إنجيل متى، الجماعة وملكوت الله،" 3"

تقديم

ونتابع نتفسير إنجيل متّى، هذا الانجيل الذي سمّي الانجيل الكنسيّ. فهو يذكر "الكنيسة" مرتين. وهو الذي اعتادت أن تقرأه الكنيسة أكثر ممّا تقرأ من أناجيل. هذا الانجيل الذي يرينا كيف يرسل الربّ جماعته. تلمذوا. عمّدوا. علّموا. يرسلها فيغيب عنها في الجسد، ولكنه يبقى معها في حضور لا تحدّه بعد اليوم مقولات الزمان والمكان والبعد والقرب.
إنجيل أدخلنا أول ما أدخلنا في سرّ يسوع منذ الطفولة حتى العماد والتجربة في البرية. في سرّ يسوع الذي عاشه الرسل يومًا بعد يوم في العظمة والضعف، في المجد والهوان، في اتصال مع الآب وحياة في وسط البشر. هذا السرّ نكتشف ذوقه في الآلام والموت والقيامة. لم يفهمه التلاميذ إلاّ على ضوء الفصح والقيامة. ونحن ندخل فيه بناء على شهادة انطلقت من الذين رأوه وسمعوه ولمسوه، فوصلت إلينا اليوم، وسوف تصل إلى آخر إنسان حتى نهاية التاريخ.
من بدايات الملكوت في الجزء الأول، حاولنا أن ندخل إلى سرّ الملكوت في الجزء الثاني. وها قد وصلنا إلى الجزء الثالث بعنوان: الجماعة وملكوت الله. ويتوزعّ هذا الجزء على مرحلتين: الحياة في جماعة الملكوت. الطريق إلى أورشليم، الطريق إلى الملكوت. أجل، كانت حياة يسوع العلنيّة إعدادًا لهذا الملكوت، وهو قد بدأ يتجلّى حقًا مع ظهور القائم من الموت وإرسال التلاميذ. حين اختارهم وأعطاهم توجيهاته في "خطبة الرسالة" (ف 10)، لم ينطلقوا هم، بل انطلق هو. سيقول لنا لوقا إنه كان عليهم أن ينتظروا قوّة من العلاء، أن ينتظروا الروح القدس.
أمّا في متّى، فهم ينتظرون الارسال الأخير المرتبط بالقيامة، ينتظرون الربّ الممجّد الذي نال بقيامته كل سلطان في السماء وعلى الأرض.
فإلى قراءة الجزء الثالث من تفسير متّى ندعو القارئ. ندعوه إلى أن يبدأ فيقرأ النصّ مرّة، بل مرّتين وثلاثًا لكي تتغلغل كلمةُ الله في أعماقه. بعد ذلك، يقرأ الحواشي في الكتاب المقدس، ويعود إلى التفسير الذي نقدّمه. ليست القضيّة قضية سرعة للانتهاء من الكتاب. بل علينا أن نسير مع يسوع على مهل. أو بالأحرى نجلس عند قدميه، كالتلميذ لدى معلّمه، فنطلب منه أن يكون لنا ذاك الذي يرافقنا، ويمشي مشيتنا وينير خطانا ويشدّد إرادتنا. بهذه الطريقة لن يعود الانجيل كلامًا نقرأه ونحفظه ونردّده وحسب. بل يصبح كلامًا نفهمه، نلج إلى أعماقه، ندخله في حياتنا. هنيئًا لنا إن سمعنا وعلّمنا. هنيئًا لنا إن عملنا وعلّمنا. فالانجيل الذي حمله يسوع قد دوّنته جماعة متّى بكل أفرادها. يبقى على كل واحد منا أن يكون انجيلاً حيًا. يبقى على كل جماعة أن تكون على مثال الجماعة الرسولية فتكتب بحياتها وتعليمها انجيلاً وبشرى تصل إلى الشعوب الجالسة في الظلمة وإلى المقيمين في بقعة الموت. عندئذ يشرق نور المسيح كما يتجلّى في كنيسة لا تقوى عليها أبواب الجحيم.
القسْمُ الأول
مَواضِيع عَامَّة

مع الجزء الثالث من تفسير انجيل متّى، نتوقّف كما فعلنا في الجزئين السابقين، عند مواضيع عامة:
1- إنجيل متّى والعالم اليهودي
2- منابع التأليف في إنجيل متّى
3- إنجيل متّى والخدم في الكنيسة
4- ستراتيجيّة الخبر في الانجيل الأول
5- وجهات من العالم الرمزيّ في إنجيل متّى

الفصل الأول
انجيل متّى والعالم اليهوديّ

ندرس في هذا الفصل العظة على الجبل (ف 5-7). ونتساءل: هل هي قريبة من عالم المعلّمين (الرابينيين) اليهود؟ هل تشكّل قطيعة مع العالم اليهوديّ؟ ظنّت فئة أن مت 5-7 هو الردّ المسيحي على العالم اليهودي بعد كارثة سنة 70 ب. م ودمار أورشليم. ولكن الفئة الكبرى رأت أن هذه العظة المتّاويّة الكبيرة هي مختصر تعليم يسوع، وهي تلعب وظيفتها داخل الكنيسة. قد لا تكون في الأصل توجّهت إلى العالم اليهودي، ولكن موضوعها يهوديّ في جذوره: نحن أمام تفسير الشريعة (أو التوراة بالمعنى الحصري) التي تعبّر عن إرادة الله.
عظة الجبل هي لاهوت الشريعة، لهذا هي قريبة من العالم اليهوديّ في وجهه الفرّيسيّ. غير أن الطرح حصر سلطة تفسير الشريعة في المسيح، جعل هوّة سحيقة بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ.
هذا ما نحاول أن نظهره في ثلاث محطات: على مستوى الفن الأدبي. العودة إلى الشريعة. والنتيجة: قطيعة بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ.

1- الفنّ الأدبيّ
حين نقرأ عظة الجبل، نجد أن الفنّ الأدبي الذي دوّنت فيه بعيد كل البعد عن عالم قمران والأسيانيين: نظام الجماعة، وثيقة صادوق (أو دمشق). أو عن مقال رابيني هو "أقوال الآباء". أما النصّ المسيحي الأقرب إلى هذه العظة، فهو الديداكيه أو تعليم الرسل ولاسيّما ف 1-6. غير أن جميع العناصر التي تجعل من الديداكيه كتاب التنظيم الكنسي تبقى غائبة من مت 5-7.
أ- عظة الجبل "مختصر"
هذا البعد بين عظة الجبل والعالم التوراتي واليهودي يطرح علينا سؤالاً: هل نحن أمام مؤلَّف فريد من نوعه؟ لا نظنّ أن الأمر هو هكذا.
هناك إشارتان أدبيّتان تتيحان لنا مقاربة أولى. الأولى، سمّى الانجيليّ نفسه هذه اللفظة "تعليمًا". نقرأ في 7: 28: "بُهتت الجموع من تعليمه". ويُقدّم 5: 2 (الذي هو البداية) و7: 29 (الذي هو نهاية العظة) يسوع على أنه المعلّم، على أنه يعلّم. "فتح فاه وجعل يعلّمهم قائلاً"؛ "كان يعلّمهم كمن له سلطان". هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تبدأ الخاتمة بموضوع تقليدي في التعليم الاخلاقيّ في ذلك العصر: تعليم الطريقين (تث 30: 15 ي). من تبع الطريق الضيّق أي راعى التعليمات التي دوّنت في الخطبة ينال الخلاص. أما التصرّف المعاكس فآخرته الهلاك. تدلّ هاتان الاشارتان، حتى في نظر الانجيلي، على أننا أمام تعليم ليسوع يتيح لنا أن نبلغ الحياة الأبديّة.
نحن هنا أمام "مختصر". هذا الفنّ الأدبيّ قد انتشر في العالم الهلنستيّ على المستوى الخلقيّ، ونحن نجده في التقاليد الرواقيّة والأبيقوريّة. أما تحديد المختصر فهو تقديم ملخّص لمؤلّف كبير. لسنا هنا أمام مقاطع مختارة، ولا اختصار واختذال لطلاّب مدرسة. فالكتاب يتصرّف بحريّة تامّة، فيدلّ على موهبته ككتاب في صياغة نصّ. وهو يقدر أن يطبع المواد بطابعه الشخصي، هذا مع العلم أنه يُفرض عليه الايجاز والدقّة في عمله.
فهذا المختصر يتيح لنا أن ندخل إلى قلب هذا الفكر فندرك تعابيره الأساسيّة. وإن توخّى افهامنا نهجًا فلسفيًا أو أخلاقيًا أو دينيًا، إلاّ أنه لا يعود إلى إعمال الذاكرة إعمالاً آليًا: أي نحفظه ونكرّره بشكل حرفي. بل نجعله جزءًا منا، فنكتبه في حياتنا ونغنيه في خبرتنا. إذن، ليست عظة الجبل مقالاً للذين في الخارج، ولا هي تتوجّه إلى المبتدئين الذين لم ينفتحوا بعد على أسرار الملكوت. بل هي للتلاميذ الذين هم من الداخل، الذين أعطيت لهم أسرار الملكوت.
ب- مختصر كرازة يسوع
ونخطو خطوة ثانية. بعد تحديد "المختصر" الذي وُجد في العالم اليوناني والروماني، نقول إن عظة الجبل هي مختصر كرازة يسوع. فبطريقة اختيار أقوال يسوع وبوضعها في خطبة مبنيّة بناء محكمًا، قدّم الانجيلي تعاليم المعلّم الأساسيّة ونسّقها بحسب مواضيعها. وهكذا وجد التلميذ نفسه وجهًا لوجه أمام ملخّص للاهوت يسوع. وبالتالي نال الوسائل التي تتيح له أن "يهضم" هذا التعليم. غير أنه يجب أن نلاحظ أن هذا المختصر لا ينفصل عن نموذج من نماذج الاتصال. فالتلميذ يُطلب منه أن "يسمع" أقوال يسوع و"يحفظها" (أي يضعها موضع العمل، يمارسها في حياته). ماذا نفهم بهذين الفعلين؟
فالسماع الذي إليه يُدعى القارئ، ليس قبولاً منفعلاً (لا نفعل فيه شيئًا. لا يكون لنا فيه دور عمليّ) بل "هضمًا" وادراكًا. وما يدلّ على نشاط السامع نجده في صور مختلفة من عظة الجبل. فعبارة "سمعتم أنه قيل" في النقائض، تدلّ على أن كل سماع لا يحمل الحقيقة. وأن هناك مسافة نقديّة تفرض أن نحافظ عليها، إذا أردنا أن لا نقع على تعاليم خاطئة حول التوراة. وهناك نداء إلى التمييز كما في 6: 1 (احترزوا من أن تصنعوا برَّكم قدّام الناس)؟ 15:7 (إحذروا من الأنبياء الكذبة). ونداء إلى الملاحظة: "تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو" (28:6). وهناك استعمال متكرّر لأفعاله تدلّ على "النظر"، فتجعل القارئ يلعب دور الشاهد الناشط والناقد أمام الواقع. وأخيرًا، إن هذا التفحّص الدقيق وهذا السهر اللذين نجدهما في 7: 15- 20 (كيف تُعرف الثمار) يصلان بنا إلى المعرفة.
غير أن السماع لا يستطيع أن يتوقّف عند "هضم" نظري لأقوال يسوع. فالنصّ يفرض تفاعلاً متواصلاً بين السماع والعمل، لاسيّما وأن الغاية الأخيرة لهذه الخطبة التي تدشّن تعليم يسوع كما في مت، هي وضع الشريعة موضع العمل. وكما يقول مثلُ البيتين الذي ينهي هذه العظة (7: 24-27)، يُطلب من القارئ أن يتماهى مع "الرجل العاقل" (الحكيم)، أي مع ذلك الذي حقّق التوزان المطلوب، والتفاعل الضروري، بين السماع الواعي وتجسيم الكلمة التي تلقّيناها بكل ما فيها من متطلّبات.
وهكذا، إن توقّفنا عند الفن الأدبي أو عند ستراتيجيّة الكتاب في إيصال كلامه إلى القارئ، يبدو مت 5-7 مقالاً تعليميًا. تصوّره الكاتب مختصرًا يقدّم بشكل موجز العناصر الأساسيّة في تعليم يسوع، فوضع أقوالاً تفوّه بها يسوع في مناسبات مختلفة، داخل عظة تحمل مواضيعها. وبهذا توخّى أن ينقل إلى أعضاء الجماعات المسيحيّة القريبة من متّى، العناصر التي تتيح لكل مؤمن أن يفهم التعليم الذي قيل في الماضي، وأن يطبِّقه في حياته بشكل متجدّد. إذن، لسنا في إطار مواجهة مباشرة مع العالم اليهوديّ. ولا في إطار دفاع عن الكنيسة بوجه المجمع اليهوديّ. بل أمام تعليم في داخل الكنيسة.
ج- خصوم يسوع
تذكر عظة الجبل بوضوح أولئك الذين توجّه إليهم كلام يسوع: الجموع والتلاميذ يصل إليهم الكلام في صيغة المخاطب الجمع: "طوبى لكم إذا عيّروكم... أنتم ملح الأرض... لا تظنّوا... سمعتم أنه قيل...". إذن، نحن أمام عظة تتوجّه إلى تلاميذهم صورة عن جماعة متّى، وعن كل جماعاتنا التي يرمز إليها وجود الجموع. هذا الاطار الكلامي يقودنا إلى التعليم لا إلى الدفاع والهجوم. اختلفت عظة الجبل عن الجدالات المتّاوية مع المجمع، فحاولت أن تبرّر طريقة عيش التلاميذ وتبيّن توافقها مع العهد القديم، فما توجّهت إلى سامعين يهود، ولا هي أرادت أن تقدّم إليهم بإلحاح تعليم يسوع. 
وما يُثبت هذا الطابع التعليميّ هو نمط البراهين المستعملة. فالسامعون ليسوا موضوع هجوم من قبل أحد. ولكنهم يحذَّرون من خصوم قد يطرأون. لهذا تعلّمهم الخطبة كيف يميّزون أربع مجموعات يجب أن ينفصلوا عنها.
* المجموعة الأولى: الكتبة والفريسيون (5: 20: إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين). نحن هنا أمام مفهوم واضح في الزمن الذي فيه كُتب مت: نحن أمام القوّتين اللتين أمسكتا بمقاليد العالم اليهوديّ بعد كارثة سنة 70 ب. م. الرابينيون وحزب الفرّيسيين. غير أن النصّ الذي يبدو بشكل برنامج في 17:5-20، لا يحرّك الجدال معهم. هم هنا كنموذج لبرّ فاسد يقود إلى الدمار. ولا يُذكرون إلاّ هنا في مجمل الخطبة.
هذا التحفّظ في ذكر اليهود يفترض أن القطيعة قد تمّت بين المجمع والكنيسة المتّاوية. وما يدلّ على ذلك من الجهة اليهوديّة، هو أن المباركة الثانية عشرة تطلب استبعاد المسيحيّين من المجمع. ومن الجهة المتّاويّة، هو الشجب الجذريّ لاسرائيل والاعلان عن تكوين الشعب الجديد (مت 21: 33-22: 14). وهذا ما نلاحظه في 29:7 حيث يتحدّث الانجيليّ عن المعلّمين اليهود ويسمّيهم "كتبتهم". هذا يفترض أنه لم تعد لهم علاقة مع التلاميذ. ثم إن التعبير العام عن تطويبة المضطهدين (5: 11-12)، تجلعنا نفهم أن العداوة ضد الكنيسة مصدرها الوثنيّون واليهود معًا.
* المجموعة الثانية: المراؤون (6: 2، 5، 16). تُبرز هذه اللفظة تصرّفًا أخلاقيًا مطبوعًا بتعارض بين المدلول الظاهر لعمل من الأعمال وهدفه الخفيّ. نحن هنا أيضًا أمام مثال معكوس يعمل عمل الإبعاد عن تصرّف من التصرفات في تقديم البرهان. نستطيع أن نماهي بين "المرائين"، "الكتبة والفرّيسيين" (كما في 5: 20)، غير أن النصّ لا يقوم بهذا التماهي بوضوح. وهكذا يكون النقد في قالب محدّد، وهو لا يدلّ على هجوم على العالم اليهوديّ، مبنيّ بناء محكمًا. 
* المجموعة الثالثة: الوثنيّون (5: 47؛ 6: 7، 32). يرمز الوثنيّون إلى الكفر وعدم الورع. هذا موضوع معروف في الحرب اليهودية والمسيحيّة المتهوّدة. وحين تظهر هذه المجموعة هنا كمثالة معكوس، يتبيّن أن هجوم عظة الجبل لا يتوجّه بشكل خاصّ ضدّ العالم اليهوديّ.
* المجموعة الرابعة: الأنبياء الكذبة. في الواقع، النقد الوحيد المركّز هو ضدّ "الأنبياء المسيحيين الكذبة" (7: 15-23). وجبهة الحرب هي في داخل الكنيسة، لا ضدّ الشعب اليهوديّ. والخصم الذي يجب أن نكشفه والذي يمثّل خطر الموت، ليس المجمع (= اليهودي)، بل مواهبيّون مسيحيون نالوا عطايا روحيّة خارقة ولكنهم لا يمارسون مشيئة الله كما نجدها في عظة الجبل.
ودراسة السياق تثبت بشكل لافت دراسة الفنّ الأدبيّ. فالتعليمات إلى المجمع الفريسيّ نادرة جدًا، وهي تلعب على مستوى البراهين دور الابعاد. فخطبة متّى الكبرى لا تدخلنا في حوار مع العالم اليهوديّ، ولا في حرب. فالذين يتوجّه إليهم هذا التعليم هو المؤمنون، والتحذيرات التي نجدها تتمّ في الكنيسة ومن أجل أعضاء الكنيسة.
بعد هذا، هل يعني غياب المواجهة المباشرة مع العالم اليهودي أن لا علاقة بين نصّ مت والمواجاهة الفرّيسيّة والرابينيّة؟ سنجد الجواب على هذا السؤال بعد أن نقوم بتحليل المواضيع التي تتطرّق إليها خطبة الجبل.
د- مواضيع عظة الجبل
حين نقرأ هذه العظة نجد معلَمين واضحين. الأول (17:5-20) يعلن الطرح الذي سيتوسّع فيه الانجيلي فيما بعد والذي يبدو مضمونه كما يلي: إن مجيء المسيح يدلّ على تتمّة مشيئة الله. والثاني (7: 12) يستعيد تفسير الشريعة كما عُرضت في ف 5-6: قلب الشريعة (أو التوراة في المعنى الحصريّ) هو محبّة القريب.
بين هذين المعلَمين، نجد الجسم المركزي (5: 21-7: 11) الذي نستطيع أن نقسمه قسمين: التناقضات الستة (5: 21-48) التي تشكّل التوسّع الأول، وموضوعها البرّ الذي تطلبه شريعةٌ أعيد تفسيرها. وموضوع القسم الثاني (6: 1-7: 11) هو البرّ الذي يرضي الله كما يعلنه 6: 1. يتوسّع النصّ في بُعد الحياة المسيحيّة هذا عبر تذكّر الأعمال الثلاثة الكبرى في التقوى اليهوديّة، وهي الصدقة والصلاة والصوم. كما يتوسّع في فقاهة جماعيّة حول المال والهموم والدينونة والصلاة (6: 19-7: 11).
وتُحيط بهذا الجسم المركزيّ مقدّمة تتحدّث عن سعادة التلاميذ ودعوتهم (3:5-16)، وإرشاد (13:7-27) يستعمل رسمة الطريقين فيُبرز المدلول الحاسم للعمل، لتتمّة مشيئة الله بشكل ملموس بالنظر إلى مسألة الخلاص الاسكاتولوجىّ.
يُبرز هذا التذكير الموجز وحدة الموضوع في خطبة المسيح التدشينيّة التي موضوعها تفسير التوراة والتعبير الأخير عن مشيئة الله. كل هذا يطرح علينا سؤالاً: كيف نفهم أن لا تكون عظة الجبل حوارًا مباشرًا مع العالم اليهودي، مع أن موضوعها الأساسيّ هو الشريعة التي هي حجر الزاوية في الايمان اليهوديّ؟

2- العودة إلى الشريعة
أ- لاهوت متّى لاهوت الشريعة
إن المسافة التي تميّز هذه الخطبة، بين سياق غاب عنه المجمع اليهوديّ وموضوع مركزُه الشريعة، تدلّ على أصالة متّى المذهلة. فالتحدّي والجدّة تكمنان هنا في أن تبيّن كنيسةُ متّى أن القطيعة مع المجمع الفرّيسي لا تتضمّن إطلاقًا التخلّي عن العهد القديم الذي ما زال التعبير الصحيح لمشيئة الله. فالتوراة (في المعنى الحصري) كما أتمَّها المسيح، صارت إطار متّى اللاهوتيّ. ولنقل بشكل موجز: لاهوت متّى هو لاهوت الشريعة.
إن هذا الدور الذي يكوّن "التوراة" يحدّد تحديدًا أصيلاً موضع متّى بالنظر إلى المسيحيّة الفتيّة كما بالنظر إلى العالم اليهوديّ. فبالنظر إلى العالم المسيحي، يتميّز مت 5-7 عن تعليم يسوع الأول الذي كانت نظرته الأساسيّة المجيء القريب لملكوت الله. كما يتميّز عن بولس الرسول الذي لم يعتبر الشريعة حجر الزاوية في الايمان المسيحيّ. وإن هي احتفظت بمكانتها في التدبير المسيحي، فبعد أن انتُقدت نقدًا جذريًا وتطلّعت إلى الايمان. ومرقس الذي سبق متّى على المستوى الأدبي قد انتقد الشريعة انتقادًا لا يرضى به الانجيل الأول. إذن، متّى هو صاحب عودة مميّزة بالتوراة إلى مقدّمة اللاهوت المسيحيّ، وهي عودة تُعبر عنها عظة الجبل تعبيرًا بارزًا.
هذه العودة التي تدهشنا بحضورها الكبير، تربط متّى بالعالم اليهودي (الرابيني) كما تفصله عنه. تربطه بقدر ما تشكّل التوراة (أي الشريعة) له وللمجمع اليهودي، الطريقَ الموصل إلى الله. في هذا المعنى يبدو الانجيل الأولى أكثر كتب العهد الجديد ارتباطًا بالعالم اليهودي. وفي معنى آخر يبدو مت أكثر الأسفار المناوئة للعالم اليهوديّ بقدر ما يأخذ جوهر العالم اليهودي (وهو التوراة) ويدخله في الايمان الجديد. لاشكّ في أن الحوار انقطع بين المجمع وكنيسة متّى التي سارت مسيرتها الخاصّة منذ ذلك الوقت. غير أنها حين أدارت ظهرها للذين شاركوها إيمانها في القديم، أخذت معها الشريعة واعتبرت نفسها وحدها المستودع الشرعي الوحيد لها. هذا ما تدلّ عليه ف 5-7 من الانجيل الأول.
ب- "التوراة" قلب عظة الجبل
إن الطرح الذي يُشرف على مجمل النصّ نجده في 17:5: "لا تظنّوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء. ما جئت لألغي بل لأكمّل". فهنا كما في كل أقوال يسوع التي تبدأ بـ "جئتُ"، نحن أمام إعلان يعبّر عن قلب رسالة المسيح ومعناها. وبحسب هذه الآية، يكمن قلب التزام يسوع في تكملة الشريعة والأنبياء، أي في تفسير "التوراة" وفي ربطها بالواقع الجديد.
هنا نبتعد عن رأي يقول إن النقائض التي تلي 17:5 تُضعف الطرح الأساسيّ "وتكذّبه" بمضمونها. فهي لا تتوخّى إلغاء (نقض) الشريعة، بل إعادة بنائها في قوّتها الأصليّة وصحّتها. ما قيل للأقدمين لا يُمحى، بمعنى أن غياب الاكراه يلي مبادئ عفاها الزمن. بل إن المتطلّبة التي تعود إلى الماضي صارت محدّدة وجذريّة. لا تُعلّق الطاعة المطلوبة، بل تتعمّق بحيث تلزم الانسان في شخصه كلّه. لسنا فقط أمام القتل بل أمام الشتيمة. لسنا فقط أمام الزنى، بل أمام الشهوة التي تقود منذ الآن إلى جهنّم. فالطلاق بحسب الشريعة، والقسَم (الحلَف) بحسب الشريعة، والانتقام بحسب الشريعة، ومحبّة المواطن وحده، كل هذا مما عاد يكفي. فحلّت محلَّه الأمانةُ الذي لا تقاسُم فيها. واستقامة الكلام المطلقة، وعدم مقاومة الشرير، والحبّ الذي يصل إلى الاعداء، هذه هي الشريعة "الجديدة".
ونقول الملاحظة عينها في ما يخصّ الأعمال الكبرى الثلاثة في التقوى اليهوديّة. هي لا تُلغى بعد أن صارت ضحيّة نقد لحياة طقسيّة تحصر نفسها في الطقوس. بل إن الانجيل يحافظ عليها. وما يندّد به يسوع هو ممارسة كاذبة لها. فالصدقة والصلاة والصوم يرضى عنها الله إذا مارسناها أمانة لله وحبًا به. فلا قيمة للعمل في حدّ ذاته. يجب أن يكون التعبير عن التزام باطنيّ يصل بنا إلى الله.
والارشاد نفسه (13:7-27) لا ينفصل عن هذا الدفاع عن الشريعة. فخيار الطريقين هو في الوقت عينه تنديد بالأنبياء الكذبة. فهم مخطئون، رغم المواهب الفائقة التي نالوها، في حمل ثمار. ونداء إلى المؤمن ليكون انسانًا عاقلاً وحكيمًا. أي يسمع الكلمة ويعمل بها.
ج- وصيّة الوصايا
ما اكتفت العظة على الجبل بأن تعلن الشريعة التي أتمّها المسيح. بل طرحت السؤال الأساسيّ حول قلب الشريعة. وهذا ما نجده في نصّين اثنين.
أولاً، تجاه الطرح لتتمّة الشريعة بشكل برنامج حياة (17:5-20)، نجد القاعدة الذهبيّة: "فكل ما تريدون أن يفعله الناس لكم، إفعلوه لهم: هذه هي الشريعة والأنبياء". فمركز الثقل في الشريعة التي يفسّرها المسيح هو وصيّة المحبّة. قد يبدو هذا القول عاديًا، باهتًا. ولكن المقابلة مع تعليم يسوع التاريخ تُبرز فرادةَ هذا القول. فمتطلّبة الحبّ ترتبط في نظر يسوع بإعلان اقتراب الملكوت. بما أن الله يقترب في رحمته من الخطأة، فقد خضعت العلاقات بين البشر لتدبير جديد. لم يعد متّى يطرح السؤال بالنظر إلى الملكوت الآتي، بل في ارتباطه بالتوراة. فمتطلّبة الحبّ (وهذا قول خاص بالانجيل الأول) قد صارت إجمالة للشريعة: المحبّة هي الوصيّة التي توجّه سائر الوصايا، وتقدّمها في تراتبيّة تفرض نفسها علينا.
ثانيًا، ونجد تأكيدًا لهذا الموقف في النقائض (5: 21-48). فإعادة تفسير الشريعة تتمّ حصرًا في اللوحة الثانية من الدكالوغ (= الوصايا العشر): الموضوع هو العلاقات بين البشر. تحيط النقيضة الاولى والسادسة بالمقطع وتعطيه لونًا خاصًا. فالأولى التي تستبعد كل عدوانيّة ضدّ القريب ولو كانت على مستوى الكلام، تشدّد على احترام غير مشروط يحقّ لكل إنسان. وإذ تعلن النقيضة السادسة محبّة الأعداء تختتم مجمل النصّ بشكل غير مباشر، فتقول إن الالتزام تجاه الغير لا يعرف الحدود. فجميع البشر، حتى الذين يطلبون حياتي، يستحقّون محبّتي.
د- من أعظم الوصايا إلى أصغرها
إن تركيز المتطلّبة الخلقيّة على وصيّة المحبّة، يقودنا إلى حصر الشريعة في هذا الأمر والتخلّي عن الشريعة في بعدها الطقوسيّ. فالعظة على الجبل تدلّ أن متّى رفض أن يخطو هذه الخطوة التي بدت ضروريّة في إطار الرسالة المسيحيّة بين الوثنيين.
إنّ النصّ البرنامج في 5: 17- 20 يقدّم هنا أيضًا المعلومة المطلوبة. ففي نظر متّى، ليست تتمّة الشريعة موازية لإلغائها وتحجيمها: "الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة حتى يتمّ كل شيء. فمن خالف وصيّة من أصغر هذه الوصايا وعلّم الناس أن يعملوا مثله، عُدَّ صغيرًا في ملكوت السماوات. وأمّا من عمل بها وعلّمها، فهو يُعدُّ عظيمًا في ملكوت السماوات" (5: 18-19). لا تستطيع التفاسير "الذكيّة" أن تخفي المعنى البديهيّ لهذا الاعلان الذي احتفظ به متّى. فالتوراة كلها قد أخذ بها التعليمُ الجديد. ففي إطار الجماعة المسيحيّة يجب أن تعلَّم التوراة كلها كما وردت في العهد القديم وأعاد المسيح عبارتها. والطاعة المطلوبة من المؤمن هي أمانة تشمل كل الوصايا حتى الصغيرة منها.
والنصّ نفسه يعطينا مثلين يميّزان تمييزًا خاصًا هذه الطاعة التي تتضمّن الشريعة بما فيها من طقوس. في النقيضة الاولى، يُوقف النداء إلى المصالحة العمل بالفريضة الطقسية ولكنه لا يلغيها. فبعد العودة إلى التناغم، يجب أن نعود إلى المذبح لكي نقدّم تقدمتنا (23:5-24). إن متطلّبة المحبة تسبق الواجب الطقسي دون أن تلغيه. وهكذا وُضع نظام الأولويات في مجمل الفرائض التي تحتفظ كلها بشرعيّتها. ونقول الشيء عينه عن فريضة الصوم (6: 16-18) التي لا تُرفض. فهذه الفريضة الطقسيّة تبقى ممارسَة في كنيسة متّى. ولكن حُدِّدت ظروف ممارستها ممارسة صحيحة.
إذن، مت 5-7 هو بلا شك تعبير عن حلقات تعلّقت بكرازة يسوع، ورغبت في الوقت عينه أن تحافظ على تجذّرها اليهوديّ. وهذه الحلقات لا تكفي بأن تطالب بالتوراة (أي الشريعة) في تعابيرها. بل تطالب بها كلها وتدخلها في الايمان الجديد.
هـ- تشابهات تدعو إلى القلق
إن الخيارات التي ذكرناها الآن تطرح سؤالاً حول علاقة هذه الخطبة باللاهوت الرابيني كما نادى به الفريسيون ولاسيّما رمزهم "يوحنان بن زكاي". ما يبرّر هذا السؤال هو أن أكادمية يمنية (أو يبنة) اتخذت في النقاط التي أثرناها، قرارات قريبة من تلك التي نجدها هنا. فتحديد اللائحة القانونيّة للأسفار المقدّسة لدى اليهود، وولادة المشناة، يدلاّن دلالة واضحة أن التوراة هي في قلب العالم اليهودي بعد سنة 70 ب. م. وهذه التوراة تحتفظ بقيمتها ككل. وقد جعل يوحنان بن زكاي ترتيبًا بين الوصايا: الرحمة تسبق مجموعة الفرائض الطقسيّة. وعلى خطى هلاّل، تساءل المصلّون عن قاعدة القواعد.
هذه التشابهات تستحقّ دراسة مفصّلة. ولكن ما قلناه يكفي لكي يجعلنا نواجه واقعًا يدعو إلى القلق. فمتّى في خطبة الجبل، ويوحنان بن زكاي، يقفان في وضع تاريخيّ أصبح فيه كل حوار بينهما مستحيلاً، فحلّ محلّه المقارعة المتبادلة. ومع ذلك، فهذان الأخوان العدوّان قريبان قربًا لاهوتيًا فريدًا في تاريخ العلاقات بين الكنيسة والمجمع. فمحبتهما المشتركة للتوراة تحمل في ذاتها امكانية جدال صادق وبنّاء. غير أن هذا التبادل في الآرء لم يتمّ، لأن نقاط التفاهم التي أبرزناها اختفت وراء خلاف لا دواء له.

3- القطيعة الكرستولوجيّة
ما هي عناصر هذا الخلاف؟ ولماذا فصلت هوّةٌ سحيقة هذين التيارين اللذين يرجعان إلى إرث واحد، والى مرجع واحد هو التوراة؟
أ- يسوع وحده مفسّر الشريعة
برزت القطيعة في الدور الذي أعطاه متّى للمسيح في تفسير الشريعة. إن التأكيد الذي هو في أصل هذا الصراع الذي لا يمكن تجاوزه، يقول: لا تكمن سلطة التوراة في ذاتها. سلطتها هي خارجًا عنها. سلطتها في المسيح. هذا الطرح الذي لا يمكن أن تقبل به آذان يهوديّة يظهر في شكلين اثنين.
أولاً، الشكل الأدبي للنقيضة يدلّ دلالة كافية على هذه العلاقة الجديدة. فالتعارض بين "سمعتم أنه قيل للأقدمين" وبين "أمّا أنا فأقول لكم"، يفترض أن المسيح يجعل سلطته توازي سلطة التوراة التقليديّة. فحين استند فقط إلى "أنا"، "شوّه" معطيات الشريعة القديمة، وأحلّ محلها إرادة الآب كما في البدء. وإذ فعل ما فعل، اعتبر أنه يتكلّم باسم الله ضد الشريعة كما دوّنت في الكتاب المقدّس. أكدّ أنه يعلن الشريعة الاسكاتولوجيّة ضدّ الشريعة التي تلقَّاها موسى، بحيث تحلّ محلّها. والسلطة التي يطالب بها هي فوق الشريعة، لأنها تتجاوز حرف الكتاب المقدس، وتعتبر نفسها أهلاً لتعلن مشيئة الله الاسكاتولوجيّة التي حجبها التقليد. وحين أتمّ هذه المهمّة في إعادة الشريعة إلى الأصل وتفسيرها، أكّد أنه ربّها. منذ الآن، لم يعد للتوراة سلطة في ذاتها كوحي الله في سيناء. بل نالت وضعها كقاعدة حياة من (يسوع) المفسّر الاسكاتولوجي (في منتهى الزمن، في ملء الزمن) الذي يعلنها في الحقّ.
ثانيًا، يُثبت طرح 5: 17 الملاحظة التي استخلصناها من النقائض. فالعبارة "لا تظنّوا أني جئت لأحلّ الناموس أو الأنبياء: ما جئت لأحلّ (لألغي) بل لأكمّل"، تبرز الواقع التالي: إن تتمّة التوراة أي ترتيب معناها الحقيقيّ ووضعها موضع العمل في الواقع اليوميّ، ترتبط برسالة المسيح. فهذا الحدث الرئيسي يتمّ في مجيء يسوع. إذن، خضعت تتمّة الشريعة والأنبياء لتتمة مصير الناصري، لا العكس. وأخذت التوراة سلطتها من المسيح خلال القيام برسالته: هذا يعني في الوقت عينه أن المسيح هو منذ الآن شرط الدخول إلى الشريعة الحقّة. وما عاد بعد الآن من سماع صادق لمشيئة الله إلاّ في اتّباع المسيح.
هذا الطرح الذي يعلن سموّ المسيح بالنسبة إلى الشريعة، يتأكّد أيضًا بواسطة الارشاد. فارتباط إعلان الدينونة لصانعي الاثم (7: 21-23) بمثَل البيتين (7: 24-27)، يدلّ بوضح على أن تتميم مشيئة الله وممارسة أقوال يسوع كما عبّر عنها في هذه العظة، صارا شيئًا واحدًا. يبدأ مثل البيتين بهذه العبارة: "فكل من يسمع كلماتي هذه"، فيبيّن أن الشريعة لا تنفصل بعد اليوم عن تعليم يسوع كما يقدّمه لنا متّى. بل إن كلمات يسوع، أي تفسيره للتوراة، صارت مقياس الخلاص الاسكاتولوجي. وهكذا خطا الانجيلي الخطوة الأخيرة فقال: "وحدها التوراة" كما يعلّمها المسيح في مت تقود إلى الخلاص.
ب- لاهوت بيبلي
طرح أحد الشرّاح فرضيّة تقول إن عظة الجبل هي الجواب المسيحي على العالم اليهودي الذي خرج من يمنية. نستطيع أن نتخلّى بعض الشيء عن مثل هذه الفرضيّة.
أولاً، نتوقّف عند الفنّ الأدبي وترتيب البراهين: نحن أمام ملخّص لتعليم يسوع موجّه إلى أعضاء الكنيسة المتّاويّة فيستطيعون أن "يهضموا" ويفهموا ويأخذوا تعليم معلّمهم في الحياة اليوميّة. إذن، ليس هذا الكلام دفاعًا ولا هجومًا يصيب المجمع (أي العالم اليهوديّ). فقد تمّت القطيعة بين الكنيسة والمجمع، ولم يعد هناك من دواء، وما عاد من اتصال على مستوى الكلمة بين الفريقين. أما الاتصال الوحيد فهو الحرم المتبادل.
ثانيًا، إلا أن هذا الملخّص للاهوت يسوع يقدَّم بشكل برنامج على أنه تتمّة الشريعة. رُفض المجمع ولكن التقليد الذي يكوّنه ظلّ حاضرًا. بل إن المطالبة المسيحيّة بالتوراة تتمّ في كلمات قريبة من كلمات العالم اليهودي الرابيني. فالمسيح في هذه الخطبة يعبّر عن شخصه مقابل التوراة وعبر التوراة. ووظيفته وكرامته هما وظيفة وكرامة مفسّر الشريعة. وسموّه الذي لا شكّ فيه والذي يشكّك، يقوم في أنه منذ الآن الطريق الضروريّ الذي يقود إلى الشريعة الحقيقيّة.
إذن، يجعل النصّ القارئ في انشداد مدهش. لم يعد اسرائيل التاريخي هو الشريك. ولكن التوراة ظلّت في قلب الايمان. في هذا المعنى بدا مت 5-7 النموذج المميّز لمحاولة تعامل بين الكتاب المقدس كما يفهمه اليهود وكما يفهمه المسيح. وهو في بداية المسيحية يطلب من الايمان الجديد أن يتذكّر جذوره ويعيش منها. من هذا القبيل، هو عبارة عن لاهوت يربط العهدين. أو إذا شئنا، لاهوت يرتبط ارتباطًا كليًا بالعهد القديم. نحن أمام لاهوت بيبلي.
الفصل الثاني
منابع التأليف في إنجيل متّى

حين نقرأ عظة الجبل أو سائر عظات يسوع في مت، نلاحظ أننا أمام وثائق تعود إلى مختلف التيارات في المسيحيّة الأولى. ولكن يبدو أن التقليدين الرئيسيين اللذين عمل فيهما متّى هما: معين الأقوال أو لوغيا، والمتّاويات أو الأمور الخاصّة بمتّى. هذا ما ندرسه في هذا الفصل مشدّدين على عظة الجبل، بحيث يستطيع القارئ أن يطبّق على الخطب المتّاويّة ما نقوله هنا.
إن عظة الجبل فرضت نفسها في تاريخ المسيحيّة كشرعة الايمان الأساسيّة بقوّة براهينها وتماسك بلاغتها. فقد جمعت كرازة يسوع بشكل موجز جعلت المؤمن يطرح على نفسه السؤال الأساسيّ: من هو يسوع؟ ماذا يمثّل لنا في شخصه وفي تعليمه؟
في هذا الاطار نتحدّث أولاً عن معين الأقوال. وثانيًا عن المتّاويّات أو المقاطع الخاصة بمتّى.

1- معين الأقوال (اللوغيا)
إن إطار الخطبة المتّاويّة نجده في معين الأقوال. فإذا قابلنا نص متّى مع نصّ لوقا، نلاحظ أن متّى وجد خطبة مؤلّفة تعرض تعليم يسوع بشكل برنامج حياة. 
أ- نظرة عامة
المعين وهو ترجمة لفظة "كويلي" الالمانيّة، لفظة مجرّدة تحاول أن تجمع النصوص الموازية بين متّى ولوقا كما في "كتاب" وُجد قبل الانجيلَين الأول والثالث.
1. بدأ المعين فقدّم لنا يسوع من خلال كرازة يوحنا. ثم أعطانا خبر المعمودية في الاردن، والتجارب في البريّة. بعد ذلك أعلن الخطبة كما في مت 5: 1-2: "فلما رأى يسوع الجموع، صعد إلى الجبل. ولما جلس، دنا إليه تلاميذه، ففتح فاه وجعل يعلّمهم". وفي لو 6: 12، 20 أ: "وفي تلك الأيام، خرج يسوع إلى الجبل ليصلّي... ثم رفع عينيه إلى تلاميذه وقال".
وكان التعليم الأول التطويبات. في الأصل، ثلاث تطويبات توجّهت إلى الفقراء والجياع والحزانى، مع الوعود المرتبطة بها. ذاك هو الاطار التفسيري للمجموعة!
لقد بدأت الأزمنة الأخيرة، أزمنة تتمّة المواعيد. ثم زيدت تطويبة رابعة تدلّ على الصعوبات التي لاقتها الحركة التي نقلت هذه الأقوال وعاشت منها ودوّنتها بشكل موجز. فجعلت وضع المؤمنين في إطار الكرازة الاسكاتولوجيّة للنبوءات المسيحيّة: إن الملكوت هو للذين يتكرّسون لإعلانه فيصبحون ضحيّة العداوة (مت 3:5-12= لو 6: 20-26).
2. ويتواصل التعليم في سلسلة من التوجيهات تُشرف عليها جذريّة وصيّة المحبّة. فوصيّة المحبّة هي عنوان برنامج خلقيّ للحياة المسيحيّة. والصلاة من أجل المضطهدين هي القاعدة التي نجدها في خط التطويبة الرابعة. فالنصيحة بأن نقدّم الوجه الآخر، وأن نترك قميصنا لمن أخذ رداءنا، ونعطي من يطلب منا، هي الصورة الملموسة عن هذه الخلقيّة. والرفض في التمييز بين أصدقاء وأعداء، هو المعيار الذي يدلّ على انتمائنا إلى الجماعة. وتتأسسّ نماذج التصرّف، كما تحدّدت هنا، على الثقة بعناية الله الذي يرسل مطره على الأخيار والأشرار، وعلى القاعدة الذهبيّة (مت 7: 12= لو 6: 31) التي تطلب من المؤمن أن يفعل للغير بحسب ما يتمنّى أن يفعل له الغير (مت 39:5-48= لو 6: 27-36).
3. وما يتفرعّ من جذريّة وصيّة المحبّة، في العلاقات بين الأشخاص، هو النداء بأن لا ندين الآخرين. من جهة، رحمة الله حاضرة اليوم. ومن جهة ثانية، هناك إعلان الجزاء بحسب شريعة المثل (بكسر الجيم) في النهاية. من يدين يُدان (7: 1-5= 6: 37-42).
4. وينتهي التعليم بتنبيه أخير مبنيّ على الشجرة وثمارها، وعلى البيت المشيّد على الصخرة. إن الانتماء إلى الملكوت يتجسّد في ممارسة نماذج التصرّف التي تحدّثت عنها عظة الجبل (7: 16-27= لو 43:6-49): "من ثمارهم تعرفونهم".
ب- تأليف الخطبة من الوجهة الأدبيّة
تتميّز قواعد التأليف المستعملة هنا بالسمات التالية:
1. من الوجهة الشكليّة تبدو الخطبة كتجاوز أقوال في موضوعات وفنون أدبيّة مختلفة. هناك أقوال نبويّة مثل التطويبات، وقواعد جماعيّة مثل وصيّة المحبّة. وهناك قولات حكميّة مثل الاعتبارات التي تتحدّث عن عناية الله. وهناك رسوم قانونيّة... وكل هذا يتسلّم وحدته من السياق الذي جُعل فيه. لم يتدخّل التدوين في صياغة النصّ، بل في تجميع عناصر متباينة وترتيبها حسب منطق خاص به.
2. ولكن هذا التجميع لم يتمّ على مستوى الصدف. فالتحليل البلاغي يبيّن أن هذه الفسيفساء من الأقوال تبدو في وحدة براهينيّة. فإن مجمل العظة ينتظم بشكل متّفق عليه. إن الاعلان الاسكاتولوجي الذي يؤسسّ وعي الحركة لنفسها، يبدو بشكل مفترضة للقواعد الخلقيّة التي تحدّده. وتُذكر جديّة هذه القواعد في التنبيه النهائي. فالمنطق البراهيني لا يشرف فقط على البنية الاجماليّة، بل على توسّع كل جزء من الأجزاء أيضًا. وهذا ما يظهر بشكل واضح جدًا في توسّع حول حبّ الأعداء. يُقدَّم الطرح بشكل صورة. يتوسَّع فيه. وفي النهاية يعطى أساسًا لاهوتيًا وخلقيًا.
3. بنى عمل التدوين خطبة ذات أبعاد جديدة، ولكنه تسجّل في تواصل مسيرة قادت إلى تكوين تقاليد. وإن تحليلاً لمختلف الوحدات المجموعة، يُتيح لنا أن نكتشف ظواهر التجميع التي أشرفت على التوسّع الذي أمامنا. ونأخذ مثلاً مت 39:5-48= 27:6-36: تشير مجمل البراهين إلى محبّة الأعداء. فوصيّة حبّ الأعداء كانت النقطة التي عليها تبلورت مجمل الوحدات. فاحتذبت إليها ثلاث قولات سابقة (الوجه الآخر، القميص، عطاء لمن يطلب)، وجمعتها حول موضوع مشترك. في الأصل، كانت هناك أفعال الأمر الأربعة هذه (لا تقاوموا، قدّم له الآخر، امض، أعط). فوُضعت معًا لتُبرز بأشكاله مختلفة المفارقة في ما تطلبه العظة. إن وصيّة المحبّة، وبالأحرى محبَّة الأعداء، هي أمر يعارض في الأصل نفسه بنفسه. ونتيجة البرهان تقوم بأن تزيل جميع الحواجز بين الأبرار والأشرار (لا يستطيع أحد أن يحقّق الوصيّة)، وأن تعيد الفئتين إلى نعمة الله.
والقولات الثلاث الأخرى تقابل خطّة اللاعنف، وتلجأ إلى خطط الاتصال فتحرم الحقد من سلاحه. أما التفاسير التي تلي، فقد أضيفت فيما بعد: هي تفترض أن وصيّة محبّة الأعداء صارت قاعدة جماعيّة تساعدنا على التعرّف إلى حلقة التلاميذ. ونقول الشيء عينه في البرهان اللاهوتيّ، الذي به تسندُ عنايةُ الله المبادئ الخلقيّة التي جاءت على هذا الشكل، ذاك الاله الذي يُشرق شمسه على الأشرار والأخيار. وأخيرًا، إن الحضّ على الصلاة من أجل المضطهدين، هو العنصر الأخير الذي ضُمَّ إلى المجموعة. فنحن نلاحظ أن كل ما يلي قد توجّه إلى وصيّة المحبّة وتوسّع دون أن يأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر الثاني.
4. في الخاتمة نقول إن التقليد جمع أولاً بعض الأقوال التي نُقلت في الأصل بشكل مستقلّ، بحسب موضوع محدّد. وكانت هذه الأقوال نقطة انطلاق لتعليم توخّى أن يحدّد قواعد تصرّف الحركة. وتوسّع التعليمُ بواسطة عناصر جديدة جاءت تبرزه وتؤسّسه. وبدت هذه العناصر الجديدة، شأنها شأن القديمة، كأنها كلام يسوع مع أنها جُعلت لتفسّر هذا الكلام.
وتدخّل تدوين معين اللوغيا أو الأقوال في تواصل هذه المسيرة، فضمّ وحدات صيغت بهذا الشكل، وكوّن مجموعة عضويّة لأقوال يسوع مع أول نسخة للعظة على الجبل.
ج- كيف بدت المسيحيّة في عظة الجبل
إن المعتقدات التي نجدها هنا تتميّز بالسمات التالية:
1. ما يُشرف على المسيحيّة والوجود المسيحيّ، هو قراءة جديدة لحدث يسوع تنطلق من إعلان جليانيّ للملكوت. لقد فهمت الحركة نفسها كجماعة اسكاتولوجيّة في نهاية الأزمنة. وقد تحدّد تعليمُها وعملها بيقين جعلها تعتبر أن المواعيد قد وجدت منذ الآن كمالها. فالتعزية القريبة قد أعلنت للفقراء والجياع والحزانى، وعاشت الحركة في يقين الانتظار. والاضطهاد نفسه لم يستطع أن يحوّل ثقتها أو يضعفها، بل هو تسجّل في ولْي منطقيّ لتاريخ نبوءة، كانت الحركة وارثًا لها وخاتمة.
2. من يتكلّم حين يتكلّم يسوع في خطبة الجبل وغيرها من الخطب المتّاويّة؟ لاشكّ في أن العناصر القديمة هي صدى لنشاط يسوع نفسه. غير أن جوهر التوسّعات يرتبط بحياة الحركة فيما بعد الفصح، وهذه الحركة قد توسّعت في هذا الارث الذي تسلّمته وفسّرته. واللافت في هذه الظاهرة هو أن توسّع الإرث يتمّ بدون تواصل مع نقل التقاليد القديمة. فالأقوال الذي خُلقت جديدًا تُجعل على ذات مستوى الأقوال القديمة. والتمييز الذي عرفه العلم الحديث بين أقوال يسوع الأصيلة وتكوّنات الجماعات، لا يجد هنا شيئًا يوازيه. فالمتكلّم لم يعد يسوع التاريخيّ. لاشكّ في أن مجمل التقليد يرتبط بيسوع. فيسوع هو المتكلّم دومًا في الأقوال القديمة وفي الأقوال التي خُلقت حديثًا. وقد شكّل نقل أقواله نقطة انطلاق نشاط لاهوتيّ في الحركة. فإن كان الكلام قد نُقل، وإذا كانت توسّعات جديدة قد أبرزته ونشرته، فلأن يسوع قد قام، ولأن الجماعة رأت فيه ابن الانسان الذي رُفع إلى السماء والذي تنتظر عودته القريبة. فهو الذي يتكلّم في هذه الخطب المتّاويّة. وبما أن يسوع هو الرب، ننقل نحن كلامه. وبما أنه هو الذي يتكلّم بفم الأنبياء، أضيفت أقوال جديدة على أقوال قديمة في تواصل تام. لهذا تحوّل مجمل الارث الديني في الجماعة إلى كلمة يسوع، من أي مكان أتى.
هنا نتوقّف عند محاولة تسعى أن تكشف أقوال يسوع بالذات، أقوال يسوع كما صدرت من فمه. تحاول أن تقوم بتمييز لم تمُّم به مسيرةُ نقل الارث الانجيلي. وهي تودّ أن تجد في الأقوال الأصيلة تعليم يسوع الحقيقيّ. ولكنها تصطدم بصعوبتين.
الأولى على المستوى الأدبي والثانية على المستوى التأويليّ (1) إن التمييز بين كلمات يسوع وكلمات الربّ، تمييز دقيق جدًا. والفكرة المسبقة حول مضمون كرازة يسوع التاريخي، تلعب دورًا حاسمًا في محاولة إعادة تكوين النصّ. (2) إن التقليد حول تعليم يسوع، قد حُفظ بشكل أفضل في مجمل إعادة التفسير أكثر منه في أقوال عُزلت عن السياق الذي نُقلت فيه. (3) إذا كانت كرازة يسوع توخّت أن تحرّك السامعين وتدفعهم إلى العمل، فالأصالة لا تكمن في إعادة تكوين كلماته كما لو كنّا في متحف أشياء قديمة، بل في نقل حيّ للكرازة. هذا ما فهمه التقليد الذي أعلن قانونيّة الأناجيل الأربعة بشكل إجمالي ولم يتوقّف عند كلمات يسوع يدرسها في حدّ ذاتها.
3. ما يحدّد التوجيه الاهوتي في الحركة، هو أن يسوع اعتُبر الربّ الحاضر لدى جماعاته الاسكاتولوجيّة. ساعة أوجزت العباراتُ الهلنستية السابقة لبولس، جوهرَ الكرازة المسيحيّة في إعلان الحدث الخلاصي، حدث الموت والقيامة (روم 3: 25؛ 4: 24-25؛ 1 كور 3:15- 5...)، لم يكن ليوم الجمعة العظيمة من بعد سوتيريولوجيّ (على مستوى الخلاص) خاص للكلمات النبويّة في معين الأقوال أو اللوغيا. ليس يسوعُ المخلّص الذي مات وقام، بل ابن الانسان الذي علّم أخصّاءه وما زال يعلّمهم. وكان لهذا الوضع نتائج مباشرة على حياة الجماعة. فالهلينيون (المسيحيون الذين جاؤوا من العالم اليوناني والحضارة اليونانية) ركّزوا العبادة المسيحيّة على الافخارستيا التي تذكر موت الربّ إلى أن يجيء. وقد وجدت أهميّة الاحتفال صدى لها، لا في رسائل بولس وحسب (1 كور 16-17؛ 11: 17-34؛ 10)، بل في التقاليد التي ورثها إنجيل مرقس (مر 14: 22-25) واستعادها منه كل من متّى ولوقا. غير أنّنا هنا فقط أمام تقليد تفسيريّ في الجماعات المسيحيّة الأولى. فالاتحاد مع المعلّم الحي يأخذ في معين اللوغيا طريقًا آخر هو طريق صلاة الربّ الذي غاب من تقليد الهلينيين، تقليد بولس ومرقس. فاللاهوت المسيحيّ للحركة ليس لاهوت التجسّد، ولا لاهوت الحاش والآلام، ولا لاهوت الصليب، بل لاهوت المجد في المعنى الحصري للكلمة.
4. ويعبَّر عن قواعد التصرّف الناتج عن نظام المعتقدات كما تحدّدت، في برنامج خلقيّ يقدّمه مجمل خطبة لو 20:6-49= مت 5-7، كما بُني في معين اللوغيا. فأقوال يسوع بما فيها من مفارقة، تشكّل نقطة انطلاقها وأساسها. انطلقت الحركة من تقليدها الخاص فجعلت منه مبدأ قواعد إيجابيّة بها تحدّد هويّتها. لا نطرح هنا سؤالاً نعرف به القدر الذي يجعل هذا الاستعمال يتوافق مع منطق نقل كرازة يسوع. فتجاه جذريّة فهم الزمن والتاريخ الذي هو في أساس الحركة، نجد جذريّة أسلوب الحياة الذي أخذت به. فالقاعدة قد أعطيت في وصيّة المحبّة وموقف اللاعنف الذي ينبع منها. والتوصيات بعدم مقاومة الشّرير تقدّم على أنها تطبيق لمحبّة الأعداء (مت 5: 44 أ= لو 6: 27 ب: أحبّوا أعداءكم: جملة أولى وطرح الخطبة في معين اللوغيا). والموقف المطلوب هو موقف "حرب" لا موقف تكتيف الأيدي ولاعمل. هو تطبيق لخطّة الاستسلام الذي يغلب حين لا يردّ على الضرب بالضرب، ولعبة الجيش الذي ينتزع سلاح العنف والبغض حين يتمّ أكثر ممّا يُطلب منه. والطريقة المحدّدة بهذا الشكل تقابل ضرورة العيش بالشكل الملائم في عالم يحدّده انتظارُ عودة ابن الانسان القريبة، والثقة بعناية الله ورحمته. والصلاة من أجل الأعداء هي النهاية المنطقيّة والنتيجة. وهي تدلّ على إمكانيّة الحركة في مواجهة الظلم دون التخلّي عن تماسك معتقداتها.
د- التقبّل المتّاوي لعظة الجبل
إن خطبة معين اللوغيا (أو الأقوال) كانت الإطار الأدبيّ لعظة الجبل كما نقرأها في مت. وقد أدرجت في المنطق السرديّ للانجيل. فتبدّل منظارها تبدّلاً عميقًا على ثلاثة مستويات:
1. دخل البرنامج الخلقي للخطبة فني برنامج آخر وضعه متّى، هو برنامج إبراز الشريعة. فالإشكاليّة الأساسيّة في فهم متّى للعظة قد أعلنت منذ البداية: "لا تظنّوا أني جئت لأبطل الناموس والأنبياء" (17:5- 20). فدخلةُ متّى لها معناها على مستوى الموضوع الذي جعله أمامه. فما يعلنه يسوع هو تفسير يعتبر قاعدة تجاه مشيئة الله كما تعبّر عنها التوراة في التقليد اليهوديّ. وتفسير المسيحيّة هذا يتعارض بشكل واضح مع تفاسير أخرى قد نُحِّيت: فهناك حركات مسيحيّة ظنّت أن يسوع هو نهاية الشريعة. ما اكتفى متّى بأن يرفض مثل هذا الموقف. بل ربط ربطًا مباشرًا تقليد يسوع بالشريعة اليهوديّة: فوصيّة المحبّة مع موقف اللاعنف، ليست معطية جديدة، بل القراءة الصحيحة للعهد القديم.
هنا نقدّم ملاحظتين. الأولى: إن الطرح الذي يعلن أن حرب متّى تصيب بشكل مباشر اللاهوت البولسيّ كما نجده في روم، 1 كور، 2 كور، غل، هو واضح على المستوى اللاهوتيّ ومعقول على المستوى التاريخيّ. ولفظة "الأصغر" في مت 5: 9 هي مزحة حول اسم الرسول. وهي تذكر بشكل لازع "نكتة" بولس تجاه نفسه حين قال إنه أصغر الرسل (1 كور 5: 9). والثانية: إن القسم الأكبر من براهين معين اللوغيا حوله وصيّة المحبّة (لو 6 :27-36)، قد أعيدت صياغته بشكل تفسير تناقضيّ للشريعة: النقيضة الخامسة حول شريعة المثل (خر 21: 24؛ تث 19: 21؛ لا 24: 20). النقيضة السادسة حول وصيّة حبّ القريب (لا 18:19).
2. ونتيجة ذلك لم تعد الكرستولوجيا (دراسة عن يسوع المسيح) التي تؤسّس سلطة التوراة هي هي. لاشكّ في أن يسوع هو الذي يتكلّم، ولكن يسوع هذا لم يعد يسوع معين اللوغيا عينه. فالرب الذي تكلّم بفم أنبيائه، والذي عاشت الجماعة بقربه المباشر، قد حلّ محلَّه معلّمُ الشريعة الذي ترك تعليمه لكنيسته، والذي سيعود ليدين الأحياء والأموات بعد أن ينال كل سلطان في السماء وعلى الأرض (28: 16-20). لقد تبدّل المتكلّم، ولكن تبدّل أيضًا الناطق الذي وُضع التعليم في فمه وأعطي باسمه. كرّر متّى عظة معين اللوغيا. ولكن ليس الشخص ذاته هو الذي يتفوّه بها. وموضوعها قد تبدّل. وصار التواصل مقاطع تعيد صياغة النصّ وتحدّد التنوعّ الضروريّ في الزمان والمكان، لمسيرة الحركات المسيحيّة.
3. والتحوّلات في الكرستولوجيا تقابل في النهاية تبدّلاً في إدراك التاريخ. فالانتظار القريب للعودة الذي فشل بسبب زمن يطول، قد استعيد في تاريخ خلاص يربط وضع الجماعة المتّاويّة بماضي المواعيد التوراتيّة، بحاضر الصراع والمزاحمة مع العالم اليهودي، وبكرازة دينونة تجازي الأعمال التي أتمَّها كل إنسان. إن موضوع المجازاة الاسكاتولوجيّة، الذي كان حاضرًا في خطبة معين اللوغيا عبر التنبيه بأن لا ندين الغير، صار موضوعًا مركزيًا في البرهان. لاشكّ في أن الطاعة قد سبقها نداء التطويبات. ولكن هذه التطويبات تعطي، في النسخة المتّاوية، الشروطَ الخلقيّة للسعادة الاسكاتولوجيّة: طوبى للذين يعملون في طلب البر، للذين يتصرّفون كحاملي سلام، للذين يرحمون. كانت المواضيع موجودة من قبلُ في الوضع السابق للخطبة. أما الجديد فهو أن الاستحقاق الحاسم قد جُعل أمام سامعي عظة الجبل، والمواضيع الاسكاتولوجيّة قد استُعملت بشكل تربويّ على مستوى الترغيب والترهيب. إن وضع الشريعة موضع العمل يُقدَّم بلاغيًا على أنه شرط للدخول إلى الملكوت. والصدى السيكولوجي الذي تلاقيه مثل هذه الطروح (البعيدة كل البعد عن إنجيل يوحنا و"انجيل" بولس) تفسّر بدون شكّ فاعليّة عظة الجبل حين دخلت في الانجيل الأول.

2- التقاليد الخاصّة بمتّى
أ- لمحة عامّة
إن التفسير الخاص الذي تفرضه عظة متّى على الجبل لخطبة معين اللوغيا، هو نتيجة تداخل تدوين الانجيل الأول مع التيّار الشريعاني الذي توسّعت فيه الوثيقة الثانية المهمّة التي نجدها فيه: عنيت بها إرث التقاليد الخاصّة بمتّى. فعناصرها المختلفة تتوزّع داخل بنية عامّة قدّمتها الوثيقة الأولى (أي معين اللوغيا) ولكن منظارها الخاص حدّد الصورة الايديولوجيّة لعظة الجبل. فهذا الارث ينبع من حركة أخرى في المسيحيّة الأولى، انطلقت من أورشليم، من محيط عائلة يسوع. ووجدت من يتكلّم باسمها في شخص يعقوب، أخي الرب، كما وجدت نموذج فهمها لكرازة يسوع في التقليد الفرّيسي لتفسير الشريعة. وصف بولس ممثّليها بـ "الأخوة الكذبة" (غل 2: 1-10؛ 2: 11- 14)، ورفض أن يركما في إنجيلهم انجيلاً مسيحيًا (غل 1: 6- 11).
وقد استعاد منهم متّى في ف 5-7 العناصر التالية: 
1. النقائض الثلاث الأولى حول تفسير الدكالوغ (الوصايا العشر) وسفر اللاويين: "سمعتم أنه قيل للأقدمين: لا تقتل" (5: 21-24). "... لا تزن" (27:5-28). "... لا تحلف" (33:5-36). إن التحليل الأدبيّ يبيّن أن متّى وجد في متّاوياته ثلاثًا من هذه النقائض الست التي نجدها في عظة الجبل. وانطلق من نموذج تقاليد تلقّاها، فأعطى لعناصر أخرى جاءت من معين اللوغيا، شكل ثلاث نقائض جديدة أضافها (الطلاق، شريعة المثل، وصيّة المحبّة).
حين قرأت هذه الحركة المسيحيّة الوصايا قراءة سريعة، قابلتها بتفسير يسير في خطّها إلى النهاية: فكل من وجّه كلمة سوء لقريبه، أو نظر إلى امرأة ليشتهيها، ينتظره حكم الدينونة الأخيرة. فيجب أن نتساءل: من أين جاءت الحركة بهذه الأفكار؟ كما نلاحظ تقديم مجمل النصّ بشكل متاوي. فمختلف حالات التصرّف المنحرف قد جُعلت في لائحة: "إن غضبت. إن قلت له يا أحمق. إن قلت له يا مجنون". ويأتي العقاب: "تستحق حكم المجلس. تستحق المحاكمة. تستحق جهنم".
2. وهناك التعليمات الثلاث حول الصدقة (6: 2-4) والصلاة (6: 5-6) والصوم (6: 16-18). نلاحظ تجمّعًا في ثلاثة تعاليم متوازية. اختلفت المواضيع وما عادت تعني الخلقيّات بل الممارسات التقويّة. ويتوافق التوسّع مع ذات القواعد المعمول بها في الفتاوى. لا يرجع هذا التعليم بشكل مباشر إلى الكتاب المقدس، كما في النقائض، ولكنه يؤكّد بشكل هجومي نظامه الخاص ضدّ تقليد ونماذج من التصرّف مزاحمة له. إن الجذريّة التي تميّز تفسير الشريعة في مجالات العلاقات بين الأشخاص، تجد ما يقابلها في جذريّة وضع الانسان أمام الله.
ب- التأليف الأدبيّ في التعاليم
تتميّز هنا قواعد التأليف بما يلي:
1. إن العمل الأدبي يبدو أكثر تماسكًا في التعاليم الخاصّة بمتّى أكثر منه في خطبة "معين اللوغيا". فالبنية التعليميّة للنقائض والتعاليم حول ممارسات التقوى، تدلّ على سيطرة الأشكال البراهينيّة على المواد التي تسلّمها متّى.
يتبع البناءُ البلاغيّ للنقائض النموذجَ الأساسيّ لرسمة مشتركة: (1) مقدّمة الطرح (قيل لكم). ترد مثل درس تلقّاه النقل الرابيني. (2) إعلان الطرح الذي هو إيراد من العهد القديم (لا تقتل). (3) مقدمة النقيضة (طرح يناقض، أما أنا): الناطق (أي يسوع) يرفض الدرس المقبول (الذي يؤخذ به) ويُحلّ محلَّه درسًا آخر. (4) إعلان النقيضة (كل من غضب على أخيه) التي لا تلغي الطرح، بل تمتدّ إلى مفترضاته، وتستخرج النتائج الأخيرة. ويأتي في ترتيب مختلف (5) توسّع بشكل فتوى في النقيضة مع عناصر ثلاثة. (6) موضوع اسكاتولوجي يجازي الطاعة أو العصيان للشريعة كما تفسّرها النقيضة (أو ما يناقض. الطرح).
يتسجّل مجملُ البنية في منظار حركة تعود إلى سلطة يسوع (أما أنا فأقوله لكم) ليفرض تفسيرًا امتداديًا للشريعة. وهكذا يبدو التعليم الذي تكوّن على هذا الشكل، في بنيته الأدبيّة ومضمونه، في خط الجدال الرابيني مع تأكيد يواجه هذا الجدال.
2. ويضع التعليم المثلّث حول الصدقة والصلاة والصوم ذات السياق من الاتصال، ويأخذ من هذا السياق شكله الذي هو متماسك على مستوى المعنى. هذا التعليم يهاجم نموذجًا يرفضه ويعارضه بمتطلّبته الخاصّة باسم يسوع: (1) هناك عبارة بشكل فتوى تقدّم الموضوع الخاص بالتعليم: "إن صنعتم صدقة... إن صلّيتم... إن صمتم...". (2) يلي هذا التعبير توصية سلبيّة (لا تبوّق أمامك، لا تكرروا الكلام). يعيدنا هذا الأمر إلى مثل المرائين السيّىء. جاء تصرّفهم بشكل كاريكاتوريّ فاستعمل كأداة بها نبتعد عن مثل هذا الموقف. (3) إذا كان تصرّف المرائين هو موضوع انتقاد، فبسبب الهدف الذي يطلبونه في غير محلّه: "لا تفعلوا... كما يفعل المراؤون لكي". (4) القسم الأول من التعليم (القسم السلبي) ينتهي بقول مقولب يدلّ على فشل المحاولة: "الحقّ أقول لكم: لقد أخذوا أجرهم" (من الناس، فلا ينتظروا أجرًا من الله). (5) ويأخذ التعليم نقيض الحلّ غير الموافق الذي أخذ به المراؤون، فيقدّم توصيته الخاصّة: "أما أنت فإذا صنعت صدقة... فإذا صمت". (6) وتجاه غاية التصرّف الضالّ الذي يقوم به المراؤون، نجد الغاية التي يطلبها التعليم: "إفعل هذا لكي". فالمعيار الذي جاء هو أيضًا في شكل مقولب، هو أن ممارسات التقوى تقدَّم إلى الله لا إلى البشر. وسياق النقل هو كما في النقائض سياق صراع التفاسير. فالسياق الذي يوجّه النقائض هو: كيف نفسّر الشريعة لنجد فيها إرادة الله. أما تفسير التعاليم المتّاوية فهو: كيف تكون تقيًا بحيث لا تغش نفسك؟ (7) تجاه الحكم الموجّه على فشل المرائين، نجد وعدًا للذين يتوافقون مع التوصيات: "أبوكم الذي يرى في الخفية يجازيكم".
3. لا ينطلق تأليف النقائض والتعاليم من مزج بين اللوغيا، والأقوال النبويّة، بل من توسّع متواصل لتقليد التفسير. ونستطيع أن نكتشف في النقائض كما في التعليم على الوصايا، عناصر كانت نقطة الانطلاق في صياغة النصّ. غير أن هذه الصياغة لم تصر ببلورة مواد متنافرة، بل بمسيرة توضيح ذاتي وابراز، وحسب منطق يرتبط بالفنّ الأدبيّ. وقد أعطيت نقطة الانطلاق بالنقيضة بحصر المعنى (سمعتم أنه قيل لكم، أما أنا فأقول لكم)، التي تبدو في ذاتها صراعًا حول تفسير الشريعة. وشرحت الاتساعاتُ المتتالية التفسير وحدّدته، وصيّرته أمرًا محسوسًا. وشرّعته فصار قاعدة حياة باستعمال المواضيع الاسكاتولوجيّة. أما المحطّات التالية في التفسير فهي استخراج المعطيات الحاضرة في التقليد من قطبها، أو صياغتها في ترتيب برهانيّ حين نكون أمام عناصر خارجيّة مثل العنصر الذي أضيف على النقيضة الأولى وعلى تطبيقاتها الفتاويّة (5: 23-24). فالرابينيّة (صفة الرابي أي المعلّم) تعود إلى سلطة يسوع لتوسّع تفسيرها المسيحي للعالم اليهوديّ بحسب قواعد التأويل الخاصة بمدارس الفريسيين.
4. إن تاريخ التوسّع في تعاليم المصادر المسيحية المتهوّدة الخاصة بمتّى، تدلّ على مسيرة عادت بالحركة إلى المستوى اليهوديّ. فالنقائض نفسها التي كانت نقطة بلورة الفتاوى، تتبع ذات منطق النقل بما فيه من مفارقة، الذي كان لوصيّة محبّة الأعداء ورسماتها في معين اللوغيا. إن التفسير الجذريّ لها يعزّز بُعد الوصيّة بحيث لا يعود يمكن تطبيقها. وتؤخذ الشريعة بجديّة بحيث تخسر في الواقع كل امتيازاتها. وعلى المستوى الانتروبولوجي (أو دراسة الانسان) تصبح المتطلّبة جذريّة جدًا، فلا تصيب فقط خارجيّة الأعمال بل باطنيّة الضمير، بحيث يُصبح كلُّ برّ مستحيلاً. فتكشف أن لا انسان يبرّر بالشريعة أمام الله (روم 3: 30). لقد طُردت الشريعانية (التعلّق المفرط بالشريعة) من سجنها وعادت إلى نعمة الله وحدها.
وتنقلب هذه الوجهة النقديّة بالاتساعات المتتالية. فكل ما يطلبه علم الفتاوى هو أن يجعل منها تفسيرًا. وفي المنظار الذي يشرف عليها، لسنا أمام نقل تعليم يسوع وفرضه كقاعدة تفسير للشريعة. فإذا أراد وجد نفسه مجبرًا على قراءة تخفّف من قوّة المفارقة وإظهار طابعها القاسي بمظهر انسانيّ. وهكذا يعود أمر يسوع بما فيه من مفارقة فيصبح قابلاً للتطبيق. ولكن في الوقت عينه أعيدت الشريعة ومعها النهج القسريّ الذي يفجّر النقيضة. وهذه الظاهرة تدلّ على جدليّة خاصة بمسيرة التقليد. والهدف الذي يُشرف على ذلك هو أمانة للتعليم الذي قُبل. وبما أنه تكرَّر وورد في سياق جديد من الاتصال، فبُعده البراهيني يتحوّل ويصبح كفيلاً لعالم تفسيري غريب عنه.
ج- كيف بدت المسيحيّة في التعاليم
إن النهج الذي اتّبع هنا يتميّز بالسمات التالية:
1. إن تفسير المسيحيّة والوجود المسيحي، تتحكّم به قراءة جديدة لموت يسوع، تنطلق من نظرة رابينيّة إلى الأمانة للشريعة. ففي الشريعة نطلب مشيئة الله. والايمان يُفهم بحسب هذه الحركة، في داخل العالم اليهوديّ. أما أشكال تعبيره اللاهوتي فهي أشكال المدارس الفريسيّة. ونظراته الأساسيّة قريبة من نظرات هذه المدارس. والوحي قد ارتبط بالتوراة، أي بموسى والأقدمين، من كتبة وفريسيين جلسوا على كرسي موسى (2:23-3). من هذا القبيل، ضمّ يسوع نفسه إلى سلسلة التفاسير التي ما زالت تكوّن الشريعة.
2. فمن يتكلّم في هذه التعاليم حين يتكلّم يسوع؟ يبدو هنا كما في معين اللوغيا أن العناصر القديمة هي صدى نشاط يسوع نفسه. وإعادة صياغة هذا الارث في قالب قويم، هي نتيجة تفسير جديد قام به يسوع ككاتب ومعلّم للشريعة. وقد أُسقطت كرازتُه على إطار قدّمته ممارسات التأويل الرابيني. إنه مفسّر الشريعة. والحركة تقرّ له بلاشكّ بسلطة خاصة. غير أن هذه السلطة يجب أن تُفهم في عالم إسناد ارتبط هو به. فيسوغ يتمتّع بسلطة كمعلّم الشريعة، وبقدر ما تتطلّب قراءته للشريعة من سلطان، وفي معنى آخر: لا تأخذ الشريعة من يسوع قيمَتها كقاعدة حياة، بل أمانةُ يسوع للشريعة تمنح يسوع سلطته. ينتج عن هذا أيضًا، أن الناطق لم يعد يسوع التاريخيّ، بل وجهٌ أسسّ رابينيّة مسيحيّة تنتمي إلى تعاليمه. يسوع هو المعلّم، لأنه حين يتكلّم فهو موسى (كما يجب أن يُفهم) الذي يتوجّه إلى شعبه.
3. أن يقدَّم يسوع كمفسّر مأذون لشريعة موسى، يحدّد الاتّجاه اللاهوتي للحركة. فهي تُفهَم أولاً كممارسة داخل العالم اليهوديّ. من هنا جاء التحذير: "لا تأخذوا طريق الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة السامريين" (10: 5). لم تُعتبر المسيحية بعثة لجماعة من المرسلين بل خمير إصلاح داخل اسرائيل: "إذهبوا بالحري إلى الخراف الضالّة من بيت اسرائيل" (10: 6). فدعوتها هي عيش وإعلان أمانة الشعب الحقيقية لإلهه وشريعته. وهكذا صارت المسيحيّة قريبة، في هذه النقطة الحاسمة، من حركات أخرى معاصرة تعمل للاصلاح: هناك الفريسيون الذين ذكرناهم. وهناك الأسيانيّون أيضًا. في هذا المجال نفهم بسهولة أن تُعتبر هذه المسيحيّة "اندفاع الهلينيين لاستمالة الناس إلى الايمان" (أع 6-8؛ 11: 19-30) زيفًا، والعمل البولسي غشًا ومكرًا (غل 2: 1-10؛ 2: 11- 14؛ روم 15: 14-33). فالتوسّعات المسيحيّة في العالم الوثني تتسجّل في لاتواصل تام مع الطريقة التي بها فهموا يسوع.
4. إن قواعد التصرّف الناتجة عن هذا النهج اليقيني كما حدِّد، تجد تعبيرًا عنها في أمانة أكبر للشريعة وطاعة أقسى. والأوامر التي نقلها يسوع، بما فيها من مفارقة، قد أخذت بجدية ورُتبت كقواعد حياة، فصارت لهم العنصر المؤسّس. من هذا القبيل، يبدو تواصل التقليد حقيقيًا وإن مدهشًا. فالايمان المسيحيّ يتحدّد بجذريّة المتطلّبات المفروضة واقتراب الجزاء الأخير. استعيدت التمثّلات الاسكاتولوجيّة من الأوساط الفرّيسيّة. ولم ترتبط بها صورةُ يسوع بشكل من الأشكال: إنه ليس الديّان بل معلّم الشريعة. وبما أنه كذلك، فقد نقل فقط المعايير التي تطبّق على الدينونة الأخيرة. "فمن يتعدّى واحدة من هذه الوصايا، حتى من أصغرها، ويعلّم الناس أن يفعلوا هكذا، فإنه يُدعى الأصغر في ملكوت السماوات. وأمّا من يعمل بها ويعلّم، فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات" (5: 19). طريقة الكلام هجوميّة، وهو يصيب الهلنستيين الذين يعودون في أخبار الجدالات إلى سلطة يسوع ليتصرّفوا بحريّة تجاه قواعد الطهارة الطقسيّة، تجاه الأصوام والصلوات، كما يصيب التوسّعات في كنائس تأسّست في محيط وثنيّ، ولاسيّما اللاهوت البولسي الذي يعتبر أن المسيح هو "نهاية الشريعة" (روم 10: 4).
د- التقبّل المتّاوي للتعاليم
إن النظرة إلى المسيحيّة كما يعرضها تعليمُ المصادر الخاصّة بمتّى، كان لها الأثر الحاسم على الصورة اللاهوتيّة للانجيل. 
1. استعاد متّى من مصدره، التأويلَ الرابينيّ للشريعة. ففي نظره هو أيضًا، تبقى المسيحيّة خاضعة لمجمل التوراة (التي لا تتضمّن فقط العهد القديم، بل مجمل التفاسير حسب النظرة التي يدافع عنها الفريسيون). فيسوع هو ويبقى معلّم الشريعة: "لا تظنوا أني جئت لأنقص الشريعة والأنبياء: ما جئت لأنقض بل لأكمّل" (5: 17). فممارسة الشريعة تبقى المحك للإيمان المسيحي: "إن لم يزد برّكم على برّ الكتبة والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السماوات" (5: 20). غير أن الارث المسيحي المتهوّد يقابله إرث وصل إلينا بواسطة إنجيل مرقس فأبرز وجهة الهلينيين. والشميلة التي جاء بها متّى جاءت في عمقها أصيلة. احتفظ متّى من الحركة الرابينيّة بالطرح الذي يعتبر الشريعة قاعدة حياة. واستعاد من الهلينيين فكرة تدرّج الوصايا، وهي فكرة تجد شرعيّتها في اسم يسوع، وتجعل من محبّة القريب والرحمة والبرّ أو القاعدة الذهبيّة، معيارَ التراتبية والتفسير. والتأويل الذي تكوّن انطلاقًا من هذين القطبين يجد تعبيره في نزع الجذريّة عن المتطلّبات الجذريّة التي عادت إلى مجال الممكن في منظار يُبرز البُعد الخلقي. وأضيفت قواعد تطبيقيّة محدّدة لتكون استنتاجات عمليّة للنقائض: النداء إلى المصالحة كقاعدة تطبّق الأمر بأن لا نغضب (5: 25-26)، وتنظيم الطلاق كقاعدة تطبّق النقيضة حول الزواج (5: 31-32)... وأعطيت الصلاة الربية كحلّ عمليّ لمسألة الصلاة (6: 9-13).
2. إن انتقال النظرة إلى الشريعة هو نتيجة تبدّل الكرستولوجيا. فيسوع لا ينال سلطته من تعليم الشريعة، بل نقرّ به ربّ السماء والأرض، وبالتالي المفسّر الاسكاتولوجيّ لمشيئة الله. إن المبدأ التأويليّ لسرد الانجيل لا يُعطى في تفسير التوراة. بل في التجّلي الفصحي (بواسطة القيامة) الذي يجعل ظهور الأرضيّ كظهور القائم من الموت. لم يعد الناطقُ مفسّرَ موسى، بل المعلّم الاسكاتولوجيّ لمشيئة الله. وما تفرضه الشريعة لم يعد سوى درفة في نقل الانجيل الذي بدأ بتأكيد أعطي للتلاميذ بحضور عمانوئيل إلى جانبهم، ويتواصل بالدعوة التي وجِّهت إليهم ليمضوا ويعلنوا البشارة لجميع الأمم.
الفصل الثالث
انجيل متّى والخدم في الكنيسة

إن الإطار التاريخيّ الذي فيه ألّف الانجيل الأول يُفلت بقدر كبيرة من قبضة العلم المعاصر. فمن هو صاحب هذا الكتاب؟ أين دوِّن؟ إلى أي نمط كنسيّ تعود جذوره؟ ونحن لا نستطيع أن نجيب عن هذه التساؤلات دون أن نبقى بعض الشيء في الفرضيّات، بل في المجهولات. وأحد الأسباب الرئيسيّة لجهلنا هو الفنّ الأدبيّ الذي أخذ به هذا الانجيليّ. إن الأناجيل الثلاثة الأولى (مت، مر، لو) جمعت مع تذكّرات يسوع إرث نتاج شفهيّ أو خطيّ صيغ في قلب كنائس دلّت على إيمانها وحياتها الملموسة. ومع أننا أمام أشخاص محدّدين، فهم يخفون نواياهم ولا يقولون الظروف التي دفعتهم إلى الكتابة مستعملين مواد سابقة قد تضلّنا.
وهناك صعوبة أخرى حول نيّة الانجيليين. فليس هدفهم وضع الأسس لتنظيم الكنيسة، بل إنعاش الحياة المسيحيّة واصلاحها. هذا ينطبق بشكل خاص على متّى الذي نكتشف عنده بوضوح النظرة الخلقيّة. ولكننا نبقى ضعفاء، حين نتساءل عن مسيرة هذه الجماعة التي كتب إليها، عن بنيتها والخدم التي تمارس فيها. لهذا يبدو الحديث عن الخدم في إنجيل متّى محصورًا. فإن كانت معلوماتنا حول كنيسة متّى (بنيتها، تنظيمها) ضئيلة، فالنظرة إلى الكنيسة بشكل عام تبقى أوسع. لهذا، وقبل أن نتحدّث عن التنظيم، نتحدّث عن فكرة الجماعة المسيحيّة كما نستخرجها من الانجيل الأول.

1- المسيح وسط أخصائه في حضور آني وحاسم
مهما كانت الأمور التي تربط كنيسة متّى بما سبقها في العالم اليهوديّ، فهي تنفصل عن هذا العالم بيقين جوهريّ تشارك فيه مجمل المسيحيّات الرسوليّة، دون أن تنسى الطابع الخاص بها. فيسوع التاريخ هو في البعيد، في الماضي. ولكن هذا لا يهمّ. فالايمان الذي يعبّر عن نفسه في الانجيل الأول يرفض البقاء في تذكّر بسيط، لأنه يعتقد بحضور المسيح الممجّد وسط أخصّائه، فيعود إليه كما إلى الموجِّه الحيّ لمصيره الفرديّ والجماعيّ. فالمسيح ليس فقط مؤسّس الكنيسة (18:16)، بل القاعدة التي تحدّد الحياة الخلقيّة لدى أعضاء هذه الكنيسة. فكلمات يسوع (24:7-26) ما زالت تتوجّه إليهم فيشرحها "المعلمون" ساعة يقيم هو في جماعتهم (18: 20).
هذه الحقيقة هي مركزيّة جدًا في اللاهوت المتّاوي، بحيث وُضعت في نهاية متّى كقول يُجمل سائر الأقوال. "ها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر" (28: 20). إن لفظة "معكم" تدلّ على حضور ديناميكي محرّك. فبحسب التوراة "كون الله معنا" يعني عونًا يقدّمه الله لشعبه عبر كل تاريخه، فيقوده إلى الهدف الذي حدّده له (تث 1: 42؛ 20: 1، 4؛ 6:31، 8؛ قض 16:6؛ أش 7: 14؛ 41: 10؛ 43: 1، 5؛ حج 1: 13). ووظيفة المسيح "عمانوئيل" (أي الله معنا) تُقرأ في بداية الكتاب (23:1) وفي نهايته: إن المسيح يمدّ تدّخلات الله في الماضي من أجل الخلاص، ويتوّجها تجاه شعب اسرائيل أولاً ثم الكنيسة التي حلّت محلّه بعد أن رفض الاستماع إلى يسوع.
فالمسيح بشخصه هو هنا. يفعل بقدرته ووحيه. يُؤوِّل على الدوام التفجّر الأول للتجديد الذي يعلنه. إذن، لا خطر من الغرق في قواعد مجمَّدة، لأن هذا الحضور حياة. ولقد حاول متّى دومًا أن يفلت من هذا التصلّب: فالكلمة لا تخدّرنا فتجعلنا ننام، بل توقظنا، تحرّكنا، تصلحنا، ولا تترك المسيحيّ أبدًا "في راحة" (5: 20) في قلب هذا "البرّ". وهكذا نفهم أن يكون الايمان قد رفض كل جمود دينيّ، وانتعش بعلاقة مباشرة مع المسيح، فاحتاج إلى أن يعبّر عن نفسه في إنجيل متّى مشدِّدًا على دور البنى البشريّة التي نفترض وجودها والتي قد تكون خفّفت لدى القارئ هذا اليقين الأساسيّ بميزة الموجّه الالهي والدفع الذي يأتي منه.

2- عودة إلى الماضي
مهما يكن في ذلك من مفارقة، تدلّ الأناجيل على آنيّة المسيح، آنيّة تعليمه، والمتوجّبات التي تنبع من هذا التعليم. وفي الوقت عينه تشير إلى اهتمام بالعودة إلى الماضي لكي نستقي منه النور الذي يوجّه حياتنا. لن ندهش من ذلك في زمن (حوالي سنة 85 ب. م) بدأت الكنيسة تبتعد عن جذورها، وغاب الشهداء الأولون للتقليد، الواحد بعد الآخر، أولئك الذين "أكلوا وشربوا" مع المخلّص (لو 13: 26) منذ بضعة عقود من السنين. فالكنيسة تلتفت منذ الآن إليهم. وبما أنها لا تستطيع أن تطرح على شخصهم الأسئلة، فهي تعود إليهم كالوارثين المباشرين ليسوع، فتُحيي العلائق التي عرفوها في الماضي مع معلّمهم ومعلّمها. هؤلاء المميّزون هم "الاثنا عشر" معًا. هم المجموعة التي وصل ذكرها إلى متّى بالتقليد الشفهيّ والمصادر المكتوبة. إن هؤلاء الاثني عشر يلعبون في مت دورًا هامًا سنحاول أن نحدّده.
من جهة، تميل مجموعة الاثني عشر (عند مت) أن تذوب مع مجموعة "التلاميذ". في هؤلاء التلاميذ يرى قراّء الانجيل المسيحيون أنفسهم، مع سماتهم الايجابيّة والسلبيّة، وهم يتلقّون فقاهة تتكيّف ووضعهم الحاضر. فإن متّى يتجنّب أن يتحدّث عن مجموعة الاثني عشر وحدها (ما عدا في 10: 5 حيث ترتبط لفظة "الاثنا عشر" في اللائحة السابقة بالارسال، و47:26= مر 14: 43: "يهوذا أحد الاثني عشر"). تجاه ذلك، تفرَّد بين الانجيليين فاستعمل عبارة "اثني عشر تلميذًا" (10: 1؛ 11: 1؛ 26: 20؛ رج 28: 16: الأحد عشر تلميذًا). وجعل بعض المرات "التلاميذ" حيث يقول مرقس الرسل (13: 10؛ ق مر 4: 10؛ 8: 1؛ ق مر 35:9). أو هو يستعمل مناوبة التسميتين، فيدلّ على أننا نستطيع أن نحلّ الواحدة تجاه الأخرى. نقرأ في 37:9: "حينئذ قال لتلاميذه". وفي 10: 1، 2، 5: "دعا تلاميذه الاثني عشر.. وهذه أسماء الاثني عشر رسولاً... هؤلاء الاثنا عشر" (رج 7:28، 8، 16). فالاثنا عشر كمجموعة مميّزة، تركوا جزءًا من هويّتهم، فدلّوا بذلك على وجهة نمطيّة وشاملة تجعل وجههم حاضرًا الآن وفي كل آن.
ومن جهة ثانية، لم يتحوّل هؤلاء الاثنا عشر إلى مجرّد ممثّلين على مسرح، أو أشخاص باهتين لا يلعبون دورًا سوى أن يجسّدوا الكنيسة الحاضرة. فهم يتحرّكون حول يسوع التاريخي الذي عاشوا معه خلال حياته على الأرض، وينالون منه التوصية والتوبيخ. لهذا السبب لم يُلغ متّى كليًا اسم "الاثني عشر" الذي يسجّلهم في الماضي بما فيه من ثقل وأوامر محدَّدة. فالمسيحيون لا يرون في هؤلاء الاثني عشر، صورتهم وحسب، بل كافليهم في ما يتعلّق بالترتيب الذي تجعل منه الكنيسةُ اليوم حياتها عائدة إلى يسوع (رج 28:19= لو 22: 30 والقول على اثني عشر كرسيًا: سيحلّ يسوع ومؤمنوه محلّ اسرائيل اللامؤمن).
إن كان من البديهيّ أن نشدّد على هاتين الوجهتين فيما يخصّ الاثني عشر، فبالاحرى فيما يخصّ بطرس. إن حصرنا نفوسنا في بعض المقاطع، قد نرفض له شخصيّة خاصة فنجعله تجسيدًا "مقولبًا" للتلاميذ في كل الأزمنة، من خلال مواقفه الايجابيّة (4: 20؛ 16: 16) والسلبيّة (14: 30- 31 خاص بمتى؛ 16: 22-23= مر 8: 32-33؛ 17: 5= مر 9: 5؛ 26: 33-35= مر 14: 29-31؛ 26: 40= مر 14: 37؛ 69:26-75= مر 14: 66-72). ولكن بطرس يحتلّ عند مت (أكثر ممّا في سائر الأناجيل) مكانة خاصة. فهو أول المدعوّين (18:4-20= مر 1: 16-18). وهو يحتلّ الرأس في لائحة الاثني عشر (10: 2= مر 3: 16)، وفي لائحة الأشخاص الحميمين (17: 1= مر 9: 2؛ 26: 37= مر 14: 33). وهو مرّات عديدة يتحدّث باسم المجموعة (16:16= مر 29:8؛ 16: 22= مر 8: 32؛ 17: 4= مر 9: 5؛ 27:19= مر 28:10).
قد نستطيع في هذا المجال أن نتحدّث عن أبولوجيا، عن دفاع عن بطرس. ولكن يبقى أن حضور بطرس يجتاح الكتاب فيدله على اهتمام خاص من قبل الانجيليّ به. ولكن ما يساعدنا على إبراز هذا الوجه هو مشهد قيصريّة فيلبّس كما توسّع فيه متّى وأطال: هنا يحتفظ لنا متّى بدور خاص لا ينحصر في وظيفة جماعيّة ولا في نمط من الأنماط. إن بطرس لا يجسّد الكنيسة وحسب، بل هو الاساس الذي عليه يبني المسيح كنيسته.
نشير هنا إلى ما يختصّ به بطرس، بحيث تتفوّق شخصيّته على شخصيّة سائر الرسل. في 28:14- 31 نراه يمشي على الماء للقاء يسوع ويجابه الريح، وحين يخاف يمسكه يسوع بيده. في 15: 15، هو الذي يطلب من يسوع أن يفسّر المثل (ق مر 7: 17: سأله تلاميذه عن المثل). في 17: 24-27، يشارك يسوع في دفع الجزية؛ في 18: 21، سأل يسوع: كم مرّة يخطأ أخي إليّ فأغفر له (ق لو 4:17). ولكن هناك موضعًا يتحدّث فيه مر 11: 21 عن بطرس، بينما يذكر مت 21: 20 "التلاميذ".
ونشير أيضًا إلى أن بطرس لا يبدو في مت صاحب مزايا دينيّة وخلقيّة تجعل منه "قدّيسًا" على طريقة ما نعرف عند "قدّيسي" ذاك العصر. ونلاحظ أنه لم يكن أي امتياز لبطرس في القيامة: ق مر 7:16 (= مت 7:28)؛ لو 24: 34؛ يو 21: 15-23؛ 1 كور 15: 5؛ رج لو 24: 12؛ يو 20: 2، 20؛ 21: 1- 11. 
ونعود إلى 16: 16-18، ونطرح سؤالاً حول مسؤوليّة بطرس. لقد نال بطرس من المسيح كل كفالة وكل سلطان. هذا التأليف المطبوع بالطابع الفلسطيني، مليء بعبارات تقليديّة نستطيع أن نفهمها بدون صعوبة. بطرس هو "الصخر"، وهذا يعني أن الكنيسة تستطيع (ويجب عليها) أن تستند إليه كما على "كافل" ديمومتها، والقوّة التي في يدها لتقاوم هجمات قوّات الموت (أبواب الجحيم). وهي تستطيع أن تستفيد من ملء السلطان الذي سلّم إليه من أجل توجيه المؤمنين نحو ملكوت السماوات. هذا هو معنى "المفاتيح" التي سلّمت إلى بطرس والتي تتعلّق بكل "وكالة" الملكوت (اش 22: 20-22).
ونقول أيضًا عن "ربط" و"حل" في خط المفاتيح استتباعًا لها. فبطرس يستطيع أن يقرّر بالنظر إلى سلطان المسيح نفسه: حين تنظر الكنيسة إلى بطرس، فهي متأكّدة بأنها نالت هذا السلطان. لهذا أدرج مت القول حول "الربط" و"الحلّ" في الخطبة الكنسيّة (18:18): لا نستطيع أن نفصل 18:18 عن 16: 19، وكلاهما يشيران إلى ترتيب التوبة داخل الكنيسة المحليّة؛ ثم إن قاعدة 18:18 يجب أن تُفهم في امتداد ما سلِّم إلى بطرس من سلطان.

3- حياة جماعة مسيحيّة
إن الايمان المسيحي يعود دومًا إلى الماضي، ولكن ليعاش في الحاضر من أجل مستقبل حاسم. هذه الحياة كما تبرز في مت، لا تتميّز أساسًا عن تلك التي تشهد لها سائر الكتابات الرسوليّة. غير أنها تقدّم سمات خاصّة تستحقّ أن نتوقّف عندها.
أ- مجتمع انفصل عن العالم اليهوديّ
لا نستطيع أن نشكّ في الأصول اليهودية للجماعة المتّاويّة. بل إن الكتاب نفسه يكشف موقفًا لا نستطيع أن نقول فيه إنه تخلّى عن إرث المجمع وتعاليمه ونظمه. ومع ذلك، فمتّى اتّخذ موقعًا مميّزًا بين كتّاب العهد الجديد، فحفر أعمق هوّة بين الكنيسة والعالم اليهوديّ. ونحن نفهمه حين نتذكّر أنّه صدى مجابهات محدّدة بين اسرائيل والحركة التي خرجت من قلب اسرائيل. في سائر الأناجيل، لا يحفظ تذكّرُ الصراعات القديمة أكثر المرات سوى الطابع النمطيّ. ولكن ليس الأمر كذلك في الانجيل الأول. فالاتصال مع الجماعات اليهوديّة في سورية حيث سيطرت الارثوذكسيّة الرابينيّة، قد أعطى حياة جديدة لجدالات تقليديّة، بل زاد في إشعال الحرب متوسّلاً البراهين التي تحطم "الخصم". وقد أصاب مت الجبهة الفرّيسية، لأنها تمثّل في هذا الإطار التاريخيّ، الشكل الوحيد للعالم اليهوديّ الذي وجب على متّى أن يحاربه. وهذا الإلحاح لا يمكن أن يكون أسلوبًا من الأساليب، بل يعترف أن الانجيلي وجماعته قد عاشوا بدورهم العداوة التي جعلت "اليهود" في وجه "الهراطقة"، في فلسطين، بدءًا مع يسوع وخلال السنوات السابقة لدمار الهيكل سنة 70 ب. م.
فعلاقات متّى وكنيسته مع اليهوديّة سيّئة جدًا، بل هي انتهت بالقطيعة حوالي سنة 80 ومجمع يمنية، على الشاطىء الفلسطيني. فالمسيحيون لم يعودوا يؤمون المجامع. فهي قد صارت "مجامعهم" (23:4؛ 9: 35؛ 10: 17؛ 13: 54. رج "كتبتهم" في 29:7؛ "مدنهم" في 11: 1، وهذا ما لا نجده عند سائر الانجيليين)، مجامع اليهود الذين رفضوا أن يؤمنوا واضطهدوا الكنيسة. أيكون الانفصال الرسمي قد تمّ، كما في لو 22:6؛ يو 22:9؛ 42:12؛ 16: 2، بحيث تعيش كنيسة متّى خارج العالم اليهوديّ؟ ربّما.
ب- مؤمنو شريعة متجدّدة
إن الايمان الذي يعبَّر عنه في العهد الجديد، والذي يتوافق مع كرازة يسوع كما توسّع فيها العالم الجلياني المسيحيّ في بدايته، يغوص (ما عدا بعض الشواذات) في مناخ من الانتظار الاسكاتولوجيّ. ومتىّ يسير هو أيضًا في هذا الخطّ العام. كان واعيًا لآنيّة الخلاص، ومتأكّدًا من حضور المخلّص الممجّد وسط أخصّائه. ومع ذلك، فقد وضع نظره على الاستحقاق النهائيّ الذي سيضع حدًا للكنيسة الأرضيّة. بل ألحّ على هذه النقطة، مذكّرًا قرّاءه بدينونة الله (3:5-12، 19، 22، 29-30؛ 6: 1، 4، 6، 15، 18) التي لا نقدر أن نتجنَّبها، محاولاً أن يتغلّب على الملل الناتج من تأخر المجيء الثاني (48:24؟ 25: 5، 9).
غير أن هذا التأخر ونتائجه، لا تدفع متّى إلى إعادة الحياة إلى انتظار قريب. بما أننا نجهل اليوم والساعة (24: 36)، فيجب علينا أن نحسب حساب زمن طويل (48:24؛ 25: 5، 19). لهذا كان من المهم أن نقوّي في الكنيسة الظروف التي تتيح لها أن تسير مسيرتها كل الزمن الذي يقرّره الربّ الآتي. واسم "الانجيل الكنسي" الذي سمّي به متّى، يبقى صحيحًا لأن كاتبه يقدّم تعليمًا خاصًا يتعلّق بحياة المسيحيين الجماعيّة. ولأن كنيسة تظهر عبر سطوره، فتقتني بقيادة معلّمها متانةَ مجتمع يستطيع أن يجابه الدهور.
ولكن يجب أن نحدّد طابع هذا السلاح. لن نتحدّث كما فعل بعضهم "عن كثلكة قبل الكثلكة" نجدها في مت ولو، بمعنى نظرة تراتبيّة أو عقائديّة. بل نتوقّف بشكل خاص عند عناصر متّاويّة لدستور تُشرف عليه الوجهةُ الخلقيّة: إن متّى يقدّم لقرّائه قاعدة حياة.
هذه القاعدة لم يستنبطها متّى من لا شيء. فهو كابن من أبناء اسرائيل، قد وجدها في شريعة موسى التي ظلّت له تعبيرًا لا ينازَع عن إرادة الله. قد ندهش حين نعلم أن السبب الجوهريّ للقطيعة بين العالم اليهوديّ والحركة المسيحيّة، يكمن في واقع أحلّت فيه المسيحيّة بشكل عمليّ، المسيح محلّ التوراة. ومع ذلك، فليس من يهوديّ صار تلميذ يسوع، قد فكّر أن ينفي الشريعة من معتقده الجديد. وإن استطاعت عبقريّة بولس الحاسمة في هذا المجال، أن تأخذ بموقع ناجح في جذريّته، فلا نقدر أن نقول الشيء عينه عن سائر التيّارات المسيحية في ذاك العصر. بينهم نجعل فكر متّى، دون أن نماهي بينه وبين النظريات المتهوّدة التي عارضت بولس فحاولت في انتمائها إلى المسيحيّة، أن لا تضحّي بأي شيء من إرث المجمع.
فهذه الشريعة التي يعلنها متّى، والتي يؤكّد ديمومتها (18:6)، ينظر إليها الانجيليّ نظرة جديدة. قدّم الشرعة القديمة التي أعلنها موسى في الماضي، ولكن كما قادها المسيح أيضًا إلى ملئها (17:5)، بعد أن أعادها إلى مبادئها الجوهريّة، وخلّصها من علم الفتاوى الذي يحصرها في نطاق ضيّق. وحدها هذه الشريعة التي نسمعها بهذه الطريقة، ونمارسها، تستطيع أن تنتج "البرّ" الحقيقيّ (5: 20)، وأن توجّه المؤمنين في طريق "الكمال" (5: 48؛ 19: 21). بهذه المحاولة المدهشة، تخلّص متّى من الشريعة الشفهيّة أو تقليد الرابينيين (أو المعلّمين). وفي الوقت عينه اصطدم بالذين يعتبرونها مساوية لما في البنتاتوكس أو الأسفار الخمسة.
ارتدى يسوع هنا لباس مفسّر مأذون، فتوخّى برهانُه المستند إلى الكتاب المقدّس، أن يستبق كل ملامة بأنه تصرّف تصرّفًا اعتباطيًا. فشرعة ملكوت السماوات تستند إلى التوراة (حسب نظر متّى) التي يراها متّى قد فُهمت فهمًا أفضل بنعمة الروح النهائي الذي أسقطه المسيح عليها.
وهذا اللجوء إلى الشريعة كأساس حياة مسيحاويّة، ليست النقطة الوحيدة التي فيها خان الفكر المتّاويّ إرثه اليهودي والرابيني. فالانجيل الأول الغني بـ "الخطب"، قدّم لنا أيضًا جماعة المسيحيّين بشكل مدرسة شرف عليها الرباط أن معلّم ومتعلّم. ولفظة "تلميذ" التي تعود إلى الأصول، قد استعملها متّى بشكل خاص: فمن صار مسيحيًا في نظره، "صار تلميذًا" (تتلمذ، ماتينواين، 52:13؛ 57:25؛ 19:28. لا يظهر هذا الفعل في كل العهد الجديد سوى في أع 14: 21). تقبّل "نير" المعلّم الالهي. جعل نفسه في مدرسته، تعلّم منه (11: 29؛ 8:23). والمثال هنا هو "فهم" الكلمة (13: 23). و"أنجلة" (حمل الانجيل) الأمم تعني بالنسبة إلى التلاميذ أن "يعلّموهم"، وينقلوا إليهم التعليم الذي اقتبلوه هم (28: 19).
وننتقل الآن إلى الصلاة وشعائر العبادة. حين أشار متّى إلى الصلاة، اهتمّ فقط بنوعيّتها كرفض للتظاهر والتبجّح (6: 6، 6)، رفض للثرثرة وكثرة الكلام (7:6). وهناك واجب يفرض علينا أن نكون منطقيّين مع صلاتنا: التوصية حول مغفرة الذنوب التي ترافق الصلاة الربيّة (6: 14-15). وفي النهاية الصلاة هي صلاة مع المسيح، صلاة متّحدة مع صلاته في قلب المحنة والتجربة (26: 40- 41؛ ق مر 14: 37-38).
وبين سائر ممارسات الديانة، ينوّه متّى بالصوم الذي يبدو لديه عملاً عاديًا في الجماعة (4: 2). ولكن ليس هو هنا موضوع ترتيب خاص: يكفي أن تكون ممارستنا له مطبوعة بطابع الخفر والتواضع (6: 16-18). أمّا في ما يخصّ العبادة في حصر المعنى، فالمعنى المُعطى في 23:5-24، يبقى في الخطّ السابق: إن كان لا يعلّمنا شيئًا عن الطقوس في الكنيسة، إلاّ أنه يجعل شعائر العبادة تخضع للمحبّة التي نعبّر عنها بالغفران والرحمة (رج 9: 13).
ولا يطيل متّى الحديث في ما تبقّى من ممارسات. هو يشير إلى أن المسيحيين اعتادوا أن يجتمعوا للصلاة (18: 20؛ رج أع 2: 42 ي). ولكن ما يهمّه ليس أن يورد ما يحصل في هذه الظروف، بل أن ينقل الايمان اليهودي بـ "الحضور" (شكينه، أي السكن) الالهيّ إلى إيمان بحضور المسيح وسط المؤمنين المجتمعين للصلاة أو لغاية دينيّة أخرى. ولا نعرف عن الافخارستيّا أكثر ممّا نعرف في مرقس (مت 26:26-28= مر 14: 22-24). وإذا كانت جماعة متّى قد حافظت على السبت في ممارستها الاسبوعيّة، فالإضافة في 24: 20 (لئلاّ يكون هربكم في الشتاء أو في السبت) لا تشير إلى هذا الوضع. فمهما يكن أصل ومعنى هذا الأمر القديم (رج 8: 4؛ 23: 16-22)، فالأمر بالهروب الذي يتوسّع فيه السياق، لا يوافق خبرة حاليّة ولا مقبلة لدى مسيحيّ كنيسة متّى، بل يتسجّل في لوحة ما يسبق الاسكاتولوجيا مع قمّة في دمار أورشليم: إذن، نحن أمام أحداث سابقة. في الواقع، حين يتطرّق هذا الانجيل إلى السبت، فلا يفعل لكي يدافع عن هذا النظام أو ليلغيه، بل لينظّم ممارسته ويخضعه لممارسة المحبّة حسب شهادة الكتاب (9: 1-8).
ج- جماعة فيها مزيج من البشر
إذا أراد المسيحيّ أن "يدخل إلى ملكوت السماوات" وجب عليه أن يسير في طريق لا يُخفي متّى صعوباته: "الباب ضيّق والطريق التي تؤدّي إلى الحياة حرجة" (7: 14). هل سار فيها جميعهم؟ هذا ما نشكّ فيه حين نقرأ مت. فإذا جعلنا جانبًا التشاؤم المعروف لدى الوعّاظ، يبقى الشعور بأننا أمام جماعة فيها المزيج من الأخيار والأشرار. فإذا كنا ننتظر الدينونة الاسكاتولوجيّة لنرى الفرز الذي لا تقدر الكنيسة نفسها أن تفلت منه (36:13-43، 45- 50؛ 25: 31- 46)، فنحن أمام وضع حالي يشير إليه متّى بشكل نبوءة حين يذكر سقوط الكثيرين والخلافات الداخلية وبرودة المحبّة وسط التلاميذ (24: 10-12). وهناك مقاطع أخرى تؤكّد هذه اللوحة وتبرز الظلال (5: 21-22؛ 7: 15 ي؛ 7: 21-23؛ 18: 1-10، 15-17؛ 8:23- 12).
ولكن يبدو أن هذا الوضع لا يمتدّ على المستوى التعليمي، فنتحدّث عن وجود حركة داخل الجماعة تعارض الشرعية (كما قال بعض الشرّاح). فاللوم "بالاثم" (أنوميا، اللاشريعة) الذي يستندون إليه، يدلّ على العصيان "لمشيئة الآب الذي في السماوات" (7: 21-23)، على رفض حياة المحبّة (24: 12). 
وعى متّى ما ينقص كنيسته، فقدّم مصير الأفراد بشكل دراماتيكي. فرأى أن قليلين سيحاولون عبور الباب الضيّق، وأن كثيرين يتوجّهون إلى الهلاك (13:7 ب، 14 ب؛ 22: 14). غير أن غيرته تمنعه من أن يرمي السلاح يائسًا: فهو لايني يذكّر قرّاءه بمثال الحياة المسيحيّة. فإن خمدت المحبّة، فهو يحاول إشعالها من جديد.
د- جماعة من الإخوة
هناك لفظة في إنجيل متّى تحدّد العلائق بين المسيحيين: "الأخ". يعود استعمالها إلى العالم اليهوديّ وهي ذات بُعد دينيّ محض، وتُستعمل للدلالة على أعضاء الجماعة المسيحيّة الذين تجمعهم دعوة واحدة ورباطات المحبّة. ويتفرّع من المحبّة نتائج عديدة يقدّم عنها مت فقاهة تتوافق وحاجات كنيسته. 
هنا نميّز استعمال "أخ" وتسمية التلاميذ كإخوة يسوع (مت 12: 49-50؛ 25: 40؛ يو 17:20؛ روم 8: 29؛ عب 2: 11-12. في هذه الحال، لا تعود العلاقة أفقيّة (بين أخ وأخ) بل عموديّة (بين المسيح والأخ): يصبح المسيح مبدأ يكوّن عائلة جديدة من النمط الروحيّ. والأعضاء يشاركون في مصير البكر بينهم (يسوع) شرط أن يخضعوا لإرادة الله في المسيح. أما لفظة "أخ" على المستوى الافقيّ، فنجدها في 5: 22-24 (من غضب على أخيه)، 47 (تسلّموا على اخوتكم)؛ 18: 15 (إذا خطئ أخوك)؛ 23: 8 (معلّمكم واحد وجميعكم إخوة). وفكرة الأخ هنا تغتني مع العودة إلى أبوّة الله، وهو موضوع عزيز على قلب متّى. هنا نقرأ في 8:23-9: "كلكم أخوة"، و"أبوكم واحد وهو الذي في السماوات".
جميع الإخوة مدعوّون إلى الكمال. فالعهد الجديد، شأنه شأن العهد القديم، لا يقسم المؤمنين فئتين: بعضهم يُدعى إلى الكمال والآخرون يكتفون بمرحلة أدنى. ذاك هو فكر متى حين يستعمل الصفة "كامل" (تالايوس). في نهاية النقائض التي نجدها في عظة الجبل (48:5) تعبّر هذه اللفظة عن تتمّة أمينة لشريعة جدّدها يسوع المسيح. أما الأمر الذي أعطاه يسوع للشاب الغني (19: 21)، فهو لا يدفع أحدًا ليطمح إلى حالة تختلف عن الحالة المفروضة على الجميع: في هذا الحوار الذي أعاد الكاتب صياغته بعناية، "فعلُ الصلاح" و"الكمال" لا يتضمّنان، رغم الظواهر، مستويين من الحياة المسيحيّة، بل مستوى واحدًا. فنحن لسنا على مستوى ديانة من الدرجة الدنيا. لأن الكمال (واللفظة معبِّرة في ذاتها) يطلب من مجمل المسيحيين "زيادة" (5: 43) بحيث يتجاوز "برّهم" برّ الكتبة والفريسيين (5: 20). ثم إن المعيار هنا هو كمال الله بالذات (48:5). وهذا ما يرسم للمؤمن برنامجًا لا حدود له، برنامجًا على قدر محبة الله اللامتناهية التي تدبّر العالم.
حين يحدَّد بهذا الشكل هدفُ الحياة المسيحيّة، فهو يمنع بعض العناصر في الجماعة من أن يرتفعوا فوق الآخرين، ويطالبوا بصفة دينيّة خاصة أو بامتيازات على المستوى القانونيّ. بل على الجميع أن يتزاحموا على مستوى التواضع. ذاك هو التعليم الأساسي الذي نقرأه في رأس خطبة الجماعة (18: 1-4) وفي أماكن أخرى من الانجيل: على تلاميذ يسوع أن يختلفوا عن الفريسيين، فيتخذ الواحد تجاه الآخر موقف "الصغير"، موقف الطفل (18: 2-4؛ 19: 14). ولا يُعفى أحد من هذا الموقف حتى الذي يتمتّع ببعض العلم أو بوظيفة تربويّة تمنحه بعض "الامتيازات": "كلكم أخوة" (23: 8). هذا ما كتبه متّى مشدّدًا على أن العظمة الحقيقيّة تقوم بأن يكون الواحد آخر الجميع (18: 1، 4؛ 23: 11-12؛ رج 20: 25-27) على مثال المسيح الملك "المتواضع" (21: 5)، المخلّص "الوديع والمتواضع القلب" (11: 29)، الذي ما جاء ليخدمه الناس، بل ليخدمهم ويبذل حياته من أجلهم (20: 48).
بعد هذا، لا ندهش حين نرى الانجيليّ يعظ بالمحبّة تجاه الضعفاء. وإن تطلّع إلى الكنيسة بنظرة قاسية، فليس لكي يعتبر أنه يحقّ له أن يحكم على الجميع مستبقًا دينونة الله. بل هو يحثّ قرّاءه على الجهاد، ويعمل لإصلاح الانحرافات المقترفة (18: 15-18). أما موضوع فقاهته المميّز فهم "الصغار"، هؤلاء الضعفاء الذين ليس لهم سوى إيمانهم، الذي يشكّكون بسرعة (18: 6) وقد يكونون من الخطأة. فالمسيحيون الأقوياء يميلون إلى إهمالهم. أما متّى فيجعلهم في حمايته، ويطبّق عليهم مثل خروف الضالة (18: 10-14): فحبّ الله تجاههم ورحمته هما كبيران بحيث يجب على الجماعة أن تجهد من أجل عودتهم إلى القطيع في حال ابتعدوا عنه في سرعة عطبهم.
وبما أن الانجيلي يعرف أن الله يحيط الأبرار بعنايته، وبالتالي يجازي بالخير أولئك الذين يؤدّون لهؤلاء الضعفاء الاحترام والمحبّة (10: 42)، فالقول الذي نجده في مر 9: 41 (من شكّك هؤلاء الصغار المؤمنين) قد حوّله متّى لكي يشدّد على أمرين: ليس الأنبياء والمسيحيون والصالحون (الأبرار) وحدهم التلاميذ، بل أولئك الذين يقفون في أسفل سلّم القيم في الكنيسة. لهذا السبب فهم ينعمون باهتمامات الله. من أجل ذلك، أقلّ عطيّة تُوهب لهم، تصبح بركة على المعطي.
ذاك هو اهتمام متّى بهؤلاء المعوزين. فالسلوك الذي نتّخذه تجاههم هو المعيار الحاسم في الدينونة الأخيرة والشاملة (25: 31-46): "كل ما فعلتموه مع أحد هؤلاء الصغار الذين هم إخوتي، لي فعلتموه". هذا ما يقوله المسيح ليذكّرنا باهمالات عديدة يُفترض وجودها في الجماعة.


4- الواجبات في الجماعة وتنظيمها
ويزيح متّى بعض المرات الستار الذي يغطّي مسيرة الجماعة الملموسة وقواعدها ووظائفها وممارساتها. وحين نلاحظ كل هذه الاشارات، نحسّ أنه ينقصنا الشيء الكثير، لأن الانجيليّ لم يتوخّ العمل التاريخيّ الذي يصوّر كل ما يجد حوله. ولكن رغم ذلك، نجد من خلال السطور لوحة (وإن ناقصة) ترينا بعض وعي الكنيسة لذاتها ولمسؤولياتها.
أ- تعليم للمسيحيين الخاطئين
نبدأ بكلمة حول خطبة الجماعة (ف 18). أخذها متّى من مر 33:9- 50 (توسّع فيها وأعاد صياغتها). لن نرى فيها كتابًا تنظيميًا كما في قمران، ولا توجيهات راعوية تتوجّه إلى الرؤساء. والقول المتعلّق بـ "الربط" و"الحلّ" (آ 18) لا يدلّ في سياقه إلاّ على مجمل الجماعة المحليّة. والتعليمات المتعلّقة بالواجبات تجاه الصغار، لا تتضمّن شيئًا يرتبط بالمسؤولين وحدهم: فالشك واحتقار الضعفاء يهدّد بالأحرى الأقوياء. أما بداية الخطبة (آ 1-4) فهي ما يعطي نبرة الخطبة كلها: توقّف مر 33:9-35 عند مسألة الأولويّة في الجماعة. أما متّى فجعل نفسه على المستوى الخلقيّ، وترك مسألة التراتبيّة، فتوجّه إلى جميع المسيحيين من دون تمييز، ليوصيهم بتصرّف متواضع في علاقاتهم المتبادلة (حلّ "التلاميذ" محلّ "الاثني عشر". "الأعظم في ملكوت السماوات". نظرة إلى مجازاة اسكاتولوجية تتبع التصرّف الخلقي. "من وضع نفسه مثل هذا الطفل"). هذه الوجهة الخلقيّة، "الأفقيّة" هي ما يُشرف على الخطبة كلها، وفيها يكتفي متّى بأن يذكّرنا بشروط الأخوّة الحقيقيّة.
ونجد في هذه الخطبة قاعدة (آ 15-18) تعرض ما يجب أن نعمل تجاه المسيحيّ الخاطىء. وهي ترتدي للوهلة الأولى وجهة تنظيميّة وقانونيّة. ولكن هذا شعور وليس بيقين، ولاسيّما حين ننتبه إلى استعمال البنتاتوكس (لا 17:19؛ تث 17:19): لسنا أمام إجراء حرم، بل أمام فقاهة خلقيّة حول الإصلاح الأخويّ. نجد في هذا النصّ بالتدرجّ، ثلاث وسائل لإقناع الأخ الخاطىء والعودة به إلى حضن الجماعة على مثال "الخروف الضال". أما الوسيلة الأخيرة فهي اتهامه العلنيّ في الجماعة المسيحيّة. واستبعاده عن "اكلاسيا" التي ليست الكنيسة الجامعة كما في 18:16، بل الكنيسة المحليّة.
ب- المعلّمون
هناك مقطعان جوهريّان في مت يعرّفاننا بالدور المسيطر لوظيفة التعليم في الجماعة التي نبت فيها الانجيل الأوّل.
الأول (19:5) هو جملة تلقّاها متّى من التقليد، فدخلت ببعض صعوبة في شميلته الشخصيّة: فلا هو ولا كنيسته استطاعوا أن يعتبروا تفاصيل البنتاتوكس مفروضة على المسيحيّين. فمع متّى، تخسر ممارسة الشريعة طابع الكميّة الذي ينسبه إليها العالم اليهوديّ. ولكننا لا نستطيع القول بأن هذه العبارة قد قيلت في محيط يهوديّ محض: إذا كانت فتاوى الرابينيين قد عرفت أن توزعّ فرائض الشريعة بين "ثقيلة" و"خفيفة"، فهي تعتبر أن من أهمل ممارسةَ بعض الوصايا، وإن خفيفة، سيكون له الموضع الأخير في الدهر الآتي. بل نحن هنا أمام قول مسيحيّ متهوّد يشهد على جدالات حول مسائل طرحتها فرائض خفيفة في التوراة.
وهذه الكلمة التي ترد في مت بعد إعلان مبدأي عن قيمة الشريعة الموسويّة ومعناها بالنسبة إلى المسيحيّين، قد فُهمت كتعبير لاستمراريّة هذه الشريعة بشكل إجماليّ في الكنيسة. وهي تفرض بالتالي بأن تعلَّم. لاشكّ في أن متّى، حين أورد هذا القول، قد فكّر بمعلّمين مسيحيّين: كشف عن وجودهم. واستفاد من المناسبة ليحدِّد مهمّتهم كتعليم حول الشريعة (التي وصلت إلى ملئها بالمسيح) دون أن يحذفوا شيئًا منها. وبرز بوضوح دورُ هؤلاء الأشخاص: إنهم خدّام الكلمة التي نقلها المعلّم الوحيد، يسوع المسيح.
إن هذا النداء إلى التواضع بالنظر إلى مضمون التعليم، يترافق عند متّى مع دعوة مماثلة تلامس الوظيفة نفسها. هذا هو المقطع الثاني الذي نجده في قلب الخطبة التي تهاجم الفريسيين (8:23-12)، كمقابل للقسم الفقاهي للوم وجّهه الرب إلى القوّاد الدينيّين في العالم اليهودي.
لن نتوقّف عند هذه القطعة المركّبة من عناصر عديدة (ف 23)، بل عند التعليم الذي يقدّمه الانجيليّ. فتجاه الموقف الذي يقفه معلّمو العالم اليهودي فيستحقون اللوم، يحدّد متّى الموقفَ الذي يجب أن يقفه المعلّمون المسيحيون الذين قد يكونون مالوا إلى التشبّه بالمعلّمين اليهود فينعزلون ويؤلّفون طبقة تطالب بالامتيازات والكرامة. ومهما يكن من أمر، فالانجيلي الذي لا يعارض هذه الوظيفة أو هذه الخدمة، يحذّر مع ذلك حامليها (هذا هو معنى منع حمل الألقاب) من كل أولويّة مفرطة ومتسلّطة.
وإذ أراد متّى أن يبرّر هذا المنع، قدّم نوعين من البراهين: من جهة، كل أعضاء الجماعة متساوون. فالجميع بمن فيهم المعلّمون، ينالون التعليم من الله والمسيح (رج 1 كور 4: 7). ومن جهة ثانية، وهنا يعود الانجيلي إلى الأقوال التقليدية حول التواضع في الجماعة، العظمة الحقيقيّة للمسيحي، تقوم بأن يتّضع في الخدمة.
وهكذا نرى أن متّى الذي يعلّق أهميّة كبيرة على التعليم، الذي ينتمي هو نفسه إلى فئة المعلّمين، لم يتّجه لكي يمنحهم سلطة تحمل علّتها في ذاتها، أو أولويّة كرامة على مثال ما في هذا العالم. ولكن كيف كان يمارَس هذا الارشادُ؟ لا نجد جوابًا في انجيل متّى.
ج- الأنبياء وصانعو المعجزات
لاشكّ في أنه توزّعت مواهب خارقة على بعض المسيحيين في محيط متّى. ولكنها لا تفيدنا كلها إذا حاولنا أن نتعرّف إلى الوضع الحالي لكنيسة متى. مثلاً، لا نجد أية معلومات في هذا المجال حين نستند إلى اللائحة التي نقرأها في 34:23 (أنبياء، حكماء، كتبة). نحن هنا أمام عبارة نقرأها أيضًا في لو 11: 49. وقد يكون أصلها كتابة يهوديّة لابيبليّة تذكر تدخّلات الله في تاريخ اسرائيل. كيّف متّى مرجعه محتفظًا بلائحة المرسلين القديمة: أنبياء، حكماء، كتبة. ولكن هؤلاء يظهرون في سياق يصوّر الرسالة المسيحيّة لدى اليهود، والفشل والاضطهاد اللذين ينبعان من هذه الرسالة. لاشكّ في أن الانجيليّ يهتمّ للدلالة على هؤلاء الرسل الأولين، باستعمال تسميات تجعلهم في تواصل مع أناس ترجموا إرادة الله في العهد القديم. وهكذا يدلّ على وحدة العهدين. ولكن لا شيء يسمح لنا بأن نفترض أن مسيحيّي متّى ظلّوا يبشّرون اليهود (هذا لا يعني أن كنيسة متّى منعت اليهود من الارتداد والدخول في الجماعة المسيحيّة، رج 28:11-30). فالوقائع المذكورة هنا هي من الماضي، والتنويه بها يغذّي الصراع ويضع اسرائيل في موضع الاتهام.
ولكن الأمر ليست كذلك في مقاطع أخرى حيث الأنبياء المسيحيون هم الذين يمارسون الآن مواهبهم الخارقة. نجدهم أول ما نجدهم في نهاية الخطبة الرسوليّة (ف 10) كفئة لها حقّ باحترام خاص من قبل المؤمنين. ويذكرهم مقطعان آخران في منظار مختلف بعض الاختلاف.
المقطع الأول (7: 15- 20) يعلمنا أن بعض أعضاء الجماعة اغتصبوا الوظيفة النبويّة وأهملوا تقديم الكفالة المطلوبة لممارستها. فقدّم الانجيل تجاههم المعايير التي تساعد على كشف القناع عن هؤلاء الناس: "ثمارهم". أي سلوكهم الخلقيّ. ففي نظر متّى، وحده المسيحيّ الصادق يحقّ له أن "يتنبَّأ": فمواهب الله تحيط بالانسان كله وبكل حياته.، وإلاّ كانت كذبًا لدى الذي يظنّ أنه يمتلكها.
ونجد في هذا المجال تعليمًا آخر في القطعة التي تلي (7: 21-23). لم نعد هنا أمام مواهب كاذبة، بل أمام مواهب حقيقيّة تكوّن موضوع الفقاهة. فمتّى لا يتوقّف عند الأنبياء، بل يصل إلى الذين يُخرجون الشياطين ويصنعون العجائب. دوّن متّى هذه القطعة مستعملاً "عظة" تقليديّة (كما فعل لو 6: 46؛ رج مت 7: 21) وعنصرًا آخر من المرجع المشترك (آ 22-23؛ رج لو 13: 25- 27). وهي تعالج مسألة خطيرة: نحن في إطار الدينونة الأخيرة، وهذا يعني أن التنبيه لا يصيب نقطة ثانويّة.
ما هو الموضوع؟ أهمية المواهب الخارقة في الحياة المسيحيّة. فالأشخاص الذين يشير إليهم النصّ، ليسوا من الهراطقة. و"الاثم" (أنوميا) الذي تشير إليه آ 23، لا يعني معارضة للشريعة، كما سبق وقلنا: إنه عصيان لمشيئة الآب السماوي كما تفوّه بها يسوع المسيح. ومقابل هذا، إن الطاعة لإرادة الله تشكّل مصداقيّة الحياة المسيحيّة الحقّة، وتفتح أبواب الملكوت السماويّ. فإن غابت هذه الأمانة التي لا يُستغنى عنها، فالمواهب الأكثر سطوعًا لن تكون سوى مادة بديلة: فالمسيح الديّان السامي لا يهتمّ بها، ويدين بدون رحمة أولئك الذين تواقحوا ليبرزوها ويعطوها قيمة ليست قيمتها.
وإن جعل متّى هكذا تراتبيّة على مستوى القيم، فهو لم يتوخّ أن يرذل هذه المواهب. فمن المستغرب أن يقف هذا الموقف مع أنه شدّد مطوّلاً على سلطات الرسل، ومنحهم حتى سلطة إقامة الموتى (10: 8). ثم إن المعجزات تحتلّ حيّزًا هامًا بين النشاطات الكنسيّة: فخاتمة خبر "المصروع" (17: 19- 21) التي تشدّد على ضرورة الايمان كشرط للمعجزات، تعتبر مع ذلك أن المعجزات أمر شرعيّ جدًا.
فالمسيح لا يحكم على النبوءة ولا على المعجزة في ذاتها، في 7: 21-23. بل يحكم على المسيحيّين الذين ينسون أن يضمّوا إلى هذه المواهب جوهر الحياة في المسيح. ولكن يبقى أن الانجيليّ لا يحبّذ كثيرًا مثل هذه الممارسات: ففي المهمّة الأخيرة، لا نجد شيئًا من ذلك (رج مر 17:16-18)، بل فقط التعليم والتعميد (28: 19- 20 أ). وحتّى إن امتلك هذه المواهب "الكثيرون" (7: 22)، فهذا لا يؤثّر على متّى الذي يُبرز مرة أخرى الهدفَ الأخلاقي لفقاهته: بما أنهم فاعلو الاثم، فالله لا يعرفهم.
د- متّى وتبشير الوثنيين
كان صاحب الانجيل الأوّل من أصل يهوديّ، وقد شارك في ولادة جماعة لا شكّ في جذورها اليهوديّة. ولكن تحيط به الآن أكثريّة من المسيحيين جاؤوا من العالم الوثنيّ: ونحن نفهم بصعوبة أن يكون متّى المحاط بمسيحيّين متهوّدين، قد جعل الملكوت وقفًا على الوثنيين وحدهم. بل إن التعليم الذي يقدّمه قد انفتح انفتاحًا واسعًا على خلاصهم حين انضموا إلى الجماعة المسيحاويّة: وهذا واضح حين نقرّب بداية الانجيل وحدث المجوس، من النهاية والأمر بالرسالة الذي أعطاه القائم من الموت. وبين هذين الطرفين، نجد مقاطع أخرى (9:22؛ 14:24؛ 13:26) تبرهن أن متّى لم ينفصل عن نظرات الشموليّة التي نجدها في العهد الجديد، بل هو أخذ بها بدون تحفّظ.
وما يلفت نظر المؤوّل والمؤرخ في الانجيل الأول، هو الطريقة التي بها ينظر متّى بشكل ملموس إلى العمل الرسوليّ، وإلى مسيرة الوقائع التي آلت إلى تكوين كنيسته (هاتان الوجهتان تبدوان مترابطتين). فحين نتذكّر مجيء الوثنيين إلى المسيحيّة، نلاحظ أن متّى يتصوّر هذا المجيء حسب الرسمة النبويّة القديمة، بشكل حجّ تقوم به الأمم الآتية إلى نور المسيح (2: 1-12؛ 8: 11. وهناك موضوع "الجموع" التي تتبع يسوع، والتي تدلّ على دخول عدد كبير من الوثنيين في الكنيسة، رج 4: 24-25)، أو كانتصار الايمان (في الحالات الفرديّة) على تردّدات الخاصيّة اليهوديّة (8: 5-13؛ 15: 21-28). قد ترتبط هذه الخبرة بتوصيات عظة الجبل حيث يحضّ المسيح تلاميذه على بناء الذين في الخارج بسلوكهم المثالي، على أن يكونوا "نور العالم" (5: 17-16) كما يقول اسرائيل عن نفسه.
فهل نقول، بعد هذا، إن نظرة الانجيليّ إلى الرسالة، كصدى واقع حاضر، تتلخّص في شهادة تقدر أن تجتذب الوثنيين إلى الكنيسة دون أية محاولة دعاوة؟ مثل هذا الاستنتاج لا يكون ممكنًا إلا إذا أهمل متّى نفسُه تحديد "أنجلة" العالم كـ "رسالة" في المعنى الأصليّ للكلمة، ساعة جعل من هذه المحاولة موضوع توجيهات سامية وأخيرة تفوّه بها الربّ الممجّد: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (28: 29). بل إن المسيح حين سلّم إلى الأحد عشر هذه الوظيفة فسمّاهم "رسلاً" و"مرسلين" (11: 2)، قد أسّس بلا شكّ عملاً اعتبرته الكنيسة وسوف تعتبره من جوهر صلاحيّتها. أما الظروف وإمكانيّات هذه الرسالة فارتبطت بروح مختلف الجماعات وبما يحيط بها. يمكن أن لا تكون جماعة متّى قد قامت بنشاط خاص في هذا المعنى. ولكن هذا لا يهمّ كثيرًا. ففي النهاية، التعليم الذي يصل إلينا هنا هو شرعة الرسالة التي تحثّ المسيحيين على التحرّك لإدراك سائر البشر ونقل الحقيقة إليهم.

خاتمة
نسوق هنا الملاحظات التالية:
1. دلّ الانجيل الأول على كنيسة عادت إلى أصولها فتأمّلت فيها يسوع والتلاميذ الأولين لكي تفهم نفسها فهمًا أفضل في قلب التدبير الالهيّ، ولتثبّت من جديد مبادئها الخاصة في الحياة، وتصحّح أخطاءها.
2. عارض متّى نظرة قانونيّة محضة، فأبرز الظروف الخلقيّة للحياة المسيحيّة حسب تعليم المسيح المعلّم الأوحد. ينتج عن ذلك أن إرث الماضي لم يكن نقل وظائف ومسؤوليات وحسب، بل أمانة لتعليم المؤسّس الالهيّ. كان المسيح المفسّر النهائي للشريعة، ففرضها في "ملئها" مع الأمر بنشرها في مجتمع جديد أسّسه، كالشرعة الوحيدة التي تقدر أن تسير بالبشريّة إلى هدفها.
3. لا تعيش الكنيسة في الماضي ومن الماضي وحده، بل هي اغتنت بالحضور الآني للمسيح الحيّ والعامل وسط جماعته "إلى انقضاء الدهر". وهكذا تقوم بينه وبين مؤمنيه علاقة دائمة تجعل في الظلّ البنى البشريّة من أجل سلطة المسيح الذي هو الموجّه السامي لشعب الله الجديد.
4. ومع ذلك فهذه البنى هي موجودة، مع أن متّى لا يقدّم توجيهًا حول التنظيم الكنسي. بل هو حين يتطرّق إلى بعض المهام أو الوظائف، يذكّر بالصفات الخلقيّة التي يجب أن يدلّ عليها أولئك الذين يقومون بها. ووُجهة المساواة التي تميّز جماعة متّى، لا ترتبط بوضع قانونيّ بقدر ما ترتبط بنداء إلى التواضع والخدمة. ويُطرح سؤال: كيف كانت تُدبَّر هذه الجماعة؟ معلوماتنا ضئيلة. ولكن يبدو أن دور "المعلّمين" كان مسيطرًا في هذه الجماعة، لا في خط المعلّمين اليهود، بل بالنظر إلى السلطة الحاسمة التي يرونها في كلمة يسوع.
الفصل الرابع
استراتيجيّة الخبر في الانجيل الأول

منذ وقت قصير بدأ الشّراح الذين يقرأون خبر متّى، يطرحون على الانجيل الأول، كما على سائر الأناجيل، سؤالاً حول اللاهوت أو الوجهة اللاهوتيّة. أما الوجهة اللاهوتيّة لانجيل من الأناجيل فهي الفهم الخاص للإيمان والحياة اللذين يُشرفان على العالم الاخباريّ. فالانجيليون لا يقولون لقرّائهم وسامعيهم نظرتهم اللاهوتيّة. بل يبيّنون لهم ما هم عبر وصفهم للاطار والطابع والأحداث التي في أناجيلهم.
وإذا عدنا إلبى الخبر في انجيل متّى والميزات التي تبرز فيه، قد تكون الطريق الرئيسيّة التي أخذها الانجيليّ ليصف هذه الميزات هي ما يسمّى "بلاغة الفهم". سنتوقّف عند بلاغة الفهم في مت، وتطبيقها في الخبر الانجيلي. هذا ما نسميه ستراتيجيّة الخبر في الانجيل الأول.

1- بلاغة الفهم عند متّى
اهتمّ متّى، شأنه شأن سائر الانجيليين، بأن يُقنع قارئه بصحّة نظرته اللاهوتيّة. فجعل من الله السلطة السامية في خبر انجيله، ومن الراوي ويسوع شخصًا يشبه الله في السلطة التي يمتلكانها. معنى هذا هو أن الله صار "ينبوع" الوجهة اللاهوتيّة التي ينقلها متّى عبر يسوع وعبر "صوت" الراوي. وبواسطة الراوي وشموع، أعلن متّى في خبره وجهة لاهوتيّة تستبق القارئ وتؤثّر عليه، لأنها تَنعم بموافقة الله.
أ- مبدأ التفاعل
ما هي بلاغة الفهم المتّاويّة؟ هي ستراتيجيّة أدبيّة لوصف السمة الأساسيّة في إنجيله. هي طريقة متّى في وصف دراميّة الأشخاص كما يتفاعلون مع يسوع، وبعضهم مع بعض، مع الله أو عامل إلهي أو بشريّ. ونعطي أمثلة على ذلك. في 2: 1-12، يتفاعل المجوس مع هيرودس ويؤثّرون عليه وعلى تصرّفاته. في 9: 10- 11، نرى الفريسيين مع التلاميذ. في 3:27- 10، نقرأ عن يهوذا في علاقته مع رؤساء الكهنة والشيوخ. وفي 57:27- 61، علاقة يوسف الرامي مع بيلاطس.
وعلى مستوى الله، نراه حاضرًا مع بطرس ويعقوب ويوحنا على رأس الجبل (17: 5-6) بواسطة الغمامة والصوت. أما الرسل فسقطوا على وجوههم. وهناك تفاعل مع يوحنا المعمدان (3: 5-6، 7- 10)، مع الملائكة (1: 20؛ 2: 13، 19؛ 28: 2، 5). ونلاحظ أيضًا "تفاعل" المجوس مع النجمة العجائبيّة (2: 2، 10).
ولكن بما أن يسوع هو الفاعل الاسكاتولوجيّ السامي باسم الله في خبر مت، سنضيّق نظرتنا فنحدّد بلاغة الفهم في "التفاعل الدراماتيكي للأشخاص مع يسوع". وحين ندرك هذا، نحدّد بلاغة الفهم كاستراتيجيّة أدبيّة يستعملها ليحدّد السمات الدراماتيكيّة للأشخاص: إلى أي مدى حين "يرون" أو "يسمعون" يسوع في وسط أحداث الخبر، هم "يفهمونه" فهمًا صحيحًا ويتجاوبون معه "فيتقبّلونه" و"يصنعون" إرادة الله كما يعلّمها.
ب- الأسلوب المتاويّ في بلاغته
كيف يطبّق متّى بلاغة الفهم في الخبر الانجيليّ؟ عبر فنّ إظهار السمات. ففي الخبر المتّاويّ، يلعب يسوع دور القاعدة والنموذج "للإيمان والحياة". وما نقوله عن يسوع نستطيع أن نقوله عن يوحنا المعمدان (3: 1- 12؛ 21: 32). ومع ذلك، فإن على يسوع أن يصحّح النقص في إدراك يوحنا له (11: 2- 5). وكسمات تتفاعل مع يسوع، قابلها متّى بعضها ببعض ليرى إلى أيّ حدّ هي مرتّبة بالنسبة إليه. وعبر مثل هذه المقابلة للسمات، يلحّ متّى على القارئ لكي يوافق مع بعضها ويعارض البعض الآخر. ويشارك متّى موقف القارئ تجاه هذه السمات، وبالتالي يعلّمه الطريقة الصحيحة للتجاوب مع يسوع ومع تعليمه عن إرادة الله. وإذ يشارك الانجيليّ موقف القارئ تجاه السمات، فهو يقوده لكي تكون نظرته "قويمة" تجاه يسوع وخادمه أي في تناغم مع وجهة متّى اللاهوتيّة. ويمختصر الكلام، ما يتوخّاه متّى للقارئ حين يرى يسوع ويسمعه وسط أحداث الخبر، أن يفهمه فهمًا قويمًا ويتجاوب معه فيتقبّله ويصنع إرادة الله كما يعلّمها.
ما هي الإشارات الرئيسيّة التي تنبّه القارئ في ما يخصّ بلاغة الفهم؟ أهمّها هو استعمال أفعال تدلّ على الادراك، على المعرفة، على ردّة الفعل. فإذا ألقينا نظرة إلى نصّ متّى، نكتشف أن هذه الأفعال ترد مرارًا، وأن بعضها ينتمي إلى مفردات عزيزة على قلب متّى.
ج- رأى وسمع
مثلاً، يستعمل مت أفعال الادراك الحسيّ مثل "رأى" أو "سمع" ما يقارب 164 مرّة. ويلفت نظر القارئ ستًا وستين مرّة بالاداة "فإذا" أو "ها".
هناك أولاً رأى "بلابو" (20 مرّة). "ديابلابو" (مرّة واحدة). "اوراوو" (13 مرة). "إيدون" (58 مرّة). "تياأوماي" (4 مرات). "تيوريو" (مرتين). ونعطي بعض الامثلة: من ينظر إلى امرأة ليشتهيها" (5: 30). "الآب الذي يرى في الخفاء" (6: 4، 16، 18). "تنظر القذى في عين أخيك" (3:7). "أخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران" (11: 4). هذا مع "بلابو". ومع "أوراوو" نقرأ: "رأوا الصبي مع مريم أمّه" (2: 11). "أنظر أن لا تقول لأحد" (8: 4). "أنظروا أن لا ترتاعوا" (24: 6). وأخيرًا هناك فعل "تيويو": فيعني راقب، حرس، كما في 27: 36: "وجلسوا هناك يحرسونه".
ونجد فعل "سمع" مع "أكوو" (58 مرّة). "فلما سمع هيرودس اضطرب" (3:2). "فلما سمعوا هذا من الملك" (9:2). "صوت سُمع في الرامة" (18:2). "وإذ سمع أن ارخيلاوس" (2: 22). "سمع يسوع أن يوحنا أسلم" (12:4). "من يسمع أقوالي ويعمل بها" (24:7). "من يسمع ولا يعمل (26:7). كما نجد الاداة "إدو"، هوذا (62 مرّة) مع "إيدي"، أنظر (4 مرّات).
د- عرف وأدرك
ونقرأ أفعال المعرفة مثل "عرف"، "علّم"، "أدرك"، نال وحيًا. هي ترد 58 مرّة في الخبر المتّاويّ. وفعل فهم يرد تسع مرات وهو ينتمي إلى أسلوب متّى. بالنسبة إلى "عرف" نجد "غينوسكو" (20 مرّة). "لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" (25:1). "لا تعرف شمالك ما تفعل يمينك" (3:6). "أصرّح لهم أني لم أعرفكم قط" (23:7). "أنظروا لا يعرف أحد" (9: 30). وفعل "أبيغينوسكو" (6 مرات). "من ثمارهم تعرفونهم" (7: 16). "ليس يعرف الابن إلاّ الآب" (27:11). "إيليا قد جاء ولم يعرفوه" (17: 12). وفعل "أويدا" (25 مرّة). "أبوكم السماوي عالم" (6: 32). "فلكي تعلموا أن ابن البشر" (9: 6). "لا تعلمان ما تطلبان" (20: 22). وفعل "نويوو" (4 مرات) الذي يعني فهم، شعر، أدرك. "ألا تفهمون بعد" (15: 17)؟ "أحتّى الآت لا تفهمون" (9:16)؟
ونقرأ في الخطّ عينه فعل "أبوكالبتو"، أعلن، كشف، أظهر. "ليس مكتوم إلاّ ويُعلن" (26:10). "أعلنتها للأطفال" (11: 25). "ومن شاء الابن أن يعلن له" (27:11). "لا لحم ولا دم أعلن لك ذلك" (17:16). وفعل "سينيامي"، فهم، ألقى نظرة إلى الداخل (9 مرات). "لا يسمعون ولا يفهمون" (13: 13). "حينئذ فهم التلاميذ" (17: 13).
هـ- التجاوب وردة الفعل
أولاً: قبول يسوع
بعد فعل "رأى" وفعل "سمع" وفعل "عرف"، نقرأ أفعال تدلّ على ردّة الفعل، تدلّ على قبول يسوع (أو رسول من الله). وهذا ما نجده في أشكال متنوّعة في الانجيل المتّاويّ. "قبل" أو "سجد" (كلمة عزيزة على قلب متّى)، أو "أكرم" أو "اعترف" أو "تاب"، أو "ندم" أو "اعتقد" أو "اعتمد".
نقرأ فعل "داخوماي" (10 مرات) في 10: 40: "من يقبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني". وفعل "لمبانو" (أخذ) الذي يرد 58 مرة. "من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك" (5: ). "كل من يسأل يأخذ" (8:7). "أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا" (8: 17). "مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا" (8:10). وفعل "بروسكينيو" (سجد) الذي يرد 13 مرة. "أتينا لنسجد له" (2: 2)، قال المجوس). "آتي أنا أيضًا وأسجد له" (2: 8، قال هيرودس). "فخرَّوا وسجدوا له" (2: 11). "إن خررت وسجدت لي" (4: 9، قال الشيطان ليسوع).
ونجد فعل "انترابوماي": "لعلّهم يهابون ابني" (37:21). وفعل "هومولوغيو" (اعترف): "من يعترف بي قدّام الناس، اعترف به قدام أبي" (10: 32). يرد أربع مرات. وفعل "ماتانويو" الذي يعني تاب، غيّر فكره. ويرد أربع مرات: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات" (3: 2) "وبّخ المدن التي ما تابت" (11: 20). وفعل "ماتامالوماي" (ندم). "لكنه ندم أخيرًا ومضى" (21: 29). ويرد مرّتين. وفعل "بستاوو" مع "ايس" (آمن) في 18: 6: "من أعثر أحد المؤمنين بي". "بستاوو" مع "إبي" في 27: 42: "فلينزل عن الصليب فنؤمن". وأخيرًا مع حرف الجرّ: "لماذا لم تؤمنوا به" (21: 25)؟ ونقرأ في 25: 40: "لي لم تصنعوه" (فعل بويايو اموي). وفي 28: 19: "عمّدوهم" (ببتيزو).
ثانيًا: رفض يسوع
ومقابل هذا، يستطيع الانسان أن يتشكّك من يسوع، أن يجرّبه، أو ينكره. أو أن يخونه كما فعل يهوذا، أو يسلّمه كما فعل معارضوه، أن يهزأ به، يضربه، يجلده، يجدّف عليه، يبصق عليه، يشتمه.
أول فعل نقرأه في هذا الاطار "سكنداليزوماي"، أي تشكّك من يسوع. كان يسوع له سبب عثار. "طوبى لمن لا يشكّ فيّ" (11: 6). "كانوا يعثرون به" (13: 57). والانسان يجعل أخاه يعثر. يرد 14 مرّة. "حينئذ يعثر الكثيرون" (24: 10). "كلّكم تشكّون فيّ" (26: 31). ويقول يسوع أيضًا: "إن أعثرتك يدك، إن أعثرتك عينك" (8:18-9). "من أعثر أحد هؤلاء الصغار" (18: 7). وثان فعل هو "باراديدومي" الذي يرد 32 مرة ويعني أسلم. "يهوذا الاسخريوطيّ الذي أسلمه" (10: 4). "ابن الانسان يسلم" (20: 18). ويرد فعل أسلم بشكل خاص في خبر الآلام: "ابن الانسان يسلم ليصلب" (26: 2). "أنا أسلمه لكم" (26: 15، قال يهوذا). "كان يطلب فرصة ليسلمه" (26: 16). "إن واحدًا منكم يسلمني" (26: 21).
والفعل الثالث "بايرازو"، جرّب، امتحن (ست مرات). "ليجرّبوه فسألوه أن يريهم آية" (16: 1). "جاء إليه الفرّيسيون ليجرّبوه" (19: 3). وقال يسوع لسائليه: "لماذا تجرّبونني يا مراؤون" (18:22)؟ "وسأله واحد ليجرّبه" (22: 35). والفعل الرابع "أرنيوماي"، أنكر": "من ينكرني قدّام الناس، أنكره أنا أيضًا" (10: 33؛ رج 26: 69- 70، 71-72، 73-74). والخامس "أبارنيوماي" (4 مرات). "فلينكر نفسه" (16: 24). "تنكرني ثلاث مرات" (26: 34). والفعل السادس "أفيامي" (تخلّى). "عندئذ تركه التلاميذ" (56:26).
ونقرأ فعل "بصق" (امبتوو) في 26: 67 (بصقوا في وجهه) وفي 27: 30 (بصقوا عليه). وفعل "ضرب" (تبتو) في 27: 30 (ضربوا بها رأسه). وفعل "جلد" في 20: 19 (يجلدوه ويصلبوه، مع فعل مستيغوو) وفي 27: 26 (جلد يسوع مع فعل فراغالوو). وفعل "جدّف" (بلاسفيميو) في 9: 3 (قال الكتبة: هذا يجدّف) وفي 27: 39 (كان المجتازون يجدّفون عليه). وفعل "هزئ" (امبايزو) في 20: 19 (ليسخروا به)؛ 27: 29 (هزئوا به). رج 27: 31، 41. وفعل "اونايديزو" (عيّر، 27: 44). وفعل "ستاوروو (صلب) في عدد من النصوص: 20: 19؛ 26: 2؛ 27: 22، 23، 26، 31، 35.
ثالثاً: عمل وحفظ
هناك أفعال تدلّ على عمل إرادة الله (كما في تعليم يسوع). مثلاً: عمل إرادة الآب السماويّ، فعل من أجل يسوع، حفظ، أخرج، حمل ثمرًا. وتبدأ مع فعل "صنع" (بويايو) الذي يرد 88 مرة في مت. نقرأ في 7: 21: "يصنع إرادة أبي". في 12: 20: "يصنع مشيئة أبي". رج 21: 31. وفي 1: 24: "فعل (يوسف) كما أمره الملاك". وفي 5: 19 قال يسوع: "من عمل وعلّم". وفي 6: 1: "تصنعوا صدقتكم" وفي 7: 24: "من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها". رج 23:13؛ 19: 16. ونقرأ بشكل خاص 25: 40، 45: "كل ما صنعتموه... إليّ صنعتموه... وما لم تصنعوه إليّ لم تصنعوه".
وفعل "تيريو" (حفظ) يرد في 23: 3: "إعملوا به واحفظوه". وفي 28: 20: "علّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم". وفعل "أخرج" (إكبالو) في 12: 35: "الانسان الصالح من كنزه الصالح يخرج الصالحات، والانسان الشرير من كنزه الشرير يخرج الشرور". وهناك فعل "كربوفوريو" في 13: 23: "ذلك يُثمر". وفعل "بويايو كربون" في 8:3، 10: "احملوا ثمرًا... كل شجرة لا تحمل ثمرًا، لا تصنع ثمرًا". رج 10: 7، 17-19؛ 8:13؛ 26: 21، 43.
ومع أن هذه اللائحة لا تستنفد الألفاظ المتّاويّة والعبارات التي تدلّ على الادراك والمعرفة وردّة الفعل، إلاّ أنها كافية لكي تعرّفنا إلى بناء متّى في بلاغة الفهم.
ولكن يبقى تنبيه نسوقه. حين نلاحظ الجمل التي فيها يستعمل متّى بلاغة الفهم، لا ننتظر أن نجد كلّ مرّة إشارة واضحة إلى جميع الأفعال التي تشير إلى الادراك والمعرفة وردّة الفعل. فالإخبار يتضمّن بالضرورة فجوات على القارئ أن يملأها. لهذا، يُفرض على القارئ أن يستخرج عملاً أو أكثر من هذه الأعمال. ونعطي مثالاً على ذلك: يلاحظ الراوي بكل بساطة في الأخبار عن القيامة، أن ملاك الرب يوجّه كلامه إلى النسوة، وأنهنّ بدورهنّ أسرعن يخبرن التلاميذ (28: 5، 8). فمن البديهيّ أن لا يوضح الراوي أن النساء سمعن كلمات الملاك وفهمنها وتجاوبن معها، فصنعن إرادة الله كما أوصى بها الملاك. ومع ذلك فعلى القارئ أن لا يتردّد في استخلاص هذه الأعمال من وصف الراوي للنساء.

2- بداية الانجيل
في بداية الخبر الانجيليّ (1: 1؛ 4: 16)، يبدو استعمال متّى لبلاغة الفهم ظاهرة منذ الأحداث الأولى. ونحن نجد أمثلة لافتة لهذا الاستعمال في تصوير المجوس ويوسف تجاه هيرودس (ف 1-2). وتصوير الشعب اليهوديّ تجاه قوّاده الدينيّين (ف 3).
أ- المجوس وهيرودس
حين نتطلّع إلى صورة المجوس ويوسف تجاه هيرودس، نرى أن مت يتحدّث في الفصل الثاني عن "تصادم" بين هيرودس، ملك يهودا، ويسوع المسيح، ملك اليهود. بما أن يسوع هو طفل، فالمجوس ويوسف لعبوا دور الرجال البالغين. ومنذ بداية الخبر يعارض مت بشدّة بين المجوس وهيرودس (2: 1-12). لقد "رأى" المجوس النجم الموحي لله في طلوعه، و"فهموا" أن هذا يعني أن ملك اليهود قد وُلد (2: 2). أسرع المجوس لكي "يتقبّلوا" يسوع كملك، فجاؤوا إلى أورشليم، وأعلنوا عن عزمهم بأن "يعبدوه" (2: 1-2)، بالاضافة إلى ذلك، بعد أن أطلقهم هيرودس إلى بيت لحم، "رأوا" أيضًا النجم الموحي، وتبعوه بفرح اسكاتولوجيّ إلى البيت حيث وجدوا يسوع. ولما "رأوه، سجدوا له" وقدّموا له تقادم تليق بالملك (2: 9- 11).
أما جواب هيرودس فجاء معارضًا كل المعارضة لجوابهم. لما "سمع" في أخبار وحي، أن ملك اليهود قد وُلد، أمسكته الرعدة، لا الفرح (2: 3). ودلّ هيرودس أنه "فهم" هذه الأخبار: اعترف أن الملك المولود جديدًا هو المسيح (2: 4). ومع ذلك وبواسطة كذبة (هي تهكّم وسخرية)، فقد أظهر للمجوس موقفه بالنسبة إلى هذا الملك. فهو يريد أن يتقبّله، أن يذهب إليه و"يسجد" له (8:2).
فبالرغم من فهم هيرودس للأخبار الموحية، لم يذهب إلى الملك الجديد ليسجد له. هذا يعني أنه "تركه". وهكذا تبدو استراتيجيّة مت بديهيّة بالنسبة إلى القارئ. فمن خلال استعمال بلاغة الفهم، صوّر المجوس صورة تعارض صورة هيرودس: من جهة "رأى" المجوس الوحي الإلهيّ، "وفهموه" الفهم القويم، وتجاوبوا معه "فتقبّلوا" يسوع. ومن جهة ثانية "سمع" هيرودس بالوحي الالهي و"فهمه" فهمًا قويمًا. ومع ذلك، كان جوابه "رفضًا" ليسوع. وهكذا دعا متّى القارئ، لكي يعارض بقوّة موقف هيرودس، ويتمثّل بالمجوس "فيتقبّل" يسوع كالمسيح وملك اليهود.
ب- يوسف وهيرودس
ويوسف، شأنه شأن المجوس، يتعارض مع هيرودس. فيوسف أيضًا ليس غريبًا عن القارئ: قد ذُكر اسمه في سلسلة نسب المسيح (16:1). وقد بدأ حضوره في الخبر حول أصل يسوع (18:1-25). في هذا الحدث صوّر متّى يوسف على أنه "بار" (1: 19)، فأضاء على العمل الذي يمّيّزه أفضل تمييز: فقد لاحظ متّى أن "يوسف" "نهض" من النوم "وصنع" ما أمره به ملاك الربّ (1: 19، 24). وفي ف 2، صوّر متّى يوسف ثلاث مرات وهو يتجاوب مع الملاك الذي يتراءى له في الحلم "فيعمل" بسرعة إرادة الله (2: 13-14، 19- 21، 22).
وكان هيرودس عكس يوسف. طلب الصبيّ يسوع لكي يدمّره (2: 13). هو "لم يعمل" إرادة الله. ومرّة أخرى تظهر استراتيجيّة متّى بديهيّة واضحة. صوّر يوسف تجاه هيرودس: "سمع" يوسف الوحي الالهي و"فهم" وتجاوب معه "فصنع" إرادة الله. أما هيرودس الذي "سمع" هو أيضًا الوحي الإلهيّ "وفهم"، فقد كان جوابه الصريح "لاعمل" لمشيئة الله. وكانت النتيجة كما يلي: ألحّ متّى بهذه الطريقة على القارئ بأن يبتعد عن هيرودس وأن يجد في يوسف مثال "العمل" بمشيئة الله بسرعة.
ج- الشعب اليهودي ورؤساؤه
وفي حدث يوحنا المعمدان (ف 3)، استعمل متّى بلاغة الفهم، فصوّر الشعب اليهودي تجاه رؤسائه الدينيّين (آ 1-12). فيوحنا الذي هو أيضًا "بطل الخبر" في انجيل متّى، قد ظهر في بريّة يهودا وأعلن للجميع التوبة بالنظر إلى دور الله الاسكاتولوجيّ الكبير (3: 1- 2). في الظاهر، "سمع" شعب أورشليم وكل اليهوديّة والمنطقة المحيطة بالاردن، إعلانَ يوحنا، و"فهموا"، وتجاوبوا مع المعمدان فتقبّلوه هو "وصنعوا" إرادة الله: خرج الشعب إلى يوحنا، خضع لمعموديّته واعترف بخطاياه (3: 5).
أمّا القوّاد الروحيّون الذين يمثّلهم الفريسيون والصادوقيون، فقد "سمعوا" هم أيضًا يوحنا، وخرجوا إليه لكي يراقبوا خدمته (3: 7). ولكن يوحنا واجه الرؤساء الذين "رأوا"، وندّد بهم، وسمّاهم "نسل الأفاعي". وهذا ما يتضمّن أنهم "أشرار" (12: 34). وطلب منهم بإلحاح أن يصنعوا إرادة الله "فيصنعوا ثمرًا" يليق بالتوبة (8:3). كيف تجاوب هؤلاء الرؤساء مع يوحنا؟ "ما قبلوه" "ولا عملوا" إرادة الله. هذا ما اعترفوا به هم بأنفسهم في نهاية حياة يسوع العلنيّة. قالوا في نفوسهم حين سألهم يسوع عن معموديّة يوحنا: "إن قلنا من السماء، قال لنا، إذن لماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا من الناس فإنّا نخاف من الجمع، لأن الجمع يعدّون يوحنا نبيًا" (2: 25-26). وسيقول يسوع فيهم: "جاءكم يوحنا في طريق البرّ، فلم تؤمنوا به. أما العشّارون والبغايا فقد آمنوا به. ولقد "رأيتم" ذلك ولم تندموا من بعد لتؤمنوا به" (21: 32).
وهكذا، عبر بلاغة الفهم، رسم مت الشعب اليهوديّ تجاه رؤسائه، فبيّن أن الشعب "سمع" يوحنا، و"فهم"، وكان جوابه "قبولاً" لله و"عملاً" بمشيئته. أما الرؤساء "فسمعوا" يوحنا وما أرادوا أن يفهموا، وكان جوابهم عدم قبول ورفض للعمل بإرادة الله. انطلاقًا من هذا، يحثّ مت القارئ على أن يتوافق مع موقف الشعب ويدلّ على معارضته لموقف الرؤساء، من فريسيين وصادوقيين. وبعد ذلك، سوف يدعو الانجيليّ القارئ لكي يعيد النظر في موقفه من الشعب اليهودي (أي: "الجمع") الذي سيأخذ في النهاية موقف رؤسائه ويرفض يسوع. رج 16:11-19، 20-24، 25-26؛ 10:13-17.
وبمختصر الكلام، استعمل مت في بداية الخبر الانجيلي (1: 1-4: 16) بلاغة الفهم فرسم وجه المجوس ويوسف تجاه وجه هيرودس، وصوّر الشعب اليهودي مقابل قوّاده الدينيين. وإذ فعل هذا، دعا القارئ إلى التوافق مع المجوس ويوسف والشعب اليهودي، وإلى عدم التوافق مع هيرودس وقوّاد اليهود. بهذه الطريقة، اهتمّ مت بموقف القارئ تجاه هذه الوجوه، فحثّه على أن يأخذ بالموقف اللاهوتي كما في الانجيل، أي فهمه للإيمان والحياة كما ظهرا بشكل سلبي أو إيجابي من خلال أعمال هؤلاء الأشخاص.

3- في منتصف الخبر الانجيليّ
في منتصف الخبر الانجيليّ (17:4- 16-20)، شدّد متّى من خلال استعماله لبلاغة الفهم، على حدثين يقعان في نقطة استراتيجيّة. الأول: السبب الذي لأجله تكلّم يسوع بالأمثال (13: 10-17). والثاني: تفسير يسوع لمثل الزارع (13: 8-13). ويجب أن نلاحظ في هذين المقطعين أن يسوع هو المتكلّم الرئيسيّ. ينتج من هذا الوضع أن القارئ يقف وجهًا لوجه مع يسوع الذي سيقنعه بحقيقة هذه الوجهة اللاهوتيّة التي نجدها في ف 13، وبالتالي بما نجده في انجيل متّى من نظرة لاهوتيّة.
أ- السبب من التكلّم بأمثال
وإذا أردنا أن نقدّر الموقع الاستراتيجيّ لهذين المقطعين، أي داخل خبر المؤامرة في مت، نتوقّف عند التيّار في منتصف الخبر الذي يقود إليهما. في أول مرحلة من "منتصف الخبر الانجيليّ" (17:4- 11: 1)، حدّثنا مت عن خدمة يسوع العلنيّة لدى اسرائيل. فهو عبر نشاطه في التعليم والكرازة والشفاء (4: 23؛ 9: 35؛ 11: 1: انتقل من هناك ليعلّم ويبشّر)، يوبّخ اسرائيل بالنظر إلى ملك الله الاسكاتولوجيّ القريب، وذلك في نداء من أجل "التوبة" وفي تقبّل الملكوت: "توبوا، فإن ملكوت السماوات قريب" (4: 17). ودعا أيضًا تلاميذ فـ "صنعوا" حالاً ما أمرهم به (18:4-22؛ 9:9: "قال له: اتبعني. فقام وتبعه"، 10: 2- 4).
في المرحلة الثانية من "منتصف الخبر" (2:11- 16: 20)، صوّر متّى جواب اسرائيل على رسالة يسوع: لم يقبله الجمع ولا الرؤساء الدينيّون، بل رفضوه، "ولكن، بمن أشبّه هذا الجيل؟ إنه يشبه صبيانًا جالسين في الساحات، يصيحون بآخرين، قائلين: زمّرنا لكم فلم ترقصوا. ونحنا لكم فلم تلطموا. جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فقالوا: إن به شيطانًا. وجاء ابن البشر يأكل ويشرب فقالوا: هوذا إنسان أكول، شروب للخمر، يحبّ العشّارين والخطأة. إلاّ أن الحكمة تزكّت بأعمالها" (11: 16-19). وسوف يقرعّ يسوع مدن البحيرة التي لم تتب مع أنه أجرى فيها أكثر عجائبه (11: 20-24). وفي 12: 14 "خرج الفريسيون وائتمروا عليه ليهلكوه". وسوف يقولون فيه: "هذا الرجل لا يُخرج الشياطين إلاّ ببعل زبول، رئيس الشياطين" (12: 24). في هذا الموقع الحرج من المؤامرة، صوّر مت ردّة الفعل عند يسوع تجاه رفضهم له، بأن كلّم الجموع. بالأمثال (13: 3). وهذا ما يقودنا إلى المقطع الأول، إلى السبب الذي لأجله كلّم يسوع الشعب بالأمثال.
في هذا الحدث، سأل التلاميذ يسوع لماذا يكلّم الجموع بالأمثال (13: 10). فأجابهم يسوع مستعملاً بلاغة الفهم ليعطي صورة نموذجيّة عن موقفين متعارضين، موقف الجموع وموقف التلاميذ. بالنسبة إلى الجموع، قال يسوع عنها؟ "رأت" ولكنها "ما رأت". "سمعت" ولكنها "ما سمعت"، وبالتالي "ما فهمت". أما التلاميذ فلهم عيون لكي "يروا"، ولهم آذان لكي "يسمعوا" (13: 13، 16). وشرح يسوع الشيء الذي رآه التلاميذ وسمعوه: "إن كثيرين من الأنبياء والصديقين قد اشتهوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم سامعون ولم يسمعوا" (17:13). ففي داخل السياق المتّاويّ، هذه "الأشياء" (أي: ما أنتم راؤون) التي يشير إليها يسوع هي أحداث ارتبطت بخدمته الاسكاتولوجيّة في التعليم والكرازة والشفاء. قال يسوع: "إنطلقوا وأعلموا يوحنا بما تسمعون وترون. العميُ يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون" (11: 4-5؛ رج 17:4-1:11).
إن يسوع، منذ بداية رسالته، كان له تلاميذ تبعوه (4: 18-22). ورافقته جموع كثيرة. نقرأ في 23:4: "وكان يطوف في الجليل كله، يعلّم في مجامعهم ويبشّر بانجيل الملكوت، ويشفي كل مرض وكل سقم في الشعب" (رج 9: 35؛ 11: 1). والنتيجة هي أن الجموع والتلاميذ "رأوا" و"سمعوا" يسوع. ولكن الله منح الوحي الالهي للتلاميذ، وأعطاهم أن "يعرفوا" أسرار ملكوت السماوات (13: 11). غير أنه أخفى مثل هذا الوحي وهذه الأسرار عن الجموع.
وبعد أن عُزل يوحنا من خدمته، قد يفترض القارئ أن الجموع التي هيّأها يوحنل لمجيء يسوع، سوف تتقبّله. كان قد قال لهم: "توبوا فإن ملكوت السماوات قريب... أعدّوا طريق الرب، واجعلوا سبله قويمة" (3: 1-3؛ رج 7:11- 10). في الواقع، لم يكن الأمر هكذا (رج ف 11). فإن يسوع في كلامه إلى الجموع أعلن أن موضعهم هو مع مدن الجليل التي رفضت أن "تتوب" وتتقبّله مع أنه صنع فيها عجائب عظيمة (11: 20-24). والآن في هذا المقطع حول السبب من التكلّم بأمثال (13: 10-17)، لجأ يسوع إلى بلاغة الفهم ليقابل بين الجموع والتلاميذ: اختلفت الجموع عن التلاميذ حين "رأت" يسوع و"سمعته" وسط أحداث خدمته الاسكاتولوجيّة في التعليم والكرازة والشفاء، ولكنها لم "تفهمه". وبدلاً من أن "تقبله" "رفضته". في إطار ذلك، وعبر بلاغة الفهم، يوبّخ يسوع القارئ ويدعوه لأن يمشي مع التلاميذ، ويترك الجموع، ويأخذ بالنموذج الذي قدّمه حول التلاميذ والجموع.
ب- تفسير مثل الزارع
والمثل الثاني اللافت في استعمال متّى للبلاغة الفهميّة، في المرحلة الثانية من منتصف خبره (11: 2- 16-20)، هو حدث تفسير مثل الزارع (18:13- 23). هذا المقطع يتبع ذاك الذي عالجناه (لماذا الأمثال) وهو يرتبط به ارتباطًا وثيقًا. هناك صوّر يسوع التلاميذ على أن لهم آذانًا "تسمع". وهنا يحرّض يسوع التلاميذ داخل برنامج، لكي "يسمعوا" و"يفهموا"، ويدلّوا على أنهم فهموا حين "يعملون" مشيئة الله.
فسرّ يسوع مثل الزارع (13: 18-23) من أجل تلاميذه. فصوّر أربعة وجوه، ودعا التلاميذ لكي يقابلوا نفوسهم بها. في الصورة الأولى، يقف ذاك الذي "يسمع" كلمة الملكوت ولا "يفهمها"، فيعرّيه منها الشّرير (13: 19). في الصورة الثانية، يقف ذاك الذي "يسمع" الكلمة و"يتقبّلها" بفرح، ولكنه يتخلّى عنها في ساعة الضيق أو الاضطهاد (13: 20- 21). في الصورة الثالثة، يقف ذاك الذي "سمع" الكلمة، ولكنه اهتمّ بهموم هذا العالم وغرور الغنى، فظلّ "بدون ثمر" (13: 22). وفي الصورة الرابعة والأخيرة، يقف ذاك الذي "سمع" الكلمة و"فهمها" فهمًا قويمًا صحيحًا، فدلّ على ذلك حين عمل ثمرًا و"عمل" إرادة الله.
هذه الصور الأربع تقدّم مثالاً واقعيًا عن الطريقة التي بها يكون القارئ من عائلة يسوع الحقيقيّة. وكان يسوع قد قال: "كل من يصنع إرادة أبي الذي في السماء هو أخي وأختي وأمّي" (12: 50). وعبر استعمال بلاغة الفهم، قابل يسوع بين الصورة الرابعة والصور الثلاث الأولى، وحثّ تلاميذه (والقارئ من خلال التلاميذ) على أن يكونوا في خطّ المثال الرابع، "فيسمعوا" الكلمة و"يفهموها"، ويدّلوا على أنهم "فهموها" حقًا حين "يعملون" إرادة الله.
ومجمل الكلام في هذين المقطعين من "منتصف الانجيل"، أن متّى جعل يسوع يستعمل بلاغة الفهم ليصوّر في شكل نموذجيّ الجموع اليهوديّة تجاه التلاميذ، وليحثّ التلاميذ، وبالتالي قرّاء الانجيل، على أن يكونوا مثل الحبّة الرابعة التي سمعت وفهمت وحملت ثمرًا. وهكذا عبر استعمال بلاغة الفهم، ألحّ يسوع (في انجيل متّى) على القارئ بأن يأخذ بموقفه اللاهوتيّ، بفهمه للإيمان والحياة كما عبّر عنه في الدينونة بالنسبة إلى الجموع وإلى التلاميذ.

4- المرحلة الأخيرة في إنجيل متّى
أ- نظرة أولى
في المرحلة الأخيرة من الخبر الانجيليّ في مت (16: 21-28: 20)، نجد عدّة أمثلة لاستعمال بلاغة الفهم. ونتوقّف عند أربعة مقاطع. ثلاثة منها هي أمثال يسوع (28:21؛ 22: 10)، والرابع يتحدّث عن المهمّة العظيمة التي سلّمها يسوع إلى تلاميذه (28: 16-20). ونقول مرّة أخرى إن هذه المقاطع نجدها في خطب يسوع. فيسوع هو ذاك الذي به يلتقي القارئ، وهو الذي يلحّ على القارئ بأن يتقبّل الوجهة اللاهوتيّة التي يقدّمها، وهي الوجهة التي نجدها في انجيل متى.
في منتصف الخبر المتّاوي، كان جواب اسرائيل لخدمة يسوع في التعليم والكرازة والشفاء، رفضًا له ومؤامرة من أجل قتله (11: 2؛ 12: 50). لهذا، استعمل يسوع بلاغة الفهم فصوّر الجموع اليهوديّة في ألفاظ مطلقة، كأولئك الذين لم "يروا" ولم "يسمعوا" ولم "يفهموه" كما لم يفهموا الفهم القويم رسالته الاسكاتولوجيّة (13: 13). أما بالنسبة إلى القوّاد الروحيين، فإن مت لم يجعل يسوع يصوّرهم بشكل نموذج إلاّ في نهاية إنجيله. وهذا سيتمّ بعد دخوله يسوع إلى أورشليم. والصراع الذي كان يسوع معهم قوّى القطيعة بينه وبينهم.
ففي هيكل أورشليم، كانت المواجهة الكبرى ليسوع مع القوّاد الدينيين، وذلك قبل آلامه (21: 12-22، 46). وخلاله هذه المواجهة، قدّم يسوع ثلاثة أمثال ضد اسرائيل (21: 28-32؛ آ 32-46؛ 22: 1- 10)، ووجّهها إلى الرؤساء، أو أعضاء السنهدرين (21: 23). في هذه الأمثال، تحدّث يسوع عن علاقة الله بإسرائيل في تاريخ الخلاص. وفي الوقت عينه، استعمل بلاغة الفهم ليصوّر الرؤساء الذين "لم يتقبّلوا" عمّال نهاية الأزمنة الذين أرسلهم الله إلى اسرائيل، بل رفضوهم وهم "عارفون": يوحنا المعمدان، يسوع، التلاميذ المرسلون.
ب- المثل الأول، مثل الابنين
المثل الأول من أمثال يسوع ضدّ اسرائيل هو مثل الابنين (21: 28-32). لامس فيه يسوع الدور الذي لعبه يوحنا المعمدان في تاريخ الخلاص. وإذ روى يسوع هذا المثل، استعمل بلاغة الفهم ليصوّر ابنًا تجاه الآخر، وبالتالي ليصوّر القوّاد الروحيين تجاه العشّارين والبغايا.
وإذ صوّر يسوع ابنًا تجاه الآخر، أعلن أن الابن الأول الذي بدأ فرفض طلب أبيه بأن يعمل في الكرم ثم غيّر رأيه ومضى، قد عمل إرادة أبيه. أما الابن الثاني الذي وافق على طلب أبيه، ولكنه لم يعمل العمل المطلوب، فلم يعمل إرادة أبيه. وبالطريقة عينها أعلن يسوع: العشّارون والبغايا تجاوبوا مع يوحنا المعمدان، "فآمنوا" به و"قبلوه"، وهكذا عملوا إرادة الله وسيدخلون إلى ملكوت الله المجيد. أما الرؤساء الدينيّون الذين كان جوابهم ليوحنا "عدم إيمان" وبالتالي "عدم قبول"، فلم يعملوا إرادة الله. وهكذا يُمنعون من الدخول إلى ملكوت الله المجيد. وهكذا عبر بلاغة الفهم التي استعملها يسوع، فقد صوّر الرؤساء الدينيّين في تفاعلهم مع يوحنا المعمدان، ودعا القارئ إلى المشاركة في دينونته القاسية تجاههم.
ج- المثل الثاني، مثل الكرّامين القتلة
والمثل الثاني الذي أورده يسوع ضدّ اسرائيل هو مثل الكرّامين القتلة (21: 33-46). هنا رسم يسوع تاريخ الخلاص منذ زمن أنبياء العهد القديم حتى زمانه هو (21: 34-37). وعبر استعمال بلاغة الفهم، صوّر الرؤساء، فقدّم بشكل دراماتيكيّ تفاعلهم معه. وإذ قال يسوع المثل قدّم تماهيًا أثار موقفًا فيه بعض التحدّي. ماهى بين صاحب الكرم وبين الله، بين إبن صاحب الكرم الذي يسمّيه "ابني" مع نفسه. يسوع هو ابن الله كما أن هناك ابنًا لصاحب الكرم. وماهى بين الأشرار العاملين في الكرم، الذين تجرّأوا وقتلوا ابن صاحب الكرم فنالوا عقابًا كبيرًا وبين رؤساء الشعب الروحيين. وإذ قام يسوع بهذا التماهي، دلّ على أنه راح إلى قلب هويّته وعمق رسالته. ما أراد يسوع أن يعلنه، هو أنه في عين الله ذاته ابن الله. والله العامل السامي قد أرسل اسرائيل وأن الرؤساء هم أولئك الذين "رأوا"، ولكنهم رفضوا أن "يقبلوه" وأرادوا قتله. وهكذا ينتقل ملكوت الله إلى أمّة "تثمر ثمرًا"، أي "تعمل" إرادة الله (21: 37-43).
وتوقّف يسوع. فأخذ متّى الخبر ليُعلم القارئ عن الطريقة التي بها ردّ الرؤساء الدينيون على المثلين اللذين رواهما يسوع ضدّ اسرائيل. قال متّى: حين "سمع" رؤساء الكهنة والفريسيون أمثال يسوع، "عرفوا" أنه تكلّم عنهم (21: 45). وكان ردّهم أنهم أرادوا أن "يوقفوا" يسوع من خلال مؤامرة. أي رفضوه (21: 46). ما يخفيه هذا الغضب الكبير لدى الرؤساء، ليس فقط أمرًا سلبيًا يدلّ على رفضهم له، بل طبيعة برنامج يسوع الذي من خلاله بدت صورتهم. قال يسوع عن الرؤساء: "رأوا" و"سمعوا" يوحنا المعمدان، ورأوه وسمعوه هو أيضًا في وسط أحداث خدمته الاسكاتولوجيّة، ولكنهم لم "يفهموه" فهمًا قويمًا، وكان ردّهم عدم قبول يوحنا ويسوع، ولاعمل لمشيئة الله. والقارئ يستنير بمثلَي يسوع هذين ضد اسرائيل فيأخذ بموقف يسوع من الرؤساء ويبتعد عنهم كل بعد.
د- المثل الثالث، مثل وليمة العرس
والمثل الثالث الذي قاله يسوع ضد اسرائيل هو مثل العشاء الكبير أو وليمة العرس (22: 1- 10). فيه قدّم يسوع وجهة أخرى من تاريخ الخلاص، وهي التي شدّد عليها منذ زمانه حتى زمن الرسالة المسيحيّة إلى الأمم (22: 2، 9- 10). وإذ فعل يسوع ما فعل لجأ إلى بلاغة الفهم ليصوّر الرؤساء الدينيين بألفاظ تجعلهم تجاه التلاميذ المرسلين في الكنيسة الأولى.
حين روى يسوع هذا المثل، قام مرّة أخرى بالتماهي بين الملك والله (23: 2، 7). بين وليمة العرس وتدشين ملكوت الله الاسكاتولوجيّ بواسطته هو ابن الانسان (22: 2). بين العبيد الذين حملوا الدعوات إلى العيد والتلاميذ المرسلين (22: 3، 4، 8). بين المدعوّين إلى العشاء الذين استهانوا بالدعوة أو قتلوا العبيد والرؤساء الدينيين لدى اليهود (22: 5-6). بين دمار "مدينتهم" ودمار أورشليم (22: 7). بين دعوة العبيد التي وصلت إلى الآخرين والرسالة المنتشرة في العالم كله (22: 9- 10).
بواسطة هذه التماهيات أراد يسوع أن يحرّك سؤالاً هامًا: إن الرؤساء الدينيين الذين رفضوا، بإرادتهم، التلاميذَ المرسلين الذين بهم دعاهم الله تكرارًا لكي يدخلوا إلى عالم الملكوت الاسكاتولوجي الذي دشّنه هو ابن الانسان، قد رفضوا في الوقت عينه الله وابنه وذلك بملء إرادتهم. والنتيجة هي أن غضب الله يحلّ عليهم، والله سوف يرسل التلاميذ ليدعو الآخرين (= الوثنيين) إلى الملكوت (22: 8- 10).
على هذا المستوى القاسي يختتم يسوع أمثاله الثلاثة ضد اسرائيل. وقد استعمل بلاغة الفهم ليصوّر القوّاد الروحيين في شكل يدلّ على أنهم ما قبلوا عمّال نهاية الأزمنة الذين أرسلهم الله إلى اسرائيل. بل "رفضوهم": يوحنا المعمدان، يسوع نفسه، التلاميذ المرسلون. وبواسطة هذه البلاغة حثّ الانجيليّ القارئ على أن يأخذ بوجهته اللاهوتيّة، فيفهم تصرّف اسرائيل مع الله في تاريخ الخلاص.
هـ- إرسال التلاميذ
والمقطع الأخير اللافت عن استعمال يسوع لبلاغة الفهم نجده في نهاية المرحلة الأخيرة من الخبر المتاوي: في الحدث الذروة الذي فيه يسلّم يسوع القائمُ من الموت إلى تلاميذه المهمّةَ العظمى البعد فصحيّة (28: 16-20). وإذ استعمل هذه البلاغة كيّفها لكي يصوّر، لا التلاميذ أنفسهم بعد القيامة، بل عالم الرسالة الواسع الذي سيذهبون إليه ويحملون البشارة (28: 9- 10). وبعبارة أخرى، ما هو خاص هنا هو أن استعمال يسوع لبلاغة الفهم يقود إلى تحديد الرسالة.
هناك ثلاث كلمات مفاتيح يستعملها يسوع ليدلّ على هذه المهمّة العظمى التي سُلِّمت إلى التلاميذ: "تلمذ". "عمّد". "علّم" لكي يحفظ. تلمذوهم، عمّدوهم، علّموهم بأن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. إن لفظة "تلمذ" تدلّ على بلاغة الفهم، لأنها تشير إلى دعوة الناس لاتِّباع يسوع (18:4-22؛ 9: 9). كان يسوع قد قال في خطبته الاسكاتولوجيّة (ف 24-25) إن طريقة التلاميذ في دعوة الناس وتنبيهم، هي في إعلان "انجيل الملكوت" في كل الأرض المسكونة (24: 14). واعلان انجيل الملكوت يظهر في "إعلان إخباريّ" يقول فيه يسوع: "حيثما كُرز بهذا الانجيل في العالم كله، يُخبر أيضًا بما فعلت هذه (التي مسحت يسوع بالطيب) تذكارًا لها" (26: 13).
فإن مت يرى في خبر يسوع مثلاً أوليًا عن ذاك الاعلان. ولما روى متّى خبره كان هدفه الرئيسيّ دعوة القارئ إلى اتّباع يسوع، وتوجيهه لكي "يرى" و"يسمع" و"يفهم" يسوع وخدمته فهمًا قويمًا. وفي الخطّ عينه، اعتبر الانجيليّ أن التلاميذ العائشين بعد الفصح سيتمّون رسالتهم في العالم فيدعون الناس إلى اتباع يسوع، ويدعونهم لكي "يروا" يسوع و"يسمعوه" في هذا الاعلان الاخباريّ لانجيل الملكوت، و"يفهموا" يسوع ويفهموا خدمته فهمًا صحيحًا. 
واللفظتان المفتاحان الأخريان، أي التعميد والتعليم، تدلاّن هما أيضًا على بلاغة الفهم. "عمّد" أي أتمّ طقسًا به يتجاوب الناس مع يسوع "فيتقبّلونه". و"علّم" الناس لكي يحفظوا، أي دعاهم لكي "يعملوا" إرادة الله كما علّمها يسوع. فإذا توقّفنا عند هذه الألفاظ الثلاث معًا (تلمذ، عمّد، علّم)، نرى أن يسوع القائم من الموت استعمل بلاغة الفهم ليصوّر رسالة التلاميذ بعد الفصحيّة في العالم كله: فالرسالة في العالم تقوم بأن نوجّه الناس لكي يروا يسوع ويسمعوه في خبر إعلان انجيل الملكوت، ويفهموه الفهم الصحيح، وأن يتجاوبوا معه فيتقبّلوه في المعموديّة ويصيروا تلاميذه ويتعلّموا بأن يعملوا إرادة الله كما علّمها هو.
وهكذا يتعلّم القارئ في خاتمة الخبر الانجيلي أن الهدف الذي يجرى وراءه التلاميذ بعد الفصح والقيامة، لا يختلف عن هدف متّى في خبره الانجيليّ. وهو أن القارئ أو السامع يرى يسوع ويسمعه في وسط الأحداث الاسكاتولوجيّة فيفهمه الفهم الصحيح ويتقبّله ويعمل مشيئة الله كما علّمها.

5- بلاغة الفهم وتطبيقها في مت
بعد أن تفحّصنا أمثلة لافتة لاستعمال مت بلاغة الفهم في مواضع استراتيجيّة من "المؤامرة" على يسوع، نودّ الآن أن نشرح ما تعنيه هذه البلاغة، ونبيّن كيف طبّقها متّى.
إذا أردنا أن نقدّر الدور المركزيّ الذي تلعبه هذه البلاغة في الانجيل المتّاوي، من أجل إيصال الوجهة اللاهوتيّة، يجب أن نلاحظ الانتشار الواسع لهذه البلاغة في الخبر الانجيليّ. ولكي نعطي فكرة عن هذا، نتحرّك من خلال الحدث الفرديّ لنلفت الانتباه إلى استعمال متّى بلاغة الفهم في أنماط الخطب الكبرى، مثل خطبة الأمثال، وفي المواضيع الرئيسيّة أو المركزيّة التي تضمّ جزءًا من الخبر أو الخبر كله: وهذا ما نجده في ألقاب يسوع المسيحانيّة التي نجدها في قلب الكرستولوجيا المتّاويّة. مثلاً: المسيح، ملك اليهود (ملك اسرائيل)، ابن داود، ابن الله. أما لقب "ابن الانسان" فلا يدخل في المناقشة، لأن البعض لا يعتبرونه لقبًا مسيحانيًا ولا كرستولوجيًا بل اسمًا خاصًا.
أ- في الخطاب الامثاليّ
رأينا انتشار هذه البلاغة في الخطاب الأمثالي، في أمثال يسوع الثلاثة ضد اسرائيل، ورأينا حضور بلاغة الفهم فيها. غير أن هذه الأمثال الخاصّة تركِّز على موضوع الرفض و"اللاقبول" للعمّال الذين أرسلهم الله إلى اسرائيل. ولكن في سائر أمثال يسوع كما ترد في الخبر المتّاوي، نجد تشديدًا على خلقيّة الملكوت، على موضوع "العمل" بإرادة الله. وقد يكون المثل الذي يلوّن جميع الأمثال الخلقيّة هو مثل البيت المبنيّ على الصخرة (7: 24-27) الذي اعتنى متّى فجعله في نهاية عظة يسوع على الجبل.
في هذا المثل، يبدو التشديد الخلقيّ واضحًا: يلحّ متّى على القارئ بأن يتشبّه بالرجل الحكيم (مقابل الجاهل أو المجنون) الذي بنى بيته على الصخر. هذا يعني أن على القارئ أن "يسمع" كلمات يسوع ويفهمها ويتجاوب معها "فيعمل" إرادة الله كما علّمها يسوع. وفي أي حال، وجود أمثال يسوع الخلقيّة عبر الانجيل المتّاوي، يدلّ دلالة واضحة على انتشار بلاغة الفهم في هذا الانجيل.
ب- في الألقاب المسيحانيّة
وهناك إشارة ثانية إلى انتشار هذه البلاغة في الخبر المتّاويّ، نجدها في استعمال متّى لألقاب يسوع المسيحانيّة.
أولاً: لقب المسيح
ونبدأ بلقب "المسيح" (مشيحا، ماسيا) الذي هو أساس في كل الخبر المتّاويّ والذي يبدأ منذ الفصل الأول (آ 1، 16، 17، 18). في نهاية متتالية تمتدّ من الفصل الثالث إلى الفصل الحادي عشر، يستعمل مت بلاغة الفهم ليصوّر يوحنا المعمدان. يوحنا انسان "سمع" عن أعمال يسوع خلال حياته العلنيّة. ولكنه لم يفهمها الفهم الصحيح فكاد أن يعثر ولا "يتقبّل" يسوع كالمسيح. فيوحنا، خلال خدمته (3: 1-12) أعلن ذاك "الآتي، الأقوى"، الذي يتبعه والذي يحمل الدينونة (3: 11-12). ومع أن يسوع كان ذلك الذي تبع يوحنا، فهو لم يمارس الدينونة الأخيرة. مقابل هذا، سار في الجليل يعلّم ويكرز ويشفي (17:4؛ 11: 1؛ رج 23:4؛ 35:9؛ 11: 1).
"سمع" يوحنا وهو في سجنه عن أعمال يسوع (11: 2). فأرسل تلاميذه يسألون يسوع. هل هو المسيح حقًا؟ قالوا: "أأنت الآتي أم علينا أن ننتظر آخر" (3:11)؟ وجاء جواب يسوع لافتًا للنظر. أمرَ تلاميذَ يوحنا فقط بأن يذهبوا وينيروا يوحنا بأعماله الشفاء والكرازة التي رأوا وسمعوا يسوع يجريها (11: 4- 5). المهمّ في أمر يسوع هو أن الأعمال التي يجريها هي ما يجب أن يفهمها يوحنا على أنها "مسيحانيّة" لأنها تُتمّ نبوءات العهد القديم (أش 29: 18-19؛ 35: 5-6؛ 61: 1). بالإضافة إلى هذا الأمر، أرسل يسوع إلى يوحنا كلمة تحذيريّة: "طوبى لمن لا يشكّ فيّ" (11: 6). فإن كان يسوع سبب عثار ليوحنا، فهذا يعني من قبَله "رفضًا" ليسوع.
وبمختصر الكلام، استعمل يسوع في جوابه إلى يوحنا، بلاغة الفهم. دعاه إلى أن "يرى" و"يسمع" أعمال الشفاء والكرازة التي يجريها. وأن يفهمها فهمًا صحيحًا، وأن يتجاوب معها "فيقبل" يسوع ولا يرفضه كالمسيح. ومن خلال يسوع الذي يلحّ على يوحنا بأن يرى ويسمع ويفهم ويتقبّل المسيح، يلحّ متّى على القارئ بأن يفعل كذلك.
ثانيًا: لقب ملك اليهود
في المسيرة الصاعدة من ف 2 والواصلة إلى ف 27، يلقي متّى الضوء على هويّة يسوع كملك اليهود أو ملك اسرائيل. ومع التشديد على هذا اللقب، يستعمل متّى بلاغة الفهم في ف 2 ليصوّر المجوس تجاه هيرودس، وفي ف 27 ليصوّر الجنود الرومان وبيلاطس، والقوّاد الروحيين. نتذكّر هنا ما سبق وقلناه عن المقابلة بين هيرودس والمجوس في ف 2: "رأى" المجوس النجم الموحي، وفهموا أنه يدلّ على ملك اليهود، فذهبوا يتقبَّلون ذاك الملك و"يسجدون له" (2: 2، 9، 11). أما هيرودس فـ "سمع" أخبارًا تقول إن ملك اليهود قد وُلد. ومع أنه فهم ذلك، إلاّ أنه لم يتقبل ذاك الملك ولم يسجد له، بل رفضه وتآمر عليه لكي يقتله (3:2، 8، 13).
في ف 27، يصوّر مت الجنود الرومان وبيلاطس والقوّاد الدينيين، على مثال ما صوّر هيرودس. هم أيضًا "رأوا" (أو "سمعوا") يسوع، ولكنهم لم يفهموا أنه ملك اليهود (أو اسرائيل)، ولم يتقبّلوه، بل رفضوه ملكًا. وإذ "هزئ" الجنود الرومان بيسوع قبل الصلب (27: 30) "رفضوه" حتّى حين جعلوا التاج عليه هزءًا على أنه "ملك اليهود" (27:27- 31).
وبيلاطس صلب يسوع بين لصّين، بين ثائرَين على السلطة الرومانيّة، فدلّ على أنه "رفضه" مع أنه أعلن على الملأ (هزءًا) عبر الكتاب فوق رأس يسوع على الصليب، أن يسوع دخل ملكوته على أنه "ملك اليهود" (27: 37-38). 
والقوّاد الروحيون الذين "هزئوا" بيسوع على الصليب، "رفضوه" حتى حين اعترفوا هازئين أنه "ملك اسرائيل" وأعلنوا أنهم "سيؤمنون" به إن هو نزل عن الصليب (27: 42). في هذا الجوّ، لا الجنود الرومان، ولا بيلاطس، ولا القوّاد الروحيّون، "رأوا" يسوع و"فهموه" الفهم الصحيح على أنه ملك اليهود أو ملك اسرائيل. والنتيجة هي أنهم لم يقبلوه. بل رفضوا يسوع كملك، شأنهم شأن هيرودس. وإذ صوّر متّى هؤلاء كما صوّرهم، دعا القارئ إلى النظر في هزئهم وإلى الأخذ بوجهته اللاهوتيّة في التطلّع إليهم.
ثالثًا: لقب ابن داود
في الخبر المتّاوي كما نقرأه في ف 1-22، يظهر لقب مسيحاني آخر هو لقب "ابن داود". وهو يظهر قرابة عشر مرات. في 1: 1: "يسوع المسيح ابن داود" (رج آ 6) في 9: 27، صاح الأعميان: "يا ابن داود ارحمنا". وفي 12: 23 "بهت الجمع وقالوا: أفلا يكون هذا ابن داود"؟ وفي 15: 22 هتفت المرأة الكنعانيّة: "يا ابن داود ارحمني". وفي 15: 30- 31، ينادي أعميا أريحا يسوع: يا ابن داود ارحمنا". وفي 21: 9 تهتف الجموع: "هوشعنا لابن داود" (رج آ 15). وفي 22: 42-45 كان الجدال حول يسوع الذي هو ابن داود وربّ داود.
هنا استعمل مت بلاغة الفهم ليصوّر المجتمع المهمّش في اسرائيل تجاه اسرائيل نفسه الذي تمثّله الجموع اليهوديّة والقوّاد الروحيّون. وإذا أردنا أن نلاحظ التعارض، نتطلّع إلى يسوع ابن داود الذي يُجري عددًا من الاشفية ولاسيّما شفاء العميان. فيسوع شفى على التوالي أعميين (27:9- 31) وأصمّ وأخرس فيه شيطان (12: 22- 24)، وابنة المرأة الكنعانيّة، التي كان فيها شيطان (20: 29-34) وأعميين آخرين (20: 29-34) والعميان والعرج في الهيكل (2: 14-15). كل هؤلاء يعيشون على هامش المجتمع.
بالاضافة إلى ذلك، شهد الأولاد الذين يُعتبرون "كلا شيء" في عالم الخبر المتّاويّ، لشفاءات أجراها يسوع في الهيكل، فهتفوا له بصوت عال على أنه ابن داود (15:21). وهكذا يظهر أن السمة التي تميّز هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون على هامش المجتمع (ولاسيّما العميان)، هي أنهم "رأوا" في الايمان. رأوا وفهموا أن يسوع هو المسيح الداودي و"تقبّلوه" على أنه كذلك. في 27:9-29، دلّ الأعميان على أنهما رأيا في الايمان. لهذا قال لهما يسوع: "ليكن لكما بحسب إيمانكما". وفي 15: 21-18، رأت المرأة في إيمانها ما لم يره الآخرون. هؤلاء جعلوها مع الكلاب، مع الوثنيين الذين يقفون خارج "البيت". أما هي فاعتبرت نفسها من البنين. فنالت أكثر من الفتات المتساقط على الأرض. نالت "ما تريد". وفي 20: 29-33، طلب الاعميان أن تنفتح أعينهما. أعين الجسد. ولكن أعين الايمان كانت مفتوحة عندهما. هذا عند العائشين على هامش الشعب اليهوديّ.
أما السمة التي تميّز الجموع اليهوديّة والقوّاد الروحيين، فهي أنهم ظلّوا "عميانًا" تجاه الحقيقة التي تقول بأن يسوع هو مسيح اسرائيل الداودي. فالرؤساء لا يريدون حتى التوقّف عند الفكرة القائلة بأن يسوع يمكن أن يكون ابن داود. لهذا قالوا: "إنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين" (9: 34) رج 12: 24). أما الجموع، فحين رأت يسوع يشفي الأعمى، والأخرس الذي فيه شيطان، تساءلت: "أما يكون هذا ابن داود"؟ ولكن طريقة طرح السؤال مع الاداة "ميتي" (23:12)، دلّت على أنهم ليسوا مستعدين لقبول هذه الامكانيّة: لا يمكن أن يكون يسوع ابن داود. ومع أن هذه الجموع هتفت ليسوع بأنه ابن داود ساعة دخوله إلى أورشليم، إلاّ أنها لم تعرف هوّيته الأصليّة حين سألت شعب أورشليم: من هذا؟ أجابت الجموع: "النبيّ الذي من ناصرة الجليل" (21: 9- 11).
والنتيجة هي أن الجموع وقوّاد اسرائيل الروحيين قد "رأوا" يسوع ولكنهم رفضوا أن "يفهموا" أنه ابن داود، فدلّوا على "عماهم" وبالتالي "رفضوا" يسوع على أنه ابن داود. وعلى أساس هذا التعارض الذي قدّمه متّى بين العائشين على هامش المجتمع والجموع والرؤساء، دعا القارئ إلى أن يقتدي بهؤلاء المهمّشين "فيدرك"، ويتقبّل يسوع على أنه حقًا المسيح الداودي.
رابعًا: لقب ابن الله
بين الألقاب المعطاة ليسوع، لا يظهر فقط لقب "ابن الله" عبر الخبر المتّاوي، شأنه شأن سائر الألقاب، بل هو يرتدي أهميّة كبيرة. والسبب في ذلك هو أن لقب "ابن الله" هو لقب به يتوجّه الله إلى يسوع، وهو يدلّ على علاقة يسوع بالله علاقة بنويّة فريدة.
نقرأ في 17:3 عن الصوت الآتي من السماوات: "هذا ابني الحبيب". وفي 17: 5 الكلام عينه في حدت التجلّي. رج 2: 15 حيث يرد قول النبيّ: "من مصر دعوت ابني"؛ 21: 37-38 (سيهابون ابني). وبقوة هذه العلاقة البنويّة، يبدو الله فاعلاً بشكل حاسم في يسوع من أجل الخلاص (16:3؛ 11: 27؛ رج 1: 23). فيسوع لعرف إرادة الله ويعملها، وهو طائع كل الطاعة لله (4: 1-11؛ 39:26، 42، 44؛ رج 21:16).
بالنسبة إلى هذا اللقب، استعمل متّى بلاغة الفهم. فصوّر أمرين. الأول، هناك البعض "رأى" و"سمع" يسوع، كأنه "فهم" أنه ابن الله. وتجاوب معه "متقبّلاً" إياه كما هو. الثاني، وهناك آخرون ظلّوا دون النظر إلى الدرجة التي بها "يفهمون" يسوع بأنه "ابن الله"، ويردّون عليه "رافضينه" كما هو.
وهكذا "أفهم" الله يسوع أنه ابن الله منذ بداية الخبر المتّاويّ (1: 18، 20؛ رج 2: 15؛ 17:3؛ 17: 5)، وصُوّر يسوع كأنه فهم هذا أيضًا (17:3؛ ق 3:4، 6؛ رج 11: 27؛ 17: 5؛ 21: 37؛ 22: 2؛ 63:26-64). وبعد ذلك، فبطرس والتلاميذ من جهة، والجنود والرومان الذين شهدوا موت يسوع من جهة أخرى، قد جعل منهم الانجيليّ أداة الوحي الالهيّ (16: 16-17؛ 27: 54؛ رج 14: 33)، وقد "فهموا" و"تقبّلوا" يسوع كابن الله.
مقابل هذا، إن أولئك الذين "يعارضون" يسوع، "ويرفضونه" كابن الله، هم مثل إبليس (4: 1- 11)، مثل الشياطين (28:8-29)، والجموع اليهوديّة (التي مرّت من هناك) التي "تجدّف" على يسوع عند الصليب (27: 39-40). والثائران اللذان صُلبا معه شتماه (27: 44). وكذا نقول عن القوِّاد الروحيّين الذين أرادوا أن "يقبضوا" على يسوع، لأنه قال مثل الكرّامين القتلة (21: 46)، أو الذين هزئوا منه عند الصليب (27: 41-43).
من هنا، وبقدر ما القضيّة هي هويّة يسوع كابن الله، يستعمل متّى بلاغة الفهم ليرسم خطًا محدّدًا يفصل الله عن إبليس والشيطان من جهة، ومن جهة أخرى يفصل يسوع وتلاميذه عن اسرائيل (الجموع والرؤساء). حين رسم متّى هذا الخطّ، أراد أن يقنع القارئ لكي "يرى" و"يسمع" يسوع في وسط أحداث الانجيل، و"يفهم" و"يقبل" يسوع كابن الله.
في نظرة إلى الوراء بيّنا كيف توزّعت بلاغة الفهم في انجيل متّى من خلال أمثال يسوع الخلقيّة، وألقابه المسيحانيّة الرئيسيّة. وكان هدفنا من هذا أن نوضح الدور المركزيّ الذي لعبته هذه البلاغة التي حاولت أن تقنع القارئ بحقيقة هذه الوجهة اللاهوتية.

خاتمة
ونتساءل في نهاية هذا البحث عن عناصر بلاغة الفهم. وقد وجدنا ثلاثة.
1- استعمل مت أفعالاً مثل "رأى"، "سمع"، قرابة 230 مرة، فدلّ على تحذّره في تقليد الإخبار البيبليّ. اختلف عن الأدب الجلياني من جهة، وعن الأدب النبويّ من جهة أخرى، فما رفع "رأى" فوق "سمع" ولا "سمع" فوق "رأى". مقابل هذا، شدّد على دور هاتين الحاستين من أجل الفهم والنظرة الروحيّة. وهكذا دلّ الانجيل الأولى على أن طريق الحقيقة تمرّ في الخبر.
2- وتلفت انتباهنا أيضًا لفظة "فهم" على المستوى اللاهوتيّ. لا يعتبر مت البشر منذ ولادتهم غير قادرين على الفهم، ولا هو يؤكّد أن بإمكانهم على مستوى الطبيعة أن يدركوا حقيقة الله أو الوحي. ففي نظر متّى، الوحي الالهي يُعطى للبشر مجانًا بواسطة الله عبر يسوع المسيح. ومع ذلك، فعلى المستوى البلاغيّ، الطريقة التي فيها يوجّه متّى القارئ، لفهم صحيح يمرّ عبر وجهة محدّدة. فعلى القارئ الذي يريد أن يفهم يسوع فهمًا صحيحًا أن يدرك يسوع كما أدركه مت نفسه. هذا يعني أن النهج الذي يحمل ثمرًا للتعرّف إلى لاهوت متّى، لا يقوم في مقابلة المراجع ولا في فصل التقليد عن التدوين. بل في اكتشاف وجهة الانجيليّ. وهذا ما حاولنا أن نكتشفه.
3- يبقى السؤال الصعب حوله الهدف الذي توخّاه متّى حين كتب إنجيله. اعتبر بعضهم أننا لا نستطيع أن نتميّز هذا الهدف. ولكننا نقول إن هدف متّى يتوضّح عبر استعمال بلاغة الفهم. فالانجيليّ الأول يريد أن يقود القارئ إلى أن "يرى" و"يسمع" يسوع في وسط أحداث خبرة، إلى أن "يفهمه" فهمًا صحيحًا "فيتقبّله" كالمسيح وابن الله، ويعمل إرادة الله كما يعلّمها يسوع.
الفصل الخامس
وجهات من العالم الرمزي
في انجيل متّى

السمة اللافتة في التعليم عن شعائر العبادة كما نجده في مت 6: 1-18، هي ارتباطها بأشكال من التقوى اليهوديّة النموذجيّة. فالصدقة والصلاة والصوم هي موضوع نقاش في طريقة جعلت عددًا من الشرّاح يرون في هذا المقطع جدالاً داخل العالم اليهوديّ. فهذه المتتالية قد تعود إلى حركة إصلاح داخل العالم اليهوديّ مع بعض التشديدات المسيحيّة المميّزة.
تجاه هذا الخطّ من التفسير، هناك من قال إن هذه المتتالية عن شعائر العبادة التقليديّة في تدوينها وإدخالها في عظة الجبل، تنتمي إلى جماعة قطعت كل رباط بالعالم اليهوديّ على المستوى العمليّ. ما زالت هذه الجماعة تتعلّق برموز دينيّة نجدها في العالم اليهوديّ. غير أن هذه الرموز قد امتلأت بمدلولات جديدة ودُعيت إلى إظهار شرعيّة عالم رمزيّ يختلف بالأحرى عن العالم اليهوديّ. 
وهكذا نكون أمام خيارين في عالم الدراسات المتاويّة الحاضرة. وكلاهما يفترضان الطبيعة اليهوديّة لهذه المتتالية حول شعائر العبادة. في الأول، نجد نظريّة بتس حول التدوين النقديّ: إن المتتالية العبادية هي مع سائر ما في العظة على الجبل، نتاج جماعة مسيحيّة متهوّدة يختلف فيها عالم الايمان اختلافًا جذريًا عمّا عند المدوّن المتّاويّ. أما أوفرمان فانطلق من نظرة سوسيولوجيّة فتحدّث عن صراع بين اليهوديّة المتّاويّة بشكل عام وتدوين متّى بشكل خاص، وبين اليهوديّة التي كانت تكوّن نفسها كسابعّة للعالم اليهوديّ الرابينيّ. أما نحن فنودّ أن نقول إن تقليد متّى وتدوينه يدلاّن على وحدة النصّ. وإن هذا التقليد وهذا التدوين يُبرزان ممارسة مسيحيّة مميّزة وايديولوجيّهّ جديدة.
في قسم أول نشدّد بشكل خاص على التقليد المتّاوي الذي رتِّب بحسب ثلاث كلمات هي نموذج الاتصال. في هذا النموذج يفهم الواقع البشريّ في ألفاظ من "عالم النص" (أو بشكل أوسع، عالم المواضيع العباديّة). "العالم الرمزي" (المستوى التفسيري للواقع). "العالم الملموس" (أو واقع الحياة). هذا النموذج المثلّث يضمّ مثالاً أدبيًا (عالم النصّ تجاه العالم الملموس) مع مثال يقف في مستويين اجتماعيين حيث تتميز البنية الايديولوجيّة من بنية الواقع. والمزج بين هذين المثالين في نموذج تفسيريّ مثلّث لا بدّ أن يطرح الاسئلة على الكاتب أو على القارئ.
وبعد تحليل سنكروني (= إجمالي) لهذه العوالم الثلاثة في العبارات التقليدية يتطلع القسم الخامس بشكل خاتمة إلى التوسّع التاريخي في إطار دياكروني (= تفصيلي).

1- عالم النص في مت 2:6-6، 16-18: تعليم عباديّ
نبدأ فننظر في عالم النص لهذا القسم العبادي. هو يتضمّن كل عناصر النصّ التي يستطيع القارئ بمعرفته الدقيقة للحياة الواقعية والظروف الايديولوجية واللغويّة، أن يتعرّف عليها كعامل يتوقّف عند "ما قيل في النصّ وكيف قيل". إن "ما" تتضمّن (1) حوارًا ضمنيًا بين الأشخاص (المتكلّم: يسوع. تلاميذ يسوع: هم الذين يتكلّم إليهم). (2) والعاملين المذكورين في هذا الخطاب (الله، المراؤون، الشعب، ضمير المخاطب المفرد والجمع أي الأشخاص الذين إليهم يتوجّه الكلام). (3) والمواضيع (الصدقة، الصلاة، الصوم). (4) المكان (المجامع، زوايا الشوارع، المخدع). (5) الزمان (صيغة الحاضر). (6) أمور من الحياة اليوميّة (اغتسل، دهن نفسه). أما "كيف" فهي وسيلة إخبار وكلام تساعد القارئ على إدراك المناخ العام أو "لون" النصّ: ما هو ضمنيّ وما هو صريح في النصّ، الاسلوب وسماته. تبدو "ما" وكأنها تدلّ على عناصر ملموسة. و"كيف" وكأنها تحمل عناصر تفسيريّة أو رمزيّة. فالاثنتان (ما، كيف) هما سماتان في عالم النصّ تمثّلان الواقع الملموس والرمزيّ معًا.
من المعروف أن 6: 1-18 يعود بنا إلى مقطع عبادي سابق لمتّى. استعاد الانجيلي صياغته وتوسّع في شكله الأدبيّ. إن جعلنا جانبًا آ 1 التي هي مقدّمة تدوينيّة، وما يتعلّق بالصلاة الربية (آ 7-15)، نجد نفوسنا أمام وحدة تقليديّة تتميّز بموضوعها وببنيتها. على مستوى الموضوع، تتوقّف هذه القطع عند ثلاثة أمور تتعلّق بالعبادة. على مستوى الشكل (أو البنية) نحن في إطار علم الفتاوى. لهذا سمّينا هذه القطعة "التعليم العباديّ". ومع ذلك، فالشعور بأننا أمام تعليم عباديّ لا يتثبّت بالنصيحة المعطاة. فعبثًا نجد إشارات عمليّة. ففي الحالات الثلاث، يصوَّر السلوك الخاطئ والسوك القويم عن طريقة الاستعارة مع أسلوب السخرية والمفارقة.
أ- النفخ في البوق استعارة معروفة في الادب اليونانيّ، وهو يلفت الانتباه إلى شخص من الأشخاص. وهكذا لا نكون متيّقنين حول الممارسة اليهوديّة التي تصوَّر في آ 2. فالصورة هي صورة تطواف مع أناس يسيرون وهم ينفخون بالبوق أمام الذي صنع الصدقة. وهي بعيدة كل البعد عن الواقع اليومي. ويصوَّر السلوك اليوميّ أيضًا عن طريق الاستعارة وما فيها من مبالغة. ففكرة إعطاء الصدقة في الخفية، تتوافق مع التقوى اليهوديّة. لهذا جاء التعبير بشكل مفارقة حين قال "لا تعرف شمالك "ما صنعته يمينك".
ب- القسم الأول من الجزء المخصّص للصلاة (آ 5) هو قريب من واقع الحياة. فتصرّف "المرائين" يدلّ من الخارج على مظاهر التقوى اليهوديّة. فالوقوف هو طريقة معتادة في الصلاة؛ هكذا كانوا يصلّون في المجامع. والصلاة في الهواء الطلق عمل من الواقع وإن لم يكن من المعروف الصلاة في زوايا الشوارع. تجاه ذلك، نجد التعليم الايجابي: يجب على تلميذ يسوع أن يدخل إلى مخدعه ويغلق بابه ويصلّي وحده. لا نفهم هذا الارشاد في المعنى الحرفيّ. بل مثلُ هذه الصلاة هي مستحيلة بعد أن أوردت آ 9-13 الصلاة الربيّة التي تُتلى في العبادة المسيحيّة العامّة مع صيغة المتكلّم الجمع (أبانا، نحن).
ج- في القطعة الأخيرة، ترتبط الاستعارة بنوع الصوم الذي تعنيه. هناك صوم يوم التكفير. وصوم يرتبط بكارثة وطنيّة. وصوم يرتبط بالجفاف والقحط. فالسلوك الذي يهاجمه يسوع هو ما يُنتظر من كل يهوديّ تقيّ ساعة يدهن رأسه. غير أن هذا ليس بمعقول. فكيف يلفت "المرائي" الانتباه عندما يصوم في تلك الحالة؟ إن النص يعود إلى الصوم الخاص الذي يصومه الفريسي (رج لو 18: 12). وهكذا لا يكون الصوم الحقيقيّ تحديًا للآخر، بل عمل مصالحة. وهكذا يقودنا الإرشاد إلى مفارقة. يجب أن يكون عدم تظاهرنا كاملاً فندلّ على أنفسنا وكأننا لسنا صائمين.
هذه الاستعارات لا تلفت النظر في ذاتها. فهناك سمات مشابهة نجدها في مقاطع إزائيّة تشبه هذا التعليم العباديّ. ففي الويلات ضد الكتبة والفريسيين في مت 23، يصوَّر السلوك المرائيّ بتفاصيل مليئة بالألوان (مثل العصائب والأهداب في آ 5، ولائحة البقول من نعنع وسذاب في آ 23)، في أسلوب مضخَّم (تجولون البر والبحر لتربحون دخيلا واحدًا، آ 15)، وفي سخرية مرّة (تبنون القبور للأنبياء الذين قتلوا، آ 29، رج لو 48:11 ب).
هنا أيضًا، تتعارض التقوى الحقّة والتقوى لدى "المرائين"، ويضاف ارشاد حول التقوى الحقة. وهناك مواد أخرى مشابهة تضمّ ارشادًا فيه أقوال حكميّة فتعطي الخطوط الكبرى للتقوى الفرديّة (23:5-24). وفي بعض هذه الأقوال، يرتبط التحريض بعودة إلى الجزاء (مر 9: 43، 45، 47-48؛ مت 25:5-26؛ لو 8:14- 10- 12- 14). فأقوال الحكمة هذه تعطي نظرة عمليّة، ثم تتعدّى الواقع فتعطي مثالاً عن السلوك المستقيم: قدّم الوجه الآخر. أعط الرداء مع القميص. إمش ميلين لا ميلاً واحدًا (مت 5: 39 ب- 40).
وفي الوقت عينه، تختلف هذه القطعة العباديّة عن الويلات وأقوال الحكمة في طرق لافتة. ففي ويلات مت 23، جاءت اللهجة الهجوميّة مخفَّفة مع التوافق على تعليم وسلطان الكتبة والفريسيين (آ 2-3). وفي خطّ هذه الصراحة الاساسيّة، هناك نصائح أدبية في التوجّه (وتوبيخ) إلى "المرائين" كما لو أنهم يستطيعون أن يصلحوا طرقهم. أما التعليم العباديّ، فلا ينتظر شيئًا من هذا. لا يحاول يسوع أن يقنع "المرائين".
وهناك اختلاف آخر. في الويلات، تبدو صفة "المرائين" مرتبطة بالكتبة والفريسيين. لكن في التعليم العبادي، تبدو لفظة "مرائي" وكأنها لفظة ثابتة مع معنى عام. قد تشير اللفظة إلى الكتبة والفريسيين، ولكن لا بصورة حصريّة. لقد صارت اسمًا للممارس اليهوديّ بشكل عام. وإذا قابلنا القسم العباديّ مع الأقوال الحكمية الارشاديّة، نرى أنها ترتبط في توجهها "بالهلكة" بسلوك المؤمن. فهذا المقطع لا يتعلّق بممارسات تقويّة خاصة، فيركّز على فقاهة محدّدة كما هو الأمر بالنسبة إلى الأقوال الحكميّة الارشاديّة، بل يدلّ أيضًا على بنية علم الفتاوى بشكلها الواحد. فكأنَّ هذا التعليم الاستعاري يريد أن يدمّر هذه الرؤية المطلوبة من تعليم تمكن ممارسته، وقد حدِّد تحديدًا خلقيًا.
وبمختصر الكلام، رأينا أن عالم النص في القسم العبادي ظلّ ملتبسًا. ويُطرح السؤال: هل نستطيع أن نسمّي هذه القطعة، في شكلها التقليديّ، تعليمًا؟ والجواب المعقول هو نعم. فهناك بعض السمات تسير في هذا الخطّ. ولكن سمات أخرى تعارض الغاية الفقاهيّة. فليست المسألة فقط مسألة أدبيّة، لأن هناك انشدادًا بين المناخ العام لعالم النصّ ووظيفة النصّ في حياة الجماعة. من أجل هذا، نوجّه أفكارنا إلى العالم الملموس فنتفحّص الإطار الاجتماعي لهذا "التعليم العبادي".

2- الإطار الاجتماعي للتعليم العبادي: وظائف موضوع السّرية 
حين درس بروكس المواد الخاصّة بمتّى، قدّم رسمة عن العالم الملموس التي نجدها من خلال "تعليم العبادة" فقال: "تكوّنت مجموعة مسيحيّة متهوّدة عرفت السلام النسبي داخل المجمع (أو في إطار العالم اليهوديّ) قبل سنة 70 ب م. وأكدّت هذه المجموعة سلطة التعليم في خط أولويّة المجمع ساعة انتقدت السلوك التقويّ لدى رؤساء المجامع والأعضاء. وقد تأسّس هذا النقد على أقوال نُسبت إلى يسوع. وأشارت هذه المجموعة إلى الممارسات الدينيّة التي تحصر نفسها في الجزاء الذي يأتي من الله الذي يصوَّر على أنه ذاك الذي يرى في الخفية (أو: السرّ). فممارسات الصدقة والصلاة والصوم الاسبوعي، تشبه إلى حدّ بعيد، ممارسات أعضاء المجامع، ما عدا أنها كانت تعاش في عدم تظاهر خارجي.
مجموعة من اليهود المسيحيين الذين يؤمّون المجامع ويمارسون أشكال التقوى عينها التي يمارسها سائر اليهود (ولكنهم كانوا يخفون بعناية هذه الممارسات): هكذا نكون أمام الواقع اليوميّ. إذا كانت المجموعة المسيحيّة تتصدّق على فقراء اسرائيل، وتصلّي في المجمع، وتعبد الله، وتصوم مرّتين في الأسبوع، فمن الصعب جدًا، بل من المستحيل إخفاء هذه الممارسات. ولماذا حاولوا كل هذا وجعلوه في المقام الأول؟
إن تفسير "بروكس" يجعل عالم النصّ يعكس العالم الملموس في عدة طرق ويجعله شفافًا. بعد أن أدخل عالم النصّ ثلاثة أقوال حول التقوى اليهوديّة، التي يمارسها تلاميذ يسوع، وُجدت بشكل ملموس جماعة تمارس هذه الفرائض. وبعد أن طلب هذا النصّ أن تكون هذه الممارسات في الخفية، تلا ذلك أن المجموعة "أخفت" حياتها العبادية، ورفضت التظاهر بها. ومع أن هذه الأمور قد تبدو طبيعيّة، فالصورة التي نتجت عن واقع هذه الحياة هي أبعد ما تكون عن الطبيعة: مجموعة من اليهود الذين يحاولون بقلق أن يخفوا عن سائر اليهود أنهم يقومون بذات الممارسات المعتادة. إن بناء "بروكس" سريع العطب، لأنه يستند إلى القول بأن القطعة العباديّة تمثّل المرحلة نفسها من تقليد الأقوال التي نجدها في مت 23: 2-3، 5. في الواقع (وكما قلنا أعلاه)، إذا قرأنا التعليم العباديّ وحده دون نظرة إلى مت 23، لا شيء يؤكّد على سلطة رؤساء المجمع، ولا ما يساعد على المماهاة بين "المرائين" ورؤساء المجمع.
قد يكون ضيّقًا الطريق من عالم النصّ إلى الواقع الملموس. فجميع سمات عالم النصّ ليست اعتبارًا مباشرًا إلى الوضع الآنيّ. فالمشكلة المنهجيّة الأساسيّة هي: كيف نجد مدخلاً خاصًا إلى عالم النصّ يقود إلى واقع الحياة؟ في الحالة الحاضرة، يقدِّم ذكرُ المجمع نقطةَ انطلاق واعدة. فالمجمع يظهر مرّتين في إطار سلبيّ كمسرح فيه يُتمّ "المراؤون" عرضهم (آ 2، 6). وهذا يبدو مهمًا. ساعة لم نكن نتوقّع أن يُذكرَ المجمع في السياق، نوقشت الصدقة والصلاة دون إشارة سلبيّة إليه. وما يلفت النظر بشكل أكبر، هو أن يسوع يقول بصراحة إلى تلاميذه بأن لا يصلّوا في المجمع، بل في المخدع (آ 6). إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الاشارة، نستطيع القول إن الجماعة ليست أولاً يهودًا يؤمّون الهيكل. فبعض أعضائها قد يكونون واصلوا الذهاب إلى الهيكل، ولكن حياة الجماعة الدينيّة تبدو وكأنها مركّزة خارج المجمع.
إذا كانت الجماعة تلتئم التئامًا خاصًا بها، وبالتالي كان لها تدبير مستقلّ بعض الاستقلال، ستظهر ممارسات هذه الجماعات مختلفة عن ممارسات "المرائين". فبدلاً من وضع النقود في "الخزانة" وتقديم العطايا لجباة الهيكل، سيكون "المال" سندًا للجماعة وللمحتاجين فيها. والصدقة المعطاة بهذا الشكل ستكون "سريّة"، وكأنها غير موجودة في نظر المجمع. والصلوات التي تُرفع في اجتماعات خاصة لا تحتاج إلى أن تكون تلك التي تُتلى في المجمع. فهي تتضمّن بلاشكّ الصلاة الربيّة كما نجدها في انجيل متّى. ونقول الشيء عينه عن الصوم. فأسهل طريق لاتّباع هذا الارشاد ليس بأن نصوم. مثل هذا "الصوم" كان خفيًا جدًا بحيث إن الذي يصوم لا يستطيع أن يراه أحد.
وهكذا يظهر الآن مدلول "السّرية" في ضوء جديد. لا نستطيع أن نرى في إغلاق الباب (آ 6) عودة إلى خوف المسيحيين من اضطهاد على يد اليهود (يو 19:10). ما نستطيع أن نكتشفه بشكل مباشر هو الخوف الذي يحسّ به اليهود (وشعوب آخرون) من ممارسة الجماعة أو عدم ممارستها الحاليّة. ولكن لماذا خافوا؟ ليس من الواقعيّة في شيء أن نقول إن المسيحيين خافوا أن يرى سائر اليهود ولاءهم التام للتقوى التقليديّة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نفهم خوفهم أن يروا ممارساتهم الدينيّة تختلف عن تلك التي في المجمع. وبقدر ما الذين في الخارج كانوا جاهلين للطبيعة الحقيقيّة لممارسة الجماعة، نستطيع القول إن هذه الممارسات كانت شبيهة بأشكال التقوى اليهوديّة، ما عدا نوعيّتها العالية. 
وكان لموضوع السرّ، داخل الجماعة، وظيفة أخرى اجتماعيّة، وهي المحافظة على الوحدة على مستوى رمزيّ. فالتعليم حول الصوم ينكر في المبدأ امكانيّة معرفة الاختلافات الحاليّة داخل المجموعة. فإذا كان الذين هم خارج الجماعة لا يستطيعون أن يقولوا من الذي يصوم ومن الذي لا يصوم، فهذا ينطبق أيضًا على الذين في الداخل. فالتعليم العبادي يتيح للأعضاء أن يتصرفوا بطريقة مختلفة بعضهم عن بعض. قد يستطيع الواحد أن يصوم ساعة لا يصوم الآخرون. ولكن في أي حال، يجب عليه أن يتصرّف وكأنه ليس بصائم.
لا نجد برهانًا محدّدًا يقول بأنه وُجد في الجماعة عدّة ممارسات للصوم. ولكن مت 19: 10-12 يلمّح إلى وجود نزعات صوفيّة تمارسها الأقليّة (آ 11، هذا لم يُعطَ للجميع). في هذا الوضع، نستطيع أن نفهم أن الانسان "يخفي" تقواه المفرطة. فإن كان البعض متعلّقًا بالصوم أكثر من البعض الآخر، فتصرّفهم هو الذي يحمل (أو لا يحمل) لهم الاستحقاق أمام الله. ولكن ليس لهم أن يبحثوا عن ربح استحقاق اجتماعي ملمّحين إلى أنهم أفضل من سائر الأعضاء في الجماعة.
وهناك اختلاف ممكن داخل الجماعة بالنظر إلى الصدقة. فبعض الأعضاء اليهود في الجماعة قد يكونون أحسّوا بأنهم مجبرون أن يخدموا سيّدين، فيتقبّلوا ما يعرضه المجمع وما تعرضه الجماعة. وهذا ما يفقرهم بسهولة، بحيث ينتج عن ذلك طريقة حياة نسكيّة. ساعة ينتقدهم أعضاء لا يحسّون بواجب يفرض عليهم من قبل المجمع، لأن قلبهم مقسوم في المشاركة في التدبير المشترك، فمقطع الضريبة للهيكل (مت 17: 24-27) يبدو انعكاسًا لهذه المسألة. لقد دفع يسوع ضريبة الهيكل، وإن لم يكن "من جيبه" بل من "صندوق" عجائبيّ. وبحسب هذا النموذج يجب أن تُسند المؤسّسات اليهوديّة، إن لم يكن ذلك ثقيلاً، على الجماعة. ثم إن موضوع "السرية" يحافظ على الوحدة. فإن أراد المسيحيّ المتهوّد أن يدفع للمجمع، فهذا أمر يتعلّق به، شرط أن لا يؤثّر على "ماليّة" الجماعة.
وهكذا قدّمنا وظيفتين لموضوع "السرية". الأولى، إخفاء ممارسات الجماعة عن أعين الذين في الخارج، يُساعد على إبطال انتقاد ممكن يقول بأن الجماعة أهملت أشكالاً عاديّة من التقوى. الثاني، إخفاء الاختلافات في الممارسة العباديّة داخل الجماعة، يساعد على المحافظة على الوحدة الداخليّة. هما وظيفتان خفيّتان لأن الجماعة لا تستطيع أن تعي الأسباب الآنيّة لهذا الاخفاء.
ونستطيع أن نضيف وظيفة ثالثة خفيّة. إن التعليم عن الصدقة يشير إلى أن على الفرد أن يخفي عمله الملموس عن نفسه. وهكذا لا يعرف الواحد ما صنع. هذه النظرة غريبة عن الحياة العمليّة. ومسيرة "التشريع" تبقى ناقصة إلى أن يصبح عالم الجماعة في قلب الفرد. هذا لا يعني أننا نقف عند مضامين العالم الرمزيّ. فقبل كل شيء على الفرد أن يُدخل في ذاته ديناميّة العالم الرمزيّ للجماعة. وإذا أراد أن يشعر بنفسه أنه في الجماعة كما في بيته، عليه أن يأخذ بهذه القيم الرمزيّة كما بالاستراتيجيّة للمحافظة على هذه القيم. وهذه الاستراتيجيّة تفترض الاخفاء وعدم النظر إلى أعمال ملموسة. وعلى الفرد أن يأخذ بالممارسة عينها: لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك.

3- العالم الرمزي في التعليم العبادي: شرعة شرف
إذا قرأنا التعليم العبادي حسب الخطّ الذي قرأناه أعلاه، نرتبط بنص ايديولوجيّ من الدرجة الأولى. وهدفه الرئيسيّ ليس في أن يعطي قواعد عمليّة من أجل نشاط عباديّ، بل نشْر فهم لهذا النشاط وتقديمه بشكل شرعيّ. قد يكون الكاتب أراد أن يعطي تعليمات عباديّة. ولكن في الواقع، سيطر تعليمه الايديولوجيّ على هذا الهدف. فما هي هذه الايديولوجّيا التي يودّ عالم النص أن يبرزها؟ هناك امكانية لتقييم ايديولوجيّة النصّ، حين يعتبر أن عالم النصّ شفّاف بالنظر إلى المستوى الايديولوجي، وأن هذه الايديولوجيا تبرز في مفاهيم لاهوتيّة وعقائدية.
وقد فسْر "بتس" التعليم العبادي كما يلي: "إذا أراد الانسان أن يدرك المنطق الداخليّ الذي يُبرز التعليم العبادي، وجب عليه أن يعكس عليه الفرضيات اللاهوتيّة التالية. فمدلول الاله الخفيّ الذي "يقيم في السماء" (6: 1)، الذي هو "في الخفية" (6: 6، 18)، والذي "يرى في الخفية" (6: 4) هو مهمّ جدًا. ويفترض أيضًا مدلول المجازاة. والبر المطلوب من البشر، يُعتبر كشرط الفداء. غير أن المجازاة من أجل الأفعال الصالحة تعطى مرّة واحدة. فعلى الانسان الورع الذي يحتاج إلى مجازاة يحملها من أجل الفداء في الدينونة الأخيرة (6: 1 ب: "أمام أبوكم الذي في السماء")، أن يتجنَّب طلب مجازاة مسبقة في هذه الحياة (6: 1 أ: "أمام الناس") في أي ظرف كان. ومدلول الاقتداء بالله يجعل هذا ممكنًا. وهكذا يتّخذ العمل العبادي مكانه "في الخفية". هذا الأساس التعليميّ يقود إلى انتقاد ملحوظ للعبادة التي تصبح في الجهة المقابلة. إذا استبقنا المجازاة الاسكاتولوجيّة أضعناها حين نُتمّ عمل البرّ على أعين الآخرين الذين يلاحظونه ويوافقون عليه (6: 1).
ويلاحظ "بتس" أن التعاليم الموجودة في "التعليم العباديّ"، بما فيها التعليم حول المجازاة، تقوم كلها في حفظ الفكر الديني والممارسة داخل العالم اليهوديّ. من البديهيّ أن جميع العلماء داخل اليهوديّة لا يوافقونه هذا الرأي. ولكن هل هناك تعاليم في التعليم العباديّ؟ حين نتطرّق إلى هذه المسألة، يجب أن نميّز مفاهيم تعليميّة (بُرهن عليها بعناية) ثابتة، من رسمات موسّعة (بشكل منهجيّ) ومستقلّة من أجل أهداف دفاعيّة أو ارشاديّة. المدلولات التعليميّة هي وحدها ايديولوجيّة بشكل مباشر. أما الرسمات فهي عناصر فكريّة تقدّم أفكارًا متشعّبة سريعة الاستعمال. أو شبكة من فكرات مختارة وممزوجة قد أعيدت صياغتها، وتلوّنت بلون إيديولوجي (أي تلوّنت بلهجة التهكّم والسخرية أو بوسائل بلاغيّة أخرى) لكي تنتج مدلولاً رمزيًا محدّدًا. هذا يعني أن الرسمات الدفاعيّة والارشاديّة لا تدلّ على إيديولوجيّة النصّ في حدّ ذاته. بل هي عناصر فكريّة في خدمة إيديولوجيّة النصّ.
يتضمّن الفرق بين التعليم والرسمة، أن الرسمة تمتلك قوة إيضاحية قليلة. إذا كانت فكرة المجازاة تعليمًا (أو عقيدة ثابتة)، فمن الممكن أن نتحدّث عن برهان يقول إن الجماعة التي تقوم وراء القسم العباديّ احتفظت بعبادتها سرًا لأنها ظنّت أن التوافق العلنيّ سيدمِّر سماتها. ولكن إن كانت الفكرة رسمة خياريّة، سيكون من العبث أن نشرح على هذا الأساس الحياة العمليّة للمجموعة. وكنّا قد أشرنا أعلاه إلى إمكانيّة شرح أخرى في ألفاظ وظائف اجتماعيّة لموضوع السريّة. بالاضافة إلى ذلك، نحتاج إلى تفسير ايديولوجي. اكتشفنا رسمة، وهذا لا يكفي. يبقى السؤال حول الأساس الايديولوجي لتحريك هذه الرسمة.
هناك مثلان من العالم الرابيني قد يوضحان كيف يختلف التعليم والرسمة. فحسب ترجوم بابل (سنهدرين 101 أ)، أحسّ رابي اليعازر أنه مريض، فجاء تلاميذه ليروه. وإذ كان الآخرون يبكون، ضحك رابي عقيبة بشكل لم يتوقّعه أحد قائلاً بأنه كان مهتمًا بجزاء معلّمه في العالم الآتي. كما أنه لم يحزن على شقائه. ولكنه إذ يرى الآن معلّمه في الألم، فهو يفرح (حين يعلم أن الجزاء هو أمامه). والآن، لنفترض أن رابي اليعازر مات في سلام في هذا الظرف بدون أي ألم اطلاقًا. فإن كان لكلام رابي عقيبة أساس تعليمي ثابت، لوجب عليه أن يستنتج أن معلّمه لا ينتظر شيئًا من العالم الآتي. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إن كان استعمل الرسمة الارشاديّة، فقد يكون طبّق رسمة أخرى مكيّفة مع الوضع.
هذا ما لا نعرفه بالتأكيد. ولكن معقولية الرسمة الأخرى قد يبرهَن عنها في التقاليد المتعلّقة بتعليم عقيبة حول العقاب. في سفره تث 32، نجد تذكّرًا لما قرأناه في هذا النصّ من التلمود (سنهدرين 101 أ)، يقول: إن العقاب ثمين لأنه يُنتج الطاعة. وقد يبرهن عقيبة هذه النقطة عائدًا إلى الملك منسّى الذي تواضع أمام الله حين تألّم من يد الاشوريين. فأعاده الله إلى أورشليم وأقامه من جديد على العرش، وهكذا استطاع أن يحكم اسرائيل خمسًا وخمسين سنة.
هذا التعليم المتعلّق بمرض رابي اليعازر، يُفهمنا أن المعلّم المحبوب يستطيع أن يتعلّم مزيدًا من التواضع من مرضه، فيستعيد قيادة مدرسته لحقبة مماثلة من الزمن. فالمرض قد اعتُبر هنا مفيدًا في هذه الحياة، بحيث نستطيع أن نفترض هذه الافادة كمقدّمة للجزاء المقبل.
ونستطيع الآن أن نطبّق هذا التمييز بين التعليم والرسمة التي تقود إلى عظة الجبل. فإن كان القسم العبادي (6: 1-18) والتطويبات (5: 3-12) قد فُسّرا على أنهما انعكاس للتعليم حول الجزاء، لاصطدمنا بكلمات رمزيّة حين يقول مت 6: 33 إن حاجات هذا العالم تُعطى أيضًا للذين يطلبون ملكوت الله. وإذا كان موضوع السريّة في القسم العبادي يجب أن يُفهم كاستنتاج للتعليم حول الجزاء، سيكون هناك تعليم معارض في مت 13:5-16. وبحسبه يجب أن تظهر أعمال التلاميذ الصالحة لكل الناس. والخطأ هنا هو أن نحتفظ بالبر في الخفية، في السرّ. لهذا يكون من المنطق أن نستنتج أن التعليم ينتمي إلى مجموعات دينيّة مختلفة. والامكانيّة الثانية التي تبدو مفضّلة فهي أن التحريض على السريّ والعلنيّ يرتكز على رسمة ارشاديّة. من الطبيعيّ أن تكون الرسمتان ناشطتين في وضعين مختلفين، بل أن تعكسا التاريح الاجتماعي للجماعة. فالنظرة إلى الرسم وحدها تتضمّن أنهما تقدران وتفعلان بحيث تنتميان إلى عالم رمزي لمجموعة واحدة.
سبق ولاحظنا أن الرسمات المختلفة تنطبق مرارًا على أحداث مختلفة وأوضاع. ورسمة المجازاة تكون في موضعها في سياق هجوم. فالمعارضون (كنموذج) هم المراؤون. هم الذين نالوا أجرهم وليس لهم جزاء مقبل. فحين تأتي "إلينا" هذه الرسمة، فهي تفسّر الشقاء الحاضر. ففي وقت الألم والاضطهاد، يحسن بنا أن نعرف أن الجزاء هو ما يعطي أفضل طمأنينة في المستقبل. فإذا لم تكن الأوقات رديئة، فرسمة جزاءين (الجزاء الحاضر سيكثر في العالم الآتي) أو رسمة رحمة وجزاء (يدلّ الله على رحمته هنا وسيجازي في الزمن المقبل) تصبح معقولة. وهناك أيضًا رسمات أخرى.
إنَّ رسمتي السريّ والعلنيّ يمكن أن تكونا ناشطتين في استراتيجيّات اجتماعيّة مختلفة. والنقاط الارشاديّة فيهما قد تتوافق. فرسمة السريّة لا تحتاج إلى القول بأن صاحب العمل الصالح معرّض لأن يخسر جزاءه. ورسمة العلنيّة تتضمّن أن الأعمال الصالحة تظهر لكي يراها الناس ويرضون عنها. في النطاق العمليّ، رسمة السريّة تترافق مع استراتيجيّة دفاعيّة. أما الرسمة العلنيّة فهي تتوافق مع استراتيجيّة رسوليّة تحاول الامتداد. والمشكلة هو أن هاتين الاستراتيجيتين تقعان في ذات الأوضاع. واختيار استراتيجيّة من الاستراتيجيات قد يرتبط بسمات أساسيّة في بناء العالم الرمزيّ للمجموعة.
وهناك تواز لافت بين الجزء العبادي (6: 1-18) وبين روم 2، حيث يستنتج بولس أن الوثني غير المختون الذي يتمّم ما تطلبه الشريعة هو في الواقع "يهودي في الخفية"، و"ينال مدحه لا من الناس بل من الله" (روم 29:2). نحن هنا أمام مدلول السرية الذي يترافق مع فكرة تقول إن الجزاء يأتي فقط من الله. ونلاحظ أن بولس لا يقول إن البار يخسر جزاءه إن رأى الناسُ برارته. فهل نقول إن هذا المقطع البولسي يضيّع تعليمًا عن الجزاء الحالي في الجزء العبادي؟ الجواب هو كلا على ما يبدو. بل إن هذا المقطع ينبّه المؤمن إلى امكانيّة تقول إن مثل هذا التعليم لا يُفترض أيضًا في الجزء العباديّ.
ولنا أيضًا ملاحظة لافتة. في روم 2، الانسان هو في الخفية، لا الله. فهل نستنتج أن بولس لا يملك "مفهوم" الإله الخفيّ الذي هو حاضر في الجزء العباديّ؟ ولكننا نعتبر أنه لا بولس ولا التقليد السابق لمتّى، يتطرّقان إلى هذا المدلول.
فإذا قُرئ الجزء العبادي على ضوء برهان بولس في روم 2، عند ذاك يبدو وكأن في خلفيّة الجزء العباديّ مدلول "اليهود في الخفية". هذا ما يشير إليه في الواقع الجزء السابق حيث نجد نقاشًا حول الوظائق الاجتماعيّة للتشديد على السرية. فالجماعة التي نجدها وراء الجزء العباديّ كانت واثقة بأن الله يرى ما لا تستطيع العين البشريّة أن ترى. ولكن هذا لا يفترض فكرة مميّزة عن الله. فكما في برهان بولس، لا تتعلق المشكلة الحقيقّة بطبيعة الله. فالمشكلة الملحّة هي بالأحرى مشكلة اجتماعية: كيف تفهم الجماعة المسيحيّة نفسها.
في الموازاة البولسيّة، "اليهوديّ في السرّ" ليس يهوديًا في معنى ملموس (بحسب الطبيعة، بحسب اللحم والدم، حسب البشرية)، بل هو يساوي اليهوديّ المختون في المعنى الرمزي. فاليهوديّة في نظر بولس هي في الأساس (على مستوى العقيدة الأساسيّة والشعور العميق) دستور يحمل الاكرام، والختان هو رمز دينيّ إيجابيّ. من هنا مال بولس إلى تحديد السلوك الخاص أمام الله في لغة يهوديّة. وإذ فعل ذلك، لم يعترف دومًا بالفرق بين الواقع الملموس والمدلول الرمزي، بل أخذ في قول كله مفارقة. ففي سياق هجوميّ، اتّجه نحو واقع قاس فجرّد الختان الملموس لدى اليهوديّ من سموّه. والتفسير الساخر في غل 12:5 (يا ليت الذين يبلبلونكم يقطعون قطعًا) يكشف في نظرة سريعة اغترابه الحالي عن العالم اليهودي الذي يُنكَر مع ذلك على مستواه الرمزيّ. 
والطريق التأويليّة عينها تعمل في الجزء العباديّ. فأشكال العبادة اليهوديّة كانت تُعتبر رموزًا دينيّة وضعيّة، ساعة كانت الممارسات الملموسة في الجماعة غير فقاهية مع تلك التي نجدها في المجمع. وإذ صوّر هذا الجزء العباديّ الحياةَ الدينيّة في الجماعة بألفاظ يهوديّة سامية، استعمل لغة الاستعارة. وفي الوقت عينه، صوِّرت العبادات اليهوديّة الحاليّة بشكل سخرية. والنقطة التي انطلق منها لكي يعلّم، لم تكن مدلولاً خاصًا بالله، بل اعتقادًا بأن الجماعة لم تُحرم من كرامة الرموز الهيوديّة، مع أن أعضاءها كانوا يهودًا في الخفية، أي يعيشون خارج المجمع، ويمتلكون أشكالاً جديدة من التقوى. هذا اليقين هو أساس للتأكيد بأن الله ير" "في الخفية". ومع أن الناس لا يقدرون أن ينظروا إلى أعضاء الجماعة كما إلى يهود لا لوم عليهم، فالله يقدّر برّهم.
نستطيع الآن أن نفهم بشكل أفضل لماذا كشف عالم النصّ في الجزء العباديّ عن الوضع الحالي للجماعة في بعض النقاط (المجمع والمخاع). وأخطأ في نقاط أخرى (في التوفيق بين ممارسات المجمع وممارسات الجماعة على اختلافها). يمكن أن يُنظر إلى المجمع بشفافية لأنه لم يُحسب رمزًا دينيًا وضعيًا. فالتوضيح المشابه لم يكن ممكنًا حين نصل إلى اللغة اللاهوتيّة. فاللغة هنا، كما في بولس، بما فيها من استعارة ومفارقة، تدلّ على غياب التفريق بين المدلول المحسوس والمدلول الرمزيّ. فمع أن عالم الايمان لدى بولس قد بُني بشكل يختلف عن عالم متّى الرمزيّ، فالديناميّة التأويليّة عند الاثنين ليست غريبة عن عالمهما.

4- عوالم مختلفة على مستوى التقليد والتدوين التاريخي
بعد أن فسّرنا "الجزء العبادي" (6: 1-18) بشكل سنكروني (= إجمالي) في ألفاظ حلّلت في عوالم ثلاثة، يبقى أن نختبر التفسير بشكل دياكروني (= تفصيليّ) لنرى إن كان يستطيع أن يساعدنا لنفهم التوسّع التاريخيّ. وهنا أيضًا يقف التحليل عند نموذج عوالم ثلاثة. ولكن علينا الآن أن نظهر الفوارق بين العالم الرمزيّ لنصّ من النصوص والعالم الرمزي لكاتبه أو للمجموعة التي أوصلته (قد يكون متّى أو تقليد سابق لمتّى). ولا يتّحد الاثنان إلاّ في صنع النصّ، وذلك قبل وبعد أن ينفصلا. فالنصّ والناس يسير كل منهما في طريق منفصل. وتاريخ العالم الرمزيّ يرتبط بعالم النصّ، ساعة يعيش العالم الرمزيّ في الافراد والجماعات ويتحوّل بهم.
إن فصل الطرق لا يشكّل مشكلة منهجيّة جديّة في الجزء العباديّ. أما التاريخ الادبي الملموس فيبدو وكأنه يتكيّف تكيّفًا نسبيًا. فهذا الجزء وفي بنيته المثلّثة والمتعارضة، قد تكوّن في جماعة متّى، مع العلم أن أقواله الفرديّة تعود إلى يسوع. وهكذا نستطيع أن نرسم مرحلتين أدبيّتين في هذا الجزء العباديّ.
دلّ التحليل السابق على أن الجزء العبادي قد يعكس وضعًا متأخرًا عمّا نجد في "الويلات" (مت 23) حيث تؤكّد الجماعة في المبدأ سلطة الكتبة لدى اليهود. ويبدو أنه مؤسّس على الوعي بأن يسوع هو المعلّم الأوحد، والمعلّم في الجماعة (23: 8- 10). فالنقائض الأولى في عظة الجبل مع عبارة "أما أنا فأقول لكم"، قد قيلت في هذا الروح. والنتيجة القائلة بأن الجزء العباديّ لا ينتمي إلى أقدم ما في متّى أو إلى الطبقة المحافظة في المواد الكنسيّة، قد تجد ما يثبتها عبر ملاحظات أخرى.
فالجزء العباديّ يدلّ على اهتمام عميق بسمات الجماعة وحياتها. من هذا القبيل، نستطيع أن نشبّهه بالتطويبات في عظة الجبل، التي هي توسّع لما نقرأه في المعين (مت+ لو). على المستوى الاجتماعي، دلَّ التحليل السابق على أن فصل الجماعة عن المجمع هو واقع ملموس وأن ارتداد الوثنيين أمر مقبول. وهذا ما يقودنا إلى مرحلة متأخرة في التقليد المتّاويّ. فالهويّة الدينيّة للجماعة تلتصق برموز يهوديّة في طريقة غير مختلفة. فالفكرة القائلة بأن الجماعة المسيحيّة هي اسرائيل الحقيقي، التي اعتبرها بعضهم في قلب اللاهوت المتّاويّ، هي حاضرة في الجزء العباديّ.
فلا ننتظر تبديلاً جذريًا حين نصل إلى التدوين المتّاوي. فالعمل الأدبيّ الرئيسيّ الذي قام به الانجيليّ، كان إدخال هذا الجزء في سياق أوسع، هو سياق عظة الجبل. وهكذا يكون التبديل الرئيسي في العالم الرمزي، في أن هذا الجزء شارك في إيديولوجيّة متّى في عظة الجبل وفي الانجيل كله. في هذا المجال نستطيع أن نكتشف بعض اللطائف. في مت، ليست رسمة "الخفية" وسيلة للدفاع عن الذات أو دواء ضدّ العار كما كان في الماضي. فرسمة "الخفية" التي هي جزء من نظرة متّى إلى رسالة في العالم الواسع، تبدو متحرّرة من كل إيديولوجيّا دفاعيّة، كما تبدو معقولة كوسيلة للتكلّم عن العبادة الحقيقيّة.
إن 6: 1 يلعب وظيفة التنبيه لما نجد في 2:6-18. فهو يفسّر التقوى العباديّة كجزء من البرّ الموجّه توجيهًا خلقيًا والمطلوب من الجماعة (5: 10، 20؛ 33:6). يرسم متّى المدلول الرمزي لهذه الارشادات مع هذا التفسير المعمّم. نحن أمام أكثر من ثلاث ممارسات. نحن أمام طريقة حياة ككلّ، أمام طريقة تقود الحياة (13:7-14). وقد حاولت الكاتب بأن يدلّ على أن هذه الارشادات التقوية تقود إلى حياة ملموسة في الجماعة.
وتعليم الصلاة الربيّة يميّز تمييزًا واضحًا المعتقدات المسيحيّة وممارستها. وتفضيل صيغة المخاطب الجمع في الأقسام التي أعاد الانجيل صياغتها، يخفّف من مناخ الأقوال الحكميّة ويُبرز الشعور بأننا أمام تعليم عباديّ. وهكذا نكون أمام مجهود من أجل توجيه ملموس، مع أن التعليم الرمزي ما زال مسيطرًا. فالجزء التقوي كمجموعة في عظة الجبل هو برنامج ايديولوجيّ قبل أن يكون سلسلة من الممارسات. وفي النهاية، هناك عودة إلى الأمم في مقدّمة الصلاة الربيّة (7:6-8). هل يدلّ هذا على نظرة يهوديّة حصريّة تعطّل منطق التوسّع الذي اعتبرناه تاريخيًا؟ بل العكس هو الصحيح. فيبدو الآن أن "مرائيّ" المجمع ليسوا فقط المجموعة الوحيدة التي تشارك الجماعة وعيها لذاتها.
نجد في تأليف متّى عالمًا مسيحيًا رمزيًا في طريق تبدو خيارًا ثالثًا تجاه العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ. لا، لم تصبح الجماعة شعبًا من اليهود. فهذه التي كتب إليها متّى إنجيله تأكّدت أنها شعب يسوع المسيح (23:1) الذي أعطي له كل سلطان في السماوات وعلى الأرض (28: 18). لا شكّ في أن هذه الهويّة لم تتركّب في البداية بواسطة رموز مسيحيّة مميّزة. بل نحن أمام مسيحيّة هي في طور التكوين، في طور الصيرورة.
نأسف أن يكون تاريخ الجماعة المتّاويّة، قد ظلّ بعد تدوين الانجيل، مجهولاً لدينا. وهكذا لا نستطيع أن نعرف بالتحديد كيف نما العالم الرمزي في الجماعة. فهذا العالم في الجزء العبادي له تاريخ يرتسم في طريق تأثّر بعالم الايمان لدى مفسّريه. ونحن نجد شيئًا من ذلك في "الديداكيه" (تعليم الرسل) الذي هو كتاب كنسيّ يعود إلى بداية القرن الثاني، وقد يكون دوِّن في سورية حيث عاشت جماعة متى. والتعليم عن الممارسات العبادية في هذا الكتاب (8: 1-3) يبدو قريبًا ممّا في مت 6: 1-18. فالسمات المشتركة هي: إشارة إلى المرائين. تقديم الصلاة الربيّة بعد كلام هجوميّ حول الصلاة. وشكل الصلاة الربيّة في الديداكيه (8: 2-3) هو أقرب إلى كلمات متّى، لا إلى كلمات لو 11: 2-4. وعبارة "كما أمر الرب في إنجيله" (ديداكيه 8: 2) قد تعود إلى مت وإن بشكل غير مباشر.
ومع وجود هذه المقابلات، نلاحظ اختلافات بين الجزء العبادي وديداكيه 8. فالديداكيه تبدو أكثر وضوحًا من مت. وهي لا تحتاج إلى لغة الاستعارة. كما أنها تناقش ممارسات الجماعة بشكل رئيسيّ وتقابَل مع ممارسات المرائين الذين هم اليهود الأتقياء بشكل عام. وبحسب الديداكيه، يصوم "المراؤون" أيام الاثنين والخميس، ساعة تصوم الجماعة أيام الأربعاء والجمعة. فالتشابهات (الصوم مرتين في الأسبوع) والاختلافات (أيام مختلفة) ظاهرة. وهناك نقاش حول الصلاة الخاصة بشكل مماثل: تقال الصلاة الربيّة ثلاث مرات في النهار (تجاه الصلاة الهيوديّة). وترد الصلاة الافخارستيّة والتعاليم حول الطعام المشترك (الديداكيه 9- 10). لا يهتمّ صاحب الديداكيه بأن يُظهر شرعيّة الممارسات التي تتمّ في جماعته. بل هو يوردها بكل بساطة. فموضوعه الأساسيّ هو تعليم كنيسته في أمور العبادة، وهو يفعل في خطّ الانجيل فقط. قد يكون لاهوته سطحيًا في نظر بعض الدارسين. ولكن تعليمه واضح بما فيه الكفاية ولاسيّما في ما يتعلّق بشعائر العبادة في الكنيسة.
القسمُ الثّاني
المرحَلة التاسِعَة
الحيّاة في جَمَاعَة الملكوت

هذه هي الخطبة الثالثة بين الخطب المتّاويّة، وهي تتحدّث عن الحياة في الجماعة. هي جماعة محدّدة مع مشاكلها القريبة من مشاكلنا. فأي روح يجب أن ينعشها؟ وما هو أساس وحدتها؟ يسوع الذي هو حضور الله في وسطها. يسوع الحاضر في الصلاة. يسوع الحاضر في كل أخ من الإخوة. عرفت أنها نالت الغفران، فكان الروح الذي ينعشها روح الرحمة والغفران.
تتضمن هذه المرحلة التاسعة الفصول التالية:
1- جماعة الصغار، ف 18
2- الأطفال والصغار، 18: 1- 14
3- الاصلاح الأخوي في عيلة الله، 18: 15- 20 
4- المغفرة بين الإخوة، 18: 21-

الفصل السادس
جماعة الصغار
ف 18

1- موقع "خطبة الجماعة"
منذ ف 11، رأينا المعارضة ليسوع والمقاومة المتزايدة: كانت خطبة الرسالة (10: 17- 19) قد نبّهت التلاميذ أن عليهم، هم أيضًا، أن ينتظروا الاضطهاد، أن ينتظروا أن يقادوا أمام القضاء من أجل ربّهم (5: 11- 12). منذ تلك اللحظة، ولاسيّما منذ البحث الذي قام به تلميذا يوحنا، نحسّ أن المحاكمة قد بدأت. وقد تأثّرت بها مسيرة الانجيل كلّها. ومنظور الصعود إلى أورشليم بما يحمل من موت (16: 21)، أبرز هذا الشعور، كما أبرز الاتّهامات المتكرّرة من قبل الفرّيسيين والصادوقيين والكتبة (12: 2، 14، 24، 38) الذين رأيناهم آتين إلى أورشليم (15: 1) ليقوموا هم أيضًا ببحثهم واستقصائهم (15: 12؛ 1:16).
وهكذا فهمنا شيئًا فشيئًا أن الناس الذين لا يستطيعون أن يتقبّلوا الكلمة، يجعلون يسوع في قفص الاتّهام. ولكن هذا ليس سوى الوجهة الخارجيّة للخبر: فهذا الانسان الذي يُتّهم ويُحكم عليه (12: 14) هو في الواقع ذاك الذي يدين معارضيه. والكلام الموجّه إلى مدن البحيرة (11: 20-24)، وإلى "هذا الجيل" (11: 16؛ 39:12-45؛ 16: 4؛ 17:17)، وإلى بطرس (16: 23). والتلميحات إلى "مجيء" ابن الانسان (10: 23؛ 11: 19؛ 13: 41، 48-50؛ 27:16-28؛ 9:17)، كل هذا يجعلنا نستشفّ أسسًا غير التي يتحدّث عنها الناس.
ساعة دوَّن الانجيليّ كتابه، كان المسيحيّون في الواقع يُضطَهدون من أجل المسيح. فلا بدّ من تثبيت إيمانهم بشكل يبيّن لهم أن الدينونة التي يحملها القائم من الموت تتواصل في التاريخ عبر شهادة تؤدّيها الجماعة بقدر ما تكون أمينة لروح المسيح وتجد وحدته فيها. فعلى مدّ كل هذه المتتالية الجديدة التي تبدأ مع ف 18 وتنتهي مع ف 25، لا يني تدخّل مت يتّضح يومًا بعد يوم. لهذا، لن نعجب أن يكون الانجيليّ قد وضع في هذا الموضع من كتابه "خطبة الجماعة"، خطبة يسوع الرابعة بين خطب متّى الخمس.
خلال المرحلة السابقة، وساعة كانت تُرسم مسيرات الايمان المختلفة، تعرّفنا شيئًا فشيئًا إلى وجه جماعة التلاميذ، وهي جماعة توجّه أنظارها إلى شخص يسوع الذي اتخذ بطرس بقربه مكانة مميّزة (14: 28- 31؛ 15: 15؛ 16: 16- 23؛ 17: 1-4، 24-27). فمجموعة التلاميذ التي انتقلت دومًا من الشكّ إلى الايمان، ومن اللافهم إلى الفهم، هي صورة عن كنيسة تسير مسيرتها يومًا بعد يوم، حيث ترافق نعمةُ الاعتراف الايمانيّ الرفض "الشيطانيّ" في التباس يعرفه التاريخ في كل يوم من أيامنا.
وهكذا نشهد منذ بداية الانجيل مواقف مختلفة تجاه يسوع الحاضر وسط الجماعة البشريّة. كما نشهد ملكوت السماوات الذي صار قريبًا. الذي هو معروف ومجهول معًا. الذي نقبله ونرفضه معًا. وبقدر ما نتقدّم في قراءتنا، يبدو لنا يسوع كالعنصر الذي يجمع البشريّة: فكل واحد مدعوّ بشكل تدريجيّ إلى أن يحدّد موقعه بالنسبة إليه. هذا مع العلم أننا لا نستطيع على المستوى السوسيولوجي أن نفهم كل فئة أشار إليها مت: الناس، الجموع، الاخوة، التلاميذ، الكتبة، الفرّيسيّون، الصادوقيّون. انطلق متّى من دعوة مشاركي يسوع الأوّلين (بطرس، اندروس، ابنا زبدى، 4: 18- 22، متّى، 9: 9)، فمرّ في نداء الاثني العشر وإرسالهم (10: 1- 5)، لكي يركّز كل انتباهنا (وبشكل خاص في ف 13-17) على جماعة التلاميذ التي فيها "يتجسّد"، على مستوى التاريخ، "الملكوتُ الاسكاتولوجيّ"، الملكوت الذي يدشّن نهاية الأزمنة.
ولهذا، فالأسئلة التي ستُطرح، تشير إلى وجود هذا الملكوت في بُعده الزمنيّ والأرضيّ، داخل جماعة ملموسة تعيش في زمن يسوع أو في زمن متى.
"من هو الأعظم في ملكوت السماوات" (18: 1)؟ سؤال يُطرح بشكل بديهيّ إذا نظرنا إلى الطريقة التي بها برز بطرس شيئًا فشيئًا خلال المرحلة السابقة، من خلال مجموعة التلاميذ الذين يتبعون يسوع. فاتّباع يسوع يفرض على أعضاء الجماعة علاقات "أفقيّة"، علاقات بعضهم مع بعض، وليس فقط علاقات بينهم وبين يسوع. فما هي نوعيّة هذه العلاقات؟

2- البنية الاجماليّة للخطبة
أ- نظرة عامّة
يقسم معظم الشرّاح ف 18 حسب الموضوعين الكبيرين اللذين تتطرّق إليهما هذه الخطبة: الصغار والأطفال (18: 1- 14) 0 المغفرة والحبّ الأخويّ (آ 15-35).
ويحلّل عدد كبير منهم عمل مت التدوينيّ الذي استقى أمورًا مختلفة من التقليد الإزائيّ. وذلك لأننا نجد في بداية الخطبة ما يوازي مر 33:9-47؛ 10: 15. ما يوازي لو 46:9-48؛ 17: 1-2؛ 17:18. أما بعد آ 1، فلوقا وحده يوازي مت (لو 15: 3-7؛ 17: 3-4). والقول حول الصلاة المشتركة (18: 19-20)، ومثَل العبد الذي لا يرحم (18: 23-35) هما أمران خاصّان بمتّى.
نحن لا نهمل الأضواء التي يحملها إلينا التقليد الإزائيّ والتدوين المتّاويّ. إلاّ أننا نحاول أن نتفحّص النصّ كما هو اليوم بين أيدينا لنكتشف البنية التي أشرفت على اختيار المواد وتجميعها وترتيبها.
على المستوى الأدبي تنقسم "الخطبة" إلى حوارين يشير إليهما تدخّل التلاميذ (آ 1: دنا التلاميذ وسألوه)، وتدخّل بطرس (آ 19: فدنا بطرس وقال ليسوع). هذا ما فعلوا أيضًا في خطبة الأمثال (13: 10، 36). من جهة سؤال التلاميذ حول "التراتبيّة" في الملكوت. ومن جهة ثانية، سؤال بطرس حول اتساع المغفرة التي نمارسها مع اخوتنا.
ب- القسم الأول (18: 1- 20)
يتضمّن القسم الأول سؤالاً (آ 1) وجوابًا قد تسجَّلا في تضمين كبير تدلّ عليه عبارة تعود في آ 2 وآ 20: "في وسطهم". "دعا يسوع طفلاً وأقامه في وسطهم". "كنت هناك في وسطهم، بينهم". وهناك تضمينات أخرى قصيرة تحدّد ثلاث محطات أخرى في قلب هذا الجزء الأوّل. الأولى (آ 2، 5) تشكّلها استعادة لفظة "طفل" (بايديون). مع لفظة "واحد" التي تستعمل بشكل عاكفة في آ 6 (من أوقع واحدًا من هؤلاء). والمحطّة الثانية تبدأ مع "واحد من هؤلاء الصغار" (آ 6-14 مع وقفة في آ 10: إياكم أن تحتقروا واحدًا من هؤلاء الصغار). والثالثة تظهر في آ 15 مع لفظة "أخيك" تجاه لفظة "أبيكم" (آ 14)، ومع تهيئة لسؤال بطرس (آ 21). إن آ 20 هي صدى لما في آ 5 مع تكرار "باسمي".
ج- القسم الثاني (18: 21- 35)
يبدأ هذا القسم بتدخّل بطرس الذي يذكّرنا بما في آ 15: "إذا خطئ أخوك إليك". وهكذا يرتبط قسم بقسم. ويتكرّر أربع مرات "الرب" (آ 25، 27، 31 ,32) خلال المثل قبل أن يرد في الخاتمة (آ 34. نلاحظ أهميّة الرقم 5). وهناك تضمين آخر يحدّده تعبير "غفر لأخيه" (آ 21، 35)، فيقدّم موضوع المثل الذي ينتهي بعودة إلى "الآب السماويّ" (آ 35). هكذا انتهى القسم الثاني مع تعبير "أبي الذي في السماوات" (آ 19؛ رج آ 10).
ونجد في 19: 1 العبارة المقولبة التي تختم الخطب المتّاويّة (7: 28؛ 11: 1؛ 53:13: ولما أتمّ) والتي تُدخلنا في انتقالة تدلّ على أن يسوع ترك الجليل "مهاجرًا" إلى اليهوديّة. تجنّب السامرة، فدار حوله الاردن وأريحا. "وتبعته جموع كثيرة". هذا ما حدث بعد عظة الجبل (8: 1). تبعته فشفى مرضاها كما في 24:4؛ 15:12؛ 30:15.
وهكذا تبرز بنية أدبيّة واضحة من هذه العناصر المختلفة:
أ- الطفل علامة حضور الملكوت في الجماعة (18: 1-20). 
- سؤال التلاميذ: من هو الأعظم في الملكوت (آ 1)؟
- جواب يسوع:
* نصير مثل الأطفال (آ 2- 5).
* نهتمّ بواحد من هؤلاء الأطفال: الشكّ، الاحتقار (آ 6-14). 
* الإصلاح الأخويّ والصلاة المشتركة (آ 15- 20).
ب- نعمة الغفران التي يشارك فيها الإخوة (18: 21- 35).
- سؤالا بطرس: كم مرّة أغفر لأخي (آ 21)؟
- جواب يسوع:
* غفران لا حدود له (آ 22).
* مثَل حول مغفرة السيّد ولامغفرة العبد (آ 23- 35).
خاتمة وانتقالة: ترك يسوع الجليل، وجاء إلى اليهوديّة، فتبعته الجموع (19: 1-2).

3- تحليل الخطبة
إن هذه الخطبة التي توضح العلاقات بين التلاميذ، تتوزّعها (كما في خطبة الرسالة، 10: 15، 23، 27، 42) اعلاناتٌ احتفاليّة ليسوع: "الحقّ أقول لكم" (3:18، 10، 13، 18، 19) مع صدى في جوابه لبطرس (آ 22). والعودة إلى يسوع التي شدّدنا على أهميّتها في ما سبق، تتأكّد هنا أيضًا بوضوح. كما نلاحظ أن حضور الآب السماويّ يملأ كل هذه الخطبة ولاسيّما في آ 10، 14، 19، 35. فالعلاقة بالآب هي التي تثبت الطفل في كرامته الحقيقيّة. ومن الآب تنبع كل مبادرة غفران.
أ- الطفل علامة حضور الملكوت في الجماعة (18: 1- 20)
"في تلك الساعة" (18: 1). هكذا يبدأ هذا الفصل بعبارة قرأناها مرارًا عند متّى. بمناسبة شفاء (13:8؛ 22:9؛ 28:15؛ 18:17). أو حديث عن الاضطهاد (10: 19؛ رج 26: 55). هذان النمطان السياقيّان يلقيان الضوء على النصّ الذي ندرس، فيجعلاننا نستشفُ "الساعة" التي ينبغي للجماعة المسيحيّة أن تعيشها. وسيأتي ف 24-25 فيقدّمان إيضاحًا أفضل لهذه النقطة.
أولاً: سؤال وجواب (آ 1- 5)
والسؤال الذي طرحه التلاميذ نجده أيضًا في الجدالات الرابينيّة. أما في مت، فيرتبط ببعض أقوال يسوع (رج 5: 19؛ 11: 11). ورد هذا السؤال عند مرقس (9: 35) وكأن مجموعة الاثني عشر قد طرحته. أما مت فيتحدّث عن "التلاميذ". يبدو ملكوت السماوات كواقع مقبل. ولكنه منذ الآن حاضر. سؤال حافظ على آنيّته في الجماعات المتّاويّة.
ما أجاب يسوع بشكل مباشر على السؤال. بل قام أولاً بفعلة رمزيّة، على مثال ما اعتاد الأنبياء أن يفعلوا. وهذه الفعلة قلبت رأسًا على عقب النظرة الوصوليّة التي دلّ عليها سؤال التلاميذ. وهكذا نجد نفوسنا حالاً في جماعة انقلبت فيها المقامات، لأن الطفل الذي نستقبله هو يسوع نفسه. وهذا واضح من التضمين في آ 2 وآ 20، بعد أن استضاءتا بما في آ 5. "من قبل طفلاً مثله باسمي يكون قبلني".
بعد ذلك، شرح يسوع فعلته، فبدا أنه لا يستطيع أن يجيب عن الطريقة التي بها يحدّد الناس موقعهم تجاه بعضهم بعضًا إلاّ عبر كلامهم حول موقعهم تجاه الله. فالعلاقات بين الناس لا تتحدّد بشكل صحيح إلاّ بعد ارتداد واتخاذ موقف صحيح أمام الله (آ 3). وحين ندرك أننا صغارًا ومساكين أمامه، نستطيع أن نفهم كيف يتفتّت السؤال: "من اتّضع وصار مثل هذا الطفل فهو الأعظم" (آ 4).
غير أننا لا نمتلك مرّة واحدة موقعنا في الملكوت (آ 1، 4). فهو مشروط بالارتداد والتبدّل (ستريفو). مشروط بالمجيء إلى ملكوت السماوات (آ 3). فاللعب على حرفَي الجرّ "في"، "إلى"، يدلّ على انشداد سنجده فيما بعد بين ما يتطلّبه الملكوت الآتي وإن لم يكتمل بعدُ مجيئه، وبين واقع لا نستطيع أن نتجنّبه، هو واقع كنيسة البشر.
التبدّل هو أن نصير كالأطفال. هذا لا يعني "العودة إلى الولدنة". لأن الانجيل يريدنا كبارًا، ولا يريدنا أن نعود إلى الوراء على مستوى العقل والفكر والتمييز. مهما كان عمر الانسان، فهو يكتشف نفسه دومًا أمام الله كطفل بالنسبة إلى البالغين، كذاك الذي يرى الحياة أمامه. وهذا الوضع ينظر إليه الانجيل كمتطلّبة نقاوة وتواضع تتيح لنا أن ننمو كل النموّ. فنحن نصير مثل طفل حين ندرك أن الآب يدعونا لأن ننمو أيضًا وأيضًا، لأن نصير ما نحن عليه. نصير صغارًا ومساكين ينتظرون كل شيء من نعمة الله كما تقول التطويبة الأولى (5: 3). فأمام الآب، تتحطّم نظرتنا إلى التواضع: إذا كان الله أبًا، فكل أخ هو أصغر من أخيه.
لقد بدا الطفل كعلامة ليسوع نفسه. فأساس التربية الانجيليّة هو أن نعتبر يسوع المسيح في شخص الأطفال الذين يضعهم الله في وسطنا. وهذا التواضع الناشط (لا يُفرض علينا) يتأصّل في الله ويبني "الجماعة". إنه يشبه مسيرة يسوع إلى حاشه وآلامه. وهو يدعونا إلى أن نتّخذ المكان الذي هو في الحقيقة مكاننا. فالتواضع (تابايتون، آ 4، رج 11: 29؛ 23: 12) يدلّ على خدمة نمارسها بشكل محسوس تجاه الله والقريب. وليس مثالاً نسكيًا من الامّحاء الخائف أو الخضوع الخانع.
ثانيًا: الشكوك والمعثرة (آ 6- 12)
ويبيّن لنا وفي الخطبة (آ 6-12) أنه ينبغي لنا أن نراعي الصغار، بحيث نتجنّب كل شكّ واحتقار، ونسهر بعناية لئلا يهلك خروف واحد. نحن هنا أمام ملكوت السماوات الذي نبنيه، لا أمام مملكة أرضيّة. لهذا يُلغى كل حديث عن تراتبيّة في الحالات، لأن ملكوت السماوات يخصّ أولئك الذين هم قرب يسوع الذي يبدو "صغيرًا" أمام الآب. بعد ذلك، من يتجرّأ على القول: إنه أعظم من الآخرين؟
مقابل هذا نحذر من أن نضع عائقًا أمام الآخرين حين نشككهم فنجعلهم يعثرون (آ 6-7؛ رج 17: 27). كما نحذر أن نكون عثارًا لأنفسنا (آ 8-9). جمع مر 9: 42-48 هذين القولين. أما لو 17: 1-2 فأورد فقط القول الأول وفي سياق مختلف. من شكّك الصغار منعهم من الايمان بيسوع (آ 6). جعلهم يشكّون بنعمة الله وغفرانه. جعلهم ينفصلون عنه. وقد يكون المؤمن أيضًا سببَ شكّ لنفسه فتوقعه يده أو رجله في الخطيئة.
استعادت آ 8-9 ما قيل في عظة الجبل (29:5-30) التي تتكلّم عن شهوة الزنى، فدلّتا على أن كل ضعف على مستوى الايمان (إيمان نعبّر عنه في تصرّفنا) يشكّل جرحًا للجماعة التي فيها يدشَّن الملكوت. أن نشكّك الآخرين، أو نشكّك أنفسنا، فهذا أمر خطير يفرض علينا أن "نقطع" يدًا أو رجلاً إذا كان القطع يبعد التجربة. ليست ضرورة الشكوك قدرًا أعمى نبقى أمامه عاجزين. إنها وضع لا نستطيع أن نتجنّبه في الواقع التاريخيّ الذي نعيشه في هذا العالم، عالم السقوط.
وقبل هذا نجد قولاً يماهي بين الشكوك واحتقار واحد من هؤلاء الصغار (آ 10). إن قساوة هذه الوصيّة تُبرز الأهميّة التي يكنُّها يسوع لكل انسان. فالانسان، والصغير بشكل خاص، هو انعكاس وجه "أبي" الذي في السماوات. فالصغير هو ابن الله. إنه ينمو وسيصبح إلى ملء قامة المسيح. والطفل هو موضوع عناية الله الخاصة (10: 29- 31). لهذا لا يمكن أن يُحتقر. بما أن "ملائكتهم في السماء يرون دومًا وجه أبي الذي في السماء" (آ 10). وبما أن الصغير بين هؤلاء الصغار يمتلك (كما يقول بولس) "حياة خفيّة مع المسيح في الله" (كو 3:3)، يجب أن نسهر على إيمانهم لئلاّ يعثر.
وتأتي آ 11 التي لا نجدها في أكثر المخطوطات (فابن الانسان جاء ليخلّص الهالكين)، وقد أقحمت هنا بتأثير من لو 19: 10، فأعدّت الطريق لما في آ 14: "وهكذا لا يريد أبوكم الذي في السماوات أن يهلك واحد من هؤلاء الصغار".
ثالثًا: الخروف الضال (آ 12- 14)
ويأتي مثل الخروف الضال فيتسجّل في هذا المنظار: لا يريد الله أن يهلك واحد من هؤلاء الصغار بشكل نهائيّ. في سياق مت الأدبيّ، "الخروف الذي يضلّ" هو ذاك الذي يُشكّك (آ 6) أو يحتقَر (آ 10)، فيذهب من خارج الجماعة التي لا تعرف أن تستقبله في الواقع اليوميّ. في هذا المعنى، كل عضو في الجماعة قد استُودع همّ الآب الذي لا يريد أن يرى أحدًا يضلّ، بل يتقبّل كل واحد وحده وكأنه فريد. أما لو 15: 4-7 فتوسّع في ذات المثل مشدّدًا على حبّ الله للخاطئين وعلى الفرح الذي يسبّبه رجوعهم.
نلاحظ أن كما يبدأ هذا المثل بسؤال يتطلّب حكم السامعين: "ماذا ترون" (آ 12)؟ هذا النداء إلى التمييز لدى التلاميذ قد سمعناه يتوجّه إلى بطرس في 17: 25، وذلك بفم يسوع. وسيعود فيما بعد مرّات عديدة في فم يسوع خلال حديثه مع خصومه (28:21؛ 42:22)، أو خلال أسئلة يطرحها هؤلاء الخصوم (17:22؛ 26: 66). يُبرز المثل المتّاوي رغبة الآب في أن لا يرى نعجة تضلّ عن القطيع. والتعارض بين مئة خروف وواحد منها يذهب الراعي في طلبه (آ 12) قد أراده الانجيليّ: فكل توسيع خطبة الجماعة يشدّد تشديدًا خاصًا على "الواحد"، على ما هو فريد: منذ آ 5 نهتمّ لا بالأطفال بشكل عام، بل بواحد منهم (آ 6، 10، 12، 14، 24، 28). نحن في الواقع أمام جماعة حيث لكل واحد دوره. لا أمام حشد من الناس يُذكرون بالأرقام. في هذه الجماعة كل واحد فريد، وكل واحد يستحقّ الكرامة كأخ بين الإخوة.
وهذا الطابع الفريد (الوحيد) يؤسّس ضرورة الغفران المتبادلة الذي يتكرّر كل يوم (آ 22). فلا يجب أن نرى فيه تعظيمًا للفرد بشكل أنانيّ. فنحن نحاول أن نعيده إلى الحظيرة (في الجماعة المسيحانيّة) كما يقول لو، أن نحافظ عليه فيها، كما يقول مت. بما أن لكل مسيحيّ قيمته في نظر الآب، فلا أحد يستطيع أن يأخذ دوره في جماعة الصغار والإخوة. هو شخص لا يُستغنى عنه. لهذا، اهتمّ مت اهتمامًا خاصًا بواجب المحبة الرعائيّة الذي ينتج عن حضور المسيحيّين الخطأة في الكنيسة. إنهم ضالّون، ولا يحقّ لنا أن نتركهم يهلكون. لهذا يطلب منّا أن نفعل المستحيل لنعود بهم إلى طريق الأمانة. 
رابعًا: التوبيخ الأخويّ (آ 15- 20)
وبدأ مت هنا توسيعًا جديدًا حول الإصلاح الأخويّ والصلاة المشتركة المتّفقة: "إن خطئ أخوك إليك" (آ 15). وهكذا ننتقل من الشكوك إلى الخطيئة التي تُوجد ضمنًا في الشكوك. فمسؤوليّة كل واحد هي مسؤوليّة جميع أعضاء الجماعة الذين يهمّهم العمل بإرادة الآب (رج 6: 10؛ 7: 21؛ 12: 50). فكيف نوبّخ الأخ الذي خطئ؟
قدّم لو 17: 4 في مقطع مواز التوبة كشرط للغفران. أما مت فتوسّع بالأحرى بعمل ذاك الذي يحاول مساعدة الخاطىء على استعادة الشركة الأخوية التي هي موضع الجماعة. إن لفظة "أخوك" (آ 15) التي تعود في آ 21، تدلّ على هدف المدوّن اللاهوتيّ: الكنيسة هي جماعة الإخوة. ويتمّ العمل في ثلاث محطّات: إذا كان الحوار بيننا وبينه لم يحمل الثمار المرجوّة، نستطيع أن نلجأ إلى إخوة آخرين. وفي النهاية نلجأ إلى الجماعة كلّها.
شدّدت آ 15 على الطابع الشخصيّ للتوبيخ. ويبدو أنه لا حاجة إلى تنبيه الجماعة في أوّل الطريق، إلى إيصال الأمر إلى الكنيسة (آ 17). غير أننا نلاحظ أن هذا التوبيخ لا يصدر عن وجدان شخص آخر، بل أخ يمثّل الواقع الكنسيّ، واقع الجماعة الملتئمة باسم يسوع وحوله (آ 20). وهكذا فما بدا طريقة القساوة والحرم إذا قرأنا آ 15-18 بمعزل عن سياقها، يتّخذ في الحقيقة شكل الرحمة. لهذا نفهم المحطّات الثلاث على ضوء المثل السابق كمجهود لإعادة الضّال إلى وحدة الجماعة. نحن هنا أمام طريقة بشريّة تضع قيد الممارسة صبر الله وطول أناته.
وينتهي هذا التوبيخ بإشارة فيها بعض الاحتقار إلى "الوثنيّ والعشّار" (آ 20). كيف نشرح هذا التبدّل في اللغة لدى ذاك الذي أعجب بإيمان الوثنيين (8: 10؛ 15: 28)، والذي اتّهموه بأنه يأكل مع العشّارين والخطأة (9: 1)؟ في الواقع، سمّى يسوع هنا "الوثنيّ والعشّار" كشخصين لا يستطيع المؤمن أن يصنع لهما شيئًا. فتجاه هذا الأخ الذي يسمع سماع اللامبالي (باراكواين في آ 17: سمع جانبًا) لم يعد للمسيحيّ مسؤوليّة مباشرة: يبقى له أن يسلّمه إلى يد الآب، معترفًا بأن المعونة المطلوبة تتجاوزه كل التجاوز. إذن، تبدو الكنيسة هنا كواقع يتميّز عن العالم، كما كان الشعب اليهوديّ بالنسبة إلى الأمم التي لا تقاسمه إيمانه. وكما كان المؤمن اليهوديّ بالنسبة إلى العشّار الذي بسببه يجدّف الوثنيّون على اسم الله.
فالكنيسة هي قبل كل شيء جماعة يكون فيها الواحد مسؤولاً عن إيمان إخوته. أما الذين يبتعدون عن الايمان رغم مجهود هؤلاء الإخوة، فنحن نسلّمهم إلى رحمة الآب. هكذا بدا الراعي الذاهب في طلب الخروف الضالّ (آ 12). وفي النهاية لا ترتبط هذه الجماعة في النهاية بمجهود بشري قد ينتهي إلى الفشل، بل بالآب الذي في السماوات. هناك صراعات عديدة تمزّق البشر. وحده حضور الله يؤمّن الوحدة بين الإخوة. "فإذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسم يسوع" (توجّهوا "إلى" اسم يسوع) تاركين حضوره يكوّن فعل إيمانهم، فيسوع هو حقًا في وسطهم. فما يتيح لاثنين أو ثلاثة أن يتّفقوا على الأرض في أيّة قضيّة كانت (آ 19) هو حضور يسوع الحيّ في كنيسته كما في كل مبادرة بشريّة.
إن موضوع حضور الله وسطَ صلاة شعبه نجده في العهد القديم: فالمزامير ترينا الرب وهو يستمع إلى أبنائه من أعلى السماء أو من معبد أورشليم حيث تجتمع توسّلات شعب اسرائيل (مز 11: 4؛ 4:22؛ 6:68؛ 102: 2-3؛ 116: 1). أما في الملكوت، فهذا الحضور الالهيّ لم يعد مرتبطًا بالهيكل، بل بشخص يسوع، الربّ القائم من الموت، الذي يحرّك إيمان الإخوة، ويُلهم صلاتهم، ويعطيهم أن يقاسموا الله رحمته وحبّه على الأرض (آ 18- 19). 
ارتدت الكنيسة سلطة يسوع ذاتها (28: 20). وصار التلاميذ وكلاء غفران الربّ مثل بطرس (16: 19) ومع بطرس كما تقول آ 21. فالجماعة التي يؤلّفون تجد قوامها الذي لا يزعزعه شيء في حضور القائم من الموت في وسطها. وقد رأى التقليد الكنسيّ في هذه الكلمات التي وُجِّهت أولاً إلى بطرس ثم إلى التلاميذ، تأسيسَ سرّ التوبة والغفران: لقد تماهى يسوع مع الجماعة التي أسّسها. وهكذا فسلطان المصالحة والحرم الذي يمنحه لها، يدلّ على "أن ابن الانسان له على الأرض سلطان غفران الخطايا" (9: 6). فغفران الله يمرّ عبر غفران البشر. أو بالأحرى، لا يستطيع الناس أن يغفروا بعضهم لبعض إلاّ إذا تقاسموا نعمة المصالحة التي صاحبُها الله وحده (6: 12).
إذن، كشف تدخّل بطرس (18: 21) والمثل الذي به أوضح يسوع جوابه (18: 22، 25)، هدف متّى اللاهوتي. فجماعة الملكوت الحقيقيّة (أي: الكنيسة) هي جماعة نقتبل فيها الخلاص في مشاركة أخويّة، في مصالحة حملها يسوع المسيح.
ب- نعمة الغفران التي يشارك فيها الإخوة (18: 21- 35)
أولاً: مغفرة بلا حدود (آ 21- 22)
عندذاك يعبّر عن أولويّة الغفران الإلهيّ بغفران لا حدود له ويتبادله الإخوة. يتسجّل هذا القسم الثاني من الخطبة في تضمين يتحدّث عن "الغفران للأخ" (آ 21، 35). وهو عمل يتمّ تحت نظر الربّ (آ 21، 34). لاشكّ في أن بطرس يعرف أنه ينبغي أن يغفر لأخيه. ولكن ما هي حدود هذا الغفران؟ اعتبر أنه دخل في روح يسوع حين قال "سبع مرّات".
ناقش الرابينيّون هذه المسألة مع عا 2: 4 وأي 29:33 وتك 50: 17 (وصلاة يوسف المثلّثة)، فاعتبروا أنه يجب أن نصل في الغفران إلى ثلاث مرات. أما جواب يسوع فجاء واضحًا جدًا: قلب رأسًا على عقب نشيد لامك الذي صوّر موج العنف كما بدأ مع قايين: "يُنتقم لقايين سبع مرّات. أما للامك فسبعًا وسبعين مرّة" (تك 4: 24). وكشف يسوع ينابيع الرحمة التي لا تنضب بمجيء الملكوت: "لا أقول لك حتّى سبع مرات، بل حتّى سبعين مرّة سبع مرات" (آ 22).
ثانيًا: العبد الذي لا يغفر (آ 23-35)
فأمام الله نحن كلنا أصحاب دَين لا نستطيع أن نفيه. لا نقدر أبدًا أن نردّ له ما يجب علينا ردّه. ومثَل الغفران الذي لم يشارك فيه العبدُ ربّه، يبيّن لنا كم نحن قاسون على بعضنا في ديوننا المشتركة. "تحرّكت أحشاء سيّد ذلك العبد فغفر له" (18: 28). نكتشف في هذه العبارة الينبوع الذي منه يتفجّر الغفران الملكيّ فيفيض في الاخوة. "أما كان يجب عليك، أنت أيضًا، أن ترحم أخاك كما أنا رحمتك" (آ 33)؟ إن دينونة "الملك" تتسامى فوق كل مقولاتنا القانونيّة (ما لي وما عليّ). هي على مستوى الحبّ والغفران، وتمارس بالحنان والرحمة. وهكذا تكون المغفرة في الله قبل كل شيء إطلاقًا.
ولكن مقابل رحمة لا حدود لها، نجد في توازٍ تناقضيّ مذهل، قساوة العلاقات البشريّة من أجل ديون تافهة. لهذا نفهم حزن الرفاق أمام موقف أخيهم الذي لا رحمة فيه (آ 31). وهو حزن يشبه حزن التلاميذ حين أخبرهم يسوع بحاشه وآلامه (17: 23). أو حين عرفوا الخائن (26: 22). تولّد هذا الحزن (ليباين) من وضع ملموس هو الحياة الواقعيّة في التعارض بين ما يجب أن يُصنع (مع الغفران الضروريّ: "أما كان يجب؟) وما يتمّ في الواقع (الشكوك التي تحدث).
فكما أن الذي يشكّك أخاه، يشكّك في النهاية نفسه (آ 6-9)، هكذا يصبح الدائن الذي لا يرحم أخاه، ذاك الذي لا يرحم نفسه، لأنه يحتفظ بالرحمة كما في سجن: حين يرفض أن يمنحها للآخرين، فهو يمنعها من أن تتجسّد فيه. هنا يظهر كما ظهر في كل ف 18 إلى أيّ حدّ يتضامن الإخوة في خلاص الآب المحرّر تجاه الآخرين وتجاه أنفسهم: لا نتقبّل حريّة الله إلاّ حين نصبح محرِّرين. على هذا الضوء، نقرأ آ 18 حيث يسلّم يسوع كنيسته الوكالة على الغفران الالهيّ.
وخاتمة آ 35 التي تستعيد مقاطع من عظة الجبل حول المغفرة (6: 14- 15) والدينونة المتبادلة (7: 1-2)، تدلّ على أن كل حياة الانسان الذي غُفر له، تخضع لدينونة "نهائيّة"، لدينونة اسكاتولوجيّة بها يحاسب الله كل واحد بحسب أعماله (رج 16: 27). ينتج من هذا أن كل واحد يُدان منذ الآن على الطريقة التي بها يتقبّل غفران الآب ويشارك إخوته في هذا الغفران.
فبقدر ما يغفر كل واحد لأخيه من كل قلبه، على مثال الله، بهذا القدر يتمّ غفران الله الذي هو أول دائمًا، في الجماعة وفي كل من يتقاسم هذا الغفران مع إخوته. هكذا ينكشف عمق طلبة "الأبانا": "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا لمن أساء إلينا" (6: 12). وفي الوقت عينه تبرز حقيقة التطويبة الخامسة: "طوبى للرحماء فإنه يُرحمون" (5: 7).

4- البعد اللاهوتيّ لخطبة الجماعة
أتاحت لنا ف 13-17 أن نشهد حوله يسوع نموًا بطيئًا لجماعة تلاميذ كُشفت لهم أسرار الملكوت عبر نداء يطلقه يسوع لإيمانهم من خلال الأحداث والمواقف والأشخاص. ولقد بيّن ف 18 كيف أن هذه الجماعة ساءلت نفسها وكيف أعطاها يسوع قوامها بحضوره وسط تلاميذه، مثل الطفل الذي ينمو تحت نظر أبيه الذي ينتظر منه كل شيء والذي يشاركنا في حبّه الغافر مع إخوته الصغار و"الوحيدين". لهذا نستطيع أن نقول إن الكنيسة هي في نظر متّى جماعة إخوة، جماعة تلاميذ، جماعة أبناء. هي تكوّن بيت الآب المبنيّ على الصخر (7: 24). التلاميذ هم أهل البيت، هم قريبون من الرب بقرابة أين منها قرابة اللحم والدم. ما يوحّدهم مشيئة الآب الذي يريد خلاص الجميع (14:18).
إن حضور القائم من الموت في قلب الجماعة يخلق وسط الإخوة مسؤولية متبادلة هي اهتمام الآب بأبنائه الذين يرى فيهم ابنه الحبيب (17: 5). عندذلك تبدو الكنيسة تجليًا لكل جماعة بشريّة في يسوع، لأن "ملكوت السماوات قد اقترب". لهذا لا تكون كرازة التلاميذ (10: 7) سوى كرازة يسوع (4: 17). 
ولكن أي تلاميذ نعني؟ وإلى من تتوجّه هذه الخطبة؟ ولمن أعطي سلطان الربط والحلّ؟ منذ اختيار الاثني عشر وخطبة الرسالة (ف 10) يدلّ "التلاميذ" على مجموعة الرسل الصغيرة. وحين يتكلّم متّى عن التلاميذ بشكل عام، فهو يستعمل اللفظة مع الضمير "تلاميذه". أما بطرس فهو واحد من هؤلاء الصغار. 
يذكّرنا الاثنا عشر بالقبائل الاثنتي عشرة، بواقع تكوّن في شخص يسوع. ثم إن التلاميذ الذين أعطي لهم أن يفهموا، يرثون دور اسرائيل بالنسبة إلى الأمم. فالذين يفهمون يفهمون للجميع. فكل كلمة يوجّهها يسوع للتلاميذ، تُعطى لهم في النهاية من أجل الجموع.
لاشكّ في أننا هنا أمام كنيسة مبنية بناء محكمًا على مستوى التراتبيّة. غير أن هذه الكنيسة تظهر في الوقت عينه كجماعة إخوة يحبّون بعضهم بعضًا ويغفرون بعضهم لبعض. فالطفل هو العلامة الكبرى لحضور الملكوت فيها.

خاتمة
ذاك ما يجب أن تكونه الجماعة التي تجمعها الافخارستيا. فتجاه هذا الطفل الذي لا أهميّة له على المستوى الاجتماعيّ، وهذا الطفل هو الفقير والمهمش وكل إنسان، تقوم عظمة الأخ في خدمة ملموسة داخل الجماعة التي فيها يشعر الإخوة أنهم مسؤولون بعضم عن إيمان بعض. وهذه الخدمة تجد أفضل تعبير لها في مغفرة ننالها من الآب ونتقاسمها مع الإخوة. أجل، كل الكنيسة هي في هذه المغفرة الأخويّة "من أعماق القلب" (آ 35)، التي نشارك فيها نحن العبيد الذين لا يعرفون أن يرحموا إخوتهم كما رحمهم الآب السماويّ.
الفصل السابع
الأطفال والصغار
18: 1- 14

وندخل في خطبة الجماعة مع الأطفال الذين يجب أن نتشبّه بهم. مع الصغار الذين يهتمّ بهم الله، وإن كان لا يعبأ بهم أحد. فالله الآب كملك حقيقي يعتني أولا ما يعتني بالمساكين والضعفاء، والذين ليس لهم من يسندهم. هذا الاله، هكذا عرفناه في العهد القديم، ينحني على اليتيم والأرملة، على الفقير والغريب، على المسحوق في شعبه. والنظرة هنا ستكون روحيّة وستشدّد بشكل خاص على استقبال هؤلاء الصغار، على الحذر من أن نكون لهم نحن "الكبار" شكًا وعثارًا.

1- نظرة عامّة
يبدو هذا الفصل في ثلاث مقطوعات. في الأولى (آ 1-5) التي يقابلها مر 33:9-37؛ 10: 43-44؛ لو 46:9-48؛ 26:22، نتعرّف إلى العظمة الحقة. في الثانية (آ 6-9) نتوقّف عند الشكوك فنلتقي بما في مر 42:9-48 ولو 17: 1-2. أما المقطوعة الثالثة (آ 10-14) التي نقرأ ما يشبهها في لو 15: 3-7، فعنوانها الخروف الضال.
أ- العظمة الحقّة
مع ف 18 يتوضّح التعليم الذي بدا لنا مشرفًا على 22:17 (ابن البشر يُسلم إلى أيدي الناس): التواضع الناشط والذي يصبح موقفًا محسوسًا تجاه الله وتجاه الإخوة. وقد هيّىء هذا التعليم بسلسلة من الأخبار منذ 13: 54. إذن، دخل السامعون في فهم كلمات يسوع بمجموعة من الاعتبارات تتمحور بشكل أو بآخر حوله المسيح الذي جاء لكي يخدم ويتألّم. لهذا، حين نقرأ ف 18، لا ننسى الانباءات بالآلام التي تسبقه (16: 21-28؛ 17: 12ب، 22-23). وسيظهر هذا الوضع نفسه في القسم التالي من الانجيل وإن بعبارات مختلفة نأخذها منذ الآن بعين الاعتبار (20: 26-27؛ 23: 8-12).
في هذه الآيات التي امتزجت بعضها ببعض بحيث لا نستطيع أن نفصلها، نحسّ أكثر من أي موضع آخر بتذكّر كلمات يسوع واهتمامات الجماعات المسيحيّة التي فيها وُلد الانجيل الأول. انطلق مت من نص مر المعبّر الذي تبعه لوقا، فكوّن مجموعة متدرّجة تصل بنا إلى قمّة مع مثَل العبد الذي لا يرحم، وهو مثل خاص بمتّى. وهذه المجموعة تشبه أقلّه على مستوى الشرائع الخارجيّة ما نجده عند جماعات قمران.
ب- الشكوك
وبدأ الكلام في المقطوعة الأولى عن الأطفال، عن الاولاد (تجاه الكبار). وهذا ما قاد الانجيليّ إلى أن يضع في هذا المكان تعليم يسوع حول خطر الشكوك تجاه الصغار. وظهر متّى كعادته ذاك المربّي الذي يلفت انتباهنا إلى اهتمامات الكنيسة. أقحم مرقس (38:9- 41) الذي تبعه لوقا (9: 49- 50) خبرًا حول المقسّم (يخرج الشياطين) الغريب (الذي ليس من جماعة يسوع). أما في لوقا فجاء القول حول الشكوك موجزًا جدًا، وورد في سياق مختلف كل لاختلاف.
بسّط مت نص مر، فألغى ذكر الرجل (مر 45:9: إن عثرتك رجلك فاقطعها). ثم كان دقيقًا في كلامه بالنسبة إلى كنيسة عصره، فقدّم تفاصيل سنعود إليها فيما بعد. أسلوب متّى أسلوب أراميّ، ولكن هذا لا يعني أن نصّه سابق لنصّ مر.
نشير هنا إلى أن موضوع الشكوك يظهر أيضًا في الانجيل الأول. في 5: 29- 30 نقرأ: "فإن عثّرتك عينك اليمنى فاقلعها... واطرحها عنك... فخير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يذهب جسدك كله إلى جهنّم". يبدو الشكوك والعثار هنا حاجزًا نصطدم به وفخًا نقع فيه. يبدو حجر عثرة يعرّضنا للسقوط. وفي 11: 6، أورد مت كلام يسوع حول يوحنا المعمدان الذي قد يكون له يسوع سبب عثار: فالموقف الذي يتخذه هذا النبي من يسوع يدينه. وفي 13: 21، يفسّر مثل الزارع في إطار الضيق أو الاضطهاد الذي يجعل المؤمن يعثر، يسقط، يقع في الجحود (رج أيضًا حول الشكوك، 13: 41؛ 15: 12؛ 23:16؛ 27:17؛ 24: 10؛ 26: 31).
أما في المقطوعة التي ندرس (6:18-9)، فنشهد انتقالاً غريبًا من شكّ يصيب القريب بسببنا (آ 6-7: من يشكّك أحد هؤلاء الصغار) إلى شكّ يصيبنا فيعرّضنا للسقوط في الخطيئة (آ 8-9). وهكذا نصبح قريبين جدًا من مت 5: 29- 30 الذي ذكرناه. أشارت آ 6 إلى سقوط في الشكّ والارتياب، في اللامبالاة. أما آ 8-9 فإلى سقوط في الخطيئة. ولكن يبقى أن الانجيل يربط ربطًا وثيقًا هاتين الوجهتين حوله الشكوك.
أما فعل "سكنداليزاين" (شكّك) فيعود إلى نصوص يونانيّة متأخّرة (لا كلاسيكيّة) نجدها في السبعينيّة ولاسيّما في دانيال وابن سيراخ. وقد أراد بولس الرسول (في السنوات الخمسين) أن يلمّح إلى كلمة يسوع التي نقلها التقليد، فرأى من الضروري أن يشرح كلمة "سكندالون" (الشك)، فاستعمل لفظة قريبة من قرّائه (بروسكوما، روم 14: 13؛ 1 كور 8: 9). أشرنا إلى هذا التفصيل لندلّ على أن أقوال يسوع لم تنتقل بشكل آلي، بشكل حرفيّ. بل هي خضعت لحاجات الفقاهة في مختلف المناطق التي وصل إليها الانجيل.
ج- الخروف الضالّ
يبقى السياق المتّاوي متماسكًا جدًا. فنحن نعود بشكل صريح إلى موضوع الصغار (آ10 أ، 14) الذي يفتح هذه المقطوعة ويغلقها. هذا النهج في الاسلوب السامي يشير إلى هدف الكاتب في ما يُسمّى التضمين أو الاحتواء. أما الفائدة الكبرى من هذا المثل الصغير بمداه والعميق بمحتواه، فهي أنه يقع بين سياقين انجيليّين مميّزين. في لو 15 توخّى المثل أن يعطي صورة عن الموضوع الذي يُشرف على الفصل كله: فرحُ الله في استعادة ما ضاع. أما في مت 18، فهو يشدّد على مشيئة الله بأن لا يضيع خروف واحد من القطيع، وعلى استعداده للذهاب في طلب الخروف الضالّ.
أيّة من هاتين النسختين تعود إلى يسوع؟ نسخة لو أم نسخة مت؟ هناك خطان. فالذين يبرزون لو، يلاحظون أن نصّه (15: 1-2) هو صدى ملموس لجدال يسوع مع الفريسينن والكتبة. وقد رأى أحدهم في هذا المثل قولاً ليسوع وجّهه إلى خصومه، ولكن التقليد جعله تحريضًا للتلاميذ، أي إلى أعضاء الجماعات المسيحيّة الأولى. لاشكّ في أن النصّين قد تأثّرا بالتقليد الشفهيّ قبل أن يدوَّنا كتابة. وكلاهما يعطياننا صدى حقيقيًا لمثل تفوّه به يسوع، وهو مثل فيه الكثير من البساطة ومن الغنى بحيث يستطيع أن يولّد اتجاهين متكاملين في تطبيقه. غير أننا نلاحظ أن مثَل الخروف الضال في لوقا كصورة عن الصغار الذين لا نحتقر (آ 1) يلائم ملاءمة أفضل الخطأة الذين احتقرهم الفريسيون والاسيانيون في زمن يسوع. لا أعضاء مغمورين في جماعة مسيحيّة في سورية وفلسطين جوالي سنة 80.

2- القراءة التفصيليّة
أ- مقدمة إلى دراسة الآيات
أولاً: البنية
يبدو 18: 1-14 في ثلاث مقطوعات. في آ 1-5 نتعرّف إلى العظمة الحقيقيّة. في آ 6-9، إلى الشكوك الذي يجعل الصغار يعثرون. وفي آ 10- 14، إلى الخروف الضالّ الذي يذهب الرب في طلبه، ويُسرّ حين يجده. أما المقطوعة الأولى التي تحوي ثلاثة اعلانات مفاتيح (آ 3 ,4، 5)، فهي تشير إلى الولد (بايديون). والمقطوعة الثانية تتضمّن ثلاثة أجزاء رشد (آ 6؛ آ 7؛ آ 8- 9)، يوحّد بينها شكل أمثاليّ (سمفارو: نقع، كالون: خير) يرد ثلاث مرات (آ 6، 8، 9): "خير لك أن تدخل الحياة". والمقطوعة الثالثة لا تتوقّف عند لفظة معيّنة، بل تشير إلى "واحد من هؤلاء الصغار" و"الآب الذي في السماوات"، في آ 10، وآ 14، أي في البداية وفي النهاية.
ثانيًا: المراجع
تتأسّس المقطوعة الأولى (18: 1- 5) على جدال حول العظمة في مر 33:9-37. يبدو أن لو لم يتأثّر كثيرًا بالانجيل الثاني (ترك مر 9: 35 ولفظة احتضن). أما مت فاستعمل مرجعه بحريّة. أوجز المقدّمة السردية (فصارت أقلّ حيويّة). أسقط ما قيل في 9: 35 ("من أراد أن يكون الأول، عليه أن يكون آخر الكل وخادمًا للكل"؛ رج 26:20-27؛ مر 10: 43-44؛ مت 23: 10). وأضاف القول في آ 3 (إن لم ترجعوا وتصيروا كالاولاد) (أخذه من مر 10: 15 أو بالأحرى من المتّاويات) وما في آ 4 (من وضع نفسه مثل هذا الولد) (استند، على ما يبدو، إلى قول من المعين نجده في 23: 12= لو 18: 14). وأخيرًا ألغى نهاية مر 37:9 ("ومن يقبلني لا يقبلني أنا، بل يقبل الذي أرسلني"، رج مت 10: 40). كل هذه التبديلات تفسّر في ميل متّى إلى الإيجاز، ورغبته في جمع الأقوال حول الأولاد، حول الأطفال. هذه الرغبة تفهمنا لماذا ترك مر 9: 35، 37 ج د، ولماذا أضاف آ 3-4. هكذا برزت وحدة الموضوع حول اللفظة الواحدة.
وإذا عدنا إل 18: آ-9 نجد الموازيات التالية:
مت مر لو 
18: 6 9: 42 2:17 ب،2 أ 
7:18 - 17: 1
18: 8 9: 43، 45 -
18: 9 9: 47 -
إن الآيتين الأخيرتين هما نسخة متّى لما في مر 43:9-45، 47. وقد شابهت جزئيًا 29:5-30 (اللتين ترتبطان بما في مر 43:9-47). يعود 7:18 إلى المعين، على ما في لو 17: 1. وكما في 6:18، قد نكون أمام تداخل المعين مع مرقس. وفي ما يتعلّق بـ 18: 10-14، فنحن أمام مثل من المعين (رج لو 3:15-7) مع مقدّمة تدوينيّة (آ 10) وخاتمة (آ 14). لا يبدو معقولاً أن يكون لو ارتبط بمتّى. فليس في لو أمور يتميّز بها مت. لن نتوقّف عند الذين رفضوا مرجعًا واحد لمثلَي الخروف الضال في لو 15: 3-7 ومت 18: 10-14. فالاختلافات تدلّ على اهتمامات كنسيّة مختلفة لدى متّى ولدى لوقا.
ثالثًا: التأويل
إن 18: 1-14 هو مجموعة من التعليم الاخلاقيّ يتوقّف عند العلاقات بين أعضاء الكنيسة. تطلب آ 1-5 التواضع. وتتحدّث آ 6-9 عن العثار الذي نضعه أمام الآخرين أو أمام أنفسنا. وتطلب آ 10-14 الاهتمام الخاصّ بكل المؤمنين بمن فيهم الصغار، الخطأة، الضعفاء.
إن لفظتي "بايديون" (ولد) و"مكروس" (صغير) هما المفتاح لهذه القطعة. ما العلاقة بينهما؟ ليس من اتّفاق بين الشرّاح. من الواضح أن يسوع يبدأ الكلام في ف 18 بالاشارة إلى الأولاد الصغار، إلى الأطفال (آ 2، دعا ولدًا وأقامه في وسطهم). وفي آ 10-14 يتحدّث عن الصغار فيعني "المؤمنين". فكيف انتقل الانجيليّ من معنى إلى معنى؟ من الصغار إلى المؤمنين؟ ظنّ بعضهم أنه وجد الحلّ في آ 5: "ومن يقبل ولدًا كهذا". نقول إن "بايديون" مفتاح آ 1- 5، و"مكروس" مفتاح آ 6-14. وهكذا نكون أمام الأولاد الصغار في 18: 1- 5، وأمام المؤمنين في آ 6-14. واستعمال لفظة "لمؤمنين" (أخذت من مر) تُثبت هذا الاستنتاج. فبعد آ 5 فقط، نفهم أن المؤمنين هم في الصورة التي يقدّمها يسوع.
وانقسم المؤوِّلون. هل توجّه ف 18 إلى جميع المسيحيين بالتساوي، أم أولاً إلى المسؤولين في الكنيسة؟ هناك اعتبارات ثلاثة تجعلنا نقف مع الذين يقولون إن هذه الخطبة قد توجّهت إلى تلاميذ المسيح كلهم.
أولاً: مضمون التعليمات لا يتطلّب سامعين من نوع خاص. فالتواضع والصلاح والاهتمام بالغفران للآخرين، هي مطلوبة من كل المؤمنين.
ثانيًا: في 10 يتوجّه يسوع إلى مجموعة خاصة، مجموعة المرسلين، مجموعة "الاثني عشر"، كما يقول النص. أما حديث يسوع هنا فيتوجّه بكل بساطة إلى "التلاميذ" (آ 1، تقدَّم التلاميذ).
ثالثًا: لاحظنا في خطبة الرسالة (ف 10) أن مت يتجنّب تقديم تعليمات خاصة تتوجّه إلى أقليّة في الكنيسة. "وما أقوله لكم فللجميع أقوله: كونوا متيقّظين".
ب- التفسير
هنا نبدأ بتفسير الايات.
أولاً: الأطفال (18: 1- 5)
نحن هنا أمام نصيحة أخلاقيّة. فعلى الانسان أن يتبدّل فيصبح مثل الأولاد الصغار (الأطفال). فبهذه الوسيلة وحدها يستطيع الدخول إلى الملكوت (آ 3). على الانسان أن يتواضع كالطفل. ففي الملكوت يصبح المتواضع عظيمًا (آ 4). وعلى الانسان أن يستقبل الصغار "باسمي". فمن قبلهم قبل يسوع نفسه (آ 5). وهكذا نجد في هذه المقطوعة ثلاثة مواضيع: الدخول إلى الملكوت، العظمة في الملكوت، الخدمة في هذا العالم.
حين نقابل نص مت مع مرجعه في مر 33:9-37، نستنتج الملاحظات التالية (1). أوجزت المقدمة الاخبارية (مر 9: 33-34) بحيث لم تعد تُذكر المزاحمة ين التلاميذ. (2). ضُمّ قسما الخبر (آ 1 وآ 2- 5). تصرّف الرسل (آ 1 أ)، ثم تكلّموا (آ 1 ب). وكذلك تصرّف يسوع (آ 2)، ثم تكلّم (آ 3- 5). (3) بدأ الحديث مع التلاميذ الذين طرحوا على يسوع سؤالاً. أما عند مرقس فكانوا صامتين. (4) ألغي مر 35:9، فصار الخبر متماسكًا (يتّفق مفسّرو مر على أن مر 33:9-37 غير مرتّب بسبب 35:9). (5) ألغي الكلام عن يسوع الذي أخذ ولدًا بين يديه (مر 9: 36). (5) أدخل قولان في آ 3-4. (6) ألغي مر 37:9 د.
* سؤال التلاميذ (آ 1-2)
هل جاء سؤال التلاميذ حول العظمة الحقيقية (كما يقول أوريجانس في تفسيره لمتّى، 14:13) على أثر أولويّة بطرس كما في 24:17-27؟ ليس الأمر واضحًا. وقد رأى بعضهم في المثل حول ملوك الأرض في 17: 24- 27، سؤالاً حول ملكوت السماوات. لأن الكلام التعليمي حول حريّة التلاميذ جعلهم يتعجبّون حول معيار العظمة في الجماعة الاسكاتولوجيّة.
ثم إن نصّ مت لا يكشف لنا نوايا التلاميذ: هل فكّروا بأنفسهم أم تكلّموا بشكل عام؟
"في تلك الساعة". هي انتقالة تدوينيّة لا نجدها في مر. رج 13:8. "تقدّم التلاميذ إلى يسوع وقالوا". ق 5: 1، 13: 36؛ 14: 15؛ 3:24؛ 17:26 (كلها تجعل تمييزًا. وفي إيرادين تبدأ خطبة هامة). "من الأعظم في ملكوت السماوات" رج انجيل توما 12. بالنسبة إلى سائر الأسئلة الآتية من التلاميذ، رج 13: 15؛ 15: 12؛ 17: 19؛ 21: 20؛ 24: 3. أضيف "ملكوت السماء". وهذا ما تدلّ عليه المقابلة مع مر 9: 34 (فقط: من هو الأعظم). وهكذا صارت الجملة سبب جدال. هل هي عودة إلى الزمن المقبل، إلى من هو الأعظم السنا هنا فقط أمام مقابلة مع "مايزون" بل تفضيل مطلق، رج 5: 19) في ملكوت السماء؟ أو هل هو تعجّب التلاميذ حول الزمن الحاضر؟ هل تماهت الكنيسة مع الملكوت؟ إن استعمال "استين" (كان، هو) في آ 1، 4 قد يحلّ المشكلة لأن الحاضر يُستعمل من أجل المستقبل في العهد الجديد. وكما في 11: 11، نأخذ بالتفسير الاسكاتولوجي. ولكن يجب أن لا نعارض تفسيرًا (يأخذ الزمن الحاضر) بتفسير (يأخذ الزمن المقبل). حين لا يرى التلاميذ تراتبيّة في العالم الاسكاتولوجي، فرؤيتهم تنعكس في بنية الكنيسة. والعظمة في الملكوت هي العظمة في الكنيسة، على الأرض.
أجاب يسوع (آ 2) بفعلة رمزيّة على ما اعتاد الأنبياء أن يفعلوا. قدّم مثلاً لا بالقول بل بالعمل. دعا ولدًا وأجلسه وسط التلاميذ. وهكذا جاء النظر يساعد السمع. إن وجود الولد يدلّ على أن الراوي لا يظنّ أن يسوع هو في بيت كفرناحوم حيث نجد فقط يسوع والاثني عشر.
* جواب يسوع (آ 3- 5)
"وقال". هكذا أوجز مت مر 9: 36 حيث نقرأ: "ثم أخذ ولدًا... وقال لهم". "الحقّ أقول لكم...". لا تعود آ 3، إلى مرجع مرقسيّ. بل هي تدلّ على قول نقرأه أيضًا في مر 10: 15 (= لو 18: 17)؛ يو 3: 3، 5؛ إنجيل توما 22 و46. رج أيضًا يوستينوس، الحوار الأول 6: 4؛ راعي هرماس، أمثال 9: 29. يبدو أنّ نصّ مت هو أقدم من نصّ مر 10: 15، لأن "قبول الملكوت" هي عبارة بعد فصحيّة. فيسوع تكلّم بحسب مت عن الطريقة التي بها نصير كالأطفال.
ما هو معنى القول في مت؟ أن نصير كالأطفال لا يدلّ على البراءة أو البساطة واللاخطيئة (في "رؤيا بولس" كما في نجع حمادي، الموحي هو ولد صغير. هل هذا الظرف هو نتيجة جعل يسوع يكمّل قوله). ولكن قول يسوع في آ 4 هو دعوة إلى التواضع الذي سمّاه يوحنا الذهبيّ الفمّ أم سائر الفضائل وأصلها وأساسها وقلبها (عظة 1-55 في أع 3:3). هذا لا يعني أن الأطفال يعون تواضعهم، بل أن لا موضع لهم ولا موقع في المجتمع. وتبّاع يسوع الذين يعكسون هذه الصورة، يُبعدون عنهم كلَّ كبرياء التي هي "أصل الخطيئة وينبوعها وأمها" (يوحنا الذهبي الفم، العظة 1-88 في يو 9: 2). كما ينسون موقعهم في العالم.
ولكن ما معنى كلام يسوع حين دعا سامعيه ليكونوا مثل الأطفال؟ إليك بعض الآراء: (1) يدعوهم إلى الانفتاح. (2) يدعوهم إلى الثقة بالله. (3) يدعوهم إلى العفويّة. (4) يدعوهم إلى قبول الملكوت كالطفل الذي يعرف أنه لا يحقّ له أن "يطالب". (5) يدعوهم إلى التواضع. (6) يدعوهم لكي يتعلّموا أن يقولوا: أبّا، أيها الآب. (7) بما أن الملكوت يشبه الطفل، نقبل الملكوت كما نقبل الطفل، بعاطفة المحبّة.
ونقول: حين طلب يسوع من سامعيه أن يكونوا كالأطفال فهو يدعوهم ليعيشوا حياتهم الدينيّة كأنها شيء جديد. وقال تلمود بابل، (يبموت في نظام النساء، 48 ب) إن المرتدّ إلى اليهوديّة هو مثل الطفل الذي وُلد من جديد. هي مقابلة طبيعيّة ترد في مواضع عديدة (مثلاً، 1 كور 27:5؛ فلم 10). فالتوبة التي يطلبها يسوع مع الثمار من أجل الدخول إلى الملكوت، هي مثل الولادة. في هذا الخطّ سار يوحنا. وتفسير مت على مستوى التواضع قد يكون انطلق من هذا المفهوم.
"إن لم ترجعوا" أو: "إن لم تتوبوا" (رج يو 12: 40). أو: "إن لم تتبدّلوا" رج في العربية "تاب"، "ثاب" (في الأرامية "ت و ب". في العبريّة "ش و ب"). وهكذا تعني العبارة: أن نصبح من جديد مثل الأطفال. أما الدخول إلى الملكوت (رج 5: 20؛ 7: 21؛ 19: 23-24؛ 23: 13)، فيقودنا إلى الزمن المقبل.
"فمن وضع نفسه مثل هذا الولد..." (آ 4). هي آية من تدوين مت، ترتبط بالمعين كما في 23: 12= لو 18: 14 (من اتّضع ارتفع). صار "المتواضعون" كـ "الأطفال". وفي ضوء آ 1 (حيث نجد "مايزون"، خير)، الارتفاع هو العظمة.
وتأتي آ 5 (مثل مر 33:9-37) فتختم مع وعدْ لمن يتقبّل الأطفال. ليس الطفل مثالاً نقتدي به، بل موضوع عمل نقوم به. "باسمي". نتقبّل الطفل باسم المسيح، أي نرى المسيح في هذا الطفل، ونتصرّف من هذا المنطلق. وهكذا نكون أمام المبدأ الذي نجده في 25: 31-46 حيث يرتبط ابن الانسان مع الضعيف والمهمّش. صار ابن الانسان واحدًا مع ذاك المحتاج مهما كانت استعداداته الذاتيّة. وهكذا جمع يسوع القول والعمل فدعانا إلى أن نقتدي به
ثانيًا: الشكوك (6:18- 9)
هذه المقطوعة بأجزائها الثلاثة، تحتوي أقوالاً مع فعل "سكنداليزاين" أو الاسم "سكندالون". لم نعد هنا أمام وعد، بل أمام تنبيه وتحذير. طلبت آ 6 من الانسان أن لا يشكّك "واحدًا من هؤلاء الصغار". وشدّدت على العقاب الالهي القاسي (يعلّق بعنقه حجرُ الرحى ويُرمى في البحر). لم نعد أمام الأطفال (كما في آ 1-5)، بل أمام أعضاء الجماعة المسيحيةّ. وتتحدثّ آ7 عن السقوط بشكل عام مع ويلين: ويل للعالم من المعاثر. ويل للإنسان... وفي النهاية، تأتي آ 8-9 فتنقلان انتباهنا من الآخرين إلى أنفسنا: نحذر من أعضاء جسدنا ومن الضرر الذي قد يحصل لنا.
* من يشكّك الصغار (آ 6-7)
مع آ 6، ننتقل من "بايديون" (طفل) إلى مكروس (صغير)، من المعنى المادي إلى الصغير أي الذي يؤمن. ويحذّرنا يسوع الآن في كلام قاسٍ جدًا من الذين يسبّبون الشكوك والعثار للآخرين. إن فعل "عثّر" (شكّك) يعني أفسد، قاد في طريق الشر العقليّ والخلقيّ. يعني جعل الناس يضلّون، يضيّعون الايمان. ويذهبون بعيدًا عن الله. إن عبارة "واحد من هؤلاء الصغار" ترد أربع مرات في مت (15: 42؛ 18: 6، 10، 14). ومرّة واحدة في مر 9: 42 وفي لو 17: 2. وهي تشير إلى المرسلين (كما في 10: 42) والموعوظين والمرتدّين الجدد والمسيحيين الصغار (إيمانهم ضعيف: أو لا يعتبرهم الآخرون).
تحدّث يسوع (في آ 6) عن الصغار في المعنى الحرفي، عن التلاميذ (رج 10: 42)، عن المساكين كما في التطويبات. هم المؤمنون (الذين يؤمنون بي). فمن جرحهم جرح نفسه. فالانسان حين يعثّر الآخرين يعثّر نفسه أيضًا. فالخلاص جزء من مسيرة اجتماعيّة. لهذا لا نستطيع إلاّ أن نفكّر بالآخرين. قال أنطونيوس: "حياتنا هي مع قريبنا وكذلك موتنا. إن ربحنا أخانا ربحنا الله. ولكن إن شكّكنا أخانا أخطأنا إلى الله (الأباء اليونان 65). وما قاله بولس عن الشكوك في روم 13:14؛ 1 كور 13:8 (تطبيق على المؤمنين الضعفاء) ليس بعيدًا عن روح مت 18.
"الويل للعالم من الشكوك" (آ 7). لا نجد في لو ما يوازي هذه الآية، التي تبدو تدوينيّة. فهي تتيح لنا أن ننتقل من آ 6 إلى آ 7 ب. إن لفظة "ويل" يتبعها فاعل غير شخصيّ (11: 21). وإن لفظة "كوسموس" (العالم) هي تدوينيّة، شأنها شأن "سكندالون" التي تتكرّر ثلاث مرّات في هذه الآية. "من الضرورة أن تأتي الشكوك". نحن أمام مراحدة تعود إلى المعين. لماذا؟ بسبب تأثير الشيطان في العالم.
في الأيام الأخيرة، قبل أن ينتصر الله، يزدهر الاثم (24: 6: يوستينوس، الحوار مع تريفون 25). لا يمكن أن نفلت من الشكوك. "ويل للانسان الذي تقع المعاثر على يده". إن كنا لا نستطيع أن نتجنّب الشكوك، وإن كانت ضروريّة، فهذا لا يعني أنه يجب أن نقترفها. علينا أن نمرِّن إرادتنا لئلا نقود الآخرين إلى الخطيئة. فمسؤوليتنا باقية في أي حال.
* من تشكّكه يده (آ 8-9)
هاتان الآيتان اللتان هما تعبير مختلف للموضوع الواحد، قد حوّلتا الموضوع وبدتا وكأنهما تقطعان السياق (آ 10 تتبع آ 7). إن إعلان آ 6 يرتبط مع تشكيك الآخرين. وقد صار تشكيكًا بنوع عام. ولكن الأمر في آ 8-9 يدعو إلى الحذر ممّا يقود الانسان إلى الخطيئة. وتجاوبُ العضو مع الخطيئة يكون سريعًا، أكيدًا، قاسيًا. قد يكون الارتباط مع آ 6-7، في أن ظرف الخطيئة في الانسان قد يقوده إلى أن يعثّر الغير. فإن أراد الانسان أن يجنّبا أخاه العثار، وجب عليه أولاً أن يحذر هو من العثار. في هذا الاطار نتساءل: أما تشبه آ 8-9 في وظيفتها 7: 3-5 ومثَل الخشبة والقذى؟ فإذ أراد المؤمن أن يصلح أخاه، يجب عليه أولاً أن يتحرّر من خطيئته. وهنا أيضًا، قبل أن نحاول أن نحدّد مؤمنًا يستحقّ التوبيخ (آ 15 ي)، نتحرّر نحن من العثار.
"إن شككتك يدك أو رجلك". تمزج هذه الاية مر 43:9 أ مع آ 45 أ، فتشبه مت 5: 30. حوّل الانجيلي قولين من مر فصارا عنده قولاً واحدًا، وصارت اليد والرجل وكأنهما شخص حيّ. ووجود صيغة الحاضر يدلّ على أن العثار كان مشكلة ملموسة في الجماعة المتّاويّة. "فاقطعها واطرحها عنك بعيدًا". رج مت 5: 30. هنا نتذكّر قطع اليد (أو الرجل) المريضة لدى الأطباء على ما يقول كونتليانس. إن عمليّة "القطع" للعضو تجعلنا في خطّ الذين خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله (19: 10-12).
"خير لك أن تدخل الحياة...". يشير هنا النصّ إلى العلاقة بين العمل الحاضر والملكوت الآتي كما تشير إليه "الحياة". إن الحرب مع الخطيئة هنا والآن، تحدّد المصير النهائيّ. يجب أن يُزال كل حاجز في طريق "الحياة"، ومهما كان الثمن. لا شيء له قيمة تجاه كنز الملكوت (44:13). وليس من تضحية عظيمة في هذا المجال. فكلها ترخص من أجل البلوغ إلى الحياة والنجاة من نار جهنّم. فعلى الانسان أن يتألّم هذا "الموت" الذي يعطي الحياة. هذا ما قاله سمعان اللاهوتي الجديد في العظة السابعة والخمسين.
قد يلمّح 18: 8-9 إلى تكوين ربّه حول 2: 3: "سأل فيلسوف رابي حوشايا (من الأمورائيم أو القوَّالين في القرن 3): إذا كان طقس الختان محبوبًا، فلماذا لم يُعط لآدم (حسب الطبيعة)؟ أجابه: لماذا تحلق زوايا رأسك؟ أجاب الفيلسوف، لأنها تنمو من حوله في شطط. فقال له: بالطريقة عينها يجب أن تعمي عينيك وتقطع يديك وتكسر رجليك لأنها تنمو حولك في شطط".
ثالثًا: الخروف الضال (18: 10- 14)
* بين متّى ولوقا
هنا عاد مت إلى المعين، وأخذ مثل الخروف الضالّ (لو 3:15-7). وأضاف على ما وصل إليه، المقدّمة (آ 10) والخاتمة (آ 14). في لو 15 حيث يترافق المثل مع مثل الدرهم الضائع، يبدو المعنى مختلفًا. كان سامعو يسوع الكتبةَ والفريسيين. وقد حاول يسوع أن يبرّر موقفه تجاه انتقاداتهم: لماذا يأكل مع العشّارين والخطأة، مع هذا الشعب صاحب السمعة السيّئة. في لو 3:15- 7، يمثل الخروف الضال الخاطىء الذي ضلّ. والفرح بوجوده هو فرح الله أمام التائب.
أما في مت، فمثل الخروف الضالّ يتوجّه إلى التلاميذ (وهكذا ينعكس المعنى)، فيجعلنا في إطار كنسيّ. كل أعضاء الكنيسة هم موضوع عناية من قبل الله الذي يهتمّ بأن يحافظ على خاصته، حتى "الصغار". لهذا، يجب أن لا نحتقر حتى "الصغير". في لو، الخاطئ قد ارتدّ ورُبح للمسيح في مهمّة انجيليّة. أما في مت، فالعضو الذي سقط قد أعيد ونجا من الدمار.
يتضمّن مثل الخروف الضال (كما هي العادة في مت) موضوع الاقتداء بالله (43:5-48). فالراعي الذي استعاد خروفه الضالّ يشير إلى اهتمام الله بكل واحد. واهتمامه هذا هو نموذج للاهتمام البشري بالصغار (18: 14): حبّ الله للضالّين يدعو حبَّ البشر للضالين.
تبدأ هذه المقطوعة وتنتهي بالعبارة نفسها: "واحد من هؤلاء الصغار". وهي تقرأ حسب الرسمة التالية:
10 أ: واحد من هؤلاء الصغار
10 ب: أبي الذي في السماء 
12 ب: ضلّ واحد
12 ج: التسعة والتسعين
12 ج: الذي ضلّ 
13 ب: التسعة والتسعين 
13 ب: التي لم تضلّ 
14 أ: أبوكم (أو: أبي) الذي في السماء
14 ب: واحد من هؤلاء الصغار.
يعتبر الشرّاح هذا المثل على أنه خرج من شفتَي يسوع. فإن كانت المقدّمة اللوقاويّة (15: 1-2) تدوينيّة، إلاّ أن يسوع قد قالها ليردّ على منتقديه لأنه يأكل مع العشّارين والخطأة. لقد ارتبط يسوع مع بعض الأشخاص الذين اعتُبروا أدنى من أن يلامسوا تقواه، من أن يرافقوه، لأنهم من خارج قطيع اسرائيل (9: 10، 13). وجاء مثل الخروف الضالّ بشكل دفاع تجاه الذين عارضوه. أما هدف يسوع فجاء مختلفًا كل الاختلاف كما قال مر 17:2: "ليس الأصحاء يحتاجون إلى طبيب". جاء مثل الدرهم الضائع (لو 8:15-10) بعد مثل الخروف الضالّ في المعين. ولكن مت احتفظ بمثل واحد لأن الخروف الضالّ يمثّل المؤمن الذي يبتعد عن الكنيسة، ساعة لا يستطيع أن "يذهب بعيدًا".
هناك اتصال بين مت 18: 10-14 وحز 34 (كما في السبعينيّة)؛ ق آ 12 مع حز 34: 10- 11 (أطلب غنمي) و12:34؛ ق آ 12 مع حز 13:34؛ ق آ 12-13 مع حز 16:34. ولكن وإن ارتكز المثل على نص حز، إلاّ أنه تحوّل وتكيّف مع الجماعة المسيحيّة. نشير إلى أن مت استعمل لفظة "الجبال" (حز 34: 13) (أوري في اليونانيّة). ثم "بلاناوو" (ضلّ، حز 34: 16).
* لا تحتقروا واحدًا (آ 10- 11)
هذه المقدمة التدوينية (آ 10) التي تسبق الخروف الضالة تبدو انتقالةً تربط بين المقطوعتين. "واحد من هؤلاء الصغار" يعود بنا إلى آ 6 (يعثر أحد..)، فيجعلنا نرى ما يجب أن لا نحتقر. وفي الوقت عينه، الانتقال من "سكنداليزاين" (شكّك) إلى "كاتافروناين" (احتقر) يُفهم القارئ أنه يصل إلى مقطوعة جديدة. وهكذا جمعت آ 10 ما سبق وهيّأت إلى ما يلي.
الاحتقار هو موقف قد ينتج عنه أفعال. ولمذا لا نحتقر "الصغار"؟ لأن ملائكتهم يشاهدون وجه الآب السماويّ. لأن لهم من يمثّلهم في السماء. هناك اعتقاد في العالم اليهوديّ يقول بأن الله في حبّه للبشر قد جعل لكلّ إنسان ملاكًا (مز 34: 7؛ 91: 11؛ المدائح 5: 20؛ 1 اخنوخ 10: 5؛ اليوبيلات 35: 17: وصيّة لاوي 5: 3 وصيّة أيوب 43: 10...). قد يعود هذا الاعتقاد إلى العالم الفارسيّ (فراوشيش أو الأرواح الحرّاس). وهناك من قال إن أسماء الملائكة جاءت من بابل. واعتبرت نصوص بيبليّة أن لكل دولة ملاكًا يحرسها (دا 13:10؛ 12: 1؛ سي 17:17؛ رج 2 مك 11 :6؛ 3 مك 18:6-19؛ 1 اخنوخ 20: 5). وقيل أن الملائكة في مت 18: 10 هم متشفّعون، وسطاء بين الله وكل واحد منا (أي 23:33؛ طو 12: 15؛ 1 أخنوج 40: 6، 9؛ 104: 1؛ وصيّة لاوي 3: 5؛ 5: 6). هل الملائكة خلائق يصعدون إلى السماء وينزلون إلى الأرض، ويقومون بوظائف على مثال رفائيل بالنسبة إلى طوبيا؟ هذا موضع جدال لدى الشرّاح.
نشير هنا أن العالم اليهودي يعتبر أن الانسان لا يستطيع أن يرى مجد الله. ولكن يسوع يقول إنهم يرون مجد الآب الذي في السماء. وإن كان للأطفال ملاك، فهذا لا يعني أنهم بريئين، بلا خطيئة. بل نحن هنا أمام تعبير عن حنان الله تجاه المؤمنين في الكنيسة.
ونقرأ آ 11: "لأن ابن البشر قد جاء ليخلّص ما هلك". لا تقرأ هذه الآية في عدد من المخطوطات. هي قد أخذت من لو 19: 10. لهذا لا تضعها الترجمات في النصّ، بل في الحاشية.
* إنسان له مئة خروف (آ 12-14)
يبدأ المثل مع هذه الآية التي تطرح سؤالين: السؤال الأول يدعو إلى الانتباه: "ماذا ترون"؟ والسؤال الثاني يفترض جوابًا بالإيجاب: "إذا كان لانسان مئة خروف..". "ماذا ترون". ق 17: 25؛ 21: 28؛ 22: 17، 42؛ 66:26 (كلها خاصة بمتّى وليس لها ما يقابلها في سائر الأناجيل)؛ ق يو 11: 56. في هذا النصوص، يحكم السامعون على نفوسهم.
"كان لانسان مئة خروف وضلّ واحد". رج مز 176:119 (ضللت كخروف ضال)؛ 1 بط 2: 25؛ لو 15: 4. عبر التاريخ المسيحيّ، تماهى الرجل والخراف مع يسوع نفسه، فقُرئ نصّ مت مع يو 10. في هذا المجال، نقول إنّ الربّ (آ 14) وافق على أعمال الراعي يسوع الذي ذهب يبحث عن الضالّ (آ 13-14). وعلى المؤمنين بيسوع أن يصنعوا مثله. مثل هذا التفسير طبيعي على ضوء 9: 36؛ 15: 24؛ 26: 31 (يسوع هو كالراعي). هنا نتذكّر أن داود كان راعيًا (2 صم 7: 7-8). ونتذكّر وضع يسوع كالعامل الاسكاتولوجيّ في مخطّط الله. كما نتذكّر أن يسوع هو ابن داود، ونتذكّر النبوءة حول تجميع الخرف على جبل نهاية الأزمنة (أش 40: 11؛ إر 31: 10؛ حز 34: 11-16).
"يترك التسعة والتسعين في الجبال". هذا ليس بمعقول. لهذا، لا نقرأ النصّ قراءة حرفيّة، ولكن نفهم القيمة الكبيرة للخروف الضالّ. ونفهم فرح الآب لعودة ابنه. "وإذا وجده" (آ 13). رج لو 15: 5 (يحمله على كتفه، رج أش 40: 11). "هكذا لا يريد أبوكم الذي في السماوات" (آ 14). ق لو 7:15 (هو أقرب إلى المعين)؛ يو 6: 40 (هذه إرادة أبي). إن إرادة الآب بأن لا يهلك واحد من هؤلاء الصغار، صارت أمرًا للمؤمنين. فعلى التلميذ أن يكون مثل الله، أن يسلك مثل الله الراعي الصالح (مز 23)، أن يشارك الله في نشاطه من أجل خلاص الضالين.
يتضمّن انجيل توما 107 نسخة عن هذا المثل: "قال يسوع: يشبه الملكوت راعيًا له مئة خروف. واحد منها، وهو الأكبر، ترك وراءه التسعة والتسعين، ويحث عنه حتى وجده. بعد أن تحمّل الصعوبات، قال للخروف: أحببتك أكثر من التسعة والتسعين". عاد النصّ إلى الازائيين. ولكنه شدّد على أهميّة الخروف لأنه الأكبر، ولم يشدّد على حنان الرب ورحمته (خسر الرب خروفًا كبيرًا!).

3- خلاصة شاملة
أ- العظمة الحقيقيّة
إن الرباط مع ما سبق هو رباط منطقيّ أو فقاهيّ، لا كرسوتولوجي أو سيروي. لسنا هنا أمام سيرة يسوع. ولسنا أمام تتابع الأحداث. في هذا المجال، تبقى "الساعة" غامضة. لا ننسى أننا في الخطبة الرابعة من خطب مت، وقد جُمعت كتعليم مخصّص للجماعة المسيحيّة. يذكر التلاميذ (ماتيتاي) الذين ليسوا مجموعة الرسل المنظّمة في حلقة. نشير هنا، كما سبق وأشرنا، إلى أن هذا التعليم لا يُحفظ للذين سيقودون الكنيسة. هؤلاء التلاميذ هم قبل كل شيء أعضاء الكنيسة الذين إليهم يوجِّه الانجيلي كلامه.
"أرا" (اذن) لفظة متواترة عند مت وعند بولس. تميّز لغة هذين المعلّمين الكبيرين في المسيحية الأولى. بماذا نربطها؟ ليس فقط بواقع يعلن سلطة بطرس في الكنيسة. بل بتأكيد مركزيّ في الانجيل. لقد رتّب يسوع الملكوت لتلاميذه. فأين هي أماكنهم في هذا الملكوت؟ ولكن ولْي النصّ يرينا، شأنه شأن لو ومر، أننا أمام عظمة خاصة، لا بملكوت الله الآتي، بل بالتصرف الحاليّ للمسيحيّ الذي يحوّل نعمة الله إلى عظمة بشريّة.
ودعا يسوع ولدًا. جاء به عن الطريق. لم يكن مثال البراءة والطهارة والكمال الخلقيّ. ففي فلسطين، بل في العالم القديم كله، كان الولد كائنًا ضعيفًا، لا يجرؤ أن يطلب شيئًا. لا يحقّ له أن يتكلّم في المجتمع، فيكتفي بأن يطيع الأوامر التي تعطى له. هو كالمساكين في مت: يتقبّل بفرح ما يقدّم له. نشير إلى أن لفظة "بايديون" تعني الولد الصغير والطفل (لو 2: 21؛ يو 16: 21؛ مت 2: 8، 9، 11). أو الولد الذي قد يكون "كبيرًا"، كما هو الحال هنا (مت 16:11؛ 13:19 ي؛ 14: 21). إن فعلة يسوع تدلّ على أننا لسنا أمام رضيع ولا أمام مراهق.
"إن لم ترجعوا (آ 3). يتوجّه نداء يسوع هنا إلى التوبة، إلى تلاميذه. فليس لهم أن يعيشوا حلمًا من البراءة على مثال الأطفال، بل أن يتوقّفوا عن المطالبة بالملكوت، وأن يقبلوا ما يُعطى لهم. تهديد خطير. فحتى تلاميذ يسوع ورسله قد يُحرمون من الدخول إلى الملكوت. وهكذا ينتقد متّى بعض الأوساط المسيحيّة في عصره.
إن فعل "سترافاين" يعني: بدّل اتجاهه. غيّر سلوكه (7: 6؛ 9: 22؛ 23:16). فعلى الرسل أن يبدّلوا وجهتهم في تصوّرهم للعظمة التي إليها يطمحون. نحن أمام تبدّل واعٍ، لا على مستوى السلوك وحسب، بل على مستوى الاتجاه الأساسي. ليسً الموضوع أن نعود أطفالاً كما تصوّر نيقوديمس. فالتاريخ البشريّ لا يعود إلى الوراء. لسنا في إطار التقمّص والعودة إلى جسد آخر أو حياة ماديّة أخرى. بل يجب أن نأخذ بطريق التواضع والخدمة بحسب وصيّة يسوع. ففكرة الاتضاع (تاباينون) تدلّ على خدمة ملموسة نقوم بها لله وللقريب. ولا تدلّ على مثال نسكي من الامّحاء أو الطاعة العمياء (23: 12؛ لو 14: 11؛ 14:18؛ رج 2 كور 7:11؛ 12: 21؛ فل 18:2 ي؛ 12:4؛ يع 4: 10؛ 1 بط 5: 6).
"ومن يقبل ولدًا" (آ 5). قد ينتمي هذا القول إلى المقطوعة التالية لأنه يقطع تماسك الفكرة ويقع في سياق تاريخيّ مختلف. ولكن الإزائيين الثلاثة جعلوه في هذا الموضع (مر 37:9؛ لو 48:9؛ رج مت 10: 40). أما المعنى فواضح: قبول الولد هو فعل تواضع ناشط يطلبه يسوع. ووراء هذا الولد (أو الطفل) نجد الصغار الذين أهملوا في الكنيسة الأولى. وهكذا نستشفّ مشاكل داخليّة في الكنيسة، كما نكتشف تحريضًا يدعونا لتقبّل الأولاد.
نقبل الولد، لأنه للمسيح. نقبله باسم المسيح. فيسوع أمرنا بذلك. ستعود الفكرة في 25: 31-46. وزاد مر 37:9؛ ولو 48:9 التماهي بين الولد والمسيح، وبين المسيح والله. يقف هذا التماهي السريّ على المستوى الملكيّ والقانونيّ: أعلن يسوع باحتفال أن ما يُفعل لهؤلاء الأولاد، يعتبره وكأنه فُعل له. فهو سوف يحاسبنا. لسنا هنا أمام كمال طبيعيّ في الولد يرفعه إلى كرامة المسيح نفسه، ولا أمام حضور للمسيح في الولد بحيث تبتلع هويّةُ يسوع هويّةَ الولد.
ب- الشكوك
لقد صار الأولادُ "الصغارَ" (اللفظة عينها نجدها في 18: 10؛ 10: 42؛ 11: 11؛ رج لو 48:9؛ 12: 32) تجاه الحاجة إلى العظمة لدى التلاميذ. من الواضح أننا لسنا أمام الاولاد بالمعنى الحرفيّ. فعبارة "آمن بيسوع" لا ترد إلاّ هنا في الأناجيل الازائيّة. أما الايمان بيسوع فيرد مرارًا (مثلاً، 8: 13؛ 9: 28؛ 21: 21). ويبدو أن الشكوك تكوّن عائقًا أمام إيمان الصغار الذين بدأوا يؤمنون بيسوع. أما المشكك فيزجّ في البحر. لسنا أمام عقاب، بل أمام مصير يليق بكل من يشكك واحدًا من هؤلاء الصغار.
"ويل... " (آ 7)، عبارة غير موجودة في مر، ولكنها حاضرة مع بعض الاختلاف في لو 17: 1 (رج مت 26: 24= مر 14: 21 بالنسبة إلى يهوذا). تدلّ على بكاء، على حالة يُرثى لها. لا على "لعنة" (واي في اليونانيّة، 13:23؛ 19:24). وهذه الضرورة (أنانكي) ليست حتميّة عمياء لا يستطيع يسوع والتلاميذ أن يعملوا شيئًا تجاهها. فالنصّ يحثّنا على أن لا نسبِّب العثار. وليست طريقة بها لا يعود يسوع يتضامن مع تلاميذه الذين يشككون الصغار، فيسلّمهم إلى الدمار على مثال ما كان يفعل الاسيانيّون. إن المسيح كما نراه في الاناجيل، يعرف أن العالم ما زال في قبضة الشرّ. ولكنه يعرف أيضًا أن ساعة الخيار قد جاءت، أن ساعة انتصار الخير على الشرّ قد اقتربت.
"إن شككتك يدك" (آ 8). تستعيد هاتان الآيتان 5: 29-30. وُجدتا مرّات عديدة في مراجع مت. جعلهما الانجيلي الأولى في ف 5، ولكنهما هنا في مكانهما مع الحديث عن الشكوك. لسنا هنا أمام استعارة مضخمة، بل حالة حدوديّة: من شكك الآخرين أو تعرّض للعثار، يجب أن يضحّي بكل شيء.
ج- الخروف الضال
إن فعل احتقر (كاتافروناين) لا يدلّ فقط على عاطفة داخليّة من اللامحبّة تجاه الغير. بل على فعلة منظورة جارحة على مثال النظر في 28:5 (6: 24= لو 13:16؛ 1 كور 11: 22؛ 1 تم 4: 12). هذا الاحتقار يحسّ به الذين هم ضحيّته. إن هذه الاية (آ 10) التي يتوسّع فيها المثل التالي توسّعًا تعليميًا، ليست نصيحة من أجل تنقية داخليّة، بل أمرًا صريحًا.
مع آ 12، نجد تعارضًا إراديًا بين الواحد والتسعة والتسعين. هذا الخروف قد ضلّ في مت. في لو، قد ضاع. ويتّفق مت مع مر، فلا يتحدّث عن مشاركة الخروف في عودته إلى الحظيرة. هي مبادرة الراعي تفعل كل شيء. والخروف يتقبّل هذه النعمة بشكل مجّانيّ. ولكن سوف نرى مع الابن الضال (لو 15) ما سيفعله الابن لكي يعود إلى أبيه.

خاتمة
نسوق في هذه الخاتمة الملاحظات التالية:
1. نكتشف في 18: 1-14 مشيئة الله في داخل الكنيسة. فهذا المقطع يعني أولئك الذين صفاتهم وأعمالهم تجعلهم يحكمون على الآخرين أو تقدّم لهم التنبيه والتوبيخ. يجب أن يكون كل هذا عمل محبّة فيعكس اهتمامًا رعائيًا عميقًا. والطريقة التي بها أخذ الانجيلي أقوالاً مختلفة من مراجع متعدّدة (مرقس، المعين، المتّاويات) ونسّقها، تدهشنا وتثير اعجابنا: هو معلّم يقدّم لنا التقليد بيد بارعة.
2. وتأتي الفضائل التي تمارس في حياة الجماعة: التواضع الحقيقي (آ 3- 4)، العطف تجاه الاولاد (آ 5)، الحذر من وضع عثار للآخرين ولاسيّما الضعفاء والمهشّمين (آ 6-7)، ضبط النفس (آ 8-9)، المحبة للإخوة المؤمنين بمن فيهم الصغار (آ 10-14). وهكذا جاءت أقوال يسوع هذه لا من أجل حياة فردية نعيشها كما في صومعة، بل في حياة نعيشها مع الآخرين. وهكذا لا يُطلب منا أن نهرب من العالم، بل أن نعيش في العالم، ومع الإخوة، ومن أجل الخير العام. لهذا نبدأ بالتواضع الذي هو خدمة تجاه الآخرين. فنحن أعضاء بعضنا لبعض كما قال بولس في أف 4: 25. وكما قيل: من يذهب إلى جهنم يذهب وحده. أمّا من يذهب إلى السماء فلا يستطيع إلاّ برفقة الكثيرين.
3. إن هذه التعليمات تتركّز حول فضيلتين: محبّة الآخرين والامّحاء. والاثنتان تسيران معًا، لا لأن الأمّحاء، بدون الحب باطل (1 كور 13: 3)، بل لأن مت جمعهما في موضوع "الاقتداء". فيسوع يدعونا إلى الاقتداء بالله (5: 45-48). أن نحبّ الآخرين. لأن ما يميّز الله هو الحبّ والرحمة. أما الأمّحاء (تاباينوسيس، التواضع) فهو نتيجة الاقتداء بالمسيح الذي كان في صورة الله فأخذ صورة العبد ليعلّمنا الحبّ والتواضع ويذل الذات.
الفصل الثامن
الاصلاح الأخوي في عيلة الله
18: 15- 20

آيات ست هي خاصّة بإنجيل متّى. وقد قرّبها الشرّاح من مت 18:16-19 حول الكنيسة وسلطة الحلّ والربط، ولو 17: 3-4 (إن خطىء أخوك فعاتبه، وإن تاب فاغفر له) ويو 20: 23 (فمن غفرتم خطاياهم غُفرت لهم) التي ترتبط على ما يبدو بالموضوع عينه وهو حياة المؤمنين في الكنيسة والروح التي تحرّك أعمالهم. هنا نتذكّر أن ما يشرف على مت 18 هو فكرة التفكير بالإخوة ولاسيّما الصغار (آ 5، 6، 10، 14) وأن هذا الفصل ينتهي بالغفران المتبادل. لسنا هنا أمام تنظيم قانونيّ بل أمام تعليمات من أجل الحياة في الجماعة. فالانجيليّ حين دوَّن إنجيله، لم يؤسّس قواعد جديدة، بل افترض أن هذه القواعد موجودة وهي تحتفظ بقيمتها. يبقى علينا أن نعرف كيف نتعامل معها داخل عيلة أبناء الله.
بعد أن نتوقّف عند "تنظيم رعائي" في داخل الكنيسة، نقرأ ما يقوله الربّ عن الاصلاح الأخويّ (آ 15-17) وننهي بالصلاة المشتركة (آ 18- 20).

1- إرشاد رعائيّ
ما يلفت النظر في بنية انجيل متّى، هو الخطب الخمس التي تقدّم للمؤمن أقوال الرب. فبعد عظة الجبل (ف 5-7) والخطبة الرسولية (ف 10) وخطبة الامثال ف 13)، نصل إلى الخطبة الرابعة التي نعونها خطبة الكنيسة، لأنها تحاول أن "تنظّم" الحياة داخل الكنيسة بشكل عام، وداخل كل جماعة من جماعاتنا. في ف 18 يقع النصّ الذي ندرس الآن، ونحن نحاول أن نتوقّف عند مجمل هذه الخطبة الكنسيّة فنجد فيها ثلاث دورات.
أ- الدورة الأولى (آ 1- 14)
بدأ يسوع كلامه فحدّث تلاميذه بواسطة علامة (أو: فعلة رمزيّة) على مثال الأنبياء: أخذ طفلاً وأقامه بينهم. وهكذا أجلس التواضع على عرشه في الكنيسة. هذا المناخ الروحيّ سيضمّخ بعطره ف 18 كله. إن آ 4 تكوّن تضمينا مع آ 1 فتعلن أن التواضع الذي يدلّ عليه هذا الطفل هو قاعدة العظمة الحقيقيّة في ملكوت الله.
وتأتي قاطعة بشكل انتقالة (آ 5-6) فتربط بين فكرة الطفل (الولد الصغير، بايديون الذي نقرأه في آ 2، 3، 4، 5) وموضوع الصغار الذين سيكونون الموضوع الذين يتوسّع فيه النصّ حتى نهاية الحركة الأولى (مكروس، صغير، آ 6، 10 ,14).
هناكُ موقفان ممكنان تجاه هؤلاء "الصغار". موقف إيجابي هو موقف الحماية والحراسة (آ 5). وموقف سلبيّ هو موقف الشكّ والعثار (آ 6). ويهاجم النصّ بشدّة قاسية مسبّبي الشكوك، ويطردهم من الجماعة بلا شفقة (آ 6-9). ويعود موضوع "قبول" الصغير في آيتين ذات إلهام لاهوتيّ ورعائيّ (آ 10، 14)، يحيطان بشكل تضمينة بمثل الخروف الضالّ (آ 12-13).
وتبدو آ 14 بوضوح على أنها خاتمة هذه الدورة الأولى التي تشرف عليها فكرة الدفاع عن الصغير الذي يؤمن بالربّ (آ 6)، ولكنه يبقى ضعيفًا أمام الشكوك التي قد تضلّه أو تهلكه (14). وهكذا طلب الانجيل من المؤمن أن يشدّد كل واحد من هؤلاء الصغار ويسانده (آ 5، 6، 10، 12، 13، 14) لثلاثة أسباب. الأولى: الرب نفسه يتماهى معهم (آ 5). الثاني: ملائكتهم في السماء يشاهدون كل حين وجه الآب (آ 10). والسبب الثالث: لا يريد الآب أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار (آ 14).
ب- الدورة الثانية (آ 15- 20)
نقطة الاهتمام في هذه الدورة، هي الاهتمام الرعائي بالأخ الخاطئ. وارتباطها التدوينيّ بما سبق نجده في تقارب على المستوى السوسيولوجيّ: من تعليمات من أجل الضعيف المهدّد بالهلاك، ننتقل إلى تفحّص حالة محدّدة: أخ سقط فأخطأ ضدّ ما تطلب منه مسؤوليّته كمسيحيّ.
هذه الدورة شأنها شأن الدورة الأولى، تتألّف من مجموعة عناصر متفرّقة. فبعد قواعد تأديبيّة في الجماعة (آ 15-17)، نجد ثلاثة أقوال حول سلطة التلاميذ (آ 18)، حول فاعليّة الصلاة المشتركة (آ 9)، حول حضور الرب في قلب "جماعته"، في قلب الكنيسة (آ 20).
ج- الدورة الثالثة (آ 21- 35)
تبدأ هذه الدورة بتدخّل من بطرس (آ 21). للوهلة الأولى، هي تعود إلى مسألة سابقة (وضع الأخ الخاطىء). ولكنها في الواقع تبدأ موضوعًا جديدًا. وضع الأخ الذي أخطأ إلى أخيه. إذا كان تلميذ من التلاميذ موضوع إغاظة شخصيّة (أغاظه أحد)، فلا يحقّ له أن ينتقم، بل عليه أن يغفر من كل قلبه ويغفر المرة بعد المرة بدون ملل (آ 21-22).
ويأتي مثل جديد (آ 23-34)، ينتهي هو أيضًا بقول (آ 35) يعطي سببين يؤسّسان فريضة الغفران كما يأمر بها الانجيل. "هكذا يفعل أبي السماوي بكم إن لم يغفر كل واحد منكم لأخيه، من كل قلبه".

2- في قلب الكنيسة
حين ألقينا نظرة على ف 18، اكتشفنا وسعه وتشعّبه. ونحن نستطيع أن نعطيه عنوانًا عامًا جدًا: تعليمات وارشادات نسكيّة وراعوية للتلاميذ. غير أن التعليمات تدخلنا في الارشادات. ويُنظر إلى النسك لا في حدّ ذاته بل بما أنه يلهم العمل الرعائيّ. وإذ نتحدّث عن العمل الرعائي، نتطلع إلى البعد الجماعيّ، إلى البعد الكنسيّ.
حين ألّف المدوّن الأخير الانجيل الأول، استعمل عدّة مواد مأخوذة من الفقاهة الرسولية الشفهيّة والمكتوبة. وحاول الشرّاح أن يحلّلوا الطريق التي وصلت بهذه المعطيات إلى مرحلة التدوين. ونحن نحتفظ من هذه الدراسات بواحدة من الاستنتاجات الأساسيّ: إن الانجيليّ جمع هذه التعليمات التي تفوّه بها الرب، بالنظر إلى ظروف ملموسة لجماعة (لكنيسة) محليّة محدّدة. وأقوال يسوع التي حفظتها الكرازة الرسوليّة بأمانة، قد دوّنها متّى بأمانة مماثلة في إنجيله. ولكن حين دوّنها، وبالنظر إلى أمانته للكلمة، راعى بشكل خاص الظروف الرعائيّة الملموسة في جماعاته. إذن، أقام رباطًا حيًا بين هذه الكلمة وحياة كنيسته. لهذا، اختار مختلف المواد الفقاهيّة التي كانت بتصرّفه، فكيّفها وجمعها بحسب معايير خاصة بعد أن طبعها بطابعه الشخصيّ.
إن إعادة بناء هذه المسيرة التدوينيّة تتيح لنا أن نكتشف الوجه الخاص لهذه الجماعة الأولى التي كتب فيها متّى إنجيله. وقد لا نجد في مت صفحة أخرى تكشف أكثر من هذه الصفحة الأثر الذي تركته كنيسته في إنجيله. وهي تدعونا إلى أن نقترب من مشاكلها وصعوباتها، من فكرها اللاهوتيّ وروحانيّتها. قد نجد بعض الأمور الغامضة، لأن الكاتب أرادها كذلك لكي تبقى مفتوحة على القارئ في كل زمان ومكان. ولكننا نستطيع ساعتذاك أن نتخلّص من فضولنا "العلمي" (على مستوى العقل) لنتوقّف عند الحياة التي تلهمها كلمة الله. فبهذه التلميحات السريعة، يُلقي الانجيل ضوءه على المشاكل الحاليّة في الكنائس المسيحيّة اليوم.

3- الاصلاح الأخويّ (18: 15-17)
أ- إذا خطىء أخوك (آ 15)
إن آ 15 تطرح مشكلة على مستوى النقد النصوصيّ. فبالرغم من مجمل الشهود الذين يقرأون: "إذا خطىء أخوك ضدك"، هناك من يعتبر أننا أمام خطأ علنيّ يصيب الجماعة كلها، ولسنا أمام إغاظة لأخ يُطلب منه أن يصلح أخاه. هذه النسخة التي يشهد لها عدد كبير من المخطوطات، قد أخذ بها أفضل الشرّاح. لاشكّ في أن آ 21 (إذا خطئ أخي إليّ) اجتذبت آ 15 وألّفت معها تضمينًا. لهذا ظنّ عدد من الشرّاح أن الحالة الأولى (آ 15) تشبه الحالة الثانية (آ 21) فجعلوا "ضدك" وكأننا أمام إساءة شخصيّة. غير أن الشريعة التي تفرض علينا أن نغفر بلا قيد ولا شرط الإغاظات التي تلقيناها (18: 21-35؛ رج 39:5-42، 44-48؛ 12:6، 14، 15)، تمنعنا من أن نطبّق على أخ لم يخطأ إلينا خطأ شخصيًا، النظام الذي يطبّق في الكنيسة.
إن فريضة يسوع هذه (إذا خطئ أخوك) قد احتفظ بها لوقا (17: 3) أيضًا. فالانجيل واقعيّ، وهو يعرف أن الأخ بعد أن ارتبط بحريّة بالجماعة المسيحانيّة أو الشعب المقدس، يستطيع أن يعود إلى الخطيئة. وهذا ما يفترض ذنبًا خطيرًا يجعله في تعارض فاضح مع التزامات إيمانه. في ذلك الوقت، لا يستطيع أخ أن يبقى لامباليًا: يُفرض عليه واجب توبيخ الخاطىء كما قال لا 17:19 (لا تبغض أخاك في قلبك، بل عاتبه عتابًا) في نصّ قريب من ذلك الذي يأمر المؤمن بأن يحبّ قريبه، بحيث نستطيع أن نعتبر آ 17 تطبيقًا ملموسًا لأمر الربّ هذا.
معاتبة (أو: لوم) الأخ فنّ، بل من أصعب الفنون. هذا ما يدلّ عليه الفعل اليوناني "إلانخاين" الذي يقوم بأن "نبرهن" لخاطىء، نجعله يرى بعين العقل أن عمله لا قيمة له، وأن موقفه ينافي القيم الحقّة. هكذا نحرّك من قبله وبفضل بواعث دينيّة نقدّمها، مسيرة طوعيّة وشخصيّة من التوبة والارتداد الداخليّ (ميتانويا، رج لو 3:17). نحن هنا أمام عمل محبّة لا يتوخّى إلاّ خير الأخ الذي أخطأ. لهذا نبدأ فنلومه على حدة، بيننا وبينه. المبادرة تعود إلى الراعي كما في مثل الخروف الضالّ (آ 12-13). ويكون فرحه عظيمًا حين يربح أخاه إلى الحياة. وهذا الربح هو أعظم من "ربح العالم كله" (16: 26) بالنظر إلى القيمة السامية التي يراها الانجيل في كل شخص بشريّ. وأمرُ الرب هذا لا يجد تفسيرًا أفضل من نهاية رسالة يعقوب وما فيها من لهجة قاطعة: "يا إخوتي، إن ضلّ أحدكم عن الحقيقة، وردّه إليها آخر، فاعلموا أن من ردّ خاطئًا عن ضلاله، قد خلّص نفسه من الموت وستر جمًا من الخطايا" (يع 5: 19-20). 
وتفتح آ 15 أمامنا آفاقًا متفائلة. فهي تقدّم حلاً إيجابيًا وسهلاً (= لو 3:17). غير أن متّى اختبر جماعة يمتزج فيها الزؤان مع الزرع الجيّد (13: 26 ي)، وشهد "شكوكًا" خطيرة في الكنيسة (18: 6-9). لهذا زاد على إرشاده الرسوليّ توسيعًا بشكل عظة، تأسّس على ثلاثة أمور عمليّة. هذه الأقوال التي تبدو فريدة في الانجيل، هي الجذور الأولى لما سمّي فيما بعد الحقّ الكنسيّ أو الحقّ القانونيّ (أو: القانون الكنسيّ).
ب- الالحاح الأول (آ 16)
لام الأخ أخاه. فإن سمع الأخ المذنب يكون أخوه قد ربحه. وإلاّ فيلحّ عليه بحضور شخص أو شخصين يأتي بهما ذاك الذي بادر ليصلح أخاه. بحسب نهج يميّز العالم المسيحيّ المتهوّد، نتذكّر هنا تث 15:19: "لا يقوم شاهد واحد على أحد في شيء... ولكن بقول شاهدين أو ثلاثة" (رج 6:17: بقول شاهدين أو ثلاثة). كان لهذا القول تأثير كبير على العقليّة القانونيّة في أرض اسرائيل. وهكذا يكون الأخ المخطىء في وضع مزعج، يكون وكأنّه في محاكمة، مع أن المناخ هو مناخ المحبّة الأخويْة.
ج- الإلحاح الثاني (آ 17 أ)
إذا رفض الخاطئ أن يسمع (باراكوسي) تحريض هذه "اللجنة الصغيرة"، تعود هذه اللجنة إلى الجماعة الكبرى، إلى الكنيسة. عندئذ يصبح عناد الذي يكرّر خطأه، شكًا للجميع، ويعرّض المجموعة للخطر (8:18-9). إذن، يجب أن نتجنّبه بالنظر إلى الكنيسة. ولكن قبل أن يُستبعد الخاطىء بصورة نهائيّة، يلجأون إلى توبيخه بحضور كل الجماعة المسيحيّة التي ينتمي إليها، ويستندون في عملهم إلى هذه الجماعة (الكنيسة) وما لها من سلطان الحلّ والربط.
حين أعطى متّى اسم "كنيسة" (اكلاسيا) لجماعة مسيحيّة محليّة، فقد أخذ باستعمال عُرف في أعمال الرسل، ورسائل القديس بولس، والفصول الثلاثة الأولى في سفر الرؤيا. فهو يعني بـ "الكنيسة" الجماعة المسيحاويّة الحاضرة بشكل ملموس في مكان معيّن أو مجموعة سوسيولوجيّة محدّدة. وهذا ما يتحقّق عندما يجتمع اثنان أو ثلاثة أعضاء على الأقل (آ 20) باسم يسوع. 
والتلميح الوحيد الواضح إلى طريقة "المحاكمة" التي يشير إليها متّى هنا، لا يوجد في العهد الرسوليّ إلاّ في كنيسة كورنتوس التي أسّسها بولس (2 كور 6: 1 ي). أما اليوم، فلا نستطيع أن نطبّق هذه القاعدة بشكلها الأصليّ، لأن مناخ حياتنا في المجتمع يختلف عمّا كان عليه في الكنيسة الأولى، بل الرعيّة كلها. ومع ذلك، نستطيع أن نحتفظ بروح هذا القول الرباني. مهما كان النهج الذي نستعمله، فعلى كل كنيسة أن تعمل على حماية الإخوة الضعفاء من الشكوك التي يسبّبها شخص واحد أو قلّة من الأشخاص.
د- القرار النهائي (آ 17 ب)
إن المراحل السابقة قد حصرت الخاطىء وأجبرته على اتّخاذ القرار: فعليه أن يختار بعد اليوم. لم يعد للإخوة من براهين يقدّمونها له. فإن اختار أن ينفصل عن الجماعة، فالجماعة "تصادق" على قرار الانفصال، وتبقى مستعدّة لاستقباله ساعة يريد أن يرجع مثل الابن الضالّ. وإذ أراد الانجيليّ أن يعبّر عن الموقف المطلوب تجاه الأخ الخاطئ، لجأ إلى تشبيه ومقابلة: ليكن لك كما كان العشّار (خاطىء معلن، معروف) والوثنيّ (غريب عن شعب الله) بالنسبة إلى يهوديّ متشدّد في إيمانه. مثل هذه العبارة التي تستعمل عادة في العالم اليهوديّ، لا تتضمّن بالضرورة أن نأخذ ما فيها من أفكار مسبقة (لاسيّما على مستوى العالم اليهوديّ). ما يأمر به هذا النصّ الانجيليّ هو استبعاد الخاطىء من الجماعة. وهذا العقاب بدا عاديًا للمسيحيّين المتهوّدين لأنه يقابل الاجراءات التي كان يتّخذها رؤساء المجمع أو المجلس الأعلى في أورشليم (رج لو 6: 22؛ يو 9: 22؛ 2:16). راجع ما كان يُعمل في قمران: نظام الجماعة 25:5 ب- 6: 1؛ وثيقة صادوق أو وثيقة دمشق 9: 2-4.

4- الكنيسة حضور السماء على الأرض (18: 18-20)
وأنهى الانجيليّ الدورة التي بدأها في آ 15 بثلاثة من أقوال الرب. فإذا لأخذنا كل قول بمفرده، يكون له كيانه الخاصّ على مستوى المعنى وعلى مستوى المبنى. أما إدراج هذه الأقوال في هذه القرائن فيعطيها بعض التماسك: إنها تبرّر هذا التدخّل الرعائي الكنسي الذي تحدّثنا عنه، مهما بدا قاسيًا ومؤلمًا.
أ- سلطان الحلّ والربط (آ 18)
إن فعلي "ربط" و"حلّ" اللذين استعملا في معنى رمزي في عبارات عبريّة يرتديان عددًا كبيرًا من الإمالات. مثلاً، حلّ الربّ المرأة المنحنية التي ربطها الشيطان (لو 13: 16). أو شعر بولس أن أمرًا من الروح يربطه، يقيّده، يجعله أسيرًا (أع 20: 22).
أما الزوج "ربط"، "حلّ" فقد ارتدى عند الرابينيين مدلولاً يكاد يكون تقنيًا. كانوا يرون فيه واجبًا يفرضونه على إنسان (وهذا ما يدلّ على رباط)، أو يحلّون منه انسانًا من الناس. كانوا يعلنون هذا العمل مسموحًا أو غير مسموح. إجباريًا أو اختياريًا على أساس تفسير مقطع كتابيّ في الوعظ. وسلطان "الحلّ والربط" يدلّ في هذه الحالة على امتياز ينعم به القاضي الذي كلّف، بالنظر إلى وظيفته، بتفسير كلمة الله تفسيرًا أمينًا (مت 19:5).
هناك من فسّر الزوج "ربط، حلّ"، بما فيه من تعارض، تفسيرًا خاصًا: به نؤكد أن شخصًا من الأشخاص ينعم بملء السلطات أو نؤكّد فاعليّة تامّة لعمل محدّد في إطار معيّن. مثلاً، حين وعد يسوع بطرس بـ "المفاتيح" (16: 19)، سلّمه كل السلطان الذي يدلّ عليه امتلاك هذه المفاتيح. نحن هنا أمام فاعليّة المحبّة الرعائيّة التي مارسها التلاميذ بروح من المشاركة والاتحاد.
غير أن الرباط المباشر بين هذا القول المتّاويّ والقول الذي سبقه، يجعلنا نفكّر لا بسلطان التعليم، بل بالقانون الاجتماعي داخل الكنيسة. فـ "حلّ وربط" يدلّ على قرار الجماعة التي تستبعد من حضنها عضوًا غير جدير به أو تحلّه من "حرمه" بعد عودته عن خطأه.
إن المجهول اللاهوتيّ الذي عرفه العالم العبريّ ومارسه متّى مرارًا (ما تربوطنه يُربط... ما تحلّونه يُحلّ) يعلن أن الله هو الذي يتمّ العمل. فنقول: "ما تربطونه على الأرض، يعتبره الله مربوطًا (يربطه الله) في السماء". و"الخاطىء" الذي يستمرّ على رفض اليد التي تمدّها إليه الكنيسة داعية إياه إلى التوبة والارتداد، يبرهن على أنه "محروم" (مُبعد) من الكنيسة السائرة على الأرض، بل من كنيسة السماء حيث تتخذ "الرباطات" كيانًا اسكاتولوجيًا. إن هذا القول الذي أدرجه متّى في هذا الإرشاد الرسوليّ، يدلّ في النهاية على أن مشيئة الله تعطي قرار الكنيسة الرعائيّ كل وزنه. لهذا، يجب أن يحترمه كل من أعضائها احترامًا مقدسًا (10: 14- 15، 40).
بالإضافة إلى ذلك، إذا اعتبرنا القيمة اللاهوتيّة العميقة لحياة البشر في سرّ الكنيسة، حيث تلتقي "السماء" و"الأرض" تحت نظر الآب المنير، لن ندهش إن عنى "حلّ، ربط" منحَ غفران الخطايا أو رفض هذا الغفران في المعنى اللاهوتيّ القويّ للفظة غفران. هذا ما قاله يوحنا بشكل واضح في قول حُدّد موقعه مساء الفصح والقيامة (يو 20: 23، من غفرتم له خطاياه تغفر له...). وهكذا يكون أصل هذا القول وانتقاله في الفقاهة الأولى، مرتبطين ارتباطًا وثيقًا مع ما نقرأ في 16: 19 (بالنسبة إلى السلطان المعطى لبطرس) وفي 18:18 (بالنسبة إلى السلطان المعطى للرسل).
ب- السماء تتقبّل صلاة الكنيسة على الأرض (آ 19)
يتأمّن الانتقال بين القول الأول وهذا القول (الثاني) بالزوج "الأرض والسماء"، الذي يدلّ على سرّ الاتصال المسيحاويّ بين عالم البشر وعالم الله. هنا نتذكّر أن آ 18-19 تشكّلان مركز تعاكس (أو: تصالب) يضمّ آ 15- 21 ويتألّف من ثلاثة تضمينات دائريّة. أ: إذا خطىء أخوك (آ 15). ب: شاهدان أو ثلاثة (آ 16). ج: على الأرض في السماء (آ 18). ثم ج ج: على الأرض وفي السماوات (آ 19). ب ب: اثنان أو ثلاثة (آ 20). أ أ: إذا خطىء إليّ أخي. وهكذا تبدو آ 19 ذات معانٍ متعدّدة، فتؤكّد قبل كل شيء البُعد السماوي (أو: الالهي) للسلطة الرعائيّة في الكنيسة أو للصلاة.
إذا أخذنا هذا القول في حدّ ذاته وبمعزل عن سياقه، فهو شكل من أشكال المواعيد التي قدّمها يسوع أكثر من مرّة: "تأكّدوا أن الله يستجيب صلاة طلبكم" (مت 21: 22؛ يو 14: 13- 14؛ 7:15، 16؛ 23:16). إن هذا النوع من الجمل يتضمّن دومًا شقّين: الطلب هو عمل الانسان الدينيّ (وظيفة نقوم بها). أما نجاح هذا العمل فيرتبط ببعض الاستعدادات: نؤمن حقًا. نثبت في يسوع. نحفظ كلامه، وصاياه. نجعل ارادتنا توافق ارادته. وأخيرًا نطلب "باسمه". هنا يوضع شرط خاص من أجل فاعليّة الصلاة: التوافق مع الجماعة في قلب الكنيسة.
حين نضع في السياق هذه الصلاة الطبيعيّة التي قد تكون ماديّة وروحيّة، فموضوعها الخاص يبقى الأخ الذي ظلّ خاطئًا. فإن آ 18 ب ترجو أن "يحلّ". وتتحدّث آ 19 على أن ليس من قرار بـ "الربط" تأخذه الكنيسة قبل أن تتلو صلاة مشتركة. ونستطيع أيضًا أن نستعمل قوّة هذه الصلاة لنعجّل في مصالحة الخاطئ التي قد تصل به خطيئته إلى الموت (1 يو 5: 14-16).
"اثنان" منكم. لسنا أمام عمليّة حسابيّة دقيقة بل أقلّ ما يمكن. ثلاثة أفضل. ومهما زاد العدد كان أفضل. إن آ 20 ترتفع بكثافتها اللاهوتيّة إلى مستوى استعارة الكرمة كما نقرأها في يو 15، أو جسد المسيح كما في 1 كور 12.
ج- حضور الرب وسط الجماعة (آ 20)
يبدو هذا القول الأخير في شكل أمثالي مثنّى (حيث... هناك) نجده في جميع الحضارات (رج مت 6: 21: حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك: 24: 28؛ يو 12: 26؛ 14: 3؛ 17: 24). والتقريب التدويني بين هذا القول والذي سبقة يُسهّل بوجود عبارة "اثنتان أو ثلاثة". من الوجهة اللاهوتيّة، نجد بين هذين القولين علاقة هي علاقة العلّة بالسبب. فالصلاة فاعلة لأن (آ 20) الرب حاضر في الكنيسة. ومن الوجهة السيكولوجيّة، العلاقة هي في التوازي بين مترادفين يكمّل الواحد الآخر: حين يكون الاثنان معًا في الجماعة، هذا يعني بشكل عمليّ أن "يكونا مجتمعين باسم يسوع".
ويؤكّد الشق الثاني من العبارة حضور الرب. بعد أن أعلن الشقّ الأول حضوره، فعلى المؤمنين أن يكونوا "مجتمعين". أن يكونوا "معًا" (هنا نتذكّر الجماعة الأولى كما في أع 42:2-47). إن الفعل اليونانيّ المستعمل هنا (سيناغاين) يتفرعّ من الاسم "سيناغوغي" (جماعة، اجتماع، حلقة. وفي معنى خاص المجمع أو الكنيس حيث يصلّي اليهود)، ويدلّ على واقع دينيّ قريب (وفي بعض الوجهات يتماهى) من واقع "الكنيسة" (اكلاسيا، يع 2: 2؛ 14:5). حين نجتمع (نتكوّن في كنيسة)، نكون أمام واقع اجتماعيّ تحدّده بواعث تتلخّص كلها بالنسبة إلى تلميذ الانجيل، في عبارة تعود إلى أصل عبريّ: "باسم يسوع".
في التوراة، الاسم هو في الوقت عينه العلامة والقوّة والحضور، وفي النهاية الشخص الذي ندلّ عليه. وعندما نجتمع باسم يسوع، نجعل من يسوع الدافع الوحيد الذي يدفعنا لنكون في جماعة، في كنيسة، وذلك في كل الأبعاد وعلى جميع المستويات. وهكذا نستطيع أن نحدّد الكنيسة في نظر متّى: "هؤلاء الذين يجتمعون باسم يسوع". ونعطي كل لفظة معناها الذي عرفته في القرن الأول المسيحي.
لقد أكّد الرب حضوره وسط الذين يجتمعون باسمه، وسط كنيسته. يورد الشرّاح جملة من المشناة منسوبة إلى رابي حنانيا بن تراديون (135 2): "حين يجلس اثنان وينكبّان على كلمات الشريعة تحلّ عليهما الشكينة". "الشكينة" هي حضور الرب المميّز في هيكله ووسط شعبه. هذه الجملة تفترض جماعة من "الدارسين" حيث تجتذب دراسةُ الشريعة الحضور الالهيّ. أما نصّ مت فيقع في مناخ مقدّس، مناخ الكنيسة، ويجعل محل "الشكينة" (رج كلمة سكن في العربية) شخص يسوع الممجّد.
وهكذا أحاط يانجبل متّى تأكيدان قويّان عن حضور الرب في قلب الكنيسة: نقرأ الأول في الحاشية البيبليّة عن اسم يسوع (عمانوئيل، إلهنا معنا) في بداية (1: 21-23). ونقرأ الثاني في النهاية مع الوعد المُعطى للرسل: "ها أنا معكم كل الأيام، وحتى انقضاء العالم" (28: 20 ب). وبين هذين التأكيدين يشكّل القول الذي نقرأ الآن (إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة) حجر الغلقة في هذا "التضمين" الذي يشمل الانجيل كله، وان الضوء المباشر أو غير المباشر حول فكرة الحضور هذه، ينير لاهوت متّى كله. ويدلّ بشكل واضح على التواصل الكياني والديناميكيّ بين يسوع الذي عاش تاريخه القصير في الزمان والمكان، وبين يسوع ذاته الذي يواصل حضوره وعمله في العالم في قلب لكنيسة. يتألّم في الذين يتألّمون، ويحقّق الخلاص حتى نهاية الأزمنة.
هذا هو معنى هذا التواصل الذي قاد المسيحيّين جيلاً بعد جيل وسط الضيقات الفرديّة والجماعيّة، ويبقى اليوم نورًا لطريقنا. ففي "كنيسة" متّى، ندرك بوضوح حضور المسيح الربّ في ديناميّة رسالته (28: 18-19)، وفاعليّة صلاته (18: 19-20)، والطابع المقدّس لفقره الذي تجسّد في "الصغار" و"الضعفاء" (18: 15)، في اعضائه المرضى والمتألّمين (25: 35-36، 42- 45). وهذا الضوء المنتشر يستطيع ضمنًا أن يفسّر بدون تشويه ويؤوّن أفعال الرب وأقواله في جماعتنا اليوم مع الأخذ بعين الاعتبار حاجاتها الرعائيّة.

خاتمة
نحسّ في هذه الأقوال الثلاثة، كما في ف 18 كله، حياة الكنيسة بكل قوّتها. فهذه الحياة تتكوّن من تلاقٍ بين نظام السماء ونظام الأرض. وهذا التلاقي الذي قد تحقّق في الجماعة، يتطلّع إلى ملئه في المستقبل الاسكاتولوجيّ. ويضمّ "السماء والأرض" في واقع متسامٍ يسمّى "ملكوت السماوات". غير أن هذه العبارة تتقبّل سمات ملموسة فتصبح "عائلة الله". في هذه العائلة حيث الجميع (28:23) إخوة لأنهم أبناء أب واحد، يلتقي خطّ البنوّة (نحن أبناء الله) العموديّ مع خط الأخوّة (كلُّنا إخوة) الأفقي في سرّ حضور يسوع الذي هو علّة (السبب الذي لأجله تجتمع) الجماعة وقلبها (آ 20) وموضوع إيمانها (آ 6) وينبوع فاعليّة الصلاة (آ 19) وقوّة السلطة الرعائيّة (آ 18) والطابع المقدّس "للصغار" (آ 5). هؤلاء "الصغار" هم على الأرض علامة وحضور يسوع وشكله، وفي السماء، فرح الآب الذي يشاهدهم عبر وجه ملائكته (آ 10).
الفصل التاسع
المغفرة بين الإخوة
18: 21- 35

حين دوّن متّى إنجيله، جعل فيه خمس خطب تتركّز كلها حول فكرة ملكوت السماوات. وهكذا أراد الانجيليّ بطريقة تربويّة، أن يرتّب تعاليم يسوع قبل أن يقدّمها لنا. أولاً: عظة الجبل (ف 5-7)، وفيها أعلن يسوع شرعة الملكوت. ثانيًا: الخطبة الرسوليّة (ف 10)، وفيها أعطى يسوع "للمرسلين" تعليمات من أجل الرسالة. وفي خطبة الأمثال (ف 13) كشف يسوع لتلاميذه أسرار الملكوت. وفي الخطبة الكنسيّة (ف 18) أعطى يسوع القواعد التي توجّه الجماعة المسيحيّة. والخطبة الخامسة هي الخطبة الاسكاتولوجيّة (ف 24- 25) حيث يبيّن يسوع لأخصّائه الموقف الروحي الذي يجب أن يكون موقفهم في نهاية الأزمنة.
أما المقطوعة التي نقرأها الآن (18: 21-35) فهي جزء من الخطبة الرابعة. جعلها متّى في موضع هامّ وسط الشرائع التي توجّه العلاقات بين "الإخوة" داخل الجماعة الكنسيّة. وإذ جعلها خاتمة "الخطبة الكنسيّة" جعل منها "قاعدة أساسيّة" في كنيسة يسوع.
بعد أن نقرأ حوار بطرس مع يسوع، نتوقّف عند مثل الدائن الذي لا يرحم.

1- إغفر سبعين مرّة (18: 21- 22)
إن القول حول الغفران سبعين مرّة يكشف بشكل نموذجيّ خاص، الكمال الذي يحمله الانجيل إلى شريعة بشريّة سبقت العهد القديم وكانت مسيطرة في القبائل، بل ما زالت في أيامنا هذه التي تطلب الانتقام والانتقام اللامحدود.
إن الحركة الأولى لدى الذي نال الإساءة، تقوم بأن "ينتقم" أي أن يردَّ على الكيل بالكيل وأكثر، أن يردّ الصاع صاعين، يعني مع "الفائدة". في الواقع، إن الشرّ الذي يشبه حيوانًا مفترسًا، يقبع في قلب الانسان، يقف على باب بيته (تك 4: 7). ويتدخّل الله بالشريعة ليخفّف من ردّة الفعل، ليضع حدًا للانتقام، فكانت شريعة المثل (كما تعاملني أعاملك) التي تجد جذورها في "دستور حمورابي" والتي تحدّد أصول التبادل في الانتقام. ""عين بعين، سن بسنّ" (لا 24:20). إذا كسر لك أحد سنّك، فالشريعة تسمح لك بأن تكسر له سنّه فقط. لا زيادة. لا تكسر له فمه كله. اقتلع لك أحد عينيك، اكتف بعينه ولا تقتلع له رأسه.
وسوف تسير شريعة المثل على مهل وبخفر، حتى تصل إلى الانجيل. إذا سقط حمار عدوّك فلا تمرّ بقربه دون أن تساعد صاحبه. ومع إرميا نفهم أن البار لا ينتقم أبدًا، بل يسلّم أمره للرب (11: 20). في هذا المجال نتذكّر ما قاله سفر الأمثال: "إن جاع مبغضك فأطعمه خبزًا، وإن عطش فأسقه ماء، فإنك تركم على هامته جمرًا، والربّ يجازيك" (25: 21). ونقرأ أيضًا: "إذا سقط عدوّك لا تشمت (لا تفرح) وإذا وقع لا يبتهج قلبك، لئلا يرى الرب ويسوء الأمر في عينيه" (24: 17). أجل، هذا ما يريده الرب. ويردّ سفر الأمثال على ما في خر 21: 25: "لا تقل: كما صنع بي (عدوي)، هكذا أصنع به. وأرد لكل واحد بحسب عمله" (أم 24: 29).
وجاء الانجيل يطلب منا أن نتجاوز الاعتبارات القانونيّة في العلاقات البشريّة. بل إن يسوع، رفض شريعة المثل، وطلب منا أن نصلّي من أجل أعدائنا ونحبّ مضطهدينا. نقرأ في مت 5: 43-45: "وسمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك (هذا ما استخلصت جماعة قمران من تشريع العهد القديم). أما أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات". إن أبغضنا أعداءنا لا نكون أبناء الله، بل أبناء ابليس وأبناء قايين الذي كان قاتلاً (1 يو 3: 12). جعلنا متّى في إطار القضاء، أما لوقا فتحدّث عن كل "عدوان" يصيبنا، فقال: "أحبّوا أعداءكم، وأحسنوا إلى من يبغضكم. باركوا من يلعنكم، وصلّوا لأجل من يفتري عليكم" (27:6-28).
وهكذا نصل إلى النصّ الذي نقرأه (مت 18: 21-22) والذي يطلب منا أن نغفر بدون حساب. أن نغفر سبعين مرة سبع مرات (العدد سبعة هو عدد الكمال والملء الذي لا حدود له). في العهد الجديد، تحوّل قول لامك تحوّلاً كليًا: من الانتقام إلى آخر حدود الانتقام، حتى الغفران إلى آخر حدود الغفران.
تدخّل بطرس كما اعتاد أن يفعل (28:14؛ 15:15؛ 24:17؛ 27:19)، فطرح باسم التلاميد سؤالاً لم يكن في محلّه. ولكن لا بأس، فيسوع سيجيب عليه. ولكنه سؤال ما زال على مستوى علم الفتاوى اليهوديّة: ما هو الحدّ الذي أستطيع الوصول إليه لئلا "أخطأ". رفض يسوع أن يقف معه في هذا المناخ. عرف العالم اليهودي لدى الرابينيّين فكرة الغفران الأخويّ (فقط بين الإخوة، أبناء العيلة والقبيلة وشعب الله، وما خرج عن ذلك صار الغريب والعدوّ)، ولكن داخل نظام الشريعة. كانوا يجادلون مثلاً حول عدد المرّات التي فيها يغفر الأخ لأخيه. وقد وصلوا إلى الرقم أربعة. أما بطرس فاعتبر أنه تجاوز كل حدود حين وصل إلى الرقم سبعة. أما يسوع فضرب سبعة ب سبعين، فكان لنا 490 غفرانًا في اليوم الواحد. هكذا نكون أبناء الآب الذي في السماء. 
أجاب يسوع جوابًا استعاد فيه نشيد الانتقام الذي لا حدود له كما جُعل في فم لامك ابن قايين: "قتلت رجلاً جرحني، وسحقت فتى شدخني. إذا انتقموا لقايين سبعة أضعاف، فسينتقمون للامك سبعًا وسبعبن مرّة" (تك 4: 23-24). وكما سبق وقلنا، قلبَ يسوع هذا الكلام وحوّله إلى غفران لا يعرف حدودًا. كانوا قد وضعوا حدودًا اجتماعيّة وسيكولوجيّة للانتقام. ولكن كل هذا يتعارض الآن مع المغفرة بين الإخوة (ولا ننسى: كلنا إخوة وأبناء أب واحد، مت 23: 8-9). وحده الغفران يستطيع أن يخلّص الجماعة الجديدة من الدمار. فالكنيسة، شأنها شأن العالم، تعرف واقع الخطيئة وما فيه من قساوة، وتعرف ما يرافق الاساءات الشخصيّة. وما يدهشنا هو أن انجيل العبرانيين (انجيل منحول نقرأ نصوصه عند ايرونيموس مترجم البيبليا الشعبيّة) أورد كلمة يسوع هذه، ولكنه أحسّ بالحاجة إلى شرحها: كيف يستطيع أخ أن يخطأ بعد وهو عضو في الكنيسة؟ أما يسوع فكان واقعيًا. وحدّثنا متّى عن هذه الواقعيّة.
نشير هنا إلى أن فكرة الغفران الاخوي لم تكن غائبة عن عالم الرابينيين ولا عن عالم الاسيانيين (جماعة قمران، قرب البحر الميت). غير أن هذا الغفران ينطبع بثلاث سمات تعطيه وجهًا آخر لا نجده في الانجيل: نغفر لأنه يليق بنا أن نغفر (عيب علينا. أين الله في كل هذا؟). نغفر لأننا نخاف بشكل خاص البلبلة التي تحملها إلى الجماعة صراعات بين الأخوة. نغفر غفرانًا يكون على مستوى القانون الذي فرضته علينا الجماعة، ولا نغفر مغفرة شخصيّة على مثال الله الذي حين يغفر لنا يخلقنا من جديد. ويقوم هذا الغفران على ما يبدو ببضع كلمات تهدئة، بترتيبات حبيّة. وأخيرًا كان موضوع الغفران يغوص في عدد من الفرائض المتفرقة. هو ما ارتدى يومًا في العالم اليهوديّ المكانة التي احتّلها في العالم المسيحيّ. في الأناجيل.
قال رابي يوسي: "إذا خطىء واحد مرة، مرتين، ثلاثًا، نغفر له. ولكن لا إذا خطىء أربع مرات حسب خر 34: 7 (الجيل الثالث والرابع) وعا 2: 1 (معاصي موآب الثلاث والأربع)". ونقرأ في باب آخر من التلمود: "حتى بعد أن أعطاه المذنب ما يتوجّب عليه، لا يُغفر له إلا إذا طلب المغفرة من الذي أذنب إليه". 
عرف العالم اليهوديّ فكرة غفران الله. ولكننا نستطيع أن نقول عن هذا الغفران ما قلناه عن المغفرة الأخويّة. ففي طقوس اللعن (أو الدعوة على الآخر) في نظام الجماعة (في قمران) نقرأ: "لا ينعم عليك الله حين تدعوه، ولا يغفر لك لكي تكفّر عن شرورك" (8:2). وبشكل عام، يتأمّن الغفران للذين سبق لهم وتطهّروا. "فجميع أعمالهم هي في حقّك، وبسبب نعمك تدينهم برحمة عظيمة وغفران وافر" (المدائح في قمران 6: 9). وأخيرًا، لا يرتبط الغفران بحدث تاريخي، كما في الأناجيل، حيث يرتبط بيسوع المسيح، بحياته وموته وآلامه. الغفران هو موضوع معرفة، موضوع حدس وخبرة شخصيّة. "مبارك أنت أيها السيّد... لأنك عرّفتني غفرانك العجيب الذي لن أسكت عنه نهارًا وليلاً" (المدائح 10: 14).

2- مثل الدائن الذي لا يرحم (23:18- 35)
تجاه رحمة لا حدود لها، وغفران لا قياس له، نجد نفوسنا أمام وحشيّة العلاقات البشريّة من أجل ديون تافهة. هذا ما نكتشفه في مثل الدائن الذي رحمه سيده، فلم يرحم أخاه، ولم يسامحه بالدين. فاستحقّ غضب السيّد. بعد نظرة عامة إلى المثل نتوقّف عند أربع محطات: السيّد وعبده (آ 23-27). العبد ورفيقه في الخدمة (آ 28-30). الحكم على العبد الذي لا يرحم (آ 31- 34). القول الأخير (آ 35): "هكذا يفعل أبي السماوي بكم...".
أ- نظرة عامة
هذا المثل الذي هو خاص بمتّى، يبدو بشكل خاتمة لما في ف 18 حول الحياة داخل الجماعة. لهذا يجب أن نفهمه في هذا الإطار الأدبيّ. ثلاثَ مرّات ظهرت فيه لفظة "الغفران" (آ 27، 32، 35، رج آ 21). وهذه اللفظة ترد عند متّى أكثر ممّا ترد في أي جزء من العهد الجديد. كما لا ننسى أن مت هو الذي يشدّد على الأعمال، على الكنيسة، على الغفران. لهذا، يجب أن نفهم هذا المثل كتذكير موجّه إلى بطرس (آ 21-22) وإلى سائر التلاميذ، بالغفران الذي نالوه من المسيح، وبالمتطلّبات الأخويّة (سندولوس، آ 28، 29، 31، 33، العبد الذي هو معه) التي تنتج عن هذا الغفران. إذن، لسنا أمام نظريّة عامّة عن غفران الله في علاقته مع غفران البشر بعضهم لبعض، بل أمام تعليم خاصّ يتوجّه إلى التلاميذ، ومن خلال التلاميذ إلى كنيسة متّى وإلى كنيستنا التي تحتاج هي وكل فرد فيها أن يتعلّموا الغفران العميق كما قدّمه الانجيل.
في هذا الخبر، كل شيء يبدو كثيرًا جذا وهو يتجاوز كل معقول: دين العبد الأول: 15 مليون ليرة ذهب. كيف وصل إلى هذا الدين؟ وهل يستطيع أن يفيه إن باع نفسه وامرأته وأولاده الذين يساوون كلهم ليرة ذهب؟ هذا يعني أنه يستحيل عليه كل الاستحالة أن يفي دينه. ثم قرار الرحمة الذي اتخذه هذا الملك. ما عفاه من بعض الدين، بل عفاه من كل الدين لأنه طلب منه. لم يؤخّر الدفع. لم يطلب الدفع على أقساط كما يتمّ في مجتمعاتنا. تحنن السيّد عليه، وترك له الدين. وهناك العنف الذي تصرَّف به ذاك الذي أعفي من دينه، مع دائن له عليه فقط بضع ليرات ذهبية، لا تقاس بالدين "الملكيّ". وأخيرًا ردّة فعل الملك الأخيرة. كأني به تراجع عن قراره الأول حين رأى تصرّف العبد مع أخيه. أترى الله يتراجع حين لا يغفر كل واحد منا لأخيه من أعماق قلبه؟
هكذا نجد نفوسنا حين نقرأ هذا المثل في إطار بلاط شرقيّ (مثلاً في أرض أشور، أو في بلاد فارس، أو في أنطاكية)، لا في عالم فسطين وما فيه من فقر. فهل نشكّ بصحّة هذا المثل؟ ولكن هل نسينا طريقة التضخيم في الأخبار داخل عالمنا الشرقيّ. هكذا أراد الراوي أن يبيّن عظمة الدين الذي يجب علينا لله، والذي لا نستطيع أن نفيه مهما عملنا، وضآلة ديوننا بعضنا لبعض ورفضنا أن نترك الدين الذي لنا عند إخوتنا (لو 11: 4؛ مت 6: 12 حيث الحديث يدور في المعنى الحرفيّ على الدين). ونزيد أن العالم اليهوديّ استعمل مرارًا مثل هذه الصور، وهكذا كان يسوع إبن عصره حين أعطانا هذا المثل.
ونزيد أن الانجيل حين أراد أن يكلّمنا عن الغفران، لم يستعمل صورًا وكلمات باهتة تقول كل شيء ولا تقول شيئًا. فالعنف الذي به عامل العبد أخاه ورفيقه في الخدمة، يدلّ على الطريقة التي بها يتعامل الإخوة، داخل جماعة تلاميذ يسوع، كما يدلّ على النزاعات التي تمزّق هذه الجماعات. نتذكّر هنا ما قاله بولس عن جماعة كورنتوس: "أيجترئ أحدكم وله دعوى على آخر أن يحاكمه لدى الخطأة... تظلمون وتسلبون من هم إخوة لكم" (1 كور 6: 1، 8). وقساوة الأغنياء تجاه الفقراء أمر معروف في رسالة يعقوب التي قد تعود إلى محيط قريب من محيط متّى، وهي تستحقّ العقاب القاسي من الله (يع 5: 4-6) "حكمتم على البار وقتلتموه". نحن هنا أمام مثل، ولكن عناصره تطبّق على جماعة متّى كما على جماعاتنا. لهذا نقرأ في آ 33 كلام الرب: "أفما كان ينبغي لك أنت أيضًا أن ترحم رفيقك كما أنا رحمتك"؟ الربّ رحم، فيجب علينا أن نرحم على مثال الآب السماوي (مت 7:5: طوبى للرحماء؛ لو 6: 36: كونوا رحماء، كما أن أباكم السماوي رحيم هو).
ب- السيّد وعبده (آ 23-27)
* هو العبد الأول الذي سنتعرّف إليه فيما بعد: هو لا يرحم (رج يع 13:2: ستكون الدينونة بلا رحمة على من لا يصنع الرحمة). والسيّد هو الذي يطالب بالحساب. إن الفكرة التي تقول إن الملك المسيحاني سيكون ديّان الساعة الأخيرة، فيمارس عدالة تحمل الرحمة للأبرار ولا ترفق بالخطيئة، هذه الفكرة تغرز جذورها في العهد القديم. بل هي أحد المواضيع المحبَّبة إلى صاحب المزامير حيث نقرأ: "يدين الشعوب والأمم في حكمة برّه" (17: 31، أو عدالته). "في الجماعات يدين قبائل الشعب المقدّس" (47:17). "إنه ملك عادل (أو بار) علّمه الله وأقامه عليهم، فلا يكون كفر في وسطهم خلال أيّامه" (35:17). "يرعى قطيع الربّ في الايمان وفي البرّ.... ويقودهم في الإنصاف". تدلُّ هذه الاستشهادات على أن الفريسيين (دوّنوا مزامير سليمان) انتظروا من هذه الدينونة المسيحانيّة تطهير شعب الله الحقيقيّ. أن تتمّ هذه العدالةُ الملكيّة مع إعفاء لا حدود له من الدين وحكم لا رجوع عنه على أخ ناكر الجميل، فأمر لا نجده في مزامير سليمان.
* "يشبّه ملكوت السماوات بانسان ملك" (آ 23). لا تعني هذه العبارة أن الملكوت يشبه ملكًا. بل أن في الملكوت الذي دشّنه المسيح، تتمّ الأمور كما في المثل. نشير إلى وجود مثل ملوكيّ آخر في متى (22: 2-14) هو مثل عرس ابن الملك. إن الملك الذي يمثّل الله في الكتابات البيبليّة، هو ملك "شرقي" قدير له حقّ الحياة والموت على عبيده. والكرامة الملكية تتضمّن أيضًا وظيفة القاضي الأعلى الذي لا يحقّ لأحد أن يعارضه. أما الفعل المستعمل هنا فهو "سينايراين" (رج 25: 19) الذي يدلّ على الحساب كله وبشكل نهائيّ.
قال النصّ: "إنسان". ثم "ملك". هكذا يتوجّه النظر إلى الملك السماويّ (رج 22: 2، 7 حيث نجد الطريقة عينها: إنسان، ملك. ق لو 7:14، 21). فالحالة التي يقدّمها متّى ليست تقديم حساب بسيط بين شيخ القبيلة وأحد الأفراد فيها. وهكذا فهمت الجماعة منذ البدء أنها مدعوّة لتمثل أمام عرش الملك السماويّ.
ويقدّم إلينا مشهد يتجاوز كلَّ تصوّر: عبد يجب عليه أن يدفع عشرة آلاف وزنة.
نحن بلاشكّ أمام موظّف كبير وقع في حالة ميأوس منها. فاستدان مالاً كثيرًا. وإذا أردنا أن نكوّن فكرة عن المبلغ الذي استدانه هذا الرجل، نتذكّر أن الجليل وبيريه كانا يجمعان 200 وزنة من الضرائب (رج يوسيفوس، العاديّات اليهوديّة 17: 318). نضرب هذه الضريبة بخمسين فيكون لنا دين ذلك العبد. 
في الواقع، لا مخرج لهذا الرجل على المستوى البشريّ. لسنا أمام دين على مستوى المال والأملاك. بل أمام دين "لاهوتيّ". فالمثل يريد أن يفهمنا أننا أمام الله دائنون لا يستطيعون أن يدفعوا دينهم مهما فعلوا. قد نستطيع القول إن دين هذا العبد لا حدود له. لا ننسى أن الرقم 1000 هو رقم كبير جدًا، رقم ملء الاعداد لأنه مكعّب 10 (10× 10× 10= 1000). ثم إن الرقم عشرة آلاف (أو: ربوة) هو عدد كبير جدًا لا نعدّ شيئًا بعده. مثلاً، قال لو 12: 1 إن الناس الذين اجتمعوا إلى يسوع كانوا ربوات. رج 1 كور 14: 19 حيث يقول بولس إنه يفضّل أن يقول خمس كلمات بعقله على أن يقول بالألسنة عشرة آلاف كلمة.
نقطة الانطلاق هي أننا خطأة. وحين يغفر الله لنا فغفرانه مجانيّ. فمهما عملنا في الملكوت لا نستطيع أن نفرض على الله شيئًا، وإلاّ شابهنا الفريسيين. والرب نفسه يقول لنا إننا عبيد بطّالون، وبالأحرى "عبيد عاديون"، لم نفعل شيئًا لا يفعله البشر. فكيف نتأمّل بعد ذلك أن نفي ديننا الكبير جدًا؟ على كل حالة، استبق الرب كل طلباتنا، فمات المسيح عنا ونحن بعد خطأة (روم 5: 8).
* أمر السيّد أن يباع" (آ 25). اعتاد القانون في فلسطين أن يسمح بأن يباع الاسرائيليّ كعبد إذا سرق شيئًا واستحال عليه أن يردّه (خر 22: 2). ولكن لا يباع المدين الذي لا يستطيع أن يفي دينه. كما لا تباع امرأته (إن بيع الزوج، تبقى امرأته بقربه ولكنها تبقى حرّة). هذا يعني أننا لم نعد في أرض فلسطين، بل في أرض وثنيّة. هذا يعني أن الوثنيّ الذي يعامل "عدوّه" اليهوديّ مثل هذه المعاملة، يستحقّ قساوة سيّده. فما يكون موقف السيّد حين يعامل الأخ أخاه بهذا الشكل؟ على كل حال، لا عدوّ للمسيحيّ في منطق المسيح.
بيع الرجل، بيعت امرأته، بل سيُباع أولاده وفلذة كبده. تلك آخر درجات القساوة في تعامل يستبعد كل عاطفة بشريّة. هناك مثل رابينيّ يروي أن ملكًا باع أبناء وبنات رجل لم يستطع أن يفي دينه. وزاد: "في تلك الساعة عرفوا أنه لم يبق له شيء". هذا يعني أن الاولاد هم آخر ما يملك الانسان. فإن باعهم لن يبقى له شيء. وحتى لو باعهم، لن يصل إلى نتيجة: بضعة دنانير تجاه عشرة آلاف وزنة. 
"وتحنّن سيّد ذلك العبد، وأطلقه، وترك له الدين" (آ 27). وعد ذلك العبدُ بأن يفي، وكل ما طلبه هو مهلة وسوف "يدفع". إنه يذكّرنا بالابن الأصغر (لو 19:15) الذي عرض على أبيه أن يعمل كأجير (قد يعوّض الخسارة الكبيرة). إن فعل "ابوديدوناي" الذي يعني "وفى، ردّ يلعب دورًا هامًا في علم الفتاوى اليهوديّة (ق مت 5: 26؛ 6: 4؛ 8:20). غير أن الملك منح عبده أكثر بكثير ممّا طلب. بل منحه عطاء لا حدود له. فعلة لا ينتظرها انسان. منذ لحظات، هدّد السيّد عبده بأن يُباع هو وامرأته وأولاده. وها هو يقدّم له عشرة آلاف وزنة. ما الذي حدث؟ تحنّن السيّد، تحرَّكت أحشاؤه كالأم تجاه ابنها. فالاحشاء هي موضع العاطفة والإرادة. هذه اللفظة التي نجدها مرارًا في العهد القديم (الرحمة، سبلنخنا)، قد طبّقها الانجيل على يسوع، فصّور عاطفته البشريّة أمام الأبرص (مر 1: 41). أمام الجموع التعبة الحائرة التي تبدو كخراف لا راعي لها (مت 14: 14؛ ق مر 6: 34؛ مت 15: 32؛ مر 32:8). أمام أرملة نائين ودموعها بعد أن فقدت وحيدها (لو 13:7). إنَّ تحنّن هذا الملك الذي يدلّ على تحنّن الله على الشقاء البشريّ، هو مهمّ جدًا لكي نفهم المثل فهمًا كاملاً. إنه يكشف الينبوع الذي منه يجري الغفران "الملوكيّ"، والذي منه يجب أن يجري غفران الأخ لأخيه: "كان يجب عليك أن ترحم رفيقك" (آ 33). 
ج- العبد ورفيقه في الخدمة (آ 28- 30)
النصّ الأول ملأ السامعين إعجابًا أمام سخاء السيّد الملوكيّ وعظمة غفرانه لعبده. أما المشهد الثاني فيثير القرف والحزن أمام بخل هذا المدين الذي صار دائنًا، فبدا قلبه قاسيًا قساوة الوحوش. ما ان استعاد حرّيته وأملاكه، حتى التقى برفيقه في الخدمة (سندولوس)، وقد كان له عليه مئة دينار. مبلغ زهيد جدًا ولاسيّما إذا قابلناه بالوزنات العشرة آلاف. ولكن تحوّل قلبُ ذاك العبد، وما عاد يفهم لغة الرحمة التي غمره بها كرم سيّده. ورفض أي تفاهم. لا يريد أن يمهل رفيقه. أمسكه، أخذ بخناقه. وطلب دينه كله وفي الحال. توسّل إليه صاحبه، فلم ينفع التوسّل.
هنا نلاحظ كيف أن توسّل العبد لرفيقه، يشبه توسّل العبد الأول لسيده:
آ 26 آ 29. 
فخرّ العبد على قدميه فخرّ رفيقه على قدميه
وسجد له قائلاً: وتوسّل إليه قائلاً:
أمهلني فأوفيك أمهلني فأوفيك
كل ما لك.
مهما قيل عن المثل وحالاته اللامعقولة، فهو يبقى واضحًا، وإن ضُخّمت الأرقام والصور. أما نجد في الانجيل مثلاً مقابلة بين القشة والخشبة (أو جسر الخشب. العارضة)؟ فمن يستطيع أن يجعل عارضة في عينه؟ ومثل الجمل الذي يدخل في ثقب الأبرة. تلك طرق تدلّ على أننا أمام أمر مستحيل على المستوى البشريّ. لا على مستوى الله.
د- الحكم على العبد الذي لا يرحم (آ 31-34)
تصرّف العبد الذي لا يرحم تصرّفًا مدهشًا. لم ينتظر بعض الوقت لينسى. بل ما إن خرج من عند الملك حتى قبض على رفيقه. رآه الناس فاشمأزوا. فما يكون رأي الله؟ انتهى المثل في جوّ من التهديد والرعب، يذكّرنا بالدينونة الاسكاتولوجيّة (25: 31-46). أما قساوة السيّد الذي لا يرحم، فتتوخّى إبراز الدينونة الرهيبة التي تصيب الانسان الذي لا يريد أن يغفر لأخيه من أعماق قلبه. سُلّم إلى الجلادين.
"أفما كان ينبغي لك أن ترحم"؟ إذا توقّفنا عند العدالة، بحصر المعنى، نقول إن هذا الدائن الذي لا يرحم، كان محقًا حين طالب بدينه. فحين أعفاه سيّده من الدين، فهذا الاعفاء لا يجبره أن يعفو عن رفيقه. ولكن هنا مرمى الخبر: فالملك يحكم على عبيده لا على مستوى العدالة البشريّة، وقمّة العدالة قمّة الظلم، بل على مستوى الرحمة التي يمارسها الواحد تجاه الآخر. وهكذا تتجاوز هذه الدينونةُ الملوكيّة جميعَ المقولات القانونيّة، وتقف على مستوى المحبّة والغفران. ولا ننسى أن الرحمة هي إحدى الشرائع الأساسيّة في شرعة الملكوت: "أريد رحمة لا ذبيحة".
ونودّ أن نقول إن العبد الذي لم يستطع أن يدفع دينه، لم يطلب الاعفاء من الدين، بل مهلة. فما كان يمكنه أن يتخيّل مثل هذه النعمة الخارقة. ورفيقه طلب منه أيضًا مهلة. فواهب هذا العبد الدائن لا يرتبط بمتطلِّبة بشرية، بل بالنعمة التي نالها. هنا ترد أداة "كما". عليك أن ترحم كما أنا رحمتك. أنت لا تعرف أن ترحم، إذن لا تستحقّ الرحمة. وإن أعطيتْ لك لا تعرف أن تتمتّع بها.
إن فعل "الاياين"، رحم، أشفق، يرد مرارًا عند متّى كما قلنا. فابن طيما الأعمى صرخ: "يا يسوع ابن داود ارحمني" (مر 10: 47-48 وز). والكنعانيّة هتفت: "ارحمني يا ربّ، يا ابن داود" (مت 15: 22). وكذا فعل والد الولد الذي أصيب بداء الصرع: "يا رب، إرحم ابني" (مت 17: 15).
مارس يسوع هذه الرحمة فأتمّ مشيئة الله التي جاءت في الأزمنة المسيحانيّة لتدعو الخطأة. لا الأبرار. وقد حدثتنا عب 17:2 عن يسوع الذي صار شبيهًا باخوته فكان الحبر الرحيم الذي يكفّر عن خطايا شعبه. فيه نزلت رحمة الله من السماء إلى الأرض. إنه ظهور هذه الرحمة، إنه ذاك الملك الذي يرحم بلا حدود ويغفر بدون حساب. غير أن الأزمنة المسيحانيّة التي فيها ظهرت رحمة الله، يجب أن تكون أيضًا الزمن الذي فيه تظهر رحمة الإخوة تجاه بعضهم بعضًا. فمن مارس هذه الرحمة عجّل في مجيء الملكوت. ومن رفض أن يرحم قريبه، استبعد نفسه عن الملكوت الذي سيكون بلا رحمة لمن لا يعرف الرحمة. 
والفكرة التي تقول إن الله يعاملنا كما نعامل اخوتنا، نجدها في الطلبة السادسة من طلبات الصلاة الربيّة (مت 6: 12-15؛ مر 11: 25-26) وفي القول حول الدينونة: "لا تدينوا لئلا تدانوا. وكما تدينون تدانون" (مت 7: 1- 2؛ رج لو 6: 37-38). كما تدينون إخوتكم، يدينكم الله. ولكن يجب أن لا نعتبر فريضة الرحمة والغفران شريعة مقلوبة لشريعة المثل، وهذا ما نفهمه في عدد من الأمثلة في العهد القديم. يجب على عمل الانسان أن يقتدي بعمل الله. ولكن عمل الله يتجاوز كل النظام المخلوق. ومحبته هي "أعظم من السماوات" (مز 108: 5؛ رج 103: 11). فالانسان ينال غفران الله كنعمة وُعد بها، لا كواجب مفروض عليه. الرب هو رحمة وغفران كما أن الشمس هي نور وحرارة. ولكن من لا يرحم جعل قلبه غير قابل لرحمة الله. لذلك لن يعرف أن يستفيد من هذه الرحمة ولا من هذا الغفران. فقلبه الصخريّ لا يترك "مياه" الله تدخل إليه. وهكذا نفهم طلبة الأبانا حيث من لا يغفر لا يستفيد من غفران الله. نرحم فنتمتّع برحمة الله. نغفر فننعم بغفران الله.
هـ- القول الأخير (آ 35)
اعتاد متّى أن ينهي أمثاله بقول أخير يُجمل تعليم يسوع من أجل الجماعة. هذا ما اكتشفناه في شفاء الولد المصروع (17: 20- 21). وهذا ما نكتشفه هنا. شدّد متى على صدق المغفرة التي نمارسها، فتخرج من أعماق القلب لا من الفم والشفاه. هنا نتذكّر كلام متّى الذي استعاد نبوءة أشعيا (2: 13): "هذا الشعب يكرّمني بشفتيه، أما قلبه فبعيد مني" (مت 8:15). يجب على عبادة الشفاه أن تحلّ محلّها ديانةُ القلب. فالله يحكم على قلب الانسان. يدخل إلى قلبنا ليحكم على غفران منحناه لإخوتنا.

خاتمة
وهكذا انتهى هذا التعليم عن الرحمة والمغفرة. بدأ بطرس فتحدّث عن الأخ الذي يجب أن نغفر له ثلاث مرات... سبع مرات! وانتهى مع قول يسوع: يغفر كل واحد لأخيه. نحن في الكنيسة جماعة مؤلفة من إخوة لهم أب واحد (مت 23: 9). بل نحن في العالم إخوة نعود إلى عائة واحدة هي عيلة الله. فقد خلقنا جميعًا على صورة الله ومثاله. أما القاعدة التي نسير عليها، فليست القاعدة البشريّة المبنيّة على العدالة الصارمة التي فيها تتغلّب الأنانيّة على المحبّة، والطمع على التجرّد، والأخذ على العطاء. القاعدة هي الرحمة. نرحم كما رحمنا الرب. نرحم لأن الرب رحمنا. ونغفر لأن الله غفر لنا. على مثال ما قال بولس الرسول في الرسالة إلى أفسس: "كونوا بالحري ذوي رفق بعضكم ببعض، شفقاء، متسامحين كما سامحكم الله في المسيح. أجل، كونوا مقتدين بالله كأبناء أحبّاء" (4: 32-5: 1). ذاك هو المعنى الأساسيّ لهذا المثل الانجيليّ الذي ينهي الخطبة الكنسيّة بما فيها من نداء إلى المحبّة داخل جماعة تلاميذ المسيح.
القسم الثالِث
المرحَلَة العَاشِرَة
الطريقُ إلى أورشَليم
الطريقُ إلى مَلكوت الله

وانطلق يسوع من الجليل إلى أورشليم. قطع كل علاقة مع رؤساء اليهود وتكرّس لتعليم التلاميذ حيث نجد القبول كما الرفض. وتبقى في خلفيّة النصّ الجموع التي ستكون "الحكم" في محاكمة مزدوجة: الرؤساء الروحيون يحاكمون يسوع. ولكنه في الواقع هو الدّيان الذي سيحكم عليهم ويترك لهم بيتهم خرابًا. من لقاءات يسوع في الطريق (ف 19- 20)، إلى "ابن داود" الداخل إلى أورشليم (ف 21-22)، إلى خطبة يوجّهها يسوع إلى الجميع قبل أن يترك المدينة المقدّسة باكيًا عليها (ف 23).
وهكذا تتضمّن المرحلة العاشرة الفصول التالية:
1- إلى أورشليم والهيكل، ف 19-23
2- الزواج والطلاق البتوليّة، 19: 1- 15
3- الشاب الغنيّ وأهميّة التجرّد، 19: 16- 30
4- عمّال الساعة الحادية عشرة، 20: 1-16
5- الطموح الكاذب والخدمة الحقّة، 20: 17-28
6- شفاء الاعميين في أريحا، 20: 29-33
7- النبيّ الملك يدخل إلى أورشليم، 21: 1- 11
8- تطهير الهيكل والتينة الملعونة، 21: 12-27
9- كان لرجل ابنان، 21: 28-32
10- الكرّامون القتلة، 21: 33-46
11- المدعوّون إلى العرس الملكي، 22: 1-14
12- ما لقيصر لقيصر وما لله لله، 22: 15-22
13- الصادوقيّون والقيامة، 22: 23-33
14- الوصيّة العظمى، 22: 34- 40
15- ابن داود ورب داود، 22: 41-46
16- معلمكم واحد وجميعكم أخوة، 23: 1-12
17- سبعة ويلات، 23: 13-32
18- بكاء على الشعب وبكاء على أورشليم، 33:23-39.
الفصل العاشر
إلى أورشليم والهيكل
ف 19-23

1- موقع ف 19-23
سبق ورأينا كيف أن الخطب المتّاويّة طبعت بطابعها مراحل تكوين جماعة التلاميذ حول يسوع تكوينًا تدريجيًا. وقد تحقّق تكوين هؤلاء التلاميذ عبر أحداث عديدة تتوزعّ مسيرة طويلة لخبر داخليّ كان موضوع الأحداث السرديّة في مت. بيّن لنا ف 3-4 كيف أن الملكوت اقترب في شخص يسوع، المسيح وابن الآب الحبيب، الذي انضمّ إليه بعض الرجال والجموع الكثيرة. وجعلنا ف 8-9 نشهد قدرة تحويل ذاك الذي أخذ ضعفنا وأزال أمراضنا (8: 17= أش 53: 4)، فأعلن مجيء العهد المسيحانيّ.
غير أن أعمال المسيح حرّكت الشكّ والجدال، فانفتح عدد قليل من الناس على وحي ابن الانسان وتتلمذوا لعبد الله الحقيقيّ (ف 12-13). وأخيرًا أتاحت لنا ف 14-17 أن نكتشف مع امّحاء يسوع المتنامي أمام رفض خصومه، التفتح البطيء لجماعة التلاميذ. اجتمعوا حول ابن داود الذي يشفي الجموع ويشفيها، فرأوا فيه المسيح، ابن الله الحيّ، وفهموا في خطّ الأنبياء، أن ابن الانسان يذهب إلى الموت ويدعوهم معه في طريق الألم.
تردّدت هذه الجماعة في القيام بالخطوة اللازمة، فأرادت أن تقيِّم متطلّبات التزامها في خطّ يسوع: "من هو الأعظم"؟ "كم مرّة نغفر"؟ وقدّم يسوع جوابًا صوّر فيه الكنيسة كما يريدها ويؤسّسها: لا حدود للالتزام، لأن خيار الملكوت هو جذريّ ونهائيّ وغير مشروط.
ومع ذلك، ما هو الوجه التاريخيّ لهذه المجموعة الصغيرة من الناس الملتزمين حول يسوع الذي "يهاجر من الجليل ويذهب إلى منطقة اليهوديّة" (19: 1)؟ ما هو الواقع الملموس الذي يعيشه تلاميذ يسوع السائرون "ليصعدوا إلى أورشليم" (17:20-18)؟ لاشكّ في أن وجه هذه الجماعة يختلف عمّا قرأنا في ف 18. لهذا ستبدأ مرحلة جديدة مؤلّفة من خمسة فصول (ف 19- 23) فتبيّن لنا كيف أن طريق يسوع يسير مسيرة الألم في قلب حرّيات بشريّة حتى الخيار النهائي: القبول أو الرفض. إذن، إطار هذه المتتالية هو الطريق إلى أورشليم (ف 19- 20) ثم مدينة أورشليم مع الهيكل (ف 21-23).

2- البنية الاجمالية
خلال هذه الفصول الخمسة، بدا ملكوت السماوات الذي أعلنه يسوع في قفص الاتّهام لدى الخصوم. مقابل هذا، بدا يسوعُ الصاعدَ إلى أورشليم والداخل إليها بشكل الديّان الاسكاتولوجيّ الذي يدّعي على شعبه. موضوع المحاكمة موضوع متواتر في العهد القديم: فبعد "الجيل الفاسد" في البريّة (تث 32: 20)، أقام الشعب على الرب دعاوى عديدة على مدّ تاريخه (إر 2: 29)، وهكذا جرّبه. أما الله فدخل في محاكمة مع اسرائيل (هو 4: 1؛ 12: 3؛ أش 13:3؛ مي 6: 2؛ إر 9:2؛ مز 3:50-7)، قبل أن يدين جميع الأمم (إر 25: 31) مع آلهتهم الكاذبة (أش 41: 21-24؛ 43: 8-13؛ 44: 6-8). 
استلهم مت هذه النصوص متوسّعًا في خبره بشكل قريب من مر، ساعة كانت الموازاة مع لو 18-20 متقطّعة. وهكذا فإن مت 19-21 يقابل مر 15- 12 تقريبًا مع بعض مقاطع خاصّة: العفّة الطوعيّة (19: 10-12)، مثل عمّال الكرم (20: 1-6)، مثل الابنين (21: 28-32). ورافق مت الانجيل الثالث مع مثل وليمة العرس (لو 14: 16-14؛ مت 22: 141)، و"الويلات" ضدّ الكتبة والفريسيين (13:23-36؛ رج لو 11: 42-52). غير أنه جهل، شأنه شأن مر، حدث زكا (لو 19: 1-10). وسنجمع في قراءتنا العناصر المختلفة التي تعطي هذه الفصول شكل محاكمة مضاعفة. غير أننا نلاحظ منذ الآن أن ف 23 يتّخذ شكل اتهّام قاسٍ بعد الجدال الحادّ في 22: 15-46.
ونقسم نصّ هذه الفصول الخمسة ثلاثة أقسام، حيث يكشف كل قسم وضعًا يختلف كل الاختلاف عن القسمين الآخرين.
أ- القسم الأول (ف 19- 20)
يتسجّل القسم الأولى في تضمين كبير يستعيد موضوع "الجموع الكثيرة التي تتبع" يسوع (19: 2؛ 20: 29-34؛ رج 8: 1). ونلاحظ أيضًا استعادة فعل "انتهر" (ابيتيمان) في البداية (19: 13) والنهاية (20: 31). أما اللقاءات مع يسوع خلاله هذين الفصلين، فتتمّ كلها على الطريق من الجليل إلى أورشليم عبورًا بالاردن (19: 1) وأريحا (20: 29). وهكذا جاء إلى يسوع الفريسيون (3:19)، ثم الأولاد الصغار (13:19): لقاءان تحيط بهما الأداة "هناك" (إكاي، 19: 2، 15). بعد ذلك، قدّم نفسَه رجلٌ يهتمّ بـ "الحياة الأبديّة" (19: 16، 29). أما التلاميذ الذين كانوا قد تدخّلوا من قبل (19: 10، 13)، فسألوا الربّ كلهم (19: 25) ثم بواسطة بطرس (19: 27).
كل هذا يعطي يسوع مناسبة التوسّع في مثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم مع تضمين يقول: "الأولون آخرون والآخرون أولون" (19: 30؛ 20: 16). وحين صعد يسوع إلى أورشليم، أخذ على حدة الاثني عشر حيث طالب اثنان منهم بمكانة الصدارة (20: 20) فاستاء العشرة الأخرون (20: 34). وعبارة "ابن الانسان" تشكّل التضمين هنا (18:20، 28). وفي النهاية نجد لقاء الاعميين قرب أريحا حيث يكوّن فعل "تبع" تضمينًا قصيرًا (29:20، 34). نلاحظ منذ الآن أن كل هذه اللقاءات تتوخّى التبديل في عقليّة الجماعة الرسوليّة: هي حركة الذين يتبدّلون في طريق الحياة لكي يصيروا مثل الأطفال (3:18).
ب- القسم الثاني (ف 21-22)
يبدأ بالدخول المسيحاني إلى أورشليم. استعاد متّى نبوءة زكريا (زك 9:9)، فتساءل كيف سوف تستقبل "بنتُ صهيون" "ابنَ داود" (5:21). ونجد ثلاث مجموعات مستقلّة تتيح لنا أن نعطي جوابًا عن هذا السؤال: فعلات يسوع (21: 1-27). أمثال (18:21-22: 14). جدالات (22: 15-46). وفي الوقت عينه، ما زال التوتّر يتنامى بين يسوع والسلطات الرسميّة في أورشليم.
نلاحظ هنا بعض المحطّات في البنية الأدبيّة: تتلاحم المجموعة الأولى حول مفردات مثل "أورشليم" (21: 1، 10)، "المدينة" (21: 10، 17، 18)، "الهيكل" (21: 12 مرتين، 14، 15، 23)، وتصل بنا إلى سؤال حول "سلطة" يسوع (تضمين في 21: 23، 27). وتضمّ المجموعة الثانية أربعة أمثال حيث تتميّز ثلاثة بتضمين: "ندم بعد حين" (29:21، 32). "سمع الأمثال" (21: 33، 45)، "دعا إلى العرس" (22: 2، 9). وأخيرًا ترتسم الجدالات بشكل ثابت بتدخّلات تلاميذ الفريسيين والهيرودوسيين (15:22)، والصادوقيّين (23:22)، والفرّيسيّين مع معلّمي الشريعة (22: 34- 35) والفريسيّين الذين سألهم يسوع (22: 41). وهكذا برزت مواضيع: قيصر، القيامة، الشريعة (أو: الناموس)، المسيح ابن داود.
ج- القسم الثالث (ف 23)
يقدّم خطبةً فيها يعطي يسوع مبدأ التمييز الحقيقيّ (آ 1-12) قبل أن يشجب بقوّة رياء الكتبة والفرّيسيين (آ 13-32). وينهي كلامه بالدينونة (آ 33-36) ويصوّر الحكم الذي يمكن أن يصحّح (آ 39) ضد أورشليم (آ 37-39).

3- دراسة تفصيليّة
قبل أن نحلّل بالتفصيل المقاطع التي تتضمّنها هذه الفصول، نلاحظ الحيّز الهام الذي يتّخذه لقب "ابن داود" الذي يعود إلى يسوع (20: 30- 31؛ 21: 9-15؛ 22: 42-43، 45)، والعودة المثّلثة إلى مز 118 (21: 9، 42؛ 23: 39). كل هذا يعطي هذه المتتالية تماسكًا حقيقيًا ووحدة موضوعية، فيُضمّ الموضوعُ المسيحاني، موضوعُ مجيء ابن داود، إلى موضوع الخلاص الالهيّ الذي يحتفلون به في عيد المظالم (رج لا 23: 40؛ نح 13:8-18).
أ- تبدّل في خطّ الانجيل (3:19-20: 34)
تنطبع هذه المجموعة (كما قلنا) بعدد من اللقاءات جعلت مجموعة التلاميذ تفكّر في الوضع الملموس لجماعتهم. ولا يزال يسوع يعمل على تنشيط هذا الوعي وتعميقه، فيدعوهم دومًا إلى إن يروا المسافة التي تفصل الملكوت، كما يعلنه هو، عن الانشادادات التي تعشيها هذه الجماعة الملموسة التي يقودها في الطريق إلى أورشليم.
إن النصّ الموازي في مرقس يشكّل المرحلة الرابعة في إنجيله (مر 8: 31- 10: 31) وهي مرحلة فقاهة تتمحور حول "اتّباع المسيح" مع المتطلبات التي يفرضها هذا الاتّباع: هي طريق ابن الانسان وتلاميذه للدخول إلى الملكوت. أما لمسة متّى الخاصّة فتظهر بشكل خاص في قطعة جُعلت في قلب هذه المجموعة: مثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم (19: 30- 20: 16). ففي المحاكمة التي تجعل عمّال الساعة الأولى يواجهون ربّ الكرم ساعة دفع الأجور، يدلّ الانجيليّ بوضوح على موقف الارتداد الذي يطلبه الانجيل: "الأولون يكونون آخرين، والآخرون أولين" (19: 30؛ 20: 16). وهذا صدى لخطبة الجماعة حيث الأكبر كان الأصغر (3:18). وحيث يكون خروف واحد أهمّ من مئة خروف ظلّوا في الحظيرة (18: 13).
إذا كانت المتتالية كلها قد حصلت في خلفيّة الجموع (2:19؛ 29:20، 34، الجموع هي حاضرة وشاهدة)، فلأن مجموعة التلاميذ ليست بدعة معزولة ومنغلقة على ذاتها. ففي لقاءات الحياة، يقود يسوع كنيسته مواصلاً عمل الشفاء الذي هو العلامة الدائمة (في نظر متّى) لمجيء الأزمنة المسيحانيّة.
وساعة كتب متّى إنجيله، كانت النزاعات بعدُ حيّة بين اليهود والمسيحيّين. ونحن نراها حاضرة في التدوين المتّاويّ الذي يشدّد على القول بأن ينبوعها هو في يسوع الذي ما خاف بأن يضع المعارضة في قلب العاصمة الدينيّة وأمام السلطات الرسميّة.
إذن، يتضمّن ف 19- 20 خمس وحدات. تصوّر كل وحدة وجهة من هذا التبدّل في خط الانجيل.
- الحب المستحيل (3:19-15): سؤال طرحه الفريسيون على يسوع بمناسبة الطلاق.
تدخّل التلاميذ "وزجروا" الأطفال الذين استقبلهم يسوع.
- تجرّد مستحيل (19: 16-29): سؤال طرحه الرجل الغنيّ حول الحياة الأبديّة. ثم حوار بين يسوع وتلاميذه. وفي النهاية جواب على تساؤل بطرس. 
- نعمة نتقبّلها (19: 30-20: 16): مثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم مع مرحلة إرسال العمّال والجدال حول الأجرة.
- الأمكنة في الملكوت (20: 17-28): أعلن يسوع الآلام للاثني عشر، فقدّم ابنا زبدى طلبتهما: استاء العشرة الآخرون. فأجاب يسوع.
- انفتحت العيون العمياء (20: 29-34): على الطريق القريب من أريحا، "زجر" الجمع أعميين. ولكن شفاهما يسوع ابن داود.
أولاً: الحبّ المستحيل (3:19- 15)
مع سؤال الفريسيين حول الطلاق، بدا فشل الحبّ في قلب الحياة الزوجيّة. نحن هنا أمام أول نواة حيث "يجتمع اثنان باسم يسوع" (18: 20).
تدخّل الفريسيون فاتّهموا يسوع واتّهموا فيه واقع الملكوت. دعوه إلى محاكمة. وقدّم الانجيل (في مت وفي مر 3:10) هذا التدخّل "كتجربة"، "كامتحان" (بايرازاين، آ 3؛ رج 4: 13؛ 16: 1؛ 22: 18، 35). "هل يحقّ للانسان أن يطلّق امرأته لكل علّة" (19: 3)؟ سؤال مهمّ. فنحن أمام تفسير تث 24: 1. في القرن الأول المسيحيّ، تقابلت مدرستان. مدرسة هلاّل التي تقول بالطلاق لأيّ علّة كانت. ومدرسة شمعي التي كانت قاسية فلا تقبل كعلّة للطلاق إلاّ بسلوك مشين، بالزنى.
تجاوز جواب يسوع مستوى النزاع بين جماعة هلال وجماعة شمعي. ولكنّه أخذ بأسلوب الرابينيّين فأورد خبر الخلق كما في الكتاب المقدس (تك 1: 27؛ 2: 24). وهكذا حدّد موقع الجدال على مستوى رفيع هو مستوى إرادة الخالق الأولى. إن الحب الذي يربط بين الرجل والمرأة يوحّد ولا يفصل، لأنه آت من الله. بما أن الله واحد، فالحبّ هو واحد (تث 4: 35؛ 6: 4). وهكذا نجد هنا جذريّة البرّ الجديد الذي أفيض في الجماعة (5: 20)، كما في عظة الجبل التي توسّعت في ما توسّعت، في العلاقات بين الرجل والمرأة (5: 27-32).
إذن، تمييز الرجل عن المرأة يجد أصله في الخالق. ليس هو فقط ظاهرة في الطبيعة. إنه إرادة الخالق في الحياة والوحي. وإذا كان مت 19: 5 أضاف تك 2: 24 كما نجده في مر 7:10 (يترك الرجل أباه وأمّه ويتّحد بامرأته فيصير الاثنان جسدًا واحدًا) فلكي يشدّد على أن إرادة الله هي التي توحّد الرجل بالمرأة. فحين يتّحدان يوحّدهما الله. يصبحان تحت نير واحد: وما يصيب الواحد يصيب الآخر (سنزوغنيناي في آ 6)، إذن، جواب يسوع واضح: نداء إلى زواج لاطلاق فيه كما في البدء. لا يستطيع الرجل الطلاق لأيّة علّة. نفي قاطع بعد أن وصلت الجدالات الرابينيّة إلى سماح تام. وهكذا تجاوز يسوع بشكل لا يُحدّ كل اعتبارات الرابينيين.
وهناك نصّ من النبيّ ملاخي يسير في الخطّ عينه: من طلّق امرأته حطّم عهد الله مع شعبه (2: 14-15)، لأن العهد المعاش هو الذي يوحّد الزوجين (هو 1-3؛ أش 1: 21-26؛ إر 2: 2؛ 3: 1-12؛ مز 16؛ 23). أعاد يسوع العهد، وفيه انكشفت امكانيّة العيش معًا "في جسد واحد". يبقى أن نعي المسافة التي تفصل الانسان عن الله، والتي لا يملأها إلاّ حضور الملكوت في شخص يسوع. هو وحده يستطيع أن يجعل المستحيل ممكنًا، ويعلّم الانسان كيف يكون الحبّ الحقيقيّ مع الاحترام المتبادل.
غير أن جواب يسوع هذا يعارض، على ما يبدو، شريعة موسى التي تتحدّث عن كتاب طلاق. أما يسوع، موسى الجديد، فاستعاد متطلّبة الشريعة في ينبوعها الذي هو حبّ الله الذي يعاهد الانسان ويعطيه أن يتجاوز العجز البشريّ. أجاب يسوع: إن كان موسى قد سمح لكم بذلك، فبسبب قساوة قلوبكم (سكليروكرديا، آ 8). بسبب عدم طواعيّتكم لكلمة الله.
إذن، نحن قبل كل شيء على مستوى الايمان. فالشريعة التي يعبّر عنها تك 1: 27؛ 2: 24 لم تتبدّل أبدًا. موسى قد كيّفها مع وضع من العصيان وعدم الطواعيّة. والزواج الأول لا يلغيه حتى الزنى. فيسوع فصل بين إبعاد المرأة وامكانيّة الزواج مرّة ثانية، بين إبعاد المرأة والطلاق، وهكذا كان حديث عن الافتراق بين الرجل والمرأة. ولكن يمكن على مستوى الجماعات المتّاويّة أن تكون هناك بعض التسويات أو المساومات دون أن تمسّ بالطابع المطلق للمبدأ الذي وضعه يسوع: على مستوى الدعوة كما هي في الابتداء وفي الانجيل، لا مكان للطلاق. ولكن الواقع هو غير ذلك والانسان يبقى انسانًا. لهذا كانت رعاية المطلّقين الذين نستقبلهم في الكنيسة كالصغار، وربّما كالضّالين.
أمام هذا "الحبّ المستحيل" كانت ردّة فعل التلاميذ عنيفة: "إذا كانت هذه حالة الرجل مع المرأة، فأفضل له أن لا يتزوّج" (آ 10). إن هذه الآية التدوينيّة في مت اعتبرت تراجعًا أمام متطلّبة لا تحتمَل، يفرضها زواجٌ لا يُحلّ. في الواقع، حمل كلام التلاميذ جوابًا ليسوع تفرّد متّى فأورده: هو تعليم حول العزوبة التي نقبلها "من أجل ملكوت السماوات" (آ 12). هذا رأي. وهناك رأي آخر يرى أن يسوع يسير في خطّ الملاحظة التي قدّمها التلاميذ، لأنّه لا يرى العلاقة بين آ 11-12 وآ 3-9.
حين نقابل بين ردّة فعل التلاميذ وردّة فعلهم بعد ذهاب الشاب الغنيّ (آ 25-26)، رأى بعض الشرّاح (ونحن منهم) أن يسوع تابع حديثه عن الطلاق الذي يستحيل على البشر ويكون ممكنًا لله: لقد أعطي لجماعة التلاميذ أن تفهم أسرار الملكوت (رج 13: 11). وهكذا نكون أمام ملاحظة خاصّة من مت. فإليهم يوحي يسوع عمق هذه الأسرار بالقول حول الخصيان الذي يبدو بشكل مثل من الأمثال: هناك أناس خصاهم الله، أي وُلدوا خصيانًا. وهناك أناس خصاهم الناس. وهناك فئة ثالثة غير متوقّعة، شأنها شأن الملكوت: "هؤلاء الذين خصوا نفوسهم من أجل الملكوت" (آ 12).
من هم هؤلاء؟ الخصي هو الذي لا يستطيع أن يقوم بعمل الانجاب. قد يكون ذاك الذي نذر العفّة. وقد يكون بالأحرى (في هذا السياق) ذاك الذي انفصل عن امرأته وظلّ يعيش في العفّة، فلبث أمينًا للرباط الزواجيّ رغم كل شيء. إنه خصيّ بالنسبة إلى سائر النسوة. أقحم متّى هذا القول هنا فدلّ على أن الكنيسة الأولى فهمت المعنى العميق للزواج كسرّ: عطيّة الأمانة الزوجيّة هي عطيّة العفّة، ونستطيع منذ الآن أن نتقبّلها من أجل حضور الملكوت في يسوع والرجاء الذي يعلنه.
هناك من طبَّق هذا النصّ على الحياة الرهبانيّة. ولكن إن أتاح لنا النصّ هذا التطبيق، فهو أوسع من ذلك. فحيث تسامحت شريعةُ موسى، جاء الملكوت متطلّبًا، ودعا إلى جماعة الحبّ التي لا تحلّ داخل الحياة الزوجيّة، وشجب كل فعل قد يدمّر وحدة الزواج المقدّسة كما أسّسها الخالق. ففعل الافتراق، مهما كان شرعيًا في بعض الحالات، لا يلغي الوحدة. وفي خطّ هذا التفكير نستنتج بالنسبة إلى الذين أعطي لهم أن يسمعوا هذا النداء، أن العفّة التامّة "من أجل الملكوت" تقود الحبّ الزواجي الذي لا يحلّ إلى ملء انفتاحه. إذن الخصيّ هو ذاك الذي يدرك إلى أيّ حدّ يلزمه الحبّ الحقيقيّ فيتقبّله من الله عبر ضعف البشر.
ومقطوعة استقبال الأطفال (آ 13-15) تلقي ضوءًا على موضوع الزواج. يجب أن نصير أطفالاً لندخل إلى الملكوت (3:18-4). ولكن التلاميذ لم يدركوا هذا الواقع. ولهذا زجروا الأطفال (آ 13) على مثال الرجال الذين يطلّقون نساءهم (آ 3). فالحبّ الأمين المتقبّل "نقتبله" من يسوع الذي هو واقع الملكوت الحاضر وسط البشر (18: 2، 20). ولكن إذا أردنا أن نقتبله، نقبل أن نصير صغارًا. وهذا أيضًا يُعطى لنا. ونحن نفهم هذا العطاء من خلال حدث الشاب الغني.
ثانيًا: تجرّد مستحيل (16:19- 29)
ذاك الذي جاء إلى يسوع في مت هو شاب (نيانسكوس، آ 22)، وهو يطرح سؤالاً بريئًا على ما يفعل التلميذ. سمّى يسوع "المعلّم" (ديدسكالوس)، وهو لقب لا يستعمله التلاميذ الحقيقيّون. سأل ماذا يجب أن يفعل لتكون له الحياة الأبديّة. "الصالح" ليس لفظة مجرّدة عند اليهوديّ. بل يدلّ على الله بالذات. وفي هذا الخط أجاب يسوع جوابين: بما أن الله هو "الصالح"، فيجب أن نحيا حسب الله لكي نقاسمه حياته. وطريق صلاحه الرحيم هو الشريعة والوصايا. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، شدّد يسوع في جوابه على "الكامل" الذي يقابل "الصالح". فالكمال كما عرفنا في عظة الجبل (5: 48) هو أمانة تامّة للشريعة في تمامها الذي هو يسوع.
ما يطلبه التلميذ عادة من الرابي، ليس فقط مبدأ ونورًا، بل قاعدة حياة شخصيّة. فبجانب الشريعة المكتوبة (بما فيها الوصايا) هناك الشريعة الشفهيّة التي نقلها المعلّمون فجاءت نداء شخصيًا يعبّر عن متطلّبة ملموسة لمبدأ قيل فيما قبل. 
فالكمال كما يقول متّى، هو متطلّبة الشريعة كما أتمَّها يسوع. فمن أدرك ذلك دخل في منطق اتّباع يسوع الذي لا يقبل بتردّد أو تراجع. من هنا ينتج أن الفقر الانجيليّ الذي طُلب من هذا الشاب، ليس "نصيحة" وحسب. إنه أمر ملحّ على مثال الحب الذي يجعل الانسان خصيًا من أجل الملكوت. فالفقر لا يمثّل طريقًا فضلى وآمنة نسير فيها إذا شئنا، ويكتفي يسوع بأن ينصح بها، بل هو شرط مطلق لكمال إجباريّ ساعة يصبح الاحتفاظ بالمال عائقًا في طريق الخلاص.
عند ذاك، من تجرّد عن أمواله دخل في جماعة "الصغار" الذين يجمعهم يسوع. وردت مرتين عبارة "إذا شئت" (آ 17، 21)، فأطلقت الشاب إطلاقًا يتيح له أن يتقبّل الالتزام في خطى يسوع. رفض الحريّة التي قُدّمت له فابتعد حزينًا (ليبومانوس، 19: 22) كالتلميذ الذين أعلن لهم يسوع موته القريب (23:17)، وكرفاق العبد الذي لم يرحم رفيقه (18: 31). لامسته نعمة الملكوت في قلبه وجعلته يتحقّق أنه لا يستطيع أن يتجرّد من أمواله ويكون صغيرًا.
وهنا أيضًا، لسنا بشكل مباشر أمام نداء إلى الحياة الرهبانيّة، بل دعوة توجّه إلى كل انسان مهما كان الجواب الذي يمكن أن يعطيه الآن. هي دعوة إلى تقبّل الحبّ وعيشه في التجرّد. دعوة إلى ترك "الجزء" الذي نملك لنتقبّل "الكلّ" الذي يجب أن نتقبّله دون حدود. سأل الشاب عمّا يجب أن يفعل لينال الحياة الأبديّة (آ 16). أجاب يسوع التلاميذ فقلب النظرة رأسًا على عقب: يجب أن نترك كل شيء لنتقبّل كل شيء.
هذه الاستحالة في أن نكون صغارًا لكي ندخل إلى الملكوت، قد شدّد عليها يسوع (آ 23-24) واستعادها التلاميذ المدهوشون. "من يمكنه أن يخلص" (آ 25)؟ فقال يسوع وألحّ: "هذا غير ممكن عند الناس. أمّا عند الله فكل شيء ممكن" (آ 26؛ رج تك 18: 4؛ أي 42: 2؛ زك 8: 6). ليس الملكوت خيرًا نربحه أو نمتلكه. نحن نتقبّله في نعمة مجّانيّة. نحن هنا في قلب وحي الملكوت والخيار الذي يتطلّب (16: 23): أو نموت عن نفوسنا لنتقبّل ذاتنا كلها من الله، أو نميت ما يجب أن يتمّ فينا.
هل أدرك التلاميذ هذا؟ كلا، على ما يبدو. وهذا واضح من سؤال بطرس الذي ما زال يهتمّ بالأجر (آ 27). فعند مت وحده (رج مر 10: 32؛ لو 18: 31) يفتتح هذا السؤالُ موضوعَ المجازاة الذي سيتوسّع فيه مثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم. لهذا تُذكر الدينونة والدور الذي يلعبه التلاميذ كمساعدين للديّان السامي، وجالسين على عروش مهيّأة (دا 7: 9) في "التجديد" (بالنجيناسيا، آ 28؛ رج لو 22: 28- 30 في إطار العشاء الأخير). 
ترك الاثنا عشر كل شيء ليتبعوا يسوع: العائلة، المحيط الدينيّ، الأموال. فالتزامهم غير المشروط من أجل الملكوت يحكم منذ الآن على موقف اسرائيل. بنعمة من الله كانوا الآخرين ليرثوا مواعيد كفلها الله لشعبه، وتجد كمالها في جماعة يسوع، في الكنسة. لا ينكر يسوع استقامة تجرّدهم ولا مشاركتهم في الملكوت الاسكتولوجيّ (27:16؛ 21: 43)، ولكنه يلقي الضوء على الشرط الحقيقيّ لهذه المشاركة. أن نترك كل شيء لكي نتقبّل مئة ضعف (آ 29). إذن، لا نعتدّ بأولويّة ولا بأقدميّة، لأن "كثيرًا من الأولين يكونون آخرين، وآخرون أولين" (19: 30؛ رج 20: 16). هذا الكلام يتوجّه إلى بطرس والتلاميذ كما يتوجّه إلى جماعة متّى وإلى جماعتنا.
ثالثًا: نعمة نتقبّلها: العمّال في الكرم (19: 30- 16:20)
من الواضح الآن أن جماعة الصغار التي تشكّل الملكوت في مسيرته، يجب أن تتقبّل ذاتها كلها (من الله)، لأن الانسان لا يستطيع بقواه أن يدخل إلى الملكوت هـان كان صاحب أموال كثيرة. فالقول حول الأولين والآخرين (19: 30) الذي استعيد به مثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم (20: 16) يدلّ على تبدّل تمّ بكلمة الله وعمله في قلب الضعف البشريّ. نتخلّى عن أن نكون كبارًا لنصير صغارًا، نقبل أن ينال الآخر ما ناله الأول، هذا هو التعليم الذي يجب أن نسمعه: الملكوت عطيّة مجّانيّة، نعمة نتقبّلها. وأمامه تتحطّم مقولاتنا: لم يبقَ لنا سوى حريّة تقبل أو ترفض.
في العهد القديم، مثّلث الكرمة شعب اسرائيل الذي هو موضوع عناية الله ودينونته (أش 5: 1-7؛ إر 2: 21؛ 5: 10؛ 8: 13؛ 12: 10؛ حز 19: 10- 14؛ 15: 6-8). وكما في مثل الزؤان (13: 38)، يبدو أن الكرمة تدلّ على واقع أوسع من اسرائيل التاريخيّ. فواقع الملكوت مفتوح على الجميع (العمّال في الساحة) وفي كل وقت (مختلف ساعات النهار). ولكن إذا أردنا أن ندخله، يجب أن نتقبّل دعوة من "ربّ البيت" (أويكودسبوتيس، 20: 1، 10) الذي هو ابن الانسان (10: 25؛ 13: 27). أو هو الآب (21: 33). أو التلميذ (52:13؛ 43:24). يرينا المثل "ربّ البيت" مهتمًا بإعطاء عمل للعمّال، أو بفتح كرمه لكي يدخله الجميع.
وفي ساعة دفع الأجور، نالوا جميعًا الأجر عينه كما تمّ الاتّفاق عليه في الصباح مع العمّال الأولين (آ 2). غير أن هؤلاء الأولين اعتبروا نفوسهم مظلومين حين رأوا الآخرين ينالون ما نالوه هم. ونحن نقتدي بهم طوعًا لأن الطريق التي بها تصرّف "ربّ الكرم" (آ 8)، تبلبل سلّم التقييم من أجل أجر عادل وتصدم حسَّنا على مستوى العدالة الاجتماعيذة. ولكن حين نجعل معاييرنا ومقاييسنا على مستوى الخلاص، نكون قد أخطأنا في طرح السؤال: فلا حديث في الملكوت عن استحقاقات شخصيّة نقدّرها بعدد ساعات العمل. فعلينا قبل كل شيء أن نتقبّله كنعمة. هي نعمة أن نعمل في الكرمة. هي نعمة أن نُدعى إلى الملكوت. فالمهمّ في نظر الله ليس أن نتعب طويلاً ونشقى، بل أن نقبل أن نعمل في كرمته.
ولقد دلّ جواب ربّ الكرم للعمّال على سخاء الله الذي يمنح الجميع ذات العطيّة الخارقة والمجّانيّة التي اسمها الخلاص. فحبّ الله يدرك جميع البشر بلا تمييز. فالمهمّ هو أن نتقبّله. والصغار وحدهم، والذين فهموا التبدّل في خط الانجيل، لا يقيسون صلاح الله (آ 15؛ رج 19: 16-17) بمقاييس العدالة البشريّة (التي توزعّ على كل انسان ما يستحقّ من خيرات)، بل يقبلون مجّانيّة الحبّ. لم يعد هناك من صغير أو كبير على المستوى البشري، لم يعد من أول أو آخر. فكلّهم متساوون في الحبّ الفريد الذي بهم يحبّ الله كل واحد منهم. إذن الأجر هو هو في الوقت عينه، ولكنه يختلف لأنه يرتبط بتقبّلنا له. فالصغار أمام الله ينبغي أن يكونوا صغارًا أمام إخوتهم. ففي نظر حنان الله لا نستطيع أن ننظر إلى أخينا بعين شرّيرة.
حين جعل مت القول حول الأولين والآخرين في بداية هذا المثل ونهايته، قرأ المثل في منظار لاهوت التتمّة، تتمّة شعب اسرائيل في يسوع. وسترد أمثال ف 21-22 داخل هذه النظرة عينها. فالمدوّن الانجيليّ جعل تعليم يسوع اللاهوتيّ في خطّ كنسيّ. فحين تقتبل كنيسة يسوع الآخرين (أي العشّارين والبغايا، 21: 31؛ ثم الوثنيين 8: 11؛ 27:15) تُظهر أنها تتمّة المواعيد المعطاة للأولين أي لاسرائيل الذي قبل المسيح. فالتجمّع المسيحانيّ للأمم (أش 2:2-4؛ 45: 14-17؛ 20-25) قد تدشّن مع يسوع بحيث لا يستطيع اسرائيل أن يطالب بامتياز الأوليّة في الاختيار. فالاختيار يتوجّه في الواقع إلى جميع البشر.
ووُضعت آ 16 ب هنا بعد أن أخذت من 22: 14. هي قوله عن المختارين القليلين في خطّ البقيّة الباقية في العهد القديم (عا 12:3؛ 8:9- 10، أش 4: 2-3؛ 13:6). هذه البقيّة هي الشعب المنقّى في الزمن المسيحاني. هذا يعني أن النداء يتوجّه إلى الجميع. يبقى على كل واحد أن يقبله لكي يصير "مختارًا". 
رابعًا: الأمكنة في الملكوت: الألم والخدمة (17:20-38)
ليس الموقف الذي طلبه يسوع بالموقف السهل. فهو يفرض تبدلاً حقيقيًا: أن نصير صغارًا. ذاك هو الموقف الذي يعارض موقف البشر الذين يهتمّون بالقدرة والعظمة. واجه يسوع هذا التعارض في نفسه، وفي الآخرين، وفي قلب جماعته. وهذا التعارض يقوده إلى نهاية مأساويّة في الألم والموت.
إلى هذا الحدّ سيجعل ابن الانسان نفسه صغيرًا. ذاك هو معنى الإنباء بالآلام (آ 17- 19) وفيه يلاحظ الانجيليّون الثلاثة (مر 10: 33؛ لو 18: 32) أن يسوع "يُسلم إلى الأمم" بيد رؤساء شعبه. والإشارة إلى القيامة تدلّ في النهاية على موضع وجود الملكوت.
في هذا الوقت تقدّمت "أم ابني زبدى مع ابنيها" (آ20). أورد مر 35:10- 40 هو أيضًا الحدث ولكنه لم يتكلّم إلاّ عن الابنين. قد نستشفُ هنا نزاعًا بين كنيستين محليّتين أسّسهما الرسل. مهما يكن من أمر، فطلب الأم لا يقف على مستوى الاستحقاقات، بل على مستوى حظوة تفترض امتيازًا. 
بدأت ردّة فعل يسوع بسؤال (آ 21) جعل الأم وابنيها أمام الآب (17:19، 21). فيسوع نفسه خاضع لأبيه، وهو لا يتصرّف وحده بالملكوت النهائيّ (آ 23). إنه لا يستطيع إلاّ أن يؤكّد مرّة ثانية شروط الدخول إلى الملكوت، وهي تلك التي يمرّ فيها في صعوده إلى أورشليم: "أن يشرب الكأس التي يجب أن يشربها" (آ 22). نحن هنا أمام لغة رمزيّة تستلهم الاحتفال الافخارستيّ (26: 27) وتتّصل اتّصالاً وثيقًا بصلاة النزاع (26: 39-42) التي تضمّ مصير التلاميذ إلى مصير معلّمهم. وأضاف مر 38:10 إلى صورة الكأس صورة المعموديّة. أجاب التلاميذ: "نستطيع" (آ 22). لسنا هنا أمام اعتدال أو تهوّر، بل أمام "شرب" مع المسيح، شرب الألم "من أجل اسمه" (10: 22). وفي النهاية تقبّله هو نفسه. إلى هذا يدعو يسوع من يريد أن يتبعه، ونحن نستطيع أن نطلب منه ذلك بشكل شرعيّ.
وكانت ردّة الفعل قويّة لدى العشرة: استاؤوا في غيرتهم (آ 24) من طلب الأخوين، فدلّوا أنهم لم يفهموا شروط الملكوت. فمن أراد الجلوس مع ابن الانسان في التجديد (28:19)، وجب عليه أن يخدم الإخوة (آ 27). تلك هي عظمة الملكوت الحقيقيّة. ودعا يسوع تلاميذه، توجّه إلى حريّتهم كما فعل مع امرأة زبدى: من أراد (آ 26-27). ماذا تريدين (آ 21). أجل، الحريّة الحقّة تقوم في الخدمة المتواضعة. فابن الانسان الصاعد إلى أورشليم (آ 18) جاء "ليخدم ويبذل حياته فدية عن الكثيرين" (آ 28). وهكذا يستطيع عدد كبير من المدعوّين أن ينالوا النعمة بأن يكونوا من "المختارين". وهكذا تكشف خطبةُ الرسالة كلَّ متطلّباتها: "حسبُ التلميذ أن يكون مثل معلّمه، والعبد مثل سيّده" (25:10).
خامسًا: انفتحت عيون العميان (29:20- 34)
إن الطريق التي تبعها يسوع لتصعد إلى أورشليم تمر بأريحا التي تذكّر المؤمن اليهوديّ بدخول أرض الميعاد مع يشوع (يش 6). وتبعته "جموع كثيرة" (آ 29). منذ البداية تسير الجموع وراء يسوع (25:4؛ 8: 1؛ 12: 5؛ 19: 12). ولكن لا بدّ من تمييز ما يعني هذا الاتّباع.
جلس أعميان بجانب الطريق. وخبرُ شفائهما يشبه خبر 27:9- 31، ولكنه يتّخذ هنا منحى ليتورجيًا، ولاسيّما بالدعاء المتكرّر: "إرحمنا يا ربّ، يا ابن داود" (آ 30- 31). يسوع هو الله ومسيح اسرائيل الذي جاء لخلاص شعبه في الضيق. والتطواف الذي يستقبل ابن داود ويقوده إلى الهيكل (21: 9، 5)، قد بدأ هنا منذ الخروج من أريحا. يبدو أن الأعميين يمثّلان الجماعة التي تتبع يسوع. ولكن يجب أن تنفتح عيناها. صلاتهما جعلتهما بين الصغار، ووضعتهما في طريق الملكوت. "إذا اتّفق بينكم اثنان أو ثلاثة على الأرض أن يطلبا حاجة، حصلا عليها من أبي الذي في السماوات" (18: 19).
إذن، نستطيع أن نقوله إن الأعميين قد طلبا معًا فنالا. وعيا أنهما أعميان، فجاءت صرختهما انفتاحًا على الخلاص. صارا كالصغار وفهما أنه يستحيل على البشر شفاؤهما، فاستعدّا للمسة تفتح عيونهما.
وجاءت صرخة الأعميين تحدّيًا للجموع التي لا تريد أن تسمعهما، بل زجرتهما (آ 31) كما زجر الرسل الأطفال في وضع مشابه (13:19)، وكما زجر بطرس يسوع (16: 22). ولكن يسوع أطلق أيضًا نداءه: "ماذا تريدان أن أعمل لكما" (آ 32)؟ أتريدان أم لا؟ وتحرّكت أحشاؤه (9: 36؛ 14: 14؛ 32:15؛ 27:18) و"لمس" (3:8، 15؛ 9: 20، 21، 29؛ 14: 36 مرتين؛ 17: 7) عيونهما. وهكدا رأت الجماعة المسيحانية كيف تحقّقت رغبتها بأن تستعيد نظرها. إن الكلمة الحيّة في فم الأعميين قد انتقلت إلى الجموع (21: 9). فانتفت الحاجة إلى فرض الصمت (رج 28:9) على الذين يرون في يسوع "ابن داود".
ب- الايمان بابن داود (21: 1-27)
إن ف 21-22 يجعلاننا نرى المواجهة بين يسوع، ابن داود، وأورشليم، مدينة داود. نحن هنا في مرحلة جديدة في التتمّة التاريخيّة لقصد الله. فأورشليم التي إليها يدخل يسوع وتلاميذُه للمرّة الأولى بحسب مت، وأورشليم التي تجتذب الحجّاج من كل حدب وصوب، صارت في فم الأنبياء المتأخّرين موضع الدينونة الاسكاتولوجيّة (يوء 4: 9-17)، والوليمة المسيحانيّة التي يُدعى إليها الكون (أش 25: 6-12)، والفداء النهائيّ الذي يتمّ في بهاء لا مثيل له (زك 12: 14). أجل، في أورشليم ستتمّ الكتب.
يرافق الدخول المسيحانيّ لابن داود إلى عاصمته (21: 1- 11) فعلاتٌ نبويّة: طرد التجّار من الهيكل (21: 12-13)، أشفية (21: 14)، صراخ الأولاد (21: 15-16)، التينة التي يبست (18:21-22). كل هذا قاد عظماء الكهنة وشيوخ الشعب لكي يطرحوا السؤال المهمّ حول السلطة التي يمارسها يسوع (21: 23-27). وهكذا تبدأ المحاكمة الحاسمة التي تجري في ثلاث محطّات: أربعة أمثال (21: 28-22: 14)، مواجهات أربع (22: 15-46)، اتهام (23: 1-36) يستبق الحكم النهائيّ (23: 37-39).
أما متتالية الدخول إلى أورشليم فتتضمّن أربع وحدات تتحدّث عن دخولين ليسوع إلى المدينة وإلى الهيكل. وينتهي كل دخول بجدال قصير، الأول حول فعلات يسوع (آ 15-17)، والثاني حول تعليمه (آ 23-27). ذاك هو تأليف مت.
- استقبال ابنة صهيون لابن داود (21: 1-9): في أورشليم آ 1، 10). تتمّة النبوءات (أش 62: 11؛ زك 9: 9). استقبال الجموع لابن داود (مز 26:118).
- دخول ابن داود إلى الهيكل (21: 1-17): المدينة (آ 10، 17) اضطربت. ودخل النبيّ يسوع إلى الهيكل فطهّره (أش 56: 7؛ إر 7: 11). وطُرح سؤال حول المرضى الذين شُفوا والاولاد الذين يهتفون لابن داود (مز 3:8).
التينة اليابسة وإيمان التلاميذ (21: 18-22). دخول جديد إلى المدينة (آ 18) وفعلة نبويّة في التينة، تدعو التلاميذ إلى الايمان الحقيقيّ.
- سلطة يسوع وإيمان الشعب (213:2-27): دخول جديد إلى الهيكل (آ 23) حيث يعلّم يسوع: سؤال حول أصل سلطته وتذكّر يوحنا المعمدان.
أولاً: بنت صهيون تستقبل ابن داود (21: 1-9)
إن الوحدة الأدبية التي تضمّ آ 1-9، ويحيط بها ذكران لأورشليم (آ 1، 10)، قد انطبعت بلقبين أعطاهما الأعميان ليسوع بعد أن عرفاه وتبعاه: الرب (آ 3، 9)، ابن داود (آ 9). نحن هنا أمام ذروتين: النصّ النبويّ (أش 62: 11؛ زك 9:9) وتتمته لدى الجموع (آ 9) التي تنشد مز 118: "تبارك الآتي باسم الرب".
وحين وصل يسوع إلى أريحا، أدرك بيت فاجي (بيت التين) وجبل الزيتون متطلّعًا إلى أورشليم التي هي غاية مسيرته الأرضيّة (20: 17).
أولاً، طلب يسوع حمارًا هو مطيّة الآباء والأمراء في الماضي، ومطيّة أبناء الشعب. فعلى حمار، لا على حصان، كملك حربيّ، اتخذ يسوع المبادرة ودخل إلى مدينته هو الوديع والمسكين بين مساكين الربّ. وإذ لمّح مت إلى الأتان التي ترافق الجحش (آ 2) جعل خبره في خطّ زك 9: 9 الذي لم يورده مر ولا لو. واختصره يو 12: 15. بدأ استشهاده بمقطع أشعيائي حول القيامة المسيحانيّة لصهيون (أش 62: 11): فمدينة الملك داود، الجبل الذي عليه ينتصب الهيكل، قد تشخّص في "ابنة صهيون" وقد هُيِّئ للمسيح. ودخل الربّ إلى أورشليم بوداعة عبد يهوه (عبد الربّ) الذي ذكره أش 42: 1-4 وأورده مت في 18:12-21.
كان استقبال الجموع ليسوع استقبال ملك (آ 5)، استقبال ابن داود (آ 9). في الواقع، هو الملك المسيحانيّ وربّ داود (22: 44-45) الذي يأتي متواضعًا على ظهر جحش. ولكن الكشف عن هويّته لن يتمّ إلاّ بموته "فدية عن كثيرين" (20: 28). لقد كان لقب "ابن داود" عزيزًا على قلب متّى (1: 1؛ 23:12؛ 15: 22؛ 21: 9، 15) الذي يرى في يسوع وريث الوعد الذي حمله ناتان إلى داود (2 صم 7: 12- 16) واستعاده أش 7: 13- 14.
وجرى هذا الدخول الملوكيّ والمسيحانيّ في إطار ليتورجيّ، في إطار عيد المظال. هذا ما تدلّ عليه الإشارة إلى مز 118 الذي ينتمي إلى طقوس العيد، وأغصان الأشجار التي قطعت فأخذ الناس يحرّكونها، وصرخة "هوشعنا" التي تتكرّر في احتفال يدور سبع مرات حول مذبح المحرقات. كان عيد المظالم يذكّر بني اسرائيل بمسيرته في البريّة وزمن الخطبة مع الربّ (لا 23: 42؛ إر 2: 2). وكان يحتفل بملك الربّ على الكون، كما برجاء الملك المسيح. كان قد أعلن زكريا أن ملكوت الله سيمتدّ إلى جميع الأمم التي تصعد كل سنة للحجّ إلى أورشليم في عيد المظال (زك 14: 16-19). والهتاف الذي أخذ من مز 118: 26، اتخذ لونًا مسيحانيًا. غير أن الجموع لم تستنفد بُعده الآن: فمدلوله سيُعرف حين يأتي ابن الانسان في مجده ليدين الأمم (23: 39؛ 25: 31). 
ثانيًا: دخول ابن داود إلى الهيكل (21: 10-17)
ما قاله متّى هنا عبّر عن إيمان كنيسته التي قرأت مز 118 قراءة مسيحيّة. فهذا المجيء "باسم الربّ" فعل فعْلَ هزّة أرضيّة: "اهتزّت المدينة كلها" (آ 10). هكذا يُعلن عن الظهور الالهيّ. وحالاً انطلق السؤال: "من هو هذا" (آ 10)؟ ولكن الجموع اكتفت بأن تجيب: "هذا هو النبيّ يسوع من ناصرة الجليل" (آ 11). جواب قصير جدًا، وهو يدلّ على أورشليم التي لا تفهم الأنبياء (37:23) على مثال موطن يسوع (57:13).
اهتزّت المدينة حين رحل ملكها (آ 10). ولكن يسوع سوف يتركها (آ 17). هذا التضمين يعلن منذ الآن الدينونة الأخيرة (38:23-39). وتابع يسوع مسيرته فوضع يده على الهيكل في فعلة نبويّة جديدة (آ 12) مؤكّدًا تاكيدًا عمليا سلطته المسيحانيّة. وفعل يسوع كما فعل نحميا حين عاد إلى أورشليم (نح 13: 7-9): طهّر بيت الله وطرد منه الباعة. وهكذا لمّح مت (آ 13)، شأنه شأن مر 17:11 ولو 46:19، إلى توبيخ الأنبياء (أش 7:56؛ إر 7: 11) ضدّ الذين يستندون إلى الهيكل وشعائر العبادة دون الاهتمام بالديانة الحقّة. كما لمّح إلى آخر كلمات النبيّ زكريا الذي تذكّر حز 40-48، فتاق إلى عيد مظال كونيّ في هيكل مطهّر في الأزمنة المسيحانيّة: "في ذاك اليوم لن يكون تجار في هيكل الربّ القدير" (زك 14: 21).
وفي هذا المنظار المسيحانيّ تحدّث مت عن المعجزات التي أجراها يسوع في الهيكل (آ 14) الذي لا يدخله العميان والعرج (8:18-9؛ رج 2 صم 8:5؛ لا 18:21). إذ أدخل ابن داود هؤلاء المرضى إلى الحرم المقدّس وشفاهم (19: 2)، فقد حقّق النبوءات المسيحانيّة (أش 35: 5-6). فعبدُ الله يأخذ حتى النهاية على عاتقه ضعفنا وأمراضنا (8: 17= أش 53: 4).
وتفرّد مت في ذكر هتاف الأطفال الذي هو صدى لتطواف الشعانين (آ 9). وصياحهم الذي انضمّ إلى فعلات يسوع، جعل عظماء الكهنة والكتبة يستاؤون. "أتسمع ما يقول هؤلاء" (آ 16)؟ فعظماء الكهنة والكتبة الذين استعان بهم هيرودس حين وصولا المجوس (2: 4) قد ذكرهم يسوع حين كلّم تلاميذه للمرّة الأولى عن آلامه (16: 21). إنهم أيضًا الرؤساء الروحيّون في الشعب والمحافظون على طقوس عفّاها الزمن، وعلى تفسير ضيّق للكتاب، كان السبب في حكمهم على يسوع. فالكتبة هم أعضاء المجلس الأعلى مع عظماء الكهنة، وقد واجهتهم الجماعات المسيحيّة الأولى. والسؤال الذي طرحوه هنا على يسوع يبدو بشكل اتهام. وسوف يستعيده قيافا (26: 62) وبيلاطس (27: 13) في عبارات مماثلة. إذن، هي محاكمة تتمّ في حرم الهيكل. غير أن رؤساء الشعب لا يستطيعون أن يفهموا بعدُ فعلات يسوع التي يكتشفها الصغار بشكل بديهيّ.
وأورد جواب يسوع مز 3:8 (من أفواه الأطفال والرّضع هيّأت لك تسبيحًا). فموضوع "معرفة" الأطفال نجده في حك 10: 21 وعند الرابينيين. ونحن نكتشف هدف متّى على ضوء خطبة الجماعة (3:18-4). فهو يرينا المرضى والصغار الذين يدركون المدلول المسيحانيّ لدخول يسوع إلى أورشليم وإلى الهيكل، ساعة لم يفهم أسرارَ الملكوت الحكماءُ والفهماء (11: 25؛ رج 13: 11-15). يدلّ على عظماء الكهنة والكتبة هؤلاء الذين ما استطاعوا أن يكتشفوا الوجه الذي حقّقه يسوع، كمسيح متواضع ورحيم، كملك وديع تجرّد من شارات النصر الزمنيّ والملوكيّ. ومع ذلك، فهو يقدّم نفسه عبر هذه السمات في الاطار الرسميّ للمعبد، تحيط به حاشيته المؤلّفة من المرضى والصغار. إن الملكوت المسيحاني يستقبل الفقراء والمضايقين. إنه المعبد الحقيقيّ الذي هو "أعظم من الهيكل" (6:12)، إنه جسد القائم من الموت والحيّ في كنيسته.
أما الآن فيسوع يُمَّحى. كما ترك الناصرة ليمضي في رسالته (13:4)، وكما ترك خصومه لكي يكون أمينًا لهذه الرسالة عينها (16: 4)، ها هو يترك الآن عظماء الكهنة والكتبة ليمضي إلى بيت عينا، بيت الفقراء (عناويم)، لأن في هذا الاتّجاه تتمّ فيه مشيئة الآب.
ثالثًا: التينة اليابسة وإيمان التلاميذ (18:21- 22)
حدّد مت موقع هذا الحدث الغريب بعده أن قطع يسوعُ الاتصال مع الهيكل ورؤساء الشعب. أما مر الذي اهتمّ بالمدلول الحقيقيّ للعبادة والصلاة، فاستعمل هذا الحدث ليحيط بخبر الباعة المطرودين من الهيكل (مر 11: 12-14، 20- 26). لقد أعادنا مت إلى سياق تجربة يسوع: جاع يسوع (آ 8؛ رج 2:4). ويعبّر هذا الجوع عن رغبة حارّة بأن يعرّف بنفسه على عتبة الآلام. غير أن هذه الرغبة تصطدم بعمى شعبه الذي تمثِّله التينة. فالمحنة الكبرى للمسيحانيّة الصحيحة نجدها هنا في صورة نبويّة.
كان يسوع قد وصل إلى أورشليم مارًا ببيت فاجي، بيت التين (21: 1). ولما عاد إلى المدينة مرّة ثانية، دهش لأنه لم يجد على التينة الثمار المتوقّعة، مع أن الملكوت حاضر في شخصه، في قلب أورشليم. شجب التينة، فأتمّ قول إرميا في يهوذا: "قال الرب: وددت أن أجد لديهم غلّة ولكن لا عنب في الكرمة ولا تين في التينة. حتى الأوراق ذبلت" (إر 8: 13). لقد كشف المسيح عُقم شعبه الذي لا يستطيع أن يحمل ثمرًا (43:21). رذل يسوعَ فخسر كل اتصال بينبوع الخلاص. صار يابسًا لأنه رفض أن يستقي الحياة الحقيقيّة. "من ليس له يؤخذ منه ما يظنّه له" (12:13).
إن فعلة التين النبويّة هي وحي سلّمه يسوع إلى كنيسته: "الحقّ أقول لكم: لو كان لكم إيمان ولا تشكّون، لفعلتم بهذه التينة ما فعلت" (آ 21). هذه الفعلة تعبّر عن إيمان يماهي التلميذ مع ربه (10: 24-25). فيسوع هو الذي يفعل في التلميذ يمجرّد حضوره. وحين نكون أمام يسوع كالصغار، في موقف إيمان، ندخل في صلاة تدلّ على أمانتنا للآب. هنا نفهم لماذا وضع مت هنا (مع مر 11: 22-23) القول حوله الإيمان الذي يستطيع كل شيء (رج 17: 20): فإيمان التلاميذ هو مشاركتهم في التزام ربّهم بأن يحيا رسالته حتى النهاية. فطاعته هي أساس سلطته. وهذا ما يدركه نظرُ المؤمن المصلّي الذي يصير "صغيرًا" أمام الله.
رابعًا: سلطة يسوع وإيمان الشعب (21: 23-27)
دخل ابن داود مرّة أولى إلى أورشليم وسط هتافات الجموع (آ 9)، وحمل معارضته المسيحانيّة حتّى إلى قلب الهيكل (آ 12-16). وها هو يعود أيضًا إلى المدينة (آ 18) مع تلاميذه، ويصعد إلى الهيكل (آ 23) الذي لا يتركه إلا ليعتزل على جبل الزيتون (24: 1)، ليلقي خطبته الاسكاتولوجيّة. أما الآن وللمرَّة الأخيرة فهو يعلّم (آ 23؛ رج 22: 16؛ 26: 55). نحن نرى أن متّى أراد هنا كما في إنجيله كله أن يربط أعمال قدرة يسوع (آ 14) بتعليمه الذي يلقيه بسلطان (رج 29:7).
وفعلات يسوع النبويّة جعلت عظماء الكهنة وشيوخ الشعب يطرحون على نفوسهم السؤال الحقيقيّ: "بأبي سلطان تفعل هذا" (آ 23)؟ إذن، اعترفوا أنه استُودع سلطانًا خاصًا لا يريد أن يُظهره وسط البشر. ولكن يسوع لا يعطي جوابًا لهذا السؤال الجوهريّ، لأنه هو نفسه الجواب. فعلى كل واحد أن يكتشفه في التزام إيمانه. وأعيد رؤساء الشعب إلى نفوسهم، لأن يسوع ردّ لهم السؤال مذكرًا بموقفهم تجاه يوحنا المعمدان: الموقف تجاه السابق هو الموقف تجاه يسوع. نحن هنا أيضًا على مستوى الايمان (آ 25). وكان موقف الجموع أكثر وعيًا لأنهم كانوا "كلّهم يعدّون يوحنا نبيًا" (آ 26؛ رج 14: 5). وسيُعاد هذا الكلام بالنسبة إلى يسوع (46:21). فسلطة يسوع لا تُفهم إلاّ في نهاية تاريخ اسرائيل، في النهاية التي أعلنها السابق حين تنبّأ عن مجيء الأزمنة المسيحانيّة: "من يأتي قبلي هو أقوى منّي" (3: 12:11). فمن رفض أن يؤمن بيوحنا المعمدان انغلق على الايمان بيسوع المسيح.
وانتهى الجدال برفض هو في الوقت عينه دينونة: "وأنا أيضًا لا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا" (آ 27، رج آ 23 مع التضمين).
ج- الجواب الحاسم تجاه الملكوت (28:21- 22: 14)
وصمت رؤساء الشعب (آ 27). فما عاد يسوع يستطيع أن يكلّمهم إلاّ بالأمثال. غير أن سياق الأمثال الأربعة التالية لم يعد سياقَ نموّ الملكوت (ف 13). فنحن أمام الدينونة. نحن أمام وضع حاسم حيث رذْل يسوع يقود إلى القطيعة. أول هذه الأمثال هو خاصّ بمتّى: إنه يقابل موقف ابنين (28:21- 32). والمثل الثاني هو مثل الكرّامين القتلة (21: 33-46). يجد ما يقابله في مر 12: 1-12 ولو 9:20-19. ومثل وليمة العرس (22: 1-10) نجده في لو 14: 15-24، ولكن في سياق مختلف ودون إضافة خبر الانسان الذي لا يرتدي ثوب العرس (22: 11-14).
اعتنى متّى بالتأليف ولاسيّما بواسطة التضمينات واستعادة الكلمات المفاتيح.
- إرادة الأب وأبناه (21: 28-32). نجد هنا إطار الكرم وموضوع التوبة والايمان مع تضمين: "ندم فيما بعد" (آ 29، 32).
- الكرّامون والابن أو الملكوت الذي ينقل إلى شعب آخر (21: 33-46). يتوسّع هذا المثل في موضوع الثمار المنتظرة من الكرم (آ 24، 41، 43)، وموضوع ثورة الكرّامين. نجد تضمينًا أول مع "سمع الأمثال" (آ 33، 45). وتضمينًا ثانيًا مع "سلّمه إلى الكرّامين" (آ 33، 41). وتضمينا مع "ثمار" و "زمن" (آ 34، 41).
- رفْض المدعوين إلى عرس الابن ودعوة جميع الشعوب (22: 1- 10). نجد هنا موضوع النداء في إطار العرس. مع تضمينين: "العرس" (آ 2- 10). "دعا إلى الوليمة" (آ 3، 9).
- إنسان ليس عليه ثياب العرس (22: 11-14): نحن في امتداد المثل السابق مع تشديد على الطابع الحاسم للدينونة الملكيّة في جماعة سمعت اليوم نداء يسوع.
ترتبط هذه الأمثال بما سبق، بمعنى أنها تتوقّف عند متطلّبات الجدال القصير حول سلطان يسوع (21: 23-27). فالسلطان الملوكي لابن داود هو الخطّ الذي يربط هذه الأمثال، ويجب أن نأخذه على محمل الجدّ لأننا أمام ملكوت الله (21: 31؛ 43:22) الذي لا يُعطى إلاّ لمن يقتبله. ولا يني مت يجذب انتباهنا إلى الآب (21: 31) الذي هو "ربّ البيت" (آ 33) و"رب الكرم" (آ 40) قبل أن يظهر كالملك (22: 2، 7، 11، 13). ولكننا نتّخذ خيارنا أمام من هو الابن (21: 28-32).
كيف دوّن هذا المثل؟ يبدو أن مت جمع هنا عناصر مختلفة: هناك أولاً موضوع التعارض بين "قال" و"صنع" كما في خطبة الجبل (7: 21؛ رج 23: 3). ونجد ثانيًا موضوع التوبة مع تلميح إلى يوحنا المعمدان والايمان (رج 21: 23، 27). وكل هذا في إطار كرمة تذكّرنا بمثل العمّال في الكرم (19: 30- 20: 16) وتعلن مثل الكرّامين (21: 33-46).
بدأ يسوع فطلب حكمًا من الذين سألوه حول أصل سلطانه، كما فعل مع بطرس (17: 25) وتلاميذه (18: 12). فعبر الذين توجّه إليهم المثل، ها هو يكلّم كل واحد منّا، فيدعونا إلى أن نأخذ موقفًا مع الملكوت أو ضدّه. أن نقبل أو نرفض نعمة العمل في كرم الربّ. المهم لا أن نقول، بل أن نفعل إرادة الآب. هذا هو جوهر تعليم يسوع في عظة الجبل: الوضع البنويّ (6: 10؛ 7: 21) الذي يجعلنا قريبين من الابن (12: 50).
على مستوى التاريخ، يمثّل هذان الابنان موقفين دينيّين عرفهما يسوع خلال حياته على الأرض: "الأبرار" و"الخطأة" (9: 13). هؤلاء لا يبالون بالشريعة وفرائضها. وأولئك ظلّوا أمناء لتقاليدهم. ولكن أين هو الطريق الحقيقي، طريق البر (آ 32؛ رج 33:6)؟ أين هو الايمان الحقيقيّ (آ 32)؟ وتقبّلُ نداء يوحنا المعمدان هو الدليل على تقبّلنا لنداء الابن. فالتوبة وإن متأخّرة تفتح طريق الكرم، طريق الملكوت. ولكن رفض الدخول فيه يجعله مستحيلاً علينا. فالعشّارون والبغايا الذين سبق لهم ورفضوا إرادة الله كما أعلنت في الشريعة، قد مالوا إلى يوحنا المعمدان، وبه اكتشفوا طريق الخلاص في الملكوت الذي أعلنه يسوع. هكذا سبقوا رؤساء الشعب الذين أعلنوا نفوسهم أبناء ابراهيم (3: 9) ولكنهم رفضوا سلطان ابن الله.
ثانيًا: الكرّامون والابن (21: 33- 46)
وجاء المثل الثاني يوضح بما يقوم تقبّل الابن. استعاد يسوع موضوع "قالت" و"فعل" (آ 28-36) وموضوع التينة التي لا ثمر فيها (آ 19-20)، فوجّه كلامه أيضًا إلى رؤساء الشعب فأفهمهم أن زمن الثمار (آ 34، 41، هو الوقت الحاسم الذي فيه يطلب الرب حسابًا في كرمه) قد حلّ اليوم (آ 28).
بعد دعوة إلى "سماع مثل" (آ 33، رج آ 45) أي إلى القبول بأن نترك المسيح يواجهنا، نقرأ نشيد الكرمة (أش 5) الذي يُجعل في إطار دينونة ونكران جميل. والتطبيق واضح: بعد أن عارض الكرّامون (أي: المسؤولون في الشعب) مطالب ربّ الكرم فضربوا وقتلوا ورجموا العبيد الذين أرسلهم (أي: الأنبياء)، أمسكوا الابن والوارث وخسروا آخر فرصة للتوبة. ساعة أظهر الله أمانته لعهده، أراد الكرّامون أن يأخذوا الكرم بدلاً من أن يعطوا الثمار.
وقدّم المثل موت الابن على أنه جريمة مدبّرة سابقًا: وعوا هوّيته ورسالته. ومع ذلك رموه خارج الكرم (آ 39) وقتلوه. هذا ما فعلوا بيسوع (27: 32). ما كان معاصرو يسوع يدركون ما يمثّله لقب "الابن" الذي استعمله مت هنا. فالمؤمنون سيدركون مدلوله على ضوء القيامة. ولكن المثل هو وحي يكشف عن موقف ويجعل الناس "يفهمون".
وبعد أن طلب يسوع من محاوريه أن يستخلصوا بنفوسهم خاتمة المثل (آ 41) في خطّ أش 5: 5-7، أوضح حكمهم الخاص. وورد هنا في فمه مز 118 كما في الدخول إلى أورشلم (21: 9؛ رج 22: 29): "الحجر الذي رذله البنّاؤن صار رأس الزاوية" (آ 42). كانت الجماعات المسيحيّة قد قرأت باكرًا هذا المزمور على ضوء موت المسيح وقيامته. ثم إن موضوع أمانة الله للمخطّط الخلاصيّ رغم خيانة الشعب، قد عالجه الأنبياء مرارًا بواسطة حجر العثار (أش 8: 1514؛ دا 2: 44-45) الذي رُذل (إر 51: 26؛ زك 4: 7) أو رُفع (أش 16:28). كل هذه التذكّرات ألهمت متى فوجدناها في آ 43-44 حيث نجد بشكل خاص أش 8: 14؛ دا 2: 34، 44. إن متّى ألّف هذا المثل فوازى بين آ 39- 41 التي تتحدّث عن موت الابن وانتقال الكرم وآ 42-43 اللتين تتكلّمان عن الحجر المرذولة وانتقال الملكوت. هذا التوازي يُبرز التفسير الكرستولوجي والاكليزيولوجي الذي اتّخذه المثل في شكله النهائي.
ممّن يؤخذ ملكوت الله؟ لا من اسرائيل لأن الكرمة تمثّله (رج أش في آ 33)، بل من عظماء الكهنة والفريسيين (رج آ 45: "عرفوا أنه تكلّم عنهم"). أرادوا أن يمسكوا يسوع، ولكنهم خافوا من الشعب الذي يعتبر يسوع نبيًا مثل يوحنا المعمدان (21: 27).
ولمن يُعطى هذا الملكوت؟ "لأمّة تصنع ثمرًا" (آ 43). الأمّة (اتنوس) غير الأمم (الوثنيّة). بل هي جسم يتكوّن ويُبنى. هي الأمّة المقدَّسة كما في خر 6:19. أما عند مت، فنحن أمام تجلّي اسرائيل بحضور المسيح القائم من الموت، الذي يُتمّ عهد الله مع البشر ويجعله يعطي ثمارًا: هو ملكوت آت، ولكنه حاضر منذ الآن في الجماعة المسيحيّة، في جماعة الصغار والفقراء، التي يراها تنمو أمامه فتجسِّد شموليّة الخلاص.
ثالثًا: رفض الدعوة إلى عرس الابن (22: 1- 10)
ظهر هذا المنظار الشامل (على مستوى الكون) في مثل وليمة العرس الذي ألّفه متّى بعناية خاصة. فهو يبدو في مرحلتين: نداء إلى العرس (22: 1- 10). المدعو الذي لا يرتدي ثوب العرس (22: 11-14). فالعلاقة مع المثل السابق تظهر من خلال لفظة "مثل" (آ 1) التي استعملت كلفظة عاكفة. فمتّى يرى أن الملك أعدّ وليمة لعرس ابنه، ذاك الابن الذي قتله الكرّامون. وهنا أيضا بدأ الآب يرسل خدمه ليدعو "المدعوين" إلى العرس. ونرى أيضًا لامبالاة خاطئة (آ 5) وقاتلة (آ 6) لدى المدعوّين الأوّلين. أما آ 6-7 اللتان غابتا من لوقا (لو 20:14) فقد استلهمتا مثل الكرّامين: لاشكّ في أن متّى يلمّح إلى الاضطهادات التي يتعرّض لها المبشّورن المسيحيّون، كما إلى دمار أورشليم على يد الرومان سنة 70. مهما يكن من أمر، فالمدعوّون رفضوا الدعوة الأولى، وهكذا ما عادوا أهلاً للملكوت (آ 8؛ رج 10: 37-38).
عند ذاك تُوجَّه الدعوة لا إلى بعض المميَّزين، بل إلى "جميع من تجدون" (آ 9). دعوة شاملة فيها "الأشرار والصالحون" (آ 10؛ رج 5: 45). راح الخدّام على ملتقى الطرق وفي قلب البشريّة المتنوّعة، فدعوا إلى العرس جميع البشر دون تمييز، فاجتمعوا منذ الآن في جماعة من المدعوّين الذين ينتظرون الوليمة، التي هي صورة الكنيسة.
رابعًا: رجل لا يلبس ثياب العرس (22: 11-14)
نفصل هذا الجزء عن سابقه لأنه خارج التضمين (آ 2، 15). ولأن الاتجاه الكنسي فيه واضح جدًا. فنحن الآن أمام الوليمة المسيحانيّة والطابع الشخصيّ الذي تتّخذه الدينونة الاسكاتولوجيّة في قاعة مليئة بالمتكّئين.
أن نُدعى إلى العرس، فهذا لا يعني بصورة آلية أننا قُبلنا للمشاركة فيه: بل يجب أن نرتدي لباس العرس. فغياب ثوب العرس لدى مدعوّ من المدعوّين يعني أنه لم يتقبّل عطيّة الايمِان وأن الرفض ممكن دومًا. هنا نتذكّر "الطريقين" المقدّمتين للذين يدخلون في العهد (تث 15:30، 19؛ 31: 20- 21). فمع أن هذا الانسان دُعي، إلاّ أنه جُعل في "الظلمة البرانيّة"، لأنه ما ارتدى لباس العرس (آ 13)، لأن من دُعي، وجب عليه أن يتقبّل الدعوة كعطيّة مجّانيّة. وأن يلتزم بحمل الثمار. ولكنه بقي صامتًا ساعة وجب عليه أن يعلن إيمانه بالملك (آ 12). 
إن الدينونة تتمّ هنا وهي نهائيّة. ودخول الملك إلى القاعة (آ 11) يدلّ على دينونة المدعوّين، كما أن مجيء يسوع إلى الهيكل هو دينونة لرؤساء الشعب. وكما أن حضوره في الجماعة الكنسيّة (على مستوى الكون، آ 9- 10) هو دينونة للذين يجتمعون باسمه (18: 20).
يدل ثوب العرس على الوقت الحاسم الذي فيه يجد البشر وضعًا مختلفًا اختلافًا جذريًا حسب تجاوبهم (أو لاتجاوبهم) مع نداء الملك، حسب اتّباعهم (أو عدم اتّباعهم) ملكوت الله. فالمؤمنون يُعرفون حين يلبسون ثوب العرس الذي يلائم العبادة السماويّة الأبديّة في بيت الملك.
والتنبيه الأخير في المثل يذكّر مدعوّي الجماعة المسيحيّة بمتطلّبات حياتهم العمادية وجدّية التزامهم. هم يستطيعون أن يرفضوا الدعوة. كما يستطيعون أن لا يعيشوا بحسب ما تفرضه عليهم. فأبناء الملكوت ليسوا "مطعّمين" ضد الظلمة حيث "يكون البكاء وصريف الأسنان" (آ 13؛ رج 8: 12؛ 13: 42-50؛ 24: 51). هذه العبارة تدلّ على حنق الأشرار تجاه الأبرار (مز 35: 16؛ 37: 12؛ 113: 10؛ أي 16: 9)، وتُبرز الطابع الحاسم لقرار الانسان الأخير. 
وفي النهاية نجد القول حول المدعوّين والمختارين الذي أضيف في بعض المخطوطات على مثل عمّال الكرم (16:20 ب). هذا القول لا يدعو إلى نظريات حول عدد المختارين، بل يعبّر عن طابع النداء الشخصيّ الذي يطلقه المثل: كلهم مدعوّون. هذا هو الواقع المجرد، المفتوح على الجميع. قليلون يرضون بأن يكونوا من المختارين. ذاك هو العبور الملموس للانسان الذي يجد نفسه أمام نداء الربّ.
د- العالم اليهوديّ على المحك (22: 15-46)
خلال المحاكمة التي بدأت في الهيكل بين يسوع وخصومه من عظماء كهنة وكتبة (20: 18؛ 21: 15)، من عظماء كهنة وشيوخ الشعب (21: 23)، من عظماء كهنة وفرّيسيين (21: 45)، اكتشفنا نقطة النزاع: هويّة ابن داود وأصل سلطانه أو طبيعة ملكوت الله. لقد بيَّنت الأمثال ملحاحيّة الخيار الواجب اتّخاذه مع امكانيّة توبة قد تتأخّر (21: 32؛ رج 21: 45).
وهكذا تتلاحم أربعة جدالات في تواز مع مر 12: 13-37 ولو 20: 20- 44. وقد رتّبت حسب رسمة رابينيّة معروفة: الحكمة أو سلوك (هلكه) بمناسبة نصوص الشريعة (22: 15-22). الخبر (هاغاده) أو تفسير مقطعين كتابيين يبدوان في الظاهر متعارضين (22: 41-46). النكتة أو جدال يجعلنا نبتسم أمام معتقد محدود (23:22-33). سلوك أرضي أو جدال حول المبادئ الأساسيّة للسلوك الأخلاقيّ (22: 34- 40). حوّل مت ومر الترتيب التقليديّ، فجعلا الخبر (هاغاده) في بداية المواجهة لكي ينطلقا في تصاعد يصل بنا إلى سؤال يسوع.
قام بالجدالات الثلاثة الأولى ثلاثُ مجموعات تمثّل العالم اليهوديّ الرسميّ الذي حاول أن يوقع يسوع في فخاخ كلامه (آ 15؛ رج آ 36) حول مسائل تزداد أهميّتها شيئًا فشيئًا: الجزية لقيصر التي جعلت الهيرودسيين والفريسيين يواجهون الغيورين. قيامة الموتى التي هي موضوع نقاش لدى الصادوقيين. الوصيّة العظمى التي هي موضوع اهتمام لدى اليهود الذين يمارسون الوصايا بحذافيرها، لدى الفريسيّين. توجّهت هذه الأسئلة إلى "رابي" (معلم، ديدسكالي، آ 16، 24، 36)، فدلّت في استعمال هذا اللقب على المستوى الذي فيه فهموا يسوع. غير أن يسوع كان يصل بالسؤال في كل مرّة إلى جذريّته. لهذا، بادر في النهاية، وطرح بوضوح سؤالاً يثيره حضوره بينهم في الهيكل، فأجبرهم على اتخاذ الموقف.
من الوجهة الأدبيّة انطبعت الجدالات الأربعة بدخول مجموعات مختلفة على المسرح، وبردّة فعلهم الأخيرة. وتسجّل كل هذا في تضمين مع لفظة "كلمة" (آ 15، 46).
- الجزية لقيصر (22: 15-22): الفريسيون والهيرودسيون (آ 15-16): حين سمعوه تعجّبوا ومضوا (آ 22).
- قيامة الموتى (آ 23-33): سأل الصادوقيون (آ 23). سمعت الجموع فدُهشت (آ 33).
الوصيّة العظمى (آ 34- 40): اجتمع الفريسيون (كما اجتمع الصادوقيّون) (آ 34). وسأل كاتب من الكتبة (آ 35).
- المسيح ابن داود وربّه (آ 41-46): اجتمع الفريسيون (آ 41). سأل يسوع (آ 41). ما استطاع أحد أن يجيبه، وما عاد أحد يتجرِّا أن يسأله (آ 46).
أولاً: الجزية لقيصر (22: 15- 22)
نحن أمام جزية وجب على المقاطعات المحتلّة أن تدفعها لامبراطور رومة: رفض الغيورون الخضوع. أما الفريسيون فتكيّفوا مع الوضع محافظين على حرّيتهم الدينيّة. السؤال المطروح على يسوع بدا بشكل فخّ، وهو سؤال جادل فيه الرابينيون مرارًا: هل يحقّ ضميريًا، أمام الله (آ 16) أن ندفع الجزية؟
واعتبروا أنهم سجنوا يسوع في خيارين لا ثالث لهما: ومهما كان جوابه فسيغضب عليه قسم من الحاضرين: إما الهيرودسيون وإما الغيورون.
تجاوز جواب يسوع حالاً مستوى المسموح والممنوع. وما أعطى "وصفة" لتصرّف "وطنيّ" (يدل على ولاء الانسان للدولة). ما أعلن الخنوع أمام نظام موضوع ولو جائرًا. ما أعلن رذل هذا النظام، كما أنه لم "يبارك" بكل بساطة القرار الامبراطوريّ. أما التوصية التي أعطاها فتكشف قبوله للسلطات في العالم مع امكانيّة انتقادها: "أعطوا الدولة ما يجب، كل ما يجب، ولا تعطوها إلاّ ما يجب". وهكذا أعاد يسوع مجادليه إلى نفوسهم. "أدّوا لله ما يعود لله". يعني أدّوا له نفوسكم. وهكذا وجدوا نفوسهم أحرارًا أمام الله. فليتّخذوا مسؤوليّاتهم في مجتمع البشر.
ثانيًا: قيامة الموتى (23:22-33)
وجاء الصادوقيّون بدورهم فطرحوا سؤالاً. أرادت محاولتهم أن تبيّن بمثل ملموس ما في تعليم الفريسيين حول قيامة الموتى من مضحك لا يمكن الدفاع عنه. وهذا ما يدلّ عليه برهان يصل إلى الحائط المسدود (آ 28). ومهما كان جواب يسوع، فسيجد بين السامعين من ينتقده.
أما القضيّة المعروضة على يسوع فهي تطبيق شريعة السلفيّة (الارملة تتزوج سلفها أي شقيق زوجها المتوفيّ) (تث 25: 5-10؛ رج لا 16:18؛ 20: 21): على الأخ أن يتزوّج امرأة أخيه الذي توفيّ ولم يترك عقبًا ليؤمّن نسلاً لأخيه الميت (يسمّى الولد باسم الأخ الميت). أورد الصادوقيون النصوص المعروفة، وقدّموا برهانًا ما توقّعه أحد.
وفعل يسوعُ كما في المقطوعة حول الجزية لقيصر، فذهب حالاً إلى قلب السؤال دافعًا خصومه إلى جوهر الوحي وهو: عهد الله مع البشر. لهذا لامهم لأنهم جهلوا في الوقت عينه الكتب وقدرة الله (آ 29). أسس يسوع برهانه على خر 3: 6 (إله ابراهيم واسحاق ويعقوب). فانطلق من اختيار الله للآباء (لا من اختيار الآباء لله): كان أمينًا لحضوره فبدا محاميًا لهم ومخلِّصًا. وتعمّق يسوع في مدلول هذا الايمان الأجدادي في اسرائيل وطرح سؤالاً: أليس من تعارض في كلامنا حين نقوله إن الله هو مخلِّص الذين ماتوا إلى الأبد؟ ودلّ على أننا إن قبلنا بالمعنى الذي يعطيه الصادوقيون للموت، هناك لا تماسك لا بدّ من أخذه في عين الاعتبار: كيف نقول بفشل الله الحيّ أمام الموت؟ إذا كان ابراهيم قد غاب إلى الأبد، فالعون الذي وُعد به لم يكن إلاّ وهمًا وسرابًا. إذن، ينتج عن كل هذا أن الله الحيّ ليس إله الموتى بل إله الأحياء (آ 32). فمن انتمى إلى إله العهد شاركه في حياته (حز 16: 6؛ 37: 1ي؛ أش 26: 14- 19).
قبل أن نصل إلى هذه النقطة الأساسيّة التي تبرهن على واقعيّة القيامة انطلاقًا من وجود الله والعلاقات الوثيقة التي يقيمها مع البشر، أجاب يسوع على سؤال يتعلّق بشريعة السلفية: لقد صارت لاغية. قال: "في القيامة لا يزوِّجون ولا يزوَّجون، بل يكونون مثل الملائكة في السماء" (آ30). في الواقع، كان الصادوقيون يرفضون القول بوجود الملائكة، كما بوجود العناية الالهية. جعل يسوع على المحك تماسك لاهوتهم. بعد هذا، لا تعني القيامة زوال الذكر والانثى؟ هذا ما لا يقوله يسوع. ولكنه يشدّد على أن الواقع الجسدي للاتحاد الزواجي وإيلاد البنين، يرتبط بوضع الانسان المائت. كما يعبّر عن ديمومة الغلبة التي يجب أن يحوز عليها الانسان يومًا بعد يوم، لأن الاله الحيّ يعطيه الحياة. في القيامة، يصبح الانسان لامائتًا، خالدًا. إذن، لم تعد به حاجة إلى الايلاد. والواقع الشخصي بما يكوّنه، يبقى في عالم القيامة عبر مقولات خبرتنا في الزمان والمكان، لكنه يتحوّل. ومن انتمى إلى عالم القائمين من الموت، عاش في الله اتحاده مع أشخاص آخرين. وتكون العلاقة الزوجيّة صورة عن هذا الاتحاد. من انتمى إلى عالم القيامة، خُلق من جديد في ملء شخصه.
حين شدّد يسوع على آنيّة القيامة بما فيها من بساطة أساسيّة، أرسل أيضًا إلى محاوريه كلامًا جذريًا يواجههم به. فعبر علم الفتاوى وما فيه من مماحكات، تبقى الحياة وجهًا لوجه مع الاله الحي الذي ظهر في يسوع الناصريّ. وحدث هنا كما حدث في نهاية عظة الجبل (28:7): "دهشت الجموع من تعليمه". لاشكّ في أن الجموع أدركت بعضًا من سلطانه الذي به يتكلّم ويفعل (21: 23-27).
ثالثًا: الوصيّة العظمى (22: 34- 40)
يوجّهنا هذا الجدال الثالث إلى نقطة هامّة في العالم اليهوديّ. كان الرابينيّون يتحدّثون عن الفرائض العديدة التي تتوزعّ في 613 فريضة. منها 365 من الممنوعات (على عدد أيام السنة). و248 من الوصايا (عدد الأعضاء التي تؤلّف جسم الانسان). والسؤال المطروح: ما هي الفريضة الأساسيّة؟ وبدأ الرابينيوّن عمليّات التخفيض: تحدّث داود عن إحدى عشرة فريضة (مز 15: 2- 5). وأشعيا عن ست فرائض (أش 33: 15). وميخا عن ثلاث (مي 8:6). وعاموس عن اثنتين (عا 5: 4). وحبقوق عن فريضة واحدة: "البار يحيا بالايمان" (أو: بالامانة) (حب 2: 4). هذا ما قاله رابي سملاي العائش في القرن الثالث. في الواقع، السؤال هو أبعد من اهتمام بتراتبيّة الفرائض. فلسنا هنا أمام تطبيق على مستوى علم الفتاوى الخاصة، بل أمام توضيح لما يتطلّبه علمُ الاخلاق في جوهره.
وربط جواب يسوع حبّ الله بحبّ القريب، بحيث دمجهما في وصيّة واحدة، مع الاحتفاظ بالاولويّة لحبّ الله على حبّ القريب. بعد ذلك، ربط جميع الفرائض بهذه الوصيّة الواحدة. وهكذا قام بعمليّة تبسيط تصل بنا إلى نظرة جذريّة إلى الشريعة في ذاتها: كل الشريعة تكمل في المحبّة (17:5؛ 7: 12). ومن حفظ هذه الوصيّة الوحيدة (وصيّة المحبّة) توافق مع الشريعة والأنبياء (آ 40). إن أصالة هذا الجواب لا تتوقّف عند المضمون الماديّ الذي نجد مثله عند الرابينيين. بل في أن حبّ الله والقريب يجد منذ الآن في يسوع الناصري موضعه الخاص وقوامه الأخير.
وهكذا أعطى يسوع للجدال بُعده التام: فحبّنا لله وللقريب، يجنّد الانسان كله فيجعله تجاه الله والقريب في حقيقة كيانه. وهكذا تصبح الخطبة على الجبل حياة في يسوع. لقد اقترب ملكوت الله. يبقى علينا أن نكتشفه. ويعيد الرب كلَّ واحد منا إلى حريّته من أجل جواب في إطار وصيّتين متشابهتين ولكنهما لا تنفصلان.
رابعًا: المسيح ابن داود وربّه (22: 41- 46)
أعاد يسوع جميع مجادليه بشكل مستمر وقاطع إلى وجدانهم أمام الله، وهم الذين أملوا في إحراجه. والآن، ها هو يتّخذ المبادرة ويطرح عليهم سؤالاً حول هوّيته (آ 41). كان الاطفال قد نادوه في الهيكل: إبن داود (21: 10). فاهتزّت المدينة كلها حين وصل إليها (21: 10). وحين استعاد مت هنا (آ 42- 45) تضمينًا يترافق مع الدخول الاحتفاليّ إلى أورشليم (21: 9، 15)، شدّد على البُعد المسيحاني لكل هذه المتتالية (ف 21-22).
إن سؤال يسوع (آ 42) أصاب خصومه في قلب إيمانهم المسيحانيّ، وأحالنا إلى ذاك الذي طرحه عظماء الكهنة والكتبة بالنسبة إلى سلطانه (21: 23). كما ذكرّنا بسؤال مماثل وجّهه إلى تلاميذه: "من أنا في رأيكم" (16: 15)؟ وعاد مرّة أخرى إلى حكم محاوريه: "ماذا ترون"؟ وسأل: "المسيح ابن من هو" (آ 42)؟ لاشكّ في الجواب بالنسبة إلى التقليد اليهوديّ: هو ابن داود. ولكن في أي معنى هو كذلك؟ عاد يسوع إلى مز 110: 1 حيث لفظة "ربّ" (كيريوس) تفهم في معنيين مختلفين (قال الرب لربي). جعلهم يسوع يعون أنّ جوابهم لم يذهب بعيدًا في عمق السؤال.
مهما يكن من أمر التفاسير المتنوّعة لهذا المقطع، نستطيع القول إن تسمية "ابن داود" قد أعطيت للمسيح في زمن يسوع. ولكن من الواضح أن الفريسيين ما كانوا يستطيعون أن يقرأوا في هذه التسمية كل ما اكتشفته الكنيسة الأولى في خطى بطرس (16: 16) وعلى ضوء القيامة: فالمسيح الذي هو ابن داود بتجذّره البشريّ، هو في الوقت عينه ابن الله الحيّ. فالفريسيون لا يريدون (والآن لا يستطيعون) أن يعطوا الجواب الذي يدعوهم إليه يسوع. ولكن، يمكنهم على الأقلّ أن يفتحوا عيونهم ويوسّعوا نظرتهم.
وقد توخّى مت أن يبيّن، في إطار الجدالات التي يتواجه فيها المسيحيون واليهود في عصره، أن رفضهم بأن يتجاوزوا نفوسهم يحكم عليهم. فهو يرينا إياهم في هذا الوقت الحاسم، كأشخاص لا يستطيعون أن يروا في يسوع هذا الطابع الالهي الذي يجعله أرفع من داود، ولا أن يقبلوا أنه قد نال سلطانه من الآب لأنه ابنه الوحيد. وحين دفعهم يسوع لكي يتّخذوا موقفًا حول طبيعة مسيحانيّته، ما نال منهم جوابًا (آ 45-46).
دعا يسوع الفريسين إلى تجاوز نفوسهم بهذا النداء الواضح فأحسّوا بالحرج. وإذ أدركوا (كما أدركوا سابقًا) أنه يشير إليهم (21: 45) صمتوا. فالكلمة التي كان بوسع العالم اليهوديّ أن يقولها بالنظر إلى تاريخه وتقليده صارت صمتًا. والحوار الذي تواصل حتى الآن في انشداد متنامٍ ، انتهى في الرفض. وهكذا وصلنا الآن إلى حالة من القطيعة. غير أنه بقي الأمل بتوبة متأخّرة (21: 23). وهذا ما يشهد له النداء الذي أرسل إلى أورشليم في نهاية نهار يسوع لخصومه: "يا أورشليم، يا أورشليم... كم مرّة أردت أن أجمع بنيك" (23: 39).
هـ- كشف رياء الفريسيين والحكم على أورشليم (ف 23)
في هذا الإطار من القطيعة يتسجّل ف 23. نبقى مدهوشين بعض الشيء أمام عنف كلمات يسوع. فهو يهاجم أخطر الشرور. يهاجم موقف الروح والقلب، وهذا ما يعارض كل المعارضة روح الملكوت ويقفل بابه (آ 23-25): الرياء (أو: الخبث) (آ 13، 14، 15، 23، 25، 27، 28، 29؛ رج 22: 18) أي التناقض بين القول والعمل (آ 3-4). بين ظاهر الشخص وكيانه (آ 5-7). بين الخارج والداخل (آ 25-28).
واتهام يسوع هذا عند مت، يظهر كالمحاولة الأخيرة التي يقوم بها الرب لكي يوقظ "الكتبة والفريسيين المرائين"، فيفتحوا أخيرًا عيونهم العمياء (آ 16، 19، 23، 26). وهذا الصراخ، صراخ الغضب المؤثّر (آ 33)، هو صراخ الحبّ الذي صار عاجزًا بسبب رفض أولئك الذين قتلوا الأنبياء (آ 34-36). وما أرادوا أن يجمعهم الرب كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها (آ 37). هذا النصّ الذي ألّفه متّى (ما يوازيه هو القليل في مر 12: 38-39؛ 7: 4؛ وهو مبعثر في لو 11: 39-48، 52؛ 14: 7، 11؛ 15:16؛ 14:18؛ 20: 45-47؛ 34:13-35) يستلهم بدون شك نداء الأنبياء الذين تذكّروا العهد الذي نقضه الشعب، ويومَ الرب (عا 5: 16-20؛ حب 2: 16-19؛ أش 1: 4؛ 8:5-24؛ إر 23: 1 ي؛ حز 13: 1 ي).
نكتشف هنا بنية مربّعة بفضل النداءات التي تتوزعّ هذه الخطبة. 
أ- تمييز الأعمال بواسطة الخدمة المتواضعة (23: 1-12): أمام الجموع والتلاميذ حكم يسوع على "الكتبة والفريسيين" (آ 2). وما يقابل هذا: البشر (آ 4، 5، 7). أبوكم السماوي (آ 9). المسيح (آ 10).
ب- يسوع يعارض الرياء (13:13-32): هناك سبعة أو ثمانية ويلات تتوجّه إلى "الكتبة والفريسيين المرائين". مقدّمة موضوع "الأنبياء" (آ 29- 31).
ج- الحكم بدم الأنبياء (23: 33-36). كلام يوجّه إلى "الحيّات أولاد الأفاعي" (آ 33). توسّع في موضوع دم الأنبياء والدينونة الأخيرة (آ 36).
د- رفض أورشليم (23: 37-39): نداء إلى أورشليم (آ 37). الحكم النهائي على ضوء الكتب المقدّسة (إر 22: 5؛ مز 26:118).
أولاً: الخدمة المتواضعة (23: 1- 12)
توجّه القسم الأول من خطبة يسوع إلى الجموع وإلى التلاميذ (آ 1). هذا الوضع يكشف اهتمام متّى حين ألّف هذا الفصل: اهتمام رعائي تجاه الكنائس المسيحيّة المتهوّدة (التي يكتب إليها) وتجاه رؤساء هذه الكنائس. ففي وسط صراعات بين تبّاع المسيح ويهود أمناء لايمانهم، وهي صراعات قادت مرارًا إلى الاضطهادات (آ 34)، وجب على الانجيليّ أن يشدّد إيمان الجماعات الفتيّة ويرسم رسمًا واضحًا الخطوط التي تدلّ على صدق هذا الايمان في السلوك اليوميّ. إذا كان "الكتبة والفريسيون" موضوع هجوم، فلأن يسوع سبق له وهاجم الرؤساء الروحيّين في أيامه، وقد وجد لديهم الخبث والرياء.
ولكن إن عمّم متّى أقواله فبدا وكأنه يحكم على العالم اليهوديّ كله، فلأنه يرى الدمارَ الذي يُسبّبه داخل كنيسته موقفٌ متعال وكاذب لدى بعض الرؤساء. هو يشجب هذا الموقف أينما وجد، كما فعل يسوع بالنسبة إلى المرائين في عصره. قد نتأسّف للمعنى الزريّ الذي اتّخذته لفظة "فريسي"، ولكننا لا نستطيع أن ننكر جذورها التاريخيّة.
طلب التقليد المكتوب (أي التوراة بحصر المعنى) ما يكمّله فوجده في التقليد الشفهي الذي جاء يؤوِّنه. "جلس على كرسي موسى"، أي تحمّل مسؤوليات التعليم، وهذا أمر خطير جدًا. فقد سبق لسفر التثنية أن شدّد على متطلّبة الوظيفة النبويّة (تث 18: 19-22). والأنبياء أنفسهم ندّدوا بالذين يتكلّمون باسمهم الخاص متخفّين وراء كلمة الله (إر 14: 13-16؛ 23: 1ي)، فيُضلّون الشعب الذي كلّفوا بتوجيهه (تث 13: 2-6؛ حز 34: 1ي؛ زك 11: 4-17). فحقيقة تعليم من التعاليم تقاس بالطريقة التي بها نعيشّ ما نعلّم (19:5؛ 7: 15-17): تُعرف الشجرة من ثمارها.
يبدو غياب المنطق لدى هؤلاء المعلّمين واضحًا، حين يجعلون تشريعًا ثقيلاً على أكتاف اخوتهم ويتدبّرون أمرهم لكي يدوروا حول الشريعة ويتهرّبوا من ممارستها. نكيل بكيل وكيل (8:15-9). أما يسوع فأعلن: "نيري طيّب وحملي خفيف" (11: 30). فالاكتفاء الذاتيّ وحبّ الظهور يتربّص بقوّاد الشعوب، وليس أحد في مأمن من النجاح والتملّق. وهذا الرضى عن النفس قد وصل إلى المعلّمين في مجال الدين. جعل مت في قمة خطبة يسوع لفظة "رابي" (آ 7) واستعادها في الآية التالية ككلمة شابكة.
وتبدو آ 8-12 في تواز متعارض، فتتوجّه في صيغة المتكلّم الجمع (أنتم في آ 8، 9، 10، 11) إلى الجماعة التي يعيشون فيها كلهم كإخوة لأن الآب السماوي يجمعهم حول المسيح الذي هو الموجّه الأوحد والمعلّم الأوحد. وهكذا نعود إلى تعليم خطبة الجماعة (ف 8)، فنتذكّر لفظات "إخوة" (آ 18، 15، 21، 35)، "أعظم" (18: 1، 4)، "اتّضع" (18: 4). ولفظة "خادم" (دياكونوس، آ 11) تشير إلى موقف ابن الانسان الذي جاء "ليخدم" (20: 26-28)، كما تلمّح إلى الخدّام في الكنيسة الأولى. فمْجاه الأنانيّة والعجرفة (ارتفع) نجد الخدمة المتواضعة والأخويّة (اتضع): فعلى التلميذ أن يختار الخط الذي يسير فيه.
ثانيًا: يسوع والرياء (13:23- 32)
يبدو القسم الأوسط منا لاتهام كسلسلة "ويلات" أو "أقوال رثاء" تتكرّر سبع أو ثماني مرات (آ 13 ,14، 15، 16، 23، 27، 29) يرافقها (مع عدا في آ 16) النداء: "أيها الكتبة والفريسيون المراؤون" (رج 22: 18). هذا الصراخ يتلوّن بلون جلياني عند الأنبياء. هنا نتذكّر ما قاله أشعيا في بداية رسالته (أش 8:5- 24؛ 10: 1- 11)، فدلّ على دينونة الله في شعبه.
ما هو بُعد هذا القول "الويل لكم"؟ ما لعن يسوع انسانًا قطّ. ورسالته تقوم بأن يفتديهم من اللعنة. قال: "ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخطأة" (9: 13) وهو هنا يكشف الشقاء الذي يصيب أولئك الذين رفضوه. فالانسان يقدر أن ينكر يسوع، كما يقدر أن يتوب، وإن متأخرًا (رج 29:2)، ويقول يومًا: "مبارك الآتي باسم الربّ" (آ 39). وكما أن وعد الخلاص يلي التهديد في عدد من نبوءات تعلن الشقاء (هو 8:2، 11، 16؛ أش 13:6)، تتفجّر الآية الأخيرة، في ف 23 (مبارك الآتي) كرجاء يحيط بنوره بمجمل الخطبة.
لا نستطيع أن نستعيد هنا بالتفصيل كل ويل من هذه الويلات، مع التلميحات التوراتيّة واليهوديّة التي تختفي وراءها. لهذا، نتوقّف عند بعض السمات، ولاسيّما تلك التي تتحدّث عن أضرار الرياء كما ندّد به يسوع. 
"تغلقون في وجه الناس ملكوت السماوات " (آ 13). هذا يعني: تخفون عمل الله في تاريخ البشر (تمنعون البشر من رؤيته) حين ترفضون القول إن يسوع هو الطريق الذي يقود إلى الله. هذا النقص في الشفافيّة يذكّرنا بالقول حول نور العالم (5: 16). "تأكلون بيوت الأرامل وتطيلون الصلاة رياء" (غائب من عدد من المخطوطات، رج مر 12: 40؛ 20: 47). هذا يعني: تضايقون الصغار والوضعاء ولا تعون أن حقيقة العلاقات مع الله لا تلزمكم فقط بالمصالحة الأخويّة (5: 22-24)، بل بأن تأخذوا على عاتقكم الفقراء والأشخاص الذين ليس لهم من يدافع عنهم (أش 2:10) على مثال من جاء ليخدم (28:20). 
"تكتسبون دخيلاً واحدًا فتصيّرونه ابن جهنم" (آ 15). هذا يعني: لا تردّون البشر إلى الاله الحقيقيّ، بل إلى نظرتكم الخاصة، مقدّمين البحث عن الخروف الضال بشكل مشوّه (18: 12-14). يجب أن يكون الواحد أعمى لكي يُدخل الشعب في طريق الفتاوى والتمييزات حول القسَم، ساعة تُلزمنا الكلمةُ التي نتعهّد بها أمام الله بأن نعمل، مهما كانت العبارة التي نستعملها (33:5-37). والعمى نفسُه يصيب (آ 23-24) أولئك الذين يمارسون بدقّة فرائض ثانويّة في الشريعة، ولا يهتّمون بالوصايا الأساسيّة: احترام حقّ القريب (5: 38-42). الرحمة (9: 13؛ 12: 7؛ 18: 33). الأمانة لمشيئة الله (12: 50). بل إن تتميم البرّ (أو: العدالة) هو ما يعطي الفرائض معناها (5: 17-19).
والنجاسة الحقيقيّة (آ 25-26) ليست تلك التي تأتي من الخارج، بل تلك التي تخرج من القلب (18:15-20): يشدّد النصّ من خلال العودة إلى العبارات عينها، على التذكير بالتعليم حول الطاهر والنجس (15: 12-14). وظاهر البرّ (أو القداسة) الذي يظهر به (آ 27-28) لا يمنع نظر الله من الولوج في الخفية (6: 1-6، 16-18). فالثمار تعرّفنا في النهاية إلى الشجرة (7: 15- 20). وأخيرًا، من انتحل مجد أنبياء الزمن الماضي (آ 29-32)، دون أن يقرّ بأن خطايانا اليوم تجعلنا متضامنين مع إساءات الآباء، جعل الكأس تفيض (آ 32: مكيال آبائكم) على مستوى الضلال والكذب.
حين أبرز الانجيليّ رياء رؤساء الشعب، لم يعارض ممارسة الشريعة، وهو الذي ارتبط بها حتى آخر نقطة (18:5). بل تشويهَ الشريعة واحتقارها في جماعة تعتبر نفسها أنها تخدم الله.
ثالثًا: دم الانبياء (33:23-36)
إن "الأنبياء" الذين وصل إليهم الكاتب عبر لفظة "قبور" (آ 27، 29)، سيظهرون الآن كالمتهمين الحقيقيّين لرؤساء الشعب القتلة. وهكذا نستعيد موضوعًا توسّع فيه مثلُ الكرّامين القتلة (21: 34-36)، ومثلُ المدعوّين إلى العرس (3:22-6). كما استعاد يسوع كلام يوحنا المعمدان (7:3) الذي استُعمل في سياق مماثل (12: 34)، ساعة عارض الفرّيسيون للمرّة الأولى "ابن داود" الذي عرفته الشعوب المدهوشة (12: 32- 34).
لقد دقّت الآن ساعة الدينونة التي أعلنها المعمدان. والأنبياء في القديم قد وجدوا في يسوع وفي جماعته المسيحانيّة، تتمة تاريخ مؤلم: من رذلَ الأنبياء رذل يسوع (17: 12-13). والتلاميذ أيضًا يُضطَهدون، شأنهم شأن ربّهم (5: 11-12؛ 10: 17-20، 25). إن الألفاظ التي نجدها هنا (آ 34) تستعيد ألفاظ حاش (= آلام) يسوع وخطبة الرسالة.
وهذا التاريخ الطويل هو تاريخ يسوع والملكوت: فكل قتل على الأرض، منذ القتل الأول، أي قتل هابيل (رج تك 8:4) حتى الأخير، أي قتل زكريا (الذي هو حسب 2 أخ 24: 20-22 ابن يوياداع لا ابن برخيا)، يرسم الصورة التي سوف يُتمّها يسوع. وخبر التتمّة هذا يدين البشر، أولئك الذين من هذا الجيل، أي أولئك الذين يتوجّه إليهم ملكوت يسوع بحضوره (16:11؛ 41:12، 42-45؛ 34:24).
رابعًا: رفض أورشليم (37:23- 39)
وانتهى اتهام يسوع بثلاث آيات تنادي أورشليم بلهجة الحزن والضعف التي تتعارض للوهلة الأولى مع لهجة العنف التي بها قرعّ يسوع الكتبة والفريسيين.
واتخذ "رثاء أورشليم" هذا نسق المراثي التي عرفها الفكر اليهوديّ. وهذه الخاتمة تجد ما يقابلها بشكل حرفيّ تقريبًا في لو 13: 34-35 ما عدا الاداة "أبرتي" (منذ الآن) التي نقرأها في آ 39 والتي تدلّ في مت على التحوّل الذي اتخذه يسوع في مسيرته إلى الحاش والآلام.
وصورة الطير الذي يجمع صغاره ويسهر عليها فيدلّ على اهتمام الله بنا، صورة معروفة في العهد القديم (رج تث 32: 10- 11؛ مز 8:17؛ 8:36): استعملها أش 31: 5 عن أورشليم التي وبّخها على عدم عرفان الجميل. لقد اصطدم يسوع بالرفض: "أردت... ولكنكم ما أردتم" (آ 37). فاقتبال يسوع يلزم الحريّة. وصلاة يسوع في جتسيماني تدلّ على الحدّ الذي يصل إليه تقبّل مشيئة الآب (26: 39، 42).
ويأتي إيرادان كانا قريبين. أنهيا واختتما مسيرة يسوع التي بدأت في 19: 1. الايراد الأول (إر 22: 5) يستعيد قولاً وجّهه النبيّ إرميا إلى بيت الملك: أنبأ بالدمار والخراب لأن بيت داود لم يكن أمينًا للعهد (إر 21: 11- 22؛ 9). وبسبب السياق الداودي لهذا المقطع، نفهم الايراد الثاني (مز 118: 26) الذي يرتبط بدخول إبن داود إلى أورشليم (21: 9) وبمثَل الكرّامين القتلة (21: 42). نجد في هذه النهاية لمعة من الأمل: ينطلق يسوع إلى موته، ولكن لم تغب كل امكانيّة قبول لدى الشعب اليهوديّ.

4- البعد اللاهوتي للنصّ
حين قرأنا ف 18 وجدنا نفوسنا في رؤية مثاليّة للجماعة المسيحانيّة كما دشّنها إعلان الملكوت. ولكننا أدركنا صعوبة تحقيق هذا المثال تحقيقًا ملموسًا، خلال مسيرة يسوع والتلاميذ الصاعدين إلى أورشليم، موضع الموت والقيامة. 
منذ البداية، رأينا الأحداث والأشخاص تهدّد الوحدة العميقة بين الصغار الذين يجمعهم حضور يسوع. تهدّد الصغير وسط إخوته (18: 2، 20) في المسؤولية المتبادلة والغفران المتقاسَم. فالحبّ الثابت (الذي لا ينفصل بالطلاق) الذي يجد بنبوعه في الله، لا يمكن عيشه حتى في عهد عميق يربط الرجل بالمرأة (3:19-12). هذا الحب يجب أن نتقبّله كما يفعل الطفل (13:19- 15). وعرفنا أنه من الصعب أن نكون "كبارًا" أي أن نتخلّى عن خيراتنا وعن نفوسنا (19: 16-23).
هذا التبدّل الانجيليّ الذي يدلّ على انتماء حقيقيّ إلى الملكوت. هو مستحيل على البشر، لأن ميراث الحياة الأبديّة يتضمّن أن نتقبّل "معًا" حبّ الآب الذي هو هو للجميع، الذي يأتي ليغمر بنعمه بطريقة مجّانيّة، الفقراء، الذين لا عمل لهم، الذين لا خلاص لهم (19: 24-16:20).
والتلاميذ الذين هيِّئوا لعيش هذه الوحدة المستحيلة، لم يسعهم أن يدركوا جذريّة نداء يسوع الذي يقودهم إلى الموت (10: 17-19). ومع ذلك، فقد وعوا عمق هذا النداء الذي يتوجّه إليهم، واكتشفوا في الوقت عينه أنهم لا يستطيعون أن يجعلوا نفسوهم في خدمة إخوتهم، ويخاطروا بحياتهم من أجل ربّهم وفي خطاه (10: 20-28). فيجب على الجماعة الصغيرة التي يرمز إليها أعميا أريحا، أن تترك الرب يفتح لها عيونها، وأن ترى في يسوع المسيح، ربَّ داود وابنه (10: 29- 34).
فالملكوت يتطلّب خيارًا حاسمًا، لأنه يعرّي الوجدان الممزّق. فهناك دعوى كبيرة في كل التاريخ البشري. ذاك هو معنى دخول يسوع إلى أورشليم وتعليمه في الهيكل. فالنبيّ يسوع، الملك المسيحانيّ المتواضع الذي يهتف له الأطفال، يقدّم نفسه كالدّيان الاسكاتولوجيّ الذي تحدَّث عنه يوحنا المعمدان: جاء لينقّي بيدره، فيجمع القمح في الاهراء ويسلّم إلى النار القشّ والزؤان (21: 1-17). 
والدينونة التي وصلت إلى قلب المعبد، أي الموضع الذي فيه يبدو الله أقرب ما يكون من البشر، تحفر كلمة عميقة في ضمير كل إنسان فتجبره على الانفتاح على الله. أمام تينة عقيمة ويابسة ندهش من سلطة تعمل (18:21-28). وهكذا وُضع العالم اليهوديّ على المحكّ. فامتياز شعب اسرائيل هو أن إله العهد والاختيار، لم يتركه يرتاح، بل فرض عليه دومًا أن يطرح السؤال على نفسه. فختان الله لأبنائه لايني يعلن مشيئته ويطلب منهم الثمر الذي ينتظره. وحين يرفض البعضُ نداءه يدعو البعض الآخر، يدعو الجميع إلى وليمة الملكوت (28:21-22: 10). ولكن يصعب علينا أن نتقبّل كل شيء، أن نترك نعمة الله تغمرنا بكليّتنا. يصعب علينا أن نقبل أن نكون أبناء. فالابن الوحيد يقدر وحده أن يكشف هذه النعمة ويتّمها في الذي يقبل تدخّل الله في حياته (22: 11- 14).
ما إن يلج يسوع حياتنا الحميمة يبدأ الجدال، لأن كل الأسئلة تمرّ عبر مصفاة حضور الله: اللعبة السياسيّة (22: 15-22). التساؤل حول الآخرة (22: 23- 33). العلم الخلقيّ والشريعة (22: 34- 40). فلا شيء يُفلت من السؤال الذي يطرحه يسوع على العالم (22: 41-46). ففي المجموعات اليهوديّة الدينيّة التي تأتي إلى يسوع، نجد مختلف مجالات اللاهوت محطّمة، لأنهم لا يؤمنون بأن يسوع هو المسيح، ابن الله الحيّ: وهكذا يترافق التاريخ والعقيدة، الاخلاق والتفسير. وحده يسوع الذي نقرّ به كابن داود الحقيقي وابن الله الحقيقيّ، يتيح لنا أن نحدّد موقع علاقتنا بالدولة، وأن نكتشف واقع القيامة كنتيجة الاتحاد الشخصيّ بين الله والانسان. وهو وحده يعطينا الديناميّة التي يحتاج إليها عملنا. 
السؤال الأساسيّ المطروح هو هويّة يسوع وأصل سلطانه. سؤال عمل الموت أو الحياة للعالم وللبشر. فمن أراد أن يدرك الملكوت دون أن يقبل يعنف السؤال المفروض، يؤخذ منه هذا الملكوت (21: 34). إذا أردنا أن نعتنق نظرة الله، نتخلّى عن ذواتنا، فنسير إلى الموت مع يسوع ومثله. وأمام سرّ الملكوت هذا يصمت كل فم (46:22).
في هذا الاطار من الصمت، يُسمع اتهام الدينونة، فيعبّر عن جدّية الرجاء المسيحانيّ، ويكشف الرياء، ويدعو كل أورشليم في العالم لأن توجّه أنظارها إلى ذلك الآتي باسم الرب. بعد الآن يستحيل علينا أن نُسكت صوتَ المصلوب الذي يدويّ في التاريخ. فالطريقة الوحيدة التي بها نخلّص البشر من ريائهم، هي أن نكشف لهم شقاءهم، ونعيدهم إلى حريّتهم أمام الآب.
وحين نقرأ ف 23 على هذا الضوء، نجده شبيهًا

الفصل الحادي عشر
الزواج والطلاق والبتوليِّة
19: 1-15

نقرأ في هذا الفصل كلامًا يندّد فيه يسوع بالطلاق فيعيدنا إلى الابتداء. ويفهمنا معنى الزواج الحقيقيّ. في هذا الإطار يدخل موضوعُ البتوليّة الذي هو ارتباط و"زواج" من نوع آخر على ما يقول بولس في 1 كور. عاد الزواج إلى كرامته الأول كما خرج من يد الخالق، فوجّهنا إلى عالم الملكوت حيث لا يزوّجون ولا يتزوّجون، بل يكونون كالملائكة في السماء. وننهي هذا الفصل بثلاث آيات ترينا يسوع مع الأطفال الذين لا يطلبون شيئًا سوى بركة. وهم سينالونها حين يضع يسوع يديه عليهم.

1- نظرة عامة
نتوقّف عند مقطعين: الزواج والطلاق (آ 1-12). يسوع والاطفال (آ 13- 15).
أ- الزواج والطلاق
مع ف 19، نبدأ الطريق إلى أورشليم. مع ف 19 تبدأ "محاكمة" الملكوت بانتظار محاكمة يسوع في ف 26-27 والحكم عليه بالموت. ويبدأ ف 19 بآية (آ 1) نجدها مع اختلافات واضحة في نهاية الخطب الاربعة الأخرى: "ولما فرغ يسوع من هذا الكلام، انتقل من الجليل". رج 29:7: "ولما فرغ يسوع من خطابه، بُهتت الجموع من تعليمه" (رج 11: 1؛ 53:13؛ 26: 1).
يُشرف على هذا القسم الاخباريّ (يقابل خطبة ف 18. فيكون امتدادًا لها) وجهتان متكاملتان تتيحان لنا أن نفهم وحدته: من جهة، اقترب يسوع من أورشليم ليتألّم فيها. واحتدّت الخلافات بينه وبين رؤساء شعبه. ومن جهة ثانية، تركّز التعليم للتلاميذ على انتظار الآخرة والسهر الضروريّ والدينونة الأخيرة (25: 31-46). وهكذا نكون قد دخلنا في المرحلة التالية. فلن نفهم عددًا من المقاطع الفهم الحقيقيّ، مع المرمى الذي أراده الانجيلي، إلاّ إذا وضعناها في هذه البنية الأدبيّة الأساسيّة.
هذا هو وضم 19: 1-12 حيث نجد (كما في ف 18، تقابل آ 9 ما في 29:5-30) قولاً من العظة على الجبل (آ 9؛ رج 5: 32 حول الطلاق)، يرد في سياق هجوميّ فيأخذ اتجاهًا مختلفًا. تتألّف آ 1-12 هذه من مقدمة اخبارية وتعليميّة (آ 1)، ومن قسمين متميّزين كل التمييز: آ 2-9 حول الطلاق؟ آ 10-12 حول الخصيان والعفّة، حول البتوليّة. لا نمزج هذين القسمين. ولا نعتبر أننا أمام تدرجّ في التفكير كأن يسوع تكلّم عن الطلاق، ثم عن الزواج، وأخيرًا عن البتوليّة. لسنا هنا في مجال تفضيل الزواج على البتوليّة ولا البتوليّة على الزواج في حياة الفرد. على ما قال بولس: "فليسلك كل واحد على ما قسم له الربّ" (1 كور 7: 17).
سنلاحظ بشكل عابر الاختلافات الواضحة بين مت ومر. ونتذكّر أن لو لا يورد نصًا موازيًا لهذا النصّ. ولكنه احتفظ بالكلمة المركزيّة في النصّ: "كل من طلّق امرأته وتزوّج أخرى فقد زنى، ومن تزوّج امرأة طلّقها زوجُها فقد زنى" (لو 16: 18؛ رج مت 19: 9؛ 32:5؛ مر 10: 11- 12).
ب- يسوع يبارك الأطفال
هنا نلتقي مع مر 13:10-16 ولو 18: 15-17. هذه القطعة هي غير ما نقرأ في 18: 1-5، 6-9. فالهدف يختلف بين مقطع آخر. في ف 18، يطلب يسوع منّا أن نصير مثل الأطفال، وأن لا نشككهم. أما في ف 19، فالنصّ يبرز (كما في 19: 1-12) صراع يسوع مع الذين يحيطون به: تعجّبوا حين رأوا يسوع يتوقّف، يتقبّل الأطفال ويباركهم. قال مر 15:10: "من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل فلا يدخله". ألغى مت هذه الآية المرقسيّة، فبدا نصّه متماسكًا. مزج مر مواضيع المقطوعتين حول الأطفال. أما مت ففصل بين مقطوعة وأخرى. وصوّر الانجيلي الأول فعلة يسوع الأخيرة ومباركته للأطفال على الطريقة الفلسطينيّة والرابينيّة. ولكن هذا لا يعني أن النصّ الذي يقدّمه هو أولاني بالنسبة إلى الازائيين الآخرين.
سوى نرى يسوع مرارًا، خلال صعوده إلى أورشليم ليتألّم هناك، يتوقّف في الطريق، فيقترب من الوضعاء والمرضى (29:20-34). وهذا ما كان يُدهش الجموع والتلاميذ. فمسيرته إلى أورشليم بما فيها من رصانة ومهابة، لا تبعده عن "الصغار". إنه لا ينغلق على نفسه في عزلة من يتألّم فيرفض كل اتصال بالآخرين في كبرياء متعالية. فهو يرى الاولاد، يرى الأطفال. يتوقّف معهم ويباركهم.

2- الدراسة التفصيليّة
أ- ترتيب مت 19: 1-39:23
إن مت 19: 1-23: 39 يستعيد مر 10: 1-12: 40 بشكل واسع. وإليك لوحة متوازية:
مت مر
الزواج والطلاق 19: 1- 9 10: 1- 12
الخصيان 19: 10- 12 -
الأطفال 19: 13- 15 10: 13-16
الغنى والجزاء الذي ينتظرنا 19: 16-30 10: 17- 31
العمّال في الكرم 20: 1-16 -
الانباء بالآلام 20: 17-19 10: 32-34
ابنا زبدى 20: 20-28 10: 35- 45
شفاء الاعمى 29:20-34 46:10-52
الدخول إلى أورشليم 21: 1- 11 11: 1- 11
الهيكل 12:21-17 11: 15-19
لعن التينة 18:21- 21 11: 12-14،
20- 26 
سلطة يسوع 21: 23- 27 11: 27-33
الابنان 21: 28-32 -
الكرّامون 33:21-46 12: 1-12
وليمة العرس 22: 1- 14 -
الجزية لقيصر 22: 15-22 12: 13-17
القيامة 22: 23-33 12: 18-27
أعظم الوصايا 22: 34- 40 12: 28- 34
ابن داود 22: 41-46 12: 35-37 
تحذير للكتبة والفريسيين 23: 10- 12 رج 12: 37-39
سبع ويلات 23: 13-33 رج 12: 40
بكاء على أورشليم 23: 34-39 -
هناك بعض الاختلافات الرئيسيّة التي تبعد مت عن مرقس: إقحام النصّ حول الخصيان (19: 10-12)، إضافة ثلاثة أمثلة (20: 1-16؛ 18:21- 22؛ 22: 1-14)، وحدة حدث التينة الملعونة (21: 18-22)، ربط الويلات مع البكاء على أورشليم (ف 23).
إن خمسة أقسام مت، تنقسم إلى أجزاء. وهذا القسم ينقسم إلى أربعة أجزاء، وكل جزء يختلف عن الآخر. الجزء الأول (19: 1-28:20) يتميّز بقلّة الأعمال (ليس هناك من معجزات، وليس من أعمال مثيرة). لا نجد فيه تحديدًا جغرافيًا ولا حركة (بعد 19: 1، نجد حاشية جغرافيّة واحدة: وفيما كان يسوع صاعدًا إلى أورشليم، 17:20). وشدّد هذا الجزء على الواجبات البيتيّة: الزواج والطلاق، البتوليّة، الأولاد، المال، الخدمة. فإذا وضعنا جانبًا الانباء بالآلام (17:20-19)، نكون قريبين ممّا في كو 18:3-14 الذي يتحدّث عن الأزواج والأرامل، عن الآباء والبنين، عن العبيد والعمل والأسياد (رج سي 7: 18-36؛ طو 3:4- 14؛ أف 5: 21-9:6). نجد هنا مجموعة من أقوال يسوع: الطلاق أمر سيِّئ. الأطفال يكرّمون. الغنى عائق أمام الفضيلة. العظمة الحقيقيّة تقوم بخدمة الله والقريب.
والمواد في 20: 29- 21: 23، تختلف عمّا في المتتالية السابقة. نترك وراءنا المستوى الاسكاتولوجيّ مع أوامر على مستوى السلوك المسيحيّ، ونلتقي بابن داود الملك الذي يدلّ أورشليم على سلطته النبويّة. ماذا نجد في هذا الجزء الثاني؟ (1) معجزات (20: 29-34؛ 21: 14-22) (2) أعمال مثيرة (21: 1-13). (3) الحركة والخصائص الجغرافيّة (20: 19؛ 21: 1، 12، 18). (4) تشديد على عاصمة اسرائيل لا على الكنيسة.
مع 23:21-22: 46 (رج ف 12) تتبدّل أيضًا طبيعة المواد. لا معجزات ولا أعمال نبويّة، لا حركة ولا إشارة جغرافيّة خاصة. هناك تشديد على التعليم (كما في 1:19 ي، لا كما في 29:20 ي). غير أن هذا التعليم يبدو في حوارات جداليّة وفي أمثال. وتبدأ هذه المتتالية وتنتهي بالشكل عينه: سؤال تحدٍّ لا جواب له (21: 23-27: بأي سلطان؛ 22: 41-46: داود). وبين البداية والنهاية، هناك ثلاثة أمثال (21: 28-32، 33-46؛ 22: 1- 14) تليها ثلاثة أسئلة تُطرح على يسوع من قبل ثلاث فئات مختلفة. الفريسيون والهيرودسيون (22: 15-22). الصادوقيون (22: 23-33). الفريسيون وعلماء الشريعة (34:22-40).
ونستطيع أن نقدّم الرسمة كما يلي:
- طرح رؤساء الكهنة والشيوخ سؤالاً عن يسوع لم يجد جوابًا: سؤال أول لا جواب له.
- مثل الابنين
- مثل الكرّامين
- مثل وليمة العرس- هكذا نكون أمام ثلاثة أمثال.
- سؤال حول الجزية لقيصر
- سؤال حول القيامة
- سؤال حول الوصيّة العظمى- أعطي لكل سؤال جواب.
- طرح يسوع على الفريسيين سؤالاً. لا جواب.
في 23: 1-39، ما عاد مت يتبع مر: إن انتقاد الفريسيين في مر 12: 38- 40، كان مناسبة لسبعة ويلات ضد الكتبة والفريسيين (23: 1-36) ورثاء لأورشليم (23: 37-39). وهكذا نستطيع أن نقسم 19: 1-23: 39 إلى أربعة أجزاء أو أربع متتاليات.
أ- 19: 1-28:20: تعليمات على مستوى البيت والعائلة: الزواج والطلاق، البتولية، الأولاد، الغنى، الخدمة.
ب- 20: 29- 21: 22: معجزات وفعلات نبويّة يقوم بها المسيح ابن داود في أورشليم وفي الهيكل، وفي جوار أورشليم (شفاء، الدخول، ما حدث في الهيكل، أشفية، لعنة التينة).
ج- 21: 23-22: 46: لقاء عدائي مع رؤساء اليهود (حوارات وأمثال، أسئلة وأجوبة).
د- 23: 1-39: ويل للكتبة والفريسيين. رثاء على أورشليم.
عندما ننظر إلى هذا القسم في انجيل متّى كله، نكتشف معنى عميقًا. فالقسم الاخباري (13: 53-17: 28) الثالث ذكّرنا بتأسيس الجماعة الجديدة. وجاءت الخطبة الرابعة (18: 1-35) فأعطت هذه الجماعة تعليمات خاصة. وتواصل التعليمُ في الجزء الأول من القسم الاخباري الرابع (19: 1-20: 28). بعد ذلك، يبقى الدخول إلى أورشليم. ومع أن اسرائيل بمجمله رفض المسيح، ينبغي على يسوع أن يلحّ على العاصمة ويرسل إليها النداء. لهذا، في 20: 29- 21: 22، أجرى يسوع المعجزات فأظهر سلطانه ودلّ بخفر على أنه ملك أورشليم. كل هذا يطلب من العاصمة أن تتّخذ قرارها.
أما طبيعة القرار الذي اتخذته المدينة المقدسة فيظهر في جدالات ترد في 21: 23 ي، حيث قوّاد أورشليم وممثّلوها يجرّبون يسوع ويسألونه. انفتح يسوع عليهم فرذلوه. فتبع ذلك الويلات والرثاء (ف 23): فرذلُ المسيح يعني رذل الله من أورشليم. وهكذا نستطيع أن نوجز 29:20-39 كنداء (29:20- 21: 22)، وجواب (21: 23- 22: 46)، ونتيجة (23: 1-39). وهكذا نجد هنا ما وجدناه في 23:4-18: 35. كان 23:4- 10: 42 نداء إلى اسرائيل. و11: 1-53:13، جواب يسوع (وشرح يسوع لهذا الجواب). و13: 54- 53:18: نتيجة سقوط اسرائيل. ولكن الاختلاف الأكبر يبقى أنه في 23:4 ي، نحن مع يسوع وعالم اليهود في الجليل. وفي 20: 29 ي، مع يسوع وعالم اليهود في أورشليم.
ب- الزواج والطلاق والبتوليّة (19: 1- 12)
أولاً: البنية
تبدأ هذه المقطوعة بإجمالة قصيرة (آ 1-2) وتمتدّ في حوار مطوَّل (آ 3- 12). ويتوزعّ هذا الحوار على ثلاثة أقسام: حول الطلاق (آ 3-6). اعتراض (آ 7-9). البتوليّة (آ 1-12). وفي كل مرة يجيب يسوع على الاعتراض أو السؤال. وهكذا يبدو النصّ كما في الرسمة التالية:
آ 3- جرّبوه فقالوا الفريسيون
آ 4- فأجاب قائلاً يسوع
آ 7- قالوا له الفريسيون
آ 8- فقال لهم يسوع
آ 10- فقالوا له التلاميذ
آ 11- فقال لهم يسوع.
ثانيًا: المراجع
في إطار نظريّة المرجعين، عاد مت إلى مر: إن 19: 1-2 هو إعادة صياغة لما في مر 10: 10. أما 3:19-9، فيتعلّق بما في مر 2:10-12. و19: 10- 12 هو تقليد مستقلّ، وقد يكون جزءًا من المتّاويّات.
هناك من اعتبر أن مت 3:19-10 قد دوّن في إطار الصراع بين هلال وشمعي حول الطلاق. "هل يحلّ الطلاق لأيّة علّة"؟ إذن، هناك طلاق. فما هي الشروط المطلوبة لكي يتمّ الطلاق، بالتشديد أم بالتسهيل، بطريقة شمعي أم بطريقة هلال؟ أما في مر، فالسؤال المطروح: هل يسمح بالطلاق أم لا؟ وكان الجواب كلاّ. وهكذا نستطيع القول إننا أمام مرجع واحد، وقد أخذ منه كل من متّى ومرقس. واحد في الخط المسيحيّ المتأثّر بالتعاليم اليهوديّة، وآخر في الخط المسيحيّ المتحرّر في خط بولس الرسول.
هنا نسوق الملاحظات التالية: (1) إذا وضعنا جانبًا القاطعة في آ 9 (إلا في حالة الزنى) لا تعارض بين تعليم يسوع وتث 24: 1. فالفريسيون يوردون تث 24: 1 على أنها تعارض تعليم يسوع ويسوع نفسه الذي أورد تك 1:17؛ 24:2. (2) ساعة تحدّثت آ 3 ب عن مخرج للطلاق، ألغت آ 4-6 هذا الموضع لكي تتحدّث عن شرعيّة الطلاق (3) إذا كانت عبارة "لأية علّة" في آ 3 ب تدخل في جدال بين هلال وشمعي، فكيف يقول النصّ إن الفريسيين جرّبوا يسوع. (4) إن آ 10-12 تتحدّث عن البتوليّة. فما هي علاقتها مع التعليم الذي نجده في آ 4-9؟ وهكذا نكون أمام تقليدين مختلفين.
ثالثًا: التأويل
الكلمات المفاتيح تشير إلى المواضيع. "ابوليوو" (طلّق، آ 3، 7، 8، 19). "غيني" (امرأة، آ 3، 5، 8، 9) في آ 3- 15. و"اونوخوس" (خصي، ثلاث مرات في آ 12). و"أونوخيزو" (خصى، مرتين في آ 12) في آ 10- 12. كان قد عولج موضوع الطلاق في 5: 31-32. ولكن أعلن يسوع ما أعلن ولم يعط شرحًا وتوضيحًا. أما موضوع البتوليّة فما ظهر من قبل. هذا مع العلم أن يوسف حفظ نفسه فلم يعرف مريم (1: 24-25). وأن كلام الرب الذي فيه يفرّق الانسان عن أبيه قد ذُكر في 10: 34-35. في 10: 34- 35، يتغرّب الانسان عن العائلة، في 19: 10-12 يهجر العائلة. كما نشير إلى أن يوحنا المعمدان ويسوع عاشا البتوليّة. كان يوحنا متنسكًا. وفي 13: 53-58، حين ذُكرت عائلة يسوع، لم يُذكر إلاّ أبوه وأمه وأبناء عمه (أي: اخوته).
تميّز مت 9: 1-12 عن مر في أمور عديدة. (1) "علّمهم" (أي الجموع) صارت "شفاهم". (2) لم يعد السؤال: هل سمح يسوع بالطلاق؟ بل: هل يسمح به "لأيّة علّة"؟ (3) يبدأ إيراد العهد القديم بعبارة "أما قرأتم" (آ 4). ثم: "وأنه قال" (آ 5) (4) طرح الفريسيون سؤالين لا سؤالاً واحدًا. وكانت النتيجة جوابين من يسوع لخصومه وصار تث 24 اعتراضًا فريسيًا. كل هذا تمّ بإقحام مواد من مر 10: 10-5 بين مرقس 10: 9 و 10: 10. (5) زيدت الحاشية على منع الطلاق (آ 9؛ 5: 32). (6) ألغي سؤال التلاميذ من مر، بحيث لم يعد تعليم يسوع موجَّهًا إلى الذين في الداخل (أي إلى المسيحيين)، بل إلى الفريسيين أيضًا. (7) الشق الثاني في القول الختامي حول الطلاق (آ 9)، لا يتبع مر 10: 12، بل شابه 32:5 (رج لو 16: 18). (8) تفرّد مت في ذكر القول حول الخصيان.
رابعًا: إجمالة سريعة (19: 1- 2)
ترك يسوع الجليل. ولن نعود نراه هناك، إلاّ بعد القيامة (7:28، 16). كانت رسالة يسوع قد بدأت قي الجليل في 4: 12، وها هي تنتهي الآن. وقد بدأت رحلة يسوع إلى المدينة المقدّسة (من هنا يتبع مت مر بأمانة على المستوى الكرونولوجيّ وعلى المستوى الجغرافيّ).
"وحصل أنه لما فرغ" (آ 1). ق 28:7؛ 11: 1... "انتقل من الجليل...". ق 53:13؛ يو 10: 40-42. يرتبط مت بما في مر 10: 1. لم تذكر اليهوديّة ولا عبر الاردن منذ ف 3-4. أي خلال الرسالة الجليليّة. وهما يُذكران الآن. فالمواضع التي كان فيها يسوع في البداية (2: 3؛ 3: 1؛ 4: 25)، تظهر الآن. يفترض القارئ أن يسوع ذهب من الجليل إلى اليهوديّة عبر بيرية وهذا ما يتماسك مع 10: 5: لقد تحاشى يسوع السامرة. وهذا يتناسق أيضًا مع 4: 25 حيث "عبر الاردن" يعني "بيرية".
"فتبعته جموع غفيرة" (آ 2). جملة مميّزة عند متّى (رج 24:4، 25؛ 8: 1؛ 12: 15؛ 14: 14؛ 15: 35). "وشفاهم". أي "شفى المرضى بينهم". وقد يكون مت رفض التوضيح مشدّدًا على أن كل واحد يحتاج إلى الشفاء: على مستوى الجسد أو على مستوى النفس. وقال: "إكاي" أي هناك. عبارة ملتبسة قد تعني "اليهودية" أو "بيرية".
خامسًا: الحوار (3:19- 12)
انتهت خطبة كبيرة (18: 1-35). غير أن هذا لا يعني أننا نترك خطبة يسوع هنا. إن آ 1-2 قالتا لنا ما فعله يسوع. ولكن من آ 3 حتى آ 28، انحصر العنصر الاخباري، وعاد النصّ إلى ما قاله يسوع.
* التقليد التاريخيّ
إن التقليد التاريخيّ لما في آ 3-12 هو موضوع جدال. (1) في البداية هناك خبر صراع في مر 10: 2-9. ووحدته معقولة جدًا. غير أن بعض الشرّاح جعلوا موقعه في ما بعد الفصح والقيامة. ورد النصّ من السبعينيّة وهذا ما لا يرضاه الفريسيون الذين سألوا: هل يحل الطلاق؟ وقال آخرون إن البرهان لا يرتبط بالسبعينيّة، وإن الفريسيين سألوا يسوع عن رأيه في هذا الجدال. أما نحن فنتخيّل بصعوبة أن يكون يسوع، ومحيطه هو ما هو، ومحيطه يعتبر أن الطلاق مسموح به في التوراة، أن يكون قد قدّم حكمًا في هذا الجدال بشكل اعلان "فظ"، دون أي برهان أو عودة إلى مسألة تث 24: 1. لهذا السبب، ولأن العودة إلى تك وإلى البدايات تتماسك مع النظرة الاسكاتولوجيّة، لا نستبعد إمكانيّة تقول بأن مر 10: 2-9 يعكس جدالاً تاريخيًا آنيًا. (2) إذا كان التقليد قد ظهر في فلسطين، فقد نُقل إلى اليونانيّة، وذُكر النص المشابه من السبعينيّة. (3) إن مرقس (أو مرجعه) زاد على 10: 2-9 القول العام الذي نقرأه في آ 11-12 بواسطة آ10 (سأل التلاميذ في البيت). عادت آ 11 إلى يسوع (رج آ 9). أما آ 12 فهي قد وُلدت في محيط لا يهوديّ. وما نقرأه في آ 1 هو مرقسيّ. (4) وفي النهاية، أدخل الانجيليّ بعض التعديلات.
* سؤال وجواب (آ 3- 6)
"ودنا إليه الفريسيون" (آ 3). نحن هنا أمام الفريسيين الذين سبق وتكلّمنا عنهم. هم يجرّبون يسوع، يدفعونه إلى معارضة التوراة (آ 7). "هل يحلّ للرجل"؟ الرجل وحده (لا المرأة) يحقّ له أن يطلب الطلاق. ما هو تفسير يسوع لما في تث 24: 1 (لأية علّة)؟ بدا متّى هنا قريبًا من عالم الجدال اليهوديّ في أيّامه. اعتبرت مدرستا هلال وشمعي أن الشريعة تسمح بالطلاق، ولكنهما اختلفتا حوله السبب الذي يسمح بالطلاق. هل يقبل يسوع بموقف هلال المنفتح أو موقف شمعي المتشدّد؟
عاد يسوع بمعارضيه مباشرة إلى تك 1: 27، فأجاب على سؤالهم حول الطلاق مشدّدًا على إحادية الزواج (رجل واحد وامرأة واحدة، المونوغاميّة). "خلقهما ذكرًا وأنثى" (آ 4). رج مر 10: 6؛ تك 1: 27= 5: 2 (حسب السبعينيّة). "أما قرأتم"؟ بلى قرأ الفريسيون (رج 12: 5). ولكن سؤال يسوع يدعوهم إلى أن يفهموا من جديد ما تعني هذه الآية الكتابيّة. رجل واحد وامرأة واحدة. ظنّوا أنه سيتعدّى الشريعة ويدمّرها، فإذا هو يثبّتها، يتمّمها، ويعلّمها. 
وتابع يسوع، فأورد نصًا آخر من الكتاب. تك 2: 24 الذي هو ضدّ تعدّد الزوجات وضدّ الطلاق. فأمرُ الخالق هو مرّة أخرى الموجِّه نحو النظام الأخلاقيّ. "قال" (آ 6). أي: قال الخالق. ويسوع يورد كلامه. "يترك الرجل أباه وأمّه". ق يوبيلات 3: 7؛ أف 5: 31. إن لفظة "الاثنين" التي سقطت من النصّ العبري الماسوريّ، موجودة في السبعينيّة (اليونانيّة) ومفترضة في الشعبيّة (اللاتينيّة) والبنتاتوكس السامري، والترجوم السامري والبسيطة (السريانيّة) وعدد من التراجيم (يوناتان المزعوم، نيوفيتي، الاجزاء). نقرأ في ملا 2: 16: أنا (الله) أبغض الطلاق"
* اعتراض وجواب (آ 7- 9)
واعترض الفريسيون: إن يسوع يناقض موسى. قال لهم يسوع: "لقساوة قلوبكم". جاء مر 10: 3-4 مختلفًا عن مت. شدّد الانجيل الأول على معارضة الفريسيين. لا على يسوع المربّي: هم ما أجابوا على سؤال يسوع، بل راحوا في معارضتهم. وجاء جواب يسوع لا بإيراد الكتاب، بل بتفسير تث 24: 1، وإيضاح السبب الذي لأجله سمح الله لموسى بالطلاق. قالت مر 10: 5: "كتب لكم هذه الوصيّة". أما مت فقال: أذنَ، سمح. فموسى لا يوصي بالطلاق، بل يسمح به بسبب قساوة القلوب.
ليست النقطة الرئيسيّة أن نقول إن تعليم تك هو من الله، وتعليم تث هو من موسى. ولكن، أن نقول إن تعليمات تث 24: 1 جاءت تنازلاً تجاه قساوة القلوب التي هي كالحجر على المستوى الخلقيّ والدينيّ. ما أراد يسوع أن يمرّ قرب تث 24: 1 وكأنه يريد أن يتخلّص من هذا النصّ، بل أن يلفت الانتباه إلى أمر هام جدًا مال الفريسيون إلى تجاهله. وهو التمييز بوضوح بين عنصرين في شريعة العهد القديم: من جهة هناك إرادة الله بشكل مطلق، إرادته ذاتها التي لا تتأثّر بالخطيئة البشريّة. ومن جهة ثانية، تلك العناصر التي تُؤخذ في عين الاعتبار، خطيئة البشر، والتي لا تدلّ على كمال الله ولا على إرادته المطلقة بل على إرادته التي تتجاوب مع ظروف تأتي بها خطيئة البشر. ويسوع الذي امتلك تبّاعه قلبًا من لحم لا قلبًا من حجر (حز 26:36)، يطلب التوافق مع إرادة الله كما عُبّر عنها منذ الابتداء. فالنهاية تشبه البداية. ومجيء الملكوت هو بداية إعادة الفردوس، ووحدة الخلق مع الفداء، والتحقيق النهائي لمشروع الله منذ الابتداء.
هناك موازاة بين مت 19 وتث 17: 14-20 (شريعة الملك). أخذ هذا المقطع بالملكيّة وأعلن لها فرائض الله. هي نظام غير كامل اختاره اسرائيل لا الله (قض 8: 22-23؛ 1 صم 8: 4-22). وهنا أيضًا بدت التوراة وكأنها مساومة وتنازل من قبل الله تجاه البشر.
كيف صار تث 24: 1 تنازلاً من قبل الله لقساوة قلب البشر؟ هناك واقعان. الأول، مع أن الطلاق اعتبر هبة في عدد من نصوص العهد القديم (لا 7:21، 14؛ 13:22؛ عد 9:30؛ تث 29:22: حالة لا يُسمح فيها بالطلاق؛ عز 10؛ نح 13)، ففي نصوص أخرى يعتبر الطلاق خطأ (لا 18:18؛ تث 24: 4؛ ملا 2: 16). ثم إن لا 7:21؛ حز 44: 22 يمنعان الكهنة من الزواج بمطلّقة. وهذا ما يدلّ على أن الطلاق على نقيض القداسة. الثاني، سمح العهد القديم بالطلاق، وما أوصى به. وهو يأمر به فقط في تث 24: 1-4: طلّقها زوجها فهو لا يستطيع أن يستعيدها. وهكذا صحّح يسوع مقال الفريسيين. لم يأمر موسى، لم يوص بالطلاق، بل سمح لقساوة قلوبكم. وهكذا نكون أمام موقع يكون فيه شرّان فنختار الشرّ الأقلّ.
"ولكن في البدء، لم يكن الأمر كذلك". قال مر 6:10: "منذ بدء الخلق جعلهم ذكرًا وأنثى". إن فكرة أولويّة في الزمن، تدلّ على أولويّة إرادة الله كما نقرأها في الأناجيل. نجد شيئًا مماثلاً في غل 3: 15-20. قال بولس إن الوعد لابراهيم هو أساسيّ أكثر من الشريعة التي جاءت فيما بعد. سواء دلّ هذا البرهان على معرفة بولس لتقليد يسوع، أو كان مجرّد مصادفة، فنحن نجد في العهد القديم موازاة من هذا النوع. فالتاريخ الاشتراعي أخضع العهد مع داود لعهد سبقه هو العهد مع موسى.
"وإني أقول لكم" (آ 9). عبارة احتفاليّة أقوى ممّا في مر 10: 11 الذي يقول: "وقال لهم". رج مت 32:5: "ولكن أقول لكم أن". "من طلّق امرأته...". هذا ما قاله مر 10: 11 ما عدا "إلاّ في حالة الزنى" (بورنايا). يبدو أن مرقس ولوقا أبعدا حالة الزنى من البرهان. كان الطلاق مفروضًا بعد الزنى في الجماعات اليهوديّة. أما هنا فهو تنازل. نشير إلى أن راعي هرماس (الوصايا 4: 1) ويوستينوس (الدفاع الثاني 2) وترتليانس (ضد مرقيون) قد علّموا أن الانفصال بين الزوجين يتبع الزنى.
وتبقى المسألة: هل يُسمح بالزواج للزوج البريء؟ هنا تختلف الكنائس. نشير إلى أن ترتليانس (في أواخر حياته) واكلمنضوس الاسكندراني وغيرهما منعا الزواج. أما في العالم اليهودي، فمن نال الطلاق سُمح له بذات الفعل بالزوال.
إن مت 9:19 يشجب تعدّد الزوجات بشكل غير مباشر. فلو سُمح بأن يكون للرجل امرأتان، فلا مشكلة إن كانت الأولى قد طلّقت حسب الشريعة. فالانسان يقدر أن يأخذ زوجة ثانية. وهناك خمسة نصوص ليسوع تمنع الطلاق: 1 كور 7: 10- 11؛ لو 16: 18 (المعين)؛ مر 10: 11- 12؛ مت 5: 31-32؛ 19: 9. من مت 5: 32 مع عبارة "ما خلا كلمة الزنى" (منع صرف المرأة وزواجها ثانية)، عبر 1 كور 7: 10- 11 (منع الطلاق بواسطة المرأة مع نظرة إلى الوضع التشريعيّ في العالم الهلنستي) و1 كور 7: 12-16 (ما عدا الزواج المختلط)، ولو 16: 18 ومر 10: 11- 12 (منع الزواج ثانية للزوجين) إلى مت 5: 32 و 9: 19 (إلاّ في حالة الزنى). غير أن مت 5: 32 ليس نقطة الانطلاق، لأنه دمجٌ بين مر والمعين. فأصل التقليد يبدأ في 5: 32 أ (يستعيد المعين) أو يضم لو 16: 18 ومر 10: 11: كل من طلّق امرأته وتزوّج غيرها زنى (رج 1 كور 7: 11) فتحوّل التعليم في خطين يمنع المرأة من أن تطلّق زوجها وأن تتزوّج غيره (1 كور 7: 10؛ مر 10: 12، مقابل لو 16: 18؛ مت 32:5؛ 19: 9). هذا من جهة. ومن جهة ثانية يُمنع الزواج من مطلّق (لو 18:16؛ مت 5: 32 ب، مقابل 1 كور 7: 10؛ مر 10: 11-12). وأخيرًا زيد شواذان على القاعدة: هذا لا يغطّي الزواج المختلط (1 كور 7: 10- 11). كما لا يغطّي الزنى (5: 32؛ 19: 9). يعود التنظيم ضد الطلاق إلى يسوع. وهذا التنظيم جذريّ كما في مرقس والمعين وبولس. ويدلّ تاريخ التقليد أن الكنيسة أحسّت دومًا بالحاجة إلى توضيح هذا الأمر.
* اعتراض التلاميذ وجواب يسوع (آ 10- 12)
اختفى الفريسيون بعد أن انتفت الفائدة من جوابهم. وحلّ محلّ عدائهم، تعجّبُ التلاميذ. "إن كانت هذه حال الرجل مع امرأته" (آ 10). كلام تدويني. لم يكن متوقعًا. واعتراضهم لا يشرّفهم. تصرّفوا هنا كما سوف يتصرّفون حين يزجرون الأطفال (19: 13). وكما سيفعلون في حدث الشاب الغني فيقولون: "من يستطيع إذن أن يخلص" (19: 25). هم لم يفهموا. مجّد يسوع الزواج وسوف يمجّد البتوليّة. غير أن التلاميذ احتفظوا بنظرة إلى الزواج والطلاق قريبة ممّا في سي 6:25-16، واعتبروا أن الاحتفاظ بامرأة واحدة أمر ثقيل. استنتجوا ما استنتجه فلاسفة الرومان واليونان والاسيانيّون: "أولى بالانسان أن لا يتزوّج".
"فقال لهم" (يسوع) (آ 11). "ليس الجميع يفهمون هذا الكلام". هل تعود اللفظة (الكلام) إلى آ 3-9 أو إلى آ 9 (تعليم يسوع عن الطلاق)، أو إلى آ 10 (ما استخلصه التلاميذ من تعليم يسوع)؟ أو هل هي استباق لما سيقوله في آ 12 عن الخصيان؟
إن العودة إلى آ 3-9 أو آ 9 غير معقولة. فهذا ما يجعل آ 12 تتوجّه إلى الذين انفصلوا عن نسائهم وفرضوا عليهنّ أن يعشن في العزلة. ولكن (1) آ 9 لا تمنع امكانية الزواج أيضًا إذا كان الزنى سبب الطلاق. (2) هذا التفسير يعود إلى اكلمنضوس الاسكندرانيّ (الموشّيات 3: 49- 50). ولكن التقليد الآبائي يعتبر أن آ 12 قد قيلت عن البتوليّة لا عن الزواج ثانية. (3) عادت آ 12 إلى يسوع فدافعت عن حياة البتوليّة التي عاشها. (4) إن موهبة البتوليّة أمر شاذ، لا يقبل بها كل انسان. أما تعليم يسوع عن الطلاق فهو للجميع. (5) هل نجد أمرًا بعدم الزواج أم نحن أمام مجرّد توصية؟ وهكذا يعود "الكلام" إلى آ 12.
ويأتي القول عن الخصيان، فيدلّ على مثال يميّز التقليد الحكميّ. نحن هنا أمام ثلاثة أنواع من الخصيان. النوعان الأولان أمر معروف في المجتمع القديم، ويهدفان إلى ابراز النوع الثالث حيث يصون الانسان نفسه بكامل حرّيته من أجل الملكوت. فهذا الأخير هو من الخصيان، لا بسبب ضعف في الطبيعة، ولا بسبب ما فعل به الناس. هو ما تزوّج. ليس لأنه لا يستطيع أن يأخذ امرأة، بل لأنه لا يريد. فالواجب الذي وضعه أمامه ملكوتُ الله، حرّره من واجبات الزواج. في القرن الثاني كان حديث عن البتولين والبتولات، واعتبرت البتوليّة أسمى من الزواج، حتى في أيام بولس الرسول.
نستطيع أن نقابل هذا الكلام مع موقف بولس في 1 كور 7 و9. عرف الرسول أنه يحقّ له، شأنه شأن سائر الرسل وإخوة الرب وكيفا، أن ترافقه امرأة (9: 5). ولكنه لم يفعل، لم يلجأ إلى هذا الحقّ، لأنه اعتبر ذلك عائقًا في طريق الانجيل (9: 12). وهكذا اعتقد بولس أنه من الأفضل أن لا يتزوّج ساعة كان باستطاعته أن يتّخذ امرأة، ساعة كان يحقّ له أن يفعل. ترك قلق الحياة الزوجيّة ومسؤولياتها. هل عرف بولس القول حول الخصيان؟ كلا، على ما يبدو. ولكن لاشكّ في التشابه بين وجهة بولس ومت 9: 12.
سادسًا: يسوع والأطفال (13:19- 15)
وتقدّم الأطفال (الأولاد الصغار). فوضع يسوع يديه عليهم، وصلّى من أجلهم. نشير هنا إلى أن وضع اليد هو عمل ليتورجيّ. لم يرضَ التلاميذ عن هذا العمل. لا نعرف لماذا فعلوا ما فعلوا. ولكن خطأهم أعطى يسوع المناسبة لكي يوضح عمله.
الفعل اليوناني يعني "قدّم" (عن أولاد صغار) أو "حمل" (عن أطفال). في مر 10: 13، يُحمل الأولاد. ليسوا الفاعل بل المفعول. "يُحملون". يحملهم الآخرون. زجر التلاميذ الناس، فزجرهم يسوع، فجاء كلامه في أمر، ومنع، وشرح. دعوا الأولاد. لا تمنعوهم. فلمثل هؤلاء ملكوت السماوات.
وجسَّد يسوع كلامه في العمل (آ 15). "وضع يديه عليهم". نقرأ في انجيل توما (22) ما يلي: "رأى يسوع أطفالاً يُرضَعون. فقال لتلاميذه: هؤلاء الأولاد الذين يُرضعون هم مثل أولئك الذين في الملكوت. فقالوا له: أنكون أطفالاً لكي ندخل إلى الملكوت؟ فقال لهم يسوع: حين تصنعون الداخل والخارج... عند ذاك تدخلون إلى الملكوت" (رج الرسالة الاقليمية الثانية 12: 2؛ إنجيل المصريين في اكلمنضوس الاسكندرانيّ، الموشّيات 3/ 13: 92). نحن هنا أمام توسعّ ينطلق من الأناجيل الازائيّة.

3- النظرة اللاهوتيّة والروحيّة
أ- النظرة اللاهوتيّة
وانتقل مت من فعل إلى فعل، وجعل يسوع ينتقل إلى الجليل مع معطية طوبوغرافيّة غامضة (هناك). نستطيع أدق نفهم 19: 1 على الشكل التالي: حسب الانباءات بالآلام، ترك يسوع وتلاميذه الجليل لكي يعبروا (ماتايرو) (رج 13: 53) إلى اليهوديّة، لهذا، لم يمروا في السامرة، بل اجتازوا الاردن ووصلوا إلى منطقة اليهوديّة في شرقي الاردن، ثم اجتازدوا الاردن مرة ثانية (كما فعل يشوع) ليصعدوا إلى أورشليم.
وتأتي عبارة مقولبة (آ 2) كما في 12: 15. عند مر، يسوع يعلّم. أما هنا فيسوع يشفي. ففي النظرة الانجيليّة، يدلّ نشاطا يسوع هذان على سلطته المسيحانيّة. نشاطان عجيبان لأنهما يدلاّن على هويّة يسوع، ولهذا سيبدأ الصدام سريعًا مع الفريسيين.
في مر، سأل الفريسيون يسوع: هل يستطيع الانسان أن يطلّق امرأته؟ في مت، جاء سؤالهم موافقًا للجدالات اليهوديّة في ذلك العصر: هل يحق للرجل أن يطلّق امرأته لأجل كل علّة؟ كيف نفسّر تث 24: 1؛ حوالى سنة 135، علّم رابي عقيبة أنه يكفي الرجل أن يرى امرأة أجمل من زوجته ليطلّق زوجته. ولكن العلماء لم يكونوا كلهم من هذا الرأي. ويروي يوسيفوس بإيجاز: "ما رضيت في ذلك الوقت عن سلوك زوجتي فطلقتها. وكانت قد ولدت لي ثلاثة أولاد مات منهم اثنان". طلاق لا تُستشار فيه المرأة كما هو الأمر في عاداتنا التي أضاعت معنى الزواج. أما الفريسيون فأرادوا أن يوقعوا يسوع في فخّهم (بايرازاين، جرّب، أوقع في الفخ)، مبعدين عنه عددًا من المتعاطفين معه. 
كانت الجدالات التقليديّة تطلب إرادة الله بدقّة. أما يسوع فعلّمنا كيف نكتشف هذه الارادة في الكتب المقدّسة. بدأ كعادته، فكشف لخصومه سطحيّة السؤال الذي يطرحونه عليه. ليس هو رابي أفضل من سائر الرابينيين، ولا عالمًا أعلم من سائر العلماء. هو يحدّد موقعه في خطّ الأنبياء الكبار في العهد القديم. وما أبرز يسوع قدَم نظام الزواج، بل أولوية قصد الله الخالق (على مستوى الواقع). وتضمّن الاستشهاد الكتابي مقطعين حسب نصّ السبعينيّة. في الأول، نجد آخر كلمات تك 1: 27، التي يسبقها ذكر الخالق (كتيسوس، رج كو 1: 10). في الثاني نجد تك 2: 24 مع بعض التحوّلات.
ماذا اكتشف يسوع في الخبر التوراتي؟ عناصر تشدّد على عدم انحلال الرباط الزوجيّ. بما أن الله صنعهم ذكرًا وأنثى، فالرجل والمرأة يتعلّقان الواحد بالآخر. هما يستطيعان بل يتوجّب عليهما ذلك طاعة لارادة الله المكتوبة في اختلافاتهما الطبيعيّة. لم يهيّأ الرجل والمرأة لكي يصيرا جسدًا واحدًا. هم منذ الآن جسد واحد. من يوحّدهما؟ الله. لا إرادة البشر أكان الأهل أو القبول المتبادل. لا الشريعة التي تبقى خارجيّة وبدون روح إن لم ينعشها الله.
وبدا متّى معلّمًا، فأدخل هنا فريضة تث 24: 1 حول رسالة الطلاق كاعتراض كتابي قدّمه الفريسيون ليسوع. نلاحظ هنا أسلوبًا معروفًا. لم يجعل يسوع تجاه هذا الاعتراض البيبلي سلطة فرديّة أو روحيّة. بل استند هو أيضًا إلى الكتاب المقدس يفهمه في معناه الأساسيّ. دلّ على أنه مفسّر بارع حين أظهر مستوى الأهميّة لمختلف النصوص البيبليّة. انطلق من فريضة تث التي قد تكون مفيدة، والتي لا يرفض في المبدأ تطبيقها الدارج، فوصل إلى مخطّط الله الخالق المسجَّل في سفر التكوين.
أشار يسوع إلى قساوة القلب (سكليروكرديا) التي نقرأها في اليونانيّة البيبليّة ثم في المسيحيّة (تث 16:10؛ إر 4: 4؛ سي 6: 10)، والتي تعني عصيان الانسان وعناده أمام الله وأوامره. في مر 16: 14 ترافق "قساوةَ القلب"، رفضُ الانسان بأن يؤمن (أبستيا). ففي بشريّة متمرّدة على وصايا الخالق، قد يكون للفريضة الموسويّة بعضُ النفع، ولاسيّما في ما يخصّ المرأة التي هي الكائن الأضعف. ولكن لا نمزج بين هذه الفريضة المحدودة في مدلولها، وقصد الله تجاه الرجل والمرأة. ما يريده الله هو أن يظلاّ متّحدين، أن لا يفترقا.
مع آ 9 نصل إلى قول يسوع الذي أرادت المقطوعة أن تطبعه في العقول. وقد لعب دورًا كبيرًا في التقليد الشفهي. لأننا نجده مع اختلافات ملحوظة في مر 10: 11؛ مت 5: 32؛ لو 18:16. أما الصعوبة فتعود إلى القاطعة في نصّ متّى: إلاّ في حالة الزنى أو الزواج اللاشرعيّ. كيف نفسّر قول يسوع هنا؟
* إذا قرأناه خارج سياقه، نستطيع أن نفهم أن الرجل يستطيع أن يطلّق امرأته ويتزوج أخرى في حال الزنى. ولكن الشرّاح تخلّوا اليوم عن هذا التفسير لأنه يصطدم بسياق مت العام، الذي يفرض عدم انحلال الزواج بشكل مطلق، كما يعارض نصّ مر ولو.
* وظنّ بعض الشرّاح أن مت قدّم تخفيفًا لقول يسوع كما نجده في مر ولو، وحتى في مت 19: 6 ب: يسمح بالطلاق في حالة زنى المرأة، ولا يسمح بالزواج مرّة ثانية.
* مهما كان الأمر لا يُسمح بالطلاق (آ 6 ب). ولكن في حال زنى المرأة يعتبر الرباط الزوجي وكأنه قد انقطع. لسنا أمام طلاق، بل ملاحظة لواقع استجدّ. ما هي النتائج التي نستخلصها من هذه الانقطاع الواقعي؟ هنا تختلف الآراء. هناك من يعتبر القطيعة ناجزة فيكون الطلاق والزواج من امرأة ثانية. تلك كانت ممارسة معروفة في العالم اليهوديّ، في زمن يسوع. وهناك من يعتبر أن الله لا يرضى عن هذا الانفصال وأنه غير مؤسّس في الواقع. عند ذاك لا طلاق وكل زواج آخر يصبح مستحيلاً.
هناك موقف يقول بالطلاق دون الزواج. ولكن يُطرح السؤال: هنل هناك فعل أم لا؟ فإن انقطع الزواج بالزنى، يجب أن يُسمح بالزواج. ولكن الأمور ليست بهذه البساطة.
* ويطرح السؤال حول معنى "بورنايا" (أع 15: 20). فقد تعني زواجًا تحرّمه فرائض اللاويين. منع المسيح المتّاوي مثل هذه الطلاقات ليقف بوجه عصره الذي سمح بالطلاق للمرتدين الجدد.
أما الخلاصة فنجدها في آ 6 ب: استبعاد كل طلاق وانفصال. وإن آ 9 لا تقدّم تخفيفًا، بل تقوّي سلطة الشريعة ضدّ أقوال الرابينيين. "ما جمعه الله لا يفرّقه الانسان".
وتأتي آ 10-12 الخاصة بمتّى فتبرز تعليم يسوع حول دعوة أخرى غير الدعوة إلى الزواج. هي الدعوة إلى العفّة والبتوليّة. لاشكّ في أن الزواج كان واجبًا دينيًا في العالم اليهوديّ في زمن المسيح (ما عدا بعض الشواذات) وهذا ما شدّد عليه يسوع. وفُتحت نافذة جديدة في خطّ الأسفار الحكميّة التي اعتبرت أن الزواج العقيم قد يكون له ثمر.
أعلن يسوع عدم انحلال الزواج. أبدى الرسل استغرابهم. اعترضوا ضدّ هذه القسوة التي تجعل وضع الرجل لا يُحتمل. فأجاب يسوع هنا كما في مواضع أخرى (13: 10-13) أن التلاميذ وحدهم يستطيعون أن يتقبّلوا هذا التعليم ويعملوا به. ليس الزواج الأمين معطية طبيعيّة. هو يحتاج إلى نعمة من الله. وكذلك العفّة والبتوليّة. وهنا تأتي الاية (آ 12) حول الخصيان مع التشديد على أولئك الذين خصوا نفوسهم، كرّسوا ذواتهم في البتوليّة من أجل ملكوت الله حيث لا يزوّجون ولا يتزوّجون.
ونصل في نهاية هذه القراءة اللاهوتيّة إلى مشهد صغير فيه يضع يسوع يديه على الأطفال، فيباركهم. اعتاد الناس أن يقدّموا الأطفال (8:2- 21؛ 11: 16؛ 14: 21؛ 18: 2) للمعلّمين ليباركوهم (كما نفعل اليوم أيضًا) دون أية فكرة سحر. رفض التلاميذ هذا الوضع. "زجروا" الناس (فعل قويّ كما في 16: 22؛ 18:17؛ 20: 31). هل هو الحسد؟ هل هي حركة عابرة تدلّ على عدم الصبر؟ بل نحن أمام لافهم لرسالة يسوع. وهذا ما تدلّ عليه آ 14.
ما اكتفى يسوع بأن يتوقّف، بأن يوبّخ التلاميذ (قال مرقس: اغتاظ)، بل جعل من فعلته تعليمًا تجاه كل الذين يتشّبهون بالأطفال. هي فكرة عامة ومحيّرة لسامعي يسوع، وأبعد من تلك التي قرأناها في 3:18. لسنا فقط أمام نداء لنصير مثل أطفال، بل أمام إعلان ووعد ملكي للذين هم كالأطفال: ملكوت الله لهم. فالعبارة والفكرة تذكّراننا بالتطويبات (رج 5: 3).
"لا تمنعوهم" (كولواين). هو فعل نجده في النصوص الازائيّة الثلاثة. وقد يكون لعب دورًا هامًا في ليتورجية المعموديّة في الكنيسة الأولى (أع 8: 36؛ 10: 47 11: 7؛ رج مت 3: 14 مع "ديا"). وقد استعمل هذا النصّ باكرًا (كما قال ترتليانس في "العماد" 18) في الجدال حول عماد الأطفال. وهكذا نكون مع هذا النصّ في العادات العماديّة في القرن الأول المسيحي.
طلبوا منه أن يضع يديه عليهم، ففعل. هذا لا يعني أنهم كانوا مرضى، بل أن يسوع يهتمّ بالصغار حتى في الساعات الحرجة من حياته. هؤلاء الأطفال يتعاملون مع يسوع كالأولاد مع والديهم والتلاميذ مع معلّميهم.
ب- النظرة الروحيّة
نتوقّف هنا بشكل خاص عندما يقوله العهد الجديد حول العفّة والبتوليّة. فنصّ مت هذا الذي درسناه، يترافق مع 1 كور 7 و 9. فيقدّمان لنا عناصر سوف يستفيد منها التقليد الكنسي على مرّ العصور ليُسند ما يعيشه المؤمنون في أيامنا.
* تبدو البتوليّة امكانية مسيحيّة عجائبيّة في نظر يسوع وفي نظر بولس. ويشهد رسوله الأمم أن هناك أناسًا عاشوها، مع أنه كان باستطاعتهم أن يختاروا الزواج فترافقهم "أخت" في رحلاتهم الرسوليّة.
* تترافق البتوليّة دومًا مع الزواج. فما نقرأ في مت 19: 12 و1 كور 7: 25-35، نجده في سياق يتحدّث بالدرجة الأولى عن الزواج. هذا يعني في الفكر المسيحي والممارسة، أن الواحد لا يمكن أن ينفصل عن الآخر. لا نتحدّث عن البتوليّة دون الزواج، ولا عن الزواج دون البتوليّة. إذا كان للزواج قيمة كبيرة في الحياة المسيحيّة، فالبتوليّة تبدو أيضًا كقيمة أخرى تتوافق مع الجديد الانجيليّ.
* حين نضع البتوليّة تجاه الزواج، فنحن لا نتوقّف عند ثنائيّة انتروبولوجيّة (معارضة بين الروح والمادّة)، ولا عند بواعث نسكيّة (حرب ضدّ الجسد وشهواته من أجل السيطرة على الذات)، بل على اعتقاد يقول إن الزواج ليس الشكل الأخير للحياة المسيحيّة. إن شكل هذا العالم يزول. ففي السماء لا يزوّجون ولا يزوَّجون. فتجاه هذه النظرة الاسكاتولوجيّة تتّخذ البتوليّة معناها، وفي هذا المناصب تمارَس.
* تُطرح البتوليّةُ في مت 19: 12 و1 كور 7: 25-35 كنعمة وموهبة ينالها بعض الناس فقط. وهم يأخذون بها "من أجل الملكوت"، بفرح يشبه ذاك الذي وجد كنزًا في حقل، أو اكتشف درّة ثمينة (13: 44-45). هكذا يفلت الانسان من هموم الساعة الأخيرة، يتحرّر من كل همّ، فيركّز حياته كلها على خدمة الله والآخرين (1 كور 7: 32- 35).
* إن الصورة القاسية عن الانسان الذي "يخصي" نفسه، تدلّ على الطابع العنيف والمؤلم الذي ترتديه الدعوة إلى البتوليّة. فملكوت الله يؤخذ عنوة. وهكذا البتوليّة. أما البتول فيبدو "شجرة يابسة" (أش 56: 3) تجاه القاعدة العامّة في الحياة البشريّة. يبدو عائشًا على هامش المجتمع كما كان الخصيان في المجتمع القديم. ونصوص لوقا التي تفرض التخلّي عن الزوجة لمن يريد أن يسير في خطى يسوع، تدلّ على أن القرار الذي نتّخذه لعيش البتوليّة، يؤلمنا ويمزّقنا.

خاتمة
نسوق في هذه الخاتمة الملاحظات التالية:
1- رفض المرقيونيون والمتعفّفون والاوستاتيون الزواج، فاعتبرتهم الكنيسة الكبرى هراطقة. واعتبر الجسم المسيحي أن الزواج عهد بين شخصين وبين الله، أنه سرّ. وأعطيت البتوليّة مكانة سامية منذ راعي هرماس وأوغسطينس ومجمع ترنتو... وقرأ ايرونيموس مت 19: 10-12 على أن يسوع يحبّ البتولين على الآخرين. واعتبر أن البتوليّة أفضل من الزواج. لأن تلك كانت حال آدم قبل السقطة. وجعل ميتوديوس كل كرامة للبتوليّة. ولكن لا ننسى أن الزواج هو جزء من النظام الطبيعيّ. هذا النظام يأتي من عند الله ولو جاء النظام الاسكاتولوجيّ. خلق الله الرجل والمرأة ليكونا جسدًا واحدًا، وقد جمعهما في الزواج. وهو يدعو أيضًا البعض لكي يعيشوا البتوليّة، لا لأن المرأة شرّ، ولا لأن حياة مشتركة بين الذكور (أو: الإناث) مفيدة، ولا بسبب تعبّد لـ "الطهارة"! فالاله الواحد يقف على مسافة واحدة بين المتزوّج واللامتزوّج. والانسان هو الذي يختار: "كل واحد له من الله موهبة خاصة. فللواحد هذه (الزواج) وللآخر تلك" (البتوليّة) (1 كور 7: 7).
2- حسب 22: 30 (في القيامة لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون)، الحياة في الدهر الآتي تكون مثل حياة الملائكة، حيث لن يعود من مكان للزواج. وهكذا يقدّم مت فكرتين. الأولى، البتوليّة هي حياة ملائكيّة (قبريانس في البتوليّة، افرام في الفردوس، امبروسيوس في تحريض على الزواج). والثانية، إن البتوليّة تحقّق في هذه الحياة مجد العالم الآتي. هنا يتبع متّى انجيل مرقس الذي قد يكون تبع تقليدًا سابقًا لمرقس.
3- نلاحظ أننا مع ف 19 في إطار الحياة العائلية مع الزواج والطلاق والبتوليّة والأولاد والمال والخدمة. وهكذا بين نهاية عمل يسوع في الجليل والصراع الأخير في أورشليم، قدّم لنا يسوع تعليمًا في الحياة العائليّة والاجتماعيّة يتوازى مع 6: 1-7: 12. وتوقّف بشكل خاص عند الأولاد حيث يعطى الملكوت لأمثالهم. لهذا نقتدي بهم وننتظر كل شيء من الآب السماوي كالأبناء الأحباء.
الفصل الثاني عشر
الشاب الغنيّ وأهميّة التجرّد
19: 16- 30

ندخل هنا في موضوع الغنى الذي قد يكون مشروعًا، ولكنه يحمل في طيّاته خطرًا كبيرً. فالمال حاجز يقف في وجه من يريد أن يدخل الحياة. وقد حذّرنا يسوع منه حين قال: "يعسر على الغني أن يدخل ملكوت السماوات". ولكن هل فرض التجرّد التام على تبّاعه، مثل الاسيانيّين؟ فليس التجرّد مطلوبًا في ذاته، بل بالنظر إلى الجماعة التي نعيش فيها. هذا يعني أنه قد يكون هناك أغنياء في الكنيسة، لأن الغني الحقيقيّ ليس ذاك الذي يملك المال، بل ذاك الذي لا يعرف أن يشرك الآخرين في ما أعطي له من خيرات على مثال الجاهل الغبيّ الذي أغلّت أرضه ففكّر في أهراء يملأها لا في جياع يشبعهم.
هذا ما نقرأه في هذا الفصل. نتعرّف إلى الشاب الغني (19: 16-22)، نسمع تحذير يسوع من الغنى (19: 23-26)، ونتعلّم مكافأة التجرّد (27:19- 30): "يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبديّة".

1- نظرة عامة
هنا يلتقي مت مع مر 17:10- 31 ولو 18:18-30 في متتالية نستطيع أن نعنونها: خطر الغنى. هي تتركّز على موضوع واحد كما اعتاد مت أن يفعل. والتحليل الداخليّ للمقطوعة يكشف مسيرة التعليم التي انتهجها الانجيليّ. نجد أولاً خبرًا قصيرًا (آ 16-22). ثم عدّة أقوال ليسوع حول ذات الموضوع. وتأتي ملاحظات التلاميذ وجواب يسوع (آ 23-26). وتدخّل بطرسُ ليدلّ على التخلّي الذي قام به التلاميذ لكي يتبعوا يسوع. عند ذاك انطلق يسوع من كلام بطرس وعلّق عليه (آ 27-29). وفي النهاية، كان قول ليسوع نجد ما يوازيه في مر 10: 31 (كثيرون من الأوّلين يكونون آخرين). عرف لوقا هذا القول، ولكنه جعله في موضع آخر (13:30). وكرّر مت أيضًا هذا القول كخاتمة لمثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم (20: 16).
بنية المقطوعة الاجماليّة هي هي في الأناجيل الازائيّة الثلاثة. ويبدو أن مت ولو تبعا مر. هذا مع العلم أن هناك اختلافات هامّة بين نصّ ونصّ. متى جمع الانجيلُ الأول هذه المعطيات؟ في وقت مبكّر بدون شك، لأننا نجدها في مر. وكانت ضرورات عمليّة حاول الانجيليّ أن يجيب عليها. بقى أن نتوقّف عند كل عنصر من هذه العناصر، ولا نركّز كل شيء على آ 30 التي لا تحتلّ مكانة مميّزة في لو 13: 30 وفي مت 16:20. أما التعليم فيتوجّه هنا لا إلى أفراد غرباء عن الكنيسة وحسب (آ 16-22)، بل بشكل خاص إلى التلاميذ أنفسهم، أي إلى أعضاء الجماعة الذين إليهم يوجّه الانجيليّ كلامه. ذاك هو الوضع في مت بشكل إجمالي. وكما في مت 13:16 ي، تكلّم بطرس باسم الجماعة، فمثّل الجماعة، ومثّل قلقها أمام تعليم يسوع. "من يستطيع إذن أن يخلص" (آ 25)؟

2- الدراسة التفصيليّة
أ- مقدّمة إلى دراسة الآيات
أولاً: البنية
اعتاد عدد من الشرّاح أن يقسموا هذه المقطوعة (19: 16-30) التي تجعل الغنى تجاه الملكوت، إلى ثلاثة أجزاء: آ 16-22؛ آ 23-26؛ آ 27-30. ونحن نتبعهم في هذه القسمة. يروي الجزء الأول لقاء بين يسوع وشاب غنيّ. هناك ثلاثة أسئلة تطرح على يسوع. آ 16، 18، 20. وثلاثة أجوبة (آ 17، 18-19، 21)، مع ذروة في الجواب الثالث.
والجزء الثاني يورد أولاً شرح يسوع (آ 23-24). ثانيًا، ردّة فعل التلاميذ تجاه كلام يسوع القاسي (آ 26). في الجزء الثالث، انطلق بطرس من واقع (ها نحن قد تركنا كل شيء) وطرح سؤالاً (ماذا يكون لنا)؟ أجاب عليه يسوع بثلاثة أقوال. الأول، وعدٌ للتلاميذ (آ 28، تجلسون أنتم أيضًا). الثاني، وعدٌ لكل من يترك "أمور الأرض" ليطلب المسيح (آ 29: كل من ترك بيوتًا). الثالث، قولٌ عام حول الأوّلين والآخرين (آ 30).
إن المثلّث هو المفتاح البنيويّ للمقطوعة كلها. ونلاحظ تداخل كل جزء في الآخر، مع العلم أن هذه الأجزاء الثلاثة تنتهي بكلام يسوع.
آ 16- 22 آ 23- 26 آ 27- 30 
تكلّم رجل غنيّ
تكلّم يسوع
تكلّم الرجل الغني
تكلّم يسوع تكلّم يسوع
تكلّم الرجل الغنيّ تكلّم التلاميذ تكلّم بطرس
تكلّم يسوع تكلّم يسوع تكلّم يسوع
ويبدو أن آ 16-22 تبدو بشكل تصالب وتعاكس
آ 16: جاء انسان غنيّ
آ 17 أ: إن شئتَ
آ 17 ب: احفظ الوصايا
آ 18: الوصايا
آ 20: حفظت كل هذا
آ 21: إن شئت
آ 22: مضى الانسان الغنيّ.
ثانيًا: المراجع
إذا وضعنا جانبًا آ 28 (أخذت من المعين)، تبدو آ 16-30 مرتكزة كلها على مر 17:10-31. أولاً، سؤال يسوع في 17:19 يختلف عن مر 18:10. ومع ذلك نحن أمام أولويّة مر. ثانيًا، إن وصيّة محبّة القريب التي أخذت من لا 18:19 (رج مت 19:19) لا تُوجد في مر ولو. وهي تُعتبر تدوينًا متّاويًا. نحن نفهم أن تكون أضيفمت لا أن تكون ألغيت. ثالثًا، هناك صعوبات معروفة في فهم مر 10: 30. لهذا قد يكون ألغاها مت ولو. ولكن ما الذي يمكن أن يكون دفع مر لكي يجعل النصّ الواضح (في مت 9:19 ولو 18: 30) غامضًا؟ رابعًا، يخلو نصّ مر من عبارات ألفاظ تدوينيّة نجدها في مت 16:19 ي.
بجانب الاغفالات التي تحصل صدفة، هناك اتفاقات قليلة بين مت 19: 16-30 ولو 18:18-30 ضدّ مرّ 17:10- 31. لا مجال لذكرها هنا. نشير فقط إلى أن مت 29:19 يضيف "نساء" (= لو 29:18 ≠ عن مر 29:10). ولكن هناك شكًا على مستوى النصوص.
هناك بعض الصعوبات على مستوى نصّ مت. الأولى، شكل السؤال: "أي شيء صالح يجب أن أعمل"؟ بدلاً من: "ماذا يجب أن أعمل"؟ سؤال مت ليس بطبيعيّ، وهو يجعلنا نحسّ أن الصفة (صالح) قد جُعلت هنا لتكون مناسبة للكلام عن صلاح الله (رج لو 10: 25 الذي يجعلنا نرى في النصّ سؤال محام: ماذا يجب أن أعمل لكي أرث الحياة الأبديّة؟). الثانية، لا يبدو الجواب موافقًا. فالسؤال المطروح لا يهتمّ بما هو صالح في المطلق، بل بالشروط اللازمة للحصول على الحياة الأبديّة. الثالثة، القول بأن الله وحده صالح، وهذا يوافق السياق حين يستبعد صفة الصلاح عن أي شخص آخر سوى الله. غير أنه لا يلغي إمكانية بها يستطيع شخص آخر أن يفعل صلاحًا.
ثالثًا: التأويل
يتابع هذا الحوارُ موضوعَ الأمور العائليّة حول الغنى والملكوت، وهو موضوع سبق متّى وأشار إليه. مثلاً، الاعلان حول استحالة خدمة (عبادة) الله ومامون (أي المال الذي يعطينا الأمان، 6: 24). لاشكّ في أن الشاب الغنيّ فضّل المال على الله. وهناك أيضًا مواضيع الكنز في السماء (6: 19- 21)، والسخاء (6: 22-23)، والجزاء الاسكاتولوجيّ (5: 3-12)، والكمال (48:5). كل هذا يعود هنا. وهكذا يكون 19: 16-30 صورة إخباريّة عن جزء مهمّ في إنجيل متّى، ولاسيّما في عظة الجبل.
أما عن الاختلافات بين مت 19: 16- 30 والمرجع المرقسيّ، فإليك أهمها. (1) رغم زيادة آ 28، فإن مت (مع 270 كلمة) يبقى أقصر من مر (279 كلمة). ولا نجد في لو سوى 202 كلمة. (2) في نقاط عديدة خلق مت التوازي أو أبرزه (ق آ 17 و31؛ آ 22 و25؛ 26، 25-27). (3) حين نقابل صت مع مر، نجد أن السرد أقلّ والتشديد على الخطبة ظاهر. (4) أعيدت كتابة مر 10: 17-18 لتجنّب تفكير قد يقول بأن الله ليس بصالح. (5) وضع الـ التعريف (تو) قبل عدد من الوصايا (آ 18). (6) شابه الايراد الكتابي ما في السبعينيّة. (7) أضيف لا 18:19 على الاجمالة التي نجدها في مر 19:10. (8) في مت سأل الرجل الغنيّ: "ماذا ينقصني بعد" (آ 20)؟ في مر، قال له يسوع ما ينقصه (10: 21). (9) في مت لا ذكر لحبّ يسوع لذلك الانسان (آ 21، نظر إليه وأحبّه). (10) لا نجد "إن شئت أن تكون كاملاً" (آ 21) في مر. (11) قيل إن هذا الانسان الغني كان شابًا في مت فقط، لا في مر. (آ 22). (12) إن عبارة "الحق أقول لكم" تبدأ في مت 19: 23 لا في مر 10: 23. (13) غابت عبارة "ماذا يكون لنا" (مت آ 27) من مر. (14) القول الاسكاتولوجيّ حول اثني عشر كرسيًا (آ 28) لا يظهر إلاّ في مت. (15) قد اختُصرت عبارة مر 10: 29 "من أجلي ومن أجل الانجيل" فصارت "من أجل اسمي" (آ 29). (16) إن الوعد بالمكافأة قد ارتبط بالمستقبل (آ 28-29؛ ق مر 10: 30).
مع أن البناء يختلف بين انجيل وآخر، إلاّ أن النقّاد يرون أن مت 19: 16- 30 هو تذكّر لحدث من حياة يسوع، وقد ضُمَّت إليه أقوال حول الغنى والمكافأة الاسكاتولوجيّة.
إن اللقاء مع الرجل الغنيّ (مر 17:10-22) والمواد التي احتفظ بها مر 23:10-25 تحتفظ لنا بأمور عديدة عن يسوع. (1) اعتُبر المعلّمَ مع نظرة خاصة إلى المجال الدينيّ. (2) ركّز يسوع على أهميّة الدكالوغ أو الوصايا العشر. (3) طلب من تبّاعه التزامًا تامًا واستعدادًا لقطع كل رباط اجتماعيّ واقتصاديّ (رج مر 1: 16-20) من أجله. (4) علّم أن الغنى هو عائق في الطريق الموصلة إلى الملكوت.
وكما هو الأمر بالنسبة إلى التقليد في مت 19: 27، 29- 30= مر 10: 28- 21، فالقول القصير حول الأوّلين الذين صاروا آخرين، والذي نجده أيضًا في المعين (مت 20: 16= لو 13: 30)، لا يجد ما يوازيه بشكل دقيق. هو يتوافق مع تشديد يسوع على المكافأة الاسكاتولوجيّة. لهذا، نعتبر أن الرب تفوّه به. ولكن ليس من تأكيد حول مر 10: 28-30. فالمقدّمة (آ 28، ملاحظة بطرس) قد تكون تدوينيّة. ورأى بعض الشرّاح أن آ 29- 30 تعود إلى وعد حقيقيّ قريب من هذا: "وكل من ترك الأب أو الأم (الأخت أو الأخ) لأجلي، سينال لهذا مئة ضعف". وامتدّ النصّ بإضافة لائحة الأمور التي نتركها (بيوت، إخوة)، وتوضيح التعارض بين هذا العالم وذاك الآتي. قد يكون هذا الرأي صائبًا أم لا. ولكن القول حول ترك والعائلة والمكافأة المقبلة هو قريب من إعلان يسوع وتعليمه.
ب- الرجل الغني ويسوع (19: 16-22)
إن خبر نداء يسوع إلى التلمذة هو رواية من نمط "سؤال": هو يورد حاجة السائل ونتيجة سؤاله (أو: طلبه). في هذه الحال، انتهى السؤال في الفشل (رج أيضًا 8: 19-20)، لأن الرجل الغني، وإن كان وجهًا محبّبًا، ما استطاع أن يترك خيرات الأرض من أجل كنوز السماء. والبُعد المأساوي قد خفِّف في خيار ثان وُعد فيه التلاميذ بأن ينالوا المكافأة الحسنة لأنهم تركوا كل شيء.
توجّه الرجل الغني إلى يسوع (آ 16) كالمعلّم، وسأله بصدق: "أي شيء صالح يحب أن أعمل لكي أنال الحياة الأبدية"؟ نلاحظ الفردية في هذا السؤال. لا يتطلّع هذا الانسان إلى خلاص شعبه، بل إلى خلاصه هو. فالمتكلّم الذي ما قيل بعد إنه غنيّ، ترجّى أن يعرف من يسوع إرادةَ الله. وسؤاله يفترض أنه توجّه إلى معلّمين عديدين فما وجد ما يرضيه.
"ماذا أعمال من الصلاح"؟ رج يوسيفوس، الحرب اليهوديّة 1/ 392؛ أخبار إرميا 7: 22؛ تلمود بابل البركات (28 ب) حيث نقرأ: "يا معلّم، علّمنا طُرق الحياة بحيث ندرك بها الحياة في العالم الآتي". قال مر 17:10: "أيها المعلّم الصالح". ولكنه لم يقل "الشيء الصالح"، الصلاح (رج عا 5: 14؛ مي 8:6). إن التبدّلات المتّاويّة التي تهيّئ آ 17، تجعل الطلب أكثر بساطة ممّا في مر: ظنّ أن هناك عملاً كبيرًا قد يستطيع أن يُرضي الله به. ومال عن صلاح يسوع إلى صلاح الطاعة للشريعة، أي إلى ضرورة صنع الخير للحصول على الحياة الأبديّة (لا 18: 5؛ أم 4: 2، 4).
فأجاب يسوع (آ 17) أولاً بسؤاله، ثم بقول لاهوتي، وأخيرًا بأمر يُفهم الرجل الغني أن العهد القديم لا يكفي. "قال له". أما مر ولو فذكرا يسوع (قال له يسوع): "لمَ تسألني عمّا هو صالح "؟ قال مر ولو: "لماذا تدعوني صالحًا"؟ بما أن متّى يعتبر أن يسوع لا تلامسه الخطيئة إطلاقًا، تجنّب نصّ مر الذي يقول إن الله هو صالح وإن يسوع ليس بصالح (لا سمح الله). لا يحتاج الانسان أن يعرف ما هو صالح. فالصالح معروف. والله قد أوحى بوصاياه من أجل ذلك. 
"واحد هو الصالح". ق تث 6: 4 (اسمع يا اسرائيل). "ليس من صالح سوى الله وحده" (مر 10: 18= لو 18: 19). "الواحد" هو (كما في مر) الله. وصار المعنى: الوصايا (أي الصالح في الاية السابقة) هي صالحة لأنها من عند الواحد الذي هو صالح، الذي هو الله. الله هو ينبوع كل صلاح (مز 16: 2). "إن شئت أن تدخل الحياة". هي جملة تدوينيّة ارتبطت مع آ 16 (= مر 10: 17 عن الحياة) وآ 24 (= مر 10: 24-25 مع فعل دخل). ق 18: 9 والاضافة إلى آ 21 (إن شئت). نقل يسوع هذا الرجل من التجارة إلى الطريق، فدعاه إلى حجّ لا إلى شراء. "إحفظ الوصايا". ق مر 19:10= لو 18: 20: "أنت تعرف الوصايا". نلاحظ الرباط بين الوصايا والحياة. بما أن الله وحده هو صالح، فالسؤال المطروح هو: ماذا يقول؟ ماذا يريد؟
حافظ يسوع (آ 18-19) على الوصايا (رج 17:5-20)، فطلب من الرجل أن يحفظ اللوحة الثانية في الدكالوغ (حول العلاقات الاجتماعيّة، خر 20: 12-16؛ تث 5: 16-20)، وأن يحبّ قريبه مثل نفسه كما يقول سفر اللاوّيين. في كل هذا نجد أربعة منعات (تبدأ مع "لا"، لا تقتل...) وأمرين ايجابيين (مع حرف العطف: أكرم أباك وأحبب قريبك). قد نعجب لأنه لم يذكر اللوحة الأولى حوله واجبات الانسان تجاه الله. ولكنَّ حفظ اللوحة الثانية يدلّ على الديانة الحقّة، وإلاّ كانت عبادتنا كاذبة. رج 5: 21-48 حيث تُذكر فقط وصايا اللوحة الثانية، رج مز 18:50-20؛ هو 4: 2.
كان الرجل قد سأل: أي (وصايا)؟ فهناك وصايا جديدة. 613 وصيّة. وهناك وصايا أهمّ من غيرها. هكذا كانوا يقولون. تبع مت ومر ترتيب الوصايا كما في النصّ الماسوريّ. "أحبب قريبك كنفسك". وهكذا مال يسوع بانتباه الرجل من نفسه إلى قريبه. هي عبارة تدوينيّة تعود إلى لا 19: 18 (انجيل توما 25). نشير إلى أن العالم اليهوديّ أورد مرارًا لا 18:19 (سي 13: 15، يوبيلات 7: 20؛ 20: 2= 36: 4، 8؛ وصيّة رأوبين 6: 9؛ وصيّة يساكر 5: 2؛ وصيّة جاد 4: 2: وصيّة بنيامين 3: 3-4). وكذلك فعل العهد الجديد (مت 5: 43؛ 19: 19؛ مر 12: 31 وز؛ 12: 33؛ روم 12: 9؛ 13: 9؛ غل 5: 4؛ يع 8:2). سأله أي الوصايا، وكأن هناك وصايا مطلوبة وحدها للخلاص. جاء يسوع يستبعد مثل هذا المفهوم.
أعلن الرجل أنه حفظ الوصايا (آ 20). ولكن ما زال ينقصه شيء. ما زال يطلب شيئًا آخر. "فقال له الشاب" (نيانسكوس- بين 21 و28 سنة كما قال هيبوكراتس). "حفظتها" (فيلاسو). فعل مستعمل في المراجع اليهوديّة (تك 26: 5؛ خر 20: 6؛ خر 17، "ش م ر" في العبريّة). ولكن حين زاد مت لا 19: 18، بيّن أن هذا الرجل يعتدّ بنفسه. فحفظُ وصايا الدكالوغ شيء، ومحبّة القريب كالنفس شيء آخر.
"ماذا ينقصني بعد"؟ تفرّد مت في إيراد سؤال ثالث في فم الشاب. رج مز 4:39 حسب السبعينيّة؟ مر 10: 21 (قال يسوع: ينقصك شيء واحد). ينقصك أن تكون لله لا لمامون، لا للمال.
لا يطلب يسوع صدقة، بل يطلب كل شيء (آ 21). لسنا أمام وصيّة من وصايا الدكالوغ، أو العهد القديم، بل أمام شيء جديد، أمام مهمّة ولّدتهما طبيعة التلميذ والبرّ المطلوب في 5: 20. "قال له يسوع". في مر 10: 21: "نظر إليه يسوع وأحبّه" (لا نجد هذا في لو أيضًا). "إن شئت أن تكون كاملاً". هذا ما يقابل مر 10: 21؛ لو 18: 22: "واحدة تنقصك".
نجد مسألتين أساسيتين في آ 21: طبيعة الكمال. ثم: هل هناك نوعان من المؤمنين؟ كان هناك اتجاه لجعل المسيحيين في درجات: المتقدّمون (الأفاضل) والآخرون. هؤلاء الذين يبيعون كل شيء. والآخرون الذي يظلّون على مستوى ثان من الفضيلة. ولكن كلنا مدعوّون للاقتداء بالله في حبّه. والشاب الغنيّ قد دُعي إلى اتباع يسوع في وضعه الخاص. ثم إن نظرة الانجيل مختلفة تجاه الغنى. وماذا تعني كلمة "تالايوس" (كامل)؟ هي تعني الكمال في الحبّ وفي الطاعة لنداء الله. يكون هذا الشاب كاملاً إن هو أطاع يسوع المسيح بكل قلبه. وهكذا، نكون جميعًا مدعوّين إلى مثل هذا الكمال في مختلف ظروف حياتنا.
"إذهب وبع مالك وأعطه للمساكين". ق 25: 14؛ لو 12: 23؛ 1 كور 13: 3 (هذا يعني أن بولس عرف خبر هذا المقطع). هناك أشخاص عديدون في تاريخ الكنيسة، قد ساروا بحسب هذه الوصيّة: أوريجانس، أنطونيوس الكبير. فرنسيس الاسيزي وآخرون غيرهم. وهذا ما فعلته الجماعة المسيحيّة الأولى (أع 43:2-47). "فيكون لك كنز في السماء". وهذا ما فعله ملك حدياب: ترك الغنى لكي يكون له كنز لا يفنى في العالم الآتي. "وتعال اتبعني". من أراد أن يناله الحياة يقدّم حياته ليسوع. ولا يتأخّر (8: 21-22).
لم تكن رغبة الرجل كافية لكي تدفعه إلى العمل (آ 22): هو مثَل عن ضعيفي الارادة. لم يكن في وسعه أن يتخلّى عن طمأنينة اعتاد عليها. ويتعلّق بتلمذة لا شيء أكيدًا فيها. مضى حزينًا، صامتًا. "لأنه كان ذا مال كثير". رج مر 22:10. لا يقال لماذا لم يستطع هذا الرجل أن يتحرّر من قيود المال. فالواقع هو هنا. والخطر يتربّص منا. يبقى علينا أن نعطي الجواب. والفشل ليس فشلاً على مستوى الايمان، بل على مستوى الطاعة التي تعبّر عن محبّتنا ليسوع المسيح. قال اكلمنضوس الاسكندراني: "لا إكراه عند الله. يدعونا ونحن نقبل أو لا نقبل".
ج- الغنى والخلاص (23:19- 26)
وانتقل يسوع من الرجل الغني إلى التلاميذ، ففسّر لهم ما حدث. "فقال يسوع لتلاميذه" (آ 23). أما مر فبدأ مع "نظر حوله" (باريبلابوماي. يرد ست مرات عند مرقس، ومرة واحدة عند لوقا. ولا يرد أبدًا عند متّى). "الحقّ أقول لكم". عبارة تدوينيّة. يعسر الاستناد إلى الغنى لا إلى الله وحده (13: 22؛ رج أم 15: 16-17؛ سي 31: 5-7؛ وصيّة يهوذا 19: 1-2؛ 1 تم 6: 10).
ذاك كان اعلان أول. وجاء إعلان ثان يكمّل الأول: "بل أقول لكم" (آ 24). ترك مت مر 10: 24 (فبُهت التلاميذ لأقواله) وزاد "بالين"، أيضًا. "إنه لأسهل أن يدخل جمل في ثقب ابرة". حاول بعضهم أن يخفّف من ضخامة الصورة. (1) بعض المخطوطات (59، 61) والترجمات (الأرمنية، الجيورجيّة) بدّلت الحركات فصار "كاميلوس" لا "الجمل"، بل الحبل (هناك حاشية نسبت إلى أوريجانس). هكذا قال كيرلس أسقف الاسكندريّة في شرحه للوقا 132.
(2) ووصل بعضهم إلى النتيجة عينها حين عادوا إلى الأصل الأرامي المفترض (ج م ل ا؛ رج في العربية الجمل أي الحبل الغليظ). (3) أورد ابن الطيّب هذا الرأي في تفسيره، وترك لفظة "الجمل" (الحيوان الداجن). (4) كانت هناك أسوار المدن مع مدخل ضيّق قرب مداخل واسعة. فالمدخل الضيّق يشبّه بخرم الابرة لأنه يصعب الدخول فيه.
ولكن لا حاجة للانطلاق من المعنى الكامل للنصّ، الذي قد يكون استند إلى مثل وقول مأثور. (1) يتحدّث النصّ عمّا هو مستحيل. نقرأ عن مثل هذه الصعوبة في أعمال بطرس واندراوس. وسّع الله الابرة بحيث مرّ فيها الجمل. صار اللاممكن ممكنًا مع الله. وقال ايرونيموس في كتابه ضد بلاجيوس (1: 10): يُشبّه اللاممكن بلاممكن آخر. (2) أخذ التقليد الآبائي إجمالاً بالتفسير الحرفيّ. اكلمنضوس الاسكندرانيّ، أوريجانس، الذهبيّ الفم، ايرونيموس، أوغسطينس. (3) الجمل هو أكبر حيوان في فلسطين. وهو عريض جدًا. وخرم الابرة معروف بأنه ضيّق جدًا. وهكذا نكون أمام تعارض كامل. (4) هذه الطريقة في الكلام معروفة لدى الذي تكلّم في 23: 24 عن الذين يبلعون الجمل. (5) نجد مقابلة مماثلة في تلمود بابل (البركات 55 ب): دخول الفيل في خرم الابرة. ونلاحظ أخيرًا أن هناك من ضمَّ خرم الابرة إلى الطريق الضيّق (13:7-14). كتب اكلمنضوس الاسكندراني في كتابه "أي غنيّ ينجو" (26/ 7): "يمرّ الجمل في مضيق وفي طريق ضيّق قبل الغني". رج أوريجانس، ضد قلسيوس 6/ 16.
نقرأ في تلمود بابل (يبموت 45 أ): "في ماداي، يستطيع الجمل أن يرقص على مكيال الحبوب". وفي "نشيد ربه" (حول 5: 2): "قال الله لبني اسرائيل: افتحوا لي يا أولادي باب التوبة ولو بصغر خرم الابرة، وأنا أفتح لكم أبوابًا واسعة تكفي العربات لتدخل فيها". ونقرأ في القرآن الكريم (سورة الاعراق 7: 40): "إن الذين كذّبوا باياتنا واستكبروا عنها لا تُفتح لهم أبواب السماء ولا يُدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط". نلاحظ هنا التأثير المسيحيّ.
"لما سمع التلاميذ بُهتوا جدًا" (آ 25). رج مر 26:10 أ. "إذن، من يستطيع أن يخلص"؟ كان الغنى علامة رضى الله: إذا كان الغني الذي باركه الله لا يستطيع أن يدخل الملكوت، فمن يستطيع؟ هنا نشير إلى بعض النصوص النبويّة التي ترى أنه لا يمكن لانسان أن يكون غنيًا إلاّ بالاحتيال على الآخرين وظلمهم. أش 10: 1- 2؛ حز 22: 23- 31؛ عا 2: 6-7؛ 5: 11- 12؛ مي 2: 1- 11. لم يفهم التلاميذ كلام يسوع.
"فحدّق يسوع إليهم" (آ 26). "ذلك مستحيل عند الناس". رج تك 18: 14؛ أي 10: 13؛ 42: 2 (حسب السبعينية)؛ زك 8: 6؛ لو 1: 37؛ مر 23:9. إن الفكرة التي تقول إنه لا يستحيل شيء "مع الله" ترتبط بما قيل عن الصلاة القديرة (17: 20). هنا تتقابل قوّة الله مع ضعف الانسان. الله وحده هو الذي يخلّص. وسبق وقلنا: الله وحده هو الصالح. الخلاص ممكن. ولكن قدرة الله لا تكفل الخلاص لأحد. إذا فهمنا 19: 26 كتأمين للغني (بقدرة الله سيخلص) فنحن نسيء الفهم. وما قيل في آ 26 لا يلغي ما قيل في آ 23-24 حول الالتزم بكلام الله والطاعة له.
د- المكافأة الاسكاتولوجيّة (27:19- 30)
وسأل بطرس: ونحن الذين تركنا كل شيء، ماذا يكون لنا؟ بدأ يسوع فهنّأهم. ولكن جاء بعد هذا المديح تحذير: إذا كانوا آخرين وصاروا أولين، فقد يكونون نموذجًا للذين كانوا أوّلين وصاروا آخرين.
"عندئذ أجاب بطرس وقال له" (آ 27). بطرس هو من يتكلّم باسم الاثني عشر: "ها قد تركنا". وماذا تركوا؟ الشباك. غير أنهم تركوا كل شيء. فعلوا ما فعل ابن طيما. لم يكن له إلاّ رداؤه وفيه بعض المال، فرماه عنه وقفز ذاهبًا إلى يسوع (مر 50:10).
"فقال لهم يسوع... متى جلس ابن البشر.." (آ 28). ق تث 18:17؛ دا 7: 9-27، مزامير سليمان 17: 28؛ رؤ 3: 21. إن الرباط بين العرش (الكرسيّ) والمجد قديم جدًا (1 صم 2: 8؛ أش 22: 23؛ إر 14: 21؛ 17: 12؛ زك 6: 13؛ حك 9: 10؛ سي 47: 11؛ 1 أخنوخ 9: 4؛ 45: 3؛ 51: 3؛ 55: 4؛ 8:61؛ 62: 2-3؛ 7:71). غير أن كرسيّ ابن الانسان لا يرد مرارًا. في 1 أخنوخ 62: 5 نقرأ:إ حين يرون ابن الانسان جالسًا على عرش مجده". وفي 69: 29: "ظهر ابن الانسان وجلس على عرش مجده". ولكننا نعود هنا إلى القرن الأول المسيحيّ، ساعة دوِّن مت.
تُنسب آ 28 عادة إلى المعين. رج لو 28:22-30. ففي المعين وُجد بعدَ مثل الوزنات (25: 14-30= لو 19: 12-27) شيء مثل هذا: "أنتم الذين تبعتموني. هيّأت لكم ما هيّأ لي أبي، أن تملكوا في ملكوتي وأن تجلسوا على اثني عشر كرسيًا، فتدينوا أسباط اسراثيل الاثني عشر". إن كان الأمر كذلك، يكون مت (1) قد وضع "التجديد" "بالنغاناسيا" (ليس لها ما يقابلها في الاراميّة). (2) ألغى "هيأت". (3) أضاف: "متى جلس ابن الانسان على عرش مجده" (رج 25: 31. نجد التوازي بين يسوع وتلاميذه). (4) زاد: "كاي اوتوي" (ليؤمّن الرباط مع الآية السابقة). (5) جعل "الاثني عشر" مع "الكراسي" لكي يُبرز التوازي بشكل أكبر.
ما معنى "لتدينوا" (كرينو)؟ هناك من قال: تسودون. أو تدينون. بمعنى أن اسرائيل سيُدان ويُحكم عليه بواسطة الاثني عشر في عهد التجديد أو عند الانقضاء. ولكننا نعود بالأحرى إلى "ش ف ط" العبريّ (قض 3: 10؛ مز 10: 10؛ دا 9: 12؛ 1 مك 73:9. يترافق القضاء مع النجاة والخلاص والنعمة) الذي يدلّ على سلطة خلال وقت من الأوقات (على مثال القضاة في اسرائيل). كما كان بالنسبة إلى الشعب الأول، كذلك سيكون بالنسبة إلى الشعب الثاني. رج صلاة: "شموني عشره" مع المباركة 18: "أعد قضاتنا كما في الأيام القديمة". ونتوقف عند النقاط التالية:
(1) ليس هناك من فكرة موازية لتلك التي تقول إن اسرائيل سيُجمع ليُدان ويحكم عليه. فتجميع القبائل الضائعة كان الرجاء الاسكاتولوجيّ العظيم مع العهد القديم نفسه. وما يدلّ على قدرة الله وأمانته معجزة التجمّع المفرحة. وندهش أن يكون نص متّى بعيدًا عن العالم اليهوديّ وهو الذي اهتمّ بيهود الشتّات (عد 21؛ حك 3: 7-8). (2) تأثّر 19: 28 بـ دا 7: 9-27. ولكن في دا، امتلك قدّيسو العليّ الملكوت والسلطة. (3) في وصيّة يهوذا (25: 1- 2) وفي وصيّة بنيامين (10: 7) سيقود الآباء (مثل ابراهيم) الاثنا عشر اسرائيل اللامجموع (وصيّة زبولون 10: 2). لا نعرف إذا كان هذا النصّ مسيحيًا أو لا. ولا نعرف متى دوّن. ولكن من الممكن ضمّ التجديد الاسكاتولوجي مع قيادة جسم مؤلف من اثني عشر شخصًا. (4) يبرهن لو 28:22-30 (وهذا ما يدلّ عليه السياق) على أن الانجيل الثالث فكّر في التلاميذ "كقوّاد". (5) في مت 20: 20-21، طلبت أم يعقوب ويوحنا من يسوع أن يجعلهما عن يمينه وعن يساره عند مجيء ملكوته. الصورة قريبة ممّا في 19: 28. إن 20: 20- 21 يُفهم في إطار "القيادة والحكم" ولاسيّما على ضوء 20: 25 (الرؤساء عند الأمم يتسلّطون عليهم). أما يكون من الأفضل أن نعود بـ 28:19 و20: 20- 21 إلى ذات الظروف؟ (6) إن مت 2: 6 يورد 2 صم 5: 2؛ 1 أخ 11: 2 (زعيم يرعى شعبي اسرائيل). هذا ما انتظره شعب اسرائيل في القرن الأول المسيحي. وهكذا نفهم مت 28:19.
ونستخلص أن 28:19 يتطلّع إلى التلاميذ الاثني عشر الذين يدخلون دخولاً ملوكيًا في قدرة الله فيصبحون "قوّادًا". وهناك تيّار يتحدّث عن مُلك الرسل في الكنيسة (مكاريوس المزعوم، عظة 6: 6). هذا ما سيكون لاسرائيل في المستقبل. ولكن أين يكون هذا المستقبل؟ هنا نجد "بالينجاناسيا": ولادة جديدة للعالم كما قال الرواقيون. تجسّدٌ جديد (نميسيوس الحمصي، في طبيعة الانسان 2)، عالم جديد بعد الطوفان (فيلون، حياة موسى 2: 65)، ولادة جديدة للمسيحيّة (تي 3: 5)، عودة بني اسرائيل بعد المنفى (يوسيفوس، العاديات 11: 66)، ما بعد الحياة (فيلون)، القيامة (اوسابيوس، التاريخ الكنسي 5/ 1: 62-63). وقيل "الدهر الجديد". "الدهر الآتي" (رج مر 10: 30).
كيف فهم متّى "الدهر الجديد"؟ هل فهمه متل بابياس، ويوستينوس الشهيد والسبتيين وعدد من الأصوليين، على أنه ملكوت المسيح على الأرض في المعنى الحرفي للكلمة؟ هل نحن أم استباق لأرض جديدة أو متجدّدة بعد مخاض ولادة اسكاتولوجيّة (كما عند الرواقيين؟ رج أش 65: 17؛ 66: 22، أرض جديدة؟ اليوبيلات 1: 29؛ 1 أخنوخ 45: 5؛ 72: 1؛ 2 بط 3: 13؛ رؤ 21: 1)؟ أم أمام استباق ولادة أولى وولادة ثانية (رؤ 20- 21؛ نجد في عزرا الرابع كلامًا عن مُلك مسيحاني موقت تتبعه القيامة والخق الجدي). نحن نشكّ في أن يكون في مت انتظاران اثنان، أو انتظار لملك مسيحاني وأرضيّ. نشير هنا إلى أن سقوط الكواكب من السماء (29:24) يتضمّن إن فهمناه حرفيًا، أرضًا جديدة وسماء جديدة، وهكذا يكون 24: 35 نبوءة عن انحلال محتمل للسماء والأرض (رج 18:5). في الواقع لم يكن مت مهتمًا في تقديم التفاصيل حول الوضع الكوسمولوجي (الكوني) المقبل. فالزمن المقبل يعني له شيئين: المسيح واسرائيل. و"التجديد" يعني العالم الذي فيه يملك المسيح ويُفتدى اسرائيل.
هل يعود 28:19 إلى يسوع؟ يتضمّن هذا القول أن يسوع اختار 12 تلميذًا، وأنه ربط رسالته بما في دا 7، وأنه نظر إلى قبائل الاسرائيل الاثنتي عشرة التي لم تجتمع بعد. هنا نضيف ثلاث نقاط. الأولى، إن اختيار متيا هو تاريخيّ ويتّخذ موقعه في أول أيام الكنيسة. وهو يعكس اعتقادًا بأن الانتظار الاسكاتولوجي يفترض وجود مجموعة الاثني عشر (وهذا الاعتقاد سبق الفصح والقيامة). (2) يبدو أن الاثني عشر لم يلعبوا دورًا كبيرًا في الحقبة السابقة للفصح. وهكذا فقول يعظّمهم بعد الصلب يبدو غير متوقّع. (3) إن الوعد يتضمّن يهوذا، وهذا ما لا ننتظره من تعبير مسيحيّ متحرّر من كل قيد. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، قدّم مت 19: 28 يسوع على أنه ابن الانسان المجيد، ساعة جعل لو 28:22-30 يسوع يتكلّم عن ملكوت يُعطى بيد الآب. ولكن، وحتى لو اعتبر يسوع نفسه المسيح وابن الانسان كما في دانيال (أو: ابن الانسان)، إلاّ أنه ما أراد أن يتكلّم عن نفسه صراحة. ثم إن يسوع في مز 10: 35-45، قد رفض لتلاميذه وعد المجد الاسكاتولوجيّ: "أما الجلوس عن يميني أو يساري، فليس لي أن أهبه"؟ فهناك صعوبة: يتضمّن مر 35:10-45 أن ليسوع سلطة بأن يمنح المقاعد في الملكوت الاسكاتولوجيّ، وأن تلاميذه سيكونون بقربه. فالجدال، ورفض يسوع يعنيان من يكون في مركز الشرف. من أجل كل هذا ميل إلى القول بأن يسوع هو الذي تفوّه بما في 28:19.
"فكل من ترك بيوتًا". وها هو يسوع يوسّع وعده ليضمّ لا بطرس ورفاقه بل جميع الذين تركوا البيت والعائلة "من أجل اسم" يسوع. ونلاحظ البنية التعاكسيّة:
آ 27- تركنا كل شيء
آ 27- وتبعناك
آ 28- أنتم الذين تبعتموني
آ 29 كل من ترك.
قال فيلون إن "اللاويين تركوا الأولاد والوالدين والإخوة الأقرب والأعزّ، ليربحوا حصة خالدة بدل تلك التي تهلك". بدأ مر 29:10: "ليس من أحد" (ومثله لوقا). ثم عدّد ما يتركه التلميذ. أما لائحة مت فتقوم بأمور شخصية وأشياء لاشخصيّة.
البيوت في مر: البيت. جعل مت الجمع بسبب المقابلة مع الحقول)
الأخ والأخت
الأب والأم
الزوجة (لم يذكر الزوج. وهكذا يتحدّث النص كن الرجال لا عن
النساء) والبنين
الحقول
"وكثيرون أولون...". وتنتهي هذه القطعة بقول تائه نجده في 20: 16؛ لو 13: 30 (المعين). قد نكون أمام قول مأثور جُعل في شكل تصالب: أول- آخر؟ آخر- أؤل. من هم الأولون والآخرون؟ الفريسيون والخطأة (23: 12). اليهود والأمم (أوريجانس في تفسير مت 15: 26-27. وتحدّث أيضًا عن الملائكة والبشر). الذين ارتدّوا باكرًا والذين تأخّروا (20: 1 ي). الأغنياء والفقراء (لو 16: 19- 31). الغني والكامل. الاثنا عشر وسائر التلاميذ. أما هنا فالغني هو مثال اللاطاعة: كان أول من دُعي، وسيكون الآخر في الدينونة. سوف يُستبعد. والأخير هو التلاميذ الفقراء، مثال الطاعة: سيكونون الأولين. سيدخلون الملكوت وينالون المكافأة. ونستطيع أن نفسّر 19: 30-20: 16 كتحذير للذين يحسبون نفوسهم أولين. هناك تهنئة ومديح يتبعهما تنبيه كما حدث لبطرس (16: 13-28).

3- قراءة إجماليّة
"وإذا انسان تقدّم إليه". من أين جاء هذا الرجل؟ لا نعرف. لقد بسّط مت ما في مر. في مت، هذا الانسان هو شاب (نيانسكوس، آ 22). في لو، هو شخص مرموق (أرخون، 18:18). ألغى مت "أيها المعلّم الصالح" (مر 17:10)، وحوّل بالتالي جواب يسوع في آ 17. شدّد مر على تواضع يسوع أمام الله. أما مت فأبرز سلطته في تفسير الشريعة (ديدسكالوس، المعلّم). هذا الاختلاف الذي أراده الانجيليون، لا يقلّل في شيء من تماسك الأخبار الثلاثة المتوازية حول سلطة يسوع (كلهم أوردوا "اتبعني" في شكل واحد)، التي هي خضوع متواضع له.
والحياة الأبديّة التي هي عبارة خاصة بالانجيل الرابع، تدلّ على حياة ترضي الله، فتستحق الوعد بالدخول إلى الملكوت الآتي. فضّل الرابينيون عبارة: الحياة في الدهر الآتي (7: 14). والسؤال الحاسم في نظر اليهوديّ هو ماذا يجب أن أعمل، لا كيف يجب أن أكون، لأن مصير الانسان يرتبط بطاعته للشريعة، لا يصفاته الباطنيّة.
اختلف جواب يسوع في مت (آ 17) عمّا هو في مر، ولكنه احتفظ بعنصرين رئيسيين: لا وجود للخير في ذاته. الخير هو ما يريده الله. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، كشف الله عن إرادته (مشيئته) في الشريعة. يبقى على الانسان إذن مسألة الطاعة. ما "روحن" يسوع معطيات مسألة طرحت في ألفاظ يهوديّة، بل ظلّ على مستوى التعليم الكتابيّ القويم. أما محاوره فطلب وحيًا أسمى، وحيًا سريًا، على مثال ما عند الاسيانيين الذين يطلبون "معرفة" جديدة. تحدّث يسوع عن حفظ الوصايا (تيراين). نتذكّرها لكي نعمل بها.
وطرح الشاب سؤاله، فدلّ على قلق دينيّ أمام الوصايا التقليديّة الكثيرة (آ 18)، وهو يطلب أكثر ممّا في الدكالوغ، الوصايا العشر. وجاء الـ التعريف أمام الوصايا كلفظة فقاهة مسيحيّة قديمة، فدلّ على شيء معروف. أورد يسوع بعض الوصايا، فذكر مجمل الدكالوغ ولاسيّما الوصايا الأولى. وبدا هذا الشاب الذي قد يدلّ على انسان يستعدّ للعماد، على أحد الموعوظين، يهوديًا ممارسًا، وقد حاول أن يكون أمينًا للشريعة. ولكنه يبحث عن شيء آخر، شأنه شأن عدد من الناس في عصره، ولاسيّما الاسيانيين.
"إن شئت أن تكون كاملاً..." (آ 21-22). تطرح هاتان الآيتان ثلاثة أسئلة يرتبط بها تفسير الخبر كله. أولاً، هل يحلّ الكمال (تالايوس، لفظة خاصة بمتّى، 5: 48) الذي يطلبه يسوع، محلّ الطاعة للوصايا التقليديّة؟ هل يكمِّلها، هل تكمِّله (كما في 17:5)؟ حين تبع هذا الشاب يسوع في هذا الظرف بالذات، تمكّن حقًا من الطاعة لله الذي أراد أن يخدمه. السؤال الثاني: ما هي العلاقة بين الأمر ببيع ما يملك و"اتبعني"؟ هل يرتبط الواحد بالآخر (بع لكي تتبعني). هل يتساويا في الأهميّة (بع ما تملك. ثم اتبعني)؟ هل يخضع الواحد للآخر (بع أولاً. اختر الفقر. بعد هذا تتبعني بشكل بديهيّ)؟ إن السياق والسرد الانجيليّ يجعلاننا نتبع الفرضيّة الأولى. الأمر الحاسم هو أن نتبع يسوع. والتخلّي عن الغنى هو شرط ظرفيّ. الاحسان إلى الفقراء هو نتيجة هذا التخلّي الذي لا معنى له إلاّ بحضور المسيح. والسؤال الثالث: هل اعتبر مت الأمر بالفقر كقاعدة عامة لجميع الذين يريدون أن يتبعوا يسوع؟ كلا. فهناك نداءات عديدة لا ترافقها هذه المتطلّبة. غير أن هذا المقطع كله يدلّ على أن الغنى، في الفكر الانجيليّ، هو "مَلك" يعارض أشدّ المعارضة الحياة المسيحيّة.
هنا نقرأ ثلاث عبارات متوازية (آ 24-25): تبع يسوع. دخل الملكوت. خلص. وتأتي صورة خرم الأبرة فتدلّ على شيء مستحيل. ما هو مستحيل هو خلاص الأغنياء (آ 26)، لا الخلاص بشكل عام، مع أن هذا الشاب الغنيّ هو صورة عن الانسان كما يراه يسوع. فالخبر الانجيلي كما نجده في الجماعات المسيحيّة الأولى يدلّ على أن قدرة الله قد عملت في يسوع وفي الرسل من أجل خلاص الأغنياء (زكا مثلاً).
وتدخّل بطرس (آ 27) من أجل تطبيق الخبر على التلاميذ. ماذا يكون في وقت التجديد؟ نحن أمام الخليقة الجديدة (لا أمام المعموديّة كما في تي 3: 5) التي ينتظرها العالم اليهوديّ في المستقبل القريب. هذا الانتظار (وهذا الرجاء) قد تحوّل تحوّلاً تامًا بالدور الذي لعبه يسوع كابن الانسان وديّان الأيام الأخيرة. انتظر اليهود جميع اسرائيل في مجد الأسباط الاثني عشر التي تنقّت بدينونة يكون فيها القاضي السماوي برفقة شيوخ الشعب (أش 3: 14). قارب النص عمدًا بين الرسل الاثني عشر والأسباط الاثني عشر. كان فريق يسوع مجموعة محتقرة حتى الآن، ولكنها ستعرف فرح النصر. إذا قابلنا كلمات يسوع هذه بالنصوص الاسيانيّة، نراها تتميّز ببساطتها وروحها الجديدة البعيدة عن كل انتقام.
وتوجّه الوعد إلى كل من يترك الآن كل شيء لكي يتبع يسوع أو يعترف باسمه. تبع مت نصّ مر، ولكنه حوّله تحويلاً عميقًا حين ألغى المواعيد المتعلّقة بالحياة الحاضرة: "يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الخالدة".

خاتمة
في النهاية نعود إلى اكلمنضوس الاسكندراني في كتابه: "أي غني يخلص"؟ قالت: "الخلاص لا يرتبط بأمور خارجيّة، أكانت كثيرة أو قليلة. صغيرة أو كبيرة، معروفة أو خفيّة. محترمة أو محتقرة. بل بالفضيلة، بالايمان والرجاء والمحبّة، بالأخوّة والمعرفة والتواضع والحقيقة". لا ينكر اكلمنضوس سحر الغني وخطره. لا ينكر أن يكون الغنى عائقًا في الطريق إلى الله. ولكنه يلاحظ أن هناك أمورًا أخرى تشكّل عوائق أيضًا. فالغنى لا يكفي من حيث المبدأ، بل يُستعمل حسب حاجات الساعة. "إجعلوا لكم أصدقاء بواسطة مال الظلم" (لو 16: 9). فالمشكلة هي في أننا لا نعود أسياد المال بل عبيدًا له (مت 13: 22). وقد كتب برنردس عن الرجل الغني: لم يعد يمتلك الأموال بل هي صارت تمتلكه. فلو امتلكها تحرّر منها. وهكذا ما يطلب من الانسان هو الحريّة من أجل الطاعة أي الحريّة لكي تصنع ما يتمنّاه الله، ما يأمر به، ما يوصي به. والشاب الغنيّ لم تكن له مثل هذه الحريّة. أما التلاميذ الذين تحدّث باسمهم بطرس، فقد تحرّروا حين تركوا كل شيء من أجل اسم يسوع. يبقى عليهم بعد أن صاروا أولين أن يحذروا لئلاّ يكونوا آخرين. عند ذاك ينطبق عليهم، كما انطبق على الفريسيين، مثلُ العملة الذين أرسلوا إلى الكرم.
الفصل الثالث عشر
عمال الساعة الحادية عشرة
19: 16- 30

ترك يسوع الجليل وتوجّه إلى اليهوديّة في عبر الاردن (19: 1) وكان له لقاء أول مع الفريسيين حول الزواج والطلاق. وبعد عودة الرجل الغنيّ الذي ذهب حزينًا لأنه كان ذا مال كثير (آ 22)، والحديث عن الغنى الذي يمنع من الدخول في الملكوت، قدّم يسوع ما سمّي "العملة المرسلين إلى الكرم" أو كما عنوناه: "عمّال الساعة الحادية عشرة". سنقرأ هذا المثل متوقّفين عند السياق الانجيليّ، وسلوك ربّ البيت الذي أرسل العمّال في ساعات مختلفة. وننهي مع موقف العملة الأولين.

1- موقع هذا المثل بين الأمثال
أ- مثل العمّال
نقرأ هذا المثل الذي هو خاص بمتّى، ونتفحّصه في قرائنه المباشرة كما أراد الانجيلي أن يفهمنا إياه حين وضعه في هذا الموضع من خبره. لا شيء يمنعنا فيما بعد أن نتساءل عن هدف الانجيليّ حين حوّل معنى المثل كما تلفّظ به يسوع. فهذا المثل يقدّم عنصرًا يربطه ربطًا واضحًا بأحد مواضيع القرائن المباشرة. يربطه بـ آ 16 (الآخرون يكونون أولين، رج 19: 30) التي تشكّل خاتمة له. إذا كانت هذه الآية قد انتمت حقًا منذ البداية إلى المثل، عند ذاك يلفت نظرنا أمران اثنان: إذا قابلنا آ 16 مع 19: 30 (أي حالاً قبل المثل)، ترتدي كلمة يسوع هذه طابعًا حربيًا وهجوميًا.
في 19: 30 قرأنا "كثير من الأولين صاروا آخرين". أما في 20: 16 فنقرأ "الأولون يصيرون آخرين" (غابت لفظة "كثير"). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يتيح لنا المثل أن ندرك معنى آ 16 أفضل مما يتيحه لنا سياق 19: 30. فنحن نرى بوضوح أن الآخرين الذين صاروا أولين، هم عمّال الساعة الحادية عشرة الذين كانوا آخر من دُعوا فكانوا أول من تمتّع بخيرات سيّد الكرم (آ 15). في 19: 30، ارتبط انقلاب الأوضاع بقوّة الدينونة الأخيرة التي كشفت الوضع الحقيقيّ للبشر. أما في 16: 20، فما يقلب الوضع هو سخاء ربّ الكرم تجاه العبيد الآخرين، وهو سخاء لم يكن يتوقّعه أحد. لو أن العمّال الأولين ابتهجوا هم أيضًا لهذا السخاء الملوكيّ، لكان جميع العمّال في المقام الأولى، لكانوا كلهم "أوّلين". غير أن تذمّراتهم وحسدهم (اغوغنيزون) جعلهم يتراجعون إلى المقام الأخير، جعلهم يصيرون "آخرين".
حين نفهم هذا المثل بهذه الطريقة، يتوافق تفسيرنا توافقًا كاملاً مع السياق الهجوميّ حيث نجد جدالات يسوع مع الفريسيين. غير أن هناك من يقول إن الانجيليّ جعل من هذا المثل تحريضًا للكنيسة (للتلاميذ) مع أنها قيلت في الأصل ضد الفريسيين. وآخرون يقابلون هذا المثل مع لو 15: 1 ي، فيعلنون أن العمل الذي قام به الفعلة الأوّلون، قد ذُكر هنا ليبرز عظمة محبّة الله المجانيّة. في هذا المعنى قيل: إن سلوك الله لا يتعارض والعدالة، بل يتجاوز هذه العدالة، لأن قاعدة سلوكه هي الصلاح والجودة والاحسان.
إن موضوع هذا المثل سيعود في شفاء أعمييّ أريحا (20: 29-34) اللذين شفاهما صلاح يسوع رغم احتجاج الجموع. وهذا ما نجده في خبر زكَّا (لو 19: 1- 10) الذي أقام يسوع عنده رغم تذمّر الذين كانوا يرافقونه. وسيعود هذا الموضوع بشكل خاصّ في مثل الابنين (مت 21: 28-32) حيث نرى الابن الثاني آخر الاثنين في الارادة الحسنة يصبح الأول في توبته. إذن، لا يتركّز هذا المثل على فكرة نداء الله ودعوته، ولا على فكرة الدينونة تجاه العمّال الأولين، ولا حول فكرة عامة وقديمة حول انقلاب الأوضاع البشريّة بعد الموت (آ 8 ب: مبتدئا بالآخرين)، ولا على فكرة مساواة جميع البشر أمام الله، ولا على فكرة تقول باستحقاق مساو لكل عمل من أجل الله مهما كانت أهميّته، بل نحن بالأحرى أمام عطاء مجًانيّ يمثله أجر يوم لمن لم يعمل سوى ساعة واحدة. 
ولكن إذا عدنا إلى آ 15، نفهم حينئذ أن المثل يتركّز على القول بصلاح الله السامي الذي يستقبل بيسوع المسيح حتى الذين جاؤوا متأخرين في ملكوت الله. وهكذا يكون طابع المثل طابعًا هجوميًا على الفريسيين والذين يعتبرون نفوسهم أبرارًا: هذا ما يحدث بفضل يسوع المسيح: فالخطأة الذين هم آخر البشر سيكونون أول من ينعم بصلاح الله وحنانه.
ب- نظرة القارئ إلى الأمثال
إن العناوين التي يعطيها الشرّاح للأمثال، تدلّ على حالة يصوّرها الراوي، لا على حكم يقيّم هذه الأمثال. ففي مثل الخروف الضائع، أو الابن الضال، يتركّز الانتباه لا على الخروف ولا على الابن، بل على سلوك الراعي بعد أن أضاع خروفه ووجده، وعلى سلوك الأب بعد ذهاب ابنه وعودته. ونسمّي هذا المثل الذي ندرس الآن "مثل عمّال الساعة الحادية عشرة". ففيه الأجر المعطى لعمّال اشتغلوا ساعة واحدة يتطلّب شرحًا. والمهم في هذا الخبر هو الشرح الذي يعطيه ربّ الكرم للعمّال الذين تذمّروا على الفرق بين معاملتهم ومعاملة فعلة الساعة الحادية عشرة.
كان النهار يتألف من 12 ساعة، ويبدأ في الساعة الواحدة. وهكذا يكون الظهر في الساعة السادسة. والساعة الحادية عشرة هي الساعة الأخيرة. وهكذا نفهم احتجاج العملة الأولين ضد الآخرين: "ما عملوا إلا ساعة واحدة".
روى هذا المثل خبرًا غريبًا بعض الشيء، ولكنه خبر بسيط. استأجر ربّ كرم عملة في ساعات مختلفة من النهار. وعند المساء دفع للجميع الأجر عينه. فالذين اشتغلوا 12 ساعة اعتبروا أنهم ظُلموا لأن ربّ البيت لم يدفع لهم أكثر من الذين عملوا ساعة واحدة في النهار. فشرح لهم سلوكه. ومن الواضح عبر هذا الوضع الذي تخيله الخبر، أن الشرح يشير إلى صعوبة خلقتها رسالة يسوع: الشكوك التي يحرّكها لدى "الأبرار" معاشرته "الخطأة".
كل ما بدأ شفافًا للوهلة الأولى، تحوّل إلى "غابة" لا يمكن الخروج منها على مستوى الخبر. ونبدأ فنزيل كل تفسير لا يأخذ بعين الاعتبار مجمل الخبر، بل يستند إلى سمة جانبيّة: هناك الأقدمون الذي اهتموا بشكل خاص بمدلول مختلف الساعات التي فيها استأجر رب البيت عملة له، مع وجه الاستعارة في هذا المدلول. وهناك من توقّف عند استبعاد أو الحكم بالطرد ضدّ العمّال الأولين الذين قيل لأحدهم: "خذ ما لك وانصرف". وأما في ما تبقّى من تفاسير، فنستطيع أن نميّز تيّارين كبيرين قد تتمازج أمواجهما. التيّار الأول الذي يمثّله عدد كبير من الشرّاح هو تفسير يأخذ بوجهة عمّال الساعة الأولى ويلاحظ تصرّف ربّ الكرم من جهة العدل. والتيّار الثاني يهتمّ بالأحرى بالسؤال الأخير: "عينك شريرة لأني أنا صالح". وهكذا يتركّز الانتباه على موقف العمّال المتذمّرين، الذي ظهر عندما فعل ربّ الكرم ما فعل، فوُضعت النقاط على الحروف.
قبل أن نتبع كلاً من هذين الاتجاهين، ذاك الذي ينتقد موقف رب الكرم، وذاك الذي ينتقد موقف عمّال الساعة الأولى، يجب أن نقول كلمة في المنظار الخاصّ بالانجيليّ كما نراه في السياق الذي فيه وُضع المثل والذي به يُربط القول الذي زيد في النهاية: "هكذا يصير الآخرون أولين والأولون آخرين" (آ 16). إن الطريقين اللذين نأخذهما لا يتحدّدان على مستوى الانجيل، بل على مستوى رسالة يسوع.

2- السياق الانجيليّ
حين نفصل المثل عن سياقه المباشر، تصبح آ 16 غير مفهومة في الوضع الذي نقرأها. فمن السهل أن نعرف أن هذا القول يكرّر بشكل مختلف بعض الشيء نهاية ف 19: "كثير من الأولين يصيرون آخرين، وآخرون يكونون أولين" (آ30). وحالاً يبدأ ف 20 مع المثل الذي ندرس: "لأن ملكوت السماوات يشبه". فإذا ألغينا "لأن" وجب أن نلغي أيضًا آ 16.
إن هذا المثل ينهي جزءًا من انجيل متّى. فإن 17:20 يدلّ على مفصل هام في الخبر. فهذه الآية تشكّل نقطة انطلاق خبر رسالة يسوع في أورشليم (17:20-25: 46). إذن، يتّخذ المثل معناه في الرباط الذي يربطه بالسياق السابق. وهذا السياق يتضمّن بشكل واسع "القسم الكنسيّ" الذي يبدأ في 13:16 وينتهي في 16:20 كما يقول بعض الشرّاح. أو هو يبدأ في أي حال في 19: 1 الذي منه تنطلق كل المقطوعات، فتعالج على التوالي مواضيع مختلفة. وفي 27:19، جاء السؤال حول الأجر الذي به ربط الانجيليّ مثل العمّال في الكرم.
في 27:19 بدأ بطرس كلامه فسأل يسوع: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا يا ترى يكون لنا"؟ سؤال مباشر وواضح: "ماذا يا ترى يكون لنا"؟ ولكنه غير موجود في النص الموازي في مر 10: 28 ولو 28:18. إن الإضافة التي جعلها متّى هنا تدلّ على اهتمامه بهذا الموضوع. ويظهر هذا الاهتمام أيضا في أنه لا يكتفي بجواب عام يوجّهه إلى جميع الذين تركوا أملاكهم (29:19؛ رج مر 29:10-30؛ لو 29:18-30). بل يُسبق هذا الجواب بجواب يعني الرسل بشكل خاصّ: في الدينونة سيجلسون على اثني عشر كرسيًا ليدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر برفقة ابن الانسان (آ 28، رج لو 30:22).
هذه المواعيد التي تجيب على سؤال بطرس، يتبعها قول يعلن: "كثير من الأولين يكونون آخرين، وآخرون أولين" (19: 30؛ مر 10: 31). إذن، مرمي المثل في 20: 1-16 يرتبط بشكل عمليّ (في نظر متّى) بالمعنى الذي فهم هذا القول. في هذه النقطة، نحن أمام تفسيرين يتعارضان كل التعارض. يرى عدد كبير من الشرّاح في هذا القول تحذيرًا من الاعتداد الذي قد يولّد الوعد الذي سمعناه: هذا الوعد لا يخلق حقًا لأحد. والذين يفهمونه هكذا يتعرّضون لسماع جواب: كانوا أوّلين، يصبحون آخرين. وهكذا يكون المثل تصويرًا لهذا التحذير. أما أصحاب التفسير الثاني فيظنّون أن متّى فهم هذا القول كتأكيد لوعد قطعه يسوع. فجاء المثل صورة لهذا التأكيد. قد يكون التفسير الثاني هو الأصحّ.
نلاحظ أولاً أنه إن كان متّى قد اكتفى بأن ينقل 19: 30 كما وجده في مرجعه، فهو يحمل تبدّلات لها معناها مكرّرًا القول في 20: 16. وهو ما اكتفى بأن يكتب كما فعل في 19: 30: "كثير من الأولين يصيرون آخرين وآخرون أولين"، بل أعطى القول شكلاً عامًا وحوّل نظام الكلمات: "وهكذا يصير الآخرون أولين والأوّلون آخرين". بدّل الانجيليّ ترتيب الألفاظ، فأراد أن يشير إلى شيء ما. فمن الطبيعيّ أن نتكلّم أولاً عن الأولين ثم عن الآخرين: كما في 13: 52، كان من الطبيعيّ أن نذكر القديم قبل الجديد. إذا كان الانجيليّ قد بدلّ الترتيب الطبيعي، فقد توخّى أن يهتمّ بمصير الآخرين الذين صاروا أولين، أكثر من اهتمامه بمصير الأوّلين الذين صاروا آخرين.
ونجد الاهتمام نفسه بالأجر الموعود الذي دفعه إلى أن يضيف على وعد عام (19: 29) وعدًا يعني الرسل بشكل خاصّ (19: 28). هذه الأضافة تدلّ أنه لم يجد شيئًا "ينتقده" (كما قال بعض الشرّاح) في سؤال بطرس الذي قال: "ماذا يا ترى يكون لنا" (آ 27)؟ هذا السؤال بدا طبيعيًا في عينيه. فلماذا يقول البعض إن القول يهاجم الأولين الذين صاروا آخرون. والذين فكّروا "بأجر عادل"، لن يجدوا في هذا المثل الانجيليّ ما يسند قولهم.
وهكذا صار المثل صورة عن وعد وُعد به الرسل الذين اعتُبروا آخرين فصاروا الأولين ساعة الجزاء. نلاحظ أن هذا التفسير لا يستنفد التعليم الذي يقدّمه المثل فهو يجذب الانتباه إلى نقطة ثانويّة في الخبر، وهي أن ربّ البيت دفع إلى الآخرين قبل الأولين. نستطيع أن نظنّ أن الانجيلي لم يرد أن يحصر في هذه الامثولة تعليم مثل له بعد عميق جدًا. ونحن إذا برّرنا موقعه في الانجيل، يبقى علينا أن نكتشف معنى هذا الخبر بالنظر إلى ارتباطه بحياة يسوع العلنيّة.

3- سلوك ربّ الكرم
أ- آراء متعدّدة
إن ما عمله ربّ الكرم حين استأجر عملة في مختلف ساعات النهار، يبدو لاعاديًا. بل إن قائل المثل تجاوز حدود الممكن الذي يُسمح له. فالمرّات الخمس ستتركّز في النهاية على تعارض بين الأوّلين والآخرين. نلاحظ أن المحاولات الثلاث المتوسطة، توخّت أن تخفّف من حدّة هذا التعارض، وتجعل هنا التعارض بين الأولين والآخرين معقولاً. في آ 8، دُفع للآخرين قبل الأولين. هذا ما يجب أن يكون منطق الخبر، لأن على الأولين أن يكونوا هنا ليشاهدوا السخاء الذي نعم به رفاقهم أصحاب الساعة الحادية عشرة (نسي الانجيلي أصحاب الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة. ولو أخذ الأولون أجرهم ومضوا، لضاع معنى الخبر. لهذا ظلّوا حتى النهاية، فكانوا الآخرين). إذن، لسنا أمام شيء غير عاديّ حتّى آ 8. ولكن السامع ينتظر شيئًا ما: كان اتّفاق حدّد أجر عمّال الساعة الأولى، ولكن لم يُقل شيء عن أجر العمّال الآخرين. ما الذي سينالون من أجر اذن؟
وجاء الجواب في آ 9: إن عمّال الساعة الحادية عشرة نالوا دينارًا، أي الأجر العادي ليوم من العمل يمتدّ على 12 ساعة، وهو ما اتفق عليه ربّ الكرم مع عمّال الساعة الأولى. عند ذاك تقدّم عمّال الساعة الأولى ونالوا هم أيضًا دينارًا. فاحتجّوا: حملوا ثقل النهار، عملوا اثنتي عشرة ساعة، بينما عمل الآخرون ساعة واحدة. وتحمّلوا حرّ النهار، بينما الآخرون وصلوا عند برودة المساء، فهل من العدل عند ذاك أن تتساوى الأجور؟
كتب أحد الشرّاح: "عرف عمّال الساعة الأولى أنه لا يحقّ لهم بأجر يزيد على ما اتّفق عليه. غير أن ما يمكن أن يطالبوا به هو أن تراعى الفروقات؟ ويميّز الذين اشتغلوا أكثر من الذين اشتغلوا أقلّ فتحفظ قواعد العدالة والاستحقاق". ولاحظ شارح آخر: "من الطبيعي أن يتذمّر فعلة الساعة الأولى ونشدّد على "من الطبيعيّ". فليس من عمّال إلاّ وينتحبون في مثل هذه الظروف... مثل هذا الوضع لا يُحتمل لأن ربّ الكرم قرّر بطريقة اعتباطيّة أن يعامل بعض الفعلة حسب العدالة، حسب ما يحقّ لهم، والبعض الآخرين حسب سخائه هو. فإذا أراد أن يكون سخيًا لفئة يكون سخيًا أيضًا للفئة الثانية. وإذا أراد أن يسير بحسب القانون مع البعض فليكن كذلك مع الجميع".
وهكذا رافق الشرّاح عمّال الساعة الأولى. "إن جعلت الأمور هكذا في الواقع، تكون الأمور مشينة. مثل هذا السخاء تجاه الآخرين ينشر أمام الذين عوملوا بالعدلة وحسب، يعني تحدّيًا لشعور الناس. لن يقبل الشعب بهذا فيقول: "هذا ليس بعادل". "الخبر لا يراعي أقلّ قوانين الانصاف". إن تصرّف رب الكرم ليس بعادل. "إن هذا المثل قد أراد أن يعلن تسامي الله كما ظهر في صلاحه، عكس ما يفعل البشر على مستوى العدل والانصاف والمساواة". 
وهكذا، هوجم ربّ الكرم، فوجب عليه أن يدافع عن تصرّفه. وهذا ما فعله في ثلاث نقاط. في النقطة الأولى والثانية ردّ على اعتراض المعترضين. لاحظ أولاً أن العمّال الأولين لم يُظلموا، لأنهم نالوا الأجر المتّفق عليه. أما في ما يخصّ الآخرين، فله الحقّ أن يفعل بماله ما يحلو له، أن يكون سخيًا تجاه هذا الشخص أو ذاك. اعتباران صحيحان لا يرفضهما أحد. يحقّ لربّ الكرم أن يعامل الأولين بالعدل والآخرين بالسخاء. ولكن لا يحقّ له أن يعمل العملين في وقت واحد. وتتأتّى الصعوبة من الرباط الذي يقوم بالضرورة بين معاملتين مختلفتين. وهكذا يكون الجواب على النقطة الأولى والثانية غير مرضيّ.
ويبقى الاعتبار الثالث الذي يتّخذ شكل سؤال (أم عينك شريرة) فينقل الجدال على مستوى آخر، وهذا ما سنعود إليه.
ولكن نشير قبل ذلك إلى الشروح التي يقدّمها الشّراح الذين يتوقّفون عند الطريقة التي بها طرح عمّال الساعة الاولى مسألة تصرّف رب الكرم. وهنا أيضًا نجد اتجاهين متعارضين: من جهة، يبيّنون أنه رغم الظواهر، بقي تصرّف ربّ الكرم موافقًا للعدالة التي يدافع عنها العمّال المتذمّرون. ومن جهة ثانية، يعتبرون أن تصرّف رب الكرم الجائر يحب أن يساعدنا على أن نفهم أن عدالة الله تتجاوز قواعد العدالة البشريّة.
ب- على مستوى الحقوق والعدالة
هنا نتذكّر تفسيرًا قريبًا من المثل، قدّمه سنة 325 رابي زائيرا في جنازة رابي شاب. "بماذا يشبّه رابي بون بن رابي حيه؟ بملك استأجر عمّالاً عديدين. كان واحد من هؤلاء العمّال نشيطًا في عمله أكثر ممّا يجب. ماذا فعل الملك؟ أخذه رفيقًا له يتمشّى معه هنا وهناك. وعند المساء جاء العمّال يأخذون أجرهم، فدفع له كما دفع لهم. فاحتجّ العمّال وقالوا: عملنا طوال النهار، ومع ذلك نال هذا الرجل الأجرَ الذي نلناه. فأجاب الملك: هذا الرجل عمل في ساعتين أكثر ممّا عملتم النهار كله. وهكذا أيضًا، عمل رابي بون في الشريعة خلال ثمانية وعشرين عامًا أكثر ممّا استطاع فعله معلّم مشهور خلال مئة سنة".
هذا المثل الرابيني الذي طرح في ألفاظ مشابهة المسألةَ التي طرحها المثل الانجيليّ، قدّم لها حلاً عقلانيًا بسيطًا يتيح لنا أن ندرك حالاً الطريقة التي يعارضها بصراحة المثل الانجيليّ. نحن هنا أمام تعارض بين التعليم الانجيلي ولاهوت اليهود الفرّيسي. ونقرأ في هذا المجال شرحًا يعود إلى القرون الوسطى: "توخّى المثل أن يبيّن أن أجر الحياة الأبديّة يقابل لا الوقت الذي عملنا فيه، بل العمل الذي عملناه. في هذا المثل علّمنا المسيح أن البعض يعملون الكثير في وقت قليل، والبعض الآخر في وقت أطول. فإذا كان الآخرون قد نالوا دينارًا (مثل الأولين) فلأنهم عملوا في ساعة ما عمله الآخرون في يوم كامل. فالذين كانوا أول من وصل إلى الكرم قد عملوا أقل. لهذا استحقّوا أجرًا أقلّ". أراد هذا الكاتب أن يعارض لاهوت المصلحين فأخذ بلاهوت الفريسيين الذي يعارضه الانجيل معارضة واضحة.
في هذا الخطّ، جاء من يقول إن الله يجازي النيّة والارادة كما يجازي العمل الذي تمّ فعلاً. وقال آخر في خط مختلف: على ربّ البيت أن يدفع أجر يوم كامل لمن عمل ساعة واحدة. ففي الحقّ الروماني، لا يُقسم النهار، بل يُحسب وحدة تامّة. ومن اشتغل ساعة اعتبر وكأنه اشتغل النهار كله. وراح شارح ثالث يتحدّث عن عمّال الساعة الحادية عشرة الذين يحقّ لهم بالضروريّ من أجل حياتهم، حتى ولو اشتغلوا جزءًا من النهار. فحقّ العمالة يترافق مع واجب ربّ العمل. وتحدّث آخر عن عمل ملحّ فرض على ربّ الكرم أن يسرع في قطف عنبه بسبب حالة الطقس الرديئة. في هذه الحالة، وجب عليه فعلُ الشكر تجاه الذين قبلوا أن يساعدوه في مثل هذا الظرف. وهناك من قال إنه بعد أن اتفق رب الكرم مع عمّال الساعة الأولى، وثق الآخرون به فعملوا مستندين إلى تلك الثقة.
كل هذه الشروح تحاول أن ترضي عمّال الساعة الحادية عشرة، لأن ربّ الكرم لم يرضهم. ولكننا ما زلنا على مستوى الأخذ والعطاء في إطار عدالة بشريّة. وهذا ما لا يريد أن يقوله النصّ الانجيليّ.
ج- على مستوى اللاهوت
أما الشرح الأكثر انتشارًا فهو الذي لا يهتمّ بأن يبرّر تصرّف رب الكرم على مستوى العدالة والإنصاف، بل يستنتج من عدم توافق هذا التصرّف مع قواعد العدالة البشريّة، ليقول إن المثل يجعلنا أمام سلوك ليس بسلوك انسان عاديّ: فربّ البيت يتصرّف مع عمّاله كما يتصرّف الله وحده مع البشر. هذا المثل الذي لا يمكن أن نقبل به على مستوى العدالة البشريّة، يصبح وحيًا عن الطابع المتسامي لعدالة الله.
عدالة الله تقوم في صلاحه وسخائه. هل تصرّف رب الكرم اعتباطيًا؟ كلا. يجب أن نفهم أن حريّة الله السامية تسمح له أن يتصرّف كما يشاء، ولا يستطيع أحد أن يطلب منه حسابًا. ولكن السيّد الذي يتحدّى العدالة، هل يمكن أن يعتبر نفسه صالحًا؟ ولكن يجب أن نفهم أن الصلاح بالنسبة إلى الله يعني أن لا ينظر إلى استحقاق وحقوق الذي يصلّي، بل أن يخلّص ويحيي بصلاحه ونعمته. وهكذا بدا المثل وحيًا عن "مجانّية عطايا الله".
كل هذا يبدو تهرّبًا في عالم اللاهوت. نفرض تفكيرنا على الله، ولا نقبل أن نسمع ما يقوله الانجيل لنا. مثل هذا التفسير يريد أن يحدّد إله المسيحيين انطلاقًا من صورة ربّ عمل يعيش في نظام الحريّة الاقتصاديّة مع منطق العرض والطلب. هذا الرجل لا يقبل أن يحدثّه أحد عن حقوق العمّال. غير أنه مستعدّ أن يراعي الذين يستسلمون إلى صلاحه "كأب لهم". إذا كان هذا هو إله يسوع المسيح، إله الانجيل، فالأفضل أن لا نعظ به العمّال. فلا يجد من يسمع لنا إلاّ أغنياء لا يعرفون شيئًا عن العدالة الاجتماعيّة.
وإذا وضعنا جانبًا كل هذه النتائج، نرى أن مثل هذا الشرح لا يستفيد من السؤال الأخير الذي يشكّل مرمى المثل. ويتوقّف عند حقيقة عامّة خارج الزمن وينسى المسألة الآنيّة الملموسة التي يريد يسوع أن يعطيها جوابًا ملموسًا في هذا المثل. كيف يستطيع أن يحصل على موافقة الفريسيين حين يقدّم لهم إلهًا في سمات ربّ كرم لا يمكنهم إلاّ أن يخالفوه في تصرّفه.

4- موقف العمّال الأولين
بعد أن دافع رب الكرم عن موقفه على مستوى العدالة، انتقل إلى مستوى الجدال طارحًا على العمّال المتذمّرين السؤال الحاسم: "أم عينك شرّيرة لأني أنا صالح"؟ وهكذا وُضع هؤلاء الفعلة في قفص الاتهام فوجب عليهم أن يعيدوا النظر في بواعث موقفهم. هل هو اهتمامهم بالحق والعدل دفعهم إلى مثل هذه التشكيّات؟ فعبر عمّال المثل، يتوجّه السؤال إلى سامعي يسوع. ويسوع لا يحلّ محلّهم لكي يقدّم الجواب. فخبره يبقى مفتوحًا على سؤال يجب على السامعين أن يجيبوا عليه.
هذا النهج معروف ونحن نجده في مثل الابن الضال (لو 15: 11-31) الذي يبدو قريبًا جدًا من المثل الذي ندرسه الآن. فمثل الابن الضال ينتهي بنداء ملحّ يوجّهه الأب إلى ابنه البكر الغاضب على تصرّف الأب مع الابن الأصغر، ويطلب فيه منه أن يشارك في فرحة عودة من لا يزال أخاه. فالتشابه بين المثلين لافت للنظر بحيث لا نشك أنهما قيلا في ظروف مشابهة. قيلا لأناس تشكّكوا من علاقات يسوع مع "الخطأة". فالفريسيون والكتبة والناس الذين اعتبروا نفوسهم نخبة الأمّة لم يرضوا عن تصرّف يسوع: فمعاشرة الخطأة المحتقرين لا تليق بانسان يسمّي نفسه مرسل الله. وهي تحدٍّ لهم يصيب في الصميم سلوكهم "النموذجيّ".
عرف هؤلاء الناس "المميّزون" نفوسهم في تذمّرات عمّال الساعة الحادية عشرة. سمعوا ملاحظتي ربّ البيت الأوليين على مستوى العدالة (ما ظلمتك...). ولكن بقي السؤال الآخر الذي يُطرح عليهم بشكل مباشر لا يمكن التهرّب منه: إذا كان ربّ الكرم صالحًا، فهل يجب أن تكون عينهم شريرة؟ فالعين التي تعكس عواطف القلب، تمثّل هنا الاستعدادات الحميمة في الانسان. تلك التي تترجمها بشكل ملموس الاحتجاجاتُ المذكورة في آ 12: "إن هؤلاء الآخرين (هم آخر الناس لأنهم خطأة) ما عملوا إلاّ ساعة، وأنت تساويهم بنا نحن الذين حملنا ثقل النهار وحرّه".
وها نحن نعود إلى آ 12. ما الذي يشتكي منه عمّال الساعة الحادية عشرة؟ لا لأنهم لم ينالوا أكثر من الذين عملوا ساعة واحدة، كما يمكن أن نفكّر بعد أن نقرأ آ10 (ولما جاء الأولون حسبوا أنهم ينالون أكثر). بل لأنهم رأوا أن هؤلاء الآخرين نالوا مثلهم. "لقد ساويتهم بنا". ما يريدون، ليس أن يُعاملوا أفضل من الآخرين، بل أن يُعامل الآخرون أقلّ منهم. فالحقّ الذي يمنحه لهم عملهم، يحرم الآخرين لأنهم لم يعملوا ذات العمل. هذه الطريقة في استنتاج "لاحقّ" الآخرين من حقّهم، يجعلهم يحوّلون الحقّ إلى امتياز: امتياز بالنسبة إلى الآخرين، على حساب الآخرين.
واللهجة التي بها تكلّم الأولون عن رفاقهم لها معناها. في آ 12 يجب أن نقرأ: "الآخرين هؤلاء" مع بعض الاحتقار. على مثال ما قال الابن الأكبر: "ابنك هذا" (لو 15: 30). وعلى مثال ما قال الفريسي عن العشّار: "العشّار هذا" (لو 18: 11). وصار جواب الأب يدلّ على مقصده: "أخوك هذا" (لو 15: 32. تحتقره ولكنه أخوك). ومثَل الفريسي والعشّار يدلّ على الخطأ الذي اقترفه الأول حين احتقر الثاني. وخطأ عمّال الساعة الحادية عشرة مماثل: طالبوا بامتياز يفصلهم عن رفاقهم. هكذا تصرّف الفريسيون مع الخطأة.
إن هذه الملاحظات حول آ 12 وانتقاد ربّ الكرم، تساعدنا أن ندرك إدراكًا أفضل البُعد الحقيقيّ للسؤال الأخير. فعلى مستوى العدالة، لم ينجح السيّد في أن يعطي شرحًا عقلانيًا يرضي المحتجِّين. ولكن هناك شيئًا آخر في تصرّف ربّ الكرم. فعلى العمّال المتذمّرين أن يبدّلوا موقفهم إذا أرادوا أن يفهموه: يبدأون فيرون في عمال الساعة الحادية عشرة رفاقًا لهم، أناسًا يتضامنون معهم (جميع البشر خطأة. والفريسيون أيضًا). فبدلاً من أن يحتجّوا على أجر أخذه رفاقهم دون أن يستحقوه، كان عليهم أن يفرحوا معهم. فمع "عدم استحقاقهم" جعل الربُّ الآخرين مثل الأولين. يا للنعمة العظمى!
وبما أننا في الواقع أمام موقف الفريسيين تجاه الخطأة، فالمثل يقول لنا: إذا أراد الأوّلون (الفريسيون) أن يفهموا سلوك الله كما يظهر في تصرّف يسوع إزاءهم، فليبدأوا بأن يروا في هؤلاء "الآخرين" (الخاطئين) إخوتهم. ما ينقصهم ليفهموا ما يحصل أمام نظرهم هو أن يكونوا صالحين (لأني أنا صالح. عينك شريرة)، أي أن يتعلّموا كيف يحبّون.

خاتمة
حين نقرأ هذا المثل قراءة سريعة، نشعر وكأنّه يحدّثنا عن إله يسوع في صورة ربّ عمل يتصرّف اعتباطيًا، ولا يعرف ما هي العدالة الاجتماعيّة. عند ذاك تنبري الاعتبارات اللاهوتيّة لتدافع عن سموّ عدالة الله التي تتحدّى متطلّبات العدالة البشريّة. ولكن حين نتعمّق في النصّ، نرى أن المثل لا يقدّم تعليمًا نظريًا ومجرّدًا عن الله وعدالته. بل هو يتوجّه إلى أناس اعتبروا نفوسهم ارستوقراطيّة دينيّة عالية، فرأوا في اهتمام يسوع بالخطأة الذين يُحتقرون مسًا بامتيازاتهم. فعناية يسوع بهؤلاء المهمّشين في المجتمع اليهوديّ (لا يمكن التضامن معهم) تدلّ على عناية الله وتحقّقها. ونحن لا نستطيع أن نفهمها إلاّ من الداخل، وحين نشارك في عواطف الرحمة والحنان التي ألهمت رسالة يسوع. ولن يصل الفريسيون إلى هذه العواطف إلاّ إذا اكتشفوا رباط التضامن مع هؤلاء البؤساء. إلاّ إذا قبلوهم إخوة لهم. فمعرفة إله يسوع المسيح تمرّ حتمًا بالتعرّف إلى سائر البشر كإخوة لنا: "فالذي لا يحبّ لا يعرف الله، لأن الله محبّة" (1 يو 4: 8).

الفصل الخامس عشر
شفاء الأعميين في أريحا
20: 29- 33

ونصل إلى نهاية ف 20 مع شفاء أعميين اجترحه يسوع قرب أريحا. هذا الشفاء تحدّث عنه مر 46:10-52، فذكر الانسان الذي نال نعمة الشفاء: هو طيما بن طيما. ترك كل شيء، حتى معطفه، وقفز آتيًا إلى يسوع، عكس الشاب الغني الذي مضى، ابتعد عن يسوع، حاملاً معه حزنًا عميقًا. وتحدّث لو 18: 35-43 عن هذه المعجزة وأنهى حديثه مع خاتمة اعتدنا عليها (لو 2: 20: يمجّدون الله) فهيّأ الطريق أمام ما سنسمعه في فم التلاميذ "يوم الشعانين": "أخذ الفرح جميع جمهور التلاميذ، فطفقوا يسبحّون (يمجدّون) لله بصوت جهير على جميع ما عاينوا من آيات" (لو 37:19). أما متّى وهو الآتي من مناخ يهوديّ، فشدّد على أن يسوع شفى أعميين. وهكذا تصحّ شهادتهما حين يخبران بما فعله يسوع لهما. كما شدّد على أن الشفاء الجسدي يفتحنا على المعنى الرمزيّ في خط نور الخلاص كما في 11: 5: "العمي يستعيدون البصر". أعميا أريحا. والشعب الذي يسمع يسوع.
بعد النظرة الاجماليّة، نتوقّف عند التفاصيل، ثم نقدّم الخلاصة اللاهوتيّة.

1- نظرة إجماليّة إلى شفاء الاعميين
نجد هذا الخبر في الأناجيل الازائيّة الثلاثة. هو في مت حيث هو في مر، أي حالاً بعد الاعلان الرئيسيّ: "ما جاء ابن الانسان ليُخدم، بل ليخدم، ويبذل حياته عن (العميان) الكثيرين" (28:20؛ مر 10: 45). ويرد في لو حالاً بعد الانباء الثالث بالآلام. حين نقرأ هذه المقطوعة في سياقها، نكتشف فيها مدلولين اثنين. الأول: إن ذلك الصاعد إلى أورشليم ليتألّم فيها، هو في الوقت عينه "ابن داود" كما يقول الاعميان. يبرز هذا المدلولُ في مت الذي أحلّ أعميين يعترفان بيسوع، محل ابن طيما في مر، وأعمى مجهول في لو. الثاني (وهو مدلول لا يتعارض مع المدلول الأول): ساعة دخل ابن داود إلى مدينته، تنازل فتوقّف لدى أعمى مسكين جالس على قارعة الطريق. فابن داود هذا جاء ليخدم لا ليُخدم (آ 28). نجد هذا المدلول بشكل خاص عند مر ولو اللذين جعلا أمامنا أعمى فقيرًا مسكينًا. تحدّث لو عن أعمى ما. ومر عن أعمى يتسوّل.
نجد في مر خبرًا خاصًا (آ 49-50) عن اندفاع الأعمى نحو يسوع. ولكن العنصر الأبسط الذي يميّز النصّ يُروى في كلمات نجدها في الأناجيل الإزائيّة الثلاثة: سمع يسوع نداء الأعمى (الأعميين) فتوقّف (آ 32). فتوقّفُ ابن داود ليخدم (آ 28) فقيرين معذَّبين (4:5)، يجد مكانه هنا في قلب السرد المأساويّ. وقد رأى الشرّاح في هذه الآيات نسخة ثانية عن 9: 27- 31، أو نسخة تأثّرت بما في 27:9- 31 فأحلّت أعميين بدل الأعمى الواحد كما في مر. ولكن القضيّة أكثر تعقيدًا. فالسياق في ف 9 مختلف. لسنا في إطار الآلام، بل أمام نصّ حول الايمان: طلب يسوع بشكل واضح الايمان قبل أن يُجري الشفاء، وهذا ما يختلف عن ف 20. ثم إن يسوع منع الأعميين من الحديث عن المعجزة في ف 9 (إياكما أن يعلم أحد). أما في ف 20 فلا نجد شيئًا من هذا. هتف الاعميان لابن داود رغم تدخّل الجمع (آ 31). إذن، إن تأثّر خبر (ف 9) بآخر (ف 20)، فقد ظلاّ متمايزين واتخد كل منهما مكانه كما حدّده التقليد الازائي.

2- قراءة تفصيليّة
أ- البنية
نجد حدود هذه القطعة بواسطة تضمين يبدأ في آ 29 (رافق، تبع) وينتهي في آ 34 (تبعاه). نحن أمام شفاء تضمّن لقاءين، وفي كل لقاء حوار. في الأول (آ 29- 31)، خلاف ورفض. وفي الثاني (آ 32-34)، وفاق وقبول. في الأول يبدو الجمع والأعمى على طرفي نقيض، ويحاول الواحد أن يسكت الآخر. في الثاني، التقى سؤال الأعميين مع جواب يسوع الحنون، فكانت النتيجة الشفاء.
ونستطيع أن نقدّم النص حسب الصورة التالية:
آ 29: الجمع: و... تبعه جمع غفير.
آ 30: الاعميان: و... صاحا قائلين: يا ربّ (يا سيّد)
آ 31: الجمع: من جهة (هوي دي) زجر الجمع الاعميين
آ 31: الاعميان: من جهة ثانية (هوي دي) صاحا أكثر قائلين: يا ربّ
آ 32: يسوع: ماذا تريدان؟
آ 33: الاعميان: أن تنفتح أعيننا
آ 34: يسوع: لمس أعينهما
آ 34: الاعميان: أبصرا وتبعاه.
نلاحظ ذروة الخبر في آ 34. توقّف الكلام فامتدّ الخبر: تحنّن، لمس. أبصرا، تبعا.
ب- المراجع
يعود مت 29:20-34 إلى مر 10: 46-52، ولكنه تأثّر بعض الشيء بما في مر 22:8-26 (الذي أغفله مت). كما تأثّر بما في مت 27:9- 31. ونستطيع أن نقدّم الرسمة التالية: مر 8: 22-26 قد أثّر على مت 9: 27-31. وأثّر أيضًا مر 10: 46-52 على مت 27:9- 31 الذي أثّر بدوره على مت 29:20-34. أما نصّ لوقا الموازي (لو 18: 35-43) فيتمّ في الطريق إلى أريحا. جاء الملك يزوو شعبه، ليبدأ بإزالة كل ظلم قبل أن يدخل المدينة. هذا ما فعله يسوع في لو. أما الشفاء في مر بعد الخروج من المدينة، فهو يريد أن يشدّد على اتّباع الأعمى ليسوع. فبعد أريحا لا مدينة سوى أورشليم توجّه إليها يسوع. فلا ييقى على التلميذ إلاّ أن يتبعه إلى هناك. نشير هنا إلى أن لو 18: 35-43 يرتبط كله بما في مر 10: 46-52. والاتفاق البسيط بين لو ومت ضدّ مر يبقى دون أهميّة (صيغة الفعل في مت 20: 30 ولو 18: 37 ضد مر 10: 47. إغفال لفظتي "برتيماوس" وربوني" الموجودتين في مر) كما نشير إلى أن أعمال فيلبس (6: 2) ترتبط أيضًا بالتقليد الازائيّ، وأعمال بيلاطس (6: 2) تمزج المعجزة الني نقرأها عند الازائيين مع يو 9: 1-7 (رج يوستينوس، الدفاع الأول 22: 6).
ج- التأويل
نصّ مر 46:10-52، هو خبر نداء أكثر منه خبر معجزة. هناك من قابل هذا النداء مع دعوة موسى (خر 3: 1- 12) وجدعون (قض 6: 11-17). وقال آخرون: إن خبر الايمان صار خبر شفاء. أما مت فترك كل الظروف غير المهمّة ("متسوّل" رج مر 10: 46)، ترك الشعب (مر 10: 46) والتلاميذ (مر 49:10، الجمع)، كما ترك المشاهد التابعة (مر 10: 5، قفز الأعمى إلى يسوع). في مت، نحن أمام آخر خير شفاء (في 21: 14 خبر عام)، وقد قدّم الانجيليّ بعض التفاصيل: لمس يسوع أعين الأعميين (عكس مر 52:10). ولكنه ترك ما يشير إلى النداء والدعوة (اسم الاعمى. لهذا ذكر مر الاسم والرب يدعو كل واحد باسمه).
وحوّل مت الأعمى إلى أعميين (ظنّ أوغسطينس أننا أمام حدثين مختلفين). زاد لفظة "الرب" ثلاث مرات (آ 30، 31، 33)، وأبرز عنصر الحنان (تحركت أحشاؤه، سبلنخنا)، وأبرز التوازي بين آ 29، وآ 34 (تبع، رافق)، وبين آ 30 وآ 31 (صاح). والمعنى الأساسي في ف 19- 20، هو أن رحمة الله وقدرته تعطيان لجميع التلاميذ الذين يعترفون بضعفهم في قلب الظروف الصعبة، فيطلبون عون الله.
إن مر 10: 46-52 الذي هو مرجع مت، يشكّل وحدة تامّة. وقد حاول بعضهم أن يتحدّث عن شكل أولاني، عن خبر تقليديّ متشعّب ولكنه لم ينجح. هناك انطلاقة تاريخيّة تناقلها الناس في أريحا عنّ ابن طيما. وهكذا نكون في الأصل في إطار فلسطينيّ مع النداء "ربوني".
د- تفسير الآيات
* "وفيما هم خارجون من أريحا" (آ 29)
في هذا الموضع نجد بعض التفاصيل عن الأمكنة. بدأ مر فقال لنا إن يسوع دخل إلى أريحا. وتبعه إلى أن خرج. أما مت فضغط مرجعه (الذي ذكر أيضًا التلاميذ) وجعل الجمع يتبعون يسوع. وكانت النتيجة أن يسوع ترك أريحا قبل أن نسمع أنها دخلها (رج مت 9: 1-8 ومخلّع كفرناحوم. يترك مت التفاصيل ليجعل الانسان الطالب الشفاء وجهًا لوجه مع يسوع).
لا تقع أريحا الجديدة حيث كانت أريحا القديمة (تل السلطان)، ولا حيث كانت أريحا العهد الجديد (تولو أبو العلايق، تبعد 16 ميلاً إلى الشمال الغربي من أورشليم، رج يوسيفوس، الحرب اليهودية 4: 474). ففي هذه الأخيرة بنى هيرودس الكبير قصرًا يبعد ميلاً واحدًا إلى الجنوب من أريحا القديمة. نشير إلى أن أريحا القديمة قد تُركت في القرن السادس بعد الهجوم البابلي، رج نح 7: 36 الذي يتحدّث عن عودة السكان إلى أريحا التي ستُهمل في الحقبة الهلنستيّة. بعد هذا النصّ، يتحدّث 21: 1ي عن "أغصان الشجر" التي قد تكون أخذت من أريحا "مدينة النخل" (تث 3:34؛ قض 1: 16؛ 13:3؛ 2 أخ 28: 15؛ يوسيفوس، الحرب 4: 468. هي واحة). أما يو 12: 13 فيقول إن يسوع جاء إلى أورشليم (آتيًا من أريحا) ترافقه "سعف النخل". نشير هنا إلى أن أريحا ترمز إلى هذا العالم في التفسير المسيحي، وأورشليم إلى العالم الآخر.
* " اذا أعميان جالسان" (آ 30)
صيغة المثنى (أعميان اثنان) ومع الفعل في الحاضر، هي من فعل مت. وترك مت أيضًا لفظة "المتسوّل، الشحّاذ". ولكنه احتفظ بفعل "جلس، قعد" ليدلّ على أن الأعميين لا يشاركان في الحجّ إلى العيد. إنهما على هامش المجتمع. رج تلمود بابل، بركوت 28 ب: "أشكرك أيها الرب إلهي، لأنك جعلت نصيبي مع الذين يجلسون في بيت الدرس، وما جعلت نصيبي مع الذين يجلسون في زاوية الشارع".
هذان الاعميان هما صورة عن يعقوب ويوحنا (20: 20-28)، ويسوع هو الذي يشفي عيون الروح، وعيون الجسد. "الطريق" (رج 21: 8) هي طريق الحجّ، الطريق إلى أورشليم. مرور الحجّاج مناسبة ينال فيها المتسوّلون بعض الاحسان في إطار الفصح. وهكذا يكون هذان الاعميان في الموقع المناسب، وفي الموقع المناسب، وفي الوقت المناسب. ومع ذلك، فهما ما تطلعا إلى الجمع، بل إلى يسوع. وما انتظرا مالاً، بل شيئًا آخر سوف يحصلان عليه. ذاك كان وضع مخلّع الباب الحسن في أع 3: 1 ي. انتظر صدقة من الداخلين إلى الهيكل. ولكنه نال الشفاء باسم يسوع من بطرس ويوحنا.
"سمعا أن يسوع". ترك مت لفظة "الناصري" لأنه اعتبرها غير ضروريّة (رج مت 23:12؛ 26: 71)، كما فعل حين عاد إلى مر 1: 24؛ 67:14؛ 6:16. وزاد "مجتاز" (رج 9: 27؛ يو 9: 1)، فأشار إلى خر 12: 12 (أجتاز عبر مصر). "سمعا". هذا يعني أن يسوع كان يكلّم الجموع بصوت جهير، فسمع الاعميان. "صاحا قائلين". أوجز مت مر الذي قال: "طفق يصرخ ويقول":
"يا رب، ارحمنا يا ابن داود". ق 9: 27؛ 15: 22: مر 10: 47 (يا ابن داود، يسوع، ارحمني). حوّل مت مر ليحصل على عبارة ليتورجيّة: "إرحمني يا ربّ" (مز 5:40، 11 حسب السبعينيّة، مت 15:17؛ ق مت 22:15). أو هو عاد إلى 27:9: "ارحمنا يا ابن داود". يتقبّل القارئ المسيحي هذا الاعتراف الايماني ويتماهى مع الأعميين.
* "فزجرهما الجمع" (آ 31-32)
و"لكن" الجمع. بدّل حرف العطف: "والجمع"... وهكذا يبدو التوازي واضحًا مع آ 31 ب- مر 10: 48. لا يقال لماذا "زجر" (إبيتيماوو، 8: 26؛ 12: 16؛ 16: 20، 22؛ 17: 18؛ 19: 13) الجمع الأعميين (رج 19: 13 حيث منع يسوع التلاميذ من زجر الأطفال)، ولكننّا نستطيع أن نفترض أن الجمع القاسي تجاه المتسوّلين على الطرقات، ظنّهم رجال سوء. في أي حال، هي المرة الأولى التي فيها نجد الجمع معارضًا ليسوع. هذا ما يشير إلى ما سوف يحدث فيما بعد.
زجرهما الجمع "فازدادوا صياحًا". رج آ30. نجد في هذه العبارة درسًا عن الثبات (والعناد) في الطلب، سيتوسّع فيه أوغسطينس (عظات 88: 13- 14) ويوحنا الذهبيّ الفم (عظات في مت 66: 1). "يا ربّ، ارحمنا، يا ابن داود". نجد عدّة اختلافات نصوصيّة هنا وفي آ30. هناك من قلب الكلمات فصارت العبارة: ارحمنا يا ابن داود، يا ربّ (بردية 45، السريانية البسيطة، الصعيدية). وجعل "كيريي" (يا ربّ) بين قوسين. ولكن يبدو أنه يجب أن نحافظ على الفصل بين اللقبين الكرستولوجيّين في آ 30 وآ 31. كما يجب أن نقرأ العبارتين القراءة الواحدة، لأن مت أراد أن يُبرز التوازي.
"فوقف يسوع ودعاهما" (آ 32). رج مر 49:10- 50. قد نجد هنا تلميحًا إلى أش 4:35- 5. شدّد مت على كلمات يسوع، ومر على ما عمله ابن طيما. ونشير إلى أن ليس من حديث عن السر المسيحاني: لا يطلب يسوع من الاعميين أن يصمتا (رج 8: 4؛ 9: 30). فرسالة يسوع العلنيّة قد أشرفت على نهايتها. "ماذا تريدان". ق 20: 21-23. إن سؤال يسوع (الذي يعرف الجواب) يعبّر عن استعداده بأن يخدم (آ 28). ولكنه يُلحّ على الرجلين أن يعبّرا عن إيمانهما بشكل ملموس. وهو سؤال سيّد سمح للسائل بأن يقابله. هذا يعني أنه سيعطيه طلبه.
* قالا له: يا سيّد" (آ 33-34)
أعاد مر الفاعل. "قال له الأعمى". أما مت فاستغنى عنه. "قالا". "يا ربّ" (كيريي). هي المرّة الثالثة التي فيها يستعمل مت لفظة "الربّ" في هذه الآيات الأربع. وهي تحلّ هنا محلّ "ربوني" (يا معلّمي، رج يو 20: 16) كما في مر.
"تحنّن يسوع" (آ 34). هي آية من تدوين متّى. أما عند مرقس، فيسوع أمر ابن طيما أن يمضي في الطريق، ثم قال له: إيمانك خلّصك، أحسنَ إليك. هي المرّة الوحيدة التي فيها يستعمل مت فعل "تحنّن" دون أن يكون المفعول هو "الجمع". أبصرا فتبعاه. البرهان أنهما أبصرا هو أنهما سارا وراءه. تبعاه في الطريق.

3- الخلاصة اللاهوتيّة
منذ 19: 1 ونحن نرافق يسوع في مسيرته: اليهوديّة في عبر الاردن. وها هو يصعد الآن إلى أورشليم بعد أن اجتاز أريحا. جعل مر ومت خبر هذا الشفاء حين كان يسوع خارجًا من المدينة. ولو حين كان يسوع داخلاً إليها (18: 35). تبع يسوعَ تلاميذُه بشكل عام، بل تبعه جمع غفير. وهكذا أراد النصّ أن يبيّن أن التحرّك المسيحانيّ ينشط بقدر ما يقترب يسوع من أورشليم. هذا يعني أن لا وقت ليسوع يتوقّف فيه لكي يكلّم الاعميين، ومع ذلك توقّف وسمع نداءهما، ولبّى طلبهما.
نجد فعل "تبع "الذي لا يعني اتّباع يسوع كما فعل التلاميذ (رج 19: 16- 30). نحن أمام اتّباع خارجيّ يقوم به الجمع (رج 8:21) الذي يشكّل "شخصًا" هامًا في خبر الحاش (= الآلام). هو يرى ويسمع. ويا ليته يفهم ويميّز بين تعليم يسوع والتعليم الذي يُعطى في المجامع والهيكل!
ترك مت اسم العلم (ابن طيما) وجعل مكانه أعميين شاهدين لمسيحانيّة يسوع (العميان يبصرون). لا يُدعى يسوع باسم "ابن داود" إلاّ في هذا الموضع لدى مر ولو. أما لدى مت فهذا الاسم هو اللقب العادي والشعبي للمسيح (9: 27؛ 12: 23؛ 15: 22) الذي سيشفي المرضى ولا شيّما العميان منهم (رج أش 29: 18 ي). ولكن حين نقرأ مزامير سليمان (ف 17). نلاحظ ان سمات الرحمة غابت عن المسيح في زمن يسوع. فابن داود سيسحق أعداء اسرائيل ويحمل إلى شعبه كمالاً يشبه كمال الفريسيين وتقواهم. لهذا، لا ندهش حين نرى الشعب يزجر هذين الاعميين. فيسوع الصاعد إلى مدينته لا يضيع وقته في أمور تافهة! ولكن يسوع لا يتبع هذا المثال!
لماذا زجر الجمع هذين الأعميين؟ أراد الانجيليّ أن يبرز الطابع غير المتوقَّع لعمل يسوع الذي توقّف ليعين هذين الاعميين. توقّف ليخدم. هل نحن أمام إيمان هذين الاعميين؟ هل يقابل مت صياحهما مع صياح الجمع؟ هنا نتذكّر أهميّة الصياح (أو: الصراخ) في العهد القديم كما في العهد الجديد (8: 29؛ 9: 27؛ 14: 26؛ 15: 11؛ 21: 9؛ 27: 23، 50). إنه يدلّ على هتاف للمسيح، أو على صرخة في وقت الضيق. هاتان الوجهتان ترتبطان ارتباطًا وثيقًا في السياق الانجيليّ. نجد هذه الصرخة على شفة المتألمين ولاسيّما من الشياطين. فكل نداء يتوجّه إلى المسيح ينطلق من عمق الضيق وترافقه صلاة "ارحمني يا رب".
ويتوقّف يسوع. ونحن نجد في توقّف ابن داود في الطريق التي تقود إلى أورشليم، الفرق الشاسع بين يسوع والمسيح السياسيّ المجيد، بين يسوع وأحد العباقرة المأخوذين في تأمّلاتهم. فاقتراب الألم لا يمنع يسوع من أن يهتمّ بالآخرين ويخدمهم. هذه الوجهة ستكون واضحة في خبر الآلام كما في إنجيل لوقا. وبدا وجه يسوع. وبدت سلطته التي تمنح الطالبين سؤالهم في الحال. 
وأنهى مت خبره في الحديث عن رحمة يسوع وتحنّنه (9: 36؛ 14: 14؛ 15: 32؛ 27:18)، وهي عبارة نجدها في نصوص التوراة اليونانيّة (أم 12: 10؛ حك 10: 5؛ سي 7:30؛ 2 مك 5:9، 6). لسنا هنا أمام عاطفة خارجيّة من الشفقة تزول سريعًا. فهي تجد تعبيرًا ملموسًا عنها في ما فعله يسوع للأعميين. وكان الشفاء لمسة يد فضمّ يسوع العمل إلى القول، لمسة حنان تعبّر عمّا في القلب من حبّ يشبه حبّ الأم لثمرة حشاها.

خاتمة
نقدّم هنا الملاحظات التالية:
1- حين نقرأ 20: 29-34، نتذكّر 27:9-30. في الحالتين يتبع يسوع أعميان يصرخان ويقولان: ارحمنا يا ابن داود. لمس يسوع أعينهما فأبصرا. نحن هنا في إطار واسع. حصل أول شفاء في بداية رسالة يسوع العلنيّة، والثاني في النهاية. وهذا ما يدلّ على وحدة الانجيل الأوّل. جاءت المعجزة الأولى قبل أن يرذل اسرائيل يسوع، والثانية حين صار رذْْْْْْْْْلُ يسوع واضحًا. ورغم ذلك، فمحبّة يسوع "المرذول" ظلّت هي هي. وكل الصعوبات التي واجهته ما ألغت حنانه ولا رحمته.
2- في 20: 29-34، أعلن يسوع مرتين "ابن داود"، وهذا ما هيّأ طريق الدخول إلى أورشليم حيث سيهتف له الشعب أيضًا. ولكنّنا نجد نفوسنا أمام "سخرية" تصرّفنا البشري. في 20: 30- 31 زجر الجمع الاعميين لأنهما هتفا لابن داود. وفي 21: 9 ها هو يصيح: "هوشعنا لابن داود". هل نستطيع أن نثق بهتافه؟
3- وتوقّف المعلمون عند المعنى الرمزيّ لهذا الخبر: الاعميان يدلاّن على العمى الروحي. حين يسمع الانسان عن يسوع ويصيح من أجل الخلاص، تبرز العوائق. والذين يثبتون في الايمان، يعطيهم يسوع النظر، أي الخلاص. بعد ذلك يستطيعون أن يتبعوا يسوع، يصيروا تلاميذه. رج 4: 15؛ 13: 14-15؛ يو 9: 1 ي. نشير إلى رمزيّة العمى والنظر في العالم اليهوديّ وفي الأدب المسيحيّ القديم: أوغسطينس (عظات 13:88-14). يوحنا الذهبيّ الفم (عظات في مت 66). نقرأ في مت 20: 33 حسب السريانيّة: "أن تنفتح عيوننا بحيث نستطيع أن نراك".
4- ونجد درسًا آخر في المقابلة بين 20: 20-28 و20: 29-34. في المقطع الأول، طلب شخصان طلبًا (يعقوب ويوحنا) وافق عليه شخص ثالث هو أمّهما (المرأة تمثّل الشعب). لم يسبق الطلبَ لقبٌ به ينادى يسوع. وقد تضمّن المستقبل الاسكاتولوجيّ ونظرة إلى مجد شخصيّ (جلوس عن اليمين، عن اليسار). في المقطع الثاني طلب الاعميان طلبًا فزجرهما الشعب. طلبا ممّن هو ابن داود والربّ (لقبان عظيمان)، طلبًا حول الزمن الحاضر. طلبا شيئًا بسيطًا وضروريًا، هو النظر. هذا يعني أن الطلب يُسمع حين نوجهّهه إلى الرب بشكل مباشر، وحين ينبع من حاجة حقيقيّة.
الفصل الرابع عشر
الطموح الكاذب والخدمة الحقّة
20: 17- 27

نقرأ في هذا الفصل ثلاثة مقاطع. الأول (20: 17-19) يورد الإنباء الثالث بالآلام. تحدّث يسوع عن حاشه (= آلامه) وقيامته، فأعطى عددًا من التفاصيل لا نجدها في الانباءين الأول والثاني. تحدّث عن دور الوثنيين، عن الهزء، عن الجلد، عن الصلب. في المقطع الثاني (20: 20-23) نسمع طلب ابني زبدى بواسطة أمّهما. هما يريدان كرامة خاصة، ومشاركة في سلطة يسوع. فكان لهما الكأس التي طلباها بعد أن عرضها يسوع عليهما، ولاسيّما حين نعرف أن يعقوب مات شهيدًا في أورشليم سنة 44 (أع 12: 2). وفي المقطع الثالث (20: 24-28) نتعلّم الخدمة الحقة، بل نفهم أن السيادة خدمة. مثال التلاميذ لن يكون سلطانًا سياسيًا ولا سلطة دنيوية. مثال التلاميذ هو يسوع الذي ما جاء ليُخدم، بل ليخدم ويبذل حياته عن الكثيرين.

1- نظرة عامة
انتهى ف 19 على قول يعلن أن الأولين يصيرون آخرين والآخرون أولين. فالآخرون الذين صاروا أوّلين هم عمّال الساعة الحادية عشرة. دُعوا في الأخير فكانوا أول من ذاق صلاح ربّ الكرم. في 19: 30 ارتبط انقلاب الوضع بقوّة الدينونة الأخيرة التي تكشف وضع البشر الحقيقيّ. أما هنا، فاكتشف العمّال الآخرون سخاء رب الكرم الذي لم يتوقّعه أحد. فلو فرح العمّال الأوّلون بسخاء الرب الملكي، لكان جميع العمّال في المقام الأول. تذمروا فجعلهم تذمّرهم في المقام الأخي. حين نفهم مثل العملة بهذا الشكل، نرى أنه يتوافق مع سياق هجوم على الفريسيين. وسيعود الموضوع في خبر شفاء الأعميين اللذين يشفيهما يسوع رغم أن الجموع زجرتهما وأمرتهما بالسكوت.
ذاك كان الوجه الأولى: علاقة يسوع مع الفريسيين، ومن خلالهم مع الجمع. أما الوجه الثاني فعلاقة يسوع مع تلاميذه. حدّثهم عن نفسه وهو الذاهب إلى الآلام. أخذ صورة العبد وصار طائعًا حتى الموت والموت على الصليب، ومع ذلك فالتلاميذ يطلبون المراكز الأولى، مراكز السيادة والتسلّط على مستوى "قوّاد" هذا العالم.
أ- الإنباء الثالث بالآلام (20: 17-19)
بعد الانباءين الأول (16: 21) والثاني (17: 22-23)، ها هو انباء ثالث نقرأه أيضًا في مر 10: 32- 34 ولو 18: 31-34 حول الآلام والقيامة: "وفي اليوم الثالث يقوم". هذا الانباء الثالث، شأنه شأن الانباءين السابقين، هو جزء من النصوص المشتركة في الأناجيل الازائيّة. والرقم ثلاثة لم يكن صدفة. كما أنه لا يدلّ على دقّة تاريخيّة. إذا كان مت يستعمل مرارًا الرقمين 5 و7، فهو يعرف أيضًا أهميّة الرقم 3. فسوف نجد ثلاثة انكارات بطرس ليسوع (26: 34 وز)، كما كانت ثلاث مرات "قدّوس" في أش 6. فالرقم 3 يدلّ على الحقيقة والثبات. يدلّ على ارتباط مشيئة الله بمشيئة الانسان. فالعدد ثلاثة هو عدد اللاهوت. وعندما نكون أمام العدد الثالث نلتقي باللاهوت. هنا نتذكّر اليوم الثالث الذي فيه "ذبح" ابراهيم ابنه اسحاق. هو لم يذبحه. ولكنه التقى بالرب فعلّمه أن لا يقدّم بعد ذبائح بشريّة. فالقلب المتخشّع المتواضع هو أفضل ذبيحة للربّ.
إذا قابلنا هذا الانباء الثالث (20: 17- 9) مع الانباءين السابقين (16: 21؛ 17: 22- 23)، يلفت انتباهنا التشابه الكبير بينها. هي الألفاظ عينها تتكرّر. إلاّ أننا نلاحظ
أولاً: أن الأفعال التي تدلّ على ضرورة (داي) الآلام واقترابها (مالاي) لا ترد في الانباء الثالث. والأفعال هي في صيغة المضارع، وهو مضارع بدأ في صعود (أناباينو) يسوع إلى أورشليم.
ثانيًا: أن الفكرة الرئيسية لدى المسيح الذي "أسلم" (باراديدومي) غابت في 16: 21 وظهرت هنا (رج 17: 22، إن ابن البشر سيُسلم).
ثالثًا: أن فكرة الموت قتلاً يُضاف عليها الحكمُ بالاعدام الذي يُنسب إلى عظماء الكهنة والكتبة: فاليهود لا يسلّمون يسوع إلى الوثنيين إلاّ بعد أن يحكموا عليه بالموت.
رابعًا: أن وصف الآلام نفسها صار أكثر دقّة وواقعيّة. لهذا سلّم اليهود يسوع إلى الرومان "ليسخروا منه ويجلدوه ويصلبوه" (ثلاثة أفعال، نلاحظ الرقم ثلاثة).
خامسًا: أن الاشارة إلى القيامة ظلّت موجزة. هنا أيضًا ظهرت عبارة "في اليوم الثالث" (في مت ولو) تجاه عبارة مر "بعد ثلاثة أيام".
سادسًا: أن نصّ مت، حين نقابله مع نص مر، يبدو مبسّطًا ومركّزًا على الجوهر. فقد ترك مت ما قاله مر في 10: 32: كانوا منذهلين، خائفين... وهكذا بدا نص مت مبنيًا بناء محكمًا ومتدرّجًا بالنسبة إلى الانباءين السابقين، مع تشديد على الجوهر لئلاّ يتشتّت انتباه القارئ في التفاصيل.
ونتوقّف عند الانباءات بالآلام كما نقرأها في الأناجيل، عند تعابيرها المختلفة وعند صحّتها (مر 8: 31 وز؛ 9: 31 وز؛ 10: 33 وز)، ونلاحظ النقاط التالية:
أولاً: إن وجود الإنباء الأول حالاً بعد اعتراف بطرس ليسوع له مدلوله. فقد يكون خبر الاعلان المسيحاني قد وُضع هنا ليُبرز الانباء بالآلام.
ثانيًا: حسب مر ومت (لا لو)، إن يسوع، بعد حوار قيصريّة فيلبس، "بدأ" يتكلّم عن آلامه. وفي ولي الخبر سيعود هذا الموضوع بشكل منتظم. هذه الوجهة في النصّ تدلّ على أن نظرة الانجيليين إلى مصير يسوع لم تكن نظرة جامدة. فإن لم يتوخّوا أن يقدّموها لنا في نموّها السيكولوجيّ، إلاّ أنهم حدّدوا مراحلها. فهم يرون أن يسوع لم يقل كل ما أراد أن يقوله في كل لحظة من لحظات حياته.
ثالثًا: في مر، علّم يسوع تلاميذه. في مت، بيّن (دايكنواين) لهم ضرورة آلامه. نحن ندهش حين نرى أن مت لم يستعد من مر فعل "علّم" العزيز على قلبه. كيف بيّن يسوع هذا لتلاميذه (لا للجموع)؟ هذا ما لا نعرفه. حسب لو 25:24 ي، هذا "التبيان" يتمّ بالكتب المقدّسة. ولكن شيئًا لا يقال في هذا الوضع. فالأناجيل ترى أن الآلام (= الحاش) لا تحمل مدلولها في ذاتها. فالتعليم هو الذي يبيّن ضرورتها.
رابعًا: لا ترتبط هذه الضرورة بقرار فرديّ وبطوليّ اتّخذه يسوع، ولا بمعارضة خصومه المتنامية والواقعيّة، ولا بحتميّة عمياء، ولا باعتباطيّة قرار إله بعيد لا ندركه، ولا بحاجات سيكولوجيّة أو دينيّة لدى اليهود خاصة والبشر عامة. هذه الضرورة (يجب على المسيح) ترتبط بمخطط الله الذي يبقى خفيًا للامؤمنين، ويدركه الايمان بواسطة بعض نصوص العهد القديم. لا يجعل الانجيليون هذه الضرورة مسيرة تجري على هامش التاريخ، في مصير خارق يخرج عن عالم البشر. بل هم "يبيّنون" كيف أنه "وجب" على يسوع أن يصل إلى الصليب، كيف أن مصيره بدا "طبيعيًا" في ظروف تاريخيّة وسيكولوجية محددة.
ولكن في هذا "الاطار الطبيعي" حاولوا أن يتبيّنوا تتمّة مخطط الله. شكّل الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة المجموعات الثلاث التي تلتئم في السنهدرين أو المجلس الأعلى في أورشليم. فلموه يسوع بُعد "رسمي" وسياسيّ في مت: هو لا يموت وحده في البرية مثل موسى وإيليا. لا يموت وسط تلاميذه على مثال يعقوب الذي أحاط به أبناؤه الاثنا عشر. بل يموت بيد رؤساء شعبه. يموت في أورشليم ويُصلب على عيون الملأ.
ب- عظمة الخدمة (20: 20-28)
أطلنا الحديث عن الانباء بالآلام الذي دوّن على ضوء الحدث الذي عاشه يسوع منذ نزاعه في بستان الزيتون حتى وضعه في القبر. ونوجز المقطوعتين التاليتين: طلب ابني زبدى (آ 20-23) والعبرة التي قدّمها يسوع فقال لتلاميذه إن السيادة خدمة.
يرافق مت هنا مر 35:10-45، فيبدو خبره متماسكًا بعض التماسك. ونحن نجد فيه صدى لعدّة عناصر في حياة يسوع، ولأقوال عديدة تفوّه بها المعلّم. إن آ 20-23 توصلنا إلى فكرة تقول إن الله وحده يحدّد الأولويّات في الملكوت، وإن الشهيد نفسه (مثل يعقوب) لا يحقّ له أن يطالب بشيء. أما آ 24-28 فتشدّد بالحريّ على الوسيلة الوحيدة التي بها يصل أعضاء الجماعة المسيحانيّة إلى العظمة الحقّة: هذه الوسيلة هي الخدمة. ولكن من خلال هذا التحوّل الحقيقيّ للموضوع المسيطر، يستعيد النصّ وحدته في الأناجيل الازائيّة الثلاثة، بواسطة خاتمة (آ 28؛ مر 10: 45؛ لو 22: 27)، فيقدّم ابن الانسان كعبد الله المتألّم عن كثيرين. فالطموح الديني لا تستبعده فقط سيادة الله في الملكوت (آ 20-23). بل يُستبعد لأن جميع البشر يرتبطون بخدمة قام بها ابن الانسان من أجلهم. وهكذا ترتبط هذه المقطوعة ارتباطًا وثيقًا بالانباء الثالث بالآلام (20: 17- 19).

2- الدراسة التفصيليّة
أ- إنباء آخر بالآلام (20: 17-19)
أولاً: البنية
تتضمّن هذه المقطوعة القصيرة مقدّمة إخباريّة موجزة (يسوع وتلاميذه هم في الطريق إلى أورشليم، آ 17)، يتبعها إنباء مفصّل بما سيحصل لابن الانسان (آ 18-19). هذا الإنباء الذي سبقته ملاحظة حول الظروف الحاضرة (ها نحن صاعدون إلى أورشليم)، يُجمل الأحداث الهامة التي جاءت بعد مشهد الجسمانيّة. أما الترتيب فهو ترتيب خبر الحاش والآلام كما في انجيل متّى، ما عدا الجلد الذي يأتي بعد الهزء.
قبضت عليه السلطات 26: 47-56
حكمت السلطات عليه 26: 57-68
أسلم إلى بيلاطس 27: 1-14 
الهزء 29:27، 21، 41
الجلد 26:27
الصلب 27: 33- 50
القيامة 28: 1- 20
ثانيًا: المراجع
حسب بعض الشرّاح، تقدّم الانباءات الثلاثة بالآلام (16: 21؛ 17: 22- 23؛ 20: 18- 19) برهانًا يدحض الفرضيّة المرقسيّة (أي إن مر هو مرجع مت ولو). انطلق من توافقات بسيطة بين مت ولو ضد مر، ومن طرح يقول إن مر تبع مرّة مت ومرّة لو. في مت 20: 17-19= مر 10: 32-34= لو 18: 31- 32، ترك مت ولو لفظة "بالين" (أيضًا) التي نجدها في مر. وإن مت ومر توافقا مع لفظة "الأمم". وبعد ذلك التقى مر مع لو. هذا يعني أن مر تبع مت في جزء من كلامه، ولو في الجزء الآخر.
نجيب: كان من المنتظر أن يُغفل مت ولو "بالين" لأن ليس لها ما يسبقها (في مر 10: 32 تعود "بالين" إلى 8: 31؛ 9: 31). ونردّ على الاعتراض الثاني: لاشكّ في أن مر ومت استعملا لفظة "الأمم". ولكن بعد ذلك وفي ما يخصّ تقارب مر من لو، فلا شيء مشابهًا. وهكذا يبدو مت بعد مر. قال مر: سيقتلونه. قال مت: سيصلبونه. قال مر: بعد ثلاثة أيام. قال مت: في اليوم الثالث (يوم طقسيّ). في هذين الوضعين، يجعل نصّ مت النبوءة والحدث معًا. كانت صعوبة في الكلام عن "ثلاثة أيام"، فتحدّث مت عن اليوم الثالث وعاد إلى الخلفيّة الكتابيّة ولاسيّما هو 6: 2: في اليوم الثالث يقيمنا.
ثالثًا: التأويل
مع 20: 17-19، نرى يسوع صاعدًا إلى أورشليم. يتحدّث للمرّة الثالثة عن الأحداث الآتية ويبرزها. وإذا قابلنا هذا الانباء مع السابقين، نرى الجديد فيه: الحكم بالموت، التسليم إلى الأمم، الهزء. الجلد، الصلب. بما أن يسوع صار قريبًا من نهايته، فشكل الانباء توضَّح وزاد إيضاحًا. إن يسوع يعرف ما ينتظره بعد أن أحاط بعد الاعداء من كل جانب.
"وفيما كان يسوع صاعدًا" (آ 17). بدأ يسوع يتحدّث الآن على انفراد. ما تكلّم بشكل عام ولكن بطريقة احتفاليّة. قد يكون يسوع وتلاميذه سائرين مع آخرين كثيرين. قد نكون في أحد أعياد الحجّ.
أوجز مت نص مر 10: 32 (مت: 18 كلمة. مر:32 كلمة). خفّف من الانشداد الدراماتيكيّ فترك بعض الألفاظ الصعبة (وكان يسوع يتقدّمهم. وكانوا هم منذهلين، والذين يتبعونه خائفين). أضاف "أخذهم على حدة" (مت: 5 كلمات؛ مر: 6؛ لو 2). لماذا ألغى "في الطريق" من 16: 31 (≠ مر 8: 27) و18: 1 (≠ مر 9: 37)، وما ألغاها هنا؟ هذا ما لا نعرفه. ونشير إلى أن الطريق إلى أورشليم هي صاعدة. وهكذا نكون أمام صعود جسديّ وصعود روحيّ. 
"إن ابن البشر سيُسلم" (آ 18-19). تبرز هاتان الآيتان الطريقة التي بها زعماء اليهود والأمم قد رذلوا يسوع. كما تُبرز الذلّ والألم. هذا يعني أننا لسنا أمام استشهاد مجيد. وأعاد مت العبارة: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم". تحدّث يسوع لا عن الزمن المقبل، بل عن الأيام الآتية. أما أورشليم، فقد شاركت هيرودس الكبير (2: 1-12) في المؤامرة على يسوع. وكانت موقع التجربة الشيطانيّة (4: 5)، وقد أرسلت الفريسيين لكي يجرّبوا يسوع (1:15).
ها نحن صاعدون. صيغة المتكلّم الجمع. فيسوع لا يصعد وحده. فالتلاميذ يسيرون معه. وما يتحمّله الآن سوف يتحمّلونه بدورهم (16: 24؛ 20: 23). "رؤساء الكهنة والكتبة". مسؤوليّتهم كبيرة عند مت. يُذكرون مرّة أولى في 2: 1-12 كمشاركين لهيرودس الكبير الذي نوى على قتل يسوع. وفي خبر الآلام (27: 41) سيشاركون مع حاكم آخر هو بيلاطس. وهكذا تكون النهاية مثل البداية. "ويحكمون عليه بالموت". رج دا 4: 37؛ حك 2: 20 (حكموا على البريء). يسلم يسوع إلى الأمم الذين يمثّلهم بيلاطس الحاكم.
تحيط بـ 20: 17-19 مقطوعتان تتحدّثان عن مكافأة اسكاتولوجيّة. هل هذا النصّ هو جسم غريب يقطع التواصل في ف 20؛ كلا ثم كلا. فهذا المقطع هو صورة عن 30:19- 20: 6. بل هو أيضًا تهيئة لما في 20: 20-28. كان يسوع قد قال إن الآخرين سيكونون الأولين. كان هو الآخر في الحكم عليه والهزء والموت. وسيكون الأول حين يقيمه الله من بين الأموات ويرفعه فيمنحه السلطة على الكون كله. هذا في ما يخصّ الرباط مع ما سبق. أما في ما يخصّ الرباط مع 20: 20-28، فنجد ثلاث نقاط. الأولى، تعود 20: 22-23 إلى "الكأس" التي يستعد يسوع لكي يشربها، دون الاشارة إلى نوعيّة (كيف) هذه الكأس. فما قاله يسوع في 17:20-19 واضح بما فيه الكفاية. الثانية، إن آ 28 تلقي ضوءًا على السبب (لماذا) الذي لأجله يريد يسوع أن يشرب "الكأس"، مع أنه يعرف أن هذا يعني الهزء والجلد والصلب. فحياته التي يبذلها حتى الموت، ستكون فدية عن الكثيرين. الثالثة، إن ما في 17:20-19 من احتفال مأساوي، نجده مطبوعًا في 20:20. أعلن يسوع آلامه، ولكن هذا لا يعني أن التلاميذ اهتموا بها. فقد كانوا مهتمّين بأمورهم، شأنهم شأن الشعب: من يكون عن اليمين ومن يكون عن اليسار. وهكذا بدا يسوع منذ هذه الكلمات، وحيدًا في مسيرة الآلام بانتظار أن يتركه تلاميذه ويهربوا.
ب- طموح كاذب وخدمة حقيقيّة (20: 20-28)
أولاً: البنية
نحن هنا أمام مشهدين: الطموح الكاذب (آ 20-23). الخدمة الحقيقيّة (آ 24-28). ونجد فيهما ذات التوازي، وتواصلاً في موضوع الانباء الثالث بالآلام (20: 17-19)، وعودة إلى موت يسوع (آ 22: 23-28). هناك تواز بين آ 21 وآ 23. بين آ 22 وآ 23. بين آ 25 ب وآ 26-27
في المشهد الأول يبدأ يسوع (وله دومًا (الكلمة الأخيرة) بجدال مع ابني زبدى وأمهما.
مقدّمة الطالبين آ 20 الأم وابناها
سؤال يسوع آ 21 أ
الطلب آ 21 ب الأم وحدها
سؤال يسوع الثاني آ 22 أ-ج
الجواب آ 22 د الابنان وحدهما
جواب يسوع آ 23
نلاحظ هنا ترتبيًا بشكل تصالب:
الجلوس عن اليمين وعن اليسار آ 21
شرب الكأس آ 22
شرب الكأس آ 23
الجلوس عن اليمين وعن اليسار آ 23
أما المشهد الثاني الذي يبدأ مع ردّة فعل التلاميذ على الحوار الذي تمّ في المشهد الأول، فهو أقلّ تشعّبًا. بعد حاشية تتحدّث عن اغتياظ التلاميذ (آ 23)، قدّم يسوع تعليمه في ثلاث آيات. في الأولى (آ 25) تحدّث عن "الرؤساء" و"العظماء" (تواز مرادف). وفي آ 26-27، تكلّم عن دور القيادة في الجماعة، مع التلاميذ (تواز مترادف، ولكنه تواز متعارض مع آ 25). كل هذا يفترض موضوع الاقتداء بالمسيح الذي هو ابن الانسان (ابن البشر، آ 28).
الرؤساء والعظماء، آ 25، ماذا يفعلون
انتقالة في صيغة الأمر، آ 26، لا يكن شيء من هذا
وأنتم (التلاميذ)، آ 26، العظيم خادم
آ 27، الأول عبد
ابن الانسان (النفي)، آ 28، ما جاء ليُخدم
(الايجابي)، آ 28، بل جاء ليخدم ويبذل نفسه.
هناك رباطان بين المشهدين بواسطة الأفعال: "تالو" (أراد). في آ 21: ماذا تريدين. وفي آ 26-27: من أراد، من أراد. ثم فعل "اويداتي" (علم). في آ 22: لا تعلمان ما تطلبان. وفي آ 25: أنتم تعلمون. ويتضمّن الرباط الأول أن ما نريده قد لا يكون العظمة الحقة (آ 21). العظمة الحقة هي في الخدمة (آ 26-27).
ثانيًا: المراجع
هناك ثلاثة أمور تدفعنا إلى القول بأن مر 10: 35- 45 قد سبق مت 20: 20-28. مع العلم أن ليس ما يقابل هذا المقطع في لو، لأنه لا يوافق على صورة غير برّاقة للرسل، ولا على تحديد سلطة يسوع. غير أننا نجد ما يوازي مر 10: 40-45 في لو 22: 24- 27. الأمر الأول: الكلام عن المعمودية يظهر في مر. ونحن نفهم لماذا ألغاه مت. الأمر الثاني، زاد مت "من قبل أبي" (آ 23). الأمر الثالث: حين يكلّم يسوع أم ابني زبدى فهو يكلّم في الوقت عينه ابني زبدى. هذا التبدّل المفاجئ هو علامة عن طريقة سريعة في صياغة نصّ مت. 
ثالثًا: التأويل
ويتواصل موضوع المكافأة (19: 27- 20: 16) مع نقطتين إضافيتين: لا معرفة مفصّلة عن المكافأة الاسكاتولوجيّة لأن الآب وحده يعرف ما سيكون (24: 36). ساعة يحمل الزمن المقبل المكافأة، يتوجّه الانتباه إلى الحياة الحاضرة التي نموذجها خدمة ابن الانسان الذي يبذل نفسه عن الآخرين.
إن أكثر الاختلافات الهامة بين مت 20: 20-28 (168 كلمة) ومر 10: 35- 45 (193 كلمة)، نجدها في المقطوعة الأولى (آ 20-23). (1) أبرز مت 20: 20- 28 التوازي (ق آ 21 و23 مع مر 10: 37 و40؛ مت 20: 26- 27، مع مر 10: 43-44). (2) لا تظهر أم يعقوب ويوحنا إلاّ في الانجيل الأول. (3) يبدو طلاّب النعمة في حالة من السجود (سجدت، بروسكينوسا، آ 20) (4) جاء الطلب في مر 35:10 "كل ما نريد". لا مكان لمثل هذا الطلب في مت. (5) ونقول الشيء عينه عن الكلام عن "المعمودية". (6) في مر 10: 35- 40 تتكرر "دي" وفي آ 41-45، تتكرّر "كاي" (حرف العطف). ألغى مت الاداتين فجاءت وحدة الاسلوب تامّة.
إن مر 10: 35-45 الذي هو مرجع قط، يقع في مقطوعتين: آ 35- 40. ثم آ 41-45. تعود آ 41-42أ إلى مر؛ ثم آ 42 ب-44 إلى تقليد سابق لمرقس وقد زاد عليه الانجيلي آ 45. وكما بالنسبة إلى آ 35- 40، عُرضت عدة أخبار من التقليد. (1) رأى بولتمان أن الطلب في آ 37 وجد جوابين (آ 38-39): في خلفيّة استشهاد يعقوب. آ 40: رفض للطلب. كانت آ 35-37+40 الوحدة الاصليّة، واقحمت فيها آ 38-39 على ضوء ما حدث ليعقوب (أع 12: 2). (2) وفي رأي آخر: أقحمت آ 38-40. ثم إن آ 37 تبعت آ 41 ي أو آ 42 ي. (3) وفي رأي ثالث من المعقول أن يكون مر 10: 35- 40 وحدة تامة ناجزة. (4) رأي رابع: نجد القول الاصليّ في 10: 35-37+38 ب. واستشهاد يعقوب قاد الكاتب إلى إعادة النظر في ما كتب. (5) وافترض رأي آخر أن الأصل هو استشهاد يعقوب ويوحنا. وزيدت آ 39- 40 وادخل ابنا زبدى. 
هناك أمور كثيرة تتعلّق باستشهاد يوحنا المبكر. وادخال يعقوب ويوحنا غير متوقّع إن كان واحد منهما فقط قد مات حين دوّن مر (يعقوب). هذا أمر مهمّ ولاسيّما أننا نعتبر أن يوحنا بن زبدى امتدّت به الأيام، فما مات قبل تدوين مر 10: 35-40 (خصوصًا مت 20: 23). وهكذا قد نستطيع أن نوافق على أن مر 10: 35-40 كان وحدة تامّة منذ البدء. والكلام عن اليسار واليمين لا يخالف هذه الوحدة (آ 37، 40). ولا نستطيع أن نتأكد أن يسوع أعطى جوابين كما قال بولتمان في آ 37. فإن 10: 38-39 هو استطراد، لا جواب آخر.
وهكذا تبدو المقطوعة في مر 10: 35-45 بشكل تصالب وتعاكس:
آ 37: هبْ
آ 37: عن يمينك... عن يسارك
آ 38: أما يسوع
الكأس التي أشربها
المعموديّة التي اعتمد بها
آ 39: أما يسوع
الكأس التي أشربها
المعمودية التي اعتمد بها
آ 40- عن يميني... عن شمالي
آ 40- ليس لي أن أهبه.
إذا كانت وحدة آ 35-40 أمرًا مسلمًا به، فيبدو أن هذه المقطوعة تشير إلى ذكرية حقيقية. لماذا (1) لأن آ 40 تضع حدًا لسلطة يسوع، وهذا لا يمكن أن يفكّر به الانجيلي بعد القيامة (كل سلطان أعطي له). (2) إن الاستعمال الاستعاريّ للمعمودية في ارتباط مع آلام يسوع، يوازيه موازاة تامّة لو 49:12-50 الذي يعود إلى الرب. (3) إذ أخذنا إنباء يسوع في المعنى الطبيعيّ، فهو يعني أن الأخوين سيشاركان يسوع في استشهاده في ذلك الوقت وذلك الآن. ولسنا أمام أمر محتوم سيحصل بعد بضع سنوات في ظروف مختلفة. ويعترض معترض فيقول إن المقطوعة تفترض وضع يسوع كالمسيح وارتفاعه المجيد. ونقول نحن إن يسوع رأى في نفسه ملك اسرائيل الاسكاتولوجي. وهكذا لا يؤثّر الافتراض في هذا الموقف.
رابعًا: طلب ابني زبدى (20: 20-23)
"حينئذ تقدّمت إليه أم ابني زبدى" (آ 20). أعاد مت النظر في مر 10: 35، بحيث (1) إن أم ابني زبدى (رج 4: 21-22؛ 10: 2؛ 26: 37. ويظهر ابنا زبدى في اللوقاويات، لو 9: 54) هي التي تطلب لا ولداها. (2) جاء الطلب بشكل هادئ واحتفالي. (3) استعمل متى لغة خاصة به. اعتاد الشّراح أن يقولوا إن الانجيلي جعل الأم تطلب لكي يظهر الابنان في موقف أرفع (هما ما طلبا، بل أمُّهما). هما ما طلبا، وهما أيضًا كبيران بما فيه الكفاية لئلاّ يحتاجا إلى أن تطلب أمهما باسمهما. أما هي فطلبت لأنها قريبة يسوع، خالته وأخت أمه (يو 19: 25) ولأنها تحبّ ولديها. وقد نجد في هذا الخبر تأثير 1 مل 1: 15- 21 حيث تطلب بتشابع من الملك داود لأجل ابنها سليمان. ونشير أيضًا إلى أننا نجد أيضًا موقفًا في الانجيل فيه تطلب أم من أجل أولادها: (15: 21-28). هي المرأة الكنعانيّة. ويستعمل أيضًا فعل "سجد" (آ 25). أيكون مت أراد أن يقابل بين الاثنين فيدلّ على نوعيّة طلباتنا التي نرفعها إلى يسوع؟
بدأت هذه الاية (آ 20) بأداة "حينئذ"، فربطت هذه المقطوعة بالمقطوعة السابقة. بعد كل إنباء عن الآلام نجد رغبة شخصيّة لدى التلاميذ. بعد الإنباء الأول عبّر بطرس عن معارضته لمشروع يسوع (16: 22: حاش لك يا رب). وبعد الانباء الثاني، تجادل التلاميذ عمّن هو الأكبر (18: 1). وهنا نرى طلب ابني زبدى. وهكذا بعد هذه الانباءات الثلاثة، ما استطاع التلاميذ أن يفهموا أن على يسوع أن يتألّم قبل أن "ينتصر".
هل نستطيع أن نتخيّل أن هذا الطلب (طموح فردي في لباس ديني) حصل تجاه ما فعله بطرس (22:16-23؛ 27:19- 20: 16)، بحيث يصيران هما أيضًا مميّزين؟ في أي حال، لقد سبق ليسوع وميّز ابني زبدى (17: 1ي) وهو سيفعل أيضًا (36:26-46).
"فقال لها" (آ 21). في مر 36:10: "قال لهما". "ماذا تريدين". قال مر: "ماذا تريدان أن أعمل لكما"؟ قالت: "أن يجلس ابناي...". لسنا هنا على مستوى الدينونة ولا على مستوى العيد المسيحاني، بل أمام الدور الاسكاتولوجيّ وأمكنة الصدارة (مع أن الملكوت ليس الكنيسة، ومع ذلك نستطيع أن نطبّق هذا الكلام على التزاحم على المراكز في الكنيسة الأولى، وفي كنيستنا اليوم). فالسؤال (والقرابة تطلب الحظوة) يُقرّ بمصير يسوع وسلطانه العظيم ويتوافق مع دعوة يسوع للصلاة من أجل أمور عظيمهّ (17: 19-20). غير أن هذا السؤال لم يتوجّه التوجّه الصحيح (آ 23: لا تعلمان ما تطلبان)، ولم يأخذ بعين الاعتبار ما أنبأ به يسوع. ومع أن الجموع ستهتف ليسوع كالمسيح الداودي، فأورشليم لن ترى يسوع صاعدًا على عرش بل على الصليب. واللذان سيكونان عن الشمال واليمين لن يكونا رسولين ممجَّدين، بل لصّين مصلوبين (38:27). حوّل مت مر 10: 37 وز و15: 27 بحيث يتطلّع هذا المشهد إلى مشهد يسوع على الصليب.
"فأجاب يسوع وقال لهما: لا تعلمان..." (آ 22). مال يسوع بوجهه عن الأم إلى ولديها. وقد ساعداها في طلبها لأجلهما. "الكأس" ليست "التجارب" كما قال اسحاق السرياني (ولكن ربط الكأس مع التجربة في 26: 36- 46 قد يحتمل هذا التفسير)، ولا تدلّ على "الأسرار" (27:26). ولا علاقة لها بالشراب الذي أعطي ليسوع على الصليب (27: 34، 48). وقد لا تدلُّ الكأس بكل بساطة على الموت. نشير هنا إلى ان التراجيم عرفت: "ذاق كأس الموت" (على تك 40: 23؛ تث 32: 1؛ وصيّة ابراهيم: "كأس الموت المرة والتي لا ترحم).
غير أن النصّ الذي نقرأ يتحدّث عن "شرب". وعن نوع خاص من الموت. هل هناك تقابل بين "الكأس" و"الاستشهاد"؟ فإن "استشهاد أشعيا" (كتاب منحول)، يتحدّث عن "كأس الموت" (13:5). ولكن تأثّر هذا الكتاب بالمسيحيّة (استشهاد بوليكربوس 14: 2؛ رسالة أغناطيوس إلى رومة 7: 3). غير أن المراجع اليهوديّة لا تشير إلى هذا المعنى. من أجل هذا نعود إلى التوراة حيث الكأس تصوّر في إطار الآلام ولاسيّما تلك التي ترتبط بدينونة (أو: بغضب) الله (مز 6:11؛ 7:75-9؛ أش 17:51، 22؛ إر 15:25، 17، 27-28؛ 49: 12؛ مرا 4: 21؛ حز 23: 31-32: حب 2: 16). مثل هذا الاستعمال قد نجده أيضًا في الأدب البيعهديني (مز سليمان 8: 14-15؛ تفسير حبقوق 14:11) وفي رؤ 14: 10؛ 19:16؛ 6:18. وما يُثبت الخلفيّة الخاصة لفهم آ 22 وز هو (1) مر 10: 38-39 الذي يعود إلى العماد وحيث العماد لا يعود إلى الموت بل المرور في القلق والاضطراب. (2) ولو 12: 59- 50 (رج انجيل توما 10) حيث يرتبط العماد بالنار، مع العلم أن النار هي النار الاسكاتولوجيّة في العهد الجديد (ما عدا مر 9: 21 وز؛ لو 22: 25). رج نار العماد في مت 13 وز. وهكذا، فالكأس التي يريد يسوع أن يشربها (رج 26: 39) والتي يستعدّ التلاميذ لشربها (مر 9: 49؛ إنجيل توما 82) هي كأس الحزن الاسكاتولوجيّ الذي ينصبّ أوّل ما ينصبّ على شعب الله (إر 25: 25- 29). لقد رأى يسوع نفسه وجهًا إلى وجه لا مع مصير مرّ، بل مع دينونة الله. 
"قالا له: نستطيع"، رج مر 10: 39. هنا نتذكّر مت 26: 31-35 حيث يؤكّد التلاميذ أنهم لن يتركوا يسوع. وهناك أيضًا ارتباط مع 26: 36-46 (مع حكم على التلاميذ) وحدث الجسمانيّة، حيث نام ابنا زبدى وتركا يسوع يشرب الكأس. نشير هنا إلى أن مر 38:10-39 على شفتي يسوع يعني بشكل خاص الآلام، وربّما الموت.
"قال لهما" (رج مر 39:10 ب، ولكن يسوع قال لهما). "أما كأسي فتشربانها" (آ 23). في النهاية يتحدّث يسوع عن "أبي". رغم علاقته بأبيه، فمصيره هو "كأس الغضب". هنا نتذكّر كلام بولس عن المسيح الذي صار "خطيئة" أو ذبيحة خطيئة (2 كور 5: 21) الذي صار لعنة، لأنه مكتوب، "ملعون من عُلِّق على خشبة" (غل 13:3). قال بعض الشّراح إن هذا النص هو نبوءة كُتبت بعد أن مات يعقوب سنة 44 (أع 12: 1-2) على يد هيرودس. وقال آخرون إن يوحنا مات أيضًا في ذلك الوقت أو أقلّه قبل تدوين مر 10: 35-45. ولكن اليقين الذي يتألّف من مر 10: 35-40 (الذي يُعتبر حديثًا عن استشهاد ابني زبدى) ومن مراجع أبائيّة (قال بابياس في الكتاب الثاني إن يوحنا اللاهوتي وأخاه قُتلا بيد اليهود)، لا يستطيع أن يعارض شهادة ايريناوس الذي ذكر أن يوحنا عاش حتى عهد تريانس الامبراطور (الهراطقة 2/ 22: 5؛ اوسابيوس، التاريخ الكنسي 3: 23).
ما الذي يعطي قول ايريناوس هذه القوّة؟ (1) لا ايريناوس ولا أوسابيوس اللذان قرأا بابياس، يذكران شيئًا عن استشهاد يوحنا. (2) لأن تقليد ايريناوس القائل إن يوحنا مات موتًا طبيعيًا لا يتوافق بسهولة مع مر 10: 35-40، وهذا ما يدلّ على صدقه. (3) أورد اكلمنضوس الاسكندراني في كتابه "أي غنيّ يخلص" (42) خبرًا منحولاً يقول فيه إن يوحنا كان "شيخًا". (4) إذا كان "التلميذ الحبيب" (كما يقول عدد من الشرّاح) المذكور في يو هو يوحنا الرسول، فإن يو 21: 22 يفترض القول بأن يوحنا مات شيخًا. (5) أعلن ايريناوس (كما نقل عنه اوسابيوس في التاريغ الكنسي 5: 230) أن بوليكربوس كان تلميذ يوحنا. وبما أن بوليكروس استشهد سنة 155-156، فهذا يعني أن يوحنا لم يمت شابًا. (6) إن اعتُبر مر 38:10 ي، على ضوء الأحداث، نبوءة نموذجيّة عن الاستشهاد، فقد يكون في الأصل تنبيهًا من المحاكم والضيقات. (7) اعتبر كل من ايريناوس (الهراطقة 3/ 1: 1) واكلمنضوس الاسكندراني (في أوسابيوس، التاريخ الكنسي 6: 14) وأوسابيوس (التاريخ الكنسي 3: 24) أن يوحنا بن زبدى دوّن الانجيل الرابع، وأن هذا الانجيل كان آخر الأناجيل القانونيّة. (8) ساعة افتُرض أن التقليد حول شيخوخة يوحنا قد وُلد من خلط بينه وبين يوحنا الشيخ، فقد يكون يوحنا الشيخ هذا وليد مخيّلة اوسابيوس واهتمامه الدفاعيّ. ونستنتج أن هذا النصّ هو شاهد هام على واقع يقول إن يسوع توقّع الضيق والألم لنفسه ولتلاميذه.
"ليس لي أن أعطيه". هنا نجد عند مت بعض تحديد للسلطة التي تُنسب إلى يسوع في مت. فالابن يخضع للآب في المخطط الخلاصي على مستوى الكنيسة وعلى مستوى الأفراد (رج 24: 36؛ يو 5: 19-23؛ 12: 44- 50). هذا قبل القيامة. ولكن بعد القيامة سيُعطى يسوع كل سلطان (18:28).
"من قبل أبي". فلفظة "أب" مع الضمير تميّز مت. قال مر في 10: 40: "للذين أعدّ لهم". وزاد مت: "من قبل أبي". المعنى هو هو، لأن المجهول يدلّ عادة على الله الذي يتحاشى اليهود ذكر اسمه. لسنا هنا أمام اختيار مسبق وحتمي (رج 35:25، 41؛ 1 كور 9:2)، بل أمام نظرة تنطلق من واقع الدينونة فتعود إلى الوراء، إلى القصد الالهيّ.
خامسًا: الخدمة الحقيقية (24:20-28)
تفتتح آ 24 الشقّ الثاني من المقطوعة، وتشدّد على الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السيادة، إلى العظمة، بين أعضاء الجماعة المسيحاوية: وهذه الوسيلة هي الخدمة. أما غضب العشرة الآخرين فيدلّ على الحسد. لماذا ينال ابنا زبدى وحدهما هذا الامتياز؟
"فلما سمع ذلك الاثنا عشر"، غضبوا، لا "بغضب" يسوع من تلاميذه الذين ما أرادوا أن يدخلوا حتى الآن في طريق الآلام. بل حزنًا لأنهم خسروا ما ناله ابنا زبدى. هذا ما يفهمنا أن ما قرأناه في ف 18 حول الأعظم في ملكوت السماوات، لم يفعل فعله بعد.
"فدعاهم يسوع" (آ 25). تدلّ هذه الآية على انتقالة من تركيز على المستقبل إلى تركيز على الحاضر. "أنتم تعلمون". ق لو 22: 25. الرؤساء عند الأمم والعظماء (ربما لدى اليهود). هم يفعلون ما لا يفعله ابن الانسان. يتسلّط يسود. نحن أمام لفظتين مترادفتين. هناك تسلّط واستغلال.
"وأمّا فيكم" (آ 26). ق 2 صم 12:13؛ لو 26:22. رج هنا في مت آ 26 أ (من أراد أن يكون فيكم) وآ 27 (من أراد فيكم). هذا ما يبرز المقابلة مع الذين ذُكرا سابقًا. هناك بعض الشيع انطلقت من هذه الاية لكي تتهرّب من مشاركة في السلطة، بل من اتخاذ موقف من السلطة. "من أراد أن يكون فيكم كبيرًا". ق 23: 11. نتذكّر هنا كلام شيشرون (في الوظائف 1: 90، من يعلّم عن الرفيع والمتواضع يعطي نصيحة جيّدة) وانجيل توما 12 (من يريد أن يكون أعظم من الجميع؟) وشروح الآباء (1: 13: اسم نصنعه عظيمًا هو اسم مدمَّر). إن الفكرة المسيحيّة عن الخدمة قد قلبت المفاهيم كما في الحديث عن التواضع. 
"ومن أراد أن يكون الأول" (آ 27). قابل مرقس هذه هي روح يسوع، التي لا تجد فقط في موضوع الانقلاب الاسكاتولوجي تعزية كما في التطويبات، بل أمرًا يتوجّه إلى الذين يرفعهم الله إن هم اتّضعوا.
نستطيع أن نقابل آ 25-27 مع 23: 2-12. فالمقطعان يستعملان الاسلوب البلاغيّ الواحد ويصلان إلى النتيجة الواحدة. يصوّران دورين نموذجيّين: في الحالة الأولى الرؤساء والعظماء. وفي الثانية الكتبة والفريسيّين. ويتبع القطعة الأولى (آ 26 أ: وأما فيكم) والقطعة الثانية (23: 8 أ، وأما أنتم) قولاً انتقاليًا في صيغة المخاطب يدلّ على تصرّف التلاميذ.
مع آ 28 نصل إلى قمّة آ 20-28. قبل أن يصعد يسوع إلى أورشليم، يعود إلى ابن الانسان الذي يعمل ما يقول ويقول ما يعمل، إلى الملك الحقيقيّ الذي يتوخّى خير "عبيده". هذا الذي سيُعطى له كل سلطان في السماء وعلى الأرض، هو مثال عن الأول الذي صار الآخر. وتأتي الوصيّة بشكل آخر: على الكنيسة أن تواصل طريق المسيح.
"هكذا ابن الانسان". ق مز 8:48 حسب السبعينية؛ يو 10: 11، 15، 17-18؛ 13:15؛ 1 يو 16:3؛ انجيل الحقيقة 20: 11-18. تدلّ الخدمة على خدمة الموائد (ذاك كان عمل العبد). هذا يعني أن هذا القول جُعل في سياق المائدة والطعام (لو 27:22). ولكن المعنى ظلّ عامًا في مت: رج "بذل نفسه" (ن ت ن. ن ف ش، باراديدومي). "فدية" (ليترون). نحن أمام مال يُدفع لتخليص عبد من العبوديّة. رج أش 53: 12.

3- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
أ- يسوع الصاعد إلى أورشليم
إن عبارة "صعد" (ع ل ه) إلى أورشليم قد اتخذت منذ القديم مدلولاً عباديًا محدّدًا (لو 18: 10؛ يو 13:2؛ 11: 55؛ 12: 20). وإذا خرجنا من أورشليم، عنى فعل "صعد" الذهاب إلى المعبد (= إلى الهيكل)، لأن المعابد جُعلت على المشارف، على قمم التلال أو الجبال. قد يكون مت يلمّح إلى حيث يقيم رؤساء الشعب الذين سيحكمون على يسوع بالموت. أو إلى الموضع الذي فيه تُقام شعائر العبادة ولاسيّما ذبائح التكفير. في إنجيل يوحنا، صعد يسوع إلى أورشليم للاحتفال بالأعياد الدينيّة الكبرى. وصعد في الوقت عينه إلى أبيه (يو 7: 10، 14؛ 20: 17). ويفترض مت أن عددًا كبيرًا من التلاميذ يتبعون يسوع، وينتظرون من هذا الصعود إظهارًا لمسيحانيّة يسوع. لهذا، أخذ يسوع الاثني عشر على حدة لينبّههم إلى ما سيحدث له. في إنجيل متى، يظهر الاثنا عشر منذ ف10 (آ 1 ي؛ 11: 1؛ 28:19؛ 14:26، 20). ولا نخلطهم مع التلاميذ. أسّسهم يسوع، وتنظّموا في جماعة فلسطين الأولى، فكانوا في الأناجيل الإزائيّة، لا "بقيّة" اسرائيل الصغيرة، بل كل القبائل الاثنتي عشرة التي تتمثّل برؤسائها. وهكذا يكون لمجموعة الاثني عشر وظيفة التمثيل والارسال. يمثّلون الكنيسة، ويرسَلون إلى الكنيسة.
كيف يكون الحكم على يسوع؟ لن يكون في فخّ يُنصب للمعلّم في ساعة من ساعات الغفلة. بل هناك محاكمة مع مسؤولية رؤساء الكهنة والكتبة (رج 12: 1ع؛ 27: 3). ونجد فعل "رذل" على المستوى القانونيّ (ابودوكيمازين، 21: 42، رج 1 بط 2: 4). أسلم الرؤساء يسوع إلى الوثنيين، إلى الرومان. فهل يعني أن مت يريد أن يبرّر مجمل الشعب كما هو الأمر في أع 23:2؛ 3: 14؛ 4: 10؟ ربما. ولكن الشعب دخل كله في المؤامرة عبر قرار رؤسائه. إن فعل "امبايزاين" (سخر) نجده في خبر الآلام (27: 29، 31؛ رج 2: 16 حيث "يسخر" المجوس من هيرودس). لن يُقتل ابن الانسان فقط. بل سيكون في وضع الأشقياء، حيث السخرية تقتل أكثر من السيف. وطبِّق الجلد (تث 2:25-3) لدى الرومان وسلطات المجمع (34:23) بسبب أخطاء بسيطة (10: 10) أو قبل تنفيذ حكم الاعدام (كما هو الأمر هنا). غير أن الجلد قد يعني عددًا من المعاملات السيّئة. وذُكر الصلب (26:27 ي). كما ذُكرت القيامة بشكل موجز. ولكن النصّ شدّد أكثر ما شدّد على آلام يسوع.
ب- تقدّمت أم ابني زبدى
في هذا الاطار المأساوي تدخلت أم يعقوب ويوحنا، ابني زبدى. هذا يفترض أنها رأت في يسوع الملك المسيح، ولهذا طلبت منه ما طلبت، وهذا رغم ما قاله يسوع عن آلامه. هنا نشير إلى أن فكرة "المسيح" المتألّم مع تلاميذه، قد انتشرت في العالم اليهوديّ، ولاسيّما لدى الاسيانيّين. ومع ذلك، طلبت الأم لابنيها اليمين واليسار، في المجد، أي موضعَي الكرامة، والاتحاد الحميم بسلطته كديّان نهاية الأزمنة.
وجاء جواب يسوع بعيدًا عن الغضب والملامة. فقد كان من الطبيعيّ أن يبحث اليهوديّ التقيّ عن مقاسمة المسيح المنتظر مجده، حتى وإن مرّ في الآلام. ومع أن ابني زبدى استشفّا هذه الآلام، فما توقّعا وسعها ومدلولها الحقيقيّ. غير أن يسوع ما أراد أن يسحقهما. فاكتفى بأن يهدّئ حماسهما (نستطيع). وضعهما أمام "الكأس" (بوتيريون) التي لا تدلّ فقط على الصلب، بل على مجمل الآلام. لا تعني هذه الكأس آلامًا فُرضت على يسوع، أو هيِّئت خصيصًا له. هي الكأس التي هيّأها لي أبي. لقد قبل يسوع آلامه وكأنها هديّة من الآب له من أجل خلاص العالم. نشدّد هنا على أن قول التلميذين بأنهما يستطيعان أن يشربا كأس الآلام، يجعلنا في خطّ اليهود الذين ماتوا من أجل إيمانهم ولاسيّما في القرن الثاني والأول ق م، كما في خطّ المسيحيين الذين ماتوا في الوقت الذي فيه دوِّن مت. فالمحنة بالنسبة إلى الرسل لم تأت من آلام يسوع، بل من الصمت الذي تلا الصلب، كما نقرأ في لو 24: 21: هذا هو اليوم الثالث، ويسوع ما زال غائبًا.
ويعلن يسوع سلطة الآب في هذا الملكوت الذي جاء يدشّنه، ولكنه ظلّ فيه ذاك الخادم الذي يبذل نفسه. ويُظهر أنه ما جاء يجمع المحازبين والمتشيّعين الذين "يستفيدون" من الانتماء إليه، بل الشهود الذين قد تصل بهم الشهادة إلى الاستشهاد. وهذا ما حصل ليعقوب الذي مات في أورشليم سنة 44.
ج- وسمع العشرة الآخرون
سمعوا وغضبوا... فجاء جواب يسوع لا نقدًا لمبدأ سلطات هذا العالم (فالفعلان الواردان هنا لا يقلّلان من أهميتهم)، بل تأكيدًا على تصرّف يميّز الجماعة المسيحاويّة عن العالم، تأكيدًا على الخدمة. هذا لا يعني أن على الكنيسة أن ترذل كل سلطة بشرية فيها، بل أن على كل سلطة في الكنيسة أن تمارس الخدمة. وقد نكون هنا أمام "هجوم" على التسلّط في الوظائف الكنسية خلال القرن الأول كما في أيامنا.
إن موضوع العظمة الحقيقيّة والعظمة الكاذبة، موضوع هام في العالم القديم. وهو يلعب دورًا كبيرًا في الانجيل الأول (5: 19؛ 11: 11؛ 12: 6؛ 18: 1؛ 22: 23). أما هنا فالعظمة تكمن في الخدمة. في العالم اليونانيّ، يدلّ فعل خدم (دياكوناين) أولاً على خدمة المائدة (لو 17: 18؛ يو 12: 2). فكل خدمة تحطّ من قدر الانسان، ما عدا الخدمة في وظائف الدولة الكبرى. أما في العهد القديم، فلا نجد فعل "دياكوناين". ففكرة الخدمة أي الطاعة الشخصيّة لمن هم أكبر منا، تبدو وضعًا طبيعيًا لدى البشر، بل ترتدي كرامة كبيرة (إذا كنا نخدم الملك مثلاً). وحين نحب الله نخدمه أي نخضع لوصاياه (ع ب د، دولواين).
فالمثال الذي نتوق إليه لا يكمن في تحقيق الشخصيّة في الاستقلاليّة، بل في تمميم المهمّة التي أوكلت علينا (أو كلّفنا بها الله، الملك، ممثّلوه) تتميمًا أمينًا. تحرّر شعب الله من عبوديّة المصريين، فصار في خدمة إلهه. فالوجوه الكبرى في العهد القديم هي كلها وجوه خدّام لله، من موسى إلى عبد الله وعابده (دولوس، بايس). وارتبط العهد الجديد بهذه الصور الأساسيّة. أما ما يُقال هنا، فيجعلنا أمام الملاحظات التالية:
- جاء موضوع الخدمة في سياق هجوميّ: فالخدمة لدى يسوع وتلاميذه لا تتعارض فقط مع السلطة السياسيّة (التي لا تُنتقد في ذاتها)، بل مع الطموح الزائف والتسلّط الديني. إذن، بدا النداء إلى الخدمة أولاً نداء إلى التوبة، على مثال النداء بأن نصير كالأطفال (رج 18: 15). وهكذا نقطع كل رباط بالايديولوجيّا التي تحيط بنا.
- لا تفترض النظرة الانجيليّة الامّحاء وتنكّر الانسان لذاته، بل حياة ناشطة مثل حياة يسوع. لا يُطلب من الانسان أن يكون أولاً سيّد نفسه لكي يستطيع أن يخدم الغير. بل هو يجد عظمته في نظر الله حين يخدم الفقير.
- لا تصوّر الأفعالُ المذكورة هنا مسيرة باطنيّة طويلة، بل القبول المباشر لحياتنا ونشاطنا، وعطاء الذات للآخرين.
- هذه الخدمة هي ضروريّة، ولكنها ليست شعبيّة لدى الناس. فهي لا تُفهم ولا تقبل. هذه الخدمة هي فريدة في يسوع. وتظهر في الأناجيل ممارسة لمحبّة الله ومحبّة القريب (5: 44؛ 19:19). كما أن هناك الخدمة في الكنيسة. رج روم 15: 25؛ 1 بط 1: 12؛ 4: 10؛ فل 1: 1.

خاتمة
من سيجلس عن يمين المسيح أو عن يساره؟ على أي أساس سيكون اختيار الآب (آ 23)؟ ما معنى "العظيم" و"الأول"؟ أسئلة لا جواب لها. فالنصوص تريد أن تجعلنا قبل كل شيء في إطار كرستولوجيّ، في إطار الحديث عن يسوع المسيح. نحن نقرأ هنا أن يسوع سيملك في ملكوته، أنه سيشرب كأس الألم (أو: الغضب)، أنه ما جاء ليُخدم بل ليخدم ويقدّم حياته فدية عن الكثيرين. لاشكّ في أننا نقرأ هنا مشهد أم ابني زبدى. ولكننا نتركها حالاً ونتطلّع إلى سائر الرسل الذين يُطلب منهم أن يكونوا مثل يسوع. نحن وجهًا لوجه أمام ابن الانسان: حياته، مثله، موته، مصيره. على هذا الضوء يأخذ النصّ الانجيليّ معناه.
الفصل السادس عشر
النبيّ الملك يدخل إلى أورشليم
21: 1- 11

وصل يسوع إلى بيت فاجي (كفر الطور). واقترب من أورشليم التي سيدخلها في موكب عظيم، سيدخلها كالمسيح الملك، سيدخلها بحسب أقوال الأنبياء. هيّا الدخول حين أرسل تلميذين يشهدان له على مثال أعميي أريحا. وأعلن أنه "الربّ" الذي يستطيع أن يطلب كل شيء. ودخل يسوع المدينة المقدّسة دخول "الفاتحين"، لا على فرس، هي مطيّة الحروب، بل على جحش ابن أتان، كما اعتاد آباء الشعب أن يفعلوا. وكانت نتيجة هذا الدخول أن المدينة كلها ارتجّت، ورأى الجمع في يسوع الناصري، الآتي من الجليل، النبيّ الذي ينتظره الشعب على مثال موسى. فيبقى عليهم أن يسمعوا له.
بعد نظرة إجمالية إلى النص، نتوقّف عند التفاصيل قبل أن نكتشف فيه النظرة اللاهوتيّة والروحيّة.

1- نظرة إجماليّة
إن لهذا الخبر مكانته المميّزة في بنية مت. وهو يجعلنا أمام أزمة بها يمرّ العالم من تدبير ملكوت تدشّن ولكنه ما زال خفيًا، إلى تدبير ملكوت تجلّى بشكل نهائيّ. لقد أراد الانجيليّ أن يبيّن العلاقة بين هذه الأزمة بأبعادها الكونيّة كما في ف 24 وآلام يسوع. وشدّد بشكل خاص على الصراع بين يسوع ورؤساء شعبه (ف 23).
في هذا الاطار، يدخل خبر دخول يسوع إلى أورشليم. إنه بداية "حلّ" الأزمة، وستكون النهاية في الآلام والموت والقيامة. أما نصّ مت في المقطوعة التي ندرس (21: 1- 11)، فتميّز عن نصّ مر ونصّ لو بالايراد الكتابي الطويل الذي يعطي الحدث معناه. كما يتميّز بالنبرة الارتهابيّة والاحتفاليّة، بعد أن جاء الخبر متماسكًا ومجرّدًا من تفاصيل سنجدها عند الازائيين الآخرين.
نستطيع أن نقسم هذه المقطوعة ثلاثة أقسام: تهيئة الدخول (آ 1- 5). الدخول إلى المدينة المقدّسة مع صيحة الشعب: "هوشعنا لابن داود! مبارك الآتي باسم الرب. هوشعنا في الأعالي" (آ 6-9). وفي آ 10- 11، نتعرّف إلى ردّة الفعل لدى الجموع: "هذا يسوع النبيّ". ولكن هذا النبي سيُقتل، شأنه شأن سائر الأنبياء في أرض اسرائيل على مثال ما سيقول يسوع في 33:23 (رج 21: 33 ي ومثل الكرّامين القتلة).
وترد ثلاثة نصوص من العهد القديم. الأول من أشعيا يتحدّث عن أورشليم التي استعادت "زوجها" الله الذي يعيد لها إشعاعها في الكون، فتقيم فيها جماعة المفديّين. أما الآية المذكورة هنا فتقول: قولو لابنة (لمدينة) صهيون (= أورشليم. في الأصل، أقدس مكان في أورشليم حيث يقوم الهيكل): ها خلاصك (أو: مخلّصك كما قال الترجوم الآرامي والبسيطة السريانية) يأتي". أما متّى فقال: "ملكك يأتيك"، رابطًا نصّ أشعيا بنصّ زكريّا، مشدِّدًا على دخول الملك إلى مدينته. هذا الملك يتوقّف في جبل الزيتون، على مثال ما فعل الربّ حين عاد إلى المدينة المقدّسة بعد أن رافق المسبيّين إلى السبي (خر 43: 1 ي).
وعاد النصّ الثاني إلى زك 9 الذي يعلن دينونة الشعوب وتنقيتها. يزول الملوك كلهم ويبقى الملك المسيح، الوديع والمتواضع، الذي يحمل السلام إلى شعبه وإلى سائر الشعوب. "ابتهجي يا بنت صهيون، اهتفي هتافًا يا ابنة أورشليم (لكي تعلني ملك الربّ، صف 3: 14). ها ملكك يأتي إليك بارًا ومخلّصًا، متواضعًا وراكبًا على حمار، على جحش صغير. يزيل من افرائيم مركبات الحرب". أجل، يسوع بعيد جدًا عن الوجه الحربي الذي ألبسه اليهود للمسيح في أيام يسوع. ترك كل ما يتعلّق بالحرب، وأعلن السلام للأمم بعد أن حطّم كل سلاح.
والنصّ الثالث نقرأه في مز 118 الذي هو نشيد الاعتراف للرب، يتلوه الآتون إلى الحجّ في أورشليم: "خلّص اذن، يا رب. هوشعنا. مبارك الآتي باسم الربّ". هذه الايرادات الثلاثة تذكّرنا أننا لسنا أمام "تقرير" صحافيّ عمّا حدث يوم دخل يسوع إلى أورشليم، بل أمام تعبير لاهوتي يدلّ على الايمان المسيحيّ بملك متواضع يحمل السلام إلى مدينته وإلى العالم، ويستعدّ للآلام التي يتحملها بحيث تكون حياته فدية عن كثيرين.

2- دراسة تفصيليّة
أ- البنية
ركّزت آ 1 المشهد. وأوردت آ 2-3 تعليمات يسوع لتلميذيه. وحملت آ 4-5 الايراد الكتابيّ. وفي النهاية، أوضحت لنا آ 6- 11 أن هذه التعليمات قد تنفّذت بدقّة. "فذهب التلميذان وفعلا ما أمرهما به يسوع" (آ 11). وكان ما كان من دور الجموع.
نستطيع أن نقابل بنية هذا النصّ مع بنية 1:18-25. ركّزت آ 18-19 المشهد، وظهر الملاك ليوسف فأعطاه تعليمات (آ 20- 21). بعد هذا، جاء استشهاد كتابيّ (آ 22-23) دلّ على أن هذه التعليمات قد نُفِّذت بدقّة: "قام يوسف من نومه فصنع ما أمره ملاك الرب". ثم كانت الاحداث التالية (آ 24- 25).
وهكذا نستطيع أن نجعل المقطعين في الرسمة التالية:
1: 18-19 تركيز المشهد 21: 1
1: 20- 21 تعليمات الملاك/ يسوع 2:21-3 
1: 22-23 استشهاد كتابي 21: 4- 5 
24:1 تنفيذ التعليمات 6:21
1: 25 نتيجة الاحداث 7:21- 11 
وهناك من يقرأ 21: 1-17 كما يلي:
أ- 21: 5، استشهاد كتابي (بنت صهيون)
ب- 9:21، هتاف (مز 25:118-26)
ج- 21: 13، يسوع يورد الكتاب
ب- 21: 15، هتاف (مز 118، 25)
أ- 21: 16، يسوع يورد الكتاب (من فم الأطفال والرضّع).
وإذا توقّفنا عند المرجع، نفهم أن 21: 1- 11 هو صياغة لما في مر 11: 1- 11. وقد يكون هناك مرجع لا مرقسيّ.
ب- التأويل
إن المقطوعة التي ندرس تحمل خيوطًا عديدة من الفصول السابقة: موضوع تتمة النبوءة (آ 4-5؛ رج 1: 22-23). مسيرة يسوع إلى أورشليم (آ 1، 10؛ رج 16: 21؛ 17:20). تواضعه (آ 4؛ رج 29:11). وضعُه كملك (آ 5؛ رج 2: 1- 12) وابن داود (آ 9؛ رج 1: 1-18) والآتي (آ 9؛ رج 2: 11؛ 11: 3) والنبيّ (آ 11؛ رج 13: 57).
ولكن هذه المقطوعة تتضمّن أيضًا أمرين مهمين. الأول: أعلن يسوع نفسه الملك المسيحاني، لا بشكل مباشر بل غير مباشر، لا بالأقوال بل بالأعمال. الثاني: أقرّت مجموعة بهذا الملك (ق 16: 13-14). وهذا الاعلان (الذي هو نداء يسوع العلني) والاقرار (جواب الجمع) يفرضان على أورشليم أن تتّخذ قرارها: من هو يسوع (رج آ 10)؟ كل ما يتبع 21: 12 يرتبط بجواب المدينة على هذا السؤال.
إن 21: 11 وز هو أحد النصوص التي تروي مجيء قائد منتصر أو بطل حرب (في الأناجيل الازائيّة، يسوع يدخل هنا إلى أورشليم للمرة الأولى، لهذا كان الحدث ذا بعد كبير). في التقليد اليهودي: 1 مل 1: 32-40 (سليمان)؛ زك 9: 9 (الملك الاسكاتولوجي)؛ 1 مك 5: 45-54 (يهوذا المكابي. رج يوسيفوس، العاديات 21: 348-349)؛ 13: 38-48 (سمعان المكابي)؛ 49:13-53 (سمعان المكابي أيضًا)؛ 2 مك 4: 21-22 (انطيوخس)؛ يوسيفوس، العاديات 11: 325-329 (الاسكندر الكبير؛ رج 11: 340- 345). العاديات 12: 304-306 (أنطيغونيس). ويُذكر مرقس أغريبا في 16: 12- 15 وارخيلاوس في 17: 193- 205. في التقليد الروماني واليوناني: أتالس من برغاموس يدخل إلى أثينة. أنطونيوس الروماني يدخل إلى أفسس. دخول أميليوس باولوس إلى رومة. وقد تحدّثت العاديات عن تيطس الداخل ظافرًا إلى جيشالة (4: 112-113)، وعن وسباسيانس الداخل إلى رومة (7: 70- 71).
كل هذه النصوص التي تصوّر بشكل خاص الانتصار العسكريّ، تذكر اقتراب الملك من المدينة، الهتاف والاحتفال بالاناشيد، الدخول إلى المدينة، شعائر العبادة. ونجد في 1 مك 13: 49-53 (كما في مت 8:21) إشارة إلى الأغصان (سعف النخل). وقد انتمى الخبر في الأناجيل الازائيّة إلى هذا النموذج. غير أنه يجب أن نلاحظ ثلاثة أمور. الأول: ليس دخولُ يسوع انتصارًا حربيًا. وهكذا ينال الخبر قوّته من واقع يبيّن أن الوجه المركزي، ابن داود الملك، هو متواضع، وأنه ما استولى على شيء أو على شخص، وأنه لا يستعدّ للاحتلال. الثاني، شدّد الانجيل على الحيوان المذكور في 1مل 1: 32-40 وزك 9:9. الثالث: لم يقدّم يسوع ذبيحة في الهيكل، بل ندَّد بالانحرافات على مستوى شعائر العبادة. فكأنه خسر شرعيّته، ويسوع هو فوق الهيكل. وهكذا لا نكون أمام "مجيء" (باروسيا)، بل مجيء معاكس (انتي باروسيا).
وهناك اختلافات بين 21: 1- 11 ومر 11: 1- 11. (1) لا ترد "بيت عينا" في بداية مت. بل ستظهر فيما بعد، في آ 17، رج مر 11: 11. (2) الجحش في مر صار في مت الحمار والجحش (آ 2، 5، 6). (3) إن عبارة "ركبه أحد" في مر 11: 2 لا تجد ما يقابلها في مت. (4) حوّل مت "وهو (الرب= يسوع) سوف يردّه" (= الجحش)" إلى شيء مختلف مع نبوءة: "وهو (من سألت التلميذين عمّا يفعلان) سيرسلهما (الحمار والجحش) حالاً" (21: 13). (5) زاد مت نصّ زك 9: 9 (آ 4-5). (6) أوجز مت حدث وجود الجحش (ق مت 6:21 مع مر 11: 4-6). (7) بعد "هوشعنا" جعل مت "ابن داود" (8:21) الذي يجعل من كلام الجمع إعلانًا كرستولوجيًا واضحًا (ق مر 9:11). (8) صياح الجمع في 9:21= مر 9:11-10 هو ثلاث صرخات في مت، وأربع في مر، لأن مر 11: 10 أ (مبارك مُلك أبينا داود الآتي) غير موجود في مت. (9) بدل مر 11: 11 أ (ذهب يسوع إلى الهيكل ونظر ما حوله)، نجد في مت: سألت المدينة من هو يسوع. فأجاب الجمع: النبي يسوع الذي من ناصرة الجليل. (10) ما جعله مر في صيغة الحاضر جعله مت في صيغة الماضي. 
ونقابل بين 21: 1- 11 و20: 29-34.
ف 20 ف 21
رافق (آ 29) رافق (آ 9)
الجمع (آ 29) آ 8
ها هو (آ 30) آ 5
اثنان (آ 30) آ 1
جلس (آ 30) آ 7
على قارعة الطريق (آ 30) (بارا) في الطريق (آ 8) (ان)
يا ربّ (آ 30): كيريي الربّ (آ 3): كيريوس
صرخوا قائلين (آ 30) آ 9: اكركسان
ابن داود (آ 30) آ 9
وفي الحال (آ 30) آ 2، 3 (اوتيوس).
نلاحظ وجود "ابن داود". فرغم الظواهر، يسوع هو "ملك اليهود". والحماران هما شاهدان للشعب على ما في أش 1: 3: "عرف الثور مقتنيه، والحمار معلف صاحبه، أما بنو اسرائيل فلا يعرفون، شعبي لا يفهم شيئًا".
نجد في أساس مر 11: 1- 10 حدثًا تاريخيًا، وإن صعُب علينا أن نعيد بناء التقليد التاريخيّ بحسب المعنى الروحي الذي حمّله إياه الانجيليّ. ونتساءل عن الأمور التي يذكرها الانجيل. هل كان مجيء يسوع حدثًا علنيًا كبيرًا كما يقول مت؟ أو هل جاء مع بعض الحجّاج من الجليل؟ هل أراد يسوع أن يقدّم مُلكه بشكل مثل، أو هل خبرُ دخول يسوع إلى أورشليم مع جمع الحجّاج الذين سيطر عليهم الفرح وانتظار الملك الآتي، قدّم الاساس التاريخيّ الذي تأثّر بما في زك 9:9؟ نستطيع القول بالنظر إلى ما سيفعله يسوع فيما بعد (مر 11: 12- 25) إن يسوع أراد أن يرمز إلى الملك الآتي ودوره فيه. ووجّه هذه الفعلة الرمزيّة إلى التلاميذ وحدهم. ولكن مت رأى في هؤلاء التلاميذ القليلين يوم الشعانين جموع المؤمنين يهتفون في كنيسته سنة 85: "هوشعنا لابن داود"!
ج- التفسير
أولاً: تهيئة الدخول (21: 1- 5)
* ولما قربوا من أورشليم (آ 1- 2)
ذهب داود من أورشليم إلى جبل الزيتون وسط أصوات البكاء (2 صم 15: 30؛ رج زك 9: 9- 10). أما يسوع، إبن داود، فمن جبل الزيتون إلى أورشليم وسط هتاف الفرح.
"ولما قربوا من أورشليم". أحلّ مت صيغة الماضي محلّ الحاضر الذي وجده في مر. ترك لفظة "بيت عنيا". ووحّد حروف الجرّ (إيس، إيس، إيس، إلى. في مر، إيس، إيس، بروس).
أورشليم هي مدينة الملك العظيم (= الله) (35:5). أما ملكها هنا فهو يسوع. بيت فاجي هي قرية صغيرة. في التلمود. "خارج بيت فاجي" يعني "خارج أورشليم". وهكذا كانت جزءًا من المدينة المقدسة. وإن كانت قد ذُكرت في الخبر الانجيليّ، فبسبب اشتقاق الكلمة: بيت التين الفجّ (الذي لم ينضج). فبعد الدخول إلى أورشليمْ وتطهير الهيكل، نقرأ خبر لعن التينة.
إن جبل الزيتون بقممه الثلاث يبعد 4 كلم تقريبًا عن أورشليم من جهة الشرق، وقد سمّي كذلك بسبب شجر الزيتون الذي يغطّيه (رج معنى: جت شماني، جتسماني، عصر الزيت). نجد الاسم في 2 صم 15: 30؛ 1 مل 11: 7؛ 2 مل 13:23؛ حز 11: 23؛ زك 14: 4 (في السبعينية نجد "أوروس تون إليون": جبل الزيتون). هناك مدافن تعود إلى القرن السادس ق م وتمتدّ إلى القرن الرابع عشر ب م. يبدو أن هذا "الجبل" كان موضع عبادة لإله الموت، نرجال. في العهد الجديد، يُذكر الجبل في مر 11: 1 وز؛ 3:13 وز؛ 14: 26 وز؛ لو 21: 37؛ يو 8: 1؛ أع 1: 12. على جبل الزيتون ينتظر الناس نهاية الزمن (24: 3؛ 27: 51-53). ارتبط الموضع بالدينونة (حز 11: 23؛ زك 14: 4؛ مر 13: 3-4) والقيامة. وقد يكون ارتبط بالانتظار المسيحاني في القرن الأول. صار هذا الجبل في المسيحيّة الأول موضع حجّ كما يقول اوسابيوس في البرهان الانجيلي (6: 18).
"أرسل يسوع تلميذين". ق مر 6: 7؛ 14: 13. زاد مت "توتي" (عندئذ) و"ياسوس" (يسوع). وحوّل صيغة الحاضر إلى صيغة الماضي. وقال "تلميذين" لا "اثنين من تلاميذه". واستعمل اسم الفاعل (قائلاً) بدل الحاضر (وقال). أما التعليمات التي أعطاها والتي تعكس سلطة الملك، فهي تدلّ على أن امتطاء الحمار كان عملاً رمزيًا توخّاه يسوع بملء إرادته.
"إمضيا إلى القرية". ق 18:26. هي بيت فاجي لا بيت عنيا، على ما يبدو. "وفي الحال تجدان". ق 1 صم 10: 1-9 (نبوءة صموئيل حول الاتن التي يبحث عنها شاول)؛ مر 14: 12-16 (نبوءة يسوع)؛ أعمال بطرس 12؛ الرسل 6: 1، 14-29. ترك مت عبارة "لم يركبه انسان" لأنها غير موجودة في الاستشهاد الكتابيّ. وأضاف الحيوان الثاني ليكون في خط العهد القديم.
جعل الأدب الرابيني من الحمار مطيّة مسيحانيّة. تلمود بلبل بركوت 56 ب، سنهدرين 98 أ. يقابل المقطع الأخير بين دا 7: 13 وزك 9: 9: إذا كان اسرائيل أهلاً سيأتي المسيح على سحاب السماء. وإن لم يكن أهلاً سيمتطي حمارًا. نسب هذا النص إلى يشوع بن لاوي، الجيل الأول من القوّالين (امورائيم).
إن زك 9: 9 هو مفتاح هذا التوسيع. فقد استعمل الحمار في الاحتفالات القديمة في الشرق الأوسط القديم. مثلاً في 1 مل 1: 33، ركب سليمان أتان داود إلى جيحون حيث مُسح ملكًا (رج 2 صم 18: 9؛ 19: 16). وهناك بغلة الامراء (قض 5: 10؛ 10: 4؛ 12: 13-14؛ 2 صم 13: 29). ركوب البغلة للدخول إلى المدينة هو عمل ملكي نجده في ارشيف ماري (على الفرات) الملكي.
* إن قال أحد لكما شيئًا (آ 3-5)
ويعطي يسوع أوامره فيدلّ على أنه عارف بالظروف (أو هو دبّر الامور مسبقًا). الرب أي يسوع المسيح. هكذا سمّى نفسه هنا. إن المطيّة المسيحانيّة تخصّ يسوع لأنه الرب المسيح الذي يستعيد سلطة آدم على الحيوانات (تك 1: 26- 31). ويرى مت أن يسوع ليس فقط سيّد الحيوانات، بل سيّد أورشليم نفسها.
"وكان هذا ليتمّ" (آ 4). هنا يبدأ الراوي كلامه وكأنه يعبّر عن فكر الربّ. لا يُذكر النبي الذي أخذ منه الايراد الكتابيّ لأنه مزيج من أشعيا وزكريا. ثم لَو قال مت إن النصّ يعود إلى زكريا، لما زاد كلامه شيئًا على المعنى اللاهوتي. 
"قولوا لابنة صهيون" (آ 5). انطلق مت من تلميح مر إلى زك 9:9. كما من قول يسوع الذي يدعو تلاميذه إلى الوداعة (5: 5). ق يو 12: 15. "قولوا لابنة صهيون". رج أش 62: 11 حسب السبعينيّة. "ابتهجي جدًا يا بنت صهيون" (زك 9: 9). عبارة لا تتوافق مع عداء صهيون للرب، ولا مع دمارها سنة 70. لا نجد "عادلاً ومخلّصًا" (رج يو 15:12). بنت صهيون هي مدينة صهيون. الجواب على النداء لا يكون في الهتاف، بل في طرح السؤال: "من هذا"؟
ثانيًا: الدخول إلى أورشليم (21: 6- 9)
* "فذهب التلميذان" (آ 6-7)
"ذهب التلميذان وفعلا". ق خر 28:12 حسب السبعينيّة؛ مت 1: 24؛ 26: 19. أوجز مت مر 11: 4-6. كيف كان التلميذان مثال الطاعة حين سُئلا لماذا يفعلان ما يفعلان (لو 19: 32-34). أما مت فعجّل لكي ينتقل إلى امتطاء الأتان. وهكذا يتمّ الكتاب.
"أتيا بالأتان والجحش" (آ 7). وضعا ردائهما عليه. المهمّ هو أن يسوع الآتي إلى مدينته لا يأتي ماشيًا على قدميه. بل جالسًا على مطيّة. نشير هنا إلى أن اليهود الآتين إلى الحجّ يصلون إلى المدينة سيرًا على الأقدام. ولكن كان عمل يسوع ظاهرًا. وهو الذي وصل راكبًا على الأتان.
* "وفرش جماعات الشعب" (آ 8-9)
هنا يدخل الجمع في الخبر. إن دخول يسوع في مت هو انتصار شعبي (عكس مر ولو اللذين توقّفا عند الوجهة المسيحانيّة: الفعلة الامثالية التي تقوم بامتطاء الحمار تتوافق مع نبوءة زكريا) قد فسّرها الجمع كاعلان مسيحاني لابن داود. أما فرش الاردية على الطريق، رج 2 مل 9: 13 (يا هو الملك) وأعماله بيلاطس (1: 21) حيث يمرّ يسوع كأنه ملك. نشير هنا إلى أن الثياب تدلّ على لابسها. وحين توضع تحت قدمي في شخص، فهذا العمل يدلّ على خضوع صاحب الثياب للذي سار عليها. "وقطع آخرون أغصانًا من الشجر" (2 مل 13:9؛ 1 مك 51:13 وسقوط أورشليم في يد سمعان المكابي؛ 2 مك 7:10). نحن هنا في احتفال ديني. ولكن مت لم يذكر النخل كما فعل يو. 
"وكان الجموع... يهتفون" (آ 9). ورد مز 118 مرارًا في الأدب المسيحي الأول (6:118 في عب 6:13؛ 118: 15-16 في لو 1: 51؛ 17:118- 18 في 2 كور 9:6؛ 118: 19-20 في رؤ 14:22؛ 20:118 في يو 9:10؛ 22:118 في مر 8: 31؛ أع 4: 11...). "هوشعنا". ق 2 صم 14: 4 (هـ و ش ع. هـ. م ل ك)؛ 2 مل 26:6؛ مز 26:118 (في السبعينيّة: سوسون دي). في نظر مت، ما دخل يسوع إلى أورشليم كابن الله أو ابن الانسان، بل كابن داود (20: 30؛ 21: 5). هذا ما يعكس نظرة الانجيلي إلى أورشليم التي هي مدينة داود.
إن لفظة "هوشعنا" تتألّف من لفظتين: خلّص الآن. أو: نرجوك خلّص (1 صم 14: 4). ولكن لا معنى لـ "خلّص الآن" في مت 21: 9. ولكن المعنى سيكون فيما بعد: "المجد والمديح" "مبارك الآتي باسم الرب". ق يو 12: 13 ومر. زاد لو 19: 38 "الملك". يعود هذا الكلام إلى مز 118: 26 (حسب السبعينيّة). المسيح هو الآتي والآتي باسم الربّ. "هوشعنا في الأعالي". رج مر 11: 10 ب الذي زاد "مبارك مُلك أبينا داود الآتي". نشير هنا إلى أن مز 118 يُتلى حسل المراجع الرابينيّة في الفصح والمظال والتجديد. وقد كان في الأصل مزمور شكر يُتلى في طواف ملكيّ. فيتذكّر المؤمنون سنة بعد سنة تنصيب الملك. وسوف يجعل التقليد المسيحيّ هذا المزمور مسيحانيًا.
ثالثًا: ردّة الفعال لدى الجموع (21: 10- 11)
لا يُقال لنا ماذا فعل يسوع لدى استقبال الجمع له، بل كيف كانت ردّة فعل الجموع على هذا الدخول. ويبدو أن آ 10-11 هما من تدوين متّى. فلا شيء يوازيهما في مر ولو. وهما قريبان جدًا من مت 2: 1-3. ويحملان تعابير متّاويّة: قد يكون الجمع الذي رافق يسوع قد جاء من الجليل. ولهذا نراه يفتخر بيسوع الذي يأتي من ناصرة الجليل. نجد فعل "سايو" (ارتجّ) الذي هو قريب من "سائسموس" المرتبط بجبل الزيتون في زك 14: 4- 5.
"من هذا"؟ لا، ما اسم هذا الرجل؟ بل، ماذا سنفعل بهذا الرجل؟ فهتاف الجمع ليس في محلّه. وهذا ما يهيّئ العمل النبويّ في المقطوعة التالية. يُبرز ما أدركه الجمع على المستوى الكرستولوجي. ليس يسوع فقط ابن داود (آ 9). هذا الكلام يعوّض أورشليم عن جهلها ويبيّن توازيًا جديدًا بين موسى ويسوع. ففي التقليد اليهوديّ موسى هو نبيّ وملك. والنبيّ يدلّ هنا على نبيّ نهاية الأزمنة كما في تث 15:18، 18؛ رج يو 6 :14.

3- النظرة اللاهوتيّة والروحيّة
جاء يسوع من أريحا فوصل إلى جبل الزيتون. ولكن الانجيليّ بدأ وذكر أورشليم التي هي هدف "صعود" يسوع (20: 17، 18؛ مر 10: 32؛ يو 2: 13). ثم ذكر بيت فاجي، وفي النهاية جبل الزيتون حيث يتحدّد موقع الخبر الذي نقرأ. ذكر مر ولو "بيت عنيا" فضاعت الأمور (رج يو 12: 22). مع أن وادي قدرون فصل بيت فاجي عن أورشليم، فإن بيت فاجي كانت حيًا من أحياء أورشليم. أما بيت عنيا، فقد كانت وراء بيت فاجي في الطريق إلى أريحا.
توقّف يسوع وتلاميذه قبل بيت فاجي. وطلب الحمار. فهو الملك وسلطته لا تناقش. إن يسوع دخل كالملك الداودي إلى مدينته، لكنه دخل متواضعًا ومسالمًا. نلاحظ أن يسوع اتخذ المبادرة فعمل ما عمل دون أن تفرض الظروف نفسها عليه. ويفهمنا النصّ أن التفاصيل أعدَّت منذ زمن بعيد في مخطط الله. لهذا كان الايراد الكتابي الذي جاء بشكل حرّ لأن الانجيلي لم يأخذه مباشرة من التوراة بل من مجموعة نصوص العهد القديم التي ترافق المعلّم اليهوديّ أو المسيحيّ.
هناك من قال إن المسيح الذي انتظرته التقوى الفريسيّة تميّز بسمات حربيّة ووطنيّة ضيّقة. لاشكّ في أنه "سيتحزّم بالقوّة لكي يحطّم الأمراء الظالمين" (مز سليمان 17: 24)، ولكنه "لا يجعل رجاءه في الفرس والفارس والقوس، ولا يكدّس الذهب الفضّة للحرب، ولا يجمع جيشًا يكون أمله في يوم الحرب" (مز سليمان 37:17). سيكون قديرًا بكلمته: "يُخضع الأرض بقوّة كلمته... ويوبّخ الرؤساء ويدمّر الخطأة بقوّة كلمته" (مز سليمان 17: 39- 41). وسيكون بشكل خاص ملكًا وديعًا أمام الله: "يستند إلى الله لأن الله جعله قديرًا بروحه القدّوس، وحكيمًا بعطيّة مشورة مستنيرة... لا يضعف لأن رجاءه في الرب... هو قويّ بمخافة الله" (مز سليمان 17: 42-50). رج أش 11: 1- 5. 
مطيّة هذا الملك ليست الفرس التي تميّز قدرة الأشرار (إر 25:17؛ 22: 4)، بل الحمار الذي هو مطيّة الفقراء ومطيّة آباء اسرائيل (تك 49: 11). 
ما الذي فعله التلميذان في القرية؟ هذا ما لا يقوله مت. ما يهمّه هو الوصول بسرعة إلى ما فعله يسوع الذي استعمل الحمار والجحش، وإن بدا الأمر لا معقولاً. وتدخّل الجمع في هذا التطواف، لا التلاميذ وحدهم كما قال مر ولو. فالملك يدخل إلى مدينته، وأهل المدينة كلهم يستقبلونه (2 مل 9: 13). 
ما معنى هتاف الجمع؟ هناك معنيان. الأول، اندفاع مسيحانيّ. وهكذا لا يعي الجمع فرادة هذا الموكب الملكيّ. الثاني، إيمان الانجيلي وكنيسته. وهكذا يحيّي الجمع الملك الذي يدخل إلى أورشليم ليبذل حياته على الصليب. وهذا الصراخ يقابل الهتاف القديم للملوك. ونحن نجده مرارًا في الأناجيل: نداء التعساء ليسوع (27:9؛ 20: 30، 31). هتاف الشياطين للمسيح (29:8؛ مر 5: 5). هتاف الجموع (19:21). وتأتي لفظة هوشعنا التي لم تعد نداء من أجل الخلاص، بل صرخة تتوجّه إلى ذاك الذي خلّص شعبه أو سوف يخلّصه قريبًا.
وتفرّد مت فتحدّث عن الشعور الذي سيطر على "المدينة كلها" حين وصل يسوع. فقد أراد بذلك أن يقدّم رسالة يسوع على أنها حدث رسميّ يعني شعب الله كله كما يعني رؤساءه. ارتجّت المدينة. كأننا أمام زلزال أو هزّة أرضيّة (27: 51؛ 28: 4؛ رؤ 13:6). وتساءل الناس في أورشليم وكأن يسوع ما زال مجهولاً بالنسبة إليهم. هل هذا هو المسيح المنتظر؟
وجاء الجواب من الجموع التي تحيط بيسوع وتهتف له. ولكنه (كما في الهتاف، آ 9) جواب ملتبس. قد يكون يسوع نبيًا بين عدّة أنبياء (وقوّاد حرب) عرفهم الجليل. ولكنه يكون أيضًا النبيّ الاسكاتولوجيّ الذي انتظره تيّار واسع في العالم الجليانيّ اليهوديّ، على مثال ما نقرأ في تث 15:18: "يقيم لكم الرب إلهكم نبيًا من بينكم، من إخوتكم بني قومكم مثلي، فاسمعوا له". سُئل يوحنا المعمدان: "هل أنت النبيّ"؟ فأجاب: "لست إياه" (يو 1: 21). يوحنا ليس النور، بل الشاهد للنور. وليس مخلّص نهاية الأزمنة، بل صديق العريس. أما النور فهو يسوع المسيح. وليس من اسم تحت السماء به نخلص سوى اسم يسوع، كما قال بطرس أمام محفل اليهود.

خاتمة
ليس 21: 1- 11 دخولاً إلى أورشليم وحسب، بل إلى قلب الخبر. استبق الانجيلي الأحداث وردّد بعض المواضيع، فجاءت هذه المقطوعة تبرز وحدة ف 21- 28 وتهيِّئ القارئ لتفسير النصّ على ضوء النصّ.
يسوع هو الملك "ابن داود" ورب الحيوان. يأمر فيُطاع. يركب المطيّة الملكيّة وتُفرش الثياب أمامه على الأرض. وهكذا بدا يسوع ملك اسرائيل. بل هو أكثر من ذلك: هو ملك اسرائيل الاسكاتولوجيّ، اسرائيل نهاية الزمن. بدأ دخوله في جبل الزيتون وهو موضع مملوء بالذكريات الاسكاتولوجيّة. والطابع الرئيسيّ للخبر هو أن ابن داود ومخلّص اسرائيل المنتظر هو أيضًا النبيّ الاسكاتولوجيّ مثل موسى. عملُه يُتمّ النبوءة المسيحانيّة، والجواب على ظهوره هو صرخة ستُسمع أيضًا في المجيء. كل هذا يعني أن 21: 1-11 هو قبل كل شيء اعلان لملكوت يسوع الاسكاتولوجيّ.
الفصل السابع عشر
تطوير الهيكل والتينة الملعونة
21: 12-27

نجد في هذا الفصل ثلاث مقطوعات. الأولى (21: 12-17) تتحدّث عن دخول النبيّ الملك إلى الهيكل بعد أن دخل إلى المدينة المقدّسة. يسوع هو ملك في أورشليم. وهو عظيم الكهنة في الهيكل. بل هو النبيّ الذي سار في خطّ الأنبياء، فتحدّثوا عن دمار الهيكل إن لم يتنقّى الشعب من خطيئته. أجل، جاء يسوع يعيد إلى الهيكل وظيفته الأولى: بيت صلاة لا مغارة لصوص. هذا ما قاله إرميا. وتوقّفت المقطوعة الثانية (18:21-23) عند تينة لعنها يسوع. منع عنها البركة، فيبست في الحال. حكم يسوع على التينة، لأنه لم يجد فيها الثمار التي انتظرها. هذه التينة الجميلة في الخارج تشبه أبنية الهيكل الفخمة التي صارت عقيمة على المستوى الديني. فلماذا تبقى في الأرض وتعطّلها. قال يسوع: "لا يكن فيك ثمر". "فيبست التينة من ساعتها". أما المقطوعة الثالثة (21: 23-27) فترينا رؤساء الكهنة والشيوخ يطرحون على يسوع سؤالاً حول سلطته. "بأي سلطان تفعل هذا"؟ ليس السؤال حول سلطان خاص بيسوع، بل حول ينبوع هذه السلطة. الله، الشيطان، البشر، أنت نفسك؟ ولكن يسوع ردّ على السؤال بسؤال أحرج به سائليه.
من أجل هذا نقسم هذا الفصل ثلاثة أقسام كبيرة، وفي كل قسم نتوقّف عند الفكرة الاجماليّة، عند الدراسة التفصيليّة. وفي النهاية، نتعرّف إلى الفكرة اللاهوتيّة والروحيّة.

1- طرد الباعة من الهيكل (12:21-17)
أ- نظرة إجمالية إلى النصّ
تبع مت سرد مر، فجعل بعد خبر دخول يسوع إلى أورشليم، خبر تطهير الهيكل. وبعد ذلك، ذهب في الليل إلى بيت عنيا. وعاد في الصباح بعد أن لعن التينة وأعطى تلاميذه تعليمًا عن قدرة الصلاة. عند ذاك يلتقي مت ومر ولو في الهيكل حيث يردّ يسوع على سؤال طرحه الخصوم حول سلطانه.
قد نفهم فعلة يسوع حين طرد الباعة من الهيكل كعمل يدلّ على سلطانه الذي به يلغي ذبائح الهيكل. أو فعلة رمزيّة تشير إلى تطهير الهيكل وهو عمل انتظره اليهود بعد أن نجّسه أنطوخيوس الرابع سنة 167 ق م أو بومبيوس سنة 63 ق م. أو احتجاجًا على تجاوزات التجّار والصيارفة الذين لا يعرفون حرمة هذا المكان. كان الصيارفة يتيحون للحجّاج الآتين من بعيد صرف المال ليشتروا ذبائحهم أو ليدفعوا جزية الدرهمين (= جزية الهيكل). أما التجّار فكانوا يؤمّنون حاجات الآتين إلى الحج. ولكن الصيارفة كانوا يقيمون في الأروقة المخصّصة للوثنيين وينسون أنها مقدّسة شأنها شأن رواق الرجال والنساء.
حين نصعد وادي قدرون، نستطيع أن ندخل بشكل مباشر إلى الهيكل دون المرور في المدينة. ولكن هذا يمنعنا من التحدّث عن المدينة التي ارتجّت. ولكن ما همّ؟ اختلف الازائيون عن يو 2: 14-16 فجعلوا تطهير الهيكل في آخر أيام يسوع. ذكر مر ومت فقط الصيارفة وباعة الحمام. وأضاف يو باعة البقر والغنم لكي يلمّح إلى ذبيحة الفصح اليهودي (سوف تُلغى) التي ترافقت مع موت يسوع. كل هؤلاء الناس كانوا في رواق الوثنيين. طردهم يسوع فدلّ على سلطته النبويّة والمسيحانيّة على الهيكل كله.
ب- الدراسة التفصيليّة
أولاً: البنية
نجد في 21: 12-17 مشهدين يوحّد بينهما موضعٌ مشترك هو الهيكل، وإيراد كتابيّ يبرّر ما فعله يسوع (آ 13، 16).
* يشكّل المشهد الأول (آ 12-13) فعلة نبويّة من يسوع يندّد فيها بما يحصل في الهيكل الذي يضمّ حتى أروقة الأمم. ما يميّزه جمل قصيرة يجمع بينها حرف العطف (كاي)، وتنتهي مع "أما أنتم" (فجعلتم منها مغارة لصوص).
1- الوصول: ودخل يسوع الهيكل
2- الاحتجاج: جملة طويلة مع يسوع كفاعل الأفعال 
أ- الأفعال
أولاً: طرد الباعة والشارين
ثانيًا: قلب موائد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام
ب- الأقوال
أولاً: بيتي بيت صلاة
ثانيًا: أما أنتم فصيرتموه مغارة لصوص
* أما المشهد الثاني (آ 14-17) فهو خبر اعتراض مثلَّث: عمل، احتجاج، جواب. هي جمل قصيرة يجمع بينها أيضًا حرف العطف (كاي). ونجد بداية الاعتراض والجواب مع الاداة "دي" (ولكن، أما).
1- المشهد (آ 14)
وتقدّم إليه
وشفاهم
2- احتجاج المعترضين (آ 15- 16 أ)
ولما رأى (ايدونتس دي)
عظماء الكهنة
والكتبة
العجائب
والاولاد يهتفون ويقولون
سخطوا
وقالوا
3- جواب يسوع (آ 16 ب ج)
فقال يسوع (هو دي...). من فم الأطفال والرضّع
4- الخروج (آ 17)
تركهم وخرج من المدينة.
ثانيًا: المراجع
حين نقرأ 1: 12-13 نجد إشارتين تدلاّن على أولويّة مر بالنسبة إلى مت. الأولى: في مر 11: 16 منع يسوع حمل الاواني عبر الهيكل. معنى هذا العمل غامض، وإلغاؤه يكون أكثر طبيعيًا من إضافته. الثانية: لا نجد في مت ولا في لو(= مر 17:11) عبارة "لجميع الأمم". قد نظنّ بعد تدمير أورشليم سنة 70 ب م، أن هذه العبارة صارت غير مفهومة فألغيت (في مت ولو). لم يصر الشكل يومًا بيت صلاة لجميع الأمم.
أما مت 21: 14-17 فلا يجد ما يوازيه في مر. وهكذا نكون في تدوين متاويّ. غير أن لو 39:19-40 يتضمّن ما يشبه هذه القطعة الصغيرة: طلب الفريسيون من يسوع أن يزجر تلاميذه لأنهم يمجّدونه. نرى مع بعض الشرّاح أننا في خبر اعتراض حيث يهاجم رؤساء أورشليم يسوع لأنه يتقبّل مديح مز 118: 25-26. في التقليد اللوقاويّ، أجاب يسوع بأن حجارة الهيكل سوف تصرخ إن توقّف المديح. وفي التقليد المتّاويّ، ارتبط المديح بالمزمور الثامن من أجل العلاقة بين ما فعله المسيح والخروج.
في مت، قدّم الاولاد المديح. وفي لو التلاميذ. وبما أن التلاميذ هم "الصغار"، قد نفهم العلاقة بين التوسّعين. وهناك من انطلق من اللفظة الارامية التي تعني "الأبناء" وتلك التي تعني "الحجارة". هما قريبان: بنايا وابنايا. قد يكون هناك تقليد شفهيّ تحدّث عن "الأبناء"، فجاء جواب يسوع كما في لو 19: 40 (إن سكت هؤلاء صرخت الحجارة). في هذه الحال، قد يكون التقليد اللوقاويّ اعتبر "الأبناء" كلفظة تتحدّث عن التلاميذ. ويكون مت أحلّ محلّ جواب يسوع إيرادًا من الكتاب المقدس.
ثالثًا: التأويل
بعد أن دخل يسوع إلى العاصمة كملك، ها هو يلعب الآن دور النبيّ. دخل إلى الهيكل، قلْب العالم ورمز الهويّة الوطنيّة للشعب اليهودي. فأعلن عدم رضى الله عبر عمل عنيف وعبارة من الكتاب المقدس. وعدم رضى هذا لا يوجّه ضدّ الهيكل في ذاته، بل ضدّ الذين شوّهوا هذه المؤسّسة، الذين منعوا الهيكل من أن يكون كما أراده الله، بيت صلاة.
وهكذا اختلف 21: 12-17 عن النصّ المرقسي الموازي. (1) لم تُقحم المقطوعة بين جزئي حدث التينة: فخبر التينة توحّدَ في مت وتبع عمل يسوع في الهيكل. (2) إن تسلسل الاحداث (في مر) التي بحسبها ذهب يسوع إلى الهيكل، نظر حوله، مضى ثم عاد أيضًا، كل هذا تركه مت. فالدخول إلى أورشليم والدخول إلى الهيكل حصلا في اليوم عينه. (3) إن عبارة مر 11: 16 الغامضة (لم يدع أحدًا ينقل متاعًا عبر الهيكل، رج نح 8:13) قد ألغيت. (4) نص أش 7:56 في مت ليس سؤالاً بل تصريحًا، وهذا في خطّ مت. (5) إن عبارة "لجميع الأمم" (مر 7:11، من أش 7:56) لم تجد لها مكانًا في مت. (6) إن مر 18:11-19 قد وضع في آ 14-17 (رج مر 11: 11).
اختلف الشرّاح حول التقليد التاريخيّ لما في مر 11: 15-19. إذا اعتبرنا أن يو 13:2-17 هو نصّ مستقلّ، نظنّ أنه وُجد تقليد سابق لمرقس ضمّ ما هو مشترك بين يو ومر 11: 15-17: وصول يسوع إلى الهيكل، خبر طرد الباعة وقلب الموائد، كلمة تفسير قادت تقليد مرقس إلى أش 56: 7 (بيتي يُدعى بيت صلاة)، وتقليد يوحنا إلى مز 69: 10 (غيرة بيتك أكلتني). وقد يكون تضمّن كل هذا وصول يوم الربّ.
قام يسوع بفعلة رمزيّة (شأنه شأن مصلحين عديدين) في هيكل أورشليم. ولكن نتساءل: هل توخّى هذا العمل أن يرمز إلى دمار الهيكل (رج التينة الملعونة) أو أن يحتجّ على بعض الممارسات؟ ربّما الاثنان.
ما يُسند الرأيَ الأول (دمار الهيكل) هو (1) أن يسوع تنبّأ على دمار الهيكل. (2) إذا كان تذكّرُ الازائيين دقيقًا، فقد دُفع يسوع إلى التحدّث عن دمار الهيكل في الاسبوع الذي فيه طرد الباعة (مر 53:14 وز). (3) في يو 2: 13-22، انضمّ القول حول نهاية الهيكل إلى احتجاج على الهيكل. (4) إن كلمات الازائيين الذي تفسّر عمل يسوع كاحتجاج على الفساد، تستند إلى الكتاب وتُعتبر بعد فصحيّة (أورد مر نص السبعينيّة). (5) النبوءة على دمار الهيكل تجد سابقة لها في العهد القديم (إر 26: 1- 11) والعالم اليهوديّ (يشوع بن حنانيا، رج يوسيفوس، الحرب 6: 30- 309). (6) إن الأفعال النبويّة في العهد القديم قد ترمز إلى الدمار كما في إر 19: 10-11. (7) إن يسوع مر لم يطرد الباعة فقط، بل الشارين أيضًا. هذا يعني أنه لا يحتجّ على استغلال النشاط التجاريّ.
وما يسند الرأي الثاني (احتجاج على بعض الممارسات). (1) أورد خبر يوحنا النشاط التجاريّ. (2) انتقاد الكهنة والاعلان بأن الهيكل قد نجّس، نجدهما في العهد القديم ولاسيّما في التقليد النبويّ. (3) لاشكّ في أن التوتّر موجود بين يسوع والكهنة الذين همَّهم توقيف يسوع. (4) كانت خدم عديدة تتطلب الركض في الهيكل. ما احتجّ يسوع في المبدأ على هذه الخدم، بل على الانحرافات التي ارتبطت بهذه الخدم.
من أجل هذا لا نعارض رأيًا برأي. فالاحتجاج على التجاوزات والتعبير الرمزي عن الدينونة يسيران معًا. في إر، مي 3، حز، 1 اخنوخ 83- 90، انضمّ انتقاد فساد الكهنة إلى انتظار دمار الهيكل والتطلّع إلى هيكل جديد. ومن المعقولة أن يكون يسوع (مع زك 14: 21) قد أشار في قول نبويّ وفعلة رمزيّة إلى دينونة الله للهيكل في نهاية الأزمنة. وهذا لا يعارض النظام الذبائحي في ذاته، بل ما يجعل المقدّس دنيويًا. في أي حال، نحن أمام حدث بسيط لم يضع البلبلة في الشعب. فلو كان الأمر كذلك لتدخّلت الفرقة الرومانيّة المتمركزة في برج أنطونيا، ولذكَره يوسيفوس وهو الذي اعتاد أن يذكر الاحداث التي تتعلّق بالهيكل.
رابعًا: تفسير الآيات (21: 12-17)
* "ودخل يسوع الهيكل" (آ 12-13)
هذه الآية التي تبدو معارضة لوداعة يسوع (11: 29؛ 21: 5)، تتوافق في نظر متّى مع تصرّف فيه بعض العنف (سي 23:45-24؛ 1 مك 54:2؛ 4 مك 12:8). حوّل مت صيغة الفعل كما وجده عند مر، وزاد لفظة "يسوع"، ووصف الهيكل بأنه "هيكل الله". قال مر: "بدأ يطرد". قال مت: "طرد"، وزاد "جميع".
إن لفظة "هيارون" (الهيكل) تعني الهيكل ككل، بما فيه الرواق الخارجيّ الذي يسمح للوثنيين بالدخول إليه. هذا الرواق كان يحيط برواق النساء ورواق الكهنة. وفعل "اكبالاين" (2 أخ 29: 5 حسب السبعينيّة، يتحدّث عمّا فعله حزقيا الملك)، يدلّ على القوّة والعنف (هو 9: 15 حسب السبعينيّة). هاجم الذين يبيعون الذبائح والزيت والحنطة، لا الكهنة. الاشارة إلى الذين يبيعون ويشترون تدلّ على كل "الأعمال التجاريّة" التي يهتمّ بها الموكّل على الخزانة وموظّفوه.
"وقلب موائد الصيارفة". كانت ضريبة الهيكل تدفع في النقد الصيرفي (شقل ونصف شقل) لا النقد اليوناني والروماني (22: 15-22). لهذا كان الصيارفة من الكهنة واللاويّين. كانت هذه "الموائد" توضع في الهيكل قبل عيد الفصح بثلاثة أسابيع. كان الحمام تقدمة الفقراء.
"وقال لهم: مكتوب" (آ 13). قال مر: "وكان يعلّمهم ويقول لهم". أما مت: "وقال لهم". وزاد مر "لجميع الأمم". يتحدّث لو 18: 10 عن الشعب الذاهب إلى الهيكل للصلاة (رج 37:2؛ 2 مك 10: 26؛ سي 51: 14). ونتذكّر أن البخور في الهيكل يرمز إلى الصلاة (مز 148: 2؛ رؤ 5: 8)، وأن اليهود المقيمين خارج أورشليم يصلّون ساعة تحرق الذبائح (مع صلوات، أع 3: 1) في الصباح والمساء. وهكذا ارتبطت الذبائح بالصلاة. إن عبارة "ولكن صيّرتموه مغارة لصوص" يفسّر من وجهة مت أن الله سمح بدمار الهيكل. ليست هذه العبارة إيرادًا دقيقًا من إر 7: 11 (نبوءة على دمار الهيكل)، بل استلهامًا حرًا. إن الهيكل يخفي شعبًا من اللصوص في نظر يسوع.
* "جاء إليه العرج والعميان" (آ 14-17)
ق 11: 5؛ 15: 31. هذا المقطع هو الأخير الذي فيه يُذكر شفاء يسوع للمرضى في مت. قيل لداود في 2 صم 5: "لا تستطيع أن تدخل إلى هنا. فالعرج والعميان يصدّونك" (آ 6). قتل داود الأول حتى العرج والعميان ودخل. أما داود الثاني فجاء إليه العميان والعرج إلى الهيكل فشفاهم. مثل هؤلاء المرضى، كانوا يُطردون من الهيكل. أما يسوع فاستقبلهم.
"ولما رأى رؤساء الكهنة" (آ 15-16). كما في 2:2-3 و23:12-24، حرّك الاعتراف بيسوع كابن داود معارضة قويّة. هذا ما يعكس خبرة مت حول معارضة العالم اليهوديّ لإعلان يسوع كالمسيح. يُذكر مز 118: 25-26 (ذُكر في آ 9) هنا أيضًا. إن هويّة الذين يصرخون هوشعنا وموضع صراخهم يدلاّن على رضى الله على يسوع. ولا ننسى هنا أن الهيكل هو موضع الوحي في العالم القديم. في آ 16، الله هو صاحب المديح: "أعددتَ تسبيحًا". ونستنتج: الهتاف هو معجزة كما قال يوحنا الذهبيّ الفم (عظات في مت، 67: 1).
"فقال لهم يسوع"، دافع يسوع هنا كما في 13:19-15 عن الأطفال ضدّ الذين يهاجمونهم. "من فم الأطفال". هم يقابلون رؤساء الكهنة والكتبة، ويمثِّلون جواب الايمان. ما قاد مت إلى مز 8 هو ذكر اسم الرب والأطفال. وهناك التفسير الكرستولوجيّ للمزمور في أسفار العهد الجديد (1 كور 15: 27؛ أف 1: 22؛ عب 2: 6-9؛ رج فل 3: 21؛ 1 بط 3: 22). والاشارة إلى المعجزات. واستعمال مز 8: 3 المدراشيّ في التقليد اليهوديّ. إن تفسير "ملكتا" خر 15: 1 يورد مز 8: 3 ويربطه بالخروج فيقول: أسّست عزًا. وهكذا يرتبط مز 8 بما في خر 15، وقد قيل إن الأطفال أنشدوا الله عند البحر الأحمر (رج حك 10: 21). وهكذا نجد مرة أخرى مقابلة بين موسى ويسوع، بين الخروج وحدث المسيح.
"ثم تركهم وخرج" (آ 17). كان ليسوع الكلمة الأخيرة. فأدار ظهره للكهنة والكتبة. بيت عنيا هي قرية تقع إلى الشرق بالنسبة إلى جبل الزيتون. قد تكون عنينة المذكورة في نح 11: 32، والعازارية الحديثة. اتّفق يوحنا والازائيّون على القول بأن يسوع أقام في بيت عنيا خلال أسبوع الفصح (مر 11: 11- 12؛ 3:14؛ يو 12: 1، في بيت مريم ومرتا).
ج- الفكرة اللاهوتيّة الروحيّة
منذ أيام أنطوخس أبيفانيوس الذي نجّس الهيكل وذبح فيه للأصنام (1 مك 44:4-46)، انتظر الشعب نبيًا يأتي ويطهّره من هذه النجاسة. ونجّس بومبيوس الهيكل سنة 63 ق م. فدوّنت مزامير سليمان متحدّثة عن هذا الوضع في التقوى الفريسيّة. ويتداخل موضوعان: الله يسحق أولئك الذين نجسّوا الهيكل ودمّروه. ثم إن هذا الشقاء عقاب سبّبته خيانة اسرائيل. "صعدت شعوب غريبة على هيكلك، وسارت عليها بنعالها المتكبّرة لأن أبناء أورشليم نجّسوا أقداس (شعائر العباد) الربّ، وشوّهوا بآثامهم تقادم مقرّبة إلى الله" (مز سليمان 2:2-3؛ 8: 1-4). عند ذاك "صار الهيكل كلا شيء أمام الله. احتُقر إلى آخر حدّ". "في شقاء اليهود هذا، وهو أعظم شقاء، كان تنجيس المعبد الذي ظلّ بعيد المنال وخفيًا. دخل بومبيوس مع عدد كبير من جنوده إلى داخل المعبد. كانت هناك طاولة الذهب وكؤوس السكيب وكميّة كبيرة من العطور. وفي الخزائن المقدسة قرابة 2000 وزنة" (يوسيفوس، العاديات 14/ 14: 4؛ الحرب 1/ 7: 6). ما لمس بومبيوس كنزًا من هذه الكنوز، ولكن وجود الوثنيين في الهيكل كان في ذاته كارثة دينيّة يُزاد عليها مقتل 1200 يهوديّ في الهيكل.
لهذا انتظر اليهود في زمن يسوع ملكًا يطهّر شعبه. ويجتمع في فكرة التطهير هذه موضوعان يسيطران على الحنين المسيحاني: أن يسحق الله أعداءنا. أن يجعل منا شعبًا جديرًا باسمه. "يطهّر أورشليم في التقديس كما في القديم" (مز سليمان 17: 33). ويبدو بشكل عام، أن اليهود انتظروا من أجل الأزمنة المسيحانيّة عودة الهيكل إلى عظمته الأولى. إذن، طرحت فعلة يسوع مسألة سلطته الاسكاتولوجيّة على الهيكل. هذا ما يوضحه انجيل يوحنا في النصّ الموازي.

2- التينة الملعونة (21: 18- 22)
أ- قراءة إجماليّة
لا تظهر مقطوعة التينة الملعونة (18:21-22) إلاّ عند مت ومر في شكلين مختلفين بعض الاختلاف. جاء نص مت أبسط، وتركّز كلُّ شيء على الخاتمة. ما ذكر الانجيليّ الذهاب من بيت عنيا، ولكنه افترضه (آ 17). وأغفل واقعًا مزعجًا ذكره مر 13:11 (لم يكن أوان التين. وهكذا يشدّد مر على رمز الحدث). وأعلن أن التينة يبست حالاً. وهكذا يبدو أن نص مت أعيدت صياغته بشكل متماسك ومطبوع بطابع متّى.
أغفل لو هذا الخبر، فاعتبر بعضهم هذا الاغفال حذرًا تربويًا: فلوقا يترك جانبًا عناصر من التقليد لا يفهمها قرّاؤه الآتون من العالم اليوناني. وظنّ آخرون أن لوقا ترك جانبًا هذا الخبر لأنه اعتبره تكرارًا لمثل التينة العقيمة الذي تفرّد بذكره (لو 6:13-9). ولكن المثل اللوقاويّ الذي تُشرف عليه مهلة أعطيت للفلاّح، يحمل مدلولاً مناقضًا لمدلول التينة الملعونة التي حُكم عليها بالموت حالاً. لهذا لا نستطيع أن نقبل بما قال بعض الشّراح حول تحوّل مثل لوقا إلى ما نقرأ في مت ومر. وقال آخرون: وُجدت تينة يابسة على قارعة الطريق بين بيت عنيا وأورشليم في زمن انتظر المسيحيون أن تورق كعلامة لمجيء المسيح. ولكنّنا لم نعد هنا على مستوى الانجيل، بل على مستوى المخيّلة التي لا تعرف الحدود.
نبدأ فنتوقّف عند ثلاثة أمور. نلاحظ أولاً موضح الخبر في بنية مر ومت. هو يرتبط ارتباطا بصراع يقود إلى الموت بين يسوع ورؤساء الشعب، في الهيكل. والحكم على التينة صورة عن حكم المسيح على شعبه في شخص الرؤسا. حين ننظر إلى الهيكل نجد شعبًا ينعم "بالصحّة"، مثل تينة مورقة تشعّ في الشمس. ولكنَّها في الواقع لا تحمل الثمر الذي ينتظره الفلاّح منها. ونلاحظ ثانيًا أنه يجب أن نفصل آ 20-22 عن آ 18-19. حين جعلت هذه الآيات من خبر التينة الملعونة تعليمًا عن الصلاة لا يرتبط بالسياق المباشر للنصّ، جعلت ضبابًا على معناه. ثم إن آ 20-22 تتألّف من عناصر متفرّقة في التقليد قرأناها في أماكن أخرى من الانجيل. نلاحظ ثالثًا أن موضوع العقم وغياب الثمر والقحط القاتل، يتجذَّر عميقًا في العهد القديم فيصوّر خطيئة شعب الله. "لم يجد فيها إلاّ ورقًا". تلك هي ذروة الخبر في مت وفي مر. كل ما يفعله يسوع ويقوله، حاسم بالنسبة إلى البشر. والمسيح الذاهب إلى آلامه، يمارس الدينونة من خلال هذه الفعلة الرمزية. لا مجال لحمل الثمار عند ساعة الموت. ولا مجال لشراء الزيت عند مجيء العريس.
ب- الدراسة التفصيليّة
أولاً: البنية والمراجع
يتضمّن 18:21-22 ثلاثة أقسام رئيسيّة: (1) عمل يسوع (آ 18-19). (2) سؤال التلاميذ (آ 20). (3) جواب يسوع (آ 21-22). بنية هذا النصّ تشبه بنية 21: 14-17: إنه خبر صراع يحرّك فيه عملٌ من الأعمال سؤالاً لدى المعارضين أو احتجاجًا. كل هذا يقود إلى قول يدلّ على سلطان (9: 10-13؛ 12: 1-8).
ونصل إلى المراجع فنرى أن اختلافات مت عن مر تفسَّر على مستوى التدوين المتّاويّ. ولا حاجة إلى القول بمرجع لا مرقسيّ. غير أن الطرح يقول بأولويّة مرقس يخسر بعض الأنوار. (1) حيث يعلن مر 13:11 أن يسوع اقترب من الشجرة لكي يرى إن كان هناك ثمر، تخلّى مت عن هذا التفصيل. وربط بعضهم هذا الجهل بأن مت هو الأقدم. (2) إن 13:11 (لم يكن أوان التين) لا يجد ما يوازيه في مت. فاعتبر الشرّاح منذ أوريجانس أن يسوع يطلب اللامعقول. كيف يستطيع أن ينتظر أن يجد ثمرًا في غير أوانه. وهكذا يكون مت قد أحسن إن هو أهمل هذا التفصيل. (3) ركّز مت 19:21 على العنصر العجائبي: يبست التينة في الحال. وهكذا نفهم اتجاه التقليد في تعظيم قدرة يسوع.
ثانيًا: التأويل
قدّم يسوع هنا للمرة الثالثة في ثلاثة مقاطع فعلة رمزيّة. وقد اعتُبر 18:21-22 معجزة تحمل عقابًا مع تعليم لاحق. هنا يتبع العقاب الخطيئة. ويُطرح السؤال: ماذا تمثّل التينة؟ أورشليم أم الهيكل برؤسائه؟ يجد عقابه بشكل رمزيّ في التينة لأنه رذل المسيح. ولكن نستطيع أيضًا أن نجعل 18:21-19 في إطار عمل نبويّ يدلّ على القدرة (قل افرام إن يسوع أجرى معجزة لكي يشجّع التلاميذ ويساعد أورشليم على الايمان. وهو لا يماهي بين التينة وأورشليم). نحن هنا كما أمام الآية في المعنى اليوحناويّ. العمل ضد التينة هو صورة منظورة، مثَل في الفعل يدشّن الدينونة. ولكن يجب أن نعرف أن آ 18-19 وحدهما تُشيران إلى الدينونة. أما آ 20- 21 فتشيران إلى أعمال الايمان وما فيها من بطولة. هذا يعني أن المدلول الكرستولوجي (والاسكاتولوجي) قد عاد إلى الوراء على حساب التفسير الكنسي الذي يدلّ على امكانيات التلاميذ إن كان فيهم إيمان.
اختلف مت 18:21-22 عن مر 11: 12-14، 20-25. هناك اختلاف في الترتيب: في مر قُسم الخبر قسمين بحيث إن حدث الهيكل جاء بين لعنة يسوع ونتيجة اللعنة. أما الخبر في مت فهو وحدة يتبعها حدث الهيكل. واختلاف في تسلسل الأحداث: في مر الأقوال حول الايمان قد أخِّرت إلى اليوم التالي في أورشليم، بينما لُعنت التينة في اليوم الأول. أما في مت فكل شيء يحدث في اليوم الثاني. وحصلت المعجزة في الحال. واختلاف في عدد الكلمات في كل خبر: في مر 158 كلمة (في اليوناني). في مت، 98 فقط. (ألغى مت مر 11: 25. ولكن هناك ما يوازي مر في مت 23:5-24؛ 6: 5- 7، 14-15). واختلاف في المنظار الجغرافي: في مر جاء يسوع من بيت عنيا. أما في مت فهو راجع من المدينة. وفي النهاية، ترك الانجيليّ الأولى عددًا من العوائق لكي يصل بسرعة إلى هدفه.
والقول في آ 21-22 يستند إلى كلمة الربّ، غير أن جذر الخبر في آ 18- 20 يبقى المشكلة. هنا ننطلق من فكتور الانطاكي الذي يتحدّث عن مثَل في عمل يستعمل فيه يسوع التينة ليُبرز الدينونة التي ستصيب أورشليم. في خط هذا التفسير (1) نجد أفعالاً رمزيّة غريبة يقوم بها الأنبياء في العهد القديم (أش 8: 1-4؛ إر 13: 1ي؛ 19: 1ي؛ حز 4: 1ي؛ هو 1: 2-9). (2) نجد الموازاة مع عمل يسوع في الهيكل الذي يفسَّر كتنبيه نبويّ. ولكن عددًا كبيرًا من الشرّاح يعتبر أن عمل الدمار يتنافى مع ما نعرفه عن يسوع (لو 9: 55-56)، فيرى فيه توسّعًا في مثل التينة. وظنَّ آخرون أننا أمام خبر ايتيولوجي (يدرس السبب) يفسّر وجود تينة يابسة قرب أورشليم. مهما يكن من أمر، لقد أراد يسوع أن يعبّر عن حقيقة إلهيّة: الشعب الذي رفض مرسلي الله في نهاية الزمن، ستصيبه الدينونة واللعنة.
ثالثًا: تفسير الآيات
* عمل يسوع (آ 18-19)
"وفيما هو راجع". "اباناغو" (رجع) فعل مراحد عند مت. رج 2 مك 9: 21. عبارة "إلى المدينة" تربط الحدث ربطًا وثيقًا بأورشليم. وكلمة "جاع" في إطار ما سيَلي (رج 4: 2 عن يسوع، 12: 1 عن التلاميذ) حوّلت عقم الشجرة إلى تخلّف عن خدمة يسوع.
"وإذ رأى شجرة" (آ 19). تصرّف يسوع بشكل مجاني كما قال افرام في نشيد البتولية (8:30). وهذا ما يدلّ أن عمله رمزيّ. تينة قريبة من الطريق، على جانب الطريق. هي لا تخصّ أحدًا. في مر، رأى يسوع التينة من بعيد (هنا المعنى الروحي، صار الشعب وثنيًا، في البعيد). قصد إليها. لم يجد فيها شيئًا، ليس فيها إلاّ الورق. زاد مت: "فقط". "لا يكن فيك ثمر إلى الأبد". نحن هنا أمام تلميح إلى تك 3: 22. "فيبست التينة". قال مر: "سمع التلاميذ" (11: 14). لا مكان لهذه العبارة في مت 19:21 الذي يعود إلى مر 11: 20. قام مت بهذا التبديل رغبة في الايجاز، وفي جمع مقطوعتي مر في خبر واحد. وتمّت المعجزة في الحال. تلك هي قدرة الربّ التي صارت منظورة أمام التلاميذ.
ترمز التينة إلى الدينونة. قال أش 34: 4: "يسقط جند السماء جميعًا سقوط أوراق الكرم والتين". وإر 8: 13: "سأبيدهم... فلا يكون عنب في الكرم ولا تين في التينة. حتى الورق يسقط". هذا ما سيحدث ليهوذا في المنفى سنة 587 ق م. ونقرأ في إر 24: 1-10 عن اليهوذاويين الذين لم يذهبوا إلى السبي سنة 587: "وأراني الرب سلّتَي تين". وتحدّث هو 2: 12 عن دمار الكرم والتين كعلامة عن عقاب مملكة اسرائيل في الشمال. رج يوء 1: 7؛ إر 17:29؛ حز 17: 1ي؛ هو 16:9؛ مي 7: 1 (لا عنقود آكله بعد، ولا باكورة تين أشتهيها). قد يعني خبر التينة قساوة الله ضد القلوب القاسية بشكل عام. وعدم رضاه على اسرائيل ككل كما يقول اثناسيوس الاسكندراني في رسالة العيد سنة 334 (6: 5). ولكنه يعني بشكل خاص دينونة أورشليم والقائمين في الهيكل. غير أن مت لا يقدّم تفسيرًا. وما نجده في مر يُبرز أمرًا آخر.
* سؤال التلاميذ (آ 20)
"فلما رأى التلاميذ". ق مر 11: 20- 21. "تومازو" (تعجّب). اعتاد مر أن يتحدّث عن الشعب الذي يتعجّب. أما مت فيذكر الناس (8: 27)، التلاميذ (21: 10)، الجموع (8:9، 33؛ 12: 33؛ 15: 31). هنا التلاميذ تعجّبوا. وبعد التعجّب يأتي فعل القول في صيغة اسم الفاعل (عادة، قائلين). في مر 11: 21 تذكّر بطرس ودعا يسوع "رابي" (يا معلم). أما في مت فليس من تذكّر، لأن الشجرة يبست حالاً. نشير إلى أن لفظة رابي لا ترد في فم التلاميذ في مت، ما عدا في فم يهوذا. قد يكون مت أحلّ التلاميذ محلّ بطرس كما فعل في 24: 1= مر 13: 1. وطرح التلاميذ السؤال على يسوع.
* جواب يسوع (آ 21-22)
"فأجاب يسوع وقال لهم" (آ 21). سوف نرى أن موضوع الايمان الذي سوف يتكلّم عنه يسوع هو أهمّ من معجزة لاحظناها. "الحق أقول لكم". دمج مت مر 11: 22-23 والمعين (= لو 17: 6) ومت 17: 20. وهكذا صار يسوع نموذجًا في ممارسة الايمان. في السياق الحاضر قد يعني "الجبل" جبل الزيتون (زك 14: 24) أو جبل بيت الرب (= جبل الهيكل). والبحر يعني البحر الميت (زك 14: 4). تلك شروح الاباء.
"وكل ما تسألونه بإيمان في الصلاة تنالونه" (آ 22). ق 7: 7؛ 18: 19. هذه الآية التي تعمّم ما قيل في صورة في آ 21، توجز مر 24:11 (عشر كلمات بل خمس عشرة) فتصبح عبارة مر ("آمنوا أنكم تنالونه يكن لكم"): "آمنوا تنالوا".
ج- النظرة اللاهوتيّة والروحيّة
كان الحجّاج عديدين في زمن الأعياد. وكانوا يقيمون في القرى المجاورة للمدينة المقدسة. ويعودون في الصباح الباكر إلى أورشليم لكي يشاركوا في العيد (بروي، باكرًا، رج 20: 1؛ مر 15: 1). وبعد أن نزل يسوع وتلاميذه من بيت عنيا في وادي قدرون، صعدوا إلى أورشليم والهيكل (اباناغو: صعد). حدّد مت موقع هذا الخبر قرب الهيكل، ليساعدنا على ربط المثل بالهيكل الذي سيكون شأنه شأن هذه التينة التي لعنها يسوع. لا يُذكر جوعُ يسوع مرارًا في الأناجيل (4: 2؛ 25: 35). اعتبر بعضهم أننا أمام رمز يشير إلى الملكوت حيث لا يعرف الناس جوعًا، وفهموا الخبر دهشة يسوع لأنه لم يجد على هذه التينة العقيمة خصب الملكوت العجائبيّ. مع أن هذا الملكوت سيسطع الآن بحضوره في أورشليم.
أعلن مر أن الوقت لم يكن وقت التين. أترى جاء يسوع قبل الأوان؟ بل جاء في ملء الزمن. ولكن الشعب لم يكن مستعدًا. ألغى مت هذه العبارة المرقسيّة. وافترض أن يسوع توخّى أن يجد ثمرًا على هذه الشجرة، على مثال المسيح الذي توقّع ثمر البرّ والايمان في مدينته. إن مقابلة الشعب بغرس أو بشجرة، ومقابلة الثمر بالورق، كانت من المواضيع التقليديّة في العالم اليهوديّ (إر 18: 1). وكذا نقول عن القحط والجفاف (13: 6؛ رؤ 14: 15؛ 16: 12).
حين نقرأ مر نجد أن لعنة التينة (11: 12-14) والتفسير بفم يسوع (20:11-25) يحيطان بخبر تطهير الهيكل (11: 15-19). أما مت فجمع اللعنة والتفسير في خبر واحد بحيث إن التلاميذ (لا بطرس وحده كما في مر) تعجّبوا من يباس الشجرة في الحال. فطرحوا السؤال: "كيف" (بوس كما في 29:12، 34). ما أجاب يسوع على سؤالهم بشكل مباشر، بل أعطى تعليمًا في الصلاة. أدخل قولاً ذكره في 17: 20 وحوّله تحويلاً عميقًا. في 17: 20 يشدّد مت على "كميّة" الايمان (قلّة الايمان، أوليغوبستيا). أما هنا فيُبرز التعارض بين الايمان والشكّ. ذكرُ الايمان جاء من مر، وقد أوضحه مت في "ولا تردّدون" (ولا تشكّون). نحن هنا أمام شرح وتفسير: أن يكون لنا الايمان وأن لا نشكّ (حرف العطف الواو لا يضيف هنا شيئًا على آخر بل يشرح الواحد بالآخر) هما عبارتان مترادفتان. هنا يشجب يسوع الشك لا الايمان الذي يخامره الشكّ.
إن فعل "دياكريناين" (شك، ارتاب، رج 16: 3 في معنى مميًز) لا يظهر إلاّ هنا وفي مر 23:11 الذي يوازي نصّ مت. عادة، يعبّر النص عن الشك بلفظة "اوليغوبستوس" (قليل الايمان) (8: 26؛ 14: 31؛ 16: 8). والعبارة "لا تفعلان ما فعلت بالتينة فقط" هي كلام يسوع لتلاميذه وكلام الانجيلي لجماعته. هي صدى لجواب يُعطى للمسيحيين الذين دهشوا من غياب المعجزات في الكنيسة. بسبب شكّكم وارتيابكم. وتتوسّع آ 22 في تعليم حول الايمان (أو ضدّ الشك) فتُدخل فكرة الصلاة. قال مر: آمنوا أنكم نلتموه. حوّل مت هذا تحويلاً عميقًا فقال: حين تصلّون أطلبوا بايمان. ليرافق الايمان طلباتكم. هذا القول لا يعني أن صلاة المؤمن تحصل على استجابة آلية، ميكانيكيّة، كما في سحر. بل يعني أن طلباتنا في الصلاة لا تخضع إلاّ لشرط واحد: أن تقدَّم في الايمان، هذا مع العلم أن الايمان بحسب الأناجيل هو أولاً خضوع لمشيئة الله السامية.

3- سلطان يسوع (23:21-27)
أ- نظرة إجمالية
ق مر 11: 27-33؛ لو 20: 1-8. ء هذه المقطوعة نجد نفوسنا أمام خبر يورده الازائيون الثلاثة في كلمات شبه مماثلة، ولاسيّما في مر ومت. فالسؤال الذي طرحه رؤساء الكهنة على يسوع (مر ولو: رؤساء الكهنة، والكتبة والشيوخ) هو هو وفي العبارات ذاتها. هذا السؤال الذي هو محور النصّ، سيعبّر عنه يو 18:2 في خبر موازٍ: "أية آية ترينا لكي تصنع هذا"؟ أما في العمق، فالسؤال هو هو في يوحنا وفي الأناجيل الإزائيّة.
افترض أحدهم أن هذا الخبر يؤكّد أن يسوع لا يمثل أمام السنهدرين الذي جاء في ثلاثة وفود (حسب مر ولو) وطرح أسئلة على يسوع. بل إن السنهدرين هو الذي يمثل أمام يسوع (آ 24-27). وافترض أيضًا (هنا كما في مواضع أخرى) أن نصوص مر ومت ترتبط بوثيقة أولانيّة واحدة استعملها الواحد بمعزل عن الآخر مع موضوع مركزيّ هو موضوع المسيح المتألم.
ب- الدراسة التفصيليّة
أولاً: البنية والمراجع
إن مت 21: 23-27، شيخه شكل مر 11: 27-33، يتميّز بجمل متوازية. هناك مقدّمة إخباريّة قصيرة (آ 23 أ) يتبعها حوار. ونجد فريقين في هذا الحوار: من جهة، عظماء الكهنة والشيوخ. ومن جهة ثاني، يسوع. وكل فريق منهما يتكلّم مرتين. بالاضافة إلى ذلك، بدأ المعارضون فتحدّوا يسوع وطرحوا عليه سؤالين (آ 23). وفعل يسوع مثلهما في جوابه الأول (آ 25 أب). وأجاب الخصوم على جواب يسوع فتكلّموا أولاً عن نفوسهم، وقدّموا امكانيتين (من السماء، من البشر). ثم أعلنوا بشكل واضح أنهم لا يعرفون (آ 25-27 أ). عند ذاك أنهى يسوع الجدال مقارعًا الرفض بالرفض: أنتم لا تعرفون وأنا لا أقول. وتأتي العبارة الأخيرة "بأي سلطان أفعل هذا" (آ 27 ج) بشكل تضمين يستعيد ما قاله الخصوم في البداية: "بأن سلطان تفعل هذا" (آ 23 رج آ 24). 
والمراجع؟ 21: 23- 27= مر 11: 27- 33= لو 20: 1- 8. إن الاختلافات بين الأناجيل الثلاثة هي أسلوبيّة في الدرجة الأولى ويمكن أن تفسّر في إطار أكثر من نظريّة. ونلاحظ اتفاق متّى ولوقا ضد مرقس. ولكن يبقى أننا لا نشكّ في أولوية مر.
ثانيًا: التأويل
تنتمي هذه المقطوعة إلى خبر صراع أو سؤال اختبار (رج 3:19-9؛ 22: 15-22، 23-30، 34-40). ولكن السؤال هنا لا ينال جوابًا مباشرًا، والخبر لا يتوخَّى أن يلقي الضوء على قول يسوع، بل أن يزيد الانشداد الدراماتيكيّ بين يسوع وخصومه، وأن يدلّ على هويّة هؤلاء الخصوم. يأتي هذا المقطع في خطّ تطهير الهيكل ولعن التينة، فيقول لماذا حُكم على أورشليم وعلى هيكلها: إن رؤساء الكهنة والشيوخ قد أداروا آذانًا صمّاء لمرسلي الله في نهاية الأزمنة.
إن 23:21- 27 هو أيضًا سؤال اختبار (كما في ف 22)، وقد كنا ننتظره في ف 22. ولكن المتتالية المرقسيّة وموقعها في الهيكل جعلا هذه المقطوعة حيث هي. فكما في مرقس، يستبق النص الجدالات التي سنقرأها في ف 22. 
وما هي الاختلافات بين 12: 23-27 ومر 11: 27-33؟ (1) لا نجد لفظة "يعلّم" إلاّ في مت (آ 23). (2) في مر يواجه يسوع رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ. وفي مت، رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (آ 23). (3) يبرز شخص يسوع فقط في مت مع "وأنا أيضًا" (كاغو، آ 24) و"هو أيضًا" (اوتوس، آ 27). (4) الكلام التفسيريّ في مر 11: 32 (كانوا يخافون الشعب) جُعل في فم خصوم يسوع (آ 26). (5) الموازاة أكثر وضوحًا في الانجيل الأول (كاغو، وأنا أيضًا، مرتين...). (6) استعمل مت كعادته كلمات قليلة بالنسبة إلى مر (116 مقابل 127 كلمة).
نحن هنا أمام لقاء تاريخيّ. هو يعلّمنا أن يسوع عارض أعضاء السنهدرين أو المجلس الأعلى. اعتبر المعمدان كل اعتبار. لم يحسّ بنفسه مقيّدًا لكي يعطي "تقريرًا" عن نفسه إلى معارضيه بمن فيهم الرؤساء الدينيون. تحفَّظ، فما تحدّث بشكل مباشر عن شخصه أقلّه بشكل علنيّ. وهذا ما نعرفه هنا وفي سائر الانجيل.
ثالثًا: تفسير الآيات (21: 23-27)
* مقدمة اخبارية (آ 23 أ)
نحن هنا في الرواق الخارجي أو في أحد الأروقة المجاورة. نقرأ: "ولما جاء إلى الهيكل". ق 21: 21 ≠ مر 15:11. بدأ مت بصيغة اسميّة (لا بالفعل). أوجز مر 27:11 أ (أيضًا إلى أورشليم قد قيلت في مت 18:21) وألغى "يتمشّى". "تقدّم إليه رؤساء الكهنة...". ق يو 1: 19. زاد مت "يعلّم" (رج مت 27: 55؛ لو 20: 1). فسلطة يسوع سلطة تعليميّة (28:7-29). وألغى لفظة الكتبة (هناك كتبة صالحون، كل كاتب يتلمذ)، لأن الجدال لا يدور على الشريعة. وهكذا يخاصم يسوعَ فئتان: رؤساء الكهنة، وشيوخ الشعب.
* الجدال (آ 23 ب- 27 أ)
"بأي سلطان" (آ 23). رج مر 11: 28؛ لو 20: 2؛ ق يو 18:2. في المرحلة الأولى من التقليد الانجيليّ قد يكون السؤال: هل يسوع هو النبيّ أو أكثر من ذلك حين عمل ما عمل في الهيكل؟ "هذا" (أو: هذه الأشياء) قد يشير إلى ما عمله يسوع في الهيكل، كما يشير إلى سائر الأعمال المذكورة في ف 21 بما فيها الدخول إلى أورشليم والتعليم (رج 7: 28-29؛ لو 20: 2 والعلاقة بين السلطة والتعليم). وهكذا يكون السؤال (الذي أجاب يسوع عليه بأعماله وما فيها من تحدٍّ) حول اعتبار يسوع بأن يفعل كالملك المسيح وأن يعلّم كما سيفعل في المقطوعات اللاحقة. فإن أجاب يسوع: أفعل هذا بسلطة بشريّة، عارض تصرّفه. وإن أجاب: بسلطة إلهيّة، أعلن أمام الناس وضعه المسيحاني فاعتُبر مجدِّفًا (26: 64-65) أو تجاوز ما يريد الله أن يُكشف عن شخص المسيح. وفي أي حال هناك خطر المباحث الرومانيّة حول ثورة ممكنة. وهكذا يستخلص القارئ أن أعضاء المجلس هم أصحاب حيلة.
"ومن آتاك هذا السلطان"؟ ق أع 4: 7. هناك سؤالان لا سؤال واحد. رج 24: 3؛ مر 12: 14. وهكذا سيكون لنا جوابان يرفض فيهما يسوع أن يتحدّث عن نفسه.
"فأجاب يسوع" (آ 24). وأنا أيضًا أسألكم سؤالاً. إن أجبتموني أجبتكم. دار يسوع حول هذا السؤال الحرج، فنقل الانتباه من نفسه إلى خصومه. لم يعد السؤال حول ما يفكّر به يسوع، بل حول ما يفكّر به رؤساء الكهنة والشيوخ. 
"معموديّة يوحنا..." (آ 25؟). رج أع 38:5 حيث يُقابل البشرُ مع الله (نطيع البشر أم الله). كان في مر سؤال واحد فصار سؤالين عند مت. من السماء أي من الله. أن يكون المعمدان نبيًا حقيقيًا يؤثِّر على مسألة سلطة يسوع. فعلى مستوى مت، شهد يوحنا ليسوع (14:3). فمن قبل يوحنا قبل يسوع.
تتضمّن هذه المقطوعة ذات الينبوع لسلطة يوحنا وسلطة يسوع. وتذكّرنا أن يوحنا اعتُبر نبيًا (26)، وأن رؤساء اليهود لم يعترفوا بسلطته النبويّة، وأنهم خافوا أن يقولوا الحقيقة حول يوحنا خوفًا من الشعب. في كل هذا صار يوحنا ويسوع متشابهين. اعتُبر يسوع نبيًا (آ 11، 43). ولكن رؤساء اليهود لم يعترفوا بسلطته، وخافوا هنا أيضًا من الشعب فما قالوا الحقيقة (آ 43). وهكذا مال مت في هذه المقطوعة إلى التقريب بين يوحنا ويسوع.
"فجعلوا يفكّرون في نفوسهم". فعل "ديالوغيزوماي". هناك حوار دخلي. أو بين بعضهم بعضًا. في أي حال، تظهر أفكار خصوم يسوع من خلال أعمالهم. إن قالوا من السماء، أجاب يسوع: لماذا لم تؤمنوا؟ وان قالوا من الناس! ولكنهم يخافون الشعب. ولهذا صمتوا لئلاّ يقعوا في الفخّ. سؤالان تجاه سؤالين. إحراج تجاه إحراج. ماذا يختار يسوع؟ ولكن ماذا يختار الرؤساء؟ يبدو أنهم يخافون الناس ولكنهم لا يخافون الله. فلو خافوا الله لكانوا أقرّوا بسلطة يوحنا النبويّة وبالتالي بسلطة يسوع كالمسيح المرسل من لدن الآب.
"نخاف من الجمع" (آ 26). هكذا خاف هيرودس (14: 5) ورؤساء اليهود (46:21). كانت شعبيّة يوحنا كبيرة. وهذا ما يشهد له يوسيفوس في العاديات (18: 118).
"فأجابوا يسوع: لا نعرف" (آ 27 أ). تظاهروا بالجهل. وهكذا لم ينتصروا على يسوع. هذا ما يدلّ على عماهم. رفضوا السلطة النبويّة، فوضح أن لا سلطة لهم أيضًا. فمن أين تأتي سلطتهم إلاّ من كلمة الله التي حملها الأنبياء، كما فعل يوحنا ويسوع؟
* كلمة يسوغ الأخيرة (آ 27 ب)
"فقال لهم هو أيضًا". ذكر مر اسم يسوع (فقال لهم يسوع). أما مت فجعل الضمير "هو" (اوتوس). "وأنا لا أقول لكم". وهكذا نكون أمام تأكيد خفيّ حول سلطة يسوع. رفض يسوع أن يجيب فكان في رفضه جواب. ودلّ على سلطته على الرؤساء، فما قبل بأسئلة يطرحونها عليه حول شخصه.
ج- نظرة لاهوتيّة وروحيّة
كان الهيكل (هيارون) يشمل أربعة أروقة متعاقبة: رواق الوثنيين، رواق النساء، رواق الرجال، رواق الكهنة. أما رواق الوثنيين الواسع فقد كان في الواقع ساحة عامّة. كان مركزَ الحياة الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة للشعب. علّم فيه يسوع كما علّم في المجامع (23:4؛ 9: 35؛ 13: 54؛ رج 5: 2؛ 11: 1). إن فعل "علّم" يلعب في مت دورًا لا يلعبه في سائر الأناجيل. فبحسب مر كان يسوع يتمشّى (يروح ويجيء) في الهيكل. ويمكن أن يكون يعلّم. حسب لو، كان يعلّم ويبشّر (يؤنجل، أنجل، حمل الانجيل) الشعب. هذه التصرّفات الثلاثة ليسوع في الهيكل توافق كل الموافقة طريقة كل إنجيل لتقديم المسيح.
نقرأ "عظماء الكهنة" في صيغة الجمع (مع أن هناك رئيس كهنة واحدًا) أكثر من مرّة في الأناجيل (2: 4؛ 16: 21؛ 15:21، 45؛ 3:26). وهذا ما يدهشنا. هذا لا يعني أنه كان أكثر من عظيم كهـنة يقوم بوظيفته في زمن يسوع. إن عظيم الكهنة كان شخصًا فريدًا: مراقب الهيكل الأعلى، خادم الذبيحة اليوميّة وذبيحة التكفير السنويّة، رئيس المجلس الأعلى أو السنهدرين، القائد السياسيّ والدينيّ للشعب (نحد صيغة المفرد، رئيس الكهنة، في 26: 51، 57، 58). وكان يحتفظ بوظيفته مدى الحياة. ولكن حين يتحدّث عنه الانجيل في صيغة الجمع، فهو يشير إلى أعضاء العائلات الكهنوتيّة وموظّفي الهيكل، كما يشير بشكل خاص إلى رؤساء الكهنة السابقين الذين أعفوا من وظائفهم، بالرغم ممّا تقوله الشريعة.
إذا كان نظام الشيوخ (ز ق ن ي م، بسبب اللحية في ذقونهم) قديمًا في تاريخ اسرائيل، كما في تاريخ سائر الشعوب، فالحلقة الرسمية التي توجّه الشيوخ وتعقد جلساتها في أورشليم، تعود إلى زمن السلوقيّين. كوّن الشيوخ "غاروسيا" (2 مك 1: 10؛ 4: 44؛ 2 مك 7: 33؛ 12: 6؛ 14: 20) أو سنهدرين (مجلس الشيوخ، المجلس الأعلى). وما عتّمت هذه المؤسّسة أن تكوّنت من ثلاث فئات متزاحمة: عظماء الكهنة. علماء الشريعة أو الكتبة. وعنصر العوام (العنصر العلماني) أو الشعب الذي يمثّله الشيوخ وكانوا ينتمون مرارًا إلى العائلات الشريفة ذات الميول الصادوقيّة في أورشليم. بعد سقوط أورشليم سنة 70 ب م، لم يعد السسنهدرين مكوّنًا إلاّ من الفئة الثانية، من علماء الشريعة أو الكتبة.
طرح الخصوم سؤالاً في سؤالين. ولكن السؤال الثاني لا يزيد شيئًا على السؤال الأول، بل يوضحه ويفسّره. من أين سلطة يسوع؟ من الله، من البشر، من نفسه؟ فالفكر اليهوديّ لا يعرف سلطة حقيقيّة لا يعطيها الله. الله هو الذي يعطي كل سلطة من أجل مهمّة يقوم بها حاملها (29:7؛ 9:8؛ 9: 6؛ 10: 1). هذا هو المعنى هنا. ولسنا أمام صفات بشريّة نالها الانسان من أجل عمله. بل أمام تفويض من قبل الله.
لا يُعتبر هذا السؤال إساءة إلى يسوع. ولا يعني أن الرؤساء منشغلون بسلطتهم، يخافون من يسوع ويدافعون عن امتيازاتهم. هو سؤال يطرحه كل يهودي يريد أن يميّز كلمة الله. بل يطرحه رئيس الشعب تجاه يسوع. أن يكون هذا السؤال قد طُرح كما طرح، هذا لا يهمّ. ولكنه معقول جدًا في السياق التاريخيّ. هذا ما رآه يو 18:2. فتجاه فعلة ما اعتدنا عليها مثل فعلة يسوع في الهيكل، لا يطرح المؤمن سؤالاً حاول عبقريّة الشخص الذي قام بهذا العمل ولا حول صفاته السيكولوجيّة، بل حول أهليته القانونيّة والدينيّة.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، طُرح هذا السؤال طرحًا حسنًا لأنه لا يتوقّف عند فعلة يسوع نفسها، بل يبحث عن مدلولها. لسنا أمام مدلول عام وكأن هذه الفعلة رمز إلى حقيقة لازمنيّة، بل أمام مدلول يعني شخص يسوع نفسه. ومن جهة ثالثة نرفض أن نرى في هذا السؤال صراعًا بين الجماعة والفرد، بين رؤساء الشعب وعبقريّة يسوع الدينيّة. فيسوع في جوابه رفض أن يقف على هذا المستوى. بل هو تضامن مع يوحنا المعمدان وما انفصل عنه. فلماذا ينفصل عن سائر الشعب؟ أجل، إن سلطة يسوع لا تُفهم إلاّ في إطار تاريخ شعبه الذي كانت ساعاته الأخيرة في كرازة المعمدان.
"وأنا أيضًا أسألكم سؤالاً". جاء جواب يسوع يحمل بعض السخريّة أو الهجوم. في هذا القسم من مت، لا يحاول يسوع أن يقنع خصومه، بل أن يجعلهم يعون أنهم غير أهل لما يعملون. قال: وأنا لي كلمة واحدة. سؤال واحد. فما يكون الجواب من قبل الخصوم؟ هناك خياران لا ثالث لهما: أو أن يسوع يأخذ سلطته من الله أو من البشر. السلطة التي تبرّر أعماله. والشيء نفسه ينطبق على يوحنا: معموديّته هي من الله أو من البشر. وربط يسوع رسالته برسالة يوحنا، وسرّ شخصه بسرّ شخص يوحنا. فلو آمن اليهود بيوحنا (قال يو: لو آمن اليهود بموسى)، لكانوا آمنوا بيسوع. ولكنهم رفضوا سماع كلمة الله، وبالتالي رفضوا الله لأنهم فضّلوا رضى الناس على رضى الله، كما قال الانجيل الرابع.

خاتمة
نسوق في هذه الخاتمة الملاحظات التالية:
1- كتب متّى إنجيله بعد سنة 70 فما احتاج أن يهاجم هيكل أورشليم، وما فعل. بل نظر إلى أساسه في الشريعة كما نظر إلى قداسته في وقت من الأوقات: جعل الله من الهيكل بيت صلاة (21: 13)، وموضع تقدمة الذبائح (23:5-24)، ومكانًا تتقدّس به الآنية التي فيه (23: 16-22). فإذا لم يعد الهيكل كل هذا، فلأن دينونة الله حلّت بأورشليم: فساد الكهنة والآخرين (21: 13؛ 23: 35)، ورذْل يسوع (21: 42-43؛ 22: 7)، كل هذا كان أمرًا إلهيًا بدمارها (24: 2؛ رج تفسير دمار الهيكل الأول في 2 مل 21: 10- 15).
في كل هذا، كان مت في خطّ الفكر اليهوديّ في القرن الأول المسيحيّ (عزرا الرابع، باروك الثاني، رؤيا ابراهيم). وإذا كانت وظائف الهيكل قد انتقلت إلى يسوع (هو أعظم من الهيكل، 6:12) وجماعته (التي هي الهيكل الحيّ)، فيوحنا بن زكاي استعمل هو 6:6 (أريد رحمة لا ذبيحة) ليحلّ شيئًا ما محلّ شعائر العبادة في الهيكل. فما تفرّد به متّى، ليس تفسيره لدمار أورشليم كدينونة من الله بسبب خطيئة الشعب اليهوديّ. وليس الحديث عن شعائر عبادة صارت ميتة، بل نظرته الكرستولوجيّة (حول يسوع المسيح) والاكليزيولوجيّة (حول الكنيسة): فيسوع وكنيسته أخذا الوظائف التي كانت خاصة بالهيكل.
2- ونقابل ما نعرفه عن موسى مع مت 21: 1-17. كان موسى وديعًا ويسوع أيضًا (آ 5). عاد موسى إلى مصر مع حمارين (خر 19:4 حسب السبعينيّة، سيذكرهما زك 9: 9). وركب يسوع "حمارين" فأتمّ نبوءة زك 9: 9 (آ 5). أنشد الأطفال على البحر الأحمر ومن أناشيدهم، حسب التقليد، المزمور الثامن. وهكذا فعل الأطفال ليسوع في يوم الشعانين، فأنشدوا مز 8 (آ 15-16). كان موسى نبيًا وملكًا. ويسوع أيضًا هو ابن داود والنبي الذي "رآه" موسى في تث 18: 15-18. في خر 28:12 (حسب السبعينية) نقرأ أن بني اسرائيل صنعوا ما أمر به الرب موسى وهارون. وفي مت 6:21 نقرأ أن التلميذين صنعا ما أمرهما به يسوع. يذكر تث 12:24 (حسب السبعينية) العجائب التي صنعها موسى. وهذا ما يقوله مت 21: 15 عن يسوع. إن مت 21: 1-17 يذكّرنا بنمطيّة موسى كما نقرأها في مت 1: 1؛ 8: 1؛ 25:11- 30؛ 17: 1-8. يسوع هو النبي الملك مثل موسى الذي أتمّ مواعيد نقرأها في تث 15:18، 18.
3- تخبرنا هذه المقطوعة (21: 1-17) عن الملك المتواضع الذي شفى فئتين (العرج والعميان) عائشتين على هامش المجتمع، الذي امتدحه الأطفال. عارضته أورشليم مركز الأمّة العظيم والمجيد، مع رؤساء الكهنة والكتبة، وهم رجال سلطان وتأثير في الشعب. فالذين تسلّموا مهمّة بدوا في الحقيقة وكأنهم لم يتسلّموا. والدينونة ستأتي قريبًا وتزيلهم. أما الذين بدوا بدون قدرة ولا سلطان، فقد استقبلهم المسيح وورثوا الأرض (مت 5: 4 كالودعاء)، أرض الميعاد، الأرض الجديدة والسماء الجديدة.
4- وجاء 18:21-22 بين مقطعين يشيران إلى الهيكل. في الأول، عارض يسوع الهيكل. في الثاني عارض الكهنة يسوع. وهكذا يدفعنا السياق المباشر إلى أن نفسّر لعنة التينة كفعلة نبويّة تشير إلى الدينونة: بدأ الغضب الالهي ضدّ هيكل أورشليم في الظهور، وأعدّت الطريق لشعب آخر يثمر ثمرًا (43:21). ولكننا نجد أكثر من ذلك في هذه المقطوعة. من جهة، نجد عند مت اتجاهًا يجعل الرحمة والرأفة تجاه الدينونة. ومن جهة ثانية، عاد 21: 13 إلى الهيكل "بيت صلاهّ". لقد مضى الهيكل القديم، وحلّت محلّه الكنيسة. نحن هنا في تاريخ الخلاص. وقد حلّت الجماعة الحيّة محل بناء حدّد موقعه على تلّة من التلال. وهي تستطيع أن تسمع كلمات يسوع حول الصلاة: ما تسأله بإيمان تناله.
5- وأخيرًا نرى رؤساء الشعب وقد "أزعجتهم" أعمال يسوع، يرفضون الحقيقة ويبيّنون أن سلطتهم من البشر لا من الله. هم أقلّ من الجمع الذين رأوا في يوحنا المعمدان نبيًا أرسله الله، وقد يكونون مستعدّين لأن يروا في يسوع ذاك الذي قدّسه الآب وأرسله. أما الشيوخ فلا. وهكذا نفهم أن موت يسوع ليس نتيجة عدم فهم لسلطة لم تكن واضحة، بل مؤامرة تدلّ على إرادة سيّئة لدى الرؤساء اليهود. في الواقع هو صراع بين الشرّ والخير. وعلى رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب أن يختاروا.
الفصل الثامن عشر
كان لرجل ابنان
21: 28- 32

مثل الابنين يدخل في إطار متّاوي يتضمّن ثلاثة أمثال (21: 28-32؛ آ 33-46؛ 22: 1- 14) تدور كلها حول فكرة رفض المسيح من قبل الذين وجب عليهم أن يقبلوه، من قبل رؤساء الشعب. سوف نرى فيما بعد كيف أن الفريسيّين والصادوقيّين سيتحالفون ويقوى تحالفهم يومًا بعد يوم على يسوع (22: 15-46). وهذا الجزء من الخبر يصل بنا إلى الويلات الرهيبة التي يُوجّهها يسوع ضد الفريسيّين (23: 1- 36) الذين نعتهم بأقلّ ما نعتهم بالقبور المكلّسة.
أما المثل الذي ندرس فيبدو مرتبًا ترتيبًا متماكسًا. نجد فيه ثلاثة أقسام واضحة. المثَل بشكل خبر (آ 28- 30). تطبيق أول للمثل وجّهه يسوع إلى محاوريه، وهو تطبيق يبدأ بشكل سؤال يطرحه المعلّم، وهذا أمر لافت (آ 31). هذا التطبيق الأوّل يظهر بشكل خاتمة من خلال عبارة احتفاليّة (الحق أقول لكم، آ 31 ب). وأخيرًا تطبيق ثان (آ 32) يربط ربطًا وثيقًا كل هذه المقطوعة بالمقطوعة السابقة التي تشير إلى يوحنا المعمدان (21: 23-27؛ وخصوصًا آ 25-27).
مثل يوجز في بضع كلمات كلَّ تاريخ الخلاص. كما يتضمّن طابعًا هجوميًا ضد رؤساء الشعب الذين اجتمعوا حول يسوع في الهيكل: إن العشّارين والزناة (لا تسرق، لا تزن، كما في الوصايا) بدأوا فرفضوا مشيئة الله كما عبّرت عنها الشريعة. ولكنهم عادوا عن خطيئتهم، ووجّهوا قلوبهم إلى الله، فدخلوا في الملكوت الذي دشّنه يسوع. أما الرؤساء الذين قالوا دومًا "نعم" لله على المستوى الرسمي والخارجيّ، فمالوا بوجههم عن الذي أرسله الله. رفضوا أن يقبلوا مَن أرسلته الآب، فكانوا وكأنهم رفضوا الآب بالذات.
بعد أن نتوقّف عند الناحية النصوصيّة، نقرأ المثل في حياة يسوع العلنيّة، ثم في سياق انجيل متّى.

1- المثل من الناحية النصوصيّة
قال يسوع هذا المثل: "كان لرجل ابنان". توجّه إلى الأول ثم إلى الآخر طالبًا منهما أن يذهبا إلى كرمه. ولكن من هو الأول، من هو الثاني؟ هنا اختلفت المخطوطات. قال الفاتيكاني وبعض الشهود: الأول هو الذي قال نعم. والثاني هو الذي رفض. ولكن السينائي وعدد كبير من المخطوطات قالت: الأول هو الذي رفض ثم ذهب إلى الكرم. والثاني هو الذي قال أنا أذهب ولكنه لن يذهب. نحن نأخذ بهذا الترتيب الأخير الذي يرتكز على شهود مهمّين، ويساعدنا مساعدة أفضل على فهم الطريقة التي بها وُلد النصّ الآخر الذي يحاول أن يكيّف المثل مع خاتمته الظاهرة في آ 32. على كل حال، ليس من فرق بين المخطوطات على مستوى المعنى الذي لا يتبدّل.
وهناك اختلافة أخرى تهتمّ بالمعنى. فحسب المخطوط البازيّ وعدد كبير من المخطوطات اللاتينيّة العتيقة ونسخة سريانيّة، نرى أن محاوري يسوع في آ 31 يجعلون الحقّ بجانب الابن الثاني، أي الذي قال أنا ذاهب ولم يذهب. الذي دلّ على طاعته ولكنه لم يفعل ما طُلب منه. هناك من أخذ بهذا التفسير معتبرًا أن الجواب بالنفي للأب يغيظه وقد قال له وجهًا لوجه، أكثر من عدم العمل الذي قد لا يراه. ولكننا نرفض مثل هذا التفسير في عالم يعتبر أن الطاعة الحقيقيّة لا تقوم بالقول والكلام، بل بالعمل والحق. لا تقوم إلاّ بإتمام ما طُلب منا وإلاّ كنا من جماعة الفريسيين الذين يقولون ولا يفعلون.
أما الملاحظة الثالثة فهي تتعلّق بالمثل. نلاحظ أنه كمثل بحصر المعنى ينتهي في آ 31 أ التي تقدّم جواب متحاوري يسوع: أول الاثنين صنع مشيئة أبيه (مع أنه قال كلا حين طلب منه). مع آ 31 ب، ننتقل إلى التطبيق على المستوى الدينيّ: "الحقّ أقول لكم: إن العشارين والبغايا يسبقونكم إلى ملكوت الله". وتأتي آ 32 فتزيد شرحًا إضافيًا يبرّر التأكيد الذي أعلن في آ 31 ب دون أن يرتبط بالمثل السابق. ويتّفق الشرّاح على القول بأن آ 32 هي عبارة جاءت من سياق آخر وأدرجت هنا. فلا علاقة لها في الأصل مع المثل. إذن، إن أردنا أن نعرف الهدف الأول من المثل، يجب أن نضع بين قوسين موقتين آ 32 التي تستطيع بدورها أن تنيرنا حول وجهة الانجيليّ.
بعد هذا الدرس النصوصيّ، نحاول أن نحدّد معنى المثل في مقصد يسوع ونواياه: نجعل كلامه في حياته العلنيّة، وتطبيق هذا الكلام كما هو في آ 31 ب التي لا يمكن أن نفصلها عن المثل (وإنقال بعض الشرّاح عكس ذلك). بعد ذلك ننتقل إلى منظار الانجيليّ لكي نرى البعد الذي أعطاه للمثل حين أدرجه في السياق الحالي وزاد عليه التفسير الإضافي الذي نقرأه في آ 32.

2- المثل في حياة يسوع العلنيّة
أ- مثل في خبر
نبدأ فنشدّد على الايجاز الكبير الذي به قدّم متّى هذا الخبر (آ 28-30): لا تفصيل نافلاً يشتّت الانتباه، ساعة نحتاج التركيز على الجوهر. إذن، لا نسأل أين هو الأكبر وأين هو الأصغر. ولماذا عاد الأول إلى صوابه وفعل ما طلبه منه أبوه، وما الذي منع الثاني من العمل بما وعد به أباه. ولا نحاول أن نعرف إن كان العمل المطلوب ملحًا جدًا، إن كان لا يستطيع أن يقوم به العبيد... كلها أسئلة تافهة (استعمل الانجيلي في آ 30، 32، كما في 3:27 عن يهوذا فعل "ماتامالوماي" الذي يعني "ندم" والذي هو غير "ماتانايو" الذي ينطبع مباشرة بالطابع الدينيّ).
فالراوي لا يهتمّ إلاّ بإبراز التعارض، بل التناقض بين الابنين. تناقض على مستوى الجوابين. هناك فظاظة من قبل الأول الذي اكتفى أن يقول بلغة جافّة: "لا أريد" (أو: كلا، لا. أو: هزّ بكتفه ولم يلتفت إلى أبيه). وهناك احترام كبير من قبل الثاني مع عبارة: "نعم يا سيّدي. أنا ذاهب". وتناقض خاص على مستوى الموقفين: ومع ذلك، ذهب الأول إلى الحقل مع أنه قال لا أريد. وأما الثاني فلا. عندئذ جاء السؤال: "أي الاثنين فعل إرادة الأب"؟ لم يتردّد السامعون، بل أجابوا حالاً: "الأول" (آ 31 أ).
فلا مجال للتردّد. ففي التوراة، لا تقوم الطاعة على الكلمات المعسولة، بل على التتميم الفعليّ لما يطلبه الله. حين أمر الله شاول بأن يكرّس له ما أخذه من بني عماليق (يصبح محرّمًا على الجيش) من أسلاب، ظنّ الملك أنه يستطيع أن يتحايل على الأمر الالهيّ مقدّمًا ذبيحة عظيمة. فأعلن له صموئيل: "أترى الربّ يسرّ بالمحرقات والذبائح كما يسرّ بالطاعة لكلام الرب؟ أجل، الطاعة خير من أفضل ذبيحة، والاصغاء (الاستعداد للعمل) أفضل من شحم الكباش" (1 صم 15: 22). وجاء مثل رابينى (القرن الثاني ب م) ففسّر أم 6: 1 (يا ابني إذا كفلت أحدًا) مطبقًا إياه على عطّيّة الشريعة لاسرائيل. قال:
"كمثل ملك كان له حقل رغب أن يسلّمه إلى شركاء. دعا الأول وقال له: "أتريد أن تأخذ هذا الحقل"؟ فأجاب: "لا قوّة لي. إنه يتعدّى امكانياتي". وسأل كذلك الثاني والثالث والرابع، فما قبلوا. حينئذ دعا الخامس وقال له: "أتريد أن تأخذ هذا الحقل؟" أجاب: "نعم، آخذه". "شرط أن تفلحه". أجاب: "نعم أفلحه". ولكن حين امتلكه تركه بورًا. فعلى من يغضب الملك؟ أعلى الذين قالوا: لا نستطيع القبول؟ أو على الذي قبله، وبعد أن امتلكه تركه بورًا؟ أليس على الذي قبله"؟
على سيناء، قال شعب اسرائيل "نعم" والتزم بممارسة الشريعة. وبما أنه التزم، فويل له إن لم يقم بواجبه فيعمل ما يطلبه الله منه: وإلاّ ينقلب عليه قبوله الأول. يصبح قبوله حكمًا عليه. في هذا المجال لا يختلف المسيحيّ عن اليهوديّ: "ليس من يقول لي يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل إرادة أبي الذي في السماوات" (7: 21). وقال يوحنا في رسالته الأولى: "يا أولادي الصغار، لا نحبّ بالكلام واللسان، بل بالعمل والحقّ" (1 لو 3: 18). 
وفي التعارض الذي يجعل الابنين وجهَا لوجه، نرى بوضوح أن المثل الانجيليّ يشدّد على الثاني. على الذي قال نعم ولكنه لم يذهب إلى الكرم. فسلوك الأول يلقي ضوءًا على الخطأ الذي اقترفه الثاني. إذن، يبدو مرمى المثل هجوميًا. ونفهم منذ الآن أن يسوع يوجّه كلامه إلى أناس يمثّل سلوكهم سلوك الابن الثاني. أناس يطيعون بالكلام فقط، ولكن أعمالهم لا تتبع أقوالهم.
ب- تطبيق المثل
إذ أراد المثل أن يدلّ على الطاعة الحقيقيّة، على الديانة التي لا تكتفي بالكلام، ذكّرنا بالتعليم التقليدي الذي يعارض بين "قال" و"عمل". وتكون الدهشة، أقوى حين نسمع بعد ذلك تطبيقًا يخرج. من الطرق العاديّة. فحين جاء محاورو يسوع يعطونه جوابًا يوافق التعليم الأكيد، أعلن لهم: "الحقّ أقول لكم: العشّارون والبغايا يسبقونكم إلى ملكوت الله" (آ 31 ب).
ونبدأ فنتعرّف إلى الأشخاص. السامعون الذين يقول لهم يسوع "أنتم" (أي الضمير المخاطب الجمع) يقابلون العشّارين والبغايا وهم فئتان تمثّلان الذين مهنتهم أن يكونوا خطأة، الذين حياتهم هي حياة الخطأة، إذا استطعنا أن نقول هكذا. إنهم الخطأة الرسميّون. وتجاه هؤلاء الخطأة المعروفين في الساحات العامّة، هناك محاورو يسوع الذين هم صورة عن "الصدّيقين" (الأبرار) الرسميّين الذين تقوم "وظيفتهم" بأن يمارسوا بأمانة وصايا الله وجميع الفرائض التي تكمّل هذه الوصايا في التقليد اليهوديّ.
من الواضح أن هؤلاء "الأبرار" مقتنعون بأنهم قالوا لله "نعم". بل هم متأكدون من اهتمامهم التام بممارسة إرادة الله ممارسة أمينة ودقيقة (حتى في كل تفاصيلها)، هذه الإرادة الذي تعبّر عنها الشريعةُ والعادات التقليديّة. ومن الواضح أيضًا في نظرهم أن هؤلاء الخطأة الذين يتحدّث يسوع عنهم لا يرفضون فقط وصايا الله، بل لا يبدون أي اهتمام بتبديل سلوكهم. أما حكمهم على الوضع فيحدّده واقع يماهي بشكل ملموس مشيئة الله مع فرائض الشريعة اليهوديّة، لاسيّما الشفهيّة منها.
والاعلان الذي يوجّهه يسوع إليهم بشكل مفارقة، يبيّن حقًا أنه لا يقبل بهذا التماهي. فمشيئة الله في نظره، ليست الشريعة كما يمارسونها. مشيئة الله هي في الزمن الحاضر التعليم الانجيليّ مع نداء إلى التوبة يفتح الطريق إلى ملكوت الله. ويلاحظ يسوع أن هؤلاء "الأبرار" يرفضون هذا النداء ساعة يتجاوب معه "الخطأة". لاشكّ في أن الأبرار أبدوا كل استعداد طيّب في البداية، فكان موقفهم موقف الخضوع والاكرام تجاه الله. ولكن حين برزت أمامهم المتطلّبة الحاسمة التي بها يرتبط الدخول إلى ملكوت الله، تهرّبوا واختفوا. واستقووا بطمأنينة منحهم إياها برّهم الخاصّ، فرفضوا سماع النداء الالهيّ. وفي الوقت عينه سمع هذا النداء الخطأةُ الذين لا يوافق يسوع على سلوكهم السابق (هذا ما لا شكّ فيه)، وعملوا بما أمرهم الله.
وهكذا نرى الآن أين نجد حقًا المرمى أو تطبيق المثل. حدّد يسوع الطاعة لله بالنظر إلى التعليم الذي يعلنه، وهو تعليم يمثّل بالنسبة إلى السامعين إرادة الله في هذا الآن وفي هذا المكان. فالدخول إلى الملكوت يرتبط بموقف كل واحد تجاه هذا التعليم الانجيليّ. فلا نستطيع أن نتهرّب من متطلّباته متذرّعين بأننا نمارس الشريعة. هنا نجد موضوعًا توسّع فيه يسوع في مناسبات مختلفة وبأشكال متنوّعة خلال حياته التعليميّة. ومثل الابنين الذي نقرأ (آ 28-32) يقترب اقترابًا خاصًا من مثل المدعوين إلى الوليمة (لو 14: 16-24؛ مت 22: 1- 10): إذا أردنا أن نشارك في وليمة الملكوت، لا يكفي أن نكون قد دُعينا لكي يُحفظ لنا مكانُنا. بل يجب أيضًا أن نتجاوب مع النداء الذي يدّوي في الوقت الحاسم: "تعالوا. كل شيء معدّ". والممارسات الدينيّة تخسر كل قيمتها إن أعطت الانسان ثقة بنفسه جعلته يهمل متطلّبة النداء الذي يوجّهه الله الآن للبشر بواسطة رسالة يسوع. إن تجاوبَ الخطأةُ مع هذا النداء، وهم الذين لا يمكنهم أن يستندوا إلى طاعتهم السابقة لوصايا الله، فالطاعة التي يبرهنون عنها الآن تمنحهم الدخول إلى الملكوت.
"العشّارون والبغايا يسبقونكم" (برواغوسين). قد نفهم الفعل في معنى زمنيّ محض: يمرّون قبلكم. ولكن يبدو أن هذا ليس المعنى الذي يتوافق مع المثل والذي يشير إليه مثل الوليمة. لهذا نفضّل المدلول الذي يحصر الدخول بفئة دون فئة: يدخلون إلى الملكوت. ليس فقط قبلكم. بل هم يدخلون وأنتم لا تدخلون. نحن في النهاية أمام حكم استبعاد ضدّ أناس اطمأنوا بأنهم يمارسون الشريعة، وأهملوا مشيئة الله التي تقدّم إليهم الآن في كلمة يسوع.
إذن، أراد يسوع بهذا المثل، أن يجعلنا نعي وضعًا واقعيًا، ونكتشف مدلولاً دراماتيكيًا: تشكّكوا (الأبرار) (يظنّون بنفوسهم كل خير) حين رأوا نوعيّة الأشخاص الذين يقبلون كرازة ذاك الذي سمّوه "صديق العشّارين والخطأة" (11: 19؛ لو 7: 34). فأجابهم يسوع: لقد عرف هؤلاء الخطأة أين هي مشيئة الله وخضعوا لها. أما أنتم فتعلنون أنكم تطيعون الله (كأن عملكم مهنة) ولكنكم لا تتمّون ما يطلبه منكم.
ويُبرز هذا المثل في الوقت عينه وعيَ يسوع لرسالته. هو يعرف أن الخلاص الذي ينتظره سامعوه يرتبط لا بسؤال يُطرح عليهم: هل مارسوا الوصايا والفرائض؟ بل بالموقف الذي يتّخذونه تجاه تعليمه هو. فالطاعة لله تقوم الآن بقبول تعليم يسوع والعمل بموجبه.

3- المثل في إنجيل متّى
أ- علاقة المثل بالسياق الانجيلي
حين قدّم متّى رسالة يسوع العلنيّة في أورشليم، تبع رسمة مرقس مكتفيًا بإضافة بعض المواد، وبصياغة النصّ الذي وصل إليه من التقليد صياغة توافق مخططه اللاهوتي. فبعد خبر دخول يسوع إلى أورشليم (مر 11: 1- 25)، أورد مرقس سلسلة من ستة جدالات بين يسوع ورؤساء اليهود (27:11- 12: 37)، وهي سلسلة تذكّرنا بالجدالات الخمسة الي بها تميّزت بداية رسالة يسوع في الجليل (2: 1-6:3). غير أنه يجب أن نلاحظ أن مرقس أدرج بين الجدال الأول (11: 27-33) والجدال الثاني (11: 27-33) مثل الكرّامين القتلة (12: 1-12) الذي يتوافق مضمونه مع مضمون الجدالات وإن اختلف فنّه الأدبيّ عن فنّ هذه الجدالات.
ووضيع متّى أيضًا مثل الكرّامين القتلة (21: 33-47) بعد الجدال الأول في أورشليم (21: 23- 27). ولكنه جعله بين مثلين آخرين. وضع قبله مثل الابنين (21: 28-32) واتبعه بمثل المدعوّين إلى الوليمة (22: 1- 14). لاشكّ في أن الانجيلي أدرج هذين المثلين الإضافيين في هذا الموضع لأنه رأى فيهما بُعدًا يشبه إلى حدّ بعيد بُعد الكرّامين القتلة. ولكن لا بدّ من الانتباه إلى أن المثل الأولى (الذي ندرسه الآن، 21: 28-32) يرتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالجدال الأول حيث تطرح السلطات اليهوديّة على يسوع سؤالاً حول أصل سلطته (من أين جاء وهو الذي لا يستند إلى المعلّمين). وهكذا بدا مثل الابنين بشكل انتقالة، فيؤمّن التواصل في خبر ترك المثل وكأنه لا يرتبط بما حوله. إذن، يجب أن ننظر إلى مدلول هذه المقطوعة (آ 28-32) بالنظر إلى علاقتها بالحدث السابق، وبرباطها بالمثل اللاحق.
أولاً: علاقة المثل بالحدث السابق
دخل يسوع إلى الهيكل، فسأله عظماء الكهنة وشيوخ الشعب: "بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن آتاك هذا السلطان" (21: 33)؟ رفض يسوع أن يعطي الجواب قبل أن يجيبه محاوروه أولاً على سؤاله: "معموديّة يوحنا من أين كانت؟ من السماء أم من البشر" (آ 25)؟ أحسّ الرؤساء بالفخّ المنصوب لهم. فقالوا: "إن قلنا من السماء قال لنا: إذن لماذا لم تؤمنوا؟ وإذا قلنا من البشر، نخاف الجمع الذي يعدّون يوحنا نبيًا" (آ 25-26). إذن، تهرّبوا وما أعطوا جوابًا. ويسوع بدوره رفض أن يردّ على سؤالهم.
وظلّت الأمور هنا عند مرقس. ولكن لا عند متّى حيث خاتمة مثل الابنين أبرزت بشكل واضح خطأ الرؤساء اليهود الذين رفضوا أن يؤمنوا بيوحنا. "جاءكم يوحنا من طريق البرّ، فلم تؤمنوا به. أما العشّارون والبغايا فقد آمنوا به. ولقد رأيتم ذلك، ولم تندموا من بعد لتؤمنوا به" (آ 32. أي لم تتعلّموا. ذاك كان وضع اليهود أيضًا حين رأوا الوثنيين يؤمنون بالانجيل. ولكنهم لم يتحرّكوا).
من الواضح أن هذه الآية تستعيد بشكل اتهام فكرة وردت في آ 25: "إن قلنا من السماء، قال لنا: إذن، لماذا لم تؤمنوا به"؟ فإذا أخذنا بعين الاعتبار الخاتمة التي نقرأها في آ 32، يصبح مثل الابنين امتدادًا للحدث السابق: حين رفض محاورو يسوع أن يؤمنوا بيوحنا، شابهوا الابن الذي قال "كلا" لأبيه. ولكنهم اختلفوا مع هذا الابن الذي تاب وبدّل موقفه. أما هم فما بدّلوا موقفهم حين رأوا العشّارين والبغايا يقولون نعم، أي يؤمنون بيوحنا. وهكذا تكون آ 32 لا خاتمة المثل فقط بل خاتمة كل التوسيع الذي بدأ في آ 23.
ثانيًا: علاقة المثل بالمثل اللاحق
بدأ متّى كلامه في آ 33 فكتب: "إسمعوا مثلاً آخر". وهكذا ضمّ مثل الابنين إلى مثل الكرّامين القتلة. فصار المثلان معًا صورة عن موضوع واحد. وجاءت صورة الكرمة فجعلت التقارب سهلاً (عملَ في الكرم، آ 28؛ غرسَ كرمًا، آ 33). وترجم هذان المثلان في العمق موقفًا واحدًا من التمرّد ضدّ ربّ الرم. في الحالة الأولى نحن أمام لاإيمان برسالة يوحنا المعمدان الآتية من السماء. وفي الحالة الثانية نجد صورة عن تمرّد متواصل ضدّ مرسلي الله، وهو تمرّد يقود في النهاية إلى مقتل الابن. وأخيرًا ينتهي المثلان بحكم يعلن استبعاد الابن الذي قال نعم ولم يذهب، والكرّامين القتلة. وسنجد التعليم عينه في المثل الثالث، مثل المدعوين إلى وليمة العرس (22: 1-14).
هناك تشابه بين مثل الابنين ومثل الكرّامين القتلة. بل هناك تدرجّ صاعد. فما قاله المثل الأول عن موقف الرؤساء اليهود تجاه يوحنا، يوجّه اتهامًا أخطر في المثل الثاني حول موقفهم تجاه مرسلي الله بشكل عام، وتجاه "الابن" (المسيح) بشكل خاص.
ب- إعادة تفسير المثل
كانت خاتمة المثل بحصر المعنى: "الحق أقول لكم: إن العشّارين والبغايا يسبقونكم إلى ملكوت الله" (آ 31 ب). وزاد مت على هذه الخاتمة شرحًا إضافيًا: "فإن يوحنا قد جاءكم من طريق البرّ فلم تؤمنوا به. أما العشّارون والبغايا فقد آمنوا به. ولقد رأيتم ذلك ولم تندموا من بعد لتؤمنوا به" (آ 32). إن هذا الشرح يمنح المثل مدلولاً جديدًا.
ولكن قبل أن نحدّد هذا المدلول، نشير إلى أن عددًا من الشرّاح اعتبروا هذه الاية غير أصليّة، وقد أقحمها متّى في هذا الموضع. وربّما أقحمت هتا في التقليد السابق لمتّى. إن هذا الرأي يستند إلى سببين رئيسيين. الأول هو أن هذا القول قد ورد في سياق آخر وفي شكل مختلف بعض الشيء في لو 29:7- 30: "فكل الشعب الذي سمعه والعشّارون أنفسهم برّروا الله باعتمادهم بمعموديّة يوحنا: أما الفريسيون ومعلّمو الناموس، فقد أحبطوا مآرب الله فيهم، إذ لم يعتمدوا على يده" (قد نتساءل: هل أدخل لوقا هذا القول في هذا السياق، أو هل وجده في المصدر الذي أخذ منه؟).
نحن نفهم أن يكون متّى "صحّح" هذا القول ليكيّفه مع سياقه الجديد: دوّن النصّ في صيغة المخاطب الجمع. وأحلّ الايمان محلّ المعموديّة بالنظر إلى آ 25. وتحدّث عن الندم في خط سلوك الابن الأول الذي قال كلا، ثم ذهب يعمل مشيئة أبيه.
إذن، يتيح النقد الأدبيّ أن يخفّف المسافة التي تفصل هذين التعبيرين عن تهمة هي هي في مت ولو. وبما أننا وجدنا هذا التعبير في لو، وفي سياق مختلف، نشكّ أنه شكّل الخاتمة الأولى في المثل.
والسبب الثاني نجده في عدم توافق بين هذه الاية والصور التي نجدها في المثل. حسب آ 32، العشّارون والبغايا قالوا نعم لتعليم يوحنا، ولكنهم عملوا ما طُلب منهم. أما خصوم يسوع فقالوا كلا وتشبّثوا في هذا الرفض مع أنهم رأوا ما فعله العشّارون والبغايا. وهكذا يكون التطبيق الذي تقدّمه آ 32 مختلفة كل الاختلاف عمّا إليه قادنا المثل. وهكذا نكون أمام إضافة زادها الانجيليّ على المثل. يبقى لنا أن نقول إنها تلقي على المثل ضوءًا جديدًا.
أولاً: يوحنا المعمدان ويسوع
حين تفحّصنا المثل في حدّ ذاته، والقينا عليه ضوء آ 31 ب في ما تعلنه، وصلت بنا الأمور إلى الظنّ بأن يسوع يصوّر بهذا المثل لومًا إلى "أبرار" رفضوا تعليمه والنداء الذي وجّهه الله إليهم بواسطته. إذن، نحن أمام موقف اتخذ بالنظر إلى يسوع وإلى رسالته. ولكن مع الزيادة التي أضافتها آ 32، لم نعد أمام يسوع، بل أمام يوحنا المعمدان: فمحاورو يسوع رفضوا يوحنا. أما العشّارون والبغايا فقبلوا كلمته. وهكذا اتخذ يوحنا الآن المكان الذي احتفظ به المثل أولاً ليسوع. ذاك هو التبديل الظاهر الذي حمله التفسير الذي قرأناه في آ 32.
ونفهم هذا التبديل في النظرة (أقلّه جزئيًا) برغبة الكاتب في أن يحمل جوابًا ظلّ معلّقًا في المقطوعة السابقة. فمتّى لا يحبّ أن يترك قرّاءه في الحيرة (ق 12: 45 ب؛ 16: 12؛ 17: 13)، بل يقدّم لهم الجواب الواضح. طرح يسوع سؤالاً في آ 25: "معمودية يوحنا من أين كانت؟ من السماء أم من البشر"؟ كان يجب على يسوع أن يقدّم فكرته في هذا الموضوع. وهذا ما فعله في آ 32 حين أعلن: "جاء يوحنا من طريق البرّ". أي تبع يوحنا طريق البرّ التي باستطاعتها أن تجعل معاصريه يروا فيه انسانًا بارًا. هذا تفسير. غير أن السياق يجعلنا نختار تفسيرًا آخر. "جاء مع" أي "حمل لكم". لقد دلّكم بتعليمه على طريق البرّ، عرّفكم مشيئة الله تجاهكم. وهكذا تعرفون من أين جاء تعليم يوحنا أمام مضمون البلاغ الذي حمله، والبرّ الحقيقيّ الذي قدّمه.
حلّ يوحنا محلّ يسوع. ولكن هذا لا يدهشنا عند متّى، حين نعرف العلاقة الوثيقة التي جعلها الانجيليّ بين هذين الاثنين. فهو لا يكتفي بأن يجعل في فم يسوع تحذيرًا (7: 19) وتقريعًا (12: 34؛ 23: 33) يميّزان كرازة يوحنا (3: 10 و7:3). بل هو لا يتردّد في أن ينسب إلى المعمدان إعلانًا عن مجيء ملكوت الله (3: 2)، يدلّ على تعليم يسوع. وقد "صحّح" متّى التحديد الذي أعطاه مرقس لهذا التعليم: "تمّ الزمان، وملكوت الله صار قريبًا" (مر 1: 15). ترك متّى (4: 17) عبارة "تمّ الزمان" لأن هذه التتمّة لا تتوافق عنده مع بداية رسالة يسوع: لقد سبق وبدأت مع كرازة يوحنا. فمع مجيء يوحنا تمّ الزمن الذي فيه "تنبّأ الأنبياء والشريعة" (13:11). وهكذا ننتقل من تدبير الكرازة إلى تدبير التتمة (لقد تحقّق). وهكذا ندخل في حقبة ملكوت الله (12:11). لم يعد يوحنا ينتمي إلى العهد القديم. بل أدخل في العهد الجديد. ولهذا، فالموقف الذي اتخذه الناس تجاهه كان حاسمًا بالنسبة إلى قبولهم في الملكوت.
وما خاف متّى أن يعطى ليوحنا مكانًا يخصّ يسوع، لأن المثل يوجّه انتباهنا لا إلى مرسل الله، بل إلى الموقف الذي نتّخذه بالنسبة إلى المرسل. سواء كان يوحنا أو يسوع. الموقف هو هو مع ذات النتائج فيما يتعلّق بالدخول إلى الملكوت. فالمكان الخاص بيسوع سيكون واضحًا جدًا في المثل التالي الذي يصوّر تمرّد الكرّامين القتلة وسلوكهم أولاً تجاه الخدّام الذين أرسلهم سيّد الكرم، وثانيًا تجاه الابن نفسه. ولا نستطيع أن ننسى أن مثل الابنين قد هيّأ في سياقه الحالي (بل كان مقدّمة) لهذا المثل الكبير الذي حاول الانجيليّ أن يبرزه بشكل كبير جدًا.
إن مرسلي الله يتعاقبون ولا يتوقّفون. كان الأنبياء، ثم السابق، وبعده الابن شخصيًا. بعد ذلك، جاء التلاميذ. ومواقف البشر تجاههم تبقى دومًا هي هي: لا إيمان وتمرّد عند البعض. إيمان وخضوع عند البعض الآخر. وحدهم هؤلاء يدخلون إلى الملكوت.
ثانيًا: طاعة وايمان
وحاول المثل أن يبيّن أيضًا أن الطاعة لا تقوم بأن نقول نعم، بل بأن نعمل ما يُطلب منا. والتطبيق الذي وجدناه في آ 31 ب يدلّ على أن هذه الطاعة واجبة لمشيئة الله كما تظهر في هذا الزمن الحاضر. ونحن لا نستطيع أن نتهرّب منها متذرّعين بأننا نكتفي بمجموعة من الفرائض قد لا يكون جدال في أصلها الالهيّ. إن مشيئة الله لا تتماهى مع سلسلة من القواعد التي نكتفي بممارستها. الطاعة هي جواب شخصيّ لإله يدعو وهو يتطلّب في دعوته في شكل قد لا نتوقّعه.
مع آ 32، ننتقل من موضوع الطاعة إلى موضوع الايمان. وقد رأينا أن تبديل الموضوع هذا ينتج عن رباط وثيق جعله الانجيليّ بين المثل والحدث السابق. في آ 25، فكّر رؤساء اليهود: "إن قلنا (إن معموديّة يسوع كانت) من السماء، يقول لنا: إذن، لماذا لم تؤمنوا به"؟ والآن انقلبت هذه الفكرة ضدّهم: لم تؤمنوا بيوحنا. ومثل العشّارين والبغايا لم يجعلكم تعودون إلى نفوسكم لتؤمنوا به. لم نعد هنا أمام تعارض بين أن نكتفي بأن نقول نعم (ولا نعمل)، وبين أن نتمّ ما يُطلب منا. فقد صار التعارض بين نعم نتلفّظ بها في الايمان، وكلاّ تدلّ على لا إيماننا.
وهنا أيضًا بدا تبدّل النظرة واضحًا وله معناه العميق. تحدّث المثل عن الطاعة. أما الاعلان الأخير (آ 32) فحين تحدّث عن الايمان لم يُحلّ بكل بساطة الايمان محلّ الطاعة. بل هو حاول أن يُبرز ما تفرضه هذه الطاعة. فالطاعة لله ليست ممكنة إلاّ بفضل الاعتراف والايمان بهذه الارادة التي تتجلّى في كلمة مرسليه. هذا الايمان هو الأول. ولن يكون صادقًا إلاّ إذا كان في الوقت عينه خضوعًا وأمانة لنداء يوجّهه الله إلينا. ولكن من جهة ثانية، لا طاعة دينيّة حقيقية من دون اكتشاف هذه الارادة الالهية التي تنادينا، بواسطة الايمان. فالطاعة هي جواب لله الذي يكلّمنا. هي قبول كلمته التي تقدّم لنا الحياة، تقدّم الملكوت.
الفصل التاسع عشر
الكرّامون القتلة
21: 33- 46

لا يبدو مثل الكرّامين القتلة شفافًا وبسيطًا مثل أخبار أخرى من النوع ذاته. ولكنه يبدو من القوّة بحيث ندرك هدفه: أسمع تنبيهًا إلى الأعضاء الجدد في الشعب المختار. فقدّم لهم كما في مرآة مصير أولئك الذي حلّوا محلّهم في قصد الله. لقد حلّت الكنيسة محلّ المجمع وهي مسؤولة عن هذه النعمة الجديدة. فيجب عليها أن تسهر لئلاّ تخون الدعوة التي دُعيت إليها. تسهر لتحمل الثمار التي ينتظرها الله منها. بعد العالم اليهوديّ، يتوجّه هذا الكلام إلى الكنيسة: الويل لها إن لم يزد برّها على برّ الكتبة والفرّيسيين (5: 20): مثل هذا التعليم يتوجّه إلينا نحن اليوم أيضًا.

1- الدراسة الادبيّة
أ- السياق
كان أشعيا في قصيدة مؤثّرة قد شبّه اسرائيل بكرمة زرعها الله وفلحها وأحاطها بعنايته. وانتظر أن يكون القطاف وافرًا. "انتظر بأن يُثمر عنبًا فأثمر حصرمًا بريًا. فالآن أعلمكم ما أصنع بكرمي: أزيل سياجه فيكون مباحًا، وأهدم جداره فيدوسه الناس" (أش 5: 4- 5). إن المثل الانجيليّ يتذكّر منذ كلماته الأولى "نشيد الكرمة" هذا. وهكذا يجد قارئ الانجيل نفسه في هذا السياق المظلم الذي صوَّره القول النبويّ: بما أن الشعب لم يعط الثمار الجيّدة التي ينتظرها الرب، فسوف يدان.
ولكن في المثل الانجيلي، نرى أن الكرمة قد سلّمت إلى وكلاء، إلى عملة. هذه الإشارة الجديدة تعطي الخبر أصالته وتدلّ على اتجاهه. وتبدأ "لعبة" قاسية بين ربّ الكرم والكرّامين. ففي أوان القطاف، أرسل ربّ الكرم خدمه ليتسلّموا الثمار. ولكن الكرّامين تصرّفوا بشكل مذلّ ومشين. أساؤوا معاملة المرسلين. بل قتلوا بعضًا منهم. وإذ أراد ربّ الكرم أن يؤكد على نيته بأن يتسلّم ما يعود إليه، ويفرض سلطته على الوكلاء، أرسل عبيدًا آخرين أكثر من الأولين: فنالوا المصير الذي ناله العبيد الأوّلون. وفي النهاية أرسل السيّد ابنه قائلاً: لعلهم يهابونه.
هنا ظهر شرّهم في كل بشاعته. قالوا: هذا هو الوارث. وقرّروا التخلّص منه لكي يرثوا الكرم. لا حاجة إلى قول ما فعل السيّد بمثل هؤلاء الكرّامين. وترك يسوع خصومه أنفسهم يستخلصون النتيجة.
إن هذا المثل يُلقي بضوئه على أزمة شعب اسرائيل: هو يستعيد القول النبويّ في العهد القديم، ويدلّ على أنه تمّ في يسوع المسيح. فالرب، إله اسرائيل، كان قد اشتكى إلى إرميا من قساوة قلب شعبه وعنادهم. "لم يملّ". "كل يوم" أرسل إليهم عبيده الأنبياء. ولكنهم لم يسمعوا لهم. ودلّ كل جيل على أنه شر من سابقه (رج إر 7: 24-26). وها هو هذا الجيل لا يسمع لابن الله بالذات. ماذا سيكون مصيرهم؟
ومع ذلك، مخطّط الله لا يستطيع أن يفشّله تصرّفُ الكرّامين وهذه الخبرة التي خيّبت أمل الربّ الكرم. والابن المقتول لن يبقى طويلاً في الموت، لأن الله سيقيمه. والحجر الذي رذله البناؤون، واعتبروه بلا فائدة، صار الأساس الذي يُسند البناء كلّه. وقد رأت الكنيسة الأولى في هذه الصورة التي أخذت من مز 118: 22-23 (رج مت آ 42) المسيح الذي ارتفع في المجد بعد أن رذله شعبه. وما اكتفى متّى بأن يشدّد على فعل الايمان الكرستولوجيّ الذي يختتم المثل، بل أبرز فكرة الشعب المسيحانيّ الجديد. فمرمى المثل في نظره نجده في آ 43 (ملكوت الله يُنزع منكم). فالملكوت (أو الكرمة) سيعطى إلى شعب جديد يعطي الثمار التي ينتظرها الله. ظلّ اسرائيل عقيمًا وكان ثمره حصرمًا بريًا. فلتحذر الكنيسة لئلاّ يكون مصيرها مصير اسرائيل الذي سبقه الوثنيون إلى ملكوت السماء.
ب- التأليف الأدبي
ألّف متّى مجموعة من ثلاثة أمثال (28:21-22: 11). وجاء خبر الكرّامين القتلة في الوسط. هناك أولاً مثل الابنبن (21: 28-32) مع تطبيق يثبت أمرًا واقعًا: أولئك الذين وجب عليهم أن يسرعوا ويتقبّلوا تعليم يوحنا المعمدان، لم يفعلوا. طُلب منهم أن يذهبوا إلى الكرم، وهم أبناء الكرم (أبناء اسرائيل)، فلم يذهبوا. فذهب الوثنيون وعملوا إرادة الآب. تطلّع المثل الأول إلى الماضي، إلى تاريخ شعب اسرائيل. أما المثل الثالث فيتطّلع إلى المستقبل، إلى العقاب الذي يحلّ باسرائيل حين تدمّر أورشليم ويحرق الهيكل سنة 70 ب م (7:22). إن مثل وليمة العرس قد حذّر المؤمنين من خيانة دعوتهم (22: 11-14). وهكذا عالجت هذه المجموعة من ثلاثة أمثال، ثلاثة مواضيع متتالية: التدرجّ في الخطيئة صعدًا، تحضير العقاب، تنفيذ العقاب.
ولكن حان الوقت لنتوقّف عند بعض الأسئلة التي يطرحها النصّ. نبدأ فنتساءل: هل يتيح لنا تدوين مرقس أن نكتشف الشكل الأولاني للمثل؟ نقابل مت ومر ونشدّد على مواضيع خاصّة بمتّى.
ج- جذور المثل
اعتبر بعض الشرّاح المعاصرين أن المثل كله هو استعارة دوّنها الجيل المسيحيّ الثاني. وقالوا إن الجماعة قد فسّرت (صوّرت) هكذا مصير المعلّم، فقابلته بالفشل الذي رافق تاريخ اسرائيل. وهكذا نكون منذ البداية أمام تأليف مصطنع لا يستند إلى خبر أمثالي (يعني: لم يقل يسوع هذا المثل، بل استنبطته الكنيسة). وهكذا نكون أمام استعارة كبيرة لأن كل ما في هذا الخبر من أشخاص ووقائع قد جُعل هنا لينطبق على وضع معيّن.
نبدأ فنقول إن النصّ حتى في هذه الفرضيّة يحتفظ بقيمة كبيرة. ففي تطبيق مثلَي الزرع والزؤان وجدت الخبرة الرسوليّة لدى المسيحيّين الأولين، وتفسير هذين المثلين في الايمان، تعبيرًا هامًا. ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن تاريخ الخلاص وتفسيره في الايمان. إذن، نحن أقلّه أمام قول رسوليّ من الكنيسة يقودها الروح القدس.
غير أن هذه الطريقة في النظر إلى مثل الكرّامين القتلة، يصطدم بعدّة اعتراضات. الأول يأتي من أن الحدود في الأدب البيبليّ بين المثل والاستعارة تبقى غامضة، ولا يمكن أن ندرسها بطريقة عقليّة كما ندرس الفنون الأدبيّة. يجب أن نقول إن استطعنا، إن النصّ قد بُني في منظار استعاريّ كما في سفر دانيال أو رؤيا يوحنا اللذين يستعملان صورًا استعاريّة. هناك مقطع يبدو فيه الانقطاع واضحًا: في النهاية، تقابل مقدّمةُ الايراد الكتابي (مز 118؛ مت 21: 42؛ مر 12: 10) الطريقة التي بها يلجأ المسيحيّون إلى البرهان الكتابي. "أما قرأتم في الكتب"؟ بالإضافة إلى ذلك، يبدأ مقطع المزمور الوارد (118: 22-23) أحد النصوص الكتابيّة التي أوردتها الكنيسة القديمة لتعلن قيامة الربّ (أع 4: 11؛ 1 بط 2: 7). إذن، لا يمكن أن يدوّي في المعنى الذي أعطي له إلاّ بعد حدث الفصح وانطلاقًا من الايمان بالقيامة. وكان يمكن لكلمات أخرى من الكتاب المقدس أن تكلّمنا بطريق أوضح (رج مز 16: 10؛ أع 2: 27؛ 13: 35). فصورة الحجر الذي صار الأساس (أو الغلقة) لا يمكن أن ينطبق على المسيح إلاّ بعد القيامة التي تأمّلت فيها الجماعة في فرح الغلبة الفصحيّة. أخيرًا، نستطيع بسهولة أن نقتطع آ 42، فينتهي المثل حينذاك مع عقاب الكرّامين القتلة. فيجب أن يأتي القول الذي به يحكم ربّ البيت على خدّامه في الدرجة الأخيرة: لقد دلّ الخبر كله أن الشرّ المتنامي لدى الكرّامين سيصل إلى تلك النهاية.
والاعتراض الثاني: نجد في المثل وحدة حقيقيّة لاشكّ فيها: هناك مقدّمة خاصة تلجأ إلى مثل كتابيّ يفهمه المؤمنون وحدهم. وأخيرًا، لا يهتمّ المثل بشكل خاص إلاّ بالابن الذي قُتل، لا بالصراع بين ربّ البيت ووكلائه. من أجل كل هذه الاسباب، يبدو مر 12: 11- 11 وقد أخذ من أصل مسيحيّ وزيد فيما بعد ليعبّر عن إيمان الكنيسة بالمسيح الذي هو "الابن". إن مجرّد استعارة ذات أصل مسيحيّ لا يمكن أن تنتهي في عقاب القتلة (مر 9:12). ومقابل هذا، إن الإضافة الكرستولوجيّة في مر 12: 10- 11 تؤكّد بشكل مباشر أن الكنيسة قد أحسّت أن شيئًا ما ينقص المثل. فالخبر لا يستطيع أن ينتهي بموت الابن واعلان العقاب الذي يستحقّه القتلة. فإذا كانوا قد رأوا في الابن يسوع المسيح، وجب عليهم أن يزيدوا أنه لم يبقَ في الموت. وإلاّ ظلّ كل شيء غامضًا وضاع المدلول كلّه.
كل هذه الاعتبارات تدعونا إلى أن نبحث عن مثل أولاني نعيد بناءه الادبيّ. هذا العمل قد صُنع فكان لنا ما يلي: يروي المثل خبرًا حقيقيًا حيث يلعب الابن الدور الأوّل، ولكنه لا يدلّ للوهلة الأولى على يسوع المسيح (إذن، لسنا أمام استعارة تدلّ على شخص محدّد). غير أن إرساله إلى الكرّامين، قد ارتدى في نصّ مر القديم، أهمّية كبيرة. فإذا أخذنا بعين الاعتبار التدرجّ المتصاعد في الخبر، يشكّل إرسالُ الابن ذروة التدرجّ، ذروة التوتّر الذي وصل إلى درجته الأخيرة. فهل سوف يراعي الكرّامون. الابن؟ كلا. هذه اللامبالاة كشفت عمق البشاعة عند البشر. لهذا أخفى يسوع نفسه تحت صورة "الابن" كما يقول المثل. وإذ فعل ما فعل، كشف وأخفى في الوقت عينه لقبه كمرسل الله، وبالتالي آخر مرسلي الله (مر 12: 6).

2- من متّى إلى مرقس
بعد مقابلة بين مرقس ومتّى، نتوقّف عند السمات الخاصة بمتّى.
أ- مقابلة بين مرقس ومتّى
نتوقّف هنا فقط عند الاختلافات التي ترتدي أهميّة كبرى لقيمتها الموضوعيّة في مقدمة المثل تكلّم متّى عن سيّد استأجر عملة لكرمه. استعمل ذات الألفاظ في نصوص أخرى تتحدّث بشكل واضح عن الله. قال مرقس إن ربّ الكرمة أرسل على التوالي ثلاثة خدّام ليتسلّموا ثمار كرمه. وأخيرًا، أرسل "كثيرين آخرين" (مر 12: 25). أما متّى فتحدّث منذ البداية عن خدّام كثيرين دون أن يحدّد عددهم. غير أنه لاحظ أنهم كانوا في المرّة الثانية أكثر عددًا (مت 21: 36). فكّر الكاتب في مرسلي الله إجمالاً، وبشكل خاص بالأنبياء.
في خبر متّى دلّ الكرّامون منذ البداية على قساوتهم. أما في خبر مرقس فهناك تصاعد ونموّ في موقفهم. ضربوا العبد الأولى. شجّوا رأس الثاني وأشبعوه إهانة. وأخيرًا حين جاء الوفد الثالث "ضربوا بعضًا وقتلوا بعضا" (مر 35:12).
لم يحتفظ متّى بهذا التدرجّ المتصاعد. فمنذ المرّة الأولى، أمسك الكرّامون الخدّام، فضربوا الأول، وقتلوا الثاني، ورجموا الثالث. وعاملوا ذات المعاملة أولئك الذين أرسلهم ربّ الكرم بعد ذلك (مت 21: 36). وبعبارة أخرى، رفض اسرائيل جميع مرسلي الله وأساء معاملتهم. هذا ما يريد النصّ أن يشير إليه. ففظاعة هذا التأكيد العام ستخفّ بعض الشيء حين نعلم أننا أمام مثَل، ومثل فيه الهجوم على الكتبة والفريسيين. غير أن متّى يفكّر أن الأمور حصلت بهذا الشكل، لأنه يتحدّث عنها بشكل قاطع في خارج هذا السياق الامثاليّ. فيقول في 23: 34-35: "من أجل ذلك، ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة. فمنهم من تقتلون وتصلبون. ومنهم من تجلدون في مجامعكم، وتطردون من مدينة إلى مدينة لكي ينزل عليكم كل دم زكيّ هُدر على الأرض...".
يتحدّد موضع إرسال الابن عند مرقس في ديناميّة تصاعديّة لافتة: "وبقي له واحد، ابن حبيب" (مر 12: 6). وهكذا كان الابن الخاص، المرسلَ الأخير بعد فشل المهمّة التي سلّمت على التوالي إلى عبد واحد ثم "عبيد كثيرين". أما عند مت فالتعارض يبرز بين مجموعتين من الخدم أرسلوا إلى الكرّامين من جهة، ومن جهة ثانية "الابن". هنا نلاحظ أيضًا نيّة متّى بأن يميّز الابن عن سائر المرسلين كلهم، أن يميّز المسيح يسوع عن سائر أنبياء الله.
فلقي ذات المصير الذي لقيه هؤلاء. ولكن لأنه "الابن" أغضبت تلك المعاملةُ التي قاساها، ربَّ الكرم بشكل خاص. "فماذا يفعل رب الكرم"؟ حسب مت 23:21، طرح يسوع السؤال على عظماء الكهنة وشيوخ الشعب. وحسب 21: 45. يتوجّه إلى عظماء الكهنة والفريسيين. يعني إلى هؤلاء الذين يعتبرهم الانجيل الأول خصوم يسوع الرئيسيين. عليهم الآن أن يحكموا ولا يتهرّبوا. عند مت كما عند مر، تضمّن جوابهم شقّين: إن الكرّامين يستحقّون الموت. يجب أن يُدفع الكرم إلى كرّامين آخرين. غير أن مت يضيف تفصيلاً يميّز أسلوبه: هؤلاء الكرّامون الجدد يردون إلى رب الكرم "الثمر في أوانه" (آ 41). هذا التفصيل يلتقي مع ما قالت آ 34: "ولما حان أوان الثمر، أرسل خدمه إلى الكرّامين". لسنا فقط أمام ثمار نؤدّيها، بل نؤدّيها "في الوقت المطلوب".
غير أن أكثر ما يلفت النظر في المقابلة بين مت ومر هو الآية الأخيرة. "من أجل ذلك أقول لكم: إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُدفع إلى أمّة تستثمره" (آ 43، تجعله يعطي ثمرًا. نلاحظ اهتمام متّى بالثمر). هناك أسباب عديدة على المستوى الموضوعيّ والنقديّ تجعلنا نقول مع بعض اليقين إن آ 43 هي في مت خاتمة الخبر أو نتيجته. ففي هذه الاية، ما عاد يسوع يتكلّم بشكل خفيّ وبأسلوب مصوّر كما في المثل بحصر المعنى. من أجل هذا، يجب أن نفهم في المعنى الموضوعيّ سائر الألفاظ التي استعملت سابقًا: رب الكرم، زمن الثمار، ارسال عبيد كثيرين، المعاملة التي لاقاها الابن، وفي النهاية، الكرّامون الجدد ومهمتهم. في كل هذا نحن أمام تاريخ العلاقات بين الله وشعبه. لقد انتهى هذا التاريخ بالفشل. غير أننا نشهد بداية جديدة مع شعب جديد.
ب – السمات الخاصة بمتّى
أول ما يلفت انتباهنا هي فكرة الثمر. فهذه الفكرة بارزة جدًا عند متّى بشكل عام، وبشكل خاص على مدّ المثل. تمتزج اللغة الرمزيّة والمدلول الحقيقيّ مزجًا وثيقًا في هذه المقطوعة. فصورة "دفع" الثمر تؤخذ أولاً في المعنى الطبيعيّ. نحن حقًا أمام محصول الكرم. ولكن في آ 43، نرى المدلول الحقيقيّ حين نطبّق الكلام على شعب الله الجديد الذي نُقل إليه ملكوت الله. فعلى هذا الشعب أن يصنع (وسوف يصنع) ثمار الملكوت. يجب أن لا يخيب أملُ الله مرّة ثانية. إذا كان الكرم عطيّة ملكوت الله، فالثمار هي التي توافق هذا الملكوت. على ملكوت الله أن يُثمر في الذين ينتمون إليه، في الذين سلّم إليهم، أن يعطي ثمرة حياتهم التي هي عطيّة الله. إذن، نحن هنا أمام فعل "صنع" (بوياين، ثمرًا). وبحسب نصوص أخرى من الانجيل أمام عمل تنعشه المحبّة. 
إن الآيات التي سبقت، قد انطبعت بهذه الفكرة التي عبّرت عنها بوضوح آ 43. فهي تتحدّث أولاً عن "زمن الثمار": ولما حان ذاك الوقت، أرسل السيّد خدمه (آ 34). وبعد ذلك يُقال عن الكرّامين الجدد أنهم يؤدّون له الثمر "في حينه"، في وقته. في الوقت الذي يحدّده الملكوت (آ 41). إذن، هناك زمن، هناك مهلة محدّدة فيها يمكن أن ندفع الثمر. ومن الضروريّ أن نسلّم الثمر في هذه المهلة. لا نستطيع أن نترك الوقت المحدّد يمضي. فالكرّامون الأوّلون خيّبوا الأمل لأنهم لم يراعوا "زمن الثمار". ففي نظر متّى، تتضمّن الحياة المسيحيّة أيضًا متطلّبة مراعاة المهل. ونحن نحسّ بهذه المتطلّبة حين تبرز فكرة الدينونة وتطبّق على الانسان الفرد. فهذا الانسان قد نال عددًا من الأيام معدودًا. هو يسير إلى لقاء الدينونة. وأعمال المحبّة المفصّلة في خطبة الدينونة الأخيرة (25: 31-46) هي الثمار التي يتحدّث عنها مثَل الكرّامين القتلة. عند ذاك نعي إن كنا عرفنا الوقت أو تركناه يمضي عبثًا. إن كنا رأينا في وجه كل محتاج وجه المسيح أم لا.
إن هذا التشديد على الوجهة الخلقيّة في المثل، نجده أيضًا في المسألة التي تتحدّث عن خطيئة الأوّلين. لاشكّ في أن خطيئتهم الكبرى تقوم في أنهم قتلوا مرسلي الله، وحتى ابن الله. ولكن جزءًا من خطيئتهم هو أنهم لم يحملوا ثمرًا. وهنا أيضًا لا يقف المثل فقط على مستوى صورة حمل الثمار، بل يتحدّث عن عقم الحياة كلها، وهذا لعمري تعبير عن عصيان داخليّ تجاه الله. كل هذا يتوافق مع نظرة الانجيليّ. لقد أراد أن يبيّن أن ملكوت الله قد نُزع من شعب اسرائيل الذي كان أداة خلاص، لأنه رفض أن يُتمّ مشيئة الله. نقصته المعرفةُ الحقّة والاستقامة والرحمة والأمانة (23: 23). ونقصه أيضًا هذا البرّ الحقيقيّ في الحياة فلم يدخل إلى الملكوت (5: 20). بقدر ما يحمل المثل لهجة هجوميّة قاسية، بقدر ذلك يدخلنا في هذه المعرفة العميقة. فالخطيئة تكمن في رفض داخليّ لله. والعقاب ليس فقط ما يصيب "الجرم" من الخارج، بل نتيجة خطأ باطني، يخرج من أعماق القلب.
وما يلي من النصّ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما سبق: إن العقاب يتضمّن عملين: هلاك القتلة. ثم حرمانهم من الكرم. هذا ما يدلّ عليه مر أيضًا بلا شك. ولكن ظلّ كل شيء عنده مغلّفًا في إطار المثل الاخباري. سيأتي رب الكرم ويهلك الكرّامين ويعطى الكرم إلى آخرين (مر 12: 9). شدّد مر بلا شكّ على هلاك الكرّامين الذين تصرّفوا تصرّفًا مشينًا. غير أن مت توسّع في النقطة الثانية بتفسير آ 43 التي تُبرز المعنى الحقيقيّ للمثل.
لاشكّ في أن متّى تحدّث بكلام قاس عن هلاك الكرّامين. قال: "يهلك أولئك الأردياء على أكمل وجه" (آ 41). ما فكّر فيه متّى بهذا التعبير، يظهر بوضوح عندما نعود إلى المثل التالي، مثَل وليمة العرس. فكّر في دمار المدينة المقدّسة ومقتل سكّانها (22: 1-14 وخصوصًا آ 7). أما هنا فهو لا يتوسّع في هذه الوجهة. ونحن لا نجد أي تلميح عن الأحداث التي طبعت بطابعها سقوط أورشليم. غير أنه يشدّد بقوّة على الفكرة الثانية التي تقول: يُنزع الكرم منكم ويُعطى لآخرين. وهكذا انتقلنا من ناحية إلى ناحية في تنفيذ العقاب. فالقصاص الحقيقيّ الذي يحمل أقسى النتائج وأصعبها، يقوم في أن اسرائيل خسر دعوته أمام الله. لم يعد الشعب المختار الذي سلّمت إليه الخيرات. لم يعد مالكًا ملكوت الله (الكرم) ولا مرشحًا لأن يمتلكه. وحين انتقل متّى من ناحية من القصاص إلى ناحية أخرى، كشف عن ذات الاهتمام الخلقيّ واللاهوتيّ الذي لاحظناه في موضوع "تسليم الثمار". نجد في خلفيّة هذا الكلام تفكيرًا عميقًا من الكنيسة الأولى حول تاريخ الخلاص.
قامت مهارةُ الانجيليّ في أنه ظلّ مرتبطًا ارتباطًا تامًا بلغة المثل، وتوصّل إلى قول متماسك يتميّز بواقعيّة حقّة. وجعل امتداد المثل في اتجاه محدّد بحيث وصل بنا إلى شك مستقلّ على مستوى اللغة والفكرة. في مثل هذا النهج، أبرز نيّته بقوّة دون أن يتخلّى عن المثل.
ونلاحظ نقطة أخيرة. من أجل أسباب أدبيّة ولاهوتيّة، وأسباب ترتبط بالتأليف، نستنتج أن آ 43 هي من تدوين الانجيليّ، أو من نصّ سابق له. لم تكن هنا، ولكنه وضعها هنا من أجل الهدف الذي أراد الوصول إليه. فمن المستغرب أن يبتعد متّى هنا عن لغته العاديّة، فيقول "ملكوت الله" لا "ملكوت السماوات". فعبارة "ملكوت الله"، لا تظهر عنده إلاّ في ثلاثة أماكن. في 28:12: "إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فذلك أن ملكوت الله قد انتهى إليكم". في 21: 31: "إن العشّارين والبغايا يسبقونكم إلى ملكوت الله". في آ 43، في مثل الكرّامين الذي نقرأ (وربّما في 6: 33: أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وفي 19: 24: يستطيع الغني أن يدخل ملكوت الله). لا فرق جوهريًا بين عبارة "ملكوت الله" و"ملكوت السماوات" ولكننا أمام طريقة "غير منطقيّة" عند متّى نجد عنها أمثلة أخرى. فمتّى يشذّ عن قواعد خاصّة به وقد ثبّتها في إنجيله. قد يكون الانجيليّ هنا أراد أن يشدّد على فكرة الاله الشخصيّ الذي يشبه ربّ عائلة (33:21). كان ضحيّة ظلم فعاقب. أو أراد أن يشير إلى هذا الاله الحيّ الذي ما زال يعمل في ملكوته. أو: إن ملكوت السماوات يجعلنا في إطار اسكاتولوجيّ. وملكوت الله يدلّ على سلطة الله على اسرائيل. وأخيرًا نستطيع القول إن هذه العبارة التي يرد فيها "ملكوت الله" (بدل
ملكوت السماوات) قد تكون جاءت إلى متّى من مراجعه، فأخذها كما هي فبانت غريبة بعض الشيء عن الاسلوب الذي عوّدنا عليه.

3- ملاحظات أخيرة
أ- بنية الخبر
يبدأ مثل الكرّامين القتلة بفعل في صيغة الأمر: "اسمعوا مثلاً آخر". أما الخبر في حد ذاته (آ 33-39) فيشمل مقدّمة (آ 33 ب: الاطار) تتبعها ثلاثة أعمال وثلاثة أجوبة (آ 34-39).
بنى ربّ الكرم كرمه ومضى (آ 33 ب)
أ- أرسل ربّ الكرم خدمه (آ 34).
- الجواب: جلدوا، قتلوا، رجموا (آ 35).
ب- أرسل رب الكرم آخرين (آ 36 أ)
- الجواب: فعلوا بهم كذلك (آ 36 ب)
ج- أرسل رب الكرم ابنه (آ 37).
- الجواب: قتله الكرّامون (آ 38-39).
وبعد المثل طرح يسوع سؤالاً (آ 40: ماذا يفعل ربّ الكرم). وكما في 21: 31 (أي الاثنين فعل إرادة أبيه) حمل السؤال جوابًا مسبقًا: "يهلك أولئك الأردياء" (آ 41). هذا الجواب الذي قدّمه خصوم يسوع يحكم عليهم (ق 2 صم 12: 1-7 حين قال داود: مثل هذا الرجل يجب أن يقتل، حكم على نفسه). وهذا ما فسّره يسوع في آ 42-43. ونجد في النهاية ملاحظة حول الكتبة والفريسيين. فهموا أنه يعرّض بهم فطلبوا أن يقبضوا عليه (آ 45-46). هنا نلاحظ ما قاله الناس عن يوحنا في 21: 26 وعن يسوع في آ 46 فنفهم أننا في تضمين يجعلنا ننتظر النهاية المأساويّة: ما حدث ليوحنا سوف يحدث ليسوع.
ب- مثل بشكل استعارة
هو استعارة حول عدم الايمان والدينونة التي تنتظر أولئك الذين لم يحملوا ثمرًا. ولكن إن تحدّثنا عن استعارة (أو: اليغوريا: عناصر تصويريّة أو خارجيّة. وكل عنصر يقابل تفصيلاً من تفاصيل الفكرة التي يعبّر عنها الكاتب)، فهذا لا يعني أننا ابتعدنا عن الحياة الحقيقيّة. بل نحن أقرب ما يكون إلى الحياة. كما لا يعني أننا سنجد لكل تفصيل معنى رمزيًا. ولكننا نكتفي بالعناصر الرئيسيّة. 
الكرم يدلّ على اسرائيل، أورشليم، الملكوت.
رب الكرم يدلّ على الله.
الكرّامون هم رؤساء أورشليم، رؤساء اسرائيل.
الثمار هي ما يجب أن نؤدّيه لله من عمل (ولا نكتفي بالكلام).
رفْض الخدم يدلُّ على رفض اسرائيل لأنبيائه.
الابن هو يسوع. أرسله الآب فرفضه الشعب اليهوديّ.
عقاب الكرّامين يقابل دمار أورشليم.
الكرّامون الجدد هم الكنيسة.
قد يكون في أساس المثل أكثر من عودة إلى أش 5: 1- 5. فهناك تقارب مع ترجوم أش 5: 2، حيث البرج يقابل هيكل أورشليم. هذا ما يقوله أيضًا أخنوخ الحبشي (89). ونتذكّر أيضًا راعي هرماس الذي كتب بعد متّى بوقت قليل.
إن هذا المثل وتفسيره يضمّان موضوعًا تقليديًا هو رفض الأنبياء وقتلهم، إلى استعارة تقليديّة عن اسرائيل الذي هو كرم الله. أما في ما يتعلّق بقتل الأنبياء فنحن في خطّ من التقليد ثابت وقديم. أولاً في التوراة التي تتحدّث عن الأنبياء الصادقين الذين قتلهم شعب اسرائيل العاصي. وأقدم نصّ هو نح 9: 26: "أسخطوك (الشعب) وتمرّدوا عليك ونبذوا شريعتك وراء ظهرهم وقتلوا أنبياءك الذين نبهّوهم ليعودوا إليك، وجدّفوا تجديفات عظيمة فأسلمتهم إلى أيدي مضايقيهم". وهناك مقاطع أخرى تعكس هذا الموضوع. رج 1 مل 18: 4، 13؛ 19: 10، 14؛ 2 أخ 24: 20-21؛ 25:26-21؛ إر 2: 30؛ 25:7- 26؛ 26: 20-24. ثم في المراجع اللابيبليّة حيث نجد علاقة بين الأنبياء والاستشهاد: إن مصير الأنبياء هو الموت قتلاً. والاستشهاد هو البرهان أو العلامة التي تدلّ على وظيفة الأنبياء. مثلاً، اليوبيلات 1: 12؛ تفسير هو 2: 3-6؛ يوسيفوس، العاديّات اليهوديّة 10: 38؛ صعود أشعيا 2: 16؛ 5: 1- 14؛ أخبار إر 9: 21-32؛ ترجوم أش 28: 1. وتبع العهد الجديد هذه المراجع اليهوديّة. رج مت 13: 57؛ 21: 35-36؛ 22: 6؛ 23: 29-32، 34-37؛ مر 4:6؛ 2:12-5؛ لو 4: 24؛ 11: 47- 51؛ 33:13-34؛ يو 44:4؛ أع 7: 51-52؛ روم 11: 3؛ عب 11: 32-38؛ يع 5: 10- 11؛ رؤ 6:11-7؛ 6:10؛ 24:18. ونقرأ بشكل خاص 1 تس 14:2-16: "فإنكم أيها الأخوة قد صرتم مماثلين لكنائس الله التي في اليهوديّة التي في يسوع المسيح، إذ قد أصابكم أنتم أيضًا من مواطنيكم ما أصابهم من اليهود الذين قتلوا الرب يسوع والأنبياء واضطهدونا نحن أيضًا...". ارتبط موضوع استشهاد الأنبياء هنا لا مع رفض يسوع بل مع اضطهاد تبّاع يسوع، أي بولس ورفاقه في العمل. وهذا ما يجعلنا قريبين من 12:5، حيث يُضطهد تلاميذ يسوع كما الأنبياء من قبلهم.
ج- مقابلة مع نصوص أخرى
أما في ما يتعلّق بكرم الرب (رج 18:21) والتينة الملعونة، فنقرأ في تفسير تث 2: 3: "وذلك كمثل الملك الذي امتلك حقلاً وسلّمه إلى مزارعين فأخذوه ولكنهم سرقوا صاحب الحقل. فأخذه منهم وأعطاه إلى أبنائهم، ولكنهم توصلوا إلى أن يكونوا شرًا من الآخرين. ووُلد للملك ابن. فقال لهم: أخرجوا من ملكي. لا أريدكم فيه. أعيدوا لي حقلي. وكذلك حين كان ابراهيم أبونا حيًا، أنجب الشر: اسماعيل وأبناء قطورة. وحين كان والدنا اسحاق حيًا أنجب الشر: عيسو، أمير أدوم، الذي كان شرًا من الآخرين. ولكن حين كان يعقوب حيًا، لم ينجب الشرّ، بل كان كل أبنائه صالحين مثله. فمن هو الذي دعاه حصته؟ أليس يعقوب"؟
ونقابل بين مت 21: 33-46 ومر 12: -12 في التفاصيل. (1) في مت فقط يقال إن الرجل هو "رب بيت" (آ 33). (2) استعمل مت ضمير المفرد مرات عديدة: خدمه (آ 34، 35). ثمره (آ 34). ابنه (آ 37). ميراثه (آ 38). وهذا ما لا نجده عند مر. (3) عند مر، أرسل صاحب الكرم عبدًا واحدًا، ثم عبدًا آخر، عبدًا ثالثًا، ثم عبيدًا كثيرين. ثم ابنه. أما في مت فأرسل صاحب الكرم عبيدًا كثيرين ثم عبيدًا كثيرين آخرين، ثم الابن. قد نظنّ أننا تجاه الأنبياء الأولين (نقرأ عنهم في يش، قض، صم، مل) ثم تجاه الأنبياء اللاحقين (أش، إر، حز، الاثنا عشر). أو أمام الآباء ثم الأنبياء (رج عب 1: 1-2). لا ننسى أن متّى يحبّ المثلث: أنبياء، أنبياء آخرون، الابن. رج إنجيل توما عدد 65. (4) إضافة "رجم" في آ 35، تجعلنا أمام مثلّث آخر: جلد، قتل، رجم. (5) في آ 36 قالت مت "ففعلوا بهم كذلك" فأوجز مر 12: 4 ب- 5. (6) في سر 12: 8: قتلوه وطرحوه. في مت آ 39: طرحوه، قتلوه. (7) سؤال بلاغيّ في مر 9:12 (فماذا يفعل ربّ الكرم): يسوع نفسه أعطى الجواب. أما في مت 21: 40- 41، فيسوع طرح السؤال على خصومه فأجابوه هم: "إنه يهلك الأردياء". وهذا ما فرض مقدّمة فيها يتكلّم يسوع من جديد (حينئذ قالت لهم يسوع، آ 42 أ). (8) إن عبارة "يؤدّون إليه الثمر في أوانه" (21: 41) لا تُقرأ إلاّ في مت، مثل آ 43 عن انتقال الملكوت الله من شعب إلى آخر. (9) إن عظماء الكهنة والفريسيين تحدّثوا أيضًا في مت عن القبض على يسوع، ولكنهم امتنعوا عن ذلك لأن الشعب يعتبره نبيًا (آ 46). هذا ما لا نجده في مر 12: 12 الذي يقول فقط: "همّوا أن يقبضو عليه ولكنهم خافوا من الشعب".
لا جدال على المعنى العام للمثل الذي يرسم تاريخ الخلاص. ولكن السؤال: هل قال يسوع هذا المثل، أم استنبطته الكنيسة انطلاقًا من حياة يسوع؟ يبدو أن الكنيسة أعادت قراءته. أما البراهين فهي التالية: (1) استعمال السبعينيّة في الاستشهاد الكتابي لا العبريّة. (2) نبوءة موت الابن. (3) تسبيق على دمار أورشليم. (4) وجود الاستعارة أو "اليغوريا". (5) تماهٍ ضمنيّ بين يسوع والابن.

خاتمة
وجّه متّى هذا المثل إلى رؤساء الشعب الذين دعاهم يسوع لكي يسمعوا. فاللهجة الهجوميّة تشرف على الخبر كله. هذا الرجل يمتلك كرمة كما في 28:21 وهو يمثّل الله. وها قد حان وقت جميع الثمار (رج زمن الحصاد في 13:30). فالقطاف يدلّ على الوقت الحاسم الذي فيه سيحاسب الله شعبه. لقد اقترب الزمن كما اقترب الملكوت. لا بل هو هنا الآن وقد أدرك شعبَ الله. فأين الثمار التي يقدّمها لربّ الكرم؟
لم يُعط الكرّامون الثمار. بل أرادوا أن يخفوا تقاعسهم، فضربوا، وقتلوا، ورجموا (الرجم هو قمّة العنف في زمن يسوع). لقد تأزّمت العلاقات بين ربّ الكرم والكرّامين، كما تأزّمت بين يسوع ورؤساء الشعب المسؤولين عن كرم الرب الذي هو شعب اسرائيل. اعتبروا أن الميراث صار لهم فقتلوا الابن أيضًا، فجاءهم العقاب القاسي في وجهتين: هلكوا، وأخذ الكرمُ منهم فأعطي لآخرين. فهل يستطيع الرؤساء أن يبدّلوا مخطّط الله؟ كلا. إذن، سيقتلون يسوع لئلاّ يعود يوبّخهم. هكذا فعلوا بالأنبياء. وهكذا سيفعلون بالتلاميذ.
ذاك هو خبر شعب الله في العهد القديم. وهو نداء إلى الكنيسة. فهل ستحمل ثمرًا فتنجو من العقاب، أم تكون مثل الشعب الأول، شعب موسى، فيُنزع منها الكرم ويعطى لآخرين؟ الجواب تعطيه كنائسنا وجماعاتنا وكل واحد منا، حين نثمر أعمالاً صالحة فنمجّد الآب الذي في السماء.
الفصل العشرون
المدعوون إلى العرس الملكي
22: 1- 14

حين نتفحّص مثل وليمة العرس، يجب أن لا ننسى الاطر الثلاثة التي فيها تكوّن هذا المثل في المسيحيّة الأولى. هناك إطار سيرويّ، إطار حياة يسوع الذي روى هذا المثل وربطه برسالته. هناك إطار كنسيّ فيه تثبّت المثلُ في وسط متّاوي (22: 1-14) أو وسط لوقاوي (14: 16-24). وأخيرًا، هناك إطار أدبيّ خاصّ بكل من متى ولوقا اللذين حدّدا موقع هذا المثل وأعطياه معناه في مجمل السرد الانجيليّ.
فالاختلافات العميقة بين النصين المتوازيين، لا يجب أن تخفي تشابههما الذي هو عميق أيضًا. نحن أمام مثل واحد: استعداد للوليمة، إرسال الخدم ليدعوا الناس. رفض المدعوين، إرسال خدم آخرين... كل هذا يدلّ على الحريّة التي بها نقل التقليد الشفهي أقوال يسوع وفسّرها بحسب الأمكنة واهتمامات الساعة.
بعد أن ندرس مشاكل التأويل، ونفسّر النص، نقدّم اعتبارات راعويّة.

1- مشاكل التأويل
أ- بنية خبر متّى
وضع متّى مثَلَ المدعوين إلى العرس في سياق خطب وجدالات تملأ الأيام الأولى التي قضاها يسوع في أورشليم (21: 1- 25: 46)، وتسبق مباشرة رواية الحاش والآلام (26: 1- 28: 10). هذا المثل هو الأخير من مجموعة صغيرة تضمّ ثلاثة أمثال تتوالى بشكل هجوميّ: تلوم المسؤولين اليهود الذين رفضوا البلاغ الذي يحمله يسوع. مثل الابنين (21: 28- 32). مثل الكرّامين القتلة (21: 33-46). مثَل المدعوين الذين اعتذروا عن الاشتراك في وليمة العرس (22: 1-14) مع أن الدعوة إليهم كانت ملحّة.
أما المثل الذي نقرأ، مثل المدعوين، فيبدو في الشكل التالي:
آ 1: مقدمة تدوينيّة، تربط المثل بما سبق.
آ 2-7: دعوات متلاحقة ولكنها لم تثمر: الرفض ونتائجه.
آ 8- 10: دعوة إلى العابرين ونتائجها.
آ 11-13: مدعوّ لا يلبس ثوب العرس: استُبعد.
آ 14: خاتمة عامّة.
وهكذا يكون هذا المثل مؤلّفًا من مقدمّة (آ 1) ومثل (آ 2-13 ب) وتفسير (آ 13 خط-14).
أما المثل في حدّ ذاته فيذكر سلسلة من الأعمال والأجوبة. العمل الأول هو عمل ملك يدعو الناس إلى وليمة عرس ابنه ويعلن أن الوقت قد حان (آ 2- 3 أ). فجاء الجواب رفضًا لا يُعطى له تفسير: "ما أرادوا أن يأتوا" (آ 3 ب). فعاد الملك وأرسل خدمه مرّة ثانية (آ 4). فكانت ثلاثة أجوبة غريبة: واحد ذهب إلى حقله. وآخر إلى تجارته. والآخرون قبضوا على الخدم وشتموهم وأهانوهم (آ 5-6). حينئذ تصرّف الملك كما يجب أن يتصرّف ملك في القرن الأول المسيحيّ (وهذا ما حصل في الواقع حين أرسلت رومة جيوشها على أورشليم): أرسل جيوشه وأهلك أولئك القتلة وأحرق مدينتهم (آ 7). بعد ذلك، عاد الملك وأرسل دعوات جديدة (آ 8-9). فجاء الجواب قبولاً للدعوة. وهكذا امتلأت القاعة بالضيوف (آ 10). فلما دخل الملك ورأى أحد المدعوين لا يلبس ثياب العرس سأل عن السبب (آ 11- 12ب) فكان الجواب الصمت (آ 12 ج). وينتهي المثل في آ 13 أب حين أوثقُ الرجل وطُرح في الظلمة الخارجيّة.
ب- مقابلة مت مع لو وانجيل توما (تو)
نتذكّر أن لو 14: 16-24 يحدّثنا عن وليمة ليست بالضرورة ملوكيّة. لم يتضمّن المثل طرد أحد كما في مت. أما تو 64 فيقدّم النص التالي: "قال يسوع: كان لرجل ضيوف. وعندما انتهى من تهيئة العشاء، أرسل خدمه يدعون الضيوف. أرسل إلى الأول من يقول له: سيّدي يدعوك. أجاب: لي مال لدى بعض التجّار وهم سيأتون إليّ في هذا المساء. فسأذهب وأعطيهم أوامري. أرجوك أن أعفى من العشاء. فأرسل إلى آخر من يقول له: سيدي يدعوك. فقال له: اشتريت بيتًا وهذا ما يشغلني اليوم. لن يكون لي وقت. وجاء إلى الثالث من يقول له: سيّدي يدعوك. فقال له: تزوّج صديقي وأنا أهيّئ له عشاء. لن أستطيع أن آتي. فأرجوك أن أعفى من هذا العشاء. وذهب إلى آخر وقال له: سيّدي يدعوك. قال له: اشتريت ضيعة وأنا ذاهب لأجمع الغلّة. فلن أستطيع أن آتي. أرجوك أن أعفى. فجاء الخادم وقال لسيّده: هؤلاء الذين دعوتهم إلى العشاء، اعتذروا. فقال السيّد لخادمه: إذهب إلى الطرقات وتِ بالذين تجدهم بحيث يتعشّون. فالتجّار والباعة لن يدخلوا موضع أبي".
ماذا نجد في المقابلة بين هذه المراجع الثلاثة؟ قدّم مت ملكًا يهيِّئ عشاء من أجل عرس ابنه. أما في لو وتو، فنحن أمام رجل (عاديّ) غنيّ يهيّئ وليمة كبيرة. تحدّث مت عن دعوتين سلّمتا إلى عدد كبير من الخدم ولكنهما لم تثمرا. أما لو فذكر دعوة واحدة في ساعة الطعام سلّمها إلى خادم واحد. في هذا المجال جاء تو مشابهًا لما في لو. وفصّلت الدعوة الثانية في مت الاستعداد للعشاء: "ثيراني ومسمّناتي قد ذُبحت". أما لو فاكتفى بالقول: "كل شيء قد أعدّ". 
دعوتان عند مت يقابلهما رفضان. الأول عام: "ما أرادوا أن يأتوا". الثاني يقدّم بإيجاز سببين. ذهبوا. هذا إلى حقله. وذاك إلى تجاربته. أما لو وتو فقد توسّعا في موضوع الرفض تجاه دعوة واحدة. وفي كل حالة، نحن أمام ثلاثة أسباب تقدّم كأعذار:
شراء حقل. اقتناء خمسة أزواج بقر (لو). استلام كميّة من المال، شراء بيت. استيفاء الميرة في ضيعة (تو). وما يلي عند مت (آ 6-7) من خدم أسيئت معاملتهم، ومن غضب الملك الذي قتل القتلة وهدم مدينتهم، لا نجد ما يقابله عند لو ولا عند تو.
أما الدعوة الثانية التي بلغت هدفها، فواحدة عند مت، وهو تتوجّه إلى كل الذين التقاهم الخدم في الطرقات، أشرارًا وصالحين. وتبع تو هنا خطّ مت. أما لو فجعل الدعوة الأخيرة دعوتين: توجّهت أولاً إلى المساكين والجدع والعميان والعرج. وبقي موضع. لم يمتلئ المكان. فكانت دعوة ثانية إلى الذين هم في الطرقات وحول السياجات.
وهناك مت 11-14 التي تتحدّث عن زيارة الملك إلى المدعوّين. عن المدعو الذي لا يرتدي لباس العرس فيُطرَد من الوليمة. كل هذا خاص بالانجيل الأول وكأننا أمام مثل جديد.
هذا التحليل يدلّ على التشابهات بين النسخات الثلاث (مت، لو، تو). فكانت أمامنا أربع نقاط مشتركة: انسان يهيّئ وليمة ويدعو ضيوفه. هؤلاء رفضوا. حينئذ وُجّهت الدعوة إلى كل الذين التقى بهم الخدم في الخارج، على الطرقات. غير أن الاختلافات تبقى هامّة: وليمة أعراس الملك عند مت، وليمة عيد عاديّة عند لو وتو. دعوتان لا تحصلان على نتيجة عند مت، دعوة واحدة عند لو وتو. تفرّد مت في الحديث عن الخدم الذين أسيئت معاملتهم، وعن ردّة الفعل عند الملك. بعد ذلك نجد دعوة واحدة عند مت ودعوتين عند لو. وأخيرًا أورد مت وحده المدعوّ الذي لا يرتدي ثياب العرس.
ج- أسئلة تطرح
أمام هذا الواقع الأدبي هناك أسئلة تُطرح: العلاقة بين نسختي المثل (أو: ثلاث نسخات). هل نحن أمام نصوص مستقلّة، أم هي تنطلق من أساس مشترك؟ وما هو هذا الأساس؟
أولاً: الأساس المشترك: أصله ومدلوله
رغم الاختلافات الكبيرة في التفاصيل، ترينا المقابلة بين ثلاث نسخات المثل، أساسًا جوهريًا. نحن في كلّ الحالات أمام دعوة إلى وليمة رفضها أناس فحلّ محلّهم آخرون بعد أن توجّهت الدعوة إلى عابري طريق دون تمييز ولا اختيار. هذا ما يجعلنا نستنتج أن كلاً من مت، لو، تو استعمل حسب نظرة خاصة به، أساسًا مشتركًا، وكيّفه حسب حاجة كنيسته.
ما هو هذا الأساس المشترك الذي يعود إلى يسوع ثم إلى التقاليد الأولى بعد القيامة؟
يسوع: الوليمة معدّة. دعوة أولى واعتذار. دعوة ثانية واعتذار. دعوة ثالثة واعتذار. عند ذاك، دُعي الغرباء.
- انجيل توما: الوليمة معدّة. دعوة أولى واعتذار. دعوة ثانية واعتذار. دعوة ثالثة واعتذار. دعوة رابعة واعتذار. حينئذ دُعي الغرباء. قول أخير: "لا يدخل التجّار والباعة إلى موضع (بيت) أبي".
- انجيل متى: أرسلت الدعوات. هيّئت الوليمة، أرسل الخدم مرة أولى. أرسل الخدم مرّة ثانية وأسيئت معاملتهم. فتبرّأ الملك منهم. دُعي الغرباء. لقاء مع ضيف ليس عليه ثياب العرس. قول أخير: إن المدعوين كثيرون أمّا المختارون فقليلون.
- انجيل لوقا: أرسلت الدعوة. أعدّت الوليمة. دُعي الأول فاعتذر. دُعي الثاني فاعتذر. دُعي الثالث فاعتذر. دعوة أولى إلى الغرباء، دعوة ثانية إلى الغرباء.
هناك أساس مشترك (المثل الاولاني) يعود في خطوطه الأساسيّة إلى التقليد الانجيلي، إلى تعليم يسوع نفسه. كما نجد مثلاً رابينيًا يوازي هذا المثل هو مثل العشّار بر مرجان الذي يدعو إلى وليمة كبيرة مستشاري البلد. ولما رفضوا جاء بالفقراء لكي يأكلوا الطعام الذي هيّئ لمدعوّين لم يستحقوه. قد يكون هذا المثل الرابيني قد عُرف في الأوساط اليهوديّة في زمن يسوع. وهكذا قد يصبح المثل الذي أعطاه يسوع قريبًا من الناس وإن كان الرب قد حوّل مضمون المثل ومعناه تحويلاً جذريًا.
ففي السياق العام لتعليم يسوع، شكّل المثل بلا شكّ دفاعًا عن الانجيل وتبريرًا له. فالأتقياء (الفريسيون) واللاهوتيون (الكتبة) ورؤساء الشعب الدينيّون (الكهنة) لم يقبلوا بشرى الملكوت التي أعلنها يسوع، مع أنها في الأصل قد أعدّت لهم قبل غيرهم. أما الشعب "الجاهل"، صغار القوم، والعائشون على هامش المجتمع كالعشّارين والخطأة الذين رذلهم الرؤساء، هؤلاء انفتحوا على نداء يسوع وتبعوه طوعًا (لو 15: 1-2). وهذا ما شكّك أوساط "الأبرار" وسبّب انتقاداتهم. فكان مثل المدعوين ردًا على هذا الموقف المرائي: أمركم أمرُ هؤلاء المدعوّين الذين رفضوا الدعوة. تشكّكتم لأنكم وجدتم حولي أناسًا "محتقرين". ولكنكم رفضتم أن تأتوا، وها أنتم تنسون الآن أن الخطأة يحتاجون إلى الخلاص لا الصالحون (9: 12-13؛ مر 2: 17؛ لو 5: 31-32).
إذن، كان مرمى المثل كما رواه يسوع هجوميًا: أراد أن يبرّر سلوكه تجاه الخطأة، وأن يشجب موقف الرؤساء وما فيه من رياء. وهكذا كشف يسوع حبّ الله للصغار، كما ندّد بالذين رفضوا نداء الانجيل فاستبعدوا نفوسهم من عيد الملكوت الذي دشّنه الرب بمجيئه.
ما قدّمناه هنا من أساس مشترك يمثّل فرضيّة عمل، وإن كانت هذه الفرضيّة تلتقي بواقع الأشياء. ولكن يبقى أنّنا أمام نسختين أوردهما مت وبو: سنحاول أن نفسّر ونفهم حالتهما الحاضرة ومدلولهما الحاليّ. لهذا ننطلق من الفرضيّة ونرى التحوّلات التي تمّت في نصّ مت وفي نصّ لو.
ثانيًا: نصّ لو
إذا كان لو قد ظلّ قريبًا من الأساس الأولاني، إلاّ أن نشاطه التدوينيّ ظلّ هامًا. فقد جعل المثل في سياق وليمة (وجبة طعام) (14: 1-14) يُدعى إليها "المساكين والجدع والعميان والعرج" (آ 13).
كما أن لو "ضخّم" بعض سمات المثل. تمّت الدعوة "ساعة الطعام". ثمّ فصَّل الاعذار التي قدّمها المدعوّون (آ 18-20). العذران الأول والثاني يتوافقان مع ما قيل في مت آ 5: هذا ذهب إلى حقله، وهذا إلى تجارته. أما ما يخصّ زواج الثالث فهذا أمر خاص بلوقا. وبعد أن رفض المدعوون الأولون، أرسلت الدعوةُ مرّتين. وكما أن ارسال الخدم الثاني (آ 23) يوافق تقريبًا الإرسال الوحيد الذي نجده في مت آ 9، نستطيع أن نستنتج أن لو زاد الارسال الأول (آ 21 ب: أخرج سريعًا إلى الساحات)، فدلّ على اهتمامات عزيزة على قلبه، سوف نجدها في آ 13. وقد يكون لو في آ 17 أوجز مت آ 4 وبسّطها، وهي نداء موسّع إلى الوليمة.
إذا كانت تلك هي التحوّلات التي أدخلها لوقا، فما هو المعنى الذي يرتديه المثل في إنجيله؟ في الأساس، هو يحافظ على المعنى الأولاني: تبريرُ تصرّف يسوع مع المساكين والخطأة، شجبُ النوايا السيّئة عند خصومه. ولكن تظهر أيضًا مواضيع عزيزة على قلب لوقا: حين يرفض الناس الدخول إلى الملكوت، فهذا يدلّ على تعلّقهم بالمال وعلى اهتمامهم بأمور هذا العالم. لهذا صار المساكين والبؤساء الذين لا يهتمّ بهم أحد، المميَّزين في الملكوت. لهذا، أرسلت إليهم دعوة خاصّة. لهذا، صارت الدعوة عند لو دعوتين. وآ 23 وجّهت الدعوة إلى فئة ثانية هم الوثنيّون. إنهم خارج البيت، على الطرق وحول السياجات. فيجب أن يدخلوا حتى يمتلئ البيت. وإلاّ ظلّ البيت فارغًا والكنيسة ناقصة.
ثالثًا: نصّ مت
إذ أراد مت أن يُدخل المثل الأولاني في سياق انجيله المبنيّ بناء تامًا، قام بنشاط تدوينيّ تفوّق فيه على ما فعله لو. فضخّم الأساس المشترك وحوّله تحويلاً عميقًا. وهكذا صار المثل في صياغة مت يمتلك سمات استعاريّة ومركَّز الاهتمام: المدعوّون إلى العرس (آ 1- 10). المدعوّ الذي لا يلبس ثياب العرس (آ 11-13). فكأننا أمام مثلين اثنين لا مثل واحد.
ما يلفت الانتباه أولاً عند متّى، هو لمساته المتعاقبة التي أبرزت بعض الأمور فحوّلت معنى المثل ووجّهته نحو مدلول استعاريّ: فـ "انسان" لوقا صار في مت "ملك" يهيّئ وليمة من أجل عرس ابنه (آ 2). والخادم الواحد تكاثر فصار خدّاما كثيرين في عدّة فئات (آ 3، 4، 8، 12). وصارت الدعوة إلى العرس دعوتين (آ 3) أو أقلّه توسّعت وصارت ملحّة (آ 4). والمدعوّون الذين جاؤوا من الشارع يوصفون بأنهم "أشرار وصالحون" (آ 10).
وزاد مت أيضًا عناصر جديدة كل الجدّة تُوسِّع المثل وتجعله مثلين (آ 6-7، 11-13). فمع آ 6-7 ينطلق الخبر من جديد: فما اكتفى يأن يروي أن الخدّام رفضوا، بك أسيئت معاملتهم وقُتلوا. لهذا، غضب الملك وأرسل جيشه فقتل القتلة ودمّر مدينتهم. بعد هذا يستعيد الخبر مسيرته العاديّة ويروي الدعوة الثانية. ولكن ما إن امتلأت قاعة العرسُ، حتى جاءت قصّة أخرى هي تفقُّد الملك للمدعوّين والمصير الذي حلّ بذاك الذي ليس عليه حلّة العرس. لاشكّ في أن مت بدا مبسّطًا بالنسبة إلى لو (اعتذارات المدعوين، آ 5). عند ذاك ظلّ مرتبطًا بالمضمون الأساسي للمثل الأولاني. ولكنه حوّل وأضاف.
وهذه الاضافات الهامة التي جاء بها مت حوّلت معنى المثل. فالسياق المباشر، سياق الجدالات مع الفريسيين، يدلّ على الوجهة الهجوميّة التي يبرزها مت. فحسب هذا السياق، لام يسوع الرؤساء اليهود على مواجهتهم له ورفضهم رسالته (21: 31-32، 43-46). وإدراج آ 6-7 في المثل، يُبرز بشكل أوضح هذه الوجهة: من الواضح في نظر مت أن اليهود الذين تهرّبوا هم اليهود الذين لم يؤمنوا. وموقفهم تجاه المرسلين (الأنبياء الذين قتلوا، رج 32:23-36) قد جلب عليهم العقاب: نجد هنا تلميحًا واضحًا إلى دمار أورشليم. ثم هناك تقارب كبير بين مثل الكرّامين القتلة (21: 33-46) الذي سبق هذا المثل: ارسالان متعاقبان. الخدّام (آ 34-36). رفض وعقاب (آ 41). 
غير أن التبديل الأهمّ هو إدخال خبر آخر ذات اتجاه أخلاقيّ: حدث المدعو الذي لا يرتدي ثوب العرس (آ 11- 13). كانت آ 10 قد هيّأت الطريق له: فالناس الذي جُمعوا في الطرق قُسموا إلى فئتين: "الأشرار والصالحين". هنا يظهر اهتمام بالنقاوة والقداسة في الجماعة المسيحيّة. فإذا كانت الدعوة قد أرسلت بنعمة كبيرة إلى كل غاد وباد بعد أن رفضها المدعوّون الأولون، يبقى أنه لا بدّ لهؤلاء المدعوين الجدد من القيام ببعض مجهود: يجب أن يرتدوا ثوب العرس، ثوب البرّ. يجب أن توافق حياتهم النداء الذي تقبلوه، وإلاّ استُبعدوا من الملكوت الذي دُعوا إليه.
إن تحليل نصّ مت أفهمنا أدن تحويل المثل إلى استعارة في القسم الأول مع الزيادة في آ 12-13، يعود إلى مدوّن الانجيل. ولكن قد يكون الانجيليّ استعمل من أجل آ 11-13 مثلاً سابقًا (نجد مثله الكثير في الأدب الرابيني المعاصر)، أو أقلّه عناصر متفرّقة من كرازة يسوع.
أما الاهتمام الذي توخّاه الكاتب حين أورد خبر الرجل الذي ليس عليه ثوب العرس، فهو يتلاقى مع اهتمام الجماعة المسيحيّة التي فتحت أبوابها لعدد كثير من الناس فيهم الأشرار والصالحون. غير أن هذا الاهتمام عينه نجده أيضًا في تعليم يسوع. فمثل الزؤان (13: 24-30) ومثل الشبكة التي ألقيت في البحر (47:13- 50)، وبعض أقوال يسوع (7: 21: ليس من يقول يا رب...)، تدلّ على أن يسوع نفسه سبق وأعطى جوابًا على هذا الاهتمام، وحدّد متطلّباته تجاه الذين لا يستحقّون أن ينتموا إلى مجموعة التلاميذ.


2- تفسير النصّ
مع أنّ المثل يحمل مدلولين مختلفين، نقرأه وكأنه مثل واحد حتى نبقى أمناء لهدف الانجيليّ.
أ- المقدّمة (آ 1-2 أ)
"وعاد يسوع يكلّمهم بأمثال: يشبّه ملكوت السماوات بمثل". هذه الآية تربط المثل بالسياق السابق. وهكذا نكون أمام صورة ثالثة حول الطريقة التي بها تعاملَ رؤساءُ اليهود مع تعليم يسوع. أما "ملكوت السماوات" فعبارة متّاويّة تدلّ على أنه مع يسوع قد حصل وضع جديد بالنسبة إلى الانسان وإلى الكون.
ب- الدعوات الأولى: الرفض ونتائجه (آ 2 ب-7)
أعد ملك وليمة من أجل عرس ابنه. قابل مت الله بملك (23:18) يدشّن العهد المسيحاني. ويعبّر عن هذا التدشين بصورة العرس. الابن هو يسوع، وقد سمّي "العريس" في 15:9. وشبّه مجيء الملكوت بوليمة (29:26؛ رؤ 7:19، 9؛ رج أش 25: 6-8). وهكذا، أدخل يسوع الفرح والعيد في ما أعلنه وأدخله في تاريخ البشر. تعليمه هو بُشرى وانجيل، هو خبر طيّب. 
وأرسلت دعوتان حملهما خدّام عديدون إلى أشخاص كانوا قد علموا بالدعوة قبل ذلك. أما الآن فقد أرسل الملك يذكّرهم (آ 3-4). قد تكون هناك عادت درج عليها الناس في أورشليم. أما المعنى الأعمق فهو أن الأنبياء سبق ودعوا هذا الشعب وكان آخرهم يوحنا المعمدان، ولكنهم رفضوا الدعوة. أما الرفض الأول فجاء بعيدًا عن كل لياقة. لا عذر ولا اعتذار. بل قرار اعتباطيّ لا عودة عنه. "لم يريدوا أن يأتوا".
لم ييأس الملك من هذا الرفض، بل جدّد الدعوة وألحّ: لقد أعدّ كل شيء: العجول والأطعمة الدسمة. وكرّر قائلاً: "هلمّوا إلى العرس". نحن هنا أمام دعوة إلى الفرح، كما في سفر الأمثال (9: 2-3) حيث تدعو الحكمة العابرين للمشاركة في وليمتها. أو كما في كلام يسوع يدعو الناس مباشرة إلى التوبة: "توبوا، فإن ملكوت السماوات قريب" (4: 17).
وكما رُفضت الدعوة الأولى، كذلك رُفضت الدعوة الثانية. فالمدعوّون لهم اهتمامات أخرى. لهذا لم يعبأوا بهذه الدعوة أيضًا. أشغالهم كثيرة: عمل في الحقل، ذهاب في تجارة (آ 5). ما زلنا في موقف سلبيّ مقبول أو مرفوض. ولكن يأتي الموقف الايجابيّ وما فيه من ردّة فعل وحشيّة ضد هؤلاء المرسلين: قبضوا على الخدم. شتموهم، أماتوهم (آ 6). ماذا يعني يسوع في هذه السطور؟ إذا أردنا أن نتجنّب تفسيرًا استعاريًا دقيقًا (المجموعة الأولى تدلّ على الأنبياء، والثانية على الرسل)، نرى في الخدّام مرسلي الله إلى شعبه في كل تاريخه: لم يُقبل تعليمهم. بل إن الشعب اضطهد هؤلاء المرسلين ورذلهم (23: 36-39). أما الذين رذلوهم فهم في نظر يسوع والانجيليّ، الرؤساء اليهود.
أمام مثل هذه المعاملة كانت ردّة الفعل عند الملك سريعة (آ 7؛ لو 14: 21 يستعمل اللفظة عينها حين يتحدّث عن رفضهم واعتذارهم)، أرسل جيوشه، أهلك القتلة، أحرق مدينتهم. عقاب لا يتناسب والاساءة، ولكنه يشير إلى غضب الله على شعبه (تث 19:8؛ أش 5: 25)، وإلى ما فعله يشوع بأهل عيّ حين دمّر مدينتهم (يش 28:8). ففي نظر مت، نحن أمام تهديد مصلت على الشعب. وقد تحقّق تاريخيًا سنة 70 ب م. فرفضُ الانجيل قد عرّض الشعب لنتائج مريعة.
ب- دعوة إلى العابرين (آ 8- 10)
توقّف الخبر مع الحملة التي بها عاقب الملك الشعب. وها هو يتواصل في آ 8-10 فيستعيد موضوع الوليمة والعرس. ما زال "الطعام" ينتظر الناس. هنا نلاحظ أن مت أقحم ما أقحم فجعلنا في إطار غير معقول. ولكن هذا لا يهمّ. لم يكن المدعوّون الأولون جديرين (لفظة ترد مرارًا عند متّى: 10: 11، 13، 37، 38). لهذا أرسل الملك خدّامه إلى مفارق الطرق لكي يدعوا كلّ من يجدوه. وهكذا تمتلىء القاعة. فنفّذ الخدم ما طُلب منهم وجاؤوا إلى العرس بكل من التقوا بهم، أشرارًا كانوا أو صالحين. هذه العبارة الأخيرة تدلّ على الخيار المجانيّ الذي به يدلّ الله على رحمته ومحبّته لجميع البشر (5: 45). كما تصوّر أيضًا ما نجده في مثلي الزؤان والشبكة (13: 24- 30، 47- 50)، تصوّر الوضع الواقعيّ للجماعة المسيحيّة في زمن متّى: لم يكونوا كلهم قدّيسين. ثم إن هذه العبارة تهيّئ الطريق للخبر حوله استبعاد ذاك الذي دخل وما حقّ له بالدخول (آ 11-13). ولكن امتلأت القاعة وبدأت الاحتفالات بالعرس (آ 10).
ج- مدعو ليس عليه حلّة العرس (آ 11-13)
كانت العادة في الشرق القديم أن يأكل الضيف في غياب مضيفه. ولكن قد يرغب المضيف أن يكرم ضيوفه فيمرّ في وسطهم. هذا ما فعله هذا الملك. فلفت نظرَه واحد يختلف عن الآخرين: ليس عليه الثوب الذي يليق بالعيد (آ 11). لا نتوقّف هنا عند ما هو معقول وما ليس بمعقول. مثلاً، كيف نتخيّل أن المدعوين الذين جمعوا من على الطرق وجيء بهم إلى الحفلة، قد ذهبوا إلى بيوتهم وبدّلوا لباسهم؟ المهمّ في الخبر هو الواقع، والباقي قليل الأهميّة. وقد يكون مت اختصر هنا كما فعل في أماكن أخرى (مثلاً، شفاء المخلّع، 9: 1ي: كيف نفسّر: رأى يسوع إيمانهم؟ يجب أن نعود إلى مر 2: 1ي لكي نفهم). 
ودعا الملك ذاك "الانسان". سمّاه "يا صديقي" وهي لفظة تدلّ عند مت على توبيخ يوجّه إلى شخص أخطأ (20: 13: العمّال في الكرم؛ 26: 50: مع يهوذا). لقد تسلّل صاحبنا إلى القاعة، وما حق له بذلك (هذا لا يتماسك مع القسم الأول من المثل حيث دعا الخدام جميع من التقوا لهم). سُئل، فما استطاع أن يجيب، فظلّ صامتًا في خجله (آ 12).
في القسم الأول من المثل، تعدّى سخاء الملك كل سخاء. أما هنا وفي آ 7، فقد جاءت ردّة الفعل عنده قاسية جدًا. أمر خدّامه (دولوس، عبد، خادم. أما هنا فصاروا: دياكونوس، كالشمّاس في الكنيسة الذي يخرج الذين لا يستحقون المشاركة في الافخارستيا من خطأة وغير معمّدين)، فأوثقوا يديه ورجليه. أخرجوه من القاعة المضاءة إلى ظلمة الليل (آ 13). إذا كان النور يدلّ على الملكوت، فماذا تكون الظلمة؟
إن الصور المستعملة هنا (الظلمة الخارجيّة البكاء وصريف الأسنان) نجدها في أماكن أخرى من انجيل متّى. الظلمة في 8: 12؛ 25: 30؛ البكاء وصريف الأسنان في 8: 12؛ 13: 42؛ 24: 51؛ 25: 30. وهذه تدلّ دومًا على العقاب الأخير، على عقاب الهالكين في جهنم، على صراخ اليأس. لهذا توجّه انتباه القارئ حالاً إلى المعنى الرمزيّ: طرح المدعوّ، استبعد عن الوليمة، سلّم إلى اليأس لأنه ظنّ أنه يستطيع أن يدخل إلى الملكوت دون مجهود يُذكر، دون أن يرتدي ثوب العرس. في هذا السياق يكون لثوب العرس أيضًا مدلول رمزيّ: البرّ (طريقة تدلّ على شخصنا وعلى تصرّفنا) الذي يُطلب من الذين يريدون أن ينتموا إلى جماعة المخلّصين (رج أش 61: 10؛ رؤ 3: 4؛ 5: 18: الثياب البيض هي أعمال المؤمنين؛ 19: 8).
د- خاتمة المثل (آ 14)
الآية الأخيرة في المثل هي خاتمة المثل. ولكن لا علاقة ظاهرة بين هذه الخاتمة والمدلولين اللذين اكتشفناهما في الخبر. ففي الحالة الأولى، هناك مدعوّون وليس من مختارين (لم يدخل أحد). وفي الحالة الثانية، هناك مدعوّون كثيرون ومختارون كثيرون، ما عدا واحدًا (هذا الواحد يمثّل عادة أولئك الذين يستحقّون الملامة، رج مثل العملة في الكرم، 20: 13؛ الوزنات الخمس، 25: 24). إذن، لسنا أمام خاتمة دقيقة، بل أمام قول يبدو بشكل تنبيه عامّ لا نستطيع أن نفهمه خارج قرائنه: إن النداء إلى الخلاص الذي يتوجّه إطلاقًا إلى جميع البشر، لا يكفل بشكل آليّ جواب الانسان الذي يجب أن يكون تامًا متواصلاً. وكما يقول لنا المثل، هناك من بدأوا الطريق والتزموا، ولكنهم صاروا خارج الملكوت.
وهكذا نستطيع أن نشير إلى المدلول الاجمالي للمثل كما يراه متّى. إن النصّ في تأليفه الحاليّ يتضمّن تعليمين. من جهة، يصوّر تصرّف الله ويسوع بالنظر إلى الوضع الجديد الذي دشّنه مجيء الملكوت في العالم. دُعي الشعب اليهوديّ في شخص ممثّليه الرسميين إلى عيد الخلاص وما سيحمل معه من فرح. فرفض، فجرّ عليه رفضُه الكارثة. حينئذ امتدت الدعوة إلى عابرين لم يكن شيء يهيّئهم لمثل هذا الامتياز. يمثّل هؤلاء العابرون صغار القوم داخل الشعب اليهوديّ (الخطأة، العشّارون). كما يمثلون المسيحيين الذين دعوا كلهم لكي يدخلوا إلى الملكوت. نجد في هذا النصّ كما في مثل العمّال الذي أرسلوا إلى الكرم، إبرازًا لسخاء الله وبرّه وتأكيدًا مطلقًا لمجانيّة عطائه تجاه تفكير الخصوم الذين يستندون إلى استحقاق أعمالهم.
والتعليم الثاني لا يصيب بالدرجة الأولى المعارضين للانجيل، بل مجموعة الذين يقولون إنهم اعتنقوا الانجيل. يتوجّه إلى مجموعة تلاميذ يسوع: يحذرّهم النصّ من أن يفكّروا أنه يكفي أن يكونوا مدعوّين ويقولوا "نعم" (على مستوى الكلام لا العمل) لكي يتأمّن لهم الخلاص والمشاركة في وليمة العرس. أجل، لا يكفي أن نعترف باسم المسيح، أن نكون جزءًا من جماعته (ندخل بالمعموديّة إلى قاعة العرس)، بل يجب أيضًا أن نلبس حلّة العرس، أن نتمّ الأعمال التي يفرضها البر الجديد (7: 21)، أن نحبّ بالعمل والحقّ. وإلاّ، قد نطرح خارجًا، نستبعد عن الملكوت إلى الأبد، حتى لو دخلناه كما دخله عابرو الطريق. لأنه يقال لنا في تلك الساعة: "يا صاح، كيف دخلت إلى ههنا"؟

3- اعتبارات راعويّة
يتوجّه تعليم المثل إلينا نحن المؤمنين المسيحيين الذي نجتمع يوم الأحد للمشاركة في الليتورجيا، في وليمة عرس ابن الملك. يدعو وينتظر الجواب. ليس المثل جدالاً وتفسير كلمات وتوقفًا عند وضع عرفه يسوع والكنيسة في القرن الأول المسيحي. المثل هو نداء إلى الايمان والعمل. فما الذي يطلبه منا؟ 
أن لا ننسى أن الافخارستيا التي فيها نقرأ النصّ الانجيليّ، هي وليمة العيد، وسرّ الملكوت. نحن أمام واقع اسكاتولوجيّ ولكنه حاضر منذ الآن وهو يسير نحو كماله. هذا ما قاله أشعيا: "يصنع الرب لكل الشعوب مأدبة". ويقول سفر الرؤيا: "طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل".
كان مرمى القسم الأول من المثل حيث رفض المدعوّون الرسميّون دعوة الملك، وحيث أرسل الملك يدعو جميع العابرين، وكأن لا علاقة له بوضع المسيحيين اليوم. ولكن الدرس الذي يقدّمه لنا مت ما زال يتوجّه إلينا. فهو يوسّع نظرنا لكي نبصر المخطّط العام للخلاص. فإن كان الشعب اليهوديّ لم يستقبل في أكثريّته الملكوت الذي دشّنه يسوع، إلاّ أن دعوة يسوع لم تكن باطلة: فبرحمة الله وحنانه، دُعي المساكين والصغار والوثنيّون المحتقرون، فجاؤوا كلهم إلى العيد المسيحانيّ. في هذا قال بولس في روم 17:11-24: لقد دُعي المسيحيون الآتون من العالم الوثني إلى التأمّل في قصد الله بدهشة وفعل شكر. يجب أن لا يفتخروا باختيارهم (قبلهم افتخر اليهود)، بل أن يعيشوا بحسب المتطلّبات التي يفرضها هذا الاختيار.
ذاك هو التعليم الواضح الذي نستخلصه من القسم الثاني من المثل (آ 11- 13). وهو يصيب المؤمنين المجتمعين من أجل الافخارستيا التي هي صورة واستباق للوليمة المسيحانيّة. ولباس العرس الذي يُطلب من الجميع هو البرّ الذي يتحدّث عنه مت 5: 20، والذي نجد شرعته في عظة الجبل (5-7). فلا يكفي أن نكون معمّدين لكي نكون جزءًا من الجماعة التي تلتئم يوم الأحد: بل يجب أن نعمل إرادة الآب لكي نشارك في العيد الأخير، عيد الخلاص.
إذا كان المثل يلفت انتباهنا أولاً إلى عمل الله العجيب الذي يحرّك فينا الفرحَ والشكر، فهو يدعونا أيضًا إلى فحص ضمير، ويجعل على المحكّ طمأنينة قد تكون كاذبة. ونستطيع أيضًا أن نتساءل إن كنا نحن المسيحيون قد تقبّلنا الدعوة حقًا. لاشكّ في أننا قبلناها شكليًا لأننا في قاعة العرس، ولكن أما نشبه بإهمالنا أولئك الذين لم يدخلوا؟ نحن في الداخل، ولكن قلبَنا في الخارج. عند ذاك يدخل "الغرباء" ليملأوا قاعة العرس التي ما عرفنا قيمتها.
الفصل الحادي والعشرون
ما لقيصر لقيصر وما لله لله
22: 15- 23

هذه الصفحة الانجيليّة معروفة. وقبل أن نستعيد قراءتها تتفجّر الأسئلة طوعًا في فكرنا: حين أجاب يسوع خصومه بهذا الشكل، هل حدّد منطقتين مميّزتين تمييزًا دقيقًا، منطقة قيصر ومنطقة الله؟ أما نخاطر نحن الذين نعيش في عالم تقنيّ وصناعيّ أن نُدخل، دون أن ندري، عناصر غريبة عن النصّ؟ هل جواب يسوع هو فقط الحلّ العمليّ لحادث ضمير، أم هو يذهب أبعد بذلك بكثير؟ هل نجد وزن كلمة يسوع بشكل رئيسيّ في عبارة "أعطوا ما لقيصر لقيصر"، أم في القسم الثاني من الجواب: "ما لله لله"؟ حين قال يسوع: "أعطوا ما لله لله" هل أعلن فقط مبدأ عافا وجوهريًا مطلقًا في حب ة المؤمن، أم وجّه أيضًا في الوضع الملموس الذي تكلّم فيه، نداء محدّدًا إلى سامعيه من قبل الله؟ أخيرًا، إن كان من الواضح أن كلمة المسيح لا يمكن إلاّ أن يكون لها صدى في الطريقة التي بها تعلن الكنيسةُ الانجيل، أما نماهي مرارًا بين الله وكنيسته (الله لشد الكنيسة. وملكوت الله أوسع من الكنيسة) في تفسير كلمة يسوع؟
هذه الأسئلة وغيرها هي دعوة لكي نقرأ هذا النصّ الانجيليّ بعيون جديدة. نبدأ فنحدّد موقع النصّ، ثم نحدّد معنى السؤال الذي طرحه الخصوم على يسوع. وبُعد جواب المسيح. بعد ذلك نستخلص بعض النتائج حول تقبّل كلمة الله في حياتنا اليوم.

1- موقع هذا النصّ في الانجيل
ندرس موقع هذا النصّ في لحمة الأناجيل، في مسيرة رسالة يسوع على الأرض. في السياق السياسيّ والدينيّ في عصره. في علاقته باهتمامات سامعي يسوع والجماعات المسيحيّة الأولى.
أ- النصّ في لحمة الأناجيل الازائيّة
إن السؤال حول الجزية المعطاة لقيصر يأتي بعد دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم ببضعة أيام. يأتي بعد مثل الكرّامين القتلة الذي يهاجم خصوم يسوع الذين فهموا أنه يعرّض بهم (21: 45)، وبعد مثل مسيحانيّ آخر هو مثل وليمة العرس. وهكذا يكون حدث الجزية لقيصر داخل هجوم مثلّث قام به خصوم المسيح. سؤال حول الجزية لقيصر. سؤال حول قيامة الأموات انتهى بجواب جعل الجموع تدهش من تعليمه (33:22). سؤال حول الوصيّة العظمى. كل هذا يليه حواب معاكس من يسوع: كيف يمكن أن يكون المسيح ابن داود، ويكون في الوقت عينه ربّ داود؟ "من ذلك اليوم، لم يجسر أحد البتّة أن يلقي عليه سؤالاً" (22: 45).
ب- النصّ في سيرة حياة يسوع
إن موقع هذا الحدث في اللحمة الانجيليّة، بدا وكأنه يوافق جوهريًا وضعه الحقيقيّ في رسالة يسوع على الأرض. فموقع الحدث محدّد: في اليهوديّة حيث اعتاد الناس أن يدفعوا الجزية صاغرين. لا في الجليل حيث يختلف الأمر كثيرًا وقد عُرفت المنطقة بثورات متلاحقة حصلت فيها. وهكذا نفهم أن الفخّ الذي نصبه الخصوم ليسوع يقع في إطار من العداوة في نهاية رسالة يسوع. والجدالات المتعلّقة بمسيحانيّته، ومنها الجزية لقيصر، تقع في نهاية حياة يسوع العلنيّة، وبعد دخوله المسيحانيّ إلى أورشليم، واقتراب أيام الحاش والآلام. كل هذا يجعل النصّ الذي ندرس يدخل بشكل واقعيّ في إطار حياة يسوع. بعد أن قام عليه الرؤساء الروحيون، يبقى أن تقوم عليه السلطة الزمنيّة، سلطة رومة. فإن قال بدفع الجزية لرومة، نجا من الحكم الزمني ولكن الشعب سيبتعد عنه وهذا ما يريده الفريسيون. وإن قال بعدم دفع الجزية، يسلّم عند ذاك إلى الحاكم الروماني على أنه ثائر على الحكم.
إن موضع النصّ في سياق حياة يسوع، لا يرتدي فقط أهميّة كرونولوجيّة (على مستوى التسلسل الزمني)، بل أهميّة لاهوتيّة بدرجة أولى. فحين رأى يسوع خصومه يطرحون عليه سؤال الجزية لقيصر، فهمَ هدفهم بعد تدريب طويل يتوخّى أن يظهر طبيعة مسيحانيّته، وهو تدريب فيه ما سمِّي السر المسيحاني (أمرهم أن لا يخبروا أحدًا)، وفيه أعمال تدلّ على مسيحانيّته (شفاء العميان، تطهير البرص، إقامة الموتى)، وفيه تعليم توجّه أولاً إلى التلاميذ، وبعد ذلك إلى الكنيسة في أيام متّى.
فتجاه عقليّة جارية لا يجب أن نحتقرها، لأنها تدمج في منظار دينيّ خاص، الأمل بتحرير وطنيّ ومجيء المسيح، تجاه هذه العقليّة رفض يسوع أن ينخرط في طرق مسيحانيّة سياسيّة ودينيّة انتظرها عدد كبير من معاصريه: هذا هو معنى الخبرة الروحيّة التي تترجمها تجارب يسوع (4: 8- 10). هذا هو معنى رفضه بأن يقبل التراجع أمام الجموع التي رأت فيه النبيّ الآتي إلى العالم، فأرادت أن تضع يدها عليه لكي تجعله ملكًا. هذا الرفض هو الذي حرّك الأزمة الجليليّة (يو 6: 14-15). وأخيرًا، هذا هو معنى توبيخ يسوع لبطرس الذي "ثار" حين سمع اعلانًا حول المسيح المتألّم.
لقد رفض يسوع دومًا أن يتبع خط المسيحانيّة السياسيّة والدينيّة. فهذا الخطّ ليس الخطّ الذي رسمه لنفسه كالمسيح المنتظر. بل هو يحجب الوجهة الأساسيّة لرسالته التي لا تقف عند العالم اليهوديّ وانتظاراته الآتية، بل تصل إلى أقاصي الأرض. في منطق هذه التربية التي هيّأها يسوع لتلاميذه وللجمع، حمل الجوابُ على السؤال حول الجزية لقيصر، بعدًا شاملاً أيضًا يجب أن نتنبَّه له. أجل، لسنا أمام قضيّة خاصّة وقعت في نهاية حياة يسوع وأعطي لها جواب في ذلك الوقت. بل أمام تعليم يتوجّه إلى الكنيسة كلها، وبالتالي إلى كنيستنا.
ج- النصّ في السياق السياسي والديني في عصر يسوع
نتوقّف هنا عند وجهتين رئيسيتين. الأولى هي الوحدة الوثيقة بين السياسة والدين في العالم اليهوديّ كما في العالم الوثنيّ القديم. مع اختلافة بسيطة وهي أن السياسة تخضع للدين في العالم اليهوديّ وفي إطار العهد، وأن الرب في تساميه يحتفظ بحريّة مطلقة تجاه شعبه. في مصر يخضع الكهنة للفرعون. وكذلك في بلاد الرافدين. أما في أرض اسرائيل فالله هو الملك الوحيد في شعبه. والكهنة يمثّلونه. ليس بصنم يُخضعه الانسان لنزواته. بل هو سيّد التاريخ وربّ الخليقة. لهذا فهو يعرف متى يخلّص شعبه وكيف يخلّصه.
والوجهة الثانية هي الرباط بين النقد الذي يصكّه الملك وسلطانه: فهناك مبدأ معروف في العالم القديم يقول إن الأرض التي يمارس ملكٌ عليها سلطانه، تمتدّ بامتداد المكان الذي فيه يستعمل النقد الخاص به. لهذا احتفظ الرومان لنفوسهم بصكّ النقد الفضيّ الذي يدلّ على سلطانهم. ثم إن الدينار الروماني قد حمل صورة الامبراطور. فالدنانير والدراهم كانت تحمل صورة الامبراطور الحاكم. وفي أيام يسوع، كانت صورة طيباريوس مع ألقابه الرسميّة. بعد أن عزلة أوغسطس ارخيلاوس سنة 6 ب م، ارتبطت "مملكته" ولاسيّما اليهوديّة بمقاطعة سورية الرومانيّة. حكمها وال، فوجب عليها أن تؤدّي بشكل مباشر الجزية لقيصر. أما "مملكة" هيرودس انتيباس (وقد كان الجليل قسمًا منها) ومملكة فيلبس فقد احتفظتا بوضعهما كدولتين خاضعتين لرومة. كان الناس يدفعون الضرائب إلى انتيباس وفيلبس، وكانا بدورهما يقدّمان ما يجب عليهما لرومة. فإن لم يفعلا عزلتهما.
إذا كان الاتحاد الوثيق بين الديني والسياسيّ قد حرّك انتظار مسيحانيّة سياسيّة ودينيّة، إلاّ أن العلاقة بين النقد والسلطة في اليهوديّة، قد طرحت سؤالاً ضميريًا على اليهود. فعليهم أن يدفعوا الجزية بنقد أمبراطوري يحمل صورة الامبراطور: إن فعلوا هكذا أقرّوا بسلطان الامبراطور على اسرائيل ونسوا أن الملك الوحيد في الشعب هو الله أو مرسله. فاليهود الذين صاروا من جماعة الغيورين، كانوا منطقيّين مع أنفسهم فرفضوا أن يدفعوا الجزية، ورأوا في هذا الرفض علامة أمانتهم لإيمانهم اليهوديّ. أما الفريسيّون الذين كانوا يتحمّلون هذا العبء مكرهين، ويدفعون الجزية، فقد طمأنوا ضميرهم حين رأوا في العهد القديم أن الملوك الوثنيين (مثل كورش) قد تسلّموا سلطانهم من الله.
د- النصّ في علاقته مع محاوري المسيح والجماعات المسيحيّة الأولى 
كانت مسألة الجزية لقيصر والعلاقات مع السلطة الرومانيّة مسألة تهم سامعي يسوع من اليهود. غير أن المسألة نفسها يمكن أن تطرح على المسيحيين المتهوّدين في جماعات فلسطين وسائر مقاطعات الامبراطوريّة. كما يمكن أن تطرح على المسيحيين الامميين (الآتين من الأمم الوثنيّة) الذين يعيشون في الامبراطوريّة ويعترفون بالله الواحد تجاه الآلهة الكثيرين في المدينة وفي العالم الوثنيّ: هنا نرى أهميّة جواب يسوع بالنسبة إلى الجماعات المسيحيّة.
غير أن السؤال حول الجزية لم يكن السؤال الوحيد الذي يهمّ سامعي يسوع: فعبر هذا السؤال تطلّعوا إلى اهتماماته المسيحانيّة وطبيعة مسيحانيّته. فالصعوبة التي لاقاها يسوع لدى اليهود بسبب طبيعة مسيحانيّته، قد وجدتها الكنيسة الأولى في إعلانها للانجيل: "نحن نكرز بمسيح مصلوب، شكّ لليهود وجهالة للوثنيين" (1 كور 1: 23). لهذا، ظلّ سؤال يسوع مطروحًا من أجل فهم واعلان مسيحانيّة يسوع المسيح.

2- ونصبوا له فخًا
شدّدت الأناجيل الازائيّة الثلاثة على "الفخ" الذي نصبه خصوم يسوع حين جاؤوا إليه يطرحون سؤالهم. قال مت: "فمضى اذ ذاك الفريسيون وائتمروا بغية أن يوقعوه في حبائل الكلام". ما نلاحظه هو أن الوفد لا يضمّ فقط التلاميذ الفريسيين بل الهيرودسيين أيضًا. وهؤلاء الأخيرون لا يظهرون إلاّ في مناسبتين على مدّ الانجيل، وكل مرة بمناسبة صراع مع يسوع (رج مر 3: 6): إنهم تشيّعوا لسلالة هيرودس العاملة من أجل السلطة الرومانيّة. في هذا السياق يكون لحضورهم معناه. وهكذا يبرز الهدفُ العدائيّ من محاولة تلاميذ الفريسيين والهيرودسيين.
سؤال معروف في سلسلة الأسئلة التي تُطرح على من أعطوا سلطة تفسير الشريعة: "أيجوز أن تدفع الجزية لقيصر أم لا"؟. وزاد مرقس على هذا السؤال المبدأي سؤالاً آخر يصل بنا إلى وضع ملموس: "هل يجب أن ندفع، نعم أم لا" (12: 14)؟ استبقى متّى السؤال الأول، واعتبر أن الجواب على السؤال الأول يتضمّن الجواب على السؤال الثاني.
تخفّى السؤال وراء كلام خبيث يمتدح يسوع الذي لا يحابي بل يحكم بالحق. ولكنه سؤال خصوم يريدون أن ينهوا أمر يسوع تجاه الشعب أو تجاه السلطة. وبشكل أوضح، نحن أمام سؤال مسيحاني، وهذا لا يدهشنا، لأن الفريسيين والهيرودسيين يهاجمون الاعتبارات المسيحانية لدى يسوع. الأولون باسم مبدأ ديني. والآخرون باسم مبدأ سياسيّ يعلن أن لا ملك إلاّ قيصر. لقد لاحظ الشّراح أن السائلين أرادوا أن يسجنوا يسوع: أو أنه يقول: لا تدفعوا فيشون به إلى السلطة الرومانيّة. أو يقول لهم: ادفعوا، فيخيب أمل الشعب الذي ينتظر محرّرًا وطنيًا. وهكذا يخسر يسوع كل شيء ولا يعود يعتبر نفسه المسيح الذي جاء يحقّق آمال الناس. أجل، يتركونه ويمضون. بل سينادون: أصلبه. ارفعه.
اكتشف يسوع خبثهم ورياءهم. وقبل أن يجيب، طلب من خصومه أن يقدّموا له نقد الجزية، ويكلّموه عن الصورة والكتابة. فما استطاعوا إلاّ أن يجيبوا: "هي صورة قيصر". لقد رأى الشّراح في سؤال يسوع محاولة يدفعهم فيها إلى التعريض بأنفسهم فيقرّوا أنهم أنفسهم يستعملون نقد الامبراطوريّة، وبالتالي يخضعون حقًا للسلطة الرومانيّة. هذا التفسير لسؤال يسوع لا يفرض نفسه انطلاقًا من معطيات النصّ وحدها. ولكنه ممكن بسبب إشارات عديدة تسير في هذا الخطّ. ومهما يكن من أمر، فهذا السؤال الذي انطلق من ملاحظة الواقع، كان نقطة انطلاق لجواب يسوع.

3- جواب يسوع
لم يتهرّب يسوع من الجواب. بل أعلن: "ردّوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". عبارة قصيرة نجدها هي هي في الأناجيل الازائيّة الثلاثة. عبارة موجزة وتتميّز بالتوازي. إنها حقًا خرجت من فم المعلّم كما يقول معظم الشّراح.
أ- تفسير القول الرباني
قُدّمت لهذا القول عدة أنماط من التفاسير. تفسير فيه بعض السخرية، تفسير ملغز يفرض عليهم أن يبحثوا عن طريقة فهمه. تفسير مناوئ للغيورين... أما أكثر التفاسير انتشارًا فهو يفهم كلمة يسوع على أنها دعوة لكي يدفعوا الجزية. ويرد هذا التفسير في شكلين اثنين: أو أننا نعتبر جوهر السؤال حلاً عمليًا لمسألة حياة جارية، وبعد ذلك نعود بشكل إجمالي إلى الفكر البيبليّ. أو أننا نراه يشير عبر هذا الحلّ إلى مبدأ عام حول أهميّة السلطة السياسيّة. في الواقع، لا نستطيع أن نختار بسهولة بين هذين الاتجاهين: من جهة لا نستطيع أن نجد في هذا القول تعليمًا عن السلطة السياسيّة. ومن جهة أخرى، إن شدّدنا على الوجهة العمليّة في الجواب، نربطه طوعًا بفكر يقول إن الله أعطى الآن السلطة لقيصر.
نحن نقرأ أهميّة مسعى الفريسيين الذين أرادوا أن يستخدموا ضدّ يسوع الجوابَ الذي سيقدّمه وشكلَ هذا السؤال المشابه لأسئلة تتعلّق بتفسير الشريعة، والواقعَ الذي به سيحكمون على مسيحانيّة يسوع انطلاقًا ممّا سوف يقوله، والتمييزَ في مر بين المبدأ العام والتصرّف الملموس، واستعمال فعل "ردّوا" الذي يرتبط بواجب يُفرض علينا، والنظر إلى أن عبارة "ردّوا لله ما هو لله" تعبّر عن أكثر من تصرّف ظرفيّ، وموقف يسوع ثم موقف تلاميذه الأوّلين تجاه السلطة السياسيّة. كل هذا يدعونا إلى أن نفهم قول المسيح وكأنه يدل على ممارسة حسيّة تتأسّس على نظرة إلى السلطة السياسيّة وإلى علاقتها بالله.
ب- معنى قول يسوع
حين أجاب يسوع على السؤال، لم يتحدّث عن شرعيّة السلطات الرومانيّة ولا عن أصلها ولا عن أعمالها: انطلق من وضع واقعي ومسألة ملموسة طُرحت في إطار سياسيّ ودينيّ تحدّثنا عنه. وعرف يسوع من خلال الفخ الذي نُصب له رياء خصومه. كما لم يجهل أن مسألة مسيحانيّته هي المطلوب، وبالتالي مسألة الملكوت الذي يبشّر به. وفي النهاية، يجب أن لا ننسى أن يسوع يتكلّم في خاتمة استعدادات العهد القديم. لهذا، إذ نحاول أن نفهم جوابه نتفحّص على التوالي عناصر هذا الجواب في ذاتها وفي علاقتها المتبادلة.
أولاً: ردّوا ما لقيصر لقيصر
إن لهذا الشقّ الأول من الجملة مدلولين: الأول، ردّوا إلى قيصر ما يستطيع أن يطلب منكم عادة على مستوى الضرائب، وذلك بالنظر إلى سلطانه. لقد أعطى الله الآن السلطان إلى القيصر الرومانيّ، ويجب أن تطيعوه في هذا المجال. الثاني، في خلفيّة هذا القول الذي يعبّر بشكل مباشر أو لا مباشر عن مبدأ يؤسّس التعليم عن السلطة أو العلاقة بالسلطة، هناك منظار العهد القديم الذي بحسبه يأتي كل سلطان من الله. شاذ يشير يسوع إلى أن نردّ ما لقيصر لقيصر، يفهمنا أيضًا أنه ليس مسيحًا يريد أن يأخذ السلطة السياسيّة ومسؤوليات القيصر ووظيفته، لكي يتمّ عمله. مملكته ليست من هذا العالم، وهو لا يحتاج جزية ولا ضريبة.
ثانيًا: وما لله لله
نقرأ هذه الإضافة "وما لله لله" على أنها تبرز الشقّ الأول من الجواب. فالسؤال المطروح لم يكن يتطلّب بالضرورة إضافة: "ردّوا ما لله لله". إذن هذه الإضافة لها معناها، وهي تلفت انتباهنا.
* هي تلقي الضوء على الشقّ الأول: "ردّوا ما لقيصر لقيصر". هنا نتجنّب تفاسير خاطئة حين نقرأ هذا النص بسرعة ونحمّله عقليّتنا الحديثة. نحن نخطئ حين نفهم قول يسوع في عقليّة فصل الدين عن الدولة كما هو الأمر بالنسبة إلى بلدان أوروبا مثلاً. عند ذاك يبدو المسيح وكأنه حدّد مجالين غريبين كل الغربة الواحد عن الآخر: مجال قيصر ومجال الله. مثل هذا التفسير هو عكس المعنى على المستوى التاريخيّ لأنه يجهل عقليّة سامعي يسوع الذين يعتبرون أن لكل سلطان (حتى سلطان الملوك الوثنيين) يأتي في النهاية من الله (هذا ما قاله يسوع لبيلاطس: ليس لك عليّ سلطان لو لم يُعطَ لك من فوق). وجميع البشر، أكانوا ملوكًا وأمراء ام أشخاصًا عاديين، يخضعون لدينونة الله. 
* هناك من يقرأ النصّ طوعًا فيُماهي بين الله والكنيسة. لاشكّ في أن ما يقوله يسوع سيكون له صداه على خدمة الكنيسة، فيدعوها إلى حمل انجيل الله إلى جميع البشر بمن فيهم السياسيون. غير أن لفظة "كنيسة" كير موجودة في النصّ. لهذا نخطىء حين نقف في تماه سهل لا يسنده شيء، فنطبّق على الكنيسة ما يُقال عن الله.
* رغم الطريقة التي بها يعبّر يسوع عن قوله، نخطئ (وهنا يتوافق الشّراح) حين نفسّر التوازي الذي يستعمله يسوع وكأنه يجعل الله والقيصر على ذات المستوى. فيسوع لا يعفي القيصر من سلطة الله التي تشمل الكون ومن الواجب المفروض عليه هو أيضًا أن يردّ لله ما لله. بل زاد ليحدّد واجبه "ردّوا ما لله لله"، حتى يؤكّد أولويّة الله بالنسبة إلى قيصر. الله هو أول من نخدم.
هذا الاعلان الذي جاء بعد الاعتراف بالسلطان السياسيّ، يصف هذا السلطان ويميّزه، وهذا مهمّ بالنسبة إلينا. فقد لاحظ مثلاً أحد الشّراح أن الردّ لله ما هو لله، يعني أيضًا أن على قيصر أن لا يمسّ حق الله في سلطانه الشامل على البشر. في هذا الخطّ نفهم ما سمّي الحريّة الدينيّة. فقد كان على الناس في القرون الوسطى أن يكونوا على دين ملوكهم.
ثالثًا: ردّوا ما لله لله
حين نقرأ أش 45: 1-7 (أقام الله كورش وسلّمه السلطان)، نفهم أن الله لا يكتفي بأن يختار ملكًا وثنيًا هو كورش لكي يُخضع له الأمم. بل هو يرمي إلى شيء آخر حين يؤكّد: "أنا الرب، وليس آخر (ليس من ربّ آخر). ليس من دوني إله" (خارجًا عني لا إله). كذلك في هذا الانجيل الذي ندرس لا يقع ثقل قول يسوع حصرًا على "ردّوا ما لقيصر لقيصر". ودور "ردّوا ما لله لله" لا يكتفي بأن يحدّد الشقّ الأول من القول: هذا الاعلان قيمته هي في ذاته، وهو يشكّل بلاشكّ العنصر الأهمّ في جواب المسيح. فما هو معناه؟
لاشكّ في أنه يملي متطلّبة رئيسيّة على المؤمنين الذين تقوم حياتهم حسب الايمان بأن يردّوا (يؤدّوا) لله ما هو لله. غير أن السياق المحدّد الذي يتكلّم فيه يسوع (متطلّبة الأمانة هذه) يُعبّر عن نداء ملموس مع العلم أنه يشير إلى جواب إجمالي يقدّمه المؤمنون لله. نحن أولاً أمام نداء لنتقبّل ملكوت الله، ونرى في هذا الملكوت المسيح الذي جاء يدشّن ملكوت السماوات. لقد جاء الآن ملكوت الله. هو حاضر في يسوع الذي يرونه أمامهم. ولكن الخصوم لا يرونه. اهتموا في الظاهر بكرامة الله، فتساءلوا إن كان يجب أن يدفعوا الضريبة لقيصر. ولكنهم تجاهلوا وأهملوا كليًا واقعًا يقول إن الله حاضر في ذاك الذي يسألونه (يسوع)، وأنه يقدّم متطلّبة أكثر إلحاحًا من تلك التي تشغل بالهم. وهي أن عليهم أن يعطوا ذواتهم كلها لله. وهكذا يبدو الجواب كنداء لملكوت الله وقد ظهر الآن في يسوع في قلب العالم.
أضاء الشقّ الثاني الشقّ الأول. ولكنه يستضئ بدوره بالشقّ الأول فيبدو في الوقت عينه نداء لتقبّل ملكوت الله كما أعلن في يسوع، وللتعرّف إلى طبيعة وحقيقة مسيحانيته. فملكوت الله ليس مملكة تزاحمُ مملكة قيصر. إنه من نظام آخر ويقف على مستوى آخر: المسيح لا يأتي ليحلّ محلّ قيصر ويحقّق مسيحانيّة سياسيّة ودينيّة، بل قد أتى ليؤسّس ملكوت الله. فالسؤال حول الجزية التي يفرضها الرومان، لم يكن له بُعد سياسيّ ودينيّ، بل مسيحانيّ أيضًا. أما يسوع فرفع السؤال على مستوى ملكوت الله الذي ظهر فيه. هنا نتذكّر كلامه في يو 36:18: "ليست مملكتي من هذا العالم". وهكذا أكّد أن ملكوت الله لا يتداخل مع مملكة البشر. إنه يقف على مستوى آخر.
وهكذا عرضت هذه المحاولة مرّة أخرى طبيعة الملكوت الاسكاتولوجيّ الذي لم يفهمه خصومُ يسوع. وأوضح جواب يسوع تصرّفًا عمليًا تجاه قيصر، كما دلّ على مكانة السلطة السياسيّة. جواب يسوع هو قبل كل شيء جواب مسيحانيّ. وهو يعني ملكوت الله والطبيعة الحقيقيّة لمسيحانيّته. وهكذا نفهم أيضًا أننا عندما نقرأ شطرين في أقوال الانجيل، تكون نقطة الثقل في القسم الثاني دون أن ننسى القسم الأول. ففي مثل الابن الضال، هناك تشديد على موقف الفريسيين الذين يمثّلهم الابن الأكبر دون أن ننسى رحمة الآب. وهنا، تشديد على ملكوت يسوع المسيحانيّ الذي يعرض متطلّباته على التلاميذ، مع تعليم حول واجب المؤمن في المجتمع الذي يعيش فيه.

خاتمة
بعد أن تفهّمنا قول يسوع، نودّ أن نشير إلى بعض وجهات هذا القول لكي نتقبّل كلمة الله اليوم ونطبّقها في حياتنا. ونسوق هنا أربع ملاحظات:
الأولى: النداء الأساسي الذي يوجّهه الله إلينا بهذا القول هو نداء لتقبّل ملكوت الله كما يعلنه المسيح (لا بحسب نظرتنا)، ولأن نتعرّف إلى يسوع، في سرّ آلامه وموته، كالمسيح الذي أرسله الآب. حين نردّ ما لله لله، نلتزم بحياة إيمان يكون الملكوت فيها مركزَ الانجذاب. حين قال لنا المسيح "ردّوا ما لله لله"، دعانا إلى أن نحيا حياة تكون نقطة الثقل فيها ملكوت الله، والمحور الأساسيّ الأمانة للانجيل. ويكون نورها ورجاءها شخصُ يسوع.
الثانية: حين رفض يسوع أن ينخرط في طرق مسيحانيّة سياسيّة ودينيّة حلم بها شعبه، حيّر عددًا كبيرًا من معاصريه، حيّر اليهود عادة والرسل أنفسهم في بعض المرّات. فلا نعجب في مرحلة أولى إن حيّر هذا الموقف بعض المؤمنين الذين وعوا أهميّة العمل السياسيّ فوجدوا في يسوع كفالة مباشرة لخيارات اتخذوها مع الاهتمام بالواقع والأهداف السياسيّة الحاليّة في جوّ من الأمانة الانجيليّة. ولكن بعد أن يمضي هذا الزمن الأول من الدهشة، يبدو موقف المسيح حين نفكّر فيه، عميقًا جدًا: فهو يريد أن يحرّر الانسان، يكشف له شموليّة هذا التحرّر. أي يريد أن يحرّر كل انسان. ورغم أهميّة البنى السياسيّة التي تحيط بممارسة الحرية والتي يجب أن نحسّنها، يدلّ يسوع على أن التحرّر الذي يحمله أكثر جذريّة من تبديل في البنى السياسيّة: هذا التحرّر يدرك الانسان في قلبه، فيخلّصه من الخطيئة ويفتحه على حب هو في الوقت عينه حبّ لله وحبّ للقريب لا ينفصلان. فإن حبّ الله يلج إلى أعماق البشر حتى عمق الألم والموت من أجل القيامة. وهكذا بدا جواب يسوع نداء لتقبّل التحرّر الذي جاء يتمّه بحسب جميع الأبعاد التي يتضمّنها ذاك التحرّر.
الثالثة: حين دعاهم يسوع لكي يردوا لقيصر (الذي سيدينه الله، شأنه شأن كل انسان) ما يستطيع أن يطلبه عادة بالنظر إلى مسؤوليته. وحين أفهمهم طبيعة الملكوت ومسيحانيّته. وحين أكّد أولويّة هذا الملكوت، أدخل في العالم القديم تمييزًا ثورويًا بكل معنى الكلمة: نزع عن "السلطة السياسيّة" طابعَها الالهي والقدسيّ، وأبعد كل محاولات العبادة عنها (كان الامبراطور يُعبَد وكذلك مدينة رومة). ردّ السلطة السياسيّة إلى ذاتها، فاعترف بقدرها، وأعادها إلى مسؤوليّتها الخاصة. وفي الوقت عينه دعانا إلى أن نرفض كل تشنّج بين السلطة السياسيّة والانجيل، فنقوم بجديّة بالمهام السياسيّة كأناس أحرار ومسؤولين. ولا ننسى أن هذه المهمات تعود في النهاية إلى رسالة سلّمها الله إلى البشر لكي يسودوا الأرض ويخضعوها (1: 28). وهي رسالة نؤدّي مع القيصر حسابًا عنها.
الرابعة: حين ردّ يسوع السلطة السياسيّة إلى ذاتها، لم يتركها وشأنها. فقد تحدّث بعضهم عن رفض كل سياسة لدى يسوع حين رفض أن ينخرط في طرق المسيحانيّة السياسيّة والدينيّة. هل هذا يعني أن الانجيل يبقى على الحياد في المجال السياسيّ؟ هذا ما يعارض "ردّوا ما لله لله". فيسوع يدعونا بهذا القول إلى أن نحيا حياتنا، بما فيها الحياة السياسيّة، في الأمانة لإله ظهر لنا. وهو يطلب منا أن نعيش الحياة السياسيّة في أمانة لالهامات الانجيل وروحه. وهو يدعو الكنيسة كجماعة إيمان أن تقوم بوظيفة الخدمة النبويّة والانجيليّة، لا بوظيفة السيطرة والولاية "على الحاكم". أما فاعليّة عمل الكنيسة فتتمّ بواسطة ارتداد القلوب: فهي تذكّر في قلب التاريخ البشري، بواسطة حياتها وتعليمها، بنداء الله الحيّ إلى قيصر. وتدعو جميع البشر لكي يضعوا موضع العمل متطلّبات الانجيل في بناء مدينة البشر، وإن بدا هذا العمل صعبًا، وإن وجب عليهم أن يكرّروا المحاولة المرّة بعد الأخرى. ففي النهاية يثمر عملهم، لأن كل شيء سيكون لهم شرط أن يكونوا للمسيح الذي هو بدوره لله. هكذا يردّون حقًا لله ما لله، لا في الحياة السياسيّة وحسب، بل في كل مجالات نشاطهم البشريّ.
الفصل الثاني والعشرون
الصادوقيّون والقيامة
22: 23- 33

كان الصادوقيون يكتفون بما تقوله التوراة المكتوبة، ولاسيّما أسفار موسى الخمسة. وكانوا يظنّون أنهم لا يجدون شيئًا حول قيامة الموتى. أما الفريسيون فعارضوا الصادوقيين في هذا المجال. وقد بدا يسوعُ سائرًا في خطّهم. بدأ يسوع بمثَل وليمة العرس فعرّض بالفريسيين الذين اعتبروا نفوسهم أوّل المدعوّين. ولكنهم رفضوا الدعوة فحلّ محلّهم العشّارون والخطأة. وكان جدال حول الجزية التي تُدفع لقيصر: نصب له الفريسيون فخًا، فتجاوز يسوع فتاويهم وشدّد على أولويّة الله. عند ذاك جاء الصادوقيون فاستندوا إلى شريعة السلفيّة التي فيها يتزوّج الرجل أرملة أخيه (هي تتزوّج سلفها أي شقيق زوجها) ليؤمّن لأخيه المتوفيّ نسلاً. رفع يسوع الحديث إلى مستوى السماء، إلى مستوى الملائكة، حيث المخلّصون لا يزوّجون ولا يزوَّجون، بل يكونون مثل الملائكة.
سوف ندرس هذا الجدال حول القيامة (22: 23-33) بشكل إجمالي، قبل أن نعود إلى التفاصيل ونكتشف التعليم اللاهوتي والروحيّ الذي ملأ السامعين عجبًا وذهولاً.

1- قراءة إجماليّة
بعد السؤال- الفخّ الذي طرحه الفريسيّون على يسوع (22: 15-22)، ها هو سؤال الصادوقيين الذي توخّى الهدف الذي توخّاه الفريسيون من سؤالهم: أرادوا أن يحشروا يسوع في زاوية لا يستطيع أّن يخرج منها. وهكذا يستجلب بغض عدد من سامعيه في أي جواب يقدّمه.
عرف الصادوقيون أن يسوع يقف في خطّ الفريسيين ويؤمن بالقيامة. فحاولوا، بمثَل ملموس وغريب، أن يبيّنوا أن فكرة القيامة فكرة مضحكة وتتحدّى العقل. سؤالهم يشبه سؤال الذين يقولون اليوم: أين يضع الله جميع الموتى الذين سبقونا؟ هل من مكان لهم؟ والكون الواسع... ولكننا ننسى أننا لسنا على مستوى الجسد، بل على مستوى الروح.
كان باستطاعة يسوع أن يتخلّص من الجواب بطريقتين: إمّا ينكر القيامة نفسها فيقف في خطّ الصادوقيّين، وهكذا يلغي السؤال. لكنه في الوقت نفسه يجد خصومًا عديدين بين الفريسيين الذين يؤمنون بالقيامة. وإمّا يقبل بالقيامة فيقدّم جوابًا شعبيًا يستفيد من علم الفتاوى عند الفريسيين. ولكنه لم يأخذ بهذه الطريقة ولا بتلك. رفض الفكرة الشعبيّة وما فيها من حياة تدوم فتشبه حياة الانسان على الأرض. كما عارض الصادوقيين الذين ينكرون القيامة.
بدأ يسوع فأكّد قدرة الله على الحياة وعلى الموت. وأعلن أنه لا يؤمن بـ "قيامة" يتخيّلها الناس. بل يؤمن بالله الحيّ الذي يقيم الموتى ويحييهم. وهكذا جاء جوابه على مستوى الجواب الذي قدّمه في المقطوعة السابقة: جدّد في العمق الجدالات التعليميّة في أيامه، فذكّر بسلطة إله العهد القديم. أرادوا أن يجعلوه على مستوى شمعي وهلال، هذين المعلّمين في العالم اليهوديّ، فرفض أن يتوقّف عند الوجهة الماديّة وقال لسائليه: "لا تعرفون الكتب ولا قدرة الله". إن انتظار القيامة هو رجاء حيّ يرتبط "عضويًا" بالايمان بالله الحيّ.
نشير هنا إلى أن الفكر الدينيّ يركّز التأكيد على الحياة الأخرى أو على القيامة، حسب الأزمنة والأمكنة، وذلك في ثلاثة أفكار رئيسيّة: خلود النفس البشريّة. المجازاة بعد الموت من ثواب وعقاب. تسامي الله الخالق على الحياة والموت. هذه الأفكار الثلاثة وُجدت في فلسطين في زمن المسيح، وقد ارتبطت بأعمق ما في العهد القديم من تعليم.

2- الدراسة التفصيليّة
أ- البنية والمراجع
بين مقدّمة إخباريّة قصيرة (آ 23 أ) وخاتمة إخباريّة (آ 33)، نجد حوارًا مدرسيًا يشمل سؤال الصادوقيين (آ 23-28) وجواب يسوع (آ 29- 32). أما السؤال فيتألّف من ثلاثة أقسام: إيراد حول شريعة السلفيّة (آ 24). خبر المرأة والإخوة السبعة (آ 25-27). تطبيق شريعة السلفيّة إن كانت هناك قيامة للأموات (آ 28). وجاء جواب يسوع أيضًا في ثلاثة أقسام: توبيخ بلاغيّ: لم يفهم الصادوقيون الكتب ولا قدرة الله (آ 29). استحالة تطبيق شريعة السلفيّة على القيامة، لأن القديسين يكونون كالملائكة (آ 30). وبعد أن دافع يسوع عن موقفه، هاجم موقف خصومه، ففسّر آية من التوراة تتحدّث عن إله ابراهيم واسحاق ويعقوب (آ 31-32).
وعلى مستوى المراجع، نفهم أن هذه المقطوعة هي نسخة موجزة لما في مر 18:12-27. فالتقليد المرقسيّ واضح بالنسبة إلى مت كما إلى لو 20: 27- 40. أما الاتفاقات بين لو ومت ضدّ مر، فهي من قبيل الصدف.
ب- التأويل
كان هجوم الفريسيين على المستوى السياسيّ. وها هو هجوم الصادوقيّين على المستوى الديني. انقسمت الفئتان على مستوى القيامة ولكنهما اتحدتا على مستوى معارضة يسوع.
لم نجد في 22: 15-22 إيرادًا من الكتاب المقدس. أما هنا فالكتاب هو في قلب الجدال كما هو الأمر أيضًا في 22: 34-40، 41-46. أما النتيجة فإظهار توافق يسوع مع التوراة (في المعنى الحصري= الأسفار الخمسة) وتبيان فنِّه في تفسيرها.
حوّل مت مر 12: 18-27 في الأمور التالية. (1) زاد "في ذلك اليوم" في آ 23 (مر 12: 18). وهكذا ربط هذه المقطوعة بالمقطوعة السابقة. (2) حوّل حاشية مر حول انكار الصادوقيين للقيامة إلى خطاب مباشر (آ 23 ≠ 12: 18). (3) أدخل تحويلات أسلوبية في الايراد المأخوذ من تث 25: 5-7 (شدّد على التوازي وأخذ شيئًا من آيات أخرى) وأبعد التلميح إلى تك 38: 8 (آ 24). (4) تفرّد مت في القول "كان عندنا" بلسان الصادوقيين (آ 25 ≠ مر 12: 20). (5) في مر 12: 20-22، نقرأ عن الأخ الأول ثم عن الأم الثاني. وأوجز مر ما يتعلّق بالأخ الثالث، ثم قال قولاً عامًا عن السبعة كلهم. أما في مت، فجاءت التفاصيل بالنسبة إلى الأخ الأول. ثم قيل بإيجاز أن الآخرين فعلوا كذلك (مثل الأول) (آ 25-26). (6) جاءت مقدمة يسوع للايراد الكتابي في مر (في كتاب موسى والعليقة الملتهبة، خر 6:3) شخصيّة على مثال ما اعتاد مت أن يفعل (آ 31؛ مر 12: 26). (7) أنهى مر المقطع بكلام يسوع (12: 27: أنتم إذن على ضلال عظيم). ومت بخاتمة إخباريّة (آ 33: فلما سمع الجموع).
ج- التفسير (23:22-33)
أولاً: سؤال الصادوقيين (آ 23-28)
ونبدأ في آ 23-24. نجد هنا نقطتين. الأولى، سمّى الصادوقيّون يسوع "معلّم" ولكنهم في الواقع لا يطلبون تعليمه. ينقصهم الصدق ويسيطر عليهم الشرّ. الثانية، إن إنكار القيامة ليس نظريّة حول مستقبل بعيد. هو يعارض تعليم يسوع (16: 21؛ 17: 9) كما يعارض أساس الايمان المسيحيّ.
"وفي ذلك اليوم" (آ 23). بدأ مر 12: 18 أ: "وجاء إليه". وأنهى: "سألوه". إن هذه العبارة ليست اسكاتولوجيّة (كما قال البعض) (ق 13: 1 ≠ مر 4: 1)، بل تربط هذا المقطع بالمقطع السابق. كل ما كان يؤمن به الصادوقيون هو حياة "أشباح" في الشيول أو مثوى الأموات، كما في العهد القديم حتى القرن الثاني ق م. إن لفظة "انستاسيس" (القيامة) تظهر أربع مرات في مت 22: 23-33 (مرتين في مر 12: 18-29). هذا يفهمنا أننا أمام الموضوع الأساسيّ في هذا النصّ الانجيليّ.
"علّمنا موسى". قال مر: "كتب". "يا معلّم". رج 22: 15-16 (مع مديح: نعرف أنك صادق). "إن مات أحد من غير ولد...". هذه الآية تمزج التعليم حول شريعة السلفيّة (تث 25: 5) مع مثل ملموس (8:38، تامار). اختلف مت هنا عن مر. أوجز الفعل. ألغى "ترك امرأة"...
وجاء المثل بعد الوصيّة (آ 25) مع العادة الرابينيّة. مثل يطبّق الشريعة: رجل لم يكن له أولاد... وهكذا أراد الصادوقيّون أن يُبرزوا التعارض بين التوراة ورجاء القيامة... وراح مت يوجز نصّ مر. "لم يكن له عقب" (آ 26). وقال مر 12: 22 أ: "والسبعة لم يعقبوا نسلاً".
في آ 28، بدأت النتيجة تظهر: لا مكان لتعدّد الأزواج بالنسبة إلى امرأة واحدة. هذا يعني أن القيامة غريبة عن تعليم موسى والبنتاتوكس (أو: الأسفار الخمسة). نجد عبارة "في القيامة" التي نقرأها في آ 30؛ لو 14: 14؛ يو 24:11.
ثانيًا: جواب يسوع (آ 29-33)
اعتبر يسوع أن اعتراض خصومه يدلّ على جهل خاطئ ولاهوت رديء (1 كور 34:15). "أجاب يسوع وقال لهم" (آ 29). تلك طريقة مت في الكتابة، فتبدو العبارة بشكل قرار وردّة تتكرّر. "لا تعرفون الكتب ولا قدرة الله". جاء كلام مر بشكل سؤال. أما كلام مت فبشكل اتّهام وتأكيد. لا ترتبط "الكتب" مع آ 31-32 (سفر الخروج وغيره) و"قدرة الله" مع آ 30 (حبوروت. في عميده نقرأ: أنت يا رب جبّار. تُحيي الموتى). وهكذا سيعالج الانجيليّ الموضوعين في ترتيب معاكس. أنكر الصادوقيّون القيامة لأنهم تخيّلوا أن القيامة التي يعلنها الآخرون هي دنيويّة وأرضيّة. ولكن وجهتهم المادية التي تتحدّث عن نفوس تلبس الأجساد، ليست وجهة يسوع الذي يعلن أن الله قدير ويستطيع أن يحوّل القديسين.
بدأ يسوع يردّ على برهان الصادوقيين ضد القيامة (آ30). ثم انطلق من الكتاب لكي يبرهن عن القيامة (حك 2: 1-5؛ 1 اخنوخ 102: 6- 11؛ لو 15؛ تلمود بابل، سنهدرين 90 ب). قال تلمود بابل في بركوت 17 أ: "في العالم الآتي لا ولادة". وقال الانجيل: "لا يزوّجون ولا يزوَّجون". لا يتزوّج الرجال ولا تزوَّج النساء. "في القيامة"، أي في حالة القيامة. وينطلق البرهان من العامّ إلى الخاص. إن كان الشعب بشكل عام مثل الملائكة، فيكون الرباط الزواجي متساميًا، سماويًا، لأن الملائكة (الذين هم خالدون) يعيشون بدون زواج.
هناك من انطلق من أع 8:23 الذي يقول إن الصادوقيين ينكرون القيامة والملائكة. ولكن كيف ينكرون الملائكة وأسفار موسى مليئة بحضور الملائكة. وقد أخذ يسوع برهانه من توراة موسى، من خر 3: 6. نشير هنا إلى أن برهان يسوع هو اصطلاحيّ. فهناك نصوص عديدة تشبِّه البشر بالملائكة. مثلاً، 1 صم 29: 9؛ 2 صم 14: 17؛ 19: 27؛ اليوبيلات 30: 18؛ وصيّة أيوب 48: 3 (شخص يتكلّم لغة الملائكة). وتعلن أن مصير البشر مصير ملائكي (حك 5: 5: أبناء الله هم الملائكة). بما أن الملائكة يشبهون الكواكب (أو: النجوم). وأن خلود الكواكب دخل في الفكر اليهوديّ. كان من الطبيعي أن يقابل الانسان بالملاك. نقرأ في 2 با 51: 10: "ويكونون مثل الملائكة، ومساوين للكواكب". 
لماذا لا يتزوّج الملائكة؟ لأنهم كلهم من الذكور. أسماؤهم: مخائيل، جبرائيل، رفائيل، أورئيل. ونقرأ في 1 كور 2:11-16 أن النساء جرّبن الملائكة. وقال كتاب اليوبيلات (15: 27) إن الملائكة خُلقوا مختونين. وفي تفسير تك 6: 2 (أبناء الله وبنات الناس)، الملائكة الأشرار هم الذين مارسوا الزواج، والأخيار هم الذين عاشوا العفّة (2 با 56: 14). في هذا الخطّ نفهم النداء إلى العفّة في الكنيسة. هنا نستطيع أن نذكر آباء الكنيسة مثل ثيودوريتس القورشيّ واوغريس البنطي وباباي ويعقوب السروجي واكلمنضوس الاسكندراني ويوحنا السلّمي وغيرهم.
وحين انتقل يسوع من الطريقة التي بها تتمّ القيامة، إلى واقع القيامة (آ 31)، ما أورد نصّ دا 12: 1-3 أو غيره من النصوص التي تقدّم البرهان على القيامة، بل أخذ نصًا من أسفار موسى الخمسة ليكون على المستوى الذي يقف عليه الصادوقيّون. "أمّا في ما يخصّ قيامة الموتى". ق 24: 36؛ 1 تس 5: 1. هنا أوجز مت نصّ مر (الذي قال: أما قرأتم في كتاب موسى في المقطع حول الكتاب). وأعطى صبغة شخصيّة لكلام يسوع: "قيل لكم" (أنتم) (رج 19: 8)، أنتم يا نسل ابراهيم واسحاق ويعقوب.
لا يقول النص: "كنت إله ابراهيم". بل: "أنا اليوم إله ابراهيم". إذن، الآباء أحياء لا أموات. وأشار الصادوقيون إلى العقم. ولكن الله تغلّب على العقم في الآباء. هذا يعني أنه يستطيع أن يُخرج الحياة من الموت. دخل الله في عهد مع الاباء، فكان محاميًا لهم. وهو حاضر فيهم.
وتأتي الخاتمة (آ 33) فتبُرز سلطة يسوع كالمعلّم، وتميّز الشعب من رؤسائه. "فلما سمع الجموع". هي آية دوّنها متّى فأنهت المقطوعة في شكل إخباريّ. أما مر 12: 37 فانتهى في تحذير من يسوع بسبب الضلال العظيم الذي يهدّد رؤساء الأمّة.

3- النظرة اللاهوتيّة والروحيّة
"وفي ذلك اليوم". هكذا بدا متّى معلّمًا، فما دلّ بهذه العبارة على تسلسل الأحداث في الزمن، بل في التعليم. فكل هذا القسم من الانجيل الذي يبدأ في 18:21، يشكّل خبرًا دراماتيكيًا واحدًا يورد آخر جدالات المعلّم مع رؤساء شعبه. وكما في 13: 1، تُبرز عبارة "في ذلك اليوم" أهميّة ما سوف يحدث.
من أين جاء اسم "الصادوقيين"؟ هم يرتبطون بصادوق الذي عيّنه سليمان عظيم الكهنة (1 مل 1: 32-40؛ رج حز 40: 46؛ سي 51: 12). منذ منتصف القرن الثاني ق م، دخل "أبناء صادوق" في صراع مع حزب الفريسيين من أجل أرفع الوظائف، ولا سيّما وظيفة رئيس الكهنة. لم يكن الصادوقيون قريبين من الشعب، شأنهم شأن الفريسيين، فخسروا الكثير من تأثيرهم. انتموا بشكل خاص إلى الكهنة الاشراف في أورشليم، فتعلّقوا بحرف الشريعة ورذلوا تقليد الرابينيين، التقليد الشفهيّ، كما رذلوا فكرة قيامة الأجساد (أع 4: 1؛ 23: 1). حسب الأناجيل، اتّحدوا مع الفريسيين لكي يهلكوا يسوع. نشير إلى أن قيافا، رئيس الكهنة، كان من الصادوقيين.
لا نتوقّف عند شريعة السلفيّة، وما فيها من جدال حول تفسير النصوص، بل عند طريقة مت في جعل النصّ قريبًا من القارئ: روى حادثة حصلت "بيننا". امرأة تزوّجت سبعة رجال. لمن تكون في القيامة؟ لماذا لا تكون للزوج الأول؟ ولكن لماذا لا تكون للسبعة معًا؟ وهكذا تبدو عبثيّة تعليم الفريسيين. وجاء جواب يسوع (كما في آ 21) بشكل حرب وهجوم: ترك الأسئلة الرابينيّة السخيفة، وذكر قدرة الله الحيّ. ولكن يُطرح سؤال: كيف يكون التذكير بقدرة الله جوابًا على سؤال الصادوقيين، وما هي علاقة هذه القدرة (آ 29) وطبيعة القائمين (من الموت) الملائكيّة (آ 30)، والواقع الذي يقول إن الله هو إله الأحياء (آ 32)؟
أجل ضلال الفربسيين المميت هو واحد: جهل الكتب المقدسة وبالتالي جهل قدرة الله. فهذه القدرة لا تستطيع فقط أن تقيم الموتى (ضد ما ينكره الصادوقيون)، بل تستطيع أيضًا أن تقيمهم بحيث يتبخّر سؤال خصوم يسوع. فليست قدرة تعيد ما دمّره الموتى إلى ما كان عليه أو تحصي جثث الموتى، بل تخلق الأشخاص فتمنحهم واقعًا جسديًا، واقعًا شخصيًا جديدًا. نحن نجد هذا التعليم في 1 كور 15 وإن كان السياق مختلفًا كل الاختلاف. استعمل مت لفظة "قدرة" في المفرد، وهي تدلّ في الجمع على المعجزات في الأناجيل الازائيّة. فقدرة القيامة هذه تظهر منذ الآن في مهمّة يسوع التاريخيّة، في حياته العلنيّة.
في القيامة، هذا لا يعني يوم القيامة الذي يسبق الدينونة الأخيرة، بل يعني الملكوت الذي يتميّز بمشاركة المؤمنين لله في سعادته. يشير هذا النصّ إلى زوال العلاقات الزواجيّة وإلى عدم جدوى الانجاب بعد الوصول إلى الحياة الأبديّة. وهو لا يعلّم أن القائمين يكونون في السماء، بل يكونون كالملائكة الذين هم الآن في السماء. وإذ أراد المسيح أن يقدّم التعليم حول القيامة، لم يورد هذا النصّ أو ذاك من الكتاب المقدس، بل نصًا أساسيًا من سفر الخروج (حسب السبعينيّة) حول إله اسرائيل والتاريخ. فالقيامة لا تتأسّس على قرابة جوهريّة بين الله والبشر، ولا على انتصار جلياني لله، ننتظره في المستقبل، بل على تدخّل الله في التاريخ، في حياة أناس من الماضي قد ماتوا: ابراهيم، اسحاق، يعقوب. وتأتي آ 32 ب فتوجز فكرة خر 3: 6 وتفسّرها: الانتماء إلى إله اسرائيل الحيّ هو البلوغ إلى الحياة الكاملة والنهائيّة. فهذا الاله لا يريد أن يكون إله موتى ينتظرون النهاية ولا يخدمونه إلاّ فترة محدّدة من وجودهم على الأرض. ولا إله أناس قاموا ولكنهم ما زالوا غرقى في تشعّبات الزواج اليهوديّ.
لقد ربط يسوع ربطًا وثيقًا معرفة الاله الحقيقيّ ويقين الحياة الابديّة! امتلك إلهًا يعمل بتساميه في التاريخ، لا إلهًا ينتظر عبادة الانسان لكي يفعل، فرفع كل اتحاد للانسان مع الله إلى مستوى الحياة الابديّة. وهكذا يبدو أن خر 3: 6 قد رُبط في المسيحيّة الأولى لا بفكرة عامة عن الاختيار أو قدرة الله الخلاّقة. بل بفكرة الانتصار على الموت (أع 3؛ 13؛ 7: 32).

خاتمة
توسّعت جبهة معارضة يسوع في أورشليم بعد أن دخل الصادوقيون. ولكن يسوع سيعلّم أن إله المسيحيين هو إله ابراهيم واسحاق ويعقوب، إله الأحياء، لا الموتى. وبما أن القديسين سيكونون كالملائكة في القيامة، فهذا يعني أن مت تطلّع إلى المستقبل الاسكاتولوجي، لا إلى فردوس أرضيّ على ما تقوله بعض الشيع. تطلّع إلى عالم متسامٍ تزول فيه كل حدود بين السماء والأرض.
الفصل الثالث والعشرون
الوصية العظمى
22: 34- 40

يتطرّق هذا الجدال الثالث إلى موضوع شغل أوساط العالم اليهوديّ. ما هي الوصيّة الأساسيّة التي إليها تستند الوصايا والفرائض والممنوعات؟ تحدث مز 15: 2-5 عن وصيتين. وأش 33: 15 عن ست وصايا. ومي 6: 8 عن ثلاث. وعا 5: 4 عن وصيتين. وحب 2: 4 عن وصيّة واحدة هي: "البار يحيا بأمانته لله". فما يكون جواب يسوع؟ وهو جواب انتظره الشعب المؤمن الذي ضاع وسط الفرائض فأحسّ دومًا بوخز الضمير. وهو جواب انتظره الفريسيّون وهمّهم أن يقع يسوع في فخاخهم. ولكن يسوع تحدّث عن وصيّة المحبّة، محبّة الله ومحبّة القريب، فلخّص في هاتين الوصيتين الناموس كله والأنبياء.

1- نظرة عامّة
نحن نفهم هذه الآيات كخبر صراع بين يسوع وخصومه. فبعد السؤالين حول الجزية لقيصر (22: 15-22) وقيامة الموتى (آ 23-33)، طُرح سؤالان آخران حول الوصيّة العظمى (آ 34- 40) والمسيح ابن داود (آ 41- 46). هذه الأسئلة الأربعة كانت تُناقش مرارًا لدى اليهود في زمن يسوع. وحين يورد الرابينيّون العدد الكبير من الوصايا، إنما كانوا يفعلون لكي يشدّدوا على أن الوصيّة الصغيرة مهمّة كالوصيّة الكبيرة: "فكما أن الذي يتعدّى جميع الوصايا يرفض النير وينقض العهد ويكشف عن وجهه ضد الشريعة كذلك من يتجاوز وصيّة واحدة يرفض النير (نير الشريعة) ويكشف عن وجهه ضدّ الشريعة وينقض العهد" (شرح في خر 6). وقال شرح تث 19:13: "لتكن الوصيّة الخفيفة عزيزة على قلبك كالوصيّة الثقيلة". "من بدأ يسمع قليلاً توصّل في النهاية إلى أن يسمع كثيرًا بحيث إن وصيّة خفيفة تكون عزيزة على قلبك مثل وصيّة كبيرة" (شرح تث 13: 19). "فمن تعدّى الوصيّة القائلة: أحبب قريبك كنفسك، تعدّى في النهاية الوصيّة القائلة: لا تنتقم، لا تحقد حتى إراقة الدم" (شرح تث 11:19).
إن مثل هذه الشريعانيّة القديمة، كانت تولّد تارة فرحًا حقيقيًا في الطاعة وطورًا برًا شخصيًا، تولّد عاطفة يحسب فيها الانسان أنه بار (لو 15: 26: ما تعدّيت أمرًا من أوامرك)، وأخيرًا تحرّك القلق لدى الذين لا يتوصّلون إلى حفظ الوصايا التقليديّة المتعدّدة (تث 19: 18). فبحسب تقليد المجمع، تضمّن كتاب الشريعة 613 وصيّة. 248 وصيّة إيجابيّة (م ص و ه، ما نستطيع أن نعمل. مثلاً، أكرم أباك وأمك)، و356 منعًا (لا تقتل...). لهذا أحسّ الناس بالحاجة إلى شميلة، إلى خطوط توجّه فكر الانسان وممارسته (رج مي 8:6؛ جا 12: 13). غير أن العلماء لم يستطيعوا يومًا أن يتجاوزوا هذا الطابع الذي يقسّم الشريعة إلى ذرّات مبعثرة.
إن أصالة هذا النصّ الذي ندرس، ليست في ما قال عن محبّة لله والقريب عرفها العهد القديم والعالم اليهوديّ، بل في التقريب بين محبّة ومحبّة. محبّة القريب تنبع من محبّة الله. ومحبّة الله تدلّ على صدق محبتنا للقريب. وأصالة هذا النص نراها أيضًا في المكانة الرفيعة التي جعلها يسوع لـ "موجز" الشريعة هذا. لقد لخّص الوصايا والممنوعات والفرائض في عبارتين: "أحبّ الله وأحبّ قريبك". 
سار مت في خطى مر فجعل هذا "الموجز" على شفتي يسوع. أما لو فجعله في فم معلّم الشريعة داخل مثل السامريّ الصالح (10: 25-28). هذا ما يدلّ على أن الكنائس الأولى رأت في موجز الشريعة هذا تذكيرًا أمينًا بشريعة أعطيت لاسرائيل فجاءت على شفتي يسوع ساعة أراد الفريسيّون أن يجرّبوه. إن لهجة الخبر في مت ولو تختلف كل الاختلاف عمّا في مر 12: 28-34. ففي مرقس "يسأل" الكاتب (يطرح سؤالاً) يسوع بتهذيب (آ 28). أما عند متّى ولوقا فالعالم بالشريعة ينصب فخًا ليسوع. في مر، أنهى يسوع النقاش بعبارة تُثني على الكاتب: "رأى يسوع أنه أجابه بحكمة، فقال له: لست ببعيد عن ملكوت الله" (آ 34). قد نظنّ أن مت ولو حوّلا هذا الخبر الاولاني الذي وجداه في مر إلى صراع. أو أن مر لم يشدّد على البعد الهجوميّ في هذا الجدال كما فعل مت ولو.

2- حلقة سريعة العطب
يروي هذا المقطع الانجيليّ أن خصوم يسوع نصبو له فخًا أخيرًا علّهم يجدون فيه علّة اتهام تتيح لهم أن يتخلّصوا منه. كانت المحاولات السابقة قد فشلت الواحدة بعد الأخرى. فعظماء الكهنة وشيوخ الشعب ما استطاعوا أن يجيبوا يسوع حين أجاب على سؤالهم بسؤال. سألوه: "بأي سلطان تفعل هذا"؟ فأجاب: "من أين جاءت معموديّة يوحنا، أمن السماء أم من الأرض" (مت 21: 23-27)؟ وجاء تلاميذ الفريسيين برفقة الهيرودسيّين، فما استطاعوا أن يوقعوه في شباكهم حين سألوه: "قل لنا رأيك: هل يجوز أن نعطي الجزية لقيصر"؟ ولما أجابهم يسوع الجواب المفعم "تعجبّوا. ثم تركوه ومضوا" (22: 15-22). ووصل الجدال مع الصادوقيين حول شريعة السلْفيّة (المرأة التي يموت زوجها فتتزوّج سلفها) إلى نتيجة عاكست توقّعاتهم. "فلما سمع الجموع بُهتوا جدًا من تعليمه" (23:22-33).
وكانت محاولة الفريسيين حول أعظم الوصايا المحاولة الأخيرة. ولكن يسوع لم يقع في الفخّ. بل اتخذ المبادرة وطرح السؤال: "ماذا ترون في المسيح؟ ابن من هو"؟ واختتم الانجيليّ كلامه فقال: "لم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم، لم يجسر أحد البتّة أن يلقي عليه سؤالاً" (22: 41- 25). 
لهذا، لا بدّ من أن ننتظر في مت 22: 34-40 سؤالاً يحاول، شأنه شأن الأسئلة السابقة، أن يحصر يسوع "في الزاوية". كما نستطيع أن ننتظر جوابًا دقيقًا ينزع من يد الخصوم كل سلاح كما حدث في الهجومات السابقة. وبداية الخبر توافق هذا الانتظار. ولما علم الفريسيون أنه أفحم الصادوقيين، تألبّوا (اجتمعوا في جماعة، تحالفوا معًا) عليه، "وسأله واحد منهم (وهو من علماء الناموس) ليجرّبه" (ليحرجه، ليوقعه 22: 34).
للوهلة الأولى، قد يبدو وفي الخبر مخيّبًا للآمال. طرحوا على يسوع سؤالاً: "يا معلّم، ما أعظم الوصايا في الناموس" (آ 36)؟ حين نسمع الجواب نظنّ أننا أمام درس من التعليم المسيحيّ. كما نعتبر أن الجواب لم يكن صعبًا جدًا. ثم إن وصيّة محبّة الله ومحبّة القريب ليست جديدًا مسيحيًا: فيسوع أخذ عباراتها من تث 6: 5 ولا 18:19. أما كان الأفضل لمتّى أن يسير في خطّ لوقا فيترك هذه المقطوعة التي تضعف الخبر كله؟ ثم، بما أننا كنا نعرف مسبقًا السؤال والجواب، هل كانت الحاجة ماسّة للتوقّف عند هذا النصّ؟ ولكن يبدو أن خبر متّى يذهب بنا أبعد من ذلك.

3- مدافع يصبح خصمًا (34:22- 35)
إذا أردنا أن نفهم 22: 34-40 فهمًا أفضل، نتفحّص المراجع المستعملة والمواد التي انطلق منها الكاتب لبلوغ خبره. ورد تث 6: 5 ولا 19: 18 مرتين لتقديم الجواب على السؤال. مر 28:12- 31 في ذات سياق مت 22: 34- 40. ولو 10: 25-25 كمدخل إلى مثل السامريّ الصالح. وفي كل حالة يسألون يسوع في هدف مختلف.
إن كاتب مر 12: 28- 31 الذي سمعهم يتجادلون (يسوع والصادوقيون)، والذي رأى أن يسوع أحسن الجواب، دنا منه وسأله: "ما هي أولى جميع الوصايا"؟ وأورد يسوع نفسه مقطعين مأخوذين من أسفار الشريعة. ولما اعترف الكاتب بصحّة جواب يسوع، قال يسوع: "لست بعيدًا عن ملكوت الله" (آ 34ج). أن يكون هذا الكاتب أخذ بجانب يسوع، يدلّ على أن يسوع ليس معلّمًا "كاذبًا" يحاول أن يخدع الناس بمعسول الكلام: إذن، حُكم عليه ظلمًا. ولكن لا نستطيع القول إنه لم يقدر أن يدافع عن نفسه؟
في لو 25:10-28، اختلف القول كل الاختلاف. لقد صار الكاتب الطيّب خصمًا. "وها إن معلّم الشريعة قام لكي يجرّبه" (لو 10: 25). سأل يسوع: "ماذا كُتب في الشريعة"؟ أجاب معلّم الشريعة وأورد تث 6: 5 ولا 19: 18. فنسمع يسوع يقول له: "بالصواب أجبت. إفعل هذا فتحيا" (آ 28). في هذا التدوين، شدّد الانجيليّ على الطابع العدواني لتدخّل معلم الشريعة. وهذا ما نراه في لو 10: 25- 28 الذي صار مقدّمة مثل السامري الصالح. وهذا المثل ارتبط بالمثل عبر الجملة التالية: "وإذ أراد أن يزكّي نفسه، قال ليسوع: "من هو قريبي" (آ 29)؟
أما إذا قرأنا مت 22: 34-40، فنلاحظ أن هذا النصّ يحوّل التقليد الذي يمثّله مرقس، دون أن نعرف سببًا لهذا التحوّل. ومهما يكن من أمر، فإن الكاتب الطيّب الذي يقف بجانب يسوع، بحسب مرقس، صار عند متّى فريسيًا (وفي بعض المخطوطات الهامة: عالم بالشريعة) يهاجم يسوع. دافع يسوع عن نفسه ولم يهاجم. حين أدخل مت شخصًا معارضًا ليسوع لا مدافعًا، بدأ بطريقة أفضل ف 23. فعلى 39 آية من ف 23، نجد 36 آية تقول إن يسوع حذّر الجمع من الفريسيين والكتبة بعد أن شرحّ أعمالهم بقساوة. إذن، أورد تدوين مت تحديدًا أدبيًا ولاهوتيًا. وهكذا تكون الصعوبة التي أشرنا إليها سابقًا أقوى ممّا مضى. فخبرُ مر بدا وكأنه درسٌ في التعليم المسيحي حفظه يسوع واسمعه لعالم الشريعة فهنّأه. بعد هذا، أما يكون مت 37:22-40 مثل جدال ضعيف لا قمة الجدال بين يسوع وخصومه؟
قبل أن نتقدّم في الجواب، نجيب على اعتراض ممكن: أما يلمّح هذا الذي قلناه الآن إلى أنّ مت قد "شوّه" التاريخ؟ هنا نتذكّر أن الأناجيل ليست كرونيكات (مجموعة أحداث) تاريخيّة. فالانجيليّون قد انطلقوا من مراجع مختلفة، وكوّنوا وحدات أدبيّة حول موضوع محدّد أول، حول كلمة تتردّد بين قول وآخر. إذن، تأثّر عملهم التأليفيّ بعوامل أخرى: هي: مجموعات أخبار. رؤية لاهوتيّة خاصّة بكل إنجيليّ. وضع الجماعة التي إليها يوجّه الانجيل. اختار الكاتب عناصر دون أخرى وصاغها بطريقته.
بالاضافة إلى ذلك، لا نستطيع أن نقول إن متّى شوّه التاريخ لأنه جعل جميع الفريسيين في جانب واحد واعتبرهم كلهم خصوم يسوع. هذا يدلّ بكل بساطة، أنه ما أراد أن يكتب تاريخ العالم اليهوديّ في عصره، بل أن يورد لنا ما كان مهمًا في نظر يسوع، والمواقف والنظم التي رفضها يسوع. وهكذا أراد متّى أن يُفهم قرّاءه المسيحيين المتهوّدين أين توجد جذور الخلاف بين الجماعة المسيحيّة والتجمّعات اليهوديّة. أن يريهم الانحرافات التي قد تظهر في قلب الكيبسة والموقف الذي يجب أن نتخذه تجاهها. ولا ننسى أنه وجب على الجماعة المسيحيّة في ذلك الوقت أن تدافع عن نفسها ضدّ هجمات آتية من الخارج وضدّ استيقاظ الروح الفريسيّة في داخلها. فأحدُ الدروس الذي أراد متّى أن يدخله في قلب قرّائه: "لا تكونوا مثل الفريسيين".

4- أول الوصايا أو أعظم الوصايا (36:22)
إذا انطلقنا من الطريقة التي بها طُرح السؤال الذي في مرقس، نفهم أننا أمام أولى جميع الوصايا (مر 12: 28). أجاب يسوع: محبّة الله لأنه الربّ.
ولكن زيد على هذه الوصيّة الأولى وصيّة تعني محبّة القريب. من الواضح أن هذا الجواب يجعل تراتبيّة بين هاتين الوصيتين. ونحن نفهمه في هذا المعنى لأن جميع الفرائض الدينيّة (من تقديس السبت إلى غسل الأيدي قبل الطعام) تترجم هذه الوصيّة الأولى في الواقع الملموس. وهكذا توضع هذه المجموعة من الفرائض فوق محبّة القريب. وحتى الإضافة في آ 31 "ما من وصيّة أعظم من هاتين" تترك الباب مفتوحًا لهذا التفسير.
أما عند مت فيبدو السؤال مختلفًا: "يا معلّم، ما أعظم الوصايا في الناموس" (آ 36)؟ كان ذاك موضوع جدال لدى علماء الشريعة. وقد كان المجمع القديم قد استخرج عددًا كبيرًا من الوصايا حاول المعلّمون أن يقسّموها بين "خفيفة" و"ثقيلة". وتساءل المعلّمون: ألا تُوجد وصيّة تضمّ جميع الوصايا وتوضع في رأس اللائحة. من هنا كانت اعلانات كهذا: "عبادة الأوثان هي أخطر الخطايا". "يعلِّم الناموس والأنبياء والكتب أن فريضة السبت أثقل في الميزان من كل الوصايا مجتمعة". وكان رابي هلال (20 ق م) قد أعطى هذا المبدأ الأساسيّ: "ما لا تريد أن يحصل لك لا تصنعه لقريبك. ذاك هو الناموس كله. والباقي شرح له".
حين طرح العالم بالشريعة هذا السؤال، فقد أراد أن يدفع يسوع لكي يدلّ على موقفه من هذا الموضوع الملحّ. فليس من قبيل الصدف أن يكون السؤال عن أعظم وصايا الناموس. ولا أن يورد الجواب الناموس. هذا يعني أنه يجب أن نعرف ما هي وصيّة الله وما هي شريعته وأوامره. كيف يجب على يهوديّ مؤمن (ومسيحيّ) أن يتصرّف؟

5- محبّة الله ومحبّة القريب (37:22)
نجد النصّ حول محبّة الله في بداية صلاة "شماع" (اسمع يا اسرائيل) التي يتلوها اليهود مرّتين في النهار. وقد أسّس سفر التثنية هذه الوصيّة على سيادة الله: هو وحده الرب ولا إله سواه. وقد دلّ على سلطانه حين خلّص شعبه من عبوديّة مصر وأعطاه أرض الموعد، أرض فلسطين. غير أن الله وضع شروطًا على هذا الشعب: أن يحفظ جميع الوصايا، وأن يسير في طرق الربّ. واستعاد الأنبياء صور وتعابير الحبّ لكي يصوّروا هذه العلاقات المتبادلة بين الله وشعبه. وهذه النظرة طبعت تث 6: 5 أيضًا بطابعها: "تحبّ الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك". فالألفاظ الثلاث (القلب. النفس، القدرة) لا تحيلنا إلى ملكات مختلفة كالحب والعقل. بل إن كلاً منها تدلّ على الانسان كله. لسنا هنا أمام إله الفلاسفة. فالإله الذي يطلب هذا الحبّ الكامل هو الذي بحنانه انحنى على الانسان لكي يخلّصه. هذا هو السبب الذي لأجله يجب على الانسان بدوره أن يحبّ القريب. وكما أن وصيّة الله لا تنفصل عن تاريخ خلاص البشر، كذلك وصيّة محبّة القريب لا تنفصل عن عبارة "أنا يهوه، أنا الرب". هي تتكرّر كقرار وردّة في الفصل التاسع من سفر اللاويين (19: 14 ب- 19 أ):
"أنا يهوه.
لا تجوروا في الحكم. ولا تجابوا فقيرًا ولا تجلّوا عظيمًا. بل بالعدل تحكم لقريبك. ولا تسعَ بالنميمة بين شعبك ولا تهدّد دم قريبك.
"أنا يهوه.
لا يكن في قلبك بغض لأخيك. بل عاتبه عتابًا وهكذا لا تحمل خطيئة. لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك. وتحبّ قريبك مثل نفسك.
"أنا يهوه.
تحفظون رسومي".
إذن، حين يؤكّد يسوع التداخل بين العلاقة بالله والعلاقة بالقريب، فهو يقف في خطّ العهد القديم. ولكنه لا يفهم هذه العلاقة كما يفهمها الفريسيّون.

6- يسوع والشريعة
اعتبر عدد كبير من الكتبة أن شريعة السبت هي من الوصايا العظمى، بل هي أعظم الوصايا. أما يسوع فما تردّد في إجراء الأشفية في ذلك اليوم. ثم هو دخل إلى بيت ضابط روماني (إذن وثني). وأكل مع العشّارين والخطأة. ودافع عن المرأة الزانية. إذن، ما تجاوز فقط الوصايا الطفيفة، بل أخطر الفرائض. وتنجّس حين عاشر أناسًا لا يعيشون "بحسب الشريعة". فالذي يتصرّف بهذا الشكل لا يستطيع بحسب النظرة الفريسيّة أن يكون بارًا في نظر الله الذي يرضى فقط عن الذين يتبعون جميع وصاياه بدقة ويمتنعون عمّا تحرّمه الشريعة. أما يسوع فما اكتفى بأن يتجاوز عددًا من فرائض الشريعة، بل تجرّأ وأكّد أن أعماله تدلّ على أن "ملكوت الله حاضر هنا منذ الآن"
لكن يجب أن لا نستنتج أن يسوع، شأنه شأن رجل ثائر، يقلب رأسًا على عقب كل ما كان جزءًا من الارث اليهوديّ. إنه يهوديّ تقيّ. وهو يذهب إلى المجامع، كما يؤمّ الهيكل في الأعياد الكبرى. ويحافظ على الشريعة والأنبياء. وكل ما يقوله ويفعله يرتبط بالله، ولكن ليس بإله نخبة صغيرة تضع يدها عليه وتطرد الآخرين. كل إنسان يستطيع أن يكون "القريب". فعبارة "أحبب قريبك" صارت "أحبّوا أعداءكم. صلّوا من أجل مضطهديكم". وهذه الوصيّة تنبع من معرفة يسوع لله. "هكذا تكونون أبناء أبيكم الذي في السماء، لأنه يشرق شمسه على الأشرار والأخيار ويسكب غيثه على الأبرار والفجّار" (5: 44- 45). وبعبارة أخرى قال يسوع: أرسلت لأطلب وأخلّص ما هلك. ذاك هو هدف الشريعة. وإذا كانت بعض التفسيرات وتطبيقاتها لا تتوافق مع هذا المبدأ الأساسيّ، فيسوع سيشقّ طريقه الخاصّة. وهكذا يترجم في الحياة اليوميّة التأكيد القائل: "والوصيّة الثانية تشبهها: تحبّ قريبك كنفسك" (22: 39).
7- أساس الحياة المسيحيّة
لا نستطيع أن نفهم حقًا هذا الخبر القصير (22: 34-40) إلاّ إذا وضعناه في خلفيّة باقي الانجيل. لهذا يجب أن نعود بشكل خاصّ إلى "عظة الجبل" (ف 5-7) و"الدينونة الأخيرة" "ساعة يأتي ابن الانسان بمجده وجميع ملائكته معه" (31:25-46).
إن مت يرى في يسوع قسمات وجه موسى المشترع العظيم. ولهذا جمع في عظة الجبل مواد عديدة جعلها شريعة جديدة تُعلَن على الجبل بواسطة موسى الجديد. وشدّد مجمل النصّ على المحبّة للقريب والمحبة لله. وأعمال الديانة كالصوم والصلاة والصداقة، يجب أن تتمّ في الخفية، لا في الظاهر لكي يراها الناس ويكرَّمون بسببها: "أبوكم السماوي يراها" وهذا يكفي. وبعد الصلاة الربيّة (صلاة الأبانا) نجد هذا التفسير: "إن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السماويّ أيضًا. ولكن إن لم تغفروا للناس، فأبوكم لا يغفر لكم خطاياكم" (6: 14- 15).
لا تبدأ شريعة "عظة الجبل" بالطريقة الصحيحة التي بها نعبد الله ونخدمه. بل تسير في خط آخر: "هكذا يجب أن يضيء نوركم أمام الناس فيروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات" (5: 16). فالمهمّة الأولى للرسل هي أن يحملوا الخلاص للانسان والنجاة. وهذه الأعمال تتيح لهم أن يكتشفوا الله الذي يستطيعون أن يدعوه أبًا. وهكذا توجز كل المسائل المتعلّقة بالشريعة والبحث عن مشيئة الله في هذه الآية: "كل ما تريدون أن يفعله الناس لكم فافعلوه لهم: هذه هي الشريعة وتعاليم الأنبيا" (7: 12).
إذا كنّاَ نستطيع أن نعتبر محبّة القريب ملخَّصًا للشريعة والأنبياء، إذن سنُدان على العون الحقيقيّ الذي نكون قد حملناه أو رفضناه للقريب الجائع والعريان والسجين والمريض. ففي يسوع المسيح، صار الله متضامنًا مع المهمّشين والمتضايقين، بحيث إن التزامنا من أجل تحريرهم يشكّل المعيار الوحيد لعلاقتنا الصحيحة مع الله. فما نفعله من أجل "أصغر الأخوة" هو حاسم لكي نعرف إن كنا من الخالصين أم لا. وهذا نفهمه في طريقتين اثنتين: ما يسيء إلى القريب لا يوافق أبدًا مشيئة الله. أو: محبّة الله تتضمّن بشكل ملموس محبّة القريب. هذا المبدأ الأساسيّ يملي موقفنا تجاه الشريعة كما تجاه القريب. لهذا استطاع يسوع أن يقول: "ما جئت لأنقض الشريعة والأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمّل" (5: 17). فأصغر فريضة وأصغر وصيّة تبقى حاضرة شرط أن يتحدّد موقعها في إطار حبّنا لله وحبّنا للقريب.

8- بهاتين الوصيتين (22: 40)
قال يسوع مختتمًا كلامه: "بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء". وهنا أيضًا نجد اختلافًا مع خبر مرقس الذي أشار إلى تراتبيّة بين وصيّة أولى ووصيّة ثانية مهمّتين. وبعد ذلك تأتي سائر الوصايا. أما في مت، فقد شاء السائل أن يعرف الوصيّة العظمى التي تشمل سائر الوصايا. فسمّى يسوع وصيّتين وحدّد أن كل الشريعة والأنبياء تتعلّق بهما. هاتان الوصيتان المتساويتان في الأهميّة تشكّلان القاعدة التي بها نقيّم سائر الوصايا والفرائض. فالله لا يطلب شيئًا يعارض فائدة القريب. وحين نعمل الخير مع القريب، نؤكّد أننا نحيا حقًا العلاقة مع الله. موقف متّى جذريّ جدًا هنا، وهو يلتقي برسالة يوحنا الأولى: "إن قال أحد أنا أحبّ الله وأبغض أخاه كان كاذبًا. فالذي لا يحبّ أخاه الذي يراه لا يستطيع أن يحبّ الله الذي لا يراه" (4: 20؛ رج روم 13: 8- 10؛ غل 5: 3- 5؛ يع 2: 8). ينتج عن كل هذا أن العهد الجديد لا يعلن واجب الانسان الأساسيّ فيقول فقط: "أحبّ الله". ولكننا نستطيع أن نوجز كل الشريعة والأنبياء بهذه العبارة: "أحبب قريبك كنفسك".
إن هذه الرسمة السريعة للاهوت المسيحيّ الأولاني التي تعود إلى يسوع الناصريّ نفسه، تتعارض تعارضًا تامًا مع وجهة الفريسيين. فإذا جعلنا هذه المقطوعة في إطار مت العام، فهي تبدو لنا عميقة جدًا. لم نعد أمام "درس" في التعليم المسيحيّ نعرفه أو لا نعرفه. بل أمام سؤال جوهريّ. وموقف يسوع يكشف خلفيّة عمله كلّه ويُجمل الصراع بينه وبين السلطات. وهذا السؤال هو في الواقع السؤال الأخير الذي يُطرح على يسوع. وحين لاحظت السلطات أنها لا تستطيع أن تأخذ بوجهته، أسلمته إلى الموت.

خاتمة
إن مت 22: 34- 40 لا يُعلمنا كقط بالأسباب التي دفعت الرؤساء لكي يحكموا على يسوع بالموت. هو بالأحرى جسر بين "عظة الجبل" ومثل "الدينونة الأخيرة". وهو أيضًا سؤال يوجّه إلى القرّاء المسيحيين المتهوّدين في جماعة متّى، يدعوهم لكي يقابلوا طريقة تفكيرهم وحياتهم مع تعليم هذا النصّ الانجيليّ. ولكن الخبر يتوجّه أيضًا إلينا. فبعد أن يقرأ الواعظ 22: 34- 40، لا يستطيع أن يكتفي بأن يشرح الانجيل كما كان يفعل متّى. فهذا النصّ هو للناس مرآة يرون فيها نفوسهم. وها نحن نقدّم ثلاثة اقتراحات.
* اتّخذ متّى موقفًا ضدّ نظرة إلى الله تعتبر أن كل شيء قد تحدّد وتثبّت منذ البدء. فلم يبقَ لنا شيء نعمله. كلا. فمشيئة الله لم تحدّد مرّة واحدة في عدد من الفرائض نكتفي بأن نحفظها فنكون "أبرارًا". وهي لا تصلنا من ماض سحيق أو ارتفاع بعيد: بل يجب أن نقرأها في عيون البشر الذين حولنا. فمشيئة الله تدركنا كتحدٍّ يتجدّد دومًا. كسؤال يطلب جوابًا. لا يُطلب منا أن نكرّر سلسلة أعمال بُرمجت مسبقًا: فالانسان ليس آلة. إنه في أساسه امكانيّة جواب إلى آخر، إلى الآخر الآخر؟ الذي هو الله. إنه يصنع التاريخ. وحين يصبح هذا التاريخ "تاريخ الخلاص"، يدهش الانسان حتى يكتشف شيئًا من هذا الالى الذي يسمّيه يسوع أبًا. وكل قاعدة حياة لاهوتيّة أو كنسيّة أو اجتماعيّة تعلن باسم الله وقد تعتبر خطيئة أم لا، يجب أن نحكم عليها على ضوء هذا السؤال الأساسيّ: "هل تفيد القريب أو تحمل إليه الخلاص"؟ بهذا السؤال ترتبط أعمالنا.
* حين نجد نفوسنا أمام وصيتي محبّة الله ومحبّة القريب كما يقدّمهما متّى، نتخلّى عن أمور عديدة كانت بين أيدينا. لا نستطيع أن نقول فقط: إن الكنيسة تفسّر مشيئة الله. يجب أن نحفظ وصايا الكنيسة. الحرم لمن يعارض أقوال الكنيسة أو ينتقدها. فبعد ظهور يسوع وهذا الانجيل المتّاويّ، لا نستطيع أن نقبل بالحرب والظلم والقتل قائلين: تلك هي مشيئة الله. فطرق الله ليست هذه الطرق. فإذا فهمنا حقًا مت 22: 34-40، يستحيل علينا أن نعلن تعلّقنا بمشيئة الله ونضع حاجزًا بيننا وبين البشر من أية فئة كانوا. يجب أم نشجب المجموعات الذي يعتبرون نفوسهم صدّيقين ويستبعدون الآخرين ويهمّشونهم.
* حين نقول نعم لهذا الانجيل الذي درسناه، لا نكتفي بأن لا نضع حواجز في طريق الآخرين حسب العبارة "ما تريد أن يفعله الناس لك". فما يطلبه الله منا هو التزام ايجابيّ تجاه الآخرين لكي يكون هناك عدالة أكبر. لكي تنمو المحبّة ولا تبرد لدى الكثيرين في خضمّ هذه الحياة وتقلّباتها. نلتزم بأن نكسو العريان، ونطعم الجائع، ونخلّص السجين، ونعطي كأس ماء بارد. ونعرف أن ما نعمله لأحد هؤلاء الصغار، إنما نعمله للمسيح. كل تعليم الشريعة والأنبياء هو معنا. بل إن المحبّة التي يدعونا إليها يسوع تجدّد الشريعة وتعاليم الأنبياء، فتنقلنا من العهد القديم إلى العهد الجديد، من محبّة محصورة في شعب إلى محبّة تصل إلى جميع الشعوب، من محبّة محصورة في قريب إلى محبّة تصل إلى الأعداء، لأن لا أعداء للمسيحيّ بعد أن مات المسيح على الصليب فجمع في موته البعيدين والقريبين، أبناء البيت والغرباء، الأبرار والخطأة.
الفصل الرابع والعشرون
ابن داود وربّ داود
22: 41- 46

في هذا الحدث، يسوع هو الذي يطرح السؤال، بعد أن سأله الفريسيون عن الجزية الواجب دفعها لقيصر، والصادوقيون حول القيامة. أما محاوروه فليسوا هم هم في الأناجيل الازائية الثلاثة. في مت، هم الفريسيون. في لو، هم كتبة جاؤوا يوافقون على الجواب الذي قدّمه يسوع إلى الصادوقيين. وفي مر توجّه يسوع بكلامه إلى جمع غير محدّد، جمع الذين يستمعون إليه بانشراح. قدّم الازائيون الثلاثة يسوع وهو يعرض براهينه في نقطة محدّدة على مثال المعلّمين، فدلّوا على أن صفته كمسيح لا تختلط مع البنوّة الداودية بل تسمو عليها. فإن يسوع هو ابن داود والرب كما يقول بولس الرسول في روم 1: 3-4: "في شأن ابنه (= ابن الله) في الجسد جاء من نسل داود، وفي الروح القدس ثبت أنه ابن الله في القدرة بقيامته من بين الأموات، ربنا يسوع المسيح"
بعد النظرة الاجماليّة، ندرس تفاصيل النصّ لنصل إلى الفكرة اللاهوتيّة والروحية.

1- نظرة إجماليّة إلى النصّ
حين نتوقّف عند تصميم مت وما فيه من تعليم، نفهم أنه توخّى من هذه الايات أن يضع حدًا لأسئلة يطرحها الخصوم على يسوع. فيسوع ينتقل من الدفاع إلى الهجوم، وهو الآن يسأل بحيث ما عاد أحد يتجرَّأ أن يسأله (آ 46 خاصة بمتّى، ق مر 12: 34؛ لو 20: 40). هذه الايات تهيِّئ الطريق لكلام يسوع القاسي ضد الفريسيين في ف 23. إذن، تبدو بنية هذا المقطع متماسكة. منذ دخول يسوع إلى أورشليم (21: 1-9) حتى الاعلان عن سقوط أورشليم (24: 1-3). ما زال ينمو التوتُّر بين يسوع ورؤساء الشعب. ويشدّد متّى بشكل متواصل على المسؤوليّة الرسميّة لشعبه ومدينته في شخص الفريسيين. ويجب أن نقرأ أيضًا هذه الآيات على أنها صدى لصراع كنيسة متّى مع سلطات المجمع في زمانه.
جعل بعضهم هذه المقطوعة بين نصوص مر التي غابت عنها الرنّة الحربية، فجاء مت وجعل فيها ما فيها من عنف وعدوانيّة. ولكن في هذه الحالة الخاصة قد يكون العكس هو الصحيح: احتفظ مت بتذكّر صراع لم يفهمه مر، فخفّف من حدّته.
أما المدلول العام لهذا الآيات فموضوع نقاش. وهناك ثلاث امكانيات رئيسية. الأولى: انتقد يسوع (وفي الوقت عينه روحن) النظرة اليهوديّة التي تجعل من المسيح ابن داود. ولكننا لا نرى بما تقوم هذه الروحنة. الثانية: تجاه مسيحانيّة داوديّة، جعل يسوع مسيحانيّة من طبيعة أخرى، يكون المسيح بحسبها ابن داود بل ابن الانسان (بحسب دانيال) أو ابن الله مثلاً. غير أن النصّ لا يتضمّن أية إشارة واضحة إلى هذين اللقبين. ثم إن مت يتحدّث في أماكن أخرى عن يسوع كابن داود (1: 1؛ 27:9؛ 15: 22؛ 20: 30، 31؛ 21: 9-15؛ 22: 45). الثالثة: يجعل يسوع هنا في إضمامة واحدة المسيحانيّة الداودية ومسيحانيّة ابن الانسان بحسب دانيال. ما يريد النصّ أن يقوله هو أن يسوع حقًا ابن داود ولكن في معنى فريد وحاسم كابن الانسان نفسه. ففي الأناجيل الازائيّة يدلّ يسوع على نفسه بلفظة ابن الانسان. وهكذا جمع يسوع في شخصه ما لم تستطع المسيحانيات اليهوديّة في أيامه أن تفعل: مسيح متحدّر من الملك داود ومسيح هو ابن الانسان، والديَّان السماوي والموجود منذ الأزل كما في دانيال وأخنوخ.
عندما نفهم هذه الايات بهذا الشكل، فهي تتّخذ مكانها في هذا السياق. وهكذا يكون المعنى العام كما يلي: ذاك الذي يواجه الآن شعبه ومدينته هو أكثر من ابن داود كما يتصوّره الفريسيون عادة (مز سليمان 17). فإن داود هذا هو ابن الانسان، ابن الله.

2- الدراسة التفصيلية
أ- البنية والمراجع
بعد مقدّمة إخباريّة (آ 41) سأل يسوع الفريسيين سؤالين (آ 42 أ). أجابوا كما توقّع في لفظتين: "ابن داود" (آ 42 ب). عندئذ طرح يسوع أيضًا سؤالين أورد معهما الكتاب المقدس (آ 43-45). وقالت الخاتمة الاخباريّة (آ 46) إن معارضيه ما استطاعوا أن يجيبوا على هذه الأسئلة، بل ما عاد أحد يتجاسر أن يسأل يسوع. هذا ما يختتم متتالية 23:21-46:22، وفيها طُرح على يسوع السؤال بعد السؤال. أما ما يقابل بشكل خاص هذه المقطوعة فهو 21: 28-32 (مثل الابنين). بدأ يسوع الجدال وطرح سؤالاً. قدّم خصومه الجواب المناسب. 
فاختتم يسوع الجدال.
وهكذا تظهر هذه المقطوعة في تواز رائع:
مقدّمة (سألهم) آ 41
سؤالان من يسوع (ماذا... ابن من) آ 42 أب
جواب الخصوم (ابن داود) آ 42 ج
سؤالان من يسوع (كيف... كيف) آ 43- 45
خاتمة (لم يجسر) آ 46.
يفسّر مت 21: 41-46 على أنه إعادة صياغة مر 35:12-37. أما الاتفاقات مع لو 20: 41-44 ضد مر، فهي بسيطة وترتبط بنظرة كل انجيليّ.
ب- التأويل
ترك يسوع موقع الدفاع وأخذ موقع الهجوم. تميّزت أسئلته عن أسئلة الخصوم، فراحت إلى عمق الأمور، إلى الكرستولوجيا والتعرّف إلى يسوع المسيح. "ابن من هو"؟ أجاب الفريسيون: "ابن داود". هذا الجواب هو فقط نصف الحقيقة. والنصف الثاني الذي لم يقله المسيح، ولكنه يبدو واضحًا من الخبر: هو ابن الله.
صاغ مت مر 35:12-37 بطريقته الخاصة. (1) حوّل كلامًا (في مونولوغ) يتوجّه إلى الجموع حول رأي الكتبة، إلى حوار مدرسيّ بين يسوع والفريسيين. أما الشكل فهو: سؤال، جواب، سؤال. (2) حوّل سؤالي مر (12: 35، 37) وتأكيده (12: 36) إلى سؤالين وسؤالين. (3) جعل المخرج أسهل حين جعل يسوع يسأل: "ابن من هو"؟ و"كيف يسميه داود ربّه"؟ (4) زاد خاتمة جديدة هي آ 46.
كيف نفكّك مر 12: 35-37؛ قد تكون آ 35 أ تدوينيّة مثل آ 37 ب. فما وُجد في التقليد هو خبر صراع طرح فيه يسوع سؤالاً حول ابن داود. نشير هنا إلى (1) أن مز 110: 1 المذكور هنا بفم يسوع كان شعبيًا لدى المسيحيين الأولين. (2) أن النص يذكر وضع يسوع كالمسيح والرب والموجود منذ الأزل. (3) أن البرهان يستند إلى السبعينيّة واستعمالها للفظة "كيريوس" (الربّ). وهكذا اعتبر الشّراح أن دور الكنيسة كان كبيرًا في صياغة هذا الخبر الذي ينطلق من يسوع. وتحدّث آخرون عن أصل مسيحيّ متهوّد يعيش في محيط هلنستيّ لأن جماعة فلسطين التي ألّفت سلسلة نسب داوديّة ليسوع (1: 1ي) خافت من نظرة نسبيّة إلى ابن داود.
ونقول (1) إن كانت المسيحيّة الأولى أوردت مز 110: 1، فهي قد فعلت في خطّ يسوع الذي عرف كل المعرفة الكتب المقدسة. (2) إذ كان النصّ في وضعه الحالي يتحدّث عن يسوع كالمسيح والربّ (وهذا ما اكتشفه التلاميذ بعد القيامة) أما تكون هناك نظرة قبل فصحيّة ملتبسة حول المسيح؟ تحدّث عنها يسوع ولكنها لم تأخذ ملء مدلولها في قلب التلاميذ إلاّ بعد القيامة. (3) في العبريّة، ليس من التباس. قال يهوه (الرب الاله) لأدوناي (لسيدي الملك). أما في اليونانيّة فقد ترجمت كل من لفظة "يهوه" و"ادوناي" بـ "الربّ". وهكذا صار النصّ: "قال الرب لربي". وكان الالتباس. غير أن هذا الالتباس نجده أيضًا في الاراميّة مع "م ري" (ربي، سيدي). أما في ما يتعلّق بموقع النصّ في عالم مسيحيّ متهوّد يرتبط بالهلنستيّة، فنبدي ملاحظتين. الأولى، ليس لنا أن نتخيّل أن النظرة إلى ابن داود كانت فقط سؤالاً لمسيحيين متهوّدين من خارج فلسطين. الثانية، إن فهمنا هذا النصّ فهمًا صحيحًا، نرى أنه لا ينكر الكرستولوجيا الداودية، بل يفترض أنها حقيقة لا تناقش. والانشداد بين "ابن داود" و"الرب" هو انشداد خلاّق ولا يحاول أن يقلّل من قيمة لقب داود.
ماذا نقول في الأصل الرباني (نسبة إلى الرب يسوع) لهذا الحدث؟ هناك كلام يسوع. أما كيف فهم مز 110؟ فهذا ما لا يستطيع أحد أن يقوله. فالكنيسة أعادت قراءة الحدث على ضوء القيامة وفهمته في خطّ تعليم يسوع وحياته. وقد حاول الشرّاح أن يكتشفوا نيّة يسوع حين أورد مز 110. (1) أراد أن يبتعد عن مسيحانيّة سياسيّة ارتبطت بفكرة شعبيّة حول ابن داود. (2) رفض يسوع نسل المسيح الداودي لأنه اعتبر نفسه المسيح بل عرف أنه ليس من نسل داود. (3) أعاد يسوع تفسير مز 110: 1 على ضوء موضوع ابن الانسان. (4) أراد يسوع أن يبيّن أن مجد المسيح يتفوّق على مجد ابن داود. آراء عديدة.
ج- تفسير الايات (22: 41-46)
* "وفيما الفريسيون مجتمعون" (آ 41-42)
بدأ يسوع الجدال هنا كما في 16: 13 (سأل تلاميذه قائلاً) و21: 28 (مثل الابنين، ماذا ترون). هذه المقدّمة هي تدوينيّة (رج مز 2: 2). وهي تختلف بعض الشيء عن مر 12: 35 (وفيما يسوع يعلّم في الهيكل). "ماذا ترون في المسيح...". سؤالان سيتبعهما سؤالان آخران. وهكذا يفترق مت عن مر 12: 35: "كيف يقول الكتبة إن المسيح هو ابن داود"؟ جاء السؤال الأول: "ماذا ترون"؟ وكمّله السؤال الثاني: "المسيح، ابن من هو"؟ سؤال اصطلاحيّ ولكنه يوجّهنا إلى لقب آخر: ابن الله.
"قالوا له: ابن داود". ق يو 7: 24. لا نجد ما يقابل هذا الجواب في مر. مرّة أخرى اكتفى خصوم يسوع بقول ما هو بديهيّ، فما زادوا شيئًا عمّا يقول الناس. طرح يسوع لغزًا حول شخصه كما فعل مع التلاميذ في قيصريّة فيلبس. هل سيكون موقف الفريسيين مثل موقف التلاميذ الذين اكتشفوا في يسوع "المسيح ابن الله الحي"؟
* "قال لهم" (آ 43)
لا شيء يوازي هذا في مر، لأنه لم يكن أحد ليقطع على يسوع كلامه كما في مت. حيث أجاب الفريسيون: "ابن داود". "كيف يدعوه داود..."؟ ق مر 12: 36؛ 2 صم 23: 2 (قال داود: روح الرب يتكلّم فيّ")؛ أع 1: 16؛ 28: 25؛ 2 بط 1: 21. زاد مت "كيف"، فصار الكلام سؤالاً. وأقحم "إذن"، فدلّ على أنه يوافق على جواب الفريسيّين. أحلّ "دعا" محل "قال" (آ 45 ≠ مر 12: 37) وجعله بعد "الروح". اكتفى بلفظة "الروح" ولم يقل مثل مر "الروح القدس". ربط الكلمات الأخيرة في اليونانيّة ربطًا وثيقًا "دعا أباه الربّ". وهكذا وضح "اللغز" حول استعمال لفظة "الربّ".
"في الروح" أي بإلهام الروح. هكذا يُصبح مز 110 نبويًا فيصبح النصّ كتابًا ملهمًا. نعرف أن داود نبيّ في كتابات قمران (شرح المزامير 27: 10- 11 في المغارة 11): "ومجموع المزامير والأناشيد كان 4050. كل هذا قاله في نبوءة أعطيت له من قبل العليّ"؛ رج أع 2: 30 (كان نبيًا، في عظة بطرس)؛ يوسيفوس، العاديات (6/ 8: 2): "ترك الله شاول وانتقل إلى داود الذي حلّ عليه روح الله فبدأ يتنبَّأ".
* "قال الرب لربي" (آ 44-46)
جعل الانجيليّ الاعتراف المسيحيّ في فم داود. رج مز 110: 1 (حسب السبعينيّة). "موطئ" (هيبوكاتو لا هيبوبوديون). عاد النصّ إلى مز 8: 7 الذي يرد في 21: 16 مع ابن داود وله معنى مسيحاني في الترجوم.
إن مز 110 يعود إلى ما قبل المنفى (أقلّه في الانطلاقة الاولى، وإن أعيدت قراءته بعد المنفى). هو مزمور ملكي. يعد الملك الذي يملك في أورشليم بقدرة يهوه وسلطته، ويدوس الاعداء، ويقوم بالوظائف الكهنوتيّة. وفسرّت السبعينية هذا المواعيد فشملت الولادة من الله (أنت ابني) أو التبنّي (رج حوار مع تريفون ليوستينوس، 63). وأعطاه بعض اليهود في الزمن السابق للمسيح معنى مسيحانيًا (تلمود بابل. سنهدرين 38 ب بفم عقيبة؛ تك ربه 18: 23؛ عد ربه 18: 23؛ ترجوم مز 110)، واستعملته "وصيّة أيوب" (33) لكي تصوّر جلوس أيوب على عرش سماويّ. وطبِّق أيضًا على الحشمونيين. كما طبّق على ابراهيم وداود والمسيح في تعليم الرابينيين.
وورد مز 110 في المراجع المسيحيّة الأولى: مر 12: 36 وز؛ أع 2: 34- 35؛ اكلمنضوس الاولى 36: 5؛ رسالة برنابا 12: 10. وهناك تلميحات عديدة في مر 14: 52 وز؛ 16: 19؛ لو 69:22؛ أع 33:2؛ 5: 31، 7: 55-56؛ روم 8: 34؛ 1 كور 15: 25؛ أف 1: 20؛ 2: 6؛ كو 3: 1؛ عب 1: 3، 13؛ 8: 1؛ 10: 12-13؛ 1 بط 3: 22؛ رؤ 3: 21؛ اكلمنضوس الأولى 36: 5؛ بوليكربولس إلى أهل فيلبي 2: 1؛ رؤ بطرس 6؛ رؤ يعقوب 14: 30- 31. تذكر عادة صورة يسوع الذي هو عن يمين الله. ولكن تنوّعت الصورة فتحدَّثت عن إخضاع كل شيء لقدرة يسوع (1 كور 15: 25)، وعن مجد يسوع و"انتقاله" (مت 26: 64)، وعن مسيحانيّة ابن داود (مت 22: 41- 46)، وعن كهنوت يسوع (عب 8: 1).
* "فإن كان داود" (آ 45)
قد تكون نظرة الفريسيين إلى الانتظار المسيحاني (آ 42) شبيهة بفكرة الصادوقيين حول القيامة. قد تكون ضعيفة وبعيدة عن الواقع. جاءت هذه الاية في خط آ 43.
كيف
إذن داود الروح دعاه ربًا (43)
هنا يأتي الايراد الكتابي (آ 44)
إذن، إن دعاه داود الروح الرب،
كيف (45).
هذا البرهان يفترض أمرين. الأول: يقول التقليد اليهوديّ إن داود ألَّف مز 110. الثاني: المزمور 110 هو مزمور مسيحاني. يتبع هذا أن داود كتب عن "الربّ" (= الله) الذي يكلّم "ربّي" (= ملكي)، أي المسيح ابن داود (آ 42). نحن هنا في الظاهر أمام تناقض. كيف يستطيع الانسان أن يقف عن يمين الله ويقول إن الرب هو ابن داود؟ قد يستطيع الابن أن يدعو أباه "السيد" (كيريوس) (21: 29)، ولكن الأب لا يكلّم ابنه بهذا الشكل. وقد دلّ صمت الفريسيين أن لا حلّ عندهم للغز، وإن يكن الحلّ بسيطًا لدى القارئ المسيحيّ. إنه يجد الحلّ في يسوع. فإن يكن المسيح من نسل داود، فهو أيضًا ممجّد عن يمين الله ويملك كالرب (رج 26: 64). فابن داود (لا يُرفض اللقب ولا يخفّف مضمونه) ليس فقط ملكًا أرضيًا ولا مجرّد خلف لداود. بل نسلك ملكيّ، وسيتجاوز مصيره مصير هذا الملك. فيسوع هو، قبل الفصح، ابن الله. هو أعظم من داود ومن ابن داود (= سليمان، 12: 42).
أن يكون ابن داود هو "الربّ"، فكرة نجدها في مقاطع سابقة (9: 27-28؛ 15: 22؛ 20: 35- 31). فالذين هتفوا ليسوع أنه ابن داود قالوا أيضًا إنه الرب. أمّا ما نقرأ في روم 1: 3- 4 عن يسوع ابن داود في الولادة وابن الله بالقيامة (كيرلس الاسكندراني، شرح لوقا 137، اثناسيوس عن الاريوسيين 15 "13، 14")، فيجد نورًا في الجدالات الرابينيّة حول، ما يمكن أن نجده من تناقض في الكتب المقدّسة. حسب "مدوت" اسماعيل الثالث عشر نقرأ: "نصّان كتابيّان يوافق الواحد الآخر (= يعالجان الموضوع الواحد) قد يناقض (في الظاهر) الواحد الآخر، يظلاّن في مكانهما إلى أن يأتي نصّ ثالث ويحسم بينهما" (مكلتا خر 12: 5). وبعبارة أخرى يفسّر الواحد بحيث لا ينكر الآخر. في مت 22: 41-46 لا يقف النصّ في وجه الآخر، فينتظران نصًا ثالثًا. ولكن مبدأ رابي اسماعيل (التنسيق) يبقى معمولاً به. فالمزمور 110 وانتظار داود يلبثان في مكانهما. وستدلّ حياة يسوع كيف يكون يسوع ابن داود والربّ الممجّد (ربّ داود). على المستوى البشري، يسوع هو ابن داود. وعلى المستوى الالهي هو الربّ.
"فلم يستطع أحد أن يجيبه" (آ 46). هنا ينتهي الجدال مع خصوم متعلّمين. فبان جهلهم أمام سلطة يسوع التعليميّة. أما ف 23 فيتوجّه إلى الجموع وإلى التلاميذ. أما الموضوع فهو الكتبة والفريسيون الذين جلسوا على كرسي موسى.

3- قراءة لاهوتيّة
فشل الفريسيون حين طرحوا سؤالهم حول الجزية لقيصر (22: 15-22). وبعد جدال بين يسوع والصادوقيّين، هو مت يعيدهم إلى المسرح. فكأني بمتّى يقرأ من خلال هذا الانجيل صراعًا بين كنيسته ورؤساء المجمع في السنوات 80- 90. أما في هذا المقطع، فيسوع لا يهاجَم، بل هو يهاجم خصومه طارحًا سؤالاً صعبًا. هو لا يوجّه كلامه إلى الفريسيين لكي يعلّمهم، بل ليجعلهم في حيرة قد تصل بهم إلى طرح السؤال الحقيقيّ.
جاء كلام يسوع في سؤال، بل في أسئلة أربعة على طريقة المدارس الرابينيّة. سؤال أول يتبعه سؤال ثان يوضحه. لا يسأل يسوع الفريسيين حول ما يعرفونه عن المسيح. بل يتطلّع إلى جدّ المسيح، إلى داود. ففكرة المسيح ابن داود انتشرت انتشارًا واسعًا لدى يهود ذلك الزمان.
وفعلَ يسوع كما يفعل المعلّمون. انطلق من نصّ كتابي. انطلق من مز 110: 1 الذي نسبه إلى داود واعتبره ملهمًا. هو ما أنكر أن يكون يسوع المسيح ابن داود، ولكنّه توقّف عند تطبيق مز 110. أما المعنى فهو كالتالي: (= أي إن يسوع) هو حقًا ابن داود ولكن في معنى لا تتوقّعونه. فإن كان ابن داود كما تقولون، فكيف يتوجّه إليه داود على أنه الرب (كيريوس)؟ إذن، يجب أن يكون ابن داود هذا أكثر من "داودي" (من نسل داود) بسيط يعتلي العرش كما فعل الملك داود ألف سنة ق م.
لا جواب من قبل الخصوم. وهكذا يبقى المسيح شخصًا سريًا وأعظم ممّا تخيَّله الفريسيون. هم لا يفهمون ولا يعرفون على مثال نيقوديمس (3: 10) الذي جاء إلى يسوع ليلاً (ضدّ نور المسيح) ومضى ليلاً. عرف التلاميذ حقيقة أمر يسوع ابن داود بعد القيامة. ولكن الفريسيين رفضوا القيامة واعتبروا أن التلاميذ سرقوا الجسد ليلاً. لهذا لن يستطيعوا أن يفهموا أن يكون يسوع ابن داود وربّ داود.

خاتمة
إن 22: 41-46 يذكر تعليم يسوع حول المسيح، وهو ينهي قسمًا بدأ في 20: 29. بدأ هذا القسم في الجدال وانتهى في الصمت: "لم يجسر أحد البتّة أن يلقي عليه سؤالاً".
نجد هنا عددًا من الألقاب الكرستولوجيّة. يسوع هو ابن داود. ولكن القارئ يعرف أيضًا أنه ابن الله. هو المسيح وهو الربّ. ونتذكّر أن مز 110: 1 يرد في مت 26: 64 ليصوّر مجيء ابن الانسان كما في دا 7. أجل، السؤال الأساسيّ يدور حول هويّة يسوع. من هو بالنسبة إلى اليهود. انسان فقط؟ أم أكثر من انسان ولو كان هذا الانسان ابن داود؟ إنه ربّ داود.
الفصل الخامس والعشرون
معلّمكم واحد وجميعكم إخوة
23: 1- 12

حين قرأنا المقطوعة السابقة حول المسيح ابن داود وربه، اكتشفنا التماسك في السرد المتّاويّ منذ ف 21: فالتوتّر بين يسوع ورؤساء الشعب ما زال ينمو حتى ف 23 حيث يصبح كلام الرب توبيخًا قاسيًا وتقريعًا عنيفًا يتوزعّ في عدد من الويلات. "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون". نحن لا نجد في 23: 1-36 موضوعًا واحدًا، بل صورة فيها الكثير من الهجوم على الكتبة والفريسيين (آ 1-12). ثم رثاء لهم في صيغة "الويل". وبعد توبيخ قاس نجد نبوءة مخيفة يقول فيها يسوع المتّاويّ لمحاوريه إنهم سيؤخذون في فخّ غضبهم. سيقع عليهم كل دم زكيّ هُدر على الأرض.
في الازائيين، ولا سيّما في متّى ولوقا، لا يتوجّه يسوع بشكل مباشر إلى الفريسيين، بل إلى الجمع وتلاميذه (يقوله لوقا: إلى جميع الشعب). هذا يعني أن يسوع لا يهاجم تعليم الفريسيين في حدّ ذاته، بل يقف بين الشعب ورؤسائه التقليديين ليعارض سلطة الرؤساء على هذا الشعب. وأول هجوم ليسوع على خصومه: ليسوا منطقيين مع أنفسهم: يقولون ولا يفعلون. هم غير أمناء لتعليمهم. وموضوع الاتهام الثاني هو أنهم يعملون كل شيء لكي يراهم الناس. مع آ 8، تتحوّل لهجة يسوع فيحدّث الشعب الذي يسمعه مع التلاميذ، بل يحدّث الجماعة الكنسية في أيام متّى فيدعوها إلى الخدمة، إلى حياة الاخوّة، إلى تواضع ينتهي بها إلى الارتفاع. هو ارتفاع على الصليب مع المعلّم. وفي الوقت عينه ارتفاع في المجد مع ربّ المجد.

1- السياق الادبي
تنتمي هذه المقطوعة إلى القسم الأول من مجموعة أقوال الربّ التي تحتلّ ف 23 كله. بعضهم سمّاها "الخطبة المتاويّة للفريسيين". أما القسم الثاني فيشكّل النواة التي تميّز هذه الأقوال: أخذ يسوع لهجة الأنبياء في التوبيخ والتقريع، فأعلن سبعة ويلات قاسية ضدّ الكتبة والفريسيين (آ 13-36). والقسم الأول (آ 2- 12) يأخذ الوجهة التعليميّة والارشاديّة، فيتوجّه إلى الجمع وإلى التلاميذ. وأخيرًا في الجزء الثالث ودعّ يسوع شعبه باكيًا على أورشليم التي ستعرف الخراب القريب (آ 37-39). هذه الأقوال الأخيرة تدخلنا إلى "الخطبة الاسكاتولوجيّة"، كما نقرأها في ف 24- 25.
قبل ف 23، كان الانجيليّ قد أعطى نظرة إجماليّة حول نشاط يسوع المسيحانيّ في أورشليم وبالتحديد في الهيكل. تكرّس بشكل خاص لخدمة الكلمة، أي للتعليم (21: 23: فيما هو يعلّم) والفقاهة (33:22: بهتوا من تعليمه). وبعد أن وضع يده على الهيكل (هو بيت أبيه) وطهّره (21: 12: طرد جميع الذين يشترون ويبيعون)، تكلّم فيه بسلطان وانقسم سامعوه ثلاث فئات: التلاميذ الذين يكوّنون حوله جماعة متّحدة جدًا. خصومه الذين يتآمرون عليه. الجموع التي ظلّت تتحمَّس له (22: 33) فتحميه من أعدائه (21: 46: طلبوا أن يقبضوا عليه إلاّ أنهم خافوا من الجموع).
هؤلاء الاعداء الذي يمرّون بعضم وراء بعف، يمثّلون وجهاء الجماعة اليهوديّة في القرن الأول المسيحي. هناك عظماء الكهنة (21: 15، 23، 45). شيوخ الشعب (21: 23). الكتبة (21: 15). الصادوقيون (22: 23، 34). الهيرودسيون (22: 16). الفريسيون (21: 45؛ 22: 15، 34، 41). تلاميذ الفريسيين (22: 16). كتبة ينتمون إلى مجموعة الفريسيّين (22: 35). ولكن إذا انطلقنا من الفقاهة المتاويّة، نرى أن هذه المجموعات التي تمثّل كتلة معادية يجسّدون كل شعب اسرائيل: شهد مجيء المسيح ولكنه قاوم مقاومة ناشطة وكاملة وجذريّة شخص يسوع وتعليمه ومرسليه، فكان مسؤولاً عن هذه المقاومة، وخاطئًا تجاه يسوع الذي اعتاد أن يسمّيه "هذا الجيل" (23: 36).
مال الانجيليون عامّة، ومتّى خاصة، إلى اعتبار الفريسيين العدوّ الأول ليسوع. والصورة التي رسموها عن "الفريسي" قد انتقلت إلى عقليّة الشعب المسيحي الذي يرى فيه نموذج الرياء والخبث، نموذج جميع الشرور. وهكذا وصل هجوم متّى في ف 23 إلى الذروة، فصارت هذه الأقوال المذكورة هنا حجر عثرة أمام اليهوديّ الذي يقرأ الانجيل.
وكانت ردّة الفعل لدى عدد من الشّراح المعاصرين، صرخة تحتجّ على الظلم. ففي نظرهم، لم تكن معارضة منظّمة وعميقة بين يسوع وفريسيّي عصره. واعتبر الأكثر جذريّة بينهم (وخصوصًا الكتّاب اليهود) أن يسوع كان فريسيًا. ويقولون: كل ما فعله يسوع هو أنه واجه مجموعة خاصة حول مسائل تطرح في المدارس. ولكن مدوّنيّ الانجيل شوّهوا المنظار التاريخيّ وعمّموا وضخّموا الأمور، فأعادوا إلى زمن يسوع التوتّرات والجدالات والقطيعة النهائيّة التي حصلت بين الجماعات الرابينيّة والجماعات المسيحيّة خلال الحقبة المظلمة التي تلت كارثة أورشليم سنة 70 ب م. فرابينيّو ذلك الوقت الذين لم يكونوا فريسيّين في المبدأ، كانوا كذلك في الواقع. وماهى المعلّمون المسيحيّون بينهم وبين "الكتبة" في أيام يسوع، وقاربوا بين الفئتين وجمعوهما في عبارة "الكتبة والفريسيين" التي ترد سبع مرّات في مت 23. إذن يقولون، إن ف 23 لا يعكس عواطف يسوع وأقواله، بل عداوة متحمّسة ضد الفريسيين ومناوئة لهم حرّكتها حلقات من المسيحيين المتهودين في الجيل الثاني المسيحي (أي بعد الرسل) أو الجيل الثالث.
أما نحن فنحاول أن نفهم هذه الصفحة دون أن نأخذ موقفًا متطرّفًا. "فالخطبة المناوئة للفريسيين" التي نقرأها في فم الرب، ليست نسخة مسجّلة تسجيلاً حرفيًا، وإلاّ لكانت نصوص مت ومر ولو متشابهة حتى في العبارات والألفاظ. أما متّى فجمع عدّة عناصر من التقليد الفقاهيّ بشكل منهجيّ، وقام ببعض اللمسات في النصوص، وكمّلها بحسب أسلوبه التعليمي العاديّ. وهكذا جاءت مسيرة تدوين ف 23 متشعّبة جدًا. وهناك أسئلة لا نستطيع أن نجد لها أجوبة كافية. أما قوّة النصّ فتعود إلى كون الانجيلي (أو التقليد الذي سبقه) قد جمع أقوالاً قالها يسوع في مناسبات عديدة، وقدّمها دفعة واحدة فبدت مدمّرة لتيّار الكتبة والفريسيين (فالمسيحيون يستطيعون أن يكونوا "كتبة وفريسيين" إن هم تصرّفوا كما نقرأ في مت). وعلى المستوى السيكولوجيّ، تأثّر مدوّن الانجيل خاصة باهتمامات راعويّة تجاه كنائس مسيحيّة متهوّدة يكتب لها، وبالأخصّ تجاه "أساقفتها" (وشيوخها).
فالقطيعة قد تمّت بين تلاميذ الانجيل والمجمع الرسمي الذي ما زالت يؤثّر عليهم تأثيرًا قويًا ويحاول أن يستميلهم عبر مضايقة اجتماعيّة تحوّلت مرّات إلى اضطهاد حقيقيّ. حاول متّى أن يأخذ موقفًا متوازيًا: من جهة شدّد على وصيّة المحبّة للأعداء. ومن جهة ثانية، صوّر بأكثر ما يكون من التفاصيل موقف المضطهدين المناوئ للانجيل. فاختار أقوال يسوع ضد الذين عارضوا رسالته واضطهدوه حتى الموت، وجمعها في خطبة "كاملة" تتألّف من سبعة ويلات (رقم 7 هو رقم الكمال)، فدلّ على جوهر ما قاله يسوع في خصومه الذين كان بينهم عدد كبير من الكتبة والفريسيين. ففي نظر متّى، الكتبة والفريسيون هم الخصم النموذجي ليسوع وللكنيسة. وهكذا بدا يسوع في هذا النصّ من مت كالنبيّ الذي يُرسل كلام التوبيخ، بل كالدّيان الاسكاتولوجيّ الذي يهدّد لكي يدعو إلى التوبة، ولا يخاف من أن يبرز الخطيئة الكامنة في هذه القبور المكلّسة. 
ولكن ما دفع متّى إلى الكتابة أولاً، هو اهتمام رعائي تجاه كنائسه. لاشكّ في أن هناك حدودًا بين هذه الكنائس وعالم الرابينيين الفريسي. ولكن الناس يعبرونها بسهولة. ومع ذلك، بدا الفصل جذريًا بين الكنيسة والمجمع. أما بالنسبة إلى الوثنيين، فالمسيحيون المتهوّدون (مينيم كما يقول اليهود في المباركة الثامنة عشرة التي هي في الحقيقة لعنة) واليهود الذين ظلّوا يهودًا، متشابهون بحيث يخلط الغريب بين فئة وفئة. خاف متّى أوّلاً من العدوى تصيب أبناء الكنائس الذين يعودون إلى العالم اليهوديّ كما حدث في كنيسة غلاطية فتدخّل بولس. وخاف أن يضيع الوثنيون الذين سوف يرتدّون. لهذا كتب ما كتب. 
عرف متّى أن انجيله لن يُقرأ في مجامع الرابينيين المتأثّرين بالعالم الفريسي، بل في الجماعات المسيحيّة. ولهذا، كان كلامه موجّهًا ضدّ عقلية ومواقف فريسيّة أخذت تنتشر داخل الكنيسة. بدأ المسؤولون يأخذون بعادات الفريسّين. "يحبّون المتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، والتحيّات في الساحات". كادت الكنيسة في أورشليم أن تصبح شيعة منغلقة على نفسها، رافضة دخول الوثنيين إليها. ولكن كانت حادثة بطرس عند كورنيليوس، وعمل الهلينيين مع اسطفانس، ومشروع بولس الرسولي. وعاشت كنيسة متّى تجربة العودة إلى اليهوديّة الفريسيّة والعقليّة الفريسيّة، فكتب لها الانجيليّ ينبّهها ويحذّرها من الخراب الذي ينتظرها إن هي ظلّت في موقعها ولم تتب إلى الرب.

2- تفسير الآيات
أ- مقدّمة تدوينيّة (آ 1)
كان يسوع يعلّم في الهيكل. ويبدو أنه يتابع تعليمه هناك (23:21؛ 24: 1). في النصّ الموازي في مر 12: 37، يبدو أن يسوع يتوجّه إلى الشعب. وبحسب لو 20: 45، يتوجّه إلى التلاميذ في حضور الشعب. أما مت فقال: "عندئذ كلّم يسوع الجموع وتلاميذه". تحدّث إليهم عن خصومه الذين هم الكتبة والفريسيون. أما "الجموع" (أوخلوس) فهم فئة يحتقرها عدد كبير من الرابينيين، هم "أهل الأرض" الوضعاء. ولكن هذه البساطة هي التي تجعلهم قريبين من الانجيل. و"التلاميذ" يمثّلون المسيحيين الذين خرجوا من العالم اليهودي، يمثّلون المسؤولين عن الجماعات. سمّاهم اليهود "مينيم" واستبعدوهم عن الاجتماعات التي تتمّ في المجامع يوم السبت.
في هذه الخطبة الطويلة (ف 23) التي وضعها الانجيليّ في فم يسوع، نتوقّف فقط عند آ 1-12 ونقسمها قسمين متوازيين: هم (آ 2-7). مهما قالوا لكم. يحزمون أحمالاً ثقيلة... أنتم (آ 8- 12). وأما أنتم فلا تدعون رابي. الأكبر فيكم يكون خادمًا. وهكذا نكتشف ما يميّز الكتبة والفريسيين، وما يجب أن يراه الناس في الكنيسة من حياة أخويّة تتميّز بالخدمة والتواضع. هذا التعارض الارشاديّ هو أسلوب تربويّ مارسه متّى مرارًا (رج 20: 26-27).
ب- الكتبة والفريسيون (آ 2- 7)
يشدّد النصّ على ثلاثة أمور: المسؤوليّة، الأنانيّة، الكبرياء وحبّ التظاهر.
أولاً: دور الكتبة والفريسيين في الجماعة (آ 2-3)
تبدأ خطبة يسوع فتدلّ على مكانة الكتبة والفريسيين في الجماعة: إنهم يمارسون تعليمًا دينيًا شرعيًا في اسرائيل (آ 2). وكلمة "كرسي" (كاتدرا) تدلّ على الوظيفة التعليميّة (كما تدلّ على الوظيفة القضائية). ففي الزمن الهلنستيّ (مع التأثير اليونانيّ في الشرق بعد دخول الاسكندر الكبير إليه) اعتاد الفكر اليهوديّ أن يعتبر موسى معلّما (رج يو 9: 28: نحن تلاميذ موسى) أقامه الله على كرسيّ التعليم في سيناء. ونظّم العالم الرابيني سلسلة روحيّة من الأسماء تتواصل ولا تنقطع منذ موسى مرورًا بيشوع والشيوخ والأنبياء و"رجال المجمع الأعظم" حتى الرابينيين المعاصرين. هي سلسلة من جميع الذين تكلّموا باسم التقليد الشفهيّ وفسّروه، واعتبروا أم مهمتهم هي المدافعة عن التوارة المكتوبة عن هذا التواصل في وظيفة التعليم.
إن الكرامة الرفيعة التي يمثّلها الكتبة والفريسيين، ستتعارض كل المعارضة مع الأقوال القاسية التي سنقرأها في الويلات. جمع مت هنا بواقعيّة ما يعرفه عن المؤسّسة ونظمها. واعترف بسلطتها. وذكّر بمسؤوليّتها. وطلب من الناس أن يسمعوا لها. ففي نظر شعب لا يستطيع أن يستغني عن التعليم الدينيّ، شكَّل علماء الشريعة مدرسة موسى في أيام يسوع، ولو استحقوا اللوم بعض المرات، لأنهم يقولون ولا يفعلون.
إذا كان الذين يمسكون بالسلطة تنقصهم الفضيلة، يحدث توتّر بينهم وبين الشعب. ونحن نجد صدى لذلك في هاتين الوصيتيّن اللتين نوّه بهما يسوع. "إذن، اعملوا واحفظوا كل ما يمكن أن يقولوا لكم، ولكن لا تسلكوا (لا ترتّبوا حياتكم) بحسب أعمالهم" (لا تقتدوا بهم) (آ 3ج- 7). أما الشقّ الأول (آ 3أ: مهما قالوا لكم) فيتبع التأكيد السابق: إذا كانوا يجلسون على كرسيّ موسى، فهم يجسّدون اليوم تعليمه. لهذا، يجب على كل اسرائيلي أن يعمل بما يأمرونه به. هنا نحسّ بنيّة دفاعيّة عند متّى. ظلّ المسيحيون يراعون نظم الشعب اليهوديّ حتى بعد عمادهم. لهذا ليسوا مسؤولين عن القطيعة التي تمّت بين الكنيسة والمجمع.
غير أن هناك مقاطع عديدة من مت لا تتوافق مع تعليم الرابينيين في بعض النقاط: التعامل مع راحة السبت (12: -13). طريقة تفسير الوصايا بحيث تتغلب تقاليدُ الشيوخ على وصايا الله (15: 1- 20). بل تعليمهم كله هو خمير يجب أن يحذره تلاميذ يسوع (16: 5-12). ومع ذلك، ورغم رفض يسوع لبعض التعاليم من شّراح الشريعة، تبقى سلطتهم التعليميّة هي هي. لا شيء يلغيها في أساسها. هنا يلمّح الانجيليّ الذي يكتب إلى عالم مسيحيّ متهوّد إلى ممارسة خدمة في الكنيسة تشبه تلك التي يُطلب منها أن تشرح شريعة موسى خصوصًا في المجامع (رج أع 15: 21).
كان يجب على التعليم الدينيّ أن يكون مهمّة الكهنة كما يقول سي 17:45: "أعطاه في وصاياه سلطة على فرائض الشريعة لكي يعلّم يعقوب متطلّباتها وينير اسرائيل بشريعته". وقال هوشع لكاهن باسم الرب: "نسيت شريعة إلهك" (4: 6). وقال ملا 7:2: "لأن شفتي الكاهن تحفظان العلم، ومن فيه يطلبون الشريعة، إذ هو ملاك ربّ الجنود". أما في زمن متّى (والمسيح أيضًا) فالكتبة والفريسيون هم الذين يقومون بهذه الوظيفة التعليميّة. والطريقة التي بها يمارسون خدمتهم تدلّ على نبل عملهم. لهذا يجب على المؤمن أن يعمل بما يقولون، بقدر ما يكون عرضهم مطابقًا لكلام موسى. فإن هم حادوا عنه في بعض الأمور، فلا نستطيع أن نقول إنهم يجلسون على كرسيّ موسى. بل لا يحقّ لهم بعد اليوم أن يجلسوا بعد أن جاء موسى الجديد، يسوع المسيح. إنه وحده المعلّم.
وإذ أعلن الانجيليّ مسؤوليّة الكتبة والفريسيّين بالنظر إلى كرامتهم وخدمتهم، أعلن في الوقت عينه كم ذنبهم خطير. وهكذا يواصل انتقادَ تصرّفهم الشخصيّ حتى نهاية الخطبة. "يقولون ولا يفعلون" (آ 3 ج). إن هذا اللوم الذي يرد بشكل عام جدًا، يدخلنا إلى آ 4، ويفسّر على ضوء هذه الآية. هي عبارة تطرق بقوّة. بدت بشكل سلبيّ لفريضة تميّز لاهوت متّى: يجب أن تتوافق الأعمال مع التعليم، والأفعال مع الأقوال. "كل شجرة لا تثمر ثمرًا جيّدًا تُقطع وتُلقى في النار" (19:7). "ليس كل من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السماوات" (7: 21). ونقرأ في 5: 19: "كل من يتعدّى واحدة من هذه الوصايا، حتى من أصغرها، ويعلّم الناس أن يفعلوا هكذا، فإنه يُدعى الأصغر في ملكوت السماوات. وأما من يعمل ويعلّم، فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات". غير أن الكتبة والفريسيّين هم معلّمون غير منطقيين مع نفوسهم. يقولون ولا يعملون. يحمّلون الناس الأحمال، وهم لا يحرّكونها بإحدى أصابعهم.
ثانيًا: اتهامان اثنان (آ 4-7)
* الاتهام الأول (آ 4)
يتهّمهم يسوع لأنهم لا يستخلصون النتائج مما يقولون. يحوّرون ما يقولون. ويظهر هذا الموقف حين يطلبون من الآخرين ما لا يطلبونه من نفوسهم. "يحزمون أحمالاً ثقيلة وهم..." (آ 4). وهكذا يلمّح النصّ إلى الوجهين والقلبين، إلى عدم استقامة. ويصوّر مسبقًا هؤلاء المرائين (آ 13 ي) الذين يكذبون على الله وعلى أنفسهم. والأحمال الثقيلة التي يضعونها على ظهور الناس تقابل "الحمل الخفيف" الذي يقدّمه معلّم الوضعاء (11: 30). واستعارة الحمل الثقيل تدلّ على العبد الذي ينحني من حمل رُبط على ظهره وما مدّ إليه أحد يدَ المساعدة (غل 6: 2: إحملوا بعضكم أثقال بعض). ويعود "ربط" إلى المعنى الرمزي الذي تعرفه "الهلكة" الرابينيّة التي تفرض على الشعب فرائض على مستوى الضمير تنطلق من تفسيرها للشريعة. أما الناس الذين تتألّم أكتافهم، فهم المتعبون الذين ينوءون تحت الحمل (11: 28)، لأنهم يتعذّبون من إفراط في تفسير الشريعة يزاد على "نير" الشريعة التي هي ثقيلة جدًا في حدّ ذاتها (أع 15: 10). إلاّ أن الانجيل لا يهاجم هنا قساوة الفرائض، بل المراءاة التي تقيم معيارين: واحد خفيف للكتبة. وآخر متطلّب للآخرين.
* الاتهام الثاني (آ 5-7)
ويشير الاتهام الثاني إلى أن كل شيء يجب أن يعود إلى الكتبة الذين يعتبرون نفوسهم محور المجتمع. ففي كل ما يعملون من أعمال يجب أن يراهم الناس. فبحسب آ 3 ب، إن قاموا بعمل فضيلة فلكي يُعجب بهم الناس (آ 5 أ). استعاد مت هنا موضوع وعبارات القسم الثاني من الخطبة الأولى، العظة على الجبل 6: 1-6، 16-18: "متى صنعت صدقة لا تبوّق بها قدامك كما يفعل المراؤون في المجامع.. ومتى صليتم فلا تكونوا كالمرائين يحبون الصلاة لكي يظهروا للناس... ومتى صمتم فلا تكونوا معبّسين كالمرائين، فإنهم ينكّرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين".
بعد ذلك، تأتي ثلاثة أشطار بُنيت بحسب التوازي المترادف، فصوّرت هذا اللوم بشكل يدلّ على احتقار لمثل هذا التصرّف.
* الشطر الأول: "يعرّضون عصائبهم" (آ 5 ب). نحن أمام كاريكاتور يصوّر "تقواهم" بشكل يظهر للناس. إن استعمال العصائب كانت عادة قديمة جدًا في أيام يسوع. وهذا العمل يرتدي بعدًا دينيًا ساميًا، لأنه يدلّ على مثال رفيع: هكذا يتذكّر المؤمن دومًا شريعة الله ويلتزم بحفظها (تث 6: 8؛ 11: 18؛ خر 9:13، 16). لهذا يضعها دائمًا نصب عينه. فهي تدلّ على انتمائه للرب (مثل الوشم في الجسم. هناك من يجعل الصليب في زنده). أش 44: 5؛ خر 9: 4-6؛ رؤ 3: 12؛ 7: 3؛ 9: 4. كان الناس يجعلون هذه العصائب (وهي علب صغيرة تحتوي النصوص الأساسيّة في الشريعة، خر 13: 1-10؛ 13: 11-16؛ تث 4:6-9؛ 13:11- 21. وُجدت عصائب في مغاور قمران) عليهم حين يصلّون. أما الأتقياء فكانوا لا يتخلّون عنها طوال النهار. مثلاً، يوحنا بن زكاي (حوالي 80 ب م) وتلميذه رابي العازر. لا يلوم يسوع هذا الرابي أو ذاك لأنه يحمل العصائب على جبهته للدلالة على تمسكه بمراسم الربّ، بل لأنه يلبسها ظاهرًا، لكي يراه الناس. أما الله فيرى في الخفية.
ونقول الشيء عينه عن الأهداب التي هي شرّابات تُجعل في أربع زوايا الرداء فتذكّر المؤمن بوصايا الرب. رج عد 15: 37-39؛ تث 22: 12؛ مت 9: 20؛ 14: 36. "قال الرب لموسى: مُر بني اسرائيل أن يصنعوا لهم أهدابًا على أذيال ثيابهم... فيتذكّرون وصايا الرب ويعملون بها".
* الشطر الثاني: "يحبّون المتكأ الأول في الولائم. والمجالس الأولى في المجامع" (آ 6). إن آ 6 (مع آ 7)، لا تصوّر انحرافات مطبوعة بالأنانيّة بها يعمل الانسان عملاً صالحًا لكي يراه الناس، بل أفعالاً تدلّ على الكبرياء والمجد الباطل. فجميع الشعوب القديمة ولاسيّما في الشرق (في الماضي وفي أيامنا أيضًا) قد اهتّموا بقواعد الأوليّة والافضليّة في الاحتفالات العامّة (من يجلس في المقعد الأول، في الصفّ الأول). فهي تساعدنا على التعرّف إلى من هو الأكبر في مجتمع ما (لو 22: 24 ي). لقد قدّم يسوع في هذا الموضوع إرشادًا استنتج منه دومًا العبرة نفسها: الكبير في نظر الله هو الذي يجعل نفسه صغيرًا (آ 12). ومن ترأس على الآخرين صار لهم خادمًا وعبدًا (آ 11، رج مت 20: 26-27: من أراد أن يكون فيكم كبيرًا يكون لكم خادمًا). إن الألفاظ اليونانيّة التي نقرأها في آ 6 والتي قلّما تُستعمل خارج الانجيل تُعتبر خير تعبير عن كلام يسوع. "بروتوكليسياي". "بروتوكاتدرياي" (بروتوس أي الأول. ثم اتكأ. جلس). في المجامع، كان الذين يجلسون في الصفوف الأولى يديرون ظهورهم للعرش الذي يُوضع عليه كتاب الشريعة، فيراهم جميع الناس. إن راعي هرماس ينعت بالكذب "النبيّ" المسيحيّ الذي يتطلّب المركز الأول في الكنيسة (بروتوكاتدريا).
* الشطر الثالث: "والتحيّات في الساحات، وأن يدعوهم الناس: رابي" (آ 7). ويُنهي هذا الشطر الصورة الكاريكاتوريّة عن المعلّمين الفريسيين فيشدّد على مسرّتهم حين يتلّقون التحيّات في الساحات العامّة، وحين يسمعون الناس ينادونهم: رابي. فالساحة هي مركز الحياة العامة. هي على ملتقى الطرق والشوارع. قرب باب المدينة. الجميع يمرّون هناك. ولا ننسى التحيّة في شرقنا: حركة بطيئة واحتفاليّة تدلّ على الرهبة والاحترام العميق. ذاك هو المتكبّر الذي يحبّ رائحة البخور.
جعل الكاتب عمدًا لفظة "رابي" في قمّة القسم الأول من الخطبة المناوئة للفريسيين. فهو سيستفيد منها ليربط القسم الثاني بالقسم الأول (وأما أنتم فلا تدعوا أحدًا رابي). "رابي" هو العظيم. والسيّد. من هنا كلمة "الرب" في العربيّة. ولا ننسى عبارات مثل ربّ البيت (ربّة البيت). ويوضع مع اللفظة ضمير المتكلّم: رابي أي معلّمي أنا (كما يقال في الجماعات الرهبانيّة). بعد ذلك دلّت لفظة رابي على المعلّم والملفان، ووصفت معلّمي الديانة في العالم اليهوديّ. بعد ذلك، سيكون تكريس لمعلّم درس على يد معلّم آخر. لهذا سوف يتساءل اليهود: من علّم يسوع مثل هذا التعليم؟ فأعطى الجواب: علمتكم كل ما سمعت من أبي.
ج- المسؤولون في الكنيسة (آ 8- 10)
ماذا يطلب الانجيل من المسؤولين في الكنيسة بعد الابتعاد عمّا هو سلبيّ في موقف الكتبة والفريسيين؟ الأخوّة، التواضع، الخدمة. أنتم جميعكم إخوة. مدبّركم واحد هو المسيح. والأكبر فيكم يكون لكم خادمًا.
جاء هذا المقطع يعارض كل المعارضة المقطع السابق. فبعد مواقف العجرفة والكبرياء، نقرأ ثلاثة أفعال تطلب البساطة من مجموعة يتوجّه إليها الكلام في صيغة المخاطب الجمع: أنتم جميعكم، أباكم... (8 مرات). وهذا الضمير (أنتم) لا يعود إلى "الشعب" بشكل عام، بل إلى التلاميذ (رج آ 1) وعبرهم إلى المسؤولين في الجماعات المسيحيّة في أيام متّى وفي أيامنا. إن هذه الآيات التي أدخلها مت هنا هي امتداد لدليل نسكي ورعائي قرأنا بدايته في ف 18: "من وضع نفسه مثل هذا الولد.. إن عثّرتك عينك.. إذا خطئ أخوك فاذهب إليه" (ولا تنتظر أن يأتي هو إليك).
أولاً: القول الأول (آ 8)
"وأما أنتم فلا تُدعون رابي، فإن معلّمكم واحد وأنتم جميعكم أخوة". يستند القول الأول إلى آخر لفظة في المقطوعة السابقة: رابي. يفترض الانجيليّ أن لقب "رابي" يعني "معلّم" كما يفسّر ذلك يو 1: 38 (رابي، أي يا معلّم، أين تقيم). اتخذ هذا اللقب معنى تقنيًا بعد إعادة تنظيم جماعة الرابينيين بعد سنة 70 ودمار أورشليم والهيكل وزوال الكهنوت. أما في زمن يسوع، فقد تضمّن هذا اللقب في أوساط المدارس الدينيّة معنى "المعلّم" و"السيّد" معًا.
حين أدرج الانجيليّ توصيّة آ 8 في الخطبة المناوئة للفريسيين، دلّ على المرض الفريسيّ، على الجرثومة التي تهدّد كنيسته. أحبّ بساطة الجماعات الأولى، فقلق حين رأى طرق كلام وعمل تحمل وكلّمها عن يسوع المتواضع والوديع المسيحيّة، بل تتجذّر في جماعات عرفها وكلّمها عن يسوع المتواضع والوديع الذي علّمنا أن يكون كلامنا لا إن كان لا. وأن يكون نعم إن كان نعم. فلماذا المزج بين اللا والنعم. ولماذا التعارض بين الداخل والخارج، بين ما نقول ونفكّر.
في اللغة العبرية، الاسم يدلّ على المسمّى، على الشخص. لا تدعون رابي أي لا تطلبوا أن يسمّيكم الناس "رابي". إذن معنى آ 8 هو: لا تطلبوا أن تكونوا رابي، أن تسمّوا معلّمين لتسودوا على الآخرين. في ذلك قال يع 3: 1: "لا يكن منكم معلّمون كثيرون". أي لا تنصّبوا نفوسكم معلّمين لأن ليس إلاّ معلّم واحد في الكنيسة. إذا أخذنا بعين التوازي في آ10 (مدبّركم واحد، هو المسيح)، والسياق العام في العهد الجديد (يو 13: 13-14: إذا كنت أنا الرب والمعلّم) نفهم أن هذا المعلّم الوحيد لا يمكن إلاّ أن يكون المسيح.
"وأنتم جميعكم أخوة" (آ 8ج). هذه القاطعة الصغيرة تقطع الايقاع في السلسلة الثانية التي تتضمّن كالأولى (آ 5-7) ثلاثة أشطار (آ 8- 10). لا تُدعوا رابي. لا تُدعوا على الأرض أبًا. لا يدعُكم أحد مدبّرين. مهما يكن من أمر، فنحن نستطيع أن نضعها في نهاية آ 9: "أباكم واحد وجميعكم أخوة". ولكن إن وضع الانجيليّ هذه القاطعة (أنتم أخوة) هنا، فلأن له أسبابه. فلفظة "أخ" عرفت في العهد الجديد للدلالة على العضو في الجماعة، في عائلة الكنيسة. إنه يتميّز عن "صاحب وصديق" في مجموعة، عن رفيق. فالمعلّم والسيّد (أي المسؤول في الكنيسة وفي الجماعة) يرئس عائلة (مت 12: 49- 50. قرابة يسوع الحقيقيّة: من يعمل مشيئة أبي) يكون هو أخًا أيضًا (40:25: كل ما فعلتم لأحد إخوتي هؤلاء الصغار؛ 28: 10: قلن لإخوتي أي للرسل) في هذه العائلة التي لها أب واحد هو الآب السماوي (آ 9).
ثانيًا: القول الثاني (آ 9)
"ولا تدعوا أحدًا على الأرض أبًا، فإن أباكم واحد وهو الذي في السماوات". يبدو هذا القول الثاني وكأنه لا يوافق على إعطاء بعض المسؤولين في الجماعة لقب "أبا" في المعنى الاجتماعي والاحترامي كما في "رابي" (آ 9 أ). من الواضح أن النصّ لا يتكلّم عن الأب في العائلة في المعنى الحرفي للكلمة (مت 15: 4 ي؛ 19:19). كما أنه لا يرفض تقليدًا قديمًا عرفته الشعوب كما عرفه الكتاب المقدس، يتحدّث عن علاقة بين المعلّم والتلميذ على مثال العلاقة بين الأب والابن، بحيث يسمّي التلميذ معلّمه "أبي" (2 مل 2: 12. هكذا سمّى أليشاع إيليا؛ أم 4: 1؛ 1 كور 4: 14-17؛ غل 4: 19؛ 2 تم 1: 2؛ تي 1: 4؛ 1 بط 5: 13؛ 1 يو 2: 1، 12). فبين المعلّمين اليهود في الأجيال الأربعة الأولى هناك خمسون معلّمًا سمّوا "أبا". لهذا احتفظت النظم المسيحيّة بهذا اللقب في كل أشكاله: الأب، أبونا، الأباتي، البابا، وذلك للدلالة على قرابة روحيّة.
إن موضوع أبوّة الله (آ 9 ب) أساسيّ في مت. فليس من سلطة داخل الكنيسة، يحقّ لها أن تتعدّى على سلطان الآب وتسيء إلى كرامة المسيحيّ الذي هو بالحقيقة "ابن الله" (1 يو 3: 1-2؛ روم 9: 26). جاءت آ 9 أ مختلفة عن آ 8 أ، آ10 أ. جعلها المدوّن في هذا الشكل ليكون له الثنائي: الأرض والسماوات (رج 6: 10، 19؛ 16: 19؛ 18: 18- 19).
ثالثًا: القول الثالث (آ 10)
"ولا يدعُكم أحد مدبّرين، لأن مدبّركم واحد وهو المسيح". يبدو هذا القول مرادفًا من الناحية العمليّة مع القول الأول. وهكذا اعتبره عدد من الشّراح نسخة ثانية مختلفة عن القول الأول فتترجمه أو تطبّقه. فالكلمة التي تميّز القول الثالث عن القول الأول هي "كاتيغيتيس" التي لا تستعمل إلاّ هنا في كل الكتاب المقدّس (هناك لفظتان قريبتان: هوديغوس، القائد، مت 23: 16، 24؛ هيغومانوس "المدبّر"، رج عب 13: 7، 17، 24). تعني: الدليل، القائد الرئيس، الموجّه. وقد طبّقت منذ القرن الأول على عالم التعليم مع الاحتفاظ بالمدلول الاشتقاقيّ "وجّه" قاد". هو المدبّر والمربّي والقائد الروحي والمرشد والراعي. سمّته السريانيّة "مدبرونو"، المدبّر، واللاتينيّة: المعلّم.
"ليس لكم إلاّ معلّم واحد، مدبّر واحد، هو المسيح (آ 10 ب). من يعرف أسلوب مت ينتظر هنا "ابن الانسان" لا "المسيح" (مدبّر واحد هو ابن الانسان). وهذا ما يدهشنا في فم المسيح (ق مر 9: 41. من سقاكم كأس ماء بما أنكم للمسيح؛ يو 3:17: والذي ارسلته يسوع المسيح). لاشك في أنه لا يستحيل أن يكون الرب سمّى نفسه بهذا الاسم (كرستوس: مسيح). ولكننا نفضّل أن ننسب هذه اللفظة إلى لغة الكنيسة حين تدعو سيّدها.
في قلب هذه الأقوال الثلاثة المناوئة للفريسيين، يتكرّر الموضوع ثلاث مرّات مع لفظة "واحد": معلّمكم واحد. أبوكم واحد. مدبّركم واحد. في إطار هذا المبدأ تأخذ شخصيّة المسؤولين في الكنيسة كامل قيمتها من الاتّضاع والرفعة: هي حضور الخدمة وشفافيّة الابن الوحيد الذي يشاركه المسؤول في الرعاية والقيادة والتعليم. وما يُشرف على هذه الآيات هو في النهاية يقين الايمان بأن الرب يسوع يبقى حاضرًا وفاعلاً في كنيسته (مت 18: 20: حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة)، كما كان حاضرًا وسط تلاميذه خلال حياته على الأرض. فالكنيسة هي على الأرض عائلة الآب السماوي واتحاد بين الإخوة الذين يجعلون كل شيء مشتركًا بينهم.
د- الاكبر خادم (آ 10- 12)
تشكّل هاتان الآيتان مجموعة لا ترتبط ارتباطًا واضحًا بما سبق. إن آ 11 (الأكبر فيكم يكون لكم خادمًا) تستعيد مر 9: 35؛ 43:10-44، كما تستعيد مت 26:20؛ لو 48:9؛ 26:22. أما آ 12 (فمن رفع نفسه وُضع، ومن وضع نفسه رفع) فتذكّرنا بما في مت 18: 4؛ لو 4: 11؛ 18: 14. إذن، نحن أمام موضوع انتشر انتشارًا واسعًا في التقليد الازائي. أما في سياق هذه المقطوعة التي نقرأ، فهو موجّه ضدّ تسلّط الفريسيين وبحثهم عن المجد الباطل. لقد عرف العالم الرابيني مثل هذه التحريضات. ولكن هذا الموضوع يرتدي طابعًا لا يضاهى لأنه يرتبط بـ "خدمة" المسيح، بالمسيح الخادم (مر 10: 43 ي وز). 
وفكرة الاتضاع في آ 12، يجب أن تفسّر مع آ 11 وفكرة الخدمة. لسنا أمام غريزة طبيعيّة من اجل الامّحاء، ولا أمام حركة بطوليّة في نكران الذات، ولا أمام تواضع يجمّدنا في مكاننا ويمنعنا من التحرّك. فإذا رجعنا إلى معنى الانجيل، نفهم ان الذي يخدم هو انسان نشيط لا يكتّف يديه. وهو انسان سعيد جدًا لأنه يضع نفسه مع يسوع الذي جاء ليَخدم لا ليُخدم. وهل من سعادة أعظم من أن نكون مع يسوع ونضع يدنا بيده؟
أمّا صيغة المضارع في الأفعال الخمسة المستعملة في آ 11-12، فهي تدلّ على الحاضر كما على الاسكاتولوجيا: تعملون ذلك والله يجازيكم في الدينونة الأخيرة. إذن، هي لا تصوّر أمرًا سيكولوجيًا أو اجتماعيًا طبيعيًا تتبدل بحسبه مصائر البشر كما تقول الأوساط الهلنستيّة. ولقد قال أحد الشّراح إن اليهود في زمن يسوع ما كانوا يطبّقون فكرة الاتضاع على فكرة الخدمة، بل كانوا يربطونها بالشقاء (انسان صار وضيعًا بسبب الشقاء) أو بالاعتراف بخطيئة شخصيّة ضد الله أو الإخوة. قال التفسير عن خر 20: 21: "من كان متواضعًا يجعل الشكينة تقيم في اسرائيل. ومن يترفّع بقلبه يُنجّس الأرض ويجعل الشكينة تهرب. فالمتعجرفون هم رجس مثل عبادة الأوثان".

خاتمة
إن قراءة تنبيهات الرب وتوصياته تجعلنا نفكّر طوعًا بقول معروف لدى ايرونيموس: "الويل لنا نحن الأشقياء الذين سقطنا في ما سقط فيه الفريسيون". وجاءت صلاة المزمور قريبة من الانجيل لأنها لا تعرّضنا لهذا الرياء المتخفي الذي يحاول أن يقرّ بخطيئته فيذكر خطيئة الآخرين على ما فعل الفريسي الذي ذهب يصلّي في الهيكل (لو 18: 9-14). قال المرتّل: "احفظ عبدك من الكبرياء، فلا تتسلّط هي عليّ. حينئذ أكون بلا لوم، ونقيًا من خطيئة كبيرة" (مز 14:19).
الفصل السادس والعشرون
سبعة ويلات
23: 13- 32

جمع متّى في ف 23 أقوال يسوع التي تفيده في صراعه مع المجمع الذي سيطر عليه التيّار الفرّيسي، وذلك في السنوات 80- 90. بعد صورة عن الكتبة والفريسيين الذين جلسوا على كرسي موسى فعلّموا وما عملوا (آ 10- 12)، نقرأ ندبًا ورثاء لهؤلاء الخصوم في سبعة ويلات: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون" (آ 13- 32). وفي النهاية تأتي الدينونة فتصيب "خصوم" يسوع وتصيب أورشليم التي تمثّل الأمّة كلها: قتلت الأنبياء، رجمت المرسلين إليها. رفضت مجيء الرب فكان لها الخراب (آ 33-39).
توقّفنا في مقطع أول (23: 1-12) عند رياء الفريسيين وتظاهرهم بالتقوى وتمجيد أنفسهم. فهمنا أن أبانا واحد وكلّنا إخوة، أن مدبّرنا هو المسيح، والأكبر فينا هو خادمنا. تميّزوا هم (أي الفريسيون) بالعصائب والأهداب وأول المتكّئات والتحيّة في الساحات. وتميّزت الجماعة المسيحيّة (أنتم) بالدعوة إلى الأخوّة والتواضع. وها نحن في المقطع الثاني (23: 13- 32) مع لفظة "ويل" التي لا تدلّ على اللعنة، بل على الحزن العميق والتحسّر الذي يشوبه بعض الغضب فيصل إلى التهديد كما في خط الأنبياء. نتوقّف في هذا الفصل عند الويلات السبعة، ونترك إلى فصل لاحق ما تبقّى من مت 23 وعنوانه: بكاء على أورشليم (23: 33- 39).

1- نظرة عامة
منذ بداية ف 21، بدأ التوتّر بين يسوع ورؤساء الشعب، وما زال ينمو فتفجّر في ف 23 مع هجوم لاذع وعنيف ضد الكتبة والفريسيين. هل تفرّد متّى بهذه الأقوال، وكنيسته عانت الأمرّين من المجمع اليهوديّ؟ الجواب هو كلا.
فنحن نجد في مر ولو ما نقرأه هنا في مت. فما في مر 14: 38-39 يقابل الفكرة الرئيسيّة في مت 13: 1-12. أما مر 14: 4 فيتضمّن تهديدًا (وشجبًا) يهيّىء الطريق لما في مت 13:23-36. أما نصّ لو فبدا مختلفًا جدًا على المستوى الحرفيّ وموزّعًا بين ف 20 (آ 45-47) وف 11 (هنا وهناك). إذن، نحن أمام معطية أدبيّة متشعِّبة تذكّرنا بما في مت 5-7.
ظنّ بعضهم أن مر أوجز التقليد الذي استعمله مت كله، وهذا ما نفهمه في انجيل (اختلف عن مت) لم يكن على خلاف مباشر مع الفريسيّة الفلسطينيّة حين دوِّن. واعتبر آخرون أن مت استقلّ عن مر، فدوّن ما دوّن لأسباب عقائديّة خاصة به. أما لو فاستعمل ذات التقليد الذي وصل إليه في حقبة ارتبطت بالظروف الخاصّة التي رافقت تدوين الانجيل الثالث. إذن، يصعب علينا أن نكتشف الشكل الأول لهذه "الخطبة". ونخطئ أن اعتبرنا أننا نجد جذورها في مر 4: 38- 40.
إن مت 23 قد رأى النور في كنيسة تعيش جدالاً حاميًا مع رؤساء العالم اليهوديّ. ونضيف: في كنيسة مسيحيّة جاءت من العالم اليهوديّ وظنت أنها تستطيع أن تتبع تعليم الكتبة وكرازة المعلّمين المسيحيين. وهكذا نكون في نهاية "مسيرة" ستصل إلى قطيعة نهائيّة بين المسيحيّة الفتيّة واليهوديّة التي تحاول أن تستجمع قواها بعد كارثة سنة 70 ب م. ومع ذلك، يعترف مت بأن الكتبة والفريسيين يجلسون في كرسي موسى (حتى الآن، سنة 80 ب م)، وأن لتعليمهم سلطانًا يجب أن نأخذ به. فالانجيليّ لا يندّد بتعليمهم، بل بريائهم، بتصرّفهم المرائي.
ونعود إلى آ 13-32 حيث نجد سبعة ويلات ضد الكتبة والفريسيين. النص الموازي في مر 14: 38- 40 لا يتضمّن ويلاً واحدًا. ونصّ لو 11: 38- 52 يتضمّن ثلاثة ويلات ضد الفريسيين ثم ثلاثة ويلات ضد الكتبة، وفي ترتيب يختلف عن ترتيب مت. هناك أربعة ويلات في مت نجدها في لو. وويلان في لو يظهران في مت ولكن بشكل آخر. هذا الوضع المتشعّب لا يفسَّر فقط بفرضيّة تعتبر أن مت ولو مدينان لمرجعين كتابيّين مماثلين (مت والقولات، لوغيا). بل يجب أن نحافظ على أهميّة التقليد الشفهيّ والوسط الذي كُتب فيه كل من متّى ولوقا.
إن لفظة "الويل" تدلّ على الحزن والألم، على التحسّر والغضب. وقد عرفها مت في هذين المعنيين اللذين قد يتكاملان في العبارة الواحدة. نقرأ في 11: 21: "ويل لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا". أنت تعيسة وتستحقين الشفقة. قريبًا سوف يأتي غضب الله عليك. رج لو 13:10. وهذا التحسّر يرافقه نداء إلى التوبة، هو النداء الأخير. ونتذكّر إر 27:13. "ويل لك يا أورشليم، ألا تريدين أن تطهري فتتبعيني؟ وإلى متى (تنتظرين)"؟ هذا يعني: متى ستعودين عن زناك وفحشك وعبادتك للأصنام؟ هناك من يقوله إن "الويل" يعني هنا حكم "المسيح" على شعبه حكمًا لا رجوع عنه. ففي كل هذا القسم من الانجيل، لا يحثّ يسوع شعبه على التوبة. بل هو يواجه خصومه ويحكم عليهم بعد أن قسّوا قلوبهم ورفضوا نداءاته.
وماذا يعني الرياء؟ المرائي هو ذاك الذي يقول ولا يفعل. يعلّم ولا يضع موضع العمل ما يعلّم. وهكذا يصبح أول ضحيّة لتبجّحه الديني. يؤخذ في حبائل تقواه وما فيها من تظاهر وكبرياء. وقد ترتبط اللفظة بالآرامية "ح ن ف" التي تدلّ على الشر والرداءة والكفر. وهكذا يتحوّل المرائي إلى شرّير وكافر (24: 51). وقد يصبح أعمى (7: 5) بعد أن فسد حكمه وتشوّه. من أجل هذا، جاء كلام يسوع يدعو إلى وحدة الانسان وإلى بساطة حياة تلاميذه، وإلى شفافيّة تجعل أقوالنا تتجسّد في أعمالنا.

2- الدراسة التفصيلية
أ- البنية
يتضمّن 13:23-32 سبعة ويلات (رقم الكمال). هنا نتذكّر ف 13 والأمثال السبعة. بما أن الأخير يقع في ثلاثة أشطار نتساءل: هل هناك أشطار في الويلات؟ هناك من اعتبر أن الويلات الثلاثة الأولى تتعلّق بتعليم الكتبة. والثلاثة التالية بحياة الكتبة. أما الويل السابع فيتعلّق بالشعب اليهوديّ. ورأى آخرون بنية تصالبية. الأول مع السابع، الثاني مع السادس، الثالث مع الخامس. وهكذا يكون الويل الرابع في الوسط. وقال رأي ثالث: الويلان الأول والثاني يشيران إلى هويّة الجماعة. والثلاثة التالية إلى الشريعة. والاثنان الأخيران يشكّلان الذروة مع "القتلة" والذين لا شريعة لهم.
الويل الخامس (23: 5-6، تطهّرون خارج الكأس) يشبه الويل السادس (27:23-28، تشبهون القبور المكلّسة). فكلاهما يدلاّن على التناقض بين الخارج والداخل. ويسير الويل الثالث (23: 16- 22، القادة العميان) مع الويل الرابع (23:23-24، تؤدّون العشر). كلاهما يتحدّثان عن "هلكه" (أي السلوك) ويؤكّدان أن الكتبة والفريسيين قد أضاعوا ما هو جوهريّ وتعلّقوا بالقشور. نحن مع هذين الويلين في تضمين حيث نجد العبارة نفسها (القادة العميان) في البداية (آ 16) وفي النهاية (آ 24). ويسير الويل الأول (23: 13، تغلقون ملكوت السماوات) مع الويل الثاني (23: 15، تطوفون البحر والبرّ لتكسبوا دخيلا). لا شكَّ في أن لا شيء مشترك بينهما، ولكنّهما يحملان الخراب إلى الغير: يطردونهم من الملكوت (آ 13)، ويجعلونهم أبناء جهنّم (آ 15). وكلاهما يتحدّثان عن نشاط المرسلين. إن هذه الويلات السبعة تجمع اثنين اثنين مع السابع الذي يختتم الويلات في ذروة تدلّ على هؤلاء القتلة الذين هم الكتبة والفريسيون.
ب- المراجع
نستطيع أن نقرأ ويلات مت 23 ولو 11 في عمودين منفصلين:
مت 23 لو 11
4- الاحمال الثقيلة 39- 41- الكأس
6-7 أ- المقاعد والتحيات 42- الحلف (الويل 1)
13- مفتاح (الويل 1) 43- المقاعد والتحيّات (الويل 2) 
15- الدخيل (الويل 2) القبور (الويل 3)
16- 22- الحلف (الويل 3) الاحمال الثقيلة (الويل 4)
23- 24- العشر (الويل 4) القتلة (الويل 5)
25- 26- الكأس (الويل 5) المفتاح (الويل 6)
27- 28- القبور (الويل 6)
29- 32- القتلة (الويل 7)
هناك ويلان (2، 3) في مت لا يظهران عند لو. ولو الموازي لمتى 23: 25-26 (الويل 5) ليس ويلاً. ويلان (2، 4) من لو يوازنان مضمون مت لا الشكل. هذا يعني أن هناك "ويلات" في الأول ليست في الثاني. وهناك اختلاف كبير آخر: جميع ويلات مت (ما عدا الثالث، القادة العميان) تتوجَّه إلى الكتبة والفريسيين المرائين. أما في لو، فالثلاثة الأولى تتوجّه إلى الفريسيين، والثلاثة الأخيرة إلى الكتبة.
حاول البعض أن يبنوا المعين المشترك بين مت ولو. ولكن يبدو الأمر صعبًا إن لم يكن مستحيلاً. ففي ما يتعلّق بما في لو 11، نبقى على ثقة بأن المعين تضمّن سلسلة من الويلات جاءت منعزلة. غير أن الفرق بين التقليدين (لو، مت) هو من الكبر (قال أوغسطينس إننا أمام خطبتين مختلفتين) بحيث لا نقدر أن نعرف عدد الويلات ولا ترتيبها. نظنّ أنه وُجد في المتّاويات ويلات تلاقت مع ويلات المعين في مت. وأن لوقا عاد إلى اللوقاويات وإلى المعين. فلا نحاول أن نجمع إنجيليًا مع الآخر.
ج- التأويل
إن 13:23 ي التي فيها يحطّ ديّانُ اليوم الأخير المتكبّرين (23: 12)، يرسم خطًا بين فئتين اجتماعيّتين، وواحدة منهما تنال نقدًا قاسيًا. الكتبة والفريسيون الذين يمثّلون قوّاد ومعلّمي العالم اليهوديّ، يقفون في الجهة الثانية ويصوَّرون كأناس فاسدين لا يُرجى منهم خير، ويُعتبر هلاكهم الاسكاتولوجي أكيدًا. والنتيجة هي بناء الكنيسة وتحديد هوّيتها. فعبر هذا المثال "المقلوب" نفهم أن الكنيسة لا يمكن أن تكون هكذا. وفي معنى ثان نجد انتقادًا ضد التلاميذ. فتاريخ التفسير والوعظ قد استعمل هذه الآيات ليدلّ على أخطاء المسيحيين ولاسيّما الرؤساء فيهم. ولكن في وضع مت، ما زال المجمع هنا وهو يدعو المسيحيين الجدد للعودة إليه. في هذه الحال، لا تُفهم الويلات الموجّهة إلى الكتبة والفريسيين، وكأنها موجّهة إلى القرّاء (عكس التطويبات، 3:5-12).
إن هذا التوبيخ يختلف عمّا في 11: 10-24 الذي فيه يوجّه يسوع الكلام، ويقول السبب ويعلن الحكم. هنا في 23، لا نجد الحكم حتى آ 35-36. نشير إلى وجود "الويل" مرتين في 1 صم 4: 7-8 بلسان الفلسطيين: "الويل لنا، ما حدث شيء كهذا من قبل. الويل لنا، من ينقذنا من هذا الاله القادر".
د- تفسير الآيات (13:23- 32)
أولاً: الويل الأولى (13:23)
هذا الويل هو كمقدّمة توجز كل الويلات. فالكتبة والفريسيون، ورغم مجهودهم الديني، لا يدخلون الملكوت ولا يتركون الآخرين يدخلون. ليسوا قوّادًا، بل ما يعارض القوّاد.
اعتبر أحد الشرّاح أن آ 13 (= لو 11: 52) تعود إلى يسوع (رج انجيل توما 102). ولكن قال بعضهم إن يسوع لا يمكن أن يقول هذا الويل، وهو الذي جاء يعد بالملكوت. غير أنهم أرادوا المحافظة على تعليم الله كما جاء في العهد القديم، فما أوصلوه إلى الناس، ولا استفادوا هم منه.
"الويل لكم أيها الكتبة...". رج لو 11: 52 الذي يتوجّه فقط إلى معلّمي الشريعة. قد يكون مت قريبًا من المعين (رج انجيل توما 39 الذي يعود إلى الكتبة والفريسيين). "تغلقون باب الملكوت" (في التقليد السرياني، تمسكون المفاتيح). قالت رسالة اكلمنضوس المزعوم (1: 54): "أخفوا مفتاح الملكوت". رج لو 11: 52: "أخذتم مفاتيح المعرفة". أما مت فتحدّث عن ملكوت السماوات. إغلاق الملكوت هو إغلاق باب الملكوت. نتذكر هنا باب الحياة في 7: 14 وباب الملكوت الذي أعطي بطرس مفتاحه في 18:16. أغلقوا هذا الباب لهم وللآخرين. ما أرادوا الدخول، ومنعوا الآخرين حين حمّلوهم أحمالاً ثقيلة (آ 4). هي تقاليد البشر التي تُبعد الانسان عن جوهر الخلاص. يقول انجيل توما (102): "الويل للفريسيين. هم مثل كلب ينام في معلف البقر، ويمنع البقر من أن تأكل"
لا نتوقّف عند آ 14 التي ليست متّاويّة، بل أخذت من مر 12: 40. لهذا لا نشرحها ولا ندخلها بين الويلات السبعة.
ثانيًا: الويل الثاني (23: 15
وهاجم يسوع الكتبة والفريسيين لا لأنهم مرسلون (سيّئون)، بل لأن نشاطهم الإرسالي يحمل نتائج وخيمة لأنه يجعل الآخرين مثلهم. المسألة ليست الارتداد إلى اليهودية، بل ارتداد إلى يهوديّة بدون مسيح.
لا شيء في لو يوازي هذا الويل. قد يعود هذا الويل إلى يسوع، فنفهمه ارتدادًا إلى الفريسية، لا ارتداد الوثنيين إلى الديانة اليهوديّة. وقد نكون أمام مزاحمة بعد زمن الفصح: أنبقى في الدين اليهودي، اننتقل إلى المسيحيّة؟ 
"بروسيليتوس" (دخيل) يقابل العبري "ج ر". هو المقيم بين بني اسرائيل ويشارك في الحياة اليهوديّة. ليس هو مرتدًا في المعنى الحصريّ للكلمة. ولكن في الواقع وإذا عدنا إلى فيلون وأع 2: 11؛ 6: 5؛ 13: 43 وعدد من المدوّنات اليهوديّة، والأدب الرابيني، الدخيل هو المرتدّ إلى الديانة اليهوديّة: تبع الشريعة وخُتن.
تعبرون البر والبحر أي الأرض كلها (يون 1: 9؛ حج 2: 6، 21؛ 1 مك 8: 23، 32) لتربحوا دخيلاً. ولكن، يا لسخرية القدر! ترسلونه إلى جهنم لا إلى الملكوت.
ثالثًا: الويل الثالث (16:23-23)
يقع هذا الويل في ثلاثة أشطار. يتوازى الشطر الأول (آ 16-17) والشطر الثاني (آ 18-19) موازاة تامة. أما الشطر الثالث (آ 20-22) فهو مثلّث ويبدو بشكل تصالب مع الشطرين السابقين (الهيكل، المذبح، المذبح، الهيكل).
1- ويل لكم أيها القادة العميان القائلون
من حلف بالهيكل فلا بأس
ومن حلف بذهب الهيكل فهو ملتزم.
2- أيها الحمقى والعميان
ما الأعظم
الذهب أم الهيكل الذي يقدّس الذهب؟
3- وأيضًا
من حلف بالمذبح فلا بأس
وأما من حلف بالقربان الذي عليه فهو ملتزم.
4- أيها العميان
ما الأعظم
القربان أم المذبح الذي يقدّس القربان؟
5- فمن حلف بالمذبح
حلف به وبكل ما عليه.
6- ومن حلف بالهيكل
حلف به وبالساكن فيه
7- ومن حلف بالسماء
حلف بعرش الله والجالس عليه.
نحن هنا أمام سبعة أقوال وكأنها سبعة ويلات في هذا الويل الثالث. ونلاحظ ثلاث مرات وجود لفظة "عميان" (تفلوي)، في آ 16، 17، 19. يختلف هذا النصّ بعض الشيء عن 33:5-37 (لا تحلفوا البتة..). ولكن يبقى أن من حلف بشيء حلف بشىء آخر. من حلف بالسماء حلف بعرش الله. لهذا نقول إن المجموعة التي دوّنت 5: 33-37 هي التي دوّنت 23: 20- 24. 
بعد الأمور العامة (آ 13-15) حول "هلكه"، ها هي الأمور الخاصة. فإن آ 16-19 ترفض التمييز بين حلف يقيّد (يُلزم) وحلف لا يقيّد. وإن آ 20-22 تؤكّد أن كل حلف يقيّد، لأن كل حلف يعود إلى الله نفسه. لماذا قال النص هنا "أيها القادة العميان" ولم يقل "الكتبة والفريسيين"؟ لا تفسير مقنعًا. أيكون اعتبر هؤلاء الفريسيين قادة عميانًا حقًا؟ ماذا يعني "ذهب الهيكل"؟ الواجهة، الأواني، كنوز الهيكل؟ بل كل هذا.
"أيها الحمقى". هذا ما يعارض 5: 22 (من قال له يا أحمق يستوجب نار جهنّم). قد يكون يسوع هنا في دور الديّان. أو: يستوجب العقاب من يقول لأخيه: يا أحمق.
في آ 20-22 نفهم أن يسوع لم يهتمّ بما هو شرعيّ في الحلف ولاشرعيّ، لأن كل حلف يرتبط بقول الحقيقة.
رابعًا: الويل الرابع (23:23- 24)
في هذا الويل يُخطىء الكتبة والفريسيون، لا لأن سلوكهم رديء (ق آ 16- 22)، بل لأنهم تركوا أهمّ ما في الاخلاقيّات، ولم يعملوا بها. ليست القضيّة في أن نؤدّي العشور. لا يُطلب منا أن نصفّي البعوضة ونبلع الجبل. بل يُطلب منّا بعض العدل والرحمة والأمانة.
لا نجد ما يوازي آ 24. أما آ 23 فتعود إلى المعين (رج لو 11: 42). وإليك أهم الاختلافات بين النصّين: (1) متى وحده ذكر الكتبة وزاد "المرائين" (لوقا: فقط: الفريسيون). (2) قال لوقا: السذاب وكل البقول. ومتّى: الشبث والكمون. (3) نقرأ فقط في مت: "أهملتم أثقل ما في الناموس". (4) تحدّث لوقا عن العدالة ومحبّة الله. ومتّى: عن العدالة والرحمة والأمانة. تعود آ 24 إلى يسوع. أما آ 23 فقد تجد تعبيرها في زمن بعد القيامة.
خامسًا: الويل الخامس (3: 25- 26)
هذا الويل يهاجم الكتبة والفريسيين لأنهم يعملون الأمور الصغيرة ويهملون المهمّة. يطهّرون خارج الكأس والإناء ويهملون الداخل. أي يدلّون في الخارج على أنهم أبرار، ولكنهم في الداخل مملوءون "سلبًا وجشعًا".
لا تدلّ آ 25-26 على نقاوة الآنية، ولا على تعليم الفريسيين في الشريعة. ولا تُفهم آ 25 بشكل حرفيّ وآ 26 بشكل رمزيّ. فالآيتان تتحدّثان عن الكتبة والفريسيين عن طريق الاستعارة (هم كؤوس وصحفات قذرة). لسنا أمام الأواني، بل أمام الشعب الذي هو بار في الظاهر، نجس في الداخل.
نجد هنا موضوع عظة الجبل. الغضب (استعداد داخلي) هو أصل القتل (عمل خارجي). الشهوة (استعداد داخلي) هي سبب الزنى (عمل خارجيّ). فالاصلاح الاخلاقيّ يبدأ في القلب. فالنور والظلمة هما ما يحدّد سلوك الانسان في العالم (6: 22-23: سراج الجسد العين..). ونتذكّر 15: 11 الذي يقول: ليس ما يدخل الفم (شيء خارجي) ينجّس الانسان، بل ما يأتي من القلب ينجّس. وهكذا يكون الكتبة والفريسيون أنجاسًا في قلوبهم.
سادسًا: الويل السادس (27:23-28)
تبدّلت الصورة، ولكن الموضوع ظلّ هو هو. وهذا ما يتوضّح في المقابلة التالية:
آ 25-26 آ 27-28
تطهّرون طهِّر، يتطهَّر لا طهارة (نجاسة)
الخارج الخارج (مرتين)
الداخل مملوء. الداخل مملوء.
غابت آ 28 من لو فبدت تدوينيّة. أما آ 27 فتشبه لو 11: 44 وتُنسب إلى المعين. هناك فقط أربع ألفاظ مشتركة (الويل، ضمير المخاطب الجمع مرتين، لأنّ). لهذا يقول بعض الشّراح إن لو هو أقرب إلى المعين، بينما يعود مت إلى المتّآويّات.
"ويل لكم..." (آ 27). شبّه الكتبة والفريسيّين بالقبور التي تُعتبر نجسة. "القبور المكلّسة". ق حز 13: 10-16؛ 28:22؛ احيقار الأرمني (2: 2)؛ عظة اكلمنضوس المزعوم (1: 71). فمع أن الكتبة يهتمّون بقضايا الطهارة، إلاّ أنهم ينبوع نجاسة. ونلاحظ التوازي في آ 27-28:
آ 27- تبدو من الخارج
جميلة (صفة)
ومن الداخل
مملوءة
بعظام أموات (مضاف إليه).
آ 28- تبدون من الخارج
أبرارًا (صفة)
ومن الداخل
مملوءين
بالرياء والاثم (مضاف إليه).
سابعًا: الويل السابع (29:23- 32)
بعد القرار الذي تعوّدنا عليه (الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون)، تتضمّن آ 29- 30 ثلاثة أفعال: تبنون، تزيّنون، تقولون. بعد ذلك، استنتاج (آ 31)، وأمر فيه الكثير من السخرية (آ 32)، وسؤال بلاغيّ (آ 33): "كيف تنجون من دينونة جهنَّم"؟ وهل تستطيعون؟ نشهد في هذه القطعة ضمير المخاطب الجمع (أنتم...).
هذا النصّ يقابل لو 11: 47-48. أما الاختلافات فتفسّر بنشاط تدوينيّ. ننسب الويل إلى المعين، والخاتمة (آ 33) التي تُنسب في التقليد إلى المعمدان (رج 3: 7)، إلى الانجيليّ. ولكن آ 30 لا تتوازى مع آ 32. فقد يكون مت قد توسّع في التقليد لكي تطول السخرية. أما أصل الويل السابع فيعود إلى المسيح وإن عبّرت عنه الجماعة المسيحيّة بطريقتها على ضوء المعارضة البعد الفصحيّة بين الكنيسة والمجمع.
قالت هذا الويل شخص دُفن بدون أبّهة، شخص علّم تلميذه أن يدع الموتى يدفنون موتاهم (8: 22). وقيل لشعب ظنّ أنه سيرتاح حين يصبح يسوع مثل أنبياء العهد القديم، حين يصبح ميتًا... هناك مراجع تحدّثنا عن القبور الفخمة (1 مك 13: 27- 30) لعائلة المكابيّين (يوسيفوس- العاديات 7: 390- 392؛ 13: 249، داود، أع 2: 29).
يعود الكتبة والفريسيون إلى الذين قتلوا الأنبياء: إلى "آبائنا". لقد شاركوا في أعمال آبائهم. فالعقد بين وظيفتهم وأعمالهم ساعد متّى على إظهار اللاتوافق بين القول والعمل كأساس الرياء. تقوم طريق المرائين في تكريم خدّام الله ومعلّمي الحقّ بعد موتهم، واحتقارهم في حياتهم. "أنتم تشهدون على أنفسكم" (آ 31). فالفريسيون يعرفون أنهم من نسل الذين قتلوا الأنبياء. فنجده في أع 5: 10-13؛ 7: 51-52؛ 1 تس 2: 15-16. وبما أنهم بدأوا، فما عليهم إلاّ أن يتابعوا فيقتلوا المسيح والمنادين باسمه (آ 32). وبعد هذه الأعمال الشريرة (آ 33)، ستأتي الدينونة الاسكاتولوجيّة ولن يستطيعوا أن يخلصوا.
3- نظرة لاهوتيّة وروحيّة
في انجيل متّى يوبّخ المسيح الفريسيين في محاولتهم لاستمالة الآخرين إلى إيمانهم. إنهم لا يردّون البشر إلى الإله الحقيقيّ، بل إلى أفكارهم الخاصة. فإما يجعلون منهم أشخاصًا متعصّبين، منغلقين على الشريعانيّة الرابينيّة. وإمّا يمنعونهم من الدخول إلى الملكوت بسبب هذا التشدّد على ممارسة الشريعة والشريعة وحدها على حساب الانسان وعلى حساب الانفتاح على نداء الله ونعمته. هنا نميّز بين "الدخيل" الذي هو الوثني الذي صار يهوديًا وقبلَ الختانَ ومارس الشريعة. وبين "المتقي" لله (خائف الله) الذي يحفظ بعض الشرائع اليهوديّة (السبت، جزية الهيكل، بعض فرائض الطعام) ولكنه يرفض الختان. نشير هنا إلى أن اليهود قاموا بعمل تبشيريّ كبير لم يوقفه دمار الهيكل سنة 70، وهكذا كانت مزاحمة بين المبشّرين اليهود والمبشّرين المسيحيين في المدينة الواحدة.
ومع آ 16 نقرأ "ويلاً" طويلاً يلفت النظر ببنائه المدروس. قدّم العالم الرابيني طروحه فعبّر عنها في قولين متعارضين. فجاء كلام المسيح القاسي يقيم هذه الطروح ويصف قائليها بوصفين: حمقى، عميان. هذا الويل كما نقرأه هنا، يفترض صياغة على مستوى الموضوع والتدوين في إطار الكنيسة (رج روم 2: 19ي؛ لو 6: 39). ولكن هذا لا يمنع في المبدأ أن يعود المضمون إلى يسوع نفسه. ولكن ما هو المعين العام؟
يرى البعض أن يسوع يعتبر أن كل قسَم يربطنا مهما كان الشكل الذي فيه نتلفَّظ. ولكن، إن كان الأمر هكذا، تكون هذه الاية مناقضة لما في 5: 33-37 حيث يشجب يسوع كل قسم ويفرض الحقيقة الكاملة في كل زمان ومكان (نعم نعم، لا لا). لهذا يبدو المعنى كما يلي: كل قسم يتمّ باسم الله وأمامه، وإن حاولنا أن نتجنّبه. ونستطيع أن نستخرج من هذا القول الأول خلاصتين: بما أن كل قسم يتمّ أمام الله، فيجب أن لا نحلف أبدًا لئلاّ نعامل اسم الله بالباطل (رج 33:5-37؛ خر 20: 7). وإذا حلفنا، لا نقوم بتمييزات دقيقة بين قسم يُسمح به وقسم لا يُسمح به على مثال ما يفعل الرابينيّون في إطار فتاويهم.
تبدو هذه الفرضيّة معقولة لأنها توافق موافقة السياق. فالكتبة بشريعانيّتهم الدقيقة يحرّرون الانسان من متطلّبات الشريعة الأساسيّة (رج آ 23-24). ويسوع يهاجمهم هنا كأفراد يعيشون إيمانهم، بل "قوّاد" (هوديغوي). لأنه يهمّه أمر الشعب الذي يقوده قادة عميان يسيرون به في النهاية إلى جهنم.
انطلق بعضهم من هذا التلميح إلى الهيكل ليقول إن مت دوّن في أورشليم وقبل سقوط الهيكل سنة 70 ب م. برهان ضعيف لاسيّما وأن مت يتحدّث عن دمار أورشليم والهيكل خصوصًا في ف 24. فالانجيل يعود إلى وضع سابق ساعة كان الوضع قائمًا بعدُ. ساعة كان ذهبُ الهيكل يشعّ في البعيد والودائع فيه كثيرة. أما خطأ الفرّسيّين فهو أنهم اعتبروا ذهب الهيكل أكثر قيمة من الهيكل. ولكن لا قيمة دينيّة لذهب الهيكل إلاّ بالهيكل الذي يرمز إلى حضور الله. ونقول الشيء عينه عن التقدمة. فالطابع المقدس للمذبح هو الذي يعطيها قيمتها.
وبعد آ 20 تتحوّل الفكرة بعض الشيء. لم نعد أمام أشياء ثمينة في الهيكل (الذهب، التقدمة) يقدّسها ارتباطُها بهذا المكان المقدس، بل أمام سيادة الله على كل شيء. لهذا كانت الخلاصة الضمنيّة: من حلف بالهيكل أو بالسماء أو بأي شيء كان، فقد حلف بالله نفسه. فالحلف هو في العمق تطلّع إلى الله الحي ونداء نرفعه إليه في الشدّة.
ونصل إلى العشور مع آ 23-24. فالآية 24 تُجمل ما تقوله آ 23 بشكل مجدّد وتقدّم في صورة تلفت النظر. في اسرائيل القديم، عرف نظام العشور تطوّرًا متشعبًا. دلّ على أن الله هو مالك كل شيء. والعشر الذي يقدّم له (للاهتمام بالكهنة واللاويين والفقراء) يذكّر المؤمنين بهذا الحق حسب المبدأ: "الجزء للكل". أي إذا أعطيت جزءًا من خيراتي لله، أكون وكأني أعطيتها كلها. انطلق الفريسيون من أهمّ محاصيل الأرض، فوصلوا إلى النعناع والشبث والكمون، إلى أمور صغيرة لا تستحقّ أن نعطيها كل هذا الاهتمام. ولكنها تدلّ على "وسوسة" في ممارسة الشريعة تجعل الانسان عبدًا للشريعة لا ابنًا لله.
تعلّق الكتبة والفريسيون بهذه الأمور الصغيرة، وأهملوا الأمور الكبيرة، الخطيرة، "فربحوا" في هذه التجارة مع الله. أما الأمور الخطيرة فهي العدل والرحمة والأمانة. العدل هو احترام كل انسان في حقوقه. وهناك الرحمة التي نعيشها على المستوى المادي إحسانًا وصدقة. وعلى مستوى الشريعة، تسامحًا مع المساكين إن هم لم يستطيعوا أن يمارسوا الفرائض بحذافيرها. والأمانة لا تعني النيّة الصالحة، ولا الايمان بيسوع المسيح، بل الخضوع بفرح لمتطلّبات الله الأساسيّة كما نجدها في الكتاب المقدس (إر 5: 1؛ روم 3: 3؛ غل 5: 22). وقال يسوع: "كان عليكم أن تعملوا بهذه من غير أن تهملوا تلك". إن مارسنا الأمور الصغيرة لا ننسى الكبيرة. والعكس بالعكس. فالمسيح في مت لا يشجب من جهة المبدأ، بحثَ الفرّيسيّين عن حذافير الأمور. فالطاعة قد تصل إلى تفاصيل دقيقة في الحياة اليوميّة. شرط أن لا نهمل الجوهريّ وأن لا نعيش في طمأنينة كاذبة (على مثال الفريسيّ الذي اكتفى بأن يصوم في الأسبوع يومين ويعشّر أمواله)، فننسى أننا مهما عملنا نحن أناس عاديون، لم نعمل أكثر ممّا طُلب منا.
ويتحدّث النصّ عن "المصفاة". كان الفريسيون يصفّون الماء والخمر، لا بسبب النظافة. بل خوفًا من أن يبلعوا حشرة نجسة بحسب الشريعة فيخطئوا. وهكذا نكون أمام تفسيرين. قد يوبّخ المسيح الفريسيين لأنهم يهملون بإرادتهم الجوهر (هل نبلع جملاً ولا نحسّ به). أو يوبّخهم لأنهم يهتمّون بالتفاصيل اهتمامًا يجعلهم ينسون المتطلّبات الأساسيّة بعد أن يغرقوا في ممارسة للشريعة قريبة من المرض. هذان التفسيران يوافقان النظرتين حول الرياء كما في آ 15. إن الفريسيين هم ضحيّة اهمال وعدم منطق في تصرّفهم، بل ضحيّة فساد دينيّ يجعلهم يفضّلون ما هو ثانوي على ما هو جوهريّ، يفضّلون عشر النعناع والكمون على العدل والرحمة والأمانة.
وتبدو آ 25-28 وحدة تامة، وهي تركّز على التعارض بين المظهر الخارجيّ والنجاسة الداخليّة. بين الخارج والداخل (7: 15؛ 23: 25، 27؛ لو 39:11). والكأس هي صورة عن الانسان كلّه. فإذا أراد أن يكون نقيًا (طاهرًا)، لا يكفي أن يتّخذ بعض الاجراءات الطقسيّة العزيزة على قلب الفريسيين. بل يجب أن يتخلّى عن السلب والجشع. ربط الفريسيون هاتين الرذيلتين بالصادوقيين. وها هو يسوع يربطهما بالفريسيين.
إن هاتين الرذيلتين تدّلان أن التنقية الداخليّة (آ 26) لا تعني القيامة بأعمال باطنيّة محضة، بل طاعة القلب الكاملة لما تفرضه الشريعة في جوهرها. فالباطن هو الانسان الخلقيّ كما تكوّنه كلَّه الأمانةُ لمتطلّبات الله. فإن كان الانسان حقًا أمينًا، كان الخارج طاهرًا، كان ما يراه الناس منه نقيًا. فالانسان الكامل كما يراه الله وحده، لا يكون طاهرًا حقًا لدى البشر إلاّ بالأمانة الصادقة لفرائض الشريعة الأساسيّة.
يُثبت هذا التفسير ما قيل في 15: 11: فما يخرج من الفم هو أعمال ملموسة يقوم بها الانسان كله، يُلزم الانسان بها نفسه. هذا ما يجعل الانسان طاهرًا أو نجسًا، لا ممارسات ثانويّة على مستوى الطهارة الطقسيّة. وهكذا فعبارة "نطهّر داخل الكأس" تعني الطاعة الصادقة لشريعة الله كما يفسّرها المسيح "الآن". وسيكون يسوع قاسيًا حين يشبّه الفريسيين بالقبور التي هي بيضاء، "جميلة" من الخارج، ومليئة بكل نجاسة في الداخل. يقول النصّ: هل يكفي أن نتوقّف على الخارج؟ فخارج الفريسيين "التقيّ" لا يستطيع أن يعوِّض ما في قلوبهم من نجاسة. يتحدّثون عن الشريعة (نوموس)، وهم يعارضون الشريعة (انوميا، لاشريعة). ظلّت الشريعة بالنسبة إليهم حرفًا خارجيًا ولم تصل يومًا إلى عمق كيانهم.
وتسير المراءاة إلى أعمق من هذا، تسير من شرّ إلى شرّ. فيسوع يتّهم الفريسيّين لأنهم يتاجرون بأمانة الأنبياء والأبرار من أجل مجدهم الخاص (رج 10: 41؛ 13: 17). يبنون القبور والضرائح للأجداد الذين اضطهدهم الشعب في الماضي. يعود الفريسيون إلى الماضي لكي يتبنّوه. يحسبون أنهم أبناء الآباء البررة، بينما هم في الواقع نسل القتلة الذين سبقوهم، وهم مسؤولون مثلهم. وتظهر مسؤوليّتهم هذه بما يقومون به اليوم من أعمال حين يقتلون يسوع ويضطهدون تلاميذه. لم يكن الكيل ملآنًا مع الآباء. فامتلأ مع الأبناء. قال يسوع "جمِّموا أنتم مكيال آبائكم". وهكذا نكون أمام خلاصة ما قاله يسوع في مثل الكرّامين القتلة (21: 33-34). وسيقول اسطفانس لليهود (أع 7: 51) في هذا المعنى: "كما كان آباؤكم كذلك أنتم أيضًا".
خاتمة
هذه "الويلات" السبعة التي بدأت مع سلوك لا يرضى الله عنه، ووجدت ذروتها في قتل مرسلي الله، تعكس المؤامرة التي نجدها في الانجيل كله.
فالصراع الديني قاد يسوع إلى الموت. هذه الويلات هي خلاصة ما قاله يسوع من قبل في معاصريه، بعد أن ركز كلامه على الكتبة والفريسيين. فيسوع قد هدّد معاصريه بالويل في شخص كورزين وبيت صيدا (15: 21؛ 7:18). وشجب رياء الفريسيين (15: 7) الذين يتعلّقون بتقاليد الشيوخ وينسون وصايا الله. واعتبرهم قادة عميانًا (15: 14) يقودون عميانًات فيسقط الجميع معًا. رفض يسوع السلوك (هلكه) الذي يقدّمونه للناس (15: 1- 11؛ 16: 5-12)، وبيّن أنهم يهملون المهمّ على حساب ما هو ثانويّ: يهتمون بسنبلة قُطفت يوم السبت، وينسون الرحمة التي يجب أن يمارسوها تجاه "الصغار" (12: 1ي). 
توجّهت هذه "الويلات" بشكل مباشر إلى الكتبة والفريسيين. ولكنها توجّهت بشكل غير مباشر إلى الجمع وإلى التلاميذ. هذا يعني أنها تتوجّه إلى الكنيسة، تتوجّه إلينا. لم نعد هنا على مستوى التاريخ وكأن مت يعود بنا إلى القرن الأول ب م، بل نحن أمام فكرة لاهوتيّة عميقة. ففي كنيستنا وفي كل واحد منّا يقبع فرّيسي تنقصه العدالة والرحمة والأمانة، يختبئ وراء بعض الممارسات ليمارس السلب والجشع. نحن هنا كما في لفظة "يهود" في يو. فاليهود هم الذين رفضوا تعليم يسوع وقسّوا قلوبهم. وقد نكون نحن من "اليهود" حين نقسّي قلوبنا تجاه كلام الله. ونقول الشيء عينه عن لفظة "اسرائيل". قيل عن نتنائيل إنه اسرائيليّ لا غشّ فيه. أي قرأ الكتب المقدّسة فانفتح على نداء يسوع وأعلن إيمانه: "أنت ابن الله، أنت ملك اسرائيل" (يو 1: 49). وكل واحد منا يمكن أن يكون "اسرائيليًا لا غشّ فيه"، إذا شاء، كما يمكنه أن يكون "يهوديًا" مثل نيقوديمس الذي جاء في الليل لم مضى في الليل، فما أدرك النور، نور المسيح الذي جاء إلى العالم.
وهكذا كما يمكن أن يكون المسيحيّ "يهوديًا" أو "اسرائيليًا"، يمكنه أن يكون من جماعة الكتبة والفريسيين. لهذا قال لنا يسوع محذّرًا: "إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (5: 20). يبقى علينا أن نترك الخمرة العتيقة ونأخذ بالجديدة. يبقى علينا أن ننتقل من شريعة نمارسها ونتمسّك بحرفيّتها إلى برّ نعيشه في الأمانة التامة لإنجيل قدّمه يسوع وما زال يقدّمه لكل واحد منا. كان على المسيحي في زمن متّى أن يختار بين مدرسة الفريسيين ومدرسة يسوع. والمدرستان ما زالتا حاضرتين اليوم. فأيهما نختار؟
الفصل السابع والعشرون
بكاء على الشعب، بكاء على أورشليم
23: 33-39

جاءت الويلات السبعة كسيوف قاطعة ضدّ مرائين يقولون ولا يفعلون، يبدون طاهرين في الظاهر ولكنهم نجسون في الداخل. ضدّ أشرار أغلقوا باب الملكوت وفتحوا باب جهنّم أمام الناس. ضد قتلة يتابعون خطّ آبائهم الذين قتلوا الأنبياء. بل هم يستعدون ليقتلوا من يرسلهم يسوع من أنبياء وحكماء وكتبة. بدا كلام يسوع قاسيًا في خط الأنبياء الذين هدّدوا الشعب والمدينة المقدسة بأقسى العقوبات لأنهم خانوا الرب وتعلّقوا بالأصنام وقتلوا الغريب والفقير واليتيم والأرملة. وها هو يذكر أول شهيد وكأني به يقول بفم الانجيلي وهو يرى ما يرى: لم تنته بعد لائحة الشهداء. لهذا جاء العقاب لأورشليمُ ودُمّر "البيت" أو الهيكل. وكل ذلك لأن الشعب رفض أن يسمع، رفض أن يسير في حماية المسيح كما فعل أجداده في البريّة يوم حملهم الرب كما يحمل النسر صغاره.
بعد النظرة العامة، نتوقّف عند التفاصيل فندرس البنية والمراجع وننهي في التفسير.

1- نظرة عامة
أ- أيها الحيات، نسل الأفاعي (آ 33-36)
نحن هنا في الواقع أمام مقطعين. آ 33-36. ثم آ 37-39. أما آ 33-36 فهي تستعيد الاتهام الذي قرأناه في آ 29-32 وتوضحه، كما تزيد عليه بشكل خاص فكرة رهيبة تقول: في العنف الذي مارسه اليهود ضدّ يسوع وتلاميذه، تتمّ دينونةُ الله ضدّ الفريسيين. هذا هو معنى "اوبوس" (لكي) في آ 35: "لكي ينزل عليكم كلّ دم زكي هُدر على الأرض".
أما الألفاظ التي تتحدّث عن الاتهام فنقرأها في 7:3 (يا نسل الأفاعي). فالحيّة هي نموذج الحيوان الذي يحمل السمّ فيحمل خطر الموت إلى الانسان. هذا ما يدلّ على القتل الذي مارسه الفريسيّون تجاه المسيحيين في الكنيسة الأولى ولا سيّما في مناطق سورية وفلسطين حين حافظوا على نفوذ كبير لدى "الحاكم".
جاء الاستفهام (مع كيف) في آ 33 بشكل بلاغي، وهو لا يحتاج إلى جواب: لاشكّ في أن الفريسيين لن يُفلتوا من الدينونة. دينونة جهنّم أي نار جهنم (رج 5: 22؛ 18: 9؛ 23: 15). وتأتي عبارة "من أجل ذلك" (ديا توتو) فتربط الجملة بما في آ 33 أو آ 32. ولكننا نفضّل الربط مع آ 33: تتم الدينونة التي أعلنت في أرسال تلاميذ المسيح الذين رذلهم اليهود. غير أننا إذا ربطنا "من أجل ذلك" بـ آ 32 نفهم الآية كما يلي: بإرسال تلاميذ أعطيت لكم امكانيّة ملء مكيال آبائكم. كنتم قد بدأتم مع الأنبياء. وها أنتم تكمِّلون مع الرسل. كانت طلائع الدينونة آتية وها هي قد وصلت بكم إلى ملء العقاب، دينونة جهنّم.
وذكر النصّ "الأنبياء والحكماء والكتبة". قد نكون هنا أمام خدم ذُكرت في الكنيسة الأولى. ونكون أيضًا في خطّ العالم اليهوديّ والكتاب المقدس: كما رذلتم (أيها الفريسيون) مرسلي الله في الماضي، ترذلون اليوم مرسليه، مرسلي يسوع. وتُذكر الأعمال التي قام بها اليهود ضد المسيحيين: القتل، الصلب، الجلد، الطرد، الملاحقة. قال لو 11: 49: "سأرسل إليهم أنبياء ورسلاً، فمنهم من يقتلون ومنهم من يضطهدون". ما أراد لوقا أن يتوسّع كما فعل متّى. أو هو لم يعرف الخبرة التي اختبرها متّى في كنيسة التصقت التصاقًا حميمًا بالعالم اليهوديّ.
نشير هنا إلى أن الصلب كان عذابًا رومانيًا، ولكن اليهود أخذوا به. أما الجلد في المجامع فأمرٌ انتشر انتشارًا واسعًا. قال بولس في 2 كور 11: 24: "جلدني اليهود خمس مرّات". وحين أورد متّى توصيات يسوع، انطلق من الواقع فقال: "سيسلمونكم إلى المحافل وفي مجامعهم يجلدونكم" (10: 17؛ رج مر 13: 9). وهذا ما حدث للرسل (أع 5: 40)، وكان الرؤساء قد أرادوا قتلهم (أع 33:5). يُذكر الجلد في تث 25: 2-3: "إن كان المذنب يستحقّ الجلد، يطرحه القاضي ويأمر بجلده أمامه على قدر ذنبه عددًا من الجلدات لا يزيد على أربعين". وقد حدّدت المشناة طريقة الجلد: 13 على الصدر. 13 على كل كتف. وهكذا يتوقّف الجلد عند الرقم 39 ولا يتجاوزه. نشير إلى أن السوط الروماني الذي حلّ محلّ العصا اليهوديّة، حمل أجزاء عظام وحديد ورصاص.
"وتطاردون من مدينة إلى مدينة". هذا ما حدث في الواقع لبولس. وصل إلى أنطاكية بسيدية، فأثار اليهود عليه اضطهادًا (أع 13: 50). جاء إلى أيقونية، فجاءه التهديد بالشتم والرجم من اليهود هناك (أع 14: 5). وصل إلى لسترة، "فأقبل يهود من أنطاكية وإيقونية واستمالوا الشعب فرجموا بولس" (أع 14: 19). وهذا ما حدث لمرسلي يسوع كلهم في عالم الانجيليّ متّى. وربط الانجيل قتل الرسل بأول قتل بريء تذكره التوراة (تك 4). لهذا، سيكون العقاب قاسيًا بالنسبة إلى "هذا الجيل"، يعني إلى مجمل الشعب اليهوديّ الذي اتّهم في رؤسائه في زمن يسوع نفسه وفي زمن تدوين الأناجيل.
ب- يا أورشليم، يا أورشليم (آ 37- 39)
في آ 37-39، نسمع رثاء يسوع لأورشليم في موازاة ما نقرأ في لو 34:13-35: "يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين...". كان تأليف مت متماسكًا منذ ف 21. أما هنا فتبدو هذه الآيات الثلاث (آ 37-39) وكأنها ليست في محلّها. فلهجتها تختلف عمّا سبقها (من كلام قاس: أيها الحيات أولاد الأفاعي) وعمّا سيأتي بعدها (24: 1-3: يسوع أمام الهيكل). فبدل الكلمات الهجوميّة القاسية والنبوءات التي تدلّ على الكارثة الآتية (بالنسبة إلى يسوع) وعلى كارثة أتت (بالنسبة إلى الانجيل)، تعبّر آ 37-39 عن حزن يسوع العميق، وتعلن عودته القريبة كمسيح يعترف به شعبه ويهتف له: "مبارك الآتي باسم الرب" (آ 39 ب).
قدّم لوقا نصًا موازيًا كل الموازاة لنصّ متّى (لو 13: 34-35)، ولكنه لم يجعله في ف 11 بعد الكلام على الكتبة والفريسيين (رج مت 23). بل في 13 حيث الموضوع يختلف كل الاختلاف عمّا في مت 23. إن لو 13: 34-35 يلي خبر عداوة هيرودس ليسوع. هذه القطعة (تث 23: 37-39) تُدخل أقلّه موضوعين لا يردان في موضع آخر من مت: "جمع" اسرائيل على يد يسوع (آ 37)، و"البيت" الذي يبقى خرابًا (آ 38). إذن، نحن أمام إعلان مستقل تفوّه به يسوع في أكثر من مناسبة. نحن أمام ثلاث قولات ليسوع وقد "ركَّبها" التقليد قبل أن تصل إلى مت ولو. ودليلنا إلى ذلك هو أن آ 37 أ (يا أورشليم، يا أورشليم) لا تتناسق بسهولة مع آ 37 ب-39.
ويبدأ النصّ بأسماء الفاعل: قاتلة، راجمة. هذا ما يعبّر (لا عن عمل مضى) عن عمل مستمرّ وآني. فعنف أورشليم ضدّ مرسلي الله لا يعود إلى البارحة، بل إلى زمن بعيد. لا إلى زكريا الكاهن فقط، بل إلى بداية البشريّة إلى هابيل. وليس هذا العنف ابن الصدفة والاتفاق. فهو وليد إرادة معاندة لا يقف بوجهها شيء حتى لو قيل لها أنها "تقاوم الله" (أع 39:4). إن فكرة مقاومة اسرائيل لله، بما في هذه المقاومة من "قتل" وعناد واستمرار، تسيطر على مت 23 كلّه.
كان اليهود في زمن يسوع يقبلون بأن يذكَّروا بخيانة آبائهم، ولكن لا ليُتّهموا بذات الجرائم. هناك قتل. بل هناك رجم. كانت الشريعة تفرض الرجم على عبّاد الأوثان (تث 17: 5-7)، على السحرة (لا 20: 27)، على الأبناء المتمرّدين (تث 21: 18- 21)، على الذين يتجاوزون السبت (عد 15: 32- 36). وكان العذاب يتمّ خارج المدينة (لا 24: 14؛ عد 36:15؛ 1 مل 21: 10). وكان الشهود يرمون الحجر الأول (تث 17: 7؛ يو 8: 7). ولكن من رجم مرسلي الله، دلّ على أنه يرفض عمل الله، يرفض الله. وهؤلاء المرسلون (أو الرسل) قد بعث بهم الرب من أجل شعبه (21: 35). فمن رجمهم رفض الذين أرسلهم. يقول النص "الأنبياء والمرسلين"، فكأني به يجمع العهد القديم مع العهد الجديد في خطيئة أورشليم وبنيها.
كم مرّة (بوساكيس، رج 18: 21)؟ هذا يعني أن يسوع جاء أكثر من مرّة إلى أورشليم، كما يقول يو. نشير إلى أن الازائيين تحدّثوا مرّة واحدة عن صعود يسوع إلى أورشليم. نحن أمام بناء أدبي، لا بناء تاريخيّ. "كم مرّة أردت أن أجمع بنيك"! أي شعب اسرائيل. هنا يسوع يختلف كل الاختلاف عن الكتبة والفريسيين الذين أرادوا أن يجمعوا حول شخصهم، لا في حظيرة الله. ولكن الشعب ما أراد. أراد يسوع، وإرادته تدلّ على مخطّط الله. ولكن الشعب دلّ على إرادة سيّئة، على رفض عنيد. هذا هو الصراع بين ما أراده يسوع وما لم يُرده الشعب اليهوديّ. إذن، لسنا أمام حكم على شعب من الشعوب، بل على إرادة سيّئة لدى شعب رفض الخلاص الذي يقدّم له، وسوف يقول في المحاكمة: دمه علينا وعلى أولادنا.
ونجد هنا موضوع "الجمع" (رج 24: 31؛ مر 1: 33؛ لو 12: 1؛ 37:17) الذي يعود إلى السبعينيّة فيصوّر تجمّع الأمم، أو تجمّع الشعب اليهوديّ، في نهاية الأزمنة. نقرأ في مز 47:106: "خلّصنا يا رب إلهنا، واجمعنا من بين الأمم لنحمد اسمك القدوس، ونبتهج ونهلّل لك". لسنا هنا أمام حشد من الناس لا يجمع بينهم سوى تقارب الأجساد، بل أمام جمع من أجل هدف معيّن. ونجد أيضًا صورة جناحَيْ الله، الذي تصوّر قدرته وحمايته تجاه خطر قاتل. هنا نقرأ خر 19: 4 كيف عامل الرب شعبه: "حملتكم على أجنحة النسور". وفي نشيد موسى يشبّه الله بـ "النسر الذي يغار على عشّه. على فراخه يرفّ فيفرش جناحيه ليأخذهم ويحملهم على ريشه" (تث 32: 10). وينشد المرتّل في مز 8:36: "ما أكرم رحمتك يا الله! في ظلّ جناحيك يحتمي البشر" (رج 8:17؛ 9: 4). في هذا السياق، نفهم أن يسوع يريد أن يعمل اليوم لشعبه ما عمله الربّ في الماضي. يريد أن يحميه من خطر يحدق به، أن يحميه من الدينونة الأخيرة التي يرمز إليها سقوط أورشليم (24: 1-3). حاول يسوع، عمل كما تعمل الدجاجة بحنان. والآن انتهى وقت الحنان، وحلّت محلّه قدرةُ المخلّص في نهاية الأزمنة.
"هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا" (آ 38) (إريموس). البيت يعني الشعب في مجمله. ويعني العائلة الملكيّة. ويعني هيكل أورشليم. نحن في هذه الحالات الثلاث أمام نبوءة تدلّ على الوضع الذي صار فيه الشعب: تُرك لأمره. ترك يدَ الله، فتركته يد الله. وهكذا تُدمّر عظمةُ شعب اسرائيل كما قال الأنبياء مرارًا. مثلاً نقرأ كلام الرب للملك سليمان: "إذا حدتَ عني أنت وبنوك... فإني أبيد بني اسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتها لهم، وأهجر الهيكل الذي كرّسته لاسمي" (1 مل 9: 6-7). ونقرأ كلام الرب بلسان إرميا (22: 5): "إن كنتم لا تسمعون لهذا الكلام، سأجعل هذا البيت خرابًا" (رج 12: 7). قالت بداية الآية: "ها هوذا". هذا ما يدلّ على أن ساعة العقاب قد حلّت، وما عاد المسيح ينتظر شيئًا من أجل خلاص شعبه. وإذا تذكّرنا أن متّى كتب انجيله بعد دمار أورشليم وهيكلها، نفهم هذا الحاضر وكأنه ما زال يهدّد الشعب اليهوديّ إن هو رفض تعليم يسوع كما تقدّمه الكنيسة.
"أقول لكم: إنكم لن تروني من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب" (آ 39). المسيح ذاهب إلى الموت بعد أن رذله شعبه. ولكنه سيعود في يوم من الأيام فيهتف له هذا الشعب: "مبارك الآتي باسم الرب". كما هتف له التلاميذ في يوم الشعانين (21: 9؛ رج مز 118: 26). أجل، ذاك الذي يأتي لكي يدشّن الملكوت، سيجد الشعب اليهوديّ يستعدّ لاستقباله. وإذا اعتبرنا الخبر يمثّل الكل، نستطيع القول بأن الذين آمنوا بيسوع في نهاية حياته العلنيّة هم باكورة الذين سيؤمنون به في مجيئه الثاني.

2- الدراسة التفصيليّة
أ- البنية
تتوجّه آ 33-36 إمّا إلى الكتبة والفريسيين، وإمّا إلى أورشليم التي ستُذكر فيما بعد. نحن هنا مع أقوال تختتم مت 23. فبعد النداء في آ 33، تستعيد آ 34 تاريخًا مأساويًا من رفض مرسلي الله. وتتحدّث آ 35 عن العقاب المنتظر. ومع آ 36 و"الحقّ أقول لكم"، توضع آ 35 في إطار إسكاتولوجي: كل هذا. هذا الجيل (رج 24: 33-34).
أما آ 37-39 فتبدأ بالمنادى (في المقطع الأول هو الشعب برؤسائه، وفي المقطع الثاني هو الشعب بمدينته). توجّه يسوع إلى أورشليم، وكما في آ 34، أعلن مصير الأنبياء الحزين، كذلك أعلن مصيره أيضًا. وبعد هذا، جاءت آ 38، شأنها شأن آ 35، فأصدرت الحكم: سيكون بيتكم خرابًا. وتختتم آ 39 ف 23 بإعلان حول عودة المسيح فتهتف له كما هتف الشعب يوم الشعانين: "مبارك الآتي باسم الرب".

وتتوزعّ هذه المقطوعة حسب اللوحة التالية: 
الجريمة العقاب في نهاية العالم
آ 34: أرسل أنبياء آ 35 آ 36: أقول لكم
آ 37: قاتلة الأنبياء آ 38 آ 39: أقول لكم
ب- المراجع
نجد في آ 34-36 ذات التقليد الذي نجده في لو 11: 49- 51. أما آ 37- 39، فهي مشابهة لما في لو 13: 34-35. وهكذا ننسب هاتين الوحدتين إلى المعين. ثم هناك بعض الأسباب التي تجعلنا نتحدّث عن نظرية الينبوعين. قيل: بدّل لوقا قولاً تفوّه به يسوع ووجّهه بشكل مباشر إلى معاصريه (لهذا أرسل إليهم أنبياء...) في خطاب بفم الحكمة الموجودة من البدء (لهذا قالت حكمة الله: ها أنا أرسل إليهم أنبياء...). هذا ليس بمعقول أن يكون من لوقا الذي لا يهتمّ بصورة الحكمة. هناك تفاصيل في مت لا نجدها في لو، وهي تفاصيل تبدو ثانوية، وتذكّرنا بمصير يسوع وتلاميذه (منهم من تصلبون مثل يسوع... من تجلدون في مجامعكم مثل التلاميذ). حين نأخذ بعين الاعتبار اتجاه لوقا المعروف في أع، بأن يماثل بين آلام التلاميذ وآلام يسوع، لا يُعقل أن يُغفل مثل هذه التفاصيل.
أما في ما يتعلّق بارتباط آ 37-39 بالمعين، فليس من اتفاق بعد. هل وضع لوقا القطعة بعد ملاحظة يسوع التي تقول لايهلك نبيّ خارج أورشليم (13: 33)؟ أو هل رتّب متّى الأمور بحيث يكون الرثاء في ذروة ف 23 فيهيِّئ الطريق لما في ف 24؟ اعتاد لو أن يكون قريبًا من المعين. أما في هذه الحالة الخاصة، فيبدو أن لو حرّك الوحدة (يا أورشليم، يا أورشليم) من مكانها ليجعل النصوص حول أورشليم بعضها مع بعض: بعد 22:13-30 (هي مقدّمة تدوينيّة تذكر أورشليم)، يأتي 13: 31-33 (يستحيل أن يموت نبيّ خارج أورشليم)، ثم 13: 34-35 (يا أورشليم، يا مدينة تقتل الأنبياء). ثم إن صورة "الدجاجة" (مؤنث) ولفظة "بوساكيس" (كم مرة)، تعنيان أن آ 36-39 (في مت) كانت، في المعين، امتدادًا لكلمات الحكمة (لو 11: 49- 51) (يسوع هو "أم"، هو دجاجة. والحكمة هي مؤنّث وهي ترمز إلى المسيح). ولو 13: 34- 35 ينتمي بالأحرى إلى مجموعة أقوال هجوميّة في المعين (= لو 11: 14- 26+29-52). لا إلى مواد تحريضيّة في المعين (= لو 33:13 ي). حتى لو لم نقتنع بأن مت حرّك موضع 23: 37-39 إلى موقعه الحاضر، تبقى هذه الآيات ذروة في الخطبة الهجوميّة (مت 23) وانتقالة ناجحة إلى مت 24. هذا الرثاء على أورشليم قد قيل في العاصمة نفسها: فكأن يسوع وقف أمامها وجهًا لوجه وكلّمها مع ما في كلامه من قساوة تحرّك العاطفة.
ج- التأويل
هناك سمات تميّز آ 33-39 فتتضمّن ما يلي: يسوع (في لوقا: الحكمة) هو من يتكلّم، لاشكّ في ذلك. يستعمل الخطاب المباشر (استعمل لوقا صيغة الغائب في 49:11- 51). صيغة الحاضر هي المسيطرة. ويُذكر الصلب والاضطهاد من مدينة إلى مدينة. وهكذا يقدّم الانجيل تركيزًا كرستولوجيًا (يسوع المسيح)، واتجاهًا اكليزيولوجيا (الكنيسة) وهدفًا هجوميًا (على رؤساء اليهود ومدينتهم).
تتضمّن آ 34-35 تأليفًا موحَّدًا يُنسب في لو إلى حكمة الله (كما في المعين). اعتبر عدد من الشّراح هاتين الآيتين وكأنهما إيراد كتابيّ من وثيقة يهوديّة ضاعت. فحتى إن كان الأمر هكذا، فلا يُستبعد أن تعودا إلى يسوع نفسه: قد يكون أورد كلامًا قيل قبله أو استعمل قولاً من أقوال الحكمة المشخَّصة (وهكذا يكون قد تماهى مع الحكمة). ولكن يبدو أن أصل هاتين الآيتين يعود إلى ما بعد الفصح. وهكذا تُنسبان إلى نبيّ مسيحيّ. لاشكّ في أن موضوع (نجده في التاريخ الاشتراعي) رذل اسرائيل للأنبياء، ومفهوم الحكمة التي ترسل رسل الله، لعبا دورًا في الرسالة المسيحيّة الأولى. غير أننا نتساءل: أما نقلّل من تقدير وعي يسوع للمعارضة؟ أما كان يعرف يسوع ما ينتظره من خطر سيقوده إلى الموت؟ وعبارة "من هابيل إلى زكريا" تستطيع أن تكون قيلت قبل الفصح. وإذا كنا أمام تأليف بعد فصحيّ، كيف يمكن أن لا يذكر الإنجيليّ يسوع أو شهيدًا معروفًا في المسيحيّة الأولى مثل اسطفانس؟ لهذا، ننسب آ 34- 35 إلى يسوع الذي عرف نفسه كالنبيّ للجيل الأخير.
هناك من يقابل بين آ 34-35 و1 تس 2: 15-16 الذي يقول: "الذين قتلوا الربّ يسوع والأنبياء، واضطهدونا نحن أيضًا. الذين لا يُرضون الله البتّة، وقد صاروا أعداء لجميع الناس...". نجد في النصين قتل الأنبياء مع اضطهاد المؤمنين، وملء مكيال الخطايا الذي يجلب الدينونة الأخيرة. هذا التوازي بين نصّ المعين (مت 34:23-35= لو 11: 49- 51) ونص 1 تس 2: 15-16 قد جُعل فيما بعد في نص الرسالة البولسيّة التي دوّنت سنة 51 ب م. أو: عاد بولس والمعين إلى تقليد واحد لا يعود في الأصل إلى يسوع. أو: عاد بولس إلى تقليد يرتبط بيسوع. نستطيع أن نأخذ بالخيارين الثاني والثالث، لا بالخيار الأول.
وفي ما يتعلّق ب آ 37-39 وز، فقد انفصلت في الأصل عن آ 34-36. ويمكن أن تُدرس على حدة. نلاحظ الاختلاف في الوجهة (في آ 37-39 وز أرسل الأنبياء. في لو 11: 49- 51 سوف يرسلون) وفي اللهجة (في آ 37-39 هو الحزن. في لو 11: 49 ي، الاتهام فقط). تعود هذه الآيات إلى الربّ يسوع ووعيه لعمله النبويّ حول دمار الهيكل. ولكن هناك من يتحدّث عن مرجع يعود إلى العالم اليهوديّ أو الجماعة المسيحيّة. تكلّم يسوع كشخص فوق التاريخ (كم مرة أردت أن أجمع بنيك)، فتضمّن كلامُه إشارة إلى وضعه المسيحاني.
د- تفسير الآيات (33:23-39)
أولاً: أيها الحيات نسل الأفاعي (آ 33)
إن الخطيئة التي يقترفها الكتبة والفريسيون في أعمالهم هي من الخطورة بحيث إن الدينونة الاسكاتولوجيّة ستقع عليهم. هم لا يستطيعون أن يُفلتوا. وكما يقول عد 33:35-34: "الدم يدنّس الأرض ولا يكفّر عنها الدمُ الذي سُفك عليها إلاّ بدم سافكيه. فلا تدنّسوا الأرض التي أنتم ساكنون فيها".
"أيها الحيّات...". هذا قول تدوينيّ يرتكز على قول يوحنا المعمدان للفريسيين والصادوقيّين في 7:3 (من علّمكم الهرب من الغضب الآتي. أثمروا)؛ ق 12: 34 (يتحدّث أيضًا عن الفريسيين). يتكلّم يسوع، شأنه شأن يوحنا، وتعليمه هو تعليم السابق: لا يستطيع الفريسيون أن يفلتوا من الغضب الآتي (رج رؤ 6: 15-16). ينتج عن هذا أن طبع الفريسيين لم يتغيّر، وأن رسالتي يسوع ويوحنا لم تنفعا، وأن سمّ الحيّة ما زال هنا.
الحيّة هي عنصر شرّ تجاه السمكة التي يطلبها الابن من أبيه (7: 10). وهي عنصر خير لأنها تعلّم الرسل "الحكمة" التي ترافق "الوداعة" (10: 16). وهناك عنصر التوبيخ كما نقرأ في تك 49: 17: "يكون دان ثعبانًا على الطريق، أفعوانًا على السبيل، يلسع الفرس في عقبها فيقع راكبها إلى الوراء" (رج مز سليمان 4: 11). دينونة جهنّم هي عبارة رابينيّة وتعني الدينونة التي يكون حكمها جهنّم كموضع الغضب. إن "جهنم" (بدل "الغضب الآتي" كما في 3: 7) تربطنا مع آ 15: سيشارك الكتبة والفريسيون الدخلاء في مصيرهم: فأبناء الذين قتلوا الأنبياء يصيرون أبناء جهنّم.
ثانيًا: "أنا أرسل إليكم" (آ 34-36)
نتذكّر آ 30 (لو عشنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء) التي لا تتعارض مع آ 34. إن تاريخ الخلاص صار تاريخ الهلاك. "من أجل ذلك، ها أنا أرسل إليكم أنبياء". ق 10: 16؛ إر 7: 25 (حسب السبعينيّة: أرسل إليكم عبيدي الأنبياء)؛ 8: 17 (سأرسل عليكم)؛ ترجوم أش 50: 2: "حين أرسلت أنبياء، فلماذا لم تتوبوا"؟ أما "لأجل ذلك"، رج أش 5: 24 الذي ينهي سلسلة من الويلات. بعد الكلمتين الأوليين اللتين تنبّهان أولئك الذين هم مثل آبائهم بحيث يضطهدون المرسلين إليهم، يقول لو 11: 49: "قالت الحكمة: أرسل إليهم أنبياء ورسلاً" (هي عبارة خاصة بلوقا). زاد متّى "الكتبة". أما لوقا فاكتفى بمرسلي العهد القديم (الأنبياء) والعهد الجديد (الرسل). تعود "من أجل ذلك" في مت إلى ملء مكيال الآباء (آ 32). أما في لو فتدلّ على القبول بما فعله الآباء.
لا نفسّر "أنبياء وحكماء وكتبة" كسلسلة كرونولوجيّة تنقلنا من العهد القديم إلى العهد الجديد. ولا نظن أن المواهب محصورة في تلاميذ المسيح وفي المسيحيين. فالمجموعات الثلاث التي لا نستطيع أن نميّز بعضها من بعض، تدلّ بالأحرى على مجمل من أرسلهم الله ويسوع: الأنبياء والحكماء والكتبة.
فيسوع أرسل الأنبياء إلى الذين يكرّمون الأنبياء الذين ماتوا (آ 29)، والحكماء إلى الذين هم حكماء بالاسم (25:11)، والكتبة إلى الذين أخطأوا في واجبهم ككتبة (آ 3).
"فمنهم من تقتلون وتصلبون". رج ملكتا خر 17:15 (هـ ر ج. ص ل ب). فالذين أرسلهم يسوع وحضّهم ليكونوا حكماء كالحيات (16:10)، سقطوا في يد الحيّات واستُشهدوا. كان يسوع الرسول. وموته هو النموذج. صُلب. وقد يُصلب تلاميذه. وهناك الجلد أيضًا. وقد جُلد يسوع. لقد تكلّم يسوع. ومهما كان من تفاصيل في كلامه، فهذا ما عاشته كنيسة متّى.
وبعد الاتهام التهديد، كما في عا 3: 11؛ 4: 11؛ 5: 11. فالذين اضطهدوا يسوع وتلاميذه، وهكذا عارضوا الله، شاركوا في خطايا آباءهم وبالتالي هيّأوا عقابقم. "لكي ينزل عليكم كل دم..." (آ 35). رج مز 1: 32؛ أم 6: 17 (حسب السبعينيّة، يدان تسفكان الدم البريء)؛ مرا 4: 13؛ يون 1: 14؛ يو 19:3؛ رؤ 18: 24؛ تلمود بابل سنهدرين 6: 5 (سفك دم الصديقين). نقرأ في لو 11: 50: "دم جميع الأنبياء الذي سُفك منذ أساس العالم سيُطلب من هذا الجيل". كان لوقا قريبًا من المعين. ودّن متّى نصّه، فجعله في صيغة المخاطب الجمع.
يظهر "الدم" ثلاث مرات، ويدلّ على أن الله ينتقم للدم البريء (تك 4: 10- 11؛ رؤ 6: 10؛ 1 أخنوخ 47: 1- 14؛ وصية موسى 9: 7؛ تلمود بابل سنهدرين 6: 5). نتذكّر هنا بيلاطس الذي يغسل يديه من الدم البريء (27: 24-26)، والجمع يهتف: "دمه علينا وعلى أولادنا". "على الأرض" قد تعني أرض "اسرائيل"، وتعني أيضًا "الأرض كلها".
لماذا يحلّ العقاب بمجموعة واحدة من أجل مقتل كل دم زكي؟ هل قتل الفريسيون زكريا؟ هل قتلوا هابيل؟ ولكنهم جاؤوا يملأون المكيال (آ 32). نقرأ عن هابيل في عب 4:11؛ 1 يو 12:3؛ يوسيفوس، العاديات 1: 53؛ الترجوم الاجزائي في تك 4: 10. زكريا بن بركيا هو النبيّ (زك 1: 1). في الواقع، هو زكريا بن يوياداع (2 أخ 24: 20- 22) الكاهن.
"الحقّ أقول لكم" (آ 36). يتوسّع الحكم أبعد من الكتبة والفريسيين فيصل إلى "هذا الجيل" الذي يتبع قوّاده الفاسدين فيصبح مثلهم فاسدًا. منذ الآن يستعدّ الشعب لمضايق الخطبة الاسكاتولوجيّة
ثالثًا: "يا أورشليم، يا أورشليم" (آ 37- 39)
وينتهي ف 23 برثاء يوجّه مباشرة إلى أورشليم. فالمدينة تشارك في خطايا الكتبة والفريسيين. هي أيضًا قتلت مرسلي الله. ولكن محبّة يسوع لها ما زالت حاضرة: فرغم تاريخ من الدم المراق، ما زال الربّ يحبّ أورشليم.
"يا أورشليم..." (آ 37). رج 21: 35، نح 9: 26؛ إر 2: 30. هي تقتل الأنبياء (آ 31). ترجمهم (35:21). رج يو 59:8 بالنسبة إلى يسوع؛ أع 7: 59 بالنسبة إلى اسطفانس، عب 11: 37 بالنسبة إلى أبطالا العهد القديم؛ 4 با 9 بالنسبة إلى ارميا؛ يوسيفوس، العاديات 4: 22 (موسى). تلمود بابل سنهدرين 43 أ (يسوع). خر ربه 6: 13 (موسى).
"هوذا بيتكم يُترك خرابًا" (آ 38). وينهي مت بالاشارة إلى حدثين يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالفصل التالي: دمار أورشليم (آ 38)، مجيء ابن الانسان (آ 39). الأول يتكلّم عن الدينونة، والثاني عن الرجاء. وهذا ما سوف نراه. 

خاتمة
هذا المقطع يتحدّث عن رذل اسرائيل بشكل نهائيّ، ولكن لا اسرائيل ككل، بل رؤساؤه ومدينته. فالعلاقات ما زالت خاصة بين الله وشعبه. ثم إن آ 39 ليست حكمًا على الشعب بل وعدًا بالفداء: سيجيء المسيح حين يتوب شعبه (رج أع 19-20).
حين نقرأ آ 37-39، نجد ثلاث محطّات بالنسبة إلى أورشليم: رُذلت ساعة أرسل إليها الأنبياء فقتلتهم (في الماضي، آ 37). هُجرت ساعة تركها ابن الانسان (في الحاضر، آ 38 كما تركت "الشكينة" أو الحضور الالهي الهيكل). زمن التوبة والمصالحة وفيه سوف تستقبل المسيح (المستقبل، آ 39). وهكذا لم يتركنا الانجيليّ في جوّ الدينونة والهلاك. بل أعطانا صورة عن حنان يسوع كالدجاجة مع فراخها. صورة عن ذاك الذي يأتي في النهاية لكي يتقبّل توبة شعبه وينال منه الاستقبال الملوكي: "مبارك الآتي باسم الربّ".
خاتمة عامة

هذا هو الجزء الثالث من تفسير انجيل متّى بعنوانه الجماعة وملكوت الله. بعد جزء أول كان عنوانه بدايات الملكوت، وجزء ثان، عنوانه سرّ الملكوت، ها هو الجزء الثالث يرد في مواضيع عامة وقسمين. في الجزء الأول توقّفت الدراسات العامة عند أربعة فصول: مدخل الانجيل وتصميمه في التأليف الادبي والمعاني اللاهوتية. في الجزء الثاني، تطرّقنا إلى ثلاثة مواضيع هي: الشريعة والانجيل. أبناء الملكوت وأبناء الشرّير. الكنيسة والايمان لا في انجيل متّى فقط، بل في الأناجيل الازائية.
وكانت مراحل هذا الجزء اثنتين. في المرحلة التاسعة، تطرّقنا إلى الحياة في جماعة الملكوت، في جماعة الصغار، الذين هم التلاميذ كما هم كل الصغار في المجتمع، الذين ينتظرون كالمساكين كل شيء من يد الله. هؤلاء التلاميذ يعيشون اثنين: الاصلاح الأخوي داخل العيلة والمغفرة بعضهم لبعض. هذا ما قدّمته الخطبة الثالثة من الخطب المتّاويّة الخمس.
وكان عنوان المرحلة العاشرة الطريق إلى أورشليم، الطريق إلى الملكوت. سارت بنا من الجليل إلى اليهوديّة وأورشليم. ما زال يسوع يعلّم الجموع، ولكنه يعلّم بشكل خاص تلاميذه من خلال حكم على رؤساء اليهود، على الكتبة والفريسيين الذين أخذوا مفاتيح المعرفة. فلا هم دخلوا، ولا تركوا الناس يدخلون. تعليم عن الزواج والبتوليّة، تعليم عن اتّباع يسوع وأهميّة التجرّد، تعليم عن الطموح الكاذب والخدمة الحقيقيّة. وأخيرًا، تعليم حول الوصيّة العظمى التي هي وصيّتان: محبّة الله ومحبّة القريب.
كنا نودّ أن ننهي إنجيل متّى مع هذا الجزء الثالث، ولكن نما الكتاب وكبر جدًا، فأجبرنا على قسمته إلى جزئين. هذا مع العلم أن الدراسات التي نقدّمها في بداية كل جزء تشكّل نظرات لاهوتيّة نلج بها إلى عمق الانجيل. فنحن لا نكتفي بأن نشرح النصوص شرحًا حرفيًا يبدو بشكل إسهاب، بشكل رديء في نصّ دوِّن تدوينًا رائعًا. ولا نتوقّف فقط عند الألفاظ اليونانية. مع العلم أن درس الألفاظ يبدو ضروريًا في بعض الحالات. بل نحاول أن نكتشف البُعد اللاهوتيّ والبُعد الروحيّ والبُعد الرعائي. فكلمة الله هي في النهاية غذاء للمؤمنين. فإن ظلّت عناصر متفرّقة. ما أشبعت جوع الناس، بل تركتهم يخورون في الطريق وهم يعودون إلى "بيوتهم"، كما قال يسوع في معرض تكثير الأرغفة.
في هذا الجزء الثالث. تطلّعنا إلى الجماعة التي أسّسها يسوع وإلى طريقة عيشها بما فيها من خلاف بين الإخوة والغفران. من زواج وطلاق وبتولية، من شفافيّة أو رياء في تصرفاتنا على مثال الكتبة والفرّيسيّين. وسوف نقدّم قريبًا الجزء الرابع الذي عنونّاه تجلّي الملكوت. أجل، في موت يسوع وقيامته، كشف الملكوت عن كل غناه وبدأ مسيرته في الكنيسة التي أرسلها يسوع من خلاله الأحد عشر وقال لهم: "تلمذوا جميع الأمم، عمّدوهم، علّموهم".