض المملوءة شوكًا. فالشوك يخنق الزرع. وأخيرًا مع الأرض الجيّدة التي تعطي ثمرًا. ما يلفت الانتباه في هذه الخاتمة هو أن الثمر يُنسب لا إلى الزرع كما في المثل، بل إلى الأرض الخصبة.
تبدّلت النظرة. هناك تشديد على مختلف الأراضي، وعلى الزرع الذي يسقط في هذه الأراضي. غير أننا نلاحظ في الوقت عينه أن الانتباه يتحوّل من الواقع إلى السبب الذي يجعل كل فئة تعطي أو لا تعطي ثمرة. أو بالاحرى يتركّز انتباهُنا على الاسباب التي تفسّر الفشل: تدخّلُ الشيطان (يأتي الشرير يخطف ما زُرع). نقص في الثبات خصوصًا عندما يحلّ ضيق أو اضطهاد. هجومُ العالم وغرور الغنى. كل هذا يخنق الكلمة فتصير بلا ثمرة. لا نجد شيئًا آخر في نصّ مرقس الذي لا يقدّم أية اشارة حول الاستعدادات التي تتيح للأرض الطيّبة أن تحمل ثمرًا. أما متّى فقد عوّض عن صمت مرقس فحذّر المؤمنين من قبول غير كاف لكلمة الله.
وهكذا ابتعدنا عن الدرس الذي يدعونا إلى الثقة بالله كما في المثل. فالتفسير يهتمّ بتنبيه المسيحيين من أخطار يتعرّضون لها في استعداداتهم النفسيّة فتمنعهم من حمل الثمار الذي تطلبه كلمة الله من الذين سمعوها.
ب- خصوصيّة متّى
نجد في مت إشارات بسيطة تبقى على المستوى الأدبي ولا تؤثّر على المعنى. غير أن هناك تفصيلاً هامًا له بعده الحقيقي يلفت انتباهنا: أدرج متّى مرتين فعل "فهم" في آ 19 وآ 23.
في آ 19، اعتبر متّى أنه لا يكفي الحديث عن "الشرير" للقول بأن ما وقع على الطريق لم يعط ثمرًا. فالفشل له سبب آخر عميق هو خطأ شخصي لدى السامع: سمع الكلمة ولكنه "لم يفهمها". وعدم الفهم هذا هو سبب شقائه. 
وفي آ 23، فسّر متّى كيف أن الأرض الجيّدة أعطت ثمرًا: إنها تمثّل "ذاك الذي سمع الكلمة وفهمها". فالتعارض مع الحقل العقيم كل العقم تامّ: غياب كل ثمر مرجعه اللافهم. أما الإثمار العظيم فمرجعه الفهم. وزاد النص في آ 23: "ذلك يثمر ويعطي تارة مئة وأخرى ستين وأخرى ثلاثين". هناك أداة يونانية "دي" التي تعني بالحقيقة. ففي نظر الانجيلي "فهم" و"أثمر" لا ينفصلان. من فهم أثمر، ومن لم يفهم لا يثمر. فلا نستطيع أن نتصوّر الواحد دون الآخر.
إن هذا التشديد على ضرورة "الفهم" يعلمنا أن معنى الفعل ليس معنًى عقليًا (على مستوى العقل والتجريد)، ولا منفعلاً (بما أن الانسان لا يفعل شيئًا، هو يترك الكلمة تفعل فيه). فإذا أردنا أن ندرك بُعد هذا الفعل، نتذكّر أن متّى يستعيد هذا الفعل من نبوءة أشعيا المذكورة في مقطع أدرجه متّى بين المثل وتفسيره، فدلّ على السبب الذي لأجله تكلّم يسوع بالامثال.

3- لماذا كلّم يسوع الجموع بالامثال
إذا كان متّى قد ربط ربطًا وثيقًا شرح المثل بالاعتبارات التي أوردها في آ 10-17، فلأنه قام بعمل تدوينيّ في هذه الآيات التي يعود بعضها الى أشعيا. فهنا نستطيع أن نجد الفكرة التي قادته في المجموعة المؤلفة من آ 1-23.
إن السؤال الذي طرحه التلاميذ على يسوع في آ 10، يدلّ على الاتجاه الجديد. ففي مر 4: 10، جاء الذين يحيطون بيسوع وسألوه "عن الامثال". لسنا فقط أمام معنى مثل الزارع (لو 9:8)، بل أمام السبب الذي لأجله استعمل يسوع اللغة الأمثاليّة. وحدّد متّى فقال: لماذا تكلّمهم (هم) بأمثال؟ ما استصعبه التلاميذ ليس لغة الامثال في حدّ ذاتها، بل استعمال يسوع للامثال حين يتوجّه إلى الجموع. ففي نظر التلاميذ، لا تطرح الامثال مشكلة: لقد ولدت المشكلة من استعمالها أمام أناس لا يستطيعون أن يدركوا مدلولها.
إن الطريقة الخاصّة. التي بها عالج متّى مشكلة الامثال قد ظهرت في تدوين الايات الأولى من ف 13. قدّم مر 4: 1-2 الخطبة بأمثال كمثال نموذجيّ عن "تعليم" أعطاه يسوع للجموع. ففعل "علّم" واسم "تعليم" يعودان ثلاث مرات في هاتين الآيتين. أما متّى فتجنّب هاتين اللفظتين باهتمام كبير. فاكتفى بأن يكتب: "كلّمهم (أي الجموع) كثيرًا بأمثال". فالأمثال لا تشكّل تعليماً لأناس لا يقدرون أن يفهموها. فهي لا تنير إلاّ التلاميذ الذين يستطيعون أن يفهموها. وعلى هذه النقطة تشدّد نهاية الفصل: إن التلاميذ فهموا كل شيء (آ 51). إنهم كالكتبة الذين أنهوا "سنوات" تكوينهم. (آ 52).
إذن، أنارت المقدّمة والخاتمة المسألة المطروحة في آ 10. لقد رأى متّى في الامثال وسيلة بها يدرجّ يسوع تلاميذه في اسرار ملكوت السماوات. هذه الامثال هي جزء من تكوينهم. ولكن لماذا وجّهها يسوع الى الجمع الذي لا يفهم؟
قدّم مرقس جوابًا واحدًا (4: 11-12). وكذا فعل لوقا (8: 10). أما متّى فأعَطى جوابين (آ 11-12، 13-15) وكمّلهما بإعلان إضافيّ (آ 16-17) قال فيه: "وأما أنتم فطوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولآذانكم لأنها تسمع".
أ- الجواب الأول
يتكوّن الجواب الأول من عنصرين متميّزين. في آ 11، اكتفى متّى بأن يستعيد مجمل ما قاله المرجع الذي أخذ منه (رج مر 4: 11؛ لو 8: 10): "لأنه قد أعطي لكم (من قبل الله) أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات. وأما أولئك فلم يعط لهم (من قبل الله)". حين تكلّم يسوع بأمثال، خضع لتدبير إلهي بموجبه حُفظ كشفُ أسرار الملكوت للتلاميذ، ورُفض للجموع.
من الواضح ان هذا الجواب التقليديّ لم يرض متّى. غير أنه ما ألغاه. بل زاد عليه شرحًا يتوافق مع نظرته الى الأمور. استعادَ هذا الشرح من قول ليسوع وجده في سياق آخر (رج مر 25:4؛ لو 18:8): "فمن له يعطى (من قبل الله) ويزداد (تكون له الوفرة). ومن ليس له، فحتّى ما هو له يُؤخذ (ينزع) منه" (بواسطة الله) (آ 12).
إن المبادرة الالهية لا تفسّر كل شيء. فإن كان الله حفظ لفئة ورفض لفئة ثانية معرفة أسرار الملكوت، فلأن الأولين "يملكون" (لهم) شيئًا لا يملكه الآخرون (ليس لهم). وهكذا يجد الخيار الالهي تبريرًا له في وضع السامعين. هو لا يستبعد أبدًا المسؤوليّة الشخصيّة، بل يشكّل دينونة وحكمًا: دينونة خير للذين "لهم"، وحكم للذين "لا يملكون" (ليس لهم) ما يحقّ لله أن يجده عندهم. فالقرار الإلهي التي تتحدّث عنه آ 11 يتأسسّ إذن على استعداد وشرط مسبق. وسيظهر معنى التوضيح بشكل أفضل في الجواب الثاني.
ب- الجواب الثاني
ونجد نفوسنا هنا أيضًا أمام عنصرين متمايزين. فالجواب بحصر المعنى تقدّمه آ 13: "إليكم لماذا أكلّمهم بأمثال: لأنهم لا يبصرون مع أنهم يبصرون، وإذ يسمعون لا يسمعون ولا يفهمون". في هذه الآية، ما اكتفى متّى بأن يستعيد النصّ الذي وصله على يد التقليد والذي وجده في مر 4: 12. فقد أحلّ محلّ "لكي" أداة سببيّة "لأن"، وهكذا تبدّل معنى الآية تبدّلاً جذريًا: كلّم يسوع الناس بأمثال، لا ليمنعهم من أن يروا ويفهموا،، بل لأنهم لا يستطيعون أن يروا ويفهموا. فهم مخطئون لانهم عميان وصمّ، وهذا ما يبرّر استعمال الخطبة الامثاليّة التي تبقى غير مفهومة فتحكم على قساوة قلوبهم وتعاقبهم.
وإذ أراد متّى أن يشرح موقف يسوع، أدخل في آ 14-15 إيرادًا من أش 9:6- 10، فأوضح بذلك عودة ضمنيّة الى الآية السابقة. وهكذا نكون هنا أمام إحدى الاستشهادات العديدة (تدلّ على تتمّة العهد القديم في يسوع) التي وزّعها متّى في إنجيله. غير أننا نلاحظ في الوقت عينه أن هذا الاستشهاد يختلف عن سائر الاستشهادات بالعبارة التي تدخله. اعتاد متّى أن يبدأ هذه الاستشهادات بأداة غائية: "لكي يتم". ولكنه تحاشاها في 8: 17 (حينئذ تمّ ما قيل) وفي 27: 9 (فتمّ عندئذ قول إرميا النبيّ): كيف يستطيع أن يقول إن الله قد أراد جريمة هيرودس وخيانة يهوذا؟ وتحاشى متّى هذه الأداة هنا أيضًا، لئلاّ يعود إلى غائية ألغاها في الآية السابقة. لهذا كتب فقط: "ففيهم تتمّ نبوءة أشعيا". فأمثال يسوع تشبه أقوال أشعيا في الماضي: إنها الشكل الملموس لدينونة الله تجاه أناس ما استطاعوا أن يفهموا، فحُكم عليهم بسبب عماهم الخاطىء (هم مسؤولون عن هذا العمى).
ج- امتياز التلاميذ
قدّم يسوع جوابًا على السؤال الذي طرح في آ 10: لقد توجّهت الامثال إلى أناس لا يستطيعون أن يفهموها، فصارت علامة الحكم الذي استحقوه. غير أن متّى ما أراد أن يبقى في هذا الجوّ المظلم. وإذ أراد أن ينهي هذه الحاشيّة حول السبب الذي لأجله قيلت الامثال، عاد الى امتياز التلاميذ الذي لمّحت إليه بدايةُ الجواب الأول. فاستعمل لذلك قولاً من أقوال يسوع وجده في سياق آخر (لو 10: 23-24). ولكنه كيّفه مع الاهتمام الذي يوجّهه في كل هذا المقطع. 
فحسب لو 10: 23 قال يسوع لتلاميذه: "طوبى للأعين التي ترى ما ترون". فالتلاميذ سعداء (هنيئًا لهم) لأنهم يشهدون تحقيق المواعيد التي كانت موضوع انتظار طويل (آ 24). ونجد سبب سعادتهم في الحدث الذي أعطي لهم أن يشهدوه، بدون أي استحقاق من قبلهم. فصار هذا القول عند متّى: "أما أنتم، فطوبى لأعينكم لأنها ترى، ولآذانكم لأنها تسمع" (13: 16). زاد الآذان على العيون ليتوافق قوله يسوع مع نبوءة أشعيا التي سبق وأوردها. ولكنه بحثَ بشكل خاص عن سبب سعادة التلاميذ لا في حدث شهدوه بل في استعداداتهم الشخصيّة. اختلفوا عن الجموع التي لا تفهم شيئًا، فكانت لهم عيون تستطيع أن ترى وآذان تقدر أن تسمع.
ظلّت الكلمات هي هي، أمّا معناها فتبدّل. كنّا مع لوقا على مستوى أعين الجسد، وما استطاع التلاميذ أن يروا بأعينهم (يمرّ أمامهم كما في شاشة السينما). فحوّل متّى كل هذا إلى المعنى الروحيّ. التلاميذ سعداء بسبب استعداداتهم النفسيّة التي تجعلهم جديرين بأن "يروا" و"يسمعوا"، أي يفهموا. وهكذا يختلفون كل الاختلاف عن الجموع التي رأت هي أيضًا ما حصل، ولكنها مُنعت من التعرّف إلى وحي أسرار الملكوت بسب عماها الروحيّ الذي هي مسؤولة عنه.
خاتمة
قدّم مثلُ الزارع لمتّى مناسبةً يدعو فيها المؤمن لكي يفكّر في مسؤولية الذين يسمعون "كلمة الملكوت" (19:13). بما أن البعض لم يفهموا هذه الكلمة (آ 19) والبعض فهموها (آ 23)، فهذا نتيجة الاستعدادات الحميمة لدى كل انسان. فلا يمكن أن "نفهم" حقًا التعليم الانجيلي إلا في موقف من القبول الذي يكون بالضرورة إيجابيًا وفاعلاً. فالذي "يفهم" هو ذاك الذي يعمل بالحقيقة (دي، آ 23) ثمرًا. ولا نستطيع أن "نفهم" هذا التعليم دون أن نعيشه. فحين يحوّلنا من الداخل نفهمه. وفهمُ الامثال الذي إليه يدعو الانجيليّ المسيحيين، ليس فقط توافق العقل مع موضوع يبقى خارجًا عنا. إنه لا يتحقّق إلاّ في توافق حرّ ومسؤول من كياننا مع متطلّبات الحياة.
وهكذا أعطانا متّى في هذا المثل درسًا في الثقة والرجاء أمام الفشل الذي يتربّص بنا. وفي الوقت ذاته دعانا إلى الاستماع لكلمة الله استماعًا يحمل ثمرًا.
الفصل العشرون
تفسير مثل الزارع
13: 18- 23

لاقى تعليمُ يسوع عدداً من الصعوبات، فما فهمه الناس. غير أنه لم يقطع كل اتصال بهم. فهناك أمل بأن يرتدّ البعض ويسيروا معه. لهذا، دشّن الرب في هذا المثل تعليماً جديداً حول ملكوت السماوات: لقد تجاوز وقت إعلانه (توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات). فيجب أن يجعل التلاميذ يفهمون. فيسوع لا يجد أمامه فقط الجموع وخصومه. بل يجد أيضاً مجموعة التلاميذ الذي يسمعون كلمته ويستعدّون للعمل بمشيئة الآب. إنهم يشكلون عائلته الحقيقيّة وبيته (25:10؛ رج 25:11-30؛ 46:12-50). إنهم الصغار الذين كشف لهم الآب أسراره.
بعد أن درسنا مثل الزارع (مت 13: 1-9)، والسبب الذي لأجله قال يسوع الامثال (آ 10-17)، ها نحن نعود الى التفسير الذي قدّمه يسوع لهذا المثل (آ 18-23). بعد أن ندرس معنى المثل، نتوقّف عند نظرة مرقس وننهي مع متّى.

1- معنى مثل الزارع
لسنا هنا أمام مثل يتحدّث عن النموّ. ولسنا أمام تعارض بين البداية والنهاية. فدور الأراضي بين الحالتين مهمّ جدًا. ولسنا بحصر المعنى أمام مثل عن الملكوت، إذا فهمنا بهذه العبارة تعليماً حول الطريقة التي بها يقيم الله الملكوت. لأننا عند ذاك ننسى علاقة الزرع والأرض بشخص الزارع. ولسنا فقط أمام تشبيه بسيط، بل أمام خبر رمزيّ ينطلق منه يسوع ليقدّم تعليماً (نكون الأرض الجيّدة) فيه يستعيد الأحداث التي تمّت منذ بداية كرازته.
وهذا الخبر ليس فقط خبر الزرع والكلمة. خبر الثمار في القلوب كما يقول لوقا. بل هو خبر اللقاء الاسكاتولوجيّ بين الزرع الإلهيّ وشعب الله. لقد جاء يسوع يعلن الملكوت. انغلق بعضهم على هذا الاعلان: "الحكماء"، "الاقوياء"، الفريسيون الذين نسبوا الى بعل زبول ما أخرجه يسوع من شياطين بتقسيماته (مت 12: 24). وآخرون سمعوا دون أن يعطوا ثمرًا مثل سكّان كفرناحوم وكورزين (11: 20-24)، ومثل هؤلاء الذين أنشدو ساعة لا يجب أن ينشدوا، أو بكوا ساعة لا يجب أن يبكوا (11: 16-19). وهناك أخيرًا قلّة سمعت الكلمة بقلب طيّب وتبعت يسوع. فمن خلال ردّات الفعل هذه المختلفة، نستطيع أن نكتشف الأراضي التي فيها سقط الزرع.
حين نقرأ التفسير الذي قدّمه لوقا، نحسّ أنه حوّل بُعد المثل الأصلي. تعلّق بنتائج زرع الكلمة، لا بمعنى المثل. لقد وجّه تفسيره نحو الشخص الذي يتقبّل الكلمة، ساعة كشف يسوع اجتياح حدث اسكاتولوجيّ في تاريخ مخطّط الله. هل قام الانجيليّ بعمل اعتباطيّ؟ كلا. فأمانةُ الجماعة الفتيّة لتعليم المعلّم، أمر يعرفه الجميع. ثم إن عمل التفسير لم يبدأ مع الانجيليين الاولين ولا مع الكنيسة، بل مع يسوع نفسه.
تحدّث التقليد عن التلاميذ الذين ذهبوا الى يسوع وسألوه. وأعطى يسوع تفسيره. هذا ما فعله مثلاً بالنسبة إلى ما ينجّس الانسان حقًا (15: 10- 11). تلك هي الطريقة المتّبعة لدى المعلّمين. يروون الخبر ثم يؤوِّنونه. بعد أن يعرض المعلّم مثَله، يجمع في بضعة أقوال ما بدا غامضًا وواسعًا.

2- مرقس وتطبيق المثل
يرى مرقس أن تفسيره يتيح له أن يفهم المثل (13:4). ولكنه في الواقع يقدّم "تطبيقًا" يحصر المثل في إطار ضيّق. لقد تسلّم التفسيرَ من التقليد السابق، فقدّمه الى كنيسة رومة في إطار توجيه لاهوتيّ خاصّ به.
يتضمّن نصّ التطبيق في البداية استعارة واحدة: الزرع هو الكلمة، هو الكرازة. تُزرع الكلمة في السامعين (4: 15) بحيث نستطيع أن نعرف غلّة هذا الزرع بحسب أنواع السامعين. هناك أربع فئات من السامعين بحسب الأمكنة التي وقع فيها الحبّ: على جانب الطريق، على أرض حجريّة، بين الشوك، في أرض جيّدة. ماذا حصل للكلمة حين سُمعت، ولماذا حصل لها ما حصل؟ 
أ- جاء الشيطان وانتزع الكلمة ساعة زُرعت (آ 15).
ب- إن غياب الجذور (الاصل) لم يعوّضه فرح قبول الكلمة. تشكّك هؤلاء الناس حين جاء الاضطهاد أو الضيق بسب الكلمة. فالاضطهاد الذي أعلنه يسوع (مر 10: 30؛ مت 5: 10-12؛ لو 49:11) سبّبه الوضع الذي خلقته الأزمنة الاسكاتولوجيّة.
ج- وهناك سامعون آخرون تركوا الكلمة تختنق فيهم بحيث ظلّت عقيمة فلم تعط ثمرة. إن أشواك المثل تدلّ على "هموم الدهر وغرور الغنى وسائر الشهوات" التي دخلت فيهم: نحن هنا أمام تحليل سيكولوجيّ وأخلاقيّ يستند الى تعليم يسوع الذي نجده في عظة الجبل: لا نهتمّ بالغد. نختار بين هذا العالم والآخر، بين الله والغنى.
د- وفئة السامعين الأخيرة تتّصف بالطريقة التي بها تتقبّل الكلمة: يكفي أن تكون أرضًا طيّبة ومتقبّلة لتحمل الثمار الوافرة.
ترك مرقس شرح المثل وتوقّف عند الوجهة الشخصيّة لإعلان يدوي في فم يسوع، فطبَّقه على السامعين. لقد دلّنا الانجيليّ على أن خبر الزارع يعنينا. إنه يحرِّضنا على الدخول في علاقة جديدة توحِّدنا بالكلمة المعلنة، على مثال العلاقة بين الزرع والحقل. وهكذا وصل التفسير الذي هو اسكاتولوجيّ في الاصل، الى تطبيق ملموس. إن عزلنا الفقاهة عن المثل، نصل الى نظرة اخلاقيّة محضة. ولكن لماذا نفصل هذه الفقاهة عن الأساس اللاهوتيّ الذي يعطيها معناها ويوضح نتائجها العمليّة؟ إن فعلنا ذلك، نسينا السياق المباشر لهذا المثل.
حين نقرأ يوم الأمثال في مرقس، نجد في نهايته ما يدلّ على هدف مرقس: "وبكثير من مثل هذه الامثال كان يلقي عليهم الكلمة على قدر ما كان في وسعهم أن يسمعوا. وما كان يكلّمهم إلا بالامثال. إلاّ أنه في الخلوة كان يفسر كل شيء لتلاميذه" (4: 33- 34). نجد هنا أمرين: طريقة الكشف الامثالي هي تارة وسيلة بها تُسمَع الكلمة، وطورًا حجاب يجب أن ننزعه. وبحسب هذين الاتجاهين، كانت الامثال كشفًا مباشرًا، أو هي احتاجت إلى تفسير. جعل لوقا نفسه في الحالة الأولى: واجب سماع الكلمة. أما متّى فجعل نفسه في الحالة الثانية حين ميّز بين السامعين. ومرقس عرف هو أيضًا هذا الاتجاه الأخير ولا سيّما في الآيات التي تفصل المثل عن تفسيره (4: 10-12). ولكنه يسير في هذا الاتجاه فيقول بأن هدف الامثال هو حجب التعليم، ما عدا عن التلاميذ. كما عرف مرقس الاتجاه الاول خصوصاً في الأقوال التي زادها على آ 21- 25. ركّز لوقا على موقف السامعين. أما مرقس فعلى الكلمة التي تُعلَن وتسمع.
هكذا "كان يلقي عليهم الكلمة" (33:4). في هذه الخلاصة الأخيرة، أجمل مرقس الاستعمالات الثمانية للفظة "لوغوس"، الكلمة التي نجدها في تفسير المثل. فمثَلُ السراج يحدّد بما يقوم إعلان الكلمة. "أيؤتى بالسراج ليوضع تحت المكيال أو تحت السرير؟ أو ليس ليوضع على المنارة؟ فما من خفيّ إلاّ ويظهر وما من مكتوم إلاّ ويُعلن" (4: 21-22). نجد هذا المثل في مت 15:5 وقد طبّقه على التلاميذ الذين يجب أن يكونوا نور العالم. وفي لو 11: 33 ليدلّ على النور الداخليّ. أما هنا كما في لو 8: 16- 17، فالمثل يتّخذ مدلوله من السياق: التعارض بين سرّ خفيّ ووحي واضح يشدّد على أن الكلمة يجب أن تُعلن في الكون فتدلّ على قدرتها.
"من له أذنان سامعتان فليسمع". هذا القرار التدوينيّ الذي يختم مثل الزارع في الأناجيل الإزائية، يكرّره مرقس بعد مثل السراج ليهيّئنا للتنبيه حول مسؤوليّة ذاك الذي يسمع: "تنبَّهوا إلى ما تسمعون". ثم يستعيد مرقس موضوع الثمر الذي بدا متنامياً في مثل الزارع (30، 60، 100): "إن الكيل الذي تكيلون به، به يكال لكم وتزادون" (4: 24). إن صورة الكيل ترتبط بشكل طبيعيّ عند متّى (2:7) ولوقا (38:6) بتنبيه يُعطى للذي يدين الآخرين. أما مرقس فيشدّد على مسؤوليّة السامعين: بقدر ما يتقبّل إيمانكم الكلمة، يعطى لكم. وفي النهاية، يرد قول يؤكّد على أهميّة السماع: "من له يعطى، ومن ليس له، فالقليل الذي له يؤخذ منه" (4: 25).
إن فعل "سمع" يرد تسع مرات في هذا الفصل. نستطيع أن نسمع دون أن نفهم. هذا ما قاله يسوع في حواره مع التلاميذ (4: 12) الذين سمعوا المثل ولم يفهموه. نستطيع أن نسمع الكلمة، ولكن الشيطان يأتي وينتزعها. ونستطيع أن نتقبّلها بفرح. ولكن إذا غاب الأصل (أو: الجذور) في قلب من حجر، فهذا ما يقود إلى الشكوك، أو إلى الهجومات التي تخنق الكلمة. لهذا يجب أن نردّد: اسمعوا (23:4)، انتبهوا إلى ما تسمعون (4: 24 أ). أنتم تفهمون بقدر ما تتقبّلون (24:4 ب)، وإلاّ خسرتم حتّى ما ظننتم أنكم فهمتموه (25:4).
وجاءت نهاية الامثال فضمّت موضوعي الكلمة المعلنة والكلمة المسموعة. ثم استعادت صورة الكيل (الذي به نتقبّل الكلمة)، لتشدّد مرة أخرى على مرمى إعلان الكلمة بالنسبة إلى السامعين: "كان يلقي عليهم الكلمة بقدر ما كان في وسعهم أن يسمعوا" (33:4). فكيف لا نخاف بعد ذلك من مصير الذين هم في الخارج (4: 11)؟ هم مثلَ الطريق. مثلَ أرض حجرة. مثل أرض يملأها الشوك. سمعوا ولكنهم لم يفهموا. فكلمة الله سيف ذو حدين: قد نعود الى الربّ وقد نقسّي قلوبنا.
في ضوء السياق المباشر، فسّر مرقس مثل الزارع كإعلان للملكوت: إعلان نسمعه بقلوبنا لنُقبَل في الملكوت. ويوضح مرقس الرباط بين الكلمة المعلنة وتقبّل هذه الكلمة. وهذا يعني أن الخبر (المثل) وتطبيقه على الحاضرين يتوافقان بالضرورة كوجهتي سرّ واحد. ولما استعاد مرقس المثل من التقليد، شدّد على التطبيق الفقاهي الذي قدّمته جماعته للمؤمنين. غير أن هذه الفقاهة ظلّت في عمقها مرتبطة ارتباطًا عميقًا بالوحي الذي حمله يسوع.

3- متّى وتفسير المثل
قدّم مرقس تقليدًا فقاهيًا أولانيًا، فجعله لوقا أكثر تماسكًا. وماذا فعل متّى؟ أخذ كلمات مرقس، ولكنه أعطى النصّ معنى جديدًا. توافق لوقا مع مرقس لا على مستوى الكلمات بل على مستوى المعنى، فقدّما كلاهما التطبيق "الاخلاقيّ". أما متّى فاستعاد بشكل "تفسير" إعلان الحدث الذي أعلنه المثل في لغة رمزيّة. مثل هذا التفسير لا يعود بنا إلى الفقاهة، ليتحدّد موقعه في التقليد الرؤيوي الذي يحاول أن يكتشف الحدث الاسكاتولوجي. وهكذا يكون متّى قد عاد إلى تقليد غير تقليد مرقس وصاغه في خطّه اللاهوتيّ
وما اكتفى متّى بأن يُدرج بين المثل وتفسيره بعضَ الاقوال حول الهدف من التعليم بالأمثال. اختلف عن لوقا الذي جعل التفسير يُعطى للتلاميذ كما للشعب، فشدّد على التمييز بين نوعين من السامعين. حين وصل يسوع إلى البرّ، وقف التلاميذ في جهة، والآخرون في جهة أخرى. هم في الخارج، هم الآخرون. فكأن يسوع لم يتكلّم بالامثال إلا للتلاميذ. ويتواصل هذا التمييز عند متّى في الاقوال التالية:
11، لكم أعطي لهؤلاء لم يُعط
12، من له يعطى من ليس له يُنزع منه
13،16، عيونكم ترى يرون دون أن يروا
آذانكم تسمع يسمعون دون أن يسمعوا
ولا يفهموا
تمنّى الانبياء والابرار
ان يروا ما ترون أن يروا
أن يسمعوا ما تسمعون. ويسمعوا.
بهذا التأليف في دبتيكا، لم يعط يسوع فقط جوابًا على سؤال التلاميذ حول التعليم بأمثال. بل هو يعلن حدثًا يتمّ الآن في تواصل مع ما أعلنه المثل. فهذا الرباط بين الاعلانين للحدث نفسه نقرأه في آ 18: "إذن، إسمعوا أنتم مثل الزارع". فالتفسير لا يحمل فقط معلومات إضافية أو تطبيقًا كما عند مرقس. "أما تفهمون هذا المثل! فكيف إذن تفهمون سائر الامثال" (مر 4: 13)؟ وهذا التطبيق هو ضروري في اللاهوت المرقسيّ الذي يشدّد على اللافهم عند التلاميذ. أما عند متّى فالخبر يتواصل.
فالمثل والحوار والتفسير، كل هذا يعلن أن الحدث الذي انتظره الأنبياء والأبرار يتمّ الآن. وهذا التأليف المتاويّ قريب من تأليف لوقا الذي أورد كرازة يسوع في مجمع الناصرة. فكما توالى الاعلان الخفيّ وتفسيره، كذلك جاء كلام أشعيا وتفسيره بفم يسوع: "اليوم تمّت هذه الكتابة أمامكم" (لو 4: 21). عند لوقا، كان رباط بين إعلان نبوي عن حدث مسيحانيّ وتطبيقه اليوم بفم من قرأ النبوءة. وعند متّى ظهر رباط بين إعلان رمزيّ (خبر الزارع، انتظار الانبياء والابرار) وتفسيره. أعلن المثل اللقاء الاسكاتولوجيّ بين الزرع والأرض ولكن بدأت الحقيقة تظهر الى العلن: تداخلت الاستعارات والحقيقة كما في نصّ رؤيويّ.
وأخيرًا ما أراد التفسير المتاويّ أن يطبّق بشكل مباشر على التلاميذ مضمون المثل. حين قدّم مرقس ولوقا الموازاة (الزرع= الكلمة)، أرادا أن يبيّنا أن مختلف السامعين يتصرّفون تجاه الكلمة على مثال الأراضي المختلفة تجاه الزرع. أما متّى فقدّم قراءة جديدة: أعاد يسوع قراءة المثل بالنظر إلى التلاميذ الذين جاؤوا يسألونه، كما قرأ في مجمع بلدته القول المسيحاني بالنظر إلى سامعيه (لو 4: 17- 21). مع اختلاف جوهريّ: في الناصرة انغلقوا كلهم على الاعلان الواضح الذي دلّ على أن يسوع هو المسيح الذي أنبأ به أشعيا. أما هنا فالتلاميذ سمعوا. إن الزرع الاسكاتولوجيّ قد فعل فعله فيهم. فيبقى لهم أن يعودوا إلى الوراء، "ويفهموا"، وهذا الفهم يجدونه في تفسير المثل.
من اللافت أن إعادة قراءة المثل عند متّى لا تقدم الموازاة بين الزرع والكلمة، وهذا ما يخفّف من القيمة الرمزيّة للزرع. مثل هذه المعادلة المفروضة، سوف تنال لفظة ثالثة: الأرض. وهكذا يتماهى الزرع مع الأرض (زرع= كلمة= أرض). لا يقدّم متّى اعتباراً حول الخبر الذي رواه، بل يواصل الخبر نفسه من الوجهة الذاتيّة للسامع. مثل هذه القراءة الجديدة ليست قراءة أخلاقيّة أو لاهوتيّة مجرّدة بعد أن خرجت من التاريخ. هي قبل كل شيء الخبر كما فُهم وحلّل. وفوق ذلك هي قراءة ذات بعد أخلاقيّ ولاهوتيّ، لأننا أمام حدث يدشّن علاقة جديدة بين الله والانسان.
أجل، شرحُ متّى هو "تفسير" للمثل، لا تطبيق أخلاقيّ أو لاهوتيّ. وهذا ما نجده في بنية النصّ. نلاحظ أولاً أن متّى يتحدّث عن سامعي الكلمة في صيغة المفرد لا في صيغة الجمع كما فعل مرقس ولوقا. ليس الأمر من قبيل الصدفة، لا سيّما وأن الزرع يُذكر في صيغة الجمع. في نظر متّى، السامعون هم سامع واحد، هم كل واحد، كل انسان (بنتوس، 13: 19). كل إنسان يقف وحده أمام الكلمة. لا يستطيع أن يتهرّب ويضع المسؤولية على جاره أو على مجتمعه. هو وجهاً لوجه أمام الكلمة، وعليه أن يأخذ الموقف اللازم.
ثم إن الرباط بين حوار يسوع مع التلاميذ وقسمي المثل (المثل وتفسيره) وثيقٌ جدًا عند متّى (أكثر منه عند مرقس ولوقا). تفرّد متّى فاستعاد في التفسير قول أشعيا "سمع وفهم" (أو لم يفهم) الذي ورد في الحوار. غير أنه استفاد من اللفظتين ليصف وضعين متناقضين ويجعل الخبر في تضمين واحتواء: ذاك الذي يسمع ولا يفهم (آ 19). ذاك الذي يسمع ويفهم (آ 23).
حين وصل مرقس إلى الفئة الاخيرة من السامعين والاراضي (4: 20)، لم يشرح شيئًا. بل لاحظ فقط الأرض الجيدة: ما إن تقبّلت الزرع حتى أثمرت. لقد دلّ هذا الاسلوب على أن وضع السامع للكلمة في العهد القديم قد تمّ الآن. ففي العهد الأول، ارتبطت الكلمة بالسامع من الخارج. فكلمة الله، تأمر، تطلب ثمارًا، تجازي الامانة (أو اللاأمانة) للشريعة: "بيّن لك، أيها الانسان، ما يطلبه الله منك: أن تجري الحكم وتحبّ وترحم وتسير بتواضع مع إلهك" (مي 6: 8). مثال رائع، ولكنه يُقدّم من الخارج. جُعل أمام الانسان، جُعل أرفع من الانسان، فهل يصل إليه الانسان؟ حاول اسرائيل على مدى تاريخه أن يمارسه فلم يستطع. لهذا تاق إلى اليوم (كما تاق حزقيال) الذي فيه يتمّ التحريض الاشتراعي في كل مؤمن: "الكلمة قريبة منك، في فمك، في قلبك". وقد دوّنت باصبع الله لا على ألواح من حجر (مثل الشريعة)، بل في قلوب من لحم (تث 30: 14؛ إر 31: 31-33).
أما مثل الزارع فيعلن أن هذا الرجاء قد تمّ اليوم: يكفي أن نكون أرضاً طيّبة لتأتي الكلمة فيها كزرع يحمل ثمرًا. اكتفى متّى، شأنه شأن مرقس (سمع وقبل) ولوقا (سمع وحفظ)، بأن يصف هذا الموقف الذي فيه يقبل الانسان الزرع: نكون أرضًا طيّبة أي نسمع ونفهم.
حين تكلّم مرقس عن أول فئة من السامعين (زرع على الطريق)، بحثَ عن السبب الذي لأجله لم تثمر الكلمة: "ما إن يسمعوا حتى يأتي الشيطان وينتزع الكلمة المزروعة" (مر 4: 15). إن تدخّل الشيطان سبق رفض الانسان للكلمة، كان السبب في اللاإيمان. أما عند متّى فالشيطان يأتي بعد موقف شخصيّ لدى السامع: "من يسمع كلمة الله ولا يفهم، يأتي الشيطان وينتزع ما زُرع في قلبه. فهذا من تلّقى الزرع على قارعة الطريق".
جاء تصوير مت مفصَّلاً وموضوعيًا. فحدّد موقع عناصر الدراما: المكان هو قلب الانسان. العاملون: البذار والشرير. ووصف الكاتب عمل كل منهما. وعملُ الزرع هادئ وواثق. عمل الشرير عنيف: هو ينتزع. ثم إن الحدث التاريخي للقاء الزرع بالأرض يتكرّر في الحاضر كل مرّة لا تُفهم الكلمة. فخبر هذا اللقاء الذي تمّ في الماضي، يتواصل اليوم في كل واحد منا. 
وبين الفئة الاولى (على الطريق) والفئة الأخيرة (الارض الجيّدة) يبدأ كل شيء بالقبول (يقبل الكلمة)، وينتهي بالعقم (لا يثمر). لا نجد في مرقس ولوقا لبساً بين الكلمة والسامعين. أما عند متّى، فالمفرد الذي يدلّ على السامع تجاه الكلمة، يجعلنا نتساءل: هل السامع أو الكلمة ظلّ بلا ثمر؟ في آ 20، يتقبّل الانسان الكلمة بفرح. وفي آ 21 ب هو يتشكّك. ولكن آ 21 قالت إن الزرع لا أصل له، هـان الكلمة الابدية صارت عابرة. لقد أراد الزرع أن يتجذَّر في قلب الانسان. فكيف له ذلك إن سقط على قلب من حجر (يجب أن يتبدّل كما يقول حزقيال). غير أن هذا الحجر باق في أعماق القلب. وهذا ما يدلّ على أن الارتداد لم يكن عميقًا. لهذا، حين يأتي الاضطهاد بسبب مجيء الكلمة إلى الأرض، يتشكّك الانسان ويعثر (11: 6؛ رج 26: 31).
بدأ الشرير وفعل. ها هو "عدوّ" آخر: هو الدهر الحاضر الذي يغوي الانسان بهجومه وسرابه. تجتذبه الهموم فيجعل من نفسه محور العالم. ويغرّه الغنى فيجد فيه أساس الحياة والوجود. فالهموم والغنى تغرّ الانسان فتخنق الزرع. والدواء يجده الانسان في استسلام إلى الآب وحياة الفقر على مثال الابن. وإلا سوف يخنق هذا العالم الزرع الذي وُضع فينا.

خاتمة
إن الكلمة التي خرجت من فم الربّ لتدشّن الملكوت، قد جاءت اليوم زرعًا في قلب الانسان. ويجد هذا الزرعُ فيه استعدادًا لكي يستسلم بكليته إلى الكلمة أو إلى الشرير. أو هو يقع فريسة الاضطهاد وهموم العالم وغروره. هل نحن أمام شرط مفروض على الانسان؟ لماذا يفهم السامع أو لا يفهم؟ لا ننسى أن تفسير متّى ليس تحريضاً أخلاقياً، بل تفسير حدث اسكاتولوجيّ. هو لقاء كلمة الله بالأرض. وهذا الحدث يجد صداه الآن في العالم كله. وهكذا فخبر الزارع والزرع ليس أولاً عند متّى تحريضًا يتوجَّه إلى حريّتي، بل صورة عن ردّة فعل عندي تجاه وضع جديد سبّبه ما فعله الزارع حين خرج ليزرع. فماذا يكون جوابي لنداء الملكوت؟
الفصل الحادي والعشرون
وكان يكلّمهم بالامثال
24:13-43

1- فصل كامل عن الامثال (مت 13، مر 4)
إن المقطع الطويل الذي ندرسه الآن (مت 13: 24-43) يجد موقعه في وحدة تدوينية في خطبة الامثال (13: 1-52). مع هذا الفصل نبلغ الى محطة جديدة في رسالة يسوع. فإن متّى قد زاد على خاتمة الامثال القصيرة (آ 51-52) خاتمة أخرى (آ 53-58) على ف 11-13. ويمتدّ بعد هذه الخاتمة على المجمل الذي نقرأه في 4: 12-13: 52 فحتى الآن، لم يُقبل يسوع لدى أخصّائه، لدى قرابته في الناصرة. فالشعب الذي تسلّم الوعد، ما زال يجهل أن الوعد قد تمّ في شخص يسوع. وخلال الجيل المسيحي الثاني ما زالت الشعب اليهوديّ خارج الطريق. إنه شكّ وعثار يكشف مت ومر السبب العميق والسريّ فيهما.
رأى مرقس في التعليم الأمثالي وسيلة يستعملها الله بواسطة يسوع لكي "يعمي" الشعب. هذا لا يعني أن الامثال غامضة في حدّ ذاتها. بل بما أنها أداة وحي، فقد صارت لغزًا للذين لم "يعطَ لهم سرّ ملكوت الله" (مر 4: 11). فهي تعمل لتزيد عماهم بشكل حاسم، وتتحوّل بالنسبة إليهم إلى أداة حكم وشجب. غير أن هذه الأمثال تمنح في الوقت عينه وحي الملكوت لمجموعة من المميّزين: الاثنا عشر والذين يحيطون بهم.
أما متّى فتجنّب أن يقول إن يسوع يعلّم مستعملاً الامثال. بل كتب: يسوع كلّم الجموع بأمثال. نحن أمام فرق هام: ففي نظر متّى، لم تتوخَّ كرازة يسوع أن "تعمي" السامعين. فالمسيح يتوجّه الى الجموع بأمثال لأنها عمياء. هكذا تتمّ نبوءة أش 9:6- 10. اختلف مت عن مر، فأهمل توبيخ يسوع
لتلاميذه، لأنهم لا يفهمون (مت 18:13؛ ق مر 4: 13). بل رأى فيهم أول الذين يسمعون الكلمة ويفهمونها (13: 23). وتفسير الامثال يثبّتهم في نعمة كانت قد بدأت تحمل فيهم ثمرًا، ولم يعطهم حلاً للغز كان سيبقيهم في اللافهم. فالتلاميذ "قد أعطي لهم أن يعرفوا أسرار ملكوت السماوات" (11:13).
استعمل مت 13 مرقس (4: 1-34) ومراجع أخرى، فبنى بناءه بشكل مصطنع بعض الشيء، ولكنه طبع هذا النصّ بيد كاتب عظيم. وإليك التصميم.
المقدمة (آ 1-3 أ): يسوع يكلّم الجموع كثيرًا بأمثال.
- مثل الزارع (آ 3 ب-9؛ رج مر 4: 3-9): هوذا الزارع قد خرج ليزرع. 
- لماذا يكلّم يسوع الجموع بأمثال (آ 10-17). طرح التلاميذ على يسوع هذا السؤال على انفراد، لا أمام الجمع. فأجاب يسوع موردًا نصّ أشعيا (9:6-10) كله (آ 14-15؛ رج مر 4: 12). غير أن مت تجنّب الأداة الغائية (هينا، لكي) كما سبق له وفعل في آ 13: "لهذا أكلّمهم بأمثال: لأنهم يرون دون أن يروا". وزاد قولاً (لا نجده عند مر، بل عند لو 23:10-24) ليدلّ على عظمة امتياز التلاميذ الذين أنعم عليهم بأن "يفهموا" (آ 16-17؛ رج التوبيخ في مر 4: 13).
- تفسير مثل الزارع (آ 18-23): فاسمعوا أنتم مثل الزارع (رج مر 4: 13- 20).
- مثل الزؤان (آ 24- 35. خاص بمتّى). يتبعه مثل حبّة الخردل (رج مر 4: 30-32) ومثل الخمير في العجين. هذه الامثال تتوّجه إلى الجموع. 
- ملاحظة تقول إن يسوع يكلّم الجموع بأمثاله لكي تتمّ الكتب (آ 34- 35).
- تفسير مثل الزؤان (آ 36-50). يتبعه مثل الكنز، مثل الدرّة، مثل الشبكة. السامعون هم التلاميذ كما في مثل الزارع.
- خاتمة خطبة الامثال (آ 51-52): أفهمتم هذا كله؟ قالوا له: نعم.
توّجهت الامثال إلى الشعب الاعمى، أما الشروح فإلى التلاميذ الذين يفهمون. هذا التناقض بين وضعين يدور حول السبب الذي لأجله تكلّم يسوع بأمثال. وهكذا تظهر مرتين الرسمة عينها.
أ- عرض المثل على الجمع (آ 3 ب-9، آ 24-30).
ب- سبب الكرازة بأمثال (آ 10-17، آ 34- 35).
أ أ- تفسير المثل للتلاميذ. مثل الزرع (آ 18-23)، مثل الزؤان (آ 36- 43). في التوّسع الثاني لهذه الرسمة، يتبع المثل (أ) مثلان هما حبّة الخردل والخمير. وعلى التفسير المعطى في أ أ تزاد أيضًا ثلاثة أمثال (آ 44-50) هي الكنز واللؤلؤة والشبكة. أما مثل الشبكة فيكوّن تضمينًا مع مثل الزؤان. وتظهر القرابة بينهما في الألفاظ التي استعملت في تفسيرهما حول موضوع الدينونة الأخيرة. وبين هذين المثلين، يطرح مثلُ الكنز واللؤلؤة الكثيرة الثمنَ الذي يجب أن ندفعه لننال حقًا كلمة الملكوت، وهكذا نفلت من الدينونة. أما مثلا حبّة الخردل والخميرة فيتوخّيان، شأنهما شأن مثل الزارع والزؤان، أن يبدّدا عثار ملكوت السماوات: ارتبط اعلانه بظروف بسيطة وموقتة، فبلبل العقول المتشرّبة من الاسكاتولوجيا اليهوديّة التقليديّة.
إذن، تستعيد رسمة المقطع الذي ندرس (آ 24-43) رسمة القسم الأول من خطبة الامثال (آ 1- 21). أما الهدف اللاهوتيّ هنا وهناك، فهو أن يظهر امتياز التدرجّ على أسرار ملكوت السماوات. هذا ما ينعم به التلاميذ تجاه الذين لهم آذان ولا يسمعون، تجاه الذين لا يعرفون افتقاد الله لشعبه في شخص يسوع المسيح.
ونستطيع أن نلاحظ تطورًا في النص. إن آ 34-35 اللتين تتكلّمان عن سبب الخطبة بالأمثال، تؤكّدان وتكمِّلان آ 10-17. وفي منظار الدينونة وفصل الابرار عن الاشرار، يتوضّح المصير المحفوظ للذين "يفهمون" ومصير الذين "يرون دون أن يروا". فقوّة الملكوت تعمل منذ الآن في ظواهر متواضعة، بل متضاربة (مثَل الزارع وتفسيره، آ 1-23). كما أن قبول هذه "القوة" تقرّر مصير سامعي الكلمة حين يظهر هذا الملكوت في المجد (مثَل الزؤان، 13: 24- 50).

2- مثل الزؤان (24:13- 30)
اختلف مثل الزؤان عن أمثال الزرع وحبة الخردل والخميرة والشبكة، لأنه لا يصوّر مسيرة طبيعيّة ولا نشاطًا بشريًا عاديًا، بل يورد دراما قصيرة. فالقسم الاول (آ 24-26) يرسم مراحل الدراما. والقسم الثاني يورد الحوار الذي يشكّل خاتمة المثل (آ 27-30).
إن وجود الزؤان في حقل تلقّى زرعًا جيدًا، أثار الدهشة عند عبيد ربّ البيت. فسألوه: "ما الذي حصل لكي يكون زؤان في حقلك"؟ أجاب: "إنسان عدوّ فعل هذا". قالوا: "أتريد أن نقتلع الزؤان"؟ قال: "لا، لئلاّ تقلعوا الحنطة مع الزؤان. دعوهما ينبتان معًا حتى الحصاد". كان بالامكان أن يتوقف الجواب هنا، أو أن يزيد النصّ بعد، أن الحب الجيّد سيُذرى ويغربل. ولكن ربّ البيت يوضح أن الحصّادين سيحرقون الزؤان بعد أن يربطوه حزمًا. هذا الجواب الاخير يلفت الانتباه. فهو يحتلّ ثلث النصّ. ثم إن "المصير" المحفوظ للزؤان هو مصير لم نعتد على سماعه.
ما معنى هذا المثل من أمثال الملكوت؟ ما زالت الله بواسطة يسوع يدعو أولئك الذين أعدّوا للدخول إلى الملكوت. فبكلمة يسوع وتقبّل هذه الكلمة في حياتنا، بدأت مسيرة إقامة الملكوت عملها بطريقة سريّة. فكيف يمكن للخطيئة أن تتابع عملها؟ لماذا لا يُشجب الخطأة ويُدّمرون؟ لماذا يتواجدون مع أبناء الملكوت؟ هذا ما يشكّك المؤمنين. بدأ الملكوت يفعل بحضوره، فلماذا تتأخّر الدينونة الحاسمة التي تفصل الأشرار عن الأبرار؟ فجاء الجواب من مثل الزؤان: لا نستبق الدينونة التي تأتي في أوانها. لقد عيل صبرُنا لتأخر الدينونة. يجب أن يحلّ محلّ هذا الموقف الصبرُ في انتظار اليوم الذي فيه يقوم الله بالتمييز اللازم لكي يقيم ملكوته المجيد بشكل نهائي.
وقد نستشفّ في هذه الدعوة إلى الصبر نداء إلى المخافة والتواضع في انتظار الدينونة. إذا كان من الواجب أن نتخلّى عن اقتلاع الزؤان، فلأنه لا يحقّ لنا أن نتعدّى على امتياز إلهيّ فنحكم بسلطان على الناس ونعتبر أننا نعرف الزرع الجيّد من الزؤان. لهذا يليق بنا أن نعيش في الامانة لكلمة الملكوت. لا أن نجد في هذه الأمانة طمأنينة كاذبة تنمّ عن كبرياء عظيمة.
وفي أي حال، نكون من البساطة بمكان إن حصرنا تعليم المثل في تحريض على الصبر. فقبول الوضع المشكّك الذي يجب أن نعيش فيه على هذه الأرض، يعني بالنسبة إلى تلاميذ يسوع التمسّك بالصبر. كما يعني الحياة في الامل والرجاء، والاقرار بسلطان الله المطلق الذي سيتجلّى في نهاية الأزمنة. ما يهمّ على الأرض هو أن نحمل ثمرًا من أجل الملكوت. وما يجب أن نستبعده هو طموحنا المتكبّر بأن نفصل الاشرار عن الاخيار. لا تدينوا لئلا تُدانوا، لئلا يدينكم الله.
لا يقدّم لنا متّى أية إشارة حوله الظروف التي فيها قدّم يسوع مثل الزؤان. ولكن نستطيع أن نقدّم فرضيّة معقولة. كان قد أعلن يوحنا المعمدان للفريسيين والصادوقيين (3: 7) مجيء من هو أقوى منه: "يمسك بيده المزراة وينقّي بيدره. فيجمع الحبّ في الاهراء، ويحرق التبن في نار لا تطفأ". نلاحظ أن هذا الاسلوب المصوّر موجود في 13: 30. فالانتظار الذي حرّكه يوحنا المعمدان قد قاد إلى الخيبة بسبب الطريق التي اتّبعها يسوع.
أما سبب هذه الخيبة (التي دفعت يسوع إلى قول المثل)، فليس الاستقبال الذي احتفظ به يسوع للخطأة، بل رفضه بأن يؤسِّس جماعة من "الأتقياء" تستبعد جميع "الآخرين" وترسلهم إلى الهلاك. فالاهتمام بالنقاوة "التامة" يقابل إفناء الزؤان. فعبيد رب الكرم ذكَّروه أنه زرع زرعًا جيدًا (آ 27). فلا بدّ من المحافظة على نوعيّته الطيّبة. وقد يكون دخل في جماعة التلاميذ بعض الفريسيين والغيورين (رج لو 9: 54). لهذا جاء مثل الزؤان يشجب هذه الغيرة الكاذبة والشكّ الذي تسبّبه.
وإذا أردنا أن نتجنّب ظاهرة الاستعارة التي تشدّد على أن السؤال (27:13) قد طرحه على ربّ البيت العبيد لا الجيران، نستطيع الظنّ أن أشخاصًا تأثّروا بكرازة يوحنا المعمدان قد يكونون السبب الذي دفع يسوع ليقول مثله: أأنت هو الآتي؟ إذا كان نعم، فلماذا تتأخّر؟ ماذا تنتظر لكي تنقّي بيدرك؟
مهما يكن من أمر، إن مثل الزؤان يلامس نقطة هامة في الانتظار الاسكاتولوجي لدى اليهود الذين عاصروا يسوع. لهذا أعطى متّى هذا المثل مكانة هامة وسط أمثال الملكوت.

3- حبّة الخردل والخميرة (13: 31-33)
أورد متّى ولوقا هذين المثلين معًا. أما مرقس فذكر فقط مثل حبّة الخردل. هل وُجد هذان المثلان معًا منذ البدء؟ هل قدّم يسوع الواحد لكي يسند الآخر ويعطيه قوّة؟
أ- مثل حبّة الخردل (آ 31-32)
إن مرقس قدّم مثل حبّة الخردل بشكل تصويريّ: زرع، نما، ارتفع. أما متّى ولوقا فاعطياه شكلاً سردياً: رجل زرع (رمى) حبّة خردل في حقله (في بستان). وهكذا يكون المثل وكأنه خبر من الأخبار.
إذن، نحن أمام فرضيتين: أو أن مرقس هو الأقدم. ثمّ جاء المعين الذي استقى منه متّى ولوقا فضمّ مثل الخميرة إلى مثل حبّة الخردل. أو أن مرقس أعطى شكلاً تصويريًا لمثَل كان في الاصل سردًا وخبرًا. أما نحن فنأخذ بالفرضيّة الثانية عالمين أن يسوع قال أمثاله بشكل متقطّع وبحسب الظروف. فلم يكن تعليمه منهجيًا كما يفعل المعلمون اليوم. ونشير هنا إلى أن انجيل توما المنحول فصل بين المثلين. ولكنه يرتبط بالاناجيل الازائية في تقديمه للامثال.
عندما استعان متّى بما في مر 4: 30-32 فكتب مثَل حبّة الخردل الذي وجده في المعين (مشترك بينه وبين لوقا)، قدّم تعارضًا بين قطعتين مختلفتين: صغر حبّة الخردل في البداية. وفي النهاية نموّ هذه الحبّة بحيث صارت أكبر البقول جميعاً، بل شجرة. قد نوجز المعنى الأولى للمثل كما يلي: مع أن ملكوت السماوات يبدو في الاصل صغيراً "حقيراً" متواضعاً، إلاّ أنه في يوم من الأيام سيظهر في عظمة ومجد. وهو حاضر منذ الآن في كلمة يسوع، في الحدث الذي تشكّله هذه الكلمة لسامعي يسوع.
يجب أن لا نُسقط نظرات التطوُّر عندنا على تعليم المسيح. فملكوت الله ليس عطيّة سلّمها الله إلى البشر. وهي ستمدّ شيئًا فشيئًا الغنى الموجود فيها. إن حبّة الخردل تعلمنا أن هذا العمل الذي يبدو حقيرًا في ظاهره والذي بدأه الله منذ الآن بواسطة يسوع، سيتمّ في يوم من الأيام في المجد.
فعلى الانسان منذ الآن أن يخضع لإرادة الله السامية. بهذه الارادة يرتبط المصير المحفوظ له ساعة تخضع لها كل شيء. وهكذا يصبح ممكناً بل ملحاً أن نرى ملكوت الله، لأن المسيح حمل إلينا كلمة الملكوت. فبين هذا الاعتراف الفعلي والوقت الذي نجد فيه "ملجأ لنا" في أغصان الشجرة الاسكاتولوجيّة، يوجد تواصل ستكشف عنه الدينونة المقبلة.
هل نستطيع أن نبيّن أن متّى الذي كان شاهداً لكنيسة تمتد وتنتشر، قد أعاد صياغة المثل وأوّنه؟ هل الكنيسة هي على هذه الأرض الشجرة التي تأتي عصافير السماء وتستظلّ في أغصانها؟ أو بعبارة أخرى، هل تشكّل الكنيسة أول إزهار للتعليم الانجيلي قبل أن يأتي ملكوت السماوات؟ هذا ما يراه متّى.
ب- مثل الخميرة (آ 33)
إن مثَل الخميرة في مت يشبه ما في لو مع اختلافين بسيطين. فهذا المثل، شأنه شأن مثل حبّة الخردل عند لوقا (18:13-19)، قد خسر تعارضًا، وُجد في "النصّ الاولاني". فهو يُبرز، في شكله الحالي، إمكانيّة الخميرة بأن تخمّر كميّة كبيرة من الدقيق.
في الاصل، والقول الذي يورده بولس يسمح لنا بهذه الفرضيّة (1 كور 5 :6؛ غل 9:5)، كان التعارض واضحاً بين قليل من الخمير وبين عجين يتخمّر كله بفعل هذه الخميرة. وانجيل توما (المنحول) يقدّم أيضًا تعارضًا مماثلاً: "أخذت امرأة قليلاً من الخمير وخبّأته في العجين وصنعت منه أرغفة كبيرة" (القول 96). فإذا عدنا إلى المقاطع البيبيليّة (تك 18: 6؛ قض 6: 19؛ 1 صم 1: 24) التي تذكر ذات الكيلة من الدقيق التي نجدها في مثل الخميرة، يجعلنا المثل أمام وليمة كبيرة جدًا، بل أمام ملء ملكوت السماوات.
إذًا كان المرمى الاساسي للمثل شبيهًا بمرمى مثل حبّة الخردل. أما غيابُ التعارض فيدلّ على تفسير كنسيّ: تطلّع متّى الى القدرة العجيبة التي بها دخل تعليم الانجيل في العالم. وهكذا أكّد على تفسير مثل حبّة الخردل في الكنيسة.

4- لماذا الامثال (13: 34- 35)
هذا المقطع القصير الذي يوازي آ 10-17 يُؤكّد مدلوله الجوهري. ما زلنا أمام الواقع السريّ عينه: كلّم يسوع الجموع بأمثال. لسنا أمام تعليم بالامثال لا في آ 10-17 ولا في آ 34-35، بل أمام ما "قاله يسوع للجموع".
إن الاستشهاد الكتابي يطرح بعض المسائل على مستوى النقد النصوصي كما على مستوى التفسير. ففي الشطر الثاني من مز 7:78 استعمل متّى فعلاً له دلالته: أخبر، أعلن، أذاع. هكذا تجنّب ما في السبعينيّة يدلّ على الوحي. فالشعب بحسب اللاهوت المتاوي في خطبة الامثال لا يستطيع بل لا يستحق الوحي بسبب عماه.
وترك متّى لفظة "بروبليماتا" أو ترجم "هيدوت" بـ "أشياء خفية، مكنونات. "لقد أراد أن يدلّ بذلك على أن أسرار ملكوت السماوات تبقى مخفيّة عن أعين الجميع، ولا كشف إلاّ للتلاميذ. وهذا الرأي يجد سندًا له إذا قرأناه على ضوء عبارة "منذ إنشاء العالم" (رج 25: 34).
ونسب متّى النصّ الذي استشهد به إلى النبيّ، مع أنه أخذه من مز 78. وهناك اختلافة تتكلّم عن "النبيّ إشعيا". هل هناك خطأ كما في مت 27: 9 مع نسبة القول إلى إرميا. في الواقع، أراد متّى أن يعود إلى المرجع اللاهوتي، لا إلى المرجع الأدبي. فالتوراة كلها هي في نظره نبوءة تدلّ على المسيح.

5- تفسير مثل الزؤان (13: 36-43)
أ- الحديث عن الزؤان (آ 36)
أعطي تفسير مثل الزؤان للتلاميذ على انفراد وبناءً على طلبهم "آ 36). ولكن الطريقة التي بها أغفل متّى ذكر التلاميذ وجعل يسوع يترك الجموع ويأتي إلى البيت، تدلّ على أنّ المبادرة تأتي من المعلّم. فيسوع هو ذلك الذي به يجعل الله التلاميذ يعرفون أسرار ملكوت السماوات (13: 11).
لا نتوقّف عند العنوان الذي أعطاه التلاميذ للمثَل. لأنه لا يتوافق كلّ التوافق مع مضمون المثل. فكلمة "زؤان" هي كلمة عاكفة: ترد خمس مرّات في المثَل.
ثم إن وجود الزؤان في الحقل كان المناسبة بل سبب الحوار بين ربّ البيت وعبيده.
ب- تقابلات (آ 37- 39)
إن تفسير مثَل الزؤان يرد في قسمين مختلفين بعض الاختلاف. فإن آ 37- 39 تقدّم لنا سلسلة من التقابلات. وهكذا نجد في المثَل عددًا من الاستعارات (الحقل هو العالم...). ولكن بعض العاملين في المثل (عبيد ربّ البيت) لبثوا في الظلّ. والحوار الاساسي في المثل لم يفسّر. من أجل هذا نعتبر نفوسنا أننا أمام مثَل لا أمام خبر استعاري.
بالاضافة الى ذلك، لا يفرض المفسّر على نفسه أن يستعيد في القسم الثاني (آ 40-43) التقابلات التي أعطاها في القسم الاول (آ 37-39). فهو لا يذكر أبناء الملكوت وأبناء الشرير كما ذُكروا من قبل. والشيطان لا يعود يظهر. ويصبح الملائكة ملائكة ابن الانسان. ثم إن "ملكوته" (آ 41) لا يحلّ محل العالم. فنحن أمام جماعات تتكوّن في العالم ولسنا أمام العالم نفسه حتى لو فهمنا بلفظة العالم "جميع الأمم".
ج- مقابلة بين مسيرتين (آ 40-43)
إن آ 40-43 تتضمّن مقابلة بين مسيرتين. وهكذا تنال آ 30 ج هنا تفسيرها. ركّز المفسّر المقابلة على آ 37-39 حين استعمل "اون" في بداية آ 40. والعنصر الثاني من المقابلة مع "هوتوس" يجد توسيعه في آ 41-42، ويتداخل مع العنصر الأول. إن آ 43 لم تعلن في آ40. وهي لا تستند إلى آ 37-39، مع أنه من الواضح أن "الأبرار" يتماهون مع "بني الملكوت". ولكن يبقى أن هذه الآية الأخيرة تعتبر تفسيرًا كما في آ 30 د.
إن مجمل آ 40-43 يبدو بشكل رؤيا صغيرة تتركّز على الدينونة الرهيبة التي تنتظر فاعلي الاثم. فالموضوع رؤيوي وكذلك الألفاظ. وكذلك آ 43 التي تجيب على السؤال التالي: متى وكيف يُنتزع بنو الملكوت بشكل نهائي من عالم الشر، لكي ينعموا بملء سلام الله؟ قد لا تكون هذه الآية قد اندمجت دمجًا طبيعياً في النصّ، إلا أن لها أهمية كبيرة من الوجهة اللاهوتيّة.
لا شكّ في أن العلاقة بين قسمي التفسير تدلت على أن مت (تكثر عنده صور الدينونة الأخيرة) استعمل المعين في خطّ لاهوته. هل يعود هذا المعين إلى المسيح؟ قد نعود إلى هذه المسألة فيما بعد.
انتقل الاهتمام من المثل إلى تفسيره، من الوجهة الكرستولوجيّة (على مستوى يسوع المسيح) إلى الوجهة الاكليزيولوجيّة (على مستوى الكنيسة). صوّر المثلُ الدينونة التي ننتظرها في الصبر والتواضع. أما التفسير فركّز الانتباه على المصير المحفوظ للأشرار، ثم خفّف ألوان هذه اللوحة المظلمة برؤية مجد الابرار في النهاية. إذن، يجب أن نتساءل عن هويّة فاعلي الاثم في آ 41.
ماهى عدد من الشرّاح بين ملكوت ابن الإنسان والكنيسة، فرأوا فاعلي الاثم والمسيحيّين الاردياء، والأنبياء الكذبة، والمرائين ... والدينونة تنهي هذا المزج بين فاعلي الاثم وبني الملكوت الذين نجدهم في الكنيسة. ولكن التماهي بين ملكوت ابن الانسان والكنيسة لا يبدو صحيحًا كل الصحّة.
هل نؤكّد أن العالم يشكّل ملكوت ابن الانسان لأنه خليقته؟ لا ننسى أن ابن الانسان قد نال بقيامته كل سلطان في السماء وعلى الأرض (مت 18:28). ملكوته قد وصل إلى أصقاع العالم، إلى جميع الأمم (مت 28: 19)، بالقوّة لا بالفعل. والكنيسة لا تتطابق كل المطابقة مع هذا الملكوت، مع أن رسالتها تقوم بأن تصل إلى هذه المطابقة التامة. نستطيع القول إن الكنيسة هي سرّ (كما المعموديّة سرّ) يدلّ على ملك المسيح دون أن يتماهى مع ملكوت المسيح. والانجيل الذي أعلن في العالم كله، فقُبل هنا ورُفض هناك، يتيح لابن الانسان في يوم الدينونة أن يرث جميع الأمم. "حينئذ يستبعد من ملكوته كل المعاثر وفاعلي الاثم" (آ 41).
إن اعلان الدينونة الأخيرة والتذكير بها يوجِّهان إلى المسيحيين نداء ملحًا ليعيشوا بحسب دعوتهم. فالدينونة تهمل الانتماء إلى طائفة، أو إلى مذهب، وتتّخذ لها معيارًا واحدًا هو تتميم شريعة المسيح التي تتلّخص في شريعة المحبّة. "كل ما فعلتموه لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فلي فعلتموه" (مت 25: 40).

خاتمة
أمثال ثلاثة وتفسير للمثَل الأول. هذا ما كشفناه في هذا النصّ المتّاويّ الذي هو جزء من أمثال الملكوت. فمثَل الزؤان يختلف عن مثَل الزرع، لأنه لا يتكلّم إلاّ عن الأرض الطيّبة، ويمدّ عمله حتى الحصاد. هو يدعو الذين لا صبر عندهم مثل تلاميذ يوحنا، أن يتعرّفوا إلى الزمن الذي يتوسّط زمن الزرع وزمن النهاية، أن ينتظروا الدينونة الأخيرة وانتصار الله. والمثل الثاني يشدّد على التعارض بين صغَر البداية وعظمة النهاية. عاد الانجيل إلى حزقيال ودانيال، فدعا القرّاء إلى أن يروا في عمل يسوع وبدايته "الحقيرة" جمال النهاية. أما مثَل الخمير فيزيد على مثَل حبّة الخردل، ما تفعله الخميرة في كيس من الدقيق. وسائل بسيطة وضعيفة ولكن النتائج ستكون رائعة. تلك هي طريقة عمل الله في كنيسته، أجل، الامثال طريقة بها يُوحي يسوع أسرار الله. ويوحيها للتلاميذ الذين يرون، ويسمعون، ويفهمون. وما زال يوجّهها إلى كنيستنا وإلى كل واحد منا، علّنا نكون نحن أيضًا من هؤلاء التلاميذ.

الفصل الثاني والعشرون
الكنز واللؤلؤة والشبكة
44:13-52

تنقسم خطبة الامثال قسمين كبيرين متوازيين. في القسم الاول (آ 1- 23) يُروى مثل الزارع للجموع (آ 1-9) وتتبعه ملاحظات تتوّجه إلى التلاميذ حول السبب الذي لأجله كلّم يسوع الجموع بأمثال (آ10-17). ويلي هذا تفسيرٌ مفصّل للمثل (آ 18-23). في القسم الثاني يُروى مثل الزؤان للجموع (آ 24- 30) ويُزاد عليه مثلان قصيران (آ 31-33) ثم ملاحظة للتلاميذ حول الباعث على الكلام بأمثاله (آ 34-35). وبعد تفسير مفصّل لمثل الزؤان (آ 36-43)، تأتي ثلاثة أمثلة إضافيّة (آ 44- 50) وخاتمة الخطبة كلها (آ 51-52).
نلاحظ أول ما نلاحظ أن المقطع الذي ندرسه الآن يشكّل زيادة بالنسبة إلى ف 13. فإضافة آ 44-50 تتيح للانجيليّ أن يصل إلى الرقم 7 الذي هو رقم الكمال (سبعة أمثال). والخاتمة التي تبدو بشكل مقابلة أو مثَل، تعود مرّة أخيرة إلى التعارض المهمّ جدًا في هذه الخطبة، وتقابل بين التلاميذ الذين فهموا والجموع التي لا تستطيع أن تفهم.
ونلاحظ أيضًا حين نتمعّن في النصّ، أن مثلي الكنز المخفى في حقل (آ 44) واللؤلؤة الثمينة (آ 45-46) تشكّلان مثلين زوجين. إنهما يودّان أن يقدّما عبرة واحدة، مع أنهما انطلقا من صورتين تتكاملان: تنطلق الصورة الأولى من أجير فقير يشتغل الأرض عند شخص آخر. وتضع الصورة الثانية أمامنا تاجرًا تفترض تجارتُه امكانيّات ماليّة كبيرة.
ونلاحظ ثالثًا أن مثل الشبكة (آ 47-50) يستعيد كلمات وصور مثَل الزؤان وتفسيره (آ 24- 30، 36-43)، ويتوخَّى تقديم التعليم عينه. فلو عدنا إلى المنطق السليم، وجب على هذا المثل أن يكون بقرب مثل الزؤان. لهذا نتساءل: لماذا فصل متّى بين المثلين فأدرج بينهما مثلي الكنز واللؤلؤة؟
ونلاحظ رابعًا أن "خطبة الامثال" هي في قسمها الأكبر عمل تدوينيّ. فقد تألفت عند مرقس من أجزاء تقليديّة إضافيّة أخذها الكاتب من تقاليد أخرى. ولم تتمّ عمليّة الجمع صدفة واتفاقاً. أراد الكاتب أن يوضح العناصر التي تؤلّف الأمثال. وقدّم تفسيراً لهذه العناصر لا يتوافق بالضرورة مع مدلولها لو أنّها وردت في سياق آخر. وهكذا يُطرح السؤال على مستويين: مستوى المثل في حدّ ذاته وبمعزل عن سياقه الحاليّ، وقد وُضع في الإطار العام لحياة يسوع العلنيّة. ثم معناه في السياق الانجيلي الحاليّ الذي يدلّ على التفسير الخاصّ الذي يقدّمه الانجيليّ لقرّائه.

1- العامل والكنز وتاجر اللآلىء (44:13- 46)
منذ البداية، بدا هذان المثلان مترابطين. لهذا ندرسهما معاً. فنتساءل اولاً حول مرمى الخبرين: ما الذي يبرزه الراوي، وما هي العبرة التي نستنتجها؟ ونسعى بعد ذلك الى تحديد هذه العبرة التي تعطي الخبر تطبيقه الديني. وفي نقطة ثالثة نتوقّف عند الطريقة التي بها أراد متّى أن يُفهم قرَّاءه المسيحيين آنيّة هذه العبرة التي يقدّمها.
أ- مرمى الخبرين
أولاً: الاشخاص
تركّز الخبران أولاً على الشخصين: العامل في الحقل، والتاجر الكبير. لا شكّ في أن الخبر الاول يلفت انتباهنا بادئ ذي بدء إلى الكنز. "يشبه ملكوت السماوات كنزًا مدفونًا في حقل". ولكن الخبر لن يتحدّث بعد ذلك إلاّ عن الرجل الذي اكتشف الكنز، وعمّا فعله بعد هذا الاكتشاف. لا نجد كلمة واحدة عن طبيعة هذا الكنز ولا عن قيمته. كما لا يقول لنا الكاتب شيئاً عن اللؤلؤة سوى أنها "نفيسة". هذا ما يكفي ليفهمنا لماذا فعل التاجر ما فعل. وهكذا أراد الراوي أن ينبّه سامعيه لا إلى الكنز ولا إلى اللؤلؤة، بل إلى ما فعله هذان الشخصان حين اكتشفا ما اكتشفاه بشكل لا يصدّق.
ثانيًا: اكتشافان
ولا يقدّم لنا الخبران أي تفصيل عن الظروف التي فيها اكتشف العاملُ كنزه، والتاجر لؤلؤته. في الحالة الاولى، يصوّر لنا النصّ ما فعله العامل بعد اكتشافه غير المباشر، ساعة كان يفلح حقل رجل آخر. ولا تُعطى لنا أية معلومة عن الطريقة التي بها وُجد الكنز. هنا نتذكّر الأخبار الرابينية حول الموضوع نفسه: سقطت بقرة الفلاح في حفرة وكسرت رجلها (يعود هذا الخبر إلى رابي يهودا الذي عاش في أنطاكية حوالي سنة 90 ب م). كما لا يعلمنا المثل بشيء عن الظرف الذي جعل التاجر يكتشف تلك اللؤلؤة الثمينة. الاكتشاف فرضيّة تتيح لنا أن نفهم فيما بعد السلوك الذي سلكه هذان الرجلان.
ثالثًا: تصرّف الرجلين بعد اكتشافهما
وإذ أراد هذان المثلان أن يصوّرا سلوك هذين الرجلين بعد اكتشافهما، استعملا التعابير نفسها. "من فرحه مضى وباع كل ما له واشترى ذلك الحقل". "مضى وباع كل ما كان له واشتراها". فالاختلافات في الاسلوب والالفاظ تُبعد كل رتابة عن التكرار. ومن الواضح أن هاتين النهايتين تشكّلان في الوقت عينه ذروة الخبرين. هنا يجب أن نتوقّف بعض الوقت عند الوضع، لا سيّما وأن الاشارة ليست طبيعيّة: أما يبدو غريباً أن يحتاج هذان الرجلان إلى كل ما يملكاه ليقتنيا الخير الذي رغبا فيه، وأن يكون ما يملكانه كافياً بدون زيادة ولا نقصان. فما هو غير طبيعيّ ينتج من واقع يجعل الراوي يكيّف خبره مع التعليم الدينيّ الذي لأجله قدّم هذين المثلين.
رابعًا: حكم السامعين
والتطبيق لا يتبع الخبر بشكل مباشر. بل هو يأتي فيما بعد، ويرتبط مع الحكم الذي اليه يقود الخبرُ السامعين. فالسامعون موافقون على السلوك الذي صُوِّر أمامهم. والتوافق المطلوب لا يعني الوجهة القانونيّة أو الأخلاقيّة لما فعله هذان الرجلان. من هذا القبيل يحرّك سلوكُ العامل صعوبات في نظرتنا الحاليّة (لو أخذ الكنز لكان سارقًا. ولكنه اشترى الحقل). ولكن ليست هذه وجهة نظر الراوي. فهو يبغي بخبره أن يسأل السامعين: هل الطريقة التي سلكها هذان الرجلان حين تخليا عن كل ما يملكان ليقتنيا خيرًا آخر ذا قيمة سامية جدًا، هي حكيمة؟ فالحكم يصيب بشكل مباشر القرار ببيع كل شيء. وهذا القرار لا يتّخذ كامل معناه إلاّ في هذا الوضع الذي صوّره المثلان: نحن أمام اكتشاف لم يكونا يتوقّعانه. ونحن نجد مرمى الخبر في هذه العلاقة بين الاكتشاف والقرار الذي حرّكه فيهما هذا الاكتشاف: هل هذا ما وجب أن يعملا فيستفيدا من ظرف فريد ليتّخذا قرارًا ترتبط به حياتهما.
قد نظنّ أنه انطلاقًا من هذا الحكم، لا يتضمّن التطبيق على المستوى الديني نقل سلوك هذين الرجلين إلى جميع أوضاع الحياة بلا تمييز. بل إلى وضع يوافق وضعهما: نحن أمام سلوك يجب أن نتبعه ساعة نكتشف اكتشافًا لم نكن نتوقّعه.
ب- تطبيق المثل في كرازة يسوع
أولاً: ظرف لم يتوقّعانه
يتوقَّف الشرّاح مرارًا على الكنز واللؤلؤة: إنهما صورتان عن الملكوت وعن قيمته التي تفوق كل ثمن. هذه الوجهة ليست بالضبط وجهة الخبر الذي لا يهتمّ بالكنز واللؤلؤة، بقدر ما يهتمّ بالوضع الملموس والمباشر لدى الرجلين اللذين اكتشفاهما. هذا الوضع هو الوضع الذي فيه جُعل سامعو يسوع: شكلت رسالته بالنسبة إليهم فرصة عجيبة يجب الإفادة منها. فساعة كان يسوع يتكلّم، كان ملكوت الله هنا، كفرصة يجب أن لا نضيّعها.
ثانيًا: السلوك الواجب اتباعه
إن الصورة في هذين المثلين قريبة من النداء الذي وجّهه يسوع إلى الرجل الغنيّ. "إذهب فبع ما لك، وأعطه للمساكين فيكون لك كنز في السماء، ثم تعال اتبعني" (مر 10: 21 وز). هل نستنتج أن المثلين توخّيا إفهام السامعين قساوة المتطلّبات التي يفرضها يسوع على تلاميذه؟ في هذه الحالة، لا تحتاج نهاية المثل انتقالاً من مستوى إلى آخر. فمعناها على المستوى الدينيّ يتماهى مع معناها على مستوى الصورة. قد يكون ذلك ممكناً ولكنه ليس طبيعيًا.
لنفترض أن القسم الأخير من الخبرين يحافظ على نفسه في لغة أمثاليّة محضة. فهو يعبّر حينئذ عن السلوك الذي ينتظره يسوع من الذين يتقبّلون بشرى ملكوت الله. وهكذا نكون أمام جواب على تعليم. وهو جوابٌ رفضَ أن يعطيه أولئك الذين دُعوا إلى الوليمة في مثَل الدعوة إلى الملكوت (لو 14: 15-24 وز). وقد يتنوعّ الجواب حسب أوضاع كل شخص ودعوته الخاصّة. ولكن من لم يفعل ما هو ضروري ليؤمّن الدخول إلى الملكوت، من لم يستفد من الفرصة الاخيرة التي تقدّم له، يدلّ على بلادة لا تُغتفر. فلا شيء يوازي الخير الذي يقدّم لنا: حين نرهن من أجل هذا الخير كل ما نملك، بل ذاتنا كلها، فتجارتنا رابحة جدًا. بعد ذلك كيف نتباخل، كيف نتأخّر، كيف نترّدد أمام هذا الالتزام الكامل؟
وهكذا حين نفهم هذين المثلين بهذا الشكل، نرى فيهما صرة عن كرازة يسوع في بداية حياته الرسوليّة: "توبوا لأن ملكوت الله صار قريبًا جدًا" (مت 17:4).
ج- وجهة نظر متّى
لا يدلّ نصّ المثلين على تصحيحات هامة تُنسب إلى عمل الانجيلي التدوينيّ. فوجهة نظر متّى لا تظهر إلاّ في الاطار الذي فيه وضع مثليه. لماذا أدرجهما بين تفسير مثل الزؤان ومثل الشبكة الذي هو استعادة للموضوع ذاته؟ إذا أردنا أن نعرف، يجب أن نلقي نظرة إلى هذا الاطار الواسع الذي هو خطبة الامثال.
إن تفسير مثل الزارع قد هيّأته إضافة تفصيل في خاتمة الخبر نفسه. فبداية آ 30 هي أيضًا جزء من الخبر الامثالي الاولاني: "دعوهما ينبتان (الزؤان والقمح) كلاهما معًا حتى الحصاد". ففي الوضع الحاليّ يُنسب وفي الآية إلى الانجيلى: "في زمن الحصاد أقول للحصّادين: اجمعوا أولاً الزؤان واربطوه حزمًا ليُحرق. أما الحنطة فاجمعوها إلى أهرائي". في هذه اللغة المميّزة، أراد متّى أن يقول كيف تتمّ الامور في الدينونة. إن هذا المنظار يشرف على تفسير المثل (آ 36-43) حيث نلاحظ التشديد على مصير الزؤان الذي يحرق أولاً، على العقاب المحفوظ لفاعلي الاثم (آ 40-42). غير أن آ 43 تضيف كلمة حول مصير المختارين المقبل دون أن تأخذ بعين الاعتبار الصور التي في المثل. فمثل الشبكة (آ 47-48) يتبعه تطبيق (آ 49-50) يتحدّث بشكل حصريّ عن العقاب الذي ينتظر الأشرار، ولا يقول كلمة واحدة عن المصير المحفوظ للابرار.
إن سياق مثَل العامل الذي وجد الكنز ومثل التاجر الذي اكتشف اللؤلؤة الثمينة، تُشرف عليه فكرُة الدينونة التي ترسل الخطأة إلى أتون النار حيث يكون البكاء وصريف الاسنان (آ 42-50). هذه النظرة المهدّدة قد تحلّ محل البهجة بالبشارة التي يشكّل هذان المثلان صدى لها. وإذ أراد متّى أن يؤثّر على تصرّف قرّائه، أبرز فكرة الدينونة الرهيبة لا الفرح الذي يحدثه إعلان ملكوت الله. 
ولكنه في النهاية ترك التهديد جانبًا. ففي آ 43 التي لا علاقة لها بمثَل الزؤان، يعد الانجيلي الابرار بأنهم "سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم". وهكذا يُعدّ الطريقَ لإدراج المثلين اللذين ندرس. فالعامل الذي يبيع كل ماله، والتاجر الذي يتخلّى عن جميع خيراته، صارا نموذجين للمسيحيّين الذين يُطلب منهم أن يجعلوا البحث عن الملكوت يسبق كل اهتمام آخر (رج مت 6: 36). لا شكّ في أنه لا يطلب منهم التخليّ التام عمّا يملكون. بل عليهم أن يتذكّروا أن "لا أحد يستطيع أن يخدم سيّدين: أو أنه يبغض الواحد ويحبّ الآخر أو أنه يتعلّق بالواحد ويحتقر الآخر. لا تستطيعون أن تعبدوا الله والمال" (6: 24). هناك خيارات لا نستطيع أن نتهرّب منها. فبها يرتبط مصير كل واحد منّا ساعة الدينونة.

2- الشبكة المملوءة سمكًا (13: 47-50)
أ- المثل (آ 47-48)
"ويشبه ملكوت السماوات أيضًا شبكة...". قد تغشّنا مقدمة المثَل هذه. ولكن يجب أن نفهم أن العبارة الأولى لا تعني أن الملكوت يشبه شبكة، بل أن وضع الملكوت يشبه وضع شبكة مملوءة سمكاً وقد بدأ الصياّدون يفصلون الجيّد عن الرديء. أجل يشبّه الملكوت بمجمل اللوحة، ولا يتحقَّق التشبيه حقاً إلاّ في النهاية: وهنا يتحقّق ساعة يتمّ الفصل بين الأخيار والاردياء.
تتألّف هذه اللوحة الامثالية من مشهدين متعارضين. يصوّر الأول شبكة كبيرة: "ألقيت في البحر فجمعت سمكًا من كل صنف". في المشهد الثاني، اجتذب الصيّادون الشبكة المملوءة إلى الأرض. وضعوا في الأوعية ما هو صالح، وألقوا على الأرض أو في الماء ما لا يساوي شيئاً. إن مرمى المثل يكمن في التعارض بين زمنين. في الزمن الاول، يُخرج الصالحُ مع الرديء. في الزمن الثاني يتمّ الفصل بينهما ويحتفظ الصيّادون بما هو صالح.
هذه الصورة تعكس وضعًا ومسألة لعبا دورًا هامًا في تعليم يسوع، وشكّلا خلفيّة مثَل الزؤان. لقد أعلن يسوع أن مجيء ملكوت الله قريب. والجميع يعرفون أن هذا المجيء يبدأ بتطهير واسع: يزول الخطأة، وينعم الابرار وحدهم بحسنات الملكوت. هذا ما ذكَّر به يوحنا المعمدان الناس بلهجة قويّة (مت 7:3-12). إذن نحن ننتظر أن نرى يسوع يباشر عمل التطهير: يحكم على الخطأة، ويجمع الابرار حول شخصه. غير أن رسالته لم توافق أبدًا هذا الانتظار. فتنازله تجاه الخطأة كان موضع شكوك. ويوحنا نفسه لم يفهم (مت 11: 2-6). فوجب على يسوع أن يشرح موقفه. فقام بهذا العمل بطرق مختلفة: إن رسالته تعني الخطأة (مر 17:2 وز) الذين يريد الله خلاصهم (مت 20: 1-5؛ لو 15: 1 ي). ليس له أن يستبق ساعة الدينونة. فالله يتصرّف مثلَ ربّ البيت الذي ينتظر الحصاد ليفصل الزرع الجيّد عن الزؤان. ومثلَ الصيادين الذين يجمعون كل شيء في شباكهم ثم يقومون بفصل الأخيار عن الأردياء.
إن الرأفة التي برهن عنها يسوع تجاه الخطأة، لا يجب أن تكون سبب شكّ: ففي تدخّل الله الاسكاتولوجيّ، تمثِّل رسالتُه الزمنَ الأول حيث تمتلىء الشبكة سمكاً من كل صنف. أما ساعة الفصل بين الأخيار والأردياء، فلم تأت بعد. ولكنها ستأتي. فلا نشكّ في ذلك.
ب- تطبيق المثل (آ 49-50)
تشكّل بداية آ 49 انتقالاً: "كذلك يكون في منتهى الدهر" (عبارة خاصّة بمتّى. رج آ 39، 40؛ 3:24؛ 28: 20). أما ما يلي فيقدّم شرحًا نجد فيه جوهر تفسير مثل الزؤان. الصيادون صاروا الملائكة (آ 39، 41). فعليهم أن يفرزوا الاشرار (آ 41) ويلقوهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصريف الاسنان (آ 50= آ 42). لم تعد الصورة ترتبط بصورة المثَل الذي لم يتحدّث عن طرح السمكات الرديئة في النار. لقد اكتفى متّى أن يستعيد صور مثَل الزؤان. وتسري الملاحظة أيضًا على ما تقوله آ 49 عن الملائكة الذين "يخرجون": الصيادون لا "يخرجون" ليفصلوا السمك، بل الحصّادون ليقوموا بعمل الحصاد.
نعود هنا إلى عبارة "أتون النار" التي هي خاصة بمتى (13: 42-50). هي قريبة من "جهنم النار" الخاصة بمتّى (5: 12؛ 18: 9)، ومن "النار الأبدية" (18: 8؛ 25: 41). والعبارة "هناك يكون البكاء وصريف الاسنان" تظهر مرّة واحدة عند لوقا (28:13)، ولكن ست مرات عند متّى (8: 12؛ 13: 42، 50؛ 13:22؛ 24: 51؛ 25: 30). وهناك عبارة خاصة عزيزة على قلب متّى، وهي لا ترد إلاّ عنده: هي تتحدّث عن الظلمة البرّانيّة (12:8؛ 13:12؛ 25: 30). من الواضح أننا لا نستطيع أن نعود إلى ما وراء العمل التدويني الذي قام به الانجيليّ.
لا شكّ في أن المنظار قد تبدّل. في المثَل سعى يسوع الى الكلام عن وضع حاليّ: مزيج الأخيار والاشرار. أما التفسير الذي قدّمه متّى فهو يبرز فقط الحكم الذي يصيب الخطأة في نهاية العالم. أشار المثل إلى صبر الله ورحمته ليبرّر تصرّف يسوع تجاه الخطأة. أما التفسير فشدّد على عدالة الله وانتقامه والتهديد الرهيب الذي ينتظر الخطأة. نرى في هذا التحذير القاسي الاهتمامات الفقاهيّة لدى الانجيلي، الذي قلق حين رأى عدداً من المسيحيّين ظلّت فيهم كلمة الله عقيمة. فعملَ على تذكيرهم بأن كل واحد سوف يدان على أعماله (27:16).

3- سيّد بيت غنيّ (13: 51-52)
أ- الصورة
التشبيه في آ 52 قصير جداً بحيث لا نستطيع أن نتكلم عن مثل. بل هو يقدّم الخليّة الاولى للمثل." يشبه سيد بيت يخرج من كنزه كلَّ جديد وقديم". وهكذا نستطيع أن نسميّ المقطوعة التي ندرسها في هذا الفصل (آ 44-52) "إنجيل الكنزين". هذا مع العلم أن اللفظة في آ 52 تحمل معنى يختلف كل الاختلاف عن ذلك الذي كان في مثل العامل (آ 44). فالكنز يدلّ هنا على المكان الذي نحتفظ فيه بشيء ما: الصرّة، الوديعة. وسيّد البيت الذي تتحدّث عنه هذه الآية، قد وضع جانباً "أشياء جديدة وأشياء قديمة". قد نفكِّر بزاد من أجل المائدة (رج لا 16: 10؛ نش 7: 14)، أو بأدوات أو ألبسة. إذ أراد عبدملك أن يخرج إرميا من الجبّ ذهب الى "كنز" (أي صندوق) بيت الملك ليأخذ منه "الثياب الرثة والخرق البالية" (إر 38: 11). فإن كنا وجدنا مثل هذه الأشياء في كنز الملك، فلا نتعجّب إن وجدنا مثلها في كنز شخص عاديّ. مثل هذه الأشياء المختلفة هي هنا لكي تستعمل حسب حاجات البيت. وهكذا نكون في الكنز أمام أشياء معدّة للاستعمال اليوميّ.
نجد مرمى هذا التصوير القصير في الجمع بين "الجديد" و"القديم". فلأن سيّد البيت يحتفظ في "صندوقه" الواحد والآخر، يستطيع أن يواجه كل الاحتمالات. لماذا وضع "الجديد" قبل "القديم"، مع أن بعض الشرّاح يبدل ترتيب الكلمتين؟ أما كان يجب عليه أن يذكر القديم أولاً؟ ولكن حين ذكر الجديد أولاً لفت إليه الانتباه: فلدى سيّد البيت أشياء قديمة ولديه أيضاً أشياء جديدة. قد لا تكون هناك أهميّة لهذه الاختلافة على مستوى الصورة، ولكن ستظهر الأهميّة على مستوى التطبيق.
اذن تقدّم لنا هذه اللوحة الصغيرة (آ 52) ربَّ بيت ميسور: ففي خزانته ما يكفي جميع حاجات بيته.
ب- التطبيقات
رأى بعضهم في كنز سيّد البيت الغنيّ صورة لها ذات البعد الذي نجده في مثل الشبكة (آ 47-48): فكما أننا نجد في الشبكة كل شيء، الصالح والرديء، هكذا نجد في الكنز أشياء جديدة كما نجد أشياء قديمة لم نعد نستعملها. هي فرضيّة غير مقبولة، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار مرمى اللوحة: فربّ البيت مستعدّ لكل الاحتمالات لأن في "صندوقه" الجديد والقديم. فالجديد والقديم مفيدان كل بطريقته وبحسب الظروف. فلا حاجة إلى الكلام عن مزج ثم عن فصل.
إذن، نكتفي بالتطبيقات التي يعرضها النصّ الانجيليّ، فهي تكوّن طبقتين: وضعُ رب البيت الميسور هو أولاً صورة عن الكاتب الذي صار تلميذًا في ملكوت السماوات. ووضعُ هذا الكاتب يُلقي الضوء على الوضع الذي نجد فيه تلاميذ يسوع الذين فهموا كل ما أراد يسوع أن يقول لهم في أمثال.
تحدّثت الاناجيل مرارًا عن "الكتبة" (أو: السفرة): هم رجال الكتاب المقدّس، معلّمو الشريعة. لقد لاقى يسوع عندهم مقاومة دائمة له. غير أنه وجد بينهم أشخاصًا صادقين مستقيمين مثل ذاك الذي أعلن له يسوع: "لمست بعيدًا عن ملكوت الله" (مر 12: 34). من الأكيد أن يسوع لم يزدر بعلمهم. ولقد حلم مرارًا بأن يربح بعضًا منهم للانجيل: فالكاتب الذي يضيف على تربيته الرابينية تعليمًا متينًا عن الملكوت يشبه ربّ بيت اغتنى بكل شيء، فكان له الجديد والقديم معاً. هذا "الكاتب" لم يجده يسوع خلال حياته على الأرض. ولكنه وضع عليه يده بالقوّة بعد قيامته: فالمثال الذي تشير إليه آ 52 قد تحقّق في شخص بولس.
ولكن متّى لم يكن يفكّر ببولس: فهو يريد أن يطبِّق آ 52 على تلاميذ يسوع المباشرين. إن هذه الآية تبدأ بلفظة "لهذا" التي تربط آ 52 ربطًا حميمًا بما في آ 51. فالتلاميذ قد فهموا الامثال التي بها عرض يسوع "كلمة الملكوت" (آ 19)، وكشف "أسرار الملكوت" (آ 11) التي بدت بشكل تشابيه تتعلَّق بالملكوت (آ 24، 31، 33، 38، 41، 43، 44، 45، 47، يشبه). وها هم قد تدرَّجوا في الملكوت، فجعلت منهم تنشئتهم "كتبة" في معنى جديد: لقد صاروا كذلك حين فهموا أسرار الملكوت بمعزل عن كل تربية رابينيّة.
ولكن إن عاد هذا اللقب إليهم، ففي منظار مهمّة تعليميّة. ففهمُ أسرار الملكوت الذي منحه الله لهم (آ 11) يجعلهم يملكون كنزًا يجب أن لا يبقى عقيماً. من هذا الكنز يستقون "الجديد والقديم" بحسب الظروف والحاجات. يستقون جديد الانجيل ولا ينسون الشريعة والانبياء، التي ما جاء المسيح يلغيها بل يكمّلها (17:5). كما أنهم لا يستطيعون أن يكتفوا بوحي منحه الله لموسى والانبياء، فيفصلونه عن تتمّته، عن وحي الملكوت الذي منحناه بواسطة ابن الله. فبفضل هذين الوحيين يستطيع الكاتب المسيحيّ أن يواجه جميع حاجات تعليمه.

خاتمة
نحن هنا كما في الفصل السابق أمام ثلاثة أمثال، يتوّجها مثَل رابع هو في الواقع خاتمة خطبة الأمثال كلّها. نكتشف في المثَلين الأوّلين القيمة العظيمة للكنز واللؤلؤة، وفرح اكتشافهما، وواجب بيع كل ما نملك لكي نحوزهما. يسوع هو الكنز وهو اللؤلؤة. ومن أجله نترك كل شيء. لا يهمّ أن يكون ما نملك قليلاً أم كثيرًا، فالشابّ الغنيّ طُلب منه أن يبيع ما يملك. وطيما بن طيما لم يكن لديه سوى ردائه الذي يضع فيه نتيجة ما تصدّق عليها الناس، طرح عنه هذا الرداء وما فيه وقفز ذاهبًا إلى يسوع، بانتظار أن يسير معه في الطريق. بين تفسير مثَل الزؤان الذي يحمل أتون النار والبكاء وصريف الاسنان، وبين مثَل الشبكة الذي فيه يُفصل الابرار عن الاشرار، يحمل هذان المثلان فرح التلاميذ الذين تركوا كل شيء وتبعوا الربّ. أما المثَل الذي يختتم خطبة الامثال السبعة الكاملة، فهي بداية جديدة بها نتعلّق بالجديد دون أن نترك القديم، بها نحافظ على ما تعلّمه من العهد القديم كتبة في كنيسة متّى، ونكمّل هذا التعليم بما حدّثنا به يسوع عن ملكوت السماوات. عند ذاك وعند ذاك فقط نتحلّى حقًا بالحكمة التي اقتناها التلاميذ والفهم الذي وصلوا إليه.
الفصل الثالث والعشرون
لا كرامة لنبيّ في وطنه
13: 53- 58

جاء يسوع إلى وطنه، إلى الناصرة. كان الناس هناك قد سمعوا بما صنعه في كفرناحوم التي صارت "مدينته" بعد أن أقام على ما يبدو في بيت سمعان بطرس. اندهشوا من هذا الذين يعرفون أمَّه وأباه وإخوته وأخواته. "من أين له هذه الكلمة وهذه المعجزات"؟ وظلّ الناس عند هذا الحدّ. رفضوا أن يخطوا خطوة الايمان. فتركهم يسوع.
إلى هذا الحدث نتعرّف بشكل عام قبل أن ندرس التفاصيل وننهي الدراسة الروحية واللاهوتية.

1- نظرة عامّة
يسوع هو في الناصرة. يرفضه أهله وسكان مدينته الناصرة، هذه القرية التي لا يرد اسمها في العهد القديم، بحيث قال الناس: "أمن الناصر يخرج شيء فيه صلاح" (يو 1: 46)؟ هذا النصّ قد أورده مر 6: 1-6 في السياق الذي عرفه مت. أما لو 4: 16-30 فجعله في بداية عمل يسوع الرسوليّ مع برنامج يقول فيه يسوع عن نفسه إنه أرسل ليبشِّر المساكين وينادي للعميان بالبصر، ويعلن سنة نعمة من قبل الربّ.
إذا أخذنا بتصميم مت مع خطبه الخمس، وإذا عرفنا أن هذه الخطبة الثالثة، خطبة الامثال (13: 1-52) قد انتهت مع الخاتمة التي اعتدنا أن نقرأها في خاتمة كل خطبة (آ 53: ولما فرغ يسوع من ضرب هذه الامثال، رج 28:7؛ 11: 21). نعتبر أن هذه المقطوعة تبدأ قسمًا جديدًا هو المرحلة الثامنة. أو إذا شئنا القسم الرابع، لأن كل قسم يتضمّن الشقّ الاخباري (ف 14-17) ثم الشقّ التعليميّ. أما إذا جعلنا الشقّ التعليمي (ف 13) يسبق الشقّ الاخباري (ف 14- 17)، نكون هنا في القسم الثالث مع العلم أن المرحلتين الأولى (ف 1-2) والثانية (ف 3-4) تثكّلان مدخلاً إلى إنجيل متّى بأقسامه الخمسة.
ما يميّز هذا القسم هو أن الاهتمام يتركّز كله، وبشكل تدريجيّ على تصرّف التلاميذ أنفسهم. سمع الجموع كرازة الملكوت (ف 5-7)، وجعل يسوع الرسلَ منادين بالملكوت (ف10) كان لم يذهبوا. فقد ذهب يسوع حين رآهم غير مهيّأين بعد. ورفض الفريسيون سرّ الملكوت، فظلّوا خارجًا (ف 13). ها نحن نصل الى المرحلة الثامنة التي تبيّن لنا حيرة تلاميذ يسوع (14: 22-23؛ 15: 32-39؛ 17: 1-8): لقد اعترفوا بسلطة يسوع وكرامته المسيحانيّة، ولكن سوء التفاهم تغلغل بينهم وبين المعلّم (13:16-23). سمعوا الانباءين الأول (16: 21-23) والثاني (17: 22-23) بالآلام، ولكنهم لم يفهموا. فلا بدّ لهم أن يسمعوا تعليم يسوع حول التصرّف الاخويّ في الملكوت الذي دشَّنه يسوع. فإذا أرادوا أن يكونوا أهلاً لهذا الملكوت، لا يكفي أن يسيروا بحسب نظام أخلاقي مثل نظام الفريسيين أو الاسيانيين أو الغيورين. بل يجب أن يتبعوا معلماً يهدّده رؤساء الشعب بالموت، أن يتخلّوا عن روح العظمة ويغفروا الاساءات ويهتموا بالضعيف، وكل هذا غريب عن التعليم الرسميّ في العالم اليهوديّ. ولكننا وصلنا هنا إلى ف 18 الذي سنعود إليه في المرحلة التاسعة وخطبة الرسالة.
هناك آراء في النظر إلى ف 13-17. فهناك من أراد أن يجعل من اعتراف بطرس (13:16-23) ذروة فيم حياة يسع العلنيّة، فقسم الخبر الانجيليّ قسمين، قبل هذا الاعتراف وبعده، على ما في انجيل مرقس حيث يشكّل اعتراف بطرس بالرب (8: 27- 30) الذروة الأولى في الانجيل الثاني. وتكون الذروة الثانية مع اعتراف قائد المئة بيسوع: "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (15: 39). إذا وضعنا مقطوعة اعتراف بطرس (مت 16: 13-23) في سياق ف 14-17، فهي تبدو رئيسيّة. ولكن إذا جعلناها في السياق العام، بدت محدّدة في جزء خاصّ من الانجيل.
أما آ 53-58 التي تقع في بداية هذه المرحلة الثامنة والتي ندرسها الآن، فهي خاتمة ف 13 والخطبة بالامثال. بعد أن رُذل يسوع من محيطه الروحيّ، من قبل الفريسيين، ها هو يُرذل الآن من محيطه الجغرافيّ، من مدينته الناصرة، من بين أقاربه وأهل عشيرته. وضع متى هذه المقطوعة في سياق الخبر، فتبع مرقس بشكل عام فقط. فالانجيل الثاني أدخل بعد مجموعة الأمثال عن الملكوت (4: 1-34) ثلاثة أخبار هي: تسكين العاصفة (35:4- 41). مجنون الجراسيين (5: 1- 20). شفاء المنزوفة وابنة يائيرس (5: 21- 43). وعند ذاك يأتي خبر "طرد" يسوع من الناصرة (6: 1-6).
استند بعض الشرّاح إلى هذا الوضع لينكروا كل ارتباط أدبيّ لمتّى بمرقس. ولكن هذا لا يكفي ليجعلنا نقول هذا الكلام. ان مرقس قد أدرج هذه الأخبار الثلاثة في هذا الموضع، ساعة جعلها متّى بين المعجزات العشر (ف 8-9) ليدلّ على أن يسوع قدير بالقول والعمل. أما لوقا فقد جعل الحدث في موضع آخر من سرده، وطبعَه بطابعه الخاصّ. بدأ لوقا بمقطع طويل من العهد القديم (أش 61: 1، 2؛ 58: 6)، فصار الخبر الذي أورده في بداية رسالة يسوع، مثالاً عن تتمّة النبوءات في حياة يسوع: "اليوم تمّت هذه الكتابة التي تُليت على مسامعكم" (لو 4: 21). هذه الكلمة الهامّة التي جعلها لوقا في فم المسيح، لم يوردها مرقس، ولم يوردها متّى الذي يجعل ذروة خبره في رفض أهل الناصرة ليسوع. تشكّكوا من تصرّفه. صار لهم حجر عثار (مثل مرقس)، فرذلوه. وفي النهاية التقت الاناجيل الازائية الثلاثة في الاشارة إلى الهوّة التي فصلت يسوع عن مدينته.

2- الدراسة التفصيليّة
أ- وفرغ يسوع من ضرب الامثال (آ 53)
هنا نتذكّر 28:7: "ولما فرغ يسوع من خطابه". مثل هذا القول يفترض أن مادة ف 13 قيلت مرّة واحدة. نقول هنا ما قلناه عن عظة الجبل. لقد تفوه يسوع بهذه الامثال في مناسبات متعدّدة. فتعليمه يرتبط بالحياة والملاحظة اليوميّة. رأى الزارع يلقي زرعه، فقال: خرج الزارع ليزرع. أما متّى فجمع من الامثال سبعة (رقم الكمال) في ف 13. وسيورد عدداً آخر من الامثال ترتبط بظروف رسالته.
"مضى من هناك". رج 11: 1 حيث نقرأ نهاية خطبة الرسالة: "ولما فرغ يسوع من توصياته لتلاميذه، مضى من هناك". وفي 19: 1 وبعد أن انتهى من خطبة الكنيسة، "انطلق، مضى يسوع من الجليل". ما إن ينتهي يسوع من خطبة من خطبه الكبرى، حتى ينتقل إلى مكان آخر (رج 8: 1؛ 26: 6). فالخطب والأعمال لا تتمّ في مساحة جغرافيّة واحدة.
ب- "جاء إلى وطنه" (آ 54)
رج مر 6: 1 مع "جاء" (ارخاتاي). فمتّى تجنّب صيغة الحاضر التاريخيّ التي يستعملها مرقس عادة. ذكر "وطنه" مستبقاً القول المأثور في آ 57 (رج مر 6: 1، 4). "باتريس" تعني الوطن، وتعني الموضع الذي وُلد فيه الانسان. حين نعود الى 22:2-23، نفهم أن الكاتب يشير إلى الناصرة لا إلى كفرناحوم (رج لو 4: 16).
"وكان يعلّم الناس في مجامعهم". يرتكز النصّ على مر 6: 2 (بدأ يعلّم يوم السبت في المجمع). أوجز مت نصّ مر، واستغنى عن "السبت". أما الضمير "هم" في مجمعهم (رج 23:4) فيدلّ على الفصل التام بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ. كان المسيحيون يجتمعون في بيوت ستصبح فيما بعد كنائس. هي المرة الاخيرة يقول فيها متّى إن يسوع يعلّم في المجمع. ولكن هذا لا يعني انقطاعًا عن التعليم في المجامع رغم معارضة الرؤساء له، فيسوع لا يترك شعبه. فسوف يكلّمهم فيما بعد. ويشفي مرضاهم (14: 34-36؛ 15: 1-20، 29- 31؛ 26: 55). وهكذا نحسّ أن متّى يدوّن انجيله منطلقاً من المحيط الذي تعرفه كنيسته. ولكنه لا ينسى واجب الكنيسة تجاه الشعب اليهوديّ وتجاه جميع الشعوب. فالمسيح أرسلها إلى جميع الأمم.
"بُهتوا وقالوا". ق 15: 31؛ 27: 14 (فعل تومازو)؛ لو 4: 22. ترك مت لفظة "مستمعين" لأنه عرف أنهم يسمعون ولا يسمعون (13:13). رج 28:7-29. "من أين له هذه الحكمة وهذه العجائب"؟ ق السبعينية في أي 13:12؛ أش 2:11. نقرأ في يو 15:7: "كيف يعرف الكتب ولم يتعلّم"؟ دمج مت ثلاث جمل عند مر وأوجزها في جملة واحدة. هذا السؤال وما فيه من تعجّب يعني: هل كلمات يسوع وأقواله هي من الله أم من الشيطان؟ هنا نتذكَّر 21: 23-27 عن معموديّة يوحنا. هل هي من السماء أم من الناس؟ وفي 22:12-30: بمن يطرد الشياطين؟ بقوة الله أم ببعل زبوب؟ رج 9: 43؛ 10: 24- 25. "المعجزة" (ديناميس). رج 11: 20.
ج- ابن النجار وابن مريم (آ 55)
وواصل الجمع تساؤلاته ليفسّر هذه العظمة تجاه أصول يسوع الوضيعة (تلك كانت عائلة يسوع). "هو ابن النجار". رج يو 6: 42: "أما هو يسوع؟ فنحن نعرف أباه وأمه". تحدّث يوستينوس عن يوسف الذي كان يصنع النير والصند. قال مر 3:6: هو النجار. قال مت: هو ابن النجار. الاب كان نجارًا. والابن أخذ مهنته من أبيه. فيسوع لم يحتقر مهنة من المهن. وعلى كل حال، تدلّ هذه المهنة على وضاعة حاله. وقد تعني "ابن النجّار" ذاك الذي هو نجّار أبًا عن جدّ. قال مرقس: هو ابن مريم. وقال متّى: هو ابن النجّار. أجل، يوسف هو أبو يسوع على مستوى العرف والشريعة (رج 1: 18. هي حبلى بيسوع قبل أن يعرفها يوسف). "أليست أمّه تسمّى مريم"؟ ق 46:12، 48- 49؛ يو 2: 12؛ أع 1: 14 (تذكر أم يسوع واخوته). قال مر 6: 3: "هو ابن مريم، وإخوته هم يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان". أما متّى، فقدّم ثلاثة أسئلة وكتب يوسف بدل يوسي، وجعل سمعان قبل يهوذا. قد يكون وصل إلى متّى تقليد يعتبر سمعان أكبر من يهوذا.
كان يعقوب رئيس كنيسة أورشليم. ذُكر اخوة يسوع في 13: 35. وفي يهو 1. بالنسبة إلى يعقوب رج أع 17:12؛ 13:15؛ 18:21؛ 1 كور 15: 7؛ غل 1: 19؛ 9:2، 12؛ يع 1: 1؛ يهو 1. تحدّث بولس عن اخوة الرب في 1 كور 9: 5. أما يو 7: 5 فقال إن اخوة يسوع لم يكونوا يؤمنون
كان جدال حول اخوة يسوع. حين نعرف أن مريم كانت عذراء كما قالت الأناجيل بعد موتها لسنوات عديدة، لا نستطيع أن نقول بعد ذلك إنه كان ليسوع اخوة واخوات من مريم ويوسف. بل أبناء عمّ. تحدث ابيفانيوس مثلاً عن أولاد يوسف في زواج أول. نشير هنا إلى أن اخوة يسوع هم أبناء مريم أخرى كانت قرب الصليب وهي زوجة كلاوبا. فنحن نقرأ يو 19: 25 كما يلي: كان عند الصليب يسوع: أمه، أخت أمه (سالومة والدة يعقوب ويوحنا)، مريم زوجة كلاوبا، ومريم المجدليّة.
د- "من أين له هذا" (آ 56)
ظلّ الجمع على عدائه يطرح الاسئلة حول أخواته أيضًا. كان اليهود يعتبرون أن المسيح حين يأتي لن يعرف أحد من أين جاء (يو 7: 27).
لا نقرأ عن أخوات يسوع إلاّ في مت 13: 56 ومر 3:6. لا نعرف شيئًا عنهن. إذا كان العهد الجديد لم يذكرهنّ، فهذا قد يعني أنهن لم يصرن مسيحيات. غير أن هناك تقليدًا يربط بين اخوة يسوع والنساء اللواتي تبعن يسوع (لو 8: 2-3) وصرن بعد ذلك شماسات.
* "من أين له هذه كلها"؟ رج آ 54 ج. أي الحكمة والأعمال القديرة أو المعجزات.
هـ- كان لهم شكًا وعثارًا (آ 57)
قابل وصيّة يهوذا: "هو ما أطاع النبيّ حين تكلّم، وقد تشكّك بكلمة تقوى". ق مت 6:11: "فطوبى لمن لا يشك فيَّ" (يعثر بسببي). إن مر توافق مع مت بالنسبة الى الفعل "سكنداليزو". رج 5: 29 (إن شككتك يدك، إن قادتك إلى الخطيئة). نحن هنا أمام عدم إيمان له أهميّة على المستوى الاسكاتولوجيّ. حين تشكّك أهل الناصرة بسبب يسوع، نبيّ آخر الأزمنة، الذي جاء إليهم ليجري المعجزات ويُشركهم في حكمته، عرَّضوا نفوسهم للدينونة الاسكاتولوجيّة لأنهم لم يؤمنوا.
"أما يسوع فقال لهم". ترد هذه العبارة بهذا الشكل 4 مرات في مت، 5 في مر. ولا ترد أبدًا في لو. في مر 6: 4 أ: "وقال لهم يسوع إن". "لا يكون النبي مكرّمًا". أوجز مت ما في مر فحذف "بين أهله". قد يدلّ البيت على الوطن والبلدة (إر 22: 5 حسب السبعينيّة؛ مت 38:23) وهكذا يكون "وطنه" مرادفًا لـ "بيته".
إن القول حوله النبيّ الذي لا يكرّم في وطنه، يرد أيضاً في لو 4: 24؛ يو 4: 44. كما يرد في الادب الدنيوي. مثلاً. ابكتات: "نصحَنا الفلاسفةُ أن نترك وطننا. لا نستطيع أن نحتمل أولئك الذين يلتقون بنا فيقولون: صار فيلسوفاً وهو الذي كان في الماضي كذا وكذا".
"لا يكرّم نبيّ". هذا يعني في مت أنهم لم يتعرَّفوا إلى يسوع كما هو. لم يروا فيه النبيّ الحقيقيّ. هنا نتذكّر وضع إرميا الذي قاومه أهله في عناتوت موطنه (إر 1: 1؛ 11: 21؛ 12: 6). بما أن يسوع تلّفظ بهذا القول المأثور، فهذا يعني أنه وعى مهمَّته النبويّة.
و- لم يصنع عجائب (آ 58)
كتب مر 6: 5: "ولم يستطع هناك أن يصنع شيئًا من العجائب. ما خلا أنه شفى بعض المرضى". أوجز مت نص مر. فالربّ هو سيّد الموقف، ولا أحد يفرض عليه موقفًا. قالت مر: "لم يستطع". أما مت فقال: "رفض أن يصنع عجائب".
بسبب لا إيمانهم (أبستيا). هذا ما قاله يوسيفوس عن موسى الذي واجه اللاايمان. قال مر 6: 6 أ: "وكان يتعجّب من عدم إيمانهم": في الواقع صنع بعض المعجزات بسبب عدم الايمان لدى الشعب. فكما أن اللاايمان دفع يسوع إلى أن يتكلّم (13:13)، فقد دفعه أيضًا لأن يصنع بعض العجائب فقط. قيل عن التلاميذ أن إيمانهم قليل (أوليغوبستيا، 6: 30). عندهم بعض الايمان. أما أهل الناصرة فلا إيمان عندهم (أبستيا).
بعد أن رُفض يسوع في ف 11 (مدن الجليل) وفي ف 12 (مع الفريسيين)، وبعد التعليم بأمثال عن أسرار الملكوت (13: 1-52)، ها قد جاء مت 53:13-58، فقدّم لنا مثالاً حيًا عن الشعب الذي يسمع ولا يسمع، الذي يرى ولا يرى (13: 13) فبيّن لنا أن اللاايمان (عدم الايمان) لا يقابل مساحة جغرافيّة معيّنة ولا شعبًا محدّدًا. فيسوع قد رُفض في الشمال وفي الجنوب، في مواطنه الناصرة وفي عاصمة البلاد أورشليم. ليس من موضع لم تصل إليه العداوة. وليس من شعب تعلّق كله بيسوع. هناك مسيرة شخصيّة يقوم بها كل إنسان بالنسبة إلى المسيح. فلا فرق بين يهودي ويوناني، بين رجل وامرأة، بين غنيّ وفقير، بين هذا الشعب أو ذاك. على كل حال، جاء يسوع إلى خاصته وخاصته لم تقبله. جاء إلى بلدته فرفضته بلدته. حتى اخوته لم يؤمنوا به. وهكذا ارتسمت الطريق تجاه يسوع. بما أنه النبيّ فسيُرذل ويتألم. بل سيموت، ولكن موته سيكون حياة لشعبه.

3- النظرة اللاهوتيّة والروحيّة
أ- يسوع يعلّم (آ 53-54)
يقول النصّ إن يسوع فرغ من التعليم بالامثال. ثم يقول بعد ذلك: "وكان يعلّم". أجل يسوع هو المعلّم بدرجة سامية في انجيل متّى. فحتّى الامثال لم يقلها يسوع مرّة واحدة. بل هي توزَّعت هنا وهناك حسب الظروف والحاجات. وما يربط بين الامثال وخبر مجيء يسوع إلى الناصرة، هو أن المقاومات العديدة للكلمة كما صوّرتها الامثال، ستجد تثبيتًا لها الآن في فشل يسوع في وطنه. قد يعني الوطن "موطن الآباء" (2 مك 8: 21؛ يو 4: 44) وقد يعني الموضع الذي وُلد فيه الانسان كما هو الامر هنا. وحده لوقا ذكر اسم الناصرة. أما مرقس ومتّى فافترضا أن الاسم كان معروفًا (2: 23؛ 4: 13؛ 11:21).
أوجز مت نصّ مر فلم يقل إنه كان يعلّمهم (أي أهل بلدته) يوم السبت. فقد افترض ذلك. فالجمع يأتي الى المجمع يوم السبت، ليسمع الكتب المقدّسة وكلام الوعظ. احتاج مرقس أن يشير إلى السبت وهو الكاتب لمحيط وثنيّ. أما متّى فاعتبر أن هذا الأمر معروف في محيط مسيحيّ متهوّد. ماذا علّم يسوع؟ هذا ما لا يقوله مر، كما لا يقوله مت (23:4؛ 2:5...). أما لو فتوّسع مطوّلاً في تعليم يسوع.
يتّفق التقليد الإزائي على القول إن يسوع علّم في المجامع (4: 23) وذلك لسببين رئيسيين. الأول، أراد يسوع أن يجذّر تعليمه في حياة شعبه الدينية. الثاني، هناك يستطيع أن يلتقي بجميع الشعب الذي أرسل إليه. هو ما جاء لكي يؤسّس حزبًا جديدًا، ولا ليحمل بعض الأفكار الثورويّة. بل جاء يطرح السؤال حول شخصه، على أبناء شعبه الذين يلتئمون يوم السبت لقراءة الكتب المقدسة وتفسيرها.
لا نفهم الدهشة الممزوجة بالحيرة لدى السامعين، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار كل نشاط يسوع السابق. ما عمله. ما علّمه. فأبناء الناصرة لا يعجبون من سلطة يسوع في حدّ ذاتها. بل يبحثون عن أصل هذه السلطة، عن ينبوع هذه الحكمة. هذا ما اعتادوا أن يفعلوا في خطّ العهد القديم مع كل انسان يعتبر نفسه "نبيًا". هذا ما فعلوا مع يوحنا المعمدان: "من أنت؟" هكذا نعطي الجواب لمن أرسلونا (يو 1: 22). وهكذا تساءل أبناء الناصرة عن أصول يسوع. نقرأ "بوتان"، من أين؟ رج آ 56، نحن لسنا هنا أمام مدلول محليّ (مثلاً في 15: 33: من أين أنت، من أي مكان). ولا تعني "بوتان" لماذا، لأي سبب (مر 12: 37؛ يو 1 :48)؟ بل ممّن تسلّم يسوع هذه السلطة التي بيده، من أعطاه إياها؟ هذا ما يقوله مر 6: 2: "هذه الحكمة التي أعطيها" (المجهول، وفي فكر الانجيلي هو المجهول الالهي: الله هو الذي أعطاه إياها).
إن يسوع كما تصوّرته الاناجيل الازائية، وكما يصوّره الانجيل الرابع (يو 7: 15 ي؛ رج 42:6 ي)، لا يطرح بتعليمه ومعجزاته وآلامه سؤالاً عن "شخصيّة" غنيّة، هي شخصيّته، بل عن سلطته: هل تسلّم من الله أم من الشيطان سلطان الكلام واجتراح المعجزات؟ إن لفظتي "حكمة" و"معجزات" (ديناميس، تدلّ على القدرة) لا تكمّل الواحدة الأخرى، بمعنى أن الواحدة تتحدّث عن وجهة باطنيّة، هي حكمة ولدت في قلب الانسان، والاخرى تتحدّث عن وجهة خارجيّة هي أعمال تدلّ على قدرة يسوع. فهاتان اللفظتان تلمّحان إلى الوجهتين الرئيسيتين في رسالة يسوع اللتين حيّرتا معاصري يسوع: تعليمه ومعجزاته.
ترد لفظة "حكمة" أيضًا في مر، لا في لو. ولكن إذا وضعنا جانبًا مت 19:11 (تبرّرت الحكمة بأعمالها. يسوع هو الحكمة وأعماله تشهد له)، لا تطبّق أبداً على يسوع في الاناجيل. فهذه الحكمة هي التعليم الذي تلقّاه يسوع من الله (يقول خصومه: من إبليس) من أجل البشر. وانطلق الانجيليّ من خبرات مواهبيّة في الجماعات المسيحيّة (1 كور 12: 8؛ كو 1: 28؛ 3: 16)، ففهم هذه الحكمة كإحدى السلطات العجائبية (ديناميس، عمل قوّة) التي منحها الروح للمؤمنين. انطلق متّى من سمات تقليديّة لمفسّر يهوديّ للشريعة، فقدّم لنا في شخص يسوع مثالاً لجميع المسيحيين الذين نالوا مواهب الحكمة والعلم والنبوءة (1 كور 12: 8 ي).
ب- أسئلة تطرح (آ 55-56)
"من أين له هذه الحكمة؟ أما هو ابن النجار؟ أليست أمه تُسمّى مريم؟ أو ليست أخواته معنا"؟ أسئلة تتزاحم في هاتين الآيتين. ولكنها في الواقع ليست تساؤلات. فإن آ 57 تدلّ على أن أبناء الناصرة تشككوا، لأن سؤالاتهم هي في الواقع نفيٌ لحكمة يسوع وعجائبه. نفي للصفة السامية التي يتمتَّع بها يسوع. فيكون معنى هذه التساؤلات: بما أن يسوع واحد منا، بما أنه خرج من بلدتنا ومحيطنا، فلا يمكن أن تكون هذه السلطة التي له من الله. إذن، أنكر مواطنو يسوع أن يكون يسوع في الوقت عينه واحدًا منهم، وصاحب كل هذه السلطة من الله. هناك خيار لا بدّ منه: أو هو من الناس، أو هو من الله.
لا يُفهم هذا النفي رفضاً مبدأيًا لحضور الله في الانسان، بل إن يهود ذلك الزمان، رفضوا تدخّل الله التاريخيّ في ظروف بشريّة خاصة هي عائلة يسوع الناصريّ. فالنبيّ (آ 57) أو محرّر الشعب في الأيام الأخيرة، لا يظهر في مثل هذه الظروف. ولكن لم ينكر أحد أن يسوع كان انسانًا كسائر الناس. بل هو من الوضعاء من الناس. قال عنه مرقس: هو النجار. ومتى: هو ابن النجار، يعمل في النجارة، في البناء (سطح البيت من خشب مع تراب).
لم يذكر مت ولا مر يوسف على أنه أب يسوع عكس لو 23:3؛ 4: 22 (رج يو 1: 45؛ 42:6). لكن هذا لا يعني أن يوسف مات يوم كان يسوع بعد ولداً. أما مسألة اخوة يسوع، رج 12: 46-50. إنهم أبناء عمه وأبناء كلاوبا ومريم التي كانت على الصليب مع أم يسوع، وأم يعقوب ويوحنا، ومريم المجدليّة (يو 19: 25).
ج- تشكّكوا وما آمنوا (آ 57-58)
لاحظ الشرّاح من خلال قراءتهم للأناجيل الإزائية أنه كل مرّة تشكّك (عثروا، وجدوا ما يسبّب لهم عثارًا وسقوطًا) الناس، فهذا الذي يشكّكهم هو دومًا يسوع. في مت 6:11، يبدو أن يوحنا المعمدان تشكّك بسبب تصرّف يسوع. انتظر منه أن يرسل الفأس على أصل الشجرة فلم يفعل. لهذا أعاده يسوع إلى ما تقول الانبياء عن المسيح. رج لو 23:7. أجل استصعب يوحنا، واستصعب معاصرو يسوع أن يروا فيه المسيح. وفي مت 26: 31، 33، قال يسوع: ستشكّون فيّ هذه الليلة، ستسقطون بسببي. فموت المسيح الذي انتظره التلاميذ منتصرًا ظافرًا، صار حجر عثرة يصطدمون به، وهنا تشكّك أهل الناصرة (رج مر 3:6)، لا لأن يسوع، لا سمح الله، عمل عملاً سيّئًا فشكّكهم، بل لأنه أظهر حكمة لا تأتي إلاّ من الله، وعملَ معجزات لا يمكن أن يكون مصدرها إلاّ الله.
في هذه النصوص، من تشكّك بسبب يسوع أظهر أنه لم يؤمن به. أظهر أنه رفضه حين رفض طريقة تفكيره، حين رفض تصرّفاته (هكذا تشكّك الفريسيون حين رأوا يسوع يؤاكل الخطأة). أما لفظة "به" (إن أوتو) فنأخذها بمعناها القويّ. شكّوا بشخصه وبما يصدر عنه. فأهل الناصرة لم يقعوا فقط في خطأ عام سبّبه يسوع، فجعلهم يضلّون في عقيدتهم الإلهيّة، بل وجدوا في شخص يسوع نفسه ما يصدمهم كما رأوا وفسّروا أقواله وأعماله عبر الاسئلة التي أوردها هذا النصّ، فوجدوا فيها أسبابًا لكي لا يؤمنوا به. اذن، تشككوا بيسوع. أو صُدموا حين نظروا الى يسوع (ان اوتو: فيه. رج 18: 6-9؛ 26: 31، 33).
في الشقّ الثاني من آ 57، يبدو أن يسوع كما يحدّثنا عنه متّى، يورد قولاً مأثورًا عرفته الاناجيل الاربعة (لو 4: 24؛ يو 4: 44). إن هذا القول قد ارتدى مدلولاً صار جديدًا حين ردّده يسوع وطبّقه على نفسه. تكلّم يسوع عن مصيره بلغة الحكمة والامثال، فدلّ على أنه حقاً ينتمي إلى تاريخ البشر: فهو يحسّ في لحمه ودمه بالمحدودات السوسيولوجيّة التي كرّستها الأقوال الشعبيّة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يدلّ هذا القول على أن مصير يسوع حين رذله أهل بلدته، لم يكن عن طريق المصادفة. فتجاه يسوع، نجد البشر الذين يرفضون أن يؤمنوا. هذا ما حدث للانبياء. وهذا العناد من جيل إلى جيل في رفض مرسلي الله، قد شدّد عليه الفكر اليهوديّ في أيام يسوع. هنا نتذكّر ما قاله العهد الجديد في هذا المعنى: "طوبى لكم إذا عيّروكم... هكذا اضطهدوا الانبياء الذين قبلكم" (مت 5: 11-12). رج 33:21-44 ومثل الكرّامين الذين يمثلّون الانبياء. وفي 33:23، قال يسوع: "ها أنا أرسل إليكم أنبياء... فتقتلون وتصلبون...". رج أع 7: 1-53 وخطبة اسطفانس أمام الذين سيرجمونه.
قال مر إن يسوع لم يقدر أن يجترح معجزات. أما مت فقال: "لم يصنع هناك عجائب كثيرة لعدم إيمانهم". ذاك الذي يستطيع أن يفعل المعجزات، رفض هنا بإرادته أن يفعل. ولفظة "أبستيا" (ترد هنا وفي مر 6: 6؛ 9: 4). أما الصفة "ابستوس" فنقرأها في 17: 17 وز. لا تدلّ هاتان اللفظتان على سمة من طباع أهل الناصرة، ولا على حذر خاصّ بهذه البلدة تجاه كل ما هو جديد، بل على واقع لمسه يسوع حين رفضوا أن يؤمنوا به. رج 17:17 حيث قال يسوع: "أيها الجيل الغير المؤمن، الأعوج"!

خاتمة
جاء مت 53:13-58 بعد أحداث بيّنت لنا كيف رُذل يسوع (ف 11- 12)، وبعد نظرة إلى الله اكتشفناها في خطبة الامثال (ف 13)، فقدّم لنا مثالاً ملموسًا عن شعب يسمع ولا يسمع، يرى ولكنه لا يرى، لا يُبصر (13:13). وهكذا ترتبط هذه المقطوعة بما سبق فتحدّد مساحة جغرافيّة من اللاإيمان. هي الناصرة. وقد تكون جماعة من جماعاتنا. كما ترتبط بما يلي. ففي 57:13 أعلن يسوع بشكل ضمنيّ أنه "نبيّ". وفي 14: 5 اعتبر الشعب ولم يخطئ أن يوحنا المعمدان هو نبيّ. ما ينتظر يوحنا هو الموت لأنه قال كلام الحقّ. وما ينتظر يسوع بعد هذا الرذل "العام" هو الألم والموت. فرفضُ الناصرة ليسوع مقدّمة لرفض أورشليم له. وهكذا يستشفّ الطريق التي سيسير عليها يسوع.
القسمُ الخَامِس
المَرحَلَة الثامِنَة
مَسيرَة المَلَكُوت

برز من داخل الشعب جمعُ التلاميذ، وميّزت خطبة الامثال بين الذين لا يفهمون، وبين الرسل الذين يفهمون. وسيسير بهم فهمهم إلى إعلان يسوع كالمسيح والربّ. إنهم سوف يدخلون في فهم جديد لهذا المسيح الذي سوف يتألم ويموت قبل أن يقوم في اليوم الثالث. ولكن مشهد التجلّي هو الذي يلقي بضوئه على هذه المسيرة التي ستقود يسوع قريبًا إلى أورشليم بعد خطبته الخاصة بحياة الجماعة، بعد خطبته الكنسيّة.
تتضمّن هذه المرحلة الفصول التالية:
1- الكنيسة ومسيرتها الايمانيّة، ف 14-17
2- موت يوحنا المعمدان، 14: 1-12
3- شبع المساكين في وليمة الملكوت، 14: 13- 21
4- يسوع وبطرس يمشيان على المياه، 14: 22-36
5- جدال حول تقليد الشيوخ، 15: 1- 20
6- المرأة الكنعانيّة، 15: 21-29
7- طعام شعب الله الجديد، 15: 29-39
8- يسوع تجاه الفريسيين والصادوقيين، 16: 1-12
9- انت المسيح ابن الله الحيّ، 13:16- 20
10- آلام المسيح وآلام التلميذ، 16: 21-28
11- التجليّ الالهي، 17: 1-8
12- يسوع وايليا، 17: 9-13
13- شفاء ولد مصروع، 17: 14-23
14- يسوع وضريبة الهيكل، 17: 24-27.
الفصل الرابع والعشرين
الكنيسة ومسيرتها الايمانيّة
ف 14-17

1- موضوع 14-17 في مجمل الانجيل
من الصعب أن نحدّد تحديداً دقيقاً في انجيل متّى ف 4 1-17. فما نجده في 13: 53-17: 27 يبدو قريباً من المراجع القبل إزائية. وهذا ما تدلت عليه المقابلة مع مرقس ولوقا. ثم إن الشرّاح يختلفون: هل يربطون خطبة الامثال وخطبة الكنيسة بما يسبق أم بما يلي كلاً من هاتين الخطبتين؟ إذن، علينا أن ننطلق من إشارات خاصة بمتّى لكي نستخلص الهدف اللاهوتي الذي حدّده الانجيلي، ونُظهر أن ف 14-17 تتداخل مع خطبة الامثال (ف 13)، وتفتح الطريق أمام خطبة الكنيسة (ف 18).
أين صرنا في مسيرتنا؟ بعد أن سمعنا كلمة الله في كتاب قال لنا كيف حققّ الطفل يسوع التتمة المسيحانيّة (ف 1-2)، شهدنا ظهور المسيح وتسليمه المهمّة بعد العماد في الاردن (ف 3-4). إن سلطان هذا الرجل الذي عرفنا فيه ملكوت السماوات، قد ظهر في أقواله (ف 5-7) وفي أفعاله (ف 8-9). وفي ف 10 رأينا هذا السلطان العجيب ينتقل إلى مجموعة من الرسل دعاهم يسوع شخصياً لكي يتابعوا رسالته. ولكن بعد نهاية هذه الخطبة، لم يذهبوا إلى الرسالة، بل ذهب هو نفسه فكان موضوع جدال وشكّ (ف 11-12).
هناك سرّ لا بدّ من إيضاحه: ما هو هذا الملكوت الذي دشّنه مجيء يسوع التاريخي، وبماذا يلزمنا؟ ما الذي يطلبه منا؟ ذاك هو معنى خطبة الامثال (ف 13) حيث برزت مجموعة التلاميذ التي أعطي لها أن تفهم. حتى الآن، لم يظهر التلاميذ كمجموعة إلا حين وجّهوا نداء إلى يسوع قبل أن يسكّن العاصفة (8: 25). أما في ف 13، فتدخّلوا ثلاث مرات (13: 10، 36، 51). وفي المرة الأخيرة، ساعة أعلنوا فهمهم للأمثال، تكرّسوا جماعة تميّزت عن الجموع، وتثبّتوا في الرسالة التعليميّة التي سيقومون بها (13: 52). أجل، لم يكن هذا الفهم تأكيدًا باطلاً، بل تسجّل بشكل ملموس في تاريخ إيمانهم. "حينئذ فهموا" (12:16؛ 13:17).
لقد بيّن ف 13 أن نموّ الملكوت يفرض خيارًا حاسمًا على من فهم أنه مدعوّ دعوة شخصيّة. منذ الآن ينكشف حضور ملكوت الله في جماعة يسوع التي اجتمعت شيئًا وشيئًا، التي انفتحت تدريجيًا على واقع الايمان (33:14؛ 16: 16)، التي اكتشفت خطوة خطوة الحريّة التي لها في المسيح (17: 26). 
نستطيع أن نعنون هذه المرحلة: نحو إعلان الكنيسة، أو: الكنيسة باكورة ملكوت السماوات. فمتّى يعالج في هذه الفصول (14-17) تكوين الجماعة الكنسيّة تكوينًا متدرّجًا. غير أننا فضّلنا عنوانًا يأخذ بعين الاعتبار أمورًا ثلاثة في وقت واحد: الواقع الديناميكي لملكوت اكتشفناه عبر الامثال. تحرُّكات يسوع العديدة وهو يجتذب تلاميذه على خطاه. تعميق إيمان التلاميذ بفضل مسيرة لها متطلّباتها.

2- البنية الاجماليّة للنصّ
ارتكز بعض الشراح على مختلف تدخّلات التلاميذ والجموع، كما استند إلى تدخّلات خصوم يسوع الذين أجبروه على التراجع ثلاث مرات، على ما يبدو، فاكتشفوا بنية مثلّثة في مت 14: 1-16: 20. فالانجيلي قد أعاد صياغة مجموعة الخبز التي هي معطية مشتركة من معطيات التقليد الازائيّ. هذا التقليد كما يبدو كان في دبتيكا بدرفتين. هذه الرسمة الاصليّة تبقى في أي فرضيّة ممكنة مع أننا نستطيع أن نبيّن أن مر 6: 30-26:8 قد رتّب مواده حسب بنية مثلّثة. ومهما يكن من أمر هذه النظريات، فسنحاول أن نوّسع البحث منطلقين من 53:13 حتى 27:17. ونطرح بنية مختلفة بعض الشيء انطلاقاً من إشارات أدبيّة ولاهوتيّة.
أن نجد في هذه الفصول الاربعة (13-18) مسيرة "ايمان" و"فهم"، فهذا واضح من استعمال هاتين اللفظتين في هذه المجموعة. فـ "الايمان" يُذكر مع لفظة "قليل الايمان" (اوليغوبستوس) في معرض الحديث عن بطرس الماشي على المياه (14: 31) وعن التلاميذ الذين يطرحون سؤالاً حول خبزات نسوا أن يأخذوها معهم (8:16). هذه اللفظة خاصة بمتّى وقد سبق له واستعملها في خطبة الجبل (6: 30: كم بالاحرى يلبسكم أنتم يا قليلي الايمان)، وفي مشهد تسكين العاصفة (8: 26: لم أنتم خائفون يا قليلي الايمان، 4 استعمالات). وتبعه لوقا وحده في استعمال هذه اللفظة (اوليغوبستوس) في 12: 28 (إن كان العشب... فكم أنتم بالاحرى يا قليليّ الايمان).
وشفاء الولد المصروع يشير إلى توبيخ من يسوع: "أيها الجيل غير المؤمن" (مت 17: 17؛ مر 9: 19؛ لو 9: 41). وزاد متى ولوقا: "والفاسق". أما مرقس فشدّد وحده على إيمان والد الولد: "أؤمن. فأعن قلّة إيماني" (مر 9: 24). أما متّى فربط هذا الإيمان بالتلاميذ الذين ما استطاعوا أن يشفوا الولد المصاب بالصرع ("قلّة إيمانهم"، اوليغوبسيتا) كما نجد في 17: 20 حسب نسخة أصلية على ما يبدو. فكل مرّة يشير متّى إلى ايمان التلاميذ في هذه الفصول، فهي مقاطع خاصة به أو هو حوّلها بعد أن تلقّاها من التقليد الإزائي. هـان كان متى (13: 58) ومرقس (6: 6) قد تحدثا عن "لإايمان" (ابستيا) أهل الناصرة، فمتّى أشار إلى الإيمان العظيم (ميغالي بستيس) لدى المرأة الكنعانيّة (28:15).
وبالنسبة إلى "الفهم"، نجد 9 استعمالات لفعل "فهم" (سينياناي) في ف 13-17 (13:13، 14، 15 في رجوع إلى أش 9:6-10؛ ثم 19:13، 23، 51؛ 15: 10؛ 16: 12؛ 13:17). عند مرقس خمس مرات (4: 12؛ 6: 52؛ 7: 14؛ 17:8، 21). وعند لوقا أربع مرات (2: 5؛ 8: 10؛ 34:18؛ 45:24). في مت 15: 10، دُعيت الجموع لكي تسمع وتفهم كما في مر 7: 14. وفي 15: 16 سُمّي التلاميذ "غير فاهمين" (أسيناتوي) في مر 18:7. ولكن متّى وحده (16: 12؛ 13:17) قال لنا: "حينئذ فهم" هؤلاء، ما ظلّ مغلقًا عليهم حتى تلك الساعة.
بعد هذا، نتساءل: كيف نظّم متّى المواد التي تسلَّمها من التقليد؟ هنا نتوجّه نحو يسوع الذي به يرتبط الايمان. ثلاث مرات ابتعد (13:14؛ 15: 16:21: 4) عن خصومه كما سبق له وفعل بعد الجدالات الأولى مع الفريسيين (15:12). ولكننا نحسّ في الوقت عينه أن الناس يتعلقون به ويدخلون شيئًا فشيئًا في سرّه للتعرّف إلى هويّته. فإذا كانت الكنيسة تتكوّن في هذه الفصول، فبسبب علاقتها بيسوع. ففي أربعة أوقات، يسوع هو موضوع اعتراف إيمان. أولاً: "الذين كانوا في السفينة"، حين رأوا يسوع يخلّص بطرس رفيقهم، سجدوا قائلين: "حقًا، إنه ابن الله" (14: 33). هذا القول خاص بمتّى. ثانيًا: هتفت الكنعانيّة: "إرحمني يا ربّ، يا ابن داود"، وسجدت له (22:15، 25). ثالثًا: حين جاء يسوع إلى شاطئ بحر الجليل، ورأت الجموع المعجزات التي اجترحها، اعترفت به ومجّدت "إله اسرائيل" (15: 31). هذان القولان خاصان بمتّى. رابعًا: طرح يسوع نفسه على تلاميذه سؤالاً حول هوية ابن الانسان. فأعلن بطرس باسمه الجميع: "أنت المسيح ابن الله الحيّ" (16:16). إذا كان هذا المقطع قد وجد في مر 29:8 (أنت المسيح)، ولو 9: 20 (انت مسيح الله) ويو 6: 69 (نعلم أنك قدّوس الله)، غير أن متّى تفرّد فجعل على شفتي بطرس تسمية "ابن الله الحيّ" التي هي صدى لاعتراف التلاميذ في 14: 33. وأخيراً، على جبل التجلي، سمع التلاميذ الثلاثة صوتاً آتياً من السحابة يعلن: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت" (17: 15). وإذ خافوا، سقطوا على أوجههم إلى الارض، كما يقول متّى وحده (رج مر 9: 7؛ لو 9: 35). أما يكون تكويم هذه الالقاب الكرستولوجية وفعلات العبادة، إشارة إلى نموّ الكنيسة في الايمان؟
تتيح لنا هذه العناصر المختلفة أن نكتشف بنية في أربعة اقسام حيث نشهد تدرّجًا في اكتشاف الايمان بيسوع.
أ- من لا إيمان أهل الناصرة بيسوع، إلى الاعتراف بابن الله، مرورًا بأول تكثير أرغفة للجمع (13: 53- 14: 36).
ب- من تعلّق بتقليد الاقدمين إلى افخارستيا تعطى للجميع، مرورًا بعطيّة خبز الاولاد للذين عرفوا ابن داود (15: 1-39).
ج- من طلب آية، إلى قبول مجيء ابن الانسان، مرورًا بمحنة وحي الآب (16: 1-28).
و- من خوف التلاميذ أمام الابن الحبيب، إلى اكتشاف الحريّة التي ينعم بها أبناء الملكوت، مرورًا بالانفتاح على قوّة الايمان (17: 1-27).
3- تحليل النصوص
أ- من اللاايمان إلى الاعتراف بابن الله (13: 53- 14: 36)
إن المادة التي يعالجها متّى في 53:13- 14: 36 تقابل مر 6، بحيث إن عدداً من الاخصّائيين في المسألة الإزائية استنتجوا أن متّى يرتبط بمرقس. ففي الانجيليين نجد المتتالية الآتية: زيارة يسوع إلى الناصرة. ردّة فعل هيرودس وموت يوحنا المعمدان. أولا تكثير للخبز. سير يسوع على المياه وأشفية متعدّدة في جنسارت. وأتبع مرقس زيارة يسوع إلى الناصرة بإرسال الاثني عشر وعودتهم إلى يسوع بعد موت يوحنا المعمدان. أما لوقا فيبدو أنه اتّبع تصميمًا آخر: هو لا يقدّم موازاة إلا في زيارة يسوع إلى الناصرة (4: 16- 30) وردّة فعل هيرودس (9: 7-9) وموت يوحنا المعمدان (3: 19-23) وأولى تكثير للأرغفة (9: 10- 17).
يضمّ النصّ المتّاوي خمس وحدات تحدّدها تضمينات هي في أكثر الاحيان خاصّة بمتّى.
أولاً: اللاايمان في موطن يسوع (13: 53-58): نقرأ "وطنه" و"عجائب" (أعمال قدرة) في آ 54 و57-58. إن لفظة "عجائب" شابكة مع الحدث التالي (14: 2) وكذلك لفظة "نبيّ" (13: 57 و14: 5).
ثانيًا: هيرودس وموت يوحنا النبيّ (14: 1-12): نقرأ "يسوع" في آ 1 و12 و"سجن" يوحنا في آ 3 و10.
ثالثاً: البركة وعطيّة الخبز في البرّية (14: 13- 23): نقرأ "القارب"، "الجموع"، "يسوع وحده" في آ 13 و 22-23. و"التلاميذ" في آ 15، 22. 
رابعًا: إيمان بطرس القليل وسجود التلاميذ (14: 24-33): نقرأ "القارب"، "الريح" في آ 24 وآ 32-33.
خامسًا: شكرُ الجموع ونجاة المرضى (14: 34-36): لا نجد تضمينات في هذه الاجمالة، بل استعادة لألفاظ من الأخبار السابقة: العبر (آ 22، أو الجهة المقابلة)، "أرض" (آ 34) "نجى" (آ 30). إن هذه الاجمالة تشكّل خاتمة، فتعارض بين استقبال يسوع في أرض غريبة، واستقباله في الناصرة (على مثال إيليا الذي رفضه أهله واستقبله العرب في الشرق والفينيقيون في الغرب). 
أولاً: لا إيمان في موطن يسوع (53:13-58)
أرانا متى يسوع وهو "يمضي من هناك"، كما سيفعل في 19: 1 حيث يترك الجليل بشكل نهائي بعد خطبة الكنيسة (أو: الخطبة حول الجماعة، ف 18). يبدو أن الانجيلي تحاشى ذكر الناصرة التي تركها يسوع في 13:4 ليجعل من كفرناحوم "مدينته الخاصة" (9: 1). ولفظة "وطن" (أو: موطن) تتجاوز حدود قرية معيّنة، لتدل على "كل الجليل" (4: 1، 23)، بل على عقليّة، على طريقة في النظر إلى يسوع والحكم عليه من الوجهة البشريّة. لتدلّ على موقف الجموع الذين سمعوا وما استطاعوا أن يفهموا (ف 13). وما يشير إلى ذلك هو استعادة "كل هذا" (13: 34، 50) في آ 56، التي لا ترد إلاّ عند متّى. ونجد كلمة أخرى في آ 54: "وكان يعلّم" (إديدسكان). بعد ذلك، لن يكون حديث عن تعليم يسوع في سائر الانجيل، إلاّ في اورشليم (21: 23؛ 22: 16). هذا يعني أن مرحلة التعليم قد ولّت، على ما يبدو، لأن الناس لا يستطيعون أن يفهموا. قالوا: "من أين له هذه الحكمة وهذه العجائب" (آ 54)؟
اندهش مواطنو يسوع من حكمته، وجهلوا أن هذه الحكمة تبرّرها أعمالها (11: 19). لقد تساءلوا، شأنهم شأن هيرودس (14: 2)، حول أعمال قدرته (أعماله القديرة)، حول عجائبه. ومع ذلك فالمدن التي على شاطىء البحيرة والتي شهدت هذه الأعمال لم تتب (11: 20-23). إنهم يعرفون كل المعرفة عائلة يسوع. أمه، اخوته، اخواته (كل العشيرة). ولكنهم لم يدركوا أن القرابة الحقيقيّة مع يسوع تحدَّد على مستوى آخر (46:12-50). لهذا لم يلزموا نفسهم البحث عن جواب على سؤال حول أصل "كل هذا". فعدم إيمانهم (أبستيا) جعلهم يتشكّكون، ومنعَ الكلمة من أن تدخل فيهم (13: 21). هم لا يستطيعون أن يتذوّقوا الطوبى التي وجّهها يسوع إلى يوحنا المعمدان (11: 6). كما لم يروا في يسوع ذاك النبيّ المنتظر. إنه بالنسبة إليهم ابن النجار.
وأخذ يسوع يعيش وسط الشعب، دالاً على رحمته وحنانه، شافيًا ومغذيا الجموع التي تتبعه. يحصل له بعض المرات أن "يهرب" (14: 13، 22-23) ليجعل الناس يفكّرون ويحدّدون موقفهم تجاهه. فإن كانوا يؤمنون حقًا به، ليبحثوا عنه، وهو يعرف كيف يستقبلهم (14: 13، 35).
ثانياً: هيرودس وموت يوحنا (14: 1- 12)
إن التلميح إلى النبي الذي لا "يكرّم" (رج 27: 9-10) في وطنه، يجعلنا نفكّر حالاً في المعمدان الذي رأى فيه يسوع نبياً، بل أعظم من نبيّ (9:11- 13). وكما بدأ يوحنا وقدّم نفسه، لكي يستطيع يسوع بدوره أن "يقدّم نفسه" (3: 1، 13)، هكذا يجب على يوحنا أن يموت لكي يستطيع يسوع أن يدخل في طريقه إلى الموت.
إن هيرودس، تتراخس (رئيس ربع) الجليل، هو هيرودس انتيباس (22- 40 ب. م.)، ابن هيرودس الاكبر (37- 4 ق. م.) وامرأته الثالثة ملتقى. وهو أخو أرخيلاوس. تزوّج أولاً ابنة ملك الانباط الحارث الرابع، قبل أن يتزوّج حوالي سنة 27 هيرودية (امرأة أخيه من أبيه هيرودس، فيلبس الاول) التي أعطته ابنة سمّاها سالومة. يُعتبر مثل هذا الزواج زنى تشجبه الوصايا العشر (20: 14؛ تث 5: 18). ثم إن الشريعة اليهوديّة منعت الزواج بين الأقارب (لا 18: 17). ونستطيع هنا أن نتذكّر ما قاله يسوع حول الزنى والطلاق (5: 27- 32؛ 19: 9).
فهيرودس هذا الذي حكم الجليل بعد موت أبيه هيرودس الكبير، كان يطرح على نفسه الاسئلة حول هويّة يسوع. فمقتل يوحنا يعذّبه. في الواقع سُجن المعمدان لانه وبّخ التتراخس على زواجه من هيروديّة. وحين أورد متّى هذا الخبر الذي رواه مرقس أيضًا بطريقة مطوّلة (6: 14-29) ولوقا بطريقة موجزة (9: 7-9؛ رج 3: 19- 20)، أراد أن يجعلنا نستشفّ طريق الآلام الذي يتّخذه يسوع. فالمسيح، شأنه شأن المعمدان، سيعرف الموت كالانبياء (23: 34-35؛ رج 5: 12). فيسوع ويوحنا قد اعتبرهما الجمع من الأنبياء. نقرأ في مت أن "الجمع يعدوُّن يوحنا نبيًا" (21: 26؛ رج 14: 5 خاصة بمتّى). وقد استعيدت العبارة نفسها بالنسبة إلى يسوع في 46:21 (خاصة بمتّى): "لأنه (أي يسوع) كان عندهم نبيًا". اعتُبر يوحنا إيليا الجديد (11: 14؛ 17: 10-13) فأعلن بآلامه وموته أيام يسوع الاخيرة. والالفاظ التي صوّرت آلام يوحنا (3:14، 12)، سوف يستعملها متّى لكي يروي آلام يسوع (48:26-50، 55، 57؛ 27: 2؛ 8:28).
نستنتج من هذا المقطع أن يسوع هو حقاً نبيّ، وإن لم يتعرّف إليه وطنه. إذن، كانت الجموع على حقّ. والبرهان على ذلك هو موت يسوع الذي أعلنه موت السابق. هذا ما يبرزه متّى خصوصاً في آ 5 وآ 12 ب اللتين تفرّد الانجيل الأوّل في ايرادهما.
ثالثًا: البركة وعطيّة الخبز في البريّة (14: 13-23)
بعد هذا الحدث، نصل إلى قسم من الانجيل سُمّي "مجموعة الخبز". نجد فيها رسمة فقاهيّة تعود إلى التقليد القبل إزائي. وقد أعاد صياغتها كل من مرقس (6: 31-8: 26) ومتّى (14: 13-16: 12) بنظرة خاصة، بعد أن زادا حدث اعتراف بطرس الذي نجده في لو 9: 18- 21 وفي يو 6: 67- 71 وقد ارتبط عندهما بتكثير الأرغفة. نشير هنا إلى أن لوقا ويوحنا أوردا خبرًا واحدًا عن تكثير الأرغفة. أما متّى ومرقس فخبران: واحد يتوجّه إلى العالم اليهوديّ، وآخر إلى العالم الوثنيّ.
دوّن متّى حدث تكثير الأرغفة الأول بعناية فائقة. فما ذكر عودة التلاميذ، لأنهم لم ينطلقوا (كما أرسلهم يسوع) بعد خطبة الرسالة، بل انطلق يسوع. ولكنه بدأ خبره (آ 13- 14) واختتمه (آ 22-23) بانتقالة تتحدّث عن يسوع الذي "اعتزل" الجمع، عن التلاميذ وعن القارب. هذه الألفاظ تشكّل تضمينًا كما قلنا. من جهة، "تحرّكت أحشاء يسوع" (رج 36:9؛ 15: 32؛ 20: 34) حين رأى هذه الجموع، فشفى مرضاها، ولكنه لم يعلّم كما قال مرقس (6: 34). ومن جهة ثانية، أطلق الجموع بعد أن اضطرّ التلاميذ أن يسبقوه في السفينة، "إلى العبر" (بيران) دون أن يذكر موضعًا محدّدًا (تحدّث مر 6: 45 عن بيت صيدا). ثم ذهب وحده منفردًا على الجبل ليصلي كما سيفعل في بستان الزيتون (26: 36- 44).
بدأ الخبر بحصر المعنى بعبارة معروفة (8: 16؛ 14: 15، 23؛ 16: 2؛ 20: 8؛ 57:27؛ رج مر 1 :32؛ 35:4؛ 47:6؛ 17:14؛ 42:15) في متّى: "ولما أقبل المساء" (آ 15. لم يجعل مرقس هذه العبارة في هذا الموضع). نلاحظ أن متّى (ومرقس أيضًا) بدأ بهذه العبارة خبرَ العشاء الأخير (26: 20؛ مر 14: 17) ودفن يسوع (17: 57؛ مر 15: 42). وسيشدّد متّى بشكل خاصّ على المدلول الافخارستي لهذا الحدث. تستعيد آ 19 ب (رج مر 6: 41) النصّ المعروف في تكريس الخبز الافخارستيّ. ودورُ التلاميذ كوسطاء بين يسوع والجمع، قد شدّدت عليه آ 19 ج (ودفعها إلى التلاميذ، إلى الجموع). فكأني بمتّى يشير إلى أن التلاميذ حين يوزّعون في الكنيسة خبز الرب، إنما يفعلون بالنظر إلى حدث تاريخيّ، إلى سلطان تسلّموه من يسوع نفسه خلال حياته على الأرض. وغابت السمكات في نهاية الخبر من أجل الهدف عينه (نحن في الافخارستيا). وتحدّث متّى عن الوفرة مع "اثنتي عشرة قفّة مملوءة" (آ 20). النموذج التوراتي لهذا الخبر نجده في ما فعله أليشاع (2 مل 4: 42-44)
حين أطعم مئة رجل من عشرين رغيفاً. ولكن لا يكفي أن نبيّن أن النصّ الانجيليّ يستلهم نموذج أليشاع والاحتفال بالافخارستيا في الكنيسة الأولى، لكي نعتبر هذا المقطع سطرة (خبرًا مصوّرًا لا اساس له في التاريخ) عن العشاء الافخارستي. لكي نعتبره مثلاً من أمثال يسوع لا واقعًا من حياته. إذا كنا لا نعرف بالضبط ما حدث في ذلك الوقت، فنستطيع القول إن التقليد الانجيلي لم يورد هذا الحدث ست مرات عبثًا. فما يعبّر عنه هذا النصّ، يتعدّى حدثًا من الأحداث المتفرِّقة: تجذّر في سلسلة أحداث حياة يسوع، وفي خبرة الطعام الذي أكله مع تلاميذه خلال تجواله، فأسقط نور الحدث المركزيّ (أي موت وقيامة يسوع اللذان تحتفل بهما الكنيسة) على الماضي وعلى المستقبل. في هذا المعنى يورد هنا متّى، شأنه شأن سائر الانجيليين، خبر تكثير الأرغفة.
رابعًا: ايمان بطرس القليل وسجود التلاميذ (14: 24-33)
ارتبط حدث سير يسوع على المياه بسابقة، بفضل الوصلة في آ 22-23. كما ارتبط ايضاً بنصوص العهد القديم: عبور بحر القصب أو البحر الأحمر (خر 14- 15)، عبور الاردن (يش 3-4؛ رج أش 43: 6؛ مز 77: 20). وتذكر الأسفار الحكميّة موضوع مسيرة الله (أي 9: 8؛ 38: 16) أو الحكمة (سي 24: 5) على البحر.
وتفرّد متّى في هذا الحدث فذكر بطرس ودوره مع يسوع. على المستوى الادبي، دخل أول الرسل (2:10) في الخبر. نجد تلميحاً إلى تسكين العاصفة: نداء بطرس (آ 30= 8: 25). جواب يسوع (آ 31=8: 26). استباق موقف التلاميذ أمام المسيح القائم من الموت: تلميح إلى الشكّ (دستازاين) الذي لا يظهر إلاّ هنا (آ 31) وفي 17:28 (في كل العهد الجديد). سجود (بروسكيناين) "الذين في القارب" (آ 23؛ رج 28: 9، 17) الذين عرفوا المسيح ونادوه بكلمات قائد المئة على الجلجلة (27: 54). ساعة ناداه بطرس مرَّتين: يا ربّ (آ 28، 30). وهناك تذكرّات من نشيد موسى بعد عبور بحر القصب. البحر الذي "يغرق" (آ 30؛ خر 15: 4: كاتابونتيزاين). والمياه والأمواج المنتصبة (آ 24-28؛ خر 8:15). اليد الممدودة (آ 31؛ خر 15: 12). الخوف والقلق (آ 26-30؛ خر 15: 16).
هذه الاشارات المختلفة تدعونا إلى أن نكتشف في نصّ متّى، تيوفانيا (ظهورًا) موجَّهة إلى "الذين في السفينة"، أي إلى كنيسة القائم من الموت. إنه الاله المخلّص (كما في سفر الخروج) الذي يخرج من عزلة الصلاة ليخلّص جماعته القليلة الايمان ويمنحها قدرته.
وبعد أن أشبع (خورتازاين) يسوع شعبه خبزاً (مز 37: 19؛ 81: 17؛ 132: 15) بواسطة تلاميذه، أمرَهم في المحنة لكي يثبّت إيمانهم. هنا نتذكّر حركة مز 107 حيث يرتبط الموضوعان (آ 8، 9 والشبع، آ 23- 30 والمحنة) في نداء إلى فهم حبّ الرب وتقريب الشكر له. ففي مسيرة على المياه محفوظة للاثني عشر، جاء ربّ الملكوت سرًا (مت 13، الأمثال)، جاء ربّ الايمان الذي أعطى المنّ العجائبيّ، فخلّص أيضًا جماعته (القارب، السفينة)، من أخطار البحر بقدرة فائقة نقلها إلى بطرس وإلى كل تلميذ يتبعه. وهكذا يوجّهنا هذا المقطع إلى الكنيسة كما إلى يسوع المسيح.
وفي النهاية، نحن في هذا المقطع أمام إيمان الكنيسة، وهو إيمان ما زال مليئًا بالشكّ واللافهم. هذا ما نجده في الجماعات المتاويّة التي يجب عليها أن تعرف أن يسوع القائم من الموت هو حاضر فيها: فقد تدخّل وخلّص بطرس الذي كاد يغرق. وهو يخلّص تلاميذه شرط أن يصرخوا كما صرخ بطرس: "يا ربّ، نجني".
خامسًا: شكر الجموع ونجاة المرضى (14: 34-36)
تلتقي هذه الإجمالة مع زيارة يسوع إلى وطنه (53:13-58). تبع مت نصّ مر عن قرب وذكر أمر يسوع بأن يذهبوا "إلى الجانب الآخر" (إلى العبر) من البحيرة (14: 22) حيث نحن الآن: نحن في جنسارت لا في بيت صيدا كما يشير إلى ذلك مر 6: 45.
وقال متّى (آ 35) إن "أهل (رجال، اندرس) ذلك المكان" عرفوا يسوع، و"أرسلوا" في طلب جميع المرضى. من هم هؤلاء الناس؟ هذا ما لا يوضحه الانجيليّ. ولكن يبدو أن التعرّف إلى (ابيغينوسكاين) يسوع، يعني الانطلاق في الرسالة (ابوستالاين). ونلاحظ الكلمة الأخيرة في هذا المقطع (خلصوا، نجوا، دياسوتيزان). هي صدى لصلاة بطرس (نجنيّ، آ 30)، وهي تذكّرنا بشفاء النازفة التي لمست طرف ثوب يسوع، فـ "نجت" (شُفيت) هي أيضًا (9: 21-22).
هؤلاء المرضى لمسوا طرف رداء يسوع (آ 36). هدب الرداء. فهذا الهدب كان يذكّر المؤمنين دومًا بالأمانة للوصايا (عد 37:15-39). كان قد أعلن النبيّ زكريا في الأزمنة المسيحانية أن عشرة رجال (اندرس) من كل ألسنة العالم (كما قالت السبعينيّة) يمسكون يهوديًا بطرف ثوبه قائلين: "نذهب معك لأنّا سمعنا أن الله معك" (زك 23:8). لا شكّ في أن مت فكّر بهذا النصّ: ساعة يتجاهل يسوعَ موطنه، وينغلق على فهم أسرار الملكوت، ها هي الأمم (الوثنيّة) تتعرّف إليه وتحمل إليه مرضاها. فكأني بفعلة العبادة التي قام بها التلاميذ (آ 33) قد تحوّلت فجأة إلى رسالة واسعة وسع العالم.
ونستشفّ من خلال هذا النصّ الذي يرسم تلمّسات إيمان باحث، طريقَ موت يسوع وقيامته كما أعلنه موت يوحنا النبيّ، وتحتفل به الافخارستيا التي أعطيت للجموع، ويكون حاضرًا حضورًا فاعلاً في جماعة مؤمنة قد عرفت الخلاص منذ الآن رغم شكوكها ومخاوفها.
ب- من تقليد الأقدمين إلى الافخارستيا (ف 15)
مع ف 15 تبدأ دورة جديدة تقدّم لنا تعمّق الايمان بالمسيح. وقد انطبعت هذه البداية بدخول الفريسيين والكتبة الآتين من أورشليم على المسرح. فأورشليم التي لعبت دورًا هامًا في الفصول الأولى من الإنجيل الأول (2: 1، 3، 3: 5؛ 25:4) لم تعد تُذكر الا بمناسبة الحلف (35:5: لا تحلفوا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم). حتى الآن يأتي الناس من (أبو في اليونانيّة) أورشليم. بعد 16: 21 (رج مر 10: 32-33) ستدلّ أورشليم على خاتمة المطاف في صعود يسوع الذي يذهب إلى (ايس في اليونانيّة) أورشليم (21:16؛ 17:20-18؛ 21: 1-10)
إن المواجهة بين يسوع والفريسيين لن تدوم طويلاً، لأن يسوع سيعتزل قريبًا في نواحي صور وصيدا، قبل أن يعود إلى شواطىء بحر الجليل حيث يُتمّ ثاني تكثير للأرغفة.
ويسير متّى بمحاذاة مرقس في ف 15. بحيث إن الخصائص المتاويّة تلفت انتباهنا. هناك حديث متواصل عن الطعام، منذ غسل اليدين كطقس عباديّ قبل الأكل (آ 2، 20) حتى الشبع (آ 33، 37، 14: 20) مرورًا بالأكل (آ 2، 27، 38؛ رج 14: 21) والخبز (آ 2، 26، 32، 34، 36، رج 14: 17، 19 مرتين). وهكذا نكتشف خمس وحدات داخل تضمينات خاصّة بمتّى.
أولاً: تقليد الشيوخ وكلمة الله (15: 1-9): "يأكلون بأيد لم يغسلوها" (آ 2- 20). "الانسان، الناس" (آ 9، 11). كل هذا يربط قسمي المقطوعة. 
ثانيًا: تشكّكٌ بالكلمة ولافهم عند التلاميذ (15: 10- 20). "لا ينجّس الانسان" (آ 11، 20).
ثالثًا: خبز الاولاد وإيمان الكنعانيّة (15: 21-28): "إمرأة"، "ابنة" (آ 22، 28).
رابعًا: الجموع (التي شُفيت) تمجّد إله اسرائيل (15: 29- 31). تبدو هذه الاجمالة بدون تضمين فتذكّرنا بما في 14: 22-23. هي تبدأ كما في 11: 1؛ 9:12، وتنتهي بتمجيد إله اسرائيل، في تجاوب مع سجود التلاميذ (14: 33).
خامسًا: الجموع التي شبعت في الافخارستيا (15: 22-39): "الجموع"، "أكل"، "صرف" (حلّ) (آ 32، 38-39)، شبع (آ 33، 37). يبدأ هذا المقطع في 15: 10 (دعا إليه الجميع وقال لهم، بروسكالاسامانوس) ويعود بالقارب الذي تركناه في 14: 33.
أولاً: تقليد الشيوخ وكلمة الله (15: 1-9)
سأل الفريسيون والكتبة يسوع كما في 12: 2 عن تصرّف تلاميذه. وبعد أن أجابهم يسوع جوابًا قاسيًا (آ 3-9)، توجّه إلى الجموع وتلاميذه (آ 10) فأوضح فكره. هنا تأخّر مر 7: 2-5 ليشرح طقوس الاغتسال عند اليهود لقرّائه الوثنيين. أما متّى فذهب إلى الهدف مباشرة، وتحدّث عن "تعدٍّ" (بارابايناين) على تقليد الشيوخ (آ 2). جاء جواب يسوع في أسلوب الفريسيين والكتبة: "وأنتم، لمَ تتعدّون وصيّة الله من أجل تقاليدكم" (آ 3)؟ إن نصيّ خر 20: 12؛ 17:21 يتحدّثان عن الوجبات تجاه الوالدين، وقد ربطهما مرقس (7: 10) بموسى. أما متى (آ 4) فربطهما ربطاً مباشراً بالله. وهكذا تكون المقابلة بين تقليد الشيوخ وكلمة الله (آ 6؛ رج آ 12) قويّة جدًا.
وكما في التوسّع الأول في خطبة الجبل (5: 20-48)، قدّم يسوع هنا تفسيرًا جذريًا للشريعة الموسويّة واضعًا مبدأ يحوّل معطيات المسألة تحويلاً تاما: المهمّ هو كلام الله لا التفسيرات التي زادها البشر. فالمناخ هو مناخ عظة الجبل. وهذا ما يدلّ عليه النداء "أيها المراؤون" (آ 7) الذي يستعمله مرقس فقط في هذا النصّ الموازي (7: 6) مع مسافة بالنسبة إلى مت 6: 2، 5، 16؛ 7: 5. إن ممارسة "القربان" اليهوديّة تقوم بأن يقدّم المرء لله جزءًا من أمواله فيحمله إلى كنز الهيكل (مت 27: 6). كشف يسوع رياء ذاك الذي "يخدع" الله ليتهرّب من الفرائض الاساسيّة في الدكالوغ أو الوصايا العشر. يقع في فخاخ التفسيرات البشريّة، فلا يعود يميّز وصيّة الله.
يقول ولا يفعل: تلك هي تجربة الانسان الدينيّ الذي يسير "بطمأنينة" داخل جدالات مجرّدة حول الفرائض وينسى الواقع. ينسى الله والآخرين (7: 3:23:21). هذا ما يعبّر عنه نصّ أش 3:29 مع التعارض بين "الشفتين والقلب" (رج مت 13: 15 الذي يورد أش 6: 10) الذي يذكّرنا بما في مز 78: 36-37. إن الموقف الدينيّ الحقيقيّ يقع على مستوى القلب، حيث يفهم الواقع، لا حيث يتكلّم الناس ويعلّمون. فنصّ أشعيا ارتبط بفعل "كرّم" لأن التكريم الحقيقيّ هو ثمرة تمييزنا لله ووصاياه.
ثانيًا: تشكّك من الكلمة ولا فهم عند التلاميذ (15: 10- 20)
قدّم هذا التمييزُ ليسوع خاتمة الجدال حول الطهارة: فعبّر عنه أمام الجمع (آ 11)، وأسبقه بتحريض يعيدنا إلى الخطبة بالامثال (آ 23:13؛ رج حك 6: 1). لا شكّ في أنه يجب أن "نفهم" وإلاّ ظللنا عميانًا (آ 14؛ 15:13). ويكون العمى خطيرًا بشكل خاصّ حين تكون مهمّتنا التعليم وتوجيه الآخرين (23: 17، 24). فلا نعجب عنذ ذاك أن يكون الفريسيون قد تشككوا بالكلمة (آ 12؛ رج 13: 21): فالنور القويّ يعمي (يبهر) ذاك الذي اعتاد على بعض الظلمة. ومن يحصر كلمة الله في تفسيره الخاص، يكون وكأنه "يضع يده" على" غرس" الله (فيتايا).
إن هذا الموضوع الذي يظهر في أش 60: 21، يُستعمل مرارًا في العالم اليهوديّ المتأخّر ولا سيّما في النصوص الاسيانيّة (لدى أهل قمران على شاطىء البحر الميت). ونحن نذكر أن خطبة الأمثال صوّرت الملكوت بشكل زرع ينمو (مثل الزارع. الزرع الجيّد والزؤان، حبّة الخردل). كل هذا المقطع (آ 12-14) هو خاص بمتّى وهو يتوخّى بأن يؤوّن الامثال في حياة جماعته.
ويتدخّل بطرس (الذي هو غائب من نصّ مرقس) في آ 15 ليطلب من يسوع أن يوضح (فرازاين) المثل. لا يرد الفعل إلاّ هنا في كل العهد الجديد. هناك مخطوطات تجعله في 13: 36 حيث تضع أفضل المخطوطات "دياسافاين" الذي لن يستعمل في كل العهد الجديد إلاّ في 18: 31. فبعد سير يسوع وبطرس على المياه، نفهم لماذا أدخل متّى بطرس كمتكلّم باسم التلاميذ. فجواب يسوع (الذي أوجزه مرقس) يوبّخ التلاميذ أولاً لعدم فهمهم (اسيناتوي)، ثمّ يقدّم توسّعًا منطلقًا من "الشفتين والقلب"، من الخارج والداخل، مما يأتي من الانسان وممّا يأتي من الله.
تأتي الطهارة من القلب كما قالت التطويبات (8:5). هي قريبة جدًا من الفقر في الروح (5: 3). فالانسان ملتزم بأعمال يقوم بها، بأقواله يتلفّظ بها، بمواقف يأخذها في حياته اليوميّة. كل ذلك يكشف عمق وجدانه بما فيه من خطيئة، كما يكشف حضور الشرّ في قلبه (28:13-38).
كانت الطهارة على مستوى الاطعمة موضوع جدالات واسعة في الجماعات المسيحيّة الأولى (غل 2: 11-14؛ أع 10: 15). طُرح السؤال انطلاقًا من المشاركة في الافخارستيا التي تضم مسيحيّين آتين من العالم الوثني وآخرين من العالم اليهوديّ. فإن نقطة الخلاف هذه قد سبّبت عددًا من الخلافات حتى بين بطرس وبولس في كنيسة أنطاكية (غل 2: 11-14). أما النصّ الانجيليّ الذي هو صدى لهذه الجدالات الحامية، فيدلّ على أن الجواب لا يوجد إلاّ في موقف يسوع وكلمته اللذين عاد اليهما بولس الرسول في رسائله (1 كور 6: 13؛ روم 14: 20).
إن المبدأ الذي وضعه يسوع هنا، كان قد نال تعبيراً آخر في 12: 35: "الانسان الصالح من كنزه الصالح يخرج الصالحات، والانسان الشرير من كنزه الشرّير يخرج الشرور". فالقلب الشرير يحمل للبشر الانقسام والموت. فيا ليته يرتدّ. والاطعمة لا تستطيع أن تفصل البشر عن الله، ولا أن تفصلهم بعضهم عن بعض. فلا يمكن للشرائع المتعلّقة بالاطعمة أن تفرض نفسها حقًا على الناس. فما يفصل البشر بعضهم عن بعض هو القلب الشرير. وما يوحّدهم هو قلب جديد خلقه الله فيهم لأنهم جميعهم خطأة، سواء كانوا يهودًا أم وثنيين. ذاك هو موقف متّى وموقف الكنيسة الأولى.
أما الشريعانيّة (إفراط في التعلّق بالشريعة) التي تجعل تقاليد البشر تمرّ قبل كلمة الله، فقد شجبها العالم اليهوديّ نفسه. قال رابي يوحنان بن زكاي (+80): "في حياتك ليس الميت هو الذي ينجّس (بمجرّد لمسه)، ولا المياه هي التي تطهّر، بل أمر من ملك الملوك. فالله قد قال: وضعتُ فريضة، رسمت أمرًا. فلا يحقّ لأحد أن يتجاوز أمري" (رج عد 19: 12). وفي ذلك سار اليهود في خطّ الانبياء (أش 13:29-14؛ رج عا 5: 21-27؛ أش 1: 10- 16؛ 58: 1-8؛ هو 6: 6؛ إر 6: 20). وشموع بدوره لم ينقض الشريعة بل كمّلها (5: 17)، فدلّ على الحدّ الذي به تلزم الانسان أمام الله. وبعد أن حدّد الأمور في موقعها في الحقيقة، ختم كلامه فقال: "وأمّا الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجّس الانسان" (آ 20).
ثالثًا: خبز الاولاد وإيمان الكنعانيّة (15: 21-28)
اهتمّت الكنيسة الأولى اهتمامًا خاصًا بالجماعة الافخارستيّة التي تضم مسيحيين متهوّدين ومسيحيين أمميّين: فهل يوّزع خبز الابناء للوثنيين الذين ارتدّوا إلى المسيحيّة؟ أما قال يسوع نفسه إنه لا يُعطى للكلاب ما هو مقدّس، ولا تُرمى الجواهر أمام الخنازير (7: 6)؟ هذه المسألة التي كانت حاضرة في الجماعات المتاويّة، نستشفّها في حدث المرأة الكنعانيّة.
بدأ متّى فقال لنا إن يسوع خرج من هناك "ليعتزل" (13:14) في نواحي صور وصيدا، في منطقة وثنيّة ستتقبّل معجزاته أفضل من المدن التي على شاطىء البحيرة (11: 21-22). جاء نصّ متّى أكثر توسّعًا من النصّ الموازي في مر 7: 24- 30. سُميّت المرأة "كنعانيّة". "صاحت". "سجدت" ليسوع مثل التلاميذ في السفينة (14: 26). نادت يسوع "الرب ابن داود". شرحت أن ابنتها يمتلكها الشيطان (آ 22). وشدّد مت على أن يسوع لم يُجبها بكلمة. غير أنه أمام إلحاح التلاميذ الذين انزعجوا من صياح المرأة، أجاب: "لم أرسل إلاّ للخراف الضالّة من بيت اسرائيل" (آ 24). هذا الجواب يذكرنا بخطبة الرسالة (10: 6) حيث بدا أن خلاص الله يتبع خطاً تاريخياً وجغرافياً: يبدأ في العالم اليهوديّ قبل أن يدرك الأمم الوثنيّة ويصل إلى أقاصي الأرض.
ولكن، من جهة بادر يسوع ومضى إلى منطقة وثنيّة. ومن جهة ثانية، فالمرأة التي بدأت مناداته "الرب وابن داود" داومت على صياحها طالبة النجدة (آ 25): "يا ربّ أغثني". وفي النهاية قبلت بكل تواضع أن تُحسب كالكلاب الصغار على مائدة ربّها، لكي تشارك في الفتات الذي يتساقط من يد البنين. عند ذاك، تمّ اللقاء بينها وبين الربّ: هو الايمان الحقيقيّ الذي أتاح لها الدخول إلى الملكوت. أعجب يسوع بإيمان الكنعانيّة كما امتدح إيمان قائد المئة (8: 10). فالايمان يحصل على ما يريد (آ 28؛ رج 13:8): نجت ابنتها، شُفيت، وهكذا تمّ لهذه المرأة ما قاله أش 6: 9-10 (في مت 13: 15) الذي وعد بالشفاء للذين يفهمون بقلوبهم ويرتدّون.
في هذا الخبر الذي يتحدّث عن طعام البنين، نكتشف إشارات خاصّة بمتّى: إن "بيت اسرائيل" يتجاوز في الواقع الحدود الجغرافيّة والإتنيّة لمستقبل كل إنسان مهما كان أصله، شرط أن ينفتح على الكلمة. الايمان هو الذي يفتح أبواب الملكوت. وبه يشارك "الوثنيون الكلاب" (هم خارج البيت) في الخلاص الكامل. وموقف التلاميذ الذين غابوا من خبر مر، يذكّرنا بتردّد بطرس (أع 10) "والذين آمنوا من مذهب الفريسيين" (أع 15: 5) لقبول الوثنيين في الكنيسة دون أن يُجبروا على المرور في فرائض الشريعة. ولكن يبقى أن الاقرار بأولويّة اسرائيل في الخلاص، قد طلبه يسوع من المرأة، لأن الخلاص ليس ايديولوجيّة ولا فلسفة، بل يتسجّل في تاريخ بدأ مع شعب اسرائيل قبل أن يصل إلى الشعوب الوثنيّة.
رابعًا: الجموع تمجّد الله (15: 29- 31)
بعد أن استقبل يسوع الوثنيّين في جماعته "انتقل من هناك" (آ 29؛ رج 11: 1؛ 9:12) ليعود إلى شواطىء بحر الجليل. في هذا الموضع أورد مر 7: 31-37 شفاء الأصّم الأخرس. أما متّى فجعل يسوع يصعد إلى الجبل (رج 23:14) ويجلس لا ليعلّم كما في 5: 1، بل ليستقبل الجموع والمرضى (رج 14: 14). والاشفية التي يجترحها والتي تملأ الناس اعجاباً (9: 8، 33)، تصوّر كما في 11: 5 بألفاظ مأخوذة من أش 35: 5. وكما ذكّر يسوع يوحنا المعمدان بالبُعد المسيحانيّ لأعماله، ها هو يقوله للجموع إن عليها أن تقبل الشفاء من أمراضها لتستطيع أن تمجّد (8:9) إله اسرائيل وتأكل من الخبز الذي يقدّم لها.
خامسًا: الجموع التي شبعت من الافخارستيا (32:15-39)
إن إطار مت هو إطار الجبل حيث تتمّ الأشفية المسيحانيّة. أما مر فقد حدّد موقع الحدث في دكابوليس (المدن العشر) (7: 31): هناك جعل شفاء الأصم الأخرس وتكثير الأرغفة الثاني.
دعا يسوع إليه تلاميذه (رج 10: 1؛ 15: 10) ليشركهم من جديد إشراكًا حميمًا في فعل الشكر وتقاسم الخبز. فالخبر الثاني لتكثير الأرغفة يتوازى بشكل لافت عند مت مع الخبر الأول. هو لا يخاف من أن يضعنا أمام تكرار للخبر الواحد. وإذ شدّد على النقاط المشتركة، أراد أن يبيّن أننا حقًا أمام واقع واحد. غير أننا نلاحظ: ثلاثة أيام (آ 32). الخبزات السبع (آ 34). السلال السبع لأربعة آلاف رجل (آ 37)، لا خمس خبزات و12 قفة من أجل 5000 رجل كما في الخبر الأول.
حلّت محلّ البركة (اولوغاين) في 14: 19، صلاة الشكر (اوخارستاين) (آ 36). ولكننا نجد كل هذه الاختلافات في مر. شدّد مت (بالنسبة إلى مر) على سؤالا التلاميذ (من أين لنا خبز) (آ 33)، وعلى دورهم كوسطاء من أجل الجموع (آ 36)، وعلى وجود السمكات الصغيرة (آ 34)، وعلى القول بأنهم أكلوا كلّهم وشبعوا (آ 37). وبعد أن أطلق يسوع الجموع، ركب السفينة (مع تلاميذه في مر 8: 10) إلى منطقة مغدان (أو: دلمانوثا في مر) وهما موضعان نجهل موقعهما: تطلّع بعضهم إلى مجدو والتي تقع غربي سهل يزرعيل. وآخرون إلى مجدلة على شاطئ البحيرة. ومهما يكن من أمر، فقد قطع يسوع كل اتصال مع الجموع: خاف من الحماس الشعبيّ، أو أحسّ الخطر، فكان تلميح إلى موته مع عبارة "ثلاثة أيام".
حين نجمع مجمل العناصر التي اكتشفناها في ف 15، نشعر أننا شاركنا في وليمة عظيمة نستعدّ لها، لا بغسل الايدي، بل بتطهير القلب لكي "نفهم" أن الله حاضر في أعماق الانسان بواسطة يسوع. والجميع يستطيعون أن يتكئوا إلى هذه المائدة، حتى الوثنيون، شرط أن يروا في الايمان أن الخلاص المعطى لهم يمرّ في شعب اسرائيل الذي يكمّله يسوع. وسيُدرك بنو اسرائيل بدورهم المعنى المسيحانيّ، ويفهمون أنهم يستطيعون أن يشاركوا في مائدة الافخارستيا، في البريّة (13:14، 15). هي مائدة للاسباط الاثني عشر، وهي تضمّ جميع البشر (الرقم 7) لتشبعهم بواسطة التلاميذ بعد أن خارت قواهم في الطريق (آ 32). فالفصح حاضر في خلفيّة ف 14 كما هو حاضر في خلفيّة ف 15: ذلك الفصح الذي نعيشه في حياة الكنيسة الموجودة في المسكونة كلّها، لأنها تأسّست على حضور يسوع التاريخيّ بين تلاميذه والجموع.
ج- من آية ابن الانسان إلى وحي الآب (ف 16)
يجعلنا ف 16 نكتشف الايمان في محنة حاسمة هي محنة وحي الآب. فقد رأينا الفريسيّين منذ البداية يدخلون على المسرح برفقة الصادوقيّين (آ 1). لن يلبثوا هناك طويلاً. لأن يسوع تركهم (آ 4) وأخذ يهتمّ فقط بتلاميذه لكي يعمّقوا إيمانهم، ويجدوا نوراً يُفهمهم طبيعة رسالته (اَ21). اختفت الجموع (15: 39). واستعدّ بطرس لكي يتدخّل في هذا المشهد.
الموازاة مع مر 8: 11-9: 1 متواصلة، ونحن من خلال التضمينات والكلمات العاكفة نكتشف هنا أيضاً خمس وحدات.
أولاً: آية من السماء أو آية يونان: جيل فاسق (16: 1-4): في وسط تضمين كبير تحدّده عبارة "الفريسيين والصادوقيين" (آ 1، 12). وفى تضمين صغير: "آية" (آ 1، 4).
ثانيًا: خبز أو خمير: ماذا فهم التلاميذ القليلو الايمان (16: 5-12)؟ "الأرغفة" (آ 5، 12). "إحذروا خمير" (آ 6، 12).
ثالثًا: وحي الآب أو وحي اللحم والدم: بطرس صخرة (16: 13- 20). يشير التضمين الكبير إلى ابن الانسان (آ 13، 20). ويتحدّث تضمين قصير عن "البشر" (الناس) (آ 13، 23). وهناك تضمين ثالث يتحدّث عن "تلاميذه" (آ 13-20). هذه اللفظة الأخيرة هي كلمة عاكفة (آ 20، 24). ونقول الشيء عينه عن لفظة "المسيح" (آ 20- 21).
رابعًا: أفكار البشر وأفكار الله: بطرس والشكوك (16: 21-23). نلاحظ كلمة "المسيح" (آ 21) و"خلفي" (آ 32) و"تلاميذه" (آ 21)، و"البشر" (آ 23). 
خامسًا: يخلّص حياته أو يجدها: مجيء ابن الانسان (16: 24-28). نلاحظ ألفاظًا مثل "خلفي" (آ 24) "تلاميذه" (آ 24)، "ابن الانسان" (آ 28). 
تبدأ كل من الوحدات الثلاث الأولى بفعل يدلّ على الحركة: "وتقدّم إليه الفريسيّون" (آ 1). "وفيما التلاميذ يعبرون إلى الشاطىء الآخر" (آ 5). "ولما انتهى يسوع إلى ضواحي قيصريّة فيلبس" (آ 13). ويرد اسم يسوع في آ 13: "ولما انتهى يسوع". وفي آ 17: "أجاب يسوع". وفي آ 21: "ومنذئذ شرع يسوع". وفي آ 24: "حينئذ قال يسوع لتلاميذه" (نلاحظ مع يسوع في الوحدتين الاخيرتين وجود ظرف زمان).
أولاً: آية من السماء أو آية يونان (16: 1-4)
يذكّرنا الحدث القصير حول آية يونان بما في 12: 38-39. وقد بناه الانجيلي بالشكل ذاته، فبدا النصّ الثاني وكأنه تكرار للنصّ الأول. مع اختلافة بسيطة وهي أن بعض المخطوطات تتحدّث عن علامات الزمن (آ 2-3) بشكل يوازي لو 12: 54-56.
نلاحظ أولاً أن الفريسيين والصادوقيين حزبان متناقضان. ومع ذلك فقد جمعهم متّى (رج 3: 7) مع أل تعريف واحد. لا شكّ في أنه أراد أن يشير إلى العالم اليهوديّ الرسميّ من خلال المسؤولين فيه. هناك التباس في عبارة "آية من السماء". هذا ما تدلّ عليه الإضافات في مختلف المخطوطات. في الواقع لسنا أمام آية يجترحها يسوع في قبّة السماء (تسودّ الشمس مثلاً، تختفي النجوم)، بل أمام آية تأتي من الله. ولكن كما أن لون السماء يعلن الطقس، كذلك آية القيامة، آية يونان، لا يفسّرها إلا الذين يفهمونها، ويتقبّلون من الله التمييز. لقد جاءت الأزمنة المسيحانيّة، وموتُ يسوع يعلنها: فمن لم يدرك ذلك، يأخذ مكانه وسط "جيل شرير وفاسق" (رج 11: 16؛ 12: 39)، وسط جيل لا يؤمن، فيرفض الملكوت الذي صار قريبًا في شخص يسوع.
ثانيًا: الخبز أو الخمر (16: 5-12)
كان سؤال الفريسيين والصادوقيين "تجربة" وامتحانًا (آ 1): فعلى التلاميذ أن يتذكّروا ذلك، لأن لا مناعة لهم. واستفاد يسوع من جدال بينهم حول خبز نسوا أن يأخذوه معهم لكي يعلّمهم. إذ كانوا يعبرون إلى شاطئ الآخر (14: 22، 34)، قال لهم: "احذروا خمير الفريسيين والصادوقيين" (آ 5).
في الكلام الذي قاله يسوع لهم، نجد نقطتين. الأولى، لو أدركوا (15: 17) وتذكروا (آ 9) خبري تكثير الأرغفة، لعرفوا أن معهم من يشبع جوعهم بطريقة تختلف عن زاد يحمله الانسان في طريقه. الثانية، لو أدركوا (آ 11) بُعد الجدال بين الرب من جهة والفريسيين والصادوقيين من جهة أخرى، لأخذهم الحياء من اهتماماتهم. في الواقع إيمانهم قليل (اوليغوبستوي) كما يقول متّى.
ولكن كلام يسوع وصل إلى هدفه، فبلغ التلاميذ إلى مستوى "الفهم". "عندئذ فهموا" (آ 12). فالعبرة التي توخَّاها يسوع من الامثال بدأت تحمل ثمارها. وقد جاءت الساعة ليُمتحن الايمان في آية يونان، في موت المسيح وقيامته.
ثالثًا: وحي الآب أو وحي اللحم والدم (16: 13- 20)
حين وصل يسوع إلى الجهة المقابلة من البحيرة، جاء (آ 13) إلى أرض وثنية، في ضواحي قيصريّة فيلبس. في نهاية ف 16، سيقوله لنا متّى إن هناك من "يرون ابن البشر آتيًا في ملكوته" (آ 28). إن الواقع الطبيعيّ هو رمز إلى واقع عميق. وفي نظر الايمان، نحن أمام مسيرة واحدة تُفهم على مستويين. هذا ما يريد يسوع من التلاميذ أن يدركوه من خلال تكوينه لهم.
فهو الذي بادر وسألهم: "ماذا يقول الناس في ابن البشر"؟ من هو في نظرهم؟ ذاك هو السؤال الوحيد والحاسم الذي به يتعلّق مصير كل انسان: حين يقول المؤمن من هو يسوع، يحدّد في الوقت عينه حياته الخاصة، ويثبّتها على صخر لا يزعزعه أحد. وارتبط جواب التلاميذ بمعلومات صحيحة: إن هيرودس رأى في يسوع يوحنا المعمدان الذي قام من بين الأموات (14: 2). واعتبر آخرون أن يسوع هو نبيّ الأزمنة المسيحانيّة (رج ملا 3: 23- 24). ورأى فيه آخرون صورة عن أنبياء ظهروا في تاريخ شعب الله. وتفرّد متّى فتحدّث عن إرميا (رج 17:2) بسبب طبعه القويّ الذي عرف أن يُمَّحى، وبسبب روح المعارضة عنده. لقد عادوا كلّهم إلى الماضي. وليس هناك من اعتبر أن يسوع لا يتمّ الوعد، وليس هو الوعدَ الذي تمّ، والملكوت الذي اقترب من البشر.
وجاء جواب بطرس واضحًا، وقد زاده متّى إيضاحًا بكلمة وحي من يسوع تدارسها الشرّاح ولاهوتيّو الكنيسة. ففي الحوار الذي كان بين يسوع وبطرس الذي تكلّم باسم التلاميذ، نُبرز فقط بعض النقاط.
فعل متّى هنا كما في التطويبات (5: 11). جعل يسوع ينتقل من صيغة الغائب (يقوله الناس عن ابن البشر) إلى صيغة المخاطب (وأنتم ماذا تقولون). ثم إلى صيغة المتكلم (من أنا) (آ 15). ونلاحظ أن فعل "قالت" يحمل في طيّاته "عمل". هنا نفهم خطورة كلمة لا تتحقّق (رج 36:12). حين قال بطرس ليسوع: "أنت المسيحً ابن الله الحي" (آ 16)، دلّ على أن يسوع هو في حياته المسيح وابن الله. وحين جعل متّى ال التعريف أمام الالفاظ الأربعة، أكّد على مسيحانيّة يسوع، كما اعترف بلاهوته (رج 26: 63). إذن، ليس "المسيح" لقبًا من الألقاب، أو شخصًا نُسقطه على مستقبل لا محدود. إنه ابن الله الحيّ، مع أنه ذاك الذي سُمّي يسوع الذي من الناصرة.
نتائج هذا الاعلان هائلة: فهو يعني أن يسوع كابن الله، له المبادرة المطلقة والأخيرة: فالطريقة التي بها يحيا ويخلّص البشر، تفرض نفسها بشكل مطلق. هو عبد الله المتألم الذي يحكم على آيات الزمن. إنه حقًا "ابن الانسان".
بدأ جواب يسوع "بتطويبة" في صيغة المخاطب، فكشف لبطرس بُعد ما قاله واعترف به. فالخيار الذي اتّخذه حين قال ما قال، لا يعود إلى "اللحم والدم" (آ 17، أي الضعف البشريّ)، لا يعود إلى قواه البشريّة (سي 18:14). لقد تقبّل في ذاته الايمان الذي هو عطيّة الآب. فبركة يسوع (11: 25، 27) تتمّ في هذا الرجل الذي بدأ قليل الايمان (14: 31؛ رج 16: 8)، ولكنه انفتح على "الفهم" (15: 16؛ 16: 12).
وبفضل هذا التقبّل، جعل يسوع من بطرس "صخرة" (بترا) كنيسته. فالبيت المؤسسّ على الصخر، بدأ يأخذ مدلوله الحقيقيّ. واسم شخص من الاشخاص في العالم الساميّ، يعبّر عن واقع كيانه العميق، عن شخصيّته الأساسية. سمعان أي ذلك الذي يسمع ويطيع. كان ابن يونا (أي الحماقة). لقد صار منذ الآن "صخر" الشعب الذي يدعوه الله. في العهد القديم، بدا الله صخرة اسرائيل (2 صم 22: 2، 32) وعلامة الثبات والمتانة (مز 18: 3، 32؛ 31: 4؛ 61: 4؛ 144: 1) والأمانة (تث 32: 4؛ مز 92: 16). هذا الصخر يسقي (مز 78: 6؛ رج 1 كور 10: 4) شعبه ويشبعه (مز 81: 17). من استند إليه لا يتزعزع (أش 28: 16). وسيرى العهد الجديد في يسوع صخرة اسرائيل السائرة نحو الملكوت.
أما اسم النبيّ يونان فرمز إلى الجماعة اليهوديّة التي غطست في عالم الشتات لكي تحمل كلمة الله إلى العالم الوثنيّ. خان رسالتَه، ولكنه اكتشفها من خلال عاصفة في البحر تدلّ على قوّة الشرّ والموت. وآية يونان التي ربطها يسوع بشخصه (16: 4؛ رج 12: 38-39)، هي آية عبوره في الموت. فعلى سمعان بن يونا بدوره، أن يمرّ في الموت ويخلّصه المسيح القائم من الموت (14: 30- 31) ليتكرّس تلميذاً ويصبح مع يسوع ابن الآب (12: 50) في امتداد السلطة المعطاة للتلاميذ (10: 21). أعطى يسوع بطرس سلطان "الحلّ والربط" أي سلطان التحرير المرتبط بملكوت السماوات (آ 19). فسلطان المفاتيح يقال عن سلطة مؤسَّسة على تعليم. بعضهم رأى فيه تلميحًا إلى مفتاح "بيت داود" (أش 22: 22). وفهمه التقليد سلطان الحلّ من الخطايا. إن تكرار آ 19 في 18:18 يقودنا في هذا الاتّجاه.
نستطيع أن نتساءل وبحق: هل وعى بطرس كل الوعي ما قاله وما أوحي إليه؟ منذ آ 22 نفهم أنه لم يعِ شيئًا. فمن الواضح أن شخص يسوع وحياته لا يستطيع أحد أن يتقبلهما ملء التقبّل إلا بعد مروره في الموت والقيامة (آ 21). فكل حياة (حياة بطرس وحياتنا) هي قصّة حريّة تتألف من التزامات ترتبط بعضها ببعض. والتزام بطرس باسم جميع التلاميذ، يعمّق علاقته بيسوع. وهذا التقبّل يهيّيء المستقبل الذي يتثبّت فيه. غير أن الكنيسة الأولى التي اكتشفت سعادتها في وحي الآب الذي قرأته في قيامة يسوع، قد رأت نفسها على حقّ حين رأت جذورها في اعتراف بطرس.
ونشير هنا إلى ما قاله النقّاد عن صحّة هذا النصّ (آ 17- 19) في متّى. فيبدو مثلاً أن إيريناوس لم يمتلك في إنجيله آ 18. ومع ذلك، فهذا لم يمنعه أن يعتبر التسلسل الرسولي مؤسّسة أرادها المسيح، مستنداً إلى مجمل الانجيل. فالطابع الكنسي في متّى لا يرتكز فقط على هذا المقطع من انجيله. واتّفق الشرّاح على القول بالطابع الساميّ لكلام يسوع إلى بطرس. قال النقّاد: قد نكون أمام إضافة! ولكن البراهين ليست حاسمة. ولكن مهما يكن من أمر هذه المسألة، فنحن نستطيع أن نفهم أن الجماعة المسيحيّة الأولى عرفت في الروح أنها جماعة يسوع الرسوليّة، فاكتشفت في هذا القول تعبيراً حقيقياً عن هدف يسوع في ما يخصّ كنيسته وحياتها على الأرض.
رابعًا: أفكار البشر وأفكار الله (16: 21-23)
بعد أن أمر يسوع تلاميذه بشدّة (دياستالستاي) أن لا يقولوا لأحد إنه المسيح (آ 20)، لأن نظرتهم إلى المسيح لم تتنقّ بعد كل التنقية، بدأ منعطفًا جديدًا في حياته العامّة. ونلاحظ هذا المنعطف مع بداية آ 21: "ومنذئذ شرع يسوع يبيّن لتلاميذه أنه ينبغي له أن يمضي إلى أورشليم". هذا ما يذكّرنا بعبارة 17:4 (ومنذئذ طفق يسوع يعظ ويقول: توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات) التي تدلّ على بداية رسالته في الجليل وذلك بعد التجربة في البريّة (والآن انطلقت رسالته نحو أورشليم). ونلاحظ أيضًا أن هذا "عندئذ" (توتي) في آ 21، يستعيد آ 20 (حينئذ أوصى التلاميذ) ويعلن بداية آ 24 (حينئذ قال يسوع لتلاميذه). إن التعرّف إلى يسوع على أنه المسيح كما أنبأ به المعمدان في كرازته (3: 2) وموته (14: 3-12)، يدلّ على أن ساعة الآلام والقيامة قد دقّت.
إذن تدخل آية يونان والثلاثة أيام (آ 4، 12: 38- 40) في مرحلة التتمّة. ذاك هو معنى إنباء يسوع بآلامه وقيامته الذي هو في الوقت عينه انطلاق نحو اورشليم. في مر 8: 31، "علّم" يسوع تلاميذه "ضرورة" (داي) مروره في الموت. في مت 16: 21، "بيّن" (دايكنياين) قراره، وموقفُه برهن على ذلك أكثر من خطبة كبيرة. فهل نستطيع بعد هذا أن لا نتكلّم عن "إنباء" حقيقيّ بالآلام (رج 17: 22- 30؛ 20: 17- 19)
يشكّل إعلان يسوع هذا تجربة حقيقية لبطرس الذي "بدأ" يزجر "يسوع" (آ 22): هو لا يحتمل فكرة مسيح متألّم. وبدلاً من أن يظلّ في إطار وحي الآب (آ 17)، ويتصرّف بحسب أفكار الله (آ 23)، فقد أسقط على يسوع نظرته الخاصة إلى المسيح (أفكار الناس): إذ جعل نفسه أمام يسوع (ليعلّمه، لا وراءه كالتلميذ)، فصار مرجعُه نظرةً بشريّة (آ 23)، أصبح شيطانًا ومجرّبًا لربّه. لهذا أجابه يسوع كما أجاب إبليس في البريّة (4: 10) وأمره بأن "يذهب خلفه" أي أن يتبعه في طريق الحاش والآلام.
وتساءل الشرّاح: كيف قرّب الانجيليون اعتراف بطرس من معارضته له في تجربة "شيطانيّة"؟ لن ندخل في هذا الجدال. إنما يكفي أن نلاحظ أن موضوع "الشك" للانسان البيبلي قريب من "الصخر". فالشكّ هو فخّ وعائق (حجر نعثر به). يُوضع في طريق انسان فيجعله يقع (لا 19: 14؛ يش 13:23؛ مز 13:49). هنا نتذكر نصّ أشعيا الذي يقدّم الله كسبب شكّ وعثار من أجل شعبه: "يكون حجر شكّ وصخر عثار لبيتي اسرائيل... فيعثر به كثيرون وينحطمون" (أش 8: 14-15). على المستوى الأخلاقيّ والدينيّ، نحن دومًا أمام معثرة للايمان بالله. عندئذ ندرك أن ايمان بطرس والتلاميذ الذي لم يتثبّت بعد بما فيه الكفاية في الله، قد قبل مسيحانيّةَ يسوع، ولكنه اصطدم بطابع الألم الذي يرافق هذه المسيحانية.
خامسًا: يخلص حياته أو يجدها (24:16-28)
ارتدى السؤال الذي طرحه يسوع على تلاميذه (آ 13) أهمّية كبرى، لأنه يعني مصير كل انسان. وما زالت يُطرح على التلاميذ وعلى الجماعة المسيحيّة الأولى بقوة: كيف نعيش في وحدة الايمان بيسوع الناصري، المسيح وابن الله الحيّ؟
بثلاثة أقوال (وكل واحد يبدأ بالأداة "لأن"، "غار" في اليونانية)، أعلن يسوع لتلاميذه أن عليهم أن يعبروا معه في الموت (خسر نفسه، حياته، آ 25 أ) ليصلوا إلى القيامة (وجد نفسه، حياته، آ 25 ب). وأوضح متّى: "من أجلي". وانتقل من "خلّص" حياته إلى "وجدها"، لأنه ينبغي أن نكتشف بشكل محسوس ما معنى المخاطرة بالحياة من أجل يسوع المسيح. ليست هذه الفعلة عملاً من الكبرياء البطوليّة ولا يأسًا محتومًا: إنها عمل تواضع عميق يقبل بأن يتسلّم التلميذُ حياته من آخر، تاركًا كل اكتفاء ذاتي، وكل محاولة امتلاك من أجل المسيح الذي يستطيع وحده أن يجعل كلاً منا في الحياة الحقّة (آ 21). فمصير الانسان ينكشف أمام الآب (6: 4 ,6، 18، أبوكم يرى في الخفية). وعمل كل واحد منا يأخذ أبعاده الحقيقيّة (رج إر 17: 10؛ أم 24: 12؛ سي 35: 22) في علاقته بيسوع في الدينونة الأخيرة (رج 7: 21- 23؛ 13: 41، 49).
غير أن حياة كل انسان مسألة مستقبليّة وحسب. فهو يعيشها منذ الآن (آ 28: أودي؛ رج 24: 24؛ 26: 38): فالواقع الحاضر هو اسكاتولوجيّ كله بمعنى أن لكل عمل بُعدًا حاسمًا بالنسبة إلى الملكوت. ولكن، يتحقّق مجيء ابن الانسان في التسلسل التاريخيّ لالتزامات كل واحد منا. بعد هذا يكون التعلّق بالمسيح تأكدًا بأننا لن نذوق الموت. فالذي يكتشف مع بطرس الوحدة العميقة في سرّ يسوع الناصري (هو المسيح المخلّص لأنه ابن الله الحيّ)، يدرك منذ الآن أن "ابن الانسان" "المتألم والممجد" قد أخذه معه منذ الآن وأشركه معه في حياته بشكل نهائي.
من أجل هذا يكفي التلميذ أن يكون مثل معلّمه، والعبد مثل سيّده (10: 24-25): يكفر بنفسه، يحمل الصليب ويتبع (آ 24). تلك هي العناصر التي تكوّن حياة التلميذ. وما طُلب من بطرس يُطلب من الجميع: نقبل بمخطّط الله الخلاصيّ كما ظهر في حياة يسوع. وبالتالي نقبل أن يكون الآب غير ما يتخيّله ويتصوّره "اللحم والدم". نجد في بداية آ 28 "الحق أقول لكم"، وهي عبارة قويّة لم نسمعها منذ خطبة الامثال (13: 17).
إذن، ما يكون نسيج ف 16 هو آلام يسوع وقيامته: منذ آية يونان حتى مجيء ابن الانسان، تُدعى جماعةُ التلاميذ إلى أخذ قرارها والالتزام على خطى المسيح. ماذا يقول الناس عن ابن الانسان، وكيف يرونه؟
د- من مخافة التلاميذ إلى حريّة الابناء (ف 17)
طُرح سؤال جذري، وها هو ف 17 يجيب عليه مبيّنًا عبر مسيرة جديدة، طابع البنوّة الذي هو أساسيّ في حياة الايمان. فلفظة "ابن" تعود مرارًا في ف 17. تعود سبع مرات. ونحسّ بالانتقال من "الابن الحبيب" (آ 15) إلى "أبناء الملوك" (آ 25-26) عبر "ابن الانسان" (آ 9، 12، 22) وابن انسان من الناس (آ 15) أصيب بداء الصرع.
وهكذا تتحدّد خمس وحدات أدبيّة، إمّا بتضمينات خفيّة (الوحدتان الاوليان)، وإمّا بواسطة اسم الفاعل في بداية المقطع.
أولاً: تجلّي الابن واستيقاظ التلاميذ الخائفين (17: 1- 8). تضمين مع الجبل في آ 1 وآ 9 أ.
ثانيًا: ابن الانسان المتألّم ومجيء إيليا: لقد فهم التلاميذ (17: 9-13). بداية اسماء الفاعل: وفيما هم نازلون (آ 9). تضمين مع "ابن الانسان" (آ 9، 12). أما فعل "استيقظ" (آ 7، 9)، فيشكّل كلمة عاكفة تربط أولاً مع ثانيًا. 
ثالثًا: استحالة شفاء ولد (ابن انسان من الناس) وقوّة الايمان (17: 14- 21). مع اسم الفاعل: "وفيما هم آتون إلى الجمع" (آ 14).
رابعًا: ابن الانسان يسلّم إلى البشر.. حزن التلاميذ (17: 22-23). اسم الفاعل: "وفيما هم عائدون إلى الجليل" (آ 22).
خامسًا: ضريبة الهيكل وحرّية الأبناء (17: 24- 27). اسم الفاعل: "وفيما هم آتون إلى أورشليم" (آ 24).
إذا وضعنا جانبًا الحدث الأخير الذي تفرّد متّى في ايراده، تبقى نصوص متّى موازية لنصوص مر 9: 2-32 ولو 9: 23- 45. أما الاشارات الخاصّة بالنصّ المتاويّ، فتُبرز بشكل خاص موقفَ التلاميذ: مخافتهم (آ 6-7) وفهمهم (آ 13) وقلّة إيمانهم (آ 23) وحزنهم (آ 23).
أولاً: تجليّ الابن (17: 1-8)
تقدّم لنا الوحدة الأولى "تيوفانيًا" (ظهورًا إلهيًا) أعلنت عنها نهاية ف 16 (آ 28): "يرون ابن البشر آتيًا في ملكوته". والتلميح إلى "المظال" (أو: الاكواخ) الثلاثة، يشير إلى عيد المظال (في العبرية "سكوت"): عيد القطاف في الخريف (لا 33:23-36). يذكّر العبرانيين بإقامتهم في البرية 40 سنة، كما يذكّر الانسان بضعفه. في كل يوم من أيام العيد السبعة، كانوا يطوفون مع الاغصان (كما في عيد الشعانين في المسيحية، مز 118). وفي اليوم الأخير، اليوم الثامن، كانوا ينشدون فرح التوراة.
أما العبارة "بعد ستة أيام" فهي تعود بنا إلى خر 16:24 حيث "بعد ستة أيام"، أي في اليوم السابع، "دعا الرب موسى من وسط الغمام إلى جبل سيناء". وعلى جبل مرتفع ومنفرد (كما قال مر 2:9 ومت 17: 1؛ رج 13:14، 23)، أخذ يسوع الذي هو موسى الجديد الذي يحرّر شعبه، أخذ ثلاثة تلاميذ اختارهم. ولن ندهش إن رأينا مع موسى إيليا الذي يعتبر نموذج المسيح وسابقه. فعلى جبل الله أقام إيليا فثبّت جذور نبوءته (1 مل 8:19). حضر هذان الوجهان (من العهد القديم) قرب يسوع المتجلّي، لا كرمزين للشريعة والانبياء وحسب، بل كالوسيطين الاخيرين للعهد أيضًا. وهكذا مثَّلا بداية ونهاية التاريخ الذي تمّ في يسوع، ديّان نهاية الأزمنة.
غير أن بطرس أراد أن يثبّت هذا التاريخ في موضع محدّد (آ 4). فمنعه الصوت والغمام: فمحلَّ مظال صنعتها أيدي البشر، يحلّ حضور الله الحقيقيّ الذي يرمز إليه الغمام الذي هو موطن الله ومسكنه (شكينه في العبرية، خر 40: 34-35؛ حز 10: 3-4؛ مز 18: 2). وحلّ محلّ صوت التلاميذ صوت آت من السماء. واستعادت آ 5 ما صوّره عماد يسوع في 3: 16-17، ما عدا ذكر السماوات المفتوحة والروح الحالل بشكل حمامة. أما الشمس والنور اللذان ارتداهما يسوع (آ 22)، فدلاّ على أن واقع السماء حاضر فيه. والكلمات التي تلفّظ بها الصوت تستعيد عند مت حرفيَا ما قيل في الرواية العماديّة: "هذا هو ابني الحبيب، به سررت" (جمع ثلاثة استشهادات من العهد القديم، مز 2: 7؛ تك 22: 2؛ أش 42: 1). وزاد متّى، شأنه شأن مرقس ولوقا: "اسمعوا له". هذا ما يذكّرنا بالنبيّ "الشبيه" بموسى الذي سيقيمه الربّ (تث 18: 15).
هنا أوقف مرقس ولوقا خبرهما. أما متّى فزاد: "فلما سمع التلاميذ سقطوا على أوجههم" (آ 6) بسبب خوف قويّ سيطر عليهم حين سمعوا الصوت، أو بسبب ما يتطلّبه سماع المسيح. فمنذ الخطبة بالامثال نعرف أهمية هذا السماع (تث 6: 4) والفهم الذي يتبعه (13:13، 14، 15، 19، 23؛ 15: 10). هذا الخوف هو علامة الموت الذي يجب أن يمرّوا فيه قبل أن "يوقظهم" يسوع.
في هذا الوقت، تركّز الخبر فجأة على يسوع "وحده" (23:14؛ رج 4: 10= تث 13:6)، لأنه يُتمّ العهد القديم الذي يأخذ منه واقعه الوحيد، ولأن التاريخ البشريّ يأخذ منه معناه وقيمته. فإذا أراد التلاميذ أن يكشفوا هذا المحور الذي هو يسوع، يجب أن يأتي هو إليهم (14: 12؛ 18:28)، ويلمسهم لمسة الشفاء التي تحمل الخلاص (رج 3:8، 15؛ 9: 20، 21-29؛ 14: 36).
تدعونا كل هذه العناصر التيوفانيّة والجليانيّة أن لا نتمثّل مشهد التجليّ على مثال "صوت وضوء"! فإذا أردنا أن نتأمّل في يسوع المتجليّ، وإذا أردنا أن لا نذوق الموت ونرى ابن الانسان آتيًا في ملكوته (16: 28)، يجب أن يلامسنا سرّ التجليّ، أي أن نؤخذ في نور ابن الآب الحبيب (آ 5) المدعو إلى الآلام (آ 12). حتى الآن (اودي، آ 4)، لم يستطيع بطرس أن يضمّ الآلام إلى المجد: غير أن التجليّ سيعطيه أن يكشف أن ابن الله الحيّ (16:16) مدعوّ إلى أن يسلّم ويتألم ليقوم بعد ثلاثة أيام (16: 21؛ 17: 22-23). حدثَ التجليّ هنا لكي يختبر التلاميذ الثلاثة الذين سوف نراهم على جبل الزيتون (37:26)، ملكوتَ يسوع الاسكاتولوجي عبر آلامه. هذا هو الثمن لكي يتقوّى إيمانهم ويصبح إيمان الأبناء.
ثانيًا: ابن الانسان المتألم ومجيء إيليا (9:17-13)
إذا كان يسوع قد طلب من تلاميذه أن لا يتكلّموا عن هذه الرؤية، فلأن هويّته المسيحانيّة الحقيقيّة لا تُدرك إلاّ بعد القيامة. والسؤال حول إيليا (آ 10) يدعوهم إلى أن يماهوا بين إيليا ويوحنا المعمدان (آ 13) الذي عرف ألم السجن والموت (14: 1-12) لأنهم لم يعرفوه. وعلى ابن الانسان أن يتألم هو أيضًا (آ 12). وإذ فهم (آ 13) التلاميذ من هو يسوع، فهموا في الوقت عينه من هو يوحنا، وأدركوا من هو موسى ومن هو إيليا على ضوء المسيح المتجليّ. على إيليا أن يعلن ديّان نهاية الأزمنة (آ 11، ملا 23:3-24). ويسوع يكشف أنه هو ملك ذلك الملكوت الذي أعيد بناؤه. إنه الابن الحبيب المدعو إلى أن يتألم. وهكذا كان يوحنا سابقاً للمسيح حتى في ألمه، ومعنى حياته يستضيء بنور ابن الانسان المتألم. بما أن يسوع هو هنا، فهذا يعني أن إيليا قد أتى (آ 12). هكذا لم يعد ابن الانسان انسانًا عاديًا: إنه منذ الآن ديّان نهاية الأزمنة الذي أخبر عنه الآب السماويّ.
و"فهمُ" التلاميذ (آ 13؛ رج 13: 51؛ 15: 10، 16؛ 16: 12) يدلّ على مرحلة في مسيرة الايمان الطويلة (58:13؛ 14: 31؛ 28:15؛ 8:16). فوسط شعب لا يستطيع أن يفهم (رج أش 1: 3؛ 9:6-10؛ مز 28: 5؛ 82: 5؛ 6:92؛ 106: 7)، فتحت خبرةُ التجليّ فتحةً واسعة للتلاميذ، فاكتشفوا خائفين أنهم في مواجهة الألم والموت، يعطى لهم أن يعرفوا أسرار الملكوت (13: 11).
ثالثًا: استحالة شفاء (14:17- 21)
وعاد يسوع مع جماعة التلاميذ الصغيرة، وانضمّ إلى الجموع التي تركها بعد تكثير الأرغفة الثاني (15: 39)، وذلك قبل أن يبدأ عودته إلى الجليل (آ 22) ثم إلى كفرناحوم (آ 24).
في ذلك الوقت، اقترب رجل منه وطلب من أجل ابنه المصاب بداء الصرع. لا نتوقّف عند تكوين النصّ، بل نحاول أن ندرك هدف متّى انطلاقًا من العناصر الخاصّة به. فالخبر يتمحور حول عجز التلاميذ عن شفاء الولد (آ 16-19) بسبب قلة إيمانهم (آ 20) وسط جيل لا إيمان له (آ 17)، وحوله قدرة الايمان الحقيقيّ (آ 20).
يرمز هذا الولد في نظر متّى إلى اسرائيل اللامؤمن، الذي لم يدرك حضور الله في وسطه مثل "الجيل الكافر والفاسد"، جيل العبرانيين في البريّة (رج تث 32: 5). لهذا قال يسوع: "أيها الجيل الغير المؤمن، الأعوج، إلى متى أكون معكم" (آ 17)؟ إن عمانوئيل الهنا معنا، لم يعرفه الناس. لا شكّ في أن التلاميذ فهموا عنه بعض الشيء، ولكن إيمانهم لم يكن بكاف. فبعد أن كلّم يسوع الشعب، طلب الولد: "إليّ به إلى ههنا" (آ 17). تلك العبارة سمعناها في أول تكثير للأرغفة (18:14). شفى يسوع هذا الولد من دائه بعد أن انتهر الشيطان فخرج منه (رج 8: 26؛ 16: 20).
ولكن لا بدّ أيضًا من شفاء إيمان التلاميذ المترجرج. جاؤوا إلى يسوع (آ 19) كما فعل والد الولد (آ 14). ساعة كان يسوع على انفراد كما على جبل التجليّ (آ 1). تحيَّروا من ضعفهم وعجزهم. "لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه" (نخرج الشيطان، آ 20)؟ أجاب يسوع: "بسبب قلّة إيمانكم" (اوليغوبستيا). أورد متّى وحده هذا الجواب الذي يتوافق كل الموافقة مع مخطّطه. وإذ تحدّث مرقس عن شيطان لا يخرج إلا بالصوم والصلاة (9: 29= مت 17: 21) في بعض المخطوطات، توّسع متى في جواب يسوع، في قول حول الايمان الذي يستطيع كل شيء.
وذكر متّى من جديد خطبة الامثال ولاسيّما حبة الخردل (13: 31-32) التي يتعدى نموّها الأخير كل ما ظهر من صغرها في البداية. فالتزام الايمان يستطيع كل شيء، شرط أن نتخلّى عن نفوسنا. فهو يستطيع أن "ينقل هذا الجبل" (آ 20)، جبل التجليّ. كما يستطيع أن يزيل العوائق التي تظهر في نهاية الأزمنة، لأن الله الآتي قد مهّد الجبال وسوّى الوديان (أش 40: 4-5؛ رج 49: 11؛ 54: 10). هنا نتذكّر أن التقليد اليهوديّ كان يرى جبل سيناء يتحرّك مع الشعب المؤمن. هكذا يكون الانسان دومًا أمام الله. وما حدث مرّة لموسى وشعبه من ظهور، يحدث كل يوم في حياة المؤمن. والتجليّ لن يكون ظهور "لحظة"، بل ظهورًا متواصلاً في حياة التلاميذ يصل بهم إلى الآلام والموت والقيامة.
ولكي ينمو ايمان التلاميذ، يجب أن يموت يسوع لكي يبقى دومًا معهم (18: 20). غير أن الكنيسة الأولى قد اختبرت أنها لا تستطيع أن تطرد اللاإيمان إلاّ بالصلاة والصوم اللذين يوحّدانها بموت المسيح وقيامته (9: 15). 
رابعًا: ابن الانسان يسلم إلى البشر (22:17-23)
إن جماعة يسوع التي تتكوّن شيئًا فشيئًا كتلميذة لمعلّمها، قد أنهت مسيرتها: ها هي تعود إلى الجليل (3: 13؛ 4: 12، 15، 23، 35) من حيث جاء يسوع تاركًا وطنه (53:13-58). وهذا الجليل سيتركه يسوع بشكل نهائي في 19: 1. فالعودة إلى الجليل، شأنها شأن عودة التلاميذ إلى هناك بعد القيامة (32:26؛ 28: 7 ,10 ,16)، لا تأخذ معناها الرمزي بما فيه من شموليّة إلا عبر موت يسوع. و"الحزن الكبير" (آ 23) الذي أصاب التلاميذ، يرجع لا إلى إعلان ألم وموت ابن الانسان وانفصاله عن أحبّائه، بل إلى عجز التلاميذ الذين لم يفهموا أن القيامة التي أشارت إليها تيوفانية التجليّ، يجب أن تمرّ في الألم والموت. غير أن التلاميذ لا يرفضون الألم هنا، شأنهم شأن بطرس في الانباء الأول (16: 22)، بل هم يتألمون مسبقًا من هذا الألم الذي لا يستطيعون بعد أن يقبلوه.
خامسًا: ضريبة الهيكل وحريّة الأبناء (24:17-27)
حين وصل التلاميذ إلى كفرناحوم "مدينة" يسوع الخاصة (9: 1)، جرى حدث تافه في ظاهره. ولكن متّى أورده وحده: جاء جباة الضريبة إلى بطرس ليأخذوا "الدرهمين" عن يسوع. تدخلّ يسوع ووسّع النظرة متحدّثًا عن الضرائب بشكل عام. تكلّم عن ملوك الأرض الذين يرهقون الشعوب التي احتلّوها بما يفرضون عليهم من مكوس وضرائب من أجل رفاههم وكبريائهم. ولكن سوف نرى أن لفظتي "أبناء" و "غرباء" ستأخذان في فم يسوع مدلولاًَ رمزيًا.
يشدّد هذا المقطع على أن التلاميذ والجموع والناس استقبلوا ابن الآب بحسب ما أعطي لهم بأن يخضعوا لله وحده الذي يحرّرهم. فبنو الملك الحقيقيون أي بنو الملكوت الذين رأوا في يسوع ابن الآب الحبيب (آ 5) هم معفون من "الضريبة": فيسوع الذي هو أعظم من الهيكل (12: 6) حرّرهم منها وجعلهم بدورهم أبناء الآب. ولكن يسوع يأخذ بعين الاعتبار الشكوك التي قد يحدثها موقف من المواقف. هو يحترم السلطات المقامة، ويريد أن يتجنّب قطيعة مع هذه السلطة في نقطة ثانويّة.
والطريقة التي بها دفع يسوع ما يتوجّب عليه، تبدو غريبة. دعا بطرس أن يدفع الضريبة من ثمر عمله، من صيده. أما الفنّ الادبي لهذا الخبر فنجده في حياة القديسين. والسمكة التي وجدها بطرس بشكل غير متوقّع، هي عطاء مجانيّ يعينه على دفع الضريبة عنه وعن يسوع: وهكذا دلّ مت على مصير مشترك بين بطرس والربّ.
وهكذا نكتشف في نهاية ف 17 أن المسيرة التي رسمها متّى، هي مسيرة فصحيّة. فاكتشاف الرب القائم من الموت كابن الآب الحبيب، يتيح للتلاميذ أن يعمّقوا إيمانهم تعميقاً جديداً. فيصبح فيهم هذا الايمان قوّة تحرير لا تُقاوم. فالجماعة المسيحية تكوّنت انطلاقاً من يسوع وحده. وهي تستطيع بعد اليوم أن تشاركه في مصيره بما فيه من ألم وموت، لأنها تشاركه في بنوتّه بالنسبة إلى الآب. ولكن التحرّر البشري لا يعفينا من الوساطات البشريّة. يبقى علينا أن نكتشف في عبوديّات وضعنا البشري، كيف يعطينا يسوع أن نعيشها كأبناء أحرار.

4- البعد اللاهوتي في ف 14-17
إن البنية التي قدّمناها حاولت أن تأخذ بعين الاعتبار أكثر العناصر التي اكتشفناها. وهكذا بدا فكرُ متّى حول السرّ الفصحي الذي كشفه يسوع شيئًا فشيئًا لجماعة التلاميذ، متماسكًا جدًا. وهكذا ظهر البُعد الفقاهي في الانجيل الأول الذي حاول أن يصوّر مسيرة إيمان حقيقيّ لمسيحيين جاؤوا من العالم اليهوديّ كما من العالم الوثنيّ، تجمعهم افخارستيا واحدة في تعلّق واحد بيسوع الناصريّ. هو ابن النجار وهو في الوقت عينه المسيح وابن الله الحيّ، ابن داود وابن اسرائيل، ابن الانسان المتألم والرب القائم من الموت والابن الحبيب للآب.
هذه الألقاب الكرستولوجيّة التي اكتشفناها في قراءتنا ف 14-17، تبيّن المدلول العميق "لأسرار ملكوت السماوات" (13: 11) التي أعطي للتلاميذ أن يعرفوها. وتشير إلى مراحل ايمان يبقى دوماً ناقصاً، ولكنه ينفتح على وحي الآب السماوي وما فيه من سعادة (16: 17؛ 17: 5)، شرط أن نتركه يشفينا ويعلّمنا ويشبعنا من خبز البنين، من كلمة الآب الحيّة.
ويبرز الرباط بين التلاميذ والجموع من جهة، وبين ربّهم ومعلّمهم من جهة ثانية، بواسطة حروف الجر التي تتكرّر، أو أفعال ترد في صيغة الفاعل.
فالتلاميذ والجموع والفريسيون يأتون إلى يسوع. ولكن يسوع يأتي إليهم مرتين (14: 25؛ 7:17). وهذا ما لن يفعله إلا بعد القيامة (18:28). ستأتي جماعة التلميذ كلها مرة واحدة إلى الجموع (17: 14) بعد عودة يسوع من الجليل، وهكذا يدلّ متّى على أهمية العلاقات بين يسوع والناس، وهي علاقات يعبَّر عنها بالايمان الذي يسير خطوة خطوة، في الألم، ولا يستطيع أن يتعمَّق الآن إن لم يتوارَ يسوع (13:14؛ 15: 21؛ 4:16). فهو بعد كل غياب يعود إلى تلاميذه (14: 25؛ 27:16-28؛ 7:17) أو إلى الجموع (17: 14)، ولكنه يقدّم نفسه بوجه جديد، بوجه قد تجلّى.
إن طريق الايمان الذي يحوّلنا، يتواصل رمزيًا من خلال مسيرة تلعب فيها السفينة دورًا هامًا (13: 2؛ 14: 13، 22، 24، 29، 32، 33؛ 1: 39). أما "خرج" يسوع من البيت مثل زارع (13: 1)؟ ولقد بيّنت لنا ف 14-17 كيف يُرمى الزرع في الملكوت. وبأي شروط يثمر الزرع. ننتقل من موطن يسوع (53:13-57) إلى موضع قفر (13:14، 15) فنعبر البحيرة (13:14) قبل أن نصعد الجبل (3:14) ونصل إلى بحر (14: 24) جنسارت (14: 34). بعد ذلك هو انطلاق في مناطق صور وصيدا الوثنيّة (15: 21) ثم شواطىء البحيرة، وعلى الجبل (15: 29) قبل الوصول إلى مغادن بعد عبور آخر للبحيرة (15: 39). وبعد ذهاب مع التلاميذ وحدهم إلى منطقة قيصريّة فيلبس (13:16)، نجد نفوسنا أمام جبل عالٍ (17: 1) قبل أن نذهب إلى الجموع (17: 14) ونذهب إلى الجليل (7: 22) ونعود إلى كفرناحوم، مدينة يسوع (24:17).
مسيرة جغرافيّة. لا شكّ في ذلك. فالتقليد الرسولي قد ربط أفعال يسوع وأقواله بأمكنة محدّدة، فدلّ على طابعها البشريّ. وفي الوقت عينه مسيرة روحيّة لايمان الكنيسة الأولى، مسيرة تتلمّس طريقها فتمرّ من جليل طفولة يسوع إلى جليل حياته العامة. ومن جليل حياته العامّة إلى القيامة بطريق الآلام والموت، بالطريق التي تقود إلى أورشليم.
قدّم متّى مسيرة الايمان هذه منذ الخطبة بالامثال، على مستوى السماع والفهم، والنموّ والخصب. فالامثال المذكورة في ف 13، سيشير إليها الكاتب في ف 14-17، بحيث لا نستطيع أن نفصل مسيرة يسوع عن الخطبة الامثاليّة.
ومن فهم الامثال (13: 51)، سار وراء يسوع منكرًا نفسه حاملاً صليبه وتابعاً إياه (16: 24). هكذا تتحدّد حياة التلاميذ في هذا الوقت من الانجيل. فحقل العالم قد زُرع (13: 38). فماذا ينفع إن ربحنا العالم كله (6 1: 26)، إذا كنا لم نقتبل الكلمة فتثمر بالشكر (23:13)؟ فحين يأتي ملكوت الله في مجد الآب مع ملائكته القديسين، سيجازي كلاً بحسب أعماله (7:16؛ رج 41:13، 49).
فالشرير يعمل في هذا العالم (13: 15 ,38-39) والصخر (بطرس) قد يتحوّل إلى شيطان (16: 18 ,23) وسط جيل شرير وفاسق يطلب آية (16: 4) لانه فاسد ولان لا ايمان فيه (17:17). في الملكوت نما الحبّ الجيّد والزؤان معًا، وسيبقيان كذلك حتى زمن الحصاد (13: 30). في تلك الساعة الحاسمة، يُقتلع فاعلو الاثم والشكوك (13: 41؛ رج 29:13؛ 13:15). بانتظار ذلك، ينزع يسوع الأقنعة عن الوجوه (23:16). فمن تشكّك بتصرّفه (13: 21، 57؛ 15: 12)، مع أنه يسهر لئلاّ يشكّك أحدًا حتى في أمور تافهة (27:7)، دلّ على أن تطويبة الملكوت لم تلج قلبه بعد (11: 6؛ 17:6)، أنه لم يلتزم بعدُ حقًا (29:5-30) كما يلتزم التلميذ الحقيقيّ.
وإن كان من خمير يجب أن نحذر منه، فهو تعليم الفريسيين والصادوقيين (16: 12). غير أن هناك خميرًا آخر يخمّر العجين كله (13: 33): هو كلمة الله التي وحدها تشبع القلب الذي تطهّر في الداخل مما ينجّس الانسان، وبلغ إلى فهم "أسرار الملكوت" ورأى الله الحاضر في ابن الانسان الذي يأتي في ملكوته (28:16؛ 8:17).

خاتمة
إن التجذّر التاريخّ لجميع الاحداث المرويّة، يعطي لما يعمله يسوع اليوم معناه. فالانجيل يجعلنا أمام جماعة فيها يعطي يسوع ذاته، يُزرع ويُحول إلى خبز. غير أننا لا نستطيع أن نشرح ذلك لجماعة لا تعرف ما هو الاحتفالي الافخارستي، ما هو الملكوت، من هو يسوع الذي يعطي ذاته طعامًا. وهكذا فحياة الجماعة اليوم تضيء معنى الانجيل. والانجيل بتجذّره في تاريخ يسوع والكنيسة الأولى، يكشف لنا حقيقة ما نعيش. نحن نشبه الفريسيين، فنطلب اليوم آية دون أن نستطيع أن نقرأ تلك المعطاة لنا: يسوع الحاضر في جماعته. وبقدر ما نبحث عن آيات على "قياسنا"، ننغلق على الآية التي أعطيت من السماء والتي تتجاوزنا دائماً: آية موت يسوع وقيامته.
ولكي نذهب إلى يسوع ونراه، هل يجب علينا أن نمرّ بالعهد القديم، أما زلنا نحتاج إلى موسى وإيليا؟ المسيرة "البيبلية" ضروريّة حتى للكنعانيّة الوثنيّة. يجب علينا أن نتحسّس الخبرة التي عاشها شعب اسرائيل وأوردتها التوراة. فالجماعة الحيّة هي موضع خبرة الروح في كتاب مفتوح على حضور المسيح الذي يتمّه ويؤوّنه.
إن كلمة يسوع جعلت الجماعة الملتئمة تسمع أسرار الملكوت. فنزعت القناع عن شكوكنا، عن قلة إيماننا وتجاربنا وخوفنا من الألم. ورمتنا مثل جموع حائرة في وسط بريّة العالم، على العشب حيث يجمع الراعي خرافه. وتُعطى لنا الافخارستيا، الخبز الذي يجمع البشر، لهذا يجب أن نسير على طرقات الجليل كما على طرقات الأمم التي توصل كلها إلى أورشليم وتمرّ كلها في الألم والموت بانتظار القيامة.
الفصل الخامس والعشرون
موت يوحنا المعمدان
14: 1- 12

رذل يسوعَ شعبُه بعد أن رفضته الجموع وتآمر عليه الكتبة والفريسيون. إنه نبيّ، وأي نبيّ لم يضطهده الشعب اليهوديّ وآباؤه. وآخر نبيّ يعرف الاضطهاد والموت قبل يسوع هو يوحنا المعمدان. هنا يسير متّى في خطى مرقس (6: 14- 29). فيروي مطوّلاً موت النبيّ السابق الذي كان سجينًا في قلعة مكاور بأمر من هيرودس انتيباس. أما كيف ارتبط خبر هذا الموت؟ فلأن هيرودس ظنّ أن يسوع هو يوحنا الذي قام من بين الأموات وأخذ يعمل مثل هذه الأعمال. لا شكّ في أن ذكرى موت يوحنا كانت تقلق ضمير هيرودس؟ أم هل كان مثل أبيه هيرودس الكبير الذي قتل حتى إمرأته وأبناءه؟ بعد النظرة العامة، نتوّقف عند الآيات نحلّلها، وننهي بخلاصة شاملة.

1- نظرة عامة
نلاحظ هنا بادئ ذي بدء مقطوعتين، وتبدو الأولى كمقدّمة للثانية ومدخلاً لها. في المقطوعة الأولى (آ 1-2) يقابل النصّ بين يسوع ويوحنا المعمدان، أو بالأحرى يجعل هيرودس يعتبر أن يسوع هو يوحنا المعمدان الذي قام بعد أن قتله هو بيده. وفي المقطوعة الثانية (آ 3-12) نقرأ بالمعنى الحصري خبر موت يوحنا الذي كان في السجن بسبب هيروديّة امرأة فيلبّس التي اتّخذها هيرودس زوجةً له، فوبّخه يوحنا.
هناك من اقترح أن يفصل آ 1-2 عن آ 3-12؛ فإن آ 3-12 تنقلنا الى زمن آخر من حياة يسوع، ولا تجد ما يقابلها في لوقا الذي تجاهل خبر مقتل يوحنا، مع أنه روى في 3: 19- 20 أن هيرودس جعله في السجن، وذكر في 9:9 بوضوح كيف مات يوحنا المعمدان. قال هيرودس: "أما يوحنا فقد قطعت أنا رأسه".
إذا عدنا الى مرقس ومتّى، نرى أن مت 12: 1-2 (رج مر 6: 14-16) يجب أن يُفهم كمقدّمة لخبر طويل عن موت يوحنا. هنا نفهم لماذا لم يُرد لوقا أن يجعل هذا الخبر الدراماتيكيّ في هذا الموضع. فقد اهتمّ دومًا بتقديم الامور بنظام وترتيب (بطريقة متواصلة وبدون انقطاع، كاتاكسيس 1 :3. أنهى الحديث عن يوحنا في 3: 19-20 ليبدأ الكلام بشكل متواصل عن يسوع). لهذا، اعتبر أن سجن يوحنا وموته قد حصلا قبل ذلك الوقت فلا مجال لذكرهما الآن في تسلسل الأحداث. وما يثبت ذلك هو صيغة الأفعال في مت ومر (سبق لهيرودس، وكان قد قبض على يوحنا). تلك كانت نظرة لوقا.
أما متّى فقد ظلّ تصميمه متماسكًا. فالأمثال في ف 13 قد شدّدت على الواقع القاسي الذي عرفته الكلمة، وعلى الفشل الذي عرفه الزرع في أرض صلبة، في أرض مليئة بالاشواك. الفشل الذي كان نصيب كلمة الله في العالم. وحالاً بعد هذا، كان فشلُ يسوع في بلدته الخاصة، في الناصرة، بين أهله وأقاربه (53:13-58). وها نحن الآن أمام خبرين يدّلان على أن سلطة الجليل الرسميّة المتجسّدة في شخص هيرودس انتيباس، قد رفضت رفضًا تامًا أن تعرف من هو يسوع، ومن هو السابق.
إن الفشل في الناصرة غير الفشل أمام هيرودس. ففي الناصرة، رفض أهل يسوع أن يروا في شخصه المسيح الذي انتظره العالم اليهوديّ الرسمي (ابن داود، رج مزامير سليمان 17). أما هنا فنحن أمام رفض أوليّ لبلاط يهوديّ مطبوع طبعًا عميقًا بالطابع الوثنيّ. تحيّر مما يقال عن يسوع، ولكن هذه الحيرة لا يمكنها أن تقود إلى الإيمان.
سنلاحظ حين نقرأ هذا الخبر (الذي هو في الواقع خبران) الاسلوب الأدبي والتربويّ عند مت الذي انطلق من نصّ مر، فبسّطه وجعله سهل الحفظ في الذاكرة. أما نصّ مر فبدا شعبيًا، ولعبت فيه الألوان دورها. لن نتوّقف هنا عند الذين يرفضون أن يربطوا مت بمر مع أنهم يقولون إن مت دوّن بعد مر. أو أولئك الذين يعتبرون هذا الخبر اسطورة وُلدت في عالم يهوديّ وهلنستيّ، ورُتِّبت في وقت متأخّر، وثبَّتها التقليد المسيحيّ في مر. قالوا: على كل حال، لا يتضمّن هذا الخبر أي طابع مسيحيّ! أما نحن فنعتبر أن يوحنا المعمدان هو السابق للمسيح. كان صورة تدلّ على المسيح. ولادته صورة عن مولد يسوع. وكذلك كرازته. وبالأحرى موته. مات يوحنا قتلاً، لأنه قال الحقّ بوجه هيرودس انتيباس. فختم سلسلة الأنبياء الذين رُجموا ونشروا كما تقول الرسالة الى العبرانيين (11: 37). وافتُتح العهد الجديد بموت يشبه مسبقًا موت يسوع. وحين قال هيرودس إن يوحنا قد قام، فقد جعلنا نتطلّع من دون أن ندري، أن الذي قام من بين الاموات هو يسوع المسيح. وبه يقوم يوحنا المعمدان، شأنه شأن الآباء الذين تمنّوا أن يروا الابن فرأوه (يو 8: 56).

2- الدراسة التفصيليّة
أ- مقدّمة إلى دراسة الآيات
أولاً: البنية
نستطيع أن نقسم هذا المقطع (آ 1-12) ثلاثة أقسام. في آ 1-2، نعرف رأي هيرودس في يسوع. في آ 3- 5، يُروى القبض على يوحنا وطرحه في السجن. في آ 6-12، يُخبرنا متّى عن موت يوحنا شهيداً. نلاحظ أن اسم هيرودس يُذكر في آ 1، 3، 6، أي في بداية كل قسم من الاقسام الثلاثة التي ذكرنا.
ثانيًا: المراجع
المقطع السابق (53:13-58) قابل مر 6: 16 أ. ولكن جاءت بعثة الاثني عشر في مر 6:6 ب-13، فقطعت خبر مقتل يوحنا (6: 14-29) عن خبر يسوع في الناصرة. وعاد مر فالتقى بمت. أوجز مت مر. وعلى سبيل المعرفة نجد في مت: 172 كلمة. وفي مر: 302. لهذا اعتبر بعض الشرّاح أن مت كثّف خبر مر الطويل. (1) مع أن مت ومر بدأا بلمحة سريعة (آ 1-2)، إلا أن مت لم يختم مقاله. فتح قوسين ولم يغلقهما. (2) في مت 9:14 حزن هيرودس (ق مر 6: 6: غمّ شديد). ولكن لماذا حزن (في 14: 5 كان يتمنّى موته)؟ أما في مر فنعرف أن هيرودس كان يستمع الى يوحنا بارتياح (6: 20). وهكذا يدخل 26:6= مت 9:14 في قلب الخبر ويوضحه. (3) في مت 14: 6-8 يفترض النصّ وجود الضيوف خلال رقصة صالومة ابنة هيرودية. ولكن هؤلاء الضيوف لا يُذكرون إلا في آ 9 (من أجل اليمين والمتكئين معه). أما في مر، فالضيوف ذُكروا في 6: 21، منذ البداية. (4) هيرودس هو تتراخس (رئيس الربع (14: 1). قد يكون مت صحّح مر 6: 14 (الملك). (5) إذا كان مت هو مرجع مر 6: 14-29، كما يقول البعض، فنكون عند ذاك أمام كاتب لا يستند الى التقليد استنادًا ظاهرًا، ومع ذلك يحاول أن يقحم عناصر إخباريّة. أما بالنسبة الى الانجيل الثالث، فنجد ما يقابل هذا النصّ في لو 3: 19-20؛ 7:9-9 (من تأليف لو على أساس مر 6: 14-29).
ثالثًا: التأويل
بعد أن "درس" الانجيلي في الامثال (13: 1- 52) جذور اللاإيمان وأسبابه، ها هو يبيّن كيف يظهر هذا اللاإيمان. فاللاإيمان لا يعني فقط عدم فهم (آ 1- 2)، بل معارضة عنيفة ليسوع وللذين بجانبه (آ 3-12؛ رج 13: 53-58). 
وكما قلنا، قصّر مت مر وأعاد كتابة النصّ باسلوبه ولاهوته. جعل لفظة "تتراخس" محل "ملك" توخيًا للدقة التاريخيّة ومقابلة مع هيرودس الكبير. ترك مقابلة يسوع مع إيليا وسائر الانبياء (مر 6: 15-16)، وأبقى فقط على المقابلة مع يوحنا المعمدان. وهكذا برز التوازي بين يوحنا ويسوع. واختلفت الخاتمة. في مر آ 29: أخذ التلاميذ الجثة ودفنوها. في مت آ 12: "أتوا وأخبروا يسوع" (هذا ما زاده مت على مر).
وفي ما يتعلّق بالتقليد التاريخيّ حول مت 14: 1-2= مر 6: 14-29، نستطيع أن نجد مقطوعتين متميزتين. مت 14: 1-2= مر 6: 14-16 حول هويّة يسوع. مت 14: 3-12= مر 6: 17-29: سجن يسوع وموته. تعود المقطوعة الأولى الى مر أو الى مرجع سابق لمرقس جعله الانجيليّ في مقدّمة خبره (6: 17-29). إن التوازي الجزئي في مر 28:8 يدلّ على أن 6: 14 ب- 15 سابق (ارتبط في الاصل بمعجزة للمقطوعة) وأن آ 4 أو آ 16 جاءت في وقت لاحق.
أما بالنسبة الى الخبر في 29:17 الذي ليس بخبر حول يسوع اطلاقاً، فنظنّ أننا أمام خبر سابق لمرقس، جمع رواية عن استشهاد يوحنا المعمدان مع تقاليد شعبيّة حول بلاط انتيباس، وربط كل هذا بمواضيع من العهد القديم (ق مر 22:6 مع أس 9:2؛ مر 23:6 مع أس 3:5، 6؛ 2:7). ثم إن العلاقات بين هيرودس وهيرودية ويوحنا، تشبه العلاقات بين أخاب وايزابيل وايليا (1 مل 17-18. لا ننسى أن العهد الجديد يقابل بين ايليا ويوحنا). لماذا وُضع هذا الخبر؟ ليشجب بلاط هيرودس. ونزيد أن هذا الخبر وُضع في فلسطين وفي لغة ساميّة لا في إطار هلنستي كما قال بعض الشرّاح.
وماذا عن تاريخيّة هذا الخبر؟ أربعة اعتراضات. (1) إن يوسيفوس المؤرخّ الذي عرف الأحداث المحيطة بموت يوحنا، يبدو وكأنه يعارض الازائيّين في بعض النقاط: اسم زوج هيرودية الاول. الموضعُ الذي فيه سُجن يوحنا. سببب موته. (2) هناك أمور غير معقولة عند الازائييين: هل يعقل أن ترقص امرأة قريبة من هيرودس أمام غرباء؟ وكيف يعد هيرودس بأن يعطيها نصف المملكة وهو خاضع للحكم الروماني؟ (3) إن تأثير العهد التهديم واضح. (4) نجد عدّة نصوص موازية عن أخبار الآلام قد أعيد النظر فيها من أجل أهداف لاهوتيّة. 
ماذا نقول في هذه الاعتراضات التي تجعل هذا الخبر غير تاريخيّ؟ الاعتراض الثالث والرابع ضعيفان. ونعود الى الاول والثاني فنقول: لا حاجة الى مقابلة مر مع يوسيفوس، الذي كتب بعد الأحداث بستين سنة. كل واحد كتب من زاويته عن موت يوحنا المعمدان. أعطى مر لونًا شعبيًا. أما يوسيفوس فبحث عن الاسباب السياسيّة لحرب وقعت بين اليهود ورومة. ونعود الى دراسة النصّ بالتفصيل.
ب- "في ذلك الزمان" (آ 1)
يبدأ مت بعبارة لا تجد ما يوازيها في مر. هي تدلّ على الوقت (11: 25). وقد نكون أمام قطعة جديدة (12: 1؛ 14: 1؛ رج دا 10: 1، 8 حسب السبعينيّة). "سمع هيرودس". سمع سماعًا. سمع بخبر. قال مر: اشتهر، شاع اسمه. هيرودس انتيباس هو ابن هيرودس الاكبر. لم يكن ملكًا بل رئيس الربع فقط. طلب اللقب الملكي من كاليغولا، الامبراطور الروماني، فكان له المنفى حيث مات كما قالت يوسيفوس. ولكن لا ننسى أنه قد سمّي ملكًا في معنى واسع. لهذا عاد مت الذي قال "تتراخس" في آ 1، فقالت: حزن الملك (آ 9= مر 6: 26؛ ق مت 2: 22 وارخيلاوس الملك الذي كان فقط "تترارخس").
ج- "هذا يوحنا المعمدان" (آ 2)
سمع هيرودس بخبر يسوع، فاعتبر أن يوحنا المعمدان قد عاد الى الحياة. أورد مر ما كان يقال عن يوحنا المعمدان ولم يذكر قائل هذا الكلام. أما مت فجعل القول على شفتي هيرودس: "هذا يوحنا المعمدان". نجد "بايس" الغلام في تك 41: 10، 37-38؛ إر 13: 31؛ 2:44؛ 1 مك 1: 6، 7 حسب السبعينية.
"إنه (هوتوس إستين). زادها مت كما اعتاد أن يفعل لكي يدلّ على الشخص. رج 3: 17؛ 17: 5؛ 21: 11؛ 27: 37. "قام من الاموات". رج لو 9: 7 مع فعل "قام" المجرد، لا المزيد كما في مر 6: 17. "من أجل ذلك، تجري العجائب". ق غل 3: 5 (يصنع فيكم العجائب)؛ مت 13: 54. ولكن في آ 2 هنا، يجب أن نقول لا "عجائب" فقط، بل قوّة عجائبية. نشير هنا إلى أن العهد الجديد لم يذكر عجيبة صنعها يوحنا (رج يو 10: 41، قد يكون نسب اليه تلاميذه عجائب. نحن هنا أمام نصّ هجوميّ).
إن "التقرير" الذي جعل الملك يحسب أن يسوع هو يوحنا الذي قام من بين الأموات (16: 14= مر 8: 28)، قد ولَّد عددًا من النظريات. (1) هي حقيقة لدى اليهود الذين يعتقدون بموت النبيّ الاسكاتولوجيّ وقيامته. (2) هناك من تحدّث على مستوى السحر والعرافة. (3) هناك عمليّة تقمّص. دخل يسوع في جسد يوحنا المعمدان. لا حاجة الى الجواب على الرأيين الثاني والثالث. أما الرأي الاول فلا شيء يسنده بسبب الجدال القائم حول موت النبيّ وقيامته. لا ننسَ أن الاثنين عاشا معًا (يو 14-2) وأن الأول عمّد الثاني. قد نقول إن يسوع حلّ محلّ يوحنا، كما حلّ اليشاع محلّ ايليا (2 مل 9:2-15) أو كما اعتُبر يوحنا إيليا الثاني (لو 1: 17). يبقى أن الانجيل يورد قولاً شعبيًا لا أساس له من الصحّة، وقد أورده الملك لكي يبرّر ضميره ممّا فعل.
د- سجن يوحنا المعمدان (آ 3)
كثَّف مت في عبارة صغيرة (قبض يوحنا على هيرودس) ما قاله مر 17:6 أ في آية شبه كاملة. هناك فعل "كراتيو": أوقف. أودع في السجن. رج قض 16: 21 حسب السبعينية الفاتيكانية؛ أع 24: 6. هذا الفعل سيرد في خبر آلام يسوع (46:21؛ 26: 4؛ 48، 50، 55، 57). لم يقل لنا مت متى أوقف يوحنا. ولكن بعض الشرّاح يقولون إنه سُجن سنة 30- 31 وقتل سنة 31 أو 32. ولكن حين نعرف أن يسوع مات سنة 30، فهذا يعني أن يوحنا مات في أقصى حدّ سنة 30، لأنه مات قبل يسوع، ولأن موته صورة مسبقة عن موت يسوع.
"أوثقه وطرحه في السجن" رج مر 6: 17، رج يوسيفوس (العاديّات 18: 19) من أجل رواية أخرى حول سجن يسوع وقتله. قال يوسيفوس إن يوحنا أخذ على قلعة مكاور التي أعاد بناءها هيرودس الاكبر قرب البحر الميت، على بعد 12 ميلاً الى الجنوب الشرقيّ من هيروديون أو قصر هيرودس. أما النصّ الإزائي فيقول بأن يوحنا قد أعدم في قصر هيرودس قرب طبرية، لا في قلعة مكاور. ولكن الامر ليس بواضح. وقد يكون هيرودس أقام العيد في مكاور.
"من أجل هيرودية". كانت هيرودية ابنة أخ هيرودس. وحسب يوسيفوس هي زوجة هيرودس ابن مريمة الثانية، لا زوجة فيلبس التترارخس الذي تزّوج سالومة. هناك من تحدّث عن خطأ وقع فيه الانجيليّ، ولكنه نسي أن عائلة هيرودس الاكبر كانت كبيرة والزواج داخلها واسعاً. وبسبب هذا الغموض تركت بعض المخطوطات في مت 14: 3 (مثلاً، البازي، وأحد المخطوطات اللاتينية) ومر 6: 17 (بردية 45، مخطوط 47) لفظة "فيلبس"، فقالت فقط امرأة أخيه.
هـ- لماذا أوقف يوحنا (آ 4)
أوقف يوحنا لأنه وبّخ هيرودس على زواجه الشرعيّ، فأخذ امرأة أخيه، رج 10: 26- 31: رفع صوته ليقول الحقّ. خاف الله، وما خاف الذين يقتلون الجسد. هنا أيضًا لخّص مت نصّ مر 18:6. نجد فعل "اخو" تزوّج. رج أش 54: 1 (حسب السبعينية)، يو 17:4-18، 1 كور 7: 2-13. يبدو أن يوحنا وبّخ هيرودس، لا لأنه طلّق امرأته الاولى (ابنة الحارث)، ولا لأنه تزوّج اكثر من امرأة، بل لأنه أخذ امرأة أخيه وهو بعد حيّ (لا 8: 16؛ 20: 21). وبحسب الأناجيل كان ذلك السببَ في توقيفه وسجنه. أمّا يوسيفوس فيقدّم خبرًا مختلفًا: لقد حرّك يوحنا الشعب ودعاه إلى الثورة. هل من تعارض بين الخبرين؟ كلا. نظر متّى إلى السبب الدينيّ ويوسيفوس إلى السبب السياسي. وحين تحدّث يوحنا عن زواج هيرودس، فقد سبّب كلامه انفجارًا على المستوى السياسيّ.
و- "يوحنا نبيّ" (آ 5)
خاف هيرودس من الشعب الذي كان يعتبر يوحنا نبيًا. ق 26:21. إن مت يستبق الامور هنا. "أما إذا قلنا من الناس، نخاف من الشعب الذي يعتبر يوحنا نبيًا". أما مر 6: 19-20 فقال: "فنقمت عليه هيرودية، ووطّنت النفس على قتله، إلاّ أنها لم تستطع. لأن هيرودس كان يهاب يوحنا لعلمه أنه رجل صدّيق وقدّيس، وكان يحافظ عليه. وعندما كان يسمعه كان يحار جدًا. ومع ذلك كان يصغي إليه بارتياح". أوجز صت مرجعه. أولاً جعل هيرودس (لا هيرودية) ذاك الذي يريد قتله، وهكذا كان التوازي بارزًا بين هيرودس ورؤساء اليهود (21: 26). ثانيًا: قال مر إن هيرودس خاف يوحنا. أما مت فقال: كان يخاف من الجمع (رج 1 صم 15: 24)، وهكذا يكون التوازي واضحًا بين معارضة يوحنا ومعارضة يسوع. ثالثًا، قال مر "رجل" ومت "نبيّ". (رج 19:11 كان يوحنا أكثر من نبيّ)؛ 26:21.
لا ننسى أدن فعل "ابوكتاينو" استعمل عن الذين قتلوا يسوع في 16: 21؛ 17: 32؛ 21: 38-39؛ 26: 4. وهكذا نكون أمام لفظة تربط مصير يوحنا بمصير يسوع.
أما رأي الشعب بأن يوحنا نبيّ، فحقيقة من وجهة متّى. فالعبارة "لأن يوحنا كان عندهم نبيًا" هي مفتاح الخبر على الاقلّ كما يظهر في الانجيل الاول. ما إن انتهى متّى من سرد الحدث الذي فيه يعلن يسوع أن "لا كرامة لنبيّ في وطنه"، حتى أورد مقتل يوحنا ولم يفصل بين الحدثين كما فعل مرقس. فإن 53:13-58 و14: 1-12 يرسمان معًا المصير المأساويّ الذي لا يستطيع أن يتجنّبه النبيّ الحقيقيّ (رج 23: 29-39).
ز- "في ذكرى مولد هيرودس" (آ 6-8)
بالنسبة الى آ 6، ق أس 2: 9. ثم إن الفاظ مت مأخوذة كلها تقريبًا من مر 6: 21-22. وكان يوم موافق أقام فيه هيرودس بداعي ذكرى ميلاده وليمة لعظمائه وضبّاطه وأعيان الجليل. فدخلت ابنة هيرودية نفسها ورقصت، فأعجبت هيرودس والمتكئين معه. لا يهتمّ الانجيليّ بالخبر المشوّق، بل بتقديم وجهته اللاهوتيّة. "غاناسيا" هو ذكرى يوم الميلاد. نحن لا نعرف متى وُلد يسوع. ابنة هيرودس هي سالومة كما يقول يوسيفوس في العاديّات اليهودية (18: 136-137). كنا قد طرحنا مسألة رقص هذه الاميرة المرتبطة بهيرودس أمام الغرباء. ولكن لا جواب لدينا لأن المراجع لا تقول شيئًا عن نوع هذه الرقصة، وعن عقليّة انتيباس؟ هل اهتمَّ رئيس الربع بما يحصل في قصره وهو ابن هيرودس الكبير؟
إن آ 7 تُجمل مر 22:6 د-23. "فقالت الملك للصبية...". ألغى مت ما لا يدلّ بشكل خاص على العهد القديم. رج أس 3:5، 6؛ 2:7؛ 1 مل 8:13؛ ق لو 8:19.
في آ 8 يرد فعل "بروبيبازو" (استخبر، تلقّن)، ولا يرد إلاّ هذه المرّة في العهد الجديد. وهو يرد مرّتين في العهد القديم. رج خر 35: 34؛ تث 6: 7 حسب السبعينية. قد تكون فقط استعلمت. قد تكون أمّها ألحّت عليها (أع 19: 33).
ح- "حزن الملك" (آ 9- 10)
ما أراد هيرودس أن يخسر ماء الوجه أمام جلسائه. ما أراد أن يتراجع عن حلَفه، فأرسل من يقطع رأس يوحنا بدون أية محاكمة. هنا يرى اوريجانس أن هيرودس كان باستطاعته أن يتراجع عن قسمه. بين شرّين يختار ما هو أقلّ شرًا.
في آ 9، بدا مت أقصر من مر 6: 26-27. أما قطع الرأس فعمليّة معروفة في العالم الروماني (رؤ 20: 4). لم تتحدّث الشريعة عن هذا العمل، ولكن المراجع الرابينيّة تعتبره أفضل الطرق من أجل الاعدام. رج 1 صم 16: 9- 10؛ 2 مل 6: 30-33. مات يوحنا ميتة شنيعة واعتبرته الشريعة مجرمًا. وهكذا كان الحال بالنسبة إلى يسوع. لا شكّ في أن تلاميذ يوحنا تشكّكوا من موت معلمهم في إطار تافه من الرقص والسكر، وتلاميذ يسوع سيتشكّكون في تلك الليلة، ليلة الآلام.
ط- جاء بالرأس في صحفة (آ 11-12)
ق آ 8؛ مر 6: 28. تحوّل الفعل من المعلوم الى المجهول. "كوراسيون" هو تصغير "كوري" أي الفتاة الصغيرة؛ رج مت 9: 24- 25؛ مر 5: 41- 42. قد تكون وُلدت سالومة بين سنة 15 وسنة 19 ب م. وهكذا يكون عمرها 12 أو 13 عامًا وقت الحدث. في أي حال لم تكن متزوّجة.
وحملت الفتاة الرأس المقطوع إلى أمها كمن يحمل هديّة في يده. مشهد مأساوي في حفلة لهو وصخب. وأخذ التلاميذ الجسد (بتوما، رج 24: 28، لا شيء يوازيه)، ثم أخبروا يسوع. سيحدث ليسوع ما حدث ليوحنا، ولكنه سيموت على الصليب. هكذا مات بولس وبطرس.

3- خلاصة شاملة
أ- رأي هيرودس في يسوع (آ 1-2)
"في ذلك الزمان". هكذا بدأ متّى خبره، فدلّ بطريقة غامضة على الزمن الذي حصل فيه هذا الحدث المأساويّ. هي عبارة محبّبة الى متّى (11: 25؛ 12: 1)، ولكنه لا يعطيها قيمة دقيقة. هي لا تحدّد الزمن بالمعنى الحصري، بل تربط مقطوعة بأخرى. على كل حال، سيكون مرقس ولوقا أقلّ دقّة من متّى. أما على المستوى الترتيبي فتُفهم العبارة: ها قد جاء الوقت لنبدأ هذا الخبر.
في نظر الشعب، كان هيرودس انتيباس ملكًا في المعنى العام للكلمة. ولكن لم يتلقّ من أوغسطس إلا لقب تترارخس، رئيس الربع، بعد أن قُسمت مملكة هيرودس الأكبر أربعة أقسام. فبقي لانتيباس الجليل وبيريه. يظهر هذا "الملك" مرات في العهد الجديد. مر 6: 14؛ لو 9: 7؛ رج 3: 1؛ 8: 30؛ 7:23 (في آلام يسوع)؛ أع 27:4؛ 12: 1 ي (سجن بطرس). وُلد هذا الأمير سنة 22 ق. م. فعيّنه أبوه خلفًا له. ولكن هذا لم يرق للامبراطور أوغسطس سنة 4 ق. م. تزوّج ابنة الملك العربي الحارث. ولكن خلال سفر إلى رومة ارتبط بهيرودية زوجة أخيه من أبيه، هيرودوس فيلبس. غير أن هذا الزواج تحرّمه الفرائض اليهودية بسبب درجة القرابة. بنى المدن شأنه شأن "الملوك" في عصره: صفورية، ليفية، طبرية. وقد يكون لعب دورًا في آلام يسوع (لو 8:23-12). نُفي إلى ليون في فرنسا سنة 39 بيد كاليغولا، وهناك أنهى أيامه مع هيرودية في ظروف نجهلها.
في الأصل، التترارخس هو رئيس ربع "مملكة". وقد منح الرومان هذا اللقب لملوك خضعوا لهم، فجعلوهم يحكمون منطقة أصغر من أن لْسمح لهم بلقب ملك (لو 3: 1، 19؛ أع 13: 1). وندهش حين نعلم أن تتراخس الجليل لم يسمع بيسوع إلاّ في وقت متأخّر: سرت شائعة حول يسوع في 4: 24. غير أن نيّة متّى هي أن تبرز لا أول ردّة فعل من هيرودس تجاه نشاط يسوع، بل النظرة الرسميّة إلى هذا النشاط (هل يقدِّر أم يشجب؟ كان مت هنا أوضح من لو ومر). فبعد الناصرة، هو الجليل كلّه يرفض أن يتعرّف إلى يسوع في شخص "ملكه". وهذا ما تدلّ عليه العبارة: قال لعبيده للذين يحيطون به، لقوّاد جيشه.
وامتزجت في مخاوف هيرودس وجهة من التعليم الفريسيّ حول قيامة الموتى مع وجهة المعتقدات الهلنستيّة حول الظهور الجديد للموتى. كل هذا ارتبط بندامة خاصّة يُفهمنا إياها هذا الخبر. كان مت أقل كلامًا من مر، فشدّد على فكرتين عزيزتين على قلبه. الأولى، نبدأ أولاً فنفهم السابق ثم نفهم يسوع. فحياة السابق وتعليمه وموته هي صورة مسبقة عن حياة يسوع وتعليمه وموته. الثانية، طرح يسوع السؤال حول شخصه على الشخصيّات الرسميّة، لا من أجلهم، بل لأنّهم يمثّلون الشعب كله. هذا ما يجعل المسيح معروفًا منذ الآن. مصيره هو مصير الانبياء.
ب- يوحنا في السجن (آ 3- 5)
ترك الخبر أمورًا عديدة لم يوضحها. فنحن لا نعرف شيئًا عن الظروف التي تشير إلى اللقاء بين يوحنا المعمدان وهيرودس انتيباس. لا شكّ في أن مر ومت قد جمعا هذا التقليد ساعة ضاع كل تحديد كرونولوجيّ أو طوبوغرافيّ. ولكن هذا لا ينفي على مستوى المبدأ أيَّ أساس تاريخيّ لمقتل يوحنا. أما المواجهة بين المعمدان وهيرودس فتحدَّد في خطّ أنبياء إسرائيل الذين قاوموا ملوكهم وما خافوا.
قال يوسيفوس إن يوحنا سُجن في قلعة مكاور. وإن هيرودس قتله لأسباب سياسيّة، لا دينيّة كما تقول الأناجيل. وجعل مر هيرودية زوجة فيلبس أخي هيرودس انتيباس. أما مت فقال فقط: زوجة أخيه (هذا في أهم المخطوطات وإن كانت مخطوطات أقل أهمية تزيد فيلبس). في الواقع، لسنا أمام فيلبس، تترارخس ايطورية وتراخونتيس (لو 3: 1؛ مت 16: 3)، بل أمام ابن آخر لهيرودس الكبير ابن مريمة الثانية التي كانت ابنة عظيم الكهنة سمعان بن بواتوس. من هذا الزواج وُلدت سالومة التي كانت صبيّة يوم تنفيذ الحكم بيوحنا.
ج- موت يوحنا شهيدًا (آ 6- 12)
ليس لنا ما نقوله حول الدراما نفسها. فقد تكون هناك بواعث سياسيّة، كما قال يوسيفوس. وبواعث على المستوى الاخلاقيّ كما قالت الأناجيل. فنحن نعرف أن زواج انتيباس من ابنة الحارث، قد أملته ظروف سياسية. على كل حال، متى استطاع الشرق أن يفصل السياسة عن الدين؟
تساءل بعض الشرّاح حول لفظة "كوراسيون" التي تعني صبيّة صغيرة. ولكن تأثيرها كان كبيرًا على هيرودس. ثم لا ننسى أن ابنة يائيرس (12 عامًا) سميّت أيضًا "كوراسيون". تحدّث مر ومت عن تلاميذ يوحنا. ولكن مت وحده أورد أن هؤلاء التلاميذ جاؤوا وأخبروا يسوع بما حصل ليوحنا. نحن هنا في خط التوافق التام بين يوحنا ويسوع في نظرة متى. وموت السابق قتلاً يعلن في بنية مت، موت يسوع (21: 23-27).

خاتمة
روى متّى مطوّلاً، شأنه شأن مرقس، مقتل يوحنا المعمدان. فهذا الموت مهمّ في إطار الانجيليّ، ولا يبدو غريبًا عن السياق العام. فالمعمدان هو السابق ليسوع في ولادته ورسالته وحياته وموته. وما حدث للمعمدان، سوف يحدث ليسوع. ويبدو أن يسوع يرى كما في مرآة مصيره في حياة يوحنا المعمدان. ففي 4: 12، وبعد أن وُضع يوحنا في السجن، اعتزل يسوع. وهنا، حين عرف بموت يوحنا المعمدان، اعتزل أيضًا: لم تأت ساعته بعد. فهو ينتظر الوقت التي فيها يواجه الآلام التي تنتظره. وستكون مناسبات أخرى فيها "يهرب " يسوع. في 15: 21، ذهب إلى منطقة صور وصيدا. وفي هذا الخطّ نجد الوضع ذاته في انجيل يوحنا (8: 59؛ 11: 54).
مات يوحنا ولكن تلاميذه ظلّوا أمناء له وسوف نراهم في سفر الأعمال (19: 1-7). لم يسمعوا إلاّ بمعموديّة يوحنا. بشّرهم بولس، فاعتمدوا باسم الربّ يسوع، ونالوا الروح القدس، وكانوا نحو اثني عشر رجلاً. فكأني بخبرة رسل المسيح يوم العنصرة تتكرّر مع تلاميذ يوحنا.
الفصل السادس والعشرون
شبع المساكين في وليمة الملكوت
14: 13- 21

إن نصّ تكثير الأرغفة يطرح عددًا من الاسئلة. هناك حدث في حياة يسوع تمّ في وقت محدّد من رسالته العلنية. فوُلدت منه أخبار في الأناجيل الاربعة. ونحن قبل أن نستخلص التعليم الخاصّ بمتّى، نعالج بإيجاز ما أعطى الخبر شكله الحالي. فسماعنا لكلام الله يرتبط في قسم منه ببحثنا. لهذا نشارك المسيحيين الأوّلين إيمانهم لكي نترجم لعالم اليوم عُمق ما قالته الكنيسة على ضوء قيامة يسوع وعلى ضوء حياتها.

1- الخبر في الجماعة الأولى
يبيّن هذا الخبر الغني كيف أن الجماعة المسيحيّة الأولى قد أعلنت المسيح واحتفلت به في ليتورجيتها. فبلُغتها (الالفاظ، الصور) المأخوذة من العهد القديم، ظلّ الخبر قريبًا من الكرازة الأولى التي اهتمّت بشكل خاصّ بأن تقول إن الكتب قد تمّت في يسوع المسيح. كما أن هذا الخبر انطبع انطباعاً خاصاً بالافخارستيا التي كانت تحتفل بها الجماعة الأولى.
أ- على ضوء العهد القديم
حين نقرأ أش 55: 1-3، نتذكّر أننا لا نستطيع أبدًا أن ندخل في فهم عميق لمقطع من العهد الجديد، دون العودة إلى "نبوءات" العهد القديم، وإلى الرجاء الذي أشعلته هذه الكلمة في قلب شعب قرأها وأعاد قراءتها وتأمّل فيها وفسّرها. وهكذا نبتت لغة "كوِّنت" قبل "الأناجيل" وصورٌ ترسم أمامنا مواضيع غنيّة. وهذا الامر صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى تكثير الأرغفة. فاذا أردنا أن نعرف كيف وُلدت هذه الأخبار، نعود إلى التوراة التي تقدّم نماذج تلقي ضوءًا على المواضيع الواردة.
أولاً: نماذج
المرجع الأوضح في التوراة هو معجزة ترد في 2 مل 4: 42-44: أليشاع الذي كثّر أرغفة الشعير. بعشرين رغيفًا أطعم مئة شخص. لم ينسخ الانجيل العهد القديم. ولم ينطلق من العهد القديم ليخترع خبرًا عجيبًا ينسبه إلى يسوع. ولكن ترتيب الخبر يجعلنا نرى فيه تحقيق وعد من المواعيد، وحضور واقع نهائي وجدنا نمطه (أول تتمّة له) في العهد القديم.
حين نقدّم ما فعله يسوع، تبدو التشابهات كثيرة فتحيلنا إلى العهد القديم. وتبدو الاختلافات واضحة فتدفعنا إلى التشديد على أن عظمة ما تمّ في الانجيل لا يقابله شيء. مثلاً، النسبة بين الأشخاص الذين أكلوا الأرغفة: 1 مقابل 5، لأن مئة شخص أكلوا من عشرين رغيفًا. أما في الانجيل، 1 مقابل ألف، لان 5000 شخص أكلوا من خمس خبزات. إن نبيّ العهد القديم، يمّحى أمام النبيّ المنتظر، وما عمله يسوع يتجاوز إلى أبعد ما يمكن ما فعله أليشاع مع بني الانبياء.
استعاد الانجيل عبارات خاصة بالعهد القديم. إن عبارة "أكل وشبع" تدلّ على الوفرة في أرض الميعاد. نقرأ في تث 6: 11: "فأكلت وشبعت" من بيوت مملوءة خيرات. إحذر أن تنسى الربّ. وفي 11: 15، قال الرب: "وأُنبت عشبًا في صحرائك فتأكل أنت وتشبع" بعد أن آتيك بالمطر مع القمح والخمر والزيت. وفي 31: 20: "حين أدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم عليها التي تدرّ لبنًا وعسلاً فيأكلون ويشبعون ويسمنون". وصلّى بنو اسرائيل في 9: 25: "امتلكوا بيوتًا مملوءة كل خير وآبارًا محفورة وكرومًا وزيتونًا وشجرًا ذات ثمر بكثرة، وأكلوا وشبعوا وسمنوا وتلذّذوا بجودك العظيم".
وعبارة "أكل وشبع" تعلن ملء الأزمنة المسيحانيّة. نقرأ في مز 132: 15: "أبارك طعامها بركة. أشبع مساكينها خبزًا". وتحدّث أش 65: 10 عن الوفر الذي يملأ الارض، كما تحدّث عن العائدين من المنفى في صعوبة الطريق وحرّها: "لا يجوعون ولا يعطشون، ولا يقرعهم الحرّ ولا الشمس، لأن راحمهم يهديهم وإلى ينابيع المياه يوردهم" (49: 10؛ رج رؤ 7: 16؛ مت 5: 6: طوبى للجياع فإنهم يشبعون). أما عبارة "أكل، شبع، فضل" فتدلّ على عظمة عطايا الله. نقرأ معجزة اليشاع: "فوضع بين أيديهم، فأكلوا وفضل عنهم كما قال الرب" (2 مل 4: 44). ونقرأ عن راعوت التي "أكلت وشبعت واستبقت ما فضل عنها" (را 2: 14). ونسمع عزريا رئيس الكهنة يقول: "في بيت الرب، كان لنا شبع من الطعام وفضل عنّا شيء كثير، لأن الربّ بارك" (2 أخ 31: 10). وتحدّث سفر الخروج عن المنّ الذي حُفظ إلى اليوم السابع. "من أخذ كثيرًا لم يفضل عنه، ومن أخذ قليلاً لم ينقص منه" (خر 18:16). وهناك أخيرًا مجموعات من 100 و50 (= 5000؛ مر 6: 40). فهي تشير إلى ترتيب الجماعة في البريّة، وهو الترتيب المثالي من أجل الأزمنة المسيحانيّة.
إذا قرأنا خبر أليشاع نجده شبيهًا في بنيته بالخبر الانجيلي. أمرٌ من "رجل الله" (أعط القوم ليأكلوا، 2 مل 4: 42؛ رج مت آ 16). اعتراض من أحد التلاميذ أمام كميّة الطعام التي لا تكفي (ما هذا القليل؟ أأضعه أمام مئة رجل؟ 2 مل 4: 42؛ رج مت آ 17؛ مر 6: 37؛ يو 6: 9). وأخيرًا الطعام العجائبي الذي يجعل الجميع يأكلون، بل يفضل عنهم (2 مل 44:4؛ مت 14: 20 وز). في خبر أليشاع نجد قول الرب الذي يفعل. في الانجيل يسوع هو الربّ، وهو يفعل. ونشير هنا بصورة عابرة إلى أن الخبز الذي قدّم لأليشاع كان من الشعير على مثال ما في خبر يوحنا (9:6). فخبز الشعير هو طعام الفقراء وتقدمتهم إلى الربّ.
ونجد أيضًا في العهد القديم نماذج تحيلنا إلى العهد الجديد. فنصّ خر 16 وعد 11 يشكّلان خلفيّة لتكثير الأرغفة: يقال لنا كيف أن الشعب شبع في البريّة من خبز جاءهم من السماء (خر 4:16) ولحم جاءهم من البحر (عب 11: 22، 31؛ رج حك 19: 11-12). هذان النصان وُلدا في جماعة تحتفل بالفصح. ف "الكلمة" تتجاوز التقرير "الصحافيّ" أو التاريخيّ. فالجماعة تحتفل بالله الذي يحييها اليوم، الذي يخلّصها ويدعوها اليوم لتلتزم خدمته بحريّة تامّة.
وشدّدت أيضا كرازة سفر التثنية على هذه القراءة التي تؤوّن الحدث الماضي وتجعله حاضرًا في الليتورجيا (تث 8: 3). في الخطّ عينه بدأ مز 78: 24-26 تأمّله بهذه العبارة الملحّة: "اسمع يا شعبي". أما مز 105: 40 فينتهي بنداء إلى الأمانة نعيشها اليوم. لم يعد الموضوع قيادة المؤمنين إلى الدهشة الكبيرة أمام معجزة ماديّة (المن هو بالاحرى علامة عن عمل الله من أجل شعبه). بل هو إعلان حضور الله وعمله في تاريخ البشر اليوم. وهكذا يتّخذ هذا التاريخ معناه: إنه يقود المؤمنين إلى لقاء الله اليوم، في احتفال عبادتهم. وفي داخل الاحتفال، يدعونا الاحتفال والتعليم إلى الالتزام.
تلك هي المسيرة التي قام بها كتّاب العهد الجديد حين ألّفوا أخبارهم. وذاك يكون النموذج من أجل قراءتنا للنصوص اليوم.
ثانيا: المواضيع
نستطيع أن نتوسّع بشكل لاهوت بيبلي في جميع الكلمات الاساسية والصور التي يلمّح إليها النصّ: الصحراء (أو: البريّة) التي حصل فيها المشهد. مرسل الله الذي يهب طعامًا سرّيًا ووافرًا لجمهور كبير. إشارة واضحة في مر 6: 24 إلى "الخراف التي لا راعي لها" (1 مل 17:22؛ حز 34: 5). ويقدّم النصّ يسوع على أنه موسى الجديد في خروج جديد، والراعي والنبيّ المنتظر. وهناك بعض الصور المعروفة: الوليمة، الجماعة الجديدة، الناس الذين شبعوا. 
لا نتبع توسّع هذه المواضيع حتى المسيح. فنحن نستطيع من خلال النقاط الجوهريّة أن نعبّر بإيجاز عن انتظار معاصري يسوع كما يلي. انتظروا مجيء نبيّ مثل موسى، وتجديد مآثر الخروج. فالنبيّ المسيح في نهاية الأزمنة يقود شعب اسرائيل إلى البريّة. ويجدّد معجزات الماضي ولا سيّما عطيّة المنّ. وهو يتصرّف كالراعي الحقيقيّ المملوء حنانًا ورحمة، فيقود شعبه إلى المراعي الخصبة. يمتلىء من روح الله، فيحقّق معجزات إيليا وأليشاع بشكل لم يكن له مثيل. ويتّكئ الشعب "المرتب" كما في خر 18: 5 إلى المائدة المسيحانيّة. فيشاركون في هذه الوليمة المفرحة، وليمة الخبز النازل من السماء واللحم الطالع من البحر.
تلك هي بعض سمات انتظار اسرائيل في آخر الأزمنة. وقد ساعدت بعض سامعي المسيح على التعرّف إليه، وإلى أقواله وأفعاله. واستعمل الانجيليّون هذه السمات ليقدّموا يسوع كذلك الذي يلبّي انتظارات الناس. ولكن إذا أردنا أن لا نبقى على مستوى قراءة سريعة للنصوص، يجب أن نلاحظ أيضًا أن العهد القديم، حين يعلن هذا الطعام العجيب في ذلك اليوم الذي فيه يجد البشر لهم قائدًا وراعيًا، يستعمل رموزًا توافق أعمق رغبات البشريّة وحاجات الناس في كل عصر وزمان. هنا نقرأ نصّ أش 55: 1-3: "أيها العطاش جميعًا هلّموا إلى المياه...". ما يحتاج إليه الانسان، ما يجوع ويعطش إليه الانسان، هو في النهاية الله نفسه. وكل طعام آخر لا يشبع جوعه، وكل شراب آخر يتركه في عطشه. مثل هذا الانتظار أو هذا الجوع سيلبّيه يسوع المسيح.
يجب أن نلاحظ حركتين من التعمّق في العهد القديم. حين تأمّل المؤمنون في الماضي، توسّعوا في الطابع "الروحيّ" للطعام الذي أعطاه الله (تث 8: 3). وهذا الطعام صار التعبير المثالي لحياة الشعب، وزمن محنة يختبر فيه ارتباطه التامّ بالله، ويكتشف غنى كلمة الله ومتطلّباتها (حك 16: 20- 21 ,26). وحين تطلّعوا إلى المستقبل، أعلنوا الزمن الذي فيه "يشبع" البشر بحضوره ومعرفته وكلمته وروحه (أش 11: 9؛ إر 31: 25، 31- 34)؛ هنا نتذكّر دعوة الحكمة الملحّة إلى وليمة (أم 9: 1-6؛ سي 19:24-22؛ 23:51-26) سيكون لها صدى واسع في العهد الجديد.
ب- صوت الكنيسة الأولى
وبعد هذا الذي أخذه الانجيل على مستوى اللغة والصور، نتوقّف عند استغلاله لهذه المواضيع في أخبار تحيلنا الى رجاء حيّ لدى المؤمنين. فعبر هذه التلميحات، حاولت النصوص الانجيليّة المكتوبة على ضوء الفصح والقيامة أن تصوّر كل غنى الخلاص في يسوع المسيح. ذاك هو الوجه الكرازي والفقاهي والليتورجيّ للأخبار التي وُلدت من الاعلان بأنها تمّت في يسوع. هكذا يجب أن نقرأ أخبار تكثير الأرغفة في الأناجيل الازائية كما في إنجيل يوحنا.
إذا جعلنا معجزة يسوع على خلفيّة توراتيّة، شكّلت إعلانًا هو في الواقع عمل خلاص. ونحن نحسّ بهذا الامر بشكل خاصّ هنا بالنظر إلى غنى المواضيع التي أشرنا اليها. فالاخبار تحافظ على نكهة هذا الاعلان بدهشة وإعجاب: "الجديد" هو هنا. الحدث المنتظر هو حاضر في أبيفانيا (ظهور) المسيح. ونحن نستطيع أن نقرأه في معناه الأخير بعد أن كان إنباء في العهد القديم. لم نعد فقط أمام برهان نبيّن فيه حقيقة من الحقائق. لقد سقط الحجاب مع التعلّق الايمانيّ بالمسيح (2 كور 3: 14-16).
وهذا الاعلان الذي ينير حياة الكنيسة الحاضرة والمؤمنين بنوره، يتوسّع بشكل طبيعيّ في فقاهة وتعليم مسيحيّ للمؤمنين. فقد تنظّم الخبر لكي يدرك فيه المؤمنون المعنى العميق لما يعيشون في الكنيسة. وهكذا يكون خبر تكثير الأرغفة الذي انطلق من معجزة حقيقيّة، تعليمًا فقاهيًا حول الكنيسة: لقد أسّس يسوع جماعة جديدة. وهو يغذّيها ويعلّمها كيف توّزع خبز الكلمة للجموع الجائعة. بالاضافة الى ذلك نستطيع أن نرى في هذا الخبر نظرة إلى الرسالة: كثّر يسوع الأرغفة في أرض الجليل، وخارج أرض الجليل أي عند الوثنيين.
وأخيرًا أثّر المحيط الليتورجيّ تأثيرًا حقيقيًا في هذا النصّ الذي ندرس. فالرباط واضح بين خبر تكثير الأرغفة، والاحتفال الافخارستي. هذا لا يعني بحصر المعنى أن تكثير الأرغفة كان في فكر يسوع صورة مسبقة عن تأسيس الافخارستيا. غير أن هذا الرباط الذي أوضحه المسيحيّون الاوّلون، قد يساعدنا على التعمّق في احتفالاتنا العبادية. فقد أعلن الانجيليون أن العمل الذي قام به يسوع "يعني" رسالته كلها والخلاص الذي يحمله. وما عاشته الكنيسة الأولى هو فرح هذا الخلاص في يسوع المسيح، وحضوره الذي يشفي ويعزّي ويشجّع، وكلمته التي تنير وتغذّي، ولقاؤه الذي يشبع كل جوع فينا. فالرباط بين تكثير الخبز والافخارستيا هو ذاك الحاضر بين علامة عن رسالة يسوع الخلاصيّة، والعلامة الحقيقيّة على أن يسوع ما تركنا في قيامته من الموت وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب.
من هذا القبيل، تبدو الحركة في خطبة يو 6 جديرة بالملاحظة. ففي القسم الأول وضحت "الآية" التي أتمّها يسوع بالنظر إلى سرّ المسيح ورسالته. حين قدّم نفسه على أنه "الخبز الحيّ النازل من السماء" استعمل أحد الرموز الكبرى التي بها كشف عن نفسه أنه المخلّص الذي يُتمّ انتظار العهد القديم ويلبّي رغبات البشر. "فالأكل" يدلّ على تعلّق به بالايمان. ويلمّح القسم الثاني من الخطبة (آ 5 ب-58) بشكل مباشو إلى الافخارستيا، فيذكّرنا بشكل خاص أن هذا السرّ، سرّ المسيح المخلّص، يمتدّ ويدركنا في سرّ القربان المقدس.

2- تعليم متّى
تسلّم متّى من التقليد هذا الخبر الغنيّ بمعانيه. فكيّف هذا التعليم وحاجات الكنيسة التي كتب إليها. وشدّد على ما يعزّ عليه من أفكار.
أ- أهداف متّى في تقديم النصّ
ركّز متّى خبره تركيزًا لم يعرفه مرقس، فأعطاه طابعًا احتفاليًا جعلنا نحسّ وكأننا في إطار من أطر العبادة. بسّط متّى الحوار بين يسوع وتلاميذه. وألغى تفاصيل نجدها في مر 39:6-40 (هي تفاصيل من الحياة لها بُعد لاهوتي في إنجيل مرقس). وهكذا وصل الخبر بسرعة إلى الذروة في آ 19. لقد وجّه متّى انتباهنا إلى يسوع وإلى الرسل الذين هم ضعفاء لا يملكون شيئًا تجاه حاجات الجموع (آ 17) ولكنهم سيطيعون أمر يسوع. وبناء على أمره (آ 16) وعمله سيُعطون الجميع طعامًا يشبعهم. ونجد ذات الحركة أيضًا في الخبر التالي (14: 22- 33): وضعٌ ميؤوس منه على المستوى البشري، ولكنّه يثير عن التلاميذ موقف إيمان ينتظره يسوع من الذين يشاركونه الرسالة، بشكل مباشر. 
بالاضافة إلى هذه النقطة التي شدّد عليها متّى بشكل خاص، فقد أراد الخبر أن يبيّن لنا أن المسيح الذي رذله أخصّاؤه يجمع بقوّته شعب الله الجديد. إنه لأمر مهمّ جداً أن يقدّم هذا الطعام إلى جمهور متعدّد المشارب. هكذا نفهم التلميحات إلى الافخارستيا الأولى وإلى الطعام المسيحاني في الملكوت، مهما كانت الرموز خفيّة. لا يشدّد النص على أن هذه الجموع كانت جائعة. ولكنه يقول إن هذه الجموع المبعثرة والمتألمة والتي لا راعي لها (كما يقول مرقس) قد التأمت واجتمعت كما ستكون في الملكوت بعد أن أطعمها يسوع.
وشدّد بعض الشرّاح أخيرًا على ارتباط هذا الخبز بشعائر العبادة: فالتعبير الذي نقرأه في آ 19 قريب ممّا نجد في صيغه في العشاء السريّ (أخذ الأرغفة ونظر إلى السماء وبارك وكسر وأعطى، رج مر 6: 41). ويصوّر متّى بشكل مباشر دور الرسل (أكثر ممّا يفعل مرقس ولوقا) وكأنه وظيفة ليتورجيّة في خدمة الجماعة. ويُبرز الخبرُ بشكل خاصّ الطابع "الكنسي" لإنجيل متّى. فالكنيسة تقدّم اليوم وتوّزع بكلمتها وليتورجيتها وكل حياتها، الخبزَ الذي يشبع. وطعام الجماعة هو علامة مليئة بالرجاء عن التجمّع الأخير في الملكوت.
ب- مساكين جائعون (آ 13- 14)
اعتزل يسوع، ذهب إلى "مكان قفر منفرد". تشدّد هذه المقدّمة المتاويّة علىِ مقصد الانجيليّ اللاهوتيّ، وتُوافق موافقة تامّة (أكثر ممّا في مرقس) الوضع التاريخيّ الذي نعرفه عن يسوع.
إذا كان يسوع قد اعتزل الجموع، فبسبب عداوة هيرودس (آ 12 ثم آ 1- 2). في الواقع إن ردّات الفعل المؤلّفة من اللافهم والرفض والعداوة، سوف تتكاثر تجاهه (13: 54-58، في وطنه). رذله أخصّاؤه، فكرّس نفسه بشكل خاص لتلاميذه، ووضعَ أسس كنيسته المنفتحة على الأمم.
وإذ أراد متّى أن يشدّد على المدلول اللاهوتي لهذا المنعطف في رسالة يسوع، رتّب هذا القسم من انجيله بحسب ثلاثة "اعتزالات" متعاقبة ليسوع (14: 1-36؛ 15: 1-39؛ 16: 1-12). وفي النهاية جاء اعتراف بطرس وإعلان الكنيسة. وفي نهاية هذه "العزلة"، ظهرت الكنيسة كنتيجة اقتلاع من اسرائيل وعبور إلى الأمم. يجب أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الترتيب الذي أراده متّى لكي نفسّر خبره تفسيرًا صحيحًا.
"تحنّن عليهم". تدلّ هذه اللفظة على الحبّ العميق الغريزيّ، حبّ الام لأبنائها. ينبوعُ هذا الحبّ هو في قلب الأم، في أحشائها. لسنا هنا فقط أمام مجرّد عاطفة، بل أمام تعاطف يعمل في وقت الشدّة. إن الفعل العبريّ الذي به ارتبط الفعل اليوناني، يدلّ في العهد القديم على وجهة جوهريّة في حبّ الله لشعبه (رج مت 9: 36-10: 1؛ 15: 32؛ 7:18؛ 20: 34).
وزاد متّى على مراجعه: "وشفى مرضاهم". لا تتوقّف رحمته عند شقاء الجسد. فالتقليد الأولاني قدّم تكثير الخبز كفعلة رحمة من قبل يسوع. استعمل مرقس حز 34 لكي يصوّر يسوع في سمات الراعي الحقيقيّ المنتظر. عاد متّى إلى ذات المرجع في 9: 36: فبعثة الرسل تجد أصولها في حبّ يسوع الرحيم. ونقول الشيء عينه هنا. ففعلةُ يسوع يحرّكها وضع الجموع التي تبحث ولا تعرف، التي "تتبع" دون أن تدري أن يسوع هو المخلّص الحقيقيّ. ذاك هو "الجوع" الحقيقيّ لدى هذه الجموع. وعمل يسوع يرمز إلى رسالته كلها، هذه الرسالة التي شارك فيها التلاميذ مشاركة حميمة. فهؤلاء المساكين الجائعون يحتاجون كلّهم إلى الشفاء، وكلّهم مدعوون إلى وليمة يسوع.
ج- مهمّة تتجاوز التلاميذ (آ 15-18)
وبدأ الحوار كما عند مرقس. عرض الرسل حلاً حكيمًا، حلاً "بشريًا" (على مستوى البشر) (آ 15): "إصرف الجموع"، فقد تجد في القرى المجاورة طعامًا ماديًا. ولكن من يشبع جوعها العميق؟
وكشفت الآيات التالية هدف متّى. فقد كلّف يسوع تلاميذه بمهمّة وهو يطلب منهم أن يقوموا بها. "لا حاجة إلى ذهابهم. أعطوهم أنتم ليأكلوا". يبدو يسوع وكأنه يبصر فقط الزاد الذي يحمله الرسل. فكأن معهم طعامًا يكفي لإطعام هذه الجموع. هذا ما فهمه التلاميذ. لهذا أجابوا يسوع: "ليس عندنا ههنا إلا خمسة أرغفة وسمكتان" (آ 17).
كيف نقرأ هذا الجواب في متّى؟ لقد أدرك التلاميذ الرسالة التي يسلّمهم إياها يسوع. ولكنهم اعتبروا أنهم لا يقدرون أن يحقّقوها بوسائلهم الضعيفة. هم وحدهم (وكأن الرب ليس هنا) معهم فقط بضع خبزات. ترك متّى اعتراض التلاميذ الذي أورده مر 6: 27 ب (هل نمضي ونبتاع خبزًا بمائتي دينار؟)، لأنه اعتبر أن هذه الملاحظة ليست عنده في محلّها. حين قال مرقس هذه الكلمة، أراد أن يشدّد على "اللافهم" عند التلاميذ (رج مر 8: 16- 21). أمّا متّى فشدّد في المقاطع الموازية على "قلّة الايمان" (رج مت 16: 8؛ 14: 31؛ ق مر 6: 52). فالعبارة لا تشير فقط إلى تلاميذ يسوع، بل إلى تعليم يعطى لكنيسة متّى. فجماعة متّى، شأنها شأن جماعتنا، تستطيع أن ترى نفسها في هؤلاء الناس القليليّ الإيمان (مت 16: 8). ومع ذلك فأمر الربّ يدوّي اليوم أيضًا، ورسالته هي هي: كيف نصرف الجموع الجائعة إلى الله ونرسلها إلى آخرين، وكأن الخبز الذي يشترونه هنا أو هناك يستطيع أن يشبعهم.
درسٌ خاصّ لمن يقوم بمهمة خاصّة في خدمة الجماعة. حذّرهم متّى من قلة الايمان، ولكنه لم يقلّل من أهمّيتهم. وستشدّد الآيات اللاحقة على دورهم في هذه الخدمة الجماعيّة.
د- عطيّة عجيبة بين أيديهم (آ 19-20 ب)
ترك متّى تفاصيل وضعها مرقس (رج مر 6: 39- 41)، فركّز الانتباه في هذا الوقت المهيب على يسوع والرسل. فكأننا في ليتورجيا حقيقيّة بدأت منذ حمل التلاميذُ الخبز إلى يسوع (آ 18).
أخذ يسوع الخبز الذي قدّم له. بارك (قال: مبارك أنت يا رب). كسر الخبز وأعطاه. ما نلاحظه عند متى هو أن الفعل "أعطى" الذي يتوجّ سلسلة الألفاظ الجوهريّة، يضع في إضمامة واحدة عمل يسوع وعمل التلاميذ. ليس هناك إلاّ عطيّة واحدة، هي عطية يسوع التي تجد امتدادها في التلاميذ. ونفّذ التلاميذ أمر يسوع الذي قال: "أعطوهم أنتم ليأكلوا". كان الرسل الوسطاء الضروريين، ولكنهم ما عتموا إن امّحوا امّحاءً كليًا وراء عمل يسوع الفريد. لماذا أبرز متّى في الخدمة الكنسيّة عامّة وفي الاحتفال بعشاء الرب خاصة، دور هؤلاء الوسطاء، هؤلاء الرسل؟ حين نعرف معرفة دقيقة وجه كنيسة متّى، نجد الجواب على هذا السؤال. مهما يكن من أمر، فنحن هنا أمام التعليم الاساسيّ حول وظيفة الرسول في خدمة الجماعة.
"أكلوا كلهم وشبعوا". إن فكرة الشبع تدلّ على المرحلة الأخيرة في الملكوت المسيحاني حيث يلبّي الله جميعَ حاجات البشر العميقة. والتطويبات التي تبدأ كرازة يسوع، سبق وأعلنت الطابع الاسكاتولوجيّ والكرستولوجي لهذا الملكوت. "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ، فأنهم سيُشبعون"، (مت 5: 4). لقد أتت الساعة التي فيها "يأكل المساكين، ويشبعون"، التي فيها "جميع الذين يطلبون الرب" من "كل شعوب الأرض" يستطيعون أن يجدوه، أن يكتشفوا فيه الحياة، ويتّحدوا مع المؤمنين في إداء الشكر له (مز 22: 27-32؛ 132: 15).
هـ- طعام يقدّم دومًا (آ 20 ب- 21 ب)
تلمّح السلال الاثنتا عشرة إلى أسباط اسرائيل الاثني عشر. فعملُ يسوع يتجاوز الذين نعموا بخيراته في القريب المباشر. إنه يصل إلى الشعب كلّه. وجمعُ "الكسر" لا يُبرز فقط عظمة المعجزة: فهذا الطعام يبقى للمدعوّين لكي يشاركوا في هذا الطعام اليوم مع الكنيسة. وهكذا تكوّن الشعب الجديد واتجه نحو ملئه (رؤ 7: 4-10). والجموع التي طلبت الرب دون أن تعرفه، هذه الجموع التي لأجلها سُفك دمُ العهد (مت 26: 28)، تستطيع أن تجد فيه الطعام الذي يشبع جوعها.
ولكن قد يكون التلاميذ في قلّة إيمانهم، تركوا الناس يذهبون إلى الخارج، يبحثون لهم عن طعام! وقد لا يفكرون، مثل يسوع، أن يعطوهم أولاً هذا الخبز الماديّ الذي صار في يد الرب علامة عطيّته المجيدة.

الخاتمة
قرأنا خبر تكثير الأرغفة فاكتشفنا إلى أي حدّ جعل متّى خبره ملاصقًا لتأسيس الافخارستيا (26: 26). واكتشفنا أنه يركّز انتباهنا على الخبزات التي وحدها تُكثَّر وتُوزَّع وتُجمَع. فكأني به نسي السمكات. ولكن انطلاقته من ليتورجيّة الكنيسة في أيّامه، حوالي سنة 80 ب. م. جعلته لا يذكر إلاّ الخبز الذي يشبع على مثال المن في البرية. لا يذكر إلاّ خبز السماء الحقيقي الذي سيحدّثنا يوحنا عنه مطوّلاً. وفي النهاية، بقيت 12 سلّة مملوءةً بالخبز الذي باركه يسوع. هكذا يأخذ كل رسول سلّة إلى كنيسته ويكثرها فيشبع الآتين إلى يسوع لا إلى طعام جسديّ فحسب، بل إلى طعام روحي. أكل الذين كانوا حول يسوع وشبعوا. وكل كنيسة وكل جماعة ستجد شبعًا لها، إذا أرادت، في جسد المسيح الذي يوزعّ على مذابحنا.
الفصل السابع والعشرون
يسوع وبطرس يمشيان على المياه
14: 22- 36

إن معجزة السير على المياه قريبة من معجزة تهدئة العاصفة: ففي كلا الحالين يتحكّم يسوع بعناصر الطبيعة. وحسب متّى، كانت الريح شديدة. ولكن، لما صعد يسوع إلى السفينة سكنت الريح (آ 30، 32). هذا ما قرأناه في خبر تسكين العاصفة: "وإذا اضطراب عظيم غشي البحر حتى إن الامواج غمرت السفينة" (8: 24). ذكر الإزائيون الثلاثة العاصفة التي سكنت (لا يوحنا)، ولكن يوحنا روى المعجزة الأخرى (6: 12- 21) التي أغفلها لوقا تحاشياً للتكرار. فقد وجدها قريبة من تهدئة العاصفة.
قد نخاطر إن تساءلنا عن الزمن التاريخيّ الذي فيه مشى يسوع على المياه. ولكن من الواضح أن التقليد ربط سريعاً هذه المعجزة بتكثير الأرغفة. وهذا ما يشهد له ثلاثة أناجيل (14: 22-23؛ مر 6: 45-52؛ يو 6: 16- 21).
أما المقطوعة التي نقرأها الآن، فتشكّل وحدة متماسكة جدًا: نكتشف فيها خمسة أجزاء
1- جملة تشكّل انتقالة بين تكثير الأرغفة والسير على المياه، ولكن هذه الجملة ترتبط ارتباطًا أعمق بالمعجزة الأولى منها بالمعجزة الثانية (آ 22).
2- اعتزال يسوع في الجبل (آ 23). انفرد ليصلي.
3- يسوع يمشي على المياه (آ 24-27).
4- بطرس يمشي على المياه (آ 28-32).
5- الخاتمة (آ 32): "فسجد له الذين كانوا في السفينة".

1- نهاية تكثير الأرغفة (22:14)
حين يستعيد يوحنا خبرًا من الأناجيل الازائية، فهو يقدّم تفاصيل تساعدنا على إدراك مدلوله. وساعة يُفرد مكانة واسعة للخطب اللاهوتيّة، فهو يقدّم لنا أمورًا قد تبدو "تافهة"، ولكنها تساعدنا على الدخول في مسيرة الخبر. هذا ما نجده هنا.
بعد خبر تكثير الأرغفة وإشارة حوله عدد الذين نعموا بهذا الطعام (14: 21)، يتابع متّى كلامه بشكل مباشر فيقول: "وفي الحال اضطرّ يسوع التلاميذ أن يركبوا السفينة ويسبقوه الى العبر ريثما يصرف الجموع" (آ 22). 
عرفنا فيما سبق أن يسوع كان قد عبر بحيرة الجليل من الغرب إلى الشرق ليُفلت من الجموع التي تحاصره من كل جهة: لقد أراد من اعتزاله أن يؤمّن بعض الراحة لتلاميذه (14: 13 رج مر 6: 31-32: هلموا واستريحوا قليلاً). ولكننا لا نفهم بعد تكثير الأرغفة لماذا "اضطر يسوع" تلاميذه ليصعدوا في القارب ويسبقوه إلى بيت صيدا ريثما يطلق هو الجموع (22:14؛ مر 6: 45). لا شكّ في أن مثل هذه الطريقة في التصرّف تفترض هدفًا خاصًا من قبل يسوع، غير أن متّى لا يقول لنا شيئًا.
هناك مرّات نكتفي فيها بالعودة إلى مرقس لنجد تفاصيل الغاها متّى، وهكذا نحدّد ما نقص في الانجيل الاول. مثلاً، لا يقول متّى شيئًا يُبرز إعجاب يسوع بالذين حملوا إليه المخلّع في كفرناحوم. غير أن مرقس يعلمنا أن هؤلاء الناس لم يتردّدوا أمام الصعوبة وكثرة الجمع، فصعدوا إلى سطح البيت (9: 2؛ ق مر 2: 4: 5). أما هنا فلا يقول لنا مرقس شيئًا لم يقله متّى. غير أن يوحنا ينيرنا. فهو يعلمنا أن الشعب أراد بعد تكثير الأرغفة، أن يأخذ يسوع ويجعله ملكًا. لقد تحمّست الجموع أمام هذه المعجزة، فرأت فيها علامة مسيحانيّة، كما اجتذبتها آمال منافع ماديّة (يو 6: 26؛ رج 4: 15 والسامريّة التي تطلب من هذا الماء لئلا تعطش)، فعزمت على إعلان يسوع ملكًا.
غير أن يسوع يعرف أن "مملكته ليست من هذا العالم" (يو 18: 36). ولهذا رفض أن يخضع لهم. ثم إن مت لا يجهل أن تجربة المسيح الممجّد ما زالت تكمن لتلاميذه: فرغم تعليم المعلّم، ظلّت نظراتهم قريبة جذا من نظرة العالم الذي يحيط بهم (مت 16: 22). إنهم مهدَّدون أيضًا بأن تقتلعهم هذه الحركة الشعبيّة. إذن رأى يسوع أنه من الفطنة أن يبعد الرسل عن الجمع، فاضطرّهم أن يركبوا السفينة (14: 22). ومع أن لفظة "اوتيس" او "اوتيوس" (في الحال) تبقى ضعيفة ولاسيّما عند مرقس، يجب أن نحافظ على مدلولها الحقيقيّ هنا: وفي الحال، وعلى الأثر (14: 22؛ مر 6: 45): إنها تدلّ على العجلة التي تصرّف بها يسوع ليُبعد تلاميذه عن سحر الغرور البشريّ.
ويبدو خبر يوحنا أقرب إلى الحقيقة التاريخية حين يتحدّث عن صرف الجموع: ففي مثل هذه الظروف، يبدو من الصعب أن نصرف أناسًا أخذ منهم الحماس كل مأخذ. غير أن يسوع هرب بشكل خفر. فلما رأت الجموع أنه غاب عن بصرها ذهب كل واحد في طريقه. هذا ما يبدو معقولاً.

2- صلاة يسوع (14: 23)
تمَّ تكثير الأرغفة على شاطئ بحيرة الجليل أو بالقرب منها، على بضعة كيلومترات الى الجنوب الشرقيّ من بيت صيدا (رج لو 10: 10؛ ق مر 45:6). في منطقة مقفرة، بعض الشيء (مت 13:14). في بلاد تراخونيتس، حيث السكان قليلون. وبما أنهم وثنيون، فهم لا يتراكضون الى يسوع على مثال أهل الجليل. وسنرى بعد ذلك أيضًا كيف أن يسوع بحث على بعض الهدوء في فينيقية (15: 21)، أو في جهة قيصريّة فيلبس، في تراخونيتس أيضًا (16: 13؛ رج مر 8: 27؛ لو 9: 18).
منطقة مقفرة. أتكون جبليّة؟ ليس الأمر أكيدًا. لهذا لا نشدّد هنا على معنى لفظة "جبل" (23:14؛ مر 46:6). فهي لا تتوخّى أن تعطينا تحديدًا جغرافيًا، بل أن تصوّر إطارًا روحيًا، وأن تتذكّر أحداثًا أخرى في حياة يسوع (عظة الجبل، التجلّي على الجبل) كما في حياة الشعب المختار (جبل سيناء). وهكذا يعني "الجبل" مكانًا منعزلاً وقفرًا.
اهتمّ متّى بهذا التفصيل لأنه لم يكتب فقط مثل مرقس: "ومضى يسوع إلى الجبل" (6: 46). بل شدّد فقال: "صعد يسوع إلى الجبل، منفردًا". وبعد ذلك قال: "كان هناك وحده". نحن نعرف أن متّى يرينا يسوع على الجبل: في التجربة الثالثة، أخذ الشيطان يسوع على جبل عال جداً (8:4). أما لوقا فقال فقط بأنه اقتاده إلى "مرتفع"، الى "مكان أعلى". وعلى الجبل ألقى يسوع عظته الاولى، عظة الجبل (5: 1)، لا بعد أن نزل من على الجبل كما قال لو 17:6. والتجلّي تمّ على الجبل (17: 1). وكذلك الظهور في الجليل (16:28) قبل الصعود وإرسال التلاميذ الى العالم كله.
يرى متّى أن هذه الجبال توجِّه أنظارنا إلى موسى، وتدلّ على أن يسوع هو موسى الجديد، ذاك الذي يجب أن نسمعه وحده (17: 5، 8). بالاضافة إلى ذلك، يبقى الجبل الموضع الأهم للظهورات الإلهيّة (خر 19: 20). فعلى جبل التجلي (6:17)، كما على جبل الجليل حيث ظهر يسوع بعد قيامته (17:28)، سجد التلاميذ. فالجبل هو موضع اللقاء مع الربّ (1 مل 19: 9-13)، وموضع الصلاة. وسيشدّد لوقا على هذا الأمر بطريقته: فمع أنه لا يحدثنا عن مشي يسوع على الماء، فهو يرينا إياه أيضاً يقضي ليلته في الصلاة على الجبل (12:6). ويعلن أن يسوع ساعة تجلّى على الجبل كان يصلّي (29:9). فساعة كان يسوع يريد الصلاة، كان يصعد الى الجبل (لو 28:9).
بعد تكثير الأرغفة، اعتزل يسوع على الجبل، ذهب إلى مكان قفر وبعيد عن الناس. وهناك توجّه بصلاته الى الآب. إن مشروع إطعام الجموع يمثّل بالنسبة إلى يسوع تجربة النجاح السريع السهل. إنه يشبه التجربة الثانية (مت 4: 5-7) التي تقوم باجتذاب الناس إليه بأمور مدهشة، ساعة يرى الآب أنه يجتذب الجميع إليه (يو 12: 32) بارتفاعه على الصليب (ثم عن يمين الآب). في هذه التجربة، توجّه يسوع الى ذلك الذي أرسله لكي يثبّته في خطّ رسالته بما فيها من آلام وصلب قبل أن تصل الى مجد القيامة. تلك كانت أيضًا ردّة فعل يسوع في كفرناحوم، ساعة تمّت أشفية عديدة، فلاقى نجاحًا منقطع النظير، فهتفت الجموع: "ما أحسن ما صنع". وتصرّف يسوع في ذلك الوقت كما تصرّف هنا: اعتزل "في موضع قفر" (مر 1: 35). وعمل الشيء عينه ساعة دخل في الآلام: "امكثوا ههنا ريثما أصلّي" (مر 14: 32 ي وز).
غير أن متّى أراد أن يُبرز سمة لم يبرزها مرقس: فبدلاً من أن يرينا في الوقت عينه القارب في عرض البحر، ويسوع وحده على البرّ (مر 6 :47)، تحدّث أولاً عن يسوع، فقال: "وعند المساء كان هناك وحده". نجد في هذه العبارة صورة عن صلاة يسوع. أما يوحنا فلم يشدّد على عزلة يسوع في مكان قفر، بل على الظلمة التي لفّت المكان. "ولما كان المساء، انحدر تلاميذه الى البحر" (يو 6: 16). فالظلام كان قد انتشر (آ 17). لهذا لم يعرفوا يسوع. وهكذا نجد هنا أيضًا موضوع النور والظلمة العزيز على قلب يوحنا (رج يو 30:13).

3- يسوع يمشي على المياه (24:14-27)
أ- يسوع رب عناصر الطبيعة
في معظم المقاطع التي فيها يلامس يوحنا موضوع النور والظلمة، نحسّ أنّنا في مناخ الانجيل الرابع. وهنا اكتفى الإنجيليّ بذكر المساء والظلام، ليُبرز ما وجده من خبر عند الازائيين. توخّت صورة المشهد (تسكين العاصفة) عند مرقس أن تفتح أمامنا جوًا روحيًا: جاء المساء. هبّت الريح. جهد التلاميذ أنفسهم ولكن عبثًا (مر 6: 48). أما ردّة فعلهم بحضرة يسوع، فسوف تكتشف السبب العميق لهذا الجوّ (لهذا الوضع): خافوا، ما عرفوا يسوع، كان إيمانهم ناقصًا. هذا ما قاله يسوع بوضوح الى بطرس في الخبر المتّاويّ.
حين رأوا يسوع يمشي على البحر، ظنّوه خيالاً، شبحًا. يجب أن نقابل هذا الحدث مع خبر لوقا، خبر ظهور يسوع القائم من الموت على التلاميذ المجتمعين في اورشليم: هنا أيضًا ظنّوه خيالاً (لو 24: 37). لهذا وجب عليه بأن يعرّف عن نفسه: "أنا هو" (لو 39:24؛ مت 27:14). في كلا الحالين تصرّف يسوع كشخص غير خاضع لنواميس الطبيعة. وهكذا دلّ على ألوهيّته.
هذه الملاحظة تقرّب تقريبًا أعمق السير على المياه من تسكين العاصفة: من يستطيع أن يقوم بمثل هذه المعجزات إلاّ الله؟ إن خبر البدايات الكهنوتيّ كان قد صوّر الخلق كانتصار قدرة الله على المياه (تك 1: 1ي؛ مز 104: 5-9: جعلت للمياه حدّ لا تتجاوزه ولا تعود تغطي الأرض). واعتبر الحكماء البحار (الاوقيانوس) كقوّة ساحقة تهدّد الانسان وتحمل إليه الخطر (مز 69: 3. بلغتُ إلى قعر المياه والسيل غمرني؛ 107: 25-27: يهبطون الى الأعماق). الله وحده يستطيع أن يكبح جماحها. نقرأ في مز 8:65: "تُهدّئ عجيج البحار، عجيج أمواجها". وفي 93: 4: "صوت الرب في الاعالي أعظم من صوت المياه العظيمة وطغيان أمواج البحر" (رج أي 38: 3-4، 8- 10).
ترى التوراة أن الاوقيانوس يرمز الى قوى الشرّ، لان الكائنات السطرية (على مستوى الميتولوجيا) التي هي أعداء الله وأعداء شعبه، قد أحدرت إليه: لاويتان، رهب، والفرعون نفسه. نقرأ في أي 7: 12 بلسان أيوب: "هل أنا الأوقيانوس (البحر) أو وحش البحر (تنين) لتجعل حرسًا ضدّي". وفي مز 89: 11: "أنت الذي سحقت رهب مثل القتيل، وبقوّة ذراعك بدّدت أعداءك". رج خر 15: 1 ي؛ ق 2 بط 2: 4؛ يهو 6؛ رؤ 9: 11؛ 7:11.
إن سير يسوع على المياه يدلّ على أن جميع الخلائق تخضع له. أنها كلها قد وُضعت "تحت قدميه" (مز 7:8). إنه حقًا "مخلّص العالم" (يو 4: 42). فبهاتين المعجزتين في البحر، يبدو أن يسوع يتمّ ما نسبه المرّتل إلى يهوه في مز 107: 23-30: "نزلوا إلى البحر على السفن، ومارسوا مهنتهم على المياه العظيمة. فرأوا أعمال الرب ومعجزاته في اللجج. بكلمته قامت ريح عاصف وهيّجت الأمواج. كانوا يصعدون إلى الأعالي ويهبطون إلى الأعماق... فصرخوا إلى الرب في ضيقهم، فأخرجهم من شدائدهم. وحوّل العاصفة الى صمت وسكنت الأمواج. ففرحوا إذ سكنت، وقادهم الله الى ميناء ابتغوه".
هكذا شكّل ظهورُ يسوع الماشي على المياه تيوفانيا، كما سيقول متّى بوضوح في الخاتمة التي هي خاصّة به: سجد له التلاميذ وقالوا: "حقًا أنت ابن الله" (آ 33). ففي مثل هذا السياق، يتّخذ لقب ابن الله معناه القويّ. فالتأكيد الذي نراه في الانجيل الرابع "إغو ايمي" (أنا هو) يرتدي هنا أيضًا القوّة عينها، ويلمّح إلى اسم يهوه الإله الذي هو (يو 8: 24، 28؛ 13: 19). وهكذا يلتقي متّى مع يوحنا في إعلان لاهوت المسيح بهذه العبارة السامية: أنا هو، أنا يهوه. والربّ الذي فعل مع شعبه حين جعله يعبر البحر الاحمر، قد فعل الآن في يسوع: "لمّا صعد يسوع إلى السفينة، سكنت الريح" (آ 32).

4- الكنيسة
لو لم يستنر خبرُ متّى بخبر مرقس، لما استطعنا أن نقول إن القارب في الانجيل الأول يرمز الى الكنيسة. ولكن المقابلة جاءت معبّرة بشكل خاصّ. فحين يقول مرقس في لغة عاديّة إن التلاميذ تعبوا وهم يجذّفون، فضّل متّى عبارة غير عاديّة: "وأمّا السفينة فكانت في وسط البحر تكدّها الامواج، لأن الريح كانت معاكسة" (آ 24). قد نظنّ أننا أمام صورة أدبية. ولكن هذه الصور لا تنتمي عادة إلى أسلوب متّى. فهو لا يصحّح النصّ المعروف إلا لأسباب فقاهيّة أو لاهوتيّة. وهنا نكتشف في خاتمة الخبر سبب هذا التصحيح: عرف "الذين كانوا في السفينة" في يسوع على أنه ابن الله. لقد آمنوا به (آ 33). وهكذا يبدو متّى أنه رأى في القارب، في هذا القارب، رمزًا إلى الكنيسة (رج 23:8؛ 15: 39).
وجّه مرقس انتباهه إلى التلاميذ. أما متّى فإلى الكنيسة. غير أن الوضع الذي يشيران إليه هو هو: نحن في الليل. ابتعد يسوع، والعاصفة (أو: الريح) تعترض القارب في مسيرته.
لوحة لافتة ومؤثرة. وقد كرّرها التقليد الازائي أكثر من مرّة. نحن نجدها في ثلاثة ظروف بأشكاله متشابهة تقريبًا: ففي بداية رسالة يسوع، وبعد يوم من التعب، اعتزل يسوع الناس دون أن يشعر به أحد. ذهب إلى القفر، والليل ما زال مخيّمًا. وهناك صلّى. كان التلاميذ عرضة للحيرة والاضطراب. وفي النهاية، وجدوا يسوع من جديد. وهدأ قلقهم (مر 1: 35-28). ونجد العناصر عينها في خبر المشي على المياه. ونقرّبه من خبر تسكين العاصفة مع اختلاف بسيط يشير إلى أن يسوع كان نائمًا ولم يكن غائبًا (مت 8: 24-27). وأخيرًا نجد وضعاً مشابهًا في نهاية رسالة يسوع، في بستان الزيتون. أخذ يسوع معه ثلاثة تلاميذ واعتزل عن الآخرين. ثم ابتعد أيضًا عن الثلاثة الحميمين (مت 26: 36-39). الوقت ليل. والتلاميذ ضاعوا، فناموا من "الحزن" (لو 22: 4- 5). جاء يسوع إليهم ولكنهم لم يفهموا آلامه. ليس من قبيل الصدف أن يأتي السير على المياه بعد تكثير الأرغفة، والنزاع في بستان الزيتون بعد تأسيس الافخارستيا: فتكثير الأرغفة يصوّر مسبقًا الافخارستيا التي هي طعام الانسان الذي يسير في ظلمة الايمان.

5- بطرس يمشي على المياه (14: 28-32)
أ- شخص بطرس
اكتفى مرقس ويوحنا بأن يتحدّثا عن يسوع الذي مشى على المياه. أما متّى فتذكّر أيضًا كيف مشى بطرس على المياه للقاء يسوع. وهكذا نجد حالات عديدة يتفرّد فيها متّى بتقديم شهادة عن بطرس. مثلا، وعدُ يسوع لبطرس (16: 17- 20): أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة. الدرهمان اللذان وُجدا في فم السمكة فدفعا الضريبة عن يسوع وعن بطرس (17: 24-27). ونلاحظ أيضًا أن متّى يزيد تفصيلاً على لائحة الرسل حين يصل الى بطرس: "الأولى سمعان" (2:10). في خبر شفاء حماة بطرس، لا يذكر متّى مع بطرس "اندراوس مع يعقوب ويوحنا" كما فعل مرقس (مت 8: 14؛ رج مر 1: 29). وحدثُ السير على المياه يشدّد على قلّة الايمان عند بطرس. هذا ما يعطيه بُعدًا خاصًا على المستوى التاريخيّ (لسنا أمام مديح). فنحن لا نستطيع أن نشكّ بصحّة هذا الواقع "متذرّعين" بالقول إن متّى "خلق" ثلاثة أخبار خاصة حول بطرس لكي "يعظّمه". فهنا كما في الإنباء الأول بالآلام والقيامة تلقّى بطرس توبيخًا لا مديحًا. "يا قليل الايمان، لم شككت، لم ارتبت" (31:14). "إذهب خلفي يا شيطان" (23:16).
قد نستطيع القول إن موقف بطرس الماشي على المياه يصوّر موقفَه قبل القبض على يسوع وبعد القبض: اندفاع سخيّ انطلق من إيمان عميق، ثم ضعف. ولكن حالاً بعد ذلك، كان اندفاع جديد نحو يسوع الذي غفر له وخلّصه وتراجع (26: 75069؛ لو 22: 61).
حين نلاحظ هذه التقاربات، لا نستطيع أن نستنتج بالضرورة أن السير على المياه يشكّل فقط نبوءة "بعد الحدث" قد دوّنت في أسلوب رمزيّ (أي لم تحصل، والانجيلي اخترعها من عنده). كلا. فما نستطيع أن نكتشفه هنا هو طبع بطرس بما فيه من حماس. والنعمة حوّلته شيئًا فشيئًا، من رجل يخاف إلى رجل صار شهيدًا. غير أن السمات الاساسيّة في طبعه ظلّت هي هي ولم تتبدلّ: فبطرس ظلّ بطرس حتى بعد القيامة. لهذا، فحين ظهور يسوع على شاطىء بحر الجليل، ما إن قال التلميذ الحبيب "هذا هو الرب"، حتى ألقى بطرس نفسه في الماء (أخذ يسبح هذه المرّة. لم يغرق) ليذهب الى لقاء "الربّ" (يو 21: 7).
لا شكّ في أن خبر متّى يتضمّن بعض الامور الملتبسة. ما هو المعنى الدقيق للكلمة التي وجّهها بطرس الى يسوع: "إن كنت انت هو، فمُرني أن آتي إليك على المياه" (آ 28). هل عرف بطرس يسوع على مثال التلميذ الحبيب الذي هتف بعد القيامة: "هذا هو الربّ" (يو 7:21)؟ حينئذ قد تكون الرغبة في لقاء يسوع سريعًا حرّكت في بطرس هذا الاندفاع القويّ. أو هل يكون بطرس تردّد وشكّ، فطلب علامة على مثال ما فعل توما فيما بعد؟ قال: "إن لم أضع إصبعي في موضع المسامير وأضع يدي في جنبه لا أؤمن" (يو20: 25). ولا ننسى أن اليهود أيضًا طلبوا علامة. كل هذا يعني أن متّى أعاد قراءة الحدث على ضوء القيامة، بما فيه مسيرة بطرس على المياه. فالماء يدلّ على العالم وما فيه من شرّ. وعلى بطرس والرسل أن يسيروا فيه مهما كان خطر الغرق كبيرًا. يتحلّون بالايمان. وإن سقطوا فيد الرب هي هنا. وستكون مسيرتهم ثابتة بعد القيامة.
نستطيع أن نرى في بطرس تجسيدًا لمسيرة الايمان في قلب الانسان. هو يؤمن، ولكن إيمانه ظلّ سريع العطب. فحين فكّر في يسوع ووثق به، ظلّ قويًا. ولما تطلّع الى وضعه البشري وما فيه من ضعف، أخذ يغرق. غير أنه صرخ: "يا رب نجّني"، فأمسكه يسوع وخلّصه. نحن هنا أمام صورة حقيقيّة عن صراع الانسان من أجل المسيح: بالايمان والمحبّة يرتبط الانسان بالمسيح ولا شيء يفصله عنه. كما نشير إلى أن صرخة بطرس هذه (نجّني يا ربّ) صارت صلاة المؤمنين بعد القيامة، لأن يسوع هو الربّ حقًا. فلا نحاول أن نكتشف بالتدقيق ما كانت صرخة بطرس في ذلك الوقت، وما كان إيمانه. فمتّى يقرأ النصّ على ضوء القيامة وبالنظر الى واقع كنيسته التي تلاطمها الامواج. اين إيمانها؟ فلتتمسّك بالربّ وحده.
ب- التلاميذ
هناك تعارض ظاهر بين خاتمة مرقس وخاتمة متّى، قد حيّر الشّراح للوهلة الاولى. قال مر 6: 51-52: "دُهشوا في أنفسهم أشدّ الدهش لأنهم لم يفهموا شيئًا من أمر الأرغفة، بل كانت قلوبهم عمياء". وأما متّى فقال: سجدوا أمام يسوع قائلين: "حقًا أنت ابن الله" (14: 33).
يدلّ هذا الاختلاف دلالة نموذجيّة على الاختلافات التي أدخلها في الاناجيل الخيارُ الفقاهي الذي أخذه كل انجيليّ. فشدّد مرقس على أن سرّ يسوع ظلّ مغلقًا على التلاميذ حتى القيامة (بل ظلّ يحيّر النسوة، بعد القيامة: استحوذت عليهن الرعدة وانذهلن ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كنّ خائفات، 8:16). أما متّى فحاول أن يقدم للمسيحيين مثالاً من خلاله الاشخاص الذين يدورون في فلك يسوع. فالمجوس سجدوا ليسوع وكأنهم عرفوا أنه الله. وفي قيصريّة فيلبس، لم يقل بطرس فقط: أنت المسيح (كما في مر 29:8). بل "أنت المسيح ابن الله الحيّ" (مت 16: 16). وبعد القيامة سجد شهود القيامة على جبل الجليل (17:28). بالاضافة الى ذلك، اختلفت مسيرة مرقس الانجيلية عن مسيرة متّى. فأراد أن يكون اكتشافُ المسيح تدريجياً. وفي النهاية فقط سيعلن قائد المئة "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (15: 39). أما متّى فجعلنا مند البداية في زمن ما بعد القيامة. منذ البداية يسوع هو الرب. ولهذا سجد له التلاميذ حين رأوه يفعل ما لا يفعله إلاّ الرب (يهوه): هدّأ البحر والرياح.
ج- حضور يسوع
بدا متّى في البداية معارضًا لمرقس حول ردّة فعل التلاميذ خلال مسيرة يسوع على المياه. ويبدو أيضاً في خلاف مع يوحنا له معناه. ففي التقليد الإزائي "صعد يسوع إلى القارب فسكنت الريح" (آ 32؛ مر 6: 51). أما في الانجيل الرابع فيبدو وكأن يسوع يرفض أن يصعد الى القارب. "أرادوا أن يأخذوه في القارب، ولكن القارب وصل حالاً إلى الأرض حيث كانوا يقصدون" (يو 6: 21).
المقابلة بين يوحنا ومز 107: 30 تشير إلى مرمى الانجيلي وما فيه من رموز. فقد أراد أن يقدّم لنا حقيقة عميقة: ما إن صار يسوع هنا حتى بلغنا نهاية السفر ووصلنا الى مبتغانا. إنه هو هدف حياتنا. إنه "الطريق والحقّ والحياة" (يو 14: 6). أما مرقس ومتّى فأرادا أن يعلّماننا أن حضور يسوع يهدّئ الاضطراب ويخلّصنا من "الاعداء" التي تتمثّل في البحر والمياه. وكل هذا يتمّ في القارب الذي يدلّ على الكنيسة.
بعد أن نعطي المعنى الروحي للسير على المياه، نقدّم ملحقًا يشرح 14: 34-36.
أ- المعنى الروحي للخبر
إن ساعات الضيق التي عاشها الاثنا عشر خلال حياة يسوع العلنيّة، صارت بالنسبة الى الانجيليين رمزًا إلى وضع الكنيسة ساعة الاضطهاد: فيسوع بصعوده ذهب وحده الى الآب وترك التلاميذ يجاهدون في هذا العالم حتى عودته. إنهم يعيشون في ليل الايمان. واليوم لا يختلف وضعُ الكنيسة عمّا كان عليه في زمن الانجيليين. وقد تُضطهد الكنيسة هنا أو لا تضطهد هناك. ولكن عليها أن تجاهد في كل آن. وعلى المسيحيين أن يعبروا في ليل الايمان وهم يتطلّعون إلى يسوع مبدئ إيمانهم ومكمّله.
والانسان الذي يلتقي المسيح لا يرى فيه المخلّص في لحظة وبشكل نهائي. فالايمان مسيرة طويلة داخل وضع الانسان بما فيه من ضعف وتردّد ورفض وخيانة، وعلى تلميذ المسيح الذي تحرّكه التجربة في كل وقت، أن يعرف أن يسوع لا يتركه في وسط العاصفة. فالمسيح وحده يستطيع أن يخلّصه من هبّات الرياح ومعاكسة الأمواج.
فإن استند المؤمن إلى المسيح حقّق معجزات أعظم من تلك التي حقّقها بطرس حين مشى على المياه. بل من تلك التي حقّقها يسوع نفسه. قال: "الحق الحقّ أقول لكم: من يؤمن بي يعمل هو أيضاً الأعمال التي أعملها، بل يعمل أعظم منها لأني ماض الى الآب" (يو 14: 12). وإن ضعف إيمانُنا على مثال ما حدث لبطرس، تكون صرختنا: "يا رب نجّنا". أمسك يسوع بطرس وأقامه. وتلميذ المسيح يعرف أن إيمانه سريع العطب، وأنه قد يسقط بعد سنوات عديدة من الحياة المسيحية. فما عليه إلاّ أن يصرخ مع والد الولد المصروع: "أؤمن يارب. فأعن قلّة إيماني" (مر 9: 24).
ب- ملحق (14: 34-36)
وينتهي ف 14 بإجمالة تجعل يسوع يصل إلى جنسارت الواقعة على الضفة اليمنى من البحيرة، بين مجدلة وكفرناحوم (مر 6: 53، لو 5: 1). وها نحن نثبّتها في آخر هذه المقطوعة التي تتحدّث عن الرب الذي مشى على المياه ودعا بطرس ليمشي معه.
مضمون هذا المقطع: أشفية عجيبة يجترحها يسوع في أرض جنسارت. وهو شفاء يحمل الخلاص، لأن كلمة واحدة تدلّ على الشفاء والخلاص. وهو شفاء يحمل الحياة كما اعتادت السريانيّة ان تفعل حين تترجم فعل "سوزو" اليوناني بفعل "أحيا".
إن هذه المقطوعة الصغيرة، شأنها شأن المقطوعة السابقة والسبع التابعة، لا تجد ما يوازيها إلاّ في مر (53:6-56). أما لو فتجاهل مضمون هذه الآيات وان استطعنا أن نجد عنده بعضاً من تعابيرها. إنها تشكلّ في مت حاشية من مجموعة الحواشي العامة حول نشاط يسوع العجائبي (رج 4: 24؛ 9: 35؛ 14: 34-36؛ 29:15- 31). إذا جعلنا 9: 35 جانبًا، كل هذه الحواشي المتاوية تجد ما يوازيها في مر. لهذا نستفيد كل الافادة إن عرفنا أن نكتشف التحوّلات التي قام بها مت. مثلاً هنا، بسّط نصَّ مر وحسّنه من الناحية اللغويّة، ولكنه حافظ بدقّة على الوجهة الاصيلة التي فيه: هو خبر يدلّ على الطريقة المدهشة التي شفي فيها هؤلاء البؤساء: لمسوا فقط ثوب يسوع.
هل تدفعنا هذه الحواشي إلى الظن أن يسوع شفى حسب التقليد الانجيلي، كل المرضى الذين حملوهم إليه دون تمييز؟ هنا نسوق ثلاث ملاحظات. الأولى، تبدو هذه الحواشي أمرًا شاذًا في مجمل الأخبار الانجيلية التي تسرد أشفية اجترحها يسوع. ففي مجمل الحالات، عندما يشفي يسوع مريضًا فهو يشفيه بطريقة شخصيّة، يدخل معه في حوار مهما كان الخبر قصيرًا. الثانية، حسب الفكر الانجيلي، أشفية يسوع هي آيات (علامات) تدلّ على أنه حقاً قد تسلّم سلطته من الله لكي يبدأ عهد الخلاص. من هذه الوجهة ليس عددُ هذه الآيات هو الذي يهمّ، بل ما يميّزها في حياة يسوع وعلى ضوء العهد القديم. الثالثة، غير أن هذه الحواشي تذكّرنا بأن المسيح كما نراه في مت بشكل خاص، قد أعطي مهمّة تدعوه إلى أن يمارس خدمته لدى الشعب كله، لا من أجل بعض المميّزين، أو بعض الاخصّائيين في الحياة الدينية (مثل الكتبة والفريسيّين). حين ترك هذه الجموع الغفيرة تلمسه، اعتبر الفريسيّون ذلك رجسًا ونجاسة. كيف يسمح يسوع للخطأة أن يلمسوه؟
من أجل هذا سيكون الموضوع الرئيسي في المقطوعة التالية (15: 1- 20): الطاهر والنجس: موقف يسوع وتقليد الشيوخ.
حين نقرأ نصّ مت، نلاحظ أن القارب لم يعبر حقاً (دياباراسنتس، رج 9: 1؛ 13:14) بحر الجليل. اكتفى مت بأن يستعيد ألفاظ مر. جنسارت هي سهل صغير يقع غربي بحيرة طبرية. وقد بُنيت مدينة على اسم هذا السهل حيث كانت القلعة القديمة: كنارت (تث 3: 17؛ يش 11: 2؛ 19: 35). لهذا السبب سمّيت البحيرة، بحيرة جنسارت (لو 5: 1، وحده)، كما سمّيت بحيرة الجليل (مت 18:4؛ مر 1: 6؛ 7: 31) وبحيرة طبريّة (يو 6: 21: 21: 1 والكتابات الرابينيّة)
عرف أهل (اندرس، رجاله، عبارة خاصّة بمتّى، 7: 24؛ 12: 41) تلك المنطقة بيسوع. لسنا هنا أمام معرفة إيمانية (7: 16؛ 11: 27؛ 17: 12؛ رج 1 كور 13: 12). بل معرفة شخص شاهدوا وجهه من قبل وتذكّروا معجزاته. قد تعود هذه المعرفة "الخارجيّة" إلى أبعد من ذلك، لا سيّما وأنهم جاؤوا بجميع مرضاهم إلى يسوع. لمسه هؤلاء المرضى، بل يسوع نفسه لمس الأبرص وما خاف أن يتنجّس منه بل طهّره (3:8). كما لمس أعين أعميي اريحا فأبصرا في الحال (20: 34). أما هنا، فسمح لهم يسوع بأن يلمسوه. على هذا اقتصر الحوار بينه وبين هؤلاء المرضى. لا شكّ في أنهم حين لمسوه دلّوا على إيمان ضمنيّ. وهكذا نفهم أن يسوع، حسب النصّ الانجيلي، لم يفرض دومًا ايمانًا معلنًا وواضحًا لدى الذين يريد أن يشفيهم. فحركة اليد أو العين تعبّر عن القلب، شأنها شأن الكلمة.
الفصل الثامن والعشرون
جدال حول تقليد الشيوخ- الظاهر والنجس
15: 1- 20

مع بداية ف 15، ننطلق من تقليد الشيوخ، ولا سيّما حول الطاهر والنجس، لنصل إلى الايمان بالمسيح ولا سيّما مع تلك الكنعانية التي نالت ما أرادت. تقليد الشيوخ هو مجموعة تفاسير الشرائع التي انتقلت بشكل شفهيّ في المدارس الرابينيّة، والتي ستدوّن في المشناة وفي التلمود. سمّاها مرقس تقليد البشر (7: 8) أو تقليدكم (أيها الشعب اليهوديّ) في 7: 9، 13 (رج مت 15: 3، 6). أما يوسيفوس، فدعاها تقاليد الآباء. وهي تتمحور بشكل خاص حول الطاهر والنجس، حول غسل الأيدي، حول الاطعمة التي يستطيع المؤمن أن يأكلها أو لا يأكلها. فرائض عديدة جعلت الشعب ييأس من ممارستها كلها، فاعتبره الفريسيون نجسًا. الفريسيون يعرفون. أما الناس "فهم ملعونون، لأنهم لا يعرفون الناموس" (يو 7: 49).
بعد نظرة عامّة، نتوقف مطوّلاً عند الدراسة التفصيلية قبل أن نستخلص ما يجب استخلاصه من أجل حياتنا الروحيّة ووضع الانجيل في حياتنا اليوم.

1- نظرة عامّة
يسوع وتقليد الشيوخ. هذا هو موضوع هذه المقطوعة التي يتوسّع فيها مت مطوَّلاً ويرافقه في ذلك مر 7: 1-23، الذي سيشرح بعض الأمور من أجل قرّائه الآتين من العالم الوثنيّ. أما لوقا الوثنيّ ابن الوثني، فلم يهتمّ بهذا الموضوع كلّه، كما تحاشى أمورًا عديدة تمتّ إلى الناموس اليهوديّ ولا سيّما في عظة السهل (لو 6: 20- 49) التي تقابل عظة الجبل (مت 5-7) وما فيها من عودة إلى فرائض الناموس وتجاوز هذه الفرائض من أجل كمال يجعلنا نقتدي بالآب السماويّ (مت 5: 48).
إن قراءة سريعة لهذا المقطع (آ 1- 20) تجعلنا نرى ارتباطه بالمقاطع السابقة. نحن هنا مرّة أخرى أمام تصرّف تلاميذ يسوع (آ 2 أ: تلاميذك يتعدّون تعاليم الشيوخ) كما خلال تكثير الأرغفة (13:14- 21) أو مسيرة يسوع على المياه برفقة بطرس (14: 22-33). لا شكّ في أن يسوع هو في قلب الخبر، ولكنه يردّ على سؤال طُرح على التلاميذ. ذاك هو مدلول كل هذا القسم من الانجيل المتاويّ الذي يصل بنا الى الخطبة الكنسيّة في ف 18.
إن لموضوع التلاميذ الذي يظهر بشكل واضح منذ 7: 1- 5، مدلولاً عميقًا، يتعدَّى بعمقه الناحية السيروية المحضة. فما يُطرح على التلاميذ من أسئلة خلال حياة يسوع على الأرض، يُطرح في الواقع على كنيسة متّى التي ما زالت تتعامل مع العالم اليهودي حوالي سنة 80 ب م. اتّهم الفريسيون والكتبة تلاميذَ يسوع، لأنهم لم يغسلوا أيديهم قبل الأكل. وها هي الجماعة اليهوديّة التي ظلّت على اتصال مع كنيسة متّى، تتّهم هؤلاء المسيحيين المتهوّدين في شأن الطاهر والنجس. أبناء كنيسة متى يهود صاروا مسيحيين، ولكنهم ظلّوا يمارسون عدداً من الشرائع اليهودية التي ذكرها يعقوب في "مجمع أورشليم" سنة 49-50: "الامتناع عن نجاسة عبادة الاوثان، عن الفحشاء، عن المخنوق، عن الدم". وقد يكون هناك أمور أخرى حافظت عليها جماعة متّى (ربما ظلّت تحافظ على السبت...)، ولكن اين الحريّة التي جاء المسيح يحملها إلى المؤمنين؟ لهذا كان جواب يسوع إلى الكتبة والفريسيين. والجواب ذاته سوف يحمله متّى إلى هؤلاء اليهود الذين يريدون أن يعودوا بالمسيحيين الى اليهودية المحضة. أو يعودوا بهم من الايمان بيسوع المسيح إلى تعلّق حرفيّ بالشريعة (غل 2: 15-16). نحن أبناء سارة، لا أبناء هاجر، نحن أبناء الحرّة، لا أبناء الأمة (غل 4: 21-28). هذا ما قال متّى لكنيسته.
حين نقابل نصّ مت مع نصّ مر، نكتشف نهج مت، كما نكتشف الفكرة المشرفة على توسيعه: ألغى متّى الشروح المطوّلة التي قدّمها مرقس حول الاغتسال الطقسيّ لدى اليهود. لأن لا مكان لهذه الشروح في وسط مسيحيّ متهوّد، وقريب من فلسطين. ثم إن متّى تصرّف كمربٍّ ناضج، فوضع الجواب الأساسيّ في فم يسوع حالاً بعد السؤال الذي طرحه الفريسيون (آ 3: تتعدون وصية الله= مر 9:7-13). بالاضافة إلى ذلك، تفرّد متّى فجعل في هذا الموضع الكلمة الرهيبة التي وجّهها يسوع ضد عميان يقودون العميان (آ 12- 14؛ رج لو 6: 39). وتفرّد متّى أيضاً فجعل بطرس يدخل في الجدال حول الطاهر والنجس (آ 15). وهكذا صارت بنية المقطوعة مكثّفة، منطقيّة، وتربويّة عند متّى أكثر منه عند مرقس.
ظنّ بعض الشرّاح أن متّى خفّف من قوّة نص مر في هذه المقطوعة (وهكذا فعل أيضًا في معرض الحديث عن السبت)، لأنه ما زال مهتماً بالاغتسال الطقسيّ. قد يكون متّى خفف بعض العبارات الشعبيّة التي وجدها في مر، ولكنه في العمق جاء أقسى من مرقس، في التعارض الذي أقامه بين التقليد الرابيني (أو: الشيوخ) وسلطة المسيح في إعادة تفسير شريعة الله ووصاياه.
وبمختصر الكلام تقدّم هذه المقطوعة (15: 1-20) فكرتين جديدتين كل الجدّة من أجل العالم اليهوديّ في أيام يسوع وأيام متّى: الفكرة الأولى والاساسيّة هي أن يسوع يرفض ما يفعله الكتبة حين يعتبرون نفوسهم المفسّرين المكلّفين تكليفًا رسميًا بتفسير شريعة الله. ففي ف 5-7 (وإن بطريقة أخرى)، قدّم المسيح نفسه كالمفسّر الاسكاتولوجيّ الوحيد المكلّف بقراءة الشريعة. والثانية هي أن المسيح في صراعه مع الكتبة، يتوخّى فقط أن يفسِّر شريعة موسى. هو لا يحمل أفكارًا جديدة لا أساس لها في العالم اليهوديّ (وبالتالي في العالم الشرقيّ)، بل تفسيرًا جذريًا لوَحْي في التاريخ يقدّم إرادة الله للبشر. وما يقوله عن الطاهر والنجس هو تطبيق لهذا المبدأ: ما ينجّس الانسان هو ما يشوّه علاقاته مع اخوته بحسب الروحانيّة التي يرتكز عليها الناموس الموسويّ. ويبقى أن الفرائض حول الطهارة بحسب الشريعة (رج لا 11-16)، لم يلغها يسوع في ذلك الوقت، ولكنه طرح حولها أسئلة أساسيّة (22: 34-40) ستعود إليها الكنيسة وتتحرّر منها شيئًا فشيئًا. فكل ما في العهد القديم لا يقود الكنيسة إلى المسيح، تستغني عنه الكنيسة.
تردّد علمُ التفسير الكتابي حول اتجاهين بالنسبة إلى موضوع تقليد الشيوخ، والطاهر والنجس: هل المسيح (كما في مت) يُلغي الشريعة الطقسيّة حول الطاهر والنجس (ومعها كل الفرائض التي لا تتعلّق بالحياة مع القريب)، أو يجعل الشريعة الطقسيّة خاضعة للشريعة الأخلاقيّة؟ قال أحد الشرّاح: "علّمنا يسوع أن نجعل النجاسة بحسب الشريعة بعد النجاسة الاخلاقيّة التي هي وحدها مهمة". ولكن ماذا يبقى من مهمّ بعد هذا الذي يهمّ حقًا؟ نستطيع أن نتخيّل على المستوى التاريخيّ أن المسيحيّين المتهوّدين ظلّوا أمناء لبعض الفرائض الطقسيّة. ولكن ألحّت عليهم متطلّبات الرسالة والصراع مع اليهود، فدخلوا في مسيرة من القطيعة بدءاً بالفرائض حول الطهارة. ونحن نرى المراحل الهامّة لهذه المسيرة في اللاهوت البولسيّ والمتّاويّ.
ورأى شرّاح آخرون بُعد هذه الاقوال عن الطاهر والنجس بفم المسيح كما أوردها متّى: ما اكتفى يسوع بأن يلغي الصوم، ويقلّل من الاهتمام بنقاوة الأيدي حسب تقليد الشيوخ، بل سمح بأكل اللحوم التي تحرّمها شريعة موسى (لأنه اعتبر جميع الأطعمة طاهرة، رج مر 7: 19). وهكذا كانت القطيعة بين يسوع والفريسيّين تامة.
إن توصيات الرابينيين حول النجاسة ووسائل الطهارة، احتلّت مكانة كبرى في التقوى اليهوديّة في الزمن الذي دُوّن فيه الانجيل، أكثر منه في أيام المسيح وما بعد (حوالي سنة 40). نشير هنا إلى أن القسم السادس من التلمود يعالج هذا الموضوع. ونقرأ مثلاً: "إذا دخل العشارون (أو: جباة الضرائب) إلى البيت، صار البيت نجسًا. إن كان معهم وثنيّ وقالوا إنهم لم يدخلوا نستطيع أن نصدّقهم. ولكننا لا نصدّقهم إن قالوا إنهم دخلوا وقالوا شيئًا".
أما الاغتسال فقد لدب دورًا كبيرًا عند الاسيانيين. كانوا يستحمّون في أحواض وُجدت آثارها في قمران. "لا يدخل الكافر في الماء لئلا يمسّ طهارة الناس المقدسين. فليس الانسان بطاهر ما لم يرتدَّ عن شرّه" (نظام الجماعة 3:5-4). "لا يغتسل المرء في مياه وسخة أو في كميّة من الماء لا تكفي لكي تغطّيه كله. ولا ينقَّى بهذا الماء إناء في نقرة صخر لا يوجد فيها كمية الماء التي تكفي لتغطي الانسان كلّه. إن لمسها الانسان صارت الماء كلّها نجسة".

2- الدراسة التفصيليّة
أ- البنية
إن مت 15: 1-20، شأنه شأن مر 7: 1-23، هو خبر ينطلق من اعتراض، ويبدو في ثلاثة مشاهد. يصوّر المشهد الأولى يسوع مع الفرّيسيّين والكتبة (آ 1-9). والمشهد الثاني مع الجموع (آ 10- 11). والمشهد الثالث مع تلاميذه (آ 12-20). يشبه المشهد الأول المشهد الثالث، لأن كلا المشهدين يبدأان بسؤال يتوجّه الى يسوع.
إن المشهد الثالث يربط المشاهد الثلاثة معًا. ففي آ 12 وآ 15، سُئل يسوع حول جوابه للفريسيين على اعلان آ 11، حول مدلول هذا الاعلان. وهكذا يصبح المشهد الثالث تفسيرًا للمشهد الثاني. غير أن يسوع يعلن في نهاية كل هذا المقطع: "وأما الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجسّ الانسان" (آ20). هذا ما يعود بالقارئ إلى الوراء، إلى السؤال الذي طُرح في البداية: "لماذا يتعدّى تلاميذك تقليد الشيوخ؟ فإنهم لا يغسلون أيديهم حينما يأكلون" (آ 2). هذه الخاتمة تدلّ بوضوح على وحدة هذا المقطع (آ 1-20).
ب- المراجع
من الممكن أن نقول إن مت 15: 1-20 هو أقدم من مر 7: 1-23. وبالتالي هو لا يرتبط به. فالانجيل الأول لا يتضمّن شرحًا عن غسل الأيدي لدى اليهود (عكس مر 7: 2-4). ولا يتضمّن الملاحظة التي أوردها مر 7: 19 ج التي تعلن جميع الأطعمة طاهرة. وتعليم مت هو أقرب إلى تعليم يسوع ممّا يرويه مرقس. وهكذا نستخلص أن مر 7: 1-23 هو ثانوي، أي أعيدت صياغته بالنسبة إلى الأمم الوثنية، فعكس موقفًا من فرائض الشريعة.
إن هذا الاستنتاج ليس بضروريّ. وكل هذه الملاحظات لا ترضي الشارح الذي يعرف أن انجيل متّى كُتب بيد يهوديّ لجماعة هي بأكثرها من أصل يهوديّ. وأن متّى كان أكثر تحفّظًا من مرقس في ما يخصّ مراعاة الشريعة. لهذا، فإن الاختلافات بين مر ومت، قد تفسّر إنطلاقًا من اهتمامات الانجيل الأول.
بالاضافة إلى ذلك، هناك عدد من النقاط تجعل مت يرتبط بمر في هذه المقطوعة. (1) سؤال بطرس في 15: 15 (فسّر لنا هذا المثل) يعود إلى قول يرد في آ 11 (ما يدخل الفم). إن آ 12-14 تقطع المسيرة الطبيعية للمتتالية. فخبرُ متّى يفترض سؤالاً بدون آ 12-14، وهذا ما نجده في مر. (2) إذا وضعنا 15: 1 جانبًا، وهو يتحدّث عن "الفريسيّين والكتبة"، فإن مت يقول دومًا "الكتبة والفريسيّين" (لماذا قال هنا: الفريسيّين والكتبة؟ رج مر آ 1). لماذا ترك أسلوبه هنا؟ قد يقال أن مت تبع مراجعه. ولكن مرجعه هنا هو مر نفسه: "واجتمع اليه الفريسيون وبعض الكتبة". (3) في مت دعا يسوع الجموع لتأخذ تعليمًا جديدًا (15: 10). ونقول الشيء عينه عن مر 7: 14 حيث الترتيب هو سمة من سمات التدوين المرقسيّ. (4) إن فعل "إبسبوراوماي" يظهر في مت 15: 17 وفي مر 18:7 (ينحدر، يدخل). هو يظهر ثماني مرّات في مر، ومرّة واحدة في مت. أي هنا. وهكذا يكون الفعل مرقسيًا وقد أخذه مت من مر.
ج- التأويل
ما زال مت يتبع المتتالية المرقسيّة. لهذا، لن نجد رباطاً موضوعياً بين 15: 1- 20 وبين المواد التي تحيط بهذه المقطوعة.
تلعب هذه المقطوعة ثلاث وظائف: هي أولاً هجوم على التقليد الفريسيّ: فليس لهذا التقليد سلطة كسلطة التوارة. لهذا فالتوراة تحكم عليه وتشجبه (آ 1-9). وهي ثانيًا هجوم على الفريسيين أنفسهم: حياتهم تدلّ على الرياء، فلا يستطيع المؤمن أن يتبعهم (آ 12-14؛ رج 16: 5-12). وهي ثالثًا وأخيرًا تعليم حول الطهارة: النجاسة التي تفوق كل نجاسة هي التي تخرج من القلب البشريّ (آ 15- 20).
لا نرى في ف 15 (مثل بعض الشرّاح) إلغاء لشرائع الطهارة كما في العهد القديم. فهذا ما يعارض سائر النصوص المتاويّة (17:5-20). ثم إن مت ألغى قولاً حاسمًا أورده مر 19:7: "أعلن جميع الأطعمة طاهرة". بالاضافة الى ذلك، تكشف آ 12- 14 (جدال الفريسيين) التي أدرجها مت هنا، وآ 20 التي جعلها بشكل خاتمة (آ 20، وأما الاكل بأيد غير مغسولة)، أن الانجيليّ لا "يهاجم" العهد القديم، بل الفريسيين وتقليدهم.
هناك عدّة تبديلات كبيرة قد أدخلت الى مر 7: 1-23. فبالاضافة الى ما ذكرنا، نلاحظ ما يلي. (1) لا يستعيد مت عادة غسل الايدي (مر 3:7-4) لأن جماعة متّى اليهوديّة تعرف ذلك. (2) أبرز التوازي بين عدد من الأقوال. مثلاً ق آ 2أ مع آ 3، ثم آ 4 مع آ 5 وآ 11أ مع آ 11 ب. (3) أوجز متّى عددًا من أقوال مرقس فأزال التكرار. رج آ10، 17، 19. (4) ألغى لفظة "قربان" (مر 7: 11). (5) إن المقطع الذي تحدّث فيه مر عن القربان (7: 9-12) جُعل قبل الاقوال المأخوذة من أشعيا (6:7-8). هذا التحويل يدلّ على تطوّر منطقيّ، ويجعل تعليم الشريعة يسبق تعليم الأنبياء (رج 17:5؛ 12:7؛ 22: 40). (6) إن لائحة الرذائل في مر 7: 21-22 هي 13 كلمة وفي مت 7 كلمات فقط.
نجد جدالاً حول التقليد التاريخي لمتّى (مر 7: 1-23). يعتبر بعضُ الشرّاح أن 7: 1-8 كانت مقطوعة وُجدت في محيط فلسطيني، وقد زاد عليها مر آ 9-13 (الجماعة تهاجم) ثم آ 15. كما زاد تفسيرًا سبق مرقس للآية 15 في آ 18 ب- 19. ثم دوّن آ 20-23 (آيات هلنستيّة). وقال شارح آخر: قلبُ النصّ هو 9:7-13. في التقليد السابق لمرقس، نما عبر زيادة آ 15 ثم آ 17-19 و20-23، وأخيرًا آ 6-8. وفي النهاية ألَّف مر آ 1- 5. وفي رأي ثالث: يمثّل 7: 1-2، 5، 9، 10أ، 11-13أ مقطوعة سابقة لمرقس ذات قيمة تاريخيّة، أما آ 15 (نجد شكلها الاصلي في آ 18ج +20) فهي قول مستقل. رأي رابع: وافق على ما قيل عن آ 15، وظنّ أن 7: 1، 5-13 هي وحدة مأخوذة من حياة يسوع. ورأي خامس يرى في 7: 1-5، 15 صعوبة تاريخيّة شرحها المدوّن المرقسي (آ 2-4، 8، 13، 23). ثم جاء دفاع مسيحيّ (آ 6-8) وما قيل عن القربان (آ 9-13) وتفسيران سابقان لمرقس (7: 15، في آ 18-19، تفسير طبيّ، آ 20-22، تفسير أخلاقيّ).
يبدو أن الرأي الأول هو أقرب الى الحقيقة: إذا وضعنا جانبًا التدوين المرقسي (آ 2-4)، كانت 7: 1-8 مقطوعة مستقلّة وقد زاد عليها مرقس أو سابقه آ 9-13، وهي خبر صراع خسر مقدّمته حين أدرج في السياق الحاضر. ولكن يجب أن نقول إن 7: 1-8 تأسَّس على لقاء تاريخي أعطى فيه يسوع تعليمًا، واستعادته الكنيسة الأولى. أما آ 15 فهي قولٌ مستقلّ جاء إلى مرقس مع تفسير مسيحيّ ارتبط به. وأخيرًا، إن كانت مادة آ 1-13 قد وُضعت من أجل الجدال المسيحيّ مع المعارضين اليهود، فإن آ 15 وما ارتبط بها، قد استُعملت بسبب لائحة الرذائل في إطار تعليم خلقيّ في جوّ الفقاهة.

3- تفسير الآيات
أ- يسوع مع الفريسيين والكتبة (آ 1-9)
"وتقدّم إليه الفريسيون" (آ 1). أوجز متّى نصّ مر 7: 1-4، وتجنّب التعميم (جميع اليهود)، وترك معلومات يعرفها سامعوه. وسأل الفريسيون يسوع (آ 2) الذي جعلوه مراقبًا على تلاميذه الذين يتجاوزون تقليد الشيوخ، وخصوصًا في ما يتعلّق بغسل الايدي. لم يقل مت إذا كان هناك ما حرّك السؤال. إذا كان الفريسيون شاهدوا حقًا تصرّف تلاميذ يسوع. قال مرقس: "لا يسيرون" (أو باريباتوسين، آ 5). فجعل مت في آ 3: تعدى، تجاوز (باراباينو).
"التقليد" (بارادوسيس) يعود إلى تقاليد الفريسيين الآتية من خارج التوراة، وقد دوّنت في المشناة. وبما أن الصادوقيين يكتفون بالتوراة المكتوبة، فما كانوا يتقيّدون بهذه التقاليد التي جعلها الفريسيّون على مستوى التوراة المكتوبة.
"لا يغسلون أيديهم". ق لا 15: 11 حسب السبعينيّة. جمع مت نصّ مر 7: 5 ج (يأكلون بأيد نجسة) مع مضمون آ 2-4 الذي يعود الى عادة غسل الايدي. "أكل خبزًا"= أ ك ل. ل ح م، في العبرية، رج تك 31: 54؛ خر 2: 20.
إن عادة غسل الايدي لم تكن في الاصل من أجل الصحّة، هـان يكن هذا الهدف واردًا عندهم (تك 43: 24؛ 2 مل 3: 11؛ إر 2: 22؛ ق يو 13: 1- 5). لقد انتقلت إلى الحياة اليومية متطلّباتُ الطهارة لدى الكهنة. ففي خر 17:30- 21 طُلب من الكهنة أن يغسلوا أيديهم وأرجلهم قبل الدخول الى خيمة الاجتماع. وفي لا 15: 11 لا تنتقل النجاسة إذا كان الانسان قد غسل يديه بالماء.
"وأنتم لمَ تتعدون وصيّة الله"؟ رج 2 أخ 24: 20. نقرأ في وصيّة لاوي (كتاب منحول 14: 3): "أردتم أن تدمّروا نور الشريعة التي أعطيت لكم لإنارة كل انسان، وعلّمتم وصايا تعارض وصايا الله الحقّة". وقالت وصيّة أشير (7: 5): "لا تهتمّون بشريعة الله، بل بوصايا البشر". ما قاله مرقس بشكل إيجابي، قدّمه متّى في شكل سؤال.
قالت الله (ق مر 15: 10، بدلا قال موسى). هكذا بدا التناقض كبيرًا جدًا. هل نسوا أن وصايا موسى هي وصايا الله. رج خر 20: 12 (تث 16:5)؛ 21: 17 (لا 20: 19؛ تث 16:27). "وأنتم فتقولون" (مر 7: 11). تجاه "قال الله". القربان هو تقدمة للاله (حز 20: 28). بعد ذلك صار يدخل خزنة الهيكل (مت 6:27). هكذا ينتقل شيء ما من الاستعمال الدنيويّ إلى الاستعمال الدينيّ. ولكن الفريسيين حين يقدّمون ما يقدّمون لله، فتهرُّبًا من مساعدة الوالدين. عند ذاك تصبح التقدمة لله، ولا يستفيد منها إلا الذي قدّمها. وهكذا ينسى المؤمن وصيّة الله حول إكرام الوالدين. وينسى ما يتعلّق بالتضامن العائليّ. ما تنتفع مني قربان. فكأنه يقول: لا تستطيع أن تنتفع ممّا أملك. 
"تُبطلون وصيّة الله باسم تقليدكم". الوصيّة هي "نوموس" في السينائي ومخطوطات أخرى. "انتولي" في السريانيّة الحرقليّة وعدد من المخطوطات اللاتينينة. أما اللفظة الحقيقية فهي: "لوغوس" (كلمة، كلمة الله). ترك مت ما قاله مر: "وأشياء أخرى كثيرة من أمثال ذلك" (مر آ 13). وفي آ 7 أورد نصّ أش 13:29 حسب السبعينية. خوف الرب هو وصيّة نحفظها غيبًا، نردّدها، ولا نعمل بها. نشير هنا، إلى أن نصّ أشعيا قد ورد في عدد من أسفار العهد الجديد (روم 9: 20، 8:11؛ 1 كور 1: 19) في موضع هجوم على التقليد اليهوديّ، وفي إشارة الى الرياء الذي عُرف به الفريسيون.
ب- يسوع مع الجموع (آ 10-11)
توقّف يسوع هنا عن توجيه كلامه الى خصومه، وتطلّع إلى الجمع. وهذا ما يقابل تبديلاً في براهينه. في آ 2-9 ردّ على هجوم على التلاميذ الذين لا يحفظون تقليد الشيوخ. إذن، الموضوع هو السلطة. أما مع آ 10 فالموضوع هو النجاسة والطهارة.
"ثمّ دعا الجمع" (آ10). ألغى مت "عاد" (من جديد، أيضًا، بالين). فليس من دعوة سابقة توّجهت الى الشعب. أراد يسوع أن يعطي الشعب تعليماً. ولكن كما في ف 13، هو يفسّر تعليمه لأخصّائه (رج آ 15: قال بطرس: فسرّ لنا المثل). "اسمعوا وافهموا". رج 2 صم 20: 16؛ أش 6: 9؛ مت 13: 9، 18، 23، 43، 52. أما مر 7: 14 فقال داعيًا إياهم الى الانتباه: "اسمعوا لي كلكم". نلاحظ هنا أن متّى يميّز بين الفريسيين واليهود، ولا يفعل مثل يوحنا. فالانجيل الأول يوبّخ فقط الفريسيين. أما الجموع فيعطيها تعليمًا. 
"ليس ما يدخل الفم ينجّس الانسان" (آ 11). قد نكون هنا أمام مثل أو قول حكميّ. هو قول جذريّ جدًا بحيث لا نجد مثله في الجذرية في التقليد المرتبط بيسوع. هنا نتذكّر مناندرس: "كل ما يحمل نجاسة يأتي من الداخل". وفيلون الاسكندراني: "الانسان الشرير والكافر هو نجس في المعنى الحقيقي". سكستوس: "لا يتنجّس الانسان بالطعام والشراب اللذين يأخذهما، بل بأعمال تنتج عن طباع سيّئة" (قد يكون أخذ هذا الكلام عن مت). ونجد اختلافة نصوصيّة: "نقاوة النفس لا نقاوة الجسد". قال مر 7: 15: "ليس شيء ممّا هو خارج الانسان يمكنه إذا دخل الانسان، أن ينجّسه، بل ما يخرج من الانسان هو الذي ينجّس الانسان". أوجز مت، نصّ مر وبدّل عددًا من الألفاظ، فأبرز التوازي بين شقّي الآية. ولكنه زاد لفظة "فم" (مرتين)، وسهّل قواعد الصرف والنحو، وجعل كل هذا في نكهة ساميّة. فكانت النتيجة نصًا أفقر وأوضح: "ليس ما يدخل الفم ينجّس الانسان، بل ما يخرج من الفم هو ينجّس الانسان". 
لماذا زاد "الفم" هنا وفي آ 17-18؟ ليس فقط من أجل الوضوح. بل تذكّر المعين في 12: 34: "من فيض القلب يتكلّم الفم". إن "أشياء" مر التي تخرج من الانسان (آ 15) ومن قلب الانسان (آ 321. رج القلب في أش 13:29)، ذكّرت متّى بالمثل الأول فعبّر عنه وفسّره كما في 15: 11. فالذي يدخل الفم هو الطعام والشراب، وما يخرج منه هو الاشياء الشريرة التي يُنتجها فمٌ شرير. وقد يكون هذا النصّ قد قيل ليجعل من القربان (أو: النذر) كشيء يخرج من الفم فينجّس الانسان.
مع أن "كوينوو" يعني أشرك، فهو يعني هنا "نجّس" (4 مك 7: 6). هذا المعنى الخاص يفسَّر بتحويل لفظة "كوينوس" (مشترك). فقد استُعملت في 1 مك 1: 47، 62 في معنى: نجّس بحسب الطقوس (رج ط م ا في العبريّة). وهذا هو المعنى في العهد الجديد (مر 2:7؛ أع 14:10؛ 8:11؛ رؤ 27:21).
إن مر 7: 15= مت 15: 11 (ما يدخل الفم لا ينجّس الانسان) يُعتبر قولاً تلفّظ به يسوع لدى عدد من الشرّاح. أما عبارة مرقس "أعلن جميع الأطعمة نقيّة" فهي تفسير لقول يسوع هذا. في الواقع، ألغى يسوع الشرائع المتعلّقة بالأطعمة والتي نجدها في سفر اللاويين. وفي خطّ هذا الموقف يبدو أن بولس الرسول قد عرف هذا القول وفسّره كما فسّره مرقس (روم 14: 14: ما من شيء نجس في ذاته). ولكن هناك عددًا من النصوص المسيحيّة (أع 10: 15، 28؛ روم 14: 14، 20؛ 1 تم 4: 4، تي 1: 15) والنصوص اليهوديّة تقابله. ثم إن خصوم يسوع الذين اتّهموه تحدّثوا عن السبت والتجديف، ولم يتّهموه في أمور الطهارة والشريعة حول الأطعمة.
فماذا نقول إذن في آ 15؟ لم يكن الأمر معروفًا في البداية، ولكن فُهم كذلك فيما بعد. إن مر (يتبعه مت) سمّى هذا القول "مثلاً". هذا يعني أنه يحتاج إلى تفسير. وهكذا تكون هذه الآية قولاً اخلاقيًا أو تحريضًا فقاهيًا. وقد أعطيت لشعب اهتمّ بممارسة الشريعة ممارسة حرفيّة. فكان هذا القول حول أهميّة القلب الذي يحدّد الباقي.
ج- يسوع مع تلاميذه (آ 12- 20)
"عندئذ تقدّم إليه الرسل". ق 14:9؛ 15: 1؛ 19:17؛ 18: 21؛ 20:20. نحن هنا أمام نصّ تدوينيّ (أي أعاد متّى تدوينه). في مر، ترك يسوع الجموع وذهب إلى البيت حيث سأله تلاميذه عن معنى المثل. "أتدري أن الفريسيين تشككوا"؟ ق آ 1 حيث ذُكر الفريسيّون. وآ 6 حيث تظهر "الكلمة" (لوغون). لا نجد شيئًا في مر يقابل هذه الآية. تشكّكوا، كادوا أن يعثروا ويقعوا في الخطيئة، لهذا رفضوا يسوع. اختلف الفريسيون عن التلاميذ الذين سألوا يسوع، فظنّوا حقًا أنهم فهموا. في النهاية ستعكس ردة الفعل عندهم ما كان يجب أن يُقال. نلاحظ أن متّى لا يهاجم اليهود كيهود، بل يهاجم تقليد الفريسيّين.
في آ 13-14 نفهم أن الفريسيين ليسوا فقط على خطأ حين يتحدَّثون عن غسل الايدي والقربان، فهناك أمور أخرى في تقليدهم يجب أن تُرذل. وإذا عدنا إلى ف 23، لا نجد حديثاً عن رفض التقليد كله. "كل غرسة لم يغرسها الآب". ق 3: 10؛ لو 17: 6؛ يو 15: 1-8. "فيتايا" (غرسة) ترد مرّة واحدة في العهد الجديد كله. هي تدلّ على الفريسيين لا على تعليمهم. "اكريزوو" (غرس). رج 13: 29؛ أش 60: 21 (يكون شعبك كله صدّيقين وإلى الأبد يرثون الأرض. هم فرع غرسي وعمل يدي). هذا النصّ هو واحد من عدد كبير من النصوص التي تتحدّث عن شعب الله الذي هو غرسة الله (إر 32: 41؛ أش 5: 1-7؛ حز 19: 10-4، أخنوخ الحبشي 10: 16؛ 84: 6؛ 93: 2، 5، 10؛ اليوبيلات 1: 16؛ 7: 34). أما ما نقرأ في مت 15: 13، فهو كلام هجومي يقول: لا نجد غرسة الله في اسرائيل. اغتاظ الفريسيون بسبب المسيح فدلّوا على أنهم ليسوا خاصة الله. لهذا سيُقلعون (13: 29) في الدينونة الأخيرة.
"أتركوهم إنهم عميان". ق 10: 24-25، لو 39:6-40. فالقول عن العميان سيعود إلى التلاميذ، لا إلى الفريسيين. ولأننا لا نعرف موضع هذا الكلام في رسالة يسوع، لا نستطيع أن نُدرك الهدف الأصلي. رج مت 23: 16، 24. في الظاهر، هناك سلطات دينيّة سمّت نفسها "قادة العميان" (روم 2: 19). "إذا كان أعمى يقود أعمى". ق لو 6: 39: وضرب لهم أيضًا هذا المثل: "هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى؟ أوليس كلاهما يسقطان في حفرة"؟ وضع مت صيغة الجمع لأنه يتحدّث عن الفريسيين. وترك الشكل الاستفهاميّ (هل يستطيع)، لأن يسوع لا يطرح سؤالاً، بل يعلن حقيقة. والسقوط في بئر هو علامة الشقاء أو الكارثة، التي تحلّ بالانسان. رج مز 7: 15؛ أم 26: 7؛ أش 24: 18؛ 48: 44. وقال ترجوم رأوبين: "روح الزنى يقود الشاب كأعمى في بئر". "بوتينوس" بئر، وربّما الشيول (رج 12: 11) الذي يسمّى أيضًا البئر (ش ح ت).
"فأجاب بطرس وقال له" (آ 15) ق 36:13. هي المرة الثالثة في هذه المقطوعة نجد هذه العبارة (آ 3-13). في مر نقرأ أن تلاميذه (في البيت) (أي تلاميذ يسوع) سألوا عن المثل. ولكن في مت، بطرس وحده يتكلّم. "المثل" هو كلام خارق يصعب فهمه. وهذا هو الوضع هنا. إن سؤال بطرس يعود الى آ 11، لا إلى آ 12-14. لا شكّ في أن رفض التعليم الفريسي في آ 12-14، يساعدنا لكي نفهم لماذا أدخل الانجيليّ بطرس هنا. بما أن يسوع نزع كل مصداقية عن التعليم الذي ينقله حرّاس التقليد، ها هو ينقل تعليمًا آخر الى بطرس حارس التقليد الجديد. وفي الحقبة بعد الفصحيّة، حين يعلن صخر الحقيقة الربط والحلّ (19:16)، فهو يفعل على أساس تعليم تسلّمه من يسوع.
في أع 10- 11 وفي غل 2، يُذكر بطرس في الجدال حول الطهارة الطقسيّة، وقيمتها بالنسبة الى الأمم. ونتساءل: هل ضمّ التقليد المتاويّ الرسول مع هذا الموضوع؟ هل ذكرت جماعةُ متّى بطرس كأساس تعليم حول الطاهر والنجس؟
"فقال: (ق 18:14، 29؛ 18:26) أو أنتم أيضًا بلا فهم" (آ 16)؟ هنا تبع متّى نصّ مر وطرح يسوع سؤالاً ثانيًا (آ 17) حول ما يدخل الفم. بدأ فعرض هنا الشقّ الاول من القول الذي قرأناه في آ 11 (ليس ما يدخل الفم ينجّس) في آ 18، سيعود إلى الشق الثاني (ما ينجّس الانسان)، فيقول ليست الامعاء هي الانسان الحقيقيّ. يدخل فيها الطعام ولكنه لا يؤثّر على الانسان. 
"وأما ما يخرج من الفم" (آ 18). بعد أن شرح يسوع ما ينجّس الانسان، أعلن أن "أهواء الشرّ هي فينا". ق روم 10: 8 مع العلاقة الوثيقة بين القلب والفم. وتُذكر الآن لائحةُ الشرور التي يزرعها القلب في عمق الطبيعة البشريّة.
إن لائحة الرذائل معروفة في العهد الجديد (مت 15: 19= مر 7: 21- 22؛ روم 1: 29- 31؛ 1 كور 6: 9-10؛ 2 كور 12: 20؛ غل 5: 19-20؛ أف 3:5، 5؛ كو 5:3، 8؛ 1 تم 1: 9-10؛ 2 تم 2:3- 5؛ تي 3:3؛ 1 بط 4: 3؛ رؤ 9: 20، 21؛ 8:21). لا تعود هذه اللائحة الى العهد القديم، (ما عدا الوصايا العشر وهو 4: 2)، بل إلى الفلسفة الهلنستيّة (وخصوصًا الرواقيّة) التي دخلت الى المسيحيّة عبر اليهوديّة الهلنستيّة. قد استعملت هذه اللائحة في الفقاهة والتعليم المسيحي، ثم استعملت للحديث عن الوثنيين أو الهراطقة.
إن لائحة مت (لأسباب فقاهيّة أو تتعلّق بالذاكرة) قد تأثّرت بالقسم الثاني من الوصايا العشر (رج 1 كور 9:5-10؛ 1 تم 9:1-10). فبعد "الافكار الشريرة" نجد القتل والزنى والفسق والسرقة وشهادة الزور والتجديف. هذا ما يقابل الوصايا السادسة، السابعة، الثامنة، التاسعة (لا تقتل، لا تسرق...) وهي تتبع إكرام الوالدين (رج مت 15: 4). ولكن هناك اختلافين بين قول مت والوصايا. استعمل مت لفظتين للحديث عن الزنى (الزنى والفسق، رج مر 19:10؛ 1 كور 9:6؛ عب 13: 4). ولفظتين للحديث عن كلام السوء (رج روم 13: 13). وهكذا كان في خطّ خر 20: 13-17. أراد مت أن يكون له سبع ألفاظ. والرقم 7 هو علامة الكمال.
"ذلك هو ما ينجّس الانسان" (آ20). رج آ 18 ب؛ مر 23:7: "فجميع هذه الأشياء تخرج من الداخل وتنجّس الانسان". "أما الاكل بأيد غير مغسولة...". وهكذا نعود إلى آ 2. ونكون في تواز مع آ 19. وهكذا قدّم متّى جدالاً حول تقليد الفريسيين، لا حول الشريعة المكتوبة. فغسل الايدي قبل الطعام، نجده لا في الشريعة بل في تقليد الشيوخ.
ماذا نقول في كل هذا؟ أولاً: اعتقد متّى أن الشريعة وكتب الانبياء تبقى شرعيّة (17:5-20). واعتقد أيضًا أن الأمم الوثنيّة تشارك في الخلاص (28: 16-20). حين أمسك بهاتين الحقيقتين دلّ على أمرين هامين. من جهة حافظ على الشريعة ولم يتخلّ عنها (15: 4-9). ومن جهة أخرى، بدأ بإصلاح عميق على ضوء تعليم المسيح: يجب أن يُقيّم التقليدُ اليهوديّ في إطار العهد الجديد، وقد يُرذل، كما حدث في مجال غسل الايدي قبل الطعام. ثانيًا: لماذا أدرج مت آ 12-14 حول الفريسيين الذين هم قادة عميان؟ لا شكّ بسبب العالم الرابيني في أيامه. فعلى المؤمنين أن يميّزوا. ثالثًا: في آ 18 نقرأ: "ما يخرج من الفم يصدر عن القلب وهو الذي ينجّس الانسان". إن التشديد على القلب، على الوجه الباطني في الديانة، هو ما يميّز الانجيل. وهذا ما أراد متّى أن يبرزه على خطى مرقس.

4- الوجهة اللاهوتيّة والروحيّة
نجد أربعة مقاطع: احتجاج الفريسيين، جواب يسوع، المثل الانجيلي، تفسير المثل.
أ- احتجاج الفريسيين (آ 1-2)
وُجد الكتبة والفريسيون في كل أرض فلسطين. أما هؤلاء الذين يتحدّث عنهم متّى هنا، فقد جاؤوا من أورشليم، من إطار السلطة المركزيّة. لهذا يرهب الناس سطوتهم. وقد اعتاد مت أن يجمع الكتبة والفريسيين في معارضتهم ليسوع (5: 20؛ 38:12)، والكتبة ورؤساء الشعب في ما يخصّ موت يسوع (2: 4؛ 16: 21؛ 21: 15...). لم يكن الفريسيون كلهم من الكتبة، ولكن مجمل الكتبة انتموا إلى حزب الفريسيين. ونحسّ أن الكتبة كان في زمن تدوين الانجيل الأول الخصوم المباشرين لجماعة متّى، وإن كانت صورة "الكاتب" لا تظهر في مت دومًا في وجه سلبيّ (8: 19؛ 52:13؛ 2:23؛ 23: 34).
بدأت آ 2 فطرحت اعتراضًا أساسيًا هو تجاوز التقليد. ثم جاءت الحالة الخاصة حول الاغتسال الطقسيّ. بسّط مت نصّ مر وجعله أكثر وضوحًا. أما تقليد الشيوخ فهو مجمل التفاسير التي زيدت على الشريعة وانتقلت شفهيًا من جيل الى جيل في مدارس الرابينيّين. سمّاها يسوع "تقليد البشر" أو "تقليدكم" (مر 8:7، 9، 13 مت 3:15، 6). وسمّاها يوسيفوس المؤرخّ: تقليد الآباء. واعتبرها الفريسيون ويوسيفوس وفيلون مهّمة، شأنها شأن الشريعة. أما الصادوقيّون فتركوها واكتفوا بالشريعة.
لم يأخذ يسوع موقفًا سلبيًا مبدأيًا تجاه تقليد الشيوخ هذا. أي لم يكن موقفه موقف الصادوقيين. بل هو عارض هذا التقليد بمناسبة مسائل خاصّة، ولا سيّما حين تبدو المتطلّبات الأساسيّة في شريعة الله في جوّ خانق بسبب هذا التقليد. كما هو الأمر هنا. وكما في ممارسة الفرائض المتعلّقة بالسبت.
إن فعل "باراباينو" لا يظهر في العهد الجديد إلاّ هنا (آ 2) وفي آ 3. غير أنه يرد مرارًا في السبعينيّة مع معنى "تعدّى على (تجاوز) العهد" (خر 16: 59؛ 17: 15 ي؛ 7:44؛ رج 2 مك 7: 2؛ 4 مك 9: 1). أما الاغتسال الذي عرفته كل الديانات القديمة، فقد لعب دورًا هامًا في الديانة الاسرائيلية القديمة ولا سيّما على مستوى شعائر العبادة (خر 8:30 ي؛ تث 6:21؛ مز 6:25 حسب السبعينيّة). طُبّق غسل الايدي أولاً على خدّام الهيكل من كهنة ولاويين، ثم على الشعب المؤمن قبل الطعام وبعده في الروحانيّة الفريسيّة. وجاءت فرائض تطبيقه أكثر من أن تُعد وتُحصى.
ب- جواب يسوع (آ 3- 9)
استعاد مت هنا مر 9:7-12، فقدّم هجومًا معاكسًا ليسوع، هجومًا واضحًا ولاذعًا. وبدأ بأداة (لماذا) هي لفظة بلاغيّة. فيسوع لا يطرح سؤالاً بالمعنى الحصري للكلمة. بل يشجب خيانة الفريسيين للشريعة ووصايا الله. وهو لا يردّ بشكل مباشر على اتهام الفريسيين للتلاميذ (آ 2). غير أن معنى هذا الهجوم المعاكس هو واضح: إذا كان تلاميذي قد تجاوزوا تقليدكم (وهو أمر لا أنكره)، فأنتم تتجاوزون تجاوزًا فادحًا وصيّة الله بالذات. وبعبارة أخرى، إن الهدف من تقليدكم هو توضيح وصايا الله وتطبيقها. ولكن اتّخذ عندكم هذا التقليد في حدّ ذاته من الأهميّة بحيث حلّ محل الوصيّة، بل خنقها.
نتجنّب هنا تفسيرين خاطئين. الاول، يجعل من يسوع صادوقيًا فيرفض في المبدأ تقليد الرابينيّين. والثاني، يجعل يسوع في عالم المثُل، في عالم بعيد عن الواقع، بحيث يرذل كل شريعة مكتوبة أو تقليدية على حساب الشريعة غير المكتوبة. فكأن الانسان يستطيع أن يعيش بلا شريعة.
إن المسيح الذي يقدّمه مت، لا يعارض في المبدأ، التقليدَ الفريسي أو الرابينيّ. هو يعرف أن الشريعة يجب أن تُشرح وتفسّر لكي تطبَّق في حياة الناس. ولكنه يشجب هذا التقليد حين يخون بشكل ملموس ينبوعه الذي هو وصايا الله. وهكذا وضع يسوع على المحكّ امكانيّة الكتبة في تفسير الكتب المقدّسة تفسيرًا يعطيها كامل معناها. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لا يقدّم يسوع نظرات أخلاقيّة خاصّة تعارض نظرة الفريسيين: إنه يعود إلى وصايا الله كما عُرفت في تاريخ الشعب، ولكنه يُرجع إليها متطلّبات لا مساومة فيها لكي يبعدها عن الأنانيّة أو الكذب والطمع. إن اللفظة اليونانيّة التي تعني "وصيّة" هي "انتولي" حسب السبعينيّة (في العبرية: م ص و ه). استعمل مت هذه اللفظة بشكل عام في صيغة الجمع (19:5: من يتعدّى واحدة من هذه الوصايا؛ 19: 17).
طُرح سؤالان رئيسيّان على علم الاخلاق عند الفريسيين في زمن يسوع. وسيستعيدهما متّى ويقدّمهما بشكل جذري. الأول، يدور حول أمانة التطبيقات الرابينيّة للشريعة الأساسيّة التي أعطاها موسى. والثاني، يدور حوله "أعظم الوصايا" (22: 36- 40). رأى مت أن يسوع قد قدّم أفضل جواب على هذين السؤالين. ما يريده يسوع ليمس نظرة دينيّة خاصّة تفرّقه عن سائر الناس، بل أن يكون كلامه شهادة نبويّة حول المعنى الأساسي لمشيئة الله.
جاءت آ 4-6 تصوّر اتهام يسوع الذي عبّرت عنه آ 3. وأورد مت هنا العهد القديم كما أورده مرقس (7: 10)، فدلّ بكلامه كيف أن تنظيمًا دينيًا ثانويًا يستطيع أن يلغي شريعة الله. هذه الشريعة قد عبرّ عنها أولاً الدكالوغ أو الوصايا العشر (20: 12). ثم ظهرت في نصوص أخرى (خر 17:21؛ لا 19:10؛ تث 16:5). فالمسيح في انجيل متّى، لا يكتفي بأن يطلب عودة خارجيّة الى الدكالوغ. إنه يكشف وصيّة الله على أساس الكتاب المقدّس كلّه. فكما يقول مر 7: 11 (في خط مواز لمتّى) بشكل واضح، "هاجم" يسوع شريعة "القربان" أو "النذر الخاص". فهذه اللفظة العبريّة (ق ر ب ن) قد ارتدت مدلولات ثلاثة. الاولى: العطيّة، خصوصًا تلك التي نقدّمها الى الاله (حز 28:20؛ 42:40). الثاني: خزنة الهيكل كما يقول يوسيفوس في الحرب اليهوديّة (رج مت 27: 6). الثالث: هي عند اليهود لفظة قانونيّة دينيّة بها نُخرج شيئًا من الحياة الدنيويّة لنجعل منه تقدمة لله. إلى هذا المعنى الثالث يلمّح النصّ الذي نقرأ. لقد حكم يسوع على الفريسيين، لأنهم يستفيدون كذبًا من اللفظة والحرف ليتخلّصوا من المتطلّبات الأوليّة التي نجدها في الوصايا العشر.
وربطت آ 7-9 يسوع بتقليد عظيم هو تقليد الانبياء حين ندّدوا بكثرة الكلام الذي لا يصل بنا إلى العمل. وهكذا يعيش المؤمن في السراب والغرور. وترتدي لفظة "مراؤون" هنا معناها المتاويّ الدقيق: لا يتظاهر الفريسيون بأنهم متديّنون، بل هم مراؤون بكل معنى الكلمة، وقد سقطوا في فخّ تقوى خارجية تبعدهم عن الله (رج 6: 2-3؛ 7: 5؛ 22: 18؛ 23: 13). ويبقى التعارض بين القلب والشفتين: إن يسوع لا يشجب كل كلمة عن الله على حساب ديانة باطينيّة (لا نصلّي صلاة جمهورية. لا نقدّم تقدمة ولا ذبيحة). فهو قد علّم، وما شجب يومًا التعليم الرابيني في مبادئه. أما ما يشجبه يسوع، فهو كلام يغيّبنا عن الوضع الحقيقيّ للانسان أمام الله. نلاحظ هنا أن الموضوع لا يعالج التقوى والورع وشعائر العبادة، بل التعليم. فالفريسيون يُضلّون الشعب بتعليمهم، ويوهمونه أنه يعيش الأمانة لله (آ 14). ولكن الأمر ليس هكذا. قال الرب: "هذا الشعب يكرّمني بشفتيه. أما قلبه فبعيد عنيّ".
ج- المثل الانجيليّ (آ 10- 14)
إن نهاية المقطوعة (آ10-20) تسير بحسب نهج يميّز العالم اليهودي كما يميّز انجيل متّى، فتحمل خاتمة عامة للجدال السابق حول الطهارة. وهذه الخاتمة تجد تعبيراً تاماً عنها في آ 11. أما ما تبقىّ فيبُرز هذه الكلمة الاساسيّة التي أوردها مر أيضًا، وإن لم يكن في ألفاظ لافتة.
ذكُرت "الجموع" في آ 10. وهذا أمر هام جدًا. فيسوع في صراعه ضدّ الفريسيين يفكّر (بحسب متّى) بشكل خاص بمجمل الشعب الذي أضلّه تعليم الرابينيّين. فالشعب لا يحمل الحقيقة في داخله، بل هو يحتاج إلى من يعلّمه إياها. وإن تركنا الشعب وسجيّته، صار جماعة من العميان. وإن لم نعطه التعليم الصالح، فهو سائر الى الهلاك (9: 36؛ 14: 13؛ 21: 8). أجل، الجمع عنصر مهمّ في إنجيل متّى. وهناك أيضاً فعل "فهم" (رج 13: 51) الذي ركّزنا عليه في تحليلنا للنصّ.
بدأ الجدال حوله الطهارة بسؤال حول الاغتسال الطقوسيّ (آ 2)، وتوضّح الآن في سؤال عمّا يأكله الانسان أو يتلفّظ به في سؤال حول الفم وحول دوره في حياة الانسان. هل ما يدخل فيه ينجّس الانسان؟ أو هل ما يخرج منه؟ كان اليهود يأخذون حذرهم حين يمارسون طقوسًا تتوخّى أن تحفظ الانسان من نجاسات تأتي من الخارج. أما يسوع فقدّم نظرة جديدة تقول إن الشرّ هو في الانسان. وما ينجّس الانسان هو ما يقوله، هو ما يُخرجه من فمه من تجديف أو كلام جارح يسيء الى القريب، لا ما يدخله إلى فمه.
قرأ بعضهم هذه الآيات فاعتبر أنه أمام تعارض بين تقوى باطنيّة (داخليّة) وتقوى خارجيّة تتوقّف عند صلوات نردّدها وذبائح نقدّمها. ولكن كلمة يسوع ترتدي بُعدًا آخر. فهي تفترض أن الانسان ليس طاهرًا في حدّ ذاته. فلو كان الامر كذلك، فما كان على المؤمن إلاّ أن يحفظ نفسه من نجاسة العالم (لأن لا نجاسة فيه ولا خطيئة! يا للكلام الغريب في نظر الفريسي الذي اعتبر العشّار وحده خاطئًا). ولكن الانسان نجس في الداخل. فمن قلبه تخرج جميع شروره وخطاياه. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إن هذه العبارة (آ 11) تفترض أن النجاسة ليست شيئا جامدًا، بل هي تقوم بعدد من الأفعال والأقوال والتصرّفات العمليّة التي تخرج من قلب الانسان الخاطىء وتشكِّل لحمة حياته اليوميّة.
تلك كانت الفرضيّة الانتروبولوجيّة في عظة الجبل (ف 5-7). فنحن لسنا هنا أمام ديانة روحانيّة تعيش في الغيوم وتنسى الواقع. ليس الانسان هو الذي يبحث عن تقنيات دقيقة للاقتراب من الله. فهذه التقنيات قد انتهت. فقلب الانسان شرّير وهو يُنتج طوعًا ما ينجّس الانسان. لهذا، كان من المهم أن نفهم في آ 11 عبارة "ما يخرج من الفم" على ضوء عبارة آ 18 التي توضحها: بالقلب. فعمق الانسان الذي يصدر عن القلب ويخرج بالفم ينجّس الانسان كله، لانه يتجاوز شريعة الله بأفعال وأقوال ملموسة.
وهكذا نفهم أن الفريسيين تشككوا من مثل هذه العبارة البريئة، التي ترينا إياها الاناجيل الاربعة وقد مارسها يسوع في حياته. فهو ما خاف أن يلمسه أحد. هو يذهب إلى النجسين، إلى البرص، إلى المرضى، ولا يجعلنا يومًا نشعر بخطورة حالتهم "حسب الشريعة". وحين يتّصل بالنجسين، يبقى أمينًا للشريعة في جوهرها (رج 9: 9-13).
أما آ 12-14 التي هي خاصة بمتّى، فما انتمت أولاً إلى هذا السياق. فالمثَل الذي يُذكر في آ 15 هو مثَل آ 11 لا مثل آ 12-14. ثم إننا نجد آ 14 بشكل آخر في لو 6: 39. غير أن الفكرة التي تعبّر عنها هاتان الآيتان تليق بهذا السياق: اعتبر الفريسيون أنهم يشكّلون غرسة (فيتايا) الله الحقيقيّة، أنهم المسؤولون الوحيدون عن الشعب المختار. ولكن هذا الاعتبار صار موضوع تساؤل بعمل يسوع وتلاميذه. ففكرة الغرس التي طُبِّقت على الشعب المختار، تجد أصولها في أش 60: 21 وقد انتشرت انتشارًا واسعًا في العالم اليهوديّ المتأخر ولا سيّما عند الاسيانيين. "حين تحصل هذه الأمور في اسرائيل، يتثبّت مجلس الجماعة في الحقّ، كغرس أبدي" (قاعدة الجماعة 8: 5؛ رج 11: 8؛ وثيقة صادوق أو وثيقة دمشق 1: 7؛ اليوبيلات 1: 16؛ 7: 24 ب، 21: 24؛ أخنوخ 10: 16). ف "فردوس الله وأشجار الحياة، هي قدّيسوه. وغرسهم تجذّر إلى الأبد. لا يُقتلعون خلال كل أيام السماء، لأن اسرائيل هو حصّة الله وميراثه" (مزامير سليمان 14: 2-3).
د- تفسير المثَل (آ 15- 20)
اعتبر الفريسيون أنهم "قادة"، ولكنهم في الواقع قادة عميان. أرادوا أن يتشبّهوا بما في العالم الهلنستيّ بعد أن اتّصلوا بالعالم اليونانيّ، ولكن متى يدعو المؤمنين إلى أن يتركوهم وشأنهم فيسقطوا في الحفرة وحدهم.
"أعمى يقود أعمى، كلاهما يسقطان في حفرة". هذا المثل، كما قلنا، ينطبق على آ 11 لا على آ 12-14. فيسوع يجيب بطرس ويجعل أيضًا الفرائض الطقسيّة المتعلّقة بالاطعمة (آ 17) على مستوى الاغتسال (آ 20). هي تفترض أن ما ينجّس الانسان يأتي من الخارج، وكأن داخل الانسان نقيّ كله. فعارض يسوع هذه الانتروبولوجيا المتفائلة، بالتأكيد على أن قلب الانسان شرّير، على أنه ينبوع أقوال وأعمال تشجبها الشريعة. ما ينجّس الانسان ليس أن يأكل من هذا الطعام أو ذاك، أن يغسل يديه أو لا يغسل يديه. ما ينجّسه هو عصيانه للشريعة كما يفهمها يسوع ويفسّرها. هنا نفهم أهميّة المسيحيّة التي حرّرت الانسان من هذه الفرائض التي تجعله أسيرما يجب أن يأكل أو لا يأكل. ونفهم أن تفسير الشريعة بهذه الطريقة ينتزع من الفريسيين مهمّة قيادة الشعب. فلا قائد إلاّ يسوع. ولا معلّم إلاّ هو.

خاتمة
جدال حول التقليد، جدال حول الطاهر والنجس. تقليد الأقدمين هو مجموعة تفاسير الشريعة التي انتقلت انتقالاً شفهيًا في المدارس الرابينيّة. ومن هذه التقاليد الاغتسال قبل الأكل الذي جعلته شريعة موسى من أجل الكهنة قبل القيام بأعمال العبادة، فطُبِّق على جميع المؤمنين في إطار التقوى الفريسيّة. وكان لها امتداد في ما يُسمّى "قربان" الذي كان تقدمة لله (حز 20: 28)، ثم لخزانة الهيكل (مت 27: 6)، فصار عبارة قانونيّة ودينيّة نتهرَّب بها من مساعدة الوالدين. وارتبط بموضوع التقليد ما يتحدّث عن الطاهر والنجس. شدّد اليهود على "وسخ" يأتي من الخارج، أما يسوع فقدّم نظرة جديدة تعتبر أن الشرّ هو في قلب الانسان، ومن داخله يخرج. فالكلام الجارح والكذب... هذا ما ينجّس الانسان. الخطأ في حقّ القريب، هذا ما ينجّس الانسان. وحياة في المحبّة الاخويّة تدلت على نقاوة الانسان العائش بحسب وصايا الله.
الفصل التاسع والعشرون
المرأة الكنعانية
15: 21- 28

كان موضوع المقطوعات الثلاث السابقة (مت 15: 1- 20) تصرّف التلاميذ (الذين يتعدّون تقليد الشيوخ، آ 2). أما هذه المقطوعة فمن الواضح أنها تتركّز على تصرّف يسوع، على مثال خبر قائد المئة (في كفرناحوم، 8: 5-13) الذي نقرِّبه من هذا الخبر. ففي الحالتين، يتّصل يسوع بالعالم الوثني الذي كان مفصولاً عن العالم اليهودي بعدد من التقاليد والفرائض. يذكّرنا هذا النصّ من خلال تصرّف يسوع أننا أمام سؤال خطير يُطرح على كنيسة متّى في السنوات الثمانين. فأقوال يسوع وأفعاله تُروى لكي توجّه الجماعات المسيحيّة في خياراتها التاريخيّة، لا لتغذّي ذكريات عاطفيّة عن يسوع. في هذا المنظار نستخلص معنى هذا الخبر العميق: لا يحقّ للوثنيين الدخول المباشر إلى الخلاص (إلى الكنيسة، إلى الملكوت). ولكن إن آمنوا كما آمنت هذه المرأة، لن يمنعوا بعد ذلك.
هذا ما نكتشفه في خبر المرأة الكنعانيّة التي أعطاها يسوع "ما تريد" (آ 28). بعد أن ندرس سياق الخبر، نحلّل النصّ، ونستخلص في النهاية لاهوتًا من أجل الكرازة.

1- سياق الخبر
أ- مجموعة الخبز
إن مجموعة الخبز (13:14-12:16؛ مر 6: 30-26:8) التي يشكّل خبر الكنعانيّة جزءًا منه، كان موضوع دراسات كثيرة. ويبدو أن مرقس خلق هذه المتتالية، وكرّر بعض الأمور، وتوسّع في مواد أخذها من مراجعه. واستعاد متّى نصّ مرقس وأوجزه وقام بتحويله ببعض لمسات تدوينيّة.
أما البُعد الحقيقي لهذه المجموعة فنحن نقرأه في متّى ومرقس. هذه المجموعة تبدأ مع اعتراف بطرس بالمسيح في قيصريّة فيلبس. هذا الاعتراف الذي اعتبره الانجيليون منعطفًا هامًا في حياة يسوع (مت 13:16-20؛ مر 27:8-30). فالمجموعة تهيِّئ تحوّلاً في رسالة المعلّم، وتعلن عناصرها الرئيسية: تحوّل يسوع عن الشعب المختار، واتّجه نحو الأمم الوثنيّة. وترك الجموع جانبًا لأنها ترى دون أن ترى، وتسمع دون أن تسمع ولا تفهم، وكرّس نفسه بشكل خاص لتكوين تلاميذه. في هذا السياق يُدرج خبرُ الكنعانيّة، ومن هذا السياق يتّخذ مدلوله الحقيقيّ: إنه يعلن دخول الوثنيين إلى الخيرات الاسكاتولوجيّة، ويشكّل تعليمًا للتلاميذ. هذا ما يدلّ عليه موضعه بعد الجدال حول تقاليد الفريسيين (مت 15: 1-20).
ب- نصّ متّى ومرقس
إن خبر المرأة الكنعانيّة (15: 21-28) هو خبر المرأة السوريّة الفينيقية كما رواه مر 7: 24-30. أدرجا في ذات السياق، وتوخيّا ذات الهدف، فبديا متوازيين توازيًا تامًا. تضمّنا البنية ذاتها، وارتبطا بالفن الادبي الواحد. بُني الخبران بشكل حوار، فكان كل واحد منهما مثالاً للمؤمنين. ارتبطا بتقليد أقوال الرب أكثر مما ارتبطا بنقل أفعاله وما فيها من معنى عميق. هذا ما يبدو واضحًا في مرقس وأكثر وضوحًا في متّى. وحين نقابل النصّين المتوازيين مقابلة سريعة نصل الى الملاحظات التالية:
أولاً: في التقديم الأدبي، اختلف انجيليّ عن الآخر. دوّن متّى خبرًا تاريخيًا، بل خبرًا ليتورجيًا. أما مرقس فأعطى سرده للحدث شكل خبر من الاخبار المختلفة التي يتناقلها الناس الذين عرفوا يسوع. ونبحث في التفاصيل. في نصّ متّى تُسّمى المرأة باسم قديم ودينيّ يذكّرنا بالعهد القديم (آ 22: امرأة كنعانيّة). وتُذكر أيضًا عبارة "من بيت اسرائيل" (آ 24). صلاة المرأة ليتورجيّة وتدخل في قالب معروف: "يا سيّدي، ابن داود، ارحمني. يا سيّدي اغثني" (آ 22-25). ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن الفعل الذي يدلّ على اقتراب التلاميذ من معلّمهم (آ 23). وأخيرًا، إن التشديد الصريح على الايمان في نهاية الخبر، يسجَّل كاملاً في المجموعة التي أشرنا إليها (آ 8): إيمانك عظيم أيتها المرأة. أجل، إن مقطوعة مت ليست "تقريرًا" كُتب حالاً بعد الحدث. وهي تختلف عن مقطوعة مرقس الذي يرتاح في فنّ السرد والخبر.
جاءت مقدمة مرقس مليئة بالتفاصيل، وذكرت الظروف (7: 24). وجاءت نهايتُها تصويرًا يبقى في الذاكرة ويسحرنا (آ30). تجنبّ العبارات الارتهابيّة وسمّى المرأة: السوريّة الفينيقيّة (آ 26). استعمل الألفاظ الدنيويّة المعروفة، لا تلك المأخوذة من التوراة، وأعطى نصّه لباسًا إخباريًا، ونوعّ الحوار، فجعله تارة في خطبة مباشرة وطورًا في خطبة غير مباشرة (آ 25-26).
ثانيًا: ونكتشف الفرق بين نصّ متّى ونصّ مرقس على مستوى المضمون. فموقف الخبر في متّى موقف لاهوتيّ متصلّب: لقد جاء يسوع فقط من أجل اليهود (آ 24، 26: لم أرسل إلا إلى الخراف الضالّة من بيت اسرائيل). والايمان العظيم لدى هذه المرأة الوثنية، هو الذي انتزع منه عطيّة شذّت عن القاعدة العامّة (خبز البنين للبنين لا لصغار الكلاب): "إيمانك عظيم أيتها المرأة" (آ 28). أما خبر مرقس فقدّم خبراً مخفّف اللهجة: اليهود أولاً ثم الوثنيون. زاد لفظة "أولاً" فقال: "دعي الاولاد أولاً يشبعون" (مر 7: 27).
وخلاصة القول، استعاد متى خبر مر، ولكنه كيّفه مع محيطه. فهذا المحيط المسيحيّ انطلق من العالم اليهوديّ، فبدا متحفظاً بالنسبة إلى دخوله الوثنيين في الكنيسة. إذا كان متّى أكثر تشدّدًا من مرقس، فهذا يعود إلى المحيط المتحفّظ الذي كُتب له. ولا يعني إطلاقًا لانه كتب نصّه قبل نصّ مرقس.
ج- الكنعانيّة وقائد المئة
لا نستطيع أن نقرأ خبر الكنعانيّة دون أن نتذكّر خبر الضابط الروماني في كفرناحوم (8: 5-13). فإن كان يبدو أن الخبرين يعودان إلى مرجعين مختلفين، إلاّ أن السؤال الذي يطرحانه هو هو. دوّن كل من متّى ولوقا (7: 1- 10) خبر قائد المئة، ولم يذكره مرقس. فهذا يعني أن الانجيليين الاول والثالث قد عادا إلى المعين. فنقاط التقارب كثيرة بين خبر الكنعانية وخبر ضابط كفرناحوم. غير أن نقاط الاختلاف كثيرة، ويتحدّد موقعها على مستوى اللاهوت. إن مت 15 (الكنعانية) بدا أكثر تشدّدًا على مستوى العالم المسيحي المتهوّد من مت 8 (خبر الضابط) حيث قبل يسوع حالاً بأن يذهب الى قائد المئة الوثنيّ: "هاءنذا آتي وأشفيه". ولولا ممانعة قائد المئة لكان يسوع ذهب إلى بيت ذلك "الوثنيّ". وعلى كل حال، أعطاه من خبز البنين وامتدح إيمانه الذي لم يجد مثله "عند أحد في اسرائيل" (8:10). بل جعل أبناء المشرق والمغرب (أي الوثنيّون) في ملكوت السماوات. أما أبناء الملكوت (أي اليهود) فيُلقون في الظلمة البرانيّة (آ 12).
لا شكّ في أن الكنعانية أعلنت إيمانها بالمسيح، إبن داود، على ما فعل اليهود، فكانت في خطّ بطرس، بل في خطّ يعقوب. كأني بها قبلت أن تصير يهوديّة قبل أن تصير مسيحيّة. قبلت أن تُختن بحسب شريعة موسى لكي تخلص (أع 15: 1). أما قائد المئة فيمثّل خط بطرس الذي استغنى عن الختان، وربط الخلاص فقط بالايمان بيسوع المسيح. نحن مع قائد المئة في كفرناحوم، أبعد ممّا نعرف عن قائد المئة الذي ذهب إليه بطرس في قيصريّة (أع 10: 11). لا شكّ في أن الروح القدس لم ينتظر العماد لكي يحلّ على كورنيليوس وأهل بيته، ولكن النصّ حافظ على التراتبيّة التي وجدناها في مرقس: اليهود أولاً ثم الوثنيون. أما عند قائد مئة كفرناحوم (مت 8)، فقد حلّ الآخرون (أي الوثنيون) محلّ الاولين (أي اليهود) على ما في رسالة بولس إلى روما.

2- تحليل النصّ
أ- البنية
بعد المقدّمة (آ 21) نقرأ حوارًا بين يسوع والكنعانية (آ 22-28 ب) تتبعه حاشية (آ 28ج) تتحدّث عن المعجزة: "فشُفيت ابنتها من تلك الساعة". فالعنصران الأول والأخير في هذه البنية (آ 21، 28ج) جاءا سريعين وبسيطين، فكوّنا إطارًا إخباريًا للعنصر المركزيّ الذي هو أهمّ شيء في الخبر.
إن المقدّمة تربط الخبر بما سبق، وتشكّل خلفيّة لما يلي (آ 21). فالاشارة الطوبوغرافية تقدّم الإطار الوثني الضروريّ لمسيرة الخبر. وحين زاد الكاتب "صور وصيدا" (قد وجد ذلك في المرجع المشترك، رج مر 7: 24)، أبرز الطابع الارتهابي والبيبليّ الذي أراد أن يسم به مجمل الخبر. فقد اجتمعت صور وصيدا مرارًا في العهد القديم (أش 23: 1ي؛ إر 25: 22: كل ملوك صور وكل ملوك صيدون؛ 27: 4؛ 47: 4؛ يه 28:2؛ 1 مك 5: 15) كما في العهد الجديد (مت 11: 21؛ مر 8:3؛ لو 13:10). أما نهاية المقطوعة (آ 28 ج) فتجعلنا نلاحظ المعجزة دون أن نعرف كيف حصلت. إن كلمة الله تكفي. هل نتحدّث عن شفاء عن بعد؟ هذا ما لا يقوله النصّ. ولكن السياق يفترضه.
إن مر 7: 30 يشير بوضوح الى شفاء تمّ عن بعد، والسياق العام يفترضه: فنحن لا نرى المريضة بل أمّها. والمقابلة مع شفاء خادم الضابط الرومانيّ، تجعلنا في الخط عينه. نقرأ في مت 8: 5-13 أن يسوع لم يذهب الى بيت الضابط ولم ير غلامه. وفي لو 7: 1- 10، لاحظ المرسلون حين رجعوا الى البيت أن "الغلام قد تعافى". وفي يو 6: 46-53، أرسل يسوع الضابط الملكيّ لكي يذهب الى البيت ويتأكّد من شفاء ابنه.
إن الايجاز في بداية المقطوعة ونهايتها، يُبرز جسم الخبر في ملء اتّساعه (آ 22-28 ب). يُقدّم الشخصُ الثاني بشكل سريع، ويُجعل على المسرح من أجل الحوار (آ 22 أ). أشرنا الى تسمية المرأة تسمية قديمة ترتبط بالعالم الديني والتوراتي. فلفظة "كنعاني" لا تحمل بُعدًا جغرافيًا خاصًا (هل هي فلسطين فقط؟ هل هي الساحل الممتدّ من مصر الى تركيا؟) بل بُعدًا لاهوتيًا. يجب أن تفهم بالمقابلة مع اسرائيل. وهناك صراع بين الاثنين، بين عابدي الاله يهوه، وبين عبّاد البعل. "كنعان" هي أرض الموعد، ولكنها تحمل تجربة متواصلة للشعب اليهوديّ. وكما كانت عداوة واحتقار متبادل بين اليهود والسامريين، كذلك كان تباعد "الاسرائيليّ" عن "الكنعانيّ" الذي يؤثّر بحضارته على إيمان بني اسرائيل.
جاءت تلك المرأة من المنطقة التي يتوجّه إليها يسوع. وكان اللقاء على الحدود بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ. أترى لا يريد يسوع أن يذهب إلى العالم الوثنيّ من أجل الرسالة (أما ذهب ليرتاح من جدالات الفريسيين؟)؟ أتراه لا يسمح لهذه المرأة الوثنيّة أن تتعدّى حدودها؟ يبدو متّى وكأنه لا يريد اتصالاً بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ، وذلك بسبب موقفه المتشدّد. كأنه لا يريد ليسوع أن يعبر إلى أرض وثنيّة، إلى أرض غريبة. هكذا لامت كنيسة أورشليم بطرس لأنه دخل على رجال غير مختونين وأكل معهم (أع 11: 2-3).
بدا يسوع وكأنه لا يريد أن يرى ولا يسمع. غير أن المرأة فرضت نفسها بصراخها. "أقبلت تصيح" (آ 22). والفعل اليوناني المستعمل يدلّ على صياح الشياطين حين يخرجون من أحد الناس. مثلاً، نقرأ في مر 1: 23-24 عن انسان فيه روح نجس فصاح: "ما لنا ولك، يا يسوع الناصريّ". وهكذا صرخ "لجيون" وفيه شياطين كثيرون (مر 7:5). فكأننا هنا نسمع صياح الابنة من فم أمّها "لأن فيها شيطانًا يعذّبها" (آ 22).
أما الحوار بين يسوع والمرأة فتضمّن أربع محطّات سنتفحّصها بالتفصيل. ونضع في رأس كل مقطع السؤال والجواب، النداء وردّة الفعل.
ب- جسم الخبر
أولاً: صلا المرأة وصمت يسوع (آ 22 ب- 23 أ)
- "يا سيدي، يا ابن داود، ارحمني. إن ابنتي بها شيطان يعذّبها جدًا" (قالت المرأة).
- أما هو (يسوع) فما أجابها بكلمة.
يتضمّن تدخّل المرأة عنصرين. العنصر الأول: الصلاة. يا سيّدي، يا ابن داود، ارحمني. والعنصر الثاني: الباعث على الصلاة. إن ابنتي بها شيطان يعذّبها جداً. بدت عبارة الصلاة ليتورجيّة وكأنها مأخوذة من التوراة أو من كتب الصلاة في العالم الديني الشرقيّ مع طلب الرحمة. فكأني بمتّى يصلّي بفم هذه المرأة كما اعتادت جماعته المسيحيّة المتهوّدة أن تتوجّه في صلاتها إلى يسوع. هو الرب والسيّد. هو المسيح وابن داود. ودلّت الصلاة على إيمان الوثنيّة التي حصلت في النهاية على مبتغاها، حصلت على شفاء ابنتها.
يبدو الاعلان الايماني في البداية وخاتمة الحوار بشكل تضمين أدبيّ رائع (آ 22، 28 أ). اكتفت الأمم بأن تشير إلى مرض ابنتها (كما فعلت مريم في عرس قانا الجليل). هي لم تطلب معجزة ولا شفاء. بعد ذلك ستقول: يا سيّدي أغثني. ولكنها لا تحدّد طلبها. فيسوع يتقبّل طلبها مهما كان، ويعطيها ما تريد.
كان الناس يعتبرون في ذلك الوقت أن سبب كل مرض هو تأثير روح شرير. فما إن يخرج الروح الشرير حتى يُشفى الانسان. وهكذا يرتبط كل مرض بتقسيم وإخراج الشياطين. هناك امرأة حدباء. قال لو 13: 11: "بها روح سقم، روح شيطانيّة". في الواقع هي مريضة. ومع ذلك يقول يسوع: "ربطها الشيطان منذ ثماني عشرة سنة". أطلقها يسوع بعد أن كانت أسيرة الشيطان. ولكن النصّ يقول حالا فيما بعد: "وضع يديه عليها (باركها، أعطاها قوّته ونعمته)، فانتصبت في الحال. وجعلت تمجّد الله" (لو 13: 12-13). وكذا نقول عن الأخرس في لو 11: 14. هو مريض لأن به شيطانًا. خرج الشيطان فتكلّم الأخرس. وهذا ما نقوله هنا عن ابنة المرأة الكنعانيّة. هي مريضة وتحتاج الى شفاء. يكفي أن يخرج الشيطان منها لكي تُشفى في الحال (مت 28:15). 
طلبت المرأة، ولكن يسوع ظلّ صامتًا. فكأني به يرفض صلاة الأمم من أجل ابنتها. تلك هي طريقة يسوع. تلك هي طريقة الله. يعرف ما نحتاج إليه، ويعطينا إياه ساعة يشاء هو. هناك مرّات (نجدها في الانجيل، المخلّع في إنجيل يوحنا) نجده يستبق طلباتنا، ومرّات أخرى يريدنا أن نطلب ونلحّ في الطلب (لو 11: 5- 13). طلبت هذه المرأة، وألحّت رغم تدخّل التلاميذ الذين أرادوا أن يسكتوها. وفي النهاية نالت ما طلبت. قرعت ففُتح لها الباب.
ثانيًا: تدخّل التلاميذ وجواب المعلّم (23ج- 24 ب)
- "إصرفها فإنها تصيح في إثرنا" (قال التلاميذ).
- "لم أرسل إلاّ إلى الخراف الضالّة من بيت اسرائيل" (قال الرب).
لقد توازى الطلبُ والجواب توازيَا تامًا. طلبت المرأة مرّتين من يسوع أن يشفي لها ابنتها. ورفض يسوع مرّتين طلبها. واستعاد الرسل صلاة المرأة ليتيحوا ليسوع أن يوضح رفضه، أن يبرّر رفضه. كما أن طلبهم يدلّ من جهة أخرى على أنهم لم يفهموا المعلّم. ففي مجموعة الخبر، دلّ التلاميذ مرارًا على هذا اللافهم. ما استطاعوا أن يتجاوزوا مستوى الواقع الماديّ ليصلوا إلى الواقع الروحيّ. ما اهتمّوا بالبُعد العميق لشفاء يُمنح لشخص وثنيّ، يُمنح لهذه الكنعانيّة (التي قد لا تستحقّ لأنها وثنيّة، كما لم تستقّ الخاطئة أن تلمس يسوع لأنها خاطئة، لو 39:7). وإن هم طلبوا من يسوع أن يستجيب طلبها، فلكي يرتاحوا من الصياح الذي يُزعجهم.
برّر يسوع موقفه بكلمة لها وقعها. نحن أمام "قول" مستقلّ نستطيع أن نعزله عن السياق. أما بدايته فتشبه بداية سلسلة من الأقوال اعتاد فيها يسوع أن يعبّر عن وعيه لرسالته. فالعبارة في حدّ ذاتها تحدّد موقعه في خطّ الانبياء، وتوافق موافقة تامّة السياق المسيحيّ المتهوّد لهذه المقطوعة. فصورة "الخروف" والاشارة "إلى بيت اسرائيل"، تتعارضان كل التعارض مع تسمية "الكنعانية". كل هذا يذكّرنا بالعهد القديم (هل يذهب يونان النبي اليهودي إلى نينوى الوثنية؟ هل يمكن أن تكون راعوت الموآبيّة الوثنيّة امرأة صالحة؟ هل توجد مخافة الله في جرار؟ رج تك 20: 11). كما يجعلنا في إطار الكنيسة الأولى والصراع حول الختان والشرائع حول الأطعمة.
نبدأ فنقول إننا لا نجد في جواب يسوع الكلام الحرفيّ الذي قاله الرب للكنعانيّة. فلو كان كذلك، لكان أورده مرقس أيضًا. قال يسوع في متّى: "لم أرسل إلاّ الى الخراف الضالّة من بيت اسرائيل". أما مرقس فجاء كلامه مختلفًا بعض الشيء: "دعي الأولاد أولاً يشبعون" (7: 27). فلم يذكر أبدًا بيت اسرائيل. أما ما يقابل هذه العبارة في مرقس فسنعود إليه في آ 27- 28 ب.
حين نقرأ متّى نجد أن يسوع اتّخذ عنده موقفًا متشدّدًا من الوثنيين، هو موقف المسيحيّين المتهوّدين. وهكذا كان الانجيل الأول مرآة لكنيسة متّى. أجل، أرسل يسوعُ إلى يهود ضلّوا الطريق ويجب أن يعودوا إلى الحظيرة. فاليهود الأمناء يشكّلون الجذع المشترك بين الجمع والجماعة المسيحيّة. فالذين ظلّوا يهودًا ولم يؤمنوا بيسوع اعتُبروا خرافًا ضالّة، خانوا اسرائيل الجديد في يسوع، صاروا أبناء ضالين في جماعتهم التي صارت جماعة يسوع. أما الوثنيّون فلم تفكّر بهم الجماعة المسيحيّة المتهوّدة، مثل عدد من كنائسنا التي تنغلق على ذاتها وتنسى أهمية الرسالة.
مثل هذا القول يعبّر عن موقف متشدّد لا يمكن أن يكون موقف يسوع. أخذه المسيحيون المتهوّدون الذين اعتبروا أن حمْل الكرازة الانجيليّة إلى الشعب اليهوديّ هو رسالتهم الأولى. وبما أن الشعب الوثني ظلّ خارج هذه النظرة، استغنى لوقا عن ذكر خبر المرأة الكنعانيّة. فالنساء الوثنيات عديدات في حياة الكنيسة الاولى وقد أظهرن غيرة كبيرة للرسالة. نذكر فيبة، تلك الشماسة في رومة، وليدية أول المرتّدين والمرتّدات في كنيسة فيلبي.
ثالثًا: صلاة الكنعانيّة الثانية وجواب يسوع (آ 25 ب-26 ب)
- "يا سيّدي (يا ربّ)، أغثني" (قالت المرأة).
- "لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويلقى لصغار الكلاب" (قال يسوع).
وعادت الكنعانية الى صياحها. قد يبدو ابتهالها عفوياً. في الواقع، هو يذكّرنا بالعهد القديم وبصلاة مسيحيّة. وسيصبح دعاؤها دعاء المسيحيين لمن هو الربّ. بعد أن شرح يسوع تصرّفه للتلاميذ، حاول أن يفهم المرأة أيضًا لماذا فعل ما فعل. جعل نفسه على مستواها، وكلّمها لغة بسيطة، لغة الصور. ونحن لا نفهم المقابلة بين الاولاد والكلاب إلا على خلفيّة العهد القديم. اليهود هم الابناء، والوثنيون هم الكلاب. الكلب يكون خارج البيت. أما الابن فيقيم في البيت. وهكذا استعادت هذه العبارة بشكل واضح التعارض الذي ذُكر في القسم الأول بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ.
واستعمل النصّ التصغير "الكلاب الصغيرة" (التي تدلّل) فخفّف بعض الشيء من حدّة التعارض، وتعاطف مع الوثنيّين، وهيّأ القارئ للنعمة التي ستنالها هذه الوثنيّة في آخر المطاف. إن التصغير يشدّد على الطابع الذي يعامل "الكلاب الصغار" وكأنهم من البيت. إذا وضعنا هذه الحاشية جانبًا، يبقى جواب يسوع في معنى مسيحيّ متهوّد متشدّد. وهناك اختلافة نصوصيّة تقوّي هذا الموقف المتشدّد. فتركت بعض المخطوطات "لا يحسن" وأحلّت محلّها: "لا يسمح".
رابعًا: تدخّل المرأة الاخير وجواب يسوع (آ 27-28 ب)
- "أجل يا سيدّي (يا رب)! بيْدَ أن صغار الكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها" (قالت المرأة).
- "إيمانك عظيم، أيتها المرأة! فليكن لك كل ما تريدين" (قال يسوع).
شكّل العنصران الاولان (أولاً) توازيًا. وها هما العنصران الأخيران يُبنيان بشكل تعاكس وتصالب: طلبت المرأة شفاء ابنتها، فلجأ يسوع الى صورة الكلاب الصغار لكي يرفض لها طلبها. فأخذت المرأة الصورة وطبّقتها على نفسها مكتفية بما أعطى لها مهما كان قليلاً. حينئذ تراجع يسوع ومنح لها ما أرادت. "شفيت ابنتها من تلك الساعة".
كان جواب الأم على رفض يسوع جوابًا رائعًا. فاستندت إلى بصيص أمل استشفّته في جواب يسوع السلبيّ. وتابعت "الكنعانيّة" الكلام، فتعلّقت حالاً بالصورة التي رسمها يسوع، وتوسّعت فيها موضحة عناصرها. "صادقت" على الطرح المسيحيّ المتهوّد، واكتفت بأن تسأل الشواذ عن القاعدة. هذا ما فعله قائد المئة في كفرناحوم حين قال ليسوع بأنه لا يستحقّ أن يستقبله في بيته. وإذا كانت المرأة طلبت بعض الفتات، فهي في الواقع تطلب المشاركة العاديّة في الخيرات المسيحانيّة. لا شكّ في أنها مشارَكة محدودة، ثانويّة، جارحة، ولكنها في الواقع أول انفتاح، مهما كان ضيّقًا، على العالم الوثنيّ.
وفي النهاية، تراجع يسوع أمام إيمان هذه المرأة. وقد شدّد على دهشته وابتهاجه بواسطة آية التعجب التي لا ترد مرارًا، والتي نقرأها في بداية جوابه: "ما أعظم إيمانك"! وابراز الصفة "عظيم" يشدّد على الطابع الليتورجيّ والارتهابي الذي يربط العبارة بمجمل الحوار. وهذا ما يتأكَّد لنا حين نلقي نظرة الى نصّ مرقس الموازي. "من أجل هذا الكلام اذهبي. لقد خرج الشيطان من ابنتك" (مر 7: 29). أجل، لسنا في مت أمام كلمة شفاء، بل إن يسوع أقرّ بأن المرأة انتصرت عليه، فأجبرته على أن يعمل لها المعجزة. هذه هي طرق الرب الذي يقبل أن يكون ضعيفًا أمامنا. هذه هي حكمة الرب التي تصبح جهلاً أمام البسطاء والأطفال. أجل، سيتعلّم يسوع من هذه المرأة المؤمنة كيف يتكلّم مع الوثنيين، كما تعلّم في مناسبة أخرى كيف يتكلّم مع السامريين (يو 4: 1- 42). فالمعلّم المعلّم هو الذي يعرف أن يتعلّم.
قدّم لنا مت 15: 21-28 حوارًا مبنيًا بناءً محكمًا، تحيط به بعض العناصر الاخباريّة. ويختفي الخبر ليحلّ محله جدال لاهوتيّ يتحدّد موقعُه في أرض المسيحيين المتهوّدين. الخيرات المسيحانيّة حقّ محصور بأعضاء الشعب المختار. ولكن ما الذي ربط هذا الشعب بالله؟ لا عدده، ولا حكمته، ولا استحقاقاته، بل ايمانه بالله (رج سفر التثنية). وما الذي يربط بالله هذه المرأةَ الوثنيّة فيجعلها هي أيضاً من أهل البيت؟ إيمانها. فبإيمانها شاركت في الخيرات المسيحانيّة التي ستنفتح بعد القيامة على جميع الأمم، لا على أفراد معدودين. فلقبُ الايمان يتغلّب على لقب الانتماء الى الشعب المختار. وهكذا وُلد لاهوت جديد سيحمل لواءه بولس الرسول الى الأمم فيرجعون من الظلمة الى النور وينالون ميراثًا مع القديسين (أع 26: 18).
إن خبر المعجزة يخضع كله للحوار بين يسوع وهذه المرأة الكنعانيّة. جاءت البداية موجزة والخاتمة، والانتقالات سريعة وبسيطة بين عناصر الحوار. ولم يرو الكاتب المعجزة. فقد تمّت عن بعد، بكلمة يسوع للمرأة. ولكن أهميّة المعجزة، ليست في المعجزة بل هي في حوار يصل بنا إلى الخيرات المسيحانية التي ينعم بها الوثنيون، شأنهم شأن اليهود.

3- لاهوت هذه المقطوعة
إن المقطوعة التي حلّلناها، قد حرّكت أقلّه ثلاث مسائل لاهوتيّة. المعجزة، الايمان، انفتاح الانجيل.
أ- المعجزة
نستطيع أن نجادل إلى ما لا نهاية حول طبيعة النصّ. هل هو خبر معجزة؟ هل هو حوار تحيط به عناصر عجائبية؟ هل هناك واقع أساسيّ انطلق منه التقليد ليروي الخبر؟ مثل هذا الجدال قليل الاهميّة بالنسبة إلينا. فإن كان هذا الجدال لا يشكلّ العنصر المركزيّ في المقطوعة، فالمعجزة هي معطية رُسمت بوضوح، فكانت شهادة واضحة عمّا فعله يسوع.
المعجزة هي علامة الخيرات الاسكاتولوجيّة والمسيحانيّة. هي اجتياح الملكوت في عالمنا. هي الغذاء يصل إلينا من خلال أعمال خلاص قام بها يسوع خلال حياته على الأرض، وبها يُتمّ الخلق من خلال أشفية تعيد إلى العميان البصر وإلى الصمّ السمع. تجعل اليد اليابسة صحيحة، والجلد الأبرص طاهرًا، والجسد الميت حيًا. هذا ما يحقّقه يسوع، فيدلّ بذلك على أنه يخبرنا عن إله الحياة. يبقى على الانسان أن يتقبّل هذا الوحي في الايمان.
ب- الايمان
إن كلمة يسوع الأخيرة قد شكّلت مرمى الخبر، وأظهرت اهتمام الخبر بالايمان. فإيمان الكنعانيّة هو في جوهره ثقة واتكاله. وهذه المرأة اتكلت بأعماق كيانها على يسوع المخلّص، وانتظرت منه الخلاص المرتجى. حين أعلنت أن يسوع هو الرب وابن داود، تبنّت قانون الايمان اليهوديّ. غير أن ايمانها هو أكثر من علم ومعرفة: هو التزام يجنّدها كلها. لقد جعلت كل حياتها في صرختها، فولجت إلى أعماق الله، وبفضل إيمانها نالت ما أرادت.
إن الجمع في القول الأخير بين: "الايمان" و"تريدين" (إيمانك عظيم، فيلكن لك ما تريدين، آ 28) له معناه العميق: فهذه المعجزة التي تميّز أسلوب متّى، تكشف دومًا عن ديناميّة داخليّة في خبر المعجزة كما في المعجزة نفسها (مت 13:8: إذهب وليكن لك بحسب ايمانك؛ 29:9: ليكن لكما بحسب إيمانكما، رج 9: 22؛ مر 5: 34؛ 10: 52؛ لو 7: 50؛ 8: 48؛ 17: 19؛ 42:18).
المعجزة هي جواب الرب على ايمان الانسان، الذي يعبّر عن هذا الايمان بالصلاة. هذا الايمان الذي ليس فضيلة منفعلة (حيث لا نفعل شيئًا، بل نكون كآلة يحرّكها الله) بل موقف فاعل جداً. وقد شدّد متّى تشديدًا كبيرًا على ما فعله هذا الايمان. تغلّب على جميع العوائق والصعوبات، وفي النهاية نال ما أراد. لقد حاربت الكنعانيّة وألحّت، وهاجمت فغُلب يسوع، وما أحلاها غلبة! فكأني به أجبر على اجتراح المعجزة من أجل ابنة الكنعانيّة. أما شبّه نفسه بذلك الذي لجّ عليه صاحبه، فقام من النوم وأعطاه ما طلب (لو 11: 5-8)؟ أما شبّه نفسه بذلك القاضي الظالم الذي ينتظر "الايمان على الأرض" لكي يفعل (لو 18: 1-8)؟
ج- انفتاح الانجيل
يبدو أن انفتاح الانجيل على العالم الوثنيّ هو المرمى الرئيسيّ لهذه المقطوعة. فالتوتّر الحاصل بين تشدّد مسيحيّة متهوّدة وتكوين مسيحيّة أمميّة (آتية من الأمم الوثنيّة)، واضح في خلفيّة الخبر. وهذا ما يكشفه بوضوح استعمالُ الألفاظ: الكنعانيّة من جهة وبيت اسرائيل من جهة ثانية يجعلاننا في مناخ معين.
لقد عالج متّى مسألة الرسالة إلى الوثنيين منطلقًا من وجهة مسيحيّة متهوّدة. انطلق من حياة كنيسته وما فيها من انغلاق، وأظهر ما فيها من احتقار لاخوتهم الآتين من الامم الوثنيّة. هل يقبل المسيحي بهذا بعد أن عرف أنه ليس يهودي ولا أمميّ، لا عبد ولا حرّ، لا رجل ولا امرأة، بل كلهم واحد في المسيح. أخذ متّى النصّ من مرقس وأعاد تفسيره فقال: رغم امتيازات الشعب المختار، فطريق الخلاص بالايمان مفتوحة للوثنيّين. تحدّث مرقس إلى الوثنيّين في رومة، فبيّن لهم الوضع المميّز للشعب اليهوديّ. يُعطى لهم أولاً خبز البنين. ويعطى ثانيًا إلى الوثنيين. وتحدّث متى إلى يهود متشدّدين دخلوا إلى المسيحيّة، فبيّن أن الايمان لا الشريعة، هو الذي يفتح للمسيحيّين الطريق إلى المسيح.

خاتمة
ما زالت مسألة المعجزة موضوع نقاش في أيامنا. أما نصّ متّى فيعطي اتجاهاً حقيقياً لبحثنا دون أن يردّ على جميع الاسئلة. يبقى علينا أن لا نضيع في جدالات حول واقع الظاهرة العجائبية، بل نكتشف فيها علامة تدلّ على الملكوت الآتي وتكرز به.
والايمان ما زال يحدّد اليوم الوضعَ المسيحيّ. فالخبر الذي قرأناه يلقي الضوء على بعض الوجهات التي تسترعي اهتمامنا. الايمان هو التزام الانسان بكليته. لهذا نشدّد على الوجهتين: وجهة التزام فاعل لا يتراجع بل يلحّ على مثال هذه المرأة حتى يصل إلى مبتغاه. ووجهة التزام الانسان بكليته لكي يكون إيمانه أكثر من محبَّة بالقول واللسان، بل بالعمل والحق.
وأخيرًا، إن الصراع بين مسيحيّة متهوّدة ومسيحيّة أمميّة أمر تجاوزه الزمن اليوم. ولكن الصراع الذي عرفته الكنيسة الاولى ما زال حاضراً اليوم. هل هناك مكان في كنائسنا للغريب؟ للغريب عن محيطنا، عن بلدنا، عن ديننا، عن إطارنا الاجتماعيّ. فالخطر الكبير الذي يتربَّص بجماعتنا هو الانطلاق والعيش في عزلة يملأها الخوف من جهة (من الآخر) والتكبّر من جهة اخرى مع احتقار له. فكم يجب على كنائسنا أن تجد في تاريخها الالهام، والقوّة الضروريّة لكي تتجاوز دومًا نفسها، لكي تصل إلى الآخر، وبالتالي إلى الآخر الآخر الذي هو الرب يسوع.
الفصل الثلاثون
طعام شعب الله الجدي
15: 29- 39

كثّر يسوع الارغفة وأطعم خمسة آلاف ما عدا النساء والاولاد. وبقيت اثنتا عشرة سلّة تكفي المجموعات التي سيؤسّسها الرسل الاثنا عشر حتى نهاية العالم. بهذا أسّس يسوع الجماعة الكاملة من أجل نهاية الأزمنة. فما الحاجة بعد أن يقوم بمعجزة أخرى يطعم فيها أربعة آلاف ما عدا النساء والاولاد؟ في الواقع، كانت معجزة عظيمة جداً تأمَّل فيها المؤمنون بعد القيامة: تأمّل فيها الآتون من العالم اليهوديّ، فجاء تأمَّلهم مرتبطاً بالاثني عشر. وتأمّل فيها الآتون من العالم الوثنيّ فجاء تأمّلهم مرتبطاً بالسبعة (أع 6: 1 ي) الذين اختارهم الرسل، وأطلقوهم إلى المجموعات اليونانيّة. وهكذا بعد هاتين الخبرتين، تأسّس شعب الله الجديد، وتأمّن له طعام يقود إلى الحياة الابديّة.

1- نظرة عامّة
أ- اشفيّة على شاطىء بحر الجليل
نبدأ بالكلام عن حاشية تتحدّث عن أشفية على شاطئ بحر الجليل (آ 29- 31). ثم نعود إلى تكثير الأرغفة السبعة (آ 32-39). بعد خبر لقاء يسوع مع السوريّة الفينيقيّة، وضع مت هنا إجمالة تتحدّث عن نشاط شفائيّ قام به المسيح بشكل عام دون تحديد هويّة الاشخاص الذين شُفوا. كم نحن قريبون من الاجمالات التي توّزعت انجيل مرقس. هذه الايات (آ 29- 31) تبدو كمقدّمة لخبر المعجزة التي فيها كثّر يسوع الأرغفة السبعة وأطعم بها أربعة آلاف (آ 32- 39). ونودّ هنا أن نسوق الملاحظات التالية:
- إذا عدنا إلى تصميم الأخبار كما أوردتها الأناجيل الإزائية، نرى أن آ 29- 31 تقابل في مر خبر شفاء أصم أخرس (مر 7: 31-37). فنقول: إما أن مت ترك عمدًا خبر مرقس ولم يكيّفه وانجيله كما اعتاد أن يفعل؟ عند ذاك يجب أن نعرف لماذا فعل ما فعل. وإما أنه تبع نصاً سابقًا لمرقس. وإما أنه مستقل كل الاستقلال عن مرقس. هذه الفرضيات الثلاث تجد حتى الآن من يدافع عنها. ونحن نأخذ بالفرضية الأولى: ترك مت مر عمدًا.
- إذا عدنا إلى تصميم انجيل متّى، تبدو آ 29- 31 وكأنها تدخلنا إلى الخبر الثاني عن تكثير الخبز، وهو يتبع مباشرة هذه الايات (آ 32-39). ماذا فعل متّى؟ عاد بيسوع إلى الجليل، وجعله يتّصل مرة ثانية بالجموع التي أضاعت طريقها بعد أن جاءت من البعيد (من العالم الوثني). إنها تشكّل أيضًا شعبه الخاص. هذه الجموع الغفيرة ذُكرت في هذا المدخل (آ 30). وستُذكر مرّة أخرى في آ 32 حيث قالت يسوع: "إني مشفق على هذا الجمع فإنهم معي منذ ثلاثة أيام". فبعد القيامة، سيتعرّف العالم الوثنيّ إلى يسوع ويدخل هو أيضًا في الكنيسة أمّا الآن فنحن أمام الباكورة.
- إذا توّقفنا عند نظرة متّى، لا نستطيع أن نتخيّل خبر تكثير الأرغفة خارج حدود الشعب المختار، وبعيدًا عن جموع المرضى. لا شكّ في أن مت روى لقاءات شخصيّة ليسوع مع وثنيّين، مثل قائد المئة في كفرناحوم (8: 5- 13)، والسوريّة الفينيقيّة في نواحي صور وصيدا (15: 21-28). ولكنه لا يصوّر لنا المعلّم وقد تحرّكت أحشاؤه حين رأى شقاء الجموع في المدن الكبرى الموّزعة في فينيقيّة أو سوريّة. فالجموع التي نشاهدها في هذه المقطوعة "تمجّد إله اسرائيل" (آ 31). أيكون هذا عمل الوثنيين؟ كلا. وهنا نتذكّر ما فعله نعمان السوري الذي نال الشفاء على يد النبي أليشاع. قال: "علمت أن ليس في الأرض كلها إله إلاّ في اسرائيل" (2 مل 5: 15).
- هذا ما يدفعنا إلى القول، رغم الإطار الضيّق الذي سجننا فيه متّى، إن الخبر الثاني لتكثير الأرغفة قد حدث في العالم الوثنيّ. لهذا جعل الانجيليّ الأوّل خبر الأشفية يسبق الطعام العجائبيّ. وهكذا احتفلت الكنيسة الآتية من العالم الوثني بتأسيسها. فعل يسوع فيها ما فعله في أرض اسرائيل: شفى المرضى ثم أطعم الجموع. غير أن أولى كلمات مت تدلّ بوضوح على أن يسوع عاد إلى الجليل (ولماذا لا يكون جليل الأمم الذي فيه أطلق يسوع تلاميذه إلى العالم كله، 28: 16). غير أن هذه الملاحظة المتاويّة تلفت نظرنا، لا سيّما وأن النصّ الموازي في مر يجعل يسوع ينتقل إلى دكابوليس، إلى المدن العشر، إلى العالم الوثني.
- إذا قاربنا هذه الحاشية حول نشاط يسوع العجائبي العام من نصوص متاويّة أخرى مشابهة (4: 13؛ 4: 23- 25؛ 9: 35-36؛ 21: 14)، نفهم أننا أمام فئة من النصوص التدوينيّة. كتبها متّى ليذكّرنا بالطابع المستمرّ لنشاط يسوع. أو هو وجدها في مراجعه فأخذ بها. مع 23:4-25؛ 9: 35-36، أحاط بعظة الجبل التي هي شرعة الملكوت. ومع 15: 29- 31 دعى الجموع الوثنية للدخول في شعب الله الجديد.
ب- تكثير الأرغفة السبعة
أولاً: معجزة تكثير الأرغفة في الأناجيل
قدّمت لنا الأناجيل ستة أخبار عن تكثير الأرغفة (13:14- 21؛ 32:15-39؛ مر 30:6-44؛ 8: 1-10؛ لو 9: 10-17؛ يو 6: 1-13). نجد خبرين في كل من مت ومر. وخبرًا واحد في كل من لو ويو. هذا التنوّع الكبير يفهمنا أن الجماعات المسيحيّة الأولى اهتمّت اهتمامًا خاصًا بهذا الحدث من حياة يسوع. وما انزعجت حين قرأت نسختين عند كل من مت ومر، وإن كانت الاختلافات كبيرة بين نسخة وأخرى. أما لوقا فدلّ مرّة أخرى على اهتمامه بخبر منسّق (1: 3)، فتحاشى ما اعتبره تكرارًا في مت ومر، وقدّم نصاً وازى مر 6: 30-44. ماذا يقول الشرّاح في هذه الروايات الست عن تكثير الخبز. هناك سبعة اتجاهات.
- التفسير العقلاني. نجده خصوصًا عند رينان الفرنسي: اعتزل يسوع في البريّة، فتبعه إلى هناك عدد كبير من الناس. عاشوا في التقشّف، ومع ذلك لم يموتوا جوعًا. فمن الطبيعيّ أن يروا في هذا الوضع معجزة. وقال آخرون في الخطّ عينه: تقاسم يسوع والتلاميذ زادهم، فاجتذب مثالُهم الجمعَ، ففعل مثلهم.
- التفسير الميتولوجيّ: هذا الخبر هو تضخيم أسطوري لما نقرأ في 2 مل 4: 42-44. أما الهدف فهو تصوير سلطة يسوع العجائبية. وقالت بولتمان الشيء عينه دون أن يربط الخبر بالعهد القديم.
- التفسير الرمزيّ: هذا الخبر هو تمثّل رمزيّ لتعليم يسوع للجموع. علّمهم المقاسمة، فاخترع خبرًا يدلّ على هذه المقاسمة. فكأننا أمام مثَل من الامثال (لوازي).
- التفسير الجلياني (أو: الرؤيوي): إن يسوع أعطى تلاميذه طعامًا مسبقًا عن الوليمة المسيحانيّة في الملكوت الآتي.
- التفسير الاجتماعي: ساعد يسوع البشر في شقائهم الطبيعي، وطلب من الكنيسة أن تفعل مثله. إن يسوع قد أعلن بهذه الفعلة أنه سيأتي يوم لن يبقى على الأرض أناس جياع.
- التفسير الافخارستي: حين كثّر يسوع الأرغفة، هيّأ تلاميذه ليؤمنوا يوماً أن جسده ودمه سيوزَّعان على المؤمنين في شكل الخبز. في هذا الخط قال الآب بنوا في بيبليا أورشليم: "إن لم يكن هذا الخبر بعدُ الافخارستيا، فهو صورة عنها واستعداد". هذا ما قاله آباء الكنيسة، واعتقد به الانجيليّون أنفسهم. هنا نستطيع أن نقابل الالفاظ التي تصوّر هذا التوزيع الاحتفالي للخبز مع ألفاظ العشاء الأخير (26: 26). ونقرأ يو 6 الذي يربط بهذه المعجزة الخطبة حول خبز الحياة.
- التفسير الكنسي: يركّز على شخص المسيح، راعي إسرائيل الحقيقيّ، الذي يجمع شعب الله الذي تشتّت وكاد أن يضيع.
ثانيًا: مت 15: 32-39
في هذا النصّ نرى يسوع يستقبل أربعة آلاف ويطعمهم (رج مر 8: 1- 10). فإذا قابلنا هذا النصّ مع 13:14- 21 (= مر 8: 1-10)، نراه يشدّد على جوع الجموع كما يفعل مر 2:8-3. يبدو أن مت يتبع مر، ولكنه يحسّن كعادته صياغة النصّ: ذكر السمك في آ 34، وكسر الخبز في آ 36. أما عند مر الذي ذكر السمكات متأخّرًا، فأجبر على الحديث عن مباركة ثانية وتوزيع ثان (مر 7:8: باركها وأمر أن تقدّم). لا شكّ في أن مت تبع مر، ولكنه حوّل الخبر تحويلاً جوهريًا، فحسَّنه على المستوى الاخباري.
نلاحظ أن مت يذكر السمك مع الخبز، وهذا ما لا نجده في نصّ مر الموازي، ولا تفرضه الممارسة الافخارستيّة في أيامه. لا شكّ في أن الخبر الأول (14: 13- 21) قد أثرّ على الخبر الثاني (15: 32-39). أي الخبرين أقدم؟ أما بولتمان فيرى في الخبر الثاني نسخة ثانوية مختلفة عن الخبر الأول. وذلك لثلاثة أسباب. الاول: يبدأ الخبر بمبادرة من يسوع (هذه المسيرة تجعل يسوع العامل الرئيسي في الحدث). الثاني: حلّ محلّ الشكل السردّي (تحنّن عليهم في صيغة المجهول، مر 6: 34)، عبارة في أسلوب مباشر (أنا أتحنن، مت 15: 32). الثالث: إن طلب التلاميذ في مر 36:6 (إصرفهم لكي يذهبوا إلى الضياع) قد تحوّل إلى تفكير شخصيّ لدى يسوع (مر 8: 3: إن أنا صرفتهم).
مثل هذه البراهين تساعدنا على تحليل النصوص واكتشاف خصائصها. ولكنها لا تتيح لنا أن نحدّد الزمن الذي دوّنت فيه، لأننا لا نكتشف مقطعًا لا يكون فيه يسوع السيّد غير المنازع في الطعام. إذن، تبدو الاخبار الانجيليّة الستة حول تكثير الأرغفة، تدوينات فقاهيّة تجعل السامع (أو: القارئ) أمام سرّ المسيح الذي رتّب "المائدة" ترتيبًا لا يجاريه فيه أحد. تجاه هذا الواقع الاساسيّ، تبدو الاختلافات التدوينيّة بسيطة نسبيًا. وإذ نقرأ هذه المقطوعة، سنحاول أن نكتشف تطوّرًا حقيقيًا في النظرات الكرستولوجيّة.

2- الدراسة التفصيليّة
أ- البنية
نستطيع أن نقابل هذا المقطع مع 14: 13- 21 الذي يحدّثنا أيضًا عن إطعام الجمع. غير أننا نجد هنا ثلاثة أقسام رئيسية: مقدّمة تحدّد موقع المشهد (15: 29- 31؛ رج 13:14-14: في كلا الموضعين يدلّ يسوع على شفقته فيشفي المرضى). حوار بين يسوع والتلاميذ (15: 32-44؛ رج 14: 15-18). المعجزة في حدّ ذاتها. وهي تتضمن ثلاثة أمور: توزيع الخبز (15: 36؛ رج 14: 19). نتيجة هذا التوزيع: أكل الجمع وشبع (15: 37 أ؛ رج 14: 20 أ ب). ملاحظة حول ما بقي مع عدد الآكلين (37:15 ب-38؛ رج 20:14ج-21).
ب- المراجع
إن المقدّمة إلى خبر إطعام الاربعة الآلاف (آ 29-31) هي عمل تدوينيّ وإحدى المقطوعتين في 13: 53-17: 27 التي لا تعود إلى مرقس (الثانية هي 17: 24-27، يسوع يدفع الضريبة). أما في مكانها في مر، بين خبر السورية الفينيقيّة ومعجزة الخبز، فنجد مر 7: 31-37 الذي يتحدّث عن شفاء الأصمّ والابكم. لماذا ألغى مت هذا الخبر؟ لأنه يتجنَّب كل ما يُشتمّ منه رائحة "سحر". كما أنه لم يهتمّ، شأنه شأن مر، بالسرّ المسيحانيّ (رج 8: 4). وهو لا يفرح بأن يرى يسوع "يتنهّد" أو يُعصى أمرُه. ولماذا يُدخل حاشية في سفَر طويل لم يحدث خلاله شيء؟ بالاضافة إلى ذلك، حين قدّم مت إجمالة عن الشفاء بين إيمان الكنعانية وتكثير الأرغفة بدلاً من خبر شفاء شخص واحد، فقد أبرز التوازي بين خبرَي تكثير الأرغفة. فالمقدمة هنا (29:15-31) تشبه المقدّمة إلى الخبر الأول (14: 13-14: شفى مرضاهم).
مع أن مت أغفل مر 7: 31- 37، إلاّ أنه تأثّر به في مت 15: 29- 31. فألفاظ مر هي ألفاظ مت. ثم إن الوصول إلى بحر الجليل، وحمل المرضى إلى يسوع (أو حمل مريض) وشفاء الاصم الاخرس أو شفاء الخرس، وتعجّب الجموع أو هتافها، كل هذا يشكّل عناصر مشتركة بين مت 29:15- 31 ومر 7: 31- 37.
أما آ 32-39 التي تورد خبر المعجزة، فهي ترتبط فقط بنصّ مر 8: 1- 10. نقول كل هذا في فرضيّة المرجعين في إطار النظريّة الإزائية، وفي القول بأن مر سابق لمتّى. ثم إن خبري مت قريبان الواحد من الآخر أكثر ممّا نجد في مر. فبما أن مر هو السابق، سنجد لماذا قام بهذا التبديل أو ذاك. ولكن إن كان مت هو الأقدم، عند ذاك نتساءل لماذا خفّف مر من التشابه بين الخبر الأول (6: 32- 44) والخبر الثاني (8: 1- 10).
ج- التأويل
إن مدلول مت 15: 29-39 (معجزة عطاء) هو في درجة كبرى مدلول 14: 13- 21. يتحدّث الخبر أولاً عن شفقة يسوع بحيث أمّن الزاد للجموع من عنده. وفي الوقت عينه، يشير الخبر إلى الافخارستيا والوليمة الاسكاتولوجيّة. فقد يكون هذا الخبر قد توخّى أن يقدّم يسوع كالنبيّ الاسكاتولوجيّ الآتي في ملء الزمان. أما الفرق الأهم بين الخبرين، فهو أن الثاني توخّى أن يعبر عن اعتقاده بأن مجيء يسوع بدأ يُتمّ المواعيد الاسكاتولوجيّة التي جعلها التقليد اليهوديّ على جبل صهيون.
رغم التشابهات العديدة بين الخبرين (هذا ما شدّد عليه متّى)، وتداخل معنى الأول في معنى الثاني، هناك اختلافات عديدة هامّة بين المعجزتين أقلّه في التفاصيل. (1) وحده الخبر الثاني يتمّ على الجبل. (2) في الخبر الأول جاءت كلمات التلاميذ تدعو يسوع إلى اجتراح المعجزة. في الثاني، تعود المبادرة كلُّها إلى يسوع (رج يو 6: 5). (3) لا تظهر التلميحات إلى 2 مل 4: 42-44 بوضوح في الخبر الثاني كما في الخبر الاول (إطار يهوديّ. اذن عودة إلى التوراة). (4) في ف 15 قيل لنا فقط إن الجمع ظلّ مع يسوع ثلاثة أيام. (5) اختلفت كلمات البركة بين نص وآخر. "اوخارستيساس، إكلاسن" (شكر وكسر) في 36:15 هي قريبة من العبارة التقليدية التي نقرأها في لو 17:22؛ 1 كور 11: 24 (لهذا اعتبر بعض الشرّاح أن الخبر الأول تأثّر بتقليد مت ومر، والخبر الثاني بتقليد لوقا وبولس). بينما "اولوغيسان كاي كلاساس" (بارك وكسر) في 14-19 هي أقرب إلى كلمات التأسيس في مت 26: 26= مر 4: 22. (6) في 19:14 فقط، رفع يسوع عينيه إلى السماء. (7) اختلفت الأعداد: في 14: 13- 21، كان مع التلاميذ 5 خبزات وسمكتان (إذا جمعنا الاثنين نكون أمام الرقم 7. رقم الكمال). ملأوا 12 قفة. وعدد الآكلين كان 5000. أما في 15: 29-38، فكان مع التلاميذ 7 خبزات وقليل من السمك. وملأوا سبع سلال، وعدد الآكلين 4000 ما عدا النساء والاولاد. (8) الكلمة التي دلتّ على "القفة" (أو: السلّة) هي في 14: 20 "كوفينوس" (ما يقابل القفة). وفي 15: 37: "سبيريس" (سلّة) كل هذه الاختلافات ما عدا الأول تعود الى التقليد (= مرقس) وشارك مت بعض الشيء في هذا المجال.
أما التبديلات الكبرى التي أدخلها الانجيل الأول على مر 8: 1-10 فنوجزها في أربعة. (1) أبرز التوازي بين المعجزتين (رج 34، 36، 37، 38). (2) استغنى عن بعض التفاصيل غير المفيدة فأوجز النصّ كله (آ 32، 33، 36). (3) أعاد النظر في النصّ وحسّنه (آ 34، 39). (4) جعل مقدّمة للخبر تفترق عن مقدمة مرقس (7: 31-37). تحدّث عن عمل يسوع حين شفى العديد من المرضى.
وعاد الشرّاح إلى اوغسطينس وهيلاريوس، فرأوا أن الجمع في المعجزة الاولى يهودي، وفي الثانية وثنيّ. جعل مر 8: 1 موضع المعجزة في دكابوليس، المدن العشر. في الخبر الاول هناك خمس خبزات و 12 قفة (أسفار الشريعة الخمسة، الاسباط الاثنا عشر). في الخبر الثاني 7 سمكات، 7 سلالة: ارتباط مع الوثنيّين (سبع وصايا في نوح، الخدّام السبعة في أع 6). العدد 4000 هو 1000 (رقم كبير جدًا) × 4 (أقطار العالم الاربعة). أما العدد 5000 (50× 100) فيدلّ على "شعب الله في نهاية الأزمنة". في مت 15: 29، ذُكر بحر الجليل ولم يذكر مرّة ثانية في الانجيل الأول إلاّ في 18:4 مع مقطع عن الجليل، جليل (أرض) الأمم. بعد إطعام الخمسة آلاف، جمعت الكسر في "قفة" (كوفينوس) وهي لفظة ترتبط بالعالم اليهوديّ (14: 20). وفي 15: 37 استعملت لفظة أخرى. وأخيرًا وبعد الخبر الثاني فقط، هتف الجمع ومجّد "إله اسرائيل" (هذا ما يدلّ على أن المتكلِّم ليس بيهوديّ). وهكذا أطعم يسوع اليهود أولاً ثم الأمم (رج مر 7: 7): دعي البنين أولاً يشبعون.
ماذا نقول في هذه الملاحظات التي انطلقت من الآباء؟ قد توافق نصّ مرقس. أما بالنظر إلى مت فنقول. (1) لا يقول متّى إن يسوع هو في دكابوليس. (2) هناك نقاش حول معنى الارقام. (3) لا شيء يساعدنا على وصف بحر الجليل بهذه الصورة. (4) المدلول الحقيقيّ للفظة "كوفينوس" و "سبيريس" غير معروف بالضبط. (5) عبارة "إله اسرائيل" نجدها أيضًا في التقليد البيبلي على شفة اليهود. (6) إن مت يسمي الأمم دومًا "هوي اوخلوي" وحين عاد إلى مر أبعد مسيرة يسوع عن أرض غير يهوديّة (وثنيّة) (ق 15: 29 مع مر 8: 1). (7) وإن نمطيّة صهيون تكون أكثر تعبيرًا إذا كان الجمع الذي أطعمه يسوع في المرّة الثانية هو يهوديّ أيضًا (رج 15: 29). وخلاصة الكلام إن يسوع في 15: 29-39 يتابع رسالته وسط الخراف الضالّة من بيت اسرائيل.
موقفان متعارضان. ونحن نميل إلى الموقف الأول الذي يمكن أن يُنتقد، لأننا في هذا المجال لن نجد شيئًا يحمل اليقين كلّه. ويبقى موضوع أخير هو التشابهات بين الخبرين. هناك ثلاثة تفاسير ممكنة. حدثان متشابهان وقعا في ما قبل الفصح. هناك حدث واحد كُتب في تقليدين. كرّر مر خبرًا وجده في مرجع واحد أو أكثر من مرجع. أكثرُ الشرّاح يأخذون بالموقف الثاني أو الثالث. هناك تكرارات عديدة في الكتاب المقدس مثلاً (السلوى في خر 16 وعد 011 المياه من الصخر في خر 17 وعد 20. خبر جليات في 1 صم 17 و2 صم 21...). أما بالنسبة إلى الانجيل، فالخبران سُردا في الطريقة عينها. نجد في يو 6: 1-15 تشابهًا مع الخبرين. ثم إن المعجزتين جاءتا في متتاليتين متوازيتين. وهناك سؤال التلاميذ الذي يتكرّر من خبر إلى خبر. بعد أن شهدوا ما فعله يسوع في الخبر الاول، كيف يتجاسرون أن يسألوا بعد؟

3- تفسير الايات
أ- مقدّمة الخبر (آ 29- 31)
أولاً: جبل سيناء وجبل صهيون (آ 29)
"وانتقل يسوع من هناك" (آ 29). ق مر 7: 31 الذي يلي خبر المرأة السوّرية الفينيقيّة "ماتاباينو+ اكايتن" (انتقل من هناك). ترد ثلاث مرات في مت (11: 1؛ 9:12) ولا ترد أبدًا عند لو ومر. بحر الجليل (رج 18:4). عادت العبارة إلى مر 7: 31. "وصعد إلى الجبل". ق 5: 1-2؛ 14: 23؛ 23: 2. "ماتاباس" (انطلق)، "اناباس" (صعد): الانطلاق والوصول إلى الموضع. هناك من افترض أن هذه المعجزة حصلت بعد عظة الجبل.
هناك سؤالان مهمّان حول آ 29 ب. أولاً. علاقتها مع يو 6: 3 (صعد يسوع إلى الجبل وجلس مع تلاميذه). الخبر هو هو (صعد الى الجبل)، وكذلك الألفاظ، والسياق هو هو: الاشفية التي يجترحها يسوع. ماذا نقول؟ مصادفة، أم عاد يو إلى مت، أم هو استعمال مستقلّ لتقليد مشترك (رج مت 14: 14 ولو 9: 11، لا إشارة إلى الشفاء في مر 6: 30-44؛ 8: 1-10). قد نأخذ بالتقليد المشترك. أمّا لماذا تحدّث متّى عن الجبل؟ لكي يربط عمل يسوع مع
الرجاء الاسكاتولوجي المركّز على جبل صهيون. إذن، متّى هو الذي اهتمّ بالاشارة إلى الجبل. والحقيقة ذاتها تنتطبق على يو 6. أراد أن يصوّر يسوع على أنه موسى الجديد (ونقول الشيء نفسه عن مت). أيكون أن مت ويو أخذا من مر أو من تقليد استقى منه مرقس دون أن يشدّدا على مفهوم الجبل؟ ربّما. 
والسؤال الثاني حول آ 29، هو خلفيّته البيبلية أو اليهوديّة. إن الجبل في هذه المقطوعة هو موضع التجمّع والشفاء والغذاء. ثم إن الخبر الذي يلي يستبق الوليمة المسيحانيّة. بينما آ 30- 31 تشيران إلى أش 35: 5-6 (حينئذ تتفتّح عيون العميان...) وتستعيدان مت 11: 5 (وهكذا يربطنا السياق الواسع بالتتمة الاسكاتولوجيّة). كل هذا يشير إلى جبل صهيون كنمط ينظر إليه المؤمنون. فصهيون هي في الانتظار اليهوديّ، الموضع الاسكاتولوجيّ الذي فيه يجتمع اسرائيل المشتّت (رج إر 3: 10-12؛ حز 34: 14)، وموضع الشفاء (أش 35: 5-6؛ إر 8:31؛ مي 4: 6-7)، وموضع العيد المسيحانيّ (أش 6:25-10؛ إر 31: 12- 14، حز 26:34-27). ثم نلاحظ أنه إن كان من تلميح إلى أش 35: 5-6، ومت 14: 30- 31 فهذا المقطع التوراتيّ هو جزء من حجّ اسرائيل إلى جبل صهيون. وهكذا تكون جميع عناصر النصّ حاضرة: الجموع الملتئمة، شفاء العرج والشل والعمي والخرس. التلميح إلى أش 35: 5-6، وعيد العطاء الوافر، ونشاط "إله اسرائيل" الاسكاتولوجيّ، والجبل، كل هذه العناصر ترتبط بجبل صهيون. جمع مت هذه العناصر في حدث يوافق بشكله نمط صهيون الاسكاتولوجيّ. جمع الخراف الضالّة من اسرائيل على الجبل حيث يشفي مسيح إله اسرائيل مرضاهم، ويعطيهم الغذاء الوافر. أما قلب هذه الصورة، فقد تبدلّ لأن حضور المسيح هو الذي يعطي الحدث أساسه الاسكاتولوجيّ، لا إعادة بناء الهيكل. ومع ذلك، فتأثير اسكاتولوجيّة صهيون واضحة في الطريقة التي بها بنى متّى آ 29- 31.
ولكن يُطرح سؤال حول "اوروس" (الجبل). كيف نربط ذلك بجبل صهيون، ساعة تكون خلفيّة نصوص أخرى (5: 1-2؛ 14: 23، 17: 1) هي جبل سيناء (هذا ما نجده أيضًا في النصوص الرابينيّة مثل شرح خر 18:20)؟ الجواب نجده في مز 68 (في المدراش علاقة مع جبل سيناء وجبل موريا أي جبل صهيون)، حيث يمتزج سيناء مع صهيون (رج ترجوم نيوفيتي في خر 4: 27 حيث حوريب= سيناء، هو لقب صهيون: جبل مقدس الرب). ونقرأ في أش 2: 2-3 أن الشريعة تخرج من صهيون. هنا يلعب جبل صهيون وظيفة سيناء الاسكاتولوجيّة، الذي هو جبل الشريعة. وهكذا جمع مت صهيون مع سيناء. فدلّ على يسوع كموسى الجديد الذي فيه تتمّ المواعيد المعطاة لصهيون. وهكذا انطلق من التقليد اليهوديّ وأعطاه بُعدًا مسيحاويًا.
ثانيًا: شفاء المرضى وإعجاب الجموع (آ 30- 31)
"فأقبل عليه جموع غفيرة معهم عرج وشلّ..." (آ 30). لن نتوقّف هنا عند التقليد النصوصي مع اختلافات عديدة في المخطوطات. هناك أربع فئات من المرضى. نجد ثلاث فئات في مت: العميان (27:9 ي؛ 11: 5؛ 12: 22؛ 20: 30؛ 21: 14). العرج (11: 5؛ 21: 14). الخرس والصم (9: 32 ي؛ 11: 5؛ 12: 22). "ألقوهم عند قدميه" (مثل تلاميذ). رج أش 52: 7 حول أقدام المبشريّن، حاملي "الانجيل". "فشفاهم"، رج 4: 24؛ 12: 15 (شفاهم جميعًا)؛ 19: 2 (هناك)؛ 21: 14. قول عام ومطلق. ق 14: 14 (شفى مرضاهم) كمدخل إلى إطعام الخمسة آلاف.
"فتعجّب الجموع" (آ 31). ق 27:8؛ 33:9؛ 27: 14. "حين رأوا الخرس يتكلّمون...". ق 11: 5؛ أش 35: 5-6. وشرح خر 18:20 حيث يقال أنه لن يوجد على جبل سيناء أعمى ولا أخرس ولا أصمّ ولا أعرج. نقرأ في مر 37:7: "فتعجبّ الناس اعجابًا كبيرًا، وقالوا: لقد أحسن في كل ما صنع. إنه يجعل الصمّ يسمعون". "ومجّدوا إله اسرائيل". رج 9: 8 (ومجّدوا الله). إن عبارة "إله اسرائيل" (لا ترد إلا هنا في مت) هي لقب معروف يتكرّر في أسفار التوراة وما يستلهمها. مثلاً، خر 5: 1؛ 1 مل 1: 48؛ 1 أخ 16: 36، مز 41: 13؛ 59: 5؛ 68: 35؛ 6:69... يرد هذا النداء في اطار ليتورجيّ.
ب- حوار بين يسوع والتلاميذ (آ 32-34)
"أما يسوع". وهكذا نعود إلى مر 8: 1 أ: "وفي تلك الأيام إذ كان الجمع غفيرًا ولم يكن لهم ما يأكلون". ترك مت هذه المقدّمة، وبدأ الحوار حالاً مستندًا إلى آ 29- 31. "دعا تلاميذه" (مع الضمير). نلاحظ هنا كما في يو 6: 5 أن المشهد يبدأ مع كلام يسوع (ق مت 14: 15 ومر 6: 35 حيث يتدّخل التلاميذ). "أُشفق على هذا الجمع". رج مر 8: 2 أ. هذا الفعل نجده في مت 9: 36 وفي أول خبر عن تكثير الأرغفة (14: 14= مر 6: 34). في مر 8: 1- 2، هناك تبدلّ في الحاضرين وفي الزمن (الساعة تقدّمت). فالجموع في مر 7: 31-37 وفي 8: 1-10 قد تبدّلت. أما في مت، فالجمع الجائع هو ذاك الذي حمل مرضاه إلى يسوع.
"هم معي منذ ثلاثة أيام". رج مر 8: 2 ب. ونشدّد على عبارة "ثلاثة أيام". تدلّ في التقليد البيبليّ على الضيق الذي بعده يحمل الله العون والخلاص (16: 21). على كل حال، الوضع ملحّ. وذلك منذ ثلاثة أيام. من بقي في يده زاد؟ قد تخور قواهم في الطريق. "إن تي هودو" (ب. درك). نجد هذه العبارة في مر 3:8؛ 9:27: 33، 34؛ 10: 52. رج مت (قد يكون أخذها عن مر) 5: 25؛ 15: 32؛ 21: 8 مرتين؛ 21: 32. قد يكون لها مدلول رمزي أو لا. أما هنا فليس لها إلاّ مدلول واقعيّ.
"فقال له التلاميذ" (آ 33). نجد تصالبًا في آ 32-34. قال يسوع (آ 32). قال له تلاميذه (آ 33). قال لهم يسوع (آ 34 أ). قال له التلاميذ (آ 34 ب). "من أين لنا خبز"؟ رج مر 8: 4؛ يو 6: 5. في القفر (في الصحراء) على مثال الشعب مع موسى. وسيفعل يسوع، موسى الجديد، ما فعله الأول حين أطعم شعبه المنّ. التلاميذ وحدهم لا يستطيعون. أما يسوع فيستطيع. وهناك مسؤوليتهم في إعطاء الجمع خبزاً كما أمرهم يسوع. نشير إلى أن القفر يقابل المدينة. إذن، ليس من قرى قريبة يستطيع الناس أن يذهبوا إليها ليأكلوا.
فقال لهم يسوع: "كم رغيفًا عندكم" (آ 34). رج مر 8: 5. في مت، لا يطرح يسوع السؤال. فهو يعرف. "سبعة ويسير من صغير السمك". نقرأ في مر 8: 5 فقط: "سبعة" (أرغفة). وهكذا زيد السمك. ق 36:15 الذي يختلف عن مر 8: 6. قد يكون أساس الاضافة في مر 8: 7 (وكان معهم أيضًا يسير من صغار السمك). نقرأ "اختيديون" (سمك صغير) مرتين فقط في العهد الجديد. في مت 15: 34 ومر 7:8. هي تصغير "اختيس" (سمك). هكذا دلّ التلاميذ على أن ما معهم لا يساوي شيئًا تقريبًا.
ج- المعجزة (آ 35- 39)
هناك مباركة الخبز وتوزيعه (آ 36)، وشبعُ الجموع (آ 37 أ)، وجمعُ الكسر التي فضلت (آ 37 ب-38). بدأ يسوع فأجلس الجموع (آ 35). وفي النهاية "صرف الجموع" (آ 39). نحن مع تضمين حول لفظة "الجموع".
"أمر الجمع أن يتّكئوا" (آ 35). اعتاد المسيحيون الأولون أن يتقبّلوا الافخارستيا وهم واقفون. ولكن يبدو أن التلاميذ كانوا جالسين في العشاء الأخير (26: 20؛ مر 14: 18؛ لو 22: 14؛ يو 13: 4). "اناببتو" (هنا في مت. يرد ست مرات في السبعينيّة، اتكّأ). يُستعمل هذا الفعل أيضًا في مر 6: 40 ويو 6: 10. وهو يعني: جلس للطعام. نتذكر عبارة في التلمود: "حين يهيّئون له الطعام، يجلس الشعب على الأرض".
"أخذ السبعة الأرغفة والسمك". ترك مر لفظة السمك. رج مت 14: 19. وشكر. رج ما قلنا في التأويل وارتباط هذا النصّ بإطار لوقاوي (في العالم الوثني). أعطى يسوع التلاميذ، والتلاميذ أعطوا الجموع. نحن هنا في جوّ الافخارستيا حيث يوزّع التلاميذُ الطعام.
"فأكلوا جميعهم وشبعوا" (آ 37). رج 14: 20= مر 6: 42. زاد مت "جميعهم". أجل خبز الرب هو من أجل الجميع، ولا يُستبعد عند أحد. "ورفعوا ما فضل من الكسر". لسنا هنا أمام الفتات، بل أمام خبز كُسر وهُيّئ من أجل الذين سيأتون فيما بعد. "وكان الآكلون" (آ 38). ق مر 8: 9 (نحو أربعة آلاف). رج مت 14: 21 وقد تكرّر النصّ هنا في 15: 38.
"وبعد أن صرف الجموع صعد إلى السفينة". ق 14: 22 وبنية العبارة في 5: 1؛ مر 8: 9-10. "ذهب إلى تخوم مغدان" (هناك اختلافات تقول: مغدلة او مجدل). قال مر 8: 10: "منطقة دلمانوتا (مع اختلاف في المخطوطات: ملاغادة، مغايدا، مغيدا). ترد، "مغدان" هنا فقط في كل الكتاب المقدس. وكذا نقول عن دلمانوتا في إنجيل مرقس. لا نستطيع أن نحدّد موقع مغدان. قد تكون قرب شاطىء بحر الجليل. قد نكون هنا أمام اسمين مختلفين لقرية صغيرة تقع على شاطئ بحر الجليل.

4- الوجهة اللاهوتيّة والروحيّة
اقترب الجمع مع مرضاه من يسوع. ودلّت عبارة "وآخرون كثيرون" على أن النصّ يريد أن يشدّد على العدد الكبير من المرضى وعلى خطورة أمراضهم، لا على نوعيّة هذه الأمراض. فنحن نرى في هذه اللائحة ثلاثة أمراض دلّت منذ زمان بعيد على ضيق الشعب الذي ينتظر مخلّصاً: العرج، العميان، الصمّ (أش 35: 5-6). وإذا كانت الجموع قد مجّدت إله اسرائيل، فقد دلّت على أنها عرفته ونسبت إليه المعجزات التي اجترحها يسوع. وقد تكون هذه الجموعُ الأمّم الوثنيّة التي اكتشفت إله اسرائيل في نشاط يسوع، كما اكتشف نعمان السوري إله اسرائيل في أليشاع الذي شفاه.
وجمع يسوع تلاميذه ليُسمعهم أنينه وحبّه من أجل هذا الجمع. ونلاحظ أن يسوع في مت، يحاول أن يشرك تلاميذه في همومه، لأنهم مسؤولون معه. ولا يتأسّف يسوع فقط على جوع ماديّ يصيب الناس الذين يحيطون به. بل هو يتطلّع بالاحرى إلى جوع مسيحانيّ. لقد ظلّت هذه الجموع ثلاثة أيام دون أن تأكل، لأنها فضّلت أن تبقى مع يسوع الذي استشفّت فيه ذاك الذي يجمع في نهاية الأزمنة قبائل اسرائيل المشتّتة.
قالت يسوع في آ 32: لا أريد (او تالو). عبارة خاصّة بمتّى (7: 12؛ 11: 14؛ 3:22؛ 23: 4، 37)، وهي تشدّد على سلطان يسوع الذي يتمّ في الحنان والمحبّة. ليس يسوع شخصًا يحرّك الجموع ويزرع الاضطراب. هو لا "يستعمل" الناس لأغراضه الخاصة، بل يستقبلهم، يجمعهم، يُطعمهم.
ونرى هنا أنه ليس التلاميذ هم الذين قلقوا من أجل الجموع، بل يسوع نفسه: ليس لهم شيء يعطونه للناس. بل لم يتخيّلوا ثانية واحدة أن يسوع يستطيع أن يخرجهم من هذا المأزق. ولكن يسوع فعل مرّة أولى في إطار العالم اليهوديّ مع خمسة أرغفة وسمكتين. وها هو يفعل في العالم الوثنيّ مع سبعة أرغفة وبضع سمكات صغيرات. أمر الجموع فجلست. وقدّم لها الطعام.
حين نقرأ خبر تكثير الأرغفة، نرى أن الانجيل لم يصوّره، بل أشار إليه بحركة سريعة. فالكاتب لا يريد أن يشدّد على تكثير الأرغفة بقدر ما يشدّد على جمع كل الشعب مع يسوع لكي يشبعه. يشبعه من طعام ماديّ، ويفتحه على عالم اسكاتولوجي. وبعد هذا العمل الذي حاول أن "يخفي" سلطة يسوع المسيحانيّة، قطع الربّ كل اتصال مع الناس لكي يتجنّب "ثورة" دينية ووطنيّة. هذا ما أشار إليه يوحنا حين قال بعد تكثير الارغفة: "وإذ علم يسوع أنهم عازمون أن يأتوا ويختطفوه ليقيموه ملكًا، اعتزل في الجليل وحده" (يو 15:6).

خاتمة
خبر ثان لتكثير الارغفة بعد خبر أول. وهو يشدّد تشديدًا خاصًا على حنان يسوع، وعلى جوع الجموع. لا شكّ هي الجموع الوثنيّة الجائعة إلى الخبز، بل إلى كلام الله كما يقول النبيّ ميخا. اتّخذ يسوع المبادرة ولم ينتظر الرسل. فهل لهم أن يتحرّكوا وهم "مسجونون" داخل عالم يهوديّ يتحاشى الاتّصال بالعالم الوثنيّ. التلاميذ أضعف من أن يعطوا طعامًا. ولكن ما هو مستحيل عليهم، غير مستحيل على يسوع. أجلسوا الجموع، فأجلسوها. وأعطي الخبز. وكان ذكر السمك مرّتين ونحن في محيط هلنستي اتّخذ من السمكة رمزًا للتعارف بين المسيحيّين وهي تعني: "يسوع المسيح ابن الله المخلّص". وهكذا انطلق مت، كما فعل قبله مر، من خبر واحد، فقرأه في إطار يهوديّ ثم في إطار وثنيّ بحيث وصل خبز الحياة إلى جميع البشر. ففي المسيح ليس يهوديّ ولا أمميّ، بل جميعهم واحد بعد أن نالوا العماد الواحد.
الفصل الحادي والثلاثون
يسوع تجاه الفريسيون والصادوقيين
16: 1- 12

وجاء الفريسيون والصادوقيون. غريب هذا التحالف بين فئتين متنافستين بل متعارضتين حتى على المستوى اللاهوتي (لا يؤمن الصادوقيون بقيامة الموتى ولا بالملائكة)، حتى لا نقول على المستوى السياسيّ. فالصادوقيون الذين كانوا "رؤساء" الهيكل، زالوا مع زوال الهيكل سنة 70 ب م. أما الفريسيون القريبون من الشعب فتابعوا رسالتهم وسط الشعب، وانتقلوا إلى الجليل، وشدّدوا على دور الشريعة كمركز حضور الله في قلب شعبه.
أما النصّ الذي ندرس (آ 1-12) فيتألَّف من مقطوعتين. تتحدّث الأولى (آ 1-4) عن علامات الأزمنة. بعد أن طلب خصوم يسوع آية من السماء، آية تدلّ على أن يسوع ليس "نبيًا كاذبًا" لا سمح الله. أعطاهم يسوع الآية بعد الآية، ولكنهم لم يريدوا مثل هذه الآيات. لهذا أحالهم يسوع على آيات (علامات) الأزمنة التي تشير إلى مجيء المسيح ولا سيّما ما قام به يسوع من معجزات. وفي النهاية ترك لهم آية يونان.
وفي المقطوعة الثانية (آ 5-12)، يتحدّث الانجيليّ عن خمير الفريسيين والصادوقيين، والخمير عند مت يدلّ على تعليم هاتين الفئتين وطريقة توجيههم للشعب. فالخمير يخمّر العجنة، يؤثّر فيها. أما خمير خصوم يسوع، فلا يمكنه إلاّ أن يحمل الفساد. فلا يبقى على التلاميذ إلاّ أن يحذروا منه.

1- آية من السماء (16: 1-4)
أ- نظرة عامّة
نحن هنا أمام نصّ أدبيّ متشعّب. غير أن ارتباطه بما سبق يبدو واضحًا: إذا كانت الجموع قد تلقّت علامة (آية) تدلت على سلطة يسوع (رج 15: 32- 19 وما يسبقها، تكثير الأرغفة)، فخصوم يسوع لا يرون في هذه الاشفية وفي خبري تكثير الأرغفة، "آية من السماء"، آية أرسلتها السماء لتجعل الناس يصدّقون أقوال وأعمال يسوع.
وبقدر ما نتقدّم في قراءتنا لإنجيل متّى، تأخذ مسألةُ هذه الآية المرتبطة بسلطة يسوع، أهميّة أكبر. قرأنا عنها في 12: 38-42 (آية يونان)، ففهمناها رفضًا من يسوع أن يقدّم آية أخرى سوى آية موته (لا آية قيامته، رج 12: 39؛ كان يونان في بطن الحوت، والمسيح في بطن القبر). إذا كنا قد تساءلنا في ف 12 حول نوايا محاوري يسوع، فنحن نرى الآن أن الأناجيل الازائية الثلاثة (38:12-39؛ مر 8: 11-13؛ لو 11: 29؛ 54:12-56) تشدّد على أن الخصوم نصبوا ليسوع فخًا. ذاك هو معنى فعل "بايرازو" في هذا السياق.
في نصّ مر 8: 11-13 الموازي، كان جواب يسوع بالسلب اطلاقًا: "لن يُعطى هذا الجيل آية" (ثم تركهم ومضى إلى العبر كأنه رفض أن يتابع الكلام معهم). ثم إن نصّ مر هذا لا يشير أبدًا إلى يونان الذي قد لا يعرفه قراؤه. وسار مت في خطّ مر، ولكنه تأثّر بالمضمون التقليديّ الذي نقرأه في مت 12: 38-42، فلمَّح هنا مّرة أخرى إلى يونان: لن يعطى آية إلاّ آية يونان: فكرازة يونان كفت أهل نينوى. أما تكفي كرازةُ يسوع؟ وإذا كانت الكرازة لا تكفي، فموت يسوع وقيامته سيكونان آية الآيات، كما قال ذلك بشكل خاص الانجيلُ الرابع.
غابت آ 2-3 في عدد من المخطوطات الهامّة مثل السينائي والفاتيكاني. وقد زادهما الناسخ ربّما عائدًا إلى لو 12: 54-56 لأنهما لا يتوافقان مع سياق النصّ هنا. في لو 12، توّجهت هاتان الآيتان إلى الجموع (آ 54: وقال أيضًا للجموع) لا إلى الفريسيّين والصادوقيّين.
هناك فرضيّة قديمة قد يكون لها بعض الصحّة، ونحن نوردها كما قالها أحد الشرّاح: إن المعجزة التي طُلبت من يسوع شبيهة بتلك التي طُلبت من الساحر توداس (رج العاديّات اليهوديّة 20/ 5: 1). وهكذا يتجمّع محازبوه بعد أن يروا في هذا "العمل" آية تدلّ على بداية الثورة المسيحانيّة. هكذا نفهم رفض يسوع القاطع الذي لم يرافقه أي شرح للناس، ولا تعليم للتلاميذ. وبعد أن قطع يسوع الحوار، ترك حالاً الموضع الذي وصل إليه منذ وقت قصير. فقد رأى أن هذا الطلب يجعل رسالته في الجليل عديمة الفائدة ومستحيلة. هي فرضيّة معقولة. لكن الانجيل لا يتوخّى أن يفسّر لنا تصرّف يسوع التاريخيّ في هذا الوضع أو ذاك، بل أن يبرز الأسباب العميقة لخلافه مع رؤساء شعبه.
ب- الدراسة التفصيلية
أولاً: البنية
تروي هذه المقطوعة (آ 1-4) أولاً: ما عمله الفريسيون. ثانيًا: ردّ يسوع على عملهم. ثالثًا: انصراف يسوع المفاجئ. ويشدّد الانجيليّ على جواب يسوع الذي رُتِّبت كلماته في ثلاث درفات: آ 2- 3أ، آ 3 ب ج، آ 4أب.
1- جاء الفريسيون، جربوا يسوع. سألوه (آ 1).
2- جواب يسوع (آ 2-4 ب).
أ- قراءة الطقس (آ 2 ب- 3 أ).
أولاً: تعرفون مسبقًا الطقس الجيد (آ 2 ب).
ثانيًا: تعرفون أيضًا الطقس الرديء (آ 3 أ).
ب- علامات الأزمنة (آ 3 ب ج).
أولاً: تعرفون أن تفسّروا السماء (آ 3 ب).
ثانيًا: لا تعرفون أن تفسّروا علامات الأزمنة (آ 3 ج).
ج- هذا الجيل والمصير الذي ينتظره (آ 4 أب).
اولاً: هو يطلب آية (آ 4 أ).
ثانيًا: لا يعطى له إلاّ آية يونان (آ 4 ب).
3- تركهم يسوع ومضى (آ 4 ج).
ثانيًا: المراجع
إن آ 1 ترتبط بمرقس (8: 11). وآ 4 تتبع المعين (39:12= لو 11، 29). أما آ 2-3 فتطرحان مشكلة. هناك ما يوازيهما في لو 12: 54-56. لهذا ظنّ البعض أن هذا يكفي ليجعل مت 2:16-3 يعود إلى المعين مع لو. غير أن الاختلاف بين هذا النصّ المتاوي ولو 12: 54-56 هو كبير جدًا. على مستوى الالفاظ، 6 كلمات من أصل 27، أو 28 كلمة. الترتيب مختلف. تأتي العاصفة أولاً في لو، ثانيًا في مت. والموضوعان مختلفان. استند لو إلى السحاب والريح. واستند مت إلى لون السماء. غير أن التشابهات تدلّ على ارتباط بين مت 3:16 ب ج ولو 12: 56. وهكذا يعود نصّ مت إلى نصّ لو (ما يسمى اللوقاويّات، أو الامور الخاصة بلوقا)، أو إلى المتاويّات (أي الأمور الخاصة بمتّى).
قد يعود النصّان الى قول واحد ليسوع. انطلق الربّ من مثَل حول الطقس، ثم وبّخ الجمع لأنه لا يقدر أن يدرك مدلولا رسالة يسوع. أما الاختلافات بين نصّ وآخر، فتُعزى الى تحوّلات برزت حين انتقل النصّ إلى صيغته النهائيّة. بما أن النصّ لم يتوافق مع مناخ فلسطيني (يأتي السحاب من الغرب، من البحر، فيحمل المطر. أما الآتي من الجنوب، من الصحراء، فيحمل الحرّ والجفاف). فقد يكون مت انطلق من لو وحاول أن يكيّف كلماته مع الطقس الذي يسيطر على منطقة يعيش فيها.
ثالثًا: التأويل
ما زال مت يتبع مر. فيقدّم خبرًا حول قول من أقوال يسوع. فرغم كل ما عمل يسوع وقال، ظلّ رؤساء اليهود على موقفهم وجرّبوا يسوع، وطلبوا منه طلبًا قد لا يستطيع أن يلبيّه. نحن أمام أشخاص من نوع خاص. يعلنون أنهم يبحثون عن الحقيقة ويطلبون اليقين، ومع ذلك يرفضون الحقّ الذي يواجههم. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، بما أنه لن يعطى لهم سوى آية يونان، فالخبر يعلّمنا أن طريق الله ليست في أن تكرهنا على الايمان بواسطة عجائب ومعجزات. إقناعه يأتي بطريق غير مباشر، بحيث يطلب إيمانًا حقيقيًا.
لا ننسى إمكانيّة وجود رباط بين 15: 32-39 (إطعام أربعة آلاف) و 16: 5-12 (خمير الصادوقيين والفريسيين). بل ورباط بين 15: 32-39 و6: 1-4. فمعجزة إطعام الناس تعود بنا إلى معجزة مماثلة اجترحها إيليا ساعة يذكر 16: 1-4 يونان. فحسب 1 مل 17، شفى إيليا ابن الأرملة، وبعد ذلك تماهى ابنها مع يونان (حسب التقاليد اليهوديّة). وبعد ذلك تمّ الشفاء لابن الارملة بيد ايليا، قيامة من الموت. وفي نظر مت، آية يونان هي قيامة يسوع. قد نكون هنا أمام نمطيّة (تيبولوجيا) في خلفيّة 15: 32-16: 4 طلب هذا الجيل آية ولكن عبثًا. غير أنه أرسلت إليه آية اعظم من إيليا، آية تذكر ما اختبره يونان.
وقد تكون آية يونان اعتراف بطرس. فبطرس سميّ بن يونا (بن يونان) في 7:16. ووحيه الآتي من السماء قد يشبه آية من السماء. ولكن في 12: 40، تماهت آية يونان مع قيامة يسوع. ونجد الشيء عينه في ف 16.
وماذا عن صحّة هذه المقطوعة؟ رجع مت إلى مر 8: 11-13 الذي دار حول كلمة قالها يسوع. غير أن القول حول يونان (في المعين) يرتبط بالربّ (رج 12: 38)، وقد جاء جوابًا إلى الذين طلبوا منه معجزة.
ج- تفسير الآيات
أولاً: الفريسيون والصادوقيون (آ 1)
الفريسيون والصادوقيين تعاهدوا (وهذا لا يعقل) من أجل قضيّة مشتركة ضد عدوّ يُطلّ في الافق (رج 3: 7، كذلك جاؤوا معاً إلى يوحنا). جرّبوا يسوع. طلبوا آية من السماء (في 12: 38، الكتبة والفريسيون طلبوا آية). في الحقيقة، هم لا يطلبون من يسوع آية تدفعهم إلى الايمان، بل يحاولون أن يجعلوه يعثر فيعيّره الشعب. هو سؤال مراء، وهم يعتقدون أنه لا يستطيع أن يعطي مثل هذه الآية. أما بالنسبة إلى القارئ المتعاطف مع يسوع، الذي اختبر معجزة تكثير الأرغفة للأربعة آلاف، فطلبُ آية عجيبة أمرٌ يدعو إلى السخرية، وهو علامة عمى روحي.
"وتقدّم إليه الفريسيون". رج مر 8: 11 (ق 12: 14= مر 3: 6)، الذي لا يذكر الصادوقيين. زاد مت الصادوقيين (الذين يقيمون فقط في أرض يهوذا، عكس الفريسيّين الذين توزعوا في كل أرض فلسطين)، لأنه سوف يتحدّث عن هذا الجيل الذي يضمّ هاتين الفئتين (16: 16؛ 8: 15). "طلبوا آية". رج خر 17: 2 (جرّب العبرانيّون موسى في البريّة، جرّبوا الرب، آ 7)؛ رسالة إرميا 66 (تتحدّث عن الآلهة الكاذبة مع علامات من السماء)؛ لو 16:11؛ يو 26:6 (بعد تكثير الخبز). كانت جملة مرقس طويلة (11: 4 ج د) فأوجزها مت كعادته، وترك فقط ما هو ضروريّ.
أما عن طبيعة الآية المطلوبة، رج 12: 38. لقد عمل يسوع وتكلّم، وهذا كله علامة من السماء. ولكن ما عمله يسوع لا يكفي ليفرض الايمان. هم ينتظرون صوتاً من السماء (يتكلّم كما في عماد يسوع أو تجلّيه)، وهذا ما يتعارض مع كل الآيات الارضيّة التي عملها يسوع حتى الآن. أترى انتظروا من السماء علامة لا لبس فيها، اسكاتولوجيّة، دراماتيكيّة، كونيّة. ق مت 24: 27، 30؛ مر 13: 24-25 (الشمس والقمر يسودّان، تتساقط النجوم)؛ لو 11: 11، 25؛ رؤ 12: 1، 3.
ثانيًا: جواب يسوع (آ 2-3)
"فأجاب وقال لهم" (رج 12: 39). ترد العبارة خمس مرات في مت، 2 في مر، صفر في لو، وهي تبدأ جواب يسوع. "إذا كان المساء قلتم". ق لو 12: 54. "اوديا"، أي الصحو. ويقابله "غاليني" (عاصفة). "خايمون" يعني المطر (24: 20 وز؛ يو 10: 22). هنا العاصفة أو العاصفة التي تحمل المطر (أع 27: 20). نشير إلى أن الصيّادين هم الذين اعتادوا أن ينظروا إلى السماء: يُبحرون أو لا يُبحرون.
"تعرفون وجه السماء". رج لو 12: 56. سقطت لفظة "الأرض" من نصّ مت (نقرأ في لو: وجه الأرض والسماء)، كما سقطت عبارة "أيها المراؤون". إن لفظة "كايروس" تعني الزمن المؤاتي. ترد اللفظة في الجمع (رج 21: 41) وفي المفرد. وهو معنى اسكاتولوجي كما هو الأمر هنا. عاد يسوع إلى الزمن الأخير الذي يحدّده الله، وفيه يطلب من كل انسان أن يأخذ قراره الشخصيّ.
قال انجيل توما (91): "تتحقّقون من وجه الأرض والسماء، ولا تعرفون ما هو أمامكم، ولا تعرفون أن تتحققوا من هذا الزمان". استقلّ انجيل توما عن مت ولو. وقد نكون أمام تقليدين مختلفين.
ثالثاً: جواب يسوع (آ 4)
وختم يسوع كلامه رافضًا طلب الفريسيين والصادوقيّين. ثم انصرف. إن آية يونان التي ستُعطى في المستقبل هي كافية. لا يريد الربّ أن يقوم بعرض يُدهش الناس، ولا أن يفرض على الشعب أن يؤمن. ويُطرح سؤال: كيف نوّفق بين كلام يقول إن آية واحدة تُعطى، مع يقين مت أن معجزات يسوع هي آيات وعلامات (11: 1-24؛ 3:16-4)؟ هل ميّز الانجيليّ بين الآيات في صيغة الجمع، والآية في صيغة المفرد (آية من السماء، آيات فيها طرد الشيطان)؟ ربّما
"جيل شرير فاسق". رج مر 8: 12: "لماذا يطلب هذا الجيل آية"؟ ق مت 38:12. تجنّب مت أن يضع سؤالاً في فم يسوع. وجاء كلامه هنا شبيهًا بما في 39:12. "ولن يعطى آية إلا آية يونان". كان جواب يسوع سلبيًا: "لا تُعطى آية لهذا الجيل" في مرقس. أما مت فتحدّث عن آية يونان. حسب مت، قيامة يسوع هي الآية التي تُعطى لهذا الجيل (38:12-39). ومن السخرية أن يتحدّث النص عن القيامة ساعة ينكر الصادوقيون قيامة الموتى.
"ثم تركهم ومضى" كما في مر 8: 13. ترك يسوع الفريسيين والصادوقيين الذي لم يهتّموا لكلامه. ليس من الممكن إقناعهم بالحقيقة. فتركهم في مشورتهم التي لا شيء يبدّلها. فحتّى قيامة الموتى من القبور لن تقنعهم (28: 11-15، رصد ما قال ابراهيم للغني في لو 16: 31).
العبرة الاساسيّة التي نأخذها من 16: 1-4 هو أنهم وإن رأوا فلن يؤمنوا. فإذا كان الفريسيون والصادوقيون لم يقتنعوا بأعمال القوة (دينامايس، معجزات) التي اجترحها يسوع، فلا تنفعهم آية عظيمة تطلّ من السماء (لو 16: 31). فالحقيقة هي ما لا يراها الانسان حتى يؤمن. لأن الايمان الذي يمسك النفس هو الذي يقود الانسان إلى الإدراك. لذلك فمن العبث أن ننتظر من القلوب القاسية والعقول المغلقة أن تتبدّل حين ترى أعمال القوّة. والمعجزات الانجيليّة التي تشير إلى حضور الله في يسوع، التي تحمل الشفاء والخلاص، تحمل الخير إلى البشر، هذه المعجزات ليست أمورًا خارقة تحاول أن تقنع الرافضين. ما يطلبه الانجيل من الانسان هو محبّة الله وثقة بمسيحه، لا قبولاً عقلانيًا لمعجزات تدلّ على قدرة يسوع. من عادة الله أن يختفي ويصمت حين يتحدّاه اللامؤمن. وأعظم سروره أن يعرّف بنفسه لمن يؤمن. "فمن له يُعطى ويزاد" (13: 12).
د- خلاصة
اجتمع الفريسيون والصادوقيون (غابت أل التعريف من أمام الصادوقيين). الفريسيون وصادوقيّون. هل يعني بعضًا منهم؟ هل يعني أنه ضمّهم في مجموعة واحدة، مع أنهم أعداء، ومع أنهم لم يتّفقوا يومًا على مشروع موحَّد. إنهم يمثّلون العالم اليهودي بمجمله. أما تماسكهم ضد يسوع، فيُبرز خطورةَ السؤال الذي سيطرحونه عليه. قد نكون هنا أيضًا في وضع تاريخيّ يعيشه العالم اليهوديّ ساعة دوّن الانجيل الاول. ما زالوا ينتظرون علامة. ولكن لا ننسى أن العالم اليهودي في سورية وفلسطين في السنوات 80- 90، كان يسيطر عليه الفريسيون بعد أن زال الصادوقيون (رج 3: 7؛ 22: 23، 34. لم تجتمع هاتان الفئتان إلاّ في النصّ الذي نقرأه الآن).
آية من السماء. آية آتية من السماء. هي آية يمنحها الله ليسوع بشكل ظاهر. معجزة تسمح له بأن يمارس رسالته لدى الشعب. نشير هنا إلى أن "السماء" تعني "الله" (ملكوت السماوات أي ملكوت الله). في التقليد الازائي، ولا سيّما في مت، يظهر موضوع الآية في مواضيع ثلاثة: 12: 38؛ 16: 1؛ 3:24. في 12 و16، تُفهم اللفظة في المعنى اليهوديّ الرسميّ، تُفهم كشهادة مسيحانيّة ملموسة تفرض على الناس أن يؤمنوا: كانت نظرة اليهود المسيحانيّة سببًا في عماهم، فانتظروا من يسوع آيات أو براهين تدلّ على قدرته. إن كان هو المسيحَ حقًا، فهو لا يستطيع أن يرفضها. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تعلن الأناجيل أن يسوع أحاط نفسه بعدد من الآيات، ولكن لا تلك انتظرها اليهود. ومن سخرية القدر أن تكون الآيات التي رافقت حياة يسوع ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالكتاب المقدس (11: 5 ي). أما قرأ الفريسيون الكتاب؟ وإن قرأوه هل عرفوا أن يقرأوه؟ فلو عرفوا لاكتشفوا يسوع، لأن الكتاب كلّه يتحدّث عن يسوع، كما يقوله يوحنا في إنجيله.
ويقدّم يسوع جوابه. يعرفون أن يتميّزوا ويفسّروا العلامات التي تدلّ على طقس جيّد أو طقس ممطر. ولا يعرفون أن يقرأوا علامات الأزمنة وعلامات هذا الزمان (لو 12: 56). إذن، هم عميان. هم لا يعرفون أن يروا آية الله في شخص يسوع ونشاطه، في الاشفية المتعدّدة وتكثير الأرغفة... مثل هذه الآيات كافية من أجل التوبة في يوم الدينونة، في أيام المسيح.
أما تمييز الآيات (دياكريناين في مت، دوكيمازاين في لو، ميّز)، فليست قضية حدث ولا براهين. ففي رأي متّى، اليهود هم مسؤولون عن عماهم. وإذا كانوا ما اكتشفوا علامات الملكوت في شخص يسوع، فلأنهم منذ زمان طويل ابتعدوا عن الينابيع الحقيقيّة للتمييز الروحيّ. عماهم جماعي لا فردي، وهو يعود إلى أجيال وليس ابن ساعة.
إن لفظة "جيل" دلّت أولاً على اليهود في زمن يسوع. ثم دلّت على اليهود الذين هم صورة عن البشريّة التي ترفض المسيح يسوع. تلك هي أقلّه فكرة الانجيل الرابع. قال بولس: "اليهود يطلبون الآيات" (1 كور 1: 22). لن يعطيهم يسوع آية، بل يذكّرهم بآية يونان الذي غرق في البحر ثم نجا من الموت. إنه صورة عن يسوع الذي دخل القبر وذهب إلى عالم الموتى قبل أن يقوم من بين الاموات. فهل يحتاج اليهود العائشون في أيام متّى آية أعظم من هذه الآية؟ 

2- خمير الفريسيين والصادوقيين (16: 5- 12)
بعد أن رفض يسوع أن يعطي الفريسيين والصادوقيين آية، ها هو يحذّر تلاميذه من تعليم وجهاء الشعب اليهوديّ. يحذّرهم من خمير الفريسيين والصادوقيين (ق مر 8: 14- 21؛ لو 12: 1). بعد نظرة عامة إلى المقطوعة الثانية في هذا الفصل، ندرس تفاصيل آياتها.
أ- نظرة عامّة
كانت هذه الآيات مصدر حيرة بالنسبة إلى الشرّاح. ولكن إن تخلّينا عن الشرح السيكولوجيّ او السيروي الذي نفرضه عليها، يبدو تماسكها الداخليّ وارتباطها بما سبق بشكل مباشر، واضحًا بما فيه الكفاية: حذّر يسوع تلاميذه من الفريسيين والصادوقيين الذين تحدثنا عنهم في آ 1-4، واستعمل يسوع في كلامه نهجًا معروفًا في العالم اليهوديّ. انطلق من كلمة وردت في الحديث مع تلاميذه (الخمير)، فدلّهم على أن هناك خميراً يجب أن يهتمّوا به أكثر من اهتمامهم بزاد اليوم والخبز الذي نسوا أن يأخذوه معهم.
إذن، لام يسوع تلاميذه في أمرين. الأولى، لو اعتقدوا حقًا بالمنظِّم الاسكاتولوجي (ها هي قد أتت الأيام الأخيرة) للوليمة المسيحانيّة التي تمّت حين كثّر يسوع الأرغفة وأطعم بها أربعة آلاف (15: 29 ي)، كما اهتمّوا كل الاهتمام بوجبة الطعام القريبة. الثاني: لو فهموا حقًا بُعد الجدال بين معلّمهم وخصومه، لتكلّموا بين بعضهم عن أمور أخرى غير أمر الزاد في الطريق.
إن المواضيع التي تتضمنّها هذه الآيات، وإن جاءت من خبر مر، تميّز أسلوب متّى، ولا سيّما التقابل بين شكّ التلاميذ وارتيابهم (اوليغوبستوس في آ 8. لفظة خاصة بمتّى في هذا الخبر، قليل الايمان)، وتذكّرهم (أو لا تذكّرهم منيمونواتي) بآيتي الخبز اللتين حصلتا. ولكن يبقى هذا تذكّرًا غير كاف وغير ثابت.
ونقدّم خمس ملاحظات. الاولى: لم يتردّد مرقس ومتّى في الاشارة الى الشكّ واللافهم عند التلاميذ (آ 5) حالاً بعد خبري تكثير الأرغفة. ومع ذلك فقد أشركهم يسوع إشراكًا حميمًا في ما فعل. إذن، لم تكن تلك الآية شفّافة الى درجة تدفع التلاميذ الى الايمان. هذا ما ندركه في انجيل متّى وفي الكنيسة المتاويّة. الثانية: إن مت الذي اعتاد أن يستعمل العهد القديم مرارًا في أخباره، لم يفعل ما فعله مر حين عاد الى إر 5: 21 (الشعب الفاقد اللب الذين لهم عيون ولا يبصرون، ولهم آذان ولا يسمعون)؛ حز 12: 2 (هم بيت تمرّد، لهم عيون ليروا ولم يروا...) (لا نخلط هذين النصين مع أش 9:6-10 الذي ورد في مت 13: 14-15 وز). كان اهتمام متّى تربويًا فأوجز مر. الملاحظة الثالثة: إذ أراد مت أن يجعل نصّه واضحًا على مستوى التعليم، زاد آ 12 التي تقول بوضوح إن الخمير الذي يجب أن نتنبّه منه هو تعليم الفريسيين والصادوقيين. في هذا السياق، قد لا نكون أمام تعليمهم بشكل عام، أو أمام بعض الاشخاص منهم، بل أمام ما يقولونه عن الآيات المسيحانيّة (آ 1). الرابعة: إن المعنى المعطى لتكثير الأرغفة في هذه الآيات، هو عون يحمله يسوع إلى تلاميذه الجائعين، دون أي تلميح الى الوليمة المسيحانيّة في نهاية الأزمنة.
والملاحظة الخامسة والاخيرة: لمّح نصّ مر (آ 15 ب) حين زاد "وخمير هيرودس" إلى كل انواع الاضطهاد حتى ذلك المرتبط بالسلطة السياسية، ولم يكتف فقط بالحديث عن "تعليم" تقدّمه هاتان الفئتان المسيطرتان على الحياة الدينيّة في العالم اليهوديّ.
ب- الدراسة التفصيليّة
أولاً: البنية
تتضمّن هذه المقطوعة ثلاثة أقسام رئيسيّة. بدأت مع مقدّمة إخباريّة (آ 5)، وتواصلت مع حوار امتدّ في آ 6- 11 وانتهت في ملاحظة تُجمل معنى المقطوعة: "حينئذ فهموا" (آ 12). إن الحوار الذي نجد فيه ثلاث "خطبات" قصيرة (عكس مر)، اثنتان ليسوع وواحدة للتلاميذ، قد وُضع في قلب المقطوعة، وهو يبدأ وينتهي باللفظة الواحدة فيشكِّل تضمينًا. نقرأ في آ 6 ب: "إياكم وخمير الفريسيين". وفي آ 11 ب: "إياكم وخمير الفريسيين".
ثانيًا: المراجع
حين نتفحّص هذه المقطوعة، نحسّ أن مت 16: 5-12 ليس مرجع مر 8: 14- 21 (ليس في لو ما يوازي مر 8: 14- 21، بل نسخة عن قول يسوع نجده في مر 8: 15 وز، هو لو 12: 1. قد تكون في المعين أو اللوقاويّات)، ولا مر مرجع مت. فإذا جعلنا جانباً الاختلافات الاسلوبيّة الخاصّة بكل انجيلي، يختلف الخبران أولاً حين يصوّران التلاميذ. فالتلاميذ في مت لم يفهموا بشكل مؤقت مدلول كلمة يسوع. أما في مر، فقلوبهم عمياء، فهم لا يفهمون شيئًا. قد نستخلص من هذا الواقع أمرين. (1) أو أن مت حسب الاتجاه الذي نعرفه عنه في أمكنة أخرى، قد جعل التلاميذ يفهمون. (2) أو أن مر الذي اعتاد أن يدلّ على قلّة الفهم عند التلاميذ، قد حوّل المرجع المتّاويّ بحسب نظرته.
وهناك اعتبار آخر. بعد أن حيّر مت 16: 5-12 الشرّاح، فليس المعنى بصعب لكي نفهمه. والآيات تسير معًا فتؤلّف كلاً متماسكًا. ولكن الامور تختلف عندما نقابل مت هذا مع مر 8: 14- 21. فتفاسير هذا المقطع المرقسي تختلف كثيرًا بعضها عن بعض، والنصّ يطرح عدّة أسئلة. مثلاً، ما هو مدلول "الخبزة الواحدة"، الرغيف الواحد، الذي كان معهم في السفينة (لا نجد هذا في مت)؟ ولماذا بالضبط وبّخ يسوع تلاميذه؟ إذا كان لأنهم لم يفهموا كلامه، فكلامه بدا صعباً. وإن كان وبّخهم لأمر آخر، فلماذا لم يوضحه النصّ؟ في الانجيل الأول، ان استعمال "اوليغوبستوس" في 16: 8، يدلّ على أن التلاميذ تركوا الاهتمام بالطعام في خطّ 30:6 (ما الذي لا يعمل لكم يا قليلي الايمان؟).
ونتابع الاسئلة حول نص مر. ما هو المدلول الذي توّخاه مر حين ذكر هيرودس (جعل مت الصادوقيين محلّ هيرودس)؟ ما هي وظيفة مر 8: 15 (خمير الفريسيين وهيرودس)؟ هل أقحمت الآية الانجيلية هنا فبدت في غير موقعها؟ هل من علاقة بين التشبيه حول خمير الفريسيين وخمير هيرودس في آ 15، وبين معجزَتي تكثير الخبزات؟ أم نفرض أن آ 17- 21 تذكّرنا فقط برد يسوع على جدال التلاميذ في آ 16؟ حين نرى تشعّب النص في مر 8: 14- 21 وكثرة الاسئلة التي يطرح، ونقابله مع مت 16: 5-12 الواضح جدًا، نظنّ أن مت أخذ مر وحسّن تعبيره ولغته. وهكذا نرفض قول البعض الذي اعتبر أن مر أخذ مت. فاذا كان قد فعل حقاً، فلماذا حوّل نصًا واضحًا إلى لغز معقّد؟ وهناك فرضيّة نقدّمها وهي تقول بوجود مرجع أول أخذ منه كل من مت ومر.
ثالثاً: التأويل
إذا أخذنا بأولويّة مر بالنسبة إلى مت، ننسب التبديلات في النص المرقسي إلى الانجيلي الأوّل. (1) اختصر مت خبر مر (رج 16: 19-10 الذي يختلف عن مر 17:8 ج-20). (2) حسّن مت أسلوب مر (نجد في مت: انتبهوا واحذروا. ترك مر حرف العطف). (3) أحلّ مت محلّ هيرودس (مر 8: 15) الصادوقيين (مت 16: 6)، فاستعاد عبارة ثابتة في كنيسته: الفريسيون والصادوقيون. أي كل الطبقة الدينيّة الحاكمة في أورشليم. (4) ألغيت تلميحات العهد القديم في مر 18:8 (إر 5: 21؛ حز 12: 2) التي تطبّق على التلاميذ العميان، لا لأن مت أضاع المراجع، بل بحثًا عن تماسك مع 13:10- 17 (رج 16: 9). (5) ألغيت أجوبة التلاميذ على أسئلة يسوع (مر 8: 19- 20) (قالوا: اثني عشر. قالوا: سبعًا). لا شكّ في أنهم يعلمون. (6) كرّر مت تنبيه 6:16 (= مر 15:8) في النهاية، فشكّل كلامُه تضمينًا. (7) ألغيت خاتمة مر (وقال لهم: أفلا تفهمون بعد؟)، وجعل مت مكانها قولاً يدلّ بكل وضوح على أن التلاميذ يستطيعون أن يفهموا. "عندئذ فهموا".
ثلاثة مواضيع تشرف على الفهم المتاويّ في 16: 5-12: يسوع هو الذي يؤمّن الحاجات الماديّة، حاجات الجسد من طعام وشراب كما الله في البرّية. يسوع هو الذي يعلّم التلاميذ. أما رؤساء اليهود، فما يعلّمونه هو ضلالة خطير. إن الموضوعين الاخيرين (يسوع يعلّم، والرؤساء أيضًا، ولكن أي تعليم) يشرحان السبب للتبديلات (بين نصّ مت ونص مر) التي تحدّثنا عنها. إن وضع يسوع كمربّ قد برز حين خفّف من لافهم التلاميذ، مع الخاتمة: إن كلام يسوع قادهم إلى الفهم. وتبديل آ 15 من مر بحيث صارت "تحذيرًا من الفريسيين والصادوقيين"، وتضمين الجملة في تنبيه يتكرّر مرّتين، يقودان إلى نقطة تدفع التلاميذ إلى الحذر من تعليم الرؤساء الدينيّين في العالم اليهوديّ.
ما هو الاساس التاريخي لنصّ مت 16: 5-12= مر 8: 14-21؟ إن المقطوعة المرقسيّة هي تأليف تدوينيّ. هي لا تفترض فقط معجزتين فيهما أطعم يسوع الجموع (نحن في الواقع أمام تكرار للمعجزة الواحدة. كُتب النصُّ الأوّل لجماعة يهوديّة، والثاني لجماعة وثنيّة) بل تفترضهما في تعبير مرقسيّ. فالواقع الأكيد هو أن قول 16: 6= مر 8: 15 (رج لو 12: 1، خمير الفريسيين الذي هو الرياء) صحيح من الوجهة التاريخيّة. نجده في مر والمعين أو في اللوقاويّات، ولا يبدو مبنيًا في إطار بعد فصحّي، ولا سيّما حين يذكر هيرودس. ولكن الشيء الذي أراد يسوع أن يعنيه بهذه الكلمة هو أمر آخر. هل يشير إلى رياء الفريسيين وخبثهم كما يقول لوقا؟ هل كان مت على حقّ حين قابل بين خمير الفريسيين وتعليمهم؟ هل تطلّع يسوع في ذلك الوقت إلى وضعهم حين طلبوا آية (12: 38؛ لو 8:23)، أو هل اكتفى بميول خصومه الشريرة (استعمال الخمير في النصوص الرابينية)؟ هل كان كلام يسوع تحذيرًا من مسيحانيّة خاطئة، أو جزءًا من البحث عن مصلحة سياسيّة، أو تلميحًا إلى الخطر الذي تشكلّه مؤامرة الاعداء على يسوع؟ كل هذه الامكانيّات قد أشار إليها الشرّاح، ولا نعرف ماذا نختار.
ج- تفسير الآيات
أولاً: نسوا الخبز (آ 5-7)
"وفيما التلاميذ يعبرون" (آ 5). ق مر 8: 14: "نسوا أن يأخذوا خبزًا، ولم يكن معهم في السفينة سوى رغيف واحد". أخذت الكلمةُ الأولى والكلمة الأخيرة في مت آ 5 من مر 8: 14. "والعبر" من مر 13:8. كانوا قد نسوا. نحن في الماضي البعيد. استعمل مت المصدر، فأسند التبديل الذي أدخله في آ 5. في مر جرى الحوار في السفينة وساعة اجتياز البحيرة. أما مت، فحين أدرج "وإذ كانوا يعبرون" قبل "إلى العبر" التي هي آ 13 في مر، فقد أراد أن يوضح أن فاعل "نسي" لا يتضمّن يسوع. فالتلاميذ نسوا، لا الربّ. هذا يعني أن كل ما يلي لم يحصل خلال اجتياز البحيرة، بل بعد أن وصلوا إلى العبر، إلى الشاطئ المقابل.
"قال لهم يسوع" (آ 6). رج 13: 57. زاد مت لفظة "يسوع" كما اعتاد أن يفعل مرات كثيرة. "أنظروا واحذروا". رج مر 8: 15 الذي لم يضع حرف العطف، فحسّن مت النصّ. جعل مت محل هيرودس "الصادوقيين". إذا كان الخمير يعني التعليم الكاذب الذي يقدّمه الفريسيون والصادوقيون، فما هو التعليم الذي يقدّمه هيرودس. وجمع مت الفريسيّين والصادوقيين ليدلّ على أن رؤساء اليهود كوَّنوا جبهة واحدة ضدّ يسوع (3: 7؛ 16: 1).
الخمير. سيقول عنه مت إنه التعليم. إنه يرمز إلى الفساد، والتأثير الذي يفسد هو يدلّ على الميول الشريرة التي وإن كانت بسيطة تتكاثر فتُفسد الكل (33:13)، تؤثّر في الكلّ. وقد يدلّ الخمير فقط على "تأثير" أي شيء على شيء آخر. من هذه النظرة، تتّخذ لفظة الخمير وجهة سلبيّة بسبب ما سبق (احذروا)، وما يصف به يسوع الفريسيين والصادوقيين.
بما أن الخمير يُمنع في اسبوع الفصح، ويُستبعد من بعض الاحتفالات الذبائحيّة (خر 23: 18؛ لا 2: 11؛ 6: 16-17)، فلأن مسيرة "التخمير" ترتبط بالتفكّك والانحلال وهكذا يدلّ الخمير على الفساد. وهناك من زاد: "إن استبعاد الخمير خلال اسبوع الفصح يدلّ على أن التحرّر من الطبيعة... يتضمّن تجديدًا اخلاقيًا وروحيًا، فلا يجب أن تصيبه نجاسة أخلاقية".
"ففكّروا في أنفسهم" (آ 7). نجد العبارة عينها في ترجوم أيوب 3:2. اخذوا يتناقشون ويقدّمون البراهين. إن الاداة "هوتي" هي سببيّة: لأنه إذا كان الرب قد نبّه التلاميذ من خمير الفريسيين، فلأن الزاد الذي معهم ليس بكاف. وقد تتقابل النقطتان في خطبة غير مباشرة. أخذوا يفكّرون: "لم نأخذ خبزًا". 
"ديالوغيزوماي" (+ في أنفسهم). لا ترد العبارة أبدًا في السبعينية ولا في لو، بل مرّة واحدة في مر، وثلاث مرات في مت. رج مت 21: 25 الذي يختلف عن مر 11: 31. قد نكون هنا أمام حوار بين التلاميذ.
ثانيًا: فعرف يسوع (آ 8- 10)
قد يكون مت زاد لفظة "يسوع" كعادته، أو أبقى عليها إذا وُجدت. لا يبدو أنها غابت من مر 8: 17 أ حسب السينائي والفاتيكاني والبازي واللاتينية العتيقة. علم فقال لهم: "لم تفكّرون في أنفسكم". زاد مت هذه العبارة ليبرز التوازي مع آ 7. "يا قليلي الايمان" رج 6: 30 (اوليغوبستوس). جاءت اللفظة هنا موافقة للسياق، لأن التلاميذ لم يدلّوا فقط على لافهم كلام يسوع، بل دُهشوا لما رأوا الزاد الذي معهم، وهكذا يستخلص القارئ أن الجدال حول الخبز (آ 7) يقود الى الهمّ والقلق الماديّ.
"أفلا تذكرون" (آ 9)؟ لخَّص مت نصّ مر 17:8 ج- 19. فإذا وضعنا جانبًا فعل "أخذ" (لمبانو)، فكل كلمات مت موجودة في مر. كثّف مت نصّ مر، بدَّل بعض الامور من أجل تحسين الاسلوب. وبالاخصّ ألغى الملاحظة التي تتحدّث عن قلوب قاسية مع التلميح إلى الكتب المقدّسة. "لهم عيون ولا يرون، لهم آذان ولا يسمعون". هذا الكلام ينطبق على اليهود لا على التلاميذ (لهذا ألغاه مت) الذين قيل لهم: "هنيئًا لعيونكم لأنها ترى، ولآذانكم لأنها تسمع" (مت 13:13-17). أجل، لا يستطيع يسوع أن يوبّخ التلاميذ بعد أن هنّأهم. ويقول لنا مت في النهاية: "فهموا أنه يحذّرهم، لا من خمير الخبز، بل من تعليم الفريسيين والصادوقيين" (آ 12). في مناسبة أخرى، تحدّث مر 6: 52 عن الرسل الذين لم يفهموا لأن "قلوبهم كانت عمياء". أما الانجيل الأول فترك هذه الملاحظة جانبًا، وجعل الرسل يعلنون: "أنت ابن الله" (مت 14: 33).
إن فعل "منيمونوو" (هنا فقط في مت) يعني في آ 9 أكثر من نشاط عقليّ. تذكّر (رج "ز ك ر" في العبريّة). تنبّه. اهتمّ. وضع في قلبه. فلا يكتفي التلاميذ بأن يتذكَّروا واقعاً عجائبياً هو تكثير الأرغفة، بل يُلزمون نفوسهم بما تفرضه عليهم هذه المعجزة في الساعة الحاضرة.
ثالثًا: النهاية (آ 11-12)
وطرح يسوع سؤالاً في النهاية لا يحتاج إلى جواب: "كيف لا تفهمون أني لست في شأن الخبز قلت لكم". وهكذا صار قول يسوع واضحًا. لا نفهم الخمير في المعنى الحرفيّ. وهكذا استطاع يسوع أن يكرّر تحذيره، وهو متأكّد أنهم سيفهمون: "إحذروا من خمير الفريسيين والصادوقيين". قال مر آ 21: "أفلا تفهمون بعد"؟ فألغاها مت، لأن التلاميذ سائرون إلى الفهم.
"عندئذ فهموا" (آ 12). ق 13: 51؛ 13:17. "ديداخي"، رج مز 59: 1 حسب السبعينية. ترد هذه اللفظة ثلاث مرات في مت (28:7؛ 33:22. تعليم يسوع وطريقة إعطاء هذا التعليم). أما هنا، فالنصّ يشير فقط إلى التعليم. وترد اللفظة خمس مرات في مر، ومرّة واحدة في لو.
تحدّث مر 15:8 عن خمير الفريسيين وخمير هيرودس. فكأننا أمام خميرين مختلفين. أما مت فتحدّث عن خمير واحد هو خمير الفريسيين والصادوقيين. لقد جمعهم متّى معًا. أترى جهل الخلافات العقائديّة بين الاثنين؟ نجيب: ما اهتمّ متّى هنا بالخصائص العقائديّة لدى هاتين الفئتين، بل نظر اليهم كمشاركين في المؤامرة ضدّ يسوع، في محاولة لإلغاء الكنيسة. أما تعليم الفريسيين والصادوقيين فيشير إلى كل ما يقوله رؤساء اليهود ليمنعوا مسيرة الايمان من الانطلاق. ويُبقوا الشعب في اللاإيمان بانتظار الايقاع بيسوع وقتله.
نشير هنا إلى أن متّى انطلق مما عرفه عن يسوع، مما رآه وسمعه. وأراد أن يطبّقه على كنيسته. حذّر قرّاءه من معلّمي اليهود وسلطة المجامع. فقد كان بعض المسيحيين ما زالوا يؤمّون المجامع. فلا بدّ من التمييز بين ما يقوله المسيح من خلال انجيل متّى. وما يقوله رؤساء اليهود، ولا سيّما الفريسيين في جماعات يهوديّة تشتت في سوريّة وفلسطين واعتادت ارتياد المجامع يوم السبت.
ج- نظرة شاملة
في أي إطار جغرافيّ نحن؟ في 15: 39، بدا يسوع وكأنه ذهب وحده إلى منطقة مغدان. فنرى تلاميذه الآن وقد رافقوه إلى هناك أو تبعوه (مت 8: 1- 13). بسّط مت الخبر، ليركّز الانتباه على تعليم يسوع الذي سنسمعه. ماذا يهمّ إن لم يكن مع التلاميذ إلاّ رغيف واحد (مر آ 11)؟ لا يقال شيء عن هذا الرغيف. أتراه بقي مع ما بقي بعد تكثير الخبز؟ بل سنفهم أن الخبر يتحدّث عن زاد في الطريق. ومن رأى في موقف التلاميذ الذين نسوا أن يأخذوا معهم خبزاً، تلميحاً إلى إهمال لدى الذين شاركوا في الافخارستيا في القرن الاول المسيحي، لا يجد أساسه في النصّ.
تلك هي طريقة متّى: يذكر وحده هنا التلاميذ الذين يذكّروننا بالمسيحيّين في كنيسة متى (7: 1-5؛ 15: 1- 20). ونصّ مت يبدو مبسَّطًا حتى حدود التبسيط، موجزًا حتى حدود الايجاز. لهذا لا نستطيع أن نفهمه إن لم نعد إلى نصّ مر: حين سمع يسوع تلاميذه يتحدّثون عن خبزات نسوا أن يأخذوها معهم، تدخّل لكي يعطيهم دورًا حول خبز آخر، حول "الخمير" الذي يجب أن يكون لهم.
نلاحظ هنا مرّة أخرى ظهور "الفريسيين والصادوقيين". وهذا ما يربط المقطوعة بما في آ 1. وإذ يفسّر لو هنا الخمير بمعنى الخبث والرياء (12: 1)، لا يعطي مرقس أي تفسير، بل تلميحًا سريًا إلى خمير هيرودس (8: 15). وفسّره مت بشكل واضح: الخمير هو التعليم. وهكذا جعلنا الانجيليّ الأول على مستوى الفقاهة والتعليم. فالتعليم حول معنى الخمير، هو فكرة تعود إلى العالم اليهوديّ، وقد تدلّ على تعليم صالح أو تعليم رديء. فكل انسان يحمل في نفسه خميرًا، يمارس تأثيرَا في الذين حوله. وهنا يشير يسوع إلى تعليم الفريسيين ومعهم الصادوقيين. وهكذا نكون أمام احدى كلمات المسيح (في مت)، التي تعلن القطيعة التامّة بين العالم المسيحيّ والعالم اليهوديّ والرسميّ، وهي قطيعة قد تمّت بشكل نهائي ساعةُ دوّن الانجيل الرابع.
تناقش التلاميذ، فسمع يسوع نقاشهم. أو هم فكَّروا في داخلهم، فاكتشف يسوع بشكل عجائبي ما يفكّرون به. إنهم "اوليغوبستوس"، غاب الايمان عنهم. رج 8: 26: 17: 17، 20. لو كان لدى التلاميذ إيمان، لفكّروا (نويوو) وتذكّروا (منيمونيوو). هو تذكّر روحيّ وفاهم يعرف كيف يميّز المدلول الحقيقيّ لتكثير الأرغفة. فموضوع التذكّر الذي هو رئيسي في العهد الجديد (ولا ننسى أيضاً العهد القديم)، تلقّى هنا أبسط تعابيره الانجيلية. لسنا أمام تذكّر موضوعي (هناك شيء موضوع أمامنا!) لأحداث شفّافة، بل أمام تذكّر يساعدنا على اكتشاف بُعد ما حدث. ليس هذا التذكّر هربًا إلى ماض سطريّ يحملنا إلى ما وراء الزمن، بل موقفًا يربطنا بما فعله يسوع. لو "تذكّر" التلاميذ على هذا الشكل تكثير الأرغفة، لكان لهم موقف آخر تجاه يسوع حين كانوا في السفينة.
وجاءت ملاحظة يسوع حوله الخبز أو الخمير. كان التلاميذ قد ظنّوا أنه يلومهم لأنهم لم يأخذوا الخبز الكافي كزاد في الطريق. أو أنه يطلب منهم بأن لا يشتروا لدى الفريسيين (غير معقول). أو منعهم من المشاركة في الاحتفالات اليهوديّة الرسميّة (غير معقول أيضًا). كان متّى مربّيًا ماهرًا، فأوضح كل الايضاح معنى تعليم يسوع بوجه السلطة الرسمية في العالم اليهوديّ والتي توّزعت بين الفريسيين والصادوقيين. وهو موضوع سيعود إليه ف 23، فيدلّ على أن هؤلاء المعلمين الرسميين هم قادة عميان، ما دخلوا ولا تركوا أحدًا يدخل إلى الملكوت. إنهم من نسل الأفاعي وهم يتابعون عمل آبائهم حين يقتلون الانبياء والكتبة. من أجل هذا قالت يسوع لتلاميذه وكرّر قوله: إحذروا خمير الفريسيين والصادوقيين، إحذروا تعاليم العالم اليهوديّ الرسميّ. فهناك خمير من نوع آخر أرسله الآب وهو يخمّر العجين كله (13: 33).

خاتمة
من علامات الأزمنة التي هي علامات خاصة بأيّام مجيء المسيح، إلى آية تظهر في السماء فتدلّ على أن يسوع هو حقًا المسيح المنتظر، وصل الحديث مع يسوع إلى موقف الفريسيين وما فيه من رياء، وإلى تعليمهم وما فيه من فساد على مثال "الخمير". لا يريد يسوع أن يهاجم الفريسيين والصادوقيين، وهو الذي يحترم الأشخاص ولا ييأس من أحد. بل هو يهاجم وظيفتهم كمعلّمين للشعب وقوّاد له. لا معلّم لكم إلاّ الربّ يسوع. ولا أب لكم إلاّ الآب السماوي. فهم التلاميذ هذا الكلام وسيفهمونه بشكل خاص مع ف 23: لكم معلّم واحد وجميعكم إخوة. ولكم مرشد واحد وقائد وهو المسيح. فلماذا تبحثون عن النور حيث لا نور، ولماذا تبحثون عن آبار مشقّقة حين تكونون قرب ينابيع المياه الحية.
الفصل الثاني والثلاثون
انت المسيح ابن الله الحيّ
16: 13- 20

من أنا في نظر الناس؟ من أنا في نظركم؟ هكذا سأل يسوع تلاميذه عن رأيهم ورأي الناس فيه. مع هذه المقطوعة نصل إلى قلب الاخبار الانجيلي. إلى مفصل هام في انجيل متّى. سأل يسوع، فأجاب بطرس، واعترف اعترافًا علنيًا بكرامة معلّمه المسيحانية. حينئذ أعلن يسوع تطويبة يعتبرها الشرّاح قد قيلت في بداية آلامه.
أما نحن فندرس أولاً المقطوعة، ثم الإطار التاريخيّ والجغرافيّ. وبعد أن نتساءل عن هويّة يسوع، نتوقّف عند وعد يسوع لبطرس.

1- تأليف المقطوعة
إذا ألقينا نظرة إلى إزائية (النصوص بإزاء بعدها، في مقابلة)، نميّز في هذه المقطوعة الانجيلية قسمين. يروي الأول حواراً بين يسوع وتلاميذه حول شخصه. ونحن نجده أربع مرات. في متّى (16: 13-16) الذي ندرسه الآن. في مر 27:8-30 حيث يعلن بطرس أن يسوع هو المسيح. في لو 18:9- 21، في إطار من الصلاة، اكتشف التلاميذ أن يسوع هو مسيح الله. وفي يو 68:6-69، وفي نهاية الخطبة حول خبز الحياة، ساعة بدأ التلاميذ يتركون يسوع ويمضون، قال بطرس: "إلى من نذهب يا رب؟ فعندك كلام الحياة الابدية. نحن آمنّا وعرفنا أنك قدوس الله". وهكذا نجد خبرًا مشتركًا، ينتهي في الاناجيل الإزائية بأمر من يسوع بأن لا يقولوا لأحد إن هذا هو المسيح.
أما القسم الثاني من هذه المقطوعة (آ 17- 20)، أي الوعد الاحتفالي الذي به وعد يسوع بطرس بمكانة في الكنيسة، فهو خاص بمتّى. غير أننا نجد عند لوقا ويوحنا أقوالاً وجّهها يسوع إلى بطرس، وهي تشبه وعده في متّى. هذه الاقوال جاءت في قرائن مختلفة جدًا. ففي لو 22: 33، وفي إطار الكلام بعد العشاء السريّ، قال الربّ لبطرس: "أما أنا فصلّيت من أجلك لئلا يزول إيمانك. وأنت متى عدت فثبّت إخوتك". وفي يو 21: 15-17، نجد حوارًا بعد القيامة بين يسوع وبطرس. "أتحبّني"؟ "نعم أحبّك". "إرعَ خرافي، إرعَ نعاجي". كن راعي القطيع.
حين نقرأ مرقس ندرك حالاً مسيرة الخبر: في مرحلة أولى، حاول يسوع أن يعرّف بنفسه أنه المسيح. وهذه المعرفة وحدها تعطي الانباء بالآلام (أو: الحاش) والموت مدلولها الحقيقيّ. فقبل أن يكشف هذا السرّ العظيم، عليه أن يتأكّد أولاً أن التلاميذ تقبّلوا العنصر الأول من تعليمه. لهذا سألهم رأيهم. ولما بدا جوابهم كافيًا، بدأ يكشف لهم أن على المسيح أن يتألم ويموت ويقوم (مت 16: 21).
وما عتّم التقليد أن جعل رباطا بين "اعتراف بطرس" (أنت المسيح) والانباء الأول بالحاش (أو: الآلام). فالاناجيل الازائية الثلاثة تشهد بذلك. هذا لا يعني أنه على المستوى التاريخيّ، شكّل الحدثان منذ البداية متتالية واحدة. بل نحن نتصوّر بصعوبة أن تأتي هفوة كبيرة (حاشى لك يا رب) حالاً بعد هذا الاعتراف الرائع الذي نسبه يسوع إلى وحي سماويّ مع العلم أن بطرس عرف تقلّبات أخرى سريعة (26: 31 ي: لو ضعف الجميع ما ضعفت أنا... قبل أن يصيح الديك). كما نظنّ أيضًا أنه من الصعب أن يتلفّظ يسوع بكلمات قاسية (إذهب خلفي يا شيطان، 23:16) بعد كلام المديح لمن سمّاه صخرًا (17:16-19) فدلّ على دوره في تثبيت إخوته (لو 22: 32). وهكذا قد نكون في الأصل أمام حدثين منفصلين، وقد جمعهما التقليد الازائي ليبيّن أن مسيرة الايمان لا تتوقّف، وهي تحتاج دومًا إلى أن تأخذ بأفكار الله لا بأفكار الناس.
ويُطرح سؤال ثان: هل المقطع الخاص بمتّى (17:16-19) يحتلّ مكانه الأصلي، أم أن متّى أدرجه هنا بين اعتراف قيصريّة فيلبس والانباء بالآلام والقيامة؟ نظنّ ان الانجيلي الاول قد أدرجه هنا. فلو وجد مرقس عبارة "ابن الله الحيّ" في هذا المكان كما تلفّظ بها بطرس، لما كان اكتفى فقط بعبارة "ابن الله" التي تعني فقط "المسيح". غير أن متّى أعطى عبارة بطرس المعنى القويّ جداً، لكي يوضح الايمان المسيحيّ الذي عليه تتأسّس الكنيسة: الايمان بألوهيّة المسيح، ابن الله، في المعنى الحقيقيّ. في هذه الظروف، لا يكون من المعقول أن يقول بطرس مثل هذا الكلام قبل القيامة. وإن كان قد قال بعضه، فقد كمّلته الكنيسة على ضوء الايمان بيسوع الربّ القائم من الموت.
ثم إذا ارتبطت آ 17-19 مع آ 13-16 بفضل إضافة تدوينية نقرأها في آ 16 ب (ابن الله الحي)، إلا أننا نلاحظ ضعفاً في التماسك والتواصل بين آ 16- 19 وآ 21-23، فاللغة تتحوّل بين جزء وآخر. فالفكرة التي تعبّر عنها آ 17 في أسلوب ساميّ محض (اللحم والدم)، تُستعاد في آ 23، ولكن في لغة أخرى: "أفكارك هي أفكار البشر". في آ 17، سمّى يسوع الله "أبي الذي في السماوات". أما في آ 23 فهو فقط "الله" (ليست أفكار الله). وأخيرًا من الواضح أن آ 16 ترتبط ربطًا طبيعيًا مع آ 20 لا مع آ 17- 19: انت المسيح... أوصى تلاميذه أن لا يقولوا. في هذه الظروف، نستطيع القول إن متّى قد اختار هذا الموضع ليُدرج وعد يسوع لبطرس. ما كان هدفه؟ يبدو أنه أراد أن يبيِّن كيف أن "ابن يونا" استطاع أن يصير الصخر الذي عليه بنى المسيح كنيسته: كل شيء يرتكز على الايمان.

2- الإطار التاريخيّ والجغرافيّ
تبع متّى مرقس، فجعل موضع اعتراف بطرس بيسوع في قيصريّة فيلبس، أي خارج فلسطين. في تراخونيتس التي هي أرض وثنيّة. لا مجال للشكّ في ما قاله الانجيل حول تحديد المكان. نحن نعرف أن يسوع قد سعى في ظروف عديدة إلى الابتعاد بعض الشيء عن فلسطين، ليمكّن تلاميذه من الراحة، وليعطيهم تعليمه في جوّ هادئ وبعيد عن تشنّجات أهل الجليل الذين كانوا ينتظرون مسيحًا بحسب أفكار الناس (مسيحًا مجيدًا لا يمرّ في الألم، مسيح حرب يطرد الاعداء): فقبل تكثير الأرغفة (مر 6: 30- 31)، نجد يسوع خارج فلسطين. وكذلك حين شفى ابنة السورية الفينيقيّة كما يقول مر 7: 24 أو الكنعانيّة كما يقول مت 15: 22. وقد يكون أطلّ ظرف مشابه، فأعطاه مناسبة ليسأل تلاميذه فيعرف ماذا فهموا من تعليمه.
يجب أن نميّز بين اعتراف بطرس ووعد يسوع. قد يكون الاعتراف قد تمّ في نهاية رسالة يسوع في الجليل: كان يسوع قد أعطى عدداً من العلامات التي تدلّ على مسيحانيّته بحيث إن التلاميذ فهموها. فالزمن الذي فيه سيموت قد صار قريبًا، لأنه بدأ يتحدّث عنه بعد أن رأى الأعداء من كل جهة ولا سيّما الفريسيين والصادوقيين. هذا ما يتّفق عليه الشّراح.
ولكنهم يختلفون حول الزمن التاريخيّ المحدّد الذي فيه وجّه يسوع كلامه إلى بطرس: "على هذه الصخرة أبني كنيستي". بعضهم جعل هذا الكلام بعد القيامة على ما في يو 21: 15-17. عند ذاك نفهم أن يكون بطرس قد قال في ذلك الوقت: "أنت ابن الله الحيّ". أما قال توما بعد القيامة: "ربّي وإلهي" (يو 28:20)، فكان كلامه تردادًا ليتورجيًا في الكنيسة الاولى؟ ومع ذلك، فالبراهين التي تسند هذه الفرضيّة ليست مقنعة كل الاقناع، ويبقى السؤال مطروحًا حول الوقت الذي فيه وعد يسوع بطرس بما وعد.
أما لوقا فلا يذكر قيصريّة فيلبس: بالنسبة إليه لم يخرج يسوع من فلسطين، ولم يبشّر الوثنيين. فقد ترك هذا الدور للكنيسة، بعد العنصرة. قال: "يكرز باسم المسيح في جميع الأمم ابتداء من أورشليم، وأنتم (أيها الرسل) شهود على ذلك" (لو 47:24-48). وفي أع 1: 8 قال لرسله: "تكونون لي شهودًا... إلى أقاصي الأرض". وهذا ما ستفعله الكنيسة، وهذا ما يرويه لوقا في سفر الأعمال، فتصل "الكلمة" إلى رومة حرّة طليقة (أع 28: 30) هـان كان بولس مقيّدًا، وإن وكان بطرس قد مات.
غير أن لوقا لا يكتفي بأن "يُلغي" التحديد الجغرافيّ الذي وجده عند مرقس. بل أحلّ محله إشارة لها معناها: كان يسوع يصلّي على انفراد مع تلاميذه (9: 18). وهكذا انغمست عدد من الأحداث الكبرى من حياة يسوع في جوّ من الصلاة. لما اعتمد يسوع "كان يصلّي فانفتحت السماوات" (3: 21). وقبل اختيار رسله نقرأ في لو 6: 12: "وفي تلك الأيام خرج يسوع إلى الجبل ليصلّي. وأمض الليل في الصلاة إلى الله". وعلى جبل التجلّي، صعد يسوع مع بطرس ويعقوب إلى الجبل ليصلّي (6: 12). ولما رآه التلاميذ يصلّي (11: 1)، طلبوا منه أن يعلّمهم الصلاة كما علّم يوحنا تلاميذه. وكذا نقول عن صلاته في بستان الزيتون (22: 41) وعلى الصليب (32: 46): "يا ابتاه، في يديك استودع روحي". وهكذا نفهم أن اعتراف قيصريّة كان وقتًا حاسمًا في حياة يسوع العلنيّة. لهذا صلّى قبل أن يسأل تلاميذه لكي ينالوا الأنوار الالهية.

3- ماذا يقولون عن يسوع (13:16-16)
لقد أراد يسوع أن يعرف إن كان تعليمه قد بلغ أهدافه. فطرح سؤالين على تلاميذه: ماذا يقول الناس؟ ماذا يقول التلاميذ أنفسهم؟
أ- الناس
إن الجواب على السؤال الأول هو صدى لأقوال أوردها مر 6: 14-16. (قال هيرودس. يوحنا المعمدان. آخرون: إيليا. آخرون: نبيّ من الانبياء). أما مت 14: 1-2 فأورد فقط كلام هيرودس: "هذا يوحنا المعمدان: إنه قام من الأموات"! فحين رأى الناسُ الآيات تُجرى على يد يسوع، تساءلوا عن هويّته. أما الأسماء المختلفة فتدلّ كلها على أنبياء. من يُتمّ مثلَ هذه الاعمال لا بدّ أن يكون نبيًا ونبيًا عظيمًا (رج مت 21: 46؛ يو 4: 19). غير أن تعداد هذه الاسماء، انتهى بخاتمة غير متوقّعة: "أو أحد الانبياء". هذه العبارة تفترض لائحة تامة ومعروفة من الانبياء. وقد أراد لوقا أن يوضح ذلك لقرّائه اليونان البعيدين عن النظرة اليهوديّة، فقال: "إن نبيًا من الانبياء الاقدمين قد قام" (19:9 ب، رج آ 8).
لماذا اعتبر اليهود أنه لا يمكن أن يقوم نبيّ جديد؟ في زمن يسوع، اعتبر العالم اليهوديّ الرسميّ في فلسطين أن لائحة الانبياء الحقيقّيين والملهمين قد أغلقت منذ زمن بعيد. فالنبيّ زكريا كان قد حدّد موقع الانبياء الصادقين في الماضي البعيد حين تحدث عن "الأنبياء الأقدمين" (زك 7:7، 12). كأني به يقول: ليس من أنبياء جدد. وصاحب سفر دانيال تكلّم عن الانبياء بلغة تعود بنا إلى الماضي. "لم نسمع لعبيدك الانبياء الذين كلّموا باسمك ملوكَنا ورؤساءنا" (6:9). "لم نسمع الشرائع التي جعلها الله على ألسنة عبيده الانبياء" (آ 10). فغياب الأنبياء عقاب من الله استحقّه الشعب لأنهم لم يسمعوا الانبياء الذين أرسلهم إليهم (أش 3: 1- 3؛ حز 7: 26: يلتمسون رؤيا من نبيّ؛ مرا 2: 9؛ مز 9:74).
وحين امتدح ابن سيراخ الآباء (ف 44-49) كرّس مقاطع لأشعيا (48: 22-25) وإرميا وحزقيال (49: 4- 9). وذكر "الانبياء الاثني عشر" كمجموعة محدّدة (49: 10). ولم يذكر أحدًا بعدهم. ولهذا السبب، لم يستطع سفر دانيال أن يجد مكانًا له بين كتابات الانبياء مع أنه نبيّ حقيقيّ: جاء متأخّرًا، فحُسب سفره مع سائر الكتب أي في القسم الثالث من التوراة (كتوبيم).
أما في العالم اليهوديّ في الاسكندرية، أو في قمران، فما كانوا يرون الأمور على هذا الشكل، فكانوا يعتبرون الأسفار المتأخّرة (أو: الاسفار القانونيّة الثانية مثل يهوديت، وطوبيا...) أسفارًا ملهمة. وما كانوا يخافون أن يضمّوا دانيال إلى الانبياء، أشعيا وإرميا وحزقيال، فيتكلّمون عن الاربعة الكبار (رج ملا 23:3)، كما هو الأمر في السبعينيّة والشعبيّة. بالاضافة إلى ذلك، كانوا كلهم ينتظرون نبيًا جديدًا، ينتظرون النبيّ (في خط تث 18: 15-18) الذي هو شخص اسكاتولوجيّ يرتبط بالمسيح (يو 1: 21-25؛ 14:6؛ 7: 40؛ رج نظام الجماعة في قمران 9: 10- 11).
إن انتظار عودة نبيّ لم يكن يتعدّى حدود المخيَّلة الشعبية التي تصدّق كل ما يقال لها. ولقد قال 1 صم 7:28-25 إن العرّافة استدعت النبيّ صموئيل بعد موته. وهيرودس كان في ذاك الجوّ. قطع رأس يوحنا، فما زال ذكر هذه الجريمة يقضّ مضجعه. لهذا، فحين سمع بيسوع وأعماله، ظنّ أن هذا النبيّ الجديد إنما هو يوحنا المعمدان الذي قام (مر 16:6) على مثال صموئيل في الماضي.
وكان قد أعلن النبي ملاخي أن النبيّ إيليا سيعود في يوم من الأيام كسابق للمسيح (ملا 3: 24-25). وتساءل الناس: أم يكون يسوع هو إيليا، لأنه يتمّ كل هذه المعجزات؟ ويُطرح سؤال: لماذا يُذكر إرميا مع يوحنا المعمدان وإيليا، حسب التقليد الذي يورده متّى (يورده وحده)؟ لأن اليهود في القرنين الاخيرين ق. م.، أحبّوا نبيّ عناتوت محبّة خاصة حسب 2 مك 2: 1-12؛ 15: 14: "هذا محبّ الاخوة، المكثر من الصلوات لأجل الشعب والمدينة المقدّسة، إرميا نبيّ الله".
وجاء الجواب على سؤال يسوع كما توقّعه: لم يفهم الناس بعدُ كل تعليمه. هم لا يعرفون بعد من هو يسوع (رج يو 19:8: لا تعرفوني أنا ولا أبي؛ 10: 14-15). غير أن رسالة يسوع قد أثّرت في الشعب تأثيرًا أكيدًا، لأنهم رأوا فيه نبيًا، رأوا فيه رجل الله الذي يتكلّم باسم الله.
ب- التلاميذ واعتراف بطرس
حتى الآن، اكتفى التلاميذ بأن يوردوا أقوال الناس. وإذا كانت الجموع لم تفهم تعليم يسوع، فما ضاع كل شيء بعد. المهمّ أن يكون التلاميذ قد فهموا، وهم الذين تقبّلوا تعليمًا خاصًا لم ينله الناس (مر 4: 10؛ 7:7). وسأل يسوع: "من أنا في رأيكم"؟ هذا السؤال يُلزمهم بشكل مباشر، وهو سؤال خطير. فاتّخذ بطرس المبادرة وتكلّم.
لماذا بطرس؟ بسبب طبعه الشخصيّ. فردَّة الفعل عنده هي عفويّة وسريعة. ولكن وإن كان هذا هو السبب الحقيقيّ، فمتّى لم يتوقّف عنده. فجواب بطرس لم يكن مرتجلاً وبدون تفكير (كما في 16: 22؛ 33:26). إذا كان بطرس قد تكلّم في هذا الظرف الاحتفالي، فلأنّه يعتبر نفسه (ويعتبره متّى ويسوع نفسه) المتكلّم "الرسميّ" باسم الاثني عشر. فهناك أحداث أخرى تدلّ على أنه احتلّ باكرًا مكانة مميّزة في جماعة التلاميذ: هو واحد في مجموعة الثلاثة المميّزين (17: 1؛ 26: 37؛ مر 5: 37). حين وردت لائحة الاثني عشر بدأت باسمه (خصوصًا متّى الذي سمّاه الاول، 10: 2)، مع أنه لم يكن أول المدعوين بحسب يو 1: 40-42. وقد يكون بيته في كفرناحوم قد صار بيت يسوع الذي اعتبر هذه المدينة مدينته (مر 1: 29؛ 2: 1؛ مت 18: 25). وحين جاء الوقت لدفع جزية الهيكل، ضُمّ بطرس الى المعلّم بامتياز خاصّ (17: 24-27). لا شكّ في أن التلاميذ لا يعتبرونه رئيسهم، ولكن كالأول بين الاثني عشر. وهذا ما سيفعلونه في بداية الكنيسة كما يروي لوقا في أعمال الرسل: يتكلّم باسم الجميع، يعمّد أول وثني...
حسب مرقس، أجاب بطرس بكل بساطة: "أنت المسيح". قد تمثّل هذه العبارةُ الشكلَ الدقيق الذي تلفّظ به بطرس. وهي توافق تعليم يسوع والأعمال الخارقة التي اجترحها. أجل، يسوع هو مرسل الله الذي أعلنه الانبياء، والملك القدير، وداود الجديد الذي يخلّص شعبه من الذلّ والاحتلال اللذين تقاسيهما الأمّة منذ أجيال بسبب خطاياها.
إن مرقس لا يشير إلى إيمان بلاهوت المسيح. أما متّى فاستبق إيمان بطرس والمسيحيّين كما ظهر بعد القيامة، فأعلن ما أعلن لكي يؤسّس الكنيسة: إيمان بيسوع الذي هو المسيح. وإيمان بيسوع الذي هو ابن الله ومساو لأبيه.
ما يفلت النظر في جواب التلاميذ، هو تنّوع الآراء حول يسوع. غير أن هذا التنوعّ يرتدي وحدة تميّز العالم البيبليّ واليهوديّ: لم يظنّ أحد أن يسوع هو شخصيّة فريد منفصلة عن تاريخ شعبه. كلّهم يعتقدون أن يسوع هو مرسل من الله ليتمّ التدخلات التاريخيّة التي وعد بها في الماضي. ما كان اليهود ينتظرون، هو تدخّل حاسم من الله لدينونة البشر وخلاصهم. غير أنهم كانوا ينتظرون ذلك متطلّعين إلى الماضي وإلى المستقبل. فالوجوه العظيمة في الماضي هي عربون الخلاص المنتظر. لهذا أعطى متّى هذه الأجوبة، وأنهاها بجواب بطرس باسم التلاميذ. يسوع هو المسيح وابن الله. عبارتان تتساويان في العالم اليهوديّ (لا في الإطار المسيحي بعد القيامة). وتدلاّن على مرسل الله في نهاية الأزمنة من أجل خلاص البشر. وذكر "الله الحي" يدلّ على أن يسوع هو ممثّل الله الذي يتدخّل في التاريخ. الاله الحيّ هو غير الاصنام التي لها عيون ولا ترى، وآذان ولا تسمع... (تث 23:5؛ مز 3:84؛ إر 2:5؛ أش 37: 4...).

4- وعد يسوع لبطرس (16: 17-19)
إن الطابع الساميّ للآيات 17-19 يدلُّ على أصلها الأرامي الفلسطيني. منذ البداية يُعلن بطرس سعيدًا (طوبى لك)، لأنه عرف المسيح واعترف به (من يعترف بي...)، لأنه كان موضوع وحي إلهيّ. ماذا نقول في كلام يسوع لبطرس؟
أ- يسوع يبارك بطرس
قال بطرس أجمل كلام قيل في يسوع. فقال يسوع أولاً مباركة احتفاليّة بشكل تطويبة. فالعقلية البيبليّة وأصل اللفظة (طوبى، طيّب، طاب) اليونانيّة (ماكاريوس) يدفعنا الى إعطاء هذا المدلول لكلام يسوع. بدأ فأعلن اسم بطرس كاملاً. سمعان بن يونا. اسمه واسم أبيه (كما في مصر مثلاً حيث لا يذكر اسم العائلة). ونلاحظ التعارض بين يونا، والد سمعان، الذي هو من الأرض، وأب يسوع الذي هو في السماوات (آ 17).
لقد رأى يسوع في جواب بطرس علامة اختيار من الآب (ق مت 10: 20-23؛ يو10-29). فما كان لبطرس أن يرى المسيح في يسوع، بدون نور إلهيّ خاص. وإلاّ نفكر كما يفكّر الناس. ولقد قال يسوع يومًا موضحًا: "لا يعرف أحد الابن إلا الآب. لا يعرف أحد الآب إلاّ الابن ومن يريد الابن أن يكشف له" (مت 11: 27؛ رج 1 كور 3:12؛ غل 1- 15، 6، 2). لهذا شدّدنا على الطابع الجليانيّ لهذه المقطوعة التي ترفعنا من مستوى البشر إلى مستوى الله. فما كان "للحم والدم"، فما كان لقوى الفعل البشري وحدها أن ترى ابن الله في يسوع. فالآيات لا تكفي وحدها لكي تجعلنا نؤمن بأن يسوع هو المسيح، وبأن هذا المسيح سوف يتألّم ويموت ويقوم لكي يخلّصنا (16: 23).
ب- الرموز
تتضمّن الألفاظ التي وجّهها بطرس ليسوع سلسلة من الرموز لا بدّ من تحديد مدلولها. لهذا نعود إلى التوراة (لا الى مفهومنا الحديث) لكي نفسّرها التفسير الصحيح.
أولاً: الصخر أو الحجر
نسب العهد القديم إلى الله اسم "الصخر" أو "الحجر" (الحجر الذي رذله البناؤون): فالله كالصخر لا تبدّله الأجيال. هو صخرة اسرائيل (تث 32: 15؛ أو هو الخالق الذي صوّر). اذن، نستطيع أن نستند إليه، أي نثق به، نؤمن به. وجذر الفعل "ا م ن" يعني أولا: استند الى. لهذا قال اشعيا: "إن لم تؤمنوا لن تأمنوا" (لن تجدوا ما تستندون إليه) (7: 9 ب).
والصخر (أو الحجر) هو ما نستطيع أن نبني عليه. حجر الاساس، حجر الزاوية (وقد يكون حجر الغلقة، الذي ينهي العقد، فإن سقط، سقط العقد معه). فنجد في أشعيا استعارة حجر الأساس الذي يدلّ على المسيح (28: 16: إني واضع في صهيون حجرًا). في مز 18: 22 يتحدث المرّتل عن رأس الزاوية (أو: حجر الغلقة). وقد لا يكون المعنى مسيحانيًا. غير أن يسوع طبّقه على نفسه (مت 42:21؛ أع 11:4؛ 1 بط 4:2-5). ويقابل يسوع أيضًا كلمته بالصخرة التي عليها يبني المرء بيته أي حياته (مت 7: 24-27). وقد يدلّ الحجر على الشك وما يسبّب العثار والسقوط (أش 8: 11-14؛ مت 16: 23).
في هذه الظروف، يبدو مت 16: 18 واضحًا: أعطى يسوعُ سمعانَ اسمًا جديدًا يدلّ على رسالته في الكنيسة، على مثال ما في الكتاب المقدس (يو 1: 42؛ ق تك 17: 5). ويبدو أنه بسبب إيمان بطرس بالمسيح، استطاع بطرس أن يلعب دور الصخر (والحجر) الذي عليه يرتكز البناء أي الجماعة التي أسّسها المسيح. فالاساس الجوهريّ يبقى المسيح نفسه (1 بط 2: 4- 5، كما أنه هو وحده الراعي الصالح. ومع ذلك، طلب من بطرس أن يكون الراعي). وأراد أن يشرك بطرس في دوره هذا. يجب أن نشدّد هنا تشديدًا خاصًا على العلاقة التي أقامها متّى بين إيمان بطرس (= صخر) ودوره كالصخر (أو: الحجر، حجر العثار، مت 23:16؛ رج لو 34:2). هذه الوجهة هي وجهة لوقا (22: 32).
ثانيًا: المدينتان والأبواب
لا نجد لفظة كنيسة في كل الأناجيل إلا في متّى: هنا وفي 17:18. الكنيسة هي "ق هـ ل" "اكلاسيا". هي في العهد القديم جماعة الشعب المختار. وفي العهد الجديد جماعة يسوع (كنيستي أنا مع ضمير المتكلّم)، التي يجمعها بكرازته وخدمته، وفي النهاية بموته وقيامته. وتبدو الجماعة هنا بشكل مدينة مبنيّة على صخر. وأمامها مدينة تزاحمها هي "الجحيم، الشيول، عالم الموت" (هاديس). لها أبواب تُغلق.
نجد أن استعارة الأبواب لا تدلّ هنا على مكان فيه ندخل ونخرج. فالسياق يشير بالاحرى إلى صراع وحرب. فحسب الصورة التقليديّة التي نجدها في التوراة، كانت الحروب الحاسمة تقع عند أبواب المدينة. فمن أحتلّ أبواب المدينة، احتلّ المدينة كلها وانتصر في الحرب (تك 22: 17؛ 24: 60؛ أش 45: 1-2). وفي النهاية يدلّ "الباب" على قوّة الجحيم التي تتحدّى قوّة أخرى هي قوّة الكنيسة. أجل، إن أبواب الجحيم (هاديس) لا تستطيع أن تحتفظ في الموت بأعضاء الجماعة المسيحانيّة التي التأمت حول يسوع.
ثالثًا: المفاتيح
المفتاح يشبه المزلاج الذي هو قطعة من حديد (أو خشب) بها نغلق الباب. ونعود هنا إلى أش 22: 22، لنفهم استعارة المفتاح: "أجعل مفتاح بيت داود على كتفه (لا يوضع المفتاح في الجيب كما هي الحال اليوم. لأنه قطعة كبيرة ومستطيلة تمسك درفتي الباب أو تمسك الباب مع الجدار)، يفتح فلا يغلق أحد. ويغلق فلا يفتح أحد". من يمسك المفتاح؟ الوزير الاول. وهذا ما يدلّ على قدرته. وحده يستطيع أن يُدخل الناس إلى قصر الملك، وكلهم يخضعون له. أما في سفر الرؤيا، فالنبوءة تنطبق على المسيح (3: 7: بيده مفتاح داود، هو يملك ملء السلطان).
إنّ ابواب الموت مغلقة "إلى الأبد"، فلا يستطيع أن يفتحها أحد ليُخرج الموتى من هناك. لذلك قال يون 2: 7: "نزلتُ إلى أرض مفاتيحها مزاليج الابد". ولكن يسوع قد نال بقيامته هذا المفتاح الذي يسمح له بأن يفتح أبواب الموت (رؤ 1: 18): فذهب يحمل إلى الآباء بشرى الخلاص (ابط 3: 19- 20؛ أف 4: 9- 10؛ روم 10: 6- 10؛ رؤ 20: 13- 14). أما متّى فتحدّث عن هذه "المفاتيح" بشكل مدراش (درس وتأمل) في 27: 51- 54: "الصخور تشقّقت، القبور تفتّحت، وقام القدّيسون الراقدون".
هذه المفاتيح قد سلّمها يسوع إلى بطرس. أعطاه سلطة "الوزير الاول" حتى على مستوى التعليم. فقد لام يسوع الفريسيين لأنهم "أخذوا مفاتيح المعرفة، فلا هم دخلوا ولا تركوا الآخرين يدخلون" (لو 11: 52). تعلّق الفريسيون بتعليمهم الشريعانيّ، فانغلقوا على النور، ومنعوا الشعب الذي يسمعهم من المجيء إلى النور.
رابعًا: ربطَ، حلّ
تعبّر اللغة الساميّة عن فكرة "الكل" بضمّ مدلولين متعارضين: الدخول والخروج (أي كل تحرّك). النهوض والقيام. الليل والنهار. السماء والأرض. الخير والشرّ (أي كل أعمال الانسان). وهذا ما نقوله عن ربط وحلّ.
فعند الرابينّيين، تضمنّت عبارة "ربط وحلّ"، معنيين يرتبط الواحد بالآخر: منع وسمح. أي وضع قواعد وفرائض (مت 23: 4 ,11 ,27-28). والمعنى الثاني: حكم وسامح، أي حرم (أو: أخرج من الجماعة) وأعاد الانسان إلى الجماعة. وهكذا نكون أمام منظار وقواعد تحدّد تصرّفات الأعضاء داخل جماعة روحيّة. وهكذا نعود إلى "سلطان المفاتيح". في 18: 18، سيعد يسوع التلاميذ بما وعد به بطرس: ما تحلّونه على الارض يكون محلولاً في السماء. وما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء. وهكذا يشارك الرسل بطرس في سلطان الحلّ والربط، وهو سلطان أعطاه الرب حقاً لكنيسته.

خاتمة
في محطة أولى كان سؤال يسوع. فجاء جواب الناس. إنه نبيّ من الانبياء، وربّما النبيّ المنتظر. وجواب التلاميذ بفم "الاول": أنت المسيح ابن الله الحيّ. بل جواب الكنيسة خصوصًا بعد القيامة. وجوابنا نحن في صلواتنا الليتورجيّة. وكان وعد يسوع للكنيسة التي أعلنت ايمانها برّبها. ومن خلال الكنيسة لبطرس (16: 17) بانتظار سائر الرسل. سلطان المفاتيح. سلطان الحلّ والربط. في الحقيقة، لقد سلّم يسوع سلطته إلى كنيسته من خلال الرسل، وبطرس أولهم، ومن خلال خلفاء هؤلاء الرسل. ولكنها سلطة خاصة. هي سلطة الخدمة. سلطة حمل الانجيل بتجرّد تام ورغم الصعوبات والاضطهادات. لا سلاح لهم إلا الايمان بأن أبواب الجحيم وسلطتها لا تستطيع شيئًا ضد ملكوت السماوات. ولكن بانتظار ذلك، لا بدّ للكنيسة أن تسير في خطى معلّمها فتعرف الألم والموت قبل القيامة. هذا ما استصعبه بطرس فطلب من يسوع أن يبدّل الطريق. وهذا ما نستصعبه اليوم. ولكن كلام يسوع يبقى هو هو: من أراد أن يخلّص نفسه أضاعها. من أراد أن يتبعني يكفر بنفسه ويحمل صليبه. وبعد ذلك يتبعني. تلك هي الطريق الوحيدة التي يقدّمها يسوع لكنيسته ولكل واحد منا. فهل نحن مستعدّون للسير فيها؟
الفصل الثالث والثلاثون
آلام المسيح وآلام التلميذ
16: 21- 28

يعتبر الشرّاح عادة أن حدث قيصريّة فيلبس الذي يمتدّ في الآيات التي ندرس الآن، هو نقطة وصل هامّة في الخبر الانجيليّ. والبراهين عديدة في هذا المجال. فللمرّة الأولى طرح يسوع على تلاميذه السؤال الحاسم. وللمرّة الأولى اعترف بطرس بشكل علنّي وواضح بكرامة معلّمه المسيحانيّة. وللمرّة الأولى أعلن يسوع حاشه وآلامه. "ومنذ ذلك اليوم" ما عاد الخبر يهتمّ إلا بمجموعة التلاميذ الصغيرة، ما عاد يركّز إلا على موضوع الآلام. هذا التبدّل في النظرة واضح في الأناجيل الإزائية كما هو واضح في انجيل يوحنا.
غير أننا نلاحظ أن متّى لا يركّز مثل مرقس على الطابع المركزيّ للحدث. فحسب مرقس، تحدّث التلاميذ وللمرّة الأولى مع يسوع عن رأيهم فيه. أما عند متّى فقد سبق لهم وأدّوا ليسوع اعترافًا مماثلاً في مناسبة أخرى حين قالوا له: "أنت حقًا ابن الله" (33:14).

1- سياق المقطوعة الأنجيلية
تتألّف هذه المقطوعة التي ندرس من ثلاثة عناصر: إعلان الآلام، ردّة فعل بطرس وحزن يسوع. وأخيرًا كلمات المعلّم إلى التلاميذ. إن هذه العناصر تتّضح إذا دُرست على ضوء ما سبق وما لحق.
أ- السياق العام
نجد في انجيل متّى ثلاثة انباءات بالآلام (16: 21؛ 22:17-23 أ؛ 20: 17-19) تشكلّ ذروة جزء كبير يصل إلى خبر الحاش والآلام. ويتبع كلّ أنباء ملاحظةٌ تبرز اللافهم عند التلاميذ (16: 22-23؛ 23:17 ب؛ 20: 20- 23). هي ملاحظة عابرة تبدو في إطار الخبر، ولكنها تتّخذ في التدوين الانجيليّ مدلولاً لاهوتيًا واضحًا. وأخيرًا، نرى يسوع في كل مرّة يدلّ تلاميذه على بُعد رسالته الخاصّة (16: 24-28؛ 18: 1-4؛ 20: 24-28). إذن، نحن أمام خبر يتوسَّع في ثلاثة انطلاقات.
ونلاحظ أيضًا تدرّجًا في كشف المسيح عن سرّه، وردّة الفعل لدى التلاميذ. كما نلاحظ أن يسوع يشير دومًا إلى القيامة. هو لا يتكلّم فقط عن الصليب، بل عن الصليب والقيامة، عن الموت والحياة، سواء تحدّث عن نفسه أو تحدّث الى تلاميذه.
كل هذا يبدو لنا مليئًا بالمعاني. فالانباءات الثلاثة تتوخّى أن تدخلنا في الحاش، فتهيِّئه وتفسّره تفسيراً لاهوتيًا. فالحاش ليس فقط حدثًا يسجّل من الخارج في مصير يسوع وكأنه حادث طرأ عليه فأجبر على القبول به: الحاش هو جزء من مصيره، بل يمثّل الذروة فيه. إنه عبور إلى القيامة وهو سرّ في وجهين. والوجه الأخير هو وجه الفرح والحياة. بالاضافة إلى ذلك، لا ينفصل التلميذ عن المعلّم. فمصير الواحد يرتبط بمصير الآخر.
ب- السياق المباشر
اعتبر عدد من الشرّاح أن مت 16: 21 ي يشكلّ مقطوعة مستقلّة، وأنه ليس خاتمة المقطع السابق كما يظهر لدى مرقس (هناك من يقسم مت ثلاثة أقسام: 1: 1-4: 6: يسوع ابن داود وابن ابراهيم؛ 4: 17-16: 20: كرازة ملكوت السماوات؛ 16: 21-28: 20: وحي ابن الانسان. إن 16: 21 تستعيد 4: 17). قد يكون هذا الأمر صحيحًا. فالعبارة "منذ ذلك اليوم" تدلّ على فصل واضح، وتعطي الانباء بالآلام كيانًا خاصًا. ولكنها لا تمنع من ارتباط الانباء بالآلام بالمقطوعة السابقة. بل إن هذا الرباط ثابت بوضوح في الموازاة بين مديح يسوع لبطرس، ولوم يسوع لمن اعتبره معثرة في طريقه إلى الآلام والموت. 
في خبر مرقس، يجد حدث قصريّة فيلبس ذروته في اللوم الذي وجّهه يسوع إلى بطرس، لأن فكرته عن المسيح فكرة خاطئة (مسيح سياسيّ كما تصوّرته الاوساط اليهوديّة). ومعنى الحدث يوازي معنى التجربة في البريّة والتي تنتهي بذات التوبيخ القاسي الذي به يوّبخ يسوع بطرس (رج مت 4: 10). ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن متّى. ولكن يبقى أن خبر متّى في مضمونه الحاليّ يشكِّل وحدة أدبية لا تنقسم، وقد بُنيت بناءً محكمًا وفنيًا. 
وفيها ثلاثة توازيات:
* اعتراف بطرس (آ 16) وإعلان يسوع (آ 18)
* اعتراف بطرس (آ 16) ومعارضته ليسوع (آ 22)
* كلمات مديح (آ 17) ثم كلمات لوم (آ 23) يوجّهها يسوع إلى بطرس.
إن المقابلة بين الأناجيل الازائية تسمح لنا بأن نشير إلى بعض النقاط. تأثّر لوقا بعدم الفهم عند بطرس وبتوبيخ يسوع، فألغى الحدث. ومتّى الذي أعتاد أن يخفّف من قوّة المقاطع التي تحمل الخجل إلى التلاميذ، لم يفعل شيئاً من ذلك هنا. بل ألغى (في آ 22) التفصيل المرقسي الذي بحسبه أعطي هذا التوبيخ القاسي، بحضور سائر التلاميذ الذين كانوا يفكرون مثل بطرس: عند متّى، جرى الحدث بين يسوع وبطرس وحدهما.
كل هذه الملاحظات وهذه المقابلات مفيدة، لأنها تسمح لنا أن نعرف إن كنا نفسّر هذه المقطوعة آخذين بعين الاعتبار الحدث الذي سبق. ومقابلة النصوص تساعدنا على أن نفهم فهماً أفضل هدف متّى الدقيق.

2- تحليل المقطوعة
أ- الانباء بالآلام (آ 21)
أولاً: إن الحاشية الكرونولوجيّة (منذئذ، منذ ذلك اليوم) التي أوردها متّى، تتوخّى إفهامنا أن الساعة قد أتت من أجل معالجة أمور "جديدة". وهكذا ننتقل من وحي يسوع المسيح، إلى وحي ابن الله المتألم. وبشكل مواز، نجد نفوسنا أمام نمط جديد من اللافهم واللاايمان. لا عند الجموع وحسب، بل عند التلاميذ: لقد تعرّفوا إلى المسيح، ولكنهّم رفضوا قوله بأن عليه أن يتألّم. فالتعمّق في المنظار المسيحانيّ يقابل توسّعًا جديدًا على مستوى الايمان.
حسب مرقس ومتى (لا لوقا)، "بدأ" يسوع يتكلّم عن آلامه. وهكذا شدّد الانجيليّان على تدرجّ في الوحي المسيحاني. لا شكّ في أننا لسنا أمام تطوّر سيكولوجيّ منطقيّ في وجدان يسوع (نظرة لا تدخل في خطّ الاناجيل)، بل أمام نموّ في تجلي مخطّط الله الخلاصيّ. وهكذا يؤكّد النصّ في الوقت عينه أن "منذ ذلك اليوم" صار موضوع الحاش والآلام مركز الاهتمام العاديّ.
ثانيًا: ونوّد الآن أن نفهم بما يقوم حقاً هذا "الجديد" في الوحي المسيحانيّ. هو لا ينحصر في مجرّد نظرة إلى الاضطهاد كان يسوع قد أشار إليها في مت 10: 24 ي، بل ينظر بالحري إلى "ينبغي"، أي إلى واقع يقول إن الألم هو جزء من مخطّط الخلاص.
فهذه اللفظة "داي" (ينبغي) التي نقلتها إلينا كل مراجعنا، لا تعبّر فقط عن يقين على المستوى التاريخيّ أو السيكولوجيّ يتأسّس على ملاحظات استخرجها يسوع من محيطه ومن وضعه. بل هي تمثّل الوعي الواضح لضرورة تفرض نفسها على المستوى اللاهوتيّ.
ففي الكتاب المقدس، ولا سيّما في العهد الجديد، لا يدلّ فعل "داي" على ضرورة حتميّة، بل على إرادة الله. بل إن هذه اللفظة تأخذ في العهد الجديد قيمة اسكاتولوجيّة. فهي تعبّر عن ضرورة متجذّرة في طبيعة الله نفسه، وهي تؤدّي إلى تتمّة مقاصده في الاحداث الاسكاتولوجيّة. وهكذا يؤكّد هذا النصّ الذي ندرس، أن يسوع لا يعلن فقط الاسكاتولوجيا، بل بشكل أعمق أن مصير المسيح (أي آلامه) ينتمي إلى العالم الآخر، إلى الاسكاتولوجيا.
وقصارى القول، ليس الحاش (أو: الآلام) واقعاً "خارقًا"، أو حدثًا عاديًا يحصل خلال رسالة يسوع، بل هو يشكّل نواة هذه الرسالة. ذاك هو الجديد. 
ثالثًا: ونخطو خطوة ثالثة. لا يؤكّد النصّ فقط أن الآلام تدخل في مخطّط الله الخلاصيّ، بل أن يسوع قد وعاها. فلا يكفي أن نقول إن القرار الذي اتّخذه يسوع بالصعود إلى أورشليم (وهو يشكّل منعطفًا حاسمًا في حياته) كان هدفه الوحيد أن يضع الشعب أمام تعليم ملكوت الله الذي يأتي في المدينة المقدسة لكي يدعوها لأن تأخذ قرارها في تلك الساعة الاخيرة. لا شكّ في ذلك. ولكن هناك أكثر من ذلك. فيسوع ذهب "بملء إرادته" إلى الموت. لم يرَه مسبقًا بشكل بشري محض كما يراه كل انسان رآه صاعداً إلى اورشليم (مز 10: 32؛ يو 16:11). بل نظر إلى هذا الموت على ضوء مخطّط الله واعتبره خدمة وعبادة.
رابعًا: استعمل مرقس فعل "علّم" (8: 31). أما متّى ففضَّل فعل "بيّن" (دايكنواين). ونقولها مرّة أخرى. لسنا هنا فقط أمام إنباء بالآلام (نراها مسبقاً) لكي يستعدّ لها الرسل، بل أمام تبيان تماسك الآلام مع مخطّط الله، وضرورتها في مشروع الله. وهذه الضرورة ليست يقينا (ليست الآلام حدثًا يفرض ذاته)، يجب أن نبرهن عنها. كيف ذلك؟ يقول لوقا: انطلاقًا من الكتب المقدسة (26:24-27، 46؛ رج مر 12:9)
أما متّى فلا يقول شيئًا واضحًا في هذا الموضوع. غير أن فعل "داي" يتضمّن عودة إلى الكتب المقدّسة تعبّر على أنها تمّت في يسوع (مت 26: 54). ففي الكتب نقرأ مخطّط الله. والاساس الكتابيّ لهذا الفعل هو أش 53. فنبوءات الآلام لا تبدو بشكل نصوص منعزلة في النسيج الانجيلي، بل هي تتدرجّ في النصّ كتعابير واضحة عن فكرة تتوزعّ في الأناجيل التي تعود دومًا إلى نبوءة عبد الله المتألّم.
خامسًا: تعدّد آ 21 أهم أحداث الآلام والاشخاص الرئيسيين الذين لعبوا دورًا فيها (وهذا ما نراه أيضاً في الانباءين السابقين). لقد ظنّ بعض الشرّاح أننا أمام أقوال لم يقلها يسوع، أمام انباءات وُضعت بعد الاحداث، أي بعد آلام يسوع. في شكل عام، نستطيع أن نعتبر كل لاهوت الفداء وقد عبّرت عنه الكنيسة الأولى فيما بعد، وعلى ضوء القيامة. نعتبر أن هذا اللاهوت ينطبق على الواقع دون أن ينبثق من الواقع نفسه. وبعبارة أخرى، إن الكلمات الانجيليّة الموجّهة في هذا المعنى قد أدخلتها الجماعة لكي تبرّر واقع الآلام. هذا ما يقولون!
ولكننا نستطيع أن نقدّم بعض الملاحظات لنردّ على مثل هذا الموقف القاطع. من جهة، نقول إن الجماعة الأولى لم تصل إلى ملء الفهم اللاهوتيّ لضرورة الآلام إلاّ بعد أحداث الآلام. ونقول أيضًا إن هذا الفهم اللاحق (لا السابق. أي بعد الآلام وعلى ضوء القيامة)، قد ترك آثاره في تدوين الكرازة
الانجيليّة كما نجدها في الاناجيل الإزائية. غير أن وعي هذه الضرورة كان غريبًا كل الغربة، بل معارضًا للعقليّة المعاصرة (مثلاً، بطرس نفسه لم يفهم)، بحيث يجب أن يعود إلى يسوع نفسه. ونستطيع أن نبيّن في الأصل وقبل تدوين الأناجيل، أن التقليد الذي نقل هذه الاقوال سبق الأناجيل الازائية، بل سبق التعليم البولسيّ (1 كور 3:15- 5).
ب- ردّة الفعل عند بطرس وتوبيخ يسوع له (آ 22-23)
أولاً: نلاحظ بادئ ذي بدء الترافق الواضح بين اعتراف بطرس بالمسيح والانباء بالآلام وردّة فعل بطرس وتوبيخ يسوع له (حصر لوقا كلامه في الواقعين الأولين). تلك هي المعطية الرئيسية التي يجب أن يفسّر الشارحُ مدلولَها. إن يسوع قد ردّ على بطرس بذات الكلمات التي ردّ بها على الشيطان في التجربة. ففي الحالتين يعرض عليه خيار مسيحانيّ يُبعده عن طرق الله ويدخله في طرق البشر. إذن عزلة يسوع تامّة. فالجموع لم تفهمه. بل التلاميذ أنفسهم لا "يفهمون".
فتجربة يسوع التي صارت الآن تجربة التلاميذ، هي ذاتها تجربة الشعب المختار، كما يمكن أن تكون في كل وقت تجربة الكنيسة: أن نرفض عبد الله المتألم باسم المسيح الممجَّد. كل ما نعرفه عن انتظار اليهود للمسيح يؤكّد هذه النظرة.
ثانيًا: وهناك معطية ثانية خاصّة بمتّى يجب أن نشرحها: فبين اعتراف بطرس بيسوع على أنه المسيح والانباء بالآلام، أدرج الانجيلي الأول كلمات مديح وجّهها يسوع إلى بطرس (آ 17-19). لا يهمّنا أن نعرف إن كان هذا الادراج من تدوين متّى، عند ذاك يكون القول قد قيل في سياق آخر. فهذه الآيات الموجودة هنا تؤثّر في معنى المقطوعة التي ندرس: يستحيل علينا أن نقرأ توبيخ يسوع لبطرس دون أن نأخذ بعين الاعتبار كلمات المديح هذه.
ظنّ بعض الشراح أن متّى أدرج هذا القول هنا ليخفّف من قوّة التوبيخ الذي جاء بعده. وانصدم لوقا بلافهم بطرس وبجواب يسوع، ففضّل أن لا يذكر الحدث. وتأثّر متّى أيضًا بكل هذا، فأدرج قول مديح تلفّظ به يسوع في مناسبة أخرى. وهكذا حاول الانجيليّ الأول أن يخفّف من قساوة التوبيخ، فأفهمنا أن بطرس لم يقل كلمته الأخيرة في قيصريّة فيلبّس.
هذا رأي وجيه بلا شك، ولكنه يبقى غير مقنع. فإن لو 22، ويو 21، قد ربطا رسالة بطرس بسقوطه (حين أنكر يسوع). وقد قابل الانجيليّون الاربعة ضعف بطرس مع اسمه الذي يعني الصخرة (المعروفة بصلابتها). فإن كان الانجيل قد شدّد عمداً على هذا التعارض بين الضعف والصلابة، فلكي يدلّ على أن بطرس هو صخرة أسّس المسيح عليها كنيسته، لا بالنظر إلى صفاته الطبيعية ولا إلى مزاياه البشريّة، بل بنعمة من لدنه وباختيار إلهي. ونقول بشكل عام متخطّين وضع بطرس، إننا أمام موضوع التعارض بين نظام الطبيعة ونظام النعمة. وموضوع الضعف والنعمة (مثلاً، موسى، إرميا) الذي نجده مرارًا في الكتاب المقدس، يبرز في آ 17 (ليس اللحم والدم) ويُذكر ضمنيًا في آ 18 (على هذه الصخرة ابني كنيستي). نقرأه بالعودة إلى أش 28، ويستعاد أخيرًا في آ 22-23.
ج- أقوال يسوع لتلاميذه (آ 24-27)
قبل أن نتفحّص أقوال يسوع هذه (جُمعت هنا، ولكنها قيلت في مناسبات مختلفة)، يجدر بنا أن نذكر المحور الذي يؤمّن وحدتها: هي كلها تعود إلى شخص يسوع. وبعبارة أخرى، لا يُفرض التجرّد من أجل ذاته، بل من أجل يسوع. لهذا، تبدو آ 24 أساسيّة في هذا المقطع. ومن جهة أخرى نستطيع القول إنه من الاهميّة بمكان أن تكون هذه الأقوال قد ارتبطت بآلام المسيح. فهذه الآلام تبرّر ألم التلميذ وتنكّره لذاته، وتجعلهما أمرًا عاديًا. ثم إن هذا الرباط يفهمنا أن ألم التلميذ هو الموضع الذي فيه يتأوّن مصير المعلّم من جديد. الآن يسوع يتألم في كل من يشهد له.
أولاً: لا تعلن الافعال الثلاثة (كفر بنفسه، حمل صليبه، تبعني، في آ 24) الشروط الضروريّة لنكون تلاميذ المسيح، بقدر ما تعلن العناصر التي تكوّن حياة التلميذ.
فالعبارة "كفر بنفسه" (أنكر نفسه) تدلّ على موقف جذريّ، أساسيّ. فالكفر بالذات يفرض على تلميذ يسوع أن لا يهتمّ بعدُ لمصلحته الخاصّة، أن لا يفكّر بذاته بعد. على مثال المسيح الذي نسي نفسه وجعل مهمّته نصب عينيه، وظلّ بكلّيته حرًا من أجل خدمة الآخرين. لسنا أمام تبدّل أخلاقيّ بسيط، بل أمام ارتداد شخصيّ ولاهوتيّ. ارتداد شخصيّ لأنه جذريّ ومطلق: هو يُلزم الشخصَ كله الذي يتّخذ موقفًا جديدًا، ويجعل اهتمامه كلّه في المسيح. وارتداد "لاهوتيّ" لا يجعل الله فقط في قلب كل شيء، لأنه القيمة السامية وقطب الحياة الوحيد، بل يقبل أيضًا مخطّط الله كما هو: لهذا يجب عليه أن يبدِّل طريقة تصوّره لله وحبّه. يجب أن يتخلّى عن إله بناه "على طريقته" وكما يراه، ليقبل الاله "الآخر" الذي يقدّم حبًا لا نتوقّعه، حبًا يمرّ بالصليب.
وعبارة "حمل صليبه" تطرح علينا سؤالاً: هل هي تحديد بعد فصحي أدخلتها الجماعة الأولى؟ أم هل كان لها معنى في المحيط اليهوديّ قبل ذلك اليوم، يوم الجمعة العظيمة؟
حين دُوّنت الأناجيل، بدت هذه العبارة تلميحاً واضحاً إلى صليب يسوع. ولكن لا ننسى أن الحكم بالصلب الذي أدخله الرومان أرض فلسطين، كان معروفاً لدى اليهود. فالمحكوم عليه يحمل على كتفيه إلى موضع العذاب عارضة الصليب، (عليها تمتدّ اليدان). وهكذا قد تكون عبارة "حمل صليبه" عبارة معروفة في ذلك الوقت.
ولكنّ المهمّ ليس هنا. فعبارة "حمل صليبه" تعني في هذا السياق أن على التلميذ أن لا يهرب من أمام هذا الحكم المشين، ولا أن يتهرّب ويتفلّت. عليه أن يترك الطمأنينة ليتبع معلّمًا يقود تلاميذه إلى لاطمأنينة جذرية، إلى الموت.
وعبارة "تبع يسوع" تعني السير على خطى يسوع التاريخيّ. لا شكّ في أننا لسنا أمام مسيرة خارجيّة، بل أمام تعلّق داخليّ يفترض قبل كل شيء نداء من الله وجواباً من الانسان. وهكذا ينبغي علينا بشكل جوهريّ أن نشارك في الخلاص الذي يحمله يسوع، أن نشارك يسوع في مصيره بما فيه حمل الصليب والذهاب إلى الموت. وهكذا نتّحد اتحاد الحياة والألم مع المعلّم، فيكون اتحادُنا به حقيقيًا. وليس من قبل الصدف أن لا يرد فعل "اكولوتاين" (تبع) إلاّ في الأناجيل ليدلّ على علاقة التلاميذ بيسوع كما عرفوه في التاريخ.
ولكن من هم التلاميذ الذين إليهم يتوّجه يسوع؟ هناك التلاميذ بالمعنى الحصريّ، الذين تبعوا يسوع بطريق ملموسة ومعروفة على ما في الوثائق الانجيليّة. ولكن النص يتوجَّه أيضًا إلى الكنيسة كلها ولا ينحصر في بضعة تلاميذ. هي الحياة المسيحيّة تصوّر هنا. وهكذا نلاحظ في كل العهد الجديد (وفي الاناجيل أيضًا) تطورًا يوسِّع معنى "تلميذ" و"تبع" ليدلاّ على الحياة المسيحيّة. وهذا التوّسع ينطلق في اتجاهين:
- يعرّفنا معرفة يقينيّة (عبر العلاقات الملموسة التي ربطت المسيح التاريخيّ بتلاميذه الاولين) بالمواقف العميقة والداخليّة التي تتكرّر في حياة الكنيسة. ولقد حدّد لوقا مثلاً أن على المؤمن أن يحمل صليبه "كل يوم". وهكذا يصبح الصليب ممارسة من ممارسات الحياة اليوميّة.
- يوسِّع حلقة التلاميذ فيُدخل فيها جميع المؤمنين. لهذا استغنى لوقا عن ذكر التلاميذ، وقال إن أقوال يسوع تتوجّه "إلى الجميع" (9: 23). أما مرقس فتحدّث عن "الجموع" وعن "التلاميذ" (8: 34). وعند متّى، كان السامعون التلاميذ. غير أنه يرى أن التلاميذ يشكّلون نواة اسرائيل الجديد الذي يجمع الأسباط الاثني عشر. إنهم اسرائيل الجديد الحاضر منذ الآن. أما الجموع فتدلّ على اسرائيل الرجاء والمستقبل. إذن، نجد أيضًا عند متّى البُعد الجماعي.
ثم يجب أن نلاحظ أن مفهوم "التلميذ" أو "تبع" يعود دومًا إلى يسوع التاريخيّ وطريقة حياته. هذا لا يعني أنه يجب الآن أن نقتدي بشكل حرفيّ وملموس بمواقف التلاميذ الأولين. بل يجب أن لا ننسى بعض الوجهات الهامة لهذه المواقف: نقرّر أن نعيش للربّ. نستعّد أن نموت معه. نبدّل طريقة حياتنا حتى من الوجهة الخارجيّة. وقصارى القول: نقاسم المسيح مصيره الأرضيّ. 
ثانيًا: تدعونا آ 25 إلى أن نخاطر بحياتنا من أجل المسيح. تلك هي الطريقة الوحيدة لكي نخلّصها. فبهذا يقوم فعل الايمان الملموس. نؤمن أننا نحيا ساعة يبدو أننا خسرنا كل شيء. نؤمن بالمحبّة. هذا لا يعني أنه يجب أن نحتقر الحياة أو لا نبالي بها، بل نحن نجنّد حياتنا ونجعلها في طرق المحبّة.
لا تلمّح آ 26 إلى التعارض الثنائي بين النفس والجسد (الانسان هو نفس وجسد معًا، ولا تنفصل النفس عن الجسد. النفس هي الانسان كله وتربط العالم بالجسد)، بين الروح والمادة، بل تدلّ بالاحرى على التعارض بين طريقة خلاص يبحث عنها الانسان ومشروع الله. ولا نجد في هذه الآية أيضًا احتقارًا للغنى في حدّ ذاته أو للربح. فالعالم والغنى يكونان لنا شرًا إن منعانا من اتّباع المسيح، إن قادانا إلى اعتبار رفض المسيح كأنه "ربح".
وبعد هذه الأقوال الثلاثة عن الكفر بالذات، نقرأ في آ 27 اعلان يسوع حول مجد ابن الانسان. وهو يتوخَّى أن يسهّل للتلميذ فهم مصيره بما فيه من ألم بفضل التذكير بـ "الدينونة" و"مجد" ابن الانسان (وشعبه): إنه مجد قريب جدًا. وهكذا نكون من جديد في موضوع الصليب والقيامة، بعد أن عُرض بشكل مختلف. ذاك هو معنى التجلّي الذي يأتي خبره حالاً بعد هذه المقطوعة التي ندرسها الآن.


3- الخلاصة
أولاً: ابرز تحليلنا للنصّ وجهتين متكاملتين: وجهة مسيحاويّة ووجهة كنسيّة. إن يسوع ليس المسيح الذي انتظرته الجموع والتلاميذ أنفسهم، بل ابن الانسان المتألم. فالآلام جزء لا يتجزَّأ من مخطّط الخلاص. إنها "ضرورية" (داي).
ذاك هو الجزء الحميم والسريّ والحقيقيّ والجديد في نفس يسوع وفي رسالته. ولكن نجد هنا أيضاً موضوع الشكّ الدائم. فهذا السرّ كان شكاً للعالم اليهوديّ، وموضوع تساؤل في الكنيسة الأولى وفي كنيسة كل الازمان. تلك كانت مسألة سفر أيوب: تساءل اسرائيل بعد المنفى عن معنى "برّ" الله (وعدالته). وبكلمة أخرى، ما معنى أن يكون الشعب المختار، شعب الله، وموضوع حبّه. في وحي يسوع، ما بدا الشواذ في سفر أيوب (ألم البار) صار القاعدة: فمحبّة الله تمرّ بالصلب.
و"ضرورة" آلام المسيح وشعبه المتّحد به، ليست واضحة في حدّ ذاتها. غير أننا نستطيع أن نستشفّها عبر الكتب المقدّسة التي تجعلنا نلج فكر الله. ففكرُ الربّ له منطقه وإن لم نستطع أن ندرك هذا المنطق إلاّ في الايمان. وهذا الوحي المسيحاوي يلزم الايمان في أعماقه ويجعله يمرّ في المحنة. ويبيّن لنا مثلُ بطرس أننا نستطيع أن نعترف بمسحانيّة المسيح، وبعد ذلك حالاً ننكر بتصرّفنا المدلول العميق لهذا الاعتراف. نستطيع أن نؤمن بلاهوت المسيح، ونرفض في الوقت عينه أن نتعرّف إلى وجهه المتألّم. تلك هي العبرة للكنيسة ولكل مؤمن من المؤمنين.
ثانيًا: ألمحنا مرارًا أن كلمات يسوع تتوجَّه إلى الكنيسة. غير أن هذا المنظار الكنسيّ يذهب أبعد من ذلك. فهناك من يرى في مت 16: 18 بداية مرحلة هي إعلان الكنيسة. وفي الصعود إلى أورشليم (16: 21) بداية حقبة جديدة هي تكوين الكنيسة التي أعلنت. فيسوع بدأ هذا التكوين حين علّم تلاميذه وحدهم سرّ الآلام والقيامة.
من هذا القبيل، نستعيد نظرة تاريخيّة توضح أموراً عديدة، ونحن نجدها في كل الأناجيل. فالمقطوعة التي ندرس تقف في موقع هام من حياة المسيح: فيسوع تباعد عن الجموع حين رآها لا تفهم وحين شاهد معارضة الفريسيين المتصاعدة، فركّز جهده على تكوين التلاميذ (القطيع الصغير). وتابع مسيرته وحده نحو الصليب. تلك سمة أكيدة في حياة يسوع (سُمّيت الأزمة الجليليّة) وقد أكّدتها الأناجيل الاربعة.
غير أننا لسنا فقط أمام سمة من سيرة يسوع، أمام واقع خارجيّ، بل أمام واقع ينتمي إلى أعمق ما في رسالة يسوع، ويرتبط بنفسه في أعماقها. في النهاية، هي سمة من حياة يسوع الحميمة. ولكن كيف عاش يسوع هذه الظروف الخارجيّة وكيف فسّرها؟
لقد فهم يسوع أن حياته نحو اسرائيل ونحو العالم تمرّ عبر "البريّة" (أو: الصحراء)، وتطلب منه حوارًا مع القطيع الصغير الذي سُمّي في العهد القديم "البقيّة الباقية". كان أشعيا قد وعى هذا البعد المسيحانيّ مع الاختيار والعهد وشعب الله وعبد يهوه. ولكن بعد قرار المعلّم، حين نكون مع يسوع (التلاميذ، الكنيسة)، لا يعني أن نكون مع مسيح في نظر الجموع، بل نصير رفاق مسيح يموت، "لأجل الآخرين". لا خيار إلاّ ذاك الخيار للتلميذ والكنيسة.
ثالثًا: وتبقى آ 28 التي هي صلة وصل بين الشروط لاتّباع يسوع، ومشهد التجلّي الالهي. ونحن نقدّمها مع آ 27: "إن ابن البشر سوف يأتي...".
بما أن ابن الانسان يأتي في يوم من الأيام في المجد، لذلك يجب أن لا نتراجع يومًا أمام أيّة تضحية مهما كانت، لا نتراجع أمام الموت من أجل اتّباع يسوع. في مر 38:8 الذي لا نجده في النصّ المتاويّ، بل نجد ما يوازيه في مت 33:10 (من ينكرني قدام الناس...)، نقرأ جوابًا هامًا: نتبع يسوع، أي لا نستحي منه ومن كلامه أمام البشر، أي نقبل عار التلميذ الامين. والسلوك (بركسيس) في هذا السياق لا يدلّ فقط على أعمال أدبيّة، بل على أقوال نقولها مع المسيح او ضدّ المسيح المتألم. وعمل التلميذ الأهمّ هو أولاً شهادة أمام عالم معاد.
وتأتي آ 28 فتقوّي النداء لاتّباع المسيح المتألم، كما تشدّد على الطابع القريب لمجيئه في المجد. اذن، يجب أن تُفهم هذه الآية كتوضيح لما في آ 28 (خصوصاً فعل "مالاي"). فالتعبير الموازي في مر 9: 1 يبدو لنا تعبيرًا قديمًا لان تفسيره لا يقبل أيّ تردّد. ففيه أعلن يسوع التفجّر النهائي لملكوت الله بحيث يراه معاصروه. أما مت فخفّف بعض الشيء من حدّة العبارة متحدّثًا لا عن مجيء ملكوت الله، بل عن مجيء ابن الانسان في ملكوته. وجاء لوقا وفتح الباب على تفسير روحي مؤكّدًا أن المعاصرين يرون منذ الآن ملكوت الله. 
وهكذا ندرك في هذه الاختلافات اهتمام المعلّمين الأولين في الكلام عن اقتراب المجيء بعد سنة 70 ب م. أما التفسير الحديث فيحاول أن يزيل الصعوبة، فيقرأ في العبارة المتّاويّة اعلانًا لا عن المجيء الثاني بل عن التجلّي الذي يرد بعد هذه الآية حالاً، أو عن قيامة المسيح، أو عن انتشار الكنيسة انتشارًا سريعًا وخارقًا (كعمل قدرة الله) أو عن العنصرة، أو عن دمار أورشليم. محاولات عديدة. يبقى علينا أن نرى كيف توصّل التقليدُ القديم إلى حفظ كلمة من كلمات يسوع لم تتحقّق في الواقع المنظور ساعة دوّنت في الانجيل.

خاتمة
منذ ذلك الوقت. هكذا بدت المقطوعة التي درسناها. فكما بعد التجربة في البرية بدأنا طريقًا مع يسوع. كذلك بعد إعلان مسيحانيّة يسوع بفم بطرس ننطلق في طريق جديدة. لقد بدأ يسوع يكشف بشكل احتفاليّ سرّ ابن الانسان المتألّم والممجّد. كنا هنا أمام إنباء أول بالآلام. وسيتبعه إنباءان آخران يذهبان بعيدًا في تحديد المراحل التي يمرّ فيها يسوع حين يعيش آلامه. ولكننا نفهم أن الكنيسة أعادت قراءة ما قاله يسوع لها على ضوء ما حدث للربّ في تلك الجمعة العظيمة. هي لم تفهم في ذلك الوقت. ولكنها ستفهم كل شيء على ضوء القيامة. وهكذا يتّخذ هذا الانباء بعد الانباءين التاليين معناه، فيوجّه أنظار الرسل إلى أبعد من الموت الذي هو نهاية. إلى القيامة المجيدة التي سنجد عنها صورة مسبقة في خبر التجلّي الذي يأتي حالاً بعد هذه المقطوعة.
الفصل الرابع والثلاثون
التجلّي الالهي
17: 1- 8

هذا الحدث العجيب قد جعله الازائيون الثلاثة في الموضع نفسه من الخبر: بين اعتراف بطرس والانباء الأول بالآلام، وتعليمات يسوع حوله الآلام التي تنتظر التلاميذ والمجد القريب لابن الانسان. نحن في قلب السرد الانجيليّ. بعد الآن، سيُشرف شخص يسوع وعمله على الخبر. من جهة هو مسيح الله. ومن جهة أخرى سيُرذل ويتألم. ففي هذا الإطار التدوينيّ يجب أن نفهم خبر التجلي. أما تفسير هذه المقطوعة فيأخذ لدى الشرّاح ثلاثة اتجاهات. هناك من يرى سطرة (فكرة في خبر) حول قيامة يسوع أدخلت فيما بعد داخل السرد الانجيلي لكي تسند اعتراف بطرس بالمسيح. وهناك من انطلق من حدث حصل في حياة يسوع وقرأه على ضوء العهد القديم، فرأى فيه موضوع التنصيب الملكي المطبَّق على يسوع في خط عماده. وهناك اتجاه ثالث حاول أن يقرأ النصّ للتعرّف إلى حياة يسوع وتلاميذه.
بعد المقدّمة الاخبارية (آ 1) تجلّى يسوع، تبدَّل لون وجهه وثيابه (آ 2- 3). تكلّم بطرس (آ 4)، فرّد الصوت السماوي (آ 5). سمع التلاميذ (آ 6) وخافوا. ثم تكلّم يسوع (آ 7). وكانت الخاتمة الاخباريّة (آ 8): لما رفعوا عيونهم لم يروا إلا يسوع. جاءت الآيات الأربع الاولى "ترسم" المشهد. وتوخَّت الآيات الاربع الأخيرة أن تبيّن لافهم التلاميذ (وأي انسان يستطيع أن يفهم) أمام الحدث: المجد الالهي والمسيحاني سوف يتمّ في الألم. كانت للتلاميذ الثلاثة نظرة خاطفة إلى المجد، فليستعدوا لطريق الآلام والصلب.

1- سياق الحدث
ينتمي الحدث إلى الحقبة الثانية من حياة يسوع. فالبنسبة إلى الأناجيل الازائيّة الثلاثة، يدلّ إعلان بطرس المسيحاني في قيصريّة فيلبس على مفترق في حياة يسوع ويكوّن انقسامًا وسط معاصريه. من جهة، رفض الشعب اليهوديّ أن يؤمن بمن قدّم نفسه على أنه المسيح. ومن جهة ثانية، تبع بعض التلاميذ ولا سيّما بطرس المتكلّم باسمهم، يسوعَ الذي رأوا فيه المسيح ابن الله الحي. لم تفهم الجموع من هو يسوع، وحسبته "ماسيا" (مسيحًا) وطنيًا جاء يخلّص الشعب من المحتلّ الروماني. أما سلطات الأمة فاحتقرته ورذلته. عند ذاك، تراجع عن العمل مع الجموع وكرّس نفسه لتعليم تلاميذه الذين جمعهم حوله. وسيكشف يسوع لهذه النواة الصغيرة الامينة له والمليئة بالنوايا الطيبة، سيكشف لها تدريجيًا سرّ شخصه عبر المصير المحفوظ له. فالمسيح الذي أعلنه هؤلاء التلاميذ هو أيضاً ابن الانسان الذي يصعد إلى أورشليم ليموت هناك ويقوم. 
في التقليد الازائي، يتوزعَّ طريق ابن الانسان هذا عبر ثلاث متتاليات تتضمّن كلُّ واحدة ثلاثة أحداث متقاربة. وتبدأ كل مجموعة بإنباء عن مصير يسوع (16: 21؛ 17: 22-23؛ -18:2-9 اوز). ونقرأ كصدى لهذا الانباء، اللافهم عند التلاميذ: تشكّك بطرس في المرة الأولى (16: 22-23)، وحزن التلاميذ في المرّة الثانية (17: 23)، وقامت أم يعقوب ويوحنا بمحاولة لم تكن في محلّها (20: 20-23) في المرّة الثالثة. وهذا اللافهم عند التلاميذ هو معطية أساسيّة في التقليد المشترك، وقد شدّد عليه كلّ إنجيليّ بطريقته. مثلاً عند مرقس، تبع التلاميذ الخائفون معلّمهم الذي يسير في المقدّمة (10: 32). وعند لوقا الذي بدا مرهفاً في تعابيره العاديّة، شدّد يسوع وألحّ: "ضعوا في أذهانكم هذه الكلمات" (9: 44). ثم أعطاهم يسوع برهانًا كتابيًا دون أن يصل معهم إلى نتيجة (18: 31-34). غير أن يسوع لا يستطيع أن يترك تلاميذه في ضيق آفاقهم، فكان الحدث الثالث الذي يطبّق على التلميذ المصيرَ المحفوظ لابن الانسان. وهكذا نقرأ أولاً تعليمًا حول واجب العودة إلى الطفولة (18: 1- 4 وز). وأخيرًا حول الخدمة والتضحية بالنفس من أجل الكثيرين (20: 24-28 وز). تلك هي اللحمة التي عليها يرتسم صعودُ يسوع إلى أورشليم.
ونرى كل مرة في هذه المتتاليات الثلاث أن للسرّ وجهين على مستوى مصير يسوع كما على مستوى مصير التلاميذ: الوجه المظلم والوجه المجيد. فالتلاميذ يصطدمون كل مرّة بوجه الوحي المظلم. وفي كل مرّة يثبت يسوع في موقفه، ويشرك في مصيره الآتي والمقبل كلَّ من أراد أن يتبعه. وهكذا يصبح الوضعُ مأساويًا. فالصعود إلى أورشليم الذي هو بالنسبة إلى يسوع دخولٌ في المجد، يتّخذ في نظر التلاميذ شكل مسيرة إلى الموت. وما يعرفه يسوع في سر اتّحاده مع أبيه، لا يستطيع التلاميذ أن يقبلوه: فرغم كل ما رأوا هذا الرجل العظيم يعمل، ورغم كل ما سمعوه يقول، فهم ما زالوا يجهلون قصد الله، ويصطدمون بجدار الألم والموت. هم لا يستطيعون أن يقبلوا بواجب تجاوز هذا الجدار لملاقاة الله. كل هذا يبدو معارضًا لطرق الله كما دوِّنت في تاريخ تصرّفه تجاه شعبه المختار.
كيف نرفع هذا الشكّ وحجر العثار؟ الطريقة الوحيدة التي يستطيع يسوع أن يتّخذها، هي أن يعلن بجرأة المجد الذي يأتي بعد الذلّ والموت. ويتبع اعلانَ الموت المتين، اعلانٌ عن القيامة في اليوم الثالث (16: 21). والتعليم حول واجب نكران الذات وحمل الصليب، يتبعه حالاً قول يرينا كيف نربح نفوسنا (16: 24-26)، ثم ندخل في المجد. "فابن الانسان سيأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد بحسب أعماله" (16: 27). إذن، ينال التلميذ المكافأة من ابن الانسان الذي أعلن يسوع في الساعة الحاضرة مصيره. والذي سيعيد بناء كل شيء في اليوم الاخير، سيصلح كل شيء. هل كادْ يسوع يستطيع أن يفعل شيئًا آخر سوى أن يؤكّد هاتين الحقيقتين. أن يجعل الواحدة تجاه الأخرى كحدثين مقبلين بالنسبة إليه وبالنسبة إلى تلاميذه؟ هناك محدوديّة جوهريّة في تعليم يسوع خلال حياته على الأرض وقبل حلول الروح القدس. فقبل يوم الفصح والقيامة الذي فيه سيمرّ يسوع في ظلمة الموت، لا يستطيع الربّ حقًا أن يزيل حجر العثار والشكّ.
غير أن الآب يستطيع استباق الامور وتقديم الجواب قبل الوقت المحدّد. وهذا ما فعل حين أعطى التلاميذ أن يشاهدوا في لحظة خاطفة مجد الابن بالذات. ذاك هو السرّ الذي تقوله آية أضيفت على تعليم يسوع حول ضرورة التعاطف مع يسوع في حاشه وآلامه: "الحقّ أقول لكم: إن في القائمين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ابن البشر آتيًا في ملكوته" (28:26). بعد أن أرانا يسوع المكافأة في اليوم الأخير (اسكاتولوجيا تقليديّة)، ها هو يضمّ إلى هذه النظرة إنباء يجعلنا نتذوّق هذه المكافأة قبل أوانها، ورؤية مسبقة لمجد ابن الانسان. ولقد رأى الانجيليّون في هذا القول إنباءً مباشرًا عن التجلّي. وسار في خطاهم آباء الكنيسة. فإنه وإن يكن هذا هو المعنى الأصلي لقوله يسوع (في القائمين ههنا)، فهناك سمات أدبيّة تربطه بعض الرباط بالحدث الذي ندرس. وبشكل خاص قد تدلّ لفظة "بعض" (القائمين) على التلاميذ المميّزين. وفعل "يروا" يقابل 17: 9 (الرؤيا) ومر 9: 9 (ما رأوا، رج 9: 36). وهكذا أراد الرباط الكرونولوجيّ الذي يندر وجوده في حياة يسوع العلنيّة (بعد ستة أيام، 17: أ)، أن يجمع في إضمامة وثيقة الانباء بهذه الرؤية وتحقيقها.
إذن، توّخى التجلّي بالنظر إلى السياق الذي دُوّن فيه، أن يجعل الرسل يرون مسبقاً مجد اليوم الاخير، كما تركّز في يسوع هذا الذي يرونه معهم كل يوم. لقد كلّم الله هؤلاء التلاميذ الخائفين، المرتعبين: المجد (مجد الله) حاضر منذ الآن في ابن الانسان الذي هو حيّ أمامهم، الذي يرونه بعيونهم ويلمسونه بأيديهم ويسمعونه بآذانهم. فهم يستطيعون منذ الآن أن يسمعوا له، أن يطيعوه، أن يثقوا به. يستطيعون أن يتبعوا يسوع في الطريق الذي يصعد إلى أورشليم، يصعد نحو المجد عبر الصليب.

2- مرمى خبر التجلّي
خبر التجلي غنيّ جدًا، ولكن الفرح الذي ينعم به المتأمّل المشاهد، يصبح حيرة بالنسبة إلى شارح النصّ. فالمواضيع العديدة الواسعة تتلاقى كأمواج البحر، ويصبح مدلولُها متشعّبًا. لهذا، لا بدّ من اكتشاف مرمى الخبر. يتوافق الشرّاح على اكتشاف هذا المرمى في القول السماويّ الذي يدلّ على الهدف الاخير لمدوّن الانجيل، على الهدف الذي أراده الروح القدس. "وإذا صوت من الغمامة يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. فاسمعوا له" (آ 5).
هذا القول الالهي السماوي يستعيد قولاً تردّد في عماد يسوع، ويزيد عليه عبارة "فاسمعوا له". هو يعلن للتلاميذ ثلاثة أمور: يسوع هو ابن الله. هو عبد الله الذي جعل فيه الله مسرّته. هو النبيّ. لنتوقَّف بإيجاز على هذه الاعلانات الثلاثة.
قد تستطيع عبارة "الابن الحبيب" أن تبقى غير محدّدة. حملها لوقا الى نقطة الوصول في خبر العماد حين أورد مز 2. هي تعني المسيح، وتعني أيضًا الابن المولود منذ الازل حسب مز 2: 7: "قال لي: انت ابني وأنا اليوم ولدتك" (لسنا على مستوى مجمع نيقة 325 والكلام حول الابن المساوي للآب). مهما كان المستوى الذي فيه فهم التلاميذ هذا القول في مشهد التجلّي، فإن مدوّن الانجيل قد رأى فيه بلا شكّ اعلانًا عن وجود يسوع قبل الزمن. فكأني بالله يردّ على ما قاله يسوع. فساعة المعمودية، كان قد أعلن الله ليسوع الذي تصرّف كواحد من أبناء عصره وأخذ مكانه بين الخطأة الآتين إلى يوحنا المعمدان، أن هذا هو حقًا ابنه الحبيب. وساعة التجلي أعلن الله للتلاميذ الذين رأوا يسوع يأخذ في حياته دور عبد الله المتألم، أن هذا هو بالحقيقة ابنه الخاص.
ففي هذه الابن الحبيب يجد الله مسرّته. بهذه العبارة الثانية (هي خاصّة بمتّى) التي تذكر بوضوح ما قيل في العماد، يرى الله في يسوع عبد الله الذي نال رضاه، حسب نبوءة أش 42: 1: "هوذا عبدي، مختاري الذي عنه رضيت". لسنا هنا أمام حاش عبد الله، بل أمام الطريقة التي بها يُتمّ عبد الله المهمّة التي سُلِّمت إليه. وكان متّى قد أورد مطوّلاً هذا المقطع ليبرز تصرّف يسوع تجاه خصومه: "لا يكسر القصبة المرضوضة ولا يطفئ الفتيلة المدخنة" (مت 12: 18- 21). وهكذا ختم الصوتُ السماوي طريقة حياة يسوع "الوديع والمتواضع القلب" (29:11). ونحن نستطيع أن ندخل إلى مدرسته ولا نخاف.
والصوتُ الالهي "اسمعوا له"، يميّز حدث التجلي عن حدث العماد. وقد أراد أن يذكّرنا بما قيل في تث 18: 15 (ورد في أع 3: 22): "سيقيم لكم الربّ من بين أخوتكم نبياً مثلي فاسمعوا له في كل ما يقول لكم". وفي خطبة بطرس لشعب أورشليم، تحدّث يسوع القائم من الموت عبر شهادة رسله إلى المؤمنين وطلب منهم أن يتعلّقوا بكلمته. أجل، يسوع هو موسى الجديد، هو النبيّ المنتظر في نهاية الأزمنة (أع 37:7؛ يو 6: 14؛ 7: 40). وفي خبر التجلّي، يسوع هو منذ حياته على الأرض "النبيّ" (لا نبيّ من الانبياء) الذي يجب أن نسمع له اليوم، وإلاّ استُبعدنا من وسط الشعب. فيه ترتبط الحياة الأبدية التي أعلنها التعليم حول طريقة اتّباع يسوع، ووعد بها كل من حمل صليبه، وسار وراء المسيح. إذن، على التلاميذ أن يثقوا بيسوع الناصري الذي معه عاشوا كل يوم، الذي ما زالوا يسمعون تعاليمه.
إن مرمى الخبر يوضح المعنى الذي أشار إليه سياق الخبر. فالله يعلن أن يسوع ابنه الحبيب والخادم الذي يرضى عنه، هو النبيّ الذي يجب أن نسمعه، والذي يجب أن نعمل بتعاليمه. وهذا التعليم قد "بدأ" (16: 21)، وهو يدلّ على طريق المجد عبر الصليب.
إن هذا الوحي، الذي نجده متشابهاً تقريباً في الأناجيل الازائية الثلاثة، يبرزه كلُّ انجيلي بطريقة خاصة. في مر ولو، هو النقطة الاخيرة في الخبر: "وإذ نظروا فجأة حولهم، لم يروا أحدًا إلاّ يسوع وحده معهم" (مر 8:9؛ لو 9: 36). هذا هو المهمّ: "يسوع وحده معهم"، يسوع الذي هو الممجَّد في كيانه السريّ منذ الآن. ودعا مت القارئ ليقتدي بالتلاميذ في ما يفعلون: "فلما سمع التلاميذ سقطوا على أوجههم وخافوا جدًا". وتقدّم يسوع ولمسهم قائلاً: "إنهضوا ولا تخافوا" (آ 6-7)
أمام الله الذي يزور (يفتقد) الانسان، يخاف الانسان. ولكن في مت، لا تسبّب الخوفَ ظاهرةُ التجلّي ولا حضور الشخصين السماويين (مر 9: 6) أو بداية الدخول في الغمام (لو 9: 34). والخوف هو ردّة الفعل الدينيّة المعروفة التي يحسّ بها كل انسان أمام الاقداس: استولى الخوف عليهم ساعة سمعوا الصوت السماويّ الذي يُعطي الحدث معناه الحقيقيّ، ويدعوهم إلى السماع0 والطاعة. غير أن الخوف ليس الهدف الذي يتوخّاه الله في ظهوراته. فيسوع الذي هو سيّد الموت المتعالي، أمر الذين سقطوا بأوجههم إلى الأرض بأن يقفوا. كيف يخافون حين يكونون برفقة المعلّم الذي هو ابن الله؟ وفعلَ يسوعُ بالسلطان الذي سبق وأظهره في معجزاته: مع بطرس حين حقّق الصيد العجيب (لو 5: 10)، ومع التلاميذ الذين رأوه يمشي بمهابة على المياه (14: 27 وز). كما أظهره في ترائيه بعد القيامة (مت 28: 5، 10). فاذا كان الخوف ممنوعًا، وإذا كان النهوض ممكنًا، فهذا لا يعني أننا "نتعوّد" على الصوت السماويّ، ونجعله مع سائر الاصوات التي نسمعها في هذا العالم. فكلمة الله تبقى دومًا جديدة وهي تحرّك من يسمعها. نحن لا نخاف، لأن يسوع هو هنا وحده، هو قريبًا منا في مجده.

3- عناصر الخبر
بعد أن اكتشفنا المعنى العام عبر السياق والصوت السماويّ، نستطيع أن نتوّقف عند العناصر السرديّة فنكتشف المعنى الخاص الذي يتّخذه كل عنصر بالنسبة إلى المجموعة. وهذا ما يكون له أثره من أجل تفسير المشهد كله. نتوقّف عند: الجبل، المجد، موسى وايليا، الخيام (أو: المظال)، الغمام.
أ- الجبل
"وبعد ستة أيام، أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه، وصعد بهم على حدة إلى جبل عال جدًا" (آ 1)0 اعتزل يسوع. ذهب إلى حدة كما اعتاد أن يفعل. صعد إلى منطقة جبليّة قفرة (ق لو 15: 4، ومت 18: 12)، وهذا ما حدث له بعد تكثير الأرغفة. هكذا تجنّب الدعاية الشعبيّة (مت 14: 23 وز؛ يو 6: 15). إن لوقا الذي قال إن يسوع ذهب لكي يصلّي هناك، تحدّث عن "الجبل" بشكل عام (لو 28:9). أما في متّى ومرقس فنحن أمام جبل محدّد، جبل عال جدًا. فعلى الجبال العالية تلتقي السماء والارض. والجبال هي موطىء قدمي الله حين ينزل على الأرض ليزور البشر. ما اهتمّ الانجيليون بتحديد هذا الجبل المميّز لكي يبقي للمشهد بُعده الشامل. هو كل جبل في العالم. أما التقليد اللاحق فرأى في هذا الجبل جبل طابور (أو: تابور) في الجليل. أما النقّاد الذين يهتمّون بالطوبوغرافيا الدقيقة فقالوا "جبل حرمون" الذي يقع شمالي قيصريّة فيلبس. هذا أمر غير مهمّ من الناحية اللاهوتيّة. فالمهمّ هو تحديد هذا الجبل من الناحية السلبيّة. ليس جبل صهيون الذي اختاره الله منذ الأزمنة القديمة. وفي المزمور الذي يلمّح اليه الصوتُ السماويّ، قيل ان اللّه "أقام ملكه على صهيون، جبل قدسه" (أو: جبله المقدّس) (مز 2: 6). إن جبل صهيون هذا كان قد احتفظ في التقليد النبويّ والرابينيّ بمعنى اسكاتولوجيّ: "جبل بيت الربّ يقام على قمة الجبال وفوق التلال: فتأتي إليه جميع الأمم... تعالوا نصعد إلى جبل الربّ" (أش 2: 2-3)، هذا الجبل المقدّس (أش 9:11؛ دا 16:9). وحين اختار يسوع جبلاً آخر غير جبل صهيون، دلّ على أنه نزع التاج عن اليهوديّة. وحسب طوبوغرافيّة متّى اللاهوتيّة، جليل الأمم هو الذي زاره الله. نزل عليه. بل هو افتقد ما وراء الجليل، افتقد العالم الوثنيّ.
لا يدلّ المشهد فقط على اختيار أرض جديدة. فالمشهد هو وحي في حدّ ذاته. والأمر "اسمعوا له" الذي أخذ من تث 18: 15 رأى في يسوع موسى الجديد. وجبلُ العهد القديم الذي هو موضع الوحي الاعظم، حيث تسلّم موسى الوصايا، وحيث صعد ايليا نفسه (1 مل 8:19)، هو جبل سيناء. فالجبل الذي تجلّى عليه يسوع اتّخذ صورة سيناء جديد حيث جاء الله وكلّم التلاميذ. أما العناصر الاخرى فتلتقي حول هذا التفسير: المجد، موسى وايليا، الغمامة. وحتى "الستة أيام" التي سبقت تجلّي يسوع والقول السماوي: فموسى انتظر ستة أيام كلمة الربّ (خر 24: 15-16).
ب- المجد
"وتجلّى أمامهم فأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور" (آ 2). تجلّى. حرفيًا في اليونانيّة: تبدّل، تحوّل مظهره، اتّخذ وجهًا آخر غير وجهه العاديّ. هكذا اتّخذ القائم من الموت سمات مسافر في أعين تلميذي عماوس (مر 16: 12). إن حلم البشريّة القديم الذي فيه يتحرّر الانسان من عبوديّة الجسد لكي يدخل في حالة مجيدة، قد يجد في هذا الحدث معناه الحقيقيّ. إلاّ أن مشهد التجلّي لا يتجذّر في تحوّلات رمزيّة محضة. وليس نتيجة مجهود الانسان أو طقس سحريّ. التجلي هو حدث صوّره الكتاب في صيغة المجهول ليدلّ على أن العامل الوحيد في هذا المشهد هو الله (هذا ما يسمّى المجهول الالهي). فالله هو الذي يقود آمال الجليان اليهوديّ الى تمامها. كانوا يقولون إن وجوه الابرار تتحوّل إلى جمال شعّ في نهاية الأزمنة، تلمع كالملائكة التي تصبح شبيهة بهم، تمتلىء مجدًا (رؤيا باروك 3:51-10). هذا الرجاء الاسكاتولوجيّ وجد سندًا له في واقع من الماضي (موسى الذي شعّ وجهه بعد حديثه مع الربّ، خر 34: 29)، فصوّر المستقبل: "يشعّ الصديقيون كضياء الفلك. والذين علّموا البرّ للكثيرين، يشعّون كالكواكب إلى الأبد" (دا 12: 3). واليوم أمام أعين التلاميذ المميّزين، صار هذا الرجاء واقعًا منظورًا عبر هذا الانسان يسوع، على الجبل. إذا كان القول السماويّ قد أشار إلى ابن الله الحاضر منذ الأزل، فعمل التجلّي يرينا في يسوع مجده الاخير والنهائي.
حاول الانجيليون أن يعبّروا بأفضل ما يمكن عن هذه الظاهرة. اكتفى مرقس بأن يصوّرها حسب الشكل الذي اتّخذه لباس يسوع. صار مضيئاً. "صارت ثيابه تلمع بيضاء جداً حتى لا يستطيع قصّار على الارض أن يبيّض مثلها" (مر 9: 3). هذا البياض ليس اللون الابيض في المعنى العاديّ للكلمة. إنه "بهاء". إنه لون الواقع السماويّ (دا 7: 9؛ مر 16: 5؛ يو 20: 21) والاسكاتولوجيّ (رؤ 1:13-14؛ 4: 4؛ 14: 14؛ 19: 11؛ 20: 10)، وهو التماهي مع النور (مت) أو البرق (لو). وهذا النور "يحوّل" الوجه الذي يشعّ كالشمس، يبدّل له لونه. إذا كان الوجه مرآة القلب، فإشعاع وجه المسيح يأتي من ينبوع يختفي عادة عن أنظار البشر. وقد عبّر لوقا عن ذلك حين قال إن التلاميذ "رأوا مجده" (لو 9: 32).
إن المجد الذي أعلنه يسوع من أجل نهاية الأزمنة، "ساعة يأتي ابن الانسان مع ملائكته القديسين في مجد أبيه" (مت 16: 26؛ مر 38:8)، في مجده (لو 9: 26)، قد ظهر بشكل مسبق أمام أعين التلاميذ المشدوهة. ولنذكر بشكل موجز ميزات هذا المجد.
المجد هو ما يخصّ الله الذي هو كائن مجيد في معنى خاص جدًا، لأنه وحده قدوس. ولكن في هذه الساعة، قد ولج هذا المجد في انسان، بحيث فاض على ثيابه ووجهه فكشف عمق كيانه. فكشف وجه الله بالذات. فيسوع هو "ضياء مجد الله وصورة جوهره" (عب 1: 3). على وجهه مجد الله (2 كور 8:4). يسوع هو "ربّ المجد" (1 كور 8:2). وهذا المجد الالهي كان قد غطّى بضيائه الرعاة في ليلة الميلاد (لو 2: 9-10). وهو يغطي اليوم انسانًا هو يسوع، فيكشف قبل الزمن ما سوف يصيره عندما "يُخطف في المجد" (1 تم 16:3)، حين يقيمه الله فيعطيه المجد (1 بط 1: 21)، وهكذا يمجّد فتاه وخادمه (أع 3: 13). إن اسطفانس رأى يسوع في مجده (أع 7: 57)، وعمي بولس بنوره على طريق دمشق (أع 3:9). ومجد المسيح في النهاية سيشعّ في المؤمن نفسه (2 كور 3: 18).
يسوع المتجلّي هو ابن الله الذي نستشفّه عبر نجّار الناصرة، عبر المعلّم الذي يرافق تلاميذه. ويُبرز لوقا تأثير المشهد على التلاميذ فيقول: إن الحدث تمّ عند خروجهم من النوم (أو رغم نومهم) كما في الليل. فالتجلّي يبقى ينبوع نور للمسيحيّين الذين ما زالوا يعيشون في الليل دون أن يكونوا من الليل (1 تس 5: 5- 6).
ج- موسى وإيليا
"وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يخاطبانه" (آ 3). هناك فرضيّات عديدة حول مدلول هذين الشخصين السماويين. إنهما يرمزان إلى الشريعة والانبياء. ولكن الصوت السماوي يعلن أن نموذج النبيّ الآتي هو موسى لا إيليا. واعتُبرا كالشاهدين اللذين يتكلّم عنهما سفر الرؤيا: استطاع إيليا أن يغلق السماء، وموسى أن يضرب الأرض (رؤ 11: 3-7). ورأت بعض النصوص الرابينيّة في إيليا صورة المسيح المتألم. والحوار الذي يلي مشهد التجلّي، يرينا في ايليا صورة يوحنا الذي اسيئت معاملته (مت 17: 12-13؛ مر 9: 12-13). من الممكن بحسب التقليد القديم (ملا 23:3-24) الذي لمّح اليه يسوع أمام التلاميذ (مت 17: 10- 11، رج مر 9: 11-12)، أن يكون ايليا سابق المسيح. وهذا ما حصل في شخص يوحنا المعمدان. اذن، إن كان إيليا على الجبل فكسابق المسيح. لهذا سمّاه مر 9: 4 قبل موسى (ليعود بعد ذلك إلى الترتيب التقليديّ الذي يجعل موسى قبل إيليا، آ 5). وأورد نصّ رابينيّ: "قال يوحنان بن زكاي: قال الله لموسى: حين أرسل النبيّ إيليا، يجب أن تأتيا معًا" (تثنية رابا 3). من الممكن أن تكون هذه الامور في فكر الانجيليين: موسى النبيّ جاء يحيّي النبيّ الالهي. برفقة إيليا السابق للمسيح. ومهما يكن من أمر، هذان الشخصان اللذان جاءا على جبل سيناء الجديد (صعدا على سيناء القديم رمز الجديد في التوراة) يفهماننا أننا وصلنا إلى تتمّة الزمن.
والتلميح إلى موت يوحنا، إيليا الجديد، كان تفسيراً للموت في الحوار الذي تمّ عند النزول من الجبل. لا يورد لوقا هذا الحوار. في الواقع يبدو أنه لم ينتم في الأصل إلى خبر التجلي بحصر المعنى. غير أن لوقا قد نقل المضمون إلى حوار "حصل" خلال المشهد نفسه: "موسى وإيليا... يكلّمانه عن ذهابه الذي سيتمّه في أورشليم" (لو 9: 31). إن لفظة "ذهاب" تترجم "اكسودس" (في اليونانيّة) الذي لا يعني فقط الموت (كما في اليونانية الكلاسيكية). بل يدلّ على الخروج من هذا العالم، الذي يتضمّن الموت والقيامة والصعود بالنسبة إلى يسوع نفسه. في أع 13: 24، دلّ لوقا على مجيء يسوع إلى هذا العالم بلفظة "اسودوس"، أي دخوله في هذه الدنيا. واذ رأى متى ومرقس في حضور إيليا الذي استشهد في شخص يوحنا السابق، إنباء عن موت يسوع (ذكر في بداية هذه الحقبة خبرُ قطع رأس يوحنا، مت 14: 1-13؛ مر 6: 14-29)، نظر لوقا إلى الوضع من فوق. إن يسوع دخل إلى مجلس الله. وجاءت الكتب تؤكّد في شخص موسى وإيليا، ما يعرفه الابن بفضل اتّحاده بالآب، ما علّمه بعد قيامته: "كان يجب على ابن الانسان ان يتألم قبل أن يدخل في مجده" (لو 26:24، 45-46). وهكذا توضّح التقليد المشترك. فما يجب أن "يسمع" التلاميذ من يسوع، هو ما يعرفونه من الكتب المقدّسة، هو ما يتحدّث به مع الشخصين السماويين، هو فكر الله نفسه وقصده الخلاصيّ من أجل البشر.
د- المظال
"حينئذ أجاب بطرس وقال ليسوع: إنه لحسن أن نكون ههنا. إن تشأ نصنع ثلاث مظال، لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة" (آ 4). المعنى الأوّل لعبارة "حسن أن نكون ههنا" ليس دلالة على سعادة التلاميذ (هنيئًا لنا). كلا، بل الحمد لله أننا موجودون هنا لكي نصنع ثلاث مظالم (ثلاث خيام، لا ننسى ارتباط التجلي بعيد المظال). لا شكّ في أن بطرس شعر بملء السعادة. ولكن هذا لا نستطيع أن نستنتجه ممّا قال عن المظال.
كان التقليد اليهوديّ يرى في "الخيام الابدية" (لو 16: 9) رمزًا إلى المسكن السماويّ. ثم إن السكن تحت الخيمة يشير إلى زيارة الله الاسكاتولوجيّة. فهو يأتي لكي يقيم مع شعبه. إذن، فكّر بطرس أن نهاية الأزمنة هي هنا، وأنه يجب أن ندشِّن السماء على الأرض لكي يدوم ظهور يوم من الأيام، إلى الأبد.
شدّد كل من مرقس ولوقا على الطابع الغريب لتدخّل بطرس. "لم يكن يعرف ماذا يقول" (لو 33:9). "لم يعرف ماذا يقول" (مر 9: 6). فكأني ببطرس أخطأ حين قال ما قال. هل يريد أن يجعل هذا الزمن المميّز زمنًا أبديًا؟ هل نسي أنه لا يوجد هنا إلا ثلاثة تلاميذ لا الشعب كلّه في التجمّع الاسكاتولوجيّ؟ هل أعطى لنفسه دورًا بأن يصنع لله مقامًا؟ ونستطيع أن نكثر من الاسئلة التي تدلّ على أن بطرس لا يستطيع أن يفهم السرّ الذي يمرّ أمام عينيه، كما لن يستطيع أن يفهم سرّ الجسمانيّة (مر 14: 40). بهذه الطريقة دلّ مرقس كعادته على اللافهم عند التلاميذ. أما متّى فما اهتّم اطلاقاً بتقديم تفسير لاهوتي لكلمة بطرس. فما هو معنى هذه الكلمة؟ لم يخطىء بطرس في الاساس، لانّنا في الواقع أمام زيارة السماء للأرض. فبطرس لا يتطلّع فقط إلى خدمة مفيدة يستطيع أن يقدمها. بل إلى سعادته، إلى انخطافه. فهو يريد أن يثبّت إلى الابد هذه الرؤية السماويّة. يريد أن يبني مظلّة سماويّة لا لموسى وإيليا فقط، بل ليسوع الذي تجلّى أمامهم.
د- الغمامة
"وفيما بطرس يتكلّم إذا بغمامة نيّرة قد ظلّلتهم" (آ 5). ذاك هو جواب الله على اقتراح بطرس. فوظيفة الغمامة تقوم بأن تغطّي، تظلّل، تؤمّن ملجأ. جاءت الغمامة تعطي ظلّها. الخيمة هي من صنع البشر، أما الغمامة فأصلها سماويّ. الخيمة تجعلنا في الظلمة، أما الغمامة فهي نيّرة. هذا ما يشير إليه السياق المباشر، ويؤكّده التقليد البيبلي حول الغمامة، حول السحابة.
للغمامة معان مختلفة في التقليد البيبلي. في هذا المشهد نحن أمام غمامة تحمل شخصًا على مثال ابن الانسان الذي يأتي على الغمام في نهاية الأزمنة (دا 13:7)، بل أمام غمامة تغطّي وتحمي. فتشكّل نوعًا ما خيمة من أجل الله نفسه: الله يصنع من الغمام خباء له وخيمة (مز 12:18). أما هنا فيبدو أن الحدث هو تتمّة لنبوءة احتفظ بها التقليد اليهوديّ حول نهاية الازمنة: "عندئذ يُظهر الربّ من جديد كل آنية العبادة، فيظهر مجد الله والغمامة التي ظهرت في أيام موسى وحين صلّى سليمان لكي يتكرّس الهيكل بالمجد" (2 مك 8:2). فكما غطّت الغمامة في الماضي جبل سيناء فامتلأ من مجد يهوه (خر 40: 34- 35). وكما اجتاحت الغمامة والمجد في الماضي هيكل الرب (1 مل 8: 10- 12)، هكذا سيكون في نهاية الأزمنة. فالمجد الذي ترك الهيكل (حز 10: 3- 4)، سيعود مع الغمامة. وعلى جبل التجلّي الذي ينيره المجد المشعّ على وجه يسوع وعبر ثيابه، نزلت الغمامة التي هي علامة حضور الله بالذات. إن هذا الواقع الذي يدلّ عليه تطوّر لفظة "شكينه" التي دلّت في الاصل على المسكن والمقام، وفي النهاية على حضور الله، صارت اسم الله. هذا الظلّ هو الذي غطّى مريم العذراء في يوم البشارة (لو 1: 35). فهنا وفي التجلّي سيستعمل فعل "ابيسكيازو" الذي يدلّ على تدخّل خاصّ من قبل الله.
ما هو دور الغمامة؟ إنها لا تغطّي فقط الاشخاص السماويين الثلاثة، بل تغطّي التلاميذ الثلاثة أيضًا. هذا ما يقوله النصّ عند لوقا وحده. ولكن سياق مت ومر يصل بنا إلى النتيجة عينها. فالملاحظة مهمّة، لأنها تدلّ على أن التلاميذ ليسوا فقط مشاهدين من الخارج، بل دخلوا هم أيضًا في حدث يتجاوزهم ولكنه يعنيهم. فالنبوءة التي وردت أعلاه، تدلّ على الظروف التي فيها يأتي المجد والغمام: "إن الموضع الذي فيه خُبّئت "أواني العبادة، سيظلّ مجهولاً حتى يجمع الله شعبه ويرحمه رحمة" (2 مك 7:2). فاذا تذكّرنا السياق الكبير الذي فيه أدرج حدثُ التجلّي، وهو سياق تكوين جماعة التلاميذ التي تصوّر مسبقًا الكنيسة وتحقّقها، نقول إن هذا التجمّع يتمّ لا في وحدة التلاميذ الثلاثة الذين يمثّلون مجموعة الرسل كلها، بل في وحدة التلاميذ مع يسوع والشخصين السماويين. فالتجمّع الذي تألف من تلاميذ التأموا حول الكلمة، قد كرّسته الغمامة التي غطّت المجموعتين، مجموعة السماء (يسوع، موسى، إيليا) ومجموعة الأرض (التلاميذ الثلاثة). فيسوع لم يتجلّ فقط من أجل نفسه، بل من أجل التلاميذ الذي سيسمعون له. وهؤلاء التلاميذ رأوا أنهم يكوّنون بعد اليوم جماعة مع يسوع، بل مع السماء، بقدر ما يسمعون الكلمة.

4- نظرة شاملة إلى مشهد التجلّي
أ- في أصل الخبر
هناك تأثيران لعبا دورهما في تكوين خبر تجلّي يسوع: الحدث الذي حصل. الشكل الادبي الذي استُعمل لكي يوصل إلينا هذا الحدث.
لا يستطيع خبر التجلي أن يكون خبر ظهور فصحيّ (بعد القيامة) جعله التقليد في حياة يسوع العلنيّة كصورة مسبقة عن القيامة. في هذه الحالة، يجب أن نلغي عناصر عديدة، إن هي غابت انتزعت من الخبر طابعه الخاص: ففي الظهورات الفصحيّة، يُحجب المجدُ حجبًا كاملاً عن أعين التلاميذ. ولا تلعب الغمامة أي دور. ولا يتدّخل موسى وإيليا. وما قاله بطرس من كلام لن يكون له معنى إطلاقاً. ولا نستطيع أن نجعل من خبر التجلّي ظهور المسيح في المجد. فمع أن المجد هو هنا، فيجب أن تُلغى سائر العناصر. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يتضمّن الحدث معطيات عديدة تتوافق توافقًا تامًا مع اشارات أكيدة من حياة يسوع على الأرض. مثلاً: الاعلان المسيحانيّ. اختيار التلاميذ الثلاثة. اللافهم عند التلاميذ. وهكذا يُدعى القارئ لكي يفهم السرّ كجواب الله على إنباء أعلنه يسوع حول مصير ابن الانسان على مفترق حياته العلنيّة.
ثم إن حدث التجلّي قد ورد في تقليدين أدبيّين مختلفين. فالتذكّرات التاريخيّة قد تلوّنت بالتفسير اللاهوتي الذي جعل من يسوع موسى الجديد، ومن الجبل جبل سيناء الجديد. هذا لا يعني أننا أمام سطرة استنبطتها الجماعة انطلاقاً من نصوص الخروج (كما قال بعض الشرّاح): فهناك اختلافات كبيرة بين الاحداث التي يوردها الخروج وما يوردُه إنجيل متّى: طريقة ظهور الغمام، معنى الستّة أيام، تدخل بطرس.
أما المرجع الأدبي الثاني فهو ظهور ابن الانسان في رؤيا دانيال: فمقابلة مت مع دا 10 تعلّمنا الشيء الكثير: نجد في ترتيب متشابه مواضيع النور والبهاء والصوت والسماع والوقوع على الأرض، واللمس والنهوض والرؤية. غير أن الاختلافات عديدة بحيث لا نستطيع أن نقول إن مت نسخ دا. على كل حال، كل هذه المواضيع لا تصبح محدّدة إلا في مت.
وأخيرًا نستطيع أن نجد مرجعًا شبيهًا بالمرجع السابق أو بالاحرى رسمة في أربع مراحل تكون إطاراً لعدد كبير من التيوفانيّات. أن نكون أمام موسى أو إيليا على جبل سيناء. أو أمام أخنوخ أو يوحنا في سفر الرؤيا، نجد عادة أربع مراحل: الصعود، الظهور الالهي، المهمة (كلمة أو شريعة)، العودة إلى الأرض. ولكنّنا نجد هنا أيضاً اختلافات عديدة مع الخبر الانجيليّ. ففي قلب المشهد لا نجد الملاك المفسّر بل التلاميذ الثلاثة. والتلاميذ (لا الوسيط كما في عالم "السحر") هم الذين يتّخذون موقعًا تجاه الحدث، ويسوع نفسه هو الذي يُنهض التلاميذ الذين سقطوا بوجوههم إلى الأرض.
حين نتعرّف إلى هذه "الأشكال" الادبيّة، لا ننسى القيمة التاريخيّة للخبر، بل إن هذه المعرفة تتيح لنا أن نكتشف المدلول التعليمي للحدث. وهذا ما نحاول القيام به على مختلف مستويات التفسير.
ب- التقليد الإزائي المشترك
في الاساس ورد الحدث بشكل وحي وصل إلى التلاميذ. فالذي أنبأ بمصير ابن الانسان وأفهم التلاميذ ما ينتظرهم من مصير مباشر، هو يسوع الناصري، بل هو ابن الله الحبيب الذي يجب أن نسمع له، الذي يجب أن نحيا حياته. بالغمامة تكرّس التلاميذ المميّزون الذين هم صورة مسبقة عن الغمامة الاسكاتولوجيّة، ليسوع الذي تجلّى أمامهم. هي لحظة خاطفة كشفت للتلاميذ البُعد الجديد لحياتهم: حين يعيشون من كلمة يسوع، يعيشون في حضرة الله. وإذا كانوا بعد ذلك قد رأوا يسوع وحده، فهذا يعني أن المسيرة تتواصل بعد أن أضاء عليها نور آت من عالم السماء. والتلاميذ الذين رافقوا المعلّم في الطريق إلى أورشليم هم صورة مسبقة عن الكنيسة في طريقها إلى السماء. وعلى هذا الجبل، على جبل سيناء (الجديد) الذي يشرف على المسيرة في البريّة، ترتفع الكنيسة عن الأرض وتمرّ إلى السماء في شكل من الأشكال. فتكتشف البُعد السماوي الذي يعطي معنى للتاريخ الذي تحياه، للصليب الذي تحمله والذي يقودها إلى مجد يسوع نفسه، فيوحّدها بيسوع الذي تجلّى على الجبل كما سوف يقوم بمجد عظيم بعد ساعات الآلام والصلب والقيامة.
ج- نظرة كل من الازائيين
شدّد مر على طابع السرّ الالهي الذي لا يُفهم. وتفسير: "جواب" بطرس يشبه تفسير صمت بطرس في بستان الزيتون. لقد عمَّق الانجيل الثاني الهوّة التي تفصل الانسان عن سرّ يسوع. أما مشهد التجلّي فهوا ابيفانيا المسيح المعلّم أمام التلاميذ الذين أخذت منهم الحيرة كل مأخذ فصاروا مثل النساء بعد ظهور يسوع لهنّ في أحد القيامة (مر 8:16): "ما أخبرن أحدًا بشيء لأنّهن كن خائفات".
وأبرز متى البعد الكرستولوجيّ للسرّ. فلفت انتباهنا أولاً إلى يسوع ثم إلى الله. صوّر لنا وجه يسوع. والتلاميذ سمّوه "الرب". وبطرس بدأ كلامه بلفظة مليئة بالوقار: "إن شئت" (نتذكّر "لتكن مشيئتك" في الصلاة الربية). في يسوع يجد الله مسرّته. وأخيرًا يلمس يسوعُ التلاميذ، يُنهضهم كما من الموت، فكانت فعلته فعلة الله مع هؤلاء الذين سقطوا من خوفهم إلى الأرض. والغمامة "المضيئة" تذكّرنا بغمامة سفر الخروج التي قادت الشعب في مسيرته عبر البريّة. إن التجلّي بحسب مت هو كرستوفانيا (ظهور يسوع المسيح)، هو كشف عن البعد السرّي لشخص يسوع.
ورتّب لوقا خبره بالنظر إلى لاهوت التاريخ، لاهوت قصد الله. هذا الخبر هو قمّة حياة يسوع مع تلاميذه. فمسيرة التاريخ لا يتوزّعها فقط فعل "داي" (يجب، ينبغي)، بل هي تتجسّد في حدث، تتجسّد في يسوع نفسه. ففي هذا الانسان ينضمّ الذل مع المجد انضماماً عجيباً. فتجاه ليلة الآلام والنزاع نجد ليلة التجلّي المضيئة والمجيدة. ففي مسيرة التاريخ التي تبدو مرارًا مظلمة، يُشرف حدثُ التجلّي بنوره على صعود يسوع إلى أورشليم. على طريق المجد الذي يمرّ عبر الصليب.
د- حدث التجلي كما في يوحنا
إن حدث التجلّي ترك أثره في يو، في حدث مجيء اليونانيين إلى يسوع (يو 12: 20-32). بعد أن أعلن يسوع أن الساعة أتت حيث يتمجّد ابن الانسان، وأنَّ على تلاميذه أن يتبعوه في ذلّه وفي مجده، عبّر عن الخيار الذي وجد نفسه أمامه بدون تردّد: "حينئذ سُمع صوت من السماء يقول: لقد مجّدت وسأمجّد أيضًا". نحن نكتشف هنا الصوت السماوي ومجد التجلّي، كما نجد رباط هذا المقطع من يوحنا مع النزاع في جتسيماني. فالسياق الذي فيه أدرج التجلي من إنباء بمصير ابن الانسان، من تعليم للتلاميذ (والجمع حسب مر 34:8 ق يو 34:12)، من لافهم لدى التلاميذ، كل هذا نجده هنا في لوحة واحدة تعلّمنا الشيء الكثير: أوجز يوحنا الحدث في عبارة بسيطة: الصوت السماويّ الذي يعلن مجد يسوع.
ولا نستشفّ هذا المجد عبر وجه يسوع وثيابه، بل هو يعني اسم الآب. ولكن حين عاد هذا المجد إلى الآب بشكل مباشر، لم يعد محصورًا في برهة من الزمن، بل امتدّ في الماضي وفي الحاضر. لم نعد فقط أمام قمّة حياة يسوع، بل أمام مركز إشعاعه. ومعجزات يسوع بشكل خاص هي "آيات" نكتشف من خلالها أعمال الآب، تجلّي مجده. هذا ما يقوله مطلع الانجيل: "رأينا مجده" (يو 1-14) كما قال لوقا في خبر التجلي: "رأوا مجده" (32:9). حسب يوحنا لم يكن التلاميذ وحدهم مميّزين حين رأوا يسوع، بل يستطيع كل المؤمنين، بل ينبغي لهم أن يروا مجد يسوع عبر الأعمال التي عملها والأقوال التي قالها فيحقّق هكذا ما تقوله خاتمة المطلع: "هو أخبرنا عن الآب".
هـ- تأوين الحدث
نقرأ في 2 بط 1: 16-18 شهادة قد تكون سابقة للتدوين الاخير للرسالة. هي تستلهم الحدث الانجيليّ وتدلّ على الدور الدفاعي في حدث التجلّي: جاء المشهد في الجوهر دون التفاصيل: لا غمام، لا خيمة، لا وجود لموسى وإيليا. وجاء الصوت من السماء لا من الغمام. والجبل ليس أي جبل كان، بل الجبل المقدّس. ويشدّد الكاتب على مجد يسوع وكرامته. غير أنه لا يورد التوجيه القائل "اسمعوا له". فما أمر به الصوت السماويّ قد مارسه بطرس ساعة صار شاهد عيان لجلالة يسوع.
فإن كان بطرس قد أورد الحدث، فلكي يُسند تعليمه حول مجيء الربّ في نهاية الأزمنة، وهكذا يردّ على الذين يشكّون في هذا المجيء (2 بط 3: 4- 5). هو لم يرجع إلى الظهورات الفصحيّة كما فعل سائرُ الكتّاب، هو لم يرجع إلى الصعود الذي يُتوّج حياة يسوع على الأرض ويعلن عودته. لماذا اختار التجلّي؟ لأنه اعتبر أن الظهورات الفصحيّة والصعود ليست جزءًا من "خبرة" التلاميذ كما كان التجلي. فالصعود الذي عُرف في مبدأه في الخبرة، صار مجهولاً في نهايته، بعد أن جعل بين يسوع وتلاميذه هوّة لن تردم قبل نهاية الأزمنة. وقد أرادت الظهورات الفصحيّة التي تدل على تماهي القائم من الموت مع يسوع الناصريّ، أن تشير إلى حضور حقيقيّ لذاك الذي يمرّ في الموت. أما خبرة التجلّي فتعود بنا إلى حقبة تسبق موت يسوع، وتؤكّد في الوقت عينه حضوره في المجد. وهكذا يندرج الحدث في مسيرة تاريخية تستطيع أن تكون موضوع ما "عاشه" التلاميذ ورأوه بعيونهم. التجلّي هو هجمة المجد في عالم الشقاء. إنه يستبق زمن النهاية بشكل ملموس، ويؤكّد واقع هذه النهاية.
لم يورد بولس أبدًا حدث التجلّي. ولكن أضاء عليه مجد الربّ على طريق دمشق. وهذا المجد الذي هو على وجه المسيح ينعكس على وجهه. فحدث تاريخ يسوع قد "التهمه" حدثُ الفصح (في شكل من الاشكال)، ومجد الابن القائم منذ الازل. ولكن المسيحي هو الذي يؤوّن كل يوم تجلّي يسوع. هذا ما تدلّ عليه 2 كور. ففي ألفاظ تذكّرنا بخبر التجلّي، يدلّ بولس على الوحدة بين الألم والمجد، فيميّز تمييزًا تامًا بين طبيعة الايمان الفصحي وطبيعة خبرة المجد على الأرض. لا شكّ في أن جسد الشقاء سيتجلّى فيصبح مثل جسد المسيح الممجَّد في اليوم الأخير (فل 3: 21). ولكن بولس يؤكّد أن الرسول يعرف منذ الآن وفي جسده، وعبر ذلّ الوضع الرسوليّ، يعرف حقًا المجد في خبرة ليست خبرة الايمان. فالايمان الفصحيّ يتحدّد موقعه في ما وراء الموت. يُدرك يسوع الذي يحيا الآن ولم يعد للموت عليه من سلطان. أما الخبرة الرسوليّة فتعرف المجد ولكنها تعرفه عبر الذلّ.
وهكذا يلتقي برلس مع أقوالى الانجيليين الذين بيّنوا أن مجد التجلّي يتوجَّه إلى الذين يصعدون درب الصليب. فآلام هذه الحياة لا توازي المجد الذي سيكشف لنا يومًا. ولكن الرسول يكتشفه منذ الآن في جسده المائت (2 كور 4: 11، 17). إن الرسول هو على الأرض استباق لمجد السماء، وتجلي يسوع يتمّ فيه في كل أوان: "نعكس كما في مرآة وجه الرب، فنتحوّل إلى تلك الصورة بعينها المتزايدة في البهاء" (2 كور 3: 18).
غير أن هذا التأوين للتجلّي لا يأخذ كل معناه إلا إذا ارتبط ارتباطًا متواصلاً وواضحًا بحدث من الزمن الماضي. هكذا يصبح حدث التجلي النموذج الاول للخبرة الصوفيّة: يجتاح السرّ الفصحيّ قلبَ الزمن في توسّعه لا في نهايته. وإذ ننتظر أن يشعّ نورُ الفصح بدون نهاية وبدون ظلال، يبقى نور يسوع المتجلي مضيئاً للذين يسيرون نحو المجد السماوي. وعبر هذا الاستباق الخاطف للمجد النهائي، كما اختبره الرسل بشكل لا يضاهى، يعرف المؤمن أن السماء تعمل اليوم على الأرض، وأن المجد يمرّ عبر الصلب.

خاتمة
إن التجلّي يلقي ضوءًا على صعود ابن الانسان إلى أورشليم، ويتجدّد موقعه قبل ذلك الصعود في التقليد القبل إزائي. "يجب على ابن الانسان أن يذهب إلى أورشليم ويلقى أشدّ الآلام من الشيوخ والأحبار والكتبة ويُقتل ويقوم في اليوم الثالث" (16: 21). لقد أراد الله للتلاميذ الذين لا يستطيعون أن يفهموا الطريق الذي يريد أن يتبعه يسوع معلّمهم أن يستشفّوا المجد السرّي لابنه. وطلب منهم أن يسمعوا تعليمه. نحن هنا في إطار جليانيّ، كما في رؤيا. على جبل عال جدًا حيث تتّصل السماء بالأرض. مع موسى وإيليا. وهكذا اتّحد العهد القديم، بالعهد الجديد في مشهد واحد عاش منه التلاميذ فربطوا سيناء بالجبل الذي كان يسوع عليه. ويسوع الذي هو موسى الجديد بعالم الأنبياء الذين يحملون كلام الله إلى البشر. ولكن يسوع ليس فقط ذاك الذي يحمل كلمة الله. إنه كلمة الله بالذات. وإن أراد التلاميذ أن يسمعوا له يستطيعون. ولكنهم يستطيعون أن ينظروا إليه، فيتعلّموا منه ومن طريقة حياته كيف يكون السامع لكلام الله العامل بمشيئته.
الفصل الخامس والثلاثون
يسوع وإيليا
17: 9- 13

انتهى حدث التجلّي. وعاد التلاميذ الثلاثة إلى الحياة العاديّة مع يسوع الذي يجب أن يسمعوا له لأنه ابن الآب. الذي يجب أن يسمعوا له لأنه صوت الآب وكلمته. عند ذاك طلب منهم يسوع أن يحفظوا السرّ، أن لا يخبروا أحدًا بالرؤيا. نحن هنا في موضوع جلياني حيث يطلب "الملاك" عادة من الرائي أن لا يعلن ما كشفت له السماء. كما أننا في خط "السرّ المسيحانيّ" الذي شدّد عليه مرقس وتبعه متّى، فدّل على أن يسوع لا يقطع المراحل بسرعة، كما أنه لا يريد أن يخطئ الناسُ حول عمق مسيحانيته التي هي ألم قبل المجد وموت قبل القيامة. وكان حوار بين يسوع وهؤلاء التلامذة المميّزين، فأسسّ كلامه على ملا 23:3 الذي يرى في إيليا سابقًا للمسيح، سابقًا يهيّئ الشعب للقاء المسيح بعد أن يجمعه في الوحدة والامانة. ولكن يسوع سيبيّن لهم أن إيليا قد جاء في شخص يوحنا الذي رفضه الشعب بانتظار أن يرفض يسوع: مصير يوحنا هو صورة مسبقة عن مصير يسوع.

1- نظرة إجمالية إلى النصّ
روى مت في خطى مر (9: 5-13) هذا الحوار بين يسوع وتلاميذه، حين كانوا نازلين من جبل التجلي. هنا نقول أيضاً إن مت استعمل مر بطريقته الخاصة، فترك ما اعتبره نافلا (مر 9: 10: فحفظوا الوصية متسائلين: ما معنى: متى قام من الاموات)، بل ما قد يظهر له مهماً (مر 9: 12 ب: إنه مكتوب أولاً أنه يتألّم كثيرًا). فركّز الاهتمام على جوهر نص مر (آ 9، 13: لا تخبروا أحدًا... إيليا قد جاء): إن ألم إيليا يتماهى بشكل واضح مع آلام يوحنا المعمدان، وهذا ما لم يشدّد عليه مر. وزاد متّى كعادته خاتمة تربويّة حول موضوع الفهم الذي هو عزيز على قلبه (رج 13:13، 14؛ 10:15؛ 16: 12).
هذا هو موقف أول. وهناك موقف ثان يعتبر أن مت ومر كانا نصّين مستقلّين، ولكنهما استقيا موادهما من التقليد الشفهيّ. أما البرهان الأهمّ في هذه الفرضيّة، فهو أنه لا يمكن لمتّى أن يقرأ مر 9: 12 ب ويلغيه، لأنه اعتاد أن يبحث عن استشهادات في العهد القديم. فكيف يلغي هذا الاستشهاد لو قرأه عند مرقس؟ ولكننا نستطيع أن نقدّم جوابًا على هذه الفرضيّة قائلين بأن مت لا يأخذ باستشهاد عام، بل يطلب الايراد الواضح الذي نجده في نصّ معيّن.
إن مثل هذا الحوار بين يسوع وتلاميذه، قبل حدث رئيسيّ في حياة يسوع، مهمّ جداً بالنسبة إلينا، لأنه صدى لمناقشات حرّكها هذا الخبر في الاوساط المتّاويّة. من هذا القبيل، تبدو آ10-13 مميّزة في مت: فهو يردّ بلا شكّ على اعتراض قدّمه الفريسيون في زمانه (7: 29؛ 8: 19؛ 9: 13؛ 13: 52).

2- دراسة تفصيليّة
أ- البنية
نجد في هذه المقطوعة مشهدًا واحدًا مع محادثة بين يسوع وتلاميذه الثلاثة. (أما مر 9:9-13 فيقسم المقطوعة إلى مشهدين آ 9-10 ثم آ 11-12). فبعد مقدّمة إخبارية قصيرة (آ 9 أ)، نسمع أمر يسوع (آ 9 ب: لا تخبروا أحدًا). ويأتي سؤال من التلاميذ الثلاثة، بطرس ويعقوب ويوحنا (آ 10). وفي حركة ثانية نسمع جواب يسوع (آ 11-12). وتأتي الخاتمة بشكل تفسير تدوينيّ قدّمه الانجيليّ في خطّ لاهوته (آ 13): "ففهم التلاميذ عندئذ أنه كلّمهم عن يوحنا المعمدان".
ب- المراجع
إن مر 9:9-13 الذي لا يجد ما يوازيه في لوقا (مع أن لو 9: 36 ب يدلّ على معرفة بما في مر 9:9-10)، هو بلا شكّ مرجع مت 9:9-13، كما سبق وقلنا. فمرقس يترك بعض الغموض في نصّه. ففي آ 10 يبدو التلاميذ وكأنهم يجهلون كل شيء عن القيامة العامة. وفي آ 12، أضاع أثر إيليا بمناسبة قول عن ألم ابن الانسان، بحيث كمّل الفكرة الأولى في آ 13. أورد مر مرتين الكتب المقدّسة، ولكن ليس هناك ما يشير إلى النصّ الانجيلي. هذا ما يحيّرنا، لا سيّما وأن مر لا يُعنى كثيرًا ببراهين مأخوذة من النبوءات. واللغز الأكبر هو أن مر لا يقول أبدًا ما يعني: لماذا لم يتابع كلامه ويقل لنا ما يعرفه، وهو أن إيليا هو يوحنا المعمدان؟
لا نجد أيًا من هذه الصعوبات في مت. فيستحيل على من يمعن النظر في نصّ متّى، أن يجد فيه الأمور المحيّرة التي وجدناها في مر (تسير الأمور من الأقل وضوحًا إلى الأوضح). ولكن حين واجه مت نصّ مر أوضح كل شيء.
ج- التأويل
إن هذا الخبرَ الاعتراض (أي المبنيّ على اعتراض) الذي يفترضه يوستينوس (الحوار 49) في شكله المتّاويّ، يصل بنا إلى عدّة أهداف. الأول، يحرم النقد اليهوديّ من برهان قوّي ضد اسكاتولوجيّا قد تحقّقت في شخص يسوع. قالوا: بما أن إيليا لم يأت بعد، فالسيناريو الاسكاتولوجيّ لا يمكن أن يظهر. الثاني، يُبرز هذا المقطع مرّة أخرى التوازي بين يسوع وسابقه، وهذا موضوع معروف في مت. الثالث، الأمر بحفظ الصمت إلى أن يقوم ابن الانسان من الاموات (آ 9)، لا يشير فقط إلى اختلاف بين حقبة قبل فصحيّة وحقبة بعد فصحيّة، ولا يعلن فقط أنه لا يمكن أن تعلن الحقيقة كلها عن يسوع حتى يُتمّ رسالته. بل يجعل من بطرس ويعقوب ويوحنا سلطة تحمل هذا التقليد عن يسوع.
أدخل الانجيليّ الأول ثلاثة تعديلات رئيسية على مرجعه المرقسي. الأول، ألغى مر 9: 10 (آ 9). الثاني، زاد خاتمة جديدة (آ 13). الثالث بدّل موقع مر 9: 12 ب بحيث جعله في سياق موافق.
إن مر 9: 11- 12 أ+13 الذي بدا مستقلاً عن خبر التجلّي، هو جواب على اعتراض يُعلن التتمة في نهاية الأزمنة. فقد كان هناك انتظار يهوديّ حول إيليا، خلق مشكلة في تفكير الناس. "يجب أن يأتي إيليا أولاً". إن كلمات مر تدلّ على أنه يلمّح إلى أن إيليا يكون السابق للمسيح. ولكن هذا ليس بأكيد جداً. وإيليا المنتظر بأن يأتي "قبل يوم الربّ العظيم الرهيب" (ملا 4: 5)، قد أعطيت له عدد من الأدوار الاسكاتولوجيّة المختلفة. ما الذي يتبع ذلك؟ الاعلان المسيحي الذي يقول بأن النبوءات قد تمت، بأن المسيح قد أتى، بأن قيامة الموتى قد بدأت (27: 51-53). هذا ما جعل المعترضين يقولون إن ايليا لم يأت. وعلى هذا قد يكون مر 9: 11- 12 أ+13 قد انطلق من كلمة يسوع تماهي بين يوحنا وايليا، فأجاب بأن إيليا قد أتى في الواقع في شخص يوحنا المعمدان الذي لم يُستقبل الاستقبال الحسن، بل عُومل باحتقار. هل كل هذا قد تمّ قبل الفصح والقيامة؟ في الواقع، قد أعلن يسوع أن ملكوت الله قد جاء وهو في وسط الشعب. أن الشيطان انحدر من السماء، وقُيّد. وأن زمن التتمة قد أطلّ. ولكن يجيب معترض: أين هو إيليا لم يظهر بعد؟ أجاب يسوع بهذا الكلام حين رأى في خدمة يوحنا المعمدان تتمّة انتظار إيليا.

3- تفسير الآيات
أ- ولما نزلوا من الجبل (آ 9)
نتذكّر هنا ما قلناه عن الجبل في 17: 1. جبل الخطبة الأولى، جبل التجلّي، جبل الجليل في نهاية انجيل متى. كل هذا يدلّ على جبل سيناء، الذي يصعد عليه يسوع لأنه موسى الجديد.
توجّه يسوع إلى المجموعة الصغيرة من التلاميذ الذين شهدوا التجلّي. أوصاهم، أمرهم. فعل "اناتايلو" أخذه مت من مر، ولكنه يميّز أسلوب مت. هو يدلّ على أمر محدّد، على وصيّة واضحة. فيه تلتقي ألفاظ مت مع ألفاظ يوحنا. رج 4: 6 (يوصي ملائكته بك)؛ 19: 7 (أوصى موسى)؛ 28: 20؛ ق يو 14: 31 (أعمل بما أوصاني الآب)؛ 15: 14 (صنعتم ما أوصيتكم به)، 17 (فما أوصيتكم به). لقد أمر يسوع تلاميذه بوضوح أن لا يقولوا لأحد شيئًا مما رأوا. جعل مت في الاسلوب المباشر ما رآه عند مر في اسلوب غير مباشر، ليجعل المعنى أوضح.
وندهش حين نقرأ اللفظة المستعملة للحديث عن التجلّي: "هوراما" (الرؤية). لا ترد هذه اللفظة إلا هنا في مت. أما مر فيجهلها ويكتفي بالقول "أن لا يخبروا أحداً بما رأوا" (9: 9، ها ايدون). أما أع فيستعمل "هوراما" تسع مرات. 7: 31 (عن موسى والعليقة)؛ 9: 10 (قال الرب لحنانيا في الرؤيا)؛ 10: 3؛ 10: 17، 19... في اليونانيّة الكلاسيكيّة تدلّ هذه اللفظة على كل ما يشاهده الانسان. أما في السبعينيّة اليونانيّة وفي سفر الأعمال، فتدلّ بشكل خاص على رؤى نبويّة (دا 19:2؛ 4: 10؛ 9:7؛ أي 7: 14؛ تك 15: 1؛ خر 3:3). هذه اللفظة خاصة بلغة دانيال الذي أثرّ كثيرًا في نصّ متى.
حبن استعمل الانجيلي "هوراما" هنا، أعطى مشهد التجلّي تفسيرًا غير التفسير الذي نجده في الخبر نفسه (17: 1-18) حيث لا نجد نفوسنا أمام رؤية من النوع الجليانيّ اليهوديّ. بهذه الطريقة استطاع متّى أن يُفهم محيطَه معنى التجلّي فهمًا أفضل. ويمكن أن تكون الكلمة قد اتخذت هنا معنى معروفًا: ما رؤي، ما حصل، الحدث. إن مر 9: 9 الموازي لهذا النصّ (رج أع 7: 31) قد يُسند هذا المعنى. ومهما يكن من أمر، سواء تحدّثنا عن ظهور أو رؤية، فهذا الحدث السرّي يتحرّك في مقولات توراتيّة مميّزة. ليس له مدلول في ذاته، كالانخطاف مثلاً، بل يتضمّن كلمة (آ 5)، ثم تعليمًا بشكل حوار (آ 9-12) يصل بنا إلى فهم التلاميذ لما حصل (آ 13). إن الحدث الغريب هو هنا في خدمة كلمة واضحة كل الوضوح، وإن صعبَ قبولها أو فهمها في إطار اللاهوت المتاوي.
إن قابلنا هذا المنع الذي يفرضه يسوع مع 8: 14 (منع يسوع الابرص)؛ 16:12 (أوصاهم أن لا يشهروه)، نجده خاصًا جدًا. فعلى التلاميذ أن يصمتوا، أن لا يقولوا ما رأوا حتى "يقوم ابن البشر". لا شكّ في أن يسوع أراد أن يتجنّب كل تحرّك مسيحانيّ في الشعب يمزج الدين بالسياسة. بعد القيامة، زال ذاك الخطر، لأن الصليب الذي وقع بين التجلّي والقيامة، سيزيل دفعة واحدة كل الاحلام المسيحانيّة التي تتكلّم عن سلطة عالميّة. هي كلمة تاريخيّة ليسوع، وقد شدّد مر أنهم لم يفهموها (9: 10). أما مت فاعتبرها تفسيرًا وفقاهة. إن هذا المنع يعبّر عن جوهر النظرة المتاويّة إلى المسيح الذي أتى ليخدم ويتألّم (16: 23 ي؛ 20: 28).
إن اللفظة المتّاويّة التي تتحدّث عن القيامة (اغايرو)، تفهمنا أن هذه القيامة هي عمل الله. يسوع يُقام (المجهول اللاهوتي). أي الله يقيمه. وهكذا نكون مع مت في إطار يهوديّ اعتاد أن لا يذكر اسم الله. أما مر فاعتبر أن المسيح يقوم بقدرته الالهيّة.
إذا كان مت قد استقى من مر، فقد أعاد اللون الفلسطيني لموضوع قد يفهمه الناس انتفاضةَ حياة لدى يسوع (رج مر 8: 31؛ 9: 31). استند بعض الشرّاح إلى هذه الآية ليؤسّسوا النظريّة المعروفة حول السرّ المسيحانيّ. بحسب هذه النظريّة، نسبت الأناجيل الازائية بدون حقّ إلى يسوع منعًا يرجع في الواقع إلى المعلّمين المسيحيين الأولين الذين حاولوا أن يشرحوا بهذه الطريقة آلام يسوع وموته. لا شكّ في أن هذه التعابير لم تظهر في وجهتها التامّة إلاّ في الأناجيل. ولكن هذا لا يمنع أن يكون مدلولها قد صوّر حقًا يسوعَ الخادم، والمسيح الذي عاش في التاريخ كما نقول في قانون الايمان: في أيام بيلاطس البنطي.
ب- إيليا ويوحنا المعمدان (آ 10-13)
نتذكّر هنا وجه إيليا في العالم الجليانيّ اليهوديّ (3: 4؛ 17: 3): "ها أنا أرسل لكم إيليا النبي قبل أن يجيء يوم الربّ العظيم الرهيب" (ملا 4: 5). يأتي إيليا ليدلّ على الطاهر والنجس. ليقرّب ويبعد. وحسب رابي يهودا: "لكي يقرّب لا لكي يبعد". "إذا كان الاثنان قد أودعا، واحد وزنة والآخر شيئًا يساوي ألف دينار، وطالب كل منهما بأكثر من ذلك يعطى كل واحد شيئًا قليلاً، ويباع "الغرض" الآخر ويعطى لكل منهما شيئًا زهيدًا ويوضع الباقي جانبًا حتى مجيء إيليا".
إذ أراد الكتبة اليهود أن ينكروا مسيحانيّة يسوع، كانوا يقولون إن إيليا ما جاء بعد. نحن هنا أمام اعتراض مميّز للعالم اليهوديّ على الايمان المسيحيّ في أولى مجادلاته مع محيط فلسطيني ثم سوري. إن فعل "داي" (ينبغي) في فم الكتبة، يرتدي المعنى الذي ارتداه في فم يسوع حسب مت: في مخطّط الله، ينبغي أن يأتي إيليا أولاً (بروتون).
ونصل إلى آ 11. ففي خبر التجلّي، عارض مت مر، فجعل موسى قبل إيليا (آ 3). وها هو الآن يعود إلى منظار مر، فيجعل إيليا قبل موسى. مقابل هذا، ألغى الايراد الكتابيّ الذي وجده في مر حول آلام ابن الله، لأنه وجده غير واضح ولأنه يوّد الآن أن يركّز الانتباه على إيليا ويوحنا المعمدان. لا يُنكر يسوعُ التعليم اليهوديّ حول أولويّة ايليا بالنسبة إلى المسيح (يأتي قبل المسيح). وإذ أورد ووسّع ملا 4: 6 حسب السبعينيّة، أفهمنا أن حدث السابق قد حصل وتمّ. وصيغة الحاضر في فعل "ارخوماي" لا تدلّ على أن إيليا مزمع أن يأتي، أو هو في طريقه إلينا. بل ينبغي عليه أن يأتي (هو "ارخومانوس"، 11: 3 أ. أنت هو الآتي). نحن أمام حاضر تعليميّ لا يتوقّف عند الماضي أو الحاضر، بل يعني لا شكّ في أن إيليا يسبق المسيح، يأتي قبل المسيح. في العالم الرؤيوي اليهوديّ، على إيليا أن يأتي ليرتّب كل شيء في اسرائيل "لئلاّ آتي (أنا الله) وأضرب الأرض بالحرم" (ملا 4: 6 ب. أي الموت والدمار). إذن، كانت صورة إيليا كفالة دينيّة من أجل أيام المسيح: ولكن هذا القول قد جعل عليه المسيح المتاويّ علامة استفهام.
فإذا كان إيليا قد جاء (رج آ 13)، فكل النظام الديني لدى الكتبة ينهار، لأننا لا نستطيع البتّة أن نرى هذا "الترتيب" الذي يسبق العيد المسيحانيّ العظيم. إذن، على المسيح أن يأتي. أو هو قد أتى وسط شعب لم يقدر أن يتعرّف إليه، ولا أن يتقبّله. هذا هو معنى الاداة الهائلة التي تدلّ على أن كل شيء تمّ، وأن المسيح قد أتى. وهكذا قطع يسوع الطريق على كل حنين إلى الماضي، وكل حمّى دينيّة (24.15:14) حصل مثلها الكثير في منطقة الجليل. وهذا يعني أيضاً أن ظهور ايليا مع موسى على الجبل، لم يكن ذاك المجيء الاستعداديّ الذي ينتظره كل انسان. فإيليا سوف يأتي في وسط شعبه، يجمع عائلاته وعشائره. بل سبق له وأتى، فلا حاجة إلى الانتظار بعد.
معرفة إيليا، التعرّف اليه، يعني قبوله كالسابق. وقد كان الأمر كذلك، ولكن بطريقة غير الطريقة التي فيها انتظره اليهود. فالفعل "عرف" (7: 16؛ 27:11) يجد فاعله أولاً في الكتبة. "أتى ولم يعرفوه". مع أنه كان من الواجب عليهم أن يعرفوه. ثم ينطبق فعل "عرف" على الشعب كلّه. فإيليا هذا ما استطاع أن يفعل ما طلب منه أن يفعل، لأن شعبه اتّخذ المبادرة ورفضه، وأخضعه للألم والموت. هذا الشعب لم يترك السابق يفعل، فكان الخاسر الأكبر.
بين مصير إيليا (أو: يوحنا المعمدان) ومصير يسوع، قد جعل مت تواصلاً أساسيًا (وكذلك). لسنا هنا أمام خطأ عارض، بل أمام إرادة وتصميم. وبين رفض السابق ورفض المسيح، لسنا أمام تسلسل كذاك الذي يربط العلّة بالنتيجة: ففي رفض الاول، تمّ منذ ذلك الوقت رفض الثاني، يوم مات يوحنا، بدا في نظر مت، كأن المسيح بدأ يموت.
انطلق بعض الشرّاح من هذه العبارة ليدافعوا عن طرح يقول: إن يسوع اعتبر نفسه إيليا. غير أن مت جعل من يوحنا المعمدان صورة إيليا ليجعل من يسوع المسيح المنتظر. ولكنّها فرضيّة ضعيفة، لأنّها تمزج ما قاله متّى مع ما قاله لوقا. فالانجيل الثالث هو الذي يحدّثنا عن يسوع كإيليا الجديد. وهذا ما نتوّسع فيه الآن.

4- يسوع إيليا الجديد
اهتّم لوقا بأن يتجنّب كل تماه بين يوحنا المعمدان وإيليا (ما عدا في أخبار الطفولة)، لأنه رأى أن يسوع هو إيليا الجديد. فقد رأى أن يسوع يحقّق في شخصه وفي رسالته سلسلة من السمات التي تميّز الانتظار البيبلي واليهوديّ لعودة إيليا.
هذا ما أشار إليه أولاً أع 3: 20- 21. فيسوع، لا يوحنا المعمدان، هو الذي يحقّق تجديد كل شيء، وهو عمل احتفظ به العالم اليهوديّ لإيليا في نهاية الأزمنة. يسوع هو "ذاك الذي تحتفظ به السماء لزمن التجديد الذي تكلّم الله عنه بفم أنبيائه القديسين" (أع 3: 21). ويقدّم أع أيضًا صعود يسوع بشكل يذكّرنا باختطاف إيليا. وهكذا نفهم أن لوقا يرى في يسوع إيليا، النبيّ الآتي في الأزمنة الأخيرة (أع: 1: 9؛ مر 16: 19 أ؛ رج 2 مل 2: 11؛ تك 5: 24). في هذا المنظار تستنير عدد من السمات الخاصّة بالمسيح يوردها الانجيل الثالث.
أ- "وردّه إلى أمّه" (لو 7: 15)
وننطلق من إقامة ابن الارملة في نائين، وهو خبر تفرّد به لوقا (7: 11- 17). ففي 7: 22 أرسل يسوع يقول ليوحنا المعمدان في سجنه: "الموتى يقومون". واعتبر أنه يستطيع أن يكتشف علامةً مسيحانيّة في هذه المعجزة التي تمّت لابن الارملة. فإيليا وأليشاع قد شفيا كل منهما وحيد أرملة (1 مل 17: 14-24؛ 2 مل 4: 21-37). فالعالم اليهوديّ يرى أن إيليا سيلعب دورًا هاماً في قيامة الموتى.
ولوقا قد اهتمّ اهتمامًا خاصًا لكي يبيّن العلاقة الدقيقة بين معجزة يسوع ومعجزة إيليا. نائين موضع المعجزة، مدينة قريبة من شونم حيث أقام اليشاع الولد. على باب المدينة التقى يسوع بالجنازة. نحن أمام تفصيل يدلّ على اتصال أدبيّ بين حدث أرملة صرفت صيدا وخبر لوقا (لو 12:7؛ 1 مل 17: 10). الميت هو ابن وحيد لأرملة. وبعد أن أقامه يسوع ردّه إلى أمّه (لو 7: 12 ,15؛ 1 مل 17: 12، 23 حسب السبعينيّة). والهتاف الأخير الذي يعلن "قام بيننا نبيّ عظيم" (لو 16:7)، يفهمنا أن شهود المعجزة أدركوا التوازي بين معجزة اجترحها يسوع ومعجزة إيليا (رج يو 6: 14). ونلاحظ بطريقة عابرة أن يسوع يصوّر رحمة يسوع تجاه "ابن وحيد"، ليس هنا فقط، بل مع الولد الذي يقع في داء الصرع (37:9-43). وبعد الشفاء، أعلن الانجيلي: "ردّ يسوع الولد إلى أبيه" (لو 9: 42).
إن حدث الابن الوحيد الذي أقامه إيليا قد أثّر في فكر لوقا. والكلام عن الارملة التي أحسنت إلى إيليا قد أثّر أيضًا في الانجيليّ الثالث، فذكر الخدمة التي تؤدّيها ليسوع نسوة تبعن يسوع في رحلاته الرسوليّة (لو 8: 1-3). إنهنّ امتداد لأرملة صرفت صيدا.
ب- "جئت لألقي على الأرض نارًا" (لو 49:12)
بدأ ابن سيراخ مديحه لإيليا بهذه الكلمات: "قام إيليا كالنار، وتوقَّد كلامه كالمشعل" (48: 1). تكلّم إيليا فأغلقت السماوات، وحلّ الجفاف في اسرائيل (1 مل 17: 1). وصلّى إيليا فنزلت النار على المحرقة على جبل الكرمل (1 مل 18: 37-38). مرتين أنزل إيليا نارًا من السماء على جيش أحزيا (2 مل 1: 9-13). لهذا لا نعجب إن ربط العالم اليهوديّ شخص إيليا بالتنقية بالنار في نهاية الأزمنة.
أراد يعقوب ويوحنا من يسوع أن يعلن مسيحانيّته، فطلبا منه في غضبهما على قرية سامريّة: "أتريد يا رب أن نأمر النار لتنزل من السماء، وتحرقهم كما فعل إيليا" (لو 9: 54؛ 2 مل 1: 10-12)؟ غير أن يسوع رفض هذا الاقتراح الذي يعارض كل المعارضة روح رسالته. هو ما جاء ليهلك بل ليخلّص.
ومع ذلك، فيسوع نفسه هو الذي قال: "جئت لالقي على الارض نارًا. وكم أنا متشوّق لان تشتعل" (لو 49:12). بدا يسوع هنا مثل إيليا الجديد. ولكنه تجاوزه، لانه جاء ليخلّص لا ليدّمر. فالنار لا تدمّر فقط، بل هي تنقّي. والنار التي حملها يسوع، أي نار هي؟ في الكتاب المقدس، النار تعبّر بشكل رمزيّ عن قداسة إله الحبّ الذي لا يرضى أن يقاسمه أحدٌ قلبَ شعبه (تث 4: 24؛ 6: 15). الذي يتفقّد خلائقه ليجعلها تسير مع مخطّطه الخلاصيّ (زك 2: 9؛ أش 4: 4) أو ليزيلها إن هي رفضت (أش 66: 15؛ صف 1: 18؛ ملا 3: 2؛ حز 28: 18). وفي لو 12: 49 تُذكر هذه النارُ بموازاة عماد سوف يتقبّله يسوع (لو 12: 50)، وهو عماد يرمز إلى موته حسب قوله مشابه نقرأه في مر 10: 38.
غير أن العماد الطقسيّ الذي تقبّله يسوع في الاردن، يُلقي ضوءًا على هذا الموضوع: "ساعة اعتمد يسوع هو أيضًا، كان في الصلاة فانفتحت السماء، ونزل الروح القدس عليه بشكل جسديّ، مثل حمامة" (لو 4: 21-22). هناك تقليد أورده يوستينوس الذي اتصل بجماعة الابيونيين فكمّل هذه الصورة التيوفانيّة: "ولما نزل يسوع في الماء، اشتعلت النار في الاردن" (الحوار 88). 
وهكذا تتوضّح رسالة من أخبر به يوحنا المعمدان. "هو يعمّدكم بالروح القدس والنار" (لو 3: 16). وإذ امتلأ يسوع من الروح القدس بعد عماده (لو 4: 1)، صار جديرًا برسالته الفدائية. فجعل نار كلمته تمتدّ خلال حياته على الأرض، ولا تظهر كنار انتقام، بل ككلمة نعمة وخلاص نتمسّك بها ونتقبّلها. ففي الناصرة بيّن يسوع أن نبوءة أش 61: 1-2 قد تمّت: حلّ روح الله، فحلّت سنة نعمة، لا سنة "انتقام" كما قال أشعيا. وموتُ يسوع سيكون عماده في الروح والنار. وبعد ذلك، أرسل يسوع نار الروح على تلاميذه يوم العنصرة (أع 1: 5؛ 3:2).
ج- "تكلّم عن خروجه الذي يتمّه" (لو 9: 30)
خلال حدث التجلّي، ظهر يسوع في المجد يحيط به موسى وإيليا، السابقان اللذان ماتا بشكل سريّ، فلم يعرف أحد أين وُضع جسدُهما. ولكنّهما سيعودان في نهاية الأزمنة كما تقول الرؤى اليهوديّة. ونلاحظ حسب لو 9: 31 أن موسى وإيليا يشاركان يسوع في مجده (مت 3:17؛ مر 9: 4) ويتحاوران معه عن "خروجه" (اكسودوس، مثل خروج الشعب من مصر) الذي يتمّه. ما معنى لفظة "اكسودوس"؟ تدلّ على الذهاب. وهو عمل عجيب يدلّ على قدرة الله التي خلّصت شعبه. أما المجد الذي هو مجد موسى وإيليا، فيأتي من "اختطافهما" الذي أنهى حياتهما على الأرض ووضع حدًا لآلامهما خلال الرسالة النبويّة التي قاما بها. وبعد حدث التجلّي، يبدأ لوقا قسمًا جديدًا في إنجيله، هو صعود يسوع إلى أورشليم. والعبارة الأولى: "وإذ كان زمن ارتفاعه (اختطافه) من هذا العالم قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم" (9: 51). نجد هنا لفظة "انالمبسيس" التي ترتبط بفعل "تمّ" "بليرون". وها نحن نبحث عن حدث بيبليّ يقابل هذا "الاختطاف" (الارتفاع). هنا نعود إلى دورة إيليا و"اختطافه" (2 مل 2: 9- 11). خلال مسيرة طويلة يصوّرها لو 9: 51- 19: 27: يصعد يسوع إلى أورشليم ليُخطف، ليرتفع مثل إيليا، ساعة تتمّ أيام آلامه وموته وقيامته (9: 51) أي خروجه الذي تحدّث عنه مع موسى وإيليا. والعلاقة بين مقدّمة هذا الصعود إلى أورشليم وحدث التلاميذ الذين يريدون أن ينزلوا نارًا من السماء على قرية سامريّة (9: 54)، تدلّ على أن دورة إيليا هي موضع استلهام للوقا.
ولكن تفحّص الصعود إلى أورشليم يكشف أيضًا عن هدف لوقا في أن يبيّن أن يسوع هو إيليا الصاعد إلى الموضع الذي منه سيُختطف بعد أن يمرّ في الآلام التي وعد بها جميعُ الانبياء. ومع أن لوقا تبع مر 9، إلا أنه حوّل كلام مر عن سفر ينطلق من الجليل إلى أرض اليهوديّة عبر الاردن (مر 9: 30؛ 10: 1)، فصار هذا السفر صعودًا نحو أورشليم عبر السامرة مرورًا في أريحا (لو 9: 52؛ 18: 35؛ 19: 1). وهذا ما يجعلنا نستشّف موضوع إيليا الذاهب مع اليشاع في رحلته الاخيرة من الجلجال إلى أريحا مرورًا ببيت إيل. إذن، يرى لوقا أن يسوع سافر سفرة إيليا الاخيرة نحو اختطافه الذي سيعرفه في نهاية" خروجه" الفصحي.
ونلاحظ تشابهات واختلافات بين صعود إيليا وصعود يسوع. أوصى إيليا اليشاع أن يبقى حيث هو (2 مل 2: 2، 4، 6). وأوصى يسوع تلاميذه بأن يبقوا في أورشليم لينتظروا فيها الروح القدس. ما استطاع إيليا أن يعطي روحه لأليشاع (2 مل 2: 9-10). أما إيليا الجديد فقال: "ها أنا أرسل عليكم ما وعد به أبي" (لو 49:24). ورث أليشاع رداء إيليا العجائبي (2 مل 13:2)، وارتدى التلاميذ قوّة من العلاء (لو 24: 49). تحيّر أليشاع الذي لم يبق في يده سوى رداء إيليا. أما التلاميذ فكانوا فرحين بعد الصعود، وكانوا ينتظرون الروح الذي وُعدوا به (لو 24: 52؛ 2 مل 2: 12).

خاتمة
وأوصى يسوع تلاميذه أن لا يقولوا لأحد شيئًا ممّا شاهدوه. هكذا اعتدنا أن نسمع في الرؤى الجليانيّة. وبالاضافة إلى ذلك، لم يحن الوقت بعد لكي يكشف سرّ يسوع الذي هو المسيح ابن الله الحيّ. فالشعب ما زال على مستوى التقاربات. يسوع هو في مت موسى الجديد الذي يلقي عظته على جبل شبيه بجبل سيناء. وهو في لو إيليا الجديد الذي جاء ليتمّ ما عمله إيليا خلال حياته على الأرض. وسوف ننتظر الآلام لكي يدخل الرسل في "نفق" مظلم لن يخرجوا منه إلاّ في القيامة. وبانتظار ذلك يجب أن يبقى مشهد التجلّي في قلب هؤلاء الثلاثة الذين شاهدوا مجد ابن الله على جبل "طابور" بانتظار أن يروا ذلّه على جبل آخر هو جبل الزيتون.
الفصل السادس والثلاثون
شفاء ولد مصروع
17: 14- 23

بعد أن تجلّى يسوع على الجبل أمام تلاميذ ثلاثة (17: 1-8)، أفهم بطرس ويعقوب ويوحنا أهميّة الآلام بالنسبة إليه، هو ابن الانسان. كما أفهمهم معنى مجيء إيليا في شخص يوحنا المعمدان. بعد أن أفهمهم، "فهموا" أخيرًا (13:17) كما يقول الانجيل، وإن فهمًا ناقصًا. عند ذلك عاد معهم إلى الجموع التي تركها بعد أن أشبعها خبزًا وهي التي كادت تخور في الطريق من الجوع. وهكذا، وقبل أن يعود يسوع إلى الجليل وبالتحديد إلى كفرناحوم، سيكون له لقاء مع والد يقع ابنه في داء الصرع. حاول التلاميذ التسعة الذين لم يرافقوا يسوع إلى الجبل أن يشفوه فلم يقدروا. وهكذا يطرح يسوع من جديد مسألة الايمان: "أيها الجيل الغير المؤمن".
بعد أن ندرس السياق الازائي ونتوّقف عند النقد الادبي، نقوم بتحليل النصوص قبل استخلاص الفكرة اللاهوتيّة كما نكتشفها عند متّى.

1- السياق الازائي
أ- جعلت الأناجيل الازائية الثلاثة هذا الخبر حالاً بعد نزول يسوع وبطرس ويعقوب ويوحنا من جبل التجلّي. غير أن متّى ومرقس قد أقحما هنا الحوار حول إيليا ويوحنا المعمدان (مت 17: 9-13؛ رج مر 9: 11-13). أما لوقا فلم يهتمّ بهذا الخبر، لأن مثل هذا الجدال مع الكتبة حول إيليا لا يهمّ قرّاءه. ثم لا ننسى إنه إن قابل لوقا إيليا مع يوحنا المعمدان في حدث بشارة زكريا (1: 5-25)، فهو سيقابل إيليا مع يسوع خصوصًا في "مشهد" صعود يسوع إلى السماء (أع 1: 6- 11).
حين ننطلق من بنية متّى، نلاحظ أن الرباط بين التجلّي وهذا الشفاء (ولد يقع في داء الصرع)، نجده في جيل يرفض أن يؤمن، أو لا يستطيع أن يؤمن. في جيل غير مؤمن (أعوج) يحيط بذاك الذي حلّ عليه مجدُ الله بشكل ساطع. إن يسوع سيذمّر مرارًا من غياب الإيمان هذا عند الناس (آ 17؛ رج مر 9: 19). عند والد الولد المريض الذي أحسَ بايمانه المترجرج فهتف: "أؤمن يا رب، فأعن قلّة إيماني" (مر 9: 23-24). وسيتذمّر يسوع من قلّة الايمان حتى عند تلاميذه إذ قال لهم: "لو كان لكم من الإيمان مثل حبة الخردل... لما استحال عليكم شيء" (مت 17: 20).
عندما نقابل بين النصوص الثلاثة المتوازية، نكتشف الوقائع الرئيسية التالية:
- جاء خبر متّى أقصر من خبر مرقس. لا نرى مثل هذه الظاهرة، إلا في 23:8-34 (تسكين العاصفة، ومجنونا الجدريين، رج مر 4: 31- 41)؛ 9: 26018 (شفاء النازفة وإقامة ابنة يائيرس، رج مر 5: 21-43).
- ألغى متّى كل التفاصيل التي تحرّك العاطفة عند القارئ، والتي جعلها مرقس في آ 14-16 (رج مت آ 20-24)، وتوخّى من ذلك أن يثبِّت الانتباه على الجوهر.
- هذا الجوهر، يراه متّى، شأنه شأن مرقس، في كلمات يسوع حول الايمان، أو بالاحرى حول عدم الإيمان. قال متّى: "أيها الجيل الغير المؤمن" (آ 17). قال مرقس الكلام عينه عن هذا "الجيل" وعن التلاميذ الذين لم يقدروا أن يُخرجوا الروح النجس.
- وفعل متّى كما اعتاد أن يفعل مرارًا، فجعل في الخاتمة (آ 20) قولاً من أقوال يسوع يُجمل معنى الخبر. وهذا القول نجده عند مرقس (11: 22-23) وعند لوقا (6:17) ولكن في سياق مختلف وفي ألفاظ سنجدها في مت 21: 21: "إن كان لكم إيمان ولا تتردّدون، لا تفعلون ما فعلت بالتينة فقط، بل إن قلتم لهذا الجبل، قم من ههنا واهبط في البحر، فإنه يكون ذلك".
- هل الايجاز الكبير الذي نجده عند متّى بالنسبة إلى مرقس، يعود إلى أن متّى أوجز عمدًا مرقس؟ أو أن متّى لم يعرف مرقس فبدا النصّان مستقليّن؟ أو أن مرقس عرف متّى فزاد عليه بعض الشيء ليكمِّله؟ أو قد تكون الأناجيل الازائية الثلاثة مرتبطة كلها بمرجع مشترك دوّن في اليونانيّة (وربّما في العبريّة أو الاراميّة)، فأخذ كل انجيلي جوهر الخبر ثم حوّله بحسب الجماعة التي يكتب إليها، وبحسب اللاهوت الذي نجده في خلفيّة كتابه؟ أما نحن فنأخذ بالرأي الأوّل، لأن مرقس هو أول انجيل وصل إلينا في اليونانيّة.
ب- ونلاحظ أن السياق اللاحق لهذه المقطوعة هو هو في الاناجيل الازائية الثلاثة. فالانباء الثاني بالآلام يتبع حالاً طرد الشياطين من الولد المصروع. وهكذا نبدأ المجموعة الثانية التي بناها الإزائيون منطلقين من بنية مشتركة تصوّر صعود يسوع إلى أورشليم. اكتفى متى (17: 22) ومرقس (9: 30) بأن يشيرا إلى تبدّل في المكان (كانوا يطوفون في الجليل)؛ كانوا في منطقة قيصريّة فيلبس، المنطقة الوثنيّة (بانياس) القريبة من الحدود الجنوبية للبنان، حيث أعلن بطرس إيمانه باسم جماعة التلاميذ الصغيرة، فمضوا إلى الجليل. تفرّد لوقا فحاول أن يقدّم انتقالة بطريقته: "وإذ كانوا جميعًا متعجّبين من كل ما صنع" (43:9). وهكذا تختتم هذه المقطوعةُ التي ندرس مجموعةً أولى تبدأ مع إعلان بطرس المسيحانيّ.
جاء الرباط مباشراً بين حدث الولد المصروع وبين مشهد التجلّي عند لوقا الذي لا يجعل شيئًا بين الحدثين. وضع متّى ومرقس الحوار حول عودة إيليا. أما لوقا فقدّم ما يقابل هذا النصّ المقحم ونقله من مكانه: حوار يسوع والشخصين السماويين (لو 9: 30- 31: يتحدّثان عن موته الذي سيقاسيه في أورشليم). وهكذا يربط الانجيل الثالث التجلي وشفاء المصروع بلحمة كرونولوجيّة لا توضح الأمور كثيرًا: "وفي الغد" (هذا يعني أنهم قضوا الليل على الجبل في الصلاة).
ولكن لم يكن الرباط مباشرًا بين التجلّي وشفاء المصروع عند مرقس بعد أن أقحم الحوار بين يسوع والتلامذة الثلاثة المميّزين. أما ترتيب متّى فجاء متقنًا وبدا طبيعيًا. فخلال نزول يسوع من الجبل، سأله "التلاميذ" (الذين شاهدوا التجلي) (9:17-10) عن رجوع إيليا. حينئذ التقوا بالجمع الذي خرج منه انسان يطلب الشفاء لابنه المصاب بداء الصرع. فالتلاميذ (17: 16، أي التسعة الآخرون) لم يستطيعوا أن يشفوه. حزنَ يسوع، بل "غضب" عليهم، وطرد الشيطان. حينئذ سأل التلاميذ (التسعة) يسوع عن سبب فشلهم.
أما التأليف عند مرقس فجاء منسّقًا، راعى استعمال لفظة "التلاميذ" منعًا للالتباس الذي حاولنا أن نتحاشاه في قراءتنا لمتّى حين أضفنا: الثلاثة، التسعة. لم يستعمل هذه اللفظة ليدلّ على الثلاثة الذين نزلوا من الجبل، بل على التسعة الذي "عالجوا" المصروع وما استطاعوا أن يشفوه.
إن الطابع المصطنع لهذا الترتيب، يدلّ على أن الحوار بين يسوع والتلاميذ الثلاثة المميّزين، قد رُبط بمشهد التجلّي في وقت متأخّر. أما الرباط المباشر الذي وجدناه عند لوقا، فجعلَنا قريبين من التقليد القبل إزائي. وفي أي حال، إذا كان التعارض مع التجلّي قد أبرز بعض التفاصيل في الخبر الذي ندرس، إلاّ أن السياق ظلّ غامضًا. فالانجيليّون الثلاثة تسلّموا من التقليد القبل إزائي متتالية جمعت، على ما يبدو، اعتراف بطرس، إعلان مصير ابن الانسان، ردّة فعل بطرس، التجلي الذي سبقه التعليم حول وضع التلميذ. وجاء حدث الولد المصروع يُنهي هذه المجموعة. ذاك بناء أدبي قدّمه لنا التقليد الانجيليّ. وقد كان من الممكن وضع شفاء الولد المصروع في سياق تاريخيّ آخر. فإذا أردنا أن نفهم معناه، نعود إلى الخبر ونبدأ بدراسته دراسة أدبيّة.

2- النقد الادبي
إن نصّ مت الحالي ينقسم قسمين: خبر المعجزة (17: 14- 18)، وحوار يسوع وتلاميذه (آ 19- 21). وقد اهتّم متّى اهتمامًا خاصًا بالرباط بين القسمين. هناك "بروسلتونتس" (آ 19؛ رج آ 14) التي تسبق عند متّى فعل "قال" (رج 3:4؛ 19:8؛ 9: 14؛ 13: 10؛ 15: 1؛ 18: 1؛ 16:19، 21: 23؛ 24: 3؛ 17:26؛ 69، 73. لا نجد إلاّ أربعة استعمالات لهذه العبارة في مر ولو). ونجد تعارضًا على مستوى الألفاظ المفاتيح: لماذا لم نقدر (آ 19)؟ لا شيء مستحيل (آ 20). هاتان العبارتان هما صدى لما يشاهده التلاميذ من فشل: "لم يقدروا" (آ 16) إن الاشارة مرّتين إلى الضعف الذي يدلّ في الحوار على الموضوع (بسبب قلّة إيمانكم، آ 20) يقابل تأوّه يسوع في الخبر (أيّها الجيل غير المؤمن، أبستوس، آ 17).
تُبيّن هذه البنية الأدبية أن الحوار يقدّم مفتاح الخبر كله. غير أننا نكتشف في تحليلنا للنصّ ثنائية بين الخبر والحوار. في الخبر ما استطاع التلاميذ أن يشفوا (تارابوساي آ 16). في الحوار، ما استطاعوا أن يطردوا (اكبالاين، آ 19) الشيطان. فمن الخبر إلى الحوار، صار شفاء الولد المصروع طردًا للشيطان من ولد ممسوس (امتلكه الشيطان). ويحصل انتقاله معاكس في نهاية الخبر: "خرج الشيطان منه... وشُفي الولد من تلك الساعة" (آ 18).
نلاحظ المسيرة عينها في شفاء أخرس فيه شيطان (12: 2)، وفي شفاء ابنة الكنعانيّة (28:15)، وفي إجمالة تضمّ بدون تمييز الممسوسين والمرضى (4: 24). هل مزج متّى بين الواقعين، فما عرف أن يميّز بين امتلاك الشيطان وأمراض نفسية؟ كلا، على ما نظنّ. ففي إجمالة أخرى (8: 16) وفي خطبة الرسالة (10: 1، 8) ميّز متّى تميّيزًا واضحًا بين الاثنين. إذن ما هو هدفه؟
إن والد الولد والتلاميذ قد رأوا في المصروع (داء الصرع) مريضًا عاديًا. وحين شفاه يسوع، دلّ النصّ على أن الولد ممسوس (مسّه الشيطان، امتلكه). فسؤال التلاميذ يشير لا إلى شفاء لم يستطيعوا أن ينجزوه، بل إلى تقسيم (إخراج شيطان) مستحيل. اختلفوا عن ذلك المقسّم الذي لم يكن يتبع يسوع، ولكنّ هذا المقسّم (أو: المعزّم) نجح "باسم يسوع" (مر 9: 38-40) على طرد الشيطان. لقد نقصهم الايمان فلم يمارسوا ملء السلطان الذي مُنحوه في شفاء المرضى وطرد الشياطين.
إن كان الخبر والحوار يتقابلان في نظر متّى، إلاّ أن الوحدة بينهما لم توجد دومًا. لهذا سنحاول أن نقرأ الحدث بدون الحوار النهائي ثم مع الحوار النهائي. ونبدأ بدرس مضمون الحوار الذي لم يكن كذلك منذ البداية. إن النصوص البيبليّة تعتبر أن آ 21 لم توجد في الاصل، وأنها أقحمت فيما بعد: "أما هذا الجنس من الشياطين فلا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم". لماذا تُرفض هذه الآية؟ لأنها تُعتبر مأخوذة عن مر 9: 29. ولكنها موجودة في عدد من المخطوطات. هنا يُطرح سؤال: هل أضيفت الآية أو حُذفت بسبب الحديث عن الصوم؟ فهنا كما في مر 9:29، إلغاء الآية معقول أكثر من إضافتها: فالكنيسة مارست الصوم، وقد أراد النصّ الانجيليّ أن يسند هذه الممارسة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، منع يسوع الصوم خلال حياته على الأرض (مت 9: 15).
يعتبر عدد كبير من الشرّاح أنّ آ 21 غير مفيدة بعد آ 20. فقد قيل كل شيء مع الكلمة حول الايمان الذي لا يستحيل عليه شيء. بل إن ذكر الصلاة والصوم يكون في غير محلّه في سياق خبر معجزة. ولكن هذا المخطط يفترض أن آ 20 سبقت دومًا آ 21. ولكن تبدو فرضيّة أخرى تقول إن آ 20 قد أقحمت وكان النصّ في الأصل: فقال لهم "أما هذا الجنس من الشياطين...".
هنا نتساءل لماذا هذا "الجنس" (من الشياطين) يتطلّب شيئًا خاصًا؟ قدّم مرقس شرحًا. أما خبر متّى فما هيّأ الطريق لكلمة يسوع حول ضرورة الصلاة في هذا التقسيم. وهذه الصعوبة هي التي دفعت متّى لكي يحدّد سبب عجز التلاميذ عن طرد الشيطان: فالصلاة والصوم يفترضان بشكل عميق جدًا موقف إيمان كامل. وإذ أراد متّى أن يقدّم شرحه اللاهوتيّ، استعمل وسيلتين. الأولى، أدخل أحد مواضيعه المحببّة على قلبه: "قلّة الايمان" (اوليغوبستيا) في خطّ تسكين العاصفة. إذا كان التلاميذ لم يستطيعوا أن يطردوا الشيطان، فذلك يعود إلى قلّة إيمانهم. والوسيلة الثانية: ادرج قولاً متنقلاً من التقليد الازائي حول ايمان يستطيع كل شيء لكي يجعل موضوع قلّة الايمان يعارض "الايمان العظيم" (ميغالي بستيا). وهكذا يكون خبر متّى قد تكوّن في ثلاث مراحل. الاولى: خبر بدون حوار (آ 14-18). الثانية: خبر مع حوار من النمط المرقسيّ (أي مع آ 21 حول الصوم والصلاة). والثالثة: الخبر الحالي مع الحوار المتّاويّ.

3- تحليل النصوص
أ- الخبر (آ 14-18)
أولاً: ولما انتهوا إلى الجمع (آ 14)
ترك متّى تنظيم المسرح "المعقّد" الذي وصله من مرقس، وجعلنا حالاً أمام الوجهين الرئيسيين في الخبر: يسوع وانسان (هو والد الولد). إن لفظة "انسان" خاصة بمتّى الذي يستعملها مراراً فيتميّز عن مرقس ولوقا (16:5؛ 6: 1، 14؛ 9:8؛ 8:9...). في مت، الانسان هو إما رجل محدّد التقى به يسوع (9:8؛ 17: 14)، أو (في صيغة الجمع) عالم الناس الذي يقابل عالم الله (6: 1؛ 10: 17؛ 16: 23...). هذه الطريقة في الحديث عن الناس تميّز العالم التوراتيّ والعالم اليهوديّ. ففي يو حيث تظهر هذه اللفظة مرارًا في المفرد والجمع، نجد ثنائية بارزة: فالناس يكوّنون مجموعة تعارض الله. "لقد فضلّوا الظلمة على النور" (يو 19:3). غير أن يو لا يعرف الانسان الخاص الذي يلتقي به يسوع شخصيًا كما في مت. وبالنسبة إلى مر، ترافق هذه اللفظةُ عمليّة تعميم تختلف بين نصّ وآخر: أراد متّى أن يجد سامعوه أنفسهم في أناس جعلهم على المسرح بجانب يسوع. أما يوحنا فاهتمّ بالوضع البشريّ بشكل عام.
وفعل "غونيباتاين" يعني توسّل وهو راكع على الركبتين (مر 10: 17؛ رج 1: 40؛ مت 27: 29). هل تدلّ هذه الحركة على إيمان ذاك الانسان بيسوع؟ إن ولي النصّ يدلّ بالاحرى على أننا أمام توسّل بشريّ من انسان وثنيّ (قد يكون هناك قراءة في الكنيسة على ضوء القيامة، فتصبح حركة ذاك الانسان سجودًا وتوسّلاً). فالخبر في مت لا يبرز ايمانَ هذا الانسان الذي تحدّث عنه مر 9: 22-24 بشكل عميق وأصيل.
ثانيًا: قال: يا سيدي (آ 15)
اقترب هذا الانسان من يسوع، وقالت ذات الكلمات التي قالتها السوريّة الفينيقيّة من أجل ابنتها (22:15). تطلّعت إلى شفقة يسوع أو رحمته (إليسن)، فاعترفت بضعفها، وطلبت العون والمساعدة. في العهد القديم، عبّرت الرحمة الالهيّة دومًا عن نفسها في تدخّلات تاريخيّة وخلاصيّة في حياة البشر. فالانسان يطلب من يسوع أن يعامله بالرحمة، أن يعمل عملاً يدلّ على الرحمة (7:5؛ 27:9؛ 18: 33؛ 20: 30، 31). ولا شيء يدلّ على الطابع الملموس لرحمة الله مثل الصدقة.
في العبادة المسيحيّة نقول: كيرياإليسن: يا رب ارحم. حين نتلو هذه الصلاة، قد ننسى الطابع البيبلي الأساسيّ ونتوقّف عند حنين دينيّ يبقينا على مستوى العاطفة، ولا يبدّل شيئًا في اندفاعنا. واختلف مرقس عن متّى حين صوّر الوالد وهو يصف مرض ولده. ترك مت الصور والالوان، وأخذ بكلمة من عالم الطبّ (سالينيازاناي). كانوا يربطون داء الصرع بتبدّل في القمر (الهلّة كما يقال: رج "ساليني" 4: 24). وبعضهم تحدّث عن شخص ينومش أي يمشي وهو نائم. أما مرقس فكان واضحًا حين نسب المرض إلى روح أبكم. وقد تكون تلك ضمنيًا نظرة متّى.
ثالثًا: جئت به إلى تلاميذك (آ 16)
حسب التقليد الإزائي، منح يسوع تلاميذه سلطان الشفاء وطرد الأرواح النجسة (10: 1 وز). كما فعل بعضُ الرابينيين مع تلاميذهم. وهذه الحالة التي تتحدّث عن عجز التلاميذ هي أيضًا صدى لما كان يحدث في كنيسة متّى. فتلاميذ متّى هم صورة عن أعضاء هذه الكنيسة. كانوا يقدّمون للمسيحيّين الاولين المرضى العديدين. فيفسّر الانجيليّ عجزهم بقلّة إيمانهم، بلا إيمانهم. 
رابعًا: أيها الجيل الغير المؤمن (آ 17)
تشكّل هذه الآية النقطة الأساسيّة في المقطوعة. ونحن نقرأها في الأناجيل الازائية الثلاثة في الالفاظ عينها. عبّر يسوع عن فكره بعنف ووجدانيّة قلّما وجدناهما في موضع آخر. بدا في مت وكأنه يواصل حواره مع والد الولد المريض. أما وجود "اوتويس" في مر (مع السياق)، فيدلّ على أنه يوجّه كلامه إلى الجميع: إلى والد الولد، إلى التلاميذ، والى الجموع التي تحيط به. لن نرى مع بعض الشرّاح في ملاحظة يسوع هذه شجبًا (كما في يو) للحاجة إلى المعجزات ليؤمن الناس، بل إن يسوع اكتشف في عجز الانسان شقاء أعمق وأخطر، هو عجزه عن أن يؤمن، وهذا العجز يشبَّه بفساد عام يصيب هذا "الجيل" كله.
إن لفظة "جيل" (رج 16:11؛ 39:12 ي)، تمتّد إلى أبعد من مجموعة الذين يحيطون بيسوع هنا، فتصل لا إلى البشرية كلها بشكل عام (تلك ليست طريقة متّى)، بل إلى الناس ولا سيّما اليهود في زمن يسوع الذين نستطيع أن نعتبرهم في خطوة ثانية صورة نموذجية عن البشريّة كلِّها. فالصفة "أبستوس" (لا تؤمن) لا نجدها إلاّ هنا في مت. والموصوف الموافق في 58:13 (ولم يصنع عجائب كثير لعدم إيمانهم) (رج لو 46:12؛ يو 27:20؛ 1 كور 6: 6)، يجب أن يُفسّر هنا في علاقة مع "اوليغوبستيا" (قلّة الايمان) التي نجدها في آ 20 (رج الصفة في 6: 30؛ 26:8؛ 14: 31؛ 8:16). هو لا يدلّ على ضعف في الايمان، بل على غياب الايمان. وأكثر من ذلك، هو عكس الايمان. فالانسان في العهد الجديد إما يؤمن وإما يرتاب. فلا نجد بين الايمان والارتياب نوعًا من الحياد (اللامبالاة هي أقسى أشكال الارتياب والشكّ).
وزاد النصّ عمل رفض الايمان هذا: الاعوجاج، الفساد (دياستراميني) التي تعود الى تث 32: 5 في نشيد موسى: "إنه إله عادل وأمين... إن كانوا فسدوا، فليس الذنب ذنبه. فالعار على أبنائه النسل الكاذب الأعوج"، الجيل الفاسد الاعوج. ترد اللفظة مرارًا في التوراة اليونانيّة، وهي تميّز ما يقال عن الخطيئة. وهذه الخطيئة ليست عاهة أو نقصًا، بل ميلاً عن طرق الله وانحراف قلب الانسان عن جادّة الصواب (خر 4:5؛ أم 14:6؛ 9:10؛ خر 18:13). جاءت الصيغة في المجهول: هذا الجيل قد أُفسد. لم تكن خطيئته عرضًا. بل كانت عن سابق تصميم.
"غير مؤمن وأعوج". ما قيمة حرف العطف (كاي) الوارد بين غير مؤمن وأعوج؟ إذا كان يضيف شيئًا على آخر، فهذا الاعوجاج يُزاد على رفض الايمان. وإذا كان يشرح هذا الشيء، فهذا الاعوجاج يعني أننا لا نؤمن. وقد يكون هذا الاعوجاج نتيجة رفض الايمان. أما رأينا: حين لا نؤمن نعيش الاعوجاج والفساد. فأخطر اعوجاج بشريّ هو ذاك الذي يكمن في رفض الايمان (في التاريخ) بمن يخلّصنا في المسيح.
أما عبارة "إلى متى أكون معكم" فهي تنتمي إلى الشعر التوراتي. مثلاً، نقرأ مز 2:13-3: "إلى متى يا رب تستمر على نسياني؟ إلى متى تواري وجهك عني؟ إلى متى أقلق وتملأ الحسرة قلبي؟ إلى متى يتغلّب عدوّي علي"؟ يهتف الانسان المضطهد، أو الذي يشاهد خطيئة شعبه: لماذا؟ إلى متى؟ لا يُطرح موضوع الشر بشكل مبدأي. بل لأنه يمزّق الانسان الآن. في العهد القديم، وفي العهد الجديد أيضًا، وبعد مجيء المسيح (رج 6: 13).
إن كلمات يسوع هذه في مت، لا تعبّر فقط عن قرف من الجنس البشريّ واحتقار له، كما في الفلسفة الرواقيّة، بل عن حزن النبيّ وألم رجل الله أمام عمى الذين يُنكرون الله وخلاصه. نجد في يو 14: 9 فكرة مشابهة بعض الشيء تقول: "أنا معكم كل هذا الزمان ولا تعرفني يا فيلبا! من رآني فقد رأى الآب. فكيف تقول أنت: أرنا الآب"!
خامسًا: "أمر يسوع فخرج الروح النجس" (آ 18)
روى متّى هذا التقسيم (طرد الروح النجس) بإيجاز اعتاد عليه. لأن ما يهمّه بالدرجة الاولى هو الوصول إلى التعليم عن الايمان (آ 19-20). إن كان مت قد عرف مر في شكله الحاليّ أو في شكل تضمّن مر آ 23-24 (إن استطعت... كل شيء مستطاع)، يمكننا أن نتساءل لماذا لم يورد هاتين الايتين؟ متّى هو أبسط وأوضح من مرقس، لأنه يقدّم إنجيله بطريقة تربويّة تعليميّة. ومفارقة المؤمن الذي يعترف بارتيابه (مر آ 24 ب: أعن قلّة ايماني) هي أمر دقيق يفهمه المربّي دون أن يعلنه. هذا من جهة. ومن جهة ثانية شدّد متّى على سلطان المسيح الملوكيّ رغم عجز البشر، فالمسيح يعمل "ضدّ" الجيل الكافر. أما في مرقس، فالمشهد يعجّ بالعاطفة البشريّة. فوالد الولد الذي يختفي عن المسرح منذ مت آ 17 يبقى حاضرًا في مر حتى النهاية، وهو "يتدخّل"، يعلن إيمانه.
إن الألفاظ حول الشفاء (خرج الشيطان، شُفي) تدلّ على أن نظرة متّى إلى المرض هي نظرة مرقس. هناك لفظة انتهر، أمر بشدّة. وهي لا تسمح بأي تأخير. ترد مرارًا في مت في أخبار طرد الشياطين وفي مقاطع أخرى (8: 26؛ 16:12؛ 16: 22 وز). هنا نلاحظ مرة أخرى أن الألفاظ المستعملة عن الشفاء تختلف بين انجيل وآخر. أما أقوال يسوع فتأتي متوافقة في جوهرها. هذا يعني أنها بدت في عين المعلمين المسيحيين الأولين أثمن وأهمّ من واقع المعجزة في حدّ ذاتها.
ب- الحوار (آ 19- 20)
وظهر التلاميذ من جديد. هذا ما يبرهن على أن كلمات يسوع لم تكن تتوجّه اليهم، أو بالأحرى لم تتوجّه إليهم وحدهم. فكنيسة متّى في السنوات الثمانين، كانت تطرح على نفسها عددًا من الاسئلة (لماذا، دياتي) حول عجزها أمام المرضى. فالضمير "نحن" (هامايس، يوجد أيضًا في مر) يحدّد السؤال: نحن نفهم أن يعجز الناس أمام المرض. أمّا "نحن"، أما أرسلتنا لنشفي المرضى (10: 1 ي)؟ فالرسل، ممثّلو المسيح وشهود ملكوت الله الذي تدشّن بمجيء يسوع (آ 12)، يجب أن يقدروا دومًا على الشفاء. غير أن الواقع هو غير ذلك. هنا ينسب المسيح (في مت) هذا العجزَ إلى عدم إيمانهم. هذه اللفظة لا ترد إلاّ هنا في العهد الجديد. أما الصفة المقابلة فنجدها في مت 6: 30؛ 26:8؛ 14: 31؛ 8:16. هي لا تدلّ على درجة قليلة من الايمان، بل على غياب الايمان.
هنا كما في سائر النصوص (14: 31: يا قليلي الايمان)، التلاميذ هم الذين لا يؤمنون. الذين يرتابون. ونلاحظ وجهتين في نظرة متّى: لا يمنعهم ارتيابهم من أن يكونوا تلاميذ. فالشكّ لا يستبعدهم من حلقة الرسل. والوجهة الثانية: أن يكونوا تلاميذ أو رسلاً، لا يحميهم من الشكّ والارتياب. هذا الارتياب هو الميزة العامة لهذا الجيل (آ 17) ويبقى حاضرًا في حياتنا اليوم. إنه موقف لا تجاه "وجود الله" (أو نكران هذا الوجود)، بل تجاه شخص المسيح التاريخيّ والملكوت الذي جاء يدشّنه.
وتأتي عبارة (آ 20 ب: لو كان لكم من الايمان مثل حبّة خردل) نجدها أربع مرات في التقليد الازائي (هنا، مت 21: 21؛ لو 17: 6؛ مر 11: 22-23). يبدو مت 21: 21 أقدم هذه النصوص بسبب التوازي الأدبي الواضح. فقد عبّر، شأنه شأن مر 23:11، عن فكرة الارتياب. وهكذا تثبّت شرحنا للفظة "اوليغوبستيا" (لا قلّة الايمان، بل غياب الايمان): ليس عند التلاميذ ذرّة من ايمان، ولو قدر حبّة الخردل.
إن حبة الخردل لا تدلّ هنا كما في 13: 31 على أن هذا الايمان الصغير ينتظره نموّ وتفتّح في النهاية. بل هي تصوّر "ذرّة" الايمان هذه التي لا يمتلكها التلاميذ. فماذا يقدرون أن يفعلوا إن غاب عن حياتهم كل إيمان؟
ونقل الجبال موضوع معروف في الكتاب المقدّس. نقرأ في أش 49: 11: "أجعل جميع جبالي طريقًا (لا يمكن أن يمرّ الانسان على الجبل)، وسُبلي ترتفع (عن الارض فلا يسير الانسان في الماء خلال المطر)". رج 40: 4: "كل واد يمتلئ، وكل جبل وتلّ ينخفض". في نهاية الأزمنة تزول كل العوائق التي تقف حاجزاً أمام شعب الله. هل نحن على هذا المستوى؟ كلاّ، على ما يبدو، إنمّا أمام استعارة تدلّ على قوّة الايمان في حدّ ذاته أولاً، كما تدلّ على قدرة الله التي تعمل في ضعف التلاميذ الواثقين بالربّ. نلاحظ الموضع الهام للكلمة في هذا العمل. كما نلاحظ أن الاستعارة تتحرّك على مستوى الطبيعة الجامدة (الجبل)، لا على مستوى المرضى كما في الآيات السابقة.
وأنهى متّى هذه المقطوعة كعادته بملاحظة تربويّة تعمّم ما قيل في حالة خاصة: "لما استحال شيء عليكم" (كان كل شيء لكم ممكنًا). فكرة قد عبّر عنها جسم الخبر الموازي في مرقس (9: 23). هل نميّز إيمان المعجزات (1 كور 2:13) عن الايمان بالمسيح؟ لا شيء في النصوص يسمح لنا بهذا التمييز. فمتّى يقول، على ما يبدو: ليس الايمان بالمسيح أمرًا عامًا، مجرّدًا، بل نحن نعيشه دومًا بمناسبة عائق يقطع الطريق، أو ضيق يجب أن نتجاوزه، أو مساعدة نحتاج إليها.
ج- الانباء الثاني بالاسم (آ 22-23)
أولاً: نظرة عامة
إن هذا الانباء الثاني بالآلام والقيامة (رج 16: 20؛ 20: 17-19) لا يبدو مرتبطاً بما سبقه مباشرة. غير أننا في تصميم متّى، ما زلنا دومًا بعد مشهد التجلّي والحوار القلق حول آلام ابن الانسان القريبة بعد آلام إيليا (= يوحنا المعمدان) (رج 17: 12 ب). ففي كلا الحالين، الفعل الذي يصوّر هذا القرب هو هو ("ملاي"، لا "داي" كما في 16: 21). ففي الانباءين الثاني والثالث، نحن أمام ابن الانسان (لم يكن الوضع كذلك في 16: 21). هنا يُسلم يسوع إلى أيدي البشر (كلمة تميّز متّى). أما في 16: 21 فسيتألم من قبل الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة. وفي 17: 12، من قبل الكتبة. في الانباءات الثلاثة بحصر المعنى (لو في 17: 12)، نجد ذكرين للآلام، مع كلمات أوضح في الانباء الثالث، وذكر للقيامة يكاد يكون مشابهًا في الانباءات الثلاثة.
الفعل الرئيسي هو "أسلم" (باراديدُستاي)، نجده في الانباءين الاخيرين (هنا وفي 18:20). ومن جهة البنية الادبية لهذه الانباءات الثلاثة، يشدّد النصّ على اقتراب آلام يسوع. وذُكرت القيامة في الحالات الثلاث، ولكن التلاميذ ما استطاعوا أن يفهموا. والبرهان على ذلك في هاتين الايتين، هو حزنهم العميق (آ 23 ب) مع أنه حدّثهم عن القيامة.
اعتبر عالم يهوديّ هذه الانباءات بأنّها معقولة على المستوى التاريخيّ وعلى المستوى السيكولوجيّ. أمّا بعض النقّاد الالمان فنسبوها إلى المسيحيّة الأولى بعقائدها التي شوّهت النصّ الأساسيّ للانجيل. أن يكون يسوع قد رأى باكراً النهاية التي تنتظره، أمر معقول جدًا، والأعداء يحيطون به من كل جانب. أن يكون قد كلّم تلاميذه في هذا الموضوع، أمر لا يُدهش أحدًا. يكفي لذلك أن نذكر معلّم البرّ عند الاسيانيّين. ولكن أن يكون شكلُ هذه الانباءات ومضمونُها اللاهوتيّ قد أعيدت كتابتهما على ضوء الأحداث، فهذا ما نقتنع منه حين نقابل نصوص مر مع نصوص مت ولو. فالتفاصيل التي وُضعت خصوصًا في الانباء الثالث، هي رواية عمّا حدث ليسوع حقًا في ذاك اليوم، يوم الجمعة العظيمة. ولكن الانجيلي جعل كل هذا في فم يسوع. فالرب قبلَ الآلامَ كلها. أما التفاصيل فستعرفها الكنيسة حين ترافق الرب في آلامه وموته.
ثانيًا: الآلام (آ 22)
لمَّح مرقس إلى تبديل في المكان، وتحدّث عن مسيرة "عبر الجليل" أرادها يسوع سريّة (مر 30:9؛ يو 7: 1). أما متّى فبسّط النصّ واستعمل فعلاً غامضًا (سسترافومانون) ليحدّد موقع المجموعة والموضع الذي فيه قيل هذا الانباء الثاني. إن هذا الفعل يدلّ على أن التلاميذ أسرعوا، ومن قلقهم أحاطوا بيسوع. أو أنهم وجدوا نفوسهم كلهم حول يسوع بعد انفصال التجلّي (17: 1؛ رج من أجل الفعل أع 3:28؛ حز 1: 13؛ إر 23: 19).
بعد الآن صارت آلام يسوع قريبة (مالاي، رج 17: 12؛ ق 7:3؛ 11: 14؛ 27:16). لا يعطي هذا الفعل أيّة إشارة إلى أسباب الآلام. هي لفظة حياديّة مفتوحة أمام جميع الفرضيات (عكس "داي" في 16: 21، يجب). أما صيغة المجهول لفعل "سلّم" (لا يُذكر الفاعل)، فتدلّ على أن الله لن يكون غائبًا عن هذه الآلام (هذا ما يسمّى المجهول اللاهوتي). كأني بالكاتب يقول إن الله أسلم ابن الانسان. إن فعل "أسلم" (باراديدوناي) الذي طبّق على يسوع يرد مرارًا في متّى (10: 4؛ 23:16؛ 26: 15؛ 27: 2)، واستعمله بولس الرسول في هذا المعنى (روم 4: 25؛ 8: 32؛ 1 كور 11: 23؛ غل 2: 20؛ أف 5: 2). إذن، هو ينتمي إلى أقدم لغة لاهوتيّة حول الحاش والآلام (أع 3: 13). ونجده مرارًا في السبعينيّة في عبارات تقول إن الله يسلّم شخصًا إلى يد شخص آخر (خر 21: 13)، أو إن الله أسلم اسرائيل إلى أيدي اعدائه (لا 26: 5، في العبرية "ن ت ن").
وفي العهد الجديد سيستعمل هذا الفعل عينه للحديث عن التقليد الرسوليّ الذي نتسلّمه، عن الوديعة. عندئذ يرتدي إمالتين رئيسيّتين: الله يُشرف على "تسليم" (واستسلام) يسوع إلى أيدي البشر. ومن جهة ثانية، يبقى يسوع سيّد ما سيحصل له. هذا لا يعني أن يسوع لن ينعم بحماية الله (كما فسّر بعضهم عبارة: إلهي إلهي تركتني)، بل أن الله يكون حاضرًا وفاعلاً في مصير ابنه بشكل جديد. سبق وتحدثنا عن الناس فيما قبل (17: 14). إن رؤساء الشعب في الانباءين الاول والثالث، هم هنا الناس بشكل عام. هم رمز تاريخيّ إلى جميع الناس في دراما الحاش والآلام.
ثالثًا: القيامة (آ 23)
جهل لوقا ذكر القيامة (9: 44 قال فقط: سيسلم ابن الانسان إلى أيدي البشر). أمّا متّى فتبع مر وحوّله بالنظر إلى لغة كنيسته التي لا تقول إن يسوع قام بعد ثلاثة أيام (كما في مر 9: 30) بل في اليوم الثالث (16: 21= لو 9: 22؛ 1 كور 15: 4. ويبدو أن مت عرف عبارة مر في 27: 63). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، أحلّ متّى محلّ فعل "انستاساناي" فعلاً يتحدّث عن القيامة يتوافق مع النظرة المسيطرة في عصره: القيامة هي عمل الله القدير الذي ينتزع (اغارتيساتاي) يسوع من سلطة الموت (رج 26: 32). أما ذكر الحزن العميق لدى التلاميذ، فيدلّ على أنهم لم يفهموا شيئاً من إعلان القيامة أو أن يكون النصّ لم يذكر القيامة في البدء كما فعل لوقا.

خاتمة
أي معنى لهذا الخبر؟ نحن أولاً أمام خبر معجزة يشبه شفاء حماة بطرس. وقد وُضع في إطار ليتورجيّ وجعل يسوع في الوسط. لم يهتمّ الخبر إلاّ بيسوع. وُجدت الجموع هنا لتكون خلفيّة للخبر. والوالد (مع ولده) هو مؤمن يقترب إلى يسوع باحترام ويرفع إليه صلاة "ليتورجيّة": كيرياإليسن. يُذكر الولد في فم الوالد. أمّا التلاميذ فلا دور لهم قبل الحوار. ترك متّى المخيّلة جانبًا، ووجّه كل أنظارنا إلى ذاك الذي يجب أن يحتلّ المسرح كله. وهو سيتدخّل باحتفال مهيب.
تجاه يسوع يبدو التلاميذ بقلّة إيمانهم، بعدم ايمانهم. من أجلهم يسوع يتكلّم ويفعل. هم يشبهون والد الولد قبل خروج الشيطان. هو اقترب من يسوع فنال ما طلب. وهم اقتربوا من يسوع وسألوه عن سبب فشلهم. لامهم يسوع على قلّة ايمانهم. وهو يلوم كنيسته اليوم ويلوم جماعاتنا. يا ليت لهم ايمان مثل حبّة خردل. يا ليت هذا الايمان زُرع فيهم ونما كالزرع في الأرض الجيّدة. فليؤمنوا بقدرة المسيح التي لا يقف أمامها شيطان. وليؤمنوا أنه أعطي لهم أن يشاركوا في هذه القدرة. يبقى عليهم أن ينمّوا هذا الايمان بالصوم والصلاة. حينئذ يعملون باسم يسوع، لأن يسوع حاضر معهم.
هذا هو المحيط الليتورجي والفقاهي الذي تكوّن فيه حدث الولد المصروع كما نقرأه اليوم في خبر وحوار. وأتبعنا هذه المقطوعة (17: 14- 20) بالانباء الثاني بالآلام، لنترك موضوع "الضريبة" التي يدفعها يسوع إلى فصل لاحق.
الفصل السابع والثلاثون
يسوع وجزية الهيكل
17: 24- 27

إن الحدث الذي نقرأ الآن لا يوجد إلاّ في انجيل متّى (17: 24-27). ولكن قد يكون الانجيلّي عاد إلى مرجع قديم. لا شكّ في أننا نستطيع أن نكتشف الطابع الذي به طبع متّى انجيله. ولكن قدم الخبر تجاه الاطار التاريخي للانجيل واضح جدًا، وهو يدفعنا للعودة إلى أقدَم الجماعات المسيحيّة. ولكن متّى هو الذي وضع هذه المقطوعة في هذا الموضع في سياق مرقسيّ. فما هو السبب؟ ما هي العلاقة مع المقطوعة السابقة؟ هناك من رأى في 17: 24-27 إضافة تشرح الانباء الثاني بالآلام: ينبغي على يسوع أن يسلم إلى أيدي الأمم (17: 22). والأمم هم الوثنيون. وهكذا يهيِّيء النصّ تعليمًا حول العلاقات بين الكنيسة والامبراطوريّة. ولكن حين أخذ مت مر 9: 31 قد لا يكون أشار بشكل خاص إلى الوثنيين.
هل نستطيع أن نبدأ "الخطبة الكنسية" (أي الخطبة الرابعة في متّى) مع 17: 24؟ كلا. لأن عبارة "في تلك الساعة" الخاصة بمتى (ترد 7 مرات عنده، مرة واحدة عند كل من مر ولو) تدلّ بوضوح على بداية جديدة. ولكن يبقى أننا مع 17: 24 نخرج من قسم أراده متّى هنا، وأعطاه وجهة كرستولوجيّة (16: 13-17، 23). وهكذا يستعدّ القارئ ليأخذ تعليمات حول الحياة الملموسة في الجماعة. إذن دور هذه المقطوعة التي ندرس، دور انتقالة. وبما أنها تتحدّث عن العلاقات المسيحية مع الخارج لا بين المسيحيّين أنفسهم، جُعلت خارج الخطبة الكنسيّة التي تبدأ ف 18.

1- إطار المقطع الانجيلي
قبل أن ندرس الهدف الانجيلي، نتذكّر الحالة التي أمامنا. على كل اسرائيلي ذكر (ما عدا الكهنة حفاظًا على السلام)، عمره 20 سنة وما فوق، أن يدفع نصف مثقال كضريبة معدّة لتأمين العبادة العلنيّة في الهيكل. يرى التفسير الرابيني أن هذه الضريبة ترجع إلى التوراة نفسها حيث يلّمح اليها خر 30: 11-16. ولكن يبدو أن هذه الفريضة تعود إلى السنوات الأولى للسلالة الحشمونيّة (نهاية القرن الثاني، بداية القرن الاول ق م)، بل إلى الحقبة الرومانيّة (بدأت سنة 63 ق م مع بومبيوس). لا نستطيع أن نعتبر خر 30: 11-16 إسقاطًا على الماضي لعادة معروفة. فهذه العادة لا نجدها في 2 أخ 24: 4-14 الذي يتحدّث عن "لمّة" سبّبتها ظروف خاصة. ولا في نح 10: 33-34 الذي يتكلّم عن نظام خاص تفرضه الضرورة، لأن الذبائح كانت تدفع في ذلك الوقت من الخزينة الملكية (عز 8:6، 10؛ 7: 20، 23؛ رج حز 45: 16- 17). ذاك كان الوضع في الزمن الفارسي. وسيكون كذلك في الزمن السلوقي (1 مك 10: 40-42؛ 2 مك 3: 3؛ العاديات اليهوديّة 12/ 3: 3، 140- 141)
في زمن يسوع تثبّتت هذه الضريبة وسرت حتى على اليهود في بابل. فرض الفريسيون رأيهم على الصادوقيين الذين تعلّقوا بالتقليد، فتركوا الاهتمام بالهيكل لعطايا الافراد. كانت تتمّ العمليّة في شهر أدار (شباط- اذار)، يجنّد لها أشخاص محليّون في جماعات فلسطين والشتات، ويأخذون هذه الضريبة ويرسلونها إلى أورشليم. وقد سمّيت في المشناة "شقاليم" (من هنا الشاقل) عودة إلى خر 13:30، 15 (نصف مثقال). في الواقع، ما يُطلب من كل مؤمن، كان درهمين من الفضة.
حسب المؤرخ يوسيفوس، لم يأت جامعو الضرائب من أورشليم، بل كانت كل جماعة مسؤولة عن المال المفروض عليها. ولكن بعد سنة 70، يرسل "شليحين" (السليحين أو المرسلين) ليتفقّدوا الجماعات ويأخذوا الضريبة للرئيس. "ش ق ل" في العبرية. في المشناة دلّ على ضريبة الهيكل، وفعل "ش ق ل" عنى: دفع ضريبة الهيكل.
بعد دمار أورشليم سنة 70 ب م، تحوّلت هذه الضريبة إلى فريضة عار، لأن رومة بدأت منذ ذلك الوقت تجمعها بواسطة إدارة خاصة سمّتها "الضريبة اليهوديّة". وجّهها وسباسيانس محتلّ أورشليم سنة 70 إلى هيكل جوبيتر في الكابيتول في رومة. نقرأ في يوسيفوس (الحرب اليهوديّة 7/ 6: 7، 218): "وفرض وسباسيانس جزية (الرأس) درهمين تؤخذ كل سنة إلى الكابيتول تشبه تلك التي كانت تُدفع للهيكل". وقال ديون كاسيوس في التاريخ الروماني (65/ 7: 2): "منذ ذلك الوقت، فُرض على اليهود الذين يواصلون المحافظة على عادات الجدود، أن يدفعوا ضريبة سنويّة (درهمين) لجوبيتر الكابيتول". واعتبر سواتانيوس أن الهدف كان إذلال اليهود (دوميسيانس 12: 2: يكشفون عن شيخ ابن 90 سنة إذا كان مختونًا).
وهكذا حين دُوّن الانجيل الأول، كانت هذه الضريبة تُدفع للسلطة الرومانيّة. فما يكون الأمر بالنسبة إلى المسيحيين في أيام متّى؟ سيكون الجواب صعبًا. ولكن نبدأ فنقرأ النصّ. في قسم أول (آ 24-26) جباة الدرهمين. وفي قسم ثان (آ 27) الاستار في السمكة.

2- جباة الدرهمين (17: 24- 26)
منذ البداية نرى لمسة الانجيليّ إذ جعل في المقدمة حاشية مر 9: 33 أ: وصل يسوع مع تلاميذه إلى كفرناحوم. وهذه المقدمة التي تتماسك كل التماسك في إطار البنية المتاويّة، توخّت أن تقدّم إطار مدينة، وهكذا يتمّ اللقاء مع جامعي الضريبة الذين لا نجدهم متجوّلين في الحقول. منذ 53:13-58 وحتى المواجهات الأخيرة في أورشليم، أوقف يسوع رسالته مع "أهل وطنه" كفرناحوم بعد أن رفضوه. لهذا ندهش عندما نجد هنا يسوع في كفرناحوم "مدينته" (9: 1) ومركز نشاطه في الجليل (4: 13؛ 8: 5؛ 11: 23).
أقبل (بروساختاي، فعل متاويّ يرد 52 مرة) الجباة ووجّهوا كلامهم إلى بطرس ساعة وصل يسوع "إلى البيت". هل خاف الجباة من مواجهة يسوع فتحدّثوا إلى بطرس؟ وقد يكون أن متّى ما أراد أن يجعل هذه الحادثة بين الجدالات، فاعتبر أن هذا التعليم يتوجّه إلى التلاميذ، فلم يضع الجباة وجهًا لوجه مع يسوع. وهكذا يجري الحدث في مشهدين مختلفين: سُئل بطرس في الخارج، وفي الداخل أعلن أن معلّمه يدفع الضريبة: "بلى". وقد يكون دفعها في السنة السابقة. والمشهد الثاني في البيت موضع الأحاديث الخاصة والحميمة بين يسوع وتلاميذه. وهكذا ينال هذا العمل تفسيرًا يحدّد بُعده. فقد أراد مت في ما قام به من ترتيب النصّ أن يدلّ على ما يفصل سلوكًا عمليًا (يدفع الجزية) عن المعنى الواقعيّ الذي يرتديه هذا السلوك في فكر المسيحيّين، وذلك حسب توجيهات يسوع.
قبل أن نصل الى المحطّة الثانية، نقرأ حوار بطرس مع الجباة. سألوا: "أما يؤدّي (تالاين) معلّمكم (ديدسكالوس، لقب في مت يعطى ليسوع في فم أناس ليسوا بتلاميذ. الضمير "كم" (هيمون) يشدّد على ذلك. ليس هو معلّمنا. معلمنا هو موسى. رج لفظة "مجامعهم") الدرهمين؟ ليس في هذا السؤال أي عداء ولا فكرة مسبقة. بل هو يفترض جوابًا بالايجاب (أو، أوخي في 7: 22؛ 13: 27- 55؛ لو 12: 6؛ 17: 17؛ مر 14: 60). إذن، لسنا في إطار جدال، بل في المرحلة الأولى من تأليف ذات نمط تعليميّ يشبه تآليف أخرى نجدها في الانجيل الأول (3: 14-15؛ 28:9-29؛ ق مر 10: 51- 52؛ مت 38:12؛ ق لو 11: 29؛ مت 48:12-50؛ ق مر 32:3-35؛ مت 13: 10؛ ق مر 4: 10؛ مت 17: 10-13؛ ق مر 9: 11-13).
إن لفظة "ديدرخما" (الدرهم) في الجمع تطرح سؤالاً: لماذا في الجمع؟ قالوا إن مت نسخ كلمة يونانيّة دخلت إلى اللغة الساميّة فتركها كما وصلت إليه. بل نحن أمام تقليد شفهيّ أخذه الانجيلي كما هو على مثال ما نجد في جمع "السبت".
طُرح السؤال على بطرس، فأجاب: "بلى" (ناي). إيجاز عُرف به مت. كانت مناقشات حول معنى "بلى": ولكن يبدو أن المعنى يشير إلى أن يسوع اعتاد أن يدفع هذه الجزية في الماضي. لا إلى أنه مستعّد أن يدفع الآن. هذا ما يهمّ المعلّم المسيحي، ولا شيء آخر. مثلاً كما قال أحد الشرّاح: أجاب بطرس بدون تردّد، لأن يسوع دفع دومًا هذه الجزية، وأنه إن تأخر فلأنه كان غائبًا. أو: "سوف أرى". إن معنى النصّ هو أن على المسيحيّين أن يدفعوا الضريبة، وأن يكون سلوكهم نظاميًا بالنسبة إلى السلطة التي تفرض هذه الضريبة، على مثال معلّمهم، وتلبية لدعوته لهم.
غير أن عليهم أن يفهموا هذا الواجب فهمًا تامًا. فالفعل شيء، والقانون شيء آخر. فهذا يجب أن يعرفه المسيحيون. وسيحدّده يسوع لتلاميذه في إطار حميم. هو الذي بادر (بروفتاناين، لا يرد هذا الفعل إلاّ هنا في العهد الجديد). هو الذي بدأ الكلام. ليس من الضروريّ أن نستنتج أن الراوي يتحدّث عن حدس فائق الطبيعة كما قالت بعض الشرّاح. قد يكون يسوع أدرك موضوع الحوار بين بطرس والجباة. وقد يكون متّى سار في خطّ العوائد الرابينيّة التي تمنع التلميذ أن يبدأ مناقشة دون أن يدعوه معلّمه إلى ذلك. مهما يكن من أمر، لم يهتّم متّى بكل هذه المسائل. فاهتماماته هي في موضع آخر. 
إن عبارة المقدمة التي تميّز متّى (12:18؛ 28:21؛ 17:22؛ ق مر 14:12؛ مت 42:22، ق مر 35:12؛ مت 66:26؛ ق مر 64:14) "ماذا ترى" (تي سوي دوكاي)، تجعلنا في قلب حوار بين معلّم وتلاميذه: فعبر الرسول الرسميّ سمعان كما في 16: 17؛ رج مر 14: 37؛ لو 22: 31؛ يو 21: 15، 16، 17)، يتوجّه الكلام إلى القارئ الذي يطرح عليه السؤال. وهذا السؤال يأخذ شكل مثل قصير: "ممن يتقاضى ملوك الأرض المكوس أو الجزية (م ك ش في العبريّة، مكسا في الاراميّة)؟ أمن بنيهم أم من الغرباء"؟ "ملوك الأرض" عبارة تقليديّة تدل على الملوك الوثنيّين (مز 2: 2= أع 26:4؛ رؤ 1: 5؛ 6: 15؛ 17: 2؛ 3:18، 9؛ 19:19؛ 21: 24. لسنا هنا في موقف عدائي كما في رؤ). وأبناؤهم لا يتماهون مع عبيدهم، لأن الأمراء في العهد القديم كانوا يحصلون على المال الوفير من المواطنين. "بنيهم" تدلّ على أكثر من العائلة، تدلت على الحاشية الملكية مع الخدم والموظفين. وتصرّف بطرسُ كتلميذ نجيب، وقدّم الجواب الذي توقّعه المعلّم، يسوع، فاستنتج يسوع قائلاً: "إذن، البنون هو أحرار (الوتاروس، معفَون من الجزية، رج 1 صم 17: 25 حسب اليونانيّة). لم نكن بحاجة إلى هذا القول بعد أن لمّح بطرس إلى ذلك في جوابه. غير أن هذا الاستنتاج الملموس قد استخرجه المعلّم وأعطاه قوّة القانون. فالمسيحيون، والنصّ يتحدّث عنهم (الابن هو الشعب المختار، خر 4: 22؛ تث 14: 1؛ 32: 20، أش 6:43؛ 45: 11؛ حز 16: 20-21؛ هو 11: 1)، هم أبناء الله الحقيقيّون. فلا يتوجّب عليهم أن يدفعوا جزية لأبيهم، ربّ الهيكل. ذاك هو الوضع القانونيّ الذي يحدّد هذا السلوك (هلكه) الذي يعارض قوله الرابينيين في محيطهم الخاص.
ومع ذلك، فقد أشير إلى سلوك عمليّ يعارض هذا القول، والسبب: يجب أن نتجنّب "الشكوك". في إطار الكنيسة المسيحية المتهوّدة، موضوع هذا الشكّ رغم الغموض في الضمير (اوتوس. هل يدلّ على التلاميذ أو على الجباة)، نكتشفه بسهولة: هم اليهود الذين لم يرتّدوا إلى المسيحية، والذين يمثّلهم الجباة، الذين يخضعون لفرائض الرابينيّين. ولكن ماذا أراد متّى أن يقول لنا؟
ليس السؤال بسهل. فإن جزية الدرهمين التي كانت تُدفع للهيكل، قد تحوّلت بعد سنة 70 إلى جزية رومانيّة، فلم يعد من الممكن أن نرى في جباة هذه الضريبة ممثّلي اسرائيل. بعد ذلك، كيف نتكلّم عن "الشكوك"؟ فما دلّ المستوى الأول من الحدث، على رغبة في تجنّب الظروف التي تبُعد اليهود عن الايمان المسيحي (فعل "سكنداليزان" في معنى أدبي. ما هو سبب سقوط في الخطيئة. هذا ما حدث لاسرائيل حين سقط في شرك الكنعانيين فخان الربّ، خر 23: 33؛ 34: 12؛ تث 7: 16، 25؛ يش 23: 13؛ قض 3: 2؛ 8: 27؛ مز 69: 23؛ 106: 36) يبدو الآن غريبًا وبرهانًا ضعيفًا إذا كان الجباة موظفيّ الامبراطوريّة وهم يُكرهون الناس على دفع الجزية (هل نتحدّث عن شكّ الضعفاء، كما في 1 كور 9:8-13؟ ولكننا أمام أعضاء الجماعة المسيحية). ولكن هل نستطيع أن نتحدّث عن شكوك تجاه موظّفين وثنيّين يعملون من أجل الادارة الرومانيّة؟ هنا نتذكّر أولاً أن كنيسة متّى لم تجتذب كثيرَا من اليهود. فاليهود الذين فيها كانوا قلّة قليلة. لقد توجّهت بشكل واضح الى الوثنيين تدعوهم إلى الانجيل (9:22-10؛ 14:24؛ 13:26؛ 28: 19-20). والتعليم الذي نجد تعبيرًا عنه على مدّ الانجيل الأول هو صدى لنجاح التبشير لدى الجموع الوثنيّة (2: 1-12؛ 8: 1؛ 15: 21-28) وهو نجاح يلفت نظرنا إن قابلناه بفشل تام لدى اليهود (12:8؛ 13:13-15؛ 21: 43؛ 23: 33-39).
هذا من جهة. ومن جهة أخرى، هل يستطيع مسيحيّون من أصل يهوديّ أن يُعتبروا يهودًا في نظر الامبراطوريّة؟ فموظّفو دوميسيانس (81-96 حسب سواتونيوس، دوميسيانس 12: 2 كان هذا الامبراطور يفرض الجزية على الذين من أصل يهوديّ وعلى المرتدّين إلى اليهوديّة) لا يعتبرون أشخاصًا لا يمارسون الختان ولا سائر العادات التي تميّز العالم اليهودي، على أنهم يهود. من أجل هذا، استعمل متّى هذا التقليد القديم لكي يحرِّض أعضاء جماعته على دفع الضرائب الرومانيّة على ما قاد بولس في روم 6:13-7 (أدّوا للجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية). إن هذه الفرضيّة لا ترضي الشارح إذا أخذ بعين الاعتبار التحفّظ التي تعبّر عنه آ 26 (فالبنون أحرار): ففي كتاب لا يعلن أيّة معارضة تجاه سلطة الامبراطوريّة، بل يحضّ على "التأدية لقيصر ما يحقّ لقيصر" (22: 21)، لا نجد سببًا من أجل تخفيف (على مستوى الحقوق) سلوك صادق أخذ به المسيحيون في العصر الرسوليّ تجاه السلطة الرومانيّة (رج 1 بط 2: 13-14، إخضعوا للملك، للولاة). وحده سفر الرؤيا، الذي وُلد في جوّ الاضطهاد، يشذّ عن القاعدة، ويرى في الامبراطورية شرًا. بالاضافة إلى ذلك، كيف يستطيع المسيحيون أن يُسمَّوا "أبناء الامبراطورية الرومانية"؟ 
أمام هذه السلسلة من الصعوبات، لا يبقى إلاّ حلّ واحد معقول. لا تتحدّث هذه المقطوعة عن العلاقات بين الكنيسة ورومة. بل بين الكنيسة والمجمع. من جهة، فمسألة الضريبة التي تتحدّث عن قضية مضى عليها الزمن، صارت بشكل مثَل يرسم موقفًا من السلام تجاه اليهود. ما أراد متّى أن يقدّم تعليمًا (أو مثلاً) يمكن أن يُطبّق حرفيًا (بعد دمار الهيكل، تجاوز الجميع المسائل العباديّة)، بل استعمل هذا التقليد القديم ليحضّ قرّاءه على مراعاة بني اسرائيل، وعلى الامتناع عن إضافة أمور ثانويّة تبعدهم عن المجتمع المسيحيّ (وهكذا يبقى الباب مفتوحًا بين الكنيسة والمجمع). وهكذا نلتقي بمقاطع في الانجيل الأول نستشفّ فيها الاهتمام عينه. ننظر مثلاً كيف يعالج الانجيليّ الجدال حوله الطهارة (15: 1- 20؛ ق مر 7: 1-23). رج أيضًا مت 9: 10، 13 (ق مر 2: 15-17)؛ 12: 1-8 (ق مر 23:2-28)... تحرّر فكر متّى من الاهتمام بالممارسات الرابينيّة، هذا ما لا شكّ فيه، ولكنه سعى إلى ربط الجديد المسيحي بالشريعة التي ما جاء يسوع ليلغيها بل ليكمّلها (17:5).
ما أراد متّى أن يعود بالكنيسة إلى العالم اليهوديّ، ولكنه أخذ بعض الاحتياطات ليدلّ على أنه لا يغلق أمام الآتين من العالم اليهود، جميع المداخل التي تقود إلى المسيح. وفي هذا تبع خطّ بولس في رسالته، فكان يتوجّه أولاً إلى اليهود ثم إلى الوثنيين. وهذا ما نراه واضحًا في أنطاكية بسيدية. كلّم أولاً اليهود في المجمع ولما رفضوا قال لهم: "لكم أولاً كان ينبغي أن تُقال كلمة الله. ولكن بما أنكم ترفضونها... فها نحن نتوجّه إلى الأمم الوثنيّة" (أع 44:13-46).

3- الاستار في السمكة (27:17)
في آ 24-26 كنّا أمام دفع الضريبة. مشهد أول في الخارج: بطرس مع الجباة. ومشهد ثان جُمع فيه يسوع مع تلاميذه. وفي آ 27، نجد ما صنعه يسوع لكي يدفع هذه الضريبة. بدأ يسوع فحدّث بطرس قائلاً: "إمض إلى البحر (هذا لا يعني أن بطرس نزل في الماء. ق مت 2: 20؛ مر 12:16 حيث فعل "بورويستاي" يعني مضى، لا دخل أو سار في). وألق الصنّارة (انكسترون). وأول سمكة تؤخذ (أو: خذ أول سمكة تصعد)، أمسكها وافتح فاها فتجد فيها استاراً (أي: أربعة دراهم). فخذه وأدّه لهم عني وعنك". نصّ فيه إيقاع تعرفه الكتابات الساميّة، فنرى أننا أمام أصل أراميّ.
ولكن لماذا وُضعت هذه الخاتمة (آ 27)؟ في الواقع، هي لا تزيد شيئًا جوهريًا على التعليم الذي وجدناه في المثَل. كل ما نستطيع أن نفترضه هو أن الراوي أراد في مسيرة صياغة النصّ أن يجمّله بحاشية عجيبة تحمل التشويق إلى القارئ. ففنّ "المعجزة" ينتمي إلى أساس صروف، يرقى إلى مستوى الجماعة المسيحية. وكل المحاولات التي قام بها الشرّاح ليحيطوا بالحدث التاريخيّ تبقى بلا فائدة اطلاقًا.
هذا الموضوع معروف وإن اختلفت التعابير عنه، لهذا ليس من المفيد أن نُبرز خصائص الحدث الانجيلي لنفصله عن حالات مماثلة. فهي معروفة. ونحن نكتفي بأن نذكر خبرًا نقله هيرودوتوس (3: 40-42) عن خاتم بوليكرتيس: رُمي في البحر فوُجد في بطن سمكة عجيبة. وقد طبّق الاخبار (هاغاده) اليهوديّ هذا الخبر على سليمان (الذي كان في البدء شحاذًا قبل أن يصبح طباخًا لدى ملك العمونيين). وهناك عدد كبير من الاخبار تتحدّث عن دُرر وُجدت في الاسماك. والمثل الذي أورده مت 17: 22 هو مثل بين أمثلة عديدة تكيّف والظروف: فالسياق يحتاج إلى استار، أي أربعة دراهم، لا أكثر ولا أقلّ. وهكذا حصل بطرس، وهو صيّاد، على المال الضروري ليدفع عن نفسه وعن يسوع.
هذا ما يمنعنا من طرح أسئلة مصطنعة وأجوبة أكثر اصطناعًا. الاول: "أول سمكة" هي التي تكون كبيرة فتُباع باستار. فقد يمكن أن يكون بطرس اصطاد أكثر من سمكة. ويتابع الشارح: ما إن تفتح فمها. أي ما أن تُخرج الصنارة من فمها، ستحصل على الاستار حين تحوّل السمك إلى فضّة (إلى مال). الثاني: اكتفى يسوع بأن يرسل بطرس إلى الكليشاهات الاخباريّة التي تحدّثنا عنها أعلاه: "اذهب واصطد سمكة. فتكون إفادتها كإفادة أولئك الذين تُدخل القصّة فضّة في أفواههم" وهكذا اختفت المعجزة. ألقى الشارح الفعل في الخبر. ولكن بالنسبة الى راو مسيحي، هل يفشل أمر من أوامر يسوع؟ وهناك من يدافع عن تاريخيّة الخبر محاولاً أن يدلّ على أنه معقول. هنا نطرح سؤالاً: "كيف تستطيع سمكة في فمها قطعة فضّة أن تعض الصنّارة"؟. أن هذا الإخبار الشعبيّ في مت 17: 27، يجب أن يعفينا من كل المحاولات البهلوانيّة.
قد يكون الخبر في الاصل، قد انتهى من دون هذه الحاشية الغريبة. ولكن لا شيء يتيح لنا بأن نؤكّد أي شيء (فهذا ليس بمهمّ)، لأن التعليم الذي نستنتجه من النصّ لا يرتبط بـ "تأكيداتنا". ومقابل هذا، لا نستطيع أن ننسى واقعاً يقول إن يسوع وبطرس دفعا وحدهما ضريبة الدرهمين. فالمشهد كله يجري بينهما. ولولا البداية (آ 24)، لظننا أن الرسل لم يحضروا المشهد. لهذا يجب أن نجعل هذا التقليد مع سير يسوع على المياه (مت 14: 28-32) ووعد قيصريّة فيلبس (مت 18:16-19): فقبل أن يُدخل متّى هذه المعطيات إلى إنجيله، كان المسيحيون المرتبطون ببطرس قد جعلوا من زعيم الرسل مستودع التعاليم التي أراد يسوع أن يوصلها إلى المؤمنين. ووسط هذه التوصيات، كانت هذه التوصية التي استندت الى مثل فسعت إلى حلّ مسألة تميّزت بها الكنائس الخارجة من العالم اليهوديّ.
ولكن من خلال هذا الوسط الكنسيّ الذي تعّرفنا إليه بسهولة، أما يجب أن نرى عند يسوع نفسه الموقف الذي نجده في الحدث؟ إذا جعلنا جانبًا الخدعة الادبية والعودة إلى الاخبار العجيبة، أما نستطيع أن نقول إن يسوع قدّم هذه التوصية كما نقرأها؟ هناك من أراد تصحيح موقف يعلن أن استعدادات يسوع تجاه الهيكل وشعائر العبادة فيه، لا تتيح لنا أن ننسب إلى يسوع ما يعبّر عنه النصّ هنا. فالاناجيل ترينا في يسوع ذاك الذي يقف في الوسط بين الفريسيين والصادوقيين. فمع أنه لم يشجب التقادم الطوعيّة (5: 23)، إلاّ أنه عارض الصادوقيين الذين رفضوا أن يلجأوا إلى الضريبة، فأتاحوا للاغنياء أن يدلّوا على عظمتهم حين يدفعون المال في صندوق الهيكل (مر 12: 41-44 وز). أمّا الموقف الذي اتّخذه يسوع حسب مت 24:17-27، فهو يتوافق مع نقده لفرائض الرابينيين والفريسيين (مر 7: 7 ي) الذين بهم ترتبط ضريبة الدرهمين. إذن، سلوكه الشخصي يطلب أن تساند التقادُم الطوعيّة شعائرَ العبادة. ولكن خاف أن يرى الناس يفسّرون فعلته كرفض للنظام العباديّ اليهوديّ، فقدّم هنا تنازلات على المستوى العمليّ.
لا نستطيع هنا أن نتفحّص مسألة موقف يسوع تجاه معبد اسرائيل الوطنيّ، ولكنّنا نستطيع القول إن هذه الفرضيّة قدّمت لنقطة خاصة هي لضريبة الدرهمين، بُعدًا محدودًا. وهكذا نتجنّب اعتبار يسوع كمعارض متخف يحاول أن يقلب الديانة اليهودية. وهذا ليس بمعقول. فلا المشهد العنيف في تطهير الهيكل (مر 11: 15- 19 وز؛ يو 2: 13- 22)، ولا إعلان دماره (مر 13: 2 وز؛ رج لو 19: 44) يعنيان معارضة العبادة الشرعيّة التي تتمّ فيه الآن. كان يسوع الشاهد الأسمى لديانة باطنيّة تسجَّلت ولا شكّ في برنامج دُشّنت فيه عبادة متجدّدة وداخلية (مر 14: 58 وز؛ يو 2: 19)، فما أراد أن يعلن، شأنه شأن اسطفانس (أع 7: 48)، أن "العلي لا يقيم في مساكن صنعتها أيدي البشر".

خاتمة
في هذا الخبر الذي يبقى سرًا بالنسبة إلينا، نرى مقابلتين اثنتين. الأولى بين الابناء والغرباء، والثانية بين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي، وسائر اليهود. ولكننا لا نتوقّف عند أمور خارجيّة، كما لا نعتبر نفوسنا في إطار الضرائب التي يدفعها أو يدفعها المؤمن في إطار الامبراطوريّة الرومانيّة. نحن بالأحرى في "حوار" بين المسيحيّين واليهود. هل يقطع المسيحيّون كل علاقة لهم باليهوديّة؟ الجواب هو كلا. فيجب أن يبقى الباب مفتوحًا من أجل حوار قد يبدأ في يوم من الأيام رغم العداء الذي أخذ يزداد بشكل كبير في أيام متّى وبعد ذلك، أي في زمن يوحنا والقطيعة التامّة.
خاتمة عامة

هذا هو الجزء الثاني من انجيل متّى بعنوانه سرّ الملكوت. وقد جاء هو أيضًا في أربع مراحل: خطبة من أجل الرسالة تبعتها انطلاقة في الرسالة. خطبة في الامثال تطبّقت عمليًا على الجموع التي لا تفهم وعلى التلاميذ الذين يسيرون من فهم إلى فهم. وهكذا ظهر مرّة أخرى بناءُ انجيل متّى الذي يتمحور في خطب تتطبّق في العمل، فتدلّ على حياة يسوع من خلال أقواله ومن خلال أعماله. وعمله الاخير سيكون موته على الصليب وقيامته من القبر.
في المرحلة الخامسة تعرّفنا إلى سلطة الملكوت. نال يسوع وهو الابن السلطة من الله الآب، وها هو يسلّم هذه السلطة إلى تلاميذه. ويعلّمهم كيف تكون الرسالة: تنطلق من فلسطين إلى سائر بلدان الأرض، من الشعب اليهوديّ إلى الأمم، من الذين في الداخل إلى الذين في الخارج. من الخراف الضالّة في كل اسرائيل إلى السامرة. وبعد ذلك يأخذون طريق الأمم. تلك كانت الرسمة التي وجدناها في أعمال الرسل.
في المرحلة السادسة، طُرح السؤال حول الملكوت. طرحه يوحنا أولاً: هل أنت الآتي أم ننتظر آخر؟ فجاءه الجواب آيات تدلّ على أن يسوع هو المسيح بعد أن جعل العمي يبصرون والصمّ يسمعون والمساكين يبشرون. وطُرح على الكتبة والفريسيين، فرفضوا الجواب الذي يمكن أن يقرأوه في الكتاب المقدس. تركوا روح الله الذي يعمل في يسوع، وتعلّقوا ببعل زبول. وهكذا خطئوا ضدّ الروح القدس حين رفضوا أنواره وتركوا ملكوت الله يتجاوزهم: زمّروا لهم فلم يرقصوا. ناحوا لهم فلم يبكوا. تركوا الحكمة الحقيقيّة وتعلّقوا بحكمة هي في الواقع عمى. غير أن الحكمة ستظهر في أبنائها، في الصغار الذين كشف الله لهم سّره. ستظهر في أعمالها. وفي النهاية يطرح يسوع نفسه السؤال: من أنا؟ فيجيب بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحيّ. يهنّئه يسوع ويهنّئ رفاقه معه، ولكنه يفهمهم أن الوجه الحقيقيّ للمسيح هو وجه الألم قبل أن يكون وجه المجد، وجه الموت قبل أن يكون وجه القيامة.
في المرحلة السابعة، بدا الملكوت في نموّه. هو حبّة حنطة تنمو فتعطي ثلاثين وستين ومئة. قد تقع في الصخر أو بين الشوك. قد ينمو معها الزؤان ويرافقها حتى نهاية العالم. وهكذا يترافق الشرّ مع الخير داخل الجماعة، ويعيش الخطأة بجانب القديسين في قلب الكنيسة، وتجمع الشبكةُ الأشرار مع الاخيار. ذاك هو واقع الملكوت كما يتجسّد في العالم منذ زمن يسوع حتى النهاية. يبقى على المؤمن أن يضحّي بكل شيء من أجل هذا الملكوت. وأن يعرف كم يؤثّر فيه الزمانُ الحاضر وخداعُ الغنى، فلا يعطي ثمرًا.
في المرحلة الثامنة، نصل إلى مسيرة الملكوت. إن يسوع يستعدّ للصعود إلى أورشليم. والسؤال الذي طُرح في المرحلة السادسة، وجد جوابَه هنا في اعلان مسيحانيّة المسيح وفي مشهد التجلّي حيث يطلب الله من التلاميذ، من الكنيسة، من كل واحد منا، أن يسمع ليسوع. وهذا السماع ضروريّ جدًا في هذه المرحلة التي فيها يقتلع يسوع تلاميذه من تقاليد الشيوخ، لا من سلطة الشريعة، ليرسلهم إلى العالم الوثنيّ. من تفاسير ناقصة عن المسيح الذي سيكون ممجّدًا، الذي سيحطم أعداء شعبه، إلى وجه عبد الله المتألم كما أخبرنا به أشعيا. قد تكون صعوبات تهدّد بطرس بالغرق. ولكن يسوع هنا. قد يحسّ التلاميذ بضعف إيمان يمنعهم من شفاء مريض. ولكن يسوع يفهمهم أهمية الصوم والصلاة. قد يرفض التلميذ أن يسير إلى "أورشليم". ولكن يسوع يبيّن لنا أن طريق المعلّم هو طريقنا. فلا نبحث عن طريق آخر.
وهكذا نستعّد منذ الآن للدخول في الجزء الثالث من تفسير متّى. فبعد خطبة الرسالة، نرافق يسوع في طريقه إلى أورشليم حيث ينهي حياته بموت على الصليب من أجل أحبّائه.