"4"إنجيل متى، تجلي الملكوت

تقديم
نقدّم في هذا الكتاب الجزء الرابع والأخير لتفسير انجيل متّى، وعنوانه تجلّي الملكوت.
كان عنوان الجزء الأول بدايات الملكوت فبدا في أربع مراحل: سرّ يسوع، من العهد القديم إلى العهد الجديد، عظة الجبل، عشر معجزات. وكان عنوان الجزء الثاني سر الملكوت، فجاء هو أيضًا في أربع مراحل: سلطة الملكوت، السؤال حول الملكوت، نموّ الملكوت، مسيرة الملكوت. وكان عنوان الجزء الثالث الجماعة وملكوت الله. فجاء في مرحلتين اثنتين: الحياة في جماعة الملكوت، الطريق إلى أورشليم الطريق إلى الملكوت. وكانت مقدّمات في كل جزء من هذه الأجزاء الثلاثة تطرّقت إلى المعاني اللاهوتيّة، إلى مواضيع الشريعة والتلاميذ والكنيسة، إلى الخدم في الكنيسة وعلاقة متّى بالعالم اليهوديّ.
أما الجزء الرابع فجاء في مقدّمات واسعة وفي مرحلتين. فالمقدّمات عالجت مواضيع من انجيل متّى، ولكنها تجاوزت هذا الانجيل، فاغتنت من انجيليْ مرقس ولوقا. فإن تطرّق الموضوع الأول إلى وجه يسوع في انجيل متّى، فالمواضيع السبعة الباقية غاصت في الأناجيل، بل في العهد الجديد كله، فعرّفتنا إلى ابن الانسان، إلى يسوع المسيح المخلّص، إلى الرب يسوع ودوره في ملكوت الله، إلى المعجزات والايمان، والارتداد والتوبة والسعادة. من أجل هذا سمّينا هذه المقدّمات مداخل لاهوتيّة.
وجاء القسم، الثاني أو بالأحرى المرحلة الحادية عشرة في ((تجلّي الملكوت))، دراسة إجماليّة لما في ف 24-25 وموضوع مجيء الانسان، فجعلنا على عتبة خبر الآلام والقيامة مع موضوع الدينونة الأخيرة. عنوانه: المجيء النهائي للملكوت في يسوع. أما القسم الثالث أو المرحلة الثانية عشر، فعنوانه: سرّ الفصح يدشّن الملكوت. يبدأ مع خيانة يهوذا، يذكر العشاء السريّ، ومحاكمة يسوع وموته، فيصل بنا إلى إرسال يسوع بأن يتلمذوا جميع الأمم.
وهكذا حدّثنا متّى منذ البداية عن ملكوت السماوات الذي نُدعى للدخول إليه. هو وليمة نشارك فيها، هو عريس نسير أمامه بأنوارنا المشتعلة، هو نداء لكي نعيش المحبّة مع أصغر الصغار. وهذا الملكوت يجد كماله في موت يسوع وقيامته. فموت يسوع هو عبوره إلى الآب، وقيامته هي عودته إلينا لكي يرسلنا فنتابع مسيرة الملكوت حتى نهاية العالم. ونحن لا نخاف. فهذا الذي سُمِّي عمانوئيل في بداية الانجيل، صار في نهاية الانجيل معنا. هو الذي بدأ فزرع حبّة الخردل، فصارت هذه المحبّة شجرة كبيرة في زمن متّى، وهي لا تزال تنمو إلى مجيء المسيح الثاني. وهذا المجيء يكون حين تعمّ البشارة المسكونة كلها. إلى هذا يدعونا انجيل متّى.
القسم الأول
مداخل لاهوتيّة

نقدّم في هذه المداخل اللاهوتيّة المواضيع التالية:

1 - التفسير اللاهوتيّ لوجه يسوع في انجيل متّى
2 - ابن الانسان في الأناجيل الازائيّة
3 - يسوع المسيح والمخلّص
4 - الرب يسوع في ملكوت الله
5 - معجزات يسوع في الأناجيل الازائىّة
6 - الايمان في الأناجيل الإزائيّة
7 - الارتداد والتوبة من أجل الملكوت
8 - السعادة التي وعد بها يسوع
الفصل الأول

التفسير اللاهوتيّ لوجه يسوع 
في انجيل متّى 

جرت العادة في خطّ التدوين النقدي أن يُنظر إلى الانجيليّ على أنه لاهوتيّ. هذا ما سنحاول أن نوضحه في هذه الدراسة فنبيّن كيف أن انجيل متّى يُبرز دور يسوع في الخلاص مُعيدًا تفسير التقليد. هي محاولة جديدة في الدراسات الكرستولوجيّة، لا تشدّد أولاً على مختلف الألقاب الكرستولوجيّة، بل على الطريقة التي بها عبّر خبرُ يسوع عن كرستولوجيّة الكاتب. والسمة الخاصة في مت، هي كرستولوجّية التواضع والوداعة، والأهمية الكبرى المعطاة ليسوع كالمعلّم المعلّم: بما أن الله هو الفاعل الحقيقيّ في الخبر الانجيلي، تحوّلت كرستولوجيّة متى إلى لاهوت سوتيريولوجي، إلى لاهوت تاريخ الخلاص.

1- كل انجيليّ لاهوتي
ينظر الشرّاح اليوم إلى كرستولوجيّة كل من الانجيليين كتعبير فرديّ لما يقوله الانجيلي. في الماضي، كان اهتمام بالاستعمال الخاص لمختلف الألقاب الكرستولوجيّة. ولكن لم يلفت الشرّاح نظرنا إلى كرستولوجيا غير مباشرة، أي دور يسوع اللاهوتي في طريقة سرد الخبر الانجيلي. ومع ذلك، فهذا الخبر هو الموضع البديهيّ لاكتشاف السمات الخاصة في مختلف الكرستولوجيات الانجيليّة.
أقدم شهادة نعرفها عن اهتمام بالطابع المميّز لكل من الانجيليين الأربعة، هو الاتجاه النقديّ في مدرسة توبنغن (المانيا) في القرن التاسع عشر، الذي حاول أن يكتشف مختلف ((الاحزاب)) خلف الأناجيل. لم يكن تشديدٌ أول على إدراك وجه يسوع، ولكن هذا تغطّى بمحاولات البحث عن حياة يسوع لبناء يسوع التاريخيّ كما كان حقًا. وهكذا اعتبروا السمات الخاصة بكل انجيلي (لأسباب لاهوتيّة أيضًا) على أنها قليلة الأهميّة. وهذا الموقف كان (أقلّه بشكل جزئيّ) صورة عن المقاربة النقدية في بداية القرن العشرين. لا شكّ في أنه كان من الاهميّة بمكان أن نكتشف عند كل انجيلي ما تركته فيه التقاليد، أي بالنسبة إلى يسوع التاريخيّ. ولكن مع التدوين النقدي الذي سيطر في منتصف القرن الحالي، تبدّل الوضعُ بسرعة، وبرز اهتمام مستقلّ وايجابي بالانجيليّ على أنه لاهوتي. هذا لا يعني أن كل شيء في الانجيل نأخذه على أنه موافق للاهوته الخاص. فمرقس أخذ مواد قديمة ولم يحوّلها في خطّته . ومثله متّى الذي انطلق ممّا كتبه مرقس، فأعاد كتابته وأضاف تقاليد تمثّل طبقات لاهوتيّة قديمة. في أي حال، يمكن أن ننظر إلى كل إنجيلي على أنه لاهوتيّ بنى خبره في خط لاهوت بدا متماسكًا أو أقل تماسكًا.
هذا التوسّع في تفسير الأناجيل ارتبط ارتباطًا وثيقًا باعتراف متنام بأن ما يقف أمامنا هو اللاهوت. لهذا يستحيل علينا أن نتحوّل إلى طبقة لالاهوتيّة. فالمؤوّل الواعي للوجهة التاريخية، لا يستطيع أن يجهل الانطلاقة التاريخيّة أي يسوع الناصريّ. ولكن ما نجده في الأناجيل كمدلول يسوع من أجل الخلاص يرتبط في أي حال بالتفسير. ومع أن هذا التفسير في الاناجيل قد يجد أصله في موضوعه، إلاّ أن الانجيليّ يعتبره طريقة بناء لدور يسوع اللاهوتيّ. هذا يعني أن الوحدة المرتبطة بنقطة الانطلاق تصبح مجزّأة. فالتواصل واللاتواصل يصبحان في جدليّة لا نستطيع أن نتجنّبها. في هذا المجال يبدو من الواضح أن يسوع ((الارضيّ)) كما يصوّره الانجيليّ هو قبل كل شيء بناء لاهوتي تفرضه الحاجة إلى تعليم بسلطان ينتقل إلى المستوى الافقيّ، لا تواصل تقليد شفهي فقط. والظرف الذي يربط التقاليد الموجودة بأحداث مطبوعة بالطابع اللاهوتيّ، يبدّل طابعها بشكل حاسم.
إن ((مسيرة)) من هذا النوع، يجب أن تتكيّف مع متتالية كرونولوجية خارجيّة للاحداث، فتربط هذه الأحداث بماضٍ نستطيع أن نقترب منه عن طريق التقليد. فتحدّث بعضهم عن إدراك متّى لخبر يسوع على أنه ماض مقدّس. ولكن هذا التقليد وُجد بفضل تقبّل متواصل يشبه تفسيرًا خلاّقًا. فالتفسير يعني أن التقليد يرتبط ارتباطًا خاصًا بإحساس المفسّر بالواقع وبأفق القارئ. هذا يعني في وضع متّى، العالَم اليهوديّ وكتبه المقدّسة. فهذه الكتب تشكّل في نظر الانجيلي الخلفيّة التي نستطيع أن نقرأ عليها حياة يسوع وأعماله. وبعبارة أخرى، إن مدلول حياة يسوع وأعماله، يصبح بارزًا عبر تفسير خاص للعالم اليهوديّ وكتبه المقدّسة. في الماضي، اتّجه الشرح إلى النظر إلى يسوع كنتيجة انتظارات الكتب المقدّسة كما فُهمت في ذلك الزمان. وهكذا تجمّد يسوع في دور حدِّد له مسبقًا. مثل هذا الفهم للنصوص قد تخلّى عنه الشرّاح على حساب تقبّل حياة يسوع وأعماله كما أعاد الانجيلي تفسيرها، وتحويل محتوى الانتظار المسيحاني. التواصل هو واقع، وهو يشرح لماذا يجب أن نقيّم كل تفسير على اساس مضمونه الخاص.

2 - تاريخ البحث
سنة 1940، ظهر كتاب عنوانه: عمل الانجيلي الأول في تقديم صورة يسوع. بيّن الكاتب كيف أن موسى هو النموذج الأول ليسوع في انجيل متّى. ((المخلص الأول أعطى التوراة (في المعنى الحصري، أي الأسفار الخمسة)، والمخلّص الثاني أعطى توراته (أي شريعته) التي هي تذكير بالقديمة وامتداد لها. لقد تكونّت الكرستولوجيا المتّاوية هنا من مزج بين انتظار ابن الانسان الجليليّ وانتظار مسيح يهوذا كما في كتاب عزرا الرابع .
سنة 1960، كان كتاب ((يسوع في انجيل متّى)) أول محاولة تدوينيّة نقدية متكاملة لتكشف الطابع الخاص لوجه يسوع كما في متّى. لم يحصر الكاتب عمله في الالقاب الكرستولوجيّة التي وجدها في مت، بل ركّز مجهوده على مضمون أعمال يسوع وعلى مدلولها بالنسبة إلى الخلاص. قال في المقدمة: ينتج الخلاص بالنسبة إلى متّى من فهمه لأسرار أهداف الله الخلاصيّة ونشاطاته كما وصلت إلينا بواسطة يسوع الابن. من الايمان بيسوع كالمخلص الاسكاتولوجي. من مواقف من البرّ الداخلي والمحبّة. من أعمال الرحمة كتعبير عن روح الصلاح. ويدور فكرُ متى في هذا الموضوع حول أربع نقاط: فهم، آمن، كان، صنع. وهكذا نعود إلى أصل سلطة يسوع كما في مت، وهي سلطة ترتبط بالهويّة كحقّ باطنيّ وإمكانيّة ظاهرة: يمتلكها الواحد بسبب ما هو أو بسبب ما يصنعه آخر. مثل هذه السلطة ترافق الوضع الشخصيّ. وطبّق الكاتب هذه التقسيم على ثلاثة ألقاب كرستولوجية: المسيح، ابن الله، ابن الانسان. ويُعتبر هذا الأخيرُ اللقب الأهم (يسوع هو مسيح تدلّ عليه جزئيًا عبارة ((ابن الانسان)) ). هذا يعني وجود انتظار خاص لابن الانسان. وتُدرس سلطة يسوع في مجال المعرفة وفي مجال السلوك.
ويأتي الفصل الأخير كمحاولة لوضع يسوع المتّاوي في مسيحيّة القرن الأول. يسوع هو الانسان الاله، مرسل الله، الفادي الاسكاتولوجيّ (المسيح، ابن الله، ابن الانسان، عبد الله المتألم، موسى الجديد) الذي بحياته وموته وقيامته نجا الجنسُ البشريّ من عبوديّة الخطيئة. هو معطي شريعة (توراة) جديدة (مرتبطة بالقديمة، تفسّرها وتتمّها)، والاله الذي يدشّن ملكوت الله الآتي. معرفتنا له (من هو، ماذا قال، ماذا فعل، ماذا أراد أن يفعل ؟) وايماننا وتعلّقنا به (طاعة جذريّة لشريعته، اقتداء بأعماله وخدمته الـمُحبّة) ينتجان من قبول بواسطته في ملكوت السماوات الذي سيُقام في الحال.
وكانت محاولة ثالثة شدّدت على أن كرستولوجيّة ابن الله مسيطرة في متّى، وقد تحدّد مضمونُها بواسطة وصف الانجيل لأعمال يسوع.
سنة 1993، ظهر كتاب ((موسى الجديد: نمطيّة متّاوية )). فكان خطوة في اتجاه آخر رأيناه في عدد من المحاولات التي تتوقّف عند الالقاب الكرستولوجيّة. سبق هذا الكتاب عدّة محاولات لإبراز السمات الموسوية في وجه يسوع المتّاوي. غير أن هذا الكتاب صاغ الموضوع مبيّنا أن نمطيّة (تيبولوجيا) موسى قد انتشرت في الأدب اليهودي القديم الذي عرفه مدوّن الإنجيل الأول. نرى هذه النمطية الموسوية في خبر طفولة يسوع كما في سائر الانجيل. واللافت هو محاولة التركيز على أن أعمال يسوع هي تتمّة عطيّة الشريعة الموسويّة. ألَّف متّى كتابًا صار فيه موسى (مع أنه ظلّ معيارًا) رمزًا إلى من هو أكبر منه، وموعدًا ينتظر أن يتمّ، كتابًا صار فيه الخروج تاريخًا يستبق الاسكاتولوجيا. وهكذا صارت الكرستولوجيا جزءًا من فهم دور يسوع في الخلاص. صار دورُ الله هو الدور الأساسيّ. وصارت الشريعة المركز، على مثال ما يجب أن تكون الشريعة اليهودية. وصار يسوع ذاك الذي يعلن مشيئة الله بسلطة إلهيّة.
سبق هذا الكتاب محاولة جعْل الشريعة في قلب السوتيريولوجيا (الكلام عن الخلاص) المتّاويّة. فاعتبر الكاتب أن مضمون الكرستولوجيا المتّاوية هو الشريعة والخلاص والنعمة. (1) تأسّست السوتيويولوجيا على الشريعة. أما يسوع فهو الذي يحمل الخلاص حين يفسّر الشريعة، فتصبح الشريعة نفسها وسيلة فعاّلة للخلاص، لا نوعًا من التكفير البدلي. (2) إلا أن الخلاص ليس ((شريعيًا)) بمعنى أنه يرتبط بالشريعة، بل تُقابل وظيفتُه وظيفةَ النعمة كما في الرسائل البولسيّة.
وجاءت محاولة عن ((ابن الله الذي هو الشريعة المجسّدة في متّى)). فعرضتْ نمطيّة موسى التي طبّقت على التلاميذ، لا على يسوع. فيسوع الذي هو ابن الله الطائع كل الطاعة، هو آنيّة برّ الله. فليس في مت توراة في المعنى الحصري أو انجيل، ولا شريعة جديدة، ولا توراة تضاف إلى شريعة جديدة، بل هناك الخبر الطيّب (البشارة) بأن التوراة هي في يسوع، كطلب لبرّ الله، هي الآن حاضرة كلها وفاعلة، وأن في يسوع راحة لأن نيره ليّن وحمله خفيف (11: 30). وكان انطلاق من 11: 28- 30 للاشارة إلى الموازاة بين الحكمة والشريعة كما في سي 24: 23؛ با 4: 1: يسوع هو الشريعة التي صارت جسدًا. معه نصل إلى الحريّة الحقيقيّة. 
وأخيرًا، اعتبر أحد الشرّاح أننا نرى في خبر يسوع المتاويّ خبر الجماعة المتأويّة، أي الكنيسة التي لها جذور تاريخيّة في حركة يسوع الفلسطينية، التي فشلت في رسالتها تجاه اسرائيل وخرجت (ربّما خلال الحرب اليهودية سنة 66-70) من فلسطين إلى سورية، والتي وجدت الآن واجبها الجديد المفروض عليها من قبل الله وهو الرسالة بين الأمم. لهذا يبدو فهم ((عمانوئيل)) أمرًا مهمًا. صارت ((تيولوجيا)) (دراسة الله) في انجيل متى ((كرستولوجيا)) (دراسة عن المسيح). فيسوع هو في انجيل متّى، الوجه الجديد والنهائي لله وسط شعبه. ان للكرستولوجيا المتاوية الطابع السرديّ، والالقاب الكرستولوجية تقول لنا من كان يسوع. مجيئه هو تكلمة وتحويل الانتظارات المسيحانيّة في اسرائيل. وعلى ضوء هذا الادراك اعتر هذا الكاتب أن لقب ابن الله (لا لقب ابن الانسان ولا لقب ابن داود) هو الأساسيّ في الدرجة الأولى، لأنه يتضمّن البُعدين الافقيّ والعموديّ. لن نتوقّف عند لقب واحد. فالكرستولوجيا هي الخبر كله.
نستطيع أن نقول في خلاصة أولى، إن ما قيل في الاناجيل حول يسوع يعطي معنى أساسيًا لمختلف الألقاب الكرستولوجيّة. لقد خضعت نوعًا ما لتفسير متّى لدور يسوع السوتيريولوجّي. لهذا نتوقّف عند الكرستولوجيا ((اللامباشرة)) التي عبَّر عنها الانجيليّ على مستوي الفكر اللاهوتي أو في الخبر نفسه. فالتفسير اللاهوتي ليسوع كما نجده في متى ، يمتد في كرستولوجيّا لاهوتيّة وفي كرستولوجيا سرديَّة.
قد تتحرّك الكرستولوجيا على مستوى الخط العموديّ (فل 2: 6-11؛ كو 1: 15-20: 1تم 3: 16). أما الخط الأفقي فيقدّم سمات نبويّة. ففي أقسام مت السردية، تبدو الكرستولوجيا شبيهة بما قيل عن ايليا وأليشاع في 1 و 2 مل. ويصوَّر يسوعُ في مت أيضًا بالعودة إلى النبيّ (21: 11؛ رج 13: 57). وموضوع الوحي يعبَّر عنه، لا في الالقاب الكرستولوجيّة وحسب، بل في ألفاط تشير إلى تأثير أسفار الحكمة (11: 25-30). هذا يتوافق أيضًا مع تشديد متّى على يسوع المعلّم. لهذا تنتمي الالقاب إلى سياق الاعتراف الايمانيّ، فتعلن الشخص أنه مثلاً ابن الله (14: 33؛ 16: 17؛ 27: 54). الخبر وحده يستطيع أن يشير إلى هذا الضمون. رج أيضًا اعترفات غير مباشرة لا تحمل ألقابًا في عدد من الاجمالات حول أعمال يسوع (4: 23)، ومديح الشعب لإله اسرائيل كجواب على نشاط يسوع الشفائي (15: 31؛ رج 9: 8؛ في 5: 16 يعكس التلاميذ دور يسوع). إن نشاط يسوع ينتمي إلى الكرستولوجيا الحيّة، فتصوّره عاملاً وكارزًا في سيبل الله. وهكذا صار الخبر كرستولوجيًا.

2 - خبر يسوع المتاوي
منذ البداية، تدلّ سلسلة الأنساب (1: 1-17) على ضمّ هذه الكرستولوجيا إلى الخبر، كأنها جزء من ((بيبليا تُكتب من جديد)) (1 أخ 1-9)، فتجعل من يسوع تتّمة الخبر الذي انطلق مع ابراهيم وكانت ذروته الثانية داود. إن هذا الجزء من تاريخ خلاص الله لشعبه، الذي ارتبط حصرًا باسرائيل، قد وصل إلى ذروته وبالتالي إلى نهايته. ويعبّر متّى عن هذا الوضع (جزئيًا) بواسطة قول يسوع اللافت على أنه أرسل فقط إلى خراف اسرائيل الضالّة (15: 24؛ رج 10: 6)، وهو قول لا يُفهم على أنه أثر من ماضٍ مضى، بل بالأحرى عودة إلى رسالة شاملة تأتي بعد رفض اسرائيل للبشارة. يجب أن نقرأه في ارتباط مع مثَل العمّال اللامؤمنين في الكرم، ومثل عرس ابن الملك (21: 33-22: 14). وهكذا تمّ الوعد لإبراهيم: ((بك تتبارك جميع عشائر الأرض)) (تك 12: 2؛رج 18: 18؛ 22: 18). ويعبَّر عن هذا المنظور أيضًا في تحوّل لقب ((إبن داود)) (22: 41-45) الذي حلّ في المركز الثاني بالنسبة إلى لقب الرب (كيريوس).
وخبر الحبل البتوليّ يعلن في هذا السياق أن مولد يسوع هو تعبير عن إرادة الله الأخيرة كي يخلّص الخطاة. وهذا واضح من شرح اسم يسوع في 1: 21: ((لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم)). وكما سيتّضح هذا الأمر فيما بعد، فهو سيتمّ حين يعطي حياته فدية عن الكثيرين (20: 28). ودمه سيُسفك من أجل الكثيرين كغفران الخطايا (26: 28). وكما في يشوع العبريّ، الله هو الموضوع الخاص في عمل الخلاص هذا. ويتّضح أيضًا أن هذه التسمية فسِّرت على أنها تتمة الكلمة في أش 7: 14. لسنا في هذا الايراد الكتابي أمام برهان من الكتاب المقدس، بل أمام حدث يعرض المعنى العميق لكلمة من كلمات الكتاب. في هذا الإطار، يكون ما يتضمّنه اش 7: 14 موضوعًا له معناه: ((تسمّيه عمانوئيل أي إلهنا معنا)). يجب أن ننظر إلى هذا القول على أنه اعتراف ايمانيّ. فهناك سمة مسيطرة في مت تقول إن يسوع قد صوِّر على أنه الاله الحاضر مع شعبه. وكما برز هذا مرارًا، فنحن نجده عبر الكرستولوجيا المتاويّة منذ 1: 23 عبر 18: 20 (اذا اجتمع اثنان أو ثلاثة فأنا أكون في وسطهم) حتى 28: 18-20 حيث يقول يسوع القائم من الموت: ((أنا معكم كل الأيام، حتّى انقضاء الدهر)). ما حصل هنا، ليس أن يسوع هو الذي تجلّى انطلاقًا من وضع كانه في الانجيل (قال: ((كل شيء دُفع إليّ من أبي)) في 11: 27، وهذا القول يميّز الزمن الحاضر) ولا هو ذاك الآتي في المستقبل: بل ما قيل هو أنه مع شعبه حتى انقضاء الدهر. لهذا لا يحتاج حتى إلى الحديث عن الصعود الذي يدلّ على انفصال، على غياب. فالدور الذي لعبه الروح القدس في أع، قد اتّخذه المسيح الممجَّد الذي يصوَّر من جهة الحاضر في كل الذين أرسلهم وفي ((الصغار)) (10: 40-42؛ 18: 5؛ 25: 40، 45)، ومن جهة ثانية كذلك الذي سيأتي ويدعو كنيسته للحساب (25: 1-46). نحن هنا أمام تفسير متّاويّ خاص للايمان بالقيامة .
ونلاحظ أيضًا أن وصف المعمودية حيث يتقبّل يسوع روح الله (في الظاهر، يصبح المسيح والممسوح في تلك الساعة) ويُعلَن كابن الله، يتبعه خبر التجربة الذي يتوخّى أن يعلن الطريقة التي لا يكون فيها يسوع إبن الله. لقد تحوّل الضعف إلى تجرّد من قوّة تضبط كل شيء. نقابل هذا مع كلامه حين قُبض عليه: يستطيع أن يسأل 12 فرقة من الملائكة (26: 53). كل هذا لا يتنافى مع وحدته بالله. لهذا السبب، وبالنسبة إلي القارئ، لا نستبق أيّة محاولة لفهم خاطئ للاعتراف بيسوع على أنه ((المسيح ابن الله الحيّ)) الذي أعطى الوحي الالهي إلى بطرس. في محاولة بطرس لابعاد يسوع عن الخطر، نرى الشيطان وهو يعمل (16: 23؛ رج 4: 10). يُفسَّر هذا على أنه طريقة تفكير بشرية تعارض ما يريده الله. فعمل يسوع ومصيره يحدّدهما سياق الاعتراف بالمسيح ابن الله، وليس طريقة أخرى.
وجواب يسوع إلى التلاميذ الذين أرسلهم يوحنا المعمدان سائلاً هل هو الآتي أم يجب أن ننتظر آخر، يريد أن يصحّح خطأ ما. فالفكرة الرئيسية في هذه المقطوعة، هي ((أعمال المسيح)) التي حدّدت ما قيل ليوحنا المعمدان فألهمت سؤاله (وهو سؤال يتوجّه إلى قرّاء مت في المستقبل) الذي يحتاج توضيحًا عن أعمال يسوع انطلاقًا من الكتب المقدّسة (نجده متضمَّنا في جواب يسوع). فالجواب هو مجموعة مواعيد نجدها في كتاب أشعيا، وقد تمّت في ما حدث حول يسوع. فزمن الخلاص قد جاء حقًا. وكما قال يسوع في تطويبة تجاه الذين لا يشكّون فيه، الموضوع موضوع إيمان. في هذا الإطار نلاحظ أن أعمال المسيح تضمّ كرازة الانجيل للفقراء. هي لا تضمّ فقط نشاط يسوع الشفائيّ، بل كرازته أيضًا وتعليمه. هذا يعني أن ((أعمال المسيح)) تضمّ عظة الجبل والمعجزات المذكورة في ف 8-9.
وتصحيحُ نظرة خاطئة إلى مسيح ممجّد، يبدو واضحًا في كروستولوجية الوداعة الخاصة بهذا الانجيلي. عاد متّى مرتين إلى يسوع ((الوديع)) (براوس)، وهذه اللفظة نجدها أيضًا مرّة أخرى في العهد الجديد، في التطويبة الثالثة (5: 5، طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض). المرة الأولى، نجد هذه الصفة في أقوال في صيغة المتكلّم (11: 29) تتوجّه لمن يريد أن يكون تلميذ يسوع: ((أنا وديع ومتواضع القلب)). وفي المرة الثانية نجدها في وصف ملك ابنة صهيون (في 21: 5، ملكك يأتيك وديعًا، راكبًا على جحش). هنا يصوَّر يسوع كذاك الذي لا يتوسّل القوّة، وهو موضوع نجده أيضًا في صلاته في الجسمانيّة (26: 39: 42) وفي الهزء بيسوع (على الصليب) الذي لا يستطيع أن يخلّص نفسه (27، 42). إن قدرته تحدّد كسلطة (اكسوسيا) يعترف بها فقط أولئك الذين لهم آذان للسماع. وكرستولوجية الوداعة تجد أيضًا عنها تعبيرًا في 12: 18-21، حيث يطبّق أش 42: 1-4 (أول أناشيد عبد يهوه) على يسوع الذي لم يرغب في أن يُعلن نشاطه الشفائي في كل مكان. ليس من قبيل الصدف أن يكون هذا الايراد الكتابي، وهو أطول إيراد نجده في مت، قد ارتبط بنصّ السبعينيّة ولا سيّما في آ4ب: ((وعلى اسمه تتّكل (تترجّى) الأمم)).
إن موضوع الضعف يُعتبر هامًا. وهذا يظهر من فكرة (يشدّد عليها مت تجاه مر) تقول إن مصير يسوع هو ذروة الاضطهاد الذي حدث لمرسلي الله الأولين، أي للانبياء. هذا واضح في مت 21: 33-45 وفي مر 12: 1-12، في مثَل الكرّامين القتلة. فالعلاقة المضطربة بين اسرائيل وأنبيائه، ظاهرة في نهاية ف 23 مع اتّهامات يسوع لرؤساء اليهود. غير أن هذا الموضوع نقرأه أيضًا في كلام اليهود حين يطلبون أن يكون دم يسوع عليهم وعلى أولادهم (رج إر 26: 11-19). إن تدوين المقطوعة حول حدث يوحنا المعمدان يشير إلى الشيء عينه، لا سيّما وأن الخبر صار أولاً خبر موت النبيّ (مت 14: 3-12؛ ق مر 6: 1-19). اختلف مت عن مر، فاستعمل الموضوع لكي يشرح لماذا يُوعظ الآن بالانجيل في شعوب العالم، بعد أن توجّه في الأصل إلى شعب إسرائيل وحده. فالاشارة إلى تسليم الملكوت لشعب يعطي ثمرًا (21: 43)، يتبعها مثل أعراس ابن الملك (22: 1-14)، حيث يُرسل الخدم في المرّة الثالثة ليدعوا الشعب في الطرقات العامة. نحن هنا أمام استباق لما سيفعله التلاميذ (الذين هم من أصل يهودي) الذين أرسلوا إلى العالم الوثنيّ (28: 18-20).
ونستشفّ صورة يسوع أيضًا في مقاطع تعود إلى يسوع الذي هو ((أعظم من)). فيقال في مت أن يسوع هو أعظم من الهيكل (12: 6)، أعظم من يونان (12: 41)، أعظم من سليمان (12: 42)، أعظم من داود (22: 41-46). رج أيضًا من قيل عن ابن الانسان الذي هو رب السبت (12: 8). يجب أن نقرأ هذه الكلمات في إطار نظرة إلى العالم بُنيت بناء تراتبيًا، ونرى محيطها الحياتيّ في قراءة للكتاب المقدس (العهد القديم) لإبراز ما يتعلّق بيسوع خلال الخدمة الليتورجيّة. فالقول بأن يسوع هو أعظم من الهيكل، يُقرأ مع شهادة شهود الزور في 26: 61 (رج 27: 40). وبحسبها قال يسوع: أقدر أن أدمّر هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام. ومع أن مدلول هذا القول غامض في مت، إلاّ أنه يبدو كنظرة روحيّة إلى الهيكل الجديد والمجيد، إلى الجماعة التي يقيم فيها يسوع. 
وتوسّع مت في تفسير موت يسوع كتدشين للعهد الجديد. نجد هذا الموضوع أيضًا في مر. منذ البداية، بدت هذه الفكرة أساسيّة في تفسير علاقة يسوع بالخلاص الذي يصوَّر كتتمّة جديدة في تاريخ الخلاص، أنبأ بها إر 31: 32؛حز 11: 36 (ومواضع أخرى في العهد القديم). لقد صار موتُ يسوع الأساس التاريخيّ لكلام عن العهدين يجعل إرسال التلاميذ إلى الأمم ممكنًا، بعد أن تماهت هذه الأمم مع شعب الله. في هذا المجال، نلاحظ بشكل خاص أن تتمّة الشريعة صارت نتيجة الخلاص. فالروح الذي وحده يجعل الطاعة للشريعة ممكنة، يُعطى في المعموديّة، ومعها تحقيق البرّ الذي هو توافق مع إرادة الله، الذي يأتي من القلب (18: 35). في هذا السياق فقط نستطيع أن نفهم كرازة الشريعة في عظة الجبل كما هي في مت، لأن تتمة يسوع للشريعة والانبياء (في هذا الموضع) (5: 17) تدلّ على المضمون الحقيقيّ للشريعة.
ونتيجة هذا، إن مت 20: 28 قد أخذ قول مر 10: 45 الذي يقول إن ابن الانسان ما جاء ليخدم، بل ليُخدم ويبذل حياته فدية عن الآخرين. وفي الكلام حول تأسيس الافخارستيا، أبرز هذا الوضعَ حين قال إن دم يسوع يُهرق عن الكثيرين لغفران الخطايا. هذه الكلمات استعملها مر (بخلاف مت) وربطها بمعمودية يوحنا المعمدان وما عاد يكرّرها. في مت انضمّ القول عن الفدية إلى موضوع العهد الجديد الذي بحسبه صارت الطاعة الجديدة مرتبطة بخطيئة خسرت قوّتها. ذاك كان جزءًا من انتظارات العهد الجديد الذي فيه يزيل الله كل خطيئة (إر 31: 34؛ حز 11: 18؛ 18: 31؛ 26: 25؛ رج أش 59: 20؛ يوب 1: 22).

4 - المعلّم والتعليم
تبع مت مر فجعل من مفهوم السلطة (اكسوسيا) ذروة الصورة عن العلاقة بين يسوع وسامعيه (7: 29؛ 9: 6-8؛ 28: 18؛ رج 10: 1 حيث تنتقل السلطة إلي التلاميذ). فخبرة (أو عدم خبرة) سلطة يسوع هي التي تقرّر علاقتنا معه. وهذا واضح في 21: 23-27. فمع أن متّى تفرّد فجعل من القيامة حدثًا علنيًا (28: 11-15)، فهذا يشير إلى قساوة القلب لا إلى الايمان لدى السلطات اليهودية والرومانيّة. فهناك علاقة وثيقة بين سلطة يسوع والروح الذي هو ظاهر في هذا المقطع.
فتشديد متّى على تعليم يسوع يجب أن يُفهم في هذا السياق. فيسوع يظهر في مت كالمعلّم المعلّم (ديدسكالوس). ليس فقط بسبب خطبه. فهناك مقاطع أخرى تُبرز هذا الجزء من خدمة يسوع المسيحانيّة. والنتيجة تصوَّر في 11: 30 مع النير الليّن والحمل الخفيف. وفي 23: 10 يُقال السبب الذي لأجله لا يُسمّى التلاميذ معلّمين. فمعلّمهم واحد وهو المسيح (لفظة ((المسيح)) ترتبط بشكل مباشر مع تعليم يسوع). نحن نفهم بشكل ضمنيّ هذا ((الاحتكار)) في أن التلاميذ يكرّرون عمل يسوع في نشاطهم التعليمي (10: 40) الذي يتماهى مع القوة بالمنع والسماح، بالحلّ والربط (16: 19؛ 18: 18، سلطان المفاتيح). 
وينعكس أيضًا التفسير اللاهوتيّ لوجه يسوع في الطريقة التي بها يتمثّل الانجيلُ دورَ التلاميذ في عمل الخلاص. هذا ينطبق بشكل خاص على أقوال حول التلاميذ الذين هم ملح الأرض ونور العالم (5: 13-16)، حول أبناء الملكوت الذين هم زرع صالح (13: 38)، حول إرسال التلاميذ (28: 18-20). في هذه المقاطع يعطى لهم دور يكونون فيه ممثّلين للمسيح. في 5: 13-16، يضيء نورهم أمام الناس، حين يرون أعمالهم الصالحة التي تمجّد الآب الذي في السماوات (5: 16). وحسب تفسير مثل الزؤان في الحنطة، يكون التلاميذ أكثر من حاملي شهادة لأعمال يسوع لدى البشر. فالزرع الطيّب يتوازى هنا مع أبناء الملكوت، لأن ابن الانسان الذي يزرع، ليس يسوع في دوره كحامل البشارة على هذه الأرض، بل الربّ الممجَّد كما نراه في 28: 18-20. في هذا المقطع الأخير يمثّل التلاميذ المسيح. وجوابًا على سؤال يقول كيف يكون الممجّد معهم حتى انقضاء الدهر، يقال أن ذاك يكون حين يحفظون ما أوصاهم به، أي حين يعيشون في الطاعة لسلطته .
هناك من قال إن كرستولوجيّة متّى مطبوعة بالطابع الخُلقيّ، وأن الأنجيلي الأول اهتمّ بالبعد الخلقيّ في سرّ يسوع. فالوجهة الخلقيّة حاضرة في أعمال يسوع من أجلنا كما عبَّر عنها في 5: 48: ((كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو)).
خاتمة
حين فسّر انجيلُ متّى وجه يسوع، بدا تفسيره لاهوتًا حقيقيًا. فإذا كان ((اللاهوت)) توضيحًا لما نعنيه حين نتحدث عن الله، فانجيل متّى هو لاهوت. فكل ما قيل فيه عن يسوع، قد قيل في الواقع عن الله وإرادته في خلاص الخطأة. وحين رسم الانجيل حياة يسوع ومصيره واستعاد كرازته وتعليمه، رأى في كل هذا وسمع إرادة الله. فيسوع هو رحمة الله المتجسّدة (رج فعل سبلنخنيزوماي، تحرّكت احشاؤه في 9: 36؛ 14: 14؛ 15: 32 ؛ 20: 34؛ رج 18: 27). وبالتالي، ما يطلبه الله هو الرحمة (9: 13؛ 12: 7). نحن في هذين الموضعين مع ايراد من هو 6: 6؛ نجد في 23: 32 إجمالة قصيرة (العدل والرحمة والأمانة). فاذا كانت الرحمة لا تولِّد الرحمة فهي لا تصل إلى القلب، فيجب أن تزول (18: 23-25؛ رج 6: 14-15).
في إطار هذه الكرستولوجيا تصبح التيولوجيا (درس عن الله) سوتيريولوجيا (درس عن الخلاص) تفسّر التشديد على واقع يقول بأن مضمون الشهادات النبوية يتحقّق عبر حياة يسوع. فنحن إنما نجد إرادة الله في حياة يسوع وفي أعماله. والاستشهادات الكتابية المرتبطة بالتتمّة لا مجال لها في برهان دفاعيّ مأخوذ من الكتب المقدسة. فما هو ظاهر معنا هو أن حياة يسوع صارت مثالاً من خلال ما تعنيه تتمّة الاقوال النبويّة. في هذا المجال نجد توازيًا مع معلّم البرّ في مخطوطات قمران الذي يصوَّر كذاك الذي أوحيت له أسرار الكتب المقدّسة، والذي تكوّنت جماعته بفضل معرفة هذه الاسرار والطاعة لها (تفسير حبقوق 7: 1-8). ولكن مع أن يسوع ظهر كذاك الذي يعظ (ويكشف في تعليمه) المعنى الحقيقيّ للكتب المقدّسة، فهو بنفسه ذاك الذي يحقّق هذا المدلول في حياته وفي مصيره. لقد صار في أعماله وفي مصيره واحدًا مع أقوال الله وأعماله. قد صار الله، وهو مع شعبه كل الأيام وحتى انقضاء الدهر . 
الفصل الثاني

ابن الانسان في الأناجيل الازائيّة

إن لقب ابن الانسان السريّ، يقودنا إلى وعي يسوع لنفسه. وينحصر هذا اللقب في الاناجيل مع استثناءات ظاهرة في أع 7: 56 (رج لو 22: 69) ورؤ 1: 12؛ 14: 14 (تلميح الى دا). كما لا نجده إلاّ على شفتي يسوع (في يو 12: 34، يستعيد سؤال الجمع كلامَ الربّ). وهكذا نستطيع أن نقول ببعض اليقين إن المسيح كان أول من سمّى نفسه بهذا الاسم، وما سمّاه أحد. ساعة دُوّنت الأناجيل، جاءت ألقاب أخرى أكثر وضوحًا (الرب، ابن الله) فحلّت محلّ هذه العبارة القديمة ((ابن الانسان)) . وإن كان لقب ابن الانسان قد ظلّ حاضرًا بين أقوال يسوع، فلأن الانجيليين اعتبروه جزءًا من هذه الأقوال. فعلينا أن ندرك عبر الآثار القديمة في التقليد الرسوليّ شهادة الربّ على نفسه.
إذا توقفّنا عند مضمون النصوص وزّعنا الأقوال المتعلّقة بابن الانسان في ثلاث مجموعات. تجعلنا المجموعة الأولى في بداية حياة يسوع العلنيّة: يبدو ابن الانسان كائنًا خفيًا سريًا. ومع ذلك فهو ينعم بسلطات استثنائيّة. وفي المجموعة الثانية نجد الانباءات بآلام المسيح وتمجيده، كما يتماهى ابن الانسان مع عبد الله المتألِّم في أشعيا. وفي المجموعة الثالثة، يشكّل مجيء ابن الانسان المجيدُ النواة المركزيّة لعدد من الأقوال الاسكاتولوجيّة.
حين أراد يسوع أن يكشف سرّ شخصه، تبع هذه المراحل الثلاث. أما نحن فنأخذ الطريق المعاكسة. نبدأ بالمجموعة الثالثة التي هي قريبة من تقليد دانيال، مع صعوباتها على المستوى الأدبيّ واللاهوتي. بعد هذا، نرى كيف تتقاطع هذه الخطوط الثلاثة في مشهد شامل، هو مشهد الدينونة الأخيرة. وفي النهاية، نتطلّع إلي الوحدة العميقة التي تمثّل موضوع ابن الانسان في الانجيل.
1- مجيء ابن الانسان المجيد

أ - ابن الانسان أمام المجلس الأعلى (26: 64؛ مر 14: 62؛ لو 22: 69)
نبدأ مقالنا بنصّ مهمّ جدًا: إعلان يسوع أمام السنهدرين. ونهتمّ قبل كل شيء بشكله الأصلّي. فالنظرة إلى الإزائيّة الانجيلية، تكشف اختلافات واضحة بين الأناجيل الثلاثة. قال مت 26: 64: ((منذ الآن سترون ابن الانسان جالسًا عن يمين القدرة، وآتيًا على سحاب السماء)). ومر 14: 62: ((سترون ابن الانسان جالسًا عن يمين القدرة وآتيًا مع سحاب السماء)). ولو 22: 69: ((منذ الآن يكون ابن الانسان جالسًا عن يمين قدرة الله)) 
اشترك مت، مر، لو، في الحديث عن جلوس ابن الانسان عن يمين الله . وأوضح مت ولو أن هذا التمجيد سوف يتمّ قريبًا. وتحدّث مت ومر عن مجيء على (أو: مع) السحاب. لا يتحدّث لوقا عن هذا الحدث ويُلغي الرؤية: ((سترون ابن الانسان جالسًا))، صارت في لو: ((سيكون ابن الانسان جالسًا)). ينتج عن هذه المقابلة أن مت احتفظ لنا بالمحتوى الدقيق لكلام المسيح. بالمحتوى الأول حين يقدّم مع لوقا (ضد مرقس) التحديد الكرونولوجيّ، وحين يقدّم مع مرقس (ضد لوقا) الاعلانين حول رؤية الجلوس عن يمين الله والمجيء على السحاب.
ويبدو حسب التفسير المتعارف عليه، أن المسيح أعلن هنا مجيئه (باروسيا) أمام قضاته. ففي نهاية هذا الدهر، وحين يظهر بجانب الله كابن الانسان الذي ارتدى القدرة والعظمة، يتجلّى بشكل يفرض نفسه كالمسيح، على البشر، بل على الذين يحكمون عليه في هذه الساعة. غير أن هذا الشرح يصطدم بصعوبات خطيرة. فكيف يُبعد الحدثُ المعلن الآن إلى نهاية الأزمنة؟ لهذا يبدو بالأحرى أن يسوع يفكّر في إقامة قريبة لملكوته في هذا العالم. وهذا ما اختبره أصحاب المجلس الأعلى. جمع هذا الاعلان دا 7: 13 ومز، 11: 1، فصوّر بطريقة رمزيّة جلوس المسيح الملك على عرشه. سيجلس يسوع عن يمين الله في يوم قريب هو يوم تمجيده الفصحيّ. وفي سفر دانيال، يلي ظهورُ ابن الانسان على السحاب، مجيئَه إلى قديم الأيام لينال منه التنصيب الملكي، لا نزولَه على الأرض من أجل الدينونة التي جرت قبل ذاك الوقت.
((فجلس أهلُ القضاء، وفُتحت الأسفار وسُمع صوتُ الأقوال العظيمة التي ينطق بها القرن. وبينا كنت أرى، قُتل الحيوان، وتلف جسمُه، وجُعل وقودًا للنار. أما باقي الحيوانات فأزيل سلطانها، ولكنها أوتيت طول (مهلة) حياة إلى زمان ووقت. ورأيتُ في رؤى الليل، فاذا بمثل ابن الانسان آتيًا على سحاب السماء. فبلغ إلى القديم الأيام وقرِّب إلى أمامه. وأوتي سلطانًا ومجدًا وملكًا)) (دا 7: 10-14). 
عبّر يسوع عن الفكرة عينها أمام المجلس الاعلى: سيقترب ابن الانسان من الله لينال منه السلطان على الكون. دلّ لوقا على تطوّر الفكرة الاسكاتولوجيّة. ألغى الإشارة إلى المجيء على السحاب المجيد من أجل نهاية الأزمنة.

ب - ابن الانسان في الرؤيا الازائيّة (24: 1-44؛ مر 13: 1- 37؛ لو 17: 22-3: 21: 1-36).
أولاً: مرقس ومتى
في صورة أولى تنبأ ابن الانسان كما أمام السنهدرين، عن ملكه المسيحانيّ على عالم يهودي قد خرب، وتضمّن التقليدُ اليهوديّ خطبتين حول ((الآخرة)) . قدّم متّى شميلة اسكاتولوجيّة فدمج معطيات مر 13 (رج لو 21) مع خطبة أخرى احتفظ بها وحده الانجيل الثالث (لو 17: 22-37). نستطيع أن نفهم مر 13 كله عن دمار أورشليم. ونقول الشيء عينه عن مت 24. ولكن الانجيل الأول الذي لا يعطي لفظة ((باروسيا)) معنى الحدث الاخير، نبّهنا في مقدّمته أنه يعتبر دمار أورشليم كمقدّمة لانقضاء العالم. ((قل لنا علامة مجيئك (باروسيا) ونهاية الأزمنة)) (24: 3). سنعود فيما بعد إلى معطيات لوقا. 
ُبنيت خطبةُ مرقس الاسكاتولوجيّة بشكل دراما في ثلاثة فصول. في الفصل الاول، تبدو سلسلة الالام والكرازة بالانجيل في العالم الروماني، كأنها مقدّمة للعقاب أورشليم (آ 5-13): بداية المخاض، بداية آلام الولادة. وفي الفصل الثاني، يأتي الضيق الكبير للمدينة المقدّسة ودينونة الشعب اليهوديّ (في التاريخ). ومع ذلك تبقى بقيّة. يبقى هؤلاء (( المختارون)) الذين لأجلهم ((ستقصَّر)) المحنة (آ 14-23). في الفصل الثالث (آ 24-27) يظهر ابن الانسان في إطار تقليدي لانقلاب كونيّ.
نقرأ مر 13: 26-27: ((حينئذ يرون ابن الانسان آتيا في السحاب بقدرة عظيمة ومجد. وحينئذ يرسل الملائكة ليجمعوا مختاريه من الرياح الأربع، من أقصى الأرض إلى أقص السماء)) . وفي مت 24: 20-31: ((وحينئذ تظهر في السماء علامة ابن الانسان. وحينئذ تقرع الصدورَ كلُّ قبائل الأرض، ويرون ابن الانسان آتيا على سحاب السماء بقدرة ومجد. ويرسل ملائكته ببوق عظيم ليجمع مختاريه من أربع زوايا الأفق من طرف السماء إلى آخر)) .
أعلن يسوع مجيء ابن الانسان على السحاب في الوقت الذي يلي دمارَ أورشليم. لسنا هنا (عكس ما يقول عدد الشرّاح) أمام نبوءة عن المجيء الثاني. فكما في سفر دانيال، يأتي مجيء ملكوت الله بعد دينونة القوى المعادية. والحكم على اسرائيل يدلّ على إقامة الكنيسة وانتشارها فوق دمار العالم اليهوديّ. في هذا السياق، يعبّر تجمّعُ المختارين عن دخول اليهود المؤمنين إلى ملكوت الله . يبدو يسوع هنا صدى لموضوع بيبليّ هو موضوع تجمّع المشتّتين (تث 30: 4؛ زك 2: 10). تستعيد بقيّةُ اسرائيل وحدتها حين تجتمع، لا حول هيكل مدمّر، بل حول ابن الانسان الذي هو رئيس شعب الله الجديد.
وأضاف متّى حاشيتين أصيلتين على ما قيل عن المجيء على السحاب وعن تجمّع المختارين: ظهور علامة ابن الانسان في السماء، نواح قبائل الأرض. رأى بعض آباء الكنيسة في هذه العلامة صليب المسيح. لا شكّ في ذلك. ولكن العلامة روحيّة أكثر منها ماديّة، وهي تدلّ بالأحرى على شخص ابن الانسان. فيسوع يدلّ من خلال عمله في الكنيسة، أنه القائم من الموت وأنه المالك في السماء في المجد. حين ترى كلُّ قبائل الأرض هذا المشهد، تقرع الصدور، لا حدادًا أو يأسًا، بل توبة وارتدادًا كما يقول زك 12: 12. هذا الارتداد الجماعيّ يدلّ على انقطاع عن عالم الخطيئة القديم والدخول في الملكوت.
في المرحلة الثانية من دراما ((النهاية)) ، تحدّث مت عن ((باروسيا)) ابن الانسان بشكل يدعو إلى التفكير: ((فكما أن البرق يطلع من المشرق ويلمع حتى المغرب، كذلك يكون مجيء (باروسيا) ابن البشر)) (24: 27= لو 17: 24). لا يمكن أن يكون مجيء يسوع هذا موازيًا لظهوره على السحاب (24: 3)، لأن آ29 تدلّ في بنية الخطبة على انتقال إلى مرحلة جديدة، إلى الفصل الثالث من الدراما: ((وعلى الأثر، بعد ضيق تلك الأيام)). فالمجيء في آ 27 السابق للظهور على السحاب في آ 30 والمرتبط ((بالضيق العظيم)) (آ 31)، هو دينونة تمارَس تجاه أورشليم الخاطئة. وصورة البرق التي تتواتر في الصور البيبليّة عن دينونة الله (أش 29: 6؛ 30: 30؛ زك 9: 14؛ مز 97: 4)، تدلّ بوضوح على فجاءة ظهور ابن الانسان من أجل الانتقام.
ثانيًا: لوقا 
إن النسخة اللوقاويّة للرؤيا الازائيّة (21: 1-36) تطرح سؤالاً صعبًا. نحسّ هنا أن المجيء على السحاب (آ 27) يرتبط بالدينونة الأخيرة التي تصيب البشريّة. وتمتدّ الكوارث في الأرض كلها (آ 27). وبين دمار أورشليم ومجيء ابن الانسان، تدخل حقبةٌ من الزمن غير محدودة يسمّيها الانجيلي (( زمن الأمم)) (آ 24).
أما الخطبة الاسكاتولوجيّة الأولى في لو 17: 22-37، فتُفهم كدينونة اسرائيل في التاريخ، أكثر من عودة المسيح في نهاية الأزمنة. وتوازي هذه الحقبةُ بين ثلاثة أوضاع مماثلة: يتكوّن كل وضع من سلسلة ((أيام)) تبلغ إلى ((يوم)) عصيب. انتهت أيام نوح في اليوم الذي فيه دخل إلى السفينة. وأيام لوط يوم خرج من سدوم. أمّا أيام ابن الانسان فتتمّ يوم يكشف عن نفسه. وأيام ابن الانسان تدلّ على زمن وجوده على الأرض. ويوم أزمة أورشليم، تطلّع التلاميذ بحنين إلى تلك الأزمنة (الأيام) السعيدة. ولكن عبثًا. فيوم ابن الانسان يفاجئ اليهود كالبرق بفجاءته وعنفه. غير أن هذه الدينونة لا تضرب الشعب بشكل اعتباطي وبدون تمييز. فالخاطئون ((يؤخذون)) في الضربة المدمِّرة. أما الابرياء ((فيُتركون)). وقبل كل هذا، يجب على ابن الانسان ان يتألّم كثيرًا ويُرذل من قبل هذا الجيل.
ونستطيع أن نفسرّ في المنظور عينه مثَل القاضي والأرملة (لو 18: 1-18) الذي يتوجّه إلى السامعين أنفسهم. فالأبرار المضايَقون الذين يحثّهم يسوع على الثبات في الصلاة, هم مسيحيّو فلسطين الذين ضايقهم اليهود اللامؤمنون. فقد اعتبروا أن دمار أورشليم هو نجاة حقيقيّة بالنسبة إليهم. والقول الاسكاتولوجي الأخير يرتبط بهذا القول: ((عندما يعود ابن الانسان، هل يجد إيمانًا على الأرض)) (لو 18: 8ب)؟ نقرّب هذا القول من إعلان متّى حول فتور في المحبّة (24: 12) يميّز ((نهاية)) أورشليم: ((من جرَّاء كثرة الاثم تبرد المحبّة عند الكثيرين)) .
ج - ابن الانسان حسب أقوال اسكاتولوجيّة متفرّقة
> بين أقوال متفرّقة حول مجيء ابن الانسان، هناك قول يرد في خطبة الرسالة (ف 10) رأى فيه بعضهم البرهان بأن يسوع اعتبر أن المجيء قريب جدًا. ((إذا اضطهدوكم في هذه المدينة، فاهربوا إلى أخرى فالحقّ أقول لكم: لن تتمّوا مدن اسرائيل حتّى يجيء إبن الانسان)) (آ 23). يفترض هذا القولُ حصرًا موقتًا للرسالة في اسرائيل حسب أمر الرب كما يورده مت 10: 5-6: ((لا تسلكوا طريقًا إلى الوثنيين ولا تدخلوا مدينة للسامريين، بل انطلقوا بالحريّ إلى الخراف الضالّة من بيت اسرائيل)) .
كان اليهود أول من قُدِّم إليهم تعليم الانجيل. ولكن بما أنهم لم يؤمنوا، فسيخضعون لدينونة خاصة. أما في نظر جماعة فلسطين المسيحيّة، فمجيء ابن الانسان لبنتقم من الشعب اللامؤمن، سيكون لها خلاصًا ونجاة.
> وهناك قولان اسكاتولوجيان يسبقان التجلّي (16: 27-28؛ مر 8: 38- 9: 1؛ لو 9: 26-27). نقرأ مت 16: 27-28: ((إن ابن البشر سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وعندئذ يجازي كل أحد بسبب أعماله. فالحقّ أقول لكم: في القائمين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ابن البشر آتيًا مع ملكوته)). وفي مر 8: 38-9: 1 ((من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ، يستحي به ابن الانسان حين يأتي في مجد أبيه مع ملائكته القديسين. وقال لهم: الحق أقول لكم: في القائمين هنا من لا يذوقون الموت قبل أن يروا ملكوت الله آتيًا يقوّة)). وفي لو 9: 26-27: ((من يستحي بي وبكلامي يستحي به ابن الانسان حين يأتي في مجده ومجد أبيه وملائكته القديسين. الحق أقول لكم: في القائمين هنا من لا يذوقون الموت قبل أن يروا ملكوت الله)).
جمع التقليدُ هنا قولين كانا منفصلين في الأصل، وهذا ما تدلّ عليه اللحمة في مر 9: 1 ((وقال لهم)) . يشير القول الأول في تدوينه الحاليّ إلى مجيء ابن الانسان الأخير. ولكننا سوف نرى أنه تحوّل بعض الشيء. ويتحدّث القول الثاني عن مجيء ملكوت الله (مر- لو) أو مجيء ابن الانسان (مت) الذي سيكون قريبًا جدًا بحيث يشهده عدد من الناس الحاضرين هنا. إن هذا النوع من التحديد الكرونولوجي يطبع بطابعه القول الثاني ويجعله في تواصل مع مت 10: 23؛ 24: 34 وز. فالمجيء المعلن يتوافق بدون شكّ مع إقامة الكنيسة ودمار أورشليم. حين ألغى لو من نصّ مر لفظة ((بقوّة)) ، أزال كل التباس: دلّ على الكنيسة بوضوح، كما دلّ على المجد الذي يُحفظ للمجيء الأخير. وفي مت عبارة ((رأى ملكوت الله)) صارت ((رأى ابن الانسان آتيًا مع ملكوته)). لقد مّيز الانجيل الأول بين ملكوت الابن وملكوت الآب. في ملكوت الابن يمتزج الزؤان مع الحنطة: ما زلنا في المرحلة الأرضيّة، مرحلة الملكوت الأولى. هو زمن الكنيسة والكرازة وأناة الله. وفي نهاية العالم، يُزيل المسيح ((كل الشكوك وفعلة الاثم))، ويُدخل المختارين في ملكوت الآب النهائي والسعيد: ((حينئذ يشعّ الابرار كالشمس في ملكوت أبيهم)) (13: 40-43؛ رج 25: 31-46؛ 1كور 15: 24).
> الاعلان الاسكاتولوجيّ الذي يسبق التجلّي، يقرّب بين مجيئين مختلفين لابن الانسان. هذا يعني أن التقليد الانجيلي جعل بعض التواصل بين حقبتين مميّزتين في إقامة ملكوت الله. وقد امتزج المنظوران في الرؤيا الازائيّة، دمار أورشليم ونهاية العالم، فعبّر هذا المزج عن حقيقة لاهوتيّة عميقة. وقد نجد نفوسنا بعض المرات أمام قول يصعب علينا تحديد معناه. نقرأ في مت 19: 28: ((الحقّ أقول لكم: أنتم الذين تبعتموني في يوم التجديد، ساعة يجلس ابن الانسان على عرشه، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر عرشًا لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر)). وفي 22: 20: ((تأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي، وتجلسون على عروش لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر)).
في لو نفهم الوعد في منظور كنسيّ للخطبة بعد العشاء السري. إذن، هو يشير الى التدبير الروحي الذي يقوم به الاثنا عشر في اسرائيل الجديد. أما في مت، فمدلول القول أقلّ وضوحًا: سيُضمّ الرسل الاثنا عشر إلى ابن الانسان، من أجل دينونة تتمّ في المجيء، أو من أجل تدبير شعب الله الجديد، لأن فعل ((دان، قضى)) يعني أيضًا دبّر، كما في سفر القضاة. وفي أي حال، يقاسم الاثنا عشر ابن الانسان امتيازاته. هي فكرة سنعود إليها أيضًا.

د - استنتاجات
> الاول. دلّ إعلان يسوع أمام السنهدرين، والخطبة الاسكاتولوجية، دلالة واضحة، على اصل لقب الابن الانسان كما نجده في الاناجيل. إن المجيء على السحاب يعود بنا إلى دا 7.
> مع أن القول الاخير جعلنا نستشفّ امتدادًا جماعيًا لامتيازات ابن الانسان، فإن يسوع استعاد عبارة دانيال وأعطاها مدلولاً فرديًا كما في التقليد اليهودي (أخنوخ، 4 عزرا) . 
> كان اهتمام يسوع الرئيسي مجيئه بقوّة كابن الانسان ليدين أورشليم في التاريخ ويدشّن الملكوت بقيامته وبالكنيسة.
> استعادت الجماعة الأولى الطابع الاسكاتولوجيّ لانباءات مجيء ابن الانسان، وأعطتها قوّة جديدة: طبّقت على المجيء (باروسيا) نصوصًا انطبقت أولا على انتصار يسوع الفصحيّ، في كل مداه التاريخيّ واللاهوتيّ. ولنا مثال عن هذه الطريقة في قراءة جديدة للرؤيا الازائيّة في منظور نهاية الأزمنة.

2 - ابن الانسان وعبدالله المتألم
نبدأ هنا فنعالج سلسلة ثانية من النصوص تربط بلقب ابن الله مضمونًا لا نجده في سفر دانيال والتقليد الجليانيّ: على الغالب الآتي من عند الله أن يمرّ في الذلّ والموت قبل أن يدخل في المجد .
بعد اعتراف قيصريّة فيلبس، دشّن يسوع تعليمًا جديدًا: على ابن الانسان أن يحقّق برنامج عبد يهوه كما في نبوءة اشعيا. ((ومنذئذ شرع يسوع يبيّن لتلاميذه أنه ينبغي له أن يمضي إلى أورشليم، ويتعذّب كثيرًا من قبل الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأن يُقتل، وأن يقوم في اليوم الثالث)) (16: 21).
في الأناجيل الازائيّة الثلاثة تبرز الانباءات الثلاثة بالحاش والقيامة بروزا خاصًا. رج مت 16: 21 (مر 8: 31-32؛ لو 9: 22)؛ 17: 22-23 (مر 9: 35-32؛ لو 9: 43 ب-45)؛ 10: 17-19 (مر 20: 32-34؛ لو 18: 31-34). ونجد صدى لهذه الانباءات في أقوال مشابهة ولكنها موجزة: في خبر الحاش والآلام (26: 2؛ 26: 45؛ مر 14: 41)، أو خارج هذا الخبر (17: 9-13؛ مر9: 9-11؛ لو 17: 25). فرغم اختلاف في التعبير، عبرّت كلُّ هذه النصوص عن فكرة مماثلة. كما دلّت على ارتباط حرفيّ أو معنوي بنبوءة أش 53 حول آلام عبد يهوه ومجده. ففعل ((أُسلم)) (17: 22 وز؛ 20: 18-19 وز؛ 26: 2) يعود صراحة إلى أش 53: 6: ((أسلمه الرب بسبب خطايانا)). وإلى 53: 12: ((أُسلمت نفسه إلى الموت)). إن مسيرة ابن الانسان كما صوّرتها انباءات الحاش (= الالام)، تتكوّن حسب مصير عبد يهوه: الذلّ، الموت، العودة إلى الحياة. نلاحظ هنا أن انباءات يسوع الثلاثة قد توضّحت في الكرازة المسيحيّة وأعيدت قراءاتها على ضوء أحداث الحاش والآلام (مثلاً، الاشارة إلى الصلب في 20: 19).
ونلاحظ أيضًا أن يسوع يقدّم هذه الانباءات المرعبة عبر لقب ابن الانسان. فيكشف لتلاميذه أن ضرورة حقيقيّة تفرض نفسها عليه بسبب قصد الله : ((ينبغي على ابن الانسان أن يتعذّب كثيرًا)) (16: 21 وز). وقصدُ الله هذا قد قرأه يسوع في الكتب المقدسة. لهذا فهو يستطيع أن يسأل تلاميذه: ((كيف كُتب عن ابن الانسان أنه ينبغي له أن يتعذّب كثيرًا ويُحتقر)) (مر 9: 12 وز)؟ وتعود مقدّمة لوقا إلى الإنباء الثالث بالآلام، إلى قرار إلهي دوِّن في الكتب المقدّسة: ((ثم انفرد بالاثني عشر وقال لهم: ها نحن صاعدون إلى أورشليم فيتمّ كل ما كتبه الأنبياء عن ابن البشر)) (لو 18: 31). 
غير أننا لا نجد مقطعًا واحدًا في العهد القديم يقول إن على ابن الانسان أن يتعذّب. وبما أن إنباءات الآلام هذه تقدّم بإلحاح سمات عبد يهوه، نستطيع أن نتساءل: لماذا قال يسوع ((كُتب عن ابن الانسان))، وما قال (وهذا أمر طبيعيّ): ((كُتب عن عبد يهوه)) ؟ جاء شرحان يقلّلان من غنى النصّ ونحن نرفضهما. انطلق الشرح الأول من الطابع الذي يتّخذه لقب ابن الانسان على شفتي يسوع فنفهم عبارة ((كُتب عن ابن الانسان)) في معنى باهت: ((كُتب عني)). وظنّ الشرحُ الثاني أن يسوع حين كشف نهاية مصيره المأساوي لمـَّح إلى ((الضعف)) الذي يرافق لقب ((ابن الانسان)) في الكتاب المقدس (أش 51: 12؛ أي 25: 6؛ عز 11: 4) وأكّد تضامنه مع البشر بشكل عام. في الواقع جعلت هذه الآلامُ وهذا الموت يسوع على حدة: لسنا أمام مجرّد مقاسمة الوضع البشريّ، بل أمام مصير حدّده الله وقبله يسوعُ بكلّ حرّيته. ونحن نفهم دومًا لقب ابن الانسان على ضوء دا 7، حتّى إن ارتبط بالذلّ والاتّضاع. ففي كتاب الرؤى اليهوديّة تتوافق إقامةُ ملكوت الله من أجل ((القديسين)) المضطهدين مع ظهور ابن الانسان. ثم إن يسوع لا يتكلّم عن الآلام إلاّ ليدلّ على النهاية المجيدة. وقيامته هي انتصار ملموس وساطع حازه من أجل شعب الله الجديد. وهذا ما يدلّ عليه الاعلان أمام المجلس الأعلى خلال المحاكمة.
وحين أعلن يسوع عن نفسه أنه ابن الانسان حتّى في آلامه، أكّد على هويّته كشخص مجيد (في سفر دانيال) وعبدالله المتألم (سفر أشعيا). هنا نلاحظ أن يسوع لم يتكلّم عن عبد يهوه، بل عن ابن الانسان. وهكذا حين أنبأ بآلام ابن الانسان السماويّ الذي شاهده دانيال، ضمّ أقوالاً مسيحانيّة من العهد القديم لا يمكن أن تتوافق في الظاهر. ونقول أيضًا: إن كان العالم اليهوديّ قد عرف فكرة مسيح متألم، فيستحيل علينا أن نبيّن ارتباط هذا الألم بصورة الانسان السماوي الآتي على سحاب السماء. نحن هنا أمام عمل جديد كل الجدّة قام به يسوع، حين جمع في وجدانه دعوتين تبدوان متناقضتين في الظاهر، فعبَّر عن وحدتهما في تعليمه وفي حياته.

ب - حياة ابن الانسان فدية (20: 28؛ مر 10: 45)
ويشير الانجيل إلى صورة عبد يهوه كما في اشعيا، في القول حول الفدية: ((ما جاء ابن الانسان ليُخدم، بل ليخدم ويبذل حياته فدية عن الكثيرين)) فالملكوت الذي جاء المسيح يؤسّسه لا يستند إلى التسلّط والفوقيّة. فالأكبر بين التلاميذ هو خادم الاخوة وأوضعهم. وموقف المسيحيين هو امتداد لموقف المعلّم واقتداء به. وبدا يسوع كذلك الذي يخدم لأنه ابن الانسان. هذه الخدمة الطوعيّة تتّخذ شكلها الكامل حين يبذل حياته فدية عن الكثيرين الذين خضعوا لعبودية الخطيئة والموت. لا شكّ في أن يسوع تأمّل المعنى العميق لنشيد عبد الله الرابع. فلفظة ((كثيرين)) (بولوي) التي تدلّ في العالم الساميّ القديم على عدد كبير وغير محدّد، نقرأها خمس مرات في نشيد أشعيا (52: 14، 15؛ 53: 11، 12أ، 12ب). ويتحدّث النصّ عينه عن بذل الحياة من أجل البشر (53: 10-12). ولفظة ((لترون)) (فدية) تستعيد فكرة عميقة في أشعيا الثاني. وفي العشاء الأخير نجد تلميحات واضحة إلى عبد يهوه. فدم يسوع يُهرق (26: 28 وز) على مثال حياة عبد يهوه التي تُبذل (اش 53: 12). وإقامة العهد الجديد (26: 28وز) تُفهم على ضوء عهد سيناء (خر 24: 7-8) وأقوال إر 31: 8، كما تُفهم بالنسبة إلى عبد يهوه الذي كُلّف بحمل العهد إلى الامم (اش 42: 6؛ 49: 6-8).
ونزيد على هذه النصوص قولاً حول ابن الانسان، جعله مت 8: 20 في بداية رسالته، ولو 9: 58 بعد ذلك الوقت. جاء شخص ((رشّح)) نفسه للتلمذة في خُطى يسوع: ((يا معلم، أتبعك حيثما تذهب)). فأجاب يسوع: ((الثعالب لها أوجرة، وطيور السماء أوكار. أما ابن الانسان فليس له موضع يسند إليه رأسه)). هذا القول الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه يشدّد على فقر تحلّى به ابن الانسان خلال حياته على الأرض، أو على خطر يهدّد رسالته، يشكّل في الواقع رسمة سرّية عن الحاش والآلام. فلوظلّ يسوع في الناصرة كان له بيت يأوي إليه بدون شكّ. ولكن المصير الذي كان له، جعله متروكًا لا مكان له يبيت فيه.

د - استنتاجان
> إن التقاء فكرة ابن الانسان وفكرة عبد يهوه شكّل معطية أساسيّة في وجدان يسوع. لسنا هنا أمام موضوعين جُعل الواحدُ قرب الآخر: ففكرة عبدالله خضعت للقب ابن الانسان وانضمّت إليه. فدلّت على مضمون عمل ابن الانسان خلال حياته على الأرض. وسيكون الانتصار الموعود به ((للقديسين)) المضطهدين في سفر دانيال ثمرةَ ذبيحة الرئيس المخلّص.
> وارتدى لقب ابن الانسان رداء الضعف والاتّضاع، مع أنه عبّر في أصله الجلياني عن المجد والغلبة. غير أن القول حول الفدية يشير إلى أن خدمة يسوع وآلامه ليست وليد ضحيّة مفروضة من الخارج، بل هي جزء من حرّية ابن الله السامية. ما أراد ابن الانسان أن يكون متسلطًا. ولا كان عنده حاجة يريد أن يرضيها. بل هو جاء يمارس ملكه في التواضع والتضحية.

3 - سلطة ابن الانسان

أ - ابن الانسان الخفيّ
نحن هنا أمام وضع ابن الانسان بما فيه من مفارقة، في السلسلة الثالثة من النصوص التي تضمّ الاستعمالات الأولى للقب: بواسطة هذه التسمية، قدّم يسوع نفسه منذ بداية حياته العلنيّة ككائن خفيّ وسري، ولكنه ينعم بسلطات استئناثيّة. وهكذا دلّ لقبُ ابن الانسان دلالة ملموسة على المسيح الذي لا يتماهى مع الفكرة المسيحانيّة المعروفة لدى أناس جعلتهم في حيرة. كما أتاح هذا اللقب ليسوع أن يعلن بشكل خفر ووضيع كل ما سيكشفه شيئًا فشيئًا من رسالته وشخصه. فماذا فهم سامعوه الأولون حين سمّى نفسه هكذا؟ لا نستطيع ان نعطي جوابًا أكيدًا عن هذا السؤال. فقد بدت العبارة موازية ((للانسان الذي ترونه أمامكم)). وقد يكونون ظنّوا أن يسوع النبيّ (16: 14وز؛ 21: 11، 46؛ لو 7: 16) يستعيد تسمية أعطيت لحزقيال النبيّ (حز 2: 1، 8)
من جهة، يشير لقب ابن الانسان إلى موقف يسوع البشريّ وسط البشر في تعارض لافت مع تصرّف السابق وما فيه من تنسّك. غير أن اليهود بدوا كصبيان، رفضوا كل تجلّيات مخطّط حكمة الله. ((جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فقالوا إن فيه شيطانًا. وجاء ابن الانسان يأكل ويشرب، فقالوا هوذا انسان أكول شروب للخمر، يحبّ العشّارين والخطأة، إلا أن الحكمة تزكّت بأعمالها)) (مت 11: 18-19 = لو 7: 33-35).
انتهى اعلان يسوع باعتبار غريب يفتح أمامنا أفقًا غير متوقّع حول سرّ ابن الانسان: فيه تجلّت حكمة الله. لا شكّ في أن العلاقة بين يسوع والحكمة لم تبدو وثيقة (تزكّت الحكمة بجميع أبنائها، لو 7: 35). ولكن في مقاطع أخرى من التقليد الازائيّ نسب يسوع إلى نفسه دور الحكمة ولا سيّما في 11: 25-30 (القول اليوحناوي) حيث تستلهم علاقاتُ الآب والابن ونداء البشر إلى التلمذة، عبارات مأخوذة من الأدب الحكميّ.
ونقدّم تفسيرًا مشابهًا للقول حول التجديف على ابن الانسان: لا تقوم الخطيئة في خطأ حول ظاهرة ابن الانسان وما فيه من اتضاع، بل في انغلاق على النور الذي جعله الله حول مرسله. ((من تكلّم على ابن الانسان يُغفر له. أما من يتكلم على الروح القدس، فلا يُغفر له، لا في هذا الدهر ولا في الآتي)) (12: 30= لو 12: 10).
من أخطأ ضد ابن الانسان ولم يكتشف سرّه، يُغفر له. ولكن حين يدمّر ابن الانسان (وقد أعطي قدرة الروح القدس) بأعماله العجيبة مملكة إبليس، فمن يرفض أن ينفتح على النور يقترف خطيئة لا تُغفر. هو يرذل ما يقدمّه الله له، ويتجاهل ابن الانسان الذي يكشف في هذه الحالة سرّه ويقيم ملكوت الله. ((إن كنت بروح الله أخرج الشياطين فذلك أن ملكوت الله قد انتهى إليكم)) (12: 28).
ب - سلطة ابن الانسان الخفيّ
إن ابن الانسان، رغم وضاعة حاله الخفية التي تعذر ((التجديف)) عليه، قد بدأ يمارس سلطانًا (اكسوسيا) نُسب إلى الشخص المجيد الذي تحدّث عنه دانيال. فحين غفر يسوع للمخلّع خطاياه (9: 1-8؛ مر 2: 1-2؛ لو 5: 17-26)، بدا وكأنه جعل نفسه مكان الله . وإذ أراد أن يدّل على حقّه في أن يفعل ما فعل، شفى المريض بمعجزة عائدًا إلى صفته ابن الانسان: الشفاء العجائبيّ هو علامة تدلّ على ((أن ابن الانسان له سلطان به يغفر الخطايا على الأرض)) (9: 6؛ مر 2: 10؛ لو 5: 24). ويعود الشرح بشكل خفيّ إلى دا 7: 13-14. إن الشخص السماوي المذكور هنا يُسمّى ابن الانسان وينال السلطان (اكسوسيا). وسيعود يسوع إلى هذا المقطع بعد قيامته حين يعطي تلاميذه توصية بأن يحملوا الانجيل إلى العالم كله: ((أُعطي لي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم)) (28: 18-19).
حين قال يسوع: إن لابن الانسان سلطانًا على الأرض بأن يغفر الخطايا، فعبارة ((على الأرض)) مهمّة جدًا، وهي تقابل بشكل ضمنيّ ((في السماء)): فابن الانسان يمارس على الارض سلطانًا يمتلكه في السماء. وهذا التقابل بين السماء والأرض يميّز الأدب الجلياني. فبفضل سلطان ابن الانسان، لم يبقَ ينبوع الغفران خفيًا في السماء، بل نزل على الأرض ليعطي البشر امكانيّة الحصول على نعمة الله بشكل أكيد.
في الانجيل الاول، ينتهي حدثُ المخلّع الذي غُفر له بعبارة أصيلة وُضعت في فم الجمع: ((ولدى هذا المنظر، استولى على الجموع خوف ومجّدوا الله الذي أعطى الناس سلطانًا كهذا)) (9: 8؛ رج مر 2: 12؛ لو 5: 26). يكمن مرمى هذه العبارة في تعارض يقول: أعطي للبشر سلطانًا يخصّ الله. كتب متّى ما كتب بالنظر إلى قارئيه: فالجماعة المسيحيّة حلّت محلّ الجماهير اليهوديّة، فمجّدت الله لسلطان غفران الخطايا الذي يخصّ ابن الانسان، والذي انتقل به إلى رؤساء الكنيسة. وجاءت خاتمة حدث المخلّع صدى لقولين تفرّد الانجيل الأول فأوردهما. في القول الأول نجد وعدًا تلقّاه بطرس بشكل شخصي: ((أعطيك مفاتيح ملكوت السماوات. فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماء)) (16: 19). والقول الثاني يتوجّه إلى مجموعة الرسل: ((كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء. وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء)) (18: 18).
إن سفر دانيال يشير إلى انتقال سلطات ابن الانسان: ((فالقديسون)) يقاسمون ابن الانسان امتيازاته. ((حين جاء القديم الأيام سُلّمت الدينونة إلى قدّيسي العلي، وجاء وقت امتلك فيه القديسون الملكوت)) (دا 7: 22؛ رج 7: 14؛ 7: 27).

ج - استنتاجان
> إن سمة التواضع التي نجدها في هذه النصوص، تدعونا إلى تفسير لقب ابن الانسان في معنى متعال. فيسوع هو كائن سماوي. ولكنه تجلّى في شكل بشريّ: وتسمية ابن الانسان تدلّ على هذه الوجهة او تلك، وذلك حسب المدلول الجلياني أو المعنى الاساسي لهذه التسمية. مثلُ هذا اللقب ساعد يسوع على ((تربية)) تلاميذه: هو المسيح الخفيّ الذي لا يستطيع أن يكشف سرّه إلاّ بعد الفصح والقيامة.
> والعودة إلى سلطان وُعد به ابن الانسان المجيد، يدعونا إلى اعتبار رسالة يسوع على الأرض، كاستباق لملكوت الله بانتظار تنصيبه ملكًا في سرّ الفصح والقيامة. فابن الانسان، بمجرّد حضوره على الأرض، يقيم الملكوت حوله ويجعله ملموسًا في شخصه.

4 - وحي مجد الانسان وألمه وسرّه في الدينونة الأخيرة (25: 30 -46)
بعد دراسة هذه السلاسل الثلاث من النصوص، نتفحّص مقطوعة الدينونة الأخيرة التي تشكّل تطوّرًا أدبيًا ملحوظًا وشميلة عميقة لمختلف وجهات لاهوت ابن الانسان. ففي هذا المشهد يتجلّى لنا سرُّ ابن الانسان، وسرّ شخص يسوع، في كل عمقه وعظمته كما في بساطته العجيبة .
أ - المسألة الأدبية
ان الشميلة الأدبيّة التى ألَّفها متّى (ف 24-25) تتضمّن ثلاث لوحات كبيرة: لوحة ((نهاية)) أورشليم، وانتصار يسوع في كنيسته (24: 1-44). ثم ثلاثة أمثال حول ((نهاية)) كل مسيحيّ بمفرده (ربّ البيت، العذارى العشر، الوزنات، 24: 45-25: 30). وأخيرًا لوحة ((نهاية العالم (25: 31-46) حين يأتي ابن الانسان لكي يدين البشريّة كلها. ((ومتى جاء ابن الانسان في مجده، وجميع الملائكة معه، حينئذ يجلس على عرش مجده وتُحشر لديه جميع الأمم)) (آ 31 -32).
هذه المقطوعة هي نتيجة عمل تدويني هام ينطلق من عناصر تعود إلى كرازة يسوع. في أساس هذا النصّ نجد موضوعين من مواضيع التقليد الانجيليّ. موضوع الراعي الذي يبدو بشكل مثَل نتصوّره كما يلي: ((يشبه ملكوت السماوات قطيعًا يجمعه الراعي. يميّز الخراف من الجداء: يجعل الخراف عن يمينه، والجداء عن يساره)) (آ 32-33). هذا المثل القصير حول الفصل الاسكاتولوجي، يشبه مثل الزؤان (13: 24-30) والشبكة (آ 47-48)، وهو يتركّز على مجيء ابن الانسان كالديّان السامي (آ ،31 ،32 ،34 ،41 46). ثم الحوار بين يسوع والبشر (آ 35-،40 42-45) يعود إلى يسوع (ما عدا بعض العناصر التدوينيّة). نجد ما يقابله في مر 9: 37 وز: ((من قبل واحدًا من هؤلاء الصغار باسمي إياي قد قبل)) . وفي مت 10: 42وز: ((ومن سقى أحد هؤلاء الصغار على أنه تلميذ لي، كأس ماء بارد فقط، فالحقّ أقول لكم إن أجره لن يضيع)). وفي لو 12: 8-9 وز: ((وأقول لكم: إن كل من يعترف بي قدّام الناس، يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله . ومن ينكرني قدّام الناس، يُنكر أمام ملائكة الله)) .
حين نقرأ مقطوعة الدينونة الاخيرة تلفت انتباهنا آ 31 لأنها تُدخل بشكل واضح ابنَ الانسان في المثل. وإذا توقفنا عند لو 12: 8-9 نكتشف البُعد الاسكاتولوجي: حين تواجه البشرُ مع شخص المسيح، كانوا في حضرة الحدث الاسكاتولوجي. وردّة فعلهم أمامه لها نتائج أدبيّة، لأن الله قال فيه كلمته النهائيّة. واليوم الأخير ينعكس في حاضر رسالة ابن الانسان المسيحانيّة. أما مر 8: 38 فتضمّن توسّعًا يقول: يبقى الحاضرُ الوقتَ العصيب. والمجيء الاسكاتولوجيّ هو المجيء الثاني. أما مت 16: 27 فمثّل نهاية الحركة: خسر القول كل علاقة مباشرة برسالة المسيح على الأرض، وتوجّه الانتباه كله إلى الحدث العظيم، حدث المجيء الآتي.

ب - المنظور اللاهوتي
إن مشهد الدينونة هذا يؤثّر فينا حين نضعه في مسيرة الانجيل الاول: هو يشكّل تتمّة الشميلة الاسكاتولوجيّة وانفتاحًا عظيمًا على مجد ابن الانسان وعلى المصير (السعيد أو المأساوي) المحفوظ للبشر، قبل آلام ابن الانسان. هذا ما أعلنه يسوع أمام المجلس الأعلى: سيبدأ انتصاره حالاً بعد محاكمته.
إن موضوع ابن الانسان يشكّل قلب هذه المقطوعة (25: 31-46)، ويوحّد عناصرها. وتبرز وجهة المجد: فالمسيح يأتي في مجده، يرافقه الملائكة، فيمارس الدينونة التي هي وظيفة إلهيّة، شأنها شأن خلق العالم. لم يعد ابن الانسان الشاهد الذي يعترف بالبشر أو ينكرهم أمام أبيه، بل الديّان السامي بالذات. في سفر دانيال لم يظهر ابن الانسان إلاّ بعد الدينونة المنقّية. وأقرّ له كتاب أخنوخ بوظيفة الديّان. غير أن الشخص المسيحانيّ في هذا الكتاب المنحول، العائش في خفاء قرب الله، لم يكن له أن يعيش حياة على الأرض قبل أن يلعب دوره المجيد. أما في نصّ متّى، فالحضور الخفيّ للديّان السماوي في قلب البشريّة المتألمة، قد انكشف للأمم المجتمعة. وإذ ينتظر ابن الانسان ظهوره المجيد، فهو يعرف وجودًا (وحياة) من نوع خاص، حضورًا سريًا وخفيًا. كان حاضرًا بشكل سري في المعذّيين. في إخوته الجياع والعطاش والعراة والمرضى والسجناء. وحين يجيء الديّان السامي (ابن الانسان كما في دانيال وأخنوخ)، فهو يكشف لجميع الأمم المجتمعة عن يمينه ويساره سرًا ذات بُعد كونيّ. هذا الديّان الذي يظنّون أنهم يرونه للمرّة الاولى، قد التقوا به مرارًا خلال حياتهم كل يوم. ولن يعرفوا السرّ إلاّ متأخرين، ساعة تصيبهم الدينونة فيكونون عن اليمين أو عن اليسار.
الفصل الثالث

يسوع المسيح والمخلّص

منذ البداية عاشت الكنيسة يقينًا بأن يسوع الناصري هو مرسل الآب، وأنه حمل الخلاص الموعود به لاسرائيل، وأنها جاء يغفر الخطايا ويقيم ملكوت السماوات الذي فيه يُستقبل المؤمنون والمتواضعو القلب. ولكن ما هي نظرة يسوع إلى نفسه ورسالته وعمله؟ وهل ظلّت الجماعة المسيحيّة الأولى أمينة لمخطّط مؤسّسها؟

1 - يسوع النبيّ والمعلّم في ملكوت الله 
أ - قدّم يسوع نفسه كالنبيّ فارتبط بتقليد متواصل منذ زمن المنفى سنة 587 ق.م. فموقفه، وطريقة إعلان تعليمه للشعب على أنه تعليم الله ، واستعمال الأمثال والفعلات الرمزية والسريّة، كل هذا جعله يتميّز عن الكتبة والمعلّمين الذي مارسوا في الشعب سلطة قويّة جدًا. ومضمون تعليمه جاء قريبًا من تعليم الأنبياء، لا من العالم اليهودي المعاصر له. لهذا قال الناس: ((نبيّ عظيم قام بنا، والله افتقد شعبه)) (21: 11؛ مر 6: 15؛ لو 4: 24؛ 7: 16). ووافق يسوع بشكل خفر على هذا اللقب (مر 6: 4؛ لو 4: 24)، ففهمنا أنه وقف في الخط المسيحاني.
ب - ما هو موضوع كرازة يسوع؟ للوهلة الأولى لا يتميّز تعليمه عن أساليب معروفة. ولكنه في الواقع يبدو أصيلاً جدًا. لا شكّ في أن يسوع لا يتكلّم لغة يجهلها سامعوه، كما أنه يستعيد مواضيع الأنبياء والعالم اليهوديّ، فتسجّل في تقليد اسرائيل، وتلاقى مع كبرى الاهتمامات الدينيّة في عصره. توجّه انتباه اليهود في أيام يسوع نحو الأمانة لفرائض الشريعة والممارسات الطقسيّة، كما توسّع انتظار حار لدينونة أخيرة ونظام جديد يكون عملَ الله ويجازي الجزاء الحسن أبرارًا عرفوا الاضطهاد حتى الآن. تداخل هذان التيّاران، لأن الأمانة لله تتيح للانسان أن يقف بلا خوف أمام الله في يوم الدينونة.
تاريخ اسرائىل القديم هو تاريخ تحرير، تاريخ فداء شعب مستعبَد يريد الله أن يجعله شعبه وأن يكون ملكه. منذ بدايات تاريخ اسرائىل، ارتبط موضوع الخلاص وموضوع ملك الله (رج خر 15). وفي الأوقات المـظلمة التي حلّت بعد سقوط مملكة يهوذا، ظهر الأمل بتدخّل إلهي يقلب نظام هذا العالم ويدلّ بشكل ساطع على سلطان الله. كل هذا وصل بالناس إلى النظريات التي نجدها في سفر دانيال: انتظروا مجيء السماء على الأرض، أن يُدان الاشرارُ ويـُرذلون، أن يُقام ملكوت السماوات. ذاك يكون عمل كائن يأتي من السماء. هو ابن الانسان: به تُعلن الدينونة، وبه تُمنح الخيراتُ المسيحانيّة للقديسين والأبرار (دا 7: 13؛ 1أخن 38-45). هذه النظرات حملت غذاء إلى حلقات المساكين والاتقياء في زمن الملك هيرودس والتسلّط الروماني.
استعاد يسوع طرق الكلام هذه، فتحدّث عن ملكوت السماوات دون أن يحدّده. هو واقع إلهي، لا ينتمي إلى أمور هذا العالم. ونحن لا نستطيع أن نتصوّره كمجموعة خيرات أرضية، كما لا نقدر أن نمتلكه بجهد أيدينا وقوانا البشريّة. الملكوت هو واقع سماوي وعطيّة مجانيّة من الله. والتطويبات التي جعلها متّى في بداية عظة الجبل، تقدّم لنا بعض العبارات الموازية: فالمختارون الذين يمرّون في المحنة والاتّضاع، في الزمن الحاضر، ((يمتلكون الأرض، يُشبعون، يُعزَّون، يُدعون أبناء الله ، يرون الله)). إذن، يتضمّن الملكوت ظروف حياة جديدة، ومعرفة مباشرة للآب وحبًا بنويًا له. هذا الملكوت هو عمل نعمة الله ورحمته، وهو يشمل موهبة تحوّل الخليقة وتكيّفها حسب حالتها الجديدة (6: 33). إن تعليم يسوع عن الملكوت يستعيد تعاليم معروفة في التيّار الاسكاتولوجيّ الجليانيّ، مع تشديد على الوجهات الروحيّة والباطنيّة على حساب علامات ظاهرة وصور مادية.
ج - وما يميّز تعليم يسوع ويعطيه رنّة عجيبة، هو التأكيد بأن كل هذا يتحقّق الآن، ويتحقّق بالنظر إلى يسوع. منذ البداية نسمع قوله: ((توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات)) (4: 17). تشكّل هذه العبارة ملخّص تعليم يسوع. وكان متّى قد جعلها في فم يوحنا المعمدان، بانتظار أن يتسلّمها الرسل (3: 2؛ 10: 7). وسيماهي مرقس هذا الاعلان مع الانجيل (1: 14-15).
ملكوت الله قريب على مستوى الزمان، وعلى مستوى المكان (لو 19: 11؛ مر 11: 1؛ 14: 42-43؛ يو 2: 13؛ 6: 4؛ 7: 2؛ 11: 55؛ مت 26: 18). لهذا، فالملكوت هو أيضًا واقع مقبل، ونحن نستعدّ لقبوله بارتداد حياتنا كلها. ذاك هو معنى كرازة بعض الأنبياء. وخصوصًا يوحنا المعمدان. كان بعضهم قد استند إلى معنى الكلمات المستعملة فشدّد على أن الملكوت هو في المستقبل: يسوع هو كارز بحدث مقبل، وهذا الحدث يبقى مقبلاً، لا حاضرًا. قد يكون أشار إلى ملحاحيّة التوبة، ولكنه يبقى في خطّ كتّاب سبقوه فأشاروا إلى نهاية العالم. ولكن جاءت ردّة الفعل تُبرز الوجهة الحاضرة لملكوت السماوات الذي كرز به يسوع. فالملكوت هو هنا، الآن. وقد أعطي منذ اليوم. إن يسوع يُنجز الرجاء الاسكاتولوجيّ. وبين أخذ وردّ، يبقى أن كرازة المعلّم تدلّ على أننا أمام واقع أعطي لنا، أمام واقع حاضر. ولكنه ينتظر بعدُ تجلّيه وامتداده النهائي. الملكوت هو هنا ولكنه في السرّ. قد تحقّق منذ الآن بالنسبة إلى المؤمنين، ولكنه يبقى موضوع رجاء سوف يظهر لنا ساطعًا في النهاية.
د - فالأمثال التي أوردها يسوع هي سرية. هي تحمل أسرار الملكوت الذي لا يفهمه سوى الصغار والمتواضعين (11: 25؛ لو 10: 21-22). هي تصوّر واقعًا ثمينًا جدًا يقدّم منذ الآن فيفرض علينا قطْع كل رباط بشريّ. وهذه العطية السماوية سوف تعرف تفتّحًا عجيبًا. فالملكوت زرْع يعطي مئة إذا تهيّأت الأرض التي تقتبله. يشبه حبّة الخردل التي هي اليوم أصغر الحبوب، وستصبح غدًا أعظم الأشجار. هو خمير دُفن في العجين وسيخمّره كله. هو كنز مخفى في حقل وسنكرّس كل اهتمامنا له. في كل مرة نحن ننتظر نتيجة في المستقبل، ننتظر نضوجًا وتفتّحًا وظهورًا عظيمًا. ويطلب منا النصّ أن نُخضع كل شيء لهذه القيم الإلهيّة التي ستتجلى غدًا في كل بهائها.
غير أن الأمثال تؤكّد على واقع بدأ يعمل منذ الآن: هو زرع، خمير وقوّة حياة، وقدرة تعمل في الزمن الحاضر. يرتبط النموّ بالله . ويرتبط أيضًا باستعدادات من أنعم عليهم وبأمانتهم. والزرع الطيّب يُلقى في الأرض مع الزؤان. وفي النهاية، في وقت الحصاد، يتمّ الفصل (13: 24-30). الملكوت حاضر في هذا العالم وهو ينمو. ولكن كل هذا يبقى محجوبًا وخفيًا. ويأتي يومٌ لا يتأخّر، فيحمل هذا العمل ثماره. وتأتي الدينونة الأخيرة فتبعد المقتدرين والاشرار، وتقيم ملكوت الله في كل سطوعه بعد أن كان حاضرًا في سرّه.
وهذا ما نكتشفه أيضًا حين نتأمّل صور الملكوت ومتطلّباته في أقوال يوجّهها يسوع إلى تلاميذه. قال يسوع: ((لا تخف أيها القطيع الصغير، فقد سُرَّ أبوكم أن يعطيكم الملكوت)) (لو 12: 32). إن جماعة التلاميذ التي تحيط بيسوع، جماعة المساكين التي لا اسم لها ولا شهرة، تشكّل منذ الآن ورغم جميع الظواهر، ملكوتَ السماوات. هم يعامَلون كأبناء الله ويُطلب منهم أن يتصرّفوا كأبناء. قد نُشِّئوا على أسرار الملكوت، ونالوا العطايا المطلوبة ليلجوا مخطّط الله الذي لا يبلغه أهل هذا العالم. ((أعطيتم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات)). وأضاف يسوع: إن كثيرًا من الأنبياء والأبرار قد رغبوا في أن يروا ويعرفوا ما ترون وما تسمعون (13: 11-15؛ مر 4: 10-12؛ لو 8: 9-10). وبعبارة أخرى، كان التلاميذ شهود أحداث ومستودع علم لم يصل إليه البشر وتمنّاه عظام العهد القديم. إذن، قد دخلوا في حقبة جديدة هي العهد المسيحاني الذي هو موضوع رجاء اسرائىل. وهذا العلم الذي منحه الله لهم، يتضمّن وضعًا جديدًا، يتضمّن تكيّف كل كيانهم مع الآب الذي يتقبلّهم منذ الآن في حياته الحميمة.
هـ - عندئذ نفهم الموقف الذي اتّخذه يسوع تجاه الشريعة وتجاه الفرائض الأخلاقيّة والدينيّة التي تعبّر عنها هذه الشريعة. فمنذ بداية الكرازة، يحضّ يسوع سامعيه على التوبة، على انقلاب تام في العقليّة وفي التصرّف الخلقيّ. ((توبوا)) (ميتانويو). استعاد أقوال الأنبياء الذيت كلِّفوا بأن يأتوا بالشعب اللامؤمن إلى الله. فعلى العالم اليهوديّ أن يعود إلى إله العهد. ويوم الدينونة يسبقه تحريض قويّ ونهائيّ سيكون عمل إيليا (4 عز 6: 26؛ مز سل 18: 14؛ يوب 23: 26؛ سي 48: 15؛ ملا 3: 1ي). وقد جعل المعمدان من هذا الموضوع أساس كرازته، فدعا سامعيه إلى معموديّة التوبة لغفران الخطايا وممارسة الشريعة (3: 1-12؛ لو 3: 1-20؛ كر 1: 2-7). واستعاد يسوع ذات العبارة، ولكنه شدّد على موقف جديد: فالتوبة هي أن نأخذ بطريقة حياة جديدة، هي أن نعيش في كل شيء بحسب إرادة الله. واتخذ يسوع تجاه الشريعة موقفًا خاصًا جدًا فعرّفنا إلى وعيه لرسالته.
كلنا يعرف المكانة العامة التي تحتلّها الشريعة في الديانة اليهودية. هي مجمل تعليم الله كما نجده في أسفار موسى الخمسة (أو: التوراة بالمعنى الحصري)، والوحي عن الله ومخطّطه والتعبير عن مشيئته في ما يتعلّق بتصرّف المؤمنين. في زمن يسوع، كانت الجدالات حامية حول امتداد الشريعة ووسائل شرحها: توقّف الصادوقيون عند أسفار موسى الخمسة. أما الفريسيون فلم يتوقّفوا فقط عند الشريعة المكتوبة (في التوراة)، بل راحوا إلى الشريعة الشفهيّة التي ستدوّن منذ القرن الثاني ب.م في المشناة ثم في التلمود. فالسلوكيات (أو: هلكوت) تعبّر عن إرادة الله المقدّسة شأنها شأن فرائض موسى. أما يسوع فاتّخذ موقفًا مغايرًا: حافظ بقوّة على سلطة شريعة موسى، على النصّ ((القانوني))، ولكنه فسّره بالنظر إلى هدف الله الذي ألهمه، فقاد المؤمنين إلى موقف دينيّ أكثر كمالاً.
صارت سلطة المعلّمين ((معصومة)) من الخطأ، صارت وحدها المسؤولة عن تفسير الشريعة والتعبير عن إرادة الله في الظروف الخاصة. وهكذا أخذ المعلّمون وظيفة الأنبياء. أما يسوع فرفض الاعتراف بهذه السلطة والتمسّك بتقاليد هذه المدارس (13: 54؛ 23؛ يو 7: 15). ((علّم كمن له سلطان، لا مثل المعلّمين)) (7: 29). هو ما أراد أن يلغي ((التوراة))، ونحن نقرأ في عظة الجبل كلمة حاسمة: ((لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمّل. الحقّ أقول لكم: إنه إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول من الناموس ياء أو نقطة واحدة حتّى يتمّ الكلّ)) (5: 17-18). ويتابع يسوع: (( من يتعدّى واحدة من هذا الوصايا حتّى من أصغرها، ويعلّم الناس أن يفعلوا هكذا، فإنه يُدعى الأصغر في ملكوت السماوات)) (آ 19). غير أنه يميّز بين مشيئة الآب وتعابير هذه المشيئة في الشريعة. فما يهمّ أولاً هو أن نعمل مشيئة الله فنصل إلى أهداف الله التي نجد آثارها في الشريعة.
هناك فرق بين الفرائض. وقد لفت يسوع انتباهنا إلى الفرائض الخلقيّة دون أن يهمل الفرائض العباديّة (لو 11: 42). غير أنه يُبرز ما يتعلّق بالعدالة والرحمة (23: 23). ما قدّم شرائع جديدة ولا هو أضاف أقوالاً على أقوال المعلّمين، بل بسّط الشرائع القديمة ولا سيّما ما يتعلّق بالسبت وبشرائع الطهارة (12: 1-14؛ لو 6: 1-11؛ مر 2: 23؛ 3: 6). إنه يدلّ في الواقع على المواقف المرتبطة بموقف الآب والتي تلهم تصرّف أخصّائه.
صار التلاميذ منذ الآن مشاركين في الملكوت، صاروا أبناء الله ، فوجب عليهم عندذاك أن يعيشوا حياة السماء، أن يقتدوا بالآب في صلاحه وحنانه. والمحبّة التي هي انشغال المختارين الوحيد، هي منذ الآن شريعة الملكوت: نثمر الوزنات التي أعطيناها، ونحمل زيتًا بانتظار العريس الآتي، ونخدم الربّ في الصغار (25: 31-46). وتصوِّر عظة الجبل الطريقة التي بها نحيا متّحدين مع الآب: ((كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات كامل هو)) (5: 48). وكل أمور الأرض تخضع لهذا التصرّف الجديد. لا شكّ في أن كل هذا لن يكون ممكنًا إلا في النهاية، حين يُتمّ الملكوتُ انتشاره ويتوافق المختارون كل الموافقة مع الآب. ولكنهم يقدرون منذ الآن أن يحيوا حياة السماء ويوافقون تصرّفهم مع تصرّف الآب. وهكذا يكون الملكوت حاضرًا هنا منذ الآن.
غير أن مثل هذا الموقف يُعتبر انقلابًا حقيقيًا. اختلف يسوع عن الفريسيين فاتّخذ المبادرة في تحديد نوايا الله وتفسير روح الشريعة دون العودة إلى التقاليد. هو موقف غير مقبول إن لم يكن يسوع هو المسيح. هو موقف تجديف كما قال الفريسيون. قد نستطيع القول إن ما فعله يسوع جاء في خطّ النصائح التي قدّمها الأنبياء، ولكن يبقى أن يسوع طالب بامتياز مسيحاني. بامتياز يدلّ على اتحاده الحميم بالله .
و - إذن، تميّز تعليمُ يسوع بتأكيده أن الملكوت أعطي منذ الآن، ولكنه يظلّ سرًا. هو يمنح العطايا المسيحانيّة، والنعمة بأن نحيا على هذه الأرض حياة توافق حياة الله. بل أكثر من ذلك: كل هذا يرتبط بالايمان به. فبعد أن شكر الآب لأنه كشف أسرار الملكوت للصغار، أضاف: ((كل شيء دُفع إليّ من أبي، ولا يعرف أحد الابن إلاّ الآب، كما لا يعرف أحد الآب إلاّ الابن ومن أراد الابن أن يكشف له)) (11: 25-27؛ لو 10: 21-22). أعلن يسوع أولاً صفته كابن الآب الذي منه تسّلم كل شيء. وإذا كان الدخول إلى الملكوت يعني في النهاية أن نصير أبناء الله الذي في السماء، فمثلُ هذا العبور لا يتمّ إلاّ في اتحاد عميق مع ذلك الذي هو ((بالطبيعة)) ابن الله. عرف يسوعُ الآب واتّحد به اتّحادًا لا يستطيع البشر أن يعرفوه أو يعبّروا عنه. وهو يستطيع وحده أن يكشف (ويعطي) حياة الآب للذين اختارهم الآب في رحمته. ولكننا لا نصل إلى الآب إلاّ إذا تقبّلنا تعليم الابن، إلا إذا آمنا بيسوع الذي هو مرسل الله وابن الآب.
2 - المعجزات ومدلولها المسيحاني
ليس يسوع فقط واعظًا بانجيل الملكوت. لقد بدأ يحقّق هذا الملكوت بأعمال تُظهر قدرة الله . فالمعجزات تدلّ على رسالته وتميّزها عن رسالة يوحنا المعمدان. حين أراد متّى أن يرسم لوحة عن نشاط يسوع، قدّم خطبة نموذجيّة (عظة الجبل) ويومًا نموذجيًا (يوم كفرناحوم) ملأه بالمعجزات (4: 25-9: 35).
أ - قد تبدو المعجزات تأكيدًا يمنحه الله للذي أرسله (تث 18: 19 ي). أما معجزات يسوع فليست خارقة تتوخّى قبل كل شيء أن تؤثّر على المخيّلة وتفرض سلطة يسوع. بل إن يسوع رغب في أن تبقى معجزاته خفيّة، ورفض الدعاية (16: 1-4؛ مر 8: 11-12). يُسمّي الانجيل معجزات يسوع أعمال قوّة أو آيات، وهي تقف في خطّ إعادة بناء الانسان، وتعمل على تحقيق ما يُعلن. المعجزات علامات تدلّ على أن الملكوت هو هنا كقوّة حيّة وفاعلة.
في نظر يسوع، يبدو العالم خاضعًا للفوضى، والعدوّ قد زرع فيه الزؤان (13: 25). وستقاتله قوى الشر بقوّة هو وأخصاءه حتى النهاية. فلقاء الشيطان الذي جاء مباشرة بعد العماد في الأردن، جعل الخصمين الواحد تجاه الآخر. وستتواصل الحرب على مدّ رسالة يسوع، وستصل إلى ذروتها في الحاش والآلام (4: 11؛ لو 4: 13). وأداة تسلّط قوى الشرّ على العالم هي الفوضى التي أقامت في كل مكان، في الطبيعة وفي البشريّة. لقد أراد يسوع أن يعيد النظام إلى الكون، ومعجزاتُه هي أداة عمله. سيطر على قوى الطبيعة، هدّأ العاصفة، مشى على المياه. وشفى المرضى وأقام الموتى وطرد الشياطين. كل هذا عمل مسيحانيّ. حين شفى يسوع عملَ عمَلَ الآب الرحيم الذي يريد خلاص ما قد هلك. هذا ما يدلّ عليه فعل ((خلّص)) (أو أحيا) الذي يرد مرارًا في الأناجيل.
وعى يسوع أنه بهذه الطريقة يُنجز عمل الخلاص المسيحانيّ الذي أنبأ به الأنبياء: جاءه تلاميذ يوحنا يسألونه عن رسالته، وانتظروا اعلانًا صريحًا يدلّ على صفته كالمسيح، فأجاب دالاً على أعماله التي فهم الشعب اليهوديّ معناها المسيحانيّ في خطّ أشعيا النبي: ((اذهبوا وقولوا ليوحنا ما تسمعون وما تنظرون: العميان يرون، العرج يمشون، المساكين يبشّرون، وطوبى لمن لا يشكّ فيّ)) (11: 4-6؛ رج أش 35: 5-6؛ 61: 1).
ب - ونتوقّف بشكل خاص عند بعض المعجزات: طرد الشياطين، معجزات ترافق كلمة الغفران، وأخرى تدلّ على شخصيّة يسوع. إن طرد الشياطين جزء من الحرب على قوى الشرّ. فلا بدّ من تدمير قبضة إبليس لحمل الخلاص إلى البشر وبناء الملكوت. ولقد دلّ يسوع نفسه على بُعد هذه الأمور في جدال مع الفريسيين الذين لـمّحوا أن يسوع يفعل ما يفعل ببعل زبول رئيس الشياطين. أجاب: كل مملكة تنقسم على نفسها تخرب. أما يسوع فهو ((الاقوى)) (إبليس هو القويّ)، وقد جاء يستعيد البيت الذي احتلّه الشيطان. وأضاف يسوع: ((إن كنت بروح (باصبع) الله أطرد الشياطين، فهذا يعني أن الملكوت جاء إليكم)) (12: 25-30؛ مر 3: 23-27؛ لو 11: 17-23). لقد دلّت تقسيمات (صلاة بها يُطرد الشيطان) يسوع على أن روح الله معه، وهذا يكفي ليؤسّس سلطة تعليمه حول الملكوت. كما دلّت أن الملكوت المنتظر هو هنا يفعل في السرّ. وإقامة الملكوت تتضمّن طرد الشياطين ورذل الذين هم له. وسيقول يسوع لتلاميذه الذين كلّفهم بأن يتابعوا عمله ويطردوا الشياطين: ((كنت أرى الشيطان ساقطًا كالبرق)) (10: 8).
يقوم العمل المسيحاني بتدمير مُلك الخصم. غير أن يسوع قال لتلاميذه: ((لا تفرحوا في أن الشياطين تخضع لكم. بل افرحوا بالحريّ لأن أسماءكم مكتوبة في السماء)) (لو 10: 18-20). وأورد لوقا حالاً نشيد التهليل فدلّ على أن الملكوت واقع إيجابيّ، وأن الانتصار على إبليس بداية دخول البشر إلى حياة حميمة مع الآب.
ج - إن إعلان الغفران الذي منحه الله للخطأة المتواضعين والواثقين، يحتلّ حيّزًا واسعًا في تعليم يسوع: أمثال الفريسي والعشّار، والخروف الضال، والدرهم الضائع، والابن الشاطر (لو 15؛ 18: 10-14؛ مت 18: 12-14). بالاضافة إلى ذلك، نرى يسوع مرارًا يغفر الخطايا للعشّار والزانية، لزكّا ومريم المجدليّة. قال: ((أريد رحمة لا ذبيحة. ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخطأة)) (9: 12؛ لو 5: 32). ذاك كان جوابه للفريسيين الذين لاموه لأنه يعاشر الخطأة. فالخلاص يقدّم للذين ندموا على خطاياهم وغفروا لمن خطئ إليهم، وجعلوا رجاءهم في يسوع، وآمنوا أن يسوع يريد أن يخلّصهم.
هذا ما نجده بمناسبة شفاء المخلّع. جعل مرقس هذا الحدث في بداية انجيله. حُمل المريض إلى يسوع وطلب الشفاء. فراح يسوع إلى جذور الشرّ. قال له: ((مغفورة لك خطاياك)). احتجّ الفريسيون: ((من يستطيع أن يغفر الخطايا))؟ هذا امتياز إلهيّ لم يحصل عليه نبيّ من الأنبياء. فأجاب يسوع بالعمل، لا بالكلام. شفى المخلّع (مر 2: 1-12). وهكذا كانت المعجزة علامة منحها الله فثبَّت صفةَ يسوع كابن الله الذي يغفر الخطايا. بل هناك رباط وثيق بين قسمَي الخبر: حين شفى يسوع المخلّع دمّر الخطيئة فيه. لهذا ارتبطت أخبار المعجزات بعطيّة باطنية: ((اذهب، إيمانك خلصك)) (9: 22). تصرّف يسوع ببساطة وقوّة لأنه يمتلك القوّة الالهيّة التي تخلّص البشر وتمنحهم الخيور السماويّة.
د - وهناك معجزتان هامتان بالنسبة إلى موضوعنا: الظـهور الالهي في المعموديّة، وحدث التجلّي. في الحالتين كشفت المعجزةُ البُعد السماوي لرسالة يسوع وشخصه. ففي التجلّي أشعّ المجد الذي يدلّ على الأزمنة الأخيرة، على وجه يسوع، مستبقًا المجيء (باروسيا). جاء يسوع في التواضع والذلّ، ولكنه أيضًا ملك المجد والديّان وسيّد ملكوت السماوات. أظهر نفسه كما هو لتلاميذه لحظة. أظهر نفسه كما سيكون في المجيء. والظهور في الاردن ينير هو أيضًا وضع يسوع الحقيقيّ: هو انسان. ومع أنه بلا خطيئة، تقبّل عماد التوبة متضامنًا مع الخطيئة. أراد يوحنا أن يتهرّب، فدعاه يسوع لكي يتمّ كل برّ. أكّد هو حالة يسوع كانسان، نقاوته من كل خطيئة، إرادته بأن يرتبط بالخطأة ويخضع مثلهم لطقس التطهير. أراد أن يمارس الشريعة اليهوديّة وبالتالي أن يتمّ كل برّ.
فكان جواب الآب ظهورًا إلهيًا، وتجلّى الروح على يسوع في بداية رسالته، وأعلن الصوت تماهي يسوع الابن مع عبد الله المتألم. وهكذا قدّم عماد يسوع وجهة عمله ووجهة شخصه. يسوع هو انسان بين البشر، يخضع لما يخضعون له، ويتّضع مع الخطأة. وفي الوقت عينه هو كائن سماويّ انفتحت له السماء وامتلك عطيّة الروح ورأى فيه الله ابنه ومسيحه. هذه المشهد يتضمّن الخطوط الكبرى لسرّ الملكوت الحاضر منذ الآن ولكن بشكل خفيّ، لسرّ الصليب والقيامة. هذا المشهد يدلّ على وعي يسوع لنفسه أنه المسيح، حسب إرادة الله ، فيعلن الأحداث التالية وينيرها.

3 - الالقاب المسيحانيّة وسرّ يسوع
أ - تفحّصنا حتّى الآن نشاط يسوع: دلّت كرازته على أن ملكوت الله قريب، ولكنه يبقى سرًا. كما دلّت على موقف الذين صاروا أبناء الله . وتحدّثنا عن قدرة الله في يسوع الذي دمّر سلطان قوى الشر وغفر الخطايا وأعاد النظام الذي أراده الله. كل عمل يسوع بدا وكأنه عمل المسيح الذي انتظره اسرائيل: ليلة الدينونة الأخيرة التي كلِّف بها، هو يأتي ليخلّص البشر الذين وثقوا به، ويدخلهم منذ الآن في حياة حميمة مع الآب، ويمكّنهم من عيش حياة جديدة معه. لا شكّ في أن كل هذا يبقى خفيًا، والمؤمنون يعيشون انتظار تجلّيه الأخير. ولكن الملكوت أعطي منذ الآن.
عرضَ المعلّمُ مرات عديدة هدف مجيئه وسط البشر بلفظة ((جئتُ)). بعضهم صوّر يسوع نبيًا كلّفه الله بمهمّة محدّدة. والبعض الآخر رأى الطابع المسيحاني والاصل الالهيّ ليسوع. لقد جاء يسوع يُلقي على الأرض نارًا. يحمل روح العنصرة. وكان خطّ ثالث جليانيّ، تحدّث عن مجيء ابن الانسان في المجد. قبل أن نعود إلى كل هذا، لا ننسى أن يسوع وعى نفسه مكلّفًا بمهمّة من قبل الآب، وأنه جاء من السماء لكي ينجزها.
ب - بين الألقاب التي تعبّر عن صفة يسوع المسيحانيّة، هناك تلك التي تصفه كالملك والممسوح بالزيت المقدس (مسيح). نُسبت إلى يسوع، بل هو أعلن نفسه ملكًا في آلامه. نحن نجد في الأناجيل الازائيّة استعمالين للقب ملك. الاستعمال الأول يتحدّث عن ملك هو وارث داود. والاستعمال الثاني يشدّد على علاقة هذا الملك بملكوت السماوات. مهما كانت أهميّة المسيحانيّة الملكيّة في العهد القديم، يجب أن نعرف أن الآمال الشعبيّة في زمن العهد الجديد تركّزت على رئيس تعينه قوّةُ الله فيقلب التسلّط الأجنبيّ ويقيم مُلك اليهود الشامل والنهائي. وحين ظهر يسوع كارزا بالكلمة، شافيًا المرضى، اجتمعت هذه الآمال فيه، فناداه المرضى ((يا ابن داود)) (9: 27؛ 15: 22؛ 20: 30-31؛ 21: 1-9؛ مر 10: 47؛ 12: 35؛ لو 18: 38-39؛ 20: 41)، وتوسّلوا إليه أن يرحمهم. ولكن يسوع الذي شفاهم طلب منهم أن يحفظوا السرّ: ليس هو الملك الذي يتخيّلون. هو يرفض نظرة وطنيّة وسياسيّة إلى الملك المسيح. غير أنه يوافق بعض الشيء على هذه التسمية التي يُطلقها الشعب.
والأمر ظاهر ساعة الدخول إلى أورشليم. هتف الجمع للملك ابن داود الذي يحمل بركة الربّ. قبل يسوعُ بهذا النداء، ولكنه دلّ على نظرة مغايرة حين استعمل الآتان، علامة السلام، لا الجواد الذي يرمز إلى الحرب. فبالصليب الذي صار قريبًا، سيصبح يسوعُ الملكَ الحقيقيّ ووارث داود والسيّد الذي انتظره الأنبياء. وايراد زك 9: 9 الذي يشدّد على ملك مسيحانيّ يأتي بالوداعة، يبيّن أن الرسل الأولين أدركوا بُعد هذا الحدث (21: 1-9؛ مر 11: 1-10؛ لو 19: 26-38).
وفي سلسلة ثانية من النصوص (ذات طابع جليانيّ)، تحدّث يسوع نفسه عن ملكوته (13: 41؛ 16: 24-28؛ 19: 27-29): هو ابن الانسان الذي يمارس وظيفة الديّان والملك (لو 22: 29-30). لقد وعى يسوع أنه الملك السماوي الذي جاء يقيم على الأرض ملكوت السماوات. سأله بيلاطس: ((هل أنت ملك اليهود))؟ فأجاب يسوع بدون تردّد: ((أنا هو)) (27: 11؛ مر 15: 2؛ لو 23: 2-3). وسخرية الفريسيين والكتابة على الصليب وهزء الجنود، كل هذا يدلّ على أهميّة اعتبار يسوع نفسه ملكًا خلال المحاكمة. إذن، طالب يسوع بصفة ملكيّة، ولكنه لم يكن ملكًا من الأرض كما انتظرته الجموع، بل الملك السماوي والمتعالي. خلال حياته العلنيّة، بدا يسوع متحفّظًا في هذا المجال. أما الآن فهو واضح كل الوضوح: فالموت والقيامة حاضران هنا وهما يؤسّسان مُلكه بشكل نهائيّ. صار الصليبُ الموضعَ الذي فيه مُسح يسوع ملكًا.
ج - إن لقب ملك ووارث داود يلتقي مع لقب آخر هو لقب لاهوتيّ: الممسوح، المسيح. استعمل المسيحيّون الأولون هذا اللقب مرارًا فصار اسم علم (11: 2؛ لو 2: 11، 26؛ 4: 41). نتوقّف هنا عند وقتين حاسمين في حياة المعلّم يبرَّر فيهما هذا الاسم: اعتراف بطرس على طريق قيصريّة فيلبّس، وإعلان يسوع أمام السنهدرين. في الوقت الأول، أراد يسوع أن يبني ايمان التلاميذ ولا سيّما بطرس. وفي الثاني ستكون شهادته الواضحة سبب موته.
يشكّل حدث قيصرية فيلبس منعطفًا في حياة المعلّم: بعد مرحلة أولى من النجاح الشعبي، نجد بعض التردّد. اعتزل يسوع الجمع وكرّس نفسه لتكوين تلاميذه قبل الصعود إلى أورشليم وإلى الصليب. وكان اعتراف بطرس محطّة هامة ارتبط بها التجلّي والانباء بالآلام والقيامة وتأسيس الكنيسة على بطرس والاثني عشر. بدأ يسوع وسأل تلاميذه عن رأي الناس فيه. لقد رأى الناس أن يسوع هو نبيّ عظيم.
ولكن بطرس راح أبعد من ذلك. قال مرقس: ((أنت المسيح)). وزاد متّى: ((إبن الله)). أما لوقا فقال: ((أنت مسيح الله)) (أي مرسل الله الممسوح بالزيت المقدس) (16: 16؛ مر 8: 29؛ لو 9: 20). نلاحظ تشديدًا واضحًا على طابع يسوع المسيحاني. أما عبارة مت فتعكس اعتراف ايمان صريح عرفته الجماعات المسيحيّة الاولى. وافق يسوع على ما قاله بطرس، ثم فرض الصمت حالاً إلى وقت موته وقيامته اللذين أنبأ بهما الآن. توسّع الانجيل الأول في هذا الجواب وأورد قول يسوع: ((طوبى لك يا سمعان بن يونا، لأن لا لحم ولا دم أظهرا لك ذلك، لكن أبي الذي في السماء)) (16: 17). لا بدّ من موهبة إلهيّة لنعرف هذه الحقيقة السماويّة المرتبطة بملكوت السماوات، لنعرف صفة يسوع المسيحانيّة. وحين وافق المعلّم على جواب بطرس، بيّن المستوى الذي يقف عليه اكتشاف طابعه المسيحانيّ. لا نبلغ إلى هذا المستوى إلاّ بنعمة فريدة من الآب.
وأمام المجلس الأعلى، ساعة تقرّر موت يسوع، سمّى المعلّم نفسه المسيح بشكل احتفاليّ وعلنيّ للمرة الأولى. سأله عظيم الكهنة: ((أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا إن كنت المسيح ابن الله)). فأجاب يسوع: ((أنت قلت. وأيضًا أقول لكم إنكم منذ الآن ترون ابن الانسان جالسًا عن يمين القدرة وآتيًا على سحاب السماء)) (26: 63-64؛ مر 14: 61-62؛ لو 22: 67-69). فقاد هذا الجوابُ يسوع إلى الموت. ففي ظروف خطيرة جدًا، وأمام أرفع سلطة في اسرائيل، شهد يسوع فأعلن أنه المسيح، فكلّفه هذا الاعلان الموت. ارتبط هذا اللقب بالنظرة الجليانيّة كما في سفر دانيال وبالفكرة الملكيّة التي توسّع فيها مز 110. فيسوع الذي يُحكم عليه بالموت، يعلن مجيئه المنتصر وإقامة مملكة السماء عبر الدينونة. لم يعد هنا من موضع لمسيح سياسيّ. ففي الموت والقيامة صار يسوع حقًا المسيح ابن الله الحيّ.
د - وجاء لقب ((ابن الله)) في السياق عينه، فدلّ هو أيضًا على سرّ عميق: فقد يعني فقط انسانًا قريبًا جدًا من الله ، فيدلّ على كائن مسيحانيّ، وإن لم يكن هذا الاستعمال متواترًا في العالم اليهوديّ. في هذا المعنى استعمله بطرس وعظيم الكهنة. غير أن الكنيسة اكتشفت مدلولاً آخر عميقًا على ضوء العنصرة. لا شكّ في إن إشارات عديدة في عمل يسوع وكرازته، كشفت فيه صفة سامية وحياة حميمة مع الآب. ولكن هذا لا يُدرك إلاّ في أشخاص تهيّأوا فخضعوا بدون تردّد لأنوار الروح. هي عبارة دلّت على أن يسوع هو ابن الله . ولكن كل عمله وكل كيانه قد كُشفا لنا في نور وصل إلينا من العلاء.
هـ - كل هذا يقودنا إلى لقب ابن الانسان. هي عبارة استعملها المعلّم مرات عديدة واحتفظ بها التقليد باحترام دون أن يستعملها بدوره. هي تعني انسانًا من الناس (كما في حزقيال وبعض المزامير). ولكنها نالت في الإطار الجليانيّ معنى رفيعًا جدًا. سمّى دانيال وأخنوخ بهذا الاسم الكائنَ السماوي الذي سينزل من السماء ليدين العالم ويقيم ملكوت الله إلى الأبد (دا 7: 13؛ 1 أخن 38ي؛ 4 عز 13: 3). وفي الأناجيل الإزائيّة، نميّز ثلاث سلاسل من الأقوال تحمل هذا اللقب. أولاً، هناك نصوص اسكاتولوجية تستلهم سفر دانيال حيث يرتبط ابن الانسان بانتصار يدلّ على نهاية الأزمنة. رج 24: 30 (مر 13: 26؛ لو 21: 27)؛ 24: 37-39 (مر 13: 14)؛ 24: 44 (لو 12: 40)؛ 25: 31 (مر 14: 62)؛ 26: 64 (لو 22: 69؛ مر 8: 38). يعتبر يسوع نفسه كالديّان الذي سيأتي في نهاية الأزمنة على سحاب السماء مع الملائكة والقديسين. هو ينعم بقوّة إلهية ويشعّ بمجد سماويّ. نجد هذه النصوص في القسم الأخير من الأناجيل، الذي يبدأ في الخطبة الجليانيّة ليصل إلى موت يسوع وقيامته.
وهناك سلسلة ثانية من النصوص تطبّق العبارة على المسيح العائش في فلسطين. بعضها يدلّ على يسوع الفقير الذي لا موضع له يُسند إليه رأسه (8: 20؛ لو 9: 58)، أو يسوع الذي يأكل ويشرب (11: 19؛ لو 7: 31) مع العشّارين والخطأة، أو يسوع الذي له سلطان به يغفر الخطايا على الأرض (9: 6؛ مر 2: 10؛ لو 5: 24)، أو يسوع الذي يؤكّد أنه سيّد السبت (12: 8؛ مر 2: 28؛ لو 6: 5). في هذه القرائن، يدلّ لقب ابن الانسان على انسان من الناس، كما يدلّ على المسيح. كيف نفهمه؟ هو يبقى في وضوح غامض خلال حياة يسوع العلنيّة. فالنفوس المستعدّة ترى صفة يسوع المسيحانيّة التي تترافق مع سلطته على السبت أو غفران الخطايا. من يمارس هذه السلطة يكون المسيح كما في سفر دانيال. ولكن يسوع أراد أن يحافظ على سرّه الذي سيتوضّح شيئًا فشيئًا ليصل بنا إلى موته وقيامته.
والسلسة الثالثة تقف بين السلسلة الأولى والسلسلة الثانية: هي نصوص تتوجّه إلى التلاميذ الذي ينشّئهم يسوع على أسرار الملكوت، وهي تتحدّث عن ابن الانسان الذي سيتألّم ويموت. وتلتقي عبارة دانيال هنا مع عبارة تتحدّث عن عبد الله المتألّم (16: 21؛ رج مر 8: 31؛ لو 9: 22؛ مت 17: 22؛ رج مر 9: 31؛ لو 9: 44؛ مت 20: 18؛ رج مر 10: 33؛ لو 18: 31) كما في أشعيا النبيّ. ونضمّ إليها قولين يشيران إلى القيامة، مرّة في كلام يتوجّه إلى التلاميذ (17: 19؛ مر 9: 9) ومرّة أخرى في كلام ملغز موجّه إلى الفريسيين (12: 40؛ لو 11: 30). نحن في شكل عام أمام نصوص موجّهة إلى تلاميذ آمنوا بيسوع أنه المسيح فلفت انتباههم ما قاله أشعيا. لا شك في أن مساكين الرب (ع ن و ي م) أدركوا سمات مسيح فقير ومتواضع، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقرّبوا بين ابن الانسان في دانيال وعبد يهوه في أشعيا. إن يسوع قرّب بين هذين اللقبين، فما استطاع التلاميذ أن يتبعوه، بل ((ثاروا)) عليه، وحزنوا، ولم يفهموا (16: 22؛ 17: 23). وسينتظرون الصليب وأنوار الصليب لكي يدركوا معنى كلماته.
إن عبارة ((ابن الانسان)) هي عزيزة على قلب يسوع، لأنها تذكر بوضوح طابعه المسيحاني الرفيع، وتخفيه في الوقت عينه عن أعين الذين لم يستسلموا إليه في الايمان. هذا ما يُسمّى السرّ المسيحانيّ الذي أشرنا إليه: غموض في بعض تعليم يسوع. صمت يُفرض على من نال الشفاء أو على شياطين طُردوا من البشر، تحفّظ في استعمال الألقاب المسيحانيّة خلال الحياة العلنيّة. كل هذا يدلّ على موقف اتخذه يسوع بملء وعيه. هو لا يريد أن يكشف عن نفسه كمسيح سياسيّ، كما يخاف من النظـرات البشريّة والحماس العنيف والسطحيّ لدى معاصريه. كما لا يريد أن يقدّم نفسه صراحة كالمسيح المتعالي. لا شكّ في أن عمله وتعليمه حول الشريعة يدلاّن على نبيّ عظيم ستتعرّف إليه القلوب البسيطة وتتعلّق بشخصه. ولكن كل هذا يبقى سريًا حتّى اليوم الذي فيه تبدأ المرحلة الأخيرة. حين يطلّ الموت والقيامة، يتبدّل كل شيء، ويترك يسوع كل التباس: يقول عن نفسه إنه الملك والمسيح وابن الانسان وعبد يهوه.

4 - الخلاص بموت ابن الانسان وقيامته
لو قبل اليهود قبولاً صريحًا يسوع المسيح والملكوت، لكان قبولهم البدايةَ المباشرة للعهد المسيحاني كما صوّره الأنبياء. ولكن رفضهم فرض إعادة النظر في المخطّط الخلاصي. وهكذا يتمّ الخلاص بواسطة ذبيحة الصليب. ولهذا، اتّخذ الملكوت وجهة أخرى. تلك هي وجهة بشريّة لم يتوقّف عندها الانجيليون. فالملكوت الذي وعظ به يسوع منذ البداية هو واقع سريّ. ويسوع نفسه تحيط به الظلال. كل شيء يتعلّق بحدث حاسم هو الموت والقيامة قبل أن يكون المجيء.
أ - خلال رسالة يسوع الجليلية، الموت هو حاضر. فالفريسيون رأوا في يسوع خصمًا عنيدًا يجب أن يتخلّصوا منه. وصوّرت الأناجيل نموّ هذه العداوة التي لا شيء يوقفها (11: 18؛ 12: 14؛ مر 3: 6؛ لو 19: 47؛ يو 5: 18؛ 7: 1، 19، 20، 25؛ 8: 37-40؛ 11: 53). وجاءت كلمات غامضة تفوّه بها المعلّم فجعلتنا نستشفّ المكانة التي يحتلّها في فكره موته وقيامته. لام الفريسيون التلاميذ لأنهم لم يمارسوا الصوم، فأجاب يسوع: كيف يصومون والعريس معهم. ولكن ستأتي أيام يؤخذ العريس منهم (9: 15؛ مر 2: 19-20؛ لو 5: 34). وطلب الفريسيون أيضًا آية، فأجابهم بطريقة ملغزة وتحدّث عن آية يونان. ((هكذا يبقى ابن الانسان ثلاثة أيام وثلاث ليال في بطن الأرض)) (12: 40). وحدّث يسوع التلاميذ عن كأس سيشربها (20: 22؛ مر 10: 38)، وعن معموديّة يعتمد بها (لو 12: 49-50)، عن حجر يرذله البناؤون فيصبح رأس الزاوية (مر 12: 10-11؛ رج مز 118: 22-23). نستطيع القول إن الصليب يقف أمام يسوع، وهو يرغبه رغبة عظيمة (لو 22: 15). أما في يو 2: 4، فيسوع يتكلّم منذ البداية عن ساعته.
ب - ولكن كيف يتصوّر يسوع هذا الحدث الحاسم في نظره؟ اعتبر يسوع موته كواقع ضروريّ، كمهمّة تُفرض عليه، كواجب يخضع له. فالآب يريد أن يشفي البشريّة ويقيم ملكوته، ويوزّع عطاياه. وقد أرسل يسوع من أجل ذلك. وتحقيق هذا القصد الخلاصيّ يمرّ في الموت. هذا ما تشدّد عليه النصوص. ((ينبغي على ابن الانسان أن يتألّم كثيرًا)). وحين رفض بطرس هذا الكلام، وبّخه يسوع بقساوة لأن أفكاره ليست أفكار الله بل أفكار البشر (16: 23). ولمّح يسوع إلى خيانة يهوذا فقال: ((وابن الانسان يمضي كما هو مكتوب عنه)) (مر 14: 21). والتلميحات إلى الكتب المقدسة في الانباءات بالآلام، واختيار التفاصيل المرويّة، كل هذا يدلّ على الاهتمام عينه. فالآلام تُتمّ مخطّطَ الله. ويسوع خضع لها بدون تحفّظ، بحبّ لا حدود له وباحترام بنويّ. خلال حياته لم يطرح سؤالاً على مخطّط الآب، بل رضي به كلّ الرضى حتّى في قلب المحنة. ((كل شيء ممكن لديك. فأجز عني هذه الكأس. ولكن ليس ما أريد أنا، بل ما تريد أنت)) (26: 39؛ مر 14: 36؛ لو 22: 42؛ يو 4: 34؛ 12: 27؛ 14: 31). وعاش يسوع طوال حياته وحتى الصليب هذه القاعدة الكبرى التي عبّر عنها: صنع مشيئة الآب. والصليب هو سرّ حبّ بنويّ تجاوب الله معه بفعل حبّ أبويّ هو القيامة. فالنظرة إلى الموت ترتبط دومًا بالنظرة إلى القيامة.
ج - وطاعة الابن التامّة هذه لها مدلول مسيحانيّ. فهو يتألّم ويموت كمرسَل الله من أجل الملكوت. هذا ما يدلّ عليه قول نقرأه في لو 12: 49-51: ((جئت لألقي على الأرض نارًا وكم أرغب في أن تشتعل. إن لي معمودية اعتمد بها وما أشدّ تضايقي حتّى تتمّ. أوتظنون أني جئت لألقي السلام على الأرض؟ أقول لكم: لا، بل الشقاق)). إن إعطاء الروح الذي هو موضوع رغبة المعلّم قد خضع لقبول معمودية كان عماد الاردن صورةً مسبقة عنها. هذه المعموديّة هي آلام يسوع (مر 10: 38) يتطلّع إليها في تضايق، ولكنه يرغب فيها كوسيلة مطلوبة لمجيء الملكوت.
إن مجيء ابن الانسان في المجد يمرّ في ذلّ الموت على الصليب. والملكوت يفترض موت وقيامة ذاك الذي هو ملك فيه يتلخّص هذا الملكوت. عاد يسوع ثلاث مرات إلى هذا الحدث المؤلم والضروريّ في عبارات مشابهة (انباءات الآلام)، وإلحاح الانجيليين يدلّ على تعليم هام عاد إليه المعلّم مرارًا دون أن يُفهم. والاشارة الثالثة التي هي الأوضح، قد جعلها متّى حالاً قبل الدخول إلى أورشليم. فيسوع يصعد بكامل وعيه إلى المدينة التي سيموت فيها، وولْي الخبر سيلقي الضوء على أهمية هذا القرار ومدلوله. وكان جدال حول المقاعد الاولى في الملكوت، استفاد منه يسوع ليشدّد على هذه الخدمة التي يقوم بها، على موته التكفيريّ. وكانت معجزة أخيرة ساعة خروج يسوع من أريحا، فدلّت على أن الموت هو ثمن هذه الشفاءات وهذا الخلاص.
د - قال يسوع لابني زبدى المهتمين بالأولويّة في الملكوت، وبالتالي بمجدهما الخاص: ((أنتما لا تعلمان ماذا تطلبان. هل تستطيعان أن تشربا الكأس التي سأشربها)) (20: 22؛ مر 10: 38)؟ وزاد مرقس: ((وأن تعتمدا بالمعمودية التي اعتمد بها)). وهكذا تحدّث يسوع بعبارة ملغزة عن آلامه القريبة جدًا. نحن أمام موازاة بين المشاركة في الصليب والمشاركة في مجد الملكوت. هناك أمر يفرض نفسه على يسوع، وهو يأتي من عند الله . أجاب الرسولان أنهما يقدران. وثبّت يسوع إعلانهما. سيدخلان بعده في سرّ الآلام وينالان الجزاء. موهبة الآب حريّة ونعمة. والصليب لا يعطينا حقًا بالجزاء، بل يفتحنا على عطيّة الآب.
وراح يسوع أخيرًا إلى قلب الموضوع فأعلن: ((من أراد أن يكون الكبير بينكم يكون خادمكم. ومن أراد أن يكون الاول، عليه أن يكون عبدكم. على مثال ابن الانسان الذي ما جاء ليُخدم، بل ليخدم، ويبذل حياته فدية عن كثيرين)) (20: 26-28؛ مر 10: 43-45). إن عمل الآلام والموت يبدو خدمة وعطاء. لقد تواضع يسوع وأخذ صورة العبد، ولهذا كان له المقام الأول في الملكوت. وبهذا الاتضاع أسّس الملكوت بشكل نهائيّ وثبّته. وذكّرنا هذا القول بعمل يسوع المسيحاني حين أعلن المعلّم لقبه الرسمي ((ابن الانسان)) وتحدّث عن رسالته ((جئت)).
وتحدث النصّ عن الفدية (لترون) عن الكثيرين. الفدية هي كميّة من المال بها نفتدي عبدًا من الأسر. وقد دلّت على التكفير في أش 53. حين أعطى يسوع حياته، صار فدية عن الكثيرين. هناك مقابلة بين الواحد والكثيرين. لقد أتمّ يسوع باسم الجميع عملاً لا يستطيعون أن يقوموا به. لقد جاء يخلّص الخطأة، فانضمّ إليهم وحمل شقاءهم. وهزء الفريسيين ينير كل مشهد الجلجلة: ((خلّص آخرين وما استطاع أن يخلّص نفسه)) (27: 42). فهو إذ أراد أن يخلّص الآخرين رفض أن ينجو من الموت.
هـ - وهناك قول آخر ينير المعنى الذي أعطاه يسوع لموته: هو قول تلفّظ به يسوع خلال العشاء الأخير الذي شارك فيه تلاميذه. نجده في الأناجيل الازائيّة الثلاثة وفي الرسالة الأولى إلى الكورنثيين (26: 26-29؛ مر 14: 22-25؛ لو 22: 15-20؛ 1كور 11: 23-25). تذكر هذه النصوص مباركة يسوع للخبز والخمر. نحن في إطار عشاء فصحيّ يذكّر الشعب بالخلاص السابق ويفتح على الرجاء. فالله سيأتي أيضًا ويخلّص شعبه المسبيّ ويمنحه الخيور السماويّة. تحدّث يسوع عن الخبز المكسور وعن الخمر المراق كرمز لجسده ودمه اللذين أعطيا لتلاميذه. وأعلن يسوع موته القريب لأن الطقس الافخارستي يتّخذ معناه بالنظر إلى موت يسوع على الصليب. سيموت يسوع عن أخصّائه وهو يبذل ذاته لأجلهم كالحمل الفصحيّ.
في العشاء الأخير دلّ يسوع بوضوح على المعنى الفدائى لموته فجعله في إطار العهد القديم. بل هو قدّم ذبيحة نفسه، لأن لا قيمة للصليب إلاّ بقدر ما يتقبّله يسوع في المحبّة والطاعة البنويّة. وهكذا ارتبط العشاء الأخير ارتباطًا وثيقًا بالصليب وأعطاه كل معناه. ونعمَ التلاميذ بهذا الموت وشاركوا فيه حين تقبّلوه. فإذا كان دور يسوع فريدًا، وإن كان الجميع قد خُلِّصوا بذبيحة تكفيرية واحدة، يبقى أن هذا العمل لن يتمّ إلاّ إذا حاول التلاميذ أن يتبعوا المعلّم ويتحلّوا وسط المحن بذات عواطف الطاعة والمحبّة. ((من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني)) (16: 24). إذا كان يسوع هو ينبوع كل فداء بموته وقيامته، فعطاء ذاته لأخصّائه لا يمنع عنهم المحنة. فمعه يمرّون عبر المحن. والفداء الذي أتمّه يسوع، لا يأخذ كامل معناه إلاّ حين يشارك فيه تلاميذه. هذا هو معنى الطقس الافخارستي حيث نتذكّر موت الرب ونعترف بقيامته وننتظر مجيئه.
الفصل الرابع

الرب يسوع في ملكوت الله

بدأ يسوع كرازته في الجليل فأعلن اقتراب ملكوت الله (مر1: 15). وعلى مدّ رسالته ذكر هذا الملكوت مرارًا: 47 في مت؛ 14 في مر؛ 36 في لو. وذكر ملكوت الله مرتين في يو؛ 7 مرات في أع؛ 12 في الرسائل البولسيّة؛ مرتين في الرسائل العامة؛ 3 مرات في رؤ . وسيذكر يسوع ملكوت الله في العشاء الأخير ووليمة الوداع (مر 14: 25وز)، فيجعل منه موضوعًا أساسيًا في تعليمه. نشير هنا بشكل عابر أن لفظة ((باسيلايا)) تدلّ على مُلك بشري (4 مرات في مت، 5 في مر، 4 في لو )، على ملك إبليس (مرّة واحدة في مت ولو)، على ملك داود (مرة واحدة في مر) وعلى ملك يسوع (3 مرات في مت، 5 في لو).
ملكوت الله مفهوم قريب من سامعي يسوع بعد أن أعلنه الأنبياء على أنه خلاص اسرائيل (اش 52: 7؛ 24: 23؛ لو 24؛ زك 14: 9)، وأنشدته مزامير الملك (96-99) وأكدّت على انتظاره كتبُ الرؤى وتعاليم العالم اليهوديّ.
استند يسوع إلى هذه الأفكار المعروفة في محيطه، فحولّها منطلقًا من الدور الذي لعبه في مجيء ملكوت الله. هذا ما نتوقّف عنده في هذا المقال.

1- إعلان ملكوت الله
حين أعلن يسوع ملكوت الله لم يشرح هذه العبارة التقليديّة. بل تحدّث عن ((ملكوت السماوات)) كما في مت (22 أو 24 مرة؛ رج يو 3: 5). عن ((ملكوت الله)) (في مت 3-5 مرات. وثلاث حالات مماثلة: ملكوتك، ملكوت أبي، ملكوت أبيكم: في مر 14 مرة؛ في لو 31 مرة مع حالتين مماثلتين: ملكوته، ملكوتك)، عن ((الملكوت)) (7 أو 8 مرات في مت؛ مرتين في لو). وترك سامعيه يفهمون.
أ - الملكوت الاتي
بدأ يسوع فقدّم، شأنه شأن الانبياء، هذا الملكوت كواقع مقبل وقريب. وكثّف الانجيليون كرازته في الاعلان التالي: ((اقترب ملكوت الله)) (مر 1: 15؛ مت 4: ،17 أو ((وصل)) في شخص يسوع). واستعاد الاثنا عشر، ثمّ السبعون تلميذًا هذا الاعلان (10: 7؛ لو 10: 9-11). وانتظر يسوع مجيء هذا الملكوت حتى عشائه الأخير (26: 29؛ مر 14: 25؛ لو 22: 18). وقاسمه تلاميذه انتطاره (مر 15: 43؛ لو 23: 51). ووعدهم المعلّم بأن هذا الملكوت سوف يتمّ (مر 9: 1؛ لو 9: 27: 21: 31)، وعلّمهم ان يطلبوه في صلاتهم (6: 10؛ لو 11: 2). فعليهم أن يعيشوا منذ الان في هذا الانتظار مثل العذارى العشر اللواتي وجب عليهنّ أن يكنّ مستعدات لاستقبال العريس (25: 1-13)، مثل العبيد الذين يجدهم سيّدهم ساهرين (24: 44-51؛ مر 13: 33-37؛ لو 12: 42-46)، والذين يطالبهم بالحساب (25: 14-30؛ لو 19: 12-27). 

ب - تمثّلات الملكوت
> الدينونة
لا يقدّم لنا يسوع رسمة إجماليّة عن ملكوت الله. ولكنه يعود في كرازته إلى تمثّلات اسكاتولوجيّة معروفة. أما المشهد الذي يُذكر أكثر ما يُذكر (في خطّ الأنبياء)، فهو الدينونة التي تدشّن هذا الملكوت. يذكرها بشكل عابر في 7: 1-2 (لو 6: 37)؛ 7: 21-23؛ 10: 28-32 (لو 12: 4-9)؛ 12: 32، 41-42 (لو 11: 31-32 ). ويصورّها بشكل مطوّل في لوحتين جليانيتين يظهر فيهما ابن الانسان كما في دا (25: 31-46؛ لو 17: 22-37). كما يصوّرها في أمثاله: الحصاد (13: 30؛ مر 4: 29؛ رج يو 4: 13؛ اش 41: 15؛ إر 51: 33 وصورة البيدر. رج أيضًا عا 9: 9؛ اش33: 11؛ 41: 16؛ إر 13: 24؛ 51: 2). الشبكة (13: 47-50؛ رج إر 16: 16؛ حز 32: 3؛ مد 5: 7-8). فعل يسوعُ مثل المعلّمين في عصره، فاتّخذ صورة من المجتمع الذي يعيش فيه: تأدية الحساب (18: 23-25؛ 25: 14-30؛ لو 16: 10-9؛ 19: 12-27)، المحكمة (5: 25-26؛ لو 12: 58-59). من خلال هذه الأقوال المختلفة، وجدت الجموع ما قاله الأنبياء من تنبيهات احتفاليّة: لا مجال ليلوغ الملكوت الآتي دون المرور في الدينونة التي فيها يختار الله أخصَّاءه حسب برّه ونعمته.
> فرح الملكوت الآتي
وعبر هذه المحنة المخيفة، يجعلنا يسوع نستشفّ فرح الملكوت الآتي. يدلّ عليه مرارًا بواسطة كلمة أخذها من عالم الاسكاتولوجيا. وعد مؤمنيه أنهم ((سيخلّصون)) (مر 8: 35؛ 10: 26؛ 13: 13، 20؛ رج لو 13: 23. نلاحظ هنا صيغة المجهول الالهي). وأعلن لهم، شأنه شأن دا 12: 2، ((الحياة الأبديّة)) (25: 46؛ مر10: 17-30؛ لو 10: 25)، ((الحياة)) (7: 14؛ 18: 8-9؛ مر 9: 43-45). ((الحياة)) تقابل ((الملكوت)) حسب مر 9: 43-45؛ ق 9: 47؛ وحسب مت 18: 8-9؛ 19: 17؛ ق 18: 3؛ 19: 23-24. الحياة هي القيامة.
وسمّى يسوع، شأنه شأن المعلّمين، العالم الآتي (20: 35؛ مر 10: 30؛ لو 18: 30)، الولادة الجديدة، الخلق الجديد (19: 28؛ رج اش 65: 17)، الفداء الذي يحرّر البشر من العبوديّة ومن الشرّ (لو 21: 28؛ رج روم 8: 23). عبارات مجرّدة سوف يفضّل عليها يسوع صورًا ملوّنة باللون التقليديّ. مثلاً، تلك التي تنشد فرح شعبه الذي اجتمع أخيرًا في حضرة الآب: إقامة اسرائيل الجديد في أرض الموعد الحقيقيّة في نهاية خروج مؤلم (5: 4). استقبال المختارين ((في المظال الابديّة)) من أجل عيد مظال لا ينتهي (لو 6: 9). إعادة تكوين الأسباط الاثني عشر (19: 28؛ لو 22: 30). تجمّع المختارين (13: 41-43؛ 24: 30-31؛ 25: 31-46؛ مر 13: 26-27). الوليمة المسيحانيّة (8: 11؛ 22: 11-13؛ مر 14: 25؛ لو 6: 21؛ 14: 16-24؛ 22: 30؛ رج أش 25: 6؛ 65: 13-14؛ 1أخن 62: 14). عيد الأعراس (22: 1-10؛25: 1-13) الذي يعود رمزه إلى هو 2: 21-25 فيصل إلى مز 45 ونشيد الأناشيد.
إن إيجاز هذه الاقوال حول الملكوت لافت للنظر. ما أراد يسوع أن يُشبع فضول سامعيه ولا أن يجاريهم في رغباتهم: لا الروح الوطنيّة المتطرّفة لدى الغيورين، ولا تكبّر الذين يعتبرون نفوسهم أبرارًا، ولا شهوانيّة أهل اللحم والدم. فالخلاص الذي يعلنه هو سرّ متعال. والله هو قلب هذا السرّ. وما يدلّ على ذلك هو سيطرة عبارة ملكوت الله على عبارات استعملها الكتبة فركّزت على الانسان، مثل الخلاص، الحياة، العالم الآتي. أما في نظر يسوع، فجوهر الأمور هو نجاح قصد الله. والانسان لا يخسر شيئًا في هذا النجاح، لأنه يجد أخيرًا في البرّ والقداسة، فرح الأنبياء الكامل. 

ج - شروط الدخول إلى الملكوت
بدا يسوع متحفّظًا في وصف الملكوت الآتي، ولكنه قدّم التفاصيل حول شروط الدخول إليه. وهكذا جاء تعليمه في خطّ الأنبياء الذين اهتمّوا، لا بتصوير المستقبل، بل بالحصول على قرار حاضر من قبَل السامعين. وتحتلّ النصوص التي تتحدّث عن هذه الشروط جزءًا هامًا في الاناجيل (ف5-7؛ 10؛ 18؛ رج لو). يكفينا هنا أن نتفحّص الأقوال الواضحة من نداءات إلى الارتداد والتوبة، من تطويبات تدعو إلى السعادة، من أقوال حول ((الدخول)).
> نداء إلى التوبة
ما طالب به الانبياء مرارًا هو التوبة. ندّدوا بخطيئة شعبهم، فدعوه إلى العودة إلى ربّه لكي ينال الخلاص في الدينونة القريبة. استعاد يسوع هذا النداء، فجمعت كرازته الأولى اعلان اقتراب الملكوت والنداء إلى التوبة (4: 17؛ مر1: 15). واستعاد الاثنا عشر التعليم عينه في مهمّتهم الرسولية (مر 6: 12). وشدّدت أقوال من حياة يسوع على هذ الموضوع عينه: دعوة ملحّة تنطلق من واقع حصل في أيام يسوع (لو 13: 1-5). قولان نبويان ضد الذين لم يتوبوا أمام المعجزات (11: 20-24؛ لو 10: 12-15). كرازة يسوع كما في 12: 41: ((رجال نينوى سيقومون في الدينونة مع هذا الجيل ويحكمون عليه، لأنهم تابوا بوعظ يونان وههنا أعظم من يونان)) (رج لو 11: 32). لا شكّ في أن يسوع اتّخذ قرارًا خطيرًا يفوق ما طلبه الانبياء، غير أن سامعيه وجدوا أولاً في تعليمه طلبًا مماثلاً لطلب سابقيه: التزام شخصيّ تجاه الرب أمام الدينونة الاتية.
> التطويبات
منذ الحكماء في العهد القديم، جاءت التطويبات فنًا أدبيًا معروفًا يقدّم متطلّبة دينيّة وجزاء لمن يتمّ هذه المتطلّبة. وتُصوَّر هذه المتطلّبةُ بشكل أوضح من السعادة الموعود بها. وخضعت تطويبات يسوع لهذه القاعدة. فوعدت التلاميذ الأمناء بملكوت السماوات (5: 3، 10؛ رج لو 6: 10) الذي صورّته أرضَ موعد وتعزية وشبعًا وغفرانًا ورؤية الله وأجرًا نناله وبنوّة نحصل عليها (5: 4-12؛ لو 6: 21-23). بل صوّرته بكل بساطة على أنه السعادة (11: 6؛ 24: 46؛ لو 7: 23: 11: 28؛ 12: 37، 38، 42). وتقدّم التطويبات متطلّباتها: الفقر الروحي، الشجاعة في الألم، العطش إلى البرّ، الغفران الاخوي، نقاوة القلب، طلب السلام. الثبات في الاضطهادات (5: 3-12؛ رج لو 6: 20-23)، الايمان (11: 6؛ لو 7: 23؛ 11: 28) والرجاء الساهر (24: 46؛ لو 12: 27-38، 42). فبدون هذه المواقف العميقة، لا نستطيع البلوغ إلي ملكوت الله.
> أقوال ((الدخول))
وهناك سلسلة أخرى من أقوال يسوع تتحدّث عن شروط ((الدخول إلى الملكوت)) (18: 3 وز؛ رج 5: 20؛ 7: 21؛ مر 9: 47) أو ((إلى الحياة)) (18: 8-9؛ مر 9: 43، 45؛ رج مت 19: 7). أو هي تلاحظ صعوبة هذا الدخول (مر 0: 23-25 وز) أو رفض الكتبة والفريسيين الدخول (23: 13). نقرّب من هذا الدعوة إلى الدخول في الباب الضيّق (7: 13؛ لو 13: 24)، المثل حول الباب المغلق أمام مدعوين غير جديرين (25: 10-12؛ لو 13: 25).
وتحدّد هذه الأقوالُ أيضًا متطلّبات الدخول إلى ملكوت الله: روح الطفولة (مر 10: 15 وز)، قطع كل علاقة بأسباب الخطيئة (18: 8-9؛ مر 9: 43-47)، التجّرد من المال (مر 10: 23-25 وز)، قبول تعليم يسوع (23: 13)، الأخذ ببرّ يتجاوز بّر الكتبة والفريسيين (5: 20)، تتميم إرادة الآب (7: 21)، حفظ الوصايا (19: 17)، المجهود للعبور في الباب الضيّق (137؛ لو 13: 24)، السهر لكي نكون مستعدّين لمجيء الرب (25: 10-12؛ رج لو 13: 25). هذه المتطلّبات هي في امتداد متطلبّات تث من أجل الدخول إلى أرض الموعد (تث 4: 1؛ 6: 18؛ 16: 20). والمزامير من أجل ممارسة الليتورجيا في الهيكل (15: 24: 3-6؛ 118: 19-20). وهي قريبة من متطلبّات المعلمين ((للمشاركة في العالم الاتي)). طابعُها طابع مطلق وهي تفرض نفسها على القارئ.
د - نعمة ملكوت الله
إذا عزلنا هذه النصوص التي ذكرناها عن الانجيل، ينتابنا شعور بأننا أمام نداء حصريّ إلى المجهود البشريّ، إلى عالم أخلاقيّ مشدود نحو الأعمال على مثال عالم الفريسيين. غير أن يسوع ندّد مرارًا باعتداد الانسان في أن ((يبرّر نفسه)) (ف 23؛ لو 17: 7-10؛ 18: 9-14). وكرازته حول الملكوت تُبعدنا كل البعد عن هذا الموقف.
فعبارة ((ملكوت الله)) تكفي لتدلّ على الفاعل الحقيقيّ للخلاص الذي يعلنه يسوع. فمجيئه لا يرتبط إلاّ بالله (لا نجد أبدًا على شفتَي يسوع تأكيدا رابينيًا يقول إن التوبة تعجّل في مجيء الخلاص. رج أع 3: 19-20؛ 1بط 3: 12): هو وحده قد هيّأه منذ خلق العام (25: 34) وهو وحده يحقّقه شيئًا فشيئًا في التاريخ المقدس: وهكذا يرتفع الزرع حتى الحصاد دون أن يحتاج الانسان إلى التدخّل (مر 4: 26-29). وحده الآب يعرف يوم وساعة مجيء هذه الملكوت (24: 36؛ مر 13: 32)، كما يميّز الأماكن المحفوظة لمختاريه (20: 23؛ مر 10: 40).
على التلاميذ أن يتقبّلوا هذا الملكوت كنعمة سامية (13: 16-17؛ لو 10: 32-34؛ 12: 32). وحسب عبارة تقليديّة نجدها في تث 2: 12؛ 3: 20، الملكوت هو ميراث كما قال يسوع أيضًا (5: 5؛ 19: 29؛ 25: 34؛ مر 10: 17؛ لو 10: 25؛ 18: 18؛ 22: 39). لهذا، عليهم أن يطلبوه في صلاة متواصلة (6: 10؛ لو 11: 2). وهذه المبادرة، مبادرة الله المطلقة في ملكوته، هي تعليم تقليديّ لدى الأنبياء. والفريسيون الذين حصروها في حياتهم العمليّة التي تهتم بالاعمال، لم يرفضوها يومًا. وهكذا وجد سامعو يسوع في إعلانه للملكوت التقليد الصريح الذي وجدوه في العالم اليهودي.

2 - يسوع الربّ
أعلن يسوع ملكوت الله في لغة تقليديّة. هذا ما لا شكّ فيه. ولكنه أدخل في إعلانه، الجديدَ الذي لم يسمع به أحد. فسابقوه ومعاصروه لم يروا في هذا الملكوت من ربّ سوى الاله الواحد. أما يسوع فنسب إلى نفسه ربوبية حقيقية. هو الرب. وهذا ما نكتشفه بشكل ضمنيّ في مهّمته الزمنيّة، في معجزاته، في السلطة التي يمارسها. وهو يعلن هذه الربوبيّة ليوم مجيئه الاسكاتولوجيّ كابن الانسان، ويوضحها كل الايضاح في ظهوراته الفصحيّة.

أ - معجزات يسوع
منذ موس حتى المكابيّين، امتلأ تاريخ اسرائيل بالمعجزات. فمدهشات سفر الخروج معروفة: ضربات مصر، عبور البحر، المن والسلوى، الماء من الصخر، الرعد في سيناء. كل هذا يدلّ على قدرة مخلّص اسرائيل. وتجاه هذه المعجزات المشهورة، تبدو معجزات يسوع جدّ متواضعة. لهذا لا نعجب إن سمعنا الكتبة يطلبون من يسوع آية تتوافق مع آيات يذكرها التقليد (12: 38 وز؛ 16: 1 وز).
ومع ذلك، فالمعجزات الانجيلية تقدمّ، على بساطة مادتها، أصالة خاصة. فمجري المعجزة في العهد القديم لا يحصل على ما يطلب إلاّ بالصلاة. إن موسى ((صرخ إلى الرب)) (خر 14: 15؛ 15: 25؛ 17: 4). وإيليا توسّل وتوسّل قبل أن يعيد إلى الحياة ابن الارملة (1مل 17: 19-22). فالانبياء لا يُجرون المعجزة في المعنى الحصري للكلمة، بل يعلنونها (خر7: 17، 27؛ 8: 17؛ 9: 3؛ 14: 13-14؛ يش 3: 5؛ 6: 16؛ 1مل 17: 14؛ 18: 36-37). أما يسوع، فحين يُطلب منه شفاء، نسمعه يجيب في عبارة بسيطة: ((شئتُ فكن طاهرًا )) (8: 3 وز). ((قم احمل فراشك واذهب الى بيتك)) (9: 6 وز). ((مدّ يدك)) (مر 3: 5 وز). ((يا صبيّة، قومي)) (مر 5: 41؛ لو 8: 54). ((فتح)) (أي انفتح) (مر 7: 34). لا نجد في هذه الأشفية صلاة يسوع (رج يو 11: 41-42 وصلاة يسوع قبل إقامة لعازر؛ مر 1: 35؛ 9: 29). وهذا ما يدلّ على سلطة يسوع وعمق سلطانه الشخصيّ من أجل خلاص البشر.
وهناك أقوال يسوع تُسند هذا التفسير، فتجعلنا ندرك المعنى الذي أعطاه هو لهذه الوقائع، وعلاقة هذه المعجزات بمجيء ملكوت الله. فعلى أثر إخراج الشياطين، أعلن يسوع خلال جدال مع الفريسيين (15: 28): ((وأمّا إن كنت بروح (قال لو 11: 20: باصبع) الله أخرج الشياطين، فذلك أن ملكوت الله قد انتهى إليكم)). يسوع هو أقوى من الشيطان (12: 29؛ لو 11: 21-22)، وعمله الشخصيّ يحقّق حضورًا للملكوت لم يصبح بعدُ نهائيًا (لأن إبليس ما زال يعمل)، ولكنه منذ الآن فاعل ناشط. حين طلب يوحنا المعمدان من يسوع أن يوضح هويّته، قدّم يسوع معجزاته فصوّرها بصور طبّقها الأنبياء على الملكوت المسيحاني (11: 5؛ لو 7: 22؛ رج أش 35: 5-6؛ 29: 18-19). وهنا أيضًا يُتمّ عملُ يسوع مواعيد الأنبياء. وجاءت أعلاناته الواضحة ففسّرت أقوالاً خفيت على معاصريه (لو 12: 54-56)، فجعلتهم يرون في هذه الأعمال مجيء الخلاص.
ما تمّ بعدُ ملء ملكوت الله الاسكاتولوجيّ. فالشرّ ما زال حاضرًا في العالم. غير أن الله يُنجز منذ الآن مخطّطه في عمل يسوع وبواسطة هذا العمل، فيعطي ابنه سلطانًا يفوق كل سلطان .

ب - سلطان يسوع
لا تكفي معجزاتُ يسوع وحدها لكي تحدّد دور يسوع: فشعب اسرائيل عرف عددًا من مجترحي المعجزات. ولكنها تدعونا إلى التأمّل في تعليم يسوع الذي يطالب لنفسه بسلطة فريدة.
أولاً: سلطة بالنسبة إلى السامعين 
كرز يسوع، شأنه شأن الأنبياء، بالتوبة ودعا الناس للعودة إلى الله. غير أنه أعطى هذه الكرازة المعروفة، تعبيرًا جديدًا كل الجدّة. جعل الأنبياء التوبة في تتمّة متطلبات عهد الآباء، كالعدالة والمحبّة والايمان وصدق نوايا القلب... أما يسوع فحدّدها تعلقًا بتعليمه وشخصه. ارتدّ العشّارون والخطاة حين جاؤوا إلى يسوع، على مثال المريض الذي يأتي إلى الطبيب (9: 12وز؛ لو 15: 1-2، 7 10؛ رج 5: 32؛ 13: 3، 4؛ 16: 30؛ 24: 47؛ أع 2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 17: 30؛ 20: 21؛ 26: 20). ففعل الايمان (لو 7: 50) هو الذي يُدخل السامعين، منذ الآن، إلى ملكوت الله (21: 21). أما الذين يرفضون رسالة يسوع، فهم يرفضون في الوقت عينه الارتداد الذي يدعوهم الله إليه: على مثال مدن الجليل (11: 20-24؛ لو 10: 12-15). على مثال ((هذا الجيل الفاسق الخاطئ)) (12: 39-42؛ لو 11: 29-32). على مثال المسؤولين الدينيّين في العالم اليهوديّ (21: 28-31). ومشيئة الله التي نتمّمها لكي ندخل في ملكوته، هي أن نتقبّل ذاك الذي أرسله (10: 40؛ مر 9: 37؛ لو 9: 48؛10: 16؛ يو 12: 44-50؛ 13: 20؛ 17: 18؛ 20: 21).
ومشيئة الله هذه قد عرفها شعب اسرائيل في الشريعة التي أعلن يسوع قيمتها الدائمة (5: 17، 18؛ 23: 23، 23)، التي حفظها وطلب من الناس أن يحفظوها (8: 4 وز؛ 15: 3-6؛ 23: 16-22؛ مر 7: 9-13؛ 10: 19). غير أنه في مرات عديدة، يجعل سلطته فوق سلطة الشريعة. يرفض الطلاق كما حدّده تث 24: 1-4، واعتبره تراجعًا أمام قساوة القلوب (19: 2-9؛ مر 10: 2-12؛ رج مت 5: 31-32؛ لو 16: 18). واعترض على مبدأ شرائع الطهارة الطقسيّة (15: 10-20؛ مر 7: 14-23). وتجاه الوصايا المقدّسة التي نجدها في الدكالوغ (=الوصايا العشر)، قدّم وصاياه الخاصة وجعلها أسمى من وصايا العهد القديم: ((سمعتم أنه قيل للأقدمين... أما أنا فأقول لكم)) (5: 21-48): وهكذا يؤكّد يسوع أنه موسى الجديد، الذي يسمو على موسى الاول، الذي هو الرئيس والمشترع في شعب الله النهائيّ.
ثانيًا: سلطة بالنسبة إلى التلاميذ
أعطى يسوع أوامره كالسيّد المطلق للذين أرادوا أن يتعلّقوا به ويكونوا تلاميذه. فمن أراد أن يتبعه، وجب عليه أن يتخلّى عن كل خيرات هذا العالم: عن المهنة والأملاك والعائلة. ونجد صورة عن هذه المتطلّبات في أخبار الدعوات، دعوة سمعان بطرس واندراوس، دعوة يعقوب ويوحنا (4: 18-22)، دعوة الرجل الغنيّ (19: 16-22وز). ونسمع أقوال يسوع القاطعة: ((كل من ترك بيوتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا...)) (19: 29وز). ونقرأ في 10: 34-37 عن الحرب التي جاء يسوع يُشعلها ((فيفرّق الرجل عن أبيه والابنة عن أمها)) (رج لو 12: 51-53؛ 14: 26). بل إن يسوع يذهب بعيدًا في خطّ هذا التخلّي فيفرض على تلاميذه أن يستعدوا لاتّباعه حتّى الموت: ((من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه ويتبعني... ماذا ينفع الانسان أن يربح العام كله ويخسر نفسه)) (مر 8: 34-37 وز). في 20: 20-23 وز، يدعو يسوع ابني زبدى إلى أن يشربا كأس الآلام معه. ويطلب من تلاميذه أن ((يعترفوا)) به أمام المحاكم اليهوديّة والمحاكم الوثنيّة (10: 17-21، 28، 33؛ مر 8: 38؛ 13: 9-13؛ لو 12: 4-9، 11-12). لا نبيّ ولا معلّم تجرّأ يومًا أن يقدّم مثل هذه المتطلبّات. أما يسوع فجعل منها شرطًا مطلقًا للدخول إلى ملكوت الله.
كان يسوع كله انشدادًا إلى الآب وملكوته، فما طلب يومًا أن يلفت الانتباه إلى شخصه. ومع ذلك، فقد جعل نفسه في قلب عمل الله. إنه المعلّم الوحيد وطريق الخلاص الوحيدة. لا نقدر أن نذهب إلى الآب، إلى ملكوته، إلى الحياة، دون المرور به. مثلُ هذه الاعتدادات المدهشة لا نستطيع أن نقبلها إلاّ من النبيّ ((الوديع والمتواضع القلب)) (11: 29). هي تستند عنده إلى المعجزات، وتستنير بالمعجزات. وهو يدلّ بهذه المعجزات على حضور الملكوت: 11: 5؛ (رج لو 7: 22)؛ 12: 28 (رج لو 11: 20). يجب أن نقربّ هذه الكلمات من أقوال أقلّ وضوحًا حول حضور الملكوت (لو 12: 32؛ 17: 20- 21)، من اقوال غامضة عن يوحنا المعمدان (11: 10-14؛ لو 7: 17-29؛ مر 9: 11-13؛ رج مت 17: 10-13؛ لو 16: 16). حين تحدّث يسوع عن يوحنا المعمدان على أنه السابق الذي أعلنه ملا 3: 1، 22-24، فقد دلّ بشكل ضمنيّ على أن ملكوت الله هو هنا.
إذن أتمّ الله وعده. وقد حقّقه في يسوع: في معجزات جعلت إبليس يتقهقر هو وكل شرّ. في أقوال تعلن الخلاص وتدلّ بشكل متعال على طريق هذا الخلاص. والتلاميذ الذين اجتمعوا حول يسوع يشاركونه منذ الآن في الملكوت وقد أعطي لهم سرّه (مر 4: 11 وز). هم يشكّلون ((القطيع الصغير)) الذي هو بداية الشعب الجديد (لو 12: 32)، والزرع الصغير الذي يستعدّ للحصاد. ولكن الايمان يستطيع منذ الآن أن يرى في يسوع سمات الربّ الاله.

ج- إعلان مجيء ابن الانسان
حين أعلن يسوع مجيء ملكوت الله استعاد تمثلاّت دا 7: 13-14 ولا سيّما لوحة مجيء ابن الانسان للدينونة الأخيرة. وقد قدّم هذا الشخصَ السريّ في الخطبة الاسكاتولوجية (24؛ مر 13؛ لو 17: 22-37) وفي كلامه الاحتفالي أمام السنهدرين (26: 64 وز) وعاد مرارًا إلى مجيء ابن الانسان الأخير (10: 23؛ 13: 41؛ 16: 28؛ 19: 28؛ 25: 31؛ مر8: 28؛ لو 12: 8؛ 18: 8). وهكذا نكون هنا أمام أحد المواضيع الأساسيّة في تعليمه.
لن نعالج هنا جميع المسائل المتعلّقة بصورة ابن الانسان. ولكننا نشير فقط إلى السمات التي تتعلّق بدراستنا هذه.
ماهى يسوع بين ((مجيء)) ابن الانسان وحضور ملكوت الله. ذاك كان معنى رؤية دا 7، ومعنى الخطبة الاسكاتولوجيّة ومختلف الأقوال التي تربط مجيء ابن الانسان بالدينونة الاخيرة (12: 40-43؛ 25: 31-46؛ مر 8: 38؛ لو12: 8) أو ((التجديد)) (19: 28).
> قدّم سفر دانيال ابن الانسان على أنه شعب القديسين الذي سحقه الوثنيون فعظّمته دينونة الله (دا 7: 13-14، 16-27). أما يسوع فأعطى لابن الانسان دورًا متعاليًا وشخصيًا: إنه ذاك الذي يجمع ((مختاريه)) (24: 31؛ مر 13: 27). ويمارس الدينونة التي كان الله يمارسها (13: 41-43؛ 16: 27؛ 25: 31-46؛ لو 21: 26). ويأمر الملائكة (24: 31؛ مر 13: 27؛ رج مت 13: 4؛ 25: 31). ويجلس عن يمين الله كالمسيح ابن داود (26: 64 وز). إنه ((الملك)) (25: 34، 40) ((في مجد أبيه)) (مر 8: 38 وز)، ((على عرش مجده)) (19: 28؛ 25: 31).
> ويتماهى يسوع شخصيًا مع هذه الصورة الاسكاتولوجيّة التقليديّة التي تحدثّت عنها الأناجيل الإزائية في سلسلتين من الأقوال الانجيلية.
هناك أقوال ترتبط بالآلام: الانباءات الثلاثة التي تتوزّع صعود يسوع إلى أوشليم (مر 8: 31 وز؛ 9: 31 وز؛ 10: 33 وز)، إعلان مجيء إيليا (17: 12: مر 9: 12). العبارة الرئيسيّة التي فيها يقدّم يسوع نفسه كعبد الله المتألم (20: 28؛ مر 10: 45). والتأكيد الذي يفتتح العشاء الأخير (مر 14: 21وز)، والاحتجاج على خيانة يهوذا (مر 14: 21وز؛ رج لو 22: 48)، ونهاية حدث جتسيماني (مر 14: 41 وز). إن مجموعة هذه الأقوال المرتبطة بالتاريخ قد جاءت بعد اعتراف قيصريّة فيلبس، وهي تربط بشكل واضح بين ابن الانسان الدانيالي وعبد الله الاشعيائي.
وفي سلسلة ثانية من الأقوال الانجيلية يتّخذ يسوع لقب ابن الانسان ليعلن سلطته على الخطيئة (مر 2: 10 وز) ، على السبت (مر 2: 28 وز)، على رسالته التي جعلت منه آية (12: 40؛ لو 11: 30)، ومخلّصًا (لو 19: 10)، على وضاعة حالته الزمنيّة (8: 20؛ 11: 19؛ 12: 32؛ لو 9: 58؛ رج 7: 34؛ 12: 10). قد وُضعت هذه الأقوال، في الأناجيل الإزائية، قبل اعتراف قيصرية (عند متّى بشكل خاص)، مع أنها تابعة له: في التقليد، كان ابن الانسان شخصًا اسكاتولوجيًا فما تكلّم يسوع عن عودته المجيدة قبل أن يعلن موته.
> إن كان يسوع تحدّث عن نفسه مرارًا مستعملاً هذا اللقب الذي لم يشدّد عليه العالم اليهوديّ، فلأنه أراد أن يتجنّب الالتباسات الزمنيّة حول المسيح، وأن يتجاوز نظرة بني اسرائيل الخاصة. فالسمات التي أعطاها دانيال لابن الانسان، قدمّت له صورة تساعده على تقديم سرّه. كما أنها تدله على مجده المقبل والمرتبط بمجيء ملكوت الله، وعلى تضامنه مع شعبه (فابن الانسان في دانيال هو تشخيص لشعب القديسين).
وهكذا استطاع يسوع أن يحدّد دوره الخاص تجاه البشريّة كلها التي تكوّن شعبه. إنه ممثّلها وقائدها الحقيقيّ والمسؤول عنها. ومن أجلها ((أسلم ابن الانسان نفسه)). وقد أخذ على عاتقه ألمها ليقودها إلى مجد ملكوت الله. ودوره في مجيء هذا الملكوت الاسكاتولوجيّ هو دور مركزي، بحيث نسمّي هذا الملكوت ملكوته دون أن نتعرّض لربوبيّة الله الآب (20: 21؛ رج 25: 34، 40؛ لو 22: 30؛ 23: 42؛ رج 19: 12، 15). لا نستطيع أن نقول إن يسوع نفسه قد تحدّث عن ((ملكه)): ما في 20: 21 قد جُعل على شفتي ام ابني زبدى (رج مر 10: 37). أما لو 23: 42 فهو كلام اللصّ. ثم إن لو 22: 30 لا يجد له سندًا في مت 19: 28. أما مت 25: 14، 30؛ لو 19: 12، 15، فعبارتان ضمنيتان. قدّم التقليد اللاحق هذه التعابير، فعبّر عن نظرة التلاميذ إلي يسوع الذي هو الربّ. ولكن يبقى دور الآب (20: 23؛ 25: 34؛ لو 22: 29؛ رج 19: 11، 12، 15).

د - الوحي الفصحي
وانتهى وحيُ يسوع بالظهور الفصحيّ. إذ أراد أن يجمع تلاميذه المشتّتين ويجعلهم يلجون إلى سرّه، احتاج إلى خمسين يومًا تمتدّ من الفصح إلى الصعود والعنصرة. غير أن كلاً من الانجيليين كثّف خبرات هذه الحقبة في رسمة سريعة لظهور واحد للاثني عشر.
احتفظ لوقا بمعطيات مفصّلة عن مدى الظهورات وتنوّعها (أع 1: 3)، فبنى خبره بناء منطقيًا (لو 24: 36-53). دلّ القسم الاول على واقعية الجسد الممجّد (لو 24: 36-43). شدّد على جسد القائم من الموت ليردّ على اليهود الذين لا يستطيعون أن يقبلوا هذا السرّ (أع 17: 32). والقسم الثاني (آ 44-48) عرض المعطيات التي ستشكّل الكرازة الرسولية: يسوع هو المسيح. أعلن العهد القديم آلامه وقيامته. فيجب الآن أن نعلن لجميع الشعوب ((باسمه)) التوبة التي تنال غفران الخطايا. وهذا ((الاسم)) يدلّ على أنه الرب الاله (فل2: 9-10). فيه وحده نجد الخلاص (أع 4: 12). وتحدّث لوقا على مدّ انجيله عن ملك يسوع، فرآه فد تحقّق في الفصح (لو 22: 69؛ رج 19: 12، 15) الذي هو جلوس يسوع كالملك المسيحانيّ على عرشه (أع 2: 33-36). والصعود الذي هو خاتمة الظهور الفصحية (آ 51) يقود يسوع إلى يمين الآب ويدلّ بشكل منظور على أنّه الربّ.
وكان متّى أكثر ضوحًا في ظهور فريد على الاثني عشر في الجليل (28: 16-20). بدأ يسوع فأعلن أنه ربّ الكون (آ 18). واستخلص النتائج من إعلانه: أرسل الاثني إلى جميع الشعوب (آ 19)، وقدّم شريعته (آ 20). وهكذا بدأت الكنيسة، فرأى فيها مت تحقيق ملكوت ابن الانسان (13: 41؛ 16: 28).
وانطلق الرسل منذ ذلك الوقت، فأعلنوا ((اسم)) يسوع (أع 3: 6، 17؛ 4: 10، 12 30؛ 5: 41)، وملكه المسيحانيّ (أع 2: 31-36؛ 3: 18، 20؛ 4: 10؛ 10: 36، 48)، ولقبه كـ ((الرب)) (أع 1: 21؛ 2: 20، 21، 34، 36؛ 10: 36). وسوف يتصرّفون دومًا على هذا الشكل عائدين إلى حدث الفصح حيث ظهر يسوع منتصرًا على الموت كملك شعب الله ومخلّصه.

خاتمة
الانجيل كله هو وحي عن ربوبيّة يسوع. إنه الربّ حقًا وهو وحي خفيّ يرفض فيه يسوع الالقاب الاحتفاليّة بما تحمل من آمال بشريّة. وهو وحي نلمسه من خلال الوقائع التي فيها تظهر قدرته الحقيقيّة. وهو وحي يضمّ مجد ابن الانسان الاسكاتولوجيّ إلى وضاعة حياته على الأرض ومحنة الآلام الدمويّة. كانت هذه الربوبيّة شيئًا جديدًا فما استطاعت الألفاظ التقليديّة أن تعبّر عنها. لهذا، ما استطاع الناس أن يعرفوها إلاّ في حضور يسوع ، في خبرة بشريته الشبيهة ببشريتّنا ومجده الفصحيّ.
وهكذا قدّم يسوع حلاً للعالم اليهودي الذي ما استطاع أن يتصوّر المسيح على أنه الربّ. فما دام المسيح انسانًا، لا نستطيع أن نعطيه دورًا في ملكوت الله. ووحدهم أولئك الذين كانوا شهود صلاة يسوع وطاعته المطلقة للآب، وشهود مجده، قد استطاعوا أن يعلنوا أن يسوع هو الرب في ملكوت الله. 
الفصل الـخامس

معجزات يسوع في الأناجيل الازائيّة

منذ بدايات الكنيسة، أخذت معجزات يسوع حيّزًا كبيرًا في الكرازة المسيحيّة. في تعبيرين (من أصل أربعة احتفظ بها أع)، أورد التقليد الرسولي الأول الآيات التي أجراها المعلّم: في العنصرة تحدّث بطرس عن يسوع هذا ((الانسان الذي أيّده الله لديكم بالعجائب والمعجزات والآيات التي أجراها على يديه فيما بينكم)) (أع 2: 22). وأمام الضابط كورنيليوس تكلّم بطرس أيضًا عن يسوع ((الذي مسحه الله بالروح القدس والقدرة. فسار يصنع الخير ويشفي جميع الذين خضعوا لقوّة الشيطان)) (أع 10: 38). هذان القولان هما خلاصة أخبار العجائب التي أوردتها الأناجيل.

1 - مجموعة المعجزات
إن معطيات الأناجيل الازائيّة حول معجزات يسوع تنتمي إلى فنون أدبيّة مختلفة. فهناك عدد من المقاطع تورد بشكل إجمالي كميّة من المعجزات. نقرأ في مر 1: 32-34: ((شفى يسوع كثيرًا من المرضى المصابين بمختلف العاهات، وطرد كثيرًا من الشياطين)). وفي 1: 39: ((وسار في كل الجليل يطرد الشياطين)). وفي 3: 10-12: ((وشفى كثيرًا من الناس)). وفي 6: 55-56: ((وطفقوا يحملون المرضى على فرش إلى حيث يسمعون أنه هناك. وحيث كان يتوجّه إلى مدن أو قرى أو ضياع، كانوا يضعون المرضى في الساحات، ويلتمسون منه أن يلمسوا ولو هدب ردائه. وكل من لمسه كان يبرأ)).
ونقرأ الشيء عينه في انجيل متّى. ((كان يشفي كل مرض وكل علّة)) (9: 35). وفي 15: 30-31: ((فأقبل عليه جموع غفيرة معهم عرج وشلّ وعمي وخرس وآخرون كثيرون. وألقوا بهم عند قدميه، فشفاهم. فانذهل الجميع اذ رأوا الخرس يتكلّمون، والشلّ أصّحاء، والعرج يمشون، والعمي يبصرون. ومجّدوا إله اسرائىل)). وفي 19: 2: ((فتبعته جموع كثيرة ليسمعوه، ويُشفوا من أمراضهم... وكانت قدرة الرب تُجري على يده الأشفية)). وفي 7: 21: ((وفي تلك الساعة، شفى كثيرين من أمراض وأسقام وأرواح شريرة، ووهب البصر لعمي كثيرين)).
هذه اللوحات الاجماليّة هي تعميمات. ويكفي أن نقابل مت 15: 31؛ 19: 2 مع لو 5: 15؛ 7: 21. غير أننا نجد أيضًا نظرات عامّة في بعض أقوال يسوع: ((العميان يبصرون، العرج يمشون، البرص يطهّرون، الصمّ يسمعون، الموتى يقومون)) (11: 5؛ ق 11: 21-24؛ 12: 27-29).
وبجانب هذه الاعلانات الاجماليّة، قد احتفظ لنا التقليد الازائي بعدد من الأخبار الموسّعة حول معجزات محدّدة. هناك معجزات تتعلّق بالانسان، وأخرى تتعلّق بالكائنات الجامدة. الأولى هي الأكثر عددًا، وقد نميّز فيها طرد الشياطين والأشفية. فهناك أخبار تروي طرد الشياطين: مجنون كفرناحوم (مر 1: 21-28) والجراسيين (مر 5: 1-20 وز) وابنة السورية الفينيقيّة (مر 7: 24-30). أما فيما يتعلّق بالأشفية: الحمّى من حماة بطرس (مر 1: 29-31 وز)، أبرص كفرناحوم (مر 1: 40-45 وز)، البرص العشرة (لو 17: 11-19)، مخلّع كفرناحوم (8: 5-13؛ مر 2: 1-12)، الرجل صاحب اليد اليابسة (مر 3: 1-6 وز)، نازفة الدم (مر 5: 25-34)، الأصّم الأخرس في دكابوليس (مر 7: 31-37)، أعمى بيت صيدا (مر 8: 22-26)، أعمى أريحا (مر 10: 46-52 وز)، الأعميان اللذان تبعا يسوع (9: 27-31)، المستسقي (لو 14: 1-6)، أذن عبد رئيس الكهنة التي قُطعت (لو 22: 50-51). وهناك إقامة ابنة يائيرس (مر 5: 21-43 وز) وابن أرملة نائين (لو 7: 11-17). غير أن هناك عددًا من الأخبار تتحدّث عن عمل الشيطان في المرضى: نجا الابن المصروع من ((شيطان أصمّ وأخرس)) (مر 9: 14-29 وز). وتحدّث متى عن روح ((أخرس)) (9: 32-34)، روح ((أعمى وأخرس)) (12: 22). وقال لو 13: 11: ((وكان هناك امرأة بها روح سقم منذ ثماني عشرة سنة. وكانت منحنية لا تستطيع البتّة أن تنتصب)). هذه العبارات المرتبطة بلغة العصر، تدلّ على أن الانجيلي يرى طرد شيطان حيث نرى نحن شفاء. لهذا، لن نفصل بين أخبار الشفاء وأخبار طرد الشياطين.
أما أخبار المعجزات في الكائنات الجامدة فليست كثيرة. هناك الصيد العجيب (لو 5: 1-11)، وتهدئة العاصفة (مر 4: 37-41، يبدو يسوع وكأنه يطرد شيطانًا)، والسير على المياه (مر 6: 45-52 وز)، والدرهمان في فم السمكة (17: 24-27)، وتكثير الأرغفة (مر 6: 34-44وز؛ 8: 1-9وز)، والتينة اليابسة.
وهكذا نحصي اثنتين وعشرين معجزة في الأشخاص، وسبعًا في الكائنات الجامدة. وإذا أخذنا التكرارات بعين الاعتبار، نكون أمام عشرين معجزة. رأى الشرّاح معجزة واحدة في شفاء الاعميين الذي يرويه متّى مرّتين (9: 32-34؛ 12: 22-24). وكذا نقول عن تكثير الأرغفة في مر 6: 34-44 وز؛ 8: 1-9 وز. وهناك ثلاثة أشفية في يوم السبت (مر 3: 1-6؛ لو 13: 10-17؛ 14: 1-16)، وقد نكون أمام معجزة واحدة.

2 - دراسة المعجزات دراسة أدبيّة
إن دراسة المعجزات دراسة أدبيّة في الأناجيل الإزائيّة، تنقسم قسمين. هي تحدّد أولاً مختلف الفنون الأدبيّة في هذه الدراسات. ثم تقابل النصوص الموازية لتدرس الأخبار في التقليد الانجيلي.
وصلت إلينا معجزات يسوع في فنون أدبيّة مختلفة: هناك الاجمالات التي ذكرناها، والحواشي السريعة كما في 9: 32-34؛ 12: 22، والتلميحات داخل خبر آخر (مر 6: 5؛ لو 22: 50-51). وهناك الأخبار المفصّلة.
حين يروي الانجيل خبر معجزة فهو يهتمّ بالحدث، بقدرة الله التي تظهر في يسوع: لا يقال شيء عن الذي نعم بالمعجزة، عن ارتداده أو حياته السابقة. كما لا يقال شيء عن عواطفه ولا عن فكر يسوع. فالراوي لا يهتمّ بسيرة يسوع، ولا يطلب التعليم بشكل مباشر. إنه يُظهر الواقع، يُظهر عمل الله. وكل سمات خبره تتوخّى هذا الهدف، فتظهر كما يلي: أولاً، تقدّم المعجزةُ التي نرجو الحصول عليها مع كل الصعوبات. حالة المريض التي تدعو إلى الشفقة. ضعف البشر وعجزهم، مدة المرض، الضيق الذي لا مخرج منه، واقع الموت. ثانيًا، يُذكر ايمان الطالب أو الطالبين كما عبّروا عنه أو كما لاحظه يسوع عبر كلمة أو فعلة. عند ذاك يتدخّل المعلّم بسلطة سامية، فتفعل كلمته حالاً (ما عدا في بعض الحالات مثل ممسوس الجراسيين، مر 5: 7-12؛ أعمى بيت صيدا، مر 8: 23-25؛ التينة الملعونة، مر 11: 20؛ البرص العشرة، لو 17: 14). ولا يستطيع أحد أن يرفض المعجزة بعد أن جاء شيء حسيّ يشير إليها. شُفيت حماة بطرس، فقامت تخدمهم وكأنها لم تكن مريضة (مر 1: 31). قال يسوع للأبرص: ((شئتُ، فكن طاهرًا)). وفي الحال ذهب عنه البرص وطهُر (مر 1: 41). قال يسوع للمخلع: ((قم واحمل فراشك وامض إلى بيتك)). ((فقام من ساعته وحمل فراشه وخرج أمام الجميع)) (مر 2: 12). قال يسوع لابن أرملة نائين الميت: ((أيها الشاب، لك أقول: انهض)). فاستوى الميت وشرع يتكلّم (لو 7: 14-15). وفي النهاية، تأتي ردّة فعل الجموع شاكرة لله على تدخّله: الاضطراب، الخوف، الحماس، تمجيد الرب...
ومرمى هذه الأخبار يظهر بوضوح: هي تريد فقط أن تُبرز سلطان يسوع المتعالي. غير أننا نجد شكلها الأدبيّ قريبًا من شكل المعجزات في العالم الوثني. هنا نتذكّر معجزات العهد القديم، في سفر الخروج وفي سفر يشوع. في دورة إيليا وأليشاع، تبدو الأشفية قليلة (إيليا، أليشاع، أشعيا). ولكن معجزات العهد القديم هي بالحري خلاص أعطي للشعب كله، هذا مع العلم أن كل خلاص ينعم به فرد من الأفراد يُعتبر ((معجزة)) نشكر الله عليها. ونتذكّر أيضًا أن معجزات العهد القديم لا تحاول أن تقدّم البرهان، بل هي تروي تدخّلات الله في تاريخ الشعب على أنها أمور معروفة، على أنها نتيجة عادية من نتائج العهد. أما الانجيليّ، فيريد أن يقنع قرّاءه بسلطة المعلّم. فلا نحكم على القيمة اللاهوتيّة والتاريخيّة لهذه الأخبار انطلاقًا من شكلها الأدبيّ، بل من معناها ودقّة الشهادة التي تقدّم.
أما مقابلة الأخبار الموازية للمعجزة الواحدة، فهي تدعونا لأن نقدّم بعض الملاحظات. هناك معطيات توسّعت مع الزمن توّسعًا جديدًا. قال مر 1: 34: ((فشفى منهم كثيرين)) (رج 3: 10). أما لو 4: 40 (رج 6: 18-19) فقال: ((شفاهم جميعًا)). قال مر 1: 39: ((فمضى يكرز في المجامع، في الجليل، ويطرد الشياطين)). أما مت 4: 23-24 فتوسّع في هذه الآية قائلاً: ((وكان يطوف في الجليل كله، يعلّم في مجامعهم ويبشّر بانجيل الملكوت، ويشفي كل مرض وكل سقم في الشعب. وذاع خبره في سورية كلها. فأتوا إليه بكل من كان به سوء، المعذّبين بشتّى الأمراض والأوجاع، والمجانين، والمصروعين، والمخلّعين، فشفاهم)) (ق مت 8: 16 ومر 1: 32-34؛ مت 10: 1 ومر 3: 13؛ مت 12: 15 ومر 3: 10؛ مت 14: 35-36؛ ومر 6: 56؛ مت 15: 30-31 ومر 7: 32-37).
وهناك تقاليد ولّدت أكثر من نصّ. سبق وذكرنا تكثير الأرغفة، شفاء الأعمى... كما اتخذت بعض الأخبار ولا سيّما عند متّى وجهة عجيبة ومدهشة. في 9: 18 طلب يائيرس من يسوع أن يقيم له ابنته. ولكن لا نجد هذا في مر 5: 22-23، 25-26. في 9: 20-22، منح يسوع الشفاء للنازفة وهو واع لما يفعل (التفت يسوع ورآها فقال: لتطب نفسك). أما في مر 5: 25-34، فالتفت إلى الجميع وقال: من لمس ثيابي... وجعل ينظر في ما حوله ليرى تلك التي فعلت ذلك. في 13: 58، نعرف أن يسوع أجرى عجائب قليلة في الناصرة، وذلك بقرار حرّ من قبله ((لعدم إيمانهم)). أما مر 6: 5-6 فقال: لم يقدر يسوع أن يصنع هناك عجيبة واحدة. في 21: 14 نقرأ: ((وتقدّم إليه في الهيكل عمي وعرج فشفاهم)). غير أن مر 11: 11 يجهل هذا الأمر. في 21: 19، يبست التينة حالاً. أما في مر 11: 12-21 فقد رأى التلاميذُ التينة يابسة في الغداة.
وأضاف لوقا معجزات، لا نجدها عند متّى ومرقس. في 4: 30 نجا يسوع بمعجزة من غضبة أهل الناصرة (هذا ما لا نجده في مر 6: 1-6). في 7: 21، نرى الاشفية أمام الوفد الذي أرسله يوحنا المعمدان (لا يرد هذا الأمر في مت 11: 3). في 22: ،54 تفرّد لوقا فتحدّث عن شفاء عبد عظيم الكهنة الذي جرحه أحد التلاميذ بسيفه... كما أننا لا نجد في مت ولو البطء في بعض معجزات يسوع، كما في مر. ولا الأساليب المستعملة لدى الأطباء، وطاردي الأرواح النجسة في القرن الأول المسيحيّ. مثلاً، استعمال البصاق بالنسبة إلى الاصم الأخرس، والأعمى (مر 7: 33؛ 8: 23). أراد مت ولو أن يدلاّ بوضوح عمّا به يختلف يسوع عن السحرة والمقسّمين في أيامه، فتوقّفا عند قدرة يسوع الفريدة. أما مر فأراد يسوع متجسّدًا في قلب عصره.
لا نستبعد أن تكون بعض المعطيات الخاصة بمتّى أو بلوقا تعود إلى معلومات قديمة لها قيمتها. ولكن يجب أن نقرّ بأن التقليد اتجّه إلى التوسّع في أخبار المعجزات حتى الثابتة منها، وذلك من أجل الكرازة، وقد وجد الانجيليون في العهد القديم أمثلة عن ذلك في معجزات سفر الخروج ويشوع بن نون. إن التوسّع المتزايد في ما هو عجيب داخل تقليد المعجزات أمر معروف يجب أن نأخذه بعين الاعتبار. لهذا، لن نبحث عن الدقّة الحرفيّة لما حصل حقًا في هذه المعجزة أو تلك.

3 - القيمة التاريخيّة للمعجزات
إن التضخيم في أخبار معجزات يسوع في التقليد الإزائي يطرح أكثر من مسألة حول القيمة التاريخيّة لهذه الأخبار: توسّع فيها الكاتب، بل استنبطها قبل أن يجعلها في الانجيل. وهناك صعوبة أخرى: نقص روحُ النقد عند سامعي يسوع. لم ينجح يسوع كثيرًا لدى شعبه... وفي النهاية، ما هي العلامات المتينة التي تدلّ على أن يسوع أجرى المعجزات؟
العلامة الأولى المؤاتية لتقليد المعجزات هو قدمها. لقد ذكرتها الكرازة الرسولية مع أع 2: 22؛ 10: 38. أما الأخبار المفصّلة فهي قريبة من الأحداث: كتب مرقس حوالي سنة ،70 اذن أقلّ من أربعين سنة بعد موت يسوع. واستعمل مواد عبّر عنها التقليد قبله. اذن، تكوَّنت أخبار المعجزات ساعة كان تلاميذ يسوع بعدُ أحياء. اذن، راقب التلاميذ ما قيل. كما راقبه خصوم يسوع الذين إليهم توجّه الوعّاظ الأولون. إذن، قدَم هذه الأخبار وتثبيتها السريع في الكرازة الأولى يكفلان قيمتها التاريخيّة. وهذه الأخبار تختلف عن أخبار معجزات الخروج التي كُتبت قرونًا عديدة بعد موت موسى، ومعجزات العالم الهلنستي البعيدة جدًا عن الوقائع.
والشهادات عن معجزات يسوع عديدة. سبق وأوردنا عشرين خبرًا تمثّل للمؤرّخ برهانًا هامًا بدقّتها. لا نتوقّف عند التأكيدات الاجماليّة لأنها معمّمة. وما نجده في أقوال يسوع (11: 5، 21-24؛ 12: 27-29) ينعم بالقيمة التي تنعم به هذه الأقوال. وردُّ خصوم يسوع يقدّم أيضًا شهادة هامة. لقد اتّهموا يسوع في مقاطع هامة من الانجيل، بأنه يطرد الشياطين بقدرة بعل زبول (9: 34؛ 10: 25؛ 3: 22-26). هذا يعني أنهم أقرّوا بهذه الوقائع وما أنكروها. وتجديفهم على المصلوب يشهد على شهرته كصانع معجزات (مر 15: 31).
وما يلفت النظر أيضًا وضاعة معجزات يسوع، التي تحتلّ في رسالته حيّزًا ضيّقًا جدًا. عددها قليل. ولا نجد فيها أيّ عجيب ساطع. أما أهمها فقيامة ابنة يائيرس وابن أرملة نائين. نحن هنا بعيدون جدًا عن معجزات سفر الخروج، وهذا ما يفسّر ردّة الفعل لدى حضور يسوع. فطردُ الأرواح ومعجزات نبيّ الناصرة بدت لهم غير لائقة بإله سيناء مع البروق والرعود وعبور البحر الأحمر. لهذا طلبوا ((آيات في السماء))، كالمن والصاعقة وشمس جبعون وانقلابات الكواكب التي نجدها في أسفار الرؤيا (رج 12: 38؛ مر 8: 11؛ يو 6: 30-31). فلو استُنبطت أخبار المعجزات تلبية لحاجة دفاعيّة، لكانت تجاوبت مع هذه الرغبات. ولكن ذلك لم يكن هدفها. فهي تدلّ على تحفّظ تميّز به يسوع تجاه كل ما يدهش، يبهر النظر (رج تجارب يسوع). عارض التقليدُ ذكر العدد الكبير من المعجزات، فحفظ الأناجيلَ من عمل المخيّلة، وأمّن لهذه الأخبار قيمة لا معارضة فيها. لهذا كانت هذه الأخبار بوضاعتها وجدّيتها كافلة نفسها. ونحن نرى فرادتها إن نحن قابلناها بأخبار المعجزات في العالم اليهودي أو العالم الهلنستي.
هذه العلامات تُثبت متانة التقليد حول المعجزة بشكل عام. ولكنها لا تؤكّد أي خبر بشكل خاص. قد نُعارض هذا الحدث أو ذاك، هذا التفصيل أو ذاك. يبقى أن تكون معارضتنا لأسباب وجيهة. ولكن يبقى شيء أكيد، هو أننا لا نستطيع أن نرذل كل أخبار معجزات يسوع جملة وتفصيلاً. فلو فعلنا وجب علينا أن نشرح بداية الايمان بيسوع. فلولا المعجزات لصار الايمان معجزة لا يمكن شرحها. هذا ما فهمه المؤرِّخون الحاليون فعاكسوا سابقيهم في القرن التاسع عشر الذين أنكروا معجزات الانجيل واحدة واحدة. أما اليوم فالنقّاد يقرّون إجمالاً بأن يسوع أجرى الأشفية. تحدّث بعضهم عن دواء ((نفسانيّ)). ولكن الواقع يقاوم مثل هذا التفسير.
وفي النهاية، تطرح أخبارُ المعجزات ذات السؤال الذي تطرحه الأناجيل ككلّ. فعبر أحداث مفصّلة، هي تجبر القرّاء أن يتّخذوا موقفًا تجاه يسوع. أن يقبلوا سلطته العلويّة أو يرفضوها. أن يؤمنوا به أو لا يؤمنوا. فقيمة أخبار المعجزات هي قيمة الأناجيل، لأن لها ذات المدلول الذي للأناجيل.

4 - مدلول أخبار المعجزات
تحدّث يسوع مرارًا عن مدلول المعجزات، فجاء موقفه متشّعبًا: بدا متحفّظًا جدًا تجاه المعجزات. ولكنه ارتضى بأن يجري أشفية فأعطاها دورًا هامًا في رسالته.
كان تحفّظ يسوع واضحًا في أعماله وفي أقواله. فقد رفض دومًا أن يُجري معجزات بحسب الطلب، أو ليرضي فضول سامعيه وما يطلبون. طلب الكتبة آية في السماء، كما في سفر الخروج، فما منحهم (12: 28-30؛ 16: 1-4). وأهل الناصرة انحسدوا من أهل كفرناحوم: ((كل ما سمعنا أنك فعلت في كفرناحوم، إفعله ههنا أيضًا في وطنك)) (لو 4: 23). ولكن يسوع رفض، بل قال كلامًا قاسيًا للذين في المجمع ((فامتلأوا كلهم حنقًا)) (آ 28). وفرح هيرودس حين رأى يسوع، وأمل أن يعاين منه آية يصنعها (لو 23: 8). سأل يسوع، أما يسوع ((فلم يجبه بشيء)) (آ 9). لم يقدّم له معجزة ترضي فضوله.
اعتبر يسوع كل هذه الطلبات تجاربَ تشبه تجارب إبليس. فالمعجزة عطيّة من الله يهبها في سلطته السامية. والانسان لا يستطيع أن يفرضها عليه، على ما قال يسوع: ((لا تجرّب الرب إلهك)) (4: 5-7). من أجل هذا، رفض يسوع أن يستعمل لنفسه سلطاته العجيبة: فما حوّل الحجر إلى خبز لكي يهدئ جوعه (4: 2-4). ولا نزل عن قمّة الهيكل ليراه الناس ((ويصفّقون له)). بل هو لم يصنع شيئًا لكي ينزل عن الصليب ((فيؤمن الناس به)) (26: 53؛ مر 15: 31-32). إنما انتظر المعجزة ساعة القيامة بحسب قصد الله الآب.
ما أراد يسوع أن يُبرز سلطاته العجيبة. بل هو حصر بإرادته بُعد معجزاته. استبق الأمور فقلّل من عظمة إقامة ابنة يائيرس: هي نائمة. وأبعد الناس الذين يتزاحمون حول البيت (مر 5: 38-40). وابتعد عن الجمع حين شفى الاصم الأخرس في الدكابوليس، وأعمى بيت صيدا، والولد المصاب بداء الصرع (مر 7: 33؛ 8: 2؛ 9: 25). شفى الأبرص في كفرناحوم ففرض عليه الصمت. ((إياك أن تقول لأحد شيئًا)) (8: 4). وأقام ابنة يائيرس. ((فأوصاهم بإلحاح أن لا يعلم أحد بذلك)) (مر 5: 43). شفى الأصم الأبكم ((وأوصاهم أن لا يقولوا لأحد)) (مر 7: 36). وشفى الاعمى ومنعه من الدخول إلى القرية (8: 26) لئلاّ يذيع الخبر. هذا الرفض لكل ما يشتمّ منه روح الدعاية، يجعل يسوع بعيدًا كل البعد عن ((مجري المعجزات)) في العالم الهلنستي.
ويدلّ على تواضعه بحيث لا يلفت الانتباه إلى نفسه. لماذا؟ لأنه أراد أن يربّي شعبه الذين اكتفوا بأن يروا في عمله الوجهة الماديّة، واعتبروه مسيحًا سياسيًا فأرادوا أن يقيموه ملكًا.
وقد كان حكمُ يسوع قاسيًا في هذا المجال. لاحظ أن المعجزة الماديّة لا تكفي لتجعل الانسان يرتدّ ويعود إلى الله. فقال: ((الويل لك، يا كورزين، الويل لك، يا بيت صيدا. لأنه لو صُنع في صور وصيدا ما صُـنع فيكما من العجائب، لتابتا من قديم في المسوح والرماد... وأنت يا كفرناحوم...)) (11: 21-24). وقف السامعون أمام معجزاته، ولكنهم اصطدموا بالواقع وتشكّكوا (11: 5-6). ليست المعجزة علامة تكفي نفسها بنفسها. فسفر التثنية قد ندّد بمعجزات الأنبياء الكذبة، ودعا بني اسرائىل لكي يحكموا عليهم بحسب تعليمهم (13: 2-6). هذا النصّ طبّقه الكتبة على يسوع: ((إن به بعل زبول! إنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين)) (مر 3: 22).
وتحدّث يسوع أيضًا عن أنبياء كذبة يُجرون معجزات. يجب أن نحكم عليهم حسب أمانتهم للوحي. ((كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا ربّ، ألم يكن باسمك قد تنبّأنا؟ وباسمك قد أخرجنا الشياطين؟ وباسمك صنعنا عجائب كثيرة؟ فحينئذ أعلن لهم: ما عرفتكم قط. أبعدوا عني يا فاعلي الاثم)) (7: 22). وقال يسوع في خطبة النهاية: ((سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويُجرون آيات عظيمة وخوارق حتى يضلّوا المختارين أنفسهم، إن أمكن. ها أنا قد سبقت فأخبرتكم)) (24: 24-25؛ رج مر 13: 22-23). إذن، هناك تراتبيّة في الآيات. فقبل المعجزات على مستوى الجسد، يجعل يسوع التعليم الموحى به مع قيمته الروحيّة التي لا التباس فيها. ((إن لم يسمعوا لموسى وللأنبياء، حتّى إن قام واحد من الموتى لا يصدّقون)) (لو 16: 31).
والقول الخفيّ حول آية يونان التي لا يُعطى غيرُها لهذا الجليل، قد يكون له معنى مشابه (12: 39، 41؛ 16: 4؛ لو 11: 29-32). فهذه الآية تبدو كمفارقة بين معجزات يسوع. ولكن يسوع لم يخَف من المفارقات. فقد جعل فوق جميع المعجزات آية سامية يعتبرها حاسمة، هي آية يونان. ولكن الآية التي أعطاها يونان لأهل نينوى هي إعلان دينونة الله. وتعليم يسوع شبيه بإنذار يونان. هو يشجب الخطيئة ويدعو إلى التوبة والخلاص. والناس يرون في الانجيل كلمة الله تجاه هذه الدينونة، وهذه المتطلبات، والمواعيد الروحيّة.
ومع كل هذه التحفّظات، ارتضى يسوع أن يجري معجزات. وأجراها في العلن. إذا كانت اللوحات الاجماليّة في مر 3: 10-12؛ 6: 55-56 ومت، هي عامّة بحيث لا تستطيع أن تعطي شهادة حاسمة، هناك مشاهد ملموسة تتدخّل فيها الجموع: شفى يسوع ((في المجمع)) رجلاً فيه شيطان في كفرناحوم (مر 1: 23-28)، شفى رجلاً يده يابسة (مر 3: 1-6)، شفى المرأة المنحنية (لو 13: 10-17). لقد اجتمعت كل ((مدينة)) كفرناحوم الصغيرة، أمام البيت في مساء المعجزات الأول (مر 1: 32-34). كما شُفيَ المخلّع (مر 2: 1-12)، شُفيت النازفة وسط الجمع (مر 5: 25-34) والمريض بداء الاستسقاء خلال وليمة (لو14: 1-6). نهض شاب نائين من الموت أمام الحاضرين في الجنازة (لو 7: 11-17). وتكثير الأرغفة تمّ من أجل آلاف الأشخاص (مر 6: 34-44؛ 8: 1-9). ويخرج يسوع بعض المرات عن قاعدة الصمت التي جعلها لنفسه. أرسل الأبرص (مر 1: 44) أو البرص (لو 17: 14) إلى الكهنة ليحافظ على الشريعة (لا 14)، وليوصل البشارة إلى السلطات الدينيّة في الشعب. بما أنه لم يعظ في الأرض الوثنية، فقد أرسل ممسوس الجراسيين إلى الدكابوليس الهلنستية بعد أن شُفي: ((امض إلى بيتك وإلى ذويك، وخبّرهم بما صنع الرب إليك وبرحمته لك)) (مر 5: 19).
إذن، هذه العلامات هي في نظر يسوع جزء من رسالته، وهي لا تفترق عنها. جُعلت في قلب الكرازة التي كانت نشاطَ يسوع الأساسيّ، فكانت عنها صورة ملموسة ولافتة. فالأشفية هي أكثر من براهين تدلّ على تعليم يبقى خارجًا عنها. هي في حدّ ذاتها تعليم. فيها يعلن يسوع غفرانه للخطايا (مر 2: 5-10)، وسلطته على السبت (مر 3: 4-5؛ لو 13: 15-16؛ 14: 3-5)، وقوّة الايمان (8: 10-13؛ 15: 28). وخفرُ هذه الآيات وتجرّدها وقوّتها المحيية تكشف شخص يسوع: هي قبل كل شيء فعلات محبّة. وهي أخيرًا انتصارات على الشرّ: فعبر الأمراض يحارب يسوع الخطيئة، يحارب الشيطان. عمله هو عمل قداسة وبرّ. وحين فسّر أعداؤه تقسيماته (طرده للشياطين) كأعمال شيطانيّة، أجابهم يسوع مقدِّمًا عمله في وحدته: ((إذا كنتُ باصبع الله أطرد الشياطين)) (لو 11: 20). إن حضور الله هذا في مبدأ عمله هو الذي يدلّ على تعليمه: فأمانته للوحي، وهذا الجواب العميق، وهذه المتطلّبات التي يحملها والتي يقرّ بها أولئك الذين يطلبون الله. تحفّظ يسوع بالنظر إلى ما هو مدهش، وجعل المكانة الأولى للكرازة، فقاد سامعيه أبعد من الوجهة الماديّة في عجائبه. ودعاهم إلى أن يفهموا مدلولها.
ومدلولها واضح في نظره. إن هذه العلامات تدلّ على رسالته. وهذا ما يقوله بصراحة لمرسلي يوحنا: ((اذهبوا وقولوا ليوحنا ما سمعتم وما رأيتم: العمي يبصرون، العرج يمشون، البرص يطهّرون، الصمّ يسمعون، الموتى يقومون، المساكين يبشَّرون)) (11: 4-5).
استعاد يسوع هنا أقوال الأنبياء الذين أعلنوا المجيء المسيحانيّ (أش 29: 18-19؛ 35: 5-6؛ 61: 1). فالمعجزة هي إعلان وعلامة: لقد وُضع حدّ لشرّ البشر، وقُهر الشيطان. وصار ملكوت الله حاضرًا هنا. هذا ما قاله يسوع للكتبة: ((إن كنت بروح الله أطرد الشياطين، فهذا يعني أن ملكوت السماوات قد بلغ إليكم)) (12: 38؛ لو 11: 20). وشفاء مخلّع كفرناحوم يحمل المعنى عينه. ((لكي تعلموا أن ابن الانسان له سلطان أن يغفر الخطايا على الأرض)) (مر 2: 10-11). إن غفران الخطايا هو العطيّة المسيحانيّة العظمى (إر 31: 34؛ حز 36: 25). وشفاء المخلّع هو علامة هذا الغفران وعربونه. أجل، ملكوت الله هو هنا.

خاتمة
احتاج التلاميذ إلى زمن طويل لكي يلجوا فكر يسوع. فأمام معجزات معلّمهم، كانت ردّات الفعل عندهم أولاً تلك التي تصوّرها أخبارُهم: الذهول، الاضطراب، الدهشة، التعجّب، المخافة، وأخيرًا تمجيد الله ومديحه. كان مضمون إيمانهم ضئيلاً وثباتهم ضعيفًا. ولكن هذا الايمان نما حتى ملء الفصح والعنصرة.
عند ذاك، ولج التلاميذ سرّ يسوع. فبدأوا يبشّرون به. وهكذا وُلد الانجيل. وعبّر التقليد عن غناه شيئًا فشيئًا. ونحن نكتشف اليوم في هذه العبارات الاولانيّة كل ملء إيمان الكنيسة. وإذ أرادت الأناجيل الإزائيّة أن تدلّ على معجزات يسوع، تركت شيئًا فشيئًا الألفاظ التقليديّة التي تشدّد على الطابع الخارق في الأعمال (هناك ((تاراتا)) التي نقرأها في السبعينيّة وفي العالم الهليني)، وفضلت ((دينامايس)) التي تشير إلى هذه الأعمال على أنها تجلِّيات قدرة الله. وأسلوب هذه الأخبار له معناه: لا تحسب حسابًا إلا ليسوع مع ندائه إلى الايمان وقدرته الالهية وسلطته.
في هذه المشاهد القصيرة، قدّم لنا التقليد، قدّمت لنا الكنيسة، فهمها لسرّ المسيح. فكانت كل معجزة بالنسبة إليها ظهورًا للرب من خلال انتصاره على الشرّ والخلاص الذي يحمله، ظهورًا لملكوته.
الفصل السادس

الإيمان في الأناجيل الازائيّة

حين نقابل الأناجيل الإزائية مع بولس ويوحنا، لا نجد فيها عرضًا منهجيًا ولاهوتيًا عن الايمان، كما نجد عندهما. ومع ذلك، فهي تتكلّم عن الايمان بشكل غنيّ وحيّ يتيح لن أن نكتشف سماته الاساسيّة: دوره كشرط أساسيّ من أجل الخلاص، طبيعته التي هي تقبّل الكلمة. والايمان يفرض تسليم الذات لله، كما يفرض الالتزام التام. وتتحدّث الأناجيل عن الايمان وتقلّباته، كما عن قدرته وإشعاعه. أجل، إن الايمان يمتلك قدرة إقامة ملكوت الله وسط البشر.

1- الايمان شرط الخلاص
الايمان هو متطلّبة يسوع الأولى. حين بدأ يعلن الإنجيل، جاءت كلمته الأولى تُجمل نداءه في هذه الآية: ((تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالانجيل)) (مر1: 15). وحين أراد أن يجري المعجزات، ذهب يطلب الايمان لدى الذين يطلبون الشفاء. جاءه أعميان يطلبان الشفاء. فسألهما: ((هل تؤمنان أنني أستطيع أن أصنع ذلك))؟ فقالا له: ((نعم يا رب)). عند ذاك لمس أعينهما وقال: ((ليكن لكما حسب إيمانكما)) (مت 9: 28-30). وجاء من يقول ليائيرس: ((ماتت ابنتك، فلماذا تزعج المعلّم بعد))؟ ولكن يسوع هدّأ روعه: ((لا تخف. آمن فقط)). وكانت المعجزة: طليتا قوم، أي يا صبيّة قومي (مر 5: 35-36، 41؛ رج لو 8: 49 - 50، 54). وتوسّل والد الولد المصروع وهو خائف: ((إن استطعتُ شيئًا فأغثنا شفقة منك علينا)). فقال له يسوع: ((إن استطعتُ!... ولكن كل شيء مستطاع للمؤمن)) (مر 9: 22-23). إن تقبّل الإيمان هذا ضروريّ جدًا، بحيث إن غاب الايمان يمتنع يسوع عن العمل. قال مت 13: 58 إن يسوع في الناصرة ((لم يصنع عجائب كثيرة بسبب عدم إيمانهم)) (مت 13: 58؛ رج مر 6: 6).
فالإيمان هو في نظر يسوع شرط لا غنى عنه. بل يبدو كافيًا. يكفي أن تؤمن. ويسوع لا يطلب شيئًا آخر. حين يجد يسوع الايمان، يمنح الشفاء والصحّة والخلاص. يمنح الجسدَ الشفاء، والنفسَ غفران خطاياها. جاؤوه بمخلّع، ووصلوا إليه بصعوبة كبيرة بسبب الزحام. فلما رأى يسوع إيمانهم، قال للمخلّع: ((ثق، يا ابني، مغفورة خطاياك)) (مت 9: 2؛ رج مر 2: 5؛ لو 5: 20). وجاءته الخاطئة إلى بيت سمعان. ما طلبت بشفتيها شيئًا، بل اكتفت بأن تبكي. حينئذ قال لها يسوع: ((إيمانك خلّصك، إذهبي في سلام)) (لو 7: 50). وجاءته النازفة، فما تجرّأت أن تنظر إليه وجهًا لوجه وهي ((النجسة)). دلّت على إيمانها حين لمست رداءه فقط: ((لتطب نفسك يا ابنتي، ايمانك خلّصك)) (مت 9: 22أ).نداء الايمان وجواب الرب. ((وبرئت المرأة من تلك الساعة)) (آ22ب). وعبّر ابن طيما عن إيمانه بصراخ أزعج الناس. فكان جواب يسوع: ((إيمانك خلّصك)) (مر 10: 52). وهذا الايمان هو من القوّة بحيث يصل إلى كل انسان، يهوديّ أو وثني أو سامريّ. شُفي برصٌ عشرة. ولكن واحدًا جاء فقط. كان سامريًا، لا يهوديًا. كان غريبًا. ومع ذلك، نال من يسوع مديح الايمان: ((إيمانك خلّصك)). وما كان يحقّ للكنعانيّة أن تأكل من ((خبز البنين)) المحفوظ أولاً ((للخراف الضالة في اسرائيل)). ولكن إيمانها العظيم المتواضع بدّل الأمور. بل أجبر يسوع على أن يبدّل الخطّة الرسولية، فحصلت هذه الوثنية على ما لم يحصل عليه أبناء الشعب اليهوديّ. ((إيمانك عظيم، أيتها المرأة! فليكن لك كما تريدين)). فشُفيت ابنتها من تلك الساعة (مت 5: 28 رؤ).
وكما نالت الكنعانيّة بإيمانها شفاء ابنتها، كذلك جعل قائدُ المئة يسوعَ يتعدّى الحواجز بين يهوديّ ووثنيّ، ويعلن إعجابه بهذا الايمان الكبير: ((الحق أقول لكم، لم أجد مثل هذا الايمان عند أحد في اسرائيل)). وقال له يسوع: ((إذهب، وليكن لك حسب إيمانك)). فشُفي المريض (مت 8: 5-13؛ لو 7: 2-10). في هذا الاطار، أعلن يسوع أن الوثنيّين قد نالوا الخلاص بإيمانهم تجاه اسرائيل الذي رفض أن يؤمن. ((أقول لكم: كثيرون سيأتون من المشرق والمغرب، ويتّكئون مع ابراهيم واسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات. أما أبناء الملكوت فيُلقون في الظلمة الخارجيّة)) (مت 8: 11-12)، بعيدًا عن نور الآب. 
2 - الايمان لقاء بين الانسان والله
ويُطرح سؤال: ما هو سرّ هذه القوّة التي يمتلكها الإيمان؟ الإيمان فعلة بها يتقبّل المؤمن كلمة الله. فالله يدلّ الانسان بكلمته على مشيئته الخلاصيّة. هي كلمة حقة، كلمة فاعلة. هي كلمة لا تغشّ، فتحقّق حالاً ما تقول. قال الله: ليكن نور. قكان نور (تك 1: 3). ونقرأ في مز 33: 9: ((قال فكان كل شيء. أمر فثبت كل كائن)). أعلن الله كلمته بشكل مباشر أو بواسطة كلمته، فتنفّذت حالاً هذه الكلمة. وعد زكريا فوُلد يوحنا المعمدان. ووعد مريم فصارت أم يسوع. وكما فعل الله، كذلك فعل يسوع الذي هو كلمة الله المتجسّد. فمن آمن بيسوع آمن بالله الآب. قال: ((من يقبلني لا يقبلني، بل يقبل من أرسلني)) (مر 9: 27). إذا كان البشر يطلبون الملكوت، فهذا الملكوت قد اقترب في شخص يسوع (لو 17: 21). والخلاص يقدَّم لمن يريد أن يتقبّله. يستطيع الخطأة أن ينالوا الغفران، والمرضى الشفاء، والموتى القيامة. يكفي أن يؤمن الانسان بقوّة الخلاص التي ترتبط بكلمة يسوع لينال ما طلب.
ونقول: إن قدرة الله مطلقة في ذاتها، ولا حدود لها. هذا صحيح. ولكنها تحترم كل الاحترام الانسان، تلك الخليقة العاقلة والحرّة. إن الله لا يستعمل العنف معنا. لا شكّ في أنه يحرّك قلوبنا وعواطفنا بواسطة نعمته التي تحنو علينا. ولكنه ينتظر منا قبولاً حرًا. يا لسرّ الله العظيم الذي لا يُستقصى! هو يقف على الباب كالشحّاذ، وينتظر منا أن نفتح له الباب حين نسمع صوته. ينتظر منا أن نسلّم ذاتنا إلى مشيئته، أن نثق به كلَّ الثقة، أن لا نستند إلاّ إليه. كلمة الله حقّ هي، فنجعلها كلمتنا. كلمة الله قوّة، ونحن نتخلّى عن قوّتنا لنجعل معونتنا باسم الربّ.
وهكذا يبدو الايمان في وجهتين متكاملتين: وجهة سلبيّة من التجرّد والاستسلام والتواضع. ووجهة إيجابيّة من الثقة وعطاء الذات والالتزام. هذا ما نجده في الأناجيل الازائيّة، حيث الناس الذين يقربون يسوع يدلّون على إيمانهم أو لاإيمانهم، عن قبولهم للخلاص أو رفضهم لهذا الخلاص. فأعمى أريحا تحدّى كل حياء بشريّ، وظلّ يصرخ رغم احتجاج الجمع: ((يا ابن داود ارحمني)) (مر10: 48 وز). وهذه النازفة التي يئست من الأطبّاء، ومن كل عون بشريّ، قالت: ((يا ليتني أستطيع أن ألمس رداءه فقط)) (مت9: 21؛ رج مر 5: 28). وهذه الخاطئة التعيسة لم تهتمّ لما يقوله سمعان عنها، ولا بما ينعتها: هي خاطئة. وهذا الضابط الرومانيّ لم يهتمّ بما يقوله اليهود من أمور بشرية، بل دلّ على إيمانه بطريقة ملموسة جدًا: ((يا سيدي، لست بأهل أن تدخل تحت سقفي. ولكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي. فإني أنا أيضًا انسان تحت سلطان، ولي جند تحت يدي. فأقول لهذا اذهب فيذهب. ولآخر تعال فيأتي. ولغلامي اعمل هذا فيعمل)) (مت 8: 8-9؛ رج لو 7: 7-8).
كل هؤلاء آمنوا بيسوع. يكفي ان يقول كلمة فيتمّ ما يقول. هذا ما حدث في الخلق. قال الله: ليكن جلد، فكان كذلك. لتجتمع المياه، فكان كذلك. لتنبت الأرض نباتًا، فكان كذلك (تك1: 7، 9، 11). وهذا ما يحدث في حياة يسوع. بكلمة من فمه يشفي. بإشارة من يده يشفي. يُعيد خلق الانسان فيهتف الناس: ما أحسن ما صنع (مر7: 37). وهذا الايمان لا يكتفي بأن ينال نعمة منظورة، نكتشفها في شفاء يتمّ. بل هو يطلب الاستعداد لأن يترك الانسان كل شيء ويتبع يسوع. سأل يسوع أعمى أريحا: ((ماذا تريد أن أصنع لك))؟ أجاب الأعمى: ((أن أبصر)). فقال له يسوع: ((اذهب)). فالبصر سيحصل عليه هذا الأعمى. وما يطلبه يسوع منه الآن هو أن ينطلق معه في الطريق التي تقود إلى أورشليم، إلى الآلام والموت والقيامة.
وما طلبه يسوع من هذا الأعمى، سبق وطلبه من تلاميذه الأولين. وصل إلى بطرس واندراوس وابني زبدى: ((اتبعوني وأنا أجعلكم صياديّ سمك)). تركوا الشباك والقوارب والاهل وتبعوا يسوع. وهكذا دلّوا على إيمانهم بهذا الذي لا يبدو غنيًا بغنى البشر، ولا قديرًا بقدرة الناس، بهذا الذي لم يكن له حجر يُسند إليه رأسه (مت 4: 18-22 وز). وما فعله الأربعة الاولون، سيفعله متّى وهو الموظّف الذي يعيش عيشة مرتاحة. ترك مائدة الجباية والتحق بيسوع (مت 9: 9 وز). ومريم العذراء. إلى ماذا استندت لتقول: ((ها أن أمة للرب فليكن لي كقولك))! ستعطى ولدًا مع أنها لا تعرف رجلاً. هذا يتعدّى مفهوم البشر. ولكن اليصابات أعطتنا الجواب: ((طوبى لتلك التي آمنت بأنه سيتمّ فيها ما قيل لها من قبل الربّ)) (لو 1: 45).
ولكن الجميع لا يؤمنون. فالحسابات البشريّة تقف في وجه كلمة الله. وعدَ ملاكُ الرب زكريا بأنه يكون له ولد. فأجاب زكريا الملاك: ((كيف يكون (من يؤكّد لي) هذا؟ فأنا شيخ وامرأتي قد طعنت في أيامها)) (لو 1: 18). نقص زكريا الايمان الذي ملأ قلب ابراهيم على ما قال بولس الرسول في الرسالة إلى رومة. ((لم يشكّ قط في وعد الله، بل تقوّى في الايمان ممجّدًا لله، ومتيقّنًا أن الله قادر ان يُنجز ما وعد به)) (4: 20-21). وهناك الجبن والخوف. والتعلّق بخيرات الارض. مثل ذاك الشاب الغنيّ الذي أحبّه يسوع محبّة خاصة. ((إن شئت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع مالك وأعطه للمعوزين، فيكون لك كنز في السماوات ثم تعال فاتبعني)) (مت 19: 21). ماذا كان الجواب؟ أجواب الايمان؟ كلا. ((فلما سمع الشاب هذا الكلام مضى حزينًا، لأنه كان ذا مال كثير)) (آ22). وهناك كبرياء الانسان الذي يظنّ أنه لا يحتاج إلى الله، فيستند إلى نفسه وينغلق على النداء. لهذا قال يسوع لرؤساء اليهود: ((جاءكم يوحنا من طريق البرّ (أي الطريق التي يقدّمها الله)، فلم تؤمنوا به. أما العشّارون والبغايا فقد آمنوا به. ولقد رأيتم ذلك ولم تندموا من بعد لتؤمنوا به)) (مت 21: 32؛ رج لو 7: 29-30). وجاء تلميذ آخير يضع شروطًا على يسوع. فما هو هذا الايمان الذي يضع شروطًا على الرب الذي يدعوه؟ لهذا جاء الجواب قاسيًا: ((من يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء ليس أهلاً لملكوت الله)) (لو 9: 61-62).

3- الايمان استسلام لله
كيف نفهم الاستسلام؟ نفهمه في ما يعارضه، وهو طلب الطمأنينات البشريّة. قبل أن نؤمن نريد يقينًا يستند إلى علل بشريّة. فالفرّيسيون طلبوا من يسوع آية من السماء (مر8: 11وز)، أي آية ساطعة تبرهن بوضوح عن رسالته الالهيّة. ولكن في الواقع، لم يكن قلبهم مستعدًا. فطلبوا ما طلبوا كي يجرّبوه. لن يكون لهم هذا الوضوح، ولن يستطيعوا الوصول إليه. فحين شفى يسوع أمامهم ممسوسًا، نسبوا سلطانه إلى بعل زبول، رئيس الشياطين (مر3: 22 وز). رفضوا من جهة المبدأ أن يروا فيه عمل الروح، وهذه هي الخطيئة التي لا يمكن أن تُغفر (مر 3: 29 وز)، لأنها تغلقنا على النور، وتمنعنا أن نشرب من ينبوع الغفران. لكي نؤمن يجب أن نريد أن نؤمن، أي أن يكون لنا قلب مستقيم يشكّ في ذاته ليتقبّل تدخّل الله. فالمعجزة في حدّ ذاتها، وفي ماديتها كـ ((آية))، لا تستطيع أن تفرض الايمان. فقد تضلّنا: فالمسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة ((يصنعون آيات ومعجزات كبيرة تستطيع أن تضلّ المختارين إذا أمكن)). إذن، لا نصدّق كل ما يقال فيها (مت 24: 23-24 وز). وحتى إن جاءت المعجزة من عند الله، فنحن نستطيع أن نرفضها. رأت كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم معجزات يسوع وما تابت (مت 11: 20-24: لو10: 13-15). وتخيلّ الغني أن إخوته سيتوبون إن رأوا لعازر الفقير يقوم ويعود إليهم. ولكن ابراهيم أجابه: ((إن لم يسمعوا لموسى وللانبياء، حتّى إن قام واحد من الموت لا يصدّقوا)) (لو 16: 27-31). وهزئ رؤساء اليهود عند الصليب من يسوع قائلين: ((خلّص آخرين ولا يستطيع أن يخلّص نفسه! إنه ملك اليهود. لينزل عن الصليب فنؤمن به)) (مت 27: 42؛ رج مر 15: 31-32). غير أن طلبهم كله مكر ووقاحة. فهم لا يريدون أن يؤمنوا. وسيقول لهم يسوع ساعة مثوله أما المجلس (السنهدرين): ((إن قلت لكم (إني المسيح)، لن تصدّقوا)) (لو 22: 67).
ومع ذلك، فقد أجرى يسوع معجزات لكي يدلّ على رسالته. أفلا يحقّ للايمان أن يطلب أسبابًا تبرّر تعلّقه بالربّ. هذا ما لا شكّ فيه. غير أن هذه الاسباب هي إشارات توجّه خطانا، وليست أبدًا براهين تجعل الايمان فرضًا واجبًا. لهذا، فالانسان يستطيع أن يتهرّب. فالعجائب والبراهين الكتابيّة تقدّم موضوع الايمان، وتطلب قبولاً من قلب الانسان. إنها نور عظيم لنا. ولكن يجب أن لا يبقى هذا النور خارجيًا، بل يجب أن نقبله في داخلنا بقلب مستقيم قد لامسته النعمة. قد يجد الانسان في العجائب شروحًا بشريّة يقف عندها ولا يتعدّاها. فإذا أراد، وجب عليه أن يتجاوز مستوى العقل كي يرى الأمور في ضوء الروح. إن الايمان يتطلّب تواضع القلب.
رفض يسوع هذه ((الآيات))، ولكنه أجرى معجزات. غير أنه كان متحفّظًا، فما اتّخذ مبادرة في هذا السبيل ليُظهر قدرته. ويرينا الانجيل كيف يلبّي يسوع طلب الناس، يشفق عليهم، ولا يريد أن تُعلن المعجزة (مر 1: 40-44). فهو يتهرّب من هذه الظواهر أمام ((جيل شرير فاسق)) يطلب آية (مت 12: 39وز؛ رج 1كور 1: 22)، ويلاحق آمالاً مسيحانيّة زمنيّة، ويبحث عن ((الطعام الفاني)) (يو 6: 27). وما نلاحظه أيضًا هو أن يسوع لا ينتظر الايمان كنتيجة لمعجزة أجراها الآن، بل يطلب هذا الايمان كشرط ضروريّ لهذه المعجزة. وهكذا يكون موضوع الايمان شخصَ يسوع نفسه، قبل أن يكون الواقعَ العجيب الذي يُتمّه الربّ.
موضوع الايمان هو مشيئة وقدرة خلاص وصل إلى البشر من قبل الآب. هذا ما نراه مع ((آية يونان)) التي ستُعطى وحدها في النهاية: ((هذا الجيل الشرير الفاسق)). فإذا فهمناها حسب نص لوقا (11: 29-32)، فهي تدلّ على شخص ابن الانسان الذي يدعو إلى التوبة ويعلن مخطّط الخلاص وما فيه من حكمة. والموازاة مع أهل نينوى وملكة سبأ، تدلّ على أن الايمان به يتطلّب قلبًا مستعدًا يتخلّى عن سلوكه الخاطئ وعن حكمته الخاصة. وحسب نصّ متّى (12: 38-42)، هذه الآية ستكون قيامة يسوع الذي خرج من بطن الأرض بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال.
غير أن هذه المعجزة المركزّية في الانجيل، والايمان الذي يجد فيها سنده الاساسّي، لا يكونان واضحين وضوح معجزة يتصوّرها محاوروه. فيسوع القائم من الموت ينتمي إلى عالم آخر لا تدركه إلاّ المعرفة الفائقة الطبيعة. فإن انحصر العقل البشريّ في حدوده، لا يصل إلى يسوع. فالقبر الفارغ فسِّر على أنه ضلالة (مت 28: 13-15). ورُفضت الظهورات على أنها هلوسة (لو 24: 11؛ مر 16: 11، 13). والكتب المقدّسة لم تبرهن شيئًا لليهود، ولا للتلاميذ ما داموا ((قلوبًا بطيئة عن الايمان)) (لو 24: 25)، ولا للعقل الذي يغطّيه حجاب كثيف (2 كور 3: 14-15). كل هذه ((البراهين)) لامست فقط القلوب المستعدّة، التي تخلّت عن نورها الخاص لكي تترك النور العلوي يلجها. وتلميذا عماوس لم يفهما الكتب ولم يعرفا المعلّم إلاّ بعد أن فتحت الكلمة لهما عيونهما (لو 24: 15-31). وحين تخلّى الاحد عشر، وبينهم توما، عن المقاومة أمام جراح القائم من الموت، برز فعلُ ايمان حقيقي وإن جاء متأخّرًا: ((لانك رأيت آمنت يا توما)). لم يقل له ((عرفت))، بل ((آمنت)). لقد استسلم في النهاية إلى النعمة حين رأى جسد المعلّم واعترف به ساجدًا: ((ربي وإلهي)) (يو 20: 28-29).
وفي النهاية، الايمان هو عطيّة من الله. وهو ككل عطيّة يطلب من الانسان أن يتقبّله تاركًا الاستناد إلى ذاته. فالنور الخاص بنا لا يساعدنا على وضع يدنا على الايمان. فنحن لحم ودم. فنحن ضعف وعجز. حين أعلن بطرس إيمانه بيسوع المسيح، أظهر أنه انفتح على نور علويّ: ((طوبى لك، يا سمعان بن يونا، لأنه لا لحم ولا دم أوحى لك ذلك بل أبي الذي في السماوات)) (مت 16: 7). وهذه العطيّة لا تُمنح للجميع. ((لكم أعطيت معرفة أسرار ملكوت السماوات. ولكنها لم تُعطَ لأولئك)) (مت 13: 11 وز). هذا لا يعني أن الله اعتباطيّ في عطاياه. ولكنه لا يستطيع أن يمنح نور الايمان إلاّ للوضعاء. فهم وحدهم يتقبّلونه: ((أشكرك يا أبت، ربّ السماء والارض، لأنك أخفيت هذا عن الحكماء والفهماء، وأظهرته للاطفال)) (مت 11: 25؛ لو 10: 21). وهكذا كرِّم التلاميذ تكريمًا يوم دُعوا ((هؤلاء الصغار الذين يؤمنون بي)) (مت 18: 7 وز).

4- الايمان التزام تام
ليس الايمان فقط تجرّدًا سلبيًا وتخلّيًا. بل هو أيضًا التزام ايجابيّ. فالمؤمن لا يتخلّى فقط عن ذاته،بل هو يعطيها. بع ما تملك، تخلّ عمّا تملك، وأعطه . ثم تعال اتبعني. وكلمة الله ليست حقيقة مجرّدة نتقبّلها رغم العقل البشري. إنها حقيقة حياة تحقّق ما تعلن، فتحوّل الانسان الذي ينفتح لها.
قال الرب في عظة الجبل: ((ليس من يقول لي: يا ربّ، يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل من يصنع إرادة أبي الذي في السماوات)) (مت 7: 21؛ رج لو 6: 16). فسماعُ الكلمة سماعَ الأذن لا يكفي. بل يجب علينا أن نمارسها. أن نضعها موضع العمل. ويشدّد يسوع على هذا الأمر في مواضع ُيبرزها لوقا. ((أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها)) (8: 21). وهتفت له امرأة من الجمع: ((طوبى للبطن الذي حملك، وللثديين اللذين أرضعاك)). أجاب يسوع: ((بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويحفظها)) (في قلبه وفي حياته) (11: 27-28). ونجد هذه المتطلبّة عينها في مثل قصير ينهي عظة الجبل: ((كل من يسمع هذه الاقوال ويعمل بها يشبه رجلاً حكيمًا بنى بيته على الصخرة. سقطت الامطار وجرت الأنهار وعصفت الرياح واندفعت على ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه كان على الصخر.وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبَّه برجل جاهل بنى بيته على الرمل، فهطلت الأمطار وجرت الانهار وعصفت الرياح واندفعت على ذلك البيت. فانهار وكان انهياره عظيمًا)) (مت7: 24-27؛ رج لو 6: 47-49). فالايمان بدون أعمال باطل ولا قيمة له. هو ميت كما قال يع 2: 14-26؛ رج 1: 22-25.
وجاء مثل الزراع (مت 13: 3-9، 18-23) صورة عن هذا التعليم. فالبذار الذي هو كلمة الله يقع في أراض مختلفة تتقبّلها بأشكال متنوّعة. عند البعض، لا يتجذّر البذار فيجفّ ويموت بعد المحنة الأولى. عند البعض الآخر، ترتفع النبتة، ولكن تخنقها همومُ العالم وسحرُ الغنى. كان لكل فئة من هذه الفئات إيمانها، ولكن هذا الايمان ((الفتيّ)) لم يحمل ثمارًا. أما الايمان الحقيقي والفاعل فهو الذي وُجد لدى الذين ((سمعوا الكلمة بقلب نبيل وصالح. فيحفظونها ويثمرون بالصبر)) (لو 8: 15).
وهكذا نفهم أن النداء إلى الايمان هو نداء إلى التوبة. هذا ما قال يسوع في بداية الانجيل (مر 1: 15). وأهل نينوى كانوا مثالاً لهذا الجيل لأنهم آمنوا، بل لأنهم ((تابوا حين سمعوا كرازة يونان)) (مت 12: 41؛ لو 11: 32). ومن الواضح أنه إن كان العشّارون والبغايا يصلون إلى ملكوت الله قبل رؤساء اليهود، فلأنهم آمنوا بيوحنا المعمدان (عكس الرؤساء، مت 21: 31-32)، ولأن إيمانهم كان تبدّل حياة (لو 7: 29)، كان ((معمودية توبة لغفران الخطايا)) (لو 3: 33). وحين قال يسوع للخاطئة ((إيمانك خلّصك))، فلأن هذا الايمان عبّر عن نفسه، لا بالكلام، بل بدموع التوبة (لو 7: 37 -50). وهذه التوبة هي عودة الانسان كله، قلبًا وعملاً، هي تحسّر على الماضي مع تطلّع إلى حياة جديدة في المستقبل.
وإلى هذا الانقلاب في الحياة، ينضمّ شكل حياة جديدة، في خدمة الله، لا في خدمة الذات. فهناك محبّة الله حتى بغض الذات، ومحبّة الذات حتى بغض الله، كما قال القديس أوغسطينس. أجل، يُدعى الانسان لأن يتبع يسوع، لكي يصير ((إبن الملكوت)). والايمان هو ((الباب الضيّق )) الذي ينفتح على ((طريق حرج يقود إلى الحياة)) (مت 7: 14). فالتلاميذ الحقيقيون، ((هؤلاء الصغار المؤمنون)) بيسوع (مت 18: 6)، هم الذين قدّموا إليه ذواتهم دون النظر إلى الوراء (لو 9: 59-62)، فتبعوه وهم يحملون صليبهم (مت 16: 24 وز).
5 - نموّ الايمان وتقلّباته
هنا نفهم أن الايمان يستطيع أن ينمو. بل يجب أن ينمو وإلاّ ذبُل ومات. فلو كان الايمان مجرّد معرفة عقليّة، فهو لا يعرف التقلّبات: فنحن نعرف أو لا نعرف. نحن نفهم حقيقة أو لا نفهمها. ولكن بما أن الايمان هو تحرّك القلب الذي يسلّم ذاته إلى الرب، فهو يسير من كمال إلى كمال بأعمال تتكرّر وتتكمّل في حياة الانسان. فعلى الانسان أن يجدّد تخلّيه وتجرّده، لأنه يجرّب في أن يعود إلى ذاته وإلى أنواره الخاصة، بدلاً من أن يضع ثقته في حكمة الله التي تتكلّم بشكل سريّ وتقودنا إلى حيث لا نعلم (رج يو 3: 8). فعلى المؤمن أن يحقّق في كل لحظة متطلّبات التزامه الأول بسخاء يتنامى يومًا بعد يوم، والويل له إن تراخى وما ثبت! الويل له إن نظر إلى الوراء فبدا له الصليب ثقيلاً.
بدأ الايمان بذرة صغيرة. هذا ما قاله لنا مثل الزارع ومثل حبّة الخردل. وعلى هذه البذرة أن تنمو لتعطي ثمارًا. غير أن الرب ينبّهنا بأن هذا النموّ يتمّ في الألم والصعوبة. فالايمان الحماسي في بدايته يشبه نار القشّ. يضعف وربّما ينطفئ بسبب التقلّبات في حياتنا والتجارب. وهذا الايمان بما فيه من سخاء في البداية، هو سريع العطب. هو موضوع رجاء فينا قبل أن يتحقّق. فيجب أن يتجذّر ويرتفع ويعطي أغصانًا يستظلّها طير السماء (مت 13: 31-32 وز). والايمان ليس عطية جامدة تَبرز في شكل واحد ولا تتغيَّر. فبقدر ما ننفتح على عطاء الله ينمو هذا الايمان. على مثال الوزنات: نتاجر بها فتنمو. نخبئها في الأرض فيؤخذ منا حتّى الذي لنا.
ويتوسّع الانجيل في نموّ الايمان هذا. طلب والدُ الولد المصروع وهو خائف. أجابه يسوع: ((كل شيء ممكن لمن يؤمن)).حينئذ هتف الرجل: ((أنا أؤمن. فأعن قلّة إيماني)) (مر9: 22-23)! دلّ الوالد على تواضعه،ولجأ إلى الوسيلة الوحيدة التي تنمي هذا الايمان: الصلاة. والتلاميذ كانوا أول من آمن، وتعلّقوا بيسوع بشجاعة، وتبعوه. ولكنهم بدوا خائفين، متردّدين في إيمانهم. ارتعبوا من العاصفة التي تهدّد السفينة بالغرق، فأيقظوا المعلّم النائم: ((يا رب، نجنا! لقد هلكنا)). فأجاب يسوع: (( لماذا أنتم خائفون، يا قليلي الايمان)) (مت 8: 25-26)؟ وستكون عبارة مر 4: 40 (رج لو 8: 25: أين ايمانكم) أقوى: ((أما عندكم إيمان))؟ لا شكّ في أنهم يؤمنون بيسوع، ولكنهم لم يستسلموا بعد إلى الطمأنينة التي يؤمّنها حضورُه.
وبطرس نفسه سمع كلام يسوع، فراح في مغامرة جعلته يمشي على الماء. هو فعل ايمان حارّ، ولكن فيه بعض التحفّظ. رأى عنف الريح، فخاف وبدأ يغرق. فصرخ: ((يا رب نجّني))! فأمسكه يسوع بيده وقال له: ((يا قليل الايمان، لماذا شككت)) (مت 14: 28-31)؟ وكانت مناسبة أعطيت للرسل بأن يمارسوا إيمانهم مع الولد المصروع. فالمسيح أعطاهم سلطان الشفاء (مت 10: 1 وزّ). ولكنهم ما استطاعوا. قال والد الولد: ((قدّمته إلى تلاميذك فما استطاعوا أن يشفوه)). عندئذ تحسّر يسوع بألم وقال: ((أيها الجيل الغير المؤمن، الأعوج، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم))؟ وسأل التلاميذ: ((لماذا لم يستطيعوا طرد الشيطان))؟ فأجابهم يسوع: ((لقلّة إيمانكم. فالحق أقول لكم لو كان لكم من الايمان مثل حبّة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولما استحال شيء عليكم)) (مت 17: 16-20وز).
كان إيمان التلاميذ إيمان الخائفين. ونقصَه النورُ الكافي. فعقلهم البشريّ لم يرتفع بما فيه الكفاية إلى الواقع الروحيّ. وحين يحدّثهم يسوع عن طريق الاستعارة عن ((خمير الفريسيين والصادوقيين))، أي عن تعليمهم، ظنّوا أنه يوبّخهم لانهم نسوا أن يأخذوا معهم خبزًا. حينئذ قال لهم: ((يا قليلي الايمان، لمَ تفكّرون في أنفسكم أن ليس معكم خبز ؟ أفلا تذكرون الخمسة الارغفة للخمسة الآلاف وكم قفَّة رفعتم منها؟ ولا السبعة الارغفة للاربعة آلاف وكم سلّة رفعتم منها؟ كيف لا تفهمون أني لست في شأن الخبز قلت لكم : إياكم وخمير الفريسيين والصادوقيين (( (مت16: 5-12؛ رج مر8: 14-21)؟
هذا اللافهم في إيمان صادق وإن كان ناقصًا، يظهر بشكل خاص في اعتراف بطرس في قيصريّة فيلبس. أعلن بطرس أن يسوع هو المسيح، فهنّأه يسوع على إعلانه. ولكنه فكّر في مسيح قويّ ومنتصر. لهذا، سيثور حين يعلن يسوع عذاباته وموته. ((حاشاك يا رب، فهذا لن يحدث لك أبدًا)). ايمان بشريّ قريب من العمى. لهذا وبّخه يسوع: ((إذهب خلفي با شيطان، فأنت عائق لي، لأن أفكارك ليست أفكار الله بل أفكار البشر)) (مت 16: 22-23؛ رج مر 8: 32-33). وإن يسوع يعرف أن ضعف الايمان لدى أخصّائه لن يُقهر إلاّ بالقيامة وملء مجيء الروح. وليلة آلام يسوع، ظنّ بطرس أنه فهم أهميّة المحنة الكبرى، فوعد أنه سيكون قويًا. فأعلن له يسوع أنه سينكره: ((سمعان، سمعان ها إن الشيطان طلب أن يغربلكم كالحنطة. ولكني صلّيت لاجلك لئلا يضعف إيمانك. وأنت متى عُدت فثبِّت اخوتك)) (لو 22: 31-32). وفي ساعة الخطر، سوف ينكر بطرس معلّمه . وفي ساعة الانتصار، سيكون بطيئًا هو واخوته لكي يؤمنوا بدون تحفّظ بالمعلّم الالهي الذي قام وعاد إلى الحياة (لو 24: 11، 25، 37، 41؛ مت 82: 17؛ مر 16: 11، 13، 14).
إذا كان أول المؤمنين بالمسيح والقريبون منه قد رأوا ايمانهم معرَّضًا لمثل هذه المحن، وإن وجب عليهم أن ينقّوا هذا الايمان وينموه في التجرد والالتزام المتجدّد، فماذا يكون شأن الآخرين؟ فالايمان لا يستطيع أن يحيا إلاّ شرط أن يحارب وينمو. وإلاّ فهو سيذبل ويموت كالزهرة. خان يهوذا، أحد الاثني عشر معلّمه. ولا شكّ في أنه كان له إيمان حار أقلّه في البداية. ولكنه لم يعرف أن يدافع عن هذا الايمان ضد الانانيّة والحسابات البشريّة. وهناك تلاميذ آخرون تبعوا يسوع، ولكن خاب أملهم وتذمّروا. وبعد أن تحمَّسوا ليسوع تركوه: ((هذا الكلام صعب، فمن يطيق سماعه)) (يو 6: 60-66). فقد أعلى يسوع أن المحبّة ستبرد لدى عدد كبير بسبب الاثم المتكاثر، خلال المحن الاخيرة (مت 24: 12). وتساءل بحزن وكآبة: ((عندما يعود ابن الانسان، هل يجد الايمان على الارض)) (لو 18: 8)؟ فالله لا يُكره القلوب على الطاعة له، بل يترك كل واحد منا يتعمّق في ايمانه ويفتحه على الله. غير أنه يعطينا الوسائل. فنعمته قديرة وفاعلة لمن يقبلها. وقد صلّى يسوع من أجل إيمان بطرس، ومن أجل الذين سوف يثبِّتهم بطرس. ومع أنه عالم بالسقوط والانكار، فهو يقول أيضًا: ((تقوّوا! أنا غلبت العالم)) (يو 16: 33).

6- قوّة الايمان وانتشاره 
حين يرتكز الانسان على قوّته الخاصة، يبقى إيمانه سريع العطب وغير فاعل. أما إذا استند إلى قدرة الله، صار إيمانه ثابتًا وقويًا. وقد تلفّظ يسوع بقول ربطه لوقا بموضوع نموّ الايمان. ((قال الرسل للرب: زدنا إيمانًا. فأجاب الربّ: لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل، لقلتم لهذ التوتة انقلعي وانغرسي في البحر، فتطيعكم)) (لو 17: 5-6). وأورد مت ومر هذا القول بشكل مختلف بعض الاختلاف. تعجّب التلاميذ لأن التينة يبست حين لعنها يسوع. فقال لهم: ((آمنوا بالله. الحقّ أقول لكم إن قال أحد لهذا الجبل انتقل واسقط في البحر، وهو غير مرتاب في قلبه، بل مؤمن بأن ما يقوله يكون، فذلك يكون له)) (مر11: 22: 23؛ رج مت 21: 21). وأورد مت قولاً مشابهًا بعد شفاء الولد المصروع (17: 20). مهما يكن من هذه الاختلافات في قول قد يكون يسوع تفوّه به في أكثر من مناسبة، فهو يؤكد أن كل شيء ممكن للايمان الذي يستطيع أن يزيح الجبل ويزرع شجرة في البحر. يكفي لذلك بعض الايمان ((مثل حبّة خردل)). ولكن يجب أن يكون هذا الايمان صادقًا ، أي يستند إلى الله بدون ارتياب.
وترتبط قوّة الايمان ارتباطًا وثيقًا بالصلاة. ففي حدث الولد المصروع، نجد جوابًا على سؤال التلاميذ: ((هذا النوع من الشياطين لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة)) (مر 9: 29). وفي حدث التينة اليابسة جاء قولٌ بعد القول عن قدرة الايمان: ((لهذا أقول لكم كل ما تطلبونه في الصلاة، آمنوا أنكم تنالونه فيكون لكم)) (مر11: 24). فالرباط حميم بين الايمان والصلاة. في هذا المعنى قال مت 21: 22: ((كل ما تطلبونه في صلاة مليئة بالإيمان تنالونه)) (مت 21: 22). فالايمان، شأنه شأن الصلاة، هو لجوء إلى قدرة الله. ففي الحالين لا يستند الانسان إلى ذاته، بل إلى الله. لهذا، فهما لا ينفصلان. فمن يصلّي ليصلِّ بإيمان، وهو متيقّن أن الله يستجيبه، يريد أن يستجيبه، بل هو قد استجابه. فجواب النعمة سريع وأكيد. والمؤمن يدلّ على إيمانه في صلاته، لأن صلاته فعل استسلام ينتظر كل شيء من الله. لهذا، فهذه الصلاة المؤمنة، وهذا الايمان المصلّي، هما قوّة لا تُقهر. قوّتهما قوّة الله التي لا يقف شيء في وجهها.
نما التلاميذ شيئًا فشيئًا في هذا الايمان. فبعد اللافهم والسقوط، تعلّقوا تعلقًا نهائيًا بمعلّمهم الذي قام من بين الأموات. سقط بطرس رئيسهم، ولكنه وقف بصلاة المسيح. وهو هنا لكي يثبّت الإخوة ويوجّههم (لو 22: 32؛ يو 21: 15-17). وسيأتي الروح فيكونون شهوده. وهكذا يستطيع إيمانهم أن ينطلق ليصل إلى نهاية العالم حسب الرسالة التي أوكلهم بها يسوع. ((إذهبوا في العالم كله واكرزوا بالبشارة إلى الخليقة كلها. فمن يؤمن ويعتمد يخلص ومن لا يؤمن يُدان)) (مر 16: 15-16؛ رج مت 28: 18-20؛ لو 24: 47-48). وستتثبّت كرازتُهم بالمعجزات التي تدلّ على قوّة الايمان. ((وها هي الآيات التي تصحب المؤمنين: باسمي يخرجون الشياطين، وينطقون بألسنة جديدة، ويأخذون الحيّات بأيديهم. وإن شربوا سمًا قاتلاً فلا يضرّهم ويضعون أيديهم على المرضى فيُشفون)) (مر 16: 17-18). سوف يرينا سفر الأعمال، وتاريخ الكنيسة من بعده، هذه المظاهر الخارجيّة في الإيمان الجديد. ولكن أعظم من هذه الأعمال هو ذاك الذي يتمّ في القلوب وهو: ارتداد الوثنيين، انتشار المسيحية، ثبات الكنيسة رغم المحن، ثمار القداسة في عدد من المسيحيين. ستنمو الكنيسة بقوّة الايمان وإن رافقتها الصعوبات. فقد وعدها ذاك الذي غرسها، وعدها ذاك الذي له كلمات الحياة الأبديّة (يو 6: 68)، فقال لها وللمؤمنين ((أنا معكم كل الأيام وحتى انقضاء العالم)) (مت 28: 20).
الفصل السابع

الارتداد والتوبة من أجل الملكوت

إن انتظار ملكوت الله حرّك حماسًا كبيرًا في شعب اسرائيل، هذا الشعب الذي اختاره الله وصار ملكه بعد أن قطع عهدًا معه. وأنشد كتاب التعزية (أش 40-55) بقوّة وعظمة، اقترابَ هذا الملكوت الذي تشوّق الناس إليه، الذي يقوم بفضل عهد أبدي ويفرض على الانسان ارتدادًا عميقًَا وتوبة. ((لذلك سيعرف شعبي اسمي. في ذلك اليوم يعرف أني أنا الذي يقول: هاءنذا. ما أجمل على الجبال أقدام المبشّرين المسمعين بالسلام، المبشّرين بالخير، المسمعين بالخلاص، القائلين لصهيون: قد ملك إلهك)) (أش 52: 6-7). ونقرأ في أش 55: 3، 6-8: ((إني أعاهدكم عهدًا أبديًا على مراحم داود الأمينة... إلتمسوا الربّ ما دام يُوجد، أدعوه ما دام قريبًا. ليترك المنافق طريقه، والأثيم أفكاره، وليتُب إلى الربّ فيرحمه، وإلى إلهنا فإنه يعفو عنه. فإن أفكاري ليست أفكاركم. ولا طرقكم طرقي، يقول الرب)).

1 - يوحنا المعمدان
ما نلاحظه في الأناجيل الازائيّة، هو أن كرازة يوحنا المعمدان التي هي ((بدء بشارة يسوع المسيح)) (مر 1: 1)، تقدَّم وكأنما هي تُحقّق ما أعلنته مقدّمة كتاب التعزية. فحسب هذه الأناجيل، يوحنا هو ((صوت ذاك الذي يهتف في البرية: هيّئوا طريق الرب واجعلوا سبله مستقيمة)) (مر 1: 3؛ رج مت 3: 3؛ لو 3: 4؛ أش 40: 3). حين أورد الانجيل هذه الآية، دعانا إلى أن نقرأ المقطع كله لنفهم كيف نعدّ للربّ طريقه. ((يتجلّى مجدُ الرب، ويعاينه كل بشر)) (أش 40: 5). ((إرفعي صوتك بقوة، يا أورشليم، يا حاملة السعادة. إرفعي صوتك ولا تخافي. قولي لمدن يهوذا: هوذا إلهكم. هوذا السيّد الرب. هو يأتي بقوّة، وذراعه تمنحه السلطان)) (أش 40: 9-10).
إذن، حقّق يوحنا المعمدان نبوءة يرتبط فيها الارتداد وملكوت الله ارتباطًا حميمًا. ولقد تحدّدت رسالته كنداء إلى التوبة والارتداد (ميتانويا). ((كان يوحنا المعمدان يكرز في البريّة بمعموديّة التوبة لمغفرة الخطايا. وكانت كل اليهوديّة وجميع سكّان أورشليم يخرجون إليه ويعتمدون على يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم)) (مر 1: 4-5؛ رج مت 3: 5-6؛ لو 3: 3).
حين كانوا يعتمدون على يد يوحنا، كانوا يقرّون أنهم خطأة، كانوا يعلنون أنهم يريدون أن يتوبوا، كانوا يستعدّون لتقبّل الغفران الذي يستطيع الله وحده أن يعطيه. ومعموديّة الماء ليست علامة الغفران، بل علامة التوبة التي تقود إلى الغفران (3: 11). وإذ دعا يوحنا الناس إلى التوبة، شأنه شأن أنبياء العهد القديم، أعلن في الوقت عينه حضورًا، فدشّن طريق الانجيل، وهذا ما أعطى رسالته طابعًا فريدًا.
وقال يوحنا: ((يأتي بعدي من هو أقوى منّي، وأنا لا أستحقّ أن أحلّ سير حذائه. أنا أعمّدكم بالماء، أما هو فيعمّدكم في الروح القدس)) (مر 1: 7؛ رج مت 3: 11؛ لو 15-16). فعماد ذاك الآتي لا يكون فقط علامة التوبة، بل علامة عطيّة الروح. هنا تُذكر نبوءة هي ذروة سفر حزقيال (36: 23-27): ((أظهر قداسة اسمي العظيم الذي دنّستموه في الأمم، فيعلمون أني أنا هو الرب، حين أظهر قداستي فيكم على عيونهم. وآخذكم من بين الأمم، وأجمعكم من كل البلدان، وأجيء بكم إلى أرضكم. وأرشّ عليكم ماء طاهرًا. فأطهّركم من جميع أصنامكم وما به تنجّستم. وأعطيكم قلبًا جديدًا،وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا، وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبًا من لحم. وأجعل روحي في أحشائكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها)). بهذه التنقية التي هي عمل الروح القدس، يُقام ملكوت الله في القلوب المتجدّدة، ملكوت تام وشامل. وذاك الذي يأتي والذي يعلن يوحنا حضوره، لا يدعو فقط إلى التوبة، بل يعطي هذه التوبة (وهذا الارتداد) كمالها. هو يقيم ملكوتًا يفرض مجيئه توبة تامة.
إذن، جعلت رسالة السابق رباطًا بين توبة الانسان وملكوت الله. وأسمعتنا الأناجيل يسوعَ يعلن هذا الرباط: ((توبوا، فملكوت الله حاضر هنا)). في هذا الاعلان، تظهر أبعاد التوبة المسيحيّة. فإذا أردنا أن نكتشفها نقرأ على التوالي أناجيل مرقس ومتّى ولوقا. هناك مُعطى مشترك بين الثلاثة، إلاّ أن كلاّ منهم قدّم هذا المعطى من منظوره الخاص. لهذا نقف في هذا المنظور لنرى موضوع التوبة (والارتداد) المسيحيّة بارزًا فنكتشف طبيعته وثماره وينبوعه.

2 - طبيعة التوبة حسب مرقس
كرز يوحنا بالتوبة، فاجتذبت كرازتُه اضطهاد الأقوياء الذين حكمت عليهم كلماتُه بعد أن رفضوا الارتداد. سُجن (1: 14)، قُطع رأسه (6: 16-29)، وهكذا أتمّ ملء رسالته كالسابق، كإيليا الجديد (9: 11-13). وحين وضع السجنُ حدًا لكرازة يوحنا، أعلن يسوع البشارة في واقع حاضر وفي متطلِّبة تُفرَض على السامعين: ((تمّ الزمان وصار ملكوت الله قريبًا)). هذا هو الواقع. وماذا يطلب هذا الواقع؟ ((توبوا وآمنوا بالبشارة)) (بالانجيل) (1: 15).
تتضمّن هذه الآية بذرة الدراما التي ستسير مسيرتها عبر انجيل مرقس كله، وهي دراما لقاء يسوع بالبشر، وخيار البشر تجاه يسوع. إن مسيرة هذه الدراما سوف تجعلنا نعي بشكل تدريجيّ طبيعة التوبة التي يفرضها حضور ملكوت الله.

أ - ارتداد الايمان
لا يعني الارتداد (ميتانويو) فقط التوبة عن الخطايا، بل تحوّلاً داخليًا يتفتّح على تبدّل في السلوك وعلى اتجاه جديد في الحياة. الارتداد هو انقلاب روحيّ وخُلقيّ.
الخاطئ انسان مال عن الله. خدعته الشهوةُ فخنقت صوت الله (4: 19). لم يعد له أذن يسمع بها. فكيف يعي أنه في الاتّجاه السيِّئ؟ كيف يستطيع أن يتوب بعد أن ابتعد عن الله، وما زال يبتعد؟ ملكوت الله هو له سرّ لا يستطيع أن يفهمه لأنه خارج هذا الملكوت، كما قال يسوع في 4: 11-12: ((لكم أعطي سرُّ ملكوت الله. أما الذين هم في الخارج، فكل شيء يصل إليهم بأمثال، لكي ينظروا نظرًا ولا يبصروا، ويسمعوا سماعًا ولا يفهموا، لئلاّ يتوبوا فيُغفر لهم)).
إن تدخّل الله ضروري لكي ((يعود)) (يرجع) الانسان، لكي يتوب. وهذا التدخّل يعطي الخاطئ وسيلة جديدة من أجل اللقاء، مع ذلك الذي مال عنه، والانجذاب بعظمته. وبدون تدخل الله هذا، بدون انجذاب يكون ثمرة هذا التدخّل ويحدّد اتجاهًا جديدًا لدى الخاطئ، لا يني هذا الخاطئ يتبع شهوته، ويرفض التوبة عن خطاياه. إذن، العنصر الأول في الارتداد ليس اصلاحًا خلقيًا، ولا هربًا من الشرّ. إنه لقاء مع مرسل الله وتقبّل لكلمته.
هذه الملاحظة تبرز معنى نداء يسوع الذي يدعو إلى التوبة ويدلّ على الفعل الأساسيّ الذي يحرّك سائر الافعال، عنيتُ به فعل الايمان. الارتداد هو قبل كل شيء إيمان بالبشارة التي يعلنها يسوع. وهذه البشارة هي حضور ملكوت الله. تلك هي بشارة تجعل ذاك الذي يسمعها يتحوّل، شرط أن يؤمن بالذي يعلنها.
جعلنا انجيل مرقس نستشفّ كيف أن يسوع يحرّك الايمان بشخصه، وكيف يكشف شيئًا فشيئًا حضور هذا الملكوت. فاقتراب الملكوت هو مجيء يسوع. واقتبال الملكوت هو اقتبال يسوع بالايمان. ولكن الجميع لا يقتبلونه فيقسّون قلوبهم. والسبب هو أن الايمان له شروطه. هناك مواقف نأخذ بها، وأخرى نرذلها. فالايمان بشروطه يشكّل الوجهة الأولى في التوبة، يشكّل مبدأ التوبة والارتداد إلى الله. هذا ما نتوقّف عنده أولاً. ثم نرى التحوّل الذي يفرضه الايمان بيسوع. هذا التحوّل هو الوجهة الثانية في الارتداد، هو كمال الارتداد.
ولكن قبل أن نتحدّث عن مبدأ الارتداد نعود إلى 4: 11-12. استعاد يسوع أقوالاً وجّهها الله إلى النبي أشعيا حين دعاه. نُبِّه أشعيا أن كلماته لن تُحدث لدى سامعيه سوى تقسية القلب. وعرف يسوع أيضًا، شأنه شأن النبيّ، أنه سيصطدم بقساوة القلب. فالعالم الخاطئ سيكون أعمى وأصمّ أمام السرّ الذي يُعلنه ويجعله حاضرًا. فبدون عطيّة مجانيّة من الله، لا يستطيع الانسان أن يخرج من حال الخطيئة. ويجعل يسوع تلاميذه يلاحظون استحالة هذا الخروج. لا يريد يسوع أن يقول إنه يستعمل الأمثال لكي يستحيل على سامعيه أن يفهموا. بل يقول فقط إن كل ما يتعلّق بالملكوت هو لغز للذي هو في الخارج، للانسان الخاطئ. وما لا يقوله يسوع، ولكنه يظهر في مسيرة الدراما، هو أن المقاومة التي تتصدّى لكلمته ستخدم تحقيق مقاصد الله: فموت المسيح الذي هو النتيجة الأخيرة في هذه المقاومة، هو بالنسبة إلى الخاطئ، ينبوع نعمة يردّه إلى الله ويفتح له ملكوت الله.
ب - مبدأ الارتداد: الايمان وشروطه
أيقظ صوت يوحنا انتباه اسرائيل: سيأتي شخص بعد يوحنا، وهو يعطي الروح القدس (1: 7-8). وكانت دعوة ليفتحوا آذانهم وقلوبهم. غير أنهم لم يتجاوبوا كلهم مع هذه الدعوة بالشكل عينه. وهذا ما يدلّنا عليه مرقس منذ بداية انجيله. ما إن أطلق النداء الذي يدشّن كرازة يسوع حتى أعطانا مثلاً عن الخضوع التام. دعا يسوع أربعة صيّادين ليتبعوه. ((حالاً ترك سمعان وأخوه اندراوس الشباك وتبعاه... وترك يعقوب ويوحنا أخوه أباهما زبدى في القارب مع العمّال وتبعاه)) (1: 17-20). وسيفعل الشيء عينه ذاك العشّار الذي اسمه لاوي (2: 14، هو متّى في مت).
أما الموقف المعاكس كل المعاكسة لهذا الموقف، فهو موقف بعض الكتبة. جعل يسوع الجموع تدهش بقوّة كلمته، فتثبّتت سلطة تعليمه. بكلمة واحدة خلّص الممسوس من شيطانه، بكلمة واحدة شفى المرضى (1: 27، 31، 34). لهذا، ((راح الناس كلهم يطلبونه))، ((وجاؤوا إليه من كل مكان)) (1: 37، 45). ولكن حين أعلن لمخلّع جاؤوا به إليه: ((يا ابني مغفورة لك خطاياك))، كانت ردة فعل الكتبة انغلاقًا وقساوة قلب: ((إنه يجدّف. من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده)) (2: 7)؟
ولكن هل يبدّلون موقفهم حين يرون يسوع يقرأ في القلوب ويعطيهم بشفائه المخلع البرهان الساطع أن ((ابن الانسان يستطيع أن يغفر الخطايا)) (2: 8، 11)؟ كلا ثم كلا. فهم سوف يراقبون هذا المعلّم الشاب وتلاميذه، وينتقدون (2: 16، 18، 24). وما يلهم تصرّفاتهم هو سوء النيّة. في يوم سبت، دخل يسوع إلى المجمع حيث كان انسانٌ يده يابسة. ((كانوا يراقبونه هل يشفيه يوم السبت لكل يستطيعوا أن يتّهموه)) (2: 2). وقام يسوع بمجهود آخر علّهم يفهمونه. قال: ((هل يحلّ فعل الخير أم فعل الشرّ يوم السبت، خلاص حياة أم هلاكها؟ أما هم فظلّوا صامتين. حينئذ أجال يسوع فيهم نظر غضب مغتمًا لتصلّب قلبوهم، وقال للرجل: مدّ يدك، فمدّها، فعادت يده صحيحة. حينئذ خرج الفريسيون، وفي الحال ائتمروا عليه مع الهيرودسيين ليهلكوه)) (3: 4-6).
متذ الآن، قد انتهى كل شيء. أعلن هؤلاء أن يسوع فيه روح نجس. ونسبوا إلى رئيس الشياطين أعمالاً تدلّ على حضور الروح القدس في يسوع، وهذا تجديف أعلنه يسوع خطيئة لا تغتفر، لأنها ترفض النور، ترفض كل ما يجعل التوبة (والارتداد) ممكنة (3: 22-30). فالمعجزات لا فائدة منها لأناس بمثل هذا الاستعداد. هذا ما أعلنه يسوع وهو باك (8: 11-12)، وحذّر تلاميذه من هذا الموقف العميق الذي سمّاه خمير الفريسيين (8: 15).
وسيقدّمون برهانًا أخيرًا عن هذا الموقف، موقف الرفض تجاه الحقيقة، عند الصليب، فيهزأون من المصلوب. ((وكذلك أيضًا رؤساء الكهنة والكتبة، كانوا يسخرون منه، في ما بينهم ويقولون: خلّص آخرين ولا يقدر أن يخلّص نفسه. هو المسيح، ملك اسرائيل! فلينزل الآن عن الصليب لنرى ونؤمن)) (15: 31-32). لقد كذبوا حين أكّدوا أنهم سيؤمنون إن رأوا. إنهم شهود الآن أنه خلّص آخرين. أشاروا بذلك إلى معجزات أجراها يسوع. ومع ذلك لم يؤمنوا. لماذا؟
السؤال خطير، وقد أجاب عليه يسوع يوم وقف التلاميذ بينه وبين الأطفال. ((رأى يسوع ذلك فاغتاظ وقال لهم: دعوا الأولاد يأتون إليّ، لا تمنعوهم، فإن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحقّ أقول لكم: من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل لا يدخله)) (10: 14-15). ذاك هو الاستعداد الأساسيّ الذي بدونه لا ارتداد ممكنًا، ولا دخول إلى ملكوت الله. يجب أن نكون مثل الأطفال، أن نكون منفتحين. وغيظ يسوع في هذه المناسبة يُبرز أهميّة الدرس الذي أراد أن يعطيه لتلاميذه.
وتجاه انفتاح القلب هذا على عطيّة الله، هناك عوائق يندّد بها يسوع. لقد كشف مثلُ الزارع ما يمنع الكلمة من أن تحمل ثمرًا (4: 14-19). الغنى هو أحد هذه العوائق. وجاءت عدّة أحداث انجيليّة تصوّر بشكل ملموس تعليم هذا المثل. تعلّق الجراسيون بخنازيرهم، فما فكّروا بمعنى الحدث العجائبيّ الذي يحرمهم منها، فطلبوا من يسوع أن يبتعد عن تخومهم (5: 15-17). والشاب الغني الذي لا ينفعه شيء سوى أن يكون فقيرًا ليتبع يسوع، مضى حزينًا ورفض أن يتجرّد من أمواله. فأعلن يسوع ملحًا: ((ما أصعب على الغني أن يدخل ملكوت الله)) (10: 21-25).
ولكن إذا كان الغنى عائقًا، فهو كذلك بقدر ما يجعل الانسان راضيًا عن نفسه. وهناك اكتفاء على المستوى الروحي أكثر خطرًا من الاكتفاء بالمال. والانسان الذي يريح ضميره لأنه يظنّ أنه يمتلك الحقيقة والبرّ، لا يمكن أن ينفتح على العطيّة التي يحملها يسوع، على هذه العطيّة المجانيّة التي بدونها نبقى خارج الملكوت وتستحيل علينا التوبة والرجوع إلى الله (4: 11-12).
ذاك هو مفتاح موقف الفريسيين. امتلكوا تقليدًا هو قاعدة حياة لأنه شرح عمليّ ومفصَّل لشريعة موسى. ونسوا أن يتساءلوا إن كان الروح الذي ينعش كلمة الله، هو ذاته الذي ينعش التفسير الذي يساعدنا على فهم الكلمة الفهم الحسن وممارستها ممارسة أفضل. ولكنهم راحوا بفضل تقليدهم يميلون عن شريعة الله، بل يلغونها (7: 6-13). هذا ما لامهم يسوع عليه بشدّة. وندّد بشكل خاص بالرياء الأساسيّ الذي تحدّث عنه أش 29: 13، والذي حصر العبادة في طقوس خارجيّة.
وهذه الممارسة الخارجيّة هي في نظر الفريسيين العلامة التي تدلّ على البرّ. ظنّوا نفوسهم أبرارًا بفضل هذه الممارسة، واهتموا بطقوس التطهير، لا بنقاوة القلوب. وجعلتهم أمانتهم لهذه النصوص يرضون عن نفوسهم، بدلاً من أن يعوا خطيئتهم وحاجتهم إلى التوبة.
وإذ أراد يسوع أن يوقظ هذه الحاجة إلى التوبة، دعا سامعيه إلى انقلاب أول: يجب عليهم أن يغيّروا نظرتهم إلى الطهارة. فالطهارة المطلوبة هي طهارة القلب (7: 18-23). ومن تفحّص قلبه لا يمكن أن يكون راضيًا عن نفسه. هو يعي خطيئته وحاجته إلى الخلاص. ويسوع قد جاء إلى مثل هذا الانسان، إلى جميع الذين يحتاجون إلى الخلاص. جاء يدعو الخطأة إلى التوبة (2: 17).
لقد حمل يسوع إلى هؤلاء الخطأة الخلاص شرط أن يقرّوا بخطيئتهم ويؤمنوا به. وهذا التواضع وهذا الايمان اللذان رفضهما الفريسيون، يشكّلان مبدأ التوبة والارتداد: حيث يجدهما يسوع يمارس مهمّته كالمخلّص. ومثَل الوثنيّة التي نالت شفاء ابنتها بتوسّل واثق وجواب متواضع يفهمنا هذا الأمر (7: 25-29). كأني بها ((أجبرت)) يسوع على أن يمنحها ما طلبت بفضل إيمانها المتواضع. لهذا لا يني يسوع يدعو إلى الايمان أولئك الذين يأتون إليه. حينئذ تستطيع قدرته الخلاصيّة أن تجعل ((كل شيء ممكنًا للذي يؤمن)). هذا ما قاله يسوع لوالد الولد المصروع (9: 23). إذا أردت أن تخلص، يجب أن تؤمن أن كل شيء ممكن لله (10: 27) وأن تصلي بإيمان (11: 22-24).

ج - تكملة الارتداد: شروط الايمان
أن يكون الايمانُ بيسوع الجوابَ الذي ينتظره منّا، وأن يكون هذا الايمان الارتداد الأساسيّ الذي إليه يدعونا، هذا ما يوضحه مرقس حين يجعل من اعتراف بطرس قلب انجيله. لقد كشف عن نفسه لتلاميذه، على مهل، بواسطة كرازته ومعجزاته، وعبر الجدالات والمقاومات. كشف عن نفسه كما أعلنه يوحنا. ليس يسوع هو يوحنا الذي قام من بين الأموات. وليس نبيًا قبل سائر الأنبياء، كما ظنّت الجموع (6: 14-16). إذن، من هو؟ أجاب بطرس: ((أنت المسيح)) (8: 29).
إذا كان هذا الكلام هو قلب انجيل مرقس، إلاّ أنه ليس الذروة في هذا الانجيل بل محطّة تضمّ مرحلتين. فالايمان بالمسيح هو تقبّل الملكوت. وهو مبدأ الارتداد الذي يفتح الباب إلى الملكوت. ولكنه يفرض أيضًا اتّباع المسيح حتى النهاية للدخول إلى ملكوته الابديّ. واتّباع المسيح يعني أن نتركه يكمّل ارتدادنا، أن نترك مثَله يبدّل سلوكنا، أن نترك حبَّه يُحدث فينا انقلابًا تامًا فيجعل منّا شهوده بحيث يؤمن الجميع ويخلصون (16: 15-16).
لهذا، وما إن أعلن بطرس ايمانه، حتّى كشف له يسوع المضمون السريّ لهذا الايمان. فهذا المسيح الذي اعترف به الآن، سيُتمّ رسالته مارًا في الألم والموت والقيامة (8: 31). حينئذ بيّن بطرس أن ارتداده ما زال ناقصًا: فتجرَّا ولام يسوع: ((حاشا لك يا رب)) (8: 32). أما يسوع فأراد أن يبيّن له الانقلاب الروحي الذي يفرضه الايمان: وجّه إليه كلامه وسمّاه ((شيطان))، لأنه يعارض مخطط الله كما يفعل الشيطان: ((ليست أفكارك أفكار الله، بل أفكار الناس)) (8: 33؛ رج أش 55: 8).
فما هي إذن أفكار الله؟ نجد الجواب في تعليم يسوع كما أورده الازائيون الثلاثة فيقرّبونه من خبر اعتراف بطرس. ((من أراد أن يخلّص نفسه يخسرها من أجلي ومن أجل الانجيل)) (8: 35). اتّباع يسوع هو سير في اتجاه يعاكس كل المعاكسة ذاك الذي يتبعه البشر طوعًا. ولكننا عند ذاك نصبح شهود الانجيل، شهود المسيح، شهود الخلاص الذي جاء المسيح يحقّقه. وما هي عمليًا هذه الطريق التي فيها نتبع المسيح ونحتقر الحكمة البشريّة؟ حدّثنا عنها يسوع مستعملاً صورة تدلّ كيف يصنع هو نفسه خلاصنا. ليست بالحريّ صورة بل واقع وهو حمل الصليب الذي عليه سيموت. وما يعني في الحياة اليوميّة تعليم يسوع للجموع: ((من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه)) (8: 34)؟ نحن نفهم معنى هذه الصورة التي أعطاها يسوع لتلاميذ في ظرفين دلّوا فيهما على أن أفكارهم ورغباتهم ما زالت أفكار البشر ورغباتهم. كل يريد أن يكون الاكبر، ويتمنّى ذلك. حينئذ أعطاهم يسوع شريعة الملكوت والارتداد المتواصل الذي تفرضه هذه الشريعة: ((من أراد أن يكون الأول، يجعل من نفسه آخر الجميع وخادم الجميع)) (9: 35؛ رج 10: 42-44). وحين يصنع هذا، يقتدي بـ ((ابن الانسان الذي ما جاء ليُخدم، بل ليخدم ويبذل حياته فدية عن الكثيرين)) (10: 45).
إن قاعدة السلوك المعطاة بهذا الشكل، ترتبط بارتداد في النظرة إلى المسيح. ترذل النظرة إلى مسيح زمنيّ. هنا نتذكّر السؤال الماكر الذي طرحه الفريسيون على يسوع في شأن الجزية لقيصر. فعلّم يسوع بوضوح ما بعده وضوح أن إعطاء ما لقيصر لقيصر لا يمنعنا من اتّباع طريق الله فنرد لكل واحد ما يجب علينا (12: 14-17). أي نخضع لشريعة الملكوت في حبّ الله وحبّ القريب (آ 28-33).
وأخيرًا، هناك ارتداد أخير يجب أن نقوم به. لمّح إليه يسوع حين سأل الفريسيين عن المسيح الذي هو ابن داود: إذا كان داود يُسمّي المسيح ربّه، فكيف نستطيع أن نقول إن المسيح هو ابن داود (آ 27)؟ فالجواب الذي لم يستطع أحد أن يعطيه، نقرأه في مثل الكرّامين القتلة: فآخر المرسلين إلى كرم الرب، إلى شعب اسرائيل، هو الابن الحبيب (12: 6). إذن، ابن الانسان هو ابن الله. هذا ما سيقوله يسوع، في الساعة الحاسمة، أمام المجلس الأعلى (14: 62)، فيعتبر هذا المجلس كلامه تجديفًا (14: 64).
فتأكيد يسوع يفرض على اليهودي، كما يفرض على كل انسان يحمل في قلبه حسَّ الله وتساميه، انقلابًا في فكره الديني. هناك هوّة سحيقة لا يمكن اجتيازها، بين الله الذي هو قدّوس اسرائيل وخالق الكون، وبين الانسان الذي هو خليقته الضعيفة وخليقته الخاطئة. وأن يكون انسانٌ ابن الله، فنحن لا نستطيع أن نقوله إلاّ عن طريق الاستعارة. ولكي نعبّر عن اختيار الله لشعب أو لفرد من الأفراد. ولكن أن يقول انسان عن نفسه إنه الله، وأن يدعو الله أباه، فهذا ما لا يمكن أن نتخيّله ولا أن نفكّر فيه. وإن قبلنا بهذا القول، فما يصبح كلامنا حين يسمح ابن الله هذا بأن يُصلَب؟
ومع ذلك، فهذا هو السرّ الذي يجب أن نؤمن به لكي نبلغ إلى الخلاص. هذه هي البشرى التي يجب أن نشهد لها في العالم كله (16: 15-16)، مؤكّدين أن الذي صُلب هو الذي قام (16: 6)، وجلس عن يمين الله (16: 13). ونفهم الآن بشكل أوضح لماذا أعلن يسوع ((توبوا)) قبل أن يقول: ((آمنوا بالبشارة)) (1: 15). فالايمان مستحيل قبل الاستعداد للتخلّي عن فكرنا والانفتاح على فكر الله.
ومن يعطينا قوّة الارتداد والتوبة هذه؟ ذاك الذي يدعونا، ذاك الذي تكشف كلمته سرّ الملكوت، ذاك الذي يفتح موته أمام جميع البشر الدخول إلى هذا الملكوت. ويدلّ مرقس على فاعليّة هذا الموت حين يورد كلمة تلفّظ بها قائد المئة تجاه يسوع الذي أسلم الروح: ((في الحقيقة، كان هذا الرجل ابن الله)) (15: 39).إن الوثنيّ الذي يتكلّم بهذا الشكل (مهما تكن قيمة الألفاظ التي استعملها) تدلّ على انقلاب باطنيّ عميق. ويشهد أن الرجل الذي صُلب الآن، لأنه قال عن نفسه إنه ابن الله، أهل لأن نصدّقه. آمن الضابط الروماني بما قاله يسوع. آمن بأن هذا الرجل هو ابن الله.
كل انسان يعيش دراما يسوع سامعًا شهادة مرقس، يستطيع أن يؤمن إيمان قائد المئة، إن هو لم يُغلق قلبه على مثال الفريسيين. وسيكون إيمانه مبدأ ارتداد تام يفتح أمامه باب الملكوت، باب الحياة (9: 43، 45، 47).

3 - ثمار الارتداد حسب متّى
نجد في مت ذات التعاليم التي وجدناها في مر، ونصوص الانجيلي الأول تتوازى مع نصوص الانجيل الثاني. فيسوع هو في مر الملك الذي فيه صار الملكوت حاضرًا، هو الملك الذي جاء يطلب الانسان الخاطئ ويدعوه إلى خيار يقوم به. والارتداد الأساسي الذي إليه يدعو يسوع هو الايمان. وقد كشف مرقس كل متطلّبات هذا الايمان.
وفي مت، يسوع هو الملك أيضًا. غير أن تعليمه يتوجّه إلى جماعة الذين آمنوا به. إلى الجماعة التي هي ملكوته على هذا الأرض. ونحو هذا الهدف يتوجّه تعليمه، أي يجعل من جماعته جماعة رسالة تشهد فتحرّك شهادتُها ارتداد البشر من كل الأمم (28: 19-20). والسامع الذي يتوجّه إليه متّى ليس انسانًا عائشًا خارج الملكوت، بل في داخل الملكوت. هو ((ابن الملكوت)) (13: 38) وهو يذكّر هذا التلميذ بارتداد يدخل بواسطته إلى الملكوت، ويدعوه إلى أن يحمل الثمار التي يفرضها هذا الارتداد (3: 8. هذا ما قال يوحنا للفريسيين). نشير إلى أن لفظة ((ثمرة)) ترد 18 مرة في مت، و11 مرّة ((أثمر، حمل ثمرًا)) (لا يستعملها مرقس سوى 5 مرات).
إن قطب انجيل متّى هو إعلان البرّ المسيحيّ الذي هو ثمرة الارتداد ومتطلّبة الايمان. وهذا البرّ هو ارتداد متواصل. إن يسوع يحدّد البار كذلك الذي يبحث، ويبحث دومًا (يطلب) عن ملكوت الله وبرّه (6: 33). هذا هو السبب الذي لأجله يشدّد متى بشكل خاص على دينونة برّ الفريسيين الكاذب (5: 20). مثل هذا البرّ يعارض البرّ الحقيقيّ الذي نجد مثاله الوحيد في يسوع. والفريسيون هم مرآة فيها يشاهد المسيحيّ ما يمكن أن يصير إليه إن هو توقّف عن مسيرة الارتداد والتوبة.

أ - البرّ الكاذب يجعل الارتداد عقيمًا
((أثمروا ثمرًا يليق بالتوبة ولا تقولوا في نفوسكم: إن أبانا ابراهيم. فالفأس على أصول الأشجار. فكل شجرة لا تثمر ثمرًا صالحًا تُقطع وتُلقى في النار)) (3: 8-10). هذا ما قاله يوحنا المعمدان للفريسيين الذين استندوا إلى امتيازهم بأنهم أبناء ابراهيم، وهو امتياز يجعلهم أبناء الملكوت. ولكن إن كان إيمانهم عقيمًا فسيُطرحون خارجًا كما قال لهم يوحنا وسيقول لهم يسوع (3: 10).
إن موقف الفريسيين الذي صوّره يسوع هو موقف الانسان الراضي عن نفسه. ذاك هو الابن الذي قال ((نعم)) لأبيه ولكن رفض أن يطيعه ويذهب إلى الكرم (21: 30). ذاك هو المعلّم الذي يكتفي بأن يعلّم الآخرين ويجعل على أكتافهم الأحمال الثقيلة. الذي لا يريد أن يحرك هذه الأحمال بإحدى أصابعه. الذي لا يجعل حياته توافق تعليمه (23: 3-4). ذاك هو المرائي الذي يكتفي بأعمال الفضيلة الخارجيّة التي تلهمها رغبة بأن يراه الناس ويمجّدوه، دون أن يفعل شيئًا ممّا تطلبه نقاوة القلب (23: 5، 23-28). وأفضل الأعمال من صدقة وصلاة وصوم (6: 2، 5، 16) هي فاسدة بسبب الكبرياء التي تلهمها. وظاهر البرّ هذا الذي يُرضي الفريسيين، يجعلهم بعيدين كل البعد عن الارتداد والتوبة.
فنداء يسوع إلى التوبة يجعلهم صمًا لا يسمعون. فقد أشار إليهم يسوع في الدرجة الاولى حين قال: ((أصمّوا آذانهم، وأغلقوا عيونهم لئلاّ يروا بعيونهم، ويسمعوا بآذانهم، ويفهموا بقلوبهم فيرتدّوا فأشفيهم)) (13: 15). قرأ يسوع أش 6: 9-12 فأعطى متّى لكلامه تفسيرًا يختلف بعض الشيء عن تفسير مر 4: 11-12. في مر، شدّد يسوع على أنه لا يمكن للخاطئ أن يرتدّ ويتوب بدون موهبة مجانيّة من عند الله. أما مت فشدّد على مسؤوليّة الخاطئ الذي ينغلق بإرادته على كلمة الله وعلى موهبته المجانيّة. إن هذا الاختلاف يدلّ على غنى كلام المسيح. والكنيسة حين تأمّلت هذه الكلمات لكي تحيا منها، اكتشفت غناها. فالوضع الذي تلفّظ فيه يسوع بهذه الكلمات يحدّد معناها الأول. وحين طبّقتها الكنيسة على وضع آخر، اكتشفت فيها معنى آخر، وهو معنى مهمّ أيضًا.
إن آية يونان هي بدون فائدة لمثل هؤلاء العميان بإرادتهم (12: 38-42). فتجاه آية القيامة عينها، استنبطوا طوعًا الكذب لكي ينكروها (28: 11-15). والمؤمن الذي ارتدّ بعطية مجانيّة من عند الله، يحتاط لئلا تصبح هذه النعمة عقيمة إن هو افتخر بهذه النعمة وكأنها منه. بل عليه أن يشهد لمجانيّة هذه النعمة ليدعو جميع البشر لقبولها. ذاك هو البرّ الحقيقيّ.

ب - البرّ الحقيقي والارتداد المتواصل
نموذج البرّ الحقيقيّ هو يسوع الذي حدّد نفسه في كلامه إلى تلاميذه: ((احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب)) (11: 29). وأعطى مثالاً ساطعًا عن هذا التواضع حين دشّن كرازته بقبول عماد يوحنا. رفض يوحنا حين رأى الادوار مقلوبة. ولكن يسوع أكدّ أنه تواضع فأخذ وضعنا، تواضع فأخذ على عاتقه خطايانا (26: 28). فبرّرنا. العماد هو رمز الآلام (مر 10: 38؛ لو 12: 5) التي بها يتمّ كل برّ.
فإذا أراد الانسان أن يكون متواضعًا كالرب، وجب عليه ((أن يتحوّل ويصير مثل طفل)) (18: 3) وهذا الارتداد ليس عملاً نقوم به مرّة واحدة. فعندما نصير صغارًا، يجب أن نبقى صغارًا: نصير صغارًا، نصير فقراء بالروح (5: 3)، نصبح جياعًا وعطاشًا إلى البرّ (5: 6). هذا لا يعني موقفًا جامدًا نقيم فيه ولا نتحرّك. بل هو اندفاع متواضع وواثق يتجدّد يومًا بعد يوم، وهو اندفاع ينتج من إحساسنا بدعوتنا وعجزنا، وننفتح على النعمة التي تجعلنا جديرين بأن نتجاوب مع دعوتنا ونبلغ إلى البرّ الحقيقيّ متممين إرادة الآب الذي في السماوات (7: 21). وهذه الارادة هي أن نكون كاملين كما أن الآب السماوي كامل هو (5: 48). أي تحوّل يفرض كل هذا! وهكذا نفهم أن الارتداد عمل لا يتوقّف. غير أن هدف هذا الارتداد ليس كمالنا. فقلب هذا الارتداد هو مجد الله والرغبة في أن يمجّد جميعُ البشر الآب الذي في السماوات (5: 16). هنا يلتقي التواضع والحبّ في موقف بنويّ هو ثمرة ارتداد متواصل وكمال البرّ المسيحيّ.
ويظهر هذا الارتداد المتواصل في علاقاتنا مع القريب. نكون كاملين مثل الآب حين نكون رحومين مثله. وتطويبة الرحماء ترتبط بتطويبة العطاش إلى البرّ (5: 6-7). فالرحماء يعملون من أجل البرّ الذي يعطشون إليه، الذي يقوم بتمجيد الآب وإقامة ملكوته (موضوع صلاتنا، 6: 9-10). إن الرحماء يكشفون وجه أبيهم (5: 45). ولكن سلوكهم يفترض انقلابًا في نظرتهم البشريّة إلى البرّ.
البرارة تقوم بأن نحبّ الذين يحبّوننا! والذين يبغضوننا ويضطهدوننا؟ لا نردّ لهم الشرّ بالشرّ كما تطلب شريعة المثل (5: 38؛ رج خر 21: 24). ونصلّي لأجلهم صلاة تلهمها المحبّة (5: 44). هذا يفرض أن الانسان تجدّد، وصارت أعماله أعمال الله. وتظهر المحبّة بين الإخوة (ولو كانوا أعداء) بغفران يتجدّد سبعين مرة سبع مرات (18: 22). هذا ما قاله يسوع لبطرس، واسند كلامه بمثل الخادم الذي لا يرحم أخاه (18: 23-25). وينهي كلامه قائلاً: ((هكذا يصنع بكم أبي السماوي إن لم يغفر كل واحد منكم لأخيه من أعماق قلبه)) (18: 35). وتأتي الصلاة الربيّة كصدى لهذا المثَل فتحفر الدرس في قلب التلاميذ. نحن نغفر كما غُفر لنا. فمن رفض أن يغفر لا يستطيع أن يدعو الله أباه، ولا يرجو غفرانه (5: 12، 14، 15).
وارتداد القلب هذا يتجذّر في ارتداد النظر والعين. نتطلّع إلى القريب، إلى الجائع والعطشان، إلى المريض والعريان، ونرى في كل واحد أخًا من إخوة يسوع. تلك هي لوحة الدينونة الأخيرة. وهنا ينكشف برّ الله، البرّ الخلاصي الذي لا يرذل من الملكوت إلا الذين رفضوا الاقتداء برحمة الآب. وهنا تتمّ الدينونة التي ترافقنا طوال حياتنا فتحكم على موقفنا تجاه الصغار في هذا العالم. فإذا أردنا أن يكون هذا الموقف ((بارًا))، يدعونا يسوع لكي نرى، نراه هو ملك الملكوت الابدي، ابن الانسان، وابن الله (25: 31، 34) في أصغر إخوته (30: 40، 45). كل ما نعمله (أو لا نعمله) لأحد هؤلاء الصغار، فنحن نعمله (أو لا نعمله) للمسيح.
إذن، الحياة المسيحيّة هي كلها ارتداد. وبدون هذا الارتداد لا نستطيع أن نكون شهود رحمة الآب. قد يتغلّب علينا النعاس مثل عذارى الانجيل اللواتي انطفأ مصباحهن (25: 5؛ رج 5: 15-16)، أو مثل بطرس ورفيقيه خلال النزاع (26: 40). هو نعاس روحيّ يسقط فيه الراضون عن نفوسهم. هو تجربة نسقط فيها إن لم نسمع نصيحة يسوع: ((إسهروا وصلّوا)) (26: 41).

4 - ينبوع الارتداد حسب لوقا
عرفنا كيف نصبح أبناء الملكوت، وكيف نظلّ كذلك. والارتداد يُجمل الشروط المطلوبة. يعبّر عن انقلاب في الحياة المسيحيّة، وهو انقلاب يجعلنا ودعاء ومتواضعين مثل يسوع، يجعلنا أطفالاً نطلب قبل كل شيء مجد الآب الذي في السماوات.
نلاحظ أن لفظة ((ميتانويا)) (ارتداد، توبة) ترد 5 مرات عند لوقا، مرتين عند متى، ومرّة واحدة عند مرقس. أما الفعل فيرد 9 مرات في لو، 5 في مت، 2 في مر. هذا يدلّ على موضوع الارتداد في الانجيل الثالث. مع العلم أن موضوع الارتداد يرد في نصوص قد لا تستعمل اللفظة التي ذكرنا.
فإذا أردنا أن نفهم المنظور الخاص بلوقا، نذكر رباط الانجيل الثالث بسفر الأعمال. وهذا الرباط هو عطيّة الروح القدس. وهذه العطيّة هي هدف عمل يسوع كما حدّثنا عنه الانجيل. وهذه العطيّة التي تمّت يوم العنصرة هي مبدأ تفتّح الكنيسة على ما يروي سفر الأعمال. امتلأ يسوع من الروح (لو 4: 1)، فجاء لينقل إلينا هذا الروح الذي هو عطيّة الآب السامية (11: 13)، وليشعل النار على الأرض (12: 49). حين عبر يسوع في عماد الآلام (12: 50) أنجز مخطّط الله: عمّدنا في الروح القدس والنار (3: 16)، لكي يرى كلُ بشر خلاص الله (3: 6؛ رج أش 40: 51). لقد شدّد لوقا بشكل خاص على شموليّة الخلاص. وفي نهاية انجيله حدّد مهمّة الرسل على أنها ((كرازة لجميع الأمم باسم يسوع لارتداد من أجل مغفرة الخطايا)) (24: 47؛ ق مت 28: 19). هذا يعني أن الخلاص هو مسكونيّ، والارتداد شرطه الضروريّ.
بما أن الخلاص مسكوني (يشمل الكون)، فإنجيل لوقا هو انجيل الفرح. وبما أن الارتداد هو شرط الخلاص، انجيل لوقا هو انجيل التجرّد المطلق. ولكن كيف يتواجد هذان المناخان المختلفان، مناخ الفرح، ومناخ التجرد؟ هنا نعود إلى ينبوعهما المشترك الذي هو رحمة الآب. وهذه الرحمة هي التي تحرّك فينا الارتداد، وتجعلنا نشارك في فرح الله من خلال جميع التجرّدات.

أ - الارتداد شرط فرح الخلاص
أبرز لوقا متطلّبات الايمان بشكل ساطع. فتفوّق على متّى ومرقس. فالارتداد ضروري: ((أقول لكم: إن لم تتوبوا تهلكوا جميعكم)) (13: 3، 5). والارتداد ملحّ. ستُقطع التينة العقيمة إن لم تثمر ثمرًا (13: 6-9). والارتداد يفترض تجرّدًا من كل شيء. ((من لا يتخلّى عن كل ماله، لا يمكنه أن يكون تلميذًا)) (14: 33). والارتداد لا ندامة فيه ولا تراجع: ((كل من وضع يده على المحراث ونظر إلى الوراء ليس جديرًا لملكوت الله)) (9: 62). والتجرّد التام يكون تجردًا يوميًا: ((من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني)) (9: 23).
إن نقطة انطلاق هذا الارتداد المطلق هو الاحساس بالخطيئة الذي جعل العشّار يتلو هذه الصلاة المتواضعة: ((يا إلهي، ارحمني أنا الخاطئ)) (18: 13). إن قساوة هذا الارتداد لا تُحتمل إلا إذا جاء الخلاص يملأ بالفرح قلب المرتّدين الذين يعرفون أن أسماءهم مسجّلة في السماء (10: 20). هذا الفرح الذي جعل يوحنا يرتعش في بطن أمه (1: 44)، ملأ قلب زكا حين استقبل وهو الخاطئ، في بيته، يسوع الذي حرّك فيه التوبة وأعلن له الخلاص (19: 5-9).
ولكن بدون التوبة لا فرح حقيقيًا. لهذا فالغنى الذي يعيق التوبة هو شقاء وتعاسة (6: 24). والمتكبّر الذي يرضى بنفسه ويزيل وعي الخطيئة، يُحرم من الخلاص. فالفريسي يحتاج إلى الغفران شأنه شأن العشّار الذي يحتقر. ولكنه لا يحصل على هذا الغفران الذي حصل عليه العشّار المتواضع بصلاته (18: 10-14). فالذين يرفضون أن يتبعوا طريق التوبة سيبكون على أنفسهم، لأنهم عود يابس لا يحمل ثمرًا (23: 28). وقد بكى يسوع على أورشليم التي ما أرادت أن تفهم نداءه إلى التوبة التي بدونها لا وجود للسلام (19: 41-44).

ب - رحمة الله ينبوع الارتداد والفرح
إذا أردنا أن نتغلّب على قساوة قلب البشر، يجب أن نكشف لهم سرّ حبّ الله، ورحمة قلبه الأبوي. وهذا الوحي هو رسالة لوقا الخاصة: إنه انجيليّ الرحمة. إن حبّ الله يتجلّى في إرسال ابنه الحبيب (3: 22) الذي جاء يدعو الخطأة إلى التوبة (5: 32). ((فابن الانسان جاء يطلب ويخلّص ما قد هلك)) (19: 10). وما هو الثمن؟ نجد الجواب الواضح في الانباءات بالحاش (بالآلام) التي أوردتها الأناجيل الازائىة (9: ،24 44؛ 18: 31-33). وبعد القيامة سوف يشدّد يسوع على أن آلامه كانت جزءًا من الخلاص الذي تحدّثت عنه الكتب المقدسة (24: 25-27، 44-46).
وحين طلب يسوع، وهو على الصليب، من أبيه الغفران لجلاّديه الذين لا يعرفون ماذا يصنعون (23: 34)، فهو يصلّي أيضًا من أجل جميع الخطأة الذين لا يعرفون الحبّ الذي عليه ينغلقون. وإذ أراد يسوع أن يكشف لهم هذا الحبّ جاء وبذل حياته. هذا ما يبيّنه لوقا في صفحات مؤثّرة من انجيله. هناك أولاً الخاطئة التي انقلبت حياتها لأنها آمنت بيسوع، آمنت بالخلاص الذي يعلنه (7: 50). حرّكها الحبّ فأعطت ليسوع شهادة عن حبّ كان أيضًا تعبيرًا عن توبتها المتواضعة. وتجاه الفريسي الذي احتقر هذه المرأة وما تأثّر بتواضعها العميق، أعلن يسوع أن هذه المرأة نقيّة. فالرحمة (التي حرّكت التوبة) التي بها آمنت ومعها تجاوبت بحبّ كبير، غفرت لها كل خطاياها وجدّدتها (7: 37-48).
وهناك ثانيًا حوار يسوع مع اللص التائب والمصلوب معه. جاء نداؤه مليئًا بالايمان والثقة والتواضع: ((أذكرني يا يسوع حين تأتي في ملكوتك)) (23: 43). وكشف الجواب الاحتفالي الحبَّ العظيم الذي عليه ينفتح قلب التائب: ((الحق أقول لك: اليوم تكون معى في الفردوس)) (23: 43). إن سرّ الرحمة اللامتناهية ينكشف في هذا الحوار. فإذا أردنا أن ندرك عمقه، نتأمّل دراما الجلجلة على ضوء ثلاثة أمثال ضمّها لوقا في ف 15.
يتحدّث المثل الأول عن الخروف الذي ضلّ كما يقول مت 18: 12-14 فيجعل نفسه في موقف الخروف الذي أخطأ فابتعد عن القطيع. أما لوقا فجعل نفسه أمام الراعي الذي يتألّم لضياع خروف من خرافه (لو 15: 4). فهذا الراعي يذهب في طلب الخروف الفريد، الذي لا يحلّ محلّه خروف آخر. ((وحين يجده يحمله على كتفه فرحًا. وحين يعود إلى البيت يجمع الاصدقاء والجيران ويقول لهم: افرحوا معي)) (15: 5-6). هذه هي كلمة الوحي: الفرح. حين سمع يسوع كلمات اللص المصلوب وما فيها من توبة، فرح فيه قلبُ الراعي، وفرحت السماء كلها معه. ((إنه يكون في السماء. فرح من أجل خاطئ يعود أكثر من 99 بارًا لا يحتاجون إلى التوبة)) (15: 7). ويرسم المثل الثاني، مثل الدرهم الضائع، ذات الحقيقة وذات السرّ.
كل هذا يفتح القلب المغلق فيجعله ينبع دموعًا. ففرح المخلّص يرتبط بارتداد الخاطئ. وابن الانسان جاء ليطلبه. وقد سفك دمه لكي يجده (22: 20). فحين يترك الخاطئ الراعي يحمله ويعيده إلى القطيع، يكون المخلّص في الفرح. وليس المخلّص وحده، بل الآب أيضًا الذي هو أبو الابن الوحيد. فمثل الابن الضال يرينا فساد القلب البشري ودناءته حيث البرّ الكاذب يبدو شرًا من خطيئة أقررنا بها بصدق. ولكن الأب هو هنا. تحرّكت أحشاؤه فذهب إلى ابنه العائد إليه (15: 20)، الذي يعلن نفسه خاطئًا وغير مستحقّ اسم الابن (15: 21). كشف الأب قوّة غفرانه وفرحه في أن يمنح هذا الغفران. ((لنفرح. فابني هذا كان ميتًا فعاش وضالاً فوُجد)) (15: 23-24). وسيقول لابنه الآخر الذي غار من العائد إلى أبيه: ((يجب أن نفرح ونمرح لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش وضالاً فوُجد)) (15: 32).
يفرح الآب حين يرحم. هذا هو ينبوع ارتدادنا وينبوع خلاصنا. ولسنا أبناء الآب السماوي إلا إذا ردّتنا رحمته، إلاّ إذا تبنا فأفرحنا الآب، إلاّ إذا وضعنا فرحنا في توبة اخوتنا توبة هي شرط الخلاص.
يجب علينا أن نشارك في هذا الخلاص، فنكون رحماء مثل الآب السماوي (6: 36). وشرطُ هذه المشاركة توبة تبدّل نظرنا، توبة يدعونا إليها يسوع في مثل السامري الصالح. في مثل الدينونة الأخيرة، دعينا لأن نرى يسوع في كل أخ من اخوته. وفي هذا المثل اللوقاويّ، يدعونا يسوع لأن ننظر إلى اخوتنا كما ينظر إليهم هو، بهذه المحبّة التي تنحني على الخطأة وترى فيهم أشخاصًا بائسين يحتاجون إلى حضورنا. بهذا الحبّ الرحيم الذي يريد خلاص الخاطئ ويحييه حين يقدّم له العون السخيّ.
إذن، لن نتساءل بعد اليوم: ((من هو قريبي))؟ فهل يحقّ لنا أن نستبعد بعض الناس من حبّنا؟ ولقد قلب يسوع هذا السؤال فعلّمنا أن نسأل: ((كيف أدلّ على أنني قريب هذا الانسان الذي هو هنا، أيًا يكن هذا الانسان)) (10: ،29 36)؟ الجواب واضح وهو يفرض نفسه: ((حين أمارس الرحمة تجاهه)) (10: 37). وأكمل يسوع الجواب بقاعدة عمل تجعلنا نقتدي بالآب ونشاركه في حياته: ((اذهب أنت واصنع كذلك فتحيا)) (10: 28-36).

خاتمة
تلك هي أبعاد الارتداد (والتوبة) المسيحيّة. فالتوبة ليست فقط مجرّد تحسّر على الخطيئة. تحسّر يهوذا ولكنه تحسَّر تحسّر اليأس. هو ما ارتدّ لأنه لم يؤمن برحمة المخلّص (مت 27: 3، 5). أما دموع بطرس المرّة فهي دموع التوبة، لأن ((يسوع صلّى لأجله لئلا يضعف إيمانه)) ((فيثبّت اخوته حين يعود)) (لو 22: 62، 62).
الارتداد نعمة. هو نعمة قيامة الخاطئ (لو 15: 24، 32) الذي يصبح ابن الله. وهذا التحوّل الذي بدأ في الايمان بيسوع يفرض على الانسان أن يتبع المسيح دومًا، في طريق التواضع، أن لا يطلب سوى مجد الآب، أن يمارس الرحمة تجاه اخوته في طريق المحبّة. التائب هو شاهد للنعمة التي ينبوعها رحمة الآب. وشاهد بفرحه الذي هو مشاركة في فرح الآب. فحيث يملك هذا الفرحُ، هناك يكون ملكوت المسيح مخلّصنا. منذ الصعود، ملأ هذا الفرح قلب التلاميذ، وهو فرح يفيض مديحًا بانتظار الساعة التي فيها تجعل قوّة الروح من أناس ارتدوا إلى الله، أشخاصًا يعملون من أجل ارتداد جميع الأمم (لو 24: 47-53).
الفصل الثامن

السعادة التي وعد بها يسوع

إن مواعيد السعادة عديدة على شفتَي يسوع. وهي تظهر في فنين ادبيين رئيسيين. لقد استعاد الربّ في تحريضاته طريقة الحكماء والمعلّمين. وأسند متطلبّاته إلى رؤية الجزاء الذي نناله لقاء أمانتنا. ذاك هو الوضع في تطويبات متّى (5: 3-12) والأقوال حول الدخول إلى الملكوت (7: 21: 18: 13؛ 19: 17؛ مر 9: 42-47)، والامثال التي تتحدّث عن المجازاة (20: 1- 16؛ 24: 45-47؛ 25: 1-12، 14-20). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، استعمل الرب الاسلوب الجلياني في أيامه، فأعلن الخلاص في تجلّيه المتسامي. فجاءت مواعيده المشرقة من القول القصير (8: 11؛ 19: 28) إلى لوحة الدينونة العامة (25: 31-46) والخطبة الاسكاتولوجيّة (مر 13: 5-27؛ لو 17: 22-37).
في هاتين الحالتين يصوّر يسوع سعادة المختارين في اللغة التقليديّة التي عرفها العالم اليهودّي: هناك صور ملموسة لملكوت الله (5: 3؛ يو 3: 5) وقديسيه (19: 28) وأرض الوعد (5: 4) والوليمة (8: 11؛ 22: 11-13؛ لو 14: 16-24؛ 22: 16-18-30) والعرس (22: 2-10؛ 25: 1-12) والمظال الأبديّة (لو 16: 9) والكنز (6: 19-21؛ 13: 44؛ 19: 21) والأجر (6: 3-6، 18؛ 10: 41-42؛ 25: 14-30). وهناك مواضيع الخلاص (مر 8: 30؛ 10: 26؛ 13: 13، 20) والحياة (7: 14؛ 25: 46؛ مر 9: 43، 45؛ 10: 17، 30؛ لو 10: 25-28؛ يو 3: 15-16) والقيامة (لو 14: 14؛ 20: 35-36؛ يو 5: 28-29؛ 6: 39-40) والغفران (5: 7) والمجد (13: 43؛ مر 10: 37؛ يو 17: 22، 24).
واستعاد كتّاب العهد الجديد مواعيد يسوع في ذات الاسلوب الأدبي فجاء كلامهم امتدادًا لكلامه.هناك التحريض في ختام الكرازة في أع 3: 19-21؛ 10: 43؛ 13: 38، 46-47. وفي الارشادات البولسيّة (1تس 2: 11-12؛ 3: 13؛ 5: 4، 11؛ 1كور 6: 9-10؛ 10: 1-13؛ غل 6: 7-8؛ كو 3: 14؛ أف 4: 11-16؛ 5: 5)، وفي النصوص الجليانية في 1تس 10: 1؛ 2: 19-20؛ 4: 13-18: 1كور 15: 22-28، 51-52؛ روم 8: 28-30؛ 11: 25-27 وفي سفر الرؤيا. الصور المستعملة هي تلك التي استعملها يسوع، وتضاف إليها تمثّلات يهوديّة تقليديّة: الخروج الجديد (1كور: 10: 1-13)، أورشليم الجديدة (غل 4: 25- 26؛ عب 11: 16؛ 12: 22-23؛ 13: 14؛ رؤ 3: 12؛ 21: 1-8؛ 21: 9-22: 5) الفردوس (رؤ 2: 7؛ 22: 2؛ 14: 19).
إذن مواعيد العهد الجديد تقليديّة في فنّها الأدبي وصورها ومواضيعها. ومع ذلك، وفي لغة تتكيّف مع السامعين، قدّم يسوع والرسل تفكيرًا جديدًا هو وحي العهد الجديد. وما يميّز هذا الوحي ثلاث سمات ستكون موضوع دراستنا: رؤية الله ، اللقاء بالمسيح، تجمّع المختارين.

1- رؤية الله 

أ- العهد القديم
نجد في العهد القديم صورة عن الأمل برؤية الله في يوم الخلاص. وقد أعلن الأنبياء خلال المنفى، تجلّي مجد الله لمثل هذا اليوم (حز 29: 21؛ 36: 23؛ أش 10: 1-2). وقد أرادوا أن يعبّروا قبل كل شيء بهذه الصورة، عن حدث تاريخي، حدث خلاص اسرائيل حيث تتجلّى قدرة الله (أش 44: 23؛ 52: 10؛ مز 98: 2-9). وفي هذا التجلّي الرائع، يحتفظ الله بسرّه، فيكشفه مجده كما يخفيه (حز 1: 26-28؛ 10: 1-4). إن تساميه يستبعد كل حياة حميمة بينه وبين الانسان الذي هو من لحم ودم.
في القرنين السابقين للمسيح التقى وحيُ الحياة الابديّة بالبحث عن الله كما تواصل لدى الانبياء وفي المزامير. ورسمت كتابات ذاك الزمان لوحة سريعةعن السعادة الآتية (دا 12: 1-3؛ حك 3: 5-9، 14؛ 1أخن 25: 3-6؛ 92: 3-4؛ 92: 16-17؛ 103: 3؛ 104: 2-4؛ يوب 1: 16-18، 27-28؛ مزسل 3: 16؛ 9: 9؛ 14: 2-6؛ 18: 6-7؛ نج 4: 6-8، 31-23؛ 11: 7-9؛ مد 3: 21-23؛ 6: 16-18؛ 7: 15، 24؛ 8: 5-9؛ 11: 10-14؛ 12: 14-24؛ 13: 16-18؛ 15: 15-17؛ 17: 14-15؛ 18: 28-30). هي تصوّر فرح المختارين بصور تقليديّة عن الملكوت والحياة والوليمة والفردوس والمجد والأجر... وهناك نصوص تصوّر السعادة في حياة تجمعنا بالله (حك 3: 9؛ 5: 5؛ يوب 1: 17؛ مزسل 9: 9؛ وص لاوي 5: 2؛ زبولون 9: 8) فتدلّ على عودة الرب إلى هيكله الذي تركه (رج حز 43).
ما يلفت النظر هو أن الإشارة إلى لقاء الله ورؤيته أمر نادر. فالكتّاب يتحفّظون في الحديث عن مثل هذا الموضوع وهذا ما يتعارض مع الرغبة في رؤية الله التي انتشرت انتشارًا واسعًا في ذلك الوقت، في العالم الهليني. نفهم هذا حين نتذكّر جمود المواضيع الاسكاتولوجيّة في التقليد اليهودي، بل تسامي الله الذي هو الاله الذي لا يمكن أن نراه.

ب - الأناجيل
مرّة واحدة في الانجيل وعد يسوع أخصّاءه برؤية الله . وهذه الرؤية هي أجر القلوب النقيّة كما تقول التطويبة السادسة. طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله (5: 8). إن الشكل الادبي لهذه التطويبة عزيز على قلب يسوع، وهو بهذه الطريقة يعلن متطلّباته. ما يطلبه هو نقاوة القلب. منذ أقدم العصور في اسرائيل، النقاوة (أو الطهارة) هي شرط ضروريّ للمشاركة في شعائر العبادة. وتأثّر معاصرو يسوع بالفريسيين فتعلّقوا تعلّقًا حارًا بالطهارة بحسب الشريعة، بالامتناع عن بعض الأعمال وبالاغتسال الطقسيّ. غير أن يسوع يبدو أكثر تطلّبًا. فهو لا يطلب فقط من الذي يريد أن يتقرّب من الله، بعضَ الطقوس التي يُتّمها بشكل آليّ. ولا موقفًا سلبيًا فيه الامتناع والتطهير. بل هو يطلب التزام القلب بدون تردّد، والسجود والعبادة والمحبّة والطاعة في الحقّ. يجب أن نعطي ذاتنا بكليتها للربّ ولا نحتفظ بشيء لنفوسنا.
فمن يقوم بهذا العطاء يعده يسوع بأن يرى الله . وهذه الرؤية هي الآن امتياز الملائكة (18: 10). والقلوب النقيّة يصلون إليها في المستقبل الاسكاتولوجيّ. هل نحن هنا أمام صورة قريبة من الخيال كما نجد في عدد من اللوحات اليهوديّة التي تتحدّث عن السعادة؟ غير أن هناك عدّة إشارات تدلّ على أن يسوع يريد منا أن نفهمه في المعنى الحصريّ للكلمة: قدّم هذه التطويبة في شكل احتفاليّ، فجاءت موجزة لا صورة فيها، فتوسّع فيها كتّاب العهد الجديد.
ثم إن هذا الوعد برؤية الله ينتج عن خبرة يسوع العميقة والأصيلة. فعلى مدّ رسالته قدمّ نفسه على أنه ((الابن)) الذي أرسله الآب، الذي يتّصل اتصالاً مستمرًا بالآب. هو يعرف قصده الخلاصيّ ومشيئته. بل هو وحده يعرفه: ((ما من أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن أراد الابن أن يكشف له)) (11: 27). وحده الذي رأى الآب يستطيع أن يخبر عنه (يو 1: 18؛ 6: 46)، وحده يستطيع أن يعدنا برؤيته. وإن كان قد احتفظ بهذه الرؤية لأنقياء القلوب، فلأن الله محبّة، ولأن المحبّة لا تظهر إلاّ للمحبّة، ألاّ للقلب النقيّ الذي يعطي ذاته بكلّيتها.
أبرز متّى الجديد الجديد في هذا الوعد. ولائحة التطويبات عنده تبدأ باعلان صور أرضيّة عن الفرح الأدبيّ مثل الملكوت والأرض والوليمة (5: 3، 4، 6). بعد ذاك، نجد إعلانًا عن نهاية كل شرّ: التعزية في الألم وغفران الخطايا (5: 5، 7). وفي النهاية، قبل العودة إلى إعلان الملكوت (5: 10) نجد الأفراح العظيمة: رؤية الله وتبنّينا (5: 8-9، نحن أبناء الله ). لا تنفصل العطيّة عن الأخرى عند التلاميذ كما عند يسوع: وحدهم أبناء الله يرون الله .

ج - سائر العهد الجديد
ويظهر الأمل برؤية الله مرّات عديدة عند سائر كتّاب العهد الجديد. ولكن بما أن هذا الأمل حاضر أيضًا في العالم الهلنستي، يجب أن نميّز ما يستلهم حلمًا وثنيًا وما يعود إلى وعد يسوع. 
أولاً: الرسالة الاولى إلى كورنتوس
قابل بولس في نهاية نشيده عن المحبّة (ف 13) بين رؤية الله الزمنيّة في أعماله، ورؤيته الاسكاتولوجيّة التامّة: ((الآن ننظر في مرآة في إبهام. أما حينئذ فوجهًا إلى وجه. الآن أعلم علمًا ناقصًا. أما حينئذ فسأعلم كما عُلمت)) (آ 12).
افتخر الكورنتيون بالكلمة والمعرفة، فوبخهم بولس على افتخارهم هذا، منذ بداية الرسالة (1: 17-3: 20، فيما يخص الحكمة؛ 8: 1، 10، 11؛ 13: 2-28 في ما يخصّ المعرفة). ووضع هنا أيضًا حدود معرفة الله البشرية، فصوّرها في موضوعين عرفتهما الفلسفة الهلنستية: دلّت الرؤية في مرآة، على الطابع اللامباشر لهذه المعرفة، والرؤية في إبهام على الطابع الغامض والرمزي لهذه المعرفة.
وجعل بولس تجاه هذه المعرفة الناقصة معرفة اللقاء في نهاية الأزمنة. لهذا عاد إلى مواضيع خاصّة بالفكر البيبليّ فقال: ليست المعرفة هنا تنظيرًا تقنيًا، بل لقاء شخصيّ وتبادل محبّة (8: 2-3). وتعارضُها مع معرفة هذا الزمن لا يعود إلى التعارض اليونانيّ الذي نجده بين الجسد والروح، بل إلى التعارض البيبليّ بين الزمن الحاضر والزمن الآتي والمتعالي. والمواجهة الأخيرة ستكون اكتشاف وجه الله الذي طلبه العهد القديم مرارًا في شعائر عبادته.
هل استند بولس هنا إلى تطويبة يسوع حول أنقياء القلوب؟ هناك أولاً لفظة ((رأى)). ونحن نعرف كيف تعامل بولس مع أقوال يسوع فلم يوردها في حرفيّتها. والوعد الذي نقرأه في 13: 12 يبدو في إيجازه قريبًا ممّا في تطويبة يسوع مع ذات السياق العباديّ والاسكاتولوجي. والرجاء الذي يُنشده هو جديد في العالم اليهوديّ بحيث لا نستطيع ان نستبعد تلميح الرسول إلى كلام الربّ.
ثانيًا: الرسالة إلي العبرانيين
ونقرأ في عب 12: 14 تحريضًا يلتقي مع تطويبة أنقياء القلوب: ((أطلبوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لا يعاين الربَّ أحد)). إن تأثير العالم الهلنييّ على عب هو واضح على مستوى الألفاظ والعلاقة، فلا نستبعد أيضًا هذا التأثير على الأمل برؤية الله . غير أن ما هو واضح هو أن هذه الرؤية اسكاتولوجيّة (منظور غريب عن الهلينيّة). وتلتقي عب 12: 14 تطويبة يسوع في ثلاث نقاط لها معناها: تقدّم رؤية الله بإيجاز كما في مت 5: 8. هذه الرؤية هي أجر القداسة التي تقابل نقاوة القلب (رج عب 9: 13؛ 10: 22). وتتوازى هذه الطهارة مع طلب السلام كما في مت 5: 8-9.
ثالثًا: رسالة يوحنا الأولى
وتلامس 1 يو ملامسات لافتة التطويبات المتاويّة. ((أيها الأحبّاء، نحن من الآن أولاد الله ، ولم يتبيّن بعد ماذا سنكون. غير أننا نعلم أننا إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو)) (3: 2). نحن أمام لهجة احتفاليّة، والآية المذكورة هنا مهمّة بعد أن جعلها الكاتب في بداية القسم الثاني من الرسالة، إنها تشدّد على واقع هذه الرؤية. ((نعاينه كما هو)). متى؟ في نهاية الأزمنة على مثال ما في الانجيل. أما البنوّة الالهيّة فنحصل عليها ((منذ الان)). وأخيرًا تربط 1يو هذه الرؤية بتأليه المؤمنين.(( سنكون أمثاله)). ظنّ الشرّاح أنهم وجدوا في هذا القول موضوعًا هلنستيًا هو موضوع التأليه بمشاهدة الله. قد تسمح الألفاظ اليوحناويّة بهذا التفسير. غير أن فكر 1يو يختلف كل الاختلاف عن فكر التصوّف اليوناني. فرؤية الله هنا، كما في التقليد البيبليّ كله، وتماهي هذه الرؤية بالمجد، لا يمكن أن تكونا إلا نعمة مجانيّة. فالرؤية والمجد خاصان بيسوع (يو 1: 14؛ 6: 46؛ 17: 5). وهو وحده يستطيع أن يشرك فيهما أخصّاءه (يو 17: 24).تقرّب 1يو، شأنها شأن مت5: 8-9، بين رؤية الله والبنوّة الالهيّة التي تعتبرها آنيّة حسب نظرة يسوع العاديّة. فبعد وعد يسوع بالرؤية الالهيّة، تدعو إلى الطهارة أولئك الذين يرجونها (1يو 3: 3). وهذا ما يدلّ على أن يوحنا يلمّح هنا إلى تطويبات يسوع.
رابعًا: سفر الرؤيا
ويمثّل سفر الرؤيا في ذات التقليد اليوحناوي، فنًا أدبيًا آخر مع صوره ورموزه ومصطلحاته. وتصوّر فصولُه الأخيرة سعادة المختارين مع مواضيع معروفة لدى الأنبياء وكتب الرؤى (21: 10-22: 5). وآخر لمسة في هذا المقطع تتحدّث عن رؤية الله. ((إن خدام الله ينظرون وجهه، ويكون اسمه على جباههم. ولا يكون ليل من بعد، ولا يحتاجون إلى مصباح ولا إلى نور الشمس لأن الرب الاله يفيض عليهم نوره، ويملكون إلى دهر الدهور)) (22: 4-5).
إن رؤية السعادة هذه تدخل في سلسلة طويلة من لوحات ترسم أورشليم الجديدة (حز 40-48؛ اش 54: 60؛ طو 13: 11-17؛ مزسل 17: 33-35) وتتضمنّ بعض هذه النصوص إعلان مجد الربّ (أش 60: 1-2، 19-20؛ مزسل 17: 35). ويدلّ السياق على ان هذا الظهور يكمن في خلاص الشعب وفيه تنكشف قدرة الله . إذن نستطيع ان نتساءل: أما يكون المعنى مماثلاً في الرؤية الإلهيّة كما في رؤ 22: 4-5؟
تدلّ إشارات عديدة على أن رائي بطمس (أي يوحنا) شدّد هنا على واقعيّة رؤية الله . فجعلها في قلب لوحة أورشليم الجديدة على أنها أسمى سعادة ينعم بها الأبرار. من أجل هذا يعود مرارًا إلى طهارة المدينة (21: 11، 18-21، 27؛ 22: 1)، إلى قداسة الليتورجيا. اختلف الكاتب عن الكتّاب اليهود، فما توقّف على خلاص الشعب بقدر ما توقّف على وحي الله النهائي. صورة موجزة، مناخ اسكاتولوجي وعباديّ. هذا ما يجعلنا قريبين من وعد يسوع. 
وهكذا جاء تقليد بولس ويوحنا وتحريضهما والرؤى الاسكاتولوجيّة، منوجّهة نحو التطويبة عينها: في نهاية الأزمنة يلاقي التلاميذ الله في خبرة يستحيل التعبير عنها. وهي ستكون العبادة الكاملة. وهذا الرجاء الجديد يتأسّس على وعد يسوع وفي النهاية على خبرته البنوية.

2- اللقاء بالمسيح

أ - العهد القديم 
حين يصّور أنبياء العهد القديم وكتّاب العالم اليهوديّ السابق ليسوع، الخلاصَ الذي ينتظرون،فهم يجعلون في قلب لوحتهم، المسيح الملك وابن داود. هذا لا يعني أنهم كانوا جميعًا في هذا الخطّ. فقد تحدّث الشراح عن مسيحانيّة بدون مسيح في كتاب التعزية (أش 40-55)، وفي مزامير الملك (93؛ 96-99)، وفي أقوال حول أورشليم الجديدة. وحتى في الاعلانات حول المسيح، كانت سعادة الأبرار تنعّمًا بعطايا الله ، أكثر منه بحضور ابن داود (مزسل 17: 1-4، 23-51؛ 18: 1-14؛ رج 1 أخن 62: 13-16؛ 71: 14-16). إن هذه النصوص تركّز على رجاء اسرائيل، وشعبُ الله يدرك شيئًا فشيئًا أن الله وحده هو فرحه. فالمسيح هو انسان وحسب. هو شخص مثاليّ. صورة خلاص، وما التقى به أحد ليرتبط معه بحبّ شخصيّ.
ب - الأناجيل
وركّز رجاء يسوع على الله أكثر مّما فعله رجاء اسرائيل: هو يشير إلى ملكوت الله وإلى ما في قلب هذا الملكوت، أعني اللقاء بالله. غير أن هذا الرجاء يعطي المسيح دورًا لم يعرفه من قبل في سعادة الملكوت.
> حين ظنّ يعقوب ويوحنا أن مجيء الملكوت صار قريبًا جدًا، طلبا من يسوع: ((هب لنا أن نجلس الواحد عن يمينك والآخر عن يسارك، في مجدك)) (مر 10: 37). قد يتضمّن الطلب ((هجومًا)) على أولويّة بطرس الذي هو شخص قريب من يسوع، شأنه شأن يعقوب ويوحنا (مر5: 37؛ 9: 2؛ 14: 33). وفي أي حال، هو سابق لأوانه ويفرض نفسه على يسوع وبالتالي على الله . رفض الرب أن يلبّي طلبهما: فقبل مقاسمة مجده، عليهما أن يقاسماه كأسه، أن يشاركاه في آلامه. أما أمكنة المجد، فالله هو الذي يعطيها (مر10: 38-40). ولكن بجانب رغبة بشريّة (على مستوى اللحم والدم) لدى ابني زبدي اكتشف يسوع رغبة حقيقيّة في أن يكونا معه، في أن يجدا في العالم المقبل هذا الحضور الذي هو نور لهما وقوّة. ما ألغى يسوع هذا الأمل، بل قدّم للاخوين إمكانيّة مقاسمة كأسه بحيث يشاركانه في مجده.
> واستعاد يسوع ذات الصور لكي يتحدّث عن مجازاة للاثني عشر. ((الحق أقول لكم: أنتم الذين تبعتموني، متى جلس ابن البشر، في عهد التجديد، على عرش مجده، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا، لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر)) (مت 19: 28). إن السعادة الموعود بها هنا هي سلطة ملكية يتقاسمها ابن الانسان مع الذين تركوا كل شيء لكي يتبعوه. غير أن هذا التجرّد كان أولاً بالنسبة إليهم تعلّقًا بالمعلّم. والجزاء يكمن في الاتحاد به، أكثر مّما يكمن في الامتيازات التي تنتج عن هذا التعلّق. نشير إلى أن هذا القول المتاويّ قد وُجد في لو 22: 28-30 في شكل مختلف بعد العشاء السريّ فقدّم صورة الوليمة المسيحانيّة (آ 13)، وهي صورة تقليديّة حول المشاركة في الفرح (رج مر 14: 25). 
> في مت ومر، أنهى يسوع العشاء الأخير فدعا أخصّاءه للقاء إلى مائدة الوليمة المسيحانيّة. ((الحق قول لكم: لن أشرب بعد من ثمر الكرمة إلى اليوم الذي أشربه فيه جديدًا، في ملكوت الله)) (مر 12: 25؛ مت 26: 29؛ رج لو 22: 18 الذي يجعل هذا القول في بداية العشاء السريّ).
ساعة شرب الاثنا عشر كأس العهد الجديد، أعلن لهم يسوع كأس الوليمة في الملكوت. إن سياق عشاء الوداع يعطي هذه الكلمة ملء معناها: لقد فكّر يسوع باللقاء المقبل مع أخصّاءه. ((معهم)) سوف يشرب هذه الكأس. هذا ما أوضحه متّى فشدّد على السعادة التي أراد يسوع أن يحدّثنا عنها .
> ويظهر هذا الرجاء عينه في لمحة عابرة، في مثلي العذارى العشر والوزنات: إن العذارى الحكيمات ((دخلن مع)) العريس إلى قاعة العرس (25: 10). والعبد ((الصالح والامين)) قد دخل ((إلى فرح سيّده)) (25: ،21 23). مقابل هذا، يبدو البعدُ عن يسوع الشقاء الأعظم (7: 22-23؛ 25: 11-12، 41؛ لو13: 25-27). هناك ((معي)) والسعادة النهائية. وهناك ((أبعدوا عني)) ومنتهى الشقاء.
> ولفظة ((معي)) التي هي لفظة السعادة، قد وجّهها يسوع إلى اللصّ التائب. تفرّد لوقا فأورد هذا الحدث الذي يدلّ على موضوع مفضّل عنده، موضوع التوبة والغفران (لو 23: 40-43).
هزئ رؤساء الشعب من يسوع واعتباراته المسيحانيّة، وسخر الجنود من اللقب الملكيّ المعلّق على الصليب. حينئذ انفتحت عينا اللص وهو في نزاعه. عرف خطأه. قبلَ عقابَه، وأقرّ ببرّ رفيقه في العذاب (يسوع) ومُلكه السريّ. فانتظره كدياّن في اليوم الأخير، وطلب منه نعمة رفض بيلاطس أن يعطيه اياها. فاستجابه يسوع قائلاً: ((الحقّ أقول لك: اليوم تكون معي في الفردوس)) (لو 23: 43).
لقد تجاوزت النعمة صلاة هذا البائس. طلب الخلاص ليوم الدينونة الآتية، فمنحه يسوع (( اليوم)) الدخول إلى ((الفردوس)). استعمل يسوع هنا كما في مثل لعازر والغنيّ (لو 16: 22-26) صورًا عرفتها الأوساط اليهوديّة في عصره فقالت بموضع سلام ينتظر فيه الأبرارُ القيامة. ولكنّه حوّل هذا الرجاء بوعد يرتبط بحضوره: إن الذي آمن به فقاسمه آلامه، سوف يقاسمه سلامه في انتظار مجده.
> كل هذه النصوص تدلّ على المكانة التي يأخذها يسوع في سعادة أخصّائه. ومع ذلك، فيسوع لا يلفت انتباهنا مرارًا إلى شخصه في الأناجيل الازائيّة.بل هو يختفي وراء عمله، وراء قصد أبيه. وسعادة تلاميذه التي هي هدفه الأعزّ، يعبّر عنها بصور تقليديّة مثل ملكوت الله والحياة والخلاص والأجر والمجد .
أما يوحنا فركّز نظرنا بالأحرى على شخص يسوع. فقد أورد في إنجيله أقوالاً يعلن فيها يسوع أنه ينبوع الحياة: في الصور (4: 13-14؛ 6: 27-63؛ 10: 10، 28؛ 15: 1-8)، كما في الاعلانات الواضحة (3: 15-16؛ 5: 24-26؛ 11: 26؛ 12: 50).وهذه الحياة التي هي الخلاص، تظهر مرارًا وكأنها بدأت في الزمن. غير انه في بداية خطب الوداع ونهايتها، سوف يعلن يسوع الخلاص ليوم عودته، فتوضح مواعيدُه مواعيد الاناجيل الازائية. ((وإذا ما انطلقتُ وأعددت لكم مكانًا أرجع وآخذكم إليّ لتكونوا أنتم أيضًا حيث أكون أنا)) (14: 3). ((أيّها الآب، إن الذين أعطيتني، أريد أن يكونوا هم أيضًا حيث أكون أنا)) (17: 24).

ج - سائر العهد الجديد
سمع تلاميذ يسوع هذه المواعيد، فأسّسوا عليها رجاءهم منذ أيام الكنيسة الأولى. وقد حدّدت خطبةُ بطرس في هيكل أورشليم (بعد شفاء المخلع)، وهي أقدم النصوص المسيحيّة، الخلاصَ المسيحيّ على أنه عودة المسيح ((الذي أعدّ لكم)) (أع 3: 20).
أولاً: بولس الرسول
كان بولس بشكل خاص رسول هذا الرجاء. وموضوع الاتحاد بالمسيح موضوع عزيز على قلبه. وهو يرى هذا الاتحاد في الحياة الاسكاتولوجيّة كما في الحياة الحاضرة. أما نحن فنتوقّف عند الحياة المقبلة حيث لا يفكّر الرسول دومًا بسعادة اللقاء بالربّ. ما يعبّر عنه بولس هو حالة الابرار: هم يشابهون المسيح (فل 3: 21؛ روم 8: 29)، يشاركونه في قيامته (2 كور 4: 14؛ روم 6: 5)، في حياته (روم 6: 8؛2 تم 2: 11)، في مجده (روم 8: 17؛ كو 3: 14)، في ملكه (2 تم 2: 12 نشير إلى حرف الجرّ ((مع)) ، سين في اليونانيّة) فيصوّر الحالة الجديدة للانسان المتجلّي، كما يتوقّف عند سرّ جسده المجيد (1 كور 15: 35-53).
وحين ينظر بولس إلى حدث الخلاص، فهو يتأمّل في انتصار المسيح (1كور 15: 24-28)، في اكتمال جسده (أف 4: 12)، قبل أن يتأمّل في سعادة القديسين. نجد أن بولس يرى دومًا هذا الخلاص على أنه لقاء بيسوع، وهو أمر يكرّره في كل مرّة يتحدّث عن مجيء الربّ. فهو يأمل ((بأن يكون مع الربّ)) (1تس 4: 14-17)، أن ((يحيا معه)) (1تس 5: 10). وعن ((جمعنا لديه)) (2 تس 2: 1)، ((والشركة معه)) (1 كور 1: 7-9). ترتبط هذه النصوص بالفنّ الجلياني وهي قريبة من مزسل (17: 18) وانتظارها للمسيح. كما يرتبط بمواعيد يسوع (جمعنا لديه في 2 تس 2: 1 يعود إلى مر 13: 27، لا إلى موضوع عودة المنفيّين كما في الأدب الجلياني اليهوديّ). فبعد خبرة طريق دمشق، صار يسوع بالنسبة إلى بولس، شخصًا حيًا وربًا يحبّه حتّى الجنون. والسعادة التي ينتظرها، ليست أولاً تجليّ كائنه العجيب ولا نجاح عمله، بل لقاؤه به وجهًا لوجه.
انتظر بولس في أقدم رسائله هذا اللقاء بالربّ ليوم القيامة، في التجمّع العظيم لشعب الله . ولكنه مع الرحلة الرسوليّة الثالثة، أخذ رجاؤه شكلاً جديدًا. ففي 2 كور حيث واجه بولس الموت (1: 8 - 10)، قد فكّر في سرّ هذا الموت. فحدّد الحياة الحاضرة: حياة في المنفى، حياة بعيدة عن الربّ. واستخلص: ((ما دمنا مستوطنين في الجسد، فنحن مغتربون عن الرب. إذن، نفضل أن نترك هذا الجسد لنكون لدى الربّ)) (5: 6-8). وفي فل التي تبدو قريبة من 2 كور في الزمن، بولس هو سجين ينتظر محاكمته. تطلّع إلى امكانيّة الموت. بل تمنّاه: ((الحياة لي هي المسيح، والموت لي ربح. أرغب في الانطلاق فأكون مع المسيح، وهذا هو الأفضل بكثير)) (1: 21-23). نجد في هذين النصّين الفكر الهلنستي ومواضيع قريبة من العالم اليهوديّ في القرن الأول المسيحيّ.
فكرُ بولس واضح وأصيل. منذ الآن، ومنذ موته، ينتظر أن يلاقي يسوع. هذا هو أمله كله. ومع ذلك فهو لا يتخلّى عن انتظار القيامة الأخيرة، لأن الخلاص الشخصيّ لا يتمّ حقًا إلا في فرح يشارك فيه شعب الله كله. ولكن في نظر بولس كما في نظر اللص (لو 23: 43)، يستبق لقاء يسوع المباشر هذا الخلاص فيمنحه نعمة جوهريّة.
ثانيا: سفر الرؤيا
أشار سفر الرؤيا أيضًا إلى اللقاء بيسوع، حين أعلن سعادة المختارين. ولكنه أعطاه بعدًا يختلف باختلاف القرائن. دلّت رؤيتا خلاص على تجمّع المختارين حول المسيح: يتبع الأبكار الحمل إلى حيث يذهب (14: 1-4، هم الأمناء، للايمان، عكس الزانية في ف 17). ويملك الشهداء مع المسيح ألف سنة (20: 4-6). هذه الصور المعروفة في العالم الجليانيّ اليهوديّ، تتحدّث عن مجد المختارين، عن نقاوتهم، عن كرامتهم الجديدة. ويرى القارئ المسيحيّ سعادتهم السامية في حياة حميمة مع المسيح. غير أن النص لا يوضح كل هذا، بل يظّل على مستوى العبارات التقليديّة.
والرسائل إلى الكنائس السبع التي تفتتح سفر الرؤيا (ف2-3)، تشكّل وضعًا جديدًا في هذا الفن الجليانيّ. فالحكم على أمانة الكنائس وتحريضهم بما فيه من تهديد أو تشجيع، بدلاّن على اهتمام رعائيّ هو اهتمام المسؤولين في هذه الجماعات. فيسوع يعلن لكل كنيسة إحدى عطايا مجيئه القريب: ثمرة الحياة (2: 7)، إكليل الحياة (2: 11)، المن والاسم الجديد (2: 17)، الملك (2: 26-28). وآخر هذه العطايا وأجملها، ذاك الذي يقدمّه الرب لكنيسة لا تتحلّى كثيرًا بالأمانة، هو أقرب ما يكون من المواعيد الانجيلية. ((ها أناذا واقف على الباب وأقرع. فإن سمح أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه فأتعشّى معه وهو معي. من غلب فإني أوتيه أن يجلس معي على عرشي)) (3: 20-21).

3- تجمّع المختارين
بدا المؤمنون بيسوع في امتداد رجاء اسرائيل. انتظروا السعادة المسيحانيّة، وهذه السعادة هي التي وعد بها يسوع، والتي اتّخذت وجهًا خاصًا. فسعادة المسيحي هي الله الحاضر في مسيحه.

أ - العهد القديم
إذا كان هناك من سعادة عزيزة على قلب بني اسرائيل والعالم اليهوديّ، فهي سعادة (مرتبطة بالرجاء) التجمعّ النهائيّ لشعب الله. فقبل أن يعرف الأنبياء القيامة والخلود الشخصيّ، أعلنوا تتمّة اسرائيل في يوم الربّ. وقد رأى أشعيا وميخا هذه الثقة على أنها مملكة السلام (اش 11: 6-9؛ 9: 5-6؛ مي 5: 2-5). بعد دمار الهيكل والسبي، أعلن خلفاؤهم عودة المنفيّين (حز 36: 16-38؛ اش 40-48) وإعادة بناء أورشليم (إر 31: 38-40) والهيكل (حز 40-48). ترجّوا خلاص الشعب قبل أن يترجّوا خلاص الأفراد. وأخيرًا جاء وحي عن الحياة الشخصيّة بعد الموت (بداية القرن الثاني ق.م). فأغتنى الأمل ببُعد جديد، ولكنه لم ينزع منه طابعه الجماعيّ. هذا ما تدّل عليه كتب الرؤى بلوحتها الواسعة حول الدينونة العامة وما يتبع هذه الدينونة.

ب - الأناجيل
ولقد حافظ يسوع على هذه الرجاء الجماعي واتمّه.
> إذ أراد أن يعلن سعادة المختارين، استعاد الصور التقليديّة: الدخول إلى الملكوت (مرّات عديدة)، البلوغ إلى أرض الموعد (5: 4)، صور ملموسة عن الوليمة (8: 11؛ 22: 11-13؛ مر 14: 25؛ لو 6: 21؛ 14: 16-24؛ 22: 16-30) أو العرس (22: 1-10؛ 25: 1-13) وعن الفرح في العائلة وفي الجماعة. وحين قرّر المجلس موته على أن يتبع هذا الموت ظهوره في أورشليم، عزم على انتظار الفصح (يو 11: 47-57). وهكذا تجاوز قصد أعدائه (مر 14: 2). فقد رأى في هذا العيد الاحتفال بخلاص شعبه الأول كصورة عن خلاصه النهائيّ (لو 22: 14-16).
> حين تخلّى يسوع عن الصور لكي يتحدّث حديثًا صريحًا، صوّر هذا الخلاص كتحقيق لشعب الله : إعادة بناء الأسباط الاثني عشر (19: 28؛ لو 22: 20). تجميع المختارين (13: 41: 25: 31-46). وإعلانه اللافت في هذا المجال هو نهاية الخطبة الاسكاتولوجيّة: ((وعندئذ تظهر علامة ابن الانسان في السماء... ويشاهدون ابن الانسان آتيًا على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد... ويرسل ملائكته بالبوق العظيم فيجمعون مختاريه من مهاب الرياح الأربع من أقصى السماوات إلى أقصاها)) (24: 30-31؛ مر 13: 26-27).
ندهش حين لا نجد في هذا المقطع تلميحًا إلى القيامة والدينونة ومصير المختارين والهالكين، وهي مواضيع متواتره في الأناجيل. هذا الصمت له معناه: فما يلفت انتباه يسوع في هذه النظرة إلى نهاية الأزمنة، مهمّته الاساسيّة التي هي جمع المختارين وتكوين الجماعة الاسكاتولوجيّة.
> حين أعلن يسوع التجمّع الأخير لشعبه، لم يتوقّف عند التفاصيل. بل اكتفى ببعض سمات أخذها من تمثّلات العالم اليهوديّ، وذلك بمناسبة بعض عظاته. حين أراد أن يحثّ الأغنياء على السخاء تجاه الفقراء، لـمّح إلى لقائهم بهم في الآخرة: ((إصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم، حتّى إذا نفد يقبلونكم في المظال الأبديّة)) (لو 16: 9).
هي فكرة قريبة من فكرة الكنز في السماء (6: 19-20؛ مر 10: 21؛ لو 12: 21)، أو الحساب حول أعمال المحبّة (25: 35-40؛ لو 14: 13-14). غير أن يسوع يتوقّف هنا عند لقاء البشر في يوم الخلاص: إن الفقراء يفتحون باب السعادة للذين رحموهم.
وهناك قول حول لاإيمان بيسوع، يقدّم لنا لوحة مفضَّلة: ((كثيرون يأتون من المشرق والمغرب، ويتّكئون مع إبراهيم واسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات. أما ابناء الملكوت فيُلقون في الظلمة الخارجيّة)) (8: 11-12؛ رج 13: 28-29 مع ترتيب ((تاريخي)) يجعل رذل اسرائيل يستبق قبول الأمم). هذا القول الأصيل الذي يتوافق مع طريقة يسوع وفكره، يقدّم سمتين هامتين. الاولى، إن الشعب الذي يشارك في الوليمة المسيحانيّة يتكوّن من اليهود ومن الأمم (نحن في خطّ الشموليّة الذي بدأ في أشعيا الثاني). الثانية، يجتمع هذا الشعب حول الآباء الذين قطعوا عهدًا مع الرب.
ويظهر ابراهيم في وضع يختلف بعض الاختلاف في مثل الغني ولعازر الفقير (لو 16: 22-26). اتكأ المسكين منذ موته بجانب (في حضن) ابراهيم، إلى مائدة وليمة الفرح. لقد بدأ لقاء المختارين قبل الدينونة، في فردوس الابرار الذي استشفّته بعضُ الأوساط اليهوديّة. وهكذا يستعيد يسوع مواضيع العالم اليهوديّ ليتحدّث عن فرح لقاء المختارين بشكل موجز، ويجدّد هذه المواضيع انطلاقًا من رسالته. فشعب المختارين هذا هو صنعته. هو رئيسه وصانعه وحياته وفرحه. 

ج - سائر العهد الجديد
وسار كتّاب العهد الجديد في خطى يسوع، فاستشفّوا فرح الخلاص في تجمّع القديسين.
> حين أرادوا أن يصوّروا هذا الفرح، استعملوا ذات الصور الجماعيّة التي استعملها: الملكوت (أع 14: 22؛ 1تس 2: 12؛ 2 تس 1: 5؛ 1كور 6: 9-10؛ 15: 30؛ غل 5: 21؛ أف 5: 5؛ يع 2: 5؛ 2بط 1: 11)، الوليمة (رؤ 19: 17)، العرس (رؤ 19: 7، 9؛ 21: 2، 9؛ 22: 17). وأضافوا بعض الصور: صورة يسوع، موسى الجديد (أع 3: 15، 22؛5: 31؛ رج مت 2: عب 3: 1-6؛ رؤ 15: 3) الذي يسير في خروج جديد (1كور 10: 1-13؛ لو 9: 31). تتحدّث هذه الصورة عن يسوع مؤسّس شعب العهد الجديد ووسيط الشريعة الجديدة والخلاص الفصحّي. وصورة أورشليم الجديدة التي ترمز إلى تجمّع المختارين في فرح العبادة، نجدها بشكل خاص عند بولس الرسول (غل 4: 25-26)، في عب 11: 16؛ 12: 22- 23؛ 13: 14، وفي سفر الرؤيا الذي يكرّس لها لوحتين متعاقبتين (21: 1-8؛ 21: 9-22: 5). إن صور المدينة الجميلة والعرس والفردوس والليتورجيا السماويّة، تنشر كلها فرح الشعب في العبادة والمحبّة. وهذا الفرح يجد ينبوعه في رؤية الله والحمل (21: 22-23؛ 22: 3-5) وفي تجمّع المختارين الأخويّ.
> كيف يتمّ هذا التجمّع العجيب؟ يربط كتاّب العهد الجديد هذا التجمّع بالقيامة (1 كور 15؛ 2 كور4: 4؛ روم 6: 5؛ 8: 11؛ عب 6: 2؛ 11: 35؛ رؤ 20: 12-13). وتفرّد بولس فتوقّف عند هذا التجمّع ليردّ على اسئلة التسالونيكيّين الذين انشغلوا بمصير الراقدين. تأثّروا ببعض الأفكار اليهودية، فخافوا أن يُحرم موتاهم من بعض أفراح المجيء المسيحانيّ. فهدّأ بولس روعهم: ((إنّا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب، لن نسبق الأموات الراقدين... ينهض الراقدون في المسيح أولاً ثم نحن الأحياء الباقين نُختطف معهم جميعًا في السحب لنلاقي الربّ في الفضاء. وهكذا نكون مع الربّ على الدوام)) (1تس 4: 15-17). إن مجيء المسيح يتيح لكل أخصّائه أن يجتمعوا حوله. وهذا اللقاء يتوق إليه بولس بحرارة وهو ينتظر أن يجد فيه مؤمني كنيسته (1تس 2: 19-20؛ 2كور 1: 7؛ 4: 14)، فيكوّنوا معًا الهيكل المقدّس (أف 2: 21-22) والجسد الكامل في قامته النهائيّة (أف 4: 13-16)

خاتمة
حبن تكلّم يسوع وكتّاب العهد الجديد عن سعادة المختارين، أخذوا صورهم ومواضيعهم لدى الانبياء وفي عالم الجليان اليهوديّ. غير أن يسوع جدّد تجديدًا كليًا هذه اللغة التقليدية. ركّز السعادة الاسكاتولوجيّة على رؤية الله ، على تجمّع شعب الله حول مسيحه. ووجد هذا الجديدُ ينبوعه في المعنى الذي أعطاه المسيح لدوره الشخصيّ: إنه الابن الوحيد المتّحد اتحادًا حميمًا بالآب. إنه ابن الانسان الذي يحمل البشرية كلها ويفتح لها باب الخلاص. كل فرح يكمن فيه لأنه وحده يجمع إخوته ويقربّهم إلى الاب. ((فلا أحد يعرف الآب إلاّ الابن، ومن يريد الابن أن يكشف له)) (11: 27). 
القسم الثاني
المرحلة الحادية عشرة
المجيء النهائي للملكوت في يسوع

إذا قسمنا مت خمسة كتب بحسب الخطب الخمس (5-7؛ 10؛ 13؛ 18؛ 24-25)، يكون هذا الكتابَ الخامس بعنوان: تدشين ملكوت الله في السر الفصحيّ. وهو ينقسم مرحلتين: إعلان المجيء النهائي للملكوت في يسوع (ف 24-25)، وتدشين الملكوت في السرّ الفصحيّ (ف 26-28). سوف نرى في هذه الخطبة الخامسة حديثًا عن دمار أورشليم، وإشارات إلى مجيء ابن الانسان في المجد ونهاية العالم. وعند السؤال: متى يأتي الرب؟ يأتي الجواب: اسهروا.

تتضمّن هذه المرحلة الحادية عشر الفصول التالية: 

1 - مجيء ابن الانسان، ف 24-25
2 - دمار الهيكل ونهاية العالم، 24: 1-36
3 - تحريض على السهر، 24: 37-44
4 - الخادم الأمين، 24: 45-51
5 - مثل العذارى العشر، 25: 1-13
6 - مثل الوزنات، 25: 24-30
7 - الدينونة الأخيرة، 25: 31-46.
الفصل التاسع

مجيء ابن الإنسان
ف 24-25

1 - موقع الخطبة الاسكاتولوجيّة
رأينا كيف أن مهمّة يسوع كلها على الأرض تسجّلت داخل دراما كبيرة توالى فيها القولُ والعمل كمركَّبتين لا تنفصلان داخل رسالة واحدة: الوحي وتكوين ملكوت السماوات على الأرض. بما أن الملكوت قد اقترب في يسوع (3: 2؛ 4: 17)، فقد بدأت تتمّة الأزمنة الأخيرة. بدأت تتمّ. وملكوت السماوات يخصّ أولئك الذين يكتشفون سعادتهم حين يكونون فقراء ومضطهدين من أجل البرّ (5: 3-10)، ويدركون عبر الوحي الذي أعطي لهم عبر ريائهم واكتفائهم بذاتهم (23: 13-32)، جديّة الالتزام الذي دُعوا إليه (23: 39). ما هو في النهاية معنى الوجود البشريّ؟ كيف نحقّق الوحدة والاتحاد بين البشر؟ هي مهمّة نرتبط بها نحن الذين يربطنا المصير الواحد.
إن قصّة كل انسان تأخذ معناها، انطلاقًا من موته. فهذا الموت هو الذي يعطيها حدودَها الأخيرة. وهذا هو الوضع بالنسبة إلى العالم. يبقى علينا (مع العالم) أن ندخل في ((التتمة)) التي هي المسيح، كما دخل هو في مجد أبيه فحمل معه كلَّ أبناء الملكوت. ذاك هو الهدف الذي يكشفه يسوع لنا، والرجاء الذي يعطينا بحياته وموته. فإذا أردنا أن ندرك مدلول حاشه (= آلامه) وقيامته، يجب أن نفهم أولاً (أو أقلّه نستشفّ) أنه يحق ليسوع وحده أن يكشف مصير الانسان ويدعونا إلى ملء الاتحاد معه، مع الآخرين، مع العالم، لأنه في الوقت عينه انسان بما في وجوده البشري من خصائص، ويمثّل كل انسان بسبب الشموليّة التي تمنحه إياها بنوّته الالهيّة. فقبل أن ننظر إلى ابن الانسان متألمًا ومائتًا، يجب أن نتأمل فيه آتيًا في مجده (25: 31) فنفهم ما هو الانسان وماذا يعني الابن (ابن الله) بالنسبة إلينا. تلك هي الدعوة التي وُجّهت إلى أورشليم أي إلى معاصري يسوع، وإلى كنيسة متّى، وإلى قرّاء الانجيل (أي نحن): ((لن تروني حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الربّ)) (23: 39).
يشكّل ف 24-25 خطبة طويلة، هي خامس الخطب التي تتوزّع مت، فتجعل من يسوع موسى الجديد، ومن الانجيل الأول كتابًا في خمس عظات كما كانت توراة موسى في خمسة كتب. وهذه الخطبة تنتهي كما انتهت الخطب الاربع السابقة (7: 28؛ 11: 1؛ 13: 53؛ 19: 1) بعبارة مقولبة : ((ولما أتمّ يسوع كل هذه الأقوال)) (26: 1). جعل مت لفظة ((كل)) ليدلّ على أن هذه الخطبة هي الأخيرة. وفيها يتحدّث يسوع عن نهاية الأزمنة ومجيئه الأخير: على هذا الضوء يختار الناس. هل يقبلون، هل يرفضون الملكوت الآتي إليهم في شخص يسوع؟ وهذا الضوء أيضًا هو الذي يُنير وجود كل انسان، لأن هذا القرار النهائيّ يُشرف منذ الآن على حياتنا كلها ويدين أعمالها. إن وحي التتمّة يدلّ على نقطة لا يمكن الرجوع عنها في التاريخ البشريّ.
و((خرج يسوع من الهيكل ومضى...)) (24: 1): بهذه الكلمات بدأت المرحلة التي سندرسها الآن. خرج يسوع من الهيكل حيث دخل بعد وصوله ((المظفَّر)) إلى أورشليم (21: 12). ثم دخل مرة ثانية بعد عودته من بيت عنيا (21: 17) لكي يعلّم (21: 23). منذ الآن، سيكون هو الهيكلَ الحقيقيّ (26: 61؛ 27: 51)، في تواصل مع الهيكل القديم ولكن مع مسافة، مع قطيعة، تدلّ على ما في التتمّة من جديد بالنسبة إلى ما لم يتمّ بعد.

2 - بنية الخطبة الاجماليّة
طرح التلاميذُ سؤالين: ((قل لنا متى يكون هذا))؟ قل لنا: ((ما هي علامة مجيئك وانتهاء العالم)) (آ 3)؟ هذان السؤالان يقسمان هذه المجموعة قسمين. بدأ يسوع فأجاب على السؤال الثاني. ذاك الذي يعني علامة مجيء الدهر وانتهائه (24: 4-35). وحين طُرح السؤال حول زمن هذا المجيء، أّكّد يسوع أنه لا يستطيع أن يجيب (آ 36). وهذا ما يقوده إلى توسّع طويل حول آنيّة هذا الحدث وضرورة السهر (24: 27-25: 30)،وهو موضوع نقرأه في ثلاثة أمثال. وتأتي الخاتمة فتقدّم في لوحة مؤثرة مجيء المسيح في المجد ودينونة جميع الأمم (25: 31-46).
كيف تتوزّع في النصّ مركّبات هذه الخطبة؟
أ - المقدّمة (24: 1-3)
تتضمّن المقدّمة قولاً ليسوع حول الهيكل الذي تركه الآن، وسؤالين طرحهما التلاميذ أشرنا إليهما أعلاه: متى تكون النهاية، وما هي علامتها؟

ب - القسم الأول (24: 4-36)
يتطرّق القسم الأول من الخطبة إلى مجيء ابن الانسان ومنتهى الدهر (24: 4-36). وما يحدّده على المستوى الادبي هو تواتر فعل ((حصل)) (آ 6: يكون هذا، آ 20: لئلا يكون، آ 21 مرتين، آ 32، آ 34) الذي سيتّخذ أهميّة رئيسيّة في خبر الحاش والقيامة. وتستطيع آ 6 وآ 34 أن تلعبا دور التضمين والاحتواء، خصوصًا إذا زدنا عبارة ((كل هذا)) (بنتا توتا، آ 8، 34) التي رأينا أهميتها في خطبة الأمثال (آ 13: 34، 51، 56). عند ذاك تظهر مواضيعُ عديدة مطبوعة بلفظة واحدة أو بتضمينات قصيرة.
أولاً: الوحدة الأولى (آ 4-14)
قد تُعتبر بعضُ الأحداث خطأ وكأنها علامات عن النهاية (احتواء: آ 6 وآ 14 مع المنتهى). لهذا جاء التحذير من الذين يُضلّون الكثيرين (آ 5، 10، 11، 12)، وإعلان المعارضة بين الأمم (آ 7) التي ستّتحد من أجل البغض كما من أجل تقبّل الشهادة (احتواء: آ 9 وآ 14 مع جميع الأمم). هذه الاشارات تحدّد وحدة أولى حول ضلال الكثيرين (آ ،4 8) ومجيء النهاية (آ 9-14).
ثانيًا: الوحدة الثانية (آ 15-28)
تنطبع النهاية بظهور ((رجاسة الخراب التي تكلم عنها دانيال النبي في المكان المقدس)) (آ 5). وهي علامة ضيق لم يُسمع به، ضيق يجعل إيمان المختارين يتزعزع (آ 22، 23، 24، 26). عندئذ يحصل مجيء ابن الانسان (آ 27، رج آ 3). يكون ظاهرًا ولا يقف في وجهه أحد. وهكذا ترتسم وحدةٌ ثانية تعلن الضيق العظيم (آ 15-22) وتميّز المجيء (آ 23-28).
ثالثًا: الوحدة الثالثة (آ 29-31)
هذا المجيء سوف يقلب الكون. ويُبرز مت طابعَه الظاهر بعدد من الكليشاهات المأخوذة من العالم الجلياني اليهودي: بعد العودة إلى الشواش الاولاني، تتزعزع السماء (آ 29) وتظهر علامةُ ابن الانسان على السحاب لكي يجمع المختارين (آ 30-31): ذاك هو موضوع الوحدة الثالثة
رابعًا: الوحدة الرابعة (آ 32-35)
وفي الوحدة الرابعة وبواسطة مثل التينة (آ 32-33)، نتعلم كيف نعرف اقتراب ما لا يزول، أي كلام يسوع آ 34-35): السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول.
وتعود آ 26 إلى السؤال الأول الذي طرحه التلاميذ (آ 3) في شأن زمن المجيء (باروسيا). فطابعه كانتقالة يظهر بشكل واضح مع لفظة ((يوم)) في آ 9، 22 (مرتين)؛ 29؛ رج 37، 38 (مرتين)، 42، 50، ولفظة ((ساعة)) التي تظهر الآن وفيما بعد (آ 42، 44، 50؛ 25: 13).

ج - القسم الثاني (24: 37 - 25: 30)
ويتوسّع القسم الثاني من الخطبة في السؤال حول زمن المجيء. غير أنه قلبَ المعطيات رأسًا على عقب، فأكّد آنيّة هذا المجيء ودعا إلى السهر والتمييز (24: 36-25: 30). ويتألّف هذا القسم من أربع وحدات نكتشفها بفضل الفنّ الأدبي المستعمل هنا وهو فنّ الامثال.
أولاً: الوحدة الأولى (آ 37-44)
مجيء غير متوقّع لابن الانسان وضرورة السهر. هذا ما يتوسّع فيه 24: 37-44 في زمنين وبواسطة تضمينين: ((هكذا يكون مجيء ابن الانسان)) (آ 37-39). ((والرب)) أو((ابن الانسان يأتي)) (آ 42-44). وهذا ما يدعونا إلى السهر.
ثانيًا: الوحدة الثانية (آ 45-51)
ترينا الوحدة الثانية خادمًا ساعة مجيء سيّده (24: 45-51). في ذلك الوقت يكتشف نفسه الأمين الحكيم (آ 45-47) أو الرديء (آ 48-51). وذلك حسب الموقف الذي اتخذه حين انتظر ربّه.
ثالثًا: الوحدة الثالثة (25: 1-13)
هنا نقرأ مثلاً ثانيًا يرينا لقاء العذارى العشر مع العريس (15: 1-13). يبرز النصُّ انتظار اللقاء (آ 1-6) ثم مجيء العريس والدينونة الأخيرة التي تدعونا إلى السهر (آ 7-13).
رابعًا: الوحدة الرابعة (آ 14-30)
تبيّن لنا الوحدةُ الرابعة خدمًا أعطاهم الرب وزنات. وعند عودته طالبهم كما في يوم الدينونة. نحن هنا في مرحلتين: أعطيت الوزنات (آ 14-18). وجاء وقت الحساب (آ 19-30).

د - خاتمة الخطبة (25: 31-46)
إن خاتمة الخطبة التي نستطيع أن نعتبرها قسمًا ثالثًا، تتحدّث عن مجيء ابن الانسان في المجد وتمييز جميع الأمم (25: 31-46). بعد مقدّمة (آ 31-33) تصوّر تجمّع الأمم أمام عرش ابن الانسان، يُكشف وحيُ الملك في لوحتين، للذين عن اليمين (25: 34-40) وللذين عن اليسار (25: 41-46). أما 26: 1، فيشكّل خاتمة تنقلنا من خطبة النهاية إلى آلام يسوع وموته.

3 - تحليل النصّ

أ - نظرة عامة
قبل أن نبدأ دراسة ف 24-25 دراسة مفصّلة، نتوقّف عند نقطة هامة لفهم التأليف المتّاويّ. فإذا كان يصعب علينا في تطوّر الخطبة، أن نكتشف تقسيمات واضحة، فلأن نص مت يمكن أن يُفهَم على مستويين مختلفين مزجهما الكاتب، أو هو جعل المستوى فوق المستوى الآخر.
فمنذ سؤال التلاميذ (24: 3)، استطعنا أن نميّز ثلاثة مستويات: ((قل لنا متى يكون هذا (= دمار الهيكل) وما هي علامة المجيء (باروسيا) (= مجيء ابن الانسان) ومنتهى الدهر (= نهاية العالم))). إذن يمكن أن نميّز عدّة وجهات في واقع واحد وحيد.
أولاً: دمار الهيكل وأورشليم
هذا ما حدث سنة 70 على يد الجيش الروماني بيد تيطس. إن القسم الأول من سؤال الرسل يتوقّف بلا شكّ عند هذه الوجهة التاريخيّة: في هذا الوقت، هم لا يقدرون بعد أن يدركوا كل القيمة الرمزيّة للهيكل. وهي قيمة لم تُكتشف في الكنيسة الأولى إلاّ بعد قيامة يسوع. ويوم كتب متّى انجيله كان الهيكل والمدينة قد دُمِّرا.
ثانيًا مجيء (باروسيا) ابن الانسان
يجب أن نرى ما تتضمّنه هذه العبارة بالنسبة إلى التلاميذ. لا شكّ في أنه كان في عقولهم بعضُ فكر الغيورين: سيدخل يسوع إلى أورشليم، فيطرد الرومان من المدينة ويضع يده عليها، كما حاول آخرون قبله. في زمن متّى، لم يعد لهذا الحدث المعنى عينه: فأورشليم قد دمِّرت وتشتّتت الجماعات اليهوديّة في كل مكان. ويسوع نفسه قد مات وقام. إذن، هناك موضع لمجيء مجيد، لعودة الربّ. فيبقى علينا أن ندرك مدلولهما العميق.
ثالثًا: نهاية العالم أو منتهى الدهر
طرح التلاميذ دفعة واحدة سؤالاً حول علامة المجيء ونهاية العالم. قد نماهي نحن أيضًا بين هذين الواقعين ونحدّدهما في وقت من الزمن. هذه النظرة التي هي محض كرونولوجيّة (أي تقف عند تسلسل الأزمنة) عن نهاية العالم، هي بعدُ ماديّة، وتجعلنا في خط نحصر فيه مدلول هذه النهاية في إطار ضيّق.
رابعًا: ماذا فعل متّى
بما أن متّى مزج هذه المستويات الثلاثة من الفهم في واحد، هل نستطيع أن نميّز حيث رفض هو أن يميّز؟ ولكن يبدو أن هذه التمييزات تساعدنا على فهم النصّ فهمًا أفضل: عندئذ نعلم متى يتكلّم عن دمار الهيكل ومتى يتكلّم عن المجيء أو نهاية العالم. ولكننا نعي حالاً أن مت سار في هدف معيّن ساعة ترك هذه المجالات المختلفة تمتزج وتقف بعضها فوق بعض: فمعنى هذه الأحداث لا يمكن أن ينكشف إلاّ إذا رفضنا فصلها بعضها عن بعض. فمنظار متّى الاسكاتولوجيّ الذي سنعود إليه، يدفعنا إلى أن نضع مستوى فوق آخر، لأن الأقوال تعبّر تعبيرًا أساسيًا عن واقع واحد وحيد: هو مجيء الرب. أي حضوره في كل انسان وفي جميع البشر. وهذا ما يفرض علينا أن نتّخذ موقفًا بالنسبة إلى هذا المجيء.
خامسًا: مقدّمة الخطبة
إن مقدّمة الخطبة ربطت هذا المجيء بالتعليم الذي أعطاه يسوع في الهيكل (21: 23)، فأتاح له أن ((يتكلّم مسبقًا)) عن الدمار. في الأصل، كلمة يسوع عن الهيكل (آ 2)، ليست في الواقع إنباء عن دمار ماديّ قريب لبناء ابتعد عنه يسوع وهو يتأمّل فيه مع تلاميذه. هي تعود بالأحرى إلى كلمة حول ((هيكل جسده)) كما يقول يو 2: 21، وكما يشير مت ومر خلال محاكمة يسوع أمام السنهدرين أو المجلس الأعلى (26: 61؛ رج مر 14: 58). إن المدلول الذي يرتديه هيكل أورشليم الذي هو موضع حضور الله وسط شعبه، هذا المدلول بالنسبة إلى اليهوديّ، قد نقله يسوع إلى شخصه، وفي الوقت عينه أعطاه بُعدًا شاملاً. وحين فكّرت الكنيسة في سرّ الهيكل على ضوء القيامة، أعادت قراءة هذا القول وكأنه نبوءة تتحدّث عن دمار هيكل أورشليم.
إلى سرّ الهيكل هذا أدخل يسوع تلاميذه الذين جاؤوا يحدّثونه على انفراد، وهذا السرّ سوف تكشفه آلامُ الرب وقيامته (رج 14: 13-23؛ 17: 1-19؛ 20: 17). جاؤوا إليه وهو على جبل الزيتون، تجاه المدينة، وإلى هناك سيعودون معه بعد العشاء الأخير (26: 30)، ساعة يعيش نزاعه ويُقبض عليه.

ب - مجيء ابن الانسان ونهاية الدهر (24: 4-36)
أولاً: الموضوع الأول، ضلال الكثيرين (آ 4-14)
تبدأ الخطبة بموضوع ضلال الكثيرين (آ 4-14). من المعلوم أن ساعات الأزمة تشكّل محيطًا مؤاتيًا لظهور حركات مسيحانيّة، يعيش فيها الناس، بشكل ملتبس، انتظارَ مخلّص يُقيم نظامًا جديدًا. والتيّارات المسيحانيّة في زمن يسوع، سواء كانت من النمط الاسياني أو النمط الغيوري، شابها شيء من الضلال كما رأينا حين تحدّثنا عن يوحنا المعمدان. والأمر صحيح أيضًا في زمن مت (80-90 ب م) الذي كان خصبًا بمُقلقين سياسيّين (أع 5: 36؛ 21: 38)، بمسحاء دجّالين (انتيكرست، مناوئ للمسيح) (1يو 2: 18-22؛ 4: 3؛ 2يو 7؛ 2تس 2: 3-12؛ رؤ 13: 4-18) من كل نوع. وولّدت الحروب والكوارث، في الوقت عينه، الخوفَ والرجاء في القلوب. بل هي دلّت الانسان على أن وجوده سريع العطب، ودعته إلى أن يطرح السؤال حول الخلاص الحقيقيّ.
من يستطيع أن يرى في كل هذا آلام (مخاض) الولادة (آ 8) التي تدلّ على أن النهاية قريبة، تدلّ على أن الحياة لا تولد إلاّ في الألم والموت (رج هو 13: 3؛ أش 13: 8؛ إر 6: 24؛ مز 17: 5-16؛ 114: 3)؟ الله وحده. هو خالق الكون وسيّد التاريخ. ووحده يكتشف في كل هذا ولادةَ الملكوت. فلماذا نخاف إذن؟
وفوق ذلك تأتي الاضطهادات فتصيب المؤمنين ((باسم)) المسيح (آ 9؛ رج آ 5). والثبات الذي به يواجهونها، يكون شهادة صادقة عن حقيقة التزامهم. فتلك هي البشارة. وذاك هو انجيل الملكوت (آ 14).
هنا نفهم كيف أن مت مزج، في هذا التوسيع عن الاضطهاد، عبارات عرفها 2مك 6: 12-17؛ دا 6: 17-28، أو وردت في خطبة الرسالة (10: 17-22). هذا لا يمنعنا أن نبحث بحثًا دقيقًا عن تلميحات إلى هذا الاضطهاد أو ذاك، كما إلى كرازة الانجيل في الشتات اليهوديّ. استند مت إلى المعطيات التاريخيّة في حقبات مختلفة، منذ الاضطهادات اليونانيّة ضدّ اليهود حتى اضطهاد اليهود ضدّ المسيحيين، فنظر هنا إلى المقاومة التي يلاقيها دومًا الحاملُ الحقيقيّ لكلمة الله في أي حقبة من حقبات التاريخ عاش. فإعلان إنجيل الملكوت يقود بالضرورة إلى الموت. هذا الواقع له بُعد شامل، تُبرزه عبارةُ ((في العالم كله)) (أي في المسكونة)، وعبارة ((جميع الأمم)) (آ 14؛ رج آ 9).
ثانيًا: الموضوع الثاني، الضيق العظيم (آ 15-22)
أُعلنت علامة النهاية بألفاظ استلهمت دانيال النبيّ: ((حين ترون رجاسة الخراب قائمة في المكان المقدس)) (دا 9: 27؛ 11: 31؛ 12: 11). نحن هنا أمام تلميح إلى تدنيس الهيكل بيد انطيوخس ابيفانيوس، بحسب دا وبحسب 1مك 1: 54. ففي سنة 167 ق م، شيّد الملك السلوقي تمثالاً لزوش الاولمبي على مذبح المحرقات (2مك 6: 2). ولكن مت (مثل مر 13: 14) يدعو القارئ إلى أن يفهم (آ 15)، ويكتشف ((السرّ)).
نستطيع أن نرى في هذه الإشارة التي ذكرها مت ومر، دمارَ الهيكل على يد الرومان. ولكننا نستطيع أن نرى أيضًا أكثر من ذلك. فـ((رجاسة الخراب)) هي رمز إلى الجحود الذي أقام في قلب المكان المقدّس، في قلب إيمان الشعب. وهربُ الذين يقيمون في اليهوديّة (وهي منطقة جبليّة) إلى الجبال، هو دعوة إلى المقاومة كما فعل المكابيون (1مك 2: 28). أو هو يذكّرنا بهرب لوط وعائلته نحو جبل مدينة صوعر (تك 19: 17-22).أو نحن نرى، عبر صوَر مأخوذة من هرب السكان أمام هجمة العدوّ المفاجئة، إيمان المؤمنين يمرّ في محنة قد تصل بهم إلى الجحود.
ما يضعنا في الطريق الصحيح لنفهم هذه العبارة هو إيراد من دا 12: 1 قريب من يوء 2: 1-2 وهما نصّان يتحدّثان عن يوم الرب والدينونة الأخيرة. يقول دانيال: ((وفي ذلك الزمان ينهض ميخائيل، رئيس الملائكة العظـيم الذي يعتمد عليه بنو شعبك، ويكون وقت ضيق لا مثيل له منذ كانت الأمم إلى ذلك الزمان. ولكن في ذلك الزمان ينجو من شعبك كل من يوجد اسمه مكتوبًا في الكتاب)). ساعة تصل الأزمة إلى ذروتها في التاريخ، عند ذاك يصل الخلاص. وقال يوئيل: ((يوم الرب مقبل وهو قريب. يوم ظلمة وغروب، يوم غيم وضباب)). نُفخ في البوق في صهيون فاجتمع سكان الأرض على جبل الرب المقدّس. ويحضر يسوع في النهاية فيكون حضوره للعالم دينونة جذريّة. ولكن بما أن هناك ((مختارين)) أي أناسًا اختارهم المسيح فقبلوا نداءه (22: 14)، يفكّر مت بحضور الملكوت لدى المسيحيين. فقد ((قُصّرت تلك الأيام)) (آ 22). وبعبارة أخرى: جاء الايمان الحقيقي، فأوقف مدّ الجحود الذي لا يستطيع الله أن يترك العنان لقوّته المدمِّرة.
ثالثًا: الموضوع الثالث، تمييز المجيء (آ 23-28)
ويعود الايمان إلى الظهور (في آ 23) وهو إيمان يحمي من الضلال. لأنه حضور الرب وسط جماعته. لأنه إيمان يساعدنا على تمييز الملكوت حيث يتجلّى، رغم دعاية المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة (آ 24؛ رج آ 11) الذين يستطيعون أن يُضلّوا حتى ((المختارين)). فالتمييز الحقيقيّ لمجيء ابن الانسان لا يتمّ في خطّ ((قالوا لكم)) (آ 26): هو على مستوى الادراك الباطنيّ، كما كانت قراءة ((علامات الأزمنة)) (16: 1-4). هذا ما أبرزه متّى في آ 26-28 بلغة خاصة به (رج لو 17: 24). وقد يكون أشار إلى تقاليد جليانيّة يهوديّة تتحدّث عن حقبة فيها يبقى المسيح مختفيًا لكي يكشف عن نفسه أولاً لمجموعات المتدرّجين. وصورةُ البرق (آ 27) تدلّ على فجاءة مجيء ابن الانسان، كما تدلّ بشكل خاص على طابع يجعل الكون كله يراه: البرق هو جزء له مكانته في إطار التيوفانيّات التوراتيّة (خر 19: 6؛ أش 29: 6؛ 30: 27، 30، 33؛ زك 9: 14؛ مز 18: 14-15؛ 97: 3-4؛ 144: 5-6). أما النسور (أو: العقبان) التي تجتمع حول الجثث، فهي تدلّ على الخراب والدمار المريعين (رج أش 18: 6؛ إر 7: 33؛ 12: 9؛ 15: 3)، كما تدلّ على الحسّ الأكيد لدى هذه الكواسر.
نشير هنا إلى أننا لا نجد شيئًا عن مُلك أرضيّ لمسيح ممجّد، بل حديثًا عن اعلان بداية ملكوته ودينونة يقوم بها.
رابعًا: الموضوع الرابع، مجيء ابن الانسان (آ 29-31)
هذا التوسّع الجديد حول الطابع الظاهر لمجيء ابن الانسان (آ 29-31)، ينطلق من نصوص العهد القديم، فيصوّر الانقلاب الكوني الذي يُحدثه هذا المجيء. ننطلق من أش 13: 10؛ 34: 4 لنجد عند مت كما عند مر 13: 24-27 وعند لو 21: 25-27، ظاهرة معاكسة للخلق: عودة إلى الشواش الاولاني. ساعة كانت الأرض ((توه وبوه))، خالية خاوية (تك 1: 1)، ظهر الله نفسه فحرّك هكذا الخليقة كلها (عا 8: 9؛ مي 1: 3-4؛ إر 4: 23-26؛ حز 32: 7-8). إن عبارة ((علامة ابن الانسان تظهر في السماء)) (آ 30) هي إشارة خاصة بمتّى، وقد اعتُبرت في تاريخ التأويل تلميحًا إلى صليب المسيح أو إلى المسيح الذي يُتم ((جذر يسّى)) فيصبح علامة تجمع الأمم (أش 11: 10).
هناك من قارب هذا النصّ من رؤ 1: 7 (ها هوذا يأتي في السحاب. تراه كل عين) الذي يدمج أيضًا دا 7: 13 (مجيء ابن الانسان في السحاب) وزك 12: 14 (بكاء القبائل)، فاعتبره إشارة إلى رؤية رمزيّة للمسيح الملك الذي ما زال يحمل، بشكل سمات مجيدة، آثار موته المذلّ على الصليب،وهي رؤية تفرض نفسها على البشر فيشاهدونها ويتأمَّلون فيها. إن رؤية ملك الكون في مجده (25: 31-32) تسير في خطّ هذا التفسير.
والتجمّع على صوت البوق يذكّرنا في الوقت عينه بظهور سيناء (خر 19: 19) والاحتفالات الكبيرة في الهيكل (سي 50: 16). كما يرمز إلى عودة الشعب المشتّت إلى أورشليم بشكل نهائيّ (أش 27: 13؛ إر 2: 1؛ زك 2: 10؛ تث 30: 4)، ويبيّن تتميم المواعيد التي أعطيت لابراهيم ونسله (تك 12: 2؛ 28: 14). إذن، ما يَبرز الآن هو الطابع المسكوني للدينونة: إن مجيء ابن الانسان في المجد يدعو جميع البشر، التاريخ كله، الكون كله، وسوف يـُدان كل واحد أمام شخص يسوع وليس من يُفلت.
خامسًا: الموضوع الخامس، حضور الملكوت (آ 32-35)
وتتوسّع آ 32-35 في موضوع الحضور الآنيّ والحاسم للملكوت في قلب البشريّة. يتبع مثلُ التينة عن قرب نصّ مر 13: 28-31، فيدعو التلاميذ، كما يدعو قرّاء الانجيل، إلى الصبر والثقة. كما أن التحوّل الربيعي هو علامة لا تخطئ في الدلالة على اقتراب الربيع، كذلك حضور الرب لكنيسته يدلّ على برعم حياة تسير إلى تفتّحها النهائي.
يوم الربّ هو دومًا ((قريب)) (26: 18) لذلك الذي يترك ملكوت الرب الذي صار قريبًا في يسوع، ينمو فيه (رج 3: 2؛ 4: 17؛ 10: 7). ويأتي تنبيه حول الآنيّة المستمرّة لأقوال يسوع فيُكمّل هذا القسم الأول من خطبة ((نهاية العالم)) (ف 24-25). فإن آ 34 التي نستطيع أن نقرّبها من 16: 28، تبدو وكأنها تحدّد زمنًا للمجيء، ساعة تؤكِّد آ 36 أن ((لا أحد يعلم ذلك اليوم ولا تلك الساعة)). نحن هنا أمام تعارض في الظاهر فقط. فوجودنا في حضرة يسوع الذي بدأ مع رسالته التاريخيّة، هو علامة تقول إن ((كل هذا قد حصل)). فنحن لسنا أمام قرب تاريخيّ من نهاية العالم، بقدر ما نحن من مجيء العهد المسيحاني الجديد في يسوع. وعبارة ((هذا الجيل)) (كما سبق وقلنا) (رج 11: 16؛ 12: 41، 45؛ 23: 36)، تدلّ على أن كل انسان صار قريبًا من يسوع، اتّصل به. اتّصل به أولاً من خلال حضوره على الأرض، ثم من خلال حضوره كالقائم من الموت، وعبر الدهور فيما بعد. ونقول الشيء عينه عن آ 35 التي تدلّ على آنيّة مستمرّة لكلمات يسوع لأنها أبديّة (رج 5: 18): فمن امتلكها امتلك الملكوت الذي سيظهر كاملاً في شخص يسوع المسيح.
سادسًا: الخاتمة (آ 36)
وتأتي آ 36 فتنقلنا إلى القسم الثاني من هذه الخطبة. هي تتحدّث عن معرفة يوم الدينونة الأخيرة وساعتها. هناك من تشكّك (بمن فيهم نسّاخ الانجيل) حين قرأ مت ومر 13: 32 حول جهل الابن لذاك اليوم وتلك الساعة. لهذا فسِّر هذا القول (الذي لا نجده في لو 21: 33) على أنه جهل يصيب فقط مهمة يسوع على مستوى الوحي، لا معرفته الشخصيّة. بل نذهب أبعد من ذلك: فمعرفة الابن تتميّز حقًا عن معرفة الآب، في أنها لا تجد أصلها في ذاتها. فالابن لا يدرك واقع التاريخ في مبدأه كما في غايته إلاّ في علاقته بالآب. فكائنه كله هو بنويّ. ورسالته الارضيّة تسجّل في الزمان والمكان هذا الخضوع الجذريّ والفريد. لهذا استعمل مت (مثل مر 13: 32) هنا بشكل مطلق لفظة ((الابن)) (لم يقل ابن الله أو ابن الانسان) كما في 11: 27 (رج لو 10: 22). هذه الطريقة الكلاميّة التي تتواتر في انجيل يوحنا تبدو شاذّة في التقليد الازائيّ.
بالإضافة إلى ذلك، إن كان يسوع رفض أن يعطي تاريخًا للدينونة الاخيرة، فلأن مثل هذا الواقع يفلت من حساباتنا وروزناماتنا. إنه حدث تاريخيّ بقدر ما يدرك أناسًا (وخلائق) يعيشون في الزمان والمكان. ولكنه غير متوقّع بشكل جذريّ لأنه يرتبط ارتباطًا جوهريًا ((بلعبة)) الحرّيات البشريّة التي تواجه حريّة الله. إذن، هذا التاريح يخضع كله لقرار الآب الذي لا يستطيع البشر أن يلجوه. والابن نفسه، في خضوعه التام لأبيه، يسلّم إليه مصير وجوده البشريّ وكيانه البنويّ. فليس من معيار بشريّ يستطيع أن يقدّر هذه الفترة الحاسمة في تاريخ الحرّيات.
نقرأ آ 36: ((أما في ما يخصّ ذاك اليوم وتلك الساعة، فلا أحد يعلم)). ليس لأحد رباط معروف بمسيرة التاريخ. فالملائكة أنفسهم، والابن نفسه، لا يستطيعون أن يتوقّعوا ذلك اليوم وتلك الساعة. كل ما نستطيع أن نقول عنهما هو أنهما يحصلان ساعة يرى الآب ذلك. ونقول أيضًا: هذا الوقت يختلف بين انسان وانسان. فزمن كل انسان هو زمن حواره مع الله. المهمّ هو أن ندرك آنيّة حضور الربّ في كل وقت من أوقات حياتنا، ولاسيّما عند ساعة موتنا. فنهاية العالم بالنسبة إلى كل واحد منا هي ساعة الموت، لأنها الساعة التي فيها ينتهي هذا العالم بالنسبة إلينا فندخل إلى الأبديّة. وتبقى النهاية العامة التي تنتظرها البشريّة، وتنتظرها الكنيسة، كل مرة تحتفل بالافخارستيا فتتذكر موت الرب وتعترف بقيامته وتنتظر مجيئه.

ج - آنيّة اليوم والساعة وأهميّة السهر (24: 37-25: 30)
في امتداد آ 36 نجد توسيعًا يوضح هذه الآنيّة الحاسمة، آنيّة ظهور ابن الانسان وما يتبعه من سهر. وهكذا نكون في القسم الثاني من الخطبة، الذي يوافق تحريضًا قصيرًا على السهر عند مر 13: 33-37 ولو 21: 34-36. واستعاد مت كل ما يتضمّنه هذا الكلام في ثلاثة أمثال: الخادم الذي ينتظر عودة سيّده (آ 45-51). العذارى العشر وتأخّر العريس (25: 1-13)، والعبيد الذين نالوا وزنات سيطالبهم سيّدهم بالحساب (25: 14-30)
أولاً: تحريض على السهر (آ 37-44)
لا نستطيع أن نتوقّع متى يأتي ابن الانسان. إذن، من الضروريّ أن نسهر: هذا هو موضوع التوسّع الأول. عاد مت أولاً إلى نوح (رج تك 6: 6-12؛ حز 14: 14-20) كما فعل لو 17: 28-29 في سياق آخر. إذا قرّبت ((أيام نوح)) من مجيء ابن الانسان، فلأنها تعبّر عن تواز في الوضع. ففي زمن نوح، اهتمّ عدد قليل من الناس بالمسألة الأساسيّة التي هي مسألة علاقتهم بالله. ما كانوا ينشغلون إلاّ بالأمور اليوميّة (آ 38: يأكلون، يشربون). نلاحظ أن مت لا يبرز إفراط معاصري نوح في الأكل ولا فجورهم، بل غياب كل إدراك حقيقي للواقع، والجهل واللامبالاة بالنسبة إلى الجوهر (آ 39). ونستطيع اليوم أن نوسّع المقابلة مع المناخ الذي نعيش فيه: غاب الله ولم يعد له من موضع في مجتمعنا. يبقى علينا أن نأكل ونشرب، نزوِّج، ونتزوَّج.
غاب الله. ولكنه في الواقع حاضر، وتلك هي المفارقة. وحضوره يظهر انطلاقًا من السؤال حول الموت وكل تهديد يصل بنا إلى الموت. فالتهديد بدمار شامل قاد نوحًا إلى أن يحدّد موقعه في الحقيقة تجاه الله، ويرى فيه سيّد الخليقة والتاريخ. أما معاصروه فاكتفوا بأن ينظـروا إلى نفوسهم ويرضوا عن أعمالهم. هكذا يكون حضور الله في العالم لهذا ولذاك: يؤخذ واحد (في الموت) ويترك آخر (في الحياة) (آ 40-41): بدا مت ولو كأنهما يشيران إلى مثل معروف. لا أحد يفلت سواء كان رجلاً أو امرأة، وذلك وسط العمل اليومي، أكان الحقل أو الرحى. في هذا الوضع يتفجّر السؤال الحاسم. ويأتي الموت بغتة. لا نتوقّعه، لا نستطيع أن نفلت منه. وعلى ضوء هذه اللحظة تأخذ الحياة معناها أو لا.
عندئذ يظهر موضوع السهر (آ 42-44) الذي سيعود حتى نهاية ف 25. لماذا السهر؟ لأننا لا نعرف في أي يوم يأتي الربّ. هذا الجهل يتسجّل في طبيعتنا. وهو يدلّ على أن حياتنا تفلت من أيدينا. لا يعني السهر أن نكدّس الطمأنينات ونقفل باب بيتنا لئلا يأتي السارق ويسرقنا. فلا نتوقّف عند الوجهة المادية من مثل السارق الذي يأتي في ساعة نجهلها. السهر هو أن نكون هنا، نكون حاضرين لكي نواجه الأحداث، ونأخذ مسؤولياتنا على عاتقنا. وفي اللغة البيبلية، نكون مستعدين، أي نقف أمام الربّ، نكون دومًا حاضرين (لاغائبين) لديه. ولكن هذا الحضور سيكون حاسمًا بشكل خاص عند ساعة الموت. عند ذاك نكون في عرينا، بدون أي قناع يُخفي حقيقتنا.
ثانيًا: أمثال ثلاثة (24: 42-25: 30)
> صورة عن السهر في ثلاثة أمثال
وتأتي ثلاثة أمثال فتقدّم في صور ملموسة موضوع السهر. هي تعبّر عن ذات الواقع الأساسيّ: يجب علينا السهر بانتظار اليوم والساعة اللذين لا نتوقّعهما (24: 50؛ 25: 13). وتنقسم هذه الأمثال في لوحتين حول محور هو الانتظار. وتشمل بنيتها الداخلية ثلاثة أزمنة: 
- الزمن الأول. فيه تُعطى المسؤوليّات: تدبير البيت (24: 45). الذهاب للقاء العريس (25: 1). المتاجرة بالوزنات (25: 14-15).
- الزمن الثاني. هو زمن الانتظار. خلال غياب طويل من السيّد الذي ((يتأخّر)) (خرونيزاي، 24: 48)، من العريس الذي ((ننتظره)) (25: 5؛ خروني زونتوس)، من الرب الذي لا يعود إلاّ ((بعد زمن طويل)) (25: 19).
- الزمن الثالث. زمن عودة الرب. تجاهه يتمّ التمييز بين الذين ظلّوا أمناء والذين تخلّوا عن مسؤولياتهم.
فإذا أردنا أن نفهم هذه الأمثال، نعالجها عبر الزمن الثالث، أي بواسطة النهاية. فعودة الربّ تقوم بالكشف الحاسم الذي يميّز تصرّفات البشر.
> مثل الخادم الأمين (آ 45-51)
في مثل الخادم الذي ينتظر مجيء سيّده (آ 45-51)، يأخذ السهر شكل أمانة مسؤولة تجاه مهمّة سلّمها الرب إليه. وعبر تقديم المثل، نكتشف أن الجماعة المتاويّة اختبرت اختبارًا مؤلمًا ضعف بعض المسؤولين فيها ولاأمانتهم. وقد نظنّ أن مت رغب في أن يذكّرهم بجديّة الخدمة التي أوكلت إليهم.
أن يكون الواحد ((أمينًا وحكيمًا)) يعني أن يهتمّ بأهل ((البيت فيعطيهم الطعام في حينه)) (آ 45). ويكون الواحد ((رديئًا)) (شريرًا) حين ((يبدأ يضرب رفاقه في الخدمة، ويأكل ويشرب مع السكّيرين)) (آ 49، يريد أن يكون سيّدًا بحسب روح العالم، لا خادمًا بحسب روح المسيح). يستطيع كل مسؤول أن ينتقل من موقف إلى آخر، ولكن لن يظهر حقًا تصرّف كل واحد منا خلال غياب الربّ إلاّ في عودة الرب. في هذا الغياب نستطيع أن نقرأ تاريخ الكنيسة التي تنمو وتنتظر الملكوت النهائي، بل هي تعيش هذا الملكوت منذ الآن. وهذا الوضع يجعلها تعي مسؤولياتها.
نلاحظ أن ((تطويبة)) الخادم ((الأمين والحكيم)) (آ 46) تقابل مصير الخادم ((الشرير)) وما فيه من تعاسة: ((سيفصله ويجعل نصيبه مع المرائين)). هذا ما يذكّرنا بـ((الويلات)) التي قرأناها في ف 23 (آ 13-32) ضد رؤساء الشعب الذين تخلّوا عن مسؤولياتهم، مع قرار مقولب يشدّد على العقاب النهائي: ((هناك يكون البكاء وصريف الأسنان)) (آ 51؛ رج 8: 12؛ 13: 42، 50؛ 22: 13؛ 25: 30).
> مثل العذارى العشر (25: 1-13)
ويرينا مثل العذارى العشر الذاهبات للقاء العريس (25: 1-13) موقفين ينكشفان في النهاية ويُحكم عليهما حينذاك: حضور أو غياب العذارى في اللحظة الحاسمة (((أغلق الباب، آ 10) التي فيها وصل العريس. نحن هنا أمام تعبير عن قبول أو رفض نعيشهما منذ البداية في قلبنا. فمنذ آ 2 تحدّث مت عن ((جاهلات)) (موروس) و((حكيمات)) (فرونيموس، رج 24: 45).
أراد بعض الشّراح أن يفهموا هذا المثل انطلاقًا من عادات فلسطينيّة في زمن يسوع، ليدركوا كيف لجأ مت إلى الاستعارة ليصوّر حاجات كنيسته. فالطريقة التي بها قدّم يسوع هذا المثل تظهر وكأنها تصوير لقول نجده في سياق مختلف ونقرأه في لو 13: 25 (ينهض ربّ البيت ويغلق الباب فتقيمون أنتم في الخارج تقرعون الباب)؛ رج مت 8: 11-12.
تمثّل هذه العذارى العشر (العدد 10 هو عدد العمل البشري، عدد عشر أصابع اليد. نحتاج إلى عشرة أشخاص لكي تصحّ الصلاة في المجمع) الجماعة المسيحيّة في نظر مت. فإن قال إنهن ((عذارى)) (بتولات)، فعودة إلى التفسيرات الرابينيّة لنشيد الأناشيد، الذين رأوا في جوق ((بنات أورشليم)) مجموعة التلاميذ الذين يحملون نور التوراة ويسهرون في الدرس منتظرين المسيح. و((المصابيح)) التي في أيديهن هي في الأصل شعلة زيت سيرقصن بها عندما يصل العريس فينشدن أفراح العرس. ويرمز الزيت إلى الأعمال الصالحة كما يقول العالم اليهوديّ (مدراش عد 4: 16؛ 6: 15؛ 8: 8). كما يرمز إلى فرح اللقاء (مز 23: 5؛ 4-1؛ 15؛133: 2) كالعطر الذي نسكبه على الضيف والمسحة المسيحانيّة (مز 45: 8؛ 89: 21).
وهكذا نفهم لماذا لا تستطيع العذارى الحكيمات أن يعطين من زيتهنّ (آ 8-9) لرفيقاتهنّ. لأننا لسنا أمام كميّة من المادة ساعة يجب أن ننتظر العريس بمحبّة قلوبنا. فلا أحد يستطيع أن يكون ساهرًا عن غيره. ووصول العريس جعل الحكيمات والجاهلات يعين طبيعة حبهنّ: فالحبّ الحقيقيّ مستعدّ دومًا. أما الجاهل والشرير (موروس 7: 24؛ 23: 17؛ رج 5: 22؛ مز 14: 1؛ أش 32: 6) فيلجأ إلى الباعة ويفضّل زيتهم على انتظار القلب. ذهبت الجاهلات إلى ((السوق)) ليشترين. في ذلك الوقت جاء العريس في وسط الليل. ولما عدن وجدن الباب مقفلاً ولا سبيل إلى فتحه البتّة. ونفهم هذا المثل حين نستعيد قولاً موازيًا في نهاية عظة الجبل (7: 21-23): ((ليس من يقول لي: يا رب، يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات)).
إذن، المهم هو أن نكون هنا (حاضرين) في مجيء العريس. المهم هو هذه ((النهاية)) التي تحدّث عنها مت في 24: 13-14 أي هذا ((الوقت)) الذي فيه نكون في حضرة الله، والذي يشرق على أبديّتنا، هذا الوقت، الذي ليس هو في البداية ولا في النهاية، بل يعبّر عن التتمة التي يشكّلها حضور الرب بالنسبة إلى كل واحد منا. فمجيء العريس، شأنه شأن عودة الرب في المثل السابق (24: 50) وفي المثل اللاحق (25: 19)، يكشف تصرّف الجماعة وأعضائها في زمن الانتظار. عندئذ يرتسم وجه الأبديّة على نمطين من الخدم، نمطين من العذارى، كما أن البرّ الذي تحدّثت عنه خطبة الجبل كشف التعارض بين خيارين ممكنين (7: 13-27، الباب الضيّق والباب الواسع، من يسمع ومن لا يسمع). منذ البداية وفي أيّة لحظة يؤخذ الخيار ((النهائيّ)) في خطّين: خط حدث حاسم يكون النقطة الأخيرة. وخطّ حدث يحدّد معنى كل ما سبقه.
> مثل الوزنات (آ 14-20)
ويأتي مثل الوزنات (أعطوا وزنات يتاجرون بها بانتظار عودة المعلّم) فيتعمّق أيضًا في هذا المنظار. فمشهد الحساب حاسم هو، وهو يُبرز التعارض بين موقف العبدين الأولين والعبد الأخير. والحوار بين العبد الأخير والرب له مدلوله: إنه صدى لذاك الذي جعل رب الكرم تجاه عمّال الساعة الأولى (20: 21-15). غضبَ العبدُ لأنه سيّده يطالبه بأكثر ممّا أعطاه. فنظرته الضيّقة إلى العدالة جعلته يعتبر سيّده رجلاً قاسيًا، وينسى أنه هو الجبان والحقير. فالمال يُعطى لكي نصرفه ونخاطر به، وإلاّ يبقى عقيمًا. فلا أحد يتركه لنفسه سوى البخيل. نحن نرغب فيه لما يعنيه لنا، لا في ذاته.
وبدأ الرب جوابه فدخل في وجهة عبده، ثم بيّن له أنه لم يفهم مدلول الوزنة التي سُلِّمت إليه. فقبول موهبة يخلق مسؤوليّة إنماء هذه الموهبة. كان العبدان الأولان ((صالحين وأمينين)) (آ 21-23)، فقاسما الآخرين ما يملكان، وإذ صرفا أموالهما أثمرت. أما العبد الثالث الذي تسلّم أقلّ من رفيقيه، فقد ظنّ أنه غير محظيّ لدى سيّده. انغلق على ذاته، فحفظ وزنته من أجل خدمته الخاصة، ورفض أن يُشرك الآخرين في ما يملك. ما عرف في وزنته عطيّة وموهبة، بل ظن أن هذا المال هو له (آ 25)، فخبّأه ولم يخاطر به. ما عرف أن سيّده الذي ذهب إلى البعيد ما زال حاضرًا من خلال عطيّته. هنا نشير إلى أن الوزنة تساوي 36 كلغ من الفضّة، وهي تقابل 6000 يوم من العمل. هذا يعني أن ما تسلّمه العبد الثالث كان كبيرًا جدًا.
وجاءت ساعة الحساب، فكانت أيدي العبدين الأولين مملوءة بما صرفا وبما أنميا. ((تاجرا)) بما تسلّما من وزنات وما خافا (هنا نتذكّر الجبناء في رؤ 21: 8). هما غنيّان بما ربحا وبما خاطرا، هما غنيان بسخاء سيّدهما. أما الثالث فأخذ منه سيّده ما يملكه، وطرده في الليل والظـلمة. كان عقيمًا لنفسه وللآخرين، فاكتشف أنه فقير وقد حُرم من وزنة جعلها في مكان أمين. خاف من سيّده الذي اعتبره قاسيًا واعتباطيًا في تصرّفه. خاف وما عمل، اختار موقف الانغلاق، فقيِّد وألقي في الظلمة البرانيّة.
وعاد مت إلى هدفه اللاهوتي الذي هو السهر. نحن نسهر حين نُتمّ المهمّة التي أوكلنا الربّ بها. لا يكفي أن نتقبّل الكلمة. بل يجب أن نجعلها تحمل ثمرًا (13: 23). وملكوت السماوات رأسمال وُضع بين أيدينا، فلا يحقّ لنا أن نتركه بدون ثمر. هنا نكتشف معنى تأخّر الربّ ووصول العريس في نصف الليل وغياب الرب الطويل. لسنا هنا أمام زمن كرونولوجيّ بقدر ما نحن أمام مساحة فيها نتسلّم مسؤولياتنا. ذاك هو مدلول التاريخ الذي نعيش فيه، بين مجيء الربّ الذي كلّفنا بمهمّة، وعودته التي تفترض موقف التزام تام. حين قرأ متّى هذا الخبر في جماعته، وعى خطر انتظار مجيء الرب القريب. لهذا حاول أن يحذِّر المسيحيين من التخاذل والكسل والقنوط، من الفتور والتهرّب من المسؤوليّة. فنحن نبرهن عن حبّنا بالعمل: فمن أحبّ الله الذي في السماوات عمل مشيئته ولم يترك أحدًا من إخوته يهلك (18: 14). هذا ما نتعلّمه في هذه اللوحة الأخيرة من خطبة مت حول نهاية الأزمنة.

د - مجيء ابن الانسان في المجد لدينونة الأمم (25: 31-46)
تستعيد هذه الخاتمة جوهر ما وجدناه في ف 24-25: وهكذا نقرأ هذه اللوحة الواسعة عن الدينونة الأخيرة في منظار ف 24-،25 ساعة تأتي الأمم وتقف للدينونة أمام ابن الانسان في مجده. طُرحت أسئلة عديدة حول هذا المثل: فمن هي الأمم المجتمعة (آ 32)، عن اليمين وعن اليسار؟ هل هي جميع الشعوب بدون تمييز، أم أولئك الذيت سمعوا كلمة الانجيل وصاروا مسيحيين؟ من هم ((إخوتي هؤلاء الصغار)) (آ 40، 45)؟ هل كل انسان يعرف الشقاء والضيق، أم التلاميذ وكارزو الانجيل الذين نستقبلهم أو نزورهم؟ ويتساءل الشّراح: هل نحن أمام نصّ يعود إلى يسوع نفسه، أم إلى ينبوع تقليديّ أعاد صياغته مدوّن انجيل متّى؟
لا نستطيع أن ننكر دور مت في تدوين هذا المقطع، دون أن نعرف بالضبط مدى هذا الدور. لهذا، سنحاول أن نفهم بُعد هذا المثل الأخير في مت. إن المقدّمة (آ 31-33) تستعيد موضوع ((مجيء ابن الانسان)): سمعنا الخطبة الاسكاتولوجيّة (24: 3، 27، 30، 31...) وفهمنا حضور الرب النهائيّ في حياة كل انسان. إن الظهور المجيد لدينونة الله، الذي يذكّرنا بما في زك 14: 5 وتجمّع كل الأمم (24: 9، 14؛ 28: 19) أمام المسيح، يدلّ على حدث رئيسيّ: فالبشريّة كلها (وكل انسان بمفرده) ستمثل أمام الملك (آ 34؛ رج 18: 23؛ 21: 5؛ 22: 2، 7، 11، 13) الذي سيجعل ((مباركي أبي)) يرثون الملكوت (5: 4). على كل واحد منهم، عاجلاً أو آجلاً، أن يتّخذ موقفًا بالنسبة إلى المسيح.
إن صورة فرز القطيع إلى خراف وجداء بيد الراعي يهوه، أمرٌ معروف منذ خر 34: 17-22. وحده نظرُ الراعي يميّز في الحقيقة هويّة كل واحد. والدينونة التي تُلفظ على كل واحد، ستكون دومًا موضوع دهشة (آ 37-39، 44): ما وعى أحدٌ أنه استقبل أو رفض الربّ في الفقراء والمهمَّشين.
إذن، من هم ((إخوتي هؤلاء الصغار)) (آ 40، 45)؟ استند عدد من الشّراح إلى العبارة المتّاويّة ((هؤلاء الصغار))، لا سيّما في خطبة الرسالة (10: 42) وخطبة الجماعة (18: 6، 10، 14)، فاستنتجوا أن الصغار هم تلاميذ المسيح الذي نعطيهم كأس ماء بارد فنستقبل فيهم ذاك الذي أرسلهم (10: 40). ثم إن لفظة ((إخوتي)) المستعملة في آ 40 تدلّ أيضًا على التلاميذ في 12: 48-50؛ 28: 10. وهكذا تتوجّه الدينونة نحو استقبال مرسلي المسيح، وبالتالي استقبال شخصه وتعليمه. ومن خلال أعمال الرحمة أو الاهتمام بالتلاميذ المتألّمين، نصل إلى يسوع نفسه الذي جعل نفسه ((صغيرًا)) مع أنه الأول. ((جاء ليخدم ويبذل حياته فدية من أجل الكثيرين)) (20: 28). وهكذا نفهم أنه يتماهى كليًا مع مرسله المتألّم ((المضطَهد لأجل البرّ)) (5: 10؛ 10: 17-18).
غير أننا رأينا أن خطبة ف 10 وخطبة ف 18 توجّهتا، عبر تلاميذ يسوع، إلى جميع المدعوين ليكونوا تلاميذه. فمتّى لا يجعل الناس في إطار محدّد لا يخرجون منه. ونحن لا نعرف إلى أي حدّ هذا الأخ هو تلميذ المسيح أم لا. فنظرُ الآب وحده يكشفه. أما يسوع فانحنى على الفقراء والمتألّمين، لأنه اكتشف فيهم صغارًا سينمون وتلاميذ ما زالوا براعم. ليس الموضوع أن نسأل إذا كان الناس الذين استقبلوا إخوتهم الجائعين والعطاش... سيخلصون أم لا في يوم الدينونة، بل إذا كنا نحن الذين نقرأ هذا الانجيل نذهب إلى الآخرين بعد أن انطبع على وجههم وجه المسيح.

4 - البعد اللاهوتي للاسكاتولوجيا المتّاويّة
ما هي ((نهاية العالم)) أو ((منتهى الدهر))؟ ساعة يكون كل واحد في حضرة الله. وتأتي النهاية حين يُعلَن الانجيل في المسكونة كلها (24: 14). وهكذا، فإرسال التلاميذ كما في خطبة الرسالة (ف 10) في الارسال الأخير (28: 18-20)، يعبَّر عنه بكلام يدلّ على التتمّة: تأتي النهاية حين يقف كل انسان في حضرة الربّ. إذن، المجيء هو وضع فيه يتوجّه الرب بشكل جذريّ إلى كل واحد منا ساعة موته، يعني ساعة ((تبدأ)) أبديّته.
فإذا أردنا أن نعبّر عن هذه الأبديّة التي لا يعبّر عنها، لأناس يعيشون في الزمان والمكان، نطرح هذه ((اللحظة)) في نهاية حياتنا أو في نهاية العالم. وبشكل بديهيّ يعبّر فكرنا عن الابديّة (أي ما لا يزول، 24: 34-35) بكلام يدلّ على النهاية، لأن هذه اللفظة تحمل كل الحياة في لحظة حاسمة واحدة. في هذه اللحظة يتمّ مصيري أنا ومصير العالم. ولكن في الواقع، مصيري يتمّ في كل لحظة، لأن الانسان في كل لحظة يجد نفسه أمام الله بقدر ما يعي حضوره.
إذن، نستطيع القول إن الاسكاتولوجيا تؤسّس نظرة مت إلى التعليم الاخلاقيّ، لأن كل خيار على مستوى القول أو العمل في الحياة اليوميّة، نأخذه في حضرة المسيح في المجد. كانت متطلّبة عظة الجبل قد بدت متطلّبة تُتمّ البرّ. وفي يسوع ملك الأمم يظهر البعد الشامل لهذه التتمة. وهكذا يعود أقلّ عمل إلى الدينونة الأخيرة حيث محبّة الله ومحبّة القريب تصبحان وصيّة واحدة.
هكذا ندرك لماذا لا يقدر يسوع أن يجيب عن السؤال حول تاريخ نهاية العالم. فإن حاولنا أن نعرفه، كنا كمن يفلت من لقاء الرب ويجد كفالة ضده في طمأنينات بشريّة. ووقت اللقاء هذا يختلف بين انسان وآخر. وحين نعي هذا نكون في حضرة الله.
بالنسبة إلى مجمل الشعب اليهوديّ، بدأ هذا الوعي مع دمار أورشليم: ساعة دمِّر الهيكل، وجد العالم اليهوديّ نفسه على المحكّ. وهكذا كان رباط بين دمار المدينة ومجيء الربّ، ورُفع التناقض الظاهر بين آ 34 وآ 36 في ف 24. فالجيل الذين توجّه إليه يسوع، قد دُفع إلى أن يطرح سؤالاً حول مصيره وحول يسوع: أليس يسوع هو المسيح المنتظر؟ ألا نستطيع أن ننتظر رجوعه المسيحانيّ؟ في أي حال، طُرح السؤال ولا يستطيع أحد أن يتهرّب منه، لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء.
هذا السؤال طرحته أيضًا كنيسة متّى، وهي التي آمنت بقيامة ربّها وعودته القريبة. ولكن السؤال يُطرح أيضًا بالنسبة إلى كل جيل. فأمام موت الرب وقيامته، يعي كلُّ جيل، كل انسان، مجيء الرب في حياته.

خاتمة
تحتفل الجماعة الافخارستيّة بالحضور الحالي للمسيح القائم من الموت وسط إخوته. هي صورة مسبقة عن تجمّع الأمم أمام ملك المجد. والكلمة التي تتوجّه إلينا تكشف لكل واحد حقيقة أعماله فتجعله يعي مسؤولياته وكيفيّة عيشها. فكل حدث من الحياة يحمل تهديدًا أو تحديدًا (مرض، موت، فشل، ضيق)، يصبح في حضرة ابن الانسان، موضعًا يُطرح فيه السؤال الأساسيّ. هذا السؤال حول معنى حياتنا، هل نترك الرب يطرحه علينا؟ هل نحن ساهرون؟ أم نتهرّب من الالتزام من أجل الملكوت فنختبئ وراء أعذارنا؟ إن الافخارستيا تحكم على حياتنا، لأنها تدفعنا إلى الوقوف أحرارًا أمام حضور المسيح في كنيسته وسط تهديدات العالم والضعف الذي يحيط بوجودنا البشريّ.
الفصل العاشر

دمار الهيكل ونهاية العالم
24: 1-36

هذه هي بداية الخطبة الخامسة والأخيرة في انجيل متّى. تبدأ أولاً في حديث عن دمار هيكل أورشليم. ثم تعلن المضايق الأخيرة ومجيء ابن الانسان. هي خطبة مؤلّفة من عناصر عديدة. تبدأ في آ 1-3 مع إعلان دمار الهيكل (مر 13: 1-4؛ لو 21: 5-7). هذا الهيكل الثاني بعد الهيكل الأول الذي شيَّده سليمان، قد بُني سنة 520-518 ق م. وبدأ هيرودس الكبير العمل فيه. دُشّن سنة 60 ب م ولم يكن العمل فيه قد انتهى. عنه قال يسوع: ((لن يُترك فيه حجر على حجر)). وسوف يرى مت هذا الدمار حين يكتب انجيله فيرى في هذا الدمار نهاية عالم وبداية عالم.
في آ 4-14 نتعرّف إلى بداية المخاض. يموت عالم ويعيش عالم (رج مر 13: 5-13؛ لو 21: 8-19). سأل التلاميذ المعلّم: ما هي علامة نهاية العالم؟ فأجاب يسوع وقدّم ثلاثة مواضيع ترتبط بعضها ببعض: دمار أورشليم. نهاية هذا العالم. مجيء ابن الانسان في المجد. ولكن يسوع يحذّرنا من الاهتمام بعلامات تدلّ على أن نهاية العالم بدأت، ويدعونا إلى السهر بانتظار ابن الانسان الذي يأتي.
تحدّث يسوع عن ألم الولادة، فدلّ على أن ما سيحصل سيحصل لا محالة. كما تحدّث عن ضيق نهاية الأزمنة. فالاضطهادات والمضايق والآلام الشخصيّة والأحداث السياسيّة والكونيّة، كل هذا يُعتبر مؤشَّرًا إلى ما يحدث في النهاية، بل هو يهيِّئ النهاية.
مع آ 15-25 (رج مر 13: 14-23؛ لو 21: 20-24) نتعرّف إلى الكارثة، إلى الضيق العظيم، وهو تنجيس الهيكل بسبب دخول الجيوش الرومانيّة إليه. عاد النصّ إلى ما صنعه انطيوخس الرابع ابيفانيوس، فصوّر الوضع الذي صار إليه الايمان من جحود وضلال بسبب المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة.
وتحدّثت آ 26-36 (رج مر 13: 24-31؛ لو 17: 23-24؛ 21: 25-31) عن مجيء ابن الانسان الذي لا ننتظره هنا أو هناك. أما الشيء الوحيد الذي نحن متأكّدون منه فهو أنه يجيء. هو قال، وكلامه لا يزول. بل تزول السماء والأرض. وما قاله يتحقّق لا محالة.
هذا هو النصّ الذي ندرسه الآن. بعد نظرة عامة، نتوقّف على التفاصيل فندرك بنية النص ومراجعه وتفسير آياته.

1 - نظرة عامة

أ - دمار هيكل أورشليم (24: 1-3)
في مت 24: 1-3 كما في مر 13: 1-4 ولو 21: 5-7 نقرأ آيات تنقلنا من خطبة يسوع ضد الفريسيين (23: 1-36 وز) إلى الخطبة الاسكاتولوجيّة الكبرى (ف 24 وز). ونجد فيها قسمين مميّزين، حيث القسم الأول يشكّل مقدّمة للقسم الثاني: أعلن يسوع دمار الهيكل (آ 1-2). فطرح عليه تلاميذه سؤالاً عن الزمن (بوتي، متى) وعلامات (سيميون) هذه الأشياء.
نستطيع حالاً أن نلاحظ في آ 3ب أن مت يجمع في زمن واحد ثلاثة أحداث لا يمكن أن تحصل دفعة واحدة: دمار الهيكل (توتا، هذا، هذه الأشياء)،عودة يسوع، نهاية العالم. ولكن متّى ((المعلّم الناضج)) أراد أن يركّز انتباهنا على موضوع واحد، فما استعاد ((فلس الأرملة)) الذي جعله مر 12: 41-44 (رج لو 21: 1-4) هنا لأننا في معرض الحديث عن الهيكل، والذي يحمل تعليمًا عن تقوى الفريسيين وما فيها من تقوى ظاهر، بل ربط ف 24 مع 23: 37-39 حيث نجد نبوءة عن أورشليم.
على مستوى نقد النصوص الأدبيّة، ترتبط هذه الآيات بعدد من النصوص الانجيليّة. تورد سؤالاً طرحه على يسوع أشخاص ذُكروا بوضوح مثل التلاميذ هنا. وجاء من جمع هذه الأسئلة التي يوجّهها الخصوم أو التلاميذ على يسوع، فكانت كما يلي: بعد مثل الزرع، سأل الاثنا عشر يسوع عن الأمثال (مر 4: 10 وز). بعد الكلام عمّا يدخل الانسان، سأل التلاميذ يسوع حول هذه الكلمة الملغزة (مر 7: 17 وز). في مر 9: 11، سأل التلاميذ يسوع بعد أن عجزوا عن طرد الشيطان، رج مر 10: ،10 28؛ 13: 3... نحن هنا أمام أساليب ثانوية مصطنعة تساعد على وضع قول من أقوال يسوع في ((إطار)) تاريخيّ. وفي النص الذي ندرس (مت 24: 1-3)، يسأل التلاميذ يسوع على انفراد. أما في مر 13: 3 فنقرأ: ((سأله بطرس ويعقوب ويوحنا واندراوس)) أي التلاميذ الأربعة الذين دعاهم يسوع على شاطئ البحر في بداية رسالته. أما لو 21: 5 فلا يهتمّ بهويّة السائل. نقرأ: سألوه (من سأله؟) قائلين)). نحن نرى أيضًا في هؤلاء التلاميذ أشخاصًا من كنيسة متّى يطرحون أسئلة طالما طرحها العالم اليهوديّ في فلسطين.
في السرد المتّاوي، كان يسوع في الهيكل منذ 21: 23. ويُبرز الانجيليّ الأول ذكر خروجه، لأن يسوع لن يعود بعدُ إلى الهيكل حيث صراعه مع قوّاد شعبه الدينيين وصل إلى الذروة (21: 23-27).
أورد كل انجيليّ بطريقته الخاصة ملاحظات تدلّ على إعجاب التلاميذ بالهيكل. في مر، لاحظ أحد التلاميذ ضخامة الحجارة والبناء. في لو، كان الحديث عن الحجارة الجميلة. في مت، دلّ التلاميذ يسوع على مجمل البناء دون وصف ولا إعجاب. تجاه هذه الملاحظات التي تدلّ على نظرة دينيّة سطحيّة، أعلن يسوع نبوءة هائلة: كل هذا سيدمّر. لن يبقى منه حجر على حجر.
القسم الأول من جواب يسوع يأتي بشكل استفهام (ألا ترون هذا كله؟)، وهو يأتي في أسلوب بلاغيّ. لا ينضمّ يسوع إلى التلاميذ في إعجابهم، بل يجعلهم يتأمّلون في مجمل عظمة الهيكل (هذا كلّه) ليشدّد على أهميّة الخراب القريب.
هنا يُطرح سؤالان: السؤال الأول حول معنى الفعل الذي يصوّر لدى الازائيين الثلاثة الدمارَ المعلن. والسؤال الثاني حول القيمة الحقيقيّة لصيغة المضارع في هذا الفعل (عند مت ولو. أما مر فاستعمل الماضي). سيجيب مجمل ف 24 على هذا السؤال الثاني الذي هو سؤال حول الأحداث التي أنبئ بها. وسنعود إليه. أما بالنسبة إلى السؤال الأول، فنظن أن المسيح في مت قد لمّح إلى كارثة عسكرية قد تكون سلب الهيكل بيد الرومان سنة 70، أو إلى كارثة كونيّة كما في أسفار الرؤيا. 
إن الفعل ((كاتلواين)) (نقض) (5: 17؛ 26: 61؛ 27: 40؛ رج 2كور 5: 1) قد يعود إلى هذه الكارثة أو تلك، وقد تكون الكارثتان كارثة واحدة في فكر سامعي يسوع أو سامعي متّى. غير أن مجمل ف 24 يدعونا إلى الأخذ بالمعنى الجليانيّ. لهذا، تخلّى عدد من الشّراح عن الارتكاز على هذه الآية ليحدّدوا متى دوِّن مت. ولكن يبدو أنه دوّن بلا شك بعد سنة 70، وقد تكون كارثة أورشليم صورة عن كارثة من نوع آخر.
من أجل هذا، نفهم الاهميّة اللاهوتيّة لدمار أورشليم سنة 70. فالهيكل الحقيقي صار بعد الآن المسيحَ وجسدَه المبنيّ بحجارة حيّة. وها قد بدأ العالم القديم بالزوال. فدمار المدينة المقدّسة هو علامة نهاية هذا العالم القديم وبداية عالم جديد. لقد بدأت الديانة في التاريخ، في بيت الله. كل هذا نستطيع أن نكتشفه في مت 24. وموضوع تدنيس الهيكل ثم دماره، لم يكن غريبًا عن الفكر اليهوديّ في زمن يسوع. هذا ما نجده في مزسل التي ارتبطت بسقوط أورشليم في يد بومبيوس الروماني سنة 63 ق م. ((ما منعت الوثني أن يدمّر السور)) (2: 1). ولكن ينتظر الناس هنا، كما في النصوص الاسيانيّة، سحق مدمّر الهيكل. في مت ،24 ما يلفت النظر هو الطابع النهائي للكارثة. ثم إن هذا الفصل لا يتضمّن أي تلميح إلى عودة عظمة اسرائيل حتى عبر المحنة المنقِّية. ولا يقال شيء عن هويّة مدمِّر الهيكل. وجاءت الأفعال في المجهول لتدلّ على أن الله هو سبب الكارثة (المجهول الالهيّ).
((وفيما هو جالس...)). حدّد مر ومت موقع سؤال التلاميذ على جبل الزيتون (ذات العبارة المتاويّة في 19: 28؛ 23: 2). عاد التلاميذ الذي ذُكروا في آ 1، وقد جعل مت في فمهم سؤالاً مركّزًا على يسوع المسيح. ضمّ دمار الهيكل إلى مجيء يسوع ونهاية العالم. هذا المجيء (يذكر في مت هنا وفي آ 27، 37، 39) لا يمكن أن يكون إلاّ عودته المجيدة والمظفّرة في نهاية التاريخ (1تس 2: 9؛ 3: 13؛ 4: 15؛ 5: 23؛ 1كور 15: 23)، لا مُلكه على الكنيسة.
ب - بداية المخاض (24: 4-14)
وبدأ يسوع يعلن الضيقات الأخيرة ومجيء ابن الانسان في آ 4-36 (رج مر 13: 5-8؛ لو 21: 8-11). مع أن هذه الآيات قد شكّلت تأليفًا أدبيًا متأخّرًا، إلاّ أنه يجب أن ندرسها بشكل إجماليّ، ولكن من خلال ثلاثة مواضيع رئيسيّة: العلامات السابقة للآلام الأخيرة والتحريضات التي تتعلّق بها (آ 4-14). الضيق في يهوذا وهو ذروة المحنة ويوم ابن الانسان (آ 15-28). مجيء ابن الانسان، ومثَل التينة، ومسألة زمن الأحداث الأخيرة (آ 29-36).
ولكن قبل أن نبدأ بتأويل هذه المجموعة الكبيرة، نودّ أن نسوق الملاحظات التالية: 
الملاحظة الأولى: يُشكّل ف 24-25 الخطبة الخامسة والأخيرة في مت. ففي نظرة الفقاهة المتاويّة، هذه الخطبة التعليميّة الكبيرة تعالج لا ((البرّ)) أو الأمانة للملكوت (رج ف 5-7). ولا إعلان الملكوت في العالم (ف 10). ولا سرّ هذا الملكوت الذي هو خفيّ بشكل موقّت (ف 13). ولا الجماعة الأخويّة المؤلَّفة من أبناء الملكوت (ف 18). بل أزمة كونيّة سيتجلّى فيها هذا الملكوت المخفيّ الآن، على أعين الجميع (ف 24). وهكذا يُطلب منّا السهر الناشط المستند إلى رحمة الله تحسّبًا لهذه الأحداث (ف 25). إذن، ظلّ الانجيلي أمينًا كل الأمانة لمخطّطه الأول، وهو أن يبيّن لجميع البشر، نتائج هجمة ملكوت الله في شخص يسوع المسيح (رج 3: 2؛ 4: 17).
الملاحظة الثانية: ولكن إن كان السرد المتاويّ قد خضع لاهتمامات فقاهيّة في الدرجة الأولى، فهذا لا يعني غياب النظرة السيرويّة. فإن ف 24، يتسجّل بشكل تام في خط ف 19-23 التي جعلتنا نرى نموًا متواصلاً للصراع بين يسوع ورؤساء شعبه. وهذا الصراع وجد ذروته في التقريع الذي وجّهه يسوع ضد الكتبة والفريسيين في ف 23. إذن، هناك في الفكر المتاويّ رباط وثيق بين الكوارث الاسكاتولوجيّة التي تُعلن، ورفض يسوع من قبل اليهود ولاسيّما رؤساء أورشليم والهيكل. هذا التداخل الحميم بين المواضيع الجليانيّة اليهوديّة المنتشرة في ذلك الوقت وبين المصير التاريخيّ ليسوع الناصري، يشكّل أصالة مت 24: 4-36 التي سنعود إليها.
الملاحظة الثالثة: غير أن العلاقة المميّزة بين مصير يسوع الشخصي والأحداث الكونيّة، ليست وحدها هنا. فنحن نلاحظ أيضًا في كل هذا علاقة (قد تبدو بعض المرات غامضة) بين نهاية أورشليم ونهاية العالم. قد تكون هذه العلاقة عائدة إلى زمن يسوع، وقد يكون أقامها التقليد الانجيلي. فما هو أكيد في الوسط المتّاوي، هو أن المؤمنين اعتبروا سقوط أورشليم كأحد عناصر الكوارث الأخيرة التي عبرها سيتجدّد العالم تجدّدًا تامًا ونهائيًا.
الملاحظة الرابعة: لا نقدر أن نكتب التاريخ الادبي لهذا التأليف منذ البداية. فقد كان متشعّبًا في قلب كنيسة متّى. ولكننا نستطيع أن نشير بشكل إجمالي إلى عنصرين: تبع مت مر حين جعل هذه المجموعة في بنية انجيله العامة، كما حين جعل الوحدات الصغيرة في سلسلة نقرأها هنا. هذا من جهة. ومن جهة ثانية حوّر مت نصّ مر وكمّله خصوصًا حين استعمل عناصر استعملها لوقا أيضًا (لو 17: 22-37؛ رج مت 24: 26-27، 28، 37-39، 40-41). لهذا نظن أن مت لم يتردّد هنا، كما فعل في الخطب الأربع السابقة، في جمع عناصر متفرّقة من التقليد الشفهي (أو كُتبت جزئيًا)، وفي ترتيبها في خطّ اهتماماته الكبرى. ونظنّ أيضًا أنه فعل كعادته، فجمع هنا أقوالاً تفوّه بها يسوع في مناسبات مختلفة، لأنه اعتبر أنها تتعلّق بالموضوع عينه.
الملاحظة الخامسة: وإذا تساءلنا الآن عن المرمى الدفاعي أو الفقاهي لهذه المجموعة الكبيرة، نستطيع أن نقول ما يلي: إن آ 4-36 تردُّ في رأي مت على سؤال طرحه التلاميذ في آ 3: متى تأتي النهاية، وما هي علاماتها؟ ونستطيع أن نجمل جواب يسوع في ثلاث نقاط تتوخّى كلها تهدئة الحمّى الجليانيّة في المحيط الذي فيه كُتب الانجيل: إحذروا من أين يضلّكم أحد (آ 4). سيكون مجيء ابن الانسان واضحًا بحيث لا يكون تردّد بالنسبة إليه (آ 27). لا أحد يعرف يوم أو ساعة هذا المجيء إلاّ الآب (آ 36).
وتنضمّ إلى هذه النقاط الثلاث الأساسيّة مجموعتان من النصوص يجب أن نحدّد مدلولها في هذه الخطبة. المجموعة الأولى: تصوير المضايق الأخيرة في ألوان فاقعة (آ 5-14، 15، 25، 29، 31). فلماذا هذا التصوير إن كان الهدف هو تجنّب القلق والبلبلة والخوف الجليانيّ؟ نظنّ أن هذه السمات الجليانيّة قد أضيفت إلى أقوال يسوع على أساس التقاليد اليهوديّة. أو أن يسوع نفسه استعملها ليشدّد على خطورة التعليم الجوهري الذي اكتشفناه في آ 4، 27، 36. في أي حال، يعطي مت هذه الصور المكانة الأولى في مجمل هذه الآيات. ومجموعةُ النصوص الثانية التي زيدت على التذكّرات الجليانيّة تتكوّن من تحريض يدعونا إلى الثبات حتى النهاية (آ 13: من يصبر إلى المنتهى). هذه العبارة تعلن موضوع السهر الذي سيسيطر منذ آ 42. سهر يتميّز به مت. لا سهر القلق والضياع والخوف والبلبلة. بل سهر روحيّ وداخليّ. سهر ناشط في تتميم المهمّة التي تسلّمناها (24: 54-25: 30)، سهر في ما نحمله إلى الجائع والعاطش والسجين والمريض من عون ومساعدة (25: 31-46).
بعد هذه الملاحظات نتوقّف عند شقّي هذه المقطوعة: آ 4-8؛ آ 9-14
> احذروا أن يضلّكم أحد (آ 4-8)
في مر الذي يبدو أكثر وضوحًا من مت، لا يجيب تعليمُ يسوع فقط على السؤال المطروح في آ 3ب، بل يعارضه. هذا هو معنى الفعل (ابوكرينو) الذي يعلن جواب يسوع. ((فأجاب يسوع وقال لهم)). أما الجواب فهو هو في شكل شبه حرفي في الأناجيل الازائيّة الثلاثة. وهو يشكّل عنوانًا لما في آ 4-36. إن فعل ((أضلّ)) (بلانان) يميّز هذا الفصل المتّاويّ (آ 4، 11، 24) كما يميّز ف 18 (آ 12، 13). نحن هنا في إحدى نقاط الاتصال بين ألفاظ استعملها مت وألفاظ استعملها يو (1يو 1: 8؛ 2: 26؛ 3: 7). يلمّح مت هنا إلى أصحاب البلبلة المسيحانيّة الذين يضلّون التلاميذ بنظرياتهم الجليانيّة (رج 18: 10-14).
وتتوسّع آ 5 في التحذير الذي أطلق في آ 4. صار ((أحد)) (تيس، يضلكم أحد) الجمع (بولوي، يضلون كثيرين). ستعود فكرة مماثلة في آ 23-26، وهذا ما يثبت الفرضيّة التي تقول إننا أمام تأليف أدبيّ تكوّن من أجزاء كانت في الأصل مستقلّة بعضها عن بعض. ولفظة ((باسمي)) (تحت اسمي، يختبئون) تدلّ على أن هؤلاء المضلّين يقدّمون نفوسهم على أنهم المسيح (خرستوس) المنتظر، أو يسوع المسيح الآتي في المجد. وقد تكون الفرضيّة الثانية معقولة في السياق التاريخي. أما الفرضيّة الأولى فنسمعها في أيامنا حيث يعلن انسان من الناس أنه يحمل ((الخلاص)) الذي لا يقدر أن يحمله إلاّ المسيح.
والضلال الذي تحدّث عنه النصّ بدأ يتوضّح: قد يضلّ التلاميذ في ما يتعلّق بهويّة المسيح نفسه. هنا تبع مت نصّ مر ولكنه جعله في أسلوب نبويّ. ((فالحروب وأخبار الحروب)) كانت تُعتبر علامات عن النهاية القريبة في العالم الجلياني اليهوديّ. وإذ أراد مت أن يهدئ هذا الغليان المسيحاني (حركات مسيحانية عديدة ستجد ذروتها مع بركوخبا، ابن الكوكب، في الحرب اليهوديّة الثانية سنة 132-135)، أكدّ على أمرين مميّزين: حسب مخطط الله، يجب أن تحصل هذه الأحداث المقلقة، سواء الحربية منها أو الكونيّة. فالتاريخ، وإن كان في أزمة، يظلّ داخل تدبير الله. إذن، يستطيع المؤمنون أن يلبثوا هادئين، بل هذا واجبهم (وهذا ما نقرأه في 1و2تس). ذاك هو الأمر الأول. والأمر الثاني: هذه الأحداث هي بداية (أرخي) الآلام الأخيرة. يبدو أنه يجب أن نقرأ آ 8 في المعنى الحصري، لأنه منذ آ 9 ستصوَّر الضيقات التي تصيب الرسل بشكل مباشر، وستكون أكثر أهميّة في نظر مت لأنها ستكون الـظرف التاريخي للكرازة بالملكوت (آ 14).
إن لفظة ((اودي)) (الاوجاع) تظهر هنا وفي مر 13: 8 ولا تعود تظهر في الأناجيل (رج أع 2: 24؛ 1تس 5: 3). أما الفعل المقابل ((اودينو)) فنجده في غل 4: 19، 27؛ رؤ 12: 2. هو يعني أوجاع الولادة. نستطيع أن نفهم هذه الصورة في معنيين: إن فكّرنا في بداية النهاية، شدّدنا على الأوجاع كعلامة تدلّ على بداية ((النهاية)). وإن فكّرنا بهذه الأوجاع التي قد تدوم طويلاً، قلنا إنها علامة تستبق النهاية. أما السياق المتّاوي فيجعلنا في التفسير الثاني. استعمل العهد القديم الصورة في هذين المعنيين (أش 13: 8؛ هو 13: 3؛ إر 6: 24؛ 2صم 22: 6؛ مز 17: 5-6؛ 114: 3-4).
> حينئذ يسلمونكم إلى الضيق (آ 9-14)
جعل مت في موضع آخر، في خطبة الرسالة (10: 17-21)، جوهر النص الموازي لمرقس. ولكنه أدخل من جديد في آ 10-13 صورة عن البغض الداخليّ والبغض الخارجيّ دون أن يذكر المجامع والولاة والملوك كما في مر 13: 9. نحسّ أن كل هذا العمل التدوينيّ قد تأثّر باختبارات عاشتها كنيسة متّى ساعة دوِّن الانجيل الأول. بينا صوّرت آ 4-8 كوارث عامّة وكونيّة، ذكرت آ 9-14 اضطهادات ضد التلاميذ (يسلمونكم، أنتم، يقتلونكم). قد قيل إن آ 10-12 قد انطبقت في الأصل على الجماعة اليهوديّة حوالي سنة 70. ولكن السياق المتّاويّ يدلّ على أن يسوع استعملها لكي يحرّض التلاميذ والكنيسة المسيحيّة في السنوات 80-90.
نحن هنا في مناخ يشبه مناخ التطويبات، ولا سيّما التطويبة الأخيرة: ((طوبى لكم إذا عيّروكم واضطهدوكم وافتروا عليكم بكل سوء من أجلي)) (5: 11). أو مناخ نهاية عظة الجبل حول الأنبياء الكذبة: ((إحذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، وهم في الباطن ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم)) (7: 15-16). أو مناخ خطبة الارسال (10: 17-21): ((احذروا الناس. سيسلمونكم إلى المحافل وفي مجامعهم يجلدونكم. وستساقون إلى الولاة والملوك من أجلي)).
((النهاية)) في آ 14 هي هي في آ 3. وإن آ 14 تعني بشكل حرفيّ أن الانجيل سيُعلن في الأرض المسكونة كلها (اويكوماني، لا نجدها إلاّ هنا في مت، رج لو 2: 1؛ 4: 5؛ روم 10: 18...). هناك من يحصر المسكونة في الامبراطوريّة الرومانيّة. قد يكون هذا معناها في لو، لا في مت العائش في الشرق، وقد يكون امتدّ عمل كنيسته إلى ما وراء حدود الامبراطوريّة الرومانيّة.

ج - المحنة الكبرى (24: 15-28)
أولاً: وضع المؤمنين (آ 15-22)
هذه الآيات (آ 15-22) مع آ 29-31 تبدو وكأنها تعود إلى عالم يهوديّ. فلا نجد فيها عنصرًا مسيحيًا واحدًا، وهذا ما يجعلنا نقول إن آ 4-36 تعني أول ما تعني سقوط أورشليم سنة 70 ثم نهاية العالم (آ 3). ولكن إن نظرنا في العمق، قدّم لنا السياق تفسيرين آخرين.
الأول: قد تكون هذه الآيات معترَضة تعني بشكل خاص سقوط أورشليم سنة 70. أو تحذيرًا أعطي للمسيحيين حول السقوط القريب للمدينة المقدسة. ودعوة لأخذ الاحتياطات في ذلك الوقت، داخل مجموعة من التعليمات ترتبط بكارثة مسكونيّة في نهاية العالم.
الثاني: قد تكون هذه الآيات قد أخذت من العالم اليهودي، ولكن وجب على التلاميذ أن يفهموها كتلميحات لا تتعلّق باليهوديّة ولا بأورشليم، بل بالعالم والكنيسة. وهكذا يكون المكان المقدس المذكور في آ 15 طريقة خفيّة للتكلّم عن الكنيسة. هنا نفهم التنبيه الذي وُجّه إلى القارئ. ((ليفهم القارئ)). لسنا على مستوى صورة لأحداث يفهمها الجميع، بل أمام تعليم يتوجّه إلى المؤمنين حول مستقبل يرجوه الايمان وحده. القارئ هو المؤمن في كنيسة متّى.
عندذاك نفهم عبارة ((رجاسة الخراب)) الدانياليّة (رج دا 9: 27؛ 11: 31؛ 12: 31 مع إشارة إلى ما عمله انطيوخس الرابع) كإعادة تفسير هذا الموضوع اليهوديّ من أجل قرّاء مسيحيين. وذكرُ اليهودية (يهودا) قد يشير إلى مسيحيين ظلّوا في اليهوديّة حتى النهاية، أو إلى تسمية مصوّرة لأماكن مختلفة أقام فيها المؤمنون. إن آ 19-22 تبيّن أننا أمام كارثة كونيّة تصوَّر بطريقة شعرية في ألفاظ مأخوذة من حياة فلسطين. والمختارون ليسوا اليهود المدعوّين للدخول إلى ملكوت الله،بل المسيحيين. وعبارة ((بسبب المختارين)) قد تعني أولئك الذي تقبّلوا الرسالة التي وصلت إليهم (رج آ 14). أو: لكي ينجو المختارون فلا تهدمهم الاحداث، أو: بما أن هناك مختارين،، بما أن هناك مؤمنين في العالم، سيُعفى عن البشريّة. إن لفظة ((مختارين)) ترتدي بُعدًا اسكاتولوجيًا ولكن دون التشديد على الوجه الخاصاني والشيَعي. فالمختارون الذين يُجمعون من الرياح الأربع (مر 13: 27) هم المسيحيّون المشتّتون في العالم كله، هم الجماعة الجديدة في الأيام الأخيرة، التي وضعت كل رجائها في عودة المسيح.
ثانيًا: شخص المسيح (آ 23-28)
هنا يتبدّل الموضوع. فبعد الصور الجليانيّة في آ 15-22، يتركّز الانتباه على شخص المسيح أو بالأحرى على الأخبار الكاذبة التي ترافق ظهوره الأخير. إذن، نحن أمام الموضوع الذي قرأناه في آ 4-5 (يقولون: أنا هو المسيح). ولكن في آ 5، كان الحديث عن مضلّين يقدّمون نفوسهم قائلين: أنا هو المسيح. أما آ 23-28 فتندّد بالذين يقولون للكنيسة المتّاويّة: هو هنا. هو هناك. ونودّ هنا أن نشير إلى ثلاثة تفاصيل في النصّ.
الأول: المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة هم خطرون، لأنهم هم أيضًا يُجرون الأعاجيب والآيات. لا يقول النصّ إن كانت هذه الآيات صادقة، ولكن 7: 21-23 يبيّن أن ذاك هو الفكر المتّاويّ: ((باسمك تنبّأنا، باسمك أخرجنا الشياطين، باسمك صنعنا عجائب كثيرة)). ولكن يسوع يعلن لهم أنه لا يعرفهم.
الثاني: يكشف النصّ بوضوح نوايا هؤلاء المقلقين المسيحانيين. هم يريدون أن يضلّوا المختارين. إذن، لا يحارب النصّ فقط أصحاب الأحلام الذين لا يمكنهم أن يسيئوا إلى المؤمنين الحقيقيين، بل الذين يقودون الناس بضلالهم إلى الهلاك.
الثالث: هنا نتذكّر ما قلناه سابقًا عن معنى آ 26-28: يرفض مت نظرات جليانيّة باطنيّة (ايزوتيريّة) يكون فيها ظهور المسيح الأخير خفيًا ومحفوظًا لفئة صغيرة من المتدرّجين. هذا موضوع عزيز على قلب العالم الجلياني اليهوديّ. أما مت الذي سبق وشدّد في ف 13 بشكل خاص على طابع السرّ والمفارقة في رسالة يسوع، فهو يشدّد الآن على الطابع الشامل لتجلّي يسوع الأخير. وهو تجلٍّ يفرض نفسه. فهو لا يتوخّى أن يضع الخوف لدى التلاميذ، بل الهدوء.
أما موضوع البرق (رج زك 9: 14؛ مز 97: 4) فهو يشير إلى فكرتين: سيراه كل البشر ولن يكون تردّد ولا ارتياب حول شخصه. وقد يكون هناك المعنى عينه في آ 28 الذي هو صدى لمثل معروف: كما أن الجثة تدلّ على الشخص في البعيد، هكذا المسيح. قد يعني هذا القول ((جثة)) المسيح المصلوب. وقد يعني أيضًا أورشليم بعد دمارها.
إذا قابلنا هذه الآيات مع الأفكار الجليانيّة المعاصرة، فهي تتميّز عنها في نقطة هامة. هي لا تقول شيئًا عن ملك أرضي لمسيح مجيد، بل تكتفي بأن تعلن بداية ملكه والدينونة التي يشرف عليها (25: 31-46). نراجع هنا مثلاً هذه الصورة للمُلك المسيحاني: ((طوبى للذين يعيشون في تلك الأيام ليشاهدوا حسنات الرب التي يعطيها للجيل الآتي، في عهد مسيح الرب المؤدّب، في مخافة الله، في حكمة الروح والبرّ والقدرة، بحيث يوجّه البشر في أعمال البر بمخافة الله)) (مز سل 17: 7-9). ونقرأ في رؤ با 71: 2-6 (نهاية القرن الأول ب م) ما يلي: ((وبعد أن تحصل هذه الايات التي أعلنتها لك، حين تكون الأمم في الاضطراب ويأتي زمنُ مسيحيّ (أنا)، يدعو جميع الشعوب ويُحيي هؤلاء ويقتل أولئك... وكل أمّة لم تعرف اسرائيل ولم تدس زرع يعقوب تحيا، وذلك لأنها هي التي تخضع لشعبك من بين جميع الأمم. ولكن تلك التي سيطرت عليكم وعرفتكم، فتُسلم إلى السيف)). ونقول عن الرؤيا المتّاوية، إنها لا تحفظ السعادة المسيحانيّة لتلاميذ المسيح. فهي تتوخّى بالأحرى أن تنبّههم وتحذّرهم من الاضطراب واللاأمانة. وفي الرؤيا اليهودية ولاسيّما الاسيانيّة، فأعضاء الجماعة المقدَّسة يستطيعون أن ينتظروا السعادة مسبقًا: ((حين يظهر مجد الله على اسرائيل، يُستبعد الخائنون للعهد من المخيّم ومعهم جميع الذين جرّوا يهوذا إلى الكفر في زمن المحن. أما جميع الذين تعلّقوا بهذه الفرائض، فساروا بحسب الشريعة وسمعوا صوت المعلّم واعترفوا أمام الله... هؤلاء يكونون سعداء، ويبتهج قلبهم ويصيرون أقوى من جميع سكان الأرض. ويغفر الله لهم ويرسل إليهم خلاصه، لأنه وثقوا باسمه المقدّس)) (وثيقة صادوق).

د - مجيء ابن الانسان (24: 29-36)
أولاً: تظلم الشمس والقمر (آ 29-31)
ويترك الانجيلي مرّة أخرى موضوعه المحدّد، موضوع ظهور المسيح الأخير، ليشدّد على ما قاله عن هذا الظهور في سلسلة من الكليشاهات المأخوذة من عالم الجليان اليهوديّ التقليديّ (أش 13: 9-10؛ 34: 4؛ زك 12: 10-12). وإن فعل ما فعل، تبع عن قرب نصّ مر متوخيًا تقديم فكرة هامة ومطمئنة عبّر عنها في آ 27: لم يعد من تردّد ممكن. فهذا الضجيج الكوني لا مدلول مسيحيًا له إلاّ لأنه يرافق علامة ابن الانسان في السماء ويجعلها ظاهرة للجميع. وعلامة ابن الانسان تعني في نظر مت ابن الانسان نفسه (وإن قال بعضهم إن هذه العلامة هي الصليب. رج الظهور للملك قسطنطين).
إذن، يشدّد النصّ على مجد هذا الظهور وقدرته التي لا شكّ فيها. وهنا أيضًا نبتعد عن تفسير يرى في الكوارث صورًا تقليديّة تدلّ على خطورة سقوط أورشليم. نحن بالأحرى أمام تجديد نهائيّ لكل شيء (رغم رقصة الكواكب، فالله يبقى أمينًا لخليقته) في نهاية العالم. ومع ذلك، نستطيع القول إن إقامة المملكة المسيحانيّة بواسطة ابن الانسان الآتي على السحاب، قد تحقّقت حين أغلق الله الدهر القديم ودمّر أورشليم وأحلّ محلّها الكنيسة بشكل نهائيّ. وما يلي من ف 24+ ف 25 يدلّ على أن الدينونة الأخيرة تهدّد أيضًا التلاميذ: فإن كانوا يستطيعون أن ينتظروا بهدوء ((اليوم))، فهم يحرَّضون لكي ينتظروه في السهر والأمانة (ف 25). فالكنيسة بحسب الفقاهة المتّاوية، ليست الواقع ((النهائي)). إنها الشاهد للواقع النهائي الذي هو ملكوت الله.
ثانيًا: فمن التينة تعلّموا المثل (آ 32-36)
هذه الآيات الأخيرة في الرؤيا المتاويّة (التي تمتدّ في الواقع حتى نهاية ف 25) هي التي يستلهم فيها مت نصّ مر 14 بأكثر ما يكون من الدقّة. ما قام متّى إلاّ ببعض التحويلات الطفيفة التي لا تحمل أي بُعد لاهوتيّ. مع مر ولو أدخل هنا مرّة ثانية قولين ليسوع أخذهما من موضع آخر في أشكال مختلفة بعض الاختلاف (آ 34 = 16: 18 = مر 9: 1 = لو 9: 27؛ آ 35 = 5: 18= لو 16: 17).
لا يرتدي مثل التينة (آ 32-36) الصغير أي معنى تحريضي ولا هجومي، بل تحديدي: كما أن الفلاّح لا يفقد صبره إن لم يرَ الصيف يأتي قبل أن تبرعم أوراق التينة، فعلى التلاميذ إن لا يحلموا بمجيء ابن الانسان، ويتبلبلوا قبل أن يروا ظهور جميع العلامات التي ذُكرت من قبل (بنتا توتا، هذا كله). هي الفكرة عينها تتكرّر: لا اضطراب قبل أن تظهر علامات النهاية التي لا تناقش.
إن آ 34 (هذا الجيل لا يزول إلى أن يتم هذا كله) نقرّبها من 16: 28 (من يذوقون الموت حتى يروا ابن البشر آتيًا) ومن 10: 23 (لن تتمّوا مدن اسرائيل). وهي تبدو صعبة في السياق الذي تظهر فيه. من جهة، فهي تبدو وكأنها تحدّد زمنًا (ولو تقريبيًا) للمجيء، ساعة تستبعد آ 36 (لا يعلمه أحد) كل محاولة تحديد زمنيّ في هذا المجال. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تجعل هذه الآية على شفتي يسوع إعلانَ نهاية قريبة من زمنه. وهي لم تتحقّق. الصعوبة الأولى هي أيضًا تلك التي نجدها في 10: 23 و16: 28. وقد نتجاوزها حين نشير إلى اللادقّة الكرونولوجيّة في نبوءة يسوع. وفي أي حال، يمنعنا السياق كله من أن ((نهاجم)) هذا القول في ما يخص زمن المجيء. فالذين رفضوا أن يروا على شفتي يسوع (أو مت) خطأ شارك فيه عددٌ من الناس من عصره، قد وجدوا أشكالاً عديدة لكي يتجاوزوا الصعوبة. نذكر اثنين. الأول: لم يتكلّم يسوع هنا عن نهاية العالم، بل عن نهاية أورشلبم (التي هي نهاية عالم قديم وبداية عالم جديد). والشكل الثاني: لا يدل ((هذا الجيل)) على أناس عاشوا في زمن يسوع، بل شعب اسرائيل الذي يمتدّ في التاريخ. أما الموقف الأبسط والذي يوافق موافقة الفكر المتّاوي، فنجده عند المفسّر الالماني كولمان: ما يهمّ على المستوى اللاهوتيّ في كرازة قرب ملكوت الله... هو التأكيد الضمني أننا، منذ مجيء المسيح، نعيش منذ الآن في عهد جديد وأن النهاية قد صارت قريبة. لاشك في أن المسيحيين الأولين قد قاسوا قياسًا هذا القرب فجعلوه بضع سنوات...
لا نقرأ في آ 35 (كلامي لا يزول) نبوءة عن زوال السماء والأرض أي الكون كله. فكما في 5: 18 (لا يزول من الناموس ياء أو نقطة)، يؤكّد المسيح في مت أن كلماته أبديّة. فمن تعلّق بها تسلّح حتى في زمن الدينونة والملكوت الآتي. هذا القول، شأنه شأن ما سبق وإن كان بشكل أوضح، يحمل بعض الثقة والهدوء في قلب انتظار النهاية. أما لفظة ((الابن)) بشكل مطلق (تتواتر في يو) فلا نجدها عند مت إلاّ هنا وفي 11: 17. ما استعادها لو. وقد تردّدت المخطوطات في تدوينها لأنها ما أرادت أن تنسب ((الجهل)) إلى الابن. ومع ذلك، فهي لا تعارض أعظم معطيات الكرستولوجيا الانجيليّة بما فيها الكرستولوجيا اليوحناويّة. هذا الجهل لدى الابن يتعلّق بمهمته كحامل وحي الآب، لا بعلمه الشخصيّ. فهو كانسان محدود في الزمان والمكان. فلماذا نخاف من التشديد على ناسوته وهو الذي قال عنه يوحنا: ((الكلمة صار بشرًا (من لحم ودم) وسكن بيننا))؟

2 - الدراسة التفصيليّة
نتوقّف هنا عند البنية والمراجع والتأويل والتفسير

أ - البنية
هذا القسم الأول من وصيّة (قبل الموت) يسوع الاسكاتولوجيّة، يبدأ بحوار ثم يصبح خطبة وهو يصل بنا إلى آ 36 (رج مر 13: 1ي). كما يتضمّن عددًا من الوحدات القصيرة. الوحدة الأولى هي مشهد يشكّل مقدّمة فيها يُنبـىء يسوع بدمار الهيكل (آ 1-2). وهذا ما يحرّك سؤالاً حول الزمن الذي فيه تحدُث هذه الأمور. فيجيب يسوع على هذا السؤال بشكل تحذير أولاً ثم بإنباء حول مضايق نهاية العالم.
آ 3-8 : بداية الأوجاع
آ 9-14 : شدّة الأوجاع
آ 15-28 : ذروة الأوجاع.
هذه الأقسام الثلاثة تتدرّج في الطول فتنقلنا من عالم واسع (آ 3-8)، إلى الكنيسة (آ 9-14)، إلى اليهودية (آ 15-28)، وهي حركة تعني أن أحداث النهاية تتركّز على الأرض المقدسة (رج 8: 11-12، يأتون من المشرق والمغرب).
أما آ 29 -36 فتصوّر انتصار الله في نهاية الأزمنة بمجيء ابن الانسان (آ 29-31)، وتتواصل مع مثل التينة (آ 32-33)، وتنتهي بقولين، الأول حول ((هذا الجيل)) (آ 34) والثاني حول قوّة كلمة يسوع (آ 35). وكل هذا ينتهي بقول حول جهل الساعة واليوم (آ 36).

أ - مقدمة إخبارية (آ 1-2)
> ملاحظة التلاميذ (آ 1)
> جواب يسوع: دمار الهيكل (آ 2)
ب - الأشياء الآتية (آ 3-36)
> سؤال التلاميذ (آ 3)
> جواب يسوع (آ 4-36)
- حقبة الضيق (آ 4-28)
> بداية الأوجاع (آ 4-8)
> شدة الأوجاع (آ 9-14)
> ذروة الأوجاع (آ 15-28)
- الرجاسة والهرب (آ 15-19)
- رعب تلك الأيام (آ 20-22)
- أين هو المسيح (آ 23-28)
- المجيء (باروسيا، آ 29-35)
> مجيء ابن الانسان (آ 29-31)
> المثل (آ 32-33)
> ثلاثة أقوال (آ 34-36)
- هذا الجيل لا يزول (آ 34)
- كلامي لا يزول (آ 35)
- ذلك اليوم وتلك الساعة (آ 36).
ب - المراجع
إن آ 1-3، 4-9، 13-14، 15-25، 29، 30ج-31، 32-33، 34-36 تجد ما يقابلها في مر وتستند إلى أولويّة مر. أما آ 26 (في البريّة أو في المخادع)، 27 (البرق)، 28 (جثة النسور) فتشبه لو 17: 32-34، 37، وتجد ينبوعها في المعين. وتبقى آ 10-12 (الشكوك، الأنبياء الكذبة، تبرد المحبّة)، 30أ (علامة ابن الانسان)، 30ب (النواح) وإضافة البوق في آ 31. هناك من ينسب آ 10-12 إلى تدوين (رج مر 13: 9-13 الذي نقله مت إلى ف 10 وخطبة الرسالة) مت أو إلى تقليد سابق لمتّى. نقول إن هناك تقليدًا سابقًا، وقد استقى منه تعليم الرسل أو الديداكيه (16: 3-6).
مت 24 الديداكيه 13: 3-6
آ 10 - يشكّ كثيرون آ 3- يشكّ كثيرون
آ 12 - ضلال كثير آ 4- ضلال كثير
آ 12 - تبرد المحبّة آ 3- تنقلب المحبّة بغضًا
آ 30 - وتظهر علامة ابن الانسان آ 6- وتظهر علامات الحقيقة: 
أولاً: علامة تظهر في السماء
آ 31 - مع صوت بوق عظيم آ 6- مع علامة صوت بوق
وهكذا يكون مت عاد إلى رؤيا صغيرة استقى منها أيضًا تعليمُ الرسل. وهناك شرّاح قالوا إن مت، مر، لو، عادوا إلى رؤيا قبل إزائيّة طويلة وأخذوا منها ما أخذوا. وقد يكون بولس عرف هذه الرؤيا من أجل 1 و2تس.

ج - التأويل
هذا القسم الباطني الواسع يقدّم لنا يسوع مثل رائي المستقبل الاسكاتولوجي. غير أن هذا ليس بجديد: فعبْر متّى، يتنبّأ يسوع عن الأشياء الأخيرة. ولكن ف 24 وف 25 يكرّران أمورًا عديدة ذُكرت من قبل: الأنبياء الكذبة (7: 15-23). اضطهاد التلاميذ (10: 21-39). مجيء ابن الانسان (16: 27). حصاد الملائكة (13: 49). هناك تكرار، بل أمور جديدة وإيضاح.
هناك أمور عن زمن النهاية لم يتطرّق لها الانجيليّ، مثلاً القيامة أو حالة الأبرار. فاكتفى بما يلي: قدّم خبر المسيح في نظرة شاملة. تحدّث مسبقًا عن آلام المسيحيين بحيث يستطيعون أن يتحمّلوها. غذّى الرجاء فبيّن أن المستقبل الخيّر سيأتي بعد حاضر رديء. شجّع المسيحيين على الجهاد في وجه القنوط.
وعبر هذه الأمور العموميّة، تبقى عدد من الآيات موضوع جدال، وكذلك مدلول النص ومرجعه (يعود هذا الوضع إلى غياب جواب مباشر على سؤال آ 2 حول الهيكل. وهذا الغياب ورثه مت من نص مر). هناك مقاربة تقول إن مت 24 مليء بالنبوءة. وقال آخر، إن آ 3-35 تتطرّق إلى أحداث تدور حول دمار أورشليم الذي حدث في ((جيل)) يسوع (آ 36ي) مع المجيء الذي ظلّ تاريخه مجهولاً. لا نتوقّف عند أحداث سنة 70 ب م فقط. فهناك عدد من التوازيات اليهودية والمسيحية ولا سيّما في مت. ارتباط هذا الكلام بدانيال. غياب إشارة واضحة ترفض الوجهة الاسكاتولوجيّة. أما عبارة ((أو في السبت)) (آ 20) فقد وُضعت فيما بعد لكي تربط الأحداث بالعالم اليهوديّ.
بعد رأي يتوقّف عند العالم اليهودي، هناك رأي آخر يعتبر أن ف 24 هو إسكاتولوجيّ كله. بسبب طبيعة اللغة. بسبب وحدة الخطبة التي تمنعنا من التطلّع إلى أكثر من حدث. بسبب ((في الأثر)) التي نقرأها في آ 29. فلو كتب مت بعد سنة 70، لما كان قال إن المجيء يأتي حالاً بعد دمار الهيكل، وهذا ما يجعل الصورة عن دماره في آ 15 ي غير معقولة. نجيب على هذا القول بأن الحدث تمَّ في الماضي وقد عرفه الجميع. وإن مت ترك النهاية الاخباريّة معلّقة.
ونزيد نقطة ثالثة. يقول الشرّاح: إن كان مت كتب بعد سنة 70، فيجب أن تتمّ النبوءة حول دمار الهيكل. غير أن آ 15 تتضمّن أن الهيكل ما زال يلعب دورًا في التاربخ. هل انتظر متى، شأنه شأن عدد من اليهود القدامى (رسالة برنابا 16: 3-4) أن الهيكل سيُعاد بناؤه ثم يدمّر من جديد قبل النهاية؟ ويمكن أن يكون قد أخذ نبوءة يسوع بشكل حرفيّ فعرف أن الهيكل لم يدمَّر كله. فقبل سنة 135 كان اليهود يذهبون إلى الهيكل (وإن كانت شعائر العبادة فيه قد توقّفت) ويحجّون هناك.
وهناك رأي ثالث يقول إن مت 24 يشير إلى دمار أورشليم وإلى المجيء، وقد جعل الامرين متداخلين في متتالية واحدة. هناك ((اليهودية)) (آ 15). و((على الأثر)) (آ 29). في آ 34: ((هذا الجيل)). وقبل ذلك ((هذه الأشياء)). وهناك رأي رابع تحدّث عن دمار أورشليم سنة 70 ونهاية العالم. قال افرام في تفسير الدياتسارون (18: 14): ((تحدّث يسوع عن عقاب أورشليم، وفي الوقت عينه عاد إلى نهاية العالم)). وهنا نعود إلى المدرسة الانطاكيّة التي تعتبر أن العهد القديم يتحدّث عن شيئين في الوقت عينه. هناك انطلاق من دمار أورشليم، ووصول إلى نهاية العالم. نحن هنا على مستوى قراءة تعود إلى زمن ما بعد الفصح. فالخطبة تربط الماضي بالحاضر والمستقبل. فما حصل سيظلّ يحصل. وسرّ الاثم ما زال يعمل (2تس 2: 7). فسواء ارتبط دمار أورشليم بما في آ 15 ي أو المضايق، فهذا ما لا نعرفه بالتأكيد. ولكن أن يكون الحديث عمّا حصل سنة 70 فهذا لا يستنفد مدلول آ 15 ي التي تتطلّع إلى الأحداث الاسكاتولوجيّة الآتية. وهكذا سيكون الجواب على سؤال التلاميذ في آ 3 كما يلي: سيدمّر الهيكل في ضيق الأيام الأخيرة التي تبدأ في المجيء الأول وتنتهي في المجيء الثاني. وبعد ذلك يأتي ضيق النهاية الذي لا نعرف زمانه.

د - تفسير الايات (24: 1-36)
أولاً: دمار الهيكل (آ 1-2)
تبدأ الخطبة بقول يتكوّن من الوضع، من ملاحظة التلاميذ، من جواب يسوع بشكل نبوءة. بالنسبة إلى القرّاء الذين عاشوا بعد سنة 70، فقد وجدوا في كلام بسوع تتمّة النبوءة. وهكذا يستطيعون أن يثقوا بالمستقبل.
دخل يسوع إلى الهيكل في 21: 23. وهكذا كل ما حصل في 21: 23-23: 29، قد حصل فيه. وتبديل المكان الآن يدلّ على أننا أمام شيء جديد. سيكون السامعون قلائل، ولكن الموضوع هو هو (رج 13: 1-2، 36). تنبّأ يسوع (آ 2) عن نهاية الهيكل (رج 26: 61؛ 27: 40). هذا يعني أن النبوءة تمّت بالنسبة إلى القارئ الذي عرف أحداث سنة 70 ب م. هذا الاعلان لا يعارض شرعيّة العبادة في الهيكل. فالأنبياء أيضًا قد هاجموا الهيكل دون أن يهاجموا البنتاتوكس وما فيه من شرائع موسويّة. فنحن لسنا أمام رذل لنظام أسّسه الله، بل أمام كارثة سبّبتها خطيئةُ البشر (ولا سيّما ملك أورشليم). وهكذا نقول عن دمار الهيكل: هو حكم الله على العاصمة.
ثانيًا: بداية الأوجاع (آ 3-8)
إن آ 3 التي تربط نبوءة دمار الهيكل بالخطبة الاسكاتولوجيّة، تفترض أن التلاميذ لا يعرفون متى يدمّر الهيكل ولا متى يعود يسوع. غير أن سؤالهم (رج 18: 1) يعني واقع الحدثين. وجاء جواب يسوع ووحيه بشكل غير مباشر (آ 4). أجاب عن ((متى)). ثم عن ((كيف)). ((كثيرون يأتون باسمي قائلين)). رج يوستينوس في الحوار مع تريفون (35)؛ رؤ بطرس (1: 2). إن القرنين الأول والثاني قد عرفا عددًا من الأنبياء الكذبة الذين تكلـّموا عن نهاية الأزمنة.
هنا نقابل بين آ 5 وآ 11 وآ 24
الفاعل: كثيرون (آ 5)
كثير من الأنبياء الكذبة (آ 11)
مسحاء كذبة وأنبياء كذبة (آ 24)
الفعل: يأتون (آ 5)
يقومون (آ 11)
يقومون (آ 24)
العمل: يقولون: أنا هو المسيح (آ 5)
يضلّون الكثيرين (آ 11)
يُجرون آيات عظيمة وخوارق (آ 24)
النتيجة: يضلّون الكثيرين (آ 5)
يضلون الكثيرين (آ 11)
يضلون المختارين (آ 24)
وهكذا يشدّد النص على الضلال الذي يتأتّى من هؤلاء الأنبياء الكذبة والمسحاء الكذبة. ((تسمعون بحروب وأخبار حروب)) (آ 6). لا نسرع فنتحدّث هنا عن أمور اسكاتولوجيّة. فإن آ 7 تفسّر آ 6 في لغة بيبليّة اصطلاحيّة. وتماهي الكوارث السابقة مع ((بداية الأوجاع))، يجعل الضيق الاسكاتولوجي يمتدّ أبعد من الزمن. أما الوجهة العمليّة فهي الصبر والثبات.
ثالثًا: اضطهاد التلاميذ (آ 9-14)
بما أن مت استعمل فيما قبل مر 13: 9-13 في 10: 17-21، فهو يوجز هذا الآن، ويزيد بعض الأمور. إن تكرار حرف العطف عشر مرات في خمس آيات، يزيد قوّة البناء الدراماتيكي: لقد أخذت الأمور تتسارع. ونتيجة الاضطهاد الخارجي تطلُّ فوضى داخليّة. فالبغض الآتي من الخارج يولّد بُغضًا آتيًا من الداخل.
هنا نقرأ آ 10-12 حيث تبدو في تواز تام ثلاثة أمور: الجحود، الخيانة، الأنبياء الكذبة. وهكذا يسقط كثيرون. ويخون الواحد الآخر. ويبغض الواحد الآخر. ويقوم عدد كبير من الأنبياء الكذبة، ويضلّون كثيرين. ولكثرة الاثم تبرد المحبّة عند كثيرين.
المحبّة والشر (أو اللاشريعة) (أنوميا) يتناقضان (آ 12). فالحب يملأ الشريعة (نوموس). والحبّ يحتمل كل شيء (آ 13) كما قال بولس في 1كور 13: 7. إن الرسالة المسيحية تنتمي إلى الاسكاتولوجيا. لذلك فجمع آ 13 مع آ 14 يُنتج فكرةً تقول إن الذين يقاسون الدينونة الاسكاتولوجيّة هم الحاملون الامناء لانجيل الملكوت. ((انجيل الملكوت (= كلمة الملكوت، 13: 19): ما كرز به يسوع. وما كُرز به في شأن يسوع. هو ما يُسمع في العالم كله قبل أن تأتي النهاية فيهيّئ الدينونة الأخيرة (25: 31-46)
رابعًا: ذروة العذاب (آ 15-28)
نجد في هذه المقطوعة ثلاثة مواضيع: الرجاسة التي تدلّ على زمن الهرب (آ 15-20). تقصير زمن الضيق (آ 21-22). المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة. ((فإذا ما رأيتم رجاسة الخراب)) (آ 15). هذه الآية التي تبدو قريبة جدًا من السؤال حول الهيكل (آ 3)، تدلّ على منعطف دراماتيكي يتّخذ مدلولاً جديدًا بعد أن كان موضوعَ نبوءة. ((رجاسة الخراب)) هي سلسلة من الأحداث المريعة تصل بنا إلى نصيحة تقول: اهربوا. فكما في 10: 32، الهرب الاسكاتولوجي يوقفه مجيء ابن الانسان (آ 29). وتأتي آ 17 وتقول إن الهرب ضروريّ. فلا وقت لنا لنجمع ما نملك. هنا نتذكّر ما فعله التلاميذ في ف 10 وسرعة العبرانيين في تقليد الخروج (خر 12: 39). قد يكون الواحد في الحقل والآخر على السطح.عليهما كلاهما أن يهربا ولا ينظرا إلى الوراء مثل لوط (هنا نلاحظ التوازي بين آ 17 وآ 18). الهرب يعني السفر الذي يكون أسهل حين لا يكون هناك أطفال (الحبالى، المرضعات، آ 19).
((صلّوا لئلا يكون هربكم في الشتاء أو في السبت)) (آ 20). تدلّ هذه الآية على أننا لسنا أمام صورة تاريخيّة بل نبوءة اسكاتولوجيّة. فماذا تفيد الصلاة في حدث قد مضى. وتأتي آ 21 بشكل ملخّص. ومع آ 22 نفهم أن الله قصّر هذه الأيام لئلاّ يطول العذاب.رج سي 36: 8: ((عجّل اليوم وتذكّر الزمن المحدّد)). كما نقرأ في كتاب العاديّات البيبليّة: ((أُوصي السنين وآمر الأزمنة فتقصر)). وفي 2عز 2: 13: ((صلِّ لكي تكون أيامك قليلة، لكي تكون قصيرة))،
((إن قيل لكم: المسيح هو هنا...)) (آ 32). اعتبرت آ 23-24 وكأنهما تشيران إلى المسيح الدجّال (انتيكرست) كما قال يوحنا الذهبيّ الفم في عظاته حول مت 76: 2. هذا ((المسيح)) يحاول أن يجترح الآيات، شأنه شأن يسوع المسيح. ((لقد أخبرتكم)) (آ 25).
خامسًا: مجيء ابن الانسان (آ 29-31)
هذا المقطع ينهي خبر الضيق ويتحدّث عن المجيء في اللغة التقليديّة لظهورات العهد القديم. فمجيء يسوع هو مجيء مجد الله. الأفعال كلها هي في صيغة المضارع. بعد أن حرَّكت آ 28 عيوننا من الأرض إلى السماء، ها هي ترفعها إلى أعلى. هي رؤية تترك الضيق وتهيّئ الطريق للرجاء الذي يأتي من السماء. ((وعندئذ تظهر علامة ابن البشر)). إن آ 30 وآ 31 تشكّلان ذروة في ف 24. فمجيء ابن الانسان لا يكون في البريّة ولا في المخادع، بل سيشاهده الكون كله. هو يدعونا لكي ننظر إليه. حين يتراءى ابن الانسان في النهاية، سيعترف الكل بمن تعترف به الكنيسة. فله كل سلطان في السماء وعلى الأرض (28: 18).
((علامة ابن الانسان)) هي العلامة التي تقول إنه ابن الانسان، ابن الانسان الآتي. وقد تكون العلامة الصليب (كيرلس الاورشليمي، السلسلة 15: 22: يوحنا الذهبيّ الفم. عظات على مت 76: 3). وقد تكون نورًا عظيمًا (رؤ 21: 23-25؛ رج أش 60: 1-5). وقد تدلّ على ((راية)) من أجل الحرب الاسكاتولوجيّة.
((ويرسل ملائكته بالبوق العظيم)) (آ 31). ما نلاحظه هو غياب الله الآب. فابن الانسان يعمل بسلطته فيرسل ملائكته ليجمع المختارين من كل الأرض. وهكذا يرفع مت الجلالة الالهيّة لابن الانسان إلى أعلى المراقي. والنهاية السعيدة ستذكر الله الآب، ولكنها لا تلمّح إلى دينونة الأشرار ولا إلى قيامة الموتى. إن مجيء ابن الانسان لا يراه الجميع فقط. بل سسيمعه الجميع (البوق العظيم).
سادسًا: مثل التينة وزمن المجيء (آ 32-36)
هذا المثل القصير (آ 32-33) يعطينا صورة عن ظرف يدعو ظرفًا آخر، فيقابل هذه الصورة بمضمون ف 24: حين ترى كل هذه الأشياء، كل علامات آ 5ي، تكون النهاية (الانقضاء الذي صوِّر في آ 29ي) قريبة. وبعد أن يعطي يسوع المثل (آ 32) يطبّقه كما في 4 عز 8: 36-9: 2: ((أريتني الآن عددًا من الايات التي ستصنعها في الأزمنة الأخيرة، ولكن ما أريتني ما سوف تصنع بهم. أجابني وقال... حين ترى أن بعضًا من الآيات المعلنة قد مضت، تعلم أنه الوقت الذي فيه يزور العليّ العالم)). ((إعلموا أنه قريب، على الأبواب)). رج مر 13: 29؛ ق تك 4: 7؛ أش 13: 6 (يوم الرب قريب)؛ حز 30: 3 (اليوم قريب)؛ يوء 1: 15؛ 2: 1؛ صف 1: 7، 14؛ يع 5: 9 (الديّان واقف على الباب).
وتتحدّث آ 34-36 عن زمن المجيء ردًا على السؤال الذي طُرح في آ 3. يتحدّث النص عن ((هذا كله)) (بنتا توتا). فماذا تعني هذه العبارة؟
- كل هذه الأشياء تعود إلى دمار أورشليم الذي حصل في ((جيل)) يسوع.
- كل هذه الأشياء تعود إلى سيناريو اسكاتولوجي قرأناه في آ 4-31، فأعلن أن كل شيء قد حصل قبل أن يأتي ((جيل)) يسوع.
- عند آباء الكنيسة، الجيل هو الكنيسة التي لا تقوى عليها أبواب الجحيم.

الخاتمة
إن خطبة يسوع الكبرى في مت تتحدّث عن الاسكاتولوجيا، عن النهاية. هذا مع العلم أن خطب مت الأربع الأخرى (5-7، 10، 13، 18) تنتهي كلها في إطار اسكاتولوجيّ. ويفسّر مت 24 المسافة بين مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني كزمن عذاب مسيحاني، كزمن يتميّز بغياب الربّ. ولكن 28: 16-20 (يعود إلى آخر الدهر ويعلن الرسالة إلى الأمم) يصوّر زمن الكنيسة كزمن حضور المسيح والتعزية التي تحملها قدرته. فهاتان الصورتان هما منظاران مختلفان لحقبة واحدة، وهما تعكسان مفارقة الخبرة المسيحيّة. يسوع هو الآن الربّ الحاضر الذي يوجّه السماء والأرض. ولكنه أيضًا المعلّم الغائب الذي يتيح تأخّرُه لقوّة الشرّ بأن تحرّك الضيق في العالم.
الفصل الحادي عشر

تحريض على السهر
24: 37-44

بما أنكم تجهلون ذلك اليوم، فاسهروا. ذاك هو معنى النصّ الذي يحثُّنا فيه يسوع على السهر. وهو نصّ أخذ من آخر خطبة من خطب يسوع التي نقرأها في انجيل متّى. فبعد عظة الجبل (ف5-7) والحديث عن برّ الملكوت، وبعد العظة الرسوليّة (ف 10) التي فيها يعلن يسوع الملكوت ويرسل الاثني عشر. وبعد خطبة الأمثال (ف 13) التي تفتحنا على سرّ الملكوت. وبعد الخطبة الكنسيّة (ف 18) الي تعلّمنا كيف يعيش أبناء الملكوت، نصل في ف 24-25 إلى ظهور الملكوت كما سينكشف عبر أحداث خارقة وأزمة كونيّة تربطنا بنهاية العالم. وقدّم النصّ الذي نقرأ تعليمًا عمليًا حول هذا الوحي الذي أعلنه يسوع قبل ذهابه إلى الموت الذي هو بداية النهاية.

1 - الخطبة الاسكاتولوجيّة (24-25)
إذا أردنا أن نبحث عن سياق تاريخيّ لهذه المجموعة المبنيّة بناء محكمًا (ف 24-25)، نتذكّر على مستوى التاريخ حياة يسوع العلنيّة كما صوّرها مت، ونتذكّر بشكل خاصّ أن الصراع بين يسوع ورؤساء الشعب أخذ يزداد خطرًا بشكل تدريجيّ حتى ف 23 وسلسلة الويلات التي أصابت الكتبة والفريسيين. وقد رأى الانجيليّ الأول رباطًا بين رذل الرؤساء ليسوع (حكموا عليه. صلبوه) والكارثة الكبرى التي تعلن عن نفسها منذ الآن والتي ستتحقّق يوم دمار أورشليم سنة 70 ب م.
أما على مستوى تاريخ الجماعة المسيحيّة التي إليها يتوجّه الانجيل، فأجوبة يسوع على أسئلة التلاميذ تتيح لنا أن نستشفّ جماعة تجتاحها حمّى جليانيّة (تظلم الشمس، يحبس القمر ضوءه، 24: 29). هي تنتظر نهاية قريبة ومجيء يسوع القريب، بينما يبدو الثباتُ جوهرَ تعليم يسوع. أو نرى جماعة بدأ بعض أعضائها ينامون بعد أن نسوا أهميّة السهر. هذا ما نكتشفه في التعليم الامثاليّ.

أ - فصل رؤيويّ في الأناجيل الازائيّة (24: 1-36)
إن هذا النصّ المتّاويّ (24: 1-36) يتبع مر 13: 1-32 عن قرب، ويبرز في الوقت عينه أقوالاً تحريضيّة. أعاد مت صياغة مر ولوّن بعض الأمور، فأعطى التقليد وجهًا جديدًا هو أبعد مما يكون عن مجموعة من الأقوال المتفرّقة. أما المواضيع الجليانيّة التي تتوزّع هذه المتتالية (آ 1-36) فلا تتيح لنا أن نميّز بين ما ألّفه الانجيليّ، وبين ما أخذه من مراجع تعود بنا إلى يسوع نفسه. نحن أمام نصّ رؤيوي تتداخل فيه التقاليد اليهوديّة والمسيحيّة تداخلاً وثيقًا. ولن نحاول أن ((نحكم)) على أقوال وردت في فم يسوع بالنظر إلى التاريخ اللاحق (ولا سيّما دمار أورشلبم والهيكل)، فنعتبرها تنبؤأ صحيحًا أو معقولاً.
ثم إننا لا نستطيع أن نميّز في هذا النصّ ما يدلّ على دمار هيكل أورشليم وما يدلّ على نهاية العالم. ففي هذه اللوحة الواسعة، يهتمّ مت أول ما يهتمّ بنهاية العالم. أما سقوط أورشليم الذي هو حدث من الماضي وقد سبق تدوينَ انجيل متّى، فهو يُصوَّر بشكل علامة تسبق تقلّبات نهاية الزمن وتحاول أن توضحها.

ب - التعليم الامثاليّ (24: 37-25: 46)
إن ما يتميّز به متّى في هذا القسم من انجيله هو أنه توسّع كعادته بشكل كبير جدًا، في التطبيقات الارشاديّة (ماذا يجب أن يعمل المؤمن). فالآيات القليلة التي يحضّ فيها مرقس المؤمنين على السهر (13: 33-37؛ ق لو 21: 34-36)، قد توسّع فيها مت بسلسلة أمثال تكوّن القسم الثاني من الخطبة الاسكاتولوجيّة (ف 24-25)، وتشكّل تعليمًا يبدو في شكله مبنيًا بناء محكمًا. لا شكّ في أننا نجد هنا ميل مت إلى الناحية الأخلاقيّة. ولكننا نكتشف أيضًا إحدى الاهتمامات المستمرّة في الفقاهة المسيحيّة: فعلى المسيحي الذي يعيش انتظار مجيء يسوع أن يكون موقفُه موقفَ السهر، أن يبقى أمينًا للمهمّة التي كلّف بها.
أما تصميم هذا الجزء الثاني من الخطبة الاسكاتولوجيّة، فيبدو كما يلي: 
- 24: 37-44: لا يعرف المؤمن متى يعود الرب: لذلك عليه أن يسهر.
- 24: 45-51: مثل الوكيل الذي أقامه سيّده على أهل بيته: كيف يتصرّف الآن بعد أن تأخّر السيّد.
- 25: 1-13: مثل العذارى العشر: ماذا فعلت الجاهلات بعد أن تأخّر العريس؟
- 25: 14-30: مثل الوزنات: المهمّة الملقاة على الخدم، وعودة السيّد بعد غياب طويل.
- 25: 31-46: الدينونة الأخيرة: لسنا فقط أمام مثل من الأمثال، بل أمام لوحة رهيبة ترينا ابن الانسان في وظيفته كديّان. تلك هي ذروة هذين الفصلين وخاتمتهما.
إن الفن الأدبيّ الامثالي الذي عرفه العالم اليهوديّ، قد استُعمل في الأدب الجليانيّ، في أمثال الملكوت، في أقوال قدّمت معناها في مثل. مثلاً في سفر أخنوخ وفي سفر عزرا الرابع يُعطى مثل ويأتي ملاك فيفسّر معناه. وكذا فعل يسوع. قدّم مثل الزارع ثم فسّره. قدّم مثل الزؤان ثم طبّقه على وضع الكنيسة في هذا العالم حيث تتجاور الحنطة والزؤان.
لقد دلّ النقد الأدبيّ على أن الأمثال الني نقلتها إلينا الأناجيل، تتمتّع بأساس تاريخيّ متين جدًا. هي تعود إلى يسوع، هذا ما لا شكّ فيه، وإن أعادت الكنيسة التأمّل فيها، وحاول كل انجيليّ أن يعبّر عنها بطريقته. وقد يكون يسوع استقى الخبر أو بعض صور الخبر، ولكن المعنى سيكون جديدًا كل الجدّة. فالبرّ الذي تنادي به الشريعة والعالم اليهوديّ يختلف كل الاختلاف عن البرّ الذي ينادي به يسوع. لقد استعمل يسوع صورًا تنطبع في الذاكرة، فابتعد عن الأفكار المجرّدة. وحمل التقليدُ هذه الأخبار الامثاليّة فجعلنا في حضور يسوع لنسمع التعليم من فمه.

2 - لا تعلمون اليوم ولا الساعة (24: 36) 
((أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلمهما أحد، ولا ملائكة السماوات ولا الابن إلاّ الآب وحده)). إن آ 36 هذه تُعتبر خاتمة ((الرؤيا الازائيّة)). أو بالأحرى جوابًا على سؤال طُرح في 24: 3: ((قل لنا متى يكون هذا، وما تكون علامة مجيئك ومنتهى العالم))؟ فما نقرأ في آ 14 (عندئذ يأتي المنتهى) ليس جوابًا على سؤال آ 3، بل حجر انتظار يشير إلى العلامات. هذه العلامات تدلّ على أن النهاية قريبة. على أنها هنا. غير أن آ 14 لا تتيح لنا أن نقول منذ الآن متى تحصل هذه الأحداث.
حين نقرأ آ 36 هذه، نلاحظ بادئ ذي بدء وسط الفئات المختلفة التي تستطيع أن تعرف، المكانة المميّزة لابن الانسان. هو فوق الملائكة. وحالاً بعد الآب. فلفظة ((الابن)) التي تُستعمل هنا بشكل مطلق (لا يقال مثلاً: ابن الله، ابن الانسان، ابن داود) ترد مرارًا في الانجيل الرابع. أما في الأناجيل الازائيّة فلا نجدها إلاّ هنا (رج مر 13: 52) وفي مت 11: 27 (رج لو 10: 22): ((لقد دفع إليَّ أبي كل شيء. وليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومن يريد الابن أن يكشف له)). إذا كان الشّراح قد شدّدوا على المناخ اليوحناويّ في استعمال لفظة ((الابن)) بشكل مطلق، فلا ينتج عن هذا أن مثل هذه الآيات هي ((نيازك)) سقطت من سماء يوحنا على أرض الأناجيل الازائيّة (كما قال بعض الشّراح). هناك اتفاق لا شكّ فيه على القول بأن الاستعمال المطلق للفظة ((ابن)) للدلالة على المسيح، قد لا ينتمي بشكل مباشر إلى لغة يسوع. فالكنيسة اكتشفت ذلك. بعبارة أخرى، لم يقل يسوع في الأناجيل الازائيّة: أنا الابن. ولكن تصرّفه جعل الكنيسة تكتشف هذه الحقيقة. والعبارة التي أوردناها في 11: 27 تبقى قديمة جدًا، وقد تكون أحد الأناشيد الليتورجيّة التي تبدو بشكل فعل إيمان تتلوه الكنيسة في إحدى حفلاتها.
أما التأكيد الذي قرأناه في فم يسوع (آ 36) فلا يمكن أن يفسَّر خارج سياقه، الذي فيه نجد تعارضًا يبدو كبيرًا مع آ 34: ((الحقّ أقول لكم: إن هذا الجيل لا يزول إلى أن يتمّ هذا كلّه)). لا نستطيع أن نتهرّب من المشكلة التي تطرحها العلاقات بين آ 34و آ 36 ببراهين خفيفة. مثلاً، من أجل هذا الجيل، ولكن لا نعرف ((الوقت)) بالضبط داخل هذه الحقبة المحدّدة. أو: إن آ 34 تتعلّق بدمار أورشليم. أما آ 36 فتشير إلى نهاية العالم. نترك هذين التفسيرين، ونلاحظ أن المنظارين (دمار أورشليم ونهاية العالم) متداخلان في الرؤيا الإزائيّة (أي لا نستطيع أن نستخلص خبرين مستقلين). ثم إن متّى وضع آ 34 و36 في إطار مجيء ابن الانسان (آ 30-31، 37-44). وهناك من اعتبر أن ((الجيل)) يدلّ على ((الشعب))، يدلّ هنا على الشعب اليهوديّ الذي لم يؤمن. عند ذاك يأخذ قول يسوع معنى معارضًا كل المعارضة لما يريد أن يقوله يسوع: يدلّ على أن شعب اسرائيل سيدوم حتى نهاية الأزمنة!
ولا يمكن أن نلغي إحدى هاتين الآيتين. فإن آ 34 ترد في أكثر من موضع في التقليد الازائي (رج مت 10: 23؛ 16: 28وز). ولا نستطيع أن نقول إن الجماعة المسيحيّة الأولى قد ((اخترعت)) آ 36، حين رأت أن ما قيل في آ 34 لم يتحقّق، فأرادت أن ((تصحّح)) الانجيل فيما بعد! كيف نتخيّل مسيحيين يضعون في فم يسوع اعلانًا يدلّ على حدود معرفته، ويحطّم الوحدة القائمة بين الآب والابن حول مسألة لا يمكن أن تكون ثانويّة؟ هناك من استشفّ الصعوبة في ذلك الوقت. فلوقا مثلاً لم يورد هذا القول حول جهل الابن كما وجده في مرقس. وهناك مخطوطات ألغت لفظة ((الابن)) من النصّ فقالت: ((ولا الملائكة، إلاّ الآب وحده)). هذه التردّدات تدلّ على أن آ 36 خلقت مشكلة للكنيسة الأولى. والمعروف أن الانسان لا يخلق مشكلة جديدة ليحلّ مشكلة قديمة. إذن، آ 36 هي بلا شكّ جزء من التقليد القديم الذي يعود إلى المسيح، ولا نستطيع أن نلغيها وكأنها لم توجد.
هنا نتذكّر أمرين اثنين.
الأول: في ذلك الوقت عاشت الأوساط اليهوديّة في انتظار النهاية،وهو انتظار وجد عنه تعبيرًا أدبيًا في أسفار الرؤى. فقد اعتقد كلُّ جيل أنه الجيل الأخير، وأن النهاية ستكون في أيامه (تلك هي الحالة اليوم مع الشيع التي تدّعي أنها مسيحيّة وليست بمسيحيّة). وقد تحدّثت كتب قمران عن انتظار للدينونة يتمّ بعد 40 سنة، أي بعد ((جيل)). ((بعد أربعين سنة يزول الكافرون ولا نعود نجد على الأرض كافرًا واحدًا)) (تفسير مز 37: 2: 7-8). ولم يشذّ يسوع عن هذه القاعدة، فأكّد حقًا أن النهاية قريبة. وهذا ما نكتشفه في عدد من أمثاله. في هذا المعنى نقرأ آ 34 (لا يزول هذا الجيل إلى أن يتمّ هذا كله): نحن أمام مهلة قصيرة جدًا.
الثاني: إن تحديد تاريخ النهاية هو في نظر العهد الجديد وفي نظر العالم الجليانيّ، امتياز من امتيازات الله. ((قال الله لحبقوق بأن يكتب ما سيحصل في الجيل الأخير، ولكنه لم يعرّفه بنهاية الزمن... إن كل أزمنة الله تأتي في أوانها. بحسب ما قرّر بشأنها في أسرار حكمته... ويكون الزمن الأخير طويلاً ويتجاوز كل ما قاله الأنبياء: ((لأن أسرار الله عجيبة)) (تفسير حبقوق 7: 1-8).
ذاك كان التفسير الاسياني. وجاء كلام عزرا الرابع صدى لهذا الكلام. يقول الرائي للملاك: ((ها قد عرّفتني يا ربّ عددًا كبيرًا من الآيات التي ستحدث في نهاية الأزمنة، ولكنك لم تعلمني في أي وقت تحدث)) (8: 63). فلا أحد يعرف هذا إلاّ الله. وليس لأحد سلطان بأن يتكلّم باسمه (رج أع 1: 7). وموقف يسوع في هذا المجال لم يتميّز عن موقف معاصريه.
إذن، بدا التقليد الانجيليّ وكأنه أورد بشكل دقيق جدًا إعلاني يسوع في المعنى والمبنى حتى ولو صدما قارئي الانجيل. والبرهان على ذلك هو أن ما قاله يسوع وإن بدا متناقضًا في نظرنا لم يكن حاجزًا أمام الجيل الرسولي والتقليد المسيحيّ الأول، لا يمكن تجاوزه.
فإن استطاعوا أن يتجاوزوه، فلأن يسوع نفسه قد أكدّ أن الملكوت هو هنا. هو حاضر في شخصه. وأعلن أيضًا بذات القوّة أن الملكوت سوف يأتي. وقال التقليد الاولاني بعد قيامة المسيح، القول عينه، متأملاً في كلام يسوع: كل شيء قد تنفّذ في شخص يسوع وفي عمله، ولكن كل شيء لم ينته بعد. ومسألة المهلة القائمة بين الحاضر والنهاية والتي تعتبر قريبة، صارت أمرًا ثانويًا. فحياة يسوع وموته وقيامته هي في العهد الجديد الأحداث الرئيسيّة في التاريخ وتتمّة الانتظار. بعد ذلك، صار الزمان مختلفًا عمّا كان. وإن كان هناك من انتظار جديد، فهو ذاك الذي يرتكز على التاريخ الماضي لكي يرجو النصر النهائيّ بحماس واندفاع. وإن لم يكن الأمر هكذا، فهذا يعني أن إيمان التلاميذ قد غرق في البحر. وما كان باستطاعة بولس أن يعظ ويقول: ((نعلن لكم بناء على قول الرب أننا نحن الأحياء... نكون مع الرب على الدوام)) (1تس 4: 15ي؛ رج 2كور 15: 1-8؛ غل 1: 23). وما كنا نستطيع أن نكون مسيحيّين على عتبة الألف الثالث ب م.
إذن، يجب أن نقرّ أن يسوع والمسيحيين الأولين تكلّموا عن المهلة في لغة الأنبياء، ((فأخطأوا)) في حساباتهم. ولكن هذا الخطأ لا يهمّ، والله ليس عبدًا لنظريّاتنا وتوقّعاتنا. عرف يسوع أنه يعيش في ((الزمن الأخير))، ولكنه ما أراد أن يعلن المستقبل باسم الله، بل احتفظ للآب بالمعرفة والقرار. لهذا، اهتمت الرؤيا الازائيّة بأن تتوقّف عند هذا القول من أقوال يسوع مهما كان صعبًا، ومهما اجتذب النظريات المتشعّبة.

3 - كما في أيام نوح (24: 37-41)

أ - مقابلة إزائيّة
كان مت قد تبع مر حتى الآن بشكل أمين في الرؤيا الازائية. أما الآن فتركه، وتبع مرجعًا مشتركًا مع لو 17: 26-35 نسمّيه ((المعين)) (كويلي في الالمانية). غير أن لو وضع أقوال يسوع في سياق آخر. أدرجها في القاطعة الكبرى الخاصة به (9: 51-18: 14)، في الصعود إلى أورشليم، حيث جمع معلومات مختلفة أراد أن يحتفظ بها. وقد ضمّ بشكل خاص في ف 17 مقاطع نقلها التقليد الشفهيّ دون أن يجعلها في إطار محدّد. في 17: 20-36، أورد لوقا عددًا من هذه الأقوال المتعلّقة بمجيء الملكوت، ورتّبها في خطّ إنجيله. أما مت فجمع في هذه الخطبة الخامسة (ف 24-25) كل ما يتعلّق بظهور الملكوت.
جاء نصّ مت موسّعًا أكثر من نصّ لو. فإن آ 26-27، 34-35 (من لو) وحدها توازي حقًا مت 24: 37-41. لقد أعطانا لو نسخة طويلة فوضع مع مثل نوح والطوفان مثل لوط ومطر النار (17: 28-29). أما بالنسبة إلى الآيات الموازية، فنلاحظ كالعادة إيجازات عند لو بعد أن أغفل العبارة: ((ولم يعلموا)) التي نقرأها في مت 24: 39 وهي تشدّد على مرمى المقابلة.

ب - مجيء ابن الانسان (آ 37-39)
حتى الآن، شدّدت الرؤيا الازائيّة على واقع يقول إن مجيء ابن الانسان أكيد، وأنه بشكل خاص سيكون ظاهرًا. ورغم المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة (آ 24-26) الذين يجب أن يحذرهم المؤمنون، لا سبيل إلى الخطأ: ((فكما أن البرق ينبثق من المشرق ويلمع حتى المغرب، كذلك يكون مجيء ابن الانسان)) (آ 27). وسار مثَل التينة في الخط عينه (آ 32-34): فالبلبلة السابقة لا تفيد شيئًا. لأن علامات سابقة تنبّهم، تنذرهم.
مع آ 37-41 ننتقل إلى فكرة أخرى ليست امتدادًا للسابقة. إذا بدا أن مجيء ابن الانسان سيكون ظاهرًا بوضوح للجميع، فسيكون أيضًا مفاجئًا لا يتوقّعه أحد. والمقابلة مع حدث الطوفان في أيام نوح تبرّر خطر الوضع في ذلك الوقت.
سبق وقلنا إنه يصعب علينا أن نميّز في النصوص ما يتعلّق بدمار أورشليم وما يتعلّق بأحداث النهاية. ففي هذه الآيات كما في غيرها نخطئ إن رأينا فقط صورة تذكّرنا بأنه يوم سقوط أورشليم سيفلت البعض القليل من الكارثة الوطنيّة وسيموت العدد الكبير. إن مجيء ابن الانسان هو حدث أوسع بكثير من هذا الحدث التاريخيّ. فطابعه مسكونيّ وسيدلّ على الدينونة.
إذ أراد متّى أن يتكلّم عن هذا الحدث، تفرّد بين الانجيليين فاستعمل لفظة ((باروسيا)) (24: 3، 27، 37، 39، مجيء). في الأصل تدلّ هذه الكلمة على المجيء، الحضور. وقد استُعملت في العالم الهلنستيّ لتدلّ على وصول الملك إلى مدينة، على دخوله الاحتفالي إليها وزيارته الرسميّة لها. وفي المسيحيّة الأولى، استُعملت الكلمة باكرًا لتتحدّث عن عودة المسيح المنتصر في نهاية الأزمنة (1تس 2: 19؛ 4: 15؛ 2تس 2: 1، 8، 9؛ 1كور 15: 23). في ذلك اليوم يجب أن يكون المؤمن بلا لوم (1تس 3: 16؛ 6: 23)، لأن فكرة الدينونة ارتبطت سريعًا بفكرة المجيء. وهذا ما يدلّ عليه النصّ الذي ندرس.
اكتفى يسوع مرارًا بأن يستعمل في أمثاله استعارات مأخوذة من العهد القديم يفهمها سامعوه بسهولة (الكرمة كصورة عن اسرائيل. الأب، القاضي أو الديّان، ربّ البيت كصورة عن الله. الحصاد كصورة عن الدينونة...). أما هنا فخلق يسوع استعارة جديدة وأعطاها معنى جديدًا. لا شكّ في أن أش 54: 9 قد تحدّث عن أيام نوح وكذلك نصوص يهوديّة عديدة شدّدت على الدمار الذي يحلّ بالأرض والشعب. أما يسوع فشدّد على خطيئة جيل نوح وشرّه.
شبّه يسوع مجيء ابن الانسان في النهاية بطوفان جديد. واختيار الكلمة يدلّ بما فيه الكفاية على ما تعبّر عنه: ستكون النهاية كارثة مفاجئة لا يستطيع أحد أن يعمل حيالها شيئًا. لسنا هنا أمام تعارض مع ما سبق حيث تأتي قبل الحدث علاماتٌ سابقة تتيح لنا أن نرى ونعلم. بل نحن في منظار آخر مع هذه الآيات: موقف البشر. لم يكن معاصرو نوح يعلمون، بل كانوا يعيشون حياتهم العادية، يأكلون ويشربون ويتزوّجون. غير أن في هذا الجهل خطرًا كبيرًا: ماتوا لأنهم لم يعلموا، لأنهم لم يتميّزوا علامة واحدة من العلامات. هكذا يكون الحال في اليوم الأخير. تكون الكارثة مسلطة فوق رأس العالم وتفاجئ الناس بين الحين والآخر: فعلينا الآن أن نفتح عيوننا.
نجد هنا وجهة من وجهتين تميّزت بهما كرازة يسوع: من جهة، اعلان الخلاص. ومن جهة ثانية اعلان دمار قريب يدلّ على خطورة الساعة الحاضرة. والنداء إلى التوبة واعلان الانجيل هما التنبيهان الأخيران اللذان يرسلهما الله إلى شعبه. إن كلمات يسوع التي يجب أن نفهمها في هذا المعنى هي عديدة. هي تتوجّه إلى رؤساء الشعب (مر 12: 1-11). إلى الفرّيسيين (يو 9: 40). إلى سكّان أورشليم (مت 23: 37). أو إلى الشعب بشكل عام (لو 13: 6-9). يجب على الجيل الحاضر أن يعي أخيرًا أنها الساعة الأخيرة. أنه يجب عليه أن يقرّر. فمثَل لعازر والغنيّ لم يتوخّ في الأصل أن يعطي درسًا في الغنى والفقر. بل أراد أن يجتذب الانتباه بشكل خاص إلى الغنيّ وإخوته الخمسة. واحد تنعّم بالحياة بشكل أنانيّ، والآخرون ظلوا يعملون كما من قبل دون أن يسمعوا التنبيه. كفرُهم عظيم بحيث إن معجزة القيامة لا تستطيع أن تنيرهم. إنهم من هؤلاء الذين لا يعلمون، على مثال جيل الطوفان.

ج - دينونة سريعة (آ 40-41)
لن يكون للناس وقت يستعدّون فيه للدينونة بل هم يُعدمون الوسائل. حيث لا يستطيع البشر أن يجدوا فرقًا، هناك يكون الفرز العظيم. في ذلك الوقت تُميّز العذارى الحكيمات من العذارى الجاهلات، يُميّز العبد الأمين من العبد الشرّير (25: 1-30). وإذ أرادت هاتان الآيتان أن تعبّرا عن هذه الفكرة، لجأتا إلى صور مأخوذة من الحياة اليوميّة: رجلان في الحقل. امرأتان أمام الرحى. في نص لوقا الموازي (17: 34-35)، قدّم الانجيلي صورة أخرى: رجلان في سرير واحد.
نحن هنا بلا شكّ أمام مجموعة أمثلة تشكّل أقوالاً شعبيّة يوردها يسوع أمام تلاميذه. ففي نصّ يهوديّ حُفظ في اللغة القبطيّة، هو رؤيا صفنيا (1: 8-16)، نجد ثلاث رؤى لا تُشرح وكأن القارئ يفهم مثل هذه الصور. وهي تقابل بشكل غريب ما نقرأ في مت ولو. ((حينئذ رأيت رجلين يسيران معًا في طريق واحد. رأيتهما يتحادثان. ورأيت أيضًا امرأتين تطحنان بالرحى وأنا رأيتهما تتحادثان. ورأيت شخصين في فراش وهما يرتاحان)). هذا التكرار المثلّث العزيز على قلب الرابينيين، يجعلنا نفكّر بقول مأثور عادت إليه الأناجيل وهذه الرؤيا اليهوديّة.
مهما يكن من أمر، فهذه الأمثلة الشعبيّة هي واضحة. يكون الواحد مع الآخر في العمل. يقومان بالمهمّة عينها (أو يستفيدان من الفراش الواحد من أجل الراحة كما في لو). لا شيء يميّزهما. ومشهد المرأتين اللتين تطحنان معًا على الرحى صورة معبّرة لم نعد نراها بعد أن حلّت الآلة محلَّ هذين الحجرين الكبيرين المستديرين اللذين يُوضع الحبّ بينهما. يحتاج مثل هذا الطحن إلى امرأتين تعملان معًا في تنسيق تام. شدّد لوقا على هذا العمل المشترك فقال: ((امرأتان تطحنان معًا)) (17: 35). نراهما تعملان فلا نجد فرقًا بينهما. ومع ذلك ((تُوخذ الواحدة وتُترك الأخرى)).
إن خطًا يمرّ في تلك الساعة بين هؤلاء الناس المتشابهين ظاهريًا. عند ذاك فقط نرى التعارض الرهيب بين واحد وآخر: واحد ينجو وآخر يهلك. ما كنا نعلم أن واحدًا كان في النور وآخر في الظلمة. والوقت يدهمنا بحيث لا نستطيع أن نستعدّ، أن نتوب، أن يتدخّل أحد من أجلنا. لا نستطيع العودة إلى الوراء وتبديل الأمور. لقد تأثّر العالم الجليانيّ اليهوديّ بهذه الشريعة القاسية فقال لنا في سفر عزرا الرابع: 
((قلت: إذا كنت وجدت حظوة في عينيك، فبيّن أيضًا لعبدك إن كان الأبرار يقدرون في يوم الدينونة أن يعذروا الأشرار أو يصلّوا إلى العليّ من أجلهم. إن كان يقدر الوالدان من أجل أولادهم، والأولاد من أجل والديهم، الإخوة من أجل إخوتهم، والمتصاهرون من أجل أقاربهم، والأصدقاء من أجل أصدقائهم الأعزّاء. فأجابني: بما أنك وجدت حظوة في عينيّ، سأبيّن لك هذا أيضًا. يوم الدينونة هو يوم حاسم يدلّ الجميع على ختم الحقيقة. فكما أن الأب لا يرسل الآن ابنه، ولا الابن أباه، ولا السيّد عبده، ولا الصديق صديقه العزيز إلى المرض والنوم والأكل والشفاء، هكذا لا يستطيع أحد أن يشفع من أجل آخر أو يعطيه حمله. ففي ذلك اليوم، يحمل كل واحد أعماله البارة والآثمة)) (7: 102-105).
وإذ تذكّر الرائي أشخاصًا من العهد القديم تشفّعوا من أجل الآخرين (ابراهيم، يشوع، صموئيل، داود...)، أجابه الملاك: ((العالم الحاضر ليس النهاية، وفيه لا يقيم المجد الالهي بشكل متواصل: لهذا صلّى الأقوياء من أجل الضعفاء. أما يوم الدينونة فيكون نهاية هذا الزمن وبداية الزمن الأبديّ)) (7: 112-113).
وفي وقت مجيء ابن الانسان، ستكون الدينونة مباشرة، سريعة. وبعد أن تكون مرت المهلات الأخيرة دون أن نستفيد منها، يُستنفد صبر السيّد ولن يعود من دواء للوضع الذي نكون فيه. فالذين يقرعون باب قاعة العرس يسمعون الجواب التالي: ((لا أعرفكن)) (مت 25: 12؛ لو 13: 27).

4 - كونوا ساهرين (24: 42-44)

أ - موضوع السهر 
تجاه النهاية التي هي قريبة، التي تفاجئ الناس كما الطوفان، يجب على المؤمن أن يعيش دومًا حالة السهر. لا تقول لنا آ 42 و44 بما يقوم هذا السهر. فبما أن التلاميذ قد بُهتوا، فعليهم أن يكونوا مستعدّين. أن يكونوا ساهرين: ((اسهروا)). إن صيغة الأمر هذه (رج مر 13: 33، 35، 37) تختتم المقابلة مع الطوفان وتبدأ في الوقت عينه توسّعًا جديدًا. فموضوع السهر الناشط يعود ويستنير بأمثال تدلّ على النتائج العمليّة لانتظار عودة المسيح. فالسهر لا ينحصر في حالة نفسيّة غامضة أو في موقف سلبيّ (لا ننام، لا نفعل شيئًا. نكتف أيدينا وننتظر كما يجلس أنسان قرب مريض). وليس السهر انتظارًا محمومًا يجعل صاحبه يضيع في أعمال متضاربة. السهر هو الأمانة لمهمّة تسلمناها (مثل الوكيل أو قيّم البيت، آ 45ي). هو الاستعداد لعودة الرب يرافقنا الزيت مثل العذارى الحكيمات. هو القيام بمسؤولياتنا بأمانة كما في مثل الوزنات. هو واجب يدعونا لكي نساعد إخوتنا الصغار في المسيح كما في مثل الدينونة الأخيرة (25: 31، 46). ونحن عالمون أن ما نعمله من أجل إخوتنا إنما نعمله للمسيح (آ 40).
هذا الموضوع الفقاهي الذي شدّد عليه مت، موضوع السهر، ليس من استنباط الجماعة التي رأت أن الرب يتأخّر (كما ظنّ البعض). فإذا كانت الكنيسة توقّفت طويلاً عند هذا الموضوع، وهذا ما تدلّ عليه الرسائل البولسيّة، فلأنها فهمت دورها في جمع التقليد الشفهيّ والخطيّ الذي يعود إلى المسيح، ولأنها رأت أن هذا يتجذّر تجذّرًا عميقًا في كرازة يسوع.

ب - مثل السارق
معنى هذا الخبر الصغير واضح (آ 43). ولكن تبقى مسألة تطبيقه في الأصل. فالزيارات الليليّة مخيفة في عالم الشرق القديم. وقد درست الشريعة وضع السارق الذي يقتله صاحب البيت في الليل (خر 22: 2). لهذا، بدلاً من أن نبحث عن أصل موضوع السارق هذا في تلميحات توراتيّة غامضة (إر 49: 4؛ أي 24: 14)، نفكّر بالأحرى (وهذا ما تدعونا إليه الأفعالُ في صيغة الماضي: لو سهر، لما ترك بيته يسرق) بسرقة عُرفت في أحدى المدن وتناقلها الناس. قد يكون يسوع استعمل هذا الحدث لينبّه مرة أخرى سامعيه إلى الأزمة التي تقترب: كونوا على حذر لئلاّ يفاجئكم الحدث كما فاجأ ذلك الرجل. هو ما كان باستطاعته أن يتوقّع. أما أنتم فلا يحقّ لكم أن تقولوا: يا ليتنا عرفنا. فإذا كنتم تجهلون الساعة، فأنتم تعلمون أن الكارثة آتية وقد نبّهتكم. وهكذا يكون المعنى الأصليّ لهذا المثل هو معنى مثل نوح أو مثل سدوم (لو 17: 28-32). رأى يسوع وصول الأزمة الأخيرة التي قد بدأت في أعماله. وأعلن أن الملكوت حاضر منذ الآن وهو يظهر في معجزات يسوع (مت 12: 28). فمنذ الآن تُمارس الدينونة سواء قبلنا المسيح أو رفضناه (يو 3: 18، 16). غير أن الناس الذين يحيطون به يعيشون وكأن ليس من مشكلة. مثل هذا الرجل الذي سُرق بيته. مثل معاصري نوح. رغب يسوع أن يُخرج الناس من نومهم الثقيل: الزمان قريب وإن لم يكن متوقّعًا. فاستعدوا لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة.
إذن، توجّه يسوع إلى الجمع. ولكن مت ولو بيّنا أن الكنيسة الأولى اعتبرت أن هذا المثل توجّه إلى المسيحيين أولاً. وهذا ما نفهمه عندما نعلم أن مجيء ابن الانسان يدلّ على الدينونة المباشرة. بل يذهب لوقا إلى القول بأن هذا المثل لا يعني إلاّ الرسل، إلاّ رؤساء الجماعة (لو 12: 22، 41). والمثل الذي يلي (لو 12: 42-46)، يبرهن على أن مثل السارق صار تحريضًا يلحّ علينا بأن لا ننام رغم تأخّر عودة المعلّم.
هذا الواقع، يفسّر سمة قد تحيّرنا: المقابلة بين مجيء السارق ومجيء ابن الانسان. فمرمى الخبر لا يدلّ على هذه المقابلة، بل على الطابع غير المتوقّع للحدث. لقد حصل شيء ما كنّا ننتظره. إذن، يجب أن ننتظر وإن جهلنا الزمن. كما يجب أن نلاحظ أن يوم عودة المعلّم ينبغي أن يكون للمسيحيين يوم فرح لا إشارة إلى كارثة.
يبدو هنا أن التقليد الاولاني مارس قراءة استعاريّة (كرستولوجيّة) لهذا المثل. ونحن نجد في مكان آخر أثرًا لهذا العبور من المثل إلى الاستعارة، حين نقابل بين مر 13: 25 الذي يقول ((لا تعرفون متى يعود (يأتي) ربّ البيت)) وبين مت 24: 42 الذي يقول ((لا تعرفون في أي يوم يأتي معلّمكم)). فالجماعة المسيحيّة قد طبّقت على نفسها مثلاً ذات بُعد عام. ففي الوضع الذي كانت فيه، وأمام تأخّر المجيء، بدّلت مرمى المثل فجعلت السارق صورة عن ابن الانسان. كان يسوع قد شدّد على اجتياح مفاجئ لزمن الدينونة. وفكّر المسيحيّون الأولون بشكل خاص بذلك الذي يحمل الدينونة في نهاية الأزمنة. إنهم متيقّنون أن المعلم يأتي، يعود. ولكنه يعود فجأة. إذن، يجب أن نكون دومًا ساهرين.
كلّنا يعلم أن صورة السارق هذه قد استعيدت مرارًا في العهد الجديد. نجدها في هذا المثل ولا نجدها في النصوص اليهوديّة المتعلّقة بالآخرة. في 1تس 5: 24 وفي 2بط 3: 10، هو اليوم، يوم الربّ، كما يتحدّث عنه العهد القديم (عا 5: 18)، أي اليوم الأخير، يوم الدينونة الذي يشبّه بالسارق. هذا اليوم يفاجئ جميع البشر. مؤمنين كانوا أو لا مؤمنين. والمستعدون وحدهم لا يُفاجأون. إذن، فُهم المثل في المعنى الذي أراده يسوع. ولكن إن قرأنا رؤ 3: 3؛ 16: 15، نرى أن المسيح نفسه يأتي كالسارق، وتنبيهُه يتوجّه إلى المسيحيّين وحدهم. وهكذا نجد مرة ثانية المعنى الذي اكتشفته الكنيسة في هذا المثل.

خاتمة
إن تأكيد يسوع بأننا لا نستطيع أن نعرف اليوم ولا الساعة، يحفظنا من كل الحسابات حول تاريخ مجيئه. ورجاء عودته لا يكون انتظارًا محمومًا بل يقينا يقول لنا إن ذاك الذي جاء والذي يجيء لكي يعيش وسط أخصّائه، سيعطي حياتنا البشرية وعالمنا معناهما الحقيقيّ، لكي يكون الله كلاً في الكلّ (1كور 15: 24-28).
وإذ يتخلّص المؤمن من ((متى وكيف))، يبقى متنبّهًا لكي يعيش وكأن ذاك اليوم هو هنا. في هذا المعنى تدعونا آ 37-44 لا أن نرفع أنظارنا إلى السماء (مثل الرسل بعد الصعود). بل أن نهتمّ بأمور الأرض كما يدعونا المعلّم. والسهر يبقى ملحًا بقدر ما زلنا جاهلين الساعة التي تدقّ النهاية. استعدوا. اسهروا. هذا ما يجب أن يدويّ في قلب من يتوقّع اللقاء العظيم لا همًا يتعلّق بخلاصه الشخصيّ بل متطلبة أمانة للرسالة التي سلّمنا إياها المعلّم.
الفصل الثاني عشر

الخادم الأمين
24: 45-51

بعد الكلام عن مجيء المسيح والحديث عن السهر، نصل إلى مثل الخادم الأمين الذس سيتبعه مثل العذارى العشر ومثل الوزنات. في كل هذه الأمثال، نحن تجاه الأمانة المطلوبة من المسيحيّ. وهذه الأمانة نعبّر عنها بالخدمة اليوميّة. أما الخادم الذي لا يتحلّى بالأمانة، فيتصرّف كالسيّد المستبدّ: يضرب رفاقه. يتصرّف كأن الله غير موجود بحسب المثل الذي يعتبر أن الله لا يجازي وأن الحياة تنتهي بالموت: ((لنأكل ونشرب فإنّا غدًا نموت)). نصيبُ الخادم الأمين ملكوت السماوات. ((يقيمه على جميع أمواله)). ونصيبُ الخادم الشرير هو نصيب المرائين، نصيب الكتبة والفريسيين، نصيب الأشرار: ((البكاء وصريف الأسنان)).

1 - نظرة عامة
هذا المثل الذي يُسمّى في موضع آخر ((مثل القيّم الأمين)) (القيّم على البيت)، يشير إلى خادم (أو عبد: دولوس) يتحدّث عنه لو 12: 42-46، ويميّزه عن مثل آخر نقرأه في لو 16: 1-9: ((كان لرجل ثري وكيل)). يسمَّى هذا المثل الأخير مثل الوكيل الخائن. لقد خان الشريعة التي تستند إلى المساواة بين ما نعطيه لله وما يعطينا الله. أما هذا الوكيل الخاص فقد بدّد أموال الله من أجل الخطأة كما فعل الأب مع الابن الضال فذبح له العجل المسمّن بعد أن بدّد أمواله مع البغايا (يو 15: 30).
نفسّر هذا المثل في سياقه المتّاوي، وهو يستعيد فكرة السهر التي بدأ الحديث عنها في 24: 42-44 (فاسهروا إذن لأنكم لا تعلمون). يستعيدها ويوسّعها ويحدّدها. في آ 42-44 ما كنا نرى ما يعنيه هذا السهر في شكل ملموس. وها نحن نراه الآن بشكل أوضح: نحن أمام سهر ناشط، فيه نتمّ بأمانة (بستوس) وفطنة وتعقّل (فرونيموس، رج 10: 16؛ 25: 2، 4، 8، 9) المهمّة التي تسلّمناها. نجد هنا أحد المواضيع التي تميّز الانجيل الأول: فهو على مختلف مستويات فقاهته، يحارب ديانة باطنيّة لا تعطي ثمرًا، تقول ولا تفعل. يحارب ديانة جليانيّة تعيش في الكسل منتظرة مجيء الرب ولا تفعل شيئًا. ويطالب بنشاط ملموس وأمين ومسؤول يقودنا إلى يوم مجيء الرب. هذا المنظار سيتحدّد ويبرز حتى نهاية ف 25، فيعلّمنا كيف نطعم الجائع ونسقي العطشان...
غير أن هذا المثل الذي يبدو غريبًا بعض الشيء يدعونا إلى أن نسوق الملاحظات التالية: 
الملاحظة الأولى: إن الإطار الزمنيّ للخبر لا يعبّر عن نفسه في ذات الألفاظ التي وجدناها في بداية ف 24. فلفظة ((باروسيا)) (المجيء) تغيب فتحلّ محلّها عبارات غامضة بعض الشيء: ((يأتي سيّده)) (آ 46). أو: (( يأتي (اكساي) السيّد)) (آ 50). استند بعض الشّراح إلى هذا الواقع، ففسّروا المثل تفسيرًا فرديًا وكنسيًا: نحن هنا أمام خادم للمسيح كُلّف بوظائف في الكنيسة... عند ساعة موته، وحين يأتي المسيح ليطلبه، يُدان بحسب الطريقة التي قام فيها بمهمّته. هذا التفسير لا يتوافق كليًا مع السياق العام في 24-25 الذين يشرف عليهما انتظارُ الدينونة الأخيرة والشاملة في نهاية العالم. وما يبرهن على ذلك هو عبارة: ((يأتي في يوم لا ينتظره وساعة لا يعرفها)) (آ 50). هذه العبارة تقابل بدقّة ما قالت الآيات السابقة عن المجيء (آ 39، 42، 44). تلك نظرة. ولكن النظرة الأولى يُدافع عنها إذا عرفنا أن نهاية العالم بالنسبة إلى كل واحد منا هي ساعة الموت.
الملاحظة الثانية: في نص لو 12: 42-46 الموازي للنصّ الذي ندرس، نسمع بطرس يطرح السؤال التالي على المسيح: ((يا رب، ألنا تقول هذا المثل (مثل ربّ البيت، لو 12: 39-40) أو للجميع))؟ لن نقابل هنا بين مسؤوليّة خاصة في الكنيسة ونظرة عامة على مستوى نهاية الأزمنة. فالمعنيان معقولان.
الملاحظة الثالثة: يستند التفسير الفردي في إطار كنيسة نخدمها إلى ألفاظ مثل ((اويكاتايا)) (لا ترد إلاّ هنا في العهد الجديد) التي تعني: أهل البيت، الخدم المرتبطون ببيت من البيوت. و((سيندولوس)) (آ 49؛ رج 18: ،28 ،29 33) الذي يعني العبد (والخادم) الذي يعمل معي. نحن في إطار علم الأخلاق العام، مع كلمات لها مدلولها مثل خادم (جاء المسيح ليخدم) وقيّم (حسب لو)، وأهل البيت (مت: اويكاتايا، لو: تارابايا). وهكذا نكون على مستوى الخدم والمسـؤوليات في الكنيسة.
الملاحظة الرابعة: قرأ بعض الشّراح آ 42-44 وقابلوها مع آ 45-51 فاكتشفوا معنى مثل القيّم الأمين والأشخاص الذين وجِّه إليهم في الأصل: في الواقع، وجِّه هذا المثل إلى الكتبة (دولوي، ايكونوموي) ليدعوهم لكي يتمّوا مهمّتهم في قلب شعب اسرائىل. أخذت المسيحيّة الأولى هذا المثل (خصوصًا في لو) وجعلت منه تعليمًا للمسؤولين في الكنيسة. وربطت بالمسيح في مجيئه (الذي يمكن أن يكون كل ساعة في حياتنا) ما كان في نظر يسوع دينونة الله القريبة. وهكذا أعطت المسيحيّة بُعدًا كبيرًا لما يكون يسوع قد جعله في إطار محصور عن تنبيه الكتبة إلى واجباتهم على ما فعل يوحنا المعمدان مع الذين جاؤوا يسألونه ماذا يعملون (لو 3: -141).
الملاحظة الخامسة: هنا يرد للمرّة الأولى فعل ((خرونيزاين)) (تأخّر، 25: 5؛ لو 12: 45؛ عب 10: 37) فيعطي المثل بُعدَه الاسكاتولوجيّ. قد تكون التجربة نالت من هذا العبد فعرف اللاأمانة لربّه والعنف مع إخوته في الخدمة. وقد نكون أيضًا في إطار اسكاتولوجيّ: تأخّر مجيء السيّد، فأخذ الضجر من العبد كل مأخذ. ظنّ أن الوقت أمامه، وهو يستطيع أن يلهو. بل إن هذا التأخّر أعطاه بعض الشكوك: قد لا يأتي المعلّم، وهكذا ((استقلّ)) العبد عن سيِّده، وفي النهاية أنكر وجوده على مثال مز 53: 1: ((قال الجاهل في قلبه: الله غير موجود)). هو الايمان بالمسيح الرب (كيريوس، آ ،45 حسب المعنى المتّاوي، رج 7: 21؛ 8: 21، 25؛ 9: 28...) الذي شكّ فيه المؤمن لأنه ((تأخر)) مجيئه. لا نستخرج من هذا الواقع نتيجة تقول إن لا علاقة لهذا المثل يتعليم يسوع، وإنه يدلّ فقط على مسائل طُرحت على الجيل المسيحي الثاني. فهنا كما في كل العهد الجديد، هو الجيل الرسولي يكلّمنا، وهو جيل ما زال متأثّرًا بوقع كلمات يسوع.
الملاحظة السادسة: إن قساوة العقاب الذي حلّ بالعبد الرديء تلفت النظر حالاً (آ 51). هي تعلن عنف العقاب الذي سيصوِّره ف 25 (آ ،12 26- ،30 41-46). وما نستغربه هو أن هذا العبد ينال العقاب الذي ناله المراؤون (لو 12: 16) اللامؤمنون أي الفريسيون في الإخبار المتّاويّ (رج 6: 2، 5، 16؛ 15: 7؛ 22: 18).
هناك ألفاظ غريبة في آ 51 تجعلنا نفكّر بما في قاعدة قمران. ((يمزّقه)) (ديخوتوميساي). ((نصيب)) (ماروس). ((مع المرائين)) (هيبوكريتون). قد تكون لغة كنيسة متّى في سنة 80 قد تأثّرت بالنظم الاسيانيّة. فنحن نجد لاهوتًا عن ((النصيب)) (ماروس) الذي يُعطى لكل انسان في معنى ثنائيّ وحتميّ. ((... لكي يحبّوا كل أبناء النور، كلاً بحسب نصيبه، في مجلس الله ، ولكي يبغضوا كل أبناء الظلمة، كلا بحسب خطيئته في انتقام الله )) (نج 1: 10-11). وقد قال أحد الشّراح: ((الحظُّ أو مصير هذا أو ذاك قد حُدِّد منذ الأزل. الأولون معدّون كأناس في مجلس الله، والآخرون كأبناء انتقام الله)). أما في الفكر المتّاوي، فالنصيب يتحدّد حسب أمانة الانسان للمسيح أو لاأمانته.
وفي إطار مت 24: 51، نذكر هذه العبارة من نظام الجماعة: ((إن وُجد بينهم انسان يكذب في ما يتعلق بالمال، ويعرف ما يعمل، يُفصل من وسط نقاوة الكثيرين...)) (6: 24-25). ((إذا جدّف عن خوف أو تحت تأثير اليأس أو لأي سبب آخر كان، حين كان يقرأ الكتاب (المقدس) أو يتلو المباركات، يُفصل ولا يعود بعدُ إلى مجلس الجماعة)) (7: 1-2). ((والرجل الذي يفتري على قريبه يُفصل سنة من نقاوة الكثيرين)) (7: 16). ((كل الذين دخلوا في مجلس القداسة، أولئك الذين يسلكون في مجلس كمال الطريق بحسب ما فُرض، كل رجل منهم بتجاوز نقطة واحدة من شريعة موسى، عمدًا أو تراخيًا، يُطرد من مجلس الجماعة ولا يعود بعد)) (8: 21-23).
حين نقابل هذا التنظيم الاسياني مع فكر مت، نميّز ثلاث نقاط رئيسية: هو تنظيم لياقة يتوخّى المحافظة على حقوق وكرامة الجماعة وأعضائها ( ((القريبين)) ). أما مت فيشدّد على الأمانة للمسيح أي لربّ الجماعة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يُنفّذ التنظيمُ الاسياني حالاً. أما نص مت فهو تهديد من أجل زمن النهاية. أخيرًا، يتأسّس التنظيم الاسياني على قانون جزائي موسّع جدًا لا نجد ما يقابله حتى في مت 18. إن فعل ((ديخوتوماين)) (مزّق، فصل) لا يوجد إلاّ هنا وفي لو 12: 46، ولا يوجد في مكان آخر من العهد الجديد، وهذا وضعٌ له معناه.

2 - الدراسة التفصيليّة

أ - البنية والمراجع 
يأتي مثل الخادم الأمين في متتالية عنوانها السهر من أجل نهاية الزمن. تبدأ مع مثل الخادم الأمين (آ 45-51) الذي ندرسه. ثم مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات (25: 1-13). وأخيرًا، مثل الوزنات (25: 14-30). كل هذه الأمثال الثلاثة تتطرّق إلى تأخّر المجيء (باروسيا)، الاستعداد للآخرة، والجزاء. وفي كل خاتمة نجد عقابًا يقاسيه العبد الشرير (24: 50-51)، العذارى الجاهلات (25: 10 - 13)، العبد الذي نال وزنة واحدة ورفض أن يتاجر بها (25: 14-30). أما في ما يخصّ المراجع فنحن قريبون جدًا من لو، وهذا ما يجعلنا في إطار المعين.

ب - التأويل
لأن (( هذا الجيل)) مهدّد بدينونة الله التي يمكن أن تحلّ في أي وقت (آ 36)، تنبّهنا (آ 42) الحكمةُ دومًا. إن وحدة 24: 42-25: 30 تظهر من خلال التكرار.
24: 42: ((فاسهروا إذن لأنكم لا تعلمون في أي يوم يأتي سيّدكم)).
24: 44: ((فكونوا إذن، أنتم أيضًا مستعدّين، لأن ابن البشر يأتي في ساعة لا تظنّونها)) (لا تتوقّعونها).
24: 50: ((إن سيّد ذلك العبد يأتي في يوم لا يظنّه (لا يتوقّعه، لا ينتظره) وفي ساعة لا يعلمها)).
25: 13: (( فاسهروا إذن لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة)).
ونقدّم المفاتيح مع العلم أن لفظة عرف ترد في (( أويدا)) (آ 36، 42، 43) وفي (( غينوسكو)) (آ 39، 50،43).

24: 36 عرف اليوم الساعة
24: 37 الأيام ابن الانسان
24: 38 يوم، أيام
24: 39 عرف يأتي ابن الانسان
24: 42 عرف اليوم يأتي سهر
24: 43 عرف يأتي سهر
24: 44 الساعة يأتي ابن الانسان 
24: 46 يأتي
24: 48 يأتي
24: 50 عرف اليوم الساعة
25: 10 يأتي
25: 13 عرف اليوم الساعة سهر
25: 19 يأتي
25: 27 يأتي

ج - تفسير الآيات
هذا المثل هو درس آخر حول الحاجة إلى السهر الدائم قبل حدث لا نعرف متى يحصل، وهو يُقسم شقّين. إن آ 45-47 تتكلّم عن العبد الأمين الحكيم الذي يقوم بواجباته في غياب سيّده فيجازيه سيّدُه خير مجازاة عندما يعود. أما آ 48-51 فتتحدّث عن عبد شرّير (وقد يكون هو نفسه. وهكذا نكون أمام تحذير. فقد يجرّب العبدُ الأمين فيصبح عبدًا شريرًا) يعصي أوامر سيّده فيعاقبه سيّده عندما يعود.
في الحدث الأول: سؤال بشكل مقدّمة (آ 45): من هو العبد الأمين؟
أعمال الخادم الحكيم (آ 46): وجده يفعل.
والنتيجة هي المجازاة الحسنة (آ 47): يقيمه على جميع أمواله.
في الحدث الثاني: أفكار العبد الشرير (آ 48): سيدي يتأخّر
أعمال العبد الشرير (آ 49): أخذ يضرب رفقاءه
والنتيجة هي العقاب (آ 50-51): يمزّقه، يفصله.
إن معنى هذا المثل يتوافق مع قول غير مكتوب (اغرافون) ليوستينوس نقرأه في حواره مع تريفون (47 = اكلمنضوس الاسكندراني، أي غني يخلص 40): ((في أي مكان أجدكم، أدينكم في تلك الارادة)). قد يكون مت أراد أن يطبّق هذا المثل على المسؤولين في الجماعة، ولكن ليس بشكل حصريّ. (1) فالعبد هو عبد مع رفاق يعطيهم الطعام في حينه (هنا نتذكّر خدمة الموائد في أع 6: 1ي). (2) إن 21: 28-32 وجِّه أيضًا إلى المسؤولين (وقال بعض الشّراح: في وقت أول إلى الكتبة اليهود). (3) إن العقاب في آ 51 يجعلنا نظنّ أننا في إطار قمراني مع علاقات مشتركة. (4) هذا التفسير هو مشترك بين الآباء والوعظ الشعبيّ (مثلاً، وعظة اكلمنضوس حول مز 3: 60).
أولاً: من تراه العبد الأمين (آ 45)
يبدأ المثل بسؤال. وهناك أمثال تبدأ مثله: 11: 16 (بمن أشبّه هذا الجيل)؛ 18: 12 (ماذا ترون)؛ 21: 28 (ماذا ترون؟ كان لرجل ابنان)؛ مر 4: 30 (- مت 13: 31)؛ لو 13: 20 (- مت 13: 33). ((من هو إذن العبد الأمين والحكيم)). ق 25: ،2 ،4 8-،9 21؛ رج 1كور 4: 1-2 (قد نكون هنا أمام أقوال يسوع، تذكّرها بولس بعد أن سمعها في الجماعة. يحسبنا كخدّام المسيح... يكون الخادم أمينًا). بعد ((أمين)) وضع لو ((اويكونوموس)) (الوكيل، القيّم) ففكّر بالمسؤولين في الجماعة (لو 12: 41، 47-48). وقد تكون اللفظة في المعين ((دولوس)) (العبد).
يسبق المثلَ في لو مقدّمة في 12: 41-42أ: ((قال بطرس: يا رب. ألنا تقول هذا المثل أم للجميع؟ فأجاب الرب)). قد تكون هاتان الآيتان في المعين. تركهما مت لأنهما غامضتان. ولكن على أساس الاسلوب تبدوان من تدوين لوقا.
((من)) (تيس). تجعل المثل أمرًا عاديًا. ((إذن)) (أرا) تحرّك السؤال أو تربطه بما سبق. وتأتي آ 46 وتحمل الجواب. ولكن قد يكون السؤال (من ترى) قد حلّ محلّ الشرط: ((إن كان هناك من خادم أمين... طوبى لذلك الخادم)). وهناك آخرون اعتبروا أن هذا السؤال ظلّ بلا جواب. ظلّ مفتوحًا (كل واحد منا يجيب عليه). كان دعوة إلى التلاميذ الذين يجيبون على هذا السؤال في سلوكهم.
((أقامه سيّده على أهل بيته ليعطيهم الطعام في حينه)). ق تك 39: 4-5 حيث سيّد يوسف يجعله وكيلاً على بيته؛ مز 104: 27؛ 145: 15. استعمل لو كلمات أخرى فصار بعيدًا عن مز 104 (في السبعينيّة 103: 27). أراد أن يلغي الضمير ((هم)) (اوتويس)، وجعل المفعول به في النهاية. أما ((سيتومتريون)) (القسمة من الحنطة) فقد تعود إلى المعين وهي لا ترد إلاّ مرّة واحدة في العهد الجديد. أما مت فجعل لفظة ((تروفي)) (الطعام، رج 3: 4؛ 10: 10) ليكون قريبًا من النصّ الكتابيّ: ((الربّ)) هو يسوع، ابن الانسان: حين ترتفع الرتبة تكبر المسؤوليّة وتظهر الخدمة. ونشير هنا إلى المعنى الرمزي للطعام: طعام الكلمة، طعام الافخارستيا (رج 2تم 2: 15).
ثانيًا: طوبى لذلك العبد (آ 46-48)
العبد الأمين الحكيم هو الذي يهتمّ بإخوته في الخدمة. يسهر وسهره يتضمّن خدمة الغير. ((طوبى لذلك العبد...)). ق لو 12: 37. نحن هنا أمام تطويبة ترتبط بعالم النهاية. ق مر 13: 36؛ لو 12: 37، 38. ما ينظر إليه النصّ ليس الموت بل المجيء (باروسيا).
أما المجازاة فمسؤوليّة أكبر (آ 47)، لا كما يظن العبد حريّة وتحرّر من العمل. هذا يعمل على مستوى موقت. أما ذاك فيبقى دومًا عبد (خادم) الرب. ((الحقّ أقول لكم)). ق 25: 21، 23؛ لو 12: 44 مع الظرف ((أليتوس)) (حقًا). يدل ((آمين)) (الحقّ) على نهاية القسم الأول من المثل. أما الجزاء فهو السلطة على كل أمواله (لسنا عبيدًا).
ويأتي القسم الثاني من المثل (آ 48) فيبدأ هنا وهو أطول من القسم الأوّل. يمرّ عبر ظروف أرضيّة (آ 51). ((فإن قال...)). رج 21: 41. هذا من تدوين مت الذي يحبّ ((بونيروس)) (شرير). قال في قلبه، أي فكّر. وتفكيره يقود إلى الضلال (لا يرد إلاّ هنا في مت. رج تث 8: 17؛ أش 47: 8-9؛ رؤ 18: 7؛ وصيّة ابراهيم أ 66). ((سيّدي مبطئ)) (يتأخّر). ق خر 32: 1. هنا وفي 25: 5 نحن أمام تأخّر المجيء (باروسيا).
هناك انزعاج من تأخّر بعض النبوءات في العهد القديم. رج حز 12: 22 (مرّت الأيام وما تحقّقت الرؤيا)؛ حب 2: 3 (الرؤيا مرهونة بوقتها مع استعمال ((خرونينزو)). تأخّر، أبطأ). وقد وُجدت هذه المسألة في جماعة قمران كما يقول تفسير حبقوق 7: 5 ي. أمّا المسيحيّون الأوّلون فقد تساءلوا حول تأخّر مجيء الرب (2بط 3: 4: وعد بالمجيء، فأين هو؟ آباؤنا ماتوا وبقي كل شيء منذ الخليقة على حاله). ولكن هذا لا يعني أننا نستطيع أن نتكلّم عن أزمة. ما يشغل بال مت ليس التأخّر في حد ذاته، بل تأخّر المجيء.
في حب 2: 3 يتبع حاشيةَ التأخير ذكرُ نوعين من البشر: الأبرار والنفوس الشريرة؛ رج مز 37: 7 (انتظر الرب واصبر له. لا تغر من الناجح في طريقه)، 12-13 (الرب يضحك على الشرير ويرى أن يومه آت)؛ تفسير حبقوق (7: 9-17) حيث يتصارع رجل الحقّ مع الذين لا يسيرون في الحق، ساعة تأتي النهاية. وهكذا نفهم أن موضوع التأخّر الالهي ترافَق في التقليد مع موضوع تجاوب الأبرار والأشرار مع هذا التأخّر. 
ثالثًا: أخذ يضرب رفقاءه (آ 49-51)
قضى العبد الشرير وقته يفعل على مثال جيل نوح (آ 38). كان بلا اهتمام. بل هو أخذ مكان السيّد، لا مكان العبد، وأراد أن ((يعاقب)) إخوته. بل أخذ دور السيّد المستبدّ: يأكل، يشرب، يضرب رفقاءه (آ 49).((أخذ يضرب رفقاءه في الخدمة)). رج جا 8: 11؛ مت 18: 28؛ لو 21: 34؛ أحيقار 3: 2؛ 4: 15 (حيث الشرير ناتان يأكل ويشرب مع أهل الفلتان ويضرب عبيد احيقار وإماءه). هذا ما يعارض التنبيه ضدّ العنف في عظة الجبل. ((يأكل ويشرب مع السكيرين)) ق نش 5: 1 (حسب السبعينيّة)؛ لو 12: 45. يتحدّث 1كور 11: 21؛ 2بط 2: 13 عن السكيرين في الكنيسة.
وتكون اليقظة المرّة حين يأتي سيّد ذلك العبد (آ 50). ق 24: 36 (اليوم، الساعة)، 39، 42، 44؛ 25: 13؛ عب 10: 37. رج لو 12: 46 (يمزّقه).
وينتهي المثل في ((جهنم)).يصوَّر عقابُ العبد الشّرير بصورة قويّة لا نجدها في صورة العبد الأمين الحكيم.((ديخوتوميو)): قطع اثنين. قطعه إربًا.رج خر 29: 17 (حسب السبعينيّة)؛ يوسيفوس، العاديات 8: 31؛3 با 16: 3.ظنّ بعضهم أن هذا الفعل ليس في محلّّه. فقال بعضهم: عاقب. وهكذا ضعفت العبارة. وهناك من قال: ((قطعه من الجماعة))(رج 18: 17؛ يو9: 22؛رج مز 37: 9، 22، 34، 38 حيث يقطع البار من جماعة الأشرار). رج ما قلناه عن نظام الجماعة (2: 16-17).يُقطع من الجماعة أي يكون حظّه مع الملعونين.
هناك من قال ((قطع اثنين)) وترك قسمًا للمرائين! إن لو12: 47- 48(حافظ على المعين) يصوّر عقاب الشرير مع بعض التفاصيل. وفي أسوأ الحالات هو يُضرب ضربًا مبرحًا.قال يرامياس في الأمثال: الأصل أرامي: ف ل ج (قسم).كل هذا لأن عددًا من الشّراح وجدوا العقاب قاسيًا.وقابل بعضهم هذا الوضع مع موت يهوذا (يوضاس) في أع 1: 18.أما ما هو معقول فما نجده في خبر أحيقار: (( مزِّق. تفجّرت أمعاؤه فذهب إلى الجحيم)). قد يكون أسلوب أحيقار قد أثّر في نصّ لو.
((جعل نصيبه مع المرائين)). لو12: 46(بدل المرائين جعل اللامؤمنين).عامله كما يعامَل المراؤون. جعله شريك المرائين. المراؤون هم رؤساء اليهود.قد يكون تلاعب على الكلمات على مستوى هؤلاء المقسومين بين القول والفعل (يقولون ولا يعملون). ((هناك البكاء وصريف الأسنان)). هو قرار يدلّ على الدينونة الأخيرة (8: 12؛25: 30).
حين ننسب هذا المثل إلى يسوع،نفهم أنه أراد أن يهيّئ تلاميذه لمجيء الله القريب. وأعادت الكنيسة تفسير المثل على مستوى المجيء (عودة المسيح،باروسيا) وتأخّر هذا المجيء. وقال ((دود)) في أمثاله: نوَّه يسوع بالرؤساء الدينيين لدى اليهود لأنهم خدام غير أمناء لله . وقال شارح ثالث: عرف يسوع أنه سيؤخذ من تلاميذه، فألفّ هذا المثل ليدعوهم إلى الأمانة في غيابه.ولكن حين ينسب البعض هذا المثل إلى الكنيسة،فهم يرون أنها ((خلقت))(من أقوال يسوع) هذا المثل لتقدّم تشجيعًا لمن رأوا أن المجيء قد تأخّر.

خاتمة
مثَل يقدّم لنا وجهين. وجه العبد الأمين الحكيم الذي أخذ بحكمة المسيح. ووجه العبد الشرير الذي أخذ بطريق الجنون الذي يدلّ عليه السكر. فالمؤمن هو خادم وهو يدلّ على انتظار الرب من خلال خدمته لإخوته.أما العبد الشرير فلا يريد أن يكون الخادم بل السيّد،على مثال أسياد هذا العالم الذين لا يعرفون الرحمة. السيّد الذي يضرب رفقاءه،ويرفض أن يقدّم لهم الطعام في حينه. مثَل يتوجّّه إلى كل مسؤول في الكنيسة مهما كان مستوى مسؤوليّته.إن كان ذلك العبد أمينًا،نال كل أموال السيّد،نال الملكوت.وإلاّ كانت له جهنم. ((البكاء وصريف الأسنان)). لهذا يبقى السؤال الذي طُرح في البداية حاضرًا أمامنا: أي عبد نحن. وسلوكنا يدلّ عل

الفصل الثالث عشر

مثل العذارى العشر
25: 1-13

يحتلّ هذا المثل مكانة هامّة في مجمل الخطبة الاسكاتولوجيّة المتّاويّة (24: 4-25: 46).فيستعيد موضوع السيّد الذي يتأخّر مجيئه، ليحرّض التلاميذ أيضًا على السهر. أما الفكرة التي تُشرف على هذا المقطع (أي بعد 24: 42)، فهي أن السهر ضروريّ جدًا لا سيّما وأننا لا نعرف الساعة التي فيها يعود السيّد.فنلاحظ بالنسبة إلى القسم الأول من الخطبة الاسكاتولوجيّة (24: 4-41)، خطبة نهاية العالم، أنّ جهل الساعة هوجهل مطلق: لقد اختفت كل الاختفاء العلامات التي تدلّ على هذه النهاية.لهذا، تبدّل المنظار الاسكاتولوجي تبدّلاً عميقًا: في 24: 4- 41، كنّا أمام تحذير من البلبلة والضلال الجليانيّ (تظلم الشمس...)، يدعونا إلى موقف سلبيّ يحصرنا في إطار خاصّ. أما منذ 24: 45-51 فقد توضّح معنى هذا السهر.نحن نسهر حين نُتمّ بأمانة المهمّة التي تسلّمناها. بعد هذا، ما هو مرمى مثل العذارى؟ هنا تتّخذ التفاسير اتجاهين رئيسيين: الوجهة الروحيّة للسهر الذي يشير إليه الزيت (الايمان، التقوى.الشهادة المسيحيّة، الأعمال).أو: إذا أردنا أن نكون مستعدّين للساعة الحاسمة التي فيها يأتي العريس، للساعة التي فيها نسمع ((الصراخ))، نتحرّك حالاً.فإن تأخّرنا بقينا خارجًا. أما الاستعداد فهو زادٌ كاف من الزيت يكون في تتميم مشيئة الله (25: 14-30) وفي خدمة الاخوة الصغار الذين تماهى ابن الانسان معهم (25: 31-46).

1 - البنية والتأويل

أ - بنية المثل
((أما ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يعلمهما أحد، ولا ملائكة السماوات، ولا الابن إلاّ الآب وحده))(24: 36).إن هذا الاعلان حول جهل النهاية هو أساسُ قسم كبيرفي انجيل متّى نستطيع أن نسمّيه السهر: فعلى الانسان أن يكون مستعدًا لما يمكن أن يحدث في أي وقت. في هذا الاطار يأتي مثَل العبد الحكيم والعبد الشّرير (24: 45-51)، مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات(25: 1-13)، مثل الوزنات (25: 14-30). تتطرّق هذه الأمثلة الثلاثة إلى تأخّر مجيء الرب، إلى الاستعداد من أجل النهاية، إلى الجزاء الذي ينتظرنا عندما يأتي ابن الانسان في مجده.
بعد أن رافق مت مر في الخطبة الاسكاتولوجيّة، تركه في مثل العذارى العشر. غير أننا نجد ما يوازي بعض الشيء هذا المثل في لو 12: 35-38 (لتكن أحقاؤكم مشدودة وسرجكم موقدة، وكونوا كرجال ينتظرون سيّدهم عند عودته من العرس، ليفتحوا له حالما يوافي ويقرع) وفي 13: 25 (حين ينهض ربّ البيت ويوصد الباب، تقيمون أنتم في الخارج. تقرعون الباب وتقولون: يا رب افتح لنا. فيجيبكم: لا أعرف من أين أنتم).هناك من قال إن مت عرف هذين النصّين في المعين، ثم دوّن المثل في إطار لاهوت كنيسته: سمات متّاويّة، تشابه مع 7: 21-، 27مواضيع محبّبة إلى مت. ولكن يبدو أن هناك تقليدًا قبل متاويًّا أخذ منه الانجيل الأول. فهناك كلمات لا توجد أبدًا في أماكن أخرى عند متّى (لمباس، سراج آ 3، 5، 7- 8، الايون، زيت، آ 3، 4، 8، اغايون، قارورة، آ 4، نستازو، نعس، آ 5، كراوغي، صياح، آ 6، اركيو، كفى، آ 9).ثم إننا نتردّد عندما نجد تبديلاً ساعة يستعيد مت تقاليد أخرى دون أن يقوم فيها بتحوّلات جذريّة.

ب - التأويل
يُقسم خبر العذارى أربعة أقسام. مقدّمة تفتح أمامنا المسرح (آ 1-5).إشارة زمنيّة (نصف الليل، آ 6) تسبق القسم الاخباريّ الذي هو قلب المثل (آ 6-10).إشارة إخباريّة ثانية (وبعدئذ آ 11) تدلّ على نهاية قصيرة ومأساويّة (آ 11-12): لا أعرفكن.وكل هذا يتبعه تحريض (آ 13) يستعيد الموضوع الرئيسيّ الذي قرأناه في 24: 27-51. في القسم الأول ننتظر العريس. في الثاني يأتي العريس. في الثالث نعرف ماذا حصل بعد وصول العريس.
إن نصّ مت هو استعارة (وإن لم تنطبق كل التفاصيل) عن مجيء المسيح، العريس السماويّ. وتدلّ العذارى العشر على الجماعة المسيحيّة التي تنتظر (لا الرؤساء فقط، ولا مجموعة محدّدة، الرقم عشرة هو عدد أصابع اليدين وهو يدلّ على الملء).وتأخّر العريس (آ 5) هو الزمن الذي يسبق. ومجيئه الفجائي (آ 6) هوحصول المجيء غير المنتظر.ورفض العذارى الجاهلات (آ 11) يدلّ على الدينونة الأخيرة.
نجد في المثل وتطبيقه ثلاثة دروس. الأول نجده في تصرّف العريس.الثاني في تصرّف العذارى الحكيمات. والثالث في تصرّف العذارى الجاهلات. تأخّر العريس ثم أتى في وقت لم يتوقّعه أحد. وهكذا نعرف أن ما من أحد يعرف الساعة التي فيها يأتي ابن الانسان. والعذارى الحكيمات اللواتي يمثّلن التلاميذ الأمناء، هنّ رمز عن الحكمة التي تحمل إلى المؤمنين الجزاء الاسكاتولوجي. والعذارى الجاهلات اللواتي يمثّلن التلاميذ الذين خانوا الأمانة، هنّ رمز إلى الذين سقطوا فاستحقّوا العقاب في نهاية الأزمنة.
هناك أمثال رابينيّة قريبة من هذا المثل.قال رابي يوحنا بن زكاي: إن يوم التوبة قبل الموت ((يشبه ملكًا دعا عبيده إلى وليمة لم يحدّد موعدها. أما الحكماء فتهيّأوا (تزيّنوا) ووقفوا عند باب القصر لأنهم قالوا: هل يجب أن يغيب أحد عن القصر الملكي؟ أما الجهّال فذهبوا إلى عملهم قائلين: هل يمكن أن يكون هناك وليمة بدون استعدادات؟وفجأة أعلن الملك رغبته إلى عبيده: دخل الحكماء بزينتهم، أما الجهال فدخلوا مع أوساخهم.فرح الملك بالحكماء وغضب على الجهّال.وأعطى أوامره: الذين تزيّنوا من أجل الوليمة يدخلون ويأكلون ويشربون. أما الذين لم يتزينوا من أجل الوليمة، فليقفوا وينتظروا)) (برايتا السبت 153أ). هذا يعني أن الاستعداد موضوع معروف.ولكن تطلّع الرابينيون إلى الموت والاستعداد له، أما الانجيل فإلى الدينونة.

2 - عشر عذارى (13: 1)
ونبدأ التفسير فنقرأ الآية الأولى: ((حينئذ يشبّه ملكوت السماوات بعشر عذارى أخذن مصابيحهنّ وخرجن للقاء العريس)).
الأساس الآراميّ واضح في هذه الآية التي لا تريد أن تقول إن ملكوت السماوات يشبّه بعشر عذارى... بل يشبّه ملكوت الساوات بعرس فيه أخذت عشر عذارى.هذا المثل لا يستنفد كل التعليم عن الملكوت، بل هويقدّم سمة من سمات هذا الملكوت من خلال خبر العذارى العشر.
لا نعرف معرفة تامة كيف كانت تتمّ الأعراس في فلسطين في زمن المسيح. أما المعطيات التي جُمعت، فهي تعود إلى زمن متأخّر. وقد تكون العادات مختلفة بين زمن وآخر، ، بين قرية وأخرى. أما يسوع فحصر الصورة في أقلّ ما يمكن من الكلام: لم يتوقّف عند تفصيل الطقوس والعادات التي كانت معروفة لدى سامعيه. فذكر فقط ما يحتاج إليه من أجل بناء المثل: موكب العرس.
نستطيع أن نفترض أن العروس تنتظر في بيتها مع رفيقاتها. وأن العريس يأتي ويطلبها لكي يقودها إلى دارها الجديدة حيث توجد ((قاعة العرس)) (آ 10).لا شكّ في أن الجوهر هو هنا. ولكن ينقص الخبر ما يعطي الأعراس في الشرق ألوانها: الرقص، صراخ الفرح، الأناشيد، السرج، امتداح جمال العروس، أوصاف العريس.ينقص مناخ العيد الذي يرافق الاحتفال بالحب البشريّ كما يصوّره نشيد الأناشيد.ولكن مت صنع كعادته، فترك كل هذه الألوان وأخذ بأسلوب ارتهابي: فموكب العرس يشبه طواف الكهنة في احتفال دينيّ أكثر من هيجان الأعراس.ومع ذلك، فجماعة المفديّين مدعوّة إلى فرح يشبه الفرح الذي يرافق كل عرس على ما يقول رؤ 19: 9: ((طوبى (هنيئًا) للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل)).
ويُطرح السؤال: هل نحن أمام عذارى (بتولات) أم صبايا؟ إن الصبايا العشر في المثل هنّ رفيقات العروس وصديقاتها. بما أنهنّ لم يتزوجنّ بعدُ سُمّين ((عذارى))(برتانوس)، دون أن يكون هناك في الأصل معنى دينيّ معيّن. لهذا ُيطرح السؤال: أما يجب إذن أن نتكلّم عن عشر صبايا، لا عن عشر عذارى (أو: بتولات)؟غير أن المسألة هي أكثر تشعبًا ممّا تبدو للوهلة الأولى. وهكذا يرتبط كل شيء بالمستوى التدوينيّ الذي نحدّد في داخله المثل.
لا شكّ في أن يسوع تحدّث عن رفيقات العروس، ولكن لفظة ((صبايا)) لا تجعلنا أمناء كل الأمانة لنصّ متّى.لماذا؟ فبين كلمات يسوع والتدوين النهائيّ لانجيل متّى اليونانيّ (حوالي سنة 90)، مرّت حقبة تمتدّ على 50 سنة ونيّف، تأمّلت فيها الجماعة المسيحيّة بأقوال الرب، فأغنتها بخبرة حياتها، وتوسّعت فيها بعد أن اكتشفت معاني جديدة لم تخطر على بالها من قبل. وكذا نقول عن عريس المثل.لقد صار المسيحَ يسوع نفسه الذي هو، بالنسبة إلى الجماعة، ((الربّ)) (كيريوس) القائم من الموت. وفي الخطّ عينه صارت ((الصبايا)) اللواتي يرافقن العريس أولى ((المكرّسات)) في الكنائس اللواتي يتميّزن بأعمال الرحمة (يرمز إليها الزيت) والصلاة والصوم، منتظرات مجيء الرب في كل منتصف ليل يعشنه.
كان يسوع قد أوصى بالعزوبة من أجل الملكوت في قول قاس ومليء بالأسرار (19: 12).وحقّقت الجماعة في بعض من أعضائها هذه المواهبيّة الخاصة بالأزمنة المسيحانيّة.ففي كورنتوس وُُجدت مجموعة من المؤمنين سمّيت ((العذارى)).وقد أرسل إليهنّ بولس سنة 57 تعليمات خاصة بوضعهنّ(1كور 7: 25ي). لهذا، أحسّ هؤلاء المؤمنون أن هذا المثل يتوجّه إليهم بصورة خاصة ويدعوهم إلى لقاء الرب على مثال هؤلاء العذارى.
ومن جهة أخرى، فالمجيء الذين كانوا ينتظرونه قريبًا، كان يدعوهم بإلحاح إلى التجرّد والكفر بالذات. فالزمن يشبه سفينة داخلة إلى المرفأ بعد سفر طويل.هي تطوي الشراع لتأمن العواصف وتصل إلى الشاطئ. وهذا هو موقف العذارى على شواطئ الملكوت الأبديّ. لهذا كان واجب التجرّد من هموم كثيرة تُحجّر القلب، والتخلّي عن كل شيء كما يتخلّى الانسان عن ثوب عتيق. في هذا قال بولس الرسول: ((إن الزمان قصير (طوى شراعه). فالذين لهم نساء، يكونون بلا نساء)) (1كور 7: 29).
ولكن هل يعني هذا أن مثل العذارى العشر لا يعني إلاّ اللواتي كنّ يعشن في البتوليّة؟ كلا ثم كلا. فالكنيسة كلها هي في نظر الرسول ((عذراء عفيفة مخطوبة للمسيح)) (2كور 11: 3). فالعذارى يحققنّ بشكل منظور النعمة الخفيّة التي نجدها في عذراء العذارى، في الكنيسة. لا شكّ في أن العذارى هنّ في مقدّمة الجماعة.ينتظرن المسيح الآتي، ويسرن نحو الملكوت. ولكنهن لا يمثّلن الكنيسة وحدهنّ، بل يدللن عليها بشكل عميق. إذن، يتوجّه مثل العذارى العشر إلى الكنيسة كلها التي تسمع نداء الانتظار في فم الرب، وتلّبي هذا النداء في حياتها اليوميّة.
3 - عذارى حكيمات وعذارى جاهلات (13: 2-4)
خمس عذارى هنّ ((جاهلات)) (موراي) وكأنهن لا يعرفن الله على مثال الجاهل الذي أنكر وجود الله (مز 14: 1؛ 53: 2: قال الجاهل في قلبه: ليس إله).وخمس عذارى هنّ ((حكيمات)) (فرونيموي) مع العلم أن رأس الحكمة مخافة الله.هذا يعني أنهنّ يعشن في مخافة الله. هناك من يقول: عذارى مجنونات وفطنات.وهناك من قابل بين المرأة ((القديرة)) وتلك التي تتميّز بخفّة عقلها وقلّة إدراكها.وهكذا كانت محاولات التفسير للإحاطة بمعنى هاتين الكلمتين.
تُستعمل الصفة ((فرونيموس)) عن شخص صاحب لبّ (عكس من لا لبّ له)، مع العلم أن اللبّ (أو: القلب) هومركز العقل والفهم.فالحكيم في انجيل متّى هو الذي بنى بيته على الصخر حين سمع كلام يسوع ووضعه موضع العمل (7: 24).والحكيم أيضًا هو الخادم الأمين الحكيم الذي تبع تعليمات سيّده فوزّع الطعام على أهل البيت في الوقت المناسب (مت 24: 45= لو12: 42؛رج مت 10: 16، كونوا حكماء كالحيات؛ لو16: 8 ومثل الوكيل الحكيم؛رج روم 11: 25؛ 12: 16؛ 1كور 4: 10؛ 10: 15؛ 2كور 11: 19). لسنا فقط أمام حكمة بشريّة محضة، بل أمام فهم جزئيّ لسرّ الله. وهكذا كانت العذارى أكثر من صبايا ذكيّات يعرفن كيف يتدبرنّ الأمور.بل هنّ يمتلكن انفتاح القلب على الملكوت الذي إليه يدعوهنّ يسوع.
وفي العالم البيبليّ أيضًا إن الصفة ((موروس)) (الجاهل الذي لا عقل له، لا لبّ له) تدلّ على البليد الذي لا يفهم.كما تدلّ على الشرّير الذي يصل به الجنون إلى مقاومة شريعة الله (تث32: 6؛ أش 32: 6؛جا10: 12؛ أم 10: 31-32). الذي يقول: ليس إله. عندما ترد هذه اللفظة فهي توازي الشرّير والكافر. تفرّد متّى بين الانجيليين، واستعمل هذه الصفة ((جاهل)) في معنى أخلاقيّ: هي تدلّ على من بنى بيته على الرمل، أي ذاك الذي سمع أقوال يسوع ولم يعمل بموجبها (7: 24). كما تدلّ على الكتبة والفريسيين المرائين الذين أعلن يسوع الـ ((ويل لهم)) سبع مرات (مت 23: 17). ولفظة ((جاهل)) هي من القوّة بحيث إن من دعا أخاه((جاهل)) يستحقّ نار جهنّم.وحين وصف متّى العذارى بـ ((الجاهلات))، رسم الصورة في خطوطها الكبرى لكي يفهمها الجميع. هذه الصبايا الجاهلات هن رفيقات الملحدين والمجانين الذين ((يتكلّمون بالضلال على الرب)) (أش 32: 6).ولكن بماذا يقوم جهلهنّ؟
لم يأخذن معهنّ زيتًا.سرج صغيرة مصنوعة بالطين. يجب أن تُملأ على الدوام لئلاّ تنطفئ. ولكن لماذا أخذن هذه السرج الصغيرة وكأننا في جنازة لا في عرس؟ هناك من أراد أن يحوّل هذه السرج إلى مشاعل ترسل أنوارها إلى البعيد. ولكن المثل لا يتوخّى أن يصوّر لنا مشهد عرس في فلسطين، بل أن يقدّم لنا عبرة اسكاتولوجيّة، منطلقًا من خبر سراج يُضاء بالزيت. وكانت خمس عذارى. نسين أن يأخذن زيتًا. هذا غير معقول. ولكنّنا بالأحرى أمام عذارى جاهلات. والمثل لا يتكلّم عن قلة انتباه وسهو عندهنّ، بل عن موقف روحيّ فيه الكثير من الرفض والانغلاق على نداء الله.كيف يستطعن بعد ذاك أن يكنّ نور العالم.

4 - وإذ أبطأ العريس (13: 5)
ونصل إلى أمر غير معقول: نامت العذارى. هل نسين واجبهنّ من أجل العرس؟ أما جميلة نشيد الأناشيد فقد ظلّت سهرانة. بل ذهبت طوال الليل تبحث عن حبّها رغم تهجّمات الحرّاس. جالت في المدينة كلها وقلبُها يذوب من الانتظار. ما عادت تصبر على غياب حبيبها إلى أن استقبلته عند الصباح (نش 3: 1؛ 5: 2-5). أما صبايا المثل فنمن.
وتأخّر العريس. امتدّ الليل وهو ما جاء بعد. أن تتأخّر العروس بعض الشيء قد يدخل في عقول الناس أن أهلها لا يريدون أن يتخلّوا عنها لتعلّقهم بها. ولكن العريس هو الذي تأخّر. فهل يُعقل هذا؟ قال بعض الشّراح إن الكلام عن العريس زيد فيما بعد ليشير إلى التفسير الاستعاري: تأخّرُ العريس هو تأخّر يسوع المسيح في مجيئه، يسوع الذي هو عريس الجماعة المسيحانيّة.
في السياق الحاليّ للخطبة الاسكاتولوجيّة الذي فيه حدّد مت موقع المثل، تبرز هذه السمة بشكل لافت. كان المثل السابق قد وضع أمامنا على ((المسرح)) عبدين. الأول حكيم أمين. والثاني شرّير خبيث. اعتبر العبد الشّرير أن المعلّم أبطأ. ((قال في قلبه: إن سيدي مبطئ)) (24: 48). إنه في الواقع يردّد ما ردّدته الجماعة المسيحيّة الأولى التي خاب أملها وهي التي انتظرت طويلاً عودة يسوع. ولكن هذا الكلام وُضع في فم العبد الشرير، لأنه يدلّ على قلّة إيمان وعدم سهر عند المسيحيّين. مثل هذا الموقف يتعارض مع ما يقوله الروح في عب 10: 37: ((إنه يأتي ولا يُبطئ)).
هذا ما أراد متّى أن يقوله في هذا المثل. هو لم يؤكّد أن الرب تأخّر حقًا، بل إن العذارى تصرّفن، كأنه يتأخَّر، ففعلن مثل ذاك العبد الشرير الخبيث.

5 - في منتصف الليل (25: 6-7)
وصل العريس في منتصف الليل. نلاحظ هنا أن العهد الجديد يشدّد مرارًا على الليل في النصوص التي تتحدّث عن المجيء الثاني (لو 12: 39-40 =مت 24: 43-44؛ لو 12: 20؛ مر 13: 35-36). وهذا التقليد المتعلّق بمجيء الربّ في الليل، يبدو قديمًا جدًا بحيث يعود بلا شكّ إلى الوثائق التي سبقت الأناجيل الإزائيّة. ونحن نجده في 1تس 5: 2 التي دوّنت سنة 50 تقريبًا. ((تعرفون أن الرب يأتي في الليل كاللصّ)).
هذه النصوص هي صدى رجاء عبّر عنه الترجوم الفلسطينيّ الذي جعل التحرير الذي يقوم به المسيح في المستقبل، في الليلة الفصحيّة التي صارت محور تاريخ العالم. فـ ((نشيد الليالي الأربع)) ينشد الليلة التي فيها مزّق الله الظلمة، وخلق العالم (الليلة الاولى)، والليلة التي فيها قدّم ابراهيم ابنه على مذبح المحرقات (الليلة الثانية)، وليلة الفصح التي فيها خرج الشعب من مصر (الليلة الثالثة)، والليلة الرابعة التي هي الليلة الاسكاتولوجيّة.
وحين ثبّت متّى أنظارنا على عودة العريس في منتصف الليل، أشار أمام سامعيه المأخوذين بالحديث، إلى تلك الليلة، ليلة الفصح الابديّ التي سيخلقها الله في نهاية الأزمنة. هي ليلة مجد يقيم فيها سماوات جديدة وأرضًا جديدة. هي ليلة الحنان التي انفتحت في الماضي على ابراهيم حين كان يذبح ابنه. هي ليلة القدر التي فيها خلّص الله شعبه، ابنه البكر، من عبودية مصر، بيد قويّة وذراع ممدودة. وهكذا صار مثل العذارى العشر بمناخه الاسكاتولوجيّ، مثلاً فصحيًا. يدلّ على موت المسيح وقيامته. على غيبته وعودته.
والصراخ الذي مزّق فجأة تلك الليلة، جعل الشرّاح يتساءلون. منهم من قال: هذا الصراخ في الليل يعطي المشهد بُعدًا دراماتيكيًا. فقد اعتادوا أن يشيروا إلى مجيء العريس. إن الموسيقى وأناشيد الطرب التي تُسمع من بعيد، تدلّ على أن الموكب يقترب شيئًا فشيئًا. إذن، ليس هناك من مفاجأة لا يتوقّعها أحد. أما في هذا المثل، فالصراخ يفاجئ الجميع؟ لهذا فكّر آخرون بـ((الصراخ الاسكاتولوجي))، أي بذاك الذي يعلن اجتياح ملكوت الله للعالم، وإقامة هذا الملكوت بشكل نهائيّ في نهاية الأزمنة: هذا ما يوافق صراخ الملاك (رؤ 14: 15) الذي يعلن حصاد الأمم (كما يحصد القمح) وقطافها (كما يُقطف العنب). الذي يعلن دينونة بابل الزانية العظـيمة (رؤ 18: 2). الذي يدعو إلى ((وليمة الله الكبيرة)) (رؤ 19: 17).
ونستطيع أن نفكّر أيضًا (بشكل بسيط لا يعقّد الأمور) بأن يسوع يروي خبره بالطريقة التي يريد. قد أشار بهذه اللفظة إلى فجاءة مجيئه الثاني. وسيعود هذا الموضوع مرارًا في هذا القسم من انجيل متّى: يأتي ابن الانسان في ساعة لا تتوقّعونها (مت 24: 44). هو يفاجئ النائمين كما فاجأ الطوفان معاصري نوح (24: 37-39 = لو 17: 26-27). يشرق بلمعانه كالبرق. ((فمثلما أن البرق ينبثق من المشرق ويلمع حتى المغرب، كذلك يكون مجيء ابن الانسان)) (24: 27 = لو 17: 24).

6 - مصابيحنا تنطفئ (25: 8-10ب)
إذا قرأنا المثل بشكل حرفيّ، نلاحظ أن هناك عددًا من السمات لا تبدو معقولة: عذارى نمن. عريس يتأخّر في منتصف الليل. وهنا أيضًا نقرأ ما يحرّك التساؤل عند القارئ. فمن خلال خبر عرس، يعطينا يسوع تعليمًا فيه الكثير من الجديّة.
ما إن بدأ أهل العريس يستيقظون من نومهم، حتى شعرت العذارى الجاهلات (وأخيرًا!) أن لا زيت في مصابيحنّ. ضعن. وما عدن يعرفن ما يعملن. لماذا لا يرافقن العروس مع اللواتي ظلّت مصابيحنّ مضاءة؟ وهل طريق الموكب طويلة جدًا بحيث احتاجت هذه الجاهلات زيتًا إضافيًا؟ في أي حال، ذهبن إلى الحكيمات: ((أعطيننا من زيتكن)).
ورُفض الطلب. هذا ما يجب أن ننتظر من المثل دون أن نتساءل عن إحساس الحكيمات تجاه أخياتهنّ، عن عاطفة المحبّة الأخويّة التي يجب أن تحركهنّ. لماذا لم تقسم الحكيمات ما يمتلكن من زيت مع الجاهلات؟ بل أعطين نصيحة تخلو من أية حكمة: ((بل اذهبن إلى الباعة وابتعن لكنّ)). وكيف يذهبن في منتصف الليل؟ وأين هم الباعة؟ الباعة هم هنا ينتظرون الزبائن والليلة ليلة عيد. ولكن هل وجدن الزيت المطلوب عند الباعة؟ وهل يُشترى مثل هذا الزيت أم هو عطيّة مجانيّة نستثمرها في حياتنا كما فعل صاحب الوزنات الخمس. وسواء اشترين الزيت أم لم يشترين، فقد دخل الجميع إلى العرس واغلق الباب. وهذا الباب يبدو كأنه باب سجن. وهنا لن نتساءل: كيف أغلق الباب بوجه المدعوّين، مع أن بعض المتأخّرين قد يأتون بين حين وآخر.
بعض التأخّر! ولكنه كان السبب في مأساة عميقة. فالعريس الذي وجب عليه أن يهتمّ بعروسه، وقف عند الباب، كالحارس على باب الملكوت. وحده لاحظ هؤلاء العذارى المتأخّرات. لم يستقبلهنّ، بل طردهنّ. تأخّرن! ولكنه هو تأخّر قبلهن. فلو وصل في الوقت المحدّد (ولكن من يحدّد هذا الوقت)، لا في نصف الليل، لكانت العذارى الجاهلات قد دخلن معه كما دخل الآخرون. لا أعرفكنّ. هو يتعامل معهنّ كالقاضي في نهاية الأزمنة.
وهكذا يتّضح لنا أننا لسنا أمام خبر عرس في فلسطين، بل أمام خبر يكشف لنا الله وتعامله مع البشر، وعلى مثال ما في نشيد الأناشيد الذي هو قبل كل شيء حبّ الله لشعبه، وحبّه لكل واحد منّا بعد أن صار عروس ذاك العريس الذي يطلبنا حتى في الليل، أو لا يطلبنا إلاّ في الليل، في منتصف الليل.
لقد رأت الجماعة المسيحيّة الأولى في هذا العريس القريب، الله نفسه. لا شكّ في أن لا أحد يطبّق على الله حرفيًا سمات هذا العريس. بل إن المثل يعلّمنا أن ملكوت الله يشبه هذا الخبر: فالله هو سيّد الزمن. إنه يستطيع أن يصل في الساعة التي يشاء. ومجيئه الذي يدلّ على هجمة الابديّة في الزمن، يفاجئنا. بل يعني أن الانسان يحبّ أن ينام، أن يكون من أهل الظلمة والليل لا من أهل النور والنهار. والله قد نبّهنا: كونوا مستعدين. كونوا ساهرين.
لا يريد المثل أن يشدّد على تأخّر الله، وإن كان العريس قد أبطأ مجيئه. بل قال لنا إن العريس يأتي بلا شكّ، ولكننا نجهل ساعة مجيئه. لهذا نكون مستعدّين الآن، في الساعة الحاضرة. فإن كنا غائبين ضاع كل شيء. كانت العذارى الحكيمات مستعدات ساعة جاء الرب. وقد جهلن ساعة وصول العريس، شأنّهن شأن الجاهلات. غير أنهن لم يجهلن أنه يصل فجأة. كنّ مستعدّات. دخل العريس فدخلن حالاً وراءه. هنّ مستعدات مهما كلّف الثمن. لهذا السبب رفضن كل تأخير مع الجاهلات. وفي أي حال، العذراء الحكيمة هي التي لا تسمح أبدًا بأن ينطفئ مصباحها. فكيف تستطيع بعد ذلك أن تنير الطريق لأولئك السائرين وراء العريس؟ أما العذارى الجاهلات فانطفأت مصابيحهنّ. صرن ظلمة وما عدن نورًا. فكيف يُسمح لهنّ أن يسرن في موكب العريس الذي هو نور العالم؟

7 - أغلق الباب (25: 10 ج-12)
كان بإمكان مثَل العذارى أن ينتهي هنا بعد أن ذكر دخول المستعدّات إلى الوليمة. ولكن مت ربط بهذا المثل مقطوعة صغيرة نستطيع أن نسمّيها مثل الباب المغلق. يبدو أن هذه المقطوعة لم تنتم في الأصل إلى مثل العذارى. ولكن مت أراد كعادته أن يوضح تعليم يسوع ويتوسّع فيه كما فعل في مثل وليمة العرس.
إذا كان هذا المثل الانجيلي ككلّ خاصًا بمتّى، إلاّ أننا ما نجد في آ 11-12 يقابل لو 13: 24-25. فالقول حول الباب الضيّق في لو صار في مت قولاً حول الباب المغلق. في لو كما في مت يهتف الهاتفون: ((يا رب افتح لنا)). وفي كلا الحالين يرفض الرب الطلب ويقول إنه لا ((يعرف)) هؤلاء الآتين في وقت متأخّر.
تطرّق لو 13: 24-25 إلى رذل اليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع، وإلى قبول الوثنيين للخلاص الذي عُرض أولاً على بني اسرائيل. كثيرون من أولئك يأتون من المشرق والمغرب ويشاركون في الوليمة المسيحانيّة في ملكوت الله. فاليهود الذين كانوا أولين صاروا آخرين. والوثنيون الذين كانوا آخرين صاروا أوّلين (لو 13: 28-30).
وهكذا نجد هنا أحد المواضيع الرسوليّة المحبّبة إلى قلب لوقا. أما مثَّل الابنُ الأصغر العالَم الوثني الذي عاد إلى البيت الوالدي، الذي دخل الملكوت من بابه الواسع فكان له العجل المسمّن بينما لم يحصل الابن الأكبر (الذي يمثّل العالم اليهوديّ) على جدي يتنعّم به مع أصحابه (لو 15: 11-32)؟
وإذا عدنا إلى مت، نجد بعض الاختلاف. فالتمييز يتمّ في الكنيسة. لا بين اليهود والوثنيين، بل بين الأشرار والصالحين داخل الجماعة الواحدة. ففي داخل عيلة ابراهيم، وفي كل جماعة مسيحيّة، نجد العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات.
فكّر كثيرون أن الكنيسة تشبه سفينة عظيمة (مثل سفينة نوح) مملوءة بالمؤمنين. هي تسير على بحر عالم غير مؤمن، فتصطاد من هنا وهناك بعضًا من الوثنيين. فصرخ متّى: تنبّهوا. خذوا حذركم. فالشرّ قد يكون في داخل السفينة. فقد يهلك ((أبناء الملكوت)) (مت 8: 12). إن هم أهملوا الاستعداد لمجيء المسيح، استُبعدوا من قاعة العرس. لا يكفي أن يكون الانسان مسيحيًا (كالعذارى العشر اللواتي كنّ في الأصل مدعوات كلهن إلى العرس) لكي يدخل بشكل آليّ إلى قاعة العرس. بل قد يبقى في الخارج ويسمع صوت العريس يقول: ((لا أعرفكن)). لهذا يلحّ علينا الانجيل بأن نستعدّ بكل حياتنا لعودة الرب. هو آت ولا يبطئ، وإن جهلنا ساعة مجيئه.
لا شكّ في أن حكم الاستبعاد قد يبدو قاسيًا. ولكن هؤلاء المدعوّين الذين أهملوا أن يأخذوا ((زيت)) السهر، قد أعدّوا هلاكهم بأيديهم. ونحن نجد نصًا آخر في مت يلقي الضوء على 25: 11-12. فقد أراد يسوع أن يعطي سامعيه مقياسًا يتيح لهم أن يحكموا على نفوسهم، على استعداداتهم، فلا يظلّوا يضلّون أنفسهم. قال لهم في عظة الجبل: ((ليس كل من يقول لي: يا رب، يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل بإرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب. ألم نكن باسمك قد تنبّأنا؟ وباسمك قد أخرجنا الشياطين؟ وباسمك صنعنا عجائب كثيرة؟ فحينئذ أعلن لهم أني ما عرفتكم قطّ. أبعدوا عني يا فاعلي الأثم)) (7: 21-23).
فالتلاميذ الذين أضاعوا حسَّ الايمان، توسّلوا، شأنهم شأن العذارى الجاهلات: ((يا ربّ، يا رب)). ومثلهنّ رُذلوا. فيسوع لا يعرفهم. هذا النصّ يلقي ضوءًا جديدًا على مثل العذارى العشر. لا يكفي أن نتوسّل ونلجّ في الطلب، بل يجب أن نتمّ مشيئة الآب. وهكذا ذكّرنا يسوع هنا بأهميّة العمل لندلّ على صحة ما وعدنا به الربّ. والعمل الذي يجب أن نقوم به هو ذلك الذي به نطيع الآب السماوي ونتمّ مشيئته. فمن امتلأ مصباحه زيتًا، دلّ على أنه أرضى الله. وهكذا نفهم أن رضى الله لا يُشرى ولا يباع. ولهذا لن ينفع زيت للعذارى الجاهلات، سواء أخذنه من الحكيمات، أو اشترينه لدى الباعة. زيتهنّ هو حياتهنّ بكل ما فيها. يا ليتهنّ قدّمنها للعريس كالعشّار الآتي إلى الهيكل فعاد إلى بيته مبرّرًا.

8 - اسهروا (24: 13)
جاء هذا القول الأخير لكي يشدّد أيضًا على تعليم المثل. فإلى جماعة مسيحيّة منقسمة حول رجاء بعودة يسوع، وحزن أمام التأخير الحاصل، أفهمنا متّ أن هذا الانتظار ليس زمنًا فارغًا (نكتف فيه أيدينا ولا نفعل شيئًا) لا يتقدّم فيه تاريخ الخلاص. بل زمن استعداد تنفحه حرارةُ الايمان. الرب سيعود. هذا أكيد. إذن، نسهر يومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، لأننا لا نعرف ((اليوم ولا الساعة)).
في الواقع، هذا النداء إلى السهر هو خاتمة جعلها مت هنا بعد أن أخذها من مثَل رب البيت الذي يسهر لئلاّ يسرق له أحدٌ بيته (24: 42؛ رج مر 13: 35). في هذا النصّ يبدو قول يسوع ((لا تعرفون اليوم ولا الساعة)) في موقعه. أما في مثل العذارى، فهو لا يدخل فيه كما في إطاره. فالمثل لا يدعو بشكل مباشر إلى السهر (فالعذارى الحكيمات نعسن ونمن أيضًا)، بل إلى أن نحمل زيتًا يجعلنا مستعدين ساعة يأتي الربّ.
غير أن مت يحبّ هذه التحريضات التي تتكرّر هنا أو هناك، فتوجّه نداء أخيرًا إلى المؤمنين وتعطيهم ((درسًا)) مفيدًا (كما في المدراش في العالم اليهودي). ففي الأقوال المعمّمة التي تُزاد على نهاية الأمثال، نجد الوعّاظ المسيحيين والمعلّمين الذين يفسِّرون كلام الرب. وحين نتوقّف عند هذه النهاية نرى هذا الاتجاه في جعل الأمثال في متناول الجماعة: كانوا يستخرجون منها معنى عامًا من أجل تعليم دينيّ أو أخلاقيّ ينطبق على كل واحد منا.
خاتمة
في كل هذا الحزء الأخير (آ 10ج-13)، اختفت صورة العريس شبه اختفاء كامل، وحلّت محلها صورة المسيح يسوع. فصار المثل استعارة. فالذي ندعوه بلقب المسيح القائم من الموت ((يا رب، يا رب)). والذي يعلن القول الصارم ((الحقّ أقول لكم إني لا أعرفكم))، ليس العريس في يوم أعراسه، بل المسيح بسوع الذي يتكلّم بقوّة في الدينونة الاسكاتولوجيّة.
لا شكّ في أن قول الاستبعاد يحتفظ دومًا بطابعه السريّ، لأننا لا نستطيع بعقلنا البشري أن نفهم أبدًا أن يرذل الله خلائقه الخاصّة. ولكن العذارى اللواتي رُذلن هنّ الجاهلات اللواتي رَذلن الله. إن المثل هو علامة الدينونة التي يحقّقها الانسان في نفسه عبر تصرّفه: العذارى الجاهلات استبعدن نفوسهنّ بنفوسهنّ.
في سفر الرؤيا، صورة المصباح المنطفئ هي علامة اللعنة الكبيرة التي تنصبّ على بابل العظيمة ((مسكن الشياطين)) (18: 2) التي تُلقى في أتون النار والكبريت (آ 21-23).
أما العذارى الحكيمات اللواتي ذهبن للقاء العريس مع السهر المفعم بالمحبّة، فقد صارت الدينونة لهنّ لقاء الحبيب مع حبيبه. واستعارة المسيح الذي هو عريس الجماعة المسيحانيّة، يُلقي شعاعًا من الحنان على مثل العذارى العشر. لا شكّ في أن يسوع لا يظهر هنا كعريس الكنيسة. ولكن هذا الموضوع كان معروفًا في الكنيسة الأولى. وتصرّفه يدلّ بما فيه الكفاية على صفته التي أنشدها نشيد الأناشيد. وهو عندما يستقبل العذارى الحكيمات في قاعة العرس ((يحب كنيسته ويقدّمها لنفسه عروسًا لا كلف فيها ولا غضن ولا شيء مثل ذلك، بل مقدّسة ولا عيب فيها)) (أف 5: 25-27).
الفصل الرابع عشر

مثل الوزنات
25: 14-30

بين رسالة يسوع العلنيّة والتدوين النهائيّ للأناجيل، تركت حقبةٌ طويلة من التاريخ أثرَها في النصوص فبدت كالتلّ الذي تتراكم عليه الأتربة. والنصوص الانجيليّة تبدو مؤلّفة من ((طبقات)) تدلّ على غناها. لذلك لا نستطيع أن نقرأها في وجهة واحدة من وجهات تكوينها، وجهة الانطلاق (مع يسوع) أو وجهة الوصول (مع مت) دون أن نأخذ بعين الاعتبار المراحل التي مرّت فيها. فقد يكون مثل من الأمثال اتخذ معنى في فم يسوع حين تلفّظ به. وقد تستعمله كرازة الكنيسة الأولى في هدف آخر حين تقدّمه للمسيحيين. ويتّخذ منحى آخر مع الانجيليّ الذي يتطلّع إلى حاجات يلبّيها مؤلّفه. إن مثل الوزنات الذي ندرس الآن (ق لو 19: 11-27 ومثل الدنانير) هو نقطة النهاية في هذه المسيرة الطويلة التي توزّعت على ثلاث محطات: في فم يسوع. في الجماعة الكنسيّة بعد القيامة. في الانجيل كما نقرأه اليوم. ونحن قبل أن نتساءل عن التعليم الذي توخّى الانجيليّ أن يضعه في كتابه، نبدأ فنتوقّف عند هدف يسوع حين تلفّظ به، وعند التفسير التقليديّ كما تسلّمه متّى.

1 - المثل في تعليم يسوع
إذا أردنا أن نعرف ما توخّاه يسوع حين ضرب هذا المثل، نطرح على نفوسنا ثلاثة أسئلة: مرمى المثل أو العنصر الذي حاول الراوي أن يلفت انتباهنا إليه، والذي ترتبط به العبرة التي يحاول أن يدخلها فينا. وانطلاقًا من هنا، نحدّد المشكلة الملموسة التي طُرحت عند سامعي المثل. وأخيرًا، نحدّد الجواب الذي حمله يسوع.
أ - مرمى المثل
قبل كل شيء يجب أن نعرف شيئًا هامًا، وهو أن جميع معطيات الخبر لا يمكن أن تكون بذات الأهميّة. فالآيات الأولى تشكّل مدخلاً إلى الخبر. ذهاب السيّد، المال الذي يسلّمه إلى عبيده (أو خدمه)، ما فعله هؤلاء الخدم بمال تسلّموه (آ 14-18). كل هذا مقدّمة للمشهد الرئيسيّ: تأدية الحساب حين عودة السيّد.
ومشهد تأدية الحساب هذا يتوزّع على ثلاث لوحات صغيرة: تقدّم خدم ثلاثة، وقال كل واحد ما صنعه بماله، وسمع الحُكم الذي أعلنه السيّد حول سلوك كل واحد منهم. غير أن هذه اللوحات لا ترتدي الأهمية عينها. فالخادمان الأولان اللذان أحسنا العمل، رأيا وضعهما قد ترتّب في آيتين (آ 20-23). أما الخادم الثالث، الخادم الشرير، فقد كرّس له الراوي سبع آيات (آ 24-30). وإن حذفنا الآيتين الأخيرتين (آ 29-30) اللتين تنتميان إلى المضمون الاولاني للمثل، يبقى للعبد الثالث خمس آيات أي أكثر مما أعطي للعبدين الأولين معًا.
ونزيد فنقول: إن وضع الخادمين الأولين جاء في شكل مواز كل الموازاة: كرّر الراوي للثاني ما قاله للأول. فمن الوجهة الأدبيّة تشكّل الايات الأربع المكرّسة لهذين الخادمين وحدة تقابل الحصّة المحفوظة للخادم الثالث. هذا يعني أننا وإن كنا في الظاهر أمام خبر في ثلاث مراحل، إلاّ أننا في الواقع أمام تعارض بين اثنين: الشيء المهمّ هو ما به يعارض الخادمان الأولان الخادم الثالث.
كما يجب أن نعلم أنه في الأمثال المبنيّة بشكل تعارض، يكون التشديد دومًا على الجزء الثاني من التعارض. فلا يوضع الجزء الأول من أجل نفسه، بل لكي يُبرز الجزء الثاني. تلك هي الحالة في مثل يوتام (قض 9). بحثت الأشجار عن ملك، فتوجّهت أولاً إلى الزيتونة ثم إلى التينة ثم إلى الكرمة. وأخيرًا إلى العليقة. ولكن راوي المثل توقّف على العليقة من أجل تطبيق كلامه على أهل شكيم الذين جعلوا أبيمالك ملكًا عليهم. ونجد الاسلوب عينه في عدد من الأمثال. في مثل الزارع، الحبّة الجيّدة هي التي تهمّ الراوي. وفي مثل العمّال في الكرمة. ما يهمّ الراوي هو عمّال الساعة الحادية عشرة، الذين اشتغلوا ساعة فقط فنالوا أجر الذين حملوا ثقل النهار وحرّه. وفي مثل الابن الضال، تتّجه الأنظار إلى الابن الأكبر الذي كان جوابه لأبيه رفضًا لأخيه. وهذا ما نقوله عن مثل الوزنات. 
إذن، إن أردنا أن ندرك الهدف الذي لأجله أُلّف المثل، نركّز انتباهنا على العبد الثالث، فنبحث عن مفتاح الخبر في الحوار بين هذا العبد وسيّده.

ب - السامعون والمسألة التي تهمّهم
إن شئنا أن نكوّن فكرة عن السامعين الذي وجّه إليهم يسوع هذا المثل، يكفي أن نسمع الشروح التي أعطاها الخادم الشرير. فقد وردت كلماته في ذات الألفاظ تقريبًا لدى مت ولو. فلا خلاف إلاّ في الترتيب. عند لو، بدأ الخادم فردّ المال الذي تسلّمه، ثم تحدّث عن الخوف (الذي يحسّ به أمام سيّده). وقال أخيرًا رأيه في هذا السيّد: ((تأخذ ما لم تودع، وتحصد ما لم تزرع)). أما مت فأخذ بالترتيب المعاكس.
ونتعرّف أولاً إلى الفكرة التي كوّنها العبد عن سيّده: ((يا سيدي، عهدتك رجلاً قاسيًا، تحصد حيث لم تزرع وتجمع من حيث لم تبذر)) (آ 24). فهذا السيّد يغتني بواسطة مال لا يخصّه. ويطلب شيئًا ليس له حقّ فيه. فاهتمامه بالحق والعدل ليس اهتمامه الأول. وهكذا ما هاجم العبد فقط قساوة معلّمه، بل عدالته الجائرة أيضًا.
ثم تكلّم العبد و((برّر)) سلوكه. ((فخفت ومضيت فدفنت وزنتك في الأرض)) (آ 25). تحدّث متّى عن خوف عند هذا العبد. ومثله فعل لوقا. هو خوف العبيد. لا خوف الأبناء. لقد فعل العبد ما فعل مدفوعًا بعاطفة الخوف من عقاب ينتظره. فلو حاول أن يستثمر المال الذي تسلّمه، لكان قد ضاعفه كما فعل صاحباه. ولكنه خاف أن يضيعه: ما أراد أن يخاطر لأنه خاف سيّده. ولأن نظرته إلى هذا السيّد نظرة خاطئة.
حينئذ ردّ المال وأعلن أن الحساب كامل. لا زيادة ولا نقصان. ((هوذا مناك))، قال لوقا. ((ها هو مالك))، قال متّى. لقد ردّ العبد ما سُلّم إليه من مال ولم يخسر منه شيئًا. ولكنه لم يربح شيئًا أيضًا. هو ((يأكل حقّ)) سيّده الذي عاد إليه ماله كله. بما أن لا نقصان في ما تسلّم، اعتبر العبد أنه قام بواجبه. وأنه يستطيع أن يلوم سيّده بعد أن صار الحقّ في جانبه. فإن طلب المعلّم أكثر من ذلك ثبّت ما قيل فيه بأنه لا يهتمّ بالحقّ والعدل. كم نحن قريبون من ذلك الفريسيّ الذي اعتبر أنه ((غمر الله بفضله)) حين صلّى وصام. ونسي أننا مهما فعلنا نكون خدامًا عاديّين.
هذه الطريقة في النظرة الأمور واضحة: ففي عدالة دقيقة، اعتبر العبد الثالث أن لا لوم عليه. وباسم هذه العدالة نفسها، رفض الحقّ لسيّده بأن يطلب منه أكثر ممّا أعطاه. وبما أنه يعرف أن سيّده يريد منه أكثر مما سلّمه، جاءت شروحه تقول: أنا عادل. أما أنت فلا.
إن هذه الوجهة تلتقي مع وجهة عمّال الساعة الأولى الذين أغضبهم سلوك سيّدهم: ((إن هؤلاء الآخرين (جاؤوا في آخر النهار) ما عملوا إلاّ ساعة، وأنت تساويهم بنا، نحن الذين حملنا ثقل النهار وحرّه)) (20: 12). ونستطيع أيضًا أن نتذكّر تذمّرات الابن الأكبر في مثل الابن الضال: ((كم لي من السنين وأنا أخدمك، ولم أتعدّ قطّ أمرًا من أوامرك، وأنت لم تعطني قطّ جديًا لأتنعّم به مع أصدقائي (نلاحظ وجود ضمير المتكلم: أنا...). ولما رجع ابنك (ليس أخي) هذا (مع كل ما في هذه اللفظة من الاحتقار) الذي أكل مالك مع البغايا (هذا ما يدلّ على خيانة لله وعبادة الأوثان) ذبحتَ له العجل المسمّن)) (لو 15: 29-30). اختلفت الأوضاع، ولكن ((التهمة)) هي هي (الأصغر يتّهم الأكبر، الانسان يتّهم الله كما في بداية التاريخ حين اتهم آدم الله لأنه أعطاه حواء فسقطت وسقط معها): سلوك الأب تجاه ابنيه ليس بعادل. وكذا سلوك السيّد تجاه عبيده. هكذا يحاولون أن يبرّروا نفوسهم. ولكن الله يعرف القلوب.
ولا تتشابه هذه الأمثال فقط بالتهمة التي تبرزها. بل تلجأ إلى الاسلوب عينه: فهؤلاء الرافضون (لا يرضون بما يُعطى لهم) الذين يجعلهم الخبر أمامنا ((على المسرح)) يترجمون على المستوى الامثالي المسألة التي يودّ يسوع أن يجيب عليها. ففي مجال الواقع الدينيّ، يحدث شيء يحرّك عند سامعي المثل ردّة فعل تدلّ على الغيظ والغضب. هم أيضًا يحتجّون ويقولون: هذا ليس بعادل. لم يرضَ عمّال الساعة الأولى عن معاملة ربّ الكرم لعمّال الساعة الحادية عشرة. لم يرضَ الابن الأكبر عمّا فعله أبوه للابن الأصغر الذي هو أخوه وإن تنكّر له.
من هم هؤلاء الرافضون، هؤلاء الذين لا يرضون؟ هم الكتبة والفريسيون، هؤلاء الأتقياء الذين يحفظون الشريعة. فحين يشاهدون تصرّف الله كما يظهر من خلال حياة يسوع العلنيّة، يثورون: إن كان الله يفعل حقًا كما يقول يسوع، فهذا يعني أن سلوكه ليس بعادل. وفي مثل الوزنات الذي نقرأ، يبدو محاورو يسوع أناسًا مملوءين من خوف الله، هذا ما لا شكّ فيه. وهذه المخافة تدفعهم إلى التعلّق بعدالة دقيقة جدًا (ولكن العدالة الدقيقة جدًا قد تصل إلى الجور). فيقومون بواجبهم خير قيام بحيث لا يستطيع الربّ أن يلومهم على شيء. غير أنهم ينتظرون منه عدالة تساوي عدالتهم. ويرفضون أن يقبلوا بأن يُطلب منهم أكثر ممّا هو مفروض. قال مت 5: 20: ((فإني أقول لكم: إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين. فلن تدخلوا ملكوت السماوات)). أجل، لا يرضى الرب بأن لا نقتل فقط. بل يريدنا حتى أن لا نغضب. لا يرضى بأن نبقى على مستوى شريعة منغلقة على ذاتها فتجعلنا سجناء لها، بل يريد أن يرفعنا إلى مستوى المحبّة التي لا تعرف حدودًا في العطاء.
وهكذا عبّر يسوع في هذا المثل عن وجهة الله، فبيّن لهؤلاء الناس خطأهم الفادح. فما هو الموقف الذي سوف يتّخذونه؟

ج - جواب يسوع
بدأ السيّد فكرّر ما قاله العبد عنه: ((عهدتني أحصد حيث لم أزرع، وأجمع من حيث لم أبذر)). هو لا يدافع عن نفسه. بل يقبل بشكل فرضيّة، الفكرة التي كوّنها العبد الثالث عنه. دخل في وجهة العبد لكي يبيّن له ضلاله. هذا ما يفعله الله معنا: يدخل من بابنا ليخرجنا من بابه.
اعتبر العبد نفسه على حقّ بعد أن ردّ إلى سيّده ما يخصّه. ولكنه ضلّ ضلالاً مبينًا. ((إذن، كان عليك أن تسلّم فضّتي إلى الصيارفة،ومتى قدمتُ استردّ مالي مع الفائدة)). بما أن العبد لم يردّ إلى سيّده أكثر مما سلّمه، فقد أضرّ سيّده الذي تحقّ له فائدةُ ماله.
كيف ننقل هذا الجواب على مستوى الواقع الدينيّ؟ نُبعد بادئ ذي بدء الاسلوب الذي يستغلّ بعض عناصر الجواب ويفسّرها في خطّ الاستعارة. مثلاً، لن نتساءل عن المعنى الذي فيه يحصد الله حيث لم يزرع. ولن نتساءل عمّا تمثله الفائدة (أو: الربى) التي يحملها الانسان إلى الله. وأين هو المصرف الذي فيه نضع المال الذي تسلّمناه من الله.
فإذا أردنا أن نبقى في منظار المثل، يجب أن نأخذ جواب السيّد كله ولا نكتفي بجزء دون آخر، أن نأخذ الحكم الذي يترجم هذا الجواب. ونحن نطلب هذا الحكم في العلاقة التي توحّد بين الجزئين، أو بالحري في العلاقة التي توحّد بين الجواب والسؤال الذي طرحه العبد الثالث. حين نعزل الجزء الأول من الجواب حيث يبدو السيّد وكأنه يقبل ما يتهمّه به العبد من تصرّف مليء بالجور والظلم، نكون أمام مثل يدلّ على اعتباطيّة الله في أحكامه. ((الأقوى هو على حقّ دائمًا مهما فعل)). وحين نأخذ الجزء الثاني فقط، لا نجد النور الذي يفهمنا المثل: ما هو السلوك الانساني الذي يوافق بشكل ملموس صورة العبد الذي يضع في المصرف مال سيّده؟
ولكن حين نأخذ جزئَي الجواب معًا، فهُما يضعان وجهًا لوجه السيّد والعبد. السيّد كسيّد. والعبد كعبد. كل في موضعه. وحين وقف العبد الشرير على مستوى العدالة وحكم على سيّده، فقد حكم في الواقع على نفسه (لا نستطيع أن ندين البشر فكيف نستطيع أن ندين الله دون أن تصيبنا الدينونة). وجاء جواب السيّد لكي يذكّر العبد بعطيّة جوهريّة لم يفكّر بها: السيّد هو السيّد. وبما أنه السيّد تحقّ له كل خدمة. أما العبد فهو عبد. فعليه أن يخدم سيّده ويرضيه كل الرضى. وإذ كان ذاك العبد عارفًا بأن سيّده سيطلب منه أكثر ممّا أعطاه، فقد وجب عليه لا أن يخاطر غيرة واندفاعًا، بل أقلّه أن يضع المال ((في مصرف)) يعطيه ((فائدة)). وهكذا يتوافق سلوكه مع أهداف سيّده. أجل، وجب عليه قبل كل شيء أن يعمل مشيئة سيّده. قال يسوع في يو 4: 34: ((طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني)). هذا فخر يسوع. وهذا فخر لنا. وفخر لكل خادم يسلّمه الرب (السيّد) مهمّة. هذا ما فعله العبدان الأول والثاني فنالا الجواب عينه: ((أيها العبد الأمين الصالح، كنت أمينًا في القليل فسأقيمك على الكثير، أدخل فرح سيّدك)).
إذا كان هذا هو معنى الجواب، فالتطبيق يبدو سهلاً. فأمام يسوع أناس يرفضون تعليمه والمتطلّبات التي يفترضها هذا التعليم. يعتبرون أنهم يكتفون بحرف الشريعة وينتظرون من عملهم هذا طمأنينة أمام الله. حين يمارسون الوصايا ممارسة حرفيّة ودقيقة، يظنّون أنهم ردّوا إلى الله ما يحقّ له (ليأخذه ويذهب!). هو لا يستطيع أن يطلب أكثر من ذلك دون أن يتجاوز العدل والحقّ. إذن، اعتبر الكتبة والفريسيون أن لا شيء يجبرهم على الاصغاء إلى النداء الذي يوجّهه إليهم يسوع.
أما جواب يسوع لسامعيه فيدلّ على أن موقفهم يتضمّن جهلاً (رفض معرفة) أساسيًا لطبيعة العلاقة الحقيقيّة التي تربط الانسان بالله. فوضعُ الانسان تجاه الله هو وضع الخادم. لذلك يجب عليه أن يقبل بما يطلبه منه الله ويتمه، ولو كان هذا الطلب غير منتظر. فأمام نداء الله الذي يتوجّه إلى البشر بواسطة رسالة يسوع، لا نستطيع أن نتهرّب، أو نبحث عن شيء آخر في لاهوت يريد أن يفرض على الله نظرة البشر إلى العدالة. فلو عاملَنا الله بعدالة البشر، لكان مصيرنا مريعًا. عدالته هي رحمة ومحبّة، وهنيئًا لمن يعرف أن ينفتح عليها.

2- مثل الوزنات في الكنيسة الأولى
ووصل المثل إلى مت ولو في الشكل الذي قرأناه مع خاتمة تقول: ((كل من له يُعطى فيزداد. ومن ليس له، فحتّى ما هو له يُنزع منه)) (آ 29). ونقرأ في لو 19: 26: ((من له يُعطى، ومن ليس له، فحتّى ما هو له يُنزع منه)). نحن هنا أمام قول وصل إلينا أيضًا في سياق الأمثال (13: 12؛ مر 4: 25؛ لو 8: 18). وحين أدرجه مت هنا كخاتمة لمثل الوزنات، اتّبع نهجًا اعتاد عليه: فهو يزيد على عدد من الأمثال قولاً عامًا يتوخّى توسيع هذا التطبيق، لئلا يبقى المثل محصورًا في فئة معيّنة: ((المدعوّون كثيرون، أما المختارون فقليلون)) (22: 14). أو: ((الأولون يكونون آخرين، والآخرون أولين)) (مت 19: 30؛ 20: 16؛ مر 10: 31؛ لو 13: 30). أو: ((من ارتفع اتضع، ومن اتضع ارتفع)) (مت 18: 4؛ 23: 12؛ لو 14: 11؛ 18: 14). مثل هذه الخاتمات تستخلص عادة من الأمثال تعليمًا ثانيًا فيكون رباطه بالخبر الامثالي رباطًا مصطنعًا. غير أن هذا لا يعني أنه تعليم ثانويّ وذات أهميّة محدودة. بل هو بالأحرى يعمّم تطبيق المثل كما قلنا.
ونستطيع أن نلاحظ هنا أنه إن كان العبد الشرّير قد استحقّ اللوم، وأخذ منه السيّد ماله، فليس لأن ماله قليل. ففي مت حيث تسلّم أقل من رفيقيه (في لو، لا فرق بين خادم وخادم)، لم تقم خطيـئته في أنه أخذ قليلاً، بل في أنه لم يستثمر ما تسلّمه لكي يزيده.
ولكن كيف وُضع هذا القول الأخير (من له يعطى)؟ هو في الواقع قريب بعض القرب من الخبر الامثاليّ (الذي حدّثنا عن ثواب الخادمين الصالحين وعقاب الخادم الشرّير). وهكذا يكون ((الواعظ)) المسيحيّ قد بحث عن صورة تنطبق على مبدأ عام نُدان فيه بحسب ما لنا أو ما ليس لنا. وهكذا كان اهتمامه بالطريقة التي فيها تتمّ المجازاة في الدينونة: الرب ((يجازي كل واحد بحسب أعماله)) (مت 16: 27؛ روم 2: 6؛ 2كور 5: 10). وهكذا نال المثل تطبيقًا جديدًا لا يوافق كل الموافقة هدف يسوع حين قدّمه إلى سامعيه من كتبة وفريسيّين، ولكنه يوافق حاجة المسيحيّين في الكنبسة.

3 - تفسير مثل الوزنات في انجيل متّى
إن الإشارة الرئيسيّة حول التعليم الذي يريد متّى أن يقدّمه بواسطة المثل، نجدها في لفظة صغيرة وُضعت في بداية المثل: ((لأن)) (وذلك). وهكذا يبدو المثل بشكل توسيع يتوخّى شرح القول الذي جعل منه الانجيليّ خاتمة مثل العذارى العشر (آ 13). ((فاسهروا إذن، لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة. وذلك كمثل رجل ذهب في سفر...)). إذن، يريد المثل أن يفهمنا ضرورة ((السهر)). لا شكّ في أن مت لا يفهم هذا الفعل (اسهروا) في معنى حرفيّ، وإلاّ لما استطاع أن يجعل من هذه التوصيّة خاتمة لمثل ستنام فيه العذارى كلهنّ، الحكيمات والجاهلات. نحن ((نسهر))، أي ((نستعدّ)) (25: 10)، لكي لا نؤخذ على غفلة حين تأتي الدينونة التي نجهل يومها وساعتها. وموضوع السهر هذا يملأ القسم الثاني من الخطبة الاسكاتولوجيّة، أي منذ 24: 42: ((فاسهروا إذن لأنكم لا تعلمون في أي وقت يأتي سيّدكم)). وتأتي بعد هذه الآية أمثالٌ خمسة تفصّل مختلف وجهات السهر، بحيث لن يعود زمن عودة الربّ بالنسبة إلى تلاميذ يسوع يوم الدينونة وساعة الشجب والهلاك (24: 43-25: 46).
وهكذا يرى متّى في المثل الذي نقرأ حضًا على السهر. فهناك لمسة صغيرة تنيرنا حول الوضع الذي سبّب هذا التحريض. في آ 19، أوضح مت أن السيّد قدم ((بعد زمن طويل)). هذا ما لا نجده في المثل كما رواه لو 19: 15. غير أن هذا التفصيل يوافق ذاك الذي وجدناه في المثل السابق: ((وإذ أبطأ العريس...)) (25: 5). كما وجدناه في مثل ربّ البيت، حيث نسمع العبد الشرير يقول في قلبه: ((سيّدي يبطئ)) (24: 48؛ رج لو 12: 45). فهذه الاشارات التي تتكرّر تلفت انتباهنا. فنفكّر بمشكلة شغلت بال المسيحيين العائشين في الزمن الرسوليّ بعد أن تأخّرت عودة الربّ. فمجيء يسوع الذي اعتبروه قريبًا جدًا لم يحصل بعد. وأحسّوا بخيبة أمل كادت تقود إلى نتائج خطيرة بالنسبة إلى الايمان المسيحيّ (2بط 3: 4). وهذا الوضع هدّد ثبات المؤمنين، هدّد هذا السهر الذي تغذّى برجاء ينتطر بسرعة مجيء الرب الثاني.
أما الوجهة التي بها يعالج متّى واجب ((السهر)) في مثل الوزنات، فتبرز بشكل خاص من خلال الصفات التي بها وَصف الخدّام الثلاثة. فعلَ هنا ما اعتاد أن يفعل في مواضع أخرى. ففي المثل الذي ينهي عظة الجبل، وصف الرجل الذي بنى بيته على الصخر بـ ((الحكيم)). والذي بنى بيته على الرمل بـ ((الجاهل)) (مت 7: ،24 27). نلاحظ أن لو لا يورد هاتين الصفتين. والوكيل الذي يهمل واجباته يسمّى ((الخادم الشرّير)) (24: 48؛ ق لو 12: 45) . وفي حدث شفاء المخلّع، فكّر الكتبة ((بالشرّ)) على يسوع (9: 4؛ ق مر 2: 8). ويسمّى الكتبة والفريسيون ((مرائين)) (23: 13-29؛ ق لو 11: 39-52) في فصل فضح فيه الانجيليّ أولئك الذين يقولون ولا يفعلون، أولئك الحمقى والعميان والقبور المكلّسة. كل هذه التفاصيل تدلّ على هدف تعليميّ لدى الانجيليّ الذي رغب في أن ينير قرّاءه في الحكم على الأمور.
وفي مثل الوزنات، قال السيد للخادم الأول في لو 19: 17: ((أيها العبد الصالح)). وقال لكل من العبدين الأولين في مت 25: 21، 23: ((أيها العبد الشرّير الكسلان)) (25: 26). ويوصف هذا الانسان أيضًا بأنه ((عبد بطّال)) (آ 30، لا فائدة منه ولا نفع). هل نظنّ أن هذا العبد كان أقلّ كسلاً لو جعل مال سيّده في المصرف بدلاً من أن يحفر في الأرض ويخفي الفضّة؟ من الواضح أن متّى لا يهتمّ بمثل هذه المسألة. فحين سمّى العبد الشرير ((الكسلان))، فقد اهتمّ بتطبيق المثل لا بالصورة التي نستخلصها من المثل.
أورد مت في بداية المثل ما فعله الخادمان ((في الحال)) بالفضّة التي تسلّماها (آ 16-18). لا نجد ما يقابل هذه الآيات الثلاث في لو، بحيث نحسّ أنها تستبق مشهد الدينونة فتنتزع منه طابعه غير المتوقّع. ونلاحظ في الوقت عينه أنها تلقي الضوء على التعليم الذين يريد مت أن يستخرجه من المثل: هي تبرز نشاط وغيرة الخادمين الأولين (الصالح، الأمين) تجاه لااهتمام العبد الثالث ((الكسلان)).
في الأقوال التي تفوّّه بها السيّد، تميّز مت بسمات تتجاوز بشكل واضح إطار الخبر الامثالي، وهي سمات لا نجدها في لو. فقد دُعي الخادمان الأولان إلى الدخول إلى فرح سيّدهما (آ 21، 23): هذا ((الفرح)) هو فرح الوليمة المسيحانيّة، لا عاطفة أحسّ بها السيّد لسبب لا يذكره المثل. ويقال أيضًا عن العبد البطال: ((ألقي في الظلمة البرانيّة حيث يكون البكاء وصريف الأسنان)) (آ 30): هذا العقاب يدلّ على الهلاك الابدي (رج مت 22: 13).
هنّأ السيّد عبديه الأولين قائلاً لهما بأنهما كانا أمينين ((في القليل)) (25: ،21 23). في الواقع، هما قد نالا بحسب مت أموالاً طائلة جدًا. فإذا كان الدينار يشكّل أساسًا، أجرة العامل في يوم عمل، يكون الخادم الأول قد نال 30000 دينارًا. والخادم الثاني 12000 دينارًا. فكيف نفهم هذا القليل على مستوى المثل؟ إن هذه الاشارة تُفهم بشكل أفضل في لو 19: 17 حيث يتسلّم كل خادم كمية قليلة من المال. فالمنا يقابل مئة دينار. ضخّم متّى الكمية التي أخفاها العبد الأخير في منديل، فصارت ما يوازي 36 كلغ من المعدن الثمين. لهذا حفر العبد ((البطّال)) في الأرض وأخفى فضة سيّده.
وهكذا نلاحظ أن متّى حين نقل المثل، اهتمّ أول ما اهتمّ بالتعليم الذي يجب على قرّائه أن يستخلصوه. فحتى لو تأخّر مجيء الرب، يجب على المسيحيين أن يظلّوا ((ساهرين))، فيفكروا بالدينونة التي فيها يحاسَبون على أعمالهم، والتي بها يرتبط دخولهم إلى فرح الملكوت. هذا السهر هو في الوقت عينه أمانة من أجل تتميم المهمّات الملقاة على عاتقنا، أي جميع واجبات الحياة المسيحيّة. فإذا أردنا أن نشارك في الخلاص، لا يكفي أن نسمع كلمة الله، بل يجب أن نحفظها ونتركها تثمر فينا (لا نعارض عملها فينا). فمن أراد أن يتهرّب من هذا العمل، يدلّ على إهمال وكسل وينتظره أقسى عقاب. نكتشف في هذا التعليم إحدى الاهتمامات الكبرى في إنجيل متّى. فالمؤمن الذي لا يمرّ التعليم المسيحيّ في حياته لا يستفيد أية إفادة ممّا تقبّل: إنه يشبه المدعوّ الذي دخل إلى قاعة الوليمة وليس عليه ثياب العرس (22: 11-13). إنه يشبه العذارى الجاهلات اللواتي دُعين للمشاركة في موكب العريس ولكنهن لم يحملن معهنّ الزيت من أجل مصابيحهنّ التي انطفأت (25: 1-12). إنه يشبه ذاك الرجل الذي بنى بيته على الرمل (7: 26-27). يشبه العبد الذي لم يستثمر الوزنة التي أعطيت له فدفنها في الأرض، فصارت عطية الله شجبًا له ودينونة، لا نعمة وخلاصًا.
الانجيل رأس مال وغنى: فلا يحق للذين سلّم إليهم أن يتركوه بورًا، أن لا يستغلّوه. عليهم أن يتركوه يحوّلهم ويلهم كل نشاطهم. هكذا فقط يدلّون على أنهم ((أمناء)) لذاك الذي وثق بهم وسلّمهم ماله.

خاتمة
يبقى علينا في هذه الخاتمة أن ندرس نصّ لو. فتفسيره للمثل يتّخذ منحى آخر. لقد رأى لوقا في هذا المثل تحذيرًا لأناس يعيشون في الوهم، ويتخيّلون أن يسوع قد أعطى تعليمًا حول مجيء قريب جدًا لملكوت الله. ((وقال أيضًا مثلاً لأنه كان قريبًا من أورشليم، ولأنهم كانوا يتوهّمون أن ملكوت الله موشك أن يظهر في الحال)) (19: 11). لقد صار ((السيد)) في المثل ((انسانًا كريم النسب)). ذهب إلى بعيد لكي يتولّى ملكًا ثم يعود (آ 12). فالمسيح لن يعود حالاً، شأنه شأن هذا الرجل. ولكنه يعود. هذا ما لا شكّ فيه (آ 12، 13، 15). عند ذاك يمثُل المسيحيّون أمام معلّمهم وسيّدهم. ويتميّز وضعهم الخاص بأمر واضح أعطي لهم: ((تاجروا (استثمروا المال) حتى أعود)) (آ 13). فالويل للخادم الذي ((يعرف مشيئة سيّده)) ولا يعمل بموجبها (12: 47-48). في هذا المنظار، يبدو العبدُ الرديء لا ذاك الكسلانَ، كما قال مت، بل ذاك الذي عصا أوامر سيّده.
فالطريقة التي بها أوضح لوقا الأمانة المطلوبة من المسيحيّين، تختلف بعض الشيء عن تلك التي يستخرجها مت من المثل. ففي الحالتين نحن أمام تطبيق ثان لمثل توخّى فيه يسوع أول الأمر أن يُفهم خصومه الطبيعة الحقيقيّة للعلاقة الدينيّة التي تربط الانسان بالله. بما أن الانسان هو خادم، فعليه أن يقبل ويتمّ مشيئة الله كما تظهر له في الزمن الحاضر. والموقف الذي يطلبه يسوع يتعارض كل المعارضة مع مخافة العبيد التي تلجأ إلى طمأنينة تحميها من الله في ممارسة دقيقة لوصاياه. في هذا المنظار، نرى أن النقص الأكبر عند الخادم الرديء هو نقص في المحبّة. نقص في الحريّة التي يمنحها حبّ لا يخاف المخاطرة. قال يوحنا في رسالته الأولى: ((لا خوف في المحبّة. بل المحبّة الكاملة تنفي الخوف، والذي يخاف لا يعرف كمال المحبّة. أما نحن فلنحبّ لأنه هو أحبّنا أولاً)) (4: 17-20).
الفصل الـخامس عشر

الدينونة الأخيرة
25: 31-46

نصّ مهمّ جدًا في نهاية خطبة النهاية. لسنا أمام مثل كما في سائر الأمثال التي وردت في ف 24-25 (الوكيل الأمين، العذارى العشر، مثل الوزنات)، بل أمام صورة نبويّة عن الدينونة الأخيرة.كأني بيسوع يقرأ حياة المؤمنين على ضوء كلام الله. يأتي ابن الانسان في مجده مع ملائكته (16: 27، ليجازي كل واحد بحسب أعماله، 19: 28)، فيجلس كما يجلس الملك للقضاء، ويدين جميع البشر ويجازيهم على سلوكهم، سواء كان شرًا أو خيرًا. أما موضوع الدينونة فهو أعمال الرحمة التي مارسوها تجاه المحتاجين. ويكشف لنا يسوع عند ذاك (بل منذ الآن) المعنى العميق لأصغر الأعمال التي قمنا بها. قد نكون جهلناه. فيأتي هو ويربطه بشخصه: مهما فعلتم لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فمعي فعلتموه. وكل ما لم تفعلوه لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فلي لم تفعلوه. فيذهب هؤلاء إلى الهلاك الابدي. وأولئك إلى السعادة. وكل واحد منا، سواء كان مؤمنًا أم لا، يعرف منذ الآن مكانه: مع الخراف (اللون الأبيض يدلّ على الانتصار. هو لون القيامة) أو مع الجداء (اللون الأسود، لون الموت، لون الظلمة والبعد عن يسوع نور العالم).
بعد نظرة عامّة إلى هذا النصّ، نعود إلى التفاصيل، وننهي مع الخلاصة اللاهوتيّة والروحيّة.

1 - نظرة عامّة
حين نقرأ هذا المقطع الذي يتحدّث عن مجيء ابن الانسان والدينونة الأخيرة، نسوق الملاحظات التالية: 
أ - الملاحظة الأولى
في البنية العامة لانجيل متّى الذي يتألّف من خمس خطب (عظة الجبل، 5-،7 عظة الرسالة، 10، خطبة الأمثال، 13، خطبة الرسالة، 18، خطبة نهاية العالم، 24-25)، تحتلّ هذه المقطوعة موضعًا محدَّدًا جدًا: هي تختتم الخطبة الخامسة والأخيرة التي تصوّر العبور من ملكوت الله الخفي الذي تكرز به الكنيسة، إلى ملكوت يظهر في ((نهاية الأزمنة)). هنا نتذكَّر 24: 3ي حيث مجيء ابن الانسان ونهاية العالم (أو تتمّة الأزمنة) يرتبطان ارتباطًا وثيقًا.
افتُتحت هذه الخطبة (مت 24-25) بسؤال طرحه التلاميذ حول تاريخ هذه الأحداث الأخيرة (24: 3). ولكنّنا لاحظنا من خلال قراءتنا ف 24-25، أنّنا لم نجد عناصر الجواب على هذا السؤال. غير أننا قرأنا على مدّ هذين الفصلين، أن المجيء (باروسيا) ونهاية العالم هما حاضران دومًا. لا في ذاتهما (رغم ما نقرأ في 24: 15-22، 29-31)، بل لكي يُسندا النداءات المتكرّرة إلى السهر (24: 42: فاسهروا إذن لأنكم لا تعلمون) والأمانة (24: 45: العبد الأمين الحكيم؛ 25: 21: العبد الصالح الأمين). لهذا، نستطيع أن نقول إن التذكّرات الاسكاتولوجيّة حول نهاية التاريخ التي قرأناها في هذين الفصلين، والتذكّرات الجليانيّة التي تشير إلى هذه النهاية، كانت في خدمة أخلاقيّة خاصّة بمتّى تشدّد على ضرورة الأعمال (لا التوقّف على الكلام، 7: 21: ليس من يقول، بل من يعمل؛ 23: 3: الكتبة يقولون ولا يعملون).

ب - الملاحظة الثانية
وما قلناه عن مت 24-25 نقوله عن مت 25: 31-46 الذي يتوافق كل التوافق مع السياق الذي جاء فيه: إن مرمى هذه المقطوعة هو التعليم والارشاد الخلقيّ في إطار نبويّ. صوّر مت مجيء ابن الانسان ليدلّ على أهميّة أعمال المحبّة في الساعة الأخيرة، على أهميّة العون الذي حملناه إلى إخوتنا الصغار. وقد يكون التلاميذ هم هؤلاء الصغار، على مثال اللاويين في العهد القديم، الذين طلب الرب الاهتمام بهم كالاهتمام بالغريب والفقير واليتيم والأرملة.
ج - الملاحظة الثالثة
وهذا ما يطرح سؤالاً حول الفن الأدبي لهذه الآيات (آ 31-46). لا نستطيع أن نسمّيها مثلاً من الأمثال كما يقول عددٌ من الشرّاح، بل نحن لا نستطيع أن نجعلها مع أي فن أدبيّ معروف. لسنا أمام نص استعاريّ ولا أمام خبر تقويّ ولا أمام قصّة قريبة من السطر وعالم الميتولوجيا. هذا النصّ هو قول نبويّ ليسوع جُعل في إطار جليانيّ. وما يميّزه ليس فنّه الابديّ بل مضمونه الذي يجعله في خطّ أقوال نبويّة عديدة عرفها العهد القديم. كما عرفها العالم اليهوديّ. وقد يكون حلّ ابنُ الانسان محلّ الله.
هي تحريضات تدعونا إلى الاقتداء بأعمال الرحمة التي ((يقوم)) بها الله. وصورة الراعي واضحة مع الخراف والجداء في خط حز 34: 11-12: ((سأسأل عن غنمي وأتفقّدها كما يتفقّد الراعي قطيعه يوم يكون في وسط غنمه المنتشرة)). هي تحريضات تأتي في نهاية عدد من الأمثال التي تدعونا للتطلّع إلى النهاية، نهاية كل شخص (في ساعة موته) ونهاية العالم مع عودة الربّ.
ولكن الاطار الذي جُعلت فيه هذه الدينونة هو إطار جلياني. نحن مع دا 7: 13-14: ((ورأيت في منامي ذلك الليل، فإذا بمثل ابن انسان آتيًا على سحاب السماء، فأسرع إلى الشيخ الطاعن السنّ. فقرِّب إلى أمامه وأعطي سلطانًا ومجدًا وملكًا حتى تعبده الشعوب من كل أمّة ولسان ويكون سلطانه سلطانًا أبديًا لا يزول، وملكه لا يتعدّاه الزمن)). يأتي ابن الانسان على السحاب، شأنه شأن الله في العهد القديم (خر 34: 5؛ لا 16: 2؛ عد 11: 25...). يأتي إلى الله ليُجعل على عرشه بشكل احتفاليّ. هو يمثّل شعب قديسيّ العليّ، وسيشارك الله في ملكه. سيكون على عرش الله كما يقول سفر الرؤيا.
في هذا الخطّ نقرأ في أمثال كتاب أخنوخ حول ابن الانسان الآتي كديّان في نهاية الأزمنة. ((سألت الملاك الذي كان يسير معي ويعرّفني بجميع الأسرار حول ابن الانسان هذا: من هو ومن أين يـأتي؟ لماذا يمشي مع رأس أيام (الله)؟ فأجابني وقال لي: هو ابن الانسان الذي يمتلك البرّ ويقيم مع البرّ، الذي يكشف جميع كنوز الأسرار لأن ربّ الأرواح اختاره، فانتصر نصيبه بالحقّ أمام ربّ الأرواح إلى الأبد. إن ابن الانسان الذي رأيته يقيم الملوك والمقتدرين عن فراشهم، والأقوياء عن عروشهم ويحطّم كوابح الأقوياء ويكسر أسنان الخطأة... يكون عصا للأبرار فيستندون إليها ولا يسقطون. يكون نور الشعوب، ويكون رجاء المتألّمين في قلوبهم... حفظ حصّة الأبرار لأنهم أبغضوا واحتقروا عالم الجور هذا وأبغضوا كل أعماله وطرقه باسم ربّ الأرواح. فباسمه يخلَّصون وهو المنتقم لحياتهم... المختار في هذه الأيام يجلس على عرشي، وكل أسرار الحكمة تخرج من أقوال فمه، لأن رب الأرواح منحه هذه العطيّة ومجّده. في تلك الأيام تقفز الجبال كالكباش... وكل الأبرار يصيرون ملائكة في السماء. يشعّ وجهُهم فرحًا لأن المختار يقوم في تلك الأيام. وتبتهج الأرض فيسكنها الأبرار، ويمشي عليها المختارون ويسيرون)).

2 - الدراسة التفصيليّة
نبدأ فندرس البنية والمراجع والتأويل قبل أن نصل إلى تفسير النصّ آية آية.

أ - البنية (25: 31-46)
تجعل آ 31-32 المشهد أمامنا من أجل ذروة شعرية ودراماتيكيّة هي الجزء الأخير في الخطبة الأخيرة الكبرى التي وضعتنا في إطار نهاية العالم ومجيء المسيح. بعد هذا، نكون أمام حوارين (آ 34-45). في الحوار الاول (آ 34-40) نجد الديّان والذين عن اليمين. وفي الحوار الثاني (آ 41-45) نجد الديّان والذين عن اليسار. ويشمل كلّ حوار (1) إعلان الملك (2) جواب الأبرار، الأشرار (3) تبرير الاعلان (كل ما فعلتموه، كل ما لم تفعلوه). في القول الأول وفي الجواب نجد لفظة ((توتي))، حينئذ. ((حينئذ يقول الملك للذين عن يمينه)) (آ 34). ويأتي الجواب: ((حينئذ يجيبه الأبرار)) (آ 37). ونجد الشيء عينه حين يتوجّه الملك إلى الأشرار: ((حينئذ (توتي) يقول للذين عن يساره)) (آ 41). ((حينئذ يجيبه الأشرار (آ 44). وتأتي الاداة ((توتي)) (حينئذ) مرّة أخيرة في كلام يبرّر فيه الملك عمله: ((حينئذ يجيبهم قائلاً)) (آ 45). هي ترد خمس مرّات ونحن نعرف أهميّة الرقم 5 في مت. ونشير أيضًا إلى عبارة ((الحقّ أقول لكم)) التي ترد في كل مرّة يبرّر الملك موقفه. ((الحق أقول لكم: كل ما صنعتموه)) (آ 40). ((الحقّ أقول لكم: كل ما لم تصنعوه)) (آ 45).
والسمة النبويّة الظاهرة هي تكرار مربّع للضيق الذي أمامنا، وما عملناه وما لم نعمله لتخفيف هذا الضيق. والتكرار يفعل فعله في الذاكرة
خطبة الديّان الاولى الذين عن اليمين
جائع/ أطعمتموني جائع فأطعمناك
عطشان/ فسقيتموني أو عطشان فسقيناك
غريب/ فآويتموني غريب فآويناك
عريان /فكسوتموني أو عريان فكسوناك
مريض/ فزرتموني مريض
سجين/ فأتيتم إليّ و سجين فأتينا إليك.

خطبة الديّان الثانية الذين عن اليسار
جائع/ فما أطعمتموني جائع
عطشان/ فما سقيتموني أو عطشان
غريب/ فما آويتموني أو غريب
عريان/ فما كسوتموني أو عريان
مريض أو مريض
وسجين/ وما زرتموني أو محبوس وما خدمناك.
لنا هنا ملاحظتان. الأولى، إن خطبة الذين عن اليمين تتوزّع على ستة ظروف في ثلاثة مواقف وكل موقف ينقسم إلى اثنين: جائع أو عطشان. غريب أو عريان. مريض أو سجين. الثانية، يزداد الايجاز بعد ذلك. في خطبة الديّان الأولى نجد ست حالات من التعاسة وستة أدوية. في الخطبة الثانية (مثل كلام الذين عن اليمين) يخرج عملان من الحنان: أتيتم إليّ تقابل المريض والمحبوس في جواب أهل اليمين. و((ما زرتموني)) في خطبة الديّان الثانية. وفي التعداد الأخير الذي يقوله ((الهالكون))، لا نجد تفاصيل في أعمال الرحمة. قد أجملت كلِّها في جملة واحدة انتهت مع ((ما خدمناك)).

ب - المراجع
نحن هنا في مت 25: 31-46 أمام تأليف متاويّ، وليس له ما يقابله عند مر ومت. كما أنه يتضمّن سمات عديدة خاصة بمتّى. وما نستطيع أن نقوله هو أن المواضيع الحاضرة في هذه المقطوعة نجدها في الخطبة الاسكاتولوجيّة (ف 24-25).
- مجيء ابن الانسان (آ 31). رج 24: 27، 30، 37، 39، 44.
- المجد الاسكاتولوجي (آ 31). رج 24: 30.
- الملائكة (آ 31). رج 24: 31، 36.
- جميع الأمم (آ 32). رج 24: 9، 14.
- الدينونة الاسكاتولوجيّة (آ 32ي). رج 24: 37؛ 25: 30.
- الملكوت (آ 34). رج 24: 14؛ 25: 1.
- عقاب الأشرار (آ 41، 46). رج 24: 51؛ 25: 30.
وهناك أمور ترتبط بالتقليد المتّاويّ. مثل ((الجداء)) (إريفوس، آ 32) (إريفيون، آ 33)، ((عريان)) (غمنوس، رج آ 36، 38، 43، 44). ((آوى)) (ابسكبتوماي، آ 36-43). ((لعن)) (كاتاراأوماي). ((عذاب)) (كولاسيس). وهناك عبارات لا نجد ما يوازيها في سائر الأناجيل: ((الملكوت المعدّ منذ انشاء العالم)) (آ 34). ((واحد من إخوتي هؤلاء الصغار)) (آ 40). ((والشيطان وملائكته)) (آ 41). ((العقاب الابدي)) (آ 46). ثم يقوم متّى بتعداد أعمال الرحمة على مستوى الجسد. أو يجمع مجيء ابن الانسان مع لقب ((ملك)). وهكذا نظنّ أن مت دوّن هذا المثل منطلقًا من تقليد شفهيّ وصل إليه. وما أبرزه هو عدم وعي أولئك الذين قاموا بأعمال الرحمة (أو ما قاموا) فتساءلوا: متى رأيناك يا ربّ؟
ج - التأويل
مع أن 25: 31-46 هو في خط عدد من الأمثال التي يتمّ فيها الفصل بين الأخيار والأشرار (13: 24-30، 36-43، 47-50)، فهذا النص ليس مثَلاً بالمعنى الحصري بل ((صورة عن الدينونة الأخيرة)). أما قوّته فتأتيه من موقعه في نهاية رسالة يسوع العلنيّة، وفي نهاية الخطبة الاسكاتولوجيّة.
إن 25: 31-46 هو من عدة وجهات مشهد اصطلاحيّ حول الدينونة

د1 1أخنوخ 1أخنوخ رؤ 2 با وصيّة ابراهيم أقوال سبيلة
جلوس الديّان
على العرش 7: 9-10 62: 2-3 90: 20 20: 11 (73: 1) 11: 4 2: 239ي 
حضور الملائكة 7: 10 62: 11 90: 21-22 11: 5 2: 242 12: 1-8
تجمّع الأمم 62: 3 20: 12 72: 2 
فصل في 
مجموعتين 62: 5 20: 12-15 72: 2 11: 1ي 2: 252-254
مجازاة الأبرار 7: 18 62: 8، 13-16 90: 23-27 (20: 15) 73: 1-74: 4 2: 313-338
عقاب 
الأشرار 7: 26 62: 10-12 90: 28-36 20: 15 72: 6 11: 11 2: 249-251
63: 1-12 13: 12 283-312
إن الحوار بين الديّان والمدانين (مت 7: 22-23: كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم؛ 25: 11-12) هو أيضًا اصطلاحي (1أخنوخ 63؛ يوستينوس، حوار 76؛ دفاع أول 16؛ مدراش مز 118: 17). نقرأ في مدراش مز 118: 7 مقابلة لافتة: ((في العالم الآتي يُقال له: ماذا كان عملك؟ فإن قال: أطعمت الجائع، يقال له: هذا هو باب يهوه (مز 118: 20). أنت الذي أطعمت الجائع أدخل في ذات (الباب). وإن قال: سقيت العطشان، يقال له: هذا هو باب يهوه. أنت الذي سقيت العطشان أدخل في ذات (الباب). وإن قال: كسوت العريان، يقال له: هذا هو باب يهوه. أنت الذي كسوت العريان أدخل في ذات (الباب). وكذلك ذاك الذي ربّى اليتامى، والذي أعطى صدقة، والذي مارس أعمال المحبّة)).
قال بولتمان: إن 25: 31-46 هو قراءة مسيحيّة لأصل يهوديّ ويسوع لم يؤلّفه. وقال آخرون: الجماعة المسيحيّة ألّفته. ولكن لماذا لايكون يسوع هو الذي جعل في هذا الحوار أعمال الرحمة التي عرفها العالم اليهوديّ. فالدرس الذي يقول إن من لا يعمل الخير يكون وكأنه يعمل الشرّ يظهر أيضًا في لو 10: 25-37 (السامري الصالح). أعلن يسوع دينونة الله الآتية، وحثّ المؤمنين على محبّة المهمّشين محبّتهم لأنفسهم (رج مر 9: 41 مع الزيادة المسيحيّة: فيسوع الديّان هو الله).

د - تفسير الآيات (25: 31-46)
أولاً: مسرح الدينونة (آ 31-33)
هي مقدمة تقول لنا ((متى)) ولا تقول لنا ((أين))، تجعل من آ 31-33 عرضًا لما في 24: 29-31 (يشاهدون ابن البشر آتيًا على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد). ((ومتى جاء ابن البشر في مجده)) (آ 31). رج 16: 27؛ 19: 28؛ 24: 30. كل هذا يرتبط بابن الانسان في المجد. إن دا 7: 14 قد أعلن أن هذا المجد يُعطى لابن انسان. وهذه الفكرة تظهر في أمثال أخنوخ. وهكذا تمّ الانتقال من ابن الانسان إلى الملك. فالذي هو مثل ابن انسان في دا 13: 14 ينال المُلك.
((وجميع الملائكة معه)) . رج زك 14: 5 حسب السبعينيّة (جميع القديسين)؛ رج مت 27: 51-53. في ف 25، يرافق الملائكة ابن الانسان في النهاية. وفي ف 27، يقوم القدّيسون ويرافقون يسوع في قيامته. رج 24: 31؛ 1أخنوخ 1: 9؛ 1تس 3: 13 (مع تلميح إلى زك 14: 5)؛ 2تس 1: 7، يهو 14، صعود أشعيا 4: 14؛ رؤيا إيليا 3: 4. وهناك نصوص عديدة تتحدّث عن الملائكة الذين يشاركون في دينونة البشر (1أخنوخ 1: 9؛ 53: 3؛ 54: 6.... وصيّة لاوي 3: 2-3؛ وصيّة ابراهيم أ 12: 1-18).
((حينئذ يجلس على عرش مجده)). ق 5: 1-2؛ 15: 29. قد تكون هذه العبارة تدوينيّة، شأنها شأن 19: 28.
ماذا نقول في فعل ((جلس)) (كاتيساي)؟ نلاحظ (1) أن الملائكة يقفون وابن الانسان يجلس (خر 18: 13-14، كما في بلاط ملكي؛ 1مل 22: 19؛ زك 4: 14؛ 1أخنوخ 39: 13؛ لو 1: 19؛ رؤ 8: 2؛ 11: 4؛ 4عز 8: 21). (2) إن التقليد اليهودي لا يجعل أكثر من عرش في السماء. ولكن دا 7 يتحدّث عن ((عروش)). فرأى رابي عقيبه عرشًا لله وعرشًا لداود (بابل حج 14أ). هناك نصوص تتحدّث عن عروش في السماء لا تتضمّن عرش الله. قمران 215: 4، 9 (عرش المسيح). وصيّة أيوب 33: 3-5 (عرش أيوب مجيد في السماء)؛ وصيّة ابراهيم 11: 4 (عرش آدم)؛ 12: 3؛ 13: 4 (عرش هابيل)؛ رؤ 4: 4؛ 11: 16 (عروش للشيوخ الأربعة والعشرين)، رؤيا ايليا 1: 8 (عروش في السماء للأبرار)؛ وصيّة اسحاق 2: 7 (عرش اسحاق)...
إن موضوع البشر الذين يدينون بشرًا آخرين بعد الموت أو في سياق اسكاتولوجي، نجده في التقليد اليهودي. وصيّة ابراهيم 12: 4-13: 4: جلس هابيل على عرش سماوي ودان الخليقة كلها، الأبرار والأشرار. في 2با 72: 2-6، سيدعو مسيح الله كل الأمم فيصفح عن البعض ويقتل البعض الآخر (رج أش 11: 4).
((وتُحشر لديه جميع الأمم)) (آ 32). هذا يفترض قيامة الموتى. ق أش 66: 18 حسب السبعينية: أتيت لأجمع كل الأمم والألسن. فيأتون ويرون مجدي؛ يوء 3: 2، 11-12؛ صف 3: 8؛ زك 14: 2؛ 4عز 7: 37؛ لو 21: 36؛ 2برنابا 72: 2؛ وصيّة بنيامين 9: 2.
من هم الأمم؟ هناك آراء
- كل الذين ليسوا بيهود
- كل الذين ليسوا بمسيحيين
- اللايهود واللامسيحيون
- كل المسيحيين
- المسيحيون الأحياء عند عودة المسيح
- كل البشريّة (ايرونيموس، أوغسطينس، الذهبيّ الفم...).
أما نحن فنأخذ بالرأي الأخير في خطّ آباء الكنيسة. البشريّة كلها وخصوصًا المسيحيين المدعوّين لأن يعيشوا هذه المحبّة العمليّة في حياتهم اليوميّة. والصغار ليسوا فقط المسيحيين. وليسوا التلاميذ. بل كل انسان معذّب (جائع، عطشان...).
((فيفصل بعضهم عن بعض كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء)). ق 13: 40، 49؛ حز 34: 17، 20. الخراف التي هي بيضاء عادة، تمثّل الأبرار كما في 18: 12؛ 26: 31؛ رج 10: 16؛ 2صم 24: 1؛ إر 23: 3-4. أما الجداء فهي عادة سوداء، فتدلّ بالتالي على الأشرار.
((ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره)) (آ 33): عرف الديّان حالاً (لم ينتظر كما في مشاهد دينونة أخرى) من ينتمي إلى اليمين ومن ينتمي إلى اليسار. يبدو الملك وكأنه يعرف كل شيء. أو بالأحرى يعرف كلُّ واحد نفسَه بعد أن يظهر في كل عريه بدون أي قناع. نحن هنا في دينونة لا في محاكمة. لهذا اجتمع ((البلاط الملكيّ)). هناك مقابلات بين اليسار واليمين. رج 6: 3؛ 20: 21، 23؛ 27: 38؛ 1مل 22: 19. هذا يفترض أن الذين على اليمين يفضَّلون على الذين على اليسار.
ثانيًا: مع الأبرار (آ 34-40)
ويبدأ العرض الآن بشكل حوار. المتكلّم الأول (الملك) هو أيضًا ذاك الذي يروي المثل (يسوع). ((حينئذ يقول الملك)) (آ 24). الراعي، مثل موسى وداود، هو أيضًا الملك. في 2: 2، يسوع هو الملك. وفي 21: 5 هو ابن داود؛ رج 27: 11، 29، 37 حيث يُهزأ من يسوع الملك. ونتذكر 22: 11-14 حيث الملك الاسكاتولوجي يحكم على الذي لم يلبس ثياب العرس. ولكن إن كان الملك يمثّل هنا الله، فيسوع هو الملك في ملكوت الله (كو 1: 13: ملكوت ابنه الحبيب).
((تعالوا يا مباركي أبي)). ق 20: 23. هذه الدعوة تذكّرنا بما في 11: 28؛ 22: 4، ساعة تشير مباركة الآب إلى مشاهد البركة في العهد القديم (تك 27: 1-40؛ 48: 10-20؛ 49: 1-28). والبركة تترافق مع ميراث الأرض (رثوا الملكوت). رج تك 22: 17؛ 49: 3-4؛ مز 37: 22؛ طو 4: 12؛ رج تث 23: 20؛ 30: 16؛ يش 17: 14. ((منذ انشاء العالم)). ما وعد به الله لا يتبدّل. هو هو في البداية وفي النهاية.
المتكلّم الذي ليس بغريب عن الجائع والعطشان (آ 35)... يقدّم لائحة بأعمال الرحمة في هذه الدنيا. ((جعت فأطعمتموني)). ق 14: 16 (يسوع يطعم الجمع)؛ مز 146: 7؛ ((عطشت فسقيتموني)). ق 10: 42: وصيّة اسحاق 6: 21. ((كنت غريبًا)). ق أي 31: 32؛ وصيّة أيوب 10: 1-4؛ عب 13: 2؛ رج تك 18: 1-8 (ابراهيم)؛ وصيّة ابراهيم 2: 2.
لاحظ الذهبي الفم في آ 36 (عظة 79: 1) أن لائحة الخدم لا تتضمّن معجزات: نزور المرضى والسجناء. ولا نشفيهم أو نحرّرهم. ((كنت عريانًا)). ق أش 58: 7 (حسب السبعينية)؛ 2عز 2: 2؛ وصية زبولون 7: 1-2 (نحن نقتدي بالله كما فعل مع آدم وحواء في تك 3: 21). ((كنت مريضًا)). ق اكلمنضوس الأول 59: 4؛ رؤ صفنيا 7: 4؛ تلمود بابل نديم 49ب، 40أ (مجازاة كبيرة لمن يزور المرضى). هذا عمل قام به يسوع (8: 14-17). ((كنت محبوسًا)). ق مز 69: 33؛ عب 10: 34؛ 13: 3. لم تكن زيارة المرضى موضوعًا معروفًا في لائحة الأعمال الصالحة في العالم اليهوديّ. قد يكون المسيحيون الأولون تذكّروا يوحنا المعمدان الذي كان في السجن فتأثّروا بهذا الوضع.
((حينئذ يجيبه الصديقون)). دهش الأبرار، كما دهش ذاك الذي لم يكن عليه لباس العرس. وذاك الذي أخفى وزنته في الأرض. ((لا تعرف شمالك ما فعلته يمينك)). رج 6: 3. الأبرار ليسوا فقط تبّاعَ يسوع، بل كل انسان. قال تلمود بابل سنهدرين 13: 2: ((هناك أناس أبرار بين الوثنيين يشاركون في العالم الآتي)).
((كل ما فعلتموه لأحد إخوتي)) (آ 40). من هم هؤلاء الصغار؟ هناك إمكانيّات: 
- كل من كان في حاجة، سواء كان مسيحيًا أو لا (غريغوريوس النيصي، الذهبي الفم).
- المسيحيون. التلاميذ (أوريجانس، باسيليوس، أوغسطينس، توما الأكويني).
- المسيحيون الذين من أصل يهودي.
- المرسلون المسيحيون، المسؤولون في الكنيسة.
- مسيحيون عاديون لا مسؤولية لهم في الكنيسة.
لا شكّ في أن الموقف الأول هو الصحيح (طوبى للرحماء، فإنهم يرحمون) وإن كانت مجازاة لمن يستقبل تلميذًا من تلاميذ المسيح (10: 40-42).
ثالثًا: مع الأشرار (آ 41-46)
عند الدينونة يعرف الانسان ما كان يجب عليه أن يعمل. فعند ذاك يكون قد فات الأوان (آ 41). لهذا سيقول الملك للذين عن يساره: ((إذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبديّة)). ق 7: 23؛ 18: 8؛ 25: 34؛ مز 6: 18 (أبعدوا عني)؛ أش 30: 33؛ 1أخنوخ 10: 13؛ 67: 13؛ رؤ 19: 20؛ 20: 10؛ يوستينوس، الحوار 76: 5 (إذهبوا إلى الظلمة البرانيّة التي أعدّها الآب للشيطان وملائكته)؛ 2أخنوخ 10: 4-6.
ونقرأ في آ 42-43 خطايا الإهمال: ما لم نعمله للجائع والعطشان والغريب... ولكن الأشرار لم يروا الملك في حياتهم كما لم يرهَ الأبرار.
((ويذهب هؤلاء إلى العذاب الابدي)) (آ 46). ق 7: 23؛ 2با 51: 6 (يذهبون بعيدًا إلى العذاب). لا يُذكر الهلاك الابدي إلاّ هنا في مت. وتُذكر الحياة الابديّة في 19: 16، 29. رج دا 12: 2-3 (حسب السبعينية): ((والذين يرقدون في تراب الأرض يقومون، بعضهم للحياة الابدية، والبعض الآخر للرذل والعار الابدي)). ولكن مت ينهي كلامه بذكر ((الحياة الابديّة)).

3 - القراءة اللاهوتيّة والروحيّة
تبدأ ((الدينونة الأخيرة)) (آ 31-46) بآيات ثلاث (آ 31-33) تجعلنا على مسرح ((الحدث)) لنسمع حُكم الملك الجالس على عرشه مع ملائكته. ما يهمّ مت ليس إطار الدينونة. فهو يصوّره بإيجاز مستعينًا ببعض المواضيع الجليانيّة اليهوديّة. فحين يتكلّم عن ابن الانسان يدلّ على الديّان الاسكاتولوجي، الديّان السماوي والمسكوني بحسب أمثال أخنوخ. ومن خلال هذا الديّان يشير بشكل خفيّ إلى يسوع المسيح في مجيئه المجيد (رج 8: 10؛ 9: 6؛ 16: 13). هذه الصورة السريّة قد ارتدت سلطة الملك (هناك العرش، والله هو الذي جعل من ابن الانسان الملك). ستمارَس هذه الوظائف في المسكونة كلها (جميع الأمم). لا في الشعب المختار فقط (مر 14: 62). في حز 34، الملك الراعي المنتظَر يجمع بشكل خاص شعبه. ولكن يسوع يجمع حميع الشعوب والأمم.
ويدخلنا متّى في عالم واقعيّ كما اعتاد أن يفعل. فيرينا الشقاء البشري من أناس جياع وعطاش، عراة ومنفيّين من بلدهم، لا حقوق لهم ولا حماية. وهكذا نكون في مناخ التطويبات وعظة الجبل. هؤلاء المعذّبون هم أولاً تلاميذ المسيح الذين أصابهم الاضطهاد فخسروا كل شيء وعرفوا الجوع والعطش والعري والسجن. هم الضعفاء في الجماعة المسيحية، الذين يحتاجون إلى عناية خاصة. وهم في النهاية كل جائع وغريب ومريض وسجين... فيسوع قد تضامن مع البشريّة ولا سيّما الصغار. لقد أخذ على عاتقه الشقاء الانساني لكي يرفعه ويفتديه. هذا الشقاء هو ثمرة الخطيئة.
عملَ الأبرار ما عملوا. ولكنهم جهلوا أن ما عملوه إنما عملوه لابن الانسان. فالمعنى الكامل لأعمالهم لن يكشف إلاّ في الساعة الأخيرة. تلك هي روحانيّة مت. تلك هي الخلقيّة المسيحيّة. ((أبوك يرى في الخفية)) (6: 1-6). وإخوة ابن الانسان هؤلاء هم أصغر الصغار. هم الذين يحسبهم البشر كلا شيء. ونلاحظ فعل ((صنع)). لسنا على مستوى النوايا، على مستوى العواطف، على مستوى الكلام... هناك العمل، هناك المحبّة اليوميّة التي يُحسب لها حساب في يوم الدينونة. ما يقابل فعل عمل ((بويايو)) في اليونانيّة هو ((ع ب د)) الآرامي الذي يعني الخدمة. يسوع جاء ليخدم. وجاء يعلّمنا الخدمة.
وكما جُوزي الابرار الجزاء الحسن، عوقب الاشرار كما في كل ف 24-25. هم أشرار لأنهم لم يمارسوا الرحمة (5: 7). وسيكون عقابهم قاسيًا. فمن لم يساعد الجائع، كان وكأنه قد قتله.كان عالم الجليان اليهودي يحكم بالهلاك على الوثنيين، على أعداء اسرائىل، على اليهود الذين خانوا العهد (في نظر الفريسيين أو الاسيانيين). أما في مت، فسيعاقب ديّان نهاية الأزمنة أولئك الذين لم يمدّوا يد العون إلى إخوتهم. من رفض أن يخدم أخاه قتله. في هذا المجال نقرأ 1يو 3: 14ي. ((من لا يحبّ يثبت في الموت. كل من يبغض أخاه فهو قاتل. وتعلمون أن كل قاتل ليست له الحياة الابدية ثابتة فيه)).
خاتمة
جاءت المقطوعات السابقة فدعت القارئ إلى الأمانة والاستعداد والمتاجرة بالوزنات. ولكن ماذا تعني هذه الأمور وماذا تتضمن؟ هذا ما لم يكن واضحًا. وجاء 25: 31-46 فجعل كل هذا واضحًا، فأوصلنا إلى الذروة في إرشاد متّى الاسكاتولوجيّ. يستعد المؤمنون للمجيء حين يعيشون وصيّة المحبّة تجاه القريب ولا سيّما المعذّب والمهمّش والصغير.
واكتشفنا في هذه المقطوعة وجهة كرستولوجيّة في انجيل متّى. فيسوع هو ابن الانسان كما في دا 7. والملائكة يحيطون به. وهو سيكون ملك العالم وديّانه. هذا ما يعدّنا لخبر الآلام. فالذين يحكمون على يسوع لا يعرفون ماذا يفعلون. ذاك الذي يهزأون منه على أنه ((ملك اليهود)) سيصير ملك الكون. فليس مصيره في أيديهم، بل مصيرهم في يده. وما يلفت النظر بعد خبر الدينونة هذا هو أن يسوع يعلن: ((ابن الانسان يُسلم للصلب)) (26: 2). أجل، إن الظلمة (27: 45) ستغلّف مجد ابن الانسان. ولهذا ندخل مع يسوع في آلامه مع ف 26. ونحن ننتظر أن يزول هذا الحجاب فنكتشف مجده.
القسم الثالث
المرحلة الثانية عشرة
سرّ الفصح يدشّن الملكوت
في المرحلة السابقة، أعلن يسوع مجيء الملكوت النهائي: في فصح الرب قد جاء الملكوت، وتأسّست الكنيسة. سيُسلم ابن الانسان، ويُسلم ليصلب، فيكون صلبه الخطوة الاخيرة التي تصل إلى القيامة والعبور إلى الآب. هذا هو معنى الفصح الذي بدأ يسوع يعيشه منذ البداية وقد أتمّه ساعة أرسل تلاميذه في مهمة التعليم والتعميد إلى جميع الأمم.

تتضمن هذه المرحلة الثانية عشرة الفصول التالية: 
1 - فصح الملكوت: الموت والقيامة، ف 26-28
2 - خيانة يهوذا والمسح بالطيب، 26: 1-16
3 - العشاء السرّي، 26: 17-35
4 - في بستان الزيتون، 26: 36-46
5 - القبض على يسوع، 26: 47-56
6 - يسوع أمام المجلس الأعلى، 26: 57-68
7 - بطرس ينكر معلمه، 26: 69-75
8 - وأخذوا يسوع إلى بيلاطس، 27: 1-2
9 - ثمن الجريمة والكتاب المقدس، 27: 3-10
10 - يسوع أمام بيلاطس، 27: 11-26
11 - هزء الجنود، 27: 27-31
12 - حول موت يسوع، 27: 32-56
13 - دفن يسوع والحرس على قبره، 27: 57-66
14 - القبر الفارغ والرب القائم من الموت، 28: 1-15
15 - تلمذوا جميع الأمم، 28: 16-20.
الفصل السادس عشر

فصح الملكوت: الموت والقيامة

1 - موقع ف 26-28
قدّمت خطبة مت الاسكاتولوجيّة نهاية التاريخ البشري، ونهاية كل حياة بشريّة على أنها وقفة بحضور يسوع الذي يعطي كلَّ واحد وجهَه الأبديّ ويحدّد معنى حياته وموته في جماعة الملكوت. إذا كان ابن الانسان الذي هو ابن الله، يؤسّس الواقع الأخير لكل انسان، فلأنه انسان من الناس، انسان محدّد هو يسوع الناصري الذي يعبّر بموته عن معنى حياته. ومجيء (باروسيا) ابن الانسان يتجذّر في التاريخ البشريّ: موت المسيح وقيامته. عند ذاك، يؤتي واقعُ هذا الموت وهذه القيامة للوجود البشري مدلولَه الأخير. فهذا الواقع يعنينا جميعًا، لأن يسوع مات لأجلنا وقام لأجلنا (26: 28-29).

أ - وحدة خطبة المجيء مع الآلام
إن قيمة الصليب لا تُدرك إلاّ لدى ذاك الذي صار الصليب له مجيءَ الربّ. وهذا الصليب هو الحضور الآنيّ للقائم من الموت في واقع الحياة اليوميّ. أجل، إن الذي بدأ يستشفّ في ذاته معنى الحياة بالصليب، يدرس المسيح كعلامة صدق وأساس إيمان. أما الذي يتهرّب فيبقى خارج الأمور ولا يدرك من حياة يسوع وآلامه وموته وقيامته سوى خبر يتدارسه المؤرِّخ وعالم الاجتماع، لا المؤمن الذي يبحث عن معنى لحياته.
في هذا المنظار تجعلنا الفصولُ الأخيرة من انجيل متّى. في هذا المعنى، هي تُواصلُ تقديمَ فقاهة من أجل الكنيسة ومن أجل المؤمن. إن متّى يدلّنا على المسيح في نور الايمان، وفي هذا النور يحدّد موقع الكنيسة.
وتبرز هذه الوحدة العميقة بين الخطبة الاسكاتولوجيّة (ف 24-25) وخبر الآلام والقيامة (ف 26-28)، حين نعرف أن تاريخ الكون وكل انسان يجد مدلوله الأخير في حدث المجيء الذي هو حدث فريد: فعمل يسوع (أي موته وقيامته) ينير عالمنا ويعطيه هويّته حين يفتحه على هجمة حضور الله المجيد. إن حدث المجيء يكوّن الملكوت في نموّه ويرسم وجهه في الزمان والمكان، هذا الوجه الذي هو الكنيسة. وهكذا تكون الخطبة الاسكاتولوجية نبوءة تتمّ في موت وقيامة يسوع الذي هو أساس وجود الكنيسة.
وهكذا ظل مت أمينًا لتقليد أخبار الحاش (= الآلام) والقيامة، التي ألِّفت باكرًا من أجل حاجات الكرازة في الكنيسة الاولى. وفي الوقت عينه، ما تردّد في أن يمزج عناصر جاءته من مراجع أخرى، قد يكون جهلها مر أو لو ولكن عرفها يو. وهكذا شدّد في مقاطع خاصّة به على وجهة المجيء في موت يسوع وقيامته. هنا نذكر المقاطع الخاصّة بمتّى: 26: 52-54 (12 فرقة من الملائكة)؛ 27: 3-10 (موت الخائن)، 19 (حلم امرأة بيلاطس)، 24-25 (بيلاطس يغسل يديه، صياح الشعب: ((دمه علينا)))، 52-54 (قيامة القديسين في موت يسوع)، 62: 68 (حراسة القبر)؛ 28: 2-4، 9 (نزول ملاك الرب، لقاء يسوع مع النسوة)، 11-15 (رشوة الحرس)، 16-20 (يسوع في الجليل، رسالة إلى الكون كله).

ب - تقابلات بين ف 24-25 وف 26-28
ونبدأ باكتشاف التقابلات بين الخطبة الاسكاتولوجيّة وخبر الحاش والقيامة.
أولاً: المقدمة
إن المقدمة إلى الخطبة الاسكاتولوجيّة (24: 1-7) ترينا يسوع تاركًا الهيكل مع تلاميذه. أعلن لهم دمار هذا الهيكل، فحرّك لديهم سؤالين سيكونان برنامجًا لخطبة يسوع على جبل الزيتون. ومقدّمة خبر الآلام (26: 2-5) تتضمّن اعلان يسوع عن الفصح لتلاميذه، وتقريرًا عن قرار اتّخذه عظماء الكهنة وشيوخ الشعب. هاتان النقطتان تقدّمان تصميم الفصول الثلاثة (ف 26-28) التي فيها سنعود إلى جبل الزيتون (26: 30)، وإلى الهيكل (26: 55؛ رج 26: 60؛ 27: 40، 51).
ثانيًا: القسم الأول
القسم الأول من خطبة المجيء (24: 4-36) يشدّد على لفظة ((حصل)) (24: 6، 20، 21 مرتين، 32، 34؛ رج 24: 44). هذا الفعل يتكرّر في خبر الحاش - القيامة (26: 2، 5، 6، 20، 42، 54، 56؛ 27: 1، 24، 45، 54، 57؛ 28: 2، 4، 11). وموضوع ((الضلال)) (بلانان) يعود هنا وهناك عند مت وحده (24: 4، 5، 11، 24 و27: 63-64). مع مر، ((خيانة)) التلاميذ (باراديدوناي) (24: 9-10) توازي ((تسليم)) يسوع (26: 2، 15، 16، 21، 23، 24، 25، 45، 46، 48؛ 27: 2، 3، 4، 18، 26). عند مت وحده، يقابل ((علامة)) (سيمايون) المجيء (24: 3، 30) علامةُ يهوذا (26: 48). والعبارة نفسها التي تعني إعلان ((انجيل الملكوت هذا)) تعود مرّتين (24: 14 و26: 13) بشكل أكثر وضوحًا ممّا عند مر 13: 10؛ 14: 9؛ 16: 15.
يأتي ابن الانسان على سحاب السماء (رج دا 7: 13) في الخطبة الاسكاتولوجية كما في محاكمة يسوع (24: 30 و26: 64؛ رج مر 13: 26 و14: 62). وموضوع قرب الملكوت، العزيز على قلب مت (3: 2؛ 4: 17؛ 10: 7؛ رج 21: 1، 34) يجد هنا تقاربات لها معناها (24: 32-33 و26: 18، 45-46)، وقد غابت من مر ولو. ونلاحظ أيضًا تلميحات إلى ملائكة تعلن المجد (24: 31، 36؛ 25: 31، 41 و26: 53؛ 28: 2، 5)، وهي خاصة بمتّى. والتقابل بين ((كلمات لا تزول)) والكأس ((التي لا يمكن أن تعبر)) (24: 35 و26: 39، 42، 53؛ رج مر 13: 32 و14: 36).
ثالثًا: القسم الكتابي
القسم الثاني من الخطبة (ف 24-25) الذي يبدو بشكل أمثال، يتوسّع في فن أدبي: يختلف كل الاختلاف عن الفن الأدبي الذي يقدّم مثول يسوع أمام السنهدرين والمحكمة الرومانية، وصلب يسوع. إلاّ أننا نلاحظ وجهة الدينونة التي يتّخذها مجيء الرب (24: 5؛ 25: 6-19؛ رج 24: 42-44 و26: 64)، هي وجهة يقدّمها مت بشكل حيّ وكأنها تيوفانيا (ظهور إلهي) مع تجليّاتها الكونيّة (27: 51-54؛ 28: 2-4 و24: 29-31). وجواب العريس للعذارى الجاهلات (لا أعرفكن، 25: 12) يجعلنا نفكّر بنكران بطرس للمسيح ثلاث مرات (لا أعرف الرجل، 26: 7، 72، 74). وشراء الزيت (25: 9-10) وشراء حقل الفخّار (27: 7) يتوازيان. وهناك موضوع الشهادة التي قد تكون صحيحة (24: 14) أو كاذبة (26: 6-56)، وموضوع الاعلان النبويّ (26: 56-68 و24: 11-24).
رابعًا: القسم الثالث
والقسم الثالث الذي هو جمع الأمم أمام ابن الانسان (25: 31-46) يدعو إلى المقابلة مع موت المسيح وقيامته. فلقب ملك (25: 34، 40) سيعود في الحكم على يسوع (27: 11، 29، 37، 42). أما ملكوت الآب فيُذكر في 25: 34 و26: 29. صُلب يسوع مع لصين، واحد عن يمينه والآخر عن يساره (27: 38؛ رج 25: 33، 34، 41). ((سُقي)) خلاً (27: 48؛ رج 25: 35، 37، 42). النسوة قرب الصليب ((خدمنه)) منذ الجليل (27: 55؛ رج 25: 44). ((فرح)) (28: 8؛ رج 25: 21-23) ((اللقاء)) (28: 9؛ رج 25: 1، 6) ينير هؤلاء النسوة في صباح الفصح، وقد أرسلهنّ يسوع إلى ((اخوته)) (28: 10؛ رج 25: 40). كما أرسل التلاميذ إلى ((جميع الأمم)) (28: 19؛ رج 25: 32؛ 24: 9، 14)، مع تأكيد بأن القائم من الموت سيبقى حاضرًا معهم حتى ((انقضاء الدهر)) (28: 20؛ رج 24: 3).
كل هذه التقابلات على مستوى الألفاظ والصور، تدلّ على وحدة الرؤية المتاويّة: ففعلُ يسوع حين مات وقام هو مجيء ابن الانسان. دعوته هي تتمّة مجيئه في جماعة البشر.

2 - بنية الخبر

أ - نظرة إجماليّة
إذا قرأنا مقدّمة مت (26: 2) التي تستعيد عبارة ((ابن الانسان)) (بها بدأت، دينونة الأمم،، 25: 31)، نفهم حالاً أنها تقدّم إجمالةَ التوسّع كله.
- قرُب عيد الفصح وابن الانسان يُسلم...
- يُسلم لكي يُصلب...
- وبعد يومين، يُصلب ابن الله ويأتي الفصح.
أولاً: مشيئة الله
هذه الجمل الثلاث تعبّر عن مشيئة الله: أخبر يسوع تلاميذه عن الطريقة التي بها يُتمّ ابن الانسان مجيئه. وتتوزّع الألفاظ المفتاح على الشكل التالي: 
- ((حصل)) (غانستاي): 26: 2، 5 (= 27: 24)، 6، 20، 42 (= 6: 10)، 54، 56 (= 24: 6؛ 28: 11)؛ 27: 1، 24، 45، 54، 57؛ 28: 2، 4، 11.
- ((أسلم)) (باراديدوناي): 26: 2، 15، 16، 21، 23، 24، 25، 45، 46، 48؛ 27: 2، 3، 4، 18، 26.
- ((صلب)) (ستاورون): 27: 22، 23، 26، 31، 35، 53 (رج 20: 19؛ 23: 34)؛ 28: 5.
- ((الصليب)) (ستاوروس): 27: 32، 40، 42 (رج 10: 38؛ 16: 24).
- ((بعد يومين)): بعد الاشارات الزمنيّة نجد رسمة الثلاثة أيام: في اليوم الاول، يوم الفطير (26: 17)، تمّت الاستعدادات لوليمة الفصح. ((ولما جاء المساء (26: 20)، العشاء. وحين ((جاء الصباح)) (27: 1)، مجلس عظماء الكهنة والشيوخ. من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، كان يسوع على الصليب (27: 45). ولما ((جاء المساء)) (27: 57)، دُفن. ((في الغد الذي بعد التهيئة)) (27: 62) وُضع الحرس على القبر. بعد السبت، عند الفجر، في اليوم الأول من الاسبوع (28: 1) ((حصل زلزال)) القيامة (28: 2؛ رج 27: 54). وظهر موضوع ((اليوم الثالث)) في 27: 63-64 فأعلن القيامة.
ثانيًا: نيّة البشر
تجاه مشيئة الله التي تُلقي ضوءًا على الحدث، نكشف نيّة البشر التي قرأناها في آ 3-5. فالألفاظ المستعملة هنا ستعود على مدّ خبر الحاش (= الآلام) كما يستطيع البشر أن يدركوه.
- اجتمع عظماء الكهنة وشيوخ الشعب في رواق عظيم الكهنة.
- تشاوروا ليمسكوا يسوع بالحيلة ويقتلوه.
- ولكن لا خلال العيد لئلاّ تحدث بلبلة في الشعب.
وهنا أيضًا نستطيع أن نلاحظ الالفاظ التي تعود في الخبر: 
- ((عظماء الكهنة، وشيوخ الشعب)): 26: 3 (14)، 47، 59؛ 27: 1، 3 (16)، 12، 20، 41 (62)؛ 28: 11. ((عظيم الكهنة)): 26: 3، 51، 57، 58، 62، 63، 65.
- ((اجتمع)) (سيناغستاي): 26: 3، 57؛ 27: 17، 27، 62؛ 28: 12.
- ((تشاور)) (تآمر) (سومبولواين)؛ 26: 4 (سومبوليون لمبانين): 27: 1، 7؛ 28: 12؛ رج 12: 14؛ 22: 15.
- ((أمسك)) (قبض) (كراتاين)؛ 26: 4، 48، 50، 55، 57؛ 28: 9.
- ((قتل)) (أمات) (أبوكتايناين): 26: 4 (تناتون)؛ 26: 59؛ 27: 1.
- ((العيد)) (هيورتي): 26: 5؛ 27: 15.
- (( بلبال)) (توريبوس): 26: 5؛ 27: 24.
- ((الشعب)) (لاوس): 26: 3، 5، 47؛ 27: 1، 25، 64.
وانطلاقًا من هذه الآيات التي بدت بشكل مقدّمة (26: 2، 5)، والتي دوّت في مت بشكل يختلف عمّا في مر ولو، وبعد الأخذ بعين الاعتبار المقاطع الخاصة بمتّى، نستطيع أن نكتشف البنية التي تتضمّن آلام (= حاش) المسيح وقيامته.

ب - جاء الفصح وابن الانسان يُسلم (26: 6-56)
إن موضوع الفصح الذي ((جاء))، يتضمّن في الواقع الاقسام الثلاثة لخبر يمتدّ على ف 26-28. في هذا التوسّع الأول، يدلّ ((الفصح)) على العيد اليهوديّ، الذي سيتخّذ معنى جديدًا في تأسيس الافخارستيا. ويظهر التعارض واضحًا بين ما فعله يسوع وموقف البشر ولا سيّما التلاميذ.
> هناك وجهتان في المقدّمة تعودان في وحدة أولى (آ 6-16) تتضمّن مسحة يسوع الملوكية المسيحانيّة (آ 7) من أجل دفنه (آ 12). نجد تضمينًا مع لفظة ((طيب)) في آ 7 وآ 12، ومشروع يهوذا بأن ((يسلمه)) (آ 15، 16).
> هناك وحدة ثانية تصوّر الجماعة الفصحيّة والخيانة التي كُشفت (آ 17-30). يجري المشهد داخل مجموعة التلاميذ (آ 17، 18-19، 20، 26). أعدَّ الفصح (آ 17 وآ 19) وتضمّنت الوليمة زمنين (إذ كانوا يأكلون، آ 21 و26): كشفٌ عن الخائن وعطيّة الجسد والدم.
> تشتُّت الجماعة ساعة كان يسوع يتّحد مع مشيئة أبيه. هذا هو موضوع الوحدة الثالثة (آ 31-56) التي تحيط بها لفظة ((كلّ)) (جميع) (آ 31، 56) فتدلّ على جماعة ((التلاميذ))، وتعود في نهاية المرحلة الأولى (آ 35) حيث يعلن الشكّ والنكران ((في تلك الليلة)) (آ 31، 34). بعد صلاة إلى الآب في الجسمانيّة ونداء إلى السهر يشكّلان مرحلة ثانية، تبدأ مرحلة ثالثة مع توقيف يسوع، يحدّدها تضمين (سيوف وعصي، 47، 55) ويختتمها هرب ((كل)) ((التلاميذ)) (آ 56).

ج - ابن الانسان يُسلم ليُصلب (26: 57-27: 44)
ويحلّ محلّ موضوع ابن الانسان الذي يُسلم (26: 46) موضوعُ الموت على الصليب: بعد أن قبضوا (آ 56-57) على يسوع، أخذوه إلى عظيم الكهنة قيافا.
> المحاكمة أمام عظيم الكهنة وإنكار بطرس ليسوع (آ 57-55): يتقابل في هذه المتتالية لوحتان. يكون فيهما البطلان ((عظيم الكهنة)) (تضمين، آ 57، 65) الذي ارتبط بلفظة ((موت)) (آ 59، 66). و((بطرس)) (تضمين في آ 69، وآ 75) الذي ارتبط بلفظة ((خارجًا)) (آ 69، و75). هما بقرب يسوع المسيح (آ 63، 68)، ابن الله (آ 68) الجليلي (آ 69)، الناصريّ (آ 71)، الانسان (آ 72، 74). ويشكّل مشهد الهزء القصير (آ 67-68) انتقالة.
> ندامة يهوذا والمثول أمام بيلاطس (27: 1-26): يتقارب موضوع ((الدم)) و((البراءة)) (آ 41 و24-25). وهنا أيضًا نجد ثلاث مراحل: تُخصَّص الأولى ليهوذا وثمن الدم البريء (آ 1-10). والثانية تجعل الوالي (آ 11 و14) أمام ملك اليهود. والثالثة تجعل يسوع ((الذي يُقال له المسيح)) (آ 17 و22) بموازاة ((برأبا)) الذي ((يطلقه)) بيلاطس من أجل الشعب (تضمين: آ 15-16 و26).
> صلب ملك اليهود، ابن الله (27: 27-44): لقبان أعطيا ليسوع خلال محاكمته مرتين: ((ملك اليهود)) (آ 29، 37؛ رج آ 11) و((ابن الله)) (آ 40، 43؛ رج 26: 63 و27: 54). ويبقى لقب ثالث: ((ملك اسرائيل)) (آ 42). هذه الألقاب الثلاثة تتوزّع على خبر الصلب (تضمين: ((هزئ))، آ 29 و41) الذي قسم إلى ثلاث مراحل (تضمين مع ((الرداء)) في آ 28، 31 ومع ((لصين صلبا معه)) في آ 38 و44).

د - جاء فصح ابن الله (27: 45-28: 20)
يشكّل موت يسوع وقيامته في نظر مت، تيوفانيا واحدة انطبعت بتلميحين اثنين إلى زلزال (27: 51؛ 28: 2). وفعل ((حصل)) يتّخذ هنا مكانة هامة لأنه يدلّ على بداية الأزمنة الثلاثة في هذه التيوفانيا (27: 45، 57؛ 28: 2).
> موت ابن الله (آ 45-56) يتوسع في ثلاث مراحل: الصرخة الكبرى أو بالأحرى ((الصوت العظيم)) (تضمين مع آ 46 و50). الزلزال أو الهزة الأرضية (تضمين مع آ 51 و54). هكذا يعترف قائد المئة ((بابن الله)) (آ 54). والنساء اللواتي تبعن يسوع من الجليل وخدمنه، كن ينظرن (آ 55).
> دفن يسوع (آ 57-66) يركّز الانتباه على جسد يسوع و((المكان)) الذي وُضع فيه (آ 57، 60)، وعلى انتظار النسوة أمام القبر (آ 61)، وأخيرًا على حرس القبر (آ 62-66) بشلّة ((تضبط)) القبر (آ 64-66). أما ((استيقاظ)) يسوع بعد ثلاثة أيام فقد أشير إليه بموضوع الضلال (آ 63-64).
> قيامة يسوع (28: 1-15) تبدأ ((في اليوم الأول من الأسبوع)) (آ 1) وتنتهي ((حتى اليوم)) (آ 15). وتتوزّعها ثلاث مرات ((وإذا)) (آ 2، 9، 11) فتبدأ خبر الزلزال والحرس، ساعة يوصي ملاك الرب النسوة بأن لا يخفن (آ 1-8). بعد ذلك يلتقي بهنّ يسوع ويرسلهنّ إلى إخوته (آ 9-10). ولكن عظماء الكهنة رشوا الحرس لكي يتحدّثوا عن القيامة وكأنها كذبة كبيرة (آ 11-15).
وتأتي الخاتمة: مهمة الرسل إلى الكون كله (28: 16-20): ذهب التلاميذ الأحد عشر إلى الجليل، ليُرسلوا إلى جميع الأمم. وينتهي الانجيل في وعد مع ((وإذا)): ((ها أنا معكم (رج 1: 23: عمانوئيل)... حتى انقضاء الدهر)) (رج 24: 3).

3 - تحليل خبر الآلام (= الحاش) والقيامة

أ - نظرة عامة
نطرح هنا سؤالين. الأول، متى مات المسيح؟ والثاني، من هو المسؤول عن موت المسيح؟
حين يكون الموضوع آلام يسوع، يُطرح مرارًا السؤال الثاني: في أي تاريخ مات المسيح؟ وإذ حاول النقّاد أن يفصّلوا على مستوى التاريخ المعالم الكرونولوجيّة في الأناجيل، اتّفقوا بشكل عام ليحدّدوا موت يسوع يوم الجمعة 7 نيسان سنة 30 وليلة الفصح أي في 14 نيزان حسب الروزنامة اليهوديّة. حلّ الفصح في تلك السنة يوم السبت. وإذ فعلوا هذا فضّلوا يو الذي رأى يسوع يموت ساعة كانت تُذبح الحملان في الهيكل (بو 19: 31)، أي في 14 نيزان، الساعة الثالثة بعد الظهر. 
أما الازائيون فأخذوا بكرونولوجيا أخرى: رأوا يسوع يحتفل بالفصح مع تلاميذه في ليلة آلامه. هذا الاحتفال يتمّ بشكل رسميّ في أولى ساعات 15 نيزان أي في مساء 14، لأن اليوم يبدأ، في نظر اليهودي، عند غروب الشمس. إذن، حسب النقّاد، قدّم الازائيون موت يسوع على أنه حصل غداة هذا العشاء الفصحي أي 15 نيزان بعد الظهر، يوم الفصح بالذات، يوم السبت. ولكن هذا يتعارض والمعطيات اليوحناويّة، بل لا يبدو معقولاً من جهة العادات اليهوديّة، ولا يتوافق إلاّ بصعوبة كبيرة مع مجمل الاشارات الازائيّة نفسها.
حاول بعضهم أن يتجاوز هذه الصعوبات فافترض أن يسوع استبق العشاء الفصحي فاحتفل به مساء الخميس أي في أولى ساعات 14 نيزان، أو مساء الثلاثاء (بداية 12 نيزان الرسمي)، بعد أن تبع روزنامة ليتورجيّة تختلف عن الروزنامة الرسمية. في أي حال، قد مات في 14 نيزان بعد الظهر قبل أن يبدأ عيد الفصح الرسمي. هذه الفرضيّة معقولة على المستوى التاريخيّ، ولكنها لا تشرح لماذا ترك الازائيون هذين الكلندارين، كما أنها تترك جانبًا مسألة النيّة الرمزية واللاهوتيّة في استعمال الأناجيل للمعالم الكرونولوجيّة. هذا ما نعود إليه حين نتحدّث عن تأسيس الافخارستيا وعن دفن يسوع.
مهما يكن من أمر، فليس أكيدًا بأن عشاء الوداع الذي أخذه بسوع مع تلاميذه قد وافق على المستوى المادي الفصحَ اليهوديّ الرسميّ. المهم هو أن الأناجيل أدركت الرباط بالفصح، وخصوصًا بموت يسوع وقيامته اللذين يُتمّان ((مرّة واحدة)) (عب 9: 28) الفصح اليهوديّ، ويستطيعان بالتالي أن يكونا موضوع احتفال يومًا بعد يوم ((لذكره)) (لو 22: 19) في الافخارستيا. بالاضافة إلى ذلك، من الصعب، بل من المستحيل أن نقبل بأن كل الأحداث التي روتها الأناجيل جرت في فسحة قصيرة من الوقت، في يومين. إن الرسمة الموجزة للأخبار قد تكون ارتبطت باحتفال فصحيّ يدوم ثلاثة أيام، في الجماعات المسيحيّة الأولى. وهكذا تكون الليتورجيا لعبت دورًا كبيرًا في تدوين الأناجيل فأمّنت لها الاطار الاخباري.
ثانيًا: محاكمة يسوع
والمسألة الثانية التي تُطرح هي مسألة محاكمة يسوع لدى اليهود ولدى الرومان. فالسنهدرين هو المحكمة العليا المؤلّفة من 70 عضوًا، وحيث يكفي 23 عضوًا لكي يصدر الحكم. هل يستطيع أن ينعقد في الليل؟ هل كان يحق له أن يحكم بالاعدام؟ ما هو الدور الذي اتخذه بيلاطس؟ هل كان فقط منفّذ قرار السنهدرين؟ يستحيل علينا أن نجيب هنا عن هذه الاسئلة وعن عدد كبير غيرها قد تُطرح في الخط عينه. درس النقّاد مختلف وجهات المسألة. غير أنه من الأكيد أن العلاقة بين محاكمة اليهود ليسوع ومحاكمة الرومان لها بُعد لاهوتيّ يجد أساسه في التاريخ.
لقد فهم الانجيليون أن مسؤولية موت يسوع لا يمكن أن تقع على أكتاف شعب خاص ولا على أفراد محدّدين ((ما كانوا يعلمون ما يعملون)) (لو 23: 34). بما أن يسوع كان التتمّة الأخيرة للبشريّة كلها، فقد كان من المنطقيّ أن يقتله كلّ الذين رفضوا هذه التتمّة، أي جميع البشر دون تمييز، فلا يستطيع أحد أن يلقي تبعة الخطيئة على غيره قبل أن يدين نفسه.
فبحسب النظرة البيبليّة، يُقسم العالم على المستوى الدينيّ بين يهود ووثنيين (أو: أمم). لهذا، حين أرادت الكنيسة الأولى، التي ورثت هذا الماضي العريق، أن تدلّ على هذه الشموليّة، لجأت إلى هذه ((المقولة)). فالجميع، يهودًا أو يونانيين (ونحن معهم) قد شاركوا في موت المسيح لأننا نقتله ولأننا ننال منه الخلاص. لقد فهم المسيحيّون الأوّلون أنه يستحيل عليهم بقواهم الخاصة، أن يدركوا انسانًا إلهًا. ما استطاعوا أن يعرفوا ((لاهوت)) القائم من الموت إلاّ حين تقبّلوا الغفران الذي قدّمه حبًا بهم من خلال موته.

ب - جاء الفصح وأسلم ابن الانسان (25: 6-56)
وها نحن نبدأ مسيرتنا في خبر الآلام فنكتشف مجيء ابن الانسان الذي هو حضور الربّ الابديّ في حريّات بشريّة.
أولاً: المسح بالطيب في بيت عنيا واتفاقية يهوذا (26: 6-16)
يجري المشهد في بيت عنيا، بيت العناء (والفقر) (رج 21: 17) عند شخص اسمه سمعان الأبرص الذي لا نعود نراه في الأناجيل (قد نكون أمام تذكّر لمعجزة الأبرص في 8: 1-4 وز وهي أولى معجزات يسوع في الأناجيل الازائيّة). وها نحن ندخل في الآلام بواسطة امرأة، بعد أن فسّر يسوع فعلتها استباقًا لدفنه (آ 12). فالنساء هنّ اللواتي يرافقن يسوع أيضًا في ساعة دفنه (27: 55-56، 61) ويتقبلنّ مهمّة اعلان قيامته للتلاميذ (28: 5-10).
هذه المرأة (حسب مت آ 7 ومر 14: 3) صبّت طيبًا على رأس يسوع. قد تكون فعلتها استقبالاً له (مز 113: 2). وقد تدلّ في هذا الموضع على المسحة الكهنوتيّة (خر 30: 22-33) وعلى الطيب الذي يُحرق أمام يهوه (خر 30: 34-38)، وعلى المسحة الملكيّة (رج 1صم 9: 16-17؛ 10: 1؛ مز 45: 8). فالجماعة الرسولية قد تحدّثت باكرًا عن يسوع ((ممسوح الرب)) (أع 4: 26 = مز 2: 2). فالمسحة النبويّة التي نالها في العماد حين حلّ عليه الروح (3: 16-17 = أش 42: 1؛ رج مت 12: 18-21 = أش 42: 1-4)، قد تمّت في موته (وآلامه على الصليب) الذي يمنحه المسحة الكهنوتيّة والملوكية. وهكذا ظهر يسوع حقًا كالمسيح المنتظر. ومع ذلك، ففي زمن متّى، لم يكن الجميع قد أدركوا البُعد الحقيقيّ لحياة ربّهم. فخبر المسح بالطيب في بيت عنيا يجعلنا نستشفّ هذه الصياغة اللاهوتيّة البطيئة.
بدأ مت فقابل بين المرأة وبين التلاميذ (مر 14: 4 يتحدّث عن((بعض))؛ ويو 12: 4 عن يهوذا) الذين ((استاؤوا)) (20: 24؛ 21: 15). نحن هنا بلا شك أمام تلميح إلى الجدالات التي قسمت الجماعات المتاويّة حول متشيّعين لأعمال المحبّة ومدافعين (ولاسيّما النساء) عن أولويّة الصلاة والعبادة. عرف العالم اليهوديّ هو أيضًا هذه الجدالات حيث يبرز عنصر من العناصر الثلاثة التي تكوّن العالم: الشريعة، العبادة، أعمال الرحمة. وتقديم مت للدينونة الأخيرة (25: 31-46) حيث يتماهى يسوع مع أصغر إخوته الصغار، يُفهمنا ردّّة الفعل لدى التلاميذ.
طلب موسى من الرب لاسرائىل أن لا يكون فقراء في الأرض (تث 15: 4). ولكنه رأى بثاقب عقله أن الفقراء لن يزولوا من الأرض، وأنه يجب أن نمدّ لهم يد العون (تث 15: 11): هو انشداد لا نستطيع أن نتجنَّبه، في قلب شعب الله، بين متطلبة العهد والواقع اليوميّ. لا يلغي يسوع هذه الفريضة. بل يبيّن المعنى الذي تأخذه بالنظر إلى شخصه . وافق على ما فعلته امرأة، لأنها انتبهت إليه هو الفقير الذاهب إلى الموت مع إخوته الفقراء والمعذّبين في كل مكان وزمان. غير أن التلاميذ اهتمّوا بالأحرى بقيمة المال أكثر من اهتمامهم بواقع الفقراء الشخصيّ. حكموا على المرأة، مع أنها بفعلتها عرفت أن تكتشف الطريق الحقيقيّ الذي يجعلنا ننتبه إلى الفقراء. بعد اليوم، صار الطريق المباشر إلى المعذبين يمرّ بيسوع. فحين ندركه هو نعود إلى أصغر الصغار، إلى إخوته (25: 40-45) الذين يتماهى معهم. فعمل المحبّة يدلّ على طريقة تقبّل الآخر، والوصيّة الثانية تشبه الأولى (22: 39). ونحن حين نطلب ملكوت الآب يُعطى لنا الباقي كله زيادة (7: 37).
دُعيت الجماعة المتاويّة (وجماعتنا أيضًا) للعودة إلى الانجيل (آ 13). فحيث أُعلن الانجيل، ستساعد المرأة التلاميذ في كل الأزمان على اكتشاف المعنى الحقيقيّ للمحبّة من خلال يسوع الحاضر في إخوته المتألمين. لا نستطيع أن نضع من جهة يسوع (الذي نكرمه بمالنا في شعائر العبادة)، ومن جهة أخرى الفقراء (الذين نساعدهم بصدقاتنا). فنحن لا نكتشف الفقراء حقًا إلاّ من خلال ذاك الذي صار فقيرًا من أجلنا لكي نغتني بفقره.
ولكن واحدًا من الاثني عشر لم يفهم. فالخائن يهتمّ بالمال أكثر من اهتمامه بشخص يسوع. ربط مت خبر خيانة يهوذا بالمسح بالطيب في بيت عنيا مع الاداة ((توتي)) (حينئذ، آ 14). أما يو 12: 4 فجعل يهوذا يتدخّل في مشهد هذه المسحة. الخيانة أمر شنيع جدًا. وهكذا نفهم صعوبة المسيحيّبن الأوّلين أن يقبلوا بأن يكون يسوع اختار رسولاً سيكون خائنًا. وبأن يلعب هذا الخائن دورًا في مخطّط الله. لهذا عادوا إلى الكتب المقدسة (كما يفعلون في كل صعوبة) حين توقّفوا عند وضع يهوذا. وكان تلميح إلى خاتمة الراعيين في زك 11: 12 حيث نرى ((التجّار)) (الذين يمثّلون رؤساء اسرائيل) يعطون النبي (الذي يمثّل الله) بدون وعي منهم أجرة قليلة: ثلاثين من الفضة، هي ثمن عبد (رج خر 21: 23). وحين استعاد مت فعل ((أسلم)) (باراديدوناي، آ 15-16) الذي جعله في فم يسوع في آ 2، شدّد على أن الخيانة تتسجّل في قصد الله: إن ابن الانسان يُسلم إلى الموت لأجل خلاص البشر. 
ثانيًا: الجماعة الفصحيّة والخيانة المخفيّة (26: 17-30)
لقد بدأ حاش يسوع في وسط جماعة التلاميذ. فهو ((يسلم)) (باراديدوناي، آ 21، 23-24، 25) هنا أولاً. وهنا ((يعطي)) (ديدوناي، آ ،26 27) جسده ودمه.
((في اليوم الأول من الفطير)) (أي الخبز بدون خمير. حسب طقوس الفصح يزول الخمير من البيوت على مدى سبعة أيام). كان 15 نيزان. وهو أول الأيام السبعة التي فيها سيعيّد الفصح. كان يبدأ بالعشاء الفصحيّ. بدا مت، شأنه شأن مر ولو، كأنه يخلطه مع ((يوم التهيئة)) الذي فيه يُذبح حملُ الفصح (رج مر 14: 2؛ لو 22: 7؛ يو 18: 28؛ 19: 14)، بعد الظهر، على ساحة الهيكل. لا يتكلّم مت عن هذا الذبح (نحر الحملان). فهو يريدنا أن نفهم (مثل يو 19: 36) أن الحمل الحقيقيّ المذبوح هو يسوع (1كور 5: 7: يسوع فصحنا قد ذُبح). وهذا ما يظهر في ساعة الدفن (27: 62). لقد استبق يسوع بيوم واحد العشاء الفصحيّ. وهذا ما نحسّ به حين نقرأ مت. ولكن التفحّص المتنبّه يجعلنا نكتشف أن الهدف اللاهوتي يسيطر على المعطيات الكرونولوجيّة الصرف.
والاشارة الأولى نجدها في جواب يسوع لتلاميذه الذين سألوه عن الموضع الذي فيه ((سيأكل الفصح)). أجاب: ((إذهبوا إلى المدينة، إلى فلان...)) (آ 18). يدلّ عدم التحديد في العبارة المتاويّة على أن الكلام يتوجّه إلى القارئ. ((فلان)) هو أنا، أنت. هو كل انسان يكتشف نفسه معنيًا بموت ((المعلّم)). وإذ كان يهوذا يبحث عن ((الفرصة المناسبة)) (اوكايريان، آ 16) لكي يسلمه، أكد يسوع أن ((زمانه)) (كايروس) قريب (انغيس): نحن هنا في صدى مثَل التينة الذي تذكره الخطبة الاسكاتولوجيّة (24: 33)، واستباق لتوقيف يسوع في بستان الزيتون (آ 45-46). ونلاحظ أيضًا عبارة يسوع: ((عندك أصنع الفصح مع تلاميذي)). إن كلمة يسوع تحقّق ما تقول: فصحُه، أي عودته إلى الآب مع جماعته، يعطي المدلول العميق لفعل ((أكل)) الذي يُذكر مرّتين (آ 21، 26).
والاشارة الثانية نجدها في عبارة ((ولما كان المساء)) التي تبدأ خبر أول تكثير للأرغفة (14: 15)، والتي تعود ساعة دُفن يسوع (25: 57). فالفصح اليهوديّ يبدأ ((حين يأتي المساء)) أي عند غياب الشمس الذي يدلّ على نهاية 14 نيزان وبداية 15 نيزان. واليوم الأول من الفطير يتّخذ معنيين. وهكذا ننتقل دون أن ندري من يوم التهيئة إلى اليوم الأول من الأسبوع الفصحيّ. وفوق فعلة يسوع ((الذي أعطى جسده)) ((لنأخذه ونأكله)) في أولى ساعات عيد الفصح اليهودي، نجد عمل يوسف (الرامي) الذي جاء ((يأخذ)) جسد يسوع (27: 59) عندما ((جاء المساء)). صورتان لاهوتيّتان طُبعتا الواحدة فوق الأخرى. الصورة الأولى في آلام يسوع والصورة الأخيرة. هذا ما يلفت انتباهنا. وكل شيء يحصل وكأن يسوع يؤسّس الافخارستيا ويُدفن ساعة يُحتفل بالفصح الرسميّ.
والاشارة الثالثة تتكوّن من ردّة فعل التلاميذ. حين أعلن يسوع الخيانة بعبارة ((واحد منكم)) (آ 21)، ((حزنوا جدًا)) بهذا الحزن الذي يجتاح ذاك الذي يحسّ بنفسه معنيًا بالأمر (مثل التلاميذ بعد التجلّي في 17: 23، ورفاق العبد الذي لا يرحم في 18: 31). كل واحد من التلاميذ أصيب بهذا الإنباء، لأن كل واحد اكتشف نفسه معرَّضًا لأن يخون. وهذا ما يدلّ عليه السؤال: ((هل أنا يا رب)) (آ 22)؟ يتكرّر السؤال فقط عند متّى كصدى في فم يهوذا: ((هل أنا رابي)) (آ 25)؟ فيسوع ظل ليهوذا معلّمًا مثل سائر المعلّمين ولم يصبح له ((الربّ)). هي ساعة الدينونة، ونحن نعلم أن ابن الانسان الذي يُسلم (آ ،24 رج آ21) يستطيع وحده أن يدين ذاك الذي يسلمه. أجاب يسوع يهوذا، كما أجاب عظيم الكهنة (آ 64) والوالي (27: 11): ((أنت قلت)). فالانسان يدين نفسه في علاقته بالمسيح، أكان تلميذًا أم لا، أكان يهوديًا أم وثنيًا: ((لأنك بحسب كلامك تتبرّأ، وبحسب كلامك يحكم عليك)) (12: 37). إن ((رثاء)) يهوذا (آ 24) ليس نبوءة تشير إلى هلاكه الابدي. بل هو نداء يتوجّه إلى كل واحد منا ليدخل إلى أعماق ضميره: تسليم ابن الانسان أمر مشين. مصير الذي لم يولد أفضل من مصيره. إذن، العمل هو الذي يُدان كما دينت الشكوك (18: 6-7). في الواقع، نرى هنا الشك (والعثار) في كل خطورته.
سيقول يسوع أقوالاً لم يسمع بها أحد داخل هذه الجماعة من ((الخونة)) التي تعترف به رغم كل شيء ربًا. استعاد ما فعله في تكثيري الأرغفة: ((بارك (اولوغيساس)، كسر، أعطى...)) (آ 26؛ رج 14: 19). ((شكر (اوخرستيساس) وأعطى (آ 27؛ رج 15: 36). هذه الفعلات هي جزء من العشاء الفصحي اليهودي. مباركة الخبز وكأس الشكر. وهكذا، إذ أتمّ يسوع الاحتفال التقليدي، ((صنع)) الفصح الحقيقيّ. أسلم الرب جسده ودمه إلى جماعته. أعطاهم ليأكلوا الجسد الذي يسلمونه، ليشربوا الدم الذي يسفكونه. فهذه الجماعة الممزّقة تستعيد وحدتَها حين تقيم في هذا الجسد وحين تتقبّل عهد الدم. بما أن كل خطيئة تقتل (تميت) ابن الانسان، فابن الانسان وحده يستطيع أن يغفر عبر موته (آ 28) بعد أن يسلم ذاته إلى أيدي الخطأة (آ 45).
الافخارستيا هي في الوقت عينه غفران نناله معًا. ووليمة نشارك فيها الله. تذكّر يسوع عهد البرية الذي جعل من اسرائيل شعب الله (رج خر 24: 8)، فأكمله وأخذ يعلنه ((في ذلك اليوم)) (آ 29؛ رج 24: 36) الذي فيه يشرب ((نتاج الكرمة)) جديدًا في ((ملكوت أبيه)). وهكذا دلّ على جماعة الأبناء الاسكاتولوجيّة، التي تدشّنت في الجماعة الكنسيّة حيث يحيا الرب موته وقيامته (عمل فريد من الخلاص الشامل) لأجل كثيرين (آ 28) مع كل واحد (معكم، آ 29) من تلاميذه. لقد بدأ مجيء ابن الانسان مع إنشاد مز 36 الذي يعلن حبّ الله الأبديّ لشعبه. ونجد هنا من جديد جبل الزيتون حيث تفوّه يسوع بخطبته الاسكاتولوجيّة (آ 30؛ رج 24: 3).
ثالثًا: جماعة مشتّتة ويسوع يتّحد بمشيئة الآب (26: 31-56)
إن جماعة التلاميذ التي هي باكورة جماعة ملكوت الآب، لا تستطيع أن تحيا إلاّ بحضور يسوع فيها. غير أن هذا الحضور يقودها إلى حيث لا تستطيع أن تذهب بعد، إلى بستان الجسمانية ما دام يسوع لم يذهب إليه. هذا الموضع هو موضع مشيئة الآب. لقد لاحظنا كم شدّد مت على الجماعة التي يكوّنها رباط يوحّد التلاميذ بيسوع (مع تلاميذي، آ 18، مع الاثني عشر،آ 20، معكم، آ 29، معهم، آ 36) ويوحّدهم به (معي، آ 23، معك، آ 35، معي، آ 38، 40، مع يسوع، آ 51). غير أن على هذه الجماعة أن تختبر الشكّ والعثار (آ 31-33). أن تختبر الإنكار (آ 34-35) والخيانة (آ 46، 48) والتشتّت (آ 31، 56) لكي تدرك أن يسوع وحده يجمعها. كل التلاميذ سيمرّون من هنا (آ31، 33و 35، 56) ولن يفلت أحد حتّى بطرس (آ 34).
ولاحظ مت أن كل ما ((يحصل)) (آ 54، 56) يرتبط بمشيئة الله التي ستتمّ (آ 42) حسب ما قاله يسوع في صلاة الأبانا (6: 10). أبرز مت (آ 54، 56؛ رج مر 14: 19) موضوع تتمة الكتب (فزاد ((الأنبياء))، آ 56) الذي بدأه في آ 31 بإيراد زك 13: 7 حول الراعي الذي ضُرب فتشتّتت الخراف.
جماعة مشتّتة واتحاد بمشيئة الآب. هذان هما القطبان في هذه الوحدة الادبيّة التي انطبعت بتضمينين: ((كل)) (آ 31، 35) ((التلاميذ)) (آ 35، 56). وأعلن اللقاء في الجليل (آ 32؛ رج 28: 7-10). ولكن الآن يسيطر ليل (آ 31-34) الشك والانكار قبل أن يصيح الديك ليدعو إلى التوبة ويعلن خبر القيامة.
يحب أن ((يبتعد)) (ابارخستاي، آ 36، 42، 44) يسوع عن تلاميذه، أن يعبر في الصلاة هوّة الحزن والقلق التي تفصل إرادته المرتبطة منذ الآن بالجماعة بواسطة كأس العهد (آ 27، 39) عن إرادة الآب التي ((تتمّ)). فقد ((اقتربت الساعة وابن الانسان يُسلم إلى أيدي الخطأة)) (آ 45؛ رج آ 28)، ومشيئة الآب تكمن في أن لا يفلت يسوع من كائنه الصحيح: فهناك تجربة لدى كل انسان تقوم بأن يتهرّب، بأن لا يكون أمينًا لدعوته الخاصّة. هذه المشيئة لا تغرِّبنا عن ذواتنا، بل تفرض علينا أن نذهب إلى حدود ذواتنا. غير أن السهر الذي أوصى به يسوع للاستعداد لمجيء ابن الانسان (24: 42-44)، ليس في متناول التلاميذ. نحن نتقبّله كعطيّة ننالها بصلاة يسوع الذي يوقظنا من رقادنا. فالتلميذ لا يستطيع أن يقول: ((لتكن مشيئتك)) إلاّ إذا ترك يسوع يحمل صلاته. هكذا نكون أبناء حين نكتشف نفوسنا أحرارًا تحرّرنا بقدرة الآخر الذي هو الربّ.
التلاميذ ليسوا وحدهم. ففي مسيرة يسوع على الأرض، رأينا الجموع العديدة تتبعه. وهنا أيضًا يتدخّل الجمع (آ 47، 55)، ولكنه مسلّح بالسيوف والعصي. القتل أسهل من قبول الموت الذي يجعلنا أبناء حين ننفتح على مشيئة الآب. وكان جواب يسوع لقبلة يهوذا ملغزًا: ((لماذا أنت هنا))؟ ((ألهذا أنت هنا))؟ ((إصنع ما لأجله أتيت هنا)). لا شكّ في أننا في الوقت عينه أمام قول يدلّ على الحزن وقبول الواقع الذي يعبّر عن مشيئة الآب. ونفكر بما في مز 55: 13-14، 21-22. نفكّر بصلاة الانسان الذي اضطهدوه وخانوه. وامتشق واحد من أتباع يسوع سيفًا على عبد رئيس الكهنة. أجاب يسوع (هذا لا نجده إلاّ في مت): ((ردّ سيفك إلى موضعه لأن جميع الذين يأخذون بالسيف يهلكون بالسيف)) (آ 52). هذا مثل يذكّرنا أن العنف يجتذب العنف. وأضاف مت فذكر ((اثنتي عشرة كتيبة من الملائكة)) يستطيع يسوع أن يدعوها لمساعدته (آ 53). هذا ينير خيار يسوع، ويبعدنا عن المسيحانيّات الكاذبة: رفض سيف الغيورين كما رفض الجيوش السماويّة الاسكاتولوجيّة التي تمنّتها جماعة قمران، كما رفض أن يظهر على جناح الهيكل لتحمله الملائكة. (4: 6-7). ملكوت الآب ملكوت واقعي. وإذا أردنا أن ندخله، نمرّ عبر واقع الموت. والجماعة الاسكاتولوجيّة التي تمثلها 12 فرقة من الملائكة ستأتي فيما بعد. في مشهد التجارب، لم تقترب الملائكة لتخدم يسوع إلاّ بعد أن انتصر على الثلاّب. فتتمة الكتب ليست كلمة فارغة. ما دامت الساعة لم تأت، ما كان باستطاعتهم أن يوقفوا يسوع ((ساعة كان يعلّم في الهيكل)) (21: 23). إذن، سمح لهم يسوع بحريّته أن يمسكوه. وقبل أن يهرب تلاميذه جميعًا. ففي عزلة جذريّة اتّحدت حريّته بمشيئة الآب. وهذه الوحدة التي تعبّر عنها القيامة، تستطيع وحدها أن تجمع في الجليل جماعة الصغار التي لا يريد الاب أن يهلك واحد منها (18: 14).
ج - يُسلم ابن الانسان ليُصلب (26: 57-27: 46)
أولاً: استجواب لدى عظيم الكهنة وإنكار بطرس ليسوع (26: 57-75)
هذه المتتالية التي تتضمّن مشهدين يعمل فيهما عظيم الكهنة قيافا وبطرس، ويفصل بينهما حدث قصير نجد فيه الهزء بيسوع (آ 67-68)، تحصل في إطار واحد هو قصر عظيم الكهنة (آ 58-59؛ رج 26: 3). تفرّد مت عن مر ولو وأعطانا اسمه: قيافا (يو 18: 13-14). كان حنان رئيس كهنة منذ 6 ق م حتى سنة 15 ب م. عزله فاروس غراتوس وأحلّ محلّه اليعازر سنة 16-17، ثم يوسف الملقب قيافا، وهو من جماعة الصادوقيين. ظلّ رئيس كهنة حتى سنة 36. غير أن حنان ظل يمارس سلطة كبيرة في المجلس. قيافا هو المحقّق. وبطرس هو كيفا أي الصخر.
وأعلن وجودُ بطرس منذ البداية (آ 58). جلس مع الخدم وأراد أن ((يرى العاقبة)) (كتب مت وحده). وهكذا نشهد المحاكمة في بيت عظيم الكهنة من خلال نظر التلميذ الجاحد.
منذ البداية، قال لنا مت إن عظماء الكهنة والمجلس طلبوا ((شهادة زور)) (بسيدومرتيريا، آ 59؛ رج 15: 19) على يسوع. أما هذا بغريب على مجلس يُطلب منه أن يبحث عن الحقيقة؟ غير أن مت أعلمنا أن الشاهد الوحيد الصادق هو الذي يتماهى مع ربّه ويواجه معه الاضطهاد والموت (10: 18؛ 24: 14).
تكرّرت لفظة ((موت)) (تناتون،آ 59، تناتوس، آ 66) فدلّت على أن الأمر قد ُقضي. فالشهادة الوحيدة التي احتفظوا بها هي إعلان يسوع حول ((هيكل الله)) الذي يستطيع أن يدمّره ويعيد بناءه في ثلاثة أيام (آ 61). وزاد مر 14: 58 شرحًا: ((هذا الهيكل الذي صنعته أيدي البشر... والهيكل الآخر الذي لم تصنعه أيدي البشر)) (رج يو 2: 19). وجاء الاتهام بشكل تحدٍّ مليء بالسخرية، وسيردّده العابرون على الجلجلة (27: 40؛ رج مر 15: 29). والتلميح إلى القيامة لا يمكن أن يُفهم كما فهمته الكنيسة الاولى التي توسّعت في موضوع جسد يسوع، هيكل الله الجديد ومركز العبادة الروحيّة. ثم إن فكرة المعبد المثالي ليست غريبة على عقليّة زمن يسوع كما نرى في نظام الجماعة في قمران (8: 5-11). لقد أتمّ يسوع ما استشفّه الكتاب المقدس والعالم اليهوديّ. فمن يكون إذن؟
وأخيرًا، طرح عظيم الكهنة على يسوع سؤالاً واحدًا حول هويّته: استحلاف احتفاليّ جعل فيه الله شاهدًا ليُجبر المتّهم على الكلام. وعرض لقبين: ((المسيح)) و((ابن الله)). حين يُقالان معًا فهما لا يدلاّن على لاهوت يسوع. لأن لفظة ((ابن الله)) تعبّر بالأحرى عن طابع المسيح الملكي (مز 2: 7). ما أراده عظيم الكهنة هو أن يأخذ من يسوع اعلانًا واضحًا عن مسيحانيّته وعن صحّة رسالته. غير أن يسوع أجاب جواب تهرّب؟ ربما. ولكن يسوع في الوقت نفسه يعيد عظيم الكهنة إلى وعيه، ويرفع الجدال من وضع زمنيّ إلى وضع سماويّ. هو يكشف هويّته الحقيقيّة التي ستظهر قريبًا: منذ الآن ترون ابن الانسان جالسًا عن يمين القدرة وآتيًا على سحاب السماء (آ 64).
حين وضع يسوع معًا مز 110: 1 (يعود إلى المسيح الملك الذي سيجلس على عرش ملك الله في اسرائىل، رج 1أخ 28: 5؛ 29: 23؛ 2أخ 9: 8) ودا 7: 13 (الذي صوّر عن طريق الاستعارة مجيء المسيح كرؤية سماويّة)، أكّد لاهوته بحيث هتف عظيم الكهنة: إنه يجدّف. لقد أدرك أن يسوع أكّد على وجود واقع في شخصه الخاص كان استعارة في سفر دانيال. وعبارة ((جلس عن يمين)) التي كانت تدلّ في الأصل (في المزمور) على موقع القصر الملكي عن يمين (أي: في جنوب) الهيكل (بيت الله)، تُرجمت في فم يسوع واقعًا سماويًا: إنه مساو لله. ونفهم استياء رئيس الكهنة الذي لم يستطع أن يدرك بُعد الوحي الذي وصل إليه: إن مسيح دانيال المجيد قد اتّخذ سمات عبد الله المتألم كما في أش. وحين أرسل السنهدرين يسوع إلى الموت حقّق من دون أن يدري حقيقة هذه الكلمة. مزّق قيافا ثيابه علامة الحزن مستبقًا تمزيق حجاب الهيكل (27: 51) ليظهر مجد القائم من الموت.
ومع ذلك نفضّل ألاّ نرى نبيًا في هذا المسيح الذي يتلاعب بنصوص الكتاب المقدس. وبرز مشهدُ الهزء (آ 67-68). ((لُطم وهو خاضع وما فتح فمه)) (أش 53: 7). هذا هو عبد الله المتألّم.
وبطرس الذي عرف في يسوع المسيح ابنَ الله الحيّ في قيصريّة فيلبس (16: 16)، لم يعد يعرف هذا الرجل الذي صار بالنسبة إلى الجواري ((يسوع الجليليّ)) (آ 69) أو ((الناصريّ)) (آ 71). ثلاث مرات أنكر الرجلَ، ونسي خطبة الرسالة: ((من ينكرني أمام الناس أنكره أنا أيضًا أمام أبي الذي في السماء)) (10: 33). ولكن انكاره ليس بنهائيّ. خرج منه حين ((ذهب إلى الخارج)) (آ 75. هذا ما شدّد عليه مت وحده)، وبكى بكاء مرًا (رج لو 22: 62).
ثانيًا: ندم يهوذا والمثول أمام بيلاطس (27: 1-26)
تُقدّم لنا هذه المتتاليةُ أيضًا لوحتين يحتلّ فيهما يهوذا (من جهة) وبرأبا (من جهة ثانية) مكانًا مميَّزًا. وتجتمع هاتان اللوحتان بما قاله يسوع للوالي (27: 18-14). وما يؤمّن وحدة هذه المتتالية كلها هو شخص بيلاطس ((الوالي)) (آ 2، مرتين، 14-15، 21، 27). ولكن حول بيلاطس، وحول يسوع، يدور عظماء الكهنة وشيوخ الشعب (آ 1، 6، 12، 20) والجموع (آ 20، 24) والشعب (آ 25) ويهوذا (آ 3) وبرأبا (آ 16، 17، 20، 21، 26) وامرأة بيلاطس (آ 19). فكأني بالمشهد توسّع فصار قاعة محكمة لا يجسر فيها أحد أن يأخذ موقفًا: ((أنت وما ترى)) (آ 4، هذا ما قاله اليهود ليهوذا). أي ((تدبّر أمرك)). ونقرأ في آ 24 كلام بيلاطس للرؤساء: ((أنتم وما ترون)) (دبّروا حالكم). هي قضيّة لم يتعوّد عليها الناس. حُكم بالموت على انسان (آ 26) قال فيه يهوذا إنه ((أسلم دمًا بريئًا))، وأكّد عنه بيلاطس أنه ((بريء من دمه)) (آ 24؛ رج دا 13: 62).
أورد مت وحده بين الأناجيل موت يهوذا (رج أع 1: 15-20). ارتكز من أجل ذلك على تقليد شعبيّ ربط بين نهاية الخائن و((حقل الدم)) (حقل دما) الذي يقع في وادي جهنّم ويعرفه سكان أورشليم. والانتحار شنقًا يذكّرنا بموت أحيتوفل، الذي كان رفيق داود الحميم ثم خانه (2صم 17: 23). ثم كان تفسير مدراشي دمج قول زكريا النبي حول راعيي اسرائىل (زك 11: 11-13؛ رج مت 26: 14-15) مع قول إرميا (18: 2-3؛ 19: 1-2؛ 32: 6-15) الذي ترك ماله للفخاريّ أو للذي يصبّ المعادن. هذا ما أتاح لمتّى أن يبيّن مرّة أخرى أن قصد الله يمرّ عبر أعمال البشر حتى أحقرها. وفي النهاية، شدّد النصّ على ((ثمن الدم)) (آ 6) الذي قيل عنه أنه ((زكي)) (آ 4): كيف يقيّم البشر ثمن الثمين في بني اسرائيل (آ 9)؟ يبدو أنهم لم يعيروا اهتمامًا إلى الدرَّة الثمينة، إلى ملكوت السماوات (رج 13: 45-46). فأثمن بني اسرائيل قد بيع كعبد أو حيوان من أجل الذبيحة. في الواقع، كان يهوذا واعيًا حين عرف براءة يسوع. وبدا انتحاره رسمة سريعة عن فعل إيمان لم يتفتّح في الرجاء. ومكانة القبر الفارغ بعد القيامة (رج 28: 16، الأحد عشر) تعبّر عن حريّة الانسان الذي يقبل الخلاص المقدّم إليه أو يرفضه. نحن هنا أمام ندم جاء متأخّرًا.
واقتيد يسوع إلى الوالي الروماني الذي سأله. ما همّ هذا الوثني ولقبي ((مسيح)) و((ابن الله)) (رج 26: 63)؟ فالقضايا الدينيّة لا تستوقفه. ولكن حدّثوه عن ((ملك اليهود)). هذا موضوع سياسيّ يرتبط بصلاحيّاته، لأن الملك في العالم اليهوديّ صار خاضعًا للامبراطوريّة الرومانيّة. فلقب ((ملك اليهود)) سبق وأعطي ليسوع بفم وثنيين، بفم مجوس جاؤوا من المشرق (2: 2)، فحوّل هيرودس كلامهم وسأل: أين يولد المسيح (3: 4)؟ وهنا يسوع أجاب أيضًا بلغة تهرّب (آ 11؛ رج 26: 25، 64)، وأعاد بيلاطس إلى وجدانه. غير أن عظماء الكهنة والشيوخ اتّهموا يسوع، فاستعاد الوالي تقريبًا ما قاله قيافا: ((أما تسمع كل ما يشهدون به عليك)) (آ 13؛ رج 26: 62)؟ أما يسوع فظلّ صامتًا (آ 12، 14؛ 26: 62، 63). ما عاد له شيء يقوله، بعد أن دلّ على نفسه أنه ((المسيح)) و((ابن الله)) و((ملك اليهود)).
تجاه التفاوض التجاري بين يهوذا وعظيم الكهنة، نجد التفاوض بين بيلاطس والجمع الذي حرّكه عظماء الكهنة والشيوخ. تذكّر الوالي العيد الذي سيحتفلون به، هذا العيد الذي لا يجب أن يكون فيه بلبلة (26: 5). العيد قريب (آ 15). والبلبلة تتنامى (آ 24). ولكن بيلاطس لا يهتمّ بمعنى العيد بل بعفو يطلبه عن برأبا (كان اسمه يشوع برأبا، آ 16-17).
وأورد مت وحده مشهدين: تدخُّل امرأة بيلاطس التي تكلّمت عن يسوع ((البار)) (آ 19)، وفعلة الوالي الذي غسل يديه أمام الجمع (هي عادة يهودية، تث 2: 1-9؛ مز 26: 6؛ 73: 13) قائلاً: ((أنا بريء من دم هذا الصدّيق)) (آ 24. نجد هذا الكلام في عدد من المخطوطات). لم تدخل هذه العناصر عن طريق العرض والصدفة: ساعة أقرّ العالم الوثني الذي يمثّله بيلاطس وامرأته أن هذا الرجل هو صدّيق وبريء، طلبوا ((كلهم)) (آ 22) أن يُصلب، و((كل الشعب)) (آ 25؛ رج 26: 5) اعتبر نفسه مسؤولاً ساعة تهرّب الوالي من مسؤوليّته. وكانت صرخة الشعب: ((دمه علينا وعلى أولادنا)). وسار في هذا الخطّ انجيل بطرس (المنحول) الذي يعود إلى منتصف القرن الثاني.
هنا يجب أن ندرك هدف متّى. إن الشعب اليهوديّ كله أخذ على عاتقه مسؤوليّةً تهرّب منها بيلاطس. حكم على يسوع لأنه لم يرَ في دمه دم ((العهد المراق عن كثيرين لغفران الخطايا)) (26: 28).فأمانة الشعب لدم العهد الذي عُقد بموسى في سيناء (خر 24: 8) منعته من المشاركة في دم العهد الذي تمّ في موت يسوع. فدم الأنبياء (23: 30) يقوم عبر التاريخ بتمييز يتجاوز المسؤوليات القانونيّة والاخلاقيّة في محاكمة يسوع: إن العمل الذي به قبل يسوع موته ((فدية عن كثيرين)) (20: 28) هو مجيء ابن الانسان على سحاب السماء (26: 64) ليدين كل ضمير في قلب الحرّيات البشريّة.
وفي النهاية، ((أسلم)) بيلاطس يسوع ليُصلب: للمرة الاخيرة يستعمل مت هذا الفعل الذي سبق له فميّز عمل شيوخ الكهنة وعظماء الشعب (آ 18)، وعمل يهوذا (آ 3، 4): كل واحد يسلم يسوع للصلب بقدر المسؤولية التي يحمّله إياها إيمانُه بالمسيح.
ثالثًا: صلب ملك اليهود ، ابن الله (27: 27-44)
أمام صليب المسيح دُعيت جميع الأمم، أمام هذا الصليب (آ 32، 40، 42) الذي هو في قلب العالم والتاريخ البشريّ. و((ملك اليهود)) (آ 29، 37) يكلّل بالشوك كما على المسرح ((بيد)) الفرقة كلها (آ 27) قبل أن يُصلب (آ 35). و((ابن الله)) هو موضوع سخرية كبيرة من قبل المارّة (آ 39). وعظماء الكهنة والكتبة والشيوخ (آ 14) يهزأون من هذا اللقب الجديد لقب ((ملك اسرائيل)) (آ 42).
إن مشهد الهزء من ملك اليهود (آ 27-31) هو صدى الهزء الذي تحمّله المسيح النبي (26: 67، 68) خلال الليل. وهو يمتدّ حتى الجلجلة، كما يقول فعل ((امبايزاين)) (هزئ) الذي استعاده مت هنا ثلاث مرّات (آ 29، 31، 41). قد يقابل هذا الحدثُ ذاك الذي جعله لو 23: 6-16 أمام بيلاطس. إن مت شدّد على طابع الهزء المشين: الملك الوديع والمتواضع (21: 5) قد ارتدى قميصًا قرمزيًا (آ 28، 31)، قميص جندي روماني، ووُضع على رأسه إكليل الشوك وفي يده قصبة وكأنها صولجان، وسُلّم إلى جنود رعاع انهالوا عليه ضربًا وهزءًا: أجل، لقد تحقّقت نبوءة عبد الله المتألّم كما نقرأها في أش 52: 13-53: 12.
ويُذكر سمعان القيريني في بداية مشهد الصلب (آ 32-37). رأى مت في هذا المشهد تتمّة الكتب: تلميح إلى مز 69: 23 (جعلوا في طعامي علقمًا وفي عطشي سقوني خلاً) ومز 22: 18 (اقترعوا على ثيابي). اللباس يدلّ على هويّة الشخص، على قدرته الشخصيّة. وإذ عرِّي يسوع مرتين من ثيابه (آ 28، 31)، لم يعد سوى انسان يصنعون منه ما يشاؤون. لقد صار الآن عريانًا بحيث لم يعرفه أحد لولا الكتابة فوق رأسه: ((يسوع ملك اليهود)) (هي خبرة المستشفى حيث يذهب الانسان إلى العمليّة بعد أن يأخذوا منه كل ما يدلّ عليه. فيبقى له المرض تدلّ عليه كتابة في السرير الذي يُحمل عليه إلى غرفه العمليات).
ولم يُصلب يسوع وحده. بل جعلوه بين اللصوص (آ 38، 44). كان قد ذكر مت سببَ الحكم على يسوع حسب المحكمة الوثنيّة. وها هو يستعيد بإيجاز مسيرة المحاكمة اليهوديّة حيث اتّهم يسوع ((بالتجديف)) آ 39). يريدون منه أن ينزل عن الصليب، على مثال المجرّب الذي أراده أن ينزل عن جناح الهيكل على أجنحة الملائكة (4: 5-6). ولكنه لا يستطيع أن يخلّص البشر إلاّ إذا ظلّ على الصليب.
فكّر عظماء الكهنة أيضًا بـ((ملك اسرائيل)) (آ 42) يفرض نفسه بقوّة. هو الذي انتظره اليهود. أما في نظر مت، فهناك مدلول أعمق لا يفهمه إلاّ الذي اكتشف في يسوع ملكوت السماوات: ((ملك اسرائىل)) هو ((ابن الله)) (رج 2: 15). وأخيرًا، جعل مت في فم عظماء الكهنة مقطعًا من مز 22 (آ 8)، سبق له وذكره مرتين (آ 35 = مز 22: 18؛ آ 39 = كز 22: 9)، فدلّ على هدفه بأن البار المتألّم في المزمور وجد تمامه الحقيقيّ في يسوع الذي اتّكل على الله فبرّره الله الذي يخلص البائس من مضايقه (22: 23-32). هذه النجاة لا يمكن أن تكون إلاّ تيوفانيا، ظـهور المسيح ابن الله. هذا ما يبقى لنا أن نشرحه.

د - لقد جاء فصح ابن الله (27: 45 - 28: 20)
صوّر مت موت يسوع وكأنه تيوفانيا، كأنها ظهور إلهيّ دلّ عليه الزلزال ساعة أسلم يسوع الروح (آ 51، 54)، وساعة قام (آ 2، رج آ 4). وذكّرنا في الوقت عينه ((ارتجاج)) أورشليم حين دخل إليها يسوع دخوله المسيحانيّ (21: 10). ونحد هنا أيضًا فعل ((حصل)) (غينستاي) الذي له مدلوله (آ 45، 54، 57؛ 28: 4، 4): فالفصح الحقيقيّ الذي أعلنه يسوع (26: 2) قد ((حصل)) حقًا، وموتُ يسوع كشف عن معناه حين كشف مجد الله الذي يقيم البشر إلى الحياة. ففي نظر مت، فعل المسيح المائت والقائم (من الموت) هو حدث المجيء والعودة.
أولاً: موت ابن الله (27: 45-56)
نجد في هذه المتتالية ثلاث وحدات أدبيّة. الأولى، صرختا يسوع (صوت عظيم، فوني ميغالي، آ 46، 50) في بداية مز 22، والساعة التي فيها أسلم الروح ذاك الذي نُفّذ فيه حكم الموت (آ 45-50). الثانية، الزلزال الذي ذُكر مرّتين(آ 51، 54) والاعتراف بابن الله في فم قائد المئة والحرس (آ 51، 54). والثالثة، نظرة النسوة ((اللواتي رافقن يسوع من الجليل وخدمنه)) (آ 55-56).
هناك عناصر مختلفة تذكّرنا بالرؤية الأولى في المعموديّة التي يُحيط بها إعلان المعمدان والتجربة في البريّة. لسنا هنا على مستوى الصدف. فيسوع طلب قبل عماده من يوحنا ((أن يترك الآن)). فتركه السابق (3: 15). وهنا قال الناس: ((نتركه. ونرى هل يأتي إيليا)) (آ 49). ويسوع ((ترك الروح)) (آ 50، أسلم الروح). في الظهور العماديّ، انفتحت السماوات (3: 16) فتركت الروح ينزل على يسوع. والآن تنفتح القبور (آ 52) لتترك ((أجسام القديسين الراقدة)) تخرج. وتحدّد موقع التجربة الثانية في ((المدينة المقدّسة)) (4: 5). فالعبارة عينها (وهي خاصة بمتّى) تعود في آ 53 (ولا توجد في مكان آخر). جاء يسوع من ((الجليل)) ليعتمد بيد يوحنا (3: 13). وعاد إلى الجليل (4: 12) بعد أن انتصر على التجارب وجاءت الملائكة ((تخدمه)) (4: 11). ونتذكّر هنا أن النسوة تبعن يسوع من ((الجليل)) وكنَّ ((يخدمنه)) (آ 55). والعودة إلى الجليل أتاحت لمتّى أن يورد قول أشعيا النبيّ (8: 23-9: 1) حول ((جليل الأمم))، ليعلن النور العظيم ((للشعب الجالس في الظلمة... وفي ظلال الموت)) (4: 16). وهنا ((حصلت ظلمة على الأرض كلها)) (آ 45)، ((والذين كانوا راقدين في الموت استيقظوا)) (آ 52).
وأخيرًا، ساعة أعلن الصوت من السماء: ((هذا هو ابني الحبيب)) (3: 17؛ رج يو 1: 34)، اعترف قائد المئة الآن: ((في الحقيقة كان هذا ابن الله)) (آ 54؛ رج 14: 33؛ رج مر 15: 39). نستنتج من كل هذا أن مت قرّب بين مشهدين ليدلّ على أن تيوفانية الموت تُتمّ رؤية المعموديّة فتدل على بُعد ((اقتراب ملكوت السماوات)) (3: 2؛ 4: 17). فالمسيح الذي أجلسه الآب على العرش الملكي في المعموديّة، يُتم رسالته بموته ويكشف عن طابعها الالهي.
أما الجواب على الصوتين اللذين سُمعا في بداية الانجيل، فهما صوت المرسل الذي أعلنه أش في مت 3: 3، والصوت الذي عرف الابن الوحيد في شخص الجليليّ الذي حلّ عليه الروح (3: 16-17). وتقابلهما الآن ((الصرخةُ العظيمة)) التي أطلقها يسوع مرتين، فاستسلم إلى الله في صرخة الثقة الواعية والممزّقة، مستعيدًا مز 22: 2 (آ 46، فوني ميغالي) ((وأسلم الروح)) (آ 50). فابن الله الوحيد الذي صار انسانًا، لا يستطيع أن يعترف ببنوّته إلاّ إذا جعل نفسه بين يدَي الآب، إلاّ إذا سلّم كل كيانه في موت حقيقيّ. ((ترك الروح)) الذي اقتاده إلى بريّة البشر ليجرَّب (4: 1). وهي الآن التجربة الأخيرة التي يواجهها: ((إن كنت ابن الله فخلِّص نفسك)) (آ 40؛ رج 4: 3، 6). هو لن يخلِّص نفسه. ولكن بما أنه ابن الله، فهو يسلّم ((خلاصه)) بين يدي الآب.
لا شكّ في أن يسوع صلّى ((إلهي)) (إيلي أو إيليا)، وهي لفظة نستطيع أن نقرأها بشكلين مختلفين: يرى فيها المؤمن تتمّة وضع البار المتألّم الذي يتكلّم في مز 22. أما الذي لا يؤمن فيسخر من هذا النداء المتأخّر الذي يطلق إلى إيليا النبيّ (كانوا يظنّون أنه يأتي ليدلّ على المسيح، ملا 3: 23؛ رج مت 11: 7-14؛ 17: 1-13). أما الانسان الشفوق فقدّم اسفنجة مملوءة خلاً، يستعملها الجنود الرومان ليخفّفوا آلام المتألمين (مثل التخدير). اكتشف الانجيليون في هذا العمل (آ 48؛ رج مر 15: 36؛ لو 23: 36؛ يو 19: 29) تتمة مز 69: 22.
قد تكون الاشارة إلى ((الساعة)) مرتبطة بعادة ليتورجيّة. نقرأ في آ 45: ((من الساعة السادسة... حتى التاسعة)). وحتى اليوم يصلّون في الأديار صلوات الساعة السادسة (أي الظهر)والساعة التاسعة (أي الثالثة بعد الظهر). ولكنّنا لا نستطيع أن نستنتج من ذلك شيئًا.
وبدأت التيوفانيا مع ((وإذا)) (كاي إيدو، آ 51؛ رج 3: 16-17). لقد تمّت في إطار ((زلزلة)) (سائسموس، آ 51، 54)، ساعة ترك يسوع الروح. نحن هنا بلا شك أمام تذكير برؤية حز 37 حيث العظام اليابسة تستعيد الحياة خلال زلزال (خر 37: 7) ساعة تنبّأ النبي للروح (حز 37: 13). فُتحت القبور وأخرج منها يهوه الشعبَ الذي اقتاده إلى أرض اسرائيل (حز 37: 12). بهذه العلامة استطاعوا أن يعرفوا الرب (حز 37: 6، 13).فحين أعطى يسوع روحه في مت، حرّك قيامة كل بشر: أجساد القديسين الراقدين استيقظوا ليدخلوا لا في أرض بركة عابرة مثل أرض اسرائيل، بل في ((المدينة المقدسة))، في أورشليم القائمة حيث تتحقّق المواعيد الاسكاتولوجيّة. في ساعة موت يسوع، تحدّث مت وحده عن قيامته، عن استيقاظه (آ 53). وزاد: اجتذب أجساد القدّيسين. وهذا الواقع ((ظهر)) لعديدين. هذا يعني أن الايمان بالقيامة (قيامة المسيح وقيامة كل جسد) يتجسّد في الكنيسة التي نالت الروح.
هذا ما ((حصل)) (آ 54) مدشّنًا الأزمنة الاسكاتولوجيّة (رج 24: 6، 34): هو مجيء ابن الانسان. بعد هذا نفهم أن ((يتمزّق حجاب الهيكل)) (آ 51)،لأنه صار بلا جدوى. لماذا إخفاء الحضور الالهيّ ساعة تجلّى هذا الحضور وعُرف في موت ابن الله. وصرخة ((قائد المئة والذين يحرسون الجسد معه)) (آ 54) تدلّ على أن الوثنيين هم أيضًا يستطيعون الآن أن يبلغوا إلى ((معرفة الله)) كما تحدّث عنها حز 37: 6، 13، 14.
ونجد هنا النسوة: ((أم ابني زبدى)) (آ 56) التي تدخّلت من أجل ابنيها قبل الدخول إلى أورشليم (20: 20-21). وظهرت نساء أخرى للمرّة الأولى. ولكن مت قال، شأنه شأن لو 23: 49 (رج مر 15: 41)، إنهن تبعنه من الجليل وكنّ يخدمنه. وسوف يتوضّح شيئًا شيئًا معنى ((ينظرن من بعيد)) (آ 55)
ثانيًا: دفن يسوع (27: 57-66)
إن كان مت قد أدرك موت يسوع وقيامته في وحدة عميقة، إلاّ أنه لا ينسى أن الموت كان واقعيًا. وهذا الواقع يعبّر عنه بشكل ملموس في الدفن.
نحن في مساء السبت، أي يوم التهيئة (مر 15: 42). في الواقع، تطلّع الانجيليون إلى تهيئة من نوع آخر. لهذا ذكر مت في المناسبة العشاء الافخارستي في إشارة خفيّة: ((ولما كان المساء)) (آ 57؛ رج 26: 20). دُفن يسوع ساعة كان اليهود يتّكئون إلى المائدة ليأكلوا حمل الفصح. هذا الحمل الذي أكله يسوع ((البارحة)) وجعله في واقع موته فصحًا مسيحيًا. وطلب يوسف الرامي (شدّد مت أنه كان تلميذًا، آ 57، رج يو 19: 38) من بيلاطس جسد يسوع فأعطاه إياه. فجاء ((وأخذ الجسد)) (آ 59) متجاوبًا مع نداء وجّهه يسوع في العشاء الأخير: ((خذوا كلوا، هذا هو جسدي)) (26: 26). وندرك الآن لماذا كدّس مت المعطيات الكرونولوجيّة: فالفصح الحقيقيّ هو موت يسوع وقيامته. هذا هو التذكار، هذا هو ((القبر)) والصرح (منيمايون، آ 60 مرتين: رج آ 52-53) الجديد الذي هو علامة القيامة.
إذن، دفنُ يسوع هو علامة موته. لهذا تكلّم مت عن ((القبر)) (تافوس، آ 61) حين ذكر النسوة اللواتي جلسن جلسة التلاميذ الذين يتقبّلون الكلمة ويتركونها تلج إلى أعماق قلوبهم ليفهموها. لقد صارت المشاهدة (والنظـر) انتظارًا داخليًا: هي صدى فعلة المرأة التي مسحت يسوع في بيت عنيا بالطيب (26: 6-13)، فأشار مت إلى المعنى: من أجل دفني. هذه بداية الدفنة (26: 12).
وأقحم مت هنا حدثًا خاصًا به،حدث الحرس على القبر. هذا ما يتيح له أن يُدخل خبر القيامة: فقد أعلنت (وهذا فنّ مت) بلسان عظماء الكهنة والفريسيين الذين اجتمعوا عند بيلاطس (آ 63-64). فالقيامة لا يمكن أن تكون ((ضلالة)) (رج 24: 4، 11، 24) لمن لا يدرك واقعها في العمق، مثل النسوة. أن يجتمع رؤساء الشعب عند الحاكم يوم السبت أمرٌ غير معقول، ولا سيّما في عيد الفصح. لهذا، تحاشى مت الكلام عن السبت فقال: ((في الغد الذي هو بعد التهيئة)) (آ 62). وهكذا جعلنا نشعر أن ذاك اليوم يشبه سائر الأيام. ففي الكنيسة صار الفصح هو القيامة.
إن خبر حراسة القبر الذي يعود بلا شكّ إلى أخبار شعبيّة (كما هو الأمر بالنسبة إلى كذبة الحرس، 28: 11-15)، يتوخّى بدون شكّ أن يردَّ على اعتراضات جاءت من اليهود: يعتبرون أن القيامة غير معقولة بدون قيامة الجسد. ولكن يبقى أن نعرف أي ((جسد)) (1كور 15: 35، 44). فجسد القائم من الموت ليس جسدًا نستطيع أن نسرقه. وهل يستطيع التلاميذ أن يسرقوه بعد أن سيطر عليهم الرعب فتفرّقوا؟ ما يقوله لنا مت هو أن وجود الكنيسة يفرض على كل واحد منا أن يجيب جوابًا شخصيًا على القول: يسوع قد قام. فمن أجاب بالايجاب أكّد على معنى لعالم يحكم على حياته. ومن أجاب سلبًا (ما قام يسوع) التزم بأن يجد معنى آخر للعالم، فيؤكّد بشكل ضمنيّ أن الكنيسة تضلّنا وتضلّ نفسها. ولكننا نعرف أن المسيح قام، وهذا ما يبدّل حياتنا ونظرتنا إلى العالم.
ثالثًا: قيامة يسوع (28: 1- 15)
يستحيل علينا أن نرسم تاريخ تكوين أناجيل القيامة في هذه العجالة. لهذا نحاول أن نكتشف هدف مت. ونتذكّر النقاط المشتركة مع انجيل بطرس. نحن أمام تيوفانيا لا نستطيع أن نفصلها عن خبر موت يسوع. فالأمور تسير وكأن الزلزلة التي حصلت بعد أن أسلم يسوع الروح (27: 51، 54)، قد تكرّرت بعد يوم السبت (28: 2). ويشير النصّ من جديد إلى حز 37. نحن هنا أمام حادث واحد وحيد. جعلنا مت في قلب الليل ((عند فجر اليوم الأول من الأسبوع)) (28: 1)، ساعة صياح الديك الأول. هي ليلة الفصح التي يتحدّث عنها خر 11: 4؛ 12: 12، 29، والتي يذكرها حك 18: 14، 15. أما الزمن اللاهوتيّ لهذا الحدث فهو ما عملته ((مريم المجدليّة ومريم الاخرى)) (اثنتان من أجل الشهادة) اللتان جاءتا ((تنظران)) القبر: هاتان الاشارتان تعيداننا إلى موت يسوع(27: 55) ودفنه (27: 61). قد نجد هنا تلميحًا ليتورجيًا إلى احتفال افخارستيّ تمارسه الجماعة الاولى على قبر الرب، فتتذكّر العشاء الأخير (27: 57-60).
صوّر مت نزول ((ملاك الرب)) (هي طريقة خفرة للدلالة على حضور الله نفسه، رج تك 16: 17؛ 22: 11؛ خر 3: 2). أظهر الربّ انتصاره على الموت، والحجر يرمز إلى طابع ما لا عودة عنه. ودُحرج الحجر وجلس الملاك عليه. موقفه ولباسه السماوي يذكّراننا بقديم الأيام في رؤية دانيال (دا 7: 9-10).أما البرق فيذكّرنا بالخطبة الاسكاتولوجيّة (24: 27) وهي تعود إلى دا 10 والرؤية الكبرى، وظهور الانسان اللابس الكتّان (دا 10: 5-6)، ثم الملاك الذي يدعو النبيّ الراكع مرتين أن لا يخاف (دا 10: 7-8، 12، 18-19) قبل أن يعلن له زمن الغضب وزمن القيامة (دا 11-12). حين استيقظ القديسون ساعة موت يسوع (27: 52-53)، تملّك الحرسَ الرعب (آ 4)، فصاروا كالأموات. فالذين أغلقوا القبر وختموا الحجر ليمنعوا الموت من أن يردّ ضحيّته، صاروا الآن موتى من الخوف. أما النسوة فكان خوفهنّ خوف الفرح. فالتيوفانيا، شأنها شأن الزلزلة التي تشير إليها، تميّز بين الحرس والنسوة: فالخوف هو هنا وهناك، كما وُجد عند قائد المئة المعترف بالمسيح (27: 54). ولكنه يسحق الحرس (28: 4) ويملأ قلب النسوة بالفرح (28: 8) لأن قلبهنّ كان عامرًا بالرجاء. إذن، هي رؤية دينونة يصوّرها مت، وهذه الدينونة تجعل الكنيسة تسير مسيرتها: لم يعد للنسوة أن يطلبن ((هنا)) يسوع المصلوب (آ 5-6). فقد ((قام من بين الأموات)) (آ 6-7؛ رج 27: 64). إنه حيّ، وهو يسبق تلاميذه إلى الجليل(آ 7).
أدركت النسوة القيامة وفهمن تعليم الملاك لأنهن ((نظرن)). فعبر خبر الحاش والآلام، طرحت النسوة في كل مرة الاسئلة الحقيقيّة، من خلال موقفهنّ وتدخلاتهن: تلك التي بدّدت الطيب في بيت عنيا (26: 7-13). الخادمات في قصر قيافا (26: 69، 71). زوجة بيلاطس (27: 19). النسوة اللواتي أتين من الجليل إلى الجلجلة (27: 55-56) أو إلى القبر (27: 61). وحدهنّ استشففن سرّ شخص يسوع. وهذا الادراك العميق للسرّ هيأهنّ لتقبّل البلاغ الفصحيّ الذي أعطي لهنّ في كلمات قاطعة: ذاك الذي صُلب لأجل البشر قد أقامه الله من بين الأموات. وهكذا نجد المنظار الذي رُسم في بداية خبر الآلام والقيامة (26: 2-4).
ولكن هذا الوحي سيطلقهن في الرسالة: يجب أن ينقلن كلمة الحياة التي تنفي الخوف وتملأهنّ فرحًا منذ الآن. سارت العذارى العشر للقاء العريس (25: 1). وها هو يسوع يأتي بنفسه للقائهن. بل هو حاضر فيهنّ. وهو يرسلهنّ إلى ((إخوته)) الذين نكتشف فيهم وجه الآب كما تقول الخطبة الاسكاتولوجيّة (25: 40).
حملت النسوة البشارة (ابانغايلاين، آ 10)وكذلك فعل الحرس (آ 11) الذين ذهبوا إلى عظماء الكهنة. أخبروهم بالحدث ولكنهم جهلوا معناه. فتشاور عظماء الكهنة مع الشيوخ، كما سبق لهم واجتمعوا في الآلام (26: 3). وكان الحديث هنا وهناك عن المال. فكما دُفع الثمن في موت يسوع (ليهوذا)، كذلك دُفع الثمن في قيامته (للحرس). وأخذ الحرس ينشرون ((بين اليهود)) درسًا تعلّموه (آ 15) سيذكره يوستينوس سنة 150 ب م. وهكذا يبقى الموت والقيامة حتى اليوم السؤال الأساسي في التاريخ. وأمامه تظهر حرّيات البشر.
رابعًا: رسالة التلاميذ في المسكونة (28: 16-20)
شدّد لو (يو بعض الشيء) على واقع ظهورات القائم (من الموت) لتلاميذه، فصوّر اتصالات مألوفة معه. أما مت فركّز الانتباه على هجمة الرب الممجّد (كما في ليتورجية عيد القيامة) في حياة النسوة اليوميّة وفي حياة التلاميذ. هاتان الطريقتان المتكاملتان تقدّمان لنا نمطين يجعلاننا ندرك قيامة الربّ. الأول سيرويّ. يُبرز الوجهة الملموسة. يتركّز على أورشليم. ذات بُعد دفاعي. والثاني جلياني. يُبرز واقع المجد. يتركّز على الجليل. اتجاهه اتجاه لاهوتيّ واضح. هاتان اللغتان تقابلان مرحلتين للصياغة الكرستولوجيّة في الكنيسة الاولى. ويجب أن نأخذهما معًا لكي ندرك سرّ القيامة في ملئه.
اهتمّ مت برباط الارسال بحدث القيامة، لأن مسيرة التلاميذ إلى الجليل تنفّذ أمرًا أعطاه الملاك (آ 7) ثم يسوع (ا 10) للنسوة. والنسوة نقلن البلاغ. وهكذا تجد خطبة الرسالة (ف 10) تتمّتها هنا: وأخيرًا انطلق التلاميذ كما أمرهم يسوع.
لم يعد هنا إلاّ ((أحد عشر)) تلميذًا بعد أن غاب يهوذا (27: 3-6). لا يتكلّم الانجيليّ عن ((رسل)) بل عن ((إخوة)) (آ10) وتلاميذ (آ7، 16) يسوع. والموضع الذي دعوا إليه هو ((الجبل))، موضع الوحي الأسمى، الذي يذكّرنا بالعظة الأولى (5: 1؛ 8: 1) وصلاة يسوع (14: 23) وتكثير الأرغفة (15: 29) والتجلّي (17: 1، 9)، وكل هذه محطات هامة على طريق تكوين التلاميذ وتهيئتهم للرسالة.
قال الانجيليّ بسرعة إن التلاميذ ((رأوا)) يسوع. ولكنه شدّد على عملهم الليتورجيّ: ((سجدوا له)) كما فعلوا من قبل في السفينة (14: 33) وكأنهم استبقوا خبرة الآلام. هذا الموقف يعبّر عن الايمان. غير أن سجودهم ما زال يخامره الشكّ (والارتياب) الذي هو رفيق لا ينفصل عن الايمان. اقترب يسوع منهم كما فعل في التجلّي (17: 7) ودعاهم لكي يعمّقوا علاقتهم به. فاللقاء مع القائم من الموت لا ينفي حرية الايمان.
إن لقاء يسوع وتعليمه عند مت يستعيدان بنية أخبار الدعوة في العهد القديم (خر 3: 6-12؛ إر 1: 5-8). حين منح تلاميذه السلطة البنويّة التي تسلّمها من الروح في عماده، منحهم سلطته (28: 18) التي أعطيت له في السماء والأرض. فجماعة الذين يؤمنون بيسوع لا يجدون في ذواتهم امكانية الايمان. فهم ينالونها من قدرة الله التي تصل إليهم بواسطة القائم من الموت : ((اذهبوا إذن)) (28: 19). ونالوا بدورهم سلطان تجميع تلاميذ جدد بالتعليم والتعميد.
يبدو هذا التعليم عملاً داخليًا يحرّك تصرّفًا خاصًا: ((احفظوا كل ما أوصيتكم به)) (28: 20). هو الانجيل كله الذي يصبح تعليم حياة للتلاميذ. يصبح سرًا نعيشه في سرّ العماد، ويمتدّ في مسيرة الحياة اليوميّة. فالحياة الاخلاقيّة في الجماعة المسيحيّة هي الانجيل كما يتجسّد في حياتنا وأقوالنا وأعمالنا.
وتعليم الرب الذي ارتدى سلطة واسعة وتضمّن كل ما أصى به، يتوجّه إلى ((جميع الأمم)) (28: 19) لأنهم جميعًا مدعوّون إلى الخلاص الذي يحمله الملكوت (20: 16؛ 22: 12). وجماعة التلاميذ كلها مسؤولة عن هذا النداء، متّحدة مع الآب الذي لا يريد أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار)) (18: 14). وهكذا يصبح التلاميذ مسؤولين عن الأمم لأن انجيل يسوع هو لجميع الأمم.
ولكن كيف يتجرّأ التلميذ أن يجعل نفسه في هذه الرسالة الشاملة؟ لأنه يعرف أن يسوع ليس شخصًا فردًا محصورًا في حدود الزمان والمكان. يسوع هو ربّ السماء والأرض. وقد بدأ تحقيق سلطانه في جماعة تلاميذه. فهو الذي قال: ((أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر)) (28: 20). في العهد القديم وعد الله أنبياءه بأن يكون معهم. أما الآن فهذا الحضور يمتدّ إلى كل أزمنة التاريخ حتى النهاية، لأن المسيح لم يعد خاضعًا للزمان والمكان، بل صار الزمانُ والمكان خاضعين له.

4- البعد اللاهوتي

أ - الموت والقيامة في مت
أولاً: يسوع ابن الانسان الحقيقي
إذا أردنا الآن أن نكتشف الخطوط الكبرى لطريق مت في تقديم حاش المسيح وآلامه، نذكر في الدرجة الأولى القطب المركزي الذي يُشرف على التوسيع كله: المسيح يسوع الذي رأيناه حيًا، يدلّ بموته أنه حقًا ابن الله. هو ابن الانسان الحقيقيّ الذي جاء في السحاب، وهو يشرف على التمييز الحاسم لضمائر البشر. منذ البداية إلى النهاية، هو يطيع مشيئة الآب في اتحاد تام. منذ الانباء الأول (26: 2) حتى الاستسلام بين يدي الله (27: 46) مرورًا بصلاة النزاع في الجسمانيّة (26: 39، 42) وفعلة الحرية التي بها أسلم نفسه(26: 52-54) أو جوابه الواثق لعظيم الكهنة (26: 64). وهو بالحركة عينها يستسلم إلى البشر بضمير يعرف إلى أين هو ذاهب: الافخارستيا، التوقيف، الهزء. وهذا الاستسلام الذي يصبح ينبوع حياة وبلاغ فرح للإخوة. فصحُ يسوع هو عبور إلى الآب وعبور إلى البشر. 
ثانيًا: لاهوت التاريخ
هكذا يتوسّع مت في لاهوت التاريخ. يرى في موت يسوع وقيامته مجيء ابن الانسان الذي يحوّل تاريخ البشر إلى ملكوت الله. فعلى ضوء عمل المسيح الأخير في بُعده الخاص (يسوع هو انسان بين الناس) كما في بعده الكوني (إن ابن الانسان يكمل مصير كل انسان)، تتّخذ كل حياته معناها النهائي. وتظهر منذ الآن كسلسة أحداث، بل كتتمة إرادة واثقة تتجاوز الانسان وتغمره معًا. فكل محاولات الانسان يقرأها مت منطلقًا من المدلول الأخير الذي يمنحه لها دخول الابن الحبيب في مجد الآب. فحين يكتب منذ حديثه عن السابق (3: 2؛ 4: 17) أن ملكوت السماوات قد اقترب، فهو يعني بكلامه أن القائم من الموت قد اقترب من البشر، لأن الرؤية العماديّة كشفت بنوّته الالهيّة.
وفي خبر الآلام، كل شيء يتحدّد موقعُه انطلاقًا من النهاية. فعمل المرأة التي مسحت يسوع بالطيب في بيت عنيا، هو عملها في دفنه (26: 12)، وصار بلاغ فرح للذين يعرفون بعملها (26: 12). ففي هذه المرأة يقرأ مت نظرة (مشاهدة) النسوة إلى القبر (27: 55-56، 61؛ 28: 13)، والبلاغ الذي يحملنه إلى التلاميذ، إخوة الربّ (28: 6، 7-10). والمبادلة التي تمّت بين عظماء الكهنة ويهوذا (26: 5-15؛ رج 27: 4-10)، هي صورة مسبقة لما سيفعلونه مع الحرس على القبر (28: 12-15) بعد القيامة. فنحن لا نستطيع أن ((نعبد الله والمال)) (6: 24).
يُنظر إلى جماعة التلاميذ منذ البداية على أنها جماعة العهد النهائيّة في الجسد المبذول والدم المراق (26: 26-29) رغم الخيانة والشك والانكار وأعمال التراخي الاستسلام. فمتّى يرى منذ الآن صورة جماعة التلاميذ الملتئمة في الجليل (28: 7-8، 10). فالحريّة التي بها يعلن يسوع آلامه، ويستسلم إلى الذين يوقفونه، ويجيب من يسأله في المحاكمة اليهوديّة والمحاكمة الرومانيّة، ويسلّم روحه للآب على الصليب، كل هذا يجعلنا نستشفّ لقاء بعد القيامة (28: 9، 16) حيث يأتي يسوع إلى أخصّائه بسلطة سامية. أجل، إن التاريخ في نظر مت، هو قراءة الأحداث انطلاقًا من النهاية في وجهة الابديّة التي تضيئها.
ثالثًا: الكرستولوجيا في مت
لقد انطبعت الكرستولوجيا في مت بهذه النظرة إلى التاريخ. فحين أهتمّ الانجيليّ قبل مولد يسوع وخلال حياته كلها على الأرض، بأن يلاحظ أن هذا الأمر يحصل ((لكي تتمّ كلمة النبيّ))، شرح لنا بعبارات أخرى، أننا لا نستطيع أن نفهم ما قالوا لنا إلاّ على ضوء التتمة الذي هو يسوع، الحاضر منذ البدء. فهو ابن داود وهو يعطي الثبات لملكيّة داود وسلالته. وهو ابن الانسان لأنه يكشف عمق الواقع الانساني. وهو ابن الله، لأنه يعطي الآب أن يكون أب البشر وأن يكون البشر أبناء ملك المجد. وهو المسيح الوحيد الذي يساعدنا على تمييز كل النظريات المسيحانيّة. وهو اسرائىل الحقيقيّ لأن اسرائيل يكتشف فيه دعوته إلى ملكوت السماوات.
غير أن جميع هذه الألقاب الكرستولوجيّة تبقى ملتبسة بعض الشيء، لأن مدلولها الحقيقيّ يفلت دومًا منّا. وهذا ما وعاه مت: فالتلميذ الذي أعطي له أن يعرف أسرار الملكوت (13: 11)، يتوجّه إلى معلّمه كما إلى ((ربّه)) . وهو يستطيع أن يتصرّف هكذا، لأن الربّ تماهى مع العبد (10: 24-25) وأعطى حياته فدية عن الكثيرين (20: 28).وهكذا إذ يشعر بالمسافة التي تفصله عن ربّه، وهي مسافة توسّعها الخطيئة والرفض الذي فينا، يدرك أن هذه المسافة قد تزول بواسطة ذاك الآتي إليه (28: 18؛ رج 17: 7). يأتي إليه من وراء الموت، من عند مجد الآب، ويرى فيه أخاه (25: 40). إن زرْع الملكوت الذي وُضع في قلب التلميذ هو حضور ((الصغير)) في قلب جماعة تشارك في غفران نالته، هو العبد المتألّم الذي تجسّد في حياة التلميذ المضطهد (5: 10-12؛ 10: 17-20؛ 24: 9-14). هكذا تتفتح الكرستولوجيا (شخص يسوع المسيح) المتاوية في اكليزيولوجيا (درس عن الكنيسة) في تماسك تام: فحضور المسيح وسط أخصّائه يجعل من الكنيسة باكورة الملكوت.
رابعًا: البعد الكوني في مت
إن آلام المسيح وموته تتّخذ عند مت بعدًا كونيًا في علاقتها مع تذكر مجيء ابن الانسان في الخطبة الاسكاتولوجيّة. رأينا أهمية ((الزلزال)) (27: 51، 54؛ 28: 2-4) في مت، وأدركنا تأثيره على البحر (8: 24) وفي مدينة أورشليم ساعة الدخول المسيحاني لابن داود (21: 10). إن الانقلاب الذي تمّ في الطبيعة فتجاوب معها البشر، يدلّ على أن مشيئة الآب تتمّ ((في السماء كما على الأرض)) (6: 10). إذا كانت الشمس تظلم (24: 29؛ 27: 45)، فلكي يضيء النور على الشعب الجالس في الظلمة (4: 16)، ولكي ينير البرق الأفق (24: 27؛ 28: 3)، ولكي يشعَّ وجهُ المتجلّي كالشمس (17: 2).
يجب أن لا نطلب بعد آيات، ساعة أعطيت لنا آية يونان (12: 38-40؛ 16: 1-4). والقدرة التي تحرّك العوالم هي موت وقيامة ابن الانسان الآتي على السحاب، هي سلطة ذاك الذي ((يشفي كل مرض وكل علّة)) (4: 23؛ 9: 35) لأنه ((أخذ أوهاننا وحمل أمراضنا)) (8: 17). والصلب الذي سام به العالمُ عبد الله المتألم، هذا البار المضطهد، لم يغلب قوة الحبّ الذي ربطه بالآب وردّه إلى البشر قائمًا من الموت.
إن حجاب الهيكل (والحجاب الذي يضعه كل انسان لئلا يكتشف وجه الله) قد مزِّق منذ الآن وبشكل نهائيّ، فخسر قدرته على الفصل بين الله والانسان. وذاك الذي طرد الباعة (21: 12) من الهيكل وأحلّ فيه العميان والعرج (21: 14) قد جعل الانسان في كل مكان وفي كل زمان في حضرة الآب الذي يرى الخفايا (6: ،4 ،6 18) الذي يجعل نفسه حاضرًا في أصغر الصغار (25: 40). كل الأرض قد صارت هيكل الله. وما عادت تقدر أن تسجن الحياة: فالصخور تشقّقت والموتى قاموا (27: 52)، ودُحرج الحجر عن القبر (28: 2) بواسطة ملاك الربّ الذي أتاح ليوسف أن يدخل في تاريخ البشر ويُنمي في أرض اسرائىل (1: 20، 24؛ 2: 13، 19)، الابنَ الحبيب (3: 17) الذي اسمه عمانوئيل (1: 23).

ب - انجيل متّى انجيل الكنيسة
نطرح هنا موضوعين: اسرائيل وجماعة التلاميذ. الكنيسة وملكوت السماوات. بالنسبة إلى القسم الأول، يطرح سؤال: ما هي الكنيسة بالنسبة إلى العالم اليهوديّ؟ والجواب يمرّ عبر كرستولوجيا، عبر دراسة هويّة يسوع. ويُطرح في القسم الثاني سؤال حول انتظار الكنيسة لربّها. والجواب يمرّ عبر اسكاتولوجيا ينضمّ فيها الماضي والحاضر والمستقبل، فنتعرّف إلى طبيعة ملكوت السماوات.
أولاً: اسرائيل وجماعة التلاميذ
كان بولس قد أظهر القطيعة والجديد اللذين حملهما مجيء يسوع، وقدّم ((سرّ اسرائيل)) في تاريخ الخلاص بأسلوب جدليّ. وجاء بعد ذلك مت ولو، فشدّدا على تواصل تاريخ الخلاص. أبرز لو الموقع الضروريّ لاسرائيل في هذا التاريخ. أما مت فبيّن لجماعته التي لا تشكّ بالدور المميّز للشعب المختار، أن تاريخ اسرائيل يتمّ كله في يسوع المسيح. ولكن هذا التواصل في مخطط الله الخلاصي الوحيد، يراه مت في تعارض لا رجوع عنه مع العالم اليهوديّ الرسميّ، لأن هذا العالم يرفض مسيحانيّة يسوع وينغلق على نفسه راذلاً ذاك الذي جاء ليكمّله. إن السؤال حول هويّة جماعة تلاميذ يسوع تلتقي مع سؤال حول يسوع نفسه.
> التلاميذ ويسوع
الحياة المسيحيّة في نظر مت هي حياة التلاميذ: فالمهمّة الشاملة جعلت البشر يسمعون الربّ ويتبعونه (28: 19-20). ومجموعة ((التلاميذ)) التي تحيط بيسوع على مدّ حياته على الأرض، قد قدّمت النموذج لهذه الحياة في الكنيسة: جماعة سارت في السفينة على خطى يسوع في مياه الحياة المضطربة (8: 23-28).
غير أن مجموعة التلاميذ هذه ليست نموذجًا طبق الأصل عن المدارس الرابينيّة، وإن كانت هناك بعض التشابهات: فالرباط الذي يجمع يسوع بتلاميذه يفجّر العلاقة بين الرابي والتلميذ. فيسوع يقدّم نفسه كـ ((معلّم)) (ديدسكالوس، 10: 24-25؛ 26: 18)، بل ((المعلّم)) الأوحد (23: 80) و((المدبّر)) الأوحد (كاتيغيتيس، 23: 10). ولكن المؤمنين لا يعطونه أبدًا هذا اللقب. فهو لهم فقط ((الربّ)).
الرابي يفسّر التوراة. يقود تلاميذه، لا نحو شخصه، بل نحو الشريعة التي تعبّر عن إرادة الله. أما يسوع فيجعل نفسه محور تعلّق أخصائه. هو البرّ الكامل. وهو الشريعة التي نتبعها (أكولوتاين، يرد 25 مرة في مت). وهو يطلب تعلّقًا حصريًا بشخصه (10: 37-38؛ 16: 24-26؛ 19: 27-28). فما يحدّد التلميذ بعد الآن، هو تماهيه مع ربّه (10: 24-25): ((ليس التلميذ أفضل من المعلّم، ولا العبد أفضل من سيّده)).
وإذ يتابع التلاميذ وجود الرب ورسالته، ينالون سلطته. فالكلمات التي يقولونها هي كلماته حول اقتراب الملكوت. والأعمال التي يقومون بها هي أعمال الخلاص التي بدأ فقام بها. فمن هو يسوع ليدلّ على هذه المتطلّبات تجاهه؟ وبالتالي، من هم هؤلاء التلاميذ الذين يجمعهم، ويدعوهم إلى اتّباعه ليجعل منهم كنيسته على مثال الشعب العبراني الذي دُعي في سيناء فكوّن جماعة الله؟
> اسرائيل الكامل: يسوع وجماعته
ليس يسوع مفسّرًا للشريعة على مثال الكتبة. هو تفسير الشريعة. هو مفتاح الشريعة التي لا نفهمها إلاّ به. فهو ما جاء ليدمّر كلام الشريعة والأنبياء. بل جاء يكمّل (5: 17). إنه البرّ التام. إنه الشريعة التي بلغت إلى كمالها.
وما قيل في الماضي عن اسرائيل، يقال الآن عن يسوع، لأنه حقًا ابن اسرائيل ولأنه أخذ على عاتقه كل واقع شعبه لكي يقوده إلى ملئه. هو الابن الذي دُعي من مصر ( 2: 15 = هو 11: 1). إنه الابن الحبيب وموضوع رضى الآب (3: 7؛ 17: 5؛ تك 22: 2؛ مز 2: 2؛ أش 42: 1). إنه عبد يهوه (12: 18-21 = أش 42: 1-4). لقد واجه التجارب في البريّة (4: 1-11 = تث 6: 13، 16؛ 8: 3). بعد أن عبر الاردن (بعماده) سار في أرض الميعاد حتى أورشليم.
في يسوع الذي ظهر في جليل الأمم (4: 15) يحقّق اسرائيل دعوته كـ((شعب)) للأمم، حسب الوعد المعطى لابراهيم: ((بك تتبارك جميع أمم الأرض)) (تك 12: 3؛ رج إر 4: 2؛ سي 44: 21). ويكمّل هذه الدعوة. شدّد مت على كل هذا (4: 15-16 = أش 8: 12؛ 11: 5 = أش 35: 5-6؛ 61: 1). وأبرز التعليم الشامل الذي نقرأه عند الأنبياء، لأن ((باسمه أناطت الأمم رجاءها)) (12: 21 = أش 42: 4).
وفي الوقت عينه، ما قيل عن يهوه في العهد القديم، يقال الآن في يسوع: هو يتكلّم بسلطان (7: 28). يأمر البحر (8: 26-27). يغفر الخطايا (9: 1-8). يدعو شعبه (16: 19) ويطعمه في البريّة (14: 15-24؛ 15: 32-39). يعيش وسط أخصّائه كحضور الله بالذات (18: 20؛ 28: 20؛ رج 1: 23. هو ((شكينه))).
إذن، هو في الوقت عينه يعمل أعمال اسرائيل (لأنه انسان) ويعمل أعمال الله (هو الله وابن الله): إنه ((المسيح ابن الله الحيّ)) (16: 16؛ رج 1: 1، 23) الذي فيه يكتمل تاريخ شعبه. صدقُ اسرائىل يُقاس بتتمّته للشريعة. ولكن يسوع هو تمام الشريعة لأنه يقود كل شريعة إلى تتمتّها.
وهذا التفسير المسيحاني لحياة يسوع في معنى جذري على مستوى التتمة والشموليّة، يحدّد موقع تلاميذ يسوع خارج العالم اليهوديّ الرسمي ويكوّنهم في وحدة لا يمكن أن تخلط مع ((مجامعهم)) (كما يقول مت 4: 23؛ 9: 35؛ 10: 17؛ 12: 9؛ 13: 54؛ رج 23: 34) ولن يمضي وقت حتى يُسمَّوا ((هراطقة)) (مينيم)، وفي النهاية يُحرمون من المشاركة في الصلاة والحياة مع اليهود (تمّ هذا الحرم سنة 80 أو سنة 94 بناء على طلب رابي غملائيل الثاني).
لو قدّم يسوع نفسه على أنه رابي يعطي تفسيرًا شخصيًا للشريعة، لكان قُبل في تقليد الحكماء الطويل الذي نجد صداه في فصول الآباء (فرقة أبوت). ولكانت كنيسته وجدت مكانها وسط الشيع اليهوديّة في عصره. ولكن بما أنه أراد أن يجمع في شخصه كل مصير اسرائيل، أعلن نفسه أعظم من الهيكل (12: 6) وربّ السبت (12: 8)، وسمّى نفسه المسيح الموعود والآتي على السحاب (26: 63). عارض كل التمثّلات التي تمثّلها معاصروه عنه. بدت القطيعة حتميّة بين اليهود الذين اعتبروه رابي يعطي نفسه اعتبارات غير مقبولة، وبين الذين صار لهم الرب وابن الله الحيّ (هذه هي نقطة الخلاف الاساسيّة بين العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ).
وهذا الفصل بين العالمين لم يحصل دون أن يترك حنينًا في الجماعة المتاويّة (ف 23-24) التي ظلّت واعية لرسالتها تجاه ((الخراف الضالّة من بيت اسرائيل)) (10: 6). متطلّبةُ يسوع تبدو مفرطة وتتجاوز الحدّ البشري: لم يعد هناك من اسرائيل سواه هو (يسوع هو اسرائيل الحقيقي) مع التلاميذ الذين يجمعهم ويدعوهم إلى السير وراءه ، لأنه يكوّن معهم ملكوت السماوات الذي يُتمّ مصيرَ شعب الله.
فهل يبقى اسرائيل اسرائيل بعد؟ هل خسر هويّته بشكل نهائيّ؟ لا شكّ في أن العالم اليهوديّ الرسميّ الذي يمثّله الفريسيون وعظماء الكهنة، قد أُخذ منه ملكوت الله وأعطي ((لأمّة)) تعطي ثمرًا (21: 43). لا شكّ في أن ((بيته تُرك خرابًا)) (23: 38 = إر 22: 5). ولكننا لا نستطيع أن نتكلّم عن رذل اسرائيل ولا عن رذله النهائيّ. ولا نستطيع أن نقول أيضًا إن اسرائيل الماضي قد انتقل إلى ((جميع الأمم)) التي لأجلها تمارس الكنيسةُ رسالتها (28: 18، 20؛ رج 24: 9، 14؛ 25: 32).
هناك سؤال يُطرح حول المدلول الذي يأخذه الشعب اليهودي بعد مجيء المسيح. وقد أعطيت أجوبة مختلفة. عدد كبير يعتبر الوجود الحالي للعالم اليهودي علامة متواصلة للعنة تلفّظ بها المسيح (مت 23) وتحقّقت سنة 70 بدمار أورشليم والهيكل. وكانت النتيجة أن بعضهم اعتبر الشريعة ألغيت وصارت الديانة اليهوديّة عضوًا مريضًا وشاهدًا مستمرًا على متطلّبات الخيار الالهي الهائلة، لأن الاختيار انتقل كله إلى الكنيسة. في هذا الخط يسير الطرح الذي فيه تحلّ الكنيسة كجماعة مسيحانيّة محلّ اسرائيل العهد القديم. في هذا الخط أيضًا صيغت في الكنيسة ممارسة الرسالة تجاه الشعب اليهوديّ من أجل ارتداده بعض المرات بالقوّة.
إذا أخذنا بعين الاعتبار استمراريّة الشعب اليهودي على مدى ألفَي سنة من التاريخ المسيحيّ، أما يجب بالأحرى أن نتطلّع إلى الخصب الذي تشكّله للكنيسة نفسها استمراريةُ الرجاء المسيحاني لدى هذا الشعب. في هذا الخط يدعونا مت إلى أن نفكّر: نتذكّر في نهاية هجوم ف 23 حيث المنظار الاسكاتولوجي الذي يتوسّع فيه دومًا يُبرز انتظارَ اسرائيل وانشداده نحو التتمّة. بما أن الانجيل الأول لا يماهي أبدًا بين ملكوت السماوات والكنيسة، فهذا علامة أن اسرائيل اللامكتمل ما زال يلعب دورًا ايجابيًا تجاه الكنيسة. فهو يذكّرها أن عليها أن تصبح ما هي؟ وأنها لا تقدر أن توجد إلاّ إذا سارت مجتذبة البشريّة للدخول إلى ملكوت السماوات. يقتلعها الله من تجربة مستمرة وهي أن تتماهى مع الملكوت (ليست بعدُ الملكوت. لم تصل بعدُ إلى المجد. فهي في طريق الآلام الصاعدة إلى أورشليم)، ويدفعها إلى الحياة في مسيرة مؤلمة على طريق البرّ والرجاء الذي يقدّمه لها المسيح الذي هو اسرائيل الكامل. فإذا كان يسوع في نظر مت التتمة النهائية، فهو يعرف أيضًا أن هذه التتمّة لم تصل بعد إلى نهايتها في العالم، بل هي تغذّي رجاء الشعوب بالرجاء الذي أعطي لاسرائيل.
كان يسوع يهوديًا حقيقيًا في أرض شعبه وتاريخه. هو شخص يتضمّن شعبه فيه. إنه يمثّل اسرائيل في تتمّته. إذن يسوع هو اسرائيل الحقيقيّ على مستوى

الفصل السابع عشر

خيانة يهوذا ومسح يسوع بالطيب
26: 1-16

أنهى يسوع خطبه الخمس كلها (16: 1) وأخذ يستعد للمواجهة. تحدّث عن الفصح الذي صار قريبًا، فما عاد يعتزل وما عاد يخاف التهديد كما فعل مثلاً في 12: 15 بعد أن تآمر عليه الفريسيون ليهلكوه. وها هو قد بدأ يعيش آلامه مع حدثين نرى فيهما التلميذ الذي يخون معلّمه وامرأة تدلّ على تعلّقها به. هي تطلّعت إلى آلامه وموته ودفنه، فمسحته بالطيب وكأنها عرفت أنه سيموت قتلاً وقد لا يكون هناك وقت لتطييب جسده. أما الحديث عن ((المقايضة)) بين يهوذا ورؤساء الكهنة، فيجعلنا في إطار الموت الذي ينتظر يسوع.
من أجل دراسة هذا النص نقسمه ثلاثة أقسام: الأول، المؤامرة على يسوع (آ 1-5): أراد الرؤساء أن يلقوا القبض على يسوع ويقتلوه. الثاني، المسح بالطيب في بيت عنيا (آ 6-13). قال يسوع: ((أفاضت هذا الطيب على جسدي من أجل دفني)). والقسم الثالث خيانة يهوذا (= يوضاس) (آ 14-16): ((ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه لكم)). بين عبادة الرب والمال، اختار يوضاس المال وباع معلّمه بيع العبيد: بثلاثين من الفضّة.

1- المؤامرة على يسوع (26: 1-5)

أ- نظرة عامة
مع هذه المقطوعة ندخل في خبر مت عن الحاش (= آلام يسوع) والقيامة. ونسوق الملاحظات التالية: 
الملاحظة الاولى: في البنية العامة للانجيل الاول، التي كانت في خمسة أقسام (حول خمسة خطب) تشكّل ف 26-28 الجواب العمليّ لما قاله يسوع في الخطبة الاسكاتولوجيّة (ف 24-25). إن المسيح المتّآويّ فد أنبأ بآلامه وموته وقيامته، وذلك منذ ف 16 (16: 13-23). لا بل منذ صفحات الانجيل الأولى، وفي معرض الحديث عن مولد يسوع، جعلنا مت نستشفّ معارضة تلاقي يسوع فتقوده إلى الموت (1: 18-25؛ 2: 13-23. إن مت 1-2 قد دوِّنا على ضوء موت المسيح وقيامته، لهذا كنا أمام قراءة لاهوتيّة لا سيرويّة فقط). ونتذكّر أيضًا أن القسم الثالث من انجيل متّى المكرّس ((لأسرار الملكوت)) (13: 1-52) قد تحدّث بطريقته عن آلام ابن الانسان. وشدّدنا في الفصل السابق على التلاقي بين ف 24-25 وف 26-28. كل هذا يدلّ على أننا لسنا أمام جزء محض إخباريّ حول موت يسوع. بل نحن أمام خاتمة الفقاهة المسيحيّة كلها.
الملاحظة الثانية: إن خبر الحاش في مت يتبع بأمانة مجمل خبر مر، وهذا ما لا نجده في سائر أقسام الانجيل. فالتشابهات بين الخبرين تبدو قريبة جدًا فنظنّ أن الواحد نقل عن الآخر. والمقابلة بين لو ويو تعطينا الشعور نفسه. فكل من الخبر اللوقاوي والخبر اليوحناويّ يشاركان في نقاط عديدة بحيث نفترض لهما مرجعًا مشتركًا. لهذا، نظنّ أن مت تبع مر، كما تبع يو نصّ لو. هناك من يتحدّث عن ينبوع مشترك، هو مر الأول أو شكل أرامي لانجيل متّى. وهناك من رأى مت يسير في خطّه مستقلاً. أما نحن فنقول إن المرجع الأساسي لإنجيل متّى هو إنجيل مرقس.
الملاحظة الثالثة: ولكن هذه الفرضيّة الأساسيّة لا تحلّ كل المشاكل. فيجب أن نكمّلها بملاحظة تقول إن الخبر المتّاوي الذي يرتبط بالخبر المرقسيّ، يحافظ مع ذلك على سمات خاصّة به. مثلاً، هو يجعلنا في مناخ يهوديّ وفلسطينيّ لا نجده بهذا القدر في مر. ولا يفسَّر مناخُ الحاش المتّاوي إلاّ بفرضيّة المراجع الخاصّة: محيط مت الكنسي. موقعه الجغرافي. التقاليد الشفهيّة التي وصلت إليه. شعائر العبادة والكرازة والفقاهة في عالم سورية وفلسطين حيث دُوّن. فإذا تفحّصنا العناصر الخاصة بمتّى في ف 26-،28 نرى أنه عاد إلى تقاليد حيّة عرفها محيطه الاورشليمي (رج 27: 3-10، 51-54) بما فيها من قدم، كما عاد إلى محيطه الكنسي (نقرأ في مر 14: 23: شربوا منها كلهم. أما في مت 26: 27: اشربوا منها كلكم. هذا ما كان يحدث في الليتورجيا). مثل هذه الملاحظات تفهمنا أن مر لم يُستعمل فقط في مت بشكل فردي، بل عُرف واستعمل أيضًا في المحيط الكنسي المتاويّ نفسه. إذن، نجد في مت صدى أدبيًا لصياغة جماعيّة وُجدت قبل أن يوجد مت.
الملاحظة الرابعة: على أساس هذه الملاحظات التي ترد على المستوى الادبي، نستطيع أن نتميّز لاهوت خبر الحاش المتّاوي: هو يبرز مدلول الحاش (= الآلام) بالنسبة إلى الكنيسة، ولا سيّما في علاقتها مع المجمع اليهوديّ. فالذي يسير وحده نحو الصليب ليس فقط رجل العذاب، كما في مر، بل ابن الله، الذي يواجه بإرادته احتقار شعبه الثائر وعنفه، وهذا بالتوافق مع الكتب المقدسة (أسفار العهد القديم). وهكذا يشدّد مت على مسؤوليّة اليهود في آلام المخلّص (27: 24-25: دمه علينا وعلى أولادنا، هذا خاص بمتّى). لقد ظلّ الانجيليّ في هذه النقطة أمينًا لموضوع توسّع فيه في موضع آخر ولا سيّما في الأمثال (21: 28؛ 22: 14)، وفي الهجوم القاسي على الفريسيين. هذا الموضوع يتلخّص في 21: 43 (ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى إلى أمّة تستثمره، خاص بمتّى) حيث الشعب الآخر الذي يسلّم إليه الملكوت الآن هو كنيسة المسيح، وخصوصًا الكنيسة المتّاويّة. هذه الكنيسة نستشفّ واقعها العباديّ حين نسمع مت يروي لنا خبر عشاء يسوع الأخير (26: 17-19، 26-29). هذه الكنيسة التي تجعلنا نعيش حاش يسوع حين نحتفل به كالحدث الحاسم في التاريخ. هذه الكنيسة التي ليست متعلّقة تعلّقًا ((أعمى)) بالشعائر اليهوديّة، التي لا تنغلق على نفسها. وهي في عدد من التفاصيل تنبّهنا إلى البعد الشامل والرسوليّ لهذا الموت الذي يبدو في ظاهره مطبوعًا بالسخريّة والازدراء (27: 51-54). هذه الكنيسة تعرف منذ الآن أنها مسؤولة عن مواعيد العهد القديم من أجل الأمم (28: 19-20).

ب - دراسة تفصيليّة
أولاً: البنية والمراجع
نقرأ هنا مقدّمة لخبر الآلام. وهذه المقدمة تتضمّن مشهدين قصيرين، يتوازيان في البنية ويتعارضان في المضمون. في المشهد الأول، يسوع هو الفاعل وهو يتحدّث كما في نبوءة عن المستقبل القاتم: ((ابن البشر يُسلم للصلب)). في المشهد الثاني، الفاعل هو رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. هم يتآمرون على يسوع. في المشهدين نقرأ كلامًا عن الظروف (آ 1، 3-4) يتبعه كلام في خطبة مباشرة (آ 2، 5).
هذا على مستوى البنية. وعلى مستوى المراجع، 26: 1-5 هو توسّع متاويّ لما في مر 14: 1-2. فاهتمام متّى التدويني يكفي ليشرح عددًا من التبديلات. وقد نكتشف في حالة أو حالتين أثر التقليد الشفهي في خبر الآلام. الأول، اسم ((قيافا)) الذي لا يظهر في مر، ولا في لو. وهكذا يكون جزءًا من تقليد الجماعة المتّاويّة، كما كان جزءًا من التقليد اليوحناويّ. الثاني، اختلف مت 26: 3-5 عن مر ولو، ورافق يو 11: 47-53، فتحدّث عن اجتماع للسنهدرين: تقرّر أن يُقبض على يسوع ويُقتل. إن هذا الاتفاق مع يو يجعلنا يعيدين عن تقليد مرقسيّ في هذه النقطة بالذات.
ثانيًا: التأويل والتفسير (26: 1-5)
بعد أن تحدّث يسوع مطوّلاً عن الأشياء الأخيرة (الاسكاتولوجيا)، بقي عليه أن يراها تبدأ عبر موته وقيامته.
> ولما فرغ يسوع من هذا الكلام (آ 1-2)
وعاد مت إلى نص مر مع عبارة انتقالية. ((وحصل أنه)). هذا قرار باسلوب ساميّ. رج 7: 28؛ 11: 1؛ 13: 53؛ 19: 1. هكذا انتهت خطب مت الخمس. هنا نتذكّر تث 3: ،1 24؛ 32: 45، مع شخص موسى. إن لفظة ((كل)) (لا توجد في نهاية الخطب الاربع السابقة) تدلّ على أن تعليم يسوع قد انتهى. وأنه قال ما كان يريد أن يقوله. لا تعود هذه اللفظة فقط إلى ف 24-25، بل إلى الانجيل كله.
((قال يسوع لتلاميذه)). ق 16: 24 - مر 8: 34؛ 19: 23 - 10: 23. تعود هذه الكلمات إلى 24: 3.
وبدأ الحاش مع كلمة من يسوع الذي دفع مسيرة الآلام إلى الأمام بكلامه. هو ((القائد)) الذي يطلق ((المعركة)). وهو يحدّد توقيتها. فهو حرّ من أي قيد أو رباط. وبما أن ((نبوءته)) استبقت خبر ((مؤامرة خصومه)) (آ 3-5)، فهذا يدلّ على أنه عارف بكل شيء، وأنه ذاهب إلى الآلام والموت بملء إرادته. هو المسؤول الاول، ومسؤوليّته تسبق مسؤوليّتهم.
((تعلمون أنه بعد يومين يأتي الفصح)) (آ 2). رج مر 14: 1: ((وكان الفصح والفطير بعد يومين)). بدا يسوع وكأنه يتكلّم في اليوم الثالث عشر من نيسان عن اليوم الخامس عشر. لقد تكلّم يسوع بما فيه الكفاية عن آلامه القريبة بحيث ((علم)) تلاميذه ماذا سوف يحصل في الفصح. ربط يسوع موته الخلاصي مع الفصح، فجعلنا في خروج جديد، في زمن نداء جديد على مثال الفداء من مصر. وفعل مت كما فعل بولس ويوحنا: إن مدلول ذبيحة يسوع يشبه مدلول الفصح.
((بعد يومين)) (رج هو 6: 2). قد نكون هنا قريبين من تقليد اسحاق. فإن تك 22: 4 جعل ذبيحة إسحاق في اليوم الثالث. هذا ما تذكره اليوبيلات 18: 3 ويوسيفوس في العاديات (1: 26). بالاضافة إلى ذلك، في اليوبيلات جُعلت ((عقدة)) (اسحاق) خلال الفصح (17: 15؛ 18: 3). وفي ((العاديات البيبلية)) (32: 1-4)، قدّم اسحاق نفسه بإرادته كذبيحة (32: 3؛ رج 4 مك 16: 20؛ يوسيفوس، العاديات 1: 232). هذا التوازي بين يسوع واسحاق واضح في رسالة برنابا (7: 2) وضمنيّ في روم 8: 32. وقد يكون مت لمحّ إلى تك 22: 2-5 حين ذكر اليومين.
((ابن الانسان يُسلم للصلب)). نتذكّر هنا الانباءات بالآلام. إن هذه النبوءة التي تتضمّن موضوع ف 26-27، تعود إلى 10: 18-19 (ابن الانسان، يُسلم، يُصلب). نجد حرف العطف (كاي). أي تعلمون أن الفصح بعد يومين وأن ابن الانسان يُسلم ليصلب. هذا ما يعرفونه. ولكن قد لا تكون ((كاي)) مرتبطة بـ ((تعلمون)). حينئذ نكون أمام جديد يقدّمه يسوع. وهكذا يأتي إعلان يسوع في مناخ دراماتيكي. هو وحده يعرف وقت الآلام، وكلامه هو الذي يجعل هذه الآلام ((تبدأ)).
> اجتمع رؤساء الكهنة (آ 3-5)
تجاه يسوع وهدفه، يظهر الأعداء مع هدفهم (هنا نتذكّر مز 2: 2، تآمر). ((حينئذ اجتمع)). ق يو 18: 14. إن خط مت يرتبط بما في مر 14: 1 (رؤساء الكهنة والكتبة). إن لفظة ((توتي)) (حينئذ) و((سيناغو)) (اجتمع) (رج 2: 4؛ 26: 57؛ 28: 12) هما خاصتان بمتّى. أما عبارة ((رؤساء الشعب)) فتظهر أربع مرات في مت، ولا تظهر أبدًا في مر وفي لو. نلاحظ أن الرؤساء يرتبطون بعظماء الكهنة في 16: 21؛ 21: 23؛ 26: 47؛ 27: 1، 3، 12، 20، 21. إن غياب الفريسيين الذين لم يلعبوا دورًا في هذا الخبر يُدهشنا. فقد لا تكون المراجع المتّاوية حول الآلام قد ذكرتهم. على المستوى التاريخيّ، لا شكّ في أن معارضي يسوع في النهاية كانوا ارستوقراطيّة الهيكل. والواقع نفسه يفسّر إغفال الكتبة الذين يظهرون فقط مرتين (26: 57؛ 27: 41).
((في دار رئيس الكهنة المدعو قيافا)). لا شيء يوازي هذا في مر. قد تكون هذه العناصر جاءت من الخبر اللاحق. من آ 58 (دار رئيس الكهنة) ومن آ 57 (قيافا رئيس الكهنة). لا يُذكر قيافا في خبر الحاش عند مر ولا لو. ذكره يو أكثر من مرّة: 11: 49؛ 18: 13-14 (حيث هو صهر حنان)، 24، 28 (رج لو 3: 2؛ أع 4: 6). وقد عرفه يوسيفوس (العاديات 18: ،35 يوسف الذي يُدعى أيضًا قيافا). نشير إلى أن حفريان تمت سنة 1990 في ((أبو الطور)) مع كتابة ((يوسف بر قيافا)) (ليوسف الذي من عائلة قيافا؟).
يحتفل اليهود بعيد الحرية (عيد الفصح). وها هم يعودون إلى العبوديّة فيقتلون ذاك الذي يعطيهم الحريّة الحقيقيّة. هم لا يعلمون ما يعملون (آ 4). ((إئتمروا أن يلقوا القبض على يسوع)) (آ 4). ق خر 21: 14 حسب السبعينيّة (يقتل بالحيلة)؛ يوسيفوس، العاديات 10: 164؛ مر 14: 1 (ويلتمسون حيلة ليقبضوا على يسوع). ما أراد أن يعمله الرؤساء قد توقّعه يسوع. أرادوا أن يقتلوه، وتحدّث هو عن صلبه. أما عنصر الحيلة فنجده مع مؤامرة هيرودس الكبير (2: 7).
((كانوا يقولون: لا في العيد)). رج مر 14: 2. لا في وقت العيد، بل قبل العيد. ولكن الحجّاج يتوافدون قبل العيد بيومين، وهكذا يكون خطر البلبلة كبيرًا. ولكن يبدو أن مت يتبع نصّ مر حيث أوقف يسوعُ في اليوم الأول من العيد في اتّفاق مع خبر يو.
((لئلا يقع بلبال في الشعب)). ق 27: 24، مع بيلاطس. هذا يعني أن عمل الرؤساء لا يرضي الشعب.
ج - قراءة لاهوتيّة وروحيّة
للمرّة الأخيرة استعمل مت عبارة اعتاد على استعمالها لينقل قرّاءه من الأقسام التعليميّة في انجيله (الخطبة الخامسة) إلى الأقسام الاخباريّة (ولما فرغ يسوع من هذا الكلام كله). إذن، قدّم الانجيليّ خبر موت يسوع كتأكيد لما علّمه في ف 24-25. غير أنه بعد هذه التعليمات، لم يبدّل يسوع موضعه، بل أعلن للمرّة الأخيرة موته (دون ذكر القيامة). إن الازائيين الثلاثة (مت 26: 1-5؛ مر 14: 1-2؛ لو 22: 1-2) (رج يو 11: 47-53) ربطوا موت يسوع بعيد الفصح. ولكن تفرّد مت فقدّم كلامًا واضحًا تفوّه به يسوع (تعلمون، بعد يومين). فما كان صدفة لها معناها في مر ولو، صار عند مت تنبيهًا موجَّهًا (رج 7: 11؛ 9: 6؛ 20: 22؛ 22: 16). إذن، ترتدي ((كاي)) (واو العطف) وجهًا خاصًا: سيُحتفل بالفصح وبالتالي ابن الانسان سيُسلم. إن صيغة الحاضر تدلّ على أن الحدث القريب قد تسجّل منذ الآن في مخطّط الله قبل أن يتشاور عظماء الكهنة ورؤساء الشعب. لقد أخذ المسيح المتاوي قيادة الدراما قبل أن تحدث. هو يُشرف على الوضع دون أن تخسر آلامُه واقعَها البشري. هو المسيح يسوع الذي يتألّم.
وعارض مت معارضة قويّة بين إرادة يسوع الواضحة بأن يتألم (آ 1-2) وبين الفوضى المليئة بالخوف لدى رؤساء الشعب في مؤامرتهم على يسوع. لم يضمّ مت الكتبة إلى عظماء الكهنة (كما فعل مر ولو) بل شيوخ الشعب أي عنصر العوام (العلمانيين) في السنهدرين، وقد كانوا من الاتجاه الفريسي. هل رفض مت عمدًا أن لا يذكر الفريسيين بإيضاح فاكتفى بعبارة تعني في الواقع الفريسيين ليبقى الباب مفتوحًا؟ ربّما.

2 - المسح بالطيب في بيت عنيا (26: 6-13)

أ - نظرة عامة
نستطيع القول (رغم لو 7: 36-50) إن الأخبار الانجيليّة الاربعة حول عمل هذه المرأة التي دهنت يسوع بالطيب، تجعلنا أمام معطية أدبيّة متشعّبة. ونستطيع أن نقدّم الملاحظات التالية: 
الملاحظة الأولى: جعل مر ومت هذا الحدث في بداية الحاش، فتشابه نصّاهما تشابهًا كبيرًا. وما نلاحظه هو اختلافات ثانويّة حيث بسّط مت الخبر (ألغى اسم الطيب وكسر الأناء) وحدّد هويّة المتدخّلين: هم التلاميذ (قال مر: بعضهم) الذين احتجّوا على ما فعلته هذه المرأة.
الملاحظة الثانية: جعل يو الحدث قبل دخول يسوع إلى أورشليم. كانت الوليمة عند لعازر وأختيه مرتا ومريم. مريم هي التي مسحت يسوع بالطيب. وبدت صورة يهوذا بوضوح: هو يحتجّ على هذه الخسارة الكبيرة. تذرّع بالفقراء ولكنه في الواقع كان سارقًا.
الملاحظة الثالثة: إن خبر لو 7: 36-50 يجعلنا في سياق مختلف كل الاختلاف. هو جزء من قسم يمتدّ من 6: 20 حتى 8: 3 (الذي لا يجد ما يوازيه في مر). ويتوجّّه مرمى الخبر إلى الفريسيين. المرأة هي زانية معروفة في المدينة ويسوع يحبّها أكثر مما يحبّ سمعان الفريسي الذي طرح على الرب سؤالاً فأجابه يسوع بمثل المديونين (سمعان والمرأة) وأكّد أن الاتحاد الحقيقيّ بالله ينبوعه فرح الغفران. ومهما كان تأثير خبر لو على الأخبار الثلاثة الأخرى (وخصوصًا يو)، فمن الواضح أن الخبر اللوقاويّ توخّى أن يروي ويعلّم شيئًا آخر غير ما رواه مر ولو ويو.
الملاحظة الرابعة تدور حول مرمى الخبر في مر وفي مت. هناك أكثر من موقف. الأول: فعل محبّة من امرأة إلى يسوع. الثاني: صورة حسيّة تعلن الحاش والموت: قد لا يُمسح جسد يسوع بالطيب وهو الذي سيموت قتلاً. الثالث: صورة عن مسحة مسيحانيّة مُنحت ليسوع على عتبة آلامه، وهي مسحة نالها لا كملك، بل كعبد الله المتألّم. الرابع: دفاع عن العبادة الواجبة ليسوع ولو على ((حساب)) الصدقة التي مارستها أوساط متهوّدة. الخامس: صورة عن الصراع بين محبّتنا ليسوع ومحبّتنا للفقراء. حبّ يسوع هو الأول. وحبّنا للفقراء ينبع من حبّنا ليسوع، كما قلنا في السابق.

ب - دراسة تفصيليّة
أولاً: البنية والمراجع
إن 26: 6-13 هو خبر اعتراض يعجّ بالحياة مع شكل خاص به: 
العرض (الموقف): العمل الرئيسيّ (آ 6-7)
الاعتراض: انتقاد العمل الرئيسي (آ 8-9)
الحلّ: يسوع يدافع عن العمل الرئيسيّ (آ 10-13).
ق 9: 1-2 (مغفورة خطاياك) + 3 (هذا يجدّف) + 4-7 (جواب يسوع)؛ 12: 1 (التلاميذ اقتلعوا السنابل) + 2 (ها إن تلاميذك يفعلون) + 3-8 (جواب يسوع: ما فعل داود)؛ 12: 22-23 (شفاء أعمى وأخرس) + 24 (برئيس الشياطين) + 25-29 (جواب يسوع)... إن ثقل المقطوعة يكون في القسم الثالث: إن كلام يسوع يغطّي نصف المقطوعة (آ 6-10أ: 50 كلمة، آ 10ب- 13: 59 كلمة). تتألّف الخطبة نفسها من خمس جمل: سؤال اخباريّ تليه ثلاثة أقوال رئيسيّة وكل قول يبدأ بالأداة ((غار)) (حرف الفاء): فقد أحسنت (آ 10). فالفقراء عندكم (آ 11). فإذا أفاضت هذا الطيب (آ 12). ويأتي بعد ذلك إعلان يشكّل الذروة في الخبر وهو يبدأ بشكل احتفاليّ: ((الحقّ أقول لكم)).
عاد مت 26: 6-13 إلى مر 14: 3-9. هناك عدد من التفاصيل في مر لا نجدها في مت. ونحن نتصوّر أن حذفها كما فعل مت، أكثر معقوليّة من إضافتها كما فعل مر. نحن نعرف اهتمام مر بالتفاصيل. واهتمام مت بالايجاز لكي يصل بسرعة إلى هدفه وهو أن يُرينا عملاً من أعمال يسوع أو يُسمعنا قولاً من أقواله.
ثانيًا: التأويل
هذه المقطوعة تبدو في تواصل مع آ 1-5 وفي تعارض. أما على مستوى التواصل مع آ 1-2، فإن موت يسوع يُذكَر فيدلّ على معرفة يسوع المسبقة كما في آ 12: ((فعلته لأجل دفني)). وعلى مستوى التعارض مع آ 3-5، إن المرأة لم تناقض يسوع(وتأتمر عليه لقتله) بل تخدمه. وهكذا يعارض عملُها عملَ رؤساء اليهود.
أما الاختلاف الأهمّ بين مت 26: 6-13 ومر 14: 3-9، فهو أن مت يتضمّن 109 كلمات ومر 134 كلمة (إن مت أوجز نص مر). ترك مت ((الناردين الخالص)) (مر 14: 3) و((كسرت القارورة)) (مر 14: 3). ((وزجروها)) (مر 14: 5). ((دعوها)) (مر 14: 6). ((في وسعكم أن تحسنوا إليهم)) (مر 14: 7). ((فعلت ما في إمكانها)) (مر 14: 8). ومن خلال هذا الايجاز على مستوى الكلمات، حدّد مت ما لم يكن محدّدًا في مر 14: 4 الذي كتب: ((فاستاء بعضهم)) (تيناس). أما مت فكتب: ((فلما أبصر التلاميذ غضبوا)). وقال مر 14: 4 محدّدًا: 300 دينار. أما مت فكتب: ((بكثير)) (بثمن كبير). ثم إن مت زاد من عنصر التوازي ولا سيّما في آ 10 (لمَ تزعجون، صنعت)، 11 (المرأة عندكم... أما أنا)، 12 (على جسدي لدفني)، 13 (حيث كُرز يُخبر).
بالاضافة إلى مر 14: 3-9، هناك توازيات بين لو 7: 36-50 (رسالة يسوع الجليليّة) ويو 12: 1-12 (قبل دخول يسوع إلى أورشليم). توسّع لو في مر، وعاد يو إلى مر ولو. ولكن يمكن أن خبر المرأة التي دهنت المسيح بالطيب قد يكون ورد في أكثر من شكل. فمع أن لو قد تأثّر بما في مر، فقد يكون أنه أخذ اللوقاويات. ويمكن أن يكون يو مستقلاً عن الأناجيل الإزائيّة. وبعبارة أخرى، قد نكون أمام ثلاث نسخ للخبر عينه. مت مر + لو + يو. أما التقليد الاولاني فيمكن أن يكون كالآتي: جاء يسوع إلى بيت عنيا، إلى بيت سمعان الابرص (وصنع له عشاء). حملت امرأة قارورة من الطيب ودهنت رجلي يسوع ومسحتهما بشعرها (في مر ومت، دُهن رأس يسوع. في لو ويو، رجلاه). استاء رجال فقالوا: لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلاثمئة دينار ويُعطى الثمن للمساكين. ولكن يسوع قال: ((اتركوها. الفقراء معكم كل حين وأنا لست معكم)). هذا البناء جعل مر 14: 8، 9 كآيتين ثانويتين. وحافظ على الواقع لا على الاصطلاحي: نستطيع أن نعتقد أن يسوع ذهب إلى بيت عنيا، إلى بيت سمعان الأبرص، وكانت هناك امرأة دهنت رجليه فاعترض أحدهم على هذا التبذير، فأجاب يسوع مدافعًا عن عمل المرأة مع عودة إلى تث 15: 11 (لن تعدموا فقراء في الأرض). وقد نجد اعتبارات حول اهتمام يسوع بالآخرين.
ثالثًا: تفسير الآيات (26: 6-13)
> عرض الوضع (آ 6-7)
نحن أمام المشهد. انتقلنا من دار رئيس الكهنة حيث تمّت المؤامرة إلى بيت سمعان الأبرص حيث اللطافة تعبّر عن نفسها. ((وفيما كان يسوع في بيت عنيا)) (آ 6). ق مر 9: 33 (ولما صار في البيت)؛ 14: 3. ((في بيت سمعان الأبرص)). رج مر 14: 3. هو وضع اجتماعيّ مع صداقة. هذه الصفة (الأبرص) تساعدنا على تمييز سمعان هذا من أربعة أسماء سمعان أخرى (4: 18؛ 10: 2، 4؛ 13: 55؛ 16: 16، 17؛ 17: 25؛ 27: 32). ولكن سمعان هذا لا يلعب أي دور في النص. وطُرحت أسئلة: هل سمعان هذا هو والد مرتا ومريم؟ من شفاه؟ يقول الآباء: يسوع.
((دنت إليه امرأة)) (آ 7). لماذا دنت؟ هذا ما لا يقال. قامت بعمل كبير جدًا يدلّ على وضع يسوع المسيحاني: مسحته بالطيب. لا نعرف عن هذه المرأة سوى فعلتها. ولكنَّ ما عملته واحتجاج التلاميذ سيفهماننا أن هذه المرأة ستتبع يسوع إلى الصليب والقبر (27: 55-56؛ 61: 28-1) ساعة هرب التلاميذ (26: 56). ((وأفاضت على رأسه...)). ق اغناطيوس الانطاكي في الرسالة إلى أفسس: ((نال الرب مسحة على رأسه فحلّ اللافساد على كنيسته)). في الأصل، هو عمل استقبال لضيف كبير مثل يسوع. ولكن يسوع هو الذي ربط هذا العمل بدفنه (وقد يكون في ما قال دعوة إلى المرأة لكي تتبعه حتى النهاية).
> اعتراض التلاميذ (آ 8-9)
واعترض التلاميذ بشكل سلبي. لا على العمل. بل على التبذير. هم لا يصيبون أحدًا، لا المرأة ولا يسوع. بل يحتجّون على الواقع. ولكنهم في الواقع ابتعدوا عن يسوع وعن نظرته. تركوه وحده، بانتظار أن يتركوه كلهم ويهربوا (26: 56). قال مر: بعضهم. أما مت فقال: التلاميذ. أجل، ليسوا هذا المثالَ الكبير. أرادوا أن يدلّوا على أنهم فهموا 25: 31-46، وأن ما عملته هذه المرأة لا يدلّ على التقوى الحقيقيّة. ق بابل تعنيت 20 ب (يوزِّع هذا على الفقراء). توسّع مر هنا. أما مت فأوجز الخبر وألغى كل إشارة لا يعتبرها ضروريّة ليصل إلى الجوهريّ. ونشير هنا بشكل عابر إلى أن الخبر يسبقه الحديث عن الفصح. والفصح هو زمن خاص لممارسة المحبّة الاخويّة، ولا سيّما مع الفقراء (يو 13: 29؛ مشناة فصح 9: 11؛ 10: 1).
> دفاع يسوع عن عمل المرأة (آ 19-13)
ظلّ يسوع حتى الآن صامتًا ساكنًا. فجاء جوابه ردًا قاسيًا على اعتراض التلاميذ: ((لمَ تزعجون هذه المرأة)) (آ 10؛ ق لو 11: 7؛ غل 6: 17)؟ ترك مت مقدمة مر (دعوها وشأنها).((عملت لي عملاً حسنًا)). هنا نلاحظ التوازي: 
التلاميذ : قالوا
التلاميذ : لم هذا الاتلاف؟
التلاميذ : هذا الطيب.
يسوع : قال
يسوع : لماذا تزعجون هذه المرأة؟
يسوع : بسبب ما عملت.
إن عمل المرأة العظيم مع اتجاهه الكرستولوجي يتجاوز عمل إحسان. هنا محبّة شخصيّة لشخص يسوع. وهناك عطاء لاشخصيّ لمجموعة من الفقراء في الحاجة. نتذكّر هنا دفن الموتى الذي هو من أعمال الرحمة في العالم اليهوديّ. بل هو أهم من الصدقة وأعمال المحبّة.
وكما في 9: 14-17 (جدال حول الصوم)، ميّز يسوع بين حقبتين: قبل الفصح وبعد الفصح. الزمن بعد الفصحي هو الوقت المناسب لما فعلته هذه المرأة.((الفقراء عندكم كل حين)) (آ 11). هنا نجد التوازي أيضًا في مت: 
لأن دائمًا عندكم فقراء معكم
أما أنا دائمًا فلا أكون معكم.
وفسّر يسوع عمل المرأة على أنه فعلة نبويّة (تدلّ على أبعد من العمل الماديّ، تشير إلى مخطّط الله). ((أفاضت هذا الطيب)) (آ 12). من أجل الدفن. رج تك 50: 2 حسب السبعينية؛ وصية يهوذا 26: 3؛ يو 19: 40. هكذا كانوا يفعلون في الأجساد من أجل دفنها. إن مت (عكس مر 16: 1؛ يو 19: 39) لم يتحدّث عن دهن جسد يسوع بالطيب بعد موته.
حين أعلن يسوع أن هذه المرأة ستكرَّم في العالم كله، كان إعلانه لومًا لتلاميذه. في المسكونة كلها امتُدح هذا العمل. وأهل بيته (تلاميذه) شجبوه!

ج - قراءة لاهوتيّة وروحيّة
حدّد مت ومر ويو موقع الحدث في بيت عنيا على المنحدر الشرقي لجبل الزيتون، قرب الطريق التي تقود من أورشليم إلى أريحا (هي غير بيت عنيا أو بيت حبرا حيث كان يوحنا يعمّد بحسب بعض التقاليد، يو 1: 28). جعل يو المشهد عند لعازر ((الذي أقامه يسوع من الموت)) (12: 1).ولو عند فريسيّ سيوجّه إليه كلامه (7: 36، 40، اسمه سمعان). مت ومر: عند سمعان الأبرص الذي لا يلعب أي دور في الخبر. ولكن التلاميذ سوف يتدخّلون.
كان تدخّل يسوع في مت كما في مر. وقد توخّى أن يدافع عن هذه المرأة ضد انتقادات التلاميذ القاسية. ثم إن المسيح في مت ميّز تمييزًا ملحوظًا بين العمل الصالح بشكل عام الذي يجد نموذجه في الصدقة، والعمل الذي نتمّمه إكرامًا لشخصه: هو لا يعارض في المبدأ بين هذين النوعين من العمل ليجعل العمل الثاني فوق العمل الأول. ولا يقول كما في 25: 31-46 إن كل عمل محبّة نقوم به لأجل إخوته إنما نقوم به لأجله. فالمعارضة بين هذين العملين ليست على مستوى المبدأ بل على المستوى الزمني: فما دام المسيح حاضرًًا هنا، المسيح المتألم، فكل عمل محبّة وسجود (مسيحاني) تجاهه هو أكثر إلحاحًا من الصدقة إلى الفقراء. إذن، نستطيع أن نقرّب هذا الخبر من خبر مرتا ومريم في لو 10: 38-43: بما أن المسيح هو هنا، يجب على الاهتمامات والأعمال الشرعيّة، أن تترك مكانها لعلامات الاكرام والحب الواجبة له. يبقى السؤال: هل نحن هنا فقط أمام حضور تاريخيّ ليسوع الناصري وسط البشر؟ أو حضور روحيّ للمسيح في كنيسته؟ يبدو واضحًا أن يسوع لا يميل هنا إلى جانب الشقاء (25: 31-46). فخدمة المسيح وخدمة الفقراء لا تتضاربان. بل هما في نظر مت ترتبطان ارتباطًا حميمًا.

3 - خيانة يهوذا (26: 14-16)

أ - نظرة عامة 
بعد خبر المسح بالطيب في بيت عنيا، حيث أخذ لو طريقًا غير طريق مت ومر، عاد الازائيون الثلاثة والتقوا ليروا خيانة يهوذا (مر 14: 10-11؛ لو 22: 3-6). وسوف يرون أيضًا دور يهوذا في القبض على يسوع في جتسيماني (26: 47-56 وز)، كما رووا ((تعيين)) الخائن بيد يسوع (26: 20-25). ولكن مت 72: 3-10 (رج أع 1: 16-20) سيكون وحده بين الأناجيل فيروي نهاية يهوذا. إذن، نستطيع القول إن الحصة المكرسة ليهوذا في خبر الحاش المتاويّ هي كبيرة بالنسبة إلى سائر الأحداث.
الألفاظ المستعملة للحديث عمّا فعله يهوذا هي هي في الأناجيل الازائيّة الثلاثة، على مدّ النقاط الرئيسيّة في الخبر: يقدَّم يهوذا بشكل صريح على أنه أحد الاثني عشر (لو: ((كان من عداد الاثني عشر))). إن فعل ((باراديدوناي)) (رج 10: 4، خان، سلّم) يرد مرّتين في كل خبر: أوجز مت خبر مر فألغى فرح عظماء الكهنة.ولكنه فعل ما يفعله عادة، فأضاف إيرادًا من العهد القديم (زك 11: 12). إن صووة يهوذا في الإنجيل كانت موضوع عدّة نظريات تاريخيّة ولاهوتيّة. ولكل مدرسة نظرتها الخاصة إلى الواقع الذي يمكن أن يفسّر هذا الدافع. اعتُبرت هذه الدوافع سيكولوجيّة (مرارة أو حسد تجاه سائر الرسل)، ماليّة (بخل، طمع). مسيحانيّة (خاب أمله حين رأى يسوع يتخلّى عن عمل سياسيّ يحرّر شعبه).
أما اليوم فيهتمّ الشّراح بالإشارة إلى الفكر اللاهوتي الذي يلهم مجموعة الأخبار هذه. عندئذ لا يكون يهوذا إلاّ منفّذ ((ما تقرّر في مجلس الله)) (رج مر 14: 10). وجاء من ينكر صحّة الأخبار حول يهوذا. وعودة مت إلى العهد القديم، والتضارب بين خبَري موت يهوذا (27: 3-10) جعلا الشّراح يرون هنا ((أسطورة)) دون أن يقولوا كيف وُلدت ونمت هذه الأسطورة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إن الاختلافات الجزئية بين النصوص هي علامة على صحّتها. إن خبر يهوذا كان في المسيحيّة الأولى الشكّ الأعظم، وما رُوي في الأناجيل إلاّ لأنه كانت أسباب متينة دفعتهم إلى أن يروا في هذا الخبر حقيقة.

ب - دراسة تفصيلية
أولاً: البنية والمراجع
بعد مقدمة تذكر الظروف (آ 14)، سأل يهوذا السلطات حول المال الذي يناله لقاء ((الصفقة)) (آ 15أ). وتمّ الاتفاق على كميّة من الفضّة (آ 15ب). وذكرت آ 16 ما بعد ذلك: عندئذ أخذ يهوذا يطلب فرصة سانحة لكي يسلم يسوع.
إن 26: 14-16 (مثل لو 22: 3-6) هو نسخة تدوينيّة لما في مر 14: 10-11. أما تحديد المبلغ (آ 15ب) فيرتبط بتقليد يقف وراء مت 27: 3-10.
ثانيًا: التأويل والتفسير
تجاه المرأة التي دهنت يسوع بالطيب، كان يهوذا واحدًا من الاثني عشر، وقد تصرّف بالكذب والخداع. ساعة أعطت المرأة كل مالها ليسوع ولم تفكّر في نفسها، بحث يهوذا عن ربحه الخاص. كانت تضحيتها ثمينة، أما يهوذا فقام بصفقة لقاء كميّة صغيرة من المال.
حوَّل مت نص مر في أربعة أمور. (1) سأل يهوذا عن المال في مت لا في مر (ماذا تريدون أن تعطوني). (2) وحده مت أشار إلى الكمية من المال: ثلاثين من الفضة. (3) أدخل مت لغة زك 11: 11-12 (رج آ 15). (4) في مر ولو وعدت السلطات بأن تدفع ليهوذا (بعد أن يكون قام بالعمل). أما مت فقال إنهم دفعوا له في الحال. هذا ما يهيِّيء الطريق للندامة في 27: 3-10. يجب أن يُدفع المال ليهوذا ليستطيع إعادته.
((عندئذ انطلق أحد الاثني عشر)) (آ 14). عاد الراوي إلى آ 5، وسوف يعود خبر يهوذا في 27: 3-10. ق يو 6: 71. ((إلى رؤساء الكهنة وقال لهم)). زاد مت الفعل ثم الخطبة المباشرة. لم يذهب يهوذا إلى الرومان، بل إلى السلطات اليهوديّة، لأن هذه السلطات هي التي تأخذ القرار مع أو ضدّ يسوع الذي قام برسالة في اسرائيل.
((ماذا تريدون أن تعطوني)) (آ 15). رج مر 14: 10: ((إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم)). غابت الخطبة المباشرة. في مت، برزت فكرة المال بتأثير من زك 11: 12-13 (((فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضّة))). لقد شارك يهوذا أعداء يسوع. وقايض يسوع ببعض المال: لماذا فعل يهوذا ما فعل؟ إن لو ويو ربطا يهوذا بالشيطان، وهناك تقليد قبطي يقول إن ما دفعه إلى عمله هو امرأته (انجيل برتلماوس).
إذا كانت الأمور التاريخيّة غامضة، ففي مت صارت واضحة: القضيّة قضيّة مال. ما يريده يهوذا يعارض كل المعارضة تعليم يسوع: يطلب الفضة (1تم 6: 10، المال أصل كل الشرور). ولكن يهوذا سوف يردّ المال، بحيث لا يمكن الحديث عن جشعه. غير أن مت لا يقدّم لنا شرحًا. وهكذا يبقى خبر الحاش والآلام مغلّفًا بالسرّ.
((جعلوا له ثلاثين من الفضّة)). ق مر 14: 11: ((فلما سمعوا فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضّة)). إن مت الذي يستبق 27: 9 قد تأثّر بما في زك 11: 12: ووزنوا له بالمثقال... هذه العودة إلى العهد القديم تدلّ على أن الخيانة تتوافق مع ما رآه الله مسبقًا. لهذا فانتصار الشرّ الظاهر هو بشكل سريّ عمل الله أيضًا. هذا ما نقرأ في تك 50: 20: ((أنتم نويتم بي شرًا والله نوى بي خيرًا)) (قال يوسف لاخوته).
من أي نوع كانت هذه الثلاثين من الفضة؟ الشاقل الصوري المتعامل به في الهيكل والمذكور في زك 11: 11-12. هذا يعني أن يهوذا ربح ما يساوي أربعة أشهر من العمل بأقلّ تقدير. نتذكّر أن يوسف قد باعه إخوته بعشرين من الفضّة (تك 37: 28). أما وصيّة جاد (2: 3) فتقول إن المال المعطى كان ثلاثين من الفضة. وإن هذا البيع قام به يهوذا وجاد العضوين في مجموعة الاثني عشر. قد نكون هنا أمام نصّ حُرّف في خطّ مسيحيّ. هنا تلاعب على الكلمات بين يهوذا أحد الاثني عشر ويهوذا الخائن أي يوضاس. وهناك نصوص تحوّلت أيضًا في ما يخصّ يوسف بن يعقوب الذي بيع بثلاثين من الفضة: هي نصوص مرّت عليها يد مسيحيّة.
في 10: 9 طلب يسوع من تلاميذه أن لا يأخذوا فضة. أراد يهوذا أن يأخذ الفضة، فدلّ على أنه ليس من تبّاع يسوع: بعد ذلك صار عمله مثل عمل الحرس على القبر الذين قادهم خوفهم إلى الكذب. هم أيضًا أخذوا الفضة من السلطات اليهوديّة (28: 11-15).
((ومنذئذ كان يطلب فرصة)) (آ 16). زاد مت ((منذئذ))، وحوّل العبارة ليشدّد على الفرصة السانحة، على الزمان المناسب والمكان اللذين يكون فيهما يسوع بعيدًا عن الشعب. من أجل هذا، مارس يهوذا صبره.
خاتمة
نسوق ملاحظة ختامية حول كل مقطوعة: 
1 - ظهر خبر الحاش (= الآلام) في مت مع وجهين رئيسيين: الأول هو يسوع والثاني هو الجماعة المؤلَّفة من رؤساء اليهود في أورشليم. وظهر الاثنان هنا حيث لعب كل واحد دوره. أما دور ابن الانسان فالطاعة لإرادة الآب وبالتالي التألّم من الخيانة حتى الصلب. ودور أعدائه أن يتآمروا ويخطّطوا من أجل الهدف عينه. في معنى من المعاني، هدف الفئتين هدف واحد. والهدفان يقودان إلى الصليب. ولكن في معنى أهم، هذان الهدفات يتناقضان. ما يتوق إليه يسوع هو ما حدّدته مشيئة الله. وموضوع القوّاد اليهود في نظر مت قد وُلد من خطيئة البشر.
2 - كانت آ 3-5 جوابًا على رسالة يسوع، كانت مقاومة من قبل الرؤساء، وستتواصل هذه المقاومة في آ 14-16. أما آ 6-13 فتصوّر جوابين مختلفين. الخدمة لدى امرأة لم يذكر اسمها، عدم الفهم لدى التلاميذ. وفكرة المسح بالطيب (أو بالزيت) كما كان يُصنع للملوك والكهنة، هي أيضًا عمل من أجل الموتى. هذا يعني أن يسوع هو الملك المسيحاني الذي عرشه هو الصليب (والمرأة تدلّ على أورشليم). والمسح بالطيب هو أيضًا عمل محبّة. وهو يأتي بشكل أفضل بعد 25: 31-46 الذي يعطي المعنى العميق لأقلّ عمل من أعمال الرحمة. وما قامت به هذه المرأة من أجل دفن يسوع هو عمل رحمة، لا تجاه صورة يسوع على الأرض،، بل تجاه يسوع بالذات، لهذا ستُذكر في العالم كله.
3 - حين بدأ يهوذا ببحث عن الفرصة السانحة لكي يسلم يسوع، خسر حرّيته على مستوى الكلام والعمل. صار دمية بين يدي الرؤساء. أما بالنسبة إلى يسوع، فيرينا الخبر حرّيته الأخيرة. وهكذا تأخذ أعماله وأعمال الذين حوله مدلولاً كبيرًا جدًا. لم يعد من أمر صغير في خبر الآلام. فالشرّ يصير شرًا كبيرًا، والخير خيرًا أكبر. وهكذا تصبح خطيئة يهوذا أكبر شكّ لدى الجماعة المسيحيّة الأولى.
الفصل الثامن عشر

العشاء السرّي
26: 17-35

إن يهوذا يسلم يسوع. بل إن يسوع يسلم ذاته حين يقدّم جسده ليُؤكل ودمه ليُشرب. فالجسد يدلّ على الشخص كله والدم على الحياة. وهكذا يقدّم يسوع ذاته، يقدم حياته في ذاك العشاء الذي يختلف عن كل عشاءاتنا، الذي هو النموذج لاحتفالاتنا في اليوم الأول من الاسبوع: نسمع الكلمة ونكسر الخبز كما فعل يسوع مع تلميذي عمّاوس فدلّ على حضوره. ولكن يسوع هو وحده المخلّص. لهذا سوف يتنكّر له بطرس ويتركه. بل يتشتّت كل تلاميذه. هذا ما يعرفه يسوع وينبئ به تلاميذه رغم احتجاجات بطرس. هو وحده يسير في المقدمة، يحمل صليبه... والبشر يحاولون السير وراءه. لا في الحال، بل بعد وقت قليل... بعد القيامة، سيفهم الرسل طريق الآلام الذي سار فيه يسوع. أما الآن، فيسوع يقدّم ذاته وهم سيهربون. هذا هو مخطّط الآب.
نقسم هذا النصّ قسمين. في الأول (26: 17-29) نتوقّف عند العشاء السري وما سبقه من تهيئة ومن حديث عن الخائن. وفي الثاني (26: 30-35) نسمع كلام يسوع عن بطرس وعن الرسل. واحد سيخون، والآخرون يهربون.

1 - العشاء السرّي (26: 17-29)

أ - نظرة عامة
أولاً: مقدّمة
نقرأ هنا ثلاث مقطوعات صغيرة.
بعد خبر خيانة يهوذا، جعلت الأناجيل الازائيّة الثلاثة خبر الاعداد لذبيحة الفصح. أمرَ المعلّم التلاميذ فذهبوا يعدّون ما يلزم. اذهبوا إلى المدينة. فيسوع قد سبق وأعدّ كل شيء واتّفق مع صاحب الدار.
ما هي الفكرة التي تسند هذا النص؟ تجاه استعدادات يوضاس، هناك استعدادات سريّة، الاستعدادات لعشاء الفصح، وسيكون فصحًا لم يعرفه اليهود ولن يعرفوه إلاّ إذا نزعوا البرقع عن عيونهم. فالذي يخونه تلميذه اليوم يُشرف بشكل سام جدًا على تسلسل الأحداث. وهو يعطي تعليماته لتلاميذه، والجميع يأخذون الاحتياطات اللازمة. ساعة كان يهوذا يطلب فرصة مؤاتية (14: 12-16؛ رج لو 22: 7-13) (اوكايريان آ 16)، أكّد يسوع أن زمانه (كايروس آ 18) قريب.
انطلق مت من نصّ مر ولكنه بسّطه بدرجة كبيرة، بحيث يصعب فهمه على من يجهل نصّ مر. بسّط مت لكي يُفرد المكان كله من أجل التعليم اللاهوتي الذي يريد أن يعطينا إياه، ولو نقص بعضُ المنطق على مستوى الخبر.
ثانيًا: يسوع يتحدّث عن الخائن (آ 20 - 25)
تحدّثنا في 26: 14-16 عن وجه يهوذا الخائن. وهذا الجزء الثاني في ((حلقة)) يهوذا نقرأه في الأناجيل الازائىة الثلاثة (مر 14: 17-21؛ لو 22: 14، 21-23). غير أن لو قد نقل المهمّ بعد خبر عشاء يسوع الأخير مع تلاميذه (لو 22: 12-23). تبع مت عن قرب نصّ مر وما زاد عليه إلاّ تحويلاً هامًا واحدًا: حوار يسوع مع يهوذا في آ 25 (ألعلي أنا رابي - أنت قلت) التي ظلّت غامضة كما أرادها الانجيليّ. ونجد هذا الحدث عينه في يو 13: 21-30 بعد أن تحوّل تحوّلاً عميقًا. دلّ يسوع على الخائن بشكل أوضح، بل أمره بأن يقوم في الحال بعمله الشيطانيّ (ما أنت فاعله فافعله). وهكذا يكون الخبر قد تطوّر من مر إلى يو عبر مت، في خطّ مواجهة أقل التباسًا بين يهوذا ويسوع. ولكن يوضاس يُهاجم في أي وقت من الخبر. فنظرة الانجيليين إلى المسؤولية غير نظرتنا. فهُم في هذا الحدث كما على مدّ خبر الحاش لا يحاولون أن يفسّروا الوقائع ولا أن يشدّدوا على المسؤوليات الفردية. بل ينصبّ كل اهتمامهم على ذاك الذي يقود كل شيء إلى التتمّة التي اختيرت مسبقًا. على هذا الأساس نفهم آ 24 (ويل لذلك الانسان الذي يسلّم ابن البشر) التي تشكك نظرتنا اليوم إلى الأمور.
ثالثًا: عشاء يسوع الأخير مع تلاميذه (آ 26-29)
هو عشاء الرب، والافخارستيا، والاحتفال بالقداس الذي يذكره أيضًا مر 14: 22-25 ولو 22: 15-20 و1كور 11: 23-35. وهنا نطرح ثلاثة أسئلة: الاول: هل نحن أمام عشاء فصحيّ فسّر خلاله يسوع لتلاميذه موته ومجيئه الآتي؟ الثاني: هل أتمّ يسوع عملاً فريدًا لا يتكرّر، أو نظّم احتفالاً مع أمر بتكراره كما نجد في 1كور 11: 23-35 (اصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي)؟ الثالث: أي الأخبار أقرب إلى التاريخ؟ مر ومت أو لو الذي هو قريب من 1كور 11؟
تأتي هذه الأسئلة في الدرجة الثانية، أما هدفنا الاول فهو فهم نص مت مهما كانت قيمته الوثائقية من أجل معرفتنا لسيرة يسوع. مهما كانت نظرته اللاهوتيّة التي دوّنت خمسين سنة بعد الأحداث. فكما على مدّ خبر الحاش، تبع مت هنا نص مر عن قرب. أما التحويلات التي جعلها فهي بحسب خطّه العام. جعل الكلام أوضح وأقرب إلى الفهم؟ زاد ((يسوع)) و((كلوا)) في آ 26. حوّل خبر مر من صيغة الماضي إلى صيغة الأمر في آ 27 (شربوا كلهم. صارت: اشربوا كلكم). زاد عبارة: ((لغفران الخطايا)) التي توضح معنى عبارة مر ((من أجل كثيرين)).
روى مر آخر عشاء ليسوع. وحين رواه مت كشف معناه لسامعين مسيحيين اعتادوا أن يحتفلوا بالافخارستيا. في هذا المعنى نستطيع القول: نصّ مر اخباريّ في الدرجة الاولى. ونص مت ليتورجيّ، أو: يرتدي التعبير المتاوي لهجة ليتورجيّة موسّعة. ونلاحظ حالاً الطابع الأصيل لهذه الليتورجيا: فهي تقوم بأن تورد أقوال يسوع وأعماله خلال عشائه الأخير مع تلاميذه. هنا لا نعتبر، كما يحسب البعض، أن ما هو ليتورجيّ لا قيمة وثائقيّة له. بل يبدو أن أقوال يسوع التي جُعلت في عبارات عباديّة، قد حظيت بالحصّة الكبرى في التقليد الشفهي. وحين نتفحّص هذه الآيات، نتذكّر المحيطات الثلاثة التي ترتبط بها مبنى ومعنى. عيد الفصح اليهودي في وجهتيه الرئيسيتين من ذبيحة في الهيكل وعشاء عائلي في بداية الليل. ثم: الغداء المقدس لدى الاسيانيين. وأخيرًا: المحيط المسيحي الأولاني كما نكتشفه في مت وأعمال الرسل والرسائل ولاسيّما 1كور11.
ب - دراسة تفصيليّة
أولاً: البنية والمراجع
إن 26: 17-29 يتضمّن ثلاثة مشاهد: الاستعداد للفصح (آ 17-19)، الانباء بخيانة يهوذا (آ 20-25)، العشاء الأخير (آ 26-29). هذه المشاهد ارتبطت بموضوع واحد. يسوع هو حمل الفصح الأخير. وضمّت ذات الأشخاص: يسوع وتلاميذه. وشاركت في اللغة الواحدة: أكل (آ 17، 21، 26)، تلاميذ (آ 17، 18، 20، 26)، أقول لكم (آ 21، 29) . وأخيرًا تضمّن كل مشهد نبوءة من يسوع. في آ 18: اذهبوا إلى المدينة، إلى فلان... في آ 23-24: الذي غمس في الصحفة هو يسلمني. في آ 29: لن أشرب من عصير الكرمة...
أما المرجع الوحيد لما في مت 26: 17-29 فهو مر 14. فالاتفاقات مع مراجع أخرى ضد مر هي قليلة: 26: 18 = لو 22: 10 - مر 14: 13 (أما هو فقال)؛ 26: 23 = لو 22: 21 - مر 14: 20 (يده)؛ 26: 27 = لو 22: 20 - مر 14: 24 (قائلاً)؛ 26: 29 = لو 22: 18 - مر 14: 25 (ألغى آمين)؟ 26: 29 = لو 22: 18 - 14: 25 (زاد ((أبو)) اليونانيّة).
ويُطرح السؤال الأساسيّ: هل تبديل كلمات التأسيس في مت تعكس استعمالاً ليتورجيًا؟ أم هي أمور محض تدوينيّة (دوّنها متّى في خطّه)؟ معظم الشّراح يقولون إننا أمام استعمال ليتورجي. فحين وصل الانجيلي إلى عشاء الرب، وهو عمل ليتورجيّ معروف في جماعته، استعاد النسخة التي عرفتها كنيسته. ولكن يُطرح السؤال الذي يُطرح حول الصلاة الربية (6: 9-13). ولكن لا جواب.
إن خبر العشاء الأخير يستند إلى أولويّة مر، لا إلى أولويّة مت. وما يدلّ على ذلك هو إبراز التوازي بين الآيات كما في النصوص الليتورجيّة. وهكذا جاءت نسخة مت متأخّرة بالنسبة إلى نسخة مر. وضع مت 26: 28 ((لغفران الخطايا)) مع دم يسوع. فلماذا يلغي مر مثل هذه العبارة؟
ثانيًا: التأويل والتفسير (26: 17-29)
> الاستعداد للفصح (آ 17-19)
وضعُ هذا المقطع تجاه موافقة يهوذا (= يوضاس) على خيانة يسوع، يجعل تهيئة يسوع للفصح تجاه تهيئة يهوذا للخيانة. طلب الخائن فرصة سانحة للخيانة. وكذلك فعل ابن الانسان فدلّ على سلطانه السامي. أمر تلاميذه أن يذهبوا. علّمهم ماذا يقولون. دلّ على معرفته بالمستقبل. فعاد إلى نفسه كـ ((المعلّم)) (يقول المعلّم) الذي لا ينتظر دعوة، بل يعطي الأوامر لمضيفه: ((عندك أصنع الفصح مع تلاميذي)).
إن 26: 17-19 يحمل بنية بسيطة ذات دلالة لاهوتيّة. سؤال إلى التلاميذ (آ 17) يتبعه أمر يسوع (آ 8)، يليه تنفيذ ما أمر به يسوع (آ 19). قام مت ببعض التبديلات في نصّ مر. أهمّها التشديد على معرفة يسوع المسبقة، على خضوعه لزمانه (كايروس)، على طاعة التلاميذ له. ثم إنه أوجز مر، وعاد إلى التلاميذ بشكل عام لا إلى تلميذين: ترك عبارة ((رجل يحمل جرّة ماء)). وزاد: ((زماني قريب)) (آ 18 - مر 14: 14). حوّل سؤال يسوع إلى قول إيجابي (آ 18 - مر 14: 14)، وزاد تلميحًا إلى خر 12: 28 فجعلنا في خطّ خروج جديد.
السؤال في آ 17 يتعارض مع السؤال في آ 15: سأل يهوذا كيف يستطيع أن يخون يسوع. وسأل التلاميذ كيف يستطيعون أن يخدموا يسوع. اليوم الأول من الفطير ليس عيد الفصح، بل 15 نيسان (يوسيفوس، العاديات، 18: 29). ولكن الناس كانوا يخلطون بين الاثنين. أما بالنسبة إلى مت ومر فالمهمّ ربط موت يسوع بعيد الفصح.
((أين تريد...))؟ وأعطى أوامره (آ 18). هنا أوجز مت نص مر. ((فلان)) (رج 1صم 10: 1ي). المهمّ ليس الشخص وهويته، بل يسوع الذي يقيم الفصح. سيكون يسوع ((ربّ البيت)) لا ((فلان)). أطاع التلاميذ المعلّم، فصاروا مثال الجواب الصحيح (رج مثل الابنين): خدموا يسوع حين عملوا حسب ما قال لهم: نلاحظ التوازي بين آ 17 وآ 19.
آ 17 التلاميذ (قالوا لـ ) يسوع نعدّ الفصح
آ 19 التلاميذ (أمرهم) يسوع أعدّوا الفصح.
> الانباء بالخائن (26: 20-25)
الكلمة المفتاح في هذه المقطوعة هي ((باراديدومي)) (آ 21، 23، 24، 25): أسلم. في حقل التلاميذ الحنطة والزؤان، السمك الجيّد والسمك الرديء (ف 13). تركيز المشهد (آ 20-21أ) يقدّم حوارًا موازيًا: 
النبوءة: أنبأ يسوع بالخائن (آ 21ب): ((واحد منكم سيسلمني)).
الجواب: سأل التلاميذ: ألعلّي أنا يا رب (آ 22)؟ أكيد، لست أنا!
التعرّف إلى الشخص: ((الذي غمس يده في الصحفة)) (آ 23).
النبوءة: أنبأ يسوع مرة أخرى بالخائن (آ 24): ((ويل لذاك الرجل)).
الجواب: سأل يهوذا: ((ألعلي أنا رابي)) (آ 25أ)؟
التعرّف إلى الشخص: ((أنت قلت)) (آ 25ب).
يبرز التوازي تطوّرًا يميّز يهوذا عن سائر التلاميذ. شدّدت آ 21-23 على التلاميذ (الذين سمّوا يسوع ((الرب))). أما التعرّف في آ 23 فقاد بصورة طبيعية إلى آ 24-25 الذي شدّد على الخائن (الذي دعا يسوع ((رابي))، مثل اليهود لا مثل المسيحيين الذين رأوا في يسوع ((الربّ). لهذا جاءت النبوءة الثانية (آ 24) مختلفة عن الأولى (آ 21). ثم صيغة مع ((الويل)) الموجّه إلى ذاك الرجل، إلى الخائن، إلى يهوذا (آ 24). ونلاحظ الكلام في شكل تصالب: 
في آ 22 -23 يقول أجاب وقال
في آ 25 أجاب وقال فقال.
أجل، إن يهوذا يختلف عن الآخرين. وبدّل مت النص في ثلاثة أمور. (1) ألغى التلميح إلى مز 41: 9 (الذي يأكل معي). (2) أدخل لفظة ((الربّ)) في سؤال التلاميذ (آ 22- مر 14: 19. هذا ما يهيّئ استعمال ((رابي)) في فم يهوذا، آ 25). (3) زاد الحوار بين يسوع والخائن (آ 25). هذا التبديل الأخير أزال الالتباس عن التماهي بين يهوذا والخائن (رج يو 13: 26). هناك من ناقش تاريخيّة هذا الخبر. ولكن يبقى أن ارتباط حياة يسوع بالعشاء الأخير هو تقليديّ منذ كتب بولس 1كور.
في آ 20 نجد تركيز المشهد: يعيش يسوع عشاء الوداع. رج تك 27: 1-40؛ يوبيلات 22: 1-23: 1؛ 36: 17-19؛ وصيّة نفتالي 1: 1-4؛ 9: 2؛ يو 13: 1ي. نلاحظ هنا إشارة إلى وليمة العهد في خر 24: 3-6 حيث كانت القبائل الاثنتا عشر ممثّلة (خر 24: 4). قال يسوع إنه سيُسلم (آ 22)، ولكن لم يعتبر التلاميذ أن واحدًا منهم سيسلم الرب. هذا مستحيل! ((الذي غمس)) (آ 23). قد يعني يهوذا الذي يغمس يده في هذه اللحظة. قد يعني واحدًا من الاثني عشر، لأن الجميع غمسوا يدهم في الصحفة. عندئذ يكون التشديد على فظاعة العمل في خطّ المزمور (من أكل معي رفع عليّ عقبه).
إن آ 24 تكرّر ما في آ 21، ولكن محلّ ((واحد منكم)) نجد ((هذا الرجل)). ومحل ((أنا)) (سيسلمني أنا) نجد ((ابن الانسان)) (يسلم ابن الانسان). نلاحظ لفظة ((انسان)) (انتروبوس): 
ابن الانسان ذاهب كما كُتب عنه
ولكن الويل لذلك الانسان الذي به
يُسلم ابن الانسان 
كان خيرًا لذاك الانسان.
((ويل لذلك الرجل)) (آ 24). تتحدَّث الآية عمّا هو مكتوب. هي لا تعارض مسؤوليّة الانسان، ولكنها تدلّ على أن هذا العمل بما فيه من شرّ يدخل في حسابات الله، لا يأخذ الله على غفلة. حتى لو كان الانسان ((أداة)) في يد الله الذي يخرج من الشر خيرًا، فعمله يحسب له. هنا نتذكّر آ 20-24: 
الويل لذلك الرجل (كلام يوجّه إلى يهوذا)
الذي به يسلم ابن الانسان (الجريمة)
كان خيرًا له لو لم يُولد (نبوءة عن العقاب).
> يسوع يأكل عشاء الفصح (آ 26-29)
هنا تفسَّر مأساة المقطوعة السابقة (آ 20-25) كمأساة فداء وخلاص. يسوع الذي خانوه وأسلموه صار ذبيحة يراق دمُها عن الكثيرين. في هذا الوقت، يدشّن عبد الله المتألّم، الذي يقدّم نفسه بإرادته، العهدَ الجديد من أجل الجماعة الجديدة.
إن نسخة مت عن العشاء الأخير قد اغتنت بارتباطها بنصوص أخرى. فإن آ 26أ و27أ تشيران إلى خبر تكثير الأرغفة في ف 14 وف 15. كانت هناك صورة مسبقة للعشاء الأخير في معجزتي تكثير الأرغفة. وارتبط هذا المقطع أيضًا بالخبز الذي نطلبه من الرب في صلاة ((الأبانا)). وعبارة دم العهد تعود إلى خر 24: 8 فتجعل عمل يسوع شبيهًا بعمل موسى. والعودة إلى ((العهد)) تذكّرنا بما في إر 31: 31. و((أفيض عن الكثيرين)) تعود إلى أش 53: 12، وتعني أن يسوع في موته هو عبد يهوه المتألم كما في أشعيا.
روى متّى حدثًا من الماضي هو عشاء يسوع الأخير مع تلاميذه. ولكن قرّاء مت الأولين رأوا في العشاء الأخير تأسيس عشاء الربّ، الافخارستيا. إن آ 26-29 هي خبر يربطنا بأساس شعيرة من شعائر العبادة.
يستعيد مت خبر مر، ولكنه يتميّز عنه في ثلاثة أمور لها مدلولها. (1) شدّد مت على توازي الكلمات حول الخبز وحول الكأس (آ 27). (2) جاء كلام يسوع في صيغة الأمر حين أعطى تلاميذه الكأس ليشربوا: ((اشربوا من هذا كلكم)) (آ 27 - مر 14: 23). (3) لا نجد ((لغفران الخطايا)) إلاّ في مت (آ 28 - مر 14: 24).
إن تاريخ التقليد حول كلمات التأسيس هو متشعّب وغير أكيد. يتضمّن العهد الجديد أربعة نصوص: مت 26: 26-29؛ مر 14: 23-26؛ لو 22: 19-20 (نصّ لو الطويل هو النصّ الاصلي)؛ 1كور 11: 23-25. تحدّث يو 13: 1 عن العشاء الأخير، ولكنه لم يورد كلمات الربّ على الخبز وعلى الخمر (لكن رج يو 6: 51-58). إن خبر مت هو توسّع في خبر مر. وهكذا نبقى أمام مر، لو، 1كور. هناك توافق بين لو و1كور تجاه مت ومر، وهكذا نكون أمام المقابلة التالية: 
مر + مت بولس + لو
أخذ خبزًا أخذ الخبز
بارك شكر
كسر كسر
قال قال
أخذ -
هذا هو جسدي هذا هو جسدي
- الذي يُبذل لأجلكم
- إصنعوا هذا لذكري
وأخذ الكأس وكذلك الكأس
- بعد العشاء
شكر -
هذا هو دمي هي الكأس
(دم) العهد العهد الجديد في دمي.
فسِّرت العلاقات بطرق مختلفة. (1) جمع لو تقليد بولس مع تقليد مر القديم. (2) احتفظ لو بتقليد قديم وتوسّع فيه في اتجاهين مختلفين، واحد مثّله مر والآخر لو (هناك من بنى في الأساس نصًا أراميًا). (3) خبر بولس هو الأقدم، وخبر لو أقدم من خبر مر. (4) الروايات الثلاث تحتفظ بتقليد قديم، وليس من رواية أقرب إلى الأصل من الرواية الاخرى. ماذا نقول بعد كل هذه الآراء؟ احتفظ مر بالشكل الأقدم لكلمة حول الخبز. ولو وبولس بالكلمة حول الكأس. وقد نستطيع أن نتصوّر المرحلة الأولى كما يلي: 
- مقدّمة للكلمة حول الخبز
- هذا هو جسدي
- مقدّمة للكلمة حول الكأس
- هذه الكأس هي العهد (الجديد) في دمي
- أقول لكم: لن آكل من ثمر الكرمة حتى اليوم الذي أشربه جديدًا في ملكوت الله.
((وفيما هم يأكلون)) (آ 26). كما كان التقليد يفسّر معنى الخبز، كذلك فعل يسوع ولكن بطريقة جديدة كل الجدّة. لم يُذكر الحمل ولا الكاسات الأربع والخبز الفطير ولا التفسير التقليديّ للسرّ ولا تفاصيل أخرى حول الفصح. هكذا تميّز عشاء يسوع عن عشاء الفصح.
اختلفت آ 27 عن 1كور 11: 25، فلم تترك فسحة بين أكل الخبز وشرب الكأس. ولكن بما أن متّى يجعلنا في إطار الفصح، فنستطيع أن نفترض فسحة. ((أخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً)). ق مر؛ لو 22: 19؛ 1كور 11: 24. زاد مت ((الواو)) (كاي) و ((قائلاً)) (لاغون)، فصار الكلام في الخطبة المباشرة. وهكذا برز التوازي كما في النصوص الليتورجيّة.
آ 26 - آخذًا خبزًا و مباركًا أعطى تلاميذه قائلاً كلوا هذا هو جسدي
آ 27 - آخذًا كأسًا و شاكرًا أعطى هم قائلاً اشربوا هذا هو دمي.
إن دم يسوع الذي يُعطي لمغفرة الخطايا يتوافق مع الخلاص الذي هو عطيّة الله. ولكن يبدو أن النقطة الرئيسيّة هي أن ذبيحة يسوع هي أساس العهد الجديد. ((هذا هو دمي للعهد)) (آ 28). ق زك 9: 11 (لأجل عهدي المختوم يوم الضحايا)؛ لو 22: 2؛ 1كور 11: 25. جُعل الخمر مع الدم هنا كما في تك 49: 11 (دم العنب)؛ تث 32: 14؛ أش 63: 3، 6؛ سي 39: 26. هناك علاقة بين ما فعله يسوع وما فعله موسى. كما نحر موسى ذبيحة بحيث يستطيع شعبه أن يدخل في عهد مع الله، هكذا فعل يسوع المخلّص فدشّن عهدًا آخر حين قدّم دمه، قدّم حياته، لغفران الخطايا (لا 17: 14: ((حياة كل بشر هي دمه)) ).
((لغفران الخطايا)). لا نجد ما يوازي هذه العبارة في الروايات الموازية حول العشاء الأخير، وهي عبارة تشير إلى موت يسوع الفدائيّ، إلى موته لخلاص من عبوديّة الخطيئة، كما في روم 11: 26-27 وعب 10: 16-19؛ 11: 15؛ ارتبط العهد الجديد مع غفران الخطايا. والنتيجة هي تفسير 1: 21 (تسمّيه يسوع لأنه يخلّص): يسوع يخلّص شعبه من خطاياهم بموته لأجلهم. وبتأمين علاقة جديدة مع الله لهم.
وتأتي في آ 29 نبوءة يسوع حول الامتناع عن الشرب من عصير الكرمة. هي تتحدّث مسبقًا عن موته القريب وقيامته وانتصاره في نهاية الأزمنة. وهكذا لا يكون عشاء الرب تذكارًا فقط، بل نبوءة أيضًا. ((لن أشرب بعد)) (آ 29). ق 1كور 11: 25؛ انجيل العبرانيين الجزء 7 (في ايرونيموس، الرجال المشهورين 2): حلف يعقوب ((أنه لن يأكل منذ هذه الساعة التي فيها شرب كأس الربّ حتى يراه قائمًا من بين الراقدين)). وهناك صلاة الفصح لكي يتذكّر الربُّ مسيحه، ابن داود خادمه.
إن اعلان يسوع الاحتفالي بالامتناع عن الشراب، يربط العشاء الأخير بالوليمة الاسكاتولوجيّة (هذا اليوم = يوم الرب الاسكاتولوجيّ). ستتحوّل الجماعة إلى ما يسمّيه الوحي ((عشاء الزواج مع الحمل)). إذا تحطّمت الجماعة يُعاد بناؤها في تكوين جديد (مت 19: 28). هناك شرّاح عديدون تطلّعوا إلى جماعة ما بعد الفصح، إلى ظهورات يسوع بعد القيامة (أع 10: 41؛ انجيل العبرانيين حزء ،7 الذهبي الفم، في مت عظة 82: 2). ولكن لا ننسى أن الخمر وشرب الخمر هما رمز الدهر الآتي (تك 49: 11-12؛ أش 25: 6؛ يوء 2: 24؛ 3: 18؛ عا 9: 13؛ 1أخنوخ 10: 19؛ 2با 29: 5) وأن الملكوت يصوَّر في النهاية بشكل وليمة (مت 8: 11؛ 22: 1-14؛ 25: 10) في انجيل متى. وأن البعد الاسكاتولوجي في أفخارستية المسيحيين الأولين ظاهرة منذ رسائل بولس وتعليم الرسل (الديداكيه).

ج - قراءة لاهوتيّة وروحيّة 
أولاً: في اليوم الأول من الفطير (آ 17-19)
جعل الازائيون الثلاثة حدث العشاء في اليوم الأول من الفطير. وحدّد مر ولو أنه كان يوم الذبيحة الفصحيّة. تجنّب مت هذا التفصيل الذي بدا حاملاً الصعوبات. وهكذا اقترب بعض الشيء من كرونولوجيّة يو. كان الفطير خبزًا مدوّرًا ومسطحًا، وقد طُبخ بدون خمير. كانوا يهيِّئونه حين يدهمهم الوقت (ضيف لم ينتظروه، وقت الحصاد). هذا الخبز الفطير (= بدون خمير) كان مفروضًا في جميع الذبائح التي يلعب فيها الخبز دورًا هامًا: خبز التقدمة. الخبز الذي يؤكل في سبعة أيام عيد الفطير (تث 16: 1-8).
في مساء الرابع عشر من نيزان يُبعد كلُّ خمير من البيوت. ولفظة ((فصح)) تعني أولاً اليوم الأول من عيد الفطير. وتعني أيضًا سبعة أيام العيد. كان حملُ الفصح يُذبح في 14 نيزان، ولكن لا يؤكل قبل غروب الشمس، أي في الساعات الأولى من 15 نيزان. كان عيد الفصح في الأصل عيدًا زراعيًا (عيد بواكير الشعير) فصار تذكارًا للخروج من مصر (خر 34: 18؛ 23: 15؛ تث 16: 3).
حسب يو 18: 28 و19: 14 وبعض تفاصيل الأخبار الإزائيّة، صُلب يسوع يوم ذبيحة الفصح. لهذا نظنّ أنه أكل عشاءه الأخير مع تلاميذه ليلة الفصح. هل نستنتج أن هذا العشاء لم يكن عشاء فصحيًا؟ أو هل كان عشاء فصح قبل عيد الفصح قد تمّ في الخفاء، بحيث لا يدري به أحد؟ هذه الفرضيّة تبدو معقولة. لن نتوقّف عند جدالات لا ترتبط بالتأويل في المعنى الحصري. نلاحظ أن هذا العشاء، في فكر مت، كان حقًا عشاء فصحيًا. وإذا كانت العبارة المتّاوية ((اليوم الأول من الفطير)) قد دلّت على يوم ذبيحة الفصح (أو اليوم التالي إذا سرنا بحسب التقليد، أي 15 نيزان)، تدلّ نهاية آ 17 أننا في الواقع في العشيّة، والعشيّة (منذ غياب الشمس) تخصّ يوم الاحتفال بالحمل الفصحيّ. كانوا يقولون: يُذبح الحمل بين الغروبين، أي بين غروب الشمس وغروب الضوء، قبل أن يحلّ الظلام.
أخذ المسيح القرارات المفيدة من أجل هذا العشاء. سأله تلاميذه، فما أرسل فقط اثنين (كما قال مر؛ قال لو: بطرس ويوحنا)، بل أرسل تلاميذه الذين يؤلّفون جماعة متماسكة في مت. وعبارة ((عند فلان)) عبارة خاصة بمتّى الذي يركّز على الأساس بحيث يصبح عدد من الأمور غامضًا. هنا نشير إلى أن زمان (كايروس) يسوع ليس زمان الطعام ولا زمان عودته، بل زمان موته (رج 8: 29؛ 13: 30؛ 24: 45). هذه اللفظة قريبة من((الساعة)) عند يوحنا، ساعة الابن (يو 2: 4؛ 13: 1).
ثانيًا: ولما كان المساء (آ 20-25)
وما إن اتكأ التلاميذ (آ 20) حتى بادر يسوع إلى الكلام. يتحدّث النصّ عن حضور الاثني عشر (مت: التلاميذ 12؛ مر: الاثنا عشر؛ لو: الرسل). ولكن على مدّ الخبر، لن يكونوا سوى شهود مدهوشين ومضطربين أمام ما يقوله يسوع. لسنا أمام غداء ((بسيط)) في إطار حميم من الحياة العائليّة. فيسوع وتلاميذه اتكأوا إلى المائدة (أناكايماي، 9: 10؛ 26: 7). لا شيء يدلّ حتى الآن أننا أمام عشاء فصحيّ (رج آ 17-19). ولكن لا شيء ينفي ذلك. ويعود فعل ((باراديدومي)) الذي يعني: أسلم، خان.
قال يسوع: واحد سيُسلمني. وسأل التلاميذ بعضهم بعضًا. في مت سألوا المعلّم. هذه الأسئلة المقلقة تقابل المناخ العام للخبر: تضايق الرسل لشعورهم بأن شرًا ما يتهيّأ. ما عادوا أكيدين من شيء. هم يخافون قوى الشرّ التي قد تنقضّ عليهم. وفعل ((إمباينو)) (حرفيًا: غرق. هنا فقط وفي مر 14: 20، غمس) يدلّ على ما تقوم به اليد لتأخذ شيئًا تأكله من الصفحة الوحيدة التي بين الجميع. ولفظة ((تروبليون)) لا تعني صحن شخص فرد، بل الصحفة حيث يأكل الجميع. لن نتوقّف على الصورة الخارجيّة، بل على المدلول الرمزيّ كما في يو 13: 26: هذا الذي يسلمني ينتمي إلى حلقة حميمة، حلقة الرسل. استقبلتُه اليوم، ولكنه خان أصول الضيافة. داس العلاقة التي تربط الضيف بمضيفه.
وتحدّث يسوع عن نفسه. سمّى نفسه ((ابن الانسان)) (آ 24). واستعاد اعلان 18: 9-7 حول الشكوك، وربطه بما يحدث للتلاميذ بمناسبة آلامه. أما ضرورة الشكوك فتصبح أمرًا ملموسًا في مخطّط الله المسجَّل في الكتب المقدّسة. فالنظرة إلى التاريخ هي هي: بما أن الله يُشرف على الأحداث، فالانجيليّ لا ينفي المسؤوليّة الشخصيّة. سيُسلم ابنُ الانسان بواسطة يهوذا الذي هو أداة الشيطان. بل في النهاية أداة في يد الله. ليس مسؤولاً في المعنى المطلق للكلمة، لأنه ليس الانسان هو الذي يصنع التاريخ، ولكنه يقوم بدوره على مستواه في التاريخ. لهذا عبّرت أداة ((الويل)) عن الحزن وعن اللعنة معًا (23: 26ي). ونحن نستطيع أن نفهم آ 25 في معنى جبانة من قبل يهوذا، لأنه يعرف أنه يسلم يسوع. أو نفهمها في معنى تأكيد سام (بفم المسيح) لمخطَّط غامض في فكر يهوذا. هذه النظرة الثانية توافق موافقة أفضل صورة يهوذا في مت.
ثالثًا: وفيما هم يأكلون (آ 26-29)
بدأت آ 26 بذات الكلمات التي بها بدأت آ 21: ((وفيما هم يأكلون)). هذا ما يدلّ على أن المقطوعتين (آ 20-25 وآ 26-29) كانتا مستقلّتين في الأصل. نظنّ أن الانجيليّ فكّر في وقت الطعام بالذات، أو أننا في القسم الثاني من الطعام الفصحيّ. في البداية، تُلفظ مباركتان للعيد والخمر على كأس أولى. ثم كانوا يغسلون اليد اليمنى ويأكلون مرّة أولى الأعشاب المرّة في صلصة مالحة. وكانوا يمضغونها على مهل ليتذكّروا مرارة سنوات العبوديّة. عندذاك يصلون إلى الجزء الرئيسيّ من الطعام.
وافقت فعلةُ يسوع كل الموافقة فعلة ربّ البيت في العشاء الفصحيّ اليهوديّ. ولكن هذا العيد كان يسبقه (1) تعليم طويل وجميل حول مدلول الخبز والحمل (خر12: 23؛ دم الحمل حمى العبرانيين من ضربات الملاك المهلك) والخمر.(2) وتلاوة القسم الأول من مزمور الهلل (113 أو 113-114)، وشرب الكأس الثانية من الخمر. نظنّ أن التقليد المسيحي لم يحتفظ بهذه العناصر التي لم تكن مفيدة له، أو أنّ يسوع لم يحتفل بعشاء الفصح بحذافيره. بل حوّل فيه ما شاء بسلطانه (كما حوّل شريعة السبت وشريعة الطهارة...). لا نختار بين الفرضيّتين.
في خبر الأناجيل، لا يطرح فعل ((كسر)) (الخبز) مشكلة. فهو يقابل فعلة ربّ البيت في العيلة اليهوديّة. ولكن ليس الأمر كذلك في أع أو في 1كور 11 حيث نفترض أنه لا يتعلّق فقط بعشاء المحبّة، بل بالطقس الافخارستي نفسه. نلاحظ هنا أن يسوع (في آ 26-29) لا يترأس فقط العشاء، كما كان يفعل رب العيلة، بل يعطيه معناه بما يقول وبما يفعل.
العنصر الجديد في هذه الآية، بالنسبة إلى عشاء الفصح لدى اليهود، يتكوّن بالكلمات الأخيرة: ((هذا هو جسدي)). إن السياق المباشر يحمل الملاحظات التالية.
الملاحظة الاولى: في السياق المباشر لهذه الفصول، قد تُفهم هذه العبارة كإعلان رمزيّ لموت يسوع القريب في فم يسوع. فكأني به يقول: كما كسرت هذا الخبز، كذلك سوف ((أكسر)) في جسدي وأوزَّع كما يوزَّع الخبز. عند ذاك ترتبط هذه العبارة بانباءات الحاش (= الآلام) التي تتوزّع على الإخبار المتّاويّ منذ ف 16 (16: 13-23؛ 17: 22-23...). موقف لا بأس به في معنى من المعاني، ولكنه لا يكفي بسبب الكلمات: خذوا، كلوا. وبسبب آ 27-28 أيضًا (على الكأس). هذا الموقف يشدّد على العنصر الحاسم في هذه ((الليتورجيا)) وهو: تجذّره في الواقع التاريخي لآلام يسوع الناصري وموته.
الملاحظة الثانية: في هذا التفسير الذي قدّمناه في الملاحظة الاولى، نرى أن الفعل الذي يقابل ((هو)) في العربية (هـ ي ا في العبرية، إيمي في اليوناني، وهنا استي في صيغة الغائب المفرد) يوجّه الفكر نحو نظرة إلى ((الكائن)) تكون ديناميكيّة، تاريخيّة، جامدة. هذا (توتو) الخبز هو ما هو (أي جسد المسيح) بسبب موت يسوع القريب من جهة. ومن جهة ثانية، لأن المسيح المتّاويّ يقرّب بين هذا الخبز وموته.
الملاحظة الثالثة: لا يتكلّم المسيح عن هذا الخبز في حدّ ذاته، بل عن خبز أعطاه لتلاميذه فأكلوه. فما هو معنى فعل ((أكل)) في هذا السياق؟ قد نفهمه في خطّين رئيسيّين. قد نتوقّف عند فكرة الطعام الروحيّ والغداء السريّ. وقد نعبّر بهذا الفعل عن مشاركة ليتورجيّة وجماعيّة في حدث الخلاص التاريخيّ. ما نعرفه من الاحتفال الفصحيّ اليهوديّ يجعلنا نأخذ بالخطّ الثاني. فيسوع لا يؤسّس فقط وليمة تكفي نفسها بنفسها. بل يؤسّس احتفالاً بموته ومجيئه. وكما كان اليهودُ يشركون في الخلاص من مصر حين كانوا يشاركون في حمل الفصح، كذلك يُشرك التلاميذ أي ينعمون بالعمل الذي سيتمّ على الصليب بمشاركتهم في هذا الخبز، في هذا الجسد. وواقعيّة فكر مت ترتبط بتحوّل الخبز إلى جسد الرب، كما ترتبط بحدث الصليب. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ترتبط بسلطان يسوع المتعالي الذي قدّم لتلاميذه طريقة اليهود التقليديّة ، كما قدّم طريقة غير متوقّعة فأشركهم في ما سوف يفعله لأجلهم، ((لأجل الجميع)) (آ 27).
الملاحظة الرابعة: وتأتي فكرة الذبيحة. من الواضح أن يسوع لا يؤسّس ذبيحة جديدة تحلّ محل ذبائح الهيكل. فهو لا يشير في هذا النصّ (ولا في 1كور 11: 23-25) إلى ما حمله التلاميذ أو قدّموه في هذا ((العشاء)). أما الفكر المتّاوي فيعتبر حقًا أن الجسد المكسور (في تلميح إلى موت يسوع القريب) هو كذلك في معنى الدم المراق والمقدّم عن الجميع، عن الكثيرين. وترتدي هذه الذبيحة أكثر من طابع خاص. نلاحظ فقط الآن، أنها تُذكر في ولْي النصّ كدم ((العهد)) لا كدم ((الفصح)) أو دم ((التكفير)). يبدو أن المسيح المتّاويّ يستعيد، عبر الطقس الفصحيّ، ما كان يشكّل جذوره التوراتيّة القديمة، عنيت بها عهد الربّ مع شعبه. في آ ،28 تتوضّح أيضًا فكرة العهد هذه في عبارة ((لغفران الخطايا)). هي ذبيحة تختم الغفران.
الملاحظة الخامسة: لا تتضمّن الأناجيل الإزائيّة الثلاثة (لو 22: 19ب-20 قد أضيف فيما بعد) أمرًا بإعادة عمل يسوع، عكس 1كور 11: 23-35 (إصنعوا هذا لذكري). غير أن هذه الآيات تحمل ضمنًا هذه الفكرة. أو أن المسيح المتّاويّ يكتفي بأن يجمع الاثني عشر في هذه الأمسية الفريدة على حساب موته القريب. لا شكّ في أن المسيح (في فكر متّى) أسّس هنا احتفالاً جديدًا سوف يتواصل بعد موته. هذا يعني أن الانجيليّ يفترض الخبرة الافخارستيّة في كنيسته. ولكن من المهمّ أن نلاحظ أن النصّ الانجيلي لا يقول شيئًا عن تواتر هذه الممارسة (كل أسبوع، كل يوم..). لا يتحدّث عن تفاصيل الاحتفال. يشدّد على أن الجميع يأكلون هذا الخبز ويشربون من هذه الكأس. وأن((الكثيرين)) الذين يراق عنهم الدم يشاركون في هذا العشاء.
ما قلناه في هذه الملاحظات الخمس، ينطبق أيضًا على آ 27-29. ولكننا نزيد بضع ملاحظات. في الأخبار الأربعة لهذا العشاء (مر، مر، لو، 1كور)، يرتبط خمر الكأس بالعهد: ((هذا هو دم العهد)) (مر، مت). أو: ((هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي)) (لو، 1كور). في العهد القديم، يرتبط دم الذبائح عادة بطقوس العهد (تك 15: 17؛ خر 24: 5، 8). إن عبارة ((دمي للعهد)) تعني أن موت يسوع يختم العهد القديم للرب مع شعبه. ولكن حسب العبارة اللوقاويّة والبولسيّة، يجب أن نفهم ((العهد)) في معنى العهد الجديد (تلميح إلى إر 31: 31-34). وكما أن الخلاص من مصر، يُعتبر في طقس الفصح اليهوديّ، الحدث الحاسم للعهد الذي قطعه الله (في السابق) مع شعبه، سيكون موت يسوع حدث العهد الجديد لله مع عدد كبير من الناس ومن أجلهم.
إن عبارة ((لغفران الخطايا)) تشكّل أصالة مت في هذه الآية. وقد تُفهم في معنى غفران صار ممكنًا بذبيحة (الانسان). أو في معنى غفران (سابق) خُتم في طقس دمويّ وقد أسّسه الله نفسه (أو: المسيح) الذي يجعلنا ندرك عمقه، وأوِّن (بعد أن ختم) في الاحتفال الافخارستي. إن الأفكار التوراتيّة عن العهد والذبيحة تدعونا إلى التفسير الثاني: الله يريد أن يغفر أو يخلّص. لهذا أسّس حدث الخلاص (الخروج من مصر، موت يسوع) كما أسّس في الوقت عينه الاحتفال بهذا الخلاص - الغفران (الفصح، العشاء السرّي). وهكذا يعلن النصّ أن كل مشاركة حقيقيّة في الخلاص التاريخيّ تتضمّن الاحتفال الكنسيّ الذي يصوّره متّى في هذه الآيات.
وتنتهي هذه المقطوعة مع قول يسوع يمتنع فيه عن شرب عصير الكرمة إلى يوم يشربه مع تلاميذه في ملكوت أبيه (آ 29). إن كلمات يسوع هذه التي كانت عند لو 22: 15-20 الاعلان الأول عن تأسيس الافخارستيا، نقرأها هي هي تقريبًا في مت وفي مر مع تحفّظ واحد هام وهو أن المسيح المتّاويّ زاد ((معكم)) على حديثه عن الوليمة التي سيُحتفل بها في ملكوت أبيه. هذه السمة تميّز الاتجاه الكنسيّ في الانجيل الأول. تحدّث يسوع عن خمر الكأس الافخارستي الذي لن يشرب منه، بسبب موته القريب، قبل أن يقوم نظام جديد للأشياء في ملكوت الله. إذن، هذا العشاء،الأخير لم يكن فقط احتفالاً بموت المسيح، بل احتفال الفرح بمجيئه القريب. على أساس هذه العودة المضاعفة إلى ماضي الصليب التاريخيّ، ومستقبل المجيء (باروسيا) الذي يتجاوز التاريخ، نتوقّف عند فكرة الحضور التي قال عنها الأب بنوا الدومنيكياني: حضور آني، حضور ملموس، حضور طبيعي، حضور حقيقيّ، حضور جماعيّ، حضور متواصل.

2 - يسوع يعلن إنكار بطرس (26: 30-35)
نربط هذه المقطوعة بالعشاء الأخير، لكي نتوقّف على مشهد نزاع يسوع في البستان، عالمين أننا ما زلنا في إطار العشاء السري. قبل العشاء أنبأ يسوع بخيانة يهوذا. وبعد العشاء أنبأ بأن بطرس سينكره والجميع يتشتّتون. ونبدأ بنظرة عامة إلى هذه الآيات.

أ - نظرة عامة
روى الانجيليون الاربعة هذا المشهد، غير أن لو 22: 31-34 ويو 13: 36-38 جعلاه في نهاية عشاء يسوع الأخير، وفي ألفاظ مختلفة بعض الشيء. هذه الفروق الجزئيّة هي بالأحرى ما يدلّ على صحّة الوثائق. فبما أننا نتكلّم عن ((حلقة)) أخبار يهوذا، يجب أن لا ننسى النصوص المتعلّقة ببطرس (4: 18-22؛ 14: 22-23؛ 16: 13-23؛ 18: 21-22؛ 26: 57-75 والذي نقرأه الآن 26: 30-35). فهنا كما في كل خبر الحاش، تبع مت خبر مر وأخذ منه الايراد الذي جاءه من زك 13: 7 (أضرب الراعي فتتبدّد خراف القطيع)، فحوّله بشكل له معناه.
الخطّ اللاهوتيّ الأساسيّ هو هو منذ بداية ف 26: فالمسيح المتّاويّ يبدو سيّد الموقف، مع أنه أسلم (10: 4؛ 17: 22؛ 26: 2). ولكننا لسنا أمام قبول بطولي لمصير لا يفهمه أحد. فمن جهة، يظلّ هذا القبول طاعة ناشطة (تتحرّك ولا تبقى جامدة). طاعة فيها الكثير من الألم ولكنها بنويّة (26: 39ب؛ ليس ما أريد أنا بل ما تريد أنت). ومن جهة أخرى، لا ينفصل المسيح المتألّم (في مت بشكل خاص) في وقت من الأوقات عن تلاميذه. يعود إليهم مرارًا. يتحدّث معهم. يهيّئهم، يحضّهم على فهم ما يحصل. يبيّن لهم أنه يتألّم من أجلهم ومن أجل خرافه (بويمين، آ 31، لفظة خاصة بمتّى).
هذه المقطوعة هي مناسبة متواترة لاعتبارات مخيّبة للآمال حول ما يسمّى ((حتميّة)) خبر الآلام: إذا كان المسيح عرف وأنبأ مسبقًا بانكار بطرس له، فأين هي حريّة الرسول؟ لا نريد أن ندخل في توسّعات يفرضها هذا الموضوع. ولكن نودّ أن نميّز بين حتميّة مت والحتميّة الاسيانيّة. ونلخّص مثالنا في ثلاث نقاط. الاولى: ليس الانسان حرًا في أن يتبع المسيح أو ينكره. فالآلام هي خاتمة تاريخ طويل يكشف العهدُ القديم أبعاده. لا يوبّخ المسيح مرّة واحدة تلاميذه أو أعداءه وكأنهم يستطيعون أن يخدموه أو يخونوه. بل يحاول أن يفهمهم ما حصل. الثانية: الحريّة الوحيدة هنا هي حريّة المسيح. ويرى النصّ أن المسيح يتألّم ويموت حرًا كالابن (26: 36-46).الثالثة: في خطى هذه الحريّة الفريدة، تظهر حريّة من نمط جديد تعلنها مثلاً آ 32. هنا نشير إلى أن كلام يسوع قد دوّن بهذا الوضوح على ضوء ما حصل لبطرس حين أنكر يسوع. وكذا نقول عن الانباءات التي تدلّ على معرفة يسوع السابقة. لا شكّ في أن يسوع عرف على المستوى البشري، بل على المستوى الالهي. ولكنه احترم الحريّات حتى النهاية. وما دوّنه مت فيما بعد أراد أن يرينا فيه مخطّط الله من خلال الكتاب المقدس، ومعرفة يسوع المسبقة التي تشرف على مسيرة الآلام منذ بداية ف 26.

ب - دراسة تفصيلية
أولاً: البنية والمراجع
بين تركيز المشهد (آ 30) والخاتمة (آ 35ب)، نجد حوارًا بين يسوع وبطرس: 
تكلّم يسوع (آ 31-32)
تكلّم بطرس (آ 33)
تكلّم يسوع (آ 34)
تكلّم بطرس (آ 35أ).
تفوّه يسوع بنبوءتين. ردّد بطرس جزءًا منهما لكي يعارضهما.
آ 31، يسوع : كلكم ستشكّون بي
آ 33، بطرس : إن شك بك جمعيهم فأنا لا أشكّ أبدًا.
آ 34، يسوع : في هذه الليلة تنكرني
آ 35، بطرس : لن أنكرك.
نلاحظ أنه لم تكن ليسوع الكلمة الأخيرة، بل لبطرس. جاءت النهاية تورد كلمات فضفاضة قالها بطرس والتلاميذ، وترك يسوع برهانه للأحداث التي ستبيّن واقع الحال.
إن 26: 30-35 ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما في مر 14: 26-31. وهذا ما يجعلنا نتحدّث عن أولويّة مر. أما الاختلافات فتفسّر بخيارات أسلوبيّة أو لغويّة لدى متّى. في 26: 31، تنبّأ يسوع: ((ستشكّون بي كلكم في هذه الليلة)). ماذا نجد في مر 14: 27؟ ((كلكم ستشكون)). لا شكّ في أن مت توسّع في النبوءة لكي تتوافق مع خبر الآلام الذي سيروي انكار بطرس للرب في 26: 69-75.
ثانيًا: التأويل
إن 26: 30-35 هي نظرة نبويّة إلى أحداث قريبة. نعرف منها (1) ما يحدث للتلاميذ: سيسقطون ويتشتّتون، ولكنهم سيُجمعون في الجليل لكي يروا يسوع. (2) ما يحدث لبطرس : سينكر ربّه ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك. (3) ما يحدث ليسوع: سيُضرب (= سيُقتل، آ 35)، ولكنه سيقوم من بين الأموات. ورغم الوعد بالقيامة في آ 32، ظلّ الحزنُ الشعور المسيطر. حين ينظر يسوع إلى المستقبل فهو مثل إرميا: معرفته المسبقة تحمل الحزن والكآبة (هذا ما حدث له في الجسمانيّة).
يبدو أننا نجد من خلال مرجع مت(الذي هو مر 14: 26-31) نبوءتين. واحدة (قد تعود إلى الرب) تشير إلى سقوط التلاميذ. والثانية: إلى انكار بطرس للمسيح. يبدو أن يو 16: 1، 32 قد احتفظ بنسخة مستقلة عن النبوءة الأولى. أما لو 22: 31-33 ويو 13: 33، 36-38 فهما نسختان عن النبوءة الثانية. جاءت النبوءتان لتدخلا في خبر الآلام، وقد جُعلتا (كما نرى في يو ولو) في سياق العشاء الأخير. إن كان الأمر كذلك، فموقعهما بعد مر 14: 26، أي بين العشاء الأخير والجسمانيّة، يعود إلى مرحلة متأخّرة. وقد يكون مر هو الذي أورد الإشارة إلى زك 13: 7 والوعد بالقيامة.
هناك نسخة لاقانونيّة عن 26: 30-35 وز، قد ظهرت في القرن الثالث، في جزء من برديات الفيوم: ((وإذ أخذهم إلى الخارج قال: كلكم في هذه الليلة ستشكّون بي، كما هو مكتوب: أضرب الراعي فتتبدّد الخراف. عند ذاك قال بطرس: حتى إن (شكّ) كلهم، فأنا لا.قال يسوع: قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني اليوم ثلاث مرات)). يبدو أن هذا النصّ يعود إلى انجيل منحول نجهله. عاد إلى مت (في هذه الليلة) وإلى مر (أما أنا فلا، مرتين).
ثالثًا: تفسير النص (26: 30-35)
إن آ 30 تختتم في الوقت عينه العشاء الأخير وتبدأ المقطوعة التي ندرس. لقد خرج يسوع. ما أراد أن يختبئ (هو يواجه الآن الموت). ((ثم سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون)). ق مر 14: 26. بما أن العشاء الأخير هو في مت عشاء فصحيّ، ظنّ كثيرون أن العادة كانت بأن يُنشد النصف الثاني من الهلل الكبير (مز 114/15-118). ولكن في القرن الأول، قد يكون مسيحيّون ظنوا أنهم أمام أناشيد مسيحيّة ينشدونها مع الافخارستيا أو بعدها.
على جبل الزيتون (رج 21: 1). نحن هنا أمام تلميح إلى 2صم 5: 30 حيث ترك داود أورشليم وصعد إلى جبل الزيتون بعد أن تآمر عليه احيتوفل مستشاره الأمين. هناك بكى الملك وصلّى من أجل الخلاص (رج الجسمانيّة). فكّر مت بالتوازي في 27: 3-10 فصوّر يهوذا مثل احيتوفل. وقد يكون من قبيل الصدف أن احيتوفل أراد أن يأخذ 12000 رجل ليلاحق داود في الليل فيضربه وهو متعب (2 صم 17: 1ي).
((حينئذ قال لهم يسوع)) (آ 31). نتساءل هنا: هل كان الحديث على جبل الزيتون أم على الطريق المؤدّية إليه؟ في أي حال، تجاوزت النبوءة خيانة يهوذا وأصابت جميع التلاميذ. سقط يهوذا أمام بريق المال كالحبّ بين الشوك (13: 22). أما التلاميذ فتراجعوا أمام أول علامة اضطهاد كالحبّ الذي وقع على أرض صخرية (13: 21). نبت بسرعة ويبس بسرعة.
((أضرب الراعي فتشتّتت خراف القطيع)). رج زك 13: 7 (ذكره مت في 21: 5). نلاحظ أن الايراد يعكس النص الماسوري (العبراني) (قال: اضرب الراعي فتشتت الخراف). ولكنه زاد ((القطيع)) بعد الخراف (خراف القطيع) وبدّل صيغة الفعل. يبدو أنه كان كتاب يرافق ((الواعظ)) وقد جُمعت فيه الأقوال التي تتعلّق بالمسيح، وقد أخذت من التوراة وقد يكون الجامع انطلق من العبريّة وتوسّع في النص فلم يكن الايراد كالعبريّ ولم يكن كالنصّ اليونانيّ الرسمي الذي هو السبعينيّة.
((ولكن متى قمت)) (آ 32). هنا وعد يسوع بإعادة الأمور: يمنح المغفرة مسبقًا، يجمع المشتّتين، ويُصلح عطبَ التلاميذ. ولكن بطرس تدخّل. سيكون أكثر تعلّقًا بالرب من سائر التلاميذ. لا يمكن أن يكون معهم (ومثلهم). قال عنه الذهبي الفم: ((وثق بنفسه بدلاً من أن يصلي ويقول ساعدنا لئلا نبتعد عنك)) (عظات حول مت 82: 3).
((لو الجميع ضعف أنا لن أضعف)). وردّ يسوع على بطرس (آ 34). بدا الرسول متعجرفًا مثل الديك بين الدجاج... سيخاف بطرس الموت الذي يتربّص بسيّده وقد يصيبه أيضًا. إذن،يجب على التلميذ أن يموت ((رمزيًا)) (10: 39؛ 16: 24-26؛ رج 2كور 7: 3؛ 2تم 2: 10). إن يسوع سيموت مع ((آخرين)) ولن يكون هؤلاء الآخرون بطرس والتلاميذ، بل لصين لا نعرف اسمهما (27: 38-44 مع حرف الجر ((مع)) سين في اليونانيّة). كان بطرس قد عارض آلام المعلّم (16: 21-23). وهنا يتراجع مع امكانيّة الخيانة والتخلّي... عندئذ تشجّع الآخرون وقالوا قول بطرس... ولكن بطرس سوف ينكر يسوع والتلاميذ يتفرّقون ويتركون يسوع وحده.
ج - قراءة لاهوتيّة وروحيّة
((عندئذ)) (توتي، يرد 90 مرة في مت) سبّحوا وخرجوا. هذا الظرف الزماني (توتي) يعلن الاوقات المهمّة في الخبر من وجهة الانجيلي (3: 13؛ 4: 1). كان المسيح المتّاوي واضحًا على المستوى اللاهوتي (أكثر ممّا في مر) فقال إن جميع التلاميذ سيتشككون. سيشكّون به. هنا نتذكّر تفكير مت في الشكوك (5: 29؛ 11: 6؛ 13: 2؛ 18: 6-9..). ستكون نتيجة آلام يسوع إسقاط التلاميذ: يرتابون بالرب، يبتعدون عنه، ينكرونه كما فعل بطرس. إن فكرة الشكّ في مت تتركّز على شخص المسيح من وجهتين. هو المسيح المتألّم الذي يجعل التلاميذ يسقطون وهذا السقوط يعني أن ينكروا يسوع. ويأتي الايراد الكتابي (صار في اليونانية: أضرب الرعاة وانتزع الخراف. كان في العبرية: أضرب الرعي فيتشتت الخراف) في صيغة المضارع: ((سأضرب)). الراعي هو يسوع المسيح. من سيضربه؟ الله (هو الذي سمح بموت ابنه). والتلاميذ يشكلّون قطيع الرب الذي يتحدّث عنه العهد القديم مرارًا. أما تشتّت القطيع الذي هو موضوع توراتيّ أيضًا(رج 12: 30)، فيصيب هنا مجموعة التلاميذ المحصورة. ولكن متّى ينظر أيضًا إلى الكنيسة التي شتّتها الاضطهاد في السنوات 80-85. وهكذا عاد الانجيلي إلى العهد القديم ليلقي الضوء على شخص يسوع، كما على شخص التلاميذ في سقوطهم.
ولكن السقوط ليس الكلمة الأخيرة. كما أن موت يسوع لم يكن النهاية. هو يقوم وهم يقومون ويعودون إليه ويجتمعون حوله في الجليل كما في الأيام الاولى. هنا نتذكّر الانباءات الثلاثة بالآلام (16: 21؛ 17: 23؛ 20: 19) التي أعلنت كلها القيامة بعد مسيرة الآلام. أما الحديث عن الجليل فيجعلنا في خطّ الظهورات الجليليّة التي هي في الواقع إطلاق الرسل من أجل عمل الرسالة.
هكذا بدا وجه التلاميذ: سيسقطون ويعثرون. يتخلّون عن الرب. ولكن بطرس رفض هذا الوضع. في رفضه إرادةُ تعلّق بيسوع. ولكنها إرادة ضعيفة. تحتاج إلى نعمة القيامة. الجماعة كلها ضعيفة. فإن انفصل بطرسُ عنها هل يصير أقوى؟ كلا. قال يسوع: حيث اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون بينهم. وها بطرس يترك الجماعة. يريد أن يكون وحده في خطّ ((المدافعة)) عن يسوع. ولكنه سيسقط. كلنا يعرف حماس بطرس وتقلّبه. ثم هناك تشتّت القطيع. فجاء النكران. كان بإمكان بطرس أن يكون الشاهد الحقيقي، فصار الشاهد الكاذب: لا أعرفه. لا أعرف عمّن تتكلّمون. ستأتي ساعة يسقط فيها بطرس، شأنه شأن سائر التلاميذ. ولكنه سيقوم،ومتى قام سوف يثبّت إخوته.

خاتمة
نقدم هنا ملاحظتين حول العشاء الأخير أو الافخارستيا
1 - حين نقرأ 26: 26-29 على ضوء ممارسة الجماعة نجد ثلاثة أزمنة: يعود بنا إلى حدث التأسيس في الماضي، يفرض طقسًا نمارسه في الحاضر، وينبئ بالحدث المركزي، الذي هو المستقبل الاسكاتولوجي. إذا عدنا إلى الماضي، يقول لنا النصّ إن يسوع أقام عهدًا جديدًا بذبيحة دمه. وفي ما يتعلّق بالحاضر، يكون خبر العشاء الأخير في مت تعليمًا للكنيسة التي تواصل الاحتفال بعشاء الرب، بالافخارستيا. وهذا يعني أن المشاركة في الطقس هي مشاركة في نتائج ذبيحة يسوع. وفي ما يخصّ المستقبل، قد فسّرت الوليمة الاسكاتولوجيّة هنا كإعادة جماعة يسوع التي حطّمها موته إلى المائدة. والمائدة المشتركة مع المسيح القائم من الموت هي تذوّق مسبق لما سوف يتم. في نافور أداي وماري، وفي أناشيد الفطير لافرام السرياني، يقال إن الافخارستيا هي الاسكاتولوجيا وقد تحقّقت، وقد صارت أمرًا واقعًا.
2 - العشاء الأخير في مر ولو يبدو وكأنه طقس (ترتيب) فصحيّ (كما عند اليهود). ويو 6 ربط خبز الافخارستيا بالمن الذي أعطي لاسرائيل في الخروج (هنا نجد مت مع تكثير الأرغفة في ف 14)، وفي 1كور 10: 1ي، المشاركة في عشاء الرب هي كالشرب من الصخرة التي ترافق اسرائيل في الصحراء. واستعملت عب 9: 15-22 اللغة الافخارستية لكي تروي خبر ذبيحة العهد في موسى. وهكذا رأت الحلقات المسيحية الأولى في العشاء الأخير خروجًا جديدًا. لهذا لا ندهش إن كان مت الذي شدّد على خبرين بدا فيهما يسوع مثل موسى (14: 13-21؛ 15: 29-39)، قد أبرز هنا توازيات بين العشاء الأخير وخبر الخروج من مصر (خر 12: 24).
الفصل السابع والعشرون

حول موت يسوع
27: 32-56

إن المقطع الذي نقرأه في 27: 32-56 يشمل مجموعة متعدّدة العناصر، يرتبط تماسكها بشكل رئيسيّ، بوحدة المكان: في الطريق إلى الجلجلة، على الجلجلة. هناك اشارات دلّت على طريقة مرقس في ترتيب انجيله (مر 15: 20ب-41) مع تدرّج في ألقاب يسوع من ملك اليهود إلى ملك اسرائيل إلى ابن الله. هذا الترتيب قد تركه مت، لأن لقب ابن الله قد ورد على ألسنة المارين (27: 40) فسبق اعتراف قائد المئة (27: 54).
مقابل هذا، سيطر موضوع الصليب في آ 32-44 حيث نقرأ الاسم ثلاث مرات (آ 32، 40، 42) والفعل ((صلب)) ثلاث مرات أيضًا (آ 35، 38، 44). وبعد هذا لن نعود نجد هذا الموضوع. ولكن يجب أن نلاحظ بشكل خاصّ علامة القطع في آ 45. فإن مت الذي أحلّ محلّ الاشارة الزمانية كما نجدها في مر 15: 25 (الساعة الثالثة لما صلبوه)، تفصيلاً من نوع آخر (27: 36 جلسوا هناك يحرسونه)،حافظ على الأشارة الزمانية الثانية (27: 45؛ رج مر 15: 33) ليجعلها بداية احتفالية لمشهد مأساوي. هذه الاشارة هي إطار لمشهد مركزُه موت يسوع(27: 50)، وهو يشكّل ذروة خبر الحاش.
هناك قسم أول (27: 32-44) ينقسم بدوره إلى ثلاثة عناصر: بعد انتقالة مكانية (خرجوا) وأدبية يشكّلها دربُ الصليب (آ 32)، نميّز سلسلة من الأحداث تحيط بصلب يسوع (آ 33-38). ثم يأتي حدث موزَّع توزيعًا واضحًا في ثلاث محطات، حدث الهزء بيسوع (آ 39-44). ويرسم ذكرُ رفيقي الصلب (آ 38، 44، كما في مر 15: 27، 32ب) الخطّ الذي يفصل القسم الثاني عن القسم الثالث.
1- درب الصليب (27: 32)
إن صورة المسيرة التي تقود يسوع من دار الولاية إلى الجلجثة (الجلجلة) تبدو واضحة جدًا عند مت. هي تبدو في سلسلة من جمل متلاحقة تبدأ مع واو العطف (كاي) وصيغة الحاضر في الغائب الجمع: نزعوا... ألبسوا. خرجوا... سخّروا (رج مر 15: 20ب). وهكذا يكون درب الصليب (مر 15: 21) المحطّة الثانية في عمليّة تبدأ مع الخروج من دار الولاية. أما في مت، فالفصل أوضح وآ 32 تدلّ دلالة واضحة على بداية جديدة. إن فعل ((ابيغاغون)) في 27: 31ب يشكّل وقفة (كما قلنا) لأنه يقع في نهاية سلسلة من ثلاثة استعمالات تقسم خبر المحاكمة بحصر المعنى. وبدل جمل مرتبطة بحرف العطف (كاي) (15: 21)، نجد عبارة تبدأ باسم الفاعل (فيما هم خارجون) وتصل إلى مقطع من نوع آخر.
في الواقع، وعلى المستوى الادبي، نحن بالأحرى أمام انتقالة تحاول أن تملأ الفجوة الطوبوغرافيّة بين دار الولاية وموضع الصلب، وتبني جسرًا بين فعلين يرتبطان بذات الفاعل لأفعال هذه الآية: إن الجنود الذين ((اقتادوا)) يسوع خارج دار الولاية (آ 31ب) والذين بعد ذلك وصلوا (التونتس، اسم الفاعل) إلى الجلجلة، هم ذاتهم الذين خرجوا (اكسارخومانوي) من دار الولاية ونظّموا حمل الصليب.
رسم مت هذه المحطات الثلاث معيدًا بناء هذا الحدث القصير. بدأ مر فجأة في الحديث عن تسخير سمعان القيريني. أما مت فهيّأ ((التسخير)). قال: عند خروجهم من دار الولاية، التقى الجنود بسمعان (يختلف تقديم مت عن تقديم مر: رجلاً اسمه سمعان). اكتفى مت بفعل ((هورون)) ليدلّ على طابع الصدفة في هذا ((اللقاء)). التقوا بسمعان، ثم سخّروه ليحمل صليب يسوع. وهكذا ترتّبت الأمور بشكل منطقيّ. والرمزيّة التي وجدناها في عمل القيرينيّ حين قرأنا مر، هي ذاتها التي نجدها في مت (10: 38؛ 16: 24).

2 - الصلب (27: 33-38)
حين صوّر مت الوصول إلى الجلجلة (آ 33)، تبع مر مع بعض التصحيحات (15: 22). ولكنه ابتعد عنه حين تحدّث عن الشراب الذي قدّمه الجنود ليسوع (آ 34). كان هدف الشراب أن يخفّف من ألم الانسان (15: 23). أما في مت فبدا شرابًا رديئًا هدفه أن يزيد آلام المصلوب آلامًا. ((ذاق ،ولم يُرد أن يشرب)).
نجد أصل هذا التبديل في التوراة. حين كتب متّى أنهم ((أعطوه خمرًا ممزوجة بمرارة ليشرب)) (زاد مت مرتين فعل ((شرب)) بياين، على نص مر)، أبرز الحدث بواسطة مز 69: 22. هذا المقطع من المزمور قد أشار إليه مر 15: 36 وتبعه مت 27: 48 في فعلة الجندي الذي أعطى يسوع ((الخلّ)) ليشرب. تفرّد مت فاحتفظ بالاية الأولى من المزمور التي تقول حسب السبعينيّة: ((أعطوني المرارة شرابًا)). في اليونانية: خولي. في العبرية ((راش)). تدلّ اللفظة عل نبتة فيها السمّ وفيها المرّ. تدلّ على ((السمّ)) (إر 8: 14؛ 9: 14؛ 23: 15: مياه مسمومة). رافق ((راش)) (( ل ع ن ه)) (الافسنتين) في تث 29: 17؛ إر 9: 14؛ 23: 15؛ عا 6: 12؛ مرا 3: 19. في معنى مرارة، رج مرا 3: 5 : ((حاصرني وأحاطني بمرارة ومشقّة)).
اعتُبر هذا النص نبوءة مسيحانية، فجلب إليه الخبر. ولكي يتحقّق الخبر في النبوءة، ترك مت نسخة مر التي تقول إن يسوع رفض رفضًا قاطعًا أن يشرب (15: 23ب: اوك الابون: لم يأخذ). أما عند مت، فقبل أن يدلّ يسوع على عدم قبوله، ((ذاق)) الشراب الذي يقدَّم له. لماذا رفض يسوع الشراب الذي يقدّم له؟ في مر، التراب هو نوع من بنج يسيء إلى وعي المصلوب. فيسوع حافظ على كرامته إلى النهاية. أما مت فقد شاء أن تتمّ النبوءة، فوجب عليه أن يترك يسوع يأخذ أقله جرعة من هذا السمّ الشنيع!
أشار مر 15: 24-25 إلى صلب يسوع مرتين وفي شكل بسيط. وأشار إليه مت فخفّف من هذا الواقع الأليم: ذكر الصلب مرة واحدة وجعل الفعل في صيغة اسم الفاعل ((وبعدما صلبوه)) (آ 35). ونصل بسرعة إلى أي شيء آخر هو تتمة المقطع المسيحاني المأخوذ من المزامير: إقتسام الثياب بالقرعة كما يقول مز 22: 19. اكتفى مت هنا باتّباع المصدر الذي أخذ منه.
ولكنه ترك هذا المصدر في آ 36 ليُحلّ محلّ الإشارة الزمانية (مر 15: 25: الساعة الثالثة، أي التاسعة صباحًا) لوحةً تدلّ على الجنود الذين يحرسون يسوع وهم جالسون. نشير هنا إلى أن فعل ((تيراين)) الذي يعني في مت 19: 17؛ 23: 3؛ 28: 2 حفظ الوصايا أو الفرائض، يعني في 27: 36، 54؛ 28: 4 ((حرس)) القبر. احتفظ مر 7: 9 بالمعنى الأوّل. في 27: 39، شدّد مت على أن الجنود بدأوا حراستهم منذ صلب يسوع. إن الظرف المكاني ((إكاي)) (هناك) لا يجد له ما يوازيه هنا، ولا في مشهد النسوة اللواتي ينظرن من بعيد إلى موت يسوع (27: 55: وكان هناك. ق مر 15: 40)، ولا في مشهدهن حين ((جلسن تجاه القبر)) (27: 61: وكانت هناك. ق مر 15: 47). إن لفظة ((إكاي)) مستعملة مرارًا عند مت: 29 مرة، عند مر: 11؛ عند لو: 16 مرة.
بدّل مت نص مر في آ 36، لا لأنه لا يهتمّ بالكرونولوجيا المرقسية في خبر الحاش، فهو سيستعيد فيما بعد (27: 45-46) ((الساعة السادسة)) (أي الظهر)، كما أوردها سابقه (15: 33-34). غير أن مر أجبر على ذكر الصلب مرة ثانية ليحدّد الساعة (كانت الساعة الثالثة لما صلبوه). أما مت فأشار إلى الصلب بشكل سريع، كما قلنا، وما أراد أن يتبع مر هنا، فجعل حاشية صغيرة لها معناها. لماذا؟
إذا أردنا أن نعرف السبب الذي دفعه ليجعل هذا التفصيل الخاص هنا، نعود إلى حالتين مشابهتين في خبر الحاش تدلاّننا على أشخاص جالسين (هذا ما لا نجده عند مر)، أشخاص ينظرون مطوّلاً إلى أويقات جوهريّة في الدراما التي تجري أمامهم. هذا ما كان من أمر بطرس الذي ((جلس)) في الرواق. إنه يتأمّل محاكمة يسوع مطوّلاً (26: 69). وهكذا ((جلس)) الحرّاس يتأمّلون هنا وسيهتف قائدهم باسمهم (27: 54. كما سيفعل بطرس باسم سائر الرسل). بل سيهتفون معًا: ((في الحقيقة كان هذا ابن الله)). و ((جلست)) النسوة عند القبر وطال جلوسهنّ، وكنّ ينظرنّ نظرة التأمّل إلى القبر (27: 61).
وفي ما يخصّ الجنود الذين يحرسون يسوع بعد أن صلبوه، نجد علاقة أخرى يوحيها تفصيل آخر خاص بالانجيل الأول: في 27: 54. هنا اختلف مت عن مر 15: 39. فقائد المئة على الجلجلة ليس وحده في الاعتراف بيسوع على أنه ابن الله. قال مر: ((ولما رآه قائد المئة، القائم بإزائه (كأني به وحده) يُسلم الروح هكذا، قال: في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله)). أما مت فقال: ((أما قائد المئة، ومن معه من حرّاس يسوع (ليس وحده، بل إن الحرّاس يشاركونه في فعل إيمانه)، فلما رأوا الزلزلة (التي تدلّ على حضور الله) وما جرى، خافوا جدًا (خوف مقدّس بحضرة الله) وقالوا (مع قائد المئة، قالوا كلهم): في الحقيقةكان هذا ابن الله)).
أجل، إن الجنود الذين يحرسون يسوع قد انضموا إلى قائدهم ليعبّروا عن تعلّق الايمان نفسه. وحضورهم هنا في 27: 36 يُعدّ الطريق لفعل إيمان يجعل منهم باكورة كنيسة الوثنيين، التي يرسل يسوع تلاميذه لكي يؤسّسوها (28: 19). وسيكون لنا أن نرى التعارض بين موقف اليهود وموقف الوثنيين أمام صليب يسوع: أما اليهود فسيجدّفون عليه ويهزّون رؤوسهم: ((إن كنت ابن الله فانزل إذن عن الصليب)) (27: 39-40).
وروى مت (آ 37) كيف وُضعت لوحةٌ تدلّ على علّة الحكم على يسوع. استعاد ما كتبه مر 15: 26 ورتّبه وقدّمه بشكل احتفالي. كتب مر: ((وكانت علّة الحكم عليه)). أما مت فأبرز ما فعل الجنود: ((وضعوا فوق رأسه علة الحكم عليه)). أجل، اكتفى مر بوضع اللوحة على الصليب. هذا ما يذكّرنا أيضًا بما فعله مت 27: 29 الذي صوّر عمل هؤلاء الجنود أنفسهم الذين يسخرون من يسوع فيضعون على رأسه اكليل الشوك، والتاج الملوكي. إنهم لم يعوا أنهم يكرمون ضحيّتهم في السرّ (سلام، يا ملك اليهود) بانتظار أن يكرّموها في العلن: جعلوا اللقب الشرعي: ملك اليهود. وكان كلام مت احتفاليًا فوسّع الكتابة: ((هذا يسوع، ملك اليهود)) (في مر 15: 25: ملك اليهود). هكذا اعتاد مت أن يذكر اسم يسوع مرارًا، وهو أمر ألمعنا إليه في ما سبق.
إن علامات السخرية التي اكتشفناها منذ بداية المحاكمة اليهودية مرورًا بالمحاكمة الرومانية،ما زالت ظاهرة هنا. وذلك قبل الاعتراف الذي قام به بوعي تام وإرادة حرّة، الأشخاصُ أنفسهم، بعد موت ذاك الذي صلبوه (27: 54).
ذكر مت (آ 37)، شأنه شأن مر 15: 27، صلب اللصين بجانب يسوع. وقد تجعلنا لفظة ((توتي)) عندئذ، نشعر أن صلب اللصين تلا صلبَ يسوع. فكأني بمتّى يريد أن يصحّح مرقس الذي يقول: صُلب اللصان مع يسوع وفي الوقت الذي فيه صُلب يسوع. في الواقع، استعمل مت صيغة الحاضر فدلّ على أنه لم يقل إلاّ ما قاله مر: ساعة صُلب يسوع قام الجنود بالعمل عينه تجاه رفيقيه.
سنجد هذين اللصين أيضًا غي آ 44. والمقطعان المكرّسان لهما،يتيحان لنا أن نقسم خبر أحداث الجلجلة، إلى ثلاثة أقسام. قسم أول ينتهي في آ 38: ((صُلب معه لصان)). قسم ثان ينتهي في آ 44: ((كان اللصان يعيّرانه)). ومع آ 45، يبدأ القسم الثالث، وينتهي في آ 56.
وهكذا ينتهي موضوع، وننتقل إلى مشهد آخر في هذا الفصل الذي سمّيناه: حول موت يسوع.

3 - تجديف وهزء (27: 39-44)
تتوزّع أشكال الهزء ضدّ يسوع المصلوب (رج مر 15: 29-32)، على ثلاث محطات تقابل ثلاث فئات من الناس. المارون (العابرون)، عظماء الكهنة، اللّصان. عاد مت، شأنه شأن مر، إلى المحاكمتين اليهودية والرومانية، واستلهم نصوص العهد القديم، فطبع هذا المقطع بطابعه الشخصي.

أ - المجموعة الأولى: المارون (آ 39-40)
تتألّف المجموعة الأولى من أناس مرّوا من هنا. وجاءت صورتهم كما في الكتاب المقدّس. ((يصفّق عليّ بالكفّين هزءًا جميعُ المارين، يصفّرون ويهزّون رؤوسهم)) (م را 2: 15). ((ليجعلوا أرضهم رعبًا وعرضة لصفير الهزء. فكل من يمرّ فيها يرتعب ويهزّ رأسه)) (إر 18: 16؛ رج مز 22: 8؛ 109: 25؛ أش 37: 22).
إن ((التجديف)) الذي يتلفّظ به هؤلاء الناس، يدلّ على رباط بالسياق السابق للانجيل. فالاعتداد بأن يسوع يدمّر الهيكل ويعيد بناءه في ثلاثة أيام (تريسين هامارايس تقابل ديا تريون هامارون، مت 25: 61 = مر 14: 58: ثلاثة أيام أو اليوم الثالث)، يعيدنا إلى الشهادة التي أدليت ضدّه خلال محاكمة السنهدرين (26: 61)، ويدلّ على بعض السخرية. فالشهود والهازئون الذين هم أعداء معلنون ليسوع، يعلنون حقيقة تدلّ على سلطة يسوع على الهيكل.
ويستعيد مت هنا ما قيل عن يسوع وعن ألقابه. فقد أدرج العبارة ((إن كنت ابن الله)) (بدون الـ التعريف كما في 27: 54؛ رج 26: 63)، لتسند التحدّي الذي نجده ((خلّص نفسك)). تحيلنا هذه العبارة أولاً إلى اعتراف يسوع بعد أن طلب منه قيافا أن يقول إنه ((المسيح ابن الله)) (26: 63-64أ). ولكن قيافا سبق وقال فأكّد يسوع ما دوّى في قاعة المجلس الأعلى. وتبرز السخرية نفسها هنا حيث الهازئون على الجلجلة يقولون: إن كان يسوع ابن الله فعليه أن يخلّص نفسه من هذا الوضع الرديء وينزل عن الصليب. إذن، أعلنت هويّة يسوع الحقيقيّة في فم الذي تمنّوا موته.
وبهذه العبارة نعود ثانيًا إلى خبر التجارب في البريّة حيث عبارة ((إن كنت ابن الله)) (4: ،3 6) تحمل الرنّة التي نجدها هنا. ولكنها تفترض استنتاجًا معناه: بما أنك، إذن إن كنت ابن الله. في خبر التجارب، تعود العبارة إلى الاعلان الالهي في عماد يسوع (3: 17) لتستخلص نتائج خاطئة (سيرفضها يسوع). وعلى الجلجلة، العبارة عينها هي صدى اعتراف يسوع أمام المجلس. ولكن في هذه المرّة، لم نعد أمام تجارب يقدّمها ذاك الذي يعرف من هو يسوع (كما سائر الشياطين، 8: 29). نحن أمام هزء محض من قبل أولئك الذين لا يريدون أن يصدّقوه. هذا لا يمنع الشيطان كما لا يمنع المارين على الجلجثة، من أن يعلنوا ما يشكّل الموضوع المركزيّ في الايمان المسيحي. وقد أعلن هنا في ذروة الألم والعار.
هناك من ماثل كلمات الهازئين على الجلجلة بتجارب كتجارب إبليس في البرية. أو كالكلام الذي وجّهه بطرس إلى يسوع (16: 23) ليبعده عن الآلام. أو كالموقف الذي يطلب فيه السامعون من يسوع آية لكي يجرّبوه (12: 28؛ 16: 1: بيرازونتس). قد نكون في هذه الأمور، كما في هزء المارين أمام تجربة. ولكن ليس هذا هو الهدفَ الأول الذي توخّاه مت.

ب - عظماء الكهنة (آ 41-43)
وبعد المارين جاء عظماء الكهنة. وقد حوّل مت كلمات هزئهم (آ 41-43) كما وردت في مر. أدرج لقب((المسيح)) مثل لقب ((ملك اسرائيل)) (آ 42؛ رج مر 15: 32). لا يقول هذا اللقب شيئًا يزاد على لقب ملك اسرائيل بالنسبة إلى اليهودي، ولكنه يجعلنا في امتداد الخطّ المرسوم مع تدخّل المارّين. وهكذا يجد سؤال قيافا واعتراف يسوع بحقيقة الألقاب التي أعلنها عظيم الكهنة (26: 63-64)، يجد هنا صدى مكمّلاً، لأن لقبَي ((المسيح)) و((ابن الله)) قد عادا هنا وإن بشكل ملموس في الحدث الذي ندرس، فلاحقا يسوع في قلب عذابه. وهكذا شدّد مت على السخرية التي وجدها في مر 15: 32أ: زاد الفعل ((إستين)) فقسم الآية إلى جملتين رئيسيتين. قال مر: ((هو المسيح ملك اسرائيل)). أما مت فقال: إنه ملك اسرائيل. وهكذا صارت هذه الجملة اعترافًا حقيقيًا بالمسيح: لقد وقع الخصوم في الفخّ الذي نصبوه.
وكتب مر 15: 32ب: ((لكي نرى ونؤمن)). ألغى مت الفعل الأول. لم نعد أمام غاية (حتى نؤمن)، بل أمام نتيجة. وجعل مت الفعل في المضارع، وزاد الضمير ((به)). ((لينزل فنؤمن به)). وهكذا يتركّز كل شيء على الايمان بيسوع، وهو إيمان يقوم موضوعه بأن نرى في شخصه المسيح، ((ملك اسرائيل)).
نحن نلتقي بالموضوع عينه في مقاطع أخر من مت: بعد أن يروا في يسوع سلطان اجتراح المعجزات (8: 13؛ 9: 28: هل تؤمنان أنني أقدر)،ها هو يطلب شخصيًا إيمان تلاميذه (18: 6: المؤمنين بي). ولكن ما قيمة كلام يقوله أولئك الذين اقتادوا يسوع إلى هنا؟ غير أن القارئ المسيحي يستشفّ هنا موقفه هو واللغة التي يستعملها لكي يعبّر عن هذا الموقف (هكذا نجرّب الله. أين قدرته؟).
إن آ 43 هي توسّع خاصّ بمتّى. وهي تتألّف من شقّين. الأول هو ايراد كتابي لم نستعدّ له، ولكنه يوافق طريقة تأليف الحاش. والثاني هو تبرير لما سبق، مع عودة إلى جلسة السنهدرين في معطياتها الكرستولوجية.
قال الايراد الكتابي: ((توكّل على الله (حسب حساب الله). فلينقذه الآن إن كان يريده)). إن كان راضيًا عنه. إن كان يهمه أمره. تستعيد العبارة جزءًا من مز 22: 9 كما في السبعينيّة.
إذن، نحن أمام مزج بين اثنين في آ 43. فإيراد المزمور يعطي القارئ المسيحي وسيلة ليفهم ما سبق. إنه يدلّ على أن الهزء الذي قاساه المصلوب يوافق انباءات الكتاب المقدّس. ويدلّ في الوقت عينه على التأكيد بخلاص قريب. فالبار في المزمور (22: 23-32) سينال حقًا خلاص الله. ثم إن هناك حاشية تلفت الانتباه. وهنا نقابل بين مر ومت. ترك مر لقب ((ابن الله)) إلى الأخير، ليكون المنارة الأخيرة في انجيله. أما مت فذكر هذا اللقب مرارًا خلال خبره (27: 40، 43، 54). فهو يقدّم بنوّة يسوع الالهيّة كالمعطية الأساسية التي يرتبط بها الباقي كله: سرّ دمار الهيكل وإعادة بنائه. انتصار المسيح المصلوب. تدخّل الله من أجله. 

ج - اللصان (آ 44)
والتجاديف الأخيرة تأتي من ((اللصين)) (رج مر 15: 32ب) اللذين صُـلبا مع يسوع (آ 44). ونُسب إلى رفيقي عذاب يسوع ذات القساوة التي دلّ عليها المارون وعظماء الكهنة. هزئا بيسوع كما فعل الباقون.
هنا تبع مت مر كما فعل في بستان جتسيماني. وجد عند سابقه عبارة صلاة واحدة (26: 39 = مر 14: 35-36). ولكن يسوع يصلّي ثلاث مرات (أهمية هذا الرقم عند مت) في انجيل مت. صاغ مت الصلاة الثانية (26: 42) منطلقا من طلبة من طلبات الصلاة الربيّة (6: 10). ثم قال إن الصلاة الثالثة تشبه الثانية.هذا ما نقول عمّا افترض من كلام عيّر به اللصان يسوع على الجلجلة.

4 - موت ابن الله (27: 45-54)
حين نتوقّف عند هذه المقطوعة التي تشكّل ذروة خبر الحاش، نلاحظ أن مت تبع بناء مر 15: 33-39. موت يسوع هو في قلب الخبر (آ 50). ونجد تجاه الظلمة (آ 45) معجزات ترويها آ 51-53. وتجاه أقوال الهزء التي حرّكتها صلاة يسوع (آ 46-49)، نجد اعتراف قائد المئة وجنوده بابن الله (آ 54). ونلاحظ أيضًا أن يسوع يستعيد الدور الفاعل هنا بعد أن ترك هذا الدور منذ جوابه إلى بيلاطس في 27: 11.
ترتيب الأحداث هو هو عند مت ومر. ولكن مت توسّع فيها بواسطة معجزات أخرى لها معنى عميق على المستوى اللاهوتي (آ 51ب-53). وكانت أيضًا تبدّلات طفيفة على المستوى الادبي وعلى مستوى المعنى أيضًا.
أ - الظلمة (آ 45)
حين تحدّث مت عن الـظلمة، أعطى لنصّه طابعًا كتابيًا. جعله يتصل اتصالاً قويًا بخبر ضربات مصر كما في السبعينيّة، ولا سيّما ضربة الظلمة (خر 10: 21-29). وعاد مت أيضًا إلى عا 8: 9-11أ (عبارة ابن حبيب في عا 8: 10 تجد صدى في مت 3: 17...). وهناك اللهجة الهجومية، لا سيّما وأن هذه الآية ترافق خبر انشقاق حجاب الهيكل (آ 51). وذكر مت ((الأرض)) أو ((أرض اسرائيل)) كما في طفولة يسوع (2: 20). أو أرض يهوذا (2: 6؛ رج مي 5: 1). أو ((أرض زبولون ونفتالي)) (4: 5؛ رج أش 8: 23). هنا نعود إلى تفسير مر 15: 33.

ب - صلاة يسوع(آ 46)
تحدّدت ((الساعة التاسعة)) كما في مر 15: 34 (زاد مت: ((حوالي)) الساعة التاسعة). وجاءت صلاة يسوع في ذات الإطار البيبلي. وايراد مز 22: 2 يبقى شبيهًا بما في مر، مع اختلاف في لفظة ((إلي)). وهذا ما سيساعد على التلاعب على الألفاظ من قبل بعض القائمين هناك، فيحسبه يطلب عون إيليا.
جعل مر ((إلهي إلهي)) في الصيغة الاسمية. أما مت ففي المنادى. ولكن المعنى لا يتبدّل. فنحن هنا أمام صيغة نحويّة فريدة في كل العهد الجديد. في هذا المجال نتذكّر كيف ارتبط مت بمر في صلاة يسوع في جتسيماني (26: ،39 42). قال مر 14: 36: أبّا، أيها الآب في الصيغة الاسمية، فقدّم مت المنادى ((باترمو)): يا أبت.
وهكذا نعود إلى صلاة النزاع. ففي مت كما في مر، تشكّى يسوع. ولكنه تشكّي الابن الذي سبق له وخضع كليًا لإرادة أبيه السماوي (26: 39، 42)، والضيق الذي يقاسيه الآن هو تتمة لهذه الإرادة. هكذا نظر إليه الانجيلي الذي استفاد من المزمور ليعبّر عن فكرته. فالانجيلي وقرّاؤه يعرفون إنباء يسوع بقيامته (16: 21؛ 17: 23؛ 20: 19). وإيمانهم يدعوهم لأن يروا في قلب ضيق يسوع وألمه، اليقينَ بأن الله ينقذه.
ج - مشهد ((إيليا)) (آ 46-49)
إن المشهد الذي حرّكته صلاة يسوع، أخذه مت من مر وأعاد صياغته. فنحن لا نجد في الانجيل الثاني العلاقة بين اعطاء يسوع ليشرب وعمليّة السخرية. ((لنرَ هل يأتي إيليا وينزله)) (مر 15: 26)! فالذي يقوم بالفعلة هو الذي يقول الكلمة. أما مت ففصل بين الفعلة والقول، ونسب كلاً من الاثنين إلى فاعل مختلف. ((بعض القائمين هنا)) أورد التلاعب على الكلمات بالنسبة إلى إيليا. حينئذ قام ((واحد منهم)) (شخص آخر غير الذي تكلّم) فأعطى يسوع ليشرب بواسطة اسفنجة موضوعة على قصبة. وأخيرًا، ((قال الآخرون: لنرَ هل يأتي إيليا لينقذه))!
رغم هذه التحوّلات، لا يختلف بُعد مت عن بُعد مر اختلافات جوهرية. فالتلميح هو هو إلى مز 69: 22، وتقديم ((الخلّ)) شرابًا ليسوع. ونجد ذات التحدّي الأخير الذي يليه فشل ظاهر (لقد مات يسوع حقًا). كل هذا يدلّ بقوّة على أن الأمور يجب أن تكون هكذا. فالاثنتا عشرة كتيبة لم تأت لتدافع عن يسوع ساعة القبض عليه (26: 53). وإن إيليا لم يأت هو أيضًا لكي ((ينقذه)). استعمل مر 15: 36 فعلاً خاصًا يدلّ على انتزاع المصلوب عن الخشبة. أما مت ففضّل لفظة لاهوتية تشير إلى المزمور الذي أورد يسوع أولى كلماته. قال مر: ((ينزله)) (عن الصليب). قال مت: ((ينقذه)) (كما في المزمور).
إن يسوع سيُنقَذ. هذا ما لا شك فيه (رج أع 2: 25 ي). ولكن ليس إيليا هو الذي ينقذه (كما تقول تقاليد الرابانيين). ولن يُنقَذ الآن. يجب أن ينتظر القيامة.

د - موت يسوع (آ 50)
كان موت يسوع في صرخة عظيمة. هي الصرخة الثانية في هذا المشهد. قال مت ((بالين)) من جديد. وهكذا أقام رباطًا بين الصرخة الأولى والصرخة الثانية. ويتوضّح هذا الرباط في استعمال مت لفعل ((كرازاين)) (صاح، صرخ) كامتداد لتذكّر مز 22: هذا ما يلقي ضوءًا على الصراخ الذي لا نعرف كلماته. فالمزمور يستعمل هذا الفعل ثلاث مرات في الترجمة السبعينية (آ 3، 6، 25) ليشدّد على حرارة صلاة البار المتألّم. وهكذا نفسّر صرخة يسوع الأخيرة هنا، كنداء يوجّهه المصلوب إلى الله لكي ((ينقذه)). فيعلن أنه متيقِّن بأن صلاته ستستجاب (آ 6: إليك صرخوا فنجوا).
أما الآن، فيجب عليه أن يموت. كتب مر 15: 37 أن يسوع ((اكسابناسن)) أي لفظ أنفاسه. وقال مت ((افياناي تو بنفما)): ترك روحه تخرج، سمح لها أن تخرج. هي عبارة فريدة في العهد الجديد ولكنها موجودة في السبعينية (تك 35: 18) مع ألفاظ قريبة. لقد أراد مت أن يدلّ على سيادة يسوع في هذا العمل السامي الذي فيه يحرّر نسمة الحياة فيه، وهكذا توّج سلسلة من اللمسات المشابهة في خبر الحاش.

6 - المعجزات (آ 51-53)
وكان من نتائج موت يسوع (كما في مر 15: 38) انشقاق حجاب الهيكل. بدأ مت مع ((كاي ايدو)): وها إن. هكذا لفت انتباه القارئ إلى عبور نحو جزء جديد وهام في الخبر. هذه ((المعجزة)) الأولى تدشّن سلسلة من الـظواهر العجائبيّة التي ترتبط بعضها ببعض مع واو العطف ((كاي)). وهذا ما يدعونا ألاّ نفصلها عن بعضها. ما هي هذه المعجزات؟ انشقاق حجاب الهيكل، زلزلة الأرض (هزَّة أرضيّة)، تشقّق الصخور، انفتاح القبور، قيامة عدد من القديسين: بعد قيامة يسوع، ترك هؤلاء القديسون قبورهم، ودخلوا إلى المدينة المقدّسة، وظهروا لعدد كبير من الناس.
الأفعال هي هنا في صيغة المجهول. هذا ما نسمّيه المجهول اللاهوتي. الله زلزل الأرض، أقام الموتى... هذا ما نقرأ في حز 37: 12. لا شكّ أننا أمام صورة انترومومورفيّة تشبّه الله بالانسان الذي يعمل. ولكن المهمّ هو أن نعرف أن الله حاضر هنا في موت يسوع وهو الذي يفعل. بانت قدرته في موت ابنه وسوف تبان في قيامته.
نلاحظ في سلسلة ((المعجزات)) هذه أن الزلزلة الأرضية تحرّك الباقي الذي سيولد على التوالي في تعاقب منطقي: حين انشقّت الصخور تفتّحت القبور. وهذا مقدمة لقيامة القديسين، وخروجهم إلى الهواء الطلق، وظهورهم للناس. نتوقّف أولاً عند هذه المجموعة المتماسكة الخاصة بإنجيل متّى. ثم نرى كيف أن انشقاق حجاب الهيكل الذي ورثه مت عن مر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما يلي ولا سيّما على مستوى الموضوع.
إن الزلزلة الأرضيّة التي يتبعها الباقي هي جزء من السيناريو التقليدي لظهورات الله. وطابع التحطيم والضجّة يدلّ على أنه سيّد الكون (قض 5: 4؛ 2صم 22: 8؛ مز 68: 8؛ 97: 4؛ 104: 37؛ 114: 7؛ يه 16: 18). والأمر صحيح خاصة في لوحات نهاية الأزمنة (يوء 4: 16؛ أخنوخ الحبشي، عزرا الرابع) ومنها لوحات العهد الجديد (مت 24: 7 وز؛ رؤ 6: 12؛ 8: 5؛ 11: 13، 19؛ 16: 18). في مت 8: 24 تأتي عبارة ((سائسموس ميغاس)) فتعطي الخبر لونًا جليانيًا: زلزلة كبيرة، بدل عاصفة شديدة كما في مر 4: 37.
ولكن الموضوع هنا لا يتوقّف عند الزلزلة. بل يتحدّث عن تشقّق الصخور ((سخيزستاي)). استُعمل الفعلُ هنا وفي انشقاق حجاب الهيكل. غير أن نصوص التوراة (1مل 19: 11؛ با 1: 16؛ زك 14: 4) والعالم اليهودي قد تحدّثت عن هذه الظاهرة التي هي جزء من حضور الله بشكل بارز في الكون. وفي المقطع الذي ندرس، كان لهذه الظاهرة العلويّة نتيجة محدّدة وفريدة: فتح القبور أو أقلّه بعضهم. إن يسوع قد ذكر في هجوم صاعق على رؤساء العالم اليهودي، ((قبورَ الصدّيقين)) مع ((ضرائح الأنبياء)) (23: 29). وهنا نجد ((قبور القديسين)) (هاغيوس. تستعمل اللفظة كاسم في الأناجيل لتدلّ فقط على يسوع، مر 1: 24؛ لو 4: 34؛ يو 6: 69. ما عدا هنا).
((القديسون)) هم ((أبطال)) العهد القديم. قال أش 4: 3: ((ومن بقي في صهيون وتُرك في أورشليم يقال له قديس فتُكتب له الحياة)). وقال مز 34: 1: ((خافوا الرب يا قديسيه)) (رج دا 7: ،18 21). وقال آخرون: القدّيسيون هم الأنبياء الشهداء، وذلك بسبب مت 23: 29-32. غير أنهم في تفسيرهم هذا يستبقون اللغة المسيحية التي ترى في القديسين أعضاء الجماعة. هذا التفسير الذي لا نجده في مت، يظهر في نصوص أخرى من العهد الجديد : أع 3: 14-21؛ 9: 13، 32؛ 26: 10؛ 1كور 1: 1؛ 8: 4؛ 9: 1، 12). هنا نتذكّر مت 10: 41 حيث ((الصدّيقون)) هم رسل الانجيل.
ما يبرهن على أن هذه الصورة لا تعتبر ((تاريخية))، هو تفصيل ((يدلّ)) على أن الموتى الذين عادوا إلى الحياة انتظروا بهدوء داخل قبورهم المفتوحة أن يأتي يسوع القائم من الموت ويخرجهم منها. غير أن المعنى واضح بالنسبة إلى القارئ المسيحيّ الذي يرى في هذا التأخّر اعلانًا عن حقيقة لاهوتيّة: لا تتمّ قيامة الصديقين إلاّ في ارتباط مع قيامة يسوع. وهذا الرباط بين العلة (قيامة يسوع) والنتيجة (قيامة الأبرار)، يعبّر عنه مت بطريقته الخاصّة. وسيكون جزءًا من المعتقدات المسيحيّة الجوهرية، قبل أن يعبّر عنه بولس الرسولي في 1كور 15: 22-23؛ رج روم 6: 5؛ كو 2: 12. كل هذا ارتبط بيقين يعلن أن قيامة يسوع تدشّن عهدًا جديدًا، تدشّن العهد النهائي.
أما هؤلاء الذين حصلوا على النعمة الفصحيّة،فما إن تجاوزوا عتبة قبورهم (خرجوا من القبور. ((دخلوا)) إلى المدينة المقدّسة. فالقبور هي خارج المدينة) حتى دخلوا إلى ((المدينة المقدسة)) (المدينة المقدسة، أي أورشليم، عبارة خاصة بمتّى 4: 5. في 5: 35 نقرأ: مدينة الملك العظيم). وهناك تراؤوا لأناس عديدين: إنهم شهود لقوّة الحياة التي منحها سر الفداء.
وسينضمّ إلى هؤلاء الشهود، قائد المئة وجنودُه. ولكن قبل ذلك، نقابل بين نصّ حز 37: 12-13 ومت 27: 52-54. إن القيامة في نظر حزقيال هي صورة عن نهضة وطنيّة. أما مت فيرى حزقيال يصوّر مسبقًا قيامة الموتى. إذ قرأ مت النصّ النبوي كما عبر الورق الشفّاف، دلّ على الطابع الاسكاتولوجي للوحة التي يقدّمها.
نشير هنا إلى مقطع من الترجوم الفلسطيني حول مقطع حزقيال هذا. طبّقه الكاتب على 30000 من قبيلة افرائيم، تركوا مصر قبل نهاية إقامة العبرانيين في تلك البلاد، فأبادهم الفلسطيون. ولكن الرب أقامهم. كما نشير إلى لوحة دورا اوروبوس التي تعود إلى القرن الثالث ب م وتقرأ في حز 37 قيامة الموتى. ويمكننا أن نقابل أيضًا نص مت مع دا 12: 2 حسب السبعينية: ((وكثيرون من الراقدين في مساحات الأرض يقومون)).
إن الأحداث المتسلسلة التي يوردها 27: 51-53، ترمز إلى نتائج موت المسيح وقيامته. وهي تدلّ على إيمان المسيحيّ بسرّ الفداء. فهذا السرّ يدشّن الحقبة الأخيرة التي تختتمها قيامة الموتى. بدأت السلسلة بانشقاق سافر لحجاب الهيكل الذي يرتبط بما يلي من أحداث. في مر برز ارتباطه بنهاية العبادة الذبائحية في العالم اليهودي. وقد حلّ محلّ هذه العبارة تقدمة يسوع على الصليب. وهذا ما نفهمه بشكل خاص عند مر، لأن هذه المعجزة هي النتيجة الوحيدة والمباشرة لموت يسوع. مع انشقاق الحجاب، نحن أمام علامة عن عبور إلى حقبة جديدة هي الأخيرة التي دشّنها يسوع بموته. أما في مت فالأمر أكثر وضوحًا، لأن الهيكل لم يكن موجودًا يوم دوّن متّى انجيله (22: 7: ((أنفذ جيوشه وأهلك أولئك القتلة))؛ 23: 38: ((هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا). فبعد اليوم، إن حضور يسوع وسط أخصّائه ومعهم (18: 20؛ 28: 20 ب) يستنفد كل وساطة بين الله والبشر.

و - قائد المئة وجنوده (آ 54)
إن الظواهر التي أحاطت بموت يسوع حرّكت اعتراف قائد المئة الوثنيّ. وانضم إليه أولئك الذين كان معه يحرسون يسوع وهم ذاتهم الذين قال عنهم متّى بأنهم كانوا يحرسون المصلوب (27: 36)، وهكذا هيّأ لنا الانجيلي تدخلهم القريب. إن هذه المجموعة الصغيرة تتعارض مع مجموعة الهازئين الذين توالوا فيما قبل إزاء الصليب. ما أعلنته الجوقة الأولى وهي ترفضه، اعترفت به الجوقة الثانية وهي عارفة بما تعمل، وذلك في فعل إيمان فريد.
حين فعل مت هذا، صحّح مرجعه واستخرج نتيجة هامة. في مر 15: 39، التفت الضابط الروماني إلى يسوع. فحرّك اعترافَه الطريقةُ التي بها مات يسوع. أما في مت، فلا نجد الالتفات نحو يسوع. وما شاهده الأشخاص لا يتعلّق بشخص يسوع بل بالمعجزات التي تلت موته، انطلاقًا من الزلزلة الأرضية. وحاول مت أيضًا أن يوضح النصّ ويجعله معقولاً. حين نقرأ مر نتساءل إلى مَ تلمّحُ الجملة ((حين رأى)) أنه هكذا ((أسلم الروح)). أشار مت أن ما حرّك اعتراف الوثنيين على الجلجلة، هو المعجزات التي سبق وصوّرها الانجيلي. واهتمّ بأن يُدرج فقط تلك التي يستطيع البشر أن يروها. ترك انشقاق حجاب الهيكل على جهة، وبدأ التذكير مع ((الزلزال)) (سائسموس) وامتدّ في عبارة غامضة (ما جرى، غينومانا) لا تجبر القارئ أن يخاطر في ما يقول، فما على القارئ إلاّ أن يتصوّر إذا أراد تشقّق الصخور وظهور بعض الموتى عند مدخل قبورهم.
هذه العلامات تثير مخافة عظيمة عند الحاضرين. لقد اجتاح العالم الالهي حياة البشر بشكل معجزات، فكانت النتيجة هذا الخوف. هنا جعل متّى نفسه في رسمة كلاسيكيّة (9: 8؛ ق مر 2: 12؛ 14: 26؛ ق مر 6: 49؛ 17: 6، 7؛ 28: 5، 8؛ ق مر 16: 6-8). هذه المخافة ترافق هنا الايمان (ولكن قد يكون الخوف علامة عدم إيمان، 10: 31؛ 14: 27، 30).
ما لا نشكّ فيه عند مر، لا نشكّ فيه أيضًا عند مت. حين هتف القائد وجنوده ((في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله))، استعاد في عبارات مماثلة تقريبًا اعتراف جوقة التلاميذ الذين سُحروا بمشية يسوع على المياه (14: 33)، واعتراف بطرس باسم المجموعة في قيصرية فيلبس (16: 16). وهكذا نجد في رمز جنود الجيش الروماني كنيسة الوثنيين. أي: هؤلاء الذين أعلن يسوع مجيئهم إلى مائدة الملكوت (8: 11)، والذين بعث إليهم مرسليه في العالم لكي يتلمذوه (28: 19).
إن موضوع الاعتراف هو ذاته كما في 14: 33 و16: 16: هو يسوع كما يعترف به الايمان المسيحي حين ينسب إليه لقب ابن الله. ففي نهاية خبر الحاش، يستعيد البشر لقبًا أعلنه يسوع أمام قضاته. ولقد مات لكي يكون أمينًا لهذا اللقب. وهذا ما يقوله أولئك الذين آمنوا به. ولكن في الوضع الحاضر، ليس الموت على الصليب في حدّ ذاته وفي عريه القاسي، هو الذي يحرّك الاعتراف الايماني. فهذا الاعتراف يرتبط بالمعجزات التي تلت هذا الموت.
من هذا القبيل وبالنظر إلى تقارب تحقّق مع اعتراف التلاميذ في 14: 33، ظلّت المفارقة خفيّة بعض الشيء، ولم يتجرّد الايمان كليًا عن كل استناد إلى عالم الخوارق. فمتّى ليس بولس، وهو لا يجعل من القائد ورجاله رمزًا إلى كل الذين يطلبون الآيات ويرفضون جنون الصليب (1كور 1: 22).

5 - النساء الشاهدات (27: 55-56)
هذا هو المشهد الأخير قبل الدفن، مشهد النساء التلميذات اللواتي ينظرن ((من بعيد)) إلى يسوع في اللحظات الأخيرة من حياته. استعاده مت، وأعاد صياغته بشكل متناسق ومتماسك. رتّب مر النسوة في مجموعتين. الأولى، نسوة ذُكرت أسماؤهن. والثانية، نسوة ذُكرت في عبارة اجماليّة ((غيرهنّ كثيرات)). وكان لكل مجموعة نشاط خاص بها. قد يتولّد من هذا التوزيع شعور خاطئ يعتبر أن المجموعة الثانية وحدها صعدت إلى أورشليم مع يسوع. أما المجموعة الأولى فاكتفت بأن تتبعه وتخدمه في الجليل. هذا مجرّد شعور.
لهذا حسّن مت مرجعه. فبعد تقديم عام للنسوة (27: 55أ؛ رج مر 15: 4أ)، قال إنهنّ تبعن يسوع ((من الجليل وكنّ يخدمنه)). نجد بين هؤلاء النساء مريم المجدلية وأخرى كثيرات ذُكرت أسماؤهن. حين ركّز مت كل شيء في منظار المسيرة إلى أورشليم انطلاقًا من الجليل، أزال كل التباس.
هؤلاء النساء اللواتي ينظرن إلى يسوع كنّ ((عديدات)) (رج مر 15: 31 ب). هنّ يقفن من بعيد (مر 25: 40 أ = أبو مكروتن). لا نعرف الموضوع المحدّد. ولكن مت يقول لنا: ((كنّ هناك)) (اكاي). في الحقيقة، تتوخّى هذه اللفظة أن تربط هذا الحدث بسابقه، فتدلّ على أن هؤلاء النسوة هنّ شاهدات حقيقيّات لموت يسوع وللظروف التي أحاطت بهذا الموت. ولكن إذ أشار مت (ومر) إلى ابتعادهن عن الجلجلة، شدّد أيضًا على غياب جميع التلاميذ قرب الصليب. وذكّرنا أن هنا ينطبق مز 38: 12 كما سبق وتطبّق فيما قبل بالنسبة إلى بطرس (26: 58).
إن الرباط الذي يجعله مت مع السياق السابق يتثبّت بفضل تجرّد ممّا يلي، إذا قابلنا نصّ مت مع نصّ مر. في الانجيل الثاني، تكرار الفعل ((نظر)) (تيوراين) في 15: 40أ، 47؛ 16: 24 يوحّد المشاهد الثلاثة التي تتوالى (مر 15: 40 ؛ 16: 8). أما غياب هذا الفعل من الانجيل الأول (لا نجده في 27: 61؛ ق مر 15: 4.ثم نجده في 28: 1؛ ق مر 15: 4)، فيخفّف من الرباط الأدبي. لهذا، لا نضمّ 27: 55-56 إلى مشهد الدفن (27: 57-61). فمع النسوة، نجد خاتمة الشهادة التي بدأت في 27: 54.
حين أعاد مت تأليف مر، ترك حانبًا جزءًا من التعليم الذي قدّمه سابقه. فقد غابت في هذه الصياغة الجديدة فكرةُ المسيرة إلى أورشليم الذي انضمّ إليها هؤلاء الأشخاص، وهي مسيرة لها رمزها العميق، كما يقول مت نفسه (20: 17-18 = مر 10: 32-33). لم يبقَ هنا إلاّم مسيرتهنّ في خطى يسوع و((الخدمة)) التي أدّينها له في طريقه.
إن لائحة النسوة تضمّ ((مريم المجدلية، ومريم يعقوب وأم يوسف (أو يوسى الذي هوتصغير يوسف) وأم ابني زبدى. في 27: 61 أحلّ مت ((مريم يوسى)) (رج مر 15: 40) محلّ ((مريم الأخرى)). وفي18: 1 ((مريم يعقوب وصالومة)) محلّ ((مريم الأخرى)) أيضًا. فاستنتج الشرّاح أنه يرى في ((مريم يعقوب)) و((أم يوسى)) شخصًا واحدًا. وهكذا تشمل اللائحة ثلاث نسوة لا أربعًا كما في مر. ولكن نحتفظ من التأكيد على تماهي الامرأتين لاجئين إلى مت 13: 55 حيث مريم التي هي أم يعقوب ويوسف(ثم سمعان ويودا أو يهوذا) هي أيضًا أم يسوع. من الواضح أن هذا الوضع لا ينطبق على مت 27: 56، 61؛ 28: 1. إن المضاف إليه ((يعقوب)) (تو يكوبو، زاد مت ال التعريف) هو ملتبس في حدّ ذاته، ولا نجد هنا العون الذي وجدناه في مر لندرك رباط الابن بأمه (مريم يعقوب أي مريم أم يعقوب). غير أن وجود واو العطف (كاي) بين يعقوب ويوسف يدلّ على أن يعقوب ويوسف هما ابنان لمريم الثانية.
إذا عدنا إلى مر 15: 40 نجد أربع نسوة: مريم يعقوب الصغير وأم يوسى (نجهل اسمها) إن عبارة ((مريم يعقوب)) هي ملتبسة. قد يكون يعقوب الأب، الابن، الزوج. ق مت 10: 3؛ لو 6: 5؛ يو 19: 23. ولكن في فكر مرقس، يعقوب هو ابن مريم الثانية. هذا إذا قابلنا العبارة المشابهة ((مريم يوسى)) (15: 47) مع ما في 15: 04 (مريم يوسى). كل هذه المسائل مع الاختلاف بين لائحة وأخرى (15: 47؛ 16: 1) لا تؤثّر في شكل من الأشكال على دور النسوة في منظار الانجيلي.
إذن، نلاحظ ثلاثة تبدّلات بين مت ومر. الأول: حذف لقب ((الصغير)) بعد يعقوب. يوسي صار يوسف. اختفى اسم صالومة وحل ّ محلّّه ((أم ابني زبدى)). هذه التبدلات لا تؤثّر في شيء على دور النسوة كشاهدات لموت يسوع. ولكن تلك هي طريقة متّى في ترتيب ما وصل إليه من مرقس أو من مرجع استقيا منه كلاهما.
لم يحتفظ مت، شأنه شأن لو 24: 10، بلقب ((الصغير)) ليعقوب، وذلك طلبًا لتبسيط وبحثًا عن رسمة مثالية نجدها في ثلاث لوائح للنسوة (27: 57، 61؛ 28: 1). وفي الخط عينه حلّ اسم يوسف محل مختصره ((يوسى)). وحين أحلّ محل صالومة ((أم ابني زبدى))، نفهم الوضع حين نبحث في نصّ مت نفسه. نلاحظ أولاً أن عبارة ((ام ابني زبدى)) لا نقرأها إلاّ في مت (في 26: 37: أم ابني زبدى؛ ق مر 10: 35: يعقوب ويوحنا). في 20: 20 تدخّلت هذه المرأة لتدفع عن ابنيها طموحًا (طالبا به) لا يليق باكرام أحاطت به الكنيسة هذين الرسولين. ثم إن مت اعتاد أن يحلّ اسمًا لا يجد له مقابلاً محلّ اسم آخر: أحلّ اسم متّى محل اسم لاوي (9: 9؛ 10: 3؛ ق مر 2: 14-15).
الفصل الثامن والعشرون

دفن يسوع والحرس على قبره
27: 57-66

نتوقّف في هذا الفصل عند مقطعين متكاملين. في الأول نقرأ عن دفن يسوع بواسطة رجل من الرامة اسمه يوسف (آ 57 -61). في الثاني (آ 62 - 66)، نعلم أن رؤساء الكهنة طلبوا حرسًا من بيلاطس لئلاّ يسرق التلاميذُ الجسد ويقولوا إن يسوع قام. وهكذا يكون الدفن دلالة ساطعة على موته، ووجود الحرس على أن يسوع يتحدّى قوى الكون (دحرج الحجر) والبشر (الجنود) ليقوم في اليوم الثالث كما قال.

1 - دفن يسوع (27: 57-61)
أعاد مت صياغة خبر دفن يسوع، فعرّاه من كل ما اعتبره نافلاً، وقام بلمسات طبعت المقطوعة بطابعه الخاص. وهكذا برزت نظرتان. من جهة، شدّد مت على أن يسوع دُفن دفنة كريمة. ومن جهة ثانية، دلّ على أن هذا الدفن هو دفن حقيقيّ. هذه النظرة الثانية تهيّئ الحدث المكمّل الذي يلي والذي به ينهي متّى خبر الحاش في إنجيله.
ينقسم الحدث قسمين متميّزين. يتحدّد القسم الأول (آ 57-60) بوجود فعل ((أقبل)) (التان) و((مضى)) (ابيلتان) مع يوسف كفاعل لهما. أقبل يوسف... وبعد أن دحرج الحجر مضى. ويوسف هو فاعل الأفعال. أما بيلاطس فيلعب دورًا ثانويًا. أما القسم الثاني (آ 61) فهو مُلحق يرينا النسوة الجالسات تجاه القبر. التقينا بهنّ في 27: ،57 وسوف نجدهنّ في 28: 1. بواسطتهنّ يرتبط خبر موت يسوع بخبر دفنه وظهوره الظافر في صباح القيامة.
إن الرباط الذي يجمع هذا المقطع إلى السياق اللاحق يتثبّت حين نعرف أن كل شيء يجري حول قبر يسوع. فالمجموعة التي تبدأ في 27: 57 وتنتهي في 28: 15 تصبح هكذا دائرة متكاملة. فإن يكن حدثُ الدفن الوْلي الطبيعي للحاش، إلاّ أنه يتميّز عنه بالمناخ الذي يتداخله، بالزمان والمكان اللذين فيهما تجري الأحداث التي يرويها.
هناك إشارة كرونولوجيّة: ((ولما كان المساء)) (اوبسياس غانومانس). نجدها أيضًا في 4: 15 (ق مر 6: 35)؛ 14: 23ب (ق مر 6: 47)... هذه الاشارة تحيط بخبر الأحداث منذ اجتماع المجلس في الصباح: كل شيء يجري في يوم واحد، دلّ متّى على بدايته في ألفاظ تشبه تلك التي هي هنا (بروياس غانومانيس، 27: 1). خفّف مت هنا عبارة مر 15: 42، ولكنه سيستعمل موادها في 27: 62. ثم صحّحها. فهو اليهودي يعرف أن مجيء المساء لا يدلّ على التهيئة، بل على أن الفصح قد بدأ (يبدأ اليوم في مساء اليوم السابق). لم يلمّح مت إلى السبت هنا. سيذكره في 28: 1 ليدلّ على أنه ولّى ومضى. ففي المتتالية 27: 57 - 28: 15، لا يهتمّ مت إلاّ قليلاً بيوم السبت وممارسته. فهو ينظر إلى الأمام، إلى ((اليوم الثالث)) يوم القيامة.
حين أراد مت أن يقدّم لنا شخص يوسف (أقبل، مضى)، شدّد على وصوله ثم انصرافه. فيوسف هذا ((رجل غني)). نلاحظ هنا اختلاف مت عن لو. فالطبقة الاجتماعية والاقتصادية لا تؤثّر على التعليم. المهمّ نقاوة القلب في طلب الملكوت أولاً وأخيرًا. وحين نقرأ الانجيل الأول، نفهم أن جماعة متى تألّفت من أشخاص أغنياء، عكس جماعة لوقا التي عرفت الفقر وجعلت الفقراء في المقام الأول.
قال مر 15: 43 إن يوسف هذا هو((مشير في المجلس)). هو مستشار رفيع المقام. أما مت فشدّد على غناه، ليدلّ على أنه كان له مدفن هيّأه لنفسه. وإذ لم يجعله من أهل المجلس، ولا أحد القضاة الذين حكموا على يسوع بالموت، أراد أن لا يكون تضارب بين موقفه هذا واعتنائه الدقيق بتأمين هذه الدفنة اللائقة. وأخيرًا، تذكّر متى نصًا كتابيًا ينطبق على هذا الوضع. فشدّد عليه: ((جُعل قبره مع الاشرار ومدفنه مع الأغنياء)) (أش 53: 9).
قال مر إن هذا الرجل كان ينتظر ملكوت الله. فبدا بعض الالتباس في وجهه. أما مت فكان واضحًا: ((هو تلميذ يسوع)).
إنه يزاد على لائحة التلاميذ الذين جنّدهم يسوع خلال حياته على الأرض (هوس كاي اوتوس: كان هو أيضًا). هي مجموعة غير محدّده لا تتماهى (في مت) مع الاثني عشر. إن الوضع الاجتماعي ليسوع في مر يجعلنا نفهم كيف استطاع أن يدخل بسهولة على بيلاطس. أما في مت، فإبراز صفة التلميذ ترافق التكريم التقويّ الذي به أحاط دفن يسوع وجعله معارضًا لرؤساء اليهود الذين كانوا سبب موته. ولكن إشارة أيضًا إلى قول يتوخّى بناء القرّاء المسيحيين: إذا كان جميع التلاميذ قد هربوا منذ البداية، إن كان واحد منهم قد أنكر المعلّم، فقد وُجد تلميذ اسمه يوسف رافق يسوع حتى دفنه، ونحن نستطيع أن نقتدي به.
إن المحاولة التي قام بها هذا التلميذ لدى بيلاطس هي موجزة بالنسبة إلى ما في مر 15: 43 ج-44. فمتّى لا يهتم بالاسلوب الدفاعي الذي نجده في مر والذي يحاول الردّ على القول بأن يسوع مات في الظاهر، لا في الحقيقة. أما مت فأراد أن يدافع عن نقطة أخرى: تبرئة التلاميذ من اتهامهم بأنهم سرقوا جسد يسوع (27: 64؛ 28: 13-15ب). أما الآن، فتكفيه بضعُ كلمات ليقول لنا إن يوسف مضى إلى بيلاطس ليطلب منه جسد يسوع، وهذا ما ناله بسهولة. شدّد مر على الخطوة (15: 45، دورايستاي) أما مت فاكتفى بالقول إن بيلاطس أعطى الأوامر لكي يسلّم جسد يسوع.
نقلنا مر حالاً من ((هبة)) بيلاطس إلى ما يحيط بالدفن. أما مت (آ 59)، فصوّر العمل الذي به ((أخذ)) يوسف أو ((اقتبل)) جسدَ يسوع. قالت سائر الأناجيل (مر 15: 46؛ لو 23: 53؛ يو 19: 38) إن يوسف نفسه أنزل الجسد عن الصليب. عفاه متى من هذا العمل القاسي، وجعله يقوم بعمل يهيّئ ولْي الخبر: فعلة مليئة بالحب والاكرام، لدى تلميذ يتقبّل جسد معلّمه الذي مات.
لم يتحدّث مت عن شراء الكفن (هي حاشية جانبيّة)، ولكنه شدّد على أنه ((كفن نقي)). إن لفظة ((كاتارا)) لا تعني أن الكفن لم يكن ((وسخًا)). لا حاجة إلى مثل هذه الصفة في سياق الخبر. ولا تعني طهارة ((حسب الشريعة))، أي توافقًا مع القاعدة المتبعة حول المزيج المختلف العناصر (لا 19: 19؛ تث 22: 11). هي وجهة غريبة كل الغربة عن اهتمامات الانجيلي (15: 17-20؛ 23: 25-26). بل نحن بالأحرى أمام لون القماش. فالصفة ((كاتاروس)) ترتبط مرارًا باللون الأبيض. وقد استعمل يوسف كفنًا أبيض ناصع البياض ليكفّن جسد يسوع.
والقبر الذي وضعه يوسف فيه يدلّ على تكريم ذاك الذي يقتبله. هناك اشارتان الاولى: القبر ((جديد)). إنه ذلك الذي نحته يوسف في الصخر لأجله. والثانية مهمة من أجل ولْْي الخبر، من أجل معجزة صباح القيامة: الحجر الذي دحرجه يوسف على مدخل القبر كان كبيرًا (مر 16: 4. هذا ما لم يقله مت). لهذا نحتاج إلى هزة أرضيّة (28: 2) لكي نزيله من هناك. ولكن يوسف مضى (ابالتن) الآن، بعد أن أتمّ هذه الواجبات الأخيرة. لقد انتهت القضيّة. وها هو يوسف يعود إلى اهتماماته اليومية. إنه لا ينتظر شيئًا آخر.
ومشهد النسوة (27: 61) هو امتداد لهذا الشعور. حين أعاد مت صياغة حاشية مر 15: 47، كتب ((كان هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى))، فكان سريعًا في ذكر الأسماء وهذا ما سيفعله في 28: 1 فيهمل ((أم يوسى)) ويحتفظ بمريم الأخرى التي هي ((أم يعقوب)) كما سُمّيت في 27: 56. يكفيه وجود شخصين لكي تكون الشهادة صحيحة. هكذا فعل لو في خبر تلميذي عماوس: كلاوبا ورفيقه.
في مر، لا نعرف أين نضع هؤلاء النسوة. أما مت فقال: ((كانا هناك جالستين تجاه القبر)). فالعبارة التي أشرنا إلى وجهتها في البناء وهدفها الدفاعي، توسّعت في خطّ كتابي له معناه. فهي تشير إلى المشهد الذي فيه يصوّر حز 8: 14 النسوة جالسات في هيكل أورشليم وهن يبكين تموز (أو أدونيس عند الفينيقيين واليونان): ((ثم جاء إلى باب مدخل الهيكل فإذا هناك نساء جالسات يبكين على تموز)). إن نصّ السبعينيّة يبدو قريبًا من مت 27: 61. لا شكّ في أن الهوة سحيقة بين بكاء وثني، وانتظار قيامة يسوع. فالتقارب يبقى على مستوى المبنى.
ونلاحظ أيضًا غياب النواح والندب، فهذا لا يتوافق مع الانباءات المتكرّرة عن القيامة. ولكن يبقى أن المشهد مشهد حزن وحداد. فالجلوس هو الوضع المناسب لمثل هذه الحالة. وزاد مت ((تافوس)) القبر هنا وفي آ 64، 66، فتذكّر اعتراف الايمان الفصحي كما أورده بولس في 1كور 15: 3-7 مع فعل ((إتافي)) (آ 4) ليتحدّث عن الدفن. هاتان المرأتان الشاهدتان تسهران مع الميت في موضع دفنه، يجعلنا مت نشعر أننا أمام نهاية. وما يثبته هو اغلاق جميع المخارج.في الواقع، إنه يهيّئ ما سوف يعرفه القارئ قريبًا.
2 - الحرس على قبر يسوع (27: 62-66)
إن خبر وجود الحرس عند قبر يسوع لا يجد ما يقابله في سائر الأناجيل. وهو يؤلّف وحدة مع حدث الرشوة التي نالها هؤلاء الحرس ليقولوا إن الجسد سُرق. فالخبران (27: 62-66؛ 28: 11-15) يحيطان بخبر اكتشاف القبر الفارغ (28: 1-10).وهناك تفصيل داخل هذه المقطوعة الأخيرة (28: 4: ارتعد الحرّاس من الذعر، وغدوا كالأموات) يربط بين لوحتيْ خبر الحرّاس.
يبقى أن الخبر الأول (27: 62-66) له وظيفة مستقلّة: إنه يضعُ حدًا لخبر الحاش في امتداد الدفن. فمع الدفن برزت صورة القبر المختوم والمحروس لتدلّ على عمل الله المقبل، العمل العجيب الذي لا يُوقفه حاجزٌ بشري (28: 2-3).
أما على المستوى الادبي، فالحدث الذي نقرأه مع الحدث التالي، هو قريب من أخبار نجاة غريبة قدّم عنها أع عدة عيّنات (5: 17-25؛ 12: 1-11؛ 16: 23-25). مع العلم أنه يجب أن نلاحظ أن فتح القبر بيد الملاك في صباح الفصح، ليس سبب قيامة يسوع. مع هذا ((الفتح)) نحن بعيدون عن رفع المغاليق بقوّة فائقة الطبيعة.
يتضمّن المقطع الذي ندرس حوارًا بين السلطات اليهودية وبيلاطس. تسبقه مقدمة (آ 62) وتليه حاشية تتحدّث عن تنفيذ الأمر الذي أعطاه الوالي (آ 66).
وتثبّتت الوقائع: ((في الغد (ابوريون، لا نقرأه إلاّ في مت) الذي يلي التهيئة)). طريقة غريبة للاشارة إلى السبت. ولكن يبدو أن مت يستلهم الاشارة الكرونولوجيّة في مر 15: 42 التي أغفلها في 27: 57. إذن، في ذلك اليوم ((إجتمعت)) السلطات الهيودية، ففعلت كما فعلت مرارًا في خبر الحاش. أما الآن فقد تمّ اجتماعهم ((عند بيلاطس)) كما كان في الماضي ((عند قيافا، عظيم الكهنة)) (26: 57). أما عبارة ((عظماء الكهنة والفريسيين)) فلا نجدها إلاّ هنا وفي 21: 45، ساعة أبانت هاتان المجموعتان ردّة فعلهما على مثَل الكرّامين القتلة. إذا وضعنا هذا المقطع جانبًا، نرى أن الفريسيين غابوا كليًا عن خبر الحاش. أما حضورهم هنا مع سائر الأحزاب اليهودية، فيجسّد معارضة وبرنامجًا معاكسًا ما زال يسوع يواجههما.
توجّه عظماء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس. بدأوا حوارًا امتد من آ 53 إلى آ 56. أعطوه لقب ((كيريي)) (كيريوس)، أي سيّد. هذا أمر لافت في انجيل يحتفظ بهذا اللقب ليسوع الرب (7: 21، 22؛ 8: 2، 6، 8، 21، 25...). هنا نرى بعض التهكّم: إن الخصوم يقرّون، بهذه التسمية، أن الوالي الروماني الذي يبغضونه هو ((سيّدهم)) (كيريوس لهم)، ساعة رفضوا أن يكون يسوع المسيح هو ((السيّد)) لهم.
ويتواصل تدخّلهم في اعلان يطرح سؤالاً: ((تذكّرنا أن ذاك المضلّ قال، وهو بعد حيّ: بعد ثلاثة أيام أقوم)). فأين هو المقطع الذي فيه نرى خصوم يسوع ((يسمعونه)) ينبئ بقيامته؟ فالتلاميذ وحدهم تلقّوا هذا الانباء (16: 21؛ 17: ،9 23؛ 20: 19؛ 26: 32). وهناك من عاد إلى شهادة الشهود حول أقوال يسوع بأنه يدمّر الهيكل ويعيد بناءه في ثلاثة أيام (26: 61). لا نستطيع أن نقول إن كلام يسوع هذا في مت لمّح إلى القيامة كما هو الأمربالنسبة إلى يو 2: 21. أما مت فلا يهتمّ بمنطق نعتبره ضروريًا. فليفترض القارئ ما يشاء حول معلومات الرؤساء اليهود. المهم أنهم أعلنوا القيامة من حيث لا يدرون.
سُمّي يسوع هنا ((المضلّ)) (((بلانوس)). وسنجد ((بلاني)) في آ 64: الضلالة). ترد الصفة في 2كور 6: 8؛ 1تم 4: 1؛ 2يو 7 مرتين. والاسم في روم 1: 27؛ أف 4: 14؛ 1تس 2: 3؛ 2تس 2: 11؛ يع 5: 20؛ 2بط 2: 18؛ 3: 17؛ 1يو 4: 6؛ يهو 11. أما الفعل ((بلانان)) (والمزيد: ابوبلانان) فيدلّ في السبعينيّة على الضلال على مستوى عبادة الأوثان (هو 8: 6؛ عا 2: 4؛ حك 15: 4-6؛ 2مل 21: 9؛ 2أخ 33: 9. في وصية نفتالي نحن أمام الضلال على المستوى الأخلاقي، لا على مستوى عبادة الأصنام). كما يدلّ أيضًا على الأقوال الغاشّة التي يُطلقها الأنبياء الكذبة (تث 13: 6؛ إر 23: 13، 32؛ رج أش 30: 20-21؛ 41: 29). إذن يسوع هو في نظر خصومه واحد من هؤلاء الأنبياء الكذبة الذين قادوا الشعب في طريق الشرّ والكفر (هذا ما يقوله التلمود على أساس تث 13: 2-12).
قالوا لبيلاطس متكلّمين عن يسوع: ((وهو بعد حيّ)) (إتي زون): هذا ما يقوله يهودٌ مات يسوع بالنسبة إليهم وصار إلى القبر، ضدّ مسيحيين يعلنون قيامته. أن يكون يسوع قد أعلن ذلك، نستشفّه من ((الانجيل)) الذي عرفه عظماء الكهنة والفريسيون.
وهدفُ مسعاهم الحصولُ على أمر من بيلاطس: ((مُر إذن بحراسة (بضبط) القبر إلى اليوم الثالث)) (آ 64). الفعل ((اسفاليزاين)) يعني: حرس، ضبط، أمّن الحراسة. بل سجن (يرد فقط في أع 16: 24). يرد ثلاث مرات في هذا المقطع: آ 64، 65، 66. ونتساءل : لماذا طُلب من بيلاطس أن يتدخّل في هذه الحال؟ بعد أن سمح بانزال الجسد عن الصليب ودفنه، لم يبقَ له أن يفعل شيئًا فيما بعد. فلا شيء يمنع السلطات اليهودية من أن تضع حرسًا على قبر يسوع كما أرسلت شرطًا يمسكونه في بستان جتسيماني.
وينضمّ إلى هذا السؤال سؤال آخر في هذا النصّ المليء بالأسئلة. في 28: 11 جاء الحرس يقدّمون تقريرهم عن الأحداث إلى رؤساء اليهود. هذا يعني أنهم يرتبطون بالسلطات اليهوديّة. ولكن هؤلاء الحرّاس سُمّوا ((جنودًا)) (ستراتيوتاي، 28: 12). إنهم ((جنود الوالي))المذكورين في 27: 27 (في انجيل بطرس، أعطى بيلاطس للرؤساء اليهود بترونيوس قائد المئة مع جنود. إذن هم في إمرته). ومنه يخافون إن هو علم أنهم ناموا (28: 13) ولم يحرسوا القبر (28: 14: نحن نرضيه). أيكون هؤلاء حرّاسًا من اليهود أم جنودًا رومانيين؟ فعبارة بيلاطس ((دونكم حرسًا)) (27: 65) تُفهم في صيغة الأمر: ها هم الحرس. خذوا منهم من تشاؤون. وتُفهم في صيغة الحاضر: ((عندكم حرس. أرسلوهم)). في الحالة الأولى يكون الحرس من الرومان. وفي الحالة الثانية من اليهود.
نصّ متماسك جدًا. ما هو هدفه؟ نستشفّ هدفه في الخطبة الصغيرة التي تُوجّهها السلطاتُ إلى بيلاطس. يجب أن نعمل اللازم ((لئلاّ يسرقه)) التلاميذ (زادت بعض الشهود: ((ليلاً))، نكتوي، بتأثير من 28: 13). يعني: قد يحمل التلاميذ جثته. يا للخسارة الكبرى للشعب اليهودي. سيُهزأ به مرة أخرى ويُغشّ (خايرون، 64، شرًا من). ممّن؟ من ذاك الذي سمّاه أعداؤه المضلّ! بعد الإنباء بالقيامة جاء البرهان على القيامة. إن عبارة ((قام من الأموات))، هي تعبير الكرازة المسيحية كما نسمعها من الملائكة على القبر (28: 7). وها نحن نجدها هنا في أفواه السلطات اليهوديّة.
عرف مت أن اليهود يتّهمون المسيحيين بأنهم أخفوا جسد يسوع ليجعلوا الناس يعتقدون أنه قام (نجد أثرًا لهذا الاتهام في لو 14: 12؛ يو 20: 6 مع صورة اللفائف). وإذ أراد أن يعارض مثل هذا القول روى خبرًا يقول: كان القبر محروسًا، فلم يستطع تلميذ أن يقترب منه ويأخذ الجسد. على كل حال، هناك ((تلميذ)) اسمه يوسف الرامي وضع الجسد في القبر، فلماذا يأخذه تلميذ آخر.
طلب الرؤساء اليهود. فأجابهم بيلاطس بلا تردّد: ((دونكم حرسًا)). أو ((عندكم حرس))، ((فاذهبوا واحتاطوا للأمر كما تعلمون، كما تريدون)) (آ 65). موقف بيلاطس هو موقفه في نهاية المحاكمة: يتهرّب من كل مسؤولية تجاه يسوع، ويترك الأمور لليهود (27: 24). أما هم فتحمّلوا مسؤولياتهم في مقتل يسوع، وسيتابعون عملهم. بل زادوا على ما طلبوه من الوالي: لم يكتفوا بحراسة القبر، بل ختموا الحجر الذي يُغلق القبر. كفالتان أكيدتان تدلاّن على حقارة التصرّفات البشريّة في هؤلاء الرؤساء اليهود. فهذا القبر الذي أغلق اغلاقًا محكمًا وحُرس حراسة مشدّدة، سينفتح بعد وقت قليل بقدرة الله من أجل قيامة ابنه.
الفصل التاسع والعشرون

القبر الفارغ والرب القائم من الموت
28: 1-15

بعد السبت يأتي الأحد. وبعد الآلام المجد. وبعد الموت القيامة. والذي يربط بين الاثنين هو النسوة. نقرأ في 27: 55: ((وكان هناك بضع نساء ينظرن من بعيد)). وفي 28: 1: ((جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى، أم يعقوب ويوسي)) (27: 57). والذي يربط أيضًا هو الزلزال الذي حدث ساعة مات يسوع (27: 51)، وذاك الذي حدث في قيامته (28: 2). سيطر الخوف على التلاميذ بعد القبض على يسوع فهربوا وتركوا معلّمهم (26: 56). فجاء الملاك يقول: ((لا تخافوا)). وُضع يسوع في قبر ختمه عظماء الكهنة لئلاّ يفتحه أحد. ولكن يسوع ليس في القبر. يسوع قام، والقبرُ خال من الجثّة. فهل يستطيع الموت أن يسجن ربّ الحياة؟ وهل يستطيع الفساد أن يلامس ما ليس بفاسد؟
هذا هو النصّ الذي نقرأه فيقول لنا: لم يعد يسوع في القبر. حتى الجنود الذين حرسوه ذهبوا يخبرون. فلا يبقى على الرسل إلاّ الذهاب إلى الجليل. بعد نظرة عامة إلى النصّ، نتوقّف عند التفاصيل ونستخلص الفكرة اللاهوتيّة والروحيّة.

1 - نظرة عامة
نتوقّف أولاً عند القبر الفارغ (28: 1-10 = مر 16: 1-8 = لو 24: 1-12 = يو 20: 1-10). وثانيًا (آ 11-15) عند كذب عظماء الكهنة الذين رشوا الجنود ليقولوا إن التلاميذ سرقوا الجثة. في هذا المقطع الأخير، يبدو مت وحده، وهو الذي سبق وتحدّث عن حراسة القبر فجعل عظماء الكهنة يتكلّمون، من حيث لم يدروا، عن قيامة يسوع (27: 64).
أ - القبر الفارغ (28: 1-10)
لا نتوقّف في كلامنا عند كل المسائل التأويليّة والتاريخيّة والفلسفيّة واللاهوتيّة التي تُطرح على مستوى الايمان بقيامة يسوع في المسيحيّة الأولى. بل نحاول أن ندرس النصّ المتّاويّ ونفهمه. لهذا نطرح بشكل مقدّمة بعض الملاحظات القصيرة.
الملاحظة الأولى: سمّينا هذه المقطوعة ((القبر الفارغ)) لا ((قيامة يسوع)) لأن الأناجيل الأربعة لا تروي في المعنى الحصري القيامة. فاللفظة التي تدلّ على هذا ((الحدث)) هي هي في الأناجيل الازائيّة الثلاثة. يتلفّظ بها الملاك (كما في مت ومر ولكن بكلمات مختلفة) أو ملاكان (كما يقول لوقا). وتقدَّم القيامةُ وكأنها واقع ينتمي إلى الماضي (أقيم في الماضي. المجهول. أي الله أقامه، آ 7). ومهما قيل، فتحفّظ الأخبار الانجيليّة حول ((ما حدث)) في القيامة ظلّ هو هو، حتى جاءت الأناجيل المنحولة (انجيل بطرس 12: 5؛ 13: 57). ولكن نشير حالاً إلى اختلاف هنا بين الأناجيل الازائية وبين يو: حسب مت، مر، لو، أعلن الملائكة القيامة للشهود الأولين (آ 5 وز). فما كفى أن تنظر النسوة القبر الفارغ. فهذا ((الفراغ)) يجب أن يفسَّر لهنّ مع بعض العتاب (خصوصًا في لو 24: 5 ب). أما بحسب يو، فرؤية القبر الفارغ وحدها أقنعت ((التلميذ الآخر)): ((رأى وآمن)) (يو 20: 9).
الملاحظة الثانية: كما كان نص مت قريبًا من نص مر في خبر الآلام، كذلك سيكون في خبر القيامة، بعد أن يلغي عددًا من النقاط التي تميّز الانجيل الثاني: جعل النصّ مكثّفًا فاستغنى عن عناصر إخباريّة أو سيكولوجيّة (شراء الحنوط، ذكر الساعة الباكرة التي فيها جئن إلى القبر، القلق بالنسبة للحجر، صورة الملاك بشكل شاب). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، جعل مت نصّ مر أكثر وضوحًا، فزاد عددًا من الأمور (آ 2-4 خاصة بمتّى). الزلزال، نزول ملاك الربّ، منظره المضيء كالبرق، خوف الحرس الذين صاروا كالأموات.
ثم إن آ 9-10 هما خاصتان بمتّى أيضًا: التقى يسوع مع المرأتين، أمرهما بأن تُعلنا قيامته للإخوة وأن تنطلقا إلى الجليل حيث تريانه. نستطيع أن نقابل هذا العنصر الأخير بالظهور لمريم المجدليّة في يو 10: 11-18. هذه الصفات الخاصة تذكّرنا بمجمل نقاط الانجيل وتجعلنا نفهم أن هذه الآيات تنتمي إلى ذات المستوى التدوينيّ في مت.
الملاحظة الثالثة: نتوقّف بشكل خاص عند ((حضور الملائكة)) في هذه الآيات، ونقرأ في الخطّ عينه انجيل الطفولة في مت. نجد دومًا ذات العبارة: ملاك الربّ. وهذا الملاك يلعب في القيامة دورًا مماثلاً للدور الذي لعبه في ولادة يسوع: هو يهتمّ بشهود الحدث، فيشرح لهم مدلوله ويحمّلهم مهمّة محدّدة. فيطيعه الشهود للحال وكأنه الله (لا ننسى أن الملاك يدلّ على حضور الله). فنحن هنا كما في ف 1-2 بعيدين كل البعد عن ((الملائكية)) (دراسة عن الملائكة) في العالم الجلياني (كما في الرؤيا) اليهوديّ في ذلك العصر، سواء على مستوى أخنوخ أو الاسيانيين. ونحن بعيدون أيضًا عن الملائكة الذين يحيطون بابن الانسان في وظيفته كديّان آخر الأزمنة (25: 31ي). هذا ما يدلّ على أن قيامة يسوع في الفكر المتّاويّ، لا تنتمي إلى زمن ظهوره المجيد لجميع البشر، بل يتحدّد موقعها في خطّ الطفولة والحياة العلنيّة والآلام والموت. من هنا القبيل، يبدو خبر مت نموذجيًا: فالقيامة لا تعلَن (لا تبلّغ) إلاّ للإخوة. ولا يتراءى يسوع إلاّ لهم وحدهم. لا يتراءى في أورشليم، بل في الجليل (26: 32). وتظهر هنا أيضًا النظرةُ الكنسية كما نعرفها في مت (12: 49؛ 25: 40).
الملاحظة الرابعة: وطرح أحد الشرّاح سؤالاً: لماذا لم يتضمّن التقليد القديم خبر خروج يسوع من القبر؟ ليس هنا إلاّ سؤال واحد ممكن: في الأصل، وعندما كانوا ينظرون إلى القيامة، لم يكن مكان لخروج ماديّ ومنظور ليسوع من القبر. هذا ما نكتشفه حين نتفحّص الأخبار القديمة. وهكذا اعتُبرت القيامة ماديّة بمعنى أن جسد يسوع خرج حقًا من القبر، ولكنه خرج لا كحيّ كان مسجونًا هناك. إذا كان لم يعد هناك ساعة فُتح القبر، فلأنه انتقل مباشرة من القبر إلى السماء. تلك هي فكرة مت. فما يلفت النظر هو أن الزلزال وتدخّل الملاك في آ 2-4 لم يتوخيّا (في الخبر) الاتاحة ليسوع بأن يخرج من القبر، بل تركا المرأتين تدخلان إلى القبر لترياه فارغًا.
ونقدّم هنا فكرتين في خطّ الملاحظة الرابعة. الأولى: حين تحدّث مت عن القيامة، فكّر بالأحرى في تحوّل (أو: تمجيد) جسد يسوع، لا في ارتفاع جسده الأرضيّ إلى السماء. فالعبارة ((قيامة ماديّة)) تحتاج إلى نظرات أخرى أساسيّة. ثم إن مختلف أخبار العهد الجديد لا تتّفق على طبيعة جسد القائم من الموت (28: 9-10؛ لو 24: 13-53؛ مر 16: 19-20؛ يو 20: 11-18، 19-29؛ 21: 1-14؛ أع 1: 3-8). الثانية: قرأ بعضهم مت 28: 9-10 كآيتين ثانويتين. لهذا فكّروا في عبور مباشر ((إلى السماء)) للقائم من الموت. ولكن الصعوبة لا تزال حاضرة. فقلب الخبر (28: 1-10) ليس ارتفاع القائم (من الموت) في المجد، بل نشاط جديد للمسيح، لا يقف في وجهه عائق. وهذا النشاط يقوم في جمع إخوته (آ 10) وإرسالهم إلى الوثنيين (آ 16-20)، وهذا ما يوافق مجمل الفكر المتّاويّ.
ونعود إلى الفكرة الأولى. ونقابلها مع ما يقوله العالم الجليانيّ اليهودي في القرن الأول ب م حول أجساد القائمين من الموت. هذا ما يقوله 2 با (نهاية القرن الأول): ((وأطلب منك أيضًا: أي وجه يكون لهؤلاء الذين يحيون في ذلك اليوم؟ أو كيف يدوم مجد الذين يكونون بعد ذلك؟ هل يأخذون في ذلك الوقت هذا الوجه ويرتدون هذه الأعضاء المقيّدة التي هي الآن في الشرور والتي هي ممتلئة شرورًا؟ أو ربّما تحوِّل (أنت) الذين كانوا في العالم مثل العالم نفسه؟ اسمع واحفظ: عند ذاك تُعيد الأرضُ الموتى الذي تقبّلتهم الآن لتحفظهم، ولكن دون أن تبدّل شيئًا في وجههم. فكما تقبّلتْهم هكذا تردّهم، وكما سلمْتها إياهم، هكذا الذين مضوا يعودون. ويكون حين يتعرّف كل واحد إلى أولئك الذين عرفهم، أن الدينونة تأتي، وتحصل هذه الأشياء التي أنبأتُ بها)) (2 با 49: 1-50).

ب - كذب رؤساء الشعب (28: 11-15)
بعد الخبر المتعلّق بالقبر الفارغ، قدّمت الأناجيل الإزائيّة الثلاثة مقطوعات نستطيع أن نسمّيها ((ملحقات)). هناك مت 29: 11-15، 16-20؛ ومر 16: 9-20 الذي هو نصّ متأخّر أو زيد فيما بعد على الانجيل الثاني. وهناك لو 24: 13-25، 36-49، 50-53. إذا تركنا جانبًا مر 16: 9-20، يجب أن نلاحظ أن الملحقات المتّاويّة واللوقاويّة تميّز الفن الأدبي لكل انجيليّ واهتماماته. توسّعَ لو في هذه الملحقات، فشدّد على ما يوحّد المسيح القائم من الموت مع أسفار العهد القديم (24: 13-35)، ومع جماعة أورشليم التي تنتظر عطيّة الروح القدس (24: 31-35). وجماعة أورشليم هذه ستكون قلب وأصل الرسالة في العالم الوثني (لو 24: 47).
أما الملحق المتّاويّ فيخضع لاهتمامات أخرى. أولاً، يعود إلى موقف رؤساء الشعب اليهوديّ، هذا الموقف المؤسف جدًا (آ 11-15). نحن هنا أمام موضوع مستمرّ في انجيل متّى. إن هذه الآيات الخمس (28: 11-15) تؤكّد الفرضيّة التي تقول إن تدوين الانجيل الأول قد تمّ في محيط مسيحيّ ما زال في جدال حارّ مع ممثّلي العالم اليهودي الرسمي، وهذا بعد سقوط أورشليم بعشر سنوات أو خمس عشرة سنة. أما آ 16-20 (مهما كان الزمان الذي فيه دوّنت) فهي في عمقها متّاويّة: فالمسيح القائم من الموت حصر حواره مع تلاميذه في بعض تعليمات موجزة حول العمل الرسوليّ وسط الوثنين. في آ 16-20 تبرز المواضيع الاساسية الثلاثة التي تميّز الانجيل الأول: ارتدى المسيح السلطة السامية. إن الأحد عشر يمثّلون الكنيسة المتّاويّة الخاضعة لتعليمات معلّمها على المستوى الاخلاقي والرساليّ. وهناك أخيرًا النظرة الاسكاتولوجيّة الشاملة التي تسير بنا إلى نهاية العالم.
ونستطيع أن نشير في النهاية إلى آ 11-15: هذه الآيات، شأنها شأن مقطوعتين خاصتين بمتّى في خبر الآلام (27: 3-10، 62-66)، تعالج الأحداث من وجهة أورشليمية محضة. لهذا نفهم أن يكون مر ولو قد أهملاها، هذا إذا عرفاها. ولكن هذه الآيات تقع في خطّ مت الذي سمع ولا شكّ بأقاويل اليهود حول قيامة يسوع. لهذا أراد أن يبيّن أكاذيبهم، فجعل هذه المقطوعة (28: 11-15) ملحقًا لخبر القبر الفارغ ومقدّمة لرسالة الكنيسة بين الأمم. ما استطاعت أن تقنع اليهود بقيامة المسيح وهم يرفضون الإيمان عمدًا (على ما يقول يو). فلا يبقى لها إلاّ أن تتوجّه إلى الوثنيين: تتلمذهم، تعمّدهم، تعلّمهم.

2 - دراسة تفصيليّة

أ - البنية والمراجع
نجد هنا ثلاث وحدات: الأولى (آ 1-8) تروي الأحداث حول القبر. الثانية (آ 9-10)، ظهور المسيح القائم من الموت. والوحدة الثالثة، كيف عالج اللامؤمنون هذه الوقائع (آ 11-15). هناك عبارة ((كاي ايدو)) (وإذا) في بداية كل واحدة. آ 2: ((وإذا زلزال)). آ 9: ((وإذا يسوع)). آ 11: ((وإذ كنّ)). ونقرأ فعل((بشّر)) (أبانغالو، أنجل) في كل وحدة. في آ 8: ((هرعن إلى التلاميذ ليبشِّرنهم)). في آ 10: ((إمضين وبشرّن إخوتي)). في آ 11: ((أخبروا رؤساء الكهنة)). وهناك كلمات تتعلّق بالنظر. آ 1: ((ليروا القبر)). آ 2: ((وها إن، إذا))؛ آ 6: ((أنظرن الموضع)). آ 7: ((هناك ترونه. ها هوذا قد قلت لكم)). آ 9: ((ها هو))؛ آ 10: ((وهناك يرونني)). ويوحّد المقطع تشابهات بين أقوال الملاك وأقوال يسوع.
آ 5-7: لا تخفن
أسرعن وقلن لتلاميذه
هو يسبقكم إلى الجليل
وهناك ترونه.
آ 10: لا تخفن
امضين وبشرنّ إخوتي
ليذهبوا إلى الجليل
وهناك يروني
هذا التكرار يُبرز الموضوع. وهناك مقابلة أدبيّة بين النسوة والحرّاس توحّد النصّ أيضًا.
اجتمع الحرس والنسوة عند قبر يسوع (آ 1، 4). كلاهما رأيا الملاك (آ 2-5). كلاهما شعرا بالخوف (آ ،4 8). كلاهما تركا القبر ليقولا للآخرين ما حدث (آ 8 مع ابانغالو، رج آ ،10 ثم آ 11 مع ذات الفعل). ولكليهما قيل ما يجب أن يفعلا (آ 7، 10، 13-14). أما الفرق فهو أن النسوة قلنا الحقيقة للتلاميذ. أما الحرّاس فقالا كذبًا عن التلاميذ.
كما أن التقليد الخاص بمتّى يروي أن الرؤساء اليهود طلبوا جنودًا ليحرسوا قبر يسوع ونالوا ما طلبوا (27: 62-66). جاء ملاك من السماء ودحرج الحجر عن القبر (28: 2-4)، فعاد الحرس إلى أورشليم وتآمروا مع رؤساء اليهود لكي يُخفوا حقيقة ما حدث (28: 11-15). مزج مت هذا التقليد مع خبر مر عن القبر الخالي (مت 28: 1، 5-8؛ رج مر 16: 1، 6-8). أما في ما يخصّ آ 9-11 التي تجد ما يوازيها في يو 10: 11-18 فهي تأتي إمّا من تقليد شفهيّ وإمّا من نهاية مر التي ضاعت.

ب - التأويل
نورد هنا الاختلافات مع مر 16: 1-8. (1) ثلاث نسوة في مر، اثنان في مت (لا نجد صالومة في مت). (2) الاشارتان الكرونولوجيتان في مر 16: 1 (ولما انقضى السبت)، 2 (باكرًا في اليوم الأول من الأسبوع) اللتان تعودان إلى شيئين مختلفين (شراء الحنوط والزيارة إلى القبر) قد جُمعتا في مت الذي تحدّث فقط عن الزيارة إلى القبر. (3) ترك مت شراء الحنوط. (4) أهمل مت سؤال النسوة حول دحرجة الحجر. (5) في مر فقط دخلت النسوة إلى القبر. (6) ظهور شاب في لباس أبيض (في مر) صار في مت ظهور ملاك مجيد مع تفاصيل جليانيّة (مت 28: 2-4). (7) يسوع هو((الناصري)) في مر 16: 6 - مت 28: 5. (8) كلام الملاك في مت لا يُجعل مع النبوءة حول الجليل (كما في مر 16: 7)، بل مع الإنباء بالقيامة (28: 6). (9) كتب مر 16: 7: ((قلن لبطرس والتلاميذ)). أما مت 28: 7 فاكتفى فقط بـ ((قلن للتلاميذ)). (10) إن خاتمة مر التي فيها لم تقل النسوة شيئًا لخوفهنّ، قد حلّت محلها الطاعة: أسرعن وقلن للتلاميذ. (11) ظهور يسوع القائم من الموت (مت 28: 9-10)، ليس له ما يوازيه في مر. (12) ونقول الشيء عينه عن خبر الحرّاس (28: 11-15).

ج - التفسير
أولاً: قبر مفتوح وفارغ (28: 1-8)
الخبر هو ظهور ملاك، وعناصره نراها في ظهورات أخرى للملائكة، وهي تبدو كما يلي: 
دا مت رؤيا ابراهيم 2 أخنوخ
ادخال متقبّل
الظهور (آ 1) 10: 2-4 1: 18-20 10: 1-4 1: 3
ظهور الملاك (آ2-3) 10: 5-7 1: 20 10: 4 1: 4
خوف المتقبّل (آ 4، 8) 10: 7-10 - - 1: 7
كلام تعزية
وتشجيع (آ 5) 10: 11-12 1: 20 10: 5-7 1: 8
كلام وحي (آ 5-6أ) 10: 13-14 1: 20 10: 8-14 1: 8
الأمر الذي ينفّذ (آ 6ب 7) - 1: 21 10: 15-17 1: 9
جواب الطاعة (آ 8) - 1: 24-25 12: 1؛ 13: 1 1: 10
وهكذا بدا مت 28: 1-8 نموذجًا إخباريًا عن ظهور الملائكة في نقاط عديدة.
إن أخبار القبر الخالي هي في شكلها الحاضر اعلان مسيحي. ولكن هذا خبر لا يليق به، كما قال هذا بعضُ الشرّاح، وقدّموا البراهين التالية. (1) دُفن يسوع كما يُدفن الأشقياء،فما عُرف أين وُضع جسده. وهكذا يكون خبر القبر الخالي ((حكاية دفاعيّة)) خُلقت ساعة استخلص الشعب من التعليم أن المصلوب قام، ولهذا كان قبر يسوع خاليًا. (2) إن 1كور 15: 3ي لا تذكر اكتشاف قبر يسوع الخالي. (3) الطبيعة المقولبة لما في مر 16: 1-8 وز لا تجعلنا نثق بالخبر. (4) وجاء من يقول إن حضور النساء غير المتوقَّع ليس مؤاتيًا للخبر. أولاً: إن هرب التلاميذ (الذكور) أمر أكيد. ثانيًَا، بسبب الارتباط بين الموت والقيامة في الكرازة المسيحيّة، وُلدت حاجة تروي كيف سمعت النسوة بقيامة يسوع. ثالثًا: ليست هناك نظرة قديمة شاملة تقول إن شهادة النسوة لا تصحّ (أن لا يُسمح للمرأة أن تدلي بشهادتها هو وضع معروف في العالم اليهودي القديم فقط). (5)أخيرًا هناك نصوص موازية تعتبر غير تاريخيّة: صعود إيليا إلى السماء (2 مل 11: 12-15-18). عبث البحر عن بقايا أبناء أيوب (وصيّة أيوب 38: 1-40: 6). فشل محاولات البحث عن جسد يوحنا المعمدان (انجيل يعقوب 24: 3). اختفاء جسد اللصّ الذي طلب من يسوع أن يذكره في ملكوته (خبر يوسف 4: 1). القول بأنه لا يقدر أحد أن يجد بقايا يوحنا الحبيب. وأخيرًا صعود مريم وانتقالها. ونترك جانبًا الامثلة من العالم اليوناني والروماني (عظام هرقل، جسد اينياس، اختفاء رومولوس مؤسِّس رومة).
فما هو جوابنا على كل هذا؟ (1) تاريخيّة دفن يسوع بيد يوسف الرامي. (2) ما لم يقله بولس هو برهان سلبي. فقد يكون ترك خبرًا تقليديًا حول اكتشاف القبر الفارغ لدى النسوة لأنه يريد أن يصل بسرعة إلى الشهود المقبولين. (3) حين نعبّر عن رؤية ملائكة، نحتاج إلى لغة بشرية. (4) بالنسبة إلى أولاً: برهان غير مقنع. فيوحنا بيّن أن التقليد المسيحي لا يحتاج أن يفسّر هرب التلاميذ كخروج مباشر من أورشليم ليستبعد مشاركتهم في اكتشاف القبر الفارغ. ثم لماذا فضّلت الحكاية المسيحية أن تخلق خبر وجود مريم المجدليّة عند القبر بدلاً من خبر يكون فيه التلاميذ (وإن ذهبوا إلى الجليل) قد عادوا إلى أورشليم لكي يجدوا القبر الفارغ. وإلى ثانيًا: هذا مجرّد افتراض. وإلى ثالثًا يصحّ إذا كان خبر القبر الفارغ وُلد خارج الحلقات اليهوديّة، وهذا لم يبرهن عنه. (5) هذه النصوص الموازية هي أقوى برهان ضد التاريخيّة، ولكن كثيرًا من هذه الأخبار (اللص اليمين، صعود مريم،) ارتكزت على خبر قيامة يسوع (وهناك أخبار وثنيّة تأثّرت بالمسيحيّة). وهناك أخبار تختلف كل الاختلاف عن الخبر الانجيلي (أبناء أيوب، يوحنا الحبيب). ولا نتوقّف عند الأساطير.
وبعد أن رأينا أن البراهين ضد التاريخيّة ليست مقنعة، نظنّ أن ربط مريم المجدليّة بقبر يسوع ليست مجرّد اختراع. فشهادة النساء في العالم اليهوديّ القديم ليست مقبولة (يوسيفوس، العاديات 4: 319: ((ليس من يقين عند النساء، بسبب خفتهنّ وتهورهنّ))). وقد اعتبر التقليدُ اللاحق أن التلاميذ جاؤوا في النهاية ليؤكدّوا شهادة النسوة (لو 24: 12، 24؛ يو 20: 2-3). وأنهم كانوا حاضرين في أورشليم في يوم الفصح (نقابل لو ويو مع مت ويو 21).
((ولما انقضى السبت)) (آ 1).سمّى النصّ الأشخاص. ذكر الزمان والمكان. وهكذا تركّز المشهد. ذكر النصّ السبت الذي مضى وأخذ معه الظلام، والنور الذي يأتي مع اليوم الأول. حافظت النسوة على السبت من مساء الجمعة حتى مساء السبت (بعد غياب الشمس). يوم الأحد هو اليوم الأول في الخلق. ونحن هنا أمام خلق جديد. ((ذهبت مريم المجدلية)). عاد مت إلى 27: 25 حيث كانت النسوة ينظرن. في مر 16: 21 نجد مريم المجدلية، مريم أم يعقوب، صالومة (أم يعقوب ويوحنا وأخت مريم العذراء). في مت صارت مريم ومريم الشاهدتين لقيامة يسوع كما كانتا (مع غيرهما) الشاهدتين لموته ودفنه.
قال مت: ((لتنظرا القبر)) (رج 27: 55؛ مر 15: 47). أما مر فقال: لتمسحن يسوع. ولكن في مت،مُسح يسوع قبل موته (26: 12) ولم يُذكر عمل يوسف الرامي.
كل عناصر آ 2-4 تورد العلامات التي ترافق مجيء الربّ في نهاية العالم وهجمة ملكوت الله. ((وإذا زلزال)) (آ 12). ق 8: 24؛ 21: 10. الزلزال العظـيم أزاح الحجر العظيم (27: 60). إن 24: 7 تنبّأ عن زلزال اسكاتولوجيّ (هذا أمر متواتر في الرؤى). و27: 51-53 يذكر الزلزال الذي رافق موت يسوع تتميمًا لما في زك 14: 4-5 (تهربون كما هربتم من الزلزال. هكذا هرب الحرس. وقد قرّب آباء الكنيسة 27: 51 من 28: 2). أما الزلزال المذكور هنا فله مدلول اسكاتولوجيّ. فالعلاقة بين القيامة والزلزال أمر معروف (لكي تُفتح القبور).
((لأن ملاك الرب)). ق مر 16: 3؛ تك 29: 3 (حسب السبعينيّة)؛ صعود أشعيا 3: 16؛ انجيل بطرس 9: 36. أوضح خبر مت وحده كيف دُحرج الحجر عن القبر. هو الملاك الذي ظهر على يوسف (1: 20). وهكذا يكون الملاك قد ظهر في بداية مت وفي نهايته. وفي الحالتين قال: لا تخف (يا يوسف). لا تخفن انتن (أيتها النساء). جلس الملاك على الحجر (انجيل بطرس 13: 55). هذا يدلّ على الانتصار. الحجر الذي دحرجه يوسف وختمه الجنود، قد دُحرج الآن بيد الرسول الالهيّ. لا يُقال لماذا دُحرج الحجر. ليُخرج يسوع أم لكي ترى النسوة ما في داخل القبر؟ ولكن يسوع قام قبل أن تصل النسوة. ثم، متى كان الحجر حاجزًا أمام مرور يسوع الذي دخل إلى العلّية والأبواب مقفلة.
لا يذكر مر 16: 5 لفظة ((ملاك)) بل يقول: ((شاب)). ولكن العادة سرت بأن يسمّى الملاك ((شابًا)). رج 2مك 3: 26؛ 33؛ أع 1: 10؛ 10: 30؛ يوسيفوس، العاديات 5: 277؛ انجيل بطرس 9: 36؛ 13: 55؛ 2أخنوخ 1: 4-7. في أي حال، ليس من شكّ في سلطة المتكلّم: هو من السماء. ونتساءل في أساس هذا الخبر عن الاعتقاد الذي يقول بأن الملائكة تُوجّه الأبرار إلى السماء. (وصيّة ابراهيم 20: 10-12؛ وصيّة أيوب 52: 1-11؛ رؤيا موسى 37: 1-6؛ يوسيفوس، العاديات 5: 277). لا شكّ في ذلك. فالتقليد الذي نجده في انجيل بطرس (9: 35-10: 42) وفي مر 6: 3 يتحدّث عن فرَق الملائكة التي ترافق يسوع إلى السماء.
إن ظهور الملاك يذكّرنا بظهور يسوع المتجلّي (17: 2). ((كان منظره كالبرق)) (آ 3). أما مر 16: 5 فقال: ((لابس ثوبًا أبيض)). هذه الصورة تعود إلى دا 7: 9؛ 10: 6 (ينبوع صورة وجه الملاك). وجاء الزلزال (سائسموس) فألقى الذعر في قلب الحرّاس. ليس يسوع هو الميت، بل هم بدوا كالأموات. يل للسخرية! هنا نقابل بين زلزال أول (27: 54) وتصرّف الحرس حينذاك: ((وخافوا وقالوا: في الحقيقة كان هذا ابن الله)). وفي الزلزال الثاني (8: 2-4)، خاف الحرّاس ولكنهم لم يسيروا مسيرة الايمان.
((ارتعد الحرّاس من الذعر)) (آ 4). ق 14: 26؛ 27: 54؛ دا 10: 7. أول عبارة هي ((الخوف والرعدة)) (9: 2؛ 1كور 2: 3). الخوف هو شعور الانسان في حضرة الله. هذا هو وضع الحرس في الرؤى. هم لا ينفعون شيئًا. رج دا 3: 19-23؛ أع 5: 17-26؛ 12: 6-11؛ 16: 35-34.
وأعلن الملاك البلاغ المسيحيّ في لغة تذكّرنا باعتراف الايمان في الكنيسة الاولى (1كور 15: 3-5): يسوع الذي صُلب ودُفن قد قام من بين الأموات. قال الملاك: ((أنتنّ لا تخفن)) (آ 5). ((أنتنّ)) تقابل الحرس. عادة، الجنود لا يخافون، والمرأة تخاف. أما هنا، فالعكس هوالواقع بسبب حضور الله. ((تطلبن يسوع المصلوب)) (قال مر 16: 6: ((تطلبن يسوع الناصري الذي صُلب))). رج انجيل بطرس 13: 56: ((من تطلبن؟ هذا الذي صُلب))؟
وفسّر الملاك القبر الفارغ (قام) وقدّم البرهان (أنظرن الموضع). إن يسوع في لغة 22: 3 (ردّ على الصادوقيين ) قد دخل في القيامة وصار مثل الملائكة. لقد اختبر نهاية التاريخ. ((ليس هنا. قام كما قال)) (آ 6). ق مر 16: 6: ((إنه قام)). حرفيًا: أقيم، أي الله أقامه. ((أنظرن الموضع)) (ق مر 16: 6؛ انجيل بطرس 13: 56). دعاهنّ الملاك لكي ينظرن فيتأكّدن من كلامه. ((ثم أسرعن)) (آ 7). قلن لبطرس وللتلاميذ (كما في مر). أما مت فاعتبر بطرس أحد التلاميذ، فلم يذكره وحده. ((قام من بين الأموات)) فصار ((بكر الراقدين)) (1كور 15: 20). هذا هو الاعتراف الايماني. هو يسبقكم إلى الجليل. ما قيل في 26: 32 قد تحقّق في 28: 16 (التقى التلاميذ بيسوع في الجليل). بعيدًا عن نساء أورشليم كما قال الذهبيّ الفمّ (عظات في مت 89: 2)، بعيدًا عن الاضطراب والخطر. يسوع ينتظرهم في الجليل وإليه يذهبون.
خافت النسوة بعد أن اختبرن ما اختبرن. وفرحن حين تسلّمن البلاغ الالهي (آ 8). ق 2: 10 (فرح عظيم للمجوس)؛ 8: 33. في مر 16: 8: خافت النسوة وما قلن لأحد شيئًا (رج انجيل بطرس 13: 57). أما في مت، فقد عاشت النسوة فرحًا عظيمًا، وأطعن أمر الملاك فأخبرن التلاميذ.
ثانيًا: الظهور الأول (28: 9-10)
ظهور قصير للمسيح وجواب على هذا الظهور في السجود والعبادة (سجدن له). وبما أن كلمات يسوع حول الجليل تعيد كلمات الملاك، نفهم أن ذروة المشهد هو اللقاء مع يسوع. وهذا ما يكون في 28: 16-20.
هناك تقارب بين هذا الحدث ويو 20: 11-18. نحن هنا أمام خبر قصير قد توسّع فيه يو. أما التشابهات فهي: (1) يذكر الحدثان الظهور الأول بعد القيامة. (2) في مت، ظهور لمريم المجدلية ومريم الأخرى (شاهدتان). في يو لمريم المجدليّة (هي نموذج لسائر النسوة). (3) في النسختين يجتمع الظهور مع اكتشاف القبر الفارغ. (4) في مت أخذت النسوة بقدمي يسوع، علامة السجود. في يو، قال يسوع: لا تمسكيني. لم تعد العلاقة هي هي كما كانت قبل القيامة. هناك علاقة من نوع آخر. (5) في يو 20: 17: ((إذهبي إلى إخوتي وقولي لهم)). في مت 28: 10: ((إذهبا وقولا لإخوتي)). أما الاختلافات فتُفهم في إطار مت ويو.
رأت النسوة يسوع. سمعنه يكلمهنّ. عرفنه حالاً (عكس لو 24: 16؛ يو 20: 14). وسجدن له (لا يُذكر الشكّ كما في 28: 17). ((وإذا يسوع يلاقينهنّ)) (آ 9). ق وصيّة ابراهيم 2: 3 (الملاك يقول: سلام). ((فدنون منه وسجدن)) (ق آ 17، سجدوا). أمسكن بقدميه. هي أيضًا علامة التوسّل. ثم إن التلميذ يجلس عند قدمي المعلّم.
صار يسوع بعد الملاك الشاهد الثاني للقيامة. وهكذا نكون أمام شاهدين (تث 19: 15). كما لا ننسى أن الملاك يدلّ على حضور الله. على مجيئه فيما بعد. هكذا في خبر العلّيقة الملتهبة، بدأ ملاك الرب ثم تبعه الربّ (خر 3: 1ي). ((لا تخفن (آ 10). رج آ 8. وهي كلمة تشجيع تذكّرنا بما في آ 5.
ثالثًا: رشوة الحرس (28: 11-15)
هذا الحدث الذي لا يجد ما يقابله في الأسفار القانونيّة، يعود إلى 27: 62-66 (طلب الرؤساء حرسًا على القبر) وإلى 28: 2-4 (وجود الحرّاس على القبر)، ويرتبط بالمرجع عينه بعد أن طبعه متّى بأسلوبه. أما هدفه فهو دفاعيّ (كانت حكاية لدى اليهود تقول إن الرسل سرقوه). ما أسند كذبَ الحرس هو المال. لقد عرفت جماعة مت ما كان يقال ((في الشارع)) عن قيامة يسوع.
وفعلَ الحرسُ كما فعلت النسوة. ذهبوا وأخبروا الآخرين (رؤساء الكهنة لا التلاميذ) بقيامة يسوع. هم أول المبشّرين من دون أن يدروا. ((وفيما كنّ في الطريق)) (آ 11). يشير هذا إلى النسوة اللواتي ذهبن، ساعة ذهب الحرّاس هم أيضًا. ((أخبروا بكل ما جرى)). ق 27: 53: جاء القديسيون الذين قاموا وشهدوا ليسوع ((في المدينة)). وجاء الحرّاس ((إلى المدينة))، وقد صاروا كالأموات ليخبروا بما جرى. ق 28: 8، 10؛ انجيل بطرس 11: 45-49 (أخبر الحرّاس بيلاطس. رج مت 27: 65 الذي جعل مت الحرّاسَ يقدّمون تقريرًا إلى عظماء الكهنة). أعلن الجنود عند الصليب أن يسوع هو ابن الله. والذين عند القبر غشّوا الناس فدلّوا على عدم إيمانهم وبالتالي على عدم إيمان الشعب اليهودي الذي لم يرَ أمرًا علويًا في ما حدث على القبر.
حمل الجنود الخبر إلى بيلاطس، مع أن رؤساء الكهنة هم الذين أشاروا إلى الخطر (27: 64). ما استطاعوا أن ((يوقفوا)) القيامة، فعملوا لكي تصبح غير مقبولة لدى الناس. ليس الرسل هم الذين سرقوا الجسد ليكذبوا على الناس، بل الحرس ومعهم عظماء الكهنة، هم الذين كذبوا. قال يسوع والملاك للنسوة أن يعلنّ الحقيقة. أمّا الحرس فصاروا عبيدًا لمامون، للمال، فسمعوا صوت الفضّة وأطاعوا عظماء الكهنة والشيوخ لكي يبشّروا بالكذب. ((قولوا: إن تلاميذه جاؤوا ليلاً وسرقوه)). ق إنجيل بطرس 11: 47-49 حيث يأمر بيلاطس الحرس بأن لا يقولوا شيئًا. إذا كان الحرس نيامًا، فكيف عرفوا أن الرسل سرقوه؟ وإذا كانوا ساهرين، فلماذا لم يمنعوا الرسل من السرقة؟ هنا نتذكّر الذهبي الفم: ((بسبب وضوح الحقيقة،ما استطاعوا أن يجعلوها كذبًا)).
ووعد رؤساء اليهود بأن يحاموا عن شهود الزور. ((نحن نُرضي الوالي)) (آ 14). لقد خاف رؤساء اليهود أن ((تكون الضلالة الأخيرة شرًا من الأولى)) (27: 64). ولكن القارئ يعرف أن من يعمل الضلال هم رؤساء اليهود في تفسيرهم الكاذب لقيامة يسوع. أضلّوا الناس حين قتلوه. وها هم يضلّونهم إذا هم أرادوا أن يؤمنوا بقيامته. ((أخذ الجنود المال)) (آ 15)، وفعلوا مثل يهوذا. والمعطي هو رؤساء الكهنة. وهكذا يبان بوضوح ما بعده وضوح الفرق بين تعليم الرؤساء (وعملهم) وتعليم يسوع (آ 20). إن الكلمة التي أعطاها الرؤساء للحرس تعارض ((كلمة الملكوت)) (13: 19)، والاعلانَ الذي أوصى به يسوع في 28: 19-20. قالت آ 15: ((عند اليهود)) ولم تقل عند أهل يهوذا (أو يهودا، اليهوديّة، وهي المنطقة التي عاصمتها أورشليم). لم نعد هنا على مستوى حياة يسوع وموته وقيامته. بل على مستوى الزمان الذي فيه دُوّن انجيل متّى (80-90). لم نعد على مستوى سكان أورشليم سنة ،30 بل على مستوى كنيسة متّى العائشة في مناطق سورية وفلسطين والتي ما زالت في صراعها مع العالم اليهوديّ بعد سقوط أورشليم سنة 70 ومجمع يمنية.

3 - قراءة لاهوتيّة وروحيّة
بدأ كل شيء في مساء السبت. أي بداية يوم الأحد. وقد نكون في الساعات الأولى من الصباح. الشاهدتان هما مريم المجدلية ومريم الأخرى (أم يعقوب ويوسى التي كانت على الصليب مع مريم العذراء وصالومة أخت مريم العذراء). لماذا ذهبت النسوة إلى القبر؟ هذا ما لم يـُرد أن يقوله مت. ولكن السبب الأساسيّ والذي يرتبط بالموت والدفن هو فعل ((نظر)). هذا النظر هو الذي يقود إلى الايمان. فقد قال لهنّ الملاك: ((هلمّ وانظرن)) (آ 6). عندئذ ذهبن يخبرن التلاميذ.
ماذا نظرن؟ لسنا في آ 2-4 أمام تصوير لقيامة يسوع. فالقيامة تمّت حالاً بعد الموت والدفن، لأن يسوع لا يمكن أن يصل إليه الفساد. أما ما كان يوم الأحد، يوم الأول من الأسبوع، فهو ظهور يسوع للنسوة، للتلاميذ. أمّا ملاك الرب الذي هو هنا، فهو لا يتدخّل ليوقظ يسوع (في السريانيّة، الملاك هو الساهر، عيرا) ، ولا ليفتح باب القبر، بل ليستقبل النسوة، ويدلهنّ على القبر الفارغ، ويعطيهنّ تعليمات ((المعلّم)) الذي هو الربّ يسوع.
هذا الملاك هو الذي ((رأيناه)) في ف 1-2 (أخبار الطفولة). يرتدى شارات المجد الالهي أو المجد السماويّ (نزل من السماء. كاتاباس): اللون الأبيض هو لون المجد السماويّ (مت 17: 2؛ رؤ 3: 5؛ 19: 14) وانتصار يسوع على الموت والخطيئة والشرّ. وهو أيضًا لون الفرح (جا 9: 8)، ولون البرارة والبراءة (أش 1: 18). أما خوف الحرس فهو تعبير عن خوف وثنيّ وأعمى أمام ظهور يفوق الطبيعة البشريّة. ما استطاعوا أن ((يقاوموا)). ومن يريدون أن يقاوموا؟ وهل يستطيعون أن يقاوموا قدرة الله؟ وما إن عادوا إلى نفوسهم حتى هربوا وذهبوا إلى من أرسلهم. لم يهتمّ الملاك بهم، لم يحاول أن يسحقهم بالنور الالهيّ. فالقيامة ليست حدثًا ((نلمسه)) فيفرض ذاته علينا. لم يفهم الحرس شيئًا. أما النساء اللواتي رافقن يسوع من الجليل حتى موته ودفنه، فسيسمعن من الملاك المدلول الحقيقيّ لهذا القبر الفارغ. ليس يسوع هنا. إنه قام. لماذا نبحث عن الحيّ بين الأموات.
وشدّد مت (أكثر من مر ولو) على أن الملاك تكلّم فقال. أجل، إن التفسير الملائكي هو جزء لا يتجزّأ من حدث القيامة. فلولا كلمة الملاك، لظلّت النسوة منغلقة على مخافة دينية لا علاقة لها بالقيامة. والإخبار الانجيلي يرينا مرّات عديدة هذا المرور من الرعدة الدينيّة إلى الثقة والفرح اللذين يحملهما المسيح (14: 27؛ 17: 6؛ مر 5: 36؛ لو 5: 10...). ما نلاحظه هنا هو أن الشهود الأولين للقيامة هم النسوة. هنّ تلاميذ مثل سائر التلاميذ (رج لو 8: 1ي). وعملهنّ مهمّ جدًا لأنه يعيد تكوين الجماعة كما كانت حول يسوع في زمن رسالته على الأرض. وستتكوّن في الجليل.
دور النسوة أن يبشِّرن، أن يخبرن بالقيامة. من؟ الرسل، التلاميذ، بمن فيهم بطرس كما يقول مر، انجيل بطرس. فعلى بطرس أن يثبّت إخوته بعد أن يعود من نكرانه لربّه. خافت النسوة كما قال مر. ولكن الخوف رافقه الفرح. النسوة؟ ومن يصدّق امرأة في ذاك العالم اليهوديّ؟ أجل، الشهود الأولون للقيامة ليسوا الأقوياء، بل الضعفاء، ليسوا الرسل وفي طليعتهم بطرس، بل النسوة. ليسوا أناسًا متدرّجين في ((معرفة)) الأسرار على مثال الاسيانيين، وليسوا أشخاصًا ((غيورين)) ينشرون بين الناس أفكارًا عجيبة غريبة. بل هم أناس عاديون رافقوا يسوع في موته، فوصلت بهم هذه الرفقة إلى قيامته. والمهمّ ليس دعاية من أجل الأشخاص الذين تبعوا يسوع. بل ليس دعاية ليسوع نفسه. المهمّ هو إعادة تكوين إخوة (آ 10) القائم من الموت لينالوا تعليماته الجديدة.
وننتقل في آ 11 من النسوة إلى الحرس. هل كان الحرس شهود القيامة؟ كلا. بل ارتاعوا من حدث ما اعتادوا عليه، سوف يفسّره عظماء الكهنة، ولكنهم رفضوا أن يكونوا منطقيين مع نفوسهم. ورأى الحرس القبر فارغًا، ولكنهم توقّفوا هنا. فهذه الرعدة جعلتهم كالأموات،لا كالأحياء. وفراغ القبر الذي توقّفوا عنده وتعجّبوا، دلّ على فراغ آخر سوف يملأه رؤساء الكهنة بضلالهم. ((أخبروا بكل ما جرى)). قدّموا تقريرًا عمّا رأوا وسمعوا. مثلُ هذا التقرير لا يقود إلى الايمان بقيامة يسوع، بل يُبقي الانسان في الدهشة، ولا سيّما إذا لعب المالُ دوره، واستولى الضلال على عقول السذَّج.
واجتمع رؤساء الشعب مرّة أخرى. وتشاوروا (12: 14؛ 22: 15؛ 27: 1، 7). تشاوُرهم هو مؤامرة. في الماضي لكي يقتلوا يسوع. والآن، لكي يخفوا خبر قيامته. لكي ((يقتلوه)) مرّة أخرى. لا يورد مت ردّات فعل فرديّة لدى الرؤساء، كما فعل يو بالنسبة إلى نيقوديمس (يو 3: 1ي؛ 7: 50-51) وأع بالنسبة إلى غملائيل (5: 34ي) الذي حذّر الرؤساء من مقاومة الله. جعل مت أمامنا الموقف الرسميّ تجاه المسيح. ويكفي أن نقرأ المؤرّخ يوسيفوس لكي نعرف الدور الذي كانت هذه الاجتماعات تلعبه في فلسطين، في ذلك الزمان.
اجتمع الرؤساء، واجتمع معهم الجنود، وهم مرتزقة مستعدّون لأن يبيعوا كل شيء لقاء حفنة من المال. ظهر هؤلاء الرؤساء مهتمّين لا بحقيقة الحدث الذي تكلَّم عنه الحرّاس، بل بتأثير هذه الأخبار في الشعب. الشعب الذي كان في أيام يسوع، وذاك الذي كان في أيام متّى، سنة 80-90. لا يظنّ مت أن اليهود يُنكرون واقع القيامة. بل يريد أن يبيّن أنهم لا يستطيعون إطلاقًا أن يتخيّلوا لحظة واحدة إن ذاك الذي صُلب منذ يومين ودُفن، قد قام اليوم. لهذا، رفضوا كل بحث وبدأوا عمليّة الكذب: نحن نُقنع بيلاطس لئلاّ يعاقب الجنود الذين ((تركوا التلاميذ)) يسرقون يسوع. وسوف يعلّمون الجنود ما يقولون. وكأنهم يحتاجون إلى تعليم. المهمّ هو المال الذي نالوه. وتعليم الرؤساء يبدو مغايرًا للتعليم الذي تحمله الكنيسة (آ 20).
نلاحظ أن لفظة ((يهود)) لا تظهر في مت إلاّ هنا وفي 2: 2؛ 27: 11، 29، 37، مع أنها متواترة في الانجيل اليوحناويّ (اليهود يدلّون على اللاإيمان، على الرفض). هنا تلتقي بداية الانجيل بنهايته. رفض اليهود المسيح في ميلاده، ورفضوه في موته وقيامته. وذلك بفعل الرؤساء. هؤلاء اليهود كانوا ضحيّة الفريسيين ورؤساء الشعب (نحن هنا في خط أع ولا سيّما خطب بطرس، أع 4: 17...). وهكذا يدلّ متّى على حزنه على اليهود (رج لو 2: 34-35؛ روم 9-11)، لا على احتقاره لهم. لهذا، كتب إنجيله وهمّه أن يوصل كلام الرب إلى قلوبهم. ولكنهم حتى اليوم يرفضون القيامة، وبالتالي يرفضون خطأهم في موت يسوع، بل يرفضون حياته ورسالته. فلا يبقى على متّى إلاّ أن يحسبهم كالوثنيّ والعشّار، فيصلّي لأجلهم ويذهب إليهم في رسالة توصله إلى أقاصي الأرض.

خاتمة
1 - إن 28: 1 ي هو النهاية الضرورية لانجيل متّى. فلولا القيامة، لكانت كلمات يسوع فارغة وخصومه على حقّ. مع القيامة، انتصر يسوع، وتأكّدت قضيّته وسلطته، وسيطر الخجل على خصومه. فالقبر الفارغ هو بعض ((أسلوب)) الله، وهو يرمز إلى انتصار يسوع (= الله) على أعدائه. مارس كل قوّته ضدّهم حتّى موته. وهو الآن مع موته يذهب إلى حدود قوّتهم. حدود قوّته هي الموت. ولكنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى يسوع في القيامة ولو جعلوا الحرس على باب قبره.
2 - الزلزال والحركة من السماء إلى الأرض، والقيامة من القبر، كل هذا أمّن انتصار يسوع في الحدث الاسكاتولوجيّ، في نهاية الزمن. حين دخل المسيح إلى الألم والموت، ثم قام إلى الحياة الجديدة في وسط الآيات والمعجزات، قدّم السيناريو الاسكاتولوجيّ في حياته. ونهاية يسوع هي صورة مصغّرة عن نهاية العالم.
3 - القيامة التي هي ملء مدلول لما كان ظاهرًا في 28: 16-20، جعلت من يسوع نفسه صورة عن تعليمه. فهذا الذي اضطُهد بيد الأشرار بسبب أمانته لله، شأنه شأن الأنبياء، قد نال الجزاء الكبير في السماء. وجد حياته بعد أن خسرها. هو الخادم الذي صار الأعظم، والأخير الذي صار الأوّل.
4 - وهناك مقابلة بين ف 2 وف 28، وهما الفصلان اللذان يلعب فيهما الملاك دورًا ناشطًا في هذه الانجيل. في ف2، أخبر المجوس والوثنيون هيرودس ورؤساء اليهود (بمن فيهم عظماء الكهنة) في أورشليم، بأحداث تدور حول مجيء المسيح. وفي ف 28، جاء جنود وثنيّون فأعلنوا لعظماء الكهنة في أورشليم أحداثًا حول قيامة يسوع. في ف 2، قاوم الملك الطفل المسيح وحاول قتله. وفي ف 28، عارض الرؤساء اليهود القيامة حين جعلوا حرسًا على القبر وحين نشروا أخبارًا كاذبة. في ف 2، سجد المجوس المؤمنون ليسوع، وفرحوا فرحًا عظيمًا. وفي ف 28، سجدت النسوة ليسوع (لا الجنود) ورحن يحملن البشارة بفرح عظيم.
الفصل الثلاثون

تلمذوا جميع الأمم
28: 16-20

نرى في هذا المقطع الانجيليّ ثلاثة مواضيع تبدو بارزة على مرّ السرد المتّاويّ. سلطة (اكسوسيا) المسيح يسوع في السماء، وعلى الأرض. كنيسة متّى التي يمثّلها التلاميذ. نظرة اخلاقيّة وارساليّة واسكاتولوجيّة، نكتشفها في تعليمات القائم من الموت إلى تلاميذه، وهي تعليمات موجزة وعمليّة تشبه توصيات يسوع كما أوردها متّى في كل انجيله. هذا ما يجب أن لا ننساه حين نقرأ هذه المقطوعة، وإن كانت بعض الأمور، ولا سيّما آ 19، قد دُوّنت بشكل نهائيّ في زمن متأخّر.
ماذا نجد في هذه الآيات الخمس؟ أولاً: ثلاثة عناصر: خبر ظهور يسبق تحديد غامض للمكان. تعليمات القائم من الموت إلى الأحد عشر. وعد المسيح إلى الأحد عشر. ثانيًا: لن نتساءل عن ((تاريخيّة)) أقوال المسيح القائم من الموت. بل نحاول أن نفهمها في الإطار المتّاويّ. ثالثًا: هناك العبارة الثالوثيّة في المعموديّة التي نجدها في وثائق قديمة مثل الديداكيه أو تعليم الرسل. رابعًا: هنا نظرة شاملة إلى الرسالة، كما أن هناك ارتباطًا بين الرسالة والمعموديّة. خامسًا: لا يلمّح هذا النصّ إلى إقامة يسوع على الأرض 40 يومًا بعد قيامته، وظهوراته المتكرّرة على التلاميذ (أع 1: 13)، كما لا يلمّح إلى الصعود (لو 24: 50-53؛ أع 1: 9-11). فمتّى لا يقول شيئًا عن الزمن الذي مرّ بين القيامة وهذا اللقاء في الجليل. ولكنه يفهمنا أن الذي يوجّه كلامه الآن إلى التلاميذ قد نال سلطانًا في السماء وعلى الأرض.

1 - كلام يسوع في الجماعة
يتضمّن انجيل لوقا أمرًا به يرسل يسوعُ تلاميذه (لو 24: 47-48). وكذلك مرقس في نهايته الطويلة (16: 15). فالامكانيّة التاريخيّة التي تقول بأن يسوع ظهر في نهاية حياته على تلاميذه كالرب القائم من الموت وكلّفهم بحمل رسالة الانجيل إلى العالم كله، أمرٌ لا شكّ فيه. بل هو معقول جدًا، مع أن النصوص الانجيليّة لا تتوافق في التفاصيل. ولنفترض أن نصًا واحدًا من الأناجيل الازائيّة لم يصلنا، فمع ذلك لا نستطيع أن نفهم الممارسة الرسوليّة في أقدم أيام الكنيسة بشكل مقبول لو لم يُعط لها مثل هذا الأمر من الرب: إذهبوا، تلمذوا، عمّدوا، علّموا.
أما في نصّ مت، فالمسائل المتعلّقة بقول أصلي من يسوع مع نشاط ((الجماعة))، هي متشعِّبة جدًا. وهذا يرتبط بالعبارات الاكليزيولوجيّة، مثل الأمر ((بالتعميد)) الذي يرتبط بالأمر بالرسالة، والعبارة الثالوثيّة لهذا الطقس العماديّ التي قد تعود إلى زمن متأخّر. فسائر أسفار العهد الجديد لا تعرف إلاّ المعموديّة ((باسم يسوع)). لهذا، سعى بعض الشرّاح إلى إعادة مضمون النصّ أو جوهره إلى يسوع. واعتبر آخرون أن النصّ كله هو من استنباط الجماعة. ماذا نختار؟ نسرع فنقول إن الأساس يعود إلى يسوع. أما التعبير، فيعود إلى الكنيسة التي استلهمت حياة يسوع وأعماله وتعاليمه، وعبّرت عن كل هذا بطريقتها على نور الروح القدس. هناك من يقول: لا نستطيع أن نجد في نشاط يسوع التاريخيّ تبريرًا لممارسة المعموديّة في الجماعة الأولى. ويلاحظ انقطاعًا في التواصل التاريخيّ. والجواب: لا شكّ في أن الرسل تيّقنوا من أن العماد الذي مارسوه، قد أمر به يسوع نفسه. وهذا ما يُسند عملهم.
إذا أردنا أن نحدّد نظرتنا، نبدأ ببعض ملاحظات حول هذه الطريقة بطرح السؤال: فالمسألة التي في خلفيّة هذا الموضوع، ليست في النهاية مسألة تفسير نصّ كتابيّ وحسب، بل تأويل النصّ على ضوء حياة الكنيسة. فنحن نجد وراء النظرتين رؤية محدّدة للكنيسة الرسوليّة. فالأولى تفصل ((يسوع التاريخيّ)) (كما عاش في التاريخ، خلال حياته العلنيّة على الأرض) عن حياة الكنيسة، وتجعل بين الاثنين هوّة عميقة هي((هوّة الفصح)) (موت وقيامة يسوع). هي تنطلق من طريقتين مختلفتين في النظر إلى ((يسوع التاريخ)) و((يسوع الايمان)) (هما ممكنان وضروريّان من أجل التمييز)، فتخلق وضعين تاريخيّين مختلفين تفصل الواحد عن الآخر هوّة سحيقة. إذن، يجب أن ننظر إلى آ 18-20 وكأنها وثيقة تتعلّق بتنظيم الكنيسة وبيقين الايمان. والنظرة الثانية ترى أننا لا نستطيع أن نحافظ على التواصل بين المسيح والكنيسة إلاّ إذا عدنا إلى أمر واضح من المسيح، الأمر بالرسالة والتوصية بالعماد. تنطلق الأولى من فكر مسبق يشدّد على ((الكارغما)) أو الاعلان الأول للكلمة، ويحارب النظرة الثانية. أما النظرة الثانية نظرة ((التاريخيّ)) فتحاول أن تدافع عن يسوع والكنيسة.
إن هذه الطريقة في طرح المسألة بمجملها، طريقة ضيّقة جدًا. ولقد اتّضح للشرّاح أن الفصل الدقيق بين الوجهة ((التاريخيّة)) (يسوع كما هو في التاريخ، في حياته على الأرض) والوجهة ((الكارغمية)) (يسوع كما هو في كرازة الكنيسة أي بعد موته وقيامته)، صعب جدًا، بل مستحيل. فمادّة الأناجيل، في أقسامها وفي تأليفها، ترتبط كلها بالاهتمام الكرازي لدى الانجيليين، وهو اهتمام يعكس النشاط الكرازيّ في الكنيسة الرسوليّة الأولى. ونحن نستطيع أن نعالج بدون أفكار مسبقة المسائل التاريخيّة والتفسيريّة واللاهوتيّة في 28: 16-20 حين نحاول أن نرى يسوع والكنيسة معًا (لا نفصلهما). حين نحكم على كل شيء انطلاقًا من الكنيسة وإيمانها. حين لا نفصل ((يسوع التاريخ)) عن ((يسوع الايمان)) لا في التاريخ ولا في الأحداث. قد يكون من الضروريّ أن نطرح حتى في داخل الأناجيل أسئلة حول الأصل التاريخيّ لهذه القطعة أو تلك. ولكن من الضروريّ أيضًا أن نفهم أننا لا نصل هنا إلاّ إلى فهم النصوص والأحداث التي نشهدها. فالفهم في حدّ ذاته يتعدّى هذه النظرة الحرفيّة ويرتبط بخيار يبحث عن المعنى بالنظر إلى الكنيسة (هذا ما نسميه: الهرمانيا).
وبدلاً من أن نطرح واحدًا من الخيارين التاليين: ((تقليد حقيقيّ (تاريخيّ) حول يسوع))، أو ((استنباط كرازي تقوم به الجماعة))، نطرح نظرة جديدة: ((التقليد الرسوليّ الشرعيّ أو تقليد غير شرعيّ)). هذا التعارض يتضمّن قرارًا هرمانيًا (تفسير داخل الكنيسة)، يجب أن نأخذه. بعد ذلك، يحقّ لنا أن نبرهن، ولو من الخارج، على ((شرعيّة)) تقليد من التقاليد بواسطة أساليب تفسيريّة محدّدة، وأن نقابل هذه الأساليب بمجمل كرازة العهد الجديد، وهكذا نحدّد حتّى من الوجهة التاريخيّة امكانيّة هذه الأساليب وقيمتها.
هذه الاعتبارات الأولى حول الاسلوب، تتيح لنا أن نصل فيما يخصّ هذا النصّ إلى النتائج التالية. (1)لا نعتبر نواة تقليد تاريخيّ إلاّ أمر الربّ القائم من الموت الذي به أرسل تلاميذه. هذا الواقع ينبع من النصوص الازائيّة الموازية، ومن اتجاه رسالة يسوع التي هي في مبدأها شاملة. (2) لا نستطيع بواسطة النقد الأدبيّ أن نعيد نصّ متّى إلى أحد من هذه الأوامر التي نجدها في الأناجيل الموازية. فنقاط الاتصال الادبي الضعيفة لا تسمح لنا بذلك. (3) يجب أن نعيد هذه الآيات (آ 16-20) في شكلها الخاص إلى الانجيل الأول (مثلاً، العبارة الثالوثيّة. هكذا كانوا يعمِّدون في جماعة متّى). فهي تتوافق مع ألفاظ خاصة به، وعالم من الافكار نعرفه عنه. ثمّ إن هذه الآيات تحتلّ مكانة هامّة في الانجيل الأول فتعطيه معناه الأخير. حين قرأنا بداية مرقس (1: 1) وجدنا تصميم إنجيله. وقد يعطينا متّى، شأنه شأن يوحنا (20: 30)، تصميم انجيله وهدفه، في هذه الخاتمة التي بها ((أرسل)) يسوع تلاميذه إلى العالم كله.

2 - إطار الخبر (28: 16-17)
ونبدأ شرحَ هذه الآيات بالتوقّف عند إطار الخبر (آ 16-17) قبل أن نصل إلى تصميم آ 18-20 ومضمونها. ونُنهي كلامنا باكتشاف المعنى الاكليزيولوجي الذي نشهده عند متّى في نهاية انجيله.
إن المشهد الأخير في انجيل متّى هو أكثر من خبر فصحيّ وأقلّ من خبر فصحيّ. نفهم بهذا الكلام أن هذه القطعة لا تشبه الأخبار المفصّلة التي نجدها في الأناجيل حول الفصح. فهي موجزة جدًا. والمشهد مرسوم رسمة سريعة لا تحمل شيئًا من الألوان. غير أن هذه القطعة هي أيضًا أكثر من خبر فصحيّ، لأن بُعد كلمات القائم من الموت (آ 18-20) تتجاوز تجاوزًا بعيدًا ما تتضمّنه سائرُ الأخبار الفصحيّة.
ذهب التلاميذ إلى الجليل. تعود بنا هذه الإشارة إلى أمر الملاك (28: 7: إنه يسبقكم إلى الجليل) وإلى أمر يسوع نفسه للنسوة: ((إمضين وقلن لإخوتي ليذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني)) (آ 10). هذا الواقع يدلّ على الرباط الوثيق بين النصّ الذي ندرس وخبر ((القبر الخالي)) (28: 1-15). توسّع متّى في هذا الخبر فتذكّر لقاء يسوع بالنسوة عند القبر (28: 9-10)، وهكذا أعطى قوّة للشهادة المرتبطة بالقبر الخالي. ففي صباح أحد الفصح، كانت الشهادة للقائم من الموت وللقيامة تامّة كاملة. فما احتاج متّى بعد ذلك إلى أن يعود إلى ما هو أساس أخبار الظهورات في الأناجيل. وهذا ما نجده في 1كور 15: 3-7: التقليد الرسوليّ الثابت الذي به حرّكت ظهورات القائم من الموت إيمان التلاميذ بعد الفصح. فعند متّى، نجد الشهادة عن الفصح والايمان الفصحيّ في 28: 2-10. لهذا يتّخذ المشهد الأخير في 28: 16-20 وظيفة أخرى غير وظائف أخبار الظهورات المعروفة. فالنصّ ينقلنا إلى ((زمن الكنيسة)): إن المسيح الذي نال كل سلطان على العالم كله، يرسل تلاميذه مع تعليمات محدّدة، ويعدهم بعونه حتى نهاية الأزمنة.
يحدّثنا النصّ عن ((الأحد عشر)) تلميذًا،لأن يهوذا قد مضى. وهو يجهل كل الجهل أع 1: 15-26. والعبارة التي كرّسها التقليد (((الاثنا عشر)))، امّحت هنا كما أمّحت في مواضع أخرى عند متى (ترد مرارًا عند مرقس) وراء تسمية أوسع وأكثر انفتاحًا، هي تسمية ((التلاميذ)). وهذا ما لا يدهشنا. لأن متّى لا يقول أيضًا ((رسل)) كما كنا ننتظر منه أن يقول بعد خمسين سنة على موت المسيح وقيامته. وفي 28: 7 تكلّم الملاك عن ((تلاميذه))، تلاميذ يسوع. وفي 28: 10 تحدّث يسوع عن ((إخوتي))، عن إخوته الرسل لكي يسبقوه إلى الجليل. إذن، نظر النصّ إلى الأحد عشر بحسب نظرة رسميّة عن صفتهم كرسل، بل بحسب مفهوم نموذجي لوضعهم كتلاميذ. أي بحسب علاقتهم الشخصيّة مع يسوع. هذا ما يتجاوب مع مفهوم((التلميذ)) عند يسوع وفي 28: 19-20.
وما يدلّ أفضل دلالة على أن الاطار التاريخيّ لم يُذكر بدقّة، هو الإشارة إلى الجبل الذي عليه تواعد يسوع مع تلاميذه. ليس الجبل مكانًا نحدّده جغرافيًا. إنه الموضع النموذجيّ للوحي. وما نقوله عن العهد القديم نقوله أيضًا عن مت. فموضع التعليم العظيم هو الجبل في 5: 1. وهذا ما أعطى هذه الخطبة اسم ((العظة على الجبل)). ويبرز الجبل أيضًا في 15: 29، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما في 5: 1 حتى في المبنى (صعد إلى الجبل وجلس هناك. قبل تكثير الأرغفة السبعة). فكما في 5: 1-2، كذلك في 15: 29-31، صُوّرالمشهد بطريقة تُبرز أهميّة ما يلي. من جهة، عظة الجبل. ومن جهة ثانية تكثير الأرغفة (15: 32-39). من جهة، وحي يلقيه بالكلمة معلّم اسرائيل. ومن جهة ثانية وحي المخلّص الذي يطعم شعبه كما فعل موسى في البريّة. وفي 28: 16 ظهر ((الجبل)) للمرّة الثالثة ليشدّد أيضًا على كلمة الوحي. قال متّى: ((إلى الجبل حيث دعاهم يسوع)). هم بالنسبة إليه كما التلميذ تجاه المعلّم، كما الذي يطيع تجاه الذي يأمر. نجد الصور عينها في 28: 7، 10 وفي 28: 19-20.
أن يكون التلاميذ ((رأوا)) يسوع، هذا ما قاله متّى بشكل خفر عبر اسم فاعل خاضع لفعل رئيسيّ هو ((سجدوا له)) (وهم راؤوه سجدوا). لا تُذكر ((رؤية يسوع)) إلاّ بإيجاز، عكس ما نجد في سائر أخبار الظهورات. فلم يعد لها قيمة كبرى بالنظر إلى الايمان الفصحيّ. أما الأمر المهمّ بالنسبة إلى متّى فهو أنهم ((سجدوا)) (بروساكينيسان). استعمل الانجيليّ الفعل في معناه القويّ، في مضمونه اللاهوتيّ المحدّد. لا يستعمل فعل ((سجد)) إلاّ لدى أناس عرفوا كرامة يسوع ودلّوا على معرفتهم هذه بفعل السجود. هذا ما فعل المجوس في خبر الطفولة (2: 2، 8-11). والأبرص (8: 2).والتلاميذ في السفينة (14: 33). هذا ما فعلته الكنعانيّة (15: 25) حين طلبت الشفاء لابنتها: ((أتت وسجدت له)). حين لا يريد متّى أن يتحدّث عن هذا العمل الديني من الاكرام المحفوظ لله، فهو يستعمل أفعالاً أخرى. وارتدى إكرامُ التلاميذ طابع العبادة الدينيّة، طابعًا ليتورجيًا.فعبّر مسبقًا عمّا ستقوله آ 18 ب حول سلطان يسوع.
ندهش حين نرى ارتياب الشرّاح وشكّهم في هذا النصّ، رغم الكثافة اللاهوتيّة التي تميّزه. فالحاشية قد تفسَّر بطرق مختلفة: ((أما هم فارتابوا)). وهذا يعني أنهم كلهم ارتابوا. أو: ((ولكن بعضهم ارتابوا)). وهذا لا ينطبق إلاّ على مجموعة منهم. إن الترجمة الثانية أكثر معقوليّة حين نعرف الموضوع، لأن موضوع الارتياب يجب أن يُفهم بشكل نمطيّ (تيبولوجيّ) ولاهوتيّ، شأنه شأن سائر المعطيات في آ 16-17. هذا الارتياب يظهر أيضًا في أخبار ظهور أخرى. وكل مرّة يتجاوزه التلاميذ بشكل مختلف: في لو 24: 14-15 طلب القائم من الموت شيئًا يؤكل. في مر 6: 14ي، ظهر يسوع مرّة أخرى للتلاميذ ((ولامهم على عدم إيمانهم)). وفي يو 20: 24-29، أراد توما أن يلمس جراحات يسوع. أما هنا فلا نجد شيئًا من هذا. لهذا نعتبر أن الشرّاح الذين ربطوا موضوع الارتياب بحقبة لاحقة، كانوا على حقّ. فقد بدأت الجماعة آنذاك تطلب عبر ((رؤية يسوع)) يقينًا جديدًا حول القائم من الموت، بعد أن صارت الرؤية تقليدًا وحدثًا من الماضي. إذن، لم يكن الارتياب ارتياب بعض التلاميذ في حدث مضى، بل ارتياب الجماعة التي أقتنعت بكلمة القائم من الموت. والترتيب النموذجي لكل هذا الإطار يظهر أيضًا في هذه الحاشية القصيرة: ((بعضهم ارتابوا)).
وما يجعل هذا التفسير معقولاً، يبرز في آ 18أ (فدنا يسوع وكلّمهم) التي تبدأ خطبة يسوع. نحن أمام كلمة. والتلاميذ يسمعون ولا يرون (يو 20: 29). لقد كشف يسوع عن نفسه في كلمته كذلك الذي أعطيَ كل سلطان والذي يتكلّم بملء السلطان. إنه من هذا القبيل حاضر في زمن العالم، في الكنيسة، حتى نهاية الأزمنة. ومهابة اللقاء على الجبل يدلّ عليها هنا قولٌ يعلن أنه ((جاء إليهم)). أتى. دنا. جاء من البعيد نحو الذين هم تلاميذه، الذين يطيعونه، الذين يسجدون له باحترام. وهو وحده يستطيع أن يتجاوز المسافة التي تفصلهم عنه. لهذا جاء إليهم.

3 - تحريض ووعد (28: 18-20)
ينقسم هذا المقطع ثلاثة أقسام تبدو كما يلي: كلمة وحي، تعليم، وعد.

أ - كلمة وحي (آ 18ب)
هذا الوحي الذي وُضع في البداية يُسند القسمين اللاحقين: التعليم والوعد. ((لقد دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض)). إن هذا القول يحمل بُعدًا هامًا جدًا. فالسلطان (اكسوسيا) هو الذي أعطاه الله للرب بالنظر إلى قيامته. فبحسب الكرازة الرسولية الاولى، أقيم يسوع كربّ (كيريوس) الكون وكديّان نهاية الأزمنة. وهذا السلطان السامي لا حدود له (باسا، كل) في ذاته، في ملئه، في قوّته. في المكان يشرف على الكون كله (السماء والأرض) على مثال الله الذي عُرف في العهد القديم كربّ السماء والأرض، أي كخالق الكون كله وحافظه في الوجود.
وبما أن يسوع قد جُعل ربًا بهذا الشكل، فهو يستطيع أن يعطي رسالة تشمل الكون، ويربط الناس به فيدعوهم إلى حالة التلمذة، إلى أن يكونوا تلاميذه. إنه السيّد الوحيد والحقيقيّ. وهو يقدر أن يكون على الدوام حاضرًا كسيّد الكون وبالتالي كسيّد التاريخ. نحن هنا بعيدون جدًا عن تفسير يفهم ما في آ 18ب ((تتميمًا)) لنبوءة ابن الانسان في دا 7: 13-14.
ب - تعليم الرب القائم من الموت (آ 19-20أ)
لقد عبّرالانجيليّ عن تعليم الرب بشكل واضح، وبناه بناء محكمًا.فالاعلان الرسمي الذي يُشرف على هذا التعليم، هو أنه يجب أن ((نصنع تلاميذ)) أن نتلمذ جميع الأمم. فالفعل ((ماتيتواين)) (صنع تلاميذ) يعطي الأمرَ بالرسالة طابعَه المميّز. وهذا الفعل يحمل معنى أقوى من فعل ((كرز، أعلن)) (كيريساين) الذي نجده في نصوص مشابهة (مر 13: 10؛ 14: 9؛ 16: 15؛ لو24: 47). فيسوع لا يطلب منا فقط أن نحمل التعليم،أن نقدّم التعليم، بل أن نحمل الناس إلى علاقة شخصيّة حميمة معه. ونموذجُ هذه العلاقة هو علاقة يسوع التاريخيّ مع تلاميذه الذين دعاهم. دعاهم لكي يتبعوه. أخذهم في مدرسته، وربطهم بشخصه برباط حميم (لا بواسطة التعليم أو تقليد أحد المدارس الرابينيّة). وهذا النموذج صار بعد اليوم القاعدة لكل مسيحيّ: ((فالتلميذ)) هو اسم كل مسيحيّ يتميّز بالتتلمذ ليسوع والسير وراءه.
أما مضمون حالة المسيحي هذه فيحدّده الفعلان التاليان: عمّد، علّم. إن العلاقة بين اسمي الفاعل هذين(معمّدين إياهم. معلّمين إياهم) هي موضوع جدال. هناك رأي أول يرى في ((ببتيزو)) التفسير المباشر والوحيد لفعل ((تلمذ)). وهكذا نصل إلى المعنى التالي: إن الدخول في حالة التلمذة يتمّ في المعموديّة. بعد ذلك يأتي التعليم حول الفرائض الأخلاقيّة. وهناك رأي آخر يرى في تسلسل أسمي الفاعل(معمّدين، معلّمين) أمرًا موضوعيًا: فالمعموديّة والتعليم يشكّلان حالة المسيحي. يكوّنان التلميذ. وهكذا يخضع الفعلان لفعل علّم ((ماتيتواين)). ففي الديداكيه أو تعليم الرسل، يأتي التسلسل في ترتيب معاكس: ((بعد أن تقولوا كل هذا، عمّدوا)) (7: 1).
غير أنه يجب أن نعتبر هذا التعليم كتعليم يهيّئ للمعمودية، كفقاهة سابقة للعماد. فلا سبب مبدأيًا يدعونا إلى القول بأن المعموديّة قد مُنحت بدون هذا التعليم في الكنيسة التي يتحدّث عنها متّى. فالمقابلة مع الديداكيه 7: 1 حيث نجد أيضًا عبارة العماد الثالوثيّة، يجعل هذه الفرضيّة الأخيرة غير معقولة.
أمّا في ما يتعلّق بالأمر بمنح العماد، فيلفت نظرنا التعبيرُ الثالوثيّ. لا نستطيع أن نشكّ أنه يجب أن نرى في عبارة ((باسم الآب والابن والروح القدس)) عبارة عماديّة. أما البرهان على ذلك فالمدلول الأول لـ ((باسم)) (إيس تو اونوما). فالعبارة تعني أولاً كما في العبارات العماديّة القديمة ((باسم يسوع)): بالدعاء باسم (يسوع، الله، الآب والابن والروح القدس). وهناك برهان ثان على مستوى الاسلوب: ليس من تشديد خاص على الجملة ((باسم الآب والابن والروح القدس))، بل هناك تحديد لفعل ((عمّد)) الذي يرتبط بدوره بفعل ((علّم)). إن هذه الجملة تدلّ أولاً على أنه في زمن تدوين الانجيل،وفي الموضع الذي فيه دُوّن الانجيل الأول، كان العماد يُمارَس بهذا الشكل: باسم الآب والابن والروح القدس. بعد هذا، يجب أن نتساءل كيف نستطيع أن نفهم هذه العبارة التي تبدو ((غريبة)) وسط التقليد الانجيلي، في إطار مجمل كرازة العهد الجديد. نكتفي هنا بالإشارة إلى جواب على هذا السؤال. 
لفت الشرّاح مرارًا انتباهنا إلى تمتمات تعابير ثالوثيّة نجدها بشكل خاص في رسائل القديس بولس. فإذا قابلنا هذا التعبير (باسم الآب والابن والروح القدس) مع هذه النصوص، فهو يتفوّق عليها على المستوى النظري والدقيق، في الإطار اللاهوتيّ. ولكن يبدو أنه من الأهميّة بمكان أن نتطلّع إلى الواقع الذي تشير إليه هذه العبارة والذي نجده أيضًا في الأناجيل الازائيّة: العلاقة الوثيقة لحياة يسوع وعمله مع الآب في الروح القدس. ونرى صورة عن ذلك في هذه المقاطع الموازية التي فيها تُنسب إلى الآب والروح القدس ((الوظيفة)) عينها. ((ولكن إن كنت أنا بإصبع الله (أي بقدرة الله. هو لا يحتاج أن يحرّك يده، بل يكتفي بإصبعه. يشير بإصبعه) أطرد الشياطين، فهذا يعني أن ملكوت الله قد جاء إليكم)) (لو 11: 20). ((إن كنت بروح الله أطرد الشياطين)) (مت 12: 28). فما يمكن أن نفهمه في مت 28: 19ب على أنه استباق لاحق لعبارة ايمان ثالوثيّ في المعنى الجامد، يجب أن يُنظر إليه من زاوية التقليد الإزائيّ كدمج ديناميكيّ لطرق العمل: فحياة يسوع وعمله هما عمل وحياة الآب في الابن. ونحن نجد العلاقة الديناميكيّة عينها في رسائل بولس الرسول، وهي علاقة لا تستبعد التوسّع العقائديّ اللاحق، بل تهيّئه. إذن، نستطيع القول إن آ 19ب تمثّل شرحًا أعطي بشكل شميلة حسب الايمان وبفعل الالهام لعمل يسوع حسب التقليد الازائيّ. وهذا ما نجده بشكل مماثل وإن بتعابير مختلفة في انجيل يوحنا.
والأمر الثاني الذي أعطاه يسوع في تعليمه هو: علّموهم. فعلى الرسل أن يعلّموا كما علّم يسوع نفسه: فقد حدّثنا انجيل متّى بشكل خاص عن يسوع على أنه المعلّم. ((ليس لكم سوى معلّم واحد، وكلّكم إخوة)) (مت 23: 8).والتشديد على ((تعليم، علّم)) يميّز انجيل متّى ويقابل المنظار الذي جعله أمامه حين قدّم لنا الخطب الخمسة التي تبدو بشكل تلخيص لكل ما علّمه يسوع. هنا نتذكّر كيف جلس يسوع لكي يعلّم، وكيف تنظّمت المتتاليات التعليميّة التي انتهت كلها بجملة مقولبة (ولما فرغ يسوع من خطابه، 7: 28.ولما فرغ يسوع من وصيّته، 11: 1؛ رج 13: 53؛ 19: 1؛ 26: 1). وكيف أن التعليم(والخطب) يُشرف على الأخبار . وكيف أن مت جعل السرد تعليمًا أكثر منه خبرًا مشوّقًا كما في مرقس مثلاً.
أما فعل ((علّم)) فيشير إلى تبديل عميق. تحدّث مرقس عن ((الانجيل)) (اونجليون) في المطلق. هذا الانجيل الذي يُعلن. أما مت فتحدّث عن ((إنجيل الملكوت)) (رج 4: 23؛ 9: 35؛ 24: 14).وهذا الانجيل يجب أن يعلَّم. إنه موضوع الفقاهة وتكوين المرتدّين وتعليم الجماعة. والناس الذين اجتذبهم فتعمّدوا، يجب أن يتثبّتوا في تعليم الحياة الابديّة، ويتدرّجوا في ممارسة إرادة الله ممارسة عمليّة، كما في الاقتداء بيسوع.
وقال يسوع: على التلاميذ أن ((يحفظوا جميع ما أوصيتكم به)). إن فعلَي ((حفظ)) (تيراين) و((أوصى)) (انتلستاي) يشدّدان على إرادة الله السامية تجاه التلاميذ، على سلطة يسوع الذي يفرض شرائع ووصايا بالنظر إلي كرامته كالرب. كل هذا قد عبّر عنه انجيل متّى في عظة الجبل ولا سيّما في النقائض (قيل لكم... أما أنا قأقول لكم). إن العهد القديم بشكل عام، وسفر التثنية بشكل خاص، يستعملان ذات العبارات ليدلاّ على مشيئة الله في متطلّباتها تجاه شعب العهد. غير أن التوازي نفسه يدعونا إلى أن لا نحصر وصايا يسوع وحفظها داخل تعليمات أخلاقيّة وفرائض أدبية. فكل تعليم يسوع مطبوع بطابع المتطلّبات الحياتيّة. ففي عظة الجبل، لا نستطيع أن نميّز الكرازة عن الوصيّة . فكلتاهما تندمجان في وحدة كاملة: إن كرازة يسوع في التطويبات مثلاً (5: 3-11) هي في الوقت عينه دليل لحياة التلميذ. ومقابل هذا، ففريضة خاصة كتلك التي تدعونا إلى أن نغفر، هي في الوقت عينه كرازة عن الله الذي يغفر لنا زلاتنا (6: 14-15). فكل الانجيل هو في حدّ ذاته، وبطابعه العميق وبمضمونه الواسع، تعليم حياة من أجل التلاميذ. وتعليم الحياة هذا يجب أن يعلَّم كله. فلا نميّز بين تعليم وتعليم، ونختار بين تعليم وتعليم. نعلّمه دون أن نخفّف من طابعه المطلق. أما العنصران اللذان اجتمعا، عمل العماد الأساسيّ، والانجيل الذي يتجسّد في الحياة، فهما يشكّلان ما يدلّ عليه فعل ((ماتيتواين)) (تلمذ، صنع تلاميذ).
إن تحقيق هذه الوصيّة يجب أن يكون شاملاً بالمعنى الحصري للكلمة. يجب أن يعمّ الكون كله. هذا لا يعني أن ((الخليقة كلها)) (باسا هي كتيسيس، مر 16: 15)، أن جميع البشر سوف يتقبّلون تعليم الخلاص. بل يجب أن ((نصنع تلاميذ)) من جميع الأمم. هذه العبارة البيبليّة تحيلنا من جديد إلى العهد القديم. فجميع الأمم قد دخلت مبدأيًا في الوعد الذي أعطاه الله لابراهيم. وحسب تعليم الأنبياء، يجب على جميع الأمم أن تتقبّل الخلاص الاسكاتولوجيّ مثل اسرائيل نفسه. وهذه الشموليّة الأساسيّة في العهد القديم ترتبط بشرط يقول إن الأمم تنال الخلاص بواسطة اسرائيل وبعد اسرائيل (دَعي البنين أولاً يأكلون) . وهذا الشرط الذي يوافق تدبير الخلاص الالهيّ، لم يُلغ ولم يُستبَعد. فإذا كان الانجيل يستطيع أن يعبّر عن هذا التعليم، فلأن الوعد الذي أعطي لابراهيم، ونبوءات العهد القديم، قد وصلت إلى تمامها. فلأن الخلاص الذي يصل إلى الأمم بواسطة اسرائيل، هو حاضر الآن. وهذا التعليم يترجم التتمة الاسكاتولوجيّة بشكل نهائيّ لا عودة عنه.
ولفظة ((سلطان)) التي نقرأها في آ 18 ب، تدلّ على أن الأمر هو كذلك، وأن هذا ما يؤكّده الايمان. فبحسب هذه اللفظة، يسوع المسيح قد دخل كالرب في سيادة اسكاتولوجيّة مسكونيّة تمتدّ امتداد العالم كله وتصل إلى جميع الأمم التي تنتمي منذ الآن إلى عالم يسود عليه الرب القائم من الموت. وتحقيقُ هذه السيادة على الأرض قد بدأ في مجموعة التلاميذ الذين يشكّلون اسرائيل الحقيقيّ، فينفّذون مواعيد الله الشاملة بالنسبة إلى الأمم. إذن، يجب أن يُرسل التلاميذ إلى جميع الأمم. وإن لم يكن الأمر كذلك، أو إذا كانت الحواجز ستعارض هذا الامتداد في الكون، فهذا يعني أن يسوع المسيح ليس حقًا كيريوس، ليس الرب الذي يسيطر على السماء والأرض.
ج - الوعد (آ 20ب)
يستعيد هذا القسم الثالث أيضًا فكرة معروفة في العهد القديم: ((أنا معكم على الدوام)). فقد أكّد يهوه مرات عديدة على حضوره بجانب المؤمنين، بجانب الأنبياء، بجانب الشعب كله، بعبارات مماثلة. نحن هنا أمام حالات من العون الناشط والرحيم والخلاصي الذي يقدّمه الله في المحن الخارجيّة أو في ضيق داخليّ هو ضيق الايمان. وقد وعد الربُّ شعبه دومًا بأن يكون معه وبأنه لا يتركه وحده. ويؤكّد ((كيريوس)) التأكيد عينه لتلاميذه: ((ها أنا معكم)). ولسنا هنا فقط مع الأحد عشر الذين يقفون على جبل الجليل. فالنظر يمتدّ إلى كل شعب الله، إلى جميع الذين سيكونون تلاميذ يسوع، يتتلمذون له. فالأفق واسع، والنظر يضمّ المكان والزمان دون أن يحدّه شيء. وتدوين النصّ لا يسعى فقط إلى أن يبيّن أن الرب (كيريوس) حاضر وسط شعبه كسرّه الباطني وواقعه الصوفيّ، بل هو يقول لنا أيضًا إن الرب هو في كل الأزمنة والظروف بجانب شعبه لكي يعينه ويعزّيه ويشجّعه، لكي يحضّه ويناديه، أن الرب يرافق عمل مرسليه.
((حتى نهاية العالم)). إلى انقضاء الدهر. هكذا يكون الرب مع تلاميذه والمنادين بإنجيله. فهذا ((الدهر)) في امتداده الزمنيّ هو أيضًا خاضع لسيادة المسيح. فلا يستطيع أحد أن يعارض هذه السيادة أو يتغلّب عليها. ونفهم من خلال القيمة الزمنيّة للعبارة أن هذا الدهر لن يأتي إلى تمامه في مستقبل قريب. لا شكّ في أن انتظار المجيء (باروسيا) هو عنصر جوهري في زمن العهد الجديد، وقد تشرّب منه متّى فانطبع به. غير أن هذا الانتظار يصوَّر بأشكال مختلفة. هو قوّة قريبة تجتاح الكون. هو انتظار نستشفّه في مستقبل بعيد بالنظر إلى خبرة ممارستنا للانجيل، إلى كرازة تبدو صعبة وطويلة، إلى نموّ للزرع يبدو بطيئًا. مثلُ هذه الخبرات قد أثّرت كل التأثير على تدوين الانجيل الأول.

4 - تعليم الكنيسة
نحن نعرف عددًا من نصوص العهد الجديد (أو في الزمن البَعد الرسولي) تقدّم لنا شيئًا عن تنظيم الكنيسة في مجملها، أو تتضمَّن عناصر أو معلومات عن هذا التنظيم. فعبارة ((تنظيم الكنيسة)) تدلّ في المعنى الحصريّ على وجهة خارجيّة منظورة في كنيسة تكوّنت وترتّبت كما نراها في انجيل متّى. فتراتبيّة الخدم التي نشاهدها، وتنظيم الحياة العباديّة، ومشاكل حياة الجماعة، كل هذا جزء من هذه الكنيسة كما نراها. والنصّ الذي ندرسه الآن يتضمّن بعض عناصر من هذا التنظيم في الكنيسة: هناك تأسيس المعموديّة مع العبارة الثالوثيّة ((باسم الآب والابن والروح القدس)). فالمعموديّة كمؤسّسة تنتمي إلى بنية الكنيسة.غير أن المقطع الذي يتحدّث عن المعموديّة ليس جزءًا مستقلاً، بل عنصرًا مرتبطًا بما قبله وما بعده. إذن، نستطيع أن ننطلق من هنا لكي نشاهد في كل هذه المقطوعة ((تنظيم الكنيسة)) أو ((تنظيم الجماعة)). في الواقع، إن سياق النصّ يدلّ على نظرة خاصة إلى الكنيسة نجدها في نهاية انجيل متّى. وهكذا نصل إلى التعليم الحقيقيّ الذي يقدّمه هذا النص: فعناصر ((تنظيم الكنيسة)) قد أدرجت في موضوع أوسع هو صورة الكنيسة كما قدّمها انجيل متّى.
تظهر صورةُ الكنيسة هذه في الألفاظ. وتنكشف خصوصًا في لوحة التنظيم الاكليزيولوجيّ الذي نكتشفه من خلال الكلمات. وهذا يعني بالتفصيل أن المسيحي مدعوّ لكي يكون تلميذًا. هذا ما يحدّده. فبدون هذا الرباط الشخصيّ مع يسوع، ليس اليوم من معرفة حقيقيّة لله وطرق خلاصه، وليس من تتميم حقيقيّ لمشيئته. وما يكوّن جوهريًا حالة المسيحيّ هو العماد. هكذا يدلّ النصّ على البداية التي يفعلها الله، على أساس النعمة وسرّ الحياة المسيحيّة. وواجبُ المسيحيّ يقوم بأن يمارس وصايا يسوع، أي بأن يجعل التعليم الحياتيّ في الانجيل يمرّ في حياته الخاصّة. يصبح الانسان تلميذًا بالعماد. ويبقى تلميذًا بكل معنى الكلمة إذا مارس وصايا يسوع.وكما يجب على التلاميذ أن يعمّدوا، كذلك يجب عليهم أن يعطوا تعليم الحياة. فالوظيفتان قد سُلّمتا إلى الأحد عشر رسولاً. وستُسلّمان إلى الذين يأتون بعدهم حتى يصبح البشر من كل أمّة تلاميذ يسوع المسيح.
نستطيع أن نفهم هذا في معنى حرفيّ، كصورة لما يجب أن يكون المسيحيّ، تلميذ يسوع. عند ذاك لن يعود ((تصوّر التلميذ)) هو ((تصوّر الكنيسة)). ولكن التعليم يحيط به قولان كرستولوجيان، واحد حول السلطان وآخر حول الوعد. ولكليهما أهميّة كرستولوجيّة وأهميّة اكليزيولوجيّة أيضًا. أي إنهما أساسيان من أجل فهم الكنيسة. فبقدرة الرب في الكون، تأسّست مجموعة التلاميذ، شعب الله، وسُلّمت إليها مهمّة شاملة تمتدّ إلى جميع الأمم. فالكنيسة لا تحدّد موقعَها فقط في ما قبل الوعد، بل تحمل أيضًا في ذاتها كل سيادة يسوع وملء عظمته. وتعبّر الخاتمةُ عن الفكرة عينها. فالكنيسة تستطيع أن تكون متأكّدة من عون الرب الدائم في جميع الأزمنة وحتى نهاية الدهر. في هذه التأكيدات نجد التعبير عمّا يؤمن به المسيحيون ويعترفون. وهي كلها ذات طابع اكليزيولوجيّ. أي ترتبط بمفهوم الكنيسة.
هذه التأكيدات هي قبل كل شيء (وهنا نعود إلى نقطة الانطلاق) توسّعٌ وتفسير شرعيّ لأول ((نؤمن)) (قانون إيمان) عرفه العصر الرسوليّ الأول: يسوع هو كيريوس. هو الربّ. فإذا استطعنا أن نقول (في معنى من المعاني) أن العهد الجديد في كل أجزائه هو توسّع لهذا الاعتراف الايمانيّ الاولاني، وأن هذا الاعتراف هو المركز الذي إليه يستند العهد الجديد و((قاعدة الايمان)) التي هي مقياس داخليّ في الكنيسة، عندئذ ينطبق كل هذا أيضًا على هذا النصّ الذي ندرس. هنا نجد تثبيتًا لطرح عبّرنا عنه سابقًا وهو يعلن أن قول آ 18ب حول سلطان يسوع هو أساس كل ما يلي. وهذا القول حول سلطان يسوع ليس إلاّ تعبيرًا جديدًا يصل بالاعتراف الايماني في بداية الكنيسة، إلى بُعد مسكوني وإلى لاهوت نما ونضج. والرباط مع التعليم والوعد يعطي هذا الاعتراف الايماني قيمته الاكليزيولوجيّة الملموسة دون أن يتبدّل جوهره. فمن وجهة الكاتب، صار الاعتراف بالرب والاعتراف بالكنيسة اعترافًا واحدًا. ومن وجهة الربّ الممجّد الذي يتكلّم بروحه القدوس في الشهادة الرسوليّة، يجد عملُه الخلاصيّ الخاص حتى صعوده امتدادَه التام في عمل الكنيسة حتى مجيئه.
خاتمة عامة
وهكذا انتهت مسيرتنا في رفقة القديس متّى، في أربعة أجزاء، من بدايات الملكوت، إلى سرّ الملكوت، إلى الجماعة وملكوت الله، إلى تجلّي الملكوت. إنجيل غنيّ جدًا حاولنا أن نكتشف بعض غناه، وهو الذي كُتب أساسًا في مناخ يهودي، ثم توجّه إلى الأمم بعد أن تمّت القطيعة بين الكنيسة المسيحية والمجمع اليهودي. فالمحيط الذي دوّنه الانجيل الأول هو فلسطين وشرقي لبنان وسورية، حيث تواجدت جماعات مسيحية ويهودية. وضاع الناس. فمنهم من كان يمضي إلى المجمع كما إلى الكنيسة فلا يميّز المسيحية من الشيع والتيّارات اليهوديّة. لهذا عمد متّى إلى وضع حدّ لهذا الالتباس. فبيّن من هو يسوع. هو الوديع والمتواضع القلب. هو الذي جاء ليخدم لا ليُخدم. جاء ليبذل حياته عن الآخرين. أما العالم اليهودي فأجمله في شخص الكتبة والفريسيين الذين يقولون ولا يفعلون، الذين يحمّلون الناس أحمالاً ثقيلة، الذين يأكلون بيوت الأرامل...أجل، لا بدّ من الخيار. فمن ليس مع يسوع هو ضدّ يسوع. ومن لا يجمع مع يسوع، يفرّق. من لا يكون في جماعته، صار من الخارج، صار من أولئك الذين أغلقت عليهم أسرار الملكوت.
هذا الانجيل يتوجّه إلينا اليوم. سُمّي انجيل الكنيسة، انجيل الجماعة التي تلتئم باسم يسوع، بشكل خاص في يوم الأحد. وهو ما زال يطلب منا القرار الحاسم بالنسبة إلى المسيح. قيل لكم، أما أنا فأقول لكم. أصوات عديدة تحاول أن تغطّي صوت المسيح. فإلى أي صوت نصغي؟ نظريات عديدة تقدّم لنا. ولكن للمسيحي نظرته إلى العالم. إلى الإنسان، حيث أصغر الصغار هو صورة عن يسوع المسيح. وهناك طرق حياة نطلب فيها السلطان والمال واللذة، وننسى الذين هم حولنا، ننسى الإخوة الذين اعتمدنا مثلهم باسم الآب والابن والروح القدس. ولكن للمسيحي طريقًا واحدة هي طريق المسيح. ومنها تتفرّع سائر الطرق. تنطلق مواقفنا من كلام الربّ، وبنوره نسير في كل مجالات حياتنا. السعداء في انجيل متّى هم المساكين بالروح والودعاء، ومحبّو السلام والاتقياء القلوب. ذاك هو المثال الذي يقدّمه لنا الانجيل الأول. فهل لنا مثال آخر نقابله بهذا المثال الساميّ؟
انتهت مسيرتنا مع انجيل متّى. بل هي تبدأ الآن. فيا ليتنا نغوص في النص الانجيلي برفقة هذا التفسير أو غيره فنشابه ذاك الكاتب الحكيم الذي يُخرج من هذه الذخائر الانجيليّة كل قديم وجديد. يا ليتنا نطلب الدرّة الثمينة فنبيع كل شيء للحصول عليها! يا ليتنا نعرف انجيلنا كما نعرف أمورًا عديدة في العالم! يا ليتنا نجلس عند قدمي المعلّم، مثل التلاميذ الأولين، فنسمع منه كلمة الحياة! فهو ما زال يقول لنا ما قاله للتلاميذ: طوبى لعيونكم لأنها أبصرت، وطوبى لآذانكم لأنها سمعت كلمة الحياة. فهل نعرف سعادتنا؟